عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - كفاح محمود كريـم

صفحات: [1] 2
1
تركيا وإيران والدرس العراقي!
كفاح محمود

    طيلة أكثر من مائة عام ومنذ اتفاقية سايكس بيكو وما تلاها من تمزّيق لكثير من البلدان وتجزئتها لتأسيس كيانات سياسية على أنقاض حقوق مكوناتها، توالت على دفة الحكم في العديد من بلدان الشرق الأوسط وخاصةً (تركيا وإيران وسوريا والعراق) أنظمة سياسية عديدة ومختلفة عن بعضها في الأسماء والعناوين والتوجهات، وربما في آليات تسلق سلالم السلطة أو القفز إليها ببهلوانيات انقلابية، وبعيداً عن تفاصيل تلك الأحداث في كلّ من تركيا وإيران وسوريا وما جرى فيها خلال قرن من الزمان، نتناول بعض مجريات ما حصل في العراق كنموذج ودرس للدول الأخرى؛ فمنذ تأسيس مملكته وهو في دوامة عنف مع المكونات الأصغر، وغارق في حروب عبثية داخلية وخارجية حتى الكارثة الأخيرة التي دمرت البلاد وتسببت في وقوعه تحت الاحتلال، رغم أن الكثير ونحن منهم كنا متفائلين بإحداث تغيير نوعي في شكل النظام ومكنوناته ومؤسساته وطريقة تداول السلطة فيه، حيث بدأت مرحلة يفترض أنها ديمقراطية تستخدم التبادل السلمي للسلطة من خلال مؤسسات وآليات ديمقراطية، إلا أنها اصطدمت وخلال عقدين من الزمان بتحديات خطيرة وإرث ثقافي سياسي معقد للغاية، في مقدمته عدم تبلور مفهوم للمواطنة الجامعة وهيمنة مد ديني مذهبي قبلي مريع تسبب في انتشار الفساد وانحلال الدولة.
   لقد كان الجميع يتوقع إن تغييراً حاداً سيحصل بعد إزاحة الحكم الشمولي خاصةً فيما يتعلق بالمشكلة الأساسية ألا وهي القضية الكردية، لكن الغريب أن كلّ هذه الأنظمة اختلفت في كثير من الأمور، لكنها اتفقت جميعها على ذات الثقافة في التعامل مع كوردستان وقضيتها وإن اختلفت الأساليب والادّعاءات؛ فمنذ اندلاع ثورة أيلول الكردية عام 1961م، وحتى يومنا هذا، لم تختلف القوى المضادة في مواقفها وخطابها مع تلك الثورة ومخرجاتها، فقد استخدمت ذات المصطلحات والتوصيفات للحركة التحررية الكردية التي استخدمتها الأنظمة السابقة وإن اختلفت إيديولوجياً معها، ففي تقييمها لتلك الحركة تنعتها تارةً كونها انفصالية وتارةً أخرى انعزالية أو شعوبية أو عميلة للاستعمار والصهيونية، حتى أصبحت هذه الأوصاف والمصطلحات عاملاً مشتركاً بين جميع الأنظمة المتعاقبة على الحكم ليس في العراق وحده، بل في سوريا أيضاً حيث كانت تعتبر مواطنيها الكرد إلى قبل سنوات جالية أجنبية، وقامت سلطاتها بتجريد أكثر من ربع مليون مواطن كوردي سوري من وثائقهم الرسمية وإسقاط جنسيتهم واعتبارهم مقيمين أجانب، لا لشيء بل لأنهم من القومية الكردية فقط، وكذا الحال في إيران التي أدلجت العداء للكرد قومياً بصهرهم في القومية الفارسية وطائفياً بإبادتهم كونهم من السنة، وحدث ولا حرج عن النظام التركي وسلوكه الشوفيني الذي لا يُنافس عليه مع القضية الكردية ثقافياً وسياسيا.

   اليوم وبعد سنوات مريرة من الصراع الدموي والتضحيات الجسيمة، نجح الكرد في تطوير نظام الحكم الذاتي -الذي أقرّته اتفاقية 11 آذار 1970- إلى نظام فيدرالي تمّ اعتماده من جهة واحدة عام 1992م من قبل البرلمان الكردستاني الذي انبثق بعد انتخابات أجريت في المناطق المحررة إثر انتفاضة ربيع 1991م والتي اعتبرها قرار مجلس الأمن 688 ملاذاً آمناً.

   ورغم إن ثقافة عدم قبول هذا الواقع كانت وما تزال متكلسة لدى بعض الجهات السياسية وميليشياتها التي لا تُخفي عدائها في الأصل لوجود أي كيان كوردي بأي شكل من الأشكال، والذي اتضح جلياً في الاستفتاء الذي أجراه شعب كوردستان يوم 25 أيلول 2017م، حيث أماطت اللثام عن وجهها الذي لا يختلف عن الأنظمة السابقة في العراق والأنظمة الحالية في تركيا وإيران وسوريا، إلا أن الدستور الذي نجح الساسة العراقيون عرباً وكرداً وبقية المكونات في صياغته وتشريعه كفِل النظام الفيدرالي معترفاً بفيدرالية كوردستان بكافة مؤسساتها وتشريعاتها، جعل حل القضية الكردية في العراق تجربة نموذجية يُحتذى بها لحل تلك الإشكالية التي أنتجتها اتفاقية سايكس بيكو في كلّ من تركيا وإيران وسوريا.

   وخلاصة القول إن دوامة العنف والعنف المضاد في تركيا وإيران وسوريا لن تتوقف مهما طال الزمن وتنوعت الأسلحة ومستوياتها دونما حل حقيقي للقضية الكردية في هذه البلدان، ولعلَّ درس العراق هو الأكثر فائدة لها لاختصار الطريق الذي لو استمر ستبقى هذه الدول متخلفة غير مستقرة ينخر فيهما الصراع الدموي ويُسرع في انهيارها آجلاً أم عاجلاً.



2
المنبر الحر / متحجرات الادارة؟
« في: 12:46 12/11/2022  »
متحجرات الادارة؟

كفاح محمود

   في علم الاثار هناك ما يطلق عليه مصطلح المتحجرات  (Fossils) وهي بقايا كائنات حية عاشت في الماضي ثم ماتت وانطمرت بعوامل الطبيعة ومضى عليها آلاف او ربما ملايين السنين، حيث تتحول بتقادم الزمن في مكانها الى مواد حجرية او كلسية، ولا اعني هنا الخوض في موضوعة تلك المتحجرات إلا ما أقصده في تكلس أصحاب المناصب والإدارات في مكانها حتى وصلوا إلى مرحلة من التحجر السلطوي الذي حولهم إلى هياكل خشبية مزركشة على الطريقة الهندية، هؤلاء الموظفين السلطويين الذين أحالوا دوائرهم إلى مستنقعات آسنة بالفساد، وأصابوا بقية العاملين معهم أما بالإحباط أو الكسل أو الفساد من خلال التصاقهم بكراسي الإدارة.

  وتبدوا هذه الظاهرة من متحجرات الإدارة في البلدان المتخلفة سواء كانت غنية أو فقيرة، فهي تعاني من هذا المرض المستشري في مفاصل إداراتها والذي تحول إلى مشكلة آلاف المدراء العامين والوزراء ووكلائهم الذين التصقوا وتحجروا فوق كراسي أو مكاتب الإدارات التي تولوها منذ سنوات مملة وطويلة حتى يخال المرء أن تلك المؤسسات إنما ورثوها من ذويهم حالها حال أي من الأموال المنقولة وغير المنقولة؟
 
  هذا التحجر الإداري او السلطوي جعل أصحابه يتصرفون وكأن مديرياتهم أو وزاراتهم ضيعة مملوكة لهم، حيث يوهمون مرؤوسيهم بأنهم نعمة الله عليهم وأن لا بديل لهم، بل أن البديل هو خراب تلك الدوائر، وتتضح هذه الظاهرة في العراق ومعظم البلدان الشرق أوسطية، التي ينتاب فيها ذلك المسؤول شعور طاغ من النرجسية والتشبث بالموقع والشعور بالسلطنة، فقد أدمنت تلك الإدارات العامة والعليا وحتى الصغيرة منها مواقعها حتى أصبحت ممالك صغيرة ضمن الدولة، يتصرف فيها المدير أو المسؤول وكأنه وارث الدولة في تلك المؤسسة، وربما كان ذلك مبرراً في الأنظمة الشمولية التي لا تثق ببقاء أي مسؤول فترة طويلة في موقعه خوفا من تبلور أو تكلس مجاميع من الناس حوله ليؤسس شيئا يثير مخاوف النظام، الا ان ما يواجهنا اليوم في معظم الدول التي تغير هيكل نظامها فيما يسمى بالربيع العربي او كما حصل في العراق منذ عقدين هو مواصلة الالتصاق والتكلس على كراسي الإدارات، وبالذات ما دون كرسي الوزير او النائب، وما يترتب على ذلك من انتشار عنقودي للفساد المالي الذي طفح بشكل جعل هذه الأنظمة ومنها العراق في مستويات لا يحسد عليها تحت سقف الفساد، في ظل إدارات نافست المياه الراكدة في تعفنها وانتشار رائحتها التي تزكم الأنوف؟
 
   ويبقى السؤال المهم في عملية التغيير؛ هل ستنجح التظاهرات التشرينية او غيرها سواء في العراق او بقية بلدان الحبو الديمقراطي والطائفية المقيتة في إزاحة هذه المتحجرات الإدارية من دوائر الدولة وغيرها من المؤسسات التي يعشعش فيها وزراء ومدراء ومسؤولين كبار وصغار، نمت حولهم عناقيد من بكتيريا الفساد ومجاميع من الانتهازيين والوصوليين الذين مسخوا تلك المراكز وحولوها الى إمارات وملكيات شخصية وتسببوا في تأخير نهوض البلاد وتقدمها وإضاعة فرص ذهبية للانتقال إلى الضفاف الأخرى مع النخب الكفؤة والأصيلة على حساب الأكثرية من السكان؟

kmkinfo@gmail.com





3
حق تقرير المصير والارهاب المنظم

كفاح محمود

   مما لا شك فيه أن حق التقرير المصير حق طبيعي مثبت في العهود والاتفاقيات الدولية من الناحية النظرية، ويعني باللغة الانكليزية اصطلاحاً (self-determination) وتفسيره منح الشعب أو السكان المحليين إمكانية أن يقرروا شكل السلطة التي يريدونها وطريقة تحقيقها بشكل حرّ وبدون تدخل خارجي، ويُنسب هذا المصطلح إلى رئيس الولايات المتحدة الأميركية وودرو ويلسون مع أنه جرى قبله استخدام مصطلحات مشابهة،  حيث كان مبدأ حق تقرير المصير في جوهر اتفاقية فرساي التي وُقعت بعد الحرب العالمية الأولى، وأمر بإقامة دول قومية جديدة في أوروبا بدلاً من الإمبراطورية النمساوية المجرية والإمبراطورية الألمانية، وفيما بعد كان هذا المبدأ أساس المطالب المناهضة للاستعمار، بمعنى الدعوة إلى إلغاء السيطرة الأوروبية الاستعمارية على أفريقيا وآسيا.
  وبعيداً عن الخوض في تفاصيل التاريخ التي تسكن معظمها أبالسة المستعمرين الذين قسموا كعكة الأوطان فيما بينهم، وخاصة في الشرق الأوسط حينما مزقوا أوطان العرب والكورد وصنعوا ممالكاً على مقاساتهم وضموا أراضي كوردستان إلى تلك الكيانات في تركيا والعراق وسوريا وإيران، وحينما اعترضوا على ذلك قامت الدنيا ولم تقعد فاستخدموا كل الوسائل لقمع تلك الشعوب حيث يرهبونهم من تبعات مناداتهم في الاستقلال وما سيحصل من كوارث، حتى أن البعض منهم وخاصة (الحنون جدا) قال  بأنه مع حقنا في تقرير المصير وحتى مع الاستقلال، لكنه يخشى علينا من تركيا وإيران، وأننا سنكون دويلة محاصرة ستنهار حالها حال شقيقتها في كوردستان الشرقية، التي اغتالها التوافق السوفييتي الإيراني بصفقة غير طاهرة، بالضبط كما كان يرهبنا صدام حسين وحزبه والقذافي ولجانه الشعبية وبعث سوريا وأسده، من أن أي محاولة لإزالتهم من الحكم ستقوم القيامة، بل هدد صدام حسين بأنه سيحيل العراق إلى حفنة تراب إذا اخذوا الحكم منه، بهذه الثقافة والعقلية تعاملت معظم الأنظمة العنصرية والمحتلة لكوردستان في أجزائها الأربعة، مع طموحات شعب يتجاوز تعداده الأربعين مليون نسمة، يرفض الاستكانة ومحاولة إلغائه، ويصر على أن يمارس إنسانيته وحريته وخياراته الاجتماعية والثقافية والسياسية وبشكل حضاري، دونما الذهاب إلى خيارات أخرى لولا انه اضطر إزاء عمليات الإبادة، إلى الدفاع عن نفسه، كما حصل في معظم الثورات والانتفاضات عبر تاريخه.
    لقد تجاوزت تلك الحكومات في تعاملها مع الكوردستانيين حتى إسرائيل وجنوب أفريقيا في تعاملهما مع السكان الأصليين سواء الفلسطينيين أو الأفارقة، حيث استنسخت وببشاعة ثقافة الاستيطان وعملت على تطويق كوردستان بحزام ناري من مواطنين مستقدمين من مناطق اخرى لا يمتون أصلا للمنطقة أرضاً وتاريخاّ وشعباً بأي صلة، كما حصل في الحزام العربي بسوريا ومثيله في العراق حول كوردستان وبلداتها، والتي تبخرت في الساعات الأولى لسقوط تلك الأنظمة واستبشر المواطنون خيرا في استعادة حقوقهم وبلداتهم وقراهم، لكن الأحداث التي مرت بعد إسقاط نظام صدام حسين، أثبتت أن تلك العقلية متكلسة في كثير من مراكز القرار الجديدة حيث تم تكريس ذات السلوكيات التي مورست مع شعب كوردستان، حيث تم إقصائه وتهميشه بأساليب خبيثة، ربما أكثر إيلاماً مما حدث سابقاً، فقد تم محاصرة الإقليم وإشاعة الكراهية والحقد ضده وضد قياداته ورموزه، والعمل على شق صفوفه والعودة إلى سياسة تصنيع ما كان يسمى بـ (الجحوش) ، كما يسمونهم في كوردستان، وبدلاً من ميليشيات ومفارز شبه عسكرية تم تصنيع أحزاب كارتونية وشخصيات عميلة، ناهيك عن سرقة حصة الإقليم من الموازنة لخمس سنوات متتالية (2014- 2018) وقطع مرتبات الموظفين والبيشمركة وحصة الإقليم من الأدوية والوقود والقروض.
  لا نريد الخوض في تفاصيل المآسي التي سببتها حكومات العهد الديمقراطي، منذ أول حكومة بعد نيسان 2003 وحتى الأخيرة، فلم تتغير خارطة الطريق التي استخدمتها كل حكومات بغداد منذ قيام المملكة العراقية وحتى يومنا هذا، وما تحقق في كوردستان إنما أنجزه شعب كوردستان وفعالياته السياسية والاجتماعية بصموده أمام الحصار والتآمر والحرب التي شنتها منظمة الإرهاب الدولي داعش، أو تلك الهجمات التي تشنها الميليشيات الخارجة على القانون، منذ أكثر من سبع سنوات، والتي لا تختلف في مخرجاتها وأهدافها عن جرائم الأنفال والحرب الكيماوية والحصار الذي استخدم ضد الاقليم منذ سنوات، كل ذلك دفع الشعب الكوردستاني في 25 ايلول 2017م الى الإستفتاء بأسلوب مدني حضاري للتعبير عن رأيه فيما يتعرض له من شركائه المفترضين في الوطن، حيث أعلن 93% منه موافقته على الإستقلال.
  وبدلاً من التعامل الحضاري مع قيادة الاقليم حول نتائج الإستفتاء كما فعلت بريطانيا مع سكوتلاندا، وذلك بإجراء حوار مستفيض إما لحل كل الاشكاليات التي كانت سبب الإستفتاء والذهاب الى عدم تنفيذ نتائجه، أو تطوير النظام الفيدرالي بشكل أوسع، إلا أن الطرف الآخر رفض أيّ حوار بالمطلق واختار الحسم العسكري ففرض الحصار ومنع الطيران وأغلق الحدود وشن حرباً بالتعاون مع إيران وخبرائها العسكريين على الإقليم في ثلاثة معارك مفصلية كانت تستهدف فيها العاصمة أربيل لإسقاط الشرعية والكيان السياسي للإقليم، ورغم فشل كل تلك المحاولات ومرور خمس سنوات على إجراء الاستفتاء فإن الظروف التي أدت إلى قيامه ما تزال كما هي بل ربما أصبحت أسوء مع تغول وتنمر الميليشيات والجماعات المسلحة الخارجة على القانون والمدعومة خارجيا والتي تستهدف الاقليم بكافة أسلحتها في محاولة منها لإيقاف عجلة التقدم والازدهار التي فضحت فسادهم وفشلهم في إدارة الدولة.

kmkinfo@gmail.com


4
الحكم بين السلطة والمعارضة

كفاح محمود
 
    تحدد النظريات السياسية نوع الحكم السائد في الدول بين شمولي وفردي (دكتاتوري) وديمقراطي، ناهيك عن طبيعة الحكم بين جمهوري وملكي وثيوقراطي، وفي كل الانواع هناك تفرعات وتوصيفات وربما نظريات وقوانين تدعم كل منها وتمنحها شرعية الدستور الذي فرضته على تلك الدولة ونظامها السياسي، وفي بحثنا هنا لن نتطرق الى تلك التفاصيل التي غدت من المفاهيم السائدة والمعروفة خاصة في بلداننا التي ادمن الاهالي فيها السياسة بعيدا عن كونها مهنة كباقي المهن حيث ترى الغالبية من الأهالي ومن كل الشرائح منهمكة في الحديث والتحليل والتمحيص في قضايا السياسة، ولذلك سنتعرض لمسألة غاية في الأهمية خاصة في البلدان ذات التجارب الديمقراطية الحديثة التي يتم استنساخها على الطريقة الغربية بعيداً عن واقع وظروف مجتمعاتنا التي تختلف في العديد من مظاهر الحياة وممارساتها وتراكم عاداتها وتقاليدها التي أصبحت جزءاً من شخصيتها كمجموعة وكفرد.
  هذه المسألة تتعلق بالسلطة وكيفيتها بعيداً عن نوعها كما ذكرنا في مدخل مقالنا هذا، حيث السؤال الأهم في ماهية السلطة هدفاً أم وسيلة لتطبيق برنامج يتعلق بالحاكمين سواء كان فردياً أو شمولياً أو ديمقراطياً ومدى علاقته بالأهالي من السكان واستحقاقاتهم المواطنية في الحقوق والواجبات، وإزاء ذلك هل يمكن أن يعترض البعض على كيفية التطبيق وحيثياته فيما يتعلق بالوطن والمواطن، وهذا يقودنا الى فكرة المعارضة الوطنية وتبلورها سواء على شكل أشخاص مستقلين أو أحزاب ومنظمات مجتمع مدني.
  هذه المعارضة التي لم تتبلور بعد في كثير من البلدان حديثي التجربة الديمقراطية حيث  تم تقزيم مفهوم المواطنة وحصره بالولاء للفرد الحاكم أو للحزب المتفرد وبذلك واجهت تلك الأنظمة الجديدة إرثاً متراكماً من حب التسلط والانتقام بما يُغيب المواطنة المنتجة لمعارضة وطنية.
  من المعلوم أن أولى دوافع ظهور المعارضة يكمن في حدوث التناقض بين الحاكمين والمحكومين، أو بين الفائزين بالسلطة وبين الخاسرين، مما يدفع مجموعات تتفق فيما بينها على منظومة عمل يطرح بدائل للمشروع الحكومي أو البرلماني يتضمن اتجاهات ومقترحات إصلاحية لما يظنوه هدماً سياسياً واجتماعياً، وهكذا ممارسة تصطدم دائما بموروثات سياسية وقبلية او اجتماعية لا تمتلك إرثا ولا منظومة تربوية في السلوك الديمقراطي الذي يعتمد أساساً على قبول الآخر مهما كان مختلفاً في الرأي أو في الحجم.
  وفن المعارضة وثقافتها يقوم في الأساس على فكرة المواطنة وقبول الآخر المختلف كما أسلفنا، وهي بالتالي ضرورة رقابية وتنافس من أجل الوطن وليس من أجل اقتسامه، وهي الأخرى تتصف بتعدد أشكالها ووسائلها ومكان تواجدها وأسلوبها في التعبير عنها، وهنا يقول الاستاذ خيري منصور:
  "منها ما يولد في المنفى وما يرتهن لإرادات دولية كما ان منها ما هو اصيل ولا يخرج عن الثابت الوطني، لكن ما شهده العالم العربي في خريفه السياسي الذي ارتدى قناعاً اخضر اً من معارضات كان وما يزال يراوح بين ما هو راديكالي ويطرح شعارات تعجيزية وما هو واقعي وقابل لأن يترجم ميدانيا، والفيصل في الحالتين هو الدور الخارجي في تغذية وتسليح المعارضة الحالمة بالسلطة حتى لو كان ذلك على خازوق او على دبابة عدو"
  وواضح جدا هذا التعريف وتطبيقاته في الساحة العراقية والسورية والليبية ومدى تأثير العامل الخارجي الذي يهيمن على اتجاهات البوصلة السياسية سواء كانت في السلطة او ما يسمى بالمعترضين عليها الذين يصرون هم ايضا على اعتلاء كراسي السلطة بأي ثمن كان، ولذلك ستبقى فكرة المعارضة مجرد حديث نظري لا يمكن تطبيقه واقعا لأن ثقافة المواطنة ما تزال تتأرجح بين الانتماء للوطن والولاء الجزئي، وفي كلتا الحالتين تبقى السلطة متفردة حتى فيما يسمى بالديمقراطية مالم تتطور وترتقي ثقافة المواطنة والولاء الوطني الجامع المشترك للجميع.

5
الشرق الأوسط والتجارب الديمقراطية العرجاء!
كفاح محمود
   ثلاث تجارب للتطبيقات الديمقراطية على الطريقة الغربية تم استنساخها في ثلاث دول من دول الشرق الأوسط بداية ووسط القرن الماضي، وفي مقدمتها ديمقراطية أتاتورك في تركيا بعد اضمحلال الإمبراطورية العثمانية الشمولية وانحسار الحكم التركي في آسيا الصغرى بإعلان الجمهورية التركية التي اعتمدت العلمانية أساساً لتجربتها في الديمقراطية، تلتها بعد ذلك وفي عام 1943 التجربة اللبنانية التي وضعت لبناتها الأولى الدولة الفرنسية، وما لبث بعدها بسنوات قليلة إعلان دولة إسرائيل ومعها تجربتها الديمقراطية على الطريقة الأوروبية، وفي التجارب الثلاث واجه المشرعون والمفكرون السياسيون تحديات كبيرة في عملية التطبيق، وخاصة ما يتعلق بمواجهة البنية الاجتماعية ومكوناتها والولاء الديني والمذهبي والعرقي المتشدد الذي أعاق تقدم ونجاح ذلك النظام رغم بعض النجاحات التي تحققت على المستويين الاجتماعي والسياسي، لكنها بقيت تصطدم بجدران الانتماءات العابرة للمواطنة الجامعة، بما جعل برلماناتها لا تمتلك تلك المصداقية في تمثيل المواطنة الحقة، وبقيت مجالس تمثيلية للأحزاب واتجاهاتها حصرياً.
   في التجربة الأولى، ورغم القوانين الصارمة التي أصدرها أتاتورك في حينها لصناعة شخصية وطنية فوق الانتماءات الثانوية كما كان يتصور، محاولاً إذابة مكونات رئيسة تكاد أن تتجاوز في تعدادها النصف من سكان جمهوريته في بوتقة عنصر واحد هو العنصر التركي، مانعاً أي استخدام لثقافات أخرى، لغة وتقاليد وفلكلور، وصل إلى حد منع استخدام قبعات معينة تعكس فولكلورا مغايراً، فشل في قمع الكرد والأرمن، وتسببت سياسته باقتراف مجازر وحروب إبادة، ومن ثم استمرار الانتفاضات وأعمال المقاومة لسياسته حتى يومنا هذا بما منع طموح تركيا في دخول النادي الأوروبي ومعاييره.
   وفي الثانية، ورغم بعض النجاحات اللبنانية هنا وهناك، إلا أنّ الأساس الخاطئ الذي بنيت عليه التجربة الديمقراطية انتهى بلبنان إلى الحال الذي يعيشه اليوم من تشرذم وتسلط قوى طائفية مرتبطة بمشاريع إقليمية لا علاقة لها بالمطلق بلبنان وشعبه، مما جعل مجلس نوابه وسلطته التنفيذية سلطات طوائف وبيوتات لا تمت بأي صلة لمفهوم البرلمانات وتعريفها الديمقراطي، وكذا الحال في الثالثة بعد اعلان دولة إسرائيل التي ادعت أنها واحة للديمقراطية في الشرق الأوسط لكن ما يحصل فيها من صراعات على مدار الساعة وليس الأيام ومنذ إعلان تأسيسها يؤكد عكس ما تدعيه وما يذهب إليه البعض في اعتبارها دولة ديمقراطية على النمط الأوروبي.
   خلاصة القول، إن التجارب الثلاث وما تلاها في كل من إيران الشاه ومصر ومن ثم الديمقراطيات المستنسخة في العراق وتونس وليبيا والسودان، اصطدمت جميعها بحقائق تؤكد أن النمط الأوروبي لا يمكن تطبيقه في مجتمعات لم يتبلور فيها مفهوم حر جامع للمواطنة وما تزال تعاني من تعدد الولاءات القبلية والطائفية والدينية وحتى المناطقية، ناهيك عن التبلور العرقي والقومي الذي لم يرتقِ بعد إلى مستوى المواطنة الجامعة لكل هذه الانتماءات، وهو بالتالي، أي النمط الأوروبي، يصلح في مجتمعات تجاوزت ظروفها التاريخية منذ زمن طويل وتطبيقها في مجتمعاتنا يعطي نتائج عكسية تماماً، وهذا ما يحصل فعلاً، وخير نموذج في ذلك ومنذ قرابة العقدين في العراق، حيث فشلت كل قواه السياسية وحتى الاجتماعية من إنتاج برلمان يمثل الشعب العراقي تحت مظلة مفهوم المواطنة، بل حصل العكس تماماً، إذ تحول البرلمان إلى مجلس للأحزاب التي لا تمثل إلا نسبة ضئيلة من مجموع الأهالي الذين يرفض غالبيتهم حتى فكرة الاقتراع.
   في المقابل، نجحت بعض دول المنطقة في إنتاج مجالس للشورى هي الأقرب إلى سيكولوجية مجتمعاتها وثقافاتها المتأصلة، سواء في التقاليد والعادات أو في مسألة تعدد الولاءات، بحيث منحت فرصة الانتخاب وبنسب محدودة وشروط ملزمة إزاء نسبة أخرى في الاختيار والتعيين على خلفية البناء الاجتماعي المتوارث والقيمة المعرفية والمكانة الاجتماعية والاستشارية للأعضاء المختارين، وهي الأقرب إلى فكرة مجالس الأعيان والشيوخ واللوردات في بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وغيرها من الدول التي تضع بعض الكوابح في مجالسها التشريعية لكي لا تتغول أو تتسيد، وإن اختلفت عملية الاختيار.
   ولذلك نرى أن الناتج الانتخابي في معظم دولنا لا يعبر حقيقة عن الصورة الأصلية لواقع مجتمعاتنا بسبب الخلل الكبير في الناخب والمنتخب، مما يتطلب إجراءات جدية للارتقاء بمستوى الاثنين من الناحية النوعية تؤهلهم كمرشحين وكناخبين بمستوى تمثيلي رفيع، وفي مقدمة تلك الإجراءات ضرورة إيجاد ضوابط مشددة للناخبين، بدءاً من رفع سقف العمر إلى 25 سنة مع شرط إكمال الدراسة الثانوية على الأقل، ناهيك عن مجموعة ضوابط أخرى تجعل عملية الانتخاب بمستوى شروط الترشيح ومميزاته، مما سيشجع الناخبين على ضرورة التعلم لممارسة حق ليس رخيصاً أو سهلاً، بل يحتاج إلى جهد ومميزات تؤهله للقيام به، وفي ذات الوقت يبدو أن رفع سقف العمر للمرشح أيضاً بات ضرورياً مع التشديد على مسألة المؤهلات العلمية والمعرفية وضوابط اجتماعية وأخلاقية أخرى تؤهله للجلوس على كرسي البرلمان ممثلاً للشعب لا لحزب أو عشيرة أو دين أو مذهب أو عرق فقط.
kmkinfo@gmail.com

6
دولنا بين الحكم والحوكمة؟

كفاح محمود


   في معظم الدول ذات النظم الشمولية، بحزب واحد او قائد أوحد، تتكثف   اضواء التوصيفات في وسائل الدعاية والاعلام والتوجيه على (المنقذ والمخلص والمحرر ورمز الامة والقائد الضرورة والزعيم الأوحد) وهو دائما الحاكم المطلق باسم الشعب أو الرب أو الامة، مستبعدة او مهملة  جوانب او عناصر أخرى في تركيبة النظام، هي الاساس في صناعة التفرد والاستبداد، ويبدو ذلك واضحا وجليا في معظم دول الشرق الاوسط، حيث شماعة الدكتاتور العملاقة التي تتحمل اوزار كل ما يحصل في تلك المجتمعات، وكأنما منظومة الحكم وملحقاتها وثقافتها الاجتماعية والسياسية التي تتحكم في كل مفاصل المجتمع والاقتصاد بريئة مما يفعله الدكتاتور، وبذلك تجري عملية تقزيم لمأساة تمتد لعشرات أو مئات السنين وتكثيفها في فرد بذاته، هو في الاصل نتاج نظام بدوي قبلي في الفكر والسلوك، حتى لكأنك تشعر وأنت تقرأ التاريخ الغابر، ما زلتَ تعيش في أجواء وفضاءات خلفاء بني أمية والعباس وحتى ورثتهم من بني عثمان؟
    في دمشق وبيروت كما في بغداد قبلهما، وما يحصل اليوم من صراع دموي عنيف في اليمن وليبيا، ليس كما تسوق له بعض وسائل الإعلام من انه صراع بين الزعماء وبين الشعوب، بل هو صراع بين الشعوب ومنظومة الدكتاتوريات الفردية والاجتماعية ونظمها الفكرية والثقافية والمذهبية، التي كثفت كل مساوئ التاريخ في السلطة التي استقطبت حولها شتى مظاهر التسلط الاجتماعي والقبلي والديني المتطرف والفردية والنرجسية وإلغاء الآخر وتكميم الأفواه وإشاعة العبودية، وسخرت لأجل ذلك كل ما على الأرض وباطنها من كفاءات واموال وثروات وقوة وسلاح، حتى غدت إمبراطوريات بوليسية تحكمها مجاميع من انصاف المثقفين ومدعي الخبرة والمعرفة وافواج من الانتهازيين والوصوليين.
    لقد شهدنا سقوط هيكل نظام صدام حسين، لكننا لم نشهد سقوط منظومة الانتهازيين والفاسدين التي سرعان ما كيفت وضعها مع المستجدات الادارية الجديدة بعد السقوط مباشرة، حتى تغولت واصبحت تمتلك وتهيمن على مفاتيح الثروة والحكم في البلاد وعلى كل المستويات الحكومية والبرلمانية والفعاليات السياسية، بل وغدت ظاهرة اجتماعية تتكثف في مفاصل مكونات المجتمع القبلية والعشائرية والدينية، وبدلا من دكتاتور واحد اصبح لدينا العشرات الذين تطوف حولهم حلقات الانتهازيين والوصوليين واللصوص والطبقات الرثة التي اعادت تدويرها لتبدأ مرحلة جديدة من الفساد والافساد ليس في العراق وحده بل في سوريا ايضا التي تعوث في الارض فسادا، فصائلا وميليشيات ومرتزقة،  حيث أدرك السوريون بكل انتماءاتهم ومكوناتهم ان المشكلة ليست بشخص رئيس النظام فقط، بل في المنظومات الثقافية والسلوكية التي أنتجها النظام السياسي منذ عشرات السنين من الحكم المطلق، واصبحت سلسلة حلقاتها متصلة ببعض وبرأس النظام وتنظيمه ومؤسساته، وهي مجاميع كبيرة من اللصوص والقتلة والانتهازيين ونكرات المجتمع.
   حقا لقد أسقطت مجموعة انظمة في منطقتنا، وبصرف النظر عن الكيفية والالية التي أسقطت فيها هياكلها، فان سقوط صدام حسين لم يكن على أيدي الأمريكان وقواتهم  فحسب، بل حصل ذلك الانهيار قبل سنوات طويلة من التهريء، يوم قرر إهانة شعبه وقتله، سواء في كوردستان أو في الأهوار أو في الرمادي أو مع جناح من أجنحة حزبه، وكذا الحال في سوريا واليمن وليبيا ولبنان وإيران فقد سقطوا تماما في ذاكرة شعوبهم قبل أن تسقط هياكل انظمتهم ورموزها.
   إننا اليوم بأمس الحاجة إلى حوكمة قبل حاجتنا الى حكومة، وإلى عدالة ومعرفة أكثر من حاجتنا الى استنساخ تجارب شعوب اخرى لتصنيع نظام سياسي هجين وعملية تداول تمثيلي للسلطة!.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الحوكمة أو الحكمانية: هي تدعيم مراقبة نشاط المؤسسة او الحكومة ومتابعة مستوى أداء القائمين عليها، وهي مصطلح جديد في العربية وُضِع في مقابل اللفظ الإنجليزي (governance)، وهي ايضا الحكم إلى أفضل الأشياء بأفضل العلوم.

kmkinfo@gmail.com


7
شماعة اسرائيل وشيطنة السلطة!

كفاح محمود

   يقولون أن الشياطين تسكن في التفاصيل، وقد أثبتت أحداث بدايات القرن الماضي أن تلك الشياطين صنعت مجموعة إشكاليات في قلب الشرق الأوسط على أنقاض الدولة العثمانية، لتتركها للاستثمار في المستقبل لا لسواد عيون شعوب المنطقة، بل لمصالح اقتصادية وسياسية طويلة الأمد ترتزق منها تلك الشياطين وسدنة ممالكها ودولها من حروب وصراعات أشار اليها أحد الدبلوماسيين الأمريكيين في حفل توقيع اتفاقية لوزان 1923م حينما قال للموقعين أنكم توقعون على بحور من الدماء بين شعوب هذه الكيانات والدول!
   تلك الإتفاقية التي أنتجت ممالك وإمارات وجمهوريات وملوك وأمراء ورؤساء قادة ليس لهم مثيل إلا في صفائح بريطانيا وشركائها الذين يكتنزون أسرار العالم وحكوماته، وفي خضم صناعة تلك الدول تم إدغام فلسطين وكردستان في كيانات سياسية مصنعة من ركام المؤامرات والمصالح الدولية، لتفرض واقعا في فلسطين تحول فيما بعد مصنع لإنتاج  حروب التحرير التي شنتها الأنظمة السياسية حفاظا على بقائها في السلطة المحمية بأجهزة الدعاية ووسائل الاعلام وأئمة المنابر وما فعلته بملايين البشر بتخديرها وتسطيح عقولها بالإثارة والتهييج والعبث بمفاتيح الغرائز وتسييس الأديان وإشاعة فكرة الجهاد لمقاتلة الكفار، وإلغاء العقل والحكمة في حل الإشكال، كل ذلك لا لشيء إلا لأبعاد طوابير الجياع والمحرومين وإلغاء الآخرين وقمع المعارضين واحتكار المال والسياسة والدين، وكذا الحال في كردستان التي قسموها على أربعة كيانات، حاولت تلك الدول إذابة شعبها في كياناتها القومية تعريباً وتتريكاً وتفريساً، وكما لملموا اليهود من كل اصقاع الدنيا فعلت تلك الكيانات في كردستان تارة بحرب إبادة وأخرى بتهجير وثالثة بإذابتهم في قومية تلك البلدان.
    واليوم وبعد أكثر من سبعين عاما على ضياع فلسطين التي ما تزال راقصة بلا جسد، تنتهكها المزايدات وأعراف الملالي وسلاطين الظلام وعقود من تهميش العقل واغتيال الحكمة والحكماء ومسخ المواطنة واعتماد العواطف والغرائز ونوازع الشر والحرب لإدامة كرسي الحكم، اليوم وبعد ما يقرب من أربعين عاما على توقيع اتفاقيات السلام والإعتراف المتبادل بينها وبين كل من مصر والأردن وفلسطين وانتشار سفاراتها وقنصلياتها من موريتانيا حتى المنامة، وامتداد مصالحها التجارية والسياحية والصناعية والإستخبارية من الرباط إلى طرابلس الغرب وتونس وصولا إلى سوريا ولبنان والخليج، وجولات حزب الله وحماس وفتح وبقية المنظمات المكوكية معها في تل أبيب أو على الحدود سواء للمصالح الحياتية للسكان أو لمستقبل الوطن الذي تأخر قيامه بمزايدات الإعلام البائس وخطاب المزايدات وعنترياته الفارغة، ورغم ذلك ما تزال شماعة إسرئيل أهم أسلحة الدول الراديكالية والأحزاب الشمولية في الشعارات والمزايدات الساذجة والبلهاء عن العلاقات مع إسرائيل التي أصبحت تهمة بائسة لكل من يفضح نظامهم المتخلف وعقليتهم الجوفاء التي أوصلت شعوبهم إلى هذا المنحدر الخطير من التقهقر والضياع.
   إزاء هذا الكم الهائل من استغفال الرأي العام يتساءل المرء هل كان زعماء مصر وهم قادة أعظم دول العرب وأكثرها تضحيات من أجل فلسطين، بل وأكثر قادة العرب نضالا من أجلها، خونة وعملاء، وذات التساؤل عن ملوك الاردن والمغرب والبحرين والامارات والسودان وقادة فلسطين يسارا ويمينا، وحتى يهدينا رب العباد ونخرج من دوامة النفاق السياسي والازدواجية، ستبقى الاسئلة تتناسل كلما علقت دولة فشلها على شماعات اسرائيل كما تفعل اليوم ايران، وجريمتها في قصف اربيل عاصمة اقليم كردستان العراق بصواريخها الباليستية لتعمية العيون عن رؤية حقيقة سياساتها الفاشلة في كل الدول التي تحاول جعلها مجالاً حيوياً لمشاريعها الفاشلة.
   كردستان وعاصمتها التي تحولت إلى جزيرة للأمن والسلام والازدهار في بحر من الفوضى والإرهاب ليست بحاجة الى علاقة أو تطبيع مع إسرائيل لا في اربيل عاصمتها ولا في بغداد عاصمة العراق الاتحادي، لسبب بسيط هو أننا لم ننجح في إقامة علاقات طبيعية فيما بيننا كما ينبغي، فما زلنا متنازعين نكيل لبعضنا اكثر التهم قساوة، بل ان ما قتل منا بأيدينا في احترابنا منذ تأسيس مملكتنا وحتى يومنا هذا يفوق أضعاف ما قتلتهم إسرائيل في حروبها معنا!؟
   حقاً اننا أحوج ما نكون إلى التطبيع فيما بيننا قبل التفكير بالتطبيع مع إسرائيل!

kmkinfo@gmail.com

8
الازدراء والتمزيق المجتمعي
كفاح محمود
   يعتقد الكثير من شبيبة اليوم خاصة أولئك الذين شهدوا ما سمي بالربيع العربي، وقبله في العراق حينما ازاحت الولايات المتحدة نظام الرئيس صدام حسين وحزبه عن دفة الحكم، وما تلى ذلك في كل من سوريا واليمن وليبيا وكثير من بلدان الشرق الاوسط ذات التعددية القومية والدينية والمذهبية، بأن ما حصل في تلك البلدان من ازدياد وتيرة العنصرية والطائفية وما يصاحبهما من اقصاء عرقي وقومي بشكل مفرط، هو وليد هذه المرحلة أي مرحلة ما بعد تولي معارضي تلك الانظمة دفة الحكم، وخاصة الأحزاب الدينية أو المذهبية، التي عاشت وترعرعت في ظل وكنف مجموعة من المدارس والمعتقدات السياسية ومنهاجها المعروفة، خاصة في العراق ابتداءً من مدرسة الزعيم ومقاومته الشعبية مرورا بمدرسة البعث وحرسه القومي وجيشه الشعبي، وانتهاءً بما أنتجته تلك المدارس من تجارب يتم استنساخها اليوم، بل والإبداع في تطوير أساليبها بمختلف المناهج وممارسات أنظمتها السياسية والقمعية، تلك المدارس التي كرست مفاهيم السلطة الفردية والحزب الواحد وطرق هيمنته واندساسه في كل مفاصل الدولة وزراعة العيون والآذان في كل دائرة ومدرسة ووحدة عسكرية على طريقة جمهورية جورج اورويل في روايته (1984) حتى غدت الدولة برمتها عبارة عن منظومة كاميرات للمراقبة والتصنت.*
   هذه المدارس والغيوم السوداء التي سادت منطقة الشرق الاوسط وخاصة الكيانات والدول متعددة المكونات الدينية والقومية مثل العراق وسوريا واليمن ولبنان وتركيا وايران ودول شمال افريقيا، حيث سادت ثقافة الاقصاء والتهميش بل والانتقاص من تلك المكونات، ففي سوريا والعراق أشاعت معظم الانظمة السياسية ومفاصلها المتنفذة ثقافة اقصائية وازدرائية ضد مكونات دينية ومذهبية وعرقية وبأشكال مختلفة ووسائل متعددة، باستثناء فترة قصيرة جداً من الحكم الملكي العراقي، وتحديداً في السنوات الأولى لتأسيس المملكة العراقية، والى حدٍ ما فترة أقصر من حكم الزعيم عبد الكريم قاسم او نور الدين الاتاسي، وما عداها ومنذ انقلب البعثيون وحلفائهم على النظامين في كل من دمشق وبغداد، حكم البعثيون البلاد منذ شباط 1963 في العراق وحتى إسقاط هيكل حكمهم في نيسان 2003، مع وجود فترة قلقلة بين 1963 و 1968 التي انقلب فيها العوارف على الحرس القومي، لكنهم لم يختلفوا في نهجهم السياسي عما سبقهم إلا بالعناوين والأسماء.
   لقد مورست ضد المكونات الأصغر سواءً كانت قومية أو دينية مذهبية، كل أنواع الاضطهاد حيث التغيير الديموغرافي وسياسة التعريب في العديد من المدن والقرى الكردية في كوردستان العراق، وما ماثلها في سوريا حيث الاحزمة العنصرية واسقاط الجنسية عن مئات الالاف من الكرد السوريين، ناهيك عن الإقصاء والانتقاص باستخدام وسائل دعائية اجتماعية، تزدري تلك المكونات بفيض من النكات والطرائف التي تظهرها بشكلٍ ساخر أو منتقص، وتشكك في أهليتها، بل وتهينها في نهجها الديني أو انتمائها العرقي وحتى الاجتماعي، ونتذكر جميعا طوفانات النكات والقصص أو الطرائف المفبركة التي كانت أجهزة المخابرات وبعض المؤسسات تقوم بنسجها وإشاعتها للتداول بين الأهالي، وليس ببعيد عن الذاكرة تلك التي كانت تستهدف جنوباً (الشروك والمعدان) وازدرائهم وإظهارهم بأنهم أُناس بدائيون وأجلاف، وشمالاً الكرد والتركمان والمسيحيين عموما، الذين ينتقصون في آدميتهم ومواطنتهم بأنماط من القصص والنكات المفبركة، التي تظهرهم أغبياء وحمقى، وكذا الحال غرباً مع (الدليم والمصالوة) كما كانوا يقولونها، وإظهارهم بالبخل والحماقة والتخلف.!
   وما يجري اليوم في العراق وسوريا واليمن وليبيا وتحديدا في المناطق المختلطة من عمليات تغيير ديموغرافي عرقي او مذهبي هو استمرار لذلك النهج الذي مزق هذه البلدان ومجتمعاتها، حيث التطرف الديني والمذهبي والعرقي الذي يساهم في إحداث تمزيق شديد في البنية المجتمعية للسكان وينذر بخطر داهم يضعنا جميعاً أمام مسؤولية تاريخية ووطنية إزاء هذا النهج المدمر الذي يُشيع التمزق والاحتراب، بل ويشيع احباطا وانتكاسة خطيرة لدى مساحات واسعة من الاهالي في التوجه الديمقراطي لبناء المجتمعات وانظمتها السياسية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* رواية 1984 التي كتبها الصحفي البريطاني جورج اورويل George Orwell في عام 1949م.







9
نوروز الحرية والسلام والتعايش
كفاح محمود
    منذ أن أسقط كاوه دكتاتورية الضحاك قبل 2722 عام والشعب الكوردي ومن جاوره من شعوب هذه المنطقة تحتفل سنويا بشعلة النار التي أضاءت طريق الحرية والانعتاق وأشرت بداية العام الجديد في يومه الأغر نوروز، تلك الشعلة التي أوقدها كاوه الحداد حينما انتصر على تلك الدكتاتورية الظالمة، غدت عنوانا ورمزا للانعتاق ولليوم الجديد على مدى ما يقارب من ثلاثة آلاف عام.
    نوروز هذا اليوم الجديد توزع على خارطة شعوب الشرق الأوسط وحمل في كل ارض من أراضيها لونا من ألوان الربيع واسما من أسماء تلك الشعوب دون أن يختلف في مضامينه أحد منهم، فهو عيد الحرية والربيع والشجرة والخصوبة واليوم الجديد والى آخر ما اجتمعت على تسميته والاحتفال به كل ربيع من كل عام، من الهند إلى مصر مرورا بكوردستان في أجزائها الأربعة وإيران والباكستان وكثير من شعوب ودول آسيا وأوروبا.
   وخلال آلاف السنين سادت حضارات ثم بادت ونهضت دول وإمبراطوريات وأخرى أزاحها الزمان وانكفأت، وبقيت شعلة نوروز كما هي تضيء للقادمين عبر الأجيال طريق الحرية والانعتاق واليوم الجديد في ساعة الزمن وتقويم التاريخ، وبقيت أعالي الجبال وذراها في كوردستان منذ أوقد قائدها الأول شعلة الحرية وأذن باليوم الجديد، تتحول مع الساعات الأولى لنوروز إلى مشاعل للضوء والنيران في احتفال مهيب عبر الأجيال ترافقه دبكات الشباب والصبايا وزغاريد النسوة وأهازيج الأطفال وتمتزج فيه أجمل ألوان فلكلور كوردستان في الملبس والغناء والرقص في أجمل كرنفال لإشاعة السلام والأمن الاجتماعي والتعايش بين الناس جميعا دونما تفريق في اللون أو العرق أو اللغة أو الدين أو المكان، ففي أيام نوروز هنا في كوردستان العراق كما في بقية أجزاء كوردستان الأخرى، يخرج الكورد وأصدقائهم من كل الأطياف والأجناس في رحلات وكرنفالات جماعية إلى المروج والحدائق والساحات، حيث الدبكات الشعبية المعروفة تصاحبها فرق للغناء احتفاءً باليوم الجديد وبربيع كوردستان الخلاب وبشكل عفوي مثير تجتمع فيه آلاف مؤلفة من العوائل ومئات الالاف من القادمين العراقيين من كل محافظات العراق حيث تختلط أنواع الفلكلورات العراقية والكوردستانية في لوحة اجتماعية سياسية تُعبر عن اللحمة الوطنية العراقية من اقصى جنوب البلاد الى أقصاها غربا وشرقا تحتضنهم كوردستان بمحبة وتعايش قل نظيره في منطقتنا عموما.
   ان نوروز يمثل عنوانا بارزا للانعتاق والمحبة والتعايش والسلام ونحن اليوم احوج ما نكون الى ذلك النسيج الذي تحبكه تلك المشاعر النقية والمخلصة في العيش المشترك الذي يحمي الجميع ويحرص على حقوق الجميع بما يعزز مفهوم المواطنة الحقة في دولة فيدرالية ديمقراطية تعددية حرة.

kmkinfo@gmail.com






10
لعنة الرئاسة في العراق

كفاح محمود

    شاعت منذ اواسط القرن الماضي معلومة في أوساط الآثاريين والباحثين عن اللقى مفادها إن مجرد إزعاج مومياء اي فرعون من فراعنة مصر في الحفر والنبش أو السرقة والمتاجرة يؤدي الى ما سُمي بـ (لعنة الفراعنة) التي تقود صاحبها الى الموت او الجنون او العوق كما يدعي كثير من الذين اصيبوا بهكذا مصائب إثر تحرشهم بتلك المومياءات، وسواء ان كانت هذه المعلومة دقيقة أم مجرد تكهنات أو تأثيرات سايكولوجية أو عضوية فإنها اعتبرت سببا لكثير مما أصاب الضحايا الذين دفعوا حياتهم ثمنا لما فعلوه من ازعاج لتلك المومياءات كما يدعون هم وأقربائهم، وبعيدا عن مصر وفراعنتها وتحديدا في قلب بلاد ما بين النهرين بغداد ومنذ ذات التوقيت أو أكثر بقليل عن قبور الفراعنة ومحنطاتهم من الملوك والأمراء المصريين فإن تلك اللعنة وإن اختلفت الاسباب قد أصابت كرسي الحكم في العراق بعد السطو عليها في تموز 1958 وقتل كافة أفراد الاسرة الهاشمية الحاكمة، باختلاف المستهدف من اللعنة، حيث تلاحق تلك اللعنة كل من يجلس على ذلك الكرسي المشؤوم!.
   لكن لعنة كرسي الحكم في العراق تختلف كثيرا عن تلك التي في مصر، حيث الصراع المستميت من أجل الجلوس عليها وليس مجرد إزعاج لجثة هامدة محنطة منذ الاف السنين، وأسباب هذه الصراعات كثيرة ومعقدة لانها ترتبط بالموروث المتكلس عبر مئات السنين من حكم الأمير والسلطان والملك والرئيس والقائد، وسلطاتهم المطلقة وامتيازاتهم اللا محدودة التي دفعت كثير من المغامرين للإنقلاب والجلوس على ذلك الكرسي الذهبي، كما حصل في معظم بلدان الشرق الاوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية منذ أكثر من نصف قرن، ومن ضمنها العراق الذي حطم الكرسي الملكي ليضع كرسيا للجمهورية في تموز 1958م بإنقلاب عسكري دموي، نصب فيه مجلسا رمزيا للسيادة ورئيسا متفردا للوزراء يقوم مقام الملك مطلق الصلاحيات بزي جمهوري وشعارات تقدمية، ما لبث بعد خمس سنوات حتى أطاح به مغامرون آخرون من رفاقه ليتم تنصيب (الرئيس المؤمن عبد السلام عارف) هذه المرة، والذي لم يهنأ هو وشقيقه عبد الرحمن كثيرا بالحكم، اذ استولى مغامرون آخرون في انقلاب ليلي على الرئيس ونفيه الى خارج العراق لإجلاس جنرال آخر هو المهيب أحمد حسن البكر على كرسي الحلاق الذهبي، الذي لم يتمتع بالجلوس عليه منفردا بل شاطره نائبه المدني صدام حسين حتى أزاحه بالكامل من الكرسي ومن الحياة ليمارس دوره كمنقذ للامة وقائد للضرورة ونعمة من نعم السماء كما وصفه ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث العربي الاشتراكي!.
   لاحقته اللعنة هو الآخر كأقرانه ممن سبقوه على كرسي الحلاق، لكن هذه المرة كانت على يد الولايات المتحدة التي أسقطته وأعدمته هو وأركان قيادته، لتنتهي واحدة من حقب الرئاسة العراقية المثيرة وينتهي معها ذلك المنصب المثير ويتحول الى مجرد وظيفة تشريفية بروتوكولية في نظام برلماني غير مكتمل يعتمد رئيسا للوزراء بصلاحيات اوسع، مع تقزيم كبير في حجم المنصب على خلفية ذلك الإرث الثقيل للرئاسة وما تركه من آثار نفسية سلبية المجتمع السياسي وغير السياسي، فقد عمل مؤسسو النظام الجديد على تقليص صلاحياته وتكثيفها بيد رئيس الوزراء الذي ترشحه الكتلة الاكبر في البرلمان العراقي الواقف على رجل واحدة بسبب إصرار البعض على عدم تشكيل الجزء الثاني والاهم من البرلمان الا وهو المجلس الاتحادي.
    ولكي تُدعم العملية السياسية بين مكونات العراق الرئيسية (الكورد والشيعة والسنة العرب) في نظام توافقي فقد اتفقوا على عُرفٍ وزعوا من خلاله الرئاسات الثلاثة على الشيعة ولها منصب رئيس الوزراء كونها الغالبية المفترضة لعدم وجود تعداد عام للسكان، وللسنة العراقيين العرب منصب رئاسة البرلمان، بينما منح منصب الرئيس للكورد على اعتبار إقصائهم تاريخيا عن هكذا مناصب منذ تأسيس المملكة العراقية، وحصل اتفاق مشابه في إقليم كردستان ايضا وفي ذات الفترة أي في 2006م، حيث اتفق الحزبان الرئيسيان على ان يكون رئيس جمهورية العراق للاتحاد الوطني مقابل ان يكون رئيس الاقليم من الديمقراطي الكوردستاني، وبوفاة الرئيس طالباني واعتذار الرئيس بارزاني عن تمديد رئاسته او الترشح لها من جديد، يعتقد الديمقراطي ان ذلك التوافق انتهى ويجب ان لا يكون المنصب حكرا لحزب معين تحت أي مبرر، بل ان الديمقراطي طلب من الاتحاد ترشيح اي شخصية اخرى من قياداته تنال رضا الديمقراطي وبقية الاحزاب ليكون مرشح المكون، لكنهم اصروا على ترشيح السيد برهم صالح (الذي سبق وأن اعترض عليه الديمقراطي في انتخابات 2018م وتم فرضه من قبل نواب الشيعة والسنة نكاية بالديمقراطي)، مما اضطر الديمقراطي الى ترشيح منافس له في حينها، وقد تكرر الموقف ثانية بعد انتخابات اكتوبر 2021م بإصرار الاتحاد على اعادة ترشيح الرئيس لدورة ثانية دون توافق مع منافسه الرئيسي الذي دفع الى السباق مرشحه القوي هوشيار زيباري وزير الخارجية والمالية السابق، وحينما شعر الطرف الثاني أي الاطار التنسيقي بحتمية فوز السيد زيباري تعقدت الامور اكثر خاصة دخول إيران على الخط من خلال مشاركة السفير الإيراني والقوى الشيعية المنافسة للتيار الصدري بالضغط على المحكمة ورفض ترشح السيد زيباري بقرار وصِف بانه ظالم وسياسي، مما دفع الحزب الديمقراطي الى تقديم مرشح آخر هو وزير الداخلية في حكومة الاقليم، والذي تم ترشيحه في المرحلة الثانية التي اعترض عليها البعض وطعنوا في شرعيتها، وقد اكدت المحكمة الاتحادية الطعن والقت الكرة في ملعب مجلس النواب، مشترطة الترشيح من خلاله وليس من هيئة رئاسته!.
  وهكذا أصبح فريقا الصراع؛ الشيعي حول السلطة والكوردي لكسر الإرادة، أحد أهم أسباب توقف او انسداد العملية السياسية، وواضح جدا أن الإطار يضغط باتجاه عدم نجاح عملية انتخاب الرئيس الا بمشاركته في الحكومة التي يصر التحالف الثلاثي على تشكيلها تحت شعار حكومة الاغلبية الوطنية المرفوضة من قبل الاطار ومن الاتحاد لكونهما سيخسران مواقعا تمتعوا بامتيازاتها ومكاسبها طيلة ما يقرب من عقدين من الزمان، وربما أيضا الخشية من فتح ملفات الفساد الكبيرة التي تضم عشرات المليارات والصفقات المريبة، والغريب انهم جميعا أرادوا إضعاف وظيفة رئيس الجمهورية وتقليص صلاحياته، لكنهم اكتشفوا أنه رغم ذلك مفتاح لتسمية رئيس الوزراء الأقوى في البلاد والأمضى في الرفض أو الموافقة على كثير من القوانين والمشاريع والأحكام.
kmkinfo@gmail.com



11
المنبر الحر / الفرهود والفرهدة!
« في: 21:18 14/02/2022  »
الفرهود والفرهدة!

كفاح محمود

   الفرهود مصطلح ظهر في منتصف اربعينيات القرن الماضي في العراق، ولا علاقة له بالمعاني المعجمية في اللغة العربية، بل هو مصطلح تم تكييفه من مفردتين هما؛ فرَّ و اليهود؛ ليصبح بالتداول فرهود إشارة لعمليات السلب والنهب التي تعرضت لها بيوت ودكاكين المواطنين اليهود الذين انتابهم الرعب فهربوا من بيت الى بيت بهلع تاركين بيوتهم واماكن عملهم في الثاني والثالث من حزيران 1939 وما تلاها من سنوات حيث وقعت مجازر شنيعة بحقهم، فقد قتل في اليوم الاول 179 يهوديآ من العمال والکسبة والتجار وأصحاب المحلات التي احرقت بعد نهبها وسلب ما فيها من بضائع واموال، وهكذا غدت كلمة الفرهود تعني عمليات النهب والسلب الجماعية المشرعنة والمبررة على خلفية دينية او سياسية او اجتماعية.
 
  ولسنا هنا بصدد تلك العمليات البشعة التي طالت مواطنين عراقيين ذنبهم الوحيد هو ديانتهم بقدر ما هو تسليط الضوء على ثقافة الفرهدة التي رافقت حياة هذه الشعوب بدءا بالغزوات التي كانت قاعدة لانطلاق هذه الثقافة والسلوك البدائي الذي ما يزال يُمارس حتى يومنا هذا وبأشكال مختلفة، ربما اكثر شيطنة وتطورا من تلك التي حصلت مع اليهود، ففي معارك الأنفال سيئة الصيت نهاية ثمانينيات القرن الماضي، والتي راح ضحيتها ما يقرب من ربع مليون انسان كردي تم تهجيرهم بالقوة من كوردستان العراق الى صحراواته الجنوبية، ليدفنوا هناك وهم احياء، حيث تمت فرهدة اموالهم ومقتنياتهم في القرى والبلدات التي هُجِروا منها، ولم تمض الا سنوات قليلة حتى عادت ذات الفرهدة الى الكويت ابان الغزو العراقي لها، وبعدها باشهر بدأت عمليات النهب والسلب في مدن كوردستان إبان الهجرة المليونية التي وقعت عام 1991م بعد هزيمة العراق وانسحابه من الكويت، وهجومه على كوردستان وتهديده للأهالي باستخدام الأسلحة الكيماوية، مما أشاع الهلع والرعب بين المواطنين الذين التجأوا الى الجبال ومنها الى تركيا وايران، وقد تجاوزت اعدادهم المليوني نسمة من الاطفال والنساء والشيوخ الذين تركوا كل شيء لينجوا بانفسهم، مما اتاح للرعاع القادمين من كل حدب وصوب وبتسهيل من الدولة في نهب وسلب كل محتويات تلك البيوت والمحلات والأسواق.

    لم تمض إلا سنوات اخرى حتى بدأت عمليات الفرهدة بعنوان الحواسم في اواسط 2003 والتي طالت كل دوائر الدولة ومخازنها ومقراتها في معظم المحافظات والبلدات العراقية، وهذه المرة كانت باوامر وتعليمات القيادة التي اسقطها الامريكان لكنهم لم يسقطو ثقافة الفرهود، حيث عادت هذه المرة مشرعنة بأنظمة وقوانين، وتحت شعار حصانة البرلماني والوزير وملحقاتهم منذ 2003 وحتى يومنا هذا حيث عشرات المليارات تذهب إلى  جيوب هذه الشرائح من الموظفين ذوي الدرجات الخاصة في سابقة لم تحصل في معظم انظمة العالم التي تشابه الوضع العراقي، ناهيك عن الفرهدة في المال العام تحت غطاء المشاريع الوهمية والمكاتب الاقتصادية للاحزاب الحاكمة وللميليشيات التي تسيطر على معظم معابر الحدود العراقية وموانئه.

   في معظم عمليات السلب والنهب كان الرعاع هم الذين يقومون بالعملية حينما تفقد الدولة قوتها او تنهار، أو أن توجه وتُسهِل الدولة تلك المجاميع  لتنفيذ العملية كما حصل في الانفال والهجوم على الاقليم لقمع انتفاضته في 1991م حيث سهلت الدولة عمليات الفرهدة للرعاع، وما يجري اليوم ومنذ 2003 هو شكل آخر للفرهدة حيث انقلبت المعادلة وتمت عملية تبادل للمواقع!

  فمن يا ترى يُصلِحُ الملحَ إذا الملحُ فسد؟!

kmkinfo@gmail.com

12
الرئاسة بين الألقاب والأفعال!

كفاح محمود

     لم يتعود العراقيون أو غيرهم من شعوب المنطقة إجمالا على استخدام مصطلحات التفخيم والتعظيم على الطريقة التركية أو الإيرانية في مخاطبة الما فوق الا في أوقات فُرضت عليهم، فكانت دخيلة وليست اصيلة، خاصة في العهد الملكي حيث سادت مفردات البيك والباشا المستوردة من فلكلور الدولة العثماني، وباستثناء ذلك كان المصطلح العسكري (سيدي) هو الأكثر شيوعا، وفي كل ذلك كانت هناك ثقافة تصاحب الكثير من العاملين في إدارة البلاد وعلى مختلف المستويات مستمدة من ارث غائر في التاريخ يتكثف دوما في ثقافة وسلوك وتعاطي الحكام من الملوك والرؤساء في مجمل منطقتنا وبالذات بلادنا.
    ولم يعد خافيا على الجميع أن الرئيس الأسبق صدام حسين ورفيق عقيدته اللدود حافظ الأسد وأمثالهم كانوا الوحيدين ممن يستحقون المحاكمة والعقوبة على ما اقترفوه بحق الشعب والوطن تحت مختلف التسميات والشعارات، وربما لا أكون متطرفا إذا ما قلت إن (سيادتهم) كانوا مدرسة انتجت جحافل من الدكتاتوريين الصغار الذين ترعرعوا في كنفهم وحينما استقام عودهم بدلوا جلودهم بجلود أحدث واكسسوارات أجمل والقاب أفخم، ليس في جمهورياتهم فقط بل في كل البلدان التي اجتاحتها حمى التغيير الفوقي والتداخل الجراحي على ايدي جراحين أجانب.
   ولكي ننصفهم أيضا فان نماذجهم هذه لم تنتج وتصنع خلال العقد الماضي أو حتى العقود المنصرمة، بل تمتد جذورها إلى قرون عديدة من العقلية والثقافة المغلقة والسلوك الأحادي المكثف بشخص واحد أو عدة أشخاص والذي تسبب في ما آلت إليه مجتمعاتنا حتى هذا اليوم، حيث البون الشاسع بين الأفعال والالقاب، وبين الشعارات والتطبيق على ارض الواقع، فلم يك البعثيون وغيرهم ممن أتيحت لهم فرصة الانقلاب والتفرد في الحكم والسلطة أصحاب هذه المدرسة في العنف والإرهاب وإلغاء الآخرين، بل هم نتاج منظومة فكرية وتربوية متراكمة عبر مئات السنين، ربما كانوا مبدعين في ترجمة تلك الأفكار والأهواء إلى الحد الذي لم ينافسهم أحد فيما مضى من الأيام، بل ان الخلف تجاوز السلف في العديد من الأفعال والالقاب، هذا الخلف الذي توقع الكثير من الشعوب أن يكون البديل الأفضل الذي نزفت تلك الشعوب دما ودموعا من اجله عبر عشرات السنين، وبصرف النظر عن آلية التغيير ومشروعيته، فقد كان مفترضا أن يكون البديل في الحد الأدنى متناقض تماما مع من سبقه في استئثار للسلطة وتشبث بالمناصب.
     كنا نتوقع جميعا ربما حتى ضحايا السقوط أن يكون البديل مغايرٌ تماما لما كان أيام (القائد الضرورة والحزب القائد) وتنتهي والى الأبد مصطلحات (البيعة ونريدك يا صدام أنريدك والأسد او نحرق البلد وملك ملوك افريقيا)، بل تمادى الكثير من الحالمين أن تتوقف مسيرات القطيع في تأييد الرؤساء والقابهم، لكن الذي حصل هو تكاثر يوغليني انشطاري لأولئك الرؤساء، فأصبحنا بدلا من قائد أوحد للضرورة نمتلك العشرات من مختاري العصر وأئمة الأمة ومخلصيها.
     كنا نتوقع جميعا أن ننتهي من القنوات الإعلامية الحكومية التي تمجد الحكومة وتوهم الشعب بعظمة القائد ومنجزاته، وأن يتم وضع حد للنظام القبلي وتحجيم رموزه من الشيوخ وذيولهم ومنع تدخلهم في الشأن الحكومي والسياسي، وفصل الدين عن الدولة والسياسة، فإذ بنا تحت ظلال السيوف وسطوة الطائفية وحكم المضايف!
    إذن المشكلة ليست بالرئيس صدام حسين او ملك الملوك القذافي او القائد الدكتور الأسد أو بشخوصهم وحتى بنظامهم، بل في منظومة السلوك التربوي والأخلاقي والأجتماعي المتكلس والمتوارث كعادات وتقاليد وممارسات فعلية لا تتفق مع معسول الكلام وشعارات الاستهلاك العاطفي والغريزي للجماهير المغيبة، تلك الشعارات المخدرة الغارقة بالنرجسية والدكتاتورية وعقلية المؤامرة والاعتقاد بأن كل مخاليق الله إنما خلقت لخدمة الشيخ والأغا والباشا والبيك ومن ثم القائد الضرورة وملك الملوك وأهدافهم المقدسة سواء كان هذا الرئيس رئيسا للوزراء أو الجمهورية ثم نزولا للادني حسب الترتيب الاجتماعي والاداري بدءً بشيخ القبيلة ومرورا بالمدير العام وانتهاءً برؤساء الأبواق الاعلامية وطباليهم!.
   حقيقة؛ كانت التوقعات والطموحات كبيرة بكبر أوجاعنا وعمقها، لكن ما حدث كان صغيراً لا يتلاءم مع الزلزال الذي وقع في نيسان 2003 وما بعده في بقية البلدان التي تعرضت لهزات الطائفية والعرقية وتدمير شبه تام للبلاد على أيدي الاحتلال سواء كان أجنبيا أو محليا، إقليميا أو إرهابا دوليا؟

kmkinfo@gmail.com
   



13
الوطن وتعدد الولاءات والانتماءات!

كفاح محمود كريم

   بغياب مفهوم جامع للمواطنة انتشرت وسادات انماط كثيرة من المفاهيم والادبيات السياسية والاجتماعية التي تُذيب الوطن والشعب في بوتقة الدين والمذهب والعشيرة والقرية او المدينة، حتى اصبح الولاء لاحداها يسبق الولاء للوطن الجامع والانتماء للشعب الاكبر، وتصدر هذا الولاء او الانتماء للمذهب او العشيرة قائمة الاولويات على حساب المفهوم الجامع، وقد لعبت الأحزاب الدينية والمذهبية دورا كبيرا في تقزيم المواطنة وحصرها في طائفة بذاتها او دين بعينه، وساندها بشكل كبير النظام العشائري وتقاليده التي ترتقي في كثير من ممارساتها على نظام الدولة ومن ثم القانون.

   إن مسألة التداخل السياسي بين الدين والوطن والانتماء في بلداننا وكيفية اقحام الدين في السياسة وشؤون الدولة وكيف يحق لنظام او حزب او مجموعة فرض تعاليم دين بذاته على مواطني تلك الدولة متعددة المكونات الدينية والمذهبية ، حولت  الوطن في ظل مختلف انواع الانظمة الحاكمة فيه (ملكية وجمهورية وديمقراطية ودكتاتورية واسلامية) الى مجرد شعارات ومهرجانات واغاني واناشيد لتمجيد القائد او الحزب او الدين والمذهب، بعيدا عن اي مفهوم للمواطنة التي تنضوي تحتها كل هذه المسميات او الكائنات، فهي بالتالي اصغر منها بكثير، لكنهم اي اصحابها عملوا لسنوات طويلة على تقزيم الوطن واذابته في شخص دكتاتور او في كيان حزب مهما كبر أو صغر لن يتجاوز الا نسبة ضئيلة من مجموع ابناء وبنات الوطن.

   يتساءل الكاتب والناشط المصري مدحت قلادة قائلا: كيف لنا ان نمزج او نخلط الدين بالنجاسة، وحينما سألته عن النجاسة قال: إن الدين قداسة والسياسة نجاسة، فكيف يحدث ذلك، متهما السياسيين في شرقنا بالتعاون مع بعض ممن يسمون انفسهم رجال الدين بممارسة النجاسة ويقصد فيها التحايل والكذب وربما التنافس غير الشريف من اجل الوصول الى السلطة، والوصول الى السلطة في بلداننا تستخدم كل المعاصي من اجل الكرسي، حتى وان كانت عبر ما يسمى بصناديق الاقتراع، وهي بذلك تبتعد كل البعد او تتقاطع بالمطلق مع المرتكزات الاساسية للدين الذي يعتمد أسس قيمية وروحية مقدسة لا يمكن التلاعب في ثوابتها، ومجرد ادخاله أو استخدامه في السياسة كاحزاب او مجموعات سياسية غرضها الوصول الى دفة الحكم هو تدمير لكيان الدولة وتحويلها الى دكتاتورية تحرق الاخضر واليابس، وتشويه للدين ونقائه الروحي، وبالتالي فان هذا النمط من الانظمة التي تُقزم الاوطان وتذيبها في شخص دكتاتور أو في كيان حزب سياسي او مذهب ديني او دين بذاته على حساب المواطنة التي تضم مختلف مكونات المجتمع عرقيا وقوميا ودينيا ومذهبيا، تؤدي الى انماط من القساوة التي تحدث عنها مدحت قلادة في مقاله (قساوة وطن)، تلك القساوة التي انتهت الى جرائم للابادة الجماعية (Genocide) والتطهير العرقي (Ethnic cleansing) كما حصل في كوردستان العراق فيما سٌمي بالانفال وحلبجة، او مثيلاتها التي تعرض لها الايزيديون عبر تاريخهم هم والارمن في كوردستان تركيا والعراق، وفي كل هذه الجرائم تم مزج الدين بالسياسة معتمدين على فتاوى منحرفة او اطلاق اسماء ايات قرآنية على تلك الجرائم، كما في (الانفال) التي استخدمت كعنوان لجرائم تهجير الكورد وتغييب ما يقرب من مائتي الف مواطن مدني ودفنهم احياء في صحراوات جنوب ووسط العراق، وكذا الحال في جرائم منظمة داعش الارهابية ضد الايزيديين في كارثة سنجار عام 2014م التي راح ضحيتها الاف القتلى وسبي آلاف النساء والاطفال باستخدام نصوص دينية في وطن تهيمن عليه احزاب دينية مذهبية لا تقبل الآخر وتتحمل وزر تغييب الاف مؤلفة أخرى من الرجال والشباب دونما محاكمة لا لسبب الا لكونهم من طائفة دينية مغايرة لهم.

   اوجاعنا في اوطان الشرق الاوسط لا حصر لها، فقد تبعثر الوطن بين الدين والمذهب والعشيرة والحزب والقرية والشيخ والدكتاتور، واصبحت الوطنية في ظل هذه الكائنات مجرد اغنية او نشيد او شعار اجوف أو سلم لأعتلاء كراسي السلطة ليس الا!

kmkinfo@gmail.com











14
المنبر الحر / ما شاف وشاف!
« في: 12:02 18/12/2021  »
ما شاف وشاف!

كفاح محمود كريم

   شافَ ويشوف كلمة عربية فصيحة لها معاني كثيرة من أبرزها نَظَرَ ورأى، ويستخدمها العامة من غالبية أهل العراق، ولعلّ أجمل استخداماتها هو المثل الذي توجتُ به مقالتي هذه " ماشاف وشاف!" للتعبير عن أصحاب النعم الجديدة والمفاجئة وغالباً المشكوك في أمرها، ويأتي المثل للتعبير الناقد لحالة شاذة في الغنى والثراء السريع، أو اعتلاء المناصب والوجاهة خارج قوانين وأعراف التسلسل الطبيعي للتطور الوظيفي أو الاجتماعي من خلال عملية مشبوهة غير طبيعية، وما أكثرهم في يومنا هذا في البلدان التي تعرضت لتغييرات حادة دون سياقها الطبيعي، وبتدخلٍ جراحي أدّى إلى ظهور أعراض غير متوقعة أو مدروسة، ففي العراق ومنذ 2003، حيث أسقطت الولايات المتحدة الهيكل الإداري للنظام العراقي السابق دون أي برنامج مدروس لبديل يفقه مشاكل العراق البنيوية والاجتماعية والسياسية؛ وذلك باستخدام عناصر لا تمتلك في جلّها أي جذور عميقة أو معرفة دقيقة في معضلة العراق منذ تأسيس كيانه السياسي في عشرينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، حيث كانت الأدوات التي استخدمت في معظمها من العناصر التي طافت على السطح فجأة، وهم في غالبيتهم أناس يعرفهم الأهالي من النكرات والمغمورين لكنهم الأكثر حيلة أو فهلوة في التعامل مع الوضع الجديد، والقصة ليست حصريا بالذين يلعبون في السياسة، بل اصبحت ظاهرة امتدت الى كل مفاصل الدولة واوجهها الأكاديمية وبازار الشهادات والعسكرية والامنية خاصة الرتب الممنوحة (الدمج) والاقتصادية وبالذات مكاتبها التابعة للاحزاب والكتل والميليشيات التي تمتص ثروات البلد وابنائه، ناهيك عن العصابات التي تهيمن على معظم الانشطة المالية والاقتصادية تحت مختلف التسميات والعناوين.

    ولغرض مصادرة او احتواء مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية تم ترتيب الوضع الجديد الذي يعتمد على صناديق الاقتراع في الجلوس على كراسي الحكم بأذرع ميليشياوية لضمان السيطرة على الناخبين في عملية التحول من النظام الشمولي إلى النظام الجديد، حيث بدأت تلك القوى بتأسيس ميليشيات من الشرائح العاطلة عن العمل والمسطحة الوعي والمخدرة بشعارات طنانة باستخدامها كأدوات لإيصالها إلى دفة الحكم بشرعية الديمقراطية المفترضة، واتضح هذا جلّياً في انتخابات 2018 التي تميزت بعمليات تزوير هائلة لم يعترض عليها أي حزب أو كتلة، بينما قامت الدنيا ولم تقعد حينما بدأت بواكير الوعي لدى الناخبين، خاصةً في مناطق نفوذ تلك القوى التي أثبتت فشلها في الحكم بكل أشكاله ، حيث رفضت الغالبية من السكان رغم كل التأثيرات أن تمنحهم الشرعية؛ ولذلك تراهم منذ ظهور نتائج الانتخابات التي كشفت جزءًا من حقيقتهم، يهددون بإسقاط أو إلغاء نتائج الانتخابات لأنها لم تلبي رغبتهم في البقاء على كراسي السلطة التي لم تنجح في تحويلهم إلى رجال دولة خلال أكثر من ثمانية عشر عاماً:
  ليبقى الطبع غالباً على التطبع في نظام الذي (ما شاف وشاف!؟).

kmkinfo@gmail.com



15
البرلمان وقميص عثمان!

كفاح محمود كريم

   في الديمقراطيات الحديثة التي أنتجتها عمليات التغيير الفوقية سواءً فيما سُمي بالربيع العربي أو التي تميزت بتداخل جراحي أمريكي أوروبي عربي كما في العراق وليبيا، ورثت بالكامل ذات النهج الذي ساد أنظمة الحكم قبل عمليات التغيير أو التجميل التي استهدفت الهياكل الإدارية وخاصةً السلطتين التنفيذية والتشريعية، وتحولت مع التغيير الفوقي الذي حصل إلى ما كان يُسمى بـ (مجلس قيادة الثورة) الحاكم المطلق في تلك الدول؛ وذلك باستخدام أدوات ديمقراطية من خلال صناديق الاقتراع ذاتها التي كانت تُستثمر من قبل الأنظمة السابقة، وبغياب أي مفهوم للمواطنة الجامعة أو أي وعي ديمقراطي وطني حر. مع تراكم متكلس للإرث الاجتماعي والديني والقبلي البدوي من العادات والتقاليد والتركيبات الاجتماعية القديمة، تحولت هذه الأنظمة المستحدثة إلى أنظمة شمولية أكثر تشدداً من التي سبقتها، خاصةً في تغليب مكوّن على آخر في بلدان متعددة المكونات كالعراق وسوريا وليبيا واليمن، التي استبدلت العقيدة القومية بأخرى مذهبية وميليشيا دينية ومذهبية بدلاً من ميليشيا قومية وحزبية فرضت هيمنتها على الشارع الانتخابي وأدواته في صناديق الناخبين، ناهيك عن آلاف مؤلفة من رجال الدين وملحقاتهم وأجهزة دعايتهم التي اعتمدت منابر المساجد والحسينيات والمناسبات الدينية من خلال شعارات ونصوص وفتاوى دينية ومذهبية وأعراف قبلية لاحتواء العامة من الأهالي المغيبين تعليماً وثقافةً ووعياً واللاهثين وراء لقمة العيش بسبب البطالة والفقر المدقع!.
 
   وفي التجربة العراقية وبعد أن أسقطت الولايات المتحدة هيكل نظام حزب البعث الشمولي، تم تشريع دستور دائم حظي بتصويت الغالبية العظمى من الناخبين العراقيين في عام 2005، حيث أقرَّ الدستور الجديد النظام البرلماني بمجلسين الأول للنواب والثاني اتحادي يضم ممثلي مكونات العراق بما يشبه الكونغرس الأمريكي والعموم البريطاني والجمعية الوطنية الفرنسية، لكنه فشل منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا بإنشاء الجزء الثاني للبرلمان (المجلس الاتحادي) بما خلق شكوكاً في قانونية ودستورية مجلس النّواب لدى الكثير من خبراء الدساتير والنُّظم البرلمانية في الداخل والخارج، وأتاح فرصة لهيمنة القوى الراديكالية المفعمة بالأيديولوجية الدينية ذات التوجه المذهبي بحجة الأغلبية العددية (تخميناً) لعدم وجود أي تعداد عام للسكان منذ أكثر من ربع قرن وبالاعتماد على تكهنات وتقديرات لا يمكن اعتبارها سنداً قانونياً يؤهل تلك القوى للاستحواذ على كل مراكز القرار السياسي والأمني والعسكري والمالي الذي ادى الى بلورة ملامح  اللا دولة التي تناصب الدولة العداء وتعمل على اضعاف مفاصلها وهيئاتها الى الحد الذي يحول العراق من نظام ديمقراطي برلماني مفترض إلى نظام شمولي بأدوات ديمقراطية، حيث أكدت نتائج الانتخابات الأخيرة التي جرت في العاشر من أكتوبر 2021م والتي أظهرت تراجعاً كبيراً لتلك القوى التي وقفت سرا وعلانية وراء مشروع اللادولة، ورغم ما بذلته من محاولات الهيمنة على صناديق الاقتراع  باذرعها العسكرية وفصائلها الميليشياوية، وإصرارها على إلغاء تلك النتائج أو إشاعة الفوضى وتعطيل الدستور والحياة السياسية، فان مشروع الدولة تقدم بشكل كبير ازاء تقهقر تلك القوى التي كانت قد اعتبرت البرلمان ليس أكثر من قميص عثمان تثبت به شرعيتها، وسُلماً تعتلي به منصة الحكم والتفرد كما حصل في تنصيب رئيس الجمهورية خارج اطار العرف السائد وفرض مرشح حزبي باستخدام اغلبيتها، ناهيك عن تشريع قانون الحشد الذي يتقاطع مع المادة الدستورية التاسعة أولاً، والتي تنصّ على أنه:
"يحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة"
   أي بمعنى المنع الكامل لانشاء أي فصائل أو جماعات مسلحة خارج المنظومة العسكرية الرسمية للبلاد، إضافة الى الممارسات والكيانات التي أسستها رغم منعها وتحريمها في الدستور حسب المادة السابعة أولاً والتي تنصُّ على أنه:
"  يحظر كل كيان أو نهج يتبنى العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي أو يحرض أو يمهد أو يمجد أو يروج أو يبرر له، وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه وتحت أي مسمى كان، ولا يجوز أن يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق، وينظم ذلك بقانون".

   
وللأسف ليس الحال في بقية دول الحبو الديمقراطي (ليبيا وسوريا واليمن) أفضل من العراق، حيث غياب مفهوم جامع للمواطنة وانعدام أي وعي ديمقراطي وطني، مع هيمنة التيارات الدينية المذهبية وشيوخ القبائل والعشائر والمال السياسي والتدخلات الإقليمية في ظل فساد مالي مريع أدّى إلى انحدارٍ خطيرٍ في مستويات المعيشة وتدهور الخدمات وانتشار البطالة وأعمال الجريمة المنظمة من قبل جماعات مسلحة وأذرع ميليشياوية لمعظم الكتل والأحزاب المهيمنة على البلاد، بما يُعيق أي تطور نوعي للتطبيقات الديمقراطية وفشل ذريع لنظام الحكم وعمليته السياسية.
 
   إن نتائج الانتخابات الاخيرة اثبتت فوز اصحاب مشروع الدولة امام تلك المجموعات المنفلتة التي تحاول اضعاف الدولة لحساب فوضى اللا دولة واذرعها المسلحة، وما الصراع الحالي بين الرابحين والخاسرين في سباق الانتخابات حول النتائج، الا اصرار تلك القوى على ايقاف عجلة تقدم واستقرار البلد الذي انتفض شعبه وعاقب تلك الكيانات التي تسببت في انحداره وتقهقره، وهي بالتالي فرصة تاريخية جدية للانعتاق من هيمنة العقلية الشمولية التي كانت تمثلها قوى الخاسرين، وعكس ذلك فان العراق سيقع بالكامل في حقبة سوداء أكثر ظلاما وتطرفاً من الأنظمة السابقة التي حكمته منذ 1958 ولحد يومنا هذا!.

kmkinfo@gmail.com




16
استفتاء كوردستان.. الفعل ورد الفعل!

كفاح محمود كريم

   بينما اتفقت كل من إسكتلندا وانكلترا على توحيد المملكتين لتشكيل المملكة العظمى في الاول من أيار 1707م بعد مفاوضات معمقة بين برلمانيهما، تم الحاق الجزء الجنوبي من كوردستان والذي كان يضم معظم ولاية الموصل الى المملكة العراقية بعد أكثر من قرنين من قيام المملكة المتحدة، وتحديدا بعد الاتفاق مع تركيا عام 1926م، حيث وعدت الحكومة العراقية والبريطانية الكورد بمنحهم حقوقهم السياسية والثقافية لموقفهم الذي أيدوا فيه انضمام ولاية الموصل الى مملكة العراق في استفتاء عصبة الأمم، ورغم تلك الوعود الا ان ما حصل في واقع الحال بعد اكتمال مملكة العراق وترسيم الحدود مع تركيا، كان مجرد عمليات تسويف وترقيع تطور فيما بعد الى سلسلة قاسية ومريرة من الحروب المدمرة والاضطهاد العنصري الذي صاحبته عمليات إبادة جماعية وتغيير ديموغرافي قومي حاد تعرضت له معظم مدن الحدود الداخلية لكوردستان بدءاً من سنجار ومرورا بالشيخان ومخمور ثم كركوك وانتهاءً بخانقين ونواحيها وبقية البلدات والقرى التي تم تهجير سكانها وتوطين آخرين تم جلبهم من جنوب ووسط العراق ليحلوا محلهم.
   ولكي لا نخوض غمار تاريخ مؤلم وتفاصيل جارحة على مدى اكثر من مائة عام، نرحل بسرعة الى قرار برلمان وحكومة كوردستان في 25 أيلول 2017م لاجراء الاستفتاء بعد أن تعرض الاقليم الى حرب غير معلنة وحرمانه من حصته في الموازنة السنوية العامة لخمس سنوات كاملة (2014-2018) والبالغة قرابة خمسون مليار دولار، حيث واجه فيها الإقليم حصارا خانقا، خاصة وان تلك السنوات كانت في معظمها حربا ضروس مع واحدة من اعتى قوى الإرهاب في العالم قديما وحديثا، حيث تركت الحكومة الاتحادية قوات البيشمركة تواجه مصيرها لوحدها دون أي امداد عسكري او فني او مالي، ولولا تجربتها النضالية التاريخية بالقتال والصمود ومساعدة التحالف الدولي وايران لما استطاعت من تحطيم اسطورة الخوف لداعش وتحرير سنجار ومخمور وحماية الإقليم وكيانه السياسي من الاحتلال.
   هذا الاستفتاء الذي جرى ذاته في إسكتلندا قبل ثلاث سنوات من اجرائه في كوردستان وتحديدا في أيلول من عام 2014م، ذلك الاستفتاء على حق تقرير المصير الذي اقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1961م والذي يُعرف سياسيا ومهنيا بأنه عملية تعبير عن الرأي في قضية محددة بأسلوب سلمي حضاري، وبينما تهافت زعماء بريطانيا العظمى على أدنبرة عاصة الإقليم محاولين اقناع قادته بالعزوف عن قرارهم بوعود لحل المشاكل ومنح صلاحيات أوسع للإقليم دونما تهديد او وعيد او تجيش للعسكر والميليشيات، نفذ الاسكتلنديون استفتائهم الذي أظهر إن اكثر من نصف الناخبين ارتضوا في هذه المرحلة البقاء ضمن الجسد البريطاني، وفي المقابل كانت النتيجة في كوردستان معاكسة تماما حيث اختار اكثر من 92% من ناخبي الإقليم الاستقلال عن العراق!.
   وبمقارنة بسيطة بين الفعلين وردود الأفعال تجاههما من قبل بريطانيا والعراق نرى البون شاسعا بين السلوكين والفرق رهيبا بين تفاعل البريطانيين مع قضية استفتاء واستقلال اسكتلاندا وبين ما ذهب اليه قادة العراق من ردود أفعال كارثية أدت الى اعلان حصار خانق على كوردستان وشعبها  بالتعاون مع كل من ايران وتركيا في محاولة لأسقاط كيان الإقليم، حيث شنت القوات المسلحة العراقية والحشد الشعبي هجمة شرسة بمساعدة إيرانية وتركية اجتاحت فيها المدن والقرى  الكوردستانية خارج إدارة الإقليم والمعروفة بـ (المتنازع عليها) والتي نظم الدستور اعادتها الى أحضان الإقليم بالمادة 140، حيث باشرت تلك القوات بإعادة عقارب ساعة التعريب والتهجير والتشويه الديموغرافي الى ما كانت عليه أيام حكم البعثيين، بل ان تلك القوات شنت هجومها في ثلاث محاور في التون كوبري ومخمور وسحيلة لاحتلال عاصمة الإقليم ومحافظة دهوك ولولا الصمود والقتال الشرس الذي خاضته قوات البيشمركة واسناد المواطنين وبقية مؤسسات الإقليم لوقعت كارثة في حرب أهلية لا يعلم نتائجها الا الله.
   واليوم وبعد أربع سنوات من تلك العملية وبمقارنة سريعة في ردود الأفعال لاستفتاء اسكتلندا وكوردستان ندرك ما كنا نفتقده من حضارة سياسية وإنسانية مدنية في التعاطي مع ابسط حقوق الانسان وتعبيره عن رأيه تحت ظلال قاتمة لدكتاتوريات بغيضة ترتدي رداء الديمقراطية العرجاء المشوهة المحكومة بالعقلية الاقصائية والشمولية وأذرعها الميليشياوية المؤدلجة.






17
ديمقراطيات الشرق وصناعة الآخر!
                                                                                                     
كفاح محمود كريم

   شهدنا في حقبة الجمهوريات الشعبية عملية تصنيع الآخر من الأحزاب التي يتم برمجتها في أقبية أجهزة المخابرات وقيادة الحزب القائد وإطلاقها كأحزاب حليفة أو معارضة إذا اقتضى الأمر في إكمال اكسسوارات الديمقراطية المفصلة على قياسات تلك الأنظمة الشمولية بامتياز، ولا تتجاوز كونها أقراصاً مهدئة أو علاجاً سحرياً يرمم بناءات المجتمع الاقتصادية والسياسية الآيلة للسقوط والموبوءة بأمراض تكلست عبر أزمان ودهور، ومناهج تربوية أكل عليها الزمان وشرب، متغافلين كونها ممارسة وسلوك ومنظومة أخلاقية لا يمكن حصرها بتداول السلطة السياسية فقط وهي بالتالي امتداد لتحضر المجتمعات وتقدمها في كل مضامير الحياة بدءًا من القراءة والكتابة والتحول من البداوة إلى المدنية وصولاً إلى أعلى مراتب التقدم الاجتماعي والاقتصادي في قبول الآخر، هذا القبول الذي يعتبر من أهم مرتكزات الديمقراطية وممارساتها على الصعيدين الاجتماعي والسياسي وهي بذاتها العلة الأكثر تعقيداً وربما السبب الأكثر خطورةً في ضآلة فرص نجاح معظم التجارب السياسية التي مرّت وتمرُّ بها منطقة الشرق الأوسط عموماً والمحيط العربي خاصةً، وهي بالتالي سبباً رئيسياً لنكوص المجتمعات وبطئ تقدمها.

   إن مسألة قبول الآخر والتعاطي معه ليس وصفة جاهزة للتنفيذ والأخذ بها بقدر ما هي نتاج نظام تربوي ومعرفي واجتماعي يقوم على أساس النقد البناء الذي ينسجم فيه البناء الفردي والمجتمعي بما يحفظ حقوق الاثنين ومصالحهما وتتوازن فيها مصالح البلاد العليا مع مصالح الفرد المواطن دون ما تمييز في العرق أو الدين أو الرأي، وهي بالتالي معادلة تنسجم فيها واجبات الفرد مع حقوق المجتمع بما يعزز قيام دولة متقدمة ومجتمعات متماسكة، ترتكز على نظام تربوي يبدأ من الأسرة والمدرسة وصولاً إلى الجامعات و مؤسسات المجتمع المدني الأخرى، وفي كل ذلك تحتاج عملية التحديث هذه إلى دور الأم والأب والمعلم والمناهج التربوية والمعرفية الحديثة بدرجة أساسية لوضع أسس صحيحة في تكريس مفاهيم البناء الديمقراطي للمجتمع ومنها بالتأكيد المرتكز الأساسي الأكثر أهمية وهو قبول الآخر.

   لقد اعتادت معظم الأنظمة السياسية الحاكمة في هذه المنطقة وغيرها من العالم المولعة بالشموليات والأوحديات أن تبتكر نماذج من الديمقراطية الممسوخة وتمنحها أسماء وأصناف ومواصفات بحسب نماذج تلك الأنظمة وطبيعة سلوكها حيث ابتكرت الكثير من هذه الأنظمة أنواع وأصناف من الديمقراطية للالتفاف حول مفهومها الحقيقي في تداول سلمي للسلطة وقبول الآخر واحترام الرأي المختلف، وهي بالتالي تنتج (آخراً) حسب ما يتوافق مع نظامها لتزين به تجاربها السياسية وأنظمة حكمها الاستبدادية، ولعلنا نتذكر تلك الأحزاب والجمعيات التي صنعتها دوائر المخابرات لتشكل بها جبهات وطنية تدعي قيادتها للدولة كما رأيناه في بغداد ودمشق وأمثالهما في تصنيع ما كان يُسمى بالجبهة الوطنية والتقدمية ومن ثم الالتفاف على عناصرها الأصلية ومحاولة إفراغها وتصنيع (آخر) حسب القياسات والمواصفات المطلوبة من النظام الحاكم وتزيين عمليته السياسية بأحزاب و(آخرٍ) مدجن بموجب ما تقتضيه مصالح النظام والثقافة الأحادية.

   وللأسف ورغم التغييرات الحادة التي حصلت في هذه البلدان إلا أن متكلساتها التربوية والاجتماعية والسياسية ما تزال تفعل فعلتها في تشوية عملية التحول إلى النظام الديمقراطي باستخدام أدواته بعقلية شمولية معتمدة  هذه المرة النزعات الدينية والمذهبية والعشائرية بشكل مطلق بما يزيد الطين بلة يُراكم فيه هذا الإرث من القيم البالية والتجارب الفاشلة التي كرستها الأنظمة السابقة سياسياً واجتماعياً ونفسياً، بما يعيق أي محاولة لإحداث تغييرات نوعية في بنية المجتمع وتوجهاته وفصل الدين عن الدولة وإعطاء المرأة دورها الأساسي الفاعل في تطوره وانتقاله من ثقافة القرية والبداوة إلى الثقافة المدنية والسلوك الديمقراطي وقبول الآخر  الحقيقي.

kmkinfo@gmail.com





18
الإرهاب بين الحاكم والمحكوم!

كفاح محمود كريم

   بين الحاكم والمحكوم في بلداننا قصة لا تنتهي وبحر من الكراهية والبغضاء والنفاق والتدليس والعداء والاتهامات وتبادل المواقع على كراسي الحكم المغمسة ببحور من الدماء والدموع، تاريخٌ من العلاقات المنحرفة والمشبوهة تحكمها القوة بالسطو على السلطة والانقلاب عليها أو بسلطة صناديق الاقتراع التي ينقاد إليها القطيع في انتخابات بائسة تتحكم فيها أدوات معطِلة للعقل والفكر والاختيار الحر، تاريخ مغمس بالدماء منذ فجر الرابع عشر من تمّوزحينما أسقط بضعة ضباط حكم الهواشم في العراق والذين أوكِل إليهم عرش المملكة التي أسسها البريطانيون والفرنسيون بموافقة الروس في بلاد النهرين، وكيف بدأت سلسلة الاتهامات للعائلة المالكة وعمالتها لبريطانيا وغيرها من الدول الاستعمارية، واعدين الأهالي بإقامة جمهورية عراقية خالدة تسود فيها العدالة والمساواة، حيث لم تمضِ إلا سويعات قليلة حتى أبيدت العائلة المالكة عن بكرة أبيها أطفالاً ونساءً وشيوخاً، ثم توالت تحت مقاصل الاتهامات تصفية الآلاف من العراقيين سواء في ما سمي في حينه بثورة عبد الوهاب الشواف وعمليات القتل والسحل خلف السيارات لكل من عاد الجمهورية الخالدة، لكي تُعاد الكرة ثانيةً وبعد سنواتٍ قليلة ليُبَشر القاتل بالقتيل في سلسلة دموية حينما انقلب البعثيين على الزعيم وأقاموا حمامات دماء للشيوعيين واتباع الزعيم الأوحد في شباط 1963 والتهمة جاهزة هي الأخرى، ولكن بلباس ديني هذه المرة حيث الكفر والشعوبية والإلحاد!
   في عودة البعث الثانية تمّوز1968، بدأت سلسلة أخرى أكثر بشاعة ودموية وأمواج من الدماء تتلاطم في مجرى الرافدين، حاملةً معها شعارات كُتِبَ عليها بأن هذه الدماء تعود لعملاء الإمبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية، حيث تمّ تصفية المئات بتهم وهمية أساسها أنهم في الأصل معارضين لسلطة البعث وأسلوبها في سرقة الحكم وممارسته، لكن للأسف لم تكتفِ تلك الأمواج بآلاف مؤلفة من أبناء وبنات العراق، حتى عاد البعث ليدفن مئات الالاف من أبناء وبنات كوردستان وهم أحياء في صحراوات الجنوب سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ويكتب على مقابرهم أنهم من الجيب العميل والمتمردين من عملاء الاستعمار والرجعية، لا لشيء إلا لأنهم كورداً طالبوا بأبسط حقوقهم الإنسانية، وفي كل هذه المآسي يصرّ نظام الحكم على أن تهمة هؤلاء الضحايا الأساسية هي العمالة لأمريكا وإسرائيل، وأزعم أن 90% منهم لا يعرفون أين تقع أمريكا ومن هي إسرائيل، لكنها تهمة تسمح للقاضي بإصدار حكم الموت على مقترفيها، وبذلك وكما قال صدام حسين في دفوعاته في المحكمة الجنائية أنهم لم يتجاوزوا على القانون، وأن لهم الحق بالتصفية كما تصفى الحبوب من الشوائب!؟
   أنها ثقافة الحكم والمحكوم في بلداننا حيث التهم الجاهزة لكل من يختلف مع الحاكم حتى يومنا هذا، ولا شيء يتغير إلا بعض المصطلحات يتم استبدالها بأخرى أكثر حداثة مثل تهمة الإرهاب الجاهزة وشماعة داعش والبعث التي ابتلعت وما تزال تبتلع آلافاً من المغيبين، ناهيك عن تهمة العمالة  في اصطوانة أمريكا وإسرائيل التي ما تزال تدغدغ مشاعر ميليشيات العراق والحاكمين في إيران وأذرعها الممتدة في لبنان واليمن وسوريا، الذين يهددون ليل نهار بملاحقة معارضيهم من (الإرهابيين) المتواجدين في كوردستان، ويقصدون بذلك آلافاً من المعارضين لحكمهم وآلافًا مؤلفة من اللاجئين الكورد الهاربين من (جناتهم).
   العجيب المقرف أن جيل السياسيين الجدد في إيران والعراق يتناسون أن آبائهم وأجدادهم كانوا أيضاً معارضين لحكامهم ولاجئين في العراق وفي كوردستان وفي إيران، وكان نظام الشاه وصدام ينعتونهم بذات النعوت، فما الذي تغير بعد هذا البحر الهائل من الدماء والدموع، ومن هو يا ترى الإرهابي بين الحاكم والمحكوم!؟
kmkinfo@gmail.com



19
الأمية الوطنية والبناء الديمقراطي

كفاح محمود كريم
   
   في معظم دول الشرق الأوسط وغالبية الدول العربية يعاني سكان الريف والقرى وأطراف المدن والبلدات الصغيرة من فرق شاسع في الوعي والثقافة وما يرتبط بهما سياسياً واقتصادياً وحضارياً مقارنة بمراكز المدن الكبيرة رغم التقدم الكبير في التعليم ووسائل الاتصال والتواصل، حيث ما يزال الإرث الاجتماعي المتراكم في هذه المجتمعات متكلساً في السلوك والعادات والتقاليد وخاصة المرتبط منها بالأديان والأعراف، بعيداً كل البعد  عن الحداثة والقوانين المعاصرة، حيث تساهم الأميّة الأبجدية والحضارية مع الموروث في التركيبات الاجتماعية القديمة بشكل كبير على إضعاف مفهوم جامع للمواطنة والانتماء الموحد للوطن، وهذه اشكالية معقدة واجهت وما تزال تواجه عملية التحول الديمقراطي في غالبية هذه البلدان وخاصةً الدول ذات النظم الشمولية في الشرق الأوسط والعالم الثالث عموماً، حيث تسود الأميّة بأشكالها المتنوعة الأبجدية والحضارية والسياسية المستشرية في قطاعات واسعة بين الأهالي في المدن وبشكل أوسع في الأرياف، وهي التي تنتج حينما تجتمع جميعها أمية وطنية، وأعني بذلك الجهالة بالوطن والمواطنة و تقزّيم البلاد واختزالها في قرية أو مدينة أو قبيلة، بسبب التكلس البدوي في الشخصية مع تراكم التخلف الحضاري والتجهيل المتعمد من قبل معظم الأنظمة التي تسلّطت على البلاد، من خلال عمليات غسل الأدمغة وتسطيح العقول الذي تعرض له المواطن طيلة عشرات السنين خاصةً في الدول الحديثة كالعراق وسوريا منذ قيام كيانيهما السياسيين مطلع القرن الماضي وحتى اليوم حيث تم تقزّيمها في حزب أو عرق أو دين أو مذهب أو دكتاتور.

   في العراق مثلا كانت هناك محاولات جدية في نهاية سبعينيات القرن الماضي للقضاء على الأميّة الأبجدية حصرياً، لكنها فشلت حالها حال التعليم بشكل عام نتيجة سلسلة الحروب التي شنها النظام على كوردستان وما تبعها بعد ذلك في الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات لكي تعقبها حرب الكويت التدميرية وما تلاها من حصار وتحطيم شبه كلي للدولة العراقية، حيث تسببت في انهيار البلاد وتدهور مريع في المستوى المعاشي والتعليمي والتربوي، وبدلا من وضع خطط لمعالجة تلك الانهيارات ذهب النظام الى وضع برنامج منظم ومشدد لعسكرة المجتمع وغسل أدمغة الأهالي وتسطيح عقولهم ووعيهم بتكثيف الولاء للدكتاتور وحزبه وما فعلته أجهزة دعايتهم في تقزّيم المواطنة واختزالها إلى درجة إلغاء مفهوم العراق كوطن للجميع واعتباره قطراً في كيان خيالي وطوباوي، وبناء منظومة سيكولوجية وفكرية لدى الفرد لا تتعدى مجموعة شعارات الحزب ووصايا القائد ومفردات الحرب والعسكرتاريا والعدو المفترض الذي يهدد البلاد ويستهدف العرض والأرض والدين!؟ 

   وقد أدّى ذلك إلى تفشي أمية في المفاهيم الوطنية وغياب مفهوم المواطنة الحقة لتكريس مجموعة قيمية ضمن أيديولوجية (الحزب القائد) حيث أغلقت دائرة معلومات الفرد وثقافته وتطلعاته وانتمائه على شخص القائد الضرورة وأيديولوجية الحزب الحاكم الشمولية والمطلقة والتي لا تقبل الآخر المختلف إلا من خلال تبعيته وانقياده كلياً لثقافة القطيع التي كرستها مبادئ ذلك الحزب وسلوكيات رئيسه، مما أدى خلال أكثر من ستين عاما إلى ظهور طبقة واسعة من الأهالي ذات الوعي المسطح والمستكين تماماً والذي تكون على أساس (نفذ ثم ناقش) وساهم في تشويه بناء الشخصية الإنسانية وقتل عنصر المبادرة، وبالتالي عمل على نمو أنماط من السلوكيات والتعقيدات والتناقضات الحادة بين طيات تكوينها النفسي والاجتماعي مثل الانهزامية والتملق والسذاجة وفقدان الثقة والتردد والقسوة والأمعية وثقافة الاستكانة والانقياد وغياب الرأي والتفكير.

    إن ما يواجه العراق وسوريا وليبيا واليمن ولبنان ومن ماثلهم في التكوين السياسي والاجتماعي اليوم ليس إرهاباً منظماً وتدخلات مخابراتية وسياسية أجنبية بل هو هذه الحاضنات الأمية المسطحة التي أصبحت بيئة صالحة لانتشار العصابات والميليشيات وأفواج من الفاسدين والإرهابيين والقتلة وتجار السياسة والمخدرات، تحت خيمة الولاء الديني والمذهبي والعنصري خارج أي مفهوم للانتماء الوطني الجامع في بلدان تعج فيها المكونات العرقية والقومية والدينية والمذهبية ويغيب عنها اي مفهوم للمواطنة الجامعة.
kmkinfo@gmail.com

20
دولة النقيق السياسي!
كفاح محمود كريم

   من أبرز تداعيات اتفاقية سايكس بيكو وتأثيراتها الاجتماعية والسياسية هو قيام مجموعة من دول وأنظمة خارج خيارات شعوبها التي رفضت تلك الاتفاقية ودخلت في صراع بيني نتيجة الادغام والدمج، كما توقع حينها أحد الدبلوماسيين الأمريكيين في حفل توقيع تلك الاتفاقية، حيث قال:
   (إنكم توقعون على صراعات وعداوات تنتج بحور من الدماء في هذه الدول)، وفعلاً تحققت نبوءات ذلك الدبلوماسي الحصيف في السنوات الأولى لانبثاق تلك الممالك والدول وبدأت الصراعات والتنافسات التي عبر عنها ملك العراق الأول، حينما وصف المجتمعات العراقية قائلاً:
   (لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خيالية خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سمّاعون للسوء، ميّالون للفوضى، مستعدون دائماً للانتفاض على أي حكومة كانت)
   هذا الواقع المرير لم يكن حكراً على سكان بلاد النهرين في العراق وكوردستان، بل كان يشمل معظم بلاد الشام في سوريا ولبنان وفلسطين والأردن بسبب التعددية القومية والدينية وعدم تبلور مفهوم جامع للمواطنة الحقة، حيث التفرد والإقصاء للمكونات الأصغر باستخدام القوة والعنف، حتى طلت على الجميع حقبة الانقلابات وجمهورياتها الدموية التي أنتجت دول النقيق السياسي وخطاباتها النارية وشعاراتها الطنانة ومزايداتها بقوت وحقوق الناس والمواطنة سواء بشعارات قومية تهييجية أو باستخدام وتوظيف الدين والمذهب والرب في تجارة سياسية مقيتة، وقد تجلى ذلك مع مطلع الستينيات حيث نجح ميشيل عفلق أحد قادة حزب البعث العربي الاشتراكي المؤسسين في تقديم ذلك الفلكلور القومي بصيغة مطورة لجمهور متهالك ومحبط وحالم بدولة  مترامية من الخليج إلى المحيط، تنشد فيها الأمة نشيداً واحداً و ترفع رايات الثورة العربية من أقصى المشرق العربي إلى أقصى مغربه، دون أن يفقه ما وراء ذلك من شعارات براقة تدغدغ العواطف والغرائز وتشيع العنصرية لتسحق أمامها حقوق كل المكونات المختلفة التي تسكن في ذات المنطقة الجغرافية.

   لقد جاءت تجربتهم في العراق عام 1963 على أنقاض الجمهورية الأولى التي حاولت إنشاء دولة عراقية بعيدة عن ذلك الفلكلور السياسي، هذه التجربة التي أبدعت في إنشاء مدارس العنف وتكميم الأفواه والتفنن في عمليات الاغتيال والتصفيات وإنشاء العصابات الإيديولوجية التي ستحرر الأمة وتوحدها، وتقضي على العملاء والمتآمرين على مستقبلها من (الشيوعيين والأكراد والشعوبيين الشيعة) الذين يعيقون تطور وتقدم الثورة العربية وحزبها (الطليعي)، وهكذا وخلال أقل من عامٍ واحد نجح، ميشيل عفلق، في ترجمة وتطوير فكرة الغزو التي كانت منتشرة بين القبائل في الفلكلور السياسي والاجتماعي، وتحويلها إلى مجموعة من القوانين والنظريات الإيديولوجية والشعارات، حيث لم تمضِ فترة طويلة حتى أعلنت دولة البعث في العراق والتي تميزت بغزواتها الكبيرة شمالاً في كوردستان وشرقاً في ايران وجنوباً في الكويت، ناهيك عن أذرعها في لبنان وسوريا وإرتيريا واليمن والسودان لتأسيس قاعدة انطلاق نحو بناء مجتمع إيديولوجي يذيب ويصهر كل الأفكار والمعتقدات والقوميات والأديان والألوان في بوتقة فلسفة حزب واحد وقومية لا غيرها إلا تابعاً. 

   وبذلك توج أصحاب النقيق السياسي فارسهم ملكاً لمشارق الأرض ومغاربها وشيخاً لكل الغزاة الباحثين عن أمجاد هولاكو، ليندفع هذه المرة بغزوته الأخيرة العارمة الكاسحة بجيشه الخامس محاولاً ابتلاع الكويت أرضاً وشعباً، لكن هذه المرة كانت اللقمة أكبر كثيراً من حلوقهم فاختنقوا وانكفئوا في حدود دولتهم ليصبوا جام غضبهم على مواطنيهم بعد هزيمتهم النكراء وفشل دولة النقيق التي أنتجت خلال أربعين عاماً أكثر من مليون قبر وما يقارب النصف مليون معاق جسدياً ونفسياً ومئات الآلاف من السراق والمنحرفين والانتهازيين والمتملقين والمختلسين وملايين من البشر تحت سقف الفقر المالي والعلمي والثقافي وآلاف مؤلفة من المستكينين ومثلهم ممن أدمنوا النقيق والجريمة والدعارة السياسية والارتشاء والسادية.

   إن ما أنتجته دولة النقيق في كل من العراق وسوريا وليبيا واليمن ومن ماثلهم في الهرج والمرج السياسي، لم يتعدَّ إلا ما نراه اليوم من أفواج الأرامل واليتامى والمعاقين، وإنشاء دولة اللا دولة ضمن كيان الدولة لينخر فيها البؤس والتخلف والفقر والتقهقر المرعب في كل مناحي الحياة، والأخطر من كل ذلك إنها قتلت وبسبق الإصرار والترصد شيئاً اسمه المواطنة واغتالت احساساً اسمه الانتماء للوطن، لأنها وبجدارة فائقة أشاعت الرعب والإرهاب والخوف لدى الشعب من خلال أذرع ميليشياوية طائفية أو قبلية شتت وشرذمت الانتماء والولاء في زوايا قبلية ومذهبية دينية ضيقة.
kmkinfo@gmail.com

21
كائناتنا السياسية بين داروين وجورج اورويل!

كفاح محمود كريم

   ربما كان السيد تشارلز داروين* (رحمهُ الله وغفرَ له) محقاً إلى حدٍ ما في إرجاع أصل الأنواع لدى بعض الأحياء إلى القرود، وربما أيضا، لو أمد الله في عمره حتى يدرك أصل بعض الكائنات الأخرى وخاصة السياسية منها التي نشأت في خضم الربيع العربي وبعد 2003 حصريا،  لأكتشف أصولا غير القرود ينتمي لها هذا البعض الآخر، ويقينا فأن المرحوم تشارلس دارون كان يعني ما يعنيه من سلوكيات وظواهر سيكولوجية و (إفتراسية) أكثر مما يعنيه في التطور العضوي (Organic evolution )، ولو كان الله قد أطال بعمره حتى يومنا هذا، وأدرك الكيانات التي تأسست برغبة كل من بريطانيا وتركيا وحلفائهما بين شواطئ البحر المتوسط والخليج العربي، لأكتشف إن كثير من الكائنات العاقلة بين الساحلين قد تطورت من الضفادع سلوكيا، لما تمتاز به هذه المخلوقات العاقلة من صفات متطابقة مع أصولها غير العاقلة، حيثُ تطور النقيق في الجيل الأكثر رقياً إلى ثرثرة غير متناهية في الشعارات والتحليلات المؤدلجة لمعاناة الأمة وقدرها في الوحدة والتحرر وإنقاذ البشرية من الأفكار (الإمبريالية والشيوعية والخمينية والشعوبية...) والى آخر هذه السلسلة التي لا تنتهي من الأعداء المفترضين للأمة والوطن والثورة والسيادة ووالخ!.

   وفي اللعب على الاتجاهين (اليمين واليسار) نرى ان التكيف لدى هذه الكائنات السياسية يأخذ نمطاً آخراً يَطلقُ عليه أتباع السيد دارون بالتكيف البعدي Postadaptation))، إذ تحاول الكائنات أن تتكيف للبيئة التي تعيش فيها بأفضل صورة دونما تأثير على أصل الأنواع، وكان هذا جليا في التكيف والتحول ما بعد 2003 لكثير من اتباع تلك الكائنات التي نجحت بالانتقال السلس للمرحلة الجديدة ومستلزماتها في الأداء والشعارات، خاصة وان (القائد الضرورة) قد انت مجموعة قوانين تساعد على التحول السريع فقد اتخذ (مجلس قيادة الثورة) قراراً أعتبر بموجبه كافة سكان مملكته (وإن لم ينتمو) من نفس الأنساب والأصول، ومن يشك في ذلك (من القوميات والأعراق الأخرى) فما عليه إلا مراجعة مسؤول أختام الأنساب والأصول في ديوان الرئاسة الموقر، كي يجد لأبيه مكانا (فوق الشجرة) وبذلك أصبح لدينا خلال أقل من نصف قرن جيوشا جرارة من الحرس القومي والجيش الشعبي وجيش القدس والتي تطورت هي الأخرى بقفزات نوعية إلى منظمات وميليشيات وحشود تعج بها سوريا والعراق وليبيا ولبنان واليمن.

   لو أدرك السيد تشارلز داروين (غفر الله ذنبه) البعض الآخر بعد سقوط دولة النقيق، لأكتشف أصولا وأنسابا أخرى غير القرود والضفادع، فقد دلت السنوات الثماني عشر المنصرمة على وجود علاقة سلوكية وسيكولوجية بين كثير ممن شغلوا مواقع الكائنات السابقة وبين كائنات أخرى مثل الذئاب والثعالب والحيتان، وما أدراك ما الحيتان، تلك وربُ العرش العظيم؛ أكبرُ من كل مصائبنا منذ مذبحة الحسين ومحرقة حلبجة حتى غزوة سنجار، حيث تطورت طفيليات بدائية لا تكاد ترى بالعين المجردة، خلال بضع سنوات إلى حيتان مفترسة، تأكل الأخضر واليابس، الحلال والحرام، دونما صوت أو حركة، والمذهلُ في تطورها السريع هذا وهي تلتهم حولها كل شيء، إنها لا تستخدم أي سلاح في الالتهام سوى أنها توقف نمو وتطور كل الأشياء فيما حولها، عكس ما تفعله النماذج المطورة من الثعالب، حيث التحايل والتملق والتدليس والنعومة والتخصص في علم (من أين يؤكل الكتف) وكيف تضربُ (البواري)، أو ربما تختلف كثيرا عن تلك الأجيال المعدلة عن الذئاب، فالذئب يقتل كي يأكل وهؤلاء يقتلون على الهوية لمجرد القتل ليس إلا، ربما هي (أنيفالات) مصغرة تمتد في أصولها إلى اولئك الوحوش؟. 
   والغريبُ إن هذه الأنماط من السلوكيات تتعايش سلميا مع بعضها البعض رغم اختلاف أصول تطورها والبون الشاسع بين ما كانت فيه وما أصبحت عليه، ربما يكون جورج اورويل محقا بطروحاته في روايته (مملكة الحيوان) حينما إنقلبت الصفات المتأصلة على المكتسبة وكان ما كان؟
   أعتقد والعلم عند الله أن مستر تشارلز داروين لو كان قد أدرك هذه الأيام لأعاد النظر في آرائه وأيقن إننا أولاد آدم مخلوقين من تراب، وإن بقية الكائنات هي التي تطورت من بعضنا وليس العكس كما كان يعتقد!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* تشارلز روبرت داروين (1809- 1882) عالم الطبيعة والبيولوجيا الذي اشتهر بنظريته حول التطور والانتقاء الطبيعي.
* چورچ اورويل: كاتب روائي بريطاني من أصل بنغالي، اسمه الحقيقي إريك آرثر بلير، ولد في 25 يونية سنة 1903 وتوفي في 1 يناير سنة 1950م.
kmkinfo@gmail.com
     


22
العراق من الدولة المغلقة الى الدولة المنخورة!
كفاح محمود كريم
   تتذكر شعوب كثير من بلدان الشرق الأوسط وخاصةً في سوريا وليبيا والجزائر والسودان وإيران والعراق ما حدث بعد انقلاباتها السياسية خاصةً في عملية بناء المؤسسات العسكرية والأمنية، وما رافقها من غلق الدولة واقفالها لحساب أجهزة الامن والمخابرات وبقية المؤسسات التي تتحكم بالفرد وحياته الخاصة وعلاقاته وتضعه دوما محك شكوك حتى لمجرد علاقة عادية مع أي اجنبي في بلاده، وتجلى ذلك اكثر في النموذج العراقي للدولة المغلقة منذ ستينيات القرن الماضي حيث أطبق نظام الحزب الواحد من خلال أجهزة الأمن والاستخبارات والمخابرات وميليشيا الحرس القومي والجيش الشعبي على دائرة حركات ونشاط الفرد حتى في حياته الشخصية أو أي علاقة أو تواصل مع أجنبي داخل البلد حتى وإن كانت مع أولئك العاملين في المشاريع الحكومية الصناعية منها أو الزراعية، حيث تؤدي مثل هكذا علاقة إلى التحقيق والترهيب وربما التغييب، وبذلك أصبحت الدولة عبارة عن مستشفى مغلق للمصابين بأمراض وبائية يمنع اختلاطهم مع الآخرين، ناهيك طبعاً عن أمواج الأسئلة والتحقيق حينما يحاول المرء استصدار جواز سفر أو السفر للخارج. 
  لا نريد الدخول في تفاصيل تلك الحقبة المغلقة، لأننا كنا ننتظر أن يكون البديل مغايراً، لكن ما حصل بعد نيسان 2003 وباستثناء بعض الإكسسوارات، كان كارثياً حيث تحولت الدولة من دولة مغلقة إلى دولة منخورة، وتبين أن دودة الأرضة ليست لوحدها قادرة على نخر الأشجار، فقد أثبتت النظم السياسية الراديكالية وبالذات تلك التي أنتجتها الانقلابات تحت مسميات الثورة في معظم بلدان العالم الثالث سواء في أمريكا اللاتينية أو في كل من أفريقيا وآسيا، وبشكل متميز في دول الشرق الأوسط العربية منها والإسلامية منذ أن أطاحت بريطانيا وأمريكا وحلفائهما بتلك الأنظمة حيث تفوقت على الجميع في ظهور وانتشار دودة أرضة سياسية وعسكرية وأمنية في هياكل تلك الدول وخاصة التي انتجها الربيع العربي وابتلعتها الدول المحيطة بها، فقد كشفت عملية إماطة اللثام مؤخراً عن قتلة أحد الناشطين العراقيين، مدى هول حجم النخر الكبير والخرق المريب داخل المؤسسة الأمنية والعسكرية العراقية التي تم إذابة معظم الميليشيات ذات الولاءات المختلفة في بوتقة المؤسستين اللتين يفترض أنهما تأسستا على ثوابت المواطنة والولاء للوطن والشعب وليس لحزب أو دين أو مذهب أو دولة أجنبية تحت أي ذريعة كانت، مما يؤكد أن إعادة تشكيل القوات المسلحة والمؤسسة الأمنية بعد 2003، لم يعتمد على تلك الثوابت حيث انهارت المؤسستين في أول تحدٍّ لهما مع الإرهاب في حزيران 2014م، وسقوط ما يقرب من ثلثي أراضي العراق ومدنه تحت سيطرة منظمة تنظيم الدولة الإرهابية.
   إن الدولة المغلقة التي انفجرت على نفسها، أنتجت لنا دول منخورة حتى العظم كما هي الحال اليوم في سوريا وليبيا والعراق من خلال عمليات الخرق التي قامت بها الأحزاب والميليشيات المتطرفة بشقيها السني والشيعي والتي تمّت إذابتها ودمجها مع المؤسستين العسكرية والأمنية حتى تلاشى الانتماء والولاء وتشتت ما بين تلك القوى على حساب مفهوم المواطنة والجيش والأمن الوطنيين اللذين يفترض أن يكونا فوق الانتماءات السياسية والدينية والمذهبية والمناطقية، بما يؤهلها أن تكون ممثلة لكل الشعب ومكوناته على اختلاف أطيافه وانتماءاته، وما يحصل اليوم هو نتاج صناعة قوى ميليشياوية لحماية النظام خارج المؤسسات السيادية المعروفة كالجيش والشرطة والامن الوطني، كما في الحرس القومي والجيش الشعبي في العراق وسرايا الدفاع في سوريا واللجان الشعبية في ليبيا والحرس الثوري في إيران ومؤخراً في كل من العراق ولبنان وسوريا واليمن ميليشيات مذهبية ذات ولاءات عابرة للحدود تحت ذات النهج في الشعار القومي (أمة عربية واحدة) ولكن بإيقاع ديني ومذهبي، يمنحها بعض صلاحيات الرب في الحكم بدلاً من الحكم باسم الأمة!
   في النتيجة فشلت الدولة المغلقة حينما انفجرت عليها شعاراتها لكي تلد لنا دول منخورة بشعارات دينية مذهبية كما هي الان في كل من سوريا والعراق وليبيا واليمن ولبنان وايران، وبقي الخلل الرئيسي في بنية هذه الدول المتعددة المكونات قوميا ودينيا ومذهبيا، والمتمثل في اقصائها للآخرين ومركزيتها لحساب مكون واحد مهما اختلفت الشعارات وطبيعة النظام الجديد الا انها تقاتل من اجل الهيمنة والتفرد ومركزة القرار والسلطة والمال بيد فئة واحدة مع اكسسوارات للزينة كما كانت سابقا، لكي تستمر حقبة تلد أخرى وتبقى حليمة في بلادنا على عادتها القديمة حتى قيام الساعة!؟
kmkinfo@gmail.com


23
السلطة وشيطنة الملائكة!

كفاح محمود كريم

   لا أزعم أن سكان بلادنا و أشقائهم جغرافياً في الشرق الأوسط ملائكة، لكنني واثق من أن بساطة غالبيتهم تجعلهم الأقرب إلى كثير من الصفات الطيبة التي تميزها النوايا الحسنة والذكاء الفطري وصفاء السريرة والذهن، ورغم ذلك لا أنفي أيضاً أن الشياطين تسكن في كثير من المفاصل والتفاصيل والزوايا المخفية لدى معظم النخب، خاصةً وأن السلطة والمال تُفجر مكامنَ غير مرئية لدى طلابهما، وهذا ما شهدناه خلال عشرات السنين من حكم الأنظمة السياسية التي تولت بلدان هذه الجهة من العالم وخاصةً أوسطها وبلادها الشامية وذي الرافدين.
   وقبل الخوض في سباق الملائكة والشياطين على كراسي السلطة في بلداننا وفي الشرق عموماً والأوسط منه خصوصاً، دعونا نتطرق إلى العقائد التي توجه الجالسين أو القافزين إلى تلك الكراسي التي غدت واحدة من أخطر مفاتيح كوارث الشرق، والعقائد هنا لا تعني الدينية حصرياً وإن كانت جزءًا منها، فهي تشمل كل شيء يؤمن به الإنسان ويحيله إلى برنامج إيديولوجي يعمل على التميز في تطبيقه، ومنه بالتأكيد العقيدة الدينية والسياسية والقومية، ومن الضروري جداً أن نتعرف جغرافياً على ينابيع تلك العقائد، فهي الأخرى ذات تأثير بالغ على تطبيقاتها وتفسيرات نظرياتها، والبيئة هنا تتحكم بشكل كبير في نوعية السلوك، وهي بالتالي ترسم خريطة الانتماء لتلك البقعة الجغرافية أو المكانية، وما بين البداوة والمدنية مساحات واسعة امتلأت بصراعات من كل الأنماط بما فيها التي أنتجت بحور من الدماء، حتى استطاعت البشرية تجاوز تلك المرحلة للوصول إلى أشكال جديدة من السلوك والعقائد، المرتبطة بجغرافية المكان والبيئة وتأثيراتها على أنماط السلوك وتطبيقات العقائد، والبداوة ليست تلك القيم التي يتداولها البعض عن الكرم والشجاعة، بل هي ذلك السلوك البدائي الذي يؤشر مرحلة متخلفة من حياة البشر في تقسيمات حقب التطور الإنساني من البداوة إلى المدنية المعاصرة، مروراً ببقية المراحل التي مرت بها البشرية حتى وصلت إلى ما هو عليه الآن من حضارة وقيم خلاقة، رغم إصرار البعض على التقهقر دوما إلى الوراء ببقايا تلك الثقافات الآيلة للسقوط والاندثار.

   وليس ببعيد عنا في تاريخنا المعاصر ما يُظهر بقايا تلك الأفكار وأنماط السلوك البدائي وممارساته، على خلفية بدوية بدائية مشبعة بهمجية لا مثيل لها حتى في مراحل البدائية الأولى وبداوتها، وهذه الأنماط من السلوكيات ليست لها هوية قومية أو دينية معينة، بل تعكس الجوانب المظلمة في معظم المجتمعات، فقد رأيناها في رواندا وصراعاتها القبلية البربرية التي ذهب ضحيتها أكثر من ثلاثة ملايين إنسان، وقبلها في المانيا ومحرقة اليهود، وأدركنا مذابح الخمير الحمر في كمبوديا ومثلها في لبنان وفلسطين وفي أنفال وكيمياويات الموت بكوردستان والمقابر الجماعية في جنوب العراق ووسطه، وقبل ذلك في أوروبا وحروبها الداخلية أو العالمية، وما حصل للهنود الحمر في أمريكا وفي كثير من بلدان العالم المتمدن الآن، إنها حقاً حقبة سوداء في تاريخ البشرية، والأكثر منها سواداً وكارثيةً هو استنساخها دينياً أو مذهبياً أو قومياً، كما فعلت منظمة داعش التي جمعت ولملمت في هياكلها كل العنصريين القوميين والمتطرفين الدينيين والمذهبيين، بل وحتى المناطقيين بخلفيات تتحكم فيها الكراهية والحقد الأعمى لكل من يخالفها الرأي.

   ونظرة فاحصة لبيئات انتماء عناصرها يؤكد انتشارها في المجتمعات القبلية والأمية الأبجدية والحضارية وفي مناطق الفقر المدقع مادياً وثقافياً وتربوياً، حيث يتم استغلال كل هذه المواصفات من قبل مجاميع فاشية، يعاني أغلب عناصرها من اشكاليات سيكولوجية وفكرية، أقرب ما تكون إلى السادية والسايكوباث، كما ظهر في عمليات التقتيل الذي تتفنن تلك العناصر بتنفيذها ذبحاً أو خنقاً أو حرقاً أو إغراقاً، بل إنها حتى في هذه الطرق تنحو إلى تفاصيل مقززة في القتل كما في عمليات الذبح بسكاكين مثلومة لمضاعفة آلام الضحايا والتمتع بصيحاتهم وآهاتهم، وكذا الحال في عمليات الشوي بالنار حتى الموت، أو الإغراق التدريجي للضحايا، أو تقطيع الأوصال حتى الموت.

   هذا النمط من السلوك المتوحش لم يلد ليلة أمس، بل هو تراكم هائل لسلوكيات وأفكار وعقائد أنتجته صحراء الفكر وحضارة الغزو والقتل والسبي والاغتصاب، وإباحة الآخر المختلف تحت أي مسمى كان، سواء ديني أو عرقي أو فكري أو سياسي، وإن كان قد استبدل عناوينه ومسمياته لكنه ما يزال يحمل تلك العقيدة البدوية البدائية التي يترجم تفاصيلها بهمجية أدركنا سلوكياتها في حلبجة والأنفال وبعد ذلك في نسختها المعدلة في سوريا وما حصل ويحصل في عفرين وقبلها في سبايكر وسنجار وسهل نينوى، ناهيك عن كارثة لم تظهر تفاصيلها بعد لعشرات الآلاف من المغيبين السنة بتهمة التعامل مع داعش!
 
   إن الكثير من حاكمي هذه البلدان في العراق وسوريا ومعظم بلدان الشرق كانوا أقرب الى الملائكة في سلوكهم قبل أن يتسنموا مقاليد الحكم، لكنهم تحولوا إلى شياطين وطغاة حينما جلسوا على كرسي السلطة!؟

kmkinfo@gmail.com









24
الموروثات الدكتاتورية والبناء الديمقراطي!

كفاح محمود كريم

   واحدة من أهم وأخطر ما يواجه مجتمعاتنا وهي في خضم عمليات تغيير اجتماعي وسياسي هي تلك المنظومة من السلوكيات والثقافات المتوارثة عبر أجيال وحقب زمنية ليست قصيرة، ابتداءً من الأسرة وسلطة الأب أو ولي الأمر، وانتهاءً بالقائد الضرورة مروراً بكل من تسلط على عباد الله وإن كان عددهم اثنان فقط، لكي يمارس فيها نرجسيته وتفرده. فإذا كانت البداوة مرحلة من مراحل تطور مجتمعاتنا وما زالت كثير من سلوكياتها تتمركز في مفاصلنا التربوية والاجتماعية، مضافاً إليها إكسسوارات قروية وقبلية كرست تفرد الشيخ و الأغا، الذي تطور تدريجياً كمفهوم للتسلط والأحادية في من يتولى إدارة أي مؤسسة أو حركة أو حزب في حياتنا، حيث تتجلى اليوم في الكثير من سلوكيات أولئك الذين يحملون شعارات الديمقراطية خاصةً في مرحلة ما سمي بالربيع العربي الذي صبغ بلدان البداوة السياسية بألوان الدماء والدموع منذ سنوات على أنقاض أنظمة أوحت لنا جميعاً، أن دكتاتورياتها أفضل بكثير من ديمقراطية البداوة الجديدة، تلك الدكتاتوريات التي أنتجت مشروع داعش مختصرة كل أفكار وتوجهات من أرادوا بناء دولة الوحدة العربية أو الإسلامية وصهر وإذابة كل ما هو خارج مفهومي الانتماء لغير العرب أو الإسلام في بوتقة هذا المشروع، وعودة سريعة لمكامن نشوء وبلورة الدكتاتورية اجتماعياً وتربوياً وتطورها سياسياً ندرك دقة ومصداقية ما يقوله علماء النفس في إحدى نظرياتهم حول عالم الطفل الذي يرى نفسه مركزاً للمجتمع الذي يدور حوله، بل وفي خدمته وتحت تصرفه، وبوجود بيئة تساعد على نمو هذا الشعور وتعملقه ودلال أسرته يتحول هذا الكائن المدلل تدريجياً إلى دكتاتور لا شريك له في هذا العالم، ابتداءً من تحوله إلى رب أسرة ينتج سريرته ويكاثرها في أبنائه أو بناته، أو مدير دائرة يُشعر معيته بأنه فيلسوف عصره وأن استبداله سيوقف حياة وتطور تلك الدائرة، ولك أن تقيس أخي القارئ كلامنا هذا على مديرك العادي وصولاً إلى من يتولى إدارة المنكوبين من العباد، فيصبح رئيساً عظيماً وضرورة أو حتمية تاريخية، يتطلب من بقية الكائنات الدوران حول كوكبه الدري.

   إن تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية وقبله القاعدة ومجمل الحركات العنصرية والدينية والمذهبية وخاصة داعش، ليست طارئة أو وليدة الربيع البائس، بل هي نتاج ثقافة وسلوك متراكم من مئات السنين، وخبطة معقدة من الثقافة الدينية البدائية والسطحية والسلوك البدوي وعقلية القرية وبنائها الاجتماعي والتربوي، وهي بالتالي الحلقة الأخيرة في سلسة الأحزاب العنصرية القومية أو الدينية التي تطمح لبناء دولة ايديولوجية، أساسها العرق العنصري أو الدين المتطرف والمتشدد، وما يتبعه من مذاهب وطوائف، ببناء فكري متعصب أحادي التفكير، لا يقبل الآخر إلا عبداً مطيعاً أو ملحاً مذاباً في بوتقته الفاهية، وعلى ضوء ذلك ولأن دورة تربية مجتمع بأكمله من الطفولة حتى النضج تستدعي زمناً ليس قصيراً، بل حقبة طويلة لسبب بسيط هو أن المربي ذاته هو الذي أنتج هذه السلوكيات، ولأن الكثير الكثير يؤمن بأن مجتمعاتنا لا تتحمل هذا النمط من النظم الاجتماعية والسياسية، وهي سعيدة جداً بوجود الفارس والرمز، بسبب تراكمات هائلة من العادات والتقاليد والتركيب النفسي والاجتماعي والتربية الدينية الأحادية الاتجاه. عليه وجب البحث عن حلول وخيارات أخرى غير هذه النظم أو أن يتحول الجميع إلى دكتاتوريين لكي لا يُتهم أحد بأنه قد تفرّد بالآخرين!؟

   وحتى يتحقق ذلك الهدف وحماية لأجيالنا القادمة من ظهور دكتاتوريات متوحشة تبتلعهم علينا أن نبدأ من السنوات الأولى لحياة الطفل في تهيئة بيئة صالحة لنمو كائن ديمقراطي لا يعتبر أن المجتمع كله خلق من أجله، بل يؤمن بأنه خلق من أجل المجتمع، وتعديل تلك المشاعر والسلوكيات الغرائزية وفق أسس تقلب المعادلة، فيتحول من كوكب تدور حوله كل الكواكب، إلى نجم يدور هو حول كوكب اسمه المجتمع، ويشعر بأنه جزء من عالم وعليه خدمته لإثبات انتمائه له دونما شعور بالفردية الطاغية، ومن هنا تبدأ حكايتنا حيث يستمر هذا الطفل باعتبار كل العالم يعمل لأجل تنفيذ رغباته أو العكس، فإذا جمعنا طفلنا المدلل واعتبرناه في جمعه يمثل مجتمعاتنا الشرقية، ندرك ونكتشف حقيقة اللبنات الأولى في بناء الديمقراطية أو الدكتاتورية.
kmkinfo@gmail.com             
   




25
جمهورية الموت الأخرس!

كفاح محمود كريم

منذ ثلاثينيات القرن الماضي والموت الأخرس يجتاح العراق ومكوناته التي أدغمت في كيان واحد من قبل البريطانيين والفرنسيين ومساندة الروس والأتراك دونما أي اعتبار لرأيهم أو أخذ موافقتهم أو اعتراضهم، باستثناء بعض الاتصالات مع الكورد ومنحهم وعود هشة أثبتت السنين كذبها ومراوغة الحاكمين الذين استفردوا بالحكم واستهانوا بالعدالة في كل حقبهم منذ التأسيس وحتى اليوم، حيث دشنوا أولى مجازرهم في آب 1933، التي راح ضحيتها الآلاف من الآشوريين في محافظتي الموصل ودهوك، ثم فرهود اليهود في مطلع الأربعينات من القرن الماضي، وما تلاه من تصفيات جماعية للمعارضين الشيوعيين والكورد والعشرات من المذابح والمجازر ومحارق الموت الكيماوي ما بين الأنفال وآخر صفحاتها الداعشية المأساوية في سنجار وسبايكر ورائحة الموت في الخسفة وآلاف المغيبين في زمن الطائفية، تاريخ يختصره صوت الموت الأخرس!

   في الأنفال كان عنوان الموت كورديًا اختلط بصمت الدفن الأخرس وأنين السبايا وصراخات الأطفال وصوت البلدوزرات وهي تدفن الضحايا أحياءً لتبعثر صراخاتهم وآهاتهم!
   في الخسفة صدى الموت ورائحة الحياة المتعفنة، تدل على الزمن الصفر!
في سبايكر كان صوت الرشاش والمسدس يطغى على الدين وحشرجات الموت واحتقان الموج المخنوق بنافورة الدم الراقص على صيحات الله أكبر!
   في الرابعة من تراجيديا الموت الأخرس، ينقطع الصوت كاملاً ويبدأ زمن الموت الأصم والأبكم للمغيبين والمعذبين من ضحايا ثقافة الحقد المقدس والانتقام الأسود!

   في الأربعة الدفينة والقادم من خامسها أو سادسها، يرقص ذات المجرم على حبال الموت مستعرضا قوافل الشهود في أمواج النهر النازفة وريح الصحراء الخرساء وأنين السبايا المكتوم وصدى الخسفة المتعفن وحقد التاريخ الأسود وثقافة الانتقام البدائية، حيث تنبأ الأحداث والتحضيرات وما تقوم به الميليشيات من نشر أفكار فاشية تلغي الآخر بالمطلق، وتختزل بلاد الرافدين ومكوناته وأديانه ومذاهبه في أمة مقدسة واحدة، معتبِرةً نهجها وميليشياتها تمثل كل العراق وتصهر كل مكوناته في بوتقة أفكارها وفلسفتها على طريقة (إذا قال صدام قال العراق) ومن يعارض ذلك يستحق الموت الزؤام.
   أنها حقاً نذير شؤم هذه المظاهر الخارجة عن نسق الحضارة والدولة وافتراضيتها الديمقراطية، وولادة ذات الأفكار التي اختزلت العراق منذ نصف قرن تقريباً بحزب واحد وأمة واحدة وقائد واحد فدفنتهم جميعا في بحر الدمار والفقر والانهيار، مظاهر تُنذر بحروب كارثية وظهور بوادر لبلورة دكتاتورية جديدة أكثر مأساوية وطغياناً من سابقتها!
   
kmkinfo@gmail.com


26
بين سنجار وغزة.. مهرجانات للتهريج!

كفاح محمود كريم

   في مطلع ثمانينيات القرن الماضي والحرب مع ايران في أوجها، وفي بلدتي سنجار الواقعة قرب الحدود السورية في اقصى الشمال الغربي من العراق، وللتغطية على فضائع تلك الحرب العبثية وإشغال الرأي العام بأعداء مفترضين، كانت السلطات تختلق قصص وروايات لتمريرها على الأهالي، حيث قتلت قوات الامن اثنين من الرعاة عند الحدود الدولية المغلقة مع سوريا التي وقفت الى جانب ايران في تلك الحرب، وأدعت بانهما مخربين قادمين بأوامر من النظام السوري للقيام بأعمال تخريبية في العراق، حيث نقلت الجثتين الى ساحة في سوق المدينة الرئيسي، ليبدء مهرجان الرقص على جثث الموتى، باحتفال كبير حضره قائممقام القضاء ومسؤول حزب السلطة وكل ادارييها المدنيين والعسكريين وجمهور غفير من الاهالي أجبر على الحضور، في مشهد مقرف من الشعارات والهتافات مع تسابق مقزز في ركل الجثتين معلنين انتصارهم على المخربين المعارضين للحزب والثورة وسط هتافات تمجد الحزب والقائد وتدعو الى تحرير كامل تراب فلسطين من الصهاينة وعملائهم من امثال اصحاب هاتين الجثتين والنظام السوري الذي ارسلهما!؟

   وبعد عدة ايام ظهرت حقيقة تلك الجثث واصحابها، واكتشف الاهالي بانهما لشخصين من الرعاة البسطاء الذين لا يعرفون الجمعة من الخميس كما يقولون ولا علاقة لهم لا بالسياسة ولا بالمعارضة ولا يفقهون شيئا غير مهنتهم في الرعي واصوات اغنامهم، حالهم حال اولئك الهاربين من الخدمة الالزامية الذين توهموا بمرور سيارة الشرطة التي كانت تقل القائممقام بالقرب من مكان اختبائهم، حيث ظنوا انهم يستقصدونهم، فاطلقوا نيران بندقيتهم التي قتلت القائمقام واصابت شخصا اخر، وفوجئنا جميعا ببيان الحكومة الذي اعتبرهم عملاء الامبريالية والصهيونية الذين يعرقلون مهمة العراق في تحرير فلسطين!

   واليوم حيث يعيد التاريخ نفسه في سنجار كما في غزة، بعناوين جديدة وبعث جديد، لكنهم بذات العقلية في التهريج والمزايدات، وايهام الناس ببطولات فارغة تعتم على جرائم وممارسات هدفها السلطة والمال، وقد تذكرت الحادثتين في مدينتي وانا اراقب (دقاقين الثوم بعكوسهم)* من الذين يرقصون على مآسي الآخرين ويتاجرون بقضية شعب تسببوا هم وانظمتهم وأحزابهم وحركاتهم في ضياعه وتشتت قضيته وتجزئة كيانه الى حكومتين متعاديتين، حيث أقاموا مهرجانات (الانتصار العظيم) التهريجي على الكيان الصهيوني في بغداد وصنعاء ودمشق وطهران وبيروت على خرائب غزة وانين الثكالى من رجالها ونسائها واطفالها الذين فقدوا أكثر من 243 من أحبائهم الذين قتلوا في القصف الجوي وإصابة أكثر من 1900 شخص آخر، ناهيك عن نزوح 75 الف مواطن وتدمير العديد من ابراج غزة وبنيتها التحتية من المصانع والخدمات.

   وهكذا ومنذ مأساة 1948 وفي نهاية كل حرب مع اسرائيل يعلن جنرالات السياسة وخطباء المنابر الانتصار الباهر على العدو الصهيوني بأقامة مهرجانات وإعلان خسائر العدو التي هزت كيانه وزلزلت الأرض تحت اقدامه، وتنبري جوقات المهللين والطبالين من مجاميع الدعاية وغسل الدماغ بايهام العامة بالنصر الألهي على العدو الكافر، مستخدمين العقائد الدينية اسوء استخدام لتوظيفها في تكريس كذبتهم وفضيحتهم التي شهدنا تفاصيلها منذ حرب حزيران المخزية، ومرورا بحرب اكتوبر التي تم تصويرها بالنصر الساحق، وصولا الى حرب حزب الله التي أشاعت فيها اجهزة دعايته بأن الائمة شاركوا جميعا بتلك الحرب التي دمرت لبنان وبيروت ولم تنهض لحد اليوم، وأخيرا في مسلسل الهزائم والاكاذيب والاستثمار القذر لقضية شعب اوهموه بانهم سيحررون وطنه حتى وان تم تدميره بالكامل، طالبين منهم الصمود والاستمرار بالبقاء في المخيمات ودول اللجوء حتى تبقى كراسيهم مؤمنة وحكمهم مستمر ورايتهم خفاقة!

   انها مسارح التهريج التي يرقص على حبالها تجار الشعارات الذين حولوا واحدة من اكثر قضايا الشعوب مأساوية في فلسطين الى مهرجانات استعراضية دعائية تتلذذ بعذابات ضحايا تلك الحروب التي يدفع ثمنها شعب تم تمزيقه وتوزيعه على كل انظمة واحزاب الشعارات والتهريج الاعلامي، وعلى مدينة سنجار واهاليها الذين رفضوا العودة اليها بعد أن غزاها فرسان المزايدات والتهريج والارهاب من داخل البلاد وخارجها باسم الدين تارة وبأسم العراق وكوردستان تارة اخرى!

* مثل من الدارج المحلي يضرب على الفضوليين الذين يهرسون الثوم بمرفق ايديهم!

kmkinfo@gmail.com



27
اطلبوا العلم من الصين ولكن!

كفاح محمود كريم

   بين الأسئلة المثارة هنا واجوبتها المرة كمٌ هائل من الاحداث في حقبة زمنية تزيد قليلا على سبعين عاما، بين مجموعتين من دول العالم في منطقتين متباعدتين، لكنهما متقاربتين في التكوين الاجتماعي والارث الحضاري، هذه الاسئلة التي تبحث عن خلل بنيوي يتعلق بجملة من المرتكزات الأساسية في البناء والتركيبات التربوية والاجتماعية وربما العقائدية وما يلحق بها ممن عادات وسلوك متوارث، ناهيك عن التأويلات والتفسيرات لكثير من النصوص والعقائد والنظريات في مجتمع قبلي وأسري يرتبط عضوياً بالبداوة والزراعة وما يتعلق بهما من قوانين وضوابط وارتباطات، ولذلك ذهبنا إلى محاولة لمقاربة مجتمعات هي الأقرب في ظروف تكويناتها وطبيعة تركيباتها الاجتماعية والاقتصادية رغم ادراكنا لمرارة الأجوبة والفرق الشاسع في اسلوب التفكير والتطبيق، لكنه ومن باب استخراج مكنونات العلل للوصول الى نصف التشخيص على الأقل انطلقنا من عام 1949م حيث سجل التاريخ السياسي والاجتماعي للشعوب حدثاً مهماً في قارة آسيا، وهو انطلاق الثورة الصينية العارمة بقيادة الزعيم الشيوعي ماو تسي تونغ، والتي احدثت زلزالا اجتماعيا واقتصادية في سدس العالم على الأقل، ولم تمضِ إلا ثلاث سنوات بعدها حتى شهدت قارة أفريقيا حدثاً كبيراً قاده أحد الضباط الثوريين عام 1952م، في انقلاب عسكري ربما الأول من نوعه في المنطقة وفي واحدة من أقدم ممالك العالم ألا وهي مملكة مصر وارثة ممالك الفراعنة التي أسقطها الزعيم القومي جمال عبد الناصر، ورغم ان الفرق شاسع بين الحدث الأول الذي جاء افقيا وبين الحدث الثاني الذي استهدف رأس النظام عموديا، الا انه أي انقلاب مصر كان حدثا غير وجه الشرق الأوسط برمته، بل وجه أفريقيا وحركاتها التحررية فيما بعد، والمثير أنّ الحدثين الصيني والمصري يصنفان على يسار الحركة السياسية في العالم آنذاك، وهناك الكثير من التشابهات بين الدولتين والشعبين فيما يتعلق بالتاريخ والحضارة التي تمتد في كليهما إلى عدة آلاف من السنين، إضافةً إلى التشابه في نسبة الأمية والفقر العالية قياساً لكثافة السكان، مع انخفاض مريع لإنتاجية الفرد والمجتمع إبان قيام الثورتين، وما  حدث بعدهما بسنوات ليست طويلة إثر قيام الثورة العراقية في تموز 1958م والكثير من التشابهات بين هذه الدول وأنظمتها الاجتماعية المحافظة وما جرى فيها خلال عدة عقود من الزمن المزدحم بالإنجازات في بعضها والمتقهقر في بعضها الآخر.
   لقد خاضت حكومات وشعوب تلك الدول حروباً وصراعات وانقسامات وانقلابات وثورات كثيرة متشابهة أحياناً ومختلفة إلى حدّ ما في أحيان أخرى، لكنها رغم ذلك وبعد ما يزيد على سبعين عاماً بقليل استطاعت أن تُحدث تغييراً نوعياً كبيراً في مسار تقدمها وشكل ومضمون حضارتها، وبالذات في الصين العظمى والصغرى في تايوان والأصغر في هونغ كونغ، وما حصل من تطور مذهل في كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا وسنغافورا، وإزاء ذلك علينا أن نتساءل عن الفروقات بينهم وما حصل خلال ذات الحقبة الزمنية من تقهقر مريع وحصاد هزيل في بلداننا، وكيف غدت دول مثل مصر والعراق وسوريا ومن ماثلهم من أنظمة ودول بقياسات زمنية واجتماعية وسياسية متقاربة قياساً إلى ما حدث في الصين الصغيرة منها والعظمى، وما نتج في كوريا وكثير من بلدان جنوب شرق آسيا التي لا تختلف كثيراً عن دولنا وشعوبنا.
   أين مراكز القوة في المجموعة الأولى لكي تقدم هذا المنتج المذهل خلال هذه السنوات وتصل إلى ما هو عليه الآن من تقدم مبهر في كل من الصين وكوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة؟
   وفي الطرف الآخر، أي في مجموعتنا هنا في الشرق الأوسط عموماً، وحصرياً في دول الحضارات القديمة مصر والعراق وسوريا، أين تكمن نقاط الضعف والخلل التي تسببت في هذا الانهيار والتقهقر والانكفاء؟
   هل هو الفرق بين الثورة الحقيقة والانقلاب العسكري، أم انها تراكم هائل من الافكار والسلوك والتطبيق؟

   الأسئلة كثيرة ومؤلمة لكنها مثيرة أيضاً رغم آلامها، فهي تبحث عن تحديد مكامن الخلل بجرأة وشفافية، وكما يقول الأطباء فإن التشخيص نصف العلاج، خاصة عند إجراء مقارنة بين الصين وكوريا الجنوبية وماليزيا وبقية هذه المجموعة مع مصر والعراق وسوريا التي تتشابه كثيراً في طبيعة المجتمعات وأوضاعها ونقطة الشروع فيها، وبذلك ربما ننجح في وضع خارطة طريق للأجيال القادمة لا تعتمد ذلك الكم الهائل من الموروث المربك والمعيق وما يلحقه من عادات وتقاليد ونظريات وتأويلات اجتماعية ودينية أثبتت فشلها على أرض الواقع، بل كانت السبب الرئيس لفشل كل أنظمتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
   ويبقى السؤال الأهم: هل ما يزال طلب العلم متاحا من رفاقنا أهل الصين، أم انه كفر والحاد!



28
التعايش في إقليم كوردستان
                                                                                                           
كفاح محمود كريم

   لقد تعايشت في كوردستان اعراق وديانات ومذاهب وأجناس عبر مئات السنين، حتى قبل نشوء الكيانات السياسية الحديثة، وكما هي تضاريس هذه البلاد واختلاف أشكالها بين الجبال والسهول والوديان، توزعت الكتل البشرية وانتماءاتها في العرق والدين، بين الكورد والكلدان والآشوريين والأرمن والسريان، ومن العرب والتركمان، في كل معتقداتهم الدينية والمذهبية، حيث جمعتهم ارضا تمازجت فوقها كل الحضارات حتى غدت في يومها الأول نوروز سفيرة الانسانية الى كل العالم، جمعتهم القرى والمدن، قمم الجبال وأطراف الوديان، حيث اشترك الجميع في التاريخ والجغرافيا، وفي الحروب والعلوم والآداب، حتى تشابكت الأحداث والمشاعر والأحاسيس.
   اختلطت دماؤهم ودموعهم في كل الحروب التي  خاضوها معا من اجل الحياة أو من أجل بعضهم، اختلطوا وتناسبوا فامتزجت أنسابهم وألوانهم وسحناتهم حتى لم تعد تفرق بين العربي والكوردي، أو بين الكلداني والآشوري، لم يكن هناك أي صراع بين كل هذه المكونات والأعراق وبالذات بين العرب والكورد، بل ليس للكورد إخوة وأصحاب غير هذه المكونات من العرب وغيرهم من الأعراق والديانات، لقد كان الصراع مع الأنظمة السياسية التي حكمت الجميع واستهانت بحقوق الآخرين أقواما كانوا أم أديان، وكان الجميع ضحايا لتلك الأنظمة الدكتاتورية وأساليبها القمعية والظالمة التي تعرضت لها هذه المكونات وخاصة الكورد والكلدان والاشوريون عبر تاريخهم من حروب شنتها الأنظمة الدكتاتورية والشوفينية والتي زادتهم قوة وإيمانا بقضيتهم وبعلاقتهم التاريخية النقية مع الشعب العربي، ولم تترك رغم مأساتها (أي تلك الحروب القاسية) أي أثرٍ للحقد أو الانتقام، ولعل ما حدث في انتفاضة آذار1991م، بعد أن تحررت كوردستان من دكتاتورية النظام السابق وكيفية التعامل مع عشرات الآلاف من الجنود والضباط وحتى مع الكثير من الموظفين العرب العاملين في محافظات الإقليم، دليل على نقاء الشعب الكوردستاني بكافة مكوناته وأطيافه ونظافته من الاحقاد او الانتقام.
    أن ما يؤكد متانة العلاقة الانسانية مع الشعب العربي وقوف الكثير من المثقفين والمفكرين والسياسيين والنخب الصحفية والاعلامية والناشطين  مع جبهة الكورد وكوردستان ومناصرتهما من اجل حقوقهم في الشرق الاوسط عموما، وهذه فلسطين وفصائلها تشهد روعة ومتانة العلاقة بين الشعبين والثورتين الكوردية والفلسطينية منذ انبثاقهما وتعاون معظم المنظمات الفلسطينية مع الثورة الكوردية في كثير من المجالات، وعلى رأسها منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها، ولم يبقَ متسع من ثرى الشام والعراق وفلسطين والكنانة حتى طوى آلافا مؤلفة من خيرة مقاتلي كوردستان من المسلمين والمسيحيين والايزيديين في حروب العرب والمسلمين عبر قرون وقرون، فاختلطت الدماء والرفات، وامتلأت مقابر الشهداء رجالا جاءوا من كوردستان دفاعا عن العروبة والإسلام.
    إن التعايش الأبدي في كوردستان عبر التاريخ القديم والحديث يؤشر حضارة راقية لدى كل سكان هذه المنطقة من العالم، ليس هنا في كوردستان العراق فحسب وإنما هناك أيضا في اجزائها الثلاثة الاخرى، حيث يتعايش المسلمون والمسيحيون والايزيديون من الكورد والعرب والكلدان والاشوريون والارمن في تسامح وتعاطي خلاق  منذ أجيال وأجيال، فقد كانت كوردستان برمتها وما تزال تنتهج مبدأ التعايش والتسامح الراقي والنبيل بين الأديان والمذاهب والأعراق برغم محاولات المتطرفين من العنصريين عرقيا أو دينيا تمزيق هذا النسيج إلا إن طبيعة تركيبة السكان الاجتماعية والسيكولوجية والأخلاقية لا تسمح بنشوء هكذا توجهات أو أفكار والدليل هو تحول هذا الإقليم إلى ملاذ آمن لمئات الألوف من المضطهدين مذهبيا ودينيا وحتى عرقيا من كل أجزاء العراق الأخرى، وما يشهده الإقليم حاليا من نهوض ثقافي وحضاري لجميع مكوناته يدلل على هذا النهج السامي والأفكار النبيلة التي يتميز بها هذا الشعب الذي يقول ان كل الشعوب تسكن اوطانها الا نحن وطننا يسكن فينا، حيث تراه وتسمعه في كل الاغاني والأناشيد والحان الموسيقى والفلكلور والحكايات واساطير الاولين، حتى أصبح عنوان الانتماء لكل الاعراق والاديان في التسامح والتعايش وقبول الآخر.

kmkinfo@gmail.com
 



29
القدس بين سوق المزايدات وتجارة الشعارات!

كفاح محمود كريم
    ابتليت مجموعة الدول المتخلفة سياسياً بأنماط من أنظمة حكم وأدواتها السياسية المتمثلة بالأحزاب أو الأفراد وأذرعهما من الجماعات المسلحة والميليشيات العقائدية خارج إطار الدولة ومؤسساتها، وقد ظهرت بشكل جلي هذه الأنماط بُعيد إسقاط الهياكل السابقة لتلك الدول بحجة كونها أنظمة دكتاتورية على أيدي الدول الكبرى، التي أسست معظمها قبل مائة عام تقريباً في اتفاقيات فيما بينها بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، وأبرز تلك الدول هي سوريا والعراق، التي تعرضت إحداهما إلى عملية إسقاط هيكل نظامها السياسي المتمثل بصدام حسين وحزبه وعسكره وأجهزة مخابراته وأمنه، والثانية أبقت على هيكل حكمها مقلم الأظافر، وتبدو الصورة أكثر وضوحاً لو عبرنا الحدود العراقية السورية والتي لا تكاد تشعر بوجودها وذلك بفضل (الروح الجهادية) للميليشيات الشغالة ليل نهار ومن الجهتين بالجهاد التهريبي لتحقيق ما عجز عنه الرئيس الأسبق صدام حسين في إقامة دولة الوحدة قومياً، لكنه فشل بسبب تشبث طيب الثرى الأسد الكبير بكرسي الوحدة، إذن إذا ما عبرنا إلى الشقيقة سوريا حيث تكتظ بأنواع وأشكال وألوان الميليشيات وعلى مختلف القياسات والمذاهب والطرق والاجتهادات من أقصى يسار الشيعة إلى أقصى يمين السنة ناهيك عن مخلفات القاعدة وداعش، حيث سترى ما لم تراه العين وتسمعه الأذن من شعارات وأسواق للنخاسة السياسية والمذهبية والقومية وحتى اليسارية المتطرفة وألوانها التي تنافس ألوان الدول الأفريقية الزاهية، خاصةً في مناطق الإدارة الذاتية الحائرة بين أحضان أمريكا وإيران ودمشق وقنديل!
    ولعل أبرز بضائع سوق المزايدات وأكثرها رواجاً عند العامة في هذه الدول هي البضائع ذات الاكسسوارات الدينية والقومية، وما يتعلق بها من نكهات أخرى مضافة عليها، خاصةً ما يتعلق بفلسطين وعاصمتها الأبدية القدس التي أصبحت ومنذ أربعينيات القرن الماضي ابرز البضائع وأكثرها استخداماً للشعارات والإعلانات وعناوين الشوارع والطرق والجيوش، وليس بعيداً والحمد لله جيش القدس الذي أسسه النظام السابق من متطوعين اجباريين، بلغت أعدادهم قرابة السبعة ملايين مجاهد لتحرير القدس، حصل ذلك بعد أن اعتبرت إيران وجمهوريتها الإسلامية كربلاء والنجف في ثمانينيات القرن الماضي طريقها إلى القدس، ونحمد الله أن التجربتين العراقية في (جيش القدس) والإيرانية في شق (طريق القدس) تُستكمل اليوم في (يوم القدس العالمي) ومهرجاناته واستعراضاته العسكرية وميليشياته الولائية جداً، حيث ما تزال تقاوم وتقاتل وتناضل وتجاهد الكيان الصهيوني من على منابر الجوامع والحسينيات، وعبر مهرجانات في مدن وعواصم تبعد آلاف الكيلومترات عن إسرائيل، من صنعاء الحوثيين إلى لبنان حزب الله مروراً بالعراق الولائي وسوريا الأسد، دون أن يصل هذا الكيان إلا صدى تلك الخطابات النارية وتصفيقات وصرخات آلاف المحتفلين في ساحات بغداد وبيروت وطهران!
    سوق المزايدات هذا وتجارته بالشعارات هو الجامع الرئيسي والثابت الرابط لكل من الأنظمة الشمولية عربيا واسلاميا، مضاف اليها أذرعها العابرة للحدود مثل القاعدة وتنظيم الدولة وما فرخوه من منظمات للنصرة وامثالها، إضافة الى السوق المركزي للبازارات السياسية وميليشياتها التي تُشكل اللا دولة في كل من اليمن ولبنان والعراق وسوريا حيث يجتمعون جميعهمُ في توجه واحد وثقافة شعاراتية واحدة نجحت في تبليط طرقا مختلفة وصولا الى القدس بعد سنوات ضوئية!
kmkinfo@gmail.com


30

العراق بين شماعتين!

كفاح محمود كريم

   منذ سقوط النظام الملكي وبدء حقبة الانقلابات وما رافقها من أنظمة الحكم الشمولي الفردي أو الحزبي أو الطائفي وحتى يومنا هذا، انتصبت في مسرح السياسة العراقية عمودياً وأفقياً شماعتين يعلق عليهما الحاكمين مبررات وجودهم على كرسي الحكم وضرورة بقائهم مع بقاء تلك المبررات، والشماعتين إحداهما إسرائيل وما يلحق بها من مصطلحات الإمبريالية والصهيونية والاستعمار، والشماعة الثانية البعث وداعش، ويكفي اتهامك أو وصفك أو تعليقك بإحدى هاتين الشماعتين حتى ترى طريقك إلى الجحيم دون محكمة أو محامي دفاع!

   في الشماعة الأولى ومنذ 1958، تمّ تعليق آلاف مؤلفة من العراقيين بمختلف مشاربهم السياسية من أقصى اليمين وحتى أقصى اليسار على مشانق هذه الشماعة لكونهم كانوا معارضين إما للزعيم الأوحد أو للقائد الضرورة، ومن نجى بنفسه ترك البلد مهاجراً إلى كل أصقاع الدنيا، أو قُتلَ مناضلاً وهو يقاوم تلك العقلية الطاغية، ويتذكر العراقيون كورداً وعرباً سنةً وشيعة مسيحيين وايزيديين وبقية المكونات أن تلك الأنظمة لم ترحم أياً منهم لكونه من مذهب الحاكم أو قوميته أو حتى منطقته إذا كان معارضاً، حيث عُلق الجميع على مشانق تلك الشماعة، التي أتذكر واحدة من أكثرها بؤساً وسخريةً في صيف 1972م، حيث أطلق هاربين قرويين من الخدمة العسكرية النار على سيارة شرطة أعتقدوا أنها  تتجه إليهم دون أن يعرفوا من في داخلها، وكان في حينها قائمقام أحد الأقضية يقوم بزيارة قرية صغيرة في أحد الجبال القريبة من المدينة وقد أردوه قتيلاً، ظناً منهم أنها (أي سيارة الشرطة) تلاحقهم، بعد ساعات من الحادث صدر بيان من الحكومة يقول بالنص إن ”عملاء الصهيونية والشركات الاحتكارية، قاموا باغتيال الرفيق القائمقام”، والغريب أن نائب رئيس البرلمان العراقي بعدما يقرب من نصف قرن من هذه الحادثة يتهم (أزلام النظام السابق بتخطيط وتنسيق مع داعش) بحرق مستشفى ابن الخطيب!!؟

   أما الشماعة الثانية التي جاءت بديلاً معدلاً عن الأولى بعد 2003 فهي تتضمن تهمتين جاهزتين، وهما البعث والنظام السابق ومن ثم داعش وما يتبعهما، وقد صمموا للاثنتين قوانين هلامية قابلة للتأويل كيفما يشتهي الحاكم، هما المادة 4 إرهاب، ويقع ضمن تعريفاتها أو تأويلاتها إمكانية اعتقال أو تغييب شخص أو آلاف الأشخاص دونما تحقيق ولمجرد الاشتباه، والقانون الثاني الاجتثاث وما يتبعه من توجيه اتهام لأي شخص أو مجموعة بأنهم كانوا ضمن أو مع النظام السابق وحزبه، وقد أدى ذلك إلى تدمير مستقبل مئات الآلاف من الأشخاص والأسر التي إما هاجرت تاركةً كل شيء وإما أنها تعيش ضنك الحياة والملاحقة وقطع الأرزاق.

   هذه التراجيديا السايكولوجية المليئة بمركبات النقص والخوف والرعب من أعداء مفترضين لا وجود لهم، أدت إلى نشوب حروب تدميرية أوصلت واحد من أثرى دول الشرق الأوسط وأكثرها ثروات ومعرفة إلى أفشل نظام سياسي واجتماعي واقتصادي في المنطقة والعالم، والأخطر أن هذه الشماعات أصبحت من أهم المرتكزات في التركيب النفسي والاجتماعي للأفراد والمجتمعات حتى أمسى الشك والتوجس والخوف يستحكم في الكثير من سلوكهم بعد أن  استشرت هذه الظاهرة واتسعت حتى غدت جزءًا من التركيب النفسي لملايين المواطنين على المستوى الاجتماعي في التعاطي مع كثير من الظواهر ومفردات النشاط اليومي للإنسان.

   إننا أحوج ما نكون إلى عملية تغيير اجتماعي تربوي جذري أكثر من حاجتنا إلى إصلاحات ترقيعية في الهياكل السياسية ومؤسساتها التي ينخر فيها الفساد، فالمرض المستشري وجروحه قد لامس العظام!

kmkinfo@gmail.com

31
كوردستان والمحيط العربي

كفاح محمود كريم

   أثار حديث الرئيس نيجيرفان بارزاني رئيس اقليم كوردستان في قناة الشرقية نيوز مؤخرا ارتياحا كبيرا في الاوساط العربية الرسمية والشعبية عامة، وفي الاوساط العراقية بشكل خاص، وبالذات في جزئه الذي تحدث فيه عن العلاقات بين عرب العراق وبين شعب كوردستان وقياداته عبر التاريخ وتطرقه الى ان الخلافات المتراكمة اليوم بين بغداد واربيل هي خلافات عائلة واحدة، رغم ما تقترفه الجماعات الخارجة على القانون والميليشيات السائبة ومن يدعمها بالتعدي على الاقليم واشاعة الكراهية والاحقاد ضده، وما يحصل اليوم ليس غريبا ولا جديدا فمنذ تأسيس مملكة العراق مطلع القرن الماضي، حاولت كل الانظمة المتعاقبة على حكم بلاد ما بين النهرين، مملكة كانت أم جمهورية تخريب العلاقة بين العرب والكورد من خلال تلك الحروب التي كانت تشنها على كوردستان لأخماد انتفاضاتها وثوراتها، لكنها ورغم كل المأسي لم تنجح في تخديش العلاقة بين الشعبين الكوردستاني وبين عرب العراق وبقية دول العالم العربي، حيث حافظت حركة التحرر الكوردية في جميع مراحلها على الأواصر المتينة بين الكورد وبقية الشعوب العربية، بل كانت من أولويات الخطاب السياسي للانتفاضات والثورات الكوردية على مرّ التاريخ، لِما يجمع القوميتين من ثوابت ومشتركات تاريخية وجغرافية في مختلف مناحي الحياة، وحتى أيام الثورات الكوردية كانت المناطق المحررة من كوردستان دائماً ملجئاً للمعارضين والثوار العراقيين على مختلف انتماءاتهم السياسية، بل كانت ساحة لنضالهم ضد الديكتاتورية بدعم لوجستي واستراتيجي من قبل قيادة الحركة التحررية والكوردستانية.

   وحينما تمتع الإقليم باستقلال ذاتي إثر انتفاضة آذار 1991م وإعلان الفيدرالية كأول قانون يصدره البرلمان الكوردستاني في أواسط 1992م، تحول الإقليم إلى ساحة لنضال كل العراقيين من مختلف مشاربهم السياسية، حيث فتحوا فيه مقراتهم ومكاتبهم وكل ما يتعلق بنشاطهم السياسي والاجتماعي والثقافي والإعلامي، وقد تمتع إقليم كوردستان منذ ذلك الحين بعلاقات طيبة مع الدول المجاورة له، خاصة مع كل من إيران وتركيا وسوريا، والتي تميزت بعلاقات إيجابية وتعاون في كل المجلات نتيجة لنجاح الدبلوماسية الكوردستانية التي قادها الرئيس مسعود بارزاني منذ الأيام الأولى لاستقلال الإقليم عن نظام بغداد، و انبثاق أول برلمان كوردستاني مهد الطريق لتشكيل حكومة ائتلافية هي الأولى من نوعها في التاريخ الكوردي المعاصر بعد حكومة القاضي محمد في جمهورية كوردستان عام 1946م.

   وبعد أن أسقطت الولايات المتحدة نظام صدام حسين وأسست النظام السياسي الجديد إثر اعتماد دستور دائم للبلاد، الدستور الذي أقرّ واعترف بفيدرالية كوردستان وكيانها السياسي ومؤسساته التشريعية والتنفيذية والقضائية، قاد الرئيس مسعود بارزاني وفريقه منذ 2006 عملية بناء علاقات دبلوماسية رصينة مع المحيط العربي بشكل خاص، حيث تم إرساء قواعد متينة للعلاقات الكوردستانية العربية وعلى مختلف الأصعدة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية، من خلال زيارات رسمية لكل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر والأردن وليبيا وجمهورية مصر العربية، والتي أدت إلى تمتين العلاقة وفتح ممثليات وقنصليات لها في عاصمة الإقليم وبداية انفتاح كوردستاني واسع على المحيط العربي الذي طالما فعل الإعلام الأسود فعلته في تشويه تطلعات الإقليم الكوردستاني وشعبه نحو الحرية والتقدم وعلاقته التاريخية بالعرب شعوباً وفعاليات سياسية عبر موروث كبير من الإيجابية والعلاقة المتميزة بين الشعبين المتداخلين جغرافياً واجتماعياً واقتصادياً، رغم ما فعلته أنظمة مستبدة تفوح منها رائحة الشوفينية والعنصرية المقيتة وإعلامها الأسود طيلة نصف قرن من حروب مدمرة للبلاد والعباد، وتشويه متعمد لقضية شعب شقيق له تاريخ طويل معفر بقوافل الشهداء من أجل قضايا العرب ونضالاتهم عبر العصور منذ تشاركوا في الأرض والمصير.
   
   إن ما يجري اليوم من بعض المجموعات المتطرفة في اشاعة الكراهية ضد الكورد باستخدام الوتر الطائفي تارة والوتر القومي تارة اخرى سيصطدم بجدار صلب من العلاقة التاريخية بين العرب والكورد سبق لأعتى الدكتاتوريات أن فشلت في اختراقه، هذه المجموعات الميليشياوية تعمل منذ سنوات وتطمح أن تحيل الخلافات السياسية بين الاقليم والحكومة الاتحادية الى فتنة قومية او طائفية مقيتة، من خلال العمليات الارهابية التي تقترفها ضد الاقليم، وقراءة سريعة للتضامن العربي والعالمي مع كوردستان بعد قصف مطارها من قبل ميليشيات ارهابية دليل على صلابة هذا الجدار وقوة الاقليم وسمعته ومكانته عربيا وعالميا، ومتانة الاواصر بين كوردستان والعرب سواء في العراق او بقية الدول العربية الاخرى.

kmkinfo@gmail.com


32
الديمقراطية والبيئة الاجتماعية المعاقة!

كفاح محمود كريم

   يُرجع الكثير من علماء النفس والاجتماع ظواهر الانتهازية والتدليس، وما يرافقها من كذب واحتيال الى الخوف سواء ما كان منه في السنوات الأولى لحياة الانسان وتكريسه تربويا، او نتيجة منظومة الاستبداد الاجتماعي والتربوي والديني الذي أنتج جملة من العادات والتقاليد التي تقف بالضد من أي محاولة للحداثة ودمقرطة المجتمع والنظم السياسية. ورغم انها أي الانتهازية كسلوك اجتماعي أو سياسي من انتاج الخوف والرعب الذي تولده الانظمة القمعية الدكتاتورية منها وحتى بعض النظم الديمقراطية، وهي في واقع الحال واحدة من اخطر الظواهر التي أفرزتها تلك الأنظمة الى جانب الاستبداد الاجتماعي والتربوي على مستوى الاسرة والمدرسة، صفا بصف مع منتج آخر للخوف وهو الكذب وفقدان الثقة بالنفس وبالآخر، حيث اصبحت الانتهازية والتملق والتزلف بنات شرعيات للكذب السائد في مجتمعات الأنظمة الشمولية والبوليسية التي تحتضنها بين طيات تكوينها القبلي والعشائري أو في مؤسساتها الإدارية وصولا إلى قمة الهرم، وقد دفعت البشرية خسائر فادحة حتى استطاعت مجتمعاتها المتحضرة حل هذه الإشكالية بالتربية الحديثة والديمقراطية الاجتماعية والسياسية واحترام حقوق الإنسان بصرف النظر عن العرق والدين واللون والجنس.
   لقد انعكست مظاهر الانتهازية والعدوانية على شكل التعامل بين السلطة والأهالي من جهة وشكل البناء الاجتماعي القروي والقبلي والنظام التربوي البدائي من جهة أخرى في التعاطي مع الفعاليات الحياتية بكل أنماطها في السياسة والمجتمع والاقتصاد والتربية والتعليم وحتى على مستوى العلاقات الشخصية بين الأفراد أو المجموعات، حيث تسود مشاعر الأنانية والحذر الشديد والتوجس إلى درجة الخوف من الآخر بل والشعور بالعدوانية تجاهه، ففي معظم مجتمعاتنا الشرقية التي تعاني من أمية أبجدية وحضارية وثقافة قروية وسلوك بدوي ما زال يسكن دواخل الكثير من الذين غيروا أشكالهم وديكوراتهم بإكسسوارات المظاهر دونما الالتفات إلى نوعية السلوك وتقدميته إلا بالقدر الذي يحافظ على مصالحهم الذاتية والمظهرية والتي تنحصر في مجملها بعقلية الربح والخسارة، تسبقها دوما سوء النية في التعامل اليومي والتعاطي مع تفصيلات الحياة اليومية بين البشر، على خلفية البقالة المجردة من المشاعر الخلاقة.
   لقد مارست الطبقة الحاكمة سواء كانت فردا أو حزبا أو شريحة اجتماعية، ضغوطا هائلة على المجتمع من خلال المجموعات التابعة والملحقة بها من المستفيدين من عطاياها وسلطنتها الذين يشكلون خطوط حمايتها وأبواق دعايتها وسدنة حكمها ومن ثم مراكز هيمنتها وإداراتها، حيث تولت هذه (الملحقات المعوقة) مسؤوليات إدارية واقتصادية وحتى اجتماعية مهمة في المجتمع والدولة وخير مثال على ذلك تلك المجاميع التي أنتجها النظام الدكتاتوري من خلال مؤسساته القمعية والحزبية من الأميين وأنصافهم منذ بدأ حقبة الانقلابات في كل من العراق وسوريا والجزائر وليبيا واليمن وايران والسودان وبقية الدولة الاخرى المشابهة، وتولي الكثير منهم قيادات مهمة في الجيش وحقائب وزارية وإدارات المحافظات والمدن وحتى في الجامعات وعماداتها، ناهيك عن عشرات الآلاف من صغار ومتوسطي الموظفين في كل مفاصل الدولة.
   وبدلا من تكريس الحياة المدنية ونقلها إلى الريف والقرية وإحداث تغييرات اقتصادية واجتماعية ترتقي بها من تلك الأنظمة المغلقة والمحدودة والمقيدة بنظام العبودية للشيخ والأغا وأحيانا كثيرة لرجال الدين القرويين أشباه الأميين إلى مستويات اعلي وأكثر تطورا، بربط تلك المناطق بمنظومة من الطرق والاتصالات والخدمات والمناهج التربوية التي تحدث تغييرات مهمة في بنائها التحتي، عملت كل الانقلابات التي هيمنت على السلطة وادعت تغيير النظام السياسي والاجتماعي وأحيانا كثيرة الاقتصادي السابق لها إلى نظام جمهوري مدني اشتراكي، لا إلى نقل المدينة إلى الريف بل حصل العكس بنقل الريف وتهجيره إلى المدن، مما أضاع فرصة ثمينة لتطوير الريف والمدينة بل عمل على مسخ هوية المدن وإغراقها بأنماط قروية وقبلية في السلوك والتصرف.
   وخلال عقود قليلة تحولت تلك الأفواج من القرويين إلى مجموعات منقادة اخترقت كل أنظمة المجتمع والدولة وبخاصة مؤسسات الجيش والشرطة والتعليم الأوسع انتشارا من غيرهم في الهيكل الوظيفي للدولة، هذه المجموعات التي أفرزتها تلك الأنظمة المستبدة سواء ما كان منها على دفة الحكم أو ما كان منها على شكل منظومة عادات وتقاليد اجتماعية استبدادية وهي بالتالي تشكل العمق الاجتماعي للأنظمة السياسية المستبدة حيث بساطة التفكير وسذاجته وعقلية القطيع التي سهلت مهمة الأنظمة في السيطرة على هذه المجموعات التي نقلت معها كل سلوكيات القرية والبداوة إلى مراكز المدن بحثا عن العمل أو الارتزاق خلف أنظمة سياسية استبدادية تستغل سذاجتها لاستخدامها أدوات سلطوية وقمعية في أجهزتها الخاصة كما تفعل معظم أنظمتنا السياسية هنا في الشرق الأوسط في الاعتماد على مجاميع من القرويين والقبليين في حماية النظام ورموزه ومؤسساته العسكرية والأمنية، حتى وصلت إلى مفاصل مهمة في مراكز القرار في الدولة والمجتمع مما تسبب في ظهور عوق اجتماعي كبير هو ما نسميه بالنفاق الاجتماعي والانتهازية المقيتة.
   إن الديمقراطية ليست تداولا سلميا للسلطة من خلال صناديق الاقتراع في مجتمعات مشتتة الانتماءات والولاءات، بقدر ما هي عملية إحداث تغييرات اجتماعية تربوية جذرية تشمل كل مناحي الحياة وطبقات المجتمع، وبخاصة ما يتعلق بإزالة هواجس الخوف المنتجة لكثير من مظاهر العوق الاجتماعي في الكذب والتدليس والسلبية في التعاطي مع الآخر، وتحديث أساليب التربية والتعليم والانتقال من التلقين وصناعة القطيع إلى التربية النقدية والمبادرة وحرية التعبير وقبول الآخر المختلف، وإزاء ذلك لا يمكن إتمام أي عملية تحديث مع وجود مد عشائري في ثقافته وسلوكياته وتركيباته وطغيانه على النظم الاجتماعية والسياسية، وستبقى هذه المظاهر من اكبر التحديات والمعوقات الحقيقية في طريق إحداث أي تغيير باتجاه بناء مجتمع مدني ديمقراطي.

kmkinfo@gmail.com






33
كوردستان وبقايا الإمبراطوريات!
                                                                                                           
كفاح محمود كريم
   
   ما بين التاريخ والجغرافية تتأرجح كوردستان الوطن والقضية منذ أكثر من قرن من الزمان بين بقايا ثلاث إمبراطوريات حكمت هذا العالم وشاخت، بل وغابت عنها الشمس حتى اضمحلت وتحولت إلى دويلات تتقاتل من أجل إعادة أمجادها التي ذهبت أدراج الرياح، وما زلتُ أتذكرُ كما الآن حوار صحفي أجري في أواخر عام 1979 م، مع زبيغنيو بريجنسكي وكان في حينها مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، حينذاك تحدث عن أزمة الشرق الأوسط في برنامج تلفزيوني أمريكي، مشيراً إلى مناطق مؤهلة للالتهاب الشديد غير مراكز السخونة المعروفة آنذاك بين العرب وإسرائيل أو بين تركيا واليونان أو حتى بين الهند والباكستان بعيداً إلى حدٍّ ما من الشرق الأوسط، وحينما طلب منه محاوره أن يحدد تلك المناطق قال له اذهب إلى الخارطة وضع إصبعك في مركز التقاء بقايا ثلاث إمبراطوريات شرقية حكمت مساحات واسعة من كوكبنا الأرضي وكان لها سيطرة وسطوة في حينها،   وانا أستمع لذاك الحوار سارعتُ إلى أطلس مدرسي كان على طرف المكتبة حينها، وسبقت الصحفي إلى حيث التقاء تلك الإمبراطوريات وبقاياها اليوم في مثلث يعرف الآن بالمثلث العراقي التركي الإيراني الساخن حد الاتقاد.

   لقد انتهت حقبة الإمبراطوريات الكلاسيكية بسقوط إمبراطورية آل عثمان لكي تبدأ حقبة أخرى من دول القبائل والعشائر وتحديداً بعد معاهدة سايكس بيكو ومن ثم لوزان التي أرست خارطة تلك الدول إلى يومنا هذا على أنقاض معاهدة سيفر وعلى حساب الكورد والأرمن والفلسطينيبن وغيرهم ممن قامت على أشلائهم هذه الدول وبقايا إمبراطورياتها المريضة، وخلال أكثر من قرن من الزمان سالت بحور من الدماء في حروب الوجود والبقاء والصراع على الأرض والثروات، خاضتها أنظمة تلك الدول من بقايا الإمبراطوريات مع مكونات تلك الإمبراطوريات التي عملت على إذابتها في بوتقة الدول وقومياتها السائدة وإصرارها على إعادة الحياة لتلك المنظومة الإمبراطورية المتوفاة؟
   وخلال عشرات السنين من الصراع المستميت وترليونات الدولارات من الأموال وملايين من الضحايا والمعاقين والعديد من الحروب من أجل الحصول على المفاتيح السرية للإمبراطوريات الحديثة، وهي خفايا وخبايا الأسلحة النووية التي تعتقد هذه البقايا إن امتلاكها سيعيد إليها ما فقدته وسيمنحها صفة العضوية في النادي النووي ومهمة (إخصاء) الآخرين من حولها، فلم تتقدم هذه الدول أنملة واحدة بالاتجاه الصحيح، بل على العكس تقهقرت إلى الوراء وهي تظنُّ إنها إنما حققت انتصارات وهمية باهرة كانتصارات (قادسية صدام والأنفال وأم المعارك والحواسم)، هنا في هذا الجزء من البقايا الإمبراطورية وما يقابلها من الطرف الآخر إلى الشرق في إيران التي انتهجت طرقاً دينية للوصول إلى النادي النووي على حساب تقهقر عشرات الملايين من البشر الذين ما زالوا ُيستخدَمون كفئران تجارب لدى هذه الأنظمة النووية جداً، وما يجري في آسيا الصغرى التي أصبحت تُسمى بعد تقزيم الإمبراطورية العثمانية بدولة تركيا الحالمة بعضوية النادي الأوروبي الذي سينقلها إلى مستوى أكثر تحضراً كما تعتقد، يدلل على فشل اتجاهاتها القمعية مع مكوناتها وأعراقها وبالذات ما يحصل بالقرب من المثلث الملتهب؟.

   خلاصة القول تساؤل مر: ألا تكفي مائة عام من الصراعات العبثية عبرة لحكامها وأنظمتها التي لم تنجح في إبادة او إذابة المكونات الأصغر عددا مثل الكورد أو احتوائهم في دويلات تمَّ تصنيعها لمصالح استعمارية ليس إلا، حقاً أنه سؤال يختزن آلام وويلات عاشتها شعوب هذه المنطقة بما فيها الغالبية، التي فقدت فرصاً ذهبية للانتقال إلى مستوى أكثر رقياً وازدهاراً، ولعلَّ في تجربة العراق وما حصل فيه من صراعات وحروب وما أنتجته من تشرذم وتقهقر في بلد يُعتبر من البلدان الغنية جداً في العالم، درسٌ بليغ لتركيا وإيران وسوريا لاختصار واختزال الزمن والخسائر والركون إلى حلول حضارية وسلمية لصراعاتها مع الكورد، لأن الإصرار على الخيار الآخر لن تجني منه إلا مزيد من التقهقر والتخلف والدمار وضياع فرصة ذهبية وتاريخية لتطور شعوبها التي تأن من الفقر والعوز والخوف في ظل أنظمة رثّة تسخر إمكانيات دولها لإبقائها في دفة السلطة على حساب السكان الغالبية منهم والأقلية، حقاً أنه المثلث الملتهب كما قال المستشار الأمريكي زبيغنيو بريجنسكي، يأن تحت سياط أنظمة تعيش أحلام يقظتها على عذابات الشعوب وحقوق الإنسان في العيش بحرية واستقلال وسلام بعد أن فشلت وهي في أوج عظمتها من أن تحافظ على بقائها وديمومتها، فهل سيكون هذا المثلث مفتاح هِدايتها أو ربما تشرّذمها وانهيارها!؟

kmkinfo@gmail.com
 


34
لا أغلبية حاكمة في العراق!
كفاح محمود كريم

   يذهب البعض من الكتل السياسية منذ سنوات الى موضوع استخدام صيغة الأغلبية في اتخاذ القرارات او التشريعات بديلا عن صيغة التوافق بين المكونات الرئيسية في البلاد العراقية، وفي بيئة سياسية مضطربة ومؤسسات غير مكتملة التكوين خاصة في المؤسسة التشريعية التي ما تزال تعمل بنصف هيكلها مع غياب مجلس الاتحاد الذي يعتبر فلتر امان لجميع المكونات، وبرفض ممنهج لأي توجه لتطبيق النظام الفيدرالي خاصة بعد عرقلة طلبات البصرة وصلاح الدين والانبار ونينوى، مع ايقاف تطبيق المادة 140 وقانون النفط والغاز وتعدد مراكز القرار في المؤسسةالعسكرية، كل هذه الامور مع تعطش الكتل الكبيرة لتكريس نظام شمولي اتضحت ملامحه بعد اكثر خمسة عشر عاما من اختراق كل مفاصل الدولة العسكرية والأمنية والاقتصادية بالشكل الذي حولها الى نظام اقرب ما يكون الى نظام الحزب الواحد ولكن بصيغة المذهب الواحد، وهذا يتجلى واضحا فيما عُرف في السنوات الأخيرة بالدولة العميقة التي تسيطر على مقاليد الحكم بشكل متشدد بمساندة اذرع عسكرية تكاد تكون بديلا للمؤسسة العسكرية والأمنية بل تتفوق عليها في العدة والعدد، اما من خلال هياكلها او من خلال اذرعها الممتدة في جسد المؤسسة العسكرية والأمنية، وهكذا يمكن لنا أن ندرك هذا التنظيم الشمولي للنظام السياسي الذي يحاول قادته فرض نظام الأغلبية لتعزيز او شرعنة هذا الشكل من الدكتاتورية.
     في العراق ومنذ تموز 1958م حاولت الأنظمة المتعاقبة إضافة اكسسوارات شكلية تجميلية على هيكل ادارتها بصناعة أدوات زينة سياسية على شكل افراد او أحزاب كارتونية يفترض انها من مكونات أخرى غير الحاكمة لكنها سرعان ما انكشفت ولم تنطلي على الأهالي حتى انهيار نظام صدام حسين وسقوط تلك الصيغة الأحادية التي حكمت البلاد اكثر من ستين عاما، حيث بدأت مرحلة جديدة بعد اسقاط ذلك النظام تبلورت في وضع أسس نظام يعتمد في تكوينه على مشاركة كل المكونات القومية والدينية والمذهبية والعرقية، بما يؤسس تدريجيا لدولة المواطنة في ظل دستور يضمن حقوق كل المكونات ويحقق بقاء البلاد اتحادا اختياريا بين كل هذه الأطراف في نظام فيدرالي يمنحها حقوقها في الإدارة الذاتية وبتوافق في اتخاذ القرار الاتحادي بما لا يدع مجالا لأي انفراد أو تفرد على حساب الآخرين، ولأجل ذلك كانت التوافقية التي ميزت طبيعة الحكم طيلة السنوات المنصرمة وحافظت على وحدة البلاد وعدم تجزئتها.
     ان طبيعة تكوين الدولة العراقية وشكل نظامها السياسي منذ تأسيسها وما تخللها من صراعات وحروب وإقصاء وظلم كارثي كبير ترك آثارا بالغة، لا يسمح بأي شكل من الأشكال قيام أغلبية تتفرد بالحكم مرة أخرى، سواء كانت سياسية أو قومية أو دينية مذهبية، حتى وان كانت من الناحية العددية تتفوق أو تتجاوز المكونات الأخرى، فالعراق يتكون وواقع حاله منذ تأسيسه من قوميتين رئيسيتين هما العرب والكورد، ومن الناحية الدينية بأكثرية عددية مسلمة منقسمة الى مذهبين رئيسيين، تعقبهما الديانة المسيحية فالايزيدية والصابئة واليهود، ينتمون في أصولهم وقومياتهم إلى أكثرية عربية وكوردية تشاركهما مكونات أخرى من الآشوريين والتركمان والكلدان والسريان والأرمن، حيث أظهرت السنوات الماضية ونتائج الانتخابات العامة الأخيرة ثلاث اصطفافات واضحة جدا تتكثف فيها ثلاث تكتلات مذهبية وقومية هي: الكتلة الشيعية والكتلة الكوردستانية والكتلة السنية، التي تمثل مكونات العراق الرئيسية، ورغم وجود تداخلات في المكونات الثلاث كوجود كوادر شيعية في الكتلة السنية والكوردستانية، أو الكوردية والتركمانية في الكتلة الشيعية وكذا الحال في الكتلة الكوردستانية الذي تضم مكونات غير كوردية مثل الاشوريين والتركمان والكلدان والسريان والعرب، إلا أن واقع الحال وما يجري من تجاذبات وصراعات يمثل حقيقة المكونات الرئيسية للبلاد التي تتوزع جغرافيا ايضا حول العاصمة بغداد، في الجنوب والفرات الأوسط، والغرب وبعض من الشمال والشرق، والشمال مع بعض من الغرب والشرق لتكون اقاليما جغرافية وتاريخية متناسقة ومتجانسة، تتوحد جميعها حول عاصمة تاريخية لا تقبل ثقافتها الا أن تكون ملكا لكل المكونات والأديان والمذاهب، تلك هي بغداد التي تتقاسم فيها اليوم المكونات الرئيسية والأخرى مواقعها الاتحادية في السلطات الثلاث بطواقم مترهلة ومتداخلة بغياب إعلان الفيدراليتين الاخريتين في كل من الجنوب والفرات الأوسط والغرب مع التلكؤ في حل مسألة المناطق المتداخلة بين إقليم كوردستان ومحافظات نينوى وديالى وصلاح الدين.
   ورغم بعض الاصلاحات التي جرت هنا وهناك الا ان صدى ما قاله الملك الهاشمي فيصل الأول في اول انطباع له عن مجتمعات بلاد الرافدين وهو يقود او مملكة عراقية معاصرة انتجتها اتفاقية سايكس بيكو ما يزال يرسم ذات المشهد منذ 1921م
  (إن البلاد العراقية هي من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية، ذلك هو الوحدة الفكرية والملّية والدينية، فهي والحالة هذه، مبعثرة القوى، مقسمة على بعضها، يحتاج ساستها أن يكونوا حكماء مدبرين، وفي عين الوقت، أقوياء مادة ومعنى، غير مجلوبين لحسّيات أو أغراض شخصية، أو طائفية، أو متطرفة، يداومون على سياسة العدل، والموازنة، والقوة معا، وعلى جانب كبير من الاحترام لتقاليد الأهالي، لا ينقادون إلى تأثرات رجعية، أو إلى أفكار متطرفة، تستوجب الرد).*
     وللأسف الشديد لم يكن حكام البلاد حكماء الى الدرجة التي يدركوا فيها حقيقة مكونات العراق ويؤسسوا بموجبها دولتهم العتيدة، فاستولت مجموعة لكي تهمش الأخرى وتلغي وجودها أو تستعبدها طيلة عقود سوداء من التكوين الخطأ، دفعت البلاد والعباد الى الدمار والخراب في حروب عبثية في الداخل والخارج، حتى تعرضت البلاد الى الاحتلال الكامل طيلة ما يقرب من عقد من السنين، وهي ما تزال تأن تحت جراح الاحتراب غير المعلن والاختلاف الشديد حد التنازع بين مكوناتها الأساسية، التي ما زالت بعض النخب السياسية فيها تتغنى بعراق مركزي تنصهر فيه كل مكوناته لصالح ما يسمى بالأغلبية السياسية تارة والقومية تارة أخرى والمذهبية تارة ثالثة، وفي كل هذه الادعاءات يكون اتجاهها واحد بالتأكيد هو غير العراق الديمقراطي الاتحادي التعددي!؟
   خلاصة القول لا اغلبية حاكمة في العراق لأن رديفها الدكتاتورية واقصاء الشركاء الاخرين، ولا بديل للنظام الفيدرالي او الكونفدرالي لأعادة بناء دولة عصرية تقوم على أساس المواطنة الصحيحة والشراكة الحقيقية الا النظام الشمولي المقيت.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عن الجزء الثالث من تاريخ الوزارات لعبد الرزاق الحسني، من ص 300 وما بعد.

kmkinfo@gmail.com




35
كوردستان وصفحات من تاريخ التجزئة!

كفاح محمود كريم

   مثل ما قسم المستعمرين الكبار الوطن العربي إلى  دول  وإمارات، قسموا كوردستان إلى أجزاء وأدغموها في أربعة كيانات هي تركيا وإيران والعراق وسوريا في اتفاقية سايكس بيكو، ومنذ ذلك الحين والشعب الكوردستاني رافض لهذا التقسيم والاحتواء بشتى الوسائل، خاصةً وأن انتفاضاته كانت قد بدأت مع مطلع القرن العشرين وتحديداً في عام 1907، حيث قاد الشيخ عبدالسلام بارزاني انتفاضة عارمة ضد الحكم العثماني بعد أن رفضت تلك السلطات تلبية مطاليب شعب كوردستان واستخدمت القوة في قمع تلك الانتفاضة، وأسر قائدها وإعدامه في مدينة الموصل في  14 كانون الأول 1914م، ومن حينها وبدون الخوض في التفاصيل التاريخية للأحداث فقد فرضت الحرب على شعب كوردستان بسبب مطالبته بحقوقه المشروعة في العيش الحر على أرضه وممارسة حقه في تقرير مصيره، وواجه أشكالاً مختلفة من المؤسسات العسكرية وشبه العسكرية التي تفننت في قمعه، ومارست كل الأنظمة أساليباً وحشية في محاربة ثوار الشعب الكوردستاني المعروفين بالبيشمرگة، وهو مصطلح كوردي يعني أولئك الرجال والنساء الذين يستبقون الموت في تحقيق أهدافهم أثناء الحروب، حيث قاتلوا ببسالة كل الأنظمة التي تعاقبت على حكم العراق بأسلحة بسيطة لم تتجاوز البنادق وبعض المدفعيات المتوسطة في مقاومة جيوش امتلكت أحدث الأسلحة الثقيلة والطيران بكل أشكاله منذ قيام المملكة في مطلع عشرينات القرن الماضي بعد اتفاقية سايكس بيكو وحتى كارثة حلبجة وبادينان وباليسان وكرميان التي تعرضت للقصف الكيماوي المكثف بمختلف أنواعه أواخر الثمانينات، بعد أن فشلت قنابل النابالم التي استخدمت هي الأخرى قبل ذلك بعشرين عاماً، ناهيك عن تشكيل أفواج وألوية من المرتزقة العاطلين عن العمل أو من خلال شيوخ وأغوات العشائر الذين عرفوا في المنطقة بــ (الجحوش) حيث جندتهم الحكومات ضمن ما كان يُسمى بالأفواج الخفيفة مثل (فرسان صلاح الدين الأيوبي) و(سرايا أبو فراس الحمداني) لاستخدامهم في مقاتلة أبناء جلدتهم.

     ورغم محاولات الزعيم عبدالكريم قاسم في إرساء الأمن والسلام في كوردستان وإجراء إصلاحات مهمة بالتعاون مع الزعيم مصطفى البارزاني إثر عودته من منفاه في الاتحاد السوفييتي بعد قيام ثورة 14 تموز 1958م ، إلا أن الطاقم الذي كان يحيط بالزعيم عبدالكريم عمل على تخريب كل تلك المحاولات مما أدى إلى اندلاع الانتفاضة ثانيةً والتي تحولت إلى ثورة عارمة في أيلول 1961م، حيث استُخدم ضدها شتى أنواع الأسلحة، تحديداً بعد الانقلاب على عبدالكريم قاسم، حيث أسس انقلابيو شباط 1963 ميليشيا أطلقوا عليها أسم (الحرس القومي)، وكانت مسؤوليتها تصفية كل المعارضين لهم من تقدميين وديمقراطيين عراقيين وكوردستانيين؛ وذلك من خلال عمليات الاغتيال التي شملت آلاف من خيرة الكوادر في بغداد وكوردستان، ثم تلى ذلك وبعد انقلابهم على الرئيس عبدالرحمن عارف في 17 تموز 1968م أن استخدموا الجيش بقساوة لإحراق كوردستان بالنابالم وبراميل البنزين والديناميت، حتى أسسوا ميليشيا (الجيش الشعبي) التي فتكت بكوردستان ونفذت عمليات التهجير القسري للكورد إلى جنوب وغرب العراق، ومارست أبشع أنواع القتل والتعذيب والإرهاب والسلب والنهب بحق الأهالي، يداً بيد مع ما كان يُسمى بــ (الأفواج الخفيفة)، حتى بلغ عدد القرى التي تم تدميرها بالكامل أكثر من 4500 قرية بما تحويه من مزارع وبساتين ومساجد وكنائس ومدارس ومراكز صحية، وتهجير سكانها إلى صحراوات العراق الجنوبية، ومن ثم إبادتهم ودفن الكثير منهم وهم أحياء، حيث بلغت أعدادهم أكثر من 182 ألف نسمة من النساء والأطفال والشيوخ، في واحدة من أبشع عمليات الإبادة الجماعية بعد الحرب العالمية الثانية.

     ويتذكر الجنود العراقيون وحتى عناصر تلك الميليشيات التي كانت تقاتل إما أمام الوحدات العسكرية أو تأتي لتمسك الأرض بعدها، ماذا كانوا يفعلون بالأهالي، وكيف كانت تتعامل معهم قوات البيشمرگة حينما يقعون جرحى أو أسرى بأيديهم، وكيف يتخلى البيشمرگة عن حصتهم في المأكل والمشرب والأغطية لصالح الأسير أو الجريح، بينما كانت أجهزة الاستخبارات العسكرية والأمن العسكري يتفننون بتعذيب الأسرى والجرحى حتى الموت أمام الأهالي في مراكز القرى أو البلدات أو المدن، وحينما شنّ داعش هجومه الهمجي على العراق وكوردستان منتصف 2014م، تصدت لها قوات البيشمرگة ببطولة أذهلت وأتثبت للعالم أجمع جدارتها وبسالتها في القتال، واحترامها لقوانين الحرب والتعامل مع أسرى وجرحى العدو، وحققت انتصارات أبهرت الرأي العام العالمي بما جعل من مصطلح (البيشمركة) مصطلحاً عالمياً متداولاً يرمز للبسالة ولانتصار المدنية والحضارة على التخلف والإرهاب، رغم أنها قاتلت بأسلحة بسيطة مقارنة بتلك التي تمتلكها داعش، وهي وما تزال تعاني من حصار الذين يقودون المؤسسة العسكرية والأمنية في البلاد سواء في التسليح أو التدريب أو الرواتب والمخصصات، ورغم ذلك فرضت نفسها كمعادلة حضارية ومؤسسة مهنية تحترم القيم العليا للإنسان والحضارة، وأصبحت احد اهم الرموز العالمية في مكافحة الإرهاب، خاصة في حربها الضروس مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

kmkinfo@gmail.com




36
نفط كوردستان وسلم تسلق السلطة!

كفاح محمود كريم

   واحدة من استثمارات نفط كوردستان واستخداماتها الدعائية والانتخابية هي موضوعة استثمار حكومة كوردستان للثروات الطبيعية وفي مقدمتها النفط الذي تحول الى سلم لتسلق الاحزاب والاشخاص الى كرسي مجلس النواب في بيئة شعبية مسطحة بل وفي معظمها تعاني من غسل شديد في الدماغ والوعي والحقيقة التي تحاول تلك القوى تشويهها او اخفائها، فقد دأب البعض من المصابين بعمى الحقائق وثقافة إقصاء الآخر وإلغاء حقوقه على خلفية التفرد والهيمنة، بالخروج بين الفينة والأخرى بتصريحات لتأجيج الرأي العام خاصة أيام الدعايات الانتخابية أو صناعة الأزمات، حيث يتحدثون عن عدة آبار هنا وهناك تم حفرها واستثمارها بعد 2003م كما جاء في الدستور، وهي لا تتجاوز في أعلى إنتاجياتها 450 الف برميل يذهب اكثر من نصفها الى الاستهلاك المحلي واستحقاقات الشركات التي تستخرجها، وتستقطع معظمها من الحصة السنوية لاقليم كوردستان من الموازنة السنوية، بينما يتناسون مليارات البراميل التي شفطوها من آبار كوردستان في كركوك وغيرها من المناطق الكوردستانية المستقطعة عبر ما يقرب من مائة عام، وأحالوها إلى حديد ونار وغازات سامة أحرقت أجمل مدن وبلدات وقرى كوردستان؟

   لقد كانت كركوك الهدف الأول للبريطانيين، ومن جاء بعدهم  سار على نهجهم في مصادرة ما تنتجه ارض كوردستان منذ اكتشاف النفط فيها مطلع القرن الماضي، حيث يحدد الدكتور كاظم حبيب مستويات الإنتاج من حقول كوردستان في كركوك مقارنة مع ما كان ينتجه العراق خارج الإقليم منذ 1927 ولغاية 1989م فقط: 
( بلغت مشاركة حقول كركوك 73,25 % من إجمالي إيرادات العراق النفطية، في حين كانت حقول البصرة تساهم بالباقي 26,75 % فقط خلال الفترة بين 1927و1989.

  لقد أنتجت كوردستان نفطا بما قيمته 184.9 مليار دولار أمريكي من عام 1927 ولغاية عام 2000 من إجمالي إيرادات العراق البالغة لنفس الفترة 252.5 مليار دولار أي بنسبة قدرها 72.2 بالمائة من إيرادات العراق بأكمله. )


   لقد استخدمت تلك الأموال الطائلة من نفط كوردستان المنهوب في حرق كوردستان وشعبها طيلة ما يقرب من سبعين عاما، حيث  تعرض هذا البلد إلى التدمير الشامل في بنيته التحتية البشرية والاقتصادية والحضارية والصناعية، كما أنها كانت وسيلة في  تدمير وحرق وأنفلة كوردستان وتعريب مدنها واستقدام مئات الآلاف من سكان محافظات جنوبية ووسطى، وما تعنيه هذه العمليات من تهجير مئات الآلاف من الكورد إلى الجحيم أو إلى مهاجر أخرى، كما حصل في كركوك والموصل وسنجار وربيعة وزمار وخانقين ومخمور ومندلي بعد عام 1975م،  وزرع ما لا يقل عن عشرة ملايين لغم في أرض كوردستان لوحدها.

   والطامة الكبرى أن الكثير ممن أتوا بعد سقوط النظام، يغرسون رؤوسهم في رمال وعقلية وسلوك النظام السابق في موقفهم من موضوع كركوك والموصل وسنجار وربيعة وزمار وخانقين ومخمور ومندلي، وموضوعة النفط في الإقليم ويتعالون على مآسي ثمانين عاما من السرقة والسحت الحرام وبحور من الدماء، التي سالت نتيجة لتلك العقلية المتخلفة والشوفينية المقيتة وفرص التقدم والازدهار التي اغتيلت على أيديهم، ويتناسون ما جرى بعد مؤامرة 1975 ضد شعب كوردستان الأعزل لكل من ساهم فيها أو سهل تنفيذها، ولعلني أستذكر فقط أن ما حدث لإيران والعراق والجزائر والاتحاد السوفييتي بعد هذه السنة لم يكن ( ربما ) محض صدفة، أن تغرق إيران والعراق والجزائر في بحور من الدماء وتتفتت الإمبراطورية السوفييتية إلى دويلات عاجزة ينخر فيها الفقر والذل.

   لقد ولى زمن التفرد والهيمنة فالكوردستانيون فهموا تاريخهم جيدا وعرفوا أعدائهم وأصدقائهم، وهم يبنون بلدهم كما يشهد الأعداء قبل الأصدقاء بأنهم بناة بارعون ومخلصون كما كانوا مقاتلون أشداء، وأدركوا جيدا هم وأصدقائهم وشركائهم المخلصين في الوطن إن الحياة الجديدة لم تعد تتحمل شوفينيات مولودة من أرحام متعفنة غادرها الزمن.

   إن فرصة ذهبية أمامنا في إنجاز عراق جديد نتعايش فيه جميعا يضمن حقوقنا السياسية والاقتصادية والثقافية والديمقراطية، ويعوضنا عما فاتنا طيلة مائة عام تقريبا، بعيدا عن الثقافة الشوفينية أو المذهبية الضيقة أو العنصرية المقيتة، والتعامل مع ثوابت الدستور بما ينميها ويطورها في التطبيق والسلوك، والتوجه إلى كوردستان بما ينميها ويعوض خسارتها من ثروتها المسروقة وفرصها في التطور والتقدم خصوصا مع تجربتها خلال السنوات العشرين الماضية التي تمتعت فيها بقسط من الأمان والسلام، حيث أنجزت تطورا كبيرا وملحوظا في كل مناحي الحياة وبإمكانيات بسيطة قياسا لحصتها الطبيعية في الثروة الاتحادية.

   إن كوردستانا قوية ومزدهرة وآمنة ستكون سندا قويا لعراق اتحادي وان أي تطور في أي جزءٍ من العراق الاتحادي هو تطور وقوة لكل هذا الاتحاد.


kmkinfo@gmail.com




37
في يوم المرأة: النساءُ تُقتلُ أم تنتحر في بلادنا؟

كفاح محمود كريم

   ربما كان عنوانا صادما لكنه في واقع الحال يُعبر عن مأساة كبيرة تتمثل في ارتفاع نسبة ما يسمى بالانتحار لدى النساء، وفي معظم المجتمعات من المدينة الى الريف، رغم ارتفاعها في كثير من الاحيان في المدن والبلدات الصغيرة، الا انها تعكس نمطا مخيفا اذا ما عرفنا بعض الحقائق التي تؤكد ان معظمهن يُدفعن الى عملية تقتيل انفسهن خارج ارادتهن، أي بمعنى هناك عملية قتل مع الاصرار والترصد والتنظيم وهي جريمة كبرى وإن خففتها بعض الاعراف والتقاليد، والمشكلة الأكبر هي ان حالات الانتحار ارتفعت تدريجيا منذ 2003 وحتى اليوم، حيث تُشير دراسة لمركز البحوث التابع لمجلس النواب العراقي نشرت عام 2014 تحت عنوان "انتشار الانتحار في العراق – اسباب، ومقترحات" تسجيل 1532 حالة انتحار بين عامي 2003 و2013، بالاعتماد على إحصائية "مجلس القضاء الأعلى"،  وبمقارنة تلك الأرقام مع ما سجلته المفوضية العليا لحقوق الإنسان للفترة بين 2015 و2017 والبالغة أكثر من 3000 حالة، نكتشف تضاعف حالات الانتحار مرات عدة، خاصة بين النساء، وبحسب إحصاء مجلس القضاء الأعلى، فقد واصلت أعداد المنتحرين تصاعدها عاماً بعد آخر، إذ سجل عام 2013 النسبة الأعلى لحالات الانتحار بـ439 حالة انتحار، تلاها عام 2012 بـ276 حالة انتحار، ثم عام 2011 بواقع 253 حالة، و2010 بـ161 حالة، وعام 2008 بـ103 حالات، و2009 بـ95 حالة، ثم عام 2007 بـ64 حالة، و2006 بواقع 51 حالة، و2005 بـ46 حالة، و2004 بـ31 حالة، و2003 بواقع 13 حالة.

   أعود الى يوم او عيد المرأة الذي اعتدنا على الاحتفال به والتنافس فيه على القاء الكلمات الطنانة خاصة من بعض الرجال، ولن أخوض في تفاصيل يوم المرأة أو عيدها بقدر اهتمامي بأمرٍ آخر، ربما يُكَدِر هذا العيد ويفرغه من محتواه وهو أكثر أهمية ربما لأنه يتصل بشكلٍّ مباشر بحياة المرأة ووضعها في مجتمعاتنا الشرقية عموماً وباستثناءات لا تخضع للقياس العام، فمعظم من ينادي بحقوق (الحرمة) إنما يتجمل كذباً وادعاءً أو أنه يبغي منفعة لا علاقة لها أبداً بالنساء وخاصةً اللائي من حوله. حيث يمارس ازدواجية لا مثيل لها في إعطاء وجهين مختلفين تماماً، فهو ينادي في المحافل العامة بحقوق المرأة والمساواة وما إلى ذلك من كليشة المجتمعات المخملية التي ينفش فيها ريشه أمام نساء خلق اللّه، بينما يمارس دور دكتاتور شرقي مع زوجته أو معيته من بنات آدم وحواء.

   هذه الاستثناءات ربما كما قلت لا تخضع في حجمها الحقيقي لأي قياسٍ يُذكر، والدليل على ذلك هو هذا الوضع المتردي لوضع النساء في ظل دولة تأسست منذ ما يقرب من قرن من الزمان وما زلن صاحبات تاء التأنيث الساكنة أكثر سكوناً من تائهن ومراوحة في مكانهن، بل قل معي إن أوضاعهن في تقهقرٍ مستمر منذ أصبحن يمثلن عقلية الرجل في مجلس النواب ويتبرع لهن بعدد محدود من المقاعد التي لا تمثل في حقيقتها إلا ثقافته، ومع جلّ الاحترام لمبدأ تمثيلهن في المجالس التشريعية إلا أن ما حصل ويحصل في بلاد كانت تتعامل مع النساء قبل خمسين عاماً أفضل بكثير مما هو عليه اليوم، ولعلَّ ارتفاع معدلات ظاهرة قتل النساء أو كما يطلق عليها انتحارهن يؤكد بما لا يقبل الشك دور الرجل الرئيسي في هذه المجازر المشرعنة تحت أبوابٍ شتى، فما من امرأة مقتولة أو منتحرة إلا وكان ورائها رجل دفعها للانتحار غصباً عنها وخارج إرادتها، وقد أكدت كثير من ملفات الانتحار النسائي إنهن قتلن بأسلوبٍ انتحاري، أي بمعنى وضع السم بالقوة في أجوافهن أو حرقهن، وقد استمعت ذات يوم قبل سنوات إلى اعترافات امرأة حول كيفية وفاة ابنتها المنتحرة، والتي انتشرت دعاية في القرية بأنها على علاقة برجل من غير دينها، قالت أمها إنّ والدها قال ادخلي ابنتك في الحمام وحينما أدخلتها إلى هناك كان يحمل صفيحة من النفط الأبيض سكبها عليها بالكامل ثم أشعل فيها النيران وقفل باب الحمام وأجبرني أنا أيضاً على مغادرة البيت، حتى عدنا بعد ساعات لكي نرى كومة من الفحم، وبالتأكيد قيدت القضية لدى القضاء الخاضع لأعراف البداوة والعشيرة ضد الفتاة ذاتها متهماً إيّاها بأنها قد انتحرت غسلاً لعار أبيها، وهناك الكثير الكثير من هذه الجرائم التي تقع في مجتمعاتنا تحت سقف العادات والتقاليد بينما يمارس القضاء أبشع أدواره في التستر عليها وإشاعتها تحت مبررات وأعراف بالية وكاذبة ليس إلا!

   ويبقى السؤال الأكثر مرارة حول هذه الازدواجية القاتلة لدى كثير من الرجال والنساء في موضوعة الموقف من حقوق المرأة كإنسان يعيش في مطلع الألف الثالث، ويجبرها على الموت انتحاراً لأسباب واهية وكاذبة وخارجة عن الشرع الذي لديه آلية لو نفذت كما أراد الله لما شهدنا قتل امرأة كل قرن من الزمان، وبعد ذلك هل أن الربيع العربي والكوردي والإيراني والتركي وغيرهم ممن يشابهنا ربيعاً ذكورياً ليس إلا، وأن كل ما يحصل الآن هو مجرد تغيير في الأسماء والعناوين، بل أن ما يحدث اليوم في كل من العراق واليمن وسوريا وليبيا وغيرهم، يعيد النساء إلى حقل الحريم والقتل انتحاراً تحت مظلة أعراف وقضاء تقيّده قوانين الخيمة والصحراء والقبيلة والقرية!؟

kmkinfo@gmail.com


38
في ذكرى اتفاقية آذار:
أربيل- بغداد والمراوحة في المربع الاول!

كفاح محمود كريم

   قبل خمسين عاما من الان وتحديدا في الحادي عشر من آذار 1970م، وقعت بغداد واربيل اتفاقية سلام بين الحكومة العراقية وقيادة حركة التحرر الكوردستانية بعد مفاوضات طويلة ومجهدة قادها من الطرف العراقي الرئيس الاسبق صدام حسين، وكان حينها نائبا للرئيس احمد حسن البكر، وبين الزعيم مصطفى البارزاني قائد حركة التحرر الكوردستانية، تلك الاتفاقية التي ارست سلاما بعد سنوات قاسية ومؤلمة من الحرب بين الطرفين، وقد اعتمدت تلك الاتفاقية على منح كوردستان والمناطق ذات الاغلبية الكوردية حكما ذاتيا ضمن جمهورية العراق، ومنحت الاتفاقية فترة انتقالية لمدة اربع سنوات للتطبيع وازالة آثار الحرب ومن ثم تطبيق نظام الحكم الذاتي.

   ما حصل للاسف الشديد بعد الاتفاقية باقل من سنة محاولات مأساوية لتدمير الاتفاقية وفي مقدمتها محاولة اغتيال الزعيم البارزاني باستخدام بعض رجال الدين من قبل مديرية الأمن العامة، وما توالى بعدها من فقدان الثقة، وعودة اساليب التغيير الديموغرافي للمناطق ذات الاغلبية الكوردية، ومن ثم صياغة قانون للحكم الذاتي من طرف واحد، اقتلع من كوردستان مدن سنجار وكركوك وخانقين وبلدات اخرى ذات اغلبية كوردية عمل النظام على تشويهها ومحاولة سلخها من جسدها الكوردستاني، هذه المحاولات ادت الى فشل الاتفاقية وعودت العمليات العسكرية وكانت بداية لخراب العراق وتدميره بسبب تداعيات ما حدث إثر ذلك.

   نعود للمناطق الكوردستانية تاريخيا وجغرافيا واجتماعيا التي رفض النظام السابق شمولها بقانون الحكم الذاتي وادام فيها عمليات التغيير الديموغرافي وهي مجموعة من أجمل مدن كوردستان العراق، تقع عند التخوم الجنوبية والشمالية الغربية والشمالية الشرقية من الإقليم ابتداءً  بسنجار وزمار في الزاوية الشمالية الغربية إلى سهل نينوى والشيخان ومخمور وكركوك في جنوبها وصولاً إلى الزاوية الشمالية الشرقية في مندلي وخانقين وأطرافهما، هذه الحواضر التي نقشت تاريخ حضارة الإنسان بأحرف من نور، تعرضت وخلال أقل من قرن إلى هجمةٍ همجية متخلفة عاث منفذوها في الأرض فساداً ودماراً لعشرات السنين، مقترفين أكثر الجرائم قساوة بحق سكانها الأصليين، حيث التغيير الديموغرافي المتخلف والقانون العنصري المقيت (قانون تصحيح القومية) وتهجير السكان الاصليين ونقل سكان اخرين من مناطق الجنوب والوسط، وعمليات التبعيث القسري الذي طال أناس لا يجيدون حتى لغة الأمة التي أراد البعثيون توحيدها تحت شعارهم المثير (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة) فوأدوا أوّل محاولة لتوحيد سوريا والعراق وأعدموا رموزها!

   هذه المدن التي عبثوا بتكوينها وأشكالها ومكنوناتها، وأرادوا تقبيحها بأساليبهم العنصرية المقيتة، بتمزيق أوصالها وتعريب سكانها بمشاريع عبثية أنفقوا عليها عشرات المليارات من الدولارات ومئات الآلاف من الضحايا، هذه المشاريع العبثية انهارت خلال ساعاتٍ بعد سقوط نظامهم، وتهاوت أمام حقيقة تلك المدن وهويتها التي أرادوا تغييرها بشكل عنصري، ولكي يثبت سكانها الأصليون وقياداتهم تمسكهم بالقانون واحترامهم له طالبوا بأن تكون كل إجراءات محو آثار التغيير الديمغرافي قانونية ولا تستخدم فيها أساليب قسرية خارج القانون، ولأجل ذلك تمّ تثبيت تلك الإجراءات في قانون إدارة الدولة ومادتها 58 عام 2004م، وبسبب الأوضاع السياسية وتحضيرات الانتخابات وكتابة الدستور مطلع 2005م، تمّ ترحيلها إلى الدستور وتثبيتها في المادة 140 التي وضعت خارطة طريق تتضمن ثلاثة مراحل هي التطبيع والإحصاء ومن ثم الاستفتاء على تبعية تلك المدن بين إقليم كوردستان أو الحكومة الاتحادية، لكن للأسف ومنذ 2005 وحتى يومنا هذا عملت كل الحكومات المتعاقبة على المماطلة في تنفيذ تلك المادة بحجج واهية تؤكد أن ثقافة العنصرية متوارثة للأسف بأشكال وعناوين مختلفة لكنها واحدة في السلوك والتصرف، فقد اتضح أنها متكلسة في توجهات الكثير من الحاكمين الجدد الذين وبعد ما يزيد على 20 عاما أثبتوا بما لا يقبل الشك أنهم ينتهجون ذات الطريق، حيث منعوا تطبيق المادة 140 من الدستور، بل وعملوا جاهدين على إبقاء كل آثار التشويهات التي تركتها الأنظمة السابقة دون أي تغيير يذكر، بل بانت تحضيراتهم في تشكيل قوات مخصصة لاقتحامها واحتلالها بعد أن تحررت في نيسان 2003، وحصل ما لم يتوقعه الجميع حينما اجتاحوها لمجرد خلاف سياسي بين الإقليم والحكومة الاتحادية العراقية، وأقحموا القوات المسلحة والحشد الشعبي وفصائله وبإشراف مباشر من الجنرال الإيراني قاسم سليماني ومشاركة خبراء ومستشارين ومقاتلين من الحرس الثوري الإيراني في المعارك التي جرت بعد 16 أكتوبر 2017م في كل من التون كبري وسحيلة، في خرق فاضح وخطير للدستور الذي يحرم استخدام القوات المسلحة في النزاعات السياسية داخل العراق، بل ولكل قيم المواطنة والشراكة والتوافق.

   ومنذ ذلك الحين تمّ استباحة تلك المدن من قبل ميليشيات طائفية يتحكم في سلوكها التعصب القومي والمذهبي الذي دفعها إلى إعادة كل مشاريع التغيير الديموغرافي والترحيل القسري واضطهاد السكان الاصليين كما يجري الآن في سنجار وكركوك وطوزخورماتو وداقوق وخانقين، حيث  تأن هذه المدن من أوجاع الهيمنة التي لا تختلف عن أي احتلال عسكري لدولة أو مدينة، فقد قتل المئات من أبنائها وتمّ حرق مئات المحلات التجارية لأصحابها الكورد، ناهيك عن تهجير مئات الآلاف من سكانها الذين ما زالوا يرزحون تحت ظروف قاسية في مخيمات النازحين، ويخشون العودة إلى مدنهم بسبب الانفلات الأمني وسيطرة الميليشيات على مقدرات تلك المدن التي بدأت منظمة داعش التوغل في مفاصلها لغياب أي خطة أو برنامج لمكافحتها، خاصة وان القوى المهيمنة على تلك المدن منهمكة في عمليات التهريب والتجارة السوداء وتنفيذ أجندات إقليمية لربط إيران بمنابع النفط وسواحل البحر الأبيض المتوسط.

   وللأسف الشديد ما تزال هذه المناطق بمدنها وبلداتها تخضع لذات السلوك، رغم اسقاط النظام الذي تسبب في الكثير من مأساتها، وهي اليوم خربة مرعوبة تعيش في ظلام مدلهم من العنصرية والتطرف المذهبي والديني، ترتع فيها خلايا داعش التي أحيتها الميليشيات ثانية، حتى لا يكاد المرء يفرق بين الأثنين، بعد أن عاشت طيلة 17 عاما من الامان والسلام والازدهار.
 

kmkinfo@gmail.com




39
في ذكرى الزعيم مصطفى البارزاني
كفاح محمود كريم
   يبدو أن الربيع فصلاً كوردستانياً بامتياز، حيث تحتضن أيّامه منذ مطلعها وحتى نهاياتها أكثر أيّام الكورد فرحاً وحزناً، جمالاً وقبحاً، ألماً ومسرة، وبين هذه وتلك تمنح الطبيعة الخلابة أجمل ما فيها لذلك الكوردي الذي يقطر حبّاً للحياة وعشقاً للعمل والجدية والإخلاص، تُخفف عنه آلام الأيام وأحزانها وتُثير في خلجاته عشق الحياة بالصمود والتحدي، ممزقاً كتل الظلام المدلهم من حوله، ليبتدء في يومه النوروزي الجديد إيقاعات الحرية والانعتاق في هذا الشهر المثير بجمال طبيعته وأحداث أيّامه، حيث تمرّ العديد من المناسبات التاريخية في حياة شعب كوردستان، ويختلط فيها الحزن والفرح بين تاريخ خالد يشيع الأمل والسرور وتاريخ حزين يتذكره الناس بألم، ففي منتصف هذا الشهر وقبل ما يزيد على قرن من الآن، ولد الزعيم التاريخي للكورد وكوردستان الملا مصطفى البارزاني عام 1903م، وفي الأول منه وقبل 42 عاماً، أي في عام 1979م، ارتحل بعد أن نقش على سلاسل جبال وطنه ملامح المستقبل القادم لشعب يرفض الاستكانة ويصرُّ على إثبات هويته الإنسانية المعطاء، ليكون بحق رمزاً تاريخياً كبيراً يمثّل نهضة شعبه ووطنه.
   ليس من السهل ولوج حياة رجل اختزل تاريخ شعب عبر أكثر من ألفين وسبعمائة عام، لكنه ببساطة الحكماء أوحى لنا جميعاً بأن الحياة رغم تعقيداتها أصغر من أن تعترض إرادة الإنسان وتحدياته الصادقة فشق طريقه عبر قساوة الطبيعة والحياة واتجه نحو الشمس، حاملاً راية الحرية لشعب يمزقه ظلام التخلف والاضطهاد، فلم يكن الزعيم مصطفى البارزاني مجرد ثائر يقود شعبه للانعتاق، بل كان خلاصة لحقب من الأزمان منذ كاوه الحداد وحتى انتفاضة آذار 1991م، حيث أختزل تاريخاً ومارس سلوكاً، أصبح فيما بعد نهجاً ومدرسةً للتربية والأخلاق، وفلسفةً في التعامل والتعاطي مع مستجدات وثوابت الحياة، من خلال إدراكه منذ البداية لحقيقة شعبه ووطنه المشكل من التضاريس الحادة والمتناقضة بين تخوم حمرين وشنكال جنوباً وحدود آسيا الصغرى شمالاً، فاندفع بكل ثقل التاريخ وإرثه باتجاه الشرق علّه يجد ضالته بين أحضان مهاباد، فكانت خطوته الأولى باتجاه الشمس، هناك كان المخاض الأصعب والولادة الأعسر والقرار المستحيل، اجتمعت فيه كل وحوش الشرق المفترسة حاملة معها جوع العنصرية وفقر الشوفينية وانتهازية الرفاق الحمر آنذاك، متربصة تلك الولادة لتنقض على الوليد افتراساً وتمزيقاً.
   في قلب هذه التراجيديا كان البارزاني مصطفى قد أدرك استحالة ديمومة الوليد في طوفان من الهمجية والبربرية، فتداعت الأحداث واندفعت قطعان البهائم الهائجة لتفترس وتسحق فرسان الشمس، ولأنه أدرك كل ذلك فقد حمل الوليد بين أضلعه واندفع مع ثلة من رجال الشمس في كل اتجاهات الأرض من حوله شاقاً طريقه المعروف في رحلته الأسطورية إلى وطن الرفاق الحمر، ليستقر هناك في استراحة الثوار وليمنح ذلك الوليد فرصة النمو والحياة، ولم تكن سنوات الرحيل إلى (الاتحاد السوفييتي) إلا مرحلة للتأمل والتهيؤ لحقبة خطيرة في تاريخ هذا الشعب الذي سيبدأ أولى خطواته نحو تحقيق ذاته في خضم عالم مليء بالتناقضات والأستقطابات في دنيا الحرب الباردة التي جاءت على أنقاض حربين قذرتين لتقاسم (العبيد) و(الغنائم) من إمبراطوريات ودول القبائل والعشائر. وكان أهم نتاجات تلك الحرب الباردة ما أطلق عليه في أدب شعوب الشرق بالثورات والانقلابات التي أنتجت أنظمة إما مصنعة بالكامل في دهاليز ودوائر المتصارعين الكبار أو تمّ احتوائها لاحقا من قبلهم.
   لقد أدرك البارزاني هذه الحقائق قبل عودته إلى بغداد عاصمة (الجمهورية الخالدة) التي عاد إليها بعد تغير الشكل وبقاء المضمون، وكان يعرف جيداً أن إقامته في الجمهورية الأولى ليست طويلة وأنه ذاهب إلى حليفه الأبدي وحضن وليده الذي خرج به قبل اثنتي عشر عاماً، ويقيناً كان البارزاني في تأملاته يرى كاوه الحداد في وجوه أولئك الذين يحتضنون جبال كوردستان باحثين عن طريق إلى شمس الحرية، وقد أدرك بحسه التاريخي وتحليلاته العميقة أن الخطوة الأولى ستكون حتماً من قلب كوردستان وليس من بغداد، التي ما أن وصلها حتى اكتشف إنها واحدة من نتاجات الحرب الباردة التي أفرزتها حروب العبيد والغنائم وكان (الوليد) ضحية من ضحاياها، فكانت بعد فترة وجيزة ثورة الخريف (11 أيلول 1961) بعد أكثر من 2661 سنة من ثورة كاوه الأول التي أزاحت ظلام القهر والعبودية، لكي تتبعها عشرات الثورات والعديد من الأمارات والمشيخات، لكنها لم تحدث خرقاً تاريخياً وتحولاً اجتماعياً نوعيا كما أحدثته ثورة البارزاني.
   البارزاني الذي كان قائدا ميدانياً ينتج الفلسفة ولا يؤلفها ويطلق عنان الثورة ولا ينظِّر لها، كان بحد ذاته منظومة من السلوك والتربية والتعامل الإنساني الذي يقترب في تفاصيله من زهد الزاهدين وصوفية الناسكين، عمل جندياً وقائداً في آنٍ واحد دونما أن يُثقلَ على حركة وقانون الحرب، ويتحسس مشاعر العدو وأفراده ويفترض دائماً أنهم ضحايا مجبرين ويوصي بجرحاهم وأسراهم حتى من كان منهم قاسياً في أدائه الواجب أثناء الحرب، وقد أقرّ الفصل بين الأنظمة والشعوب منذ البداية، وبشر الآخرين بأن مفتاح الحل هو الديمقراطية في تحقيق أهداف الشعب سواء ما كان منه في كوردستان أو في العراق ورفع شعار الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان، مؤكداً بشكل دائم بأن العرب والكورد ضحايا الدكتاتوريات وأنه لا خلاص إلا باحترام حقوق الآخرين والاعتراف بهم، فلم يكن البارزاني قائد ثورة فحسب، بل كان تاريخاً من الحكمة والفلسفة والزهد ابتدأت بالشيخ عبدالسلام بارزاني والشيخ احمد البارزاني وما اورثوه من منظومة سلوكية وتربوية واخلاقية.
كان الرجل بسيطاً متواضعاً نقياً أبيض القلب واليد، أبعد نفسه عن هالات والبروتوكولات الرئاسية وبيروقراطيتها ومظاهرها، ووضع حوله خيرة رجال الثورة وأكثرهم طهارة وإخلاصا في المال والإدارة، وبذلك اخترق أدق مشاعر وأحاسيس شعبه حتى حسبه الناس أباً وعماً وأخاً كبيراً. واليوم بعد أن أصبح رمزاً ونهجاً وعنواناً لنهضتنا وحكاية شعبنا منذ كاوه الحداد وحتى يومنا هذا، يحق لنا أن نسأل:
   هل ما زلنا ننتهج ذات النهج والسلوك، وهل يعرف الجيل الجديد أن الأسس الأولى ولبناتها في حياة اليوم إنما وضعها مصطفى البارزاني ورفاقه؟ فهل وافينا الرجل حقه!!؟
kmkinfo@gmail.com





40
المنبر الحر / السلطة السابعة!
« في: 18:56 12/02/2021  »
السلطة السابعة!

كفاح محمود كريم

   فصل السلطات وتقسيمها إلى ثلاثة، صاغه المفكر السياسي الفرنسي، شارل لوي دي سيكوندا، وهذا الفصل للسلطات اعتُبر أحد مبادِئ الديمقراطية، وكان نموذج للحكم الديمقراطى للدول، حيث تمَّ تأسيس أوّل نموذج في فصل السلطات من قبل الرومان القدماء، ودخل حيّز الاستخدام الواسع النطاق في الجزء الأول من الجمهورية الرومانيّة، وفي إطار هذا النموذج، فإن الدولة مقسمة إلى فروع أو سلطات، كلّ سلطة (يُفترض) منفصلة ومستقلة في صلاحياتها عن بعضها، والسلطات الثلاث هي: السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية، وقد أضيف لهم السلطة الرابعة وهي سلطة الصحافة والإعلام المفترض أنها تراقبهم كما تفعل المعارضة، وفي تقسيم أو توزيع آخر للسلطات خاصة في بلداننا التي ما تزال في مرحلة الحبو الديمقراطي، يرى البعض أنها سبعة أو اكثر: تبدأ برئيس الجمهورية ثم رئيس وزرائه ثم الوزير وبعده المحافظ ثم القائمقام ويليه مدير الناحية، وأخيراً سلطتين في سلطة واحدة تُشكل لنا في مجتمعاتنا أهم وأخطر السلطات رغم أنها تأخذ التسلسل السابع، ألا وهي سلطة شيوخ العشائر والقبائل والممثل المزدوج لهم ولبقية السلطات السابقة وهو المختار!

   وفي معظم دول الشرق الأوسط ومن شابهها في العالم منذ تسلط الأنظمة الشمولية، خاصةً تلك الدول التي تمّت صناعتها في أقبية وزارتي الخارجية البريطانية والفرنسية إثر انهيار إمبراطورية بني عثمان، وقيام ممالك ومشيخات وجمهوريات الدول العربية، والجميع يمنح نفسه تفويضاً إلاهياً أو وكالة عامة مطلقة من الشعوب المخدرة بثقافة وسلوكيات القطيع المستكين، تلك الوكالة التي منحت  شرعيتها كيانات وهيئات (نفذ ثم ناقش) إما بمجلس قيادة الثورة أو بولاية رجال الدين والطائفة المطلقة، أو بالعادات والتقاليد البالية وأوامر ورغبات شيوخ العشائر والقبائل وملحقاتهم من رجال الدين والمخاتير، فقد تحولت تلك الممارسات الشمولية إلى ثقافة وسلوك عام يمارسه معظم المسؤولين ابتداءًا من رئيس الجمهورية وصولاً إلى السلطة السابعة التي يصفها أحد مخاتير القرى، والذي يصرُّ على أنه هو السلطة السابعة حسب تسلسله الإداري للسلطات التي ذكرناها أعلاه، والتي تنتهي بمختار القرية الذي يؤكد على حقه في التحدث باسم الشعب أي باسم أهل القرية أو الحي الذين عينوه مختاراً، وهي ذات الصلاحية التي يمنحها لنفسه شيخ العشيرة حينما يتحدث ويصرح ويأمر ويُنهي باسم كل أفراد عشيرته نساءً ورجالاً أطفالا وشيوخاً، خاصةً حينما يأمر الناخبين منهم بمنح أصواتهم لمرشحي برلمانات هذه الدول، والغريب الكل يتحدث باسم الشعب ويدعي تمثيله بالمطلق ابتداءًا بمقدمي بعض البرامج الحوارية ومروراً بالنواب وزعماء الأحزاب والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني والوزراء، الذين يتكاثرون أكثر من القطط الشباطية، وكل من هبَّ ودبَّ في دول ومجتمعات غالبيتها ما تزال تسأل الهبوط على القمر حلال وإلا حرام!

   ويبدو إزاء هذا الحال المُزري في شكل وتكوين مجتمعاتنا وسلوكيات وعادات وتقاليد ونظام التربية المدرسية والاجتماعية في الغالب من الشعب، ومن خلال سطوة الشيوخ والآغوات وملحقاتهم، نحن أحوج ما نكون إلى انتخاب السلطة السابعة منهم أولاً، خاصةً وقد ثبتت جدارتهم في إيصال الكثير إلى مراكز السلطة التشريعية والتنفيذية بالتعاون مع مجاميع من رجال الدين والأعمال، وهم بالتالي يستحقون تعيين بقية السلطات الست الأخرى!!؟
   وإزاء ذلك أيضا يتراءى سؤال مقلق وهو: هل كانت هذه الظاهرة من أسباب اندلاع ثورة تموز 1958م التي شوهها العسكر وتم ابتلاعها بعد سنوات قليلة من قبل نفس الطبقة وبمسميات أخرى؟

kmkinfo@gmail.com


41
العراق بين حانة ومانة! *

كفاح محمود كريم

   منذ انتخابات 2005 وانتاج اول مجلس نواب على الطريقة الغربية بنكهة قبلية قومية طائفية، والمؤسسة التشريعية العراقية ناقصة التكوين، حيث نص الدستور في مادته 48 على ان البرلمان يتكون من مجلسين هما مجلس النواب ومجلس الاتحاد، ورغم الحاح القوى الكوردستانية ومنذ الدورة الاولى لمجلس النواب على اصدار قانون مجلس الاتحاد والمباشرة بعمله استكمالا قانونيا، الا ان الاطراف المهيمنة على مراكز القرار استخدمت اسلوب المماطلة بحجج واهية منذ ذلك الحين، على خلفية مشروع آخر لم يعلن لتلك القوى غايته استخدام بعض اليات الديمقراطية للوصول الى الهدف الاساسي في مركزة الدولة وتكثيف السلطات وحصرها بمكون واحد، وفي هذا السياق يرى كثير من المراقبين والقانونيين ومتخصصي الدستور، ان كل ما صدر من مجلس النواب يعتبر باطلا في ظل غياب مجلس الاتحاد، وهذا ما اجمع عليه اغلب فقهاء الدساتير في الدول العربية والاقليمية.

   هذا السلوك في عدم تأسيس مجلس الاتحاد والمحكمة الدستورية يؤشر الى محاولة فرض نظام شمولي باستخدام هياكل ديمقراطية عرجاء كما في مجلس النواب والمحكمة الاتحادية التي لا تعتبر محكمة دستورية بل محكمة عادية اوكل اليها مهمة (الدستورية)، كما اوكل لمجلس النواب في تشريع قوانين منذ 2005 وحتى الان حسب مقاسات ما يسمى بالأغلبية، واخرهما قانون اخراج القوات الاجنبية وقانون الاقتراض الذي تسبب في تعقيد الوضع السياسي والعلاقة مع الاقليم بشكل خطير، والأنكى من كل ذلك تغول مجلس النواب واستحواذه على صلاحيات السلطة التنفيذية وارباكها بتدخلات ومشاريع طائفية بحتة تهدد المصالح العليا للعراق وكيانه السياسي، وما يحصل الان في محاولة تحجيم الاقليم وصولا لفرض النظام المركزي الشمولي التي تتضح سماته اليوم، ما هو الا خرق للنظام الاتحادي وصيغة التوافق بين المكونات لحساب مكون واحد، ومن خلال تفحص ما يجري منذ 2005 وحتى ظهور الميليشيات الولائية وتعملق نظام اللا دولة بدأت الدولة بالانحسار التدريجي لصالح ما يسمى بالأغلبية السياسية لطائفة معينة مع ملحقاتها التي تمت  صناعتها او تدجينها لصالح تلك الاغلبية، خاصة وان احتلال داعش وما ترتب بعدها من هيمنة تلك الميليشيات على معظم محافظات المكون السني، لم يبقِ امامها الى الجدار الكوردي وحصريا جدار مسعود بارزاني، الذي بقي صامدا رغم ما تفعله هذه الاغلبية التي امتدت اذرعها الى كافة مراكز القرار العسكري والامني والاقتصادي، ناهيك عن النفط بكل مراحله من البئر وحتى التصدير، والمعابر الحدودية ومعظم العصب الاقتصادي والمالي في البلاد.

    من هنا ندرك تماما لماذا بقي البرلمان بجناح واحدة، والنفط والغاز  بدون قانون والمادة 140 لم تطبق، وشركة سومو حكرا لأصحاب الاغلبية، ناهيك عن 55 مادة دستورية وقانون متوقفة تماما أو مخترقة من قبل الذين  يرفضون أي طلبات لتحويل محافظة او ثلاث محافظات الى اقليم، بل باشروا حربهم على الاقليم باجتياحهم للمناطق المشمولة بالمادة 140 باستخدام القوات المسلحة والميليشيات الطائفية في اكتوبر 2017م، فارضين حصارا اقتصاديا كبيرا على الاقليم وقطع حصته لخمس سنوات متتالية وتخفيضها فيما بعد من 17% الى أقل من 13% في محاولة لتحجيمه وزعزعة كيانه، مستغلة انخفاض اسعار البترول والازمة المالية الخانقة بسبب الوباء وتداعياته الاجتماعية والاقتصادية، ولذلك اؤكد بان الانتخابات القادمة إن تحققت لن تختلف عن سابقاتها الا بجديد اخطر وهو هيمنة التيارات المتشددة في البيت الشيعي السياسي وتحويل مجلس النواب الى سلطة تشريعية تنفيذية مركزية، مع وجود حكومة ضعيفة مُسيرة، ومؤسسة عسكرية اضعف، يقابلهم نظام اللا دولة ومؤسساته الميليشياوية التي احتوت معظم المؤسسة الامنية وتشكيلاتها على غرار التجربة الايرانية وربيباتها في لبنان واليمن.
 
* مثل شعبي مفاده ان رجلا تزوج بامرأتين الأولى صغيرة اسمها حانة والثانية كبيرة اسمها مانة والشيب لعب برأسها، فكان كلما دخل الى حجرة حانة تنظر الى لحيته وتنزع منها كل شعرة بيضاء وتقول يصعب علي أن أرى شعرا شائبا بهذه اللحية الجميلة، ثم يذهب الى حجرة مانة فتمسك لحيته وتنزع منها الشعر الأسود وهي تقول له يغيضني أن أرى شعرا اسود بلحيتك وأنت رجل كبير السن والقدر، ودام هذا الحال على هذا المنوال الى ان فقد لحيته تماما، فرأى بها نقصا وقال: بين حانة ومانة ضاعت لحانا!

42
المنبر الحر / فلم ايراني ناقص!
« في: 17:20 29/01/2021  »
فلم ايراني ناقص!

كفاح محمود كريم

   منذ أيّام تعرض وسائل التواصل شيئاً من إنتاج واحدة من الميليشيات التي تستخدم الكاتيوشا في التعبير عن رأيها، وهذا الشيء الذي أطلقوا عليه "فلماً قصيراً" بدا ناقصاً في فكره وأخلاقياته وتقنياته وتمثيله، ولم يتجاوز وظيفته الدعائية الساذجة، حيث عبر عن نمط تفكير ومستوى وثقافة الجهة التي أنتجته، والمتطابق تماماً مع سلوكها في التعبير عن الرأي وتشويه الحقائق، ويبدو أن العمل الدعائي هذا جاء كمحاولة لترجمة تمثيلية زعيم حزب اللّه في حديثه عن البارزاني أبان هجوم "داعش" على مخمور، والتي صرح بها قبل فترة مدعياً أن سليماني زار الرئيس بارزاني، مُبدياً استعداد بلاده للمساعدة، علماً أن سليماني هاتف الرئيس ولم يزره، وقد ذكر ذلك الرئيس بارزاني في أكثر من مناسبة وأمام الرأي العام، والفلم الناقص الأخير نجح حقيقةً في تحويل تصريحات نصر اللّه وادعاءاته التمثيلية إلى فلم قصير بائس لا ينقصه إلا الصدق والأخلاق.
   ما يُستشف من هذه اللعبة هو إسقاطات سايكولوجية تُعاني منها هذه الجهات ليس مع البارزاني شخصياً فقط، بل مع البيشمركة كقوة أثبتت جدارتها عالمياً وتحولت من قوات لحماية الإقليم إلى رمز عالمي لمكافحة الإرهاب وتدميره، هذا الإسقاط هو مجموعات مركبات نقص متراكمة تاريخياً تُعاني منها كثير من القوى السياسية، التي تعاملت مع القضية الكوردية وخاصةً في السنوات الأخيرة سواء في العراق أو ايران أو بقية دول الجوار، التي فشلت في أن تقدم نموذج إنساني مزدهر لشعبها، أساسه قبول الآخر والتعايش السلمي الذي تميز به إقليم كوردستان منذ استقلاله الذاتي في 1992 وقيام مؤسساته الدستورية.
   حرب "داعش" التي استهدفت كوردستان وتجربتها وكيانها كانت حرباً أيديولوجية عنصرية بالمطلق، وإقليمية تناغمت فيها الأهداف والوسائل وإن ظهرت إيهاماً بعض الاختلافات هنا وهناك؛ ومصيرية لكوردستان وكيانها، وقد أكّدت الشواهد ونتائج ما حصل على أن "داعش" ليست مجرد منظمة دينية عقائدية غرضها بسط نفود الدين وشريعته بمنظار قادتها، بل مشروعاً تدميرياً هدفه كل المكّونات العرقية والقومية والدينية المختلفة مع نهجه وفي مقدمة ذلك إقليم كوردستان وشعبه، حيث أدرك الرئيس مسعود بارزاني مدى خطورة هذه الهجمة، فلم يجلس في مكتبه ليدير حركات قواته ودفاعاتها، بل اندفع إلى الخطوط الأولى للقتال ولم يكن لوحده، بل أخذ معه كل من يستطيع حمل السلاح من أولاده وإخوته وأبنائهم، موزعاً إيّاهم على جميع خطوط المواجهة مع غزوات داعش، حيث شعر المقاتل ربما لأوّل مرّة في تاريخ الحروب أن القائد العام وأبنائه وإخوته يقاتلون جنباً الى جنب مع الجنود حالهم حال أي جندي في السلاح والذخيرة والمأكل والمشرب، حتى كتب اللّه لهم جميعاً النصر وحمى كوردستان وأرضها وشعبها من تلك الهجمة الهمجية المتوحشة.
   لم يكن تنظيم الدولة الإسلامية حكراً كما يدعي لمذهبٍ بعينه، بل أنه نجح في جمع كل المذاهب تحت خيمة عنصرية متوحشة، مفعمة بالغرائز والأحلام المريضة، مستغلاً الخلافات ومندساً بين كل الأطراف، وليس عجيباً ما أظهرته وسائل الإعلام ومعلومات أمريكية مهمة عن تعاون وثيق بين جهات إيرانية وتركية وسورية وعراقية مع هذا التنظيم، الذي استُقبِلَ بالورود في كثير من المدن والبلدات من قبل أولئك الذين تلوثت أياديهم وجيوبهم بدماء الكوردستانيين وأموالهم في الأنفال وعمليات النّهب والسّلب التي رافقت كل حروب أنظمة العراق ضد كوردستان، حقاً كان فلماً ناقصاً بكل الاعتبارات أمام حقيقة ناصعة غدت رمزاً عالمياً في الحروب ومكافحة أعتى قوةً في الإرهاب عبر التاريخ، تلك هي بطولة البيشمركة وقائدها ولوحة النصر العظيم الذي رسمته دماء 1755 شهيداً و10 آلاف جريح من البيشمركة، حمّت فيها إقليم كوردستان وكسرت أسطورة "داعش" الإرهابية.
kmkinfo@gmail.com

43
الانتخابات العراقية والنزاهة!

كفاح محمود كريم

   تنّهمك الطبقة السياسية العراقيّة في ترتيبات إجراء انتخابات جديدة مبكرة منذ أكثر من سنة، ردّاً على احتجاجات تشرين 2019، التي أدّت إلى استقالة حكومة عادل عبد المهدي، والدخول في ماراثون المرشح البديل لحكومة الانتخابات المقترحة، وفي خضم هذا التهافت على إنتاج برلمانٍ بمجلسٍ واحد على ما يبدو خلافاً للدستور، تتكاثر الأحزاب تكاثراً شباطياً وانشطارياً، حيث تقترب من 300 حزب تحت مُسميات تبعد عنها الشبهة بالطبقة السياسية التي تتحكم بالنظام البديل لنظام الرئيس صدام حسين منذ 2003، والتي رفضتها تظاهرات ملايين العراقيين في بغداد وفي الوسط والجنوب العراقي، وهي في حقيقتها عملية تمويه لاستنساخ أحزاب وكتل بعناوين مختلفة عن النسخ الأصلية المتنفذة، وهذه المرة بأذرع ميليشياوية تُهيمن على الشارع، وعلى شريحة واسعة من المراهقين المغامرين والمهوسين بالنشاط الميليشياوي، مستخدمةً أجهزة دعاية تقدمها مجموعة كبيرة من الفضائيات المؤدلجة التي تستثمر نزعات طائفية وقبلية وعرقية في توظيف إشكاليات محلية ودينيّة وخارجية ومن بينها الخلافات بين إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية بما يتناغم مع إذكاء الشعور بالمظلومية، جرّاء فشل تلك الأحزاب من إحداث تغيير نوعي في طبيعة حياة مواطنيها، وتعليق الأمر بشماعة الإقليم، للتغطية على كميات الفساد الهائلة التي رافقت حكمها منذ إسقاط نظام البعث وحتى يومنا هذا.

   وفي خضم هذا المشهد المعقد من الصراعات السياسية البينية والخارجية، والتورط في إشكاليات إقليمية ودولية لا مصلحة للعراقيين فيها، يبدو أن إجراء انتخابات مبكرة ونزيهة صعباً إن لم يكُ مستحيلاً في هكذا بيئة ومجتمعات تغصّ بالأمية الأبجدية والحضارية، وتتحكم فيها الأعراف القبلية والطائفية، وتفتقد إلى أبسط مفاهيم المواطنة الجامعة، وتُشرف عليها هيئة انتخابية مرتهنة لطبقة سياسية، أثبتت فشلها الذريع وتسببت وبعد أكثر من خمسة عشر عاماً في وصول البلاد إلى هذا المستوى من الانحدار، حيث الأزمة الاقتصادية الخانقة، وعدم وجود محكمة اتحادية دستورية مكتملة، ناهيك عن طبيعة المجتمع ونسيج عاداته وتقاليده التي تؤثر بشكل بالغ على نوعية من يصل إلى هيئة التشريع، فإذا كانت الديمقراطية حلاً لكثير من مشاكل النّظم السياسية في العالم، فإن أحد أهم أدواتها ووسائلها في تداوّل السلطة بواسطة صناديق الاقتراع ليست حلاً لمشاكل مجتمعنا، بل بالعكس تماماً غدّت كارثة أكثر إيلاماً من الشموليات التي انفرد فيها حزب قائد ودكتاتور أوحد، وما يجري اليوم في معظم بلداننا الشرق أوسطية تحديداً وفي العراق خاصةً منذ 2003، يؤكد على فشل استخدام هذه الآليات وأدواتها في هكذا بيئة، وضرورة البحث عن وسائل وأدوات أخرى غير تلك المعتمدة في دول الديمقراطيات العريقة والمجتمعات التي تختلف كلياً في تركيبتها الاجتماعية والقيمية عن مجتمعاتنا، مع الحفاظ على روحية النظام الديمقراطي والعمل على تكريسه تربوياً وتعليمياً واجتماعياً، بدءاً من الأسرة والمدرسة لإحداث تغييرات نوعية في بناء المجتمع وتهيئته لتطبيقات ديمقراطية ناضجة.
kmkinfo@gmail.com

44
العراق مملكة الألغام!

كفاح محمود كريم

   حينما وضع موظفو الخارجية البريطانية والفرنسية وبالتوافق مع الروس والطليان خارطة توزيع إرث امبراطورية آل عثمان في اتفاقية سايكس بيكو عام 1916، لم يهتموا كثيراً لرغبات الشعوب في هذه المنطقة وإنما تحويلها إلى مصادر اقتصادية ومراكز نفوذ من خلال معاهدة سرية بين الدول التي ورثت تلك الولايات وهي فرنسا والمملكة المتحدة وبمصادقة من الإمبراطورية الروسية وإيطاليا حيث قسمت الاتفاقية فعلياً الولايات العثمانية خارج شبه الجزيرة العربية إلى مناطق تسيطر عليها بريطانيا وفرنسا أو تحت نفوذها،  فخصصت الاتفاقية لبريطانيا مايُعرف اليوم بـ فلسطين والأردن وجنوب العراق ومنطقة صغيرة إضافية تشمل موانئ حيفا وعكا للسماح بالوصول إلى البحر الأبيض المتوسط، أما فرنسا فتسيطر على جنوب شرق تركيا وشمال العراق وسوريا ولبنان، ونتيجة اتفاق سازونوف- باليولوج المشمول فإن روسيا ستحصل على أرمينيا الغربية بالإضافة إلى القسطنطينية والمضائق التركية الموعودة بالفعل بموجب اتفاقية القسطنطينية (1915). وافقت إيطاليا على هذا الاتفاق سنة 1917 عبر اتفاقية سانت جان دي مورين بحيث يكون لها جنوب الأناضول، أما منطقة فلسطين ذات الحدود الأصغر من فلسطين المنتدبة اللاحقة فإنها ستكون تحت "إدارة دولية".

   وما يهمنا في هذا الإرث السيء الموبوء بالأمراض المزمنة، هو تأسيس مملكة في بلاد النهرين من ويلايتي البصرة وبغداد في بادئ الأمر ثم إلحاق ولاية الموصل التي كانت تضم كل من كوردستان الجنوبية الحالية نهاية عام 1925م، هذه المملكة التي أراد مؤسسيها أن تكون مملكة ألغام ، لا يمتلك خرائط توزيع ألغامها إلا أصحاب الشأن في بريطانيا وفرنسا، حيث كانت تمنح كل حاكم يتولى حكم هذه المملكة أو الجمهورية مجموعة مفاتيح للعبور من خلال تلك الألغام والمضي في حكم شعوبها، بينما احتفظت بمفاتيح خطيرة أخرى أخفتها عنهم لإستخدامها في الوقت المناسب حينما تحاول تلك الأنظمة أو رموزها الخروج من دائرة المؤسسين كما حصل في نهاية الخمسينيات مع العهد الملكي أو مع الزعيم وبعده صدام حسين حينما توهموا بأنهم يقودون مملكة حقيقية.
   والمتتبع لتاريخ هذه المملكة منذ إعلان قيامها وحتى يومنا هذا يدرك مدى التناحر والتنافس والاحتراب بين أنظمتها ومكوناتها، وبين المكونات ذاتها، سواء كانت عرقية أو قومية أو اجتماعية قبلية، وصدق مليكها الأول في توصيفه لها حينما قال: ( لايوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل تكتلات بشرية خالية من أي فكرة وطنية، متشبعون بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة...)، والواضح جداً أن الحال لم يختلف اليوم عمّا كان عليه قبل مائة عام، إن لم يكن قد انحدر أكثر وتفاقمت فيه الأمور إلى المستوى الذي نشهده اليوم، ورغم إن كل الأنظمة كانت تدرك الخلل الخطير في أسس تكوين تلك المملكة، إلا أنهم وبدون استثناء ورغم ظهور محاولات خجولة هنا وهناك لإيجاد حلول في مسألة التكوين كانت كلها ترقيعية غير جدية تعتمد التكتيك والتحايل للعودة إلى الأسس القديمة البالية، وخير شاهد تلك المحاولات في حل القضية الكوردية وفك الاشتباك والارتباط القسري بين كوردستان ومملكة الألغام منذ اتفاقية 11 اذار 1970م وحتى اليوم، وما يجري من إجراءات للإنقلاب على الدستور ومحاولة تقزيم الكيان السياسي للأقليم والعودة إلى نظام الحكومة المركزية الكثيفة ابنة مملكة الألغام!

   لتطهير هذا الحقل من الألغام يجب العودة إلى المربع الأول وإعادة صياغة كيان سياسي كونفيدرالي، أو كيانات سياسية تلبي رغبة المكونات المدموجة قسراً، والانتهاء من رواية مملكة الألغام المرعبة!

kmkinfo@gmail.com

45
ما اشبه اليوم بالبارحة!

   أيام نظام صدام حسين وما قبله ممن حكموا العراق، كانت واحدة من أكثر التهم الموجهة لقيادة حركة التحرر الكوردية هو احتضانها لكوادر الاحزاب العراقية المعارضة وفي مقدمتها الاحزاب الشيعية الحاكمة اليوم (قوات بدر والدعوة والمجلس الاعلى) ناهيك عن بقية الاحزاب الاخرى، وكان النظام يصفهم بالمجرمين وعملاء إيران وجواسيس اسرائيل والصهيونية العالمية، وما أشبه اليوم بالبارحة فقد صرح أحد نواب كتلة فتح البدرية (النائب عنهم حامد الموسوي) الأقليم واللاجئين اليه قائلا:
   "إن الاقليم بات ملجئا ومحطا للمطلوبين للقضاء العراقي، وان بعضهم اتخذوا من كردستان منطلق لتوجيه الاعلام المحرض على قتل العراقيين!"
   فعلا التاريخ يعيد نفسه ولكن بأسماء وعناوين مختلفة لكنها أكثر بؤسا!


كفاح محمود
المستشار الاعلامي في مكتب الرئيس مسعود بارزاني
9 كانون ثاني 2021م

46

دودة الشجرة والافواج الخفيفة!

كفاح محمود كريم

   شكلّت الأنظمة العراقيّة المتعاقبة ومنذ ستينيات القرن الماضي، مجاميع من الموالين لها في كوردستان على شكل أفواج شبه عسكرية من بعض شيوخ العشائر وأغواتها المرتبطين بتلك الأنظمة، لقاء أموالٍ طائلة كانت تُدفع لهم كرواتب لأبناء عشيرتهم مقابل اعفائهم من الخدمة الإلزامية العسكرية والعمل تحت أوامر وتوجيهات دائرة الاستخبارات العسكرية او الامن المحلي، لمعاداة ابناء جلدتهم واستخدامهم في الحملات العسكرية للجيش ضد الثورة الكوردية وأثناء الهجوم على القرى والبلدات، ولم تكن واجباتهم تتعدى البحث عن الثوار او المعارضة وتفتيش القرى والبلدات وما يرافقها من عمليات سّلب ونّهب، أو أحيان أخرى أمام القطعات العسكرية لتفجير حقول الألغام، وفي العادة كان الأغا أو الشيخ أو آمر الجحفل او الفوج أو السريّة، يستحوذ على رواتب عناصره مقابل عدم التزامها بالدوام إلا في واجبات محددة ومحصورة جداً كما ذكرنا، وهذه التشكيلات التي يطلق عليها رسمياً اسماء (الأفواج الخفيفة) أو (فرسان صلاح الدين) أو (سرايا أبو فراس الحمداني)، كانت تُعرف لدى أهالي كوردستان بأسماء اخرى يعبرون فيها عن سخريتهم وازدرائهم منهم.

   أما في الحقل السياسي فقد اعتادت معظم الانظمة الشمولية تجميل شكلها  السياسي بصناعة اكسسوارات سياسية على شاكلة احزاب للزينة من الموالين لها، باستخدام بعض الشخصيات التي تمّ اغراؤها بالمال أو المناصب، لتجميل ما كانت تدعيه بالتعددية، فقد استنسخت شموليات الشرق الاوسط خاصة في العراق وسوريا هذا النمط من صناعة احزاب رديفة للاحزاب المعارضة الحقيقة على شاكلة احزاب التجميل في بعض دول اوروبا الشرقية في حينها، حيث استنسخوا نماذج من شخصيات مفصولة او مطرودة من الاحزاب الحقيقية لتصنيع احزاب يسارية او قومية او كوردية، وتقديمها على أنها ممثلة للشعب العراقي والكوردستاني، ونتذكر جميعاً تلك الأحزاب الكارتونية وخاصة في كوردستان والتي كانت سرعان ما تتبخر بعد ساعات من أي اتفاق بين قيادة الحركة الكوردية وبين الحكومة العراقية في حينها.

   وللاسف استمرت تلك الثقافة سائدة في معظم من تولى الانظمة الجديدة التي اعقبت عملية ازالة سابقاتها الشمولية، خاصة هنا في العراق ولدى بعض مفاصل النظام السياسي الجديد بعد 2003، حيث دأبت ومنذ السنوات الأولى للحكم على إحياء تلك الكّيانات، خاصة مع اقليم كوردستان ومن وراء السلطات الدستورية في الاقليم، حينما اقترحت مكافأة تلك الكيانات التي خدمت الانظمة الدكتاتورية السابقة برواتب تقاعدية، وقد أفشلت سلطات الإقليم تلك المحاولات البائسة في بثِّ الرّوح لكيانات ميتة، مما دفعها هي وغيرها ممن أدمنوا عدم قبول الآخر الى خيارات بديلة في  السنوات الأخيرة حيث كثّفت جهودها بشتى الوسائل لشراء ذمم أو استخدام واستمالة مجاميع وبذات الثقافة الشمولية سيئة الصيت لتكوين كيانات او مجموعات تعمل لصالحها وخاصةً في البرلمانين الاتحادي والإقليمي، لتنفيذ أجندة تلك الأحزاب المهيمنة، وشق الصف الكوردستاني وتشتيته.

   ويقينا أنها حققت بعض التقدم في هذا الاتجاه، وفتحت جيوب هنا وهناك، واستطاعت تشجيع بعض المستائين او المنشقين من الأحزاب الرئيسية في كوردستان واستمالتهم، وذلك باستغلال الخلافات السياسيّة الداخليّة لصناعة أحزاب كارتونية أخرى، لاستثمارها واستخدامها حين الطلب على شاكلة الأفواج الخفيفة ولكن بتطوير جديد وموديلات أحدث، ولقد أكّدت الأحداث قبل وبعد الاستفتاء وحتى يومنا هذا استمرار هذا النهج المعادي للإقليم وشعبه وطموحاته، خاصةً وأنهم جربوا القوّة العسكرية بعد 16 أكتوبر في محاولة اجتياح الاقليم، إلا أن فشلهم جعلهم يعيدون النظر بالاتجاه الآخر، وذلك بفتح جيوب على طريقة نظام البعث الّذي كان  يستخدمه في تلك الكيانات ولكن هذه المرّة بدون اسم وزي عسكري، بل من خلال مجموعات برلمانية واعلامية وصحفية تقوم بالواجب لتنفيذ مآربهم بشكل غير مباشر.

   إنها "دودة الشجرة" كما يصفها شعب كوردستان.

 


47
كوردستان سلم الحاكمين في العراق!
كفاح محمود كريم
   منذ أن قامت جمهورية العراق في 14 تموز 1958 وإعلان الزعيم عبدالكريم قاسم أنها جمهورية العرب والكورد، مضمناً ذلك في مادة دستورية تؤكد شراكتهما في الجمهورية العراقيّة، والعنصريون القوميون يحاربون أي توجّه لبناء دولة مواطنة تحترم كلّ المكوّنات ولا تقتصر على مكوّن واحد كَبُرَ حجمه أم صَغِر، وخاصةً ممن كانوا حول الزعيم الّذين استماتوا من أجل تخريب العلاقة بين زعيم حركة التحرر الكوردستانية العائد للتو من منفاه في روسيا وبين الزعيم عبدالكريم، والتي أدّت إلى اندلاع الثورة الكوردية المعاصرة في 11 أيلول 1961م، وخلال ما يقرب من عقدٍ من الزمان حاول الوطنيون العراقيون وقيادة الثورة الكوردية إيقاف إطلاق النّار والبدء بالحوار والتفاوض كما حصل في عهد رئيس الوزراء عبدالرحمن البزاز، تلك المحاولة التي اغتُيلت بسبب سلوك ذات المجموعة التي تسببت في اندلاع الثورة، حتى اتفاقية آذار 1970 والتي اعترفت بحق الكورد في الحكم الذاتي لأوّل مرّة في تاريخ العراق، لكن للأسف الشديد وحينما اقتربت القيادتين العراقيّة والكوردستانية من تطبيق الاتفاقية عَمِلتْ ذات المجاميع العنصرية على تخريبها وتفصيل قانونٍ للحكم الذاتي على مقاسات حزب العربي الاشتراكي وبقيادته، مما دفع القيادة الكوردستانية إلى رفضه وعودة أعمال العنف التي استمرت قرابة سنة، انتهت باتفاق إيران والعراق بجهود هنري كيسنجر وهواري بومدين، وتوقف العمليات العسكريّة وتنفيذ قانون الحكم الذاتي البعثي.، حتى اندلاع ثورة كولان في ربيع 1976م التي استمرت حتى آذار1991م، حيث انتصرت إرادة الشعب واستقلت كوردستان ذاتيا بمساعدة الأمم المتحدة ومجلس الامن الدولي، ليطوي الكوردستانيين صفحات الماضي ويشرعوا في بناء مؤسساتهم الحقيقية للحكم الذاتي، وخلال أقل من سنة أجروا انتخابات أنتجت أوّل برلمان كوردستاني شرع قانون الفيدرالية وجعلها مطلباً أساسياً في أوّل تفاوض مع بغداد، وبسبب المناطق الكوردستانية التي تعرضت للتعريب والتبعيث والاستيطان في كركوك وسنجار وخانقين وغيرها، فشلت المفاوضات مع حكومة صدام حسين، حتى أسقطت أمريكا وحلفائها ذاك النظام، فأسرعت قيادة الإقليم بالذهاب إلى بغداد في محاولةٍ تاريخية لبناء دولة عصرية مدنية أساسها المواطنة، لكن للأسف وخلال سنوات قليلة جداً ظهرت نوازع التفرد بالسلطة وإقامة دكتاتورية من خلال صناديق الاقتراع الممغنطة بفتاوى مرجعيات دينيّة ومذهبيّة وقبليّة مُضافة للتعصب القومي، والعودة إلى المربع الأوّل باستخدام قضية كوردستان ومطالب شعبها سلماً لتسلق السلطة أو مبرراً لاستمرار دكتاتورياتها، ومنذ 2003م حيث بدأت تلك النوازع العنصرية بالعودة إلى الاستثمار للحصول على أصوات الناخبين من العامة السذج، وخاصةً في المناطق المختلطة أو الكوردستانية خارج إدارة الإقليم، مبتدئة من الموصل حيث كان الشعار الترهيبي لدفع الناخبين لتأييدهم هو إرهابهم من البيشمركة على خلفية ادّعاءات مختلقة وأن الكورد يبغون السيطرة على الموصل وضمها للإقليم، وكذا الحال في كركوك مضاف إليه التهييج الطائفي والذي امتد إلى ديالى ومحافظة صلاح الدين.
   واليوم ومنذ سنوات يستخدم معظم الطامعين بكراسي الحكم ذات السلوك وبإضافة طائفية متميزة في إشاعة الكراهية والحقد ضد الإقليم وشعبه وقياداته، حيث وصلت الذروة في معاداة كوردستان بعد أن عجزوا في اللحاق بازدهارها وتقدمها في 2014 بتسليم الموصل وتلعفر وسنجار ومخمور والحويجة وسهل نينوى لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" وانسحاب كلّ القطعات العسكرية الضخمة من هذه المناطق وترك أسلحتها الثقيلة والمتوسطة مع مليارات الدولارات أموالاً ومنتجات لذلك التنظيم، الذي تأملوا فيه احتلال كوردستان وتدمير ازدهارها وتجربتها، لكن النتيجة كانت تحطيم "داعش" عند حدود الإقليم على أيدي البيشمركة وطيران التحالف الدولي ومساعدة الأصدقاء في مخمور وأطراف كركوك وغرب سحيلة، ومع تحطيم تلك الأسطورة ضربت الحكومة العراقية حصاراً خانقاً على الإقليم بقطع حصته من الموازنة السنوية ولخمس سنوات متتالية، ومن حينها وأجهزة الدعاية التابعة لهم تبثُّ قصصاً مختلقة عن سرقة النفط في كوردستان، وأن الكورد يعيشون على نفط البصرة، وكذا الحال مع قصص أخرى استخدموها لتسطيح الرأي العام وتحويلها إلى سلم لتسلق السلطة كما فعل حيدر عبادي حينما شعر بفشله في مكافحة الفساد وتنفيذ وعوده الخيالية، فاستخدم ورقة كركوك وأثار الرأي العام العراقي وترهيبه بقيام الدولة الكوردية وطرد العرب منها، واستقدم الجنرال سليماني وعناصره وميليشيات موالية لإيران لاجتياحها وبقية المناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم، متأملاً أن يحجز ولايته الثانية كما فعل سلفه المالكي.
   وكالعادة كلما اقتربنا من موسم الانتخابات، ارتفعت أسعار المزايدات على معاداة كوردستان وحقوقها، والبازار لا يختلف عن مهرجانات الشعر في القذف والمدح منذ ما قبل الإسلام وحتى يومنا هذا، فيتبارون بشتى أنواع وأشكال الدعايات والتلفيقات والترهيبيات،  مستهدفين عقول العامة من الأهالي تارةً بالتعصب القومي والقبلي وأخرى بالشد الطائفي، مسخرين عشرات الفضائيات والإذاعات وبرامجهم الحوارية لتوجّيه الناخبين إلى كوردستان وعمي أبصارهم عن حقيقة ما يجري في محافظاتهم وبلداتهم التي تأن فقراً وحاجةً وبؤساً، وهم لا يعرفون أن منقذيهم قد استحوذوا على 87% من موازنات العراق طيلة 15 سنة دون أن يقدموا لهم إلا الشعارات والممارسات التخديرية، وها هم اليوم أيضاً يستخدمون معطيات انتفاضة تشرين التي قامت ضدهم، مع شعاراتهم حول البعبع الكوردي لتسلق سلطة الانتخابات المبكرة التي لن تختلف في نتائجها إن حصلت عن سابقاتها إلا بالأسماء والعناوين.
   مالم تحل قضية كوردستان جذريا وبروح دستورية وطنية إنسانية خالصة، سينمو ويتطور التيار العنصري والطائفي باتجاه إدامة الصراع واحتدامه ليتآكل فيه العراق منخورا بالفساد والعسكرة والدكتاتورية والتقهقر، فكما هي كوردستان سلما لاعتلاء الحكم، هي ذاتها سببا في انهياره وسقوطه!
kmkinfo@gmail.com

48
استنساخ التجارب الفاشلة!

كفاح محمود كريم

     نتذكر سبعينيات القرن الماضي وبداية تحويل البلاد العراقية إلى حقلٍ لتجارب البعث القومية، وتقزّيم العراق بتحويله إلى قطر وشعبه إلى جزء من أمة مفترضة لم يثبت التاريخ المعاصر حقيقة كينونتها الفعلية، واستيراده على تلك الخلفية، ملايين المصريين والمغاربة وغيرهم من سكان تلك البلاد التي افترضها تشكل دولة موحدة ذات يوم، ليؤسس منها نواة ذلك الكيان الذي كان يخدّر به الأهالي، وهو كيان الوحدة والحرية والاشتراكية الذي انّهار قبل سقوطه أبان الاحتلال الأمريكيّ، حيث سقط في ضمائر الناس ولم يتحول طيلة ما يقرب من نصف قرن في البلدين السوري والعراقي إلى فكر أو ثقافة اجتماعية، ولم تنصهر تلك الارتباطات بالوطن الأم على حساب الوطن المفترض في دولة الوحدة، وكذا الحال مع بقية التجارب العاطفية التي دفعت شعوبها أثماناً باهظة لتلك المغامرات الوحدوية الفاشلة، سواء في ليبيا أو مصر أو سوريا أو اليمن، حيث انتهت جميعها إلى نتائج بائسة، أدّت الى تباعد أكثر بين شعوبها، بل بين مكوّنات تلك الشعوب.

    في دول الخليج تجاوزت اعداد العمالة الاسيوية حتى عدد سكان بعض دولها، مما ترك ظلالا قاتمة على كثير من السلوكيات لدى الاطفال والشباب، وفي التجربة العراقية والليبية حيث فُتحت أبواب البلاد أمام كل من هبَّ ودبَّ وبتسهيلات لا مثيل لها في كلّ بلدان العالم، دون الأخذ بعين الاعتبار لمصالح المجتمع العليا والأمنَين الاجتماعي والأخلاقي المتعلق بالعادات والتقاليد والممارسات الاجتماعية، فدخلت البلاد أفواجاً كثيرة من الباحثين عن العمل والغنى في بلاد نفطية، تسرّب من خلالها أيضاً أعداد كبيرة من الفاشلين والمجرمين وأصحاب السوابق والسراق والمزورين وأنماط كثيرة من المنحرفين في مختلف أنماط القيم والعادات والتقاليد إلى مجتمعات كانت وما تزال خاماً ومحافظاً ونقياً بالمقارنة مع الجهات التي قَدِموا منها، وفي مرحلة حرب ضارية انهمك بها النظام العراقي والليبي مع دول الجوار، والتي أدّت إلى إفراغ البلاد من الأيدي العاملة من سن 18- 30 عاماً، حيث تمّ تجنيدهم جميعاً للحرب، إضافةً إلى تجنيد ما فوق هذه الأعمار في قواطع ميليشيا ما كان يُسمى بـ"الجيش الشعبي" أو اللجان الشعبية في ليبيا، مما أتاح دخول هذه الفئات الوافدة إلى كلّ مفاصل الحركة الحياتية في الدولة والمجتمع وبملايين الرجال من المصريين والمغاربة والسودانيين واليمنيين والارتيريين وغيرهم من البلدان العربية، الذين اندفعوا أفواجاً في معظمهم من الفلاحين غير المؤهلين والعمال غير الفنيين وقلة نادرة من الاختصاصات العلمية والأكاديمية، إضافةً إلى أعداد كبيرة من خريجي السجون والمشبوهين وحتى المحكومين الهاربين.

   ولكي نكون منصفين فإن مجتمعاتنا كانت الأنظف حتى دخول تلك الأفواج، وهنا لا أقصد الشريحة الأكاديمية والخبرات الفنية فهي تستحق كلّ التقدير والاحترام؛ هذه الشرائح التي كانت تنتقد السماح لهذه الأفواج بالدخول إلى العراق متهكمة بأننا أفرغنا لهم كلّ السجون في بلدانهم إلى حد أن شوارعهم تنظفت من الرعاع والمجرمين والمتسولين، الذين نقلوا إلى مجتمعاتنا أنواعاً رهيبة من فيروسات الانحراف بكلّ أشكاله من (الفهلوة) والتي تجاوزت كلّ أنواع (الكلاوات) العراقية البسيطة قياساً بما استورد لها القائد الضرورة، واليوم وبعد أكثر من سبعة عشر عاماً على سقوط تلك التجربة المريرة، وأكثر من ربع قرن على فشل وهجرة تلك الملايين التي فشل النظام في توطينها، تركت ورائها مخلفات سلوكية غريبة، تسببت في تمزيق النسيج التربوي والقيمي والسلوكي في مجتمعاتنا، يعود البعض إلى ذات الثقافة الفاشلة سواء في المبدأ أو التطبيق فيفتح الأبواب أمام هجرات وزحف من أنماط بشرية تحت أغطية قوميّة أو مذهبية متعصبة، لا هم لها إلا الارتزاق ونخر الوطن ومسخ عاداته وتقاليده دون أي وازع يمنعها، فهي لا تنتمي إطلاقاً إلا لمصالحها الذاتية ولا يمكن سلخها من انتمائها الأصلي مهما كانت تلك الأطروحات التي يطرحها منظرو القومية الشوفينية والتعصبية الدينية أو المذهبية، حيث فشلت كلّ هذه المحاولات في العراق واليمن وسوريا وليبيا وغيرها من البلدان التي اجتاحتها حمى القومية المفرطة أو التعصب الديني والمذهبي.

kmkinfo@gmail.com
 



49
تعددت الاسماء والدكتاتورية واحدة!

كفاح محمود كريم

   منذ زمنٍ طويل وفي نهاية كلّ أربع سنوات ودون سابق إنذار وخلال عدّة أيام قبل إجراء عمليّة تداوّل السلطة في الولايات المتحدة، تنطلق وسائل الإعلام العربية والعراقيّة والشرق أوسطية بالتحديد بضجةٍ إعلامية واهتمامٍ مبالغ به جداً بالانتخابات الأمريكيّة، حيث ينقسم ضحايا الإعلام الموجّه بين فريقي الجمهوري والديمقراطي وبشكلٍّ مثيرٍ أكثر من الانتخابات نفسها، بل وبحماسٍ يزايد على الأمريكيين الّذين يجهل غالبيتهم من هو الرئيس الأمريكي!؟

   هذا الاهتمام المبالغ به جداً من قبل قنوات التلفزّة والإذاعات والمحللين السياسيين، يذكرنا بالدارج المحلي الّذي يصفُ حالة هؤلاء بالّذين (يتبللون قبل المطر)، حيث التهويل والتحليل من النتائج، وكأن الفائز في تلك الانتخابات إما سيدمر المنطقة أو سيخفض مستوى الفقر في هذه البلدان  ويقلل نسبة وفيات الأطفال ويرفع مستوى معيشة هذه الشعوب، بل أن إيحاءات بعضهم تؤشر بأن أحدهم سيكون سبباً في تمتع شعوب هذه المنطقة بسلامٍ وديمقراطيةٍ تختفي فيها الصراعات القَبلية وعبادة الأوثان البشرية، والكارثة أن معظم الواقفين خلف كواليس الدبكات الإعلامية للانتخابات الأمريكيّة، يدركون أن ثوابت الخارجية والبنتاغون واحدة لا تتغير، والدليل القضيتان الفلسطينية والكوردستانية، اللتان ما اختلف في أبجدياتها أي رئيس أمريكي من كلا الصنفين!

   والمشكلة التي تواجّه معظم النّخب السياسيّة والإعلامية في معظم دولنا هنا في الشرق الأوسط وخاصةً تلك التي أُزِيحَ حكامها بالقوّة، هي أن البديل هو استنساخ عملية تداوّل السلطة على الطريقة الأمريكيّة في بلدانٍ غابت عنها ومنذ عشرات السنين مظاهر المدنية وانكفأت في دهاليز النُّظم البدائية، التي أنتجت أنظمة الانقلابات وممارساتها في تكريس نظام الرئيس الضرورة والحزب الأوحد ومن ثم الاحزاب والميليشيات الربانية وشدها الانفعالي العاطفي وفتاوى من يقف ورائها، لتكون واحدة من أدواتها ووسائلها التي تسيطر فيها على الغالبية المسطحة في المدن والقرى من خلال نظامٍ بائسٍ يلغي بالتمام والكمال أي مفهومٍ راقٍ للمواطنة والانتماء لشعب أو أمة أو وطن، فما بين ديمقراطيات الغرب واستنساخاتها في الشرق، تُصنع أنماط من الديكتاتوريات المشرعنة بأدوات تداوّل السلطة عبر صناديق الاقتراع الممغنطة بالفتاوى أو بالولاء القبلي أو المذهبي، ليتم تنصيب أوثان بشرية بدلاً عن دكتاتوريات الجمهوريات والرؤساء الملهمين، فمجالس الرئاسة وقيادة الثورة ومجالس الشعب والنواب والبرلمان والجمعيات الوطنية والشورى في بلداننا الشرق اوسطية عموما، تتكاثر وتتناسل لتنتخب قائدا اوحدا او اماما مكلفا من الرب(!) او ملهما لايقبل التقسيم الا على نفسه لأنه وحده لا شريك له الا السلطة والمال!
   وهكذا تبقى ايقونة الشرق وهويته وبصمته في استنساخ تجارب لا صلة لها بالمطلق بنظامه التربوي والاجتماعي والتعليمي لاعادة تدوير حكم البداوة منذ الازل وتحت مختلف العناوين والتوصيفات!


kmkinfo@gmal.com



50
لا تصنعوا من الوهم قصص لبطولات فارغة!

كفاح محمود كريم

   قبل ثلاث سنوات وفي غفلةٍ من الزمن وبالاستعانة بالجنرال، قاسم سليماني، وحفنة من أهل الدار، اندسوا خلسةً في مناطق كوردستانية خارج إدارة الإقليم والمُسماة دستورياً بــ"المناطق المتنازع عليها" كما ورد في المادة 140 من الدستور العراقي، الذي وضع لها خارطة طريق لإنهاء ازدواجية علاقتها بين المركز والإقليم، وبخرقٍ فاضح للدستور الذي يحرم استخدام القوّات المسلحة في النزاعات السياسية بين الحكومة الاتحادية والإقليم والمحافظات، اجتاحت ميليشيات منضوية تحت الحشد الشعبي وبمساعدة القوّات المسلحة العراقية وبإشراف مباشر من، قاسم سليماني، قائد الحرس الثوري الإيراني مدن كركوك وسنجار وسهل نينوى وخانقين، وحاولت التقدم باتجاه أربيل عاصمة الإقليم من عدّة محاور في التون كبري ومخمور وأخرى في خاصرة دهوك، إلا أنها باءت بالفشل الذريع، حيث واجهت جداراً صلباً ومقاومة عنيدة من قوّات بيشمركة كوردستان، كلفها خسائر كبيرة في العدة والعدد، اضطرتها إلى وقف هجماتها والتقهقر إلى خطوط دفاعاتها، ووقف زحفها إلى الإقليم وعاصمته أربيل.

   واليوم وبعد مرور ثلاث سنوات من تلك العملية، التي أحدثت شرخاً كبيراً في العلاقات بين الإقليم وشعبه من جهة وبين العراق وحكومته من جهةٍ أخرى، بل وكشفت نوايا الكثير من مفاصل الإدارة السياسية والتشريعية المبيتة ضد مكاسب شعب كوردستان وحقوقه الدستورية إلى الحد الذي استخدموا فيه مصطلحات غير دستورية لتقزيم الإقليم وإلغاء هويته السياسية، وفرض الحصار عليه بالتعاون مع كل من تركيا وإيران، مما تسبب في تقهقر شديد في العلاقات مع بغداد وإعادتها إلى المربع الأوّل.

   ورغم تداعيات تلك السياسة الخاطئة وتردي أوضاع البلاد بشكل مريع وفي كل النواحي، ما يزال البعض يحاول صناعة قصص وهمية لبطولات فارغة، يحاولون فيها صناعة نمر من ورق حينما يتحدثون عن أحداث كركوك وكأن رئيس الحكومة في حينها بطل من أبطال معارك الحرب العاليمة الثانية، وهم يدركون جيداً وفي مقدمتهم السيد العبادي بأنه لولا الصفقة التي عقدت بين مجموعة من الاتحاد الوطني وبين الجنرال، قاسم سليماني، وقيادات في الحشد الشعبي لما دخل كركوك إطلاقاً، والغريب أنهم يتحدثون عمّا حصل حينها، معتبرين تلك الأحداث المشينة عملية لفرض القانون، بينما هم ومن يعتبرونه "بطلاً" كانوا عاجزين عن فرضه في منطقتهم الخضراء، والأنكى من كل ذلك أنهم يتحدثون عن نصرٍ وهمي، متبجحين بقصصٍ واهية يعرف حقيقتها السيد عبادي، وهي أنه لولا تلك الصفقة، لما تحقق هذا الاجتياح المدّبر خلسة.

   إن الإجراءات التي اتُخذت إثر دخولهم المشين إلى كركوك واقحام القوات المسلحة في الخلافات السياسية خرقاً للدستور، ومنعهم لاستخدام اللغة الكوردية وعزل مئات الموظفين والإدارات من مناصبهم لكونهم من الكورد، وتهجير قرابة 180 ألف مواطن، ناهيك عن مقتل المئات من الكورد وحرق بيوتهم ومحلاتهم ومقرات أحزابهم كما حصل قبل عدّة أيّام في حرق مقر واحد من أعرق الأحزاب الكوردستانية والعراقية، وأكبر حزب كوردي عراقي في البرلمان، وإهانة علم الإقليم الدستوري، مما يدلُّ على الكم الهائل من الكراهية والحقد على الكورد وكوردستان، مما أشاع شعوراً مأساوياً لدى الشارع الكوردي، حينما يعجز عن وضع فرق بينهم وبين سلوك علي كيمياوي أبان النظام السابق، حيث أثبتت الأحداث والسلوكيات أنها امتدادٌ لتلك الثقافة التي دمرت البلاد والعباد طيلة أكثر من نصف قرن، ويقيناً ستكون النهايات ذاتها التي ينتهي إليها الشوفينيون في كل زمان ومكان.

kmkinfo@gmail.com

51
سنجار والجرح الايزيدي النازف!

كفاح محمود كريم

   في الثالث من آب 2014 تعرضت مدينة سنجار (شنكال) واطرافها لغزوة همجية من قبل منظمة داعش التي سبق لها وان اجتاحت كامل محافظة نينوى العراقية، ولم يتبق امامها الا سنجار الواقعة الى الشمال الغربي من مركز مدينة الموصل بحدود 120كم، والتي حاصرتها قوات داعش من كل الجهات نهاية تموز وبداية آب 2014م، الا من ممر جبلي ضيق على الحدود السورية العراقية، وقد أدت تلك العملية المتوحشة الى قتل الألاف وسبي أكثر من ثلاثة الاف وخمسمائة امرأة ناهيك عن استعباد الاف من الاطفال واعتبارهم جواري مع امهاتهم تم عرضهم للبيع في اسواق أعدت لذلك في مناطق سيطرة تنظيم الدولة في العراق وسوريا، كما أدت تلك الغزوة البربرية الى تدمير شامل للمدينة ونواحيها، بما في ذلك المساجد والكنائس والمعابد والمزارات الايزيدية، ولم تنجو منارة سنجار الاتابكية التاريخية من هوس ارهابهم وتدميرهم فنسفوها واحالوها الى كومة من تراب.

   وفي الذكرى السادسة للكارثة اصدر مكتب انقاذ المختطفين الإيزيديين التابع لحكومة كوردستان، وهو الجهة الرسمية التي اعتمدت الامم المتحدة على احصاءاتها، خلاصة لنتائج ما حصل في سنجار المدينة والقضاء منذ 3 آب 2014 وحتى شهر ايلول من هذا العام 2020م:

• عدد الشهداء في الايام الاولى من جريمة الابادة 1293 شهيد.
• عدد المختطفين 6417 منهم : الاناث 3548 الذكور 2869.
• عدد الايتام التي افرزتها الجريمة 2745 يتيم ويتيمة.
• عدد المزارات والمراقد الدينية المفجرة من قبل داعش  68 مزار ومعبد .
• عدد المقابر الجماعية المكتشفة في شنگال حتى الان 83 مقبرة جماعية ،إضافة الى العشرات من مواقع المقابر الفردية .
• أعداد الناجيات والناجين من قبضة داعش الإرهابي كالاتي :
المجموع : 3537 منهم النساء :1201 الرجال : 339 الأطفال الإناث :1043 الأطفال الذكور :954.
• عدد النازحين نحو 310.000 نازح
*المتبقون حتى ايلول 2020 : 2880 منهم: الاناث : 1304الذكور : 1576 .

   حينما نقرأ هذه البانوراما الرقمية ونرى ما حصل في مدينة سنجار من خراب كلي، ونستمع قصص الاهالي نستذكر كوارثا انسانية مماثلة سبقتها في تاريخ البشرية المعاصر، ففي التاريخ القريب لن تنسى الاجيال جرائم البوسنة والهرسك وما حصل في سراييفو بيوغسلافيا القديمة على ايدي المتطرفين والمتشددين الصربيين عرقيا ودينيا، وفي التاريخ الابعد قليلا في  اليابان التي تعرضت لمأساة القصف النووي على ناكازاكي وهيروشيما، ناهيك عن حرب الابادة في رواندا وفيتنام وكمبوديا، وفي كل هذه الكوارث الجرمية لم تكن القضية مجرد معركة أو صراع بين الاطراف بقدر ما كانت اعتداء على الجنس البشري عموما، ولا ننسى ما حصل في حلبجة وكرميان وبادينان من قصف كيماوي، وما فعله أدولف هتلر في افرانه سيئة الصيت لليهود، وكذا فعل صدام حسين وقبله الطورانيين بالكورد والأرمن، جميعهم وان اختلفت اسبابهم ومبرراتهم استهدفوا قيم إنسانية وأخلاقية عليا، استدعت اهتمام العالم بأسره باعتبار ما فعلوه جريمة بحق البشرية جمعاء وليس بحق الكورد أو الأرمن أو اليابانيين لوحدهم.

     واليوم وبعد عشرات السنين من تلك الجرائم التي إدانتها البشرية المتمدنة، تظهر للوجود مجاميع من الفاشيين العنصريين الكافرين بكل  أخلاقيات المدنية والحضارة الآدمية، لكي يتجاوزوا كل مجرمي التاريخ بأفعالهم ويستبيحوا مدنا وبلدات وقرى لواحدة من أقدم ديانات الأرض التي وحدت الله وعبدته دونما رياء أو تمظهر أو مزايدة، أولئك هم الايزيديون الذين يُحاربون عبر مئات السنين من قبل فاشيين وعنصريين قوميين ودينيين ويهدفون إلى إلغاء وجودهم وإبادتهم أو إذابتهم في بودقة كيانهم الفكري والثقافي والقومي، وما حصل في شنكال أو سنجار وبعشيقة وبحزاني والقرى الايزيدية والمسيحية والكاكائية، لم يك معركة أو غزوة محلية أو إبادة بشرية فقط، بل كانت جريمة بحق الآدمية ومبادئ وقيم الأخلاق والحضارة، ومحاولة لنسف كل انجازات البشرية لمئات السنين من التحضر، فقد استهدفت جحافل ظلامية من المتوحشين الفاشيين العنصريين القوميين والدينيين قرى شنكال وبلداتها ومركز مدينتها بهمجية لا نظير لها في التاريخ المعاصر، إلا اللهم إذا ما قورنت مع ما نقلته لنا صفحات تاريخ المدن التي استباحها المغول والتتار أيام هولاكو وتيمورلنك، فقد اندفعت مئات الوحوش البشرية المسلحة بالحقد والكراهية وحب القتل والتلذذ به، مع احدث الأسلحة التي غنمتها من دولتين ضعيفتين هما سوريا والعراق، لكي تستبيح بلدات آمنة وسكان توقعوا أي شيء إلا ما شهدوه من كائنات منحرفة فقدت كل ما له علاقة بالآدمية، واندفعت أفواجا جائعة للدماء والمال والجنس، والتلذذ بالقتل والذبح والنهب والسلب والاغتصاب والاستعباد باسم الدين تارة وباسم العرق تارة أخرى.

     وخلال اقل من ثلاثة أيام تم للإرهابيين احتلال مدينة خالية من أي حياة بشرية متمدنة، حيث قتل من قتل واسر من أسر وهرب من هرب، ورفضت هذه المدينة وقراها أن تقبل حكم هؤلاء الهمج مختارة الموت أو الهجرة على استعبادهم، إلا من وقع تحت أسرهم من النساء والأطفال، وبذلك يسجل تاريخ الهمجية واحدة من أبشع عمليات الإبادة والاستباحة للسكان بما يجعل القضية إنسانية عالمية أكثر من كونها عملية إرهابية أو صراع سياسي أو ديني، حيث استهدفت السكان لسببين رئيسيين أولهما قومي كوردي وثانيهما ديني ايزيدي مسيحي شيعي حيث تعرض المسيحيون على قلتهم في المدينة لخيارين إما الإسلام أو دفع الجزية، بينما يقتل الشيعي والايزيدي إن رفض اعتناق عقيدتهم ومذهبهم، وهذا ما حصل فعلا للمكونين الدينيين، مما تسبب كما ذكرنا في إخلاء السكان لبيوتهم وقراهم واللجوء إلى مناطق آمنة في كوردستان.

     وفي حقيقة الأمر لم تكن العملية مجرد عملية عسكرية لاحتلال مدينة أو منطقة، أو إسقاط حزب أو قوة عسكرية مهيمنة كما يقزمها البعض، بل كانت عملية منظمة ومخطط لها عبر سنوات من اجل إبادة مكون ديني بذاته، حيث استخدمت أكثر العناصر شوفينية وفاشية وبدائية، ومعظمهم من القرى والصحاري أو ما تسمى بالجزيرة المحيطة بالمدينة وقراها، وهذا ما حصل فعلا في سنجار التي تضم الأغلبية الايزيدية في العراق، والتي تعرضت معظم قرى هذا المكون إلى الإبادة الجماعية الوحشية سواء بالقتل أو القلع، حيث أرغمت وحشية المهاجمين وهمجيتهم السكان على الاقتلاع من أراضيهم وترك كل شيء حفاظا على النساء والأطفال، وقد سقطت آلاف الأسر  بأيدي هؤلاء الهمجيين الذين اعتبروهم غنائم حرب وسبايا وفرضوا عليهم عقيدتهم، بل ووزعوا الفتيات على أفرادهم بالتزويج القسري في أسواق المدن والبلدات التي استباحوها.
     إنها عملية يندى لها جبين البشرية والحضارة الإنسانية وتستدعي حقا أن تكون قضية عالمية يتداعى لها المجتمع الدولي لوضع آليات وضمانات ليس لهذا المكون فحسب بل لكل المكونات الدينية والعرقية الصغيرة في العالم وخاصة في المجتمعات العربية والإسلامية والشرقية عموما، لأنها تتعرض لعمليات إبادة على خلفيات عقائدية أو عرقية شوفينية منذ مئات السنين دون أي رادع يردعها عن ارتكاب هذه الجرائم، وقد آن الأوان للعالم المتحضر أن يتخذ قرارات واليات لحماية هؤلاء السكان في كل أنحاء العالم، وملاحقة منفذيها اينما وجدوا وفي أي زمان ومكان، كما حصل لمجرمي النازية والفاشية بعد الحرب العالمية الثانية.

* ملاحظة: هذه الإحصائيات معتمدة لدى الأمم المتحدة وهي لا تشمل الخسائر المادية في الاملاك والاراضي والثروة الحيوانية والزراعية والسيارات والمعامل .....الخ.
 
مكتب انقاذ المختطفين اللإيزيديين

 kmkinfo@gmail.com

       
 
 




52
تمنيات وردية في بيئة بائسة!

كفاح محمود كريم

   هناك مثل انكليزي يقول: "A fish rots from the head down " وترجمته ان السمكة تتعفن من الرأس إلى الأسفل، ورغم ذلك ذهب الفنان المسرحي الكبير يوسف العاني في احدى مشاهد تمثيلياته الى ذيل السمكة وهو يشمها مما أثار استغراب البائع او السماك قائلا له: إنَّ المشتريين يشمّونها من الفم ليتأكّدوا أنها صالحة أو خايسة، ضحك المشتري بازدراء، قائلاً: أعرف ذلك جيداً، لكنني أردّت التأكّد من أن العفونة قد وصلت إلى الذيل أم لا!؟

   وما بين رأس السمكة وذيلها يكاد يضيع البلد وكثير من بلدان الربيع العربي التي سقطت بمستنقع الفساد حينما سقط دكتاتورييها من اعلى الدرج الى اسفله، والذي يحاول ورثتهم تنظيفه من الاسفل، مستهدفين موظفين صغار من (العظامة) هنا وهناك لضربهم على طريقة عنترة بن شداد ( كنت اضرب الضعيف ضربة يهتز لها قلب القوى)!

   بهذه المقدمة السريعة أردت أن أدخل إلى عالم التمنيات الوردية في بيئة فاسدة وبائسة، كانت وما تزال تعكس شكل المجتمعات في معظم الدول التي طالتها عمليات التغيير الفوقية وأزالت هياكل أنّظمتها السياسيّة متمثلةً بالرئيس وطاقمه، وفي مقدمتها العراق، حيث تراكم هائل من ثقافة القطيع والخوف المتكلس في أدق تفاصيل الشخصية الفردية والمجتمعية ناهيك عن مناهج تربوية ترّبى ملايين البشر عليها، ديدنها الخضوع والاستكانة وعبادة الفرد والأفكار البالية والعقل الوعائي لمعلومات ببغائية لا تعرف النقد ولا الاعتراض ولا صناعة الرأي المختلف.

   لا شكّ أن معظم هذه البلدان وبدرجات تكاد تكون متقاربة، تعاني من إشكالية معقدة في تطبيق حلول غير واقعية أو زراعة بذور في أرض غير ملائمة لإنباتها ونموها، وخاصةً ما يتعلق بتداول السلطة والهيئات التشريعية التي تخضع قوانينها لسلطات اجتماعية، لم تنجح كلّ المحاولات في إزاحتها أمام تقدم فكرة المواطنة، فما تزال كراسي غالبية مجالس النوّاب محجوزة لاصحاب تلك السلطات الاجتماعية والدينية إلى حدٍّ ما، وخاصةً سطوة الشدّ القبلي والمناطقي والاستقطاب المالي (شراء وبيع الاصوات)، ناهيك عن ممارسات دكتاتورية بعباءة ديمقراطية تبررها الأعراف والتقاليد والفتاوي الدينية.
   
   إنّ الّذين يصرّون على عملية التنظيف، عليهم البدء من الرأس في أعلى الدرج، فقد أثبتت التجارب وفي كلّ أشكال الأنظمة الإدارية والاجتماعية والسياسية، أنّ الفساد فيروس يصيب الكبار وينتشر في البيئة التي تضعف فيها الدولة ومفاصلها، ويتولاها المتسلقين من المنفذين الصغار لبرامج الكبار الذين يُطلقون عليها هنا في الدارج العراقي بـ (العظامة) وحصتهم من الصفقات لا تتجاوز الأذن من الجمل، لقد استشرى الفساد في هياكل الدولة العليا، وخاصةً في السلطتين التشريعية والتنفيذية حتى غدا دولة أقوى من الدولة ذاتها، مالكاً كلّ أذرعها العسكرية والأمنية والاقتصادية. هذه اللادولة تقوم على ثلاث أسس هي :

- الذراع العسكري المتمثل بالميليشيات مع اختلاف تسمياتها وطروحاتها الدينية والمذهبية والعشائرية
- الذراع الاقتصادي المتمثل بالمكاتب الاقتصادية للأحزاب والميليشيات والسيطرات التي تفرض الأتاوات والضرائب
- الذراع الأمني المتمثل بأجهزتها الاستخبارية ومعتقلاتها وسجونها السريّة وعمليات الاختطاف والاغتيال والتغييب لآلاف من الشباب بتهمة كاذبة.


   هذه الأذرع الثلاث، ترتبط بها شبكة من مئات الشركات الوهمية والمكاتب بمختلف الاختصاصات العقارية والمصرفية والسفر والسياحة والقنوات الفضائية والمنافذ وتهريب النفط ومشتقاته، ناهيك عن عمليات بيع وشراء وتهريب العملة، ولدى كلّ هذه المؤسسات ممثلين في معظم الوزارات الحلوب، بل حتى في السفارات والممثليات خارج البلد، أنها شبكة معقدة بدعم إقليمي خطير أكبر من مجرد إصلاحات سطحية أو جانبية، إننا إزاء عملية جراحية كبرى تستأصل بقرار وقوة رؤوس الفساد والإفساد، لكي تنٍهار كلّ هذه الشبكات!
   افعلها وسترى عشرات الملايين معك، فلا تستبدلهم ببضع أصنام!


kmkinfo@gmail.com


53
الشرق الاوسط وضرورة اعادة الترسيم عربيا!

كفاح محمود كريم
   
   في مقاله الأخير بصحيفة إيلاف الدوليّة "متى يُكسر الجمود في ملفات الشرق الأوسط؟" تطرق الكاتب، حسن إسميك، إلى تقرير أو دراسة أصدرها "معهد لندن للاقتصاد والسلام"، وذهب إلى استنتاج يقول، إنَّ: "منطقة الشرق الاوسط وشمال أفريقيا لا تزال الأقل سلاماً واستقراراً في العالم"، وعلى ضوء هذا الاستنتاج أو المؤشر يتسائل الأستاذ، إسميك:
لماذا لا يزال الشرق الأوسط يعيش دوَّامة العنف والجمود السياسي حتى الآن؟
   وقد أجاب الكاتب على كثير من التساؤلات والظواهر والعُقد السياسيّة، وخاصةً عقدة القضية الفلسطينية الّتي فَشِلتْ الأمم المتحدة ومجلس أمنّها في حلّها وإقناع أطراف النّزاع بصيغة مقبولة للتعايش، حتى انبرى الرئيس المصري الأسبق، أنور السادات،  في خطوةٍ جريئةٍ بزيارته لإسرائيل واضعاً خارطة طريق عقلانية لإنهاء الصراع، ورغم ما تعرض له الرجل من ظلمٍ كبير من ذوي القربى ومن أصحاب الشأن الفلسطيني على الأرض، وأقصد معارضي خطوة السلام الّتي جاءت متأخرةً كثيراً لما بدأه الراحل الحبيب بورقية، إلا أنها كانت الأفضل في كلّ مشاريع السلام بين الطرفين المتنازعين اللذين حولا الشرق الأوسط إلى واحدة من أكثر بؤر الصراعات والحروب في العالم.
   لا شك ان الصراع العربي الاسرائيلي كان احد اهم نتائج التفاهمات البريطانية الفرنسية الروسية في تقسيم المنطقة، لكن وفي ذات السياق علينا أن ندرك أيضاً أن قضية اخرى كانت تحت الرماد رغم ان نيرانها بدأت بالانتشار منذ النصف الثاني من القرن الماضي، وقد غدت اليوم اي القضية الكوردية ووطنها المجزءالأكثر إثارةً بعد انصياع كثير من أطراف الصراع العربي الإسرائيلي إلى صيغة أكثر مقبولية في التفاهم السلمي بدلاً من الخراب والدمار، والذهاب إلى خيار الصلح وقبول الآخر مقابل سلامٍ دائم وتطورٍ متلاحق كما حصل مؤخرا في سلسلة التقارب والتصالح الاسرائيلي العربي زنمزذجه الاحدث مع الامارات، فالقضية الكوردية وخاصةً في جزئيها الجنوبي والغربي في سوريا والعراق، ناهيك عن الجزء الأكبر في تركيا والآخر في إيران، أصبحت تشكل التحدي الأكبر بعد القضية الفلسطينية، وهذا المشهد يؤشر إلى حقيقة مهمة جداً لا يهتم بها الكثير، وهي بتقديري أساس هذا الوضع في الشرق الأوسط، وهو التأسيس الخطأ والإجباري لدول المنطقة بمقص استعماري لم يلتفت إلى نتائجه التي تحصد كوارثها الشعوب.
   أن قضية فلسطين وكوردستان وبقية المكوّنات المُذابة في الكيانات التي تشكلت بمصالح اقتصاديّة بحتة مطلع القرن الماضي، هي الأساس الخفي لكل الصراعات الدائرة اليوم، وخاصةً ما يتعلق منها بالمكوّنات العرقية والقومية والدينية، ناهيك أصلاً عن طموحات بقايا الإمبراطوريات الثلاث اللاتي حكمن الشرق وأطرافه لحقبٍ زمنيّةٍ طويلة في تدوير أحلامهم بإعادة سطوة ونفوذ تلك الإمبراطوريات التي سادت ثمّ بادت، وهي العثمانية والعربية والفارسية، والصراع النازف اقتصادياً في محاولات امتلاك وسائل تمنحهم قوّة الإمبراطوريات الغابرة، ألا وهو السلاح النّووي كما تفعل إيران وكما فعل صدام حسين ومعمر القذافي، وكما تمتد تركيا بحثاً عن الطاقة تارةً وبسط نفوذها تارةً أخرى بأحلام الولايات كَبديلٍ إسلامي شعوبي.
   أن الصراع الإيراني التركي المخفي في العلن والمتوقد شيعياً وسُنياً تحت الرماد، يشبه في أصله الصراع الأمريكي الروسي ولا علاقة له البتة بالمذاهب والقوميات، بل بالامتدادات الجغرافية مستخدمين فيه الدين والمذهب كسلاحٍ مخدر، وكذا الحال في الدكتاتوريات العربية وشعاراتها من المحيط إلى الخليج ومن البحر إلى النهر وصولاً الى القدس!
   في خضم هذه الصراعات والتداخلات المعقدة لمجموعة دول جعلت من الشرق الأوسط ساحةً لبسط نفوذها وسوقاً لبيع منتوجاتها، بل وحروباً بالوكالة على حساب الشعوب في العراق وكوردستان وفلسطين وسوريا وليبيا واليمن ولبنان والسودان، أمامنا نماذج قريبة لحلّ هذه العقد  المستعصية ألا وهي النموذج اليوغسلافي أو السوفييتي والنموذج الجيكوسلوفاكي لإعادة ترسيم المنطقة وفق حاجات السكان والمكوّنات وطموحاتهم في الاستقلال بديلاً عن الحروب ونتائجها التي تدور منذ قرن من الزمان دون أن تحقق السلام المنشود والتطور لهذه الشعوب ودولها.
وأجزم أن كثير من ملفات المكوّنات وفي مقدمتها الملف الكوردستاني تستطيع الدول العربية ذات الشأن أن تساهم في حله وإنهاء مشكلته بأي نوع من أنواع الاستقلال والتحالف الذي يطمح له الكورد سواء بالصيغة العراقية أو بتطويرها إلى الكونفيدرالية وإجبار كل من تركيا وإيران على إتباعهم شاؤوا أم أبوا، هكذا دور سيعمل على حلحلة قضايا مؤجلة حالياً وخطيرة جدا مستقبلا،  كقضية الأقباط والأمازيغ وغيرهم.


54
مستقبل العراق بين السلطة والمال!
كفاح محمود كريم
   لامتلاك المال والسلطة طريقان، طريق سهل جدا لا يتطلب الا قليل من الفهلوة والتخلي عن بعض الثوابت الرئيسية، وطريق وعِرٌ جدا وامتحانه عسير، وفي نهاية المطاف ينتهي الطريقان الى اختبار عويص يخرج منه معدن الرجال والنساء، وتظهر فيه حقيقة الفرد والمجتمع، بل ويفصل بين الحرية والعبودية، وفيه أيضا يكرم المرء أو يُهان.
   بهذه المقدمة المقتضبة ادخل الى صلب قضيتنا في العراق، هذه البلاد التي لا تختلف عن أي بلاد في الأرض الا في حظها السيء وإداراتها الأسوء، منذ تأسيس كيانها السياسي مطلع القرن الماضي بإرادة اجنبية وهي مجرد إدارات تسلطت بغفلة من الزمن التعس والاستغلال البشع لتخلف الأهالي وفقرهم، مستغلةً شتى أنواع المفاتيح الغرائزيّة والدينيّة والعنصريّة لتبرير استمرارها في الاستحواذ على المال والثروة والحكم وترك الأهالي يتلظون فقراً تغطيهم أكداس من "اللنكات والبالات" في الملابس والأفكار والثقافات، حتى حولوا البلاد إلى سوق شعبي لبيع وشراء المستهلكات، ولكي يدرك قراءنا من خارج البلاد العراقية، ما تعنيه "اللناكات والبالات" كمفردات ومتداولات شعبية عراقيّة موروثة تعطي صور بلاغية في التوصيف، قد لا ترتقي له الفصحى في كثير من الحالات، خاصةً لدى القراء العراقيين، ولكي يكون قارئنا على دِراية بمعنى هذه المفردات الدارجة، علينا أن نعرف معناهما في الفصيح، فـ "اللنكة" تعبر عن أي شيء قديم بسبب الاستخدام وليس بالزمن فقط، وكذا الحل في "البالات" التي تصف الملابس المستخدمة، والتي تكثر اليوم في أسواق العديد من مدن الشرق الأوسط، وتضاعفت كثيراً بعد اندلاع مهرجانات الربيع العربي الدامي، وهي في معظمها قادمة من أوربا وأمريكا بأكداس معفرة بمشاريع الديمقراطية والعولمة ومراكز ومعاهد تعليمها، التي انتشرت بكثافة تشبه غزارة دكاكين منظمات المجتمع المدني وأسواق هرج ومريدي العراقية!
   ولكي تتضح الصورة اكثر دعوني استعير اللفظتين الدارجتين اللتين تعبران عن المواد المستهلكة وأحياناً كثيرة المهترئة، للتعبير عن شريحة من السياسيين والإعلاميين المستخدمين والمستهلكين كثيراً إلى درجة ربما أكثر من اللنكات أو البالات، حيث وصل حال بعضهم إلى درجة مزرية تقترب من الرثاثة والاندثار، رغم كل الإكسسوارات والمنشطات الداعمة من الممولين، والتسميات والعناوين الممنوحة لهم على شاكلة مدير معهد أو مركز كذا للديمقراطية وحقوق الإنسان، خاصةً أولئك الذين أنتجتهم تخمة السحت الحرام ونافورة الإعلام ومفرخات السياسة البلهاء في بلدان ما يزال سياسيوها اللصوص يصرّون على نزاهتهم باسم الرّب والكتاب المقدس والأمة العظيمة، حالهم حال رفاقهم في داعش الإرهاب التي ادّعت وكالتها للرّب على الأرض، وقيامها بواجباته المفترضة على أساس عقيدتها الفاسدة، في ذبح وسلق وحرق وتقطيع المختلف معهم كما حصل في سنجار وتلعفر وسبايكر، التي سبو نسائها واستعبدوا أطفالها وقتلوا آلافاً من شبابها وشيوخها، لا لشيء إلا لأنهم لا يجيدون الشهادة على طريقتهم ولا يعرفون الوضوء كما يشتهون هم!
   هؤلاء المستهلكين حدّ الرثاثة، لا لكونهم مخضرمين، بل لكثرة استخدامهم من ممولين وأصحاب أجندات وأموال، ينفذون من خلال مواسم الأزمات والوفرة المالية ليقدموا خدماتهم في بيئة فاسدة تستدعي استخدام المستخدم وأن كان مستهلكاً كما يفعل الكثير من الساسة والإعلاميين، وما يُسمون بالخبراء الاستراتيجيين ومدراء معاهد ومراكز ما يُسمى بالديمقراطية أو كما ينطقها بعض الأهالي تهكماً "الديموغلاجية" أي ديمقراطية الحرامية وحكمهم، حيث عجت السوق السياسية العراقية وبازار الفضائيات وقاعات مزايدات المشاريع بالمئات من هؤلاء الحاملين لعناوين لا أساس لها في تكوينهم أو قابلياتهم أو تأهيلهم، فتراهم منتشرين في البرلمان والحكومة والإعلام ومنظمات أو دكاكين ما يُسمى بالمجتمع المدني ومختلف وسائل التواصل الاجتماعي، ولكي لا نظلمهم ونفرق بين "اللنكة"و"البالات"، فإن "اللنكة" خير ما تنطبق على الكثير من شاغلي كراسي البرلمان والحكومة وملحقاتها في جميع الوزارات،  وخاصةً غالية الثمن التي تحولت الى اقطاعيات ومغارات علي بابا، أما "البالات" فخير ما ينطبق عليهم هذا التوصيف هم إعلاميو الصدفة وفضائيات البذاءة وأصحاب دكاكين ما يُسمى بمراكز ومعاهد الديمقراطية وحقوق الإنسان، التي تأسست في السنوات الأخيرة لبيع وشراء كافة أنواع المشاريع والكوبونات والمقابلات الفضائية مدفوعة الأجر، بعد أن فشل أصحابها بالاستئثار على منصب في أفشل دولة بالعالم؛ ففتحوا دكاكينهم لبيع أكداس من "اللنكات والبالات" السياسية والإعلامية وحسب المقاسات والأحجام!
   إن ما جرى اليوم في عروسة الشرق والبحر المتوسط بيروت الحضارة من محاولة إزالتها من الوجود لصالح الهمج، وما يجري في عراق سومر وبابل واور واكد وآشور وميديا لمسخه وتشويهه، هذه البلاد التي تعوم على بحور من الثروات وتعلوها أجمل وأثرى ما في الطبيعة من تضاريس ومياه وخصوبة، وتسكنها أقوام وأعراق لو أتيحت لها فرصة التحرر والتقدم وحق تقرير المصير، لأقامت حضارة تفتخر بها الإنسانية جمعاء، وما يجري فيها اليوم إزاء هذا الكم الهائل من الفساد والافساد، من محاولات تغيير الوضع لا يمكن له النجاح بالترقيع والمسكنات، فقد غارت غرغرينا الفساد المالي والسياسي في اوصالها، ولن يشفى منها الجسد الا ببترها، لأن الأوباش العنصريون والمتطرفون قومياً ودينياً، أحالوها إلى دولة للبالات واللنكات، تعج فيها عصابات ومافيات باسم الرّب تارةً وباسم المذهب تارةً أخرى، وما هم في حقيقة الأمر إلا كما يقول العراقيون "سلّابة نهّابة"، حولوا البلاد إلى ركام وخراب، فباتت أكثر بلدان العالم فساداً وفشلاً وتخلفاً بعد أن كانت منارة للحضارة والتقدم لكل البشريّة.
   انه تحدي كبير بدأ في تشرين 2019 وتخضبت فيه شوارع العراق وشبابه وشاباته بدماء زكية، فهل نجح فيروس كورونا المرض وغرغرينا الفساد في ابطاء المسيرة، ام ان الأيام المقبلة تُنبأ بتحولات تنزع فيها البالات واللنكات، وتستعيد البلاد ازيائها الاصلية الزاهية!؟

kmkinfo@gmail.com


55
العراق بين غزو الكويت وغزوة سنجار!
كفاح محمود كريم
   لقد عانت شعوب العالم من ثقافة الغزو وسلوكياته البدائية وخاصة في منطقتنا الشرق أوسطية ولمئات السنين بين القبائل والعشائر، وتسببت في انهر من الدماء والدموع، وكوارث مرعبة اختلطت فيها الانساب وتاهت بين الغازي والمغزي، ورغم كل اشراقات الإسلام وبقية الأديان وسماحتها لكنها لم تنجح لمئات السنين في ايقافها بالمطلق فاستمرت بين كثير من تلك العشائر والاقوام حتى الى ما قبل اقل من مائة عام، حيث تقلصت مساحاتها بين القبائل بانتشار المدنية والتعليم والوعي الإنساني، لكنها انتقلت الى اشكال وأنماط أخرى تمارسها دول وأنظمة سياسية أو منظمات دينية او قومية او عرقية تحت عناوين واهداف عديدة، معتمدة ذات النهج والسلوك في الغزو البدائي، فتقتل الرجال وتستعبد الأطفال وتسبي النساء، ثم تمارس تجارة البيع والشراء!
   ولعل العراق كان واحد من تلك الساحات التي مارست الغزو على مستوى العشائر والقبائل ثم بعد أن انحسرت، أخذت طابعا آخرا تمارسه السلطة الحكومية او منظمات دينية متطرفة، وفي كل الحالات كانت نتائجها كارثية يدفع فاتورة حسابها الأهالي، ورغم أن كوارث العراق كثيرة ولا تحصى إلا إن أكثرها إيّلاماً ومأساةً، هي تلك التي وقعت في شهر آب من عام 1990 وآب 2014، حيث دفع فواتيرها شعب العراق مالاً ودموعاً ودماء، والعجيب أن الكارثتين تنبعان من ذات النهج والتفكير الشمولي والعقائدي الإقصائي، ففي الأولى قرر شخص واحد أن دولة بأكملها شعباً وتاريخاً وحضارةً يجب إلحاقها كمحافظة من محافظاته التي كانت تأنُّ تحت وطأة العبودية، وخلال ساعات ورغم أنف كلّ الحكماء والعقلاء وتهديدات الأعداء ونصائح الأصدقاء، غزا الكويت بشكلٍّ همجي بربري، وضمها إلى مملكة الفقر والرعب والإرهاب في سابقةٍ لم تحصل منذ الحرب العالمية الثانية، حيث أدّت عملية غزو الكويت إلى تدمير العراق ومنشآته الصناعيّة والزراعيّة والثقافيّة والعلميّة والبُنى التحتية من الطرق والجسور ومحطات الكهرباء والماء وكل المعامل المنتجة على مختلف اختصاصاتها، ناهيك عن مقتل مئات الآلاف وتدمير الجيش العراقي كلياً وإخراجه عن الخدمة الفعلية، خاصةً في قوّاته الجويّة والمدرعة والصاروخيّة، وقد دفع العراق منذ ثلاثين عاماً أكثر من خمسين مليار دولار تعويضات للكويت وما يزال يدفعها مقطوعة من أفواه أبنائه وبناته!
   ولأن نهج ذلك النظام، الّذي تسبب بتلك الكارثة كان مزروعاً في عقول من اتبعوه أو أيدوه، خاصةً أولئك الذين استقدمهم قبل إسقاط نظامه، وهم عدّة آلاف من الإرهابيين العرب والمسلمين من كلّ أصقاع العالم وجلّهم من تنظيمات القاعدة والفرق المتطرفة والمتشددة دينياً أو قومياً، حيث أنشأ لهم معسكرات وتدريبات لمساعدته في مقاومة التحالف الدولي والعمل خلف خطوط العدو، وحينما سقطَ (داحت) تلك المجاميع من المنحرفين ونظمت نفسها تحت قيادات قاعدية الأصل، انشقت لتؤسس عصابة جديدة أصبحت فيما بعد تُسمى بــ" تنظيم الدولة الإسلامية داعش "، التي انضم إليها الكثير من الضباط وعناصر المخابرات والاستخبارات والأمن الخاص للنظام وبقايا فدائيو صدام.
   ومع ضعف النظام السياسي الجديد ومناكفاته وفساد قياداته وخصوماتهم فيما بينهم، استطاع التنظيم وبالتعاون مع مفاصل مهمة في الحكومة الاتحادية وملحقاتها أن يسيطر على محافظات نينوى والأنبار وصلاح الدين وأجزاء من كركوك واقترب من ثغور كوردستان، لكي يوقع واحدة من أبشع جرائم العصر في سنجار أو شنكال كما يطلق عليها أهاليها، وهي مدينة تقع في الشمال الغربي من مركز الموصل بحدود 120 كم، وتضم غالبية إيزيدية كوردية، حيث وقعت الكارثة الثانية والتي تعدت في تفاصيلها ومآسيها كل ما حدث من حروب في التاريخ المعاصر، حيث غزّت مجاميع من شذاذ الآفاق والأخلاق والأديان مدينة آمنة، تضم بين ثناياها أكبر الديانات في العراق وكوردستان بعد الإسلام والمسيحية، ألا وهي الإيزيدية، وخلال أيّام قليلة من اجتياح المدينة وقرّاها تمّ قتل واختطاف آلاف المواطنين من الرجال والنساء والأطفال، وحسب هذه الإحصائية المعتمدة من قبل الأمم المتحدة والحكومتين العراقية والكوردستانية، وكنتائج لجريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبتها داعش أو ما يُسمى بـ ( تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام ) بحق الإيزيديين بتأريخ 03-08-2014 حيث تمّ توثيق الجرائم والانتهاكات، التي طالت مدينة سنجار وأطرافها وبالأرقام وحسب الجدول الآتي:
- عدد الشهداء في الأيّام الأولى من جريمة الإبادة 1293 شهيداً من الشباب والشيوخ.
- عدد المختطفين 6417، منهم: الإناث 3548 والذكور 2869 وغالبيتهم من الأطفال.
- عدد الأيتام الذين فقدوا آبائهم وأمهاتهم 2745 يتيماً ويتيمة.
- عدد المقابر الجماعية المكتشفة في المدينة وأطرافها حتى الآن 83 مقبرة جماعية، إضافة إلى العشرات من القبور الفردية.
- عدد المزارات والمراقد الدينية التي أزيلت من الوجود من قبل داعش 68 مزار ومعبد.
- عدد النازحين بلغ نحو 360,000 نازحاً، وهم جميعاً من سكان القضاء.
- عدد الذين هاجروا منهم إلى الخارج يقدر تقريباً بمائة ألف نسمة.

   وإثر ذلك تمّ تشكيل خلية أزمة من قبل حكومة كوردستان، أطلق عليها مكتب تحرير المختطفين، حيث استطاعت ومنذ 2015 وبمختلف الوسائل إنقاذ الكثير من النساء والأطفال، وحسب الجدول أدناه:
   مجموع المحررين والمحررات 3530 منهم 1199 من النساء و339 من الرجال و1041 من الأطفال الذكور و951 من الأطفال الإناث، وما يزال هناك أكثر 1308 من النساء و1579 من الرجال مفقودين ويتم البحث عنهم.
   وبين 2 آب 1990 و3 آب 2014 تمتد خيوط الكوارث، التي نسجها الفكر المتطرف والعنصرية القومية البغيضة والطائفية المقيتة، والتي تمثلت بنظام شمولي لا يقبل أحداً غيره، ومجاميع أصولية عمياء كفرت بكل القيم والمعاني السامية للإنسانية لتقترف ذات الجرم أو الغزو الذي قام به صدام حسين في الكويت وقبلها في كوردستان وأنفالاتها، هذه الغزوات التي قادت البلاد والعباد إلى كوارث ستبقى نتائجها وجروحها لعشرات السنين القادمة!
kmkinfo@gmail.com

56
سنجار المدينة التي انهارت عند اسوارها الحضارة!

كفاح محمود كريم

    أطلقت الامارات العربية المتحدة مسبارا الى المريخ في سابقة علمية فضائية تسجل لها وهي تكسر قيود التاريخ كما اطلق عليها الكاتب حسن إسميك في مقاله ( في سيرة المدن التي كسرت قيد التاريخ: "أبو ظبي نموذجاً") والذي تحدث فيه عن التطور الكبير الذي شهدته الإمارات العربية المتحدة وذروته في إطلاق مسبار إلى المريخ، وقد اعادني الحدث والمقال قليلا إلى التاريخ غير المقروء بل المشهود، وتحديدا منذ تأسس هذا الاتحاد الفيدرالي الاختياري بين إمارات مترامية ومشتتة هنا وهناك قبل نصف قرن، وبقيادة رجلٍ حكيمٍ لم يتخرج من جامعة أكسفورد أو من أكاديمية ساندهيرست العسكرية الملكية البريطانية ليكون جنرالاً ينقلب على رفاقه بانّقلاب، ولم يكن رئيس حزبٍ يتآمرُ مع مخابراتٍ دولية لكي يتسلم مقاليد الحكم، أو يزور الانتخابات لكي يفوز ويتحكم برقاب عباد الله، ولم يعرف عنه انه رجل دين او عالم فقه أو امام معصوم، بل كان انسان (ملئ هدومه) كما يقول الاخوة المصريين، إنسانٍ عفويٍ حكيمٍ مخلصٍ لنفسه ولقيمه وللوطن الذي ينتمي له، أنه الإنسان زايد، الذي تعجب ذات يوم من أن لا يكون لفردٍ من أبناء شعبه بيتاً يملكه، ومن هنا بدأت الحكاية، وضع اصبعه على مكمن الجرح في هذه الأوطان التي تفتقد للانتماء اليها كمسكن، من هنا كانت النبضة الأولى بل القدحة التي اطلقت فيما بعد مسبار الامارات الى المريخ!

   أنه الانتماء للوطن بملكية دار السكن!

   وما بين دار السكن والانتماء للوطن تسلل الروائي جورج أورويل الى الفناء الداخلي للدار ليدرك أي مواطن يسكن فيه وتحت أي حكم يعيش في هذا الوطن المقهور بكاميرات وعيون روايته (السيد الرئيس) المزروعة في كل الشوارع والازقة وربما حتى في غرف النوم، حتى أدرك في روايته 1984 شكل الأنظمة التي تحكم هذه الشعوب المغموسة بالتاريخ وفتوحاته وسبياه، ثم ما لبث ان أسس مملكته أو جمهوريته بعد تلك الرواية في (مملكة الحيوان)، لكي يعطينا نموذجاً لمن يحكم بلداننا خارج دائرة الإنسان.

    في دول الوطن التي خرجت عن جمهوريات اورويل، واكتشفت ان الانسان يبحث في البدء عن مكان يأويه، فكان الكهف ثم تطور حتى أصبح وطن، وفي الوطن كانت الحلقة الاولى في الانتماء، شعر مؤسس دولة الامارات ان البداية في احترام الوطن والانتماء اليه هو سكن يليق به ومدرسة تليق بأطفاله، ومشفى يستدركه اذا مرض، ومستقبل آمن اذا توالت سنين العمر، ومنها انطلقت وفتحت أبو ظبي أبواباً ومساراتٍ إلى العلى، بينما في وطني الذي قامت على اديمه اقدم حضارات البشر ما تزال انياب التوحش غائرة في جسده، وفي مدينتي سنجار أو شنكال بكوردستان العراق، والتي قال عنها المؤرخ والآثاري الأمريكي سيتون لوئيد في كتابه (انتصار الحضارة) ان  أهاليها اسسوا أول قرية زراعية قبل سبعين الف عام، نعم سبعين الف عام، وعلماء الحضارات يدركون ماذا تعني بناية قرية ودورا للسكن وحقولا يزرع فيها القمح،  سبعون الف عاما من التقدم والتطور لم تمنع أصحاب فلسفة ( التوحش والغزو) من اقتراف اكبر جريمة بحق الانسان والادمية، ففي الثالث من آب أغسطس 2014م انّهارت عند أبوابها حضارة آلاف السنين من تطور الإنسان النوعي والثقافي والسلوكي، بل ونسيت كل معاناة البشرية وتعب علمائها في كل مجالات الحضارة حينما داهمتها مجاميع من المتوحشين الآدميين، لكي يهجموا الدور على ساكنيها  ويحرقوا حقولهم وحنطتهم حتى التي تحجرت منذ الاف السنين، قتلوا كل الذكور العزل الذين وقعوا في اسرهم، واستعبدوا آلافاً من الصبية والأطفال، ولم  تشبع غرائز القتل والدمار في دواخلهم فسبوا آلافاً مؤلفة من الصبايا والنساء، بل وأسسوا لأول مرة بعد مئات السنين من المدنية اسواق النخاسة لبيع وشراء النساء في واحدةٍ من أقذر ما شهدته البشرية في العصر الحديث من سلوك يندى له الجبين!

 إن ما حدث في سنجار والموصل واطرافهما جعلنا ندرك تراكماً تاريخياً من السلوك الاجتماعي والسياسي التي فرضته الأنظمة الحاكمة منذ قرن الزمان، والتي كانت تعتبر الإنسان المختلف دينياً ومذهبياً وقومياً من الدرجة الثانية أو ربما بدون أي درجة، فهو ما لم يكن عبداً لها لا يساوي حتى ثمن الطلقة التي يعدم بها رمياً بالرصاصة التي كانت تستحصل قيمتها من ذويه، بينما كان الاخرون يعملون من أجل تمليكه داراً للسكن، نعم دارا للسكن، لم نكن نطلب منذ البداية الا دارا للسكن، لكنهم رفضوا ذلك واعتبروه تمردا وعصيانا وانفصالا، فبدأت دوامة العنف ونافورة الدماء طيلة أكثر من سبعين عاما، تصلبت فيها العبرات في الانفال وتاهت الأوطان في حلبجة وتوقفت الحياة في أكثر من خمسة الاف قرية حينما دفنوا سكانها احياءً في صحراوات العراق ليتوقف معها الانتماء!

    حينما فشلوا في ابادتنا ومنعنا من بناء دار للسكن، شنوا غزواتهم المعروفة بالأنفال مستخدمين ذات الاسم القرآني لأبادتنا، وحينما فشلوا عادوا الكرة ثانية، لكن هذه المرة دونما استنفار قومي بل استخدموا ظلال راية الإسلام والقرآن، ليؤسسوا من جماجم أطفالنا (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، ويخطفوا اكثر من ستة الاف صبية وامرأة كسبايا بعد أن قتلوا اضعافهم من الرجال والشباب والفتيان، وما تزال اكثر من ثلاثة آلاف امرأة كوردية إيزيدية مسبية ومستعبدة من قبل من ادّعى أنه يمثل الرّب وشرعه ودستوره في مقاتلة غير المسلمين حتى يؤمنوا بدينهم وإلا فدماؤهم مُباحة ونساؤهم مسبية وأطفالهم مستعبدة، لاحظ أننا في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، والمفجع إن كل هذا حصل أمام مرأى ومسمع كل دول المسلمين ومجتمعاتهم وقادتهم ملوكا ورؤساء وامراء وأئمة وشيوخ عشائر ومنظمات مجتمع مدني، لكن وبمرارة لا توصف لم نسمع أو نرى رفضاً علنياً ولا تظاهرة مضادة ولا تحريماً لما جرى من جرائم بشعة وسلوك منحرف لم تشهده المجتمعات البشرية المعاصرة.
   بعد كلف هذا كيف إذن لنا أن نتوقع نهوضا لبلدٍ بهذه التراكمات من الجرائم بدءاً من الأنفال والمقابر الجماعية ومروراً باعتبار الكورد من جنس الجن، وانتهاءً بإبادتهم، كونهم من الإيزيديين!؟
    لقد كسروا عند أبواب أبو ظبي قيود التاريخ، وارتحلوا الى المريخ، وعند بوابات مدينتي سنجار في كوردستان العراق استخدم المتوحشين تلك القيود ليحطموا جماجم الأطفال ويقيدوا النساء بسلاسل ارثهم الرث في أسواق النخاسة، بل ليحرقوا كل ما له علاقة بالحضارة والمدنية، ثم ارتحلوا الى دهاليز التاريخ وتركوا لنا جروحا لن تندمل، ودار سكن مهدد بالحصار وقطع الارزاق!؟

kmkinfo@gmail.com

57
هل الانتخابات المبكرة هي الحل؟
كفاح محمود كريم
   مع بدء انتفاضة تشرين العراقية عام 2019م، واشتعال الوسط والجنوب العراقي، ذي الغالبية الشيعية، ضد الحاكمين الذين يدعون أنهم مخلصو الشيعة، رُفعت عشرات الشعارات وفي مقدمتها وربما الأكثر تداولاً ودغدغةً لعواطف الغالبية من الشباب، وهي إجراء انتخابات مبكرة بدلاً من إسقاط النظام الذي كان شعاراً مركزياً لما سُمي بــ"الربيع العربي" الذي انقلب إلى شتاءٍ قارس، وعلى خلفية أن هذه الانتخابات ستغير خارطة الوضع السياسي في البلاد، متناسين تماماً التراكم التربوي والاجتماعي والولاء العشائري والمذهبي والقومي وواقع الحال المؤلم الذي لا تؤثر فيه أي انتخابات مبكرة بالشكل الذي يطمح له المنتفضون، خاصةً وأن مفاتيحاً خطيرة تمَّ استخدامها مع غالبية مخدرة بالأيديولوجيات الدينية والمذهبية والقبلية البعيدة تماماً عما يطمحون إليه من إصلاح، في دولةٍ ورثت نظام "نفّذ ثمّ ناقش" ومؤسسات إعلامية وتربوية وثقافية تعتمد شعار " إذا قال صدام قال العراق"، وهي تغوص في مستنقع الفساد والإفساد تحت يافطات الديمقراطية والحرية التي ناضلنا من أجلها عقوداً مريرة، فتحولت تلك الشعارات إلى أنماط من السلوكيات الممسوخة اختلطت في معمعتها الكثير من الأوراق، إلى الدرجة التي امتزجت فيها الألوان بما جعلت الكثير منا يصاب بعمى الألوان تارةً وحيرة العقول وذهولها تارةً أخرى!؟
   إنَّ ما يجري في بلادنا، لا يمكن وضعه تحت أي عنوان متفق عليه ضمن أفكار وفلسفات منظري الأنظمة السياسية في العالم سواءاً الشمولية منها أو الديمقراطية أو التي بينهما، فهي مزيج مسخ من مفاهيم لا علاقة لها بأي معرف سياسي أو تقليد إداري، فقد اختلط فيها الحابل بالنابل كما يقولون، وتحول بقالي وتجار البلاد الصغار منهم والكبار، وخاصةً أصحاب الصفقات المشبوهة وأبطال غسل الأموال القذرة ومهربي المخدرات والنفط والذي منه، إلى زعماء أحزاب وكتل ومن ثمَّ وزراء ونواب وما بينهما من وكلاء وممثلين ومدراء عامِين وسفراء وقناصل ( نص ردن ) لا يصلح أفضلهم أن يكون موظف استعلامات أو علاقات عامة في دائرة بسيطة أو فندق عادي، أصبحوا بقدرة قادر بين ليلةٍ وضحاها في الزمن السيئ، قادة هذا البلد المنكوب بدولته منذ تأسيس كيانه في غفلةٍ من أصحاب العلاقة من المالكين والورثة؟
   ورغم كل ما يحدث من طوفان في دماء المساكين من أولئك المتظاهرين من الأهالي، فإن معظم هؤلاء الذين يتحدثون باسمهم، وخاصةً مِن الذين ركبوا الموّجة ونصبوا أنفسهم محامين يترافعون عنهم سواء أكانوا يحملون لقب نائب أو وزير أو زعيم كتلة وما دونه، وصولاً إلى ( أبو إسماعيل الموديرن ) من الشرطة الاتحادية أو المحلية، الذين تحول قسم مهم منهم إلى طرف ثالث بعد أن كانوا دلالين لبيع المساجين والمعتقلين، وخاصةً أولئك المتهمين بالفقرة (4) إرهاب الأبرياء منهم والمجرمين، ولكل رأس منهم سعر محدد حسب فعلته الجهادية في الذبح أو اللغف، كما هي تسعيرة مرشحي مجلس النّواب في دوراته السابقة من قبل شيوخ العشائر وبعض الأحزاب والكتل، صعوداً إلى جدول أسعار المواقع الوزارية والوظيفية العليا، مدنيةً كانت أم عسكرية، التي اختفت هذه المرّة مع الكابينة الأخيرة، كل هؤلاء دونما استثناء يهيئون الأمور للانتخابات المرجوة، ويناضلون بشراسة وعناد وبتجارةٍ عالية المستوى من أجل الاستحواذ على مقاليد ومفاتيح الحكم وخزائن الأموال، بعيداً عما جرى من أنهار دماء ودموع وكتل مدلهمة من الظلام طيلة السنوات الماضية، وبعد كل ما جرى بعد إقالة، عادل عبد المهدي، من مسرحيات المرشحين لرئاسة الوزارة لأجل التسويف والتملص من آثار التظاهرات، فقد أركنت أخيراً الرئاسة لشخصية مقبولة الى حدٍّ ما من الطرف الآخر، وعلى مضض من الطبقة الحاكمة، وبتأييد أمريكي واضح وإيراني مجامل على مضض، نجح الكاظمي نسبياً في إيصال مجموعة وزراء معظمهم لا تنطبق عليهم لحدّ الآن التوصيفات واردة الذكر في مقالنا، خاصةً وأنه يتمتع بمقبولية من الكورد والسنة العرب، تزيد رصيده وأوراقه في اللعب مع المجموعات المنفلتة التي وُصِفت بــ"الوقحة"، سواء أكانت سياسية أو ميليشياوية، وإزاء ذلك نحن أمام عدّة أسئلة مريرة في مقدمتها:
   هل بدأت مرحلة تجفيف أسواق وبازارات المناصب؟
وهل سيتركون رئيس الوزراء يتصرف أم ستبدأ مرحلة جديدة من الالتفاف والاحتواء وتغيير البوصلات لصالح الطبقة الفاسدة في الحكم؟
   الأسابيع القادمة، ستكشف جدّية الحكومة في إجراء تغييرات نوعية تقنع الأهالي بإجراء انتخابات جديدة، يعول عليها البعض بأنها ستغير الخارطة السياسية للبلاد، وحتى ذلك الحين يبقى السؤال الأهم هو:
   هل إن الانتخابات في هكذا مجتمعات هي الحل؟
شخصياً أشك في ذلك، ولكن ربما تحدث معجزة في بلادٍ أدمنت المعجزات، والتي ما زالت تعتبر الكورد قوماً من الجن!؟
kmkinfo@gmail.com

58
حصاد النيران بين الرماد والتهجير!

كفاح محمود كريم

   منذ أكثر من عام، اكتشفت قوى الصراع في العراق وسوريا سلاحاً جديداً أكثر فعالية وخطورة في تطبيقات الأرض المحروقة وتفريغها من سكانها، دونما إراقة دماء او عمليات قتل وابادة، بل تحرق كل شيء له علاقة برزق وغذاء الانسان وتضعه أمام خيارين أحدهما مؤكد وهو الإفقار والإذلال، وثانيهما الإرهاب الذي يؤدي إلى التهجير والترحيل وترك المنطقة لتلك القوى صاحبة براءة اختراع هذا السلاح المستجد، مثل شقيقه (كوفيد19) الذي بدا بالانتشار بشكلٍّ غامض، ورغم قدم هذا النوع من السلاح واستخداماته، الا انه أدخل في الخدمة والتطبيق الفعلي السنة الماضية، وكانت ساحته التجريبية في كل من سوريا والعراق وخاصة في المناطق المختلطة عرقيا ودينيا ومذهبيا، وفي العراق بالذات المناطق التي تسمى المناطق المتنازع عليها بين بغداد وإقليم كوردستان وخاصة في سنجار وكركوك وسهل نينوى ومخمور وخانقين ومندلي  وصلاح الدين، حيث حقق نجاحاً كبيراً في إدخال الرّعب بين مواطني تلك المناطق، بل ومنع مئات الآلاف منهم من العودة إلى بلداتهم وقراهم التي رحلهم منها في البداية نظام صدام حسين ليكمل بذلك خارطته من المحيط إلى الخليج تحت ظلال رسالته الخالدة، وحينما أسقطته أمريكا رجعوا إلى بيوتهم وبساتينهم، وما لبثوا إن أعادوا لها حركة الحياة التي لم تستمر طويلاً حيث فقست بيوض ذلك النظام الفاشي لتخرج (صواصي) داعش بلحى الحملة الوطنية الإيمانية سيئة الصيت، ولتستكمل البرنامج المعروف بالتغيير الديموغرافي والتعريب، مضافاً اليها هذه المرّة فكرة الأسلمة ووسائلها في الذبح والسبي والاستعباد كما شهدناها حينما استباحوا الموصل وسنجار وتلعفر وسهل نينوى، وأنفلوا الاف النساء والاطفال من الايزيديين وهجروا مئات الالاف منهم والذين يعيشون حتى يومنا هذا في مخيمات النازحين منذ 2014م.

   السلاح الجديد هذا تمّ تطويره ليشمل المختلفين عرقياً ودينياً ومذهبياً في مناطق سيطرت عليها قوّات الحشد الشعبي، التي تأسست بفتوى من مرجعية الشيعة العليا في العراق لغرض مكافحة داعش ودرء خطرها عن كربلاء والنجف والكاظمية وسامراء، لكنها هي الأخرى طوّرت نفسها فأصبحت بديلاً للمؤسسة العسكرية، واتسعت مهامها فامتدت إلى مناطق ساخنة حول كوردستان، وفي داخل سوريا لحماية المزارات الشيعية كما أعلنت العديد من فصائلها هناك، المهم هناك أصابع اتهام مباشرة للعديد من التشكيلات المتشددة والمتطرفة مثل داعش ومثيلاتها ومَن على شاكلتهم من المستفيدين في سياسة التغيير الديموغرافي آنفة الذكر، ومعهم بالتأكيد تلك الأدوات التي استخدمتهم السلطات تاريخيا لتغيير هويات البلدات والمدن والقرى في المناطق الكوردستانية المختلطة والتي تقع خارج إدارة إقليم كوردستان، وبغياب قوّات البيشمركة بعد احداث أكتوبر 2017م أصبحت هذه المناطق مرتعاً لتلك العناصر والتنظيمات الإرهابية والميليشيات الوقحة التي تسببت في ترحيل وتهجير عشرات الالاف من السكان، ومنعت مئات الالاف من ضحايا داعش النازحين للعودة الى مدنهم وقراهم.

   لقد استخدم السلاح الجديد بشكلٍّ واسعٍ هذه السنة، حيث امتد إلى محافظات عراقية أخرى، مما يؤكد أن نهجاً جديداً لتلك القوى المستخدمة لهذا السلاح وإن تعددت تسمياتها وعناوينها، نهج تمّ تطويره هو الآخر بإضافة نكهات دينية ومذهبية على أساسه العنصري أصلاً، ويبدو ومن البقع الجغرافية التي يتعرض لها هذا السلاح أن هدفاً مشتركاً وواضحاً من استخدامه، وهو تدمير البنية الزراعية والإنتاجية للغذاء لادامة الاستيراد للفاعل الأجنبي، وإفراغ المنطقة من سكانها استكمالاً لبرامج قديمة في احداث تغييرات ديموغرافية عرقية ومذهبية للفاعل المحلي، وبين هذا وذاك بقيت سوريا تحت شعار بشار الأسد أو نحرق البلد وبقي العراق حفنة تراب كما اراده صدام حسين!

kmkinfo@gmail.com

59
كوردستان والحزام الناري!
كفاح محمود كريم
   تتعرض كوردستان مع تشكيل أي حكومة عراقية جديدة، او تمرير مشروع في البرلمان، او إقرار الموازنة السنوية، لحملة منظمة وموجهة لأشغال الرأي العام وتخديره، وبالذات الغالبية المسطحة من السذج المخدرين بالشعارات وهيمنة بعض رجال الدين وخزعبلاتهم، ناهيك عن النفس العنصري وإشاعة الكراهية والحقد بين المكونات، حتى غدت هذه الحملات أقرب الى الامراض والاوبئة التي تنتشر بين أوساط السياسيين والإعلاميين والبرامج الحوارية التي تنشط وتظهر اعراضها الوبائية مع المناسبات أعلاه.
   وكما للأمراض والاوبئة اعراض تظهر على المصابين بها، فان شبيهاتها في السياسة وأجهزة الدعاية والاعلام الموجه، تظهر اعراضها  على بعض (السياسيين) وملحقاتهم من النواب ومن يلهث وراء منصب ما أو سحت حرام، فقد عرّف الاطباء بعض أنواع التهاب الجلد بأنه الحزام الناري وهو مرض جلدي ناتج عن التهاب فيروسي شديد يصيبه في مناطق متعددة من الجسم، ويتسبب في آلام حادة لفترة ليست طويلة، ثمّ يغادره بعد انتهاء حضانته، وفي السياسة يتكون هذا الحزام النّاري من ثلاث أوبئة، تنتشر بين الفينة والأخرى حسب حركة الرياح خارجية كانت أم داخلية في كوردستان أو حولها، وثالثها مستجدة حملتها رياح هبت من الشرق وانتشرت في الاصقاع، فيروس كان مع خطورته أضعف من أن يواجه تحديات كوردستان وأهلها، حتى أصبحت نموذجاً أفضل من دول في أوروبا بتدابيرها شعباً وحكومة.
   والمشكلة الأكبر تكمن في وبائين آخرين يظهران مع بداية تشكيل حكومة عراقية جديدة او تمرير قانون او مشروع مفصل على قياس مكون واحد في محاولة لإعادة عقارب الساعة الى الوراء، وهاذين الوبائين هما:
   الأول جنون البقر السياسي كما أسميناه في مقال سابق (جنون البقر السياسي وعقدة كوردستان) وأعراض المصاب به نوع من الهيجان الذي يشبه الى حد كبير هيجان ثيران المصارعة، حيث يستخدم المريض معظم أعضاء جسمه وخاصة الرأس في النطح أو الرفس دون أن يعرف السبب أو أصل المشكلة حيث تثيره الألوان فقط!
   أما الثاني فهو (المجلوب) كما يسميه الأهالي في بلادنا، أو المصاب بداء الكلب نتيجة تعرضه الى عضة كلب مجنون أو أجرب، وفي شكله السياسي تبدو عليه حالة من التشنج والاحتقان والصراخ والرغبة الشديدة في الهجوم المستمر، حسبما يتم تلقينه من غرفة الكونترول، والفرق بينه وبين سابقه أنه مبرمج ومدفوع مثل أي جهاز الكتروني أصم، يتلقى معلوماته وأوامره من عراب مصاب هو الآخر بالجمرة الخبيثة.
   هذا حالنا في كوردستان مع هذه الأوبئة التي أصابت بلادنا العراقية عامة، وكوردستان بشكل خاص حيث أصبحت عقدتهم منها، شماعة  يعلقون عليها مخازيهم وفشلهم في إدارة الدولة وديمومة بقائهم في السلطة، ثم بعد ذلك يحملون الكورد كل هزائم العرب والمسلمين من الأندلس وحتى  فلسطين، وهكذا دواليكم حيث تبين إن كوردستان حسبما أظهرت أعراض جنون البقر وداء الكلب السياسيين لدى البعض بأنها سبب الحرب مع ايران وخسارة شط العرب، واحتلال الكويت، وفرض الحصار، وظهور فيروس كورونا، وانهيار أسعار النفط لأنها أي كوردستان أغرقت أسواق العالم بكميات مهولة تجاوزت 250 مليون برميل يوميا، وأخيراً فقد ثبت بأنها تقف وراء انتحار سعاد حسني في عام 2001 حينما دفعتها من شقتها في ستيوارت تاور غرب لندن، إضافة الى انها تصدر المفخخات الى بغداد من مقرات داعش والبعث في عاصمتها أربيل، ومن هذا المال حمل جمال!
   قليل من الحياء أيها المرضى، إن كنتم قد فقدتم عقولكم فحافظوا على نقطة الحياء في جباهكم!
kmkinfo@gmail.com

60
جنون البقر السياسي أم عقدة كوردستان!
كفاح محمود كريم
   ونحن منهمكون في متابعة اخبار الوباء المستجد سواء من الإذاعات او القنوات الفضائية أو من وسائل التواصل الاجتماعي التي تقلد وكالة أعماق الداعشية، وانعزالنا في البيوت عن العالم الخارجي بسبب الحجر الإجباري، هرباً من توحش "كورونا" الذي فاق في إرهابه الإعلامي تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" وأذرعه السياسية والميليشياوية، يخرج علينا فجأة ودون سابق إنذار إلا من تراكمات لا يعلم بها إلا الله ومسببيها، أحد المسطحين المصابين بجنون البقر السياسي ، متأثراً بمقال أحد الزملاء في تحميل الكورد كل تبعات ما جرى للعراق من حروب وغزوات وقادسيات وأمهات معارك وحواسم، وأن الكورد ومطالبتهم بأن يكونوا مواطنين حالهم حال غيرهم من سكان العراق سبباً لكل تلك الكوارث، مؤكداً أن اتفاقية 11 آذار 1970 بين الدولة العراقية وحركة التحرر الكوردية بزعامة ملا مصطفى البارزاني كانت منحة من (أبو عداي) كما أسماه ويقصد بها الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، بينما حقائق التاريخ أكدت أن الاتفاق جاء بعد مفاوضات أعقبت إنهيار الآلة العسكرية العراقية في حربها أيام الرئيس البكر، وقاد تلك المفاوضات صدام حسين كما ذكر ذلك الرئيس مسعود بارزاني في لقائه مع قناة "MBC"، مدعياً أن صدام حسين أعطى نصف شط العرب لإيران مقابل إيقاف تسهيلاتها للحركة الكوردية، ثم أردف في حديثه المتلفز أن حرب صدام حسين وأمام إيران الخميني، كانت بسبب تلك الاتفاقية، وذهب أكثر في خياله العلمي حيث ربط بين غزوة الكويت واعتبارها المحافظة 19 وعودة الفرع إلى الأصل على أساس كونها كانت قضاءً تابعاً للمحافظة، أراد صاحبنا تحويلها إلى إقليم، لكن رفاقه في البيت السياسي الشيعي رفضوا ذلك لأنها ضد رغبة رفاقهم في الأرجنتين!
   عموماً لم يتوقف خيال صاحبنا ومرارة مشاعره عند غزوة الكويت، بل ادّعى أن أمريكا شنّت حربها على العراق عام 2003 بسبب الأكراد، وأن كل ما يجري منذ 2003 ولحد اليوم من إنجازات عظيمة سواء كانت عظيمة في فقرها أو فشلها أو ما قدمته من إنجازات هائلة لأهالي الجنوب والوسط، الذي ادّعى هو وغيره من المسطحين بشعارات مذهبية أساسها أن الكورد من جنس الجن، وأن إقليم كوردستان يعيش على نفط البصرة، بينما أهل البصرة يتضرعون جوعاً وعطشاً بسبب فشله في تحويل محافظتهم إلى إقليم وحصوله على 17% اسوة بإقليم كوردستان، وكما ادّعى أن سكان محافظته أكثر من سكان إقليم كوردستان!
   كنت أتوقع وهو يسترسل بعصبية ان يربط بين انتشار كورونا في العالم وإقليم كوردستان، او ان الكورد يقفون وراء ما يحصل في اليمن خاصة وقد تم اكتشاف قرية هناك سكانها في الأصل من الكورد!.
   حقيقة شرُّ البلية ما يضحك في هؤلاء الذين فقدوا صوابهم واتجاهات بوصلتهم في الحياة، وأصبح الحقد والكراهية سبباً لفقدان توازنهم إلى درجة اختلاق وفبركة قصص وإطلاق أكاذيب ومهاترات في زمن لم يعد باستطاعة الفرد أن يكذب حتى على نفسه، إلا أن هؤلاء من خريجي وزير الدعاية النازي غوبلز ما زالوا يصرون على شعار أكذب واكذب ، حتى يصدقك الناس!   والأنكى من كل ذلك وأنا على يقين بأنهم جميعاً يعرفون الحقيقة، لكن الحقد والسحت الحرام قد أعمى بصرهم وبصيرتهم، فتراهم سكارى وما هم بسكارى، فيهم أعراض جنون البقر الهائج في زمن كورونا الخانقة!
   حمى الله العراق فقد طغى فيه الفساد والإفساد، وانتشر بين حكامه واذنابهم الكذب والغش والافتراء، ووقى كوردستان الامل المنشود من شرورهم وشظايا مؤامراتهم وصواريخ أكاذيبهم وفبركاتهم.
kmkinfo@gmail.com

61
كركوك ونفط كوردستان

كفاح محمود كريم

     لطالما كانت كركوك وبقية المدن الكوردستانية التي تعرضت لتغييرات ديموغرافية لسلخها من كوردستان سبباً رئيسياً لفشل معظم المحاولات لحل القضية الكوردية في العراق، حيث دأبت كلُّ الأنظمة المتعاقبة على تكريس سلخ هذه المناطق بحجة أنها مرتكزات استراتيجية لقيام دولة كوردستان، كما اعترف بذلك الرئيس الأسبق صدام حسين، الّذي أكّد في لقائه مع الزعيم الكوردي مسعود بارزاني، بأنه يقرُّ بأن كركوك مدينة كوردية لكنه يدرك أيضاً أنها قاعدة اقتصادية لقيام الدولة التي لا يريدها، وبالتأكيد كذا الحال لبقية المدن بحجة أنها إما سلة غذاء وبوابة كوردستان العراق على كوردستان سوريا أو إيران، وبين هذه المبررات والحجج دفع الأهالي فيها ثمناً باهضاً كضحايا لسياسة التعريب والتهجير واستقدام مواطنين من جنوب ووسط العراق وإسكانهم بدل السكان الأصليين، وبعودة سريعة إلى الوراء وتحديداً إلى مسألة النفط في كركوك تعطينا إضاءة لحقيقة ما حدث ويحدث منذ اكتشافه فيها وحتى اجتياحها من قبل قوّات الجيش العراقي وفصائل الحشد الشعبي في أكتوبر 2017م بعد هزيمتها أمام تنظيم "داعش" في 2014م وصمود قوّات البيشمركة ومنع سقوط المدينة بيد تنظيم الدولة الإرهابي كما حصل في الموصل وتكريت والأنبار.

   في البدء، استخدم البريطانيون سياسة التغيير الديموغرافي في هذه المدينة بعد اكتشافهم للنفط، حيث منعت شركاتهم تشغيل العمال والموظفين الكورد واستقدمت أيدي عاملة رخيصة من خارج المدينة ومن أطرافها، ثمَّ ما لبثت أن وطنتهم قرّب مقراتها أو في مركز المدينة، ويبدو أنهم (أي البريطانيين) لم ينسوا ثورة محمود الحفيد ودعوته لاستقلال كوردستان فوضعوا أيديهم على مربط الفرس كما يقولون، وبعيداً عن الخوض في دهاليز التاريخ المؤلمة، خاصةً وإن أجهزة الدعاية الموجّهة في بغداد أو من خارجه تشنُّ هذه الأيّام عبر أبواقها هجمة دعائية لتأجيج وتأزيم العلاقات بين بغداد وأربيل،اللتان نجحتا في رسم خارطة طريق لحل تلك العقد المتعلقة بالنفط ومعاشات الموظفين، ولكي تتضح صورة واحدة من صور التضليل الدعائي، نستذكر رقمياً في حسبة عرب كما يقول الدارج المحلي ما أورده الدكتور كاظم حبيب الخبير الاقتصادي المعروف في دراسة له عن واردات نفط كركوك والعراق عموماً:
   "لقد أنتجت كوردستان نفطاً بما قيمته 184.9 مليار دولار أمريكي من تاريخ إنتاجه 1927- 1934 ولغاية عام 2000 من إجمالي إيرادات العراق البالغة لنفس الفترة 252.5 مليار دولار أي بنسبة قدرها 72.2 بالمائة من إيرادات العراق بأكمله، بينما كانت حقول البصرة تساهم بالباقي 26,75 % فقط خلال الفترة بين 1927و1989".

   وبدلاً من أن تُنفَق تلك المبالغ الطائلة على تطوير البنى التحتية لتلك المنطقة وإقناع بل وإغراء أهاليها بأفضلية البقاء مع الدولة العراقية، استخدموا تلك الأموال من نفط كوردستان المنهوب في حرق كوردستان وشعبها طيلة ما يقرب من سبعين عاماً، وقاموا بعمليات همجية في تهجير سكانها واستبدالهم بأُناس استقدموهم من وسط وجنوب العراق لتعريب المدينة بعد تقطيع أوصالها، وتعرض هذا البلد إلى التدمير الشامل في بنيته التحتية البشرية والاقتصادية والحضارية والصناعية، كما إن واردات نفطه كانت وسيلة في  تدمير العراق وحرق وأنفلة كوردستان وتشويه مدنها، كما حصل في كركوك والموصل وسنجار وزمار وخانقين ومخمور ومندلي بعد عام 1975م، وزرع ما لا يقل عن عشرة ملايين لغم في أرض كوردستان لوحدها، وللأسف ومنذ 2003 ومع ارتفاع كبير في أسعار النفط لكن إيراداته سُرِقت من قبل الحاكمين في بغداد، والطامة الكبرى أن الكثير ممن أتوا بعد سقوط النظام، لا يختلفون كثيراً عن سلوك وممارسة نظام البعث رغم أنهم يدعون بتقاطعهم مع ثقافة النظام السابق وجرائمه ضد كوردستان وشعبها، إلا أن مجمل سلوكهم وتصرفاتهم وموقفهم من موضوع كركوك والموصل وسنجار وزمار وخانقين ومخمور ومندلي، لا تختلف قيد أنملة مما سبق، بل أزعم أنهم لو كانوا يمتلكون قدرة ووسائل ذلك النظام لما امتنعوا عن القيام بما فعله في الأنفال وغيرها. أنهم وبعد سنوات قليلة كشفوا عن لثامهم بعد فشلهم في قيادة العراق، فاستخدموا شماعة كوردستان لتعليق أسباب فشلهم في موضوعة النفط في الإقليم وتعاليهم على مآسي ثمانين عاماً من السرقة والسحت الحرام وبحور من الدماء، التي سالت نتيجة لتلك العقلية المتخلفة والشوفينية المقيتة وفرص التقدم والازدهار التي اغتيلت على أيديهم، بل ويتناسون ما جرى بعد مؤامرة 1975 ضد شعب كوردستان الأعزل لكل من ساهم فيها أو سهل تنفيذها، ولعلّني أستذكر فقط أن ما حدث لإيران والعراق والجزائر والاتحاد السوفييتي بعد هذه السنة لم يكن ( ربما ) محض صدفة، أن تغرق إيران والعراق والجزائر في بحور من الدماء وتتفتت الإمبراطورية السوفييتية إلى دويلات عاجزة ينخر فيها الفقر والذل.

   لقد ولى زمن التفرد والهيمنة فالكوردستانيون فهموا تاريخهم جيداً وعرفوا أعدائهم وأصدقائهم، وهم يبنون بلدهم كما يشهد الأعداء قبل الأصدقاء بأنهم  بُناة بارعون ومخلصون كما كانوا مقاتلين أشداء،وأدركوا جيداً هم وأصدقائهم وشركائهم المخلصين في الوطن أن الحياة الجديدة لم تعد تتحمل شوفينيات مولودة من أرحام متعفنة غادرها الزمن، وأن مجرد إطلاق تصريحات تتهم الكورد وتشهر بهم ما هي إلا بقايا تلك الثقافة الأنفالية التي تعتمد رائحة الخردل وغاز الأعصاب في مفاهيمها، وهي تمثل تلك المدرسة التي شهدنا نهاية رموزها في المحكمة الجنائية العراقية الكبرى، حينما أسدلت الستار على فصل من فصول التاريخ الأسود للبلاد، والذي يحن البعض أو يحاول إعادة تصنيعه ثانية!؟

 إنَّ فرصة ذهبية أمامنا في إنجاز عراق جديد نتعايش فيه جميعاً، يضمن حقوقنا السياسية والاقتصادية والثقافية والديمقراطية، ويعوضنا عمّا فاتنا طيلة ثمانين عاماً بعيداً عن الثقافة الشوفينية أو المذهبية الضيقة أو العنصرية المقيتة، والتعامل مع ثوابت الدستور بما ينميها ويطورها في التطبيق والسلوك، والتوجّه إلى كوردستان بما ينميها ويعوض خسارتها لِما يقرب من مائة عاماً من ثروتها المسروقة وفرصها في التطور والتقدم، خصوصاً مع تجربتها خلال السنوات الماضية التي تمتعت فيها بقسط من الأمان والسلام، حيث أنجزت تطوراً كبيراً وملحوظاً في كلّ مناحي الحياة وبإمكانيات بسيطة قياساً لحصتها الطبيعية في الثروة الاتحادية.

   إنّ كوردستاناً قوية ًومزدهرةً وآمنةً ستكون سنداً قوياً لعراق اتحادي، وأن أي تطور في أي جزءٍ من العراق الاتحادي هو تطور وقوّة لكل هذا الاتحاد.

kmkinfo@gmail.com




62
القرش الأبيض واليوم الأسود!

كفاح محمود كريم

   نتذكر جميعا ما من حدث أو مرض أو وفاة أو رزق أو زواج إلا وقيل فيه مثلا أو أقصوصة، حتى غدت "قالت جدتي" أو كما قال فلان أو يقول المثل، عادة كلامية في التحادث والتوصيف في بحر من الأمثال والحكم والعنعنات التي لم نعرف أولها ولم نستبشر بآخرها، حتى خرج علينا من قال إن الإمام علي رضي الله عنه وأرضاه تحدث عن فيروس كورونا وكأنه في عصرنا هذا، ولكي لا نحتكر نسج القصص وفن صناعة التأويلات والتفسيرت والروايات ذات الخيال الذي لا يختلف عن الخيال العلمي إلا باعتبار الأرنب من الحشرات، فان العديد من أشباه ما عندنا في الغرب ينحون ذات النحو في توليفيات ومقاربات لجسم وصفوه بالميت سبب كل هذا الفزع والإرهاب الذي تجاوز إرهاب مجاهدي الذبح والسلخ والسلق والخنق والحرق في ما سمي اختصارا لوحشية بني ادم بـ داعش!
   أعتقد إننا أكثر شعوب العالم صناعةً وصياغةً وتداولاً للأمثال والحكم، ناهيك عن إنَّ منطقتنا هي الوحيدة من الكوكب الأرضي التي انبثقت منها الأديان، وظهرت على أديمها الرُّسل والأنبياء والأولياء والتلامذة والصحابة والأئمة وو..إلخ، أولئك الذين نقلوا لنا رسالات أو شرائع أو طرق أو نصائح أو حكم أو نظريات لأجل أن تترتب حياتنا وتنتظم علاقاتنا الاجتماعية وننتقل من البداوة والتخلف إلى المدنيّة والإنسانيّة التي أرادها الله أن تعمر الأرض وتشيع العدالة والقيم العليا، والتي بشر بها حمورابي ربما قبل الكثير من الأديان هو وفراعنة مصر قبل أن يأتيهم طوفان النبي موسى.
   ومنذ ذلك الزمان يطلق حكماؤنا والعوارف كما يوصف أهل المشورة، نصائحاً وأمثالاً غدت في الكثير منها ما يقرب من القوانين والأعراف، حتى مالت كفة الميزان لها في كثير من الأحكام، فما بالك وموروثنا الشعبي الذي يرسم لكل حالة وصفاً أو حسجةً أو مثلاً، والغريب أن آلاف الأمثلة والنصائح لم تحدث تغييراً مفصلياً في الذي استهدفته في عملية التقويم، وخاصةً أولئك الّذين في عليين من المجتمع والدولة والنُّخب، كما هو في التعاليم الدينية، حيث يتحدث بها الأغلبية لكنهم بعيدون جداً عن تطبيقاتها، وهكذا دواليك عن كثير من الادعاءات حينما نقارنها مع التطبيقات الميدانية.
   عموماً لكي ندخل في صلب موضوعنا عن القرش الأبيض، بدءاً من الأسرة ووصولاً إلى الدولة، وكيف نجحت أو فشلت في استخدام ذلك القرش في ما نحن فيه الآن، ومنذ أن بدأ فيروس كورونا يجتاح المجتمعات البشرية في الكوكب بادِئاً بالصين وأهلها، حيث العالم منهمك بوضع شتى الخطط والترتيبات لكي يقي سكانه همجية هذا الكائن الميت كما يقولون، حتى وصلت العديد من الدول التي تحترم القرش الأبيض وتجيد التصرف به إلى توزيع كميات منه للأُسر والأفراد التي انقطعت بها السبل بعد إيقاف حركة الحياة الاجتماعية والاقتصادية، خاصةً أولئك الّذين يعتمدون على أكتافهم كما يقولون في لملمة أرزاقهم ذات الأجر اليومي أو الأسبوعي، لكن في المقابل أيضاً وفي الدول التي لا تعرف قيمة القرش الأبيض، وتصنع بسياساتها الأيام السوداء، بانت عوراتها في التبذير والفساد المالي وظهر بؤس حالها أمام أوّل تحدٍّ جدي كشف استهتارها في التصرف بالقرش الأبيض على مستوى الأسرة وصعوداً إلى الدولة، حيث سيواجه العالم تداعيات اقتصادية واجتماعية غاية في الصعوبة بسبب هذا الانهيار السريع في أسعار النفط وتوقف الشركات والمعامل، ناهيك عمّا تركه منع التجوال والحركة من آثار سيئة جداً على الوضع المالي لكلا الطرفين الأسرة والدولة.
   وبينما ينهمك العالم ليل نهار يداً بيد مع العلماء الباحثين عن علاجات للمرض من أجل هؤلاء المتضررين، تنشغل معظم شعوبنا المخدرة بالشعارات والروايات والميثولوجيا التي تتآكل بسبب كثّافة استخدامها، حالها حال تلك الأمثال والحكم التي أصبحت أقرّب للتندر والسخرية منها إلى التقييم والعبرة، في خضم فوضى عارمة للفساد والتشرذم وتعدد الولاءات والزعامات ضاع فيها القرش الأبيض بين حاكمٍ يحسب نفسه نصف إله، وبين جاهل يصرُ بأنه النصف الثاني منه!

kmkinfo@gmail.com


63
الانتفاضة العراقية والانتخابات المبكرة؟

كفاح محمود كريم

   منذ اندلاع الاحتجاجات في العاصمة بغداد وأطرافها من الوسط والجنوب العراقي، والكل ينادي بتبكير الانتخابات كحل سحري للأزمة العراقية المتأصلة، ليس اليوم أو منذ سنوات، بل منذ تأسيس الكيان السياسي العراقي الأول في مملكته مطلع عشرينيات القرن الماضي، ولكن هل فعلاً ستغير الانتخابات المبكرة المشهد السياسي المتكلس منذ عشرات السنين؟ إذن دعونا نتذكر في فاتحة كتابتنا ما قاله أوّل ملك كلفته بريطانيا بحكم المملكة التي أنشأتها من ولايتين عثمانيتين، وهما: بغداد والبصرة، والتحقت بهما ولاية الموصل بشروط بعد سنوات. قال الملك فيصل الأوّل الهاشمي  حينما سُئل عن شعب العراق: "لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خيالية، خالية من أية فكرة وطنية، مُتشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سمّاعون للسوء ميّالون للفوضى، مستعدون دائماً للانتفاض على أية حكومة كانت".

   ماذا بعد؟
   بعد ما يقرب من نصف قرن من قيام مملكة فيصل الأوّل في العراق وما قاله الملك الهاشمي؛ قال علي الوردي عالم الاجتماع العراقي الكبير إنَّ: "الشعب العراقي منشق على نفسه، وفيه من الصراع القبلي والطائفي والقومي أكثر مما هو في أي شعب عربي آخر باستثناء لبنان، وليس هناك طريقة لعلاج هذا الانشقاق أجدى من تطبيق النظام الديمقراطي فيه، حيث يُتاح لكل فئة منه أن تشارك في الحكم حسب نسبتها العددية"، مضيفاً "ينبغي لأهل العراق أن يعتبروا بتجاربهم الماضية".

   اليوم وبعد قرن من الزمن على هذا الكلام،  الذي قاله رجلٌ عاقل أُختير ملكاً من مملكة عظمى ليكون على عرش كيانها الجديد في الشرق، وبعد نصف قرن تقريباً على ما قاله وشَخصّه واحد من كبار علماء الاجتماع في العالم، يبقى السؤال المُلِح ونحن نداوي جروحاً غائرة بمسكنات ليست إلاّ، السؤال: هل ابتعدنا كثيراً عن توصيفهما، وهل أحدثت كلّ أنظمة الحكم التي توالت على اغتصاب إدارة العراق تحت مختلف التسميات، تغييراً للأسباب التي جعلتهما يوصفان شعب العراق بهذا الوصف!؟ أنا أشك في ذلك أمام جملة من المعطيات والتداعيات التي أحدثتها عمليات التغيير الفوقية للنظام السياسي والاجتماعي في البلاد، ثمّ انحدارها السريع بعد 2003 إلى مستويات أدنى من التخلف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ولكن ولأن الآمال أكبر دائماً من المآسي دعونا نفترض نوايا حسنة وصادقة لدى البعض بإحداث تغييرات حادة في العملية السياسية لصالح الأهالي ووضع أسس لإنجاح تلك الانتخابات بحيث تذهب إلى إنتاج برلمان محترم ومقبول من الأغلبية وذلك يستدعي بادئ ذي بدء تشريع مجموعة قوانين تضع قاعدة للانطلاق إلى تلك الانتخابات، وفي بداية تلك القوانين تشكيل هيئة نزيهة للانتخابات، وإن عجزت تلك الأطراف عن  تشكيلها، فتوكل العملية برمتها إلى الأمم المتحدة لحين تشكيلها من قبل البرلمان المنتخب.

   أمّا الأمر الثاني الأكثر أهمية، هو قانون الانتخابات وخاصةً ما يتعلق بالدوائر الانتخابية، لأن القانون الحالي لا يلبي رغبة الأهالي والكثير من الفعاليات السياسية والاجتماعية، وهو بذلك أحد أهم العثرات أمام إنتاج برلمان مقبول، خاصةً وأن قانون الأحزاب هو الآخر لا يلبي طموح الأهالي بإنتاج بيئة سياسية نظيفة مع وجود أحزاب دينية ومذهبية شمولية التفكير تمنع إجرّاء أي تقدم أو تغيير لصالح الدولة المدنية المعاصرة.

   والخلاصة، هي أن أي انتخابات مبكرة لن تصلح بهذه السرعة المتوقعة الحال العراقي، إذ إننا أمام تحدي كبير يستوجب وضع قاعدة تربوية تبدأ من المدرسة والأسرة لتنتهي بمجموعة قوانين صارمة تفصل الدين عن السياسة والدولة، وتبعد أي تأثير قَبَلي أو عشائري على مجريات الحياة السياسية والقانونية، بما يعزز مكانة الدولة وقوانينها خارج أي اعتبار غير اعتبار المواطنة الحقة، ودون ذلك لن تحدث الانتخابات مبكرة كانت أم متأخرة إلا بعض الإصلاحات الترقيعية التي لا تغير بشكل جذري ما راكمته سنوات طويلة من التربية الخاطئة والتعليم الفاشل وتسلط رجال الدين والمذاهب وشيوخ القبائل والعشائر على مقدرات الأمة والبلاد.

kmkinfo@gmail.com


64
الديمقراطية وقطار السلطة!

كفاح محمود كريم

   تجربتان متشابهتان إلى حدٍّ ما في كل من لبنان والعراق مع وجود نقاط اختلاف هنا وهناك، إلا أنهما أقرب إلى بعضهما في تركيبات المجتمع ومكوناته، وطبيعة التجربتين اللتين تمّ تطبيقهما في نظاميهما السياسي، وهما: التجربة الفرنسية في لبنان والبريطانية في العراق، ورغم الفارق الزمني بينهما إلا إن نتائجهما الكارثية كانت متطابقة جداً، وخلاصتها ما نشهده اليوم من انتفاضة عارمة ضد التجربتين الفاشلتين في تطبيقهما لنظام تداول السلطة بآليات ديمقراطية وروحية شمولية للوصول إلى الحكم المطلق، وفي خضم ذلك يتسائل المرء، هل أنجز العراقيون وقبلهم اللبنانيون نظاماً ديمقراطياً تحت مظلة المواطنة الحقة وقبول الآخر أم أن هناك سلوكاً آخر، وربما أهدافاً أخرى تختبئ وراء كواليس أو طوابير الواقفين أمام صناديق الاقتراع منذ أكثر من خمسة عشر سنة في العراق وأكثر من سبعين سنة في لبنان؟ وفي العراق مثلاً هل ما يجري الآن من احتجاجات في الشارع الذي استخدم من قبل الحاكمين وسيلة لتسلق صناديق الاقتراع وصولاً إلى عرش السلطة؟ هل يؤشر تغيراً نوعياً في وعي وتفكير وسلوك الغالبية المحكومة بشعارات دينية ومذهبية وأيديولوجية قومية؟
 
    مهما كانت الإجابة على السؤالين فإن النخب السياسية والاجتماعية الحاكمة والمتنفذة تمارس دورين في آن واحد؛ دور الحاكم باسم الديمقراطية وباسم الرب، ودور بدأت تستخدمه مع بداية ظهور الاحتجاجات وهو ركوب موجتها واحتوائها من الداخل برفع شعاراتها تارةً وتارةً بالعمل كطرف ثالث لتشويه سمعتها وتجريمها، ولكي ندرك بعض مواطن الخلل نعود إلى نظام تداول السلطة عن طريق صناديق الاقتراع في مجتمعات لم ترتقِ إلى مستوى مفهوم المواطنة الجامع، وسط تعددية الولاءات والانتماء الذي يتجاوز مفهوم الوطن والشعب، ويذهب بعيداً إلى جزيئات أصغر في التكوين وهي وحدات القبيلة والعشيرة أو الدين والمذهب أو المدينة والقرية، حيث لم يتجاوز في أحسن الأحوال فوضى إعلامية أطلقوا عليها ظلماً بأنها خلاقة، فتحولت وسائل الإعلام فيها إلى أجهزة دعاية وإعلان ليس إلا، وتقزَّمت فيها الديمقراطية إلى صناديق اقتراع يجمعون حولها الناخبين بفتاوى رجال الدين أو تهييجات العصبية القبلية أو العشائرية، مستخدمين المال في عملية غسل سياسي لشراء الأصوات، وفي هذا الاستخدام لا تفرق العملية عما كانت عليه أيام النظام الشمولي السابق أو مثيلاته ممارسة لثقافة القطيع تحت شعارات مضللة ومهيجة سواء كانت دينية أو قومية عنصرية أو أيديولوجية الحزب الواحد الأوحد، وللأسف كانت طبيعة النظام السياسي في كلتا الدولتين العراقية واللبنانية بلبوسه الديمقراطي متشابهتين مع فروقات هنا وهناك، إلا إنهما استخدما الأهالي كوسيلة لتداول السلطة عن طريق الدين ومذاهبه والقبيلة وبيوتاتها وطوابير الناخبين وصناديق الاقتراع، وهي نفس الوسيلة التي استخدمتها كل الأنظمة الشمولية وبمختلف الشعارات والأيديولوجيات في غياب مفهوم رفيع للمواطنة.
 
   إن ما يجري اليوم ومنذ أكتوبر/ تشرين الأول 2019، في كل من العراق ولبنان يؤكد إن وعياً نوعياً بدأ بالتبلور يتجاوز تلك الجزيئيات التي اعتمدتها معظم الأنظمة الحاكمة وهي الديانة ومذاهبها أو القومية وتعصباتها أو المناطقية ومكوناتها الاجتماعية في القبيلة والعشيرة والبيوت، بعد أن أثبتت فشلها في إدارة الحكم، هذا الوعي الذي يرسي قواعداً جديدة لنظام ديمقراطي على أسس المواطنة الجامعة خارج تعددية الانتماء والولاءات، وبعيداً عن قطار السلطة الديمقراطي الذي يستخدم الأهالي تحت ضغط ديني أو مذهبي أو قبلي لتحقيق مآربه السلطوية.

kmkinfo@gmail.com


65

للحقيقة وجه واحد أم وجوه؟

كفاح محمود كريم

هل للحقيقة وجه واحد أم أوجه متعددة؟
   سؤال مؤرق فعلاً، حيثما ينظر كل واحد منا من زاويته إلى ذات المشهد، تلك الزاوية التي تخفي خلفية معلوماتية أو عاطفية تجاه ذلك المشهد أو الحدث، ومن هنا تتعدد الزوايا وتتعدد منها الرؤية أيضاً، ومن هنا ينظر إبراهيم الزبيدي كاتب المقال (بيان آذار العراقي ومسلسل الآلام الطويل) البعثي الصدامي، الذي عمل ردحاً من الزمن ينظر للأمور من زاوية الشعار القلق ( نفذ ثمّ ناقش) الذي خدم تحت مظلته قيادة صدام حسين وعدنان طلفاح، ودفع العراقيون عرباً وكورداً شلالات من الدماء لتلك الثقافة وشعارها الاستعبادي، الذي اعتمده كاتب المقال في معظم ما يتعلق بأطروحاته السياسية والفكرية، وبالذات تلك التي يرى فيها قضية الكورد وكوردستان، مبتعداً بسبب تلك العقلية عن حقائق التاريخ وأصل الصراع وإن تعددت زوايا النظر إلى ثوابت حاول تشويهها أو استبدالها بفرضيات ترضي نسيجه الحسي المفعم بالعنصرية تجاه قضية الكورد.

   والغريب أنه استخدم (لولا) بشكل مثير لكي يوصل حلقات سلسلة حروب النظام السابق باتفاقية آذار والخلاف حول قانون الحكم الذاتي الذي أرادوه تفصيلاً على قياساتهم وليس تحقيقاً لطموحات شعب كوردستان، فهو يتناسى جملة حقائق بعيدة جداً عما ينظر إليه من زاوية "نفذ ثم ناقش"، وهو الذي مارس وعايش عمليات اغتيال آلاف الشيوعيين والمعارضين بعد أيام من انقلاب البعثيين على عبد الكريم قاسم على أيدي الحرس القومي، وشيوع ثقافة التصفية الجسدية والإبادة الجماعية لكل من يعارضهم في نهجهم وشموليتهم، وبالتأكيد فهو ينظر إلى حل القضية الكوردية من خلفية صيد السمك بالتفجير على عادته أيام صباه مع صدام حسين مواطنه في تكريت التي نشأ فيها وترعرع على أفكار وثقافة القتل الجماعي للأسماك بالتفجيرات، فلا عجب إذن أن يعتبر ما حققه الشعب الكوردي من إنجازات بنضال طليعته الثورية البيشمركة وتضحيات مئات الآلاف من النساء والأطفال والشيوخ، منّة من نظام رفيق دربه صدام حسين، وهو الذي يستسهل الصيد كالفرسان باستخدام التفجير والإبادة الجماعية في الأنهر كما كان يفعلها وصدامه مع الكورد! لقد كانت اتفاقية 11 آذار التي مضى عليها اليوم خمسون عاماً كما قال عنها أحد أبرز مهندسيها الرئيس مسعود بارزاني: "إنها نصر لإرادة شعب كوردستان وصموده وتضحيات الپێشمه‌رگة والكوردستانيين، التي أرغمت النظام على الاعتراف، لأول مرة وبشكل رسمي، بحقوق شعبنا"، لا كما يصورها إبراهيم الزبيدي، محاولاً تشويش القارئ بكونها بداية خراب العراق، وتلفيقات أساسها الفشل في فهم أصل الصراع، والمضحك المبكي إن الكاتب الخارج من دهاليز ثقافة قصر النهاية، يعتبر كل حروب العراق الداخلية والخارجية مع الكورد والشيعة والسنة وإيران والكويت والسعودية، وعمليات التصفية الجسدية لآلاف العراقيين من عبد الرزاق النايف وحتى أكثر من نصف القيادة القطرية لحزب البعث مروراً بآلاف الشيوعيين الذين قتلوا بعد أيام من سيطرة الحرس القومي على الحكم 1963 وما تلاها من جرائم الأنفال والمقابر الجماعية، كلها اعتبرها الكاتب من نتائج اتفاقية آذار(!؟).

   حقاً أنها مهزلة فكرية تظهر مدى بؤس تلك الثقافة التي حولت العراق إلى حفنة تراب كما أرداها صراحة رئيس الكاتب وملهم تفكيره وثقافته، ورحم الله أحمد سعيد المذيع المصري الذي قذف إسرائيل في البحر إذاعيا،  فخسر سيناء برمتها ومعها الجولان والضفة الغربية، لكنه أبقى لنا ما نتذكره به، وطيب الله ذكر الفنانة دلال شمالي التي كانت سبب هروب الزبيدي خارج أسوار المعتقل الكبير أو جنة رفيقه ورئيسه الضرورة.

kmkinfo@gmail.com

66
العراق بين كورونا السلطة والفيروس؟

كفاح محمود كريم

   بعد طامة كبرى استمرت لنصف قرن تقريبا من الوعود الكاذبة والشعارات الجوفاء المهيجة، لشعب لم يرى طريقا لخلاصه من كثرة الأدعياء بأنهم هم المخلصون ولا غيرهم، حتى فقدوا الأمل بكل شيء بل تمنى الكثير منهم أن يحكم البلاد أي مستعمر يخلصهم من حكم قرقوش المتوارث في السياقات والسلوك والنتائج، حتى أطلت علينا امريكا وحلفائها ومريديها الذين انقلبوا عليها اليوم بفعل إمامة ايران للمقاومة ضد الشيطان الأكبر الذي أجلسهم على كراسي الحكم!

   ولكي تكون الصورة أوضح والمشاهد أكثر ترابطا تعالوا نعود قليلا إلى بدايات الفجيعة التي زرعت أفيون السياسة التسلطية في أديم ارض لملمتها بريطانيا لتؤسس منها مملكة يحاول مليكها جمع شتاتها وشعوبها وقبائلها دونما أن يفلح لسنة واحدة إلا بالحديد والنار، ورغم ذلك قاوم الرجل جالسا هو وأبنائه وأقربائه على كرسي الحكم حتى وقع انقلاب أو ثورة 14 تموز 1958 كما يشتهي البعض تسميتها، لتبدأ حقبة جديدة من تاريخ هذه البلاد التي تميزت بخطاب سياسي ناري، كأنه يتوقد لهيبا أو خارج للتو من أفران صهر الحديد مبتدءاً بحرف السين العاري تمامًا، لا من معطف ولا ساتر ولا حتى من ورقة تين تستر عوراته التي لا تظهر إلا بعد ذهاب النشوة والتحشيشة بعد سنين، حيث تظهر العورات والعاهات بعد أشهر قليلة  لا تتجاوز السنة بعد كل انقلاب جمهوري وتلاوة بيانه الأول الذي يحرق الأخضر واليابس بالحماسة وأناشيدها اللاهبة التي تبدأ باسم الرب وخاصة النشيد الناري (الله أكبر فوق كيد المعتدي) الذي تمّ إنتاجه وتداوله أيام العدوان الثلاثي على مصر 1956م، حتى اهتدت إلينا مشكورة الولايات المتحدة، وأسقطت هيكل نظام حرف السين العاري لكي تفتح الآفاق أمام عملية تفعيل لصدى ذلك الحرف الذي خدر شعوبنا لحقبة من الآمال والتطلعات التي تآكلت وسط لهيب نيران الحروب الداخلية منها والخارجية، حتى اطلينا على جمهورية ديمقراطية برلمانية أساسها صناديق الاقتراع ومرتكزاتها شيخ القبيلة ورجل الدين وبقال السياسة، في بلد مصاب بالأمية الأبجدية والحضارية منذ تأسست مملكته وحتى بدأت دودة الأرضة السياسية المتدينة تنخر فيه فساداً وتشرذماً حتى غدى كالدويلات الأندلسية معاد تدويرها بالميليشيات ومافيات السلب والنهب باسم الدين تارةً وباسم الرب تارةً أخرى!

    ولكي لا ننسى البدايات في هذا الحرف الخارج من نشوة السكر مترّنحاً بين أروقة قصور الحكام، دعونا نتذكر جميعاً خطابات الزعيم عبد الكريم النّارية، التي كانت توقد فينا نيران الثورة وتحلقنا  في فضاءات خيال جمهورية أفلاطون الخالدة، وإذ بنا نتهاوى بعد سنين قصار لندرك أن اللعبة بأكملها لم تتجاوز صراعات السلطة فيما حول الزعيم، وقد يكون الرجل منها برّاء، كما قِيل من المناوئين له والمقربين في وصفه إنصافاً بعد حين، لصفاء سريرته وبراءته وربما عقليته العسكرية المهنية، وقبل أن يصحو حرف السين من سكرته جاؤوه زوّار الفجر من رفاق العقيدة والسلاح أتباع ميشيل عفلق، لكي ينهوا الزعيم وسينه، ويعتلوا عرش الجماجم والحبال المزينة بأفواج من حرف السين المطعم بالشعارات الخلابة وأحلام وطن يمتد على الأفق جناحاً، حتى تمادى فرسانه شمالاً بأنفالهم وجنوباً بمقابرهم الجماعية، لتستمر أسراب السين وسوف تخدر الملايين بوطن الوحدة والحرية والاشتراكية الذي يمتد من ضفاف الخليج وحتى سواحل المحيط، بشعارات خلابة فعلت فعلها في تخدير الشعب وإحباطه، حتى فاق بصعقة الاحتلال الذي أستورد لإسقاط نظام الخطب النارية وأسراب السين المخدرة، واستبدالها بأجيال معدلة ومحدثة منها، ولكن هذه المرة باستخدام الدين والمذهب اللذان سيحققان الجنة الموعودة لملايين تهرول يومياً وراء قائد للضرورة أو شيخ للعشيرة أو رجل دين يتاجر به.

   لقد انتظر هذا الشعب كثيرا حتى مل منه الانتظار والصبر، فانفجر في أول أكتوبر 2019 ليعبر عن ذاته وإحباطه ويأسه ممن يحكمون باسم الرب والدين والمذهب، فهل يا ترى سيصمد أمام كورونا السياسة والفيروس!؟

kmkinfo@gmail.com

67
أشجع الفرسان الجبناء الجوع والفساد!

كفاح محمود كريم

   بعد أن فشلت كل محاولات المعارضة وغير المعارضة من منشقي البعث والمؤسسة العسكرية المؤدلجة، من إسقاط نظام صدام حسين بانقلاب أو انتفاضة، شنّت الولايات المتحدة وحلفائها حرباً شاملة على العراق بعد غزوه لدولة الكويت، والكل توقع أنهم سيسقطوه، لكن الذي حصل إنهم اكتفوا بتحطيم العراق وبنيته التحتية والفوقية، وأعادوه كما وعد رئيسهم إلى حقبة ما قبل الكهرباء، وكأنهم كانوا قد استمعوا إلى صدام حسين وهو يخاطب إيران بأنهم لن يأخذوا مكانه إلا والعراق حفنة من تراب، وحققت أمريكا وحلفائها العرب تلك النبوءة أو التهديد، فانسحبوا بعد أن سلّموا العراق حفنة من تراب ولكن بيد صدام حسين، ولكي تتم عملية التدجين فرضوا حصاراً مقيتاً على العراق شعباً وحكومة لسنوات طويلة وقاسية فعلت فعلتها في تكريس العبودية على أيدي أشجع الفرسان الجبناء (الجوع والفقر) ووسائل النظام ورجالاته، محطمين صفحات ومراكز خطيرة في السلوك والقيم الاجتماعية، تكريساً للاستكانة وثقافة القطيع لدى الرئيس ومرؤوسيه، حتى اكتمل البرنامج ونضجت الطبخة لتبدأ مرحلة جديدة هذه المرة بالتدخل العسكري وإنهاء نظام صدام حسين وحزبه واحتلال العراق، والبدء بتأسيس نظام جديد مغاير تماماً للنظام السابق، وبداية تبلور حقبة جديدة من التاريخ السياسي والاجتماعي والحضاري للبلد.

   ومنذ الاشهر الاولى للاحتلال بدأت مظاهر وبوادر الفساد التي حولت العراق خلال 17 عاما الى واحد من اكثر بلدان العالم فسادا وفشلا، لكن الغريب أن الكل يتحدث عن الفساد المستشري بين معظم مفاصل الدولة الحديثة دونما التطرق أو التركيز على أساسيات هذا الفساد وصناعته، ألا وهو بيع وشراء المناصب التي كانت حتى سنوات قبل سقوط النظام تكليف وليس تشريف، بل كانت حملاً ثقيلاً على المكلّف أيام العهد الملكي، وكثيراً ما كان المرشحين يعتذرون عن تولي تلك المناصب احتراماً لأنفسهم وللوظيفة، خاصة وأن الأخيرة لم تكن مغرية بامتيازاتها آنذاك كما هي الآن سواء في الحكومة أو البرلمان أو العسكر، ولعل من أهم أسباب نشوء هذا البازار الذي كاد أن يمحي أي شعور وطني أو إحساس بالمواطنة الرفيعة والانتماء الحر، هي تلك الامتيازات الهائلة التي خلقت بيئة خصبة لا للتنافس بل للتقاتل من أجلها، وتركين الوطن وأخلاقيات الوظيفة العامة ومسؤوليتها في زاوية مظلمة لا موقع لها في أجندة المكلف، لأن عينه وعقله بالتأكيد على الامتيازات وعلى مساحات الثراء الفاحش والعمولات والسحت الحرام، حتى تحولت مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية إلى إقطاعيات وعمولات وأسواق للصفقات، والشركات الوهمية التي تمتص ميزانية البلد إلى درجة تم تصنيفه واحد من أفشل بلدان العالم وأكثرها فساداً، فلم يكتفوا ببازار المناصب الوزارية والإدارية العامة في المركز والمحافظات، بل وصلت الأمور مؤخراً إلى أن يتهم المكلف بتشكيل حكومة جديدة أطرافاً متنفذة في البرلمان بدفع مبالغ لأعضاء مجلس النواب لعدم حضور الجلسة أو رفض منحه الثقة، وهذا يعني أن صفات أخرى تتبلور الآن لشراء أو بيع منصب رئيس الوزراء في بلد لم تعد غالبية قواه السياسية المتنفذة تلتزم بما كتبته من وعود وتعهدات للأهالي، وخاصة الدستور الدائم للبلاد الذي لم يعد أكثر من كتاب مركون على رفوف مكاتب المسؤولين للتجمل به ليس إلا!
   ورحم الله من أخبرنا بالتراث القائل إنهم كانوا يصنعون آلهتهم من التمر، وحينما يشتد بهم الجوع يلتهمونها، وما أشبه أحفاد اليوم بأجدادهم في الأمس!.

kmkinfo@gmail.com



68
كلهم داعش وإن اختلفوا!

كفاح محمود كريم

   يبدو إن مقولة تعددت الأسباب والموت واحد تتطابق تماما مع نتائج ما سنبحثه في هذا المقال عن تعدد المسميات والعناوين لكيان أو أصل فكري واحد، وما تسببه تلك التعددية من مآسي وكوارث لشعوب ودول، وكما إن الموت نتيجة حتمية وان تعددت أسبابه، فان الخراب والدمار نهاية مؤكدة لسلوكيات تلك الكائنات وان اختلفت في أسمائها ونقطة شروعها، وهي بالتالي من إنتاج تراكم هائل من ثقافات وتقاليد بدائية متخلفة ما تزال تتكلس في مفاصل النظم السياسية الشمولية وملحقاتها، وعودة سريعة إلى تاريخ لم يمض عليه سوى نصف قرن، سندرك ترجمة حقيقية لتلك الثقافة المقيتة في الغزو والنهب والسلب والتدمير.

   دعونا نتذكر أيام حكم البعثيين ومقولات صدام حسين الشمولية، وخاصةً تلك التي استخدمها الكثير شمّاعة للتخلص من التوظيف في حزبهم، وأصبحت مقولة طالما رددها كل محاصر من المستقلين والمنتمين لأحزاب ممنوعة حينها، تلك المقولة التي غدت سُلم النجاة، وهي واحدة من أقوال صدام حسين عندما خاطب مجموعة من الموظفين، قائلاً:
   (إنَّ الموظفين المخلصين بعثيين وإن لم ينتموا) وفي واحدة أخرى قال: (العراقي بعثي وإن لم ينتمِ)، وكأنما المنتسب لحزبهم معصوم من أي شائبة، وهو مثال مفترض للإخلاص والوطنية، ويمتلك الحقيقة المطلقة التي تؤكد سيادة وتميز وتفوق تلك الطبقة أو القومية أو العرق أو الدين والمذهب، وهكذا بقية أصحاب هذه النظريات التي تؤدلجها لدعم بقائها الأبدي في السلطة!

    ورغم التضحيات الجسام والخسائر الفادحة التي خلفتها تلك النظريات والأفكار، وشهدنا قسم كبير منها في بُلداننا الشرقية عموماً والشرق أوسطية خاصةً، ابتداءاً من مصر ومروراً بالعراق وسوريا واليمن وليبيا والجزائر وانتهاءاً بإيران التي كمنافستها تركيا ما رأت غير المذهب وسيلة لإعادة امبراطوريتها إلى الظهور بعدما حكم الزمن عليها بالزوال، تدخلت قوى عظمى لتغيير نمط تلك الأنظمة على افتراض أنها ستأتي ببديل يختلف في نهجه ويقترب من التجارب الأوربية في نُّظم المؤسسات والتبادل السلمي للسلطة، وابتدأت في العراق حيث أسقطت عسكرياً الهيكل الإداري لنظام صدام حسين وحزبه، وألغت بجرة قلم مؤسسات مضى على تكوينها عشرات السنين منذ تأسيس مملكة العراق مطلع عشرينيات القرن الماضي، لكنها لم تدرك - تلك القوى- أن مجرد إسقاط هيكل الحكم لا يعني انتهاء ثقافته وسلوكياته التي تكرست في عقلية معظم الأهالي بمن فيهم الكثير من الحاكمين الجدد، وخاصة فيما يتعلق بالثوابت الأساسية، وهي النظام الديمقراطي الجديد وقبول الآخر واحترام مؤسسات الدولة والقانون المشرع.

  إن نشوء تنظيمات مسلحة خارج المؤسسة العسكرية مدعومةً من السلطة يعكس هذه العقلية مهما كانت الأسباب الموجبة، بما فيها تلك التي أسسها النظام السياسي لغرض خدمته في تحقيق مآربه، خاصة تلك التي ادّعى فيها احتواء العشائر وتسليحهم بوحدات تحت مسميات مختلفة، وهو ما فعله نظام البعث الأول في الحرس القومي والثاني في الجيش الشعبي، وفلول الأفواج الخفيفة (الجته) في كوردستان، ولاحقاً الميليشيات المسلحة التي نشأت على أسس مذهبية، وما يحدث اليوم وخاصة بعد اندلاع التظاهرات في الوسط والجنوب العراقي، وعمليات التصفية المنظمة للناشطين في تلك الاحتجاجات فراداً وجمعاً، يؤكد أن هذا النهج ما يزال أسير ثقافة الغزو التي رافقت المجتمعات عبر آلاف السنين، وتسببت في إنتاج الانقلابات والميليشيات والقتل باسم الرب تارةً وباسم القومية تارةً أخرى، وهي اليوم وبدون استثناء، استنساخ لعمليات وفعاليات القاعدة وداعش، وما تفعله الميليشيات اليوم ليس في العراق فحسب وإنما في كل من سوريا وإيران وليبيا واليمن ولبنان، اختراقا للقانون تحت أي مسمى أو تكييف خارج المؤسسة العسكرية، إنما هو امتداد لفكرة الغزو البربري والإرهاب الداعشي وأن اختلفت التسميات.

kmkinfo@gmail.com



69
العراق من مملكة المؤسسات إلى جمهوريات الانقلابات!

كفاح محمود كريم

   حينما كُلّف الشريف فيصل الأول بن حسين بن علي الهاشمي، ثالث أبناء شريف مكة الحسين بن علي الهاشمي، بتولي مملكة العراق التي تأسست على خلفية اتفاقية سايكس بيكو، وإثر تداعيات الثورة العربية الكبرى، كان يراود الشريف حسين بن علي والد الأمير فيصل طموح العائلات المالكة العربية في المنطقة، لتولي زعامة دولة العرب، ونقل نظام الخلافة الذي انهار في إسطنبول إلى إحدى العائلات العربية المتنافسة، وهي: العائلة السعودية في نجد والحجاز كونها الأسرة الحاكمة في الأراضي المقدسة الإسلامية مكة والمدينة، والعائلة الهاشمية زعيمة الثورة العربية الكبرى في شمال الجزيرة وبلاد الشام والعراق، والعائلة الحاكمة من سلالة محمد علي في مصر، ولكون الإنكليز أيضاً لم يجدوا شخصية في كل العراق تتبوأ هذا المكان، لاعتبارات كثيرة ربما في مقدمتها الصراعات الداخلية بين الشيوخ والأعيان وحملات التسقيط والتشهير فيما بينهم أمام البريطانيين دفعهم لترشيح فيصل الأول ملكاً على العراق، وأسباب كثيرة أخرى.

   عموماً نجحت بريطانيا في إقامة مملكة جديدة في الشرق الأوسط بعد إقناع أعيان وشيوخ ولايتين، هما: ولاية بغداد وولاية البصرة، بينما استمرت بالتفاوض مع ولاية الموصل التي كانت تضم معظم كوردستان الجنوبية الحالية، والتي وافق غالبية سكانها من الكورد على الانضمام للملكة الجديدة بشرط تلبية مطالبهم السياسية والثقافية، وبناءً على ذلك باشرت بريطانيا وطاقم من رجالات الدولة في الولايات الثلاث ببناء مؤسسات المملكة الجديدة على النمط البريطاني، متأملة أن تكون حكومة الكيان الجديد مهتمة بتطوير نوعية الإنسان وتأهيله لإشغال تلك المؤسسات، ورغم الأخطاء والهفوات الكثيرة نجح البريطانيون والتاج الهاشمي ورجال الدولة العراقية الحديثة في إنشاء مؤسسات تشريعية وتنفيذية تحت مضلة التاج الملكي، تمتعت فيها شعوب الولايات الثلاث بنمط مخالف جداً للنظام العصملي، ولولا بعض المجموعات التي التفت حول الملك غازي وعبد الإله وتطلعاتهما، إضافةً إلى بدايات تبلور توجهات قومية ويسارية قننت فكرة المواطنة في بلد متعدد المكونات، لما انحدرت الأمور حتى تهاوى كل شيء مع ظهور أوّلى الغزوات السياسية أو الانقلابات التي أسقطت المملكة العراقية، وأَبادتْ خلال ساعات العائلة الهاشمية بعد استسلامها، لتبدأ حقبة جمهوريات الانقلابات التي استمرت تنصيب الحاكم المدني الأمريكي رئيساً لجمهورية العراق بديلاً لفيلسوف الانقلابات، ومن ثمّ إجراء الانتخابات العامة بعد عشرات السنين من الحكم الشمولي والأمية الديمقراطية والسياسية لدى عموم الشعب، ومن ثمّ تكلّيف مجاميع من الهاربين واللاجئين ممن تركوا البلاد تتضرع جوعاً وعبودية بمهام من قبل الحاكم المدني الأمريكي، وهم في غالبيتهم مغامرون طامعون بالسلطة والمال لا يرتقون إلى مستوى رجال دولة.

   وعبر ما يزيد عن ستين عاماً عاشت الدولة العراقية أكثر مراحلها تخلفاً وانحداراً، مع وجود مساحات هنا وهناك أنجزها المخلصون من أبناء وبنات العراق والذين أُوهموا بأن من يقودهم إنما يخدم الوطن ويناضل من أجله! ثلاث جمهوريات انقلابية مزّقت البلاد وأرجعتها مئات السنين إلى الوراء، وأضاعت عشرات أخرى من مستقبلها إن لم تكن أكثر، انقلابيات خارج إطار القانون وتحت سقف ثقافة البداوة والغزو، استولت على السلطة والمال، وسبت العباد والبلاد وحولتهم إلى قطعان من العبيد تحت مقصلة الإرهاب تارةً باسم القومية وتارة أخرى باسم الله ورسالته الخالدة، فأنتجت أجيالاً من الكسيحين وعياً وفكراً وسلوكاً، ومجتمعات ساذجة مسطحة تحكمها الخرافة وثرثرات دواوين الشيوخ والأغوات وخطباء الجوامع ومخاتير القرى والأحياء، الذين ما برحوا يمضغون ما ورثوه عن أجدادهم من خزعبلات وأعراف التحريم والتحليل.

   بعد أن أحالت جمهوريات الزعيم وعارف والبكر- صدام الانقلابية، بلاداً كانت مهداً لولادة حضارات الحرف والقلم والساعة، إلى خرائب ومآسي واغتيالات وأحزاب ميليشاوية، وأجيال من المتوحدين فكرياً وسياسياً، وقوافل من المتخلفين واللصوص والعصابات من خريجي مدارس ثقافة الانقلاب والميليشيات، بعد أن أحرقوا كوردستان بانفالاتهم القذرة وأسلحتهم الكيماوية البشعة، ختموها على طريقة الجاهليين الأوائل باستقدام جيوش العالم على شعوبهم، لكي تنتهي تلك الحقبة بالحواسم المخزية، وتبدأ حقبة الجيل الثاني والثالث من تلاميذ تلك المدارس، التي مررها برايمر وشركائه لإقامة نظام مسخ بلبوس ديمقراطي ومؤسسات تعشش فيها الخرافات الغيبية وثقافة العبودية والتوحد السياسي، حتى غدت البلاد مرتع للعصابات السياسية بمؤسسات لا تمتلك إلا عناوينها ومجموعة من الشعارات الرنانة، بينما ينخر الفساد وحيتانه في جسد البلاد التي صادرها اللصوص باسم الرب والدين والمذهب والعشيرة، فتحولت وارثة الحضارات والممالك والإمبراطوريات إلى إمارات ميليشاوية لا يُعرف فيها الحق من الباطل، إن تُعارضها فأنت كافر وإن تحايدها فأنت عبد وإن تؤيدها فأنت فردٌ في قطيع، والذين أسقطوا آخر جمهوريات الانقلابات حلفاء لأمراء تلك الإمارات.

kmkinfo@gmail.com


70
التاريخ لا يغادرنا بل يلاحقنا!

كفاح محمود كريم

   يبدو أن مقولة التاريخ يعيد نفسه، أو يتم تدويره سلوكياً لتنفيذ ذات الأهداف ما تزال سارية المفعول، وكما يقول الكاتب الاورغواني إدواردو غاليانو: (التاريخ لا يقول وداعاً، التاريخ يقول سأراكم لاحقاً )، وهذا ما يتجلى اليوم في واحدة من أكثر الاحتجاجات الشعبية عفوية وشجاعة في الساحة العراقية الجنوبية والوسطى بما فيها العاصمة بغداد، وفي وسط شيعي حيث كانت الطبقة الحاكمة تدعي بأنها تلبي رغبته وتعبر عن مظلوميته، فإذ به وبعد خمسة عشر عاماً من حكمها باسم المذهب سياسياً واقتصادياً وأمنياً وعسكرياً، ينتفض انتفاضةً قل نظيرها في التاريخ الاجتماعي والسياسي العراقي منذ تأسيس دولته على أيدي البريطانيين والفرنسيين وحلفائهم بعيد انتهاء الحرب العالمية الأولى، محطمًا أصناماً صنعت هيبتها من تخريفات وتخديرات لا أصل لها إلا كوسيلة للتسلط والاستحواذ على السحت الحرام والنفوذ الجائر.

   فمنذ اندلاع الحملة الاحتجاجية الإصلاحية في العراق أوائل أكتوبر الماضي، والأحزاب السياسية الحاكمة وخاصة الدينية وبقايا القوى الشمولية ومخلفات التنظيمات الإرهابية، تبتكر أنواعًا من وسائل الاختراق أو ركوب الموجة لتغييرها من الداخل أو احتوائها، فدفعت أجهزة دعايتها ومنابرها ومهرجيها إلى ادعاء وقوفها مع المتظاهرين حاملة أهدافهم ومشروعهم في الإصلاح، وحينما لم تنطلي تلك الدعايات الفارغة وفشلت في احتوائها أو تمثيلها، أنزلت طرفها الثالث غير المرئي، متخفياً وراء بندقية قنص في المباني المطلة على أمكنة التظاهرات لتفجر رؤوس فتية وفتيات وتزرع الرعب والموت كي يتوقف الآخرين، لكن الأمور لم تكتمل كما اشتهتها قيادات تلك الأحزاب أو مسؤولي دوائر أمنها، ولم تنثني عزيمة أولئك الشباب والشابات فاستمرت وتيرة التظاهر والاحتجاج بابتكارات جديدة لم تتعدَ سلميتها بل ومدنيتها المتحضرة، التي اعتمدت أنواعًا من الفنون الإبداعية كالرسم والغناء وحلقات الشعر وحملات التنظيف للشوارع والأزقة والأنفاق، ما أبهر أولئك الواقفين على الحياد ليتم ضمهم إلى تلك الحملات الاحتجاجية الناعمة.

   ورغم مئات من القتلى وآلاف من الجرحى ومجازر الناصرية الصامدة والنجف المنتفضة، إلا أنها لم تنتج أي رد فعل للعنف المضاد، ولم تسجل أي عملية عنفية للمتظاهرين والمحتجين رغم محاولات البعض دس عناصر مخربة في أوساطهم إلا أنهم لم ينجرو ورائها، ما دفع أولئك الذين استهدفتهم الحملة الفراتية والجنوبية والبغدادية إلى تدوير ممارسة سابقة تعود إلى أكثر من ربع قرن مضى، لاختراق واحدة من أرقى التظاهرات وهي في أروع صورها وأجمل لوحاتها التي امتزج فيها لون الدماء مع دموع الثكالى وألوان تلك اللوحات التي زينت شوارع وأنفاق بغداد تعبيراً عن رفض هذا النمط المتخلف من الحياة الذي فرضته أحزاب ظلامية شَوَهت المبادئ السامية للأديان والمذاهب، وحولتها إلى دكاكين سياسية حقّ عليها القول.

   وحينما وقع انقلاب 8 شباط 1963 ضد الزعيم عبد الكريم قاسم وجمهوريته، كان الزعيم في مقره بوزارة الدفاع، ورفض مغادرتها، ما دفع المئات من مؤيديه إلى التجمع حول مبنى الوزارة لإظهار التأييد له والدفاع عنه، ودارت معركة قاسية بينه وبين الانقلابيين الذين حاولوا الاندساس بين مؤيدي الزعيم، رافعين صوره وذات الشعارات، حتى تمكنوا من اختراق صفوفهم واقتحام وزارة الدفاع، إلا أن الزعيم نجح في الخروج منها واللجوء إلى قاعة الشعب بعد انتهاء معركة وزارة الدفاع لصالح القطعات العسكرية المُحاصرة لها، ولكن تمّ اعتقاله في صبيحة التاسع من شباط واقتياده إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون وإعدامه هناك.

   واليوم ما أشبهه بالبارحة، حيث يتم استعارة تلك الممارسة البهلوانية التي مارستها مجاميع من الانقلابيين الذين رفعوا صور الزعيم وشعاراته ليندسوا بين أوساط مؤيديه وينفذوا إلى عرين الزعيم واعتقاله والإجهاض عليه، وما حصل قبل أيام يؤكد أن القوى المهيمنة على كرسي الحكم، ومن ماثلهم في النهج الشمولي من بقايا النظام السابق ومخلفات التنظيمات الإرهابية، وبعد سقوط حاجز الخوف واختراقه من قبل المنتفضين، وانهيار تلك القدسية المصنعة خصيصًا لديمومة حكم الفاسدين المتخلفين، وتبخر ما يسمى بهيبة الادعاء بحكم الله ووكلائه على الأرض، تحاول تدوير ذات الممارسة الانقلابية التي مارسها انقلابيو شباط 1963، لوأد الاحتجاجات التي بدأت تنجز تغييرًا اجتماعيًا أفقيًا وسياسيًا عموديًا، لا لإسقاط العملية السياسية فحسب بل ولأبعاد الأحزاب الدينية ونهجها عن الحكم وعن السياسة وفصل الدين عن الدولة والسياسة لإقامة دولة مدنية عصرية تحت مظلة القانون والمواطنة.


kmkinfo@gmail.com




71
إشاعة الكراهية والتمزيق المجتمعي!

كفاح محمود كريم

   يعتقد الكثير من شبيبة اليوم خاصة أولئك الذين شهدوا إسقاط الولايات المتحدة لنظام صدام حسين وحزبه، بان ما حصل في البلاد وخاصة ظهور الطائفية المذهبية والتفرقة الدينية أو الإقصاء العرقي والقومي بهذا الشكل المفرط، هو وليد هذه المرحلة أي مرحلة ما بعد تولي معارضي نظام البعث دفة الحكم، وخاصة الأحزاب الدينية أو المذهبية، التي عاشت وترعرعت في ظل وكنف مجموعة من المدارس والمعتقلات السياسية ومنهاجها المعروفة، ابتداءً من مدرسة الزعيم ومقاومته الشعبية مرورا بمدرسة البعث وحرسه وجيشه القومي والشعبي،  وانتهاءً بما أنتجته تلك المدارس من تجارب يتم استنساخها اليوم، والإبداع في تطوير أساليبها بمختلف المناهج وممارسات أنظمتها السياسية والقمعية، تلك المدارس التي كرست مفاهيم السلطة الفردية والحزب الواحد وطرق هيمنته واندساسه في كل مفاصل الدولة وزراعة العيون والآذان في كل دائرة ومدرسة ووحدة عسكرية على طريقة جمهورية جورج اورويل في روايته (1984) حتى غدت الدولة برمتها عبارة عن منظومة كاميرات للمراقبة والتصنت.*

   هذه المدارس والغيوم السوداء التي سادت سماوات العراق وأراضيه بعد تأسيس مملكته بسنوات، أشاعت ثقافة اقصائية وازدرائية من قبل معظم النُّظم السياسية العراقية ضد مكونات دينية ومذهبية وعرقية وبأشكال مختلفة ووسائل متعددة، باستثناء فترة قصيرة جداً من الحكم الملكي، وتحديداً في السنوات الأولى لتأسيس المملكة العراقية، والى حدٍ ما فترة أقصر من حكم الزعيم عبد الكريم قاسم، وما عداها ومنذ انقلب البعثيون وحلفائهم على نظام الزعيم قاسم، حكم البعثيون البلاد منذ شباط 1963 وحتى إسقاطه في نيسان 2003، مع وجود فترة قلقلة بين 1963 و 1968 التي انقلب فيها العوارف على الحرس القومي، لكنهم لم يختلفوا في نهجهم السياسي عما سبقهم إلا بالعناوين والأسماء.

   لقد مورست ضد المكونات (الأصغر) سواءً كانت قومية أو دينية مذهبية كل أنواع الإقصاء باستخدام وسائل دعائية اجتماعية، تزدري تلك المكونات بفيض من النكات والطرائف التي تظهرها بشكلٍ ساخر أو منتقص، وتشكك في أهليتها، بل وتهينها في نهجها الديني أو انتمائها العرقي، ونتذكر جميعا طوفانات النكات والقصص أو الطرائف المفبركة التي كانت أجهزة المخابرات وبعض المؤسسات تقوم بنسجها وإشاعتها للتداول بين الأهالي، وليس ببعيد عن الذاكرة تلك التي كانت تستهدف جنوباً (الشروك والمعدان) وازدرائهم وإظهارهم بأنهم أُناس بدائيون وأجلاف، وشمالاً الكورد والتركمان والمسيحيين عموما، الذين ينتقصون من آدميتهم ومواطنتهم بأنماط من القصص والنكات المفبركة، التي تظهرهم أغبياء وحمقى، وكذا الحال غرباً مع (الدليم والمصالوة) كما كانوا يقولونها، وإظهارهم بالبخل والحماقة والتخلف.!

   في حصيلة سنوات طويلة من ممارسة هذا الكم الهائل لثقافة الانتقاص والاستهزاء، تكلست أنماط من الكراهية والازدراء بين مفاصل اجتماعية واسعة من المكونات، التي تعرضت جميعها إلى هذا النمط من التسقيط والاستصغار، سواء بين الكورد والعرب، أو بين السنة والشيعة، وبقية المكونات، ناهيك عن عقدة ابن المدينة من الريفي أو (الجرياوي أو الكوندي بالكوردية) واعتباره دوما منتقص المدنية ومحط السخرية، مما أنتج مع وجود بيئة صالحة لتفعيل هذه الأحاسيس المليئة بالكراهية، ما نشهده اليوم من طائفية وعنصرية مذهبية وقومية وحتى مناطقية، وصلت إلى حد الإقصاء والالغاء والتكفير ومن ثم إباحة القتل والابادة، تصل في ذروتها الى دعوات لحرب مقدسة.

   وما يجري اليوم من عمليات تطهير مذهبي وعرقي في المناطق المختلطة عمل على إحداث تمزيق شديد في البنية المجتمعية للسكان، وهذا ما نشهده اليوم في نينوى والأنبار وصلاح الدين وأطراف بغداد وشمال الحلة وكركوك وديالى، مما ينذر بخطر داهم يضعنا جميعاً أمام مسؤولية تاريخية ووطنية إزاء حرب ستحرق الأخضر واليابس، ولن تكون نتائجها أفضل من تلك النتائج التي وصل إليها البعثيون وغيرهم في تحويل العراق إلى حفنة تراب، وضياع فرص ذهبية لتقدمه وتطوره ووجوده.

   وصدق من قال هذا المطر من ذاك الغيم!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* رواية 1984 التي كتبها الصحفي البريطاني جورج اورويل George Orwell في عام 1949م.




72
العراق بين التأسيس الاول والثاني!

كفاح محمود كريم

   بعد ما يقرب من قرن على تأسيس دولة العراق بمملكة شاء فيها البريطانيون وشركاؤهم الفرنسيون واتباعهم من بقايا دولة ال عثمان ومجاميع من المشايخ، أن تكون كياناً سياسياً رغم أنف ساكنيها، وبالشكل الذي اختاروه وبالملك المستورد من دولة أخرى، لعدم توفر الشروط التي طلبوها في المرشحين من الولايتين اللتين تشكلت منهما مملكة العراق في 1921م، بعد كل هذا الزمن وأحداثه وما رافقه من تولي أكثر النُّظم فشلاً في العالم، قياساً بما تمتلكة هذه الأرض من ثروات ومكونات بشرية مختلفة، لم تستطع مكونات هذه المملكة ومعارضاتها بمختلف مشاربها وتوجهاتها وانقلاباتها من إسقاط النظام الشمولي وإحداث تغيير نوعي وتأسيس كيان جديد يرضيها ولو بالحد الأدنى لشكل الدولة، حتى قررت الولايات المتحدة وحلفائها وبذريعة امتلاك الإدارة السياسية فيها لأسلحة مفترضة في مجالي الذرة والكيمياء، اللتان تشكلان مساساً بالخطوط الحمراء لمجال تلك الدول الحيوي، رغم إن الأسباب الحقيقية لا علاقة لها البتة بتلك الهياكل الاسطوانية لما يسمى بالصواريخ أو مسرحيات امتلاك العراق لمشاريع طموحة في صناعة قنبلة نووية بائسة على غرار ما تستنسخه إيران اليوم لتلك المسرحيات الهزيلة!.

   وعشية إسقاط هيكل نظام حزب البعث ومؤسساته الإدارية، كان العراقيون يحلمون بنظام على النمط الأوربي لكون الأمريكان هم أصحاب مشروع التأسيس الثاني للدولة العراقية بعد انهيار مشروعي بريطانيا وفرنسا، ولكن الأحداث التي تلت عملية الإسقاط أثبتت إن الأمر لا يتعلق بأصحاب المشروع فقط، وأن المؤسسين مجرد منفذين لآلية التأسيس، بمعنى أن البَناء غير مسؤول عن نوعية مواد البِناء ومكوناتها، وبذلك ربما يتحمل جزء من المسؤولية، وتبقى المسؤولية الأكبر لنمط ونوع وشكل أدوات ومواد البِناء.

   وبالعودة إلى مدى تأثير الزمن، وهو أكثر من ثمان عقود بعد التأسيس الأول على شعوب ومكونات العراق تحت ظل أنماط مختلفة من الحكام والنظم السياسية ومقارنتها بالحقبة الثانية، نكتشف أن لا تغيير نوعي أو فرق مهم بين الحقبتين، إلا اللهم بالعناوين والأسماء والمظاهر، وبقي الأصل محافظاً على نوعيته ونمط تعاطية وتعامله وسلوكياته، ما يؤكد أن التأسيسين كانا بعيدين عن أصل المشكلة التي يعاني منها هذا الكيان السياسي والاجتماعي، والذي ينحصر تماماً بطبيعة الولاء والشعور بالانتماء لدى المكونات والمجاميع البشرية في هذه البلاد، وهي حصراً مكوناته القومية والدينية، المذهبية منها تحديداً، بعد الفشل الذريع في إنتاج مفهوم رابط لمواطنة جامعة.

   لقد فشلت الطبقة السنية الحاكمة طيلة ثمانين عاماً في التأسيس الأول من أن تقنع الشيعة بأنها خيارهم الأخير، بينما فشلت الطبقة الشيعية الحاكمة من إقناع السنة والكورد بأنها خيارهم الأخير في التأسيس الثاني، وكذلك الحال في كوردستان، حيث يصرّ شعبها على الانعتاق والاستقلال في التأسيسين، رغم كل ما فعلته الحاكمة السنية والحاكمة الشيعية بمحاولاتهما في تجميل نظاميهما السياسي بإشراك ممثلين من كليهما ومن الكورد في الحكم، إلا أن النتائج كما نراها اليوم ويدركها المواطن تسير من سيء إلى الأسوء، خاصة خارج إقليم كوردستان الذي تمتع باستقلالية نسبية منحته تميزاً عن بقية أجزاء الدولة وكانت سبباً في ازدهاره وتطوره، ورغم اعتراف كل النخب السياسية الحاكمة بنجاح الإقليم إلا أنهم يصرون على نظام مركزي شمولي وضعت لبناته في التأسيس الأول، رغم إلغائه في الدستور في التأسيس الثاني واستبداله بالنظام الفيدرالي، إلا أنه يتعرض اليوم إلى حرب شعواء من قبل الشموليين القوميين والمذهبيين المصرين على ذات الأدوات والوسائل التي أفشلت دولة الثمانين عاماً من الشمولية.

   خلاصة القول ما نشهده اليوم يؤكد بأنه لا خيار بعد الفيدرالية أو الكونفيدرالية إلا العودة إلى الشمولية. وهذا يعني بداية التَفتت وعودة دويلات الأندلس من جديد.

kmkinfo@gmail.com

73
حكومة كوردستان بلا أحزاب دينية!

كفاح محمود كريم

   أصيبت أحزاب الإسلام السياسي بهزيمة كبيرة في انتخابات  2018التي جرت في إقليم كوردستان، حيث تقهقرت شعبيتها عن الدورات السابقة بشكل مثير دفعها إلى أن تقصي نفسها من المشاركة بالحكومة الجديدة، رغم محاولات الحزب الأكبر وهو الحزب الديمقراطي الكوردستاني الذي قاد عملية الاستفتاء في 25 أيلول 2017 وحصد إثرها غالبية الأصوات في البرلمان الكوردستاني، حاول إقناعها بالمشاركة رغم ضآلة مقاعدها في البرلمان، إلا أنها اختارت أن تكون خارج التشكيلة الحكومية، بل أنها رفضت تعديل قانون رئاسة الإقليم، ولم تصوت لمرشح الأغلبية في رئاسة الإقليم، ولا لرئيس الوزراء في محاولة لخلق كائن جديد باسم المعارضة، خاصة وإنها خاضت تجربة مريرة في اشتراكها بالكابينات السابقة وادعائها بأنها تحارب الفساد وتتهم الحكومة بأنها ضالعة فيه وهي جزء منها ومنه!

   هذا السلوك المهجن لصناعة معارضة بين المشاركة في الحكومة ومعارضتها في البرلمان استخدمته حركة كوران (التغيير) في دورتها الأولى بعد انشقاقها عن الاتحاد الوطني الكوردستاني، ولم تجنِ ثمرا من ذلك التهجين، بل خسرت الكثير من أصواتها في الانتخابات الأخيرة، ويبدو إن الأحزاب الدينية حاولت استنساخ عملية التهجين في الدورتين السابقة والحالية، وها هي تحاول ثانية إقناع شارعها بأنها ستكون خارج السلطة التنفيذية لكي يتسنى لها معارضتها، رغم إن النتائج الأخيرة كانت مخيبة لأمالها في الجلوس على مقاعد برلمانية تعطيها نفوذا اكبر، بل على العكس  أعطت مؤشرا أكد إن شعبيتها النسبية التي كانت قد تحققت في دورات سابقة من الانتخابات إنما جاءت بسبب خلافات الحزبين الرئيسيين (الديمقراطي والاتحاد) وادعائها بأنها تحارب ظاهرة الفساد، مما تسبب في تورمها على شاكلة الأعراض الجانبية لبعض الأدوية، هذا التورم سرعان ما انكمش في الانتخابات الأخيرة وظهر حجمها الحقيقي ليس في الشارع الانتخابي فحسب بل لدى مساحات واسعة من الأهالي التي تؤمن فطريا بأنه لا علاقة للدين بالسياسة، وان الدين علاقة روحية ثابتة بين الفرد ومعتقداته، لا يمكن التلاعب بها وإدخالها في عالم السياسة المتقلب.

   وعلى ضوء تلك النتائج أقصت هذه الأحزاب نفسها عن المشاركة بالحكومة ظنا منها بأنها سترضي ما تبقى من مؤيديها، وتلملم مؤيدين جدد لصفوفها مستقبلا، وبذلك ولأول مرة منذ استقلال الإقليم ذاتيا وتشكيل حكومته الأولى في 1992م، تأتي الكابينة التاسعة لحكومة كوردستان خالية من أحزاب الإسلام السياسي، مما يعطي رغم كل التفسيرات انطباعا أوليا باتساع مساحات الثقافة المدنية وتكريس نظام علماني يحترم الأديان لكنه يبعدها عن فضاءات السياسة وإدارة الدولة، كمقدمات مهمة لتشريع دستور دائم للإقليم، تعمل السلطتين التشريعية والتنفيذية على تحقيقه خلال دورتها الحالية.

kmkinfo@gmail.com



74
العشوائيات السياسية!

كفاح محمود كريم

   كما انتشرت العشوائيات السكنية حول المدن خلال العقود الأخيرة في كثير من بلدان العالم وخاصة بلدان الشرق أوسط، فان ظاهرة نشوء العشوائيات السياسية بدأت تنتشر هي الأخرى في معظم الأنظمة السياسية الشمولية، وخاصة تلك التي تم تغييرها خارج نسق التطور الطبيعي للمجتمعات بكل أشكالها ومظاهرها، فحينما تخرج الأمور عن سياقاتها القانونية أو المتفق عليها كأعراف أو قواعد تأخذ مأخذ القانون في إرساء النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، تدخل إطارا أخرا بعيدا عما اتفق عليه، ويصبح عشوائيا لا يخضع لأساس منظم سواء كان قانونيا أم دستوريا، ويقترب من الفوضى واللا مسؤولية وعدم الانتماء، حيث شهدنا في مراحل غياب القانون وتسلط نظم اجتماعية بالية سواء كانت قبلية أو محرفة من معارف دينية سطحية أو ناتجة من أمزجة تخضع لسلطة المال والفساد، نمو مستوطنات عشوائية تتجمع فيها مختلف المستويات الاجتماعية، لكنها تتوحد تحت نظام اللا  قانون لتكون أول تعريف للعشوائيات السكنية التي تتطور تدريجيا لتشكل نمطا أخرا من السلوك والتفكير، ينتج ويؤسس لهياكل سلطوية لا انتماء لها إلا حاجياتها بصرف النظر عن كونها مشروعة أم غير مشروعة، كما حصل ويحصل اليوم في كثير من البلدان التي تم تغيير أنظمتها عموديا بشكل عشوائي خارج مراحل تطور النظم الاجتماعية والتربوية والسياسية ومنذ ما يقرب من نصف قرن.

   وتزامنا مع الظهور الجنيني لتلك العشوائيات وبدء مرحلة الانقلابات وتغيير الحكم بالقوة العسكرية الداخلية أو الخارجية وهيمنة قوى طارئة على مقاليد الحكم، ظهرت بواكير العشوائيات السياسية التي رافقها تشكيل مصطلحات ممسوخة أو مستنسخة من المدارس العالمية للنظم السياسية والاقتصادية وخاصة المدرستين الاشتراكية والرأسمالية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، ونشوء دول الفلك الروسي وأنظمته الديمقراطية الشعبية، هذه المصطلحات الممسوخة من المدرستين انتشرت بعد أول انقلاب عربي في مصر وانطلاق شعار اشتراكيتنا العربية، المصنعة من مزيج ماركسي- رأس مالي لكي تلائم البيئة العربية والإسلامية على حد تبرير مصنعيها، هذه المصطلحات التي استُنسخت أو مُسخت من قبل تلك الأنظمة، التي أحدثت تغييرا فوقيا وفرضت هذه الأنماط السياسية والاقتصادية، مقحمة بلدانها في تجارب فاشلة ذهب ضحيتها ملايين من البشر ومليارات من الأموال، وضياع فرص ذهبية للتقدم والتطور، كما في اشتراكية البعث في سوريا والعراق واشتراكية عبد الناصر في مصر وليبيا والجزائر وغيرهم، وكذا الحال في الديمقراطيات العشوائية التي أنتجت برلمانات مشوهة تتحكم بها مجموعات من شيوخ القبائل والعشائر وفتاوى رجال الدين المتاجرين بالدين والسياسة معا، وبدعم مطلق من السحت الحرام الذي أنتجته ماكينات الفساد ومنظوماتها، حيث لا قيمة للانتخابات ونتائجها بسيطرة هذه العوامل على كل مفاصل التغيير والتداول في السلطات.

   ومن جهة أخرى ففي غالبية دول منطقتنا الموبوءة بانعدام سلطة القانون وفقدان العدالة الاجتماعية وارتفاع مستويات خط الفقر المدقع مقابل انخفاض مريع في الوعي والتعليم، يتم تدمير الناتج القومي واستهلاكه في بناء ترسانات عسكرية وأسوار الهياكل الأمنية للنظم السياسية وعناصرها في مفاصل الدولة، حيث تحولت بلدان هذه المنطقة وخاصة جمهوريات الانقلابات والربيع العربي إلى استهلاكيات واسعة، انتشرت فيها أنماط عديدة من العشوائيات السكنية والفكرية والسياسية، بل استطيع أن ازعم إننا إزاء بلورة نمط من الديمقراطية الفوضوية التي يمكن تسميتها بالديمقراطية العشوائية الناتجة من ذات البيئة التي تجمعت فيها شرائح (تعبانة) من المجتمعات على مختلف مستوياتها، ابتداءً من التجمعات أو الإحياء وصولا إلى نمط التفكير العشوائي الناتج من بيئة تلك العشوائيات.

   إن فرض نظام تداول السلطة على الطريقة الغربية في مجتمعات لم يتبلور فيها وعي وطني جامع ومفهوم للمواطنة وبنية تربوية وتعليمية تؤسس لقيام نظام اجتماعي وسياسي تقدمي ديمقراطي، بالتأكيد سيؤول إلى الفوضى التي نشهدها سياسيا واجتماعيا في معظم هذه البلدان وفي مقدمتها العراق وليبيا واليمن وسوريا، حيث التقهقر والانكفاء في دهاليز أنظمة بالية متخلفة تتحكم فيها مجموعات وشلل طارئة من الشيوخ الفاسدين وحيتان السحت الحرام ورجال الدين المنحرفين الذين أقحموا قداسة العقائد في متاجرات السياسة فشوهوا الدين والسياسة معا، وأنتجوا على مقاساتهم ديمقراطية عشوائية أسوء من سابقاتها الأنظمة الدكتاتورية، ولا تختلف في مضامينها عن سلوكيات تلك العشوائيات التي نمت وترعرعت حول المدن الكبيرة.


75
المنبر الحر / افهموا الدرس..!
« في: 11:04 26/05/2019  »
افهموا الدرس..!

كفاح محمود كريم

   منذ تأسيس مملكة العراق وحتى يومنا هذا، ولعنة الحرب والدمار عالقة بذيول دشاديش حكامها، فما من ملك أو رئيس، إلا وحلم بأنه عنترة بن شداد ليستيقظ صباحا فيتوهم انه نابليون بونابرت أو جنكيزخان، وكانت أولى تدريباتهم في كوردستان منذ مذبحة سميل ضد الأشوريين وحتى محرقة حلبجة والأنفال وما تلاها من محاولات لاجتياح الإقليم وإلغاء وجوده قبل ما يقارب السنتين، وعبر التاريخ السياسي والعسكري للعراق منذ 1958م حينما أسقطوا الملكية وحولوها إلى جمهورية، بدأ التهافت على عسكرة الدولة والمجتمع، فكلما بلطوا شارعاً أو بنوا جسراً اشتروا طائرة أو دبابة لمشروع حرب لا مناص منها، كأنما تلك الثقافة البائسة التي يمارسها القروي أو البدوي أيام زمان حينما تكثر أمواله فيحتار ماذا يفعل بها، فإما الزواج على رأس زوجته أو زيجاته أو شراء بندقية كخطوة أولى لمشروع استثماري في القتل، وهكذا حال معظم أنظمة الحكم التي توالت على (اغتصاب) العراق.

   والمصيبة الأكبر تلك التي وقعت بعد تسلط حزب البعث والتيار المتطرف فيه على كل مفاصل الدولة العسكرية والأمنية، أولئك الذين قفزوا إلى القصر الجمهوري ليطبقوا نظريتهم الانقلابية في تموز 1968م، وأوهموا الناس بأنهم ورثوا دولة من خرائب وأطلال، فباشروا بتبليط عدة شوارع وبناء عدة مجمعات سكنية ومجموعة مستشفيات ( ليبلشوا ) أي ليشرعوا في حروب ما زلنا ندفع فواتيرها إلى أن يشاء الله، ويهتدي خلفائهم في بناء دولة مدنية تعتمد العقل والحكمة والعلم والثقافة والتحضر أساسا في قوة البلاد الدفاعية والهجومية، بدلاً من الطائرات والدبابات والمدافع، كما فعلت ألمانيا وشقيقتها إمبراطورية اليابان بعد انتكاستيهما العظمى في الحرب العالمية الثانية، حيث كان الدرس بليغاً والخسائر أعظم، ولكن الأكثر روعة ونُبلاً وفروسية هو موقف الحكماء فيهما، حينما قرروا ترك لغة السلاح والتسلح واستبدالهما ببناء دولتيهما وتطوير مجتمعاتهما في إطار مدني متحضر، أنتجوا خلال أقل من نصف قرن دولتين عظيمتين في تطورهما الحضاري والتقني والعلمي والاجتماعي وفي كل نواحي الحياة حيث تغطى وفرتهما المالية ما تنتجه ثلث دول العالم؟

   وفي بلادنا التي اكتوت بنيران حروب فاقت في مجموعها حرباً عالمية عظمى خسرت فيه الأخضر واليابس،  وتحولت البلاد من أغنى  بلدان العالم وأثراها وأجملها إلى أفقرها وأفشلها وأوسخها، وبعد أكثر من خمسة عشر عاماً على إسقاط نظام الانقلابات، فشلت الإدارة الاتحادية في إقناع الشارع العراقي بأنها البديل الأفضل رغم هامش الحرية، فقد تقهقرت الخدمات بشكل مريع حتى تحولت إلى أزمة كبيرة لا يمكن حلها بهذه العقلية، خاصةً وأنها شرعت منذ فترة إلى ذات الثقافة في بناء ترسانة عسكرية في بلاد أكثر من ثلث سكانها تحت خط الفقر والآخرين يعانون من نقص كارثي في الطاقة بكل أنواعها، وتدهور مريع في الخدمات الصحية والتعليمية والغذائية إضافة إلى انعدام حلقات مهمة من الصناعة والإنتاج، وتحول نمط الحياة إلى نمط استهلاكي بعد إغراق الأسواق بالمستوردات الزراعية والغذائية من دول الجوار حتى توقفت معظم أنواع الصناعة والزراعة، ولم نعد نملك خارج إقليم كوردستان إلا النفط والمزارات الدينية!؟

   يبدو أن الحاكمين اليوم لم يفهموا الدرس الذي تلقنه نظام صدام حسين ومن يأتي إلى حكم العراق إلى أبد الآبدين كما يقولون، فهو الذي كان يمتلك واحدا من أكبر وأقوى جيوش المنطقة، وسخر إمكانيات دولة من أثرى دول العالم للتصنيع العسكري والتسلح، بل إن أغنى دول العالم في الخليج كانت حليفته بل مرضعته خلال عقد كامل من الحروب، فماذا أنتج، وإلى أين وصل هو وجيشه وحكومته وحزبه الذي بناهم خلال ما يقارب أربعين عاما بآلاف المليارات وملايين العراقيين من القتلى والجرحى والمعاقين والمحرومين!؟

   فهل انتهى الدرس كما قال الممثل محمد صبحي في مسرحيته (انتهى الدرس يا غبي) لكي نقول افهموا الدرس إلا يكفي ما جرى عبرة لمن لا يعقلون ولا يفقهون!؟

kmkinfo@gmail.com

76
ديمقراطيات الشرق الكمالية!

كفاح محمود كريم

   لكي لا تبتعد كثيرا عزيزي القارئ وتذهب إلى أبو تركيا الحديثة كمال أتاتورك فيما وصفته هنا بالكمالية، حيث اقصد ما اعتدنا على تسميته هنا بالكماليات وهي المواد أو الأجهزة المكملة أو التجميلية مثل الإكسسوارات وبعض الديكورات من تحف ولوحات وثريات مما يوصف لدى غالبية الأهالي بأنها من الكماليات غير الضرورية، ومن هذا التوصيف أو التشبيه أحاول  الدخول إلى مفاهيم وتعريفات لنظام اجتماعي وسياسي في جزئيته المتعلقة بتداول السلطة وعملية الانتخاب، محاولا كشف عورات هذا النمط مما يسمى بالديمقراطية في دول الأمية الأبجدية الحضارية وتعددية الانتماء والغالبية المدقعة، وعدم بلورة مفهوم المواطنة مع طغيان القبلية والطائفية والمناطقية.

   بين ديمقراطية الغرب والديمقراطيات الشرقية وخاصة الديمقراطيات الشعبية سيئة الصيت التي حكمت مجموعة من الدول بعد الحرب العالمية الثانية وأنتجت مجموعة كائنات سياسية للزينة فقط، حالها حال الإكسسوارات التجميلية تشبها بتعددية الأحزاب في الديمقراطيات الغربية، وكنا قد أطلقنا عليها في مقالات سابقة (أحزاب الزينة)، والفارق بين الديمقراطية الغربية وديمقراطيات الزينة بون شاسع لا يسمح بإجراء أي مقارنة نوعية، خاصة وان الآليات المستخدمة هي ذاتها، تعددية الأحزاب وصناديق الاقتراع والانتخابات والاستفتاءات، لكن حقيقة الأمر تختلف كليا في الكيف والنوع والدوافع فيما يتعلق بالذين يضعون أرائهم في صناديق الاقتراع، ناهيك عما يسمى بالديمقراطية المركزية وما تلاها من سفسطة البعث وقبله التيارات القومية التي أسست مسارح للتطبيل والتزمير فيما سمي بالجمعية الوطنية أو مجالس الشعب أو الاتحاد الاشتراكي أو الهيئات الاستشارية (الشورى) وأمثالها ممن تشترك جميعها في صفات فقدان اللون والطعم والرائحة.

   أما ما يحدث هذه السنوات من تجارب في البلدان التي اكتسحتها العصا الأمريكية والأوربية من محاولات تطبيق النظام الغربي في تداول السلطة بالاعتماد على الناخبين وممثليهم في البرلمان، فهي أكثر سخرية من تلك الأنظمة المطرودة، حيث تستخدم ذات الصناديق التي استخدمها البعث واللجان الشعبية وأحزاب المؤتمرات القومية والاتحادات الاشتراكية ومجالس الشعب والشورى، واستبدل الرفيق البعثي أو الأخ في اللجان الشعبية وأمثالهم في كوادر تلك الأنظمة إما برجال دين أو رؤساء ميليشيات أو فتاوى دينية أو مذهبية أو أوامر صارمة من الشيخ العام للقبيلة، فهم ايضا يقومون بواجب التلقين للناخب المسكين المصاب أصلا بفقدان الوعي السياسي والبلاهة الفكرية والحضارية، بل أنهم طوروا بعض الآليات في التصويت، إذ أنهم يؤجرون وثائق الناخبين فترة التصويت بما انعم عليهم الله من أموال، بدفوعات حسب قانون الشارب والمقص، ويصوتون بشكل جماعي بدلا عنهم حفاظا على راحتهم ووحدة الموقف والمصير والسيادة!.

   وإزاء ذلك وهذا النمط من السلوك تنصاع الغالبية العظمى وتحت ضغط مختلف أساليب السيطرة الدينية أو المذهبية بفتاوى رجال الدين، أو رغبة شيخ القبيلة أو العشيرة، أو برضوخها لإرادة سيد الشجعان الجبناء الفقر لانتخاب مرشحي أولئك المهيمنين على النظام السياسي، في طوابير مراكز الانتخابات ليحظى كل ناخب منهم إما بدجاجة أو كارت موبايل أو فرصة تعيين أو سندات تمليك أراضي ولكن بعد فوز المرشح المعني، وذلك بتلقين الناخب القطيعي المصاب بالبلاهة السياسية أصلا باسم المرشح والحزب والكتلة.

   ترى ما الذي اختلف لدينا عما شهدناه منذ تأسيس هذه الدول والكيانات السياسية من قبل موظفين من وزارتي خارجية بريطانيا وفرنسا، فالدكتاتورية لم تزول بإسقاط هياكلها الإدارية، ففي السابق كان الحزب الحاكم والقائد الضرورة يوجه حتى الأسرة الواحدة بالتوجه إلى صندوق الاقتراع وتحديد اسم المرشح أو الفئة التي تنتخبها الأسرة، واليوم تم استبدال الرفاق الحزبيين برجال الدين والشيوخ والسحت الحرام، ولان المجتمع لم يتغير ولم ينتج بيئة لتطور نظام جديد، بل حصل العكس تماما في معظم الدول التي أسقطت أنظمتها عموديا، ولم يعد من المستطاع الاعتماد على رأي غالبية السكان المسيطر عليهم دينيا ومذهبيا وقبليا واقتصاديا، ولذلك فان المنتج على مستوى المؤسسات التشريعية والتنفيذية لن يرتقي في نوعيته مستوى نوعية السكان ووعيهم وحرية الاختيار لديهم، وبهذه التساؤلات وغيرها نكتشف حقيقة مشهد النظام السياسي الذي يطلقون عليه بالديمقراطي، وهو في الأصل لم يختلف كثيرا عن كل النظم السياسية التي سبقته منذ نصف قرن على الأقل، ويبدو إن زمنا طويلا سيتم استهلاكه مع كل فرص التقدم حتى نصل أفقيا إلى نوعية رفيعة تؤهل الناخب لاختيار صحيح ينتج مؤسسات تمثيلية أو تنفيذية حقيقية يعتمد عليها في بناء الدولة.

   وحتى ذلك الحين سيبقى القطيع يتمتع بديمقراطيات الزينة، بينما تستمر حيتان السياسة والاقتصاد تمارس عملها في البقاء والتكاثر!

kmkinfo@gmail.com


77
كرسي الحكم وخراب البلد

كفاح محمود كريم

   احتار العراقيون بين الاحتفال بسقوط نظام صدام حسين وبين إهماله على خلفية إن الإسقاط كان بيد الأمريكيين وليس العراقيين، وان ما حصل بعده كان أسوء مما مضى، كما احتار العرب في عمان والقاهرة ودمشق وبيروت والجزائر وصنعاء بين كونه قائد عروبي قدم لهم خدمات كثيرة وبين دكتاتور آذى شعبه مقابل تلك الخدمات، وبين هذا الرأي وذاك يمتد زمنا من الثامن من شباط 1963م وحتى التاسع من نيسان 2003م، تلك الحقبةٌ الزمنية ونظامها الذي لم يعرفه عرب تلك العواصم ولا كثير من الذين كانوا يهرولون وراء مزايا وامتيازات العمل معه، حقبة ضمت أحداثاً ومآسياً؛ وحروباً وعمليات إبادة غيبت مئات الآلاف من الكورد والعرب، وأوهمت الناس بمستقبلٍ زاهرٍ فإذ بهم في بحر من الظلمات، خدرت ملايين العرب بشعارات وردية وصورت لهم وطناً افتراضياً يمتدُّ من المحيط إلى الخليج، فإذ بهم أصحاب الحقبة السوداء يئدون أول وحدة بعثية قبل ولادتها بين دمشق البعثية اليسارية وبغداد البعثية اليمينية حسب تصنيفهما لبعضها الآخر.

   كذابون مُتاجرون مُزايدون متلونون متأرجحون، من الكويت محافظة عراقية إلى اعتبار احتلالها خطأ قاتل، ومن العدو الفارسي الصفوي إلى الجارة العزيزة ايران وأثمانها على عشرات الطائرات العراقية، منافقون ومراوؤن، في الصباح مع السوفييت والسهرة مع الأمريكيين، لا عهد لهم ولا وعد، اتفقوا مع الكورد وخانوهم، ومع الشيوعيين فأبادوهم، ومع القوميين العرب والمستقلين فأذابوهم في بوتقتهم.

   قتلوا الرضع والأطفال والنساء والرجال، ودفنوا ألاف مؤلفة وهم أحياء، عبثوا بمفاتيح الغرائز واستعبدوا البشر بإيديولوجية مقيتة، إنها حِقبة لا ينافسها في التردي والسوء إلا من جاء بعدها من الفاسدين واللصوص والقتلة الأوغاد الذين حولوا العراق إلى افشل دولة في العالم، إنهم عصابة حكمت حقبة ملوثة أرادوا فيها أن يحولوا العراق إلى قرية وعشيرة وليس وطنا وشعبا، تارة باسم العروبة وأخرى باسم الاشتراكية وثالثة باسم الحملة الإيمانية، فرضوا الحزب على الجميع دونما استثناء من تلاميذ الابتدائيات وحتى الجامعات والعساكر، فلا مدرسة ولا جامعة ولا وظيفة بدون تزكية من منظمات حزبهم، حولوا المؤسسة العسكرية والأمنية إلى ميليشيا إرهابية، فأصبح العراق برمته مجرد فرع من فروع حزبهم، باستثناء القلة القليلة التي رفضت الانتماء لهم وعاشت ضنكها بين الاستدعاء والمراقبة والحرمان والاعتقال والهجرة، بسبب رفضها الانتماء لهم أو العمل معهم لأي سبب كان، إنهم عصابة توالت على حكم البلاد وارضخت الجميع إلى قوانينها وتعليماتها، وحينما شعرت أن بعضا منها يرفض ذلك فتكت بهم شر فتكا!.

   وبين الفرح بسقوطهم أو الأسى، يمتد هذا التاريخ الدموي وخلاصته؛ قسم صدام حسين الذي وعد فيه أن يجعل العراق حفنة من تراب لمن يريد إزاحته من على كرسي الحكم، وما حصل ويحصل من نيسان 2003 ولحد اليوم في عراق البعث وصدام حسين يدرك جيدا حقيقة الواجهات والعناوين التي عملت تحتها وورائها منظمات وأحزاب وحركات وشخصيات وما تزال تعمل ليل نهار في تهديم العراق وإفشال إي محاولة للخروج من نفق ذلك النظام!

kmkinfo@gmail.com


78
المنبر الحر / سقط صدام.. ولكن!
« في: 22:43 17/04/2019  »
                             سقط صدام.. ولكن!

 

كفاح محمود كريم

 

  بين الثامن من شباط 1963م والتاسع من نيسان 2003م، حقبةٌ زمنية ضمت أحداثاً ومآسياً؛ كذلك حروباً وعمليات إبادة غيبت مئات الآلاف من الكورد والعرب، وأوهمت الناس بمستقبلٍ زاهرٍ فإذ بهم في بحر دماء، خدرت ملايين العرب بشعارات وردية صورت لهم وطناً افتراضياً يمتدُّ من المحيط إلى الخليج، فإذ بهم أصحاب الحقبة السوداء يئدون أول وحدة بعثية قبل ولادتها، كذابون مُتاجرون مُزايدون متلونون، في الصباح مع السوفييت والسهرة مع الأمريكان، لا عهد لهم ولا وعد، اتفقوا مع الكورد وخانوهم، ومع الشيوعيين فأبادوهم، ومع القوميين العرب والمستقلين فأذابوهم في بوتقتهم، قتلوا الرضع والاطفال والنساء والرجال، ودفنوا الاف مؤلفة وهم احياء،عبثوا بمفاتيح الغرائز واستعبدوا البشر بايديولوجية مقيتة، إنها حِقبة لا ينافسها في التردي والسوء إلا من جاء بعدها من الفاسدين واللصوص والقتلة الأوغاد، انهم عصابة فاشية حكمت حقبة ملوثة أرادت فيها عراقا كما تهوى نفوسهم المريضة بداء الدكتاتورية والطغيان والعنصرية والفاشية المقيتة، تارة باسم العروبة واخرى باسم الاشتراكية وثالثة باسم الحملة الايمانية، فرضوا الحزب على الجميع من تلاميذ الابتدائيات وحتى الجامعات، فلا مدرسة ولا جامعة ولا وظيفة بدون تزكية من منظمات حزبهم، حتى حولوا المؤسسة العسكرية والامنية الى ميليشيا لحزبهم ولرئيسهم، فاصبح العراق برمته مجرد فرع من فروع حزبهم، باستثناء القلة القليلة التي عاشت ضنكها بين الاستدعاء والمراقبة والحرمان ممن رفض الانتماء لهم او العمل معهم لأي سبب كان.

 

   ويتذكر العراقيون الذين عاصروا أول ستينيات القرن المضي وأحداثها خاصة تلك التي صممت لإيقاف أولَّ مشروعٍ لبناء دولة عصرية عراقية، ومنذ الساعات الأولى لانقلاب البعثيين على الحكم في العراق إبان حكم الزعيم قاسم، بانت عوراتهم وأفكارهم الدموية التي خلفت خلال أقل من شهر الآف الجثث في شوارع بغداد وأزقتها من المناوئين على مختلف مشاربهم وأعراقهم ومذاهبهم السياسية والدينية، ولم تكُ الموصل وكوردستان بأحسن حالاً من بغداد في حصتيهما من المغتالين والمغيبين تحت شعارات البعث وأفكاره المغلقة، وما يزال صدى صرخة والدتي ووالدي حينما تمت قراءة البيان الأول لِمَ سُمي بـ"عروسة الثورات" ترن في مسامعي، وهي تقول: "انهجم بيت العراق".ممزوجة اليوم وأمس بأصوات انفجار السيارت المفخخة في الموصل حتى قبل سيطرة داعش عليها، وصيحات الله أكبر أثناء ذبح بني أدم على أرصفة دورة اليرموك في مدينة الموصل سنوات منذ عام 2006 وما بعدها، مقترنة بذات الصيحات حينما كان فدائيو صدام يذبحون عشرات النسوة من محضياتهم بتهمة الدعارة، تلك الصيحات التي تكررت صباح 17 تموز 1968م حينما أعلن الراديو عودتهم الثانية، وبداية لحمامات من الدماء لا أول لها ولا آخر، وهروب ملايين من أبناء وبنات العراق ممن اختلفوا معهم فكرياً إلى كل أصقاع العالم، بينما ذاق الأمرين أولئك الذين التصقوا بأراضيهم، وفي مقدمتهم الكورد الذين قدموا مئات الآلاف من الشهداء والمغيبين من أجل أن تبقى كوردستان نقية رغم كل أساليب التغيير الديموغرافي العنصري الذي استخدمته تلك الثورة الفاشية!

 

   لقد عجز العراقيون من إسقاط ذلك النظام المعقد اجتماعياً وسياسياً وأمنياً، حتى وصل الأمر بتمني غالبية الأهالي زواله حتى وإن كانت الشياطين بديلاً له، ولم يكن هناك مناص إلا بدولة عظمى أو تحالف عالمي يعمل من أجل إسقاط نظام الأنفال وحلبجة والقبور الجماعية، نظام المفوضين الأمنيين والمعتمدين والرفاق الحزبيين، الذين تعودوا على إرهاب الأهالي بتقاريرهم ومساوماتهم، بل وحتى استعدادهم لإعدام آبائهم أو أقربائهم وأصدقائهم قَرابينَاً للنظام ورئيسه، ولأجل ذلك ولدراية الولايات المتحدة وحلفائها بأن العراقيون لن يستطيعوا إسقاط ترسانة نظام صدام الإرهابية، ولمصالحها الاستراتيجية في المنطقة خاصة مع بدء الأتراك بالابتعاد من أفقهم وبتعملق إيران على خلفية ايديولوجية دينية، شنوا حرباً عالمية لإنهائه وتحطيم هيكله الإداري والعسكري، لكنهم فشلوا في اقتلاع ثقافته وسلوكه المتكلس في مفاصل غالبية من يحكم هذه البلاد منذ أيام الحجاج وحتى يومنا هذا.

 

   لقد تم إسقاط صدام حسين وتشتيت حزبه وتقتيل معظم كوادره المتقدمة، فهل فعلاً انتهت حقبة صدام والبعث على أرض الواقع مع غالبية انتهازية تصفق لكل من يتبوء موقعاً مهماً في الدولة فما بالك إذا كان يدعي بأنه وكيل الله وأنبيائه على الأرض!؟

   فعلاً انهجم العراق بمجيئهم وبرحيلهم!


79
شعلة نوروز اطفأت نيران داعش.. ولكن!

كفاح محمود كريم

منذ أن استطاع كاوه الحداد أن يحطم جبروت الدكتاتورية والاستبداد في شخص الملك الضحاك وتصبح شعلته عنوانا للحرية والانعتاق، لم ينتصر الكورد انتصارا عالميا وانسانيا كما حصل خلال العامين الاخيرين من القرن الواحد والعشرين، حيث نجحت قوات البيشمركة في كوردستان العراق والمقاتلون في سوريا الديمقراطية ذات الأغلبية الكردية من تحطيم هيكل منظمة ما يعرف بتنظيم الدولة داعش، وأسقطت خلافتها المزعومة منذ 2014 حينما أعلنها مغامر عقائدي مهووس بالذبح على الطريقة الشرعية والمسمى أبو بكر البغدادي، وكتبت عليهم المذلة والعار إلى يوم يبعثون، بعد أن حاولوا إعادة عقارب الساعة إلى الوراء مبتكرين كيانا مسخ، يقتات على الدماء والسحت الحرام، ويعتمد الاغتصاب والسلب والنهب غنائم لقيام دولته السوداء تحت أجنحة الظلام.

   مرة أخرى يفعلها المقاتلون الأشداء أبناء كوردستان ورجالها البواسل في قوات البيشمركة والقوات المسلحة العراقية، حينما حطموا أسطورة الخوف الهولاكي الذي اعتمدته داعش في إسقاط المدن والبلدات، بسلوكياتها الهمجية المتوحشة في فنون القتل والتمثيل بالجثث، أو ببسالة أبطال قوات سوريا الديمقراطية حينما مرغت أنوفهم وجباههم في أوحال المذلة والانكسار أمام جحافل الضوء والحضارة، فحينما كانت داعش تضع الأسرى في أقفاص الحديد وتحرقهم، كانت قوات البيشمركة وسوريا الديمقراطية تمنح أسراهم فرصة التمتع بإنسانيتهم وحقوقهم الآدمية، معالجة جرحاهم ومحافظة على حياة أسراهم، انه البعد الضوئي بين حضارة هؤلاء وهمجية وبدائية أولئك الوحوش الخارجين من بواطن التاريخ المظلمة ودهاليزه السوداء.

   صحيح نجح هؤلاء الأشاوس في تحطيم ذلك الكيان المرعب وهيكله العسكري، لكن قراءة وإصغاء لنساء أولئك الجبناء الذين سلموا نسائهم وأطفالهم بيد أعدائهم، يتوقف المرء أمام هذا الكم الهائل من الفكر ألظلامي وعمليات غسل الادمغة وإملائها بتلك العقائد الفاسدة، حتى كأنك وأنت تصغي لهم تحلق خارج فضاء هذا الكون وحضارته، إنها فعلا مأساة أكثر تعقيدا من كيانهم المسخ.

   لقد سقطت دولة السبي والاغتصاب، لكن خرافتها ما تزال تعشش في أدمغة مئات الآلاف من النساء والشباب والتلاميذ الذين تتم تربيتهم وتلقينهم بعقائد فاسدة، وفهم متطرف للديانة أو المذهب، إلى درجة تبيح قتل المختلف والتفنن في إبادته والاستحواذ على أمواله وبنيه وبناته، في واحدة من أبشع مسوغات العقائد لتبرير الجرائم تحت مظلات الديانة والمعتقد، والأكثر خشية إن رد الفعل سيكون أبشع لدى الكثير ممن يشابههم في السلوك حتى من الضحايا، وقد شهدنا جميعا عمليات الانتقام من عناصر داعش الذين وقعوا في اسر بعض الفصائل سواء في العراق أو سوريا، ولذلك نحن أمام دوامة أو حلقات من الفعل وردود الفعل في مجتمعات متخلفة وبيئات تتحكم فيها قيم بدوية وقبلية مغمسة بعقائد ساذجة من أشباه الأميين الذين نصبو أنفسهم وكلاء للرب أو الأنبياء، ومزيد من الضحايا ذبحا أو حرقا أو استعبادا.

   إن اخطر ما يواجه حكومات الدول العربية والإسلامية هي كيفية تطهير العقول من بذور تلك الأفكار وانتزاعها قبل نموها وانتشارها، خاصة وان معظم المناهج الدينية التي تدرس من الابتدائيات وحتى الجامعات الإسلامية المتخصصة ما تزال تلقن طلبتها تعاليم متشددة ومتطرفة في تكفير الآخر المختلف، وإباحة قتله إن لم ينضو تحت مظلتها، أو اعتباره منتقص الآدمية والمواطنة، مما يجعلها قاعدة للانطلاق إلى الذروة في إقامة دولة على نسق ما قدمته لنا داعش منذ 2014 ولحد إسقاطها في الموصل وباغوس.

   لقد اطفأت شعلة نوروز هذا العام نيران داعش السوداء، فهل سينجح الاخرون في تجفيف منابع خرافتها وافكارها الظلامية!؟

kmkinfo@gmail.com

 





80
الخروج من دائرة الفعل ورد الفعل

كفاح محمود كريم

   في 25 أيلول 2017م ذهب شعب إقليم كوردستان إلى الاستفتاء حول مصير علاقته مع الجزء الآخر من العراق، بعد محاولات عديدة خلال أكثر من قرن لرأب الصدع وبناء علاقة متينة تحكمها قناعة هذا الشعب بضرورة بقائه في دولة اتحادية ديمقراطية مع العراق العربي، إلا إن ما حدث بعد الاستفتاء أشار إلى أن صيغة التعاطي مع قضية كوردستان وشعبها ما تزال كما كانت منذ تأسيس المملكة العراقية، حبيسة نهج واحد وإن اختلفت الوسائل والأدوات وفي مقدمة ذلك نهج الإقصاء والتهميش، بل واستخدام أكثر الوسائل بشاعة في الإبادة سواء بالأسلحة الكيماوية كما حدث في حلبجة وبقية المدن والقرى الكوردستانية في نهاية ثمانينيات القرن الماضي أو كما حصل في فرض الحصار على شعب كوردستان، بحرمانه من حصته في الموازنة السنوية وقطع مرتبات الموظفين المدنيين والعسكريين منذ 2014م، بغية تجويع الشعب وإشاعة الفوضى ومحاولة إسقاط فيدرالية كوردستان من خلال استخدام القوات المسلحة وملحقاتها في اجتياح المناطق المستقطعة من الإقليم بسياسة التغيير الديموغرافي التي استخدمها البعث منذ ثلاثينيات القرن الماضي.

   وبعيداً عن التأويلات والتفسيرات وما سوقته وتسوقه أجهزة دعاية السلطة في اتهاماتها للإقليم وشعبه وقيادته، تبقى الحقيقة ثابتة في قانونها بعيداً عن الجزئيات؛ ولأن لكل فعل رد فعل، مساوٍ له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه، كما قال إسحق نيوتن عالم الفيزياء المثير في قانونه الثالث، ولكون حركة الحياة واحدة في أساسها والنظم السياسية كائنات حية، وسلوكها وأفعالها الجمعية تعتبر فعل واقع ومؤثر كفعل أي جسم أو كتلة في تأثيرها، فإن التهميش والإقصاء وهضم الحقوق والاضطهاد كأفعال وسلوكيات كان لها ردود أفعال بذات القوة كما قال لنا عالم الفيزياء دونما أن يدرك إن في السياسة كتل وأفعال وانعكاسات تنطبق عليها نظريته وقوانينه.

   لقد أدت عمليات الاضطهاد والتهميش والإقصاء لشعب إقليم كوردستان وحقوقه، إلى ردود عنيفة تمثلت بالانتفاضات والثورات منذ مطلع القرن الماضي بانتفاضة الشيخ عبد السلام بارزاني (1909-1914) وحتى قرار الاستفتاء في 25 أيلول 2017م، حيث جربت كل الأنظمة التي حكمت هذه البلاد مختلف الأفعال السيئة في التحايل والتسويف والكذب والمراوغة وصناعة الخيانة وأفواجها أو أحزابها الكارتونية، وأنواع الحروب البرية والجوية والكيماوية ولم تحقق إلا المزيد من الخراب والدمار والدماء للعراق، واليوم وبعد أكثر من خمسة عشر عاماً على إسقاط دكتاتورية البعث وصدام حسين، وبعد سنة من اجتياح كركوك وسنجار وخانقين، فإن عمليات التغيير الديموغرافي جارية بشكل بشع مضافاً إليه التغيير المذهبي في كركوك والموصل، والتطهير العرقي والمذهبي في طوزخورماتو، وفي سنجار عادت عملية صناعة (الأفواج الخفيفة) سيئة الصيت بمسميات مختلفة ومبدأ واحد، ناهيك عن محاولات إعادة تدوير صناعة قوميات وأحزاب كارتونية، وكذا الحال في سهل نينوى وخانقين ومخمور وزمار، وهذا يعني إن الفعل الذي أنتج الثورات وبعدها الاستفتاء ما يزال قائماً، مما يطلب من الحكومة الجديدة ورئيسها الذي يتمتع بمقبولية من لدن زعماء كوردستان، أن تعي خطورة ما يحدث وأن تدرك جيداً العلاقة بين الفعل ورد الفعل، وتعرف حقيقة شعب لا يرتضي إلا أن يعيش حراً أبياً إما في دولة اتحادية تعددية ديمقراطية بشراكة حقيقية أو في دولة حرة مستقلة آجلا أم عاجلاً.

kmkinfo@gmail.com

81
كوردستان بين الإقصاء والاستفتاء!

كفاح محمود كريم

   بعد أكثر من سنة من إجراء استفتاء كوردستان ما يزال البعض يربط بينه وبين إعلان الدولة والاستقلال، مدعيا بأن العملية برمتها مؤامرة إمبريالية صهيونية يراد منها تقسيم البلاد واقتطاع جزء من أراضيها وسيادتها، دونما الغوص في الأسباب والمسببات، بل دونما فهم عقلاني لعملية الاستفتاء كممارسة إنسانية ديمقراطية متحضرة، باتهامات أدمن عليها منذ تأسيس مملكة العراق، ومن يعارض حكامها فهو عميل وخائن يستحق القتل والإبادة، كما فعلوا منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى اجتياح كركوك واستباحتها مع شقيقاتها. المدن التي عملوا منذ قرن على تشويهها ديموغرافيا وبأسلوب عنصري مقيت، هذا السلوك ممزوج مع فعالياتهم التي شهدناها في الأنفال والمقابر الجماعية، والمدن التي أحرقت بالأسلحة الكيماوية خير دليل على ثقافة التعامل مع الآخر المختلف تحت مضلة دكتاتورية قومية أو مذهبية رعناء.

   تصور الكثيرون إننا إزاء مرحلة جديدة من قيام نظام سياسي يضع أمام أنظاره كل تلك المشاهد المرعبة، مستخلصا منها دروسا ترسم له خارطة طريق جديدة تبنى على أساسها دولة يعتز بها مواطنوها، وتعوضهم عما فاتهم من فرص ومن خسائر نتيجة تلك المآسي، كما حصل في الكثير من البلدان التي تسببت أنظمتها النازية أو الفاشية في كوارث ومآسي للشعوب، لكن ما حصل خلال أربعة عشر عاماً بعد أن أسقط الأمريكان نظام حزب البعث ورئيسه صدام حسين، وخاصة في التعاطي مع ملف كوردستان، لم يختلف كثيراً عما نالته خلال فترة الحصار أو عما قبله بإقحام القوات المسلحة وتوابعها في حل النزاعات مع الإقليم بأخطر خرق للدستور؛ وذلك باجتياح المناطق المستقطعة من كوردستان والمشوهة ديموغرافيا والمعروفة بالمناطق المتنازع عليها وهي ليست كذلك؛ لأن النزاع الحقيقي هو مع من أحدث فيها تغييرات اجتماعية وقومية ومذهبية بغرض سلخها من كوردستان، ولذلك أفرد لها قانون إدارة الدولة المادة 58 والتي لم تنجز بسبب ذات العقلية الحاكمة، وفي عملية تمييع وتسويف تم دفعها إلى الدستور الدائم والتي عرفت بالمادة 140 التي يناضل الحاكمين في بغداد على عدم تنفيذها، بل العمل المضاعف من أجل إلغائها وعودة سياسة التعريب والتغيير الديموغرافي إلى كل من سنجار وكركوك وخانقين وطوزخورماتو وسهل نينوى، بذات الإدعاءات التي كانت الأنظمة السابقة تسوقها وتكيفها قانونيا.

   لقد بدأت عمليات الإقصاء والتهميش لكوردستان وشعبها بعد أقل من سنتين من دورة حكم المالكي الأولى، واستمر لحين إفراغ وزارة الدفاع والداخلية والمفوضيات المستقلة والكثير من الوزارات المهمة من الكورد، حتى بلغت نسبة وجودهم في الجيش أقل من 2% بعد أن كانت بحدود 20%، وهكذا دواليك في الخارجية وبقية الوزارات، وقد بلغ هذا التهميش والإقصاء ذروته بعد تحطيم الهيكل العسكري لمنظمة داعش، وتوهم البعض في إزالة الإقليم وإنهاء الفيدرالية. فما حصل في كركوك وسنجار ومخمور وزمار وطوزخورماتو أكد النية السيئة في اجتياح العاصمة أربيل وإسقاط فيدرالية كوردستان تحت غطاء ضبط الأوضاع وحفظ القانون كما كان يصرح عبادي وغيره ممن استهوتهم سلطة التفرد والاستبداد.

   إن التهميش والإقصاء وهضم الحقوق كان وراء كل ثورات وانتفاضات شعب كوردستان منذ مطلع القرن الماضي وانتفاضة الشيخ عبد السلام بارزاني (1909-1914) وحتى قرار شعب كوردستان وقائده مسعود بارزاني باستفتاء 25 أيلول 2017م، حيث جربت كل الأنظمة التي حكمت هذه البلاد مختلف الأساليب في التحايل والتسويف والكذب والمراوغة وصناعة الخيانة وأفواجها أو أحزابها الكارتونية، وأنواع الحروب البرية والجوية والكيماوية ولم تحقق إلا مزيد من الخراب والدمار والدماء للعراق، واليوم وبعد أكثر من خمسة عشر عاماً على سقوط النظام الدكتاتوري، وبعد سنة من اجتياح كركوك وسنجار وخانقين، فإن عمليات التعريب جارية بشكل بشع مضافا إليها التغيير المذهبي في كركوك والتطهير العرقي والمذهبي في طوزخورماتو، وفي سنجار عادت عملية صناعة الجحوش والعملاء وتصنيع قوميات وأحزاب كارتونية، وكذلك الحال في سهل نينوى وخانقين ومخمور وزمار، مما يستدعي من الحكومة الجديدة ورئيسها الذي يتمتع بمقبولية من لدن زعماء كوردستان وأحزابها، أن تعي خطورة ما يحدث وأن تدرك جيداً العلاقة بين الإقصاء والاستفتاء، وتعرف حقيقة شعب لا يرضى إلا أن يعيش حرا أبيا بكامل حقوقه وتطلعاته في دولة اتحادية تعددية ديمقراطية بشراكة حقيقية.

kmkinfo@gmail.com

82
لكي يصبح البرلمان محترما!

كفاح محمود كريم

   في كل دول العالم وتجاربها السياسية هناك خدمة عامة يقوم بها المواطن لدفع ضريبة مواطنته وانتمائه لدولته ووطنه، وإزاء تلك الخدمة يتقاضى ما يسد مصاريفه بالحد الأدنى أو المتوسط واقصد بالخدمة العامة تحديدا الجندية حيث أنها تمثل ارفع أنواع الخدمة الوطنية العامة، ونتذكر جميعا مقدار مرتباتها وامتيازاتها وهي بالتالي رمزية لا تتعدى مصاريف جيب لأنها في الأصل ضريبة وطنية سواء كانت تطوعية أو إلزامية، وبالتالي فهي تقدم في أي وقت أو ساعة اعلي مستويات الخدمة وهي الدفاع حتى الموت عن الوطن ومصالحه العليا.
   بعد إسقاط نظام حزب البعث في العراق وبعض أنظمة الحزب والقائد الأوحد في ما سمي ببلدان الربيع العربي، تعرضت هذه المفاهيم والمصطلحات إلى تغييرات حادة أفقدتها معانيها الأصلية، وتحولت مؤسسات الخدمة الوطنية إما إلى ميليشيات مناطقية أو حزبية أو دينية أو مذهبية، وتلاشى أي مفهوم جامع للمواطنة وخدماتها الرفيعة، أو إلى قيادات لا يجمعها إلا التكسب ونهش المال العام تحت مسميات الامتيازات الواقية والحمايات القبلية، التي أدت إلى تفكك المجتمعات وتباعد الارتباطات بين مكونات وطبقات تلك الشعوب والدول.
   وبتحول الخدمة الوطنية إلى ارتزاق أو احتراف، لم يعد هناك رابط أو جامع غير المال الذي أصبح الطرف الثاني في معادلة العمل الوطني، وبذلك نمت طبقة من المتكالبين على المراكز القيادية في النظم السياسية البديلة، وأصبحت مؤسسات الدولة وسلطاته بازار أو سوق لبيع المناصب كما يحدث في العراق وأقرانه من دول الديمقراطيات العرجاء، حيث تحولت السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية إلى مصادر للإثراء والصفقات التجارية والاستحواذ على المال العام تحت مسميات عديدة اقلها الامتيازات وأبشعها بيع وشراء المناصب، بينما نرى في معظم البلدان المتحضرة منح الامتيازات والتكريم للفنانين والأدباء والعلماء والمتميزين في إبداعاتهم ومواهبهم، حيث يتدافع الجميع من أجل توفير أرقى المستويات والفرص للناجحين في أعمالهم ودفعهم إلى الأمام، في الوقت الذي يتنافس في بلداننا الكثير من أجل إرباك الناجحين والمتميزين ومحاولة كبح جماحهم وتقدمهم وإفشالهم.
   وفي الانتخابات الاخيرة التي جرت في 12 مايو 2018م سألت أحد المرشحين لعضوية مجلس النواب عن دوافع ترشيحه فرد متألماً ومتعجباً من سؤالي، قائلا بعد أن سرد لي حالة البلاد، وكيف لا يرشح نفسه وهو أمام هذا الكم الهائل من الفساد، وبالتأكيد كان يعني ٲنه المنقذ والمخلص وٲنه سيفعل كذا ويستدعي الفاسدين ويحاسبهم في البرلمان، على غرار الاستدعاءات التي حصلت للوزراء والمسؤولين في الدورات السابقة، والتي أنتجت أجيالا من الحيتان لا مثيل لها في العالم، وبعد التي واللتان اعترف الأخ بأن وضعه تعبان، وبأن آخر ملجأ له هو البرلمان لتحسين أحواله بامتيازات حرامية الوطنية ومتسلقي سلم الديمقراطية العرجاء.
   هذه الامتيازات التي تجاوزت مثيلاتها في كل بلدان العالم قياسا بالمستوى المعاشي لتلك البلدان، بل أصبحت هدفاً لكل مُتاجر ومُغامر للحصول على كنز علي بابا ولصوصه الثلاثمائة وملحقاتهم من وزراء الغفلة وتُجار الصفقات القذرة، حتى أصبح البلد واحداً من أفشل البلدان وأفسدها في العالم، وأصبحت مدنه بما فيها العاصمة بقايا مدن كانت ذات يوم حواضر، ترتع فيها اليوم عصابات وميليشيات ونكرات اعتلت منصات الحكم والإدارة في أبشع حقب التاريخ التي تمر فيها الشعوب.
   تلك الامتيازات والسحت الحرام أو مغارة علي بابا ( مجلس النواب والحكومة والرئاسات الثلاث ) التي أصبحت بيد مجاميع من اللصوص والمتاجرين وأصحاب القومسيونات السياسية بعد استحواذها على كلمة السر في دخولها والهيمنة على معظم مفاصلها، حتى ليكاد المرء لا يفرق بين أولئك الذين يحملون على أكتافهم أعباء وطن جريح وبين طوفان الفاسدين الذين تجاوزوا أصحاب القضية بمزايداتهم وتقمصهم لشخصيات الوطنيين والمناضلين والمصلحين، بل إن أغلبهم فبرك له قصة نضالية على أيام حكم حزب البعث مُدعياً بأنه ٲحد أبطال المقاومة والمعارضة، وتبين بعد ذلك ٲنه مفصول لأسباب أخلاقية تتعلق بذمته في الاختلاس أو خيانة الأمانة أو الهروب من الخدمة الإلزامية أو القيام بالٲعمال الدنيئة، وقصص هؤلاء يعرفها العراقيون جيداً.
   وحينما تسأل ٲحد القائمين على الحكم لماذا كل هذه الامتيازات لموظفين بالخدمة العامة؟ يٲتیك الجواب بكل تفاهة وصفاقة بأنها تحمي صاحبها من الانحراف أو الاختراق من الأجنبي، حيث يجب أن يتمتع برفاهية لا مثيل لها لكي لا يخون وطنه ويصبح جاسوساً أو عميلاً لدولة أجنبية.
   أي منطق أو مبدأ وطني هذا وأي أخلاق تلك التي تدفع القائمين على السلطة والمال والتشريع بالربط بين الوطنية والانتماء والشرف الشخصي والمال وامتيازاته للنواب والوزراء وكبار المسؤولين؟
   بالله عليكم أية وطنية هذه التي تشترى بالامتيازات، وأي شرف تصونه الأموال؟
  هُزلت ورب الأكوان والأديان!
   وعلى هذه الأسس المخجلة وبالمقارنة تحت ذات المبدأ لن تبقى علاقة طاهرة ولا شرف مُصان ولا غيرة، لأنها وضمن هذا السياق سيتم حمايتها بالامتيازات ابتداءً بالزوجة والٲم والأخت وهكذا دواليك في عرف فاسد وسلوك منحرف لتبرير واحدة من أخزى السرقات واللصوصية باسم حماية المسؤول والنائب من الانحراف والجاسوسية.
   ولكي نستطيع أن نجعل الأهالي تحترم البرلمان وأعضائه والحكومة ووزرائها وكبار المسؤولين ولا ترتعب منهم وتحقد عليهم بسبب ليس امتيازاتهم غير العادلة وحماياتهم من عصابات العشائر والميليشيات، علينا أن نعمل من اجل رفع الامتيازات لكي يُصان الشرف والوطن، دونما ذلك ستبقى طبقة المسؤولين الكبار سلعة تُباع وتُشترى، حالها حال أي بضاعة يتم تداولها في الدكاكين!
   علينا أن نذهب إلى تشريع قوانين حديثة للخدمة الوطنية تلغي كافة الامتيازات الحالية وفي كل المستويات معتمدة على تشريعات قانون الخدمة المدنية أو تعديلاته بما يتوافق مع وضع البلاد وتجارب الشعوب الأخرى، واعتبار تلك الوظائف خدمة عامة حالها حال الجندية وبرواتب تقع ضمن سلم الرواتب ودرجات الوظائف مع مخصصات الموظفين التي كانت سائدة مثل بدل السكن والإيفاد وبشكل معقول لا يستفز الأهالي ووضعهم، واستبدال الحمايات بأفراد من الشرطة المحلية وبعدد معقول يتم تحديده حسب الحاجة الحقيقية مع مراعاة الوضع الأمني سلبا وإيجابا.
kmkinfo@gmail.com

   


83
ماكينة الفساد وتفريخ الاحزاب!
كفاح محمود كريم
   بعد ما يقرب من مائة عامِ على تأسيس مملكة العراق وستين عاماً من الحكم الجمهوري الدموي، وتجربة ممارسة تداول السلطة بدون انقلابات منذ خمسة عشر عاماً، تندفع عشية انتخابات البرلمان الأخيرة أفواج من الكيانات والكائنات السياسية على شكل أحزاب تجاوزت أعدادها 204 كياناً سياسياً، يندر أن يجد الباحث بينهم أكثر من عشرة أحزاب بمفهومها المعروف سياسياً وتاريخياً في العراق وكوردستان، مما أدى إلى إنتاج برلمانِ مُعاق يعاني أصلاً من شللٍ نصفي كونه يعمل بنصف هيئته، لأن المجلس الاتحادي معطل ومرفوض من قبل الحيتان المذهبية والقومية، ويتمتع أعضاؤه أي أعضاء هذا النصف رغم عَوقهِ بامتيازاتٍ لصوصية لا مثيل لها في كل دول العالم الغنية والفقيرة، مما جعل التكالب على تلك المواقع وتأسيس الأحزاب واحدة من أكثر عمليات الفساد بشاعةً في العالم السياسي.
   دعونا نعود قليلاً إلى الوراء حيث عرفت النخب العراقية النظام الحزبي مع مطلع القرن الماضي وتأسيس جمعية الاتحاد والترقي، وباستثناء ذلك لم تكن هناك خارطة سياسية حزبية إلا بعد تكوين المملكة العراقية، حيث بدأت بعض النُّخب بتأسيس جمعيات وأحزاب عمودية لا علاقة لها بالأهالي إلا بالاسم فقط، باستثناء الحزب الشيوعي العراقي وما تلاه من ولادة أحزاب قومية يسارية. كانت معظم الأحزاب الأخرى لا علاقة لها بالأهالي  إلا وقت الانتخابات كما يحصل الآن بعد ما يقرب من مائة عام. فقد ساد في العراق في فترة مابين  1921 وحتى 1958 نمط من تداول السلطة على الطريقة الغربية، حيث نجح البريطانيون في إقامة نظام ملكي برلماني تتبادل فيه النخب السياسية حينذاك كراسي الحكومة والبرلمان، لكنها ما لبثت أن انتهت بانقلاب عسكري دموي نفذته مجموعة من الضباط بتأييد بعض الأحزاب التقدمية والقومية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الديمقراطي الكوردستاني، هذا الانقلاب أو "الثورة" كما أُطلِق عليها، أجرت تغييراً حاداً في بنية النظام السياسي وأعلنت بديلاً للمملكة العراقية "جمهورية عراقية " اختلف مؤيدوها وعناصر تكوينها فيما بينهم لتتحول الجمهورية الخالدة إلى بحر من الدماء إثر انقلابٍ آخر أطاح بها وبزعيمها الأوحد في الثامن من شباط عام 1963 لتبدأ سلسلة من الحروب والصراعات لم تنتهِ حتى يومنا هذا!
   بعد هذه النبذة السريعة نعود إلى أيامنا المنحوسة هذه في ظل أحزاب الزينة وحسد العيشة التي تكاثرت وانشطرت بشكل سرطاني مُذهل يُعبر بشكل واضح عن تكالب مجاميع البحث عن السحت الحرام تحت يافطات بدأت بمنظمات أو دكاكين المجتمع المدني، وانتهت إلى أحزاب بيتية وعشائرية لا تمت بأي صلة إلى الواقع الاجتماعي ولا إلى حاجيات الأهالي، لأنها منتوج سيئ لمنتِج فاسد ومرحلة بائسة اختلطت فيها الألوان والأذواق، حتى لا يكاد المرء يميز بين الصالح والطالح!
   أقول قوليَ هذا في بلاد تأنُّ من جروح حروبها وقادتها وأحزابها وأنا أرى بلاداً حافظت على رصانة مجتمعاتها وتطورها واستقرارها وعززت أمنها وسلمها الاجتماعيين بلا مزايدات ولا شعارات فارغة، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والعشرات من الدول والمجتمعات الشبيهة بدولتنا، لا تتجاوز أحزابها الخمسة عشر حزباً، تتداول السلطة فيما بينها حسب أدائها وتنفيذها لبرامجها المعلنة للجمهور دونما امتيازات ولا معاشات مغرية تتكالب عليها الذئاب.
   صدقاً لا خيرَ في دولةٍ كَثُرت أحزابها!
kmkinfo@gmail.com



84
العراق والتغيير الديموغرافي الخطير!

كفاح محمود كريم

   ربما كان البريطانيون الأوائل في إحداث التغييرات الديموغرافية التي تخدم مصالحهم وخططهم في تأسيس مملكة العراق، حينما استقدموا مئات العمال من مناطق بعيدة عن كركوك وإهمال أهاليها في الاستفادة من الاكتشافات الأولى للنفط في أراضيها، مما دفع زعماء كوردستان عبر التاريخ باتهامهم في إحداث تغييرات ديموغرافية عنصرية لصالح مجموعات أخرى، والاعتماد على تلك التوجهات والأساليب من قبل كل من حكم بلاد النهرين بمختلف الوسائل والأشكال، حتى تفاقمت بعد التغيير الحاد في النظام السياسي العراقي وتحوله إلى نظام جمهوري بانقلاب قاده الزعيم عبد الكريم قاسم، حيث بدأت من حينها عمليات تغيير ديموغرافي شمل معظم محافظات العراق ومدنه.

   تحت طائلة إنصاف الفقراء والمعدمين وصغار الموظفين المدنيين والعسكريين تم بناء عشرات  الأحياء السكنية حول المدن وكانت تظم في معظمها نازحين من الريف أو من بلدات أخرى قريبة أو بعيدة، سرعان ما تحولت تلك الأحياء إلى اسفنجة سكنية سحبت أعدادا هائلة من سكان الريف أو البلدات النائية إلى مراكز المدن والعاصمة تحديدا، وقد تطورت عمليات التغيير الديموغرافي وان اختلفت التسميات في حقبة حكم حزب البعث العربي الاشتراكي منذ انقلابه في شباط 1963 وحتى إسقاطه من قبل الولايات المتحدة وحلفائها، حيث تكثفت في إحداث تغييرات عنصرية أو مذهبية حادة على المدن التي يطلق عليها اليوم في الدستور العراق بالمناطق المتنازع عليها، وهي مناطق تعرضت إلى عمليات تعريب حادة كما حصل في كركوك وخانقين ومخمور وسنجار وسهل نينوى ومناطق أخرى.

    لقد نجح نظام حزب البعث في ترييف معظم المدن العراقية وفشل في تمدين أي قرية من قراها طيلة ما يقرب من أربعين عاما من حكمه، الذي تفاوت بين التوجه الاشتراكي على طريقته الخاصة بإلغاء طبقة العمال وتحويلها بجرة قلم إلى موظفين، ونقل مئات الآلاف من الأرياف إلى المدن، خاصة شرائح الأميين وأنصاف المتعلمين كعناصر في الجيش والأمن والمخابرات والشرطة والجيش الشعبي وبقية أجهزته الخاصة، وتوطينهم في مراكز المدن بتسهيلات كبيرة، وتحويلهم إلى أدوات طيعة لتنفيذ برامجه السياسية، وبين تحوله الكلي إلى النمط الديني بإعلانه الحملة الوطنية الإيمانية التي فرضت تعليمات وتفسيرات دينية مشوشة، والاتكاء على رجال الدين تارة وعلى شيوخ العشائر تارة أخرى، أولئك الشيوخ الذين افتتح لهم دائرة خاصة في ديوان الرئاسة، مقسما إياهم إلى ثلاث موديلات أو درجات.

   وبعد أن أسقطت الولايات المتحدة الهيكل الإداري لنظام الدكتاتور صدام حسين في نيسان 2003 جاء النظام البديل الذي افترض معظم العراقيين بأنه سينتهج أسلوبا مغايرا ونظاما أكثر عدالة وتطورا، مكملا لذات النهج في إحداث تغييرات كارثية على المجتمعات العراقية وثقافاتها، فقد أصبحت معظم مدن العراق وحواضره التاريخية مجرد قرى كبيرة انتعشت فيها العادات والتقاليد القروية، وتعملقت البداوة في السلوك والممارسات التي قزمت دور القانون وهمشته إلى درجة إحلال نظامها وتقاليدها بدلا عنه في كثير من القضايا، بل إن قوانين العشيرة وأعرافها غدت هي سائدة تساندها مجاميع من المعممين ورجال الدين المسيسين الذين يفرضون إتاواتهم وقوانينهم وتفسيراتهم الخاصة للهيمنة على الأهالي، الذين يعانون من فقر مدقع وصل في آخر إحصائياته إلى ما يقرب من 40%، وأمية استشرت في نصف السكان المنتج تقريبا وبطالة خطيرة حولت غالبية الشبيبة في سن الإنتاج إلى الالتحاق بالميليشيات والمجاميع المسلحة سواء تحت غطاء الدولة أو التي تعمل لحساب شخصيات أو قوى أجنبية.

   والمراقب لحركة المدن العراقية سواء كانت مراكز محافظات أم مراكز أقضية بعد 2003، فبعد أن كانت الأمور محصورة في المناطق الكوردستانية التي تعرضت لتلك العمليات أصبحنا الآن أمام مشكلة عويصة جدا، خاصة بعد أن نجحت منظمة داعش الإرهابية في تمزيق كثير من الأنسجة الرابطة بين الأديان أو بين المذاهب وفقدان الثقة تماما بين تلك المكونات التي تعرضت للإبادة والاسلمة، مما دفع نمطا آخرا لتغيير الديموغرافي وهو التغييرالمذهبي الذي تتعرض له كثير من المدن والبلدات، حيث فقدت هذه المدن الكثير من خصوصياته المدينية وهويته الحضارية لحساب هويات جديدة مزينة بأنماط غريبة من السلوك والثقافات، دفعت سكانها ونخبها الاجتماعية والسياسية تحت ضغط هائل من النظام المذهبي والعشائري بامتياز إلى الانغماس بهذه الثقافات تحت طائلة الفقر والبطالة والسوط العقائدي، بحيث لم تعد ترى ما يشعرك كمراقب أو باحث في العراق خارج إقليم كوردستان بان حركة الحياة تتقدم إلى أمام، بل على العكس تماما حيث يسودك شعور بالتقهقر إلى الوراء، وأنت تشهد مظاهر دينية متطرفة ومتشددة، وسلوكيات قروية وبدوية بدأت طاغية على مظاهر المدنية والمدينية.

   حقيقة ما حصل يبدو كارثة اجتماعية وتربوية خطيرة جدا لا يمكن إصلاحها بوقت قصير، بعد أن استخدم الدين في تأصيل تلك المظاهر بدعم مطلق من العقلية القبلية التي أصبحت ملاذا آمنا بفقدان سلطة القانون وضعف مؤسسات الدولة واستشراء الفساد في معظم مفاصلها بغياب مفهوم رفيع للمواطنة، مما يتطلب إحداث تغييرات جوهرية في المناهج التربوية والتعليمية وأساليبها، والفصل الكلي للدين عن السياسة ونظام الدولة وقوانينها، مما يحفظ قدسية الأديان وهيبتها بعيدا عن المناكفات والمنافسات السياسية، ويتيح للنظام السياسي ومؤسساته اختيار أنجع وأحدث التجارب الحضارية للنهوض بالمجتمعات التي نخرتهاوخربتها النزعات القبلية والدينية العنصرية والمتطرفة بمختلف أشكالها ومسمياتها.


kmkinfo@gmail.com



85
بعد نوبل الايزيدية.. لكي لا تتكرر مأساة شنكال!

كفاح محمود كريم

     حينما قُصِفت ناكازاكي وهيروشيما بالقنابل الذرية، لم تكُ القضية مجرد معركة أو صراع بين أمريكا واليابان بقدر ما هي اعتداء على الجنس البشري عموما، لأنها لم تستهدف مؤسسات عسكرية معادية بل مجموعات بشرية مدنية لا حول لها ولا قوة، وكذا الحال حينما استهدف أدولف هتلر اليهود كمجموعة بشرية بحجة إن ديانتهم وسلوكهم مغاير لعقيدته فأبادهم في محارقه، وفعلها نظام بغداد في 1987 - 1988 فيما عُرف بمعارك الأنفال الذي استهدف مئات الآلاف من الكُرد في حلبجة وبقية مدن وبلدات وقرى كُردستان العراق، وكذا فعل الإيرانيون حينما اصدر الإمام فتواه الشهيرة بإبادة الكُرد في إيران بذريعة انتمائهم لحزب ينادي بالحرية والاستقلال، وفي تركيا التي نهضت أبان حكم أتاتورك وكانت باكورة أعمالها حملات الإبادة ضد الأرمن والكُرد بدايات القرن الماضي، وفي كل هذه الحملات التي أحصاها المراقبون الايزيديون بأكثر من سبعين حملة أو (فرمان) كما يطلق عليها العثمانيون والايزيديون أيضا، لم تكن هذه الأنظمة والدول تستهدف عرقا أو دينا بقدر ما كانت تستهدف القيم الإنسانية والأخلاقية العليا التي ناضلت البشرية آلاف السنين من اجل تكوينها وبلورتها كسقف عالي ونبيل للمكونات والمجتمعات الإنسانية وخط احمر في التعامل الراقي بين البشر، ولذلك فإنها استدعت اهتمام العالم بأسره واعتبارها جريمة بحق البشرية جمعاء وليس بحق الكُرد أو الأرمن أو اليابانيين لوحدهم.

     ما حصل في شنكال أو سنجار وبعشيقة وبحزاني والقرى الايزيدية والمسيحية والكاكائية، لم يك معركة أو غزوة محلية أو إبادة بشرية فقط، بل كانت جريمة بحق الآدمية ومبادئ وقيم الأخلاق والحضارة، ومحاولة لنسف كل انجازات البشرية لمئات السنين من التحضر، فقد استهدفت جحافل ظلامية من المتوحشين الفاشيين العنصريين القوميين والدينيين قرى شنكال وبلداتها ومركز مدينتها فجر الثالث من آب 2014م بهمجية لا نظير لها في التاريخ المعاصر، إلا اللهم إذا ما قورنت مع ما نقلته لنا صفحات تاريخ المدن التي استباحها المغول والتتار أيام هولاكو وتيمورلنك، فقد اندفعت مئات من الوحوش البشرية المسلحة بالحقد والكراهية وحب القتل والتلذذ به، مع احدث الأسلحة التي غنمتها من دولتين ضعيفتين هما سوريا والعراق، لكي تستبيح بلدات آمنة وسكان توقعوا أي شيء إلا ما شهدوه من كائنات منحرفة فقدت كل ما له علاقة بالآدمية، واندفعت أفواجا جائعة للدماء والمال والجنس، والتلذذ بالقتل والذبح والنهب والسلب والاغتصاب والاستعباد باسم الدين تارة وباسم العرق تارة أخرى، وخلال اقل من شهر تم للإرهابيين احتلال قضاء سنجار البالغ أكثر من 350 ألف نسمة، حيث استباحوا مركز القضاء وكافة نواحيه وبلداته وقراه، وقتل خلال الأيام الأولى 1293 شخص خلفوا وراءه 1759 يتيما، واختطفوا 6417 شخص منهم 3548 من الإناث و2869 من الذكور غالبيتهم العظمى من الأطفال.1-2
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                 
     وفي حقيقة الأمر لم تكن العملية مجرد عملية عسكرية لاحتلال مدينة أو منطقة، أو إسقاط حزب أو قوة عسكرية مهيمنة كما يقزمها البعض، بل كانت عملية منظمة ومخطط لها عبر سنوات من اجل إبادة مكون ديني بذاته، حيث استخدمت أكثر العناصر شوفينية وفاشية وبدائية في إشاعة الكراهية واستخدام النصوص الدينية بتفسيرات مزاجية متطرفة وخارجة عن المألوف عبر مئات السنين، من خلال الاعتماد على عناصر بدائية مغلقة من أشباه الأميين الذين تمت عملية غسل أدمغتهم وبرمجتها لاقتراف تلك الجرائم، وهذا ما حصل فعلا في سنجار التي تضم الأغلبية الايزيدية في العراق، والتي تعرضت معظم قرى هذا المكون إلى الإبادة الجماعية الوحشية سواء بالقتل أو القلع، حيث أرغمت وحشية المهاجمين وهمجيتهم السكان على اقتلاعهم من أراضيهم وتركهم لكل شيء حفاظا على النساء والأطفال، بعد مقاومة شرسة من الأهالي والمدافعين عن المدينة وقراها بأسلحة وذخيرة متواضعة أمام عناصر سيطرت على مخازن الأسلحة في الموصل والتي كانت تضم مئات الدبابات والدروع والمدفعية الأمريكية الحديثة وآلاف القطع من الأسلحة المتوسطة والخفيفة بكامل ذخيرتها التي استخدمت في غزوة سنجار وتسببت في مقتل وإبادة آلاف الأسر بأيدي هؤلاء الهمجيين الذين اعتبروهم غنائم حرب وسبايا وفرضوا عليهم عقيدتهم، بل ووزعوا الفتيات على أفرادهم وعرضوا الآلاف منهم للبيع في أسواق النخاسة التي استحدثوها في المدن والبلدات التي استباحوها.

     إنها عملية يندى لها جبين البشرية والحضارة الإنسانية وتستدعي حقا أن تكون قضية عالمية يتداعى لها المجتمع الدولي لوضع آليات وضمانات ليس لهذا المكون فحسب بل لكل المكونات الدينية والعرقية الصغيرة في العالم وخاصة في المجتمعات العربية والإسلامية والشرقية عموما، لأنها تتعرض لعمليات إبادة على خلفيات عقائدية أو عرقية شوفينية منذ مئات السنين دون أي رادع يردعها عن ارتكاب هذه الجرائم، وقد آن الأوان للعالم المتحضر بعد أن منح نادية مراد جائزة نوبل، وهي ابنة قرية كوجو التي أبيدت بقتل كل رجالها وسبي نسائها وأطفالها، نادية مراد كانت واحدة من تلك النساء اللاتي وقعن بأيدي أولئك المتوحشين الذين اغتصبوها وأبادوا أسرتها وعشيرتها، آن الأوان أن يتخذ العالم وبرمته والدول العظمى خاصة قرارات واليات لحماية هؤلاء السكان في كل أنحاء العالم، لكي لا تتكرر ثانية سنجار أخرى!

مصادر وتوضيحات:
1- شنكال هو الاسم الكُردي الذي يتداوله السكان ويتكون من مقطعين شنك ومعناه الذهبي أو الجميل جدا، وآل بمعنى الجانب أو الطرف، و سنجار هو الاسم الرسمي للمدينة وهو اسم آشوري أصله سنجاره أو شنخار.
2- هذه الأرقام رسمية صادرة من المديرية العامة لشؤون الايزيدية في وزارة الأوقاف بإقليم كُردستان العراق، وهي معتمدة لدى الأمم المتحدة.
 

       
 
 



86
أحزاب الزينة.. العراق أنموذجا!

كفاح محمود كريم

    اعتدنا على أدوات أو نباتات أو حيوانات للزينة، والحمد لله إننا أدركنا كائنات أخرى للزينة والإكسسوارات التي ابتدعتها دول المنظومة الأوربية الشرقية إبان الحكم الاشتراكي، ولا أقول الشيوعي لأنهم جميعا لم يرتقو إلى تلك المرحلة حسبما جاء في النظرية الماركسية اللينينية، بل وسقطوا قبل الوصول إليها بمئات السنين، فقد كانت تُحكم من خلال قيادة حزب واحد للدولة تحت شعار دكتاتورية ذلك الحزب، الذي قرر انه لوحده يمثل الطبقات الكادحة وتحديدا العمال والفلاحين وأحيانا بعض البرجوازيين، كما تفعل الأحزاب الدينية اليوم في احتكارها تمثيل الرب والدين والحكم باسمه، وخلال سنوات من حكمهم بعد الحرب العالمية الثانية ابتدعوا أنواعا جديدة للزينة السياسية، بعد أن أصبحت الوسائل الأخرى مكروهة كونها برجوازية استهلاكية، وغير منتجة في بلاد هوسها الإنتاج، وكانت هذه الكائنات الجديدة أحزابا تم تصنيعها وتجميلها لكي تكون حليفة للحزب القائد، ويمارس من خلالها مسرحياته الديمقراطية الشعبية في الانتخابات والمجالس البرلمانية الكوميدية، وهذه الأحزاب كانت للزينة فقط ليس إلا، وقد استخدمت لاحقا على طريقة المجلس الوطني أيام حزب القائد الضرورة في العراق، واللجان الشعبية أيام ملك ملوك افريقيا في ليبيا العظمى.
تجارب بعيدة
     أحزاب الزينة هذه انتشرت انتشار النار في الهشيم بين دول الجمهوريات الثورية والوراثية، وخاصة في شرقنا الأوسط الجاذب للتجارب بعيدة المدى، لتطبيقها على شعوب غالبيتها من الأميين المشبعين بثقافة القطيع، وما تزال نسبة الفقر والبطالة تهشم طموحات أكثر من ثلثهم لحد الآن، والثلثين الآخرين منغمسين في الولاءات الدينية والمذهبية والقبلية والمناطقية، ولا يهمهم سوى توظيف كل أتباعهم وتحويلهم إلى كتل من التنابلة والاتكاليين، وخير نموذج للدول التي تميزت بصناعة أحزاب الزينة بعد الدول الأوربية الشرقية هو العراق الذي ما يزال يقف على رجل واحدة منذ مائة عام حتى اتكأ على ركبتيه لا قدميه!
      في العراق نجح حزب البعث وفريق صدام حسين من تصنيع مجموعة أحزاب، تم استنساخها على طريقة النعجة دولي من عناصر اكتشف علماء البعث فيها استعدادات نفسية وجينية للانحراف، ووجدت فيها من يدلها ويوفر لها تلك البيئة، وفعلا تم تطويرها واستنساخ أعداد كبيرة منها لتكون أحزابا للزينة والإكسسوارات، وشهدنا بعد فشل تحالف البعث والديمقراطي الكوردستاني في آذار 1970 وإصدار قانون للحكم الذاتي بشكل انفرادي ومحاولة فرضه على الديمقراطي، حيث أدت تلك الوصاية أو الاحتواء، إلى عودة العمليات العسكرية إلى كوردستان وبتعاون وثيق بين ايران والعراق وتغطية مهمة من بعض الدول الكبرى، ودفعت إلى تصنيع تلك الأحزاب التي ستوافق على قانون البعث للحكم الذاتي، وإيهام الرأي العام الداخلي والعالمي بأنهم ديمقراطيون يعملون على تنفيذ اتفاقية آذار، لكن (الجيب العميل وهو زمرة صغيرة متمردة على القانون رفضت إرادة شعبنا الكوردي في شمالنا الحبيب)، كانت هذه أهم العبارات التي استخدمتها أجهزة دعاية وإعلام نظام الرئيس صدام حسين لتبرير إعلان تصنيع الحزب الديمقراطي الكوردستاني والحزب الثوري الكوردستاني وجبهة تحرير كوردستان، بموديلات جديدة واستنساخ لبعض العناصر من تلك الأحزاب وإعادة تدويرها لتكون بديلا عن النسخة الأصلية التي تحولت إلى متمردين وانفصاليين على توصيف أجهزة دعاية البعث ومن ورثها منهم من أحزاب السلطة اليوم، فبعد سنوات ليست طويلة من ذلك رأى منظروا تلك الحقبة بأنهم يحتاجون إلى توسيع الجبهة الوطنية والقومية فألحقت بهم مجاميع بذات المواصفات من عناصر شيوعية وتقدمية، بعد فك أو تمزيق التحالف بين الشيوعي العراقي والبعث العراقي.
مقاليد السلطة
     مع أواخر عقد السبعينيات وبتولي صدام حسين مقاليد السلطة برمتها، اتجهت عقارب ساعة النظام إلى مرحلة جديدة دشنها الرئيس صدام حسين  بالحرب مع ايران، التي ابتلع فيها حزب البعث أو علس كما تقول الدارجة العراقية، تلك الكائنات السياسية المسخ تدريجيا، وانتفت الحاجة لأحزاب الزينة الملساء التي بدت أكثر رخاوة، وربما تبخرت تدريجيا أو اندمجت اندماجا قذافيا، بعد أن منح أعضائها نفس درجات الرفاق في حزب الأمة العربية المجيدة، حيث برزت مع المرحلة الجديدة أمور أكثر زينة وبهرجة للمشهد السياسي والاجتماعي العراقي من الأحزاب، في دولة الانتصار على (العدو الفارسي المجوسي الإمبريالي) إلى آخر قائمة التسميات التي أنتجتها دوائر الدعاية والإعلام البعثي ضد معارضيه، حتى وان كانوا ملائكة أو ممن يتغدون ويتعشون مع الأنبياء والرسل، والتي ما زالت تستخدم بجدارة من تلاميذ ومريدي القائد الضرورة حتى يومنا هذا.
     ولكي تكتمل مشاهد الزينة خاصة بعد تبخر الأحزاب المستنسخة، ابتكر الرفاق شعبة لشيوخ العشائر في ديوان الرئاسة وتم تصنيف هؤلاء الشيوخ إلى ثلاث موديلات وهي شيوخ ألف وبعدها باء وآخرها جيم، وعرفوا حينها بشيوخ التسعين، ولم ينسو تزيين السنة العراقية فجعلوا معظم أيامها أعيادا ومناسبات مقاربة لعدد أيام السنة الكبيسة أو الحبيسة، لدرجة إن العراقي لا يستطيع حك رأسه من كثرة الأعياد والمناسبات، فذاك يوم البيعة والآخر للنخوة، وهناك للميلاد والربيع والشجرة، وبقربه للبيعة والشرطة وبجانبه يوم الأيام، وهكذا كان العراقيون يرقصون على أنغام وطن شد على الأفق جناحا منذ مطلع الفجر وحتى الليل الأخير من اليوم ذاته، لتستمر تلك الأيام والأعياد بالتكاثر والتوالد حتى جاءت الحواسم في نيسان 2003 وانتهت حقبة مزينة بالدماء وأشلاء الضحايا، وأنغام الأكاذيب والشعارات الفارغة وعساكر البهرجة والانكشاريات الشعبية والادعاءات المزرية، التي ابتكرها نظام من أكثر نظم العالم دكتاتورية طيلة أكثر من ثلاثين عاما عجاف.
     للأسف الشديد فان إسقاط الهيكل الإداري لذلك النظام لم يسقط تلك الثقافة البائسة والتربية المنحرفة ولم تسقط مع سقوط التجربة المريرة في العلاقات مع معطيات الحياة في حقولها المختلفة، في عراق يتدحرج إلى الأعلى تارة ويتسلق إلى الحضيض تارة أخرى، فعادت فيروساتها تنشط من جديد منذ الأشهر الأولى لسقوط النظام، لكي تنمو في ذات البيئة التي أنتجتها الأحزاب التي ورثت الحكم بشكل مضطرد خارج أجواء المختبرات هذه المرة، لتتميز بتفوقها أكثر من الجيل الأولى كونها تخرجت من أقبية مخابرات دول الجوار، وأضافت لأيام العراقيين عطلات ومناسبات أفضلها حزين وأتعسها حائر باليوم الوطني للدولة العراقية، فقد عادت ماكينة تصنيع أحزاب الزينة ثانية لإنتاج موديلات أكثر حداثة وشيطنة، حيث تم تدجين أفرادها في عواصم الدق والرقص على أنغام ذبح شعوب العراق وليبيا واليمن وسوريا وسرقة خزائنهم، سواء في دول الجوار أو ما بعد الجوار، فامتلأت مسارح ومعارض السياسة الجديدة في العراق وتلك البلدان بأحزاب لا للزينة فحسب، وإنما للتوحش والتقهقر والقباحة والسرقة والإفساد، وغصت مدنها بمقرات أحزاب وأسماء أمناء عامين ومكاتب سياسية رنانة، تم تصنيعها وفبركتها إما في ما تبقى من تنظيمات أحزاب السلطة السابقة، كالبعث ورجال مخابراته واستخباراته، ممن انقطعت بهم السبل بين الشعارات التي كانوا يتداولونها صباحا ومساءا، والنتيجة ما حصل لهم ولنظامهم خلال اقل من عشرة أيام لدولة تم بناؤها في أكثر من ثلاثين عاما، إضافة إلى ما أنتجته دهاليز مخابرات الدول الجارة والعزيزة، من موديلات جديدة ومحدثة حيث أضافت لها قوات مسلحة على شكل ميليشيات تحكم باسم الرب ووكلائه على الكوكب، وبدلا من حزب واحد لله أصبح لدينا عشرات الأحزاب الربانية كلها تنطق باسمه وتنفذ شريعته، وأصبح بمقدور أي إمام جامع في قرية أن يفتي أو يشرعن قانونا واجتهادا في الجهاد والنكاح، حتى غرقت البلاد ببحر من الدماء والدموع.
     وبملاحظة سريعة لما يحدث اليوم في العراق وبقية ما يسمى بالربيع العربي، وطيلة السنوات الماضية، ندرك انه نتاج تلك الفترة المظلمة من تاريخ هذه البلدان وتربية أنظمتها لعدة أجيال من الأهالي الذين ينفذون اليوم ما تعلموه خلال عشرات السنين، وشاهدوه وهم أطفال وفتية وشباب، ابتدءاَ من كرنفالات الإعدام التي كانت تنفذها الأنظمة في الشوارع والساحات العامة، وكيل الاتهامات الكاذبة جزافا لكل من يعارضها، وانتهاء بتلك المشاهد البائسة والقاتلة من برنامج صور من المعركة الذي كان يبث يوميا ولثماني سنوات متصلة في العراق وليبيا في حربها مع تشاد وسوريا في احتلالها للبنان، وتظهر آلاف الجثث الممزقة الأشلاء أو عمليات دفنها بالبلدوزرات على أنغام الأناشيد الوطنية، إلى تسطيح عقول ووعي الناس بتصنيع أحزاب وجمعيات مما كانت تسميه بالاتحادات والنقابات المهنية والفرق الفنية، التي لا هم لها ولا غم إلا التغني بالقائد الذي لا مثيل له في الدنيا وربما لو بقوا عدة سنوات أخرى لقالوا انه متعهد الآخرة أيضا.
تنوع عرقي
إن فشل تبلور مفهوم المواطنة خاصة في الدول ذات التنوع العرقي والقومي والديني، يعود بالأساس إلى الطبيعة القبلية لهذه المجتمعات، وفشل أنظمتها السياسية بفصل الدين عن السياسة بل عن الحكم برمته، وإبعاد فلسفته عن التعليم بكل مراحله، إلا ما يؤكد وجوده كمعتقد للإفراد وجب احترام خصوصيته في حدود الخاصية الشخصية ليس إلا، وما لم تنجح النخب السياسية والتكنوقراط من وضع دستور عصري، يؤكد على تعريف مدني للمواطنة، تسود فيه لغة القانون والانتماء الوطني فوق النظام القبلي والديني، ويرتقي على كل هذه الانتماءات، ويحظر أي تنظيم سياسي على أساس ديني أو مذهبي أو عنصري، بما يكفل حقوقا متساوية لكل الإفراد بمختلف أعراقهم وقومياتهم وأديانهم، لن ينجح أي حزب أو مجموعة أحزاب في إقامة نظام ديمقراطي تسوده العدالة في كل مناحي الحياة.

kmkinfo@gmail.com
 


     















87
هل فعلاً الديمقراطية هي الحل ؟
كفاح محمود كريم
    عاشت بعض ممالك الشرق الأوسط منذ تأسيسها وحتى بدء عصر الانقلابات العسكرية فيها، نوعما من الهدوء والاستقرار وممارسة نمط من النظم السياسية تفوح منه أحيانا رائحة الديمقراطية المتعلقة حصريا بانتخابات البرلمانات أو البلديات أو مجالس الشورى، لكن ذلك الهدوء والاستقرار النسبي لم يدم طويلا، حيث بدأت مجموعات من الضباط أطلقت على نفسها تسميات عديدة كان أبرزها الضباط الأحرار وفيما بعد ذلك بمجالس قيادة الثورة، سواء في مصر أو العراق أو ليبيا ومن شابههم من أنظمة جمهورية، بالانقلاب العسكري وتغيير النظام الملكي إلى جمهوري مع إكسسوارات الاشتراكية والديمقراطية التي مورست جميعها بأشكال من النظم والنظريات متأرجحة بين الاشتراكية والديمقراطية الشعبية أو المركزية، والمفصلة على مقاسات القائد الملهم والرئيس الضرورة وملك ملوك أفريقيا وأحزابهم التي ادعى الزعماء بأنها تحمل رسالة مقدسة إلى الشعوب!
    هذه التمثيليات الديمقراطية التي كانت الأنظمة السابقة تمثلها على مسرح الدكتاتوريات الشرقية عموما، سواء هنا في العراق ومسرحنا الكبير منذ أكثر من خمسين عاما، أو بقية الجمهوريات الثورية على إيقاع ما كان يسمى بالمجلس الوطني أو مجلس الشعب أو اللجان الثورية، وما يتبعها من ممارسات انتخاب القائد أو ما كان يطلق عليها بالبيعة ونسبها المعروفة 99.99  عاشتها شعوب هذه المنطقة من دول الشرق الأوسط والتي ضربتها عواصف تسونامي والتغيير الأهوج، بالاحتلال مباشرة كما حصل في كل من افغانستان والعراق أو بواسطة التحسس النائي كما في ليبيا وسوريا أو عن طريق وسائل الإعلام ذات الفولتية العالية جدا كما في تونس ومصر واليمن.
خبرة دول
    ودعونا الآن نرحل قليلا إلى ما كان يحلم به ويعمل من أجله ملايين من خيرة أبناء وبنات هذه الدول من كل الشرائح والطبقات، ألا وهو إقامة نظام سياسي متوازن يعتمد التداول السلمي للسلطة على أساس دستور عصري وحضاري يليق بإنسان الألفية الثالثة، يمنع التفرد بالسلطة والقرار، ويشيع حضارة حقوق الإنسان وقبول الآخر، ويتيح حرية الاختيار دونما أي شكل من أشكال الاحتواء أو الاستغلال الديني أو المذهبي أو العرقي، لكن ما حصل أثار أسئلة غاية في الألم والإحباط، والسؤال الأكثر إيلاما بعد ما حصل خلال هو:
    هل إن مجرد تغيير الهياكل الإدارية للأنظمة السياسية ستتيح فرصة للانتقال إلى نظام اجتماعي وسياسي كما كنا نطمح إليه؟

    ما يحدث الآن بعد سقوط تلك الأنظمة ورغم استخدام آليات التداول السلمي للسلطة إلا إن العملية برمتها تتعرض لكوابح لا تختلف عن تلك التي كانت تستخدم من قبل الأنظمة الشمولية في السيطرة والقيادة للرأي والتمثيل الشعبي أيام مجالس الشعب وبرلمانات تلك الأنظمة الاستبدادية، وهذه الكوابح ربما أكثر خطورة وإلغاء للرأي الشخصي الحر وحرية التعبير وتشويههما، حيث تتكثف حول الأعمدة العقائدية الدينية أو المذهبية (الفتاوى) وفي أوجه أخرى عرقية عنصرية تهبط أكثر إلى الانتماء العشائري، ومن ثم إلغاء أي نوع من أنواع السلوك المدني الجمعي الذي يبلور مفهوما للمواطنة التي يفترض أن تكون معيارا للتمثيل الشعبي في مجتمعات متعددة التكوينات العرقية والدينية والمذهبية، هذا إضافة إلى نسبة الأمية المتصاعدة بشكل مخيف والإحباط الكبير الذي أنتجته عملية سقوط تلك الأنظمة من تدمير للبلدان وخاصة للأمن والسلم الاجتماعيين في مجتمعات بدوية وقروية ما تزال مشوشة الانتماء إلى موروثاتها وما تكلس في سلوكياتها عبر حقب زمنية ليست قصيرة وبين معطيات جديدة وفرتها عملية اختراق حاجز الخوف من جمهوريات الرعب!
ضفة الخوف
    وعلى ضوء ذلك وفي الضفة الثانية بعد اختراق ضفة الخوف والرعب ماذا جرى وماذا يجري من هرج ومرج وفوضى أطلقوا عليها صفة الخلاقة، الآن وفي برلمانات ما بعد الدكتاتوريات التي أسقطتها الولايات المتحدة والتحالف الدولي، التي تحبو باتجاه تأسيس دول للمواطنة تقوم على أعمدة الديمقراطية الغربية، في مجتمعات شرقية تؤمن أساسا في بنيتها التربوية والاجتماعية بحكم الفرد وسلطته، إبتداء من الأب ومرورا بشيخ العشيرة وإمام الجامع ومختار القرية والزعيم الأوحد، المتجلي في رمز الأمة والمأخوذ من موروث مئات السنين أو آلافها بشخص عنترة بن الشداد أو أبو زيد الهلالي أو الزعيم الأوحد أو ملك ملوك إفريقيا أو القائد الضرورة أو سلطان زمانه، حيث أدمنت معظم هذه الأنظمة وأحزابهم (التاريخية) برلمانات من نمط (اموافج- موافق) كناية للتبعية المطلقة والتأييد الأعمى لرأي القائد، كونه يمتلك سلطة لا متناهية، ولا أحد في الأرض يفهم مثله، وعليه فأنه دائما على حق ويمتلك مفاتيح مستقبل وسعادة الأهالي!
    وعلى هذه الأسس تم تكوين برلماناتهم والية انتخاب أعضائها، حيث يتذكر العراقيون والسوريون والليبيون واليمنيون والمصريون، وحتى إخواننا في الجيرة أهل إيران وتركيا وبقية الشعوب المبتلاة بثقافة الشرق المريض، كيفية ترشيح ودعم أي عضو لكي يجلس على كرسي (اموافج) بالبرلمان، حتى وان كان معارضا، فهو مطبوخ في مطبخ القائد وقيادة حزبه ومخابراته، ولكي لا نشتت انتباه القارئ سنتحدث عن النموذج العراقي سابقا ولاحقا، في إيصال هؤلاء الأشخاص، إلى تلك الكراسي في زمن الرئيس المعدوم صدام حسين ومن سبقه من قادة العراق المعدومين في الغالب، إلا من سقطت طائرته أو أرسل على عجل إلى عاصمة للسياحة والاصطياف، حيث يتم تبليغ منظمات الحزب والشيوخ وأعمدة القوم لتوجيه أتباعهم لانتخاب شخص معين لكونه مرشح الحزب أو القائد، وبهذه الطريقة يصل هؤلاء الأصنام إلى كراسي المغفلين في ما يسمى بالبرلمان.
أنظمة شمولية
    واليوم بعد أن أزالت الولايات المتحدة وحلفائها هياكل تلك الأنظمة الشمولية، مدعية أنها تعمل من اجل إقامة نظم ديمقراطية على أنقاض تلك الخرائب، دونما إدراك للكم الهائل من الموروثات التربوية والاجتماعية والعقائدية والسياسية، في مجتمعات تعاني أصلا من الأمية بشطريها الأبجدي والحضاري، وما تزال تعتبر القبيلة والعشيرة ورموزها أهم ألف مرة من الشعب والدولة، وكذا الحال بالنسبة للدين والمذهب، اللذان لا ينافسهما أي انتماء، والغريب أنها لم تدرك كيف ستكون مؤسساتها الدستورية والديمقراطية والية انتخاب أعضائها؟
    ما حصل عندنا في العراق وبالتأكيد هو ذاته في ليبيا أو سوريا لاحقا أو مصر واليمن وبقية دول المختبر الديمقراطي، هو نفسه الذي كان يستخدم من قبل الزعماء وأحزابهم العظيمة، حيث يتم تجييش القبائل والعشائر والرموز الدينية والمذهبية، وبتمويل من الكتل والأحزاب، لإيصال مجموعة من الأصنام إلى قبة البرلمان مقابل امتيازات مالية، وهذا ما حصل فعلا منذ 2005 ولحد آخر انتخابات في العراق بشقيه الاتحادي والإقليمي، حيث يذهب إلى تلك المقاعد مجاميع من الأشخاص الذين يدعمهم الحزب أو الكتلة بإسناد عشائري وديني أو مذهبي يذيب شخصية المرشح، بحيث لو انه تجرأ وترشح بنفسه دونما دعم لتلك المؤسسات، لما حصل إلا على أصوات عائلته وبعض أقربائه!؟
    واليوم يجلس على كراسي (اموافج) مجاميع تمثل واحدة من افشل دول العالم، وأكثرها بؤسا وتعاسة وفقدانا للأمن والسلم وأي مظاهر للتقدم والازدهار، حيث يستخدمون في آليات الترشيح والانتخاب ذات الآلية التي كان يستخدمها عرابوهم في الأنظمة السابقة، بالاعتماد الكلي على العشيرة والدين والمذهب والحزب أو الكتلة، ويمارسون ثقافة (اموافج) وان اختلفت المواقع والعناوين، وبغياب المواطنة والانتماء الوطني وسيادة الانتماء القبلي والديني المذهبي، أصبحت برلماناتنا مسارح لتمثيليات بائسة وسيرك غجري ساذج!
    وإزاء ذلك كله يبقى السؤال الأكثر إلحاحا هل إننا أصبحنا بمستوى ممارسة الديمقراطية؟

    وهل هي فعلا علاج أمراضنا المزمنة والمتكلسة؟ أم علينا أن نبحث عن علاجات أخرى نداوي بها جراحاتنا قبل ولوج عالم صناديق الاقتراع ومن يمثل الأهالي وأي أهالي نمثلهم، بعيدا عن تأثيرات رجال الدين والمذهب وشيوخ العشائر وأغواتها الذين يحركون بوصلة تمثيل الأهالي في العشير والمذهب والدين وهم الغالبون!؟
     وحتى يتم ذلك يستوجب إعادة النظر في جميع مناهج التربية والتعليم، من البيت إلى المدرسة إلى الجامع أو الكنيسة، لكي نستطيع تحويل التلميذ من وعاء يتم تعبئته بالمعلومات الببغائية إلى ناقد وسائل ومتفاعل، ومن إنسان ينتمي إلى قرية أو مدينة أو قومية أو دين إلى مواطن ينتمي إلى وطن وشعب دونما فوارق، حينها يمكن لهذا المواطن أن يختار وينتخب شكل النظام ووسيلة الحكم وهيئاته التشريعية والتنــفيذية باطمئنان وأمان على حاضر ومستقبل شعبه ودولته.


88
المنبر الحر / فاكهة البيت مرة!
« في: 18:31 09/08/2018  »
فاكهة البيت مرة!

كفاح محمود كريم

  متلازمتان في المعنى والمقصد (فاكهة البيت مرة) و(عقدة الخواجة أو الأجنبي) واللتان تعبران عن شعور بالنقص تجاه الآخر الغريب، والأجنبي في الأولى ليس بالضرورة من بلاد الواق واق، بل هو ما يتعدى البيت أو العشير أو القرية، وينطبق على سلوكيات الكثير في رغبتهم بالتعامل أو الاستنجاد أو التعاون أو التحكيم أو التصالح، وخاصة في الإشكاليات بين الأشخاص أو العشائر، وكذا الحال حينما يتم التعامل مع متخصصين في مجال ما مع وجود ذات الكفاءات في البيت، التي اعتبرتها هذه الثقافة أو السلوكيات مرٌة، فذهبت إلى فاكهة من خارج البيت، وينطبق الثاني على عقدة مستعصية لدى شعوب منطقتنا عموما وهي تلك العقدة التي تسمى: عقدة الخواجة، والخواجة هنا هو الخبير الأجنبي الذي يبهر هذه المجتمعات، علما إن ما فيها من خبراء وإمكانيات ربما لا تضاهي الأجنبي بل تتفوق عليه، ولعل جامعات ومراكز البحوث في أوربا وأمريكا وكندا تشهد على مئات العلماء الكبار والأساتذة الإجلاء والمتخصصين في معظم المجالات، الذين تحولوا إلى أعمدة ترتفع عليها حضارة الغرب، بينما تعمى الإبصار عنهم حينما يحتاج البلد إلى خبراتهم، فيذهب عُمي البصيرة من المسؤولين إلى خبرات عادية جدا قياسا بأولئك الأفذاذ!

  حقا هي واحدة من مركبات النقص ليس على مستوى الأفراد بل حتى المجتمعات والنخب، وقد تسببت بتعطيل وهجرة عشرات الآلاف من الخبرات نتيجة التهميش والإقصاء، سواء ما كان منها خارج البلاد أو في داخله، بسبب الفساد المستشري في معظم مؤسسات الدولة، والصفقات السوداء التي تعقد مع تلك الشركات أو الأشخاص المصنفين بالخواجة، مضافا إليها القبول المحلي لتلك الشركات الأجنبية أو الخبراء المستقدمين وخاصة مدربي أندية كرة القدم للقيام بمهمات ينفذها الخبير المحلي أفضل بكثير لو توفرت له ذات الإمكانيات والأجور، لكنها الثقافة السائدة لدى قطاعات واسعة من الأهالي والمؤسسات، حتى أصبح هذا الأجنبي أو الغريب خبيرا في النفط أو الإنشاءات أو الزراعة أو الطب وبقية الحقول التي تغص بلادنا بخبرائها وعلمائها، لكن حالهم حال فاكهة البيت التي كنا صغارا لا نتلذذ بها فنذهب إلى البساتين لكي نستحوذ عليها ونأكلها بنهم!

 والغريب إن الخواجة تطور من خبير إلى أن أصبح عراب لأخطر مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ولم يقتصر على حقل معين بل انتشر كالوباء، فما بالك حينما يلتف الجمع حول عالم دين مستورد، وكأنه قدم للتو من اجتماع للصحابة والأولياء، فيسألونه عن الحلال والحرام، بينما قد بح صوت إمام الجامع وخطيبه في مايكروفونات المساجد ولا من سميع أو مريد، وذات الحالة انسحبت على معظم مفاصل الحياة في الصناعة والزراعة والتجارة والجامعات والمستشفيات، ناهيك عن الإعلام الذي فاض به تنور الديمقراطية وقلب شعار ( فاكهة البيت مرة ) رأسا على عقب، فأصبح يعج بالخبراء العصاميين الذين تدرجوا من جايجي وحارس وفراش وعنصر حماية إلى أن أصبحوا مصورين ومخرجين ومقدمي برامج، بعصامية عفت مدرائهم الذين يوصفون بان لا مثيل لهم في الدنيا والآخرة من استيراد خبراء من الخواجات أو استدعائهم لتقديم المشورة والخبرة الفائقة والاعتماد على فاكهة البيت رغم مرارتها!

  ولكي لا يزعل الخبراء والأجناب كما تقال في الدارج المحلي لوصف الغريب، فان الأمثال تضرب ولا تقاس، والدليل إن قنواتنا الإعلامية المباركة أثبتت العكس، فأصرت إصرارا على حلاوة فاكهة البيت وأسقطت  الخواجة، وأبقت على رعايته الأبوية!

kmkinfo@gmail.com     
                                                                                                     
                                                                                                                                             أوائل آب 2018م



89
اطمئنوا هنا كوردستان!

كفاح محمود كريم

   بعد عملية المراهقين الإرهابيين في عاصمة إقليم كوردستان ومحاولتهم تمثيل فلم اكشن إرهابي على طريقة أفلام داعش، اتصل بنا العديد من الأصدقاء والمحبين من كل أنحاء البلاد يسألون عن تطور الأوضاع، خاصة وان كثير من القنوات المحلية العراقية رقصت على حبال الإعلام الفاسد وروجت لفوبيا ورعب في الإقليم،وضخمت الحادث وأضافت له توابل إيرانية من قبيل اندلاع مظاهرات وحدوث انفجار في مبنى المحافظة، ولم أجد جوابا للسائلين ابلغ من: اطمئنوا هنا كوردستان!

   وكنت اعني ما يدور في أذهان كل الأحبة والأصدقاء وحتى الحاسدين والأعداء، في أن كوردستان ملاذ آمن وواحة للسلام والمحبة والوئام، وان مجتمعاتها هي الطرف الأهم في المعادلة الأمنية، الذي يشكل جهاز الأمن الطرف الآخر، وبالطرفين تم تمتين هذا الجدار الأمني الذي لم يسمح بانتقال تلك الفيروسات إلى جسد الإقليم إلا بانتهاكات واندساسات ضئيلة جدا وبين سنوات وسنوات، كما يحصل في أكثر بلدان العالم تطور وتقدما.

   في العملية الأخيرة التي نفذتها مجموعة صغيرة من الصبية المراهقين، لم تتجاوز أعمارهم سن البلوغ ( 15 و18 سنة )، كشفت مدى تأثر هذه الشريحة بالإعلام الأسود أو بالعقد العصبية السياسية السوداء الداخلية منها والخارجية أو برجل دين متشدد، بل وأشرت إلى قصور واضح في المنظومة التربوية والاجتماعية، وفي أداء منظمات الشبيبة والمجتمع المدني وأئمة الجوامع وبعض علماء الدين، وانتشار تداول الأسلحة وسهولة الحصول عليها، مما يستوجب تطوير وتفعيل ومتابعة أداء هذه المؤسسات والمنظمات ودعمها بذات المستوى في دعم الجيش والأمن.

   وبعيدا عن ثقافة المؤامرة والاتهامات فان متابعة سريعة لتسجيل كاميرات المبنى التي صورت دخولهم، تبين مدى ارتباكهم وقلة تدريبهم ونوع الأسلحة المستخدمة وهي مسدسات عادية، وحتى اختيار التوقيت في اقتحام المبنى وهو الساعة السابعة صباحا يؤكد كما أرى إن العملية لا علاقة لها بتنظيم الدولة داعش، التي عرفت بدمويتها ووحشيتها وتدريب عناصرها عكس ما شاهدناه في أداء هؤلاء المراهقين، ربما إنهم متأثرين كثيرا بأفعال وأفلام داعش لكن تنفيذهم بعيد جدا عن نمط تطبيقات داعش، ويبدو أنهم وقعوا تحت تأثير سياسي أو ديني موجه لم تكشف عنه بعد التحقيقات الأولية، وفي حقيقة الأمر لم أكن أتمنى تصفيتهم بهذه السرعة، وكنت أفضل معالجة الأمر بمحاولة إلقاء القبض عليهم ومعالجتهم نفسيا وتربويا، لكن رأي الطرف الأمني يختلف في معالجة هكذا عمليات.

   عموما ما يزال هناك أكثر من سؤال، وربما الأهم هو لماذا الآن ولماذا اربيل المحصنة، ومن المستفيد في صرف أنظار الإعلام والرأي العام عما يجري في البصرة عاصمة الجنوب وبغداد عاصمة الاتحاد؟ وحتى نجد الجواب:
       اطمئنوا هنا اربيل عاصمة كوردستان!

.....................................
مشاهد من عملية اقتحام مبنى محافظة اربيل 23 تموز
https://youtu.be/WnqQEJwbVyA
kmkinfo@gmail.com
                                                                                                                                           أواخر تموز 2018م

90
المنبر الحر / التسقيط والتصعيد!
« في: 09:59 25/07/2018  »

التسقيط والتصعيد!

كفاح محمود كريم

   ظاهرتان متناقضتان أو سلوكيات تختزل ثقافة أو حضارة أو تربية في نتائجها وآلياتها، تلك هي ما يُعرف اليوم بالتسقيط ونقيضه في التصعيد، ولعلّ بواكير التسقيط الاجتماعي والسياسي مارسه البعثيون في بدايات الستينيات من القرن الماضي مع الزعيم قاسم ومع الشيوعيين كأفراد أو مجموعات، بل مارسوها أيضا مع مدن ومجتمعات، كما كانوا ينشرون طرائف عن الكورد والشروك والمعدان، حتى وصل بهم الأمر إلى إطلاق صفات ذميمة على مدن بأكملها كما في ناصرية الثقافة والفن والأدب والحضارة فجعلوها شجرة للخباثة وهي ينبوع للطيبة.

    هذا السلوك يعتبر من أسوأ أنواع السلوك العدواني غير المعلن في مجتمعاتنا على المستوى الخاص والعام، وهو بتقديري ينمُ عن إصابة صاحبه أو أصحابه بمرض سياسي أو نفسي وتربوي، تترجمه أفعال مكتومة تشبه في نتائجها ما تفعله حشرة الأرضة في نخرها للأشجار أو البيوت، والخطورة تكمن في الصمت والكتمان أثناء أداء عملها أو ممارساتها، وإذا كانت تلك الدودة أو الحشرة تفعل ذلك بحثاً عن الماء والكلأ دونما قصد إلا إشباع غريزتها، فٲن الإنسان هنا يفكر ويخطط ويبرمج كيف يهدم صرحاً لا يستطيع ارتقائه، حتى إن نجح بذلك بشعر لا بسعادة الانتصار وتحقيق رغبته في الارتقاء،  بل بتدمير ذلك الصرح الشاهق الذي عجز عن اعتلائه؛ وبذلك "ساوى حيطانه" كما يقول الدارج المحلي.

    للأسف الشديد انتشر وترعرع هذا السلوك أو الشعور في البيئة التي تساعد على نموه، وهي بيئة التخلف والفساد والتقاتل على المناصب والامتيازات بعيداً عن الهدف السامي في مؤسسات الدولة والأحزاب والجمعيات وحتى المنظمات منذ العام 2003 ولحد اليوم، لكنه بدون أعراض ظاهرة، وهنا تكمن خطورته حيث لا تظهر الأعراض إلا وقد حقق صاحب هذا الشعور برنامجه، فهو يعمل ليل نهار لا كمنافس يشق طريقه إلى ذات المنزلة التي وصل إليها رفيقه، سواء أكان في أعلى مستويات المسؤولية أو في اختصاصه أو درجته الوظيفية، ولذلك تراه يستخدم كل الأساليب لتسقيط غريمه الناجح أو المتميز، وهنا أتحدث عن ظاهرة للأسف الشديد انتشرت حتى تسببت في تآكل وتهجير واستقالة أو إبعاد الآلاف من أولئك الناجحين في أعمالهم أمام أ؍ناس لا همَ لهم إلا إزاحة الناجحين وتدميرهم ليتسلقوا مواقعهم، مما أدى إلى اكتضاض جامعات الغرب والولايات المتحدة وكندا واستراليا بآلاف المبدعين الهاربين من بلدان الأمراض الأخلاقية المزمنة.

   وفي الوقت الذي يعمل هؤلاء في إسقاط الناجحين يعمل الآخرون في منافستهم على دفع منافسيهم للارتقاء إلى مواقع أعلى تتيح لهم تبوء مواقعهم ولكن بسمو ونبل، وهنا نتوقف عند التصعيد النقيض للتسقيط حيث يعمل الفرد والمجتمع على دعم ودفع المتميزين والناجحين إلى اعتلاء مواقع ومراتب ومراكز أعلى، كي يتاح للآخرين تبوء أماكنهم، وهكذا دواليك في إنتاج أفواج من المتميزين يقابلهم أفواج من الفاشلين الذين اعتلوا مواقع رفيعة ومتقدمة في دول الفشل والفساد، بينما ترتفع حضارة الكثير من البلدان الجاذبة لهذه القامات والأعمدة من ضحايا الفاشلين والطارئين في عمليات التسقيط والتهميش والإقصاء، تنحدر بلاد الفاشيين والفاشلين والانتهازيين والفاسدين إلى الحضيض.       

تموز 2018م

91
الألقاب وطبقة الفاسدين!

كفاح محمود كريم

   سابقا وربما قبل نصف قرن أو أكثر بقليل، كانت الألقاب إلى حد ما تعبر عن حقيقة حامليها، سواء كانت تلك الألقاب أكاديمية كدرجات علمية أو مهنية كالمعلم والمهندس والطبيب والفيتر والجقماقجي والدباغ، وهكذا حسب المهنة والتخصص فيها وصولا إلى الأستاذية (البروفيسور) أكاديميا و(الاوسطة) أو الخبير مهنيا، وفي الجانب الاجتماعي وطبقاته كانت الألقاب من قبيل الشيخ والأغا وعميد الأسرة تعبر عن موقع الشخص في مجموعته الاجتماعية، وهي وباستثناء عميد الأسرة القابلة للانتقال أو التغيير فان الشيخ والأغا تكون متوارثة دوما في القبائل المعروفة بترتيبها ورمزية مرجعيتها القيادية.

   وباستثناء هذين الحقلين توجد ألقاب أخرى تطلق على الذي يقوم بتأدية احد الفروض الدينية وهو الحاج ويلتصق هذا اللقب بصاحبه حتى وان ابتعد كثيرا عن فلسفة دينه وتعاليمها، حتى وصل الأمر بإطلاقه على كبار السن بصرف النظر عن حقيقته أو دينه، ومؤخرا على زعماء الأحزاب وقيادات الحشد الشعبي، وكذا الحال باللقب النسبي أي بالانتماء إلى نسب آل البيت، حيث يطلق على من يدعي انه من أحفاد أي كان من آل البيت، بما تمنحه هذه الصفة واللقب من تشريف اجتماعي مبالغ به كثيرا، متناسين إن الكثير من أقرباء الرسول لم يدخلوا الإسلام بل قاتلوه وقتلوا، والغريب إن هذا اللقب أو الصفة تطلق على ملايين العراقيين منذ 2003 وحتى اليوم، ويلحق هذا النمط من الألقاب تسميات أو مناداة على شاكلة مولانا وسيدنا وشيخنا والزاير والزايرة، إضافة إلى لقب الملا الذي كان يطلق على أي شخص مجرد انه يقرأ ويكتب وخاصة آيات القرآن في الريف تحديدا، حتى انتشر فأصبح ملازما لأمام الجامع ورجل الدين.

سنترك الماضي قليلا ونعود إلى سنواتنا هذه وتحديدا بعد 2003 حيث انتشرت ظاهرة الألقاب العلمية والاجتماعية التي تمنح للأشخاص على خلفية تجميلية أو مجاملة أو نفاق اجتماعي لا علاقة لها بحقيقة اللقب وخلفيته، وربما كانت هذه الظاهرة محاولة لاستنساخ تسميات وتوصيفات من أيام العهد العثماني وما تلاه من ممالك وإمارات، وما تزال تستخدم على المستوى الرسمي ألقاب على شاكلة السعادة والنيافة والعطوفة والدولة والغبطة والبيك والباشا، ناهيك عن توصيفات التعظيم للملوك وحاشيتهم وأسرهم، وبالتزامن مع عودة هذه التوصيفات عموديا، وظهور طبقة الفاسدين سياسيا واجتماعيا وماليا، واستحواذها على مواقع ومناصب خطيرة في الدولة كواحدة من التداعيات والتغييرات الحادة التي أنتجتها الحروب وما حصل بعد نيسان 2003، خاصة مع اتساع مساحات الفساد ونشوء طبقات من حديثي النعمة والسحت الحرام التي تحولت هي الأخرى إلى ظاهرة، بل تبلورت منها طبقة جديدة لا تنتمي للطبقات الثلاث المعروفة وهي الفقيرة والمتوسطة والغنية، وربما بتعبير أدق أو توصيف يليق بها هو الطبقة الرثة والطفيلية المعدية وبائيا!

   دعونا الآن نبدأ بالشيخ وما يعني حقيقة وتزويرا، والشيخ كما يعرف الجميع أما انه من أسرة شاخت على عشيرة أو قبيلة، فأصبحت هذه التسمية تلاحق أبنائها، حتى جاء صدام فانشأ دائرة للعشائر والشيوخ في ديوان الرئاسة، وصنف الشيوخ إلى ثلاث درجات أ،ب،ج، وبموجب هذا التقسيم صنع صدام حسين ألاف الشيوخ الطبع أي الدمج أي المزورين، حتى شاع مصطلح جديد في تعريف الشيوخ وتفريقهم عن بعضهم وهو: ( شيوخ التسعين ) أي أولئك المستحدثين والدمج كما يقال للضباط على شاكلتهم ممن طافوا على سطح العراق الجديد، بالتأكيد لا علاقة لنا هنا بشيوخ الدين مع علمنا بظهور شيوخ دينيين على شاكلة شيوخ التسعين وما أكثرهم اليوم، ولا يحتاجون إلا لحفظ عدة نصوص قرآنية أو نبوية مع لحية بسيطة وعمامة سوداء أو خضراء أو بيضاء، وتبدأ المهمة، وحينها يصعب التفريق بين هؤلاء جميعا، فقد أصبحت مفردة الشيخ تطلق تحببا أو تجملا أو نفاقا وتدليسا، ولا تحتاج إلا إلى ملابس فخمة ويفضل أن تكون شعبية فلكلورية وسيارة فخمة وتفضل أن تكون بيك آب دبل قمرة، ومسبحة خشنة وكم موبايل ونفر يتابع حركات صاحب التوصيف، وجيب ليل وخذ كذب وثرم حكي للصبح!

   أما الدكتور وهذه الصفة التي أهينت وهي بريئة ممن يستخدمها ظلما وبهتانا، فبعد أن كانت صفة للطبيب أو درجة علمية في اختصاص أكاديمي معين، أصبحت هي الأخرى مثل سابقتها الشيخ تمنح لكل من يعرف كم مصطلح أجنبي أو ينظم كم جملة من المصطلحات السياسية ويخرج على مشاهدي التلفزة خبيرا استراتيجيا، أو يشتريها فخريا لأنه فلتة زمانه، وهكذا دواليك في الباشا التي كانت ذات يوم رتبة اعتبارية أيام مملكة بني عثمان وما تلاها من ممالك وإمارات، ثم بدأت بالتلاشي مع ظهور الجمهوريات، لكنها عادت ثانية في أيامنا المهجنة هذه لكي تقدم صفة تجميلية منافقة للعلاقات العامة!

   وفي هذا الطوفان من الألقاب والرتب العسكرية وحتى نعثر على أصحابها الحقيقيين، تتبلور طبقة رثة ربما لم يصفها كارل ماركس في طبقاته للمجتمع وبذلك ستكون الطبقة الرابعة!

kmkinfo@gmail.com
                                                                                                                             أواسط تموز 2018م


92
المنبر الحر / طبيخ المكادي!
« في: 17:43 24/06/2018  »
طبيخ المكادي!
     
كفاح محمود كريم

     ما يحصل اليوم في كل من سوريا والعراق ولبنان والعديد من بلدان شرقنا الأوسطي التعبان، يشبه إلى حد كبير طبيخ المكادي أو الشحاتين على الدارجة المصرية، وطبيخ المكادي كما تنطق هنا في العراق والموصل تحديدا، مصطلح من الدارجة المحلية يعبر عن تلك الحالة المزرية التي نعيش تفاصيلها منذ سنوات ثقيلة سوداء، وهي بالتالي تعني تلك الخلطة الرهيبة من المتناقضات المجموعة في سلة واحدة أو قدر واحد، كما يفعل الشحاذ أو الشحات أو المكٌدي وهو يستجدي ويجمع الأكل في إناء واحد ظهيرة كل يوم من بيوت المحلة، فيصبح خليطا مقززا في أشكاله وألوانه وروائحه!

     لقد استلبت الموصل وتحولت إلى طبيخ مكادي أيام حكم داعش، حيث اختلط فيها الحابل والنابل، وخلال أربع سنوات عجاف تعفن ذلك الطبيخ وتأملنا بأنه سيقتل أولئك النكرات الذين احتلوها في غفلة من الزمن والأخلاق، لكن تحريرها أصبح لعنة لا تقل عن احتلالها، فها هي مدينة خربة تنتشر فيها الغربان وتتفسخ فيها الجثث، ثم تعرض في المزاد للبيع، ويعود المكادي لكي يلملموا بقايا الطبيخ في مدينة لم تضاهيها حاضرة في ما بين النهرين، عادوا بلبوس جديد وعناوين مختلفة، لكنها في الأصل واحدة، فالإرهاب لا دين له ولا مذهب، كالفساد الذي يجمع كل الحرامية وأبناء السحت الحرام على إناء واحد، والغريب أنهم كما يقولون قدم في الجنة وأخرى في جهنم، يلعبون على كل الحبال والمتناقضات، معظمهم كانوا مع داعش أو جل أقربائهم معهم، واليوم ذات الصورة مع الحكومة والحشد، بل أصبحوا يؤسسون لحشود تحت إمرتهم، ويتولون عملية اعمار ما خربوا!

     ليس غلوا أو تجنيا أن أدخل بهذه التشبيهات إلى مطبخ السياسيين وعجقتهم المقرفة في شرقنا الأوسط وتناقضاته المثيرة للاشمئزاز قبل الاستغراب، ورحلة سريعة إلى تحالفات وتجمعات المتناقضين حد الاقتتال تعطينا لوحة ومشهد الحاضر والمستقبل الذي لا يبشر كثيرا بالخير على الأقل في المرئي منه، خاصة في العراق وسوريا، حيث تجتمع وتتحالف وتتعاون وتتآمر معظم الأحزاب والحركات وعرابيها من دول الإقليم وما بعد الإقليم، ففي العراق يجمع النفط كل الحرامية وان اختلفوا في الدين أو المذهب أو السياسة أو العرق، فهم في الآخر يرضعون من ثدي واحد، ويتقاضون أتعابهم أو لصوصياتهم من ذات الأنابيب والآبار، وفي السياسة لا تستغرب أخي القارئ أن يدفع الحشد الشعبي مرتبات فصائل لحزب العمال الكوردستاني القادمين من تركيا وملحقاتهم في سوريا إلى جبل سنجار مثلا، بينما أبواق الدعاية السياسية في بغداد تعمل ليل نهار للدفاع عن سيادة العراق، خاصة وان الأشقاء الأتراك يجولون في السيادة العراقية ويلعبون بها طوبة (كرة) كما يقول الدارج العراقي، دون أن تهتز شعرة وحده من شوارب أو سكسوكات أهل السيادة ووحدة الأراضي!

     وفي العراق أيضا يتحالف (الملحدين الكفار) على توصيف الأحزاب الإسلامية للشيوعيين، مع المؤمنين للعظم من أحزاب الدين ومذاهبه، ولا تؤثر فكرة الجنة الموعودة ولا جهنم الكفار على عقيدتهم البروليتارية وماديتها التاريخية، ولا عجب فان الحزب الذي ناضل كل حياته ضد الامبريالية والرأسمالية والأفكار الخيالية يتبوأ اليوم كراسيه في برلمانهم وحكومتهم وتحالفاتهم، وما زلنا في العراق حيث يجتمع الأعداء في تحالفات وراء الكواليس وأحيانا أمامها أيضا، فلا تستحي أمريكا من تعاونها مع ايران في العراق والسماح لها بالتمدد، ولا يخالف شريعة ايران الإلهية والامامية التحالف مع الشيطان الأكبر والتعاون معه في نفس الدولة ومع نفس الأشخاص والأحزاب، ولا تستغرب غدا أن يتحالف الإقليم أيضا ضمن اللعبة السياسية مع من هدد كيانه وشن حربا عليه، أو مع سلفه الذي هدد الإقليم بطائرات F16 !

     وفي سوريا الطامة الكبرى، وعليك أخي القارئ أن تفوض أمرك لله وتضبط  أعصابك من الضحك أو النواح مما يحصل هناك من تحالفات الضوء والظلام والعدو والصديق، حتى بلغت الأمور بأنك لم تعد تفرق بين النصرة والشبيحة أو بين جيش الإسلام والقوات الديمقراطية جدا، والأغرب في هذا الطبيخ، ذلك التعاون المريح والناعم بين أنقرة ودمشق، وبين دمشق وواشنطون، وبين إيران الشيعية الصفوية وبين تركيا السنية الاخوانية، تعاون حتى العناق بين الأمريكان والروس والأتراك والإيرانيين في باليه تراجيدي كوميدي تضحك له إسرائيل وعصاتها السحرية الخلابة، التي يرقص على حركاتها العديد من الذين يصرعوننا ليل نهار بالعدو الصهيوني الغاشم، وهم يتبادلون معه الأسرى والمقايضات غير المعلنة في لبنان والشقيقة الكبرى ايران التي احتضنت بأخوة إسلامية لدودة كل مجاهدي القاعدة وهيأت لهم مسالك الذهاب والإياب، وفي هذا الإناء الذي ضم مختلف أنواع الأكلات والحركات والأحزاب والحكومات والميليشيات، لا عجب أن ترى إن تنظيم الدولة ( داعش ) استهدف أكثر الدول والأنظمة متانة من الناحية الأمنية واخترق خطوطها وضربها في العمق، بينما يقف عاجز تماما عن الاقتراب من الحدود المقدسة لإيران أو إسرائيل أو كثير من النائمين رغد على ضفاف الخليج، والأكثر مأساوية في هذا المطبخ والطبيخ الدموي، إن المتقاتلين جميعهم لا يعرفون أي شيء عن هذه التحالفات بين من يقاتلهم أو يصالحهم، حتى امتلأت سطلة الشحاذ بأنواع الطبخات، ونتيجة ارتفاع درجات الصراع والحرارة تفسخ الطبيخ وتسمم الشحاذ البائس، وهو بين الحياة والموت والمشتكى لله وحده!

kmkinfo@gmail.com
أواخر حزيران 2018م


 


93
العدالة بين الدكتاتورية والديمقراطية

كفاح محمود كريم

     ربما في الحقبة الأولى لتأسيس الدولة العراقية لم تظهر الدكتاتورية بمعناها السائد اليوم من خلال الأنظمة الشمولية المنتشرة في عالمنا الشرقي، لأسباب كثيرة في مقدمتها محاولة الهواشم مع البريطانيين في استنساخ النموذج الملكي الانكليزي وتطبيقه في المجتمعات العراقية القبلية والمحافظة دون الاهتمام بالبعد الزمني والحضاري بين الكيان الجديد والمملكة العريقة، ورغم ذلك ولمكانة البيت الهاشمي وامتداداته من ناحية النسب بالنبي محمد، فان النموذج حقق بعض الاستقرار والهدوء، وربما إلى حدا ما القبول من المكونات العرقية والقومية غير العربية، لكن هذا النموذج لم يستمر طويلا، حيث نجحت ثلة من العسكر في انقلاب دموي أدى إلى إبادة العائلة المالكة ومحاولتها في تأسيس ديمقراطية برلمانية ودكتاتورية ملكية مشرعنة، بل ووأد تلك الوليدة الجميلة التي حملت اسم الديمقراطية، لكي تلد طفلا مدللا جديدا يحتل مكانها ويكون مركزا للعالم واهتماماته!

     يقول علماء النفس في إحدى نظرياتهم حول علم نفس الطفل إنه يرى نفسه مركزا للعالم الذي يشعر بدورانه حوله، بل وفي خدمته وتحت تصرفه، وبوجود بيئة تساعد على نمو هذا الشعور وتعملقه ودلال أسرته يتحول هذا الكائن المدلل تدريجيا إلى دكتاتور لا شريك له في هذا العالم، ابتداءً من تحوله إلى رب أسرة ينتج سريرته ويكاثرها في أبنائه أو بناته، أو مدير دائرة يُشعر معيته بأنه فيلسوف عصره وأن استبداله سيوقف حياة وتطور تلك الدائرة، ولك أن تقيس أخي القارئ كلامنا هذا على مديرك العادي وصولا إلى من يتولى  إدارة المنكوبين من العباد، فيصبح رئيسا عظيما وضرورة أو حتمية تاريخية، يتطلب من بقية الكائنات الدوران حول كوكبه الدري!.

     وإزاء هذه البيئة هناك بيئة أخرى معاكسة لها في كل التفاصيل، وخاصة تلك التي تكمن في تربية هذا الطفل الدكتاتوري وتعديل مشاعره وتقليمها وفق أسس تقلب المعادلة من كوكب تدور حوله كل الكواكب، إلى نجم يدور هو حول كوكب اسمه المجتمع، ويشعر بأنه جزء من عالم وعليه خدمته لإثبات انتمائه له دونما شعور بالفردية الطاغية، ومن هنا تبدأ حكايتنا حيث يستمر هذا الطفل باعتبار كل العالم يعمل لأجل تنفيذ رغباته أو العكس، فإذا جمعنا طفلنا المدلل واعتبرناه في جمعه يمثل مجتمعاتنا الشرقية، ندرك ونكتشف حقيقة اللبنات الأولى في بناء الديمقراطية أو الدكتاتورية.       

     لقد ابتليت منطقتنا بأنماط من هذه السلوكيات والثقافات المتوارثة عبر أجيال وحقب زمنية ليست قصيرة، ابتداءً من الأسرة ودكتاتورية الأب أو ولي الأمر، وانتهاء بالقائد الضرورة، مرورا بكل من تسلط على عباد الله وإن كان عددهم اثنان فقط، لكي يمارس عليهما نرجسيته وتفرده، فإذا كانت البداوة مرحلة من مراحل تطور مجتمعاتنا وما زالت تتمركز في كثير من مفاصلنا التربوية والاجتماعية، مضافا إليها إكسسوارات قروية وقبلية  كرست تفرد الشيخ والأغا، الذي تطور كمفهوم للتسلط والأحادية في من يتولى إدارة أي مؤسسة أو حركة أو حزب في حياتنا، فإنها اليوم تتجلى في الكثير من سلوكيات أولئك الذين يحملون شعارات الديمقراطية في زمن الربيع العربي الذي صبغ بلدان البداوة السياسية بألوان الدماء والدموع منذ سنوات على أنقاض أنظمة أوحت لنا جميعا، أن دكتاتورياتها أفضل بكثير من ديمقراطية البداوة الجديدة، تلك الدكتاتوريات التي أنتجت مشروع داعش مختصرة كل أفكار وتوجهات من أرادوا بناء دولة الوحدة العربية أو الإسلامية وصهر وإذابة كل ما هو خارج مفهومي الانتماء لغير العرب أو الإسلام في بوتقة هذا المشروع.

     إن تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية وقبله القاعدة ومجمل الحركات العنصرية والدينية والمذهبية وخاصة داعش ليست طارئة أو وليدة الربيع البائس، بل هي نتاج ثقافة وسلوك متراكم من مئات السنين، وخبطة معقدة من الثقافة الدينية البدائية والسطحية والسلوك البدوي وعقلية القرية وبنائها الاجتماعي والتربوي، وهي بالتالي الحلقة الأخيرة في سلسة الأحزاب العنصرية القومية أو الدينية التي تطمح لبناء دولة إيديولوجية، أساسها العرق العنصري أو الدين المتطرف والمتشدد، وما يتبعه من مذاهب وطوائف، ببناء فكري متعصب أحادي التفكير، لا يقبل الآخر إلا عبدا مطيعا أو ملحا مذابا في بوتقته الفاهية، وعلى ضوء ذلك ولان دورة تربية مجتمع بأكمله من الطفولة حتى النضج تستدعي زمنا ليس قصيرا، بل حقبة طويلة لسبب بسيط هو أن المربي ذاته هو الذي أنتج هذه السلوكيات، ولان الكثير يعتقد بان مجتمعاتنا لا تتحمل هذا النمط من النظم الاجتماعية والسياسية، وهي متمتعة بوجود الفارس والرمز، بسبب تراكمات هائلة من العادات والتقاليد والتركيب النفسي والاجتماعي والتربية الدينية الأحادية الاتجاه، علينا البحث عن خيارات أخرى وتعديلات مهمة للعديد من النظريات والتجارب لكي تتناسب مع معطيات مجتمعاتنا وارثها الثقيل من الحكم الشمولي، فإذا كانت العدالة هي الأساس في كل التجارب والنظريات السياسية والاجتماعية في بناء الدولة، إذن لا يهم استخدام أي نظرية أو نموذج أو تطبيق أو تعديل لتحقيق ذات الهدف السامي ألا وهو العدالة بصرف النظر عن التسميات والعناوين، والمهم أن تتحقق العدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بما يرتقي بالمجتمع ومؤسساته إلى مستويات إنسانية متحضرة.

    أليس غريبا في شرقنا الأوسط وربما في العديد من البلدان التي تشبهنا، أن تُفتقد أوجه كثيرة للعدالة بين تفاصيل وتطبيقات الديمقراطية، بينما تنتعش تحت ظلال أنظمة مستبدة لكنها عادلة!

kmkinfo@gmail.com             
    أواسط حزيران 2018م



94
ديمقراطية الدكتاتورية الحديثة!

كفاح محمود كريم

     يقول علماء النفس في إحدى نظرياتهم حول علم نفس الطفل إنه يرى نفسه مركزا للعالم الذي يشعر بدورانه حوله، بل وفي خدمته وتحت تصرفه، وبوجود بيئة تساعد على نمو هذا الشعور وتعملقه ودلال أسرته يتحول هذا الكائن المدلل تدريجيا إلى دكتاتور لا شريك له في هذا العالم، ابتداءً من تحوله إلى رب أسرة ينتج سريرته ويكاثرها في أبنائه أو بناته، أو مدير دائرة يُشعر معيته بأنه فيلسوف عصره وأن استبداله سيوقف حياة وتطور تلك الدائرة، ولك أن تقيس أخي القارئ كلامنا هذا على مديرك العادي وصولا إلى من يتولى  إدارة المنكوبين من العباد، فيصبح رئيسا عظيما وضرورة أو حتمية تاريخية، يتطلب من بقية الكائنات الدوران حول كوكبه الدري!.
     للبيئة أعلاه بيئة أخرى معاكسة لها في كل التفاصيل وتكمن في تربية هذا الطفل وتعديل تلك المشاعر وتقليمها وفق أسس تقلب المعادلة، فيتحول من كوكب تدور حوله كل الكواكب، إلى نجم يدور هو حول كوكب اسمه المجتمع، ويشعر بأنه جزء من عالم وعليه خدمته لإثبات انتمائه له دونما شعور بالفردية الطاغية، ومن هنا تبدأ حكايتنا حيث يستمر هذا الطفل باعتبار كل العالم يعمل لأجل تنفيذ رغباته أو العكس، فإذا جمعنا طفلنا المدلل واعتبرناه في جمعه يمثل مجتمعاتنا الشرقية، ندرك ونكتشف حقيقة اللبنات الأولى في بناء الديمقراطية أو الدكتاتورية.       

     لقد ابتليت منطقتنا بأنماط من هذه السلوكيات والثقافات المتوارثة عبر أجيال وحقب زمنية ليست قصيرة، ابتداءً من الأسرة ودكتاتورية الأب أو ولي الأمر، وانتهاء بالقائد الضرورة، مرورا بكل من تسلط على عباد الله وإن كان عددهم اثنان فقط، لكي يمارس عليهما نرجسيته وتفرده، فإذا كانت البداوة مرحلة من مراحل تطور مجتمعاتنا وما زالت تتمركز في كثير من مفاصلنا التربوية والاجتماعية، مضافا إليها إكسسوارات قروية وقبلية  كرست تفرد الشيخ والأغا، الذي تطور كمفهوم للتسلط والأحادية في من يتولى إدارة أي مؤسسة أو حركة أو حزب في حياتنا، فإنها اليوم تتجلى في الكثير من سلوكيات أولئك الذين يحملون شعارات الديمقراطية في زمن الربيع العربي الذي صبغ بلدان البداوة السياسية بألوان الدماء والدموع منذ سنوات على أنقاض أنظمة أوحت لنا جميعا، أن دكتاتورياتها أفضل بكثير من ديمقراطية البداوة الجديدة، تلك الدكتاتوريات التي أنتجت مشروع داعش مختصرة كل أفكار وتوجهات من أرادوا بناء دولة الوحدة العربية أو الإسلامية وصهر وإذابة كل ما هو خارج مفهومي الانتماء لغير العرب أو الإسلام في بوتقة هذا المشروع.

     إن تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية وقبله القاعدة ومجمل الحركات العنصرية والدينية والمذهبية وخاصة داعش ليست طارئة أو وليدة الربيع البائس، بل هي نتاج ثقافة وسلوك متراكم من مئات السنين، وخبطة معقدة من الثقافة الدينية البدائية والسطحية والسلوك البدوي وعقلية القرية وبنائها الاجتماعي والتربوي، وهي بالتالي الحلقة الأخيرة في سلسة الأحزاب العنصرية القومية أو الدينية التي تطمح لبناء دولة ايديولوجية، أساسها العرق العنصري أو الدين المتطرف والمتشدد، وما يتبعه من مذاهب وطوائف، ببناء فكري متعصب أحادي التفكير، لا يقبل الآخر إلا عبدا مطيعا أو ملحا مذابا في بوتقته الفاهية، وعلى ضوء ذلك ولان دورة تربية مجتمع بأكمله من الطفولة حتى النضج تستدعي زمنا ليس قصيرا، بل حقبة طويلة لسبب بسيط هو أن المربي ذاته هو الذي أنتج هذه السلوكيات، ولان الكثير الكثير يؤمن بان مجتمعاتنا لا تتحمل هذا النمط من النظم الاجتماعية والسياسية، وهي سعيدة جدا بوجود الفارس والرمز، بسبب تراكمات هائلة من العادات والتقاليد والتركيب النفسي والاجتماعي والتربية الدينية الأحادية الاتجاه، عليه وجب البحث عن حلول وخيارات أخرى غير هذه النظم، أو أن يتحول الجميع إلى دكتاتوريين لكي لا يُتهم أحد بأنه قد تفرّد بالآخرين!؟

kmkinfo@gmail.com             
    أوائل حزيران 2018م

 

95
غزوة كركوك وعاصفة الانتخابات!

كفاح محمود كريم

     حينما شعر أولئك الذين صنعوا آلهتهم من التمر بالجوع سارعوا إلى التهامها، وفروا من الدستور إلى حيث كان يقول دكتاتور العراق الكبير صدام حسين:
     ( ليس لدينا قانونا كالقرآن فنحن الذين نصنع القوانين والدساتير وفي أي لحظة نلغيها ونعدلها بما يخدم مصلحتنا!).
     لقد أدرك غالبية الكوردستانيين وقياداتهم وفي مقدمتهم البارزاني إن برنامج أعداء الفيدرالية اكتمل وهم قاب قوسين من تطبيقاته، واجتياح الإقليم وإلغاء كيانه وتجربته والعودة لا إلى المربع الأول بل إلى ما دونه، فسارعوا إلى إجراء الاستفتاء تعبيرا إنسانيا وقانونيا وأسلوبا مدنيا متحضرا للرجوع إلى رأي الأهالي في مسألة مصيرية تتعلق بحياة ملايين من البشر، إلا أنهم اعتبروا ذلك وبعنجهية بدائية إن هذا السلوك معادي لهم، وهو يمس أساسيات الدولة العراقية ( حسب تفسيرهم )، تلك الدولة التي وصفتها ديباجة الدستور ووضعت أقفالا ومفاتيحا للدخول والخروج منها، ووصفت العراق الجديد بأنه (عراق المستقبل، من دون نعرة طائفية، ولا نزعة عنصرية ولا عقدة مناطقية ولا تمييز، ولا إقصاء.) وإذا كان هذا هو القفل فان المفتاح في هذا النص الذي ختم الديباجة هو: (إنّ الالتزام بهذا الدستور يحفظُ للعراق اتحاده الحر شعبا وأرضاً وسيادةً).
     ورغم ذلك اختاروا لغة الدماء والاجتياح وإيقاف العمل بالدستور، وخرقه باستخدام القوات المسلحة لحل النزاعات مع الأقاليم والمحافظات، هذه القوات التي تم تعريفها دستوريا في المادة التاسعة أولا/ أ: (لا تكون أداة لقمع الشعب العراقي ولا تتدخل في الشؤون السياسية ولا دور لها في تداول السلطة)، ورغم ذلك تم احتلال كركوك والمناطق المتنازع عليها، وتهجير أكثر من 180 ألف مواطن منها وحرق بيوتهم وسرق ونهب ممتلكاتهم، بل وان أول بيان إعلان احتلال كركوك تم منع استخدام اللغة الكوردية من قبل قائد العمليات العسكرية لمنطقة كركوك اللواء علي فاروق، رغم إن اللغة الكوردية هي اللغة الرسمية في العراق إلى جانب العربية كما جاء في المادة (أولاًـ اللغة العربية واللغة الكوردية هما اللغتان الرسميتان للعراق ).*

     وإزاء غزوة كركوك التي مزقت روحية الدستور مستهدفة أكثر من 92% من شعب وكوردستان، فقد جاءت الانتخابات العراقية الأخيرة لتؤكد جملة من الحقائق، في مقدمتها فشل مشروع الإقصاء والتهميش لحركة التحرر الكوردستانية المتمثلة بالحزب الديمقراطي الكوردستاني ورئيسه مسعود بارزاني، الذي اكتسح صناديق الاقتراع في كوردستان متقدما على مستوى العراق والإقليم، مما يتطلب إعادة النظر ومراجعة العلاقات بين أربيل وبغداد بعيداً عن التعصب والتوتر وأن تكون تلك الانتخابات بداية لمرحلة جديدة بين الجانبين، مرحلة فرضتها إرادة الشعبين العراقي والكوردستاني، العراقي حينما رفض أكثر من نصف سكانه التصويت احتجاجا على فشل الحكومات وبرلمانها، وكوردستانيا هذا الإصرار على التمسك بقيادته وحركة تحرره الوطني والقومي الذي رفض كل نتائج غزوة كركوك وتداعياتها، وأصر على الديمقراطية والحوار والانتخابات، التي أفرزت واقعا جديدا يتطلب أن يكون العراق وكوردستان تحت حماية الدستور والشراكة الحقيقية، لا تحت تصرف أولئك الذين ينظرون بعين واحدة ويلتهمون مقدساتهم نزولا لرغباتهم الغرائزية المقيتة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* رابط منع استخدام اللغة الكوردية من قبل قائد عمليات كركوك:
www.youtube.com/watch?v=iPV3j6WCa1k

96
حقول العبادي وبيادر البارزاني!

كفاح محمود كريم

     من الأمثلة العربية الجميلة حول الأوهام أو التوقعات غير الجدية مقارنة مع واقع الحال هو حسابات الحقل والبيدر، حيث أنها في الحقل ربما تعطي مع أوهام الربيع التي تشبه الربيع العربي، انطباعا مزينا بالغرور والتصور المبالغ، كما كان يتوقع رومانسيو الثورات من نتائج فوضويات الربيع العربي وماسيه، فما حصل للسيد عبادي وطاقمه من الذين أوهمتهم بنادقهم المهترئة وعقولهم القاصرة، بأن الطريق إلى قلعة اربيل سيكون بسهولة الاندساس إلى كركوك عبر مجموعة هزيلة، سهلت لهم غزو كركوك وشقيقاتها من بنات المادة 140 من الدستور، إن حساباتهم الحقلية تلك لم تتطابق مع بيادر البارزاني وحزبه، تلك البيادر التي حصد فيها البارزاني ما كان يتوقعه ويصر عليه في الانتخابات العراقية الأخيرة، وقبلها في الاستفتاء الذي جرى يوم 25 أيلول 2017م وحصد فيه الأغلبية من الأصوات.

     حينما قرر الفارون من الدستور إلى حيث صدى مقولة دكتاتور العراق الكبير صدام حسين ( ليس لدينا قانونا كالقرآن فنحن نضعه وفي أي لحضه نلغيه أو نعدله!)، أدرك الكثير هنا في إقليم كوردستان وفي مقدمتهم مسعود بارزاني إن برنامجهم اكتمل وهم قاب قوسين من تطبيقاته في اجتياح الإقليم وإلغاء كيانه وتجربته، والعودة لا إلى المربع الأول بل إلى ما تحته، ولذلك جاء الاستفتاء تعبيرا إنسانيا وقانونيا وأسلوبا مدنيا متحضرا للرجوع إلى رأي الأهالي في مسألة مصيرية تتعلق بحياة ملايين من البشر، إلا أنهم اعتبروا ذلك وبعنجهية بدائية إن هذا السلوك (غير دستوري) وانه يمس أساسيات الدولة العراقية، التي وصفتها ديباجة الدستور ووضعت أقفالا ومفاتيحا للدخول والخروج منها، تلك الديباجة التي وصفت العراق الجديد بأنه:
     (عراق المستقبل، من دون نعرة طائفية، ولا نزعة عنصرية ولا عقدة مناطقية ولا تمييز، ولا إقصاء.)
     وإذا كان هذا هو القفل فان المفتاح في هذا النص الذي ختم الديباجة هو:
     (إنّ الالتزام بهذا الدستور يحفظُ للعراق اتحاده الحر شعبا وأرضاً وسيادةً).
     ورغم ذلك اختاروا لغة الدماء والاجتياح وإيقاف العمل بالدستور، وخرقه باستخدام القوات المسلحة لحل النزاعات مع الأقاليم والمحافظات، هذه القوات التي تم تعريفها دستوريا في المادة التاسعة أولا/ أ:
     (لا تكون أداة لقمع الشعب العراقي ولا تتدخل في الشؤون السياسية ولا دور لها في تداول السلطة)
     ورغم ذلك تم احتلال كركوك والمناطق المتنازع عليها، وتهجير أكثر من 180 ألف مواطن ( حسب إحصائيات الأمم المتحدة في العراق وكوردستان ) وحرق مئات البيوت وسرق ونهب ممتلكاتها في طوزخورماتو، بل وان أول بيان لإعلان احتلال كركوك تم فيه منع استخدام اللغة الكوردية من قبل قائد العمليات العسكرية لمنطقة كركوك اللواء علي فاروق، رغم إن اللغة الكوردية هي اللغة الرسمية في العراق إلى جانب العربية كما جاء في المادة أولاً:
( اللغة العربية واللغة الكوردية هما اللغتان الرسميتان للعراق ).*

     ولان الاستفتاء والانتخاب والاعتصام والتظاهر اساليبا مدنية متحضرة للتعبير عن الرأي، فقد استخدمها شعب كوردستان وقياداته للتعبير عن الخطر الذي يداهم الإقليم وشعبه، والذي أكدت مجريات الأحداث صدق ما ذهب إليه مسعود البارزاني من أن الاستفتاء جاء نتيجة (عدم تطبيق حكومة بغداد للدستور.)، وعليه قامت الدنيا ولم تقعد عند أولئك الذين ينظرون بعين واحدة ويريدون أن يروا العالم بزاويتهم الشمولية التي كلفت العراق منذ تأسيس كيانه السياسي، آلاف مؤلفة من الضحايا والفرص الذهبية للتقدم والتطور، إلا أنهم يصرون عبر كل مراحل التاريخ على إبقاء هذه البلاد على هذا النحو الذي هي فيه اليوم!
     لقد جاءت الانتخابات العراقية الأخيرة لتؤكد جملة من الحقائق، في مقدمتها فشل مشروع الإقصاء والتهميش لحركة التحرر الكوردستانية المتمثلة بالحزب الديمقراطي الكوردستاني ورئيسه مسعود بارزاني، الذي اكتسح صناديق الاقتراع في كوردستان متقدما على مستوى العراق والإقليم، مما يتطلب إعادة النظر ومراجعة العلاقات بين أربيل وبغداد بعيداً عن التعصب والتوتر وأن تكون تلك الانتخابات بداية لمرحلة جديدة بين الجانبين، مرحلة فرضتها إرادة الشعبين العراقي والكوردستاني، العراقي حينما رفض أكثر من نصف سكان العراق التصويت احتجاجا على فشل الحكومات وبرلماناتها، وكوردستانيا هذا الإصرار من شعب كوردستان وتمسكه بقيادته وحركة تحرره الوطني والقومي الذي رفض كل نتائج غزوة كركوك وتداعياتها وأصر على الديمقراطية والحوار والانتخابات التي أفرزت واقعا جديدا تأمل فيه البارزاني أن تتم مراجعة للعلاقات بين أربيل وبغداد بعيداً عن التعصب والتوتر، وأن تكون تلك الانتخابات بداية لمرحلة جديدة بين الجانبين، لا تخضع لحسابات كارثية أكل عليها الزمن وشرب، بل على معطيات واقعية تتعامل مع حقيقة البيادر المنتجة للخير والسلام والازدهار، وليس للهيمنة والتهميش والإقصاء!.

* رابط منع استخدام اللغة الكوردية من قبل قائد عمليات كركوك:
https://www.youtube.com/watch?v=iPV3j6WCa1k

97
وفاز أصحاب الاستفتاء!

كفاح محمود كريم

     راهن الكثير من صناع الأزمات سواء في بغداد أو في غيرها من عواصم الخلاف الأبدي مع الآخر المختلف، بأن عملية الاستفتاء التي جرت في أيلول سبتمبر 2017 جاءت بالضد من مطامح الأغلبية الكوردستانية، وستتخرج أصحابها من فضاء قيادة المشروع الحضاري الكوردستاني والعراقي، ولعله من المفيد أن نذكر أيضا كل تلك الإجراءات التعسفية التي استهدفت في رأس رمحها رمز الاستفتاء والمشرف عليه السيد مسعود بارزاني، محاولة إخراجه من حزمة قيادة حركة التحرر الكوردستانية التاريخية، كما كانت تفعل خلال عقود طويلة مع الزعيم ملا مصطفى البارزاني، ثم تعود مستكينة مكسورة لتبدأ مفاوضاتها معه!

     اليوم أيقن الجميع إن كل الطرق مغلقة أمام من يريد حلا حضاريا حقيقيا للقضية الكوردية باستثناء طريق البارزاني وحزبه، الذي اكتسح الانتخابات العراقية العامة في إقليم كوردستان ليحقق دوما ريادته وزعامته للمشهد السياسي والاجتماعي في كوردستان العراق، وصدق المثل العراقي الدارج  ( كل الشرايع زلك والعبرة من عندنا ) في توصيف ما قاله الرئيس الأسبق صدام حسين عشية البدء بمفاوضات السلام نهاية 1969 مع الزعيم ملا مصطفى البارزاني حينما قال:

     " لا يمكن التفاوض حول حقوق الكورد وقضيتهم مع أي جهة أو شخص إلا مع البارزاني والبارتي ويقصد الديمقراطي الكردستاني "

     في غزوة كركوك أراد أصحابها وعسسهم في الإقليم من شلة النفط والدولار إقصاء أصحاب الاستفتاء، وتهميش دور الزعامة البارزانية لمشهد التاريخ الكوردي حاضرا ومستقبلا، فجاءت عاصفة الانتخابات العراقية لتكتسح تلك الآمال والتوقعات وتزيح المستور من المؤامرات في ضرب أصحاب الاستفتاء في عقر دارهم، لتؤكد نتائجها أنهم أساس البناء في كيان الإقليم، وما يزالون الدرب الأوحد للمرور عبره في تحقيق الأمن والسلام لا لكوردستان فحسب وإنما لكل العراق.

     حقا أنها فرصة ذهبية للفائزين بكرسي الحكم في بغداد للمرور الأخير ربما عبر بوابة البارزاني الذي خذلته ضباع السياسة المحلية والإقليمية، وانتصرت له إرادة الملايين من الذين أرادت بغداد معاقبتهم بسبب مشاركتهم بالاستفتاء، فوقفوا بجانبه رغم عسرة المعيشة ولؤم الحاكمين على المال والسلطة في بغداد، وقال الجميع إننا مع بغداد المواطنة ودولة الشراكة الحقيقية وإلا فان بطاقة الاستفتاء الحمراء ما تزال في جيب الحكم!

kmkinfo@gmail.com
                                                                                                                          أواسط أيار 2018م


98
ديمقراطية الشيخ والملا والدينار!

كفاح محمود كريم


     في واحدة من أكثر الصور إثارة  تلك التي تجلت في التطبيقات الديمقراطية الغربية على بلدان تتحكم في مفاصل حركتها الحياتية الدقيقة موروثات مئات السنين من حكم شيخ القبيلة وعالم الدين (الملا) والدينار، تلك الصور الدخيلة تماما على أنماط السلوك والعادات في هذه البلدان، التي تعاني أساسا من إشكاليات في تكوينها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وخاصة ما يتعلق بمفهوم العدالة ومصادر قوتها، هذا الثلاثي الذي اثبت قدرته على إفشال معظم التجارب التي تم تطبيقها في مختبرات تلك الشعوب ودولها، وهنا استذكر كلاما لمواطن بسيط من عامة الأهالي وهو يتحدث بزهو عن عظمة الشعب ومقدرته على إفشال  تلك التجارب، وكان يقصد الأنظمة وتجاربها، ابتداءا من محاولات الهواشم في تكوين دولة مواطنة برلمانية ديمقراطية على غرار الأسطوات البريطانيين، لكن هذا الشعب العظيم نجح في تحويل برلمان الملك إلى مضيف من مضايف الشيوخ بكل عاداته وتقاليده، حتى انتصر الزعيم ورفاقه من الضباط الأشاوس في إبادة الهواشم وبرلمانهم وحكومتهم، والبدء بتأسيس الجمهورية الخالدة واشتراكيتها المزعومة، التي ما برحت أن أبيدت هي الأخرى، لكي ينتصر البعث ويشرع في تأسيس دولة حزبه المنشودة من الخليج إلى المحيط، والتي تمخضت فولدت الأنفال وغزو الكويت، وسرعان ما انهارت هي الأخرى وفشلت اشتراكيتنا الخاصة جدا!
     بعد حروب داخلية وخارجية استمرت طيلة ما يقرب من ثمانين عاما، أنتجت مئات الآلاف من القتلى والمعاقين ودمرت بلادا كانت توصف ذات يوم بالبلد الأغنى، فشلت بتميز سلسلة من التجارب السياسية والاقتصادية التي تم تجريبها حتى أدرك الغرب وقائدته أمريكا إن هذه التجارب والأنظمة أصبحت سلوكا وراثيا تاريخيا، بل أن الأخير أي نظام القائد الضرورة التصق بكرسي الحكم ومفاصله الاجتماعية والنفسية حتى لم يعد أي عراقي يجرأ بمجرد التفكير بتغييره، وكما قال احدهم بأنه لولا جيوش الغرب لحكم العراق أحفاد صدام حسين وأبنائهم، وادعى الولايات المتحدة بأنها جاءت لتنقذ العراق وشعبه، وبدأت بتطبيق برنامجها الديمقراطي معتمدة وبشطارة على ذات  الثلاثي التاريخي الشيخ والملا والدينار، الذي أفشل كل التجارب السابقة، مبررة ذلك بأنها موروثات اجتماعية مقدسة لا يمكن المساس بها!   
     ولنبدأ من حيث انتهت أوضاع هذه البلاد بقيام الفاتحين الجدد من الأمريكان وحلفائهم بإسقاط آخر الأنظمة الدكتاتورية فيها، وإدخالها في مدرسة الديمقراطية الغربية منذ خمسة عشر عاما، خاضت فيها ثلاثة امتحانات اقصد انتخابات كانت نتائجها جميعا ما نشهده اليوم في بلاد تم وصفها بالدولة الفاشلة والافسد في العالم حسبما جاء في تقرير منظمة الشفافية الدولية نهاية العام 2017م؛ حيث إن ثلثها مدمر في الاحتلال والتحرير، وثلثها الثاني يعاني من الفاقة والعوز والفقر وتردي الخدمات، وثلث ثالث محاصر ومحارب لكونه ازدهر وبازدهاره فضح عوراتهم فأراد الخروج من هذه العجقة المريبة.
     تحت ظل هذه الظروف وهذا الواقع المزري تخوض بلادنا امتحانها الرابع بأكثر من ثمانية آلاف مرشح  يتهافتون على حجز كراسيهم في بنك يسمى البرلمان، وامتيازات لا نظير لها في كل العالم المتقدم منه والمتخلف، وينتظرون موافقة ما يزيد على أربعة وعشرين مليون ناخب، غالبيتهم تنخر في مكنوناتهم العميقة ثقافة العبودية والقطيع القبلي أو المذهبي أو التكسبي، ولا يهمهم إطلاقا إلا رضا الشيخ أو المرجع أو الجيوب، بعيدا عن أي مفهوم ناضج للوطن والمواطنة الحقة.
     مدارس الديمقراطية الغربية التي فتحتها أمريكا وبعض بلدان أوربا في كل من العراق وسوريا واليمن وليبيا وقبلهم أفغانستان، أتت أكلها وأنتجت بلدانا خربة تعبث فيها أفواجا من الفاسدين والانتهازيين، وكرست ثقافة القرية والعشيرة والتناحر المذهبي والديني تحت غطاء الحرية والديمقراطية العرجاء، مدارس بمستويات عالية تفتتح لمجتمعات تعاني في الأصل من أمية أبجدية وحضارية وثقافية واجتماعية، ولا تقدر على إدراك مفاهيم قبول الآخر، واستبدال نمط حياتها بحياة جديدة لا تقبل رؤساء آلهة ولا أحزابا مخولة من الإلهة في حكم البشر، مجتمعات أدمنت على النظم التربوية والدينية والقبلية التي تكرس ثقافة الشمولية والعبودية وتلغي بشكل مطلق أي توجه نقدي، بل تعتبره كفرا وإلحادا، أو عمالة للأجنبي والمستعمر!
     في هذه المدارس تتساوى ( الكرعة وأم الشعر - القرعاء ) كما يقول الدارج المحلي، أو مثل ما وصفه الرئيس العراقي السابق جلال طالباني (إن صوته وصوت أي نكرة آخر في الانتخابات واحد!) بمعنى إن أفواجا لا نهاية لها من الناخبين المسطحين من الذين لا يعرفون الخميس من الجمعة، يقودهم شيخ القبيلة أو رجل الدين بفتاويه المزاجية، أو الحاجات الأساسية وخاصة المال، هم الذين سينتخبون المرشح الفلاني دون النظر أو ربما حتى دون أي دراية عن أي شيء، إلا ما ينحصر في ما ذكرته وعلاقته بالثلاثي الديمقراطي (الشيخ والملا والدولار).

     الشيخ الذي حاول الرئيس احمد حسن البكر تهميشه ومن ثم إلغاء دوره في محاولة لتأسيس دولة مواطنة، اغتالها صدام حسين القروي وأنشأ بدلا عنها دولة العشيرة والقرية، هذا الشيخ الذي نُفخ فيه في تسعينيات القرن الماضي حتى أطلق على موديلاته الثلاث ألف وباء وجيم بشيوخ التسعين، أصبح الأداة الضاربة والآمرة لرئيس العشائر والقرى.

     والملا بشطريه السني والشيعي وتحت ظلال حكم الطبقة السياسية الحالية، أصبح هو الأخر أداة كما كان أيام الحملة الإيمانية الوطنية التي أنتجت هذه الأفواج من الملالي والمعممين والإرهابيين والفاسدين حتى النخاع، يساق من قبل هذه الطبقة كواحد من أهم وسائل النفوذ الاجتماعي، وسلم رباني للصعود إلى جنات السلطة والمال.

     والدينار وما إدراك ما الدينار وما سحره وتأثيره في صناديق الاقتراع ونتائج الانتخابات، ولكي لا نقسِ في جلدنا لذاتنا هنا، فهو وشقيقه المهيمن الدولار، هذه العملة العالمية التي دست انفها في انتخابات أعظم الدول وأعرقها في المضمار الديمقراطي، فما بالك فيمن إيراده السنوي لا يتجاوز ألف دولار، أي اقل من ثلاثة دولارات يوميا، ويدفع له مائة دولار لشخطة قلم أو لشراء بطاقته الانتخابية، هذا الدولار الذي يستخدم في شراء مناصب الدولة العراقية، ابتداء من مدير الناحية ووصولا إلى رئيس الحكومة، فما بالك بالأغلبية التي تتاجر على قد حالها بأصواتها، ولم يعد يهمها أو أساسا لا يهمها من سيجلس على الكرسي سواء في برلمان التهريج أو حكومة الصفقات والأكاذيب.
     مظلومة هذه البلاد بآفاتها وحليمتها التي تعود اليوم إلى عادتها وسلوكياتها، وان تغيرت وسيلة العودة من الزعيم الأوحد والحزب القائد والرئيس الضرورة إلى مختار العصر وقائد النصر، تحت ظلال أحزاب الله والإسلام والمذاهب تارة، وأحزاب الأمة الخالدة تارة أخرى، حيث تجتمع اليوم الأدوات الثلاث:
     شيخ القبيلة وشيخ المذهب وسيد الجيوب الدينار، لرسم خارطة العراق الجديد بأكثرية من الانتهازيين والوصوليين وتجار المناصب وعمولات الفساد والإفساد، وصدق من قال ستفوز نفس الوجوه ليس لأنها نخبة واعية، بل لأننا أغلبية جاهلة!.

kmkinfo@gmail.com
أواخر نيسان 2018م





99
لا تطلب الدبس من النمس؟

كفاح محمود كريم

    للوهلة الأولى وأنا استمع لهذا المثل العراقي الجميل ظننته يقصد ذلك الحيوان الذي يرعب الأفاعي ويصطادها بسرعة مذهلة، لكنني أدركت فيما بعد إن الدبس والنمس مفردتان شكٌلهما الدارج المحلي للتعبير عن الرجاء الذي ليس في محله، وقد تداولتهما الأجيال في توصيف أولئك الذين لا يرتجى منهم خيرا، والدبس هو عصير التمر المعروف، أما النمس فهو درجة من درجات النظافة البائسة التي تقع بين النظيف وبين القذر أو الوسخ، وليس الحيوان المعروف كثيرا في افريقيا وجنوب شرق آسيا، والنماسة تعني الوساخة أي عدم النظافة تحديدا، حيث يصعب كثيرا أن تطلب شيئا لذيذا أو نظيفا من شخص غير نظيف!

     بهذه المقدمة أردت أن ادخل إلى موضوعين متشابهين رغم البون الشاسع بينهما، الأول يتعلق باعمار المدن المخربة اقصد المحررة من داعش، والتي قلب التحرير عاليها على ناصيها، فكانت مدن من الذاكرة ليس إلا، والثاني هو المستنقع الذي صنعته بغداد بين كوردستان والعراق، وكيفية ردمه وإعادة فتح الطرق بينهما، ففي الأول يطلب سكان المدن المخربة اعمار مدنهم وبقية البلدات من الحكومة الاتحادية التي تغص في بحيرة من قذارات الفساد واللصوصية، حتى حولت كل مدن البلاد إلى خرائب وان تكن لم يمسسها داعش، فليست البصرة بأحسن حال من الفلوجة، أو المحاويل أفضل من سنجار، بفضل مكرمات وبركات برلمان الفساد وحكومة الأكاذيب والادعاءات، أصبحت البلاد من افسد وافشل البلدان، ويأتي بعد كل ذلك الموصلي أو الانباري أو السنجاري ليطلب منها إسعافه واعمار مدنه، والانكى في هذه التراجيديا إن مجاميع من الفاسدين والمغرر بهم ومثلهم أو أكثر بكثير أولئك الطامحين في السحت الحرام من الامتيازات وصفقات الفساد من كعكات برلمان المهازل، حيث التبشير بأن الدبس بين أصابعهم وهم الذاهبين إلى ظلال قبة البرلمان والملوثين بأطماع الثراء الفاحش وكعكات إحدى نائبات الدورات الثلاث!

     تلك هي والله رجوة الدبس من النمس!

     أما الثانية فهي ما يحصل الآن بين العراق وكوردستان فهي بحق مهزلة ومسرحية مثيرة للأشجان والسخرية معا، حتى توهم البعض إن الطاقم الحاكم الحالي في العراق، قادر على حل تلك الإشكاليات وهو صانعها منذ سطى على كراسي السلطة باستخدام سلالم صناديق الديمقراطية العرجاء والصفقات الصفيقة وفتاوى أئمة السياسة والدين، إشكاليات تم تجميعها في دوائر صناعة الأزمات وتعقيد المشكلات، لتحقيق الأهداف المنشودة في إقامة نظام ايديولجي ذي خلفية دينية مذهبية، وإلغاء ما جاء في الدستور، بعد فرض نظام الأغلبية الذي سيتيح لهم إجراء تعديلات تفصله على مقاساتهم.

     إن المشهد القادم لن يكون أفضل مما مضى إن لم يكن أسوء، حيث التوجه لفرض دكتاتورية الأغلبية بشرعية برلمانية تسيطر عليها قوى الحشد الشعبي التي أدغمت في العملية السياسية والبرلمانية خلافا للدستور كونها مؤسسة عسكرية مذهبية مؤدلجة، مما سيقصي تماما بقية المكونات التي تختلف معها فكرا وعقيدة وانتماءا، وبذلك تعود حليمة إلى عادتها القديمة، ولم يعد هناك دبسا يطلب ولا نمسا يلاحق الأفاعي!

kmkinfi@gmail.com
أواسط نيسان 2018م





100
هذا العراق.. الشعب أم الحكومات!
كفاح محمود كريم

     في واحد من الأحاديث النبوية المثيرة التي اختلف المفسرون في معانيها رغم وضوح كلماتها، شبه النبي محمد (ص) الشعوب بحاكميها حينما قال ( كيفما تكونوا يولى عليكم )، وبصرف النظر عن تصنيفات علماء الأحاديث في ضعف أو قوة الحديث المنسوب للنبي، إلا انه جاء معبرا بدقة عن حال الشعوب والحكومات أو الزعماء في منطقتنا عموما، ومطابقا لما شهدته هذه البلدان والشعوب في انعكاس خلاصة ما يختزنه الشعب من ثقافة وسلوك في تصرفات حكوماته أو زعمائه ملوكا كانوا أم رؤساء، ومعنى الحديث كما هو واضح أن الوالي والأمير يكون من جنس المولى عليهم ( الرعية ) فإن كانوا صالحين كان مثلهم، وإن كانوا فاسدين كان مثلهم، والحالة التي يكونون عليها يكون عليها ولي أمرهم.

     ولعله من المفيد أن نذكر أيضا الدارج العراقي الشهير ( عاب شي لا يشبه أهله ) الذي عبر عن ذات المعنى في توصيف دقيق لما شهده العراق من سلوكيات المرؤوسين قبل الرؤساء، وما فعلته الآلاف المؤلفة بل الملايين من تصنيع دكتاتوريين بمختلف الموديلات والأنواع، ابتداءً من شيخ القبيلة وصعودا إلى الملك المفدى أو الزعيم الأوحد أو الرئيس الضرورة، حتى ظن البعض منا أنه مرض عضال وميؤوس من شفائه، خاصة وأن فرصة إسقاط ذلك النظام على أيدي الأجانب، منحنا فرصة إعادة بناء الدولة بمعايير جديدة، في مقدمتها البدء من أول درجات السلم وهي المدرسة، لكننا فوجئنا بتراكم هائل من ثقافة متكلسة لدى كل الأدوات التي تم استخدامها، وهي موروثات عبر مئات السنين وربما تحتاج إلى مئات أخرى لتغييرها جذريا!

     إذن ونحن نجلد أنظمتنا السياسية دوما بمختلف أشكالها، لا ننسى أننا  نادرا ما نجلد أولئك الذين صنعوا تلك الأنظمة، وبالتأكيد أولئك ليسوا بالعشرات أو المئات بل بالملايين الذين شهدوا عبر التاريخ، قراءة أو معاصرة، وهم بالتالي يمثلون منظومة الثقافة والأخلاق والعادات والسلوك الاجتماعي الجمعي لكل هذه الشّعوب التي أذابتها في بوتقة قوانين الخيمة والإبل ، غزوات البدو مستخدمة الدين وسيلة وحصان طروادة للهيمنة وفق سياقات الغرائز بعيدا عن أي مفهوم حضاري نوعي باستثناء مظاهر لا تمت لبواطن السلوك بأي صلة، ولقد شهدنا جميعا في مجتمعاتنا الشرقية عموما والعربية والشرق أوسطية بشكل خاص، التأثر حد البلاهة بالمظاهر الأوروبية دونما الولوج إلى أعماق حضاراتهم، أو على الأقل إلى بدايات إنتاج تلك المظاهر.

     وفي معظم التجارب الديمقراطية في منطقتنا وبالذات التجارب الثلاث الأقدم؛ التركية والمصرية والإيرانية، والى حد ما اللبنانية والعراقية الْمَوؤدَة في تموز 1958م، لم تنجح في إقامة دولة المواطنة بين سكانها المختلفين عرقيا ودينيا ومذهبيا، وبقيت الصراعات محتدمة رغم الإكسسوارات التي استخدمت في كل هذه البلدان، خاصة بين المذهبين الشيعي والسني والأديان ( المسلمين وبقية الأديان الأخرى ) والأعراق وما يحصل منذ قرن من الزمان من عمليات إبادة جماعية عضوية أو ثقافية للأعراق المختلفة عن العرق السائد ( الكورد والامازيغ والعرب والتركمان وبقية الأعراق الأخرى ).

     وبنظرة متفحصة لسلوك أي أسرة وأفرادها من عموم الأهالي في أي مدينة أو قرية،  تظهر بشكل جلي أنماط التربية والسلوك التي أنتج نظامها السياسي ومواصفاته  عبادة الفرد وعدم قبول الرأي الآخر، بدءا من الطاعة العمياء للأب والأم والمعلم وشيخ القبيلة وعالم الدين أو إمام الجامع صعودا إلى مستويات الإدارة بمختلف أشكالها، دون وجود أي أثر لثقافة نقدية تناقش وترفض أو تقبل أي فكرة أو رأي، تحت مختلف التبريرات الدينية التي تصل حد التكفير والاتهام بالإلحاد وإقامة حد القتل، أو الاتهام لمجرد مناقشة الأب أو الولي بالخروج عن القيم الأخلاقية مما يسقط الفرد اجتماعيا أو تربويا، وبذلك ودون أن نشعر، سادت شمولية اجتماعية ودكتاتورية باتت مقبولة عرفيا واجتماعيا ودينيا وتربويا، تواقة لصناعة أي دكتاتور لمجرد سيطرته على مكامن  القوة، مما أنتج في آخر عمليات التكاثر الأميبي لهذا السلوك مجموعة الأنظمة التي صدق من وصفها (كيفما تكونوا يولى عليكم ).

وحتى تحقيق ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) ستبقى عجلة الدكتاتورية الاجتماعية والدينية والقبلية قبل السياسية تسحق آمالنا وتطلعاتنا نحو مستقبل محترم!

101
هل الديمقراطية صناديق اقتراع فقط؟

كفاح محمود كريم

     عاش العراق منذ الانقلاب على الملكية في تموز 1958 وحتى إسقاط نظام الرئيس صدام حسين وحزبه من قبل التحالف الدولي في نيسان 2003، نظاما شموليا وان اختلفت التسميات والإكسسوارات من مجلس السيادة إلى الاتحاد الاشتراكي إلى المجلس الوطني العراقي وصولا إلى برلمان العشائر والأحزاب الدينية والمذهبية، ولم تختلف الأنظمة في جمهوريات الزعيم والعوارف والبعثيين عن بعضها إلا بسمات رمزية لم تؤثر على النهج العام للنظام الذي استمر حتى يومنا هذا بوتائر ترتفع تارة وتهبط تارة أخرى.

     لقد ظن العراقيون إن الغرب وبقيادة الولايات المتحدة سيعينونهم على إحداث تغييرات جذرية في البنية السياسية والاجتماعية والثقافية بعد إزالتهم لهيكل إدارة صدام حسين وأجهزته القمعية، لكن ما حدث خلال السنوات التي تلت 2003 أكدت إن تلك الظنون ما هي إلا اضغاف أحلام متهرئة، فبعد ثلاث دورات برلمانية مارس خلالها العراقيون انتخابات يفترض أنها اختلفت عن انتخابات حزب البعث ومن سبقه في حكم بلاد الرافدين، أنتجت لنا دولة تم تصنيفها من ناحية اللصوصية بأنها دولة فاسدة بامتياز، حسب مؤشر مدركات الفساد لعام 2017 لمنظمة الشفافية الدولية الذي  أظهر إن خمسة بلدان عربية هي الأكثر فسادا في العالم وهي العراق والصومال وسوريا واليمن والسودان، والأكثر فسادا تعني إن غالبية مؤسسات الدولة وسلطاتها الثلاث ينخر فيها الفساد وخاصة الفساد المالي الذي ينتجه فساد التربية والأخلاق، بمعنى إن الذين أنتجوا السلطة التنفيذية بشقيها رئاسة الوزراء والجمهورية هم منبع هذا الفساد، والغريب إن كل شرائح الشعب تتهم البرلمان وأعضائه وأحزابه وسلطاته التي أنتجها باللصوصية، ورغم ذلك وبعد أسابيع قليلة يبدأ ماراثون الانتخابات العراقية الرابعة بمشاركة الآلاف من مرشحي الأحزاب والمستقلين والعشائر والأديان والمذاهب والتكتلات والشركات، للوصول إلى مجلس إدارة بنك البرلمان العراقي، في بلاد تغص بالفساد والمفسدين، وتشتت الانتماء وتمزق أنسجة المواطنة لحساب دشاديش العشائر والمذاهب، تتبارى فيها منذ الآن جوقات وكروبات جديدة من احدث موديلات مساحي الجوخ الانتهازيين والمتملقين جامعي أموال الرشاوي والسحت الحرام، بالتعاون مع بعض المسؤولين المتمرسين بالفساد والإفساد، من اجل تولي مناصب المشهد السياسي القادم، بدعم من مفاصل مهمة في الحكومة وغيرها ممن يمتلكون مفاتيح السلطة والمال.

     إن ما يجري الآن ومنذ سنوات عجاف يدفع إلى الرأي العام أسئلة مريرة، تدور دوما حول خيارات الناخب وقراءاته لحقيقة ما يحدث ومنذ 2005 مقارنة مع واقع الحال اليوم، ووعود أولئك الذين منحهم صوته على أنغام التدليس  والرشاوى وولائم السحت الحرام، واكتشف أنهم أصلا بحاجة ماسة إلى تأهيل تربوي واجتماعي وأخلاقي، أسئلة تتعلق بشخص الناخب وتأهيله وسلوكه وثقافته، وهل هو فعلا بمستوى اختيار الأفضل لخدمة البلاد وتمثيل الشعب في البرلمان؟

     هذا الناخب الخارج من سرداب الشمولية المسجون فيه منذ عشرات أو ربما مئات السنين في ظل ثقافة الاوحدية التي تحدد الانتماء للعشيرة والشيخ، أو للقرية والمدينة، أو للدين والمذهب، بعيدا عن مفهوم الوطن والشعب في مجتمعات أدمنت النظام الشمولي، وعشقت حتى الوله الفارس المقدام والقائد الملهم، ولا يمكن أن تتحول إلى النظام الديمقراطي بين ليلة وضحاها، كما لا يمكن لها أن تستوعب رئيسا لبلادها كموظف من الموظفين على الطريقة الأوربية، بل إن كل ذلك يتناقض كليا مع نهجها وتربيتها وسلوكياتها الاجتماعية والدينية التي تفرض نظاما شموليا صارما من البيت إلى المدرسة إلى الجامع.

     ما يحصل اليوم وغدا في لعبة المارثون الديمقراطي المشوه للتسلط، لا يتجاوز الإكسسوارات التجميلية لشكل النظام البديل، الذي تم تأسيسه إثر نجاح العملية الجراحية التي استأصلت حزب البعث ورئيسه من هيكل السلطة، حيث حافظ النظام الجديد على معظم الأنشطة الحيوية والسلوكية للأنظمة السابقة، بل تجاوزها بامتياز، ولذلك لا أمل منظور في أي نتيجة مختلفة عما سبق منذ 2005 ولحد اليوم، إلا اللهم مزيدا من الفساد ومزيدا من أفواج السراق وأجيال مطورة من الدكتاتوريين الجدد.

    ترى هل الديمقراطية صناديق اقتراع أم تربية وأخلاق، وإن كل ما جرى كان مسخا وسلما لارتقاء الفاسدين والانتهازيين والفاشلين من السياسيين ورجال الدين!؟

kmkinfo@ggmail.com
أواخر آذار 2018م

102
إنهم يلتهمون الدستور!

كفاح محمود كريم

     قبل ما يقارب من ألف وخمسمائة عام ، وفي الجاهلية الأولى كان بعض من ( أجدادنا العظام ) يصنعون آلهتهم من التمر، وحينما يمسهم الجوع ( يتناوشون ) تلك الآلهة فيلتهمونها دونما خوف أو وجل، هؤلاء ( ألأجداد العظام ) كانوا أيضاً يدفنون فلذات أكبادهم من الإناث ( خشية إملاق ) أو عار ، وهم أنفسهم كانوا ( يستدعون الفحول ) لزوجاتهم في أول عمليات تحسين النسل في التاريخ، وبحسب الخارطة الجينية فان هذا النوع من البشر ما يزال يعيش ويتكاثر ويمارس هذه الثقافة وان اختلفت العناوين والتسميات، وقد أثبتت التجارب والأحداث عبر التاريخ بالمقارنة الحرفية الدقيقة بين ملتهمي آلهتهم قبل ألف وخمسمائة عام، وبين ملتهمي القوانين والدساتير اليوم هذا التطابق والاستمرارية، كما أكدت المقارنة السلوكية بين أولئك الذين كانوا يمارسون زواج المباضعة مع هؤلاء الذين يستقدمون الأجانب ويستقوون بهم على أبناء جلدتهم وبلدانهم!

     لا نريد ضرب الأمثلة بقدر ما نبغي التأكيد على إن تلك السلوكيات مستمرة رغم ما فعلته الأديان والحركات الإصلاحية خلال مئات السنين مع تلك المجموعات في الجاهلية الأولى وما تلاها من جاهليات حتى يومنا هذا، التي طالما يتكثف تمركزها في مفاصل القيادات السياسية لبلدان الشرق، والشرق الأوسط حصريا، حيث تتضح وبشكل جلي استمراريتها مع وجود تغييرات سطحية في العناوين والأسماء، بينما حافظت تلك المحركات الثقافية لذلك السلوك على نوعيتها وتطبيقاتها العملية بشكل ميداني، في معظم هذه الدول وخاصة تلك التي ابتلت بتنوع المكونات العرقية والدينية والمذهبية.

     بمراجعة سريعة لدساتير معظم دول الشرق الأوسط وخاصة الشمولية منها، يكتشف المرء بأنها دساتير مثالية تضم مواد وفصول الحريات وحقوق الإنسان وتداول السلطة والانتخابات ومعظم آليات النظم الديمقراطية العريقة، لكنها في واقع الحال بعيدة جدا عن تلك المفاهيم، فالعناوين هي ذاتها لكن التفاصيل متعارضة جدا، ولعلنا نتذكر الدستور العراقي المؤقت أو مشروع الدستور الدائم الذي تمت مناقشته أشهرا طويلة قبيل إسقاط نظام صدام حسين، والذي احتوى في حينها على مواد أساسية تتعلق بحرية التعبير والمظاهرات والانتخابات وتداول السلطة، وكذا الحال مع الدستور السوري والمصري واليمني والإيراني، حيث تركز جميعها على النظام الديمقراطي وعلى حرية الفرد وحقوق الإنسان، وهي بالتالي من أقسى دول العالم مع مواطنيها، بل ارتكبت أشنع الجرائم بحقهم، ولم تمنعها تلك الدساتير من اقتراف كوارث مروعة بحق دولها وشعوبها.

     واليوم وبعد عاصفة الربيع العربي الترابية التي أحرقت الأخضر واليابس تحت يافطة الديمقراطية وإسقاط النظم الشمولية، يغلب الطبع على التطبع وتعود تلك الثقافة لتحرك الطواقم التي ورثت كراسي الحكم وخزائن الأموال في الدول التي اجتاحتها العواصف الهوجاء، لتلتهم الدساتير والقوانين كما التهمت محركاتها الأساسية قبل مئات السنين آلهتها المصنوعة من التمر، بل تطابقت في معظم تلك السلوكيات، فبدلا من أن تستدعي فحولا لتحسين النسل استنجدت بجيوش أجنبية لمحاربة أهلها، وهي بالنتيجة تعطي نفس المعاني إن لم تك أقبح!

     ترى بعد أن حولوا الأديان إلى سلالم ومفاتيح، والدساتير إلى كراسي وسياط، أي ديمقراطية هي الحل مع هذه الكائنات!؟

kmkinfo@gmail.com
أوائل آذار 2017م

103
إقليم كوردستان بين الاتهامات والحقائق!

كفاح محمود كريم

     عودنا رئيس الحكومة الاتحادية في بغداد على تصريحاته التي تتدفق منذ إجراء الاستفتاء في كوردستان وحتى تصريحاته الأخيرة التي تضمنت سيلا من الوعود التي لم يتحقق منها أي شيء، حيث أكد هذه المرة على إن الحوارات مستمرة رغم وجود من يبعدنا عن بعضنا، ومن هذا التصريح يفهم المرء خيوط اللعبة سواء بين التحالف الوطني أو في ما بين كتلة القانون وأجنحتها مع إقليم كوردستان.
     
     في معظم تصريحاته يحاول الانتقاص من الإقليم بل ويعمل على إقصائه وتشويه سمعته وتسطيح الرأي العام بمعلومات غير دقيقة ومشوشة، ولعل تصريحاته المكررة حول الحدود والمنافذ والمطارات والمعاشات ومنذ عدة أشهر خير دليل على عدم مصداقية ما يذهبون إليه في أنها غير خاضعة للسيادة الاتحادية، حيث يخفي من خلال هذا التكرار المستمر حقيقة أخرى تتقاطع تماما مع أطروحاته، وهي إن السيطرة على كل الحدود العراقية التركية والعراقية الإيرانية من جهة كوردستان لقوات حرس الحدود الاتحادية المشكلة منذ عام 2005م وهي تتبع وزارة الداخلية الاتحادية تجهيزا وتسليحا وأوامرا، أما موضوع مرتبات الموظفين وحجته بأنها يجب أن تخضع للتدقيق فإنها فرية أخرى إذا ما قارنا ما موجود في إقليم كوردستان والبالغ مليون وربع المليون موظف بضمنهم المتقاعدين ومنتسبي الرعاية الاجتماعية، مع الأجزاء الأخرى من العراق حيث يقترب عدد الموظفين من ثمانية ملايين موظف ما بين حقيقي وفضائي، ناهيك عن المخالفات الكبيرة في موضوع التعيينات الوهمية في المؤسسات العسكرية والأمنية وغيرها من المؤسسات الخاصة، ولم نسمع بان الحكومة الاتحادية طلبت من أي من محافظات العراق إخضاع موظفيها للتدقيق، علما بان الإقليم يستخدم وعبر شركات عالمية غاية في الدقة والتطور أسلوب البايومتري لتحديد وكشف أي خلل أو تجاوز أو تكرار هنا أو هناك.

     ويدرك العراقيون قبل الكوردستانيين مدى تطور مطار اربيل الدولي ودقة توقيتاته وخدماته ونظافته قياسا حتى بمطار بغداد الدولي وبشهادة سلطة الطيران الاتحادية والدولية، وهو يرتبط منذ افتتاحه مع سلطة الطيران الاتحادي، بل ولا تقلع منه أو تهبط فيه طائرة إلا بموافقة الحكومة الاتحادية، وما يفعله رئيس الحكومة الاتحادية مجرد قرار سياسي يتم استثماره دعاية انتخابية بعد أن نجحت وسائل الدعاية التي يسيطر عليها هو وحزبه من إشاعة الكراهية والحقد ضد الكورد وكوردستان، مما يزيد في شعبيته وصولا للولاية الثانية!

      أما تصريحه حول طموحات الكورد ومنها الاستقلال التي تطرق اليها حينما قال لصحيفة اليوم السابع المصرية:
(البعض لا يريد حل الأزمة ويصر على إقامة وطن قومي للأكراد وهذا حلم وطموح، لكننا نرفض ذلك بشكل كامل)
     يذكرنا هذا التصريح بتصريحات قادة العراق ممن سبقوه وآخرهم الرئيس الأسبق صدام حسين الذي كان يؤمن بحقوق الكورد ودولتهم لكنه يريدها فوق كوكب آخر(!)، وهكذا حال كل من تسلم مسؤولية هذه البلاد المنكوبة بحكامها، حيث اختارت تلك الحكومات الطريق الأكثر سهولة والأعظم همجية في التعاطي مع القضية الكوردية، وشهدنا جميعا نهاياتها المأساوية وما خلفته للعراق من دمار وتخلف وفقر وتدهور.

     إن هذه الحقوق والطموحات والآمال لا توقفها عمليات الحصار وحظر الطيران وقطع الموازنة والرواتب والتصريحات النارية واللئيمة، فقد جرب نظام البعث كل أسلحة الدمار الشامل، وكانت النتائج منذ 1958 وحتى يومنا هذا سقوط تلو سقوط، وفشل ذريع في كل مجالات الحياة، حتى غدت دولة العراق واحدة من افشل وافسد دول العالم، في الوقت الذي كان يفترض أن تكون عكس ذلك تماما بعد إسقاط نظام البعث.

     وأخيرا ربما يستطيع رئيس الحكومة الاتحادية أو أغلبيته في البرلمان أن تؤثر على خيارات شعب كوردستان حينما تتباهى حكومته بما تقدمه للمواطنين  وتقنعهم باتحاد اختياري حقيقي ومشاركة فعلية نقية نابعة من الإيمان بأننا شركاء اصلاء في هذا الوطن، لا أن يعمل من أجل إفراغ الإقليم من مفهوم الفيدرالية والعودة إلى الحكم المركزي الشمولية، وتهيئة الطريق لأغلبية تتمكن من تعديل الدستور وإلغاء الفيدرالية وتكريس مفاهيم أخرى تم إسقاطها بإسقاط نظام صدام حسين، وإزاء ذلك تمنينا لو قارن بين ما يفعله منذ اختار الحل العسكري واجتياح كركوك، وكيف تصرفت بريطانيا العظمى مع شعب وقيادة اسكتلندا حينما قررا الاستفتاء على الاستقلال، وأن لم تفعل تصريحاته الكثيفة  فعلتها في مسح الذاكرة نرجو أن يتذكر كيف تصرفت هذه الدولة العظمى مع جزء من شعبها!

     التأثير على الخيارات ليست بفرض الحصار وخنق الشعب وغلق المطارات وإيقاف التعامل مع البنوك وإشاعة الكراهية والتشكيك في كل أمر يتعلق بالإقليم ومحاولة غلق المنافذ لتجويع شعب من خمسة ملايين إنسان، واستقدام الأجانب والاستعانة بهم لإذلالهم!؟

     الم تفعل كل ذلك ( لشعبك العزيز في شمالك الحبيب! ) وما تزال!

kmkinfo@gmail.com
أواخر شباط 2018م


104
شماعة الدستور والفهلوة!

كفاح محمود كريم

في الدارجة العربية سواء في العراق أو في مصر مفردات بليغة تتجاوز في معانيها الوصفية الدقيقة حتى ما يقابلها في الفصيح من لسان العرب، ولعل مفردة ( الكلاوجي) و(الفهلوي) نموذجين جيدين في تداولهما الكثيف بين عامة الناس، ويعبران بشكل دقيق عن الشخص الكذوب أو اللعوب أو (الحنقباز) وهي مفردة تركية (hokkabaz) تعني ذات المعنى، ومتطابقة جدا مع مفهوم مفردتي كلاوجي وفهلوي التي تطلق على الشخص الذي يمرر أكاذيبه على الناس بأساليب المراوغة والتحايل، ولم تمر في تاريخ العراق السياسي مرحلة تكاثر فيها هذا النمط من السياسيين، وتطور بهذا الشكل المثير، كما هي الآن منذ 2003 وحتى اليوم وخاصة اليوم، بعد أن أتموا دراساتهم المعمقة والعالية في الفساد والإفساد وفازت البلاد بتصنيفها أفشل وأفسد بلد في العالم!

     لقد كشفت أزمة الاستفتاء في كوردستان صفحات مهولة من طبيعة النظام السياسي المفترض أن يكون جديدا يختلف عما سبقه من أنظمة حكمت العراق وأوصلته إلى الدمار والخراب، فلم يمنعه الدستور الذي كتب لأول مرة بتوافق الجميع، من أن يتم خرقه في اخطر مواده التي تحرم استخدام القوات المسلحة في حل النزاعات بين الأقاليم والمحافظات وبين الحكومة الاتحادية، فقد اجتاحت القوات المسلحة العراقية وميليشيات الحشد الشعبي المشكلة بفتوى المرجعية لمحاربة داعش وحماية المراقد الشيعية، فإذ بها تحتل كركوك وبقية المناطق المتنازع عليها، وتهجر أكثر من 180 ألف مواطن من أهاليها إضافة إلى حرق  وتدمير ونهب وسلب مئات البيوت والعمارات والشركات المملوكة للكورد في هذه المدن ناهيك عن قتل المئات من أبنائها وفصل أعداد كبيرة من موظفيها على خلفيات عرقية شوفينية، هذا الدستور الذي وصف بأنه دستور دائم اتفق عليه كل العراقيين بمختلف مكوناتهم ومشاربهم، وتم تصديقه بغالبية كبيرة من الناخبين اقتربت من 80%، إلا إن حاله لم يكن يختلف عن حال كل الدساتير التي صدرت وصدقت في العراق منذ حمورابي وحتى الآلهة المصنوعة من التمر المعبودة طيلة أيام السنة والمأكولة في الشتاء!؟

     ولا يختلف اثنان بان معظم الدساتير التي كتبت وصدقت كانت مثالية ومعاصرة مع وجود خلل هنا وهناك، إلا أنها لو كانت طبقت لما حصل للعراق ما حصل منذ تأسيسه وحتى كتابة دستوره الأخير، حيث غلب الطبع على التطبع، وكما استخدمت الأنظمة السابقة الدستور شماعة لفرض ما تريد، يلعب الحنقبازيون الجدد ذات اللعبة الدستورية في إرهاب الأهالي وكبح جماحهم، وقد تجلى ذلك في سلوك الحكومة الاتحادية ورئيسها مع الأزمة بين بغداد وإقليم كوردستان، في التلاعب بالدستور ومواده على طريقة الثلاث ورقات التي يلعبها الفهلوية في مصر وعلى طريقة الحنقبازيين أو الكلاوجية في العراق، حيث الكذب والمماطلة والتحايل وقلب الحقائق وإيهام السذج بأقاويل وحكاوي مختلقة، كما يسوقون إن الإقليم كان يحتل كركوك ويضطهد سكانها واكتشافهم لمقابر جماعية (هي أصلا من صناعة داعش) للعرب أو التركمان، حتى بدأت الأمور تتكشف وتنفضح ألاعيبهم ومسرحياتهم الهزيلة، فتحول الشارع في اربيل وبغداد إلى غير ما كانوا يطمحون إليه، وأصبحوا محل تندر وسخرية الأهالي وهم يزايدون في تصريحاتهم ووعوداتهم لشعبهم العزيز في شمالهم الحبيب!؟

     وإذا صحت التسريبات الإعلامية حول تصريحات الرئيس الأمريكي في توصيف الوفد العراقي الذي زاره مؤخرا، فقد أحسن الوصف وبرأ ذمته وهو يقول:
     " أبرع مجموعة من اللصوص، قد سبق له أن التقاهم ".
     

kmkinfo@gmail.com
أواسط شباط 2018م

105
مجهولو النسب السياسي!

كفاح محمود كريم

     استفزتني الكاتبة المبدعة أحلام أكرم  في عنوان مقالها حول مشكلة مجهولي النسب كمعضلة اجتماعية تعاني منها بعض البلدان، وبالذات مصر التي خصتها الكاتبة كظاهرة مدعمة بأرقام موثقة، وقد وفقت في طرحها كموضوع اجتماعي وشرعي مهم جدا، في بلد نعتبره القدوة والمرجع في تحدي المشكلات العويصة ووضع حلول لها، وكلي ثقة إن صوت الأستاذة أحلام أكرم سيطرق أبواب الأزهر الشريف وعلمائه الإجلاء، مثلما سيطرق أبواب قصر القبة حيث ينشغل فيه الرئيس عبد الفتاح السيسي كي لا يتركه لمنافسيه!

     قلت استفزتني لأنها سحبتني إلى كارثة اكبر بكثير من مجهولي النسب اجتماعيا، لأنها بالتالي لن تؤثر كثيرا على مصير الشعب أو الأمة والدولة، مقارنة بكارثتنا التي أنتجتها ديمقراطية العشائر وفتاوي رجال الدين والمذاهب، وهذا الكم الهائل من مجهولي النسب السياسي الذين يقودون الدولة والمجتمع إلى النهاية الحتمية، خاصة وإنهم يتوالدون كالقطط الشباطية دونما توقف، ولا يعرف لهم شجرة للنسب السياسي منذ تم تأسيس المملكة العراقية وحتى وقبل سنوات، حيث اعتلى كراسي السياسة وملحقاتها من البرلمان والحكومة منذ نيسان 2003م أفواج من الفاسدين والنكرات التي استحوذت على كل شيء، في بلد مباح منذ تأسيسه للسراق والفاسدين إلا من رحمهم ربي، وهم قلة لا تخضع للقياس العام، أفواج تتكاثر وتقلد بعضها، بل وتبدع في تطوير أساليبها باستخدام حتى المقدسات الدينية، ناهيك عن تشويهها لتجربة في إدارة الحكم ( الديمقراطية ) ومحاولة اغتيالها بالاعتماد الكلي على الأديان والمذاهب والانتماءات القبلية، التي تفقد بين طياتها أي حرص جامع لانتماء وطني خالص، فانتشرت مجاميع اللصوص في كل مفاصل الدولة وزواياها الرطبة، حيث ورد للعراق خلال تسلطها على الحكم ما يزيد على ألف مليار دولار، كان بإمكانها أن تبني عراقين أو ثلاثة بمواصفات أوربية راقية، لكن اللصوص من رجال السلطة ومجهولي النسب السياسي حولوها إلى حساباتهم، بمشاريع وهمية وصفقات مريبة ابتداء من حقول الطاقة بما فيها الكهرباء والنفط وحتى الدفاع وصفقات الأسلحة والغذاء، ناهيك عما يجري في التعليم والصحة والميليشيات.

     لقد أكدت قوائم الأحزاب التي أجازتها الحكومة ومفوضية الانتخابات والتي تجاوزت المأتي حزب سياسي، فيضان عارم من الأحزاب الكارتونية مجهولة الجذور والنسب السياسي، إلا اللهم من كان منها من إنتاج دوائر مخابرات أجنبية، أو انشطارات محلية لأحزاب رئيسية تستخدمها كواجهات لها، وفي كل الأحوال لا تمثل هذه الفيضانات من الأحزاب ظاهرة صحية بل تعكس مدى التناحر والهبوط السياسي، في دولة لم تتجاوز أحزابها الحقيقية منذ تأسيس كيانها السياسي قبل مائة عام أكثر من عشرة أحزاب رئيسية معروفة، لكنها نافورة الفوضى التي اعترت كل بلدان ما يسمى بعاصفة الربيع التي عجزت من تقديم بديل مقنع للمواطن الذي يدفع فاتورة هذه الفوضى، خاصة السياسية منها والإعلامية.

     في بريطانيا العظمى حزبان رئيسيان ( العمال والمحافظين ) وثالثهما ( الأحرار ) منذ مئات السنين، وفي الولايات المتحدة الأعظم حزبان متنافسان منذ أزل تأسيسها ( الجمهوري والديمقراطي ) وهكذا دواليك في بقية الديمقراطيات، إلا في عراقنا الديمقراطي للعظم وبشهادة كل رجال الدين والمخاتير وشيوخ العشائر ورجال الأعمال المصنعين بعد 2003م حصرا، حيث إن مجهولي النسب السياسي والإعلامي أصبحوا ظاهرة اكتسحت العراق بعد نيسان 2003 ووصلت ذروتها بعد صدور قانون الأحزاب، حيث انطلقت مجاميع من الطامحين للوصول إلى مغارة علي بابا والكنز المخزون، ورحم الله أستاذنا الجليل محمد حسنين هيكل حينما وصفها بعصابات سطت على بنك فقِد صاحبه!؟
 

kmkinfo@gmail.com
أوائل شباط 2018م

106
ليست دعوة للدكتاتورية ولكن!

كفاح محمود كريم

     بدأت مهرجانات السيرك الديمقراطي العراقي في وقت مبكر قبل مطلع العام الجديد 2018، في أحداث كركوك والمناطق المتنازع عليها، وشماعة الدستور التي أصبحت اليوم واحدة من أكثر العاب التسلية السياسية في بلاد صنفتها مؤسسة الشفافية الدولية بأنها واحدة من أفشل دول العالم وأفسدها، حيث أضاعت مئات المليارات في عمليات سرقة ومشاريع وهمية، ورفعت نسبة الفقر إلى ما يزيد عن ثلث السكان، مع تخلف مريع في قطاعات التعليم والتعليم العالي والصحة والبلديات والصناعة والزراعة، وارتفاع خطير في مستويات الأمية والأمراض ووفيات الأطفال، ناهيك عن تدمير عشرات المدن ومئات القرى على خلفيات مذهبية أو عرقية، وتهجير ملايين من سكانها خارج وداخل البلاد.
 
     ليس العراق وحده بل كل البلدان التي عصفت بها مسرحيات الربيع العربي، حيث أنفجع العراقيون قبل غيرهم من شعوب الشرق فجأة وبدون سابق إنذار، وبعد حقب طويلة من النوم الهادئ تحت ظلال الدكتاتوريات بشتى أنواعها ومسمياتها، من الأسرة حتى المدرسة والجامع والقرية والعشيرة وصولا إلى دكتاتوريات برلمانات العشائر والفتاوى، انفجعت هذه الشعوب بالانتخابات وصناديق التدليس والنفاق والتخلف، فيما يسمى بإقامة نظام الديمقراطية الغربية بين شعوب اقل ما يقال عنها إنها متخلفة، وتعاني من فقر دم هائل ونقص كبير في تكوينها الاجتماعي والسياسي، وهو الانتماء للوطن أو الشعب، حيث يتكلس في تركيبها الثقافي والاجتماعي مكون آخر أكثر قوة ونافذية، ألا وهو الانتماء إلى العشيرة أو للدين والمذهب أو للعرق، وبتطرف غريب، وتحت سقف هذا الانتماء أدمنت النظم الشمولية عبر مئات السنين، حتى عصفت بها عاصفة ما يسمى بالربيع العربي، وخلاصتها ومن دون أي مقدمات أو تطور تاريخي تدريجي إقامة وفرض بشكل فوقي نظام غريب كليا عن سلوكها وثقافتها وتركيباتها الاجتماعية التي تحتاج إلى عقود طويلة لتغييرها، حيث بدأت الأصابع الأوربية والأمريكية بعملية جراحية خطيرة رافقتها عملية إرضاع قسري لفرض هذا النوع من الغذاء المستورد كليا من مصانعهم الفكرية والسياسية والاجتماعية، لتحيل تلك الدول وأنظمتها السياسية والاجتماعية إلى ركام تفوح منه رائحة الموت والدمار والمستقبل المجهول، وأصبحت في أفضل نماذجها ما نراه اليوم عراقيا وسوريا ويمنيا وليبيا والقادمات كثر، وكما قال الباشا نوري السعيد حينما أخبروه بأن ضباطا يجتمعون لأجل انقلاب يزيحه ومن معه، قال:
( إن فعلوا ذلك سيرفعون غطاء ( السبتتنك ) أي مخزن المياه الثقيلة، وستخرج كل عفونات البلاد ).

     عاصفة فوقية جعلت كل هذه الشعوب تلعن تلك الساعة التي سقطت فيها أصنامها ودكتاتورياتها التي تميزت بالظلم والطغيان، لكنها أمنت للأغلبية المستكينة أبدا في شرقنا المؤمن حتى العظم بالواحد الأحد، الأمن والسلام وستر الحال والأحوال، بينما فقدت على بوابات الديمقراطية العرجاء كل ما تبقى لديها مما تركته لهم تلك الأنظمة، حيث لم تنجح الأنظمة البديلة من تحقيق ابسط الأمور التي كانت تتمتع بها تلك الشعوب بشكل أفقي، بل على العكس كان في العراق مثلا لص واحد ودكتاتور أوحد وحزب واحد وجيش واحد، أصبح لدينا اليوم جملة من الدكتاتوريات وجيوش مقدسة بالعشرات وأحزاب تتكاثر كالقطط الشباطية، لا يعرف لها أب ولا أصل، ناهيك عن آلاف اللصوص الذين يتبعهم مئات الآلاف من الذين يستفيدون من سرقاتهم، وربما بحجهم أيضا ممن يتمنون لو أصبحوا مثلهم، وفي هذه المتوالية أتذكر جوابا لأحد البعثيين وأنا اسأله إن الشعب يرفضهم ويجاملهم من الخوف والإرهاب، ضحك وقال معلوماتكم غير دقيقة، والحقيقة إننا في الهرم بضع مئات من الآلاف، يتبعنا ضعفهم ويقلدنا أضعافهم، ويتمنى أن يكون مثلنا عدة إضعاف، وبذلك فان الأغلبية معنا!؟

     لم تختلف الأمور ضمن هذه المعايير، فقط أضيف لها الجانب الديني الأكثر تأثيرا، خاصة ما يتعلق بالفتاوى والصراع العقائدي مع المختلف الآخر، وعمليات التكفير والإقصاء والاحتواء وصناعة المجالات الحيوية عبر ثقافة ( الأفواج الخفيفة - الجته ) وشبيهتها اليوم بالحشود العشائرية، وإضفاء صفة التقديس على تلك الأفواج، ناهيك عما يفعلونه بالأغلبية المسطحة من الأهالي باسم الدين ورموزه وفتاويه حتى تحولت إلى قطعان لا تعرف الجهات الأربع في مهرجان تهريجي مضحك باسم الانتخابات، لتأسيس دورة جديدة لبرلمان أهم ما يميزه هو امتيازات أعضائه وقراراتهم القراقوشية، والذي لا يصدق عليه التوجه بالسؤال من أي مواطن ليبي أو عراقي أو يمني أو سوري عما كان فيه قبل مهرجانات التهريج الديمقراطي وكيف أصبح حاله الآن!

    ليست دعوة للدكتاتورية بل دعوة لغلق الطريق أمام من يستخدم سلالم الديمقراطية لصناعة دكتاتوريات لا تختلف عن أولئك الذين استخدموا السطو بالانقلابات!

     إنهم يفرضون الديمقراطية عموديا بينما تنمو وتنتعش الدكتاتورية أفقيا!


kmkinfo@gmail.com
أواخر كانون ثاني 2018م

107
كوردستان والعراق إلى أين؟

كفاح محمود كريم

          الخوض في بواطن التاريخ بقدر ما يطلعنا على بعض الحقائق لكنه أيضا صورة قاتمة لما حصل على الأقل خلال قرن من الزمان، ومن هنا أريد أن استعرض وبسرعة لكي لا أثقل على القارئ بصفحات مؤذية من تاريخ هذه المنطقة، التي ما زالت تغلي وتندفع حممها من براكين وضعت أسسها عبر التاريخ، لتحرق الأخضر واليابس لأقوام سكنت هذه المنطقة الموبوءة بالعقائد والإيديولوجيات والقبلية والعنصرية والطائفية المقيتة، حمم تحولت إلى حروب ومآسي وكوارث كما وصفها احد الدبلوماسيين الأمريكيين أبان توقيع اتفاقية لوزان وراح ضحيتها ملايين البشر من مختلف الأقوام والأعراق والأديان والمذاهب، ولعل ما حصل للأرمن والكورد نهاية القرن التاسع عشر ومطلع العشرين بداية لتلك الكوارث والمآسي، وما يؤكد إصرار العنصريين بكل أشكالهم القومية والدينية والمذهبية على الشمولية المقيتة هو تلك الحمم التي تندفع بضراوة وما تزال حرائقها مستعرة، وها هي داعش وردود أفعالها الطائفية تمثل آخر مبتكرات المآسي في العراق وسوريا.

     وفي العراق وكوردستان العراق ومنذ أكثر من مائة عام عمل الكوردستانيون على إنشاء دولة مدنية متحضرة ديمقراطية مع شركائهم العرب وغيرهم من شعوب هذه المنطقة من العالم، دولة تعتمد أسس المواطنة في بنائها الاجتماعي والسياسي، وكانت الخطوة الأولى بعد اتفاقية سايكس بيكو سيئة الصيت، أن منحوا ولاية الموصل العثمانية هويتها العراقية في استفتاء عصبة الأمم بالربع الأول من القرن الماضي، أملا في أن يحقق الشركاء الآخرين في المملكة العراقية ( ولاية بغداد وولاية البصرة ) وعودهم في تنفيذ مطالب شعب كوردستان في شكل الدولة وأساسياتها وحيثياتها بما يضمن حقوقهم الإنسانية والثقافية والسياسية، وطيلة ما يقرب من ثمانين عاما لم يتلق الكورد من وعود الحكومات المتعاقبة في بغداد وعلى مختلف مشاربها وتوجهاتها، إلا الحروب المدمرة التي استخدمت فيها أبشع أنواع الأسلحة، بما في ذلك المحرمة دوليا كالأسلحة الكيماوية والعنقودية والنابالم، ناهيك عن عمليات الأرض المحروقة، التي أتت على أكثر من ثلث كوردستان في عمليات الأنفال سيئة الصيت ( ثمانينيات القرن العشرين )، والتي ذهب ضحيتها ما يقرب من ربع مليون إنسان، وتدمير خمسة آلاف قرية بما فيها من بساتين وينابيع ومنشآت، إضافة إلى قتل أكثر من ثمانية آلاف بارزاني وتغييب مئات الآلاف من الكورد الفيليين في وسط العراق، وإسقاط جنسياتهم العراقية وتهجير عوائلهم إلى إيران ( سبعينيات القرن العشرين )، وأتباع سياسة الصهر القومي والتغيير الديموغرافي لسكان المدن الكوردستانية المتاخمة لحدود العراق العربي مثل كركوك وسنجار وزمار ومندلي وسهل نينوى ومخمور والشيخان وعقرة وغيرها طيلة نصف قرن ( 1958- 2014 )، وأخيرا تسهيل احتلال أجزاء من كوردستان العراق من قبل منظمة داعش الإرهابية واقتراف واحدة من أبشع جرائم التاريخ بحق الايزيديين والمسيحيين في كل من سنجار وسهل نينوى ( حزيران وآب 2014 ).

     ورغم تلك الكوارث والمآسي بقي الكورد يعملون ويناضلون من اجل تأسيس دولة مواطنة متحضرة ديمقراطية، تحفظ العراق موحدا بشراكة حقيقية وتوجه مخلص لمعالجة جروح الماضي وتعويض السكان عما أصابهم من ويلات، وبهذه الروح ذهبوا إلى بغداد في آذار 1970 حينما تصوروا إن القائمين الجدد على الحكم ينوون التعامل مع القضية الكوردية بجدية، وفعلوها قبل ذلك في الستينيات مع عبد الرحمن البزاز، لكن الحقيقة كانت غير ذلك لدى الطرف الثاني، حيث سياسة فرق تسد التي اتبعتها كل الأنظمة مع شعب كوردستان وقياداته، وفرض مشاريع هزيلة كما فعلوا في تجربتهم البائسة فيما سمي بعد 1975 بقانون الحكم الذاتي الحكومي، الذي انهار وبدأت سلسلة جديدة من الكوارث والمآسي والحروب التي راح ضحيتها خيرة أبناء كوردستان وبناتها، وخيرة شباب العراق ممن تورطوا في تلك الحروب القذرة مجبورين غير مخيرين، دونما أن تنتج تلك الصراعات إلا الدمار والتقهقر والتخلف للبلاد، حتى اسقط التحالف الدولي مطلع الألفية الثالثة نظام صدام حسين وحزبه الذي تسبب في معظم مآسي العراق وسوريا.
   
     لقد تخلى الكوردستانيون عن استقلالهم الذاتي الذي فرضته انتفاضة الربيع 1991 وأقرته قرارات مجلس الأمن الدولي ( قرار 688 )، وتسارعوا إلى بغداد حفاظا على وحدة العراق وبناء دولة المواطنة والشراكة الحقيقية تحت خيمة ديمقراطية حقيقية ونظام مدني متحضر، والمساهمة في تأسيس دستور دائم يحفظ للبلاد وشعوبها كل الحقوق والامتيازات ويحترم خياراتها وتطلعاتها في دولة اتحادية اختيارية ( من دون نعرة طائفية، ولا نزعة عنصرية، ولا عقدة مناطقية، ولا تمييز، ولا إقصاء ) و ( إن الالتزام بهذا الدستور يحفظ للعراق اتحاده الحر شعبا وأرضا وسيادة.*

     وبعد أكثر من عشر سنوات ( بعد تشريع الدستور الدائم ) من وضع هذه الوثيقة الجامعة وشروطها في الالتزام، ماذا حصل وماذا جنينا غير تحول النظام تدريجيا إلى نظام ديني طائفي بحت، بعد أن اتفقنا على أن يكون بلدا ديمقراطيا مدنيا، فاذ به يتحول إلى بلد للميليشيات التي منحت نفسها تفويضا ربانيا بمصير البلاد والعباد، فأصبح العراق من أفسد وأفشل دول العالم، حيث استخدمت القوات المسلحة في حل النزاعات بين الأقاليم والمحافظات وبين الحكومة الاتحادية، كما حصل مؤخرا في اجتياح المناطق المتنازع عليها والخاضعة للمادة 140، في خرق خطير للدستور الذي يحرم ذلك إطلاقا، ذلك الاجتياح الذي استقدمت من اجله قوات أجنبية وتسبب في إحداث شرخ كبير بين العرب والكورد والتركمان وفي تهجير أكثر من 180 ألف مواطن من تلك المناطق، ناهيك عن عمليات النهب والسلب والحرق التي تعرض لها المواطنين في كركوك وطوزخورماتو على خلفية عرقية أو مذهبية على أيدي القوات المسلحة والميليشيات.

     وقائمة الخروقات طويلة ومليئة، وأخطرها محاصرة الإقليم اقتصاديا بحرمانه من حصته في الموازنة العامة لأربعة سنوات ( 2014 – 2017 ) والبالغة أكثر من خمسين مليار دولار، مع قطع كافة رواتب الموظفين المدنيين والعسكريين، والعمل على تحجيم وإلغاء الفيدرالية من الدستور وذلك بغلق كافة مكاتب تمثيل إقليم كوردستان في السفارات العراقية وتعطيل وإيقاف تطبيق معظم المواد المتعلقة بتأسيس الأقاليم، بل ومحاربتهم كما حصل مع مطالب شعب البصرة والانبار وصلاح الدين ونينوى، وكذلك تعطيل قانون النفط والغاز وتطبيقاته والمادة 140 وعدم إجراء تعداد عام للسكان، والقائمة تكبر لتمتد على كل مساحة العراق ومكوناته، حتى أصبح اليوم واحدا من افشل دول العالم وأكثرها بؤسا ورعبا وفسادا، ناهيك عن إن سيادته في الأصل مثلومة باختراقات دول الجوار وما بعد الجوار تحت مختلف التسميات والعناوين، حتى غدت عاصمته تحكم من قبل عصابات ومافيات مسلحة تستمد شرعيتها من الرب والدين والمذهب وفي كل حي وشارع، حيث الميليشيات وحكم قراقوش والصراع الطائفي المقيت، لهذه الأسباب ولأن شعب كوردستان يختلف كليا عن شعب العراق عرقيا وقوميا وثقافيا وتاريخيا وحضاريا وجغرافيا، فإنه بعد أن فشل خلال قرن من الزمان في بناء دولة مواطنة، وأن يكون شريكا حقيقيا في كيان مختلق غصبا عن الشعبين، قال كلمته بشكل سلمي متحضر، وطلب أن يكون الشعبين شجرتين مثمرتين باسقتين، لا شجرة واحدة معلولة بثمار مشوهة، لكي يسود السلام بعيدا عن الصراعات الدموية والسياسات العنصرية والطائفية، وحينما قرر الاستفتاء على مصيره انبرت العنصرية والشوفينية والمصالح لقمع توجهاته، فضرب الحصار عليه أرضا وجوا لإذلاله وكسر إرادة شعبه وإبقائه تابعا منتقص الارداة والحرية!

    ترى بعد كل ذلك كوردستان والعراق إلى أين!؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* نص من ديباجة الدستور الدائم

kmkinfo@gmail.com
أوائل كانون ثاني 2018م


108
دولة المواطنة بين العراق وكوردستان؟

كفاح محمود كريم    


      منذ تأسيس المملكة العراقية في منطقة عرفت بالعراق تاريخيا واختلف المؤرخون في تسميتها وأصولها، لكنها رغم تلك الاختلافات احتضنت حضارات وأقوام سادت ثم بادت كما يقول طيب الذكر احمد زكي في مجلته (العربي الكويتية)، وكانت هذه المنطقة لتميزها الجغرافي ووقوعها وسط عقدة مواصلات، تربط معظم القارات أرضا وجوا وبحرا، محط اهتمام وأطماع كثير من الدول والإمبراطوريات وفي مقدمتهم آخر إمبراطوريات الزمن السيئ الذي أنتج كيانات في هذه المنطقة وغيرها من مناطق الشرق الأوسط على حساب شعوبها ومكوناتها وخدمة لمصالحها فقط.

    وكردستان حالها حال عربتان ( الوطن العربي ) راحت ( بالرجلين ) كما يقولون، وتم تمزيقها إلى أربعة أقسام وشقيقتها العربية إلى أكثر من عشرين قسما، حسب أمزجة العرابين ومصالحهم، وبينما أراد المستفيدين أن تكون أقسام عربستان أكثر من عشرين دولة، ضموا أجزاء كوردستان إلى أربعة دول، فما ذكرت كوردستان إلا وعنوان إلحاقها ملتصق بها كما في كوردستان العراق وايران وتركيا وسوريا، وبينما حاول العرب خلال قرن من الزمان إنشاء وطن قومي يضمهم جميعا ليكسروا طوق التجزئة ويلغوا تلك الكيانات التي أنشأها الاستعمار، ذهب الكورد إلى فكرة إنشاء الدولة وضم الأجزاء الأربعة في حلم لا يختلف كثيرا عن الحلم العربي!

    وكما فشل الحلم العربي في إنشاء أي وحدة حتى ولو بين كيانين من كيانات العرب، فشل الكورد أيضا في مشروعهم لتوحيد الأجزاء الأربعة في مشروع واحد، إلا اللهم تلك المشاعر التي تربط الشعوب ببعضها في اللغة والجغرافية والعقائد والعادات، ولذلك نشأت أطروحات أكثر واقعية في الجزء الذي ضمته اتفاقية سايكس بيكو للعراق، حيث المطالبة بحقوق المواطنة ومفرداتها في الثقافة والسياسة والشراكة، إلا أن النظم السياسية المتتالية على حكم العراق لم تنجح بإقامة دولة المواطنة وفشلت بعد ذلك في إقناع الكورد بالتعايش الحر وأجبرتهم تحت الضغط العسكري والأمني والاقتصادي على التعايش ألقسري، مما تسبب في اندلاع الانتفاضات والثورات والحروب التي ما تزال مستعرة حتى الآن بأشكال مختلفة.

    ما حصل في اجتياح القوات العراقية لكركوك وبقية المناطق المستقطعة من كوردستان في 16 أكتوبر 2017م يؤكد استمرار ذات النهج الذي اتبعته كل النظم السياسية العراقية في فرض التعايش القسري على أكثر من خمسة ملايين إنسان ذهبوا في 25 سبتمبر 2017م إلى صناديق الاقتراع ليعبروا عن رأيهم في التعايش مع العراق، فقامت الدنيا ولم تقعد، في بلد يحاول فيه الأمريكان إجراء عملية جراحية لفرض نظام سياسي ديمقراطي غربي على تركيباته الاجتماعية التي وصفها مؤسس مملكته فيصل الأول:

 

« باعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خيالية خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة، سمّاعون للسوء، ميّالون للفوضى، مستعدون دائماً للانتفاض على أي حكومة كانت».

    ورغم سلسلة الانقلابات الدموية التي بدأتها (ثورة) تموز 1958م وادعت إنها تهدف إلى بناء دولة مواطنة عصرية، تشترك فيها كل المكونات القومية وخاصة الشريكين الأساسيين العرب والكورد، إلا إنها انتهت بمجازر وحروب إبادة اعتقد الكثير إن ذروتها كانت في جرائم الأنفال وحلبجة، لكن الأحداث أثبتت إن ما ذهب إليه ملك العراق الأول كان حقا خلاصة حضارة هذه التركيبات التي ما أن زال عنها حكم القانون حتى ساد نظام النهب والسلب والفرهود، ولعل الخلاصة الأكثر بؤسا لمن لا يزال يعتقد أنها وريثة حضارات عظيمة، تلك المناظر التي شهدها العالم اجمع في (الحواسم) التي بدأت بالمتحف العراقي وانتهت اليوم بعمليات النهب والسلب والحرق لمواطنين في كركوك وطوزخورماتو فقط لأنهم كورد!

    إن ما يجري اليوم من استقطابات مذهبية في تشكيل تكتلات لخوض انتخابات في مجتمع قبلي لا ولاء له إلا للعشيرة والمذهب والعرق، بعد أكثر من اثنتي عشرة سنة من التطبيقات ( الديمقراطية ) الشكلية، والادعاءات بتأسيس دولة مواطنة من خلال شعارات أثبتت أحداث كركوك والمناطق المتنازع عليها، بأنها إكسسوارات لتزيين قباحة السلوك الطائفي والعنصري المتكلس في ذهنية غالبية من يتسلط على حكم البلاد العراقية، هذه الأحداث والاستقطابات الأخيرة اغتالت أي محاولة جدية من التيارات المدنية أو التقدمية لتأسيس هكذا نظام، ودفعت إلى الأمام الخيار الفيدرالي الحقيقي أو الكونفيدرالي لثلاث مكونات أساسية ( كوردستان والسنة والشيعة ) لم ينجح سكان هذه البلاد وقياداتهم في إذابتهم في بوتقة دولة المواطنة طيلة ما يقارب من مائة عام.

Kmkinfo@gmail.com
أوائل كانون ثاني 2018م

109
مراحل تطور ( الحيتان ) العراقية ؟

كفاح محمود كريم


     دعونا بادئ ذي بدء تعريف حيتاننا الأكثر شهرة في العالم، فهي لا تشبه أي كائن  على الأرض بمواصفاتها لأنها مخلوقات مائية هلامية ناعسة تنحدر من سلالات رخوة وملساء، تطورت بسرعة مذهلة وغادرت مياهها لتنتقل إلى المدن والقصبات، لتنشئ مستعمراتها وعشرات المستوطنات وتمتص ما حولها من ماء ودماءٍ وأموال دونما أن يشعر بها أحد، إلى أن يصاب بالجفاف من دمائه وأمواله ورطوبته، هي إذن ليست تلك المخلوقات التي احتاجت ملايين السنين لكي تتطور في فسلجتها ووظائف أعضائها، لقد اختصرت الزمن أو أحرقت المراحل على ثقافة أهل الانقلابات والأحزاب الجدا ثورية والانقلابية في دفع دولهم إلى الأمام وابتداعهم للخطط الخمسية والانفجارية التي أنتجت هذه القطعان من الحيتان الوديعة الملساء.

      ولكي لا نجهد أنفسنا في البحث عن الجذور الأولى لهذه الكائنات، ونستقدم من القبور السيد داروين أو مندل، فإننا سنتناول نوعين مهمين منها، وهما النوعان اللذان يعيشان معنا ويمارسان ( نشاطيهما الحياتي ) وسط مجتمعاتنا التي اكتظت بهما.
   الأول؛ بدأ بالتحول مع قيام جمهوريتنا العتيدة في 1958 من مخلوقات انتهازية مسطحة الأدمغة هلامية الأشكال عاطلة عن العمل والتفكير، جائعة وغرائزية الطباع، لا تنتمي إلى أي طبقة أو عرق أو دين أو مذهب معين، فهي تستخدم كل هذه ( المقتنيات والتقنيات ) من اجل عملية تطورها إلى حيتان وديعة ملساء، جاءت من العصر الملكي ودخلت الحقبة الجمهورية الخالدة وهي ما زالت تهتف للملك المفدى عبد الكريم قاسم، لا خباثة في ذلك بل هذه كل معلوماتها وثقافتها ونيتها الصافية النقية، وسرعان ما تغلغلت و ( إندحست ) إلى مفاصل الأحزاب الثورية جدا والرجعية جدا جدا والقومية أو الدينية جدا جدا جدا، والى الجمعيات والمنظمات التي كان من المفروض إنها تمثل مخلوقات إنسانية، فأصبحت خلال سنوات مراتع للحيتان. 
       
    وخلال سنوات قليلة تحولت هذه المخلوقات إلى حيتان وديعة التهمت كل ما حواليها من نِعم الأحزاب والانقلابات الثورية والقوات المسلحة في حروبها ( القومية والتحررية والجهادية المقدسة ) وتأميم النفط وتحويل موارده للعشائر الحيتانية في كل أنحاء العالم لخدمة مصالح الأمة ووحدتها ومستقبلها الذي نشهد اشراقاته الآن، وفي اقل من نصف قرن تحولت تلك المجاميع إلى طبقات وعشائر من أصناف وأنواع رهيبة، لا تمت للإنسان العادي بأي شكل من الأشكال، وانتشرت في ربوع العراق بوداعة تلتهم كل شيء إلا ( الحلال ) تحت ظلال السيوف والمبادئ والوطنيات ومستقبل الجماهير والأمة، ودوما يكون في حمايتها ( المقاومة الشعبية ) أيام الزعيم الأوحد و( الحرس القومي وشقيقه الجيش الشعبي ) أيام بطل القادسيات و ( الحشد الشعبي ) أيام مختار العصر وخليفته المبتسم والمتفائل جدا!


      والغريبُ فيها بل المثير أنها تختلف في كل شيء فيما بينها إلا في السلوك، فهي تتلون مع البيئة التي تعيش وتترعرع فيها، فلا تكاد تعرف ألوانها التي تغيرها من لون إلى آخر  كالضفادع حسب مكان عيشتها من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، ومن الرفيق ماركس قدس سره إلى الرفيق المجاهد القرضاوي دام ضله، فهي تتنقل برخاوة وانسيابية رهيبة بين كل هذه العوالم دونما أي خسائر تذكر، سوى نوعية الأقنعة وأساليب التدليس و( الاندحاس)، ورغم ذلك تفاءل العراقيون كما اليوم حتى أطلت ( الثورة البيضاء جدا ) في تموز 1968 لكي تبدأ مرحلة أخرى ( النوع الثاني ) من مراحل تطور وانتشار وتكاثر هذه الحيتان العقائدية المناضلة، التي دربت ودرست في مدارس ومختبرات ومعامل الحزب القائد آلافا مؤلفة من أجيال أكثر تطورا من الحيتان وبكل الأحجام والأشكال والأعراق والمذاهب، وأول الوجبات المطورة كانت تلك التي لبست قناع المقاولين في السنوات الأولى لحقبة الثورة البيضاء جدا، ما لبثت حتى تطورت إلى أنواع زيتونية عسكرية مع مطلع الثمانينات وقيام الحرب بين ( أحفاد القعقاع ويزدجرد )، فانتشرت قطعان من الحيتان المعسكرة بالرتب وأنصافها وأشكالها والزيتوني ودرجاته والمجحشة وأفواجها، حتى غرقت البلاد وطافت العباد وأصبحت الحيتان تصول وتجول في مشارق البلاد ومغاربها، بألوانها الزيتونية ورتبها وأوسمتها التي كانت تقدم بالمناسف والصواني، حتى بدأت (غزوة الأنفال المباركة ) فهبت جموع الجماهير المناضلة ورفاق العقيدة والصناديد من فرسان الأمة لنهب مدن وقرى كوردستان، تتقدمهم أفواج من الحيتان المدربة على امتصاص الدماء والأموال في تمرين تعبوي لمعركة كبرى قادمة لا ريب!

     وجاءت غزوة الكويت العظمى لتبدأ تطبيقات غزوة كوردستان ولتتحول الكويت خلال ساعات إلى ساحة لتلك القطعان من الحيتان التي ( شفطت كل شيء ) وكنست الكويت بأكملها من دولة إلى متصرفية أو محافظة، والمهم في كل هذه الغزوات ديمومتها وبقائها، فمِن (عاش الملك المفدى ) إلى ( ماكو زعيم إلا كريم ) وصولا إلى ( صدام اسمك هز أمريكا ) حتى عصرنا الذهبي مع ( مختار العصر ) وقرينه المبتسم ( بطل الأبطال وقاهر الرجال )، لا يهمها شخص من يحكم أو حزبه بقدر ما تهمها غرائزها في ( اللغف والشفط ) والامتلاك والامتصاص، وهي ذكية جدا رغم رخاوتها وبساطتها في التكيف مع تبدل الأنظمة وتغيير الأسماء والاتجاهات.

     وهكذا دخلت هي الأخرى حقبة ما بعد صدام بشكل مثير في ذكائها واندحاسها بين صفوف ( المناضلين جدا )، بل والمزايدة على أولئك الذين قاوموا صدام وحزبه طيلة ما يقارب من أربعة عقود، لتتبوأ مراكز الصدارة في معظم مراكز القرار وحواليه بدوائر تشبه تلك التي تنتجها قطعة الحجر في بركة ماء، مدربة ومروضة بشكل لم يعد العقلاء التمييز بينها وبين المساكين من أبناء هذا الشعب العجب، فقط إنها بدأت بالتهام الأخضر واليابس وكل ما حواليها من أراض وأبار وأنابيب بترول ومباني وطرق وحتى الأرصفة والمناصب البرلمانية والوزارية ومواقع السياسة والإدارة في الأحزاب التي استطاعوا صناعتها أو التي اخترقوا مفاصلها من الأحزاب العاملة على الساحة.

     ولم تكتفِ هذه الحيتان الوديعة بشهاداتها العليا ضد الكوليرا والتايفوئيد والابتدائية أو المتوسطة فاقتنت شهادات الدكتوراه والتخصص العالي من جامعة سوك مريدي الشهيرة، التي لا تلزم طلبتها بالحصول على أي شهادة قبل الدكتوراه، إضافة إلى شهاداتها الدينية وعمائمها، وهكذا أصبح لدينا أجيالا متقدمة ومتطورة من هذه الكائنات الوديعة والملساء والمتكيفة للعيش في كل المناخات والتضاريس المائية والجبلية وحتى الصحراوية إذا اقتضى الأمر لذلك، فهي أجيال متطورة جدا تليق بالبرلمان والحكومة، وقد حازت على شهادة راقية جدا من منظمة الشفافية الدولية (EITI) حيث أصبحت دولتها من أفسد دول العالم وأفشلها، وسيتم منحها شهادة حسن السلوك في مهرجان التهريــج الديــــــمقراطي ( الانتخابات العراقية ) فتدخل كالفرسان المنتصرين إلى قبة البرلمان لتضع بيضها الفاسد وتنتج حكومة جديدة جدا، غايتها خدمة العراق العظيم والحفاظ على سيادته ووحدة أراضيه ضد الانفصاليين الذين شكلوا 93% من خمسة ملايين إنسان قالوا لهم لا!؟

     وصلوا معي على نبينا محمد وآل محمد في دولة قراقوش!



kmkinfo@gmail.com
12 كانون ثاني 2018م

110
الفاسدون يدمرون العراق!
كفاح محمود كريم

     تزداد يوما بعد آخر حمى الدعايات الانتخابية في العراق بشكل مبكر مع تساقط الكثير من أوراق التوت عن عورات الأحزاب والكتل الكبيرة التي بدأت بالانشطار الأميبي على طريقة بكتريا اليوغلينا وغيرها من أنواع البكتريا، فأصبحت عشرات الأحزاب بعد أن تخلت عن أسلوب أحزاب أنابيب الاختبار التي استخدمتها في الدورات السابقة لبرلمان إبطال الفساد العالمي، ليكون لدينا بعد التكاثر الأميبي ما يزيد على مائتي حزب مناضل من اجل القطيع الذي ما يزال يساق بالدولار والفتاوى الدينية وأوامر شيخ القبيلة.

     وقد استهل حزب الدعوة وكتلته عملية الانشطار لكي يغلق أي طريق محتمل لحزب أو كتلة أخرى للوصول إلى دفة السلطة والمال، خاصة وان معظم مفاصل الدولة كان قد هيمن عليها منذ توليه مقعد رئاسة الحكومة وملحقاتها، وهذا يعني انه مع كتلته يتحمل كامل المسؤولية فيما جرى للبلاد، لأنه قبل مسؤولية الحكم بل استقتل من اجلها ومن اجل تكريس حكم الحزب الواحد من خلال الاستيلاء على كل مفاصل السلطة السياسية والمالية والعسكرية والأمنية.

     منذ 2005 بلغت إيرادات العراق مئات المليارات منذ تولي كتلة القانون وحزب الدعوة حكم العراق، وارتفع حجم تصدير كميات النفط إلى ما يقارب الضعف عما كان عليه بداية العقد الماضي، مع ارتفاع كبير لأسعار النفط قياسا لما كانت عليه قبل 2003م، وهذا يعني انه كان أمام العراق فرص ذهبية للانتقال بشكل نوعي إلى مستويات حضارية رفيعة، خاصة وانه يمتلك قدرات هائلة بشرية كانت أم ثروات طبيعية، وباستثناء إقليم كوردستان الذي يتمتع باستقلال ذاتي منذ 2003م والذي حقق قفزة نوعية في معظم المجالات، لا نجد في العراق ما يشير إلى أي تقدم مذكور، بل بالعكس انحدرت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية إلى حدود خطيرة جدا مع ارتفاع نسبة الفساد بشكل جعل العراق من أفسد وأفشل دول العالم حسبما ذهبت إليه منظمة الشفافية الدولية (EITI).
     والغريب إن كل حملات مكافحة الفساد ومنظماتها الحكومية وغير الحكومية متهمة بالضلوع أو التستر على كثير من ملفات الفساد، ولعل ما يؤكد ذلك إن شخصيات قيادية بارزة سياسية وحكومية متهمة بـ ( هدر أموال الدولة ) وهو تعبير ناعم للفساد، كما في توصيف المالكي  لنائب رئيس الوزراء لشؤون الطاقة الشهرستاني في واحدة من اكبر عمليات الفساد الكهربائي التي أنفقت عشرات المليارات من الدولارات لحل مشكلة الكهرباء في العراق دونما شيء يذكر، وقد ذكر رئيس الوزراء في تصريحات عديدة، انه يمتلك ملفات فساد كبيرة على فلان وعلان من المسؤولين، ويهدد باستخدامها عند الحاجة، فإذا كان ارفع منصب في الدولة يتستر على ملفات الفساد ويهدد باستخدامها لأغراض انتخابية أو سلطوية، فما بالك بالآخرين؟

      وما ذكرناه عن قطاع الكهرباء يعمم على كل الوزارات والمؤسسات، بما فيها المؤسسة العسكرية والأمنية والحشد الشعبي، والتي يقف على رأس هرمها قياديين في الأحزاب الدينية، وللأسف كثير من غير الأحزاب الدينية أيضا، والانكى من كل ذلك أنهم أنفسهم الحاكمين والمنادين في ذات الوقت وفي حمى الدبكات الانتخابية على مكافحة الفساد، فأي دولة هذه التي يحكمها فاسدون أوصلوها إلى الدرك الأسفل من مستويات الفشل والفساد، وما زالوا مصرين على ( قشمرة ) ناخبيهم المخدرين بالشعارات الدينية والمذهبية والأحقاد العنصرية والعنتريات الصدامية.

     إنها إنتاج سايكس بيكو قبل مائة عام حيث صنعت دول وكيانات أساسها فاسد وباطل، لتستمر دوامة الحروب والتناحر، وتنخر فيها فايروسات الكراهية والعنصرية فتتآكل ويدمرها فاسدوها!


kmkinfo@gmail.com
أوائل كانون ثاني 2018م

111
المنبر الحر / من هو كذاب بغداد؟
« في: 18:26 31/12/2017  »
من هو كذاب بغداد؟

كفاح محمود كريم

     في التاريخ السياسي العراقي توصيفات لرؤساء حكوماته منذ تولي الباشا نوري السعيد زمام الإدارة الحكومية، وحتى أخينا المتفائل جدا حيدر العبادي، ومن أبرز تلك التوصيفات ( نوري السعيد قوندرة وسعد جبر قيطانه ) التي ضربت عصفورين بحجر واحدة، تلتها في العهد الجمهوري توصيفة الرئيس المؤمن لعبد السلام عارف، ثم جاء طاهر يحيى وهو من جنرالات الجيش ليتم توصيفه ربما ظلما بـ ( حرامي بغداد )، وفي نفس الحقبة – الستينيات - ظهرت توصيفة أخرى ليهودي عراقي اسمه عزرا ناجي زلخا، سمي في حينها بـ ( ثعبان بغداد ) ثم على ذمة مريدي ميشيل عفلق ( جاسوس بغداد ).

     ودون الخوض في تفاصيل التوصيفات ومدى مصداقيتها، إلا أنها تحولت إلى  متداولات شعبية أصبحت فيما بعد تسبق الاسم كحرف الدال الذي يستقتل عليه اليوم نواب وسياسيو أشهر فساد في العالم، تكثف في عاصمة هارون الرشيد، وسواء صدقت تلك التوصيفات أم لم تصدق إلا أنها صارت لصيقة بأسماء أصحابها، وهنا دعونا وسط هذا الطوفان من الحرامية الذي اغرق حكومات بغداد وبرلمانها منذ إسقاط نظام الرئيس صدام حسين وحتى يومنا هذا، أن نجد مكروسكوبات ضوئية للبحث عن امكانية وجود كائنات نزيهة في خضم تلك الطوفانات، التي ربما ستبرئ المرحوم طاهر يحيى من ذلك التوصيف، وأنا كلي ثقة بأنه سيخرج بريئا نضيف اليدين مقارنة مع ( المعممين والمؤمنين والتقاة جدا ) من حاكمي العراق وبرلمانه الطاهر إلى العظم، وإذا ما فشلنا في إيجاد هكذا مجاهر متطورة، سنحتاج إلى أجهزة فائقة لكشف الكذب، ولان الكذب كما يقولون أبو الخبائث، ولان شعبنا تشيطن بالتراكم الهائل للحرامية والكذابين فقد أصبح ( يلكفها وهي طايره ) بمعنى انه يفهمها بمجرد أن تخرج من بين شفاه المدعي.

    وفي طوفان آخر للكذابين يحتار المرء من يستحق أن يكون ( كذاب بغداد ) بجدارة، خاصة وان هؤلاء الذين حطت بهم طائرة الأقدار السيئة على ظهور العراقيين يتنافسون في صناعة الكذب وجودته، حتى ( عَبر ) على الكثير من السذج، فمنحوهم أصواتهم في انتخابات العشائر والفتاوى والسحت الحرام، ولكي نترك للقراء حرية اختيار اللقب المميز لمجموعة المضللين، سنذكر هنا أهم التصريحات المضلِلة، وخاصة تلك التي تنطلق بصواريخ حديثة جدا أطلق عليها أسم الدستور، حاملة معها مجاميع من الفيلة إلى كواكب أخرى!

-   في قًسم توليه الحكم قال: انه سيحل المشاكل مع إقليم كوردستان خلال ثلاثين يوما، وبعد اقل من أربع سنوات ضربت المشاكل في مئة!
-   وقال أيضا: وجدنا خمسين ألف فضائي ويقصد كائنات خرافية تتقاضى معاشات في أول غزوة ضد الفساد، أصبح العراق بعد أقل من أربع سنوات من افسد دول العالم!
-   يقول: نحن ندفع معاشات موظفي " محافظات شمال العراق " لأنهم من شعبنا الكوردي، وندقق قوائم أسمائهم، وحكومة شعبه الكوردي تنفي إنها سلمته تلك القوائم!
-   وفي نفخة أخرى: يجب أن نسيطر على الحدود بالدستور، علما إنه هناك ثلاثة ألوية من حرس الحدود التابعين للسلطة الاتحادية إدارة ورواتباً وأسلحة واوامراً، تنتشر على طول الحدود مع تركيا وايران من جهة كوردستان!
-   بعد اجتياح كركوك من قبل الحشد الشعبي أعلن إن نفط كركوك بالكامل أصبح ملك العراقيين، على أساس شعبه الكوردي من المريخ، ويتم تصديره بالتنكرات إلى ايران لصالح الحشد الشعبي ولمن سهل اجتياحهم لكركوك من أشقاء الكواليس!
-   حضر الطيران من والى مطارات كوردستان بدعوى إنها خارج سيطرة سلطة الطيران الاتحادي، علما بأنه لا يمكن لأي طائرة أن تقلع أو تهبط إلا بموافقة بغداد منذ افتتاح تلك المطارات، ولا يمكن لأي أجنبي أن يدخل من خلالها إلا بفيزا من السفارات العراقية!

نكتفي بهذا العدد الصغير من الفيلة ونترك الحكم للقارئ..



112
السكوت أفضل يا رئيس الحكومة!

كفاح محمود كريم

     فاجأنا رئيس حكومة كتلة القانون حيدر العبادي بتصريح (حنون) جدا قال فيه:
 " لن نقف مكتوفي الأيدي حيال أي اعتداء على مواطن في إقليم كوردستان، ودعا سلطات الإقليم إلى احترام التظاهرات"
بينما ذهبت كتلته القائدة أم الأغلبية إلى:
" ضرورة تحرك قوات رئيس الحكومة الاتحادية إلى السليمانية واربيل وإسقاط ( النظام القبلي ) في شمال العراق!؟"

     والسؤال المضحك المبكي بل المستغرب هو هذه الحنية الزائدة على مواطني كوردستان والتي نزلت فجأة، خاصة وإنهم يتعرضون للحصار والتجويع منذ بداية 2014م، حيث قطع حزبه المناضل وقائده المختار حصة الإقليم من الموازنة العامة والبالغة 17% مع إيقاف صرف مرتبات الموظفين المدنيين والعسكريين في سابقة لم تحدث منذ تأسيس الدولة العراقية، وقد بلغت الأموال التي سرقت بموجب النسبة المتفق عليها أكثر من أربعين مليار دولار مجموعة حقوق شعب كوردستان من الموازنة العامة للعراق لأربع سنوات!

     والغريب إن ضمير رئيس حكومة حزب الدعوة لم يتحرك إطلاقا، حينما بدأ حشده الشعبي في انفلة سكان طوزخورماتو وقتل المئات منهم على الهوية القومية والسياسية، ومثلها فعلوا في كركوك وأحرقوا مئات من بيوت ومحلات الكورد وهجروا أكثر من 180 ألف مواطن، بل أنهم أعادوا ببشاعة سياسة التعريب سيئة الصيت إلى كركوك وبقية المناطق المستقطعة من كوردستان!

     الآن فقط يا رئيس الحكومة (المفترض أنها اتحادية) ارتفع منسوب الحنية على مواطني كوردستان، بعد أن بدأتَ برنامجك للقضاء على إقليمهم المزدهر، وتهيئة الأرضية لتنفيذ نظام الأغلبية المذهبية السياسية التي ستعيد صياغة الدستور مع تطلعات حزبك في إقامة نظام ( إسلامي مذهبي ) شمولي يجمع حوله أتباع مستكينين لا حول لهم ولا قوة على سياسة سلفهم في صناعة الجحوش!

     الذين استخدمتهم سيادة القائد العام للقوات المسلحة والحشد الشعبي في السليمانية وبلداتها في حرق ونهب وسلب مقرات الحكومة والأحزاب من البائسين الذين سيطالهم القانون وجدار كوردستان الأخلاقي والنضالي، لا يمثلون أولئك الذين قالوا نعم للاستفتاء في صرخة مدوية سمعها العالم اجمع، عكست رأي 92% من أبناء وبنات كوردستان.

     كنا نتمنى حقا أن تكون صادقا تجاه شعب كوردستان وقيادته التي تعرفها أنت ورفاقك في الحزب والكتلة، التي تعمل على إشاعة الأحقاد والكراهية ضد الإقليم وشعبه ومؤسساته، لا أن تراوغ وتثقف من اجل اكتساحه واحتلاله وتنصيب مكتب تنفيذي وتشريعي على طريقة البعثيين أسلافكم في حكم العراق ودماره.

     كوردستان تسير بوضوح نحو أهدافها، وقد صمدت أمام طوفانات كثيرة، وكانت جبالها مأوى لكم جميعا، عصمتكم من الغرق والهلاك، وها هي اليوم أيضا تحتضن الملايين من أبناء جلدتك ضاق بهم العراق من ظلمه وفساده وطغيانه، فاختاروا الكورد وكوردستان والبارزاني ملاذا آمنا لكرامتهم وشرفهم وحياتهم، وتذكر وأنت تتصور إن ما حصل في كركوك وشقيقاتها الكوردستانية نصرا افتراضيا تعرف جيدا حقيقته المبطنة، إن صداما وجيشه الجرار وكل العالم معه لم يكسر إرادة كوردستان وشعبها وقيادتها، وان ما يجري اليوم بعد الاستفتاء في كوردستان وحولها، للأسف الشديد امتداد بائس لثقافة البعث وداعش، والحمد لله انك أدركت نهايتهما ونتائجهما!

kmkinfo@gmail.com

113
كوردستان بين نقطة الشروع والاستفتاء

كفاح محمود كريم


البداية ونقطة الشروع

     لا أريد أن أغوص في تفاصيل التاريخ ودهاليزه البيضاء أو السوداء خشية من أبالسة السياسيين العنصريين والمتشددين الدينيين الذين يقبعون دوما في التفاصيل، بقدر ما أريد الإشارة إلى نقاط الشروع لحركة الاستقلال الكوردستاني منذ بدايات القرن الماضي وحتى الاستفتاء الأخير في 25 سبتمبر الماضي، وبلورة ديناميات جديدة من خلال قراءة دقيقة لتلك الصفحات من التاريخ وخاصة طبيعة تعامل كلُ من حكم العراق مع القضية الكوردية.

     لقد قاد الشيخ عبد السلام البارزاني 1909-1914م انتفاضة شعبية في كوردستان العراق كأول حركة تحررية في القرن العشرين تمتلك أهدافا سياسية واضحة، نجحت في إيصالها إلى الحكومة العثمانية، التي جن جنونها فشنت حملة عسكرية كبيرة على مناطق نفوذ الحركة في بارزان واعتقلت الشيخ عبد السلام ورفاقه، ثم أعدمتهم في مركز ولاية الموصل بداية 1914م.

المملكة الجديدة وبسط النفوذ

     لم تنطفئ جذوة الثورة بل استمرت حتى وقعت المنطقة بأسرها تحت طائلة اتفاق وزيري خارجية بريطانيا وفرنسا ( سايكس بيكو ) لتأسيس كيانات تخدم مصالحها فقط، فظهرت للوجود في هذه المنطقة مملكة عراقية من ولايتين هما البصرة وبغداد، وحينها كانت ولاية الموصل تضم كل كوردستان الجنوبية المسماة اليوم كوردستان العراق، وبعد مفاوضات عديدة بين الأطراف الأربعة البريطانيين والفرنسيين والأتراك والكورد اتفقوا مع الكورد على أول استفتاء حول تبعية الموصل، بعد أن وعدوهم بتحقيق مطالبهم وأهدافهم السياسية والثقافية إذا ما صوتوا إلى جانب انضمام الولاية إلى المملكة الجديدة، وبذلك منح الكورد وهم الغالبية هوية العراق لولاية الموصل، وهنا يقول ادمونس في كتابه عرب وكورد وترك " لقد قدم شعب كوردستان خدمة كبيرة في تأسيس دولة العراق وذلك بأصوات الأغلبية الكوردية في ولاية الموصل".

     ولكن الطرف الآخر وهو المملكة العراقية وعرابها البريطاني وضع الخطوات الأولى للانقلاب على كل العهود والوعود حتى أصبحت سلوكيات متوارثة حتى يومنا هذا من قبل كل من حكم العراق، ولعل ما كتبه ملك العراق الأول لرئيس وزراء بريطانيا، يؤشر لذلك الانقلاب حيث طلب منه مساعدته لبسط السيطرة على كل ( المناطق الشمالية ) ويعني بها كوردستان العراق، فأجابه  رئيس حكومة بريطانيا العظمى حينها:
" إننا اتفقنا معكم بإنشاء مملكة تكون حدودها من البصرة وحتى جبال حمرين، يكون الكورد فيها شركاء حقيقيون، ولم نعدكم بإنشاء إمبراطورية من البصرة إلى زاخو! "

     فما أشبه اليوم بالبارحة وطلبات رئيس حكومة العراق الحالي ببسط سلطاته على كل الإقليم ولكن هذه المرة بمساعدة الإيرانيين بدلا من البريطانيين في الأمس.

الجمهوريات وسياسة الاحتواء والتهميش

     بعد انقلاب 1958م وإعلان الجمهورية بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم، عاد مصطفى البارزاني إلى بغداد على خلفية إن العهد الجديد سيضع حلولا جذرية للمسألة الكوردية، باعتماد دستور جديد يقر بالشراكة بين العرب والكورد، وان العراق يتكون من قوميتين رئيسيتين العربية والكورية، لكن للأسف لم تمض إلا سنوات قليلة جدا حتى انقلبوا على تلك الشراكة، واستبدلوها بسياسة الاختراق والاحتواء والحل العسكري، لتبدأ حقبة جديدة من التهميش والإقصاء والاضطهاد، تسببت في اندلاع ثورة أيلول 1961م في كوردستان العراق بقيادة البارزاني مصطفى، والتي تمخضت بعد سنوات عن اتفاقية11آذار1970م بين العراق وحركة التحرر الكوردستانية، التي اعترفت لأول مرة بحق الكوردستانيين بالحكم الذاتي سياسيا وثقافيا واقتصاديا، وبعد أربع سنوات تجريبية ذهبت حكومة بغداد إلى فرض قانون من طرف واحد للحكم الذاتي على طريقة السوفييت بقيادة حزب البعث وأجهزته الأمنية والاستخبارية، مما حدا بقيادة الحركة الكوردية إلى رفض ذلك القانون، وأصرت بغداد على رفض أي حوار خارجه وخارج شروطه، مما أشعل الحرب بين الطرفين، والتي انتهت بعد عام واحد لصالح بغداد وذلك بضغوطات كبيرة من قبل الولايات المتحدة وإيران لصالح بغداد في حينها!

حقبة صناعة ( الجته ) وأحزاب الزينة

     بعد هذه الحقبة بدأت مرحلة اعتماد بغداد على سياسة تمزيق البيت الكوردستاني وفتح ثغرات في جدرانه الداخلية، حيث استخدمت كل الحكومات العراقية بدون استثناء سياسة صناعة جيوب أو ثغرات في هذا الجدار، من خلال استمالة وإغراء أشخاص على خلفية صراعات قبلية أو سياسية مع قادة حركة التحرر الكوردستانية، وتنظيمها على شكل أحزاب أو تشكيلات ميليشية عرفت في كوردستان بـ (الجته) أي عملاء العدو، وقد نظمت لهم الحكومة المركزية أفواجا كميليشيات تأتمر بأمر شيخ القبيلة وتساق من قبل ضباط الاستخبارات أو الأمن الحكوميين، وكانت تسمى في حينها بالأفواج الخفيفة ويطلق عليها الأهالي بالجحوش.

     هذا في الجانب العسكري، أما في الجانب السياسي فقد استنسخ نظام البعث أسلوبا كانت أجهزة المخابرات الأوربية الشرقية في حقبة الحكم الشيوعي تستخدمه في تزيين ديمقراطياتها الشعبية  بأحزاب للزينة فقط، حيث تم تأسيس أحزاب كوردستانية في دوائر المخابرات العراقية على أنها تمثل طموحات شعب كوردستان، وهي ذاتها معتمدة حتى الآن في تصديع البيت الكوردستاني من قبل بغداد وطهران واذرعهما في الداخل الكوردستاني، كما حصل في اجتياح كركوك.

كوردستان ودولة الديمقراطية العرجاء

     ورغم كل هذه المحاولات لتفتيت الجبهة الداخلية وإدامة الحرب لم ترفض كوردستان أي محاولة للسلام ولبناء دولة الشراكة الحقيقية ودولة المواطنة، ولأجل ذلك ذهبت قيادتها إلى بغداد وهي تمشي على مئات الآلاف من ضحايا الأنفال وحلبجة لكي تفاوض صدام حسين بعد انتفاضة الربيع، كما تخلت عن كل امتيازاتها التي وفرتها الأمم المتحدة ومجلس أمنها في الملاذ الأمن عام 1991م، وذهبت إلى بغداد بعد أيام من إسقاط نظام الرئيس صدام حسين، لكي تؤسس مع الشركاء الآخرين دولة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان وتنشأ دولة مواطنة تحت سقف دستور كتبناه جميعا، لكن الأمور اختلفت حينما أصبحوا في السلطة فأرسلوا دباباتهم عام 2008 مهددين كوردستان بالاجتياح من خلال قوات أعدت مسبقا وأطلق عليها اسم قوات شرق دجلة بالقرب من كركوك، وبذلك انهار فعليا تحالف الطبقة السياسية الشيعية مع التحالف الكوردستاني  في 2008م.

     لقد استمر الصراع بين هذه الطبقة الحاكمة وبين إقليم كوردستان بشكل غير معلن، ومن خلال سياسة التهميش والإقصاء والتلكوء في تطبيق الدستور، وخاصة فيما يتعلق بالمجلس الاتحادي وهو الجزء الأهم في البرلمان العراقي الذي يطمئن مكونات العراق الأخرى على مستقبلها وشراكتها، كم عملت تلك الطبقة الحاكمة على منع تطبيق المادة 140 والمواد التي تخص توزيع الثروات وخاصة قانون النفط والغاز، حتى وصلت الأمور إلى قطع حصة الإقليم من الموازنة العامة والبالغة 17% وقطع مرتبات الموظفين وفرض حصار اقتصادي غايته إيقاف تطور الإقليم وإشاعة الفوضى فيه، خاصة وان لجان التحقيق البرلمانية في سقوط الموصل بيد تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية داعش، اتهمت رأس كتلة دولة القانون وهي المهيمنة على مقدرات السلطة العسكرية والأمنية والاقتصادية في العراق بمسؤولية سقوط الموصل بيد داعش لتكون خنجر في خاصرة كوردستان.

خطر إلغاء تجربة الإقليم وقرار الاستفتاء

     من هنا بدأ الإقليم يشعر بخطر المستقبل خاصة وان الطبقة السياسية الشيعية مرتبطة تماما مع إيران التي لا تؤمن إطلاقا بأي خطوة لتطور الإقليم السياسي، وسارع قادة الإقليم إلى تحذير بغداد بتجاوزاتها على الدستور وضرورة الإسراع بحل الإشكاليات المتراكمة من خلال زيارات متعاقبة لبغداد، لكن للأسف كانت المؤامرة اكبر والهدف تدمير الإقليم وإلغائه بالكامل، وهذا ما أكدته الأحداث المتعاقبة خاصة رفض بغداد أي حوار حول مستقبل الموصل بعد التحرير، علما بان قيادة الإقليم تحادثت مع بغداد الحكومة والأحزاب بأنها تشعر بخطر ما يحصل وإنها ربما تذهب إلى الشارع الكوردستاني في إشارة إلى الاستفتاء، وقد حصل ذلك قبل تحرير الموصل بفترة ليست قصيرة، ورغم ذلك كانت تلك الطبقة قد طبخت برنامجا غير معلن لما سموه (إقليم شمال العراق) أو(محافظات شمال العراق) كما تستخدمه الآن وسائل إعلامهم، مما دفع الإقليم إلى إجراء الاستفتاء تحت مضلة القانون والدستور في التعبير عن الرأي.

     لقد أثبتت الطبقة السياسية الحاكمة بشقيها الرئيسي الشيعي والملحق السني بأنها ضد الفيدرالية بتقاطع صارخ مع الدستور، وإنها بإلغاء إقليم كوردستان ستعيد النظام الشمولي تحت يافطة الأغلبية السياسية التي تهيمن عليها الطبقة السياسية الشيعية المسيرة بالكامل من إيران، مع إكسسوارات سنية وكوردية على غرار أحزاب الزينة، وبذلك تتحقق أهداف ولاية الفقيه تدريجيا وباستخدام آليات الديمقراطية بعد إلغاء أي محاولة لمعارضة تلك الولاية.

الحرب على كوردستان باسم الدستور

     واليوم وبعد استنساخ حكومة بغداد لكل أساليب وسلوكيات الحكومات العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية في مطلع القرن الماضي وحتى إعلان الحرب على الإقليم واجتياح كركوك وبقية المناطق المستقطعة أساسا من كوردستان بسياسة التعريب والتغيير الديموغرافي خلال أكثر من نصف قرن، وخرق أهم مواد الدستور التي تحرم استخدام القوات المسلحة في النزاعات بين الحكومة الاتحادية والأقاليم أو المحافظات، وفرض الحصار الكلي على شعب الإقليم من خلال الاستعانة بالدول الأجنبية ( إيران وتركيا وغيرهما ) لغلق الحدود ومنع دخول المواد الغذائية أو التجارية ومنع شركات الطيران من الهبوط في مطارات الإقليم، وإيقاف حركة السياحة من العراق إلى الإقليم، إضافة إلى إيقاف تعامل البنك المركزي العراقي مع المصارف الكوردستانية أو العاملة في الإقليم، كل ذلك يأت في سياق حرب إبادة جماعية واضحة جدا لإلغاء الإقليم وتحطيم إرادة شعب من ستة ملايين نسمة، منح من اجل حريته مئات الآلاف من الشهداء، وحقق خلال اقل من ربع قرن من السلام وعشرات المليارات من الأموال ما عجزت عن تحقيقه كل الحكومات العراقية خلال قرن من الزمان ومئات المليارات من الأموال.

تحديات الإقليم بعد الاستفتاء

     إن مجمل هذه الأوضاع والتداعيات الإقليمية والدولية اليوم تضع الإقليم بين خيارين صعبين في الظروف الحالية وهما؛
الأول: القبول بدولة المواطنة في العراق وهذا يبدو صعبا للغاية إن لم يكن مستحيلا بعد مئة عام من حكم مختلف التيارات السياسية، وتحت هيمنة الأحزاب الدينية والمذهبية أو القومية، والثاني: خيار إنشاء الدولة الكوردستانية الذي يخضع هو الآخر إلى عاملين أساسيين أولهما اقتصادي سياسي وثانيهما دولي وإقليمي تحديدا دول الجوار ذات العلاقة وهي تركيا وإيران وسوريا.

العامل الأول:
     في الجانب الإنمائي والاقتصادي، لم تنجح حكومات الإقليم منذ 2003 في إنشاء بنية تحتية تخدم مصالح الأمن القومي للدولة القادمة فيما يتعلق بالأمن الغذائي حد الاكتفاء ( زراعة وصناعة وطاقة )، وانشغلت في بناء مجمعات سكنية وتجارية خدماتية غير مكتملة خاصة فيما يتعلق بالكهرباء والطرق والمواصلات والصحة والتعليم، وهذا ما شهدنا  نتائجه في الآونة الأخيرة، كما لم تنجح بتطوير إمكانيات البترول وخاصة البتر وكيميائيات والصناعات الغذائية والإنشائية والأدوية قياسا مع تعاظم مواردها منذ 2003م، وفي الجانب السياسي ورغم ما حققه الإقليم من انجاز حكومات ائتلافية، إلا انه بقى أسير النزاعات والتنافسات الحزبية، ولم ينجح في بناء جدار سياسي اجتماعي عسكري متين يحمي مصالح الإقليم العليا، حيث تصدع ذلك الجدار في أول تحدي له كما حصل في تسليم كركوك.
 
العامل الثاني:
     رغم النجاحات الملموسة المتحققة في العلاقات مع تركيا بدرجة كبيرة وإيران بدرجة اقل وسوريا بدرجة شبه معدومة، إلا أنها كشفت بعد إجراء الاستفتاء نواقص كثيرة، ونقاط خلل عديدة في خصوصية العلاقات ومدياتها مع الحكومات، دونما العمل على بناء علاقات أخرى مع مكونات سياسية فاعلة ومؤثرة وضاغطة في البنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية لتلك الدول.
     وفي الجانب الاقتصادي والاستثماري سواء مع تركيا أو إيران لم تصل تلك العلاقات والمشاريع والمصالح بين الإقليم وكل من تركيا وإيران إلى درجة أن تخشى حكومتيهما على تلك المصالح أو المشاريع، لكون معظمها لم تكن مشاريعا إستراتيجية تؤثر أو تضغط سياسيا، حيث نافسا الحكومة العراقية في معاداتهما للإقليم ومشروعه في الاستفتاء، وعلى هذا القياس ممكن مراجعة ذات العلاقات مع أكثر الحلفاء قربا وهم الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربي وكندا واستراليا، والمجموعة العربية والإسلامية.

سبب أم أسباب؟

     ولكي لا نحصر أسباب ما جرى من تداعيات في جانب واحد أو مجموعة واحدة، فان العديد من المؤسسات ساهمت كل حسب موقعها ومجال عملها بما حدث، وإنها تتحمل المسؤولية أيضا ابتداءً من ممثليات الإقليم الحكومية والحزبية في الخارج، وانتهاءً بالإعلام الكوردي الذي لم ينجح تماما في إيصال القضية الكوردية بشكل مقنع على الأقل لدول الجوار، بينما نجح قرار السياسيين في الاستفتاء بتعريف العالم برمته بقضية الاستقلال، ولذلك نرى هذا الإصرار العجيب على إلغاء نتائج الاستفتاء، التي لا يمكن لأي سلطة داخلية أو خارجية إلغائه إلا باستفتاء آخر يلغي أو يثبت نتائج الأول، وعليه ستبقى نتائجه وثيقة رسمية وتاريخية يعتمد عليها في أي محاولة أخرى للاستقلال في المستقبل.

     لقد ذهب الاسكتلنديون إلى الاستفتاء وكذلك شعب كاتالونيا وربما شعوب أخرى في أوربا أو غيرها، والفرق بيننا وبينهم، إن شركائنا في الدولة جيشوا الجيوش وصنعوا مئات الخونة وحرقوا  مئات البيوت وقتلوا المئات من المعارضين، ويلاحقون اليوم كل الذين شاركوا بالاستفتاء في كركوك والمناطق التي اجتاحوها، ففصلوا المئات منهم وسجنوا اعدادا كثيرة من منتسبي وزارة الداخلية، وفي البرلمان الديمقراطي طردوا ومنعوا كل من شارك في الاستفتاء من البرلمانيين الكوردستانيين، بينما ذهب رئيس وزراء بريطانيا ونخبته الحاكمة إلى الاسكتلنديين راجين منهم إعادة النظر في استفتائهم مقابل الموافقة على مطالبهم بل وإغرائهم بامتيازات أخرى للبقاء في المملكة العتيدة.

إرادتان متضادتان

    إن ما حدث بعد إجراء الاستفتاء في كوردستان من ردود أفعال وحملات عسكرية وتهديدات من العراق أو دول الجوار، أيقظ شعورا كاد أن يضعف أو يخف، وهو إن لا خيار للعيش المشترك في كيان واحد مع هذا الكم الهائل من الحقد والكراهية، فبعد أن كان الاستقلال مجرد حلم لنائم، أصبح اليوم تحدي كبير لدى شعب حيوي ويقظ أيقن إن شركائه في الأرض بمختلف تياراتهم وتوجهاتهم الفكرية والسياسية لا يقبلونه إلا تابعا، ولا يقبل هو إلا أن يكون حرا أبيا.

kmkinfo@gmail.com


114
الدكتاتور الجاهل والدولة المخنوقة!

كفاح محمود كريم

     يقول الحكماء إن عدوا عاقلا أفضل ألف مرة من صديق جاهل، وهكذا بذات المعيار فالعدو العاقل أفضل من العدو الجاهل بأضعاف، لأنه بالتأكيد سيتصرف كفارس يحترم أصول وقواعد الصراع، لا كالأحمق الذي يحرق الأخضر واليابس دون دراية بأنه ينتحر بجهله وحماقته، وذات التوصيف ينطبق أيضا على الرؤساء خاصة في شرقنا المريض، المبتلى منذ الأزل بالمزمنات من الدكتاتوريات الشيطانية منها والجاهلة العمياء، التي حولت بلدانها إلى جحيم ارضي يحرق أجيالا وأجيال من البشر، ويوصد كل المنافذ والأبواب أمام أي فرصة للتطور والتقدم والمدنية.

     بعد صدام حسين ودكتاتوريته الهجينة بين الجهل والدراية، تأملنا أن نصنع بلدا لا يحكمه دكتاتور عاقل أو جاهل أو ما بينهما، لكن الأيام وسوء حظ العراقيين جاءت صناديق المغفلين والصفقات السياسية بدكتاتور جاهل ومتخلف وأجلسته على كرسي رئاسة حكومة العراق الاتحادي، انه الدكتاتور الجاهل، مختار العصر كما يحب أن ينادوه أو يستنسخوه الذي اعتلى كرسي رئاسة حكومة العراق من 2005 ولغاية 2014 ، بل وحتى اليوم من داخل الدولة العميقة!

     هذا الدكتاتور الجاهل منذ إعلان تثبيت موعد الاستفتاء جن جنونه، وبدأ يتسابق مع قيس الخزعلي وجوقة الشوفينيين بالشتائم والتهديدات الجوفاء، ساعة ضد زعيم كوردستان البارزاني وساعة أخرى ضد الإقليم وقواته المسلحة، في بيئة شوفينية حاقدة لم يسبق للعراق أن شهد مثلها، والمخزي فيها إنها لإغراض انتخابية ليس إلا، دونما أدنى شعور بان هذا السلوك يعد خيانة للقيم الإنسانية والأخلاقية، مكرسا بذلك مشاعر الحقد والكراهية بين المكونات!

     دكتاتور جاهل افسد العراق وحكومته ومؤسساته، ونهب أكثر من 800 مليار دولار، كما أضاع اكبر حاضرات الشرق ومدن العراق، الموصل والانبار وصلاح الدين وغيرهم، حينما سلم جيشا جرارا من الفرق والدبابات والمدرعات وعشرات الآلاف من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة لعدة مئات من عصابات داعش الإرهابية، لا لشيء إلا لاهانة السنة وزرع خنجر في خاصرة كوردستان، وحينما سقطت داعش عند جدران كوردستان بدأ محاولته الثانية في تجييش ميليشياته التي وصفها السيد مقتدى الصدر بالوقحة، ووضع السيد عبادي بين خيارين، إما تنفيذ برنامجه ضد الإقليم وتطلعاته، ومن ثم إلغاء النظام الفيدرالي وتثبيت الأغلبية المذهبية وعودة الدكتاتورية من جديد، وإما حرق مستقبله السياسي وإبعاده بالكامل عن العملية السياسية، وربما حتى تصفيته من قبل مفارزه الخاصة، التي اغتالت المئات من خيرة أبناء العراق العلماء والأساتذة والأطباء والطيارين وكبار الضباط والأكاديميين بمنهجية مخابراتية دقيقة وتحت مختلف التسميات والأساليب.

     رئيس حكومة العراق الديمقراطي الاتحادي السابق والحالي من وراء الأجهزة الخاصة والميليشيات، بعد أن دمر مدن المكونات؛ الموصل وسنجار وسهل نينوى وأطراف كركوك، بتسهيله دخول داعش اليها وهزيمة جيشه المخزية، يدعي اليوم الدفاع عن السنة والايزيديين والمسيحيين والتركمان، بل والانكى من ذلك دفاعه وتشدقه بالنزاهة التي اغتالها مع سبق الإصرار والترصد، فكيف إذن لإنسان لا وعد له ولا عهد ولا يحترم دين أو مذهب لأجل السلطة والمال، أن يدافع عن حقوق من تسبب في سبيهم وانتهاك أعراضهم وتدمير مدنهم وقراهم؟

     وخلاصة القول إن الدولة المخنوقة التي تم تصنيعها خلال عشر سنوات، بديلا لدولة المواطنة حولت البلاد إلى برك من دماء أبنائها وبناتها، وأشاعت اللصوصية وصناعة الأزمات والخوف، واستنساخ الجحوش حتى أصبح العراق من أفشل دول العالم وأكثرها فقرا وبطالة ورعبا وتخلفا، إنها دولة خرساء قطيعية مخنوقة تحكم أدق مفاصلها مخابرات الدكتاتور الجاهل وجوقته من الانتهازيين واللصوص الذين زرعهم في كل مفاصل الدولة، حتى غدت العائلة في الجنوب والوسط تتلفت حينما تتحدث عنه وعن حزبه!

kmkinfo@gmail.com


115
الاستقلال للأحرار وليس للعبيد

كفاح محمود كريم

     في معظم التاريخ السياسي العالمي لم ينجز الاستقلال إلا على يد الأحرار، وباستثناء القلة القليلة جدا، التي جاءت نتيجة صفقات بين مستفيدين من أطراف المستعبدين ( بكسر الباء ) كما حصل للدول الممسوخة من اتفاقيات استعمارية مثل اتفاقية سايكس بيكو وأمثالها في العالم، إلا إن البقية الغالبة قاد استقلالها زعيما وطنيا أو حزبا ما أو مجموعة ثورية، لم تستأذن أحدا إلا إرادتها وشعبيتها بين الأهالي، ولنا في تجارب الجزائر وفيتنام ودول البلقان وجمهوريات أمريكا اللاتينية وإفريقيا واسيا خير أمثلة على ما ذكرناه، ولم تكن تلك الدول التي ولدت من خضم الكفاح المسلح أو النضال المدني بقرار من برلمان أو مؤسسة تشريعية، بل من زعيم وطني أو حركة تحرر يقودها مجموعة ثوار أو حزب ما.

     وفي كل تلك التجارب كان الأحرار هم الذين يقودون حركات التحرر أو الاستقلال، وبالتأكيد كان هناك دوما قوى مضادة مرتبطة بشكل من الأشكال مع الطرف المحتل سواء كعملاء مباشرين أو مرتزقة مأجورين أو تناغم في المصالح بين الاثنين، وربما هناك في كثير من التجارب نزاعات قبلية أدت إلى ظهور مجاميع من العبيد الخانعين الذين ارتبطوا مع عدو شعبهم ونفذوا له برامجه كما كان يحصل عدنا هنا في كوردستان فيما أطلق عليهم الشعب هنا مصطلح ( الجته ) أو ( الجحوش ) وهي جمع لصغار الحمير، حيث الازدراء والتحقير من قبل الأهالي لهؤلاء الذين اختاروا جانب الخنوع والعبودية للآخر.

     إن الذين يصنعون أحداث التاريخ يقودون شعوبهم إلى مستقبل زاهر ربما يمر بمراحل عسيرة حتى يتحقق الحلم، لكنهم يبقون في خانة الأحرار، ويبقى الآخرون من المضادين لهم عبيدا خانعين لإرادة غرائزهم وأعداء  شعوبهم، ولنا في تجارب الفيتناميين الجنوبيين والجزائريين الموالين للاحتلال الفرنسي، والعشرات من الدول التي أفرزت مجاميع مما نشاهده اليوم من عبيد تتأصل فيهم مشاعر الدونية والتبعية التي تلغي وجودهم الإنساني الحر، وتجعلهم أدوات خانعة بيد الطرف الآخر سواء كان محتل أو معارض لحرية أولئك الأحرار.
     وليس بعيدا عن متناول أي باحث أو مراقب أفواج أولئك الذين لا يمثلون إلا الصفحات السوداء في تاريخ بلادهم وشعوبهم، والمآل الذي وصلوه في نهاية الرحلة، مقارنة مع ما حققه الأحرار من مجد وازدهار، ويقينا إن كوردستان اليوم تسير بذات النهج الذي رسمه أحرارها الأوائل عبد السلام البارزاني والشيخ احمد البارزاني والملك محمود الحفيد وملا مصطفى البارزاني وجلال طالباني وقائد مشروع الاستقلال مسعود بارزاني.

     ترى ماذا ستقول الأجيال القادمة، وماذا سيكتب التاريخ، وكيف سيصف هؤلاء القادة، وفي الجانب الآخر، هل من متسع لقصاصة تحكي عن عبيد باعوا حريتهم بدرهيمات مهينة!؟


kmkinfo@gmail.com

116
المنبر الحر / دعونا نعيش بسلام!
« في: 10:34 23/07/2017  »
دعونا نعيش بسلام!

كفاح محمود كريم

     منذ أكثر من مائة عام عمل الكوردستانيون في كوردستان العراق على إنشاء دولة مدنية متحضرة ديمقراطية مع شركائهم العرب وغيرهم من شعوب هذه المنطقة من العالم، دولة تعتمد أسس المواطنة في بنائها الاجتماعي والسياسي، وكانت الخطوة الأولى بعد اتفاقية سيكس بيكو سيئة الصيت، أن منحوا ولاية الموصل العثمانية هويتها العراقية في استفتاء عصبة الأمم بالربع الأول من القرن الماضي، أملا في أن يحقق الشركاء الآخرين في المملكة العراقية ( ولاية بغداد وولاية البصرة ) وعودهم في تنفيذ مطالب شعب كوردستان في شكل الدولة وأساسياتها وحيثياتها بما يضمن حقوقهم الإنسانية والثقافية والسياسية.
     وطيلة ما يقرب من ثمانين عاما لم يتلق الكورد من وعود الحكومات المتعاقبة في بغداد وعلى مختلف مشاربها وتوجهاتها، إلا الحروب المدمرة التي استخدمت فيها أبشع أنواع الأسلحة، بما في ذلك المحرمة دوليا كالأسلحة الكيماوية والعنقودية والنابالم، ناهيك عن عمليات الأرض المحروقة، التي أتت على أكثر من ثلث كوردستان في عمليات الأنفال سيئة الصيت ( ثمانينيات القرن العشرين )، والتي ذهب ضحيتها ما يقرب من ربع مليون إنسان، وتدمير خمسة آلاف قرية بما فيها من بساتين وينابيع ومنشآت، إضافة إلى تغييب مئات الآلاف من الكورد الفيليين في وسط العراق، وإسقاط جنسياتهم العراقية وتهجير عوائلهم إلى إيران ( سبعينيات القرن العشرين )، وأتباع سياسة الصهر القومي والتغيير الديموغرافي لسكان المدن الكوردستانية المتاخمة لحدود العراق العربي مثل كركوك وسنجار وزمار ومندلي وسهل نينوى ومخمور والشيخان وعقرة وغيرها طيلة نصف قرن ( 1958- 2014 )، وأخيرا تسهيل احتلال أجزاء من كوردستان العراق من قبل منظمة داعش الإرهابية واقتراف واحدة من أبشع جرائم التاريخ بحق الايزيديين والمسيحيين في كل من سنجار وسهل نينوى ( حزيران وآب 2014 ).
     ورغم تلك الكوارث والمآسي بقي الكورد يعملون ويناضلون من اجل تأسيس دولة مواطنة متحضرة ديمقراطية، تحفظ العراق موحدا بشراكة حقيقية وتوجه مخلص لمعالجة جروح الماضي وتعويض السكان عما أصابهم من ويلات، وبهذه الروح ذهبوا إلى بغداد في آذار 1970 حينما تصوروا إن القائمين الجدد على الحكم ينوون التعامل مع القضية الكوردية بجدية، وفعلوها قبل ذلك في الستينيات مع عبد الرحمن البزاز، لكن الحقيقة كانت غير ذلك لدى الطرف الثاني، حيث الغدر والخيانة والانقلاب على الاتفاقيات، وفرض مشاريع هزيلة كما فعلوا في تجربتهم البائسة فيما سمي بعد 1975 بقانون الحكم الذاتي الحكومي، الذي انهار وبدأت سلسلة جديدة من الكوارث والمآسي والحروب التي راح ضحيتها خيرة أبناء كوردستان وبناتها، وخيرة شباب العراق ممن تورطوا في تلك الحروب القذرة مجبورين غير مخيرين، دونما أن تنتج تلك الصراعات إلا الدمار والتقهقر والتخلف للبلاد، حتى اسقط التحالف الدولي مطلع الألفية الثالثة نظام صدام حسين وحزبه الذي تسبب في معظم مآسي الشرق الأوسط حتى يومنا هذا.
     لقد تخلى الكوردستانيون عن استقلالهم الذاتي الذي فرضته انتفاضة الربيع 1991 وأقرته قرارات مجلس الأمن الدولي ( قرار 688 )، وتسارعوا إلى بغداد حفاظا على وحدة العراق وبناء دولة المواطنة والشراكة الحقيقية تحت خيمة ديمقراطية حقيقية ونظام مدني متحضر، والمساهمة في تأسيس دستور دائم يحفظ للبلاد وشعوبها كل الحقوق والامتيازات ويحترم خياراتها وتطلعاتها في دولة اتحادية اختيارية ( من دون نعرة طائفية، ولا نزعة عنصرية، ولا عقدة مناطقية، ولا تمييز، ولا إقصاء ) و ( إن الالتزام بهذا الدستور يحفظ للعراق اتحاده الحر شعبا وأرضا وسيادة ).*

     وبعد أكثر من عشر سنوات ( بعد تشريع الدستور الدائم ) من وضع هذه الوثيقة الجامعة وشروطها في الالتزام، ماذا حصل وماذا جنينا ممن يحكمون بغداد؟
- تحول النظام تدريجيا إلى نظام طائفي بحت.
- الكتلة البرلمانية الأكبر تقود حملة عنصرية مقيتة ضد الإقليم وشعبه ورموزه ليل نهار ومنذ سنوات، وتدعو إلى أغلبية لإقصاء بقية المكونات.
- محاصرة الإقليم اقتصاديا بحرمانه من حصته في الموازنة العامة منذ 2014 مع قطع كافة رواتب الموظفين المدنيين والعسكريين.
- إقصاء وتهميش بقية المكونات وإتباع سياسة الاحتواء والصهر على شاكلة ما كانت تفعله النظم السابقة في لملمة الانتهازيين والمرتزقة من المكونات المختلفة.
- إلغاء كافة مكاتب تمثيل إقليم كوردستان في السفارات العراقية مخالفة للدستور.
- تصفية القوات المسلحة والأمن والاستخبارات من كل المكونات وتهميشهم وإبعادهم عن مواقع القرار.
- تأسيس ميليشيات مسلحة خارج منظومة القوات المسلحة الوطنية على أسس طائفية، وتجميلها بإكسسوارات عشائرية وشخصية هزيلة من مكونات مختلفة لا تمثل إلا نفسها.
- إشاعة الفساد وإدامته وإضاعة فرص التقدم وبناء دولة مدنية، بهدر مئات المليارات من موارد البلاد.
- تعطيل وإيقاف تطبيق معظم مواد الدستور وفي مقدمتها ما يتعلق بحقوق السكان في المحافظات من تأسيس الأقاليم، بل ومحاربتهم كما حصل مع مطالب شعب البصرة والانبار وصلاح الدين ونينوى، وكذلك تعطيل قانون النفط والغاز وتطبيقاته والمادة 140 وعدم إجراء تعداد عام للسكان
.
     وقائمة الخروقات تطول وتمتد على كل مساحة العراق ومكوناته، حتى أصبح اليوم واحدا من افشل دول العالم وأكثرها بؤسا ورعبا وفسادا، ناهيك عن إن سيادته في الأصل مثلومة باختراقات دول الجوار وما بعد الجوار تحت مختلف التسميات والعناوين، حتى غدت عاصمته تحكم من قبل عصابات ومافيات مسلحة تستمد شرعيتها من الرب والدين والمذهب وفي كل حي وشارع، حيث الميليشيات وحكم قرقوز والصراع الطائفي المقيت، لهذه الأسباب ولأننا شعب يختلف كليا عن شعب العراق عرقيا وقوميا وثقافيا وتاريخيا وحضاريا وجغرافيا، فإننا بعد أن فشلنا بعد قرن من الزمان في أن نكون واحدا، وأن نكون شريكين حقيقيين في كيان مختلق غصبا عنا نحن الاثنين، سنذهب إلى خيار استفتاء الشعب لتقرير المصير، لكي نعيش بسلام بعيدا عن الصراعات الدموية والسياسات العنصرية والطائفية، لأننا شعب يحب الحياة والبناء والسلام، وسنكون فعلا الظهير المخلص لكل الشعوب الجارة وأولها شعب العراق الشقيق.
     أيها الإخوة والأصدقاء في عراق الحضارة دعونا نعيش بسلام في كوردستاننا ونبني وإياكم أوطاننا، بعيدا عن لغة الحروب والاحتواء والاحتلال والعدوان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* نص من ديباجة الدستور الدائم

kmkinfo@gmail.com

117
وما أدراك ما التعريب؟

كفاح محمود كريم

     هناك دوما في حقول آداب اللغات والترجمة، وسائل وصيغ حضارية تقوم بها مؤسسات أكاديمية أو مراكز دراسات وأبحاث سياسية أو علمية، لغرض نقل تجارب الشعوب وحضاراتها في مختلف ميادين المعرفة، فمنذ مئات السنين إن لم تك الآلاف تلاقحت حضارات ولغات وعادات وتقاليد بين شعوب الأرض، حتى لم تعد هناك لغة نقية بالتمام والكمال، ما لم يكن فيها مفردات من لغات أخرى، وفي محيطنا شهدت الشعوب ومنها العربية ومنذ أكثر من ألف عام عمليات ترجمة ونقل كثير من معارف الرومان والفينيقيين والميديين والآشوريين وغيرهم من وإلى العربية، بما في ذلك العقائد الدينية وميثولوجيا الشعوب. وقد أردت بهذه المقدمة أن أضع إمامكم التكييف الحضاري للتعريب، قبل تناول الشكل الهمجي العدواني الذي استخدمته بعض الحركات والأحزاب العنصرية القومية والدينية العربية مع مكونات العراق وسوريا وشمال أفريقيا من غير العرب، وهو بالتأكيد لا يمت بأي صلة من الصلات بما ذكرناه أعلاه، لأنه استهدف الإنسان غير العربي في هويته وذاكرته وانتمائه وحتى إنسانيته، وتسبب في تشويه حاد وتغيير ديموغرافي في الأرض والإنسان، ولا علاقة للعرب أو الأمة العربية بما فعلته تلك الأنظمة والأحزاب العنصرية، كما أنها غير مسؤولة إلا بالقدر الفردي الذي استخدم وسيلة لتحقيق تلك الأغراض، ومن أكثر النماذج التي استخدم فيها التعريب تلك المدن التي تشكل حافات إقليم كوردستان أو حدوده في كل من العراق وسوريا:

     ففي العراق تم تهجير مئات الآلاف من السكان الكورد الفيليين في بغداد والكوت والفرات الأوسط بحجة إنهم من أصول إيرانية في واحدة من أبشع عمليات الإبادة والتطهير العرقي، وكذا الحال في كركوك ومناطق ديالى وجنوب اربيل ( مخمور ) وشمال وغرب الموصل في زمار وسنجار وسهل نينوى، واستقدام مئات الآلاف من العرب إلى تلك المدن، وقد اختلفت أساليب التعريب والتغيير الديموغرافي من مكان إلى آخر، ففي سنجار مثلا لم يستقدم عرب من خارج القضاء إلا بنسبة ضئيلة جدا، لكنهم شجعوا أبناء البادية والجزيرة والقرى الجنوبية التابعة لقضائي سنجار والبعاج، بل وتحويل البعاج وهو قرية كبيرة إلى قضاء امتد في حدوده الشمالية إلى مركز مدينة سنجار، سالخا معظم قرى سنجار الكوردية وربطها بالقضاء الجديد ذو الغالبية العربية، وبذلك شجعوا أبناء تلك المناطق وعشائر البعاج بالسكن في مركز المدينة مع إغراءات الأرض السكنية والقرض والوظيفة، بينما كان يحرم على ابن المدينة أن ينال نفس الحقوق إلا بتغيير أو (تصليح) قوميته إلى العربية، مما دفع سلطات حزب السلطة وأجهزتها الخاصة للتوجه إلى كل بيوتات سنجار وعشائرها وكذا الحال في زمار والشيخان وسهل نينوى، والضغط باتجاه تغيير القومية وإلا سيتم ترحيلهم فورا، وذات الأسلوب استخدم في مناطق ديالى أيضا، حيث منع بشكل يعاقب عليه القانون استخدام الأسماء الكوردية أو تمليك الدار أو أي عقار حتى السيارات لمن قوميته كوردية، وذلك لدفع السكان إلى تغيير قوميتهم إلى العربية، وفي كركوك ومعظم بلدات وقرى الحدود السورية العراقية والسورية التركية، تم ترحيل سكانها الكورد الأصليين وإسكان مواطنين عرب بدلا عنهم، كما حصل في مخمور ومشروع ري الجزيرة،  أيضا وبإغراءات كبيرة مثل تمليكهم 100 دونم أو 60 دونم من الأراضي حسب حجم الأسرة، مع تسهيلات زراعية وقروض مالية، حُرِم منها سكان المنطقة الأصليين الذين وضِعوا أمام خيارين؛ إما الترحيل وخسارة كل شيء أو ( تصليح ) القومية من الكوردية إلى العربية والحفاظ فقط على ممتلكاتهم، وكانت كركوك الطامة الكبرى التي تعرض فيها السكان لواحدة من أبشع عمليات الإبادة والعنصرية المقيتة، حيث تم تهجيرهم وتشتيتهم في كل أنحاء كوردستان والعراق، مع مصادرة كل ما كانوا يمتلكونه، واستقدام مئات الآلاف من أهالي الجنوب والفرات الأوسط إلى المدينة وأطرافها، مع مغريات كبيرة بدأت بعشرة آلاف دينار، في حينها كانت أكثر من ثلاثين ألف دولار، إضافة إلى قطعة ارض سكنية ووظيفة عسكرية أو أمنية أو مدنية.

     إن ما تعرضت له هذه المدن لم يبدأ مع تسلط البعث، وان كان قد وصل إلى ذروته مع اغتصابهم للسلطة في دمشق وبغداد، بل كانت سياسة كل الذين حكموا البلاد العراقية والسورية منذ قيام هذه الكيانات بعد اتفاقية سايكس بيكو، حيث تعرض الأهالي لشتى أنواع الإبادة الاجتماعية، سواء بمسخ هويتهم وثقافتهم وتحريم لغتهم، أو من خلال الحملات العسكرية التي استهدفتهم كمجتمعات بشرية، كما حصل للكورد في الأنفال العراقية أو التتريك في تركيا، والعمل على إبادتهم كليا، وكذا الحال في إيران التي استخدمت ذات الثقافة والأسلوب الهمجي في التعريب ولكن بصيغة التفريس أو التتريك، وفي سوريا لم يكتفوا بالتهجير والترحيل بل تم سحب الوثائق الرسمية التي تثبت مواطنيتهم السورية مثل شهادات الجنسية والهوية المدنية من مئات الآلاف واعتبارهم جاليات مقيمة محرومة من كل امتيازات المواطنة، وفي العراق على سبيل المثال وقبل قيام المملكة العراقية وتحديدا مطلع القرن الماضي 1903 لم تتجاوز نسبة العرب في كركوك 3% من السكان، وفي سنجار وحتى منتصف الخمسينيات من القرن الماضي لم يكن هناك أكثر من 10% من السكان عربا ومعظمهم من البدو، وكذا الحال في الموصل التي كانت تضم كل كوردستان العراق حينما كانت ولاية قبل إدغامها في مملكة العراق، ويعرف سكانها الأصليون كم هي نسبة العرب في ساحلها الأيسر على سبيل المثال لغاية مطلع الستينيات من القرن الماضي، وما حصل فيه بعد ذلك.

     لقد أنتجت تلك السياسة البائسة والعنصرية المقيتة، تمزيق حاد في البنية الاجتماعية العراقية والسورية وبقية البلدان التي تعرضت لها، بل تسببت في حروب وعمليات إبادة جماعية للسكان ( الانفال وحلبجة ) وما فعلته داعش بالايزيديين والمسيحيين في كوردستان العراق، كل هذه المآسي جاءت نتيجة لتلك السياسة في التعريب والاسلمة، وما يسمى اليوم بالمناطق المتنازع عليها في كوردستان العراق، وهي أصلا مدن وبلدات كوردستانية تعرضت لتك السياسة المقيتة، ذهبت فيها أجيالا كاملة ضحية لتلك الثقافة الهمجية، حيث فقدت لغتها وثقافتها بسبب منع تعلمها أو استخدامها للغتها الأصلية، بل عملت على تمزيق المكونات الاجتماعية من بيوتات وعشائر على خلفية تعريب البعض منها ورفض البعض الآخر لتلك العملية.

     وشتان بين أن تنقل وتترجم آداب وحضارة شعب إلى لغتك وبين أن تمحو ثقافة وحضارة شعب آخر لتحتل ذاكرته!

kmkinfo@gmail.com
 

118
المنبر الحر / فرص العراق الضائعة
« في: 17:43 02/06/2017  »
فرص العراق الضائعة

كفاح محمود كريم

     أضاعت الطبقة السياسية العراقية منذ تأسيس الكيان العراقي عام 1921م، ثلاث فرص تاريخية لقيام دولة نموذجية ربما تتجاوز في عطائها وتقدمها حتى دولة اليابان التي نهضت بعد الحرب العالمية الثانية،  وأصبحت خلال اقل من نصف قرن عملاقا عالميا في كل مناحي الحياة، حينما قررت الاعتراف بالخطأ والهزيمة، وأدركت إن القوة والعسكر ليست كل شيء في حياة الإنسان والشعوب، فاعترفت بهزيمتها ووقعت اتفاقية الصلح مع الولايات المتحدة، ولكن بدون أفلام كاوبوي على طريقة المقاومة والإرهاب التي استخدمتها فصائل البعثيين ومن شابههم بالعقيدة والسلوك من بقية أحزاب وميليشيات ما بعد 2003  حتى حولوا العراق إلى حفنة تراب كما تعهد بذلك كبيرهم الذي علمهم السحر!

     لقد أضاعت الطبقة السياسية السنية العربية الفرصة الأولى حينما استلمت قيادة المملكة العراقية، وعملت على تهميش بقية المكونات الرئيسية من الشيعة والكورد، وأرست القيم القبلية والعلاقات والعادات المتخلفة، التي تم تجميلها ببرلمان وممارسات ديمقراطية في مجتمعات بدائية متخلفة، ليس لها أي انتماء غير عشيرتها أو منطقتها أو مذهبها، وحينما توفرت فرصة جديدة لقيام كيان عراقي تقدمي متحضر وان كان بانقلاب عسكري، رفع شعارات دغدغت مشاعر الأهالي مثل " لا شرقية ولا غربية " ولا عربية ولا كوردية" و " لا دينية ولا مذهبية " بل جمهورية عراقية تقدمية خالدة!

     وخلال ما يقرب من خمس سنوات فشلت تلك القيادة لأسباب لا مجال لذكرها هنا في إرساء أسس دولة المواطنة، وربما التناحرات السياسية بين الأحزاب وخاصة البعثيين والشيوعيين أدت إلى اغتيال تلك الفرصة بانقلاب من قبل العنصريين القوميين والدينيين في شباط 1963م، وبذلك ضاعت الفرصة الثانية التي كانت تحتمل قيام اتحاد عراقي متين تقوم على أساسه دولة متحضرة مزدهرة.

     وتمر سنوات القهر والتقهقر والتخلف والحروب، ويتم تدمير البلاد بالحروب والحصار، حتى أصبحت اغني دول الشرق الأوسط أكثرها فقرا وإذلالا، حيث استخدم النظام الحاكم وطبقته السياسية أبشع أنواع الاضطهاد ضد مكونات شعوب العراق، وإيهام الرأي العام بان العراق يمتلك أسلحة إستراتيجية كيماوية وجرثومية ومنظومة صواريخ، حتى اضطر المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها من شن حرب مدمرة على العراق وإسقاط ذلك النظام، الذي اتضح انه فعلا بطل من ورق!

     ويسقط هيكل نظام صدام حسين ويتشظى إلى عصابات وميليشيات ومنظمات للجريمة وهي جميعها من بقايا الأمن الخاص والمخابرات وفدائيو صدام، أطلقت على نفسها توصيف المقاومة، واستخدمت الدين والعقلية القبلية استخداما بشعا وقذرا لتنفيذ مآربها وإشاعة الرعب والإرهاب،  وهذا ما أدى إلى استقطاب كل منظمات الإرهاب العالمية إلى الساحة العراقية وفي مقدمتها القاعدة وفروعها التي احتضنها نظام صدام حسين وعمل على استخدامها في الأيام الأولى للحرب.

     ويقدم الأمريكان وحلفائهم رغم ما حل بالعراق من دمار وتخريب هائل، فرصة تاريخية هي الثالثة منذ قيام مملكة العراق، لإمكانية تأسيس  كيان نموذجي على أسس مدنية وحضارية، تعتمد مبدأ المواطنة والمشاركة الفعلية لكل المكونات الأساسية للدولة العراقية، خاصة وان الكورد وصلوا بغداد ربما قبل معظم القيادات السياسية العراقية للعمل على وضع أسس هذا الكيان الجديد، وقد نجحت تلك القوى بالتعاون مع الحلفاء والأصدقاء في وضع أول دستور دائم للبلاد، يضمن في روحيته ومبادئه السامية حقوق تلك المكونات بما فيها حق تقرير المصير، إلا إن الأحداث التي توالت بعد ذلك أكدت بالفعل ضياع آخر فرصة لبقاء كيان عراقي بحدوده المعروفة، خاصة وان الكوردستانيين قد قرروا بعد أن سئموا من خلافاتهم مع بغداد وعدم جديتها في تطبيق الدستور وبناء دولة مواطنة، واستخدامها ذات الأساليب التي كانت أنظمة بغداد الدكتاتورية تستخدمها ضد كوردستان، وآخرها الحصار المقيت على الإقليم ومحاولة تدميره وإشاعة الفوضى فيه، بحرمانه من حصته في الموازنة وقطع مرتبات الموظفين لإشاعة الفقر والنقمة والفوضى، مما عجل في الذهاب إلى خيار الاستفتاء على حق تقرير المصير، الذي يؤيده غالبية شعب إقليم كوردستان، وبذلك تبدأ الخطوة الأولى لاستقلال الإقليم الذي سيوفر فرصة تاريخية للعراق في بناء دولة متجانسة من الناحية القومية تتيح لها أن تكون دولة مواطنة عراقية عابرة للمذاهب، خاصة وان معظم بقية المكونات الدينية قد اختارت كوردستان ملاذا آمنا لها بعد أن تعرضت لحملات منظمة لإبادتها في العراق، وخاصة المسيحيين والصابئة والايزيديين.

     إذا كنا قد فشلنا خلال مائة عام من أن نكون شركاء حقيقيين في الدولة العراقية، فإننا سنكون جارين حليفين لبعض، وستبقى كوردستان عمق العراق ورئته، ويبقى العراق عمق كوردستان وظهرها الساند.

kmkinfo@gmail.com




119
ويسألوننا عن الاستقلال؟

كفاح محمود كريم

     بل.. ويرهبوننا من تبعاته وما قد يحصل من كوارث ضد شعب كوردستان إذا ما قرر الاستقلال، وقد ذهب البعض (الحنون جدا) بأنه مع حقنا في تقرير المصير وحتى مع الاستقلال، لكنه يخشى علينا من تركيا وإيران، وإننا سنكون دويلة محاصرة ستنهار حالها حال شقيقتها في كوردستان الشرقية، التي اغتالها التوافق السوفييتي الإيراني بصفقة غير طاهرة، بالضبط كما كان يرهبنا صدام حسين وحزبه والقذافي ولجانه الشعبية وبعث سوريا وأسده، من إن أي محاولة لإزالتهم من الحكم ستقوم القيامة، بل هدد صدام حسين بأنه سيحيل العراق إلى حفنة تراب إذا اخذوا الحكم منه، بهذه الثقافة والعقلية تعاملت معظم الأنظمة العنصرية والمحتلة لكوردستان في أجزائها الأربعة، مع طموحات شعب يتجاوز تعداده الأربعين مليون نسمة، يرفض الاستكانة ومحاولة إلغائه، ويصر على أن يمارس إنسانيته وحريته وخياراته الاجتماعية والثقافية والسياسية وبشكل حضاري، دونما الذهاب إلى خيارات أخرى لولا انه اضطر إزاء عمليات الإبادة، الدفاع عن نفسه، كما حصل في معظم الثورات والانتفاضات عبر تاريخه.

     لقد اختار الكورد في ولاية الموصل، التي كانت تضم معظم كوردستان العراق، الانضمام إلى المملكة العراقية، ورفضوا اعتبارهم ولاية تركية مقابل الاعتراف بحق تقرير المصير وتحقيق طموحاتهم السياسية والثقافية، واحتراما للعائلة الهاشمية التي كانت تتمتع بمقبولية كبيرة لدى الأهالي، الذين يدينون في غالبيتهم بالإسلام، ورغم ذلك وبعد سنوات ليست طويلة ظهرت بوادر الغدر والتحايل والتخلي عن تلك الوعود، بل وذهبت حكومات بغداد المتعاقبة، ومن مختلف التوجهات والعقائد، إلى كبح جماح طلائع الكورد واعتقالهم وإعدامهم وشن حرب شعواء على كوردستان، منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وحتى غزوة ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية داعش، التي اعتبرت الكورد مرتدين وجب إبادتهم كما فعل صدام حسين وعلي كيمياوي وأقرانهم في سوريا.

     لقد تعرض شعب كوردستان العراق إلى أقسى أنواع الاضطهاد والإقصاء بل والإبادة الجماعية، كما حصل في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وفي الأنفال في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، حيث تم قتل ما يزيد على ربع مليون مواطن كوردستاني، وتدمير خمسة آلاف قرية من أجمل قرى الشرق بما فيها من نبات وحيوان وبشر، ولا تكاد توجد قرية أو بلدة أو مدينة في كوردستان، إلا وتختزن في ذاكرتها تلك المآسي التي اقترفتها كل الأنظمة المتعاقبة دونما استثناء، حتى وصل الأمر بأنهم لم يكتفو بإبادة السكان بل عملوا على إبادتهم في هويتهم وانتمائهم، فأصدروا جملة من القوانين العنصرية التي تمنع تملك الكوردي أي عقار أو سيارة في نينوى وكركوك وديالى وصلاح الدين، إلا أن يغير قوميته ويجد له أصلا غير أصله، كما في قانون تصحيح القومية سيئ الصيت، ناهيك عن عمليات التعريب البشعة والتهجير والترحيل القسري للسكان واستقدام مجموعات قومية عربية من خارج المنطقة وإسكانها بدلا منهم كما حصل في كركوك وديالى والموصل.

     لقد تجاوزت تلك الحكومات في تعاملها مع الكوردستانيين حتى إسرائيل وجنوب افريقيا في تعاملهما مع السكان الأصليين سواء الفلسطينيين أو الأفارقة، حيث استنسخت وببشاعة ثقافة الاستيطان وعملت على تطويق كوردستان بحزام ناري من العنصريين والفاشيين، الذين تم إسكانهم على أطلال قرى وبلدات الكوردستانيين، كما حصل في كركوك وإطرافها وسنجار وأطرافها وخانقين وأطرافها، وبعد سنوات الضيم والطغيان،  تباشر شعب كوردستان بإسقاط تلك النماذج المقيتة، التي مثلها البعث والعنصريين الآخرين في نيسان 2003م، لكن الأحداث التي مرت خلال السنوات الأربعة عشر، بعد إسقاط نظام صدام حسين، أثبتت إن التعايش أو الشراكة الحقيقة لا يمكن تحقيقها، خاصة وان ما حدث خلال تلك الفترة كرس ذات الثقافة التي تعاطت مع شعب كوردستان، حيث تم إقصائه وتهميشه بأساليب خبيثة، ربما أكثر إيلاما مما حدث سابقا، فقد تم محاصرة الإقليم وإشاعة الكراهية والحقد ضده وضد قياداته ورموزه، والعمل على شق صفوفه والعودة إلى سياسة تصنيع ما كان يسمى بـ ( الجتة ) أو ( الجحوش ) ، كما يسمونهم في كوردستان من عملاء أنظمة بغداد، ومحاولة تدميره من خلال قطع حصته من الموازنة السنوية، بما في ذلك مرتبات الموظفين والبيشمركة التي عملوا على إضعافها بل وتدميرها.

     لقد كان الإقليم قاب قوسين أو ادني من أن يكون واحدا من أكثر الأقاليم بل الدول ازدهارا وتقدما في الشرق الأوسط، مما أرعب الحاكين في بغداد، الذين عملوا على إيقاف تلك التجربة التي خفضت نسبة الفقر من 50% عشية إسقاط نظام صدام حسين، إلى اقل من 7% في 2013م حسب إحصائيات وزارة التخطيط العراقية، وكذا الحال في الصحة والتعليم والتعليم العالي وخدمات المواطنين وفي مقدمتها الكهرباء، التي غطت كل ساعات اليوم قبل 2014م، ولا نريد الخوض في تفاصيل المآسي التي سببتها حكومات العهد الديمقراطي، منذ أول حكومة بعد نيسان 2003 وحتى الأخيرة، فلم تتغير خارطة الطريق التي استخدمتها كل حكومات بغداد منذ قيام المملكة العراقية وحتى يومنا هذا، وما تحقق في كوردستان إنما أنجزه شعب كوردستان وفعالياته السياسية والاجتماعية، وما صموده أمام الحصار والتآمر والحرب القذرة التي شنها العنصريون والفاشيون القوميون والدينيون على كوردستان، باسم ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية، منذ أكثر من خمس سنوات إلا استكمالا للأنفال والحرب الكيماوية والحصار الذي استخدمه المالكي، هذا الصمود والصبر الذي أكد إيمانه بالاستقلال، والخلاص من هذا الإلحاق القسري بنظام ودولة لا تمت بأي صلة إلى كوردستان تاريخيا وجغرافيا وقوميا وثقافيا وحضاريا، ولأجل ذلك وبعد فشل كل محاولات الإقليم وقيادته من ترتيب الأوضاع مع بغداد، وحرصه على إقامة دولة مواطنة مدنية ومشاركة حقيقية، سيذهب إلى تنفيذ إرادة شعبه في الاستفتاء بأسلوب حضاري، يعتمد التفاوض والحوار مع بغداد لانجاز تحقيق مطالب شعب كوردستان بعد إجراء الاستفتاء، وهذا ما دعت إليه قيادة الإقليم بغداد والأمم المتحدة وكل العواصم الأوربية ودول الجوار والولايات المتحدة وبقية الأصدقاء والحلفاء.

     ترى هل بعد ما يقرب من مليون شهيد وتدمير ثلثي كوردستان ومحاولة إذلالها بحصار نوري المالكي وإشاعته للكراهية والأحقاد، وتسهيله غزوة داعش للإقليم، من يسألنا لماذا الاستقلال عن العراق؟

kmkinfo@gmail.com



120
إقليم كوردستان بين استقلالين

كفاح محمود كريم

    حينما أعلن تحرير معظم قرى وبلدات ومدن كوردستان العراق في ربيع 1991م إثر الانتفاضة العارمة للشعب وقواه السياسية والاجتماعية، توقع الكثير من الأصدقاء والأعداء وحتى من الذين هربوا وتركوا الإقليم في حينها، إنها عدة أشهر وستغرق كوردستان ببحر من الدماء والدموع والفقر والفاقة، إلى درجة أنها ستتوسل العودة إلى أحضان الدكتاتورية مرة أخرى، بينما توقع أكثر المتفائلين، إن الكورد لن ينجحوا بإدارة أنفسهم، وإنها أيضا بضعة أشهر لا غير ستتحول كوردستان إلى جزيرة للإرهاب والخراب، ولكن ما حدث بعد ذلك ومع خروج كل ما يتعلق بالنظام في بغداد من المناطق المحررة، بما فيها كل وسائل الإدارة ومفاتيح العمل والكثير من السجلات والوثائق، وخلال أشهر فقط كما قالوا استطاع الكورد وشركائهم في المنطقة من المكونات الأخرى، لا إلى الغرق في بحر من الدماء والفوضى بل إلى اختيار طريق آخر للصراع حينما أعلن الرئيس مسعود بارزاني، إن انتخابات عامة هي التي ستقرر من يقود ويحكم المنطقة المحررة من كوردستان، وكان بحق أول خطاب يؤشر ملامح المرحلة القادمة في المنطقة عموما، ليأتي بعده مباشرة واحد من أروع تجليات التسامح والمصالحة الاجتماعية التي تمثلت بإصدار العفو العام عن كل حقبة صدام حسين وحزبه وملحقاتهم من الكيانات والميليشيات، التي عاثت في الأرض فسادا، باستثناء حقوق المواطنين المتعلقة بالدماء، والتي طلبت فيها القيادة آنذاك من المواطنين العفو والبدء بمرحلة جديدة من الحياة خالية من الأحقاد والانتقام والتفرغ لبناء كوردستان، هذان القراران أعطيا باكورة ثمار العمل النضالي لعشرات السنين من اجل كوردستان وتحقيق العدالة والديمقراطية فيها، وربما سبقت حتى مانديلا في أطروحاته للتسامح والتعايش.

     إن أول عملية اختراق لحاجز الخوف والرعب من الأنظمة الدكتاتورية هنا في الشرق الأوسط وتحديدا في المحيط العربي، حصل هنا في إقليم كوردستان وفي وسط وجنوب العراق في ربيع 1991م، حينما انتفض الشعب وواجه سلطات الدكتاتور المتمثلة بأجهزة الأمن والمخابرات وميليشيا حزب البعث وقطعات الحرس الجمهوري والحرس الخاص، واستطاع تحرير كل المقرات والمواقع التي كانوا يحتمون فيها خلال عدة أيام، وفيما نجح الكوردستانيون في انجاز مشروعهم الديمقراطي وإقامة كيانهم الفيدرالي، نجح النظام في سحق المنتفضين في وسط وجنوب البلاد لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها هنا.

     لقد واجه الإقليم في استقلاله الذاتي الأول تحديات كبيرة خاصة الحصار المتعدد الأطراف والاحتراب الداخلي بين اكبر حزبين في الإقليم بعد فترة ليست طويلة من تحرير المنطقة، وقد ساهمت كل القوى المضادة لتطلعات شعب كوردستان في إشاعة الإحباط والفوضى بين الأهالي، ورغم كل مآسي الاحتراب ظهر معدن هذا الشعب وحكمته، ونجحت الثوابت العليا ومصالح كوردستان السامية، أن توقف ذلك الصراع وبدأ مرحلة جديدة من البناء والاعمار والتوحد، والتي تعززت بتوحيد كبير للإدارتين ووضع خطط تنموية طموحة نقلت الإقليم نقلة نوعية كبيرة، عززت مكانته الإقليمية والدولية، بحيث أصبح واحة للسلم والأمن والازدهار.

     واليوم وبعد ما يقرب من 15 سنة على قيام النظام السياسي البديل، بعد إسقاط النموذج الشمولي الذي استمر من عام 1958 وحتى نيسان 2003 ، فشلت الإدارة العراقية الجديدة من أن تقنع المواطن في الإقليم بأنه شريك فعلي في هذه الدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية، بل وفشلت في أن تفي بوعودها وتطبيق الدستور الذي اتفقنا عليه، وكرست ذات السياسات التي اعتمدتها كل الأنظمة الشمولية في ما يتعلق بنتائج التعريب والتغيير الديموغرافي، وخاصة في المناطق المستقطعة من الإقليم، حيث يتم استنساخ ذات التخويفات والإرهاب النفسي من توجه الإقليم إلى استفتاء شعبه على حق تقرير المصير، بل إن أجهزة دعاية اكبر كتلة برلمانية تقوم بإعمال متطابقة جدا مع سلوكيات البعث في إشاعة الكراهية والأحقاد ضد شعب كوردستان وقياداته التاريخية، فقد سخرت معظم أجهزة الدعاية والإعلام بما فيها المملوكة للدولة، لإشاعة الإحباط والكراهية ضد الإقليم وشعبه، على ذات النسق البعثي أو من سبقه من تشكيلة الأنظمة الشمولية، بما لم يدع أي فرصة غير الاستفتاء على حق تقرير المصير، خاصة وإنهم يمارسون فلسفة الأغلبية الطائفية والسياسية مع شريك أساسي في الدولة التي فقدت كل مقوماتها، وعادت ذات الاسطوانة في التخويف والترهيب من الاستفتاء أو الاستقلال، بوسائل شتى خاصة تلك الناعمة منها التي تدعي الحرص على الإقليم وشعبه، وهي التي تعمل ليل نهار على حصاره وإذلال شعبه واختراق جدرانه الداخلية، بل والتعاون مع أعداء الإقليم خارجيا من اجل إعاقة الاستفتاء.

    لقد قرر شعب كوردستان إجراء الاستفتاء ولن يستأذن أحدا بذلك، بل سيحاور ويناقش بغداد فقط في نتائج الاستفتاء.
 

kmkinfo@gmail.com


121

على أبواب تحرير الموصل!

كفاح محمود كريم

-1-

     يضيق الخناق يوما بعد يوم على واحدة من أعتى قوى الإرهاب والوحشية في التاريخ المعاصر، تلك هي منظمة ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية داعش التي احتلت واحدة من أقدم حواضر العالم ( نينوى ) عاصمة إمبراطورية آشور، التي شهدت حضارات وأقوام سادت فيها ثم بادت، حتى نهضت الموصل عاصمة لمحافظة نينوى اليوم، وفي الأمس عاصمة لولاية الموصل التي كانت تضم كل كوردستان العراق اليوم، هذه المدينة المثيرة رفضت الانضمام لمملكة العراق، إلا بعد أن وعِد سكانها الكورد بمنحهم حق تقرير المصير فيما بعد، وبذلك أصبحت الدرة الثالثة في تاج ملك العراق بعد ولايتي بغداد والبصرة.     

     يبدو إن التاريخ يعيد نفسه أحيانا في حوادث تتشابه حد التطابق، ولعل ما يجري اليوم حول واحدة من اعرق حواضر الشرق ( الموصل ) يعيدنا إلى أحداث مرت بها هذه المدينة حينما كانت ثالثة ولايات بني عثمان في بلاد ما بين النهرين، ثم سقطت حينما شاخت إمبراطوريتهم بأيدي البريطانيين الذين حاولوا بعد ذلك ضمها إلى مملكتهم الجديدة، التي أسسوها من ولايتي بغداد والبصرة ووضعوا تاجها على رأس ابن الشريف حسين، رغم أن وارثي تاج الإمبراطورية العثمانية أصروا على مطالبتهم في إبقائها ولاية تركية، ورفضوا نتائج استفتاء أولي قامت به الحكومة العراقية، التي رفضت هي الأخرى استفتاءً أجرته السلطات التركية وحلفائها في الموصل، مما دفع البريطانيين إلى خيار عصبة الأمم التي أرسلت بدورها لجنة تحقيق دولية بتاريخ 27 كانون الثاني 1925م حيث بدأت بمشاوراتها واستقصائها للحقائق الديموغرافية وآراء الأهالي في تبعية ولايتهم، وقد ذكر خير الدين العمري وهو احد أعلام الموصل وشاهد عيان عاصر وعاش تلك الإحداث بدقائقها وتفاصيلها، حيث يقول في معرض حديثه عن مشكلة الموصل:"1"
( كان المرحوم فيصل والإنكليز والحكومة العراقية قد مهدوا طريق النجاح لحل المشكلة لصالح العراق "وقد سطر الصفحة الذهبية في هذا الاستفتاء أبناء الشمال الأكراد، فقد انضم الأكراد وفاز العراق.)
وعن موقف عرب الموصل كتب العمري يقول:"2"
( كان بعض العرب يتهربون من مواجهة اللجنة، محافظين لخط الرجعة فيما لو عاد الأتراك إلى هذه البلاد.. )
ويضيف العمري قائلاً:
( وقد تهافت بعض عرب الموصل على تقبيل أيادي جواد باشا الممثل التركي، وهتف آخرون بحياة مصطفى كمال (أتاتورك)، ولولا الشغب الذي أحدثه بعض المخلصين تخويفاً للباشا الموما إليه ليمتنع عن الخروج والتجول في المدينة لتوالت المخازي. )

     أردت بهذه المقدمة التاريخية المقتضبة أن أسلط قليل من الضوء على تعقيدات مدينة تتنازع عليها أقوام ومذاهب ودول، تلك هي محافظة نينوى وعاصمتها الموصل ذات الثلاثة ملايين ونصف المليون نسمة، وأراض شاسعة تمتد من أقصى شمال البلاد العراقية إلى أقصى شمالها الغربي في سنجار ذات الأغلبية الايزيدية الكوردية، هذه المحافظة كانت فيما مضى ولاية الموصل كما ذكرنا أعلاه تضم معظم إقليم كوردستان الحالي مع كركوك وكل ديالى وحتى تخوم تكريت وأطراف الكوت شرقا، لكنها فقدت معظم أجزائها قضما إداريا أو تغييرا ديموغرافيا خلال اقل من مئة عام، مدينة صعبة المراس معقدة العادات والتقاليد، متكبرة في طباعها، لا ترضى الأمور بسهولة، حتى قال عنها صدام حسين وهو يسترضي نائبه عزة الدوري، حينما ذهب إليه شاكيا أهل الموصل في إنهم لم يستقبلوه كما ينبغي ولم يصفقوا حينما يذكر اسمه، قال له صدام لا تزعل عليهم فالموصل ليست سهلة ولا تمنح ولائها بسهولة، اصبر عليهم وسترى(!)، الموصل مدينة شهدت في تاريخها أقسى أنواع العنف من السحل بالحبال خلف السيارات إلى تعليق الجثث على أعمدة الكهرباء، والاغتيالات العشوائية بعد فشل محاولة عبد الوهاب الشواف القومية ضد الزعيم عبد الكريم قاسم في عام 1959م، ثم ما تلى ذلك من انتقامات وحشية قامت بها ميليشيات الحرس القومي البعثي بعد شباط 1963م، ولا ينسى الموصليون تاريخهم الأقدم حينما حاصرهم نادر شاه الإيراني  قرابة سنة كاملة مطبقا على مدينتهم حتى خلت من أي مأكل، فاضطر السكان إلى أكل العشب ولحوم القطط والكلاب والحمير، وما أشبه اليوم بالبارحة حيث لا مأكل ولا مشرب والناس تموت جوعا أو عطشا أو قتلا في أيمن الموصل بعد ما يقرب من ثلاثمائة عام من حصار نادر شاه!

-2-

     الموصل اليوم سلمت أمرها راضية مرضية لثلاث قوى رئيسية؛ إقليم كوردستان الذي سيطر منذ الساعات الأولى لإسقاط نظام الرئيس صدام حسين في نيسان 2003م على كل المناطق ذات الأغلبية الكوردية أو المسلوخة من اربيل ودهوك مثل سنجار وزمار ومعظم سهل نينوى ومخمور، وحكومة بغداد وجيشها الوطني حصريا، لرفض معظم أهالي المحافظة ومركز الموصل وممثليهم في اشتراك الحشد الشعبي ذو الأغلبية الشيعية المطلقة، إضافة إلى التحالف الدولي والأمريكان تحديدا، ويبدو إن القوى الثلاث قد وضعت خارطة طريق ونفوذ لها في مركز المدينة وأطرافها قبيل بدء العمليات العسكرية لتحريرها، بحيث تكون مناطق سنجار وحوض زمار سنجار وسهل نينوى ومخمور وأطرافه تحت نفوذ إقليم كوردستان بصيغة يتفق عليها لاحقا، بينما يكون مركز المدينة وأطرافها الجنوبية تحت نفوذ الحكومة الاتحادية، وتؤكد تسريبات مهمة جدا على أن تكون تلعفر وأطرافها جنوبا تحت نفوذ الحشد الشعبي، ويبقى المايسترو الأمريكي ضامنا لهذا الشكل من التوافق الأولي لحين البت في مصير الشكل النهائي للبلاد العراقية وخيارات الطبقة السياسية وربما الأهالي أيضا في إنشاء فيدرالية لغرب العراق ذي الأغلبية السنية، أو تشكيل إقليم نينوى واستفتاء أهالي الاقضية ذات الأغلبية الكوردية أو المسيحية في تبعية مدنهم، ويبقى الخيار الكونفدرالي يداعب أخيلة الكثير من الطبقة السياسية السنية والكوردية بما يضمن استقلالية حقيقية في اتحاد عراقي مع الشيعة، وفي هذا السياق سيكون شكل النظام الكونفدرالي العراقي ثلاثيا يضم مكوناته الأساسية وهي العراق الشيعي ويشمل كل محافظات الجنوب والفرات الأوسط ( البصرة والعمارة والناصرية والكوت والسماوة والديوانية والحلة وكربلاء والنجف ) والعراق السني ويشمل محافظة صلاح الدين ( باستثناء ما الحق بها من مدن وبلدات كانت تتبع كركوك إبان نظام صدام حسين ) والانبار ومعظم نينوى وأجزاء من كركوك وديالى، وكوردستان التي تتمتع باستقلالها الذاتي منذ ربيع 1991م، واستطاعت أن تؤسس خلال ربع قرن معظم مؤسسات الدولة الرئيسية بما فيها القوات المسلحة والأجهزة الأمنية ومؤسسات الحكم الثلاث منذ أن انتخبت برلمانها في 1992 وشكلت حكومتها الإقليمية التي حازت على قبول واسع في أمريكا وأوربا ومعظم البلاد العربية والدولتين الأكثر اهتماما بملفها وهي إيران وتركيا.

     الأسابيع القادمة ستشهد بالتأكيد أحداث دراماتيكية في عملية التحرير، خاصة وان تنظيم الدولة (داعش) عمل في بيئة أنتجها نوري المالكي، دعت الأهالي في بداية الأمر لقبولهم كبديل لحكم دولة القانون، لكنهم وخلال أشهر قليلة اكتشفوا حقائق أخرى، أبعدتهم تدريجيا عن خيار التنظيم كحالة مستديمة للحياة، وبدأوا بفتح قنوات اتصال مع مفاصل مهمة من إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية، وقد اكتشف تنظيم الدولة الكثير منهم وحكم عليهم بالقتل، وبأساليب قاسية جدا لترويع الآخرين من التورط في التخابر مع الإقليم أو بغداد، ورغم ذلك نستطيع أن نستنتج بأن حكم نوري المالكي لثماني سنوات وتنظيم الدولة لما يقرب من ثلاث سنوات، غيّر بنية التفكير لدى أهالي الموصل وبقية المناطق التي احتلتها داعش، خاصة فيما يتعلق بموضوعة التقسيم والفدرلة التي أصبحت واحدة من أهم مطالب النخب السياسية والاجتماعية في الموصل، وحتى ينجلي دخان القنابل والصواريخ وتضع الحرب أوزارها وتبرد جروح أهل نينوى وموصلها، سندرك حينها إن من أسس سايكس بيكو وبعدها ضم ولاية الموصل إلى مملكة العراق أو تركيا تسبب في كل ما جرى لهذه المدينة ولكوردستان قبلها من مآسي وويلات، وقد حان فعلا أن يقول الأهالي قولتهم في تقرير مصيرهم برعاية أممية تحفظ لكل المكونات حقوقها وأمنها وسلامها ومستقبلها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والهوامش:

(1) ينظر نص التقرير في جريدة الموصل، العدد (944) في 7شباط 1925 علماً أن التقرير أكد على عروبة الموصل.
(2)للتفاصيل ينظر مؤلفه المخطوط: مقدمات ونتائج، جـ2 ص257-259




122
حلبجة وأنين خان شيخون !

كفاح محمود كريم

     قبل بدء الحرب الأمريكية على نظام صدام حسين بعدة أسابيع، لاحظ الكثير من سكان القرى والمدن التي تقع على الطريق الدولي الممتد من الموصل إلى سوريا بمحوريه موصل ربيعة وموصل سنجار، مئات الشاحنات الكبيرة والمغلفة التي تسير على شكل قوافل مع حمايات مشددة طوال الليل متجهة إلى الأراضي السورية، ولم يدرك الكثير من الأهالي ماذا تحمل هذه الشاحنات ولماذا تتحرك في الليل فقط؟

     ولأن أي سر يتجاوز حمله ثلاثة أشخاص كما يقولون، وعلى طريقة دلالي سيارات التاكسي والمطار السري كما تورده موروثاتنا الشعبية في بغداد وذاكرة عموم الناس، فان تلك الشاحنات كانت معبأة بحاويات ( براميل ) ومواد أخرى تم تهريبها إلى سوريا، إما كما فعل نظام بغداد بتأمين أكثر من مائة طائرة مدنية وعسكرية عند الإيرانيين وغيرهم من دول الجوار السعيد في غزوه للكويت، أو والله اعلم لكي يستكمل بعث سوريا ما لم يكمله بعث العراق في الإبادة الجماعية لكل أعداء الأمة العربية الواحدة ورسالتها الخالدة، ويتضح إن التوقع الأخير كان الاصوب، وضاعت طائرات أبو عداي عند رفسنجاني الذي اعتبرها جزء من تعويضات الحرب!     

أقول قولي هذا ونحن نتذكر هذه الأيام وقبل أكثر من ربع قرن حيث اقترف نظام صدام حسين ومؤسسته العسكرية، جريمة قصف حلبجة وعشرات القرى بالأسلحة الكيمياوية التي راح ضحيتها آلاف الأطفال والنساء من المدنيين العزل، وفي حينها كانت الولايات المتحدة وبقية الدول الكبرى تنافق نظام البعث لمصالحها في المنطقة، وتجامله أمام الضبع الإيراني الذي بدأ يكشر أنيابه أيامها، ولولا بعض الصحفيين ووكالات الأنباء لما عرف العالم واحدة من أبشع جرائم الحرب في تاريخ البشرية بعد الحرب العالمية الثانية.

     واليوم وبعد أكثر من ربع قرن يقترف الوجه الآخر لنظام بغداد في سوريا ( عملة البعث ووجهيها في دمشق وبغداد )، وبنفس العقلية والمبادئ التي تبيح إبادة الآخر لمجرد الاختلاف معه، كما فعلت داعش والقاعدة في تعاطيها مع مفردات الحياة التي لا تلائمها، ويقتل العشرات من المدنيين الأطفال والنساء، لمجرد إن المكان يضم مقرات لما يسمى بالنصرة، ولا يهم إن يكون في نفس المنطقة مدارس أو مباني لسكن الأهالي، المهم أن تقتل عدوا واحدا حتى وان قتل بالقرب منه العشرات أو المئات، كما يبرر تنظيم الدولة داعش أو القاعدة أعمالهما في تفجير السيارات المفخخة أو العبوات وقتلهم للعشرات من الأبرياء.

     ورغم إن خارطة التحالفات تختلف نوعا ما عما كانت عليه أيام حرق حلبجة، حيث الأمريكان والروس يلعبون بل يرقصون على حبال الصراع بين الأطراف، نراهم اليوم أيضا يعزفون ذات السيمفونية المملة، لولا ارتفاع إيقاع وصلة منها بقصف الأمريكان للقاعدة التي انطلقت منها طائرات البعث السوري لكي تقتل وتحرق المئات من المدنيين، هذا القصف الذي أرسل رسالة للروس قبل السوريين بان هناك خطوطا حمراء في سوريا، لا تبيح لأصحاب القواعد العسكرية على البحر تجاوزها، تلك الخطوط التي ترسم مناطق النفوذ لكلا العظميين ووكلائهما المنفذين!

     الأسلحة الكيماوية وقبلها النابالم وقبلهما براميل البنزين التي استخدمها الجيش العراقي في حرق قرى ومدن كوردستان منذ أيلول 1961 وحتى 2003، لم تغير قيد أنملة توجه شعب كوردستان لتحقيق أهدافه وطموحاته، بل إن واحدة من أسمى تجلياته حينما توقفت حرب ( أم المعارك ) وكان هناك بصيص أمل للحوار والتفاوض مع بغداد صدام حسين ذهبت قيادة كوردستان برئاسة البارزاني تحمل جراحاتها وملفات تفاوضها حول حقوق شعب كوردستان دونما فتح ملفات الدم والموت قبل سنين قليلة، والتوجه إلى المستقبل وخيار السلم والبناء.

     النتيجة؛ ورغم ماسي ما حصل في حلبجة وبعد صراع طويل ومرير سقط خيار الحرب والعنصرية والتكابر وانتصرت إرادة الخير والسلام، وتحولت حلبجة إلى رمز للمقاومة والانطلاق إلى التحرر، وهي ذاتها أسقطت من احرقها، وفي خان شيخون سجلت ساعة سقوط نظام الأسد وبدأ العد التنازلي الحقيقي لنهايته وبداية عصر جديد، ربما يختلف عما حققه شعب كوردستان وأيقونته في حلبجة، لكنه في آخر الصراع ستكون الغلبة للسلام والتعايش وان بعد حين!

    لقد سقط البعث ودولته ونهضت حلبجة، وفي خان شيخون ترتسم اليوم نهايات حقبة الأسد!
kmkinfo@gmail.com


123
المنبر الحر / أحزاب الزينة 3
« في: 19:02 09/04/2017  »

أحزاب الزينة
3
   
     لقد أنتجت مرحلة أحزاب الزينة وما تلاها من سيطرة الولاءات القبلية والمذهبية، جوا نفسيا اجتماعيا لدى مساحات واسعة من الأهالي خلاصته؛ ازدراء كبير يصل حد الاحتقار لما يتم تداوله من ممارسات تسمى بالديمقراطية، حيث أظهرت وصول مجاميع من النكرات والمنحرفين إلى قبة البرلمان والحكومة، وانتشار الفساد بشكل مروع، وأصبح المواطن العادي يربط بشكل عفوي بين صفة الفساد وعنوان الوظيفة، ويربط كل هذه المعطيات كنتائج لتجربة الديمقراطية في بلاد ليس لديها لحد اليوم مفهوم متفق عليه للمواطنة والولاء خارج الدين والمذهب والعشيرة والمدينة أو القرية، ويعاني أغلبية سكانها من أمية أبجدية وحضارية ومستويات خطيرة من الفقر والبطالة، وتناحر بين مكوناتها منذ تأسيس كياناتها السياسية.

     وبملاحظة سريعة لما يحدث اليوم في العراق وبقية ما يسمى بالربيع العربي، وطيلة السنوات الماضية، ما هو إلا نتاج تلك الفترة المظلمة من تاريخ هذه البلدان وتربية أنظمتها لعدة أجيال من الأهالي الذين ينفذون اليوم ما تعلموه خلال عشرات السنين، وشاهدوه وهم أطفال وفتية وشباب، ابتدءاَ من كرنفالات الإعدام التي كانت تنفذها الأنظمة في الشوارع والساحات العامة، وكيل الاتهامات الكاذبة جزافا لكل من يعارضها وانتهاء بتلك المشاهد البائسة والقاتلة من ( صور من المعركة ) التي كانت تبث يوميا ولثماني سنوات متصلة في العراق وليبيا ( في حربها مع تشاد ) وسوريا ( في احتلالها للبنان)، وتظهر آلاف الجثث الممزقة الأشلاء أو عمليات دفنها بالبلدوزرات على أنغام الأناشيد الوطنية، إلى تسطيح عقول ووعي الناس بتصنيع أحزاب وجمعيات مما كانت تسميه بالاتحادات والنقابات المهنية والفرق الفنية، التي لا هم لها ولا غم إلا التغني بالقائد الذي لا مثيل له في الدنيا وربما لو بقوا عدة سنوات أخرى لقالوا انه متعهد الآخرة أيضا.

     واليوم تواجه بلدان ما يسمى بالربيع العربي، وأولها العراق الذي سبق ربيعهم بسنوات، نتاجات تراكم هائل من التربية الخطأ، التي تصل في كثير من مفاصلها إلى الخطيئة والسلوك المنحرف في تعليم وإشاعة الكذب والخوف والتدليس والاستكانة والقسوة وتحليل وإباحة المحرمات في المال والأعراف، وإرعاب الناس باعداءٍ مفترضين لا وجود لهم إلا في مخيلة تلك الأنظمة، التي لم تسقط ثقافتها وتربيتها بسقوط هياكلها الإدارية، وبقيت تبعاتها وسلوكيات أفرادها تنعكس بوضوح على أوجه وألوان حرباوية وأشكال هلامية وملساء تصلح للزينة وللقبح معا، وتمارس كل الأدوار الانتهازية والوصولية، من خلال إعادة تأسيس أحزاب من أرحام تكتلات وكيانات حكمت تلك البلدان بعد عاصفة الربيع المغبر، وتعمل على تدوير بقاياها لتعود ثانية من خلال مسرحية الانتخابات والتزويرات والفتاوى وتعليمات شيوخ العشائر والمرجعيات الدينية والمذهبية، وهي تتسابق منذ الآن لإنتاج مسرحيات انتخابية على مستوى الدولة أو العشائر، لتجييش الرعاع والغوغاء ممن أدمنوا العبودية واستكانة القطيع لمرحلة جديدة من اللصوصية والتخلف والضياع.

     إن واحدة من اخطر العلل التي تواجه مجتمعاتنا التي عصفت بها عمليات التغيير الفوضوية سواء في العراق أو بقية بلدان ما يسمى بالربيع العربي، هو الوقوع بين مخالب القوى الدينية والمذهبية المتطرفة، وبعبارة أعم وأشمل اللجوء إلى الدين والعشيرة بعد فقدان دولة القانون والمواطنة، وربما كانت العلة الأكثر خطورة تكمن في كيفية اختيار شكل وطبيعة النظام السياسي الذي يتوافق مع النظام الاجتماعي والتراكم الهائل للعادات والتقاليد المتكلسة ويعاني من نمط متخلف من التربية والتعليم ومناهجها  الدينية والتاريخية التي تكرس مفاهيم لا تتوافق مع معطيات العصر الحديث وحاجيات الإنسان المعاصر.

     إن فشل تبلور مفهوم المواطنة خاصة في الدول ذات التنوع العرقي والقومي والديني، يعود بالأساس إلى الطبيعة القبلية لهذه المجتمعات، وفشل أنظمتها السياسية بفصل الدين عن السياسة بل عن الحكم برمته، وإبعاد فلسفته عن التعليم بكل مراحله، إلا ما يؤكد وجوده كمعتقد للإفراد وجب احترام خصوصيته في حدود الخاصية الشخصية ليس إلا، وما لم تنجح النخب السياسية والتكنوقراط من وضع دستور عصري، يؤكد على تعريف مدني للمواطنة، تسود فيه لغة القانون والانتماء الوطني فوق النظام القبلي والديني، ويرتقي على كل هذه الانتماءات، ويحظر أي تنظيم سياسي على أساس ديني أو مذهبي أو عنصري، بما يكفل حقوقا متساوية لكل الإفراد بمختلف أعراقهم وقومياتهم وأديانهم، لن ينجح أي حزب أو مجموعة أحزاب في إقامة نظام ديمقراطي تسوده العدالة في كل مناحي الحياة.

kmkinfo@gmail.com
 

124
المنبر الحر / أحزاب الزينة 1- 3
« في: 21:59 27/03/2017  »
أحزاب الزينة
1- 3

كفاح محمود كريم

     اعتدنا على أدوات أو نباتات أو حيوانات للزينة، والحمد لله إننا أدركنا كائنات أخرى للزينة والإكسسوارات التي ابتدعتها دول المنظومة الأوربية الشرقية إبان الحكم الاشتراكي، ولا أقول الشيوعي لأنهم جميعا لم يرتقوا إلى تلك المرحلة، بل وسقطوا قبل الوصول إليها بمئات السنين، فقد كانت تحكم من خلال قيادة حزب واحد للدولة تحت شعار دكتاتورية ذلك الحزب،  الذي قرر انه لوحده يمثل الطبقات الكادحة وتحديدا العمال والفلاحين وأحيانا بعض البرجوازيين، كما تفعل الأحزاب الدينية اليوم في احتكارها تمثيل الرب والدين والحكم باسمه، وخلال سنوات من حكمهم بعد الحرب العالمية الثانية ابتدعوا أنواعا جديدة للزينة السياسية، بعد أن أصبحت الوسائل الأخرى مكروهة كونها استهلاكية برجوازية وغير منتجة في بلاد هوسها الإنتاج، وكانت هذه الكائنات الجديدة أحزابا تم تصنيعها وتجميلها لكي تكون حليفة للحزب القائد، ويمارس من خلالها مسرحياته الديمقراطية الشعبية في الانتخابات والمجالس البرلمانية الكوميدية، وهذه الأحزاب كانت للزينة فقط ليس إلا، وقد استخدمت على طريقة صاحبنا في البرلمان العراقي أيام الملكية أسلوب (اموافج = موافق) على كل قرارات وقوانين حزب الشغيلة والفلاحين والقائد الملهم، وفيما بعد حزب الرسالة الخالدة في العراق العظيم واللجان الشعبية في ليبيا العظمى والمؤتمرات الشعبية في اليمن السعيد.

     أحزاب الزينة هذه انتشرت انتشار النار في الهشيم بين دول الجمهوريات الثورية والوراثية، وخاصة في شرقنا الأوسط الجاذب للتجارب بعيدة المدى، لتطبيقها على شعوب غالبيتها من الأميين المشبعين بثقافة القطيع، وما تزال نسبة الفقر والبطالة تهشم طموحات أكثر من ثلثهم لحد الآن، والثلثين الآخرين منغمسين في الولاءات الدينية والمذهبية والقبلية والمناطقية، ولا يهمهم سوى توظيف كل أتباعهم وتحويلهم إلى كتل من التنابلة والاتكاليين، وخير نموذج للدول التي تميزت بصناعة أحزاب الزينة عراقنا الناهض منذ مائة عام وما يزال يقف على رجل واحدة حتى اتكأ على ركبتيه لا قدميه!

     في العراق نجح حزب البعث وفريق صدام حسين من تصنيع مجموعة أحزاب، تم استنساخها على طريقة ( النعجة دولي ) من عناصر اكتشف علماء البعث فيها استعدادات نفسية وجينية للانحراف، ووجدت فيها من يدلها ويوفر لها تلك البيئة، وفعلا تم تطويرها واستنساخ أعداد كبيرة منها لتكون أحزابا للزينة والإكسسوارات، وشهدنا بعد فشل تحالف البعث والديمقراطي الكوردستاني، وإصدار قانون مسخ للحكم الذاتي بشكل انفرادي ومحاولة فرضه على الديمقراطي، وحينما تم رفض تلك الوصاية أو الاحتواء، عادت العمليات العسكرية إلى كوردستان وبتعاون وثيق بين ايران والعراق وتغطية مهمة من بعض الدول الكبرى، أدت إلى تصنيع تلك الأحزاب التي ( ستوافج = ستوافق ) على قانون البعث للحكم الذاتي، وإيهام الرأي العام الداخلي والعالمي بأنهم ( ديمقراطيون يعملون على تنفيذ اتفاقية آذار)، لكن ( الجيب العميل وهو زمرة صغيرة متمردة على القانون رفضت إرادة شعبنا الكوردي في شمالنا الحبيب )، كانت هذه أهم العبارات التي استخدمتها أجهزة دعاية وإعلام نظام الرئيس صدام حسين لتبرير إعلان تصنيع الحزب الديمقراطي الكوردستاني والحزب الثوري الكوردستاني وجبهة تحرير كوردستان، بموديلات جديدة واستنساخ لبعض العناصر من تلك الأحزاب وإعادة تدويرها لتكون بديلا عن النسخة الأصلية التي تحولت إلى (متمردين ومخربين) على عادة أجهزة دعاية البعث ومن ورثها منهم من أحزاب السلطة اليوم، فبعد سنوات ليست طويلة رأى منظروا تلك الحقبة بأنهم يحتاجون إلى توسيع ( الجبهة الوطنية والقومية ) فألحقت بهم مجاميع بذات المواصفات من عناصر شيوعية وتقدمية، بعد فك أو تمزيق التحالف بين الشيوعي العراقي والبعث العراقي.
يتبع ....

kmkinfo@gmail.com


125

مهزلة البرلمانات الشرقية ؟

كفاح محمود كريم

     
     من مهازل الأدبيات السياسية واستنساخ القوانين والتشريعات الأوربية وفرضها على مجتمعات تختلف كليا في أسس بنائها وثقافتها وتركيباتها وعقائدها الاجتماعية والسياسية، أن ترى نخبة تعمل ليل نهار من أجل فرض تلك القوانين والصيغ والأسس على مجتمعات ما تزال البداوة تتحكم في أدائها الحياتي بمختلف أساليبها وصيغها، حيث الاستخدام بطريقة الاستنساخ للديمقراطية الغربية في بيئة اجتماعية تختلف كليا في مبادئها وعقائدها وسلوكياتها وأسس بنائها عن مثيلاتها في الغرب، ولكي لا نبتعد كثيرا عن شرقنا المتعب ونتوهم بأن اليابانيين والكوريين ومعظم الجنس الأصفر يقع تحت تصنيفنا الجغرافي، متناسين عقائدهم الدينية وطريقة تعاطيهم الاجتماعي والديني، علينا أن نؤكد إن بحثنا هنا لا يتجاوز حدودنا  التي صنعتها اتفاقية سايكس بيكو، وبموجبها رسمت خارطة الشرق الأوسط، مضافا إليها بعض الأنظمة والبرلمانات ومجالس الشورى التي تتشابه حد التطابق في السلوك والمنهج، وتعبر خير تعبير عن بؤس هذه المجتمعات، التي لم تجد لحد اليوم مفهوما يوحدها بالانتماء إلى وطن جغرافي ومجموعة بشرية تنتمي لذلك الوطن، فلقد شهدنا جميعا تلك البرلمانات ( الاتحاد الاشتراكي المصري ومجلس الشعب السوري والمجلس الوطني العراقي واللجان الشعبية الليبية وما هو على شاكلتها في الجزائر وتونس واليمن والسودان وإيران وغيرها )، التي تم صنعها في دهاليز أجهزة مخابرات الأنظمة وأحزابها القائدة، وأصبحت واجهات كاريكاتيرية لما يسمى دستوريا بالبرلمان، ونتذكر جيدا تلك المسارح التي كان يمثل فوقها ( فرسان الأمة وقادتها ) وأحزابهم التي تفوز دوما بالأغلبية الساحقة ( 99.99 ) والتي عدلت فيما بعد، لكي تتحول إلى كتل برلمانية وأحزاب على شاكلة ما هو موجود في عراق الديمقراطية العرجاء، حيث استبدلت توصيات الحزب القائد والقائد الضرورة بفتاوى رجال الدين ومباركة شيوخ العشائر، الذين تم إدخالهم سيرك السياسة والعسكر لتخريب ما تبقى من أي أمل في بناء دولة عصرية متحضرة.

     وبدلا من ترشيح الحزب القائد أو القائد الضرورة لأعضاء مسرحهم النيابي كما كان يحصل سابقا، فقد أخذت المؤسسة الدينية والعشائرية ومن خلال اذرعها وكياناتها السياسية على عاتقها تسمية أعضاء لمسرح السيرك السياسي، الذي نشهد مسرحياته المقرفة منذ أكثر من عشر سنوات في العراق وغيره من بلدان الربيع المضحك، كنموذج وصورة تعكس حقيقة هذه المجتمعات سياسيا واجتماعيا وأخلاقيا، مع استثناء القلة القليلة التي لا تخضع للقياسات العامة ممن توهموا إن الانتخابات نزيهة أو أنها ستنتج مؤسسة تشريعية قادرة على بناء دولة عصرية ومجتمع متحضر، حيث نشهد اليوم وبعد أداء ثلاث دورات برلمانية عراقية وما رافقها من إنتاج حكومات وما يفترض من قوانين وتشريعات، أسوأ ما أنتجه العراقيون منذ تأسيس كيانهم السياسي كدولة وفي كل مناحي الحياة، والأكثر سوءاً هو هذا البرلمان وحكوماته وسلطته القضائية وما يتفرع منهم من سلطات أدنى، بما في ذلك مجالس المحافظات وحكوماتها المحلية، وبقراءة سريعة أو استقصاء بسيط  لنماذج عشوائية من أهالي القرى والبلدات والمدن، وصولا إلى العاصمة حول أهلية غالبية المرشحين الذين تم تصعيدهم أو اعتمادهم في قيادات هذه البلاد المنكوبة، سنكتشف حقيقة وأسباب تقهقر بلادنا وانتكاستها المريعة، حتى أصبحت واحدة من أفشل دول العالم.

     إن دولة أو نظاما يقوده المتخلفون من شيوخ العشائر ورجال الدين بانتماءات وولاءات دينية ومذهبية وعشائرية، لن يجمعوا حولهم إلا مجاميع  من المنافقين واللصوص والمرتزقة والانتهازيين، ولن يشيدوا دولة أو نظاما سياسيا واجتماعيا، إلا بهذا النموذج الذي نراه في العراق واليمن وسوريا وليبيا ومن شابههم، حيث الفشل والفساد والتقهقر إلى الهاوية، مما يستدعي تغييرا جذريا في طبيعة النظم المعتمدة ووسائلها وعناصر تنفيذ برامجها، وفي مقدمتها إصدار تشريعات تحظر أي نشاط سياسي أو نفوذ قانوني لشيوخ العشائر ورجال الدين والمؤسسات التابعة لهم، بما يمنعهم من أي تدخل في العملية السياسية وممارساتها الانتخابية والإعلامية.

    أن بناء دولة عصرية يستوجب فصل الدين عنها وابعاد أي هيمنة قبلية بأي شكل من الأشكال، بل ومنع تأسيس أي حزب أو منظمة على خلفية دينية أو مذهبية أو قومية في دو