عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - يوسف أبو الفوز

صفحات: [1] 2
1
يوسف أبو الفوز في رابطة الأنصار بستوكهولم
متابعة ــ الصباح


  مؤخرا ضيفت ، رابطة الأنصار في ستوكهولم وشمال السويد، وبالتنسيق مع مؤسسة FOLK السويدية، في مقر جمعية الفولك في منطقة  شارهولمن،  الكاتب يوسف أبو الفوز  القادم من فنلندا، في أمسية ثقافية، ادارها الإعلامي محمد الكحط الذي قدم نبذة من سيرة الكاتب الادبية.
وشكر الكاتب ابو الفوز، الحاضرين الذين رغم سوء الأحوال الجوية والعاصفة الثلجية التي عطلت حركت المواصلات اصروا على حضور الأمسية والمشاركة فيها، واعتبر أبو الفوز الأمسية من أصعب وأسهل امسياته، فهو يتحدث بحضور من هم شهود ومعاصرين لتجربته الإنسانية والأدبية.
 وبين ان مسيرة أي مواطن عراقي، ترتبط بالتحولات والتطورات السياسية في البلاد، وهو كعراقي وكاتب لا يختلف عن ذلك، فالأوضاع السياسية تركت بصماتها على مجمل مسيرته الأدبية.
استعرض المحتفى به اهم اول اصداراته مشيرا الى انه تناول فيها القمع السياسي وتأثيره على حياة المواطن العراقي، وبين ان بطله القصصي خلالها كان الانسان العراقي التواق للحرية والمناضل لأجل حرية التعبير والمدافع عن رأيه المختلف. ثم تناول فترة التحاقه بحركة الكفاح المسلح للأنصار الشيوعيين، التي امتدت حوالي ثمان سنوات، واعتبرها من اهم الفترات في حياته، حيث كان الأنصار الشيوعيون يقاتلون على عدة جبهات، اذ كانوا يواجهون نظاما فاشيا قمعيا بكل جبروته القمعي والعسكري، ومن جانب اخر يصارعون الطبيعة بقسوتها الى جانب الصراع الفكري المحتدم في صفوف الحركة والحزب السياسي الذي يقود الحركة، فترك ذلك كله تأثيرات مهمة على تجربته الإنسانية والادبية. واستعرض اهم اصداراته عن هذه المرحلة.  ثم تحدث الكاتب عن مرحلة المنفى والتشرد ، التي تنقل فيها بين بلدان عدة ، وتعرض فيها للحجز والسجن عدة مرات لعدم امتلاكه جواز سفر حقيقيا، حتى اللجوء الى فنلندا  عام 1995 ، حيث بدأت مرحلة الاستقرار التي وفرت له فرصة لمراجعة تجربته الأدبية والحياتية ، فاصدر مجموعته القصصية (طائر الدهشة ) التي ترجمها الدكتور ماركو يونتنين الى اللغة الفنلندية عام 2000 ، وحيث بدأ بعدها في الاهتمام بالكتابة الروائية، فاصدر عدة روايات التي كان الانسان العراقي المهاجر واللاجئ هو بطلها الأساسي ، وبرزت الى جانب ذلك موضوعات مثل الهوية والانتماء والمجتمع المتعدد الثقافات، حيث أصبحت من اهم المحاور في رواياته. وتحدث عن روايته (جريمة لم تكتبها اجاثا كريستي) التي صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 2020 ، والتي كتبت على خلفية موجة هجرة الشباب العراقي الى أوروبا للاعوام 2015 ـ 2017 ، كرد فعل على سياسات حكومات الإسلام السياسي التي سلبتهم وطنهم وحريتهم وحق الحياة الكريمة، وتتابع الرواية رحلة الشباب نحو المهجر الأوربي وفنلندا تحديدا، وحياتهم هناك وتأثير هذه الهجرة على المجتمع الفنلندي ونشاط الجماعات العنصرية  .
وركز أبو الفوز على روايته (مواسم الانتظار) التي صدرت عن المدى 2022 ، والتي تتناول واقع وهموم المجتمع العراقي في ظل حقب حكم حزب البعث الشوفيني، من فترة الاربعينات حتى نهاية سبعينات القرن الماضي بما في ذلك فترة تجربة (الجبهة الوطنية والتقدمية) وما تبعها من حملة إرهابية بوليسية عانى منها أبناء الشعب العراقي. وبين الكاتب أبو الفوز بحكم كون الرواية شكل من البحث الأنثروبولوجي فأنه معني بالإنسان العراقي وما يعانيه بسبب من انعكاس الأوضاع السياسية عليه وهكذا سنتعرف في صفحات الرواية على مختلف الشخصيات وبمختلف المواقف والرؤى، لتعكس قصة جيل الكاتب وهمومه ومعاناته خلال تلك الفترة العصيبة.
وأشار أبو الفوز الى ان الرواية ذهبت أيضا الى صحراء السماوة لتغطي حياة مجموعة من الصعاليك وقطاع الطرق، واجتهدت من خلال ذلك لعكس علاقة بدو الصحراء بسجن نقرة السلمان الرهيب الذي غيب خيرة أبناء الشعب العراقي من المناضلين، وتفترض الرواية أيضا زيارة للكاتبة البريطانية أجاثا كريستي لأثار الوركاء ومدينة السماوة، وتتابع الزيارة وتورد تفاصيل مثيرة عنها وانطباعاتها عن الشعب العراقي.
وبين الكاتب أبو الفوز بأنه وفاء لمدينته السماوة وتاريخها النضالي، حاول عكس تاريخ المدينة واهم الاحداث التي حصلت فيها وأبرز مناضليها وشهدائها، فخصص صفحات لانتفاضة السماوة حين استقبلت قطار الموت عام 1963، وفي هذا عمد الى الاستناد الى روايات سمعها من اسرته وسكان المدينة. وأكد الكاتب بأنه عموما يلجأ الى بناء شخصياته الروائية معتمدا مخيلته الروائية، التي تستند الى واقع عاشه وأبناء وطنه، من جيله والاجيال التي سبقته، لذا فهو لبناء شخصياته معني بهذا الواقع كثيرا، فحرص على ان تحمل شخصياته ملامح من ناس عرفهم وعايشهم،                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                              يحملون هموم وتطلعات ومعاناة أبناء العراق. ثم قدم العديد من الحاضرين في الامسية الذي عاصروا الكاتب مداخلات عن معرفتهم بالكاتب ونشاطاته، وجرى نقاش حيوي شيق في العديد من الموضوعات حول الادب وتجربة الكتاب وهموم الكتابة، فكانت الأسئلة الذكية مفاتيح ذهبية للتجوال في درابين وهموم الادب واثارت نقاشا ثريا مفعما بروح التنوير، وفي الختام وقع الكتاب بعض اصداراته وقدمها هدية لرابطة الأنصار.
 

 

2
رابطة (كيلا) الفنلندية في ضيافة الكاتب العراقي يوسف أبو الفوز



متابعة ــ
ضمن البرنامج السنوي، لرابطة الكتاب والفنانين الفنلنديين (كيلا) ـ تأسست عام 1937 ـ في زيارة، ورش عمل ومعارض أعضاء الرابطة، زار وفد من منتسبي الرابطة وهيئتها الإدارية، بيت الكاتب العراقي يوسف أبو الفوز في ضواحي العاصمة هلسنكي، حيث بادرت شريكة الكاتب، السيدة شادمان علي فتاح، وضيفتهم وجبة غداء شهية من اطباق عراقية، تداول الجميع معها في مختلف الشؤون الاجتماعية والسياسية في فنلندا والعالم.
بعدها قدمت الشاعرة (بيريو كوتاماكي ) قراءة بضعة قصائد من شعرها بالفنلندية والإنكليزية.
واستعرض الكتاب (تانيلي  فيتاهوهتا)، كتابا صدر مؤخرا ، اشترك في تأليفه عن الفعاليات الموسيقية، التي صاحبت مهرجان الشبيبة والطلبة العالمي الثامن الذي عقد في هلسنكي صيف عام 1962 وشارك فيه اكثر من خمسة عشر الف ضيف من أعضاء الوفود من مختلف ارجاء العالم، وفي الكتاب المعنون (الجاز الحر) تم تسليط الضوء على نشاطات اثنين من اشهر عازفي الجاز الافروـ امريكان الرائدان ارشي شيب وبيل  ديكسون، اللذين اصطفا الى جانب قوى اليسار العالمي وانحازا بشكل كبير الى جانب نضالات الشعوب من اجل التحرر من السيطرة الاستعمارية وضد الحروب ولأجل السلام .
 الكاتب، المضيف،  يوسف أبو الفوز عرض لضيوفه، الفيلم الوثاثقي (عند بقايا الذاكرة) مدته نصف ساعة، الذي كتب له السيناريو واخرجه للتلفزيون الفنلندي عام 2006 ، ويحمل الفيلم انطباعات الكاتب وشريكة حياته شادمان، خلال زيارتهم الى العراق بعد غياب عقود من السنين، ويرصد بعض التغيرات الحاصلة في العراق بعد زوال نظام صدام حسين الديكتاتوري، ويذكر ان الفيلم في حينها تم اختياره من قبل التلفزيون الفنلندي لتمثيل فنلندا في مهرجان سينمائي تربوي عن السلام في سويسرا،  ثم استعرض أبو الفوز اخر اصداراته الأدبية، وابرزهما روايتيه (جريمة لم تكتبها اجاثا كريستي )  صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 2020 ، ورواية (مواسم الانتظار) صدرت عن دار المدى 2022، وجرى بعدها  نقاش حيوي ومستفيض ، تناول جوانب من محطات الكاتب أبو الفوز وتجربته في الكتابة، واحوال الثقافة بشكل عام في العراق في ظل الأوضاع السياسية الحالية القائمة، ودور المثقفين والحركة الاحتجاجية. 

3
هوليود ونظرية المؤامرة والحرب في أوكرانيا

مشهد من نهاية المسلسل الامريكي (القناص) 2016 

هلسنكي ــ يوسف أبو الفوز

كثيرون، لا يعتبرون مصطلح (نظرية المؤامرة) مفهوما جديدا، رغم ان اضافته الى قاموس أكسفورد كانت في عام 1997 ــ بالإنجليزية Conspiracy Theor ‏ــ، فعلماء الاجتماع والنفس والتاريخ عرفوه واستخدموه كثيرا، وتداولوه في تفسير كثير من الاحداث، خصوصا المؤمنين بأن لا شيء يحدث بالصدفة، وان الأشياء مرتبطة مع بعضها. في العقود الأخيرة، ساعدت وسائل التواصل الاجتماعي على تسويق هذا المفهوم للانتشار بشكل واسع. ولم تغفل هوليود الامر، فقدمت تفسيرات لكثير من الاحداث تبعا لمفهوم المؤامرة، فشاهدنا أفلاما تناولت حادثة اغتيال الرئيس الأمريكي جون كيندي 1963، فضيحة ووتر غيت 1972 وقبلها مصير الزعيم هتلر الذي انتحر 1945 وغيرها.
ويمكن القول ان حادث اغتيال كيندي، يعتبر من اهم الاحداث التي دفعت السينما والتلفزيون في هوليود لتبني تفسيرها تبعا لنظرية المؤامرة، فبعدها لم يعد من الصعوبة العثور على تفسيرات لأحداث سياسية دبرت من قبل (عدو خارجي) أو (عدو داخلي) متحالف مع نخب فاسدة.
عن اغتيال جون كنيدي سنجد أفلاما مثل فيلم ( الإجراء التنفيذي ــ 1973) من اخراج  ديفيد ميلر (1909–1992)، وساهم في كتابته كاتب السيناريو الأمريكي الشيوعي دالتون  ترامبو (1905–1976)، الذي سبق وسجن لعام كامل مع غرامة من قبل محاكم التفتيش الماكارثية ووضع اسمه على القائمة السوداء لمنعه من العمل، فاضطر لكتابة العديد من الأعمال الناجحة بأسماء مستعارة، ومثل في هذا الفيلم نجوم كبار مثل برت لانكستر (1913–1994)، روبرت رايان (1909–1973) ، ويل غير (1902–1978)واخرين، وكان اول فيلم امريكي يشكك في الرواية الرسمية لاغتيال كنيدي. أيضا هناك فيلم (جون كنيدي ــ 1991) من اخراج اوليفر ستون (مواليد 1946)، المعروف بميوله الليبرالية واعتبر ستون هذا افضل أفلامه، ومثل فيه نجوم كبار مثل كيفن كوستنر (مواليد 1955)، تومي لي جونز (مواليد 1958) ، جاك ليمون (1925–2001) ، ووالتر ماتاو (1920–2000)  واخرين، وحصل الفيلم على ثمانية ترشيحات لجوائز الأوسكار وكان أحد أكثر أفلام المخرج نجاحًا  رغم فشله في الفوز بجائزة الأوسكار لأفضل مخرج.
اما عن فضيحة ووتر غيت فهناك فيلم ( كل رجال الرئيس  ــ 1976) من اخراج الامريكي آلان  باكولا (1928  -1998) والذي اشترك في تمثيله داستن هوفمان  (مواليد 1937) الى جانب روبرت ريدفورد (مواليد 1936) الى جانب كوكبة من نجوم هوليود، وفي الفيلم يقوم صحفيان من صحيفة الواشنطن بوست بتسليط الضوء وفضح ضلوع الرئيس الأمريكي الجمهوري ريتشارد نيكسون في التجسس على  مقر الحزب الديمقراطي الأمريكي ايام انتخابات عام 1972  وزرع أجهزة تنصت هناك، وبعد كشف الملابسات وتجنبا لسحب الثقة منه اضطر نيكسون للاستقالة على اثرها، وحيث اصبح مصطلح ووتر غيت رمزا شعبيا للنشاطات والتآمر غير القانوني واستغلال مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) ووكالة المخابرات المركزية (CIA) ودائرة الإيرادات الداخلية (IRS) كأسلحة سياسية.
 وهكذا ستقودنا عمليات البحث الى عناوين العديد من الأفلام، التي صيغت احداثها تبعا لمصطلح ومفهوم المؤامرة، وكأمثلة: الفيلم الشهير (ثلاثة أيام من الكوندورــ 1975)، عن الفساد في اجهزة المخابرات وحيث التهديدات للمواطن تمتد إلى أعلى المستويات في الحكومة، والفيلم من اخراج سيدني بولاك (1934 ـ 2008) تمثيل روبرت ريدفورد مع فاي دوناواي (مواليد 1941) ،  ترشح الفيلم لعدة جوائز منها الاوسكار لأفضل مونتاج.
وفيلم (نظرية المؤامرة ــ 1997) اخراج ريتشارد دونر(1930 - 2021 (، وتمثيل ميل غبسون (مواليد 1956) وجوليا روبرتس ( مواليد 1967) ، حيث سائق سيارة أجرة، يؤمن بأن كثير من الاحداث تجري وفق نظرية المؤامرة من أجهزة المخابرات ومليشيات غير قانونية ، حتى يكتشف مؤامرة لتصفيته من جهات غامضة ، وهناك الكثير من الأفلام التي يمكن ادراجها.
قبل أسابيع، لفت انتباهي أحد الأصدقاء، الى مسلسل حركة ومغامرات امريكي، يعرض على منصة Netflix، أنتج منه ثلاثة مواسم في الأعوام 2018- 2016، تحت عنوان (القناص)، مستوحى عن رواية (نقطة الاصابة) للكاتب الأمريكي ستيفن هانتر، التي صدرت عام 1993 ولاقت ناجحا لافتا، فتم تحويلها أولا الى فيلم عام 2007، من اخراج أنطوان فوكوا والدور الرئيس تمثيل مارك والبيرغ (مواليد 1971).   أما بالنسبة لمسلسل (القناص)، فقد تم اعداد الموسم الأول على يد مجموعة كتاب سيناريو، بتصرف كبير، ففي الفيلم ميدان خدمة القناص، الشخصية الأساسية، كان في ارتيريا، بينما في المسلسل، أصبح أفغانستان وأيضا تم تغيير الهدف المراد اغتياله وأصبح له علاقة بالأزمة الأوكرانية!! تصدى لإخراج الموسم الأول من المسلسل عدة مخرجين أمريكيين يتقدمهم سايمون جونز (مواليد 1936)، وكان من عشر حلقات مدة الحلقة 45 دقيقة.
في المسلسل يقوم الممثل ريان فيليب  (مواليد 1974) ، بأداء دور (بوب لي سواغر)، محارب مخضرم، قناص بارع  من مشاة البحرية الأمريكية  حائز على اوسمة وجوائز عديدة، متقاعد بسبب الإصابة ، يعيش في شبه عزلة،  فيتم الاستعانة به من قبل قائده السابق في الجيش، للاستفادة من خبرته كقناص لمنع محاولة لاغتيال الرئيس الأمريكي، فيقوم بأبحاثه وزيارة مكان توقف موكب الرئيس ويدرس احتمالات مواقع الاغتيال الممكنة ويصورها ويرسم ابعادها، لكن يتم الإيقاع به، واستخدمت الكثير من الأدلة التي تركها في الأماكن لتوريطه في عملية اغتيال الرئيس الاوكراني !! الذي كان في زيارة للبلاد. احداث المسلسل، التي لا تختلف عن الطبخة المعتادة من مسلسلات الاكشن الأمريكي، تكشف عن منظمة سرية متطرفة، تتصرف كالدولة العميقة، متغلغلة في أجهزة مخابرات الدولة وتتحكم بولاء الكثير من كبار المسؤولين، تستغل الحرب في أفغانستان للتجارة بالمخدرات، ولتسويق الأسلحة لمناطق الحروب ولديها استثمارات اقتصادية في اوكرانيا، وخططت لاغتيال الرئيس الاوكراني، بالتنسيق مع المخابرات الروسية، بإيعاز مباشر من الرئيس فلاديمير بوتين، ولكن باستخدام ايدي أمريكية!
واذا نظرنا الى فترة عرض المسلسل، حيث تم عرضه بثمان حلقات من الفترة 15 تشرين الثاني 2016 حتى الفترة 17 كانون الثاني 2017 وزمن احداثه، نجدها تجري في الفترة التي أعقبت ضم روسيا لجزيرة القرم ( اذار 2014)، وفي فترة رئاسة الرئيس الاوكراني الحالي  فولوديمير زيلينسكي، مما يقودنا للقول بان المسلسل يعطي حافزا للمؤمنين بنظرية المؤامرة للقول بأن دولة مثل الولايات المتحدة الامريكية، أذ تسعى لشيطنة روسيا وتوريطها في نزاعات وإضعافها، فأنها تحاربها على كل الأصعدة ، وتعبأ بشكل مسبق الرأي العام بمختلف الوسائل، ومن ذلك الاعمال السينمائية والتلفزيونية، فحلقات المسلسل لم تخلو من الإشارات الى مطامع روسيا وتهديدها لأمريكا ودول حلف الناتو، وتظهرها كدولة محبة للحرب ومتآمرة ، تغتال المعارضين  بدم بارد، ولا تتردد في التعاون مع جماعات أمريكية متطرفة، خارجة على القانون، توظفها لاغتيال الرئيس الاوكراني الضيف إرضاءا لمصالح ومخططات خاصة. 
 

4
انتفاضة تشرين والمنطقة الرمادية للمثقف العراقي
 
  الحياد في المنعطفات التاريخية صنف من الخيانة!
يوسف أبو الفوز

في شتاء 2004، ومن بعد سبعة وعشرين عاما، بعد سقوط نظام المجرم الديكتاتور صدام حسين، عدت من المنفى، الذي تعددت محطاته، وزرت مدينتي السماوة، التي ترعرعت فيها ومن عبّر تاريخها النضالي المشرف وسير الشخصيات الوطنية البارزة فيها، من مثقفين وسياسيين، تلقيت أولى دروس الانتماء للوطن. خلال هذه الزيارة طلب مني الرفاق العاملون في منظمة الحزب الشيوعي العراقي في المدينة ان اساهم في تقديم أمسية ثقافية عامة، اتحدث فيها عن أي موضوع أختاره بنفسي، وبعد ان استقصيت عن طبيعة الجمهور الذي سيحضر، أخترت عنوان (دور المثقف العراقي في إعادة إعمار العراق)، وتلخصت فكرة الحديث بأن البنى التحتية للخدمات الأساسية وللتنمية الاقتصادية، التي خربتها سياسات النظام البعثي الديكتاتوري،  فأن الاستثمار برؤوس الاموال الخارجية والداخلية، بعد  توفير الشروط والضوابط المناسبة للاستعانة بها واجتذابها ، سيساهم في استنهاض الاقتصاد الوطني وتطويره وتحديثه، وإعادة اعمارها وفق مخططات الدولة التنموية و... الخ، لكن الانسان العراقي، الذي خربت حروب النظام الداخلية والخارجية روحه، وما سببته سياسات العسف البعثي وسنوات الحصار الاقتصادي من تخريب لعموم البنى التحتية لأخلاقيات المجتمع العراقي، فأني أعلنت لجمهور الحاضرين وبثقة عن اعتقادي بأن المثقف العراقي هو الذي سياستهم بدور متميز في إعادة اعمار الانسان العراقي ليأخذ زمام الموقف ويساهم ببناء وطن عراقي جديد.
ولكن ...!
تكررت زياراتي الى وطني الام، للمساهمة في مختلف الفعاليات الثقافية والسياسية، وزرت البلاد جنوبا وشمالا، وكنت اتابع بألم حجم الخراب الذي حل في وطني وثقل تركة الخراب التي خلفها لنا النظام البعثي المقبور، الذي ازاحته دبابات الاحتلال الأمريكي، ولأكتشف بألم ان المثقف العراقي في واقع الامر، وفي مقدمة كل الأمور، هو أيضا بحاجة لإعادة أعماره أولا!
في العقود الأخيرة، من تأريخ العراق السياسي والثقافي، ظلت وللأسف أعداد ليست قليلة من المثقفين العراقيين، وتحت مبررات عديدة، تدور مواقفها في المنطقة الرمادية، منطقة اللاموقف. ففي زمن العسف البعثي العفلقي، ناهيك عن الذين طبلوا وردحوا للنظام وحروبه وسياساته، فان جمهرة من المثقفين، أرتضت بدور المتفرج بدون موقف واضح مما يجري من جرائم بحق الشعب والوطن، وحالما سقط النظام الصدامي، راح بعضهم، وبدل من الاعتذار من الشعب والتكفير عن دور المتفرج، يجترون تبريرات كونهم (مجرد موظفين في الدولة)، وتبعا لهذا بدا لنا ـ من وجهة نظرهم ـ حتى الديكتاتور المجرم صدام حسين كان مجرد موظف في القصر الجمهوري!
في معرض العراقي الدولي للكتاب في كانون الاول 2021، وفي جلسة حوارية عن ( دور الدولة في دعم الكتاب) وحين جرى الحديث عن دور المثقفين في هذا الجانب أشار السيد (سعد العنزي) مدير معرض الكويت الدولي، والمشارك في الحوار، الى انه لفت انتباهه، ان العديد من المثقفين العراقيين البارزين الذين التقاهم، وحين قدموا له المعلومات للتواصل معهم، لاحظ ان اغلبهم يعملون في مهام مستشارين في الوزارات او رئاسة الوزراء وحتى مكتب رئيس الجمهورية، وطلبت حينها الكلام من داخل القاعة للتعليق، واخبرت الحاضرين، بان هناك إحصائية غير رسمية، تشير الى ان اكثر من مئة وعشرين من المثقفين البارزين، يعملون بصفة مستشار في أروقة مكاتب مختلف الوزراء، وفي لحظتها أعلنت وجهة نظري وبصراحة، واعتبرت هذا الامر  ليس إلا شكل من حالة الفساد التي تعيشها النخب العراقية ومنها الوسط الثقافي العراقي، وعلى اثرها انسحب من القاعة عدة انفار، اعرفهم جيدا ويبدو ان الكلام مسهم تماما.
مع انطلاق انتفاضة تشرين2019، وفي الوقت الذي واجه شباب الانتفاضة، رصاص (الطرف الثالث) بصدورهم العارية، ثائرين من اجل التغيير والخروج من دوامة فساد أحزاب الإسلام السياسي، التي نصبها الاحتلال الأمريكي وريثة للخراب الذي خلفه نظام صدام حسين لتزيده خرابا، راحت هذه الجمهرة من المثقفين، المعنية بهذا الكلام، تواصل وقوفها في المنطقة الرمادية، متناسية ان الحياد في المنعطفات التاريخية يعتبر صنفا من الخيانة، فالواجب التاريخي يفرض ان يكون المثقف الحقيقي صوتا متقدما لأبناء شعبه، يصطف الى جانب الثوار في سعيهم للتغير لأجل عراق مدني ديمقراطي. ففي ظل ما عاناه شعبنا، من قهر واذلال، في سنوات النظام الديكتاتوري البعثي، وسنوات الاحتلال الامريكي، وثم حكومات المحاصصة الطائفية والاثنية، يتناسى وللأسف هذا الصنف من المثقفين، القانع بعضهم بفتات الحاكمين، ان على المثقف الحقيقي ان يحدد خياره بوضوح، فإما الاصطفاف مع الشعب ومطالبه المشروعة بحياة حرة كريمة، وإما الاصطفاف مع الحاكم الظالم المتستر بعباءة الفكر القومي الشوفيني البعثية، او عباءة الدين الطائفي وميلشياته.
ولابد من القول، بكل الم وبصراحة، ان ثمة، اعداد من المثقفين، لا تزال بدون موقف واضح، ليتشكل تيار ثقافة وطنية مقاوم مواز لوقائع الانتفاضة، وان نشاطات المثقفين ممن اصطفوا الى جانب الانتفاضة والمؤمنين بها والمطالبين بالتغيير الشامل، من خلال كتابة نصوص، او إصدار كتب، واعمال فنية من رسم أو موسيقى، تبقى مجرد جهود فردية، بعيدة عن التأثير الجماهيري المطلوب والكافي لخلق وعي متقدم لنشر ثقافة المواطنة والانتماء الى الوطن بعيدا عن الانتماءات الفرعية، الحزبية، والعشائرية، والطائفية والاثنية.
 يكشف الواقع بان الكثير من المثقفين للأسف لا زالوا لم يحسموا موقفهم، بالاصطفاف الى جانب أبناء شعبهم، وتكريس ابداعهم في الكتابة والرسم والموسيقى لأجل تغيير المزاج الشعبي العام، وإذكاء الروح الثورية لدى أبناء الشعب وديمومتها بشكل حضاري، للمساهمة في الانتفاضة السلمية ودعمها لأجل التغيير الشامل وبناء عراق جديد. وأعتقد ان الأوان لم يفت بعد أمام الكثيرين منهم ليراجعوا مواقفهم، فانتفاضة الشعب من أجل التغيير الشامل ممكن ان تجدد نفسها، فأسباب اندلاعها لا تزال قائمة. وتبرز الان، ومن بعد مرور ثلاثة اعوام على انطلاق انتفاضة تشرين، اهمية ان يكون المثقف العراقي، وفيا لتأريخ مفعم بالمواقف الثورية والوطنية لأجيال المثقفين من رواد الثقافة العراقية وصانعي مجدها، الذين اصطفوا الى جانب الشعب في منعطفات مهمة، في وثبة كانون 1948، وثبة تشرين 1956 وثورة تموز 1958 والمثقفين الرافضين لسياسة نظام البعث الصدامي ممن ارتضوا حياة المنفى أو التحقوا بصفوف المقاومة المسلحة في جبال كردستان.
ان الفرصة لا تزال متاحة أمام الكثير من المثقفين لينهوا ترددهم والخروج من المنطقة الرمادية وإعلان موقفهم الصحيح والواضح، فخير الأمور بخواتيمها.
 

5
  مهرجان اللومانتيه وأيام التضامن والأمل
خيمة "طريق الشعب" ... خيمة كل العراقيين

باريس ـ يوسف أبو الفوز                      
 كل عام، في ثاني عطلة أسبوعية من شهر، تحتضن باريس، العاصمة الفرنسية، عاصمة النور والتنوير والادب والسحر والجمال، مهرجان صحيفة اللومانتيه "الانسانية "، جريدة الحزب الشيوعي الفرنسي، وتتحول مساحة واسعة مختارة في ضواحي باريس، إلى مدينة لكل قوى اليسار والديمقراطية في العالم، مدينة للتضامن الاممي والفرح والأمل. ففي كل عام، ومنذ عام 1930، وما عدا سنوات الحرب العالمية الثانية، وسنوات جائحة الكورونا، تقيم صحيفة اللومانتيه، مهرجانها السنوي، ليكون عيدا بهيا لكل التقدميين والاحرار في العالم. وفي شوارع مدينة المهرجان، التي تحمل اسماء مفكرين وقادة ثوريين، مزدانة بالشعارات والأعلام الحمراء والبالونات الملونة، تزدحم "ستاندات"/ خيم الاحزاب الشيوعية واليسارية ومنظمات مجتمع مدني ومؤسسات اعلامية وثقافية من كل مكان في العالم فتضج المدينة بالموسيقى والفرح والأحاديث بكل لغات العالم. وأعلن فابيان جاي، رئيس تحرير اللومانتيه، في تغريدة له على تويتر، انه هذا العام، ولأول مرة، ستكون قوى اليسار الفرنسي كلها حاضرة ومشاركة في المهرجان واستجابت للدعوة الموجهة لها. يذكر ان المهرجان يحمل هذا العام الرقم 87، وحرص مصممو ملصق المهرجان على تضمينه 86 زهرة زاهية تخترق ظلام الخلفية وتسلط الضوء على البعد الاممي للمهرجان وتبرز روح التعددية الثقافية والتنوع الذي يميز المهرجان عن غيره.
ومنذ منتصف سبعينيات القرن الماضي يقوم ستاند / خيمة / "طريق الشعب"، الجريدة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، وبمساهمة نشطة من اغلب منظمات الحزب خارج الوطن، تبذل منظمة الحزب الشيوعي العراقي في فرنسا ورفاقها واصدقاؤها جهودا جبارة في التحضير والاعداد والمتابعة لأيام الخيمة، التي تقدم برامج ثقافية وإعلامية وبعض المأكولات العراقية للجمهور الزائر للمهرجان، ويمكن القول ان خيمة "طريق الشعب"، تعد واحدة من ابرز الخيم في المهرجان، ليس من ناحية التنظيم ونوع البرامج المتنوعة، ولكن لكونها نجحت لتكون خيمة لكل العراقيين، من شيوعيين وديمقراطيين، يعملون وينشطون لأجل مستقبل واعد لوطنهم وشعبهم، ويعرفون بقضية شعبهم ونضالاته لأجل مستقبل مشرق، ويعرفون بالثقافة العراقية.   حملت الخيمة هذا العام اسم الفنان العراقي "صلاح جياد"، الذي كان من أبرز مؤسسيها والعاملين فيها. يلفت انتباه الزائر للخيمة، ليس فقط والموسيقى والاغاني العراقية العذبة، وروائح الكباب العراقي والفلافل، او الشاي العابق بالهيل، بل أيضا حسن التنظيم والروح الجماعية في العمل التي تسود جميع الشيوعيين والاصدقاء المتطوعين للعمل والذين وصلوا من مختلف المدن الاوربية. يذكر ان مشاركة "طريق الشعب"  في المهرجان بدأت منذ عام 1974  وكانت في البداية مساهمة متواضعة جدا، طاولة صغيرة، ورفاق عدة مثابرون، امثال صلاح جياد، احمد العياش و فيصل لعيبي واخرين، تبلغ الان مساحة الخيمة اكثر من مئة متر مربع، وبعض السنوات كانت مئة وخمسين، تشيد عادة من الخشب والنايلون كغرفة كبيرة عالية السقف، وان اغلب المساهمين يأتون متطوعين للعمل، اذ يصل رفاق واصدقاء من مختلف منظمات الحزب خارج الوطن، يتحملون بأنفسهم نفقات سفرهم واقامتهم، وتسودهم روح التفاني والرفقة والصداقة في العمل من اجل تقديم صورة طيبة عن نضالات حزبهم وشعبهم. والمراقب لعمل الخيمة عن كثب، لا يسمع احدا يصدر الاوامر، فروح المبادرة هي السائدة، فحين يكون بائع الكباب بحاجة الى المزيد من السلاطة، يجدها ان أكثر من شخص لاحظ ذلك قبل ان يطلبه، ويوفرون له حاجته، وحين يصل زائر، مهمة الجميع الترحيب به وتقديم الاجوبة أو توجيهه الى الشخص المناسب.  يخبرنا العديد من المشاركين، وفيهم مواظبون على المشاركة كل عام، بان السر يكمن في روح المحبة السائدة واجواء الفرح والتضامن. يذكر العديد من المشاركين بأن أيام المهرجان لا تعيد إليهم فقط روح الكومونة والفكر الثوري، بل تمنحهم إحساسا باستمرار الحياة والايمان بان القادم لابد ان يكون الافضل، وان المستقبل للشعوب المغلوبة.
والمعروف ان الحزب الشيوعي العراقي يشكل عادة، وبوقت مبكر، لجنة تحضيرية لإدارة الخيمة، تضم في قوامها رفاق من منظمة الحزب في فرنسا، الى جانب ممثلين عن اغلب منظمات الحزب خارج الوطن ومنظمات مثل رابطة المرأة، لترسم برنامج الخيمة الثقافي والسياسي وتتابع التحضيرات والاحتياجات. ومن المهام التي تقوم بها اللجنة التحضيرية، البحث عن فنادق مناسبة السعر، تكون قريبة من موقع المهرجان، ويتم توزيع العناوين بشكل مبكر للمنظمات ليقوم الراغبين بالمشاركة بالحجز.
وخلال أيام المهرجان، هذا العام، اصدر الحزب الشيوعي العراقي، بيانا خاصا، ترجم الى الإنكليزية والفرنسية، ووزع بشكل واسع، استعرض فيه بشكل مكثف أحوال العراق السياسية المتدهورة، واوضح (اننا في الحزب الشيوعي العراقي وفي خيمة جريدته المركزية "طريق الشعب" نتطلع الى تضامن جميع المساهمين في مهرجان اللومانتيه وزواره، مع شعبنا العراقي في نضاله ضد منظومة المحاصصة والفساد والسلاح المنفلت، المتحكمة بالبلاد) وأكد البيان ( ان حزبنا يواصل النضال مع بقية شعوب العالم وقواها الحية والفاعلة ضد الامبريالية والنيوليبرالية والفاشية والعسكرة والحروب، ومن أجل السلام ونزع السلاح، وضد الاستغلال الرأسمالي، وفي سبيل التقدم الاجتماعي. فحزبنا جزء لا يتجزأ من الحركة العالمية المتطلعة الى غد أفضل لشعوب العالم، والعاملة من اجل ذلك)
 وكان برنامج الخيمة هذا العام متنوعا، وحوى فقرات سياسية وثقافية عديدة، وتم نقل اغلب فقراته عبر منصة فيس بوك مباشرة، حيث تابعها جمهور واسع في كل مكان. وفي مساء الخميس 8 أيلول عشية المهرجان، اعلن افتتاح نشاط وبرنامج الخيمة، بمحاضرة سياسية للرفيق فاروق فياض ، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي، القادم من بغداد خصيصا للمشاركة في المهرجان، واستعرض فيها بشكل واف اخر مستجدات الوضع السياسي في الوطن، وحالة الاستعصاء السياسي والتناحر بين الجماعات السياسية المتنفذة، وأكد على مطالب الحزب وجماهير واسعة من العراقيين، التي تريد حل البرلمان واجراء انتخابات مبكرة وفق شروط انتخابية جديدة  تمكن الشعب من اختيار ممثليه الحقيقين، وقدمت في ختام الندوة مداخلات واسئلة عديدة اغنت الحوار .
اليوم الأول
وفي أول أيام المهرجان الجمعة 9 أيلول، ووفاءً للفنان صلاح جياد، الذي كان من أبرز العاملين في خيمة طريق الشعب، جرت جلسة استذكارية له تحدث فيها الفنان غسان فيضي، أشاد فيها بشخصية الفقيد وخصاله الإنسانية، وتحدث عن ابداعاته الفنية وتميزه بين اقرانه وزملائه، يذكر ان الفنان فيصل لعيبي كان من المقرر الانضمام للجلسة، الا ان ظروفا صحية اعاقته من الحضور. وفي نفس اليوم استضافت الخيمة الرفيق كاوة محمود، سكرتير الحزب الشيوعي الكردستاني، وقدمه الإعلامي رشاد الشلاه، واستعرض الأوضاع السياسية في العراق واقليم كردستان، وشهدت الجلسة مداخلات واسئلة أعطت للجلسة المزيد من الحيوية. وفي مساء نفس اليوم شاركت فرقة بابل للموسيقى والغناء، والقادمة من الدانمارك، بقيادة الفنان سعد الاعظمي ومشاركة عازف الكمان كوران إبراهيم، وتضم مجموعة من محبي الفن الذين شدوا بأعذب الأغاني العراقية، العربية والكردية، واشاعوا البهجة بين زوار وجمهور القاعة وسط اعجاب الجميع.
اليوم الثاني
في يوم السبت 10 أيلول، التقى جمهور الخيمة مع الرفيقة سهاد الخطيب، عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، والقادمة من مدينة النجف، للاشتراك في فعاليات المهرجان، وقدمها الاعلامي طه رشيد،  وتحدثت عن دور المرأة في انتفاضة تشرين وأشارت لمساهمة نساء النجف في احداث الانتفاضة. بعدها قدمت الناشطة الرابطية الدكتورة شذى بيسراني مداخلة وافية عن مشاركة رابطة المرأة العراقية في مؤتمر اتحاد النساء الديمقراطي العالمي الذي عقد في فنزويلا ربيع هذا العام. وفي اطار سعي خيمة طريق الشعب للتعريف بنشاط الفنانين ودعم مسيرتهم، قدم الإعلامي محمد الكحط الفنان التشكيلي زياد جسام، الذي عرف بتحويله مواد مهملة الى اعمال فنية  ، بقيمة جمالية .
واعتلى لاحقا خشبة المسرح في الخيمة الفنان الخطاط محمد صالح، ليعرض وينجز اعمال ولوحات من الخط العربي، وصاحبه بالعزف على العود الفنان احمد ناجي ، يذكر ان اللوحات التي أنجزت كان ريعها لصالح بناء المقر الجديد للحزب الشيوعي العراقي . ومثل كل عام، انطلقت، وبتنظيم من رابطة المرأة العراقية، المسيرة النسائية، حيث جابت الرابطيات، ارض المهرجان، بتظاهرة، ارتدين فيها مختلف الأزياء العراقية، ومع ترديد الشعارات والاهازيج بالعربية واللغات الأجنبية ، مكررات الشعارات التي تطالب بالدولة المدنية وضمان الحرية والحياة الكريمة لابناء الشعب . وكان لجمهور الخيمة موعدا، مع باقة من الأغاني العراقية، التي قدمتها الفنانتان، الدكتورة سفانة الحلوائي والدكتورة شروق الحلوائي، يذكر ان بعض الأغاني من الحان الفنانتين.
اليوم الثالث
مثل كل يوم، شهدت الخيمة زيارات من أحزاب شيوعية ومنظمات، وهذا اليوم زار الخيمة المناضل السواني المخضرم، صديق يوسف، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني ، وحضر ندوة عن الحياة الثقافية لحركة الكفاح المسلح لانصار الحزب الشيوعي العراقي، قدمها النصير الكاتب يوسف أبو الفوز، الذي قدمه الإعلامي داوود امين، في الندوة تمت الإشارة الى ان الشيوعيين، في سنوات كفاحهم المسلح لم يكونوا فقط حاملي سلاح، بل وكانت لهم حياتهم الثقافية النابضة، والمليئة بمختلف الفعاليات، المسرحية والموسيقية والأدبية.
فريق الاعلام والعلاقات
يذكر ان "طريق الشعب"، عادة، كل عام تنتدب فريق عمل من الصحفيين، الذين يحضرون كمتطوعين، لتغطية المهرجان وأيضا المشاركة بالزيارات التي يقوم بها رفاق من قيادة الحزب لخيم الاحزاب الشيوعية ومختلف المنظمات.
هذا العام، كان فريق "طريق الشعب" مكون، من الإعلاميين، رشاد الشلاه، داوود امين، طه رشيد، محمد الكحط ويوسف أبو الفوز. علما انه كممثلين لقيادة الحزب الشيوعي شارك الرفاق فاروق فياض، عضو المكتب السياسي ، الرفيقة سهاد الخطيب، عضو اللجنة المركزية، والرفيق سلم علي عضو، اللجنة المركزية وسكرتير العلاقات الخارجية، وقام فريق الاعلام والعلاقات بالعديد من الزيارات وحضروا العديد من الندوات التي شاركوا في تقديم مداخلات ضافية فيها، ففي خيمة حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي المغربي، أقيمت ندوة عن الأحوال السياسية في الوطن العربي والقضية الفلسطينية، قدم فيها الرفيق فاروق فياض مداخلة وافية، عن مواقف الحزب الشيوعي من جملة الأوضاع السياسية، وأجاب عن العديد من أسئلة الجمهور حول أوضاع العراق ، كما ان جريدة اللومانتيه الفرنسية، والميدان ، جريدة الحزب الشيوعي السوادني اجريتا لقاءات مطولة مع الرفيق فاروق فياض.
غد الأممية
لا تنتهي البهجة مع اختتام أيام المهرجان، بل تبدا مرحلة من التأمل والحلم، تدفع للعمل المثابر لأجل الأفضل. يزرع المهرجان في روح المشاركين حماسا وثقة اكثر بالمستقبل القادم، من هذا نرى ان من يزور المهرجان لأول مرة، يحرص على تكرار زيارته والمشاركة فيه، فالشعور بالانتماء لقضية سامية، توحد البشر تدفع الجميع للتسامي مع كلمات نشيد الأممية الذي يصدح في أجواء المهرجان، مبشرا بالقادم الاجمل .

6
هل ستخطف (فتيات)  ألي هاباسالو الفنلندية الأوسكار هذه المرة؟

هلسنكي ـ يوسف أبو الفوز
 اختارت فنلندا، مؤخرا، الفيلم الروائي (صورة فتاة ــGirl Picture) ـ بالفنلندية اسم الفيلم (فتيات.. فتيات.. فتيات) ــ ليمثلها في سباق الاوسكار95، الذي ستعلن نتائجه اذار العام المقبل، وفي فئة الأفلام الناطقة بلغة أجنبية. ويتم الاختيار عادة من قبل لجنة تحكيم من محترفين في العمل السينمائي، ومن اختصاصات مختلفة، يتم تشكيلها من قبل غرفة السينما الفنلندية الحكومية، التي وصفت الفيلم بانه (فيلم قوي يثير المشاعر كثيرا وانه مصنوع بحرفية عالية المستوى). علما أن الصحافة الفنلندية، سبق واحتفت بالفيلم، واعتبرته (صنع التأريخ)، فهو أول فيلم فنلندي روائي طويل، يصل الى المسابقة في مهرجان صندانس السينمائي الأمريكي المستقل، وقطف جائزة الجمهور في المهرجان، وتم عرضه في الصالات الفنلندية أواسط نيسان هذا العام.
تم إنتاج الفيلم بميزانية من مليون ونصف دولار، وتعتبر منخفضة، مقارنة بالظروف المحيطة بعمل الفيلم والحاجة للتصوير في العديد من المواقع، وجرت عمليات تصوير الفيلم، في 25 يوما، خلال فترة جائحة الكورونا في خريف 2021، وشكا مصور الفيلم (يارمو كيرو) في لقاء صحفي من التحديات التي واجهت عمليات التصوير في الأماكن العامة وسط ظروف جائحة الكورونا.
كتب السيناريو للفيلم، إيلونا أهتي ودانييلا هاكولينن، ومهما قيل بانه يلامس فكرة الفيلم الامريكي (متجر الكتب) اخراج الامريكية اوليفيا وايلد 2019، أو يعيد للاذهان المسلسل الأمريكي (النشوة)، الذي يتناول عالم المراهقة، وعرض منه موسمان عام 2019، فان الفيلم سعى لتقديم حكاية فنلندية، لكنها محبوبة، وصفت بأنها قصة عن الصداقة وهموم المراهقات، في سعيهن لفهم مشاعرهن حول الحب والجنس، وخيارات الفرد في كشف ذاته في مسار عقبات الحياة، اثناء التنقل في الفضاء الفاصل بين الطفولة والبلوغ.
مخرجة الفيلم هي الفنلندية، وحاملة الجنسية الامريكية، ألي هاباسالو، وهي مخرجة وكاتبة سيناريو، من مواليد 1977. كانت مهتمة في بداياتها بالصحافة والأفلام الوثائقية. نالت عام 2003 شهادة البكالوريوس من قسم التصوير السينمائي وتصميم الإنتاج (السينوغرافيا) من جامعة آلتو في هلسنكي، ثم نالت عام 2009 شهادة الماجستير في دراسة السينما من كلية تيش للفنون بجامعة نيويورك في عام 2009، وكان من أساتذتها الفنانين لي غرانت وسبايك لي. برزت من خلال أفلام اطروحاتها للتخرج، أولا الفيلم الكوميدي القصير (إيلونا)2003، ثم الفيلم الطويل 60 دقيقة (على ثلج رقيق) 2009الذي عرض في مهرجانات دولية في أوربا وأمريكا. عام 2015 تمت دعوتها للعودة الى فنلندا، فكتبت واخرجت فيلم (ميزة الحب والغضب) 2016. تعاونت مع ستة مخرجين وكتاب فنلنديين آخرين في فيلم مختارات بعنوان (قوة العادة) لعام 2019، الذي حصل على جائزة أفضل فيلم في المسابقة الدولية في مهرجان ديربان السينمائي الدولي 2020 في جنوب إفريقيا وجائزة بلدان الشمال للأفلام في حفل توزيع جوائز يوسي الفنلندية 2020، وهي جائرة فنلندية تعادل الاوسكار. كما أخرجت الموسم الثاني من المسلسل التلفزيوني (خطوط الظل) عام 2021 وهوعن الحرب الباردة وصراع مخابرات الغرب والشرق على الأراضي الفنلندية في فترة الخمسينات من القرن الماضي، كما الفت كتابا عن حياتها لعشر سنوات في أمريكا، ولاقى رواجا كبيرا وصدر بعدة طبعات عن كبار دور النشر الامريكية.
 فيلم (بنات ... بنات ... بنات) يتحدث عن ثلاث فتيات: ميمي، إيما ورونكو، على اعتاب سن الانوثة ومغادرة المراهقة، يحاولن رسم عالمهن الخاص. في سن تكون العواطف متفجرة واللحظات مليئة بالطاقة، وكل يوم هو فرصة جديدة.  في ثلاثة أيام جمعة متتالية وسبت، تحاول ثلاث مراهقات تحدي ظلام الشتاء المستمر في فنلندا، يتنقلن بين الأحلام والواقع والصداقة والعلاقات، ويحاولن فهم الفوضى من حولهن. يختبر اثنان منهما تأثيرات الوقوع في الحب، بينما تذهب الثالثة في سعي للعثور على شيء لم تختبره من قبل: اسرار المتعة.
لعبت الأدوار الرئيسة ثلاث فنانات شابات فنلنديات،لأول مرة يلعبن دور رئيس في فيلم طويل. لعبت الفنانة الشابة (آمو ميلونوف)، دور الشابة (ميمي) التي تعاني من التواصل مع أمها، تكون متهورة ومتقلبة، بل وتظهر لنا فظة في تعاملها مع زميلة لها في الصالة الرياضية، فنشعر كم تعاني من الوحدة، وكم بحاجة لصديقتها (رونكو) التي لعبت دورها الممثلة الشابة (إليونورا كوهانين)، ويوازن ذكائها والروح الساخرة التي تملكها المزاج السيء لصاحبتها، سواء في المدرسة او في محل بيع العصائر في المركز التجاري حيث يعملن معا، فهما لا ينفصلان تقريبا ويتكاشفان حول إحباطاتهم الجنسية وتطلعاتهم الرومانسية. وحينما تراجع ميمي نفسها لتهدأ يتصاعد حماس رونكو في انجذابها للفتيان في سعي لتجاوز صعوبة بلوغ النشوة الجنسية، (هناك شيء خاطيء معي) قالت لصديقتها ميمي، التي تهدأ من روعها وتأكد لها ان الامر يحتاج الشخص المناسب. ويبدو ان هذا الشخص، بالنسبة لميمي جاء سريعا، واحد من الزبائن لمحل العصائر، وحصل التواصل مع (إيما)، لعبت دورها ببراعة (لينا لينو)، وهي طالبة راقصة على الجليد تسعى لمسابقات تنافسية وتعاني من الفشل في تحقيق قفزة ناجحة، ومكبوتة بسبب نظام تدريب صارم، فيتشاركن بليلة عاطفية ساخنة تتطور إلى قصة حب سريعة لكنها غاضبة. ويبدو ان إيما استغرقت وقتا طويلا في التزلج فأستهلك الكثير من طاقتها، ومع صرامة المدربة، فأنها تخلت عن بعض متع المراهقة، فبدت ميمي، كشيء عفوي، بل الهاء عن الحياة الجادة.
 كان أداء فريق الممثلاث الثلاث متناسقا، وبدن وكأنهن يقودن الكاميرا وليس بالعكس، لكن سيطرة المخرجة بدت واضحة لإدارة القصة، ساعد على انها قدمتها كيوميات، ثلاث جمع وسبت، فسهل تقسيم المساحة للشخصيات وإدارة الحبكة بتوازن، لكن الممثلة ميلونوف في دور ميمي كانت متميزة في أدائها، بل يمكن القول ان هذا فيلمها، ولا ننس ان كفاءة الممثلة لينا لينو كراقصة ساعد ان مشاهد الرقص على الجليد، مع الإضاءة النابضة والموسيقى لتكون صورة مختزلة عن العاطفة، ساعدها التصوير الانيق في ابراز قدراتها. 
ورغم ان الفيلم يتناول موضوعا حساسا ومغريا للكاميرا، الا وهو الجنس، فان فريق العمل في الفيلم، لم يقعوا في مطب السينما الهوليودية بتقديم مشاهد مفرطة بالجنس، فما عدا القبل تجنب الفيلم أي مشاهد عري تقليدية، ورغم ان الفيلم حوى ثلاث مشاهد في السرير، لكن الكاميرا تابعت انفعالات الوجوه، بل ان مشهدان منهما كانا ساخرين اثارا ضحك الجمهور المتابع في الصالة، وهم يتابعون ارتباك وهفوات رونكو وقلة خبرتها الجنسية. كان الفيلم منشغلا برصد انفعالات المراهقات وهن يستكشفن، يتعلمن، ينمون، يناقشن ويعبرن عن عواطفهن. كانت الشخصيات مرتبطة مع بعضها بشكل متوازن يخدم الحبكة، وبدا أداء الممثلات مقنعا ومؤثرا حين تكون الشخصيات مرتبكات او مخطئات. كتبت الناقدة (ناتاليا وينكلمان) في مجلة السينما الامريكية المستقلة IndieWire بأن (موضوع الفيلم يتعلق بأستماع الفتيات لقلوبهن وأجسادهن). يبقى القول بأن الأفلام عن عالم المراهقين صعبة، لأنها تكون معمولة أساسا من قبل الكبار وتحمل وجهات نظرهم، وهذا الفيلم حاول ان يكون دراسة عن جوانب من حب الشباب والصداقة الانثوية عبر المشاعر المعقدة لحياة المراهقين حين يدركون انهم يكبرون، فجاء عملا لافتا ومنصفا.   

7
لقاء مع القائد الشيوعي المخضرم صديق يوسف، عضو اللجنة المركزية والمكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني:
يناضل شعبنا السوداني لأجل الدولة المدنية الديمقراطية، وأختار الحرية والسلام والعدالة شعارا لثورته المستمرة


باريس ــ يوسف أبو الفوز                      

دخل خيمة "طريق الشعب" في مهرجان اللومانتيه في باريس، مهيبا، أنيقا، يرتدي جلابية من القطن، الزي المعروف للرجال في السودان، وبدا لي كأنه خارج من صفحات رواية "دومة ود حامد" للكاتب الطيب صالح. سبقته شهرته الينا من اليوم الأول لحضورنا المهرجان، فتسابق الرفاق لتحيته والتصوير معه. كان متواضعا بمهابة وهادئا في حديثه بالكاد تسمعه. رغم اعوامه الواحد والتسعين،التي قضى 74 عاما منها، في صفوف الحزب الشيوعي السوداني، كان يسير منتصب القامة، بخطى ثابتة ويتحدث بترو ووضوح. ارتجفت اصابعي، حين شد عليها بقوة الكف التي تخيلت كم صافحت من اياد مناضلين في الحزب الشيوعي السوداني، عمل الى جانبهم، منهم شهداء، لهم عبق الاساطير، مثل جوزيف قرنق،عبد الخالق محجوب، هشام العطا، الشفيع أحمد الشيخ،  محمد إبراهيم نقد، فاطمة أحمد إبراهيم واخرين.
بعد تأسيس الحزب الشيوعي السوداني في العام 1946، انتمى اليه بعمر يافع، بعد تأسيسه بسنتين، فيعتبر الان من المؤسسين، وعمل في صفوفه بدون انقطاع، وواجه كل عنت وعسف الحكومات المتعاقبة من ملاحقات وإعتقال ، آخرها كانون الأول/ ديسمبر 2018 واستمر حتي آذار/ مارس .  2019
 عن اخر التطورات في أوضاع السودان، الذي شهد حركة احتجاجات عارمة، شارك فيها الحزب الشيوعي السوداني بنشاط، اندلعت يوم 19 ديسمبر/كانون الأول من عام 2018 في اغلب المدن السودانيّة بسببِ ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة وتدهور حال البلد على كلّ المستويات، والفساد في أجهزة الدولة واستمرار الحرب في العديد من الأقاليم. وإذ شهدت الاحتجاجات ردا عنيفا من جانب حكومة عمر البشير، استخدم فيها الرصاص الحي، فإنها ازدادت اوارا رافعة شعار (تسقط بس)، ولم تتوقف رغم سقوط عشرات الشهداء والجرحى ، وإدت الى تدخل الجيش في 11 أبريل / نيسان 2019، ليعلن خلع الرئيس البشير عن السلطة وبدء مرحلة انتقالية لمدة عامين تنتهي بإقامة انتخابات لنقل السلطة، وتشكل مجلس سيادة مختلط بين المدنيين والعسكر، لكن سرعان ما نفذ العسكر انقلابا في  25 أكتوبر/ تشرين الثاني العام الماضي، لإجهاض الثورة، فواجه احتجاجات من أبناء الشعب ولا تزال مستمرة، فكان لنا كان لنا حديثا مستفيضا مع الرفيق صديق يوسف ، عضو اللجنة المركزية والمكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني، هنا اهم ما ورد فيه :
الرفيق المناضل القدير صديق يوسف، نكرر التحية باسم هيئة تحرير (طريق الشعب)، وباسم كل الشيوعيين العراقيين، الذين ينظرون باعتزاز لنضالات الحزب الشيوعي السوداني وما قدمه من تضحيات وشهداء لأجل تحقيق أهدافه في بناء مجتمع مدني ديمقراطي وتحقيق العدالة الاجتماعية والسلام لجميع أبناء الشعب السوداني الموحد. لنبدأ حديثنا من الأوضاع الأخيرة في السودان، انقلاب العسكر وما تبعه؟ 
ــ في البدء اكرر الشكر للرفاق في الحزب الشيوعي العراقي، في كل مكان، وعبر (طريق الشعب) اوجه تحيات التضامن والاعتزاز لنضالاتهم التي نتابعها باستمرار، ونستلهم منها الدروس، ونحي فيهم جهادتيهم العالية واستمرارهم على طريق النضال بدون تخاذل رغم كل الصعوبات والمعوقات والتضحيات.
اما عن السودان، فما حدث في 25 أكتوبر/ تشرين الثاني العام الماضي، كان انقلابا عسكريا، موجها ضد ثورة ديسمبر/كانون الأول من عام 2018 المجيدة، بقيادة عبد الفتاح عبد الرحمن البرهان، الذي كان رئيس لمجلس السيادة، الذي يجمع بين المدنيين والعسكريين، اذ حل الانقلاب مجلس السيادة والوزراء، أعلن حالة الطوارئ وعلق العمل بمواد الوثيقة الدستورية، التي وقعت بين المجلس العسكري الانتقالي وتحالف قوى اعلان الحرية والتغيير الذي يمثل أحزاب المعارضة السودانية التي ساهمت في الاحتجاجات التي أطاحت بحكم عمر البشير. فحصلت حركة احتجاجية ضد الانقلاب، حالما تسرب خبر الانقلاب، اشتركت فيها كل جماهير شعبنا، في كل مدن السودان، كانت حركة جماهيرية تلقائية لمعارضة الانقلاب العسكري والجهات القائمة عليه.  كما هو متوقع واجه الانقلابيون الجماهير بالقمع والرمي بالرصاص واختطاف وتغييب المناضلين، ولاتزال الاحتجاجات مستمرة، وسقط أكثر من 117 شهيد في التظاهرات والاعتقالات لعشرات الالاف من الشباب الذين يتعرضون لصنوف مختلفة من التعذيب، بعد ان يتم تسليبهم من ممتلكاتهم، نقود او هواتف وغيرها. وأصبحت ظاهرة التسليب من قبل قوات الامن أسلوبا معتمدا لمضايقة أي مجموعة شباب، حتى لو يكونوا مشتركين في تظاهرة.
 بعد الانقلاب، تابع العالم عودة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك لموقعه ثانية وثم استقالته من جديد، كيف يقرأ الشيوعي السوداني هذه الملابسات؟
ــ ادانت بعض الدول الافريقية والاوربية الانقلاب العسكري، الاتحاد الافريقي، الهيئة الحكومية للتنمية (أيغاد) وطالبت بأطلاق سراح عبد الله حمدوك رئيس الوزراء، والعودة للحكم المدني. تم إطلاق سراح رئيس الوزراء، لكنه استقال بعد اقل من شهر. لم تكن استقالته صادمة لنا، لكنه حين عاد ووقع اتفاق شرعن فيه الانقلاب، صدم كثير ممن وجدوا فيه خيرا لقيادة المرحلة الانتقالية. وحين فشل في الحد من تدخلات المجلس العسكري في سلطاته التنفيذية التي تخولها له الوثيقة الدستورية، وجد ان الاستقالة أكرم له. بعد الانقلاب شكلت لجنة ثلاثية من الأمم المتحدة، الاتحاد الافريقي منظمة ايغاد، وتمت دعوة مع كل القوى السياسية، وقدمت لنا، للحزب الشيوعي السوداني الدعوة أيضا وحضرنا ثلاث رفاق، كنت من ضمنهم. وجدنا ان هناك تواطء بين قوى الانقلاب وهذه اللجان. فكان مطالبنا واضحة: كيف تكون رئاسة الدولة، كيف ننتخب رئيس الوزراء، البرنامج الاقتصادي واجراء الانتخابات؟ قلنا اننا لا يمكن ان نجلس مع الانقلابيين، وعند وقت الاجتماع كان عدد الشهداء أكثر من 70 شهيدا، واعتبرنا النظام مسؤول عن قتل الشهداء، وان قادة الانقلاب مجرمون ولا يعقل ان نجلس معهم، بل يجب ان يعاقبوا وان المسائلة والمحاكمة شرط أساس. حضرت بعض القوى السياسية من قوى الحرية والتغيير هذه اللقاءات. وكان هناك موقفين متعارضين: موقف يوافق على التفاوض مع العساكر قادة الانقلاب، ومقف الرفض، موقف الحزب الشيوعي السوداني الذي يلخص باللاءات الثلاثة: لا للتفاوض، لا للشراكة ولا شرعية للانقلاب.  ان شعبنا يواصل نضالاته، ويثبت كل يوم رفضه التام للأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية، وعشقه للحرية والديمقراطية والعدالة، وقد قرر إقامة سلطة الدولة المدنية الديمقراطية ولا يرضى بديلًا لها، كما اختار الحرية والسلام والعدالة ورفعهم شعار لثورته المستمرة.
هل تجدون ان قوى الانقلاب متجانسة؟ أم هناك صراعات فيما بينها؟ كيف يستثمر الحزب الشيوعي السوداني والحركة الوطنية من الخلافات ان وجدت؟
ــ أن قوى الانقلاب العسكري، لها قيادتان، قوى الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوى المليشيات، او ما يسمى بالتدخل السريع، بقيادة محمد حمدان دقلو، والمعروف باسم حميدتي، وصدر في أيام حكم البشير قرار بدمج المليشيات مع قوى الجيش. كانت المليشيات عبارة عن جماعات للنهب، وهي قوى بدون تدريب عسكري، اغلبهم من القرويين والرعاة، أعطاها النظام السابق صفة الشرعية، لأسباب تخص تدعيم سلطته، ومن الأيام الأولى كانت هناك مقاومة معلنة وغير معلنة، من قبل الضباط النظاميين في الجيش السوداني لهذه الإجراءات. أيضا ان هذه المليشيات هي القوى المتورطة بعمليات تهريب الذهب السوداني، وهناك العديد من التقارير الصحفية التي سلطت الضوء على تهريب أكثر من مئة طن من الذهب السوداني الى روسيا، الذي خلق علاقة ما بين هذا النظام وروسيا، وحين بدأ غزو أوكرانيا صرح زعيم المليشيات انه سيعطي روسيا قواعد عسكرية عند البحر الأحمر مما اثار غضب السعودية ومصر وطبعا الامريكان، وبهذا أدخلونا قسرا الى الصراع العالمي الذي سيؤثر كثيرا على مصالح شعبنا السوداني. نحن كحزب شيوعي سوداني لنا مقف مستقل من الحرب في اوكرانيا ولا نصطف سوى الى جانب شعبنا، فلو قامت هذه القواعد العسكرية سيكون بلدنا جزء من الحرب القائمة، مثلما تم توريط السودان بأرسال وحدات من هذه المليشيات الى اليمن حيث حاربت الى جانب القوات السعودية هناك. ان الصراع بين مراكز القوى في الانقلاب مستمر، نحن نتابع ذلك، نتواصل مع أبناء شعبنا من الضباط المخلصين، نواصل التحشيد لأجل برنامجنا السياسي المعلن.
كيف كانت رؤية الشيوعي السوداني للخروج من الازمة وملابساتها؟
اعد الحزب الشيوعي السوداني وثيقة سياسية، ودعونا كل القوى السياسية، وقوى التغيير الجذري، لمراجعة التجربة السياسية منذ الاستقلال في 1956، فتجربتنا السياسية كانت مليئة بالانقلابات العسكرية وسيطرة القوى اليمينية التي دعمت العسكر لإدارة مقاليد الحكم. نحن في الشيوعي السوداني وجدنا ضرورة وجود اتفاق حول برنامج حقيقي للانتقال الديمقراطي والإصلاح الاقتصادي والعلاقات الخارجية السليمة. رفضنا اي تدخل عسكري في المنطقة والسودان.  رفضنا أي مشاركة في أي اتفاقات وتحالفات عسكرية تهدد استقلال بلدنا، وبنفس الوقت طالبنا ببناء علاقات متكافئة في مصلحة شعبنا السوداني. طالبنا بنظام برلماني يبدا من القرية، صعودا للعاصمة. طالبنا بالسلام، ونرى ان السلام لا يمكن ان يكون باتفاقات بين العساكر من حاملي السلاح، لابد من معالجة الأسباب التي أدت الى حمل السلاح، لابد من برنامج تنمية يعالج الدمار، يعالج الهجرة والنزوح، فمن دافور وحدها هاجر أكثر من أربعة ملايين، الى خارج السودان او يعيشون في المدن التي تشكل الاحزمة، لابد من معالجة الاثار التي تواجه الجنود المسرحين، لابد من حل جميع المليشيات ويكون السلاح بيد الدولة، وتكوين جيش وطني موحد، وثم السعي نحو انتخابات ديمقراطية نزيهة.
في خضم هذا المسعى، وسعي   الشيوعي السوداني لتحقيق أهدافه البرنامجية في التغيير، ماذا عن القوى السياسية السودانية التي يجدها الحزب قريبة منه، ويعتبرها حليفته في النضال؟
نحن في الحزب الشيوعي السوداني، نعتبر ان قوى الحرية والتغيير كانت قوى حاضنة سياسية للنظام من بعد الثورة، لكنها الى حد الان لديها تطلعات للحل عن طريق التفاوض مع قادة الانقلاب، ونحن نرفض هذا. نحن، كحزب شيوعي سوداني، نطالب بأسقاط النظام العسكري عن طريق الأضراب السياسي، وان القوى التي تؤمن بهذا الطريق، هي القوى الجوهرية والاقرب لنا، وهي قوى الشعب، من عمال وكادحين وطلاب وشباب ونساء، وأيضا النقابات، خصوصا ان حركات الاضرابات لا تزال مستمرة.
وكيف يمكن ان تحدثنا عن علاقة حزبكم مع الحركة النقابية؟
ان علاقة الحزب الشيوعي السوداني بالنقابات علاقة تاريخية، وهذه لن يفهمها قادة الانقلاب الذي منع العمل النقابي. اننا حاليا موجودين في كل تجمعات للعاملين. فبمشاركة من الشيوعيين، ولأول مرة حصل ان أعلنت إعادة تأسيس نقابة للصحفيين، برغم من عدم وجود قانون. الحركة النقابية في السودان عريقة، لها تاريخ مجيد في مواجهة مختلف الحكومات، وكان الشيوعيين من أبرز قادتها، فاتحاد العام لنقابات العمال كان يقوده الشهيد الشفيع أحمد الشيخ المعروف عالميا. هذا الاتحاد قام بدون وجود قرارات تجيزه. فمن بعد ثورة 1964، لم يعد العمال ينتظرون قرارا من أحد، ان مواثيق مكتب العمل الدولي تقول ان العمل النقابي لا يشترط قرارا من الحكومات، ان السلطة والشرعية لتجمع العاملين. ونعتقد ان نقابات العاملين هي واحدة من الحلفاء الأساسيين، ايضا لجان المقاومة، المشكلة من قبل الشباب من مختلف الاتجاهات السياسية، ولدينا علاقات تنسيق جيدة معها، حتى بين صفوف قوى الجيش والشرطة، كذلك المنظمات الشبابية، النسوية، المهندسين والمحامين وغيرها
تابعنا بأعجاب مساهمات المرأة السودانية، في احداث الثورة وفي مواجهة الانقلاب، هل يمكن ان نتحدث عن الدور المتميز للمرأة السودانية؟
نعم، انه فعلا دورا متميزا، وطالما حيا وساند حزبنا دور المرأة في النضال لأجل حقوقها وحقوق أبناء شعبها. لقد قمعت مختلف الأنظمة نضالات المرأة، ومنذ 2018 حاولت السلطات تغييب وقمع دور المرأة في تطور الاحداث، لكنهم فشلوا. ففي التظاهرات والاعتصامات واثناء قمعها في احداث ديسمبر، بمختلف الطرق من قبل القوى الأمنية، يحصل ان بعض الشباب يتراجعون لكن النساء لا يتراجعن، فثباتهن يدفع الشباب ويحرضهم للعودة. كان دور المرأة في الثورة ومعارضة الانقلاب دورا كبيرا ومواقف جريئة ومشرفة.
في العقود الأخيرة، نرى انتظاما في انعقاد مؤتمرات الحزب الشيوعي السوادني العامة، وتنشر صحيفة الحزب المركزية (الميدان)، بين الحين والأخر عن تحضيرات تجري لعقد مؤتمر الحزب السابع، فمتى سيعقد المؤتمر؟ وأين سيعقد؟
كل مؤتمرات الحزب الشيوعي السوداني عقدت داخل السودان، شخصيا حضرت المؤتمرات: الثالث، الرابع، الخامس والسادس، وإذا طال بنا العمر سنحضر السابع. وبسبب من ظروف عمل الحزب الصعبة والمعقدة، كان هناك انقطاع بين فترة عقد المؤتمر الرابع والخامس، حوالي ثلاثين سنة. المؤتمر الخامس والسادس عقدت بشكل علني، وما سبقه عقد بشكل سري. وعن المؤتمر السابع، فان التحضيرات والاعمال لعقده جارية ومستمرة، إذا نجحنا ربما يعقد نهاية هذا العام او مطلع العام القادم. كحزب انجزنا اعداد وثائق المؤتمر الأساسية وصدرت نهاية أغسطس/ آب الماضي: المقترحات للتعديلات على دستور الحزب (النظام الداخلي)، التقرير السياسي للجنة المركزية ومشروع برنامج الحزب. ووثائق الحزب حسب النظام الداخلي يجب ان تكون جاهزة قبل أربع شهور وتطرح للنقاش من قبل منظمات الحزب، هذه المرة سنحرص على اشراك القوى الديمقراطية في مناقشة الوثائق.
لنتحدث قليلا، عن العلاقات التاريخية بين الحزبين الشقيقين العراقي والسوداني؟
من بدايات تأسيس حزبنا ارتبطنا بعلاقات عميقة مع الحزب الشيوعي العراقي، فحزبنا تأسس عام 1946، بينما تأسس الحزب الشيوعي عام 1934، فتعلمنا الكثير من مدرسة نضالات الحزب الشيوعي، وقدم لنا الحزب الشيوعي منذ البدايات مختلف أنواع الدعم، خاصة تزودينا بالأدبيات الماركسية المترجمة الى اللغة العربية، وتعلمنا من كوادر الحزب الشيوعي بعضا من فنون العمل السري، مثلا الطباعة بالرونيو. وان رفاقنا، ممثلين حزبنا في المنظمات العالمية، على تنسيق دائم مع كوادر الحزب الشيوعي العراقي الشقيق، في اتحاد الشباب العالمي، اتحاد الطلاب العالمي، اتحاد النساء العالمي، واتحاد العمال العالمي وغيرها. ولطالما كانت هناك لقاءات بين قيادة حزبينا لتبادل الخبرة والتضامن، وفي الفترة الأخيرة، تم تبادل الزيارات بين حزبين على مختلف المستويات، ومنظمات حزبينا خارج الوطن، مثلما حصل في لندن وفنلندا، ودول اوربية أخرى تنسق العمل التضامني فيما بينها، وفي مؤتمر حزبنا السادس 2016، تلقينا رسالة تهنئة تضامن من الحزب الشيوعي العراقي نتشرف بها كثيرا.
وبحكم سنوات نضالكم المديدة والمجيدة في صفوف الحزب الشيوعي السوداني، هل اتيحت لكم الفرصة للقاء مع بعض القادة التاريخيين من قيادة الحزب الشيوعي العراقي؟
للأسف لم يتح لي شخصيا سابقا فرصة التشرف بلقاء قياديين من الحزب الشيوعي العراقي، من الرفاق الذي سمعنا بأسمائهم كثيرا، مثل سلام عادل، عزيز محمد، زكي خيري وعامر عبيد الله واخرين، فعملي ونشاطي كان بالأساس داخل السودان، ومرات قليلة التي غادرت بها البلاد. وفي أجواء مهرجان اللومانتيه، هذا العام، وكما ترى الان، كل يوم تقريبا أزور خيمة طريق الشعب، فالتقي هناك رفاقي واصدقائي، استمع لأحاديثهم ونتبادل الأفكار والرؤى، وكان لقاءات وافية ومثمرة مع رفاق ممثلي قيادة الحزب الشيوعي العراقي.
كيف ترى مساهمات الشيوعيين عراقيين وسودانيين، في مهرجان اللومانتيه؟
في البدء لابد من شكر وتثمين الحزب الشيوعي الفرنسي، للمثابرة في تنظيم هذا المهرجان، الذي أصبح علامة دالة على نشاط قوى اليسار والشيوعيين. والمهرجان يوفر فرص غير قليلة للشيوعيين وكل قوى اليسار للقاء وتبادل التجارب والمعارف الثورية. فلأول مرة شخصيا مثلا التقي برفاق من كوريا الجنوبية واسمع منهم ويسمعون منا. زرت عدة مرات خيمة (طريق الشعب)، واستمعت هناك لمحاضرات وتابعت فعاليات، ومسرور جدا ان خيمتي حزبينا تستقطبان الكثير من الزوار، خصوصا خيمة (طريق الشعب)، التي اجدها على تنظيم عال وفاعل، ومن خلالكم أقدم تحية تضامن واعتزاز للعاملين فيها ولقرائها.
 


8
 
حوار مفتوح مع الكاتب العراقي يوسف أبو الفوز
التاريخ: الاثنين 26.9.2022
الوقت: 18:00 - 20:00
العنوان: مكتبة مدينة كيرافا العامة
  Keravan kaupunginkirjasto ،
  Paasikivenkatu 12 ،
  04200 Kerava
يزور الكاتب العراقي يوسف أبو الفوز، الذي استقر في ضواحي العاصمة، هلسنكي، مكتبة كيرافا يوم الاثنين 26 سبتمبر الساعة 6 مساءً.
 في لقاء الكاتب، يتحدث يوسف أبو الفوز عن رحلته ككاتب وتجربته الأدبية، وعن الهجرة واللجوء والاندماج كونه لاجئًا واستقر في فنلندا، كما يقدم أبو الفوز أحدث رواياته المنشورة باللغة العربية. اسم الرواية (جريمة لم تكتبها أجاثا كريستي)، وسيقدم بعض اصدقاءه ومتابعيه شهاداتهم عنه.
يُعقد اللقاء مع الكاتب بشكل أساسي باللغة الإنجليزية، ولكن يمكن أيضًا طرح الأسئلة باللغة الفنلندية والعربية.

  الحدث مفتوح للجميع ومجاني. يوجد خدمة القهوة.
يمكن اقتناء بعض كتب المؤلف باللغتين الفنلندية والعربية مع توقيعه أثناء الحدث.
للمزيد من المعلومات:
merja.p.salo@kerava.fi
 / The Kerava City Library


•   تعتبر كيرافا من ضواحي هلسنكي الكبري ، تقع  35 كم شمال العاصمة هلسنكي ، عاش فيها الكاتب عشرون عاما قبل انتقاله منها الى ضاحية اقرب للمركز .

9
طائر الدهشة يغرد في لندن

لندن ــ  عبد جعفر
 
هموم الكاتب العراقي المنفي ومعاناته تلازمه إينما يذهب، فهو يحمل معه من وطنه ذكريات من القمع والمطاردة، وطفولة دونها الأمان، وجمهورا يقرأه في السر كمنشور محظور.
وفي المنافي، تظل هذه الذكريات تؤرقه، ويوجعه مكان لا صحبة فيه، لا يـتآلف معه ولا يألفه. بهذا العالم المرئي وغير المرئي أدخلنا الكاتب يوسف أبو الفوز المقيم في فنلندا،  في الندوة التي إستضافه فيها فرع رابطة الأنصار الشيوعيين(البيشمركه) فرع بريطانيا يوم3-9  متحدثا عن تجربته الإبداعية.
وأبو الفوز عرف بين رفاقه الأنصار كناشط مدني وصحفي ومبدع ، كما قال في تقديمه زياد شلتاغ رئيس فرع الرابطة.
تحدث أبو الفوز عن بداياته الأولى في الكتابة، كمن يريد أن يقول لنا كيف تمكن من الطيران في فضاء الإبداع، فكانت الخطوات  الأولى ( المدرسة، الأجواء المحيطة بالعائلة، توفر الكتب الثقافية) التي مكنته من صقل موهبته.
وحين شب عن الطوق، بدأ بالعمل الصحفي كمراسل لطريق الشعب، و زادت هذه التجربة من معرفته وفي منجزه القصصي.
في الكويت واليمن كتب القصص بالإضافة الى عمله الصحفي، غير أن قصصه ضاع أكثرها، وفقدت مجموعته الأولى (كشهيدة) لهذا التغرب.
وكانت النقلة النوعية له في الكتابة والإسلوب حين ألتحق بالأنصار في كردستان، وأنجز مجموعته القصصية الأولى (عراقيون) التي طبعت بإمكانيات بدائية متواضعة.
وأستمر بالعطاء ليكتب قصص (أطفال الأنفال)، ومجموعة قصص (تلك القرى تلك البنادق) .
ولم يكتف برصد حياة المقاتلين في الجبل، بل كتب عن حياتهم الجديدة بعد توقف حركة الأنصار أسماها (بعيدا عن البنادق)
وفي المنافي الأوروبية التي بدأت من معتقل إستونيا وأنتهت بفنلندا، ظهرت له موضوعات جديدة هي المنفى والهجرة التي إنعكست في قصصه اللاحقة ومنها مجموعته (طائر الدهشة)..
وبفضل الحرية الكبيرة التي حصل عليها في المنفى والاحتكاك بالثقافة الغربية عن قرب، تطور توجهه، فبدأ يكتب الرواية، أذ أنتج رواية (تحت سماء القطب) التي تتحدث عن الجيل الثاني من المهاجرين، و(كوابيس هلسنكي) تتناول الجماعات المتأسلمة، ورواية (جريمة لم تكتبها أجاثا كريستي) التي تعني بإنتهاك حقوق المرأة وغيرها من الإشكالات. وكان أخر نتاج له، هي رواية (موسم الإنتظار) التي عدت سفرا طويلا (أكثر من خمسمئة صفحة) عن أوضاع العراق منذ الإربعينات وتاريخ مدينته السماوة وأناسها.
وهو يرى في معرض إجابته على عدد من أسئلة الجمهور، إنه لم يقدم مراجعة سياسية، ولكنه أهتم بوضع الإنسان وأثر القمع السياسي عليه، بعيدا عن الأيدلوجية والتحزب، كي يثير الأسئلة عند القارئ،  ويضيف أن إهتمامه بالإنسان العراقي هو إمتداد لما تناول الرواد مثل غائب طعمة فرمان وفؤاد التكرلي وغيرهم من الروائيين، وأنه (تلميذ) يسير على خطاهم.

10

هل تنجو رئيسة الوزراء الفنلندية من سياسة ليّ الاذرع؟

هلسنكي ـ يوسف أبو الفوز

من المقرر أن تجرى الانتخابات البرلمانية الفنلندية المقبلة في 2 نيسان 2023. وكلما اقترب الموعد تفننت الأحزاب في استخدام أساليب تدخل في باب ما يعرف بليّ الاذرع، للإضرار بالمنافسين والاطاحة بهم. وهذه الأساليب تروق أساسا للصحف الصفراء التي تجنّد أكفأ صحافييها للبحث عن صورة، او حتى فيديو، أو حادث ما يصلح لنفخه والمبالغة به حتى يرتدي ثياب الفضيحة فيزيد الاشتراكات والمبيعات ويجلب الأموال بغض النظر عن المعايير الأخلاقية والصحفية. وما تتعرض له حاليا رئيسة وزراء فنلندا، سانا مارين (36 سنة)، يأتي كجزء من حرب متواصلة تحركها أصابع خفية تصب في أجندة هذا الحزب أو ذاك بحيث صارت جزءاً من ثقافة البلد السياسية.
في عام 2003 فقد الحزب الاجتماعي الديمقراطي الصدارة في التصويت لصالح حزب الوسط أثر ما عرف بالورقة العراقية، حين كشفت أنيلي يانيميكي زعيمة الوسط، في مناظرة تلفزيونية قبيل غلق صناديق الاقتراع، عن تعهدات قدمها منافسها بافو ليبونين، رئيس الوزراء وزعيم الاجتماعي الديمقراطي للجانب الأمريكي لدعم غزو العراق، وليقطف الوسط فوزا كبيرا وتكلف زعيمته بتشكيل الحكومة.
 لم يسكت الاجتماعي الديمقراطي رغم خسارته، وإثر حملة إعلامية، يمكن للمتابع التكهن بمحركها، ظهرت تساؤلات عن تسرب محاضر اللقاء بين رئيس الوزراء الفنلندي والرئيس الأمريكي جورج بوش الابن. فتم استدعاء زعيمة حزب الوسط ورئيسة الوزراء للمساءلة أمام البرلمان فاضطرت للكشف عن ان المحاضر وصلتها بشكل غير قانوني، مما عد مخالفة دستورية واخلاقية. وتحسبا للدعوة للتصويت على سحب الثقة وسقوط الحكومة والذهاب لانتخابات جديدة غير مضمونة النتائج، اضطر حزبها بعد ثلاثة شهور فقط من الفوز، لاستبدالها بوزير المالية ماتي فانهاينين، الذي تولى رئاسة الحكومة وقيادة الحزب أيضا، والذي قاد الوسط للفوز في انتخابات 2007، لكنه سرعان ما أطيح به من موقعه اثر حملة إعلامية كشفت عن كونه خلال رئاسته رابطة شباب حزب الوسط (1980 ـ 1983) استغل منصبه واستخدم مواد إنشائية تعود الى مؤسسة دعم الشباب لبناء بيته. ترافق ذلك مع صدور كتاب فضائحي لإحدى عشيقاته جلب له انتقادات من مؤسسات تربوية وسياسية كونه شخصية اعتبارية، فأجبره حزبه على التنحي عن مواقعه.
بعد انتخابات 2019، التي فاز فيها الحزب الاجتماعي الديمقراطي، وشكل الحكومة زعيمه أنتي رينيه، وبعد عدة شهور فقط، اضرب عمال البريد مطالبين بتحسين ظروف عملهم ومرتباتهم. فأتهم حزب الوسط رئيس الوزراء بسوء إدارة الازمة، وتصاعدت الأصوات لمساءلته امام البرلمان والتهديد بسحب الثقة من الحكومة. فاضطر الاجتماعي الديمقراطي لإجراءات استباقية حيث انسحب رينيه من رئاسة الحكومة لصالح نائبته سانا مارين التي أصبحت أصغر رئيس وزراء في العالم حينها، وتولت لاحقا زعامة الحزب أيضا.
لم يسكت الاجتماعي الديمقراطي على ما حصل، فبعد فترة قصيرة، تسربت معلومات كشفت ان زعيمة الوسط ووزيرة المالية السيدة كاتري كولمني تنفق أموالا من خزينة الدولة لأغراض استشارات إعلامية اعتبرت شخصية، فاضطرت للتنحي لتحل محلها أنيكا ساريكو، زعيمة الوسط ووزيرة المالية الحالية.
ان وجود سانا مارين الشابة، التي أصبحت أشهر سياسي فنلندي في العالم، على رأس الحكومة والحزب الاجتماعي الديمقراطي، جذب بشكل واضح دعم الكثير من المناصرين لحزبها، خصوصا من النساء والشباب. فتقدم الاجتماعي الديمقراطي في استطلاعات الرأي على اغلب الأحزاب، خصوصا حزب الاتحاد الوطني الفنلندي (اليمين التقليدي)، الذي استغل وقائع ملف تقديم فنلندا لعضوية الناتو للترويج لكونه من أقدم الداعين للانضمام للناتو، وان الأيام اثبتت صحة سياساته، ما جعله يعود لموقع الصدارة في استطلاعات الرأي.
وفجأة تنتشر تقارير عن استغلال ويلي ريدمان الزعيم الشاب في الحزب اليميني لموقعه السياسي للوصول إلى الشابات في الحزب، فضجّت وسائل الاعلام الصفراء بالكثير من القصص التي اضرت كثيرا بسمعة الحزب وأربكت قياداته.
ويبدو ان قوى اليمين لم تسكت عن محاولة الاضرار بسمعة الحزب وكوادره والتأثير على التصويت، إذ لم تهدأ الضجة بعد، التي أجبرت الشرطة على فتح تحقيق في الامر، حتى تسربت فيديوهات وصور لرئيسة الوزراء الشابة وهي تحتفل وترقص بشكل صاخب مع أصحابها، ما دعا البعض لاتهامها بالتقصير في عملها واهماله. بل وذهب البعض للإيحاء بتناولها المخدرات، ما اجبرها على إجراء الفحص الذي ظهرت نتائجه سلبية، وجعلها تتحدث للناس وناخبيها باكية بأنها لم تلجأ الى المخدرات حتى في أيام مراهقتها، وأنها تعامل بصورة ظالمة، فتصاعدت حملة تضامن معها خصوصا بين النساء والشباب كونها انسانة لها الحق بممارسة حياة طبيعية.
وهكذا كلما يقترب موعد الانتخابات، يزداد ترقب الشارع لفضائح جديدة لهذا السياسي أو ذاك، يجري استغلالها ضده وبالتالي ضد حزبه، فهو الهدف الأساس، وان لعبة ليّ الاذرع والضرب تحت الحزام ستزداد ضراوة كما يبدو، خصوصا وان حزب اليمين يتطلع بقوة هذه المرة للفوز في الانتخابات.

11
 دعوة عامة

 

دعوة عامة للجميع
جمعية الصداقة السورية الفنلندية، تستضيف: الروائي العراقي يوسف أبو الفوز
في حوار مفتوح، حول تجربته الأدبية والهجرة واللجوء والاندماج وروايته الجديدة (جريمة لم تكتبها اجاثا كريستي). سيشارك الفنان امير الخطيب بتقديم شهادة عن الكاتب

التاريخ: الجمعة 2022.12.8
المكان: Kutojantie, 3 Espoo 
الوقت:  الساعة 18:30 -16:00

*  يشمل البرنامج استراحة نصف ساعة 
* * يمكن اقتناء الرواية الجديدة خلال الفعالية بتوقيع الكاتب
*** يمكن التحدث خلال الجلسة باللغة العربية والفنلندية 
**** لمزيد من المعلومات يمكن الاتصال: 0449822360


 

12
 
وداعا سعيد مهدي السامرائي (أبو سعد)


في مدينة توركو، الفنلندية، غادرنا مساء الاحد 24 تموز، الصديق والشخصية الوطنية، أبو سعد ـ سعيد مهدي السامرائي، من مواليد مدينة سامراء عام 1939، متأثرا بمرض عضال في الرئة.
عمل الراحل مفتشا صحيا، وابان ثورة 14 تموز 1958، كان عامل اجهزة اتصالات سلكية واللاسلكية في سامراء. أعتقل عام 1963 بسبب انتماءه للحزب الشيوعي العراقي، وقضى شهورا في زنانين البعث المجرم، وتعرض للكثير من المضايقات من أجهزة النظام البعثي الديكتاتوري المقبور، فاضطر لمغادرة وطنه العراق، عام 1991 ،وبنفس العام، وصل الى فنلندا عبر الأمم المتحدة من المخيمات التركية. في فنلندا، كان الراحل من أبرز المساهمين في تأسيس الجمعية الثقافية العراقية ـ الفنلندية المعروفة باسم "البيت العراقي " عام 1996، ومن أبرز الناشطين، حيث حرص على احياء ودوام فعاليات ونشاطات التضامن مع شعبنا العراقي، وكان وجها جماهيرا ومحبوبا من قبل أبناء الجالية العراقية ومن قبل الفنلنديين.
الذكر الطيب لفقيدنا العزيز والعزاء الحار لعائلته ومحبيه.

25 تموز 2022
منظمة الحزب الشيوعي العراقي في فنلندا

13

منظمة الكتاب والفنانين الفنلندية اليسارية (كيلا):
إدانة للحرب الروسية - الاوكرانية وانضمام فنلندا لحلف الناتو
هلسنكي ـ يوسف أبو الفوز

 صدر اخيراً، في العاصمة الفنلندية، هلسنكي، بيان عن منظمة الكتاب والفنانين اليسارية، المعروفة باسم (كيلا)، أطلعت عليه “طريق الشعب”، يدين سعي النخب السياسية الفنلندية للانضمام لحلف الناتو، معتبرا الامر متسرعا ومتهورا، إذ لم يكن هناك استفتاء عام، يعكس رأي اغلبية الشعب الفنلندي، وان القرار غير مسبوق، وستعيش فنلندا عواقب ذلك لعقود.
ونبه البيان الى أنه (لم يكن هناك أي نقاش حول احتمالات الانسحاب من الناتو. قد يتغير الرأي العام بشكل جيد للغاية في السنوات القادمة، مع تحول الجغرافيا السياسية حتماً، وقد لا تجد فنلندا نفسها في حاجة إلى حلف الناتو)، وأكد بأن فنلندا (سارعت إلى العضوية مع عدم وجود استراتيجية للخروج إذا أصبح استمرار المشاركة غير مقبول).
وإذ ادان البيان ضمن سياقه الغزو الروسي لأوكرانيا فأنه حذر من ان (الانضمام إلى حلف الناتو من شأنه أن يقود فنلندا عميقا في المياه المظلمة لإعطاء الأولوية للعلاقات التجارية على المصالح الإنسانية. يمكن رؤية الدليل على ذلك بالفعل في المطالب التي قدمتها تركيا لدخول فنلندا، والتي تشمل إعادة أي شخص كردي مقيم في فنلندا تشتبه تركيا في تحالفه مع حزب العمال الكردستاني PKK).
ولم ينس البيان التذكير بتاريخ حلف الناتو كذراع عسكري للقوى الرأسمالية، مبينا (كان تاريخ حلف الناتو خارج أوروبا عقودًا من الحروب على الحكومات التقدمية والحركات الثورية في أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا،) وان ذلك (غالبًا ما تم تبريره بالكلام حول القيم الديمقراطية ومحاربة الإرهاب وما إلى ذلك، بينما في الحقيقة، شكلت المصالح الاقتصادية، جنبًا إلى جنب مع تهديد القوة العسكرية، العمود الفقري للسياسة الخارجية لدول الناتو القوية مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة).
وانتقد البيان الحكومة الفنلندية لتوجهات التحالفات العسكرية وزيادة الإنفاق في الميزانية الوطنية لصناعة الأسلحة والدفاع، موضحا انها (وافقت بالفعل على إضافة ما يزيد قليلاً عن ملياري يورو إلى إنفاقها الدفاعي، بزيادة قدرها 70بالمائة عن الميزانية العسكرية القياسية لعام 2022 البالغة 2.8 مليار يورو) وحذر البيان من ان هذا (ليس وسيلة للمضي لبناء سلام دائم، بل يجب أيضًا فهم ان تكلفة الحرب والصناعات الحربية يؤثر على بيئتنا المعيشية والمناخ واشياء الأخرى).
وكرر البيان تساؤلات مهمة (من هم الناس الذين يكسبون المال بسبب الحروب؟ من يستفيد من الحروب؟ كيف يمكن جعل اقتصاد الحروب المربحة أكثر صعوبة أو حتى حظره؟) مشيرا بوضوح (يخبرنا التاريخ أن تشكيل تحالفات عسكرية سريعة والاستعداد للحرب يؤدي في كثير من الأحيان إلى مزيد من الحرب).
وحذر البيان من ان (العقوبات العالمية، كما رأينا فُرضت في إيران والعراق، والآن أيضًا في روسيا، غالبًا ما تدمر اقتصاد البلد لأجيال قادمة بينما ليس لها أي تأثير تقريبًا على اللاعبين السياسيين الرئيسيين والنخبة الثرية الذين يقفون فعليًا في شيء يكسبونه من حروب العدوان.) وختم بالتذكير بأن (لا أحد من القوى الإمبريالية الكبرى في العالم تسعى فقط للحفاظ على السلام. بدلاً من ذلك، لديهم أهداف مختلفة، محددة تاريخيًا وجغرافيًا، يتضمن الكثير منها اضطهاد الشعوب الأصلية، أو مجموعات من الناس، أو حتى الأمم).
يذكر ان منظمة كيلا الفنلندية اليسارية، واحدة من اعرق المنظمات الثقافية الفنلندية، غير الحكومية، وتجمع للكتاب والفنانين اليساريين، تأسست في عام 1936، تأسست بعد تحالف القيادة السياسية الفنلندية حينها مع الحكومة الالمانية واغلاق الحدود الثقافية مع اوربا والعالم، فأستعارت المنظمة اسمها من شقفة الخشب المثلثة الصغيرة (باللغة العربية تكون جُذاذة)، التي تتواجد في كل بيت فنلندي لتحافظ على باب البيت مفتوحا دائما، وليعمل اعضاء المنظمة، على طول تأريخها، بهذا المعنى لتعزيز التبادل الثقافي مع كل بلدان اوربا ومع مختلف الثقافات الانسانية. تضم المنظمة حاليا أكثر من خمسمئة مئة عضوا من مختلف الانواع الابداعية، من كتاب نثر وشعراء وفنانين موسيقيين وتشكيليين، يشكلون عماد ثقافة البلد بنشاطاتهم وانتاجاتهم الابداعية. وسبق للمنظمة ان اعلنت، في مؤتمراتها العامة، عن تضامنها مع المثقفين العراقيين، عام 2004 وعام 2014، ضد الاحتلال الامريكي وقوى والارهاب، كما وانها في آيار 2009، وبدعوة من وزارة الثقافة في اقليم كوردستان، بدعم مباشر من الراحل الاستاذ فلك الدين كاكائي وزير ثقافة الاقليم حينها وأقتراح من الكاتب العراقي يوسف أبو الفوز، عضو الهيئة الإدارية للمنظمة لعدة دورات، نفذت برنامج (أيام الثقافة الفنلندية في كردستان)، حيث زار أربيل ولمدة اسبوع، وفد من المنظمة، ضم تسعة من الفنانين والكتاب الفنلنديين، وشهدت الايام برنامج ثقافي متنوع حوى عدة محاضرات بخصوص موضوعات ثقافية مختلفة، عن حرية الكلمة والعلاقة بين السينما والادب، فضلا عن عروض للسينما الفنلندية ومحاضرة عن افلام الصور المتحركة في فنلندا، وايضا افتتحت ورش تدريبية قصيرة موسيقية وغنائية.


14
المنبر الحر / مع المحبة
« في: 08:04 11/07/2022  »
.

15
ما ثمن قبول تركيا الموافقة لصالح عضوية فنلندا والسويد في حلف الناتو؟
هل سيكون طريق الدولة الفنلندية إلى الناتو ممهدًا بدماء الأكراد حقا؟
 
بعد موافقة تركيا، أمين عام حلف الناتو مع الرئيس التركي، الرئيس الفنلندي ورئيسة وزراء السويد في مدريد على هامش قمة حلف الناتو

هلسنكي ـ يوسف أبو الفوز
نشر في طريق الشعب البغدادية عدد يوم   الاحد 3 تموز 2022
أخيرا، وبعد مارثون المفاوضات السرية والعلنية والاجتماعات التي عقدت في العاصمة الاسبانية، مدريد، وكما هو متوقع، وافقت تركيا على التصويت لصالح عضوية كل من السويد وفنلندا في حلف الناتو، وبهذا يكون البلدان قد أنهيا عقودا من اتباع سياسة الحياد. ونقلت شبكة خدمة الاخبار الفنلندية STT، رد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي علق بانها ليست مشكلة لروسيا، بل هي مسألة داخلية بين البلدين، وإن بلاده (لن تنزعج) من ذلك لكنه حذر من أنها سترد على أي (تهديدات). وأعلن الرئيس الفنلندي سولي نينيستو في بيانه بهذا الخصوص من مدريد، إنه تم توقيع مذكرة مشتركة بين تركيا وفنلندا والسويد قبيل انعقاد قمة الناتو، وانهما سيوقعان قريبا على بروتوكول الانضمام وبموجبه يصبحان عضوين مراقبين في حلف الناتو.
وإذ سبق وواصلت تركيا القول بأن فنلندا والسويد يأويان منظمات إرهابية، بالإشارة الى حزب العمال التركي، وجاءت مذكرة التفاهم المشتركة، بصفحاتها الثلاث وبنودها العشر، لتؤكد التزام فنلندا والسويد وتركيا (بتقديم دعمها الكامل ضد التهديدات لأمن بعضها البعض)، فان العديد من المتابعين، تسائلوا: ما الذي جعل تركيا تتنازل وتنهي مماطلتها وتعطي الضوء الأخضر للبلدين بعد الإصرار على انها لا تنظر للأمر بشكل إيجابي؟ ما هي البنود السرية التي تحملها مذكرة التفاهم المشتركة؟ كيف سينفذ عمليا الوعد بمعالجة مخاوف تركيا الأمنية، فيما يخص المجموعات الكردية؟ هل سيتم التخلي تماما، عن دعم وحدات حماية الشعب الكردية، أو YPG، بعد ان اعتبرا حزب العمال الكردستاني، الحزب السياسي، على أنه منظمة إرهابية؟ والاهم هل ستقوم فنلندا والسويد بتنفيذ مطالب الجانب التركي بتسليم عدد من الناشطين الكرد المقيمين في اراضيهما وبعضهم حاصل على جنسية البلدين؟، وكان بيان الرئيس الفنلندي أشار الى عندما نصبح حلفاء في الناتو، سيصبح هذا الالتزام أقوى وأضاف (عندما نطور تعاوننا فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب وتصدير الأسلحة وتسليم المجرمين، من الطبيعي أن تواصل فنلندا العمل وفقًا لتشريعاتها الوطنية).
لا تزال الأمور غامضة لبعض المراقبين، لان بعض بنود الاتفاق مكتوبة بلغة تحتمل التأويل، ويبدو ان حرص واستقتال فنلندا والسويد للحصول على موافقة تركيا للانضمام الى حلف الناتو، دفع البلدين للموافقة على العديد من طلبات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي أشار لها بيان الرئاسة التركية الذي قال ان (تركيا حصلت على ما تريد) وأوضح البيان أن البلدين تعهدا بالتزام (التعاون التام مع تركيا في مكافحة حزب العمال الكردستاني، وكذلك ضد الحركات التابعة له)، وتابع البيان أن البلدين سيحظران أيضا (نشاطات جمع الأموال وتجنيد المسلحين الأكراد وسيحظران الدعاية الإرهابية ضد تركيا). وكذلك التعهد بـ (إظهار التضامن مع تركيا في الحرب ضد الإرهاب بكل أشكاله)، ولم ينس البيان الإشارة الى قبول فنلندا والسويد بعدم (فرض قيود أو حظر على الصناعات الدفاعية) في إشارة إلى الحظر المفروض على تسليم الأسلحة إلى تركيا ردا على التدخل العسكري لأنقرة في سوريا عام 2019. وبهذا ستتماشى فنلندا والسويد، مع سياسة الولايات المتحدة الامريكية في النظر الى الجماعات الكردية بانها مجاميع إرهابية.
رئيس كلية الأبحاث في جامعة هلسنكي، توماس فورسبيرج، تحدث لموقع هيئة الإذاعة الفنلندية Yle، قال ان الامر يتطلب عاما حتى توافق وتصدق جميع الدول الثلاثين الأعضاء في الناتو على عضوية فنلندا والسويد، وان انتقادات وخطاب بوتين بدأت تتحول أكثر من موضوع العضوية بحد ذاتها، إلى موضوع البنية التحتية العسكرية لحلف الناتو وما يجلبه انضمام فنلندا والسويد بهذا الخصوص.
وتصاعد العديد من التصريحات المعارضة والمنتقدة في السويد و فنلندا إذ ادان الحزب الشيوعي الفنلندي المذكرة المشتركة واعتبر ان فنلندا (تخلت عن بعض مبادئها الخاصة بحقوق الإنسان وسياستها الخارجية بالفعل أثناء عملية العضوية في الناتو) بينما اعتبرت ( عصبة البروليتاريين) الفنلندية اليسارية ، (ان طريق الدولة الفنلندية إلى الناتو ممهدًا بدماء الأكراد)، ونقلت الانباء ان تركيا تطالب بالفعل بعمليات الترحيل الأولى، فوزير العدل التركي بكر بوزداغ قال لوسائل إعلام تركية إن هناك حوالي 21 شخصاً مطلوباً في السويد و 12 في فنلندا، أي ما مجموعه 33 شخصاً، بينما كرر الرئيس التركي في مؤتمره الصحفي، عقب توقيع المذكرة (إن على السويد وفنلندا الوفاء بالوعود التي قطعتاها في الاتفاق مع تركيا، وإذا وفوا بوعودهم، فسنرسل بروتوكولات الانضمام للناتو إلى برلماننا للتصديق عليها).

 


16
المرصد الفنلندي:
التحرش الجنسي في أروقة البرلمان والسياسة الفنلندية
هلسنكي ـ يوسف أبو الفوز
لغط كثير يملأ وسائل الاعلام الفنلندية ووسائل التواصل الاجتماعي، هذه الأيام، جعل موضوع الحرب في أوكرانيا، سعي فنلندا لعضوية حلف الناتو مع اعتراضات تركيا وارتفاع الأسعار يتراجع عن أول العناوين، أثر نشر أكبر الصحف الفنلندية (هلسنكي سانومات)، مقالا عن التحرش الجنسي والتصرفات القمعية بخصوص النساء الشابات، كان المتهم الأول فيه، (فيلي رايدمان) النائب في البرلمان الفنلندي عن حزب الاتحاد الوطني الفنلندي (يمين تقليدي).
بعد التعرض الى ضغوط واسعة، إعلامية وجماهيرية، اضطرت قيادة حزب الاتحاد اليميني، الى الطلب من الشرطة للتوسع بالتحقيقات، كما أجتمعت مع النائب المتهم للمكاشفة، تبع ذلك تقديمه أستقالته من المجموعة البرلمانية للحزب، وانسحابه من مهامه في مجلس العاصمة هلسنكي كممثل لحزبه.
أثار مقال هلسنكي سانومات، المعروفة برصانتها ودقتها في تقصي المعلومات، فهي من أقدم الصحف الفنلندية، تأسست 1889، وأكبر صحيفة بعدد الاشتراكات في فنلندا و بلدان الشمال الأوربي، ويكاد لا يخلو منها بيت أو دائرة رسمية، ردود أفعال كثير بين البرلمانيات والعاملات في المجال السياسي، بمن فيهن رئيسة الوزراء سانا مارين (الحزب الاشتراكي الديمقراطي) فتحدثن عن وجود المضايقات وعدم فسح المجال للنساء للعمل بحرية، حتى وان لم يصل ذلك للجريمة وفقا للقانون، وبينت رئيسة الوزراء انها في بداية نشاطها السياسي تعرضت الى عدد من المضايقات. ويبدو ان تحرك قيادة حزب الاتحاد الوطني الفنلندي اليميني، و(التخلي) عن نائبهم وعدم الدفاع عنه، رغم ان البعض يقول بأن المتهم بريء حتى تثبت ادانته، يأتي لكون الانتخابات على الأبواب، والحزب الذي شهد تقدما في الاستطلاعات الأخيرة، لا يريد ان يضر بصورته وأسمه من خلال سلوك النائب، وقد عبر عن ذلك رئيس الحزب، (بيتري أوربو)، بقوله إنه يريد ضمان سلامة أنشطة الحزب.
المثير أن ثمة من ادلى بدلوه في الموضوع، وكان (يارنو فاهكاينو)، النائب الثاني لرئيس حزب (السلطة ملك الشعب)، وهي جماعة شعبوية يمينية، ممثلة بنائب واحد في البرلمان، هو بطل رفع الاثقال، (آنو تورتاينين)، المعروف بسجله الجنائي، والذي طرد أساسا من حزب الفنلنديين الحقيقين اليميني المتطرف في شباط 2021 واسس حزبا منفصلا. نشر يارنو فاهكاينو صورة للنائبة (إيريس سوملا) من حزب الخضر، على حسابه في تويتر، تجلس في مقهى البرلمان، بتنورة قصيرة، بوضع تبرز فيها أجزاء مكشوفة من افخاذها، ويبدو ان الصورة التقطت بشكل سري، وكما يبدو جاء الامر كرد تضامني مع النائب اليميني فيلي رايدمان المتهم بالتحرش والمضايقات، فالصورة أرفقت بتعليق يقول: (نعم، تعرضت للتحرش الجنسي أخر مرة كنت فيها في مقهى البرلمان!) ، الامر الذي دفع الجهات المعنية في البرلمان للتحرك بسرعة للتحقيق في ظروف التقاط الصورة وإدعاء ناشرها بكونه ضحية للتحرش. في تغريدة لها، كتبت النائبة سوميلا: (إن المضايقة ليس وجود الشابات، لكن تصويرهن ونشر الصور خلسة). يذكر ان سوميلا هي أصغر نائبة في البرلمان، مواليد 1994، وسبق لها العام الماضي ان انتخبت كرئيسة مؤقتة لحزب الخضر عندما ذهبت (ماريا أوهيسالو) زعيمة الحزب في إجازة امومة.
 

17
المرصد الفنلندي:
 الحرب في أوكرانيا وموجة الغلاء في اوربا 
   
هلسنكي ـ يوسف أبو الفوز
مع استمرار الغزو الروسي لأوكرانيا، واستمرار العمليات العسكرية، ترتفع في الدول الاوربية عموم الأسعار للوقود والمواد الغذائية والمشروبات الكحولية وكل الخدمات. في دراسة نشرتها هيئة الإذاعة الفنلندية YLE، تشير الى ان فنلندا أصبحت في المرتبة الأولى في غلاء أسعار المشروبات الكحولية في أوروبا، والمرتبة الخامسة لغلاء اسعار المواد الغذائية، وفي هذه تاتي بعد الدانمارك، أيرلندا، لوكسمبورغ والسويد!
فتكلفة الكحول في فنلندا تزيد بنسبة 120 في المئة عن متوسط تكلفة الكحول في بقية دول الاتحاد الأوروبي، وتشير الدراسة الى ان الفجوة اتسعت مع الآخرين، بفارق 91٪ عن متوسط أسعار عام 2020. بينما سجل مركز مقارنة الأسعار Eurostat. ان المجر تكون أرخص بلد اوربي في أسعار الكحول (!). وحسب مركز الإحصاء الفنلندي Statistics Finland وكبير الخبراء في المركز هاري كانانويا، فان مؤشرات مستوى الأسعار لعام 2021 التي تم نشرها سوف تتغير بالتأكيد قريبا.
ولا يمكن للمتابع ان يغفل المعلومات التي تتوارد حول سجل التضخم في أوروبا الذي شهد قياسات مرتفعة هذا العام، فوفقا لمركز مقارنة الأسعار Eurostat. ، بلغ معدل التضخم في منطقة اليورو 8.1٪ على أساس سنوي في شهر أيار، وكان الرقم المقابل لفنلندا 7.1 في المئة. ويشير كبير الخبراء هاري كانانويا بان المقارنة بين ما يقرب من أربعين دولة، تتطلب قدرًا هائلاً من البيانات المجمعة حول تغيرات الأسعار لمجموعات السلع المختلفة، فضلاً عن التغيرات في أسعار الصرف للعملة، ولهذا لا يمكن تحديث مؤشرات مستوى الأسعار للفترة من 2021 إلى 2022 حتى نهاية العام. ويمكن توقع استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية، ومن غير المتوقع وجود اختلافات كبيرة في مؤشرات مستوى الأسعار النسبية بين البلدان الاوربية.


 

18
المرصد الفنلندي:
حزب قومي يميني متطرف جديد في فنلندا
هلسنكي ـ يوسف أبو الفوز
وزعت شبكة خدمة الاخبار الفنلندية STT، خبرا يفيد بأن الحركة الزرقاء والسوداء (باللغة الفنلندية Sinimusta  ) حصلت على بطاقات التأييد المطلوبة لتسجيلها كحزب سياسي. وبينت الحركة في بيان رسمي لها انها في شهر نيسان جمعت 5000 بطاقة مؤيدة مطلوبة، وستعمل اعتبارا من حزيران كحزب سياسي وتنشط لتسمية مرشحيها لكل دائرة انتخابية في الانتخابات البرلمانية المقبلة.
ويعتبر هذا الحزب الجديد، حزبا قوميا متطرفا، ربما حتى اشد تطرفا من حزب الفنلنديين الحقيقيين، بل ان الباحث والمؤرخ اولو سيلفينوينين (مواليد 1970) من حزب الخضر، سبق واعتبر هذه الحركة ذات إيدلوجية فاشية. ومعروف ان اسم الحزب وألوانه مستوحاة من الحركة الشعبية الوطنية الفاشية، وعند تقديم الطلب اعتبرت وزارة العدل برنامج الحزب المكون من 50 صفحة متطرفا جدا، بل ومعادي للديمقراطية وطلبت إعادة كتابته واختصاره،
يعرف الحزب نفسه في منشوراته على أنه (راديكالي وتقليدي) وهدفه السياسي المركزي هو (الدولة الفنلندية، والعرق الأبيض للشعب الفنلندي).  يريد الحزب أن تكون اللغة الفنلندية هي اللغة الرسمية الوحيدة في فنلندا، يعارض الوجود العام للأديان غير الديانة المسيحية، يطالب بتدريس الوثنية الى جانب المسيحية في المدارس، يطالب بإعادة النظر في جنسية كل شخص أصبح مواطنا بعد عام 1990 ويطالب التسجيل العرقي للمواطنين.
يذكر ان اغلبية مؤسسي الحزب الجديد، كانوا أعضاء في حزب الفنلنديين الحقيقيين اليميني المتطرف، وقادة في منظمته الشبابية، طردوا من الحزب عام 2017 بسبب خلافاتهم داخل الحزب ، وتعرضوا الى انتقادات من قادة حزب الفنلنديين الحقيقين التقليدين واتهموا كونهم ( متطرفين) عند تنظيم انفسهم في جمعية سعت لتأسيس حزبهم ، الذي يعيد امجاد منظمات قومية يمنية متطرفة فاشية نشطت خلال فترة الحروب السابقة مع الاتحاد السوفياتي مثل حركة لابوا والحركة الشعبية الوطنية، التي عرفت بعلاقاتها بالحركات الفاشية الإيطالية والألمانية وعدائها الشديد للشيوعية والاشتراكية . 
 

   

19
كيف نفهم لعبة كون أوروبا لا تزال المشتري الأكبر للطاقة الروسية؟



ناقلة تحمل النفط الخام في طريقها من روسيا إلى الهند       (الصورة من الاعلام الفنلندي)

هلسنكي ـ يوسف أبو الفوز

من بعد مرور أكثر من مئة يوم من العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا، وفرض الاتحاد الأوربي خمسة حزم من العقوبات ضد روسيا، خصوصا ما يخص قطاع الطاقة من الوقود الأحفوري (النفط، الغاز والفحم)، فأن المؤشرات تبين ان أوروبا لا تزال هي المشتري الأكبر للطاقة الروسية إضافة الى الهند والصين، وان حوالي 61 بالمئة من الوقود الأحفوري الروسي وصل في الشهور الأخيرة إلى أسواق دول الاتحاد الأوروبي.
فكما هو معروف ان هناك صعوبات وتعقيدات تعاني منها دول الاتحاد الاوربي للاتفاق في المقاطعة النهائية، برز ذلك في قمة بروكسل التي عقدت في نهاية شهر أيار الماضي. ومعروف ان العديد من الدول الاوربية تعتمد بشكل كبير على الخامات الروسية وان ثمة عقود مبرمة لابد من تنفيذها والالتزام بها، خصوصا ما يتعلق بمنتجات النفط غير الخام. في فنلندا لا تزال بعض الشركات تستورد الزيوت الخفيفة، لأغراض الزراعة والصناعة، بل وزادت كمية الاستيراد لثلاث اضعاف كما تشير تقارير صحفية، وعندما أقر الاتحاد الأوربي المقاطعة كان الاتفاق بان واردات النفط الخام الروسية ستتوقف في غضون ستة أشهر وواردات المنتجات البترولية الأخرى في غضون ثمانية أشهر، ويبدو ان بعض الشركات استثمرتها في زيادة الاستيراد للتخزين. فقد سبق لشركة Neste، المملوكة جزئيًا للدولة الفنلندية، ان أعلنت أنها لن تشتري النفط الخام الروسي بعد الآن من السوق الفورية، وبدلاً من ذلك، وبناءً على الاتفاقات السابقة، ستبقى تتلقى النفط الروسي للتكرير حتى شهر حزيران. ووفقا لأولي-بيكا بينتيلي، مدير الإحصاء في الكمارك الفنلندية ان أحد أسباب الزيادة في الواردات هو ملء الخزانات من بعض الشركات.
وتشير معاهد الأبحاث الى ان روسيا كسبت 93 مليار يورو من صادرات الوقود الأحفوري خلال المئة يوم من حربها في أوكرانيا، كما تؤكد تقارير وحدة الأبحاث الفنلندية في الطاقة CREA. وقال لاوري مولوفيرتا كبير المحللين في CREA، لموقع هيئة الإذاعة الفنلندية Yle، إن روسيا تلقت قدرًا قياسيًا من الإيرادات من صادرات الطاقة خلال هذه الفترة، وإن الدخل الذي حصلت عليه روسيا ارتفع بنحو 50 في المئة عن العام الماضي، وربما كان هذا العام أعلى من أي وقت مضى. إذ حصلت روسيا على معظم الإيرادات، حوالي 46 مليار يورو، من مبيعات النفط فقط، ثم جاء الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية والغاز الطبيعي المسال والفحم. ويشير مولوفيرتا الى انه على الرغم من حقيقة ان الصادرات الروسية قد انخفضت لكن السوق العالمي للوقود الاحفوري شهد ارتفاعا كبيرا في الأسعار.
ورغم ان الصين احتلت مكان المانيا في كونها أكبر المشترين للطاقة الروسية الاحفورية، فأن صادرات روسيا زادت الى الهند بشكل ملحوظ، التي اشترت 18 ٪ من الصادرات الروسية في شهر أيار المنصرم، وقبل نشوب الحرب كانت الهند تستورد فقط 1٪ من صادرات النفط الروسي. الطريف ان الصادرات الروسية الى البلدان المشترية الجديدة تستخدم شركات الشحن الاوربية، ويؤكد كبير المحللين لاوري مولوفيرتا بان حوالي 80٪ من الناقلات التي تنقل النفط الخام إلى الهند مملوكة لأوروبا خاصة السفن اليونانية.  ويبدو الامر أكثر طرافة حين نعرف بأن الهند زادت من صادراتها من المنتجات البترولية المصنوعة من النفط الخام الروسي، حيث يتم تصدير حوالي نصف هذه المنتجات البترولية المكررة في المصافي الهندية التي استقبلت شحنات النفط الروسية الى بلدان أخرى وحوالي 20٪ من هذه الصادرات تذهب إلى دول اوربية، وبشكل رئيسي من دول البحر الأبيض المتوسط.
وتعاني وتعيش أوروبا ، ما يعرف ماليا بمنطقة اليورو، بحسب البيانات الأولية، حالة ارتفاع غير مسبوقة في الأسعار وبلغ التضخم 8.1 في المئة في شهر أيار، ففي فنلندا بلغ التضخم 7.0 في المائة، وفقًا للإحصاءات الفنلندية. وزادت الوتيرة بشكل ملحوظ منذ شهر نيسان عندما كان التضخم 5.7 في المئة. وأشار يوكا أبيلكفيست كبير الاقتصاديين في غرفة التجارة المركزية الفنلندية، في تغريدة له على Twitter إلى أن آخر مرة وصل فيها معدل التضخم في فنلندا رقم سبعة كانت في شباط 1990.


 

20
المرصد الفنلندي: حرف Z مغضوبا عليه في فنلندا

يوسف أبو الفوز
تعددت التفسيرات، لاستخدام قوات الغزو الروسية لأراضي أوكرانيا لحرف Z على مختلف مركباتها العسكرية، ووفقا لموقع ويكيبيديا فأن الجانب الاوكراني يقول انها تشير الى كلمة (غرب) وبالروسية تكون ( Запад  ‏ـ zapad)، والقوات الروسية تقول انها اختصار لعبارة (النصر) وبالروسية تكون (За победу ــ za pobedu)، ولكن مع وجود عدة علامات أخرى مثلا حرف  Zفي مربع وأيضا حروف أخرى مثل O ،   V، X و A ، وضعت على المعدات العسكرية الروسية، من دبابات وناقلات جنود،  فيبدو انها تستخدم أساسا لتمييز المعدات الأوكرانية عن الروسية بحكم كونها متشابهة كثيرا.
من كل هذه العلامات، اخذ حرف Z سمعة عالية، بل واخذ طابعا وطنيا داخل روسيا، خصوصا حين ارتدى لاعب الجمباز الروسي إيفان كولجاك شارة حرف Z على صدره في مونديال الدوحة في قطر في آذار الماضي، معربًا عن دعمه للحرب الروسية، مما دفع الاتحاد الدولي للجمباز إلى اتخاذ إجراءات تأديبية ضده.
في فنلندا تمتاز خدمة حافلات النقل عموما بسمعة ممتازة، فهناك عدة شركات حكومية ومختلطة وخاصة، تقدم خدماتها بكفاءة عالية، فلا يوجد شارع أو زقاق في مدينة أو قرية، لا تغطيه هذه الخدمات التي تمتاز بدقة وصول الحافلات في الوقت المقرر ونظافة الحافلات بكراسيها المريحة، وارتباطا بهذا فان أي خطوط للحافلات بين نقطتين ما، نجدها تسلك عدة مسارات، متوازية ومتجاورة، لتغطي أكبر مساحة ممكنة، وللتمييز بين هذه المسارات يتم وضع حروف مختلفة الى جانب رقم الخط الأساسي.
ويبدو ان حرف Z أصبح مغضوبا عليه في فنلندا التي قدمت مؤخرا طلب الانضمام الى حلف الناتو، وتعارض بشدة الغزو الروسي لأوكرانيا وتقدم مختلف الدعم اللوجستي والمعنوي للحكومة الأوكرانية، واستنادا الى ما أوردته هيئة الإذاعة الفنلندية YLE سيتم رفع حرف Z من العديد من خطوط الحافلات في العاصمة، فوفقا لتيرهي كوسكين، مدير النقل العام في منطقة لابيرانتا، ضواحي العاصمة هلسنكي، بانهم تلقوا عدة ملاحظات وتعليقات حول الموضوع وتم اخذها مأخذ الجد وسيتم استبدال حرف Z بحرف X. صوت مشاكس في داخلي يقول : ماذا عن مطاعم البيتزا ؟؟ ففي فنلندا تكتب بطريقة تحوي حرفين Z مع بعض، هكذا : Pizza !


ليل 3 حويران 2022


21
  فنلندا .. قوى المعارضة لحلف الناتو تواصل نشاطها

لا .. للناتو .. نعم .. للسلام : مظاهرة للحزب الشيوعي الفنلندي وسط العاصمة هلسنكي .          تصوير : إيما غرونكفيست

هلسنكي ـ يوسف أبو الفوز

حتى اسابيع قريبة، عرفت فنلندا، بكونها البلد المسالم والمحايد في سياساته الخارجية، بل ان سياسة الحياد النشطة والمحبة للسلام، كانت أحد الأسباب التي جعلت من العاصمة الفنلندية، هلسنكي، المكان الأمثل لاستضافة مؤتمرات وقمم دولية تعني بالسلام العالمي، لكن الحرب الدائرة على الأرض الأوكرانية غيرت كل المعادلات، فلم تعد فنلندا البلد المعني ببناء الجسور بين الشرق والغرب، فلقد صوت البرلمان الفنلندي، ظهر الثلاثاء 17 أيار 2022، في تحول تاريخي في الموقف، على طلب الانضمام لحلف الناتو، بأغلبية 188 ضد 8 فقط. كان أبرز المصوتين، نواب حزب الاتحاد الوطني الفنلندي (يمين تقليدي) الذي طالما كان اشد المطالبين بالانضمام للناتو، وصوت أيضا نواب حزب الوسط، حزب الخضر والاشتراكي الديمقراطي، وكانت هذه الاحزاب لسنوات ماضية تعارض الانضمام للناتو وتشترك في الحكومة الحالية التي كان من أبرز نقاط برنامجها البقاء خارج التحالفات العسكرية، وينص ان (الهدف من السياسة الخارجية والأمنية لفنلندا هو منع فنلندا من أن تصبح طرفًا في النزاع العسكري. تنتهج فنلندا سياسة استقرار نشطة لمنع التهديدات العسكرية. لا تسمح فنلندا باستخدام أراضيها لأغراض عدائية ضد دول أخرى)، المفارقة ان حزب اتحاد اليسار، الذي دخل التحالف الحكومي باشتراط عدم الانضمام للناتو، شهد انقساما في صفوفه، فقررت قيادته ان البقاء في الحكومة يكون بمعزل عن الموقف من الناتو، ومنح نوابه الاثني عشر الحرية في التصويت، فصوت نصفهم بالضد ونصفهم مع.
وتبدو الصورة في فنلندا، من خلال وسائل اعلام الدولة، كأن الجميع، أحزاب وشعب موافقون على الانضمام إلى الناتو، ويمكن للمتابع بسهولة ملاحظة أن الأصوات المعارضة تكاد تكون غائبة عن وسائل الاعلام، وسبق لوزير الخارجية الأسبق أركي توميويويا، من قادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي المخضرمين، في حديث مع راديو NPR الامريكي أن انتقد الاعلام الفنلندي وطريقة إدارة النقاش قائلا (أن من ينتقد الناتو يتهم بكونه عميلا لبوتين)، والمفاجئ أنه صوت لاحقا بالانضمام للناتو.
ويرى الاقتصادي والكاتب السياسي أوريو هاكنينن، الرئيس السابق للحزب الشيوعي الفنلندي، في مقال منشور في مدونته بأنه تم دفن عدم الانحياز العسكري الفنلندي في البرلمان حين تمت الموافقة بالإجماع على مقترحات الحكومة واللجنة البرلمانية للشؤون الخارجية بشأن الانضمام إلى الناتو. مشيرا إلى أنه في البداية، وعد رئيس الجمهورية ورئيسة الوزراء بإعداد تقرير موضوعي للبرلمان يتم فيه تقييم الخيارات المختلفة بعدة طرق. ومع ذلك، تم إعداد التقرير لتبرير خيار واحد فقط، وهو الانضمام إلى الناتو، ويرى انه لم يتم التطرق إلى إمكانية وفوائد عدم الانحياز العسكري على الإطلاق في التقرير الذي وافقت عليه الحكومة بالإجماع. وبين بأنه عندما انضمت فنلندا إلى الاتحاد الأوروبي، كان هناك نقاش مدني واسع واستفتاء شعبي، والآن، حتى البرلمان لم يُمنح فرصة حقيقية لتقييم الخيارات المختلفة، كان دوره فقط مباركة حل تم إجراؤه في دائرة صغيرة.
وفي نفس الوقت يرى تجمع (اوقفوا الناتو)، المدعوم من الحزب الشيوعي الفنلندي ومنظمة السلام الفنلندية، إلى جانب منظمات وجمعيات ثقافية واجتماعية، والذي دعا إلى التظاهر في الرابع من حزيران الجاري، ان غالبية الشعب الفنلندي يواصل معارضة الناتو، وان استطلاعات الرأي المنشورة خدعة، وان الاستفتاء الشعبي هو الفرصة الوحيدة للجميع. ويعرض الموقع الرسمي للتجمع أسبابا عديدة تدعو إلى معارضة الانضمام للناتو اذ يرى انه يزيد من العنف والمعاناة وان (أفضل سياسة للسلام هي الاهتمام بدولة الرفاهية)، وينتقد الانجرار وراء سياسات الولايات المتحدة الامريكية، ويعتبرها الدولة الأكثر خطورة ونشاطا عسكريا في العالم، إذ كانت في حالة حرب مستمرة تقريبًا طوال فترة وجودها، ويذكر بان حدود فنلندا التي يبلغ طولها 1344 كيلومترًا مع روسيا ستكون الخط الأمامي لحلف شمال الأطلسي في مواجهة روسيا. وكان النائب ماركوس موستايارفي، من اتحاد اليسار قدم في البرلمان اثناء عملية التصويت، وجهة النظر المعارضة، التي شاركه فيها ستة من رفاقه والتي طالبت بأجراء استفتاء شعبي. وفي حديث خاص لطريق الشعب مع الشاعر والصحفي ماركو كورفولا، بين أنه لا يعتقد بأن أمر الاستفتاء سينجح، لأن النخب السياسة الحاكمة أعدت للأمر بسرعة وأيضا ان اتحاد اليسار، الذي عرف طويلا بمعارضته للناتو، يعاني حاليا انقساما في موقفه ولا يدعم موضوع الاستفتاء وانه للأسف يتجاهل أيدولوجيته اليسارية ويتصرف وفق موقف انتهازي لجني بعض المكاسب على المدى القصير. وردا على سؤال من طريق الشعب لمحرر موقع (اوقفوا الناتو) على فيس بوك، حول الجهود الواقعية المبذولة في قضية الاستفتاء، أجاب بأن من المحتمل تمامًا أن تركيا تبقي فنلندا بعيدًا عن الناتو لفترة كافية قبل الحصول على العضوية الكاملة حتى الانتخابات البرلمانية التالية، وفي هذه الحالة ستكون هناك إمكانية لإدراجه ضمن الأوراق الانتخابية.
وعمليا يبقى الحزب الشيوعي الفنلندي، القوة الأساسية المعارضة للانضمام للحلف، من خارج البرلمان، وجهوده منصبة على تحريض الشارع الفنلندي، ويرى الحزب في بياناته وافتتاحيات دوريته (Tiedonantajai) الأسبوعية بإن انضمام فنلندا إلى الناتو لن يجلب الاستقرار إلى المنطقة، بل المزيد من التوتر، إذ يؤدي تحويل الحدود الشرقية لفنلندا لحدود بين الناتو وروسيا إلى جلب المزيد من القوات المسلحة والنشاط العسكري. وأكدت بيانات الحزب بان فنلندا عندها، ستنجر إلى صراعات الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، وتذكر البيانات بأن تقرير الحكومة الفنلندية نفسه يشير إلى ان الدفاع المشترك للناتو يعتمد في النهاية على القدرة العسكرية والرادع النووي للولايات المتحدة.
 

22
كيف تتعايش فنلندا مع الفترة الرمادية؟


هلسنكي ــ يوسف أبو الفوز


تعيش فنلندا، فترة يسميها السياسيون ووسائل الإعلام (الفترة الرمادية)، تمتد من تأريخ تقديم فنلندا طلب الانضمام لحلف الناتو، في 18 أيار، حتى موعد التصديق عليه من قبل مؤسسات حلف الناتو، وتستغرق هذه الفترة حسب تقديرات المسؤولين في حلف الناتو من 4 إلى 12 شهرًا. السؤال الأبرز والأكثر الحاحا: كيف ستعيش وتكون فنلندا خلال (الفترة الرمادية)؟ ما احتمالات تعرض فنلندا الى اعتداءات من قبل روسيا سواء عسكرية مباشرة، هجمات سوبرانية (اليكترونية) أو إجراءات أخرى؟ ما حجم المشاكل الاقتصادية الناجمة عن ذلك؟ وأسئلة أخرى متداخلة.
ورغم تهديد وزارة الخارجية الروسية بأن موقف فنلندا الجديد يتطلب اتخاذ خطوات انتقامية، ذات طبيعة عسكرية - تقنية وغير ذلك، إلا ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قلل من أهمية انضمام فنلندا والسويد الى حلف الناتو، وأعلن بأن هذا لا يهدد موسكو بشكل مباشر، لكنه شدد على أن أي توسع في البنية التحتية العسكرية للحلف من شأنه أن يؤدي إلى رد من قبل روسيا، في خطوة بدت وكأنه يسحب من البلدين بساط الحماس والنشوة لهذا القرار،  كل هذا ترك تأثيره على التوقعات في نوع الرد الذي ستلجأ أليه روسيا انتقاما من الجار الذي تربطها به حدود طولها 1300 كم وانحاز كليا الى الجبهة الاخرى التي يعتبرها الكرملين تهدد وجوده الجيوـ سياسي.
بادرت العديد من دول أعضاء حلف الناتو، في مقدمتهم بريطانيا، لتقديم ضمانات أمنية لحماية فنلندا والسويد رسميا خلال (الفترة الرمادية)، الا ان هاجس مخاطر العمل العسكري الانتقامي الروسي دفع الرئيس الفنلندي للسفر الى واشنطن مع رئيسة الوزراء السويدية، لإبلاغ رسالة غير مباشرة الى موسكو، والى الحكومة التركية في نفس الوقت، التي عارضت انضمام البلدين الى حلف الناتو بحجج سماحهما بنشاط حزب العمال الكردستاني وفرضهما حظراً على توريد الأسلحة إلى تركيا منذ عام 2019.
أولى الخطوات الانتقامية التي باشرتها روسيا مع فنلندا قيامها بطرد عدد من الدبلوماسيين الفنلنديين، ثم قطعت الكهرباء، التي تغطي نسبة حوالي 10 في المئة، من احتياجات فنلندا من الكهرباء، وبينت الجهات المسؤولة انها ستتمكن من توفير هذه الكمية من إمدادات الطاقة الكهربائية من مصادر بديلة، ثم أعقبت روسيا ذلك بقطع الغاز، الذي يغطي أقل من عُشر استهلاك البلاد من الطاقة.
 ان قطع الغاز والكهرباء، سببا ارتفاعا في أسعار الكهرباء والمحروقات في عموم البلاد، فالبدائل، الكهرباء من السويد والغاز من بولندا، المستورد من دول أخرى، ويصل فنلندا عبر لاتفيا وليتوانيا، أصبح أكثر كلفة. وتبعا لذلك أعلن معهد الموارد الطبيعية في فنلندا ان متوسط سعر المواد الغذائية شهد ارتفاع بنسبة 10 في المئة هذا العام مقارنة بمستويات العام الماضي، وستؤدي الزيادات المتوقعة في أسعار الحبوب واللحوم ومنتجات الألبان إلى زيادة متوسط فاتورة البقالة للأسرة بما يصل إلى 500 يورو هذا العام. وبدا واضحا ان الحرب في أوكرانيا وظلالها على فنلندا، ألقت كما متوقع بتأثيرها على ميزانية الدولة، وسط مخاوف المعارضين للانضمام لحلف الناتو بكون هذا سيسبب في تراجع الانفاق الحكومي على قطاعات الصحة والتعليم مثلا، وإذا ألقينا نظرة على البيانات الحكومية سنجد ان الحكومة الفنلندية اقترحت مؤخرا زيادة صافي الإنفاق بنحو 2.3 مليار يورو في مسودة الميزانية التكميلية الثانية لهذا العام وحددت أنه سيتم تخصيص ملياري يورو لميزانيات الدفاع، وهذا سيزيد من إجمالي دين الحكومة المركزية على الميزانية إلى 138 مليار يورو في نهاية عام 2022.
على العموم نجد ان الحياة تسير بشكل طبيعي في فنلندا، فالمهرجانات الموسيقية ومباريات الهوكي، اللعبة الأكثر شعبية، تستمر بحضور جمهور كبير، والكثير من المواطنين يستعدون لنزهات الصيف حيث البحيرات والغابات، وبينت الاستطلاعات ان 86 في المئة من الفنلنديين يرون أنه من المحتمل أن تمارس روسيا ضغوطًا مختلفة على فنلندا أثناء الفترة الرمادية، وان هناك فقط نسبة 30٪ ممن يرون سيكون عمل عسكري روسي انتقامي.
ورغم بعض التهويل في بعض وسائل الاعلام العالمية لكننا نجد انها لا تعكس كامل الحقائق، ومن الطبيعي ان البلاد تستعد لكل الاحتمالات، فمنذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، صار معروفا ان باب التطوع فتح في فنلندا وشارك الكثير من الافراد في التدريبات العسكرية التطوعية، بل وتسعى وزارة الدفاع الفنلندية لأجراء تعديلات على قوانين حيازة الأسلحة والذخيرة لتسهيل حصول الموطنين على السلاح، أيضا قدمت الحكومة الفنلندية ما يزيد عن ثلاثة ملايين يورو لمنظمات الدفاع الوطني كمساعدة، خصص معظمها لجمعية تدريب الدفاع الوطني الفنلندية  التي تنظم تدريبات الرماية.  وسمحت الحكومة الفنلندية في الفترة الأخيرة، لوسائل الاعلام للكشف عن استعدادات البلاد في توفير الملاجئ الحصينة الكافية للسكان في خطوة غير مباشرة لطمأنت المواطنين، وبث خطاب هادئ لا يثير الرعب، مع توجيه المواطنين للاحتفاظ بما يكفي من الشموع والماء لعدة أيام تحسبا للطوارئ وأيضا مؤنة كافية من الأغذية الجافة والمعلبات. 
 

23
المنبر الحر / الكباب وحلف الناتو
« في: 21:45 17/05/2022  »
الكباب وحلف الناتو

هلسنكي ــ يوسف أبو الفوز
حالما أعلن الرئيس التركي طيب اردوغان تحفظه على رغبة فنلندا والسويد الانضمام الى حلف الناتو، متذرعا بكون البلدين يسمحان على اراضيهما بنشاط منظمات كردية يضعها النظام التركي على لائحة الإرهاب، حتى تعالت التعليقات وردود الأفعال، واعلن اليوم عن ارسال وفد دبلوماسي فنلندي وسويدي الى انقره لتقصي الامر ومحاولة الوصول الى تسويات ويبدو ان الجانب التركي قد تعلم جيدا لعبة ابتزاز دول الاتحاد الأوربي للخروج بتنازلات ومساعدات، وفي البال ازمة اللاجئين والمليارات التي استلمتها تركيا لحفظ الحدود!
الطريف في الامر، صدور تصريح صحفي، وزع لوسائل الاعلام والمراسلين، من النائب ميكو كارنا (مواليد 1980) عن حزب الوسط  يدعو فيه الفنلنديين ، ولأجل الضغط على الحكومة التركية للتراجع عن تحفظها وتعلن الموافقة على قبول فنلندا والسويد في حلف الناتو، لمقاطعة رحلات العطلات التركية ومطاعم الكباب التركي والسيارات التركية الصنع،  وحسب تعبيره ( ليذوق أردوغان دوائه) ، لكن النائب لا ينسى ان يذيل بيانه مؤكدا ( ومع ذلك أنه لا يزال من المفيد تناول الكباب الذي يصنعه الكرد).
مساء 16 أيار 2022
 

24
جدل بشأن انضمام فنلندا الى حلف الناتو!


مسيرة الأول من أيار وشعارات معارضة الانضمام لحلف الناتو

يوسف أبو الفوز

يجمع الكثير من المراقبين على ان اعلان فنلندا، لطلبها الانضمام الى حلف الناتو أصبح وشيكا وأمرا واقعا، وانه يخضع للمسات الأخيرة، فالجميع في البلاد يتحدث الان عن التغيير الكبير في البيئة الأمنية في أوروبا واستطلاعات الراي تعكس ميل الشارع الفنلندي لطلب الانضمام. والمتابع يلاحظ كيف راحت الدبلوماسية الفنلندية تنشط، سواء عن طريق وزير خارجيتها بيكا هافستو(الخضر) أو رئيسة الوزراء سانا مارين (الاشتراكي الديمقراطي)، لإجراء اللقاءات مع قادة دول العالم للحصول على ضمانات امنية دولية للفترة الحرجة، من تاريخ تقديم الطلب المتوقع في مؤتمر الحلف في مدريد نهاية حزيران القادم، حتى نيل العضوية، والتي عادة تستغرق ثلاث شهور حتى 12 شهرا، وذلك تحسبا من إجراءات انتقامية ما من الجانب الروسي، سواء بالهجوم العسكري المباشر، او هجوم اليكتروني، او اعمال تخريبية.
النقاشات في مجلس النواب الفنلندي، مستعرة، من يوم بدء الهجوم الروسي على أوكرانيا، وزادت حدتها، بعد تقديم وزارة الخارجية الفنلندية، كتابها الأبيض، الذي احتوى تقييم الوضع الأمني واحتمالات الانضمام لحلف الناتو. وحسمت غالبية الاحزاب الفنلندية، في الحكومة والمعارضة موقفها في اعلان دعمها طلب عضوية الناتو لو تم تقديمه رسميا. واعلن ساولي نينستو رئيس الجمهورية (الاتحاد الوطني الفنلندي)، بانه سيعلن موقفه قريبا، وينتظر المراقبون الأيام القادمة اعلان موقف حزب اتحاد اليسار ورئيسة الوزراء سانا مارين وحزبها الحزب الاشتراكي الديمقراطي (يسار)، وسبق لحزب الائتلاف الوطني  المعارض (يمين تقليدي)  ان دعا للانضمام إلى الناتو منذ عام 2006 ، وفي نيسان أعلن حزب الفنلنديين الحقيقيين المعارض ( يمين متطرف) دعمه لطلب الانضمام إلى الناتو، وقالت رئيسة الحزب الفنلنديين ريكا بيرا إن مجلس حزبها صوت بـ 61 مقابل 3 لصالح العضوية.وفي الشهر الماضي أيضًا ، اعلن حزب الوسط (وسط)، الذي عرف عنه دعمه لسياسة عدم الانحياز العسكري ، إنه سيدعم انضمام فنلندا إلى حلف الناتو، كذلك حزب الخضر(يسار) ، وأيضا التحق بركب المؤيدين اصغر أحزاب المعارضة ، حزب الديمقراطيين المسيحيين (يمين الوسط )،  إذ اعلن  مجلس الحزب تأييده بأغلبية ساحقة.
ورغم ان حزب اتحاد اليسار يعتبر تقليديًا من أكثر الأحزاب الفنلندية المناهضة لحلف الناتو داخل مجلس النواب، وهو أساسا انضم إلى الحكومة الائتلافية بقيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي قبل ثلاث سنوات بشرط ألا يقود البلاد نحو أي تحالف عسكري، الا ان الحزب يخوض الان صراعا فكريا شديدا بين صفوف قيادته، فقد أعلن فقط تسعة من أصل 16 نائبا من نوابه معارضتهم انضمام فنلندا إلى حلف الناتو.
وتبدو الأمور مقلقة جدا، لان المتوقع انسحاب حزب اتحاد اليسار من الحكومة الائتلافية، فيما إذا قرر مجلس الحزب معارضة الانضمام الى حلف الناتو، فهذا سيدخل البلاد في ازمة وزارية،  * خصوصا ان الحكومة الائتلافية الحالية (حكومة يسار ـ الوسط) تواجه الان حركة إضرابات مستعرة ومستمرة، من قبل العاملين في الصحة والتعليم، وبمساندة العديد من النقابات تطالب برفع الاجور وتحسين ظروف العمل.
وواصل الحزب الشيوعي الفنلندي، وهو خارج مجلس النواب، حملته المضادة للانضمام الى حلف الناتو، متعاونا مع مجموعة منظمات يسارية أخرى، منها جمعيات فنانين وكتاب تنخرط فيما بينها بمجلس تنسيقي، وتدير محاضرات وندوات واشتركت بتظاهرات الأول من أيار تحت شعارات معارضة لحلف الناتو.
من جانبه قال الأمين العام لحلف الناتو، ينس ستولتنبرغ، إنه إذا قررت فنلندا الانضمام إلى التحالف العسكري، فإن عملية الانضمام ستكون (سلسة وسريعة)، فوفقا لتصريحاته بمجرد أن يتم الاتفاق على بروتوكول الانضمام، ستشارك فنلندا فعليًا في اجتماعات وأنشطة الناتو على جميع المستويات، بصفة (المدعو)، بعدها تكون مرحلة التصديق في 30 برلمانًا في 30 دولة من أعضاء الحلف، وأشار الى ان هناك إشارات ورسائل من جميع الحلفاء تشير الى انهم سيحاولون القيام بذلك في أسرع وقت ممكن.
من جانبها واصلت الصين، الحليف القوي لروسيا، خلال هذه الازمة، تحذيراتها من قرارات توسع الناتو نحو الشرق، وقال مؤخرا نائب وزير الخارجية الصيني لو يو تشنغ، إن ذلك سيكون خطأ آخر سيؤدي إلى كارثة. واضاف بإن (استغلال النزاع الروسي الأوكراني لإثبات ضرورة توسع حلف الناتو تجاه الشرق هو مثال على تبديل الأماكن بين السبب والعواقب). وفي الوقت الذي تتواصل به المعارك العسكرية بين الجانب الروسي والأوكراني على الأرض وتبادل الاتهامات الاعلامية، يكرر الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، إن أي اتفاق سلام مع روسيا يجب أن يكون قائما على عودة القوات الروسية إلى المواقع التي كانت تتمركز فيها قبل بدء غزو بلاده في فبراير/شباط الماضي، وتواصل الماكنة الإعلامية الروسية التأكيد بأن (العملية الخاصة) لروسيا في أوكرانيا ليست عدوانا عسكرياً، ولكنها صراع لاستئصال النازية .
 هلسنكي ـ 7 أيار 2022

*   يوم 8 أيار، أعلن حزب اتحاد اليسار عن استمرار بقاءه في الحكومة بمعزل عن الموقف من انضمام فنلندا لحلف الناتو.
 

25
فَلْتَكُن الكتابة بالبارود: حوار مع الروائي العراقي يوسف أبو الفوز

شريف الشافعي ـ القاهرة
   
تكتسب تجربة العراقي يوسف أبو الفوز ثراءها المضاعف من كونها تجربةَ حياةٍ، ونضالٍ سياسي وفكري واجتماعي وحقوقي، ومعاناةٍ في السجن والمنفى، قبل أن تكون تجربة إبداعية خالصة في كتابة الرواية والقصة. ولعل فكرة "الكتابة" نفسها لديه، كما يظهر جليًّا في سلسلة أعماله، تنبع من حالة انتماء، صريح وضمني، إلى "كتيبة"، بالمعنى العسكري المباشر. ومن ثم، فإن القلم يجب شحنه عادة بالبارود قبل الحبر، حيث يمارس الأديب والمثقف العضوي أدوارًا متعددة على الأرض الملتهبة بالأحداث، ولا يمكن أن تنسلخ الكتابة عن هذه الأدوار المتشابكة.
منذ كتاباته الأولى وبدايات تجربته، لم يتخلّ يوسف أبو الفوز، المولود في مدينة السماوة جنوب العراق في العام 1956 لعائلة عمّالية فقيرة، عن تلك الرؤية الواضحة، التي تمزج جماليات الأدب كهدف غائي بضرورات أخرى اجتماعية واقتصادية وسياسية، وقضايا إنسانية مصيرية، لا يمتلك المبدع ترف تخطّيها بدعوى الاكتفاء بالمتعة والنصوص النقية، وإلا فإنه يعيش في فراغ، وينعزل عن مجتمعه وذاته في آنٍ.
توازَى اهتمامه المبكر بالكتابة ونشر قصصه في الصحف والدوريات العراقية، مع معارضته السياسية ورفضه الانضمام إلى حزب البعث، ما دفعه إلى الاختفاء لمدة عام خوفًا من الملاحقة، قبل أن يضطر إلى مغادرة العراق في 1979، إلى السعودية، ومنها إلى الكويت، حيث عمل في الصحافة الكويتية بأسماء مستعارة، قبل أن يلتحق بحركة "الكفاح المسلح" مع قوات الأنصار الشيوعيين في كردستان العراق في 1982 لمقاومة نظام صدام حسين. وجرّاء حملة الأنفال للإبادة الجماعية، التي قام بها النظام العراقي برئاسة صدام حسين ضد الأكراد في كردستان العراق في 1988، بدأت مرحلة أخرى من مراحل تشرد يوسف أبو الفوز بين المنافي والسجون، وهي كلها محطات شكلت روافد ومنابع لكتاباته السردية.
في رحلة هروبه إلى أوروبا، اُعتقل أبو الفوز في إستونيا في 1994، وقضى تسعة شهور في سجونها، إلى أن اختاره السجناء العراقيون (قرابة مئة سجين) ليمثلهم أمام السلطات الإستونية. وأسفرت هذه الجهود الجماعية عن إطلاق سراحهم وقبولهم كلاجئين في فنلندا، بالاتفاق مع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ذلك بعد إصدارهم صحيفة احتجاجية، وتنظيمهم إضرابًا عن الطعام.
ومنذ العام 1995، حتى اللحظة الراهنة، ويوسف أبو الفوز يقيم ويعمل في فنلندا، ويستحضر صراعات عالمه الجديد في أعماله الأدبية، لكنه من جانب آخر يواصل مد أنشطته الحياتية والسياسية والإبداعية إلى العراق، الذي لم ينسه يومًا (لا يزال عضوًا في نقابة الصحفيين بكردستان العراق)، كما يمد أشرعته إلى العواصم العربية التي ينشر فيها أعماله المتتالية (صدرت أحدث رواياته بعنوان جريمة لم تكتبها أجاثا كريستي في القاهرة منذ أسابيع قليلة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، سلسلة الإبداع العربي).
تلك القرى.. تلك البنادق
 لم تمنع الهجرة الطويلة يوسف أبو الفوز من أن يبقى كاتبًا عربيًّا مهمومًا بأزمات بلاده والشأن العربي الداخلي وأوضاع اللاجئين والمهاجرين العرب إلى أوروبا وغيرها من القضايا الجوهرية، بالطريقة التي أرادها منذ البداية (الكتابة بالبارود). كما أنه لم يفقد تواصله الجسدي مع العراق والعواصم العربية، بزيارات متكررة، أحدثها زيارته القاهرة في فبراير/شباط 2022، حيث أقيمت ندوة في المركز الدولي للكتاب لمناقشة روايته جريمة لم تكتبها أجاثا كريستي، حيث التقته المنصة بعدها، في هذه المقابلة أو الفضفضة الحميمة، سعيًا إلى استجلاء بورتريه متكامل لملامحه الإبداعية والإنسانية، عن قرب، ومن دون رتوش.
يتسع بروفايل يوسف أبو الفوز الخصيب لمساحات لا منتهية من الإطلالات المتعمقة، التي تتجلى من خلالها علاقة الأدب بالسياسة، المتجسدة بوضوح في الأدب العراقي المعاصر، حيث انخراط الأدباء في كيانات وتنظيمات وتكتلات جماعية، إلى جانب دور الأدب الطبيعي في المقاومة بالكلمة. كما تتبدى معاناة الكتابة التي تنشد الحرية، في واقع عربي يسوده الخطاب السياسي الأحادي القمعي، وتتضح انعكاسات السجن والمنفى والاغتراب على الكتابة الإبداعية الراهنة، ويتكشف موقع كتابة أدباء المهجر الجدد بين الواقع والتخييل، خصوصًا في طرح قضايا حيوية ومصيرية مثل الصراع الحضاري واضطهاد العرب واللاجئين وتعرض المنفيين لضغوط من العنصريين والنازيين الجدد في أوروبا.
كما تحيل تجربة أبو الفوز الثرية إلى أبجديات الرواية العربية الجديدة وتقنياتها المستحدثة، وتسلحها بآليات تشويقية مثل البوليسية والاشتغال على الجريمة للوصول بالحالة الخاصة إلى الهم الإنساني المشترك، وكذلك تأثرات الكتابة الجديدة بالنشر الإلكتروني والعصر الرقمي وهيمنة السوشيال ميديا، وأمور كثيرة متنوعة ذات صلة، مبعثها رسوخ تجربته وزخمها.
في مجموعتيه القصصيتين عراقيون (1985)، و تلك القرى.. تلك البنادق (2007)، يستحضر يوسف أبو الفوز أسرار تجربة قوات الأنصار الشيوعيين، والكفاح المسلح في كردستان العراق. وفي مجموعتيه أنشودة الوطن والمنفى (1997) وطائر الدهشة (1999) يستفيض في سرد تداعيات المنفى وحالات اللجوء العراقي إلى الدول الغربية، فيما يسمى "أدب اللجوء".
وفي تضاريس الأيام في دفاتر نصير (2002) وشقائق النعمان (2003) يقدم مذكرات ونصوصًا وخواطر وشهادات حول تجربة الأنصار الشيوعيين، وشهداء الحزب الشيوعي العراقي. أما روايتاه تحت سماء القطب (2010)، وجريمة لم تكتبها أجاثا كريستي (2022)، فيسهب فيهما في تقصي أحوال العراقيين والعرب في أوروبا، وتفاصيل حياتهم، ومعاناتهم في ظل صراع الحضارات.
وعبر روايته مواسم الانتظار (2021) يتناول أبو الفوز جوانب من تاريخ الحياة السياسية والحزبية في العراق، فيما يتحرى في روايته كوابيس هلسنكي (2011) موجات التطرف في أوروبا، سواء المتصلة بالإسلام السياسي، والمتعلقة بالأحزاب والجماعات الأوروبية المتعصبة، من قبيل النازيين الجدد، وصولًا إلى الكوابيس التي يعانيها الإنسان العراقي بصفة عامة في حياته اليومية، سواء ظل في وطنه، أو هاجر منه.
حول هذا التماهي بين الإبداعي والسياسي والاجتماعي، في حالة الأدب العراقي المعاصر على وجه الخصوص، وتعدد وظائف الأدب، وأدوار المثقف العضوي الفاعل، يرى يوسف أبو الفوز أن أحوال الأدب والسياسة تتشابك في معظم بلدان الشرق الأوسط، ومنها العراق، حيث "يعتبر الأدب عامل إزعاج دائم لرجال السياسة، بحكم كون الأدب بحاجة دائمة لفضاء واسع من الحرية للقدرة على التعبير عن رؤية خاصة ووجهات نظر مختلفة، غالبًا ما تتقاطع مع خطاب السياسي، الذي لا يريد من المثقف عمومًا سوى أن يكون أداة إعلامية تابعة له".
من هنا، وفق أبو الفوز، ينتظر أن يقوم الأدب، وبالتالي المثقف الحقيقي، وبالتحديد المثقف العضوي، المرتبط بهموم الناس وتطلعاتهم، بالكثير من العمل الجاد، لا يقتصر على تسليط الضوء على خراب الواقع المحيط بنا، وكشف هموم الإنسان المتطلع لحياة حرة كريمة، بل السعي لتغيير هذا الواقع نحو الأفضل، سواءً من خلال الأعمال الأدبية التي تنتصر للإنسان وطموحاته المشروعة، أو حتى الانخراط المباشر في العمل السياسي والاجتماعي الثقافي من خلال إطارات وكيانات، يكون ضمن مهامها، إيجاد آليات تردم الثغرات ما بين السياسي والمثقف، وتسعى إلى تحويل الثقافة الى سلوك حياتي واعٍ.
"شخصيًّا، ككاتب ذي تطلعات علمانية تنويرية، أعمل لأجل مجتمع متحضر مدني، مجتمع المؤسسات والقانون والعدالة الاجتماعية. أحاول في كتابتي تعرية كل ما هو معيق لحرية الإنسان، وأسعى إلى كسر (التابوهات) المتوارثة، وأجتهد لتقديم شخصية الإنسان الذي لا ينهزم رغم تحطمه، وأقدم صورة المرأة القوية، رغم كل معاناتها، والإنسان الكادح صاحب الكبرياء رغم ذل الفقر"، يقول أبو الفوز، مؤكدًا إيمانه بقوة بالمستقبل، انطلاقًا من التجربة التاريخية الإنسانية، ويعقّب "رغم معرفتي بأني لن أشهد هذا المستقبل، فهو بعيد إلى حد ما، لكنني أؤمن به وأعمل لأجله بكل تفاؤل، وأحاول الإسهام بخلق وعي جمعي للعمل من أجله، من أجل غد الإنسان المشرق".
أحضان المنفى وجرائمه
في أحدث رواياته جريمة لم تكتبها أجاثا كريستي، ينكأ يوسف أبو الفوز جراح المنفيين والمهاجرين العراقيين والعرب إلى أوروبا، مستعيدًا مقولات الصراع الحضاري، وموازنًا بين الأحداث والشخصيات الحقيقية والفضاءات الفنية التخييلية. ويرسم عبر صفحاتها صورة بانورامية للمشهد الحياتي في هلسنكي، وما ينطوي عليه من الظروف القاسية المحيطة بالمهاجرين العرب، الذين قد يرتكبون الجرائم أحيانًا بفعل معاناتهم وفقرهم وصدمتهم الحضارية وعدم تكيفهم مع المجتمع الجديد.
أو ربما يكونون ضحايا أحيانًا لجرائم وهمية يجري تلفيقها لهم بسبب جماعات الضغط والكراهية الغربية، التي قد تمارس عنصريتها ضدهم كذلك، وتسعى إلى طردهم، وهنا يدركون أنهم هربوا من سجون بلادهم وويلاتها إلى ظلم وظلمات خارج الحدود. ويتسع مفهوم الجريمة في الرواية من حالة قتل فتاة عراقية في المنفى في ظروف غامضة، ليشمل كل البشاعات غير المبررة التي تُمارس ضد الإنسانية.
حول سنوات المنفى الطويلة وانعكاسات تجربة الاغتراب في كتابات يوسف أبو الفوز، التي تجمع الحقيقي والمتخيل، شخوصًا وأحداثًا، يوضح الكاتب العراقي أن اللجوء إلى المنفى لم يكن خيارًا سهلًا بالنسبة له، قائلًا "هو أمر أجبرت عليه شخصيًّا أمام تعسف نظام حزب البعث وشموليته وفاشيته. لكن المشكلة الأكبر أن المنفى، مع مرور السنين، صار عندي وطنًا ثانيًا. ورغم ظهور جذور جديدة، فإنها لم تنجح في إزاحة ومحو جذوري الأولى، التي تحدد هويتي الثابتة، كإنسان وكاتب عراقي. تعاملت مع موضوعة المنفى كوطنٍ ثانٍ وفر لي استقرارًا نسبيًّا، وفضاءات واسعة من الحرية، وأتاح لي الفرصة للاحتكاك بالآخر المختلف، ثقافة وحياة وقوانين، ما أسهم في توفير الفرصة لمراجعة تجاربي السابقة، وأيضًا متابعة الهموم الجديدة التي ظهرت في المنفى لي ولأبناء وطني".
ويسترجع أبو الفوز ما كتبه صديقه الشاعر الفنلندي ماركو كويفولا يومًا عن تجربته الأدبية في فنلندا بأن "يوسف أبو الفوز ككاتب يطير بجناحين؛ فنلندي وعراقي"، ويقول موضحًا "كان مصيبًا جدًّا. إذ أتيحت لي فرصة متابعة هموم أبناء وطني، وعموم المهاجرين، في المنفى، فسعيتُ لعكسها في أكثر من عمل روائي. ودائمًا تبدأ صفحات الرواية عندي، من مكان ما في المنفى، وأجتهد لعكس ظروف هذا المنفى وطبيعته، ثم ينتقل القارئ مع شخوص الرواية، إلى وطنهم الأول، بالاتكاء على أهم أدوات الكاتب المنفي والمغترب، وأعني الذاكرة والحنين، في محاولة لاستعادة الوطن البعيد".
وبحكم كونه كاتبًا واقعيًّا، يعتقد يوسف أبو الفوز أن الرواية شكل من أشكال الأعمال الأنثروبولوجية، أي أنها تهتم بالإنسان أساسًا، فيلجأ في أعماله الروائية إلى بناء الشخصيات بدراسة من حوله من بشر، فيجمع أجزاء شخصياته ويلملمها بتأنّ من حوله؛ من الناس الذين يعرفهم ويتعايش معهم، وبالاعتماد على خيال الكتاب، الذي يجعله الأساس في تجميع شظايا واقعية، تساعد في رسم شخصيات مبتكرة تشبه الجميع، ولا تشبه أحدًا.
"أجتهد في رواياتي وقصصي المكتوبة عن المنفى، لعكس تأثيرات الثقافة الأخرى على الإنسان المهاجر واللاجئ، وإبراز همومه، أحلامه وطموحاته، خصوصًا الجيل الثاني، بالإضافة إلى موضوعات التلاقح الحضاري والهوية والجذور. أدرك بالتجربة أن المهاجر أو اللاجئ لا يقطع تذكرة سفر باتجاه واحد، فهو يظل مرتبطًا بجذوره ووطنه، وتبقى همومه الأولى متداخلة وعميقة، وإن عاشها تحت سماء أخرى وسط أجواء اجتماعية وثقافية أخرى"، يقول يوسف أبو الفوز.
السجن صدفة العراقي
لا يكاد يخلو عمل قصصي أو روائي ليوسف أبو الفوز من ذكر أو إحالة إلى تجربة السجن، الذي قد يكون ثمنًا لجريمة، أو لنضال سياسي يجري التصدي له بالبطش والتنكيل. وعانى أبو الفوز من التعرض للسجن أكثر من مرة، الأمر الذي أثر في تشكيل تجربته الإبداعية وصياغة شخوصه الفنية.
"من الطريف، كوني خارج وطني العراق، أنني تعرضت مرارًا للسجن والاحتجاز لفترات مختلفة، فقط لكوني عراقيًّا، لا أحمل أوراق سفر رسمية. عرفتُ الاحتجاز الطويل في إيران، والاعتقال لأسابيع في سوريا، والسجن تسع شهور في إستونيا. وفي كل التجارب التي مرت، كان واضحًا جدًّا لي أهمية امتلاك الإنسان لحريته، فهي التي تحدد كينونته، وأن جدران الزنزانة، بخاصة إذا كانت ظالمة، تسحق كرامة الإنسان، فيتحول السجين إلى مجرد شيء يمكن التحكم به من قبل صاحب السلطة، يرسم أفعاله وفق أوامر السجان، ونظام السجن"، يقول يوسف أبو الفوز.
في تلك الأيام، برزت عنده أيضًا أهمية امتلاك الإنسان لحريته الداخلية، لمقاومة عسف السجان وجدران الزنزانة. كانت ترن في باله دومًا نصيحة يوسف سلمان يوسف، مؤسس الحزب الشيوعي العراقي (أعدم عام 1949)، لرفيقه الفنان رشاد حاتم، وكان سجينًا معه، يشكو من ثقل جدران السجن على روحه وفرشاته ولوحته، فقال له "ادفع الجدران بعيدًا عنك، وسترى الأفق البعيد". فالحرية، كفكرة، يمكن للكاتب أن يمتلكها حتى وإن كان بين جدران زنزانة. يمكن للسجان أن يقيد حركته الفيزيائية، لكنه لا يمكنه أن يقيد أفكار الكاتب وروحه. هكذا ظهرت أجمل قصائد المقاومة، التي كتبها العراقي مظفر النواب، وخسرو روزبه الإيراني، وآخرون.
هكذا، وجد أبو الفوز ذاته في العديد من أعماله يستعيد أجواء السجن، ليعكس توق الإنسان الدائم للحرية، وقبح سلب الإنسان حريته لمجرد أن له رأيًا آخر مختلفًا. ويقول "في وطننا العربي، يجد المثقف نفسه سجينًا في زنازين متراكبة ومتداخلة، وفق أحكام العادات والتقاليد والدين والسياسة، فينصب بعض الكتاب لنفسه بنفسه رقيبًا داخليًّا، ويرسم خطوطًا حمراء يخشى تجاوزها. أما عن دور النشر العربية الرسمية، فإنها تلتزم بصرامة بقوانين التابوهات المعروفة؛ السياسة، الدين، الجنس. والدور غير الرسمية تعتمد على توجهها الفكري، ما يضطر الكاتب للالتفاف على الرقيب بوسائل مختلفة، تعبيرية أو بلاغية أو رمزية. ومحظوظ جدًّا من يتعامل مع ناشر ذي فكر تنويري، يمنحه الحرية في التعبير عن آرائه بحرية، وهم للأسف قلة نادرة".
لعبة البناء
تبدو رؤية يوسف أبو الفوز للكتابة وتقنياتها، وأدبيات الرواية المعاصرة وانزياحاتها الجمالية والأسلوبية في عصر الصورة والاتصالات والرقمية والإنترنت والتواصل الاجتماعي، رؤية طليعية متجددة، على الرغم من وجود ثوابت لديه تتعلق بوظيفية الإبداع والتزامه الاجتماعي. وفي أعماله، هناك دائمًا استشراف للتيارات والأبجديات المبتكرة في المعالجة والتناول والصياغة، كما أنه يحرص على أن تكون أعماله، خصوصًا الروايات، بمثابة حياة كاملة موازية، بكل ملابساتها وتعقيداتها وصراعاتها ودوائرها المستغلقة.
يشير الكاتب العراقي إلى أن الرواية تملك فضاءً رحبًا لقول أشياء كثيرة، فهي توفر الفرصة للكاتب لإبراز قدراته في السرد وبناء الشخصيات. "شخصيًّا، أنا مغرم بلعبة بناء حبكة متينة تربط الأحداث والشخصيات وفق منطق مبرر، وأستمتع جدًّا بهذا عند كتابة الرواية، بشكل لا يتوفر عند كتابة قصة أو قصيدة. في بداياتي المبكرة، كنت مشتتًا، لا أعرف ما الذي أريد. كتبت كل الأجناس الأدبية، من شعر وقصة ومسرحية ومقالات. وبعد وصولي فنلندا، مطلع عام 1995، توفر لي استقرار نسبي لخوض مغامرة إنجاز كتابة أول عمل روائي تحت سماء القطب، ثم توالت الأعمال الأخرى، التي كان فيها مستقبل العراق همي الأول"، يقول أبو الفوز.
ويوضح أن الرواية تمنحه المجال أيضًا لخوص مغامرات تكنيكية، كذلك القالب البوليسي التشويقي في روايته الأحدث جريمة لم تكتبها أجاثا كريستي، متسائلًا "هل هي الرغبة في تقديم شيء جديد غير مسبوق؟"، ويجيب "ربما. لكن باعتقادي أن محاولة إشراك القارئ في العمل الروائي، التي طالما كانت أحد هواجسي أثناء الكتابة، كانت أحد الدوافع المهمة لاختيار هذا القالب. أيضًا التفكير بعدم ترك الملل يصيب القارئ أثناء قراءة العمل الروائي، كان دافعًا آخر.
كنت أريد أن يتلهف القارئ لمعرفة النتائج. بالإضافة إلى أن فكرة الرواية، بأن ثمة جرائم عديدة ترتكب بحق الإنسان، تتجاوز مفهوم الجريمة المباشرة في القتل وإفناء الجسد، كانت أيضًا دافعًا مهمًّا لجعل القارئ يتعرف في النهاية أن هناك جرائم لها أشكال مختلفة، كجريمة سرقة الوطن والكرامة الإنسانية، وجريمة التمييز والعنصرية، وجريمة الطائفية الدينية، وجريمة قمع الحريات والآراء، وغيرها".
ويعتبر يوسف أبو الفوز نفسه محظوظًا بترجمة بعض أعماله الأدبية إلى الفنلندية والكردية، لأن الترجمة ضمان لوصول الرسالة إلى لغات أخرى، وهذا أحد أهم أحلام أي كاتب. ويرى أن نشر رواياته بالفنلندية له دور في ترسيخ "أدب اللجوء"، الذي يركز على قضايا الهجرة واللجوء في العالم الغربي.
ويتصور الكاتب العراقي أن الرواية العربية الجديدة قد تلاقحت مع مستجدات الحياة وتطوراتها، من حيث المضمون والتقنية واللغة، ومن أبرز المؤثرات على الرواية الثورة الاتصالاتية والمعلوماتية والإنترنت والسوشيال ميديا، كما صار للنشر الإلكتروني شأن كبير، ويقول "نشرتُ بعض قصصي القصيرة على مواقع الإنترنت، لكنني ما زلت أميل إلى اقتناء الكتاب الورقي، وبالتالي أفضل أن يطلع القراء على أعمالي ورقيًّا. ما زلت أشعر بأن ملمس الورق ورائحته يولّدان تفاعلًا خاصًّا بين القارئ والنص ضمن طقوس مبجلة، بينما الشاشة الإلكترونية تفقد القارئ هذا الإحساس".
ويرى أبو الفوز أن النشر الإلكتروني قد يكون حلًّا للفكاك من قسوة الرقابة الرسمية، ووضع حد لسوء العلاقة بين المؤلفين وعموم الناشرين المستغلين والمجحفين. ويقول في ختام حديثه مع المنصة "أعتقد أننا في بلادنا العربية بحاجة إلى أن نلحق بركب الحضارة، بوجود مكتبات إلكترونية ومنصات تسويق كتب تنظم وفق معايير دولية خاصة بالنشر، فالمستقبل يشير إلى أن سوق النشر الإلكتروني سيكون رائجًا".




26
الشهداء يحبون الحياة: ما تهبون؟


يوسف أبو الفوز


كان ذلك في ايار 1982، في مقر انصار الحزب الشيوعي العراقي ـ الفوج التاسع في مناطق ريف السليمانية، على مقربة من قرية حدودية أسمها "دولكان"، حيث نظم المقاتلين الانصار حفلا بمناسبة عيد العمال، وكان عريف الحفل الشهيد أَبُو رِياض ــ محسن شنيشل، الشخصية الآسرة والمربي ذو التجربة، الذي أعتقل وأعدم عام 1983 أثناء اداءه مهامه الحزبية النضالية في مناطق الفرات الاوسط أثر وشاية من خائن (+ الخائن عدنان الطالقاني المعروف باسم  ابو هيمن الذي اشتراه النظام الديكتاتوري وجنده ليكون ضبعا اوجع الحزب بخيانته ويعيش في السويد حاليا ، وقد طلقته زوجته وتخلى عنه ابنه بعد ان اكدوا خيانته وفضحوه).
 في هذا الحفل أراد أَبُو رِياض ان يقدم شيئا جديدا، فوزع مجموعة من الانصار بين صفوف حضور الحفل، وهؤلاء الانصار تم تجميعهم واعتبارهم "الفرقة الفنية" إذ تدربوا سريعا على بعض الاغاني الثورية ومنها النشيد الاممي. أخبرهم الرفيق أَبُو رِياض بأنه ما ان تنتهي دقيقة الحداد على ارواح الشهداء ويقول "شكرا" حتى يبدؤون معا غناء النشيد الاممي: هبوا ضحايا الاضطهاد.. الخ .
تقاطر سكان القرى القريبة، حضر ممثلي بعض القوى السياسية من المعارضة الايرانية والعراقية، وكان هناك رفيقان من قيادة الحزب الشيوعي العراقي، وقد زين المكان بشكل يليق بالمناسبة، والروائح الزكية تهب من المطبخ، حيث ينتظر الجميع بعد الحفل وجبة طعام مع اللحم، وهذا أمتياز لا يتكرر في حياة الانصار الا ثلاث مرات في الشهر. كان البرنامج حافلا بالكلمات السياسية والفقرات الفنية، واداره أَبُو رِياض ببراعة وظرافة. يملك أَبُو رِياض صوتا جهوريا مما أهله لعرافة الحفل لعدم وجود ميكروفات ومكبرات صوت، ويحب رفاقه لكنته الريفية التي تتسلل رغما عنه الى لغته العربية القويمة.
 بدأ الحفل بترحيب أَبُو رِياض بالحضور والضيوف واعضاء قيادة الحزب، وقرأ كلمة استهلال قصيرة تحييّ المناسبة، وطلب من الحضور الوقوف دقيقة حداد على ارواح شهداء الطبقة العاملة والانصار والحركة الوطنية.  ثم رفع راسه ودار بين الوجوه باحثا عن اعضاء "الفرقة الفنية" وقال "شكرا". لم ينشد أحد!
 غمز بحواجبه للنصير "أبو سيف" وقال بصوت أعلى "شكرا". لم ينطق أحد.
 رفع يده مثل مايسترو وقال بصوت غاضب "شكرا". لكن أحد من اعضاء "الفرقة الفنية " لم يبادر للغناء.
 سادهم الارتباك وزاد من ذلك انفعال أَبُو رِياض وطريقته بتحريك حواجبه لتذكيرهم بواجبهم فغص بعضهم بالضحك، ففار الدم في عروق أَبُو رِياض الفلاح، وصاح بصوت عميق وغاضب: يا أبو سيف.. يا هدى.. وأنته يا.. أشبيكْم .. وينكْم ..هبوا.. هبوا .. مالكْم ما تهبون .. هبووووووا ضحايااااا الاضطهااااااد !

27
تأملات للمناقشة  (4)
(Fast Food) الثقافة!

يوسف أبو الفوز
أتفق تماما مع القائل، بأن وسائل التواصل الاجتماعي، بحكم كونها سلاحا ذو حدين، أصبحت تحديا جديا لجمهور الكتاب وقراءة الكتب، فتأثيراتها سيئة على عالم طباعة الكتب واقتنائها وبالتالي القراءة، خصوصا ان عددا ليس قليلا، من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي يقضون جل أوقاتهم في الدردشة وتناقل المعلومات أو اكتشافات تطبيقات جديدة.
تكرر تقارير التنمية البشرية، الصادرة عن منظمات عريقة، مثل اليونسكو، بان الشعب الياباني الذي يعتبر من أكثر شعوب العالم حبا للقراءة، ورغم كل التطور التكنولوجي الهائل عندهم، فان الاحصائيات (أواخر عام 2021) تذكر بان 87٪ من اليابانيين ما زالوا يفضلون الكتاب الورقي، بل نجد في ميزانية الاسرة، ان حجم الانفاق على شراء الكتب يأتي في أغلب الأحيان بعد الانفاق الصحي. أما في بلدان الشرق الأوسط ــ منها العراق ـ فالأمر يبعث على الأسى. فتقارير التنمية البشرية تشير دائما الى ان القراءة هي في ذيل اهتمامات المواطن العربي، فمعدل ما يقرؤه سنويا هو ربع صفحة وذلك يتطلب ست دقائق فقط سنويا !!، بينما يكرس المواطن الأوربي 200 ساعة سنويا للقراءة، ويصدر في أوروبا مئتا كتاب مقابل كل كتاب يصدر في العالم العربي. هكذا أصبحنا نصطدم بتقارير ومتابعات تقول (ان أمة أقرأ تحولت الى أمة لا تقرأ). يعزو البعض ذلك الى الأرقام المخجلة في نسبة انتشار الامية (أكثر من 70 مليونا)، خصوصا بين النساء، وما يعانيه قطاع التعليم من تخلف في المناهج وطرق التدريس، ولا نغفل انتشار فضائيات النفط، ونوعية الثقافة السطحية التي تروج لها في برامجها والمسلسلات التي لا تكتفي بالابتعاد عن الواقع وانما تتعمد تزوير الوقائع والتاريخ. ولتتأكد من هذا تخدع نفسك يوما، وتدخل في نقاش مع (مثقف)! ـ عن شخصية في تاريخ العراق المعاصر، وإذ ترد معلومة ما، وتحاول عرض رأي أخر مغاير، حتى تصطدم بإصرار غريب على ما يقول ويتبين لك ان مصدره الموثوق هو المسلسل التلفزيوني الفلاني! لهذا لم استغرب كثيرا يوم كتب لي أحد المعارف، من اصدقاء الـ (فيس بوك) بأنه معجب بمقال لي منشور مؤخرا لكنه وجده طويلا، وحين عدت الى المقال وجدته 400 كلمة فقط.
وارتباطا بكل ما تقدم، صار منطقيا ظهور نوع جديد من النصوص والكتاب، أولئك الذين يطبخون وينشرون نصوصهم (= بوستاتهم) على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، على طريقة وجبات الطعام السريعة (Fast Food)، اكلات تحضر بسرعة، لا تشبع وغير صحية، لكنها لذيذة المذاق فيها كثير من البهارات والصاص، هذه النصوص هي خلطة حكايات سطحية (بطولات ربما!) مع صاص التهكم وبهارات الايحاءات (ممكن تكون جنسية)، مع قليل من أفكار ليبرالية (لا مانع من شتم الطائفية)، ليس مطلوبا هنا الاهتمام باللغة، ويمكن تغليفها ببعض الامثال الشعبية وثم تناولها وأنت في ...!
تجمع هذه النصوص في كتاب، ينظم لها حفل توقيع لينصبّ الكاتب / الكاتبة على أثرها مبدعا له مريدوه و(معجبون!) بالعشرات، بينما زيارة الـ (فيس بوك) والتوقف عند صفحة كاتب عراقي مخضرم، أفني عمره في اغناء الثقافة العراقية والعربية بنصوصه الأدبية المتفردة، وأوجد له أسلوبا متفردا في السرد، نحته وصقله بالاجتهاد والصبر، تجد ان متابعيه معدودون وأغلبهم من معارفه! وعلى تواضع تجربتي الادبية، مررت بهذا الحال أيضا، إذ لطالما نشرت نصوصا قصصية، في دوريات عراقية ثقافية عريقة، فأعيد نشرها على صفحات التواصل الاجتماعي، أقول ربما تصل الى بعض القراء، فأتعلم شيئا من ملاحظاتهم وتعقيباتهم. بعد أيام، أجد ان من مر هناك فقط بضعة انفار وجلهم من معارفي. الأيام القليلة الماضية وإذ استمتع بطقوس ما سميته (العزوبية المؤقتة) أثر سفر شريكة حياتي بعيدا وغيابها عن البيت، فجربت دخول المطبخ، وحاولت التفنن بطبخ اكلة (تبسي مشكل) العراقية، وعّن لي ان اضع صور الطبخة على موقع الـ (فيس بوك)، وخلال وقت قياسي انهالت وبالعشرات التعليقات والكومنتات والاعجابات والقلوب والاعتراضات و...، وما تزال مستمرة ويمكنك التأكد من ذلك...
ــ (ما يكفي دمع العين يا بوية ...)
وسنلتقي.

28
 
هلسنكي تدرس خيار الانضمام إلى حلف الناتو!

نيران الحرب الروسية في اوكرانيا.. هل ستصل إلى فنلندا؟


هلسنكي ــ يوسف أبو الفوز


مع استمرار الغزو الروسي لأوكرانيا، تمر العلاقات الروسية الفنلندية في أحرج مراحلها، وبدا أن حلف الناتو والولايات المتحدة الامريكية نجحتا في إثارة مخاوف وعدم ثقة فنلندا والعديد من دول المنطقة بالجانب الروسي، وضرورة الاستعداد للخطوات القادمة التي قد يلجأ لها حاكم الكرملين الغاضب، ومنها الحرب.  وإذ نشطت الدبلوماسية الفنلندية في البدء لمحاولة تجنب الحرب في أوكرانيا، فبعد حدوثها واستمرارها واستعصاء محادثات السلام الجارية بين الطرفين الروسي والاوكراني، بدا أن مسألة ضمان أمن فنلندا هي الأولية الأساسية للقيادات السياسية الفنلندية، وتبعا لذلك تغير كثيرا مزاج الشارع الفنلندي،  فبعد أن كانت فنلندا طويلا راضية وتتبع ما سمي بسياسة (الباب المفتوح) التي تتمثل في عدم الانضمام إلى حلف الناتو ولكن في الوقت نفسه عدم إغلاق الباب في التنسيق والتعاون مع الحلف في نشاطاته، وتبعا لهذا شاركت فنلندا في قوة حفظ السلام في أفغانستان، وعدد من المناورات العسكرية للحلف. تصاعدت مؤخرا الدعوات من قادة العديد من الأحزاب السياسية في البرلمان الفنلندي، بالدعوة للانضمام السريع إلى حلف الناتو كخيار أساسي، واشارت الدراسات الاستقصائية لشهر آذار المنصرم أن 60 بالمائة من الفنلنديين يؤيدون الآن الانضمام إلى الناتو وان النسبة قفزت 43 نقطة عن الخريف الماضي، واعلى مستوى لها منذ عام 1998. ورغم ذلك بدا ان القيادة الفنلندية، رغم مخاوفها، لا تريد اتخاذ قرار يؤثر مستقبلا على علاقاتها الإستراتيجية مع روسيا، الجار الأكبر، حيث الحدود بينهما تمتد لأكثر من ألف وثلاثمئة كيلومترا عبر غابات وبحيرات متشابكة، كما أن المصالح الاقتصادية والسياسية والاجتماعية متشابكة تاريخيا ومرت في منعطفات كثيرة.
مؤخرا طرحت وزارة الخارجية ما سمي بالكتاب الأبيض، وهو تقرير وزارة الخارجية، الذي يتناول الخيارات المطروحة أمام فنلندا لضمان أمنها آخذة في الحسبان علاقاتها مع روسيا. وأشار وزير الخارجية الفنلندي بيكا هافيستو (حزب الخضر) في أحاديثه الصحفية إلى أن التقرير لا يتضمن أي استنتاجات أو يقدم مبادئ توجيهية جديدة للسياسة الأمنية. وأوضح بان (التقرير يهدف إلى إتاحة الفرصة للبرلمان للمشاركة في نقاش واسع وشامل حول السياسة الخارجية والأمنية والدفاعية). ويذكر أن نصف التقرير يتناول قضايا الأمن الخارجي والسياسة الدفاعية، بينما يبحث النصف الآخر في الآثار الاقتصادية وأمن الإمدادات ومستوى استعداد فنلندا. ووصف التقرير غزو روسيا لأوكرانيا بأنه (انتهاك صارخ للقانون الدولي ويهدد أمن واستقرار أوروبا بأكملها)، وعن هذا قال هافيستو (إن الوضع الأمني في أوروبا وفنلندا أكثر خطورة وأصعب توقعًا من أي وقت مضى منذ نهاية الحرب الباردة. من المتوقع أن تستمر التغييرات لفترة طويلة)، وبين أن فنلندا حاولت الحفاظ على العلاقات الثنائية مع روسيا ضمن الحدود التي تسمح بها العقوبات المفروضة على روسيا. واحد من اهم الخيارات المطروحة في التقرير، هو الانضمام السريع إلى حلف الناتو، وهذا القرار، حتى لو تم فهو لا يحدث اوتوماتيكيا، بل يمر بمراحل، فرئاسة الجمهورية والوزراء عليهما اخذ موافقة البرلمان الفنلندي في تقديم الطلب لقمة الناتو القادمة في مدريد نهاية شهر حزيران.  وارتفعت في فنلندا الأصوات التي تنادي بضرورة اجراء استفتاء شعبي على مثل هذا القرار الخطير ولا يكفي تصويت البرلمان، رغم انه منتخب شعبيا في انتخابات ديمقراطية. وعند تسلم قيادة الناتو الطلب الفنلندي، فهناك مدة شهر لدراسته وتقرير أهلية فنلندا للانضمام للحلف، ينتقل بعدها الطلب إلى برلمانات دول حلف الناتو لدراسته. ويشير الكثير من المراقبين ان هذه العملية ستمر بسلاسة كبيرة، فقيادة الناتو والعديد من الدول الاعضاء طالما طالبت فنلنداــ ومعها السويد ــ للانضمام، معا إلى الحلف.  وبرز هذا الاحتمال كثيرا إثر الزيارة التي قامت بها رئيسة الوزراء الفنلندية سانا مارين (الاشتراكي الديمقراطي) إلى السويد والتقت نظيرتها السويدية ماجدالينا أندرسون (الاشتراكي الديمقراطي)، ولتصرح بان قضية طلب الانضمام إلى حلف الناتو ستحسم خلال أسابيع وليس خلال شهور.
الجانب الروسي لم يسكت عن هذا كله، فالرئيس الروسي السابق، دميتري ميدفيديف، الذي يشغل حاليا منصب نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، حذر من أن روسيا ستضطر إلى تعزيز دفاعاتها في منطقة بحر البلطيق، بما في ذلك عن طريق نشر أسلحة نووية، إذا انضمت فنلندا والسويد إلى الناتو. وفي ظل هذه الأوضاع، يخيم شبح الحرب في المنطقة، تحسبا لفعل تأديبي ما يقوم به الجانب الروسي ضد فنلندا، ربما في الفترة التي تلي تقديم الطلب وقبل منح العضوية فعليا. فعقدت الحكومة الفنلندية عدة صفقات لشراء أسلحة نوعية، بل وراحت القوات الفنلندية تكثف من تدريباتها بما في ذلك القوات الخاصة بحماية العاصمة، هلسنكي، بالاشتراك مع قوات الشرطة وقوات المتطوعين. وتعالت الأصوات بما ذلك من جهات رسمية، تدعو إلى تخزين ما يكفي من الماء الصالح للشرب تحسبا لتسميم المياه، والشموع تحسبا لانقطاع التيار الكهربائي، وسلة غذائية تكفي لأسبوع أو أكثر، بل وحتى مبلغ من المال، تحسبا من هجوم سيبراني (هجوم إلكتروني) يعطل عمل البنوك، وكل هذا يترافق مع تكرار التصريحات بأن فنلندا تواصل الدبلوماسية (النشطة والاستباقية) ـ على حد تعبير وزير الخارجية ـ وتعزز أمنها وقدرتها الدفاعية.
فهل الحرب قادمة إلى فنلندا، أم أن الشعب الفنلندي يضع جانبا تاريخ الحروب والصراعات في المنطقة، ولا يتجاوز الجغرافيا، لأنها تملك دائما حقيقة واقعة، إذ لا توجد وسيلة للهرب من العلاقات السلمية بين الدول والشعوب المتجاورة. ومن أجل المحافظة على المنجزات الديمقراطية للشعب الفنلندي، فأن السلام مطلوب في المنطقة وضروري جدا.
 

29
تأملات للمناقشة  .. (3)   
الدّال القاتلة
يوسف أبو الفوز
كثيرون يعرفون، الكاتب الروسي الشهير مكسيم غوركي ( 1868 - 1936) الذي اشتهر بصداقته للقائد الثوري الروسي لينين، منظر وقائد ثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917، وأيضا تعقيدات علاقة غوركي مع ستالين، الذي أُتهم بكونه ربما يكون سببا في وفاة غوركي، لمعارضته الستالينية وتضيقها على حريات المثقفين، ولكن ربما البعض لا يعرفون بأن مكسيم غوركي صاحب الرواية الشهيرة (الأم)، التي تتلمذ على سطورها كثير من الثوريين والمثقفين اليساريين في العراق، لم يكمل في المدرسة الصف الثاني الابتدائي، بل قامت أمه بتعليمه في البيت، ثم ألحقه جده لأمه، بدروس محو الامية في الكنيسة، وحتى هذه الدروس توقف عنها غوركي وتركها بعد أصابته بالجدري. عند مراجعة سيرة غوركي الأدبية، سنجد أنه اعطى واحد من أشهر مؤلفاته، الذي كتبه عام 1923، عنوان (جامعاتي)، ويصف النقاد هذه الكتاب بكونه قطعة أدبية استثنائية من أعماله، ففيه يتحدث عن ذكرياته كطالب للعلم، وكيف تعلم الكتابة، وكيف تتلمذ من قراءة أشهر مؤلفات مختلف الكتاب بالإضافة الى تجارب الحياة، فهو من خلال هذا العنوان يريد القول بأن الحياة هي أهم جامعة في حياة الانسان، تقدم له التجربة وثم الحكمة، وبالتالي تخلق منه أنسانا ذو مكانة ما.
ولا نختلف، بأن من حق الانسان، أي انسان، ان يفتخر بأي إنجاز يحققه في حياته الشخصية، لهذا تم ابتكار ما سمي (السيرة الشخصية) أو ما يعرف بالـ CV، فعند تقديم طلب للحصول على وظيفة ومكان عمل في مكان ما، يفترض من صاحب الطلب أن يقدم كشفا بما حققه من إنجازات عمل، وأيضا يسجل الشهادات التي حازها والجامعات التي درس فيها ... الخ، فهي تعتبر دليلا على اجتهاده ونشاطه وسعيه لامتلاك ناصية العلم.
يثير انتباهي دائما أولئك الذين يصرون على استخدام القابهم الأكاديمية بمناسبة وبدون مناسبة، وكأن هذا اللقب هو من يصنع شخصيته ويعبر عن مواقفه ووجهات نظره، وأتذكر في أيام النظام الديكتاتوري الصدامي أن البعض من أصحاب لقب (الدكتوراه)، الذين كتبوا بأسماء مستعارة، في دوريات ونشرات المعارضة العراقية ــ وما أكثرها! ـ وللغرابة لم ينسوا استخدام لقب (الدكتور) مع أسمهم المستعار! وكأن القارئ بدون هذه (الدال) سوف لن يستوعب ما يحويه النص من وجهات نظر!!
قبل أيام، طالعني في أحدى الصفحات الثقافية، في أحدى الدوريات العراقية، الصادرة في بغداد، نص قصصي، وللأمانة أعرضت فورا عن قراءته حالما وجدت ان الكاتب لم ينس ان يضع (الدال) القاتلة امام أسمه. ربما في مقال صحفي، بحث أكاديمي وعمود صحفي، تكون هذه (الدال) موجبة وربما لازمة، فهي تعطي القارئ فهما ما عن طبيعة الكاتب ومرجعيته التعليمية والأكاديمية، لكن مع نص قصصي أو قصيدة، أجد شخصيا ان هذه (الدال) القاتلة ليست أكثر من حاجز بين القارئ والنص، تبعده عن رسم صورة مقبولة للكاتب، تساعد في تقبل رسالته الإنسانية. ورحم الله مكسيم غوركي، الذي أطلق مثقفون معاصرون له على شقته اسم (أكاديمية غوركي)، إذ غالبا ما يجتمع 30-40 شخصية ثقافية في غرفة الضيوف يتداولون في مختلف الشؤون ويتعلمون من بعضهم البعض. كان غوركي طول حياته ومنذ شبابه يكرر وباستمرار قوله بانه لم يكن (يكتب)، بل (يتعلم الكتابة) فقط.! وسنلتقي 

30
المؤتمر الحادي عشر لحزب التجديد والشباب
يوسف أبو الفوز


عقد الحزب الشيوعي العراقي، على طول تأريخه الزاخر بالبطولات والمفاخر، منذ تأسيسه في اذار 1934، ورغم كل الظروف السياسية التي مرت بها البلاد، إحدى عشر مؤتمر حزبيا، بين مؤتمرات سرية وعلنية، لكنها كلها عقدت في أراضي الوطن، سواء في بغداد أو في كردستان، وكل مؤتمر منها كان محطة مهمة للمراجعة والتقويم، لعموم سياسة الحزب الى جانب أداء قيادته السياسية. ويفتخر الشيوعيون العراقيون، بكون حزبهم يكاد يكون الحزب العراقي الوحيد، الذي تنشر الوثائق المعدة لمؤتمراته علنا، وتخضع للنقاش العام، ليس من قبل أعضائه وجماهيره، بل ومن عموم أبناء الشعب العراقي.
كان لي شخصيا شرف ان أكون واحدا من 319 مندوبا و56 مراقبا، شاركوا في اعمال المؤتمر الحادي عشر للحزب الشيوعي العراقي، التي عقد مؤخرا في بغداد، للفترة   24 - 28 تشرين الثاني 2021، تحت شعار (التغيير الشامل: دولة مدنية ديمقراطية وعدالة اجتماعية).  حيث ناقش المؤتمر برنامج الحزب ونظامه الداخلي والتقرير السياسي، وانتخب قيادة جديدة، حيث جرت اعمال المؤتمر في أجواء سياسية اتسمت، كما وصفتها وثائق المؤتمر بـ (استمرار حالة الاستعصاء السياسي بين القوى المتنفذة، جراء محاولاتها المستميتة لخلق موازين قوى جديدة تحقق مصالح بعضها على حساب منافسيه بلغت حدة الصراعات أحيانا مستوى خطراً، خصوصا مع تغول المليشيات وسلاحها المنفلت).وخرج المؤتمر بقرارات وتوصيات عديدة،  منها ما يتعلق بمراجعة سياسة التحالفات، الحرص على الديمقراطية داخل الحزب، الاهتمام بالصراع الفكري وحق الأقلية بالنشر في صحافة الحزب، ولكن واحد من اهم الموضوعات التي توقف عندها المؤتمر، هو العمل بين الشباب وعلاقة الحزب بالأجيال الشابة الجديدة، خاصة تلك التي عمدتها انتفاضة تشرين الباسلة بالدم، الانتفاضة التي أعلن الحزب انحيازه التام لها، بل ومشاركا فيها وداعما لمطالبها الوطنية المشروعة.
يعمل الشيوعيون العراقيون بتفان، لأجل اهداف حزبهم، لبناء العراق المدني، ولأجل هذا ينشطون في منظمات المجتمع المدني، ومنظمات الشباب، خصوصا المنظمة العريقة اتحاد الشبيبة الديمقراطي العراقي ( تأسست عام 1951)، وأيضا في اغلب تنسيقيات الحراك الجماهيري في كل المدن العراقية، ونصب اعينهم كما حدد برنامج الحزب الذي ناقشه واقره المؤتمر (نشر الوعي الوطني وروح المواطنة والقيم الإنسانية والتقاليد الديمقراطية والثقافة التقدمية في أوساط الشبيبة والطلبة، بجانب إشاعة قيم التآخي بين القوميات، وتكريس مفهوم الوحدة الوطنية، والاهتمام بتطوير نتاجهم الثقافي، وتخليصهم من آثار المفاهيم الفاشية الشوفينية وضيق الأفق القومي والطائفية ونزعات عسكرتهم. )
لم يكن غائبا عن مندوبي المؤتمر الحادي عشر، واقع بان الشباب ممن تكون أعمارهم اقل من 30 سنة، يشكلون 68٪ من عدد سكان العراق البالغ 40 مليونا، حسب تقديرات وزارة التخطيط العراقية للعام 2021، مع حقيقة تدني نسبة مشاركتهم في صياغة المشهد السياسي، التي قدرت قبل انتفاضة تشرين/ اكتوبر 2019 كونها لا تزيد عن 2٪ تبعا لحساب معدل عمر نواب البرلمان والوزراء وقادة الأحزاب الحاكمة. وأمام هذا الواقع، وتصاعد دور الشباب في المشهد السياسي من بعد اندلاع الاحتجاجات في تشرين/ اكتوبر 2019، أصبحت مهمة وجود الشباب في تشكيلة قيادة الحزب، ضرورة لا مناص منها، وهكذا جاءت نتيجة المؤتمر بوجود مرشحين لقيادة الحزب من شباب الانتفاضة تتراوح أعمارهم ما بين 24 ـ 35 سنة، وفاز منهم عدد غيّر من قوام اللجنة المركزية بنسبة 42٪ ، بحيث اصبح متوسط عمر قيادة الحزب 48 سنة، مقارنة بالمؤتمرات السابقة ، فالمؤتمر العاشر للحزب 2016 كانت النسبة  فيه 53٪ .
قدمت انتفاضة تشرين أكثر من 700 شهيد وأكثر من 25 ألف جريح و عشرات المخطوفين، بينهم اعداد ليست قليلة من أعضاء وأصدقاء الحزب الشيوعي، وهذا الجيل، جيل الاحتجاجات والانتفاضة، الذي عمد كلمته وصوت احتجاجه بالدم، لا يمكن له الا السعي بمثابرة عالية، في دفع عملية التغيير الى الامام لأجل ( الخلاص من منظومة المحاصصة والفساد والطائفية السياسية، وتحقيق الوحدة الوطنية وتدشين بناء دولة المواطنة والديمقراطية الحقة والعدالة الاجتماعية) كما حددت وثائق المؤتمر الحادي عشر، حيث كان للشباب حضورهم وصوتهم الفاعل والمطلوب ان يكون دائما، في مؤتمرات الحزب القادمة والنضالات الجماهيرية، لأجل الوطن الحر والشعب السعيد .

31
تأملات للمناقشة   (2)

ترند.. الشاعر الكبير!

عرفنا وسمعنا، وقرأنا كثيرا عن الطرق والأساليب الإعلامية الملتوية والمتوارثة والمتبعة في هوليود، التي اصبحت تقليدا، حتى لو تم اللجوء فيها لاختلاق قصص حب وخيانة وهمية وفضائح مفبركة، لتلقي وسائل الاعلام الضوء الكافي على فيلم ما وابطاله كطريقة لتسويقه وانتشاره وبالتالي تضمن نجاحه عند شباك التذاكر. وأتابع، مثل غيري، ما يفعله البعض من كتاب وفنانين في بلادنا العربية، بالتعاون مع صحف (التابليود) وقنوات النفط التلفزيونية، حيث جهل بعض من الاعلاميين الذي كثيرا ما يفضح غباء الضيف وتناقضاته. فلأجل خلق هالة ما حول أسمائهم، يلجأ البعض من المثقفين العرب ــ ومنهم عراقيين ـ لأن يكون كرماء مع الإعلاميين لاستضافتهم على برامجهم ليحدثونا عن آخر فساتينهم وقمصانهم وابراجهم وطبخاتهم و.. (خذ هذه ألف دولار فلوس قهوة)، البعض يستعيد تراث جده حاتم الطائي، فيعتمد أسلوب الولائم وما يرافقها من أجواء مسلية !، والبعض الاخر يتبع أسلوب خالف تعرف، لأجل ان يبقى اسمه (ترند) حسب تعابير ومفاهيم عالم وسائل التواصل الاجتماعي. هناك فئة من المثقفين، كتاب وفنانين، تلجأ الى أساليب أقل تكلفة ماديا، لا تكلفهم سوى خط كلمات وتعابير ما امام اسمهم: الكاتب والإعلامي، الناقد، الفنان التشكيلي، الفنان الشامل، و.. كأن الناس ليس لديها قدرة على التمييز بين كاتب وطبيب عيون أو .. ، مع ذلك فأن هؤلاء أهون بكثير من الذين يطلقون على إنفسهم، بإنفسهم ، القابا مثل : المبدع، الكاتب الكبير، المثقف الـ .. ، ...
قبل فترة، من شهور، كتبت على الخاص في برنامج المحادثة (الماسنجر) لكاتبة عربية، من أصدقاء مقهى فيس بوك: (انت امرأة جميلة، ولديك موهبة واضحة، فأرجوك لا تكتبين امام اسمك "الكاتبة الكبيرة "، انت لست امرأة عجوز، ما زلت شابة مثل زهرة ربيعية.). لا أعتقد انها فهمت ما اقصد، وربما فهمت واصرت على إغاظتي، اذ بعدها بيومين نشرت صورتها مع تعليق: الكاتبة الكبيرة فلانة بنت فلان تطبخ الـ...!
لطالما اغاظني إطلاق الصفات المجانية بدون ترو على كتاب وشعراء وفنانين، والمؤلم هنا ان البعض من هؤلاء المثقفين يرضى بذلك، ويصدق حين يقال له انه "كبير"، دون ان يدري بكون هذا اللقب منقصة له وإساءة، وان الكبار الحقيقين دائما ما امتازوا بالتواضع. وكان لي يوما، في دمشق، دردشة حول هذا الامر مع الشاعر العراقي سعدي يوسف، وأرتضى الرجل استخدام كلمة (المبدع) ان أطلقه الاخرين على المثقف، فهو يرى ان الشعراء الحقيقيين يستحقونها.
في الأيام الأخيرة، لاحظت ان ثمة شاعر، لست معنيا هنا بعلامات الاستفهام عن تأريخه في زمن الطاغية صدام حسين، ولست معنيا ايضا بمحتوى نصوصه سواء التي كتبها للحرب الصدامية العدوانية أو "أغانيه المدنية" التي كتبها لاحقا، لكن أثار انتباهي لقب (الشاعر الكبير) امام أسمه، فخطر في بالي سؤال: يا ترى ماذا أبقوا للجواهري والسياب؟ .. وسنلتقي!



32
 

مساهمة في استفتاء المدى عن تسيّد الرواية للمشهد الثقافي.
يوسف أبو الفوز


كتب المحرر علاء المفرجي .. الشعر أم الرواية.. هل سيبقى الشعر ديوان العرب الى عقود وقرون أخرى أم أن الرواية هي الأقدر على تصوير معاناة المجتمعات الحديثة، والأصدق في التعبير عن آلامها وآمالها..هل تراجع الشعر أمام الرواية في عصرنا، وهو الأصيل في خصائصه الفنية، ما الاسباب التي يظن البعض أنها جعلت الشعر يخلي مكانه الى الرواية، في العقود الثلاث الاخيرة. فمن المعروف أن نشأة الأجناس الأدبية تخضع لضرورات اجتماعية، وربما تنقرض لأسباب مماثلة، كما حدث بالنسبة للملحمة التي حلَّت الرواية مكانها كما يرى مؤرخو الأدب..
سؤال طرحناه على مجموعة من النقاد والشعراء والروائيين. فكانت إجاباتهم:

الروائي يوسف أبو الفوز: الرواية سجل شامل لأحوال المجتمعات

يوما قال الفقيد المفكر هادي العلوي، وكان في العراق حينها 30 مليون نخلة، بأن (تحت ظل كل نخلة عراقية يجلس شاعر عراقي)، لكن كل هذا تراجع الان، عدد النخل، ودور الشعر، وتقدمت الرواية كجنس أدبي لتتسيد المشهد الثقافي في العراق وفي عموم البلاد العربية. كيف حصل ذلك؟
لن نختلف حول ما يجمع عليه النقاد والدارسين لشؤون الادب من كون الشعر ولقرون طويلة كان هو الجنس الأدبي الأنسب لحياة القلق والترحال والرعي والبداوة للمواطن العربي عموما، سواء الذي عاش في الصحراء أو في الريف، فالشعر كان الأنسب لكونه أبن اللحظة الآنية والانفعال الذي يقتنصه الشاعر في صورة شعرية ليعرض فيه أحاسيسه وانفعالاته وانشغالاته بقضاياه.
اما الرواية، فهي ابنة المدينة، والمدينة هنا ليست الأبنية والشوارع، وانما البيئة وتعدد الطبقات، والمجتمع المختلط وثقافة الحوار وغير ذلك. ونعرف بأن الرواية بدأت بنصوص متواضعة، وتطورت مع تطور المجتمع العربي وتأثرت كثيرا بالنهضات الفكرية، فهي كانت نتاج التواصل التاريخي مع الثقافة الاوربية وتأثير الترجمة، والمحاكاة، الخلق والإبداع. وان ما يؤهل الرواية لتكون هي (ديوان الادب) كما يقال، هو طبيعة النص الروائي، كونه جنس أدبي يمكن للكاتب من خلاله ان يقول أشياء كثيرة، فهي الأنسب للكاتب مستعينا بحرية الحركة في المكان والزمان، وتعدد أساليب السرد للبوح بالكثير ليقدم رسالته. هكذا أصبحت الرواية سجلا شاملا لأحوال المجتمعات وما تعانيه من هموم تتعلق بالحرية، الهوية، المنفى، الحروب، احوال المرأة والاستبداد السياسي والديني وغير ذلك، وأهل ذلك الرواية لتكون سجلا تاريخيا جماليا لمسيرة المواطن العراقي في العقود الأخيرة.

33
يوسف أبو الفوز في القاهرة ... مناقشة وتوقيع رواية جديدة 
متابعة ثقافية ــ المدى
المدى البغدادية . العدد (5144) - الأحد (13)  آذار 2022
على قاعة المركز الدولي للكتاب، وسط العاصمة المصرية، القاهرة، استضافت الهيئة المصرية العامة للكتاب، الكاتب يوسف أبو الفوز، مساء الإثنين، 28 شباط/ فبراير الماضي، لمناقشة وتوقيع روايته (جريمة لم تكتبها اجاثا كريستي)، الصادرة عنها حديثا. ناقش الرواية كل من: الناقد الدكتور رضا عطية، الشاعر والكاتب أسامة جاد والكاتب والفنان احمد الجنايني. اجمع المتحدثين على الإشادة بالرواية بكونها رصدت بشكل فاعل واقع وهموم الشباب العراقي والعربي من خلال موضوع الهجرة واللجوء. أشار الناقد د. رضا عطية في حديثه الى سعادته في المساهمة في النقاش اذ سبق له وشارك في قراءة ونقاش عدد من الاعمال الادبية العراقية، خصوصا ما يتعلق بما سماه (الابداع العراقي المتعلق بالمكان الاخر، سواء كان المنفى أو المهجر) وبين ان رواية أبو الفوز إذ تتناول موضوع المكان الاخر، فهي تستدعي المكان الأول، أي الوطن والمنشأ ببراعة وتتحدث عنه، واشاد بأسلوبية الرواية في اشراك القارئ في احداثها، من خلال اثارة الأسئلة التي يطرحها الراوي العليم، أو في ترك الكاتب بعض الجمل مبتورة عن عمد دون اكمالها، وقرأ مقاطعا من الرواية لاستدلال على حديثه.
الكاتب والفنان أحمد الجنايني بعد مقدمة أشاد بها بمكانة الأدب العراقي، بين ان عنوان الرواية الملفت، خلق عنده في البدء تخوفا من ان تكون مجرد رواية بوليسية عادية، تحكي عن جريمة باستدعاء مفتش شرطة على غرار قصص اجاثا كريستي، لكنه ما البدء بالقراءة واجهه عمل ادبي مشغول بحرفية، وبهموم واوجاع الوطن، وان مفتش الشرطة لم يكن سوى جسرا للعبور والمرور بإحداث يعيشها الوطن العربي والشباب العربي ويأخذنا معه الى ما لا نتوقع كل مرة. بينما أشار الشاعر والكاتب أسامة جاد الى كون الرواية، نجحت في تسليط الضوء على معاناة قطاع من الشباب، ليكونوا قضية عامة يواجهها الشباب العربي، الباحث عن حياة أفضل، فجاءت الرواية كسيرة للمنفى. وبين ان الرواية اعتمدت في السرد اساليبا متعددة، وفي بعض فصولها اعتمدت الإيقاع الشعري، الذي يستمد اسلوبيته من القصيدة، وذلك بانتهاء الجملة بكلمة، وسرعان ما تبدأ الفقرة اللاحقة بذات الكلمة، وهكذا في حركة دائرية، تذكر بالشعر، كما أشاد بكون الرواية طرقت باب التابوات المعروفة في المجتمع العربي، خلال تناولها سلسلة من الجرائم التي اشارت لها، كجرائم الشرف، وتحركت الاحداث والشخصيات في الرواية بإحكام مثل لعبة شطرنج.
في حديثه ، شكر الكاتب يوسف أبو الفوز ، الجميع، المنظمين والحضور والمناقشين ، على الحفاوة والنقاش، وبين انه في عمله هذا، واعمال روائية سابقة، مكتوبة خارج وطنه العراق، حرص على عكس الهم العراقي دائما، فهو وان كان في روايته الحالية يتناول حياة العراقيين في فنلندا، فهو اجتهد لتغطي روايته واقع حياة الشباب العراقي الذي يواجهون جريمة سرقة وطنهم وبالتالي فقدان كرامتهم، واملهم في حياة طبيعية، نتيجة لواقع سياسي واجتماعي جاء نتيجة لحكومات المحاصصة الطائفية والاثنية، مما دفع بالشباب العراقي للاضطرار للهجرة كنوع من الاحتجاج على تدهور الأوضاع وغياب الامل بحياة طبيعية. وبعد إجابة أبو الفوز على العديد من الأسئلة من قبل الحاضرين تم توقيع نسخا من الرواية.

 

34
قاسم ... لا تغلق الباب تماما!

يوسف أبو الفوز


يوما، في ليل عدن، في تلك الأعوام البهية، كنا عشرة شيوعيين، طلابا في الدورة العسكرية الخاصة، وفي ساعة حنين غنينا حد طفرت دموعنا. كان حامد بقامته النحيفة، يدور في شقتنا في (الشيخ عثمان) يغلق الشبابيك حتى لا تصل أصوات نشجينا الى الجيران، وكان سامي، وهو يقرض أضافر أصابعه، يضحك على جنوننا، وهشام مسبلا عيونه يقود الجوقة بحماس كأنه على خشبة المسرح الوطني:
(الى متى تمضي السنون
ويمزق القلب السكون
ونحن من منفى الى منفى ومن باب لباب
نَذْوِي كَمَا تَذْوِي الزَّنَابِقُ في التُّرَابْ
فقراء يا وطني نموت
غرباء يا وطني نموت
وقطارنا ابدا يفوت
ونحن من منفى الى منفى ومن باب لباب)
....
وها انت يا قاسم فجأة تغلق الباب الابدي خلفك وتتركنا، دون وداع، دون إيضاح، دون ...
كأنك تغادر الى (البريقة) لتشاهد فيلما وتعود لنا حاملا أكياسا من فاكهة لم نطلبها.
تغادر كأنك على موعد فتتأنق كعادتك دون الإلتفات لقفشات فائز المستفزة.
تغادر دون ان تلتفت، مدركا بأن نبيل وحسان سيلحقون بك، مثل كل مرة، قبل ان ...
رفيقي قصي ... لقد سبقك الرفاق من مجموعتنا الفريدة: حامد، حسان، نبيل، سامي، فائز ...
نحن قادومون، أنتظر، تمهل، لم يبق لنا سوى حفنة غصات وبضع احلام لم تكتمل، لكننا يا رفيقي فخورين بكوننا قدمنا لشعبنا وحزبنا كل شبابنا لأجل ان يسير هذا القطار صوب محطته الأخيرة، محطة (الوطن الحر والشعب السعيد)
وها انت تترجل أيها الفارس، دون اشعار، فأرجوك لا تغلق الباب تماما... نحن قادمون!


هلسنكي ـ الساعة الثالثة فجرا
 ٨ اذار ١٩٢٢
 

* الشهيد ملازم حامد : وهاب عبد الرواق
* الشهيد ملازم حسان : جبار شهد
*  الشهيد ملازم نبيل : نضال حمزاوي عبدنور
* الشهيد ملازم سامي : ناظم مصطاف عبد الأمير
* الراحل ملازم فائز : سلام جليل ابراهيم
* الراحل ملازم قصي : قاسم ناظم
* ...

** الصورة المرفقة لمجموعة الأنصار، في اول أيام وصولنا الى كردستان، وأظهر في طرف الصورة مع الراحل الرفيق قصي

 
 

35
الكاتب يوسف أبو الفوز في القاهرة


قال الروائي العراقي يوسف أبو الفوز، المقيم في فنلندا، لـ"بوابة الأهرام": أشعر بالسعادة والفخر لنشر رواية لي بالقاهرة، عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ولمستُ خلال زيارتي وإقامتي في القاهرة قرابة أسبوع مدى حفاوة المصريين ودفء مشاعرهم تجاهي كإنسان، إلى جانب التفاعل الراقي من المثقفين والنقاد مع أعمالي كأديب، وهو التفاعل الذي تجسّد بشكل لافت خلال مناقشة روايتي الجديدة في ندوة بالقاهرة.
وكان "المركز الدولي للكتاب" بالقاهرة قد استضاف مساء الإثنين الماضي، 28 فبراير، الروائي العراقي يوسف أبو الفوز، لمناقشة روايته الجديدة "جريمة لم تكتبها أجاثا كريستي"، الصادرة في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. وناقش الرواية كل من: الناقد الدكتور رضا عطية، والشاعر والكاتب أسامة جاد.
وأضاف أبو الفوز، المولود في مدينة السماوة جنوب العراق عام 1956، وصاحب الأعمال القصصية والروائية "عراقيون"، "طائر الدهشة"، "تلك القرى.. تلك البنادق"، "تحت سماء القطب"، وغيرها، في تصريحاته لـ"بوابة الأهرام": "تجربتي في كتابة الرواية مزيج بين واقع أعيشه كمغترب في بلد يعج بالجنسيات والعلاقات المتشابكة المعقدة بين صراعات وحوارات، وبين تخييل فني أبلور به الشخصيات وأطلقها في مساحات متسعة خارج حدود الأرض الحقيقية الضيقة".
ويرى يوسف أبو الفوز أن الإبداع بإمكانه دائمًا تحرير الشأن الخاص ليغدو قضية عامة وشأنًا إنسانيًّا كبيرًا، ويقول: "تناولت في روايتي الأخيرة جريمة اغتيال فتاة عراقية في ظروف ملتبسة، ما فسّره المحققون كجريمة شرف. على أن الرواية تجاوزت منطق الجريمة في آليات المحققين وأدبيات أجاثا كريستي، لتحوّلها فنيًا إلى معان أرحب للاغتيالات المعنوية والانتهاكات الجسدية للكائن الآدمي عمومًا، إلى جانب ما قد تتعرض له بلدان وأوطان برمتها إلى قتل وتمزيق، ربما تحت شعارات براقة أيضًا مثل: الشرف!".
واختتم يوسف أبو الفوز بأنه على الرغم من المشكلات التي يعانيها العراقيون والعرب المغتربون في أوروبا، فإنه لا يتصور أن الصراع الحضاري هو الذي له الكلمة العليا في نهاية المطاف. فمهما زادت حدة الاختلافات، فإن ثمة مجالًا للالتقاء على قدر من المفاهيم المشتركة. لكن هذه المفاهيم الإيجابية المثمرة، لا تتحقق إلا بشروط خاصة، وبرغبة مشتركة من الطرفين في تقريب المسافات، وتبادل وجهات النظر بموضوعية، من دون عقد أو انحيازات مسبقة.


36
الى أين تقود سياسة شيطنة روسيا؟
هلسنكي ـ يوسف أبو الفوز

أنتهت، ليلة الثلاثاء 15 شباط2022، المهلة التي حددتها وسائل الاعلام والإدارة الامريكية، للغزو الروسي للأراضي الاوكرانية، الذي بشرت وحذرت منه طيلة الفترة الماضية، وحشدت الحلفاء لمواجهته، وكان سببا لحركة دبلوماسية، مكوكية، بين موسكو وعواصم مختلف دول العالم، التي زار زعمائها الكرملين ليجلسوا الى طاولة المحادثات مع رجل موسكو القوي، الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وتفاجأ العالم، صباح الأربعاء 16 شباط 2022، بإعلان وزارة الدفاع الروسية، عن انتهاء مناوراتها وتدريباتها العسكرية وسحب أجزاء من قواتها المحاذية للأراضي الأوكرانية، وسرعان ما ظهر العديد من المسؤولين الغربيين، في وسائل الاعلام، يتقدمهم الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، ليقول (لم نشهد أي تخفيف للتصعيد على الأرض، بل على العكس، يبدو أن روسيا تواصل الحشد العسكري).
ماذا يا ترى يريد الغرب من روسيا؟ وماذا تريد روسيا؟ وما أسباب الازمة وكيف ستمر؟ وعشرات الاسئلة التي تخطر في بال المتابع، وهو يرى الأجواء الملبدة التي قادت الى شفا الحرب!
ابتدأت الأزمة باعتراضات روسيا الشديدة على الجولة، التي قام بها قادة حلف الناتو، أواخر العام الماضي، بوفد عال المستو، الى بعض البلدان المجاورة لروسيا، منها فنلندا واوكرانيا، وتجدد الحديث عن احتمال انضمامها الى حلف الناتو. أعلنت روسيا فورا اعتراضها القوي على هذه المحاولات لتوسيع حلف الناتو بشكل يهدد آمنها ومصالحها في المنطقة، وابتدأت بتحريك قواتها باتجاه الحدود الاوكرانية، معلنة عن اجراء تدريبات عسكرية، أعتبرها البيت الأبيض الأمريكي، ومعه حلفائه في حلف الناتو بأنها استعدادات لغزو أوكرانيا، بينما راحت روسيا تؤكد حقها في تحريك قواتها على أراضيها حتى وان كانت قرب حدود أي بلد. في حينه أعتبر العديد من الخبراء بشؤون المنطقة، منهم سفراء امريكيون سابقون في أوكرانيا وروسيا، ان بوتين من خلال هذه المناورات يسعى لتكون بيده ورقة ضغط خلال المحادثات في إدارة الازمة وأيضا في مراجعة الاتفاقات المعقودة سابقا بين البلدين.
وواصل زعماء الناتو، ومعهم البيت الأبيض الأمريكي، بحملات إعلامية متواصلة الحديث عن الغزو الروسي الوشيك، بطريقة وصفها بيرسي ألفارادو، الضابط السابق في الاستخبارات الكوبية، في تصريح لوكالة نوفستي الروسية، بأن محاولة (شيطنة روسيا) من قبل وسائل الاعلام الامريكية والغربية، ما هي الا مسعى لزيادة حدة التوتر حول موضوع أوكرانيا، ويكشف ذلك محاولات واشنطن لتغيير الوضع الجيوسياسي لصالحها لأجل الحفاظ على موقعها كقوة عظمى وقطب اوحد لقيادة العالم. وصبت في هذا الإطار تصريحات الخبير الاستراتيجي شين تشيانغ ، نائب مدير مركز الدراسات الأمريكية بجامعة فودان، حسبما نقلت عنه صحيفة غلوبال تايمز، التي تصدر تحت إشراف اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني في افتتاحية لها، حيث صرح، بان  التوتر حول أوكرانيا تخلقه السلطات الأمريكية لأغراضها الجيوسياسية ، فالولايات المتحدة الأمريكية ، حسب تعبيره، بدأت في الربط بين استراتيجيتها لقمع روسيا، وكذلك الصين، باستخدام أوكرانيا في الحالة الأولى، وتايوان في الحالة الثانية. وأضاف بما أن واشنطن صنفت الصين وروسيا باعتبارهما منافستين رئيسيتين لها، فإنها تعتقد أن التشهير بهاتين الدولتين يمكن أن يزيد الضغط عليهما من المجتمع الدولي.
من جانبه كرر المتحدث باسم الرئاسة الروسية، ديمتري بيسكوف، بأن الانزلاق الى استخدام مفردات الحرب الباردة جاء ردا على السياسة الروسية الساعية لكسر سياسة القطب الواحد، التي ادانها الرئيس بوتين في خطابه خلال مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007، حيث عرض الخطاب في حينه، حسب كلامه، تصور واضح للمشاكل الآنية للعالم وعرض بشكل منطقي ومتماسك وجهة النظر الروسية حول مشاكل البنية الأمنية الحديثة وحول المشاكل والتحديات في العالم، وان الرئيس بوتين، يومها خاطب ضيوف المؤتمر بصراحة.
ان المتابع للازمة، يرى ان سياسة روسيا الثابتة في معارضتها لدخول أوكرانيا الى حلف الناتو، لاقت قبولا وتفهما عند العديد من حلفاء البيت الأبيض الاوربيين، فمن اخر الزيارات الى موسكو، تلك التي اجراها المستشار الألماني أولاف شولتز ، والذي شغل لفترة وزارة الخارجية الألمانية، وكان شاهدا على الجهود الدبلوماسية الأوروبية المتواصلة، لنزع فتيل التصعيد بين الغرب وموسكو على خلفية الأزمة، وجاءت الزيارة في ليلة الموعد الأمريكي المرتقب للغزو المزعوم، وإذ أعلنت روسيا سحب جزء من قواتها على الحدود الأوكرانية  حتى وصفها شولتز بأنها (إشارة جيدة) مضيفا أن لروسيا (دورا حاسما في الحفاظ على الأمن في أوروبا)، من جانب اخر ووفقا لعضو الكونغرس الأمريكي السابق تولسي غابارد، في حديثه لشبكة فوكس نيوز، كان يمكن للبيت الأبيض حل المشكلة الأوكرانية بشكل نهائي. إذ، يكفي تزويد روسيا بضمانات بأن أوكرانيا لن تنضم إلى الناتو، ومع ذلك، يتجنب الرئيس جو بايدن هذا الحل البسيط، لأنه يسترشد بمصالح صناعة الدفاع الأمريكية، التي تستفيد من حالة الحرب الباردة.
من الجانب الاخر، أن جولة في صحافة الحزب الشيوعي الروسي، والحزب الشيوعي الاوكراني، وبيانات قوى المعارضة الأوكرانية للحكومة الحالية، سنجد هناك أدانة للازمة واطرافها، وللتصعيد الذي تساهم به الإدارة الامريكية والسلطات الحاكمة في موسكو وكييف. فعضو البرلمان الأوكراني، فاديم رابينوفيتش، من حزب (المنصة المعارضة - من أجل الحياة) يتحدث عن بدء (حرب الغرب) ضد بلاده. فهو يقول (بدأت الحرب! لكن الغرب بالذات هو من يخوضها ضد أوكرانيا.)، ويستدل بحديثه بالأوامر التي صدرت من دول غربية لمواطنيهم بمغادرة اواكرنيا وكذلك اجلاء الدبلوماسيين والمستثمرين ووقف الحركة الجوية، فهو يرى ان المتضرر الأساسي بهذا الاقتصاد الاوكراني وبالتالي الشعب الاواكراني. اما زعيم الحزب الشيوعي االاوكراني،  بيتر سيمونينكو ، فأنه يدين النظام الحاكم في كييف ويصف اجراءاته صد تقييد الحريات الإعلامية بالجرائم ، بل ويصف الحكام كونهم (الأوليغاركيين النازيين بقيادة زيلينسكي ) ودعا الى تجميع قوى المعارضة لمحاربة الفوضى السياسية والاقتصادية ، وهو يرى بأن الازمة مع روسيا لن تقود سوى الى مآس للشعب الاوكراني، ويدين دول الغرب كونهم (إلى جانب الولايات المتحدة ، شركاء وملهمون للحرب الأهلية في الدونباس، ورعاة النازيين الجدد والمجرمين الذين استولوا على السلطة في أوكرانيا) ، اما الشخصية الشيوعية الروسية غينادي زوغانوف ، زعيم الحزب الشيوعي الروسي، ففي خطاب طويل له نشرته صحافة الحزب ومواقعه الاعلامية على شبكة الانترنيت،  فهو يرى ان الحكام الغربيون يسعون إلى وضع الروس والأوكرانيين ضد بعضهم البعض، ويرى بانه من الواضح أن هدف الغرب هو سلب واستعباد أوكرانيا من أجل الاستمرار في مواجهة روسيا وإملاء إرادتها على العالم. ويعتقد بان روسيا تجد نفسها في وضع صعب، حيث تنتقل الولايات المتحدة من خطوات توسيع الناتو والعقوبات الصارمة وحروب المعلومات إلى محاولات إعادة تشكيل نظام العلاقات الدولية برمته. وهو يرى بان سياسة بوتين لجعل روسيا واحدة من أكبر خمسة اقتصاديات في العالم، ومحاربة الفقر، ووقف التدهور السكاني وتحقيق تطور تقني، تتطلب وضع برنامج واقعي والحاجة إلى تغيير المسار الاجتماعي والاقتصادي، للتخلص من سياسة الأوليغارشية المتمثلة في نهب البلاد وإضعافها، وهو يرى ان الحزب الحاكم، حزب الرئيس بوتين يعارض كل البرامج والاقتراحات المقدمة من معارضيه، مما يقود البلاد الى مخاطر كبيرة، بما فيها أسلوب إدارة النزاعات مع الجيران.
 وإذ تبقى الازمة مشتعلة، فإلى اين يتوجه بوتين في سياسته، هل يستطيع احتواء محاولات الغرب لشيطنة بلاده لتحقيق مصالحها في المنطقة، أم يبقى فعلا كما تصفه احد الأغاني المنتشرة عنه في وسائل التواصل الاجتماعي (أريدك ان تكون رجلا مثل بوتين / ممتليء بالقوة، لا يهرب، .. ) أم ... !
 

37
أنتخابات الأقاليم الفنلندية
تراجع كبير لشعبية اليمين المتطرف في كل الدوائر

هلسنكي ــ يوسف أبو الفوز

صوت الفنلنديون الاحد الماضي 23.1.2022، على اختيار مندوبيهم، في اول انتخابات إقليمية تجرى في البلاد، ارتباطا بسياسة الدولة في إصلاح الخدمات الاجتماعية والرعاية الصحية في فنلندا، المعروفة في وسائل الاعلام بالاسم المختصر Sote، تبعا لأول الحروف في الكلمات. قسمت عملية الإصلاح البلاد، الى 21 اقليما، يتولى تطوير مسؤولية الرفاهية للسكان، في تنظيم الخدمات الاجتماعية والرعاية الصحية والطوارئ، والتي تغطي الدولة بأكملها إضافة إلى جانب العاصمة هلسنكي وجزر أولاند المتمتعة بالحكم الذاتي، حيث يتولى برلمان أولاند هذه الصلاحيات، وكذلك يفعل مجلس مدينة هلسنكي الشيء نفسه بالنسبة للعاصمة. حظي نظام الإصلاح الإداري الجديد، بنسخته الحالية، بدعم من قوى اليسار والوسط بينما عرقلته وعارضته طويلا أحزاب اليمين التقليدي والمتطرف، التي ارادت دورا أكبر للقطاع الخاص في قطاع الخدمات الصحية، ولطالما طرح للنقاش والتصويت في ظل عدة وزارات ومجالس برلمانية سابقة ولم يكتب له النجاح بنسخته السابقة، بل وتسبب في سقوط واستقالة حكومة اليمين عام 2019، حتى مجيء حكومة اليسار ـ الوسط على أثرها فنجحت بإقراره وتمريره في حزيران 2021. ووفقا لبرنامج الإصلاح الحالي بدلا من ان تكون الصلاحيات موزعة سابقا على 310 من مجالس البلديات، اختصرت الى 21 من مجالس الأقاليم على أمل تحقيق توفير في الانفاق العام والتسريع في تبسيط الإجراءات. يذكر ان هيئة الإحصاء الفنلندية قدرت أنه بحلول عام 2030، سيكون حوالي 26 ٪ من السكان أكبر من 65 عامًا، مقارنة بأقل من 20٪ وفقا لإحصاءات 2017، ومع حاجة استخدام كبار السن لمزيد من خدمات الرعاية الصحية والاجتماعية، ستصبح الحاجة للإصلاح ضرورية. وحيث سيتم نقل مسؤولية تنظيم الخدمات الصحية والاجتماعية والطوارئ من البلديات إلى مقاطعات خدمات الرفاهية، فأن البلديات ستظل مسؤولة عن تعزيز صحة ورفاهية سكانها، والاهم في هذا كله ان القطاع العام سيظل هو المنظم والموفر الأساسي للخدمات. وايضا ستكمل الجهات الفاعلة في القطاع الخاص والقطاع الثالث (المختلط) خدمات الصحة العامة والخدمات الاجتماعية. وسيتم إنشاء خمس مجالات تعاونية للرعاية الصحية والرعاية الاجتماعية لتأمين الخدمات المتخصصة، أيضا سيستمر السماح للناس باستخدام الخدمات الصحية والاجتماعية عبر الحدود الإقليمية.
وخاضت مختلف الاحزاب طيلة الشهور الماضية، حملات انتخابية حيوية، حيث ورغم إجراءات التقييد في الكورونا، تجول قادة مختلف الاحزاب ومرشحي احزابهم في غالبية المدن الفنلندية، بينما شهدت وسائل الاعلام ومنصات التواصل الاجتماعي حضورا كبير للمرشحين ومناصريهم. وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات 47.5 ٪، واعتبرت ضعيفة مقارنة بالانتخابات البلدية التي أقيمت في العام الماضي، حيث ان هذه اول انتخابات إقليمية، فلا يوجد رقم انتخابي سابق للمقارنة، وبهذا تكون سجلت انخفاضا بنسبة 55.1 ٪.
 والمتابع لنتائج الانتخابات والحياة السياسة الفنلندية، ومقارنتها بنتاج الانتخابات البرلمانية، وانتخابات المجالس البلدية، سيرى بأن أكبر الخاسرين، كان حزب الفنلنديين الحقيقيين، اليميني المتطرف، حيث تراجع الى المرتبة الرابعة بنسبة 11,1 ٪، بينما كان يحتل المركز الثاني في استطلاعات الرأي الدورية، وعزا قادة الحزب اليميني المتطرف نتائجهم المريعة الى الاقبال الضعيف للناخبين بسبب جائحة الكورونا.  ورغم تصدر حزب الائتلاف الوطني الفنلندي ( يمين تقليدي) قائمة الفائزين بنسبة 21,5٪ من أصوات الناخبين، ويأتي بعده الحزب الديمقراطي الاجتماعي (يسار)، حزب رئيسة الوزراء الشابة سانا مارين (35 سنة)، بنسبة 19,3٪،  الا نتائج أحزاب اليسار مجتمعة دفعت بأحد المراقبين لوصفها وكأنها عودة بألة الزمن الى تلك السنوات التي كان الفاصل فيها كبيرا بين قوى اليسار واليمين، حيث تصدرت من جديد قوى ما يعرف بالأحمر ـ الاخضر الصدارة، ورغم ان محللين سياسيين يرون ان هذا لن يؤثر على السياسة الفنلندية على المستويات البعيدة، الا انه وفقا لمحللين اجتماعيين يعتقدون ان الامر هنا، لا يتعلق بالموقف من سياسة توزيع الدخل بل تتعلق بالقيم الاجتماعية والثقافية.
وفي أول تعليق لها عن نتائج الانتخابات الإقليمية، قالت رئيسة الوزراء سانا مارين، وهي زعيمة الحزب الديمقراطي الاجتماعي بنفس الوقت، ومعروف انها تقف على يسار حزبها في مواقفها، ان النتيجة تمثل (العودة الى تقدم الثلاثة الكبار، والعودة الى السياسة التقليدية الفنلندية، بعد عقد من هيمنة اليمين المتطرف على الشارع الفنلندي)، وهي تقصد تقدم حزبها وحزب الوسط واليمين التقليدي. ويذكران بعض التوقعات كانت تأمل ان حزب الوسط، سيحظى بموقع متقدم في بعض الأقاليم، حيث يتمركز جمهوره وانصاره من المزارعين، الا نتائجه وضعته في المرتبة الثالثة بعد الحزب الديمقراطي الاجتماعي.
واعربت زعيمة تحالف اليسار (يسار)، لي أندرسون، إنها مسرورة للغاية بالنتائج، بالنظر إلى أن هلسنكي لم تشارك في الانتخابات، وفقا للإصلاحات الإدارية، ويذكر ان سكان فنلندا يبلغون 5,5 مليون نسمة، يقيم أكثر من مليون ونصف منهم في العاصمة هلسنكي.
 


38
الروائي يوسف أبو الفوز:
 أجتهد في رواياتي وقصصي لعكس تأثيرات الثقافة الأخرى على العراقي المهاجر واللاجئ

أكتب لقارئ ذكي لا أريده الاسترخاء أثناء قراءة روايتي

ان المهاجر واللاجئ لا يقطع تذكرة سفر باتجاه

حوار: أمير الخطيب


يوسف علي هداد، المعروف بأسم يوسف أبو الفوز، روائي واعلامي، له تجارب غنية في الصحافة العراقية والعربية وكذلك الفنلندية.. هل تجد الافضل بالنسبة لك هو كتابة الرواية أم العمل الصحفي، وهل يمكن ان تحدثنا عن تجاربك الغنية في عالم الصحافة وعالم الرواية؟
ــ أدركت مبكرا ان القصة، وبالتالي الرواية هي بيتي، فأجتهدت بصيانة هذا البيت وتأثيثه. كتبت أول قصة قصيرة بمواصفات فنية في الثالثة عشر من عمري. أكتشف ذلك أستاذ اللغة العربية، في الصف الأول متوسط، بعدها جربت كتابة الشعر والقصة والمسرحية والمقال، عشت حالة من التشتت، حتى التحاقي بالدراسة الجامعية، عام 1975، وممارستي الصحافة بشكل إحترافي، فساعدتني على اهتمامي بالقصة أكثر. علمتني الصحافة التقاط الموضوع، الاحاطة بالتفاصيل وملاحقتها، تبويب المعلومات وتحليلها، صناعة الأسئلة وبالتالي تعزيز قدراتي في الكتابة. لم اتوقف عن الكتابة الصحفية في كل الظروف والمحطات التي مررت بها، اذ كان مجالا رحبا لقول الكلمة المباشرة بوجه عسف الأنظمة الديكتاتورية والمطالبة بحياة أفضل للناس. بنفس الاتجاه واصلت كتابة ونشر القصص القصيرة، التي جمعت لاحقا بعضها في مجاميع قصصية صدرت تباعا. لم أتفرغ لكتابة أول رواية الا بعد استقراري والاقامة في فنلندا التي وصلتها عام 1995، حيث توفرت ظروف عديدة ساعدتني على ذلك، أولها المساحة الواسعة من الحرية، الاستقرار النسبي الذي ساعد في مراجعة مختلف الموضوعات والتجارب، إضافة الى تراكم الخبرة الأدبية وتأثير الاحتكاك بالأخر. أنجزت كتابة أول رواية عام 2005 واستغرق العمل فيها أربع سنوات، كانت بعنوان (تحت سماء القطب) نشرت عام 2010 عن دار موكرياني في اربيل، اجتهدت فيها لتسليط الضوء على تأثير الحياة الاوربية على الأجيال المختلفة من المهاجرين واللاجئين العراقيين المقيمين في أوروبا وفنلندا خصوصا الجيل الثاني، اضافة الى موضوعات التلاقح الحضاري والهوية والجذور. تبعها انجاز رواية (كوابيس هلسنكي)، عام 2008 ونشرت عن دار المدى في دمشق عام 2011، تناولت فيها موضوع الجماعات التكفيرية المتطرفة الناشطة في أوروبا وفنلندا وعلاقتها بالأعمال الارهابية في العراق. العام الماضي 2021 صدرت لي رواية في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، في شهر تشرين الثاني / نوفمبر بعنوان (جريمة لم تكتبها اجاثا كريستي) تناولت موضوع موجة الهجرة في الاعوام 2014 ـ2017 من العراق وسوريا الى أوروبا وفنلندا. وفي كانون الأول/ ديسمبر من العام الماضي صدرت لي في بغداد رواية بعنوان (مواسم الانتظار)، وتناولت حياة ومعاناة المجتمع العراقي تحت ظل حقبة حزب البعث ونتائج الإرهاب السياسي الذي عاشه العراقيون المخالفين للنهج الشوفيني الفاشي لحزب البعث.
أستنتج هنا أنك في رواية (مواسم الانتظار) تتناول موضوعا سياسا شائكا، الا وهو تجربة التحالف بين البعثيين والشيوعيين، وإذ يقال ان الانتماء السياسي يلغي الابداع، فهل توافق هذا القول، وان وافقت، كيف ترى كونك شيوعي ومبدع في أن معا؟
ـ أن انتمائي الى الحزب الشيوعي العراقي، نابع عن قناعات فكرية وسياسية، وهذا الانتماء عزز كثيرا من شخصيتي ومنحني هوية انسان وكاتب يضع مصلحة وطنه وشعبه دائما في المقدمة، لهذا افخر جدا بانتمائي وتاريخي السياسي ونشاطي في مقارعة تعسف نظام حزب البعث الفاشي، حيث تعرضت وعائلتي للكثير من المضايقات والمعاناة، التي اجبرتني لمغادرة وطني عام 1979. ولا أجد هنا تعارض في كون الكاتب يكون ذا انتماء سياسي فكري، فلا يمكن لأي كاتب ان يكون بدون منهج فكري وسياسي وقضية يعمل ويكتب لأجلها. أن المهم هنا، هو ان لا تغلب لغة التخندق الأيديولوجي على عمل الكاتب فيتحول الى مجرد طبال وبوق لمواقف أيديولوجية وسياسية تحتمل الصواب والخطأ. وان الكاتب الحقيقي هو من يخضع نصه للشروط الفنية للكتابة، التي تتطلب منه ان يضع بطاقته الحزبية جانبا، دون التخلي عن روحه التنويرية ومنهجه الفكري التقدمي، ليكتب بروح الباحث الموضوعي. أن من يقرأ روايتي (مواسم الانتظار) سيجد هناك عدة شخصيات، أصواتها تختلف وتتعارض في الموقف والرأي، بما فيها أصوات شيوعية ناقدة لأداء قيادة الحزب الشيوعي في ادارتها لعملية التحالف مع البعث. وأستطيع القول ان (مواسم الانتظار) في جوانب منها رواية لا تعجب الصقور والمتأدلجين الشيوعيين، لأن متطلبات وشروط الكتابة هي من خلقت عوالم الرواية وليس الانتماء السياسي. أيضا أجد من الضروري جدا وجود كتاب ومثقفين في أي تنظيم سياسي وطني، خصوصا أولئك المثقفين المؤمنين حقا بالديمقراطية وحرية الرأي فهم سيكونون مدافعين عن وجود ذلك وحمايته في تنظيمات احزابهم. 
وماذا تخبرنا عن روايتك الثانية التي صدرت مؤخرا في القاهرة؟
ـ الرواية تحت عنوان (جريمة... لم تكتبها آجاثا كريستي)، وصدرت في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر2021 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، في سلسلة الابداع العربي. تناولت الرواية بأسلوب بوليسي تشويقي، عبر الغاز ومفاجآت، احداثا جرت توافقا مع موجة هجرة العراقيين الى أوروبا وفنلندا. حاولت الرواية تسليط الضوء على أسباب ووقائع الهجرة، وتأثير الهجرة على طبيعة المجتمع الفنلندي وتعامل مختلف القوى المجتمعية معها، ومن ذلك نشاط قوى اليمين المتطرف والحركات العنصرية، وابرزت هموم ومعاناة الشباب العراقي الباحث عن الخلاص، خلال انتقالهم الى بيئة وثقافة مختلفة وحياتهم في مراكز استقبال اللاجئين. وتجتهد الرواية لتسليط الضوء على التطورات في المجتمع العراقي من بعد زوال النظام الديكتاتوري البعثي، ونتائج سياسات حكومات المحاصصة الطائفية التي غذت الانقسام والاحتقان الطائفي وغياب الأمن المجتمعي بتوفير البيئة لوجود ونشاط الجماعات المسلحة، التي صادرت كرامة الشباب الذي يضطر لمغادرة البلاد. ولم تغفل الرواية الحديث عن معاناة أبناء الشعب العراقي وما تعرضوا له من عسف واضطهاد في زمن النظام الديكتاتوري المقبور بحكم عدم ولائهم لحزب البعث الحاكم وأفردت دورا متميزا للمرأة العراقية.
سبق وصدرت لك رواية بعنوان (كوابيس هلسنكي)، وقادتنا احداثها الى العاصمة الفنلندية، ماذا عن بقية رواياتك، هل تدور احداثها أيضا في فنلندا؟ وما حجم وجود عملك الصحفي في اعمالك الروائية؟ هل يتداخل عندك عالم الصحافة مع الخيال والابتكار؟ هل اعتمدت السرد التلقائي أم اعتمدت القصد في تناول احداث جرت فعلا؟
ـ كتب يوما، الصديق الشاعر الفنلندي ماركو كويفولا عن تجربتي الأدبية في فنلندا، بأن (يوسف أبو الفوز ككاتب يطير بجناحين فنلندي وعراقي). وكان مصيبا جدا. إذا استثنيا رواية (مواسم الانتظار) فهي رواية تطير بأجنحة عراقية خالصة، كشخوص ومكان واحداث، فان بقية رواياتي الثلاث ومجموعة قصص (طائر الدهشة) صدرت 1999، تبدأ احداثها في مدن واجواء فنلندية، لكن سريعا، وتبعا لمنطق تطور الشخصيات والاحداث، يجد القارئ نفسه في العراق، بمدنه وشخوصه وهمومه. أجتهد في رواياتي وقصصي لعكس تأثيرات الثقافة الأخرى على العراقي المهاجر واللاجئ، وإبراز همومه، احلامه وطموحاته. أدرك بالتجربة بان المهاجر واللاجئ لا يقطع تذكرة سفر باتجاه واحد فهو يظل مرتبطا بجذوره ووطنه، وتبقى همومه المتراكبة عراقية وان عاشها تحت سماء أخرى وسط أجواء اجتماعية وثقافية أخرى. اما عن تأثير العمل الصحفي على رواياتي الأدبية، أجد انها ملاحظة ذكية، فكثيرا ما ألجأ الى توظيف صوت الصحفي وتقنيات صحفية، في بعض اعمالي، الروائية والقصصية، بطريقة يمكن القول انها (كولاجية). أحاول ان لا تكون مقحمة، وتأتي بشكل يخدم النص، فأمرر بعض المعلومات المباشرة كأن تكون وقائع حقيقية أو ارقام. واجتهد ان لا يكون هذا على حساب السرد الفني والخيال، بل استخدمه كأسلوب، ولنقل حيلة فنية، لإيهام القارئ وأقناعه بحقيقة ما تصنعه المخيلة، والتي أساسا تغرف موضوعاتها وشخوصها من المحيط الذي اعيشه ككاتب.
ان جوابك يقودنا للسؤال عن ماذا تشكل لك الذاكرة العراقية هنا، هل هي مجرد الطفولة، أم بدايات الصنعة الادبية، ام ان خزين الذاكرة ما زال متقدا لحد الان؟
ـ يمكن القول ان أي كاتب، لا يمكنه الفكاك من الذاكرة كأداة عمل، بل ان الذاكرة والحنين هما أبرز ادواته. واتفق مع القول بان الذاكرة جسر من خلاله نحقق استمرارينا عبر الزمن، فهي احدى وسائل بقاء الانسان وتقديره لنفسه، وبالنسبة للكاتب أجد ان الذاكرة عامل أساس في نشاط المخيلة. أن الاتكاء على الذاكرة والحنين هي مصدر قوة لأي كاتب، وهكذا فالذاكرة العراقية بالنسبة لي كانسان وكاتب نهر جاري اغرف منه ما يروي عطشي من حنين لأشياء نفتقدها، ليس الطفولة ولا البدايات والامكنة فقط، ولكن لان عالمنا المعاصر تشوه كثيرا بسبب تركة الانظمة الديكتاتورية والحروب والحملات الايمانية المزيفة التي انتجت امراض الطائفية المقيتة والعشائرية والتشوهات في المنظومة الأخلاقية للمجتمع العراقي، فصرنا نفتقد ذلك الصفاء الإنساني حيث كان لا يهمنا ما يكون عليه الانتماء الديني والقومي لأصدقائنا وجيراننا.
ماذا يمثل لك الزمان والمكان؟ هل هما وحده واحده أم شيئان منفصلان؟
 أتفق مع القول الشائع بأن العلاقة جوهرية ومتبادلة بين الزمان والمكان وايضا ما يذهب اليه بعض النقاد حين يستخدمون مصطلح (الزمكان) للدلالة المباشرة على ذلك، معتبرين الزمان هو البعد الرابع للمكان. فالزمان والمكان من عناصر الرواية المهمة وتبرز قدرة الكتاب ومهارته في معالجتهما وتوظيفهما بشكل يخدم تطور النص بشكل منطقي، حيث تبرز قدرته في معالجة نمط الزمن الروائي وانساقه، وقدرته في استخدام دلالات المكان من خلال الوصف وعلاقته بالشخصيات، فالمكان يساعد على ابراز هوية الشخصية ببعدها الاجتماعي والثقافي. وأزعم باني اكتب لقارئ ذكي، فعليه لا اريد له الاسترخاء اثناء قراءة روايتي، لهذا قلما في اعمالي اترك الزمان يسير على وتيرة واحدة، فالجأ الى عدة تقنيات منها الاسترجاع وأحيانا يكون متداخلا لأكسر رتابة خط السرد، وكذا عن المكان فاني اجتهد ليكون ليس مجرد خلفية للحدث، بل له دلالات أعمق، فالمكان يجب أن يمسك بالشخصيات والاحداث، وفي رواية (مواسم الانتظار) مثلا، لم تكن مدينتي السماوة مجرد مكان لبعض احداث الرواية، بل اجتهدت لتكون بشكل ما أحد شخصيات الرواية.
وهل تجد ان الجمال ضرورة في العمل الروائي؟
ــ لا يمكن لأي مبدع فنان أو كاتب ان يتجاهل هذا الامر، مثلما نعرف بأن مفهوم الجمال في الفن والادب تطور وأصبح علما حديثا له منظريه وفلاسفته، بل ويعد عند كثيرين فرعا من فروع الفلسفة ووصفوه بكونه علم التعرف على الأشياء من خلال الحواس. وارتباطا بالمنهج الفكري الذي أسترشد به، أقصد المنهج الماركسي، فأن كل نشاط مادي يقوم به الانسان له جانب جمالي ما، وبما ان الابداع شكل من اشكال المعرفة الاجتماعية، فأن الجمال يكمن في قدرة المبدع، الكاتب أو الفنان، في ابراز رؤيته للعالم بطريقة فنية، وتتمثل في براعة الفنان في اختيار الألوان وزوايا المنظور والخ، وطريقة الكاتب في اختيار الموضوعات والاحداث وتعامله مع الزمان والمكان ورسم الشخصيات وطريقة السرد المتبعة، وأيضا قدرة المبدع في تحقيق تكامل بين الشكل والمحتوى. طبعا لا نغفل تعامل الكاتب مع أهم ادواته في الكتابة، ونقصد اللغة، كأداة جمالية. ويتطلب القول أيضا ان الادب لابد ان يكون له دور في تغيير ظروف الانسان نحو الاحسن، بمعنى اخر ان مهمة الادب ليس فقط عكس أو تمثيل هذه الظروف، بل السعي والعمل لتغييرها، وبالتالي ان في أسلوب توعية الانسان وحثه لأجل تغيير حياته، يكمن أيضا عنصر جمالي هام.








39
غيوم الناتو تعكر سماء فنلندا وروسيا
يوسف أبو الفوز
في الأسابيع الأخيرة، تصدرت أخبار العلاقة ما بين حلف الناتو وفنلندا، عناوين وسائل الاعلام، إثر ردود الأفعال التي برزت من قبل قادة حلف الناتو وفنلندا وأيضا روسيا على زيارة السكرتير العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ وسفراء مجلس شمال الأطلسي هلسنكي في تشرين الأول، العام المنصرم، أعقبتها فورا، زيارة من الرئيس الفنلندي ساولي نينيستو لنظيره الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين في خطوة قيل انها جاءت لطمأنة القادة الروس بشأن عدم امتثال فلندا للضغوط الغربية للالتحاق بالناتو. وكانت هذه المرة الأولى التي يقوم فيها وفد من الحلف الناتو بهذا الحجم بزيارة رسمية لأقناع فنلندا بالانضمام الى صفوفه.
وفي خطاب موجه للشعب الفنلندي بمناسبة العام الجديد، قال الرئيس الفنلندي، بان قرار الانضمام لحلف الناتو امر متروك لمقدم الطلب والدول الثلاثين الأعضاء في حلف الناتو و(ان مساحة فنلندا للمناورة وحرية الاختيار تشمل أيضًا إمكانية الاصطفاف العسكري والتقدم لعضوية الناتو، إذا قررنا ذلك بأنفسنا). وعاد ليؤكد سياسة (الباب المفتوح) التي تعتمدها فنلندا منذ عقود في علاقتها مع حلف الناتو، التي تقضي بأن لا تكون فنلندا عضوا في حلف الناتو، فتغيظ بذلك جارها الاكبر روسيا، وفي نفس الوقت لا تغلق الباب امام التعاون والمساهمة في العديد من برامج الشراكة مع حلف الناتو لتسهيل التعاون مع البلدان الغربية في مجال التدريبات والمناورات وشراء الأسلحة.
 وفي السياق نفسه، جاءت كلمة رئيسة الوزراء الفنلندية، سانا مارين (الديمقراطي الاجتماعي)، بالمناسبة ذاتها، وكذلك تصريحات وزير الخارجية، بيكا هافيستو (حزب الخضر). لم ينس القادة الفنلنديون في أحاديثهم التذكير بان فنلندا كانت ولا تزال مستعدة للتوسط في النزاعات في المنطقة، خاصة في القضايا الرئيسة مثل الازمة في بيلاروسيا، احتلال شبه جزيرة القرم والأوضاع في أوكرانيا، والتي قادت الى توترات بين روسيا والاتحاد الأوروبي، بما في ذلك العقوبات والعقوبات المضادة. واعتبرت دولا اوربية عديدة، أعضاء في حلف الناتو، ان الحشود العسكرية الروسية في إقليم القرم على الحدود مع أوكرانيا تهديد للسلام في المنطقة، مثيرين المخاوف من غزو عسكري روسي لأوكرانيا.
في خطابها السياسي تبنت الحكومات الفنلندية سياسة (الباب المفتوح)، وتبعا لهذه السياسة شاركت فنلندا في قوة حفظ السلام في أفغانستان، وعدد من المناورات العسكرية للحلف. وقد أغضبت هذه المشاركات روسيا. ومع التطورات الأخيرة في المنطقة، وسياسة التلويح بالغزو التي تتبعها الحكومة الروسية، بدأت بعض الأحزاب الفنلندية، من اليمين، الدعوة للتعجيل في الانضمام لحلف الناتو. ان الاستطلاعات الشعبية لا تزال ترى ان الدخول في أي تحالف عسكري لا يضمن السلام، بل أن من شأنه ان يرفع الميزانية العسكرية للبلاد ويشكل عبئا اضافيا على الاقتصاد. وتدرك قوى اليسار هذا الامر جيدا وترسم خطابها السياسي وفقا له، وترى ان المحافظة على المنجزات الديمقراطية للشعب الفنلندي لا يمكن ان تتم الا في ظروف سلمية. والمعروف ان قوى اليسار الفنلندية تعارض باستمرار أي تطور نوعي في العلاقات مع حلف الناتو. اما القوى اليمينية التقليدية فتنظر بإيجابية الى الانضمام إلى الحلف. 
 من جانبه يصف جون هربست، السفير الأمريكي السابق لدى كييف، الحشود الروسية في شبه جزيرة القرم بأنها عبارة عن (خدعة كبيرة) يستخدمها الرئيس الروسي من أجل التوصل إلى اتفاقات تلبي المصالح الروسية.
لقد مرت العلاقة التاريخية بين فنلندا وروسيا بمنعطفات كثيرة. في سنوات 1809 -1917 كانت فنلندا جزءا من الإمبراطورية الروسية، وخاضت القوات الفنلندية معركتين ضد الاتحاد السوفييتي: في شتاء (1939-1940)، وما عرف بحرب الاستمرار (1941-1944). وبعد الحرب العالمية الثانية اعتبرت فنلندا نفسها دولة محايدة وخلال الحرب الباردة حاولت فلندا اتخاذ موقف وسط بين الكتلتين الغربية والشرقية. وكانت العلاقة مع الجارة الكبيرة تتقلب مع مرور السنين. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، انضمت فنلندا إلى الاتحاد الأوروبي في عام 1995، والذي وضعها بشكل فعال كجزء من المعسكر الغربي. ولكن العلاقات الاقتصادية المتشابكة، تمنح علاقتها مع روسيا خصوصية، فما تزال فنلندا تستورد كميات كبيرة من السلع والضروريات الأساسية منها، مثل الطاقة والوقود، وبالمقابل تستورد روسيا كمية كبيرة من البضائع الفنلندية، مثل منتجات الاخشاب، وخدمات تكنولوجيا الاتصالات.



40
تأملات للمناقشة ... 
محنة حميد قاسم!
يوسف أبو الفوز
كتب الشاعر والكاتب حميد قاسم على صفحته في (فيس بوك)، في الأيام الأخيرة من العام المنصرم، جملة لفتت انتباهي: (كانت أمسية رائعة بحضور نوعي وغياب الأدباء "أصدقائي")! ونشر معها صورا عن جلسة أدبية له خصصت لروايته الأخيرة (ظهر السمكة).
أستوقفني واثارني، هذا الشعور بالحزن أو لنقل الإحباط الذي اوحت به الكلمات القليلة، بسبب من غياب الأصدقاء، خصوصا، من الادباء، عن حضور جلسة أدبية مخصصة لكاتب معروف جيدا بمجمل جهده الإبداعي، فما هي الاسباب؟ هل هو شأن شخصي؟ أم شانا عاما في حياتنا الثقافية؟ أم ان جميع الأصدقاء ـ الادباء صادف وحصلت لهم ـ كلهم! ـ مرة واحدة، احداث طارئة عرقلت وصولهم الى المكان؟
هل هذا العزوف يعكس سيكولوجيه معينة عند مثقفنا العراقي، الذي ربما يرى نفسه مبدعا أوحدا، وينظر لغيره بشيء من التعالي، فلا يجده يستحق جهدا لحضور أمسيته؟ أحزنني ان بعض من قواميس اللغة إذ تذكرنا بان العزوف (أسم من فعل عزف وهو عزوف عن كذا يعني مبتعد، ممتنع عنه)، فأنها في باب اخر تفيد بان (رجل عزوف هو من لا يثبت على وفاء أو مصادقة أحد!) أهذا هو ما يجري يا ترى؟ أم ان البعض من الادباء ـ الأصدقاء، يعمل تحت دافع الغيرة ويرى في ان حضوره قد يمنح الكاتب المعني اهتماما يسلط الضوء عليه أكثر مما يستحق، فهو ليس من مقامه وبقامته و.. الخ؟
عانيت شخصيا من هذا الحزن والاحباط أيضا حين وقعت روايتي الأخيرة (مواسم الانتظار) مؤخرا ضمن فعاليات معرض العراق الدولي للكتاب في اواسط ديسمبر/ كانون العام الماضي في بغداد. كنت وانا على المنصة ابحث بين الجمهور عن وجوه بعض الادباء من المعارف والاصحاب. حرص على حضور مراسيم التوقيع أصدقائي الشخصيين من أيام الدراسة الجامعية، بل وأسرهم، كان هناك حضور جيد من جمهور المعرض، لكني وجدت وبعدد أصابع اليد مثقفين من الذين شخصيا وبشكل مباشر وجهت لهم دعوات للحضور، وكنت قضيت ساعات أوزع الدعوات عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، مرفقا معها جمل لطيفة عن الصداقة والآمل والعراق، واحتفظ بقائمة طويلة من هذه الأسماء. وحتى المثقفين الذين التقيتهم صدفة، في شارع أو مقهى او خلال أيام معرض الكتاب في بغداد، استثمرت الفرصة ودعوتهم فوعدوا لكنهم أخلوا بالوعد دون أي اعتذار!! سالت نفسي يومها بحرقة وألم: أهو موقف شخصي؟، لم أجد ثمت ما يدعو لتصديق هذا التساؤل، فلست على خلاف أو إشكال شخصي مع أي من الذين دعوتهم، وإلا لماذا أدعوهم أساسا؟
كنت اعتقد ولحين ان ثمة لعنة ما تلاحق (كتاب الخارج)، فالمثقفون والصحفيون (من أهل الداخل) بدا لي أنهم ليسوا معنيين بأي نشاط أو ما يقدمه هؤلاء (المترفون بنعم الحياة الاوربية) من جهد وابداع، لكن تعليق صديقي الشاعر حميد قاسم عن جلسته الأدبية وما ذكره عن غياب الادباء ـ الأصدقاء، جاء ليطفأ نيران شكوكي شيئا ما. ولابد من القول هنا ان الصديق حميد قاسم كان الوحيد الذي حرص على لقائي في بغداد بموعد خاص وقدم لي روايته الجديدة كهدية وزينها بإهداء جميل مشترك، لي ولشادمان ـ شريكة حياتي، وقضينا وقتا ممتعا في الحديث في شؤون الادب والعراق.
ان ما كتبه الشاعر حميد قسم، جعلني افهم بان هذه (المحنة) ـ هل هي محنة حقا؟ ـ، محنة حميد قاسم ومحنتي، هي ربما محنة كثير من المثقفين.
نعم، للأسف اعتقد ان هناك ثمت سيكولوجيه ما تنمو طاردة للشعور بالمسؤولية تجاه الاخر، تغذيها روح الشللية والاخوانيات التي تفقد الحياة الثقافية روحها الحقيقية وحيويتها المطلوبة.  فيا ترى كم من مثقف بادر وتابع اخبار زملائه وسجل في تقويمه الخاص موعد لأمسية أو نشاط ما وقرر الحضور؟ هنا ازعم بان بعض الحضور في الاماسي والاصبوحات يأتي في سياق المجاملة، وفي سياق نشاط اجتماعي عام (اللقاء بأكبر عدد من المعارف مرة واحدة). فأرى هنا اننا بحاجة للكثير، لننفض عنا روح الكسل في تحمل المسؤولية والاحساس بجهد الاخرين واكتشافه والتفاعل معه بروح التلمذة والتواضع والمحبة.
أن جيلا جديدا يا أصدقائي المثقفون ينهض يراقب افعالنا عن كثب. 



41
يوسف أبو الفوز يسرد تراجيديا هجرة العراقيين إلى أوروبا
رواية "جريمة لم تكتبها أغاثا كريستي" تعيد مشهد قتل النساء العربيات انتقاماً للشرف في فنلندا


شريف الشافعي
كاتب وصحافي

   
تمثّل رواية "جريمة لم تكتبها أغاثا كريستي" للكاتب العراقي يوسف أبو الفوز، المقيم في فنلندا منذ 27 عاماً، نقطة التقاء لعوالم تخييلية إبداعية ابتكرها المؤلف من جهة، ووقائع وأحداث حقيقية من جهة أخرى، وثّقها التاريخ الحديث ووسائل الإعلام، وسجّلتها الخبرات الحياتية المباشرة للكاتب والصحافي والناشط السياسي المعارض. وقد غادر أبو الفوز العراق بحثاً عن الحرية في عهد الرئيس الراحل صدام حسين، وتنقّل في المنافي العربية والأوروبية، وقضى عاماً في سجون إستونيا في منتصف التسعينيات. وهناك اختارته مجموعة من السجناء العراقيين، ليمثلهم أمام السلطات بهدف أن يُقبَلوا كلاجئين في دولة أوروبية. وبالفعل جرى استقبالهم في فنلندا ليقيموا على أراضيها، بترتيب مع المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
عبر هذه التجربة الروائية، الصادرة حديثاً في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب (سلسلة الإبداع العربي)، يفتح أبو الفوز (65 سنة) نافذة فنية طيّعة، للإطلال على فضاء أرحب، هو حاضر المهاجرين العرب الذين شدّوا الرحال إلى أوروبا، بشكل شرعي أو بطرق غير شرعية، خصوصاً العراقيين من الطوائف المختلفة في فنلندا خلال الأعوام الأخيرة.
وبإلقائه الضوء على هذه النماذج البشرية وصراعاتها المتنامية وصدماتها الحضارية وجرائمها الفعلية والملفقة، يُوجِد الكاتب بأدواته الاستقصائية مدخلاً للوقوف على تشريح بانورامي واسع النطاق، اجتماعي وسياسي وأمني واقتصادي، للأوضاع الراهنة والملابسات المتشابكة في الدول الغربية التي تجبرها القوانين على فتح أبوابها للوافدين وللاجئين، على الرغم من معارضة بعض الأحزاب، والقوى المجتمعية، والجماعات الضاغطة، والعنصرية.
وهو يتمكن من تحليل الأوضاع البائسة واليوميات المأساوية داخل الدول العربية المنقسمة والمتحاربة، التي تجبر أبناءها على الهرب في أجواء شديدة الخطورة، وفوق قوارب الموت المرعبة. ويستخدم المهربون عادة قوارب مطاطية منفوخة لنقل المهاجرين من السواحل التركية إلى الجزر اليونانية. وأوضحت التقارير الصحافية من مصادر عدة أن أكثر من يريد الهجرة هم السوريون والعراقيون، وهناك أيضاً أعداد من الفلسطينيين واللبنانيين، وهناك مهاجرون من الصومال ومناطق أفريقية. وذلك نقلاً عن موقع "المرصد" الفنلندي، الذي يبدو كأحد الأصوات "المعلوماتية" على امتداد صفحات الرواية "الكولاجية"، التي تتسع لمصادر متنوعة، إلى جانب الراوي العليم، الذي يناط به الدور الأعظم في السرد عن الشخصيات، ونقل حواراتها.
الصراع الحضاري
يدير صاحب الأعمال القصصية والروائية "عراقيون" و"أنشودة الوطن والمنفى" و"طائر الدهشة" و"تلك القرى... تلك البنادق" و"تحت سماء القطب" و"كوابيس هلسنكي"، لعبته الروائية الجديدة "جريمة لم تكتبها أغاثا كريستي" في طبقات عميقة خلف الحدود والأسطح القريبة للفن السردي بشخوصه وعناصرة الاعتيادية. فالعنوان يحيل إلى حدوث جريمة، هي قتل امرأة عراقية في ظروف غامضة، لكن الجريمة التي تشرع السلطات الفنلندية بالتحقيق فيها تتأسطر لتصير أكثر إثارة وتشعّباً من كل ما كتبت سيدة الروايات البوليسية الإنجليزية أغاثا كريستي. وتمضي التحقيقات في مسارات شتى، ويجري استجواب كثيرين من الشهود والمتهمين والذين لهم صلة بالمرأة المغدورة، ومنهم الشخصيات المحورية في العمل، وهم مجموعة من العراقيين متعددي الطوائف الذين يعملون في مهن ووظائف متنوعة وهاجروا إلى أوروبا في ظروف وتوقيتات مختلفة.
ومع تكشّف تفاصيل الجريمة شيئاً فشيئاً، ودوافع القتل، تتكشف الدوافع الجوهرية لكتابة الرواية، التي لا تقف عند الجريمة والصبغة البوليسية، ولا تكتفي بأن تكون تخييلاً فنّياً لأحداث مجانية أو حتى شيّقة، وإنما تصل الكتابة من خلال النبش في جوّانيات الشخصيات وما وراء الأحداث إلى رسم صور مكبّرة فاضحة للنسيجين الإنسانيين، الغربي والشرقي على السواء، وذلك جراء تلاقيهما الذي يبلور ذروة التناقض، ويستعيد ضمنيّاً نظريات الصراع الحضاري وأطروحات عدم إمكانية دمج المتنافرين.
تصل تحقيقات الشرطة بعد وقت غير طويل إلى أن القاتل هو ابن عم السيدة العراقية، الذي حضر خصيصاً إلى فنلندا عن طريق السويد لينفذ "جريمة الشرف" بدعوى غسل العار، بعدما وشى البعض إلى عائلتها بسوء سمعتها. وهي أمور بدت غريبة على المحققين الذين يعيشون في بيئة متحررة تمنح المرأة حقوقها الكاملة، ولم يكونوا ليتفهموا جوانب كثيرة منها لولا وجود مترجمين عراقيين شرحوا لهم الأبعاد الاجتماعية والأخلاقية التي يتذرع بها الجناة لإيجاد مبررات للجريمة. والمدهش أن المرأة المغدورة هي التي دفعت للمهرّبين تكلفة استقدام ابن عمّها بضغوط من أهلها، من دون أن تدرك نيّته قتلها بطبيعة الحال، بل إنها ظنته آتياً لكي يتزوجها بعد طلاقها من زوجها. ذلك الزوج الذي لم تستبعد التحقيقات تواطؤه هو الآخر مع أهلها في تنفيذ مخطط الإجهاز عليها بطعنة نافذة في قلبها.
وهم الهجرة
تُبرز الرواية كيف أن فكرة "الخَلاص" التي يلهث وراءها المهاجرون هي محض وهم، فالحقيقة أنه لا نجاة حال البقاء في الأوطان، وكذلك فإن الحياة في المهجر هي منقوصة ومفقودة إلى حد بعيد، وليست فرصة ذهبية للعيش، كما يظن المتفائلون.
فالعراقيون، على سبيل المثال، الذين نزحوا إلى هلسنكي خوفاً من الملاحقة والتهديد والتنكيل في عهد الرئيس صدام حسين، أو الذين يواصلون النزوح إليها بكل السبل المشروعة وغير المشروعة بعد سقوط النظام البعثي وحلول الانقسامات الطائفية والصراعات الأهلية والفساد والغياب الأمني وانتشار الجماعات المتطرفة وعصابات القتل والخطف والنهب والترويع وغير ذلك، لا ينالون الفردوس المفقود بوصولهم إلى الأراضي الغربية، لكنهم يواجهون ظروفاً قاسية أيضاً، من حيث عدم القدرة على التأقلم مع عادات المجتمع وتقاليده ولغته، وعدم التوافق مع متطلبات سوق العمل. وهذا ما لا يؤهلهم للاندماج، ويعرّضهم للفقر والعزلة والانخراط في الجريمة، إلى جانب ما يواجهونه من معاداة الأحزاب والجماعات والقوى العنصرية والمتطرفة المناهضة للهجرة واللجوء والتعددية الثقافية. وهؤلاء يصل بهم الأمر إلى تلفيق التهم للجاليات العربية، والعمل على الإساءة إليهم، وتشويه صورتهم، وربما ممارسة الاعتداءات المباشرة ضدهم، بدنيّاً ونفسيّاً.
تنفتح الرواية على سائر مفاهيم القتل الإنساني، ووجوهه وتمثلاته البشعة، التي لا حصر لها. فالقتيلة العراقية، ليست وحدها التي عُذّبت واغتيلت بآلة حادة، فكل يوم تُغتال نساء بدم بارد في المدن المزدحمة التي تخلو من الرحمة. هناك معانٍ كثيرة للخنق والطعن والوأد والدفن تحت الثرى، تلتفت إليها الرواية بأناة واصطبار، من بينها تغييب العدل والشفافية والمساواة في العالم التنافسي المحموم، وإهدار كرامة البشر، وقمعهم، وسلبهم إرادتهم وحرياتهم وحقوقهم، بل والإتجار بهم أمام أعين المنظمات الدولية، التي تسللت إليها أذرع الفساد. وشأنها هذا شأن الحكومات والقوى السياسية ومافيا التكتلات الدولية، المتحالفة شرقاً وغرباً ضد الضعفاء والمقهورين والمهمّشين. وهو ما تتقصاه الرواية، خصوصاً بتركيزها على أوضاع اللاجئين والمهجّرين، المهزومين دائماً أمام قبح الحقيقة، شأن القتيلة العراقية، وغيرها من آلاف الموتى/الأحياء، بتعاستهم وصمتهم وانسداد الأفق أمام تطلعاتهم وآمالهم، "الحقيقة هي ضباب آخر في عالم يشعر الإنسان فيه بأنه ضعيف أمام حقائق الواقع الصلبة والقاسية والمرعبة. الحقيقة لها أقدام فيل، حين يكون للأمنية جناح فراشة".



42
المنبر الحر / النساء والكتابة
« في: 17:18 25/11/2021  »
النساء والكتابة
يوسف أبو الفوز

مساهمة في تحقيق من إعداد الكاتبة سماح عادل 
هذا هو الجزء الثاني من تحقيق (النساء والكتابة)، والذي جمعنا فيه آراء الكتاب من مختلف بلدان الشرق عن الصعوبات التي تواجه الكاتبات، وطرحنا هذه الأسئلة:
•   في رأيك هل مهام الكاتبة من عمل، ومسؤوليات الأمومة ورعاية الأسرة وأعمال المنزل صعوبات تمنعها من التفرغ للكتابة وتقلل فرصها للتواجد على الساحة الثقافية ككاتبة؟
•   ما رأيك في مقارنة نصوص الكاتبات من النساء بنصوص وإنتاج الكتاب من الرجال رغم التفاوت الكبير في إتاحة الفرص وتوافر إمكانية التفرغ؟
•   ما رأيك في تحطيم التابوهات في بعض كتابات النساء، والجرأة في الكتابة. وما رأيك فيها يسمى بالكتابة الأيروتيكية؟
•   هل استطاعت كتابات المرأة أن تتواجد على الساحة الثقافية في مجتمعاتنا وأن تجد لها مكانا وفي رأيك هل ينصف النقاد كتابات النساء أم لا ولما؟
•   هل تعتقد أن هناك اختلافات ما بين الكتابات التي تصدر عن النساء وتلك التي يكتبها الرجال وما هي هذه الاختلافات؟


خصوصية شخصية المرأة تساهم في تميز الكتابة لديها..

يقول الكاتب العراقي “يوسف أبو الفوز”: “الجواب هنا يتحدد بحديثنا عن جنسية الكاتبة أولا، في أي بلد تعيش؟ إذا كان المقصود الكاتبة بشكل عام، فلابد من القول أن المجتمعات الأوربية قطعت شوطا كبيرا في إطار خروج المرأة من طوق دائرة المطبخ ورعاية وتربية الأطفال، إذ تطورت هذه المجتمعات وقطعت شوطا كبيرا في طريق نيل المرأة لحقوقها، من توفير الظروف المناسبة لنشاطها وتطورها لتكون جزء فاعلا في المجتمع.
مثلا أن مراكز رعاية الأطفال النهارية (الحضانة) وثم المدرسة، تقوم بواجبات ليس قليلة تخفف عن أي أم الكثير من الأعباء فتجد الفرصة للعمل، الدراسة، ممارسة هواياتها وتطوير نفسها، وبالتالي تجد المرأة الكاتبة فسحة مناسبة من الوقت لاستثمارها فيما يتعلق بنشاطها الإبداعي.
وإذا تحدثنا عن المرأة الكاتبة، التي ولدت وتعيش وتعمل في الشرق الأوسط، فهنا تسكب العبرات كما يقال. فرغم أن الظروف الاجتماعية والسياسية عامة يعاني منها كلا الطرفين، أقصد الكاتبـ الرجل، والكاتب ـ المرأة، إلا أن مجتمعنا الشرقي الذكوري، ما يزال ينظر للمرأة عموما بكون مكانها الحقيقي هو دائرة المطبخ، سرير النوم وتربية الأطفال، وإن خرجت المرأة للعمل، فهذا أيضا لا يقدم دعما كبيرا للمرأة للحصول على مساحة من الحرية الكاملة.
إضافة إلى أن البنى التحتية للخدمات ما تزال غير متطورة كثيرا في بلداننا العربية، فليس كل العوائل قادرة على إرسال أطفالها لدور الحضانة الخاصة أو الرعاية النهارية، ناهيك عن غياب وجود مثل هذه الخدمات في العديد من البلدان مما يجعل منها مهام ربة البيت. والأمومة تضيق الخناق على الكاتبة المتزوجة والأم، فتصبح عندها الكتابة هما كبيرا وعلى الكاتبة النضال لانتزاع الوقت ومن ثم الحرية والمساحة لأجل إنجاز مشاريعها الأدبية. وعليه كل امرأة كاتبة عندي هي بطلة بطريقتها الخاصة، لكونها أولا تخلق الوقت وتسرقه من ساعات راحتها، وثم مواجهة العوائق الأخرى الاجتماعية والسياسية والعائلية لتقدم شيئا متميزا”.
وعن مقارنة النصوص رغم التفاوت الكبير في إتاحة الفرص يقول: “لا اعتبر شخصيا أن الإبداع الحقيقي يرتبط بكون الكاتب رجل أو امرأة، فالموهبة هي الأساس ويتم تقويمها بالدراسة والتجربة والاطلاع على تجارب الآخرين. ونعود للحديث عن الفارق الكبير بين واقع حياة وتجربة الكاتبة إن كانت أوربية أو كاتبة من بلدان الشرق، فالمرأة الأوربية تكون أمامها الفرص متوفرة للدراسة والعمل والسفر والعيش بحرية، فإن كانت كاتبة يترك هذا أثرا كثيرا على تجربتها الإبداعية.
أما المرأة العربية، التي في بعض بلداننا لا تستطيع السفر بدون رجل يرافقها، فكيف لها أن تزيد من خبراتها في الحياة وتطور من إبداعها؟ كيف تستطيع فهم الآخر ـ الرجل إن كانت لا تستطيع معايشته أو تعقد صداقات متكافئة معه؟  لهذا فالمرأة الكاتبة في بلداننا تنحت في الصخر وهي فدائية في خوضها في موضوعات ممنوعة على المرأة فالحرية متوفرة فقط للرجل للخوض فيها. رغم كل ما يقال فلقد برزت لدينا كاتبات تحدين كل العوائق والخراب وكان إبداعهن بمستوى لم ينجح كثير من الرجال في بلوغه”.
وعن تحطيم التابوهات في بعض كتابات النساء يقول: “إن كسر التابوهات في الكتابة في بلدان الشرق، مهمة وعائق يواجه كل كاتب سواء كان رجل أو امرأة، وتكون مهمة المرأة الكاتبة هنا أصعب بكثير، فمجتمعنا ذكوري بامتياز، فلطالما شكت لي صديقات كاتبات من كون البعض يعتقد أنها تكتب عن تجربتها الشخصية، مما يجعلها في موقع الدفاع عن النفس أمام تنمر الآخرين، وهي لم تفعل أكثر من كون عملها الإبداعي تطلب ان تترك شخوصها يتحدثون بشكل صريح عن عوالمهم الداخلية.
للأسف إن المرأة الشرقية ما تزال متهمة حتى في نوع ملابسها وطريقة جلوسها وحديثها، أو إذا رفعت صوتها بضحكة في مكان عام، فكيف إذا كاتبة دخلت مع شخوص نصها الإبداعي إلى غرف النوم أو جعلتهم يتحدثون باستفاضة عن هواجسهم العاطفية الجنسية؟ لست مع إقحام وافتعال المشاهد الأيروتيكية، لأسباب لا علاقة لها بالشروط الفنية للعمل الأدبي.
لو ألقينا نظرة سريعة متفحصة، فأننا للأسف سنجد في حقل الأدب الكثير من الكتاب، من الرجال والنساء، يكتب بهذه الطريقة، لأغراض التسويق، فنجد نصوصا إبداعية مزدحمة بما لذ وطاب من مسميات جنسية ومشاهد لا ضرورة لها، تذكرنا بخلطات الأفلام التجارية. هذا النوع من الكتابة المفتعلة، أعتبره مثل الوجبات السريعة، غير صحي ولا يشبع الجوع الروحي القارئ الجاد”.
وعن استطاعة كتابات المرأة أن تتواجد على الساحة الثقافية في مجتمعاتنا يقول: “لقد برزت في الساحة الثقافية في الشرق وبلداننا، الكثير من القامات الأدبية النسوية المتميزة، وترفع القبعات لهن لتخطيهن ببسالة وتضحيات، الكثير من الحواجز الاجتماعية، واستمرار صراعهن لإثبات وجودهن كمبدعات.
للأسف إن حركة النقد في بلدان الشرق عموما، لم تنصف الكثير من الكتاب الرجال فكيف تستطيع إنصاف النساء الكاتبات؟ ما تزال الحركة النقدية لدينا أسيرة الشللية والعلاقات و(الشغل تحت الطاولة)، وبرزت في الفترة الأخيرة عند البعض من النقاد نغمات التخندق الأيدلوجي وأيضا الديني المذهبي، فنشرت العديد من الدراسات النقدية ومنحت شهادات ماجستير ودكتوراه عن أشباه كتاب وكاتبات لأسباب لا علاقة لها بالإبداع تماما. واضطرت بعض الكاتبات الجادات الركون إلى تحاشي التجمعات الثقافية والعمل عن بعد، حتى لا يتم مطالبتهن بما هن ليس قادرات على تقديمه لأجل مقال أو دراسة نقدية”.
وعن وجود اختلافات ما بين الكتابات التي تصدر عن النساء وتلك التي يكتبها الرجال يقول: “ذكرت أن الإبداع لا يتحدد بكون الكاتب رجل أو امرأة، لكن خصوصية شخصية المرأة، وكونها تملك قدرات إنسانية تتخطى فيها الرجل كثيرا، مثلا حدس المرأة الخاص، قدراتها في استثمار حواسها بشكل متميز، القدرات الخاصة في تحمل الألم والصبر، وغيرها، يضيف ملامح خاصة على شخصية المرأة، وبالتالي فإن الكاتبة منهن ستكون متميزة كثيرا باستثمار هذه الخصوصيات لأجل العمل الإبداعي.
هكذا نجد أحيانا كاتبات البعض يصنفهن من الصف الثاني، يكتبن بلغة مبدعة وأسلوب يتخطى كتاب يضعهم البعض في الصف الأول. تتعلق القضية في قدرة المرأة الكاتبة على استثمار خصوصياتها وتوظيفها بشكل صحيح ليجعلها تبدع بطريقة تتخطى الرجل الكاتب بمسافات.
يبقى علينا القول أن مجتمعنا الشرقي الذكوري، يمنح الرجل مساحة واسعة من الحرية، لا تملكها المرأة، لتطوير تجاربه الإنسانية، مثلا في السفر،العلاقات، العمل، الحب، الجنس، إلخ، مما يجعل الكاتب الرجل منطقيا أكثر سعة معلوماتية وتجربة، وبالتالي يسهل عليه بناء شخوصه وجعلها أكثر حيوية ومقنعة، لكن المرأة ـ الكاتبة تظل تتخطاه في عكس الجانب الروحي للشخصيات، وهذا ما أحاول أتعلمه دائما عند قراءة إبداع كاتبات نساء”.

43
مشاركة الشبيبة العراقية  في مؤتمر الحوار العربي ــ الاوربي عام  1996 !


يوسف أبو الفوز
في عام 1975 وبسبب من سياسات النظام الديكتاتوري المقبور للاستحواذ على ساحة العمل السياسي والجماهيري، اضطرت المنظمات الديمقراطية العراقية، ومنها اتحاد الشبيبة الديمقراطي العراقي (أشدع) التى اتخاذ قرار خاطيء بتجميد نشاطها وعملها، فكان من تداعيات ذلك ان احتلت مواقعها في المحافل الدولية منظمات النظام الديكتاتوري، وبعد معاودة المنظمات الديمقراطية العراقية لنشاطها عام 1978 ، اقتضى الكثير من العمل والنشاط من اجل العودة للمحافل الدولية. في عام 1996 وللفترة 10 ــ 15 كانون الاول، وفي بودابست، العاصمة الهنغارية، نظم مركز الشباب الاوربي ومركز الشمال ـ الجنوب التابع للمجلس الاوربي وبالتنسيق مع اتحاد الشباب العربي (مؤتمر حوار الشباب العربي ــ  الاوربي ) وتحت شعار(من اجل التفاهم والتعاون) وبحضور مئتي مندوب يمثلون اكثر من اربعين منظمة حكومية وغير حكومية . في تلك الفترة كنت شخصيا انشط مع مجلس الشباب الفنلندي، واشارك في مشروع لأصدار مجلة للاطفال باللغة العربية والفنلندية، فتم ترشيحي لأكون عضوا في الوفد الفنلندي الذي سيساهم في مؤتمر الحوار في بودابست. اجريت اتصالات سريعة فعرفت انه لم توجه دعوة لـ (اشدع) بل وجهت الدعوة لمنظمة اتحاد الشباب الصدامي، علما ان ممثل (أشدع) لدى اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي (وفدي) وهو الزميل ثائر صالح محل اقامته في بودابست، لكن لم يتم التنسيق معه اوحتى اشعاره من قبل المنظمات المعنية، وهذا لم يكن بعيدا عن سياسة الموالاة للنظام الديكتاتوري عند البعض من قيادات اتحاد الشباب العربي. شريكتي في الوفد الفنلندي السيدة "ريكا يالونين" كانت شابة ذات أفق يساري متفتح، كنا اعددنا انفسنا بورقتي عمل فنلندية للحديث عن مجتمع متعدد الثقافات ودور منظمات الشبيبة في النضال ضد البطالة وانتشار المخدرات بين الشبيبة الفنلندية والاوربية، في الطائرة في طريقنا الى بودابست فاتحت زميلتي بأن مهمة الوفد الاساسية ستكون من مسؤليتها لكون هناك تنتظرني مهمة اخرى. ولهذه المهمة التي رأيت انها الاهم، هيأت نفسي بشكل جيد، فقد حصلت على تخويل كامل للتحرك والنشاط بأسم اللجنة التنفيذية لاشدع واتفقت مع الزميل ثائر صالح لنعمل بكفائة عالية خلال ايام المؤتمر، وبالرغم من انهم لم يسمحوا له بحضور جلسات المؤتمر، فقد عملنا كفريق واحد، من داخل وخارج المؤتمر، وكان عونا مهما في التخفيف عني من ثقل التمثيل المزدوج الذي وجدت نفسي فيه، وقد ساهم بشكل حيوي في اعداد الوثائق وطباعتها وتكثيرها وتوفير المعلومات الملحة، وعملنا بتفان لنجاح مهمة تمثيل اشدع وايصال صوت الشبيبة الديمقراطية العراقية الى المشاركين في المؤتمر. في اليوم الاول للوصول علمنا ان وفد النظام الصدامي سيصل في اليوم الثاني، فتحركنا بين منظمي المؤتمر، للتنبيه الى احتمالات الصدام التي يمكن ان تحصل، لاسيما وان ثمة تجارب بذلك، وايضا ابلغنا الوفود الشقيقة والصديقة التي ابدت دعمها وتضامنها الكامل. وطالبنا بتسجيل اسم اشدع كمدعو للمساهمة في المؤتمر، لكن دعوتنا اصطدمت بتعنت من قيادة اتحاد الشباب العربي، الذين تبجحوا بأن العراق يمثله اتحاد االشباب الصدامي. في اليوم التالي علمنا بان المنظمة الشبابية الصدامية اعتذرت فتحركنا فورا لاستغلال ذلك لاجل شغل مقعد العراق، وكان موقف سكرتير اتحاد الشبيبة الديمقراطي العالمي السيد أوليفيير ميير (من فرنسا) مشرّفا ونبيلا ، وقد انتقل في اليوم الثالث ليقيم معي في غرفتي في اشارة تضامنية واضحة. كانت المحاور الاساسية في المؤتمر عن الديمقراطية وبناء الثقة وتضمن موضوعات عن دور المؤسسات الشبابية في بناء الثقة ودور الاعلام والديمقراطية في العلاقات الدولية والوقاية من الصراعات. والمحور الاخر كان حول البعاد الانسانية وتضمن موضعات عن التنمية والحقالئق الاقتصادية وعن الشباب والعمل والبطالة والهجرة والتهميش الاجتماعي والعنصرية ووعن التعليم وحقوق الانسان. في وثائق المؤتمر وجلساته، تردد كثيرا مصطلح "بناء الثقة" وهو يقود مباشرة لقضية العلاقات العربية الاسرائلية ، وكانت اطراف اوربية ومنظمات عديدة، حاولت ان تحول المؤتمر الى حوار اوربي ـ شرق اوسطي لاجل اشراك اسرائيل بشكل مباشر، رغم انها لم تكن ممثلة رسميا، لكن مندوبي اسرائيل حضروا ضمن قوام اربع منظمات اوربية وعملوا كفريق عمل واحد، وهكذا في اليوم الثاني حين عارضني احد اعضاء وفد عربي حكومي باني تحدثت عن العراق اكثر مما تحدثت عن فنلندا، وفي سجال ساخن، اخبرته بان من انشط الوفود في المؤتمر هو الوفد الاسرائيلي وهو غير ممثل رسميا وكان عليه الاعتراض على ذلك بدلا من محاولة حرماني من عكس حقائق واقع الشبيبة في العراقي، وقد لاقى موقفه استهجان المنظمات الشبابية غير الحكومية، التي بادرنا الى دعوتها لاجتماع خاص من اجل تنسيق المواقف وكان من نتيجة ذلك اختيار اشدع منسقا وناطقا باسم المنظمات غير الحكومية خلال المؤتمر. ورغم التعارض الذي برز مع قادة الوفد الليبي الا اننا نجحنا في اقناعهم بعقد جلسة خاصة على هامش المؤتمر عن الحصار الاقتصادي شارك فيها بحماس وفد الشبيبة الكوبية، وكنا مع الزميل ثائر صالح اعددنا نداءا من اجل رفع الحصار الاقتصادي عن الشعب العراقي يدعو الامم المتحدة والاتحاد الاوربي وكل المؤسسات الاقليمية والحكومية الى (العمل من اجل الرفع الكامل للعقوبات الاقتصادية ومعاقبة النظام الديكتاتوري ومسؤوليه واعتبارهم كمجرمي حرب ارتكبوا جرائما صد الانسانية وندعوا ايضا الى تقديم المساعدات الانسانية لتغطية الحاجات من الغذاء والدواء لحين التطبيق الكامل لقرار 686 ) ومن بين 44 منظمة شبابية نجحنا في الحصول على توقيع 33 منظمة من المشاركين بعضها منظمات مظلة تضم في عضويتها عشرات المنظمات ومنها منظمة مثل "الاتحاد من اجل التبادل الثقافي" التي تضم في عضويتها 404 منظمة ديمقراطية عالمية . وتجدر الاشارة الى ان المداخلة التي قدمت بأسم اشدع عن حقوق الانسان في العراق وتحدثنا فيها عن اوضاع الشبيبة العراقية تحت نير الحكم الديكتاتوري وكوارث الحروب ومجازر الانفال وحلبجه وغياب السلم الاجتماعي والحياة الديمقراطية، ومجمل هموم وتطلعات الشبيبة ، اعتمدت في التقرير الذي قدم للجلسة النهائية مما اثار غيض العديد من المنظمات الحكومية العربية الموالية لنظام الديكتاتور صدام حسين، وقد اشار العديد من الاصدقاء الى ان عدم حضور وفد منظمة النظام الديكتاتوري قد وفر الكثير من الجهد وخفف عنهم احتمالات المواجهة . وكان من ختام فعالياتناا لقاء شارك فيه الى جانبي الزميل ثائر صالح مع الامانة العامة لاتحاد الشباب العرب لمناقشة قضية تمثيل اشدع والعلاقة معه وقد اسمعناهم راينا بكل وضوح .
*   الكاتب عضو اللجنة التنفيذية لاشدع وسكرتير لجنة العلاقات الخارجية للفترة 1998 ــ 2005 .

معلومات الصور : 
الصورة الاولى : قاعة المؤتمر
الصورة الثانية :   خلال الجلسات ريكا يالونين ويوسف ابو الفوز
  الصورة الثالثة : الزميل والصديق ثائر صالح (مع فنجان القهوة) الى يمينه يوسف ابو الفوز  (قميص رماني مع جاكيت داكن) مع مجموعة من مندوبي منظمات شبابية غير حكومية !
 

44
في “مهرجان المحبة” الفنلندي
يوسف أبو الفوز يسرد هموم مهاجر عراقي

شارك الكاتب العراقي المغترب، يوسف أبو الفوز، في فعاليات “مهرجان المحبة” الثقافي السنوي، الذي أقيم يوم السبت 2 تشرين الأول الجاري في العاصمة الفنلندية هلسنكي.
وتشرف على هذا المهرجان، الذي توقف العام الماضي بسبب جائحة كورونا، مجموعة من منظمات المجتمع المدني الثقافية والاجتماعية، وذلك بدعم من مؤسسات حكومية وغير حكومية. 
وتضمنت فقرات المهرجان ورش رسم للأطفال وطاولات حوارية، فضلا عن عروض موسيقية، وغنائية وقراءات شعرية ،وقصصية.
وفي لقاء مباشر مع الجمهور في طرف من ساحة المهرجان، قرأ الكاتب أبو الفوز باللغة العربية مقاطع من قصة قصيرة له تسلط الضوء على هموم مهاجر من العراق، ترافقه الفنانة سيلا فالي بقراءة ترجمة للنص باللغة الفنلندية.
وبعد أن قدمت الفنانة التشكيلية مينا هينريكسون السيرة الأدبية للكاتب أبو الفوز، جرى بينه وبين الحاضرين حوار مفتوح. وقد تحدث فيه عن مهمة الأدب في نشر المحبة والتعايش بين الناس، مؤكدا أهمية التفاعل بين الثقافات كأساس للتعايش والسلام.
وأشار إلى أن “المهاجر أو اللاجئ يبقى مرتبطا بجذوره وثقافته وهموم بلده الأول، وعلينا التعامل مع الناس مثلما هم وليس كما نريدهم”، لافتا إلى أن تعلم اللغة وإيجاد فرصة عمل ليس كافيا للمهاجر أو اللاجئ كي يعيش حالة اندماج وتعايش مع الآخرين، إن لم يبذل جهده ليتفهم ثقافة الآخر المختلف، ويحترمها”.
وتجاذب أبو الفوز مع العديد من ضيوف المهرجان، الحديث حول قضايا سياسية وثقافية تخص العراق، ومنها تطورات انتفاضة تشرين.



45
العدد الاول من دورية النصير الشيوعي

https://ankawa.com/sabah/1-1.pdf


46
فيلم فنلندي يفوز بجائزة الجمهور في مهرجان البندقية السينمائي



المخرج الفنلندي تيمو نيكي يدفع عربة الممثل بيتري بويكولاينين

هلسنكي ـ يوسف أبو الفوز
نشر في المدى البغدادية العدد 5025 يوم 16 . 9 .2021
في مهرجان البندقية السينمائي في دورته 78، الذي أنعقد للفترة 1 ــ 11 من شهر أيلول/ سبتمبر هذا العام، فاز الفيلم الفنلندي (رجل أعمى لم يرغب في مشاهدة تيتانيك) - The blind man who did not want to see titanic ـ من إخراج وسيناريو الفنلندي تيمو نيكي بجائزة Armani Beauty Audience، وقد رشحت سبعة أفلام لهذه الجائزة، وهي جائزة جديدة تُمنح من قبل الجمهور.
 يحكي الفيلم، الذي تبلغ مدته 82 دقيقة، الذي يعرض حاليا في دور العرض الفنلندية، عن رحلة رجل أعمى بمفرده على كرسي متحرك للقاء امرأة أحلامه البعيدة. كتب السيناريو المخرج نفسه وهو الفنان الفنلندي المتعدد المواهب تيمو نيكي، من مواليد 1975، وهو معروف كمخرج سينمائي، كاتب سيناريو ومنتج أيضا. عرف تيمو نيكي بغزارة عمله وتعدد مواهبه، وتشير سيرته الذاتية بأنه لم يترك مجال له علاقة بالسينما لم يجربه، فهو ممثل، مخرج، كاتب سيناريو، مصور، مصمم ملابس، مونتير وغيرها. نجد في سجله الإخراجي أكثر من ثلاثين عنوانا ما بين فيلم قصير ومسلسل تلفزيوني وفيلم روائي، حيث بدء عمله مع الأفلام القصيرة، الإعلانات التجارية ومقاطع الفيديو الموسيقية، ثم أتجه لإخراج المسلسلات التلفزيونية المحلية، التي نالت بعضها النجاح والترشيحات وحصلت على جوائز محلية أبرزها جائزة يوسي عام 2018 ويمكن اعتبارها بمثابة (الاوسكار الفنلندي) عن سيناريو فيلم (الموت الرحيم) الذي قام بإخراجه بنفسه، وفي عام 2019 ترشح هذا الفيلم لجوائز الاوسكار، عن فنلندا، لفئة (أفضل فيلم بلغة أجنبية). 
فيلمه الحالي (رجل أعمى لم يرغب في مشاهدة تيتانيك)، كتب له السيناريو خصيصا لصديقه الممثل بيتري بويكولاينين، مواليد 1975 ليقوم بأداء الدور الرئيسي فيه، فهو ممثل فقد بصره في السنوات الأخيرة وبدأت تتدهور صحته بسبب إصابته بمرض (التصلب العصبي المتعدد)، تماما مثل بطل الفيلم، وذكر مخرج الفيلم ان القصة خيالية، وكما يبدو أنها جاءت منه كبادرة وفاء للصداقة لتحقيق حلم الممثل بدور سينمائي رئيسي، فهذا أول دور سينمائي رئيس للفنان بويكولاينين، والمتوقع جدا ان يكون هذا الفيلم آخر عمل له بسبب تواصل تدهور صحته. وقد جازف المخرج وفريق العمل كثيرا وعملوا بتفان للقيام بتصوير الفيلم مع الممثل بويكولاينين، ارتباطا بوضعه الصحي والتدهور التدريجي في حالته، فلم يتحمل الفيلم أي تأخيرات في الخطة الإنتاجية ومواعيد التصوير، حيث لم يكن هناك ما يضمن المدة التي سيكون فيها الممثل قادر على المشاركة في التصوير. وبعد نهاية المهرجان صرح المخرج للصحافة الفنلندية، بأنه حتى بدون هذه الجائزة التي نالها الفيلم، فسيعتبر هذا هو أهم فيلم أخرجه.
يذكر ان الممثل بويكولاينين تخرج من أكاديمية المسرح في العاصمة الفنلندية، هلسنكي، عام 2000. عمل كممثل لمدة ثماني سنوات قبل أن يصاب بالمرض. قدم العديد من العروض في مسرح في مدينة سينايوكي (360 كم شمال غربي العاصمة)، مسرح أوروبا الرابع في مدينة يوفاسكيلا (270 كم شمال العاصمة) ومسرح العاصمة هلسنكي. عرض أخر أعماله المسرحية على مسرح هلسنكي في الأعوام 2010-2011. بدأت معه الحالة المرضية، التي وصلته بالوراثة، عام 2008، إذ بدأ يتلعثم بالحديث ويتأرجح اثناء الحركة. أضطر للانتظار نصف عام حتى تم تشخيص المرض. ذكر في لقاءاته الصحفية بأنه حين بدأ مسرحيته الأخيرة (إيلا ورامبين) بعد أكثر من عام بقليل من تشخيص المرض، كانت الأعراض تحت السيطرة، لكنه في العروض الاخيرة كان عليّه البحث عن أماكن ليتكأ عليها حتى لا يبدو في حالة سكر. في النهاية، لم يعد يرى بشكل صحيح، وحين اسدلت الستارة في عرضه الأخير وانحنى للجمهور غامت الدنيا في عينيه وأتجه ليصدم بالجدار فكان أخر صعود له للخشبة. أضطر بعدها لاستخدام الكرسي المتحرك وبدأ يفقد بصره تدريجيا حتى فقده تماما. عن اشتراكه كممثل في الفيلم قال الممثل بيتري بويكولاينين للصحافة الفنلندية: لقد كان امرا رائعًا. لم أحلم أبدًا بأي دور رئيسي في الأفلام، المشاركة في هذا الفيلم فاقت كل التوقعات.
في الفيلم، يقدم الممثل بيتري بويكولاينين، الأعمى ومن على كرسيه المتحرك، اداءا ساحرا ومريحا في فيلم مؤلم، مشحون بالعاطفة والتوتر، فبالإضافة الى الموهبة التمثيلية العالية، قدم تجربة الحياة التي يعيشها، بل ذهب الناقد ديفيد كاتز على موقع Cineuropa.org المعني بشؤون السينما، الى القول بان الفيلم يعارض الفكرة بان الممثلين الاصحاء يمكن ان يلعبوا أدوار شخصيات ذات إعاقة، كما في فيلم (نظرية كل شيء 2014) حيث لعب الممثل إيدي ريدمايني دور العالم الشهير ستيفن هوكينغ. جاء الحماس للفيلم كون المخرج جعل المشاهد يتفاعل مع حالة إنسانية شائعة، جعلنا نرى العالم من خلال عيني رجل أعمى، بلقطات بارعة في التصوير بإستخدام موشورات خاصة، ونتابع مواجهة بطل الفيلم ياكو لقسوة الاخرين ولعالم غير مصمم لأمثاله من المرضى حين يجرؤ على مغادرة منزله للقاء امرأة تعلق بها أسمها سيربا، لعبت دورها الممثلة الفنلندية، ماريانا مايلا (مواليد 1968)، تعرف عليها عبر الانترنيت وكان يتحدثون يوميا على الهاتف، وإذ عرف بمرضها قرر زيارتها حين طلبت منه اللقاء قبل موت أحدا منهما. يخبرنا الفيلم بأن كل أنسان بحاجة للحب والتواصل مع الاخرين، حتى ياكو الاعمى والمقيد لكرسيه المتحرك والسجين في غرفته والظلام، رغم ان لقاء سيربا سيكون بالنسبة لإنسان في مثل حالته (بعد رحلتين من سيارات الأجرة وقطار). كشف الفيلم للمشاهد عمق أحاسيس بطله من خلال اللقطات القريبة التي تكشف العالم الداخلي للشخصيات، ومن خلال روح الدعابة ومواقف الكوميديا السوداء، واستشهادات ياكو السينمائية اللماحة، فهو عاشق للسينما، شقته مزدحمة بأقراص DVD للأفلام التي شاهدها قبل إصابته بالعمى ولم يكن بينها فيلم تايتانك الذي يرفض مشاهدته، ولنكتشف بأن (العوق) عند الاصحاء وليس المرضى، حين يتعرض ياكو الى محاولة تسليب من شخصين، يحاولان الاستيلاء على بطاقة ائتمانه البنكية. مع قبول ياكو المحنة التي واجهها إلا أن عوائق ضمانات استخدام بطاقات الائتمان والبيروقراطية تسمح لياكو بالانتصار والمضي للقاء امرأة أحلامه، وإذ كاد ان يفقد ثقته بالإنسانية، لكنه يستعيدها عند لقاء سيربا.













بيتري بويكولاينين في لقطة من الفيلم
 

47
عن تغيير أسم الحزب الشيوعي العراقي

يوسف أبو الفوز

ونحن نقترب من انعقاد مؤتمر الحزب الشيوعي العراقي الحادي عشر، تعود من جديد الدعوة من بعض الأصدقاء والرفاق المناضلين الشيوعيين، لتغيير اسم (الحزب الشيوعي) بدعوى الديمقراطية والتجديد، والملفت في هذا الامر ان بعضهم، مناضلين لا غبار على أسمائهم وتأريخهم النضالي، بل كانوا معلمين ومرشدين لأجيال بصفاتهم النضالية وبسالتهم الشيوعية، إذ حملوا راية (الحزب الشيوعي) عاليا في مختلف الظروف في سوح النضال، في التظاهرات، السجون، كردستان وثم في المنافي.
ويحاول البعض، لتبرير دعوته، التعكز على واقع إنهيار تجربة الدولة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي وما عرف بالمنظومة الاشتراكية، والقول بأن (الاشتراكي) هي المناسبة والأفضل وما غير ذلك، وبدعوى مراعاة التغيرات الحاصلة في العالم وغير ذلك. وهذا الامر صار يتكرر مع اقتراب كل مؤتمرات الحزب الشيوعي العراقي، لكنه لم يجدد قبولا عند مندوبيه، فلم يمر في النقاشات، وخصوصا في مؤتمرات الحزب الاخيرة، التاسع والعاشر، التي كان لي شرف حضورها والمساهمة فيها. واعتمادا على مساهمة قدمتها شخصيا عشية انعقاد المؤتمر الوطني السادس للحزب، ونشرت في صحافة الحزب الشيوعي العراقي ايامها، اعود من جديد لأقدم افكارا حول هذا الامر وارجو ان تساهم في اغناء الحوار الفكري والرفاقي الذي لا يفسد للود قضية ولا "تشخصن" بأي شكل كان، ولهذا لن اتبع هنا أسلوب لينين الحاد والساخر في ردوده مع خصومه الفكريين، واحاول اختيار المفردات الهادئة، لأقول أني أرى في الدعوة لتغيير اسم الحزب، مهما كانت المبررات المقدمة، محاولة تراجع، بل وإنكسارـ ربما يستخدم لينين في مثل هذه الحالة مفردة (تخاذل) ـ أمام هذا الخراب والتردي الاجتماعي والفكري الذي نعيشه في مجتمعنا العراقي ـ والمنطقة العربية عموما ـ وحملات العداء التي تشنها قوى رجعية ومعادية فكرية، لأجل ازالة وكسر كل ما له صبغة علمانية واشتراكية ويسارية ومن ذلك، راية وأسم الحزب الشيوعي، ودفعه للصفوف الخلفية، بل ووضعه على الرف كما يتخيلون ويحلمون.
وهكذا فان الاستجابة لهذه الآراء والدعوة لتغيير أسم الحزب الشيوعي، لا تعكس عندي، حكمة وشكيمة نضالية، بل هي تكاد تكون في المحصلة، مساهمة في هذا الفعل الساعي لتغييب الحزب الشيوعي، بشكل أو آخر.
وهذا يدعونا من جديد للتذكير بأن الحزب الشيوعي العراقي في وثائقه المقرة في المؤتمر العاشر 2016 يذكر كونه (يسترشد الحزب في كفاحه وفي مجمل سياسته وتنظيمه ونشاطه، بالفكر الماركسي وبدروس التجارب الاشتراكية والتراث الاشتراكي عامة، ويسعى إلى تجسيد ذلك في ظروف العراق الملموسة بإبداع، استناداً إلى دراسة عميقة لواقع مجتمعنا المعاصر وما يشهده من تطورات في الميادين كافة). والفكر الماركسي هنا هو غير الاشتراكي، لان الماركسية كنظرية هي خلاصة الفكر الاشتراكي بمدارسه المختلفة قبل ظهور ماركس، واذ صاغها ماركس وانجلس بنظرية متكاملة فانهما قدما منهجا جديدا علميا لحزب من طراز جديد هو: (الحزب الشيوعي). والحزب الشيوعي العراقي اذ يعلن هويته الفكرية كحزب ماركسي ويعلن الاشتراكية هدفا له فهو ينسجم بذلك مع اسباب وجوده كحزب شيوعي. أن الاشتراكية بالنسبة للحزب الشيوعي العراقي كهدف ليست حلما طوباويا، انها مطلب جماهيري، وان فشل النموذج السوفياتي في بناء الاشتراكية، حتى بعد سبعين سنة من التطبيق، فهذا ليست نهاية التاريخ ولا نهاية العالم ولا نهاية حلم البشرية. 
تعيش البشرية الان، مرحلة جديدة لا تتطلب الذعر من انهيار تجربة، رغم كل اهميتها، فقد كانت ومضة في عمر الانسانية، وتتطلب لا نزع الجلد أو جلد النفس والتنصل من الماضي، بل تتطلب العمل والعمل بشجاعة استنادا الى وجهة نظر الحياة ـ الممارسة، على حد تعبير لينين. وفيما يتعلق بالحزب الشيوعي العراقي الذي لم يتسلم مقاليد الحكم مرة واحدة كي تضع دعواته لبناء الاشتراكية محل الاختبار الحقيقي فان الشيء الاكثر واقعية باعتقادي هو ليس مراجعة اسم الحزب الشيوعي وتغييره، فلو غير الحزب الشيوعي العراقي اسمه وظل محافظا على كل المفاهيم وتقاليد العمل التي تجاوزتها الحياة ولم يعش عملية تجديد حقيقية وعميقة فان هذا يذكرنا بالقول المنسوب الى لينين (أن طلائك للدار لا يعني امتلاكك دارا جديدة).
يقول شكسبير في مسرحية روميو وجوليت (ان الشئ الذي نسميه "زهرة" يظل يفوح شذى، حتى لو اسميناه باي اسم اخر) هذه الحقيقية تقودنا الى واقع ان احزابا شيوعية عريقة تعمل تحت اسماء مختلفة (التقدم والاشتراكية، الطليعة، ...) احزابا لا تنعت نفسها بكلمة (الحزب)، بل تطلق على نفسها تعبير مثل (جبهة) أو (حركة) أو (المنبر)، لكن في كل الاحوال عند الحديث او الكتابة عنها، فإنها عند الاصدقاء والخصوم: (الحزب الشيوعي). ان كل الاحزاب الشيوعية التي (صُدمت) عند انهيار النموذج السوفياتي للاشتراكية وغيرت من اسمائها، وحتى تلك التي لم تكتف بتغيير الاسم فقط وذهبت ابعد من ذلك لتكون أكثر (انفتاحا) وليبرالية فان وسائل الاعلام لا تستطيع عند الحديث عنها الفكاك من كلمة (الشيوعية) ومرادفاتها مصحوبة بكلمة (سابقا) التي صارت تعبيرا ثابتا لدى الكثيرين. ان الحزب الشيوعي العراقي لو غير اسمه وحمل اي اسم اخر، مثلا "الاشتراكي " او " الاشتراكي الديمقراطي " فسينسحب عليه ذات الامر.
ان اسم الحزب الشيوعي العراقي الذي مد جذوره عميقا في تربة العراق وقلوب المخلصين من ابناء الشعب العراقي، الذين غذوه بخيرة ابنائهم، صار راية نضالية، ورمزا وطنيا رسخ في وجدان الشعب وهوساته وامثاله وحكاياته وفي قصائد الشعراء واغانيهم، هذا الاسم كان ولا يزال منارة للحركة التقدمية والديمقراطية ـ والشبابية ـ وصماما اساسيا للتحالفات الوطنية الجادة، والمطلوب ـ الان ـ ليس اعادة النظر في اسم الحزب الشيوعي العراقي، بل المطلوب مواصلة المسيرة الجادة التي بدأها المؤتمر الوطني الخامس في اعادة النظر بالمفاهيم التي تجاوزتها الحياة وتعميق الممارسة الديمقراطية في حياة الحزب الداخلية، وتدقيق سياسة التحالفات الوطنية، وايجاد خطاب سياسي يتلائم والواقع الجديد الذي يعيشه شعبنا بعد زوال النظام الديكتاتوري وبعد كل المتغيرات والكوارث التي مر بها ويعيشها وطننا ويعاني منها ابناء شعبنا بسبب من حكومات المحاصصة الطائفية والاثنية ، والفساد المستشري في الدولة والمجتمع.

هلسنكي 22 حزيران2012




 .

48

ملامح حركة الأنصار الشيوعيين

  النصير يوسف أبو الفوز         
هذه محاولة توصيف وليس تقييم، للحركة الانصارية للحزب الشيوعي العراقي، التي سجلت ملاحما وبطولات في نضالها لأجل الوطن الحر والشعب السعيد، مقدمة كواكب من الشهداء الشجعان في معارك بطولية ذادوا فيها بأرواحهم الشريفة عن مبادئهم ومواقفهم الصلبة. نقدم هذا التوصيف استنادا الى واقع المجتمع العراقي وتاريخ الحركة الوطنية ومقارنة بالحركات السياسية الأخرى، التي اعتمدت الكفاح المسلح كأسلوب نضالي. والمعروف ان الحزب الشيوعي العراقي، لجأ الى اعتماد الكفاح المسلح كأسلوب نضالي في فترتين، بدأت الأولى بعد انقلاب 8 شباط 1963، حيث تم اغتيال ثورة الرابع عشر من تموز 1958 وتعرض الحزب الشيوعي العراقي الذي ساند الثورة بحماس الى حملات تصفية شملت ليس منظماته وأعضاؤه، بل واعدام كوكبة من رفاق قيادة الحزب في مقدمتهم الشهيد الباسل سلام عادل. وبدأت الثانية عام 1978 بعد انفراط التحالف فيما عرف بالجبهة الوطنية والتقدمية بين الحزب الشيوعي وحزب البعث.
1.   في كلتا الفترتين، دعا وقاد الحركة الحزب الشيوعي، وهو حزب علماني، اممي، ماركسي، تقدمي، فكل هذه الصفات ساهمت في رسم ملامح الحركة بهذا الشكل او ذاك.
2.   ومن المفارقة القول ان كلا الفترتين كانتا للنضال ضد تعسف وحكم حزب فاشي شوفيني شمولي، آمن بالفكر الاشتراكي القومي، كالحزب النازي الهتلري، عرف باسم حزب البعث العربي الاشتراكي العراقي.
3.   بحكم كون الحزب الشيوعي العراقي حزب أممي، وابوابه مفتوحة لانتماء أي مواطن عراقي بلغ الثامنة عشر يقر بالنظام الداخلي والبرنامج للحزب، نلاحظ ان أعضاء حركة الأنصار ينتمون لكل مكونات الشعب العراقي القومية والدينية. 
4.   كون الحزب الشيوعي العراقي حزب تقدمي، يؤمن بالمساواة بين الرجل والمرأة، وناضل كثير لنيل حقوقها في الحياة الاجتماعية والسياسية، نرى ان حركة الأنصار الشيوعيين ضمت الكثير من النساء كنصيرات، شغلنّ مكانة بارزة، وعملن بجدية ومسؤولية في مختلف المواقع وساهمن في اغلب المهام، وحتى في بعض العمليات العسكرية، وكان منهن شهيدات باسلات يفخر تأريخ الوطن بهن وليس الأنصار الشيوعيين وحدهم.
5.   بحكم كون الحزب الشيوعي قائد الحركة، وفي كلا الفترتين تعرضت منظماته لهجوم إرهابي بوليسي من قبل سلطة غاشمة، قامت باعتقال قياداته وتصفية بعضها، ففي عام 1963 استشهد كوكبة من قادة الحزب في مقدمتهم الشيوعي الباسل، سكرتير الحزب، الرفيق سلام عادل، فأن الحزب اعتمد الحركة الانصارية كركيزة لتجميع قواه وبناء منظماته وتعزيز نشاطه الإعلامي، هكذا قام الحزب في ثمانيات القرن الماضي باعتماد تحرير وطبع (طريق الشعب )، جريدة الحزب المركزية من أراضي كردستان ، وأيضا إذاعة (صوت الشعب العراقي ) ، كانت تبث من الأراضي العراقية في كردستان، وكل ذلك بحماية بنادق الأنصار الشيوعيين .
6.   بحكم، اعتماد الحزب الشيوعي، حركة الأنصار كحامي وركيزة لبناء منظماته واستعادة نشاطه، اعتمدت الحركة، وفق منطق العلوم العسكرية، استراتيجية دفاعية. إذ كان الحزب الشيوعي يدرك جيدا بان حركة الانصار ليس بمقدورها اسقاط النظام، فإمكانيات النظام الديكتاتوري، الضخمة، بتوظيف أموال تأميم النفط، وبناءه جيشا وصف بأنه رابع الجيوش في العالم، تجعل من السذاجة الاعتقاد بسقوطه بسبب مناوشات حرب الأنصار، لكن الحزب، آمن بأن الحركة ستكون أداة لتثوير المجتمع، وانطلاق انتفاضات جماهيرية، وهذا ما حصل في مدن كردستان، في الاعوام 1982 و1984 و1987 وغيرها.
7.    وبنفس الوقت، ان هذا الكلام لا يمنعنا من القول ان للحركة الانصارية معاركها العسكرية والمواجهات التي سجلت فيها صفحات نضالية باسلة في نضالات الانصار والتي كبدت النظام خسائر بالغة ولم يكن النصر لصالحه.
8.   وامتازت الحركة الانصارية بالتحاق المئات من خريجي الجامعات وطلاب الجامعات، وبينهم أصحاب شهادات عليا. وفي أحد المرات في قاعدة انصارية واحدة، ذكر الرفيق فخري كريم (خلال أيام عقد مؤتمر الحزب الرابع) في مقال له، أنه قام بإحصاء وجد فيه ان الأنصار المتواجدين هناك يتحدثون 11 لغة اجنبية من غير العربية والكردية. هذا التواجد لهذه الاعداد من المثقفين والمتعلمين، وبينهم عدد لا يستهان به من الكتاب والفنانين المحترفين، ساهم بكون الحركة امتازت بحياة ثقافية نشطة، فكانت ثقافة الأنصار، ثقافة مقاومة للعدوان والفاشية، حيث تعقد عشرات الندوات الثقافية، الشعرية والقصصية، والحوارية في مختلف الموضوعات، إضافة الى النشاط المسرحي والتشكيلي وبروز الصحافة الدفترية. وكل هذا قاد لتطور وبزوغ العديد من المواهب الأدبية والفنية، التي اغتنت بالتجربة لتكون فيما بعد أسماء لامعة وبارزة في الثقافة العراقية.   
9.    ان ايمان الشيوعيين العراقيين بمبدأ حق الشعوب بتحقيق مصيرها، ووقوفهم الى جانب الحقوق المشروعة للشعب الكردي، ساعد كثيرا في احتضان الشعب الكردي للحركة ودعمها، وهو الشعب الذي عرف عنه الكرم والاباء.   ورغم سمة، وجود أعداد غفيرة من المثقفين في صفوف الحركة، وكونها تعمل وتنشط في وسط فلاحي تنتشر فيه الامية، إلا ان الحركة نجحت في بناء علاقات طيبة ومثمرة مع أبناء المنطقة، من أبناء شعبنا الكردي. ساعد في ذلك حجم الخدمات التي قدمها الأنصار لأبناء القرى، خاصة الانصار العاملين في الحقل الطبي، من ممرضين وأطباء، ودور الرفيقات النصيرات خصوصا في تقديم النصح والإرشاد في مختلف الحالات الصحية والاجتماعية، يضاف الى ذلك استبسال الأنصار في الدفاع عن القرى الكردية في مواجهة غدر وهجمات قوات النظام الديكتاتوري خصوصا من المرتزقة الجحوش وقوات الاستخبارات العسكرية. في مقابل كل هذا قدم أبناء الشعب الكردي، خصوصا الفقراء منهم، كل الدعم المادي والمعنوي، وطالما بادروا لحماية الانصار بتوفير المعلومات وانذارهم الأنصار، أحياناً، من تحركات ونيات قوات النظام الديكتاتوري، هذا من غير عمليات الايواء التي تكررت هنا وهناك. أيضا قيام حركة الأنصار بدعم انتفاضات شعب كردستان ضد الحكم الشوفيني بل وكانوا من المبادرين للمشاركة بفعالية في اندلاع تلك الانتفاضات المجيدة.
10.    رغم ان الحركة لم تنجح في تعريق نفسها، بإيجاد ركائز ومفارز عمل لها في المدن العراقية، بحكم إمكانيات وجبروت النظام، الا انه لا يجب اغفال ان الحركة حاولت ذلك، لكن عدم التوازن في القوى، وشراسة النظام وامكانياته الكبيرة المادية والموضوعية، في تجنيد وتسقيط ودس عناصر في عموم حركات المعارضة والمقاومة، لم يسهل المهمة. وفي حالات كان النظام يدس عملاء له في حركات سياسية حليفة للتجسس على أنصار حزبنا وليس على مقاتلي الحركة نفسها. وخلال هذا السعي، لتعريق عمل الحركة، لم تلجأ ولم يكن في حساباتها ان تقوم بأعمال تفجير او هجوم ضد مواقع مدنية في أي من مدن العراق.
11.   رغم ان الجيش العراقي، من بعد صعود جناح البكر ـ صدام وتحكمه في سياسات حزب البعث، وخصوصا مع بعد تفرد صدام حسين وحاشية ضيقة بمجريات الحكم، تحول الى جيش سلطة غاشمة واداة لتنفيذ مخططاتها المجنونة، في حروب داخلية وخارجية، في الانفال والحرب المهلكة مع "الجمهورية الإسلامية الإيرانية" وثم غزو الكويت، مما افقد الجيش كثيرا صفته كجيش عراقي وطني، إلا حركة الأنصار  حرصت على رفع شعار ( الجنود إخواننا والنظام عدونا) ، وسعت الحركة وحققت نجاحات هنا وهناك في عقد علاقات صلات طيبة مع وحدات ومواقع الجيش والربايا والمعسكرات، وهذا رد مباشر على من يدعي كون حركة الأنصار استهدفت الجنود العراقيين من جيش صدام . لجأ الأنصار مثلا الى تكتيك ترك الرسائل مع رغيف خبز في طريق جنود الربايا. (كان يمكن ان يكون هذا لغما) ونجحوا في عقد صداقات، ولم يكن غرضها فقط المعلومات وجلب الادوية والصحف والمجلات، بل أصبح بعض الأنصار يتسلل الى الربايا ليتفرج على مباريات كرة القدم في تلفزيون الربيئة. وهناك قصص طريفة عديدة عن هذا.
12.   أيضا لابد من الحديث عن استقلالية حركة الأنصار الشيوعيين، فهي وإذ لم يكن لها عمق جغرافي صديق، لا في تركيا ولا إيران، والحدود السورية بلوغها يتم دائما بمغامرة مشوبة بالمخاطر، فإنها سياسيا امتازت بخضوعها فقط لقرار قيادتها السياسية، أي قيادة الحزب الشيوعي، فلم تكن للحركة أي عمليات عسكرية مشتركة ضد الجيش العراقي بالتنسيق مع عمليات الجيش الإيراني، وبذلت الحركة جدا لتجنب الوقوع في هذا المطب عن وعي، وهناك شواهد عن انسحاب قوات الانصار من استكمال نشاط عسكري عند وجود أي شك عند القيادات الميدانية. مثلا وجود تنسيق ما مع القوات الإيرانية بين قوى حليفة وقوات ايرانية، ففي أحد المرات انسحبت مفرزة شيوعية من استكمال عمل عسكري حين انتبهوا ان القوى الحليفة تستعين بجندي مخابر إيراني.
13.   وفي في إطار الصراع على مناطق النفوذ، بين القوى الكردستانية، الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني، حيث نجد عمليا ان الحزب الكردستاني ينشط في مناطق بهدينان، بينما الاتحاد الوطني في مناطق، سوران، فان الحركة الانصارية للحزب الشيوعي لم يستطع أحد منعها، وكانت قواتها متواجدية في كل مناطق كردستان.
14.   ولم تنجح الحركة في ان تكون حركة جماهيرية، فواصلت كونها حركة تضم الكادر الحزبي الشيوعي ولهذا فأن أي ضربة تتلقاها كانت تصيب الحزب بخسارة كبيرة. ويمكن القول هنا ان هذه الضربات كانت دوما تصيب العظم!
 




 

49
استعراض مواد العدد صفر من دورية (النصير الشيوعي)
يوسف أبو الفوز
صدر أخيرا، عن رابطة الأنصار الشيوعيين، العدد صفر، تموز 2021،  من دورية (النصير الشيوعي)، من بعد عمل دؤوب لهيئة التحرير، التي ضمت الانصار بشرى عبد علوان، مزهر بن مدلول ـ أبو هادي ويوسف أبو الفوز، وكان التصميم والاشراف الفني للنصير شاكر جابر ـ أبو أكد.
 جاءت الدورية من 36 صفحة، وبأبواب متنوعة. وكان الصدور توافقا مع حلول الذكرى 86 لصدور (كفاح الشعب) اول جريدة شيوعية. جاء في الافتتاحية (النصير الشيوعي لماذا؟) انه تقديــرا لمســيرة الأنصار الشيوعيين لمقارعتهم النظام البعثي الديكتاتوري ... (والتــي فاقــت المعقــول فــي بســالتها، واعتزازا بشهدائها الابطــال والمضحيــن الشــجعان، ومــن اجــل ان يعبــر الانصــار عــن كل مــا يجــول فــي خاطرهــم مــن احاســيس ومشــاعر عــن تلــك الايــام الصعبــة ومــا اكتنزتــه مــن مغامــرات شـجاعة، صـدرت "النصيـر الشـيوعي"، للتعريـف بهـذه التجربـة الثريــة، ونقــل ارثهــا للأجيــال القادمــة، خصوصــا شــباب انتفاضــة تشـرين الباسـلة الذيـن اتصفـوا بـروح البـذل والعطـاء).
على الصفحة الثانية جاءت كلمة رابطة الأنصار الشيوعيين العراقيين تحت عنوان (نقف مع شعبنا من اجل الدولة المدنية الديمقراطية) وفيها تعلن الرابطة بشكل  واضح موقفها المنحاز الى جانب أبناء الشعب الطامح بحياة كريمة ومع شباب تشرين البواسل (أنّنــا فــي رابطــة الانصــار الشــيوعيين العراقييــن، اذ نديــن بشــدة جميــع الاســاليب القمعيــة التــي يتعــرض لهــا شــبابنا المنتفــض، نقــف الــى جانــب شــعبنا وانتفاضتــه الباســلة، ونطالــب بالكشــف عــن القتلــة والمجرميــن وجميــع الفاســدين وتقديمهــم الـى العدالـة، كمـا نقـف مـع شـعبنا فـي حقـه بدولـة مدنيـة ديمقراطيـة تحقـق العدالـة الاجتماعيـة لـكل المواطنيــن مــن دون تمييــز.) . وفي باب (صحافة الأنصار.. أمجاد وتاريخ )  الصفحات  3 ـ 9 ، جاءت برقية تهنئة من اسرة تحرير طريق الشعب ( سـتكون "النصيـر الشـيوعي " منـذ لحظـة طلوعهـا مجلتنـا نحـن ايضـا، خاصـة الذيـن حالفهـم الحـظ مـن الرفيقـات والرفـاق ورافقوكـم فـي تلـك السـنوات الصعبـة والمضيئة، ورفعــوا معكــم جميعــا رايــة النضــال الشــيوعي المخلــص والمتفانــي مــن اجــل حريــة الوطـن وسـعادة الشـعب، وفـي سـبيل المسـتقبل الوضـاء الـذي يسـتحقانه.) ، وحوى الباب مقالات متنوعة عن النشاط الإعلامي الانصاري، فكان ثمة مقال استعرض طبيعة نشاط الاعلام المركزي، واخر تحدث عن الصحافة الدفترية للأنصار الشيوعيين . وكان هناك مقال كتبه النصير سمير طبلة يتحدث عن الجهود لإصدار طريق الشعب في مواقع الأنصار وبطبعات خاصة (تطبع الجريــدة علــى ورق "الرايــز" الخفيــف جـداً... ونجحــت الطباعــة. لتصــدر «طريــق الشــعب»، أول صحيفــة عراقيــة تُطبــع علــى الــورق الخفيــف وبحجــم لا يتجــاوز حجــم الكــف الواحــدة.). ومقال للنصير شمال عادل سليم عن جريدة ئازادي (أول جريدة سياسية شيوعية كوردية في العراق). وجاء مقال للنصير أبو الفوز عن ظروف تجربة اصدار جريدة ساخرة (الصفارة.. جريدة رياضية ساخرة)، وكتب النصير محمد القيسي ـ أبو محمد عن تجربته مع برنامجه الإذاعي (احجاية لخوتنا الفلح) الذي قدمه من إذاعة (صوت الشعب العراقي)، إذاعة الحزب الشيوعي العراقي، التي كانت تبث من مواقع الأنصار الشيوعيين. ونشرت الجريدة صورا لبعض الرفاق الراحلين ممن عملوا في الاعلام الانصاري واعلام الحزب الشيوعي مثل الراحل مهدي عبد الكريم، عبد الرزاق الصافي، رجاء الزنبوري، حميد بخش ورحيم عجينة.
في باب (نصيرات)، الصفحات 10 ـ 14، الذي تصدره مقال عن اول فصيل للنصيرات، ثم مقال للنصيرة ام نصار ـ ابتسام حداد تحدثت فيه عن تجربتها في الالتحاق بأول قاعدة انصارية والمعاناة والمخاطر التي واجهها الأنصار في طريقهم وهي كانت معهم . واجرى النصير مزهر بن مدلول ـ أبو هادي لقاءا مع اول نصيرة شيوعية (ام عصام اول شيوعية تلتحق بالحركة الانصارية). وكان هناك استعراض مكثف لفيلم (نصيرات) من اخراج النصير علي رفيق وسيناريو النصير كريم كطافة. وكتب النصير أبو سعد اعلام ـ علي محمد ، مقالا جميلا (أطفال الانصار) عن تجربته ومعايشته لبعض من أطفال الأنصار ، وكتبت النصيرة ليلى ـ انتفاضة مريوش ( موقف لا ينسى) عن تجربتها في التسلل الى بغداد والدعم الذي حصلت عليه من الفلاحين الكرد من أبناء المنطقة ، ، وتحت عنوان ( نصيرات شيوعيات ارتوت ارض الوطن بدمائهن الزكية ) زينت صفة كاملة من الجريدة بصور كوكبة من النصيرات الشيوعيات .
وكان (لقاء العدد) الصفحات 15 ـ 16 الذي أجرته الجريدة مع النصير ملازم خضر رئيس رابطة الأنصار الشيوعيين تحدث فيه بشكل موجز عن سيرته الانصارية، وعن رابطة الأنصار الشيوعيين وكونها (فــي الظـروف الحاليـة، ظـروف السـلم الأهلـي، هـي مـن روافـد عمـل الحـزب السياسـية، فهـي تسـعى لتكـون وتنشـط كمنظمـة مجتمـع مدنـي، تعـرف بنضـالات الأنصــار وتنشــر الوعــي التنويــري وتعمــل لأجــل المجتمــع المدنــي ويكــون لهــا موقــف سياســي يصطــف الــى جانــب حقــوق الشــعب ومطالبــه المشــروعة.) . في باب (الأنصار يكتبون عن البدايات) الصفحات 17 ـ 21، حوى موضوعات كتبها الأنصار عادل كنيهرـ سامي دريجه، كريم حيدر ـ أبو حسين، نجم خطاوي ـ رياض قره جوغ، سامي سلطان ـ أبو عماد و احمد رجب ـ سيروان  عن تجاربهم والظروف التي عاصروها في الجبل.  في باب (حياة الأنصار)، الصفحات 22 ــ 23، كتب النصير يوسف أبو الفوز مقالا تحت عنوان (ملامح حركة الأنصار الشيوعيين ) بين انه (محاولــة توصيــف وليــس تقييــم، للحركــة الانصاريـة للحـزب الشـيوعي العراقـي، التـي سـجلت ملاحمـا وبطـولات فـي نضالهـا لأجـل الوطـن الحـر والشــعب الســعيد، مقدمــة كواكــب مــن الشــهداء الشـجعان فـي معـارك بطوليـة ذادوا فيهـا بأرواحهـم الشــريفة عــن مبادئهــم ومواقفهــم الصلبــة. نقــدم هــذا التوصيــف اســتنادا الــى واقــع المجتمــع العراقـي وتاريـخ الحركـة الوطنيـة ومقارنـة بالحـركات السياسـية الأخـرى، التـي اعتمـدت الكفـاح المسـلحة كأســلوب نضالــي.). وكتب سعيد شابو (استقبال مميز للأنصار البيشمه ركة) تحدث فيه عن علاقة الأنصار مع أهالي القرى الكردية (بالرغـم مـن الحيـاة المعيشـية الصعبـة، وبالرغـم مـن الخـوف مـن بطـش النظـام، فـأ ّن قـرى كردسـتان فتحـت ابوابهـا لانصـار والبيشـمركة علـى حـد سـواء. قدمــوا لهــم كل مــا يســتطيعون، وتقاســموا معهــم الخبــز والغطــاء، وشــارك البعــض مــن ابنائهــم فــي قتـال قـوات النظـام وجحوشـه.). وسجل النصير محمد الكحط ـ أبو صمود العديد من المواقف الطريفة في حياة الأنصار في مقاله (لقطات من حياتنا الانصارية) ، بينما بين النصير ناظم ـ فارس يوسف ، طبيعة العلاقة والترابط بين نضال الانصار في الجبل والتنظيمات الحزبية داخل المدن ( الجبال والنضال في المدن) . ضم باب (النصير الثقافي) الصفحات 24 ــ  33، عدة مقالات أدبية بأقلام الأنصار، فكتب عمار علي ( بولقاميش فرودس الالهة وخمرها)، كان هناك تقرير عن نشاط فرقة ينابيع  المسرحية الانصارية ، مقال للنصير علي رفيق عن أهمية توثيق وارشفة الحركة الانصارية وتحدث عن تجربته الصعبة في هذا المجال ، وكتب النصير كريم كطافة ( أذنا ارنب يرتديان حذاء الاديداس) ، وفي التفاتة وفاء نشرت الدورية  نص قصيدة للراحل ئاشتي ( هذا العمر) ومقتطف طويل من قصة وجه الماء للنصير الراحل علي جاسم ـ أبو بدر. وحوى العدد تقارير عن (تلفزيون الأنصار)، وهو برنامج على (منصة الزوم) بإشراف اللجنة الثقافية لرابطة الأنصار، يعده ويقدمه مجموعة من الأنصار، ومكرس لتغطية وتوثيق التجربة الانصارية وحياة الأنصار في محاور مختلفة، وهناك عرض لكتاب (شهداء الحزب شهداء الوطن)،  وللجزء المخصص للحركة الانصارية، وحوت الصفحة ما قبل الأخيرة على كاريكاتير للنصير الفنان ستار عناد ـ أبو بسام، بينما حوت الصفحة الأخيرة 36 على صورة لعمل نحتي للفنان علي مكي ـ أبو بسيم .
والمتصفح للعدد يلاحظ الجهد المبذول من النصير أبو أكد ــ شاكر جابر، المصمم والمشرف الفني، لتفوح روائح حياة الأنصار واجوائها من بين الخطوط والصور الانصارية، التي حرص ان تحتل مساحة بارزة في اخراج جميل وانيق.
تحية للأنصار الشيوعيين الابطال بمولودهم، الذي وان جاء متأخرا كثيرا ، لكنه الان بين أيدينا ، وامنيات طيبة بالاستمرار والتطور ، ليكون أداة إعلامية تعرف أبناء شعبنا وعموم القراء على تجربة غنية وخالدة. 

50
تلفزيون الأنصار: التجربة الانصارية والابداع
متابعة ثقافية ـ   يوسف أبو الفوز
تقاطر الأنصار واصدقائهم، من كل صوب، الى منصة برنامج الزوم بحضور متميز، لحضور الجزء الثاني من أمسية (التجربة الانصارية والابداع)، حيث سبق وضيفت اللجنة الثقافية لرابطة الأنصار الشيوعيين، في حلقة سابقة من البرنامج، مجموعة من الأنصار المبدعين للحديث عن تجربتهم الإبداعية خلال وجودهم في صفوف فصائل الأنصار الشيوعيين، وتأثير ذلك على تجاربهم وابداعهم. يعد البرنامج ويقدمه، والذي قدم عدة حلقات بموضوعات متنوعة، فريق من الأنصار المثابرين في العمل: النصيرة بشرى عبد علوان، النصير شاكر جابرـ أبو أكد، النصير مزهر بن مدلول أبو ــ هادي والنصير يوسف أبو الفوز.
ابتدأ الأمسية النصير يوسف أبو الفوز بالترحيب بالحاضرين باسم اللجنة الثقافية لرابطة الأنصار الشيوعيين، مذكرا بان فصائل أنصار الحزب الشيوعي العراقي، امتلكت حركة ثقافية حيوية، خصوصا للفترة1978 ــ 1988، لان هناك وحدات انصارية مارست العمل الانصاري، بعد حملات الانفال، حتى أعوام 1991. وبين انه مع تواجد العشرات من الكتاب والفنانين المحترفين في صفوف الحركة الانصارية، ووجود المئات من المتعلمين وفر أرضية لهذا النشاط الثقافي وحيويته، فتطورت وتجذرت تجربة الكثير من المبدعين، وبرزت وتفتحت مواهب عديدة أدبية وفنية صقلتها التجربة والأيام وأشار الى ان الأنصار كانوا يصارعون بمعنى الكلمة لأجل تقديم عمل فني: مسرحية، او لوحة، او نحتا، أو حتى كتابة قصة او قصيدة. فحياة التجوال، وتفاصيل الحياة الانصارية اليومية، ومشاغلها ومتاعبها، وطغيان نمط الحياة العسكرية ومتطلباته، والفهم الخاطئ لدى البعض لمهمة المبدع وحاجاته، كانت تضع عشرات العراقيل. لكن المبدع النصير، كان مبدعا في تحدي الصعوبات لأجل ابداعه الفني الخاص والذي يتحول الى عام، فسخروا ما حولهم من مواد بسيطة، واستعانوا بما توفره الطبيعة ذاتها، لأجل انتاج اعمال فنية تقدم فكرا تنويريا يطمح لحياة تسودها الحرية ويعيش فيها المواطن العراقي بكرامة. وأضاف بأن ليس أفضل من الأنصار المبدعين أنفسهم يتحدثون عن تجاربهم، وعن الظروف التي عملوا فيها، عن المعوقات التي صادفتهم، عن اجتهادهم لتقديم ما هو فني ومعبر عن أفكارهم، فالأنصار الذين عاشوا تلك الأيام الخالدة، الى جانب كونهم مقاتلين ودعاة سياسيين، جاهزين لفداء حياتهم لأجل مبادئهم، كانوا محبين للحياة والجمال، وعبروا عن ذلك بإعمالهم الأدبية والفنية. ودعا الضيف الأول، النصير الفنان وسام صگيري (سمير جاسم)، الذي شكر اللجنة الثقافية، وفريق العمل في البرنامج لجهودهم في دعوته، وهو كان يظن نفسه منسيا من قبل رفاقه، وبين انه أساسا هاوي للفن ولم يدرس ذلك أكاديميا، ولكنه بالمتابعة والاطلاع والتعلم من الاخرين طور امكانياته. وأشار النصير وسام الى ان الطبيعة في كردستان كانت تعطيه الهاما كبيرا، فمشهد شجرة تحتضن شجرة، او صخرة تبدو كأم تحضن طفلها دفعه لمحاكاة ذلك بالرسم والتخطيطات. وكانت هناك في أيام الانصار صعوبات كبيرة للحصول على مواد الرسم، خصوصا الألوان، لهذا حين اهداه أحد رفاقه الأنصار يوما علبة ألوان، كانت هدية لا تقدر بثمن. واشاد الرفيق وسام بالمساعدة التي حصل عليها من رفاقه الأنصار الفنانين المحترفين، مثل قاسم الساعدي ـ أبو عراق، الشهيد فؤاد يلدا ـ أبو أيار، وحتى بعد استقراره في هولندا ظل دائما يعرض اعماله على رفاقه للاستفادة من ملاحظاتهم، وهكذا استطاع ان ينجز اعمالا عرضها في معارض في كردستان، مثل المعرض في مقر زيوة عام 1985، ومعارض في مناسبات سياسية في هولندا، مثل يوم الشهيد الشيوعي او تأسيس الحزب. ثم قام النصير وعبر الكاميرا بعرض العديد من تخطيطاته وبوستراته، وأيضا بعض الاعمال اليدوية التي يستخدم فيها كل المواد من خشب وريش وأسلاك معدنية ليكل لوحات بمضامين إنسانية عن الحب والتضحية والنضال.
الضيف الثاني في الأمسية كان النصير أبو فائز، الفنان عباس العباس، الذي تحدث بنفس روح التواضع التي تحدث به رفيقه وسام صگيري، وأشار الى انه منذ الثالثة عشر كان لديه موهبة الرسم، لكنه لم يتمكن من دراسته أكاديميا، لكنه علم نفسه بنفسه، من خلال الاطلاع على تجارب الفنانين الاخرين والاحتكاك بهم ومتابعتهم اثناء العمل، وبين انه في كردستان كان يتابع النصير أبو عراق اثناء إنجازه اعماله ويحاول التعلم منه، وأشار الى علاقته بالفنان الشهيد أبو أيار وما تعلم منه بخصوص النحت والتعامل مع الحجر. وأشار الى ان تطور النشاط الثقافي في حركة الأنصار وظهور المكاتب الاعلامية والصحافة الدفترية دفعه الى المساهمة فيها وإنجاز اغلفة ورسومات للعديد من المجلات الدفترية الانصارية. واكد الفنان أبو فائز على ان فترة الأنصار كانت بالنسبة له فترة تمرين كبير ومهم، لان عدم توفر الألوان دفعه للاعتماد على القلم والتخطيط، فأنجز العشرات من التخطيطات، وتميزت تخطيطاته بالإعمال الواقعية بينما في الفترة الأخيرة بدأ يميل للإعمال الرمزية والتجريدية. وبين ان عمله الفني المستمر كان من نتائجه معرض فني في كردستان في أواخر عام 1987 حضره العديد من القادة السياسيين من الاحزاب المعارضة للنظام الديكتاتوري، إضافة الى معرضه الثاني في بغداد عام 2008، ولاحقا معرضه الثالث في السويد، وختم مساهمته بعرض عبر الكاميرا العديد من اعماله التشكيلية والنحتية والمجسمات الفنية.
في فترة المداخلات التي ساهم فيها الرفاق، أبو حسن حبيب قلبي(السويد) ابو حسين (السويد)، ريسان (كندا)، فوزية (لندن)، أبو سارا (هولندا)، أبو انتصار (السويد)، وأبو سامر (هولندا)، ثمن الجميع نشاط وجهد اللجنة الثقافية وفريق العمل للبرنامج ، وقدموا اقتراحات لتطوير البرنامج . وأثر تنبيه قدمه الرفيق حسن حبيب البي، استذكر الحضور رفيقهم الراحل أبو نضال ـ توما القس، في دقيقة صمت لذكراه وذكرة الراحلين في الفترة الأخيرة. و تحدث الرفيق ابو هادي ـ مزهر بن مدلول باسم فريق العمل واللجنة الثقافية، مجيبا على العديد التساؤلات حول البرنامج، وبين ان البرنامج يسعى للوصول الى كل الرفاق الأنصار واشراكهم، من كل قواطع ومواقع الأنصار، وهناك أفكار عديدة لدى فريق العمل لتنفيذ جلسات استذكار تغطي موضوعات مختلفة، وان فريق العمل يبذل جهدا استثنائيا في البحث عن الأنصار المناسبين لكل موضوعة وان هناك حرص على منح الجميع الفرصة للظهور والمشاركة ، وحول العدد المساهم في كل ندوة بين ان طبيعة الموضوع يفرض العدد، فالحديث عن موضوع فك الحصار الذي تعرض له الأنصار في الانفال الصدامية ، ولأجل تقديم صورة واسعة يتطلب اشراك عدد من الأنصار  من عدة مواقع ، لكن هذا لا يلغي ان نخصص أمسية خاصة لنصير مبدع مثلا في حال صدور كتاب له للحديث عن كتابه . وبين ان الأمسية القادمة في 30 تموز ستكون مخصصة للصحافة الانصارية وسيشترك بها عدة أنصار.
وختم الرفيق يوسف أبو الفوز الأمسية بشكر الحضور ودعا الى التعاون مع اللجنة الثقافية وتقديم الاقتراحات وبين ان البرنامج هدفه توصيف الحركة وتغطية النشاطات الاجتماعية والسياسية، وليس هدفها التقييم، ولهذا فبالبرنامج مفتوح لمساهمة أي نصير شيوعي. وقدم تحية خاصة للرفيق أبو أكد الذي يتابع فنيا بث البرنامج وكونه رغم ظروفه الخاصة العائلية أصر على المساهمة وتقديم البرنامج في موعده المعلن عنه.



51
وداعا رفيقنا ابو نضال (توما القس)

يوسف أبو الفوز
غادرنا يوم الاحد 27 حزيران الجاري، الانسان المتواضع، صاحب المعشر الحلو، الشخصية الوطنية والشيوعية، واحد من ابطال الحزب الشيوعي العراقي، الذي خاض غمار النضال في أيام العمل السري متحديا جلاوزة وعيون الأنظمة البوليسية، وتعرض للاعتقال بسبب أفكاره وانتماءه للحزب الشيوعي، وشهدت جبال كردستان مواقف طيبة له، وساهم بتأسيس الخلايا الحزبية ونشر الأفكار التقدمية أينما حل وعمل.
في عام 2004، لم تكن رحلات الطيران المباشرة متيسرة بين العراق ودول اوربية، فكان لابد من السفر الى تركيا وثم المواصلة بالسيارات الى مناطق كردستان، عبر مدينة زاخو. في طريق عودتي الى فنلندا ، محل اقامتي، توقفت في دهوك لأيام، فكانت فرصة للقيام بجولة في المنطقة ولقاء رفاق النضال، وكانت أيام ممتعة، وكان ان التقيت العزيز أبو نضال، كنا نمزح ونحن نزور بعض المناطق بالسيارات وبملابسنا المدنية، بعد ان كنا نزورها سرا بملابس البيشمه ركه وبنادقنا معنا متخفين من ربايا وعملاء النظام الديكتاتوري. 
ولد المناضل الرائد توما القس داود ـ أبو نضال عام  1930 في ناحية (كاني ماسي) التابعة لقضاء العمادية. أنظم الى صفوف الحزب الشيوعي بشكل مبكر، وعمل معلما، وفي أعوام 1963-1961 نفي للعمل معلما في مدينة السماوة، فواصل نشاطه في نشر بذور الفكر المتنور وكون صداقات طيبة بين اهل المنطقة، كان يفخر بها على الدوام. بعد انقلاب 1963، نجح في الإفلات من القاء القبض عليه، والتحق بالجبل مقاتلا، ليساهم في تأسيس أولى القواعد الانصارية للحزب في مناطق كردستان. ومع تداعيات انهيار تجربة (الجبهة الوطنية) عام 1979، التحق من جديد بحركة الأنصار الشيوعيين، وخلال وجوده في حركة الانصار تعرض الى محاولة الاغتيال بسم الثاليوم، بعملية خسيسة نفذتها مخابرات النظام البعثي وبسبب ذلك تأثر السمع عنده بشكل كبير.
كان محبوبا بين رفاقه ومعارفه، مبادرا في خدمتهم ومساعدتهم، له قدرة في خلق الصداقات، ساعدته في كسب الناس الى افكاره واراءه.
لعائلته، رفاقه، واصدقاءه الصبر والسلوان..
له الذكر الطيب والخلود دائما ...
 
 
 
 

52
المنبر الحر / الأخضر دائما
« في: 21:20 17/06/2021  »
الأخضر دائما

يوسف أبو الفوز


...، (أسير مع الجميع وخطوتي وحدي) ... ثم، ... رحل سعدي يوسف وصرنا نكتب أمام أسمه (1934ـ 2021). رحل مع سفينة سالم المرزوق. رحل الشاعر والمعلم الأخضر بن يوسف تاركا لنا مشاغله، وما أعمقها!
خلال محنته الصحية في الفترة الاخيرة، لم أتمكن من التواصل معه، لأسباب مختلفة، رغم أني كتبت لزوجته الفنانة إقبال محمد علي، التي ـ للأسف! ـ لم تكلف نفسها حتى الإجابة على تساؤلاتي، وهي التي أيام نفيها وعملها في مدينتي السماوة كان بيت أهلي مفتوحا لها دائما وكانت أمي الراحلة ترعاها مثل أبنتها.
رحل سعدي يوسف الشاعر وخلال محنته الصحية كانت قلوب كثير من العراقيين معه، خاصة من المثقفين، وكما كتب الفنان هادي ياسين: "مهما اختلفنا معه فنحن مدينون له بصورة شعرية ولو واحدة"، فما ان بدأنا نهوى مطالعة الشعر، حتى وجدت قصائد سعدي يوسف طريقها الى قلوب الشباب مثلي بدون استئذان:
(ها نحن، قد جئنا
ودرنا
وانتظرنا ان نرى
أو أن يرانا الناس...)
 يذكر زملائي واصدقائي، أيام الدراسية الجامعية في البصرة، في منتصف سبعينات القرن الماضي، كيف كان يتورط أحدهم ويقرأ بيت شعر لسعدي، حتى يبادر اخرين لإكمال القصيدة، بل وأحيانا نعطيه اسم الديوان ورقم الصفحة. كان جيلنا يبدو متطرفا ومغاليا جدا في الامر، إذ ازعم كان فينا شيء من لوثة الجنون بالشعر والاسماء.
(نحن أبناء هذا الجنون
فلنكن من نكون)
في أيام الاختفاء، وضباع البعث الفاشي وجلاوزته تطاردنا من شارع لشارع، في نهاية سبعينات القرن الماضي، أفلح سعدي يوسف في مغادرة الوطن ــ المسلخ في قصة رواها مرارا في لقاءاته الصحفية وندواته. ايامها كنا مجموعة شباب، ليست قليلة، رافضين لسياسة التبعيث القسري، نسعى للحفاظ على مواقفنا وكرامتنا، نتمسك بأمل قدوم مواسم أخرى أفضل، فاجتهدنا لشد ازر بعضنا البعض ونحن نعيش متخفين في مدن العراق، (بلاد ما بين سيفين):
(زمن هو الشرطي، في يده
أرض العراق شبيهة الزمن.)
وها هو الصديق الراحل مخلص العطار يحصل على عدد من مجلة الهدف التي تصدرها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وفيها كان ثمة لقاء مع الشاعر سعدي يوسف، يتحدث فيه عما يتعرض له المثقفين العراقيين من عسف وإرهاب وكيف اضطر المئات منهم لمغادرة العراق وهو منهم، وبكل تواضع كشف أنه لن يحتمل طرق التعذيب في اقبية اجهزة الامن التي سمع واطلع على شهادات من تعرضوا لها، ولا يريد ان يعرض نفسه له (ان جسدي لا يحتمل السياط وقلع الاظافر). ايامها استنسخنا اللقاء بواسطة ورق الكاربون على ورق شفاف ووزعناه كمنشور، راح ينتقل من يد الى يد، بحيث عاد لي بعد فترة مستنسخا بأيد شباب اخرين.
 (يكفي ان تمتد اصابعنا، كي نمسك بالحق
ويكفي ان نتنفس، كي نتفرس في الأفق المفتوح)
اخبرت سعدي يوسف بذلك حين التقيته لأول مرة، في مكاتب مؤسسة المدى ، في دمشق، صيف عام 1998، فشد على يدي محييا بحرارة بشيء من امتنان، واخبرته أيضا باختياري نصا له، أحفظه غيبا، وطالما اردده، وجعلته مقدمة لمجموعتي القصصية "طائر الدهشة"، التي صدرت عن المدى عام 1999:
(من بلد ستدور الى آخر
ومن امرأة ستفر الى امرأة
من صحراء الى آخرى
لكن الخيط الممدود مع الطائرة الورقية
يظل الخيط المشدود الى النخلة
حيث ارتفعت طيارتك الأولى!)
وعرضت عليه المخطوط الذي قدمته يومها لمؤسسة المدى ورقيا ومنضدا على ديسك، فصحح لي أبو حيدر النص، ونبه الاخوة في المدى الى ذلك، إذ وجد أني كتبت (ومن امرأة ستفر الى أخرى).
وفي نفس اللقاء همست له:
ـ كتبت الشعر بسببك وأزوغ من كتابته بسببك أيضا!
لم أقدم نفسي يوما كشاعر، رغم أني اكتب شيئا منه، ونشرت كذا مساهمات في الدوريات الأدبية، والفصل الخامس من كتابي" تضاريس الأيام في دفاتر نصير" (دمشق المدى 2002)، اقترح بعض الأصدقاء المقربين، نشره منفصلا ككتيب شعري، ولكني إذ لاحظت كوني أدور في فلك عالم سعدي يوسف الشعري، وان قصائده تترك ظلالها أحيانا بشكل واضح جدا على ما اكتب، فوليت اهتمامي للقصة ولاحقا الرواية، فما دام الأصل موجود، ما الحاجة لظلاله!
(سيدي الأخضر المر
 يا سيدي بن يوسف
من لي سواك أذا أغلقت حانة بالرباط؟
ومن لي سواك إذا اغلقت بالعراق النوافذ؟)
لقد تعودت حين اقرأ نصا، قصيدة أو مقالا، يكتبه سعدي يوسف، الحرص على قراءة النص مرتين ـ حتى مقالاته المثقلة بالشتائم ـ، اقرأ لأول مرة، لأفهم وأستمتع بالنص، وفي الثانية أقرا بتروي وأحيانا مع ورقة وقلم لأتعلم حفر وصناعة الكلمة من معلم ماهر.
في عام 2001، في هولندا في دنهاخ (الصورة المرفقة) التقيته في الموسع الإعلامي لمنظمات الحزب الشيوعي العراقي، واجتماع هيئة تحرير مجلة الثقافة الجديدة، حيث كان عضو مجلس تحريرها، وكان لنا على انفراد حديث طويل، عن الحاجة لإطر ثقافية لمثقفي المنفى، ونبهني الى ضرورة الحذر من مساع مثقفين محسوبين على قوى اليسار، يرسلهم النظام الديكتاتوري للطواف في أوروبا، حاملين دعوات مبطنة لزيارة الوطن.
(ـ غادرالشعراء.
• أين؟
ـ الى الوليمة؟
• كلهم؟
ـ كل الذين عرفتهم.)
أرسلت لأبي حيدر، استاذنا جميعا، مخطوط شعري (حيث لا ينبت النخيل)، لأخي وصديقي الشاعر عبد الكريم هداد، ليبدي رأيه وملاحظاته، فأعاده لي وقد كتب له مقدمة قصيرة مبديا اعجابه بالنصوص، وصدر الديوان الشعري لاحقا عن المدى في دمشق عام 2005:
(ـ العناصر الأساس في نص عبد الكريم هداد، محددة، محدودة، لكننا نلحظ بإعجاب، نجاح الشاعر في استنطاقها وتحريكها، لا بفعل خارجي عمدي، وانما بالعناصر ذاتها ...)
خططت مع الصديق الشاعر الكردي عبد الله به شيو لاستضافة ابي حيدر في العاصمة الفنلندية، هلسنكي، وقد فرح بذلك جدا، وأعاد على الهاتف مزاحنا، يوم سألني مرة عن مكان أقامتي، فأخبرته:
ـ أقيم في فنلندا!
فهتف باسما:
ـ فنلندا ... فنلنديا!
و(فنلنديا)، هو علامة شهيرة لفودكا فنلندية الصنع، لكن الزيارة تأجلت لأكثر من مرة لاسباب عديدة، حتى الغيت فيما بعد.
(سنجلس ـ ان شئت ـ حينا
نفكر في أمرنا مرة
نفكر في أمرنا مرتين
وننسى ثلاثا)
في الفترة الأخيرة، وإذ أصبحت كتاباته في الشأن السياسي محل عدم ارتياح كثير من المقربين اليه، بسبب لغة الشتائم التي تحملها للكثيرين، وفيهم من أصحابه ورفاقه ومحبيه، وعندي اعتقاد أن ذلك ـ أو على الأقل بعض منه ـ مكتوب بتحريض من اخرين مقربين منه، واخبرته مباشرة، بأني سأبقى أقراه كشاعر دوما، فسمعت منه ضحكة خافتة على الطرف الاخر من الهاتف، بعدها بفترة استلمت منه عبر البريد الاليكتروني، نسخ PDF من اعماله الشعرية الكاملة الصادرة عن دار الجمل.
(وهل قلت: بلادي لم تعد لي؟
أم تراني قلت: ان الموت في الغربة داري؟
حسنا
لا تضحكوا مني
أما قلت بأني لست نيرودا
لكي أعلن أني قادر ان اكتب الليلة هذي
أكثر الاشعار حزنا؟)
ويوما، تحت إعلان لأمسية لي في فنلندا في اذار 2017، نشر في الفيس بوك مع صورة أقف فيها عاقدا ذراعي على صدري، محدقا بالبعيد، كتب معلقا بظرافة (صورة يا يوسف ولا حتى هتلر!)..
(وها نحن:
أثوابنا في الزوايا
وغاباتنا في العيون)
أشار نعي المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي المنشور، حيث أمضى سعدي (ردحا من الزمن الصعب مناضلا في صفوف الحزب الشيوعي العراقي، ومنحازا الى الشعب والوطن وقضاياهما العادلة، وتعرض جراء ذلك الى الاعتقال والسجن والتعذيب والغربة عن الوطن) الى ان برحيله (خسر العراق والثقافة العراقية شاعرا كبيرا معروفا على الصعد الوطنية والعربية والعالمية)..
ان قامة شعرية مثل سعدي يوسف، راسخة في قلوب محبيه كالنخل العراقي الشامخ، تمتد جذورها عميقا، وتعطي ثمرها الجني دائما، مثله لا يرحلون، فهو الأخضر دائما ...
(أيها الصمت السديمي الذي يقتاتني:
من اين يأتي الصوت؟
بعد هنيهة ساعود اخطو عبر قاعات المرايا)


 

هلسنكي ـ كتابة أولى فجر    14حزيران   2021 
 
* حوى النص استشهادات من قصائد وكتابات سعدي يوسف وردت بين قوسين.

53
عن رحيل أبو خلود وحب الشيوعيين للحياة

يوسف أبو الفوز

عادة، عند استشهاد أو رحيل أي رفيق شيوعي تنبري الأقلام للكتابة عنه، عن مآثره وبطولاته، وعن شدة "إلتصاقه" ـ بالحزب ـو... .
بالطبع، لا يمكن الاستهانة أبدا بإنجازات أي مناضل وكذا اهمال الإشادة بمواقفه وتضحياته وثباته على مبادئه، لكننا للأسف كثيرا ما نهمل "الانسان" في أحاديثنا عن إحبتنا ممن يغادرونا، فحياة الشيوعي ليس فقط السجون، التعذيب، المشانق، العمل السري، الكفاح المسلح، الغربة والمنافي!
خلال حياة المنفى، لاحظت وعايشت، ان الاوربيين ــ والفنلنديين منهم حيث أعيش ــ، وبعد مراسيم دفن ميت لهم، والعودة من المقبرة، في نفس اليوم، او بعد أيام، يلتقون لتأبينه في مطعم أو قاعة، حيث يتم يتناول الحديث عن "الجوانب الإنسانية" من حياة الميت، خصوصا الطرائف والمفارقات التي عاشها، والتي بعضها تطلق ضحكات المشاركين في الحفل التأبيني بما في ذلك أهل الميت.
سأحاول هنا تجنب "لغة الإلتصاق"!، لنتحدث عن جانب مشرق في حياة النصير الشيوعي أبو خلود ـ عبد الخالق حسين، الذي رحل عنا مؤخرا في موسكو، محل أقامته، متأثرا بمرض عضال.
هنا، أجد من الواجب الإشارة الى حب الراحل أبو خلود للحياة وتعلقه بها وبتفاصيلها، وكيف تميز بذلك بين إقرانه. أجد أن هذا مهم جدا، أمام قسوة الموت، هذا الزائر الثقيل، الذي لم يمهله لمواصلة رحلته، وسرقه منا ومن عائلته وحرم محبيه من جوانب إنسانية مشرقة في شخصيته كانسان، ولنأكد بهذا، على كون الشيوعي أنسانا، معني بجمال الحياة، قبل ان يكون منشغلا بقضايا وأسئلة كبرى. 
لن نختلف بأن رحيل الرفيق أبو خلود كان مؤلما للكثيرين، خصوصا لمن عرفه عن قرب. فبعد سماعي للخبر هاتفت بعض من الأصدقاء والرفاق المشتركين، ممن عشنا لفترة معا، في اليمن الديمقراطية في منطقة واحدة، والتقينا لفترات في كردستان وخارج كردستان، وتبادلنا التعازي وتحدثنا بمحبة عن الراحل. أتفق الرفاق معي في الحديث بكون أبو خلود تميز بكونه لم يثر يوما زعل أو غيض أي من معارفه ورفاقه ممن عاشرهم. وإذ كان نشطا حيويا، يؤدي مهامه بنكران ذات، حرص على اثارة الابتسامات من حوله والاحساس بالتفاؤل بين من عرفه. وبعد إلتحاقه بقوات الأنصار الشيوعيين، قادما من اليمن، عمل مخابرا لاسلكيا في قاطع أربيل، حتى مغادرته كردستان. وكان رفاقه المخابرين في المحطات الأخرى، يعرفون ضحكاته وتعليقاته المتفائلة، التي تصلهم عبر الاثير.. " مهما كانت الأوضاع صعبة " كما عبر عن ذلك الرفيق أبو نسرين المخابر (نمير أسعد). أحبه رفاقه لتميزه بدماثته وحبه للمرح وكونه ذو معشر حلو، فلطالما ما اشترك في حبك مقالب طريفة لرفاقه، مما جعله هدفا لمقالب انتقامية مماثلة، وثمة امثلة يصعب روايتها، وابسطها تنكره يوما بعباءة امرأة في مقلب لإحد رفاقه المقربين!   
وصلت شخصيا صحراء اليمن، تحديدا الى مدينة عتق مركز محافظة شبوة، في آذار عام 1980. مع مجموعة من الرفاق الرائعين، سمونا في عدن لفترة بـ “المجموعة الكويتية"، لأننا وصلنا الى عدن قادمين من الكويت، ولكوننا وصلناها متنكرين بالزي الخليجي، دشاديش ويشماغ وعقال وبعض الكلمات الخليجية المترسبة في حديثنا، ووصلنا بطريقة تهريب تشبه الأفلام السينمائية. ان مجموعة "الرفاق الكويتيين" لا يزالون احياء ـ لهم العمر الطويل ـ وقد يقرأ بعضهم كلماتي الآن، لكنهم تبعثروا في كل بقاع العالم. يومها تم تنسيبنا للعمل كمعلمين في محافظة شبوة، ورغم اننا في موسم الربيع، لكن صحراء اليمن لم ترحمنا بسعيرها ورمالها في طريقنا المتعب والطويل ونحن قادمين من عدن بالسيارات. استقبلنا من سبقنا من الرفاق العاملين في عتق بترحاب حار يشبه الاحتفال، فنحن قادمين محملين بالرسائل، المجلات والصحف وبالكثير من اخبار العاصمة والمعلومات الرسمية والأهم "غير الرسمية". كنا متعبين وبحاجة للاستحمام. ووجدنا ان الرفاق في عتق لديهم نظام خفارات يومية لأجل خزن الماء، فهو يصل بساعات غير معلنة، ولفترة قصيرة، وعليهم ان يكونوا مستعدين لملأ كل ما يكون تحت أيديهم من اواعي وقدور وغلايات واكياس نايلون حتى. وعرفنا فورا بأن من ينجح في الاستحمام لمرتين في الاسبوع يسمونه "بطة". بين الرفاق كان ثمة شاب نشط، مرح، عرفنا ان أسمه "أبو خلود" يتحرك مثل الرمح بقوامه الرشيق وابتسامته العريضة. كان أشهر "بطة" في عتق، اذ يعرف كيف يخزن الماء للضرورات ولا تفوته مواعيده، وكان منقذ " الرفاق الكويتيين" يومها ليقدم لنا شيئا من مخزونه السري من الماء، لنغسل وجوهنا فقط، ولنستحم على طريقة رواد الفضاء: تبلل أطراف منشفة تمسح بها جسدك!
كان الرفيق الراحل أبو سناء (نجاح السياب) يقول عن أبي خلود: "شاغول"، فكان عبد الخالق لا يعتذر عن تنفيذ أي طلب بالمساعدة لأي من رفاقه. ويوما، في عتق، طلبت منه أحد الرفيقات ـ أعتقد الرفيقة أم ظفر زوجة الرفيق الشهيد أبو ظفر ـ فحص المكواة التي توقفت فجأة عن العمل. كان أبو خلود ماهرا في شؤون الكهرباء، فأفترش الارض لأكثر من ساعة، بعد ان فرش امامه جريدة، وفكك المكواة واستخرج كل احشائها وامعائها وبراغيها أمام انظار الجميع. ثم ركبها من جديد، واشتغلت بأحسن ما يكون. لاحظت الرفيقة صاحبة المكواة بعض "البراغي" ظلت على الجريدة لم يقم بإرجاعها للمكواة، فسألته:
ـ وهذه البراغي شنو!
ـ ييدو ان هذه زايدة، أكو خطأ بالتصنيع!
كان أبو خلود محبا للحياة، مهموما بتفاصيلها وشواغلها.
وهكذا كان أبو كريم صاحب التعليقات اللاذعة. هكذا كان ابو أيار ـ فؤاد يلدا، ملك العبث في وادي مراني، هكذا كان روبرت ـ خليل اوراها. وهكذا كان ....
المجد والخلود والذكر الطيب دوما للشيوعيين الشهداء والراحلين محبي الحياة وتفاصيلها العذبة.
لترقد روحك رفيقنا العزيز أبو خلود بسلام.

 

54
المنبر الحر / قصة الطفلة (ئيوان)
« في: 17:12 27/05/2021  »
قصة الطفلة (ئيوان)
يوسف أبو الفوز   
استجابة لطلب اصدقاء احبة أنشر نص قصة الطفلة  (ئيوان) ،التي كتبت عام 1989وهي فصل من كتابي (أطفال الانفال) صدر بالعربية 2004، ترجم الى الكردية 2020 .
****
في 28 أب 1988 وبعد استعدادات مكثفة، وفي تصعيد جديد لـ ( أنفال) ـه، حملات الابادة، السيئة الصيت، حشد النظام البعثي الصدامي قوات مكونة من عشرات الألوف من قوات الأفواج الخفيفة من المرتزقة (الجحوش) ، وثلاثة فيالق عسكرية من الجيش الصدامي مدججة بمختلف أنواع الأسلحة الحديثة وفي مقدمتها الأسلحة الكيماوية، بدأت عملياتها العسكرية الواسعة واجتاحت كل القرى التابعة لأقضية زاخو والعمادية (محافظة دهوك ) والشيخان وعقرة (محافظة الموصل) ومناطق واسعة من محافظتي السليمانية واربيل ، ودمرت كل مظاهر الحياة بنسفها وإحراقها للقرى والبساتين والينابيع وباستخدامها البشع للأسلحة الكيماوية المحرمة دوليا .
كان أنصار الحزب الشيوعي العراقي، في قلب الأحداث، وسط أجواء التحدي والموت والجوع والعطش، مع بسطاء الناس، جزءا من المأساة، مع الجميع شهودا على كثير من فصول جريمة الديكتاتور ونظامه الشوفيني الفاشي، و ما جرى بحق ابناء شعبنا الكردي. أيضا قاوموا ببسالة غطرسة النظام وكسروا حصاره ووصلوا الى أماكن آمنه، وخلال رحلتهم كانوا شهودا على قصص مأسوية كثيرة.

الفصل الأول
•   حدثني النصير بسام:
حتى وصولنا إلى تركيا، كنا قد شهدنا عشرات القصص المحزنة التي حصلت للناس المسالمين الهاربين من الموت. وفي تركيا سمعنا عشرات غيرها. وعن عائلة الطفلة ئيوان التي التقيناها هناك سمعنا القصة أكثر من مرة.
 وسمعتها من والدها حين التقيته هناك:
لما ضاق حصار قوات النظام الديكتاتوري على الناس، توجهوا لعبور نهر الزاب بأتجاه تركيا. وعند نهر الزاب كانت مئات العوائل تنتظر فرصتها للعبور. قرب أحد الينابيع كانت عشرات العوائل تزدحم، ومعها تقف عائلة ئيوان بانتظار فرصتها لشرب الماء. كانت أخت ئيوان الأصغر تقف هادئة تنتظر فرصتها دون مزاحمة الاخرين، رغم عطشها، ثم جاء دورها. وتقدمت للشرب. ما أن انحنت على النبع حتى سقطت قنبلة مدفع. وسط النبع تماما! تطايرت أشلاء الطفلة وسقط بعضها على أبيها والناس القريبين الذين تراكضوا في مختلف الاتجاهات. أبوها أصيب بالوجوم، بقي ذاهلا من فرط الصدمة لا يفقه حقيقة الذي حصل. ولما أفاق من ذهوله بعد ثلاث ساعات، انتابته هستيريا حادة واخذ يلطم ويطلب أطفاله.
حينها عرفوا أن ئيوان أيضا ليس لها أثر!
الفصل الثاني
•   حدثني النصير أبو أمال
مع انتشار قوات السلطة الديكتاتورية على اغلب الطرق والمسالك في المنطقة، صارت الظروف النفسية والعسكرية اشد تعقيدا وصعوبة. وفي يوم 29 /9 / 1988 كنا مفرزة من قوات أنصار الحزب الشيوعي العراقي، من 29 نصيرا، قرب نهر الزاب نحاول العبور باتجاه الحدود التركية حسب توجيهات قيادتنا.
بعد استطلاع منطقة العبور عدنا إلى مكان اختفاء المفرزة على مقربة من قرية (شينا). وعند مقبرتها عثرنا على طفلة صغيرة لوحدها. كانت جائعة وعطشى. أعطيناها كسرة خبز وماء وقليلا من اللحم المجفف على الطريقة الأنصارية. ثم وضعناها على طريق بئر للماء، إذ نعرف أن هناك بعض العوائل، وطلبنا منها التوجه إلى هناك.
•   النصير وصفي
في ظهر اليوم التالي غادرنا المقبرة، فسمعنا طفلة تغني. تصّور غناء وسط أجواء "الكيمياوي" والراجمات والتوتر وفي تلك المنطقة الخالية. اكتشفنا أنها الطفلة التي عثرنا عليها أمس، إذ لم تبتعد كثيرا. وكان موقفا حرجا جدا: لا يمكن تركها. وضيق الوقت لا يسمح بإيصالها إلى العوائل التي أصبحت بعيدة عنا، والطريق أمامنا وعرة ومليئة بشتى المخاطر.
•   النصير أبو بشار
ساعتها اندلعت نقاشات حادة وأراء متضاربة بين الانصار وبدوافع مختلفة، وفي النهاية قررنا استصحابها، وبهذا لم نفعل إلا ما ينسجم مع مبادئنا. وتطوع الرفيق وصفي للتكفل بها في أثناء الطريق.
•   النصير وصفي
اسمها ئيوان وأبوها سيد نظيف، من بلدة العمادية. عمرها ست سنوات. في الصف الأول الابتدائي. كانت ترتدي فستانا كورديا احمر فوقه (روب) ابيض. نحيلة. قصيرة الشعر. 
•    النصير أبو أمال
مساء الثلاثين من أب، توجهنا إلى الزاب للعبور. حتى الساعة الثالثة فجرا لم يستطع العبور من المفرزة سوى تسعة أنصار، فعاد الاخرون إلى مكان الاختفاء بعد أن اتفقنا مع الأنصار الذين سبقونا على مكان لقاء في اليوم التالي.
•   النصير وصفي
طيلة نهار الحادي والثلاثين كنا مختبئين بين الصخور وئيوان معنا. بدأت تأنس الأنصار، وتثرثر. كانت لا تدعنا ننام، فأحاديثها لا تنتهي. وهي طفلة ذكية. فهمنا منها أن عائلتها مكونة من أب، وأم، وأخ وأختها. أبوها بيشمه ركه. العائلة هربت من زاخو قبل الأحداث إلى منطقة العمادية. ومع هجوم السلطة على المنطقة هربت إلى منطقة (كافيا) ثم جاءت لعبور نهر الزاب. قبل العبور قتلت أختها عند النبع فهربت من الخوف ولم تعثر على أهلها.
حين تتذكر أهلها تبكي بحرقة. وكثيرا ما حدثتنا عن تفاصيل حياة عائلتها، وعن مدرستها التي تحبها، وعن زملائها في الصف. وكان الرفيق أبو بشار، رغم مرضه، يتحمل ثرثرتها بشكل نحسده عليه.
•     النصير أبو بشار
 اكرر بأن ئيوان، رغم صغر سنها، كانت ذكية، عرفت أننا أنصار شيوعيون، وأصبحنا نعني لها شيئا. فهمتنا وأحبتنا على طريقتها وأخذت تتصرف معنا بشكل يتجاوز عفوية وبراءة الأطفال. كانت مؤدبة جدا، ولكنها ثرثارة، وتغني كثيرا. قالت لي أنها تغني حين تشعر بالخوف والوحدة. كانت شيئا غريبا في أجواء وأحوال المفرزة الانصارية. أحيانا كنت لا اصدق أنها معنا، اشعر كأن الأمر كان حلما. كنت رغم مرض الملاريا أتحمل ثرثرتها. أتذكر، كنا في مكان للاستراحة، وكل المفرزة غارقة في النوم ما عدا الحراس. كل واحد تحت صخرة أو ظل شجرة، ومواضع النوم مموهة بشكل جيد. ظلت ئيوان مستيقظة. كنت أراقبها من مكاني دون أن تراني. دارت فلم تجد أحدا. أحست بالوحشة، تلفتت هنا وهناك ثم بدأت تغني. لم يظهر لها أحد. تهدج صوتها. كادت تجهش بالبكاء عندئذ ناديتها فأنكشف لها مكاني، فأسرعت إلى كالطلقة ضاحكة لترمي بنفسها علي.
•   النصير أبو أمال
الموقف العسكري يتعقد. العدو يضيق دائرة الحصار. مساء اليوم ذاته أرسلنا مجموعة استطلاع لاختيار نقطة لعبور نهر الزاب. كان الموضع المختار خطرا، لكن بقدر سلبياته كانت له إيجابيات. إذ لا يبعد أكثر من مئة متر عن أقرب ربيئة للعدو، ولذلك لا يتوقع اقتراب الأنصار إلى هذا الحد. والمكان فيه أمواج عالية تحدث هريرا يغطي حركتنا والأصوات التي قد تصدر دون أرادتنا. أسوأ ما في المكان الضفة الثانية. صخور حادة عالية يضربها تيار الماء فتخلق أمواج عالية.
من تراكتور متروك كنا قد حصلنا على إطارين مطاطيين نفخناهما بأفواهنا للاستعانة بهما على العبور. فمن بين عشرين نصيرا لم يكن يعرف السباحة سوى تسعة. ولكننا قررنا العبور رغم المشقة والمخاطر. كان السبّاح يصارع التيار الشديد بيد واحدة ساحبا بالأخرى الطوق المطاطي المثقل بالذخائر والسلاح والتموين أو يتعلق به الرفاق الذين لا يجيدون السباحة. عملية منهكة جدا. فقدنا خلالها بعض ملابسنا ومالية المفرزة، وبعض وثائق وأوراق الأنصار الخاصة.
أخيرا ... تبقى لنا نصيران وئيوان. عدت إليهم لأصطحاب ئيوان أولا.
كانت ترتعش من الخوف. أوصيتها أن لا تصدر أي صوت مهما حصل، وطمأنتها أني سأنقلها إلى الضفة الثانية حتما. ربطتها بأحكام فوق ملابسي وأشيائي الخاصة على الطوق المطاطي وبدأت السباحة. بيد واحدة! كنت قد عبرت النهر ذهابا وإيابا عدة مرات. كان التيار شديدا. فالمجرى منحدر والمياه عميقة. حين أصبحت اقرب إلى الضفة الثانية استبد بي الإرهاق. وصلت قرب أحد الصخور فداهمتني موجة عالية رفعتني أنا وئيوان معها، واخذ التيار يجرفني بلا رحمة. أمسكت بالطوق بكل ما املك من قوة. لكنه انقلب رأسا على عقب بئيوان والملابس والأشياء الأخرى. لم أتخل عن الطوق. انتبهت إلى ملابسي تفلت من رباطها وتطفو فوق الماء. لحظتها لو حاولت التقاطها أفلت الطوق وتهلك ئيوان . كان التيار يدفعني رغما عني إلى موضع أخطر، فيه صخور عالية وأمواج أعلى. ئيوان ظلت تحت الطوق، تحت الماء، أكثر من دقيقة، ظننت أنها ماتت. نسيت كل المحاذير الأمنية وصرخت بهستيريا أنادي رفاقي الانصار. لحسن الحظ لم تسمع الربايا القريبة. صخب المياه طغى على كل شئ . انتشلني رفاقي وئيوان من الماء.  كانت على وشك الإفلات هي الأخرى من رباطها. أستطيع القول أنها كانت على قيد شعرة من الموت. حالا أفرغنا بطنها من الماء ونفخنا في فمها. لم نطمئن حتى صرخت وبكت. ثم تذكرت أنها حافظت على الصمت، كما أوصيتها. لم يصدر عنها في اللحظات الحرجة سوى أنين خافت.       
•   النصير وصفي
بعد العبور سرنا بدون دليل. سالكين طرقا شديدة الوعورة. كنت احمل ئيوان على ظهري. ساعدني في ذلك الرفيق " سلمان" الذي فقدناه في المرحلة النهائية من المسيرة ولا يزال مصيره مجهولا. كنت لا أستطيع أن احملها على الدوام، فأضطر إلى اقتيادها إلى جانبي. كانت تئن بمرارة من التعب. في المسير الليلي كانت تهمس: " ما تنامون؟”. أثناء المسير قاسينا من العطش كثيرا. كان الرفاق يسقون ئيوان من حصصهم الشحيحة. وعند نفاد الماء تحملت مثلنا العطش الشديد. وبعد خمسة أيام قاسية وصلنا إلى نقطة معينة.
اتصلنا ببعض" المعارف" الذين ساعدونا على دخول تركيا. سلمناهم ئيوان وزودناهم بعنوان أقربائها.
•   النصير أبو بشار
حين تهيأنا للحركة، عرفت ئيوان أننا لن نأخذها معنا، انخرطت في بكاء هستيري. ظلت تصرخ. تعارك. تحاول اللحاق بنا. تنادينا بأسمائنا. تتوسل ألا نتركها. كنا نسمع صوتها الحبيب حتى بعد أن قطعنا مسافة غير قليلة.
هل أنسى ذاك الرفيق. كان في البداية قد عارض بشدة استصحاب ئيوان حين عثرنا عليها وكانت لديه أسبابه. عندما غادرناها بكى هذا الرفيق بحرقة اشد من الجميع، كأنه يكفر عن ذنب ما!
لم تبق الطفلة ئيوان معنا سوى خمسة أيام. لكن ئيوان ستظل في قلوبنا زهرة برية شذية على الدوام. 









55
صراع الحلفاء ـ "الأعدقاء" في الحكومة الفنلندية


يوسف أبو الفوز
حالما اشتعلت نيران الصراع بين الحلفاء ـ "الاعدقاء"، الحزب الديمقراطي الاجتماعي بزعامة رئيسة الوزراء الشابة سانا مارين، وحزب الوسط بزعامة وزيرة الثقافة والعلوم أنيكا ساريكو، وهددت بانهيار الحكومة الحالية، حتى انبرى يوسي هالاــ أهو، زعيم حزب الفنلنديين اليمني المتطرف ليدلو بدلوه معلقا بكون ما يحصل ما هو إلا استعراض سياسي من قبل حزب الوسط انعكاسا للمشكلات الداخلية التي يمر بها!
ولأول مرة يجد المرء ما يتفق به مع هذا الرجل الكاره لوجود الأجانب والمسلمين في فنلندا، والذي يبذل حزبه قصارى جهده لإسقاط حكومة يسارـ الوسط، التي تشكلت إثر الانتخابات الأخيرة في نيسان 2019 حيث نجحت قوى اليسار (الديمقراطي الاجتماعي، اتحاد اليسار، حزب الخضر، حزب الشعب السويدي) بضم حزب الوسط اليها بعد مفاوضات واتفاق على برنامج حكومي مشترك. ومن بعد مرور عامين، وكاستحقاق ضمن الأعراف الحكومية الدارجة يتوجب مراجعة برامج الحكومة وتدقيقه، فوجدها حزب الوسط الفرصة، لاستعراض العضلات والظهور بمظهر الحزب الحامي لحقوق الشعب، وتركزت اعتراضات حزب الوسط بشكل أساسي على نفقات الحكومة، وخصوصا النفقات في مجال الطاقة المتعلقة بتحسن المناخ، بالإضافة الى سياسة التشغيل وتوفير فرص العمل. والطريف أن حزب الوسط سبق وقاد حكومة يمين ـ الوسط للفترة 2019-2015، التي قادت البلاد الى معضلات اجتماعية واقتصادية عانى منها المجتمع الفنلندي خاصة ذوي الدخل المحدود، مما سهل فوز قوى اليسار في انتخابات 2019 وتشكيل الحكومة الحالية.
ويبدو أن الصراع، بين حزب الوسط والحزب الاجتماعي الديمقراطي، يتصاعد بين الحين والأخر، وكل منهما يتحين الفرص للبطش أنتخابيا بالاخر، فلا ينس الاجتماعي الديمقراطي ما فعلته زعيمة حزب الوسط "أنيلي ياتينماكي" عام 2003، خلال الانتخابات البرلمانية، التي اعلنت نتائجها في آذار نفس العام حيث حقق حزب الوسط نجاحا بارزا اذ لعب قادته "الورقة العراقية"، بدهاء فكانت سببا في ارتفاع نسب التصويت لصالح مرشحيه، فحصد العدد الاكبر من مقاعد البرلمان. والنصر الذي حققه حزب الوسط جاء بفضل مناظرة تلفزيونية، على الهواء مباشرة، حيث فاجأت ، السيدة "أنيلي ياتينماكي"، رئيس الوزراء الاسبق وزعيم الحزب الاجتماعي الديمقراطي، السيد " بافو ليبونين "، بأنها تعرف الكثير عن اجتماعه مع الرئيس الأمريكي "جورج ديبليو بوش"، والوعود التي قدمها بضمان مساندة فنلندا للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وأيضا حملتهم العسكرية على العراق، واتهمته بتوريط فنلندا بالموافقة على سياسة الحرب الأمريكية، وبشكل مخالف لسياسة فنلندا الخارجية السلمية، وموقفها الذي يجب ان ينسجم مع سياسات الاتحاد الأوربي، والداعي إلى حل الأزمة العراقية من خلال الأمم المتحدة وبالطرق السلمية. لم يسكت الحزب الاجتماعي الديمقراطي عن الامر، فتوصل الى كون المعلومات تم الحصول عليها بطريقة غير قانونية، وتسربت من مكتب رئاسة الجمهورية، حينها  أجبرت زعيمة حزب الوسط على الاستقالة من رئاسة الحكومة، بل ومن زعامة حزبها، وجاء في محلها وزير المالية الحالي "ماتي  فانهانينين"، الذي وبعد فوز حزبه بانتخابات عام 2007 ورئاسته للحكومة ، أثيرت حملة صحفية عام 2010 ، أكدت فيها المعلومات ،  كونه خلال رئاسته رابطة شباب حزب الوسط (1980 ـ 1983)، استغل منصبه واستخدم مواد بناء تعود الى مؤسسة دعم الشباب لبناء بيته، وايضا تتالت فضائحه النسائية، واصبح ضيفا دائما في صفحات الفضائح، بحيث ان احدى عشيقاته حققت الشهرة والثراء من كتاب فضاحي عن علاقتها به ضمنته رسائله اليها، فتوجهت اليه بشدة نيران الانتقادات من مؤسسات تربوية وكنسية وسياسية، بأعتباره شخصية اعتبارية ويجب ان تكون مثالا وقدوة حسنة، فاضطر لترك رئاسة الوزراء للسيدة ماري كيفينمي .
في الانتخابات الأخيرة ، 2019، شكل زعيم الحزب الاجتماعي الديمقراطي الحكومة، بمشاركة حزب الوسط، وسط توقعات عن أزمات قادمة، وكونه سيلعب دور حصان طروادة، وحصل الامر بعد عدة شهور، اذ استغل حزب الوسط الشريك في الحكومة ، إضرابات عمال البريد ليشكك في مصداقية أداء رئيس الوزراء السابق أنتي رينيه، وطريقة معالجته لازمة الاضراب ، فأضطر للتنحي عن منصبه، في مناورة ذكية لتجنب سحب الثقة من الحكومة والذهاب لانتخابات مبكرة ، الطريف ان من جاء بعد رينيه هو سانا مارين، التي غزا اسمها وصورها واجهات وسائل الاعلام في كل  دول العالم باعتبارها اصغر رئيسة وزراء في العالم ، حيث كانت تبلغ يومها 34 عاما، فكانت شخصيتها سببا لارتفاع الدعم والتأييد لحزبها والحكومة التي تقودها. ولم تمر شهور حتى رد الاجتماعي الديمقراطي على رئيسة حزب الوسط ايامها، كاتري كولمني، التي شغلت في الحكومة حقيبة وزارة المالية، وكانت نائبا لرئيس الوزراء حسب الأعراف الفنلندية، وتم الإطاحة بها  أثر كشف وسائل الاعلام لإنفاق زعيمة حزب الوسط للأموال العامة على أغراض استشارات إعلامية اعتبرت شخصية، فقاد ذلك الى استقالتها من الحكومة ومن رئاسة حزبها الذي عقد مؤتمرا ليأتي برئيس جديد هو أنيكا ساريكو، وزيرة الثقافة والعلوم، الحالية، والتي رغم ان البعض يضعها في يسار حزب الوسط، وعرف عنها مواقفها غير المتشددة في قضايا الهجرة واللجوء ، الا ان لعبة السياسة كما يبدو دفعتها الى معاودة أسلوب اسلافها في عرض عضلات الحزب، لأجل كسب الشارع، وفي اتباع أسلوب وصف بمحاولة لي  الاذرع، واستغلال فرصة إعادة النظر بالميزانية لخلق ازمة سياسية الاستفادة منها كدعاية انتخابية حيث الانتخابات البلدية على الأبواب، كان مقدرا لها، حسب المراقبين، من البدء بان تتوقف في مرحلة ما، فليس لصالح حزب الوسط انهيار الحكومة، فان النتائج الأكبر عندها ستذهب الى حزب الفنلنديين الحقيقيين اليميني المتطرف والمنافس للجميع .
أخيرا أعلنت رئيسة الوزراء في مؤتمر صحفي ضم كل زعماء أحزاب الحكومة بأن "تم الاتفاق مع جميع رؤساء الأحزاب الحكومية بشأن القضايا المركزية، لقد اقتربنا جميعًا من بعضنا البعض، وتنازل الجميع وكانت الإرادة موجودة للتوصل إلى اتفاق). الملفت للنظر ان عدسات المصورين التقطت صور لهذا المؤتمر حرصت زعيمة حزب الوسط على الوقوف على مسافة من بقية أعضاء الحكومة، فيا ترى الى متى يستمر هذا الكر والفر بين الحلفاء "الاعدقاء"، وما هو الملف القادم؟
 


56
المنبر الحر / حزب العَمّالّه
« في: 21:29 28/04/2021  »
 
حزب العَمّالّه

يوسف أبو الفوز

 

في حوار أجراه غسان شربل، الكاتب الصحافي اللبناني ورئيس تحرير صحيفة “الحياة” اللندنية، مع الرفيق الراحل عزيز محمد (2017-1924)، السكرتير الأسبق للحزب الشيوعي العراقي، للفترة 1964 ــ 1993، وأعيد نشره في ملاحق صحيفة المدى البغدادية آب 2017، عن علاقة الزعيم الوطني عبد الكريم قاسم، مع الحزب الشيوعي العراقي، أثناء استعداد وتخطيط تنظيم الضباط الأحرار لثورة الرابع عشر من تموز 1958، قال: إن (حلقة الوصل التي اعتمدها عبد الكريم قاسم بالحزب كان المرحوم رشيد مطلك المعروف بميوله الوطنية والديموقراطية. إذ كان يتصل، بالأساس، بالرفيق سلام عادل الذي كان بدوره يستعين أحياناً بالرفيقين عامر عبد الله، وكمال عمر نظمي) ويضيف الرفيق أبو سعود (من الطريف في هذا السياق أن كلمة السر التي يرمز بها الزعيم عبد الكريم قاسم الى الحزب في هذه الصلات هي “العَمَالّة”. والعَمّالّة - بتشديد اللام - هم شغيلة البناء) ...
لم يكن ذلك إلا تعبيرا عن معرفة وإدراك من الزعيم عبد الكريم قاسم باختلاف الحزب الشيوعي عن غيره من الأحزاب الوطنية، التي شكلت تنظيم (جبهة الاتحاد الوطني) التي كانت الذراع السياسي لنجاح الثورة، فالحزب الشيوعي العراقي الذي تأسس عام 1934، ولد ضرورة موضوعية، ولم يأت تأسيسه وتطوره بناء على رغبة شخص أو مجموعة أشخاص، إنه ضرورة تأريخية، نتيجة لتطور نضال الشعب العراقي وحركته الوطنية والديمقراطية، وجاء كنقلة فكرية وتنظيمية في بلد عانى من التخلف وأمراض الاستعمار، فكانت الأفكار الماركسية التقدمية التي حملها أعضاؤه وبشروا بها، أمطار خير روت أرض العراق الجدباء. وإن أساليب عمل الحزب جاءت إضافة نوعية ليس فقط للحياة السياسية العراقية، بل وللحياة الاجتماعية، فجاء حزبا ليعبر ليس عن رغبات (الأفندية) والتجار ورجال الأعمال، وإنما معبرا عن طموحات الكادحين الحالمين بمستقل أفضل وحياة حرة كريمة.
وهكذا لم يكن دون معنى حين برز من بين قادة الحزب ومناضليه عمال وكادحون تولوا مهمات نضالية، وصاروا قادة وطنيين، وأصبحت حياتهم مثالا يقتدى به. فلم يكن الرفيق فهد ـ يوسف سلمان يوسف (1901-9491)، المؤسس الفعلي للحزب، سوى عامل، تذكر لنا سيرته الشخصية أن عائلته انتقلت طلبا للعمل من قرية برطلة (محافظة الموصل) حين كان في السابعة من عمره، وأنه عام 1916 عمل في معمل صغير للثلج مع أخيه داود في الناصرية. وهكذا كان العشرات من كوادره البارزين الذين استشهد الكثير منهم غير هيابين الموت لأجل أفكاره ومبادئه، فالحزب الشيوعي الذي رفع شعار (وطن حر وشعب سعيد)، وقدم التضحيات وقوافل من الشهداء لأجل حياة كريمة للإنسان العراقي، كان حاملا وأمينا لفكر (العَمّالّة)، من الكادحين وذوي الدخل المحدود.
ورغم كل النكسات والمحن والصعوبات بقي الحزب الشيوعي العراقي ممثلا للفئات الأكثر فقرا وتهميشا في المجتمع العراقي، وحزبا يضم كل العراقيين، فهو وكما يرد في وثائق مؤتمره العاشر (حزب الطبقة العاملة والفلاحين والمثقفين وسائر بنات وأبناء شعبنا من شغيلة اليد والفكر، حزب يضع مصلحة الشعب والوطن فوق كل اعتبار، ويكافح لاستكمال استقلال البلاد وسيادتها الوطنية وبناء الدولة المدنية الديمقراطية، ومن أجل التقدم الاجتماعي والاشتراكية، ويناهض استغلال الانسان لأخيه الإنسان، وكل أشكال الكبت والعسف والقهر، ويكافح لتحريره منها بصورها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية كافة، ولإطلاق طاقاته الخلاقة وقدراته الكامنة المبدعة ).
 ويواصل اليوم حزب الشيوعيين العراقيين، (حزب العَمّالّه) نضاله العتيد لأجل التغيير الشامل والعدالة الاجتماعية، فالليبرالية المتطرفة، التي نظّر لها مؤخرا البعض من الساسة العراقيين، ممن تولوا مقاليد السلطة في الحكومات الطائفية، لم ولن ينتج عنها سوى التفاوت في الثروات والفقر وغياب التنمية
   









 *   مساهمة في ملف الاول من آيار، عيد العمال العالمي، "طريق الشعب " العدد 70 ليوم الخميس 29 نيسان 2021


57
احمد دلزار .. الشاعر الثوري عاش وشهد


يوسف أبو الفوز
نقلت الاخبار رحيل الشاعر الثوري المعمر أحمد دلزار يوم 10 نيسان 2021 ، ، في أحد مستشفيات أربيل ، عن عمر تجاوز المئة العام، بعد صراع طويل مع المرض.
  سمعنا عن الشاعر أحمد دلزار قبل أن نلتقيه. التقيته شخصيا لأول مرة، في حزيران 1982 في كردستان، في بشت آشان، مقر الأنصار الشيوعيين المكافحين لاعتى سلطة فاشية عرفتها المنطقة، وإذ عرف أنى عشت شخصيا سنوات الدراسة الجامعية في مدينة البصرة، تدفق بالحديث عن المدينة وبعض من ذكرياته فيها وكيف كانت تبدو في أعوام الأربعينات من القرن الماضي. كانت ذاكرة الشاعر دلزار متقدة دائما بالحديث عن ذكريات وشخصيات وكتب. اذ عاصر الكثير من الاحداث وتعرف عن قرب على الكثير من الشخصيات. وكان متحدثا بارعا يجيد اللغة العربية بشكل بارع، في الحديث والكتابة، وعرف عنه كونه انسانا متواضعا، كريم النفس، لا يبخل بالجواب عن سؤال. في الامسيات القليلة التي شهدتها له كان يقرأ قصائده بحماس باللغة الكردية. كان امينا لإرث رفيقه عبد الله كوران ( 1962-1904 ) ، المجدد في الشعر الكردي، الذي طالما تغنى بالأخوة العربية الكردية، فكان دلزار أمميا في تفكيره وسلوكه بصدق وثبات. وعرف عنه مكافحا من اجل العمال والفلاحين وسائر الكادحين والمسحوقين اجتماعياً، ووقف الى جانب نضالات جميع الشعوب من اجل التحرر من الاستعمار والاستعباد والاستغلال.
تجدد اللقاء مع الشاعر دلزار بعد زوال النظام الديكتاتوري البعثي في فعاليات سياسية وثقافية جرت في مدينة أربيل. وعرفت ان اسمه (احمد مصطفى آغا) وأن (دلزار﴾ لقب فني. ولد في مدينة كويسنجق عام 1920، في عائلة عرف عنها اهتمامها بالشعر والادب وفيها من احترف ذلك. انتمى مبكرا الى صفوف الحزب الشيوعي، وشارك بحماس في الفعاليات والأنشطة الثقافية والسياسة، ودخل السجون مرارا بسبب ذلك فصقلت هذه التجارب من روحه الثورية.  عمل في صحافة الحزب الشيوعي، وبعد ثورة 14 تموز 1958 كان محررا في جريدة آزادي الى جانب الشاعر عبد الله كوران الذي ارتبط به بعلاقة الرفقة والصداقة.
في سنواته الأخيرة، رغم كبر السن وتكالب الأمراض، إلا انه بقي متوقد الذاكرة، ونقل من التقاه كونه بقي متفائلا متمسكا بأفكاره التي جبل عليها.
رحل دلزار وترك لنا ارثا ثوريا وثقافيا مهما من المجموعات الشعرية والمذكرات ، أتمنى ان يلاقي الاهتمام بجمعه وإعادة نشره.
له الخلود والذكر الطيب ولمحبيه العزاء     

مع الشاعر الثوري احمد دلزار صيف 2009 أربيل (تصوير الفنان ستار عناد)

58

الفنان ستار الفرطوسي وداعا
يوسف أبو الفوز
اثر مرض عضال، رحل عنا، في هلسنكي، اليوم، الفنان والصديق العراقي ستار الفرطوسي. وهو من مواليد مدينة النجف عام 1963 ، وكان درس الرسم في معهد الفنون الجميلة وعمل لأكثر من عشر سنوات قبل مغادرته العراق عام 1993 الى الاردن ، ثم وصل فنلندا عام 1999 ، واقام خلال مسيرته الفنية العديد من المعارض الشخصية والمشتركة، مواصلا محاولاته في التجريب اللوني ، حائزا على اعجاب متابعيه ، في قدراته في الرسم بالزيت ، محاولا عكس وجهات نظره من خلال اللون ، وأيصال رسالته الفنية في الجمع ما بين الوعي واللاوعي،  اذ كان يرى انها تركيبة مهمة جدا، وأن كل الرؤى والصور والأصوات التي يختزنها الانسان في عقله يجمعها لخلق صورة ترتبط بتجاربه الحياتية .
وتم اقتناء لوحاته من العديد من المنظمات الفنية والجمعيات الفنية والشخصيات العامة في أوربا، وهو عضو ناشط في "شبكة الفنانين المهاجرين في اوربا " التي تأسست عام 1997 .
 والفنان الراحل متعدد المواهب، وعرف عنه اجادته عزف الة القيثار، وعمل كعازف في فرق موسيقية محترفة، كما ساهم في تأسيس بعض الفرق الموسيقية الغنائية في فنلندا، بالتعاون مع العديد من الفنانين الفنلنديين.
 رحل ستار بشكل مبكر وكان لا يزال واعدا بالكثير من العطاء.
له الذكر الطيب ولمحبيه وأصدقائه الصبر والسلوان

59
الحزب الشيوعي العراقي.. 87 عاما من النضال
نخلة العراق دائمة الخضرة رغم سنوات العسف والتنكيل
يوسف أبو الفوز
(كلمة طريق الشعب. الملف الخاص بمناسبة ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي طريق الشعب العدد 61 ليوم الاثنين 29 آذار 2021 )

لم يكن على خطأ من يصف الحزب الشيوعي العراقي، بكونه نخلة العراق الباسقة. فهي شجرة معمرة، دائمة الخضرة، تجود بثمارها الغنية بالقيمة الغذائية العالية، وعمرها من عمر العراق القديم والحديث، فكانت مقدسة عند السومريين والبابليين والآشوريين كما تبين النقوش الآثارية والاختام الاسطوانية، وهي شجرة تتحمل العطش وملوحة الأرض، وتمد جذورها عميقا وتمتد لمسافات بعيدة بحثا عن مصدر للمياه.
وهكذا حزب الكادحين، حزب فهد وسلام عادل والحيدري والعبلي والقوافل المضيئة من المناضلين الشجعان في درب الشهادة لأجل مبادئ الحزب العتيدة، لأجل الوطن الحر والشعب السعيد، بقي شامخا، معاندا كل الأهوال، تمتد جذوره عميقا في قلوب أبناء الشعب، الذين واصلوا الالتحاق بصفوفه ومواصلة العمل والنضال رغم كل سنوات العسف والتنكيل، ليبقى اسم الحزب عاليا وافكاره تنير الدروب لأجل الأجيال القادمة.
فلقد فشلت إمبراطورية، كانت الشمس لا تغيب عن أراضيها، في اقتلاع جذور حزب فهد من قلوب العراقيين وتربة الوطن، وجاءت أنظمة تسلطية متعاقبة، لم تدخر جهدا في محاربة الشيوعيين وحزبهم، وبزّهم في افعالهم الاجرامية نظام المجرم الديكتاتور صدام حسين، ولكن مثل نخيل العراق المتسامي، بالرغم من الحروب الكارثية والتقلبات المناخية واصل الشموخ زاهيا، وبقي الحزب الشيوعي العراقي دائم الخضرة.
وها هو حزب العمل والتغيير والمستقبل، نخلة سامقة، يسعى لتوحيد جهود أبناء الوطن، من القوى المدنية والديمقراطية في جبهة عريضة لأجراء التغيير المنشود والخلاص من منظومة المحاصصة والفساد والانتقال بالبلاد من حالة اللادولة الى الدولة المدنية الديمقراطية والاجتماعية.
هذا الملف، بمناسبة ذكرى السابعة والثمانين لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي، تقدمه (طريق الشعب :(
إجلالا لأرواح الشهداء من ساروا في طريق الشمس لأجل تحقيق شعار الوطن الحر والشعب السعيد.
تحية لذكرى المناضلين الرواد الذين لم يبخلوا بجهدهم لأجل استكمال المسيرة.
تحية لأنصار الحزب البواسل، الذين رفعوا راية الحزب عاليا في جبال كردستان وحرسوها ببنادقهم.
تحية للشيوعيين وعموم المشاركين في ساحات الاحتجاج، وثوار انتفاضة تشرين، الذين أدركوا ان لابد من التغيير المنشود ومواصلة الكفاح رغم كل العوائق.
تحية لكل الشيوعيين واصدقائهم، في كل مكان، داخل وخارج الوطن، ممن يواصلون العمل الجاد لأجل بناء عراق ديمقراطي فيدرالي تعددي.
عاش الشعب العراقي وقواه الوطنية الديمقراطية
المجد لشهداء الحزب الميامين
عاش الحزب الشيوعي العراقي في ذكرى تأسيسه السابعة والثمانين

*   البوستر للفنان صفاء حسن

60
السينما العالمية ومواقع التصوير في فنلندا


المخرج الامريكي وارن بيتي مع المصور فيتوريو ستورارو في شوارع هلسنكي 1981

هلسنكي: يوسف أبو الفوز
(عن جريدة المدى البغدادية العدد 4871 السنة الثامنة عشرة - الخميس 11 سباط 2021)
في الآونة الأخيرة، تناقلت وسائل الإعلام أنباء عن تصوير عدة أفلام عالمية، في مناطق مختلفة من فنلندا، المرمية عند حافة القطب الشمالي، عند خليج بوتانيا المطل على بحر البلطيق، بمناخها القاسي، حيث الليل الطويل والنهارات القصيرة، والشتاء الطويل والصيف القصير جداً.
وتشير الأنباء الى إنتهاء تصوير الفيلم الأميركي (Dual 2021، وهناك فلمان من بريطانيا، وفقاً لجمعية الإنتاج المحلي السمعي والبصري (Apfi)، التي أشار رئيسها أيضاً الى أن هناك ثلاث إنتاجات سينمائية ما زالت تخوض مفاوضاتها. فما الذي يجذب صنّاع السينما، لإختيار فنلندا موقعاً لتصوير أفلامهم؟
فريق عمل فيلم (Dual)، الذي صوّر لست أسابيع في مدينة تامبيرا الفنلندية وضواحيها، من إنتاج عدة شركات، من بينها XYZ Films الهوليودية، أفادت، أنه بسبب جائحة الكورونا، حاول طاقم الفيلم العثور على موقع مناسب للتصوير في كندا ونيوزيلندا، لكن دون جدوى، لذلك تم اختيار فنلندا كموقع لتصوير الفيلم، لأن الوضع المستقر نسبياً لفايروس كورونا في فنلندا أثار إهتمامهم، وأثار أيضاً إهتمام صانعي الأفلام الآخرين في أمريكا وبريطانيا، حيث توقف الإنتاج السينمائي في أجزاء أخرى من العالم، بما في ذلك هوليوود. يذكر أن فيلمDual من بطولة الأميركي آرون بول الحائز على جائزة إيمي لدوره في المسلسل الدرامي الإجرامي Breaking Bad والنجمة الأسكتلندية كارين جيلان، وهو فيلم من الخيال العلمي، تأليف وإخراج الأميركي رايلي ستيرنز (مواليد 1986)، يروي قصة امرأة، توشك على الموت، فتطلب استنساخاً لنفسها للتخفيف من خسارتها على أصدقائها وعائلتها، لكنها لا تموت وتبدأ في الشفاء، وتفشل محاولاتها لإخراج استنساخها من الخدمة. وصرح المخرج ستيرنز بأنه يشعر بالارتياح والسعادة لأن التصوير تم أخيراً، وأن استخدام تامبيري كموقع تصوير أضاف إحساساً بالغموض والإثارة للفيلم.
ولم تكن جائحة الكورونا هي السبب الوحيد، لجذب المنتجين السينمائيين، فالشتاء الفنلندي، وما يخلقه من مناظر ساحرة، خاصة في منطقة لابلاند، شمالي البلاد، لطالما دفع بالكثير من المنتجين والمخرجين لتصوير أفلامهم وسط جمال القطب الشمالي،والقائمة طويلة بأسماء الأفلام التي صوّرت هناك، فهكذا صورت المخرجة الألمانية أرولا هاتوب ( مواليد 1949) التي أخرجت أفلاماً عديدة للأطفال والشباب، ونالت العديد من الجوائز، فيلمها (ملكة الثلج ـ 2014)، وهو موجّه للأطفال يستند إلى حكاية خرافية، حيث في قرية صغيرة في الشمال القطبي، صديقان حميمان، منذ الطفولة، يحبان بعضهما سراً، وبنى الشاب منزلاً زجاجياً ( دفيئة) خاصاً، لأجل حبيبته حتى تنمو الزهور فيها في الشتاء البارد، فيُغضب ذلك ملكة الثلج الشريرة، وتحاول تحويل الزهور الى جليد، وتفشل إثر مقاومة الشاب لها فتقوم بسحره وأخذه عندها لقصرها الجليدي في مسعى لتحويله الى عمود جليدي، وتخوض الفتاة صراعاً لأجل إنقاذه وينتصر الحب آخر المطاف. وأيضاً هناك فيلم الحركة والمغامرات Hanna انتاج عام 2011 للمخرج البريطاني جو رايتو (مواليد 1972)، الذي صور جزء منه في منطقة لابلند، وقصته حول فتاة مراهقة نشأت في براري فنلندا الشمالية الثلجيّة، درّبها والدها العميل السري السابق لوكالة الاستخبارات المركزية (الممثل إيريك بانا) وتخوض مغامرات ومطاردات ضمن حبكة مطارات وأسرار وغموض. وربما من أشهر الأفلام التي استثمرت مناظر الشتاء الروسي هو فيلم دكتور زيفاكو 1965 من إخراج البريطاني السير ديفيد لين (1991-1908)، وبطولة الممثل المصري عمر الشريف، ورغم أن غالبية مشاهد الفيلم صوّرت في اسبانيا حيث تم بناء مدينة روسية مشابهة لمدينة موسكو إلا ان مشاهد القطار تم تصويرها عند بلدة يونسو في شرقي فنلندا كما تم تصوير رحلة اللاجئين عند بحيرة بوهاسيلكا الفنلندية.
ويمكن القول إن أحد الأسباب المهمة التي تجلب صناع السينما الى فنلندا، هو العاصمة الفنلندية هلسنكي، وما توفره هندستها المعمارية من مشاهد متنوعة، حيث تتوفر أنماط مختلفة، حديثة وأيضاً كلاسيكية. والمعروف أن مدينة هلسنكي القديمة التي بنيت عام 1550 م تحتفظ بالطراز المعماري الذي يعود الى القرن التاسع عشر، مما أهّلها لأن تمثل في شوارعها الكثير من الأفلام السينمائية التي حققت نجاحات مشهودة. من تلك الأفلام، كان البريطاني ( هبوط النسر) عام 1976 من إخراج الأميركي جون ستورج (1992-1910)، وهو من أفلام الحرب والجاسوسية، اشترك في تمثيله النجوم مايكل كين، روبرت دوفال ودونالد سوثرلاند، وتدور قصته حول مؤامرة ألمانية متخيلة لاختطاف ونستون تشرشل قرب نهاية الحرب العالمية الثانية، ولاقى عند العرض نجاحاً كبيراً، لكن أكثر الأفلام شهرة والذي صورت غالبية مشاهده، في مدينة هلسنكي، كان فيلم (حمر)عام 1981، من تأليف وإخراج المخرج الاميركي وارن بيتي (مواليد1937)، والذي مثل بنفسه دور جون ريد الى جانب ديان كيتون وجاك نيكلسون ومجموعة من نجوم هوليود، ونال عنه أوسكار افضل مخرج وترشيحات للأوسكار لأفضل فيلم وترشيحين لأفضل ممثل أول وممثلة أولى وترشيحين لأفضل ممثل مساعد وممثلة مساعدة، فاز منهم مورين ستابلتون كممثل مساعد، ويتناول الفيلم قصة حياة الصحفي والكاتب الشيوعي الأميركي جون ريد، من مواليد 1887 وتوفي في روسيا عن عمر 32 عاماً، وهو صاحب الكتاب الشهير (عشرة أيام هزّت العالم) الذي يروي قصة ثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917 التي كان جون ريد شاهداَ ومساهماَ فيها بشكل ما، بحكم صلاته بقادة الثورة من الشيوعيين البلاشفة. وبعد أن تعذر التصوير في روسيا، أستثمر المخرج التشابه في المعمار بين هلسنكي ومدينة بطرسبورغ، فصور غالبية مشاهد الفيلم وبنى كادراته في شوارع هلسنكي، ولن تُنسى المشاهد البارعة للحظات الهجوم على القصر الشتوي، التي قطعت لأجلها شوارع هلسنكي أمام حشود الكومبارس لتنفيذ المشاهد المثيرة والشهيرة في الفيلم. كانت الخطة الأساسية لتصوير الفيلم تستمر مبدئياً لمدة 15 إلى 16 أسبوعاً، لكن الأمر استغرق عاماً كاملاً في النهاية، لأسباب عديدة، منها انتظار فريق العمل في الفيلم تساقط الثلوج الحقيقية في شوارع هلسنكي لإكساب المشاهد مصداقية أكثر.
وينظر المسؤولون عن الإنتاج السينمائي في فنلندا بارتياح، الى قدوم مختلف شركات الإنتاج والفرق السينمائية للعمل في فنلندا، فالميزانيات الدولية بكل الأحوال تكون أعلى من ميزانيات الإنتاج المحلية، ففيلم Dual بلغت ميزانيته خمسة ملايين دولار، وشاركت في الإنتاج بنسبة معينة شركة إنتاج فنلندية، وساهم ذلك بتوفير فرص العمل للعشرات من الفنانين والفنيين الفنلنديين العاملين في الحقل السينمائي، مما يترك أثره على زيادة تجربتهم واكتسابهم الخبرة في عملهم، أيضاً إن فترة التصوير ستوفر فرص عمل لمئات الأشخاص الآخرين، فحين اختار فريق عمل فيلم Shamitabh عام 2014 ليكون أول فيلم هندي يصور في هلسنكي ولابلاند، اشتغل أكثر من مئة فنلندي كفنيين في العمل، وأشاد فريق بوليود بأطقم العمل الفنلندية كونهم على دراية كبيرة بعملهم ويتمتعون بروح المبادرة ويؤدون مهاماً متعددة أكثر بكثير من   فريق عمل فيلم Dual وبعد الإشادة بطبيعة الحياة في فنلندا من احترام الوقت والالتزام بالمواعيد والكياسة في التعامل لم ينسوا أيضاً كونهم ليسوا مضطرين لدفع البقشيش في المقاهي والمطاعم الفنلندية.

61
في طريق الشمس:
الشهيد وافي كريم مشتت

يوسف أبو الفوز

(مساهمة في الملف الخاص عن الشهداء. طريق الشعب العدد 48 ليوم الخميس 11 شباط 2021)
في سجل الأسماء، في الهاتف، يصادفك أحيانا أسم لعزيز رحل، وكذا في قائمة الأصدقاء في (فيس بوك) وغيرها. وتسأل نفسك لماذا لم أقم بحذف الاسم؟ شيء ما يمنعك. هو ارتباطك بصاحب الاسم وكونه راسخ الوجود في حياتك وروحك وذكرياتك، لدرجة أنك عند الحديث عنه، تجد نفسك أحيانا، لا تستخدم صيغة الماضي. هذا الأمر ينطبق تماما على الشهداء. تابعت شخصيا ذلك في اللقاءات والمناسبات العامة، فوجدت الكثير من الأصدقاء والمعارف يتحدثون عن الشهداء بصيغة الحاضر وكأنهم معنا وغائبون في رحلة قصيرة سيعودون منها ويفاجئوننا بمشاركتهم لنا جلساتنا وأحاديثنا.
هكذا حين يجري الحديث، مع الأصدقاء، عن الشهيد وافي كريم مشتت (أبو فكرت)، صديقي الأقرب، أيام الدراسة في كلية الإدارة والاقتصاد، جامعة البصرة، في سبعينات القرن الماضي.
عند قدومه للدراسة في جامعة البصرة، وكان في الموسم الدراسي 1975، كنت محظوظا بتكليفي من قبل التنظيم باستلامه حزبيا. كان الموعد عند المكتبة العامة في منطقة الساعي في البصرة، والعلامة (باليد اليسرى كتاب واليمنى جريدة)، نسي وافي الجريدة ولكننا تعارفنا، ومن يومها صرنا لا نفترق.
ولد وافي في بغداد، عام 1956، وهو من سكنة مدينة الثورة. كان من الطلبة النشيطين في اتحاد الطلبة في مدارس مدينة الثورة. بعد اغتيال الرفيق فكرت جاويد عام 1974 اختار لنفسه كنية (أبو فكرت). تميز بوسامته وقامته الرياضية، فقد لعب لفئة الشباب في نادي الزوراء لكرة القدم، ونال اهتمام أبرز اللاعبين الدوليين أيامها، وكان ينتظره مستقبل باهر لولا انتقاله الى البصرة، وصار انشغاله أكثر بكتب الاقتصاد والعمل الحزبي، ومع ذلك لعب مع فريق كلية الإدارة والاقتصاد لكرة القدم، مباريات مهمة، وكانت تسديداته حاسمه لتحقيق الفوز، رغم انه لم يلتزم بجداول تمرين كبقية أعضاء الفريق، ويذكر الأصدقاء الأحياء المباراة الحاسمة مع فريق كلية الهندسة لبطولة الجامعة، واعتقد كانت في العام 1977.
وفي المجموعة الحزبية التي عمل فيها الشهيد وافي، أستحق بجدارة، ان يتم اختياره ليكون نائبا لسكرتير المجموعة، التي ضمت خيرة المناضلين من الطلبة، وكثير منهم مازالوا أحياء يرزقون، وتميز بقدراته في إدارة النقاش والاقتناع وتطورت بشكل ملحوظ ثقافته الاقتصادية لتتجاوز المنهج الدراسي المقرر فلفت اليه أنظار الاساتذة.
وصلنا تلك الأيام، توجيه حزبي، بضرورة التوجه لكسب المزيد من العمال والكادحين لصفوف الحزب، وتطلب التوجه لمواقع عملهم وتجمعاتهم والنشاط بينهم. مع العزيز وافي توجهنا لمقاهي العمال في منطقة العشار والداكير، صرنا نصحب معنا كتبنا ونحضر دروسنا هناك ونشارك رواد المقاهي طعامهم البسيط وجلساتهم الصاخبة، وبعد عدة زيارات ظهرت “طريق الشعب” بيننا، ورحنا عن قصد، نختار منها مقالات معينة، ونبدأ بالحديث والسجال حولها. ووفق اتفاق مسبق نتبادل الأدوار: من سيطرح الرأي الصحيح ومن يطرح الخاطئ، رغم اننا متفقان أساسا. ولطالما تشاجرنا بجدية حول توزيع الأدوار، إذ كان وافي يحب دائما أن يلعب دور صاحب الرأي الصحيح فكنت أشعر بالظلم لأنه يجبرني على ذكر الكثير من المغالطات والآراء الساذجة. وواصلنا مهمة الجدال المفتعل بحماس، ومن حولنا يتسمعون لنا، وشيئا فشيئا صار بعض رواد المقهى يشتركون معنا في الحديث. وبفخر أستطيع القول إننا بعد عدة أشهر، نجحنا في تكوين صداقات وكسب العديد من العمال لنشاطات الحزب الشيوعي، وتوجهت لنا الدعوات لزيارة بيوت العديد من العمال وللمشاركة في مناسباتهم الاجتماعية المختلفة. ولم تكن أعين رجال الأمن البعثية غافلة عنا، فاضطررنا لتغيير التكتيك واختيار مواقع أخرى.
مع اشتداد الحملة البوليسية الإرهابية، أواخر سبعينات القرن الماضي، كان وافي من ضمن مجموعة الطلبة الذين رفضوا حملة التبعيث القسرية، واضطروا لترك الدراسة وانتقلوا للعمل الحزبي السري، وكان من ضمن المجموعة التي نشطت لشد أواصر الشيوعيين، بعدما أصاب الشلل التنظيم وتقطعت الصلات. في بغداد، في الخفاء، التقينا مرارا وعملنا لفترة جنبا الى جنبا ومعنا الشهيد ناهل (نجيب هرمز يوحنا)، لكن ضراوة الهجمة، واشتداد الاعتقالات وانهيار بعض الأسماء أجبرنا على الافتراق وتغيير خطط العمل.
تخبرنا المعلومات المتوفرة لاحقا من مصادر مطلعة قريبة، أن الشهيد وافي نجح في الاتصال مع تنظيم حزبي بقيادة الرفيقة الشهيدة عائدة ياسين مطر (أم علي)، وفي عام 1981 تهيأ للصعود الى جبال كردستان والالتحاق بصفوف الأنصار في كردستان، لكنه وشيوعيين آخرين للأسف وبسبب من خيانة واندساس، وقعوا في كمين معد من قبل الأجهزة الأمنية البعثية وتم اعتقالهم. بعد سقوط النظام العفلقي الصدامي كشفت الوثائق انه تم إعدامه دون تسليم جثته لأهله.
• يذكر أن الشهيدة أم علي مواليد البصرة 1944، اختطفت يوم 15 تموز 1980 قريباً من قناة الجيش في بغداد، وظل مصيرها مجهولا.
• والشهيد ناهل مواليد البصرة 1956، الطالب في كلية الإدارة الاقتصاد، غادر العراق وعاد الى أرض كردستان، وعمل ضمن مجموعة الطريق البطلة، واستشهد في مواجهة بطولية مع كمين لجهاز الاستخبارات الصدامي عند عبور نهر دجلة في أيلول 1984.














الشهيدة القائدة الشيوعية عائدة ياسين مع أبنها علي                 الشهيد النصير ناهل




62
المنبر الحر / مع بهاء الدين نوري
« في: 18:32 11/01/2021  »
مع بهاء الدين نوري

 

يوسف أبو الفوز
رحل المناضل الشيوعي بهاء الدين نوري ـ أبو سلام ـ باسم، في 2020.12.1، عن عمر ناهز الثالثة والتسعين، ونعاه المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي (عاش سنوات حافلة بالعطاء في صفوف حزبنا، وتبوأ مواقع قيادية فيه لفترات طويلة وحتى اوائل الثمانينات كافح أبو سلام ضد الأنظمة الدكتاتورية والرجعية، ومن اجل خير الشعب العراقي وحريته واستقلال العراق وتقدمه، وفِي سبيل نيل الشعب الكردي حقوقه القومية. وتعرض جراء ذلك الى السجن والاعتقال والمعاناة في المنافي)، وكتب عنه اصدقاؤه ورفاقه، متأثرين لرحيله أثر أصابته بفايروس الكورونا وهو الذي عجزت عن قهره أعتى الأنظمة الديكتاتورية.
عرفت هذا الشيوعي المخضرم في النضال حتى قبل ان ألتقيه. كنا طلابا في جامعة البصرة أواسط سبعينات القرن الماضي، حين صدر له (قرية في سفح جبل) وثم (أيام صعبة) وفيهما تحدث عن نشأته ونشاطه أيام النضال السري في العهد الملكي وما تبعه. أيامها عشت ومجموعة من الأصدقاء والزملاء تجربة لم تتكرر، إذ طالعنا كتاب (أيام صعبة) في طقس قراءة جماعية، فخضع الكتاب على أثرها لنقاشات بين معجب ومعارض. من جانبي أثار (مجيد)، ــ الاسم المستعار الذي اختاره أبو سلام لنفسه في رواية ذكرياته ــ الكثير من إعجابي، إذ كنت اراه نموذجا للمناضل المتفاني في سبيل مبادئه والمستعد للتضحية بكل ما يملك وحتى لو تطلب بذل حياته لأجل ذلك. وكان لبعض الأصدقاء مآخذ عل الكتاب والسيرة عموما، كون مجيد عاش وفق مبدأ (وأطلق ساقيه للريح) كلما تعرض لمحاولة إعتقال، وبدا للبعض أن أبو سلام مأخوذا بالجملة اذ تكررت مرارا.  وكان بعض الأصدقاء يعلقون بسخرية على ذلك فقط لإغاظتي بحكم اعجابي المعلن لحد تقديس شخصية مجيد. شاءت التقلبات السياسية في العراق ان أعيش ظروف العمل السري والاختفاء لأكثر من عام ونصف في نهاية السبعينات، وشاركني العديد من الرفاق والأصدقاء إياهم، فوجدنا أنفسنا نستعيد تجربة مجيد وبعض من دروسها، وإذ واجهتنا مواقف للإعتقال من قبل جلاوزة وضباع البعث، لم ينفعنا سوى حل مجيد التأريخي، في... إطلاق السيقان للريح!
حين وصلت اليمن الديمقراطي مطلع عام 1980، قادما من الكويت، وجدت أن من سبقنا من الشيوعيين العراقيين واصدقائهم، بادروا للعمل في أبعد المدن والقصبات اليمنية كمهندسين وأطباء ومعلمين، مواجهين ظروفا مناخية وحياتية صعبة، فكان نصيبي ومجموعة باهرة من الشباب العمل معلمين في قضاء بيحان، وهي واحة صحراوية، في محافظة شبوة على أطراف الربع الخالي. هناك كان لابد من إختيار أسم مستعار ثلاثي، فكان ان أخترت أسم (مجيد) كأسم أول، تيمنا ببطلي من (أيام صعبة)، ولكن إيقاع الاسم بدا ثقيلا للأخوة اليمنيين، فتحول عندهم الى (مجدي)، فأصبحت (مجدي وافي السعد) فعشت بهذا الاسم لمدة ثلاث سنوات، عملت ودرست وعشقت، ومنحت بهذا الاسم جواز سفر يمني رسمي، فُقد لاحقا ضمن أشياء عزيزة فقدتها في أيام الكفاح المسلح في كردستان، التي وصلتها في آيار 1982.
في كردستان، قضيت أسابيعا قليلة في مقر ناوزنك، ونسبت أولا للعمل في هيئة تابعة للمجلس العسكري المركزي للأنصار (معم) حملت أسم (هيئة الحركات) ـ فيما يشبه عمل الأركان ـ وفي الصيف نسبت الى مكتب الفوج التاسع للأنصار الذي يقوده النصير المخضرم نصر الدين هورامي، آمرا الفوج. مرت شهور قليلة وأعلن إعادة تنظيم التشكيلات الانصارية، باستحداث تشكيلة جديدة لوحدات الأنصار السياسية والعسكرية، حيث شكلت ثلاث قواطع (بمثابة ألوية أو فرق)، كتشكيلات عسكرية وسياسية تحت قيادة (معم)، فكان هناك قاطع أربيل وقاطع بهدينان وقاطع السليمانية وكركوك، وأصبح الفوج التاسع للأنصار، أحد الأفواج التابعة لقاطع السيلمانية وكركوك، وعين المكتب العسكري المركزي الرفيق بهاء الدين نوري ـ أبو سلام، مسؤولا أول للقاطع، يعاونه للشؤون السياسية الرفيق عدنان عباس ــ أبو تانيا والرفاق إبراهيم صوفي ـ أبو تارا للشؤون الإدارية و عبد الله ملا فرج  ــ ملا علي للشؤون العسكرية. وحتى يتم إختيار وترتيب مكان لقيادة القاطع، حل رفاق قيادة القاطع كضيوف لفترة مؤقتة على مقر الفوج التاسع في مقره المؤقت قريبا من قرية (دولكان) ـ وهي قرية حدودية في وادي آلان الإيرانية، حيث سمح فلاح إيراني مناصر للثوار باستخدام جزء من ارضه القريبة من النبع لبناء سقائف ونصب خيام، ومنح الانصار غرفة طينية أصبحت في الشتاء مكان عمل مكتب الفوج، وأصبحت لفترة مكان نومي، فالرفيق نصر الدين هورامي عند تواجده في المقر يبيت عادة عند عائلته التي تسكن في بيت داخل قرية دولكان التي تبعد مسافة مسير ربع ساعة، حيث تقيم بعض عوائل الكوادر الحزبية من ما يعرف بالتنظيم المدني.
في هذه الغرفة، شاركني الرفيق أبو سلام المكان، حين وصل مقر الفوج التاسع، حيث ارسلت مجموعة خاصة بقيادة ملا علي للبحث عن مقر مناسب للقاطع في ريف السليمانية، فكان الاختيار لاحقا في قرية حاجي مامند.
ها هو القدر يجمعني، مع مجيد، بطلي المحبوب في مكان واحد وتحت سقف واحد!
كانت الغرفة صغيرة، وأمتد فراشينا على الأرض، متوازيين بجانب الجدران، وعند طرف كل فراش وضع صندوق عتاد رصاص بنادق نستخدمه كطاولة للكتابة ومكان لحفظ القرطاسية ومستلزمات اعداد البريد الانصاري والحزبي.
كان أبو سلام نظيفا، محبا للأناقة رغم قسوة الحياة الانصارية. ويحتفظ بعدة باروكات شعر يرتديها حسب المناسبات، في بعض المرات يحرص على ظهور خصلات من (شعر رأسه) من تحت الجمداني ـ غطاء الرأس الكردي ـ، أو طاقية رأسه، وهكذا حصل عندما زار مقرنا عبد الرحمن قاسملوا، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، الذي يقيم ليس بعيدا، في زيارة خاصة، فأرتدى أبو سلام حلة نظيفة وأعتنى بنفسه ليبدو بصحة جيدة ومزاجا طيبا، وطلب من المحيطين حوله ان يفعلوا ذلك، إذ كان يعتقد أن قاسلمو سيتحدث يوما عن ظروف هذا اللقاء ولن ينسى مظهر من قابلهم لو بدا مزريا.
كان أبو سلام محبا لترتيب الأوراق والمحاضر حسب الموضوعات أو الاشهر في مغلفات واضابير يصنعها بنفسه من الورق العادي. وعند الحاجة يستل أي ورقة أو وثيقة بسرعة دون ان يصرف وقتا طويلا في البحث عنها، وحاولت تقليده في ذلك. وكانت له ذاكرة جيدة، ومحب للقراءة، وكانت رزم الكتب دائما ضمن متاعه عند توجهه لأي مكان.
تعودنا في حياة الأنصار ان نصحو مبكرين، قبل الديكة، ولم يشذ أبو سلام عن بقية المقاتلين في النهوض المبكر، وكان يحرص أن يبدو نشطا ويبذل جهدا في إخفاء أوجاعه وعوارض أمراضه بحكم عمره. نجح الأنصار بمد انبوب مطاطي، يجلب الماء من النبع العذب، الى قرب المطبخ في المقر، يجري طوال اليوم، للشرب والاحتياجات اليومية. كنت وأبو سلام بعد ان (نريق المائية) ــ كان معجبا بهذا التعبير ويضحك أحيانا حين يقوله ــ نغتسل هناك، ونتناوب في أمساك طرف الانبوب لبعضنا البعض. يوما، وبعد ان أكمل تنظيف أسنانه ووجهه ـ حيث يحتفظ بفرشة أسنان دائما ـ، أمسك لي بطرف الانبوب، وبعد ان اغتسلت فتحت كفي يدي وكورتهما كقدح لأعب وأرتوي من الماء العذب، ورفعت رأسي وأطلقت صيحه إنتشاء:
ـ يالله ما أعذبه؟
ضحك، وسألني:
ـ أبو الفوز، هل يوجد شيء أعذب من الماء؟
لا أراديا قلت:
ـ المرأة.
فأطلق ضحكة مدوية معجبا بجوابي ورشني بالماء من طرف الانبوب على وجهي وصدري وبلل لي ملابسي في ذلك الصباح البارد وسط إستغراب الأنصار من حولنا. كان واحدا من الصباحات الرائقة، وفي الليلة ذاتها، لاحظت انه ظل صامتا، يمسك بيده بدفتر سميك بغلاف جلدي. قلب صفحاته طويلا، فلم اقاطعه او أساله. وبعد ساعة مد يده بالدفتر نحوي، وطلب مني ان اقرأ فقط ما اراه أمامي وعدم تقليب الصفحات. وعرفت ان هذا دفتره الخاص حيث يسجل مذكراته وبعض أفكاره الخاصة. في تلك الصفحتين، بقلم أسود جاف، باللغة العربية بخط أقرب للخط الفارسي بامتدادات الحروف، وبدا لي انه نقل عن مسودة إذ كان النص بدون خطأ او شطب، كانت هناك رسالة حب وشوق طويلة، موجهة للشهيدة عايدة ياسين (أم علي)، يبثها لوعته وأرق مشاعره. وعرفت أن هناك عدة رسائل تشبهها، كتبها في أوقات مختلفة، ولا أعرف مصير هذه الدفتر وهذه الرسائل، هل تم نشرها؟ أتمنى ان لا يكون فقدها ضمن الأشياء التي فقدت وحزن عليها حين هرب البغل لاحقا في ليلة شتوية، وكان مخصصا لمتاع الرفيق أبو سلام، وقيل انه أسقط حمولته في مكان مجهول، ولم يعثروا عليها، ووقتها انتشرت بين الأنصار تعليقات ساخرة عن باروكات شعر أبو سلام وكيف صادرتها المخابرات الصدامية، وان بعضها ظهر في مسلسل تلفزيوني عراقي وغير ذلك!
ساعدتني كثيرا، هذه الفترة الزمنية، القصيرة، من العيش المشترك، مع الرفيق أبو سلام ــ مجيد، لكسر تلك الهالة المقدسة التي حملها جيلنا عن الرفاق من قادة الحزب، الذين لم نقابلهم ونسمع عنهم فقط القصص، التي تختلط فيها الحقيقة بالمبالغات المصنوعة عنهم، فتحول بعضهم عندنا الى اساطير، فتربينا وتعلمنا ان نتعامل معهم كشخصيات مقدسة، فوق النقد والسخرية. كان بطلي المحبوب مجيد ينام معي في نفس الغرفة، يشاركني كل التفاصيل والافعال الإنسانية اليومية، فتوفرت لي فرصة لمراقبته كإنسان، ومتابعة تلك الشؤون الصغيرة الإنسانية، التي يملكها مثل غيره من البشر. كنت شاهدا على بعض سجالاته ونقاشاته مع رفاق أجدهم يملكون الحجة والرأي الأفضل والاصوب منه في مواقف عديدة. ودون ان يدري، قدم لي خدمة لا يمكن إلا شكره عليها، إذ يوما بعد آخر اختفت تلك الهالة من حول (مجيد) وغيره، تلك الهالة التي كنت اعامله على أساسها طيلة السنين الماضية. ويبدو انه لاحظ ذلك جيدا فهو على قدر عال من الذكاء والحصافة، فلا غبار على انه نال بجدارة لقب (الثعلب) من قبل القائد الكردي مصطفى البارزاني، حيث قيل انه كان لا يطيقه، فنعته به حين رفض في ستينات القرن الماضي ان يكون ممثلا أمامه للحزب الشيوعي.
لم أقلل أدبي مع أبو سلام يوما، وهو بالمثل عاملني بكل إحترام، لكن لم تكن صعوبة أمامنا لنكتشف كلانا بأننا ليس على وفاق فكري، إذ كنا نختلف حول قضايا عديدة، وفي طريقة إدارة الأمور في العمل الانصاري. وعليّ الاعتراف بكوني لم أكن أيامها بالمرونة المطلوبة في الحوار، كنت شابا مندفعا، يتحدث ويتصرف تحت تأثير الحماس ونصوص تعلمناها في كتيبات النضال والخلايا الحزبية وتنقصنا الكثير من الخبرة في الحياة والعمل السياسي. وكان مؤلما، حين أسانده بالرأي، عندما أجده على صواب في بعض الأمور، فكنت اشعر بانه يتعامل معي بحذر كبير، إذ في داخله يبدو كان يعتبرني من (جماعة أبو تانيا ـ عدنان عباس)، وكانت بدأت تظهر للعلن بوادر الخلاف بين الرفيقين وهما اعضاء في اللجنة المركزية للحزب، في طريقة تعاملهما مع إدارة الأمور وعلاقتهما بقيادة الحزب. كان موقف أبو سلام متشددا في تسهيل مهام الرفاق المعنيين بالعمل في بناء التنظيم الحزبي داخل مدن الفرات الاوسط، التي كان أبو تانيا يعتبرها المهمة الأساسية، وكنت متحمسا لذلك، بل ان وجودي أساسا في الفوج التاسع جاء لأكون قريبا من هذه المجموعة تحسبا للمستقبل وكان أبو سلام يعرف بذلك.
كان أبو سلام، بشكل عام، يعمل ويخطط بصبر، فإذا كان لديه مكر وحيلة الثعلب فبالتأكيد لديه صبر وفن العنكبوت. يوما ونحن منغمسان في اوراقنا متقابلين في الغرفة الصغيرة، قال:( ما رأيك بشرب الشاي). تركت ما بيدي لأنهض لإعداده. فقال: (هات الاقداح النظيفة فقط). ولأتفاجأ بأنه نهارا ثبت أعلى السراج النفطي (اللالة) على الجدار الطيني مسامير طويلة كمسند ووضع عليها أبريق صغير، كان هناك لساعات، ليصنع لنا شايا على لهب السراج!
يوما تحدثنا عن كتابه (أيام صعبه)، وكنت أخبرته بقصة أعجابي واختياري لاسم مجيد، وساعتها سره ذلك كثيرا، ليلتها سألته عن (وأطلق ساقيه للريح)، فقال لي بشكل مفاجئ وبلغة لم أعهدها فيه من قبل، بكل مودة ولوعة:
ـ ليش رفيقي هل كان لدينا خيار آخر؟
واندهشت، لكوني أعرف الجواب مسبقا. أعرفه من يوم طاردني جلاوزة البعث الصدامي في شوارع البصرة وبغداد، ولم أنج منهم لولا (مبدأ مجيد ورد فعله) بإطلاق ساقيه للريح. لم تكن القوى متوازنة يوما بين المناضلين وأجهزة القمع البوليسية. وأنتبهت الى ان جيلنا الشاب بتأثير حماسه قد تجنى أحيانا، على الجيل الذي سبقنا الى ساحة الطراد في لعبة الجلاد والفريسة.
في كردستان، تسنى لنا أن نعرف بان الرفيق أبو سلام كان من ضمن الرفاق السبعة من أعضاء المكتب السياسي الذين عارضوا الثمانية الذين أيدوا عقد التحالف بين الشيوعي العراقي وحزب البعث، وعرفنا ان هذا من الأسباب التي جعلته في خلاف دائم مع ما كان يسميه أحيانا (جماعة عزيز محمد)، ولكننا لم نستوعب ايامها ان أحد يمكن ان يمس بقداسة سكرتير الحزب أبو سعود حتى لو كان مناضلا مثل باسم ـ بهاء الدين نوري.  كان أبو سلام يشعر بقرارة نفسه كونه مغبونا كقيادي قاد الحزب في أحلك الظروف، بعد استشهاد الرفيق فهد مؤسس الحزب، وانه لولا (باسم ـ بهاء الدين نوري) لم يكن بمقدور الحزب ان يقف على رجليه ويعود نشاطه في الساحة السياسية. كان بهاء الدين نوري يعيش هاجس بأن باسم لم يمنح المساحة المشروعة والمناسبة في ادبيات الحزب كرفيق شغل موقع السكرتير مثله مثل فهد. وقبل مجيئة الى مقر دولكان، تحدث بشكل واضح عن ذلك في ندوة عامة عقدت في مقر بشت آشان، ربما يذكرها كثيرين من الاحياء الذين حضروها، إذ ليلتها كانت أحد النقاط التي شغلت السجالات التي اندلعت بين الرفاق: هل بهاء الدين نوري محق أم أنه يرسم لنفسه مساحة أكبر من حقه؟
من الأمور التي كانت مثار الخلاف بيننا، ودار حديث عنها في غرفتنا المشتركة، هو ما لمسته عند الرفيق أبو سلام، وما لاحظته عن البعض من قيادي الحزب الشيوعي للأسف، الذين كتبوا مذكراتهم، إلا وهو عند الحديث وتناول تجربة الحزب، الميل الى تحميل الاخرين مسؤولية ما حصل من أخطاء في مسيرة الحزب النضالية، دون الحديث عن مسؤوليتهم الشخصية في ذلك. ـــ للأمانة يتطلب القول، وجدت لاحقا ان الرفيق الراحل رحيم عجينة والرفيق العزيز جاسم الحلوائي، في مذكراتهم المنشورة، قد حاكموا أنفسهم قبل لوم الاخرين. ـــ في هذا الامر، في تلك الأيام المشتركة، لمست ان أبو سلام كان نرجسيا، بل وأحيانا نرجسي جدا في التعامل مع هذا الامر ويتحسس من أي نقد ورأي معارض، فهو يعتقد أنه مصيب دائما، وعدة مرات كان يحرج بعض الرفاق بالعودة لفتح نقاش ما من جديد أملا في تغيير وجهة نظرهم لصالحه. كنت أتابع تصرفات البعض، ممن يتصرفون معه، كبطانة ويتملقونه ويوافقوه ويستحسنون أرائه، حتى لو غيرها في نفس اليوم، وكان البعض من الرفاق يتصدى له بمبدئية عالية فكان لا يخفي انزعاجه منهم. يوما رويت مزحة عن أحد أنصار الفوج التاسع الابطال، من ذوي الشخصية الطريفة والمحبوبة، كان الانصار يمزحون معه وينعتوه: (مو قلناها) إذ كلما يحصل شأن ما، يتبين ان هذا الرفيق بقدرة القدير قد نبه له مسبقا وكأنه العرافة، وقال شيئا ما قبل شهور طويلة محذرا لكن للأسف لا أحد يسمع ويفهم ما يقول! وبعد ان رويت النكتة وكانت طازجة يومها وتخص شأنا إداريا في العمل الانصاري، اضفت من عندي: (ما أصعب التعامل مع أمثال هذا الرفيق). انزعج أبو سلام جدا ولم يضحك أو يعلق كعادته وفهمت بكوني ربما تجاوزت حدا ما مسه مباشرة، فقبل أيام وبحضوري أخبره الرفيق مام صالح ــ فخرالدين نجم الدين طالباني، صراحة بأن التعامل معه صعب جدا. فمثل بهاء الدين نوري وإذ لا يقبل الخسارة في لعبة الشطرنج وينزعج جدا، كيف يمكن التشكيك بأقواله وتكهناته وتحليلاته؟
كان أبو سلام، يتميز بقدرة على الأصغاء للأخرين، فيتركهم يقولوا ما عندهم، ويقاطعهم أحيانا ليوجه سؤالا لأجل سماع المزيد من التفاصيل، وعند الرد تكتشف انه يتذكر كل كلام محدثه. ويحب الإجابة باستفاضة، مستخدما قصص وحكايات لإيضاح واثبات كلامه، متذكرا جيدا الأسماء الكاملة والتواريخ، وكنت أحب هذا الامر في أسلوبه، اذ يجذب سامعيه ويشدهم. ويومها اخبرته بأنه لو كتب مذكراته فستكون من عدة أجزاء لحجم وغزارة المعلومات التي يعرفها. 
قبيل مجزرة بشت آشان، أندفع الرفيق أبو سلام في علاقة ثنائية مع ملا بختيار مسؤول الملبند ـ القاطع ـ الأول لقوات الاتحاد الوطني الكردستاني، هدفها المعلن تطبيع العلاقات، وتبين لاحقا ان له اهدافا غير معلنة أبعد من ذلك، وخلال أنعقاد المجلس العسكري والسياسي لقاطع السليمانية وكركوك ربيع 1983 في مقر القاطع في قرية حاجي مامند، دعا أبو سلام الى وليمة مشتركة للتعارف بين كوادر حزبنا السياسية والعسكرية، مع كوادر الاتحاد الوطني الكردستاني. واجهت مبادرة أبو سلام رفضا من كثير من كوادر الحزب، فدماء شهداء الحزب على يد مقاتلي الاتحاد الوطني في مناطق أربيل لم تجف بعد، فحصل تمرد ورفض كثيرين دخول القاعة وتناول الطعام مع كوادر الاتحاد الوطني، شارك في الرفض العديد من الرفاق، كنت من ضمنهم، وتناولنا الطعام مع بقية الأنصار خارج قاعة الضيوف. وحين صادفني ذلك المساء، كان غاضبا. أمسك بذراعي من بين الاخرين وقال:
ـ انكم لا تنظرون بعيدا. ان جماعة المكتب السياسي يقودوننا الى تهلكة.
ما جرى من تطورات لاحقة، بأعلان تحالف بهاء الدين نوري مع ملا بختيار، وفق إتفاقية قرية ديوانه، التي سماها الانصار الرافضين لها (كمب ديوانه)، إذ كانت بالضد من توجيهات قيادة الحزب، أدت الى تطورات عديدة كتب عنها العديد من الرفاق، وعمليا وجدت نفسي اصطف مع الفريق المعارض لتوجهات بهاء الدين نوري، مع مجموعة الكادر الحزبي التي عقدت اجتماعا ووجهت رسالة الى المكتب السياسي للمطالبة بتغييره كمسؤول أول كمسؤول لقاطع السليمانية وكركوك، وحصل ذلك لاحقا بمجيء الرفيق أبو سرباز ــ أحمد باني خيلاني، وفي نفس الفترة غادرت شخصيا ملاك الفوج التاسع للأنصار، وانتقلت الى مهمة حزبية تتعلق بعمل تنظيم الداخل، فتوقفت لقاءاتي مع بهاء الدين نوري، الذي سافر ايامها الى مقر المكتب السياسي ثم لاحقا عاد الى قريته التكية (...في سفح جبل) ليرسم لنفسه دروب نضالية أخرى، ولم نلتق بعدها.   


 


 

 

63
أدب / اِخْتِيَارٌ *
« في: 18:30 07/01/2021  »


اِخْتِيَارٌ *

يوسف أبو الفوز

قصة قصيرة:
 
مَنْ جَعلني أقوم بتلك النزوة؟ ربما هو حظ شارا، زوجتي، التي طالما حاولت أن تليّن بعض مواقفي . كنت أحرص على عدم إغضابها، وكل مرة أقول:
ـ سأفكر بما تقولين !
لكن ما ان تمر أيام، حتى تتفاجأ بكوني تصرفت بنفس الطريقة التي لامتني قبل أيام بسببها، وفي كل مرة لا يكون عندي غير ذات الحجة:
ـ ان مثل هذه الامور، مبدئية، يا حبيبتي ، ولا يمكن لي تجاوزها أو تغييرها !
تغلق الباب، حتى لا يسمع ابناؤنا ما تود ان تقوله لي من بين اسنانها وتحاول ان يكون صوتها هامسا:
ـ لكن يا حبيبي، الحياة تتغير والافكار تتغير، وانت انسان تؤمن بالعلم والتطور، وانت ...
قبل الخروج لتنفيذ ما عزمت عليه، كنت اتحدث بالهاتف مع أبني الكبير، وطلبت منه اعطاء الهاتف لأمه، لحظة أنطلق من الجامع القريب للفندق صوت الآذان، وثم مثل فرقة عسكرية لسلاح المدفعية، في حرب جبهوية، انطلقت في سماء اربيل، عشرات الاصوات وبالحان مختلفة تطلق نفس الآذان. قبل ايام قال سلام بصوت غاضب :
ـ تصور، في اربيل وحدها يوجد اكثر من مئتي جامع !
قال سه ردار :
ـ لا مستحيل، الحكومة حددت مؤخرا الاجازات لبناء الجوامع وهناك تشديدات في الامر !
وبغض النظر عن من هو صاحب الرأي الصحيح ، فأني وانا اشعر بالجوع يعضني خطرت لي الفكرة. في الصباح افطرت بشكل خفيف، وغير الماء لم أتناول شيئا، زرت المستشفى لاطمأن على قريب لشارا يرقد هناك، حاملا باقة ورد وكيس برتقال ومر عليّ النهار سريعا. كانت شارا في كل اتصال هاتفي تذكرني بمواعيد حبات الدواء كيّ لا انساها، ولأخذ الدواء يجب ان لا تكون معدتي فارغة. سألتها عن الطقس عندهم في كوبنهاغن. ضحكت وقالت شيئا لأبننا القريب منها. هي تعرف ان درجات الحرارة في اربيل تقارب الخمسين. قبل ان ترسل قبلة عبر الهاتف مودعة، طلبت مني ان لا انسى شراء قبعة للرأس تحاشيا لضربة الشمس. كنت اتصلت مع سلام وسه ردار. اعربت لهم عن فكرتي التي بدت لي كنزوة ، واخذت تاكسيا لانتظرهما هناك.
ليس بعيدا عن قلعة اربيل، على ناصية شارع فرعي، قريبا من نصب لحمامة عملاقة من الجبس الابيض الذي بدا لونه كالحا بأثر عوادم السيارات المارة، حيث نهارا يفترش الارصفة باعة مختلف السلع، ومع اول المساء، ينصب بائع شواء موقده هناك وينثر بضعة كراس بلاستيكية، والى جانبه يفترش بائع زجاجات ماء جانب من الرصيف ، وليس بعيدا عنهم نثر حول موقد نار كبير بائع شاي اباريقه الملونه واستكاناته المزخرفة بزهور نارية . مررت بهم كذا مرة ، راقبتهم وجلست اليهم مرة، واعجبني تكاملهم في العمل . تأكل عند صاحب الشواء نفر كباب مع طماطة مشوية ، تشتري من زميله زجاجة ماء ، وتشرب شايا او اكثر عند الثالث، وتدفع لصاحب الشواء ثمن كل ذلك، وفيما بينهم يعرفون كيف يتقاسمون ما دفعت. الى هناك دعوت سه دار وسلام:
ـ نأكل لحما مشويا ونشرب شايا ساخنا ونتفرج على حياة اربيل في الليل !
صاح سلام على الهاتف :
ـ إختيار جميل !
وأمتعض سه ردار :
ـ أنا ابن اربيل، اعرف عشرات المطاعم والاماكن الهادئة الجميلة، نزواتك الرومانسية الثورية لم تستيقظ إلا اليوم؟
ووصلا باسرع مما كنت اتصور. كنت للتو تبادلت الحديث مع بائع الشواء ووجهت اليه بعض الاسئلة حين وصل سه ردار ، متأففا من زوجته :
ـ يا رجل بالكاد اطلق سراحي، تلومني لاني لم ادعوك الى منزلنا للعشاء ، لا تريد ان تفهم انها رغبتك في الجلوس في مكان عام شعبي وحنينك لاصولك الكادحة .
وصل سلام متأنقا بشكل لا يتناسب والمكان، مما جعل العديد من المارة يوجهون الينا نظرات الاستغراب: مالذي يفعله هؤلاء الافندية في مكان  اعتاد الجلوس فيه الكسبة والعمال ؟
ما ان التم شملنا حتى علا صوتي طلبت تجهيز ما رغبنا فيه من مشويات، وراح سه ردار يعيد الى مسامعنا ذكرى تلك الليلة العصيبة التي وقعنا فيها في كمين لقوات الجحوش .
 ـ هل خطر ببال احدكم ليلتها اننا سنجتمع هنا يوما ما ونحكي عن ليلة كاد الرصاص فيها ان يحول كل منا الى (سر الليل)؟  **
ضحك سلام :
ـ لو تتصوروا درجة خوفي يومها؟ السفلة كان كمينهم معدا بشكل جيد، كانوا يريدون ابادتنا جميعا لو لا...
وقاطعه سه ردار :
ـ انت تخاف؟؟ كفاك تواضعا يا ملعون، لولا مبادرتك ورد نيرانك السريع لما استطعنا تجميع انفسنا وتنظيم حالنا ؟
ضحك سلام وعلامات الفخر تلمع في عينيه :
ـ لا تنسوا، المبادر الاول كان الشهيد قادر، انا كنت التالي!
لا اعرف كيف اكملت طعامي وكيف وصلتنا اقداح الشاي، وأي نكتة رواها سه ردار وضحك لها سلام، كنت غارقا مع طيف قادر الذي ظل يدور حولي في وجه بائع الشاي مرة وبائع الكباب مرة اخرى .  كنت احاول ترتيب ذكرياتي عن رجل كان في حضوره أخف من نسمة على الاخرين. وسط حياة الانصار القاسية التي تفتقر لابسط متطلبات الحضارة، كانت الخشونة تبدو أمرا طبيعيا، الا مع هذا الرجل النحيل، المتوقد العينين. حاولت تذكر لقائي به لاول مرة، خروجنا معا في مفرزة استطلاع وكيف تعلمت منه كلماتي الكردية الاولى. اخبرني انه اراد اول الامر توريطي بدفع من بعض الانصار ليعلموني كلمات فاحشة على انها عبارات مودة وتحية، لكنه اعترف بكونه شعر بالخجل اذ رأى حماسي لتعلم لغته القومية، وخصوصا ساعة ان عرف اني ابن عامل مخبز مثله. كان يكبرني بخمس سنوات، لكننا صرنا اصحابا نتهامس ونتبادل أسرارنا الصغيرة. يوم وصلتنا اخبار استشهاده في كمين غادر، في سلسلة أحداث (اقتتال الاخوة ) *** ، بكيت بحرقة. لا يمكن لاحد كان هناك معنا، في تلك الليلة من نيسان، ليس بعيدا عن معسكر ماوت، الا وان يبكي رحيل قادر. كاد ليلتها ان يفقد حياته فداءا للاخرين.  كان النصير الثاني في ترتيب المفرزة .أعد الجحوش السفلة لكمينهم جيدا ، كانت لديهم معلومات دقيقة عن عددنا وسلاحنا، واوقات حركتنا. توزعوا على الاماكن على طريق عبورنا. سقط النصير الاول جريحا من أول اطلاقات كمين العدو، أسنده قادر جانبا وفتح النيران فورا، ولم يتراجع، التحق به سلام، وظلا معا يشاغلان الكمين، حتى استطاعت بقية المفرزة ترتيب حالها ومساعدتهما في سحب الجريح. تابعت قامته النحيلة ببطء وهو يضع اقداح الشاي امامي. سألته :
ـ ما هو دافعك في كل مرة للمخاطرة بحياتك؟
نظر لي بائع الشاي باستغراب وسألني :
ـ عمو، ماذا قلت؟ هل تتحدث معي؟
صرفته بسرعة بأبتسامه وهو ينظر لي بأستغراب. انتبهت الى سلام وسه ردار المشغولين عني في سجال لا ينتهي. كان وجه قادر يتألق بحب تحت فانوس قاعة الانصار بسقفها الخفيض، حين سألته. نظر لي باستغراب واجاب بدون تفكير :
ـ انها قضية مبدئية !
أنتقل سلام في حديثه الى ما يغيض سه ردار في ذكرياتهما، حظهما مع النساء، فحاولت ان لا اتدخل. شعرا بأستمتاعي بما يجري بينهما، يعرفان أنه يروق لي دائما متابعتهما، يختلفان ويتصايحان وسرعان ما ينسيان سبب الخلاف فيعاودان الضحك والمشاكسة ، تماما مثلما كانا في الجبل. كان قادر يقول :
ـ لن يكبرا، اقسم لك انهما سيظلا طفلين حتى وان صارا جدّين ، الصداقة عندهما قضية مبدئية !
 أقترب مني طفل يبدو تجاوز قليلا العشرة أعوام، بثوب قديم، لكنه نظيف. كان ثمة سؤال قلق يطوف في عينيه سرعان ما قال بلغة عربية سليمة :
ـ عمو، تصبغ حذاءك. عندنا صبغ اصلي من تركيا وشغلنا نظيف وسريع !
أعجبتني طريقته في الكلام ووقفته المتزنة. لم يكن يتصرف كطفل. كان رجلا بثياب طفل. حول خصره تتدلى حقيبة قماشية صغيرة فهمت انها تحوي اتعاب عمله اليومي . مشكلتي انه في كل حياتي لم اترك احدا يصبغ لي حذائي، مهما كان. أشعر بالخجل من ذلك، اشعر ان فيها امتهان للاخر . تعلمت ان اقوم بهذه المهام بنفسي. كانت شارا في بداية زواجنا تعاركني على ذلك. قلت لقادر يوما :
ـ اعتبر هذه الامور البسيطة قضية مبدئية، فأنت تشعر بانسانيتك اكثر حين لا تحمل الاخرين مسؤولية أنجاز أعمالك الخاصة .
شارا صارت تشاكسني أحيانا وتقول لي :
ـ تعجبني مبدئيتك، يا ريت تعتبر الشخير مخالفا لمبادئك وتتوقف عنه وترحينا في نومك!
لا ادري لم خطر لي ان أسال الطفل الواقف امامي منتظرا جوابي :
ـ اولا هل يمكن ان اعرف اسمك، ومن أي مدينة ؟
نظر لي الطفل بقلق، لكنه يبدو أطمان لابتسامتي فقال :
ـ اسمي قادر وأهلي من مناطق ديالى !
أهتز استكان الشاي بيدي. هل في هذا معنى ما؟ لو كانت شارا معي لفسرت الامر بالف شكل، لا يوجد عندها شيء يحدث عرضا.لا يمكنها ان تؤمن بالصدفة. تعتقد ان الصدف موجودة فقط في الافلام السينمائية والروايات العربية. دائما لديها احساس بان قوى خفية تسير العالم لا علاقة لها بالايمان والدين :
ـ حبيبي لا يوجد شيء في هذه الحياة بدون معنى هكذا تقول حكم الاولين!
لم اسأل الطفل لم هو وعائلته في أربيل، اعرف ان عددا كثيرا من العوائل العربية تركت أماكن سكنها ونزحت طلبا للامان الذي وجدته في مدن كردستان اثر تواصل حوادث العنف الطائفي في المناطق الغربية من البلاد . استفزتني صدفة كونه يحمل أسم انسان كنت افكر فيه طوال الوقت. اثارني جدا وقوف الطفل امامنا، فرغم كل كبريائه الا ان في عينيه الوديعتين ثمة كلام اخر. ثمة رجاء بسماع الموافقة مني على طلبه ، فقلت له بصدق :
ـ اعطيك الالف دينار لكن سأصبغ حذائي بيدي، فقط أعطني الفرشة والصبغ !
توقف سه ردار وسلام عن حديثهما وراح يتابعان حديثي مع الطفل، الذي نظر لي مستغربا ونقل بصره بين سلام وسه ردار، ثم بلع ريقه وقال :
ـ عمو ، هذا ما يصير!
وانتبهت الى قوة  رفضه. فضحكت ، فواصل رده:
ـ عمو هذه معناها انت تعطيني صدقة، وامي تقول نحن لا نقبل الصدقة، يجب أن نأكل خبزتنا من عرق جبينا.
كانت كلماته مثل حجارة تتساقط في مصب ماء بارد فيتطاير رذاذ الماء يبلل كل شيء ويفقأ العيون . الطفل يبدو أنه يسمع نصائح وكلام أمه جيدا ويلتزم بما تقوله له. لم أود ان اثير مواجعه بسؤاله عن أبيه. ربما يكون فقد حياته ضحية للعنف الطائفي ، وربما يكون سجينا نتيجة نزاعات سياسية او عشائرية. أمامي حقيقة تتلخص في وجود طفل يرفض ان يقبل الشفقة. أعجبتني كبرياؤه ومبدئيته . قال قادر مرة  :
ـ الانسان بدون مباديء ثابتة مثل خشبة يتقاذها مجرى ماء ! 
 قلت للطفل :
ـ اعطيك الفين دينار مقابل استخدام فرشاتك وصبغك لأني متعود اصبغ حذائي بنفسي !
نظر لي ، وقلب بصره بين سلام وسه ردار :
ـ عمو، انت تعرف أني احتاج هذا الالف دينار لمعيشتي انا وأمي واخواتي، الله يخليك، خليني اصبغ حذائك حتى اقدر اقول للناس حصلته بتعبي!
كنت حائرا، هل أخون مبادئي وأترك الطفل يصبغ حذائي بنفسه؟ أم ارفض ذلك واحرمه من رزقه؟ كان قادر يقف جانبا يضحك ويهمس لي :
ـ احيانا ربما تضطر من اجل الحفاظ على مبدئيتك ان تكون قاسيا، واحيانا من أجل كسر القسوة عليك ان تتناسى مبدئيتك!
لكن هل تكون نزوة القدوم الى هذا المكان قدرا للوقوف امام محنة الاختيار، كما تقول شارا؟ هل واجه قادر هذه المحنة وهو يغطي انسحاب رفاقه، في تلك الليلة من أيار، عند مضيق الجبل، طالبا منهم ان يسلموا له على الجميع قبل ان يستشهد برصاص الايادي الغادرة؟
هاهو قادر يقف امامي. تختلط الصور. قادر بابتسامته الواثقة وشواربه الكثة، والطفل بوجهه الناحل البريء وصوته المفعم بالرجاء :
 ـ ها عمو .. تريد اصبغ لك ؟


10 اب 2011
أربيل




 * نشرت في مجلة )الثقافة الجديدة( البغدادية العدد 418 كانون الثاني /  يناير 2021
** سر الليل : درج المقاتلون الانصار على استخدام أسماء الشهداء كعلامة تعارف "سر الليل" .
** تسمية شاعت عن الصراع والاقتتال غير المُجدي، بين الاحزاب والقوى السياسية المعارضة لنظام صدام حسين الديكتاتوري.

64
الفريد سمعان... مواقف شجاعة فضحت رذائل المتثاقفين!

يوسف أبو الفوز

يوما، خلال أحد زياراتي الى بغداد، أخذني الصديق الشاعر كاظم غيلان، الى مقر اتحاد الأدباء، وبدون موعد مسبق، التقيت ولأول مرة، بالشاعر المناضل الفريد سمعان. كنت مبهورا بلقاء هذا المناضل الذي سجن مع الاسطورة الشيوعية فهد ـ يوسف سلمان يوسف، الشاعر الذي نال غضب مختلف الأنظمة الحاكمة فتعمد في سجونها، الذي لم يهادن الأنظمة الحاكمة، فلم يلوث تأريخه كمثقف حقيقي بالكتابة في مدح حاكم ظالم. اخذني الرجل بالأحضان كأنه يعرفني من سنين طويلة، وأخجلني بكرم عواطفه، فتجاذبنا أطراف الحديث، فوجدته واضح الفكر، رصين العبارة، ومنه سمعت موقفه الصادق والشجاع، الذي كرره لاحقا، واثار غضب انصاف المتثاقفين، بأن لا تصدق أحد من رداحي النظام البعثي المنهار، ممن يتباكى بكونه كتب ورقص وغنى للديكتاتور خائفا:
ـ كلهم فعلوا ذلك بأرادتهم الشخصية!
وحين رفض، كونه الأمين العام لاتحاد الادباء، تعليق لافتة نعي يوسف الصائغ، الذي تجاوز دوره أيام النظام البعثي الديكتاتوري كونه شاعر وصحفي، مجد الديكتاتور حتى مله المداحون والمتحذلقون، لينفذ لصالح النظام مهاما أمنية مشبوهة، تعالى لغط البعض من إياهم متباكين على الشعر، فنشر الفريد سمعان كلمته الجريئة بعنوان (قميص عثمان) ليلقمهم حجرا: (بعض المتحيزين للأقلام القذرة يحاولون ان يغطوا جانباً من الإساءات التي ارتكبوها هم أيضا في عهد الدكتاتورية ولا يعرفون كيف يتداركون ما فعلوه. فوجدوا في"قميص عثمان" يوسف الصائغ ملاذاً ومذبحاً يُصلّون فيه لغفران الذنوب وابعاد الشبهات عن تاريخهم النظيف جداً). كان شجاعا وصريحا في القول، لأنه عاصرهم ويعرفهم جميعا، كل الذين شهدوا حكم الطاغية وعانوا أو انتفعوا منه، ويعرف جيدا من بقي أمينا لنفسه ووطنتيه ولم يلوث نفسه بأدران النظام البعثي الديكتاتوري، وجهد للحفاظ على نقاء نهر الثقافة العراقية، ويعرف تماما من استرزق وطبل وصار عصا صلبة في فأس نظام الطاغية المقبور التي هدمت شجرة الثقافة العراقية. وزاد على هذا يوم خرج في برنامج تلفزيوني ليقول (لا تصدقوا احدا بأنه كتب للطاغية تحت الاكراه، فمن كتب كان بخياره)، هذه الحقيقة التي اكدها ايضا المطرب كاظم الساهر، وهو من الذين غنوا بحماس للطاغية وحروبه، فقد قال بوضوح في لقاء مع الاعلامي نيشان ديرهاروتيونيان ــ متوفر على اليوتوب ــ بأن (من يقول لك كانوا يجبرونا قل له كذب).
رحل الفريد سمعان، الشاعر والمناضل والانسان الشجاع، وسيسجل أسمه في صفحات الخالدين. أما أولئك الذين اعتاشوا على فتات الديكتاتور المقبور والتطبيل لنظامه البعثي المجرم وحروبه الكارثية، متحججين بكونهم (مجرد موظفين) فليتذكروا بأن سيرة واسم الفريد سمعان وأسمه ستبقى دائما تفضحهم وتذكرهم برذائلهم، يوم كانوا عصيّ لفأس الديكتاتور، فأشجار البلوط الصغيرة شكت يوما الى امها، شجرة البلوط الضخمة، قائلة:
ــ الا ترين يا أمي، كيف تنكل هذه الفأس الحادة بنا، نحن الشجيرات، تنكيلا، وحشيا، لا رحمة فيه؟
فضجت شجرة البلوط بأغصانها الجبارة، وقالت:
ــ يا أبنتي، هذا لان مقبض الفأس مصنوع من خشب البلوط!
سماوة القطب
6 كانون الثاني 2021

65

في فنلندا الفنان العراقي أمير الخطيب ينال جائزة راسموس السنوية

هلسنكي ــ يوسف أبو الفوز

ونحن نودع العام الثقيل، عام 2020، أعلنت شبكة منظمات مجتمع مدني فنلندية، مناهضة للعنصرية وكره الأجانب عن منح جائزتها السنوية التقديرية (جائزة راسموس ـ اختصار لاسم الشبكة)، للفنان العراقي عبد الأمير الخطيب تقديرا لجهوده والعمل لأجل مجتمع فنلندي متعدد الثقافات في لقاء حصل افتراضيا على الانترنيت على امل إقامة حفل خاص لتسليم الجائزة في الربيع المقبل.
وفي اتصالنا مع الفنان الخطيب أعرب عن شكره للقائمين على عمل الشبكة ونشطاءها وثقتهم العالية بعمل ونشاطه، وأعرب عن سروره كون الجائزة تمنح من قبل لجنه من اختصاصيين يعملون في مجالات مختلفة وهذه اللجنة تتغير كل سنه لترشيح الشخص المناسب، مما أعطاه الثقة بعمله ونشاطه ودفعا للمضي قدما لمواصلة نشاطه لذات الأهداف.
كانت الشبكة تأسست عام 2002، وحضر الاجتماع التأسيسي، جمعية اتحاد حقوق الإنسان والصليب الأحمر الفنلندي وجمعية الأمم المتحدة الفنلندية وعشر منظمات أخرى. ولاحقا   تم تسجيل الشبكة رسميا كجمعية في 2011 وتم التوقيع على الوثيقة التأسيسية من قبل منظمات اتحاد حقوق الإنسان، واتحاد الحضارة الديمقراطية، الحزب الشيوعي الفنلندي، وأعضاء في البرلمان عن حزب الخضر الفنلندي.
اتخذت الشبكة مواقف مناهضة للعنصرية واستضافت العديد من الأحداث الرياضية والموسيقية المناهضة للعنصرية. وسبق ومنحت الجائزة للعديد من الشخصيات الفنلندية منهم الصحفية والناشطة المدنية الفلسطينية ميا أبو حنا، تقديرا لعملهم الدؤوب من اجل رفاه المجتمع متعدد الثقافات والاعراق وعملية إندماح حقيقي.
يذكر ان الفنان الخطيب من مواليد مدينة النجف عام 1961، ومقيم في فنلندا منذ عام 1990، في عام 1997 وبالتعاون مع بضعة فنانين تشكيليين أسس (شبكة الفنانين المهاجرين في أوروبا)، والتي مقرها هلسنكي، وتصدر مجلة شهرية باللغة الانكليزية اسمها (ألوان كونية)، بلغ أعضاء المنظمة قرابة 400 فنان ينتمون لأكثر من 40 بلداً، يشكّل الفنانون العراقيون نسبة كبيرة بينهم، ومنهم اسماء لامعة في الحركة الفنية العراقية، واستطاعت شبكة الفنانين أن تنظم العديد من المعارض المشتركة في بلدان أوروبية. وللشبكة مساهمة فكرية فاعلة في حوارات حضارية تختص بمفهوم (الثقافة الثالثة) ونشاط الفنانين المنفيين والمغتربين في أوروبا.

 

66
يستضيف فرع رابطة الانصار العراقيين في ستوكهولم وشمال السويد الكاتب والاعلامي النصير يوسف ابو الفوز في امسية حوارية بمناسبة صدور ترجمة كتابه (أطفال الانفال) الى اللغة الكردية.
يوم السبت 2021.1.9 الساعة السادسة مساءا بتوقيت وسط اوربا / الثامنة مساء بتوقيت بغداد. على برنامج ZOOM يقدم ويدير الامسية الكاتب النصير كريم كطافة..



67
يوسف أبو الفوز: كيف لمجتمع استهلاكي لا ينتج أي بضاعة أن ينتج نهضة فكرية؟


حاورته- سماح عادل

“يوسف أبو الفوز”، كاتب عراقي، من مواليد مدينة السماوة، جنوب العراق، في 1956، اضطر لمغادرة العراق صيف 1979، مشيا على الإقدام عبر الصحراء إلى العربية السعودية ثم الكويت.
في الكويت للأعوام 1979 ـ 1980 كتب في الصحافة الكويتية بأسماء مستعارة عديدة، خصوصا في مجلتي العامل والطليعة وصحيفتي الوطن والسياسة، وحرر عمود سياسي ساخر باسم” دردشة” وكان أسبوعيا في مجلة الطليعة الكويتية، ووقعه باسم “أبو الفوز” الذي من يومها صار اسما فنيا له.
مقيم ويعمل في فنلندا منذ مطلع 1995. وهو عضو نقابة الصحفيين في كردستان العراق، عضو نادي القلم الفنلندي، عضو المنظمة الثقافية للكتاب والفنانين الفنلندية المعروفة باسم Kiila، أسست 1937، وانتُخب لعضوية هيئتها الإدارية لعدة دورات، منذ 2006، كأول كاتب من الشرق الأوسط يُنتخب لهذا الموقع. درَّست بعض المدارس الفنلندية الثانوية وجامعة هلسنكي نماذج من قصصه، ونوقشت بحضور الكاتب.  إضافة إلى لغته الأم العربية يتحدث الكردية والإنجليزية والروسية والفنلندية. إلى الحوار:
** في رواية (كوابيس هلسنكي) تحدثت عن خطر عنف التشدد الديني على أوربا، ولم تحمل الجماعات وحدها سبب ذلك العنف، حيث أرجعت أحد الأسباب إلى تجاهل الحكومات الأوربية إدماج اللاجئين خاصة المسلمين منهم في المجتمع الأوربي بقيمه وقوانينه.. حدثنا عن ذلك؟
ــ انتهيت من العمل في هذه الرواية عام 2008، وجاءت أثر دراسة متفحصة استمرت لأكثر من عامين، لنشاط الجماعات التكفيرية في البلدان الأوربية، خصوصا فنلندا. أردت منها أن تكون صرخة تحذير وتنبه إلى واقع معاش، وأيضا تكشف عن عجز الحكومات الأوربية، والمؤسسات المعنية في إيجاد سياسات اندماج فاعلة وناجحة لاحتواء الشباب المهاجر، خصوصا القادمين من البلدان الإسلامية، مما وفر مناخ مناسب لنجاح الجماعات المتأسلمة والتكفيرية الناشطة بفعالية، في كسب أعداد ليست قليلة من الشباب إلى صفوفهم، خصوصا ممن يعانون من البطالة والتهميش. كَتبت الرواية قبل تأسيس منظمة (داعش) وإعلانها رسميا ويمكن القول إنها تنبأت بظهورها، كما أشار إلى ذلك الأستاذ علاء المفرجي في معرض كتابته عن العمل بعد صدوره، كونها استقرئت الواقع والمستقبل. إن سياسة التوطين على شكل (غيتوات) معزولة، المتبعة في العديد من الدول الأوربية، ساهم في تقوقع المهاجرين على أنفسهم. من جانب آخر، إن سياسة الدول الأوربية في التعامل مع الجماعات الدينية، على اختلافها، كونها (مؤسسات ثقافية)، منحها فرصة استغلال آلية الديمقراطية الأوربية لمد نشاطاتها وامتلاك أماكن خاصة بها، بحجج العبادة وأداء الطقوس، لكنها تحولت عمليا إلى أماكن للتقوقع والتنظيم وللتثقيف الخاص، سواء ضد المدنية والتطور الحضاري أو للتنظيم لأغراض تكفيرية وجهادية. خصوصا تلك الأماكن التي تم بناءها أو استئجارها بمساعدة أموال خليجية. في ندوات عامة وأحاديث لوسائل الإعلام، أقول دائما للفنلنديين أن التعدد الثقافي لا يعني تذوقك للكباب والدولمة وسماع شريط موسيقي عربي أو أفغاني، أنه يتمثل في دعم سياسة اندماج حقيقية، والسعي لمحاولة فهم أن المهاجر لا يقطع تذكرة باتجاه واحد، وكونه يبقى مرتبطا بجذوره وثقافته، من هنا ضرورة دعمه للحفاظ وتطوير ما هو ايجابي وإنساني في ثقافته الأم ومساعدته لامتلاك معارف وتجارب حضارية جديدة ومنح عموم المهاجرين واللاجئين، والشباب خصوصا، المزيد من الفرص في العمل والتوظيف في مؤسسات الدولة ليكونوا جزء منتجا ومثمرا من المجتمع، وزجهم في النشاطات والفعاليات ليس باعتبارهم ديكورا أو رقما انتخابيا وإنما جزء من نسيج المجتمع. ما زلت أرى أن أوربا بانتظارها الكثير لتعمله لأجل انجاز عملية اندماج حقيقية. ويجب التأكيد على أن عملية الاندماج، هي مهمة مشتركة ومتبادلة، فالمهاجرين واللاجئين عموما مطالبين بأن يكونوا إيجابيين ومتسامحين في فهم متطلبات الحياة في هذه البلاد الأوربية العلمانية المتطورة، ما داموا اختاروا بأنفسهم القدوم إليها، فعليهم السعي لتعلم لغة البلاد واحترام قوانينها والسعي لاحترام ثقافة وعادات المجتمع. إن البعض من الأخوة المهاجرين، للأسف، يفهم أن هدف الاندماج وكأنه التنكر لهويته الوطنية، وهو هنا يخلط بين ما نسميه (الانصهار) وبين عملية (الاندماج). أن الاندماج هو عملية طويلة وعميقة ولها عدة مراحل، وإذ تحرص فيها على الحفاظ على الأساس الإيجابي من هويتك وجذورك، يتطلب مراعاة قوانين وثقافة البلد الأوربي. وقبل أن تطالب بحقوقك عليك أن تعرف واجباتك أولا وعندها ستكون المعادلة متوازنة.
** في رواية (كوابيس هلسنكي) اخترت إطارا خياليا يتمتع البطل فيه بقدرات كشف الحقائق عن طريق الأحلام، وقدمت نموذج للشرطي المتعجرف، وللمتشدد الديني الملتوي المتلون، هل هناك بالفعل خطر أن ينفجر عنف الجماعات المتشددة دينيا في أوروبا، وماهي المؤشرات في رأيك؟
ــ حوت الرواية، شخصية ضابط شرطة، ينعته الراوي بلقب (الجنرال)، قاد التحقيق مع الراوي، الذي جاء بنفسه للشرطة يحمل معلومات ما عن جماعة إرهابية. أرادت الرواية أن يكون هذا (الجنرال) ممثلا للمنظومة البوليسية، وأجهزة الدولة المعنية بقضية الأمن، وأساليب تعاملها مع موضوع الإرهاب، وليس بدون معنى أظهرت الرواية العجز الجنسي للجنرال في معرض الحديث عنه. فالأجهزة الأمنية الأوربية ظلت لسنوات طويلة عاجزة ومشغولة بتفاصيل ثانوية بدل التركيز على ما هو أساسي، وتطلب منها وقتا لتخرج باتفاقات أمنية موحدة، بينما المنظمات التكفيرية، سبقتها وتجاوزتها في التنسيق والعمل، وكان هذا واضحا في القدرات على التجنيد وتمكن العشرات بل المئات من حاملي الجنسيات الأوربية، خصوصا من الشباب ومن مواليد هذه البلدان، من الالتحاق بالمنظمات المتطرفة والإرهابية كالقاعدة وداعش في العراق وسوريا، رغم عيون البوليس الأوربي المنتشرة في كل مكان. وهؤلاء (المجاهدين) تزودوا بالخبرة والمعرفة بأساليب التخريب والإرهاب وعاد العشرات منهم إلى بلدانهم ليكونوا نوات وبؤر مستقبلية لمنظمات تعمل تحت السطح ستظهر نتائج أعمالها يوما ما تبعا للظروف والأزمات، طالما أن أسباب تشكيل وظهور هذه المنظمات لا يزال قائما. وأن أعمال العنف يمكن أن تتفجر لأي حجة تنفخ الرماد عن جمّر الأسباب الكامنة، وعندها تستطيع الجماعات التكفيرية والمتشددة استغلاله لتنفيذ سياساتها الإرهابية.
** في رواية (كوابيس هلسنكي) أكدت على أن العنف ليس مرتبطا بالإسلام كدين، وأن العنف معروف في تاريخ الإنسانية بشكل عام، وفي تاريخ أوربا والغرب بشكل خاص، هل ذلك كان في مواجهة ما يحاول الإعلام الغربي تكريسه دوما من أن العنف مرتبط بالدين الإسلامي؟
حاولت الرواية أن تقدم قراءة ما في تأريخ العنف عموما، لتقول لنا بأن العنف لا يرتبط بالدين فقط، كما شهد تأريخ أوروبا تبعا لسياسة الكنيسة الأوربية في القرون الوسطى، ولا بالإسلام التكفيري، كما شهدت العقود الأخيرة الماضية، بل أن العنف مرتبط بأسباب اجتماعية وسياسية أيضا، وان الدين ما هو إلا غطاء للجهات والطبقات المنتفعة من هذا العنف، والذي يمكن أن يندلع في أي مكان لأسباب لا علاقة لها بالدين فقط. اجتهدت الرواية في الحديث عن آليات عمل الجماعات التكفيرية، واستغلالها الدين كغطاء، من خلال متابعة إحداث وأعمال إرهابية متخيلة في بلد أوربي مثل فنلندا، وحاولت استقراء نتائج التشدد والتطرف السياسي والديني في أوربا، وأطلقت صرخة تحذير من أن أسباب العنف والإرهاب اجتماعية واقتصادية قبل أن تكون دينية، وهي كامنة ويمكن أن تنفجر في أي حين عند توفر الظروف المناسبة، وهكذا فالرواية تحدثت عن أعمال عنف سبق وحصلت في فرنسا وفنلندا وحذرت من احتمال تجددها في أي مكان من أوربا، كما حصل في لندن والنرويج لاحقا بعد صدور الرواية، والرواية أيضا ربطت  بشكل مباشر الأحداث بما حصل في العراق من نتائج الاحتلال الأمريكي ونشاط المنظمات التكفيرية في التجنيد والتمويل والتدريب والإسناد. ولابد من القول بأن الرواية كذلك تحذر من اندلاع العنف على يد منظمات اليمين المتطرف الأوربية، أو أحداث فردية، كرد فعل على واقع اجتماعي. وما يسجل لصالح الرواية أن بعض مما حذرت منه تحقق بشكل أو آخر، في العديد من البلاد الأوربية، ومنها فنلندا، والأمر هنا ليس عملية تنجيم، وإنما هو عملية استقراء للواقع، فالرواية صدرت خريف عام2011 تحمل على غلافها صورة شبح رجل يحمل سكينا على خلفية دموية، وفي فنلندا ظهيرة 18 آب 2017 أندفع شاب داعشي في ساحة عامة وهو يهتف (الله وأكبر) بذات المنظر في صورة غلاف الرواية وقتل بسكينه امرأتين وجرح ثمانية آخرين قبل أن يوقفه رصاص الشرطة.
** سافرت إلى السعودية ثم الكويت سيرا على الأقدام في الصحراء هل ما عانيته في العراق كان له تأثير على أدبك.. وكيف ذلك؟
ـ في نهاية سبعينات القرن الماضي، عاش العراق سنينا عصيبة، مع صعود وسيطرة جناح صدام حسين في حزب البعث العراقي، وأتباع سياسة (تبعيث المجتمع) فشنت مختلف الأجهزة الأمنية، حملة بوليسية، استهدفت الآلاف من أبناء الشعب العراقي، من كتاب وفنانين ومثقفين، ممن رفضوا الانضمام لصفوف حزب البعث، وممن كان له أفكارا مختلفة، بغض النظر عن كونهم شيوعيين أو ديمقراطيين غير متحزبين، مما أدخل البلاد في دوامة من العسف السياسي المنظم، فأضطر الآلاف من هؤلاء لترك البلاد بطرق مختلفة. كنت وأفراد عائلتي، من الرافضين لسياسة التبعيث، فنلنا حصتنا من المداهمات والاعتقالات والمطاردات. شخصيا اضطررت لترك دراستي الجامعية ربيع عام 1978 والاختفاء والعيش بشكل سري مطاردا في وطني لحوالي عام ونصف، ذاقت خلالها عائلتي، خاصة أمي، الويل من قسوة أجهزة حزب البعث، مما اضطرني في النهاية لترك وطني والابتعاد عن أهلي وأحبتي، ولتعذر السفر عبر المنافذ الرسمية، كوني مطلوبا للأجهزة الأمنية، اضطررت إلى السفر عبر الصحراء متخفيا مع البدو الرحل في رحلة قاسية، في شهر تموز 1979، إلى العربية السعودية وثم إلى الكويت، فقط لأجل الحفاظ على حياتي وكرامتي. كنت مطلوبا للسجن أو التصفية، كحال ألاف من أبناء العراق، فقط لكوني تحدثت وعملت وكتبت لأجل مستقبل أفضل للإنسان العراقي، بطريقة مغايرة لما يريده الحاكم الأوحد. بالتأكيد أن كل هذا ترك أثره البالغ على مسار حياتي وكتاباتي. إن هذه المعاناة والتجارب، والحلم الدائم بعراق مدني ديمقراطي تحكمه المؤسسات، وحياة حرة كريمة وتحقيق العدالة الاجتماعية، وامتلاك مساحة واسعة من الحرية للكتابة بعيدا عن كل (التابوات) المعروفة، كل هذا يفرض وجوده كموضوعات في أعمالي الأدبية ونشاطاتي الثقافية. في رواية (كوابيس هلسنكي) اجتهدت لعكس جزء من هذا ومن خلال تطلع بعض شخصيات الرواية لعالم مختلف. وفي عموم أعمالي القصصية والروائية، أحاول باستمرار فضح العنف السياسي ضد الإنسان، وأكشف زيف الأنظمة الديكتاتورية المتسلحة بالفكر الشمولي، مهما كان لونه، ديني أو دنيوي، وإن معظم شخصيات أعمالي المنشورة تمجد الحرية وتحلم بها بل ويقدمون حياتهم ثمنا للنضال لأجلها.
** انضممت إلى الأكراد للنضال معهم احكي لنا عن تلك الفترة والتي أثرت أدبك فيما بعد؟
ـ من بعد حوالي أربعة أعوام من العيش خارج العراق وعشت وعملت في العربية السعودية والكويت واليمن الديمقراطي، كان قراري بترك الحياة في المنفى، والعودة للوطن والالتحاق بحركة الكفاح المسلح ربيع 1983، ضمن صفوف مقاتلي وفدائي الحزب الشيوعي العراقي، الذين عرفوا باسم (قوات الأنصار)، وكان قرارا واعيا. وكانت منظمة سياسية عسكرية عراقية مستقلة عن التأثيرات الإقليمية والدولية، عملت في مناطق كردستان العراق، الجبلية، ونالت تأييد ودعم أبناء الشعب الكردي الذين فتحوا أبوابهم لها، وكانوا مصدرا أساسيا لاستمرار ودوام الحركة، وتعاونت منظمة الأنصار مع القوى الكردية العاملة في المنطقة لأجل زوال النظام الديكتاتوري. كنت أدرك، مثل غيري، أن بنادق الأنصار لن تسقط نظام صدام حسين الديكتاتوري، لكنها ستساهم في زعزعة نظامه، وتكون عاملا للتعجيل بتفكيكه وثم سقوطه ليترجل حصان جواد سليم ويملأ العراق صهيلا.  لم يترك النظام الديكتاتوري حينها لأبناء جيلي فرصة، للعمل السياسي الديمقراطي لأجل التغير سوى انتهاج أسلوب الكفاح المسلح.
هذه الفترة، التي استمرت بالنسبة لي حوالي ثمان سنوات، كانت غنية جدا،  ليس فقط بتفاصيل الحياتية اليومية، وصعوباتها التي كنا نواجهها كل يوم بل وكل ساعة، حيث تفتقد حياة الأنصار لأبسط متطلبات الحضارة، في أبسط قرية، إذ كنا نعيش في كهوف ووديان زاحمنا الذئاب والثعالب عليها،  بل لأن تلك السنوات الوعرة كانت فرصة لاختبار النفس والمبادئ ولفهم أهمية الحياة الأفضل ومواصلة العمل لأجل ذلك حد الاستشهاد، خصوصا كوني عشت تلك السنين البهية مع كوكبة رائعة من شباب العراق من كل المكونات، يربطهم الانتماء للوطن، والذين وهبوا أنفسهم وحياتهم لقضية سامية متخلين عن حيواتهم في البلدان الأوربية، حالمين مثلي بيوم سقوط القتلة. وبينهم جمهرة كبيرة من المثقفين والكتاب والفنانين المحترفين ذوي الخبرة، ومنهم من صاروا أصدقاء لي تعلمت منهم الكثير. وهكذا، وجدت نفسي هناك أكتب باندفاع وحيوية وأتعلم كل يوم، فكتبت القصة القصيرة ونصوص نثرية وشعرية والمقالات، نشرت في دوريات أدبية مختلفة وصدر بعضها لاحقا بكتب مستقلة. في كل هذه النصوص، كان للمستقبل الذي نحلم به ولأجل الأجيال القادمة المساحة الأرحب، وكنا ندرك بأننا نعمل لمستقبل لن نراه، وكنا نواصل الكفاح بإصرار واستشهد لنا على يد قوات ومرتزقة النظام الديكتاتوري العشرات من خيرة شباب العراق، بينهم أعداد ليست قليلة من الكتاب والفنانين الواعدين. لقد رسخت سنوات الحياة في الجبال فكرة أن الأعمال العظيمة لا يمكن إنجازها دون مشاركة الآخرين، وأن بناء المستقبل الأفضل للناس ليس مشروعا فرديا أبدا. في الجبل، كانت الحياة قاسية، وخشنة جدا، وحقيقية بشكل مريع. لا يوجد زيف فيها، فتعلمنا عمليا بأن الشجاعة فعل مكتسب، والشجاعة هنا ليس على صعيد الأعمال العسكرية، إذ كانت هذه في الغالب دفاعا عن النفس، لأن حركة الأنصار لم تكن ذات إستراتيجية هجومية أبدا، وأقصد هنا الشجاعة الفكرية والاجتماعية. وهكذا أستطيع القول إنه حتى مؤسسة سياسية مثل الحزب الشيوعي العراقي، نمت وتطورت أفكار التغيير في داخلها وضرورة إعادة بنائها على أسس أفضل بين المقاتلين الشيوعيين في الجبل. كل هذا انتقل بهذا الشكل أو ذلك للكتابات التي أنجزتها في الجبل وما تلا ذلك، ويشرفني أن مجموعتي القصصية (عراقيون) التي طبعت في آب 1985 كانت أول مجموعة قصصية تطبع هناك وفق الإمكانيات المتواضعة التي تملكها الحركة الأنصارية. ولاحقا صدرت لي كتب أخرى كتبت أساسا في سنوات الجبل، مثلا كتاب (تضاريس الأيام) صدر سنة 2002، وكتاب توثيقي بعنوان (أطفال الأنفال) 2004 وفي 2020 صدرته ترجمته إلى اللغة الكردية ومجموعة قصصية بعنوان (تلك القرى… تلك البنادق) 2007، ترجمت المجلة الكردية الثقافية چيا (الجبل) بعض نصوصها، على أمل استكمالها لاحقا ونشرها ككتاب مستقل.
**هل يمكن الحديث عن نهضة ثقافية في الأدب العراقي وما هي الأسباب؟
ـ إن هذه العملية معقدة جدا، فمتطلبات النهضة الثقافية في العراق متعددة ومتداخلة، وللأسف لا تتوفر الأهم منها حاليا. من ذلك غياب وجود شريحة أو فئة مثقفة متجانسة قادرة على خلق هذه النهضة أو المساهمة فيها، وأيضا غياب فعالية مؤسسات ديمقراطية وأطر ثقافية قادرة لرعاية ودعم هذه النهضة، في بلد تقوده فعليا جماعات الإسلام السياسي ويتسيد الشارع فيه سلطة المليشيات الطائفية، في حين تنتشر الأمية وتغيب الوعي ويشهد النظام التعليمي فيه تدهورا مريعا. ولا ننسى أنه خلال سنوات الحكم الديكتاتوري البعثي، وسيادة سياسة الحزب الواحد، وثم مجيء الاحتلال الأمريكي ومؤسساته، وثم ما أنتجه من حكومات المحاصصة الطائفية والإثنية، ولعدة عقود، تعرضت الثقافة العراقية لنكسة مريعة، إذ تهدمت البنى التحتية للدولة العراقية واختفت العديد من المؤسسات المدنية الفاعلة وتشوه تركيب المجتمع العراقي، مع زوال الطبقة المتوسطة، وظهور طبقة طفيلية ساعدت على انقسام المجتمع العراقي طائفيا وإغراقه في الطقوس الغيبية ترافقا مع نتائج حكم المليشيات الطائفية. وإن التدهور الكارثي في حياة البلاد الاقتصادية، في القطاعات الصناعية والزراعية، وواقع كون العراق بلدا ريعيا، يعيش على عوائد النفط فقط، يعني أنه بلد غير منتج لأي بضاعة، فهو بلد استهلاكي أولا، وغالبية العاملين في حقل الثقافة يتعاملون مع الدولة الريعية كموظفين. أيضا أن تركة النظام البعثي الثقيلة خلفت لنا، ضمن ما خلفته، كمّا من أنصاف المثقفين أكثر من المثقفين الحقيقيين، وجاءت حكومات المحاصصة الطائفية فزادت من الطين بلة، وانتفاضة أكتوبر العام الماضي فضحت ذلك جدا، فغالبية المثقفين للأسف، كانوا بلا موقف، يتحركون في منطقة أسميتها في مقالات لي ولقاءات صحفية،  (المنطقة الرمادية)، فهم لا يريدون اتخاذ موقف يثير غضب مؤسسات الدولة، التي يعملون موظفين لديها، ولا إزعاج المليشيات الطائفية التي تتسيد الشارع، وبنفس الوقت يتملقون الثوار بإعمال أدبية وفنية سطحية، فكيف لهؤلاء أن يساهموا في نهضة ثقافية؟ كيف لمجتمع استهلاكي لا ينتج أي بضاعة، أن ينتج نهضة فكرية. أن العراق يحتاج إلى دورة عدة أجيال قادمة، لم تتلوث بكل هذا الذي حكينا عنه، لينهض من كبوته الحادة ويستعيد مكانته المنشودة.
** حصلت على عضوية المنظمة الثقافية للكتاب والفنانين الفنلندية المعروفة باسم “Kiila”، وانتخبت لعضوية هيئتها الإدارية لأكثر من دورة، كأول كاتب من الشرق الأوسط ينتخب لهذا الموقع. كيف كان تفاعلك الثقافي خارج العراق، كيف استطعت أن تتواجد وتفرض وجودك ككاتب؟
ــ أنا فخور جدا بما حققت في فنلندا، على صعيد مجمل نشاطاتي، الثقافية والسياسية والاجتماعية. بذلت جهدي واجتهدت في العمل وكان العراق المدني الديمقراطي الذي حلمنا به هو الهم الأول دائما. فمنذ الأيام الأولى لوصولي إلى فنلندا كلاجئ لأسباب إنسانية مطلع عام 1995، تواصلت مع المنظمات والجمعيات الفنلندية، ككاتب وناشط سياسي واجتماعي. شاركت في كثير من الفعاليات الثقافية والسياسية داخل العاصمة وخارجها، فتولدت لي شبكة واسعة من المعارف والأصدقاء، خصوصا من المثقفين والعاملين في الوسط الثقافي والإعلامي، فساعدتني لتلمس طريقي بشكل أوضح. ككاتب وصحفي ولغياب وجود إطار ثقافي واجتماعي عراقي أو عربي، تواصلت مع المنظمات الثقافية الفنلندية التي نلت عضوية بعضها من خلال نشاطي وعملي بين صفوفها. والشعب الفنلندي شعب مثقف، محب للقراءة، فالمكتبات العامة تعمل كمراكز ثقافية، وتوجه الدعوات للكتاب لإقامة أمسيات ثقافية بناء على اقتراحات من القراء، هكذا سافرت شخصيا لعدة مدن فنلندية تلبية لمثل هذه الدعوات. ولابد من القول إن صدور كتابي (طائر الدهشة) عام 2000 مترجما إلى اللغة الفنلندية من قبل الدكتور ماركو يونتنين، وإذ نال إقبالا جيدا، عَرّف الفنلنديين أكثر باسمي ونشاطاتي وفتح لي المزيد من الأبواب للنشاطات الثقافية والاجتماعية والإعلامية. أيضا أن عملي في التلفزيون الفنلندي ولاحقا كباحث جامعي، ساهم أكثر في فتح المزيد من الأبواب، وسهل لي التعامل والعمل مع العديد من المؤسسات الفنلندية الثقافية والأكاديمية. وساهم الإعلام الفنلندي من خلال متابعته نشاطاتي بالتعريف بها. ثم جاء منحي (جائزة الإبداع) السنوية عام 2015، من قبل منظمة (كيلا)، ولأول مرة تمنح لكتاب من أصول أجنبية، و(كيلا) منظمة ثقافية عريقة تأسست عام 1936، ليعزز هذا أكثر من حضوري ونشاطاتي في الوسط الثقافي، أعقبها أن مدينة كيرافا (ضواحي العاصمة هلسنكي)، محل سكني، كرمتني بمنحي راية المدينة تقديرا لنشاطاتي وأعمالي التطوعية في المجال الثقافي والاجتماعي، وهذه أيضا أول مرة تمنح لمواطن من أصول أجنبية، وسبق ذلك في عام 2014 اختياري من جمعية الأدب الفنلندي، المعنية بحفظ التراث الأدبي في فنلندا، كأول كاتب من الشرق الأوسط، لتحفظ أعماله وقصة حياته وتفاصيل عن عمله ونشاطه الثقافي، ضمن أرشيفها المتاح للباحثين والمعد للحفظ للأجيال القادمة، علما أن الجمعية تأسست عام 1831، وتضم في أرشيفها أعمال المئات من الكتاب الفنلنديين. إن المثابرة في العمل والنشاط لخدمة الناس والمجتمع، والاجتهاد لتقديم دائما الأفضل، ساهم كثيرا في تعزيز شخصيتي ككاتب عراقي عربي مقيم في بلد أوربي. واجتهدت في عموم عملي ونشاطي لأكون صارما وجادا في التعامل مع الوقت وأداء أي مهمة أقوم بها، وساعدني كثيرا تحدثي بأكثر من لغة وكوني تعلمت احترام الرأي الآخر المختلف وتعلمت عرض أفكاري بشكل صريح دون المساس بمعتقدات الناس وأفكارهم. ولا يمكن هنا تجاوز أن شريكة حياتي وحبيبتي وملهمتي شادمان كانت من أهم أسباب نجاحاتي، إذ كانت صخرتي التي استند إليها دائما في كل حين.
** في رأيك هل تحاول الرواية العراقية توثيق ما حدث في المجتمع العراقي طوال السنوات الفائتة من قمع ووحشية، سواء من النظام السابق أو من الاحتلال الأمريكي.. وما مقدار نجاحها في ذلك؟
إن الأعمال الروائية، بمختلف مدارسها، تندرج بهذا الشكل أو ذاك، في كونها أعمال بحثية أنثروبولوجية تطبيقية، تدرس الإنسان والمجتمعات. من هنا، فإن كل عمل روائي، يجتهد ليس لكشف معاناة شخوصه، بل وللإحاطة بالظروف الاجتماعية والسياسية، والإحاطة بتفاصيل المكان، وكثير من التفاصيل الأخرى، فالسرد سيكون هنا راصد حيوي لجميع مناحي الحياة، بل وفي جانب منه يكون عملا توثيقيا هاما.
وإن رواية مثل (المخاض ــ صدرت عام 1974) للكاتب الرائد الراحل غائب طعمة فرمان، تعرض للقارئ ليس فقط معاناة بطلها الباحث عن أهله من بعد غياب سنين خارج العراق، ونبذة عن التغيرات الاجتماعية والسياسية، بل وأجواء وروائح وتفاصيل منطقة المربعة في بغداد منطقة سكن بطل الرواية، في تلك الحقبة.
وأيضا أن رواية مثل (مقتل بائع الكتب ـ صدرت 2016) للكاتب للراحل سعد محمد رحيم، تكون من الأمثلة المناسبة، للأعمال الروائية التي تتحدث عن فترة ما بعد ديكتاتورية نظام صدام حسين، فمن خلال استخدام المذكرات والرسائل والتأملات ارتباطا بشخصية المكتبي بطل الرواية، استحضر لنا الكاتب حياة شريحة المثقفين بكل الالتباسات التي عاشوها من تهميش ومضايقات ونفي وثم اغتيال، ونتعرف في الرواية لواقع العراق والتقلبات السياسية والاجتماعية ونطلع على صفحات من تأريخه المأساوي ونتائج حروب الديكتاتور صدام المجنونة وثم أيام الاحتلال الأمريكي وتسيد المليشيات الطائفية. وإن براعة أي كاتب في السرد هنا غير كافية وحدها، ليكتب لنا أعمالا أدبية تنجح في التوثيق لما حدث في المجتمع العراقي من قمع ووحشية، إن الكاتب مطالب بامتلاك موقف واع في رفض هذا القمع ومن يقف خلفه، سواء كان سلطة دينية أو دنيوية، والتحريض ضده، ومن هنا فإن هذه الكتابة ستكون أمينة للشرط الإنساني، والانتصار للإنسان كقيمة عليا في هذه الحياة. وفي هذا الأمر، أجدني متفائلا مع وجود العديد من الأسماء من كتاب القصة والروائيين العراقيين، البارعين في مهمتهم، وعلى يدهم اعتقد أن القصة والرواية العراقية ستنجح لتحقيق رسالتها الأساسية
** قمت بالمشاركة في عمل أفلام تلفزيونية عن العراق وعن المنفى واللجوء.. كيف قوبلت تلك الأفلام من الجمهور الفنلندي؟
ـ عملت وتعاونت مع  القسم الثقافي في التلفزيون الفنلندي لعدة سنوات، فقدمت فكرة سيناريو فيلم لقسم الأفلام الوثائقية، تم قبولها ثم بعد انجاز السيناريو، ومناقشته، تم تكليفي بإخراجه، وبقدر ما كانت ممتعة كانت تجربة متعبة جدا، اجتزتها بدعم من زملائي فريق العمل من القسم الثقافي، هكذا قدمت فيلمي الأول (رحلة سندباد) عام 2000، كان من نصف ساعة، افترضت فيها رحلة ثامنة للسندباد البحري يقوم بها الشعب العراقي في هجرتهم إلى بقاع العالم هربا من عسف ديكتاتورية البعث وحروبه المجنونة ووصول بعض منهم إلى فنلندا كلاجئين. وتم عرض الفيلم مرتان من خلال البرنامج العام للتلفزيون، وفي مهرجان خاص باللاجئين وفي نشاطات بعض المنظمات المعنية بالهجرة. ثم في عام 2006 أنتج التلفزيون الفنلندي فيلمي الثاني، (عند بقايا ذاكرة)، وكنت عندها تسلحت بتجربة عمل جيدة، وفي نصف ساعة حاولت بالصورة، مناقشة فكرة التغيرات في العراق من بعد سقوط نظام صدام حسين. لم يحاول الفيلم تقديم الانطباعات بنبرة سياسية مباشرة، بل حاول تقديمها بشكل إنساني دون تعليق مباشر تاركا للصورة أن تتحدث وإثارة الأسئلة أكثر مما تقدم أجوبة. فبعد أن توفرت لي فرصة زيارة العراق من بعد غياب 27 عاما، وبالنسبة لشادمان شريكة حياتي زيارة كردستان من بعد غياب تسع سنوات حاولت رصد ذلك بالكاميرا. أية انطباعات وأية أسئلة في البال؟ ماذا تبقى من الزمن الماضي وتغير؟ كيف تحرك العراق من احتلال حزب البعث للعراق إلى احتلال أمريكي؟ وفي حينه، تم اختيار الفلم لافتتاح الدورة الجديدة لقسم البرامج الثقافية في التلفزيون الفنلندي، وعرضه التلفزيون لأربع مرات خلال عدة أسابيع. وكان هناك عرض خاص للمراسلين الأجانب بحضور المخرج وأعضاء من فريق العمل، في المركز الصحفي في وزارة الخارجية الفنلندية، وعرض عام ضمن الفعاليات الثقافية لبرنامج منظمة “كيلا” الثقافية، وعروض للجالية العراقية، وثم توّج ذلك باختيار الفيلم لتمثيل فنلندا في مهرجان في سويسرا. أستطيع القول أن عملي في انجاز الأفلام الوثائقية، وتعاملي مع الصورة، شحذ كثيرا من إمكانياتي في الكتابة وطور من أدواتي، وانعكس كثيرا في كتابة رواية (كوابيس هلسنكي)، إذ استعرت من حرفة السينما بعض أدواتها عند الكتابة. ولابد من القول أن في كلا الفيلمين، كان إلى جانبي لإنجاز كل فيلم، فريق عمل محترف في الإدارة والتصوير والمونتاج، إذ استغرق انجاز كل فيلم عدة شهور من العمل المتواصل ساده التعاون والتكاتف.
** ما تقييمك للنقد في العراق وهل واكب الإنتاج الغزير خاصة فيما بعد 2003؟
ـ كتبت عن حال النقد في العراق، مقال نشر خريف 2011، في الصحافة العراقية وعدة مواقع اليكترونية، صرخت فيه وطالبت النقاد أن يشتمونا، نحن الكتاب المساكين إن شاءوا، المهم أن يكتبوا شيئا. ولا أعتقد أن الحال تغير من ذلك اليوم، فلا يوجد لدينا، حركة نقدية موضوعية رصينة، شأن بقية شعوب العالم، رغم وجود نقاد، بعضهم لهم قدرات فذة في الكتابة والتحليل، والأمر متعلق بعموم الواقع المريع الذي تعاني منه الثقافة العراقية وعموما الثقافة العربية. وإن كل ما ترينه ـ سيدتي ـ من إنجازات في الأدب هو إنجازات فردية لكل الكتاب وحتى الفنانين أيضا، عراقيين أو عرب، فكل كاتب ـ إن صح التعبير ـ أراه “ذئبا منفردا” يعوي في صحرائه الخاصة. حين صدرت رواية (كوابيس هلسنكي) وذهبت لتوقيع الكتاب في بغداد وكان يوما مفعما بالمشاعر، همس لي أحد المعارف باني بحاجة إلى دعوة عشاء سمك مسقوف على نهر دجلة أو حفلة في مطعم فاخر ليقتنع الناقد الفلاني والعلاني بجودة عملي ليكتب عنه عدة مرات لا مرة واحدة. لم استغرب هذا أبدا، فللأسف إن الحال وصل بـ (أمة اقرأ) أن تكون المحاباة والإخوانيات عند بعض نقادنا على حساب جودة الإبداع الأدبي.  أيضا، هناك إشكالية هامة، تتعلق بالناشر العربي، فهو يعتقد أن مهمته تنتهي فقط عند طبع الكتاب وعرضه في المكتبات، بينما في العالم المتحضر، يتولى الناشر مهمة الاتصال بوسائل الإعلام وأهم المجلات الثقافية ومؤسسات الترجمة، وشركات السينما والتلفزيون، للتعريف بالكتاب، لينال حظوته من الاهتمام والتقدير المناسب وبالتالي يساهم كل ذلك في تسويقه.
* آخر رواية لك (كوابيس هلسنكي)، صدرت عام 2011، هل هذا كسلا أو تأني في الكتابة، أم لديك تفسير للقراء؟ 
ــ على طاولتي ـ ياسيدتي ـ ترقد عدة مخطوطات أدبية قيد العمل وبعضها جاهز للطبع، ولدي الآن خمس كتب عند الناشرين، روايتان ومجموعتان قصصية وكتاب عن السينما، بعضها ينتظر أكثر من أربع سنوات والآخر ثلاثة. أستطيع القول إني غزير الإنتاج في الكتابة، بل وربما جدا، فما أن انتهي من مشروع، حتى انتقل لمشروع آخر، وحصل أن عملت بأكثر من مشروع في آن واحد. أن مشكلتي ــ إذا كان هذا مشكلةــ إني لا أدفع للناشرين مقابل طباعة كتبي، كما أني لا أريد أن أغتني منها. هكذا تجديني مجبرا للخضوع لاجتهادات، بل ويمكن القول رحمة الناشرين، حتى يطبعوا المخطوطات التي سلمتها لهم وأأتمنتهم عليها. ولا اعتقد أن هذه مشكلة شخصية أو فردية فهي مشكلة عامة، ستستمر طالما غاب وجود المؤسسات الثقافية التي تتعامل مع الكُتّاب والكِتاب بشكل موضوعي ووفق معايير رصينة، ومنها تلك التي تحدد وترسم علاقة الناشر بالكِتاب وتضمن حقوق الكاتِب.





68
رواية كوابيس هلنسكي.. خطر عنف التشدد على أوروبا بسبب تجاهل إدماج اللاجئين

 
قراءة- سماح عادل
 

رواية “كوابيس هلنسكي” للكاتب العراقي “يوسف أبو الفوز” التي صدرت عام 2011 عن دار المدى للثقافة والنشر. تناقش قضية هامة، حيث تحكي عن تأثير وجود خلايا نائمة بنسبة كبيرة، تابعة للجماعات المتشددة دينيا في أوربا والغرب بشكل عام، وكيف يساعد على توغلها وتضخم تأثيرها عدم وجود اندماج حقيقي للمهاجرين من المسلمين داخل البلدان الأوربية، وتحديدا فلندة التي دارت فيها أحداث الرواية.
الشخصيات..
البطل: مدرس في مدرسة للأطفال، يعاني من وجود طاقة زائدة، ثم يكتشف في نفسه قدرات خارقة، حيث يستطيع توقع الخطر، ومعرفة حقائق خاصة بالناس المحيطين به، يرى تلك الحقائق في أحلامه، فهو يتجول في الأحلام ويكتشف من حوله.
زوجة البطل: داعمة له ومحبه، وتسانده دوما، وهي عراقية.
الكاتب: صديق البطل، يدعمه أيضا، كما أنه كان سببا في اكتشاف البطل لإمكانياته الفائقة حين صارحه برسالة تهديد جاءته من أحد المتشددين دينيا.
الأخ: أخو البطل، الذي كان ناشطا يساريا، وقد هرب من العراق بسبب ذلك، وهو صديق مقرب للبطل.
مدرس الرياضيات: يكتشف البطل أنه من الجماعات المتشددة دينيا، وأنه يسعى إلى تفجير أماكن حيوية في عاصمة فلندة حيث تدور الأحداث.
الجنرال: ضابط شرطة فلندي، يتعامل بقسوة وعجرفة مع البطل حين يقرر مصارحة الشرطة بما رآه من حقائق.
وهناك شخصيات أخرى داخل الرواية. ويعطي الكاتب للشخصيات صفات تدل عليهم بدلا من الأسماء، مثل الكاتب، والطبيب.. إلخ
الراوي..
الراوي هو البطل، الذي يحكي بضمير المتكلم، عن نفسه وهواجسه وتطور حالته، ويحكي عن باقي الشخصيات في تقاطعها معه، وتعامله معهم، وقد حكت الزوجة في البداية عن زوجها في مقدمة طويلة مهدت للرواية. ربما قصد منها الكاتب إشعار القارئ أن حكاية البطل حقيقية.
السرد..
الرواية محكمة البناء تقع في حوالي 300 صفحة من القطع المتوسط، تعتمد على التشويق حيث يكشف الراوي عن ما يحدث له بعد وقت من الحكي وبطريقة مشوقه، ويعتمد الحكي على دواخل البطل وما يفكر به ويحسه تجاه العالم من حوله، كما تتصاعد الأحداث وفق ما يراه الكاتب ويكتشفه من حقائق، ويعود السرد أحيانا إلى الزمن الماضي حيث يحكي البطل عن ماضيه في العراق، كمحاولة للبحث عن جذور الكوابيس التي تنتابه وحاله الاضطراب التي يشعر بها أحيانا. وتدور الرواية في قالب خيالي حيث البطل يتمتع بقوى خارقة ورؤية عميقة ويستطيع كشف حقائق من حوله، وتنتهي الرواية نهاية مفتوحة.
خطر العنف المتشدد على أوربا..
تتميز الرواية بأنها تتناول موضوع هام، وهو تأثير الجماعات المتشددة على الغرب، وكيف أن انفجار منطقة الشرق الأوسط، وتزايد وجود الجماعات المتشددة دينيا التي تضخمت وانضم إليها أعداد كبيرة من الفقراء والمضطهدون اجتماعيا واقتصاديا في مجتمعاتهم قد أصبح له تأثيرا ليس فقط على المنطقة الشرق الأوسط، التي أرادت الدول الرأسمالية الكبرى جعلها منطقة مشتعلة ليسهل نهب خيراتها، وبالتالي غذت تلك الجماعات المتشددة دينيا وسمحت لها بالتضخم والتوسع الكبير، لكن ذلك له نتائجه الخطيرة على الغرب، وعلى أوربا حيث أن انفجار الشرق الأوسط تسبب في زيادة نسبة الهجرة إلى أوربا ودول الغرب، وأصبح اللاجئين المسلمين وغيرهم من أهالي الشرق الأوسط نسبة كبيرة.
هذه النسبة الكبيرة بها نسبة لا بأس بها من الخلايا النائمة من المنتمين للجماعات المتشددة، ونائمة هنا معناها إنها غير ملحوظة ولا معروفة مختبئة بشكل سري وتنتظر الفرصة لتنشط.
من خلال حكاية البطل الذي يكتشف قدرات ذهنية فائقة تجعله يرى في أحلامه أحداث وقعت، بعد أن يعطيه صديقة الكاتب رسالة بها تهديد بالقتل من أحد المنتمين للجامعات الدينية المتشددة، ويتعرف البطل على كاتب تلك الرسالة حيث يكتشف أنه صديق مقرب من الكاتب، وهو متخصص في الرياضيات ويدرسه لطلاب في الجامعة، وهو شاب مهذب وهادئ وعلى خلق، من شمال إفريقيا، يلبس كما الأوربيين ويتعامل بود مع الجميع، لكن أحلام البطل تكشف مدرس الرياضيات هذا والذي يتبين أنه متزوج من إحدى طالباته سرا، وأنه يتاجر في المخدرات لكي يوفر أموالا لما يسميه الجهاد، وهو يقود مجموعة من الشباب ويعلمهم كيفية صنع مواد تفجيرية لكي ينفذ مخططات إرهابية في البلد التي يعيش فيها فلندة.
الاتجار بالمخدرات..
وهنا ترصد الرواية علاقة الاتجار بالمخدرات بجماعات التشدد الديني حيث أنهم ورغم ادعائهم الجهاد الديني، وأنهم يسيرون على خطى الإسلام إلا أنهم يتاجرون في المخدرات ويضرون الناس وتتلوث أياديهم بتجارة محرمة قانونيا، ودينيا، واجتماعيا، وذلك لتحقيق أهدافهم، فطالبان في أفغانستان تزرع المخدرات وتكتسب منها أموالا طائلة وتهربها إلى دول عدة عن طريق روسيا.
ويؤكد الكاتب على أن الجماعات المتشددة تعتمد على تفسيرات بشرية انتهازية للدين، وأن الدين الإسلامي أو أي دين آخر لا يدعو إلى القتل أو اغتيال الناس، أو قطع الرؤوس بطريقة وحشية.
الإرهاب غير مرتبط بالدين..
كما يشير إلى نقاط هامة منها أن الإرهاب ليس مرتبطا بالدين الإسلامي وبالدول التي تعتنق هذا الدين، كما يحاول الإعلام الغربي دائما تصوير تلك الفكرة وتكريسها، فقد عانت أوربا من العنف وقطع الرؤوس في تاريخها، وفلنده نفسها عانت من الاحتلال ومن حرب أهلية ومن وحشية وعنف، حتى في الوقت الحاضر الذي تحكي فيه الرواية، فقد هاجم طالب في مدرسة أصدقاءه، وقتل خمسة منهم بمسدسه الخاص.
وتاريخ الإنسانية مليء بالعنف والوحشية وربط هذا العنف بالدين، كما حدث من الرومان عند بداية انتشار المسيحية وكما حدث من الكنيسة في العصور الوسطى، وما قبلها حين قتلوا الآلاف بطريقة وحشية واتهموهم بالسحر.
عدم الاندماج..
ثم تناقش الرواية فكرة الاندماج، فرغم أن أوربا تستقبل أعدادا هائلة من المهاجرين واللاجئين، والذين تختلف ديانتهم وأفكارهم وقيمهم عن ما هو سائد في تلك الدول، إلا أن تلك الدول لم تنجح في عمل خطط ناجحة لإدماج وهؤلاء المهاجرين واللاجئين في نسيج البلاد وقيمها وقوانينها، بل أحيانا تكرس عزلة هؤلاء عندما تسمح لهم ببناء مدارسهم ومساجدهم التي ينعزلون فيها ويبتعدون على الاختلاط بأبناء البلد.
فشل الدول الأوربية في إدماج اللاجئين خاصة المسلمين منهم، ربما يعد أحد الأسباب في ظهور ظاهرة الإرهاب في الغرب، حيث تندفع أعداد من الشباب إلى الانضمام إلى تلك الجماعات المتشددة التي تعمل في السر، وربما هذه المناقشة تعتبر تنبيها وتوقعا لما قد تؤول إليه الأمور في الغرب، إذا تم التمادي في تجاهل ضرورة إدماج المهاجرين واحتوائهم ضمن نسيج البلد.
كما تشير الرواية إلى كون تلك الجماعات المتشددة لا أخلاق لها ولا منظومة قيم، تستغل الدين وتتاجر به وتعتمد على تفسيره بشكل انتهازي لحيازة المكاسب المادية وتنفيذ أغراض دنيوية الدين منها بريء.
عرضت الرواية أيضا للوضع العراقي، وكيف كان العراقيين يتعرضون إلى قمع ممنهج من النظام السابق، وكان هدف النظام محو شخصية العراقيين ومحو فرديتهم، حتى هرب كثير من العراقيين من قهر النظام ووحشيته.
تعتمد الرواية على تصوير عميق للشخصيات، وعلى سرد مشوق، ولغة رصينة.
الكاتب..
“يوسف أبو الفوز”، كاتب عراقي، من مواليد مدينة السماوة، جنوب العراق، في 1956، اضطر لمغادرة العراق صيف 1979، مشيا على الإقدام عبر الصحراء إلى العربية السعودية ثم الكويت.
في الكويت للأعوام 1979 ـ 1980 كتب في الصحافة الكويتية بأسماء مستعارة عديدة، خصوصا في مجلتي العامل والطليعة وصحيفتي الوطن والسياسة، وحرر عمود سياسي ساخر باسم ”دردشة ” وكان أسبوعيا في مجلة الطليعة الكويتية، ووقعه باسم “أبو الفوز” الذي من يومها صار اسما فنيا له.
مقيم ويعمل في فنلندا منذ مطلع 1995. وهو عضو نقابة الصحفيين في كردستان العراق، عضو نادي القلم الفنلندي،عضو المنظمة الثقافية للكتاب والفنانين الفنلندية المعروفة بأسم “Kiila”، وأنتخب لعضوية هيئتها الإدارية لدورتين متاليتتين، للفترة 2006 ـ 2010 ، كأول كاتب من الشرق الأوسط ينتخب لهذا الموقع. وعضو منظمة السلام الفنلندية.
صدر له:
عراقيون ـ مجموعة قصصية، 1985 في كوردستان العراق.
في انتظار يوم أخرـ سيناريو تسجيلي (عن معاناة اللاجئين العراقيين في روسيا خلال بحثهم عن سقف آمن) السويد عام 1993.
أنشودة الوطن والمنفى ـ قصص (مشترك مع مجموعة من الكتاب العراقيين) عام 1997 ـ بيروت.
طائر الدهشة ـ قصص (عن المنفى واللجوء العراقي) دمشق ـ دار المدى 1999.
الطائر السحري ـ (مجموعة “طائر الدهشة” باللغة الفنلندية ترجمة الدكتور ماركو يونتونين) هلسنكي عن دار LIKE عام 2000.
تضاريس الأيام في دفاتر نصير ـ مذكرات ونصوص، دمشق ـ دار المدى 2002
شقائق النعمان . خواطر وشهادات، منشورات طريق الشعب ـ بغداد 2003.
لدي أسئلة كثيرة أو أطفال الأنفال، السليمانية ـ وزارة الثقافة الكوردية 2004.
تلك القرى.. تلك البنادق ـ قصص، أربيل ـ وزارة الثقافة في كوردستان العراق 2007.
10 . تحت سماء القطب، رواية، أربيل ـ مؤسسة موكرياني 2010.
رحلة السندباد ـ فلم تلفزيوني وثائقي. سيناريو وإخراج، 30 دقيقة. (عن المنفى واللجوء العراقي) إنتاج التلفزيون الفنلندي عام 2000.
عند بقايا الذاكرة. فلم تلفزيوني وثائقي . سيناريو وإخراج. 30 دقيقة (انطباعات الكاتب عند زيارته العراق أثر سقوط نظام الديكتاتور صدام حسين، من بعد غياب 27 عاما) إنتاج التلفزيون الفنلندي 2006. اختير هذا الفيلم لتمثيل فنلندا عام 2007 في مهرجان تروبوي في مدينة بازل في سويسرا .

69
المنبر الحر / متابعة ثقافية
« في: 20:57 02/12/2020  »
متابعة ثقافية

70
هزيمة دونالد ترامب واليمين المتطرف الأوربي

 

هلسنكي ـ يوسف أبو الفوز

لم يشعر أحد بالأسى وجسامة هزيمة، "الرئيس البرتقالي"ـ كما تسخر بعض الصحف، من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ـ مثلما شعرت بذلك الاحزاب اليمينية الاوربية، وخصوصا المتطرفة منها، إذ كان أيقونتهم الذي طالما أقتدوا بتصريحاته وإحتذوا بإلاعيبه السياسية البهلوانية، وفي البال أجتماع قيادات من أحزاب يمينية شعبوية أوربية، في في مدينة كوبلنتس غرب ألمانيا بعد يوم من تنصيب الرئيس الأميركي دونالد ترامب،  حيث اعتبرت رئيسة حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتطرف، فراوكه بيتري ، ترامب قدوة وأنه سيخرج أمريكا من الطريق المسدود. أن هزيمة دونالد ترامب، وفوز المنافس الديمقراطي جون بايدن بفارق كبير، جاء صفعة قوية للشعبويين في كل مكان في العالم، وخاصة الاوربيين منهم، فحملة بايدن الانتخابية يمكن تلخصيها كونها تسلحت بخطاب العودة إلى سياسة طبيعية وأكثر منطقية. ولهذا يصح القول ان كثير من الاحتفالات التي شهدتها مدن العالم، كانت أساسا بخسارة ترامب أكثر منها بفوز بايدن، فالاحزاب الشعبوية اليمينة المتطرفة، كانت الرافع الاساسي لانتشار خطاب الكراهية والممارسات العنصرية، وشيوع نظريات المؤامرة والمعلومات المظللة، مسببة تهديدا جديا للسلم والامن الاجتماعي في الولايات المتحدة وفي العديد من بلدان العالم، مثيرة القلق والخوف في نفوس قطاعات من الناس، خصوصا مع انتعاش نشاط حركات النازية الجديدة بأثواب مختلفة، رافعة شعارات تتماهى وشعارات ترامب، مثل (أمريكا العظيمة) بتحويرها وفقا لواقع كل بلد. فجاءت هزيمة ترامب صفعة مدوية، رغم توقعها، فأصابت كثير من القادة اليمينين في أوروبا بالذهول فلزم العديد منهم الصمت، بعد ان كان بعضهم يهرج في تصريحاته دفاعا عن ترامب، من هؤلاء الفرنسية اليمينية مارين لوبان، ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، والسياسي الإيطالي المعارض ماتيو سالفيني، ورئيس الوزراء البرازيلي جاير بولسونارو، وأيضا اليميني المتطرف المعارض الفنلندي يوسي هالاـ أهو.  ووصل الحد بتهريج وزير الداخلية في استونيا، مارت هيلمي، اليميني المتطرف، قبل اعلان نتائج الانتخابات الامريكية الأخيرة الى اتهام بايدن في اكثر من مكان بانه سياسي فاسد وانه سيزور الانتخابات، مما اعتبر تدخلا سافرا في شؤون بلد اخر، ومع بدء اعلان النتائج المتقدمة لبايدن وتأكيد مسؤولين في الانتخابات الامريكية بإن الاقتراع كان (الأكثر إحكاماً في التاريخ الأمريكي)، وأنه ( لا دليل على أن أيا من أنظمة التصويت محت أو أضاعت أصواتا، أو غيرت أصواتا، أو تعرضت لاختراق على أي نحو) ووسط استهجان شعبي محلي ودولي من تصريحاته، مما دفعه لإعلان استقالته فورا . وشذ عن كل هذا رئيس الوزراء السلوفيني الشعبوي يانيز يانشا، الذي أرسل تهنئة مبكرة لترامب وأصر على عدم التراجع عنها.
أن هزيمة دونالد ترامب ستساهم بشكل ما في تراجع طموحات اليمين المتطرف الذي واصل نشر خطاب الكراهية و(الإسلام فوبيا)، الذي ساد خلال ولايته. ففي عام 2016، حالما أعلن عن فوز ترامب ـ غير المتوقع ـ سارع قادة أحزاب اليمين المتطرف، في أكثر بلدان العالم، للترحيب الحار بذلك، واعتبروه زخما ودفعا لهم كبشارة لانتصارات قادمة، خصوصا قوى اليمين الأوربي، فكتب جان ماري لوبان مؤسس حزب الجبهة الوطنية الفرنسي ووالد زعيمة الحزب الحالية مارين لوبان، في تغريدة له على موقع تويتر (اليوم الولايات المتحدة وغدا فرنسا)، بينما صرح الهولندي اليميني المتطرف خيرت فيلدرز (ان الامريكيين استعادوا أرضهم)، حالما بأن أوروبا ستشهد (ربيعاً قومياً). وفي المانيا وصف الزعيم الألماني (ماركوس برتسل) من حزب (البديل من أجل ألمانيا) بأن فوز ترامب وهزيمة هيلاري كلينتون (عصر جديد في تأريخ العالم)، ومن بلجيكا طير حزب المصلحة الفلمنكي ، الداعي للانفصال عن أوروبا والمناهض للمسلمين برقية لتهنئة ترامب واعتبر انتصاره على هيلاري كلينتون يمكن تكراره في أوروبا.
وأذ وجد بعض المراقبين ان وجود ترامب في البيت الأبيض ساعد على انتعاش الآمال لانتصارات أكثر لقوى اليمين، واحدثت (زلزالا شعبويا)، الذي اعقب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي، فأن هزيمته الحالية أنعشت من جانب اخر قوى اليسار والخضر التي عارضت سياسات اليمين المتطرف في ملفات عديدة، تهم السياسات الداخلية والخارجية لكل بلد، منها ملف المناخ وأيضا الأهم ملف الهجرة، الذي طالما استخدمته قوى اليمين المتطرف كفزاعة لإثارة مخاوف الناخبين مشيعة معلومات مظللة عن الاثار السلبية لاستقبال اللاجئين والعبء الاقتصادي وفرص التوظيف والمخاوف من تعريب وأسلمة أوروبا.
وإذا صح ما اعتبره بعض المراقبين بأن ترامب، في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، كان ضحية لجائحة الكورونا، وإنها اصبحت أحد أسباب هزيمته، تبعا لفشله في إدارة الازمة وما عانته الولايات المتحدة بسبب ذلك، فان الاحزاب اليمينية المتطرفة، في أوروبا يبدو ستنال حصتها إذ ان العديد من الدول حيث لا يحكم اليمين المتطرف، فنلندا مثلا، تمت إدارة ازمة جائحة الكورونا فيها بشكل بارع بشهادة منظمات عالمية.






 
 

71

صدور كتاب باللغة الكردية للكاتب يوسف ابو الفوز
   
متابعة ــ
صدر في مدينة السليمانية، عن دار سردم، كتاب (أطفال الانفال)، للكاتب يوسف أبو الفوز، مترجما الى اللغة الكردية، من قبل الاستاذ محمد حمه صالح توفيق، الذي كتب مقدمة للنسخة الكردية، والذي رفد المكتبة الكردية بترجمة العديد من المؤلفات من اللغة العربية، وسيشارك الكتاب في معرض الكتاب الدولي، الذي يقام في السليمانية في الفترة 27-18 تشرين الثاني 2020.
والكتاب الذي قدم لنسخته العربية التي صدرت عام 2004 الشاعر الكردي الكبير عبد الله بشيو، هو عبارة عن شهادة كتبت خلال وجود الكاتب مقاتلا في كردستان، ضد النظام الديكتاتوري، ضمن قوات أنصار الحزب الشيوعي العراقي، وسجل من خلالها معاناة الأطفال الكرد خلال جريمة الإبادة الجماعية التي حملت اسم الانفال، التي نفذها النظام الصدامي ضد أبناء الشعب الكردي الأعزل. وفي الكتاب لم يسجل الكاتب شهادته وانطباعاته فقط عن جريمة الانفال التي رصدها من زاوية معاناة الاطفال ، بل سجل شهادة وقصص الأطفال أنفسهم، بلغتهم ممهورة بالبراءة والرعب، والى جانبها شهادة المقاتلين الأنصار الذين كانوا شهدوا على مجازر النظام.
والكاتب يوسف ابو الفوز من مواليد 1956 ، مدينة السماوة ، غادرالعراق صيف عام 1979 لاسباب سياسية وثم التحق بقوات انصار الحزب الشيوعي العراقي، التي اشتركت في حركة الكفاح المسلح ضد النظام العراقي السابق، وبقي هناك حتى احداث الانفال عام 1988، حيث بدأت رحلته مع المنفى واستقر في فنلندا منذ مطلع 1995، واصدر العديد من الروايات والكتب القصصية والادبية.












             الكاتب النصير يوسف أبو الفوز

72
رحل (الفيل) ... جاء (الحمار)!

 

يوسف أبو الفوز

مات الملك ... عاش الملك ...رحل ترامب ــ الفيل ... جاء بايدن ــ الحمار!
رحل ترامب المهرج العنصري، الرأسمالي، الجشع، الوقح، النرجسي، الصفيق، الداعر، ... الخ، فانتظروا قريبا ظهوره على الشاشات في دراما طلاقه من زوجته ميلانيا التي صبرت طويلا تتنظر انتهاء ولايته لتتحرر من قيوده. وانتظروا محاولاته الانتقامية الصبيانية ممن طرده من البيت الأبيض، فهزيمته في الانتخابات لا علاقة لها بالعملية الديمقراطية، بل عنده قضية شخصية تتناسب مع طبيعتة النرجسية.
رحل الأسوأ القبيح وجاء أفضل السيئين، أو ما يسمى " أهون الشرين"!
رحل الشعبوي، العنصري الذي كان أيقونة للشعبويين واليمين المتطرف في أوربا، والذي استطاع التغرير بالمتضررين من سياسات ونشاطات الراديكاليين والتكفيرين المسلمين، فكسب قلوب قطاعات واسعة من أبناء الشرق قبل الغرب، وغاب عن بالهم ان اية قطعة نقدية، لها نفس القيمة مهما نظرنا لها من أي جانب، وكذا السياسة الامريكية.
يتفق الكثيرين، بان السياسة الامريكية لا يرسمها البيت الأبيض وأنما كارتلات المال وشركات السلاح، وأن مصالح من يرسم السياسة هي الأولى قبل كل شيء، ولأجل ذلك يمكن التحالف مع الشيطان بغض النظر عن حزب الرئيس الجالس في البيت الابيض سواء كان فيلا او حمارا.  تفاءل الكثيرون يوم جاء باراك أوباما الديمقراطي، رئيسا جديدا، فهو اعتبر من يسار الديمقراطيين، حمل معه للمواطن الامريكي مشروع اصلاح نظام التأمين الصحي (Obamacare)، لكن خلال فترة رئاسته ساهمت أمريكا في صناعة وحش (داعش) الذي نثر الموت والخراب في العراق وسوريا. الان في مرحلة بايدن الديمقراطي، الذي يوصف بالاعتدال، ومهما قيل عن قلة جوع أمريكا لنفط الشرق الأوسط، كونها أصبحت منتجة له، وازدياد انتاجها من النفط الصخري، ووجود دول منتجة بديلة، ما جعلها تعيد ترتيب أولوياتها في مجال الطاقة، فأن الشرق اللعين لأسباب متعددة يظل ملفا ساخنا على طاولة أي رئيس، فأنتظروا القادم الذي سيظهر يوما، فإذا تطلبت مصالح أمريكا فهو سيكون تنظيما أكثر بشاعة من داعش، وتكون صناعته بمساهمة أمريكية وبمباركة من الرئيس الديمقراطي! 
بمجيء بايدن ستتنفس إيران وأوردغان والاخوان المسلمون الصعداء بعض الشيء. ستكون امامهم فرصة لترتيب امورهم بشكل أفضل لمزيد من التدخل في شؤون الدول الأخرى خصوصا العراق وسوريا وليبيا، ولقد بدء اوردغان بمد يده الى القرن الافريقي في الصومال. وان عودة التزامات أمريكا النووية امام إيران، كما هو متوقع، سيكون دافعا لإيران لاسترداد أنفاسها لتزيد من تدخلها في شؤون العراق، وان علاقات بايدن المتميزة مع بعض القيادات الكردية في العراق قد تغريها لفتح ملف الانفصال من جديد خصوصا مع استمرار ضعف وغياب دور الحكومة المركزية في بغداد.
قد يقول قائل عليكم بالتفاءل لأن بايدن اختار كامالا ديفي هاريس، المعروفة بعلاقاتها الطيبة مع النقابات العمالية وميولها اليسارية والاصلاحية كنائبة له، وذلك كمحاولة لارضاء لارضاء جمهور بيرنارد "برني" ساندرز، خصوصا شباب المنظمات اليسارية التي ساندت حملة ساندرز الانتخابية، بل وربما ان بايدن سيمنح ساندرز موقعا ما في طاقمه، وكل هذا بالتأكيد سيعود بالخير أولا على الشعب الأمريكي، اذ تعب الناس من تصاعد العنصرية والخوف والقلق من مفاجآت ترامب لو فاز بولاية ثانية، لكن أية خطط تتنتظر الشرق الأوسط اللعين وكيف سيكون دور نائبة الرئيس في التأثير على مشاريع الرئيس القادمة؟ هل سيتخلى بايدن عن صهوينته التي طالما تفاخر بها، وعن ضرورة وأهمية وجود إسرائيل بالنسبة لأمريكا ليصرخ عام 1986 في مجلس الشيوخ الامريكي " ان لم تكن موجودة لاخترعناها "؟
 قد يتنفس الامريكيون بهدوء بعد رحيل ترامب، لان سياسة بايدن ستكون إصلاحية على مستويات اجتماعية واقتصادية، لكن علينا في الشرق الأوسط ان نتهيأ لمفاجآت الحمار، التي قد تذهب بفرحة الخلاص من كابوس الفيل العنصري القبيح !

73
الى أين يقود سعار رجال قوى اليمين الفنلندي لإسقاط حكومة النساء اليسارية؟


يوسف أبو الفوز
يبلغ عدد الاحزاب الفنلندية، المسجلة رسميا، والمشتركة في العملية السياسية 18 حزبا، وفي الانتخابات الأخيرة 2019 نجح تسعة منها لدخول قبة البرلمان، وتأهل الحزب الديمقراطي الاجتماعي، من بعد غياب أمتد ستة عشر عاما، بقيادة السياسي المحنك والقائد النقابي أنتي رين لتشكيل الحكومة، ونجح، بعد مفاوضات صعبة، في ضم حزب الوسط الى مجموعة أحزاب اليسار (الديمقراطي الاجتماعي، اتحاد اليسار، حزب الخضر، الشعب السويدي)، ولكنه بعد شهور تنازل لنائبته سانا مارين (34 عاما) لتحل محله أولا في رئاسة الوزراء، وثم بعد شهور في قيادة الحزب، ولتصبح أصغر رئيسة وزراء في العالم.
والمتابع للشأن السياسي الفنلندي يلاحظ ان أحزاب الحكومة الخمسة تقودها نساء، شابات وجميلات وعرفن بالحزم والحنكة، في مواجهة جائحة الكورونا وانعكاساتها على الجانب الاقتصادي والاجتماعي، خصوصا رئيسة الوزراء الشابة، التي اكتسبت شعبية لنفسها ولحزبها والحكومة، وأصبحت رمزا محبوبا للنساء والشباب الفنلنديين.
من جانب اخر فان احزاب المعارضة، خصوصا أبرزها وانشطها ــ وللمفارقة ــ يقودها رجال!!، فحزب الاتحاد الوطني الفنلندي، الذي يعتبر من أقدم الاحزاب الفنلندية حيث تأسس عام 1918، يترأسه بيتري أوربو (50 سنة) وحزب اليمين المتطرف، الفنلنديين الحقيقيين الذي تأسس عام 1995 ويقوده يوسي هالا أهو (49 سنة).  ويلاحظ حالة الحماس والنشاط، لدى قوى المعارضة، ـ خصوصا التي يقودها رجال ـ في بحثها عن أي زلة او تقصير من قبل الحكومة الحالية، للنفخ فيها سعيا لخلق منها قضية رأي عام لتكون سببا لإسقاطها، معتمدين أساليب الاثارة واستعداء وسائل التواصل الاجتماعي، وتستمر هذه الحالة بدون توقف وبنشاط محموم أشبه بحالة سعّار.
وبعد ان فشلت المعارضة ( بقيادة الرجال ) في سحب الثقة من الحكومة الحالية (بقيادة النساء) خاضت مؤخرا جدلا حول سياسة الحكومة في استخدام الكمامات، واتهموا الحكومة بالتقصير في تنفيذ توجيهات مركز السلامة الوطنية، ولم يقتنعوا بإعلان مدير السلامة الوطنية بأنهم لم يصدروا توجيها ما بهذا الحصوص، فلا يستوجب اتهام الحكومة بالخرق او التقصير، فحاولت أحزاب المعارضة اسقاط وزيرة العائلة والخدمات الأساسية، المعنية بهذا الملف، لتوجيه ضربة لإضعاف الحكومة،  لكن الوزيرة نالت ثقة نواب أحزاب الحكومة، مما دفع بعض المراقبين  وأساتذة اكاديميين لانتقاد سياسة المعارضة التي وجدوا فيها بعض التهور والاندفاع، وبين اخرين بان انتقادات المعارضة فيما يخص السياسية الاقتصادية إن كان فيها ما يستوجب المناقشة، فأن سلسلة الانتقادات التي جاءت بعدها بدت ( غير متسقة ومتغيرة بسرعة تعبر عن وجود تيارات متصارعة داخلة أحزاب اليمين) . ولم يجف حبر المطابع في الصحف عن قضية الكمامات، حتى انبرى بعض من رموز قوى اليمين ( الكسندر ستوب، وزير خارجية ورئيس وزراء سابق) لانتقاد رئيسة الوزراء ، لظهورها في مجلة للموضة والازياء بسترة مفتوحة الصدر بدون قميص مرتدية قلادة من صناعة فنلندية، مدعيا انها ليست شخصا عاديا وشخص في موقعها غير مناسب له الظهور  بهذا الشكل، مما اشعل وسائل الأعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بين مؤيد ومعارض، فظهر بعدها رئيس الجمهورية ساولي نينستو ، وهو من اقطاب الجيل القديم من أحزاب اليمين التقليدي لينتقد ويحذر من نمو الكراهية للآخر وكون الحوارات السياسية اتخذت منحى متشدد ومثيرا . ويذكر ان رئيس الجمهورية، رغم كونه من اقطاب حزب الاتحاد الوطني الفنلندي اليميني الا انه دخل الانتخابات الرئاسية عام 2018   بصفته مستقلا وفار بها من الجولة الأولى وهذا يحدث لأول مرة في فنلندا.
ويبدو من سياق الاحداث ، وتطوراتها، ان الجيل الجديد من قادة اليمين، وارتباطا بنشاط قوى اليمين على الصعيد العالمي، المرتبطة بقوى الرأسمال واقتصاد السوق، والمعارضة  في جوانب منها لسياسات الضمان الاجتماعي وسياسة الهجرة، وبسبب من التأييد والنجاحات الذي تحصل عليه قوى اليسار، وتحالف أخضر ـ احمر في العديد من دول العالم خاصة أوروبا، وقرب الانتخابات الامريكية وبروز مؤشرات خسارة (الرئيس البرتقالي)، دونالد ترامب، الذي تعتبره الأحزاب الشعبوية،  ايقونتها السياسية، فان كل ذلك صار يستفز اطراف في أحزاب اليمين في سعيها وعملها للوصول الى سدة الحكم بأية طريقة ومنها ( ترك مقود الدراجة أحيانا) كما عبر  سياسي فنلندي.

74
منطقة اللاموقف الرمادية *
يوسف أبو الفوز
في العقود الأخيرة، من تأريخ العراق السياسي والثقافي، ظلت وللأسف أعداد من المثقفين العراقيين، وتحت مبررات عديدة، تدور مواقفها في المنطقة الرمادية، منطقة اللاموقف. ففي زمن العسف البعثي العفلقي، وحروبه الكارثية الداخلية والخارجية، أرتضت جمهرة من المثقفين، بدور المتفرج بدون موقف واضح مما يجري من جرائم بحق الشعب والوطن، وبعد سقوط النظام على يد قوى الاحتلال الأمريكي، راح بعضهم، وبدل من الاعتذار من الشعب والتكفير عن دور المتفرج، يجترون تبريرات كونهم (مجرد موظفين في الدولة)، وتبعا لهذا بدا لنا حتى الديكتاتور المجرم صدام حسين مجرد موظف في القصر الجمهوري!!
وتكرر السيناريو المؤسف مع اندلاع انتفاضة تشرين2019، ففي الوقت الذي واجه شباب الانتفاضة، رصاص (الطرف الثالث) بصدورهم العارية، ثائرين من اجل التغيير والخروج من دوامة فساد أحزاب الإسلام السياسي، التي نصبها الاحتلال الأمريكي وريثة للخراب الذي خلفه نظام صدام حسين لتزيده خرابا، راحت جمهرة من المثقفين تكرر وقوفها في المنطقة الرمادية، متناسين ان الحياد في المنعطفات التاريخية يعتبر صنفا من الخيانة، فالواجب التاريخي يفرض ان يكون المثقف الحقيقي صوتا متقدما لأبناء شعبه، يصطف الى جانب الثوار في سعيهم للتغير لأجل عراق مدني ديمقراطي .ففي ظل ما عاناه شعبنا، من قهر واذلال، في سنوات النظام الديكتاتوري البعثي، وسنوات الاحتلال الامريكي، وثم حكومات المحاصصة الطائفية والاثنية، تناسى هذا الصنف من المثقفين، القانع بعضهم بفتات الأنظمة الحاكمة، ان على المثقف الحقيقي ان يحدد خياره بوضوح، فإما الاصطفاف مع الشعب ومطالبه المشروعة بحياة حرة كريمة، وإما الاصطفاف مع الحاكم الظالم المتستر بعباءة الفكر القومي الشوفيني البعثية، او عباءة الدين الطائفي وميلشياته.
وامام كل ما تقدم، والواقع المؤسف والمعاش، إذ نجد اعداد ليست قليلة من المثقفين، لا تزال بدون موقف واضح، فمن الصعب الحديث عن تيار ثقافة وطنية مقاوم مواز لوقائع الانتفاضة، وتبقى نشاطات بعض المثقفين ممن اصطفوا الى جانب الانتفاضة والمؤمنين بها والمطالبين بالتغيير، من خلال كتابة نصوص، او إصدار كتب، واعمال فنية من رسم أو موسيقى، ما هي إلا مجرد جهود فردية، تظل بعيدة عن التأثير الجماهيري المطلوب والكافي لخلق وعي متقدم لنشر ثقافة المواطنة والانتماء الى الوطن بعيدا عن الانتماءات الفرعية، الحزبية والعشائرية والطائفية والاثنية. فلا يزال الكثير من المثقفين للأسف لم يحسموا موقفهم، بالاصطفاف الى جانب أبناء شعبهم، وتكريس ابداعهم في الكتابة والرسم والموسيقى لأجل تغيير المزاج الشعبي العام، وإذكاء الروح الثورية لدى أبناء الشعب وديمومتها بشكل حضاري، للمساهمة في الانتفاضة السلمية ودعمها لأجل التغيير وبناء عراق جديد. وأعتقد لم يفت الأوان بعد أمام الكثيرين منهم ليراجعوا مواقفهم، فانتفاضة الشعب من أجل التغيير مستمرة، فأسباب اندلاعها لا تزال موجودة، ونقمة الشباب مستمرة، تحتاج لمن يسندها ويدعمها ويشذبها بعيدا عن العدمية التي تخلط الأخضر باليابس، لتفرز الانتفاضة قياداتها الكفؤة وللمساهمة في تحديد وتجذير المطالب المشروعة لأجل التغيير المنشود. وتبرز الان، ومن بعد مرور عام على اندلاع انتفاضة تشرين، التي خمد لهيبها قليلا لأسباب متعددة، منها جائحة الكورونا، اهمية ان يكون المثقف العراقي، وفيا لتأريخ مفعم بالمواقف الثورية والوطنية لأجيال المثقفين من رواد الثقافة العراقية وصانعي مجدها، الذين اصطفوا الى جانب الشعب في منعطفات مهمة، في وثبة كانون 1948، وثبة تشرين 1956 وثورة تموز 1958 والمثقفين الرافضين لسياسة نظام البعث الصدامي ممن ارتضوا حياة المنفى أو التحقوا بصفوف المقاومة المسلحة في جبال كردستان.
ان الفرصة متاحة أمام الكثير من المثقفين لينهوا ترددهم والخروج من المنطقة الرمادية وإعلان موقفهم الصحيح والواضح، فخير الأمور بخواتيمها.
15.10.2020 هلسنكي

75
قطاف تشرين (62): معيار لنجاح الانتفاضة 

يوسف أبو الفوز

مع حلول الذكرى السنوية لانطلاقة انتفاضة تشرين السلمية، انتفاضة شباب العراق الباحثين عن وطن سرق منهم وبالتالي ضاعت كرامتهم على يد قوى الإسلام السياسي الفاسدة المتنفذة في شؤون العراق بحماية أذرعها المسلحة، والتي لم تتوقف عن ارتكاب جرائمهما بحق أبناء شعبنا العراقي سواء بنهب ثرواته وافقاره وتخريب مستقبل الأجيال القادمة وأيضا اللجوء الى العنف المنظم في التعامل مع شباب الانتفاضة، سواء بالتهديد او الخطف والتغييب وانهاء بالقتل والقائمة لا تزال مفتوحة!
في وسط مخاض الانتفاضة المستمر، وسقوط حكومة ومجيء أخرى وإطلاق الوعود وقلق أبناء الشعب وروح الترقب لما هو قادم تتقاطع الأصوات المؤدية والمختلفة مع فعل الانتفاضة وإمكانية تجديد انطلاقها.
لن نختلف بأن الانتفاضة فقدت لفترة بعض من زخمها لأسباب عديدة، منها أجواء جائحة الكورونا التي أصبحت ستار شرعيا للتقليل من فائدة العمل الاحتجاجي والتظاهرات والاعتصامات، ومجيئ حكومة قدمت تلا من سلال الوعود، لكن أسباب أنطلاق الانتفاضة لا تزال قائمة، بل واضيفت لها أسباب جديدة منها الكشف عن المجرمين بحق أبناء شعبنا. هذه الأيام تبرز امام ناشطي الانتفاضة وشبابها مهمة الاستفادة من دروس العام المنصرم، واهمها التمسك بسلمية الانتفاضة، تجاوز حالة التشرذم والصراعات الجانبية وتوحيد المواقف والتكتيكات من خلال العمل الجاد لخلق آلية تنسيق مرنة ومتقدمة تساهم في فرز قيادات مخلصة للانتفاضة وهدفها الرئيس في العمل لأجل عراق مدني ديمقراطي وإقامة دولة القانون والمؤسسات.
على الجانب الاخر نلاحظ الرعب الذي تملك حيتان الفساد ومحاولاتهم لركب الموجة بشكل أو أخر، والتنصل من مسؤولية الجرائم بحق شعبنا العراقي وشباب انتفاضة تشرين، وتحريك جيوشهم الاليكترونية بدون أي واعز اخلاقي.
تعلمت من التجربة ان لا اكتفي برصد رد فعل الفاسدين الكبار وقادة المليشيات المجرمة ونشاطهم، ولكن يمكن رصد ردود أفعال أولئك المعتاشين على فتات اسيادهم الفاسدين، وللأسف هم منتشرين بكل مكان، خارج وداخل الوطن، فخوف هؤلاء من سقوط اسيادهم وزوال النعمة عنهم يجعلهم يستشعرون الخوف الذي ركب قادتهم واسيادهم فتلقائيا تصدر عنهم تعليقات وتصرفات فاضحة تعكس حالة الرعب من استمرار الانتفاضة وتصاعد نشاطها، ويجعلني هذا استشف بأن الانتفاضة بهذا الشكل او ذلك تقترب من تحقيق بعض أهدافها.
 مرحى انتفاضة تشرين. المجد للشهداء.
 3.10.2020

76
أوراق عائلية ـ 5
أنا وزوجتي والأصدقاء
يوسف ابو الفوز
منذ أول شبابنا وسعينا لخلق صداقات عرفنا بأن لا يمكن لأنسان أن يعيش بدون أصدقاء. وعلمونا ـ أهلناـ بأن الصداقة تساعد الأنسان للاستمتاع بالحياة، وتساهم في بلورة شخصيتة إلى الأفضل. وعلمتني الحياة، خصوصا التضاريس الوعرة منها، بإن كلمة (صداقة) واسعة المعنى جدا، وأن الصداقة الحقيقية تساعد الانسان على مواجهة مطبات الحياة وتكون عاملا فاعلا في نهوض الانسان ليواصل المسير. فالصداقة الحقيقية يمكن أن تحتوي الكثير من المفاهيم والعناوين الأخرى في العلاقات الاجتماعية وتصهرها في داخلها. فأجتهدت ـ مثلاـ بأن تكون زوجتي هي صديقتي أولا. فتعاملي معها كصديقة ـ زوجة، سيختلف عن تعاملي معها كزوجة ـ زوجة. فالصداقة تمنحنا مساحة حرية أوسع، بمزيد من التكافل في تبادل الأفكار واحترام التمايز في المواقف.
وهكذا حين أحاول بناء علاقتي مع أخي، ليكون صديقي ـ أخي، وليس أخي ـ أخي، فأني لا ألغي حق الأخوة، لكني أحاول ان أتحرك معه في فضاء حرية أوسع وأحاول ان أجعله أقرب للروح والعقل بعيد عن تبعات علاقة الدم التي تفرض على الأنسان مواقفاً لا يكون راغبا بها أحيانا. أقول هذا رغم أني شعرت مرات بأن بعض الاقارب يركبهم الغيظ ـ بشكل ماـ من استخدام كلمة صديق معهم، معتقدين أني ألغي إستحقاق القرابة، كإبن عم أو أبن خال أو ...!
تعلمت من الحياة، بأن يكون لمفهوم الصداقة أجنحة قوية للطيران، تمنح الانسان إمكانية التحليق بعيدا عن تراب مختلف القيود التي ورثناها رغما عنا، في فضاءات واسعة من الحرية، وبما ان الحرية هي الشجاعة فان الصداقة تمنح الانسان قدر كبيرا من الشجاعة للتعبير عن نفسه. وهكذا اجتهدت لبناء فضاءات الصداقة بمستويات مختلفة، وفق دوائر ومدارات، متعلما من كون الطيور لها قدرات متباينة في الطيران، فأن فضاء النسور ليس كفضاء الحمام أو العصافير وهكذا ... دواليب! وان الخبرة والتجارب هي من تجعلك تنقل صديق من دائرة أبعد الى دائرة أقرب، وبالعكس. وفي يوم ما ستجد نفسك ــ مجبرا ــ أن تضع أحدهم بعيدا خارج كل الدوائر الخاصة بك، حين تجد ـ مثلا ـ ان افعاله تتناقض مع أقواله ويضنك ساذجا وغافلا عن أفاعيله ودرابينه السرية. والامر هنا ليست لعبة (حية ودرج) أنها سنة حياة تعتمد على طريقة بناء علاقة الصداقة، التي لا يبنيها طرف واحد وأنما تكون بمساهمة الطرفين.
وإذا حسدت نفسي بنفسي على شيء، فاني أحسدها اولا على أصدقائي المقربين وخصوصا على ذكائهم وفطنتهم، فلا أجد نفسي مضطرا لتقديم كثير من الشروح والهوامش ليفهموا مقاصدي، فهذا يجنبنا ـ جميعا ـ من الخطر الداهم الذي يقوض أي علاقة إلا وهو درابين (سوء الفهم)، التي أن تكررت في علاقة ما، فهي إشارة قوية الى ان ثمت خلل في معادلاتها، وثمت أرقام مفقودة يتطلب البحث عنها بسرعة.
وإذا تحدثنا عن الصداقة، كونها حب ومسؤولية، فأنك ترفع القبعة للصديق الذي يسعى دائما لضخ طاقة إيجابية في أيامك، لتتجاوز المطبات المختلفة ـ صحية أو اجتماعية أو ألخ ــ التي تواجهك رغما عنك، ويذكرك دائما بأن غدا هو يوم أفضل وأنك ستنهض أقوى، من أية مشكلة أو وعكة ما (ثمت صديق يسميها "وكعة").
 أن الحديث عن الصداقة يجعلك مجبرا، بين الحين والأخر على مراجعة موقع اصدقائك في حياتك: في أي دائرة تضع الصديق الفلاني وفي أي فضاء، حين تجد أن موقعه بدأ يتزعزع داخل دوائر بعض الاصدقاء المقربين، لأسباب مختلفة، تتفق مع أغلبها وتجدها منطقية؟ هل ستضعه في دائرة أبعد قليلا، هل ستجد نفسك مجبرا لوضعه خارج كل الدوائر؟ هل ...؟
ثمت صديق يريدك ان تتعامل معه (مثلما هو)، وتقبل بكل الدرابين التي بات يسلكها ـ سرا وعلانية ـ معتقدا ان ما يفعله هو الصواب، دون مراجعة نفسه ليعرف بأن هذه الدرابين التعبانة التي بدأت تظهر في حياته، بالنسبة لي ولصديقتي ـ زوجتي، وبعض الأصدقاء ـ الأصدقاء، هي درابين (ماتطلع) أبدا. ناسيا ان مبدأ (التعامل مع الانسان مثلما هو)، يشمل مفهوم التعامل مع الناس وفق عاداتهم وتقاليدهم ومستوى وعيهم وليس وفق درابينهم التعبانة؟
لتوضيح الامر شيئا ما سأذكر القراء بعلاقة زوجتي ـ زوجتي بالكلاب ـ (راجع من هذه الأوراق حكاية: أنا وزوجتي والكلاب) فهي لديها فوبيا ـ طالما أشار بعض الأصدقاء ـ لا تتناسب أبدا مع ما معروف عنها كإمراه قوية وشهدت في حياتها أياما وعرة كثيرة. فلطالما أجبرتني زوجتي ـ زوجتي ان أكون بوابا وحارسا عند دخولنا العمارة حيث نسكن، لأفحصه من عدم وجود ما يثير فزعها وأحيانا صراخها أو يجعلني ابحث عن فردة حذائها التي تتركها على السلم عند عودتها للشقة جريا وكأنها شاهدت شرطي أمن بعثي صدامي سافل في السلم. ولان غالبية معارفنا واصدقائنا من اهل البلد، حيث نعيش، يملكون حيوانات أليفة ـ قططا وكلابا ـ كنا ملزمين بالتعامل مع الناس (وفقا لعاداتهم وثقافتهم). التقيت مرة جارتي العجوز المتقاعدة في باب العمارة ـ هذا قبل جائحة الكورونا ـ وسألتها عن خططهم للإجازة. فقالت:
ـ نحن عائلة صغيرة، أنا وإيما وسوفي وزوجي، نحاول جاهدين لإيجاد بيت مناسب للعطلة في مدينة اسبانية ساحلية.
قابلت مرارا زوجها البطيء الخطو، العسكري المتقاعد، كنت أحترمه واجامله، ولطالما وقفت أنتظره بإستعداد، مثل جندي، ولا اغلق باب العمارة وأدخل او أخرج حتى اتركه يمر أولا. ويبدو أعجبه الامر، فبعد ان يربت على كتفي، مثل طفل، اسمع منه عبارات شكر جميلة، اضعها دائما في رصيد معاداة العنصرية الذي يعاني الأجانب من بعض اهل البلد. اما الابنة سوفي، الباسمة دوما، فقد جننت زوجتي ـ زوجتي بلون شعرها، فهو لا يثبت على لون واحد، ألوان غريبة، أبسطها الأخضر، ولكني لم يحصل وقابلت إيما، التي قدمت العجوز أسمها على ابنتها سوفي وزوجها. هل هي أكبر من سوفي ام تصغرها؟ أهي مجنونة مثلها بألوان الشعر؟ هل ... ويوما عند الباب صاح العسكري:
ـ إيما.. أسرعي.
ووجدت إيما تقترب مني قفزا وتتشممني مادة بوزها في أماكن حساسة، حتى جعلتني أخشى على (ممتلكاتي الوطنية)، فأبعدها العسكري برفق، ضاحكا ومعتذرا. تبين ان إيما هي كلبتهم الاثيرة! ففهمت جيدا بان كثير من اهل البلد يكون كلبهم أو قطهم الاعز من بين افراد العائلة، وعليه يتطلب مني فهم هذا وتقبله والتعامل معه، لأنه دربونه إنسانية و(تطلع)، لكن كيف أجعل زوجتي ـ زوجتي تتوقف عن فضحي ووضعي في مواقف لم تنفع معها كل الأحاديث والنصائح كصديق ـ زوج، ولا حتى لبس الوجه العابس للزوج ـ الزوج، إذ كادت يوما ان تقلب طاولة الطعام في بيت أحد المعارف، من اهل البلد، حين قفزت ـ فجأة ـ قطتهم، ومن بين كل الحضور أختارت زوجتي ـ زوجتي لتجلس في حضنها؟ وحين لاحظ بعض الأصدقاء عدم استجابتنا بسرعة لزيارتهم صاروا يخبرونا مباشرة، إرضاءا لزوجتي ـ زوجتي بأنهم (ارسلنا القطة ويسكي الى الجيران) أو (تم حجز الكلب نوتي في غرفة الابنة). وشعرت بالألم ـ جدا ـ حين عرفت بأن قفص خاص بني للكلب نوتي، من الالواح والاسلاك في جانب من البيت ليضعوه فيه عند زيارتنا لهم. في المرات الأولى صار نوتي يطلق نباحا يقطع نياط القلب، يبدو كاحتجاجات بلغته الكلبية، لكن المدهش ـ جدا ـ انه لاحقا فهم الامر: ان هذه المرأة الجميلة، التي يتقدمها زوجها دائما ـ في حالة تأهب لحدث ما ـ في دخول البيت، لن تتوقف عن زيارتهم، وان عليه ان يحكم عقله ويفهم الامر جيدا، فلا مكان له في صالة الضيوف مع الاخرين بوجود هذه المرأة، فالأفضل ـ والأسترـ بدلا من إدخاله القفص قسرا، التصرف بحكمة حتى لا يفقد كرامته. أصبح المسكين نوتي كلما يرى زوجتي ـ زوجتي تجتاز عتبة بيتهم، ينسل بنفسه بهدوء، وبكل احترام وعزة نفس، وبدون شرشحة، ليدخل القفص، مرسلا نظرات خاصة لزوجتي ـ زوجتي، ـ أقسم بألم شديد ـ حتى نبيّ سليمان ليس قادرا على فهمها.

تموز ـ آب 2020   

77
في فنلندا ... مناورات سياسية تستهدف حكومة سانا مارين

 
هلسنكي ـ يوسف أبو الفوز
منذ أن تم اعلان نتائج الانتخابات البرلمانية الفنلندية في نيسان / أبريل 2019، حتى تبين أن أمام أحزاب اليسار الفائزة ( الديمقراطي الاجتماعي، اتحاد اليسار، حزب الخضر، الشعب السويدي) مهمة عسيرة لتنفيذ برنامجها الانتخابي الذي قادها بجدارة الى سدة الحكم، بعد هزيمتها لحكومة احزاب اليمين ـ الوسط، التي سبقتها، والتي اعتمدت سياسة التقشف وزيادة الضرائب كرافع لتحسين الوضع الاقتصادي، وانتهجت سياسة اضرت بذوي الدخل المحدود، وسياسة تمييز ضد المهاجرين والأجانب، كان من نتائجها بروز نشاط منظمات عنصرية، حظر القانون الفنلندي نشاطها رسميا بقرارات من محاكم عليا، واعتبر اعمالها تنتهك حقوق الإنسان، لذا لا يحق لها التمتع بحماية حرية التعبير. وحين بدأت المفاوضات لتشكيل الحكومة الجديدة بدا واضحا أن اشتراك حزب الوسط في الحكومة وبشخوص قيادته التي كانت تقود الحكومة السابقة لن يمر بسهولة، وفعلا، ما هي إلا عدة شهور حتى بدأ حزب الوسط يمارس دوره كحصان طروادة لإسقاط الحكومة فاصطف الى جانب أحزاب اليمين لسحب الثقة منها، بإعلان عدم الثقة برئيس الوزراء ورئيس الحزب الديمقراطي الاجتماعي، أنتي ريني(مواليد1962) النقابي العريق، إثر أزمة أضراب عمال البريد وطريقة معالجته لها. وإذ عرف عن أنتي ريني، كونه الرجل المبتسم دائما، خلال كل أزمة، فأن الابتسامة لم تفارق وجهه هذه المرة أيضا، إذ فاجأهم بمناورة سياسية ذكية، فوفقا لآليات العملية الديمقراطية الفنلندية، ولمنع سحب الثقة من شخصه وبالتالي حكومته والاضطرار الى اللجوء لإنتخابات مبكرة، وقبل جلسة البرلمان المقررة لسحب الثقة، أسقط مناورة أحزاب اليمين وقيادة حزب الوسط، بإعلانه الاحتفاظ برئاسة الحزب فقط وتخليه عن رئاسة الحكومة لصالح أحد نوابه، الشابة سانا مارين (34سنة) التي أصبحت أصغر رئيس وزراء في العالم.
أصبح وصول الشابة الجميلة، سانا مارين الى رئاسة الوزراء، وبالا على حزب الوسط، فهي متقدة نشاطا، وتقف كإشتراكية على يسار حزبها، ويتبعها شباب الحزب الذي أصبح مهووسا بها، فارتفعت شعبية حزبها والحكومة تبعا لأدائها ونشاطها، وإذ جاءت جائحة الكورونا، فواجهتها بكل حزم وحكمة، فزاد من شعبيتها وشعبية حكومتها،إذ لجأت الحكومة الى اعتماد خطة ابطاء انتشار الفايروس بشكل متسارع، وعزل بعض المناطق عن بعضها وغلق منافذ السفرمن والى فنلندا، وتحريك احتياط الحكومة للطواريء، البالغ مليار يورو، لشراء وتوفير معدات الوقاية والأجهزة الطبية المطلوبة، لتكون فنلندا بعد شهور من بدء جائحة الكورونا من البلدان الأقل ضررا في الجانب الصحي. لم تكتف رئيسة الوزراء، سانا مارين، بهذا بل أطاحت بعد شهور برئيسة حزب الوسط، كاتري كولمني، التي شغلت في حكومتها وزارة المالية، وكانت نائبا لرئيس الوزراء حسب الأعراف الفنلندية، وجاءت الإطاحة بها أثركشف وسائل الاعلام لإنفاق زعيمة حزب الوسط للأموال العامة على أغراض استشارات إعلامية اعتبرت شخصية، فقاد ذلك الى استقالتها من الحكومة ومن رئاسة حزبها الذي عقد مؤتمرا ليأتي برئيس جديد هو أنيكا ساريكو، وزيرة الثقافة والعلوم، المعروفة بمواقفها غير المتشددة في قضايا الهجرة واللجوء، ويضعها البعض في يسار حزب الوسط، أي بالتالي اقرب الى تطلعات رئيسة الوزراء وبرنامج الحكومة.
خلال كل هذه الفترة، لم تتوقف أحزاب المعارضة، حزب اليمين التقليدي ( حزب الاتحاد الوطني الفنلندي) والحزب اليميني المتطرف (الفنلنديون الحقيقيون) من مناوراتهما للضغط على الحكومة الفنلندية الحالية، وإذ تراجع ملف اللاجئين، كون جائحة الكورونا أوقفت موجات الهجرة،وأجبرت الحكومة على تجميد الكثير من إجراءاتها، ومنها ملف إعادة المرفوضين الى بلدانهم، فان الملف الاقتصادي اصبح الأول الذي حاولت أحزاب اليمين التلويح به دائما،والبحث عن ثغرات ما للنيل من الحكومة ورئيسة الوزراء، التي أعلنت في مؤتمر حزبها، في آب / أغسطس الماضي، الذي تم فيه أنتخابها لتكون رئيسة الحزب الديمقراطي الاجتماعي، حيث بدا أنتي ريني، الرئيس السابق، واثقا من كونه سلم الراية لمن سيرعاها. وابتدأت سانا مارين رئاستها للحزب الديمقراطي الاجتماعي، بالإعلان عن نيتها السعي ليكون العمل ست ساعات، والذي لاقى قبولا في الشارع الفنلندي ومختلف نقابات العمال، وهذا مطلب قديم لنقابات العمال اليسارية، حيث سيوفر وقتا أكبر للعائلات ليكونوا مع بعض، ويوفر الفرصة لزيادة رفاهية المواطن العامل، وممارسته هواياته والاشتراك بمختلف النشاطات، وأيضا أن يوم العمل من ست ساعات سيساعد على توظيف المزيد من العمال، فهو من حلول موضوع البطالة.
في القمة الاوربية الأخيرة في بروكسل، في تموز الماضي، حيث ترأس المانيا حاليا، الاتحاد الأوربي، وافقت الحكومة الفنلندية، المشكلة من خمسة أحزاب تقودها نساء، على مشروع صندوق الإنعاش الأوربي الذي كانت قيمته 750 مليار يورو واستندت الى ذلك في اعلان ميزانية تكميلية بقيمة 5,5 مليار يورو، وحيث لجأت الى اقتراض 18,8 مليار يورو من الصندوق الأوربي لدعم هذه الميزانية لأجل تنفيذ خطتها الاقتصادية ومعالجة الاضرار الناجمة عن الجائحة، ومع إعلان الحكومة مؤخرا عن ميزانية للعام المقبل ستشهد عجزا يبلغ اكثر من عشرة مليارات يورو ، وبمبلغ يزيد بنحو 3.7 مليار يورو عن توقع الحكومة، حتى بدأت أحزاب اليمين الولولة من كون فنلندا اقتيدت الى فخ الإقراض وان الأجيال القادمة ستدفع الثمن، وان الضرائب ستزداد على المواطنين، والطريف ان وزير المالية ماتي فانهانين، من حزب الوسط، الشريك في الحكومة الحالية وكان قد شغر الموقع بعد استقالة الزيرة السابقة، وداخل قبة البرلمان، احرج نائب من حزب اليمين المتطرف حين ذكره بالضرائب التي وافق عليها حزبه في الحكومة السابقة.
ما يثير القلق حاليا، هو سلسلة من الإغلاق غير المتوقع لعدد من المصانع الكبيرة والتي بسببها سرح المئات من العمال، بحجة جائحة الكورونا، وهذا يعني التوقف عن دفع مبالغ ضريبية لا يستهان بها لصندوق الحكومة، وتكاليف غير محسوبة لدوائر الضمان الاجتماعي، وإذ أعربت رئيسة الوزراء، عن تعاطفها مع العمال المسرحين وأعلنت عن عدم تخليها عن دعم عوائلهم، فإنها بنفس الوقت استغربت من أن معامل لا تخسر تغلق أبوابها في هذا الوقت، مما يثير عند المتابع سؤال: هل لأحزاب اليمين يد في هذه اللعبة لإسقاط الحكومة الحالية وإسقاط سانا مارين، التي من تحت وجهها الجميل ظهر لهم وجه لبوة شرسة في الدفاع عن قيم اشتراكية أمنت بها؟












خمس نساء تقود أحزاب الحكومة الفنلندية


78
إصدار جديد
د. ماركو يونتنين و“السفر في فنلندا الإسلامية”


طريق الشعب ـ هلسنكي                      تصوير: شادمان علي فتاح
 العدد 189 الجمعة 28 آب 2020

في العاصمة الفنلندية، هلسنكي، صدر مؤخرا باللغة الفنلندية كتاب” السفر في فنلندا الإسلامية” تأليف د. ماركو يونتنين، الباحث والمحاضر في دراسات الشرق الأوسط والإسلام بجامعة هلسنكي. ونظمت دار النشر “عِيَارُ الميزان”(Vastapaino  )،المهتمة بنشر الكتب الواقعية Nonfiction Books، مثل كتب السير الذاتية ، التاريخ وبحوث أنثروبولوجية، حفل توقيع الكتاب، شهد نقاشات واستفسارات غنية وحيوية وقرأ المؤلف فيه بعض الفقرات من كتابه. وتحدث الكاتب العراقي يوسف أبو الفوز، عن فترة عمله المشترك مع الباحث يونتنين، لصالح جامعة تامبيرا.
وأشار أبو الفوز:
ـ هناك صعوبة عند الحديث عن صديق وزميل، ووصفه بانه بارع في عمله وناجح، وفي الوقت نفسه هناك سهولة لأن العمل المشترك يكشف لك العديد من المزايا الشخصية للأخر، وطيلة أيام العمل بينت ان ماركو يتمتع بذاكرة قوية وقدرة على الإمساك بجوهر الأمور، وأيضا القدرة على رصد التفاصيل، مما يؤهله ليكون كاتبا روائيا ناجحا الى جانب كونه أنثروبولوجي متميز.
الناشر في كلمته، أشاد بجهود المؤلف ماركو يونتنين، وبين ان الواقع الجديد في فنلندا والوجود المتزايد للمسلمين وتباين اراء الفنلنديين حول ذلك تستوجب نشر مثل هذا الكتاب.
المؤلف ماركو يونتنين، قال لـ“طريق الشعب”:
ــ ان ثمة تغير ملحوظ في ديموغرافية البلد، وتزايد في عدد المسلمين بسبب من الهجرة وموجات اللجوء، هذا الواقع الجديد يفتح منظورا ثريا للحياة الجديدة في فنلندا، في تحولها الى بلد متعدد الثقافات. وان تزايد عدد المسلمين في كل منطقة سكنية وبسرعة احيانا لابد ان يثير مختلف الآراء.. والكتاب يتحدث عن الناس الذين هربوا من العنف والنزاعات المسلحة في بلدانهم، وتسليط الضوء على واقع معاش يمكن ان يجيب على أسئلة مثل: هل يجلب المهاجرون معهم الى فنلندا صراعاتهم المذهبية التي عاشوها في بلدهم الأصلي؟ وكيف ستؤثر على الحياة في فنلندا؟ هل حقا سينتج المهاجرون المسلمون تحديات امنية ام هم قلقون على سلامتهم؟
السيد رياض قاسم مثنى، الناشط في البيت العراقي في مدينة توركو، قال لنا:
ـ ان معرفتنا بالباحث ماركو، تجعلنا نؤمن بأن أي من اعماله البحثية، تهدف لتقديم الجانب المشرق من حياة المهاجرين، وفي كتابه الحالي خصص الفصل الثاني منه للشأن العراقي، وهو متابع جيد للواقع العراقي، وسبق له وزار العراق أكثر من مرة، فمتابعته لاوضاع الجالية العراقية، تستند الى معرفة عميقه، وهو لا يخفي تضامنه مع تطلع العراقيين، داخل وخارج الوطن، الى حياة آمنه ومستقرة.
من الجدير بالذكر ان الدكتور ماركو يونتنين المولود عام 1966 في مدينة سافولينا (340 كم شمال شرق العاصمة هلسنكي)، درس اللغة العربية في هلسنكي والمغرب والأردن، ونال الدكتوراه عام 2002، وترجم كتابين للكاتب المغربي محمد شكري عامي 1998,1999، وكتاب للكاتب العراقي يوسف أبو الفوز 2000، وفي عام 2007 أصدر كتاب عن قصة ومعاناة المناضل رياض قاسم مثنى الذي حكم بالإعدام في سنوات الحكم الديكتاتوري السابق وقضى ثمانية أعوام في سجن أبو غريب سيئ السمعة. والباحث يونتنين منذ أكثر من عقدين مهتم بشؤون الشرق الأوسط والأسلام وأصدر عن ذلك العديد من الكتب، بمفرده أو بالاشتراك مع باحثين اخرين.

79
وجدت جماهير الشعب في صحافة الحزب الشيوعي العراقي آمالها وطموحاتها وهمومها

يوسف أبو الفوز

لم يكن صدور، «كفاح الشعب»، أول صحيفة شيوعية عراقية، في31 تموز 1935، وبشكل سري، رغبة شخصية لقائد سياسي، وإنما جاء تنفيذا لسياسة حزب بدأ بمد جذوره عميقا في تربة الوطن وحاجته إلى صحيفة مركزية ناطقة باسمه لتنشر أفكاره وسياسته وبرامجه، وليكسر احتكار الأفكار ونشر المعلومات الذي كانت تقوم به الصحافة الرسمية الحكومية المرتهنة سياساتها بعجلة الاستعمار والاحتكار، والتي كانت تظلل جماهير الشعب بأفكارها الرجعية والعميلة. هكذا أصبحت “كفاح الشعب” أول صحيفة عراقية تصدر سرا، لتفتح السجل النضالي الحافل للصحافة الشيوعية في العراق، التي لعبت دورا نضاليا بارزا في نضال القوى الوطنية المكافحة من اجل سعادة الشعب وحرية الوطن، ووفقا للمبدأ اللينيني، في العمل السياسي والفكري، الذي آمن بأن «الصحيفة ليست فقط داعية جماعيا ومحرضا جماعيا، بل هي في الوقت نفسه منظم جماعي». ان المؤرخ والمتابع لتاريخ الصحافة الشيوعية في العراق، لا يمكنه تجاوز دورها المجيد في ارساء تقاليد عمل جديدة في تاريخ الصحافة العراقية، ولا يمكنه الا ان يذكر دورها الريادي في كشف وفضح سياسات الحكومات العميلة المرتبطة بسياسة الاستعمار وقوى الاحتكار، وتبنيها لتطلعات الكادحين. ومع توالي اصدار الحزب الشيوعي، العديد من الصحف السرية والعلنية، التي تعددت مسمياتها، ارتباطا بالظروف النضالية والسياسية التي عاشها، فإن الصحافة الشيوعية ظلت وفية ومخلصة للمبادئ التي ارساها الرواد الأوائل، فلم تكن مجرد صوت لإيصال سياسة الحزب وبرامجه فقط، بل كانت ميدانا لنشر الفكر التقدمي في مختلف جوانب الحياة. أصبحت جماهير الشعب تقرأ في صحافة الحزب الشيوعي العراقي آمالها وطموحاتها وهمومها، ولهذا كان انتظام صدور صحافة الحزب يشكل معنى كبيرا لدى جماهير الكادحين وأعضاء وأصدقاء الحزب، ولهذا السبب كانت صحافة الحزب السرية في فترات نضالية عديدة توزع أعدادا أكثر من الصحف العلنية الرسمية، واصبحت مدرسة لأجيال من الصحفيين والمثقفين العراقيين، الذين على صفحاتها تعلموا وشقوا طريقهم في ميدان العمل في الصحافة والأدب. وخلال مسيرتها النضالية الحافلة بالأمجاد من اجل مستقبل أفضل لأبناء شعبنا، قدمت صحافة الحزب الشيوعي العراقي كوكبة خالدة من الشهداء المناضلين والصحفيين، نستذكر منهم الشهداء محمد الشبيبي، عبد الرحيم شريف، محمد حسين أبو العيس، جمال الحيدري، نافع يونس، عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)، عدنان البراك، ولا ننسى زكي خيري وشمران الياسري وعامر عبد الله وغيرهم كثيرون ممن يطول تعداد أسمائهم.
هذا الملف، تقدمه طريق الشعب، تحية للذكرى الخامسة والثمانين لصدور اول صحيفة شيوعية، وإجلالا لذكرى الرواد الأوائل، وشهداء الصحافة الشيوعية الذين بدمهم قبل الحبر سطروا مجد الكلمة المناضلة الصادقة.
تحية التقدير لآلاف المراسلين المجهولين الذين كانوا يغذون صحافة الحزب بالمعلومات والوقائع ويجعلونها صحافة الناس التي تعبر عن امالهم وتطلعاتهم وقريبة الى نبض الكادحين.
تحية للجهود المثابرة التي تواصل العمل، رغم كل العوائق، لتبقى صحافة الحزب ميدانا للأفكار الشجاعة والتقدمية، التي تعمل لأجل بناء عراق ديمقراطي، فيدرالي، تعددي، ينعم فيه المواطن بحياة حرة كريمة تحت ظل القانون، بعيدا عن أي فكر تعسفي ظلامي، يصادر حق الإنسان في الحياة الحرة الكريمة الآمنة.



 ** البوستر للفنان المبدع فراس البصري


80
الشرف العسكري ما بين جندي وجنرال!
يوسف أبو الفوز

يتذكر أفراد عائلتي واصحابنا المقربون، في فترة سبعينات القرن الماضي، ونحن في مقتبل العمر، على مقاعد الدراسة الاعدادية، كيف ان أحد اقاربي التحق بالخدمة العسكرية الإلزامية، وفي أول إجازة له، وفي أي حديث أصبح يقسم بشرفه العسكري! اثار أيامها بيننا موجة من التعليقات الطريفة، وتحول الامر الى شيء من نكتة في جلساتنا الصداقية والعائلية، الا ان أهل العقل افهمونا، بضرورة عدم الاستخفاف بمفاهيم لها معنى جليل، وشرحوا لنا بان "الشرف العسكري"، يعني الشجاعة والشهامة والالتزام بالوعد  وحماية ظهر الصديق والحفاظ على عرض الناس، وهو مفهوم انساني أكبر من البدلة الخاكي وان كان يرتبط بها بشكل ما.
مرت السنوات، وسارت من تحت جسور الحياة الكثير من المياه المخضبة بدماء ضحايا حروب داخلية وخارجية، فقد فيها الجيش العراقي شخصيته الأساسية، كسور للوطن وحامي للشعب ومفجر لثورة 14 تموز 1958، وأصبح أداة بيد ديكتاتور فاشي ومخبول، منح نفسه اعلى الرتب العسكرية، وجاء بسقط المتاع لينصبهم جنرالات وقادة. ليستبيح بهم جنوب وشمال العراق بحروب داخلية سفح فيها دماء الأبرياء والأطفال والنساء والشيوخ، بسرف الدبابات وغازات الخردل، واقتحم أراضي الجيران في حروب عدوانية، لا ناقة ولا جمل، للشعب العراقي بها. وإذ برزت بالمثل النوايا التوسعية عند الحكومة الإيرانية الإسلامية، تحولت الحرب الى عدوانية من الطرفين لتسحق ملايين الضحايا وتخلف لنا جيشا من المعوقين والارامل، وبعد قمع انتفاضة اذار 1991، تحول العراق الى مزرعة للمقابر الجماعية.
أين كان جنرالات الجيش من كل ذلك؟
سيبرز من يقول بأنهم يطيعون الأوامر العليا، أوامر القادة! لكن ماذا عن الشرف العسكري؟
لقد تبخر عند البعض منهم، مع التماهي بشخصية الجلاد والتحول الى نسخة مصغرة منه، والتمتع بالامتيازات وحصة من السلطة في التحكم برقاب وحيوات بسطاء الناس، وفي اسوأ الأحوال أصبحوا عبارة عن إمعات يحركهم الديكتاتور وفق رغباته المجنونة.
هكذا نفذت عمليات جرف الاهوار في الجنوب، وهكذا نفذت عمليات الانفال في كردستان في كل فصولها الوحشية والقذرة، وهكذا ...
في واحدة من سنوات الحرب الصدامية ـ الخمينية ــ ولا أقول العراقية الإيرانية، لأنها لم تكن برغبة الشعوب ــ كنت شخصيا ومجموعة من المقاتلين الشيوعيين، المقاومين للنظام الفاشي الصدامي الدموي، نتوسد صخور جبل سورين، ونلتحف السماء، في ريف السليمانية، حين وصلنا خبر هروب اربعة من الجنود من أحد معسكرات الجيش في مدينة كركوك، وحظهم العاثر جعلهم يقعون بيد الانضباط العسكري. صدر الامر مباشرة بإعدامهم، أراد الجنرال هناك، ان يلقن الجنود وعموم الناس درسا مهما، فأختار مجموعة عشوائية لتنفيذ حكم الإعدام علنا، وجمع اهل المدينة ونصبوا صلبان الإعدام في الساحة العامة. أحد الجنود المكلفين بتنفيذ الإعدام، رفض الرضوخ للإمر. فهددوه بأنه سيعدم معهم. وهذا الذي حصل. آبى ان يساهم بإعدام أصحابه وزملائه الذين سبق وتقاسم معهم الهموم والقلق والجوع وضحكات فرح ربما قليلة. هذا الجندي، الذي الهمني شخصيا يومها للكتابة عنه في كتابي "عراقيون" ـ صدر 1985ـ، كان مفعما بالإنسانية أكثر من كل الجنرالات الإمعات، وأمينا لشرفه العسكري، حد انه دفع حياته ثمنا لذلك!

19 تموز 2020
   

81
مجدا ذكرى ثورة 14 تموز 1958 الوطنية !
يوسف أبو الفوز

في يوم الرابع عشر من تموز 1958، اندلعت ثورة الجيش والشعب الوطنية، التي فجرها الضباط الاحرار وأحتضنتها الجماهير منذ ساعاتها الأولى في سرعة مذهلة لتحولها الى ثورة شعبية. كان قيام الثورة وانتصارها تتويجا لنضال طويل وصعب، خاضه الشعب العراقي، جسد فيه وحدته بعربه وكرده وقومياته الأخرى، في طموح مشروع للتحرر من الحكم الملكي ـ الاستعماري، لتأتي الثورة من بعد عقود من بطش واستبداد هذا النظام المرتبط والتابع للسياسة الاستعمارية، والمستند الى تحالف مكشوف من قوى الاقطاع والقوى الظلامية الرجعية وكبار الرأسماليين والموظفين والعسكريين.
منذ الساعات الأولى، أغاض إنطلاق الثورة قوى الاستعمار والإمبريالية، وحلفاءهم من الأنظمة الرجعية في المنطقة، السائرة بركابها، فكان الإنزال البريطاني في الأردن والامريكي في لبنان وإعلان القوات التركية حالة التأهب القصوى، ولكن الإنذار السوفياتي الواضح قطع الطريق عليهم، فأعلن بانه لن يترك الثورة لوحدها، ولن يسمح بالقضاء عليها، وأجرى مناورات وتعبئة عسكرية عند الحدود التركية، وفعلت بلغاريا الشعبية الامر ذاته عند الحدود التركية، والتفت جماهير الشعب وقوى “جبهة الاتحاد الوطني” لدعم الثورة وحمايتها.
كانت ثورة 14 تموز ، ثورة ديمقراطية، أرست في أشهرها الأولى نظاما ديمقراطيا، واطلقت طاقات الجماهير في عملية التغير والبناء، فأقدمت في فترة زمنية قصيرة على الكثير من الإنجازات التاريخية والمصيرية : الخروج من حلف بغداد العدوني وبالتالي أعلان موته، الخروج من منطقة الإسترليني المرتبط بقوى الاستعمار في خطوة لدعم الاقتصاد الوطني، إصدار قانون الإصلاح الزراعي في ضربة جريئة لقوى الاقطاع ، رفع شعار الوحدة العربية الكردية وتضمين ذلك في الدستور المؤقت كشركاء في الوطن، اطلاق حرية تأسيس النقابات والاتحادات المهنية وأيضا اصدار القانون 80 لاستثمار ثروات البلد خصوصا النفط، وانتزاع 99,5 من الأراضي الخاضعة لامتيازات الاحتكارات النفطية، وغيرها من الإنجازات التي دفعت جماهير الشعب للإيمان بالثورة والالتفاف حولها.
ان ثورة الرابع عشر من تموز، شكلت منعطفا مهما في تاريخ العراق المعاصر، كونها جاءت ثمرة تراكم للكفاح المتواصل لجماهير الشعب وقواه الوطنية التقدمية، وفي مقدمة ذلك الشيوعيون العراقيون وحزبهم، الذي تصدر نضالات الشعب وقادها في المعارك الوطنية والاجتماعية، وسجل صفحات مشرقة لا يمكن لاحد انكارها، وحيث قدم قادته المؤسسون الخالدون: يوسف سلمان يوسف (فهد) وزكي بسيم ومحمد الشبيبي، حياتهم قربانا على مذبح الشهادة، لأجل وطن حر ينعم فيه الشعب بالكرامة والسعادة، وبذل الحزب قبيل الثورة جهدا استثنائيا من اجل تقارب الاحزاب السياسية لتشكيل تحالف وطني يعزز المستلزمات الذاتية للثورة بعد نضج شروطها الموضوعية.
وإذ أثارت الإجراءات الحاسمة وانجازات الثورة الرعب عند فلول الاقطاع والقوى الرجعية والظلامية المتضررة، مدركين كون قيام الثورة جاء ضربة موجعة لمواقع حماتهم الإمبرياليتين في المنطقة، وبالتالي أعاق مخططاتهم، فتحرك الجميع لإحياء تحالف شرير وتنسيق العمل، بشكل سري وعلني، بدعم وتوجيه مباشر من مراكز المخابرات الدولية، سواء الامريكية أو الفرنسية، كما بينت الوثائق التي كشفت لاحقا. وتمهيدا للانقضاض على الثورة، عملت القوى المضادة للثورة، التي وجدت لها مواقع مهمة في أجهزة الدولة، ببراعة شريرة، في إثارة الخلافات بين الاحزاب السياسية، وداخل قيادة الثورة نفسها، ونجحت في دفع قيادة الحكم للدخول في صراع مسلح مع قيادة الحركة الكردية. أضعف كل ذلك زخم تقدم الثورة وأدى لتراجعها، ومع تزايد أسلوب نهج الحكم الفردي لقيادتها ما تسبب في انعزالها عن الجماهير، مع بروز الموقف السلبي من إطلاق طاقات الجماهير والقوى الديمقراطية واليسارية، فجعل القيادة تتخبط في نهجها ويغيب عنها الوضوح في أهدافها، مما شجع قوى النظام القديم لاستعادة بعض من أماكنها وقوتها. ووجدت القوى المضادة وشركات النفط الغربية، في حزب البعث العفلقي المطية التي ركبوها لينفذوا من خلالها انقلابهم الأسود الدموي في 8 شباط 1963 لوأد الثورة وأغتيالها واعدام قادتها، في مقدمتهم الزعيم عبد الكريم قاسم، والعديد من الضباط الشيوعيين. وكانت مصادر الحزب الشيوعي العراقي بينت لاحقا أنه في الأيام الثلاث الأولى من الانقلاب تم قتل وتصفية أكثر من خمسة آلاف شخص من أعضاء الحزب ومؤيديه، كرد انتقامي لدور الحزب الشيوعي في دعم ثورة تموز وانجازاتها، وكانت إذاعة سرية ـ حسب شهادة الملك حسين للكاتب محمد حسنين هيكل ـ تبث قوائم بأسماء الشيوعيين، حصلت عليها وكالة المخابرات المركزية الامريكية من ضابط سابق في العهد الملكي، كان يعمل في مكتب بهجة العطية سيء الصيت.
كانت ثورة الرابع عشر من تموز حدثا عظيما في تاريخ شعبنا ووطننا، غير التأريخ، وان التقييم المنصف لها يتطلب التوقف بمسؤولية امام نجاحاتها واخفاقاتها لاستخلاص الدروس المهمة، ليكون ردا شافيا على من يعتقد ان “ما كان لها ان تقع”، و”ان نظام صدام الديكتاتوري جاء نتيجة لها”، متغافلين عن ان النظام المقبور ما هو الا نتيجة لنظام قوى الردة التي انقضت على منجزات ثورات 14 تموز، الذين اغتالوا الثورة وجاءوا بقطار امريكي، حسب اعترافات قادة انقلاب 8 شباط، ليعيدوا العراق بشكل أو آخر الى عهد ما قبل الثورة.
ستبقى شعلة ثورة الرابع تموز منارا لكل الخيرين من أبناء شعبنا، ولم تستطع كل محاولات النظام المقبور من محو ذكرى الثورة من تقويم الاحداث التاريخية.
المجد لشهداء الثورة ومناضليها الابطال، وفي مقدمتهم الشهيد سلام عادل، سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ورفاقه الميامين.



82
فنلندا وجائحة الكورونا


سانا مارين رئيسة الوزراء الفنلندية
هلسنكي ــ يوسف ابو الفوز

 ظهرت مؤخرا، الأثنين 15 حزيران، على شاشات التلفزيون، رئيسة الوزراء الفنلندية، الشابة المتألقة سياسيا سانا مارين (34 سنة) لتعلن رفع حالة الطوارئ في البلاد التي أعلنت أواخر اذار الماضي، كإعلان من الحكومة الفنلندية والمتكونة من تحالف أحزاب اليسار ( الديمقراطي الاجتماعي، الخضر و اتحاد اليسار) مع أحزاب الوسط ( حزب الوسط ، الشعب السويدي )، عودة الحياة في البلاد الى الوضع الطبيعي، لكنها لم تنس التأكيد على ان هذا لا يعني ان الوباء انتهى، وان مخاطر الإصابة بالفيروس التاجي (كورونا) ما تزال قائمة، وعلى المواطنين الالتزام بإجراءات السلامة في الوقاية والنظافة الشخصية والبعد الآمن والتي اقرت في العديد من التوجيهات الحكومية للفترة الماضية، وتم التأكيد على استمرار تنفيذ عدد كبير من التوصيات المتعلقة بنشاطات مثل المناسبات العامة الجماعية، والعمل من المنزل(online)، والسفر بغرض السياحة والترفيه.
مع بدأ انتشار الفايروس وتحوله الى جائحة، في مختلف انحاء العالم، لجأت الحكومة الفنلندية، التي يقودها الحزب الديمقراطي الاجتماعي الى اعلان حالة الطوارئ في البلاد بعد ان اقرها البرلمان الفنلندي، وعلى اساسها عطلت المدارس وتوقف العمل في العديد من المؤسسات الحكومية والخاصة، وتم الانتقال الى أسلوب العمل عن بعد من المنزل، الذي شمل العديد من المؤسسات، إضافة الى اتباع سياسة الحجر الارادي للمواطنين، واغلاق مراكز الخدمات العامة كالمسابح، صالات الرياضة، المطاعم، الحانات، المراقص وغيرها. وتم منع التجمعات الرياضية والاجتماعية والفنية وإلغاء العديد من المهرجانات والحفلات الموسيقية، وقامت الدولة بمجهود كبير لنشر الوعي الصحي، فانتشرت اللافتات التحذيرية وبمختلف اللغات في معظم الأماكن التي يضطر لزيارتها المواطنون خصوصا المستشفيات.
في مواجهة جائحة انتشار الفايروس، لجأت الحكومة الفنلندية والجهات الصحية العليا الى اعتماد خطة ابطاء حالة انتشار الفايروس بشكل متسارع، وهكذا حين سجلت العاصمة هلسنكي وضواحيها حيث يقيم ثلث سكان فنلندا (يبلغ عدد سكان فنلندا  5,5  مليون نسمة) أكثر من نصف حالات الإصابة بالفيروس التاجي (كورونا) المؤكد في فنلندا، تم عزلها عن بقية البلاد ومنع السفر ومنها واليها أعتبارا من 26 اذار ولمدة ثلاثة أسابيع.
كان الهدف من كل التشريعات والاجراءات ولضمان الحفاظ على صحة المواطنين، هو عدم ارباك المؤسسات الصحية وكادرها لتكون جاهزة لاستقبال الحالات الحرجة بعدد يتناسب مع امكانياتها، ولجات الدولة الى استيراد المعدات الصحية اللازمة لمواجهة انتشار الفايروس على وجه السرعة مستخدمة احتياط الطواريء المقر في خطة الحكومة الأساسية وبلغت قيمته مليار يورو، كما تم توجيه العديد من المؤسسات الصناعية لإنتاج مستلزمات التعقيم والكمامات وأجهزة مختلفة لسد جزء من حاجة البلاد.
أبدت السلطات الصحية ارتياحها من تفاعل المواطنين مع خطة الحكومة ، ويمكن القول ان ما ساعد على نجاح خطة الحكومة كان هناك العديد من العوامل ، منها كون البلاد تقاد من حكومة لجأت الى إجراءات سريعة وحازمة ومسؤولة، وأيضا مستوى الوعي الصحي وروح الانضباط العالية عند المواطن الفنلندي، واحترامه لمؤسسات الدولة وأجهزتها التنفيذية، فعلى ضوء الازمة في الولايات المتحدة الامريكية واعمال الاحتجاجات ضد ممارسات الشرطة هناك بينت الاستفتاءات ان للمواطن الفنلندي ثقة عالية بالشرطة الفنلندية، ولم تحصل أي احتكاكات ومخالفات للقانون خلال فترة اعلان الطوارئ. ويمكن القول أيضا ان طبيعة المواطن الفنلندي، ساعد على بطء انتشار الفايروس، وفي جانب اخر لوحظ ان بعض الجاليات الأجنبية المعروفة بنشاطها في التزاور واللقاء انتشر الفايروس بين صفوفها بسرعة.
وحتى يوم اعلان رفع حالة الطوارئ كان هناك 7108 إصابة مؤكدة مختبريًا، تعافى منهم 6200 مواطن، ويرقد في المستشفيات 22 شخصا ثلاثة فقط منهم في العناية المركزة. وتوفي في فنلندا 326 شخصا، كان اغلبهم من الكبار في السن وممن لديهم امراض مزمنة. ولم تسجل حالات وفاة جديدة منذ يوم السبت 14 حزيران.
حول استخدام الكمامة، لم يتم فرضها على المواطنين، وظل الامر اختياريا، لكن ينصح باستخدامها في الأماكن المغلقة ووسائل النقل العام، الباصات والقطارات والترام، التي لم تتوقف عن تقديم خدماتها ضمن شروط الوقاية والسلامة ومسافة البعد الآمن بين المواطنين بمسافة متر الى مترين، وفقط في المستشفيات كان المراجعين عادة يلزمون بلبس الكمامة التي تقدم لهم عند بوابة المستشفى.
واعتبارا من الأول من حزيران بدأت الحكومة تخفف من إجراءات العزل والحجز، فسمحت للمطاعم بفتح أبوابها بشرط إستخدام  % 75المقاعد في المكان، مع المحافظة على مسافة البعد الآمن، وفتحت بعض المسابح أبوابها والمكتبات العامة والبلاجات.   وضمن الإجراءات التي شملها رفع حالة الطوارئ هو سماح فنلندا لمواطنيها للسفر الى دول الشمال الأوربي، النرويج وايسلندا والدانمارك، ولكنه منعت السفر من والى السويد بحكم اختلاف الطريقة في التعامل مع الفايروس، فالسويد لجأت الى أسلوب "مناعة القطيع"، الذي سجلت منظمة الصحة العالمية ملاحظاتها حوله، لكونها سمحت باستمرار الحياة العادية لأجل انتشار الفايروس وتحقيق مناعة عامة عند الناس! وترافقا مع رفع حالة الطوارئ، أعلنت الحكومة الفنلندية ميزانيتها التكميلية الرابعة، وبقيمة 5,5 مليار يورو، وإذ لجأ الاتحاد الأوربي الى اعلان ما سماه " صندوق الإنعاش" لاقتصاد أعضاء الاتحاد بقيمة 750 مليار يورو، توزع 500 مليار منها كمنح و250 مليار كقروض، فان فنلندا لجات الى إقتراض   18,8 مليار من الصندق لدعم ميزانيتها التكميلية لأجل تنفيذ خطتها الاقتصادية ومعالجة الاضرار الناجمة عن الجائحة، وأعلنت وزيرة المالية بأن حالما تستقر الاوضاع فان الدولة ستضطر لرفع الضرائب وخفض قيم الانفاق ولكن دون المساس بمخصصات المتقاعدين والعاطلين عن العمل، حيث تم تخصيص 60 مليون لدعم المداخيل عموما و20 مليون لتعزيز خدمات العاطلين عن العمل.  وتم تخصيص 750 مليون يورو لاستثمارات النقل وان 600 مليون منها لسكك الحديد والترام ، و مبلغ  1,4 مليار للبلديات لأجل تحسين الخدمات العامة، وأكثر من 200 مليون للتعليم و310 مليون لرفاهية الأطفال والشباب و300 مليون للعامل المناخي.
تجدر الإشارة الى ان الحكومة الفنلندية، اشارت الى كونها تدارست مع رئيس الجمهورية والبرلمان، قضية التشريعات التي ستحتاجها الحكومة مستقبلا للتصرف بسرعة، دون انتظار جلسات البرلمان لاقرارها ، في حال ظهور موجة وباء ثانية في الخريف والشتاء، كما تتوقع بعض الدوائر الصحية، وبدت الحكومة الفنلندية راضية من إجراءاتها ومستقبل الحد من الوباء ، فتم الإعلان ان المصادر الطبية تتابع باهتمام الجهود الاوربية لإيجاد لقاح ناجح للفيروس التاجي (كورونا)، وضمن إجراءاتها تدرس تهيئة خطة لتوزيع اللقاح على المواطنين في حال توفره. ومن الجدير بالذكر ان اخر الاستقصاءات سجلت تصاعد شعبية الحكومة، التي مر تقريبا عام من عمرها، خصوصا رئيسة الوزراء وحزبها الاجتماعي الديمقراطي (23,2)، مقابل الانخفاض الواضح والمتواصل في مستوى التأييد لأحزاب اليمين، مثل حزب الفنلنديين الحقيقين المتطرف (18,1)، وحزب الاتحاد الوطني الفنلندي (17,5).




83
بأي اتجاه يتحرك النازيون الجدد في فنلندا؟

 
يوسف أبو الفوز
في الأيام الأخيرة ، وشوارع مدن الولايات المتحدة الامريكية تلتهب بالاحتجاج الغاضب، بحيث أدخلت الرعب في قلب الرئيس الامريكي الشعبوي دونالد ترمب فأختبأ تحسبا في ملجأ محصن في البيت الأبيض ــ كما افادت صحيفة نيويورك تايمز ــ ، ورغم جائحة الكورونا، شهدت كثير من مدن العالم اجتماعات وتظاهرات تضامنية، ومنها العاصمة الفنلندية، هلسنكي، تطالب بالمساواة والعدالة وتدين الممارسات العنصرية بحق المواطنين السود في أمريكا، والتي صار إختناق المواطن الأسود جورج فلويد حتى الموت بحادث بشع على يد مجموعة من رجال الشرطة الامريكية، في مدينة مينيابوليس الأمريكية الشرارة لاندلاعها، وسط كل هذا خرج علينا النائب في البرلمان الفنلندي أنو تورتيانين Ano Turtiainen عن حزب الفنلنديين الحقيقين، اليمني المتطرف، بتغريدة على موقع تويتر سخر فيها من وفاة رجل أسود نتيجة لعنف الشرطة وأشار إلى "أن حياة الشخص الأسود ليست ذات قيمة مثل حياة الآخرين".
اثار هذا التصريح العنصري الشارع الفنلندي، ووسائل التواصل الاجتماعي، ووضع حزب الفنلنديين الحقيقين في موقف محرج ومساءلة، وفي البال حديث رئيس الحزب يوسي هالا أهو Jussi Halla-aho في لقاء تلفزيوني في شهر فبراير / شباط الماضي، وامام الانتقادات لمواقفه المتطرفة بحق اللاجئين والمهاجرين واعتبارها مواقف عنصرية، تعهده للجمهور بأنه "لا يوجد مكان للعنصرية في حزبه". ومع النجاحات التي تحققها الحكومة الفنلندية الحالية في مواجهة جائحة كورونا، بوجود مجموعة من احزاب اليسار، بقيادة الشابة المتألقة سياسيا سانا مارين (34سنة) التي حازت اعجاب العالم والشارع الفنلندي وتصاعد المؤشرات ـ حسب اخر الاستقصاءات ـ في تأييد الحكومة واحزابها خصوصا الحزب الاجتماعي الديمقراطي ( 23,2 )، حزب رئيسة الوزراء، وانخفاض نسب التأييد لأحزاب اليمين ومنها حزب الفنلنديين الحقيقين (18,1)، وحزب الاتحاد الوطني الفنلندي (17,5)، لجأ الحزب اليميني المتطرف ، في محاولة واضحة لأجل التقرب من الشارع الفنلندي ، الى اجراء طرد النائب من مجموعته وعدم القبول باعتذاره الذي قدمه لحزبه.
رد الفعل من النائب أنو تورتيانين على هذا الطرد والاقصاء، جاء بإعلان نفسه مجموعة برلمانية بأسمه ومستقلة وأعلن عن رئاسته لهذه المجموعة بنفسه، واختارا سكرتيرا للعمل في هذه المجموعة النائب السابق جيمس هيرفيساري، وهو نفس النائب الذي طرده حزب الفنلندييبن الحقيقين من صفوفه عام 2013 بعد اعترافه بدعوته صديقه الناشط اليميني المتطرف سيبو ليتو الى قاعة البرلمان، والتقاط صورة له هناك وهو يقدم التحية النازية وتم نشر الصورة لاحقا في صفحات الانترنيت، وهذه قضية شغلت الراي العام في حينها.
أية أسئلة تثير كل هذه المعلومات؟
لو تابعنا الاخبار والتقارير الإعلامية ، التي تفيدنا عن نشاط النازيين الجدد في فنلندا، الذين عملوا كذراع ضمن فصائل " حركة مقاومة دول شمال أوروبا" النازية ، وكونهم لم يستسلموا وحاولوا الالتفاف على قرارات القضاء الفنلندي، الذي حرم نشاطهم رسميا في اذار عام 2019 ، فأن اكبر الصحف الفنلندية ، هلسنكي سانومات، اشارت في تقرير لها، عن نقلا عن الصحيفة السويدية افتونبلاديت واسعة الانتشار، بأن جماعات من حركة النازيين الجدد الفنلندية، الذين اصبحوا ينشطون تحت ستار اسم " باتجاه الحرية" ـ Kohti vapautta ـ يساهمون منذ عام 2016 في دورات عسكرية على مقربة من مدينة بطرسبورغ، يقدمها معسكر بإدارة المنظمة العنصرية الروسية المعروفة باسم "الحركة الإمبراطورية الروسية " والمصنفة أمريكيا كمنظمة ارهابية. المعلومات تفيد بان المعكسر أنشأ عام 2012، ويقدم دورات عسكرية قتالية. وإذ اعتذرت المخابرات الفنلندية عن التعليق حول هذه الانباء، رغم إعلانها اهتمامها بالأمر، فأن السؤال هو: اذا كان النازيون الجدد يعدون انفسهم عسكريا، فأي اذرع سياسية ستجد لها مجموعة "بأتجاه الحرية" ارتباطا بكل ماضيها وعلاقاتها، بسياسيين فنلنديين داخل صفوف اليمين المتطرف. هل ستتوجه ليكون النائب أنو تورتيانين ، بدعم من سكرتيره ، صوتا لها دخل البرلمان الفنلندي؟



84
مكاشفة : مرحبا بالموت ان كان أسمي على القائمة!

يوسف أبو الفوز

أيها الأصدقاء في كل مكان ... الان يمكنني الموت بسلام.
أكملت فجر اليوم، 16 نيسان 2020، كتابة "المسودة الأولى" من روايتي الاخيرة!
تبين لي بأن الكلمة اقوى من الموت، ويمكن ان تكون علاجا لمقاومة اشد الامراض، فقد كان "الرفيق الأعلى" طيلة الشهرين الأخيرين، يدور حولي ويشاكسني، يطرق موظفيه الباب مرة بخفوت، مرات يحاولون التسلل عبر النافذة، فكان هناك أطباء ومستشفيات وسيارات اسعاف، وقلق ودموع شادمان، فلم استسلم. لاعترف لكم بأن فكرة الموت كانت تحوم حولي بشدة، وانا اتعرض لنكسات صحية متكررة، في ظل أجواء ينشغل العالم كله بوباء الكورونا. تعلمت ان لا أخاف من الموت واكون مستعدا له، فشخصيا اعرفه جيدا وسبق وقابلته مرارا، واعرف أن اسوأ ما فيه أن يأتيك في الوقت والمكان غير المناسب، هذه المرة، كنت قلقا جدا ان يباغتني وانا لم أكمل كتابة الرواية بعد.
واصلت حبيبتي شادمان حارسي الأمين، وملهمتي، بمدي بالعزم والقوة للتمسك بالحياة، فمنحت جهازي المناعي المزيد من القوة ليقاوم المرض، فكانت تذكرنا بخطط وضعناها للسفر ومشاريع لقاءات مع أصدقاء واحباب. وحين علم الاصدقاء والمحبون، بوجودي في المستشفى، انهالت علينا تحيات المحبة وجرعات الامل من كل صوب: ( يمعود بعد وكت كدامك مشروعين على الاقل! ) ، كان ذلك مذهلا ومترعا بالعاطفة: (يا يوسف كل هذه الناس تنتظرك وانت تفكر بالموت ؟) . وكان هاجس أكمال كتابة الرواية قبل ان أموت، عامل اخر يشدني للتمسك بالحياة. لقد وصلت المراحل الأخيرة من العمل. فكانت شخصيات الرواية تدور حولي وتصرخ بي: (لن ترحل، لا تتركنا معلقين هكذا ، لم يبق لديك سوى صفحات قليلة لترتبط الاحداث مع بعضها)!
كنت اتغافل مع اوجاع جسدي، وأسرق حتى الدقائق القليلة، وسط استغراب من حولي، كنت حتى في المستشفى اغافل الممرضات لأفتح الكومبيوتر، لأضيف كلمة هنا، وادقق حدثا هناك. كنت مصرا لإكمال الرواية قبل ان يقتحم ملك الموت المشهد غصبا عني! هذا الإصرار منحني طاقة لمقاومة المرض، لإكمال هذه الرواية، بل وللتفكير بفكرة رواية أخرى أن تكرم علينا ملك الموت ورفع أسمي من القائمة الذهبية لعام 2020 !
منذ أكثر من عامين ونصف وانا في عمل متواصل مع هذه الرواية، بحثا وتأملا وكتابة!
بدأت فكرتها الأولى معي عام 1978 وانا مطارد في العراق وضباع البعث العفلقي الصدامي تطاردنا من شارع لشارع!
كتبت اول الصفحات منها خلال وجودي بشكل غير شرعي في الكويت عام 1979، حيث تركت وطني مضطرا، ووصلت الكويت مشيا عبر الصحراء، لكن السلطات الكويتية صادرت أوراقي، مع مسودات أخرى، حين داهمت منزل أحد اخواني وأجبروه على مغادرة الكويت.
خلال وجودي في اليمن 1980-1982 لم أنجح، رغم محاولاتي المتكررة، في العودة الى أجواء العمل وكتابة صفحة واحدة منها. في السجون الإستونية عام 1994 كتبت مشاهدا متفرقة من العمل وسكيتشات وملاحظات لمشاهد مقترحة.
وطيلة هذه الفترة، لم اتوقف في البحث في عالم الشخصيات، فازدحمت طاولتي بمختلف أنواع الكتب، التي لها علاقة بهذا الشكل وذاك بالاحداث والشخصيات والامكنة والأجواء التي تجري فيها الرواية. أجريت وسجلت عشرات اللقاءات مع مختلف أبناء جيلي للحوار وسماع حكاياتهم التي اعتقد لها علاقة بموضوع الرواية. قرأت العديد من المذكرات الشخصية عن الفترة الزمنية التي تجري فيها احداث الرواية. راجعت الكثير من الخرائط والصور الفوتوغرافية لأمكنة وشخصيات واحداث، وكتب عن الطبيعة والحيوانات والنباتات والزهور والاساطير والامثال والحكايات والخ، وفي كل هذا وشادمان معي، تمنحني الإصرار والقوة للاستمرار، وكنت أفكر أحيانا معها بصوت عال واتسمع لملاحظاتها واقتراحاتها، فهي على الدوام كانت "المستشار النسوي"، الذي يدقق التفاصيل بخصوص الشخصيات النسائية. قبل عامين ونصف، اقتنع عقلي ـ أو شيطان الكتابة! ـ بأني جاهز للمغامرة فأطلق لي العنان لأكتب، وبدون توقف، ولأنجز أخر اعمالي الروائية.
الطريف أن أول ما كتبت من هذا العمل، كان الصفحات الاخيرة منه، وكل عملي وجهدي طيلة هذه الفترة، كان منصبا على الكتابة وفق سياق يتطابق منطقيا مع احداث المشهد الأخير.
أثبتت الفحوصات قبل اسبوعين، كوني سليما من فايروس الكورونا. غادرت المستشفى لأن البيت أكثر أمانا من خطر الإصابة بالكورونا، أبذل جهدي لاتباع وصايا شادمان والأطباء، وأأمل التعافي ومواصلة حياتي بشكل طبيعي.
لن "احرق" الرواية وأعلن عنوانها ولن اتحدث عن عوالمها، ولكنها رواية بإحداث وشخوص عراقية ١٠٠٪، حيث قيل عن رواياتي السابقة بأنها تطير بجناحين عراقي وفنلندي.
لقد منعني الطبيب هذه الأيام من الاقتراب من الكحول، فأرفعوا أيها الاصدقاء نيابة عني نخب الكلمة!

  *  (الصورة المرفقة بعدسة شادمان علي فتاح : مباغتة خلال مراحل العمل)



85
ملاحظات عن العمل بين الشبيبة والطلبة

يوسف ابو الفوز
   
من خلال تجربتي المتواضعة الملموسة في اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية في سبعينات القرن الماضي في لجانه المختلفة في مدينة السماوة، ومن خلال نشاطي اللاحق عضوا في اللجنة التنفيذية في اتحاد الشبيبة الديمقراطي العراقي "اشدع " للفترة ( 1998 ـ 2005 ) ، وكوني سكرتيرا للجنة العلاقات الخارجية لاشدع للفترة المذكورة، كتبت هذه المساهمة، ونشرتها في طريق الشعب ايامها والحزب الشيوعي على أبواب مؤتمره الثامن. اعيد نشرها الان ونحن نحتفل بعيد تأسيس اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية، وفاء للشهداء الذين قدموا حياتهم لأجل المثل العليا، وتحية لكل الزملاء، من كل الأجيال في كل مكان.
(1)
في تاريخ الحركة الوطنية العراقية ، وفي سنوات النضال من اجل التحررالوطني والاستقلال والانعتاق من الاستعمار ، وفي كل عهود التخلف والاضطهاد والحكومات المتسلطة التي تعاقبت على مقاليد الحكم ، واخرها فترة النظام الديكتاتوري الدموي المقبور ، لعبت منظمات العمل الديمقراطي المهني ، منظمات الشبيبة والطلبة والمراة ، دورا وطنيا رياديا لا يمكن لاي مؤرخ او مراقب تجاوزه واهماله ، وقدمت قوافل من الشهداء خلال سنوات عملها من اجل اهدافها الوطنية النيرة ، ولتحقيق الطموحات المشروعة لمنتسبيها في حياة حرة كريمة للشبيبة والطلبة . وخلال الفترة المعقدة ، سنوات ما بعد سقوط النظام الديكتاتوري ، واحتلال العراق ، وتشكيل حكومات عراقية من اجل بناء مؤسساتي جديد ، لعراق جديد ، والدعوة لبناء المجتمع المدني ودولة القانون فأن المنظمات الديمقراطية المهنية ، وبالتحديد منظمات الشبيبة والطلبة والمرأة ، يتضاعف دورها وتزداد مسؤولياتها ، بل ويستوجب ان تلعب دورا مهما ، لا يمكن التقليل من شأنه ، بل ويمكن ان ينافس الى حد دور الاحزاب السياسية ، فأن العصر الحالي يمكن القول ووصفه انه عصر منظمات المجتمع المدني ، التي تلعب في المجتمعات الديمقراطية المتطورة دورا بارزا ومؤثرا في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية ، ومن هنا تبرز الحاجة اكثر لاعادة النظر بأساليب بناء وتنظيم منظمات الشبيبة والطلبة والمرأة ، وطرق عمل الشيوعيين فيها ، وفقا لمعايير العمل الجديدة الملائمة للظروف الجديدة في العراق الجديد المزمع بناءه ، والذي تطمح له غالبية ابناء الشعب العراق وقواه السياسية التي عانت من جور وظلم سنوات القهر الديكتاتوري. وتبرز الحاجة اكثر من اي يوم للتنسيق العالي والفعال، وبناء اسس جديدة للعلاقة ما بين منظمات الشبيبة والطلبة ـ موضوع بحثنا ـ والاحزاب الوطنية الديمقراطية، وفي المقدمة من ذلك الحزب الشيوعي العراقي، كحزب وطني، علماني، ديمقراطي، لعب، ويلعب دورا طليعيا في الحركة الوطنية الديمقراطية ، وباعتبارهذه المنظمات تعتبر وسائل فعالة للحزب الشيوعي العراقي للعمل بين الجماهير .
(2)
عند دراسة الفقرات التي يتضمنها برنامج الحزب الشيوعي العراقي المقدم للمؤتمر الثامن، لابد من ادراك انها تعني اساسا كل الشبيبة والطلبة في العراق ، سواء المنتمين الى صفوف الحزب او خارجه ، وسواء من عملوا في منظمات مهنية او خارجها ، فالحزب حريص على ايصال صوته وبرامجه الى اوساط الشبيبة والطلبة ، بشكل مباشر من خلال اعضاءه ، او من خلال نشاطهم في المنظمات المهنية الديمقراطية . وقبل تقديم اي ملاحظات بشأن عمل الحزب الشيوعي العراقي بين الشبيبة والطلبة ، لابد الاشارة من انه لايمكن الحديث عن نشاط وعمل منظمات الشبيبة والطلبة التي ظهرت في تاريخ العراق المعاصر، دون التوقف عند مساهمة ودور الحزب الشيوعي العراقي الفعال والتأريخي في دعم هذا النشاط والعمل ، بل ونكاد نجزم بأن منظمات عريقة مثل اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية ( تأسس 14 نيسان 1948 ) واتحاد الشبيبة الديمقراطي العراقي "اشدع " ( تأسس 15 تشرين الثاني 1951 ) لم يكن لها ان تتأسس وتواصل نشاطها وحياتها لولا دعم ومساهمة الشيوعيين العراقيين . اذ رفد الحزب الشيوعي العراقي، هذه المنظمات بخيرة كوادره الطلابية والشبابية ، والتي قدمت عصارة جهدها ، وزهرة شبابها من اجل تحقيق هذه المنظمات لاهدافها وبرامجها ، وقدم الكثير من الشيوعيين حياتهم قربانا للوطن خلال عملهم في صفوف هذه المنظمات ، وقائمة الشهداء طويلة لو تم استذكارها . وكانت سياسة الحزب الشيوعي تحرص على ان تكون هذه المنظمات طوقا جماهيرا حول الحزب يسنده ويدعمه في تنفيذ سياسته وبرامجه
ولكن هل كانت سياسة الحزب الشيوعي العراقي ، في اطار العمل بين الطلبة والشبيبة ، على صواب دائما ؟ هل كان تاريخ العمل المهني دائما يمر بفترات عمل ذهبية ، كالتي شهدتها سنوات ما بعد ثورة 14 تموز المجيدة ، يوم صار لاشدع مقرات في كل حارة وشارع ؟ ماذا تقول كتب ذكريات بعض القادة من الحزب الشيوعي العراقي بهذا الخصوص؟
(3)
لو القينا نظرة متفحصة على ما حمله البرنامج المقترح للحزب الشيوعي العراقي، المقدم لمؤتمره الثامن، وفي باب "الشبيبة والطلبة " ، فأننا :
•   سنتوقف عند مهام جسيمة وكبيرة وان كانت الوثيقة جمعتها واجملها في اربعة نقاط وتتحدث عن الطلبة والشبيبة في ان واحد بالرغم من هموم ومتطلبات الطلبة تختلف عن الشبيبة رغم اتفاقهما على نقاط مشتركة هنا وهناك ، وكان الاجدر في البرنامج ان يتناول اوضاعهما ومطاليبهما وهمومهما بشكل منفصل ، ويفّصل فيها .
•   وبحكم كون البرنامج موضوع لفترة ما بين مؤتمرين ، والتي تحدد حسب النظام الداخلي بفترة اربعه سنوات ، باعتقادي ان من الممكن تقسم هذه المهام الى محورين او بابين :
اولا : المهام الانية : وهي هنا المهام التي تتعلق بمعالجة الاثار التي تتعلق بتركة النظام الديكتاتوري المقبور ، وما برز بين صفوف الشبيبة والطلبة من اثار سلبية ، اهمها حالة تجهيل وتغييب الوعي ـ هي حالة عامة يعيشها الشعب العراقي ـ والنتائج السلبية المترتبة على ذلك في دفع الشبيبة والطلبة للعمل باتجاه طائفي وقومي ، وايضا الاثار التي برزت خلال فترة الاحتلال وما تركت من تاثيرات بين صفوف الشبيبة والطلبة . وما يتعلق بتحسين حياة الشبيبة والطلبة وفي مقدمة ذلك معالجة مشكلة البطالة التي تعتبر حاليا احد الاسباب الرئيسة الحاضنة للارهاب ، اضافة الى غالبية المهام المجملة في النقاط الاربعة المذكورة .
ثانيا : المهام المستقبيلة : التي تتعلق بدور الشبيبة والطلبة في بناء وتعزيز المجتمع المدني ودولة القانون ، واعادة بناء الوطن واعماره وبطريقة تضمن الحقوق والحريات التي ناظلوا من اجلها طويلا .
(4)
وان تنفيذ المهام التي حددتها الوثيقة البرنامجية المقترحة للحزب الشيوعي العراقي، بخصوص الشبيبة والطلبة ، لا يمكن تنفيذها وبابداع دون التوقف عند نقاط اساسية ، منها :
اولا : استقلال المنظمات الديمقراطية
في كتاب " الاختيار المتجدد " * وهو مذكرات الفقيد رحيم عجينة ( 1925ـ 1996 ) ، القيادي في الحزب الشيوعي العراقي ، وهو واحد من ابرز الكوادر التي عملت في اشدع في سنوات خمسينات وستينات القرن الماضي ، وتبوأ فيه مواقع قيادية مهمة ، ومثل اشدع في العديد من المحافل الدولية وخصوصا سكرتارية اتحاد الشبيبة الديمقراطي العالمي ، يشير الى كون استقلالية المنظمات الشبابية كثيرا ما يهدد بسبب الكوادر القيادية ، فاذ يكونوا عاملين في احزاب شيوعية ( فانهم يطرحون في العادة مواقف احزابهم ) ويؤكد ( بان هذا احد امراض المنظمات الديمقراطية سواء كانت وطنية او عالمية اذ غالبا ما تفقد استقلاليتها وتمسكها برغبات وقرارات اعضاءها ) . وفي مذكراته يؤكد الفقيد رحيم عجينة على ضرورة ( العمل وبجد لتعزيز استقلالية هذه المنظمات لتكون منظمات ديمقراطية ، كاملة الاستقلال، وليس تابعا ملحقا لتنظيم الحزب الشيوعي العراقي ، ودون السماح لهيئات حزبية وكوادر قيادية من ان تفرض وصايتها على الهيئات القيادية تحت ذرائع ومبررات لا حصر لها ) .
ولو راجعنا مذكرات المناضل ، جاسم الحلوائي ** ـ المنشورة على مواقع الانترنيت وصدرت مؤخرا في كتاب ـ والذي تبوأ مواقع قيادية عديدة في قيادة الحزب الشيوعي العراقي ، وتحديدا الفصل المعنون (الإصدام) ، نجده يشير وبجرأة الى ( إن نزعة الهيمنة على المنظمات الديمقراطية والمهنية والإنفراد بقيادة الجماهير الشعبية لم تكن نزعة طارئة وإنما من صلب أيديولوجية الحزب ، وإن الحرص على مبدأ وحدانية المنظمة الديمقراطية أو المهنية الذي كنا ندافع عنه يصب في هذا الإتجاه. إن هذه النزعة كانت موجودة في المواد الخمسة الأولى من النظام الداخلي القديم، التي كنا نشرحها للعناصر الجديدة قبل ضمها للحزب وقد جرى تعديل تلك المواد في المؤتمرين الثاني والثالث . وبدأ الحزب بالتخلص من هذه الأيديولوجية منذ مؤتمره الخامس "مؤتمر الديمقراطية والتجديد" حيث ثبت في نظامه الداخلي الجديد حرصه على إستقلالية المنظمات النقابية والمهنية والإبداعية وغيرها. وواصل دمقرطة الحزب وبرنامجه وسلوكه مع الآخرين وتبنى التعددية والتداول السلمي للسلطة ) .
ان ابرز ما يواجه الحزب الشيوعي العراقي في هذا المجال ، ومن خلال تجربتي المتواضعة الملموسة من خلال نشاطي عضوا في اللجنة التنفيذية لاشدع ( 1998 ـ 2005 ) ، وكوني سكرتيرا للجنة العلاقات الخارجية لاشدع للفترة المذكورة، هو ان الهيئات المختصات الحزبية ، وبحكم حاجة بعض العاملين فيها الى مزيد من الوعي والثقافة النقابية بسبب من قلة تجاربهم في العمل المهني ، ورغم اعلان هذه الهيئات المختصة الدائم عن عدم تدخلها بشؤون عمل المنظمات الديمقراطية والمهنية ، فانها عمليا تعمل بطريقة تكون فيها مقام الهيئات القيادية لهذه المنظمات المهنية ، وما يساعدها على ذلك هو ان الروح الانجازية ـ الانجاز لاجل الانجاز ـ التي تملكها هذه المختصات الحزبية وتجعلها تنجز فعاليات ونشاطات تنظيمية تكون النتيجة فيها أختيار هيئات قيادية ضعيفة الخبرة والتجربة ، فتكون دائما بحاجة ماسة الى الدعم والمشورة ، مما يساعد ويسهل لبعض الكودار القيادية العاملة في الهيئات الحزبية المختصة ان يتحولوا من مقدمي مشورة ونصائح الى موجهين وقادة فعليين للمنظمات الديمقراطية ، وهذا بالتأكيد يتم "تحت ذرائع ومبررات لا حصر لها " كما اشار الفقيد الدكتور رحيم عجينة . ومع ذلك لا يمكن هنا اغفال تجارب ايجابية عملية في التنسيق العالي بين هيئات قيادية من المنظمات العمل الديمقراطي ، وهيئات مختصة حزبية استوعبت جيدا موضوعة استقلالية المنظمات الديمقراطية ومارست بشكل خلاق وحقيقي دور تقديم المشورة والدعم المناسب فكانت نتائج العمل طيبة ومثمرة.
ثانيا : العمل السياسي والعمل المهني
ان قراءة متفحصة لتاريخ نضالات منظمات الشبيبة والطلبة تجعلنا نتوقف عند تلك الصفحات المشرقة في النضال الوطني ، من اجل الاستقلال والديمقراطية والحرية وحياة افضل ، حيث قدمت هذه المنظمات قوافل من الشهداء الابرار من منتسبيها ، في كل الانتفاضات والوثبات والثورات والاحتجاجات ، وفي مختلف سوح النضال ، في المظاهرات وفي ساحات العمل السري ، وفي السجون والمعتقلات ، وفي سنوات الكفاح المسلح ، وسنوات النفي الاجباري . ان النضال المطلبي والمهني متشابك جدا مع المطالب الديمقراطية، فأن العمل من اجل تنظيم فريق كرة قدم يحمل معه ضمنا نضالا من اجل حياة ديمقراطية ، وهذا ما يجعل هذه المنظمات في صدام مستمر مع انظمة الحكم التعسفية الشمولية . والملاحظ ان العديد من الظروف الموضوعية والداخلية جعلت المنظمات المهنية تتحول الى منظمات سياسية ، تتحدث بذات الخطاب الذي تتحدث به الاحزاب الوطنية وخصوصا الحزب الشيوعي العراقي ، مما يسبب الخلط بينها وبين تنظيمات الحزب الشيوعي ، ولهذا نتائجه السلبية على التوجه للعمل بين اوساط الشبيبة والطلبة. ان من الضرورة التأكيد على ان يكون للمنظمات الديمقراطية برامجها المهنية الديمقراطية ، التي تحمل هموم ومطالب الشرائح التي تمثلها ، وان تنشط المنظمات الديمقراطية بأتجاه تعزز فيه النشاط والعمل المطلبي وترسم برامج واقعية تلف حولها غالبية من تمثلهم وتتحدث باسمها . ان الاستقلال في العمل والخطاب النضالي لا يعني تعارضا مع الاحزاب الوطنية والحزب الشيوعي العراقي، وكما ان التنسيق في العمل والالتقاء في الاهداف يجب لا يعني التبعية والذوبان . ان تعزيز الجانب الديمقراطي في حياة وبرامج وعمل هذه المنظمات يجب ان يساهم في جعلها منظمات ديمقراطية مهنية حقيقية وليست منظمات سياسية تابعة وذيلية. ان التنوع الفكري لمنظمات الشبيبة والطلبة يدعو الى العمل لتوحيد جهودها ضمن مظلة تنسيق واحدة، تكون اداة لجمع طاقات الطلبة والشبيبة من اجل اهداف مرحلية انية تدعم العملية السياسية وتتصدى للعمل الارهابي والتخريبي ، وهنا يمكن للشيوعيين العاملين في منظمات الشبيبة والطلبة ان يلعبوا دورا اساسيا استنادا الى تجربة حزبهم في العمل المشترك والتحالفات .
هوامش
* ـ الاختيار المتجدد . الدكتور رحيم عجينة . توزيع دار الكنوز الادبية 1998 . بيروت
** ـ جاسم الحلوائي . ذكريات / موقع الناس / فقرة الاصطدام


سماوة القطب
18 تشرين الاول 2006

86
المنبر الحر / إشهدوا أني بلغت!
« في: 12:44 10/04/2020  »
إشهدوا أني بلغت!

 

يوسف أبو الفوز

نتجول كل مساء في الغابة القريبة من بيتنا، هاربين من وحشة العزل الذاتي بسبب جائحة فايروس الكورونا، وتتوفر لنا الفرصة لشم هواءا نقيا، مراقبة مظاهر الربيع على أغصان الأشجار، والتلذذ بسماع خرير الماء في الجدول والاستمتاع بالطيور محلقة حولنا، تتناجى فيما بينها بأعذب موسيقى، غير دارية بما يجري على الأرض من أهوال. ومثل كل يوم، كانت شريكة حياتي تعزز هوايتها بالمزيد من الصور لما حولنا، لتختار فيما بعد أفضلها لتنشرها على حسابها في الانستغرام. ومن لا مكان ظهرت أمامنا. كانت نبضات قلبي موسيقى طبول مصاحبة لظهورها. أيعقل ان المرأة ـ الوطواط حقيقة وليس خيالا؟ بحثت عن الكاميرات حولي، فربما يصورون هنا فيلما ما، أو اعلانا للحبة الزرقاء يقدم بعد الساعة التاسعة مساء! ليس سوى الهدوء ، فهو الغالب. غابت حتى السناجب والارانب التي يستهويني متابعة ردود فعلها على ظهور الانسان قريبا منها! كانت المرأة تتحرك برشاقة لا تخفي جسمها الملفوف بأحسن تكوين، الامر الذي جعلني أتذكر حيلة رجالية عتيقة، بافتعال ربط شريط حذائي لأحظى بزاوية أفضل للتمتع بهذا الجمال المكنون وكسب بعض الوقت في تملي المرأة التي حيت زوجتي وهي تعبر مسرعة تاركة في المكان زوبعة من عطرها الفاغم. بدلا من نيل اللوم والتقريع من زوجتي لأفعالي الصبيانية، ولان حركتي كانت مكشوفة، تفاجأت بها تسألني:
ـ هل عرفتها؟!
ازدردت بلعومي مرارا أبحث عن جواب ما، لكنها وفرت عليّ ذلك:
ـ كنت اظنك حقا هراكيل بوارو لكثرة ما تتحدث عنه!
ـ أتعرفينها؟
وضحكت زوجتي، تلك الضحكة التي تعادل القبضة اليسرى من مايك تايسون قبل إعلان إسلامه. فحاولت ان اتماسك والشعور بالهزيمة والعجز بدا واضحا يرسم حركتي البطيئة:
ـ هذه جارتنا، صاحبة الجرو الذي ...
ـ مستحيل، لا يمكن، ان تكون هي!
ـ مثلما تريد، لكنها هي!
بعد عودتي للبيت وقفت عند شباك المطبخ، متابعا كل من يمر امام منزلنا. نادرا ما مر أمامي رجل او امرأة بدون كمامات أو قفازات. لاحظت مبالغة البعض بارتداء ملابس مغلقة، مثلما فعلت جارتنا، بأرتدائها ملابس داكنة واسعة، غطت فيه رقبتها مع كمامات ونظارات وعززت ذلك بقفازات بحيث بدت لي كأنها المرأة ـ الوطواط فلم اتعرف عليها وانا الذي طالما تباطأت في خطواتي كلما صادفتني تتسكع مع جروها الذي يطلق نباحا مزعجا لا يتناسب مع حجمه كأنه قطة!
ولمع في بالي خاطر. يا آلهي. ايتها الآلهة عند الكفار والمؤمنين.. أنه الوقت الملائم تماما. هل أخبر بذلك الشرطة، أم أنشر تحذيرا عاما على فيس بوك فيتوزع أسرع من بوستات " جمعة مباركة"؟؟
كيف لم يخطر ببال الكثيرين أنه الوقت الملائم لسرقة البنوك!
نعم! سبق وشاهدنا كيف تجري سرقات البنوك في الأفلام الهوليودية : يرتدي اللصوص أقنعة لإخفاء معالم الوجه، قفازات لعدم ترك البصمات وملابس داكنة واسعة لتخفي طبيعة الاجسام !
لقد حولتنا جائحة الكورونا، كلنا نساءا ورجال، اخيارا واشرار، اغنياء وفقراء، مؤمنون وملحدون الى اشكال تبدو كأنها مشاريع لصوص. لو دخلت هذه الأيام أي مجموعة بشرية لأي بنك لن يشك بها أحد أبدا. لن يستنفر الحراس وتطلق صفارات الأنذار، فالجميع في الهوا سوا! سوف يمكنهم بسهولة سلب البنك ما يريدون والانصراف بهدوء كبير. لا حاجة لسيارة تنتظر والمحرك شغال. يمكن المغادرة من الباب الامامي، ولن تتمكن الشرطة من العثور على شهود لوصف اللصوص، فالجميع في بيوتهم يمارسون حقهم في العزل الذاتي!
إشهدوا أني بلغت!  إشهدوا أني بلغت!  إشهدوا أني بلغت!     


٩ نيسان
هلسنكي ـ عزلة الكورونا

   

87
هل كان العالم بحاجة لأزمة وباء فايروس الكرونا؟

يوسف أبو الفوز

ان المتابع للتطورات السياسية في مختلف دول العالم، والمصاحبة لأزمة فايروس الكورونا، بالتأكيد لاحظ كيف ان الازمة هزت الأنظمة الرأسمالية وكشفت خوائها الإنساني، ففي الولايات المتحدة الامريكية، في يوم وليلة تحول جميع المرشحين للانتخابات الرئاسية، من جمهوريين وديمقراطيين،  ليقفوا على يسار المرشح الديمقراطي بيرني ساندرز الذي قبل ازمة الكورونا كان يدعو في برنامجه الانتخابي الى الرعاية الصحية للجميع، لقد  أصبح الجميع فجأة اشتراكيين ويدعون لتوفير الرعاية الصحية مجانا، بل ودعا البعض من الجمهوريين الى تأميم بعض شركات المستلزمات الطبية !
فما الذي جرى؟ وهل حقا كنا بحاجة لأزمة الكورونا ؟هذا السؤال الغريب صار يتردد على لسان الكثيرين، مع استمرار الأيام الصعبة، التي يواجهها الناس في مختلف بقاع العالم، من بعد اكثر من مئة يوم من تفشي الوباء، خصوصا البلدان التي ارتفع فيها عدد المصابين والموتى، حيث وحتى كتابة هذه السطور، تتحدث الانباء عن أصابة أكثر من 1.2 مليون شخص وموت أكثر من 69000 شخص في مختلف البلدان، وبسبب من عدم اكتشاف علاج ناجع للمرض، فإجراءات العديد من حكومات العالم، صار هدفها ليس إيقاف الوباء، بقدر ما الابطاء من انتشاره لتستطيع المستشفيات والوحدات الصحية القيام بواجبها خاصة مع الحالات الخطرة.
تقودنا طبيعة السؤال، الى حال كون وباء فايروس كورونا، وضع الكثير من الأنظمة والحكومات على المحك، وكشف مساوئها في طريقة ادارتها للازمات، وفضح النواقص في كفاءة الأنظمة الصحية، اضافة الى عجز سياسيين وقادة دول وقصورهم في فهم حجم الخطر الذي يهدد بلدانهم والعالم، حيث ادلى البعض بتصريحات قللت من شأن الأزمة، أو تحتوي على معلومات مضللة عن فيروس الكورونا وتنصح باتخاذ اجراءات غير مفيدة إلى حد بعيد، ويقف في مقدمة هؤلاء السياسيين الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بتهريجاته التي تتناقلها وسائل الاعلام بسخرية وغضب!
لقد واجهت البشرية، على مر العصور والتأريخ، مجاعات وحروب واوبئة أدت بحياة الملايين وانهيارات في الاقتصاد، وتجاوزتها محاولة، ولأجل المستقبل الأفضل، الاستفادة من دروسها الأساسية، فهل ستتوقف الشعوب والأنظمة السياسية عند الدروس المستخلصة من ازمة وباء الكورونا بعد إيقاف الوباء والقضاء عليه واستعادة الحياة الطبيعية؟ هل ستتم مراجعة نظام العولمة الرأسمالية الذي اثبت فشله لأجل نظام أكثر إنسانية؟ هل آن الأوان لتنتبه مختلف الأنظمة السياسية بأن الدولة يجب ان تأخذ دورها الكبير في رعاية مؤسسات التعليم والصحة والسكن والغذاء، والتخلي عن مجرد كونها جهاز بيروقراطي يعمل لصالح أصحاب الثروة ورأس المال؟ هل سيتم الانتباه، على صعيد الحكومات والدول، الى ان الشعوب ليست بحاجة الى ميزانيات عسكرية ضخمة بقدر الحاجة للصرف على المنظومات الصحية؟ وان الامن الصحي هو في مقدمة المهمات وهذا لا يتحقق بالجيوش والصواريخ؟ هل ستنتبه الحكومات والأحزاب الى ان شعوبها سوف لن ترحمها إذا لم تكن تتعامل معها بشفافية ونزاهة وتضع مصلحة المواطن والبلد في المرتبة الأولى؟ وان تحقيق نظام العدالة الاجتماعية بين مواطني البلاد يحمي كرامة المواطن ويضمن أمنه الاجتماعي؟ هل ستنتبه احزاب المعارضة في الحكومات الديمقراطية، الى ان التعامل يجب ان يتم وفق معادلة "نقد ـ تضامن" لأجل مستقبل الشعب والوطن، وليس وفق سياسة النبش عن الهفوات واستغلالها لكسر عظم الاخر؟
وعلى الصعيد الاجتماعي والإنساني كشفت أزمة الوباء، خصوصا في البلدان الفقيرة وبلدان العالم الثالث، حاجة الناس لبعضهم البعض، واهمية التكافل والتعاون الاجتماعي، بإشكاله المادية والروحية، فهو من جانب سيساهم بشكل كبير في سد النقص في عجز المؤسسات الحكومية في القيام بدورها لسد الثغرة الكبيرة في الفرق بين حياة الأغنياء والفقراء. إضافة الى انه سيمنح الناس عموما شعورا بالأمان، لكونهم لا يواجهون مصاعب الحياة لوحدهم وان التضامن الشعبي يرسخ مفاهيم المسؤولية الجماعية. وان حركات الاحتجاج الجماهيرية، وتماشيا مع سياسات العزل والحجر الصحي، يجب ان تبتكر اساليبا جديدة لأجل الإبقاء على قوة الضغط ومن اجل انتزاع حقوق الناس في تحقيق التغيير المنشود لأجل عالم جديد يختلف عن عالم ما قبل ازمة الكورونا!


6 نيسان  2020
هلسنكي ـ عزلة الكورونا


88
المنبر الحر / الفرح أيام الوباء
« في: 21:45 31/03/2020  »
الفرح أيام الوباء
يوسف أبو الفوز

هذه الأيام، يعيش العالم مع محنة الوباء الفايروسي، وباء كورونا، واخباره في كل مكان ووضع كل العالم في عزلة، لكنه لا يمكن قطع حبال ذكرياتنا.
في العراق، نهاية سبعينات القرن الماضي، مع تزايد قبضة صدام حسين وجناحه على مقدرات السلطة وشؤون العراق، كنا نواجه وباءا من نوع اخر، وباء العسف السياسي، بأرهابه العلني ضد الشيوعيين والديمقراطيين وعموم الشعب العراقي تحت شعار: انت بعثي وان لم تنتم!
لم يرضح المئات من شيوعيين وديمقراطيين لإملاءات حزب البعث العفلقي الحاكم، السادر في سياسة تبعيث المجتمع وتزوير التاريخ فأضطر عدد ليس قليل منهم لمغادرة العراق، واضطر قسم ليس قليل لترك جامعاتهم ومواقع عملهم والانتقال لمدن ثانية، انتحلوا أسماء أخرى ومارسوا اعمالا لا تمت لاختصاصهم بسهولة، وعاشوا أيام رعب وتوتر وضباع الاجهزة الأمنية تطاردهم من شارع لشارع في انتظار حل ما.
لم يكن مخطئا من سمى حياة التخفي بانها، حياة تحت الأرض. فعليك ان تقطع علاقاتك مع معارفك القدامى، تتجنب لقاء اهلك واصحابك، متمسكا بالشخصية التي صنعتها لنفسك.
وصلت بغداد في ربيع 1978، تاركا دراستي الجامعية، باحثا لنفسي، مثل كثيرين، عن شخصية جديدة، وعمل مناسب، لوقاية نفسي من وباء الاعتقال وتبعاته، اتنقل بين مختلف الامكنة لأبيت ليلة او ليلتين باحثا عن مستقر. كانت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي قد أصدرت بلاغها عن اجتماعها، الذي طالب بوقف حملات الاعتقالات والشروع في ارساء دعائم النظام الديمقراطي وانهاء الفترة الانتقالية واجراء انتخابات لجمعية تأسيسية تضع دستورا دائما للبلاد وجن جنون قيادة وجلاوزة حزب البعث.
حل العام 1979، ونحن نعيش تحت الأرض في بغداد ومدن أخرى وضباع البعث تطاردنا من شارع لشارع. كان يوم الثلاثين من اذار يصادف يوم الجمعة. كانت شوارع العاصمة بغداد، مزدحمة بالناس، تعيش أجواء مباريات كرة القدم في دورة الخليج العربي الخامسة (من 23 اذار إلى 9 نيسان 1979). وعبر رفاق وأصدقاء، كان لدي موعد مع صديق عزيز ـ ربما يقرأ هذه السطور ويبتسم! ــ لم تفارقنا روح التحدي، وانطلاقا مما ذكره رجب بطل رواية "شرق المتوسط " لعبد الرحمن منيف لحبيبته هدى " ان أكثر الأماكن سرية هي الأماكن المكشوفة"، كان موعدنا عند صالة سينما بابل. وصل صاحبي على الموعد تماما، فلم ينتظر بعضنا الاخر كثيرا. اخذني بالأحضان وهو يسخر من هيئتي الجديدة، بذقني النامية ونظاراتي الطبية المزيفة. قال انه يعرف مكانا هادئا يمكن ان نحتفل به سوية، اتفقنا ان تستخدم اسمائنا المستعارة، ونتجنب العبارات والاغان الثورية، حتى لا نكشف أنفسنا للعيون. كنا لا نزال نقف عند بائع الفستق في باب السينما، حين وجدت انه اتفق مع صديقين أخرين لينضما الينا. لم يكن الامر حصيفا بالطبع ومخالفا لتقاليد العمل السري. الأكثر من هذا هو ان صاحبي كان متحمسا وقرر كما يبدو بدأ احتفاله ونحن هناك، فراح يدندن بصوت مسموع الاغنية التي تملأ الشارع يومها:
ـ "يا بورجل الذهب يا فنان العرب
هلا بيك هلا وبجيتك هلا!"
لم يكن خافيا عني مقصده. وسرعان ما ارتفع صوته يرافقه صاحبانا. بدا الامر وكأنه مزاج شباب محبين للرياضة. كان يفترض ان نترك المكان بسرعة، لكن صاحبي راح يكمل الاغنية بحماس أكبر:
ـ إلنا يبه الكأس وأسمنا يلوگ أله!
يكرر الجملة متوجها للناس القريبين اليه كمن يشركهم بالأمر، يغني وكأنه يطالبهم بالتصديق على كلامه. لا نعرف كيف التف علينا بعض الشباب في المكان، وصارت مجموعة من الشباب يغنون معه الاغنية بحماس ويدبكون، وتوسطهم صاحبنا. لم يكن صعبا إدراك ان صاحبي تحت ستار الاغنية الرياضية أراد ان يحتفل بطريقته الخاصة. بدأت دائرة الملتفين حولنا تكبر، وبدا الامر يكتسب شيئا من الخطورة حين اقترب مني أحد الوقوف في المكان وهمس لي محذرا:
ـ اخذوا صاحبكم واتركوا المكان بسرعة!
وهذا ما حصل. تركنا المكان أشبه بالهرولة، ووجدتني مع صاحبي، ونحن نبتعد ونضيع في الازقة القريبة اشاركه الغناء:
ـ "إلنا يبه الكأس وأسمنا يلوگ له"

25 اذار 2020
عزلة الكورونا

89
قصة قصيرة : المُعَلَّمُ !

الى رفاقي الأنصار الشهداء والشهداء ـ الاحياء في الذكرى 86 لعيد حزبهم العتيد ، ووفاءا ومحبة.
 نشر النص في الثقافة الجديدة العدد411- 410 آذار 2020/ من مخطوط " بعيدا عن البنادق" المعد للنشر

يوسف أبو الفوز

كل شيء كان مدهشا. الفرقة الراقصة التي قدمت رقصاتها بحيوية ومرح وجمال، شدت اليها الانظار، وطغى الاعجاب برقصاتها على كل شيء أخر. أزدحمت القاعة بالكثير من الانصار القدامى واصدقائهم الذين يحملون تقديرا لنضالات الانصار وتضحياتهم. كانت الوجوه مفعمة بالسرور، والانصار يجلسون مزهوين كونهم الضيوف النجوم في الاحتفال والذين سيتم تكريم المبدعين والفنانين منهم. عريف الحفل، رغم قصر قامته، يشعر بنفسه أطول من الاعمدة التي ترفع سقف القاعة، التي أزدهت بالاعلام والشعارات والبالونات الملونة، مزهوا لنجاحه مع المجموعة المنظمة للحفل، في ضمان مشاركة الفرقة الراقصة. بعض الهمس قال ان المجموعة المنظمة للاحتفال ضمنت ذلك بمكالمة هاتفية قصيرة للمسؤولين المعنين من قبل "الدكتور"، الذي ما أن وصل قاعة المهرجان تحيط به حمايتة الخاصة، وثمة من يركض أمامه مؤشرا بيده ان " افسحوا الطريق"، حتى ركض اليه البعض، يدلونه الى مكان جلوسه في الصف الامامي، ليس بعيدا عن قيادات حزبية وسياسية، الذين حضر بعضهم مبكرا واختلطوا مع الضيوف متبادلين معهم احاديثا ودية سادتها ضحكات مرحة، بينما جلس البعض الاخر منهم صامتا بشكل حيادي. لاحظ سالم من مكانه كيف ان البعض من القادة الحزبيين تعكر وجهه من رؤية "الدكتور"، وكيف نهض البعض وصافحه بحرارة، بينما رد البعض التحية مجاملة وهو جالس في مكانه. واذ تفحص سالم وجوه الحاضرين من حوله، عرف الكثير من اصحابه، قادمون من مختلف مدن البلاد، وبعضهم قادم من دول اوربية بعيدة، لكنه انتبه الى غياب معلمه. أيعقل ألا يحضر في مثل هذا اليوم، وهو الذي ظل يسأل عن موعد الاحتفال طوال الاسابيع الماضية؟ ما ان حلت الاستراحة حتى ترك سالم مقعده ووقف جانبا يتفحص القاعة بهدوء. لاحظ اخت الشهيد التي احتضنته قبل عام، في مهرجان سابق، بحرارة وشهقت على صدره حين علمت بانه ساهم بدفن اخيها في احد أودية كردستان. بعض أصحابه الانصار، وقد التقوا بعد فراق لفترات معينة، ربما شهورا وقد تكون سنينا طويلة، غرقوا ، وحتى خلال فقرات الحفل، في احاديث عميقة هامسة تقطعها ضحكات مكتومة، يمسحون الدمع بأطراف اصابعهم عن عيون اتعبتها ليالي السهر في الجبل، وخمن بأن الكثير منهم لم يسمعوا كلمة من قصيدة الشاعر، الذي ابتل قميصه المزركش بالعرق في حر تموز اللاهب، وبحت حنجرته وهو يشيد بحماس بنضالات شهداء العراق وشهداء الانصار، الذين نسي منظمي الاحتفال، ان يضعوا ولو صورا لبعضهم ضمن معرض صور الطبيعة التي استأجروها من معرض للوحات والصور القديمة، بعد ان تعالت الاصوات محتجة بضرورة ان يضم الاحتفال معرضا للوحات، فأنتبه منظمي الاحتفال الا انهم نسوا انه كان بين المقاتلين الانصار العشرات من الرسامين البارعين وسيتم تكريم بعضهم هذا اليوم. واخيرا أنتبه سالم، وعثر على المعلم جالسا في اخر القاعة، بملابسه المتواضعة وقبعته القماشية، التي صار يرتديها في الفترة الاخيرة كمحاولة لاخفاء صلعه النامي. كان يبدو مثل عامل وصل المكان من موقع العمل مباشرة. كان الجالس بجانبه يهمس له بشيء ما، وهو يبتسم له بهدوئه المعتاد. ذات الابتسامة التي ما فارقت محياه منذ تعارفا في تلك الزنزانة العفنة. في تلك الليلة البعيدة، حين جرجره الفاشست من سرير نومه، واذاقوه العذاب وحين عجزوا من معرفة ولو اسم واحد من رفاقه، رموه كخرقة بالية على ارضية الزنزانة. أحس بيد حانية، تمسد له جروحه وتمسح دمه المتخثر، وصوت تحمل نبراته كل حنو العالم يهمس له بكلام لا يفهم منه شيئا. تحدث الصوت معه كثيرا تلك الليلة وظل ساهرا معه، فلقد منعته جراحه من النوم، ومن كل كلامه بقي يتذكر تلك الجملة التي سحرته كثيرا:
ـ بسيطة ... بسيطة .. غدا كل شيء يكون أحسن !
بعد يومين، حين افاق قليلا، ميز جيدا الوجه الفتي الذي لم يتركه لحظة واحدة. بأبتسامة حية، وبعينين متعبتين، تحملان كل حزن العالم وحكمته :
ـ بسيطة ... بسيطة .. غدا كل شيء يكون احسن !
سأله بحياد :
ـ هل انت معلم ؟
ضحك الرجل حتى بانت جذور أسنانه :
ـ هل طريقة كلامي توحي لك بذلك، اتصدق أني بالكاد تعلمت القراءة والكتابة !
ومن يومها قرر ان يسميه "المعلم". فعلى يديه تعلم كيف يمكن ترجمة المحبة الى أفعال :
ــ لا يكفي ان تقول لمن تحب أنك تحبه، عليك ان تجعله يتلمس ذلك!
ـ والكراهية يا معلمي ؟
ـ هذه لابد ان نعرفها، لكن يجب ان لا نمارسها !
ـ لكن الذي وشى بك وسلمك للضباع، كيف يمكن ان لا تكرهه ؟
ـ سيكره نفسه، حتى لو صار ... !
ـ ماذا ؟
ـ الذي وشى بي، يطمح لان يحصل على شهادة الدكتوراه يوما !
ـ وماذا تظن ؟
ـ سيحصل عليها، وسيناديه الناس "يا دكتور"، وسيكون له شأن ما، وبدل سن الذهب سيكون له أثنين، ولكن ...
ـ ماذا ؟
ـ سيكره نفسه قبل ان نكرهه أنا واياك. وغدا حين ننشغل بالمحبة والاحباب وعذوبة حياتنا الجديدة، سوف لن يكون لنا وقت كاف لنكره هذا "الدكتور" وأمثاله !
 لم يكن المعلم يحب الكلام الكثير، لذا تعب منه جلاديه. بعد جولات الاستجواب والتعذيب، كان يمسح لهم جراحهم بأبتسامته التي كانت تدفع بجدران الزنزانة ليروا خلفها جمال الايام القادمة :
ـ ترك لي ابي قطعة ارض صغيرة، صحيح انها اصغر من حصة أخي الأكبر، لكنها تناسب امكانياتي جيدا. سأبني لي فيها غرفة صغيرة واجد بنت الحلال التي تشاركني خبزتي، وسازرع الارض بكل ما ينفع الناس. يمكنك ان تزورني الى هناك. سأعطيك العنوان !
حين وجدا نفسيهما خارج السجن بعفو رئاسي مفاجيء، تسللا معا الى كردستان . كان للمعلم خبرة بارعة في معرفة الناس والدروب. في الجبل عاشا لفترة على مقربة من بعضهما البعض. تلقيا تدريبا على عمل الانصار، كان القائد الانصاري العجوز وهو يذرع الارض امامهم، ذهابا وايابا، يحرك اصبعه في الهواء
ــ عيوني ... تذكروا دائما، ان الجنود هم أخوتنا، والنظام هو عدونا !
اشتركا معا في عمليات انصارية مختلفة، واذ لاحظ المعلم يوما ارتباكه وتردده خلال عملية عسكرية، همس له وهو يحيط كتفه بذراعه :
ـ لا تخاف يا صاحبي من الرصاصة التي تسمع صوتها، فالتي ستقتلك لن تمنحك الفرصة لذلك !
وفي يوم صحو مريع، حين انهمرت القذائف عليهم بشكل مباغت، من طيران العدو، الذي صب حمم غضب النظام الفاشي على المواقع المحتملة للانصار، أصيب المعلم بساقه، وقرر طبيب الانصار بترها من تحت الركبة. كانت ليلة عصيبة. استخدم الطبيب منشار قطع الخشب وبمخدر موضعي قطعوا العظم. لم تنم القاعدة الانصارية ليلها. كانوا يسمعون زئير المعلم والطبيب يمارس مهمته الشاقة. في اليوم التالي قال الطبيب للأنصار :
ـ هذا ليس رجلا، قلبه من صخر !
ترك القاعدة ليلتها، لم يحتمل سماع الزئير، صعد الى ربيئة المراقبة والاسناد، ربيئة الدوشكا، اعلى الجبل، بعد يومين زار المعلم ودفن وجهه في صدره وشهق.  وهما يحتضنان بعضهما، قال له :
ـ انا اسف يا معلم !
وحرك عينيه اشارة الى ساقه. لم يستطع أن يقول الكلمة. أبتسم المعلم :
ـ  بسيطة ... ماذا كان سيحدث لو أن الشظية اختارت رأسي، ها انت تراني حيا، وبإمكاننا غدا ان نفعل كل شيء، سيكون لي ابناء بسيقان صحيحة، وستكون الارض عامرة بكل ما يسرك، فقط عليك ان تزورنا!
انتهى الحفل، وتدافع الحضور للخروج . حاول سالم ومعه المعلم الانتظار حتى يخف الازدحام. كان سالم يراقب بألم كيف حمل المعلم نفسه مكابرا على ساقه الاصطناعي مستندا الى عكاز خشبي قصير. كان المعلم يسير الى جانبه يحاول اقناعه بزيارتهم الى مدينتهم الصغيرة ليعرفه على من تبقى من أهله وزوجته، حين جرى كل شيء بسرعة، اذ خرج عليهم فجأة جماعة من ممر جانبي يؤدي الى غرفة دورة المياه ، وصاح احدهم بعدائية:
ـ افسحوا الطريق !
واندفع مجموعة من الشباب المتنمرين يبعدون الناس جانبا، رغم ان لا أحد يسد ممر الخروج الواسع. مد أحد افراد الحماية يده القوية جانبا وازاح سالم الى الخلف. لم يلحق ليقول شيئا. فثمة من قفز يدفع الاخرين ببندقيته ليفتح ممرا أكبر بين بقية الناس :
ـ افسحوا الطريق للدكتور!
مال احد الضيوف الخارجين متحاشيا عقب البنادق المشرعة، ومن دون ان يقصد دفع المعلم، فانزلقت عكازه على الكاشي الاملس. حاول المعلم ان يستند لشخص قريب، لكنه لم يلحق فتكوم على الارض مطلقا أهة حاول ان يكتمها وغطى وجهه حتى لا يرى الاخرين ألمه. اندفع سالم واخرين أليه وهم يشتمون لا على التعيين . وقف الدكتور جانبا وصاح بأحد افراد حمايته :
ـ أعمى، أغبر ، ما شفت هذا المسكين !
وألتفت الى سالم وسأله :
ـ أخي، هل كل شيء تمام ؟
ثم سأل بسرعة  :
ـ من هذا ؟
نظر سالم الى الدكتور ملياً، حدق جيدا الى لمعان سن الذهب في فكه الاعلى، قال له وشيء يخدش له قلبه
ـ بسيطة دكتور ... هذا نصير شيوعي !





22 ايار 2012
السماوة


90
كورونا والناس وبعض الفنانين!
يوسف ابو الفوز
اذ يجتاح وباء الكورونا البغيض العالم، اشبه بهجوم مباغت من الفضاء الخارجي، على طريقة أفلام الخيال العلمي، فينثر القلق والرعب والفوضى في كل مكان، تبان متانة الأنظمة الصحية لمختلف الدول، وقدرة الحكومات لأداره الازمة وأيضا معادن الناس!
وبعيدا عن التفاصيل، ولماذا نجحت الصين في احتواء الازمة، وتفوقت على أمريكا، والامر هنا بالتأكيد ليس له علاقة بالأيدلوجيا ابدا وانما بعوامل أخرى، لفت انتباهي انقسام الناس الى فئات مختلفة في تعاملها مع الازمة، ويمكن لمس ذلك ببساطة على صفحات فيس بوك.
الطرف الاول هم الذين يراقبون من بعيد، وكان الامر لا يخصهم، وكأنهم ليس من هذا الكوكب، لا تعرف ماذا يفعلون وماذا يقولون او يفكرون.
الطرف الثاني الاخطر هم من أصابه الذعر وراح ينشر ويوزع كل ما يصل تحت يديه، من اخبار كاذبة، ومفبركة، ومتضاربة، ناثرا دون ان يدري الارتباك والخوف بين الناس من حوله.
أن الازمة ليست هينة. لا يمكن التقليل من مخاطرها. ليس بإجراءات صار تكرارها مملا، فغسل اليدين والتعقيم ليس حلولا سحرية، وما دام لم يكتشف العلاج بعد، فالمهمة الأولى امام الدول والمواطنين، هي الحد من انتشار المرض، بنشر الوعي الصحي والالتزام الكامل بالإرشادات الرسمية من المراكز الطبية، والاهم هو عدم التطير ونشر روح التماسك بين الناس والاخبار الإيجابية عما يجري. فالى جانب عدد المصابين والموتى علينا ان نتحدث عن الناجين وعن الذين تماثلوا للشفاء بهذا الشكل او ذاك.
هذا يقودنا الى الطرف الثالث من الناس، الى من جند نفسه لنشر الاخبار الطبية الموثقة، والارشادات الصحية المطلوبة، وأيضا نشر الاخبار الإيجابية هنا وهناك لرفع معنويات الناس وتذكيرهم بأن هذه الازمة ستمر مثلما مرت غيرها وانها ستحمل معه الامها وتقدم لنا دروسها لنتعلم منها لنعيش بشكل افضل.
لا اود التحيز لأسماء معينة فأعرضها هنا كمثال ، لكن امامي جملة من الأسماء التي لفتت انتباهي، بمتابعتها الاخبار من مصادرها الاكيدة، وحتى لو كانت الاخبار حزينة فتعرض من قبلهم بشكل موضوعي بعيد عن هالة الهلع ونثر الخوف بين الناس.
استوقفني أيضا نشر بعض الأصدقاء والمعارف اخبارا عن مبادرات فنانين معروفين في اماكن اقامتهم، وجهودهم في دعم مكافحة الوباء، سواء بالتبرعات المالية او العينية او بمواقف تشد من عزم الناس وترفع معنوياتهم.
ما تقدم اثار في بالي سؤال، اين يقف يا ترى فنانينا؟ مع أي طرف نضعهم؟ خاصة أولئك الذين يصفهم الجمهور بالكبار؟ لن أتناول أسماء هنا، فالأمر ليس ارتياحات شخصية لهذا أو ذاك، فكل الأسماء خاضعة لهذا السؤال. فحين حرم واحد من اثرى رجال العالم، بيل غيتس، عائلته من ميراثه وتبرع بها للمشاريع الخيرية، كان يدرك ان ما جناه، بشكل أو اخر هو جزء من ايمان الناس به، واقبالهم على منتجات شركاته، فشعر ان لهم حقا بهذا، فأعاده اليهم بطريقته، فيا ترى أولئك الفنانين العراقيين، الذين أصبحت لهم ارصدة محترمة في بنوك خارج وطنهم، هل فكروا في ينقصوا حساباتهم بعض الاصفار ليتركوا اثرا طيبا خلفهم؟

91

قطاف تشرين (61): أن الحياد في المواقف المصيرية شكل من اشكال الخيانة!
يوسف أبوالفوز

قبل أكثر من اربعين يوما، حين بلغني خبر اختطاف الكاتب والنشر مازن لطيف كتبت للعديد من الزملاء والأصدقاء، مناشدا التضامن والعمل لكشف مصيره، لأن هذا "يمنح العصابات المسلحة فرصة للاستهتار بحياة الجميع، ولا نعرف من  سيكون التالي".
صديق من بغداد كتب لي أن لدى الجماعات المسلحة قائمة بأسماء المثقفين المدنيين، والناشطين في دعم الاحتجاج وانتفاضة تشرين.
لم يتأخر الانتظار كثيرا لإثبات صحة هذا الكلام، اختطفوا توفيق التميمي!
لا حديث عن الدولة هناولا عن أجهزة امنية ولا كرامة المواطن. ومن المخجل على سياسي الصدفة الحديث عن الإنسانية وحقوق الانسان والمستقبل والخ، ان كان المواطن في زمنهم لا يضمن سلامته اليوم، وعائلته لا تملك تفسيرا لاختفاء معيلها!
أن العصابات المنفلتة، المستهترة، المجرمة والمرتبطة بأجندة تهدف لتخريب البلد، تعرف كيف توجع أبناء شعبنا. لاحظوا أنها تضرب في الخاصرة، في العظم، توجه ضرباتها لمثقفي البلد باغتيالهم واختطافهم ومحاولة شراء ذمم البعض بطرق مختلفة لضمان سكوتهم.
أن المحزن هو سكوت البعض ممن يحسبون انفسهم مثقفين ومبدعين، كنا ننتظر ان يكونوا في مقدمة المنتفضين، ليس للمطالبة بالكشف عن مصير زملائهم المختطفين، ولكن لضمان ان لا يأت دورهم قريبا.
أيها المثقف العراقي تذكر بأن السكوت والحياد أمام هذه المحنة شكل من اشكال الخيانة.


92

من العاصمة التشيكية
يوسف أبو الفوز: على المثقف الاصطفاف إلى جانب المنتفضين

براغ – طريق الشعب

عن طريق الشعب العدد 131 ليوم الاثنين 24 شباط 2020
 
ضيّف المنتدى العراقي في الجمهورية التشيكية، الخميس الماضي، الكاتب والإعلامي العراقي المغترب يوسف أبو الفوز، في حوار مفتوح حول تجربته الأدبية ورؤاه في شأن انتفاضة تشرين المتواصلة في العراق.
حضر الأمسية التي أقيمت على قاعة المنتدى في مركز العاصمة براغ، جمهور من المثقفين والمهتمين في الشأن الأدبي من أبناء الجالية العراقية. فيما أدار الأمسية الأستاذ علاء صبيح، الذي قدم باختصار، سيرة الضيف، وتناول أهم انجازاته الأدبية.
أبو الفوز، القادم من فنلندا، استهل إجاباته عن أسئلة الحوار، متناولا الأوضاع السياسية في بلده العراق، وتقلباتها وانعطافاتها، وكيف أن ذلك ترك بصمات على مسيرة كل فنان أو أديب.
وتطرق إلى مدينته السماوة، وعائلته التي عرفت بارتباطها بنضال قوى اليسار، الأمر الذي ترك تأثيرا كبيرا على مجمل نشاطاته وتوجهاته الفكرية.
وألقى الضيف الضوء على بداياته في مجالي الإعلام والكتابة، وعلى نشاطه السياسي في صفوف الحزب الشيوعي العراقي، وما تعرض له من اضطهاد على أيدي أزلام النظام البعثي المباد، ما اضطره إلى الاختفاء واللجوء إلى المنفى، لينتهي به الحال في فنلندا التي يقيم فيها منذ عام 1995.
كذلك تحدث عن تجربته في صفوف الأنصار الشيوعيين، أبان فترة الكفاح المسلح في جبال كردستان، ضد النظام الدكتاتوري.
وفي جانب آخر من الأمسية، تحدث أبو الفوز عن مفهوم المثقف، والفرق بين مفاهيم الثقافة والمعرفة، والعلاقة بين المثقف والسياسي. ثم تطرق إلى انتفاضة تشرين، وحيّا شهداءها، والمنتفضين الذين يواصلون مواجهة القمع ببسالة وصدور عارية.
وأشار الى ان الانتفاضة أبرزت القدرات العالية للشباب العراقي في تطوير الوعي الجمعي، والانتماء للهوية الوطنية، مؤكدا بروز الروح التشاركية والتضامنية بين الثوار، ومثمنا المساهمة المتميزة للمرأة العراقية في الحراك الاحتجاجي.
وأكد الضيف أنه "في المنعطفات التاريخية يعتبر الحياد صنفا من الخيانة. فالواجب الوطني يفرض الاصطفاف الى جانب الثوار في سعيهم للتغيير نحو عراق مدني ديمقراطي"، مشددا على أن "من اهم واجبات المثقف، دعم سلمية الانتفاضة بما يضمن نجاحها، ويساعد في إفراز قيادات كفوءة لها".
وأشار أبو الفوز إلى أن عددا ليس قليلا من المثقفين، يقف اليوم في المنطقة الرمادية من دون أن يصدر عنه موقف تجاه انتفاضة تشرين، لافتا إلى أن "الانتفاضة لا تزال مستمرة من اجل التغيير، وأن الفرصة متاحة أمام المثقفين للخروج من المنطقة الرمادية، وإعلان موقفهم الصحيح". 



93
قطاف تشرين (60): Once Upon a Time in Iraq

يوسف أبو الفوز

هل تتذكرون جوليانو جيما؟ (سلسلة أفلام رنغو)،
تشارلز برونسون؟ (حدث يوما في الغرب)،
كلينت إيستود (الجيد والسيء والقبيح)
وفرانكو نيرو (سلسلة أفلام جانغو) وغيرهم!
كانوا ممثلينا المفضلين، نحن الأطفال والصبيان، المولعين بالسينما، وافلام العصابات ـ رعاة البقر ـ ولا نمل من مشاهدة هذه الأفلام. ما ان تعلن سينما المدينة عن فيلم جديد، حتى نقف طابورا امام بواب السينما، الرجل الطيب، الذي يعرفنا ويعرف عوائلنا جيدا. يستجيب لتوسلاتنا ويسمح لنا بالدخول كل اثنين وثلاثة ببطاقة، بل احيانا أربعة ببطاقة واحدة لنشاهد ممثلينا المفضلين، وهم يعتلون خيولهم ويرسلون النيران يسارا ويمينا ... بنغ.. بنغ.. دون ان يصيبهم خدش، ليفوزوا بالغنيمة لأنفسهم، بعد سطوهم على بنك المدينة او نهبهم لقافلة مارة بالمكان، لكنهم سرعان ما يختلفون على اقتسام الغنيمة وتبدأ بينهم معارك التصفيات!
أتذكر كل هذا الان، والاخبار تقول بأن المجاهد أبو فلان، هدد المجاهد أبو علان، بأنه سيكشف المستور عن عمليات السطو التي نفذوها وخطط تقاسم الغنيمة، وان هذه الفضيحة ستطيح برؤوس كبار. وكان أحدهم يستولي على كذا نسبة من عائدات مطار النجف، وان كذا مليون من ميزانية الوزارات حولت الى بنك لبناني لاستثمار هذه الأموال في قطاع الفندقة (لم تذكر الاخبار، هل الفنادق تحوي كل انواع الخدمات؟)، وأن...
أننا نشاهد فيلم كابوي حقيقي ـ عزيزي القاريء ـ، كل العناصر متوفرة: عصابات مسلحة... زعيم عصابة ... سطو ... غنائم ... أقتسام غنيمة ... حرب تصفيات...!
ولكن، في الكثيرمن هذه الأفلام، يظهر رجل القانون ـ الشريف ـ في الوقت المناسب ليضع حدا لكل هذه الفوضى، وليقود الجناة المجرمين الى العدالة.
ان انتفاضة تشرين ستكون الأسرع في التسديد، وستوجه الرصاصة الحاسمة، لتطيح بكل هذه العصابات وتكنسهم من شوارع مدننا، وترسل كل هؤلاء المستهترين بحقوق الناس ال مزبلة التاريخ!
و ... بنغ .. بنغ!!

94
دعوة عامة
م/ أمسية ثقافية مع الكاتب والصحفي العراقي يوسف أبو الفوز
نتشرف بدعوتكم لحضور الامسية الثقافية (لقاء حواري) مع الاستاذ الكاتب والصحفي العراقي يوسف أبو الفوز.
التاريخ : 20/02/2020.
الزمان : الساعة الخامسة مساءا.
المكان : منطقة براغ الاولى - بالقرب من المركز التجاري (تسكـو)
RESTURACE- EVALD
NÁRODNÍ-28/60- PRAHA-1
مع التقدير والاعتزاز
المنتدى العراقي في الجمهورية التشيكية
براغ في 8/02/202

95
المنبر الحر / رسالة!
« في: 21:47 12/02/2020  »
رسالة!

يوسف أبو الفوز

لن أسألك عن اسمك، وليس مهما بالنسبة لك معرفة اسمي ـ كما أعتقد ـ يكيفنا اننا كلانا نعرف، بأن ما يجمعنا هو الكثير، وان اختلفنا في بعض التفاصيل.
ما يجمعنا ـ يا صاحبي ــ هاجس كبير، نكاد نستنشقه مع أنفاسنا، كل لحظة، ألا وهو ان يكون غد العراق هو الأجمل. هاجس ان ننعم بالحرية، وان لا نكون اذلاء، خاضعين لأحد وسلطة غاشمة، لهذا سلكنا هذا الدرب بدون تردد وغير هيابين. يسميه كتاب المراثي وشعراء الندب: طريق الشهادة، وبالنسبة لنا هو طريق الحرية!
سكب احبتنا الدموع، ورفعوا صورنا، واوقدوا الشموع مترنمين بالأغاني والاناشيد الحزينة، وكنا نتسمع لهم، ونحن نستغرب كيف يعتقد البعض اننا رحلنا؟! ها أنا ارى ارواحنا تطوف في كل مكان، واسماءنا تحولت الى رايات تحملها حشود الشباب تطالب بما حلمنا به انا وإياك دوما!
رغم اختلاف ظروف استشهادك عن ظروفي، الا أني أجد ــ يا صاحبي ــ ان هناك الكثير يجمعنا!
تعال انظر معي. أولا سأتوقف عند سماء الوطن، فكلانا استشهد وحلقت روحه كطير سنونو ـ كما يقول الكتاب ـ في سماء وطن أحببناه معا، وكنا مستعدين لبذل كل ما نملك ــ وهذا رابط آخر يجمعنا ــ الا وهو اننا وهبنا هذا الوطن أعز ما نملك: حياتنا!
قد نختلف بيننا انني اضطررت مع صحبي الى رفع السلاح ومقاومة نظام دكتاتوري شوفيني فاشي، يقوده جنرال مزيف، ومقاتلة المرتزقة المؤتمرين بأمره. ايامها رفعنا شعار " النظام عدونا، والجنود إخواننا". وعلى ذكر الجنود، مثلك أيضا كنت أحب كرة القدم، ولأننا نعيش حياة بدون كهرباء وتلفزيون، حياة الكهوف في الجبل، كنت وبعض صحبي من المقاتلين الأنصار، نعقد علاقات الصداقة مع جنود الربايا، أبناء مدننا الفقيرة، ونتسلل بدعوة منهم الى الربايا لنشاهد معهم اهم المباريات! بينما اعرف أنك تابعت مباريات كرة القدم من على شاشة كبيرة نصبت في ساحة التحرير. وأعرف بأن تظاهراتكم كانت سلمية، وكنتم ترفعون العلم العراقي سلاحا أوحد، وتنادون بالانتماء الى الوطن، وليس غير الوطن، لكن "الطرف الثالث " ـ هكذا سمته وكالات الاخبارـ كان يستهدفكم انت واصحابك واسقطوك غيلة وانت تتحرك في محيط ساحة التحرير وقيل إنك كنت تنقل بعض الطعام لأصحابك في المطعم التركي، حيث اعتصموا!
قد نختلف في بعض التفاصيل، لكن قاتلنا يبدو ـ يا صاحبي ـ واحدا، مهما تغيرت هيئته ولباسه وكنيته: انه ذاك الطرف ـ الثالث او الرابع ـ الذي يكره الحياة، الكاره للتسليم بالحق، الذي لا يستوعب أفكار الآخر المختلف، المخدوع بكرسي السلطة والقوة، الذي لا يفهم بأن غضب الشعب سيكون يوما سيلا جارفا لا يسلم منه في الوادي الا الحجارة، وان مستقبل الوطن الموعود، المدني الديمقراطي، تعمده دماء الشهداء، وكان شرف لنا ــ انا وإياك ــ ان نكون منهم!
تحية أيها الشهيد!


 *مساهمة في الملف الخاص بيوم الشهيد الشيوعي . طريق الشعب العدد 124 ليوم الخميس 13 شباط 2020
** البوستر المرفق للفنان فيصل لعيبي

96
الفنان كيرك دوغلاس وفيلم سبارتاكوس الذي تحدى المكارثية

يوسف أبو الفوز

أعلن مؤخرا، عن رحيل الممثل المخضرم، كيرك دوغلاس، عن عمر ناهز 103 عاما، (2020-1916) بعد ان قضى حوالي ستين عاما منها في مجال الفن، وأشهر ما عرف به فيلم سبارتاكوس، الذي أنتجه وقام بتمثيل الدور الرئيسي فيه، والذي يعتبر نقطة مهمة في حياته.  بلغت أرباح الفيلم في حينه حوالي ستين مليون دولارا وكانت تكاليف أنتاجه لم تبلغ 12 مليون، بالرغم من اعتبارها في حينه واحدة من أغلى تكاليف الإنتاج. والاهم ان الفيلم ترشح لـ 17 جائزة سينمائية، منها جائزة الاوسكار لأفضل ممثل بدور رئيس لكيرك دوغلاس، لكنه لم ينلها، بينما نال الفيلم أربع جوائز اوسكار، منها اوسكار أفضل ممثل مساعد لبيتر أوستينوف (2004-1921)، بالإضافة لأربع جوائز سينمائية أخرى مثل جائزة أفضل فيلم درامي من جوائز الجولدن جلوب.
أيام انتاج وعرض فيلم سبارتاكوس عام 1960 كانت أمريكا تعيش اياما عصيبة بتأثير سياسة الإرهاب الثقافي، التي عرفت بالمكارثية، حيث قاد عضو مجلس  الشيوخ الأمريكي ،من الحزب الجمهوري، جوزيف مكارثي  (1908 - 1957)، في ظل سعار الحرب الباردة ، بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، حملة لتوجيه الاتهامات بالتآمر والخيانة دون ثبات الأدلة، للكثير من الفنانين والمثقفين والنشطاء الاجتماعيين، وتسبب في اعتقال وحبس البعض بتهمة الشيوعية وكونهم يعملون لمصلحة الاتحاد السوفيتي، وتسببت الحملة المكارثية بطرد اكثر من 10 الف شخص من وظائفهم وتم التنكيل بعشرات الشخصيات الشهيرة ، منهم مارتن لوثر كينغ و ألبرت أينشتاين وآرثر ميللر وتشارلى تشابلن.
من الأسماء التي شملتها الحملة المكارثية، كان الروائي وكاتب السيناريو الشيوعي الناجح جيمس دالتون ترامبو، (1976-1905)، الذي كان ضمن أشهر الكتاب في هوليوود في فترة الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين. وتسببت الحملة المكارثية بسجنه لأنه ابدى شجاعة فائقة، في مواجهة الحملة، ورفض الاتهامات وتقديم أي اعتراف ضد زملاءه. فجاء الحكم بسجنه لمدة 11 شهرا، مع قرار منعه من العمل لمدة عشر سنوات، فاضطر بعد إطلاق سراحه، للكتابة بأسماء مستعارة، والطريف ان بعض أفلامه التي كتبها بأسم مستعار فازت بجوائز الاوسكار مثل عطلة رومانية (1953) والشجاع (1956) واضطرت أكاديمية الفنون وعلوم الصور المتحركة، للاعتراف بحقوقه كفائز بجائزة الأوسكار عن أحسن سيناريو في فيلم الشجاع، وقدمت له الجائزة باسمه عام 1975.
يذكر أن الروائي هوارد فاست (1914 – 2003)، كتب رواية سبارتاكوس في السجن عام 1951، بعد ادانته كونه شيوعي ورفضه تقديم اعترافات وافادات، لتأتي الرواية صرخة أدانه للعبودية وتمجيدا للنضال من اجل الحرية، ولرفض حملة الإرهاب الثقافي، التي يقودها جون مكارثي. وقام دالتون ترامبو، واستنادا للرواية، بكتابة سيناريو فيلم بنفس العنوان، وبعد ان حصل كيرك ديكلاوس على حقوق السيناريو، قرر التعاون مع المخرج ستانلي كوبريك (1928 – 1999) لإخراجه، وأصر عند عرض الفيلم على كسر حظر المكارثية لأسم دالتون ترامبو ووضعه على إعلانات الفيلم ككاتب لسيناريو الفيلم. كانت خطوة شجاعة تحسب لكيرك دوغلاس اذ ساهمت في تفكيك حملة الإرهاب الفكري وإلغاء القوائم السوداء.
وبعد نجاح الفيلم، منح كيرك دغلاس الفضل الأكبر في ذلك لكاتب السيناريو، وصرح بأنه حتى سبارتاكوس كان عمل أكثر من 85 فيلما، "لكن الشيء الأكثر فخورًا به هو العمل لكسر القائمة السوداء". ومن الجدير بالذكر ان الرأي العام تصاعد بعدها في ادانة المكارثية، وعزل جوزيف مكارثي نفسه، الذي أدين بالفساد وتوفي فيما بعد مدمنا على المخدرات.
في موقفه اعتبر كثيرين كيرك دوغلاس متماهيا مع موقف بطله العبد المصارع سبارتاكوس الثائر ضد الحياة اللانسانية التي عاشها العبيد في أيام الإمبراطورية الرومانية، والذي قاد ثورة انضم اليها الاف منهم مطالبين بحريتهم. يذكر ان من الأشارات التي كانت لصالح كيرك دوغلاس في تحديه للقوائم السوداء للحملة المكارثية، هو ان الرئيس الأمريكي المنتخب حديثا حينها، جون كيندي، حضر عرض الفيلم وأشاد به، فكانت أشارة مهمة لمعارضة الحزب الديمقراطي الامريكي للمكارثية وعلامة للانفراج السياسي نوعا ما في حياة المجتمع الامريكي.



97
أصدار جديد للشاعر العراقي عبد الكريم هداد
يوسف أبو الفوز

صدر مؤخرا للشاعر العراقي المقيم في السويد عبد الكريم هداد، في القاهرة، وعند دار الادهم للنشر والتوزيع، ديوان شعري جديد تحت عنوان (أنسكبُ شبيهاً لروحِكِ...!)، وذلك ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب المقام في الفترة 26 كانون الثاني/ يناير- 4 شباط / فبراير2020. ضم الديوان 46 قصيدة باللغة الفصحى، كتبها الشاعر ما بين الأعوام 1995-2006. صمم لاف الديوان الفنان عبد الكريم سعدون موظفا لوحة رسمتها ليلى ابنة الشاعر.
ويحمل هذا الإصدار الرقم 16 في سلسلة الكتب الشعرية والدراسات الأدبية التي أصدرها، وله أيضا عدة كتب مخطوطة تنتظر فرصة النشر، وأخرى قيد الإنجاز.
ويذكر ان الشاعر عبد الكريم هداد أضطر لمغادرة العراق لأسباب سياسية عام 1982، وبحثا عن سقف آمن تنقل في العديد من البلدان العربية والأوربية قبل ان يستقر به المقام كلاجئ في السويد منذ عام 1990. ظهرت نصوص الشاعر الشعرية ومقالاته في العديد من الصحف والدوريات العراقية الصادرة في المنفى، ومعروف عنه اهتمامه في كتابة أغنية عراقية مشاركة وبعض الفنانين العراقيين الذين شاركوه المنفى مثل فلاح صبار، كمال السيد، طالب غالي وسامي كمال. في عام 1990 أنتج التلفزيون السويدي فلما تسجيليا عن اللاجئين القادمين في السويد، واعتمدت في الفلم قصيدة للشاعر كسيناريو للفيلم. 
جاء في الغلاف الاخير من الديوان الجديد:
لا نفعَ في وَشْمِ القبيلَة
ونذور التمني
تعالي...
نبحثُ عن سِرِكِ
في صحرائي
واكتشفي ينابيعَكِ العذبَة
في حدائقِ لغتي
تعالي...
لنثملَ بفرحٍ مرشوش من ملح الدمعِ
عندَ قصبِ بحر المدنِ الأولى
لأمنحَكِ زهرَة البابونَج...!
سأكونُ في نشوةٍ
من الأغنياتِ الراقصة
وفيضٍِ من طفولتي
حيثُ مهرجانُ (بيتِ أكِيتو (
هناك...


 


98
قطاف تشرين (58): هناك شيء ما يحدث؟
يوسف أبو الفوز
أحدهم، من هؤلاء الذين لم تهتز ضمائرهم، لسقوط المئات من الشهداء، والالاف من الجرحى، في إحداث إنتفاضة تشرين، هذا من غير اختطاف وترهيب وتعنيف الاف اخرين، من قبل القوات الأمنية للحكومة المستقيلة، بمساندة القوى الخفية من" الطرف الثالث"، كتب على صفحات "فيس بوك" بأن ثمة شخصيات ناشطة في الانتفاضة "تسلمت كذا مبلغ من الدولة الفلانية"، وغير ذلك من الاراجيف التي تتداولها جيوش الانترنيت المدفوعة الثمن، ناوين من خلالها تشويه صورة الانتفاضة ونشطائها.
لم يثيرني هذا الكلام، أبدا، فهو المتوقع جدا، من شخص غارق بالطائفية بحيث أعمت عينيه عن رؤية حقيقة نفسه، هو الذي يخفق قلبه يوميا رعبا خوفا على فقدان المنافع غير المشروعة التي جناها من قرارات برلمان الفساد ودولة المحاصصة البغيضة. ما لفت انتباهي هو ما كتبه له أحد المعلقين، من صنفه:
ــ ما يحدث ليس طبيعيا، هناك شيء ما !
يا للعجب!! أخيرا أجد واحد من هذه "الهرملة" ، من سقط المتاع، ينتبه، ويعرف ويعترف بأن ثمة شيء غير طبيعي يحدث!
نعم يا هذا. هناك شيء عظيم يحدث. انها انتفاضة شعب ضد جوقة الحرامية وقتلة الشعب. افتح عينيك وانظر أبعد من دكة الرووخون، وأقرب من مسيرات الفقراء للزيارة الاربعينية التي أصبحت تجارتكم الرابحة!
انظر الى حقيقة كونكم لفظيا تناصبون العداء لأمريكا عدوة الشعوب، وهي التي جاءت بأسيادكم الى كراسي الحكم!
نعم أن شيئا هناك يحدث وغير طبيعي تماما، فشباب العراق، مقتحمي السماء، بصدورهم العارية يواجهون ميلشيات الطرف الثالث، التي عاثت في البلد فسادا باسم الدين، بحيث صار البعض يتمنى أمريكا ان تأتي لتزيحكم مثلما إزاحة خنزيرها المجرم صدام!
نعم، هناك شيء غير طبيعي يحدث، ونحن نرى حرائر العراق يكسرن اطواق التقاليد والعيب البالية، ويهدمن جدران المنازل ويفحن ثغرة في جدار الحصار الذي فرضتموه باسم الدين، فوقفن جنبا الى جنب مع اخوانهن الثوار مطالبات بوطن أختطفتموه تحت عباءة الدين، وهذا ما ارعبكم كثيرا، أن يكون للمرأة صوت مسموع وفاعل، وهي التي تريدونها حبيسة جدران غرف النوم والمطبخ!
هناك شيء غير طبيعي يحدث أيها الفاني، الفاسد، الغشاش، المزور،الانتهازي، المرائي، الطفيلي و السفيه ، وان خيارى ابناء الشعب يهبون طواعية لمساندة ودعم المنتفضين ويقاسمونهم قوت يومهم .
هناك شيء عظيم يحدث وان سيل غضب الشعب قادم، ليجرفكم الى بالوعات النسيان، ولن يبقى على الأرض الا الحجارة.
ان شيئا عظيما يحدث، وان جيلا غاضبا نهض ليكنس كل افاعيلكم ودنسكم وفسادكم، في سرقة قوت شعبنا، الذي يعيش تحت خط الفقر على ارض بلد يطفو على بحار من النفط!
أن شيئا عظيما يحدث بأن صباح جميل قادم، هو صباح سقوط القتلة!

99
قطاف تشرين (57): جذوة الانتفاضة لا تنطفيء!

يوسف أبو الفوز

ألم يتسائلوا ولو لبرهة عن أسباب اندلاع انتفاضة تشرين؟ هذه الأسباب التي صار القاصي والداني يعرفها، ويتحدث عنها؟
كل هؤلاء الذين صاروا يتباكون على السيادة الوطنية، ناسين انهم جاؤا الى الحكم على ظهر دبابات الاحتلال الأمريكي الذي أطاح بطاغية مجرم ساهموا بصناعته مثلما ساهموا بصناعتهم؟
الم يتسائل عن ذلك:
ــ حكام "دولة القناصة" القابعين في "منطقة العار"؟
ــ امراء الحرب من زعماء المليشيات المجرمة التي صار ثابتا انها "الطرف الثالث" الذي يخطف ويقتل الشباب من ثوار تشرين؟
ـ لا ننسى بالطبع هذا اللفيف من المدافعين عن المذهب ـ بوعي أو مغرر بهم ـ، خصوصا اللذين يضعون أيديهم على قلوبهم خشية ضياع المكتسبات (!!) غير المشروعة التي نالوها بقرارات من برلمان وحكومات المحاصصة الطائفية، وصار همهم الاول البحث عن ثغرات فردية هنا وهناك يمكن ان تحدث، ويسعون لتعميمها لأجل تشويه الانتفاضة والثوار؟
ـ لا نتوقف بالطبع عند الزعماء الشعوبيين، هؤلاء الذين كل يوم لهم موقف تبعا لطموحاتهم بالزعامة ومصالحهم وتحالفاتهم مع هذا الطرف او ذاك ـ خارج أو داخل العراق ـ؟
كل هؤلاء ألم يتسائلوا عن أسباب اندلاع الانتفاضة؟ ولو عرفوا بعضا منها ـ هم يعرفون! ـ هل يعتقدون ان الاسباب زالت او اختفت بعصا سحرية لمجرد ان طرفا غادر الساحة لأسباب ليست خافية عن المراقب الواعي؟
أيعتقد أعداء الانتفاضة ومن لف لفهم، ان نيران مطالب التغيير يمكن اطفائها والقضاء عليها بأرهاب المنتفضين بقوة السلاح وكواتم الصوت، أو بخطف وقتل اعداد من المنتفضين؟
أن جذوة الانتفاضة والمطالب بالتغيير لأجل عراق مدني علماني، جمرة متقدة في قلوب شباب العراق، الذي لم تلوثهم أفكار البعث الفاشية وسموم الطائفية المقيتة، هذه الجذوة ليست بحاجة لأيدي خارجية لتحريكها، فدماء الشهداء هو الوقود الذي يغذي نار المطالب المشروعة بالتغيير!
وما دامت الاٍسباب قائمة ومشروعة، فأن الانتفاضة، ستستمر، وتجدد نفسها، وتطور اساليبها، وتتجاوز العثرات والنواقص، وسيلتحق بها المزيد من أبناء الشعب، الذين سيدركون يوما بعد أخر حجم الكارثة وبشاعة جرائم أحزاب الإسلام السياسي بحق الشعب والوطن، وان فترة حكمهم للعراق، لم تكن الا وصمة عار على كل من وقف الى جانبهم وساندهم ودافع عنهم، بالضبط مثلما هو الحال مع حكومة البعث الفاشي الصدامي، الذي رماه الشعب في مزبلة التاريخ، حيث هناك دائما متسع للطغاة المجرمين ومن يساندهم.

100
على هامش احتجاز إسرائيل لنائبة من اتحاد اليسار الفنلندي:
هل تنتصر مصالح تجارة السلاح على المبادئ الانسانية؟
يوسف أبو الفوز                   
تتواصل في فنلندا، ردود الأفعال، حول قضية احتجاز النائبة الفنلندية اليسارية آنا كونتولا (42 عاما) يوم 13 كانون الثاني/ يناير في إسرائيل لمدة عشر ساعات، بتهمة التحريض على أعمال غير قانونية. وكانت النائبة أفادت بأنها توجهت مع مجموعة ناشطين دولية لتنظيم مظاهرة عند حدود غزة تهدف الى لفت الانتباه الى الوضع البائس وانتهاكات حقوق الإنسان هناك. ويُعرف عن النائبة نشاطها الدؤوب في مناصرة القضية الفلسطينية، ومعارضها صفقات السلام ما بين إسرائيل وفنلندا.
فمنذ عام 2007٧، حين حاصرت اسرئيل، قطاع غزة الفلسطيني، نشأت ازمة إنسانية واجتماعية واقتصادية تزداد سوءا تبعا للمراقبين، هذا إذا عرفنا بأن 97٪ من احتياطيات المياه الجوفية في غزة غير صالحة للشرب، ويعيش في القطاع حوالي مليون شخصا، 70٪ منهم لاجئين ونصفهم من الأطفال. ويعيش أكثر من نصف السكان في فقر شديد، ويعتمد 80٪ منهم على المساعدات الإنسانية ويعيش حوالي 70٪ منهم في حالة من انعدام الأمن الغذائي. وتشير المعلومات بأن ه بسبب سوء التغذية، يعاني 31٪ من الأطفال في سن ما قبل المدرسة في غزة من فقر الدم، يقابل ذلك نقص خطير في الأدوية الأساسية.
بعض من أحزاب اليمين الفنلندية، انتقدت نشاط النائبة الفنلندية، وانضمت لهم السفارة الإسرائيلية في فنلندا ببيان احتجاج أرسل الى وسائل الأعلام، وكذلك ناطق باسم الجالية اليهودية في فنلندا، اعتبر نشاط النائبة معاد للسامية. من جانبها ردت النائبة، بان "اليهودية والصهيونية امران مختلفان، وان انتقاد الحكومة الفنلندية لا يعني معارضة للديانة اللوثرية". ويذكر ان رئيسة حزب أتحاد اليسار ووزيرة التعليم لي اندرسون، ثمنت نشاط النائبة آنا كونتولا واعتبرته منسجما مع سياسات وقيم الحزب في دعمه للقضية الفلسطينية.
واعادت هذه القضية للأذهان موضوع تجارة الأسلحة ما بين فنلندا وإسرائيل، فالمعلومات الرسمية، التي تابعناها، ومن عدة مصادر تشير، الى ان فنلندا اشترت اسلحة من إسرائيل بقيمة وصلت الى حوالي 400 مليون يورو، منها أنظمة راديو ميدانية، وصواريخ سبايك المضادة للطائرات عامي 2000و 2002، بل وتفيد المعلومات بأن شركات سلاح فنلندية ساهمت في عامي 2006 و2007 بتوفير قطع غيار لهذه الصواريخ المرخصة للتصدير الى العديد من دول العالم، وتبعا لمنظمات حقوق الانسان العالمية ان بعض أنواع هذه الصواريخ استخدم في الهجمات ضد المدنيين في غزة. ولا تشير المعلومات الرسمية بان حجم التبادل التجاري في مجال الأسلحة يتباطأ لسبب ما، بل حددت وزارة الدفاع الاسرائلية في نهاية عام 2019 فنلندا باعتبارها واحدة من الدول الست التي كانت صادراتها اليها من الأسلحة واسعة النطاق وذات أهمية خاصة.
من هنا نجد أهمية وحساسية نشاط النائبة اليسارية، التي احرجت الحكومات السابقة المسؤولة عن كل هذه الصفقات. فالنائبة اليسارية تعارض التبادل التجاري في مجال الأسلحة، انطلاقا من معاهدة تجارة الأسلحة للأمم المتحدة وقوانين الاتحاد الأوربي، التي تقيد هذا النشاط في الدول التي تخوض حروب وتسجل فيها انتهاكات لحقوق الانسان. والنائبة اليسارية صريحة في اتهام السلطات الإسرائيلية وشركات السلاح بكونها تروج لمنتجاتها مستخدمة الاراض الفلسطينية المحتلة كمجال واقعي لاختبار وتطوير انظمة أسلحتها. وادلت بتصريح مباشر لوسائل الاعلام اشارت فيه الى "أن استمرار تجارة الأسلحة ما بين فنلندا وإسرائيل يبعث رسالة بان انتهاكات إسرائيل الخطيرة والمتواصلة للقانون الدولي ليس لها أي عواقب "
يذكر ان العلاقات بين فنلندا وإسرائيل تشهد نشاطا متواصلا في المجالات الدبلوماسية والتجارية والثقافية، ويقدر عدد الفنلنديين الذين يزورون إسرائيل كل عام بحوالي 10 آلاف فنلندي. وكانت فنلندا اعترفت رسميا بإسرائيل في 1949، وتم بدأ العلاقات الدبلوماسية عام 1950، وتأخر فتح السفارة الفنلندية في تل ابيب حتى عام 1952 وافتحت إسرائيل سفارتها في هلسنكي في عام 1956.
ومواقف فنلندا من القضية الفلسطينية، متوازنة وتتبع طبيعة الحكومات التي تدير دفة البلاد، فقد أيدت فنلندا اتفاقية أوسلو وتناصر حل الصراع في الشرق الأوسط على أساس الدولتين، وتنسج سياستها بهذا الشأن مع سياسة الاتحاد الأوربي، وهكذا افتتحت ممثلية لدولة فلسطين، دون الاعتراف الرسمي بها، كما أدانت فنلندا، مع الاتحاد الأوروبي ، الحصار الإسرائيلي ضد قطاع غزة ، وسجلت فنلندا العديد من المواقف الإيجابية والمشهودة في الأمم المتحدة وكان اخرها التصويت لصالح تجديد تفويض وكالة الأونروا ومواصلة عملها في توفير اساسيات الحياة للاجئين الفلسطينيين، إضافة الى الدعم المباشر المتواصل للقطاع الصحي والتعليمي في مناطق مختلفة من فلسطين.
أعتقد ان الجالية الفلسطينية، والعربية عموما، في فنلندا، مدعوة للاحتفاء، وتكريم النائبة اليسارية الشجاعة آنا كونتولا، وقد قدمنا اقتراحا بهذا الخصوص الى جهات معنية ووصلتني اتصالات أكدت السعي بهذا الاتجاه.

101

قطاف تشرين (56): نحب لو ما نحب؟
يوسف أبو الفوز
في الثورات، كما في الحب، ليس هناك منطقة وسطى. لا توجد منطقة رمادية. "نحب لو ما نحب"؟ ومحزن محاولة البعض من المتثاقفين، انصاف المثقفين، ان يجدوا لهم منطقة رمادية، مكانا خاصا بهم، يذكر بتلك النكتة عن الحاج الذي لم يكمل رمي الجمرات على الشيطان، وحين سأل عن السبب، أخبرهم بانها خط رجعة، تنفع يوما! 
في هذه السلسلة من الخواطر السياسية، فيما يتعلق بشؤون انتفاضة تشرين الباسلة، وبالضبط في الحلقة 44 وفي العنوان تسائلت: (هل يتحمل شيعة العراق جرائم حكومات المحاصصة؟) حاولت يومها الدفاع عن عامة الناس، من المذهب الشيعي، الذين تعرضوا للخداع والتضليل من قيادات وكوادر أحزاب الإسلام السياسي التي تتدثر بثياب الدين، ولم تحمل برنامجا لتطوير البلد أكثر من تسيير المواكب الحسينية وزيارات المراقد الدينية وغير ذلك من الطقوس الدينية. وكان انطلاق هتاف: "باسم الدين باگونا الحرامية"، والذي ردده الالاف من أبناء المذهب الشيعي، في المحافظات التي يسكنها غالبية من أبناء الشيعة، تعبيرا دقيقا عن حالة الخراب التي وصلت اليها البلاد على يد حكومات الفساد والنهب والقناصة المتسترة ب“الطرف الثالث" وهي ترتكب جرائمها بحق أبناء شعبنا من المتظاهرين والناشطين المدنيين.
أعود ثانية الى هذا السؤال، بعد ان لاحظت رواج مصطلح " شيعة الحكومة" في بعض الكتابات.
واجد ان هذا المصطلح منصفا ومكملا لجواب سؤالي، ويكشف بشكل ما عن فئة محددة، ويحاول فصلها عن عامة الناس من أبناء المذهب الشيعي، المتضررين من سياسات حكومات "منطقة العار". حيث نجد ان غالبية الملتحقين بساحات الاحتجاج بهذا الشكل او ذاك، هم من أبناء المذهب الشيعي، من المحافظات الفقيرة، ناهيك عن فئة أخرى تحاول الوقوف في المنطقة الرمادية بانتظار النتائج.
أما جماعة " شيعة الحكومة"، فهذه الفئة من المستقتلين، في التشكيك بالانتفاضة باسم حماية المذهب، وتجد بينهم مسعورين لا يخجلون من تخوين كل متظاهر، وإطلاق الاتهامات عن التمويل الخارجي للانتفاضة واصابع "الجوكر" التي تحرك المتظاهرين، وإشاعة الأحاديث عن "الطرف الثالث"، الذي يخطف ويغتال المتظاهرين، والمثابرة في البحث عن أي ثغرة او خطأ يرتكبه متظاهر، باجتهاد شخصي، لتسليط الضوء عليه وتعميمه ليكون المعبر عن طبيعة الانتفاضة التي تطمح لأجراء تغيير شامل.
قد نتفهم الحماس الطائفي للبعض ممن ترتبط مصالحهم، بهذا الشكل او ذاك، مع حكومات المحاصصة والحرامية وميلشيات الإسلام السياسي، وامراء الحرب من قادة هذه المليشيات، لأن التغيير المنشود القادم لو حل، سيعيد النظر بالكثير من القرارات الصادرة عن حكومات المحاصصة وبرلمانها السيء الصيت، وسيتم الغاء الكثير من المكتسبات غير المشروعة، وربما بأثر رجعي، لكن ما لا يفهم هو سلوك البعض ممن يناصبون الانتفاضة والثوار العداء بشكل مسعور، وممن ركبهم وهم الدفاع عن قتلة أبناء الشعب، وراحوا يتخبطون في وحل الديماغوجيا المذهبية، دون الاحتفاظ بخط رجعة تحسبا للأيام القادمة ، ولو دققت في أحوالهم ستجدهم  من ضحايا هذه الحكومات الفاسدة التي يدافعون عنها !

102
قطاف تشرين (55): أنتفاضة تشرين بين أمريكا المنحوسة والحشد الشعبي!
يوسف أبو الفوز
غبي و"أعمى قلب "من يستهين بتضحيات قوات الحشد الشعبي ودوره المتميز في الدفاع عن العراق ضد قوى الإرهاب الظلامي الطائفي الداعشي!
والأغبى من لا يفصل بين مقاتلي الحشد، أبناء العراق الفقراء البررة، وقادته من أمراء الحرب الذين حاولوا ان يستثمروه كورقة انتخابية لمصالحهم الطائفية، التي تتماشى واهداف قوى إقليمية طائفية.
اما أمريكا، التي قصفت مقر "اللواء 45"، التابع لقوات "الحشد الشعبي" في مدينة القائم بمحافظة الأنبار غربي العراق ومواقع في البوكمال، فهي تبقى"عدوة الشعوب" التي طالما غنى أبناء جيلنا عنها: "أمريكا يا منحوسة هدني قمرنا العالي "، فهي أساس البلاء أولا وتاليا، ولابد من أدانة تحركاتها ودورها في تخريب بلادنا.
نفخت أمريكا الامبريالية في صورة المجرم صدام حسين كقائد للامة العربية، وبدفع وتخطيط جهنمي من دوائرها في المنطقة، توالت حروب صدام الكارثية نيابة عن الاخرين، ضد إيران وثم غزو الكويت، وقمع الشعب العراقي، شمالا وجنوبا، ليجني العراق في" الزمن الجميل " ــ كما يتبجح البعض ـ، الخراب والدمار الاقتصادي والاجتماعي وليتقهقر الى عصر ما قبل الصناعة.
وسرعان ما نفخت أمريكا صدرها حبا وهياما بالشعب العراقي وراحت تبيع علينا بضائعها من سوق الديمقراطية الامريكية، فازاحوا نظام المجرم صدام حسين باحتلال البلد بعد ان أدركوا كونه استنفذ مهماته في المنطقة (في سيناريو مماثل لما حصل في بنما مع رجلهم الجنرال اورتيغا عام 1989). كان العراقيون قد شبعوا ضيما وموتا من انظمة البعث الفاشي، فكان بسطاء الناس يتمنون حتى لو يأتي الجيش الاسرائيلي لإنقاذهم (ترددت هذه الامنيات حرفيا حتى من قبل قادة سياسين!)، فجاءت الدبابات الامريكية لتحريرهم، فجلبت معها "مجلس الحكم"، وسلمت قيادة البلد بيد أحزاب الإسلام السياسي، وفق معادلات المحاصصة الطائفية، وكانت أمريكا مدركة جيدا لما تفعل، فهي تعرف ماذا ستفرخ أمثال هذه الحكومات!
وسرعان ما كشفت أمريكا عن براعتها في صناعة "داعش"، كمؤسسة إرهابية ظلامية لاستنزاف البلاد والمنطقة لتبقى هي الأطفائي الطيب الذي يهب دائما لاخماد بعض الحرائق هنا وهناك عند الضرورة. في المقابل، ونتيجة منطقية لنشاط الاحزاب الطائفية، ظهرت لدينا أيضا "ماعش" ـ حسب التعبير الشعبي ـ، التي تدور في فلك الطائفية الظلامية ومصالح الجمهورية الإسلامية في إيران وتمددت أذرعها العسكرية، لتكون في مواجهة رغبات عموم أبناء الشعب في ان يكون لهم وطن مستقل، ودولة مستقلة وحياة حرة كريمة.
وبما ان المصالح هي من تقود، وهي من تحرك بوصلة السياسة، نجد الفرز يستمر دائما، بين طرفين، الطرف الأول: شعب عانى كثيرا، وافرز جيلا متمردا عانى من حكومات الحرامية الطائفية، والطرف الثاني مؤسسات "الدولة العميقة" وأذرعها العسكرية، التي التهمت الدولة العراقية وأصبحت بجدارة "الطرف الثالث " المسؤول عن الاف الجرحى ومئات الشهداء من ثوار الانتفاضة، معلنين تشبثهم بكراسي السلطة بكل ما يملكون.
وإذ تهاجم امريكا مواقع قوات الحشد الشعبي، فان العم سام، الاطفائي، المُخلص، يحاول عامدا خلط الأوراق، وليحول العراق الى ميدانا للصراع الإيراني ـ الأمريكي في المنطقة، مع تواصل عجز الحكومات العراقية. ان الثأر لمقتل ضابط أمريكي على أثر قصف جماعة مسلحة، موالية للسياسة الإيرانية، لا يمكن ان تتحمله كل قوات الحشد الشعبي، إذ سيوفرون بذلك حجة للطائفيين المتباكين على المذهب للإساءة لانتفاضة تشرين وثوارها، بأشكال مختلفة، وقدة بدأت الجيوش الاليكترونية لعبتها.   
ان انتفاضة تشرين الباسلة، وهي تكمل يومها التسعين، ستكون سلميتها، واستمرارها، عاملا لفضح هذا الخلط في الأوراق الذي تمارسه قيادات المليشيات الطائفية ورجالات "المنطقة الغبراء" وحيتان الدولة العميقة، فهم اذ يتهمون كل ثائر لأجل حقه بكونه بعثي او عميل امريكي، ليخدعوا بسطاء الناس بكون المذهب في خطر، فأن أبناء الفقراء في القوات الأمنية والحشد الشعبي لابد ان يتجاوزون حيرتهم، ويدركون انهم لا يمكن الاستمرار كأدوات بيد أمراء الحرب ممن يسعون لأجل مصالحهم التي لا تصب في مصلحة الشعب العراقي.

 
 


103
قطاف تشرين (54): يا ثوار تشرين.. حانت ساعة العمل!

يوسف أبو الفوز

أكتب من بعد حوارات وتبادل وجهات نظر مع العديد من الناشطين في ساحات الاحتجاج، في بغداد وبعض المدن العراقية، وكنت حريصا ان استمع لهم واسمعهم وجهة نظري. وانطلاقا من أن الانتفاضة هي ليس بغداد وحدها، وأن الانتفاضة ليس هذه الخيمة في ساحة التحرير، او تلك وحدها، وأنها ملك لكل الشعب، حتى أبناء العراق من يعيشون خارج الوطن لأسباب مختلفة، أسجل هنا وجهة نظري التي تحاورت حولها مع أصدقائي من المنتفضين.
نتفق بأنه واهم ـ وجدا ـ من يظن ان قوى الإسلام السياسي الطائفي، والمليشيات النذلة، وابواقهم العاهرة، داخل وخارج الوطن، يمكن ان يستسلموا بسهولة. الامر ليس حزورة، لأنه لا يتعلق بزوال سلطتهم وتحكمهم برزق وحياة الناس، بل لأن أي حكومات قادمة وفق رؤية الانتفاضة ستكون مجبرة لمساءلة شلة حرامية "المنطقة الغبراء" ومحاسبتهم عن نهب ثروات البلد وتخريبه.
وهكذا وجدنا، رجال الدولة العميقة، يناورون بمختلف الطرق، من اغتيال أبرز الناشطين، الى تنفيذ عمليات الأختطاف والاعتقال، لمحاولة نشر الخوف وبث الهوان في قلوب المنتفضين من ثوار تشرين. ومع اقتراب الانتفاضة من نهاية شهرها الثاني، بدأ سياسي الصدفة المراهنة على تعب المتظاهرين ومللهم، فبدأوا اشغالهم بمسلسل أسماء المرشحين لرئاسة الوزراء، مع نشر الافتراءات والاكاذيب عن انسحابات من ساحات الاحتجاج، ومحاولة الظهور بروح الحرص على المدارس المغلقة والاعمال المتوقفة وأيضا افتعال أزمات ما تتعلق بأمن وحياة الناس وطبيعة الانتفاضة السلمية (جريمة ساحة الوثبة مثلا) لتحميل الانتفاضة المسؤولية! وربما نرى قريبا مناورات أخرى تنفذ بروح نذلة وبدون أي رادع أخلاقي.
من جانب اخر، ليس سرا، لازالت الانتفاضة وقواها المحركة ـ الثوار، ترواح في مكانها، دون ظهور خطاب موحد، يعكس تنسيق وتنظيم محسوس يمكن الارتقاء بالروح الثورية للانتفاضة، وتصعيد نشاطها السلمي، لأجل كسب جولة أخرى في الصراع لأجل التغيير الشامل. لازالت ساحة التحرير تعيش حالة "الخيم الثورية"، ولم يتعد الامر اجراء زيارات وحوارات واتفاقات لم تنتج عن أشياء ملموسة على صعيد إيجاد لجنة تنسيق موحدة شاملة.
نكرر هنا، بان دماء الشهداء، معاناة ألاف الجرحى، وجهد أبناء كل المدن المشتركين في الانتفاضة، هو مسؤولية برقبة وذمة العقلاء والناشطين من ثوار الانتفاضة. ونكرر بان الانتفاضة ملك لكل الشعب، وعليه، آن الأوان للعمل بروح الايثار، الاستماع للآخر، التحاور مع من يرغب، استشارة الأكاديميين والخبراء، والعمل الجاد لإيجاد ذراع تنظيمي ديمقراطي، مرن، يرتفع بجهد الانتفاضة ويستطيع ان يصل بها الى أهدافها في التغيير الشامل.
لم تكن دماء الشهداء من اجل تغيير رئيس وزراء فاشل لحكومة فاشلة، ولا لأجل إنجاز اعمال ترقيعية في قوانين نظام سياسي كان سببا في خراب العراق طيلة 16 عاما.
حان الأوان للعمل الجاد لاجل التغيير، والكرة في ملعبكم ايها الثوار، يا حاملين الامل. حانت ساعة العمل يا أبناء العراق البررة!

*البوستر للفنان فراس البصري

104

قطاف تشرين (53): لغة كاتم الصوت
يوسف أبو الفوز
لجأ المجرم صدام حسين الى الغدر بالشيوعيين ومحاولة إبادتهم بحملات منظمة متواصلة، لأنه أدرك انه لن يصمد امام انتشار افكارهم وتأثيرهم في المجتمع العراقي، فصحف الشيوعيين واعلامهم الحمراء صارت تخفق في سماء كل مدن وقصبات العراق، وثم انتقل للغدر وتصفية خصومه من بقية القوى السياسية، وحتى داخل حزب البعث ليخطف حياتهم قبل ان يخطفوا منه الكرسي.
وواجه المهاتما غاندي، الزاهد المتصوف، والزعيم الروحي لاستقلال الهند، امبراطورية لا تغيب عن اراضيها الشمس، تملك الجيوش الجرارة، بسلاح العصيان المدني السلمي فألهم بذلك حركات حقوق الانسان والحرية في كل مكان في العالم بأسلوبه الرافض للعنف والداعي للسلمية.
اليوم، وبشكل محموم ومريض تلجأ قوى الإسلام السياسي وميلشياتها النذلة، الى اغتيال نشطاء الانتفاضة، في مسلسل غدر جبان ونذل يبدو لن يتوقف، ألا بعد ان يلفظ نظامهم انفاسه الأخيرة، وهذا الامر بات قريبا.
حان الأوان لثوار ساحات الاحتجاج ان يرفعوا من اشكال نضالهم السلمي، ان يرصوا صفوفهم، ويوحدوا جهودهم، ويكون لهم صوتهم الموحد، الذي يدعوا الى تطوير نضالهم السلمي لأجل التغيير الشامل وزوال نظام الدولة العميقة ومليشياتها النذلة.
ان الجبان يلجأ الى الغدر فهذا طبعه لأنه يخشى مواجهة الفكرة.
ان الذي لا يصمد امام فكرة يلجأ الى غدر السكين فهي لسان حاله.
لكنه ينسى أنه دائما وابدا كانت الوردة تهزم السكين!
دائما وابدا كانت الفكرة تهزم الرصاصة!
دائما وابدا كانت الشعوب تنتصر وينهزم الطغاة مجللين بالعار!

* الكاريكاتير للفنان الراحل مؤيد نعمة
 

 

105
قطاف تشرين (51): جريمة ساحة الوثبة وانصار المذهب!
يوسف أبو الفوز
واهما من يظن أن مليشيات الدولة العميقة، وأحزاب المحاصصة الطائفية (دائما اقرئها: المعاصصة!) سوف تستسلم بسهولة، وتغادر كراسي الحكم في "المنطقة الغبراء"، وتسلمها ببساطة الى الشعب العراق وثوار تشرين.
أنهم يعرفون جيدا، ان مجيء حكومة خارج إطار المحاصصة الحزبية الطائفية المقيتة، وترسيخ مؤسسات الدولة والعمل بالقانون، يعني فتح كل ملفات الفساد واستغلال السلطة، وهذا يعني ان وجوها كثيرة ظلت لسنوات طويلة تلغُو على شاشات التلفزيون ـ وعلى صفحات الفيس بوك والصحف ـ ستقف في قفص الاتهام لتنال جزائها العادل، وامامها سؤال: من اين لك هذا؟
لهذا ستكون مهمة ثوار تشرين ليست سهلة، وستواجههم الكثير من السيناريوهات لتشويه ثورتهم والنيل منها .
ان ما يلفت الانتباه عندي، هو ليس هؤلاء الحرامية ـ الحيتان ـ الذين شفطوا المليارات والملايين وفتحوا حسابات بنكية بأسماء احفادهم وزوجات أبنائهم، في اغلب بنوك العالم، ليكون ضميرهم مرتاحا حين يجأر أحدهم على شاشات التلفزيون: اتحداكم إذا وجدتم لي حسابا بنكيا خارج العراق!، المثير للشفقة هو هؤلاء المدافعين عن هؤلاء الحرامية ويشككون بالانتفاضة ويصدقون بكل السيناريوهات المغرضة، وهم لم ينالوا من الحيتان شيئا، او ربما بعض الفتات.
ان وهم الخوف على المذهب من ان تصادره الدولة المدنية، هذا الوهم الكاذب، الذي يعبر عن قصور فكري، تغذيه بقوة شلة الحرامية من سياسي الصدفة ، من حيتان أحزاب الإسلام السياسي لخداع الناس البسطاء وابقائهم حولهم سورا يحميهم من رياح الانتفاضة التي ستقتلعهم من جذورهم، لهذا لم استغرب نباح البعض وهم يتحدثون عن جريمة ساحة الوثبة، ناسين مئات الشهداء من ثوار الانتفاضة ودمائهم التي لم تجف بعد، وراحوا يتباكون على جريمة ساحة الوثبة التي تبين فيما بعد انها جاءت وفق سيناريو خبيث مرسوم لتشويه الانتفاضة وتقديم مبررات لقمع ثوار الانتفاضة ، لهذا ترى ان أنصار المذهب في كل صفحات الفيس بوك يتباكون على ما جرى في ساحة الوثبة ، سواء عن عدم دراية او عن قصد !
ولابد لي ان اذكر هنا ملاحظة، بان ثوار الانتفاضة، استعجلوا في اصدار براءتهم من جريمة ساحة الوثبة، اذ كان واضحا ان البيان ، الذي وصلني ونشرته، مكتوبا على عجل، إذ كان يتوجب على الثوار انتظار موجة الفيديوهات التي انتشرت وبينت جليا حقيقة السيناريو، وكيف جرت الجريمة، ومن نفذها، وكيف سلمت القوات الامنية جثة القتيل المغدور للجماهير الغاضبة ليجري ما يجري.

* ستبقى الصورة المرفقة عندي رمزا لانتفاضة تشرين السلمية



   

106

قطاف تشرين (50): مليشيات الغدر تعيد أخراج فيلم بعثي دموي
يوسف أبو الفوز
إذ تتواصل أخبار الاغتيالات الغادرة بكاتم الصوت، لمناضلين، ناشطين في الانتفاضة، فتثير الحزن والقلق، دفعني ذلك للتواصل، صباح اليوم مع أصدقاء، من المثقفين، الناشطين في انتفاضة شعبنا، للاطمئنان عليهم ومتابعة الاحداث من مصادرها، بدل دوخة مطابخ الفيس بوك، التي تصنع بعض الاخبار حسب هوى ثوار الكيبورد.
ذكر لي أحدهم بالنص: "صرنا ما نرجع بالطريق اللي أجينه بيه، ولا نبات بنفس المكان يومية".
أستوقفني هذا الكلام. خطر في بالي أقول لصديقي الشاب وعلى طريقة العراقيين: "سبق وشاهدت هذا الفيلم "!: لكنني لجأت الى تعزيز معنوياته واعطاءه بعض التوصيات من تجاربنا المتواضعة، ورحت مع نفسي استعرض أياما عصيبة عاشها جيلنا أيام النظام البعثي العفلقي الصدامي، حين اضطررنا فيها للاختفاء وضباع البعث تطاردنا من شارع لشارع، وهي تستبيح الوطن وتصادره لصالح سلطات نظامهم الشوفيني الفاشي، الذي حاول مصادرة حياة الناس وافكارهم وواجه المعارضين بالاعتقال وممارسة أبشع أساليب التعذيب وثم التصفية بمختلف الطرق. أيامها اجبرنا ارهاب البعث ان "ما نرجع بالطريق اللي أجينه بيه، ولا نبات بنفس المكان يومية"، وصرنا نخفي حركتنا وتنقلاتنا عن أقرب الناس لنا، ليس من باب عدم الثقة بهم، لكنا تحسبا ان يكونوا مراقبين بدون علمهم، او حتى يكونوا صادقين عند استجوابهم فيما لو اعتقلوا بأنهم لا يعرفون شيئا عنا.
واذا عدنا الى فيلم الرعب، بالمزدحم بأحداث الخطف والاعتقال والتعذيب بمختلف الأساليب الدنئية وثم الاغتيال بكواتم الصوت، الذي تعرضه شاشات العراق هذه الأيام بالسينما سكوب، من اخراج أحزاب الأسلام السياسي ومليشيات الدولة العميقة بالتعاون مع "الطرف الثالث"، وباشتراك كادر من هواة التمثيل والاجرام من سياسي الصدفة وضباعهم المغرر بها، فلابد من القول بان هذا الفيلم الدموي الرديء ، سبق وأخرجه حزب البعث العفلقي الصدامي مع أبناء الشعب العراقي، وعاش جيلنا اغلب فصوله واحداثه، ولكنه اصبح من التأريخ، لكن يبدو ان قادة مليشيات الدولة العميقة وحثالاتهم ينتمون الى نفس المدرسة الاخراجية في الغدر وخيانة شعبهم.
أنها نسخة جديدة، رديئة، من فيلم سيسدل عليه الستار قريبا بعزم الثوار وسلمية انتفاضتهم، التي ستكنس كل ضباع الغدر الى مزبلة التأريخ، وتركنهم الى جانب قتلة الشعب العراقي الذين بال عليهم أبناء الشعب!
صديقي الشاب من بغداد، انهى كلامه لي: لن يرعبونا، انهم يجعلونا نشعر انها ايامهم الأخيرة .


 















107
أصغر رئيسة وزراء يسارية في تأريخ فنلندا

هلسنكي ـ يوسف أبو الفوز
أخيرا، حسم الامر أعضاء المجلس الحزبي، للحزب الاجتماعي الديمقراطي في فنلندا، وحصلت سانا مارين (34 عامًا) على 32 صوتًا، مقابل 29 صوتًا لمنافسها، رئيس المجموعة البرلمانية للحزب، وبهذا تكون أصغر رئيس وزراء في تاريخ فنلندا. جاء الأمر، إثر تنحي رئيس الوزراء السابق أنتي ريني عن موقعه، إثر ازمة إضرابات عمال البريد، احتجاجا على محاولة انهاء عقود عمل 700 عامل وموظف، إضافة الى اتباع إجراءات في تخفيض الرواتب وزيادة ساعات العمل دون تعويض مما اثار غضب النقابة، ثم ما رافقها من سلسلة إضرابات التضامنية معهم، والتي نفذها عمال النقل، فكانت سببا في شل حركة المواصلات من والى خارج فنلندا، ولتكبد الحكومة خسائر كبيرة غير متوقعه. خلال معالجته الازمة حاول رئيس الوزراء التهرب من معرفته المسبقة بنوايا وإجراءات شركة البريد، وحاول تحميل وزيرة البلديات المسؤولية، لكن استقالتها ككبش فداء لم تعالج وتحل الازمة، فمن جهة كانت المفاوضات الصعبة بين شركات البريد والنقابات تسير ببطء لإيجاد حلول مقبولة من الطرفين، ومعها بدأت تتصاعد الأصوات المنتقدة لرئيس الوزراء، الذي هو في الوقت نفسه زعيم الحزب الاجتماعي الديمقراطي ، وطريقة تعامله مع الازمة والتشكيك في اداءه، وبدا للبعض انه وقع في شرك ما بناه بنفسه، فهو القيادي النقابي المخضرم، إذ كان مساهما في إيجاد أسلوب التضامن النقابي، بإعلان اضرابات مرادفة تضامنية، ليمنح النقابات قوة ولا يجعلها تكون منفردة في الساحة.
بعد فوزه في الانتخابات الربيع الماضي، قاد انتي ريني تشكيلة حكومية في تحالف ضم حزبين من قوى اليسار، هما حزب الخضر وحزب اتحاد اليسار، إضافة الى حزب الوسط وحزب الشعب السويدي، مع برنامج حكومي حمل الكثير من الوعود للفنلنديين، إثر ما عانوه من حكومة أحزاب اليمين السابقة التي قادها حزب الوسط، ومارست سياسة تقشف اضرت كثيرا بذوي الدخل المحدود. لاحظ المراقبين ان حزب الوسط، رغم وجوده في تشكيلة حكومة أنتي ريني، الا انه شارك بقوة في انتقاد أداء رئيس الوزراء، إذ وجدها فرصة ليثبت أنه وان خسر في الانتخابات لصالح الحزب الاجتماعي الديمقراطي ، لكنه لا يزال رقما قويا في الساحة السياسية. وأضاف متابعين بانه اجراء انتقامي من قبل حزب الوسط موجه الى الاجتماعي الديمقراطي ، الذي كان كذا مرة سببا في تنحي وخسارة زعماء الوسط اثر أزمات مماثلة ، فاعلن حزب الوسط عن عدم رضاه وثقته بأداء رئيس الوزراء، واصطف الى جانب المعارضة، لمسائلة رئيس الوزراء في البرلمان وهذا بالتأكيد كان سيقود الى جلسات التصويت على سحب الثقة من الحكومة، وهنا وللخلاص من الذهاب الى انتخابات مبكرة، قد تكون نتائجها لغير صالح قوى اليسار، بحكم إشارات الاستطلاعات عن تقدم قوى اليمين المتطرف، لجأ الاجتماعي الديمقراطي ، الذي يملك دستوريا حق تشكيل الحكومة، الى المناورة، وإزاحة زعيمه عن رئاسة الوزراء، مع بقاءه في زعامة الحزب، والاعلان عن نيته انتخاب رئيس وزراء جديد من داخل الحزب. قبل رئيس الجمهورية استقالة رئيس الوزراء، مع انتظار اختيار البديل من داخل الاجتماعي الديمقراطي . جرت الأمور سريعا، وفق شفافية العمل الديمقراطي في فنلندا ، فتم تكليف انتي ريني باعتباره زعيم الحزب بقيادة المفاوضات لتشكيل الحكومة البديلة، والتي بعد مفاوضات قصيرة، اعلن انه لم يحدث تغيير كبير فيها، اذا بقت نفس تشكيلة التحالف، مع إمكانية تغيير بعض الوزراء، وأيضا مع الموافقة على البرنامج الحكومي الذي سبق وقدمه انتي رينيه بنفسه، التغيير الاساس كان الاتيان برئيسة وزراء جديدة، امرأة شابة وجميلة، تحمل ماجستير في الدراسات الإدارية، وكانت وزيرة النقل والاتصالات ،وقادمة من عائلة عمالية، ومعروفة بمواقفها المعارضة لانضمام فنلندا الى حلف الناتو ، إضافة الى دعمها برامج الحفاظ على البيئة، وفي حملتها الانتخابية داخل حزبها ، للفوز بمنصب رئيس الوزراء ، أرسلت رسالة قصيرة لأعضاء حزبها تقول فيها : "تعيش فنلندا وضعا استثنائيا، علينا التركيز ومواصلة عملنا في بناء مجتمع أكثر عدالة وأكثر مساواة".
 

108
رئيس الوزراء الفنلندي يقدم استقالته 

هل أطاح الحزب الديمقراطي الاجتماعي الفنلندي بزعيمه؟!

يوسف أبو الفوز

حين أصبح انتي ريني رئيسا للوزراء في فنلندا، بحكومة تحالف تضمن حزبين من قوى اليسار، هما حزب الخضر وحزب اتحاد اليسار، مع حزب الوسط وحزب الشعب السويدي، بدا أنه سيسير قدما بدون عوائق كثيرة لتنفيذ برنامجه الذي حمل الكثير من الوعود للفنلنديين، إثر ما عانوه من حكومة اليمين السابقة التي مارست سياسة تقشف اضرت كثيرا بذوي الدخل المحدود.
ما دفع للاعتقاد بسهولة، عمل حكومة انتي ريني، هو تاريخ الرجل، فهو قائد نقابي لسنوات طويلة، لديه خبرة في عمل النقابات مع مختلف الحكومات، بل كان من عرّابي أسلوب التضامن النقابي، ليمنح النقابات قوة ولا يجعلها تكون منفردة في الساحة، وما ان برزت أزمة إضرابات عمال البريد، حيث اقدمت شركة البريد على محاولة انهاء عقود عمل 700 عامل وموظف، إضافة الى اتباع إجراءات في تخفيض الرواتب وزيادة ساعات العمل دون تعويض مما اثار غضب النقابة ، حتى وجد نفسه يقع في فخ ما بناه بنفسه، ويواجه سلسلة إضرابات تضامنية، زعزت من ثقته بنفسه، وابعدت عنه حلفاءه في الحكومة، ووجدها حزب المركز فرصة ليثبت أنه وان خسر في الانتخابات لصالح الحزب الديمقراطي الاجتماعي، لكنه لا يزال رقما قويا في الساحة السياسية.
فقد انتي ريني ابتسامته، التي عرف بها، خلال أيام المفاوضات الصعبة بين بين نقابات عمال البريد وشركة البريد، وجاءت سلسلة الإضرابات التضامنية معهم، والتي نفذها عمال النقل، فكانت سببا في شل حركة المواصلات من والى خارج فنلندا، ولتكبد الحكومة خسائرا كبيرة غير متوقعه، لتزيد من قلق رئيس الوزراء مع تصاعد الأصوات الناقدة لقيادته للحكومة حتى من داخل حكومته.
فلم تكن استقالته مفاجأة للكثيرين، فما حصل جرى في إطار أليات العملية الديمقراطية الفنلندية المعروفة بشفافيتها.
ان الحزب الديمقراطي الاجتماعي دستوريا لا يزال يملك الحق بتشكيل حكومة بديلة، وسوف يرشح شخصية من قيادته لتشكيل حكومة جديدة، والمرشح الأكبر هنا أحد نواب رئيس الحزب، إذ لا يبدو خيار الانتخابات المبكرة مرغوبا من قبل أحزاب اليسار، بما فيها الحزب الديمقراطي الاجتماعي، ارتباطا بنتائج الاستطلاعات التي تشير الى التقدم في شعبية اليمين المتطرف في الشهور الأخيرة.
لقد ارتكب أنتي رينيه أخطاء في طريقتة للتعامل وحل ازمة إضرابات البريد، ولم ينجح معه التضحية بوزيرة البلديات لتحميلها المسؤولية، ورغم ان الاستطلاعات تبين بان 74 %من الفنلنديين راضين عن سياسة الحكومة، الا ان حسابات أمكانية سحب الثقة من الحكومة والذهاب الى انتخابات مبكرة، يبدو دعت الحزب الديمقراطي الاجتماعي التضحيه بزعيمه، وإزاحته من منصب رئيس الوزراء مع احتفاظه بموقعه كرئيس للحزب.


109
أم زياد وانتفاضة تشرين
يوسف أبو الفوز
عودت شادمان، ان أقدم لها بين الحين والأخر هدايا بسيطة، بدون إنتظار أي مناسبة. حملت اليوم، في طريق عودتي الى البيت، باقة ورد وقدمتها لها. بعد ان حصلت قبلة الشكر، اخبرتها انها بمناسبة عيد ميلاد " أم زياد"!
طيلة حياتنا الزوجية، لأكثر من احدى وعشرين عاما، اجتهدت ان لا أوفر سبباً لشادمان، كشريكة حياة، لتشعر بالغيرة من امرأة أخرى، لكني فشلت في علاقتي مع أم زياد!
تتصل بي شادمان هاتفيا لتطمأن علي، فأخبرها: لا تقلقي حبيبتي، وصلت البيت، حاليا اشرب قهوتي مع أم زياد!
أكره ان اجلس الى مائدة الطعام وحدي، تعلمت ان يشاركني ألاخرين ذلك، وهكذا حين أجد نفسي مضطرا لاكون وحدي، اسارع لدعوة أم زياد التي تلبي الدعوة بكل سرور فتضيف للطعام نكهة أخرى.
وعلمت أن أحد أصدقائي عبر عن ولهي بأم زياد بقوله: تصوروا أنه يتحدث معها!
وماذا في ذلك اذ استأذنها حين الأبتعاد عنها وأخبرها:
ـ عفوا ام زياد، سأعود حالا!
كيف لا أحدثها واناغيها واستمع لها دون ملل وهي التي لم تتركني وحدي طيلة عام ونصف، من بعد ان غدر حزب البعث الصدامي بحلفائه عام 1978، واضطررت للاختفاء، وصارت ضباع البعث تطاردنا من شارع لشارع، لإرغامنا على الانضمام لمؤسسات حزب البعث الفاشي، كانت أم زياد سميري الذي يهدهدني كلما توفرت لي الفرصة للاختلاء بها؟
وفي تلك الأيام البهية، يوم توهجت زهرة شبابنا بين جبال كردستان، أيام التحفنا صخورها، ضمن صفوف أنصار الحزب الشيوعي لمقارعة نظام البعث الصدامي المجرم، كنا ننتظر مساء الأربعاء على أحر من الجمر لنسمعها ساعة كاملة تشدو ضمن برامج إذاعة الكويت!
في أيام الغربة، صارت رفيقي حين اختلي الى نفسي او الى الورق لأكتب شيئا ما، وتسير معي خطوة خطوة في جولاتي في الغابة القريبة، محاولا تنفيذ وصايا الدكتور لانزال وزني بضع كيلوغرامات، وسمير الليالي اذ يصيبني الأرق، اما قهوتنا الصباحية فحتى شادمان تعترف بأن لا مذاق لها دون صوت ام زياد.
هذه الأيام، وشوارع المدن العراقية تلتهب تحت اقدام ثوار انتفاضة تشرين لقبر نظام المحاصصة البغيض، وإذ يحل يوم عيد ميلاد ام زيادة، الساحرة فيروز، لم أجد الا تلك الاغنية التي كنا نطرب لسماعها بصوتها إذ تبثها إذاعة "صوت الشعب العراقي"، إذاعة الحزب الشيوعي العراقي، من بعد كل عملية انصارية ناجحة لأهديها لثوار انتفاضة تشرين:
ــ خبطة قدمكن عالأرض هدارة    إنتوا الأحبا وإلكن الصدارة
خبطة قدمكن عالأرض مسموعة     خطوة العز وجبهة المرفوعة


110

دردشة مع السفير الفنلندي في العراق

يوسف أبو الفوز
منذ سنوات طويلة، تعرفت الى السيد فيسا هاكنين، أحد المدراء النشطاء في وزارة الخارجية الفنلندية، في قسم الاعلام والاتصالات منذ عام 2014، وعمل في وزارة الخارجية منذ عام 1999 وشغل العديد من المناصب الدبلوماسية، في تايلند، السويد ، بولونيا وروسيا ، درس التاريخ السياسي ويحمل ماجستير في العلوم السياسية.
حضرنا معا العديد من المناسبات السياسية والثقافية والاجتماعية. تميز في عمله وعلاقاته بالحزم والدقة، ولم يفوت فرصة من لقاءاتنا للسؤال والحديث عن الأوضاع في العراق. وأخيرا قررت الدبلوماسية الفنلندية، إرساله سفيرا مقيما الى بغداد، ليكون اول سفير لفنلندا في بغداد من بعد اغلاق سفارتها عام 1991، أثر غزو نظام صدام حسين للكويت. ألتقيته مؤخرا للتهنئة والتشاور. تحدثنا كأصدقاء عن العديد من الموضوعات، منها مجريات انتفاضة تشرين، وما يخص مهمته القادمة في العراق وتطورات الموقف في العراق. استأذنته في نشر جزء من حديثنا، اذ لم يكن لقاءنا مخططا لأجراء حوار صحفي:
ـ أشار الى انه سيسافر الى العراق قريبا ليلتحق بعمله، رغم توتر الاحداث، وسيعمل في بناية البعثة السويدية، والتي تشغلها البعثة النرويجية أيضا.
ـ يقدر عاليا ان مهمته ليست سهلة، لكنه متفائل بأنه وفريق العمل الصغير (خمسة اشخاص) سيبذلان الجهد لنسج علاقات طيبة مع الشعب العراقي وحكومته. وبين بان طاولة عمله الان فارغة من أي مشاكل سابقة، وهذا ربما يساعده قليلا، ويأمل ان تمتلا طاولته بالمشاريع التجارية.
ـ يعتقد ان العراق سيكون سوقا خصبا للشركات الفنلندية المعنية بالطاقة والاتصالات ووجود سفارة فنلندية سيشجع رجال الاعمال الفنلنديين للتوجه نحو السوق العراقي، وان فنلندا لديها الكثير لتقدمه الى العراق.
ـ تمنى ان يعم السلام العراق، وتهدأ الأوضاع، وعندها يمكن العمل بحرية بعيدا عن المخاوف والتوجسات.
ـ حول موضوع اللاجئين، أشار الى انه رغم أهمية الموضوع، الا انه ليس مهمته الأولى، فالأمر يخص دائرة الهجرة أساسا التي سيلتحق موظف منها في السفارة الفنلندية مطلع العام القادم. وكرر ما قاله للصحافة الفنلندية مؤخرا، بان للسويد اتفاقية مع الحكومة العراقية لإعادة اللاجئين المرفوضين، لكنها غير فاعلة، لان الامر ليس ميكانيكا.

111
المنبر الحر / لافتة جواد سليم
« في: 19:08 09/11/2019  »

لافتة جواد سليم

يوسف أبو الفوز
يعتبر نصب جواد سليم، أحد معالم بغداد الشهيرة، فهو سجل مصور لنضالات الشعب العراقي، صاغة الفنان جواد سليم مثل بيت شعر يقرأ من اليمين الى اليسار. يتكون النصب من 14 قطعة (يرمز الى ثورة 14 تموز) استلهم فيها الفنان تاريخ العراق ومزج بين القديم والحديث حيث تخلل النصب الفنون والنقوش البابلية والآشورية والسومرية القديمة، إضافة إلى رواية أحداث ثورة تموز 1958 ودورها وأثرها على الشعب العراقي. حين اكتملت قطع النصب وجاء وقت عرضها في مكان عام، جاء دور المهندس المعماري رفعة الجادرجي ليقترح ويصمم القاعدة على شكل لافتة.
أنظروا الصور هذه الأيام، من بعد اندلاع انتفاضة تشرين، ولاحظوا كيف الشعب يحتضن ويرفع لافتة جواد سليم من اجل الحرية!   

112
 
علوج المنطقة الخضراء..
يوسف أبو الفوز
قادني الى هذا التعبير، كلمة العلوج، وهي كلمة عربية، تكاد تكون قاموسية، أي غير متداولة كثيرا، لولا ان محمد سعيد الصحاف، وزير اعلام نظام المجرم صدام حسين، بعث فيها الحياة، وهو يصف بها جنود الاحتلال الأمريكيين، الذين جاؤا نتيجة لسياسة نظام البعث المجرم الذي اذل الشعب العراقي كثيرا، بحروبه الكارثية والحصار الاقتصادي وسياسته القمعية.
في قواميس اللغة العربية مثل قاموس المعجم الوسيط، قاموس اللغة العربية المعاصرة، القاموس الرائد، قاموس لسان العرب، القاموس المحيط. قاموس عربي عربي، وجدنا ان للكلمة عدة معاني: عِلْجُ تعني حِمارُ الوَحْشِ السَّمينُ القَوِيُّ، والرَّغِيفُ الغَليظُ الحَرْفِ، والرَّجُلُ من كُفَّارِ العَجَمِ، الجمع: عُلوجٌ وأعْلاجٌ ومَعْلوجاءُ وعِلَجَةٌ. ذكر صحيح البخاري انها وردت في حديث الخليفة عمر بن الخطاب بعد ان عرف بأن من طعنه هو غلام المغيرة فقال لابن عباس: قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة.
والان، ومع اندلاع انتفاضة تشرين، ردا على 16 عاما من تسلط حكومات الإسلام السياسي التي عاثت في البلاد فسادا وواصلت اذلال الشعب العراقي، لا اعتقد اننا نختلف بان المنطقة الخضراء تعج بعلوج الإسلام السياسي، وان أي من معاني كلمة علوج نجدها تنطبق عليهم مباشرة، بل وحتى على من يناصرهم ويدافع عنهم باي شكل كان!

113
في فنلندا.. حكومة أنتي ريني من بعد 150 يوما!


كتابة وتصوير : يوسف أبو الفوز

في اليومين الماضية، تكون مرت 150 يوما على حكومة رئيس الوزراء الفنلندي الحالي أنتي ريني(مواليد1962)، زعيم حزب الديمقراطي الاجتماعي والقيادي النقابي السابق، فما الذي حققه من برنامج حكومته الذي جاء به للحكم؟ هذا السؤل طرحته العديد من الصحف الفنلندية والعديد من المعلقين في عدة برامج تلفزيونية.
أجاب العديد من المعلقين، بان الحكومة لم تستنفذ بعد وقتها للإيفاء بالعديد من تعهداتها، وأشار اخرين الى ان الائتلاف الحكومي يشهد تناقضات وتوترات عبرت عنه قضية انتخاب مسؤولة مؤسسة الضمان الاجتماعي KELA، اذ اصطف حزب الوسط، وهو حزب عضو في الحكومة الحالية، الى جانب حزبي المعارضة الاتحاد الوطني الفنلندي (يمين تقليدي) الفنلنديين الحقيقيين (يمين متطرف)، لتفوز مرشحة اليمين بثمان أصوات مقابل اربع أصوات. ورغم التعارضات البارزة بين أحزاب الحكومة خصوصا بين حزبي الخضر والوسط، فيما يخص سياسة البيئة، فأن بعض المراقبين يعتقدون ان رئيس الوزراء ، واستنادا الى خبرته السياسية الطويلة، في العمل النقابي وتوليه العديد من المناصب الحكومية الرفيعة،  نجح في اعتماد سياسة التوفيق، وهي سياسة طالما مورست سابقا في الحكومات التي قادها الديمقراطي الاجتماعي، بإعتماد ما عرف في السياسة الفنلندية بنهج "حكومة المساء"، وهي طريقة غير رسمية للعمل، ولا يوجد نص دستوري لها، لكنها ناجحة في عقد اجتماع وزاري غير رسمي، يسبق عادة اجتماع الحكومة الرسمي بيوم، ولا توجد فيه قرارات رسمية ولكن تحصل توافقات بين الأطراف تساعد رئيس الوزراء على إدارة الجلسات الرسمية لصالح برنامج الحكومة.
من القضايا الأبرز، التي ناقشها الاعلام، كان تعهد الحكومة برفع معدل التوظيف إلى 75 ٪ بحلول عام 2023، وتوفير 30 ألف وظيفة عمل، لكن المراقبين يعتقدون ان صعوبات عديدة ستواجه الحكومة إذا لم تقدم حلول جديدة، وامام الضغوط المتواصلة من الشارع والمعارضة هناك اعتقاد بلجوء الحكومة الى تقليص صلاحيات دائرة الهجرة فيما يخص عقود العمل ومنحها الى وزارة الشؤون الاقتصادية، وهذا برأيهم سيصب في مصلحة العمال الأجانب ذوي المهارات العالية حيث سيسرع من الموافقات على عقودهم. 
  وحول تراجع شعبية حزب رئيس الوزراء وتقدم الحزب اليمني المتطرف، في استطلاعات الراي العام، فقد أشار العديد من المعلقين، في لقاءات أجرتها الإذاعة الوطنية الفنلنديةYLE ، ان ذلك جاء رد فعل على عدم وجود خطة واضحة لدى الحزب لتنفيذ برنامجه الانتخابي كما أكد الصحفي السياسي روبرت سوندمان، الذي بين ان ذلك كان مثابة احتجاج من الناخبين غير الراضين عن الحكومة الحالية. بينما اشارت زميلته هلمينا سوهينين، إلى أن الحكومة لا تزال متماسكة بشكل جيد ولم تحدث أزمات كبيرة، وقالت إنها أعطت الحكومة درجة محترمة، سبعة من أصل عشر درجات!
يبدو جليا ان أمام أنتي ريني وحكومته مهمة كبيرة لكسب الشارع الفنلندي من جديد، وليس أمامه سوى الاقدام على خطوات جريئة لتنفيذ وعوده، فالشعب لن يرحم، فإمامه العديد من الإضرابات القادمة، ولن ينفعه حينها انشغاله برئاسة الاتحاد الأوربي فحتى هذه قد يفقدها إذا لم ينجح في تجديد الثقة للحكومة فيما لو طالبت المعارضة بذلك.

 



 

 
 

114

رسالة مفتوحة من الجمعيات العراقية في فنلندا

رسالة مفتوحة إلى من يهمه الأمر: أوقفوا الجرائم ضد الشعب العراقي!
لمدة شهر، تستمر الانتفاضة العراقية ضد النظام الطائفي والفاسد الحالي في العراق، بهدف تغيير الأوضاع الحالية التي لا تطاق.
على الرغم من الاحتجاجات السلمية، فإن الحكومة الحالية توجه قوات الأمن لمواجهة المظاهرات بالرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع الموجهة إلى رؤوس المحتجين، مما يؤدي إلى مقتلهم في معظم الحالات، حتى الآن، قتل أكثر من 260 محتج وأكثر من 12 ألف جريح، وأيضا اختطاف الناشطين واعتقالهم.
نحن ندعوكم للتدخل الفوري لوقف هذه الجرائم والتضامن مع الشعب العراقي للمطالبة بحقوقه.
الشعب العراقي يستحق حياة أفضل.
هلسنكي 2019.11.5
التواقيع:
شخصيات مستقلة
جمعية البيت العراقي في فنلندا
الجمعية المندائية في فنلندا
الجمعية الاشورية في فنلندا
جمعية مسيحي المشرق
جمعية عشتار الاجتماعية في فنلندا
 
 *  تم ترجمة هذه الرسالة وجاري العمل على نشرها وتوزيعها بشكل واسع   
 

115
المنبر الحر / قرمشة!
« في: 17:10 05/11/2019  »
قرمشة!
يوسف أبو الفوز
بصراحة جدا، ان علاقتنا ودية وفيها احترام لخصوصية بعضنا الاخر، رغم كونه "متلزم"، حسب المفهوم المتداول عن الانسان المتدين، فصديقي يؤدي صلواته في اوقاتها، وان كان بسبب مشاغله، ووفق فتوى شرعية طبعا، غالبا ما يؤديها مرة واحده في فترة تناسبه تكون عادة في المساء، كما أخبرني. عليّ القول هنا بأن صديقي وإن كان لا يشرب الخمر ولا يأكل لحم الخنزير، فهو يحترم جدا حريتي الشخصية، فلا يعترض في لقاءتنا الدورية، في الأماكن العامة، ان طلبت كأس بيرة ويضعها النادل على طاولتنا المشتركة الى جانب فنجان قهوته المرة التي يشربها بدون حليب او سكر، بل هو يشاركني قرمشة حبات الفستق المالح الموضوعة بين كأس البيرة وفنجان القهوة وبشهية طيبة احسده عليها مما يدفعني عادة لطلب صحن ثاني.
الأهم من هذا كله، هو يعرف بكوني علماني الهوى، وهذا يعني مطالبتي بدولة مدنية ديمقراطية، تكون فيها السلطة لمؤسسات الدولة والقانون، وأكرر دوما أمامه موقفي في ضرورة فصل الدين عن الدولة. للأسف صديقي لا يفرق بين العلماني والملحد، فهو يعتقد ان العلمانية هي الالحاد وعبثا حاولت ان اشرح له بأن الفرق كبير وشاسع، فالإلحاد معناه عدم الاعتقاد أو الإيمان بوجود الآلهة، بينما العلمانية تعني فصل الدين عن الدولة وعن الممارسات في الحياة الشخصية، وان الانسان الملتزم دينيا يمكنه ان يكون علمانيا، لان الامر يتعلق بشكل إدارة الدولة والمجتمع، لكن صديقي أصم أمام كل الحجج والتوضيحات.
صديقي مثلي ينتقد الفساد المستشري في مؤسسات الدولة، لكنه لا يشعر مثلي وغيري بالعار من سياسي الصدفة الذي جاءوا على الدبابات الامريكية، وتحولوا الى حيتان فساد واكلوا الأخضر واليابس في بلد يسبح على بحيرة من النفط ونسبة خط الفقر تجاوزت 35٪، وما ان نتحدث عن الموضوع حتى يقول:
ـ يمكن استبدالهم بناس أنزه منهم، نحن بلد ديمقراطي!
صديقي مثلي يكره البعثيين والمجرم صدام حسين، وما ارتكبوه بحق أبناء شعبنا في الوسط والجنوب وكردستان ـ هو عادة يسمي كردستان شمال العراق ـ، وهو مثلي يشعر بالغيض من ممارسات القيادات الحزبية في كردستان، التي تستغل مشاعر أبناء شعبنا الكردي القومية وتحاول ان ترسم لنفسها صورة البطل القومي المنقذ والخ، لكن ــ هذا أول لكن! ـ ما جعلنا نختلف في نقاشنا حول موضوع كردستان، فهو يخلط الأخضر باليابس، ولا يفصل ما بين الشعب الكردي، صاحب الحقوق المشروعة بتقرير مصيره، وبين القيادات التي تسلطت عليه وأصبحت جزءا من أسباب مصائبه. يتحدث صديقي او يكتب ــ نعم هو أحيانا يكتب على فيس بوك بوستات نارية، قصيرة وسريعة ــ فنجده يدين "الاكراد" لكونهم كذا ومذا. اخبرته مرارا بأن استخدام مفردة "الاكراد" يشابه استخدامنا لمفردة "العربان"، فكلمة   "الكرد" تقابل مفردة "العرب"، للأسف لم يصحح ذلك يوما ـ وهكذا بدأت بيننا "حرب المفاهيم".
اختلفنا حول مفهوم "المليشيات"، هو يسميها "الجماعات المسلحة"، ويعتقد بأحقية الاحزاب بامتلاك "ذراعها العسكري"، وطالما كرر بأنه لولا فصائل "الحشد الشعبي" لدخلت "داعش" الى بغداد و"نامت" مع العراقيات بحضور ازواجهن. ـ كلمة "نامت" هذه من عندي انا "المثقف الثوري " ــ حسب وصفه ــ، لأن صديقي عادة يستخدم تعابير أخرى أكثر واقعية وقريبة لحديث بسطاء الناس ـ، وحين اخبرته بأن غالبية الاحزاب تنادي بأن السلاح يجب يكون بيد الدولة، وان وجود " الجماعات المسلحة" يضعف أداء الدولة، ويساعد على نشوء "الدولة العميقة" حيث ان السياسي الفاسد يستند الى سلاح جماعته لفرض سطوته وحماية فساده، راح يكرر بأن داعش والبعثيين ما زالوا يملكون خلايا سرية ونشاط عسكري في المنطقة، وان حماية "المذهب" تسستوجب ذلك!
وما ان تردد مفهوم المذهب في أحاديثنا، حتى بدأت اول خلافتنا الكبيرة، فهو يرى ان المذهب بخطر، وان هوية العراق تحددها سلامة المذهب:
ــ وماذا عن الاخرين؟
لا يقدم صديقي إجابات مقنعة عن الكثير من اسئلتي، خصوصا من بعد انتفاضة تشرين/ أكتوبر إذ صرنا نختلف كثيرا، فأنا اتحدث عن انتفاضة، وهو يتحدث عن مجرد مظاهرات. اتحدث عن الفقر والبطالة وغياب الخدمات الأساسية وتجهيل المجتمع والخ، وهو يتحدث عن فيديو بنت مراهقة غنت كلمات مفككة عن التظاهرات على لحن اغنية مكروهة عندي وعند كثير من الناس من أيام الحرب الكارثية. أصبح صديقي يقضي وقتا طويلا في البحث عن نواعم هنا وهناك، وتصرفات فردية ليعممها وينشرها للاستهانة بالانتفاضة والتعريض بها، وصار همه البحث عن الأصابع الأجنبية التي تحرك المتظاهرين، حسب اعتقاده.
اعترف بأني لم استمع لبعض من معارفنا الذين يتحدثون عن تحسن أحوال اخ لصديقي، وكون ارتباطه بإحدى المليشيات المسلحة قد حسن احواله كثيرا وأصبح اسمه كمقاول نار على علم، وغضضت النظر عن التلميحات الى كون صديقي بهذا الشكل او ذلك لابد وان يصيبه شيء من قطعة الحلوى التي يتشارك بها أخيه مع "زعماء الحرب" كما يصف الشارع العراقي بعض قادة المليشيات. حرصت على أواصر الصداقة بيننا رغم اختلافنا في الكثير من المفاهيم متجاهلا كل الانتقادات التي تواصلت من بعض المقربين. اعترف بأن صديقي ذكي ومثابر، فهو يجيد المناورة للحفاظ على علاقتنا، ويفوت عليّ دائما فرصة قطعها لسبب ما بامتداحه لروحي الديمقراطية، ولكن قبل أيام وحين اخبرته على الهاتف باختطاف طبيبة شابة من شباب ساحة التحرير وهي في طريقها الى بيتها، والتهمة موجهة لاحد الفصائل المسلحة، رد بصلافة:
ـ هل تعتقد ان جماعتي هم الخاطفين، وحتى لو كانوا هم هذا ذنبها، الاخبار تقول خطفت في الليل وليس بالنهار، ماذا يعني هذا حسب عاداتنا وتقاليدنا؟ ماذا تفعل بنت حلوة مثلها بساحة التحرير حتى ساعة متأخرة من الليل؟ كان الأفضل ان تجلس في بيتها وتمارس حقها بتأييد التظاهرات بكل حرية وديمقراطية!
وجدت نفسي، في اليوم التالي، أقرمش حبات الفستق المالح لوحدي، وطلبت هذه المرة صحنا واحدا فقط!
4.11.2019 هلسنكي

116
 
عن المثقفين في ساحات الاحتجاج ـ استطلاع جريدة المدى
عدد يوم الخميس 31 اكتوبر 2019

يوسف أبو الفوز ــ كاتب روائي واعلامي

في البدء من الواجب تحية الشباب العراقيين، وهم يواجهون عنف الحكومة الحالية غير المبرر بصدور عارية، والانحناء امام ارواح الشهداء الذين سقوا بدمهم درب الحلم بعراق مدني ديمقراطي، بعيدا عن نهج المحاصصة الطائفية والاثنية البغيض، الذي هو أس البلاء في كل ما جري طيلة ستة عشر عاما. أن هذه الأيام، مصيرية في حياة شعبنا، ولا توجد فيها امام المثقف منطقة رمادية، فإما الاصطفاف مع الشعب ومطالبه المشروعة، واما الاصطفاف مع الحكومة الحالية ونظام المحاصصة. ويبرز اليوم أكثر دور المثقف العراقي، في الوفاء لتأريخ مفعم بالمواقف الثورية والوطنية لأجيال المثقفين من رواد الثقافة العراقية وصانعي مجدها، الذين اصطفوا الى جانب الشعب في منعطفات مهمة، في وثبة كانون 1948، وثبة تشرين 1956 وثورة تموز 1958وغير ذلك. يبرز هذه الأيام دور المثقف، ليعزز سلمية التظاهرات ليكون ضمانة لنجاحها ويساعد على فرز قيادات كفوءة لها. أيضا ان مساهمة المثقف تساعد في تحديد شرعية المطاليب، ويكون فاعلا في توجيه حماسة الناس لإذكاء الروح الثورية وديمومة الاحتجاج بشكل حضاري، بعيدا عن الانجرار للأفكار العدمية التي تخلط الأخضر باليابس وتوفر الفرصة لأنصار الجماعات الطائفية بالتشكيك بثورة الشباب والاتكاء على احداث حصلت بفعل الغضب وقلة الخبرة.
 للأسف في أيامنا الحالية، نجد بعض المثقفين، وعددهم ليس قليل، يقفون في المنطقة الرمادية، بدون موقف عمليا، وهذا عمليا لا يصب لصالح الاحتجاج السلمي، بل وان البعض يحرض على العنف، حتى دون ان يكون متواجدا في الساحات والشوارع، وهو بذلك يسترخص أرواح الشباب. في نفس الوقت يجب الا نغمط حق من تواجد في الساحات والشوارع من الفنانين والادباء، بشكل واخر، رغم عدهم المحدود، وتعرضوا للقنابل المسيلة للدموع، واحتمالات الاستشهاد برصاص القناصة "المجهولين"، ويتطلب تحيتهم. كنت انتظر شخصيا دورا أكبر، وفاعلا، من قبل الاتحادات والنقابات للأدباء والصحفيين، بالاستفادة من دروس شعبنا في الثورات والانتفاضات. كنت انتظر فيضا من قصائد الشعر والاغاني واللوحات وغير ذلك، ولكنها كانت قليلة ومعدودة جدا، وحتى هذا لم يتم تسليط الضوء عليه بشكل مناسب. واعتقد لم يفت الأوان أما الكثيرين، فثورة الشعب من اجل التغيير مستمرة، والفرصة متاحة أمام الكثير من المثقفين لينهوا ترددهم والخروج من المنطقة الرمادية واعلان موقفهم الصحيح، فالأمور بخواتيمها.       



117
لماذا المطالبة بسلمية التظاهرات؟
يوسف أبو الفوز

لا نختلف بان التعرض للمظاهرات السلمية باي شكل، وقمعها من قبل أي جهة، رسمية او "ميليشاوية"، هو مخالفة للدستور والقوانين التي تقر بحق المواطن بحقه في التظاهر والتعبير عن رأيه. ولا أقف شخصيا مع أي اعمال حرق وتخريب تقع خلال التظاهرات، حتى لمواقع ومقرات الجماعات المسلحة، فكل هذه الممتلكات يفترض ان تعود للشعب وللدولة ويمكن استثمارها بشكل نافع يوما ما.
ويغيظني جدا البعض، خصوصا الموجودين على مسافات الاف الكيلومترات من ساحة التحرير وشوارع التظاهرات، ويشجعون على استخدام العنف ضد القوات الأمنية العراقية. أقول لهؤلاء، في أي مكان كانوا، الذين قرؤوا كراسات عن الثورة عن تجارب شعوب أخرى، بان الثورات لا تستنسخ، وان ما يصح في أمريكا اللاتينية مثلا، لا يمكن ان ينجح في الشرق الوسط ومنها العراق، فلكل بلد ظروفه الخاصة الموضوعية والذاتية المطلوبة لقيام الثورة، ناهيك عن الاختلاف في العادات والتقاليد.
ان المطالبة بالحفاظ على سلمية التظاهرات لا يضمن لنا حفظ أرواح أبنائنا وبناتنا فقط، بل ويقطع الطريق على أجهزة الحكومة الحالية، ومعها مليشيات الدولة العميقة، في توفير الحجج لتصعيد قمعها واتخاذ إجراءات ما بحجة حفظ الامن العام والى اخر الأسطوانة المعروفة والمشروخة. سيقول لي هذا المنظر الثوري، بان الأجهزة الأمنية من اول أيام انطلاق الاحتجاجات وهي تستخدم العنف المفرط حتى من دون قيام المتظاهرين باي استفزاز لها، وسقط لنا مئات الشهداء والاف الجرحى. نعم يا صاحبي، مثلك اتابع وارى واشعر بالغضب والحزن، ولكن فماذا تنتظر من حكومة فقدت شرعيتها عمليا، ولا تعير اهتماما لمطاليب شعبها، وتستمر في الاستخفاف بشعبها وتصر على البقاء في مواقع السلطة وتحاول ان تناور لإطالة عمرها بإجراءات ترقيعية؟ ان علينا الالتزام بالسلمية في نشاطنا، رغم كل الخسارات، لفضحها أكثر وتجريدها من أي حجج لتنفيذ إجراءاتها القمعية والعمل لفضح اسلوبها العنيف لتحجيمه من خلال الإدانة الشعبية المتواصلة، وكسب التضامن مع ثورة شعبنا من قبل مختلف الجماعات والشعوب المحبة للحرية والتقدم والمؤسسات الدولية فهذا سيضفي شرعية أكثر على ثورة الشعب.
ان سلمية التظاهرات ستكون الضمانة الكبيرة لاستمرار ونجاح الحراك الشعبي وتحقيق أهدافه في التغيير الشامل، وتوفير الفرصة لفرز قيادات ناضجة للحراك الشعبي، ويساهم في مراجعة وتصحيح الشعارات والتكتيكات لإدامة الاحتجاج. ان سلمية التظاهرات تساهم في تشجيع الكثير من قطاعات الشعب لكسر ترددها والانخراط في الحراك الجماهيري وبالتالي يشجع على انجاز الاعتصام الشعبي ليشل أجهزة الدولة ويدفع لإسقاط الحكومة الحالية وبالتالي المنظومة الطائفية الفاسدة كلها.
ان مشكلة الشعب العراقي لا تكمن في وجود الحكومة الحالية فقط، فذهاب هذه الحكومة ووجوها المعروفة بفسادها، وبقاء آليات المحاصصة الطائفية والاثنية البغيضة سيجلب لنا حكومة بديلة، وان كانت الحكومة الحالية تقتل المواطن بالسكين فستأتي الحكومة القادمة بمن يقتل المواطن بخيط من القطن كما يقول المثل. ليس لنا إلا المطالبة والعمل على الحفاظ على سلمية الحراك الجماهيري وتوفير الفرصة للمتظاهرين لتنظيم أنفسهم بشكل افضل، فلو تصاعد العنف من الجانبين ، سيحل التخبط والضياع حين يختلط الحابل بالنابل ، وعند ذلك ستتوفر الفرصة لمن هب ودب لركوب الموجة الثورية، ومحاولة سرقة الحراك الشعبي وثورة الشعب لصالح أهدافه.

28 أكتوبر 2019


 

118
اليمين المتطرف الفنلندي يواصل هجومه ضد المهاجرين واللاجئين
يوسف أبو الفوز
ينشط النائب الفنلندي يوكا ماكينين (مواليد، 1961، من مدينة فاسا)، عضو حزب الفنلنديين الحقيقين، اليميني المتطرف، بشكل مستمر في عرض مواقفه ضد اللاجئين والمهاجرين وضد أي إجراءات إيجابية تتخذ من قبل حكومة رئيس الوزراء أنتي ريني (من الحزب الديمقراطي الاجتماعي) في هذا الخصوص. يجتهد النائب في مقالاته ولقاءاته وتصريحاته، التي يوزعها بنشاط محموم لكل مكان، والتي تلقيت بعضها على بريدي الاليكتروني، لعرض ارقام التكاليف التي تتحملها الدولة في استقبال وايواء اللاجئين. اثار قبل فترة قضية تكلفة الترجمات الشفوية، في مختلف مؤسسات الدولة، التي تتحملها الدولة كخدمات يضمنها القانون لمن لا يجيد السويدية والفنلندية، لغات البلاد الرسمية دستوريا واورد عن عام 2018 أرقاما فلكية تجاوزت الواحد وعشرين مليون يورو، ومع ذلك يعتقد بان الحكومة الحالية لا تقدم كل البيانات عن ذلك.
مؤخرا، وارتباطا بالأحداث في تركيا، وسياسة الديكتاتور العثماني، رجب أردوكان، وتهديده لفتح باب الهجرة نحو أوروبا إذا لم يساير الاتحاد الأوربي جرائم واعتداءات الحكومة التركية بحق الشعب الكردي لإنشاء منطقة أمنية في سوريا، نشر النائب ماكينين تصريحا، عن توجيهه في العشرين من أيلول الماضي سؤالا مكتوبا الى الحكومة الفنلندية عن جاهزيتها لغلق الحدود امام توقع ازمة مهاجرين ولاجئين جديدة مثلما حدث اعوام 2017- 2015.
يعتقد هذا النائب، تماشيا مع سياسة حزبه، ذي التوجهات العنصرية، بأن فنلندا ارتكبت خطا كبيرا ودفعت الثمن باهظا لاستقبالها 32000 طالب لجوء. ويطالب النائب ماكينين حكومة ريني بإتخاذ تدابير استباقية لضمان استعداد قوات الدفاع الفنلندية لمنع قدوم اللاجئين، فهو يحث على غلق الحدود بأنتشار قوات الجيش، حتى لو تطلب ان تخرق فنلندا اتفاقية شنغن، القاضية بكون حدود الاتحاد الأوربي واحدة، فالنائب ماكينين يرى " إن أمن الفنلنديين ووجود بلدنا ككل مهددون بشكل خطير عندما تبدأ أزمة هجرة جديدة".
مؤخرا تلقى النائب ماكينين رد الحكومة الفنلندية الحالية، من قبل وزيرة الداخلية ماريا أوهيسالو (حزب الخضر) على سؤاله المكتوب حول ما إذا كانت الحكومة لديها خطة لمنع اللاجئين ولمهاجرين إلى فنلندا. ذكرت الوزيرة في جوابها القصير بان الحكومة تقوم باستمرار بالتخطيط للطوارئ فيما يخص اللاجئين. اثار الجواب غضب النائب ماكنين وذكر في منشوراته تصريحات الحكومة المجرية بكونها ستستخدم القوة عندما يبدأ تدفق جديد للاجئين باتجاه الحدود المجرية، وهو يعتقد بان الحكومة الفنلندية الحالية غير مؤهلة لحماية مواطنيها من ازمة جديدة.
في مرات سابقة، ذكرنا بأن أحزاب اليمين في اوربا عموما تستغل ورقة اللاجئين والمهاجرين كورقة ضمن سياستها لتقويض "دولة الرفاه"، النموذج الذي تسعى قوى الرأسمال العالمي لتقويضه بأدواتها السياسية، فها هو يواصل هجومه لاستغلال ورقة اللجوء، ولا ينس ان يكرر في أحاديثه سياسة حزبه بكون فنلندا عليها استقبال فقط من يكون قادرا على دفع الضرائب للدولة. وبنفس الوقت وبحكم كونه فاز مؤخرا برئاسة نادي أصحاب الدراجات النارية، هذه الهواية التي بدأها قبل عشرين عاما حين كان يعيش في أمريكا، فهو وإذ يعتقد بان اعداد راكبي الدراجات النارية تزداد في فنلندا، فهو يتطلع ان يكون لهم دور في " صنع القرار السياسي" ولم ينس بان يطالب الحكومة الحالية بضرورة " أن يتحرك كل سائقي الدراجات النارية دون التعرض لضرائب ورسوم مختلفة"!

119
رباط الكلام (2) : الى نهاز متثاقف!
يوسف أبو الفوز
 
كنت مؤخرا مع شادمان في زيارة لاحد العوائل الصديقة، نبارك لهم انتقالهم الى بيتهم الجديد.  تحدثنا في شؤون العراق، وسمعنا منهم حكايات مختلفة، لكن ما علق في بالي، حادثة طريفة روتها الزوجة المضيافة. حين افرد الزوج البومات الصور لأصدقاء كانوا في زيارتهم قبل أيام، وشاركهم في التفرج على الصور طفليهما الجميلين، الذين لم يتجاوز اكبرهم الست سنوات. انخرط ابنهم ذو السنوات الخمس في بكاء عميق احتجاجا لأنه لم يكن موجودا في الصور!
قال لأمه بلوعة: لست موجودا في الصورة؟ أين انا؟ لماذا لم تأخذوني معكم الى حفل زواجكم؟
هل لهذا الكلام من رباط؟ نعم، عزيزي القارئ، لا يوجد شيء في هذه الحياة بدون معنى!
إذ تشتعل شوارع العراق بهتافات ابناءه الشرفاء والمحتجين، ضد حكومات الإسلام السياسي، حكومات المحاصصة والفساد، التي اختطفت الوطن من ابناءه، وترسم دماء الشهداء والجرحى زهور المجد على حجر الشوارع، ينبري فجأة متثاقف، نهاز فرص، ليزايد على المناضلين، خصوصا المقيمين في المنفى (البعض يسميه الخارج!)، ويشكك بمواقفهم بطرق ملتويه (أين موقف فلان من الاحداث؟) باحثا لنفسه عن فسحة ليتسلق المشهد، ويدعي لنفسه ما لا يملك!
لن استغرب شخصيا أمثال هذا النموذج الحربّاوي. قابلت أمثاله في محطات كثيرة من حياتي. لن اتحدث عن البعثيين عشاق المجرم صدام ابن "أم الرجولة"، فهؤلاء خبر الناس اساليبهم المنحطة، أعنى هنا اشباههم الذين يعانون من عوق فكري يجعلهم يناطحون تاريخ مناضلين يشمخون كالنخيل.
هذا التاريخ الذي صلبته مطارق الاحداث، ويصرخ: اين كنت يا هذا في عرسنا يوم نزفنا دمنا وزهرة شبابنا لأجل وطن حملناه في قلوبنا طول مسيرة العمر ولم نفرط به رغم كل المغريات والصعوبات؟!
 أين كنت في سنوات إرهاب البعث العفلقي المجرم وضباعه تطاردنا من شارع لشارع نتخفى بمشقة في وطن مستباح من قبل البعثيين ومرتزقتهم؟
أين كنت عن الوطن في سنوات الجبل يوم اقتحم السماء الاف الشباب العراقي، في حركة الأنصار الشيوعيين، حالمين بثورة تساهم بإشعالها بنادقهم؟
اين كنت في سنوات غربتنا من بلد الى اخر، وزنازين الأنظمة العربية ودول الجوار ـ وحتى الاوربية ـ  تستضيف الاحرار من المناضلين، لكونهم لا يحملون جوازات سفر من بلدهم الأم؟
اين كنت حين ...؟
كان عليك يا حصيف، يا نهاز، ان تعرف حجمك وتاريخ تلونك الحربّاوي، والوان قمصانك الرثة التي ترتديها عند كل موقف، وايضا تتذكر ان بيتك من زجاج هش .. وجدا!
 وسنلتقي! 


120
المنبر الحر / مذاق عراقي!
« في: 20:39 15/10/2019  »
  مذاق عراقي!


يوسف أبو الفوز

لغف بدقيقة صحن المخلمة الذي أعدته زوجته قبل خروجها للعمل في شركة التنظيف. يقدر لها كثيرا تحقيق رغبته في الحفاظ على المذاق العراقي في الطبخ. شفط كوب الشاي السيلاني الاسود بدون سكر حسب وصايا الطبيب. تصفح بسرعة بريد الماسنجر. توقف أصحابه من أيام عن مده بتلك الصور اللذيذة لحوريات وفاتنات لا يعلم سوى الله كيف كُوِّرَتْ صدورهن واردافهن، وصاروا يمدونه بفيديوهات كئيبة لإحداث ما يجري في شوارع بغداد. قتلى وجرحى واباء مكلومين وامهات ثكلى وقوات امنية غاضبة. لقد تجاوزت الحكومة الفاسدة حدودها كثيرا. نهض ممتعضا.  وصلته البارحة من ابنه في لندن رسالة يخبره بانه وصديقته سيسافران الى فينيا في إجازة الخريف القادمة، ويطلب منه المساعدة بمده بمبلغ لاستكمال تكاليف اجازتهم. كبروا وصاروا يطالبون بحقوقهم. تلفه الحيرة وتثقل عليه. أيكتب بوستا جديدا عن تظاهرات الاحتجاج ام يستكمل كتابة قصيدته الأخيرة عن الاحداث؟ استلهم فكرة القصيدة من حديث جارته بنت البلد التي تعلمت العربية في مصر:
ــ "العراق صاير حريئه"!
اثارت كلماتها نخوته. كتب قبل أيام بوستا في فيس بوك بالألوان عما يجري من قتل في شوارع بغداد:
ــ ستستخدم الحكومة كل الاساليب القذرة لإسقاط ثورتكم وكل انواع الاسلحة لقتلكم فماذا أنتم فاعلون يا شباب العراق؟
 مد بصره عبر زجاج النافذة. تبدو البحيرة القريبة ساكنة وثمة زوراق رياضية تبتعد. المنظر جميل من الطابق الخامس. كان محقا حين أصر على دائرة الشؤون الاجتماعية ان تساعده للحصول على هذا الشقة بالذات ومساعدتهم له في دفع قسم من الايجار. في الحديقة امام العمارة ثمة امرأة يخفي شعرها الأشقر ملامح وجهها، تجلس تراقب طفلها يلعب بالرمل. لقد نظف بواب العمارة الممر الجانبي من بعض أوراق الخريف، لكن أشجار "البتيولا" تستمر اوراقها في التساقط. لابد للاحتجاجات ان تستمر، وان بقت سلمية معناها موتها. جلس الى الكومبيوتر وركضت أصابعه على الكيبورد:
ــ لماذا لا نقاتل هؤلاء الحكام الخونة بالسلاح؟ يبدو انه لا مفر من ذلك.. لا نريدها سلمية بعد الان. العين بالعين والسن بالسن لن نتركهم يقتلونا وبإمكاننا حمل السلاح للدفاع عن وطننا وبيتنا واهلنا!
وحتى لا ينس، قبل ذهابه الى صالة الرياضة، بسرعة كتب لابنه رسالة على الماسنجر:
ـ سأطلب من أمك تحويل مبلغ من المال، لكنه قرض وعليك اعادته سريعا!

5 أكتوبر 2019



121
رباط الكلام: الدب العراقي!


يوسف أبو الفوز

رويت ذلك مرارا، وان بأساليب مختلفة، حسب المكان والمناسبة، لكن ملخص الحكاية هو واحد. إذ تحفظت شادمان في اول لقائي وتعرفي بها على العيش وطبيعة الحياة في فنلندا، فكان عليّ، انا العاشق المتلهف لكسب قلبها وعقلها ان أقنعها بأن ما سمعته عن هذا البلد فيه الكثير من المبالغات. لا اعرف من روى لها وكيف اقتنعت بان فنلندا، البلد المرمي عند حافة القطب، تعيش ستة أشهر في ليل طويل وستة أشهر نهار دائم. وإذ تجاوزنا هذا كان عليّ اقناعها بالتهويل في الامر بان الدببة تجوب شوارع المدن الفنلندية!
بعد عام، ومن وجود شادمان في فنلندا، ومعيشتنا معا، في بيت في مركز مدينة كيرافا، في ضواحي العاصمة هلسنكي، أطلق التلفزيون الفنلندي إشارة تحذيرية، وتكون هذه بصوت حاد كالمورس يلفت الانتباه مع شريط عريض مقروء، وهي عادة متبعة في هذا البلد:
ـ الى سكان مدينة كيرافا. احذروا. الزموا بيوتكم، شوهد دب يتجول في أحد شوارع مدينة كيرافا. أبلغونا بالمستجدات.
حصل ذلك مرتين، وفي كلتا الحالتين، صرخت بي شادمان:
ـ الم أقل لك!
رباط الكلام..
من المعروف ان الدببة من صنف السباع، وهي تدخل في سبات عميق لكنها تستيقظ وتكون نشطة، ورغم انها عموما خجولة، الا انها تدافع بشراسة عن اطفالها إذا ما تعرض لها أحد.
فيا حكومات المحاصصة والفساد والحرامية بلا ضمير وسياسي الصدفة من كل لون. ان الدب العراقي الغاضب، نهض من سباته، وهاهو يجوب شوارع المدن العراقية، لأجل حياة كريمة، وسيدافع بشراسة عن مستقبل ابناءه، فعليكم ان تتدبروا حالكم والتصرف بحكمة. الزموا بيوتكم، او اهربوا الى اسيادكم. ولات ساعة مندم!

122
حين تحتفي السينما ببطولة ناس عاديين ... وحيدون في برلين أم في.. بغداد؟
يوسف أبو الفوز

شاهدت مؤخرا فيلما ( نشر رابط له على موقعه في فيس بوك الفنان هادي ياسين) ، بإنتاج مشترك ، فرنسي الماني بريطاني ، وبطاقم عمل أممي من مختلف الجنسيات، وطيلة ساعة وثلاثة واربعون دقيقة، زمن الفيلم، الذي يقدم لنا قصة شجاعة هادئة بدون صخب، يجترحها عامل في ورشة نجارة لصناعة التوابيت مع زوجته التي ساندته لأخر لحظة، فوجدت ذهني لا اراديا  يدور في بغداد، او أي مدينة عراقية أخرى، في زمن الطاغية المجرم صدام حسين ونظام حزبه الفاشي الاشتراكي القومي، رغم ان احداث الفيلم تدور في المانيا، برلين الغربية، في سنوات الحرب العالمية الثانية تحت ظل نظام الحكم الهتلري الفاشي والسلطة الوحشية لقوات الغستابو، فوجدتني، من اللاوعي، اضع لشخصيات الفيلم والاحياء والشوارع أسماءً عراقية، فلم يكن هناك اختلاف كبير، فهذا الفيلم بين لي بشكل واضح وصريح، ان الديكتاتوريات الشوفينية، مهما كان ثوبها ولونها، والمعادية للإنسان وحقه في الحياة الكريمة، تتناسل، وان عسفها الفاشي واحد وتتشابه طرق تنفيذها للجرائم بحق الناس الأبرياء، إضافة الى ذلك بين لي الفيلم جيدا القدرة الهائلة التي تمتلكها السينما لإدانة العسف والظلم وأيضا لتمجيد البطولة .
 الفيلم هو "وحيدون في برلين" انتاج 2016 من اخراج فنسنت بيريز (مواليد 1964) مصور وممثل ومخرج سويسري، كتب السيناريو بالتعاون مع الألماني آخيم فون بوريز(1968)،  صاحب سيناريو فيلم "وداعا لينين" 2003 الذي ترشح للعديد من الجوائز حينها. كُتب سيناريو فيلم "وحيدون في برلين" عن رواية للكاتب الألماني هانز فالادا (1893 - 1947)، صاحب الحياة المثيرة للجدل، وكانت بعنوان "كل رجل يموت لوحده"، وتذكر لنا سيرته الذاتية (موقع ويكيبيديا مثلا)، انه كتب الرواية خلال 24 يوما، قبل موته بأشهر قليلة مخبراً اهله انه كتب قصة عظيمة. كتب فلادا روايته استنادا الى واقعة حقيقية، وجدها في ملفات جهاز الغستابو، عن قصة رجل وزوجته، العاملان أوتو وإيليز هامبيل، المواطنان الالمانيان، الذين لم يكونا عضوين في الحزب النازي لكنهما مجبران على الاشتراك في نشاطاته، بعد مقتل ابنهما الوحيد في الحرب في فرنسا، وجدا في ذلك ظلما كبيرا لهما، واكتشفا خداع الفكر الفاشي، فتحول الحزن في روحيهما الى غضب بارد، جعلهما ينتفضان ضد الحرب والفاشية فابتكرا أسلوب فرديا للمقاومة، وذلك بكتابة نصوص تحريضية قصيرة، على بطاقات بريدية، تطالب بنشر الحقيقة وإيقاف الحرب، وصارا يوزعانها في كل مكان في احياء برلين، يضعانها على السلالم والمداخل حيث يمكن رؤيتها من قبل المارة، واستمرا بنشاطهما الذي استنفر جهاز الغستابو ضدهم بين عامي 1940 و1943. يذكر ان هذ القصة سبق واخرجت للتلفزيون والسينما في المانيا الديمقراطية والغربية في أعوام1962 و1970، والفيلم موضوع حديثنا يحمل اهداء لذكراهما وان كان السيناريو غيّر أسميهما الى أوتو وآنا كوانجيل.
يبدا الفيلم، الذي تم تصويره في عدة مدن المانية عام 2015، بانتصار القوات الفاشية في فرنسا ومقتل الابن، وعند ابلاغ الاب أوتو كوانجيل بمقتل ولده حافظ على رباط جأشه بشكل يثير الاعجاب، وأدى دوره ببراعة الممثل الأيرلندي برندان غليسون (1955) الذي لعب دور ونستون تشرشل في فيلم " في العاصفة" 2009، وشارك في أفلام هاري بوتر (2004-2010)، قلب شجاع (1995)، وافلام أخرى قادته لنيل عدة جوائز رفيعة والترشيح لأخرى. كانت حوارات الفيلم قصيرة وعميقة ودالة، ربما من أبرزها حوار الزوج مع زوجته الذي استمد منه الفيلم العنوان حين يخبر أوتو كوانجيل زوجته آنا، بعد ان بدأ في كتابة البطاقات البريدية: " من الآن فصاعدًا، نحن لوحدنا". لعبت الممثلة البريطانية إيما تومسون (1959) دور الزوجة آنا، التي تناغمت في هدوءها ورباطة جأشها وشجاعتها مع زوجها وان كانت لامته على موت ابنها (انت الملام وحربك اللعينة، انت وزعيمك اللعين) فأثر على حميمية علاقتهما الزوجية، لكن الحزن بفقدان ولدهما الوحيد ولجوئهما الى ابتكار طريقة لمقاومة ماكينة الحرب النازية، يساهم بإحياء علاقتهما الزوجية. وفي مشهد رائع بتنفيذه وتمثيله، في قاعة المحكمة وقبل ان يرسلهما القاضي للموت بالمقصلة، تقترب آنا من زوجها فيسألها: تعرفين ماذا سيحدث؟ فتخبره بالإيجاب، فيقول لها "انه أمر لا يمكن تغييره"، ويقصد حكمهما القادم بالإعدام، فتنظر اليه بحب وتقول بثبات: "أعرف. أوتو، لا يهم". ان الفيلم يقول لنا في هذا المشهد بأن الخوف يتلاشى عندما نقوم بالفعل الصواب ونقف بوجه الظلم والطغيان.
كان الفيلم يتحرك بايقاع هادئ لكنه يحبس الانفاس، إذ تضافر أداء برندان غليسون وإيما تومسون بابتعادهما عن صنع فيلم ميلودرامي يستدر العواطف، الى صنع فيلم يقدم صورة للغضب البارد كدافع لتنفيذ اعمال مقاومة وانتقام من سلطة غاشمة. وكانت كاميرا السينمائي والممثل البلجيكي كريستوف بياوكارن (1965) الحائز والمرشح كمصور لعدة جوائز، تنتقل بحساسية وبراعة في شوارع مدينة برلين، في أيام الحرب محيطة بكل التفاصيل التي يبدوا واضحا ان الفيلم كان حريصا على ابرازها، حيث نشاهد شارع كامل تدور به السيارات من فترة الاربعينات بكل تفاصيل الحياة التي كرسها النظام الفاشي، والكاميرا تتحرك بدون صخب مع موسيقى عميقة، بضربات خفيفة من البيانو، التي تعكس توتر داخلي في احداث الفيلم وروح المتفرج، والموسيقى من تأليف الفرنسي ألكسندر ديسبلا (1961) الذي سبق وتم ترشيحه لثلاث جوائز أوسكار، وفاز بجائزة غولدن غلوب ، ورُشح لعدة جوائز أخرى. ان مصيبة أتو كوانجيل وزوجته بفقدان ابنهما، وانشغالهما بأخفاء نشاطهما التحريضي السري، لم يمنعهما من ابداء التعاطف مع جارتهم العجوز اليهودية روزنتال (أدت دورها الممثلة الفرنسية مونيك شوميت مواليد 1927)، التي تعرضت شقتها للنهب والاعتداء من جيرانها أعضاء الحزب النازي من كتاب التقارير والوشاة! (هل يّذكر هذا العراقيين بشيء؟)، والتي يتعاطف معها أوتو كوانجيل وزوجته آنا، لكن محاولة اعتقال العجوز رزونتال من قبل قوات الغستابو بمشاركة ابن جارتها الذي رعته حين كان طفلا، وشب ليصير فتى في الشبيبة النازية، يدفعها للانتحار برمي نفسها من اعلى العمارة السكنية. 
شخصية محقق الشرطة، الذي  يتابع قضية توزيع البطاقات البريدية ، ادى دوره بتمكن الممثل الألماني ـ الاسباني  دانيال برول ( 1978) ، الذي عرف في أفلام عديدة منها "وداعا لينين"  2003، و" المستعمرة كولونيا" 2015 ، وافلام عديدة أخرى نال عنها العديد من الجوائز، في هذا الفيلم نجح في تقمص دور محقق الشرطة الذي يؤدي دوره في البدء بحماس أيديولوجي وحرفية مهنية في البحث عن كاتب وموزع البطاقات البريدية، ونجح في تحديد طبيعة شخصيته من خلال دراسة نصوص البطاقات، فتوصل الى كونه شخص مفجوع بفقدان ابنه الوحيد في الحرب في فرنسا، له علاقة بالمكائن لأنه يكرر عبارات " ماكينة الحرب" و " ماكينة النظام"، وشخّص ان هناك تطورا في أسلوبه التحريضي، إذ بدأ من عبارات " هتلر كاذب" و"هتلر قاتل" وانتقل الى طرح جمل طويلة تطالب بالبحث عن الحقيقة وإيقاف الحرب والنضال ضد النازية :"كل فكرة ضد الاشتراكيين القوميين مثل حبات الرمال في الة حرب النظام المجرم ". خلال التحقيق أطلق المحقق سراح مواطن مشتبه به كونه كاتب البطاقات لعدم تطابق المعلومات فالرجل المتهم لديه ولدين في جبهات الحرب، فأثار غضب ضابط الغستابو المستثار (لعب دوره الممثل السويدي ميكايل بيرسبرانت 1963) فأهان المحقق واعتدى عليه بوحشية، وطالبه بإعادة اعتقال المشتبه به، مما عصّف بشخصية المحقق واثار تعاطفه مع المشتبه به، إذ وجد نفسه تحول الى خائف ومهانا من ماكينة النظام مثل الذين يطاردهم، فيخبر المشتبه به بانه يدرك كونه بريء وانه ليس كاتب وموزع البطاقات، وبالاتفاق معه يقوم بتصفيته في غابة، لتجنبيه عذاب التحقيق وطرق التعذيب  الوحشية لأنه في كل الأحوال ميت، ويدعي امام رجال الغستابو انتحاره. كان الممثل دانيال برول بارعا في عكس التحول في شخصية المحقق، وتصاعد روح القلق، وحيرته في المضي قدما في تنفيذ واجبه، فحين يتم القبض على أوتو كوانجيل، بعد ارتكابه خطأ بإسقاطه بطاقات بريدية تحريضية في محل عمله بسبب اهتراء جيب معطفه، يشعر المحقق بالغضب لكونه قام بفعل قاده الى الموت. وحين يرفع ضابط الغستابو نخب النجاح في القاء القبض على كاتب البطاقات ويحطمون كؤوسهم على رأس كوانجيل يتردد المحقق ويتأخر في فعل ذلك علامة على التصدع الداخلي الذي أصابه. وإذ كان أوتو كوانجيل كتب ووزع 285 بطاقة، فيخبره المحقق غاضبا بأنهم استلموا 267 من البطاقات وجلبها الناس لهم طواعية، وهناك فقط 18 بطاقة لم تسلم لهم ويصرخ به: "لم  يمكنهم الانتظار حتى يسلموها لنا . كيف يمكنك حقا ان تصدق أنك ستغير أي شيء؟"، لكن كوانجيل لا يأبه بهذا، ففي حديث سابق مع زوجته عن مصير البطاقات البريدية، وتساؤله هل سيقرأها الناس؟ هل سيمررونها للأخرين؟  أخبرها "ان القليل من الرمل لن يوقف الماكينة لكن المزيد سيعطلها". في مشهد اخير في الفيلم، بعد اعدام كوانجيل وزوجته يمسك المحقق بالبطاقات البريدية ويصرخ بانه الوحيد الذي قراها جميعها، وينثرها عبر الشباك من اعلى العمارة الى الشارع، ويخرج مسدسه من درج مكتبه، وإذ تنثر الريح البطاقات على ارض الشارع ويلتقطها الناس نسمع صوت اطلاقة، فنعرف بأن حبيبات الرمل قامت بدورها!

 

   


 




123
الفن ينتصر للمرأة في معرض تشكيلي مشترك في  هلسنكي
هلسنكي ــ يوسف أبو الفوز   
تصوير : شادمان علي فتاح

في العاصمة الفنلندية، هلسنكي، وفي "ليلة الفن"، التي تقام كل عام، في الأسبوع الأخير من شهر آب، حيث تنظم العشرات من النشاطات الثقافية والفنية التشكيلية والموسيقية والقراءات الشعرية، وبتنظيم من (شبكة الفنانين المهاجرين في أوروبا) بادارة واشراف الفنان العراقي أمير الخطيب (مواليد النجف 1961) رئيس الشبكة ، اقيم معرض تشكيلي تحت عنوان (المرأة مصدر الحياة) ، وعلى قاعتين في مبنى كابلي، الذي هو مركز غرب العاصمة للفنون والنشاطات الثقافية، وباشتراك 46 فنانا مغتربا في الولايات المتحدة الامريكية وكندا والسويد وفنلندا وألمانيا، وبمعدل عمل فني او عملين لكل فنان. وما عدا عملين نحتيين ، كانت كل الاعمال رسوم تشكيلية بمواد مختلفة ومرتبطة موضوعاتها بعنوان المعرض، خصوصا ان من مجموع المساهمين كان هناك 31 امرأة فنانة، حيث عرضت الاعمال الفنية تفاصيل من هواجس واحلام وهموم المرأة عموما سواء في البيت او مواقع العمل او حملت أسئلة كبيرة عن عموم معاناة المرأة ونضالها من اجل حريتها وواقع اجتماعي افضل خصوصا ان الفنانين المشتركين أساسا هم من خمسة بلدان عربية هي : العراق ، مصر، تونس، المغرب وفلسطين، فجاءت اللوحات محملة بهموم المرأة ارتباطا بواقع حياتها في بلدها والظروف التي يعاني منها عموم المجتمع اجتماعيا وسياسيا . هكذا حملت مساهمة الفنان بلال السكوتي النحتية، من الخشب اسم "نا.. دية"، في تلاعب مقصود بالاسم ومعبرا في العمل عن انتهاك حقوق النساء الايزديات أثر جرائم عصابة داعش الإرهابية ضد الإنسانية. يذكر ان المعرض تم افتتاحه من قبل الفنان المفاهيمي الفنلندي يوها ـ بيكا فايسانين الذي هو أيضا رئيس الحزب الشيوعي الفنلندي، وقدم في الافتتاح كلمة مهمة اشاهد بها بالجهود المنظمة وبالأعمال المشاركة واعتبر المعرض " مساهمة في النقاش الفنلندي والأوروبي والعالمي حول دور المرأة في المجتمع، وتبيان مسؤولية الفنان وحق الأقليات والمهاجرين في ابراز ثقافتهم"   وأضاف بان المعرض " حمل رسالة سياسية واضحة تنتصر للمرأة إضافة الى قيمه الفنية".          
الفنان امير الخطيب، رئيس (شبكة الفنانين المهاجرين في أوروبا) أخبرنا بان المعرض، يشكل إضافة جديدة لنشاط الشبكة المتواصل، وانه سيستمر مفتوحا امام الزوار حتى نهاية شهر آب. ومن الجدير بالذكر ان الخطيب وفي عام 1997 وبالتعاون مع بضعة فنانين تشكيليين أسس (شبكة الفنانين المهاجرين في أوروبا)، والتي مقرها هلسنكي، وتصدر مجلة شهرية باللغة الانكليزية اسمها ( ألوان كونية) ، بلغ أعضاء المنظمة قرابة 500 فنان ينتمون لأكثر من 40 بلداً، يشكّل الفنانون العراقيون نسبة كبيرة بينهم، ومنهم اسماء لامعة في الحركة الفنية العراقية، واستطاعت شبكة الفنانين أن تنظم العديد من المعارض المشتركة في بلدان أوروبية. وللشبكة مساهمة فكرية فاعلة في حوارات حضارية تختص بمفهوم " الثقافة الثالثة " ونشاط الفنانين المنفيين والمغتربين في أوروبا.


 








الفنان الخطيب يتوسط الفنانين من العراق عدوية الربيعي وبلال السكوتي



124
الصحافة الشيوعية في العراق..
من اجل سعادة الشعب وحرية الوطن *

يوسف ابو الفوز
صدرت "كفاح الشعب"، اول صحيفة شيوعية عراقية، أواخر تموز 1935، لتكسر احتكار الأفكار الذي تمارسه الصحافة الحكومية الرسمية، واصبحت أول صحيفة عراقية تصدر سرا متحدية الأعراف التقليدية بضرورة الحصول على إجازة، ولتفتح السجل النضالي الحافل للصحافة الشيوعية في العراق، التي لعبت دورا نضاليا بارزا في نضال القوى الوطنية المكافحة من اجل سعادة الشعب وحرية الوطن. ان المؤرخ والمتابع لتاريخ الصحافة الشيوعية في العراق، لا يمكنه تجاوز دورها في ارساء تقاليد عمل جديدة في تاريخ الصحافة العراقية، ولا يمكنه الا ان يذكر دورها الريادي في كشف وفضح سياسات الحكومات العميلة المرتبطة بسياسة الاستعمار وقوى الاحتكار، وتبنيها لتطلعات الكادحين. ومع توالي اصدار الحزب الشيوعي، العديد من الصحف السرية والعلنية، ارتباطا بالظروف النضالية والسياسية التي عاشها ، مثل  صحيفة "الشرارة" في مطلع الاربعينات، صحيفة "القاعدة" في كانون الثاني 1943، ، صحيفة ئازادي " الحرية "الناطقة باللغة الكردية في نيسان 1944، "العصبة"  في 1946 ،"الاساس" في 1948، " اتحاد الشعب" في منتصف 1956 ثم صحيفة "طريق الشعب" نهاية 1961 والتي واجهت ظروف نشر متعددة، فإن الصحافة الشيوعية ظلت وفية ومخلصة للمبادئ التي ارساها الرواد الأوائل، فلم تكن مجرد صوت لإيصال سياسة الحزب وبرامجه، بل كانت ميدانا لنشر الفكر التقدمي في مختلف جوانب الحياة. أصبحت جماهير الشعب تقرأ في صحافة الحزب الشيوعي العراقي آمالها وطموحاتها وهمومها، ولهذا كان انتظام صدور صحافة الحزب يشكل معنى كبيرا لدى جماهير الكادحين وأعضاء وأصدقاء الحزب، ولهذا السبب كانت صحافة الحزب السرية في فترات نضالية عديدة توزع أعدادا أكثر من الصحف العلنية الرسمية، واصبحت مدرسة لأجيال من الصحفيين والمثقفين العراقيين، الذين على صفحاتها تعلموا وشقوا طريقهم إلى ميدان العمل في الصحافة والأدب. خلال مسيرتها النضالية الحافلة بالأمجاد من اجل مستقبل أفضل لأبناء شعبنا، قدمت صحافة الحزب الشيوعي العراقي كوكبة خالدة من الشهداء من المناضلين والصحفيين، نستذكر منهم الشهداء محمد الشبيبي، عبد الرحيم شريف، محمد حسين أبو العيس، جمال الحيدري، نافع يونس، عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)، عدنان البراك، ولا ننسى زكي خيري وشمران الياسري وعامر عبد الله وغيرهم كثيرون ممن يطول تعداد أسما