عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - ashor_albazi

صفحات: [1]
1
الصليب


في أحلك لحظة من لحظات التاريخ،
ومن فوق رابية الجلجلة الذي سادها ظلام دامس
لم يشهد العالم له نظيراً،
علّق المسيح على الصليب
وهو لم يكن مجرماً ينال قصاصه بموجب عدالة الأرض،
ولكنه كان فادياً يتألم نيابة عني وعنك.
لكي يوفي حق عدالة السماء الذي كنا مطالبين بوفائه،
والفداء على الصليب
كان هو النتيجة المباشرة
لتلك المحبة الكاملة الكامنة في قلب الله نحو البشرية منذ الأزل،
والتي لا نستطيع نحن بعقولنا الضعيفة أن ندركها،
 " لأنه هكذا أحب الله العالم حتى وهب أبنه الأوحد،
فلا يهلك كل من يؤمن به،
بل تكون له الحياة الأبدية".
وبالفادي المعلق على الصليب،
أعلنت محبة الله غير المحدودة للإنسان،
والتي هي أكمل وأعظم وأروع مثال للتضحية والبذل شهده العالم.
ومن صليب الجلجلة
أشرقت وسطعت أنوار سماوية مباركة
فاقت أشعة الشمس في قوتها،
وأضاءت قلب البشرية المظلم
وحررت وبددت سحب خطاياه الكثيفة
التي أسرتها عبودية الخطيئة
والتي قيدتها عبر التاريخ،
وأنارت للإنسان الهالك الطريق الى الحياة الأبدية.
وكل من يأتي الى الصليب
ويقترب ببساطة الإيمان
ويسمع المصلوب وهو ينادي الآب قائلاً:
" يا أبتاه أغفر لهم "
سرعان ما تزول كل أحاسيس الكراهية والحقد في قلبه،
وتحل بدلاً منها المحبة العجيبة
النابعة من قلب الله الكبير المحب،
ويحصل على السلام الكامل مع الله ومع الناس ومع نفسه.
ومنذ ألفي عام
وحتى الآن لم يفقد الصليب قوته المجددة،
وذلك النبع
الذي فتح في جنب الفادي المخلص منذ عشرين قرناً
لا يزال ينضح حباً حتى الآن،
لقد أختبر الملايين من الناس في القديم قوة الصليب
فتجددت قلوبهم وتغيرت حياتهم
وأصبحوا خليقة جديدة في المسيح يسوع.
تستطيع أنت أيها الأخ العزيز الآن
أن تفتح قلبك لتسطع فيه أنوار الصليب،
وأن تختبر قوة وفاعلية الصليب
في تغيير حياتك وتجديد قلبك …
فتعال الى الجلجلة
وضع يدك في يد المصلوب على الصليب
وهو بدوره يضعها في يد الله فتتم المصالحة.

الراهب
اشور ياقو البازي

2
صرخة إنسانية.. من أجل أبناء بلدي...
[/size][/font][/b]

الراهب اشور ياقو البازي

يا رب ..

اني أحس بقيد يربط يدي،

فلا أعطي أخوتي ما يحتاجون إليه،

وأحس بقيد يثقل قدمي،

فلا اسارع لإغاثة المعذبين.

أعلم ان الاف البشر يهلكون،

بالجوع والمرض والاضطهاد،

لكنني أتنعم بكل ما اشتهي.

وحتى هذه اللحظة،

لم أعط قطرة من دمي،

لجريح يحتضر.

لم أقسم عشائي،

مع طفل يتضور جوعاً.

لم افسح فراشي،

لإخ شريد تهدم بيته،

لم اخلع بعض أثوابي،

ليستدفيء بها فقير معدم.

لم أمنح مقعدي،

لشيخ أو أم تحمل طفلاً.

كثيراً ما ازاحم الاخرين،

لاحصل على أفضل الفرص.

هناك شيء ينقصني،

شيء يحررني من قيود الجسد.

أحتاج القوة المحررة،

قوة روحك القدوس.

فإكشف لي طريق التحرر

من قوالب الفكر الجامدة،

فاعرف معنى الانتماء إليك،

وأعرف معنى العطاء

بلا حدود لكل الناس.
[/b]

الراهب اشور ياقو البازي

3
أرى...
[/b]

الراهب اشور ياقو البازي

حياتي وجذوري
مغروسة في العراق
منذ الاف السنيين
هي فرصة للحب، والفرح والاجتهاد،
مهما اعترضتها المنغصات، أو الآلام، أو التحديات.
ان لحياتي في وطني رسالة ومعنى، وقيمة وقصد
لأجله خلقني الله فيه.
أرى الجمال في ربوعه،
في جباله، ووديانه، وسهوله، وأهواره
في نخيله، ووروده، وطيوره، وفي قلوب بشره،
من شماله وجنوبه مروراً بوسطه،
هناك الخير والنبل مهما أطلت عليه من الخارج أقنعة الشر،
والقسوة، والأنانية، والحقد والكراهية في موطني.
أرى شروق شمسه في قلبي،
مهما امتدت ساعات الليل الدامس.
ونور ربي يبدد ظلمة حياتي، وينير دربي،
ويهدي خطواتي في مسيرتي.
أرى حبي يداوي جراح شعبي المتألم،
 ويمسح الدموع، ويحيي الأمل.
في تسامحي كرم، وفي غفراني قوة.
في وداعتي فخر، وفي تواضعي كرامة.
في سمائي صفاء، وفي قوس قزح جمال ورحمة.
يد الرب في حياتي دوماً تشفيني،
وتقويني وتنجيني من الخطر مهما طال الزمن.
أرى الايمان قبل العيان، الحل للمشكلة، والمنفذ عند التجربة.
العنف يتوارى أمامي
في بلدي عندما يحل سلام الله في قلبي.
سعادتي في العطاء أكثر من الأخذ.
الرحماء يرحمون، والكرماء يكرمون في وادي الرافدين.
اليأس يتبدد، طالما هناك أمل ورجاء.
الخوف يهرب من قلبي عندما يدخله الايمان.
أرى النجاح في الافق، مهما تعثرت خطواتي.
من خلال التفاهم والحنان، والاحترام، والتضحية،
وتقدير المسئولية، هي اسمى معاني الحب.
أرى في التفاؤل حصانة ضد قلقي، وعلاج لأرقي.
الدنيا ربيع في بلاد ما بين النهرين كل الفصول
والحياة بعين الرضا،
والشكر في كل ظروف الحياة.
[/b]

الراهب اشور ياقو البازي

4
كلمة حب إليك أنت العراقي
[/b]


الراهب اشور ياقو البازي

ما أجمل أن ترى ابتسامة طفل،
وتستمع لقهقهة ضحكاته، إنها السعادة بعينها.
إن براءة هذا الطفل
يمكن أن تجعله يضحك في أثناء بكائه،
إذا حاولت إضحاكه.
هكذا الأمل،
إنه الابتسامة التي نراها وسط الدموع،
فوسط الدموع،
لا نستطيع أن نرى الأشياء
من حولنا بصورة واضحة،
ولكن بعد أن نمسح هذه الدموع،
نرى الأشياء أوضح،
وقد تكون بصورة أفضل أيضاً،
ولكن كيف ؟
إنه الأمل في الغد،
والرجاء أن غدنا سيكون أفضل من يومنا،
كما أن حاضرنا افضل من ماضينا.
عندما نضع أمورنا في يد الله،
نستطيع أن نرى الأشياء من حولنا
بصورة أكثر أماناً في الغد،
مهما كانت الظروف من حولنا ؟
ألم، حروب ، ارهاب ، قتل، خوف، وقلق،
ولكن لننظر إلى نصف الكوب المملوء،
ونترك النصف الآخر الفارغ
ليملأه لنا الله سبحانه بكل الخير من عنده.
وتذكر أن دورك
ليس فقط أن تستمتع بالتفاؤل والأمل،
ولكن أن تشيع هذا الأمل من حولك أيضاً.
فما احوجنا اليوم نحن العراقيين الآن،
أكثر من أي وقت مضى،
أن نكون نوراً وملحاً وخميرة لجميع من حولنا،
لنزرع الأمل والبهجة،
ونثق أن بعد الظلام ستشرق الشمس
بصباح جديد وآمن بإذن الله.
اجعلنا يا رب
نرى الجمال من حولنا،
اجعلنا نفرح بميلاد زهرة جديدة،
اجعلنا نبتسم مع ضحكات طفل صغير،
اجعلنا ننشر الأمل والتفاؤل من حولنا،
اجعل عيوننا مرآة،
يشعر من ينظر إليهما بالفرح والثقة في الغد،
لأن الفرح منك..
والأمل في الغد،
ينبع من أن حياتنا بين يديك.
يا رب
.[/b]

الراهب اشور ياقو البازي

5
فبأي لغات العالم  تعقلون ابناء امتي ؟!
[/b]


اشور ياقو البازي


قالها طائر في قفص
عندما رأى عائلة تجلس تستمع
إلى تغريده في صباح كل يوم،
ولكن هذه المرة سمعه كبير العائلة،
فذهب إليه وقال : لماذا أيها الطائر تسمعنا موال حزنك؟
ألست سعيداً في هذا القفص الواسع ؟
نقدم لك الطعام والشراب،
والدفء والأمان .
فقال: الدنيا أوسع من هذا القفص ..
والطعام موجود في كل مكان وبأنواعٍ شتى ،
ودفء أعشاشنا أدفأ من مدفأتك ..
أما الأمان فصدقت !
فقد كنت أخشى أن أقع في أيديكم،
وها أنا وقعت فيما كنت أخشاه،
فلم يعد هناك ما يخيفني !!
فقال الرجل : قد غلبتني بحجتك،
فاذهب الآن، فهذا باب القفص مفتوح.
اذهب إلى موطنك .
فتبسم الطائر!
وقال : لو ذهبت من هنا،
فلن أكون إلا طعاماً لقططكم،
أو أسيراً لقفص آخر.
فأنا أوفر على نفسي
هذه المشاق بالبقاء هنا !
اسمع :
سلبتم حرياتنا إرضاءً لغروركم،
ولم تدركوا معنى أن تسلبوا مخلوقاً حريته.
وهذا ما جعل بعضنا يموت
في أقفاص الصياد قبل دخول أقفاصكم ...
ألا تحسون بالأنانية؟
تسلب حرياتنا وتقتلونا
وتشتتون شملنا إرضاءً لغروركم.
دون استجابة
لصرخات تلك الطيور
عندما تستغيث ببعضها ولم تستجيبوا
بعد ذلك
لصرخات طلب الرحمة
وانتم تبعدون أنثى عن فراخها،
وطير من عش أنثاه
وكيف تستجيبون
وأنتم تعتقدونه تغريداً !!!
تتركوننا بين أيدي اطفالكم
يلعبون بحياتنا
وانتم تبتسمون لهم
حتى بعد موتنا تأتون
لهم بغيرنا يسليه ويلعب بحياته
ألم أقل انكم لا تعقلون يا أبناء امتي
عندها سكت الرجل
وأقفل القفص
وترك الطائر يكمل موال حزنه.
[/b][/size][/font]

( واللبيب بالاشارة يفهمها )

اشور ياقو البازي

6
اجلس وحيداً  في ظلمة الليل اناجي


اشور ياقو البازي
   

متى ستأتي الحبيبة،
لتحتل عرش فؤادي؟   
انتظرتها طويلاً،
و لاجلها طال انتظاري..   
لكنها
لم تعرف طريقاً
توصلها إلى قلبي الخالي   
فلولا
قدرتي على رسم
ما اتمناه في خيالي..   
لكنت الان
من حرمان الحب
اعاني ليالي و ليالي   
لكني
لا اضع اليأس في قلبي،
و لو لثواني   
بل سأبقى
انتظر تلك الحبيبة الغالية   
ربما إلى آخر يوم
في حياتي   
أو ربما
إلى أن تخمد أنفاس فؤادي..   
لكي تأتي
و تعوض حرماني   
أحبك
و لكن أجهل من تكون   
احبك
يا أغلى من حياتي
[/font] [/size] .[/b]

7
أدب / أنا
« في: 13:01 04/12/2005  »
أنا
[/size] [/b][/font]
 

اشور ياقو البازي

 
كل يوم في مدينة مختلفة ,
في بيت مختلف , في فراش مختلف,
اسند رأسي على وسائد بلا رائحة
احدق بسقف مختلف مدة قصيرة ,
ثم استسلم بسرعة للنوم .   
و اليوم انا في بيتي في فراشي,
رأسي على وسادة تفيض برائحتي,
و السقف الذي طالما كان فوقي يقطر حنانا,
مازال مكانه,
عيناي تحدقان فيه , ولا تتزحزحان .   
أريد أن أعيش حباً طفولياً من جديد ...   
أن أكتب اسمك على مقاعدي الخشبية ..   
وفي حالات اللا وعي ..
أكتبه على كل ورقة أمامي
من أي دفتر أو كتاب ...   
أغمض عيني لأرى شعرك اللولبي
متدلياً على كتفيك ..   
أرى إبتسامتك الخجولة
التي لا أستطيع مقاومتها ..
فأضحك لها تغطية لدموعي ..   
و خضار العيون التي أنزلها الله
لعنة حب علّي
كي تعميني عن باقي العيون ...   
أريد أن أجعلك بطلة لرواية حياتي ...
أن تكوني البداية و النهاية ..
بل حياتي كلها ..   
أريدك قلمي ... لا ...
إنك قلمي و أفكاري كلها ..   
لولاك لما إستطعت الكتابة
و لا كان بإمكاني أن أمسك قلماً
فوق ورقة بيضاء كي أبدأ الكتابة ...   
كنت أخاف الورق الأبيض ..
و أعتقد بأنها أقوى مني ...   
إلى أن رأيتك ..
و رأيت فيك أفكاري
و قوتي ضد الورق الأبيض ....   
إنسان عادي كنت ..   
أعرف الأشياء الصالحة ..
و أميزها عن الخاطئة ...   
أستطيع التفكير بكل شيء ..
و أتحدث بكل شيء ..   
إلى أن قتلتني بنظرة من بحر عيونك ...   
فلم أعد أبداً هذا الإنسان العادي ..   
و لم أعد أميز أبداً بين الأشياء
التي كنت أعرفها من قبل   
فكل شيء بالنسبة لي ... هو أنت ...   
و لم أعد أستطيع التفكير بأي شيء سواكِ ...   
هذه أنت ...   
أأستطيع أن أسميك قاتلة الأفكار ؟؟
أم أنك منبع للأفكار ؟؟   
فقبلك لم أكن أعرف كيف يمسك القلم ...   
و كانت الورقة البيضاء بالنسبة لي ..
ورقة بيضاء لا غير ..   
بل كنت أسمعها تقول لي ..
مزقني .. فليس لي دور في حياتك ...   
لكن اليوم ..   
أمسك القلم كأني أمسك العالم كله ..
أسيطر عليه و أتحكم به ..   
و الورقة البيضاء الصامتة ...
وجدت حبيبها .. مهلما أنا وجدتك ..   
و جدت من يملأ عليها فراغها ..
مثلما أنت ملأت فراغ قلبي ..   
وجدت من يكتب عليهل سطرأ فيخلدها ...
مثلما خلدت حبي لكِ ..   
قلت لك من قبل ..
و سأقولها ثانيةً و ثالثاً و رابعاً ...   
هذه أنتِ ...      
انظري
ماذا غيرت في حياة هذه الورقة المسكينة ...   
فما رأيك ...
كم غيرت في حياتي ؟؟؟


اشور ياقو البازي   

8
أدب / قصيدة بعنوان ( هل أنساك )
« في: 12:31 04/12/2005  »
هل انساك
[/size][/b] [/font]

اشور ياقو البازي

 


هل أنساك ؟؟   
هل أنسى عيناك ...   
هل أنسى حمرة وجنتاك ..   
هل أنسى صدى صوتك ..   
هل أنسى لون جبينك ..   
هل أنساك ..؟   
أم أنسى أساي و معاناتي ...   
أنسى ليالي شوقي ...   
أنسى أيام حلمي ...   
أنسى أني يوماً كُنتُ , و كنتِ أنتِ ...   
أنسى ...   
عندي الكثير لأنساه ....   
أنسى يوم التقينا .. يوم مشينا .. يوم حلمنا .. يوم ذبنا ...   
أنسى بسمتك ... لمستك ... قبلتك .....   

علي أن أنساك ...   
علي أن أنسى ... أن لا أتذكر..   
فأنت حبة سكر ...   
حبة وقعت .. ضاعت ... ذابت ..   
و ما أكثر حبات السكر ...   
علي أن أنساك .. أن أدفن هواك..   
لن أقف هنا .. لن أتأخر ..    
سأكون كما كنت دائماً .. الأول ..   
أصبحت الآن من الماضي ...   
فقد حزمت أمري و اتخذت قراري   
قد كُنتُ ولم تكوني...   
سأكون ولن تكوني ..   
سوف لن أنتظر ..   
سوف انتصر .. سوف أنساك ..   
سأنطلق ليوم آخر .... لحلم آخر ...   
سأنساك لكني لن أنسى كيف أحلم ...!!!
 


اشور ياقو البازي

9
صرخة من الاعماق
[/size][/font][/b]

الراهب اشور ياقو البازي

نداء
أيها الأخيار ... أوقفوا الهجرة !
سأحزم أمتعتي وأرحل ... إلى أين ؟

إلى عالم مجهول كثيراً ما نسمع عنه أنه لا ينسجم مع طباعنا، وتقاليدنا وغيرها الكثير.. أعرف جيداً بأنني أملكُ داراً من الحجر الاشوري العراقي الأصيل الذي لا يهزّه زلزال، وهناك لا أقوى على امتلاك ربعهِ من الخشب وبالرغم من ذلك سأرحل. أعرف بأن لي هنا كل وسائل الراحة والأجهزة الحديثة أقوى على شرائها، وهناك لا أظن انني استطيع اللحاق بالركب. أعرف بأن لي جيراناً وأصدقاء لا يقّيمون بالذهب، وهناك سوف لا يسأل عني أخ، وبالرغم من ذلك سأرحل. أعرف بأن لي هنا تاريخ وحضارة عريقة، وذكريات لا تنسى، وماضٍ لا ولن يساويه مستقبل ومع ذلك سأرحل. أعرف بأن لي أولاداً في قمة الخلق والادب، وهناك سأفقدهم ومع ذلك سأرحل. أعرف بأن لي هنا مكانة محترمة وأسمي معروف، وهناك سأكون في الضواحي والحواشي ونكرة وسأرحل. أعرف بأن لي هنا خادمات يخدمنني، وهناك أنا التي ستخدم وبالرغم من ذلك سأرحل. وهناك مقارنات كثيرة .. كثيرة والنتائج سلبية. أليس ذلك غريباً ؟ أهو مشروع مخطط له ؟
نتصرف ضد ارادتنا، نفعل ما نكره، نمضي إلى الظلام بمحض ارادتنا. نفقد كلّ شيء تدريجياً ونسكت، أو نمضي ونحن صامتين.. ننتزع جذورنا العميقة من باطن هذه الأرض التي إرتوت بدماء الأجداد، نولي ظهورنا إلى ما زرعه القدماء من أحبتنا ونتركه للآخرين، ونمضي إلى لا شيء، إلى السراب إلى الوهم إلى المعاناة من صراع داخلي بين الواقع الذي سنعيشه وبين ما ترسبَّ عبر السنين في نفوسنا من خير وأمل وأخلاق، سنعيش حياة تناقض، أليس معنى ذلك اننا سنفقد كياننا ؟
يقال ان الآباء يضحّون من أجل الأبناء. أسالكم ما رأيكم بأنني سأنتزع إبني الوحيد من المكان الذي أحبه، وبين أصدقائه الذين يحترمونه وكنيسته المفضلة ومن مستقبله النهائي حيث انه على أبواب الجامعة، سأحرمه من حياة الجامعة، أي بالاحرى سأحرمه من الحياة عينها، كلُّ ذلك من أجل ماذا ؟

هم رحلوا .. إذن يجب أن نرحل نحن أيضاً.

كل فردٍ وكل جماعة رحلت قبلنا تألمتُ وعانيتُ كثيراً من أجلهم كنتُ رافضة للفكرة دائماً، كأنَ ألم الفراق يرافقني في كل مرة وأحياناً يترك فيَّ أثراً واضحاً، فكيف لو غادرت أنا ؟
كيف أغادر موطن أجدادي أرض بابل واشور ونينوى، الأرض الحنون التي أحتضنتني دائماً وأعطتني الكثير من خيراتها، كيف أترك نهري دجلة والفرات الذي شربت من مائهما، ذكرياتي كيف أنسى ماضيَّ وأبدأ من جديد وهل من السهل على البشر أن ينسى نفسه ؟
انني أحب وبكل جوارحي كل حجرٍ في تلك القرية الصغيرة التي أنتمي إليها، ولا أقوى على التأخر عن زيارتها .. وفيها قبرُ ؟ ماذا أقول حين أودع أناساً عشتُ معهم سنين طويلة، أحبوني وأحببتهم بتجرد كيف لي أن أفقد الأمل في لقاء صديقٍ قديم إشتقت إليه يفهمني وأفهمه. ان الحزن يحزُّ في قلبي كلما نظرت إلى ولدي وقد نسي الابتسامة ومرح الشباب حيث السفر شلَ تفكيره، وهكذا ابنتي الصغيرة التي تأمل ان تعود إلى بيتها هنا الذي طالما أحبتهُ وتتألم عندما تسمع بأنه سيصبحُ للغير بل إنها ترفض فقط التفكير بذلك. وبالرغم من كل ذلك سأرحل. اذن هل من تفسير لذلك، شعبٌ كُتب عليه الهجرة على طول الزمن، ولكل زمنٍ اسلوبه في ذلك.. شعبٌ منذ سقوط أربابه لم يرتح يوماً. اذن هل هي نقمة الرب عليه ؟ ام ماذا ؟ لماذا أترك أهلي وكل شيء أحببته وأرحل إلى السراب ؟ وأعيش بقية عمري في يأس وحزن وشوق قاتل ؟ أهي ضريبة زمنية على شعبٍ كُتب عليه الدمار والتشرد ؟ مسكينةٌ هي هذه الأمة التي عاشت مشتّتة أجيالاً وأجيالاً كثيرة، والهجرة ملازمة لها. والفناء لاحق بها نتيجةً لذلك ولأحقاد الحاقدين، هجرتنا هي امتداد لهجرة الاجداد عبر التاريخ، وهذا التشرد هو امتداد لما شهده الاقدمون من معاناة وتشرد وألم. لماذا يحدث هذا لنا ؟ ألا يكفينا ما عانينا من ظلم وتشتت ؟ لماذا بالذات هؤلاء يحكم عليهم بالاعدام بين الحين والاخر.
صمتَ ابني الشاب وانا اقرأ في نظرته عتاباً، لماذا تضيّعون مستقبلي، وهو رافض للفكرة ويعرف ان رفضه لا جدوى منه، فهو اذن مستسلم للضياع لا حول له ولا قوة.
لماذا كل ذلك ؟ لماذا كُتبت المشقة علينا ؟ شابنا بالرغم من شبابه يرفض حضارتهم ويريد تقاليدنا، انه يرفض تلك الحياة مقدماً، انه دائم الخلوة إلى نفسه رافضاً لهذا الواقع المر، وأنا الأم التي تأمل اسعاد أبنائها، ماذا عسانا أن نفعل فيما كُتب علينا. هل كُتب علينا أم نحن ساعدنا في كتابته ؟

أعرف كل ذلك وقد حزمتُ أمتعتي وسأرحل ...

مساكين أحفاد اشور وسنحاريب واسرحدون وحمورابي ونبوخذنصر .. إلى متى سيبقون يعانون ويعانون من زوابع الزمان وغدر الأيام .. أهو انتقام الدنيا أم هو شيٌ آخر، وحتى لو كان كذلك إلى متى سيتسمر؟ جيلٌ بعد جيل ودهر بعد دهر والمعاناة لم تنتهِ، في كل حقبة من الزمن يثور بركان يكتسح هؤلاء المساكين الأبرياء، ويترك القسم الأصغر منهم ليكملوا معاناة أجدادهم بطريقة جديدة تناسب العصر وتطوراته، المشكلة والألم يتطوران ويكبران معهم  مع تقدم العالم والعقل البشري. أعجب لكونهم لا يابهون للمشاعر البشرية للشعوب وبالأخص شعبي، يظهر أنه قد حُكم عليهم بعدم الاستقرار. بالأمس كنّا في بلد غير بلدنا مهاجرين مذلولين واليوم نحن في قرية صغيرة اعتبرناها وطننا الجديد، واقتنعنا أو أقنعنا أنفسنا بذلك وأحببناها وتعلقنا بها، وان صادف وحاول أحدهم الاعتداء عليها هبَّ الجميع للدفاع عنها، وانتقلنا وباستمرار من مكانٍ إلى آخر ضمن وطننا الأصلي والذي باتت آثار جدي وجدتي شاخصة شامخة بعظمتها تتحدى كل محتل وغازٍ وتحتقره وتنبذه، لكن وأيُّ غازٍ هذا !
ماذا حلَّ بابناء هذا الشعب المسكين، أمضوا حياتهم بالتنقل من مكان إلى آخر ضمن موطنهم الأصلي، والآن يتنقلون من بلدٍ إلى آخر خارج بلدهم، هل هو البحث عن الأفضل والأحسن ؟ ضاقت بهم الدنيا، هذه الدنيا الواسعة، أولئك الذين كانت الدنيا لأجدادهم، هنا يعانون وهناك يعانون.
الأب الشيخ الذي طالما حلم بابنه رجلاً يحمل عنه عبء الحياة، ويوم الشدّة يصارع الشدائد مستنداً على من قضى عمره كلهِ بالتضحية والعطاء من أجل أن يأتي ذلك اليوم، وكان يحلم بفرحته، لكن حَكم الزمن على الأثنين بالفراق شاءا أم أبيا. دائماً عرفت الأم بشفافية مشاعرها وفيض عواطفها اتجاه أولادها فكيف هي الآن إذن وهي بعيدة كل البعد عن أعز أعزائها. تلك الأم التي فارقت ابنتها الحبيبة لان الذي سلط هذا التيار على هذا الشعب سلطه على الجميع، فتضعف مقاومته مهما طالت. اذن وبدون ارادة الكل ينجرف مع التيار الذي لا حول لنا ولا قوة لايقافه. الأم تعيش اياماً عصيبة، وتصارع فعلتها هذه، تقارع قرارها بابعاد ابنتها عنها، والأبنة تبقى وإلى النهاية تتساءل لماذا كل هذا ؟ لماذا هي يعيدة عن أصلها، امها التي تبقى دائماً بحاجة إلى عَونها وحنانها ومشورتها، أبيها الذي هو الجبل الذي يحميها، وأخيها الذي هو سندها وقوتها، واختها، والأخت عزيزة لا تعوض، قلبها واسع سعة البحر لكل ما يبدر من اختها. من أجل ماذا كل هذا ؟ انه عالم معاناة، ويا خوفي على أحفادنا وأحفادهم ماذا سيحل بهم وماذا يخبيء الزمان لهم ؟

أعرف كل ذلك وقد حزمتُ أمتعتي وسأرحل ...

الراهب اشور ياقو البازي

10
ابانا الذي في السماوات
[/size][/font]


الراهب اشور ياقو البازي

ابانا الذي في الســــــــــــــــــــــــماوات                     
أنت خالق كل الكائنــــــــــــــــــــــــات
نرفع لك اجمل الصــــــــــــــــــــــلوات                 
نحن ابناء دجلة والفـــــــــــــــــــــرات
منبع الايمان والحضـــــــــــــــــــــارات                      
نصعد لك الشكر والتســــــــــــــبيحات                 
من ارض سومر ومن فوق الزقـــــــــورات
نرنم لك أحلى الاغنيـــــــــــــــــــــات
من بابل مدينة القوانين والمســـــــــلاَّت
نرتل لك أحلى الترتيــــــــــــــــــــلات
ومن اشور ونينوى ام الحضـــــــــــارات
نعزف لك أعذب النغمــــــــــــــــات
لاسمك القدوس نهتف باعلى الاصوات 
في الليل والنهار وفي كل الســـــــاعات       
لان ملكوتك أغلى الامنيـــــــــــــــات           
في قلوب المؤمنين والمؤمنــــــــــــــات    
نورت عقولنا في وسط الظلمــــــــــات       
وسرت امامنا في كل الطرقـــــــــــات
ووجهتنا في الطريق والحق والحيــــاة   
لقد منحتنا النعمة وكل البركــــــات
علمتنا كيف نصيد الســـــــــــــمكات             
أيها الخبز النازل من الســــــــــــماوات
أعطنا خبزك مدى الحيـــــــــــــــاة                     
فيك رجاؤنا بعد الممــــــــــــــــــات
اغفر لنا كل السيئـــــــــــــــــــــــات                   
وقوي صبرنا في المشــــــــــــــــــقات
وابعد عنا كل النائبـــــــــــــــــــات                     
ونجنا  من كل شــــــــــــــــــــر  آت
لان لك الملك والمجد والتسبيحــــــــات         
مدى الايام والشهور والســــــــــنوات
[/font][/size]                   

الراهب اشور ياقو البازي

11
مدرسة نصيبين


الراهب اشور ياقو البازي

المقدمة

النـزوع إلى الثقافة قديم في كنيسة المشرق قدم الاصالة الرافدية، لم توقفه الاضطهادات ولم تخنقه الصعاب، ولو انها أخرت وعرقلت المسيرة، وأتلفت الكثير من الإرث الحضاري، ودوافع التوجه الثقافي إيمان بالحكمة وانفتاح على الحق انفتاحاً كونياً. وقد تكرس هذا النزوع الحضاري في تاريخ كنيسة المشرق في تبني الرهبانية حركة ثقافية واضحة والعمل على فتح المدارس قرب الكنائس والاديرة، حتى قيام كليات بل جامعات ومستشفيات مستقلة، أشهرها ولا ريب مدرسة الرها - نصيبين، ثم مدرسة جنديسابور، وثمة مدارس اخرى ذات شأن.
ولا نظننا نغالي ان اطلقنا تسمية جامعة على مدرسة نصيبين، وذلك خلال القرنين الرابع والخامس الميلاديين. فهي من حيث عدد الدارسين يومذاك، ومن حيث الاختصاصات وتنوع المعارف والضبط العلمي، والنظام التدريسي والمناهج تتمتع بكل السمات الاساسية التي تؤهلها لحمل هذا اللقب.

 
مدرسة نصيبين

في مدينة نصيبين فتحت أول مدرسة في الشرق المسيحي أسسها مار يعقوب النصيبيني الذي كان أسقفاً على المدينة وذلك سنة 309م، ومن الجدير بالذكر ان لمار يعقوب الفضل الأول في انشاء مدرسة نصيبين التاريخية الشهيرة التي طار صيتها وبرز فيها أشهر علماء ومؤلفي طقوس الطوائف السريانية عامة وطقس كنيسة المشرق (الكلدو - أثورية) خاصة.
فكان نبراس الفضيلة والعلم يشع ضوءه منها مدفقاً انواره على آفاق الكون بأسره مدة أجيال عديدة، ومن البارزين فيها مار أفرام السرياني ومار نرسي الملفان، وهما معلمان كبيران، وليس أسقفين، وقد برز من اساتذة وتلاميذ هذه المدرسة ومنذ القرن الخامس الميلادي وما بعده، العديد من كبار ادباء السريانية وعظماء الاشخاص الذين تبأووا أعلى المناصب في كنيسة المشرق. نذكر أشهرهم، فمنهم  ايليا برشينايا، عبديشوع الصوباوي، يشوعياب بن ملكون، يهبالاها الثاني، مكيخا الثاني، فقد كانوا أساقفة على نصـيبين ومنهم من أصبحوا جثالقة على كنيسة المشرق.

نظام مدرسة نصيبين

ان مدرسة نصيبين كانت جامعة حقيقية منظمة ومقيدة بقوانين وضوابط، يسوسها رئيس يدعى ربان (رَبَن) أي معلمنا، ويسمى أيضاً (مفَشقًنًا) أي المفسر لأن من أخص وظائفه تفسير الاسفار الالهية، وفي شرحه اياها كان يعتمد على ثيودوروس المصيصي وعلى مار افرام الملفان. فشرح ثيودوروس للكتاب المقدس يسمونه فوٌشًقًا أي التفسير، وشرح مار افرام يدعونه مَشلمًنوٌةًٌا اي التقليد، وإنما سُمي تقليداً لانه يعتقد ان واضعه بالاصل كان مار ادي مؤسس كنيسة الرها ثم انتقل شفاهاً إلى أن دونه مار افرام ومار نرساي في مؤلفاتهما، فالذي دونه مار افرام في مصنفاته كان يدعى مَشلمًنوٌةًٌا دمًري اَفرٍيم أي تقليد مار افرام، واما الذي دونه مار نرساي فيسمونه مَشلمًنوٌةًٌا داِسكوُلٍا أي التقليد المدرسي، ولهذا يطلق كتبة السريان الشرقيين اسم التقليد على تفاسير الكتب المقدسة فقط.
  وكان المفسـر في شرحه الكتب الالهية يعلم أيضاً
الفلسفة اضافة للمنطق أحياناً. كما نرى ذلك من التفاسير التي وصلت الينا. ومن بعد المفسر يأتي معلم القراءة والمهجي (مَقريًنًا وَمىَجيًنًا) وترد اسماؤهم مراراً في قوانين المدرسة، وبرحذبشبا يشير إلى ذلك في مقالته اذ يقول عن قيورا: "وهذا كله منوط بالقضية ذاتها أي أن يأخذ بجميع الأعمال منها التفسير والقراءة والتهجي". (وىًنًا كلٍى بليٌل ىْوًا برخمةًٌىُ دَؤبٌوٌةًٌا: اَيكًنًا دىو نٍاخوُد لكٌلٍى سوٌعرنًا دَمفشقًنوٌةًٌا وَدمَقريًنوٌةًٌا ودَمىَجيًنوٌةًٌا). وقال أيضاً عن مار نرساي انه لما اختير ليكون رئيساً لمدرسة الرها قال للتلاميذ : "اجعلوا لكم معلماً للقراءة ومهجياً ما استطعتم الى ذلك سبيلاً". (عًبٌديٌةُوُن مَقريًنًا وَمىَجيًنًا كبَر مًؤٍا انْةُوُن)

ويظهر ان معلم القراءة كان يعلم صناعة النحو، وكان يعلم ايضاً الالحان الكنسية، والمهجئ كان يعلم التهجئة والقراءة الفصيحة للمبتدئين.
اما تدبير امور المدرسة فكان يسند إلى الوكيل ويسمى رَبَيةًا أي رئيس البيت، ووظيفته كانت استلام ايرادات المدرسة والانفاق عليها، اضافة إلى جمع الصدقات للتلاميذ الفقراء.
وكان يوجد في المدرسة ايضاً سفرًا اي الكاتب واَخٍّا يٌديٌعٍّا وَقذيٌخٍا وبًٌدوُقٍّا. (الأخوة المعروفون والمشهورون) فالكاتب كان يعلم التلاميذ الخط، أو كان كاتباً للوكيل ومساعداً له. أما الأخوة المعروفون والمفتشون فلست أعلم بالحقيقة ماذا كانت وظيفتهم، ولعلهم كهنة، أو علماء في المدرسة وكانت درجتهم أو وظيفتهم أعلى من التلاميذ الاخرين، فكان الرئيس والوكيل لا يعملان شيئاً مهماً دون مشورتهم.
هذا ما يخص المعلمين والدروس، وأما التلاميذ وتسميهم القوانين اخوة فكان يجب عليهم أن يلتمسوا الدخول في المدرسة من الوكيل ومن الاخوة الخاصة وان يكون لهم معرفة في القوانين، وكان عليهم أن يحفظوا البتولية ويسيروا سيرة صالحة لا عيب فيها، أي أنهم كانوا ملزمين مدة اقامتهم في المدرسة أن يعيشوا عيشة لا تختلف كثيراً عن عيشة الرهبان.
وكان لهم زي خاص يفرقهم عن غيرهم. وأما شعر رؤوسهم فلم يكن يؤذن لهم أن يحلقوه ولا ان يخصّلوه مثلما كان يفعل أهل العالم، بل كانوا يحلقون فقط قمة رأسهم فتصير على رؤوسهم دائرة كأنها أكليل.
وكل مساء بعد تلاوة المزامير كان كل واحد منهم يذهب إلى قلايته، وصباحاً عند صياح الديك كان على الجميع ان يأتوا إلى غرفة الدرس فيلزم كل منهم مكانه حتى المساء. وكانوا يجلسون صفيّن، فيصطف الكهنة وراء الذين لم يكونوا حائزين على هذه الدرجة. وكل من كان ينقطع عن الدرس والكتابة ولا يحضر ساعة التدريس والالحان الطقسية كان رؤساء القلالي (رٍشَي قِلًيًّةًٌا) يوبخونه توبيخاً شديداً. وان لم يسمع منهم يقاصصه الوكيل. وكانوا ملزمين أيضاً ان يحضروا فرض الموتى والاحتفالات الكنسية. وكل من ينقطع دون سبب كافٍ يوبخ جهاراً قدام كل أعضاء الجمعية.
ولم يكن يؤذن للتلاميذ الجدد ان يسكنوا وحدهم أو مع واحد آخر في القلالي بل مع التلاميذ جملة. وكانت السكنى في المدينة، أو في محل آخر ممنوعة عليهم اللهم إلا إذا لم يبق مكان في المدرسة. ولكل قلاية رئيس تجب له الطاعة يسمى (رٍش قِلًيةًٌا) أي رئيس القلاية. والذين يسكنون قلاية واحدة كانوا يتناولون الطعام سوية وفي القلاية نفسها. فكان ممنوعاً عليهم تناول الطعام في الجنائن، والبساتين، والحضور في المآدب والولائم في المدينة وزيارة أديرة الراهبات، وإذا مرض أحدهم كان الاخرون يقومون بخدمته.
ان التلاميذ كانت لهم سلطة على أموالهم، وذلك لانهم كانوا مجبرين ان يتكلفوا أسباب معيشتهم، فمن كان يريد منهم ان يُقرض ما كان يتوفر له من المال لم يكن يؤذن له أن يأخذ فائدة عليه أكثر مما عينته الكنيسة. وكان المقطوع يومئذٍ واحداً في المائة.
وكان بين التلاميذ فقراء أيضاً فهؤلاء في أيام العطلة كانوا يشتغلون ويحصلون على ما يعيشون به. وزمن العطلة كان منذ بداية شهر آب إلى نهاية تشرين الأول.
لكن برحدبشبا عربايا قال أنه كان يؤذن للتلاميذ أن يشتغلوا مرتين في السنة. أي في زمان الحصاد وفي وقت قطف الزيتون والعمل في الطين. ويُشترط على الذين يشتغلون في زمن العطلة أن يسيروا سيرة صالحة ويتجنبوا الرذائل لئلا يُرذل بسببهم اسم المدرسة. واما الذين لاجل ضعفهم أو مرضهم لم يكونوا قادرين على العمل فكانوا يراجعون الوكيل وهو كان يساعدهم قدر الامكان. ولم يكن يسمح لهم بالتسول على الابواب، ومن تجاسر ومشى خلاف هذا القانون كان يطرد حالاً من المدرسة ومن المدينة أيضاً.

منهجية مدرسة نصيبين

ان الدراسة كانت مدتها ثلاث سنوات. تؤكد قوانين المدرسة بان الطلبة خلالها ينقطعون إلى الدراسة كلياً. بحيث يتركون بيوتهم واماكنهم ويعيشون في المدرسة نفسها. فهي مدرسة داخلية أيضاً، ولا يحق لهم اثناء مدة الدراسة العمل او التجارة، ولا الارتباط العائلي ان كانوا من المتزوجين. وللصلاة دور كبير في حياتهم بحيث ان من لا يحضر المراسيم الدينية والصلوات يوبخ أمام الجميع.
كان الطلبة يقرأون في السنة الأولى من اسفار الكتاب المقدس المسماة (بيث موتبي = المجالس)، والمقصود بها أسفار يشوع بن نون، والقضاة، وصموئيل، والملوك، والأمثال، والجامعة، وراعوث، ونشيد الانشاد وسفر أيوب، اضافة إلى رسائل الرسول بولس، واسفار التوراة الخمسة (التكوين، الخروج، العدد، اللاويون، تثنية الاشتراع).
كما كانوا يتعلمون الهجاء والقراءة وألحان تشييع الموتى، والكتابة على اللوح.
وتخصص السنة الثانية لاسفار المجالس الاخرى: المزامير، كتب الانبياء، والقراءة والكتابة على اللوح وتراتيل القداس وفقاً للسنة الطقسية (والمقصود مدائح أو عونياثا دقنكي ودرازي عوُنيًّةًٌا دقَنكٍا وَدٌاْذزٍا).
وتشمل مواد السنة الثالثة على القسم المتبقي من أسفار الكتاب المقدس بعهديه الجديد والقديم، وتراتيل البيم (بٍيم) (وهذا يعني بان كل واحدة من عونياثا البيم لها لحن خاص وليست كلها بلحن واحد).
وتدخل ضمن هذه الدراسة مواد النحو، والصرف والخط. أما قراءة المزامير وتعلمها غيباً فهي أول ما يبدأ الطالب وفقاً للطريقة المدرسية الخاصة. واتبعت المدرسة في عهد مار افرام الطريقة اليونانية السباعية في التدريس، فكان على طلبتها تعلم القواعد، والخطابة، والجدل، والموسيقى، والالحان، والهندسة، والحساب أي الرياضيات، والفلك لاحتساب التقويم والأعياد والاصوام، ولم يكن التاريخ منسياً، وكذلك كتب التصوف الروحي وسير القديسين، واعمال الشهداء وكتابات الآباء.
كما أصبح للمنطق والفلسفة أهمية بعد حصول التأثر الهلسنتي، عقيب ترجمات تيودوروس وكتابات يعقوب السروجي الذي تأثر بفيلون الاسكندري، وتيوفيل الانطاكي والقبادوقيين، وللآخرين تأثير كبير على الناطقين بالسريانية.
هكذا كانت مدرسة نصيبين تنير الشرق باسره على حد تعبير التيودوريين، بينما اعتبرها القورلسيون علة فساد.

النهج اللاهوتي والعلمي في المدرسة

كان التفسير في المقدمة من برنامج مدرسة نصيبين، وعلينا ان نفهم التفسير ووظيفة المفسر بالمعنى التالي: صون الوديعة، حفظ الامانة، وضمان استمرارية التقليد، ويعني التقليد (مشلمانوثا مَشلمنوٌةًٌا)، أي تعليم ما يسلمه الاباء والجدود الأقدمون إلى الأولاد والاحفاد والتلاميذ، وعلى الآخرين تسليمه إلى من يأتي بعدهم. وقد كان التقليد الارامي هو السائد، حتى تمت ازاحته والاخذ بالتفسير التيودوري خاصة.
فكان تقليد اساتـذة المدارس (مشـلمانوثا دربّاني
دإسكولي)، مَشلمًنوٌةًٌا دذَبًنٍّا داِسكوُلٍـــّا، وان جاز لنا اقامة تشبيه، قلنا: ان المعلم الأول، أي المفسر، كان يرسم خط المدرسة، وعلى جميع الاساتذة الاخرين ان ينهجوا على منواله، ومعلوم ان للقيام بالتفسير لا بد من شرح النصوص الكتابية، ومن هنا كانت ضرورة اجراء التحليل اللغوي (علم النصوص)، وامتحان النص وضبط الترجمة (فهو بالعبرية، أو اليونانية أصلاً)، وعقد المقارنات اللازمة والمفيدة، وتخطي هذه المرحلة إلى مرحلة النقد الادبي ودراسة تاريخ النص، والسماح أخيراً للنفس باستنتاجات روحية ورمزية مفيدة.
ان منهجية مدرسة نصيبين قريبة إلى الانطاكية، بعيدة عن الاسكندرية، ذات خصوصية متميزة.

الخاتمة

لا يسعنا ان ننفض اليد من هذا المقال المتواضع دون التنويه إلى ان مدرسة نصيبين لم تنته في سنة محددة، فقد استمر تأثيرها طويلاً، بل ما زالت كتابات عباقرتها تغذي الكثيرين، اضافة إلى ما تناقلته كتب مؤلفين آخرين من عصارة فكر اولئك المعلمين الاوائل، فاضحى تراثاً شاملاً.
وكان لمدرسة نصيبين العظيمة اسهام كبير في الحركة الفكرية والادبية عبر قرون عديدة.
فاللغة السريانية غدت بفضل هذه المدرسة لغة فكر وعلوم، سلسة محكمة البناء، غنية المفردات، متعددة الاساليب، يبرز الشعر في المقدمة، ويليه النثر. وأول ميدان برع فيه اساتذة هذه المدرسة: الكتاب المقدس، بترجمة أسفاره، وشرحها وتفسيرها، وتبيان عللها، اضافة إلى مئات القصائد والمقطوعات والقصص المستوحاة من الكتاب المقدس.
وتأتي الاسرار والطقوس في المرتبة الثانية إذ لم يترك الادباء جانباً إلا طرقوه، وتبنت كنيسة المشرق بسائر فروعها ومذاهبها، العديد من آثارهم في طقوسها وصلواتها فكتب لها الخلود.
وتأتي في المرتبة الثالثة الكتابات اللاهوتية، والفلسفية والجدلية، ولو ان العديد منها اصابها التلف ضحية المنازعات والتعصب في الماضي.
وتأتي في المرحلة الرابعة كتب اللغة، والنحو، والصرف، وشرح الالفاظ المبهمة والمصطلحات، وقد أفادت جداً في انتقال العلوم.
وترد في المرتبة الخامسة كتب موسوعية من أروع ما ورثناه عن الاقدمين بدءاً بكتابات مار أفرام تلميذ مار يعقوب أسقف نصيبين ذات الطابع الديني. وكتابات مار نرسي ذات الطابع الفلسفي الادبي.
أما الجانب التاريخي فلم يلق اهتماماً كبيراً من قبل علماء هذه المدرسة وكذلك الجانب التصوفي الرهباني، رغم ان بعض خريجي المدرسة انصرفوا إلى حياة الزهد وأسسوا الاديرة ووضعوا القوانين الرهبانية ودبجوا مصنفات نسكية، على رأسهم ابراهيم الكشكري الملقب بابي الرهبان لكنيسة المشرق (كلدو - اثورية).
أما الترجمات فقد حظيت بعناية خاصة. إذ كانت النقول الأولى والكبرى من نتاج مدرسة نصيبين، بحيث يمكن القول ان مدرسة نصيبين هي الجسر الأعظم بين الحضارات القديمة واللاحقة وبنوع خاص في ايصال الثقافة اليونانية إلى ديار الشرق.
ويعود الفضل إلى اساتذة وتلاميذ هذه المدرسة في وضع قوانين وأنظمة كنسية ذات أهمية بالغة، إذ تبوأ قسم منهم مناصب كنسية عالية في عدة اماكن.ومنها ما اوردناه أعلاه من أسماء لاحقة لشخصيات كنسية بحقب زمنية مختلفة.
ستبقى مدرسة نصيبين وتاريخها الحافل دليلاً ساطعاً على دور أجدادنا العظام في الحفاظ على الحضارة الانسانية واغنائها. 

                                                الراهب اشور ياقو البازي


12
القديس ربان هرمزد العظي[


الراهب اشور ياقو البازي



المقدمة

القديسون هم نخبة من الناس الذين احرزوا قصب السبق في مضامير التغلب على الذات، فكبحوا الشهوات والأهواء المنحرفة، واندفعوا في رحاب الحب الالهي مقدّمين ذواتهم محرقة طاهرة على مذابح التضحية والخدمة والتفاني.
وهناك قديسون رفعتهم الكنيسة على الهياكل معلنة قداستهم، مقدمة إياهم قدوة صالحة للعالم، وهناك مَن عاشوا في الخفاء، وهم كُثر، لم يدرِ بهم غير الله سبحانه، فطواهم الدهر والنسيان، ومن بين هؤلاء القديسين المّيامين الربان هرمزد الذي هفَا قلبه الكبير منذ نعومة أظفاره إلى القداسة يعبّ من حياضها غير هيّاب، عاقداً النيّة على البلوغ إلى هذا الأرب المرتجى، بعد تفكير طويل، فمضى في صراعه الروحي يصفع الخوف والتردد، كان تواقاً بكل جوارحه إلى الظفر بإكليل القداسة طوال الحياة، فأعلن حرباً قاسية على الذات، وعلى الميول الفاسدة، والجوع، والعطش، والتراخي، والألم، والتجارب في اختلاف مَناحيها، حرباً تشحب امام عظمتها وقدسيّتها اشرس الحروب الماديّة الجسدية الطاحنة، ففاز بغار الانتصار الذي لا يذوي مدى الأبدية كلِّها.
كثير من الشباب اليوم يَصبون بكل قواهم أن يصيروا أطباء، أو مهندسين، أو قواداً، أو رواداً مكتشفين، إلى ما هنالك من المِهَن والمناصب الدنيوية الزائلة.. أما الربان هرمزد فقد اختار النصيب الأفضل والأبقى : أن يكون قديساً. انه الهدف الذي خفق له قلبه طوال الحياة.
كل الناس مدعوّون إلى القداسة، مهما اختلفت ألوانهم، وأعراقهم، وأوضاعهم المالية. فما أن نتصفح لوائح القديسين حتى نتبيّن صحّة هذا القول. ففي الديانة المسيحية لا سيد ولا مَسود ولا تمييز عرقيّ، بل كل الأنام سواء أمام الله خالق البرايا.
هذا، ولقد أُسعد الربان هرمزد في اتّباعه طريق القداسة، تحت هدي الروح القدس. لم يولد الربان هرمزد قديساً، بل جاء إلى هذا العالم كغيره من الأنام، له عيوبه وميوله، فراح يقتلع الفساد من جذوره ويشذّب الأغصان اليابسة من حقل نفسه بلا هوادة، إلى أن نال في النهاية مأربه بعد الجهاد المستميت.

                               
                                     
نبذة عن حياة الربان هرمزد

ولد الربان هرمزد مؤسس الرهبانية الأنطونية الهرمزدية في بيت لافاط ( شيراز ) من مقاطعة الأهواز في أواخر القرن السادس الميلادي، من أبوين شريفين هما يوسف وتقلا.
دخل المدرسة في مدينته وعمره اثنتا عشرة سنة، وتلقى مبادئ العلوم الدينية واللغوية، ونبغ في علوم الكتاب المقدس التي كانت تستهويه، وفي العشرين من عمره شعر برغبة قوية في الانقطاع إلى حياة التنسك والزهد، فعزم أولاً على زيارة الأماكن المقدسة، فترك ذويه ورحل صوب فلسطين وبعد مسيرة سبعة وثلاثين يوماً وصل مدينة ( حالا ) الواقعة بين نهري رادان وديالى، وهناك صادف ثلاثة رهبان من دير برعيتا ( دَيرًا دبَرعدةًا ) الواقع في منطقة المرج، فأقنعوه بالإقلاع عن عزمه ومرافقتهم إلى الدير، والرهبان الثلاثة هم يعقوب من كفر زمار، ويوحنا المشراحي، وحنانيشوع من حدياب ( اربيل )، ورافقهم هرمزد إلى الدير الذي كان يضم آنذاك مئتي راهب، وكان بإدارة الربان سبريشوع الذي أصله من نينوى ( الموصل).
في دير الربان برعيتا أتم الربان هرمزد الابتداء واقتبل الاسكيم الرهباني، ولسيرته الطاهرة غدا مثالاً حياً يحتذي به اخوته الرهبان.
غادر الربان هرمزد دير برعيتا وعاش في خلوة صارمة ملبياً الدعوة التي أرادها الله له، باذن من رؤسائه في الدير. وأقام في مكان منفرد في كوخ جبلي منقطعاً إلى الصوم والصلاة، والتأمل، والتقشف، والتقى يوماً راهباً اسمه ابراهيم وأصله من دير بيت عابي، وقد تحدث هذا الراهب إلى الربان هرمزد عن ديره، فبعث في نفسه الرغبة لزيارة هذا الدير والاطلاع على نمط حياة رهبانه، فقصداه معاً ومكثا فيه ثلاثة اشهر. ثم انطلقا منه إلى دير الرأس    ( دَيرا درشًا)، أو دير مار ابراهيم في جبل مقلوب حيث الربان يوزادق ورهبانه، وهم يوحنا الفارسي، والأنبا دونا، وايشوع، وشمعون، وعاش هناك جميعهم في حياة نسك وزهد مثالية.
واثر جفاف النبع الذي منه كان يشرب الاخوة الرهبان تفرقوا إلى أماكن شتى. فقصد يوزادق مع دونا وشمعون جبال قردو، وقصد هرمزد وابراهيم جبال بيت عذري، ومكث ايشوع  ويوحنا في الموضع نفسه.
سار الربان هرمزد والربان ابراهيم إلى موضع في جبل بيت عذري شرقي قرية القوش، وأقاما بجوار كهف فيه ينبوع ماء يتحلب من الصخور، وقد عرف هذا النبع فيما بعد بعين القديس ( عَينًا دقَديٌشًا ). واتخذ كل منهما مغارة بجوار العين، غير ان ابراهيم لم يمكث هناك سوى ثلاثة أيام، انتقل بعدها إلى شمال شرقي ( باطنايا ) حيث ابتنى له ديراً وهو الدير المعروف اليوم بدير مار اوراها.
     اما الربان هرمزد فمكث في الجبل. فتقاطر إليه اهالي القرى القريبة من القوش فرحين مستبشرين، ووعدوه انهم على استعداد أن يقدموا له يد المعونة متى ما شاء، وممن ساعدوا الربان هرمزد أيضاً أمير الموصل عقبة أو عتبة بن فرقد السلمي الذي تولى الموصل سنة ( 637 م )، والذي شفي ابنه شيبين على يد الربان هرمزد فساعده على بناء الدير حوالي عام ( 640).
    ويروي أن خمسين شخصاً من مدرسة ايث الاها( ايٌةٌ اَلًىًا ) في نوهدرا ( نوىدرًا ) ( دهوك الحالية ) قصدوا الربان هرمزد وانضموا إليه ليعيشوا حياة نسك جماعية، وسرعان ما ابتنوا لهم كنيسة، فكانت نشأة دير الربان هرمزد، وقد ساعد في تشييد الدير أهالي القرى المجاورة لالقوش. وتوسع الدير وبلغ عدد الرهبان فيه في فترة قصيرة مائة وعشرة رهبان، ويمكننا اعتبار فترة تأسيس الدير السنوات ما بين ( 628 – 647 م ). أي في عهد الجاثليق ايشوعياب الثاني الجدالي.
وبعد حياة طاهرة وعفيفة ومقدسة توفي الربان هرمزد وعمره سبع وثمانون سنة. قضى منها عشرين سنة في البيت والمدرسة، وتسعا وثلاثين سنة في دير الربان برعيتا، وستا في دير الرأس، واثنتين وعشرين سنة في ديره، ودفن في كنيسة الدير باجلال عظيم، ولا يزال قبره قائماً حتى اليوم في قبر الشهداء، أو القديسين، ويحتفل بذكراه في الاثنين الثالث بعد عيد القيامة، كما يخصص الأول من أيلول لذكراه أيضاً.

                                                             

                                                              الراهب
                                                         اشور ياقو البازي
                                 






13
ابانا الذي في السماوات

الراهب اشور ياقو البازي

ابانا الذي في الســــــــــــــــــــــــماوات                     
أنت خالق كل الكائنــــــــــــــــــــــــات
نرفع لك اجمل الصــــــــــــــــــــــلوات                 
نحن ابناء دجلة والفـــــــــــــــــــــرات
منبع الايمان والحضـــــــــــــــــــــارات                      
نصعد لك الشكر والتســــــــــــــبيحات                 
من ارض سومر ومن فوق الزقـــــــــورات
نرنم لك أحلى الاغنيـــــــــــــــــــــات
من بابل مدينة القوانين والمســـــــــلاَّت
نرتل لك أحلى الترتيــــــــــــــــــــلات
ومن اشور ونينوى ام الحضـــــــــــارات
نعزف لك أعذب النغمــــــــــــــــات
لاسمك القدوس نهتف باعلى الاصوات 
في الليل والنهار وفي كل الســـــــاعات       
لان ملكوتك أغلى الامنيـــــــــــــــات           
في قلوب المؤمنين والمؤمنــــــــــــــات    
نورت عقولنا في وسط الظلمــــــــــات       
وسرت امامنا في كل الطرقـــــــــــات
ووجهتنا في الطريق والحق والحيــــاة   
لقد منحتنا النعمة وكل البركــــــات
علمتنا كيف نصيد الســـــــــــــمكات             
أيها الخبز النازل من الســــــــــــماوات
أعطنا خبزك مدى الحيـــــــــــــــاة                     
فيك رجاؤنا بعد الممــــــــــــــــــات
اغفر لنا كل السيئـــــــــــــــــــــــات                   
وقوي صبرنا في المشــــــــــــــــــقات
وابعد عنا كل النائبـــــــــــــــــــات                     
ونجنا  من كل شــــــــــــــــــــر  آت
لان لك الملك والمجد والتسبيحــــــــات         
مدى الايام والشهور والســــــــــنوات[/b]

الراهب اشور ياقو البازي

14
المنبر السياسي / صرخة من الأعماق
« في: 16:00 19/11/2005  »
صرخة من الاعماق

الراهب اشور ياقو البازي

نداء
أيها الأخيار ... أوقفوا الهجرة !
سأحزم أمتعتي وأرحل ... إلى أين ؟
[/size]


إلى عالم مجهول كثيراً ما نسمع عنه أنه لا ينسجم مع طباعنا، وتقاليدنا وغيرها الكثير.. أعرف جيداً بأنني أملكُ داراً من الحجر الاشوري العراقي الأصيل الذي لا يهزّه زلزال، وهناك لا أقوى على امتلاك ربعهِ من الخشب وبالرغم من ذلك سأرحل. أعرف بأن لي هنا كل وسائل الراحة والأجهزة الحديثة أقوى على شرائها، وهناك لا أظن انني استطيع اللحاق بالركب. أعرف بأن لي جيراناً وأصدقاء لا يقّيمون بالذهب، وهناك سوف لا يسأل عني أخ، وبالرغم من ذلك سأرحل. أعرف بأن لي هنا تاريخ وحضارة عريقة، وذكريات لا تنسى، وماضٍ لا ولن يساويه مستقبل ومع ذلك سأرحل. أعرف بأن لي أولاداً في قمة الخلق والادب، وهناك سأفقدهم ومع ذلك سأرحل. أعرف بأن لي هنا مكانة محترمة وأسمي معروف، وهناك سأكون في الضواحي والحواشي ونكرة وسأرحل. أعرف بأن لي هنا خادمات يخدمنني، وهناك أنا التي ستخدم وبالرغم من ذلك سأرحل. وهناك مقارنات كثيرة .. كثيرة والنتائج سلبية. أليس ذلك غريباً ؟ أهو مشروع مخطط له ؟
نتصرف ضد ارادتنا، نفعل ما نكره، نمضي إلى الظلام بمحض ارادتنا. نفقد كلّ شيء تدريجياً ونسكت، أو نمضي ونحن صامتين.. ننتزع جذورنا العميقة من باطن هذه الأرض التي إرتوت بدماء الأجداد، نولي ظهورنا إلى ما زرعه القدماء من أحبتنا ونتركه للآخرين، ونمضي إلى لا شيء، إلى السراب إلى الوهم إلى المعاناة من صراع داخلي بين الواقع الذي سنعيشه وبين ما ترسبَّ عبر السنين في نفوسنا من خير وأمل وأخلاق، سنعيش حياة تناقض، أليس معنى ذلك اننا سنفقد كياننا ؟
يقال ان الآباء يضحّون من أجل الأبناء. أسالكم ما رأيكم بأنني سأنتزع إبني الوحيد من المكان الذي أحبه، وبين أصدقائه الذين يحترمونه وكنيسته المفضلة ومن مستقبله النهائي حيث انه على أبواب الجامعة، سأحرمه من حياة الجامعة، أي بالاحرى سأحرمه من الحياة عينها، كلُّ ذلك من أجل ماذا ؟
هم رحلوا .. إذن يجب أن نرحل نحن أيضاً.
كل فردٍ وكل جماعة رحلت قبلنا تألمتُ وعانيتُ كثيراً من أجلهم كنتُ رافضة للفكرة دائماً، كأنَ ألم الفراق يرافقني في كل مرة وأحياناً يترك فيَّ أثراً واضحاً، فكيف لو غادرت أنا ؟
كيف أغادر موطن أجدادي أرض بابل واشور ونينوى، الأرض الحنون التي أحتضنتني دائماً وأعطتني الكثير من خيراتها، كيف أترك نهري دجلة والفرات الذي شربت من مائهما، ذكرياتي كيف أنسى ماضيَّ وأبدأ من جديد وهل من السهل على البشر أن ينسى نفسه ؟
انني أحب وبكل جوارحي كل حجرٍ في تلك القرية الصغيرة التي أنتمي إليها، ولا أقوى على التأخر عن زيارتها .. وفيها قبرُ ؟ ماذا أقول حين أودع أناساً عشتُ معهم سنين طويلة، أحبوني وأحببتهم بتجرد كيف لي أن أفقد الأمل في لقاء صديقٍ قديم إشتقت إليه يفهمني وأفهمه. ان الحزن يحزُّ في قلبي كلما نظرت إلى ولدي وقد نسي الابتسامة ومرح الشباب حيث السفر شلَ تفكيره، وهكذا ابنتي الصغيرة التي تأمل ان تعود إلى بيتها هنا الذي طالما أحبتهُ وتتألم عندما تسمع بأنه سيصبحُ للغير بل إنها ترفض فقط التفكير بذلك. وبالرغم من كل ذلك سأرحل. اذن هل من تفسير لذلك، شعبٌ كُتب عليه الهجرة على طول الزمن، ولكل زمنٍ اسلوبه في ذلك.. شعبٌ منذ سقوط أربابه لم يرتح يوماً. اذن هل هي نقمة الرب عليه ؟ ام ماذا ؟ لماذا أترك أهلي وكل شيء أحببته وأرحل إلى السراب ؟ وأعيش بقية عمري في يأس وحزن وشوق قاتل ؟ أهي ضريبة زمنية على شعبٍ كُتب عليه الدمار والتشرد ؟ مسكينةٌ هي هذه الأمة التي عاشت مشتّتة أجيالاً وأجيالاً كثيرة، والهجرة ملازمة لها. والفناء لاحق بها نتيجةً لذلك ولأحقاد الحاقدين، هجرتنا هي امتداد لهجرة الاجداد عبر التاريخ، وهذا التشرد هو امتداد لما شهده الاقدمون من معاناة وتشرد وألم. لماذا يحدث هذا لنا ؟ ألا يكفينا ما عانينا من ظلم وتشتت ؟ لماذا بالذات هؤلاء يحكم عليهم بالاعدام بين الحين والاخر.
صمتَ ابني الشاب وانا اقرأ في نظرته عتاباً، لماذا تضيّعون مستقبلي، وهو رافض للفكرة ويعرف ان رفضه لا جدوى منه، فهو اذن مستسلم للضياع لا حول له ولا قوة.
لماذا كل ذلك ؟ لماذا كُتبت المشقة علينا ؟ شابنا بالرغم من شبابه يرفض حضارتهم ويريد تقاليدنا، انه يرفض تلك الحياة مقدماً، انه دائم الخلوة إلى نفسه رافضاً لهذا الواقع المر، وأنا الأم التي تأمل اسعاد أبنائها، ماذا عسانا أن نفعل فيما كُتب علينا. هل كُتب علينا أم نحن ساعدنا في كتابته ؟
أعرف كل ذلك وقد حزمتُ أمتعتي وسأرحل ...
مساكين أحفاد اشور وسنحاريب واسرحدون وحمورابي ونبوخذنصر .. إلى متى سيبقون يعانون ويعانون من زوابع الزمان وغدر الأيام .. أهو انتقام الدنيا أم هو شيٌ آخر، وحتى لو كان كذلك إلى متى سيتسمر؟ جيلٌ بعد جيل ودهر بعد دهر والمعاناة لم تنتهِ، في كل حقبة من الزمن يثور بركان يكتسح هؤلاء المساكين الأبرياء، ويترك القسم الأصغر منهم ليكملوا معاناة أجدادهم بطريقة جديدة تناسب العصر وتطوراته، المشكلة والألم يتطوران ويكبران معهم  مع تقدم العالم والعقل البشري. أعجب لكونهم لا يابهون للمشاعر البشرية للشعوب وبالأخص شعبي، يظهر أنه قد حُكم عليهم بعدم الاستقرار. بالأمس كنّا في بلد غير بلدنا مهاجرين مذلولين واليوم نحن في قرية صغيرة اعتبرناها وطننا الجديد، واقتنعنا أو أقنعنا أنفسنا بذلك وأحببناها وتعلقنا بها، وان صادف وحاول أحدهم الاعتداء عليها هبَّ الجميع للدفاع عنها، وانتقلنا وباستمرار من مكانٍ إلى آخر ضمن وطننا الأصلي والذي باتت آثار جدي وجدتي شاخصة شامخة بعظمتها تتحدى كل محتل وغازٍ وتحتقره وتنبذه، لكن وأيُّ غازٍ هذا !
ماذا حلَّ بابناء هذا الشعب المسكين، أمضوا حياتهم بالتنقل من مكان إلى آخر ضمن موطنهم الأصلي، والآن يتنقلون من بلدٍ إلى آخر خارج بلدهم، هل هو البحث عن الأفضل والأحسن ؟ ضاقت بهم الدنيا، هذه الدنيا الواسعة، أولئك الذين كانت الدنيا لأجدادهم، هنا يعانون وهناك يعانون.
الأب الشيخ الذي طالما حلم بابنه رجلاً يحمل عنه عبء الحياة، ويوم الشدّة يصارع الشدائد مستنداً على من قضى عمره كلهِ بالتضحية والعطاء من أجل أن يأتي ذلك اليوم، وكان يحلم بفرحته، لكن حَكم الزمن على الأثنين بالفراق شاءا أم أبيا. دائماً عرفت الأم بشفافية مشاعرها وفيض عواطفها اتجاه أولادها فكيف هي الآن إذن وهي بعيدة كل البعد عن أعز أعزائها. تلك الأم التي فارقت ابنتها الحبيبة لان الذي سلط هذا التيار على هذا الشعب سلطه على الجميع، فتضعف مقاومته مهما طالت. اذن وبدون ارادة الكل ينجرف مع التيار الذي لا حول لنا ولا قوة لايقافه. الأم تعيش اياماً عصيبة، وتصارع فعلتها هذه، تقارع قرارها بابعاد ابنتها عنها، والأبنة تبقى وإلى النهاية تتساءل لماذا كل هذا ؟ لماذا هي يعيدة عن أصلها، امها التي تبقى دائماً بحاجة إلى عَونها وحنانها ومشورتها، أبيها الذي هو الجبل الذي يحميها، وأخيها الذي هو سندها وقوتها، واختها، والأخت عزيزة لا تعوض، قلبها واسع سعة البحر لكل ما يبدر من اختها. من أجل ماذا كل هذا ؟ انه عالم معاناة، ويا خوفي على أحفادنا وأحفادهم ماذا سيحل بهم وماذا يخبيء الزمان لهم ؟
أعرف كل ذلك وقد حزمتُ أمتعتي وسأرحل ...

15
دير أشموني

الراهب اشور ياقو البازي

المقدمة
 
ان أشموني التي على اسمها شيد هذا الدير، نجد أخبارها في كثير من المظان، أقدمها وأجلها شاناً وقدراً هو الكتاب المقدس العهد القديم (سفر المكابيين)، حيث تقرأ قصة استشهادها مع بنيها السبعة، دون أن يذكر الكتاب المقدس اسمها، وكذلك في أعمال الشهداء والقديسين وهو بالسريانية، وفي كتاب تاريخ مختصر الدول لابن العبري، وفي أبطال الايمان لشيخو اليسوعي، وفي غيرها من المراجع الشرقية والغربية التي لا يتسع المقام لذكرها. ويستخلص من جميعها، ان أشموني كانت والدة الفتية المكابيين السبعة التي قُتلت مع أبنائها وأليعازر الشيخ  في عهد الملك انطيوخس الرابع الملقب ابيفانس (175- 164 ق. م)، وهو اخو سلوقس الرابع في سلسلة الحكام والملوك السلوقيين الذين خلفوا الاسكندر الكبير، وتقاسموا السيطرة على مناطق الشرق الاوسط. سار انطيوخس على درب اسلافه في فرض التيار الهلينستي الوثني على اليهود. حيث امات اولادها امامها بعد تجرعهم صنوف العذاب، وقد الزمهم ان يجحدوا دينهم الموسوي، فأبوا. فأحضرهم بين يديه وأمر بقطع لسان الاول، واطراف جميع أعضائه، وسلخ جلدة رأس الثاني، وكذلك امات الباقين وبعدهم امهم بانواع العذاب، ودفنوا في اورشليم.(ثم بعد مجيء المخلص يسوع نقل مؤمنو المسيحيين اجسامهم إلى مدينة انطاكيا وبنوا عليهم كنيسة) .
وقد اشار ابو نؤاس إلى مقتل أشموني واولادها السبعة في قصيدة أوردها الشابشتي في (دير فيق)  بفلسطين، فقال:
باشموني وسبع قدمتهم    وما حادوا جميعاً عن طريق
لقد انتشر ذكر أشموني في بلاد المشرق ولا سيما في بلاد ما بين النهرين، فكرس المسيحيون استشهادها، وبالغوا في اكرامها، وعظموا ايمانها، ثم اقاموا كنائس ومزارات عديدة باسمها.

دير أشموني

يقع هذا الدير في قُطرَبُّل  في الموضع المعروف اليوم بالتاجي. بنى المسيحيون دير أشموني المعروف بحدائقه الغناء، ومزارعه الكثيرة، وساحاته العامرة. كان من متنـزهات بغداد. ذكره غير واحد من البلدانيين . وكان عيده على عهد الشابشتي  في اليوم الثالث من تشرين الأول، ومعروف ان المناخ في بغداد هو أجمل ما يكون في أيام تشرين الأول. ولذا تكون مناسبة عيد هذا الدير من الايام العظيمة ببغداد. يجتمع أهلها إليه كاجتماعهم إلى بعض أعيادهم، ولا يبقى أحد من أهل التطرب، واللعب إلا خرج إليه، فمنهم في الطيارات ، ومنهم في الزبازب ، والسميريّات ، كل انسان بحسب قُدرته، ويتنافسون فيما يظهرونه هنالك من زيّهم، ويباهون بما يعدونه لقصفهم، ويعمرون شطه، وأكنافه، وديره وحاناته، ويضرب لذوي البسطة منهم الخيم والفساطيط ، وتعزف عليهم القيان، فيظل كل انسان منهم مشغولاً بأمره، ومكباً على لهوه، فهو أعجب منظر وأطيب مشهد وأحسنه.
لقد كان دير أشموني كسائر الاديرة القريبة من بغداد يقصده المسيحيون وغيرهم، ولاسيما يوم عيده فينـزلون اكنافه وساحاته، وإذا ضاق بهم عدلوا إلى دير مر  جرجيس ، وقد وصف الشعراء دير أشموني وأثنى المؤرخون على مناظره واطروا على مزارعه.
قال جحظة البرمكي : خرجت في عيد من أعياد أشموني إلى قطربل، فلما وصلت إلى الشط، مددت عيني لأنظر موضعاً خالياً أصعد إليه، أو قوماً ظرافاً انزل عليهم، فرأيت فتيين  من أحسن الناس وجوهاً، وأنظفهم لباساً وأطرفهم آلة! فقدمت سميرتي نحوهما، وقلت أتأذون في الصعود إليكم؟ فقالوا: بالرحب والسعة، فصعدت وقلت: يا غلام، طنبوري ونبيذي، فقالا: أما الطنبور فنعم، وأما النبيذ فلا. فجلست مع أحسن الناس أخلاقاً وأملحهم عشرة، وأخذنا في أمرنا، ثم تناولت الطنبور، وغنيت بشعر لي :
سقياً لأشموني ولذاتها     والـعيش فيما بين جناتها
سقياً لأيام مضـت لي      بها مابين شطيها وحاناتها
إذ اصطباحي  في بساتينها  وإذ غبوقي  في دياراتها
فنعر القوم، وشربوا بالارطال وشربت، وطاب لنا الوقت إلى آخر النهار.
قال محمد بن المؤمل الطائي : كنت مع ابي العتاهية في سميرية، ونحن سائرون إلى دير أشموني، فسمع غناء من بعض تلك النواحي، فاستحسنه وطرب له. فقال: قم بنا نرقص. قلت: نحن في سميرية، وأخاف أن نغرق! قال: وإن غرقنا نكون ماذا؟ أليس نكون شهداء الطرب؟ وقال أيضاً الشاعر الثرواني  هذه
الأبيات في دير أشموني:

اشرب على قرع النواقيس  في دير أشموني بتغليس
لا تخفِ كأس الشرب،   والليل في حدِّ نعيم لا ولا بوس
إلا على قرع النواقيس    أو صوت قسّان وتشميس
فانما الشيء باسبابه      ومحكم الوصف بتأسيس
فهكذا فاشرب، وإلا فكن  مجاوراً بعض النواويس
كتب يحيى بن كامل إلى عبد الملك بن محمد الهاشمي في يوم  أشموني:
اليوم أشموني أبا الفضل   وهو عجيب طيب الظلِّ
وأنت لليوم صريع فما     يصنع يحيى يا أبا الفضل
فوجه إليه بما ركبه، وعرف الجماش الخبر، فكتب إليه:
قُولا لعبد الملك الماهر     ولابن عم المصطفى الطاهر
أما ترى اليوم، وأحوالهُ    تدعو إلى حثّك بالدائر
عيدٌ وغيم زار في يومنا،   فقم بحقِّ العيد والزائر
واليوم أشموني، فبادر بنا  نحثُّها في يومها الزاهر
حبست يحيى ثم أعقلتني   أحلتَ عن جماشك الشاعر
وجه إليه واحضره. ومرَّ لهم يوم طيب.ولأبي الشيل البرجمي ، فيه:
شهدتُ مواطنَ اللذات طرا      وجبت بقاعها بحراً وبرَّا
فلم أر مثل أشموني محلا      ألذَّ لحاضريه ولا أسرَّا
به جيشان من خيل وسُفن     أناخا في ذراهُ واستقرا
كانهما زحوفُ  وغى ولكن   إلى اللذات ما كرَّا وفرا
سلاحمها القواقز  والقناني  وأكواسٌ تدور هلمَّ جرا
وضربهما المثالث والمثاني     إذا ما الضربُ في الحرب استحرا
وأسرهما ظباءُ الدَّير طوعاً     إذا أسد الحروب أسرن قسرا
لقد جرّت لنا الهيجاء خيراً     إذا ما جرت الهيجاءُ شرا
لا نعلم متى كانت نهاية هذا الدير، والارجح ان فيضانات نهر دجلة المتكررة اتت عليه فخربته، لانه كما قالت المصادر كان قريباً من النهر. ويفهم من وصف ياقوت الحموي انه لم يكن قائماً على عهده، إذ يقول: (وكان من اجل متنزهات بغداد)، فقوله " كان " يشير إلى شيء قد اندثر. أما بعد الحصار المغولي فلم يبق منه أثر.

الكنائس والديارات باسم أشموني:

ما زال ذكر أشموني شائعاً بين أبناء كنائس المشرق، ولا سيما بين السريان المشارقة والمغاربة، ففي العراق وغيره من الاقطار الشرقية، جملة كنائس عرفت باسم القديسة أشموني الشهيدة، إحداها في قره قوش ، وهذه الكنيسة القديمة ما زالت قائمة وعامرة، يؤمها الناس، ويتواردون إليها في كل سنة في يوم عيدها من مختلف الجهات. وفي قرية بَرطلّي  كنيسة أخرى باسم أشموني، وهي عامرة. وفي باعشيقا  كنيسة ثالثة مسماة باسمها أيضاً، وهي عامرة يصلي بها يومياً. وهناك كنيسة على اسم هذه القديسة في قرية ارادن الواقعة في وادي صبنا، وهناك ثلاث كنائس تابعة لكنيسة المشرق الاثورية على اسم هذه القديسة، إحداها في قرية دهي، والأخرى في قرية كوركفانا قرب زاويته والثالثة في قضاء تلكيف، وأيضاً بنيت كنيسة جديدة بأسم القديسة أشموني وأولادها السبعة في بغداد بمنطقة الدورة، وهذه الكنيسة تابعة للبطريركية الشرقية القديمة. فهناك كثير من الكنائس وعشرات المزارات على اسم هذه القديسة في شمال العراق، ووسطه وجنوبه. وهنالك في غير العراق ديارات وكنائس باسم أشموني، نذكر ما أُتيح لنا الوقوف على خبره في المراجع التي بيدنا: فعند سور ماردين في جنوبها، دير مرت أشموني المكابية ، وقد كان في الاسكندرية بمصر، كنيسة للنساطرة على اسم القديسة مرت أشموني وأولادها السبعة ومعلمهم الكاهن أليعازر . وكان في مدينة بدليس ، كنيسة أخرى للنساطرة باسم هذه القديسة . وفي مدينة رأس العين، كنيسة اخرى للنساطرة أيضاً، عرفت بهذا الاسم ، وفي مدينة انطاكيا، كنيسة كانت تعرف باسم أشموني . وفي مدينة مذيات كنيسة صغيرة تعرف ببيعة الشهيدة أشموني . وفي بلدة (شدرا) في لبنان، بيعة على اسم الشهيدة (مرت أشموني وأولادها السبعة) .

عيد أشموني

قد تضاربت الاراء في عيد القديسة أشموني، فقد قال الشابشتي وياقوت الحموي يقع عيد أشموني في اليوم الثالث من تشرين الأول من كل سنة. غير ان داود الأنطاكي قال ان عيدها في العاشر من نيسان ، وفي كلندار السنة لأبرشية الموصل السريانية للبطريرك بهنام بُني ، ومثله ما في كلندار ربن صليبا ، نجد يوم عيدها يقع في الخامس عشر من تشرين الأول، وهو اليوم الذي استشهدت فيه أشموني مع بنيها السبعة، وهذا يتفق وما ذكره أبو الريحان البيروني. أما ادي شير في كتابه شهداء المشرق يقول: ان عيد أشموني يقع في اليوم الأول من شهر آب، وذلك نقلاً عن كلندار قديم محفوظ في خزانة دير مار يعقوب الحبيس بجانب سعرت، وعن كلندار آخر في خزانة كتب الدار البطريركية الكلدانية في الموصل، وهذا يوافق ما قرره مجمع الشرفة سنة 1888م. أما في وقتنا هذا، فيحتفل بعيد أشموني في قره قوش وبرطلي اللتين ألمحنا إليهما، في يوم 15 تشرين الأول من كل سنة، وفقاً للتقويم الشرقي القديم.
أما كنيسة المشرق (الكلدو - اثورية) فانها تحتفل بعيد القديسة أشموني واولادها في الثلاثاء الأول من شهر ايار من كل عام


16

دير أشموني

الراهب اشور ياقو البازي

المقدمة
 
ان أشموني التي على اسمها شيد هذا الدير، نجد أخبارها في كثير من المظان، أقدمها وأجلها شاناً وقدراً هو الكتاب المقدس العهد القديم (سفر المكابيين)، حيث تقرأ قصة استشهادها مع بنيها السبعة، دون أن يذكر الكتاب المقدس اسمها، وكذلك في أعمال الشهداء والقديسين وهو بالسريانية، وفي كتاب تاريخ مختصر الدول لابن العبري، وفي أبطال الايمان لشيخو اليسوعي، وفي غيرها من المراجع الشرقية والغربية التي لا يتسع المقام لذكرها. ويستخلص من جميعها، ان أشموني كانت والدة الفتية المكابيين السبعة التي قُتلت مع أبنائها وأليعازر الشيخ  في عهد الملك انطيوخس الرابع الملقب ابيفانس (175- 164 ق. م)، وهو اخو سلوقس الرابع في سلسلة الحكام والملوك السلوقيين الذين خلفوا الاسكندر الكبير، وتقاسموا السيطرة على مناطق الشرق الاوسط. سار انطيوخس على درب اسلافه في فرض التيار الهلينستي الوثني على اليهود. حيث امات اولادها امامها بعد تجرعهم صنوف العذاب، وقد الزمهم ان يجحدوا دينهم الموسوي، فأبوا. فأحضرهم بين يديه وأمر بقطع لسان الاول، واطراف جميع أعضائه، وسلخ جلدة رأس الثاني، وكذلك امات الباقين وبعدهم امهم بانواع العذاب، ودفنوا في اورشليم.(ثم بعد مجيء المخلص يسوع نقل مؤمنو المسيحيين اجسامهم إلى مدينة انطاكيا وبنوا عليهم كنيسة) .
وقد اشار ابو نؤاس إلى مقتل أشموني واولادها السبعة في قصيدة أوردها الشابشتي في (دير فيق)  بفلسطين، فقال:
باشموني وسبع قدمتهم    وما حادوا جميعاً عن طريق
لقد انتشر ذكر أشموني في بلاد المشرق ولا سيما في بلاد ما بين النهرين، فكرس المسيحيون استشهادها، وبالغوا في اكرامها، وعظموا ايمانها، ثم اقاموا كنائس ومزارات عديدة باسمها.

دير أشموني

يقع هذا الدير في قُطرَبُّل  في الموضع المعروف اليوم بالتاجي. بنى المسيحيون دير أشموني المعروف بحدائقه الغناء، ومزارعه الكثيرة، وساحاته العامرة. كان من متنـزهات بغداد. ذكره غير واحد من البلدانيين . وكان عيده على عهد الشابشتي  في اليوم الثالث من تشرين الأول، ومعروف ان المناخ في بغداد هو أجمل ما يكون في أيام تشرين الأول. ولذا تكون مناسبة عيد هذا الدير من الايام العظيمة ببغداد. يجتمع أهلها إليه كاجتماعهم إلى بعض أعيادهم، ولا يبقى أحد من أهل التطرب، واللعب إلا خرج إليه، فمنهم في الطيارات ، ومنهم في الزبازب ، والسميريّات ، كل انسان بحسب قُدرته، ويتنافسون فيما يظهرونه هنالك من زيّهم، ويباهون بما يعدونه لقصفهم، ويعمرون شطه، وأكنافه، وديره وحاناته، ويضرب لذوي البسطة منهم الخيم والفساطيط ، وتعزف عليهم القيان، فيظل كل انسان منهم مشغولاً بأمره، ومكباً على لهوه، فهو أعجب منظر وأطيب مشهد وأحسنه.
لقد كان دير أشموني كسائر الاديرة القريبة من بغداد يقصده المسيحيون وغيرهم، ولاسيما يوم عيده فينـزلون اكنافه وساحاته، وإذا ضاق بهم عدلوا إلى دير مر  جرجيس ، وقد وصف الشعراء دير أشموني وأثنى المؤرخون على مناظره واطروا على مزارعه.
قال جحظة البرمكي : خرجت في عيد من أعياد أشموني إلى قطربل، فلما وصلت إلى الشط، مددت عيني لأنظر موضعاً خالياً أصعد إليه، أو قوماً ظرافاً انزل عليهم، فرأيت فتيين  من أحسن الناس وجوهاً، وأنظفهم لباساً وأطرفهم آلة! فقدمت سميرتي نحوهما، وقلت أتأذون في الصعود إليكم؟ فقالوا: بالرحب والسعة، فصعدت وقلت: يا غلام، طنبوري ونبيذي، فقالا: أما الطنبور فنعم، وأما النبيذ فلا. فجلست مع أحسن الناس أخلاقاً وأملحهم عشرة، وأخذنا في أمرنا، ثم تناولت الطنبور، وغنيت بشعر لي :
سقياً لأشموني ولذاتها     والـعيش فيما بين جناتها
سقياً لأيام مضـت لي      بها مابين شطيها وحاناتها
إذ اصطباحي  في بساتينها  وإذ غبوقي  في دياراتها
فنعر القوم، وشربوا بالارطال وشربت، وطاب لنا الوقت إلى آخر النهار.
قال محمد بن المؤمل الطائي : كنت مع ابي العتاهية في سميرية، ونحن سائرون إلى دير أشموني، فسمع غناء من بعض تلك النواحي، فاستحسنه وطرب له. فقال: قم بنا نرقص. قلت: نحن في سميرية، وأخاف أن نغرق! قال: وإن غرقنا نكون ماذا؟ أليس نكون شهداء الطرب؟ وقال أيضاً الشاعر الثرواني  هذه
الأبيات في دير أشموني:

اشرب على قرع النواقيس  في دير أشموني بتغليس
لا تخفِ كأس الشرب،   والليل في حدِّ نعيم لا ولا بوس
إلا على قرع النواقيس    أو صوت قسّان وتشميس
فانما الشيء باسبابه      ومحكم الوصف بتأسيس
فهكذا فاشرب، وإلا فكن  مجاوراً بعض النواويس
كتب يحيى بن كامل إلى عبد الملك بن محمد الهاشمي في يوم  أشموني:
اليوم أشموني أبا الفضل   وهو عجيب طيب الظلِّ
وأنت لليوم صريع فما     يصنع يحيى يا أبا الفضل
فوجه إليه بما ركبه، وعرف الجماش الخبر، فكتب إليه:
قُولا لعبد الملك الماهر     ولابن عم المصطفى الطاهر
أما ترى اليوم، وأحوالهُ    تدعو إلى حثّك بالدائر
عيدٌ وغيم زار في يومنا،   فقم بحقِّ العيد والزائر
واليوم أشموني، فبادر بنا  نحثُّها في يومها الزاهر
حبست يحيى ثم أعقلتني   أحلتَ عن جماشك الشاعر
وجه إليه واحضره. ومرَّ لهم يوم طيب.ولأبي الشيل البرجمي ، فيه:
شهدتُ مواطنَ اللذات طرا      وجبت بقاعها بحراً وبرَّا
فلم أر مثل أشموني محلا      ألذَّ لحاضريه ولا أسرَّا
به جيشان من خيل وسُفن     أناخا في ذراهُ واستقرا
كانهما زحوفُ  وغى ولكن   إلى اللذات ما كرَّا وفرا
سلاحمها القواقز  والقناني  وأكواسٌ تدور هلمَّ جرا
وضربهما المثالث والمثاني     إذا ما الضربُ في الحرب استحرا
وأسرهما ظباءُ الدَّير طوعاً     إذا أسد الحروب أسرن قسرا
لقد جرّت لنا الهيجاء خيراً     إذا ما جرت الهيجاءُ شرا
لا نعلم متى كانت نهاية هذا الدير، والارجح ان فيضانات نهر دجلة المتكررة اتت عليه فخربته، لانه كما قالت المصادر كان قريباً من النهر. ويفهم من وصف ياقوت الحموي انه لم يكن قائماً على عهده، إذ يقول: (وكان من اجل متنزهات بغداد)، فقوله " كان " يشير إلى شيء قد اندثر. أما بعد الحصار المغولي فلم يبق منه أثر.

الكنائس والديارات باسم أشموني:

ما زال ذكر أشموني شائعاً بين أبناء كنائس المشرق، ولا سيما بين السريان المشارقة والمغاربة، ففي العراق وغيره من الاقطار الشرقية، جملة كنائس عرفت باسم القديسة أشموني الشهيدة، إحداها في قره قوش ، وهذه الكنيسة القديمة ما زالت قائمة وعامرة، يؤمها الناس، ويتواردون إليها في كل سنة في يوم عيدها من مختلف الجهات. وفي قرية بَرطلّي  كنيسة أخرى باسم أشموني، وهي عامرة. وفي باعشيقا  كنيسة ثالثة مسماة باسمها أيضاً، وهي عامرة يصلي بها يومياً. وهناك كنيسة على اسم هذه القديسة في قرية ارادن الواقعة في وادي صبنا، وهناك ثلاث كنائس تابعة لكنيسة المشرق الاثورية على اسم هذه القديسة، إحداها في قرية دهي، والأخرى في قرية كوركفانا قرب زاويته والثالثة في قضاء تلكيف، وأيضاً بنيت كنيسة جديدة بأسم القديسة أشموني وأولادها السبعة في بغداد بمنطقة الدورة، وهذه الكنيسة تابعة للبطريركية الشرقية القديمة. فهناك كثير من الكنائس وعشرات المزارات على اسم هذه القديسة في شمال العراق، ووسطه وجنوبه. وهنالك في غير العراق ديارات وكنائس باسم أشموني، نذكر ما أُتيح لنا الوقوف على خبره في المراجع التي بيدنا: فعند سور ماردين في جنوبها، دير مرت أشموني المكابية ، وقد كان في الاسكندرية بمصر، كنيسة للنساطرة على اسم القديسة مرت أشموني وأولادها السبعة ومعلمهم الكاهن أليعازر . وكان في مدينة بدليس ، كنيسة أخرى للنساطرة باسم هذه القديسة . وفي مدينة رأس العين، كنيسة اخرى للنساطرة أيضاً، عرفت بهذا الاسم ، وفي مدينة انطاكيا، كنيسة كانت تعرف باسم أشموني . وفي مدينة مذيات كنيسة صغيرة تعرف ببيعة الشهيدة أشموني . وفي بلدة (شدرا) في لبنان، بيعة على اسم الشهيدة (مرت أشموني وأولادها السبعة) .

عيد أشموني

قد تضاربت الاراء في عيد القديسة أشموني، فقد قال الشابشتي وياقوت الحموي يقع عيد أشموني في اليوم الثالث من تشرين الأول من كل سنة. غير ان داود الأنطاكي قال ان عيدها في العاشر من نيسان ، وفي كلندار السنة لأبرشية الموصل السريانية للبطريرك بهنام بُني ، ومثله ما في كلندار ربن صليبا ، نجد يوم عيدها يقع في الخامس عشر من تشرين الأول، وهو اليوم الذي استشهدت فيه أشموني مع بنيها السبعة، وهذا يتفق وما ذكره أبو الريحان البيروني. أما ادي شير في كتابه شهداء المشرق يقول: ان عيد أشموني يقع في اليوم الأول من شهر آب، وذلك نقلاً عن كلندار قديم محفوظ في خزانة دير مار يعقوب الحبيس بجانب سعرت، وعن كلندار آخر في خزانة كتب الدار البطريركية الكلدانية في الموصل، وهذا يوافق ما قرره مجمع الشرفة سنة 1888م. أما في وقتنا هذا، فيحتفل بعيد أشموني في قره قوش وبرطلي اللتين ألمحنا إليهما، في يوم 15 تشرين الأول من كل سنة، وفقاً للتقويم الشرقي القديم.
أما كنيسة المشرق (الكلدو - اثورية) فانها تحتفل بعيد القديسة أشموني واولادها في الثلاثاء الأول من شهر ايار من كل عام.



17
دير قني 

الراهب اشور ياقو البازي

المقدمة:[/
b]
نشأت الحياة الرهبانية في بلاد ما بين النهرين منذ القرن الثالث للميلاد، وانتشرت في أوائل القرن الرابع بمساعي ابائنا الرهبان الأوائل ثم جدد شؤونها ابراهيم الكشكري  الملقب بابي الرهبان، الذي علينا ان نقر بفضله في تنظيم الحياة الرهبانية في كنيسة المشرق (الكلدو – اثورية) وانتشار الأديرة بشكلها النظامي والمتطور، وذلك في اواسط القرن السادس الميلادي، فهو مولود في قرية كشكر سنة (491-492م)، ويذكر انه بعد دراسته في الحيرة قصد مصر وانقطع في صحراء سيناء، كما درس في نصيبين وسكن جبل الازل في دير ايزلا.
لقد شيدت معظم ديارات المسيحيين في الاماكن المنقطعة عن الناس بين ضواحي المدن البعيدة والحدائق المثمرة، والرياض الفسيحة والوديان العميقة، أو فوق المستشرفات المرتفعة والهضاب العالية والجبال الشامخة تستوقف انظار الناس من بعيد. وكان بناؤها وهندسة قلاليها ومخطط مرافقها حصوناً منيعة تتخلله كنائس جميلة ومذابح عجيبة، وبيوت اكل واسعة هذا فضلاً عن مخادع للمستودعات وصهاريج للماء ودور للضيوف.
عاش الرهبان في ديارات العراق القديمة على نمطين وهما: نظام الحياة المشتركة ونظام المعيشة المنفردة، فالرهبان الذين ساروا على طريقة النظام الأول سكنوا بناء واحدا في مؤخر الدير يلبسون ألبسة موحدة من الصوف الاسود لا ينفرد احدهم عن الآخر ولجميعهم بيت طعام واحد وبيت للمنام وخزانة كتب يطالعون في ردهاتها، أو ينسخون فيها الاسفار الدينية، وحول هذا البناء القلالي، أو الصوامع يزاولون فيها الأعمال اليومية إلى جانب الزراعة وما تحتاج إليها من الصناعات اليدوية الصغيرة.
أما الديارات التي كان رهبانها يسيرون على نظام المعيشة المنفردة وهي عديدة فكانت صوامعها، أو قلاليها منفصلة عن الدير ينفرد كل راهب بواحدة منها. لها باب ظاهر يتبعها بستان فيه البقول والرياحين والاشجار المثمرة يقوم الراهب على بزراعتها والارتزاق من بيع غلتها، ومن ديارات النظام الثاني دير قني.
دير قني
يقع دير قني في الجانب الشرقي من نهر دجلة على نحو تسعين كيلومتراً جنوبي بغداد، وتشاهد اطلاله اليوم في شمالي العزيزية الحالية ويسميها الاهلون (تلول الدير) وقد تبعد عن ضفة نهر دجلة الخالد زهاء كيلومترين بينما كان الدير لدى تأسيسه أقرب إلى النهر مما هو الان .
قال ياقوت الحموي: (دير قني بضم أوله وتشديد ثانيه مقصور ويعرف بدير ماري السليح ). وهو على ستة عشر فرسخاً من بغداد منحدراً بين النعمانية وهو في الجانب الشرقي معدود في أعمال النهروان وبينه وبين دجلة ميل وعلى دجلة مقابله مدينة صغيرة يقال لها الصافية وقد خربت ويقال له دير الاسكول  أيضاً.
وورد في كتاب الديارات للشابشتي: (وهذا الدير على ستة عشر فرسخاً من بغداد منحدراً في الجانب الشرقي بينه وبين دجلة ميل ونصف، وبينه وبين دير العاقول  بريد).
ولا شك ان الدير عند تأسيسه كان أقرب إلى النهر مما ذكرنا، لان المعماريين لاقوا مشقات جمة لكثرة رطوبة المكان، لانه كان قريباً من ضفة نهر دجلة. وكثيراً ما كان يفرش الرهبان الحصر والثياب من الشط إلى الدير عندما ينـزل الجاثليق من الشبارة  لزيارة قبر مار ماري الرسول في هذا الدير.
كان دير قني ديراً حسناً نـزهاً عامراً وفيه مائة قلاية لرهبانه والمتبتلين فيه لكل راهب قلاية، وهم يتبايعون هذه القلالي بينهم من ألف دينار إلى مائتي دينار إلى خمسين دينار، وحول كل قلاية بستان فيه جميع الثمار والنخيل والزيتون وعليه سور عظيم يحيط به وفي وسطه نهر جار . وكانت المياه تنساب من نُهير كان يجري في وسط الدير، ولا شك أن مياه هذا النهير كانت توخذ من النهروان باعتبار أن مستواه أعلى من مستوى دجلة.
يقول ياقوت الحموي في وصفه هذا الدير: (وعليه سور عظيم عال محكم البناء) . كان هذا السور منيعاً في حدود سنة 545 هجرية = 1150 ميلادية، وذلك عند اقتراب العساكر السلجوقية من قرية بنارق القريبة من دير قني، وانهزم أكثر سكانها، قال بعض أولئك المنهزمين: (فلما كان الليل، عبرنا دجلة لنجيء إلى دير قني لانه ذو سور منيع وبتنا فيه، ثم تفرقنا في البلاد) .
وكان إلى جانب دير قني قرية كبيرة تعرف أيضاً بدير قني. خرج منها مشاهير الناس فيهم الكاتب والوزير منهم علي بن عيسى بن داود الجراح، ومحمد بن داود بن الجراح، والحسن بن مخلد بن الجراح، والوزير بن الفياض، ومتى بن يونس، والفضل بن يحيي فرحان شاه الديراني النصراني، ومالك بن شاهي النفري وغيرهم.
كان دير قني في بلاد ما بين النهرين حصناً يدافع عن المسيحية ومناراً تشع منه أنوار الفضائل، وقد لحد في مقبرته الواسعة (الجاثليق مار اسحاق المتوفي سنة 411م). والجاثليق يابالاها المتوفي 420م والجاثليق داديشوع المتوفي سنة 456م وغيرهم، وامتازت كنيسته العظيمة بمؤسسها المدفون فيها الرسول مار ماري رسول المشرق. فكان الناس يزورونها ولا سيما في عيد الصليب  ليشتركوا في الاحتفالات والمراسيم الدينية التي يقوم بها رهبان الدير. كما كان كل جاثليق لكنيسة المشرق ملزماً بحسب المراسيم الدينية أن يزورها، فبعد تنصيبه في كنيسة كوخي، أو سلوقية يتوجه إليها مع جماعة من المطارنة والاساقفة وعظماء الشعب، ثم يرجع إلى كرسيه في المدائن، أو إلى بغداد أيام نقل الكرسي إليها.
جدد بناء هيكل كنيسة دير قني سبريشوع الجصلوني أسقف كاشغر، على اثر إحدى النكبات التي لحقت به، ثم تلاه الجاثليق مار ايليا الثالث المعروف بابي حليم ، أو ابن الحديثي الذي ولد في ميافرقين في نحو سنة 1108م، ورسم مطراناً لنصيبين، ثم اختير جاثليقاً ورسم في 24 كانون الثاني سنة 1176م، وتوفي سنة 1190م. قال عمرو بن متى: (ولما عاد مار ايليا من المدائن إلى القلاية بدار الروم ورأى قد استولى عليها الخراب فشرع في عمارتها وعمارة البيعة ووفقه الله، وجرت الخيرات على يده واسام جماعة من المطارنة والاساقفة، وجدد بناء هيكل مار ماري الرسول بدير قني وغيره من البيع والاديرة) .
عيد دير قني
كان لدير قني عيد خاص ينفرد به تقريباً دون سواه، فيشمل جمال العيد وابهته جميع سكان الدير ويمتد إلى ما يجاور الدير من قرى وأرياف، فيخرج الرهبان والقسوس في ذلك العيد إلى المذبح وبأيديهم المجامر، وقد تقلدوا الصلبان وتوشحوا بالمناديل المنقوشة، وجميعهم يرتلون التراتيل الدينية، فتتجلى عندئذ عظمة العيد وجماله، ويتقاطر الناس من القرى المجاورة ليشتركوا بهذه المظاهر ، وكان في دير قني صخرة مصنوعة يُنضح منها الدهن في يوم عيده، فيأخذ المسيحيون للبركة ويسمونه طيبوث . ومن الأعياد العظيمة في دير قني هو عيد الصليب، وكثيراً ما ينحدر الجاثليق إلى دير قني، ليقوم بنفسه بالمراسيم العظيمة التي تُقام في هذا العيد.
دير قني في الشعر
تغنى الشعراء بمقطعات وقصائد في هذا الدير، وأطلقوا العنان لقرائحهم في التصور والتفنن في النظم، وأمامنا بعض المقطعات الخالدة من جمال الشعر:
- وقد وصف دير قني الشاعر ابو علي محمد  بن الحسين بن جمهور:
يا منـزل اللهـو بديـر قُنا
سقـياً لايـامـك لما كـنا
أيام لا أنعمَ عـيـش مـنّا
وإن فـنى دَنٌ نـزلنا  دنّا
ومُسعدٍ في كـل ما أردنـا
أحسن خـلق الله أدى لحنـا
بالله، يا قسـيس يا ما قُنا
متى رأيـت فتيـتي تـحنا
      قلبي إلى تـلك الربى قد حنا
نحتار منـك لـذة وحُســنا
إذا انتشـينا وصحـونا عُدنا
حـتى يُظنّ انـنا جُـنـنا
يحكي لنا الغصن الرطيب اللّدنا
وجسَّ زيـر عـوده وغَنــا
متى رأيـت الرشـا الأغـنا
آهٍ، اذ ما مـاس أو تـثـنى.

- وفي قصيدة أخرى لنفس الشاعر إذ قال:

وكم وقفةٍ في دير قُنى وقفتها
وكم فتكةٍ لي فيه لم أنس طيبها
      أغازل فيه فاتن الطّرف أحورا
أمتُّ بها عُرفاً وأحييت منكرا

- وبات فيه الوزير علي بن مقلة ثم اصطبح فيه، وقال:

بتت يدي تجني ثمار الجناح
حتى تلا الراهب مزموره،
فهل فتى يسعدني عاقد
اطيعه في كل ما يشتهي
      بدير قنى من وجوه ملاح
وضمخ الأفق خلوق الصباح
ذيل غبوق بذيول اصطباح
كطاعة الريش لأمر الرياح

مدرسة دير قني
أقام دعائم هذه المدرسة أو هذا الاسكول مار ماري الرسول المتوفي نحو (82م) في دير قني وسمي باسمه .ان مدرسة دير قني طرأت عليها تقلبات الزمن وان توالى الاضطهادات حال دون وصول اخبارها الاول الينا كما حال دون وصول اسماء مدرسيها وطلابها الاولين. بيد انها قد صحبت الدهر زمناً مديداً فتقدمت حيناً وتأخرت أحياناً حتى أصبحت على تراخي السنين أكبر مدرسة، أو كلية لاهوتية جنوب بغداد، وخرج منها أعظم مشاهير المسيحيين، وكان اكابر البغاددة يرسلون إليها اولادهم .
وممن نشأ في مدرسة مار ماري ودرس في صفوفها زهاء اربعين عاماً العالم المنطقي الذائع الصيت ابو بشر متى بن يونس (المتوفي سنة 940 م)، وقرا عليه الناس المنطق فكان يجتمع في حلقته كل يوم المنشغلون بهذا العلم ومن جملتهم الفيلسوف الكبير الفارابي. وقد قال عنه القفطي: (متى بن يونس النصراني المنطقي أبو بشر نـزيل بغداد عالم بالمنطق شارح له مكثر مطيل للكلام قصده التعليم والتفهيم وعلى كتبه وشروحه اعتماد أهل هذا الشأن في عصره ومصره) ، أما مؤلفاته فكثيرة ومعظمها في شروح كتاب أرسطو فكتب عنه سبعين سفراً وعرب غيرها من اللغة اليونانية والسريانية ، وقد جرت بينه وبين ابي سعيد السيرافي مناظرة كبرى في المفاضلة بين النحو والمنطق وقد حكاها كلها ابو حيان التوحيدي ومما نجا له من آفات الزمان سفر ضخم في مكتبة باريس يرتقي عهده إلى القرن الثاني عشر للميلاد يضم بين صفحاته مقالات لارسطو معربة تعريباً دقيقاً متقناً، وقد طبع منها مقالة الشعر في لندن (سنة 1887م) .
ومن مدرسي مدرسة مار ماري، الجاثليق اسرائيل الأول المتوفي (سنة 962م). فكان من كرخ جدان وبعد ان ترهب في دير سبريشوع في واسط سقف على مدينة كشكر ثم نصب جاثليقاً، وهو من ادباء عصره وخطباء زمانه ذرب اللسان قوي الحجة، وقد اشتهر بزهده وعفافه، واكرمه الخليفة المطيع بالله (334-363 هجرية = 946-974م) لعلمه ومناقبه الجمة ، وذكر له ابو بركات كتاباً في اصول الديانة، وروى له ابن العال في كتابه اصول الدين مقالة حسنة في شريعة العدل .
ومن تلاميذ مدرسة مار ماري الرسول في دير قني عبد يشوع الراهب الذي عاش في عهد الجاثليق عمانوئيل الأول المتوفي سنة 960م، فقد حبر تعزيات رقيقة العبارات وتراجم ضافية الاذيال وفصولاً مدبجة بالغاز دقيقة المعنى بعيدة المغزى .
ومنهم الجاثليق ايشوعياب الرابع بن حزقيال المتوفي سنة 1025م، وبعدما خرج من مدرسة مار ماري الرسول، رسم كاهناً ومديراً لها فحمدت طريقته وحسن اثره في العفة والعلم، وسقفه الجاثليق عبد يشوع الأول المتوفي سنة 986م على القصر والنهروانات، وانتشر ذكره بالجميل فاختير جاثليقاً في خلافة القادر بالله (381-422 هجرية = 991-1031م) .
ومنهم الجاثليق سبريشوع زنبور  المتوفي سنة 1072م، الذي كان من دير قني، حيث رسم كاهناً ثم سقف على جنديسابور وكان عالماً متضلعاً من الاداب الكنسية، فرسم جاثليقاً في 3 آب عام 1061م. وبامر الخليفة القائم بامر الله (422-467 هجرية = 1031-1075 ميلادية) نصب جاثليقاً ومنحه براءة ايد فيها حقوقه، وقد وافى فيها: (اقامك سلطان المؤمنين جاثليقاً للنصارى القاطنين في بغداد مدينة السلام، وفي كل البلاد والاقاليم ويعلن انك رئيسهم ورئيس الساكنين في بلاد المسلمين والذين ياتون إليها، ويامر بان يطيع الجميع اقوالك) ، هؤلاء وغيرهم امثال مار عبدا الراهب المعروف بعبد يشوع القناني  الذي تثقف في مدرسة مار ماري الرسول، حيث بنى ديراً واسع الارجاء في قرية قني مسقط رأسه.
وكانت تدرس في مدرسة دير قني اللغة السريانية، واليونانية والعربية، ويضاف إلى هذه اللغات مجموعة قيّمة من العلوم والفنون والنحو والمنطق والشعر والهندسة والموسيقى والفلك والفلسفة والعلوم الدينية، وبطبيعة الحال فقد كان لها خزانة كتب حافلة تضم الكثير من المؤلفات القيّمة التي كانت متداولة في ذلك العصر .

الخاتمة
لم تصلنا معلومات كافية عن خراب هذا الدير ونهايته، فقد ذكر ياقوت الحموي المتوفي سنة 626 هجرية = 1228 ميلادية: (واما الان فلم يبق من الدير غير سوره وفيه رهبان صعاليك كانه خرب بخراب النهروان) ، ويبدو من كلام صاحب مراصد الاطلاع المتوفي سنة 739 هجرية = 1338 ميلادية) ان الخراب في عهده كان يشمل هذا الدير باسره إذ قال: (وهو دير عظيم شبيه بالحصن له سور عال محكم البناء، قيل فيه مائة قلاية لرهبانه يتبايعونها بينهم بثمن كثير واستولى عليه الخراب) . ويوخذ من كلام ابن عبد الحق في مراصد الاطلاع ان هذا الدير قد استولى عليه الخراب في عهده، ومن المعلوم ان وفاته كانت في اوائل القرن الرابع عشر للميلاد.
واننا نعلم ان سبب خراب النهروان هو اختلاف السلاطين السلجوقيين وقتال بعضهم لبعض، ومنافستهم التي دمرت كل عمران، ولا يخفي ان الصدمات التي لاقاها الدير كانت كثيرة العدد بالغة التخريب، فقد قال ماري ابن سليمان: (ان الملك فيروز بعد عودته من بلد الترك (أيام بابويه) عاد شره ورام محق النصرانية، فصار يهد الكنائس والديارات، ومن المؤكد أن بعض شظايا هذه النكبة كانت قد أصابت دير قني فابادت قسماً من معالمه) .
ومن النكبات التي حلت به ان الكواكبي المعروف بابن البقال، الذي كان معلماً لبهاء الدولة، اعتقل الجاثليق ببغداد، وانحدر إلى دير قني وتناهى في القبح وفعل الشر، فشتت الرهبان وصادرهم، فقبض عليه وحُمل إلى بغداد وقُتل ورميت جيفته إلى الماء .
نخرج من مقالنا هذا ان دير قني الشهير ظل عامراً برهبانه مدة طويلة قد تبلغ الألف سنة، ثم تطاولت عليه يد الزمن وانتابته الأهوال، فألحقته بالكثير من رفاقه، التي صرنا لا نعلم عنها أكثر مما نقع عليه من الشذرات المتناثرة في بطون الكتب.[/[/b]size]

18
دير مار فثيون

الراهب اشور ياقو البازي

المقدمة
كانت الديارات قائمة ومأهولة بالرهبان في منطقة بغداد قبل أن يشرع ابو جعفر المنصور ببناء المدينة المدورة، لان البلدانيين والمؤرخين، من مسيحيين ومسلمين، ذكروا وجود عدد منها في تلك البقعة، وكانت هذه الديارات منتشرة على جانبي نهر دجلة، وفي مختلف الجهات، وفي مواقع جميلة وقريبة من ضفاف نهر دجلة، أو ضفاف الانهر العديدة التي كانت تخترق ارض بغداد. وكانت هذه الاديرة محاطة بالرياض والبساتين والكروم، فالموقع الجميل ومحيطه الهاديء كان يجذبان الناس لزيارة الديارات، وهي بطبيعتها كمؤسسة دينية مفتوحة لجميع المستطرقين، فالضيافة مقدسة في تراثنا العراقي، وهي واجب على الرهبان يمليها عليهم قانونهم، فلا يسأل المرء عند طرقه باب الدير عن دينه أو مذهبه، يؤمها الناس على اختلاف مللهم ونحلهم للصلاة والتبرك وطلب الشفاعة عند رب العالمين، يقصدها آخرون طلباً للعلم، أو بحثاً عن كتاب نادر، أو مخطوط نفيس. ويأتي آخرون للاشتراك بالمراسيم الدينية. وكانت الديارت خاصة في العصر العباسي، ملاذاً لكثير من اعلام الأدب والشعر الذين كانوا يهربون إليها طلباً لراحة القلب وصفاء الفكر، بعيداً عن المدينة واجوائها الخانقة وحياتها اليومية الرتيبة. ومن هذه الاديرة المنتشرة في بغداد دير مار فثيون.
دير  مار فثيون
بنى المسيحيون بعد منتصف القرن الخامس الميلادي دير مار فثيون على مصب الصراة  في اطراف قرية سونايا التي ادمجت في بناء بغداد مدينة السلام، وأصبحت على مرور الزمن محلة عرفت بالعتيقة. وكان الدير في أول أمره كنيسة لاهل نلك المحلة، ثم تجمع حول الكنيسة رهبان وبنوا لهم صوامع فصار هناك الدير، وكان يعتبر دير مار فثيون من أهم ديارات المشارقة أي النساطرة في بغداد، وكان في الجانب الغربي يجاوره دير آخر يعرف باسم عمر صليبا  (عوٌمرًا دؤليٌبًٌا)، كان موقع دير مار فثيون في جنوب قصر الخلد ومن المحتمل ان الخليفة المنصور ألحق قسماً من بساتين الدير بقصره هذا.
لقد صحب دير مار فثيون الزمن دهراً طويلاً وتقلب على الظروف أمداً مديداً حتى عد من أكبر أديرة بغداد الغربية، ودعاه مؤرخو العرب (الدير العتيق) تمييزاً بينه وبين الدير الجديد.
ذكر احمد بن ابي يعقوب بن واضح اليعقوبي سنة 284 هجرية = 897م : انه لم يكن ببغداد الا دير على موضع مصب الصراة الى دجلة الذي يقال له قرن الصراة وهو الدير الذي يسمى الدير العتيق قائم بحاله الى هذا الوقت نزله الجاثليق رئيس النصارى النسطورية.
وقوله قرن الصراة يشير الى مصب نهر الصراة في دجلة في الجانب الغربي هناك حيث اختار الخليفة المنصور الموقع الذي شيد عليه مدينته وقد ذكرت طائفة من المؤرخين ان الخليفة المذكور نزل في هذا الدير حين جاء باحثاً عن الموقع الافضل لتشييد مدينته الجديدة. فلقد نقل الطبري خبراً عن بشر بن ميمون الشروي وسليمان بن مجالد : (ان المنصور نزل الدير الذي حذاء قصره المعروف بالخلد فدعا بصاحب الدير) .
وقبل بناء بغداد مدينة السلام كان بعض الناس قد استولوا على الاراضي الواقعة في اطراف دير مار فثيون فشادوا أبنية وسكنوا فيها. غير انهم قد نقلوا منها كرهاً بأمر من الخليفة ابي جعفر المنصور. وتؤيد الاخبار ان الخليفة المنصور قد حل ضيفاً في دير مار فثيون يوم خرج يطلب موضعاً يبني فيه بغداد عاصمته الجديدة، ولا شك ان رهبانه قد اكرموه كل الاكرام واحتفوا به كل الاحتفاء.
قال الطبري : (وجاء المنصور فنزل الدير الذي في موضع الخلد على الصراة فوجده قليل البق. فقال هذا الموضع أرضاه تأتيها الميرة من الفرات ودجلة ويصلح ان تبتني فيه مدينة) . وروى ابن الاثير : وسار (أي الخليفة المنصور حين نزل الدير حذاء قصره المعروف بالخلد) ، وجاء في معجم البلدان ما يأتي : (وعن علي بن يقطين قال : كنت في عسكر ابي جعفر المنصور حين سار إلى الصراة يلتمس موضعاً لبناء مدينة. قال فنزل الدير الذي على الصراة في العتيقة).
كان دير مار فثيون واسع الاطراف كبير الساحات وقد اجتمع فيه مراراً عديدة الاساقفة والاباء والرهبان لامور خطيرة. فاجتمع فيه الاساقفة لانتخاب الجاثليق حنانيشوع الثاني المتوفي سنة 778م، وهذه أول مرة جرى انتخاب الجاثليق في بغداد بعد بنائها . قال ماري بن سليمان : (وكاتب يوماً أسقف كشكر الاباء بالحضور وحضروا. فاختاروا مروي الاركيذياقون ، وأهل الحيرة والجرامقة اختاروا حنانيشوع، وخالفهم يعقوب بن يزدين الكشكري واختار جيورجيس الراهب من عمر باحال  وكان فهيماً بالسريانية والعربية والفارسية وصاروا إلى بغداد واجتمعوا في دير مار فثيون) . لكن الجاثليق الجديد بقي ساكناً في المركز القديم أي ساليق (المدائن) على عادة اسلافه، وهناك دفن أيضاً، لربما في بيعة مار ماري.
وفي سنة 779م، توفي الجاثليق حنانيشوع الثاني مسموماً، وحسب العادة الجارية، دعا توما أسقف كشكر إلى عقد مجمع انتخابي، فاجتمع الآباء في دير مار فثيون في بغداد، وكان طيمثاوس الأول بين المرشحين. أما المرشحون الآخرون فكانوا : كيوركيس الراهب من بيت حالي، وايشوعياب اسقف نينوى، وافرام مطرافوليط عيلام، وتوما أسقف كشكر. فشرع طيمثاوس يشق طريقه بين هؤلاء المنافسين الاقوياء، فأقنع أولاً ايشوعياب بالانسحاب لتقدم سنه، ووعده بمطرافوليطية حدياب (اربيل الحالية). أما كيوركيس الراهب الذي كان مرشح الاساقفة والمؤمنين في كشكر ونصيبين، فقد وافاه الاجل قبل بلوغ الخبر إليه. وأما افرام العيلامي، فامتنع هو واساقفته من الحضور لاسباب البعد، أو الرفض، أو الاستقلالية التي كانت كنيسة عيلام تميل إليها دوماً. وكان توما أسقف كشكر أيضاً يحظى بتأييد مناصرين اقوياء. إلا ان طيمثاوس افلح باقناع الاركذياقون بيروي مع التلاميذ الكثيرين، واعداً اياهم بمبلغ دسم اذا انتخبوه، واراهم أكياساً أوهَمَهُم بأنها مليئة بالدراهم التي ستكون من نصيبهم إذا هم أيدوه، في حين انها كانت مليئة بالحصى. وقد نجح في حيلته هذه، وتم انتخابه بطريركاً في نهاية سنة 779، سيم مطلع سنة 780، بعد شغور الكرسي طوال ثمانية أشهر، وفي 7 أيار سيم بطريركاً في المدائن بوضع ايدي مطرافوليطي دمشق وحلوان وبيث كرماي . لكن المعارضة لم تنته بعد الانتخاب، فقد اقبل افرام مطرافوليط عيلام (جنديسابور) إلى بغداد، وعقد مجمعاً ضمّ 13 أسقفاً في دير مار فثيون في بغداد، في الاحد من الصوم سنة 781م، وعزلوا البطريرك طيمثاوس، وعقد مار طيمثاوس بدوره مجمعاً ضمّ 15 أسقفاً حرم فيه افرام ومناصريه . وهكذا طال الخلاف نحو سنتين وعمّ الاستياء بين المؤمنين، فلجأوا إلى بعض الاشراف المتنفذين، امثال عيسى ابي قريش  طبيب الخليفة المهدي، وابي نوح الانباري، فتدخلوا لحسم النزاع الذي طال امده، وتوصلوا إلى تحقيق المصالحة بين البطريرك والمطرافوليط افرام وانصارهما، ورضي البطريرك بان يتمّ تنصيبه ثانية بين يدي افرام، وجرت الحفلة في كنيسة العباد، أي في بيعة اصبع العباد في دار الروم في بغداد، ويقول ماري: ان افرام تأثر جداً بتواضع البطريرك، فركع امامه، إذ ذاك أنهضه طيمثاوس وعانقه، وهكذا تمت المصالحة وتلاشى التمزّق الذي كان يهدد كنيسة المشرق .
جدد الجاثليق سبريشوع الثاني دير مار بثيون في العتيقة، واراد أن يجعله كرسي الجثالقة في بغداد. وكان الجاثليق سبريشوع الثاني من منطقة بيث نوهذرا  (دهوك الحالية)، وترهب في دير ايزلا الكبير، وأقامه يوحنا مطرافوليط نصيبين أسقفاً لحران، ثم نقله الجاثليق طيمثاوس الكبير إلى مطرانية دمشق، لم يكن سبريشوع عالماً، بل زاهداً وحافظاً للاخبار الكنسية، ولدى وفاة الجاثليق كيوركيس الثاني، أقيم بطريركاً لكنيسة المشرق عام 831م، ونزل في الدير الكبير المعروف بدير كليليشوع أو دير الجاثليق.
ويذكر ماري : عندما توفي الجاثليق سركيس الأول سنة 872م، بقي كرسي كنيسة المشرق شاغراً نحو خمس سنين بسبب الخلافات الدائرة حول الشخص الذي ينبغي انتخابه، وكان كل من المرشحين يجد له اصدقاء متنفذين يساعدونه، ويبدو ان اسرائيل اسقف كشكر اختير لهذا المنصب، وانه كان مستحقاً لعلمه وفضله. الا ان منافساً ظهر له بشخص آنوش مطران الموصل، وانقسم الناس بين الشخصين، وسادت الفوضى بين المسيحيين، وكانت البلاد آنذاك مضطربة بالعلوي البصري. فانفذ امير بغداد واستقدم اسرائيل من سامراء إلى بغداد، ومنعه من الادعاء بالجثلقة، وبينما كان اسرائيل يوماً يهم بالنـزول من البيم (بٍيمًا) إلى المذبح، لدى انشودة الرازين (عونيثا درازي) (عوُنيٌةًا دأْذًزٍا)، وفي وسط الازدحام، مدّ شخص معادٍ يده وعصر على مذاكيره عصراً شديداً، فحُمل مغشياً عليه، وبقي ذلك اربعين يوماً، ثم مات ودفن في دير مار فثيون في بيت الشهداء بالعتيقة .
ويقول ابن العبري في كتاب التاريخ الكنسي : بعد انتخاب الجاثليق عمانوئيل الأول عام 938م. وصل مطران الموصل يوحنا بن بختيشوع متأخراً، أي بعد تمام الاسياميذ ونزل في دير مار فثيون مخالفاً عليه، أي رافضاً الانتخاب، وكالعادة في مناسبات كهذه التف معه قوم من الرافضين للانتخاب، لكن الجاثليق عمانوئيل الأول تصرف بحكمة وتواضع فذهب إليه شخصياً في دير مار فثيون فأقنعه وارضاه، فتصالحا، ويظهر من هذا النص ان دير مار فثيون كان بصورة ما معقلاً للمعارضة !
 ويذكر ماري : ونزل في دير مار فثيون الجاثليق الجديد يوحنا بن نازوك سنة 1012م، وركب إلى دار السلطان وعاد إلى قلاية دير مار فثيون، وكتب له العهد من دار الخلافة على الرسم وجرى له بعدئذ الاستقبال الرسمي في كنيسة اصبع ثم في دير مار فثيون .
وجرى للجاثليق يوحنا ابن الطرغال عام 1049 استقبال في دير مار فثيون بعد ستة أشهر من انتخابه ، والجاثليق يوحنا هو من بغداد، وأصبح في حداثته كاتباً على النهروانات، وكانت له معرفة تامة بصناعة الكتابة وجودة القريحة والحذق، ولكنه تخلى عن وظيفته وترهب . الا ان البطريرك ايليا الطيرهاني رسمه اسقفاً على القصر والنهروانات، وظل كذلك مدة احدى وعشرين سنة، وحينما توفي البطريرك ايليا، توجهت الانظار إلى يوحنا لكونه رجلاً خبيراً بالشؤون الادارية. فأختير ورسم بطريركاً في الاحد الثالث من صوم الميلاد المصادف 17 كانون الاول سنة 1049م، بعد ان شغر الكرسي طوال سبعة اشهر. وقام بالزيارات المألوفة إلى دير قني وإلى عمر الكرسي، ثم عاد إلى دار الروم في بغداد. ولكنه لم يستطع زيارة دير مار فثيون في بغداد الا بعد ستة اشهر من انتخابه.
وفي دير مار فثيون تم انتخاب الجاثليق عبد يشوع ابن العارض سنة 1075م، وتمت رسامته في كانون الثاني 1075 في المدائن، ومنها صعد باكرام كبير إلى بغداد برفقة الامير صاعد الله جوهر ابن حاكم بغداد.  وكذلك الجاثليق ايليا ابن المقلي سنة 1111م، وكان ايليا من الموصل وأقيم مطراناً على الموصل وحزة (اربيل) ، ويصفه ماري بالقداسة والطهر، وصليبا بالفضل والعلم والمهارة، وكلاهما يذكران لنا باختصار خبر ترقيته إلى السدة البطريركية، وقد جرى ذلك في 16 نيسان سنة 1111م.
مدرسة دير مار فثيون
كان لدير مار فثيون مدرسة عدت من المعاهد العلمية الراقية وقد خرج منها اطباء ومدرسون عديدون غير ان ظروف الاحوال وتقلبات الزمن حالت دون بلوغ اسمائهم الينا. اذ كانت تتقدم تارة وتتاخر تارة مراعاة للانقلابات السياسية وصروف الحدثان حتى جدد بناءها الجاثليق سبريشوع الثاني المتوفي سنة 839م فقد رمم ابنيتها ووسع دائرتها ووقف لها الارزاق واقام لها مديرين واساتذة افاضل لادارة شؤونها . قال ماري بن سليمان : ولما بنى المنصور مدينته في الكرخ ونزلها الناس هدم سبريشوع تلك الابنية(ابنية دير مار فثيون) لاجل من تغلب عليها ولم ينقض الهيكل والمذبح. وجدد بناء بيت الاشهاد والاورقة ونصب اسكولا وجمع المتعلمين. وكان علي وعيسى ابنا داود يقومان بامرهم. واقام الجاثليق فيه ورسم ان يدفع من دخله إلى رهبان عمر صرصر وهو المعروف بعمر صليبا، وهم النقلة من هذا الدير اربعة دنانير في كل شهر وزاد عمرو بن متى على ما اورده ماري بن سليمان قائلاً : والباقي (أي الباقي من دخله) له وللكهنة المقيمين فيه وانفق على عمارة الضياع التي كانت قد خربت وعمرها مالاً كثيراً، وكان يضيق على نفسه ويوفر النفقة على الاسكول وعمارة البيع وافتقاد الضعفاء) .
لقد جدد الجاثليق سبريشوع مدرسة مار فثيون واذاع منشورين سنة 220 هجرية = 835 ميلادية. حث بهما ابناء طائفته ولا سيما الرهبان على الجد والاجتهاد في الدرس ومطالعة كتب الآباء واناط كما رأينا مهنة التدريس فيها إلى رهبان دير صليبا. وكان لتلاميذ هذه المدرسة حق ونفوذ في انتخاب البطريرك . وفي سنة 343 هجرية = 953 ميلادية انفق الطبيب ابو الحسن بن غسان المبالغ الكافية على انجاز بناء دير مار فثيون ، وهو من أهل البصرة وكان يعلم الطب ويشارك في علم الاوائل وخدم بصناعته ملوك بني بويه ولا سيما عضد الدولة فناخسرو ، وقد كناه ماري بن سليمان بابي علي بن غسان : (قال البطريرك عمانوئيل المتوفي سنة 960م فبنيت بيعة دار الروم على اختيار اهلها ودير مار فثيون على اختياري، والمتنجز للتوقيع بتجديد عمارتها المسيحي رحمه الله، ومادة النفقة من ابي علي بن غسان كاتب ركن الدولة) .
الخاتمة:
كان لدير مار فثيون ومدرسته ذكر جليل في التاريخ، وقد درس في صفوفها علم الطب كما زرعت في رياضها النباتات الطبية اذ ذكر المؤرخون اسماء اطباء قد درسوا فنون المعالجة على مسيحيي الكرخ منهم المختار ابو الحسن الطبيب البغدادي المعروف بابن بطلان المتوفي سنة 444هجرية = 1052 ميلادية. قال ابن القفطي : المختار بن الحسن بن عبدون الحكيم ابو الحسن الطبيب البغدادي المعروف بابن بطلان طبيب منطقي مسيحي من أهل بغداد قرأ على علماء زمانه من مسيحية الكرخ .
وعرف ان الطبيب البغدادي يحي بن عيسى بن جزلة المتوفي سنة 473 هجرية = 1080 ميلادية قد درس الطب لدى مسيحيي الكرخ الذين في ايامه قال ابن العبري : (يحي بن جزلة الطبيب البغدادي وكان رجلاً مسيحياً قد قرأ الطب على مسيحيي الكرخ الذين كانوا في زمانه) .
هذا ويبدو لنا ان دير مار فثيون ومدرسته قد انطوى اثرهما بعد الحصار المغولي لانهما كانا قائمين حتى سنة 533 هجرية = 1138 ميلادية اذ ذكر ماري بن سليمان عن مار عبديشوع الجاثليق المعروف بابن المقلي المتوفي سنة 1147 ميلادية ما يأتي : وفي يوم الجمعة خامس الشهر المذكور (شهر ربيع الاول من سنة 523 هجرية حضر الجاثليق مار عبديشوع والجماعة في بيعة مار فثيون على الصراة بالجانب الغربي وهي البيعة المعروفة بالعتيقة.
 


19
دير الجاثليق أو دير كليليشوع

الراهب اشور ياقو البازي
[b]المقدمة [/b]
تختلف الديارات باختلاف مواضعها، فمنها ما تسنَّم قمم الجبال، أو ما توّسد ضفاف الانهار، ومنها ما اقترب من المدن والأرياف، أو ما انفرد في البراري والقفار. وكان الرهبان في بغداد يختارون المواقع الجميلة قرب الانهار لبناء أديرتهم، ويزرعون الاشجار المثمرة في بساتينهم التي أطنب الادباء والشعراء في وصفها، حتى ان الناس كانوا يهرعون إلى تلك الاماكن في مختلف المناسبات للترويح عن النفس. كانت هناك أديرة كثيرة منتشرة على جانبي نهر دجلة، وفي مختلف الجهات وفي مواقع جميلة وقريبة عادة من ضفاف النهر الخالد، أو ضفاف الانهر المتعددة التي كانت تخترق مدينة بغداد، وكان الرهبان بعملهم وجدهم يزيدون على جمال الطبيعة جمالاً، وبقيت تلك الاديار ردحاً طويلاً من الزمن، وازدهرت في العهد العباسي، ثم افل نجمها تدريجياً بعد الغزو المغولي حتى زالت من الوجود وانقطعت اخبارها. ومن هذه الاديرة دير الجاثليق أو دير كليليشوع.

دير الجاثليق  أو دير كليليشوع

في عهد الساسانيين بنى المسيحيون دير كليليشوع في الجانب الغربي من بغداد الحالية، ثم شادوا حوله الدور والقصور حتى صارت على تمادي الاعوام محلة سميت باسم الدير، وقد أدخل الخليفة ابو جعفر المنصور مباني هذه المحلة في بناء مدينة السلام . يقع هذا الدير عند باب الحديد  قرب دير الثعالب  في وسط العمارة بغربي بغداد أما موقعه اليوم فيقرب من مقبرة الشيخ معروف الكرخي.
كان دير الجاثليق (كليليشوع) دير كبير حسن نزه تحدق به البساتين والاشجار والرياحين وهو يوازي دير الثعالب في النـزهة والطيب وعمارة الموضع لانهما في بقعة واحدة، وهو مقصود مطروق لا يخلو من المتنزهين والقاصدين له، وفيه رهبانه وفتيانه وعماراته الواسعة وساحاته الرحبة، وقد عرف أيضاً بالدير الكبير.
 كان دير كليليشوع في أول أمره كنيسة مع أبنية متواضعة ملحقة بها، فلما علا شأن بغداد، وبدأ الجثالقة يترددون عليها لقضاء أشغالهم في دواوين الدولة فيمكثون فيها بعض الوقت ثم يعودون إلى مقرهم في المدائن، واثناء مكوثهم في بغداد كانوا يحلون في احدى الكنائس العديدة الموجودة فيها، أو في أحد الاديرة، وكان مار طيمثاوس الأول مقيماً في قطيعة ام جعفر، ثم اختار هذا المكان ليسكن فيه، فهو في الجانب الغربي، أي حيث قامت المدينة المدورة، وموقعه حسن، وأرضه واسعة، فمار طيمثاوس بنى قسماً مستقلاً عن الكنيسة الاصلية يليق بسكناه مع حاشيته . وكان هذا الدير ذا مكانة خاصة بين ديارات بغداد، بدليل ان ثمانية من الاباء الجثالقة لكنيسة المشرق دفنوا فيه  ولو هناك شك بالنسبة إلى مار ابراهيم إذ من المحتمل انه دفن في دير يزدفنة في الحيرة على قول صليبا. وقد عاش هؤلاء الآباء في المائة التاسعة للميلاد، وهذا يعني ان دير كليليشوع بلغ اوج مجده في هذه الفترة من الزمن، لانه حيث يحل الجاثليق، وهو رئيس كنيسته الاعلى، يزدهر ذلك المكان بالمؤلفين والمعلمين وغيرهم.
كان لدير كليليشوع مدرسة تقدمت تقدماً مطرداً وسارت في سبيل النجاح ولا سيما في أيام الجاثليق سبريشوع الثاني إذ ذاع في سنة 835م بيانين حرض بهما ابناء طائفته وعلى الاخص الرهبان على الجد في الدرس ومطالعة الكتب والمحافظة على العلوم الكنسية، وكان يتعلم في هذه المدرسة الرهبان ومن كان ينهي دروسه في مكاتب الكنائس ليتقلدوا منصباً دينياً، أو ليختصوا في القضايا اللاهوتية لان لتلاميذها حقاً ونفوذاً في انتخاب الجثالقة والقيام بالاحتفالات العائدة لهم. ولسوء الطالع لم تصل إلينا اسماء من نبغ في صفوف هذا المعهد الكهنوتي.
وقد ورد ذكر دير الجاثليق في قصيدة للشاعر محمد بن ابي امية الكاتب 

تذكرت ديــر الجاثــليق وفتيةً
بهم طابت الدنيا وتم ســـرورها
ألا ربّ يوم قـد نعمــت بظله
أغازل فيه أدعــج الطرف أهيفا
فسقياً لأيام مضـــت لي بقربهم
وتعساً لأيام رمتـــني ببينهم
      بهم تمَّ لي السـرور وأسعــــــفا
وسالمني صــرف الزمان وأنصـــفا
أبادر من لذات عـيشي ما صــــفا
وأُسقى به مسكيــة الطعم  قرقــفا 
لقد أوسعتني رأفــةً وتعطـــــفا
ودهرٍ تقاضاني الذي كــان أسلـــفا

اصابت دير الجاثليق (كليليشوع) نكبات كثيرة ومحن عديدة، فقد هدمه العامة مرتين في أيام الجاثليق يوحنا  بن نرسي 884-892م، ونهبوا كل ما فيه فنقل كرسيه إلى دير واسط ، وبعد خمس سنوات رجع إلى بغداد الشرقية وسكن دار الروم. أي ان الجاثليق يوحنا بن نرسي فضل الابتعاد عن مركزه في بغداد إلى واسط وبقى هناك نحو خمس سنوات ويظهر ان الامور كانت في تدهور والقلاقل في ازدياد في المنطقة التي كان يقوم عليها دير كليليشوع فلم يطق الجاثليق العيش هناك، وعلى قول المؤرخ ماري: (لم يطب نفساً بالمقام فيه، وسكن دار الروم في كنيسة اصبغ العبادي). أي انتقل من الجانب الغربي بؤرة الفتن المحلية إلى الجانب الاخر من المدينة. قال ماري بن سليمان: (هدم دير الجاثليق دفعتين في أيام الجاثليق يوحنا بن نرسي واتصلت الفتن وبني دفعتين وهدم)  وحكى الطبري في حوادث سنة (271 هجرية = 884م): (وفيها خربت العامة دير كليليشوع الذي وراء نهر عيسى ونهبوا كل ما كان له من متاع وقلعوا الابواب وغير ذلك وهدموا بعض حيطانه وسقوفه، فصار إليهم الحسين بن اسماعيل صاحب شرطة بغداد من قبل محمد بن ظاهر يمنعهم من هدم ما بقي فيه، وكان تردد إليه أياماً هو والعامة حتى كاد يكون بين اصحاب السلطان وبينهم قتال. ثم بنى ما كانت العامة هدمته بعد ايام وكانت اعادة بنائه فيما ذكر بقوة عبدون بن مخلد اخي صاعد بن مخلد) .
نقرأ عند ابن العبري خبراً: (هو ان شيخاً عربياً، كان مؤذن المسجد القريب من دير كليليشوع -ولم يذكر اسمه مع الاسف- اعتاد ان يمر على القلاية فينال معونة أو صدقة على عهد آنوش، ولكن بعد تسنم يوحنا بن نرسي الرئاسة منع هذه الصلة كي لا يعتاد الشيخ على المطالبة بها. فلما جاء على جاري عادته ارسلوه فارغ اليدين فغضب واتفق مع بعض جماعته على الانتقام. وفي احد الايام، اذ كان الناس يشيعون ميتاً واذ دنوا من الدير سقط حجر على التابوت فادعى احدهم ان الحجر القي من الدير فهاج الناس وماجوا، وبعد ان دفنوا الميت هجموا على الدير) .
ان المؤرخ ايليا برشينايا  أخذ هذا النص وادخله في تاريخه ذاكراً صراحة مصدره وهو الطبري ومؤكداً ان الحادث يخص دير كليليشوع، اذ يقول: (في يوم الجمعة 18 حزيران عام 885م. فيها افتنوا اهل بغداد وضجوا على النصارى لاجل ركوبهم الخيل، ومضوا إلى دير كليليشوع ونهبوا جميع ما كان فيه وأخذوا اواني الذهب والفضة الذي كان فيه)  في هذين النصين نجد تفسيرين لاسباب الحوادث المؤسفة التي جرت على هذا الدير العريق: 1- ايليا برشينايا يعزيها إلى ركوب المسيحيين الخيل، وهو ما كان ممنوعاً عليهم، ومحصوراً بالمسلمين، فبتجاوزهم اثاروا الضغينة ثم الفتنة. 2- أما ابن العبري، فاذ يسرد قصة الشيخ المؤذن الذي كان يتردد على الدير، حيث الجاثليق طالباً المعونة، ويلخص سبب الفتنة بقوله ان بخل الجاثليق يوحنا بن نرسي . بعد انتقال الجاثليق يوحنا بن نرسي إلى الجانب الاخر من نهر دجلة وحلوله في دار الروم، لم يهمل دير كليليشوع بل جرى ترميمه المرة تلو الاخرى، واحتفظ بمكاننه وكرامته بين ديارات بغداد العريقة اذ ان الجثالقة كانوا يزورونه الزيارة الرسمية بعد انتخابهم، فإن مار يوحنا الثالث  893- 899م ذهب إليه لكنه لم يسكن فيه. ويفهم من نص المؤرخ ماري ان يوحنا بن عيسى  (900-905م) انتخب في هذا الدير اذ يقول: (واتوا على الجاثليق... وعمل الرازين ...)
ان دير كليليشوع كان عامراً في عهد الجاثليق سبريشوع الرابع  ابن المسيحي المتوفي سنة 1256م. إذ قُرأ يوم وفاته القريان  الأول قسيس دير كليليشوع وذكر المؤرخ صليوا القرن الرابع عشر للميلاد في ترجمة الجاثليق المذكور ان في بغداد بيعة سوق الثلاثاء  وبيعة درب القراطيس  وبيعة دير كليليشوع. وبقي هذا الدير قائماً إلى أيام صفي الدين بن عبد الحق المتوفي سنة (739 هجرية = 1339 ميلادية، وقد ذكره في كتابه مراصد الاطلاع، أما بعد هذا التاريخ فلا نعرف عن هذا الدير شيئاً فقد زالت اثاره عن الانظار في اواخر القرن الرابع عشر للميلاد.
الخاتمة
كان دير الجاثليق (كليليشوع) عامراً آهلاً برهبانه خلال الحقبة الممتدة بين سنة 823 – 1256م وهي مدة تبلغ 433سنة ومن الواضح ان سنة 823م لم تكن سنة تأسيس هذا الدير، بل سنة تجديد عمارته، وما من شك في انه مرّت عليه مئات السنين كان فيها قائماً الى أن آل أمره إلى الخراب، ثم لا ندري كم كانت المدة بين خرابه الأول وتجديده، فالمراجع بيدنا لا تشير إلى ذلك. وإذا علمنا ان الدير كان لا يزال قائماً في زمن ابن عبد الحق صاحب كتاب المراصد (المتوفى سنة 479 هجرية = 1338م) أدركنا ان هذا الدير ظل عامراً بعد تجديده مدة تربو على خمسمائة وثلاثين سنة في أقل تقدير، أعني طوال حياة الدولة العباسية ومن بعدها بمائة عام ، وقد زالت آثاره عن الانظار في اواخر القرن الرابع عشر للميلاد .

20


اديرة العذارى
الأخ اشور ياقو الراهب

 
المقدمة:
الرهبانية، طريقة في العبادة تنفرد بها المسيحية عن باقي الأديان السماوية، ومنعطف قوي في هذه الديانة، وهي سيرة من سير العبادة، ويمكن تلخيصها، بعشق ذات الله والتفاني من أجله واعتبار الحياة الدنيوية شيئاً زائلاً بالنسبة إلى الحياة الأبدية.
الحياة الرهبانية هي تكريس الذات لخدمة الله والمجتمع، بعد أن يجرد الراهب نفسه من مغريات الحياة المادية منقطعاً عن العالم، ليعيش إما في انفراد وعزلة في البراري، أو في الصوامع، وإما أن يعيش حياة مشتركة مع آخرين في بيوت، أو أديرة يكرس ذاته لله بالصلاة وقراءة الكتاب المقدس، والتأمل، أو العمل اليدوي، أو الرسولي، وبالنذور الثلاثة: الطاعة، العفة، الفقر تحت طاعة مرشد، أو رئيس، ويختار الراهب الفقر والبتولية، محققاً بذلك رسالة المسيح في حياته. هذه هي أسس الحياة الرهبانية وجوهرها، وهذا ما حاول الملايين من الرهبان والراهبات في المسيحية تطبيقه لخدمة الكنيسة والمجتمع.
وقد أسس الرهبان والراهبات مئات الأديرة في شمال العراق، ووسطه وجنوبه. ومن الأديرة التي شيدتها الراهبات. أربعة أديرة تحت اسم دير العذارى في بلاد ما بين النهرين.
1- دير العذارى في بغداد:
اشار المؤرخون والبلدانيون إلى دير العذارى في قطيعة النصارى ، وعينوا موقعه على نهر الدَّجاج ، وأثنوا على متنـزهاته. سمي بدير العذارى لان لهم صوم ثلاثة ايام قبل الصوم الكبير يسمى صوم العذارى، فاذا انقضى الصوم اجتمعوا إلى هذا الدير تعبدوا وتقربوا، وهو دير حسن طيب .
عاش في قلالي هذا الدير راهبات عذارى كرَّسن حياتهن للصوم والصلاة، يأكلن ما يسد رمقهنَّ، ويلبسن الملابس الخشنة، وكان حول هذا الدير رياض وحدائق أريضة، وبساتين تتخللها الاشجار الباسقة الوارفة الظلال، التي تعشش على أغصانها طيور السماء، التي تشدو ألحاناً جذابة، وحيث الازهار المتنوعة والالوان الجميلة، ذات الروائح الذكية والعطرة. وتتدفق فيها المياه الغزيرة والسواقي العديدة. وقد وصف ذلك الشعراء بالنظم الدقيق والشعر الرقيق.
كان هذا الدير خراباً في أيام المؤرخ ابن الحق المتوفي سنة 739 هجرية، أي 1338 ميلادية حيث ذكره في كتابه مراصد الاطلاع 1: 436.
هل دير العذارى هذا هو نفسه (دير الاخوات) الذي نوه به ابن العبري في تاريخه الكنسي. ان البطريرك العلامة اغناطيوس افرام برصوم
(ت 1957) اعتقد ذلك، كما ورد في رسالته المنشورة في ذيل كتاب الديارات، والتزم بهذا الرأي الاستاذ كوركيس عواد ، وقد يكون الامر كذلك، ولكن لماذا سمّى ابن العبري، وهو المؤرخ الدقيق والكاتب الضليع باللغتين السريانية والعربية. هذا الدير (دير الاخوات) (دَيرًا داَخوْةًا)، ولم يسمِه (دير العذارى) (دَيرًا دَبةوْلًةًٌا). يعلق على هذا الدير الأب الدكتور بطرس حداد ويقول: (لذا فإني أرى ان هذا الدير أي (دير العذارى) كان للمشارقة النساطرة، وهو غير دير الاخوات الذي نوه به ابن العبري، ولا يعقل ان النساطرة وهم الاكبر عدداً في بغداد لم يكن لهم دير للعذارى ).

2- دير العذارى بين سرّ من رأى والحظيرة:
يقع هذا الدير بين سُرَّ من رأى والحظيرة  بجانب العلث  على دجلة. قال الخالدي: (وشاهدته وبه نسوة عذارى) ، وروى العمري عنه أن فيه راهبات عذارى وكانت حوله بساتين ومتنـزهات . وحكى الشابشتي: ان هذا الدير كان في اسفل الحظيرة على شاطىء دجلة، وهو دير حسن عامر حوله البساتين والكروم، وفيه جميع ما يحتاج إليه، ولا يخلو من متنـزه يقصد للشرب واللعب، وهو من الديارات الحسنة وبقعته من البقاع المستطابة، وانما سمي بدير العذارى لان فيه جواري متبتلات عذارى من سكانه وقطانه فسمي الدير بهنَّ  .
وقد ذكر هذا الدير الشعراء منهم ابو الحسن جحظة البرمكي ، وقال ابو الفرج بن علي الأصبهاني: أنشدني لنفسه قوله فيه : ألا هل إلى دير العذارى ونظرة إلى الخير من قبل الممات سبيل ؟ / وهل لي بسوق القادسية  سكرة تعلّل نفسي والنسيم عليلُ ؟ / وهل لي بحانات المطيرة وقفةُ أراعي خروج الزّق وهو حميلُ / إلى فتية ما شتّتَ العزلُ شملهم شعارهم عند الصباح شَمولُ / وقد نطق الناقوس بعد سُكُوته وشَمعلَ قسيس ولاح فتيلُ.
وقال: ولما خرج عبيد بن عبد الله بن طاهر من بغداد إلى سرّ من رأى، وكان المعتزّ استدعاه، نزل هذا الدير، فأقام به يومين واستطابه وشرب به، ثم قال هذه الابيات : ما ترى طِيب وقتنا يا سعيدُ زَمنُ ضاحِكٌ ورَوضٌ نضيدُ / ورياضٌ كأنهن ّ بُرودُ كُلّ يومٍ لهنَّ صَبغٌ جَديد / وكأن الشَّقيقَ فيها عَشيقُ وكان البهارَ صبُّ عَميدُ / وكأنّ الغُصونَ مِيلاً قدُودُ وكأنّ النُّوارَ فيها عُقُودُ / وكأنّ الثمارَ والورقَ الخُضُرَ ثيابُ من تحتهنّ نُهودُ / فاسقنيها راحاً تُريح من الهمِّ وتبدي سُرورنا وتُعيدُ / واحثث الكأسَ يا سعيدُ فقد حثك نايُ لها وحرّك عودُ.
3- دير العذارى بين الموصل وارض باجرمي:
يقع هذا الدير بين ارض الموصل وبين ارض باجرمي من أعمال الرقة، وهو دير عظيم قديم، وبه نساء عذارى قد ترهَّبن وأقمن به للعبادة فسمي به لذلك. وكان قد بلغ بعض الملوك أن فيه نساءً ذوات جمال، فأمر بحملهنَّ إليه ليختار منهنَّ من يريد، وبلغهن ذلك فقمنّ ليلتهنَّ يُصلّين ويستكفين شرَّه، فطرق ذلك الملك طارق فأتلفه من ليلته فاصبحن صياماً ، فلذلك يصوم المسيحيون في العراق الصوم المعروف بصوم العذارى (بعوةًٌا دَبٌةٌوْلًةًٌا) إلى الان.
4- دير العذارى في الحيرة 
سميَّ هذا الدير بدير العذارى، لان مسيحيي كنيسة المشرق كانوا يصومون صوم العذارى ثلاثة أيام ابتداءً من يوم الاثنين الذي يلي عيد الدنح . إذ ان أحد الملوك أراد أن يعبث براهبات دير العذارى في الحيرة، فصلينَّ إلى الله ليبعد عنهنَّ شره، فقبضت روحه في الليلة الثالثة . وروى البيروني: ان احد ملوك الحيرة أراد أن يختار منهن له نسوة، فصمن ثلاثة أيام بالوصال، فمات ذلك الملك في آخرها، ولم يمسسهن ومذ ذاك اخذوا يصومون هذا الصوم المعروف بصوم العذارى  .
وقال الجاثليق عبد يشوع ( المتوفى 1570م)  في رسالة سطرها عام (1567م) ما تعريبه: نظام باعوثا العذارى (صوم العذارى) الذي وضعه يوحنا الازرق  اسقف الحيرة: لما طلب احد الملوك من النصارى بنات عذارى اجتمع أهل الحيرة في الكنيسة مع الاسقف المذكور، وبعد ثلاثة أيام نجاهم الله، ومات ذلك الملك، وقد قبل الرب دعاءهم كأهل نينوى، وامر الاباء من ذلك العهد أن يقام الباعوث  (صوم العذارى) للذكرى والمساعدة.
وقد نسب بعض المؤرخين خبر هذا الصوم إلى دير العذارى الواقع بين ارض الموصل وبين باجرمي من اعمال الرقة كما ذكرنا أعلاه. وهناك تقاليد أخرى مشابهة لهذه .

*****


صفحات: [1]