عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - رحيم العراقي

صفحات: [1]
1
أدب / جير وبسامير
« في: 11:29 24/05/2008  »
جير و بسامير

رحيم العراقي

ما مشتاكَـ  لا والله .. ولا حاسبكم احباب
بس حملي كسر ظهري..وإلتـّجيت عالباب..
إنفتح باب الجرح والحوش..وباب أسراري من صدري
إعصار وجرف كل عمري
وإنفـتحـت بروحـي أبواب وأبواب..
أول ما دست كاشيه مكسوره
لمن جِـنـّّـه نزحف جانت إتطكَـْـطكَـَ
إيه ياحوشنه الضـّـيكَـ
يامن جان كل  الكون ..
طبـّكَـناه بلف ياعلي.. و كل كاشية من فد لون
لسه بحوشنه يم قاطع الدوره ..على البسمار
أوراق الكهرباء والماي والحـّراس والتليفون
وبالرازونه..كل ما ناكل تباوينه بزون..
لسّـه بحوشنه إمصـّلى عتيكَـ وباريه وماعون فافون 
وطيارة ورق مكَطوعه وجعاب
ودعابل ملحه وإبطالة سفن آب..
أنا الناسي الطفوله وسافر وشاب
ورجع للبيت ..نفسه البيت.. شنهو إستجد بي ..؟
..بس عش الغراب..
حتى الصور عالحيطان ماحفظت ملامحهه ..
إنمحت.. ذابت ..وغابت  ضمن من غاب..
لكَيت بحوشنه إمرايه على الكاشي
شفت بيهه وجه محتار.. ما مفهوم ..
لا راجع ولا ماشي..
شفت عيون تعبانه وتجاعيد وسمار وشيب وتراب
نفخت إبحسره..كل قوتي..
بس ماراح منها..غير التراب..
..بعد بـيَّ محبه ..ومامش احباب
بعد بـيَّّ لعب..و صحابي متغربين..
لو أموات..والباقين شِيّـاب..
جنـّّـه اطفال متعلكَين بالبسمارعلى حيطان غرفتنه..
بصـوَرنه وإحنه طلاب..
بالمدرسه..من أربعطعش مادون
إبكَــهوه بشـارع السـعـدون
وإحنه شـــــــباب
صورنه الحمره ..وإحنه أوجوه ممنوعه
وصورنه الخاكي ...وإحنه جنود
مشروره ملابسنه على الأسلاك والرايات مرفوعه
 صورنه الزركَـه وإحنه أشجار مكَــطوعه
ونأّدي التحيه إلمنجل الحطاب
وعمرنه إيدور بينه ..إيدور دولاب 
لو ذل وحرب ..
لو مدري شيسّـمونه  ..لو إرهاب..
..ياحـوش الطفـوله الماعرفناهه
ولا شاهد علينه إيكَول عشناهه
الشمس حركَت سطحنه و..جير..
من مرزيبنه المشروم ينزل جير
 ودم متخـّـثر بريش العصافير
على شِبّـاك غرفتنه و ستايرنه
المخـتنكَه بجكَـــــــــــــــــايرنه..وينزل جير
بأثر إيدي على الشباك من جنت إنتظر..و ارسم مشاوير..
بتاريخ إمتحان الهندسة والجبر مـكـتوب بطباشير
على الجغرافيه...من صفحه عشرين
 إلصفحه إثمانيه وعشرين.. تحضير..
وعلى آخر شهر تموز عام ثمانيه وستين
من  جابت الفاره بجيس الطحين
وطفت نار المواكَد والكوانين
وإهتزت وطاحت صور لينين
وكل إعكَال..كل شارب..لكَف طين..
ينزل جير...على بصمات ورديه
بكَــــشر زهدي وجنحان الصراصير   
.. لا لوحه  ولا منظر طـــــبيعي ولا تصـاوير
بحيطــــان الغـــــرف.. جـــــــير وبسامير...




رحيم العراقي
الباخرة مردف
البصرة _ دبي

2
أدب / أغنية وصورة..للذكرى..
« في: 10:48 19/05/2008  »
هذه القصيدة ..وتلكم الصورة رأتا صخب الوجود في ذات المكان واليوم من عام 1980 ..
ولولا إحتفاظ كريم بالصورة التي تجمعني بزوجتي الراحلة لغابت لحظاتها في طي النسيان ..
ولولا تلحين جعفر الخفاف الأغنية لفرقة الرشيد لتلاشت كلماتها في دفتر العدم..

يازين مُـــــر بينه ......... نـّــور ليالينه
بسمك حبيب الروح ..... تحله أغانينه ..

******
ياأول الأفــــــــــراح
يلي بحضـني ترتاح
ما يذبل القِـــــــداح ..... تذبل أيادينه..

*******
بالبســـمه والنظرات
ننــسى عمرنه الفات
وعالشفـّـه بالبوسات ..... نكتب أسامينه..

***********

إسكَيني بالإحســــاس
أنا روحي  زهـــرة ياس
وخل ننسى كل الناس ..... هـّـمنـه يكـّـفينه..


*******
مُـــــــر بينه بالأحلام
تدري الكَـلب لوهام
لو صــــبره عالأيام ...... لو مـحـّـد إيعينه...

رحيم
01:10:1980


3
أدب / 74 شمعة
« في: 08:20 01/04/2008  »

تزدحم نافذة القلب الغريب المتعب بأصوات من غادروا
مدى البصر منذ عشرات السنين..و بالسطور المبهمة في أوراق الذاكرة
والصور التي غيبت ملامحها مواسم العطش والأفول كشواهد الطفولة البعيدة..
..ولكنها تتضح في مثل هذا اليوم وكأنها رؤيا الوجود..
فتزيل نبضاته القوية غبار السنوات وآثار الدم والدموع والمعابر التي إمتدت
في مدن النسيان..وتطفئ الشفاه بآهاتها الحارة والحرى..شمعة وليدة..

74 شمعة

74 باقة ورد نضعها برفق على قبور الشهداء النبلاء
74  إطلاقة في الهواء
74  قبلة حميمة تخالطها الدموع
74  شعلة محاطة بالشموع
أيها القلب الحنون العاشق
أيها الضمير الشريف .. الصادق..
يا أجمل من تأرجح على أعواد المشانق
يا أبا الإيثار و التضحيات
والملاحم والبطولات ..أيها الشجاع..المجاهد..
أيها الرائي والشهيد والشاهد
أيهاالجميل..الراقي..
أيها الكادح الطيب..
يا أبا الفنون والثقافة..ياأصل المحبة..
حزبنا ..الجميل.. يا بيتنا الهانيء
يا أبانا ..يا مهد أطفالنا الدافيء ..
جئناك مثقلين بأمراض آلاف السنين..
فجعلت منا الشعراء والمانحين والمبدعين والمربين..
يا أرحم من أمهاتنا..وآبائنا..
وأقرب من ندائنا..أيها البهي النقي ..
أيها السراج المضيء
أيها العفيف البريء ..
يغدرون..فلاتغدر
 ويمكرون..فلا تمكر
ويشيخون بكرههم..وتبقيك المحبة في عزالشباب..
أقبل يديك الكريمتين وجبهتك العالية
أيها الشيخ الجليل الصابر
وانحني واعفر وجهي بترابك الطاهر..
رحيم العراقي
31/03/2008
 

4
سبحانك يا رب
ما أكثر ما تغيرت هيفا خلال ثماني سنوات

5

هل أنت منحوس أم لا...؟

 عشرة  قوانين لتكتشف ذلك..فحاول أن تتذكر وتستحضر تفاصيل حياتك اليومية وأنت تقرأ قوانين النحس ..


1 / قانون الطابور أو السره:

إذا إنت صاف في طابور بطيء ولم تحتمل فغيرته، الطابور اللي غيرته فجأة راح يمشي أسرع من طابورك الجديد..

2 / قانون التلفون :
عمرك ما تتصل على رقم غلط ويطلع مشغول أو صاحبه غير عصبي .!!!.

3 /  قانون التصليح:
إذا كنت تشتغل ويدينك مليانه زيت و شحم , تأكد إن مناخيرك سوف تحكك..وإذا مو مناخيرك شيء آخر لا يمكن لمسه أمام الناس!!!

4 / قانون المعدات: -

- إذا سقط من يدك أي شي، تأكد انه سيتـدحرج الى أن يراك كل الناس وسوف يصل لألعن مكان ما تقدر تطلعه منه ...!!

5 / قانون العمل: -
إذا تأخرت عن الدوام او تغيبت يوماً واحداً فسوف يكون هو أهم يوم في تاريخ المؤسسة وسوف يزورها المسؤولون و يضعون خططاً ذات صلة بذلك اليوم..وربما يزورك من تنتظره في العمل فلا يجدك.

6 / قانون المغطس :

موبايلك لايرن طوال اليوم ولكن ما أن تدخل الى الحمام فسوف يطلبك كل من تعرفهم..

7 / قانون الالكترونيات :
- إذا أخذت جهاز عند مصلح لتشرح له العطل لحظتها سيشتغل الجهاز..وتعود له العطلات حال الرجوع للبيت..

8 / قانون القهوة :
- إذا عملت لك فنجان قهوة، تأكد إن عميلاً أو شغلاً سيطرأ عليك وما تخلص الا لما يبرد الفنجان

9 / قانون المصادفات :
إذا كنت مزكوم وملابسك مبهذلة و لا تريد أحد يشوفك ، فجأة كل اللي تعرفهم بيطلعوا لك من كل مكان.

10 / قانون الريجيم
- إذا قررت ان تلتزم بالريجيم فأن ستجد الحلوى في كل مكان..وأبخل الناس سيعزمونك على تناول العشاء..

6
أدب / لو حـّبيت..
« في: 12:44 28/02/2008  »


أكيد.. آني أحب بالشعر..بالكلمات
وسنيني كَضت ورقه إبأثر ورقه
أغازل ..ابتسم..
أصفن على الحلوات
وتأسرني إبتسامه وصوت بي رقه
..لكن والله لوحبيت..
يعني الموت...
مو حب هالوكت يومين ما يبقى..

رحيم
28/02/2008



7
أدب / لا تحاسبني
« في: 09:05 02/02/2008  »

لا تحاسبني

لا تحاسبني على شيئٍ مضى   ...   وتفتح إجروح و روايات وأسـَّيه
لا تسّـمعني نصيحه وموعظه   ...  لاتشّــرح ذكرياتي واني حــيـّـه
تحت كلماتك وساوس مغرضه   ...   وبثيابك قاضي يبحث عن قضيه
كان ياما كان.. لكنه إنكضـى   ...   وما تكــتبه كل حروف الأبجدية
أنا بعيني ضاكَت الدنيا الفضا   ...   وأبحث بعمري على لحظه هـنية
أدفـع بندمي خطايا باهـضـه   ...   وتبكي تحت الضحكه آلامي الخفيه
ما ملكــت السر لكــني احفظه ...   وحفظ سري طبع في نفسي وسجيه
ما أبيع الماضي بكلمة رضـا   ...   والمشــــاعــــر ما أقــدمها هــــديه
الدنيا مسرح يحكمه حكم القضا  ...   وإنتهت من زمن ..كانت مسرحيه
إحسبهه نزوه أو حكايه غامضة   ...   مات كــل أبطالها قبل الضحـيه
لا تكَـّــلب جمري ..لا..وتحّرضه   ...   لا تخلي النار تحركَـــنه سويه 
   

8
أدب / سندريللا وهاملت.. شعبيان.
« في: 14:12 25/01/2008  »
..عندما إقترح عليّ المخرج المسرحي المعروف محسن العلي الكتابة عن سندريللا
وهاملت في مسرحيتين شعبيتين لم تُنجزا..تذكرت شخصيتين إندفعتا بسرعة الضوء
من كهوف الذاكرة..
سندريلا العراقية : ذات مرة كنا انا وصديقي الفنان قحطان العطار نتمشى
في مدينة الثورة..وكانت هذه هي زيارته الرابعة أو الخامسة للمدينة ... وبعد
ان تجاوزنا حديقة المستشفى في طريقنا الى بيت صديقنا المرحوم قاسم.. قابلتنا
فتاة غاية في الجمال وقد تطاير شعرها في الهواء.. فقال قحطان بصوت خفيض :
الله..شنو هالجمال الإسطوري....؟ ففوجئنا بالفتاة تتحول الى وحش ضاري وتصيح
بصوت قبيح : إنجب..حيوان بن الحيوان ..جلب إبن الزمال..أنعل امك لابو ابوك.. يا..
.... وقالت مالايمكن ان يقال..مما جعلنا نسرع بخطانا قبل ان يجتمع النشامى من
أبناء الثورة الغيارى.. وبعد دقائق إلتقط قحطان أنفاسه وقال :رحيم آني مستغرب
ليش كان رد فعلها قاسي..؟..ومستغرب أكثر إشلون تحولت من ملاك الى شيطان..
فقلت له : أنا مستغرب كيف يكون الكلب إبناً للزمال..؟.
هاملت العراقي : إشتكت إمرأة للقاضي على إبنها جاسم الذي يسئ معاملتها..
فإستدعى القاضي جاسماً ووبخه أمام أمه وقال له : كيف تسئ معاملة امك..؟
ألم تسمع قول الله سبحانه وتعالى (( ولاتقل لهما أفٌ ولا تنهرهما..))..؟
فإلتفت جاسم الى أمه وقال : بنت الكلب آني يايوم كلت لج أُف..؟...


9
أدب / فوازير بغدادية
« في: 15:01 03/12/2007  »
قررت أن أنشر  اليوم  في منتديات عنكاوا حصرا الحلقات الثلاثين من فوازير بغدادية بمناسبة مرور عشرين عاما على كتابتها لتلفزيون العراق ثم مرورها على شركات بابل والشمس والحضر وسميراميس دون ان ترى النور.


فوازير بغدادية


تأليف وأشعار

رحيم العراقي



المقدمة الثابتة .



- إسمعوا ...هل تسمعون...؟   
- أنظروا...ماذا ترون...؟
- مقهى..
- وبداخل المقهى...؟
- قصه خون..
القصه خون :
 - كان ياما كان كاتب
مسرحي ساخر شهير
كتب سيدتي الجميله
وإنتقد واقع مرير..
- هو كتب بجماليون
طلعوها بالتلفزيون
- وتْذكـــْروا بطلتهه أليزا
سيدتي الجميله..أليزا
- منهو أليزا...؟
- أليزا..فقيره إتبيع أورود
وعالمهه إصغـِّـير محدود
بالصــدفه إتبناهــه معـــلــم
وظل ســت أشهر بيهه يعلم
إشلون تحاور..تحجي..تسـّلم
وتتعامل مع أرقى الناس
إبرقه وأتيكيت وإحساس

- وتالي إشصار إببنت الناس..؟
- أليزا ماكَـــــــدرت تتحــــول
وماكَدرت ترجع بيّاعه مثل الأول
هذا الكــــــاتب..تعرفوه..؟
- نعرف إسمه وحتى أبوه..برناردشوو.

- وأكو فد كاتب كبير
كال قبل القصه خون الفوازير
إبشرط بورثيا المثير
والشرط ألغاز صعبه
عجز عن حلهه بالخطبه
كم خطيب وكم أمير.
_ هذا وليم شكسبير..

القصه خون :
 و فد واحد حب يخطب وِحده
- إصـغـّيره
- إكَصـّيره
- مثل الورده..
- طيري إمعوده..
- بنتي خطبوهه ثمانيه
- إنهجم بيت الباميه.

- تعرف شروط الزواج..؟
- ذهب وجواهر وعاج..
وبيت بحديقه وبلاج
- ماريد منك إقصور
ولا لبن ديناصور
شرط المهر حزوره..
ورحلات بالمعموره
كل بلد بيهه إنزوره.
- وشخصية الحزوره..؟
- موجود بالبلوره..

- هي حكايه بيهه بدايه..وإلهه نهايه
- حزوره هيَّ ورمز
ولازم تحل اللغز..
- إنتَ َرجل ممتاز
تعرف تحل ألغاز
- الغــاز والبنزين
اعرفهه كلش زين..

- بصفك نصف الأسره..وضدك نصف الأسره
وأنا أب ديمقــراطي..وعندي وسيله حـــــــره
يا أهـــل البيت
سّوو نصويت
- نسوي تصويت
- صوّتو...
 يبوووووووووووووووووو


(( تمت المقدمة ))





الحلقة الأولى


شارلي شابلن



1
القصه خون : إخواني حديثنا الليله عن السينما شاشة العجايب والغرايب..صندوكـَ الدنيا بس إتطور..وصار أكبر..صار فن واسع.. وبحر شاسع..يحوي الحلم والواقع..وتطور السينما ما صار بليله وضحاها..وإنما تعبوا الفنانين والمثقفين إببناها..الى أن وصلت هذا مستواها..
ياإخواني الحاضرين..من بين الفنانين..ممثل لندني عاش بالغرب..وأعلنوا على أفكاره الحرب ..ولما عجزوا عن حجب أعماله..قرروا ينصبون تمثاله..
 
2
الصديق : سمعت راح يسوولك تمثال في غاية الجمال.                                               
الفنان : على كل حال..ماأغير نظرتي إلهم ..وضيق أفقهم وجمود عقلهم..بل وجهلهم..       
الصديق : بس مشروع التمثال إذا صار ..يكلف خمسين ألف دولار..                                 
الفنان : خمسين ألف دولااار..آني مستعد أوكَف بمكان تمثالي ليل نهار..مقابل خمسين دولار..

3
هـو : صحيح أكو فنانين عانوا..وضّحو وتفانوا...بس أكوغيرهم عالسينما طارئين.. موفنانين.. يشتغلون بفلوسهم منتجين وممثلين ومخرجين..
هــــي :  وإعتيادي هم الوحيدين اللي يشوفون أفلامهم..ويصدكَون أوهامهم.. 
هـــــو : وأعرف فنان فـلته..أنتج هو ومـرته..وأطفاله السـته..فـلم عن حياتهم..ولعْــوزو المخرج بطلباتهم.   


4
         الزوجة  : 
 إكتب ودّون بالسجل
طلعني وبساكَي حجل..
المنتج :
 مثل اللقالق تك رجل
 وبإيدها باقـة فجـل
الزوجة:
طلعني احلى من الرسم
أعلج ووجهي مبتسم..
الزوج :
وطلع من أطفالي قسم
يصير منظرنه دسم
الزوجة :
أعتقد ينفع ما يضر
لو تطلع إعيوني خضر..
الزوج :
وصـّورني مشهد أحتضر
ويمي زوجتي تنتظر..
المخرج :
صار عيوني صار
 مشهد إحــتضار:
الزوج : آني أحتضر وراح أموت..ولازم أعترف بسر خبيء..
آني إنسان دنيء..كنت أحط لأمج سم حتى تموت موت بطيء..
الزوجة : أعرف حبيبي..وكنا نبدل الصحون..حتى تتناول سّمك وإنته الممنون..

5
هـي :
 نترك الجماعه  ونرجع إلأخينه
ونشوفه يتمشى  إبخطواته الرزينه
ويعثر وقبعته   تنزل على جـبينه..
المجموعة:
: هالسينمي شاف  طفوله حزينه
وللسينما عاش   وأعطاها سنينه..
قدّم الواقع    وبصوره أمينه
بالعصر الحديث وأضواء المدينه..
القصه خون:
وطبعاً سؤالي الآن   عن إسم هالفنان
اللي رسم البسمه  في لوحة الأحزان.

6

الفنان : 
تبتدي سالفتي
بوالدي ووالدتي
كانو سوى على طول
بصالة ميوزك هــــول
يقدمون أغنيات
وعمري خمس سنوات
وبسن مراهقتي
توسعت تجربتي
ونعرفت بدوار
المفلس المحتار
مع فرقه مشهوره
إتقدم فقط صوره
التمثيل صامت كان
مو مثل سيما الآن..


تمت الحلقة الأولى





الخاتمة الثابتة

- ها ...عرفته...؟
- آني ..آني..قاري قصته..
- وين شفته...؟
_ يمكن ألكاه بالمطار
لو إيغفي بالقطار
لو إيهفي عالكباب
لويضم ورده بكتاب..
يمكن ألكَاه إبمدينه
لو على ظهر السفينه
_ إنروح سفره  بجنح نسمه
نكشف امره  ونعرف إسمه
- بأي زمان...؟
وأي مكان...؟ 
-- للزمان الجاي رحلة سفري
ونرجع ونجرد العصر الحجري
والمكان..القمر والجو شاعري
ولعطارد نرحل وللمشتري..
_ بالزهره او بالمريخ
وبصفحات التاريخ..

--  هلا هلا هيا..نطوي الفلا طيا
نروي قصص وأخبار
كلهه سجع وأشعار     بالروحه والجيه
 -هلا هلارسام
ويلون الأحلام
وإكتملت اللوحه
من فكره من روحه 
--  لوحه إنطباعيه
ألفين بالميه..

واللغز شخصيه   إسمهه ما معروف
إتشوفهه حيه          إنتبه زين وشوف..
الخطيب  :
إعرفت الحل  أنا الحـّلال
وجاي أطلب بنتك ياخال..
الأب :
إتزوجت بنتي وعدها أطفال
المجموعه :
إتزوجت واحد جاه ومال
ويكلون إمدللهه دلال..
 الخطيب :
بس آني بعين امي غزال.
القصه خون :
يا ساده ياكرام
عليكم السلام
والرحمه والإكرام
 ووصلنا للختام..


تمت الخاتمة
       

10
العراقيون يفتتحون مهرجان المونودراما بـ"أسطورة المجد"
15 مسرحية و200 ضيف في مهرجان الفجيرة للمونودراما 



تنطلق في الرابع من شهرديسمبر  فعاليات مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما في دورته الثالثة للعام 2007 بمشاركة 15 عملاً فنياً ومسرحياً من مختلف الدول العربية والأجنبية وما يزيد على 200 ضيف ومشارك من الكتاب والمخرجين المسرحيين ونجوم التمثيل من مختلف أنحاء العالم وسوف يستمر حتى 12 من الشهر المقبل. ويأتي تنظيم هذه التظاهرة المسرحية كما أشار رئيس مهرجان الفجيرة للمونودراما احتفاء بالمسرح كفن يرتقي بوعي الناس ويحسن من ذائقتهم الفنية بعيداً عن بريق الجوائز والمسابقات، وأن الهدف من إقامة المهرجان توجيه الأنظار الى لون من ألوان التعبير المسرحي الذي بات يشغل اهتمام المعنيين بفن المسرح بعد أن ترسخ في الحياة المسرحية العربية والعالمية من خلال مساهمة عدد من الكتاب والفرق المسرحية في إظهاره.
وركزت اللجنة العليا المنظمة للفعاليات خلال مرحلة اختيارها للعروض المشاركة على ضرورة ابتعاد العمل عن الطرح والمعالجة التقليدية الخالية من التوهج الإبداعي وأهمية الالتزام بمواصفات المونودراما التي تعتمد على الممثل الواحد إضافة الى تلبية العرض للطموحات الفنية والإبداعية لهذا الفن المسرحي.
هذا وأنهت هيئة الفجيرة للثقافة والاعلام كافة الترتيبات لاحتضان هذا الحدث العالمي وانجاحه حيث تمت اعادة تأهيل مسرح جمعية دبا للثقافة والفنون والمسرح المحتضن الرئيسي للفعاليات وتزويده بأحدث الأجهزة والمواصفات الفنية والتقنية ليتناسب مع هذا الحدث، كما تم بناء قاعة لاستقبال كبار الضيوف والشخصيات البارزة وتأسيس مقر جديد لبيت المونودراما “مقر الهيئة العالمية للمسرح” وضم قاعة مزودة بكافة المواصفات الحديثة تتسع لنحو 500 فرد.
من جانبه ذكر محمد سيف الأفخم مدير المهرجان ان هناك نشاطات عديدة سيتم تنظيمها على هامش المهرجان حيث ستقام ندوات تطبيقية تعقب كل عرض مسرحي الهدف منها الاضاءة على جوانب من العمل المسرحي وبلورة رؤية فنية علمية ترفد الحركة المسرحية المونودرامية، باضافات فاعلة واقامة ندوة رئيسية عن فن المونودراما يشارك فيها نخبة من أساتذة هذا الفن إلى ذلك سيتم اصدار نشرة يومية تغطي جميع فعاليات المهرجان وتوثق نشاطاته وتؤسس لاستقطاب الجماهير إلى الثقافة المسرحية بعيداً عن الرتابة وبرودة المصطلحات النقدية اضافة إلى تنظيم لقاءات تعزز التواصل والتحاور بين الوفود المشاركة واقامة لقاءات حية ومباشرة، بين الفنانين المشاركين والحضور لتحقيق رسالة المهرجان في تشكيل حضور جماهيري لهذا الفن المسرحي والاستفادة أيضاً من التجارب المسرحية الناضجة وتنظيم رحلات سياحية لتعريف الوفود المشاركة بأهم المواقع الأثرية والعمرانية والسياحية في ربوع الدولة. وقال ان حفل الافتتاح سيشهد عرضاً لأوبريت بعنوان “اسطورة المجد” من ألحان مهند محسن وتوزيع الدكتور فتح الله أحمد وغناء المطربين حسين الجسمي وماجد المهندس ومهند محسن واخراج فيصل جواد.
وحول ضيوف المهرجان قال: قمنا بتوجيه دعوات إلى عدد كبير من نجوم التمثيل والإخراج والتأليف على مستوى العالم منهم على سبيل المثال دريد لحام من سوريا ونور الشريف من مصر ومحمد المنصور من الكويت وحاتم السيد من الأردن والدكتورحسين علي هارف وقاسم مطرود من العراق، إلى غير ذلك من الأسماء اللامعة في عالم المسرح.[/[/size]b]

11
مؤلف كتاب : الفكر الإغريقي و الثقافة العربية هو ديمتري غوتاس البروفيسور الذي يدرس اللغة والأدب العربي في جامعة «يال» (أميركا)، والذي أنتج وساهم في تحرير عدد من المؤلفات ومن بينها: أدب الحكمة الإغريقية في الترجمة (1875)، حول ابن سينا وأرسطو (1988)، قاموس إغريقي وعربي (المجلد الأول 19922002)، الفلاسفة الإغريق في الترجمات العربية (2000). تمّ في ظل السلطة العباسية نهضة هائلة للفكر العلمي والفلسفي بين القرن الثامن والعاشر الميلادي.
ولقد ترافقت هذه النهضة بحركة ترجمة واسعة للنصوص اليونانية القديمة شملت مختلف ميادين علوم الفلك والطب والرياضيات والكتب الحربية والتنجيم والفلسفة الأرسطية بوجه خاص. كان من نتائج ذلك إنجاز المدونات من النقل والتعليق والشروح والتأليف، المدونات التي شكلت «ركيزة الفكر الكلاسيكي العربي، ومصدرا لاتصال الغرب بالعصور القديمة الإغريقية».والكاتب إنما يريد تحليل هذه الظاهرة الحضارية الكبرى من الجوانب الاجتماعية والسياسية والإيديولوجية.
فعادة ما تطرح ظاهرة الترجمة العربية كاستجابة تحب الأعمال الفكرية والثقافية أو كتلبية لما أراده بعض الخلفاء العباسيين، في حين أنها ظاهرة تعني المجتمع العباسي الوليد في العراق وتطوراته لماذا؟ لأن الذين ساهموا في الطلب على الترجمة والاهتمام بها كانوا تجارا ومالكين عقاريين بقدر ما كانوا خلفاء وموظفين في الدولة العباسية، كما كانوا عربا وغير عرب ومسلمين وغير مسلمين في آن واحد.
ومن الناحية التاريخية فإن هذه الظاهرة تعبر عن التلاقي الذي حدث خلال ما يقارب قرنين بين الحضارة العربية والحضارة الإغريقية وذلك في ظروف اجتماعية وسياسية وإيديولوجية سمحت بهذا التلاقي الذي أغنى الإنسانية.والكاتب يشير منذ البداية إلى أن استخدامه لكلمة «يوناني» أو «عربي» لا تعني الإشارة إلى شعب ذي عرق أو أصول معينة، وإنما للتدليل على اللغة التي عبرت بهما كل من هاتين الحضارتين (اليونانية والعربية) عن فاعليتهما التاريخية الفكرية والعلمية والفلسفية.
فالحضارة التي انتشرت بعد فتوحات الإسكندر المقدوني في شرق المتوسط وفي الشرق الأوسط، والتي تكرست بعدها طوال مرحلة الإمبراطورية الرومانية وحتى ظهور الإسلام، إنما تكونت وتخلّقت بفضل مساهمة جميع شعوب المنطقة التي لم تكن يونانية، ومع ذلك فلقد استخدمت اللغة اليونانية في عملها وإبداعاتها العلمية والفلسفية وشكلت تعبيرا حضاريا لها.
والحضارة العربية تكونت وتخلّفت بنفس الطريقة، أي بمساهمة عدد من شعوب المنطقة، عربية وغير عربية، إسلامية وغير إسلامية بفضل استخدام اللغة العربية فيما بينها تواصلا وثقافة وإبداعا داخل الإمبراطورية العربية ـ الإسلامية.ما هو جديد عند الكاتب هو أن حركة نقل الأعمال اليونانية إلى اللغة العربية التي تظهر على مسرح التاريخ «كلغة ثانية كلاسيكية كبرى قبل اللغة اللاتينية»، لا يمكن فهمها وتفسيرها إلا كظاهرة اجتماعية تاريخية، الأمر الذي لم يتم طرحه بشكل واضح في الماضي.
من هنا يشدد «غوتاس» على عدم ربط حركة الترجمة العربية بالنظرية المألوفة التي تقول انها ثمرة حماس فكري وعلمي لبعض المثقفين المسيحيين السريان الذين كانوا يملكون ناصية اللغة اليونانية واللغة العربية. كما أنه يرفض إناطتها بالنظرية التي تؤكد أنها أمر نخبة نيرة ثقافية جديدة تميّزت بعقلانيتها وانفتاحها على شاكلة نخبة عصر الأنوار الفرنسية.
وأخيرا فإنه لا يراها حصيلة لما قام به الخليفة المنصور وهارون الرشيد والمأمون من دعم وتمويل لها.
كل هذا يمكن الأخذ به ولكنه لا يفسر ظاهرة الترجمة العربية كظاهرة اجتماعية معقدة. ولئن كان هناك من تشابه بين حركة النقل العربية وبين حركة النقل التي حدثت في أوروبا في القرن الثاني عشر الميلادي والتي قامت بترجمة أعمال أرسطو للأعمال العربية إلى اللغة اللاتينية. فلا يعني ذلك استخدام نفس المقولات لتحليل كل من هاتين الحركتين.
فمقولة «الطبقة» البورجوازية الصاعدة التي كانت وراء حركة الترجمة الأوروبية، هي بناء نظري يتوافق مع الواقع الاجتماعي الأوروبي في القرن الثاني عشر، ولكن يصعب تطبيقها (وإن كان بالإمكان الاستفادة منها) لإدراك حركة الترجمة العربية التي ولدت ونمت وانتشرت بما يتعدى التمايزات الاجتماعية أو الدينية أو القبلية أو اللغوية. لقد كانت حركة مجتمع عباسي جديد بأسره واستمرت حتى نهاية العصر البويهي أي طيلة أعوام 945 ـ 1055.
هذا يعني ولادتها واستمرارها عبر تنوع التشكيلات الاجتماعية المختلفة التي عرفتها تطورات المجتمع العربي ـ الإسلامي. كما أن مقولة «العلماء» أي النخبة المثقفة العالمة للمجتمع الإسلامي لا تفسر هي أيضا حركة الترجمة العربية لسبب بسيط وهو أن هذه النخبة تشكلت نتيجة لهذه الحركة لا سببا لها سواء في حقول الفلسفة أم علم الكلام أو الحقول العلمية التجريبية الأخرى.
ويذهب البعض إلى التأكيد على أن انتشار حركة الترجمة قد تم بفعل ولادة «طبقة وسطى» اجتماعية على امتداد العصر العباسي شكلت قاعدته الفكرية ـ العلمية المتينة. إلا أن الأعمال الفكرية المختلفة لطبقة وسطى لا يمكن فصله عن ثقافة مكتوبة، تفترض بدورها التقسيم المتقدم للعمل الاجتماعي والوفرة المادية للمجتمع، بحيث أن الطبقة الوسطى لا تفسر حركة الترجمة بقدر ما يفسرها أيضا التمدّن والازدهار الاقتصادي والتفاعل بين العرب والشعوب المفتوحة.
المشكلة تبقى في إقامة علاقة سببية بين هذه العوامل جميعها وبين حركة الترجمة العربية كظاهرة كبرى في التاريخ الإنساني حتى لا يتم الوقوع في تحليلات إيديولوجية أو نظرة أحادية لها.
من هنا ينتقل الكاتب إلى السياق التاريخي لحركة الترجمة إذ ان من بين الشروط المادية الموضوعية التي هيأت هذا السياق حدثين أساسيين ألا وهما الفتوحات العربية حتى نهاية العصر الأموي والثورة العباسية. فالفتوحات العربية سمحت بإقامة إمبراطورية واسعة الأرجاء أنهت التقسيمات السياسية والاقتصادية والثقافية التي كانت قائمة فيها.
هذا يعادل بناء مجال جغرافي ـ إنساني مفتوح وموحد من التبادل التجاري ومن النهوض الثوري بالزراعة ومن انتقال الأفكار خاصة مع صناعة الورق ومن الاتصال المباشر بين البشر ومن تقدم التقنيات المختلفة. لقد دمجت الفتوحات العربية بين بشر كانت تسيطر عليهم الثقافة الإغريقية ـ الهلينية
وقامت بوضع حد للسياسة الدينية الإمبراطورية البيزنطية الاضطهادية، ومكّنت مختلف العلماء الذين ورثوا الثقافة والعلم الإغريقي والذين كانوا يمارسون عدة لغات من العمل في جو من التسامح الديني والعمل بحرية دون ضغوط مذهبية عليهم وتبادل معارفهم داخل وبين المراكز الثقافية التي كانت موجودة قبل الفتح العربي.
باختصار إن حالة جديدة تاريخية قد عرفت طريقها إلى الحياة والازدهار في جميع الجوانب.ومن جهة ثانية فإن وصول السلالة العباسية إلى السلطة وانتقال مركز الخلافة من دمشق إلى بغداد، خلق شروطا جديدة سكانية واندماجية وثقافية أطلقت حركة الترجمة، لماذا ؟ لأنه على امتداد العصر الأموي ظلت اللغة اليونانية منتشرة في مناطق واسعة من مسورته كلغة للتجارة ولأعمال الإدارة، وذلك حتى الإصلاحات التي قام بها الخليفة «عبد الملك» وابنه «هشام» في تعريب «الديوان» والعمل على تعميم اللغة العربية.
فالواقع أن كثيرا من موظفي الدولة كانوا يتكلمون اللغة اليونانية في الوقت الذي كانت فيه هذه اللغة لغة تدريس بالنسبة للنخب المسيحية. غير أن هذه النخب الدمشقية التي احتكت مباشرة بالأمويين الذين زاولوا الإدارة البيزنطية في حكمهم، كانت على شاكلة النخب المسيحية في العاصمة البيزنطية تحمل في أعماقها العداء للثقافة الإغريقية-الهيلينية «الوثنية».هكذا بعيدا عن التأثير البيزنطي السائد في دمشق، فإن مجتمعا بغداديا جديدا متعدد الثقافات قد حدث وتوطّد.
لقد قام هذا المجتمع على مزيج من السكان. مسيحيون ويهود ذوو لغة آرامية ـ مجموعات بشرية تتحدث اللغة الفارسية ـ عرب الحواجز وأعراب البادية في الحيرة أو في شمال العراق ـ سنة وشيعة متمركزون في الموصل أو في وسط العراق أو في الكوفة والبصرة.
كل هذه المجموعات شاركت بشكل أو بآخر في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية للعاصمة الجديدة العربية ـ العباسية، أي ما يسمى عادة بالحضارة العربية الإسلامية الكلاسيكية.
وبقدر ما أن الأمويين كانوا مضطرين للجوء إلى خدمات الفئات المثقفة المسيحية ـ البيزنطية المحلية من أجل إدارة الدولة؛ بقدر ما أن العصر العباسي الأول اضطر للجوء إلى العناصر الفارسية المحلية، وإلى العرب المسيحيين، وإلى الأراميين من أجل إدارة الدولة والمجتمع.
لكن هذه الفئات الثقافية التي لم تكن تتحدث اللغة اليونانية بوجه عام، لم تستبطن العداء للأعمال اليونانية «الوثنية». فالفرس الذين اعتنقوا الإسلام كانوا يعتبرون دراسة العلوم القديمة جزءاً من ثقافتهم، وأن كل كتاب إغريقي يشكل جزءًا من ميراثهم بسبب النهب الذي قام به الإسكندر المقدوني في غزوه لإيران للعلوم الفارسية ونقلها إلى اللغة اليونانية.
ومن جهة ثانية فإن كبار المثقفين الآراميين كانوا يعتبرون أن مصدر العلوم وموطنها الأصلي كان بابل ذات الإشعاع الحضاري الذي سبق اليونان وغيرهم، لأنه لا يوجد «هناك من يشك في أن البابليين هم سوريون ـ أي يتحدثون اللغة الآرامية» وبالتالي فإن دراسة كل نص يوناني قديم وترجمته، يشكل استعادة للتراث الذي أخذه اسكندر المقدوني وخلفاؤه أثناء غزوهم لبلاد الرافدين.
هذا السياق التاريخي ارتبط من وجهة نظر الكاتب بالإيديولوجيا الإمبراطورية العباسية ودولتها على أن هذه الأخيرة أمر مكتوب في أقدار النجوم وفي النهاية بمشيئة الله على الأرض، وعلى أنها وريثة الإمبراطورية الساسانية والبابلية وما سبق من حضارات، وأن هذه الدولة يجب أن تكون إطارا قويا ومركزي السلطة (على الطريقة الساسانية التي اعتمدها الخليفة المنصور مؤسس الدولة) لمجتمع إسلامي يتساوى فيه المواطنون، وأن الدعوة العباسية هي الدعوة الحقة في الإسلام وخارجه.
ولكن الدولة العباسية اصطدمت بعد انتصارها بالمعارضين والمنافسين لها، الأمر الذي فتح باب المناظرة سواء بين المسلمين أو بين المسلمين وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى، خاصة الديانات الفارسية. فإذا كانت المناظرة موجودة من قبل، فلقد أصبحت مع العباسيين سلاحا لتفنيد آراء الخصوم والبحث عن الحقيقة وتسويغ شرعية النظام القائم. لقد أصبحت علم كلام وفلسفة وولدت تيارات ومدارس فكرية ولاهوتية وفقهية لعبت فيها حركة الترجمة دوراً أساسياً وكانت وراء ظهور الحركة العقلانية المعروفة ألا وهي المعتزلة.
هذا السياق التاريخي الذي امتد طويلا هو الذي يفسر جميع جوانبه حركة الترجمة اليونانية العربية التي شكلت اللغة العربية بوتقتها وتعبيرها الأعلى ودوّنتها ثقافة «عربية خلاقة». لقد ارتبطت ـ أي حركة الترجمة بإقامة عاصمة جديدة وبتمازج سكاني لمجتمع وليد متنوع، وبانفتاح ثقافي لنخبه وتنافس بناء فيما بينها، وبتصميم سياسي تنويري للحاكمين، وبتأسيس المناظرة الفكرية وطلب العلم أنى كان، مما أدى إلى قيام حضارة أصيلة ومشهودة ترفض الصراع مع الحضارات الأخرى.


12
مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي في ابوظبي  (2)


أكد نائب رئيس مجلس إدارة مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي ومدير عام هيئة أبوظبي للثقافة والتراث أن المهرجان ولد وانطلق برؤية واستراتيجية واضحة وبمستوى عالمي لخلق صناعة سينما إماراتية ما يؤهله لمنافسة مهرجان “كان” السينمائي في السنوات المقبلة.
وذكر محمد المزروعي في المؤتمر الصحافي الذي عقد مساء أمس الأول في مقر المهرجان في قصر الامارات في أبوظبي بحضور نشوة الرويني رئيسة المهرجان للرد على التساؤلات التي أثيرت حول المهرجان أن الأولوية في المهرجان للتوجه المحلي إيماناً بأن المحلية أساس العالمية، وأن مؤشرات نجاح المهرجان انعكس بعضها خلال الفعاليات بينما سيعلن عن أهمها في مؤتمر صحافي في الحفل الختامي للحدث.
وقال: نحن نعكف على وضع أسس لمستقبل صناعة السينما في الامارات وهناك برنامج شامل لتوعية صناع الأفلام العرب والمحليين انطلاقاً من أن المهرجان يحمل اسم الشرق الأوسط ايضاً مع تمهيد كافة السبل لمشاركة صناع كبار من العالم أمثال هارفي وينستين وآخرين. وأضاف: شهد المهرجان بشكل متصاعد يومياً مشاركة محلية قدرت حتى لحظة انعقاد المؤتمر الصحافي ب 70 مواطناً ومواطنة تقريباً.والمهرجان يوفر الكثير على صناع الأفلام الاماراتية حتى لا يقعوا في حيرة من أمرهم عند الإقبال على مشروع سينمائي وذلك عبر ورش العمل والمحاضرات التي تتناول شتى المجالات، بداية من كيفية وضع الميزانية وتحديد الأولويات والتوجه وكتابة السيناريو وغيرها من مستلزمات عملية الصناعة.إضافة الى سد نقص الخبرات العلمية والنظرية بتأسيس أكاديمية السينما والتي ستنطلق في الاول من فبراير المقبل.وهناك دعم مستمر لصناعة السينما الاماراتية سواء ما سيعلن عنه داخل المهرجان أو بعد المهرجان على اعتبار أن المهرجان ضمن مشاريع مكملة للهدف الأساسي وسيتناول المؤتمر الصحافي الذي سيعقد اليوم الخميس تفاصيل المنح الدراسية التي تقدر ب 170 ألف دولار تقدمها اكاديمية السينما لخمسة طلاب من المشاركين في مسابقة حياة للأفلام القصيرة. وأعلن من قبل عن دعم إنتاج الأفلام المحلية بمبلغ 200 ألف دولار والتي قدمتها شركة أبوظبي للإعلام وشركة صروح ولأول مرة يتم سحب القطاع الخاص لخلق سينما إماراتية. ورداً على سؤال ما سيضيفه المهرجان في ظل تعدد المهرجانات العربية أجاب المزروعي: تعدد المهرجانات ظاهرة صحية تشجع على الحركة والإنتاج السينمائي العربي وتخلق نوعاً من المنافسة الجيدة ونحن ننافس أي مهرجان وفي السنوات المقبلة سننافس مهرجان “كان” السينمائي والذي له باع طويل في هذا المجال يقارب 60 عاماً، كما سنتفوق على مهرجان القاهرة أيضاً لأن رؤيتنا عالمية كما ذكرت وبالتأكيد هي في مصلحة السينما العربية لأننا مهرجان شرق أوسط، وقدمنا في فعالياته الأولى أفلاماً أنتجت هذا العام ومهمة جداً مثل فيلم “سكر نبات” وأفلام تستعرض التجارب العربية والخليجية منها “بس يابحر” وغيرهما.وبالتساؤل حول أهم الاتفاقيات التي وقعت خلال المهرجان علق الإجابة للإعلان عن تفاصيلها في الحفل الختامي.ومن جهتها ذكرت نشوة الرويني أن فكرة المهرجان طرحت منذ عام ونصف ولكن الموافقة الفعلية للبدء انطلقت منذ أربعة أشهر فقط، وقالت: تنظيم المهرجان بهذا المستوى وفي فترة قصيرة كان بمثابة تحدٍ وانتحار ونجحنا والحمد لله لأن هناك أناساً يتمتعون بقدرة على الاحتمال والجلد وهذا ما ذكرته في حفل الافتتاح، ففريق العمل بذل مجهوداً لا يوصف ليخرج المهرجان بهذه الصورة العالمية.وما يقال إن الطابع الاجنبي أو الامريكي يغلب على المهرجان غير حقيقي فالمسألة كانت نسبة وتناسباً إذ اننا نتحدث عن سينما عالمية وسينما عربية وسينما خليجية وسينما إماراتية أي علينا أن نقدم أفلاما لدول القارات الخمس والنتيجة تلقائياً ستظهر بهذا الشكل ولا يمكننا طمس أفلام أجنبية مهمة وكبيرة لاننا في العالم العربي. وكل قسم من أقسام المهرجان أخذ حقه ولم يجامل أحداً على حساب الآخر وكل ما قدم ونظم يستحق العرض وقد وقع اختيار إدارة المهرجان على سمير فريد ونحن نثق أنه الاقدر على تحليل السينما بمستوى أفقي من ناحية الموضوع والمشاركين والخلفيات وبحيادية شديدة. وقد تم تعريب جزء من الموقع باللغة العربية وتتوافر معلومات كافية الآن باللغة العربية والتأخير في الطرح يعود لضيق الوقت. كما تم اختيار لجان التحكيم بناء على التوازن بين الدول والتوجهات الفنية. وأضافت الرويني: الحمد لله شهد المهرجان انجازات غير مسبوقة ولم تنظم في أي مهرجانات أخرى من حيث تقسيمه إلى 10 أقسام وطرحت أفلام طويلة وقصيرة وأفلام الرسوم المتحركة ولأول مرة تجتمع دول الخليج في مهرجان واحد وحرصنا على أن تعرض الأعمال المحلية ومنها العرض الأول لفيلم المخرج هاني الشيباني “جمعة والبحر”. أما بالنسبة لاختيار الافلام العربية والمصرية تحديداً فالمسألة كانت واضحة جداً إذ إن فيلم “ليلى البدوية” يعد من الأفلام القديمة وقدمته المخرجة المصرية بهيجة حافظ في عام 1937 ويعد هذا الفيلم انموذجاً مشرفاً نستطيع أن نقدمه للعالم الغربي ليعلموا أن العرب عرفوا السينما منذ سنوات طويلة بل وعلى وجه التحديد امرأة عربية محامية ومثقفة ابنة اسماعيل محمد حافظ باشا عملت في مجال التمثيل والانتاج والسيناريو والاخراج.ومن جهة أخرى نعتبر عرض هذا الفيلم هدية ومفاجأة للجمهور العربي لأنه لم يعرض في أي تلفاز عربي وله خصوصية إذ منعت الرقابة الفيلم بعد بدء عرضه في عام 1937 بسبب زواج الأميرة فوزية شقيقة الملك فاروق من شاه ايران.وفي عام 1944 اعادت بهيجة حافظ تقديم الفيلم إلى الرقابة بعنوان “ليلى البدوية” ووافقت الرقابة عليه.وكان من المقترح عرض فيلم آخر لن نعلن عنه ولكن ضرورة ترميمه كانت سبباً لتأجيل عرضه. ووجهت الرويني بدورها سؤالاً الى الاعلاميين حول الافلام التي كان يجب عرضها في المهرجان ولم تعرض على شرط أن تكون انتاج 2007 وكانت الاجابة فيلم “سكر بنات” والذي يعرض الآن.وحول الميزانية التقديرية لتكلفة المهرجان والتساؤل عن وجود دعم من الخارج اجابت: لا أستطيع التحدث في الميزانية الآن هذا الموضوع يرجع لحكومة أبوظبي ولكن استطيع أن أقول اننا والحمد لله وفرنا من الميزانية جزءاً جيداً إذ تعاونا مع بعض الشركاء والرعاة المحليين. والمهرجان هو استثمار في ابناء الدولة فلماذا نلجأ الى الدعم من الخارج؟ والحمد لله شهد المهرجان حضوراً محلياً غير متوقع وكانت المفاجأة فوز مخرج اماراتي من ضمن 137 فيلماً طرحت في مسابقة المؤتمر الدولي لتمويل الانتاج السينمائي، واختيار الأفلام الستة الفائزة تم بشكل حيادي مع إخفاء اسماء وجنسيات المشاركين. ورفضت الرويني الحديث عن البلبلة الاعلامية التي سبقت المهرجان حول عرض لفيلم “اسرائيلي” وقالت: لا استطيع التحدث باسم حكومات ولكنني ارفض تسييس أي مهرجان فني فللسينما أهلها وللسياسية أهلها وما حدث مجرد جدل اعلامي ولن أعطي فرصة لمن طرحها ويبني لنفسه امجاداً شخصية فهي في النهاية فرضيات والسؤال هنا لماذا لم يحدث هذا مع طرح فيلم “سلطة بلدي” الذي صور في “إسرائيل”.وأكد ان جميع الافلام المعروضة في المهرجان لم تخضع لرقابة، موضحة ان هذه المرحلة تخطاها المهرجان على اعتبار ان المخرج بذل جهداً كبيراً في بلورة صورته النهائية وطالما تم اختيار الفيلم فلابد من عرضه دون تقطيع قد يسيء لرؤيته وموضوعه.
واختتمت الرويني المؤتمر قائلة: الحمد لله لم يحدث أي لغط في المهرجان سواء في قاعة الافتتاح ولا خلال الفعاليات والجلسات والعروض ونتمنى من الله ان نستكمل مسيرته على أكمل وجه. والنجوم الذين أعلن عن حضورهم للمهرجان سيحضرون حفل الختام، والزخم الذي يشهده المهرجان سواء في الحضور الكثيف غير المتوقع والفعاليات المتلاحقة هو دليل نجاحه.
هذا و شاركت مجموعة من المخرجات العربيات في عدد من أقسام مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي الأول ومنها في برنامج المسابقات الطويلة وبرنامج المخرجات العربيات وبرنامج أضواء على الشرق الأوسط، والمفارقة في الأمر أن بعض المخرجات العربيات يشاركن بتجربتهن الأولى أو الثانية في مسيراتهن الإخراجية، وحول مشاركتهن ورؤيتهن عن المهرجان عقد ظهر أمس لقاء للمخرجات العربيات مع وسائل الإعلام.وأعربت المخرجة لينا الشامي والتي تشارك بفيلم “مجرة التبانة” عن سعادتها بالمشاركة في المهرجان وقالت: المهرجان يمثل بالنسبة لي قيمة كبيرة لأن والدتي لبنانية ووالدي من أصول سورية وأعيش منذ طفولتي في البرازيل، والفيلم الذي يعد تجربتي الثانية يحكي عن قصة حب مأساوية ولكن قد يحكم عليه المشاهد بأنه يحمل الروح العربية.وقد سبق أن شارك الفيلم في مهرجان كان ويعرض حالياً في بولندا وكان يجب أن أقدم نبذة تعريفية عنه هناك ولكنني فضلت الحضور والمشاركة في مهرجان الشرق الأوسط.وأضافت: المهرجان سيكرس الحضور العربي في المهرجانات العربية والعالمية وأنصح المخرجين العرب بالانطلاق من القضايا المحلية للوصول إلى العالمية.
كما يعد مستوى المهرجان جيداً جداً كبداية وسيطرح ثماره في ثلاث أو أربع سنوات على الأقل ولا بد من الاستفادة منه في إحداث حركة وصناعة سينمائية. وقد يكون للمرأة نظرة مختلفة عن الرجل في التناول وطرح الأفلام ولكنها في النهاية مخرجة وهناك الكثير من المخرجين من يقدمون أعمالاً تساند المرأة وتدعم قضاياها والعكس صحيح قد نجد مخرجات يقدمن أعمالاً تتسم بالعنف. وأوضحت المخرجة فريدة بورقية أن فيلم “طريق العيالات” يعد التجربة الثانية بعد محطة انقطاع طويلة عن صناعة السينما فقالت: في عام 1981 أخرجت فيلم “الجمرة” وبعده دخلت في مشاكل مادية طويلة كادت تؤدي بي إلى السجن لولا مساندة الأصدقاء. واتجهت للعمل في الدراما التلفزيونية وشاركت بأعمال في مهرجان القاهرة.ورجعت إلى السينما بتشجيع من الزملاء مع اختلاف التجربة والتعامل مع الأدوات السينمائية.وأضافت: رشح المركز السينمائي المغربي الفيلم للمهرجان وحظيت باهتمام واستقبال حافل من قبل المنظمين. ونتمنى في الدورات المقبلة المزيد من التنظيم والتمهيد للقاءات مع المخرجات العربيات الأخريات للتعارف والتناقش في قضايا وهموم السينما، ويتمتع مهرجان الشرق الأوسط السينمائي بكافة العناصر والعوامل التي تهيئه لخلق صناعة سينمائية ناجحة، وأتمنى أن أصور فيلماً في الامارات عن الفتيات العربيات.وأرى أن للمرأة بصمات خاصة في الإخراج تميزها عن الرجل إذ إنها تصور بدقة شديدة وتهتم بالتفاصيل بشكل أكثر.وأشارت المخرجة نادية كامل التي تشارك في المهرجان بفيلم “سلطة بلدي” إلى أن فيلمها عرض في مهرجان لوكارنو الذي يعد من أهم خمس مهرجانات في العالم قبل أن يعرض في مهرجان الشرق الأوسط وقالت: سمعت عن المهرجان وتلقيت دعوة للمشاركة ويهمني الوجود لأنه يتحدث عن قضية مهمة للغاية في العالم العربي، وأي مهرجان قوي سيساعد السينما العربية لأنه سيختار بجرأة وسيعطي الجوائز بجرأة وهذا ما ينقصنا لأننا نعاني من انسداد في الساحة الإنتاجية.والمهرجان خطوة لتشجيع صناع السينما في شتى المجالات. وأضافت: عروض الأفلام التي قدمها المهرجان جيدة جداً والتنظيم إلى حد ما جيد، والأجمل أن المنظمين لديهم استعداد كامل لحل أي مشكلة وفي أقصر وقت وبمرونة كبيرة. وأوضحت أن خصوصية المرأة موجودة في معالجة وطرح الأفلام وأن من الطبيعي أن تنعكس تجربتها وخبراتها الذاتية على العمل الذي تقدمه.
من المهرجان الى صالات العرض :
..وبعد مشاركتهما في مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي الذي أقيم في أبوظبي، تعرض صالات جراند سينيبلاكس في الإمارات فيلمي “التعويض” Stonement و”سكر بنات”. الأول يتاح للجمهور ابتداء من 25 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، والثاني سبقه بعرض خاص للصحافة يوم 21 منه علماً أن “التعويض” افتتح ليالي المهرجان وهو من اخراج أوتيس فاليد وبطولة كييرا نايتلي وجيمس ماكافوي، يحمل رسالة سلام ويدعو العالم الى التعقل ونبذ الحروب وتصافح الشعوب. ويعود بأحداثه الى قصص إنسانية مملوءة بالحب والحقد تحدث أثناء الحرب العالمية الثانية، وهو مأخوذ عن رواية أدبية شهيرة ورائعة لأيان مكيون.
أما “سكر بنات” فقد عرض ضمن مسابقة الأفلام الطويلة بعد مشاركته في مهرجان “كان” السينمائي الدولي في دورته الأخيرة، وهو من اخراج نادين لبكي التي شاركت في البطولة وفي كتابة السيناريو الى جانب جهاد حجيلي ورودني الحداد، إنتاج الفرنسية آن دومينيك توسان. يتناول الفيلم قصة خمس سيدات لبنانيات من اعمار وثقافات وطوائف مختلفة. يتلاقين في صالون تجميل في بيروت ويتحدثن في شؤون اليوم فنتعرف الى مشاكلهن وأفراحهن ومخاوفهن من العمر والوحدة والحب. كلهن في صراع مع الذات ومع قيود المجتمع.
4 جلسات تختتم مؤتمر التمويل السينمائي
واختتمت أمس في قصر الإمارات في أبوظبي أعمال المؤتمر الدولي لتمويل الإنتاج السينمائي الذي عقد ضمن فعاليات مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي الأول  أبوظبي 2007.عقدت أربع جلسات خصصت الأولى لمناقشة “التوزيع” وأشكال تقديم العروض والتسويق والأرباح.وفي الجلسة الثانية استكمل صانعو الأفلام تقديم أفكارهم ومشاريع أفلامهم على الجمهور ولجنة التحكيم، وفي الجلسة الثالثة تمت مناقشة موضوع الأسواق الصاعدة في الشرق الأوسط ثم اختتمت الفعاليات بمناقشات داخلية تناولت موضوع التوزيع الخاص بالمجال السينمائي حول طاولة مستديرة. وأكد المشاركون في ندوة اللجنة الرابعة الخاصة بالتوزيع أن مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي يعد إنجازاً كبيراً لدولة الإمارات ومحاولة من أبوظبي لتغيير واقع صناعة الأفلام السينمائية نحو الأفضل واستكمالاً لحلم كان تحقيقه في السابق مستحيلاً.وأوضح المشاركون في الندوة أن مهرجاناً ضخماً للأفلام سيعقد في يناير/كانون الثاني المقبل في ولاية يوتا الأمريكية سيكون من أضخم المهرجانات السينمائية ومن المتوقع أن يقدم خلاله (3000) فيلم روائي وأكثر من (1000) فيلم وثائقي، وهذه الأفلام سيتم اختيار (115) فيلماً منها وسيتم توزيع (15) فيلماً، هي الأكثر نجاحاً خلال المهرجان عبر العالم، بالإضافة الى بعض الأفلام المستقلة الأخرى التي لا تجد من يتكفل برعايتها وتوزيعها فيصل 10% فقط منها للمهرجان و10% من النسبة السابقة هي فقط التي يتم توزيعها على دور العرض.
وقال ديفيد تومسون “رئيس BBC فيلمز” بالمملكة المتحدة إن اليوم الأخير من فعاليات هذا الحدث المهم خصص لمناقشة إحدى أبرز القضايا المتعلقة بصناعة الأفلام والسينما وهي التوزيع وما يرتبط به من أشكال تقديم العروض والتسويق والأرباح التي تعود على صناع الأفلام، موضحاً أن السينما تحاول الاستفادة من كافة الطرق المتاحة لتوزيع الأفلام لأن الهدف من تقديم الأفلام هو الموضوع مع إضفاء بعض البريق عليه.وقال: نحن في عملنا ننتج العديد من الأفلام يعرض منها حوالي من 10 الى 12 فيلماً يومياً ونشعر أن أفلامنا تنافس بعضها على شاشات التلفاز لذا اضطررنا إلى إعادة تشكيل أنفسنا كوسيلة إعلامية أكثر من كوننا وسيلة بث وبدأنا موجة استقطاب في مجال السينما التي لا تزال لا تستقطب قمة القوم، مضيفاً أن الدول المتطورة تقدم على الدوام الدعم وأكثر بكثير من الدول الأخرى من أجل الارتقاء بصناعة السينما لأهمية ما تمثله في مستقبل تلك الدول.
ومن جهته قال تيد ساراندوس “مدير المحتويات الفنية بنتفلكس الأمريكية إن مجال توزيع الأفلام عبر البريد والانترنت اتخذ أشكالاً وأبعاداً أكثر تطوراً، ونحن في أمريكا ننتج (195) فيلماً سنوياً وكل يوم نشحن حوالي (40) ألف فيلم مختلف للجمهور المشترك في تلك الخدمة مقابل 15 دولاراً فقط، موضحاً أن عدداً قليلاً من الأفلام المنتجة يحقق عوائد مرضية تتحقق من خلال الأفلام السينمائية لكن المطلوب فتح أبواب أخرى لتحصيل عوائد إضافية.
ومن جانبه قال بول فيدر بوش “نائب رئيس الانتاج في وارنر اند بندنت بيكتشرز الأمريكية” إن السؤال الذي يظل مطروحاً هو هل يمكن ان تبقى مستعداً كمخرج أو كمنتج لأن تنفق من 40 الى 50 مليون دولار على فيلم من دون أن تضمن نجاحه محلياً وتوزيعه في بلدك وهل يمكن بالتالي أن تخوض التحدي بمحاولة بيع الفيلم في السوق الدولي؟، موضحاً أن هناك تكاليف إضافية على الإنتاج والإخراج تتراوح بين 40 و50 مليون دولار تخصص للإعلان عن تلك الأفلام ومن ثم توزيعها، مشدداً على أن أي مشروع من المشاريع السينمائية خاصة الصغيرة منها التي تحتاج الى مخاطرة لإنجاحها يجب أن يحظى بقدر أكبر من التعاون خاصة مع تطور العالم الكمبيوتري وانفتاح آفاق الاستثمار فيه دولياً، فإن ذلك يدعونا لمدارسة العديد من الأفكار الرائعة بغض النظر عن التكاليف الإنتاجية والإخراجية حت لا نحرم أنفسنا من قوة ومتعة الأفكار المعروضة.
عاصفة من التصفيق تستقبل فكرة “حكاية قرصان”
عاصفة من التصفيق هزت أركان القاعة التي تحتضن جلسات الاستماع للأفكار المقدمة من المشتركين في مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي- أبوظبي 2007 تلك العاصفة كانت ردة الفعل الطبيعية من قبل لجنة التحكيم والجمهور وكل من تواجد في القاعة بعدما اختتم المشترك الإماراتي فاضل المهيري عرض فكرة فيلمه “حكاية قرصان” وتفاصيل روايته بكل اقناع وإبداع وامتاع أجبر الجميع على تقديم التحية لهذه الموهبة الإماراتية الصاعدة في عالم السينما.
بدأ فاضل المهيري فقرته بالتأكيد على أهمية الفيلم له شخصياً وللشعب الإماراتي عامة كونه يمثل فترة تاريخية في حياة هذه الدولة ويستحق تسليط الضوء عليه بمزيد من التعمق والدراسة، وقال المهيري إن روايته تبدأ بانفجار ضخم يهز المدينة في العام 1809 وسفن كثيرة تقصف المدينة وكثير من الدمار والخراب يحل بالأهالي الذين فارقوا الحياة رغم كل المحاولات المبذولة لإنقاذهم، ويظهر في المشهد شاب صغير يدعى “ناصر القاسمي” اكتشف بعدما نظر حوله أنه الوحيد الذي نجا من عائلته التي أصابتها إحدى القذائف واستيقظ من صدمته ليجد نفسه أسيراً على إحدى السفن البريطانية التي هاجمت مدينته ليبدأ حياة جديدة على متن السفينة على مدى 6 سنوات حتى اشتد ساعده وتعلم المهارات البحرية وعاد إلى ذاكرته مشاهد موت عائلته فقرر الخروج من طوق البراءة والعودة إلى مدينته للانتقام من محتل بلاده ومستعبد أهله وكان بلغ حينها العشرين عاماً.وعمل ناصر على توحيد أهل مدينته وغرس في نفوسهم الشجاعة ليتغلبوا على مخاوفهم ويتحولوا إلى محاربين، وبالفعل بدأت الثورة ضد الاحتلال البريطاني وتم جلاء المحتل عن المدينة وذاع صيت المحارب الأسطورة ناصر القاسمي وكتبت عنه الصحف وأبرزت دوره في تحرير بلده إلا أنه لم يكتف بذلك بل قرر إغلاق شركة “ايست انديا تدريدنج كومباني” وطارد السفن البريطانية في الخليج حتى شرق الهند إلا أن القوات البريطانية أرسلت تعزيزات عسكرية ارتكبت مجزرة دموية في تلك المنطقة لايزال التاريخ شاهداً عليها.وأشادت لجنة التحكيم بروعة الفكرة وسلامة الطرح الذي قدمه المهيري وأكد أعضاؤها أن هذا الفيلم سيكون من أقوى الأفلام المشاركة التي ستنافس على الصدارة، واستفسرت اللجنة عن مدى دقة المعلومات التاريخية فأكد المشترك الاماراتي أنه قضى ثلاث سنوات في البحث والدراسة حتى وصل إلى المعلومات الدقيقة عن هذه الرواية. وفيما يتعلق بالأفلام الأخرى تقدم ثلاثة مشتركين بأفكارهم وأبدت لجنة التحكيم رضاها عن تلك الأفكار واستحسانها لبعضها خاصة الرواية التي قدمتها المشتركة الجورجية صوفي داميان وعنوانها “استمر في الابتسام” وهو عبارة عن كوميديا تراجيدية عن 7 نساء يتسابقن للفوز بمسابقة “جمال الأمهات فقط” في مدينة تبليسي بجورجيا ويتصارعن بكافة الوسائل الممكنة إلا أنهن يكتشفن أن المعركة الحقيقية ضد الفساد الموجود في المسابقة نفسها حيث يتم تقديم رشوة للقائمين عليها لإنجاح إحدى الفتيات التي تظهر على أنها حامل وهي شابة، وتواصل الرواية رسالة مفادها ابتسم حتى في أتعس الأوقات وأحلك الظروف. وناقش الفيلم الثاني الذي جاء بعنوان “نحن نقتل ما نحب” وقدمه ماكس جروبر من النمسا قضية العادات التركية السلبية بإجبار الفتيات على الزواج من أشخاص لا يرغبن في الارتباط بهم فيلجأن للهرب إلى النمسا من تركيا وإلا فإن القتل على يد العائلة يكون مصيرهن، وتقع أحداث الفيلم في فيننا حيث تبحث شابة تدعى ياسمين عن شقيقتها المفقودة وتدعى ليلى في رحلة بحث ينضم إليها مخبر من الشرطة فيجدان نفسيهما مدفوعين لمواجهة حواجز ثقافية وإنسانية، حيث تشير الأدلة أن ليلى قتلت على يد عائلتها ويتم اتهام حبيبها السري بقتلها إلا أن خيوط الجريمة تتكشف حين يتضح أن الفتاة تعرضت لجريمة الثأر.وقدم المشترك الأخير في الجلسة وهو هندي يدعى سومان شيناي قصة كوميدية رومانسية عن أسرة هندية تعيش في ضواحي لندن، وتريد العائلة تزويج ابنها حسب الطريقة التقليدية فيثور الابن على العادات والتقاليد ويتزوج عن حب بينما تتزوج أخته من شخص من أسرة عريقة.واستفسرت اللجنة من المشترك عن اللغة التي سيقدم فيها العمل فقال إن 85% من الفيلم باللغة الإنجليزية و15% باللغة الاسبانية بينما تحتوي بعض المشاهد التي تحتوي توترات وتصاعد في الحوارات الأسرية بعض النقاشات باللغة الهندية. وعن الموسيقا في الفيلم قال سومان شيناي إنه استخدم أغاني وموسيقا هندية حقيقية حتى تعطي انسجاماً مع فكرة الفيلم.

ويتواصل عرض مجموعة من الأفلام الطويلة، والقصيرة ضمن فعاليات المهرجان ففي قصر الإمارات يعرض الفيلم الاسترالي “أسياد الحظ”، إخراج مايكل جيمس رولاند، و”سلاطة بلدي” إخراج نادية كامل، و”ليس بالصدفة” إخراج فيليب بارتينسكي، و”اسمع الآن” اخراج “إيرين تايلور برودسكي”، و”سكر بنات” إخراج “نادين لبكي”، و”قوة اللعبة” إخراج مايكل استبد”، و”صور مطموسة” إخراج بريان دي بالما.وتعرض في سينما “سيتي ستار” مجموعة من الأفلام هي: “ظلال الصمت” إخراج: عبد الله المحيسن، و”المنطقة إخراج” رودريجو بلا، و”عاصمة الفرس” إخراج مارجاني سترابي، “وفينيست بارانو”، و”أصداء للمخرج عبد الحليم أحمد قائد، و”اختلال” إخراج منير محمد، ومعاذ بن حافظ، والحلة إخراج جاسم محمد السلطي، ومن أفلام دول مجلس التعاون الخليجي “خيوط تحت الرمال” اخراج خليفة المريخي، ورقصة النار إخراج سلمى بكار...
من ىجهة اخرى ستبدأ أكاديمية نيويورك للسينما و خلال هذا العام التدريس في فرعها الجديد في أبوظبي، وبالتحديد الثالث من فبراير/شباط المقبل، وسيصل عدد الدارسين لمختلف فنون السينما في العام الأول إلى 100 طالب وطالبة، على أن تقدم الأكاديمية في عامها الأول 5 منح دراسية ل 5 من الطلبة والطالبات المشاركين بمسابقة “حياة”، بقيمة 34 ألف دولار لكل منحة.مدير التعليم بأكاديمية نيويورك للفيلم “مايكل يونج” ومدير الأكاديمية في أبوظبي “جون سايمون” كانا من المتواجدين في فعاليات مهرجان الشرق الأوسط، والتقيتهما على هامش الفعاليات في الحوار التالي: نريد أن نتعرف - في البداية - منكما إلى تاريخ الأكاديمية؟
يقول مايكل يونج: تم افتتاح أكاديمية نيويورك عام 1992 وتم افتتاح الأكاديمية، بتيبكا، وصاحبها كان جري ثور لوك المنتج التنفيذي.. وتم الاتفاق خلال هذا العام على أن تنشئ الأكاديمية فرعاً في أبوظبي لتعليم مراحل صناعة السينما من سيناريو، وانتاج، وتمثيل، وإخراج وتحريك.
والمنهج الذي سيتم تدريسه بالأكاديمية بأبوظبي هل سيراعي البيئة التي ستتم الدراسة فيها؟
يجيب مايكل يونج أنا أؤمن بأن فن القصة السورية هو فن عالمي، وهذا الفن العالمي عبر المنهج الذي تدرسه المدرسة في نيويورك، وشنجهاي، وباريس، وهذا المنهج يأخذ كل تلميذ من نقطة الصفر حتى يصل به نقطة الانطلاق، من الألف إلى الياء، وكيفية صناعة تفاصيل التقنية بحسب كل قسم من أقسام المدرسة هذا أهم ما يشغلنا في مناهجنا عبر العالم كله، ولكن لكي يجد كل تلميذ وصوته الفردي، الذي يحقق له بصمة فنية، وهكذا فيجب على الطلاب ان يتعلموا من خلال أخطائهم، وطرق تصحيحها، وبالتالي يحرصون على احترام، وحماية البيئة العربية، وأيضاً سيطورون مناهج خاصة لشاشات التلفزيون العربية والخليجية ومن أهمية المنهج القوي اختيار المكان المناسب الذي تستطيع التصوير فيه، والابداع عبره، وبالتالي من هنا تنطلق أهمية تعريف المبدعين بفن السينما، وظروف تطوير القدرات، واستعمالها وبالتالي يتطور الإبداع السينمائي العربي، بخاصة أن الأساتذة كلهم متخصصون بفنون السينما، ودارسون بأمريكا، ويتعلمون اللغة العربية ليستطيعوا التواصل مع الطلاب، والأساتذة متحمسون للمجيء لأبوظبي لأن لديهم قدرة على تطوير صناعة السينما هنا، وبدلاً من إرسال الطلاب للخارج، لماذا لا يتم تطوير القدرات البشرية هنا، وبعد ذلك نرسلها للخارج؟ والمدرسة ليست فقط مبنى، وأساتذة، ومنهجاً، بل هي طلاب، وأساتذة، ومن اختلاطهم يتم خلق الطابع المتخصص المتميز لأبوظبي، والمنطقة التعليمية.
جون سايمون، المدير لفرع الأكاديمية في أبوظبي قال عن وضع الأكاديمية ووضعها البيئة المحلية في الاعتبار: المنهج الذي ندرسه منهج عالمي، وحقق نجاحاً بكل المدن التي تم تأسيس فروع فيها، رغم كون الأساتذة أمريكيين، وهذا سببه كي يأخذ الطلاب اللغة والامكانات التقنية ليعبروا عن صوتهم الشخصي، وهناك التعبير النفسي فبمجرد أن يتعلم الطالب فن صناعة السينما بحسب تخصصه يمكنه أن يعبر بالبيئة التي تخصه.
بمعنى أنكم تدرسون منهجاً واحداً موحداً عبر جميع دول العالم، وتميز منطقتنا هذا متروك لقدرات الطلاب بعد تخرجهم فيما سيبدعون من أعمال سينمائية؟
جون سايمون المدير لفرع أبوظبي من الأكاديمية يجيب قائلاً: منهج الأكاديمية “ديناميكي جداً، وهناك اختلاط بين الطلاب والأساتذة منذ الأسبوع الثاني، والطلاب يعطون تقارير للأساتذة، والمدرسة ستطلب من مخرجين أو منتجين، وكُتّاب سيناريو عرب - كي يعطي سيناريو للطلاب.
أما مايكل يونج مدير التعليم بأكاديمية نيويورك فيقول: لدينا 100 طالب هذا العام، وكل طالب سوف يصنع أفلاما سينمائية في عامه الدراسي الأول، بداية من الفيلم البسيط حتى أفلام المهرجانات العالمية، وكل طالب يجب أن يضع لنفسه برنامجاً بما سوف يحققه من إنجاز خلال العامين اللذين سيدرس بهما، والطالب الذي يأخذ المنهج تكون له فرصة إنتاج الفيلم، ونحن ننتظر تأثير طلابنا السينمائي خلال فترة بسيطة.
مايكل يونج يضيف: سوف تراهم من الأسبوع الدراسي الأول في فبراير/شباط المقبل على الطرقات، والمراكز التجارية، يصورون مع أخذهم التصاريح اللازمة، وعملهم بسيط بالنسبة لنا، فيجب أن يصوروا أفلاماً.
هل سيتم تدريس المنهج الأمريكي، نفسه بأبوظبي دون مراعاة للبيئة والثقافة المحلية؟
جون يجيب: ما في هذه الأكاديمية لن يكون بغيرها وبغير فروعها في العالم كله ،ونحن في أول عام لا نركز على المبادئ بل نركز على زرع حب المهنة بداخل الطلاب ومن ثم تطبيق ذلك؟
مايكل مدير الأكاديمية يقول أكاديمتنا مثل المجتمع تحمل تفاعلاً بين الطلاب والأساتذة، وأكثر شيء يميزها القدرة على الانفتاح، والتغيير، والتطبيق على المجتمع، مع استمرار وجود حوار بين الطالب والأستاذ وهناك مخرج ايراني اسمه تايفان مشايخ، خريج المدرسة يشارك في مؤتمر التمويل، وهو خريج نيويورك.
والتجربة المصرية في هذا المجال ألا تستفيدون منها؟
يجيب مايكل: هناك أناس يقولون إن السينما ولدت في مصر، والسينما المصرية، والإيرانية، والعربية كلها، والهندية، جميع البلدان تؤثر سينماها في بعضها البعض.
اثار الفيلم التسجيلي المصري  سلاطة بلدي  الكثير من الجدل لدى عرضه في مهرجان الشرق الاوسط السينمائي الدولي نظرا لقيام مخرجته نادية كامل بتصوير العديد من احداث الفيلم داخل مدينة تل ابيب . ويتناول الفيلم صفحات من ذاكرة والدة المخرجة التي تنحدر من اصول متعددة الثقافات والديانات قبل ان يفجر اكثر من مفاجاة لدى تتبع الكاميرا لاقارب واصدقاء والدة المخرجة في مصر وخارجها .
وكان الفيلم البريطاني  التسامح  للمخرج جو رايت افتتح فعاليات المهرجان في ابو ظبي التي تتواصل حتى التاسع عشر من الشهر الجاري وفيه يستمد المخرج احداثه عن رواية الاديب الإنجليزي إيان ماكوين الصادرة العام 2001 والتي لاقت نجاحا كبيرا وادى ادواره الاولى كيرا ناتيلين وجيمس ماكوفي وفانيسا ريد غريف وكان قد تم عرضه في افتتاح مهرجان فينسيا 2007 وفي مهرجان تورنتو 2007.
تدور أحداث الفيلم في العام 1935 حيث تعيش بريوني تاليس ذات الثلاثة عشر عاما وسط أسرتها شديدة الثراء في المنزل القوطي الفيكتوري الضخم وفي يوم من أشد أيام الصيف حرارة تقوم سيسيليا والتي تكبر بريوني بعشر سنوات باللهو في نافورة حديقة المنزل وتشاهد بيروني شقيقتها سيسيليا تتعرض للغزل من قبل روبي تيرنر ابن خادمتهم المتخرج من جامعة كامبريدج وتسيء بيروني فهم الموقف وتتسبب في عقاب روبي في جريمة اغتصاب لم يفعلها وتمر السنوات وتغير الواقعة مجرى حياة الثلاثة وتستمر قصة الحب بين روبي وسيسيليا ولكنها تنتهي نهاية مأسوية وتكبر بريوني وتصبح روائية في السبعينات من عمرها بنهاية القرن الماضي ولكن رغم عملها كروائية فإن محاولتها التكفير عن ذنبها وتعويض روبي وسيسليا قد باءت بالفشل.وتضمن حفل الافتتاح الذي أقيم في فندق قصر الإمارات في أبو ظبي فقرات منوعة تحكي فصولا من تاريخ السينما في العالم من خلال طفل إماراتي صغير يظهر على المسرح يقوم بتشغيل آلة عرض سينمائية لتكون البداية من الأفلام القديمة حيث بدت شاشات العرض تستحضر على مساحاتها عدداً من اللقطات السينمائية ويصاحبها مجموعة من الاستعراضات التي تتناسب مع ما يقدم من لقطات مثل:  ذهب مع الريح  و كارمن  و  صوت الموسيقى  و العراب  وغيرها من أفلام اجنبية إلى جانب عدد من الأفلام العربية مثل:  المهاجر  و باب الحديد  وغيرها.. وهكذا أوضحت اللقطات أن السينما قدمت عبر تاريخها موضوعات عدة مثل الحرب والحب والتاريخ فضلا عن امور عكستها السينما عبر تاريخها الطويل.
وانتهى الاستعراض باعلان الطفل الإماراتي عن إنطلاق المهرجان في دوراته الأولى حيث وضع شعار المهرجان وكأنه يعلن عن ولادة مميزة لهذا المشروع، الذي تنظمه هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث.
شكل فيلم الافتتاح بداية للعروض السينمائية التي تضم 80 فيلماً من 38 دولة موزعة على عدة فئات منها فئة الأفلام الطويلة بمشاركة 12 فيلما إلى جانب الأفلام الوثائقية ومسابقة الأفلام القصيرة التي يتنافس عليها 18 فيلما. وبداية أخرى للعروض الخاصة التي تضم خمسة أفلام أخرى وهي  لست هنا  و صور مطموسة  و التملص  و  طرق متقاطعة ، و أخيرا فيلم  في وادي إيلاه  وجميعها تناقش مواضيع ساخنة تشغل الانسان في ارجاء العالم وفي منطقة الشرق الاوسط خصوصا. كما يحتفل المهرجان بالمخرجات العربيات وستكون البداية بعرض فيلم  ليلى البدوية  ويعرض المهرجان أيضاً مجموعة من الأفلام الفائزة بمسابقة أفلام من الإمارات.

رحيم العراقي :أبوظبي

13
مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي في أبو ظبي :شؤون وعيون.

رحيم العراقي / أبوظبي

افتتح في ابو ظبي، مساء الاحد14اكتوبر2007، مهرجان الشرق الاوسط السينمائي الدولي في حفل فخم شهد حضوراً خجولاً  لنجوم السينما. فيما شدد المنظمون على اطلاق "صفحة جديدة" في مسيرة الفن السابع من العاصمة الاماراتية التي تريد ان تضيف السينما الى قائمة أولياتها. وفي فندق قصر الامارات إنطلق المهرجان بحفل افتتاح وعرض لفيلم "اتونمنت" (تعويض) للبريطاني جو رايت. واكد الشيخ سلطان بن طحنون رئيس هيئة ابو ظبي للثقافة والتراث ان المهرجان سيوفر عوامل جذب لصناع الفيلم الى ابو ظبي. مع "صندوق دعم الفيلم واكاديمية ابو ظبي للسينما ولجنة ابو ظبي للفيلم". وهي مؤسسات كان منظمو المهرجان اعلنوا في وقت سابق عن اطلاقها بموازاة اطلاق المهرجان.من جهتها قالت المديرة التنفيذية للمهرجان الاعلامية نشوة الرويني في حفل الافتتاح "نرحب بكل المبدعين من كل مكان ومن ال38 دولة الذين يمثلون القارات الخمس" ضمن ثمانين فيلما مشاركا. واضافت "نحتفل معكم بمئوية السينما المصرية وبستين سنة على استقلال الهند. وبعيد الميلاد الماسي لفنان السينما الاسباني العالمي كارلوس ساورا. ونتذكر رائد السينما الافريقية الاديب والمخرج السينمائي السنغالي عثمان سمبين الذي رحل عن عالمنا في حزيران/يونيو الماضي". واضافت "تفتتح اليوم صفحة جديدة من تاريخ السينما بعد مئة عام".الا ان حضور النجوم السينمائيين كان خجولا عند المرور على السجادة الحمراء قبل حفل الافتتاح. عرض فيلم جو رايت الذي يروي قصة فتاة كاتبة في الثالثة عشرة من عمرها تغير مجرى حياة عدة اشخاص. وبشكل دراماتيكي عندما تتهم حبيب شقيقتها بارتكاب جريمة اغتصاب لم يرتكبها. وعرض الفيلم للمرة الاولى في مهرجان البندقية السينمائي 2007. ويتضمن المهرجان الذي يستمر حتى 19 تشرين الاول/اكتوبر. مؤتمرا دوليا لتمويل الفيلم يهدف الى ايجاد "تواصل بين صانعي الافلام والممولين الدوليين" و"خلق فرص لصناعة السينما في الشرق الاوسط. وجعل ابو ظبي نقطة جذب لهذه الصناعة" على ما جاء في البيان. وتنظم كذلك مسابقة للافلام القصيرة يشارك فيها 18 فيلما. وسيوزع المهرجان جوائز "اللؤلؤة السوادء" وقد اختير هذا الرمز لارتباط ابوظبي بتراث صيد اللؤلؤ. وكشف محمد خلف المزروعي مدير عام هيئة أبوظبي للثقافة والتراث الجهة المنظمة لمهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي : أن هذا الحدث الدولي الهام يشهد ولأول مرة في مهرجان واحد، عرض 17 فيلماً من جميع دول مجلس التعاون الخليجي ، منها ثلاثة أفلام في قائمة ' تاريخ السينما '، و14 من إنتاج عامي 2006 و2007، من مختلف الأطوال والأنواع (روائية وتسجيلية وتحريك).واعتبر المزروعي أن هذه المشاركة المحلية والخليجية الواسعة ، جنباً إلى جنب مع العديد من أهم المشاركات العربية والدولية من مختلف قارات العالم ، سوف تنعكس بالتأكيد على التفاعل مع أهم صناع الفن السابع في العالم بمختلف مدارسه ونجومه ، وذلك عبر اكتساب الخبرات والمهارات والتقنيات التي ستساهم في تطوير صناعة السينما المحلية والخليجية .وتضم قائمة أفلام تاريخ السينما 'بس يا بحر' إخراج خالد الصديق عام 1972، وهو أول فيلم روائي خليجي طويل أنتج في الكويت ، و'الحاجز' إخراج بسام الذوادي عام 1990، وهو أول فيلم روائي طويل أنتج في البحرين، والفيلم التسجيلي القصير 'خيوط تحت الرمال' إخراج خليفة المريخي من إنتاج قطر عام 2003...أما الأفلام الجديدة التي تعرض لأول مرة في الإمارات فهي أربعة أفلام طويلة: 'ظلال الصمت' إخراج عبدالله المحيسن، وهو أول فيلم روائي طويل في السعودية، و'البوم' إخراج خالد الزدجالي، وهو أول فيلم في سلطنة عُمان، و'عندما تكلم الشعب' إخراج عامر الزهير، وهو أول فيلم تسجيلي طويل في الكويت والخليج، والفيلم الإماراتي 'جمعة والبحر' إخراج هاني الشيباني في عرضه العالمي الأول ..ومن الإمارات أيضاً سوف يتم عرض أربعة أفلام قصيرة، ومن السعودية ستة أفلام قصيرة منها فيلم التحريك 'فارس الأندلس طارق بن زياد' إخراج أيمن فودة..
و يشهد المهرجان أكبر تجمع للمخرجات العربيات في مهرجان دولي واحد.
في مسابقة الأفلام الطويلة تشترك اللبنانية نادين لبكي بفيلمها الروائي   سكر بنات   الذي عرض في برنامج نصف شهر المخرجين في مهرجان كان 2007، وحقق نجاحاً كبيراً، والمصرية نادية كامل بفيلمها التسجيلي   سلاطة بلدي  ، وفي مسابقة الأفلام القصيرة تشترك السعودية رنا قزاز، وفي برنامج أضواء على الشرق الأوسط تشترك من مصر ماجي مرجان وأيتن أمين ومن المغرب فريدة بورقية.
وفي برنامج مخرجات من العالم العربي المغربية فريدة بن اليزيد والسورية واحة الراهب والتونسية سلمى بكار وأربع مخرجات من فلسطين: روان الفقيه وناهد عواد وغادة الطيراوي وعلياء أرصغلي. وصرحت نشوة الرويني المدير التنفيذي للمهرجان أن المهرجان وجه الدعوة إلى المخرجات الـ13 المشتركات داخل وخارج المسابقة من مصر وسوريا ولبنان والمغرب وتونس وفلسطين، وسوف يُنظم ندوة خاصة عن المخرجات في العالم العربي تركز على تجاربهن وخاصة في هذه الدول العربية الست. ومن الجدير بالذكر أن المهرجان يٌنظم مسابقة   حياة    للفيلم القصير بالإشراك مع كلية أبو ظبي للطالبات وهي مسابقة خاصة عن أفلام تُصور بكاميرا   أي بود   وتمنح جوائز للطلبة والمحترفين والهواة، وتٌعلن الجوائز التي يتم اختيارها بالتصويت أثناء انعقاد المهرجان.
و صرحت نشوة الرويني المدير التنفيذي لمهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي أن الأعضاء العرب في لجنتي تحكيم المهرجان تم اختيارهم بحيث يمثلون العالم العربي من المحيط إلى الخليج، من خلال أربعة أعضاء من الإمارات وتونس وسوريا ومصر .حيث تتشكل لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الطويلة من سبعة أعضاء هم :
"آن برنيه" التي تعمل في مجال السينما والتلفزيون منذ عام 1988، حيث بدأت في تليفيلم كندا (الوكالة الثقافية الفيدرالية المعنية بتطوير وتشجيع وترويج صناعة المواد السمعية والبصرية في كندا)، ومن أنشطتها مؤتمر الشركاء الاستراتيجيين الذي استمر لمدة عامين، وتناول الإنتاج العالمي المشترك، وتعمل حالياً كمديرة عمليات وتطوير بشركة إيمكس كوميونيكيشنز، وأنتجت فيلم "الكلاب المتوحشة"، إخراج توم فيتزجيرالد، والذي صور في رومانيا عام 2001.
"إيان بيرن" مدير قسم السينما بمتحف مقاطعة لوس أنجلوس للفنون منذ عام 1996، وهو مستشار للمشروعات الخاصة لوحدة تشجيع وترويج الفيلم الأوروبي، ومقرها هامبورج. شارك على مدى أربع دورات في برمجة وإنتاج عدة عروض خاصة احتفالية بمهرجان تورونتو الدولي. منذ أن انتقل إلى لوس أنجلوس وهو يعمل كمبرمج لمهرجانات بالم سبرينجز، وبانجكوك الدولي، وفي عام 2003 منحته الحكومة الفرنسية وسام فارس في الفنون والآداب.
"إليوت في كوتيك" رئيس تحرير مجلة موفينج بيكتشرز، وشارك بلجان تحكيم مهرجانات سينمائية عالمية. بعد عامين في معهد لي ستراسبرج للمسرح، حصل على جائزة أفضل ممثل من جامعة نيويورك عام 2004، وكان كوتيك قد تخرج من قسم كتابة السيناريو بجامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس، وشارك في عشرات المطبوعات مثل، بلاك وايت، فيدان، جوثام، انسايد فيلم، ومن أهم أعماله حواراته مع: أوليفر ستون، دانيل داي لويس، ادريان برودي، فورست ويتيكر، دافيد كروننبرج، كوين لطيفة.
"كرستيان فري " أحد أشهر مخرجي الأفلام التسجيلية المعاصرين. مواليد 1959، في سويسرا، أخرج أول أفلامه عام 1981، ويعمل كصانع أفلام مستقل منذ عام 1984، أخرج أول أفلامه التسجيلية الطويلة ريكاردو وميريم وفيدل عام 1997 في عام 2001 تابع في فيلمه "مصور حرب" المصور الفوتوغرافي جيمس ناشتوي، خلال مهماته الصحفية المختلفة. وفي عام 2005 تناول في ثالث أفلامه الوثائقية الطويلة تحطيم تماثيل بوذا الشهيرة في وادي باميان النائي بأفغانستان. وهذا العام يبدأ تصوير "سائحوا الفضاء"، وهو بمثابة مقال عن سياحة الفضاء.
"كلوديا إم لاندز برجر" درست الحقوق وعملت بمجال السينما في الإنتاج والتطوير والشراء والتسويق والترويج. في عام 1997 شاركت في إنشاء وحدة تشجيع وترويج الفيلم الأوروبي. في عام 1995أصبحت مديراً في شركة هولاند فيلم، وهي المؤسسة الرسمية المسئولة عن تسويق وترويج الأفلام الهولندية. عضو في لجنة الاختيار لمسابقة مهرجان برلين السينمائي الدولي ولجنة اختيار صندوق دعم هامبورج، وسينمارت بمهرجان روتردام السينمائي الدولي، واللجنة الإرشادية لمهرجان معهد السينما الأمريكية واللجنة الإرشادية لمهرجان تورونتو السينمائي الدولي.
 محمد الأحمد ناقد ومعد برامج تلفزيونية سوري، وحصل على MSC من جامعة بانجور البريطانية في نقد السينما والمسرح.. عضو لجنة التحكيم في مهرجانات القاهرة والإسكندرية والرباط وفجر ومونس ومونبيليه وروتردام للفيلم العربي، رئيس المؤسسة العامة للسينما (وزارة الثقافة) في دمشق، ورئيس مهرجان دمشق منذ عام 2000.
نجيب عياد تونسي أستاذ في الأدب الفرنسي. رأس اتحاد نوادي السينما في تونس ومارس نقد السينما منذ 1975. مدير شركة "ساتباك" (وزارة الثقافة) 1980. رئيس مهرجان سوسة لأفلام الأطفال والشباب منذ 1992. مؤسس ومدير عام شركة الضفاف للإنتاج منذ 1998. من أفلامه كمنتج "أوديسه" إخراج إبراهيم باباي 2003، و"ملائكة الشيطان" إخراج أحمد بولان 2007.
أما لجنة تحكيم مسابقة الأفلام القصيرة فتضم :
"أندرو بي كرين " مبرمج عروض الأفلام القصيرة والمشروعات الخاصة، بالسينماتيك الأمريكي بلوس أنجلوس. شارك في العديد من اللجان في مهرجان لوس أنجلوس، وأوت فست، وسكريم فست، وشارك في لجان تحكيم الأفلام القصيرة بمهرجانات دولية مثل بالم سبرينجز وتورونتو، ومحلية مثل جولدن ستار، واتش بي أو لأفلام الكوميديا، قام بإدارة ندوات مع صناع أفلام وممثلين مثل: بول ويليامز، ستانلي روبين، ميرانداجولي، ماتيو كاسيوفيتز، انييس فاردا، والعديد من مخرجي الأفلام المستقلة، والتسجيلية والقصيرة.
"إي إلياس ميرهيج " من بروكلين بنيويورك، درس السينما بمعهد سني برشيس فيلم أول أفلامه الروائية الطويلة أنجب كتبت عنه مجلة تايم إنه من أحسن عشرة أفلام في العام، ويعتبر الآن من كلاسيكيات عشاق السينما ثاني أفلامه "ظل مصاص الدماء" رشح لجائزتين أوسكار، وجائزة جولدن جلوب، ثالث أفلامه "المشتبه فيه صفر"، وقام ميرهيج بالمشاركة في إنتاجه، ومؤخراً أخرج ميرهيج "ضجيج الطيور السماوية"، وهو فيلم قصير من تمويل هيرميس بباريس، وقد عرض سينمائياً لأول مرة بمهرجان تيلوريد، وعرض على قناة تيرنر كلاسيك موفيز.
"جمال سالم " إماراتي. تخرج في كلية الإعلام جامعة الإمارات عام 1987. كاتب للمسرح والتلفزيون منذ 15 عاماً. من أعماله التلفزيونية "حاير طاير" و"الدريشة" و"عيال الفقر" و"جنون المال" و"عمى ألوان". فاز بجائزة تيمور للإبداع المسرحي في مصر عام 1995. عضو مجلس إدارة جمعية المسرحيين في الإمارات، وعضو اللجنة الدائمة للمسرح في دول الخليج. مدير قناة الإمارات في مؤسسة الإمارات للإعلام.
"ماريان خوري " مصرية. ولدت في القاهرة عام 1958. تخرجت في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة 1980. حصلت على MSC في الاقتصاد في جامعة أوكسفورد البريطانية 1982. عملت في شركة خالها يوسف شاهين منذ 1984 في إدارة الإنتاج. أخرجت أول أفلامها "زمن لورا" (تسجيلي قصير) عام 1999. ومن أهم إنتاجها سلسلة "نساء رائدات" (12 فيلماً تسجيلياً طويلاً) بتمويل الاتحاد الأوروبي، ومن بين الأفلام الـ12 أخرجت "عاشقات السينما".
"يولي شتيجر" ولد في سويسرا. درس الأدب الإنجليزي واللغويات وتاريخ الفن في جامعة زيوريخ، ثم درس التصوير السينمائي بمعهد السينما بلندن، تعاون مع المخرج مايكل هوفمان. عمل برؤيا مميزة في أفلام من أجناس ونوعيات مختلفة مع مخرجين مثل دينيس هوبر، فرانك أوز، كاميرون كرو، رولاند امريش، ومن أفلامه الكوميديا، والدراما، وأفلام الحركة، من أفلام مستقلة وأفلام هووليود كبيرة الإنتاج.
محبتي لك
 من جهة أخرى نفت نشوة الرويني المديرة التنفيذية لمهرجان الشرق الاوسط الدولي السينمائي ان تكون “اسرائيل” بين الدول السبع والثلاثين المشاركة في المهرجان.
وقالت الرويني في بيان تلقت وكالة “فرانس برس” نسخة عنه ان ما اثير عن مشاركة فيلم “اسرائيلي” في فعاليات مهرجان ابوظبي “هجوم على المهرجان لا اساس له وادعاء فيما قائمة الافلام المشاركة تخلو من اي اعمال “اسرائيلية”.
وحول عدم اصدار ادارة المهرجان لبيان نفي في وقت سابق لقطع الطريق على الشائعات اعتبرت الرويني ان ادارة المهرجان لا ترد على “افتراضات” وقالت “نحن نتدخل في الامور التي لها اساس فقط”.
واوضحت ان فيلم “زيارة الفرقة”، “تقدم الى مهرجان ابوظبي كما الى مهرجانات اخرى وقررنا الا نرد ولا ننفي لاننا لم نعلن اساسا عن مشاركة الفيلم ولم يكن ذلك رضوخا للضغوط”.لكن الرويني وفي الوقت نفسه اشارت في البيان الى رفضها “تسييس المهرجان المستقل الذي يهدف لخدمة الصناعة السينمائية” مشيرة الى ان “المهرجان يفتح ذراعيه لكل المبدعين”.وشرحت الرويني لوكالة “فرانس برس” ان صناع الفيلم “الاسرائيلي” أبدوا “رغبة شديدة” بعرضه في مهرجان ابوظبي وارسلوا نسخة ايضا الى مهرجان القاهرة وربما الى مهرجانات عربية اخرى “لكن رغبتهم شيء وعرض الفيلم في مهرجان ابوظبي شيء آخر”.وكانت صحيفتا “يديعوت احرونوت” و”هآرتس” “الاسرائيليتان” اضافة الى المستشار الثقافي لسفارة “اسرائيل” في القاهرة بني شاروني اكدوا على نحو قاطع مشاركة “زيارة الفرقة” في مهرجان ابوظبي.

14
أدب / أغانينا..
« في: 14:59 09/10/2007  »
(( 1 ))
أغنية
ولفي وأريده من هله
كلمات : رحيم العراقي
 لحنها الفنان الكويتي نامق أديب
غناء : قحطان العطار..
 1974

ولفي وأريده من هله ماريد أعاشر ثاني
سافروَخذ كلبي إله واني أدري ما ينساني..

سافر وضيعني وضاع
مبحر وَخذ كَلبي شراع
من بعد ذاك الوداع.... إبلا أمل خلاني..

سافر وَخذ كلبي إله
تذكار من طيبة هله
من بعده غيره ما حله... مابين كل خلاني..
 
يمته يجي ونمشي سوه
غيمات بحضان الهوه
نعتلكـَ للدنيه ضوه ....ونمطر فرح وَغاني..

**********

 (( 2 ))
أغنية
غني كَـــلبي
كلمات : رحيم العراقي
لحن وغناء : قحطان العطار
1981

غـــنّـي يكَـــلبي إشما يصيبك غــــني
و ببيوت أهلنه بطــــيب ســـولف عني
بجفوفي ساكَيتك نده..واني العطش يحركَـني
وبشعري سويتك بحر..وبموجك إتغّركَني..

غــــّني....غــــّني....             غــــّني
يا كَـــــلبي غــــّني ....           غــــّني
كَال لي جروحي إتعبني
كَتله شد جرحك وغــــّني
إبلا جرح  مامش مغـــني......  غــــّني.

..غــــّني يا كَــــــلبي عليهم
ولو إحــــــنه مفاركَـــــــــيهم
هـــم يجـــي يـوم ونجـــيهم ..منهم انه وهُمّه مني..

.. غــــّني ياكَـــــلبي إلأهلنه
وبســــــــوالـفهم إتـغـــــــنه
الصــــحاري تصـــــــير جـــنه ..لو حبيبي على ظني..

.. غــــّني للورده وأملهه
وصـــير ياكَــــلبي مثلهه
غـــّني للأيــام كـــــلهه .. واليالي الســـــــــهرني..



و......سلاماً لتلك الأغاني
سلاماً للأيام الخوالي
سلاماً للصديق الطيب الخلوق الصادق الحبيب
قحطان العطار]
رحيم
دبي/تلفزيون سمادبي.[]

15
كريم العراقي وسعدة و العصفور والمطر..

رحيم العراقي



أتذكر...سطح دارنا ..وشقيقي الأكبر كريم وهو يكتب ..
ويبتسم..ويتحدث مع الدفتر المدرسي..ويدخن..ثم يصمت وتدور هالة من
الكآبة فوق رأسه..وكأنها شفق الغروب الذي يحيط بشمس ذلك اليوم
الربيعي من عام 1972..لأول مرة انتبه الى عمق الحزن الكامن في
عيني هذا الفتى الذي لم يبلغ العشرين لكنه شغل معهد المعلمين
والمقاهي ومحبي الشعر الحميمي.. وأرى معالم وجهه النحيل واضحة..
أمس الأول قرأ لي:

_ ما عندي سياره ولاعندي عماره
ولايقربلي واحد من أهل الإماره
بين الشفّه والكَاع مثل عمر الجكَاره..

وبالأمس كنا أنا وأبي نحمل كريمأً الى عيادة الدكتور مجيد الراوي في كرخ بغداد.. قال:

_ هذا الفتى الكئيب..قد يصاب بما هو أشد ..دواؤه :حنان..وفرح..
إستنكر أبي هذا..لأول مرة يعرف بوجود داء لا يوجد له دواء في الصيدليات..

قبلها بيومين جئنا من البصرة التي يحبها بقطار آخر الليل.
وعندما أفقت صباحاً نظرت الى كريم في مقعده فوجدته نائماً وبين يديه
تتبعثر تفاصيل وأبيات قصيدته الجديدة :                                                                                                     

(( سعده والعصفور والمدرسة..))
 
سعده بت شارعنه شكَره وسعده قارب ما رسه
راح يسكَــــيهه مطــرنه وبّرعمت بالمدرســــه
مكّلله بجفيه نيلي..والشرايط كَمبرات
تجي كَبل الطالبات
إشما يجيهه بالحلم
ترسمه بالغُبشه رسم
راسمه نخله طويله ..وبلم مكَلوب ونهر
وراسمه شمس الغروب..شمعه معتلكَه إبجرح
وراسمه رّحال بدوي..باديه بكلمة ملح
تالي ومكّملّه وجهه.. وذايبه كلمة ملح
وراسمتني آني عصفور المدينه
أبيض بلون الصُبح..
المعلمه شافت الدفتر وشّكت :

__ إنتي يرسملج أبوج ..هذا بدوي من صدكـَ
راح يصعــد للعثكـَ

وهذا عصفورج حقيقي..يريد يحجي..يريد بالمدرسه يطير

__ ست خطيه.. ست فقير..
__ أس..أسكتي ولا كلمه..
__ ست إذا أرسمله نجمه..
__ تحتركـَ..لا..تحتركـَ..
__ ست إذا تحضنها غيمة..ست..إذا..
__ لا تحتركـَ..

يفتح العصفور جنحه..للسماوات الزركـَ
يرَفرف َ العصفور جنحه..وتنطبكـَ
..الطفله.. حلّت ظفيرتهه
الطفله صفنت وانحنت
الطفله..جّفيّتهه نيلي
كـَطعت الدكـَمه وبجَت..
هـــيَ منين إلهـه رسـّام
أبوها عاجز..ساكن بكَـــــبة إمام
الطفله..بالدمعات غركَت شهادتهه
..آني عصفور الطفوله..وما أكـــَوله :
هـيَّ رسمتني بديها واني شايل علامتهه
طحت من نخلتهه فحمه ليش شكّت مُعّلْمتّهه..؟

كريم العراقي
ليلة20-21/3/1972
قطار بغداد_البصرة


..إنتشلني كريم من أفكاري عندما ناداني بعد أن أحس بوجودي..قال :
إسمع:
إجه المطر وإنته بلا حبيبه
وراح المطر وإنته بلا حبيبه
سهارى إنته والكَمر..وعيونكم غريبه
..لالا يليلي لالا لالا لالا
نبض الكَلب رساله..لالا لالا
وصمت المحب رساله..لالا لالا
الكَمر جيرانه النجم واني الناس جيراني
كلمن يضّوي إلجاره سمـا وكَاع نواره
..آنا حبيبة عمري لون الياس
تلبس الطيبه وتفرح إلكل الناس
نبع الأمل بعيونهه ونظراتهه مواعيد
والدنيه تزهي إبلونهه للناس فرحه والعيد..
ثم اردف كريم :سأكملها ..ما رأيك..؟

..وعاد الى شروده مع القلم الرصاص والدفتر المدرسي قبل
أن يسمع جوابي..بعد سنوات سمعتها بصوت الفنان سامي كمال
بعد ان لحنها المرحوم كمال السيد وغّير كريم بعض المفردات وأضاف بعض الأبيات..
لكنني لا أتذكر منها الآن وبعد مرور ثلاثين عاما سوى المقاطع التي
قرأها لي كريم على سطح دارنا.




16
مؤلفا كتاب ( ت. س. ايليوت ) هما كريغ رين ودوغلاس ب. فراي، الأول شاعر وناقد انجليزي معروف. وكان أستاذاً في جامعة أوكسفورد قبل أن يتفرغ للنشر والكتابة. وهو المؤلف الأساسي للكتاب. أما الثاني فهو أستاذ أيضاً في أوكسفورد وصاحب العديد من المؤلفات.
ويرى كريغ راني منذ البداية أنه قد انتشرت إشاعات كثيرة عن أشهر شاعر في القرن العشرين: ت. س. ايليوت. فقد اتهموه بالغموض، والتطرف في التجريب الشعري والخروج على المألوف، الخ. ولكنه في الواقع كان كاتباً واضحاً يعرف ماذا يريد.
فهناك وحدة عضوية تربط بين شعره ومسرحه وكتاباته النقدية. وشعره على الرغم من الغموض الذي يكتنفه وولعه بالتجريب والتجديد كان يحتوي على معنى محدد مثله في ذلك مثل الشعر العادي أو التقليدي. ولكن ينبغي أن نعرف كيف نقرأه لكي نصل إلى هذا المعنى.
ثم يردف المؤلف قائلاً: لقد ولد توماس ستيرنز ايليوت في الولايات المتحدة عام 1888 ومات في لندن عام 1965 عن عمر يناهز السابعة والسبعين. وكانت عائلته غنية لأن والده كان رجل أعمال كبيراً وأمه مدرسة قبل أن تنخرط في كتابة الشعر.
وكان آخر العنقود في عائلة تضم ثلاثة أطفال آخرين، بنتين وصبي. وقد درس ت. س. ايليوت في أفضل المدارس قبل أن ينتقل إلى جامعة هارفارد الشهيرة بين عامي 1906-1909 حيث نشر أولى قصائده وعمره لا يتجاوز الثامنة عشرة.
وفي عام 1910 تخرج من الجامعة وسافر إلى فرنسا حيث درس في السوربون بين عامي 1910-1911. وبالتالي فكان يعرف الفرنسية، وهذا ما ساعده على قراءة الشعر الفرنسي بلغته الأصلية والتأثر به وخاصة شعر الحداثة.
وبعدئذ عاد إلى هارفارد حيث واصل دراسة الفلسفة، وقد شغف بالفلسفة الهندية-الآرية وكذلك بالعقيدة البوذية. وفي عام 1914 حصل على منحة للدراسة في جامعة أوكسفورد بانجلترا، وكان هذا أكبر ما يطمح إليه المثقف الأميركي في ذلك الزمان. فانجلترا تظل الوطن الأم بالنسبة للأميركان، وتظل مصدر الآداب الانجليزية ومهدها.
وكان يريد أن يذهب إلى ألمانيا لمتابعة دراسة الفلسفة في جامعاتها ولكن اندلاع الحرب العالمية الأولى حاله بينه وبين تحقيق هذا الهدف. ولكنه لم يكن سعيداً في جامعة أوكسفورد، ولذلك فلم يجدد منحته للعام القادم. وراح يشغل نفسه بكتابة أطروحة الدكتوراه وإرسالها إلى جامعة هارفارد.
وقد قبلتها الجامعة. ولكن بما أنه لم يكن موجوداً أثناء مناقشتها فإنه لم يحصل على شهادة الدكتوراه! وفي أثناء هذه السنوات تعرف على بعض الشخصيات الهامة من أدبية وفلسفية. نذكر من بينهم: الفيلسوف الفرنسي هنري بيرغسون، والفيلسوف الانجليزي برتراند رسل.
ثم يردف المؤلف قائلاً: وبعدئذ تزوج ت. س. ايليوت من سيدة انجليزية عام 1915 تدعى فيفيين هين وود. وقد كتب عندئذ رسالة إلى أحد أصدقائه يقول فيها: لقد أقنعت نفسي بأني مغرم بفيفيين لكي أبقى في انجلترا بكل بساطة. فأنا لا أريد العودة إلى أميركا.
وقد اقتنعت هي تحت تأثير عزراباوند بأنها عن طريق هذا الزواج سوف تنقذ إنساناً أو شاعراً ضائعاً وتجبره على البقاء في انجلترا. ولم يقدم لها الزواج أي سعادة. أما أنا فقد وضعني في حالة نفسية أدت إلى كتابة: الأرض الخراب! وهذا يعني أن زواجه كان سعيداً جداً ولا يقل خراباً على الأرض الخراب نفسها.
وفي عام 1927 حصل ت. س. ايليوت على الجنسية البريطانية واعتنق المذهب الانجليكاني، أي مذهب أغلبية الانجليز. ثم انفصل عن زوجته عام 1933. ولكنها لاحقته، بل وانضمت إلى الاتحاد البريطاني للفاشيين حباً به لأنها عرفت أنه ميال إلى أطروحاتهم ومعجب بموسوليني.
وكانت تحضر محاضراته العامة لكي تذكره بوجودها وتدعوه للعودة إلى البيت. وقد جنت في نهاية المطاف ووضعوها في المصح العقلي طيلة السنوات التسع الأخيرة من حياتها دون أن يكلف نفسه شاعرنا الكبير زيارتها ولو مرة واحدة. وقد كشف بذلك عن انعدام في الحس الإنساني لديه.
ثم يردف المؤلف قائلاً بما معناه: أما زواجه الثاني فكان سعيداً، فقد تزوج سكرتيرة منذ عام 1949 يوم عشرة يناير 1957 عندما كان عمره سبعين عاماً تقريباً. وكانت تصغره بثمانية وثلاثين عاماً. ولم يعش معها أكثر من ثمان سنوات لأنه مات عام 1965. ولكنهما كانا سعيدين جداً.
وقد أمضت هذه الزوجة الثانية عمرها في رعاية أعماله الأدبية والاحتفال بذكراه بعد أن مات وأصبحت هي أرملة. وهذا وفاء منقطع النظير وبخاصة بالنسبة لامرأة أوروبية. فهي التي أشرفت على نشر رسائله والتعليق عليها وشرحها.
هذا وقد دفن ت. س. ايليوت في نفس القرية التي كانت لهم قبل أن تهاجر عائلته إلى أميركا. وبالتالي فقد عاد إلى أصله في نهاية المطاف. في الواقع أن ت. س. ايليوت أمضى معظم حياته في انجلترا. ولكنه أقام في باريس أيضاً في العشرينات من القرن الماضي حيث تعرف على كبار الشعراء والفنانين الذين كانت تحفل بهم العاصمة الفرنسية آنذاك من أمثال اندريه بريتون زعيم السورياليين أو بيكاسو أو سواهما.
وقد انهمك عندئذ في دراسة اللغة السنسكريتية والأجيان الشرقية القديمة: أي أديان الهند على وجه الخصوص. ينبغي العلم بأن أشهر قصيدة لإيليوت، أي أرض الخراب، كتبها وعمره لا يتجاوز الثالثة والثلاثين. كان ذلك عام 1922، وقد كتبها وهو في أشد حالات المعاناة مع زوجته الأولى حيث لم يكن سعيداً على الإطلاق كما ذكرنا.
وبالتالي فقد انعكست هذه الأحداث الشخصية على القصيدة بشكل أو بآخر. كما وانعكست عليها خيبات جيل بأسره: وهو الجيل الذي خرج محطماً من الحرب العالمية الأولى. من هنا جو التشاؤم الذي يخيم على القصيدة. إنه جو العبث والضياع والعدم. ومع ذلك فقد أصبحت هذه القصيدة المثل الأعلى للحداثة الشعرية البريطانية. بل ويعتبرها البعض أهم قصيدة في القرن العشرين أو على الأقل من أهمهما.
ولكنه فيما بعد راح يأخذ مسافة عنها لأنه وجدها كئيبة أو مظلمة وسوداوية أكثر من اللزوم. وقد كتب بهذا الصدد يقول: فيما يخص الأرض اليباب (أو الأرض الخراب) فإني أعتبرها شيئاً من الماضي. وقد تجاوزتها الآن وأنا مستدير في هذه اللحظة نحو المستقبل، أي نحو شكل جديد أو أسلوب جديد للشعر.
ولكن على الرغم من شكلها المزعج والصعب والمعقد والمتشتت فإن هذه القصيدة هي التي خلّدته بعد أن أصبحت منارة للشعر الانجليزي بل وللحداثة الشعرية ككل. فعندما يذكر اسم ت. س. ايليوت تخطر على البال فوراً قصيدة الأرض اليباب. لقد ارتبط اسمه بها رغماً عنه.
والواقع أن القصيدة خليط من الأزمنة والأمكنة والمرجعيات الثقافية المستعارة من الحضارات البشرية أخرى . إنها عبارة عن فوضى خلاقة إذا جاز التعبير. وقد أصبحت بعض فقراتها عبارات شائعة في اللغة الانجليزية اليومية. نذكر من بينها قوله: نيسان أقسى الشهور؛ أو سوف أريكم الخوف في حفنة من الرماد، الخ.
ثم يردف المؤلف قائلاً: بعد أن اعتنق ت. س. ايليوت المذهب الانجليكاني أصبح متديناً لأول مرة، وأصبح متعلقاً بالتراث البريطاني وقيمه العريقة التي تضرب بجذورها في أعماق الزمن. باختصار لقد أصبح رجلاً محافظاً بل ورجعياً بحسب رأي البعض. وقد عرّف نفسه آنذاك بأنه: كلاسيكي من حيث الفن والأسلوب، وملكي من حيث القناعات والأفكار السياسية، وانجليكاني كاثوليكي من حيث العقائد الإيمانية.
وقد شهدت هذه الفترة ظهور كتاباته التالية وبالأخص: أربعاء الرماد، رحلة السحرة، وأربع رباعيات. وقد اعتبر ايليوت هذه القصيدة الأخيرة بمثابة رائعة أعماله. وهي مبنية على العناصر الأربعة وعلى الجوانب الأربعة للزمن: أي الزمن اللاهوتي، والزمن التاريخي، والزمن الفيزيائي الطبيعي، والزمن البشري.
ثم ألف ايليوت مجموعة مسرحيات معظمها مكتوب شعراً لا نثراً. نذكر من بينها: جريمة قتل في الكاتدرائية (1935)، وحفلة كوكتيل (1950)، ورجل دول عجوز (1958). هذا وقد اختير «ت. س. ايليوت» كعضو في لجنة كبيرة مكلفة بترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة الانجليزية الحديثة، وهذا أكبر دليل على أنه كان قد أصبح متديناً فعلاً ويوثق به من هذه الناحية.
وفي عام 1948 توجت حياته الأدبية بمنحه جائزة نوبل للآداب وكان في الستين من عمره. وقد صرحت لجنة استوكهولم الموقرة بأنها منحته الجائزة تقديراً للإنجازات الكبرى التي حققها بصفته رائداً للشعر الحديث.



17
أدب / أغنيات لم تر النور
« في: 11:54 08/09/2007  »
يا والده


كلمات : رحيم العراقي
ألحان : قحطان العطار
                                                                         1973                                               

إنتي الوفه يلوالده     إنتي الهنه يلوالده
حضنج دفه وإيدج شفه                             
واللي يجــازيج الوفـه     الله بحياته إيساعده..

****
مالي عكَب عينج وِلي                                 
بس إنتي بالدنيه إلي                                 
مشتاكَه ياديرة هلي     ودموع عيني شاهده ..

****

 يا يمه غربني الدهر                                   
والشوكـَ علمني السهر                                     
وشراعي هايم بالبحر      والريح كلهه إتعانده..

****

ياوالده إســـــنين الحــزن                                   
صارن سواجي إعلى الجفن                                   
وإنتي الوفـــه وكَــلبج يحن     حّــن الحمامة الفاكَـده..







ولهانه عليك
جوبي


كلمات : رحيم العراقي
ألحان : علي سرحان
                               1983                   
                                                                                                     
ولهانه عليك   مفتونه بنور عيونك
خليني أوياك   ما اتحـمل من دونك
    يا دهن العـود   يا طيبك                       
عين الحاسود   لتصيبك                   
ربك موجود   الله يحفظك ويصونك..

****
تركًص وتميل     يلطـــولك رمح إرديني
وبيدك مـــنديل     موصوف إلدمعة عيني
إمسهرني الليل     شايل همك وظنونك..

****
آني بيا حــال     وأتحمل هــاي النظــرة
مشغـــولة بال    سحرتني العين الخضره
أحلى الآمــــال   صارت خمريه إبلونك..

****   
ويـــّـه النغمات   تركَــص وتهز إجتافك
وأحـلى الكــلمات     غّـنت مابين إشفافك
كل عمري الفات   ضايع ضايع من دونك.   




يتدلل


كلمات : رحيم العراقي
ألحان : عارف محسن
1977

يتدلل..يعرفنه نريده
يتدلل..والروح بإيده

*****
يتـــدلل مابـيـن أحـبابه
ويازعله وياطول إعتابه
الزعل يروح بأســـــبابه
والحب الأيام إتزيده..

*****
تّـيمني بروحه الشفافه
وأجمل بسمه بين شفافه
الحلو ماتكـــمل أوصافه
دومه يظن عناده يفيده..

*****
ساحرني وآسرني جماله
لكــن عـّذّب حالي دلاله
كــلما أتعّود على حـاله
ألكَى حبيبي بحاله جديده..












وين الوفــــه..

كلمات : رحيم العراقي
ألحان : جعفر الخفاف
1974

وين حبــــــك صار...وين العاطفه
وين وعــــــدك..آه وين الــوفــه..

****** 

عمري ما حســـّبت تنســـاني وتروح
ونته روحي شلون أعيش بلايه روح
من يمر طــــرواك تلجمني الجـــروح
لاني ناســــــيتك ولا وكــــتي صُفه..

********             

لو تلاكََـــــــينه يبو كَـــــلب الصـــلف
تدير وجــهك ليش وتضيع العــــرف
براحة إيدي إسكَـــــيتك الشوكـَ الترف
تالي جــــازيت المحــــبه بالجـــــــفه..

**********

واعـدتني وعـشـت أيامي إنتظـــــار
أنتظـــــر توفي وعـــــودك على نار
يا كـــــلام الليل يمحـــــيه النهــــار
وذاب مثل الشـــمع وعـدك ونطفى..

18
كأس آسيا و أمن جمجمال و الجيش الأردني....!

عندما جلست الى مكتبي كنت قد أعددت العدة لكتابة مقالة أو إستطلاع عن إحتفالات العراقيين بدبي بالفوز بكأس آسيا ومشاعر الأشقاء الإماراتيين الذين كانوا يصفقون أو يشيرون بعلامة النصر من سياراتهم للمشتركين بالمسيرات العفوية بشوارع دبي .. وكذلك الصحف الإماراتية التي خرجت بمانشيتات تقول فيها: ( عـمــــلاق يا عــــــــــــراق ) وغيرها أو قناة دبي الرياضية التي نافست قناتي العراقية والكـــأس القطرية في الإحتفاء بالفوز العراقي ..ولكـــنني توقفت عن الكتابة لسبب بسيط وهو : ربما يظن البعض بأني أمدح الإماراتيين لكوني مقيماً بأرضهم طمعاً لا ولعاً.. وهكذا تحولت عن الموضوع الى موضوع آخر قررت الخوض فيه بعد وصول رسالة من شاعرة عراقية مقيمة في الأردن تصف فيها فرحة العراقيين في الأردن بفوز منتخبهم التي نغصها عليهم الجيش الأردني بطل معركة اليرموك الذي أنزل الأعلام العراقية وضرب حامليها بالعصي .. وأوعدتني بإرسال صور لهذه الصولة الشامية الجامحة .. ولكنني أحجمت أيضا عن الخوض في هذه القضية كونها ستسئ ظن العراقيين بمشاركة العرب أفراحهم بعد أن شاركوهم بكل شئ ولم يبخلوا عليهم حتى بالإرهابيين والتكفيريين.. كما أنها ليست الوحيدة فالعشرات من العراقيين المقيمين في سوريا في منطقة السيدة زينب قاموا برفع الأعلام العراقية فحاصرتهم الشرطة السورية وضربتهم بالهروات مما أدى إلى إصابة ثلاثة أشخاص بالإغماء.. ولهذا فكرت بالرد و الإعتذار من الشاعر السعودي الذي كتب مقالاً طريفاً يقول فيه إن أشقائنا العراقيين لم يسرقوا كأس آسيا منا فحسب بل سرقوا نشيدنا القديم الشهير ( إرفع راسك إنت سعودي )..أيضاً.. والحقيقة أن أغلب العراقيين لم يشاهدوا أويسمعوا هذا النشيد كونه ظهر في وقت لم يكونوا فيه يمتلكون الأطباق الفضائية ولا يشاهدون سوى أناشيد القائد الضرورة.. ومع ذلك أصابني الفتور ولم أتحمس للموضوع  وإتجهت لقراءة الإيميلات البهيجة القادمة من كل أنحاء العالم لتهنئ بالفوزالعراقي وتحمل أسماء أحبتي : موقع النور في السويد و كاظم الساهر وكريم العراقي و هاشم سلمان وأمل طه وعبير حسن وجعفر الخفاف و الدكتورة نازك خلف ومحمود أبو العباس وواحد لا أعرفه إسمه سطيفان.. ولكن .. ثمة رسالة إندست بين هذه الرسائل المفرحة تحمل معاناة أسرة مهجرة من بغداد إضطرت الى الرحيل الى جمجمال وبعد يومين من وصولهم قامت مديرية أمن جمجمال بتهجيرهم مرة أخرى.. لم أصدق ما قرأته رغم تذكري لشخصية العقيد بونديا برواية ( مائة عام من العزلة ) الذي تحول الى دكتاتور لكثرة ماعاناه في حياته من الدكتاتوريين ..ولكن الصدفة وحدها جعلتني أصدق الرواية فقد سألت أحد أصدقائي عن زميلة طبيبة وناشطة حقوق مدنية ..فقال أنها هُجـــرت من بغداد .. ومن ثم هجرها رجال أمن جمجمال الى كركوك..فكتبت في أعلى الورقة :
  بسم الله الرحمن الرحيم     
{الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} التوبة: 20.
{وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} الحج: 58.
{فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} آل عمران: 195.
صدق الله العظيم
و لم أستطع كتابة شئ آخر ..بل قررت فض الشراكة بالعنوان مابين: كأس آسيا و أمن جمجمال و الجيش الأردني.أوإضافة الجيش السوري لهم..فلم أستطع أيضاً..

19
أدب / أسوار سمرقند
« في: 13:17 18/06/2007  »
أسوار سمرقند

رحيم العراقي


حين وصل الى أسوار سمرقند..وحيدا 
كان فارساً متشحاً برماد الحرائق 
بل أظنه كان شاعراً 
شارد الذهن ..شريدا
يتأبط كتاب الأفول
ويتلمس ضوءاً شحيحاً ينتهي عند أسوارها..
..لم تكن سمرقند أسيرة بأيدي المغول
تنتظر نيزكاً هابطاً من قمرٍ عتيق
كانت تتجمل في غرفتها
محاطةً بجواري الشباب المُضاع
تشدو اغاني الزفاف الوشيك..
لهذا إرتدى قميص المهـّرج..
ورسم شفتيه ضاحكتين في موكب العرس
ثم تسلل الى عزلتهِ الأليفة..آخر الليل.



20
أدب / رغيد..في حضرة المسيح
« في: 10:56 07/06/2007  »
رغيد..في حضرة المسيح
(الى روح أبينا رغيد .. الشهيد السعيد)


رحيم العراقي



1

لم تقتلوا حياته
لأنه يمتد في الأشجار والأنهار والنهار..صوب الريحْ
ووجهه  النازف يعلو صفحة المياه مثل القمر الجريحْ
لأنه قد غادر الضريح
لأنه في حضرة المسيح
يشكو ويحكي ماجرى..
معـّفراً في دمِهِ ..ذبيح..



2

المجرمون..الغادرون...القَـتـلَه
الحاقدون..المارقون...السـَفَـلـه
لو أصبحتْ دمائكمْ نهرا
لو نزفتْ قلوبكـمْ دهـرا
فما تساوي قطرةً من دمِـهِ الزكيّ
وبسمةً في وجهِـهِ البهـيّ



       

21
أدب / ريـشـه..وعمر مذبوح
« في: 10:51 06/06/2007  »
كلماتج..تذوب شموعهه بصدري..
كـــل كـــلـمه حـــركـَ  بالـروح
وراحة إيدج..إتمنيت تغرف دمي المسفوح
وضحكـاتج..على الأيام..
صارت تبجي ضحكـاتج بجي المجروح
وخصلة شـعرج النعسانه..خوف إتفوح
ومنديلج بعد ما غفه بعينج لحظة التوديع
ردت أقراه وتهجّى الحجي الممسوح
تمـنيته حـمامه بــس تجــي وتروح
وأدري بيتي المظــــلم.. نزل مترات عل شارع..
واَدرز ..بالحلم لو بالصحو..الفرشـــي العـتيكـَ إســطوح
 أنه الياويل..من بعدج حمل مطروح
مثل سعف النخل بالريح..كَـلبي ينوح
وصدري باب للطعنات ترسم لي عليه إجروح
بنيت أعشاش للملكَــه على الحايط
مـا ظـل منها بـس ريشـه و عُـمُر مــذبوح ..

22


بيير رازوك، مؤلف كتاب: حرب يونيو من الأسطورة الى الواقع هو مؤرخ اختصاصي بالمسائل الإستراتيجية.. ومكلف بمهمة في وزارة الدفاع الفرنسية، سبق له وقدم العديد من الكتب مثل «حرب الفوكلاند ـ مالوين» الذي نال جائزة البحرية الفرنسية.
هذه هي الطبعة الثانية لهذا الكتاب الذي يعيد فيه المؤلف تحليل آخر مستجدات الشرق الأوسط على ضوء حرب الخامس من يونيو عام 1967.. التي أسست لمفهوم «الحرب الخاطفة» الذي تكرر الحديث عنه بخصوص الحرب الأخيرة في العراق.
ما يؤكده المؤلف منذ البداية هو أن حرب يونيو 1967 بين إسرائيل والعرب، والمعروفة بـ «حرب الأيام الستة» قد شكلت منعطفاً حاسماً في الصراع العربي ـ الإسرائيلي. ففي الخامس من ذلك الشهر ـ يونيو ـ 1967 بدأت إسرائيل أولاً غارات جوية عطلت فيها عملياً الغالبية العظمى من الطائرات المصرية وهي على الأرض.
وعندما امتلك الإسرائيليون التفوق الجوي بضربتهم الخاطفة استطاعوا خلال ستة أيام فقط دحر الجيوش العربية المصرية والسورية والأردنية واحتلال قطاع غزة وصحراء سيناء والضفة الغربية وهضبة الجولان.
هذه الوقائع معروفة للجميع.. لكن الأسباب الحقيقية لتلك الحرب معروفة بدرجة أقل كثيراً. هذا ما يؤكده مؤلف الكتاب الذي يضعها في سياق الحرب الباردة، مشيراً بنفس الوقت إلى أن الأطراف المعنية بها مباشرة قد أخفت لمدة عقود كاملة الأسباب العميقة التي دعتها للتحرك أو أعطت الضوء الأخضر للقيام بها..
ويقوم بتحديد ثلاثة أسباب أساسية هي البرنامج النووي الإسرائيلي وتبدل التوجه السياسي الذي عرفته السياسة الخارجية الفرنسية في مطلع سنوات الستينات السابقة والتحالف السري بين إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية.
بل ولا يتردد المؤلف في القول إن العلاقات الإسرائيلية ـ الأميركية بقيت في صلب تلك الأزمة ثم الحرب كما يدل على ذلك الهجوم الإسرائيلي على السفينة الحربية الأميركية للتجسس «ليبرتي».
كتب مقدمة هذا العمل الأميرال بيير لاكوست، الذي كان رئيساً لجهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسية لمدة سنوات، ويرى أن نقطة قوة هذا الكتاب تكمن في أنه ألقى الضوء على الكثير من الوقائع غير المعروفة كثيراً وفسرها في إطار السياق السياسي والإستراتيجي لفترة حدوثها.
ويشير الأميرال إلى أن مبدأ «الحرب الوقائية» الذي رفعته إسرائيل للقيام بحربها عام 1967 غدا في قلب الأطروحات الراهنة التي ترددها الولايات المتحدة منذ سنوات وقد شكلت الخلفية التي شنت على أساسها الحرب ضد العراق في ربيع عام 2003.
وينتهي الأميرال إلى القول إن «الصقور» هم الذين قادوا إسرائيل دائماً إلى الطريق المسدود.. لكن «إعطاء الأولوية للقوة على المفاوضات وللتفوق العسكري الساحق لا يشكل الطريقة الأفضل من أجل تسوية نزاعات معقدة مثل نزاع الشرق الأوسط».
يحاول مؤلف هذا الكتاب أن يجيب عن بعض الأسئلة الجوهرية برأيه والتي يطرحها منذ كلماته الأولى.. السؤال الأول منها: «لماذا حرب الأيام الستة؟». واعتباراً من الفصل الأول، في فصول هذا الكتاب الثمانية، الذي يحمل عنوان «الورطة» يتم تحديد العامل الأساسي في قيام حرب يونيو 1967 في البرنامج النووي الإسرائيلي الذي كان في صلب العلاقات بين إسرائيل وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية.
ويقدم المؤلف في هذا الإطار توصيفاً للمساعدات التي قدمتها فرنسا لإسرائيل خلال سنوات الخمسينات والستينات المنصرمة من أجل بناء مفاعلاتها النووية في الديمونة حيث تم إنتاج أول الصواريخ القادرة على حمل قنبلة نووية.
ويؤكد أن المساعدات الفرنسية والتعاون الوثيق بين فرنسا وإسرائيل في الميدان النووي بقي أحد أسرار الدولة التي جرت المحافظة عليها بقدر كبير من الفعالية من قبل عدد قليل من أولئك الذين كانوا يعرفونها من قادة سياسيين ومهندسين فرنسيين وإسرائيليين.
وإذا كانت إسرائيل لا تزال ترفض رسمياً حتى الآن الاعتراف بامتلاكها السلاح النووي فإن المجموعة الدولية تتفق على أن الدولة العبرية تحتل المرتبة السادسة بين القوى النووية العالمية بعد الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وبريطانيا والصين، وهذه كلها دول أعضاء في مجلس الأمن وموقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
ويشير المؤلف إلى أن دافيد بن غوريون كان هو وراء قرار الشروع ببرنامج للأبحاث النووية في إطار معهد «وايزمان» ودعوة العلماء اليهود الذين كانوا قد شاركوا في «مشروع مانهاتن» بالولايات المتحدة الأميركية لتقديم مساهماتهم فيه.
وكان أحد الأعمدة العلمية الذين قادوا العمل «ارنست دافيد بيرغمان» الذي كان على تعاون وثيق مع الفرنسيين الذين كانوا هم أنفسهم على علاقة بالمشروع. عُيّن «بيرغمان» مسؤولاً عن اللجنة الإسرائيلية للطاقة الذرية عام 1952.
وكانت فرنسا قد سلّمت إسرائيل أول مفاعل نووي قوته 24 ميغاواط في شهر سبتمبر من عام 1956 قبل عدة أسابيع من اندلاع حرب السويس.. واستمر هذا التعاون خلال العقد الثاني أيضاً.
لم ينظر الأميركيون بعين الرضا إلى هذا التعاون النووي الفرنسي ـ الإسرائيلي باسم مخاطر الانتشار النووي، ولم يترددوا في إعلان معارضتهم الصريحة والقوية لذلك.
وقام الجنرال شارل ديغول في منتصف عقد الستينات بوضع حد نهائي للمساعدة الفرنسية لإسرائيل بعد أن أدرك مخاطر عملية تواطؤ جرّت فرنسا وبريطانيا للمشاركة في حملة السويس 1956 ذات النتائج الوخيمة بالنسبة للبلدين.
ويخلص المؤلف في هذا السياق إلى القول إن الحركة المزدوجة المتمثلة في تغيّر واضح في السياسة الفرنسية باتجاه «الانسحاب» من التحالف مع إسرائيل، وبالوقت نفسه في تعزيز تدريجي للتحالف الجديد مع أميركا، السّري أولاً، ثم العلني شيئاً فشيئاً، قد قادت ـ أي الحركة المزدوجة ـ إلى خلق حالة لم تكن بعيدة عن نشوب حرب يونيو 1967.
وينقل المؤلف عن الرئيس عبدالناصر تصريحه يوم 23 ديسمبر 1960 لصحافيين أميركيين أجروا مقابلة معه: «إن تطوير إسرائيل لأسلحة نووية قد يرغم الدول العربية على القيام بهجوم وقائي حاسم ضدها». ويشير المؤلف مباشرة إلى أن مثل هذا القول لم يكن آنذاك أكثر من تصريح «مبدئي وليس تهديداً ملموساً».
وتصريح آخر في السياق نفسه إنما للسفير الأميركي في مصر بتاريخ 18 مارس 1965 عندما قال مطمئناً الرئيس عبدالناصر: «لا تزال هناك بعض المشاكل بين إسرائيل ومصر وقد تكون مصدراً كامناً للحرب..
لكن حكومة الولايات المتحدة ستتابع الضغط كي لا تصبح إسرائيل قوة نووية». ثم تصاعدت «حرب» التصريحات إذ ينقل المؤلف عن الرئيس ناصر تصريحه لصحيفة نيويورك تايمز يوم 21 فبراير 1966 إن «مصر قد تقوم بحرب وقائية إذا أنتجت إسرائيل الأسلحة النووية».
وجاء في عنوان الصفحة الأولى لجريدة الجمهورية يوم 12 مارس 1966 «إن حرباً وقائية يمكنها وحدها أن تمنع إسرائيل من أن تصبح قوة نووية».. بل ويؤكد المؤلف أن الرئيس عبدالناصر أمر قيادة أركان التخطيط لعملية عسكرية بهذا الاتجاه».
ويشرح المؤلف على مدى عدة فصول القوى العسكرية التي كانت متواجدة على أرض المعركة، حيث يؤكد على وجود جيشين كانا على خلاف كامل من حيث العقيدة العسكرية لكل منهما، إذ كانت الجيوش العربية تؤكد على أهمية العدد، الأمر الذي لم يكن بعيداً عن العقيدة العسكرية السوفييتية، بينما كان الجيش الإسرائيلي يؤكد على «نوعية» تسليحه وخططه القتالية..
وتتم الإشارة ضمن هذا الإطار إلى ميزان القوى البري كان لصالح الجيوش العربية، بينما كان هذا الميزان أكثر توازناً في الميدان الجوي.. و لذلك حاول الإسرائيليون الشروع بـ «عملية خاطفة» جوية تؤمن لهم التفوق المطلق بعد حرمان الجيوش البرية العربية من أي غطاء جوي.
هكذا يتضمن الكتاب فصلاً كاملاً عن سير العمليات الجوية الى جانب فصل آخر عن «احتلال سيناء» وقطاع غزة وما فعله جنرالات من أمثال تال وشارون ويوفي في الاستيلاء على شرم الشيخ ومضيق متلا. وما فعله بالمقابل الجنرال سعد الدين الشاذلي مما لم يمنع وصول الإسرائيليين الى قناة السويس قبل وقف إطلاق النار.
وفصلان آخران عن احتلال الضفة الغربية وصولاً إلى جسور نهر الأردن و«الهجوم على الجولان» بعد ان كانت هذه الجبهة قد بدت «هادئة» خلال الأيام الأربعة الأولى من الحرب إلا من بعض عمليات القصف المتفرقة.. ويشير المؤلف هنا إلى رسالة برقية تلقاها الرئيس السوري آنذاك نور الدين الأتاسي من الرئيس عبدالناصر التقطها الإسرائيليون وجاء فيها:
«ان جيشي يتراجع وأنا على قناعة أن إسرائيل بصدد تركيز كل قواتها ضد سوريا لإنهاء الجيش السوري.. أرجوك ان تصدقني وتقبل وقف إطلاق النار الذي يتم التفاوض حوله الآن تحت إشراف الأمم المتحدة وإعلام الأمين العام بأقصى سرعة ممكنة. هذه هي الوسيلة الوحيدة لإنقاذ الجيش السوري الباسل. لقد خسرنا هذه المعركة.. وسيكون الله في عوننا مستقبلاً.
الفصل الأخير من هذا الكتاب يحمل عنوان «الأوراق الخفية» ويرى المؤلف فيه ان حرب يونيو 1967 قد خلقت وضعاً جديداً في الشرق الأوسط لم يكن بعيداً عند نشوب جميع الحروب اللاحقة.
ويعود المؤلف أيضاً للحديث عن قضية قصف السفينة الأميركية «ليبرتي» التي يرى انها لم تكن مجرد حادث «هامشي» كما يسعى الأميركيون والإسرائيليون لتأكيده، وإنما كانت مركزية في تلك الحرب. ويؤكد المؤلف انها لا تزال تثير الكثير من الأسئلة المقلقة دون إجابات.. وان أطروحة الهجوم الإسرائيلي «المقصود» هي الأكثر مصداقية.


23
أدب / صورة من أمس
« في: 13:30 03/06/2007  »
         
b]الى زوجتي الحبيبة في الذكرى السابعة لرحيلها المفجع.                                 
 والى شهداء الإبداع في زمن الإرهاب : جعفر السعدي ،أطوار بهـجـت ،محمد مبارك ، خـــالد ناجـي ،مدني صالح ،منذر الجبوري،عوني كرومي ،عزيز عبد الصاحب ،صاحب نعمة ،محمد صكَـــر ،خليل الرفاعي ،بسام الوردي، طالب الفراتي ،حــنين مانع ، عقيل علي ،هادي السيد حرز ، ذكــــرى الصراف، نخشين حمــــه ، مطشر السوداني ‘الممثل فلاح حسن ،رحيم المالكي ، عماد وتوت، خضير الساري‘عبد اللطيف الراشد و جبار جنكير ..
1
أغانينه....سوالفنه..
نسينا وماكتبناهه
ولمن أثّرت بينه
على باجر تركناهه
ومرت عاصفة أحزان
وسنة همّ..وسنة نسيان..و..الطوفان
وبعد عشرين شفناهه..
أغانينه وسوالفنه..
العلى باجر ..محتها اْيام مسعورة
بعد عشرين شفناهه
على الجفنين والخدين محفوره
وملامح وجهج الحنطي..إنطبعت بالكَلب صوره
..وبعد عشرين..
تدرين الدرب عثرات
 جرحتني ملامح وجهج المنحوت بلوره
وبجتني..أغانينه وسوالفنه..
على باجربجيت وبيدي أيامي
 على باجر بجيت وبيدي إمرايات مكسوره..

2
كلماتج..تذوب شموعهه بصدري..
كـــل كـــلـمه حـــركـَ  بالـروح
وراحةإيدج..إتمنيت تغرف دمي المسفوح
وضحكـاتج..على الأيام..
صارت تبجي ضحكـاتج بجي المجروح
وخصلة شـعرج النعسانه..خوف إتفوح
ومنديلج بعد ما غفه بعينج لحظة التوديع
ردت أقراه وتهجّى البجي الممسوح
تمـنيته حـمامه بــس تجــي وتروح 
وأدري بيتي المظــــلم.. نزل مترات عل شارع..
وأدرز بالحلم لوبالصحو..الفرشـــي العـتيكـَ إســطوح
 أنه الياويل..من بعدج حمل مطروح
  مثل سعف النخل بالريح..كَـلبي ينوح
وصدري باب للطعنات ترسم لي عليه إجروح
  بنيت أعشاش للملكَــه
مـا ظـل منها بـس ريش وعُـمُر مــذبوح..[/b] [/size] [/font] [/b]

24
أدب / ثلاث أغنيات جديده
« في: 12:57 09/05/2007  »
ثلاث أغنيات

كلمات : رحيم العراقي
 


يا والده

إنتي الوفه يلوالده     إنتي الهنه يلوالده
حضنج دفه وإيدج شفه                             
واللي يجــازيج الوفـه     الله بحياته إيساعده..

****
مالي عكَب عينج وِلي                                 
بس إنتي بالدنيه إلي                                 
مشتاكَه ياديرة هلي     ودموع عيني شاهده ..

****

 يا يمه غربني الدهر                                   
والشوكـَ علمني السهر                                     
وشراعي هايم بالبحر      والريح كلهه إتعانده..

****

ياوالده إســـــنين الحــزن                                   
صارن سواجي إعلى الجفن                                   
وإنتي الوفـــه وكَــلبج يحن     حّــن الحمامة الفاكَـده..







ولهانه عليك

                                               
ولهانه عليك   مفتونه بنور عيونك
خليني أوياك   ما اتحـمل من دونك
    يا دهن العـود   يا طيبك                       
عين الحاسود   لتصيبك                   
ربك موجود   الله يحفظك ويصونك..

****
تركًص وتميل     يلطـــولك رمح إرديني
وبيدك مـــنديل     موصوف إلدمعة عيني
إمسهرني الليل     شايل همك وظنونك..

****
آني بيا حــال     وأتحمل هــاي النظــرة
مشغـــولة بال    سحرتني العين الخضره
أحلى الآمــــال   صارت خمريه إبلونك..

****   
ويـــّـه النغمات   تركَــص وتهز إجتافك
وأحـلى الكــلمات     غّـنت مابين إشفافك
كل عمري الفات   ضايع ضايع من دونك.   



يتدلل


يتدلل..يعرفنه نريده
يتدلل..والروح بإيده

*****
يتـــدلل مابـيـن أحـبابه
ويازعله وياطول إعتابه
الزعل يروح بأســـــبابه
والحب الأيام إتزيده..

*****
تّـيمني بروحه الشفافه
وأجمل بسمه بين شفافه
الحلو ماتكـــمل أوصافه
دومه يظن عناده يفيده..

*****
ساحرني وآسرني جماله
لكــن عـّذّب حالي دلاله
كــلما أتعّود على حـاله
ألكَى حبيبي بحاله جديده..

25

  
  يستمد كتاب : ((هوشي منه  بين الحلم الثوري الفيتنامي والبيروقراطية الستالينية )) أهميته من خصوصية اللقاءات التي أجراها المؤلف مع رجال عظماء ساهموا في صياغة أحداث التاريخ الحديث. فقد استطاع  المؤلف جان لاكوتور الذي بدأ حياته المهنية في الصحافة كمراسل في مصر وفيتنام أن يجري مقابلات مع قادة  كبار في العالم أمثال هوشي منه  و جمال عبدالناصر والجنرال ديغول وفرانسوا ميتران وغيرهم. وقدّم للمكتبة العالمية أكثر من أربعين كتاباً من بينها كتاب عن سيرة حياة الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، وأول كتاب له يحمل عنوان »مصر المتحركة« الذي نشر عام 1956.
 وفي كتابه الجديد،:هوشي منه  بين الحلم الثوري الفيتنامي والبيروقراطية الستالينية  يتحدث لاكوتور عن اللقاءات التي زخرت بها مسيرة حياته وعن الأحداث التي كان شاهداً عليها، حيث يذكر أنه قد شارك شخصياً في عملية تبادل لرسائل بين جمال عبدالناصر وديفيد بن غوريون من خلال نائبين بريطانيين في عام 1954. والكتاب في المحصلة شهادة حية عن أحداث وشخصيات غيّرت وجه العالم الذي نعيش فيه.
 احتلت اليابان منذ شهر مارس 1945 منطقة الهند الصينية. وكانت تدور آنذاك تساؤلات كثيرة حول ما سيجري هناك ودور القوى الكبرى وخاصة الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، وأيضاً دور الثوار الفيتناميين ورئيسهم الشهير »هوشي منه«.
 في الثاني من شهر نوفمبر 1945 وصل مؤلف هذا الكتاب إلى مدينة »سايغون« قادماً من مرسيليا في مهمة مع الجيش على ظهر سفينة »أورونت« التي أجرتها البحرية البريطانية لفرنسا. عن هذه المهمة يقول: »كنا نعرف إننا لا نعرف الكثير عن مهمتنا ولا عن إطارها. ولاحظنا اننا كنا أكثر جهلاً مما كنا نعتقد«. فقط كان هناك عدد من الرجال ينتظرون على الرصيف، لكنهم لم يكونوا يعرفون أكثر عن تلك المهمة.
 كل ما كان يعرفه المؤلف هو انه كان المسؤول الصحافي في إطارها وكان مطلوب منه إعداد نشرة تحمل عنوان »كارافيل« من مقر جرى إعداده في قبو لدار سينما »ماجستيك«. ومن هناك بدأت رحلة التعرف على الشعب الفيتنامي وقضيته.
 في الفترة الأولى لم يتم النظر إلى الفرنسيين، ولم تتم معاملتهم كمحتلين من قبل الفيتناميين. فالثوار الفيتناميون »الفييتمنة« ظلوا في الكواليس آنذاك.. وكانت المقاومة في الجنوب تقتصر على المناطق الحدودية.. الأمر الذي لا يمنع واقع أن المهمة المباشرة التي كانت ملقاة على عاتق القوة المسلحة التي كان المؤلف ورفاقه ينضوون في إطارها إنما تمثلت في مواجهة تلك المقاومة.
 ضمن هذه الأجواء من التوتر ومخاطر تعميم الحرب وتبادل رشقات المدافع الرشاشة أجرى المؤلف العديد من اللقاءات التي يصفها بالقول: »لقد أجريت لقاءات كان منها أن وجهت لسنوات طويلة مسيرتي، بل ورؤيتي للعالم«.
 لقاءات كانت »فرنسية« أولاً، إذ في مطلع شهر ديسمبر 1945، أي بعد شهر من الوصول إلى سايغون كان مؤلف الكتاب شاهداً على عملية استعادة السيطرة على مدينة »تاي فينه« وهناك قابل العقيد »بول موس« قائد القوة الفرنسية الذي كان يعمل مستشاراً سياسياً للجنرال لوكليرك، محرر باريس من النازية.
 كان »موس« رجلاً مثقفاً وأستاذاً جامعياً انخرط في السلك العسكري، حيث حاول دفع قادته، بمن فيهم لوكليرك، نحو تبني الوصول إلى حل سياسي للنزاع الفيتنامي.
كان ذلك الرجل، كما يصفه المؤلف، مثل »ابتسامة تطفو على شفتين«.. هذا فضلاً عن انه كان »أحد أهم المستشرقين« في عصره حيث انه شغل بعد عودته من فيتنام مقعد »الحضارة الآسيوية« في »الكوليج دو فرانس«، أعلى المؤسسات العلمية في فرنسا..
 لكنه ورغم منصبه الأكاديمي العالي، كان يعتقد انه لا ينبغي للعلم أن يحرف نظراً لإنسان عن الفعل فيما يجري وإنما أن يتغذى منه ويحد عند الضرورة من جنوحاته. وكان »موس« قد انخرط عام 1943 في صفوف القوات البريطانية المحمولة جواً في سيلان .
 حيث هبط بالمظلة للمرة الأولى في منطقة تونكين بناء على أوامر اللورد البريطاني »مونتباتن«، قائد قوات الحلفاء هناك آنذاك ثم أعاد القفز مرة أخرى بعد عدة أشهر في إطار قوات فرنسا الحرة. ونجا في المرتين بأعجوبة من وقوعه في الأسر بيد اليابانيين.
 واستطاع أن يقدم معلومات ثمينة حول تنامي الشعور الوطني الفيتنامي، وخاصة تصاعد قوة الثوار اليساريين الذين رأى بهم، منذ كتابة تقاريره الأولى، المحور الضروري الذي لا يمكن تجاوزه. وأصبح »بول موس« بمثابة الخبير الأساسي لأية سياسة فرنسية حيال الهند الصينية.
 وفي شهر أكتوبر من عام 1945 وصل الجنرال الفرنسي لوكليرك إلى فيتنام ليكتشف بسرعة أيضاً صحة الآراء التي كان »موس« قد تقدم بها وأن حل المشكلة الفيتنامية سيكون سياسياً أكثر مما هو عسكرياً.
 وهكذا اتخذ الأستاذ الجامعي كمستشار سياسي له، إلى جانب مستشار آخر هو »بول روبيتون ــ برونوف« حيث كان الرجلان وراء التطور في ذهنية الرجل العسكري »لوكليرك« الذي مال شيئاً فشيئاً إلى ذهنية المفاوض مع »هوشي منه« في أول جولة للمفاوضات، غير المثمرة، عام 1946.
 الرجل العملاق
 لقد نال »بول موس« لقب »العملاق« من قبل زملائه في »الكوليج دو فرانس« بحكم معرفته العميقة للشرق عامة، وللشرق الأقصى بصورة خاصة. ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في القول بأن هذا الرجل استحق بجدارة لقب »الحكيم« حيال مواقفه التي اتخذها أو التي دفع إلى اتخاذها حيال الصراع الفيتنامي الذي استمر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أواسط عقد السبعينات .
 والذي كاد أن »يخرّب« النظام الجمهوري الفرنسي وأدى عملياً إلى »تفجر« المجتمع الأميركي. ويشير مؤلف الكتاب هنا إلى لجوء الكونغرس الأميركي مرات ومرات لاستثارة الخبير الفرنسي »موس« وأكثر من البرلمان الفرنسي، حول الشؤون الفيتنامية.
 بالطبع لم يكن الأميركيون يشاركون »موس« قناعاته التي لم يكن يبوح بها إلا عندما يرى ذلك مفيداً.. وهذا ما اعتبره المؤلف »درساً« كبيراً في حياته عبّر عنه بالقول: »لقد علمني ما هو أفضل من الحقائق وهو انتهاز الفرصة المناسبة للإفصاح عنها«.
 لم يكن الجنرال فيليب لوكليرك يعرف الكثير عن آسيا ورجالها وطموحاتها، لكنه كان يعرف كيف يحيط نفسه بـ »العارفين« بهذه الأمور كلها. وكان يعرف بأنه يمكن للشجاعة أن تكون »مستقيمة« هنا و»منحنية« هناك.
 لكن من الصعب معرفة الحالة الذهنية التي قبل فيها هذا الجنرال بعد أسابيع فقط من تحرير مدينة »ستراسبورغ« من النازية مهمة قيادة القوات الفرنسية المرسلة إلى الشرق الأقصى. ذلك أنه من المعروف عنه أنه كان رجلاً قوي الشخصية ويمكنه أن يقول »لا« حتى للجنرال ديغول نفسه.
 وينقل المؤلف عن الجنرال »فيزينيت« الذي كان أحد المقربين من لوكليرك، بل والذي كان قد كتب سيرة حياته. قوله بأنه »رفض منصب الحاكم العسكري لمدينة باريس الذي كان يمكن أن يقوده إلى كبح الهبات الشعبية ذلك أن شعبيته كانت تسمح له بأن يفعل ما لا يستطيع الآخرون فعله.
 لكن هذا الفارس النبيل رفض القيام ببعض المهمات«.وليس مثيراً بدرجة أقل للدهشة واقع ان الجنرال لوكليرك قد قبل العمل تحت امرة مفوض سام هو »ارجونليو«.
 وليس مفهوماً أيضاً أن الجنرال ديغول، قائد فرنسا الحرة، قد اتخذ مثل هذا القرار وهو الذي كان يعرف إلى أي مدى سوف يغطي الجنرال على المفوض السامي. ومهما كانت الحالة النفسية للجنرال من الغضب أو الإحساس بالإهانة، فإنه قد توجه خلال شهر أغسطس 1945 إلى آسيا.
 لكنه قام قبل وصوله إلى سايغون بزيارة محطتين. كانت الأولى من أجل حضور عملية استسلام اليابان إلى جانب الأميركي »ماك ارثور« والثانية من أجل اللقاء باللورد »مونتباتن« قائد قوات الحلفاء في منطقة جنوب شرق آسيا.
 في المحطة الأولى فهم من اللقاء مع »مارك ارثور« النوايا الحقيقية لواشنطن حيال عدم الترحيب بأية عودة لفرنسا إلى منطقة الهند الصينية، كما استنتج من المحطة الثانية ولقائه باللورد ــ الاميرال بأنه يمكن أن يكون مطمئناً على أن خلفاء ونستون تشرشل كانوا مؤيدين لإعادة تأكيد الحضور الفرنسي في جنوب شرق آسيا.
كان لوكليرك يعرف شيئاً واحداً عندما وصل إلى ساغيون وهو انه هناك من أجل التأكيد بأن كارثة 1940، المتمثلة في الاحتلال النازي لبلاده واحتلال اليابان القصير الأمد للهند الصينية لم ينهيا الوجود الفرنسي في آسيا.
 من هنا كانت ضرورة الحضور العسكري، حضور السلاح. لكنه بالوقت نفسه لم يكن يخلط بين باريس، التي ساهم في تحريرها من الاحتلال الألماني، وبين سايغون وهانوي إذ توصل سريعاً إلى أن المشكلة في الهند الصينية هي »سياسية« إذ »لا يمكن أن نقتل فكرة بالرصاص«.
 لقد قابله مؤلف هذا الكتاب مع زميل صحافي بعد أن كانا قد كتبا مقالاً عنه.. استمرت المقابلة عشر دقائق فقط. فهل يمكن أن نسمي هذا لقاء؟. »نعم، إذا كان هذا الرجل قد مثل لفترة طويلة مرجعيات ما تفكر به وما يوجه سلوكك وما تقوم عليه التزاماتك«.
 لقد قيل الكثير عن »سياسة« الجنرال لوكليرك في الهند الصينية، وبأنها كانت من صياغة مستشاريه »موس« و»ريبتون«. لكن ما يؤكده المؤلف هو انه في هذا النوع من القضايا هناك مسؤول واحد.. هو لوكليرك الذي كان »يقرر ويخاطر«.
 وانه قد لاقى معارضة كبيرة من المفوض السامي »ارجانليو« الذي اشتكاه للجنرال ديغول.. وأكد لمؤلف هذا الكتاب شخصياً بأن الجنود الذين في امرته يرفضون القتال.
 وقد أرسل »لوكليرك، مبعوثاً من قبله للجنرال كي يشرح له أسباب ميله للمفاوضات مع »الثوار الفيتناميين.. لكن ديغول عنّف بشدة الشخص الذي حمل الرسالة واتهمه هو ورئيسه ــ أي لوكليرك، رفيق معركة التحرير، بأنهما رفضا القتال في الهند الصينية.
بركان تحت الثلج
 أبدى هوشى منه والجنرال جياب ورفاقهم ولاء كبيراً للنهج الذي حددته موسكو. لكن في البداية، وفي مطلع عام 1946 لم تكن الأمور واضحة تماماً. كان يقود الحركة مناضل شيوعي سابق كان قد تلقى تكوينه في موسكو بعد إقامة طويلة أمضاها في باريس، وكانت تساعده مجموعة من رفاقه.
 لكن في المؤتمر الأول لهم، وفي الطابع الماركسي، ردد البعض شعارات موالية لأميركا مثل »الاستقلال أو الموت« واستشهد بعض المتداخلين بكلمات قالها ابراهام لنكولن، كما تلقى الثوار أسلحتهم الحديثة الأولى من عملاء للولايات المتحدة في الصين.
 آنذاك كان هناك ستة وزراء شيوعيين يشاركون في الحكومة ولم يتردد زعيم الحزب الشيوعي الفرنسي آنذاك موريس توريز في التأكيد باسمه، واسم رفاقه، بأنهم لن يقبلوا أبداً »إنزال« العلم الفرنسي في منطقة الهند الصينية.
 لم تكن معروفة في الواقع »حقيقة« مدى التزام »هوشي منه« بالايديولوجية الشيوعية ولا مدى »تعدديتها«. باختصار كانت هناك أشكال كثيرة من غياب القناعات الثابتة والنهائية.
 وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أن »هوشي منه« كان شديد الضيق في الفترة الأولى من الصينيين وصنائعهم وإنه كان على وشك قبول فكرة أن الوصول إلى اتفاق مع فرنسا هو الشر الأقل، بل وينقل عنه قوله لـ »بول موس« آنذاك: »من الأفضل أكل جزر الفرنسيين لمدة عشرين سنة من أكل جزر الصينيين لمدة ألف سنة«.
 في ذلك السياق، تلقى المؤلف جان لاكوتور دعوات لإجراء أربع مقابلات مع القادة الفيتناميين، وهم وزير الإعلام »تران هوي ليو« ووزير الداخلية »فو نجوين جياب« و»هوشي منه« نفسه والامبراطور السابق »باو داي« الذي كان قد نال حديثاً لقب »المستشار السامي« لفيتنام الجديدة.
 ولقد استنتج من لقائه بوزير الإعلام ــ أحد الوزراء غير الشيوعيين في الحكومة ــ مدى البغض الذي يكنه الفيتناميون لفرنسا إذ اعتبر الوزير بأن ا لشعب الفيتنامي لا يتطلع سوى لشيء واحد هو الإنهاء بأي شكل كان، لفترة »الاحتلال« الفرنسي.
 وكانت الأفكار التي طرحها الامبراطور السابق »باو داي« الذي كان قد تخلى عن العرش بتاريخ 15 أغسطس 1945 غير بعيدة عما تفوه به الوزير، إذ أكد »داي« بأنه يفضل أن يكون »مواطناً في أمة حرة على أن يكون امبراطوراً في بلد خاضع للاحتلال«. كان الفرق فقط في الأسلوب.
 فذلك الامبراطور الذي غدا »مواطناً« أكد بـ »نظرة ثقيلة« بأن زمن فرنسا في بلاده قد ولّى وانقضى وانه لم يكن ينتظر الكثير من المفاوضات بين ممثليها وبين فيتنام الجديدة. فـ »هل كانت تلك طريقة من أجل الصفح عنه، عبر المزايدة، لانه كان أداة بيد الاستعمار؟« يتساءل المؤلف.
 أما اللقاء مع »فو نجوين جياب« الذي وصفه العارفون، افتراضاً، بأنه محرك »دينامو« الانتفاضة الثورية، فقد كان هو الذي ينتظره المؤلف أكثر من اللقاءات الأخرى. »ولم يخب أملي«، كما يؤكد إذ رهن له خلال ساعة واحدة، بأنه إذا كانت حركة »الثوار الفيتناميين« لا تسيطر تماماً على الوضع .
 ولا يمكن أخذها كحركة ديمقراطية أو كمجموعة من محبي فرنسا، فإنها بالمقابل تمتلك كوادر ذوي كفاءات استثنائية. ثم يصف الدور الذي كان يلعبه الجنرال جياب إلى جانب »هوشي منه« بذلك الدور الذي لعبه نهرو إلى جانب المهاتما غاندي أو شوان لاي إلى جانب ماوتسي تونغ.
 ينقل المؤلف عن الجنرال جياب قوله له: »لقد أراد الرئيس هوشي منه أن أتحدث إليك قبله وكلفني بمهمة أن أكشف لك بوضوح أهدافنا الاستراتيجية. إنها بسيطة وهي اننا نريد الاستغلال وليست الحرب ــ على عكس بعض حلفائنا.
 وإذا استطعنا الحصول على الاستقلال دون الحرب مقابل تنازلات مؤقتة والاعتراف بمصالح جديرة بالاحترام، فإننا سنعرف كيف نكون صبورين ومعتدلين بمواقفنا. إننا لا نبحث عن أي ثأر، إذ أن ثقافتكم غالية علينا ولا نزعم فرض ايديولوجيتنا.
 لكننا لا نساوم على المدى المتوسط أو الطويل، حول الهدفين الأساسيين المتمثلين بالاستقلال والحرية«. لقد قال الجنرال هذا كله بلغة فرنسية واضحة وفصيحة.
 لقد قابل المؤلف بعد ذلك عدة مرات في فرنسا بعد توقيع الاتفاقيات حول الاستقلال، وفي هانوي أثناء الحرب »الأميركية«.
 وفي الجزائر عندما استقبله الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين في »زيارة دولة«، ثم أخيراً في شهر نوفمبر من عام 2002 عندما كان قد »انزوى« في هاينونغ وهو يصارع مرض السرطان وعمره يناهز الـ 90 عاماً.
 ويصف المؤلف الجنرال جياب بأنه رجل قصير القامة برأس كبير الحجم ونظرة ثاقبة وابتسامة محارب. »لكن الرجل ليس من أولئك الذين يتركهم التاريخ عرضة للنسيان«. وهو أيضاً لم ينس التاريخ حيث ينقل عنه جان لاكوتور بأنه ذكره بعد نصف قرن بمقابلة كان قد أجراها معه في شهر ابريل من عام 1946 حملت عنواناً تمثل في جملة كان قد تفوه بها وتقول: »فرنسا ونحن في حالة خلاف ودي«..
 ويومها انتصر »الخلاف« على الود. بكل الحالات، واجه الجنرال فو نجوين جياب امبراطوريتين: »الامبراطورية الفرنسية المترنحة والامبراطورية الأميركية التي كانت في طريق التشكل« وفي المرتين »خرج منتصراً«.
 العم هو
 نال »هوشي منه« لقب ــ اسطورة »العم«، أو »باك« باللغة الفيتنامية.. أي الأخ البكر للأب المرشد والحامي وحكيم الأسرة بنفس الوقت و»العم« رجل قصير القامة نحيل الجسم متواضع الثياب، اشتهر بـ »صندله« المقطوع الذي أعطاه اسمه أيضاً..
 يبدو بنفس الوقت خائفاً قليلاً وبشوشاً كثيراً.. كما اشتهر أيضاً بلحيته البيضاء ذات »العشرين شعرة«.. واجمالاً »يمتلك هيئة حارس عجوز لمدرسة داخلية للفتيات تقاعد بعد خوض المعارك الاستعمارية«..
 وقد وصفه زائر أميركي بالقول إنه مثل »بابا نويل يعاني من سوء التغذية«. لكنه شخصية جذابة وآسرة إذ »ما أن ينظر إليك حتى تغدو مأخوذاً.. وما أن يتحدث حتى يسحرك بكلامه« كما يصفه جان لاكوتور قبل أن يضيف: »لم أقابل طيلة حياتي رجلاً يبدي هذا القدر من البساطة دون أية سخرية«.
 هكذا كان »نجوين سين كونغ«، المدعو »نجوين تات تانه« المدعو »نجوين آي كووك« المدعو »هوشي منه« مخترع »الفييت منه« بعد أن كان قبل عشر سنوات أحد مؤسسي الحزب الشيوعي في الهند الصينية. ولقد جمع بذلك بين الحلم الثوري الفيتنامي والبيرقراطية الستالينية.. أو بين »غاندي« و»لينين« كان يتحدث اللغة الفرنسية بطلاقة وبلهجة تعطي لأقواله »رائحة ما وراء البحار«.
 وعندما التقى به المؤلف للمرة الأولى بادره قائلاً: »لقد قال لك صديقي جياب كل شيء. ولن أعود إلى هذا مرة أخرى. فدعنا نتسامر بالأحرى بين أصدقاء، بين باريسيين«. ثم أخذ العم هو يتحدث عن باريس في سنوات العشرينات حيث عاش وعمل فيها في إحدى المكتبات.
 ويشير المؤلف إلى أنه سمع من فم العم ــ الاسطورة أقوالاً أعادها لأصحابها مثل فكتور هوجو واناتول فرانس واميل زولا وغيرهم.ويتحدث مؤلف هذا الكتاب عما كان قد شهده بأم عينه في هانوي يوم السابع من شهر مارس 1946 عندما استطاع »العم هو« بقامته النحيلة أن يفرض إرادته على الجماهير.
 في ذلك اليوم كان الفيتناميون ينتظرون منه أن يقدم لهم تفسيراً للاتفاق الذي كان قد عقده عشية اليوم السابق مع الفرنسيين والذي ينص على السماح لهؤلاء بالعودة إلى عدة قواعد في تونكين لمدة خمس سنوات بينما يتم الاعتراف بفيتنام كـ »دولة حرة« داخل الاتحاد الفرنسي..
 وهذا ما بدا بمثابة مصالحة »عرجاء« بدلاً من تحقيق الاستقلال الشامل والكامل الذي كان »هوشي منه« نفسه قد أعلنه قبل عدة أشهر.تجمعت حشود كبيرة من سكان »هانوي« أمام ذلك المبنى الذي كان آنذاك دار »الأوبرا« في المدينة وأصبح بعد ذلك مقر الجمعية الوطنية الفيتنامية.
 وعندما ظهر »العم هو« على شرفة المبنى استقبلته الجماهير بردود فعل متنوعة.. وتعالت هتافات القوميين المتشددين منددة بالشيوعيين، وبالتالي به شخصياً، ووصفوهم بـ »فيت ــ جيان«، أي بالخونة.. »لكنه تحدث بطريقة كانت كافية بعد نصف ساعة للجنرال جياب الذي توجه للجماهير بعده للقول بأنه إذا لم يكن الاستقلال المباشر قد تحقق فإنه مضمون.
 وإنه إذا حاول الفرنسيون الالتفاف على الاتفاق فإن الثورة ستستأنف الكفاح المسلح كما فعل البلاشفة في برستار ليتوشك عام 1917، لتهتف الجماهير عندها بالإجماع تقريباً: هوشي منه موون نام، أي هوشي منه لألف سنة«.
 كما يعبر »جان لاكوتور« ليؤكد بأن القرارات الكبرى الخاصة بفيتنام منذ تشكل الحركة الثورية في سنوات الثلاثينات والانتقال إلى العمل المسلح في مطلع عام 1944 اعتباراً من المناطق العليا في تونكين وإعلان الاستقلال يوم 2 سبتمبر 1945 .
 وتوقيع الاتفاق »العابر« مع فرنسا عام 1946 ثم التوصل إلى اتفاق نهائي في مؤتمر جنيف عام 1954 مع رئيس وزراء فرنسا آنذاك بيير مندس فرانس.. وكذلك العودة إلى القتال في جنوب فيتنام عام 1959 لخوض حرب دامية طويلة ضد القوات الأميركية وصولاً إلى قبول المفاوضات مع واشنطن عام 1968.
 وحيث انتهت الأمور إلى هزيمة القوة العظمى الأميركية التي هزت المجتمع الأميركي لعدة عقود تالية. ووراء هذا كله كان هناك عمل رجل نحيل هو »العم هو« الذي ترجم إلى الواقع المقولة الشهيرة بأن »الإنسان هو الذي يصنع التاريخ«.
سيهانوك متعدد الأوجه
 على مدى ثلاثة قرون من الحرب التي خاضها هوشي منه ورفاقه في فيتنام ضد فرنسا ثم ضد الولايات المتحدة الأميركية كانت كمبوديا المجاورة معنية بها مباشرة، هذا إذا لم تكن رهاناً أساسياً فيها.. وقد تجسدت تلك الأمة الكمبودية الصغيرة بشخصية متعددة الوجوه والمواهب: »نوردوم سيهانوك«..
 الذي عرفه مؤلف هذا الكتاب لأكثر من نصف قرن يقول: »لقد رأيت نوردوم سيهانوك خلال أكثر من نصف قرن بوجوه عديدة تتراوح بين الدبلوماسي والملك الحاكم الذي استقبل الجنرال ديغول في انجكور ومروراً بالصحفي والموسيقي والمحاضر والقائد الحربي«.
 كان سيهانوك مولعاً أيضاً بعدسات التصوير من موقع من يستخدمها أو من تكون مسلطة عليه وكان عازفاً بارعاً على البوق.. لكن هذا كله لم يمنعه في عام 1935 من إطلاق »حملة ملكية من أجل الاستقلال« .
 واختار المنفى في بانكوك وتجرأ على التحالف مع »الفييت منه« اليساريين ضد فرنسا قبل عام واحد من معركة »ديان بيان فو« الشهيرة التي انتصرت فيها قوات الجنرال جياب. لقد تحول هذا الرجل في غضون سنوات إلى مناضل جدي في حلبة الصراع الخاصة ببلاده.
 وفي مطلع شهر مارس 1955 قرر التخلي عن العرش وكان قد جرى تنصيبه ملكاً. كي يؤكد على موقعه كـ »زعيم« حيث أكد بأنه سيكون لدى الشعب »جميع السلطات الضرورية« وسيكون لديه »كل السلطات الكافية«.
 وينقل عنه المؤلف كتابته له في إحدى الرسائل لاحقاً: »ان قيامي بالتخلي عن العرش عام 1955 لم يكن أبداً عن خلفية حسابات سياسية من قبلي. وإنما كان إجراء لا مفر منه بسبب المعارضة الكاملة التي أبدتها الأحزاب السياسية آنذاك في أن يمارس الملك المسؤوليات المتعلقة بمستقبل الشعب وبصيانة الوحدة والاستقلال الوطنيين«.
 وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو ان علاقات حميمة قد ربطته بنوردوم سيهانوك حتى عرفت الفتور اعتباراً من عام 1970 عندما وقع في «شباك« الخمير الحمر. إذ »عندما اتخذهم كحلفاء في مقاومته ضد الولايات المتحدة وجنوب فيتنام أصبح على الأقل رهينتهم هذا إذا لم يكن متواطئاً مؤقتاً معهم«.
 ويشبه المؤلف صديقه سيهانوك بـ »أحد شخصيات حكايات الشرق« التي كتبها فولتير إذ بعد أن امتلك مفاتيح القوة وجد نفسه أسير جنون »الخمير الحمر« الذين قتلوا مئات الآلاف من البشر.. ليعرف سنوات صعبة في نهاية حكمه إذ عاد وقبل العرش الذي كان قد تنازل عنه قبل ثلاثين سنة واضطر للتنازل عنه مرة أخرى عام 2004..
 هذا إلى جانب المرض الخطير الذي أصابه. لكن هذا ينبغي ألا يطمس حقيقته الدينامية الهائلة التي بذلها طيلة حياته من أجل بقاء كمبوديا المحاصرة من قبل كواسر متربصين هم ليسوا أقل من الولايات المتحدة الأميركية والصين وفيتنام وتايلاند.
 ويؤكد المؤلف في محصلة حديثه عن نوردوم سيهانوك قوله: »إن لقائي به كان غالباً في ظروف متناقضة جداً بين الأفضل والأسوأ، دفعني إلى التفكير بأنه ليس هناك رجل مهما بلغت طيبته أن لا تعرضه ممارسة السلطة للفساد. لكنني أعتقد أنه يمكنني أن أشهد بأنه (.....) قد حلم بتضميد جراح شعبه«.
 
 
 

26
يبدو أن الإرهابيين الذين يتقاطرون على سوريا في طريقهم الى العراق وحلفائهم من البعثيين العراقيين الموجودين في سوريا  قرروا أن (( يطقطقون )) في سوريا بعد أن صعب عليهم التسلل الى العراق بعد خطة فرض القانون ولغاية الحصول على فرص أكبر في بغداد.. فقد تزايدت في الآونة الأخيرة الأخبار والشائعات في سوريا حول عمليات خطف أطفال وشبان بقصد ابتزاز أهلهم وجعلهم يدفعون مبالغ خيالية. و بعد فترة وجيزة من قصة الطفل محمد كحيل وفشل الخاطفين في العملية، انتهت الخميس الماضي عملية اختطاف الطفل نادر عجم الذي ألقى به الخاطفون على قارعة الطريق بعد أسبوع من خطفه حاولوا خلال ذلك الحصول على مبلغ قدره 420 ألف يورو.
 ورغم تجاوب أهل الطفل المخطوف مع المجرمين إلا أن الإجراءات الأمنية وملاحقة خطوط الخليوي، جعلت الخاطفين ييأسون من تحقيق مآربهم، فما كان منهم إلا أن ألقوا الفتى على مسافة 30 كيلومتراً عن مدينة حلب شمال سوريا.واللافت أن جميع حوادث الخطف التي وقعت في دمشق وريفها وفي حلب وباقي المدن السورية، تتعلق بأبناء رجال أعمال أثرياء، ما يعني أن الخاطفين عصابات تعمل بصورة منظمة، وهذا يعد أمراً طارئاً في سوريا.
 وذكر موقع ( سيريا نيوز ) أن خطف حفيد رجل الأعمال الملياردير جعل الشائعات في حلب تسري بشكل كبير فتارة يشاع أن الخاطفين قد هربوا الى الموصل، بعد فشل خطف الطفل محمد كحيل، وقد اتصلوا بأبيه من هاتف ثريا وتارة ينقل خبر ( سري ) ومؤكد من مصدر موثوق بأن رجالا من عائلة ((معروفة )) قد فعلوها لتحصيل دين كبير ناتج عن صفقة مشبوهة، وفي اليوم التالي تسري شائعة بأنه قد تم إلقاء القبض على الخاطفين العراقيين في دمشق.. لا شماته.. ولكن من حفر فجوة بحدود أشقائه ليتسلل منها الإرهابيون وأيتام صدام وقع فيها..فالإرهاب لادين ولاعهد ولامواثيق ولاأخلاق له..

 
 

27
أدب / 73 شمعة
« في: 14:42 27/03/2007  »
73باقة ورد نضعها برفق على قبور الشهداء النبلاء
73 إطلاقة في الهواء
73   قبلة حميمة تخالطها الدموع
73  شعلة محاطة بالشموع
أيها..الشريف .. الصادق.. العفيف.. الصابر..
أيـها المنار
ياأبا التضحيات و الإيثار ..
أيها الشجاع..المجاهد..
أيها الجميل..الراقي..
أيها الكادح البسيط..
يا أبا الفنون والثقافة..ياأصل المحبة..
حزبنا ..جئناك مثقلين بعقد وأمراض آلاف السنين..
فجعلت منا المانحين والمبدعين والمربين..
يا أحرص علينا من آبائنا..وأرحم من أمهاتنا..وأقرب من حبيباتنا
أيها البهي النقي ..البريء ..
يغدرون..فلا تغدر
ويمكرون..فلا تمكر
ويشيخون بكرههم..وتبقيك المحبة في عز الشباب..
أقبل يديك الكريمتين وجبهتك العالية أيها الشيخ الجليل
وانحني واعفر وجهي بترابك الطاهر..

28
يبدو أنك لم تقرأ مقالة (( مسلمون ولكن..)) أو قرأتها بعجالة ففاتك ما جاء فيها من شؤون وشجون.. والأدهى من ذلك أنك تكرر أن الإسلام فرض الجزية على الآخر ..مع أني ذكرت ذلك في مقالي (( وهو رسالة ليس لي فيها سوى فضل الناقل والناشر..)) وبشكل واضح ..أعد قراءة النص يا صديقي لتكتشف أن لاشيء يستدعي ثورتك وغضبك  وتحريضك لمقاطعتي.. كما أرجو أن تطلع من تثق فيهم على مقالتي و على ردك لتكتشف حراجة موقفك المتسرع..
مع وافر المحبة..

رحيم

مسلمون ..ولكن..

كان المسلمون في مملكة تايلاند البوذية يعيشون بسلام مع جيرانهم البوذيين  و الهندوس و الشنتويين  و كان المجتمع يدعوهم بمحبة للاندماج فيه ، و هم حاولوا جهدهم ليكونوا أفراد فاعلين مندمجين.. كانوا من طينة محافظة لكنها غير منغلقة فلم يكن قد دخل العفن الأصولي بعقولهم و لم تنتشر بعد جرثومة التكفير الوهابية التي إنتقلت من السعودية وترعرعت في إفغانستان أن تضع الحواجز و السواتر و الخنادق في عقل المسلم و تفرقه عن كل شيء... ، هذا ما كتبه صديقي في رسالته عن حكاية المسلمين في تايلند  والتي يكملها بالقول :
- وخلال عقدين من الزمن تفشى هذا الطاعون في المجتمع ، و بدات علامات المرض واضحة  ، فقر ، انغلاق ، تخلف اجتماعي و ثقافي و سياسي  توقف الاستثمارات الاقتصادية و ابتعادها عن كل شيء مسلم  تماماً كما حالة  الريف الجزائري المسكين و المبتلي بهذه  الجرثومة التي تسببت بالدمار و  الخراب ... هذا هو الخراب الاعظم هو خراب العقول التي يستلزم إصلاحها تطهير النظم التربوية و الاجتماعية من  لعنة التربية على أقوال فلان عن فلان عن فلان ، فطلحة و ابن الزبير و غيرهم ليسوا أفضل و أفهم من أب متنور  يقرا الحياة بمنظور واقعي اخلاقي .
ترى لماذا يهرب أئمة الإسلام من التحليل الى التفسير الببغاوي..؟لم لا يناقشون  مسائل ضرب المراة و قتلها واللواطة مع العبيد_ والغلمان في الجنة -..بل والعبودية.. وتكفير الآخر من عباد الله وفرض الجزية عليه  ومسألة إرضاع المرأة للداخلين عليها التي نزلت فيها آية ؟؟؟ و أكلها من اكلها .. هؤلاء يهربون من هذه الاتهامات ليفسروا ما جاء تفسير أخلاقي هرباً من الفضيحة و من ثقلها  يهربون إلى الضمير ليستشيروه ..
فلماذا لا يستشير الكثيرون هذا الضمير قبل أن يسنوا قوانين جنونية هل سمعتم بقانون
سن ليوم واحد في ليبيا يحظر على المراة تحت سن الأربعين أن تغادر بدون محرم  ؟؟؟
و مثلها مثل جارتها الجزائرية التي حولها دعاة التأسلم لواحة من الفقر و التخلف و الفرقة و الإجرام ..
هؤلاء كلهم يناقضون العقل فلا يمكن الجمع بين النار الحارقة و المدمرة و الماء سبب النماء و الخضرة . ..
ويدعوا صديقي أصحاب القرار في ختام رسالته :  كفاكم أوهاماً فضمير حي في زمن الجاهلية أفضل من استشارة مئة عالم و داعية و مفتي وأمير يقتلون بإسم الله والإسلام دين الرحمة والعدل أطفال ونساء وشواهد البلدان الديمقراطيته أوتلك التي تلمست هذا الطريق الشائك..أخيراً..

29
المنبر الحر / مسلمون ..ولكن..
« في: 10:45 20/03/2007  »

- كان المسلمون في مملكة تايلاند البوذية يعيشون بسلام مع جيرانهم البوذيين  و الهندوس و الشنتويين  و كان المجتمع يدعوهم بمحبة للاندماج فيه ، و هم حاولوا جهدهم ليكونوا أفراد فاعلين مندمجين.. كانوا من طينة محافظة لكنها غير منغلقة فلم يكن قد دخل العفن الأصولي بعقولهم و لم تنتشر بعد جرثومة التكفير الوهابية التي إنتقلت من السعودية وترعرعت في إفغانستان أن تضع الحواجز و السواتر و الخنادق في عقل المسلم و تفرقه عن كل شيء... ، هذا ما كتبه صديقي في رسالته عن حكاية المسلمين في تايلند  والتي يكملها بالقول :
- وخلال عقدين من الزمن تفشى هذا الطاعون في المجتمع ، و بدات علامات المرض واضحة  ، فقر ، انغلاق ، تخلف اجتماعي و ثقافي و سياسي  توقف الاستثمارات الاقتصادية و ابتعادها عن كل شيء مسلم  تماماً كما حالة  الريف الجزائري المسكين و المبتلي بهذه  الجرثومة التي تسببت بالدمار و  الخراب ... هذا هو الخراب الاعظم هو خراب العقول التي يستلزم إصلاحها تطهير النظم التربوية و الاجتماعية من  لعنة التربية على أقوال فلان عن فلان عن فلان ، فطلحة و ابن الزبير و غيرهم ليسوا أفضل و أفهم من أب متنور  يقرا الحياة بمنظور واقعي اخلاقي .
ترى لماذا يهرب أئمة الإسلام من التحليل الى التفسير الببغاوي..؟لم لا يناقشون  مسائل ضرب المراة و قتلها واللواطة مع العبيد_ والغلمان في الجنة -..بل والعبودية.. وتكفير الآخر من عباد الله وفرض الجزية عليه  ومسألة إرضاع المرأة للداخلين عليها
 التي نزلت فيها آية ؟؟؟ و أكلها من اكلها .. هؤلاء يهربون من هذه الاتهامات ليفسروا ما جاء تفسير أخلاقي هرباً من الفضيحة و من ثقلها  يهربون إلى الضمير ليستشيروه ..
فلماذا لا يستشير الكثيرون هذا الضمير قبل أن يسنوا قوانين جنونية هل سمعتم بقانون
سن ليوم واحد في ليبيا يحظر على المراة تحت سن الأربعين أن تغادر بدون محرم  ؟؟؟
و مثلها مثل جارتها الجزائرية التي حولها دعاة التأسلم لواحة من الفقر و التخلف و الفرقة و الإجرام ..
هؤلاء كلهم يناقضون العقل فلا يمكن الجمع بين النار الحارقة و المدمرة و الماء سبب النماء و الخضرة . ..
ويدعوا صديقي أصحاب القرار في ختام رسالته :  كفاكم أوهاماً فضمير حي في زمن الجاهلية أفضل من استشارة مئة عالم و داعية و مفتي وأمير يقتلون بإسم الله والإسلام دين الرحمة والعدل أطفال ونساء وشواهد البلدان الديمقراطيته أوتلك التي تلمست هذا الطريق الشائك..أخيراً..

30
إعلام الفكر والفلسفة / قراقوش
« في: 09:26 12/03/2007  »

قراقوش شخصية تاريخية حقيقية اسمه قراقوش بن عبد الله الأسدي ولقبه بهاء الدين وكنيته أبو سعيد, أما اسمه فمعناه في التركية: النسر الأسود, أما كونه ابن عبد الله فلأنه لا يُعرف مَنْ أبوه, أما الأسديّ فنسبة إلى القائد أسد الدين شيركوه (ت 564هـ) عمّ صلاح الدين الأيوبي, وكان لأسد الدين مجموعة من الفتيان تسمّى الأسدية.‏
قراقوش أصله رومي, من آسيا الصغرى, كان عبداً, هرب من العبودية, وتقاذفته البلدان حتى إلى الشام, وهناك انضم إلى أسد الدين وهو شيركوه بن شاذي, كان من كبار القادة العسكريين في جيش نور الدين بدمشق, وأظهر قراقوش بطولة وهمةً عاليتين مما رفع من شأنه في نظر شيركوه.‏
بعد وفاة شيركوه انضمّ جنده وعساكره (الأسدية) إلى عسكر ابن أخيه الملك الناصر صلاح الدين, وكان من بينهم القائد قراقوش الذي ساهم في حفظ ثروة آخر خليفة فاطمي بعد وفاته وهو العاضد عام 567 هـ.‏
وقدّمها تامة إلى صلاح الدين, وكانت ذات أثر في تثبيت دعائم الدولة وبناء بعض تحصيناتها الهامة التي كُلّف قراقوش بتنفيذها.‏
بنى قراقوش قلعة القاهرة, وجلب أحجار البناء من بعض الإهرامات الصغيرة التي كانت في الجيزة, وسخّر الآلاف من الأسرى وغيرهم في بنائها, وقدّرهم المقريزي بنحو من خمسين ألفاً, وقد حفر فيها قراقوش بئراً عُدّت من العجائب, وهناك لوحة نقش عليها تاريخ وبناء القلعة, وهذا نص النقش:‏
"أمر بإنشاء هذه القلعة الباهرة المجاورة المحروسة القاهرة بالعرمة التي جمعت نفعاً وتحسناً, وسعة على مَنْ التجأ إلى ظلّ ملكه وتحصنا, مولانا الملك الناصر صلاح الدين والدنيا أبو المظفر يوسف بن أيوب محيي دولة أمير المؤمنين في نظر أخيه ووليّ عهده الملك العادل سيف الدين أبي بكر محمد بن خليل أمير المؤمنين, على يد أمير مملكته ومُعين دولته قراقوش بن عبد الله المالكي الناصري في سنة تسع وسبعين وخمسمائة" وحفر حول القلعة خندقاً عظيماً عدّه الرحالة ابن جبير من العجائب الباقية, كما بنى قراقوش سوراً حول القاهرة انتهى منه بعد وفاة صلاح الدين, كذلك قام بتحصين دمياط وبنى قلعة سيناء قرب عين صدر وقلعة فرعون في خليج العقبة, وهدم جامع المقس وبنى مكانه برجاً كبيراً عُرف ببرج قراقوش. وإضافة إلى هذه الأعمال العسكرية فإنه بنى قناطر الجيزة وهو مشروع زراعي عظيم, كما بنى رباطاً بالمقس وخان سبيل على باب الفتوح بظاهر القلعة للفقراء وأبناء السبيل, وكان هناك ميدان في القاهرة اسمه ميدان قراقوش خارج باب الفتوح.‏
بعد معركة حطين وفتح القدس خرج صلاح الدين إلى عكا وقرر تجديد أسوارها وتعلية أبراجها, وعمارة قصورها ودورها, لذلك أرسل صلاح الدين إلى قراقوش يستدعيه إلى عكا, فوصل إليها سنة 584 هـ ومعه معاونوه من العمال والمهندسين, ولم يكد يبدأ بناءه لعكا حتى بدأ حصار الصليبيين لها في رجب سنة 585هـ واستمروا في حصارها حتى سنة 586هـ وتكبدوا خسائر فادحة, لكنّ الإمدادات التي وصلتهم أدّت إلى سقوط عكا, وكان قراقوش بين الأسرى, وظل أسيراً حتى دخلت سنة 588هـ وفيها افتداه صلاح الدين بفدية عظيمة تراوح تقديرها ما بين عشرة آلاف وستين ألف دينار, واستقبله صلاح الدين بطبرية بالبِشْر والبر ثم صحبه معه إلى دمشق, ثم أرسله إلى مصر وكانت هذه أخرَ مرّة يرى فيها قراقوش صلاحَ الدين الذي توفى في صفر سنة 589هـ بدمشق.‏
ظل قراقوش مخلصاً لابن صلاح الدين وهو الملك العزيز ملك مصر وكان ساعده الأيمن في الملمات والكوارث وخصوصاً في سنة 591 ـ 592هـ عندما انخفض ماء النيل وانتشر الوباء وكثر الأموات في الطرقات...‏
وبعد وفاة العزيز أصبح قراقوش وصياً على العرش, وقام بذلك على أكمل وجه, لكنّ فتنة عاتية أطلّت برأسها, وانتهت بمصر إلى يد الملك العادل, ولم يكن أمام قراقوش إلا أن يعتزل الحياة العامة, فحبس نفسه في منزله عدة أشهر إلى أن وافاه الأجل في مستهل رجب سنة 597هـ ودفن في تربته المعروفة باسمه في سفح جبل المقطم
..لقد عمد الأسعد بن مماتي (ت 606هـ) الذي كان رئيساً على ديوان الجيش وديوان المال, وكان شاعراً أديباً إلى تشويه شخصية قراقوش الذي كان منافساً له في المنزلة لدى صلاح الدين, فصنّف كتاباً سماه "الفاشوش في حكم قراقوش" وقال في مقدمته أنه صنف هذا الكتاب لصلاح الدين ليريح المسلمين من حكم قراقوش...‏ لم يؤثر هذا الكتاب في صلاح الدين, بل إن منزلة قراقوش كانت عالية جداً واستمرت كذلك, لكنّ حكايات الكتاب شاعت بين الناس وأصبح مثلَ "حكْم قراقوش" يضرب للطيش والبطش والجور والظلم, ثم قام جلال الدين السيوطي (ت 911هـ) فأعاد تأليف كتاب الأسعد بن مماتي ذاكراً تلك الأخبار والأحكام التي تدل على الغفلة وضعف المحاكمة أو خبثها... وهذه الصفات كلها على خلاف, ما كان عليه قراقوش..


31
أغنية : دنية إحنة الواحد للثاني
تاريخ التسجيل / 1981
 شعر : رحيم العراقي 20 عاما
لحن المرحوم جابر محمد 26 عاما
غناء : قحطان العطار 31 عاما

ملاحظة : عُدلت وغُيرت كوبليهات الأغنية تنفيذاً لطلب
لجنة فحص النصوص الغنائية..


دنيه إحنه الواحد للثاني
لا يحـبـّيب لا تنســـاني
من غيرك تدريني أتعذّب
ومن غيري تظل إبلا ثاني..

 ********
يلســـــافرت لبعيد // من بين الهموم
حتى إنتظارك عيد // لوحـبَّك إيدوم..

****
لالا تظن أنســـاك // لوتنســـــــه ودي
دمعتك وإنته إهناك // تجري إعلى خدي..

*****
يلسافـرت لسنين // غــيّرت طـبعــك
ومن سافرت للحين // كل يوم اودعك..

****
كم غربة مّرت بيك// يحجولي عنهه
أصعبهه غربة ناس // داخل وطنَّهه..

32
أدب / على الميعاد
« في: 09:20 11/03/2007  »
                                 
أغنية : على الميعاد
 جُددت موسيقاها وغُيرت كلماتها عام 1975وبقي من
الكلمات القديمة ما تحته خط فقط..         
  كلمات : رحيم العراقي 16 عاما
لحن : رضا علي
غناء : قحطان العطار 24 عاما



]تنـسى المواعيد يلما خالفتلك وعد       (موعد)
                                 وأنتظر وصلك سنين بكل حنيني وعد   ( أحسب)
                                 ما فرحتني وأكَولن هاي قسمه ووعد    (نصيب ]
           
شدعي على اللي عن إمحبتي داره                           ( أداره ..قام بتغييره )
            وروحي حمامة وفه ترفرف على داره                           ( بيته )
            من المغفره يا ترف راسم علي داره                            ( دائرة )
                                   كل ما تجيني بعذر أغفر وأكَولن وعد  (وعاد باللهجة الجنوبية تعني لابأس )
 على الميعاد إجيتك         إجيت وما لكـَيتك
ليش إنسيت وعدي         وعمري ما نسيتك 

 
                       *****             
                 ..                 ناسي وعدي دومك
                                     هـاجـرني مـن يومك 
                                     أبـــداً  مـــا  ألـــومك             آنا العـــّـوديتك..

                                            ********
                                    ..يا عـمـري و مـراده
                                      يا تعــبي وحصــاده
                                      أنا بعت الســـعاده             من يوم إشتريتك..

                                                     ********

                                    .. أنا تحّـمـلت يامـــه
                                       مـن عـندك مـلامه
                                       وتظل روحي حمامه           ترفرف على بيتك..
                                                                         على الميعاد إجيتك..

                                 

33

منذ سنوات طويلة والأشقاء السعوديون يرددون أغنيتهم الشهيرة (( إرفع راسك إنت سعودي )) أينما حلوا وإرتحلوا الى حدٍ كادت أن تغطي على نشيدهم الملكي.. ومن حقهم وحق كل مواطن أن يتغنى ويفخر ببلاده إن كانت شوكة في عيون الأعداء أو حتى عيون الأبناء والأشقاء.. لأن حب الوطن لايعني الولع بالسلطة الحاكمة في السعودية أو غيرها ونحن ياما تغنينا بأهداف اللاعبين قاسم زوية وهشام عطا عجاج أيام البكر وصدام وناظم كَزار وبفنون هادي أحمد وفلاح حسن أيام صدام الذي راوغ رفيقيه وإنفرد بالسلطة .. ولكن الأمور تبلغ أحياناً مبلغاً يتجاوز هذه النوايا الطيبة والمشاعر الوطنية البريئة الى سياق آخر تغطيه وتظلله عباءة السياسة وتصدير الأوبئة الفكرية والتدخل في شؤون الآخرين دولاً وأحزاب ومنظمات.. فالأخيرة – السلطات السعودية –رفعت رأسها من خلف الحدود وراقبت المشهد العراقي لتجد لها مكاناً في حلبة الصراع إسوة بسوريا وإيران..وتمكنت من العبور من خلال الممر الطائفي.. فملأت حقائب الحجاج العراقيين بالدولارات مع – كتالوغ صغير – لكيفية صرفها..وأثارت الزوابع الإعلامية حول أحداث عراقية داخلية وحاولت طمس أحداث أخرى مشرقة..وناورت وتشاورت ووفرت المؤتمرات والملاذ التآمري الآمن لكل رعاة الفوضى وتجار الحروب الأهلية ( الضارية ) وجعلت الطريق سالكاً لكل مغامر وإرهابي يستعجل الدخول الى الجنة عبر النارالتي يشعلها في العراق .. ومع ذلك لم تنل رضا الإرهابيين الذين نسجوا لأنفسهم شبكة مستقلة ترعى عملياتهم الإرهابية في العراق بالإتفاق مع مجموعات من الارهابيين والبعثيين ومن يمولهم ويدعمهم لجلب شباب سعودي كمتطوعين للقتال في العراق .. كذلك خسرت موقعها في قائمة أصدقاء أمريكا الذي نالته منذ الحرب الباردة بين المعسكر الإشتراكي وأميركا حيث وظفت المليارات من أجل هذه المهمة الأمريكية المقدسة في وقت كانت تشكو وما تزال الكثير من مدنها وقراها من عدم توفر أبسط الخدمات..مما جعلها تتخبط في مواقفها السياسية المعلنة وغير المعلنة ومن بينها شجبها الطائفي السريع لعملية حزب الله الأخيرة ومواجهته لإسرائيل (رغم رأينا الخاص بموضوعة هذا الحدث..) وقبل أن تشجب ذلك أمريكا و إسرائيل بحيث كان الموقف السعودي من جملة مبررات العدوان الإسرائيلي الوحشي على لبنان..فعادت السعودية ولوَّحت بالدولارات لإصلاح الموقف لا إصلاح الدمار..
ونعود الى العراق حيث يضحك الإرهابيون العتاة على ذقون المجاهدين السعوديين فيحتجزونهم حال وصولهم ويطلبون من ذويهم في السعودية دفع مبالغ كبيرة بحجة انهم خلصوهم من موت محقق ومستعدين لترتيب عودتهم الى السعودية وفي حال رفض ذويهم دفع الفدية يقومون بالتخلص منهم بالسيارات المفخخة.. وإعترفت جريدة "الوطن" أن الشابين السعوديين محمد المنصور وأحمد الدخيل من مدينة بريدة قد قتلا في العراق خلال الأيام الماضية. وأوضحت المصادر أن الشابين في العشرينات من عمرهما قد غادرا البلاد منذ فترة مع مجموعة من أقرانهما إلى العراق عن طريق السفر إلى البحرين وتوجها منها إلى سوريا حيث تمكنوا من عبور الحدود السورية العراقية عن طريق جماعات تدعي انتماءها للفرق الجهادية في العراق. وبينت المصادر أن أعضاء الجماعات المزعومة يتولون ترتيبات دخول الشباب السعودي إلى العراق ويسلمونهم إلى بعض المرتزقة الذين يتولون القبض على السعوديين ويطالبون أهليهم بفدية للإفراج عنهم مقابل 150 ألف ريال للشخص الواحد. وأشارت المصادر إلى أنه في حالة فشل التفاوض على الفدية يقومون بإيداع الشباب في معتقلات داخل العراق لحين استلامهم المبالغ التي يطلبونها من ذويهم..أو يجعلون منهم قنابل آدمية في السيارات المفخخة...لا شماتة ..ولكننا نخشى أن تتحول كلمات الأنشودة السعودية في أفواهنا :
إخفض راسك يا إرهابي
يا تكــــــفيري يا وهابي ..

34
أدب / سهلة عندك ...
« في: 10:45 26/02/2007  »
أغنية : سهلة عندك ...

تاريخ تسجيل الأغنية: 1982
شعر : رحيم العراقي 20 عاما
لحن :المرحوم جابر محمد 27 عاما
غناء : قحطان العطار..32 عاما


ســـــــــــــــهلة عندك يا حبيبي لو تجافي
وانه يالغالي احلفتلك  غيرك إنته ما اوافي
شغير كَــــــــليبك عليه ..؟
يصير الشاطي ينسه ميه؟
آنا وانته اثنين جنه ..مثل وردة ونبع صافي..
***********
ادري تلكَـــالك حبيب وتنــــسه ودي
وادري تطويني الليالي واظل وحدي
وحتى لو عاشرت غيري
تبقه انته الغالي عندي
وابقه ذاك انه واحبك
مساهر وعيني عله دربك
لمن تذكـــــــــرني وتوافي.

35

بيير أندريه تاغييف، مؤرخ للأفكار وفيلسوف ومفكر سياسي وأستاذ في معهد الدراسات السياسية بباريس ومدير للأبحاث في المركز القومي الفرنسي للبحث العلمي ومؤلف للعديد من الكتب من بينها:
«قوة الأحكام المسبقة» و«دعاة الحقد» و«في مواجهة العنصرية» و«الجمهورية المهددة»...«هناك عودة إلى أسطورة المؤامرة في الثقافة الشعبية»، هذه هي الفكرة الأساسية التي يدور حولها موضوع الكتاب الجديد لبيير أندريه تاغييف: «معرض الملتهمين». إنه يحاول أن يبرهن على وجود «رابطة» بين الروايات التي اكتسبت بجدارة تسمية «الجماهيرية» إذ أنها وزّعت ملايين النسخ في جميع أنحاء العالم مثل روايات «دان براون» الشهيرة، خاصة « شفرة دافنشي » التي تقوم على عالم الألغاز وبين الأطروحات التي روّج لها اليمين المتطرّف والقائلة بوجود مؤامرات خفية تنظمها قوى «غير منظورة» تقريبا من أجل إقامة نوع من «الحكومة العالمية» التي ستكون بالطبع مثل دمية بيدها فهي التي تتحكم بخيوط اللعبة كلها.
كذلك يحاول مؤلف هذا الكتاب البرهنة على وجود «رابطة» أيضا بين هواة تلك المسلسلات التلفزيونية والرسوم المتحركة وألعاب الفيديو التي يجمع بينها كلها الاهتمام بجماعات سرية أو مخلوقات تنتمي إلى كواكب أخرى وبين أولئك الذين يقدّمون أنفسهم على أنهم «مؤرخون» بل ويتحدثون أحيانا وكأنهم «علماء» ويشجبون جميعهم «المؤامرة العالمية».
وتنبغي الإشارة منذ البداية أن «تاغييف» قد وضع كأحد أهداف كتابه دحض الفكرة القائلة والشائعة كثيرا بأن اليهود هم أقطاب «المؤامرة العالمية».
النقطة التي ينطلق منها مؤلف هذا الكتاب هي أن نظرية المؤامرة العالمية تستعيد هذه الأيام شبابها وأن الحامل الكبير في هذا «الشباب» يتمثل في النجاح الذي حققته الثقافة الشعبية اليوم والذي تعبّر عنه بوضوح أعمال الروائي دان براون والعديد من الأعمال الأخرى التي جرى نشرها منذ بداية سنوات الثمانينات في القرن الماضي (العشرين).
مثل هذه الأعمال تستوحي موضوعاتها من «مخزون هائل من الإشاعات والأساطير والمعتقدات» التي تعود أحيانا إلى قرون بعيدة ماضية والتي «لا يتم التوقف عن استغلالها من قبل أولئك المختصين بالبحث «عن كل ما يمجّد رائحة العوالم الخفية».
ونظرية «المؤامرة» كما يتم تعريفها، هي ذلك النوع من الكتابة الذي يفسّر مآسي العالم الذي نعيش فيه بتدخل قوى خفية شريرة، وممثلة عامة بمجموعة قليلة «تمثل في أغلب الحالات أقليات نخبوية» تستخدم لبلوغ غاياتها« وسائل سياسية أو مالية أو عسكرية أو بسيكولوجية أو علمية».
وكانت نظرية «المؤامرة» قد برزت «تاريخيا» في نهايات القرن الثامن عشر واتخذت في أوروبا صيغة تآمر مجموعة بافاريه ـ نسبة إلى بافاريا ـ ضد المسيحية. ثم جرى الحديث عن مؤامرة ماسونية وبعدها ماسونية-يهودية لتغدو يهودية بحتة منذ أواسط القرن التاسع عشر.
وما يريد مؤلف هذا الكتاب أن يؤكده هو أن أعمالا أدبية مثل «دا فنشي كود» و«ملائكة وشياطين» لدان براون وألعاب الفيديو عن «النظام العالمي الجديد» والنضال ضد القوى الغامضة التي تسعى إلى تخريبه أو العمل الشهير «سيد الخواتم» للكاتب البريطاني «ج. تولكيين» .
حيث «تواجه القوى المستنيرة قوى الظلام» أو المسلسلات التفزيونية التي تذهب في نفس المنحى وتدعو إلى «عدم الثقة بأحد»، إنما هي أعمال تجد مرجعياتها، حسب رأيه، لدى نفس «المخزون الرمزي» الذي يستلهم منه اليمين المتطرف أطروحاته السياسية. وهذا ما يجمعه المؤلف كله تحت لافتة «بازار الغرابة».
ولا يتردد أيضا في القول أن التركيز على «المظهر الشيطاني» للعولمة الليبرالية السائدة من قبل اليمين المتطرف واليسار المتطرف، إنما يجد مرجعيته أيضا في نفس آلية القول بوجود «مؤامرة عالمية» وتفسير التاريخ على أنه مجرد مؤامرات متتالية تنظّمها وتخطط لها مجموعة من أصحاب المصالح الذين لا يظهرون أبدا على المسرح ولكنهم يحرّكون «الدمى» فوق خشبته.
وما يؤكده المؤلف هو أن «فكرة التآمر» تشكل اليوم أحد أكبر الأساطير السياسية الحديثة. ويرى أن ما يميّزها اليوم هو أنها قد تعدّت حدود الشرائح التي روّجت لها، تاريخيا لتصل إلى شرائح لا علاقة مباشرة لها بالسياسة ولم يعد جمهورها بالتالي مسيسا. وكان من نتيجة هذا التوسيع لإطارها و«خلطها» بموضوعات تنتمي إلى عوالم الأسرار الغريبة جعلها بمثابة «ظاهرة ثقافية».
ويعيد «تاغييف» هذا الصعود الجديد لنظرية «المؤامرة» إلى الانحسار الكبير الذي عرفته الايديولوجيات السياسية الكبرى وفي مقدمتها الايديولوجية الشيوعية وما كانت قد مثّلته لعشرات الملايين من البشر من إمكانية تقديم آفاق مفتوحة أمامهم.
وبغياب مثل هذه الآفاق أصبحت الطريق مفتوحة أمام تبنّي تفسيرات أخرى. ومثل هذه «العودة» معروفة في التاريخ الإنساني كله، لاسيما عندما تكون الايديولوجيات الأخرى تعاني كلها من حالة «الإفلاس».
ويجد المؤلف أيضا أحد أسباب صعود فكرة «المؤامرة» في «غياب الاعتقاد بإمكانية التقدم نحو الأفضل»، ذلك أن مفهوم التقدم نفسه لم يعد يشكل «قوة جذب» لأعداد متزايدة من البشر الذين اتجهوا أو «تركوا أنفسهم يتجهون» نحو الإيمان ب«نزعة الكارثة».
ويتم التأكيد في هذا السياق على أن «الاعتقاد بالتقدم» قد ساد لدى الغربيين عامة لمدة تفوق القرنين من الزمن. لكن «زمن المستقبل المشعّ» قد أصبح في خلفية الصورة ولم يعد «متداولا» إلا لدى بعض الشرائح القليلة، والنخبوية في أغلب الأحيان.
وبالتوازي مع انحسار الايديولوجيات الكبرى، تضاءلت أيضا دائرة النفوذ التي كانت تشغلها المعتقدات الدينية في الغرب. ونجم عن هذا النوع من الفراغ الذي يسمح بتقديم مختلف أشكال الإجابات التبسيطية التي قد يطرحها البشر على أنفسهم. وهذا ما يفسر إلى حد كبير، حسب رأي مؤلف هذا الكتاب، «تعاظم سوق الأفكار الخفية» بل وانتشار حركات وفرق عقائدية جديدة مثل «جماعة معبد الشمس» الذين قد يصل تطرفهم إلى درجة القيام بعمليات انتحار جماعي.
ومثل هذه الأجواء مناسبة جدا لازدهار «نظرية المؤامرة» على خلفية الانجذاب نحو ما هو سرّي وما هو خفي والانبهار بما يمكن أن تقوم به قوى خفية من أفعال والخوف من دكتاتورية مجهولة ما.
ويشير مؤلف هذا الكتاب إلى الدور الكبير الذي تلعبه شبكة «الانترنت» في نشر نظرية «المؤامرة»، ذلك أن القائلين بمثل هذه النظرية يستفيدون من هامش الحرية الكبير الذي توفره هذه الشبكة وحيث يمكن لأية فكرة، ومهما كانت، أن تنتشر مثل النار في الهيشم. أية فكرة أو أية إشاعة أيضا.
ويؤكد «تاغييف» أن ثقافة المؤامرة ما كان لها أن تبلغ ما وصلت إليه من اتساع لولا شبكة الانترنت. ثم هناك فكرة شائعة وهي أنه يمكن الوصول عبر هذه الشبكة إلى المعلومات التي لا توفرها الصحف أو المطبوعات الأخرى أو إلى المعلومات التي تريد إخفاءها.
هذا يعني أن الانترنت «يقدم المعلومة دون مساحيق»، وبسبب الفكرة السائدة أن الصحافيين «يكذبون» أو «يخفون الوقائع»، وأن رجال السياسة لا مصداقية لهم، يمكن للقول بوجود مؤامرة وجماعات سرية وشبكات أن يجد أصداء كبيرة لدى جمهور «الانترنيت».
ويشير المؤلف بهذا الصدد إلى الدراسة التي تحمل عنوان:
«الجماعات السرية وسلطتها في القرن العشرين» والتي ظهرت طبعتها الأولى باللغة الألمانية عام 1993 وتمّت ترجمتها بعد ذلك إلى عدة لغات، ليؤكد بأنها حظيت بانتشار واسع بفضل مواقع عديدة على الانترنت. وهذه الدراسة مستوحاة إلى درجة كبيرة من «بروتوكول حكماء صهيون».

36
بيير أندريه تاغييف، مؤرخ للأفكار وفيلسوف ومفكر سياسي وأستاذ في معهد الدراسات السياسية بباريس ومدير للأبحاث في المركز القومي الفرنسي للبحث العلمي ومؤلف للعديد من الكتب من بينها:
«قوة الأحكام المسبقة» و«دعاة الحقد» و«في مواجهة العنصرية» و«الجمهورية المهددة»...«هناك عودة إلى أسطورة المؤامرة في الثقافة الشعبية»، هذه هي الفكرة الأساسية التي يدور حولها موضوع الكتاب الجديد لبيير أندريه تاغييف: «معرض الملتهمين». إنه يحاول أن يبرهن على وجود «رابطة» بين الروايات التي اكتسبت بجدارة تسمية «الجماهيرية» إذ أنها وزّعت ملايين النسخ في جميع أنحاء العالم مثل روايات «دان براون» الشهيرة، خاصة « شفرة دافنشي » التي تقوم على عالم الألغاز وبين الأطروحات التي روّج لها اليمين المتطرّف والقائلة بوجود مؤامرات خفية تنظمها قوى «غير منظورة» تقريبا من أجل إقامة نوع من «الحكومة العالمية» التي ستكون بالطبع مثل دمية بيدها فهي التي تتحكم بخيوط اللعبة كلها.
كذلك يحاول مؤلف هذا الكتاب البرهنة على وجود «رابطة» أيضا بين هواة تلك المسلسلات التلفزيونية والرسوم المتحركة وألعاب الفيديو التي يجمع بينها كلها الاهتمام بجماعات سرية أو مخلوقات تنتمي إلى كواكب أخرى وبين أولئك الذين يقدّمون أنفسهم على أنهم «مؤرخون» بل ويتحدثون أحيانا وكأنهم «علماء» ويشجبون جميعهم «المؤامرة العالمية».
وتنبغي الإشارة منذ البداية أن «تاغييف» قد وضع كأحد أهداف كتابه دحض الفكرة القائلة والشائعة كثيرا بأن اليهود هم أقطاب «المؤامرة العالمية».
النقطة التي ينطلق منها مؤلف هذا الكتاب هي أن نظرية المؤامرة العالمية تستعيد هذه الأيام شبابها وأن الحامل الكبير في هذا «الشباب» يتمثل في النجاح الذي حققته الثقافة الشعبية اليوم والذي تعبّر عنه بوضوح أعمال الروائي دان براون والعديد من الأعمال الأخرى التي جرى نشرها منذ بداية سنوات الثمانينات في القرن الماضي (العشرين).
مثل هذه الأعمال تستوحي موضوعاتها من «مخزون هائل من الإشاعات والأساطير والمعتقدات» التي تعود أحيانا إلى قرون بعيدة ماضية والتي «لا يتم التوقف عن استغلالها من قبل أولئك المختصين بالبحث «عن كل ما يمجّد رائحة العوالم الخفية».
ونظرية «المؤامرة» كما يتم تعريفها، هي ذلك النوع من الكتابة الذي يفسّر مآسي العالم الذي نعيش فيه بتدخل قوى خفية شريرة، وممثلة عامة بمجموعة قليلة «تمثل في أغلب الحالات أقليات نخبوية» تستخدم لبلوغ غاياتها« وسائل سياسية أو مالية أو عسكرية أو بسيكولوجية أو علمية».
وكانت نظرية «المؤامرة» قد برزت «تاريخيا» في نهايات القرن الثامن عشر واتخذت في أوروبا صيغة تآمر مجموعة بافاريه ـ نسبة إلى بافاريا ـ ضد المسيحية. ثم جرى الحديث عن مؤامرة ماسونية وبعدها ماسونية-يهودية لتغدو يهودية بحتة منذ أواسط القرن التاسع عشر.
وما يريد مؤلف هذا الكتاب أن يؤكده هو أن أعمالا أدبية مثل «دا فنشي كود» و«ملائكة وشياطين» لدان براون وألعاب الفيديو عن «النظام العالمي الجديد» والنضال ضد القوى الغامضة التي تسعى إلى تخريبه أو العمل الشهير «سيد الخواتم» للكاتب البريطاني «ج. تولكيين» .
حيث «تواجه القوى المستنيرة قوى الظلام» أو المسلسلات التفزيونية التي تذهب في نفس المنحى وتدعو إلى «عدم الثقة بأحد»، إنما هي أعمال تجد مرجعياتها، حسب رأيه، لدى نفس «المخزون الرمزي» الذي يستلهم منه اليمين المتطرف أطروحاته السياسية. وهذا ما يجمعه المؤلف كله تحت لافتة «بازار الغرابة».
ولا يتردد أيضا في القول أن التركيز على «المظهر الشيطاني» للعولمة الليبرالية السائدة من قبل اليمين المتطرف واليسار المتطرف، إنما يجد مرجعيته أيضا في نفس آلية القول بوجود «مؤامرة عالمية» وتفسير التاريخ على أنه مجرد مؤامرات متتالية تنظّمها وتخطط لها مجموعة من أصحاب المصالح الذين لا يظهرون أبدا على المسرح ولكنهم يحرّكون «الدمى» فوق خشبته.
وما يؤكده المؤلف هو أن «فكرة التآمر» تشكل اليوم أحد أكبر الأساطير السياسية الحديثة. ويرى أن ما يميّزها اليوم هو أنها قد تعدّت حدود الشرائح التي روّجت لها، تاريخيا لتصل إلى شرائح لا علاقة مباشرة لها بالسياسة ولم يعد جمهورها بالتالي مسيسا. وكان من نتيجة هذا التوسيع لإطارها و«خلطها» بموضوعات تنتمي إلى عوالم الأسرار الغريبة جعلها بمثابة «ظاهرة ثقافية».
ويعيد «تاغييف» هذا الصعود الجديد لنظرية «المؤامرة» إلى الانحسار الكبير الذي عرفته الايديولوجيات السياسية الكبرى وفي مقدمتها الايديولوجية الشيوعية وما كانت قد مثّلته لعشرات الملايين من البشر من إمكانية تقديم آفاق مفتوحة أمامهم.
وبغياب مثل هذه الآفاق أصبحت الطريق مفتوحة أمام تبنّي تفسيرات أخرى. ومثل هذه «العودة» معروفة في التاريخ الإنساني كله، لاسيما عندما تكون الايديولوجيات الأخرى تعاني كلها من حالة «الإفلاس».
ويجد المؤلف أيضا أحد أسباب صعود فكرة «المؤامرة» في «غياب الاعتقاد بإمكانية التقدم نحو الأفضل»، ذلك أن مفهوم التقدم نفسه لم يعد يشكل «قوة جذب» لأعداد متزايدة من البشر الذين اتجهوا أو «تركوا أنفسهم يتجهون» نحو الإيمان ب«نزعة الكارثة».
ويتم التأكيد في هذا السياق على أن «الاعتقاد بالتقدم» قد ساد لدى الغربيين عامة لمدة تفوق القرنين من الزمن. لكن «زمن المستقبل المشعّ» قد أصبح في خلفية الصورة ولم يعد «متداولا» إلا لدى بعض الشرائح القليلة، والنخبوية في أغلب الأحيان.
وبالتوازي مع انحسار الايديولوجيات الكبرى، تضاءلت أيضا دائرة النفوذ التي كانت تشغلها المعتقدات الدينية في الغرب. ونجم عن هذا النوع من الفراغ الذي يسمح بتقديم مختلف أشكال الإجابات التبسيطية التي قد يطرحها البشر على أنفسهم. وهذا ما يفسر إلى حد كبير، حسب رأي مؤلف هذا الكتاب، «تعاظم سوق الأفكار الخفية» بل وانتشار حركات وفرق عقائدية جديدة مثل «جماعة معبد الشمس» الذين قد يصل تطرفهم إلى درجة القيام بعمليات انتحار جماعي.
ومثل هذه الأجواء مناسبة جدا لازدهار «نظرية المؤامرة» على خلفية الانجذاب نحو ما هو سرّي وما هو خفي والانبهار بما يمكن أن تقوم به قوى خفية من أفعال والخوف من دكتاتورية مجهولة ما.
ويشير مؤلف هذا الكتاب إلى الدور الكبير الذي تلعبه شبكة «الانترنت» في نشر نظرية «المؤامرة»، ذلك أن القائلين بمثل هذه النظرية يستفيدون من هامش الحرية الكبير الذي توفره هذه الشبكة وحيث يمكن لأية فكرة، ومهما كانت، أن تنتشر مثل النار في الهيشم. أية فكرة أو أية إشاعة أيضا.
ويؤكد «تاغييف» أن ثقافة المؤامرة ما كان لها أن تبلغ ما وصلت إليه من اتساع لولا شبكة الانترنت. ثم هناك فكرة شائعة وهي أنه يمكن الوصول عبر هذه الشبكة إلى المعلومات التي لا توفرها الصحف أو المطبوعات الأخرى أو إلى المعلومات التي تريد إخفاءها.
هذا يعني أن الانترنت «يقدم المعلومة دون مساحيق»، وبسبب الفكرة السائدة أن الصحافيين «يكذبون» أو «يخفون الوقائع»، وأن رجال السياسة لا مصداقية لهم، يمكن للقول بوجود مؤامرة وجماعات سرية وشبكات أن يجد أصداء كبيرة لدى جمهور «الانترنيت».
ويشير المؤلف بهذا الصدد إلى الدراسة التي تحمل عنوان:
«الجماعات السرية وسلطتها في القرن العشرين» والتي ظهرت طبعتها الأولى باللغة الألمانية عام 1993 وتمّت ترجمتها بعد ذلك إلى عدة لغات، ليؤكد بأنها حظيت بانتشار واسع بفضل مواقع عديدة على الانترنت. وهذه الدراسة مستوحاة إلى درجة كبيرة من «بروتوكول حكماء صهيون».

37
فرنسا العجوز


مؤلف كتاب فرنسا التي تشيخ هو الباحث الفرنسي نيكولا بافيريز الذي نشر سابقاً كتاباً بعنوان: فرنسا التي تسقط، وهو الكتاب الذي نال شهرة واسعة وكان أكثر الكتب الفرنسية مبيعاً عام 2003. وقد ترجم إلى جميع اللغات الأوروبية. وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن هموم العالم الجديد: أي هموم الناس في عصر الدولة التي هدمت الجدران والحواجز بين الشعوب واللغات والثقافات، ويرى أن فرنسا لا تزال قديمة في تفكيرها وممارساتها، وبالتالي فينبغي عليها أن تغير نفسها لكي تستطيع أن تلتحق بالركب وتواكب عصر الدولة الجديد.
ولكن المؤلف يتعرض أيضاً لهموم أخرى عديدة تشغل العالم المعاصر كمشكلة الصراع بين العالم الإسلامي أو حركاته المتطرفة من جهة، وبين الغرب الأوروبي ـ الأميركي من جهة أخرى. وبهذا الصدد يقول المؤلف ما معناه:
بعد ست سنوات من ضربة نيويورك في 11 سبتمبر 2001 نجد أنفسنا مضطرين للقول بأن مهووسي القاعدة نجحوا في مخططهم على غرار بلاشفة 1917. صحيح أنهم لم يستطيعوا تحقيق ثورة إسلامية شاملة لصالحهم ولكنهم وسعوا الهوة والشقة بين الغرب والعالم الإسلامي وحولوا صراع الحضارات من وهم ثقافي إلى حقيقة واقعية ملموسة.
ولا أحد يشك في أن النصف الأول من قرننا هذا، أي القرن الحادي والعشرين، سوف يكون مشغولاً بهذه الحرب الدائرة رحاها بين الديمقراطيات الغربية والحركات الإسلامية الراديكالية. ولهذا السبب نقول بأن الحرب العالمية الرابعة بدأت ولن تنتهي عما قريب. نقول ذلك باعتبار أن الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والمعسكر الغربي كانت هي الحرب العالمية الثالثة.
ولكن الخصوصية الأساسية لهذه الحرب الجديدة هي أنها ليست بين دولتين كبيرتين أو جيشين واضحين ومكشوفين وإنما هي بين الدول الديمقراطية والحركات السرية التي لا أرض ثابتة لها ولا معالم واضحة ولا وجه محدد. من هنا صعوبة هذه الحرب الجديدة كلياً من منظور التاريخ الطويل. فالحركات المتطرفة قد تضرب هنا أو هناك ثم ترهب دون أن نستطيع الرد عليها لأننا لا نعرف أين هي بكل بساطة. ولهذا السبب فإن العالم سوف يشهد حرباً أهلية كونية لأن هذه الحركات تعيش معنا، بين ظهرانينا، وتندمج في السكان والجماهير والجاليات المغتربة على وجه الخصوص. ثم يردف المؤلف قائلاً:
لقد ابتدأ هذا الصراع الغريب الشكل بطريقة سيئة بالنسبة للعالم المتحضر الحر فنحن لا نستطيع أن نتنبأ بضربة 11 سبتمبر في الولايات المتحدة، ولا بضربة 11 مارس 2004 في مدريد، ولا بضربة 7 يوليو 2005 في لندن، وعلى الرغم من قوة الأجهزة الغربية واستخباراتها وإمكانياتها إلا أنها فشلت في ذلك. بل إن ردها على هذه الضربات الإجرامية لم يكن مناسباً ولا رادعاً، على الأقل حتى الآن. وان الدليل على ذلك هو أن هذه الحركات الراديكالية لا تزال قادرة على الضرب وتنشر الرعب في كل مكان.
والواقع أنها استفادت من عصر الدولة كثيراً. فالأصوليون المتطرفون على الرغم من أنهم يكرهون الحداثة الفكرية كثيراً إلا أنهم يسيطرون بشكل جيد على مخترعاتها التكنولوجية من انترنت وايميل وبقية الأجهزة. ويستخدمون كل ذلك ببراعة لضرب المدنيين في المدن الكبرى وترويعهم. ولو أن الإرهاب الحالي اقتصر على تصفية الشخصيات السياسية أو الفكرية الكبرى كما كان يفعل الإرهاب السابق لهان الأمر، ولكنه يستهدف المدنيين العزل وبشكل جماعي في محطات القطارات، أو الأنفاق تحت الأرض، أو المخازن الكبرى. وبالتالي فيحصد في ضربة واحدة المئات أو الآلاف.
ثم يردف المؤلف قائلاً: من هنا خطورة الإرهاب في عصر العولمة، فنحن في الغرب نمتلك مجتمعات مفتوحة، حرة، لا تمنع أحداً من التحرك في جنباتها كما يشاء ويشتهي. ولهذا السبب فإن المتطرفين يستغلون هذه الحرية لغايات إجرامية، وبالتالي فالمجتمع المفتوح مناسب لتحقيق مثل هذه العمليات أكثر من المجتمع المغلق الذي تسيطر فيه الدولة الاستبدادية على كل شيء وتراقب كل شاردة أو واردة من حركات السكان، وعندئذ يصبح من الصعب على الإرهابيين أن يقوموا بعملياتهم التفجيرية.
ثم يطرح المؤلف هذا السؤال: ولكن هل ينبغي أن نقلص الحريات ونقيم نظاماً بوليسياً عندنا من أجل مواجهة الإرهابيين على أرضهم بالذات؟ بالطبع لا. فنحن إذا ما تخلينا عن جوهر الحضارة المتمثل بالحرية والديمقراطية نكون قد فقدنا أنفسنا وقيمنا وأعز ما لدينا.
وبالتالي فعلى الديمقراطيات الغربية في أوروبا وأميركا ألا تكثر من سنّ القوانين التي تقيد حركة الناس وتراقبهم أكثر من اللزوم كما يحصل في أميركا في عهد بوش، أو حتى في إنجلترا بعد ضربة 27 يوليو 2005.
لا ريب في أنه ينبغي على الأجهزة المختصة أن تلاحق الشبكات المتطرفة لحماية المواطنين من أذاها وتفجيراتها الإرهابية التي تزهق الأرواح بشكل جماعي. ولكن لا ينبغي التضحية بالحريات الفردية التي تمثل جوهر الحضارة الغربية الحديثة التي تحسدنا عليها جميع أمم الأرض.
ولكن المؤلف يدعو الغرب أيضاً إلى تحمل مسؤوليته أمام البشرية التي تعاني. فالإرهاب لا يُعالج فقط بالملاحقات البوليسية أو الأجهزة الاستخباراتية، ولكن يعالج أيضاً، وينبغي أن يُعالج بأساليب أخرى تقضي على جذوره العميقة وأسبابه الحقيقية. فعصر الدولة مختل التوازن على الصعيد الاقتصادي، فهناك أربعة مليارات ونصف المليار من البشرية يعيشون بصعوبة.
ومن بينهم مليار ونصف المليار يعيشون بأقل من دولار في اليوم الواحد. وهذا وضع لا يُطاق ولا يُحتمل. والفقر كافر لا يرحم. وقد يدفع بصاحبه إلى ارتكاب ما لا تُحمد عقباه. وفي كل الأحوال فإنه يتحوّل إلى مرتع لكل حركات الانحراف والتطرف والجريمة.
وبالتالي فلا يكفي أن ندين الإرهاب والتطرف وإنما ينبغي أيضاً أن ندين الجو العام الذي يحبّذ الإرهاب ويشجِّع على الانخراط في حركات التطرف، وبهذا فإن على العولمة الحالية أن تغير مسارها وأساليبها، لكي تصبح أكثر اهتماماً بالظلاميين والمهمشين، والفقراء، وإلا فإن العالم الفقير سوف يظل حاقداً على العالم الغني، أي علينا نحن في هذا الغرب الأوروبي الأميركي الشمالي.
وبالتالي فالتحدي المطروح علينا نحن أبناء المجتمعات الغنية لا يكمن فقط في مواجهة التفجيرات الإرهابية التي تصيب مدننا وحضارتنا في أعز ما لديها، وانما يكمن أيضاً في اكتشاف أنوار جديدة، أو في بلورة عصر تنوير جديد يتجاوز في أبعاده التسعة عصر التنوير السابق.
نقصد بذلك أن عصر التنوير الذي ابتدأ في أواخر القرن السابع عشر وبلغ ذروته في القرن الثامن عشر والثاني عشر هو الذي شكل أسس حضارتنا الحديثة، ولكنه لم يعد كافياً الآن بعد أن دخلنا في عصر العولمة الشمولية. نحن بحاجة الآن إلى تنوير يتسع للبشرية كلها وليس فقط للأمم المتحضرة في أوروبا الغربية أو أميركا الشمالية.
بمعنى آخر ينبغي على حضارة التنوير أن تتسع لكي تشمل البشرية كلها بنعمها وأطايبها وحرياتها الديمقراطية، وليس فقط خمس البشرية أو سدسها، فنحن في أوروبا وأميركا الشمالية لا نتجاوز المليار شخص، هذا في حين أن البشرية وصلت الآن إلى ستة مليارات شخص.
وبالتالي فينبغي أن نفكر في الخمسة مليارات الأخرى. فلها الحق في الوجود والأكل والشرب وممارسة الحقوق السياسية والتمتع بالحرية الدينية والفكرية وحقوق الإنسان كافة، ولا يمكن أن يستمر العالم على ما هو عليه إلى أبد الأبدين: كتلة عنيفة جداً من جهة، ولكن أقلية، وكتلة فقيرة جداً من جهة ولكن أكثرية.
هنا يكمن أكبر تحد يواجه القرن الواحد والعشرين. وإذا ما استطعنا من جهة الارتفاع إلى مستواه، فإننا نكون قد نجحنا في الامتحان الحضاري العسير والكبير: أي نقل أربعة أخماس البشرية من حالة الجهل والفقر والأمية والاستبداد أو السياسي إلى نور العلم ومستوى المعيشة الكريمة واللائق بالكرامة الإنسانية، نكون قد انتقلنا بهم إلى حياة جديدة قائمة على احترام مواطنيتهم وإنسانيتهم وأعز ما لديهم، وإذا لم يتحقق ذلك فإن البشرية سوف تظل تعاني من الاضطرابات والقلاقل والإرهاب.


38
    
    في مطلع ربيع عام 1953، وصل جان لاكوتور مؤلف كتاب حكام مصريون إلى القاهرة ليجد نفسه بعد فترة قصيرة من وصوله مدعواً مع بعض الأصدقاء إلى فندق عائم، لم يكن في الأصل سوى «اليخت» السابق للملك فاروق.
كانت القاهرة، كما يصفها جان لاكوتور تعج بالأخبار وبالروائع وبالمفاجآت و«كانت الصداقات، تنبت فيها مثل الفطر تحت الصنوبر في منطقة اللاند ـ الفرنسية ـ في شهر سبتمبر»..
وكان الضباط الأحرار آنذاك بقيادة اللواء محمد نجيب وإنما بتوجيهات «البكباشي» جمال عبدالناصر هم الذين يطبقون القانون فيها وإن لم يكن سلوكهم يتماشى دائماً مع الشرعية.
كانت فرنسا ممثلة آنذاك في القاهرة بشخص كان يبدو بأنه قد أخطأ بالطائرة. كان شخصاً بارداً في بلاد تعج بالحياة وبالحرارة. لكن هذا كان يسمح له بأن يبعد مسافة ويكّون نظرة متفردة. وقد قال ذات يوم للمؤلف: «هل ترى يا عزيزي أن العرب يثيرون حيرتي إذ يتمارون في رغبتهم بأن يكونوا محبوبين. مع ذلك فإن هذا أسهل من فهمهم. إن هؤلاء الضباط يطفحون بشكل واضح بالإرادة الطيبة. لكن لماذا ذهبوا وألقوا بأنفسهم بين أيادي الأميركيين الذين ليس لهم هنا سوى هدفين هما ضمان أمن إسرائيل وحماية قطنهم من الصادرات المصرية».
وكان يمكن الاعتراض بأنه كان بين يدي العم سام ما يكفي من الأوراق كما كان الوضع بالنسبة للإنجليز سابقاً في فلسطين». كان طلبة القاهرة يطلقون آنذاك على عبدالناصر تسمية «الكولونيل جيمي».
وان على «كوف دو مورفيل» أن يترك السفارة الفرنسية في «الجيزة» قبل أن يكون «جيمي» قد تم تعميده مرة أخرى بتسمية «بويوف» من قبل أولئك الطلبة أنفسهم.
التقى المؤلف بعد ذلك مرات عديدة بـ «دو مورفيل» تحت سماوات «أكثر ملاءمة لعقلانيته الديكارتية»، في جنيف وغيرها. وذلك بمناسبة ندوات دولية كان موضوعها في أغلب الوقت عبدالناصر ومصر الناصرية.
ويذكر المؤلف بهذا الصدد أن «دو مورفيل» وصل متأخراً لحفلة عشاء كان مدعواً لها عند السيدة «جنثيث تابوي» يوم 13 يوليو 1968. ويومها قال للسيدة: «سامحيني يا صديقتي ـ كان صوته متوسلاً حقاً والأسف بادياً عليه ـ فإن الجنرال ديغول قد عينني للتو رئيساً للوزراء».
كانت مهمته الأساسية كرئيس للحكومة هي جعل الدبلوماسية الديغولية أكثر هدوءاً بعد التأرجحات التي رافقتها مع اندلاع ثورة التحرر الوطني في الجزائر. وكان «دو مورفيل»، منذ أن كان وزيراً للخارجية، قد شكك، قبل الجنرال نفسه، بفكرة «الجزائر فرنسية».
وكان شديد الاهتمام بتحالفات فرنسا مع بلدان المشرق. ويؤكد المؤلف في هذا السياق على أنه كان من أكثر الذين ساهموا بتقديم الحجج للجنرال ديغول والتي قادته إلى سبيل الواقعية «السبيل الصعب».
كانت آخر مرة التقى فيها المؤلف مع «كوف دو مورفيل» هي في مطلع عام 1969 حيث كان قد عاد للتو من زيارة للجنرال ديغول في قرية «كولومبي ذات الكنيستين» التي اعتكف الجنرال فيها بعد أن قرر التخلي عن الرئاسة بسبب فشل إصلاح دستوري كان قد طرحه للاستفتاء الشعبي ولم ينل الأكثرية المطلوبة كي يصبح نافذاً.
وعندما سأل «لاكوثور» عن الحالة المعنوية للجنرال ديغول أجاب كوف دو مورفيل: «الجنرال؟ إنه سعيد يا عزيزي. إنه أكثر سعادة في كولومبي مما رأيته في أي مكان آخر. إنه يفعل أكثر شيء محبب إلى قلبه في العالم: إنه يمارس الكتابة! وإذا كان علي أن أحكم عليه من خلال ما قرأه لي فإنني أستطيع أن أؤكد لك بأن هذا النص ليس وصية إنسان مهزوم».
*إرادة عبدالناصر
كان السؤال الذي يدور في أذهان مؤلف هذا الكتاب وغيره من الفرنسيين المتواجدين آنذاك في القاهرة هو التالي: «ما هي طبيعة هذه السلطة ومن هو الذي يملك زمامها بالفعل؟».
وكان لابد لهذا السؤال من أن يثير الإجابة التالية التي كانت تتردد لدى الجميع والتي مفادها: «إن للنظام وجهاً هو وجه محمد نجيب وإرادة هي إرادة عبدالناصر. فإذا كنتم تريدون أن تبعثوا السرور بأنفسكم فما عليكم إلا أن تقابلوا الأول.. وإذا كنتم تريدون أن تعرفوا ماذا يجري فقابلوا الثاني».
كان اللقاء باللواء محمد نجيب سهلاً بمقدار ما كانت مسؤولياته متواضعة. وبعد أسبوع فقط من وجود مؤلف هذا الكتاب في القاهرة وجد نفسه وهو يستقل القطار بين مجموعة من المدعوين الرسميين للتوجه إلى طنطا في دلتا مصر حيث كان سيجري توزيع أراضٍ على الفلاحين.
لقد جاء محمد نجيب إلى المقطورة التي كانت تقل الصحافيين ليتحدث معهم طيلة ساعة كاملة حول أحوال المزارعين الصغار للقطن وظروفهم المعيشية البائسة والتي تحاول السلطة الجديدة، التي كانت قد طردت الملك فاروق عام 1952، انتشالهم منها. لكنه ابتعد تماماً عن الخوض بالحديث في المواضيع «الساخنة».
كان محمد نجيب يشبه إلى حد بعيد «شيخ البلد في متحف القاهرة» بابتسامته المرسومة. لكنه رفض الإجابة عن أية أسئلة طرحها الصحافيون من موقع اهتماماتهم لمعرفة توجهات المستقبل في مصر بعد يوليو 1952. فمثل هذه الأسئلة كان ينبغي طرحها على ذلك «البكباشي» الذي رأى به الجميع المهندس الحقيقي للنظام الجديد.
هكذا وبعد العودة من طنطا تم تحديد موعد للقاء به في مقر سلطته ذلك البناء العجيب على شاطئ نهر النيل وهو عبارة عن قصر كان يرتاده الملك فاروق سابقاً ويشبه قصر أحد «الباشاوات» الذين أرادوا تقليد أجواء «ألف ليلة وليلة».
جرى اللقاء في مكتب عبدالناصر حيث يشير جان لاكوثور» إلى أن ما كان يثير الدهشة لديه قبل كل شيء هو شخصيته المهيبة وشبابه ثم نظرته التي كان يمتزج فيها السواد العميق مع تعبير حاد ثاقب «مصري جداً.. أو بالأحرى صعيدي».
في بداية اللقاء طرح عبدالناصر نفسه الكثير من الأسئلة حول ما يجري آنذاك في بلدان شمال افريقيا الخاضعة للاستعمار الفرنسي، وكأنه كان يريد تجنب الخوض في الإجابات. إن أسئلته المتكررة جعلته يبدو للوهلة الأولى كـ «تلميذ».
وكان قد أعطى الانطباع بأنه يعرف بأن محدّثه وزوجته التي رافقته أثناء تلك المقابلة كانا من العارفين جيداً بأمور شمال افريقيا، ولا شك بأن أجهزته المختصة قدمت له تقريراً بهذا الخصوص. وإذا كان الصحافي وزوجته قد أحسا بنوع من الرضا لأنهما قد «أعطيا درساً لأحد كبار العالم» فإنهما أدركا بأن «ذلك الثعلب كان أكثر ذكاءً من الغراب العابر».
كان عمر جمال عبدالناصر عندما أصبح السيد المطلق في السلطة 36 سنة. لذلك لم يكن شبابه يسمح له بأن يتنطح للعب دور الحكيم الطاعن في السن الذي يحظى عادة بمصداقية وسلطة كبيرتين في الشرق. بل على العكس دفعه ذكاؤه إلى اتخاذ موقف معاكس وحرص على أن يلعب في البداية دور «الساذج»:
الشاب الذي لا يكف عن طرح الأسئلة. لكن هذه «السذاجة» الظاهرية جذبت إليه تعاطف العديدين من كبار عصره من أمثال «جواهر لال نهرو» رئيس وزراء الهند آنذاك الذي قال عنه «إن هذا الشاب سوف يذهب بعيداً». وكان جوزيف بروز «تيتو» رئيس الفيدرالية اليوغسلافية السابقة من بين المعجبين بجمال عبدالناصر.
لكن منذ أن تم انتخاب عبدالناصر كرئيس للدولة بصورة مدروسة ومعروفة النتيجة في يناير من عام 1956. تخلى عن لباسه العسكري برتبة «بكباشي» كي يرتدي سترة «الرئيس». بنفس الوقت تخلى أيضاً عن لهجة «الثوري الهاوي» كي يتحدث لغة القوة ويردد خطابها .
ويستخدم أدواتها التي يمكن أن تساهم في ترسيخها وتمركزها بيديه وبيد مجموعة من «المخلصين: الذين كانوا حوله.. ومن بينهم محمد حسنين هيكل «صاحب القلم البارع» الذي يستدعي للرأس شخصية «هنري كيسنغر».
ومن بينهم أيضاً علي صبري الذي كان أول رئيس للحكومة في عهد عبدالناصر والمشير عبدالحكيم عامر، صديقه وكاتم أسراره والذي يصفه المؤلف أيضاً بأنه كان «مسلماً جيداً» ويضيف بأن عبدالناصر قد استشاره لفترة طويلة قبل القيام بعملية الإطاحة بالحكم الملكي في مصر في يونيو 1952».
كان جمال عبدالناصر، كما يقدمه مؤلف هذا الكتاب، هو الدماغ السياسي العسكري داخل مجموعة الضباط الأحرار الذين أطاحوا بالملك فاروق في ليلة 22/23 يوليو 1952. وكانت تلك المجموعة تضم ضباطاً من مختلف الأطياف السياسية بما في ذلك المتعاطفين مع الإخوان المسلمين والمؤيدين للشيوعية.
وكان عبدالناصر قد توصل إلى إقناع رفاقه من الضباط الأحرار بإعلان النظام الجمهوري وعدم التعرض لحياة الملك المخلوع فاروق ووضع شخصية لها شعبيتها كواجهة للنظام الجديد.. وهو الدور الذي جسده محمد نجيب.
*عداء للفاشية
كان خصوم جمال عبدالناصر يقولون بأن الحافز الرئيسي وراء عمله إنما كان إحساسه بالفقر وبأنه غير محبوب إذ أن والده كان يعمل في مصلحة البريد بالاسكندرية تزوج لمرة ثانية من امرأة لم تكن تخفي ضغينتها حيال الفتى جمال. وكان عبدالناصر، عندما وصل إلى السلطة، يؤكد في جميع أحاديثه ولقاءاته تمسكه بالديمقراطية وعداءه الكبير للفاشية.
ويؤكد مؤلف هذا الكتاب بأنه قد خبر هو نفسه ذلك مرات عديدة، ويلاحظ بأنه أدرك ابتعاد آلية عمل النظام الناصري عن النموذج الانجليزي. هذا على الرغم من أن عبدالناصر كان من القراء المواظبين لـ «التايمز» ويبدي إعجابه بذلك «النموذج» فيما يخص نمط تسيير الحكم.
إن النظام الذي صاغه جمال عبدالناصر «لم يكن أسود ولا أحمر ولا أسمر وإنما كان بلون الكاكي، أي لون اللباس العسكري.
كما يعبر جان لاكوثور ليشير مباشرة إلى الدور الطاغي الذي لعبته الأجهزة السرية (المخابرات) وإلى الممارسات التي لم تكن تتسم إلا بقدر قليل من الشرعية والانتخابات المزورة والصحافة الخاضعة لرقابة شديدة.. وفي محصلة هذا كله، كانت مصر تعيش بعيداً عن أية معايير ديمقراطية..
واعتباراً من عام 1956 أصبحت الأيديولوجية القومية العربية هي التي «تلهم» الدبلوماسية المصرية مع ما رافق ذلك من خطاب حماسي ودعوات لاسترجاع الحقوق بالقوة.. على أساس أن ما أُخذ بالقوة لا يمكن استرداده إلا بالقوة ـ من إسرائيل. هل كان نظاماً شمولياً؟ يتساءل المؤلف ويجيب:
«لقد كان بكل الأحوال متشرباً بنزعة اشتراكية تسلطية كان لابد لها من أن تقود إلى مجابهات داخلية وخارجية». هكذا انقلبت علاقاته النشطة مع الإخوان المسلمين إلى حرب لا هوادة فيها.
أما علاقاته مع الشيوعيين الذين حارب تنظيمهم من حيث أنه حزب سياسي ممنوع واعتقل العديد من أعضائه، فإنها قد تباينت تبعاً للتغييرات التي عرفتها توجهاته الاستراتيجية، وخاصة العلاقة مع الاتحاد السوفييتي (السابق).
لم يكن هناك ما يثير غضب عبدالناصر أكثر من تشبيه الصحافة الغربية له بـ «موسوليني» أو «هتلر»، هذا إذا لم يكن بـ «فرعون». إنه لمن الصحيح القول بأنه قد جلب من إحدى الواحات القريبة من «ممفيس» التمثال الهائل لرمسيس الثاني الذي كان ملقى على الرمال كي ينصبه على مدخل محطة القطارات في القاهرة.
«فهل كان ذلك بغية تجنب أن يُنصب هناك تمثاله كما كان يرجوه هذا أو ذاك من المتملقين حوله؟» يتساءل المؤلف ثم يضيف في معرض الإجابة: «لكنني رأيته في عام 1954 وهو يخرج مدهوشاً من موقع للحفريات حيث كان قد جرى للتو اكتشاف القارب الفرعوني المسمى «الشمسي» في الجيزة.
وحيث عبر مندهشاً بسذاجة بأن أجداده كانوا يتمتعون بالعبقرية، قبل أن يصدر قراراً قضى بضرورة أن يزور طلبة المدارس المتاحف والقبور (...). لكنه لم يشأ أبدا مع ذلك أن يقدم نفسه كوريث لرمسيس، كما كان موسوليني قد قدم نفسه وريثاً لقيصر».
ويعيد مؤلف هذا الكتاب سلوك جمال عبدالناصر أثناء أزمة قناة السويس ثم حرب 1967 إلى «المساوئ الملازمة» لممارسة السلطة بشكل شبه فردي تماماً..
وكان من نتيجة هذا أن «هذا الرجل الذي عرفناه يجيد الحسابات قد قدم للقيادة الإسرائيلية أفضل سبب لشن الحرب، والمقصود هو الحصار الذي ضربه على مضائق تيران».. إن هذا الرجل نفسه، كما يؤكد المؤلف، كان مع ذلك «مستعداً للقيام بحديث عن طريق المراسلة مع ديفيد بن غوريون بواسطة نائبين انجليزيين من حزب العمال عام 1954 .
ولقد انخرط المؤلف قليلاً بهذه العملية. بل وكان قد وافق على إجراء مقابلة طويلة معه لصحيفة فرانس ـ سوار في مطلع عام 1956 حيث أكد، إلى جانب نقده الشديد لتقسيم فلسطين، بأنه يفكر بإمكانية القيام بمفاوضات مع إسرائيل من أجل الوصول إلى السلام. هذا السلام الذي كان عليه أن يعترف لاحقاً بأنه لا مفر منه عندما قبل بمشروع روجرز عام 1969.
وكان وزير الخارجية الأميركي وليام روجرز قد اقترح آنذاك مشروعاً للسلام الإسرائيلي، العربي ينص على تقسيم الأراضي والمياه والنفط.
إن جمال عبدالناصر، كما يصفه المؤلف، خضع لوهم «التحليق فوق البساط السحري العروبي» بينما كانت الجماهير مسحورة بقدرته البلاغية وفصاحته الخطابية المترسخة شهراً بعد شهر منذ عام 1952. والنتيجة؟ «لقد انسحر هو نفسه بالسحر الذي كان يمارسه... لقد كان رجل دولة يقبع في داخله، لكن الخطيب الشعبي حطمه».
لكن لا يمكن الحديث عن السلطة الناصرية دون تذكر ما جرى يوم 9 يونيو 1967 عندما أعلن فجأة عبدالناصر تحمله لمسؤولية الهزيمة التي لحقت ببلاده وبالعرب في حرب يونيو مع إسرائيل، بأنه قد قرر التنحي عن السلطة وتعيينه زكريا محيي الدين خليفة له. في ذلك اليوم دعته الجماهير الغفيرة للعودة عن قراره والبقاء في السلطة حتى الموت وهي تهتف لجمال بأن «لا يتركها».
ونابليون عندما انهزم، ألم يقرر الهرب متخفياً بلباس عقيد نمساوي؟ وعندما استولى النازيون على موسكو عام 1941، هل رجاه الشعب المخلص بأن يحمل أيقونات روسيا المقدسة حتى اركوتسك؟ وعندما نجا هتلر من طلائع جيش الجنرال الروسي جوكوف، هل استطاع أن يحتفظ بموقعه طويلاً؟
*عصر السادات
ذات يوم، عندما كان مؤلف هذا الكتاب في مقر صحيفة «الجمهورية» بالقاهرة، عاد يهتف باسم «دوك النجتون» الموسيقي الأميركي الكبير، عندما تقدم نحوه ذلك الرجل الأسمر بوجهه القرمزي وبشاربيه المنتظمين..
وعندما وصل إليه بلباسه العسكري ـ الكاكي ـ بادره مرحباً بحرارة باللغة الإنجليزية إنه «أنور السادات» المعروف آنذاك بأنه أحد «كاتمي أسرار» عبدالناصر، وذلك منذ أن كان قد أعلن عبر الإذاعة بصوته «الموسيقي» للشعب المصري «المصعوق» بأن نظامه الملكي الذي يعود لآلاف السنين قد انتهى من غير رجعة.
لم يكن أنور السادات شخصية معروفة جداً عندما قابله مؤلف هذا الكتاب في نهاية شهر أغسطس من عام 1953.
فمنذ استيلاء الضباط الأحرار على السلطة لم يعهد له صديقه عبدالناصر إلا بمهمات ثانوية ربما لأنه كان يخشى من أن تؤدي صلات السادات مع النازيين أثناء الحرب العالمية الثانية إلى إزعاج الأميركيين الذين كانوا قد قدموا له الكثير وكان ينوي الاعتماد عليهم كثيراً.
وفي عام 1970 أصبح أنور السادات خليفة جمال عبدالناصر ولكنه بقي شخصية «مسلية» وبكل الأحوال «هامشية» حتى حرب أكتوبر 1973 وزيارته للقدس وحديثه أمام الكنيست الإسرائيلي عام 1977. اعتباراً منذئذ فرض أنور السادات نفسه كشريك «جدي» في مواجهة إسرائيل.
لم تكن الصورة الأولى التي جرى رسمها لأنور السادات في العالم توحي بأي شيء من مثل هذه «الجدية». وينقل المؤلف عن هنري كيسنغر قوله غداة وفاة جمال عبدالناصر لأحد الصحافيين عما يفكر به حيال السادات:«ليس لهذا الرجل سوى أهمية مؤقتة. ولن يستمر في الحكم سوى بضعة أسابيع».. وكانت الصحافة المصرية التي تحررت فجأة من قبضة الرقابة الشديدة، قد انعتقت من عقالها.
وكتبت ذات مرة: «لقد قتلنا جمال من الخوف ويقتلنا أنور السادات من الضحك». وصرح محمود فوزي الذي كان أول رئيس وزراء اختاره «الرئيس» الجديد، قائلاً: «بعد عصر البطل جاء عصر الإنسان العادي».
وعندما تولى أنور السادات السلطة طلب التلفزيون الفرنسي من مؤلف هذا الكتاب إبداء رأيه بذلك، على اعتبار أنه خبير بالشؤون المصرية، فأجاب: «هل وجدت مصر رأساً؟ إنها وجدت على الأكثر قبعة».
«لقد خدعنا جميعاً!»، يقول المؤلف ثم يضيف: «خلف تلك القامة الشابة الرياضية ذات المشية المرنة وخلف ذلك الوجه البرونزي بجبهته الموشاة ببقعة داكنة بسبب «تأدية الصلوات».
وخلف تلك النظرة الحذرة والضحكة المجلجلة للفلاح ـ الجندي، خلف هذا كله كانت تختبئ عبقرية التخفي التي تعمقت لديه أثناء فترة ممارسة الكتمان زمن العمل السري والعلاقات مع عبدالناصر والتحضير لعمليات 1952 و1973 و1977».
كان أنور السادات قبل كل شيء فلاحاً من دلتا النيل قادراً على استنشاق رائحة الأرض والريح والعواصف وردود أفعال الآخرين. ومن هذا الموقع «كفلاح» كان متعقلاً وحذراً ومتنبهاً وصبوراً.. لكنه كان بكل الحالات مليئاً بالحيوية.. وفي كل الحالات أيضاً كان يردد كـ «مؤمن ورع» مرجعياته الإسلامية فيما يقوم به من أعمال..
وهكذا أيضاً اختار القدس، وليس تل أبيب، بالنسبة لزيارته لإسرائيل.. لقد اعتقد بأنه: «في هذا المكان المقدس سيمكن فقط من أن يغير المعطيات السياسية وحساسية أشقائه العرب»، حسب تعبير مؤلف هذا الكتاب.
لكنه أيضاً «لاعب» جيد، ورجل تحديات. وينقل عنه «جان لاكوثور، قوله في كتاب مذكراته عند اللحظة المخيفة لتسلمه السلطة بعد وفاة عبدالناصر، قوله ما مفاده: «إن سمة التحدي تشكل أحد العناصر الأساسية في شخصيتي.
لكنها لم تكن قوية أبداً بمقدار ما كانت عندما تسلمت السلطة». هكذا قام السادات بتحدي «كتلة» الناصريين وتحدي الاتحاد السوفييتي وتحدي إسرائيل عام 1973 وتحدي الرأي العام العربي عندما استقبل شاه إيران المخلوع في القاهرة. «بدت تلك الحركة ـ استقبال الشاه ـ مثيرة بلا فائدة لكنه أسلوبه كفارس زاد من شعبيته»، حسب تعبير جان لاكوثور.
وكان السادات ناجحاً جداً في علاقاته العامة إذ كان «الرجل الأكثر براعة في عصره في التأثير على محادثيه». كيف؟ باستخدامه لغة المودة والحماس «المصطنع قليلاً» مما كان «يسحر» رجال الصحافة.
ـ ولكن أيضاً المستثمرين والدبلوماسيين وجماهير وادي النيل. وكان يمتلك أيضاً «فن معالجة الحقيقة» كمادة أولية للاستراتيجية الدبلوماسية ومن هنا من المهم القيام بدراسة منهجية لمقابلاته ـ الصحافية ـ على ضوء أفعاله حيث يوجد مزيج من أشكال الصمت المخدرة والتهديدات نصف المموهة».
كانت مسيرة الرئيس الثاني لجمهورية مصر العربية حافلة بالمنعطفات.. وبالأحداث منذ ولادته في ميت أبو الكوم حتى نهايته المعروفة. كان والده فلاحا مصريا وأمه امرأة سودانية. عرف السجن ـ ميدان قرة ـ كضابط شاب» قام بعمليات ضد الاحتلال الانجليزي، وعاش أيضاً الفترات الحرجة التي سبقت انقلاب يوليو 1952 ورافقته وتلته إلى جانب جمال عبدالناصر..
وكان أيضاً وراء عملية العبور الكبير الذي قامت به القوات المصرية لقناة السويس في مواجهة الجيش الإسرائيلي عام 1973. لكن هذا كله لم يكن سوى «مسودة خجولة» لقيامه بزيارة إسرائيل.
في شهر يناير من عام 1977 شهدت القاهرة اضطرابات عنيفة على خلفية الغضب الاجتماعي والبؤس. كانت نسبة 35% من الدخل القومي و50% من الميزانية مكرسة للنفقات العسكرية. وكان لابد من إيجاد حل ـ وكان شعار «مصر أولاً» يعني.
كما فهمه السادات، إعطاء الأولوية لـ «البقاء عن طريق السلام» وليس أن تكون القاهرة «طليعة الحرب ضد إسرائيل». وبالتالي ومهما كانت المخاطرة في أي مشروع بهذا الاتجاه، أفضل، بنظره، من ذلك التعاظم للغضب الجماهيري.
فبأية ضربة جريئة يمكن الخروج من المأزق؟. إن الرسالة التي تلقاها السادات من جيمي كارتر في شهر سبتمبر 1977 جعلته يتتبع بصحة تحليله للوضع. وهو أن ما يفصل بين مصر وإسرائيل أكثر من واقع المواجهة في حروب ثلاث وآلاف القتلى وضياع الأرض، إنما هو يتمثل في جدار نفسي هائل، وهذا هو الذي «ينبغي هدمه بحركة رمزية».
وفي منظور مثل هذه الحركة الرمزية. حضّر السادات بمساعدة وزير خارجيته بطرس بطرس غالي خططاً عدة. لم تكن الخطة الأولى ترمي إلى أقل من عقد اجتماع في القدس تحضره الدول الخمس الكبرى في الأمم المتحدة (الاتحاد السوفييتي ـ آنذاك، والولايات المتحدة والصين وبريطانيا وفرنسا) مع بلدان ساحة المعركة (سوريا ولبنان والأردن ومصر وإسرائيل).
ظهرت بوضوح استحالة تحقيق ذلك، على الأقل فيما يخص أن يجلس ريجينيف والقادة الصينيون حول الطاولة نفسها.في المحصلة قرر السادات أن يتحرك لوحده..
وهكذا تفوه أمام البرلمان المصري وبحضور ياسر عرفات بالجملة التالية كـ «بالون اختبار» إذ قال: «من أجل السلام أنا مستعد للذهاب إلى نهاية العالم.. وحتى إلى الكنيست». لم يتفوه عرفات بكلمة.. وإذن؟
. «وإذن كانت تلك الرحلة الخرافية إلى القمر بالنسبة لخليفة عبدالناصر كما بالنسبة لكل مسؤول عربي، ذلك الهبوط في قلب قلعة العدو». ويقول مؤلف هذا الكتاب عن تلك الرحلة:
«إن بيغن، نظيره الإسرائيلي، كان في أقواله وردود أفعاله أدنى في ذلك الظرف».وبكل الأحوال، دفع أنور السادات حياته ثمن زيارته للقدس.

 



39
أدب / شوفي غيري
« في: 08:12 13/01/2007  »


شوفي غيري
إنتي عشرينيه لسه إبأولج واني إبأخيري
عوفي أوراقي وحبوب القلب تسهر يم سريري
وأخذي وافر أمنياتي  ورفرفي جناحج وطيري
حتى لو مقتنعه بـــيَّ آني ما يقبل ضميري
جيت متأخره..أربعه وعشرين موسم
آني يصغـّيرونتي إتحدد مصيري
قبل ما ينضج بدلعة ثوبج التين الوزيري
شوفي غيري
إنتي لسة إبأول المشوار يم شعر الحريري
واني ماشي إلوحدي آخر مشاويري
يامن تسمعين كسّـارة البندق
أبد متكَدرين تتحملين هذياني وشخيري..




ملاحظتان :
* التين الوزيري : التين المستدير الذي كان يزرع بمنطقة الوزيرية .
* كسارة البندق : باليه ومسرحية ألف موسيقاها:تشايكوفسكي.

40

ألف هذا الكتاب عن توكفيل الباحث الفرنسي جان لوي بينوا الأستاذ في جامعة «كان» وفي أكبر المعاهد الفرنسية. وهو حائز على شهادة الدكتوراه في الفلسفة السياسية. وكان قد أشرف على إصدار الجزء الرابع عشر من الأعمال الكاملة لتوكفيل لدى منشورات غاليمار. كما أشرف على تنظيم مؤتمر عالمي كبير عام 2005 عن «توكفيل بين أوروبا والولايات المتحدة الأميركية».
وكان ذلك بمناسبة مرور مئتي سنة على ولادة هذا المفكر الكبير الذي اشتهر بزيارته لأميركا في ذلك الزمان وإصداره كتابا عنها تحت عنوان: الديمقراطية في أميركا. ومعلوم أن توكفيل الذي ولد عام 1805، أي في عهد نابليون بونابرت، هو من أشهر المفكرين السياسيين في فرنسا. بل وربما كان المنظّر الأكبر للديمقراطية الغربية والفلسفة السياسية الحديثة.
ومنذ البداية يقول المؤلف ما معناه: إن هذه السيرة التي نقدمها عن حياة توكفيل وأعماله بمناسبة مرور مئتي سنة على ولادته هي عبارة عن تكريم له لأنه كان أول من طرح مشكلة الديمقراطية الحديثة بشكل صحيح وعميق.
لقد كشف توكفيل منذ زمن طويل عن رهانات الديمقراطية والمخاطر التي تحيق بها. ومن بينها خطر انزلاق الأنظمة الأوروبية نحو الاستبداد أو عودتها إلى الوراء حتى بعد أن كانت ديمقراطية. وهذا يعني أن الديمقراطية ليست مضمونة سلفا أو على طول الخط وإنما ينبغي أن ننتبه إليها ونحميها من نوائب الزمان وتقلبات الظروف والأحوال.
والواقع أن توكفيل عندما ألف كتابه الشهير عن «الديمقراطية في أميركا» كما يريد أن يقدم لمواطنيه وللأجيال القادمة كتابا يشرح فيه كيفية الاستخدام الجيد للديمقراطية: أي كيفية ممارستها بشكل صحيح.
كان توكفيل من عائلة أرستقراطية فرنسية، وكان قارئا نهما لكتابات فلاسفة التنوير. ولهذا السبب فقد كان راغبا في بلورة علم سياسي جديد يتيح لفرنسا أن تتجاوز مرحلة الإرهاب أو الرعب الثوري الذي تلا الثورة الفرنسية كما هو معلوم.
كان يعرف أن النظام الذي يليق بالأزمنة الحديثة هو النظام الديمقراطي وأنه سيفرض نفسه في المستقبل على جميع الدول المتقدمة. ولذلك فإن السؤال الذي طرحه هو التالي: كيف يمكن أن نقنع المواطنين بالتضحية بأنانيتهم الضيقة مع المحافظة على حريتهم من أجل حماية الديمقراطية؟
وقد فهم توكفيل أن الديمقراطية والاستبداد ليسا متضادين إلى الحد الذي نتوهمه. فالديمقراطية قد تضمن الحريات للناس، وقد تنحرف عن مسارها الصحيح وتؤدي إلى الاستبداد. وبالتالي فكل شيء يعتمد على استخدامها: أي هل نستخدمها بشكل جيد أم بشكل سيئ؟
والواقع أن الديمقراطية مهددة باستمرار، وهذا شيء نعرفه منذ الفيلسوف اليوناني الكبير أفلاطون. إنها مهددة من قبل خطابات الديماغوجيين السياسيين الذين يعرفون كيف يتلاعبون بعقول الجماهير.
والواقع أن عامة الناس تجذبها الخطابات السياسية الكاذبة والتهويلية والبراقة أكثر مما تجذبها الخطابات الحقيقية الصادقة. وهذه ظاهرة اكتشفناها للأسف منذ زمن قديم.
والدليل على ذلك أن الفاشيين استطاعوا إقناع الشعب الإيطالي بالانخراط في خط جنوني لا عقلاني، خط التطرف والقتل. وكذلك فعل النازيون وحركات أخرى سياسية عديدة. فقد استطاعت جذب الناس إليها بالملايين.
هذا في حين أن عقلاء ألمانيا وإبطاليا لم يستطيعوا أن يفعلوا شيئا تجاه هذه الظاهرة المدمرة التي جرفت معظم أبناء الشعب معها. فهتلر وموسوليني كانا محبوبين فعلا من قبل الشعب.
وما يقال عن الفاشية والنازية يمكن أن يقال عن حركات سياسية أخرى عديدة في الماضي والحاضر. فالناس تميل أحيانا إلى التطرف والمتطرفين.
وبالتالي فهذا المنظّر السياسي الكبير «توكفيل» كان يريد أن يجنّب شعبه مخاطر الانزلاق إلى الدكتاتورية والانصياع إلى خطابات الديماغوجيين السياسيين وما أكثرهم. ومعلوم أنه مارس السياسية عمليا ولم يكن مجرد فيلسوف يعيش في برجه العاجي. فقد كان نائبا في البرلمان الفرنسي وساهم في صياغة السياسة الفرنسية أواسط القرن التاسع عشر ووضع لها الخطوط العريضة.
ولكنه لم يستطع تحاشي العودة إلى الدكتاتورية بعد الانقلاب الذي قام به نابليون الثالث عام 1851، وهو الانقلاب الذي قضى على الحريات العامة وأجبر شخصا كفيكتور هيغو إلى الهرب من فرنسا. ولكنه لم يكن الوحيد، ومعلوم أنه لم يعد إليها إلا بعد سقوط الدكتاتورية وإعادة النظام الديمقراطي الجمهوري إلى سابق عهده.
ومعلوم أن توكفيل اعتزل العمل السياسي عندئذ وراح يفرّغ نفسه لكتابة بحوثه الفلسفية ومن أهمها البحث التالي: النظام القديم والثورة الفرنسية.
وفيه يتحدث عن الفرق بين النظام الملكي القديم الذي كان سائدا قبل الثورة، والنظام الجمهوري الجديد الذي ساد بعدها.
وفيه ينتقد أيضا، ولكن بشكل ضمني، انقلاب نابليون الثالث على مبادئ الثورة الفرنسية والمنجزات الديمقراطية التي تحققت.
والواقع أن توكفيل أدان الانقلاب الذي قام به نابليون الثالث يوم الثاني من ديسمبر عام 1851. لقد أدانه بقوة مثل فيكتور هيغو، وكان ذلك من خلال رسالة بعثها إلى مدير جريدة «التايمز» الإنجليزية، ولكنه طلب فهم عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية بالطبع.
فنابليون الثالث، كأي دكتاتور، ما كان يسمح بمعارضة حكمه أو نقده بشكل علني. وقد امتلأت سجونه بهم. أما الذين فروا إلى الخارج فكانوا بالآلاف.
وبالتالي فما تخوّف منه توكفيل، أي انزلاق الديمقراطية إلى الدكتاتورية، قد حصل بالفعل. فقد أمر الدكتاتور قبيل الانقلاب بيوم واحد باعتقال كل الضباط العسكريين المعادين للانقلاب.
كما وأمر باعتقال جميع النواب المضادين له وكان عددهم يتجاوز المئتين. ثم خنق حرية الصحافة وبقية الحريات العامة. والأنكى من ذلك هو أن الشعب في أغلبيته كان معه. وهذا دليل على أن الشعب لا يعرف مصلحته في بعض الأحيان.
والواقع أن رجال الدين المسيحيين لعبوا دورا كبيرا في إقناع الشعب الفرنسي بحكم نابليون الثالث حتى ولو كان استبداديا. ورضخ الشعب واتبع كلام الكهنة والمطارنة والخوارنة. وكثيرا ما لعبت الكنيسة المسيحية هذا الدور الرجعي المعادي للحداثة والحرية والديمقراطية.
وهذا دليل أيضا على أن المعركة بين القيم القديمة والقيم الجديدة لم تكن قد حسمت بعد في فرنسا. فعلى الرغم من مرور مئة سنة على عصر التنوير والثورة الفرنسية إلا أن القيم القديمة كانت لا تزال هي الأقوى.
والواقع أن توكفيل عاش في عصر رمادي إذا جاز التعبير: أي عصر لم يحتضر فيه القديم تماما بعد، ولم يولد فيه الجديد تماما، أو قل إنه ولد وترعرع ولكنه لم يصبح بعد من القوة بحيث انه يستطيع الانتصار كليا على القديم.
ثم يتحدث المؤلف أثناء الكتاب عن سفرة «توكفيل» إلى الولايات المتحدة وكيف أنه بقي هناك فترة طويلة من أجل دراسة النظام الأميركي. ومعلوم أنه أعجب بالديمقراطية الأميركية التي كان الآباء المؤسسون قد رسخوها هناك: أي جورج واشنطن، وتوماس جيفرسون، وبنيامين فرانكلين، وآخرين عديدين.
وقد حاول أن يقيم المقارنة بين النظام الأميركي والنظام الفرنسي لكي يكتشف نقاط التشابه والاختلاف ثم لكي تستفيد فرنسا من الميزات الإيجابية للديمقراطية الأميركية.

41
الباحث نوربيرتو بوبيو المختص بشؤون الفلسفة السياسية يتحدث في هذا الكتاب عن العلاقة بين الليبرالية والديمقراطية عبر العصور منذ الإغريق وحتى يومنا هذا. من المعلوم أن الديمقراطية نشأت لأول مرة في أثينا وكانت تعني منذ البداية حكم الشعب من قبل الشعب أو بالأحرى حكم الكثرة لا القلة.
وكان هناك مبدآن يتحكمان بالنظام الديمقراطي الوليد: أولا مساواة جميع المواطنين أمام القانون. وثانيا حرية الرأي والتفكير والتعبير. وهكذا جمع اليونان بين الليبرالية ـ أي الحرية ـ من جهة، وبين الديمقراطية من جهة أخرى. ولكن كان هناك نقص كبير يعتري ديمقراطيتهم ألا وهي أنها كانت محصورة بالرجال والأحرار.
بمعنى أن العبيد والنساء والأجانب كانوا مستبعدين منها. ولكن على الرغم من ذلك لا يمكن لنا أن نستهين بالإنجازات الإيجابية لأول ديمقراطية ليبرالية في التاريخ. فالناس جميعا كان يحق لهم أن يفتحوا أفواههم في المجالس العامة ويعطوا رأيهم بشأن القضايا العامة التي تهم المجتمع ككل. يضاف إلى ذلك أنهم كانوا متساوين أمام القانون ومؤسسات الدولة لا فرق بين كبير وصغير، أو ابن سيدة وابن جارية.
ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن ولادة الليبرالية بالمعنى الحديث للكلمة ويقول: إن الثورة الإنجليزية التي حصلت في القرن السابع عشر أثرت كثيرا على العلوم السياسية. فقد رسخت في وعي الناس لأول مرة مفهوم الحرية أو الليبرالية بالقياس إلى الحكم الإطلاقي الاستبدادي. وكان إصدار إعلان الحقوق عام 1689 بمثابة الانتقال من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة.
والفيلسوف الذي نظّر لذلك كله واستخرج منه الدروس والعبر هو بدون شك جون لوك. فقد انتقل بالفلسفة السياسية من مرحلة اللاهوت المسيحي إلى مرحلة القانون الطبيعي أو الوضعي الذي يسنّه العقل البشري. وميزة جون لوك تكمن ليس في أنه خلق مفهوم القانون الطبيعي وإنما في أنه استخدمه باتجاه الليبرالية أو الحرية الفردية.
فالواقع أن الفيلسوف هوبز كان قد اكتشفه قبله ولكنه استخدمه لترسيخ الاستبداد ولا الحرية. وكذلك اكتشفه قبلهما كليهما عالم هولندي يدعى: غروتيوس.م جاءت الثورة الفرنسية بعد الثورة الإنجليزية بقرن واحد (1789) وأكدت على نفس المبادئ بعد توسيعها أكثر فأكثر.
فعندما أصدرت الإعلان الشهير لحقوق الإنسان والمواطن كان ذلك يعني أن زمن الاستبداد قد ولّى إلى غير رجعة وأن الحكم المطلق لملوك فرنسا قد انتهى إلى الأبد. فلا حق إلهي للملوك المسيحيين ولا من يحزنون.فالناس أصبحوا متساوين لأول مرة في تاريخ فرنسا.
في السابق، أي أثناء العهد الملكي القديم، كان المجتمع الفرنسي مقسما إلى ثلاث طبقات أساسية: الطبقة الأرستقراطية الإقطاعية، طبقة كبار الكهنة ورجال الكنيسة، بقية الناس: أي معظم الشعب من فلاحين وحرفيين.
أما بعد الثورة فقد سقطت هذه التقسيمات بين الناس ولم تعد للطبقة الأرستقراطية أية امتيازات كما كان عليه الحال في السابق. لم يعد يكفي أن تولد في عائلة إقطاعية لكي تنال كل الحقوق حتى بدون أن تعمل أو تبذل أي جهد.
وإنما أصبحت قيمة الإنسان تكمن في ميزاته الشخصية ومدى قدرته على النجاح في الحياة والتفوق في مجال ما من المجالات.
ثم يردف المؤلف قائلا: ولم تعد السلطة السياسية تستمد مشروعيتها من الكهنة ورجال الدين وإنما من الشعب. أصبحت السلطة ناتجة عن العقد الاجتماعي بين الحكام والمحكومين.
فإذا ما أخلّ الحكام بهذا العقد فإن الشعب يسقطهم في الانتخابات المقبلة ويضع في سدة السلطة أشخاصا آخرين غيرهم، وهكذا دواليك. وهذا هو مفهوم التناوب على السلطة.
ولهذا السبب رفعت الثورة الفرنسية الشعار الشهير وكتبته على واجهة كل المباني الحكومية: حرية، مساواة، إخاء.
ولكن ينبغي الاعتراف بأن تطبيق هذا الشعار لم يتم بين عشية وضحاها! وإنما استغرق تطبيقه عدة أجيال: أي منذ القرن التاسع عشر وحتى العشرين. فالنظام الليبرالي الناتج عن الثورة لم يؤد إلى المساواة في الحقوق إلا نظريا.
أما من الناحية العملية فإن الطبقة البورجوازية التي استلمت الحكم بعد إسقاط الطبقة الأرستقراطية راحت تستغل الأمور لصالحها. وهكذا شكلت نظاما ظالما على الرغم من كل التقدم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الذي تحقق في عهدها.
ولهذا السبب ظهرت الحركة الاشتراكية كرد فعل على النظام الليبرالي البورجوازي الديمقراطي. فقد نادت بالمساواة والعدالة.
ومعلوم أن الشعب يريد العدالة قبل كل شيء، وأحيانا قبل الحرية. فما نفع الحرية بدون عدالة، أي بدون خبز؟ إنها مفرغة من مضمونها ومحتواها. ضمن هذا السياق نشأت النظريات المتعلقة بالاشتراكية الطوباوية والاشتراكية الماركسية التي قالت: لا معنى لحقوق الإنسان ولا للحريات الفردية ولا للنظام الليبرالي الديمقراطي إذا لم ترافقه العدالة الاجتماعية: أي التوزيع العادل للثروة على المواطنين.
ثم يردف المؤلف قائلا بما معناه: هكذا نلاحظ أن النظام الليبرالي الدستوري كان يشكل تقدما بالقياس إلى النظام الأخلاقي الاستبدادي القديم. ولكنه لم يكن كافيا. ولهذا السبب ظهرت الأحزاب الاشتراكية والنقابات العمالية للدفاع عن حقوق الطبقات الشعبية والعمالية والفلاحية.
ومن أهم المفكرين الذين نظّروا للنظام الليبرالي الديمقراطي في فرنسا شخص يدعى: توكفيل. ومعلوم أنه أصدر كتابه الشهير عن «الديمقراطية في أميركا» عام (1835): أي في الثلث الأول من القرن التاسع عشر. وقد عبر فيه عن إعجابه بالنظام الذي أسسه الآباء الكبار في أميركا: أي توماس جيفرسون وزملاؤه. ففي رأيه أنه من أفضل الأنظمة.
لماذا؟ لأنه يأخذ رأي الشعب بعين الاعتبار. فالحكام أصبحوا يُنتخبون بكل حرية من قبل الشعب ولا يُفرضون عليه بالقوة من فوق.
وأصبحت للشعب كلمته في الموضوع: أي في طريقة الحكم وسنّ القوانين والتشريعات ثم تطبيقها. وهذا هو معنى الديمقراطية. ولكنها ديمقراطية قائمة على دستور ليبرالي يضمن الحريات والحقوق الأساسية للناس. فلا تفريق بين المواطنين على أساس العرق، أو اللون، أو الطائفة، أو المذهب، أو الدين.
كلهم مواطنون أميركيون بنفس الدرجة، ولا يوجد مواطن درجة أولى ومواطن درجة ثانية، الخ. في الواقع أن التفريق بين البيض والسود كان سائدا عمليا ولم ينته إلا بعد فترة طويلة.
ولكن ينبغي الاعتراف بأن العلاقة بين الليبرالية والديمقراطية لم تكن بسيطة ولا سهلة وإنما مرت بعدة مراحل صراعية حتى اكتملت.
فدول أوروبا الغربية الحالية كلها تعيش على أنظمة ليبرالية وديمقراطية في آن معا. ولكن هذا الشيء حديث العهد ولم يتحقق فعلا إلا بعد الحرب العالمية الثانية.
فإنجلترا، أعرق ديمقراطية في العالم، كانت ليبرالية دستورية طيلة القرن التاسع عشر بل وحتى قبل ذلك. ولكنها لم تصبح ديمقراطية بالفعل إلا في النصف الأول من القرن العشرين. لماذا؟ لأن حق التصويت (أو الانتخاب) كان محصوراً بالطبقات العليا من المجتمع: أي الطبقات البورجوازية ذات الملكية.
ثم عمموه بعدئذ لكي يشمل الطبقات الشعبية من عمال وفلاحين بعد أن انتشر التعليم في أوساطهم وتحضروا وتهذبوا.
وقل الأمر ذاته عن فرنسا. هل تعلم بأن الجنرال ديغول هو الذي أعطى المرأة حق التصويت عام 1945 فقط؟ بمعنى أن نصف الشعب كان محروما من المساهمة في العملية السياسية طيلة القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين.
وهذا دليل على أنه ليس من السهل تحقيق الليبرالية والديمقراطية في آن معاً.

42
مخائيل ليويس صحافي اميركي يكتب بشكل منتظم في مجلة النيويورك تايمز. وفي كتابه الجديد( المستقبل حدث الآن )الذي اصبح من افضل المبيعات في اميركا نلاحظ ان المؤلف يركز اهتمامه على تحليل ظاهرة الانترنت فهو يبين لنا عن طريق الامثلة المحسوسة كيف ان استخدام الانترنت غير حياتنا، وعملنا، وطريقة تفكيرنا. ويرى المؤلف ان الانترنت يمثل احدى اهم الثورات التقنية التي حصلت في تاريخ البشرية. وسوف تكون له انعكاسات لا يعرف الا الله مداها. لقد اصبح الانترنت سلاحا في يد الثوريين. فالعالم ما بعد الانترنت هو غير العالم ما قبل الانترنت. ولكن الناس في معظمهم لم يشعروا بعد فعليا بمثل هذه الثورة. وهذا امر طبيعي لان المسألة تأخذ وقتا لكي تتوضح كل ابعادها. فعندما ننظر الى الثورات في التاريخ وكيف حصلت نلاحظ ان الاعمال الخارجية التي تحصل ضد النظام القديم مسبوقة دائما بتفكك هذا النظام بالذات وانصراف الناس عنه او انعدام ثقتهم به بعد ان كانوا قد منحوه الولاء زمنا طويلا. والواقع ان هيبة الملوك تسقط من اعين الناس قبل ان تسقط عروشهم. وبالتالي فالعالم القديم، اي عالم ما قبل الانترنت لن يموت فورا او دفعة واحدة. ولكنه سائر في طريقه الى الموت كل يوم اكثر، فالناس الذين لايعرفون كيفية استخدام الانترنت اصبحوا يبدون رجعيين، قدامى، وكأنه عفى عليهم الزمن.. وبالتالي فهم سينقرضون اكثر فأكثر بمرور الزمن. ثم يقسم المؤلف كتابه الى خمسة اقسام يلحقها بمقدمة جديدة في نهايته. اما الاقسام الخمسة فهي التالية: 1) مقدمة عامة تتخذ العنوان المهم التالي: الثورة اللامرئية بمعنى ان ظهور الانترنت شكل ثورة ولكنها غير مرئية بالنسبة لمعظم الناس. 2) الانتفاضة المصرفية وفيها يتحدث عن المتغيرات التي احدثها دخول الانترنت الى مجال المال والاعمال، والمصارف، والبورصات. 3) الاهرامات والكعك، وهو عنوان مجازي يروي تحته جملة قصص عن كيفية استخدام الاطفال للانترنت. 4) انتفاضة الجماهير وفي هذا القسم يتحدث المؤلف عن الانعكاسات الاجتماعية للانترنت وكيف انه دفع بالناس الى التمرد على الهيبة التقليدية التي كانت سائدة قبل ظهور الانترنت. 5) ديمقراطية المعرفة عصر الانترنت وهنا يتحدث المؤلف عن اسهام الانترنت في نشر المعلومات والاخبار على أوسع نطاق، هذا في حين انها كانت سابقا محصورة في نخبة معينة. وبالتالي فالانترنت يمكن ان يستخدم كأداة فعالة في نشر الديمقراطية عبر العالم كله. ولكن المشكلة هي ان الذين يستطيعون شراءه واستخدامه لا يزالون اقلية حتى الآن. فهو منتشر في اميركا وأوروبا والبلدان الصناعية اكثر مما هو منتشر في بلدان العالم الثالث. وحتى داخل بلدان العالم الثالث نلاحظ انه محصور برجال الاعمال والنخبة المثقفة والسلطة السياسية بشكل عام. منذ بداية الكتاب يقول المؤلف ما يلي: صرح السيد الان غرينسبان بأن الانترنت سوف يغير الاقتصاد العالمي الى درجة انه هو شخصيا عاجز عن فهمها بشكل كامل. وأما جاك ويلش مدير احدى الشركات الاميركية الكبرى فصرح بأن الانترنت هو اعظم قوة تؤثر على الاقتصاد العالمي منذ حصول الثورة الصناعية. ان الانترنت هو تكنولوجيا جديدة. ولكن البعض يعتبره اقل اهمية من اختراع المحرك البخاري، او حلج القطن، او التلغراف، او المكيفات الهوائية.. انهم يعتبرونه مجرد اداة لنقل المعلومات بسرعة شديدة. هذا كل ما في الأمر لا أكثر ولا أقل.. ولكن هل هذا الرأي صحيح؟ كان عالم الاجتماع الاميركي مارشال ماكلوها يقول بأن المخترعات التكنولوجية الجديدة تصبح اقل مرئية كلما اصبحت مستخدمة اكثر او كلما اصبح استخدامها مألوفا جدا بالنسبة لنا. والانترنت يبرهن الآن على صحة اطروحته هذه. وهذا يشبه الحادثة التالية: خرج احد النبلاء من قلعته ونظر الى المدفع الذي يصوب فوهته نحو الوادي وقال: كل ما يفعله هو انه يرسل الرصاصات بسرعة!.. في الواقع ان المدفع يفعل اكثر من ذلك. فهو يرهب المهاجمين ويقضي عليهم حتى ولو كانوا بالآلاف اذا كانوا لا يحملون الا السيوف.. وحتى مفهوم الشجاعة تغير بعد ظهور المدفع والاسلحة النارية فلم تعد الفروسية هي كما كان عليه الحال في العصور القديمة. وبالتالي فإن ظهور اي مخترع تكنولوجي جديد يؤدي الى انعكاسات عديدة ومتشعبة. وهذا الأمر ينطبق ايضا على الانترنت. فالواقع ان ارسال المعلومات بسرعة من طرف العالم الى طرفه الآخر ليس هو الشيء الوحيد الذي يفعله الانترنت، فالانترنت اتاح لاناس كثيرين ان يتمردوا على الاعراف والتقاليد السائدة في كافة المجالات. ثم يقول المؤلف ميخائيل ليويس مردفا: لقد وجدت ان الاطفال في سن الثانية عشرة يستخدمون الانترنت ويتمردون على سلطة آبائهم! بل وبعض هؤلاء الاطفال اصبحوا خبراء ماليين او مصرفيين في اميركا. ووجدت ان بعض كبار رجال الاعمال الذين استخدموا الانترنت اصبحوا اعداء للسوق الاستهلاكية الجماهيرية. وهذا امر مدهش وما كان يمكن ان يحصل من قبل. ووجدت بعض التكنولوجيين المضادين للحياة الاجتماعية يتحولون الى مدافعين عن المجتمع والبيئة والحياة الاجتماعية. لقد غير الانترنت عقلياتهم. في الواقع ان الانترنت كأداة تكنولوجية جديدة كان اقل اهمية من الآثار الاجتماعية التي يحدثها على حياة الناس. وحتى مفهوم الرأسمالية تغير بعد ظهور الانترنت، وقل الأمر ذاته عن مفهوم الهوية، ودور الفرد في المجتمع، والعلاقات الاجتماعية، والعلاقات داخل مجال العمل ... الخ. في عام 2000 اصبح مئات الملايين من البشر يستخدمون الانترنت في شتى انحاء العالم. وقد كتبوا مليارات الصفحات بواسطة هذا المخترع السحري الجديد. ويقال بأن خمسة ملايين ونصف المليون فنلندي ارسلوا لبعضهم البعض اكثر من مليار رسالة بواسطة الانترنت عام 2000 بالذات!.. وهذا يعني ان الانترنت اصبح أداة مهمة للتواصل بين البشر. ولم يكن ذلك فقط من اجل العمل، وانما اصبحت رسائل الحب واقامة العلاقات العاطفية بين الجنسين تتم عن طريق الانترنت! ولكن تحصل احيانا بعض الانحرافات في هذا المجال. فهناك اناس فاسدون يستخدمون الانترنت للتعبير عن انحرافاتهم الجنسية دون ان ينكشف امرهم. وكثيرا ما يرسلون الصور العارية، او الصور الجنسية والخلاعية عبر الانترنت. وبالتالي فليست كل الاستخدامات ايجابية. ولكن هذا ينطبق على جميع المخترعات التكنولوجية فبعود الثقاب نستطيع ان نحرق البيت او نستطيع ان نشعل البروتوغاز من اجل وتحضير الطعام.. كل شيء يعتمد على كيفية الاستخدام. ولكن هناك خطر ناتج عن استخدام الانترنت بكثرة. فإذا اعتمدناه كأداة اساسية او وحيدة للتواصل مع الآخرين فإننا سنغرق في الوحدة وننقطع عن الناس فعليا. ومعلوم ان التواصل الحي والمباشر مع البشر لا يمكن ان يغني عنه اي شيء وبالتالي فهناك خطر في ان نجلس ساعات وساعات وراء جهاز الانترنت وننسى الحياة الحقيقية. وحتى الثقافة لا يمكن ان نأخذها كليا من الانترنت. فالكتاب لا غنى عنه، وسوف يظل مهما حتى بعد ظهور الانترنت ولن ينقرض كما تنبأ بعضهم بتسرع. ثم يتحدث المؤلف عن حياته الشخصية ويقول لنا بما معناه: لقد ولدت في مدينة «أورليان الجديدة» بأميركا وبالمقاييس المرتزقة للعالم الحديث فإن هذه المدينة تبدو فاشلة ومن يولد فيها لا يكون بالضرورة مؤهلا للنجاح في عالم الاعمال والمال ففي وقت ما توقفت عن ان تكون مدينة تجارية، بل وحتى عاصمة المال والبيزنيس في الجنوب الاميركي. لقد تحولت الى متحف مثلها في ذلك مثل فينيسيا في ايطاليا. والآن اصبحت عاصمة الجنوب الاميركي كله هي مدينة اطلنطا. فهذه المدينة الناهضة لم ترد ان تكون حافظة للتراث والفولكلور وانما مدينة التقدم والتكنولوجيا والبيزنيس. لقد غيرت اطلنطا نفسها وتحولت الى حد كبير. ولم تعد مدينة وانما مطار كبير وهائل، مطار لا يتوقف عن الحركة والدوران. لقد اصبحت مدينة المال والرأسمال. كما انها اصبحت احد المراكز الاميركية الاساسية للانترنت. ولكن ليست هذه هي حالة «اورليان الجديدة» مدينة طفولتي وشبابي الاول فبعد عدة عقود من الفشل الاقتصادي تحولت الى مدينة هادئة بدون ضجيج. وهذا بحد ذاته يمكن اعتباره ميزة ايضا. فمن «أورليان الجديدة» تستطيع ان ترصد حركة التقدم في كل انحاء الجنوب الاميركي. وتستطيع ان تقيس حجم المسافة التي قطعتها المدن الاخرى وليس فقط اطلنطا. ولكن يمكن ان نقول الشيء ذاته عن مدن اخرى في اوروبا: مثل مانشستر في انجلترا، وباريس في فرنسا. فلكي نفهم معنى التقدم وحجم المسافة التي قطعها في السنوات الاخيرة ينبغي ان نعرف من هم الذين خلفهم وراءه: اي من هم ضحاياه.. ففي أورليان الجديدة مثلا يمكنك ان تجد تلك المستحاثات التي فاتها قطار التقدم. ومع ذلك فهي تعتقد انها سيدة العالم. ومن بين هذه المستحاثات يمكن ان نذكر طبقة المحامين وفي طليعتهم والدي بالذات!.. فهم لا يزالون يتصرفون وكأن العالم هو هو لم يتغير ولم يتبدل حتى بعد ظهور الانترنت وتكنولوجيا المعلوماتية الجديدة. ثم يردف المؤلف ميخائيل لويس قائلا: فوالدي واصدقاؤه من المحامين العتاة في مدينة أورليان الجديدة لا يزالون يرفضون استخدام الانترنت والايميل بحجة ان هذه بدع مستحدثة ولا ضرورة لها.. وهناك محام صديق لوالدي نزع جهاز الانترنت بعد ان ركبوه له في مكتبه.. وهو يرفض ان يرسل الرسائل عن طريق الايميل او الانترنت ويفضل استخدام التلفون العتيق الذي يعود في صنعه الى عام 1919!!.. وهو جهاز كان قد ورثه عن والده.. وهو يقول بأن الانترنت صرعة جديدة سوف تزول، ويفضل ان يبقى وفيا للماضي كالديناصورات قبل ان تنقرض. فماذا يمكن ان نقول عن هؤلاء الاشخاص الذين يرفضون التقدم والتطور؟ انهم يعتقدون بأنهم لا يزالون في مركز العالم، هذا في حين انهم قد اصبحوا على هامشه تماما. انهم يشبهون دون كيشوت الذي كان يصارع طواحين الهواء ويعتقد ان العصر الاقطاعي لا يزال موجودا.. وفي ختام كتابه يقول المؤلف بما معناه: لقد ابتدأت بتأليف هذا الكتاب بعد ان كان الانترنت قد اصبح سلعة تجارية. وحاولت ان ابرهن على ان الانترنت قادر على تغيير الحياة الاجتماعية والاقتصادية للبشر. ولكن النقطة الاساسية في كتابي لم تكن هنا، النقطة الاساسية تكمن فيما يلي: وهي ان الانترنت يمثل فرصة ذهبية لم تستغل بعد حتى الآن بالقدر الكافي. واحدى سماته المدهشة تكمن في سرعة دخوله الى الحياة الاميركية حتى اصبح جزءا لا يتجزأ منها. وهذا الشيء حصل لان الكثيرين من الاميركان قرروا انهم بحاجة له. وهذه الحاجة هي ما يهمني ان أدرسه. يقول احدهم: ان المستقبل هو دائما الحاضر، ولكنه حاضر لم يتحقق بعد.. ومستقبلنا مرتبط بالانترنت حتما. ثم يردف المؤلف قائلا: بعد ستة اسابيع من تأليف هذا الكتاب ونشره حصلت تفجيرات 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن. قد لا يكون المكان ملائما هنا للتحدث عن الاسباب العميقة التي دفعت الى ارتكاب مثل هذا العمل الارهابي. ولكني اعتقد ان الرأسمالية الاميركية ينبغي ان تحاسب نفسها. فالمتضررون في العالم من ازدهارها وتوسعها اصبحوا كثيرين جدا. صحيح ان الارهاب ليس حلا لمشكلة الفقر في العالم الثالث. ولكن الجائع قد يلجأ الى اي وسيلة لاشعار العالم بأنه جائع ومن بين هذه الوسائل الارهاب. ان الانترنت لعب دورا في هذه العملية لان الذين نفذوها ـ او بعضهم ـ على الاقل كانوا متخصصين في استخدام تكنولوجيا المعلوماتية الحديثة. انها ثورة المعلوماتية وخاصة الانترنت التي غيرت حياتنا وتمكط سلوكنا ووصلت آثارها الى اقاصي الأرض.. لكن الى اين يسير العالم؟

43
المنبر الحر / عالم المافيات.
« في: 12:37 22/11/2006  »
جان فرانسوا غايرو مؤلف كتاب عالم المافيات: هو ضابط شرطة كبير وحاصل على شهادة الدكتوراه في الحقوق، كما أنه حائز على شهادة معهد الدراسات السياسية في باريس وشهادة معهد علم الجريمة من نفس المدينة أيضا. سبق له وقدم عام 2002 كتاباً تحت عنوان «الإرهاب» بالاشتراك مع عدد آخر من الباحثين. وله كتاب آخر عنوانه «الوشاية». ماذا تعني كلمة مافيا؟ وما الذي يميزها عن مجرد مجموعة إجرامية؟
ولماذا يعود الحديث اليوم بكثرة عن قوتها وعن ذراعها «الطويلة» وماذا يعرف الناس عن المافيات اليوم؟ وما هي أهم شبكاتها؟ ما هي أهدافها؟ وأسلحتها الجديدة؟ ومناطق نفوذها؟ هذه هي بعض الأسئلة التي يحاول مؤلف هذا الكتاب واحد أفضل الأخصائيين الفرنسيين الإجابة عنها بأكثر من أربعمئة صفحة.
المافيا ـ كما يقدمها المؤلف، يمكن وصفها بأنها «النخبة الإجرامية» على غرار، النخب الأخرى، مع الفارق كـ «النخبة الثقافية» و «النخبة السياسية».. الخ او ربما يمكن تعريفها بشكل ملموس أكثر على أنها «جمعية سرية» ذات سمة اجرامية وتتصف بالاستمرارية، عبر توارث الأجيال، وبالتراتبية، عبر التشكيل الهرمي الذي يتربع على رأسه العراب، وهي تقوم بشكل أساسي على مبدأ الطاعة التامة وغالبا تقوم بتجنيد أعضائها على أساس الانتماء العائلي أو الاثني بحيث أنها تسيطر على بقعة جغرافية معينة.. وفي كل الحالات تتأسس على قاعدة «أسطورة» ما.
بالاعتماد على هذا التعريف، يرى مؤلف هذا الكتاب بإن العديد من المافيات التي يتردد الحديث عنها كثيرا اليوم مثل المافيا الروسية والكولومبية والمكسيكية، رغم ممارستها للجريمة المنظمة، لم تتوفر فيها جميع «الشروط» المطلوبة من أجل تصنيفها في «مرتبة» المافيات.
بالمقابل «يرقى» إلى هذه المرتبة في العالم كله «9» كيانات مافيوزية يميل المؤلف إلى تصنيفها بـ «قمة المافيات الكبرى التسع» أي على غرار «قمة البلدان المصنعة الكبرى الثماني» وتضم هذه المافيات في إيطاليا كل من «كوزا نوسترا» في صقلية إلى جانب مافيات «ندرافيتا» و «كامورا» و «ساكرا كورونا اونيتا» ثم المافيا الألبانية وألمانيا التركية وفي آسيا المافيا الصينية. ومافيا «ياكوزا» في اليابان. واخيرا «كوزانوسترا» الأميركية».
هذه المافيات كلها يجمع بينها أنها تتسم بصفتين أساسيتين لا يمكن تجاوزهما وهما «الاستمرارية» و «امتلاك قدرة التنظيم».. هكذا تواجدت «الكامورا» والمافيا الصينية منذ حوالي قرنين من الزمن رغم كل العقبات التي جرت مواجهتها.. ثم ان كل المافيات كلها، ومع ان لها أحياناً تسليمات شاملة مثل وصفها بـ «صينية» او «البانية» إلا انها كلها تندرج في بداياتها ضمن مجال جغرافي محدد كقرية او حي أو مدينة او منطقة معينة،
وحتى عندما تضطر إحدى المافيات الى الانتقال لمنطقة اخرى بعيدة أو قريبة كما حدث بالنسبة لـ «كوزا نوسترا» بعد الحرب العالمية الأولى حيث أرغم القمع البوليسي الشديد بعض أفرادها وعرابيها إلى السفر للولايات المتحدة الأميركية، إلا أنها مع ذلك حافظت على علاقتها بـ «بلد المولد» ونقلت إلى «بلد الملجأ» نفس نمط الممارسات الإجرامية التي انتهجتها منذ البداية.
واذا كانت الوظيفة الأساسية للمافيات هي الحصول على «المال» فإنها أيضا خدمت في مرات عديدة كـ «جهاز للمحافظة على النظام» وهكذا يشير المؤلف إلى أن مافيات «ياكوزا» اليابانية قد أعطت تاريخيا لنفسها دور الشرطة الموازية «للاجهزة الرسمية الحكومية» وذلك على أساس انها تقوم بتنظيم العنف.. وقد استطاعت عبر هذا الدور ان تنال حظوة لدى العديد من رجال السياسة اليابانيين..
وعلى الأقل من أجل «اتقاء شرها» بل ويشير المؤلف في هذا السياق إلى انه في العديد من الحالات اعتمدت الأجهزة «الشرعية» على بعض «خدمات» المافيات كنوع من الاتفاق «الملموس» و«غير المكتوب» هذا لاسيما وان المافيات؟ وبواسطة قدرتها العالية على حل خلافاتها الداخلية، تستطيع التغلغل داخل الجسد الاجتماعي لتعيش فيه بصورة سرية. مما يؤدي في بعض الحالات كما في مدينة «باليرمو» بصقلية أثناء فترة ما، إلى الشك بـ «الجميع» بأنهم قد يكنون أعضاء في شبكة الـ «كوزا نوسترا»
وقد وصل حرص المافيات أحيانا على ان تبقى في الظل انها ابتعدت تماما عن القيام بكل ما يمكن يضعها في دائرة الضوء. هكذا مثلا في سنوات الثلاثينات من القرن الماضي عندما هاجر شارل «لوكي» لوسيناو إلى الولايات المتحدة الأميركية هاربا من باليرمو ليكون عراب الـ «كوزا نوسترا»، هناك حدد قواعد صارمة تقضي بعدم اغتيال القضاة ورجال الشرطة ورجال السياسة.. باختصار أصبح القتل ممنوعاً «إلا بأمر».
ويشبه المؤلف نمط هيكلية التنظيمات المافيوزية بالمجتمعات الإقطاعية والعسكرية حيث يكون احترام التراتبية والرئيس مسألة مركزية. لكنها تتسم ايضا بوجود روابط قوية بين أعضائها إذ لابد للدخول إلى أية شبكة مافيا ان يكون «المرشح» منتميا إلى نفس العالم بل وإلى نفس الهوية التاريخية والثقافية. وبهذا المعنى تبقى الأهمية ذات الأولوية هي لرابطة الدم والجماعة وليست لأية اعتبارات أخرى.
وهذا ما يميزها عن المنظمات السياسية المتطرفة ومهما كانت الضوابط التي تحكم عملها.. ثم أن المافيا، أية مافيا، إنما تنتج أيضا أسطورتها الخاصة بها وذلك من اجل تحقيق هدف مزدوج يتمثل في إسباغ الشرعية على نشاطاتها والتأكيد على قيمها وعلى فضائلها في نظر أعضائها أنفسهم، وذلك كي يكون انتسابهم لها بمثابة مصدر «اعتزاز» لهم لأنه موازيا، كما تم تقديمه، إلى الانتساب لشريحة «ارستقراطية».
ويلفت مؤلف هذا الكتاب الانتباه إلى ان الحديث والنقاش حول المافيات ودورها الخطير قد انكفأ كثيراً خلال السنوات الأخيرة، وخاصة منذ تفجيرات 11 سبتمبر 2001، في نيويورك وواشنطن كي يبرز على السطح موضوع الإرهاب.. الإرهاب الدولي لكن هذا لا يمنع واقع ان المافيات هي في أصل الكثير من عمليات الجريمة المنظمة بكل تعبيراتها من القتل حتى تجارة المخدرات ومرورا بالدعارة وتبييض الأموال وصالات لعب القمار وعلميات الابتزاز.. الخ
ويشرح المؤلف بأنه قد شاعت لفترة طويلة من الزمن فكرة مفادها ان التحديث السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي رافق الثورة الصناعية وهيمنة العقل العلمي ثم خاصة واساساً، ثورة المعلوماتية وسهولة تبادل المعلومات مع شبكات الانترنت، انما هي أمور سوف تؤدي كلها إلى المنظمات المافيوزية الشرسة وانما ذات البنية القديمة سوف تزول و«تتكنس» إلى غير رجعة.
ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو ان العكس هو الذي حدث في الواقع.. ذلك ان المافيات لم تندثر ولم تندحر بل لم تتراجع بل انها أثبتت قدرة كبيرة على التأقلم مع المعطيات الجديدة وان تتكيف مع الحداثة، بكل اشكالها وصورها اكثر من غيرها من مكونات المجتمع، لقد أثبتت كما يتبين مؤلف هذا الكتاب قدرة عالية على الحركية والتبدل، لكن هذا كله لا يلغي واقع ان المافيات تشكل «الوجه الأسود للحداثة».
ويتم التأكيد في هذا السياق بإن المافيات التسع الأساسية في العالم أظهرت ذكاء «استثنائيا» في رد فعلها حيال احداث العالم، بل وأفضل من هذا توقع هذه الاحداث.. وبالتالي لم تكن ابدا متأخرة في السياق المحموم للعولمة. بل على العكس ان انفتاح العالم الذي أصبح كقرية صغيرة قد شكل عاملاً مساعداً في اعطاء بعد عالمي للجريمة المنظمة التي تقف المافيات وراءها، لاسيما فيما يتعلق بتجارة المخدرات وتبييض العملات وتجارة الرقيق وفي فترة أخيرة تجارة الأعضاء البشرية.
السمة الأولى للمافيات، وبالتالي للمافيوزيين، هو ان الإيديولوجيات، بكل ألوانها ومشاربها، لا أهمية لها ابداً بالنسبة لها. ما يهم هو المال والثروة.. وبهذا المعنى يبدو اقتصاد السوق الليبرالي الجديد مؤاتياً جداً للنشاطات المافيوزية ومجالاً مثالياً للاستجابة لشهيتها «المفتوحة» دائماً لكن إذا كانت المافيات لا تهتم بالإيديولوجيات فانها تستفيد بصورة شبه مستمرة من بعض التواطؤات السياسية كي تستطيع تثبيت اقدامها والتجذر في هذه التربة او تلك.. ومثل هذا التجذر ليس بعيداً عادة عن الفساد والرشاوى.
المثال الصارخ الذي يقدمه المؤلف على التعامل والتواطؤ بين التنظيمات المافيوزية والسلطات السياسية يتمثل في اللقاء الذي أصبح مثبتاً عبر التحقيقات القضائية، بين المافيا في جزيرة صقلية «كوزا نوسترا» وبين الحزب الديمقراطي المسيحي في ايطاليا..
وقد وصل الأمر إلى التداخل بحيث قفز بعض المافيوزيين إلى مراكز قيادية في الحزب وبالتالي في الدولة عندما وصل الديمقراطيون المسيحيون إلى السلطة في ايطاليا، وفي نفس الإطار يغمز المؤلف إلى وجود علاقات من المطلوب اثباتها ـ بين الحكومة الايطالية الحالية برئاسة سيلفيو برلسكوني وحزب «قوة ايطاليا» ـ حزبه ـ من جهة وبين «كوزا نوسترا» من جهة أخرى.
ويفتح المؤلف قوسين في هذا السياق ليقدم قراءة للعمليات الانتخابية الأخيرة التي شهدتها ايطاليا حيث يدل على ان المناطق التي تتمتع فيها شبكة مافيا «كوزا نوسترا» بنفوذ كبير هي نفس المناطق التي فازت فيها قوائم حزب سيلفيو برلسكوني في الانتخابات لعل الأمر ليس صدفة حسب رأي المؤلف، فمنذ عام 1992 سعت «كوزا نوسترا» إلى تغيير حاميها السياسي.. ومنذ ذاك صعدت شعبية «فورزا ايطاليا» أي حزب برلسكوني.
ان المافيات وعلى عكس ما يمكن ان يبدو للكثيرين، لم تتراجع ولم تصبح اقل أهمية وخطراً، هذا ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب الذي يعتبر بأن التركيز على ما يسمى بـ «الإرهاب الدولي» منذ تفجيرات 11 سبتمبر 2001 أدى إلى «نقص التركيز» هذا اذا لم يكن إلى اهمال عالم الجريمة المنظمة والذي يبدو إلى حد كبير «مستفيداً» من توجيه «رادارات» الأجهزة المختصة باتجاه آخر.. ثم ان الأرقام والإحصائيات المنشورة من عدد من الهيئات المختصة خلال السنوات الأخيرة تبين الأرقام الهائلة لما يسمى بـ «الاقتصاد الجوفي»
وما يؤكده المؤلف في هذا السياق هو ان 50% من اجمالي الإنتاج الداخلي لعدد من البلدان مثل البانيا والجبل الأسود مصدره هذا الاقتصاد الخفي، بل ان المؤلف يشير إلى العديد من القضايا التي تثبت ذلك مثل اكتشاف القضاء الايطالي في عام 2001 بأن شخصيات سياسية مرموقة موجودة في قمة السلطة بالجبل الأسود تشترك منذ سنوات طويلة مع «الكامورا» الايطالية في تجارة السجائر المهربة.
وإذا كانت الميادين التقليدية للنشاطات المافيوزية تتمثل في تجارة المخدرات وتبييض العملات والدعارة.. فان شبكاتها تهتم عن قرب بـ «الورشات العامة» حيث انها تمارس أحيانا نشاطات اقتصادية مشروعة تماماً بعد ان تكون قد استخدمت نفوذها للفوز في هذه «المناقصة» أو تلك.. والمثال الصارخ لمثل هذه الحالة يجده المؤلف في ايطاليا حيث يوجد تداخل كبير بين «المشروع» و«اللا مشروع» اذ ان «الكامورا» تمتلك مثلاً في نابولي وحدها وفي المنطقة المحيطة بها مؤسسات تقوم بتشغيل عشرات الآلاف من العمال..
ويؤكد المؤلف إلى وجود أوضاع مشابهة في تركيا واليابان. وتتمثل احدى الأفكار الأساسية التي تتم مناقشتها في هذا الكتاب بواقع استمرارية الظاهرة المافيوزية ومقاومتها لكل اشكال محاولات استئصالها.. لقد ظهرت في الواقع بأنها «مستعصية على التدمير» كما انها «اقوى من القمع»
وهي تشابه إلى هذه الدرجة أو تلك «المحافل الماسونية» لكنها تتميز عنها بقدرتها العالية على التأقلم مع الوسيط المحيط حيث ان المؤلف يشبهها بـ «الحرباء» ثم ان جميع العائلات المافيوزية التي قيل بانها أنهيت من قبل اجهزة الشرطة وإنها لن تقوم لها قائمة، انما استطاعت ان تعيد نفسها بسرعة استثنائية وبقوتها الذاتية.
ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب في التحذير من الخطر الكبير الذي تمثله المافيات في عصر العولمة.. فهي تعرف كيف «تعولم» نشاطاتها الإجرامية وبذلك ستصبح أكثر خطراً هذا لاسيما وانه من الواضح بأن المافيات تميل إلى «التعاون» و«تبادل المعلومات» فيما بينها اكثر مما تميل نحو النزاعات وهذا يشكل ورقة رابحة مهمة بالنسبة لها.. بحيث ان يدها« الخفية» قد تتفوق على جميع الإيديولوجيات

44
   
 
 
 
  بمشاركة عشرات الفنانين العراقيين، أنجز الشاعر  كريم العراقي أوبريت «تراب العراق» الذي أهداه لأبناء العراق الصابر وشعبه الممتحن، وقام بتلحين الأوبريت الذي يؤمل أن يعرض على الفضائيات قريباً شيخ الملحنين العراقيين طالب القره غولي، وأشرف عليه الفنان كريم عاشور، وجرى تسجيله في دبي.
 
و قال الشاعر كريم العراقي: إن أوبريت «تراب العراق» الذي كتبته باللهجة العامية العراقية؛ هو بمثابة دعاء وصرخة إلى السماء تنبع من كل بيت وقلب وإنسان وشجرة وذرة تراب على أرض الرافدين لوقف نزيف الدماء الطاهرة التي تسيل عبثاً.
 
وأضاف العراقي: إن مبدأ المصالحة الذي تدعو إليه الأطراف السياسية والدينية في العراق يجب أن يأتي أولاً من النخب الفكرية والثقافية والفنية العراقية المختلفة، والعراق منذ صيرورته الأولى هو بلد احتدام فكري وجدل فلسفي وحضاري عميق من بدء التاريخ، وهذا الأمر ليس عيباً أو سبّة على أرض الرافدين العظيمة؛ بل على العكس من ذلك، فهذا دليل حياة وروح،
 
فعلى أرض العراق ظهرت شتى المدارس الفكرية والفلسفية والصوفية والمعرفية التي أنارت ظلمات البشرية، ولكن ما يجري اليوم هو الدمار بعينه، دمار الروح والفكر والإنسان، ورغم ما مرّ بالعراق طيلة آلاف السنين من صراع أو احتدام فكري، إلا أنه لم يصل بالمرء أن «يفخخ» نفسه ويقوم بتفجير سوق شعبي أو مدرسة،
 
حتى حين مرّت بالعراق ظروف سوداء في مطلع الستينات، فإننا لم نسمع بذلك، وأشعر بأن مخططاً كبيراً وراء غايات كبرى يعبث ببلادي، دون أن يهتز ضمير العالم ولو قيد أنملة، أما «الأوبريت» فلمن أقدمه أو أوجهه؟.. أوجهه لأهلنا الطيبين.. لنخوتهم وضمائرهم، ولا أوجهه لمن يقتل المساكين من الكسبة والعمال والنساء والأطفال تحت أي حجة كانت.
 
وواصل الشاعر  كريم العراقي حديثه بالقول: قام بتلحين الأوبريت؛ شيخ الملحنين العراقيين طالب القره غولي، بإحساس مبدع ينبع من شعور وطني بما يجري على أرض العراق، وسيجهز العمل خلال أسبوعين من الآن، ونأمل أن تساهم بعرضه جميع المحطات العربية التي سنقدمه هدية إليها،
 
أما الغناء الحي وعرضه على الجمهور من خلال المسرح فهذه مسألة لم تحسم بعد، ولكننا نأمل في عرضه في افتتاح «دورة الخليج لكرة القدم» التي ستنطلق في الإمارات، ويشارك في العمل مجموعة من الأصوات العراقية الدافئة، هم الفنانون: باسم العلي، باسل العزيز، جلال خورشيد، نمير عبد الحسين، أحمد الصياد،
 
صلاح حسن، علاء الشاعر، أوس، مها، سوزان، وننتظر إضافة أصوات: حاتم العراقي، مهند محسن وماجد المهندس إلى التسجيل، وهو من توزيع الفنان شاكر حسن وأشرف على العمل الفنان كريم عاشور، ولا أنسى الفضل والمساندة الكبيرة التي قدمها للأوبريت الأستاذ باسم الفضلي، أما الكورال والفرقة والأشخاص المرافقون للعمل فهم حوالي خمسين شخصاً.
 
أما عن رفيق دربه النجم كاظم الساهر؛ فأكد الشاعر كريم العراقي أن علاقته به مستمرة وأكثر من جيدة، وفنّد ما تناقلته بعض وسائل الإعلام عن حدوث خلاف بينهما، وأوضح العراقي: تربطني بالنجم الكبير كاظم الساهر علاقة تمتد من عام 1987م مع أول عمل مشترك بيننا، أغنية «شجاهة الناس» التي رافقت مسلسل «نادية»،
 
ومنذ ذلك الوقت إلى اليوم كتبت للساهر 72 أغنية لاقت النجاح والرواج، وآخر هذه الأعمال هي ثلاثة أغانٍ من كلماتي ستظهر في ألبوم النجم الساهر قريباً، من بينها أغنية تحاكي الحزن العراقي بعنوان «ليس لنا سواك يا الله»، أما عن الخلاف أو الجدل الذي ضخمته وسائل الإعلام بيني وبين سفير الأغنية العراقية،
 
فأود توضيحه بكلمات موجزة، وهي أن الفنان كاظم الساهر جهّز ألبوماً قبل عدة سنوات يحوي مجموعة من قصائد كبار شعراء العرب كنزار قباني وغيره، وكانت جميع القصائد باللغة العربية الفصحى، وكان من بين أغاني هذا الألبوم أغنية «دلع» التي كتبتها بالعامية بصورة خفيفة على المستمع، فطلبت من كاظم الساهر أن يرفع الأغنية عن الألبوم لأنها لا تتناسب وسياق الأغاني الأخرى، ولكن مع الأسف فإن الشريط نزل الأسواق وتم طبعه، وهذا كل ما كان من الأمر، أي أنه لا يعدو عتبا بسيطا، بينما ضخمته وسائل الإعلام وأعطته أكثر مما ينبغي.
 
وعن آخر أعماله يضيف الشاعر كريم العراقي: لدي تعاون جديد مع الفنان صابر الرباعي، والفنانين سوزان تميم وعمر عبد اللات وملحم زين وماجد المهندس، وقمت قبل فترة بتسجيل عدة أغان عراقية تراثية بصوتي لإذاعة صوت الخليج من قطر، كما أنجزت قبل فترة كتابة ديوان «شكر»
 
وهو مخصص للأطفال المعاقين لحساب «مركز راشد للمعاقين»، وكلي أمل بأن تظهر «أوبرا جلجامش» التي كتبتها ويقوم بتنفيذها الفنان النجم كاظم الساهر. أما عن مشهد الشعر الشعبي العراقي حالياً، فأطلق كريم العراقي جملة تختزل الكثير من المعاني حين أجاب قائلاً: بلدي ينزف شعراً بقدر دمائه وهمومه التي ينزفها كل يوم، والعراق وطن الشعر منذ الأزل.
 

تراب العراق
 

يا ربي احفظ كل تراب الوطن
 
واحمي شعبنا من عوادي الزمن
 
وإحنا صبرنا.. ولو صبرنا لمَن؟
 
لوما عزيز تراب هذا الوطن
 
طالت اخواني وما تفيد الدموع
 
والقلب يقوى لو تحضنه الضلوع
 
 

45

مؤلف كتاب ((التلفزيون..دكتاتورية الانفعال )) هو «كزافييه كوتور» الذي يعمل في حقل الإعلام منذ فترة طويلة والذي كان مديرا عاما للقناة الأولى الفرنسية، ثم رئيسا لإدارة قنال «كانال بلوس» قبل أن يلتحق بشركة إنتاج «أندمول فرنسا» حيث يدير عدة فروع فيها.
لقد تمت تحولات كبيرة في التلفزيون، التحولات التي قادت إلى البحث عن العدد الأوسع للمشاهدين والتأثير على عواطفهم واسترضائهم وصولا إلى ما يسمى بـ «تلفزيون ـ الواقع» وبرامجه التي تتعرض لنقد النخبة الثقافية.والسؤال هل هناك من دكتاتورية دونما دكتاتوريين وراءها؟ ربما أن أشكال العنف قد انتقلت من أنماطها التقليدية إلى نماذج جديدة من السيطرة اللامرئية التي تتحرك بآليات مختلفة عما عهدناه. لكن هذه الحقيقة نفسها لا يمكن استجلاؤها إلا من خلال واقع المتطلبات الاقتصادية التي تفرض نفسها على التلفزيون، وإلا من المتطلبات الاقتصادية التي تفرض نفسها على التلفزيون، وإلا من خلال التطورات التي طرأت على ما يريده الجمهور نفسه، والتأثيرات التي مارسها التلفزيون الأميركي على التلفزة الغربية. وإلا من خلال المستجدات التي عرفتها الحياة الإعلامية الغربية بوجه عام.في هذا كله فإن الكاتب يرى أن مصير التلفزيون يتوقف على جملة من المتناقضات التي تقود إلى مفارقة أساسية يتم السكوت عنها باستمرار:
بقدر ما يكون التلفزيون فعّالا ومؤثرا بقدر ما لا يمكن السيطرة عليه والتحكم به. كيف وصلنا إلى هذه الوضعية؟ في البداية كان التلفزيون يعمل كمؤسسة وحيدة بيد الدولة التي تقوم بتمويله عبر الضريبة، ولم يكن يحظى بكثير من المشاهدين، وكان للنخب الثقافية والسياسية دور كبير فيه.
إلا أنه مع اكتشاف هذه الأداة الإعلامية الجديدة، كان لا بد من إيجاد لغة ملائمة لها واستخدام ما أمكن من القدرات الثقافية التي تتحيها لإقامة علاقة حية مع الجمهور المشاهد. لقد كان التلفزيون «حرفيا» يستدعي استجماع قوائم الصحافيين ورجال الثقافة والمبدعين الفنيين الأمر الذي ترك بصماته عليه.
فأعوام الخمسينات كانت أعوام الاكتشاف والحرية والإبداع التلفزي لماذا؟ لأن التلفزيون كان في علاقة مباشرة مع جمهوره ولا يوجد من ينافسه ويعمل على تحقيق المهمة التي أخذها على عاتقه ألا وهي «الإعلام والتثقيف والترفيه». لقد لمعت عدة مواهب تلفزية في هذه المرحلة، المواهب التي جمعت بين المتطلب الإعلامي والثقافي والترفيهي.
إلا أنه مع ولادة القناة الثانية الفرنسية إلى جانب القناة الأولى داخل المؤسسة العامة للتلفزيون، تم اكتشاف إمكانية قياس عدد المشاهدين لبرامج كل من القناتين في حين أن الانتخابات الرئاسية الأولى في الستينات عززت المنافسة فيما بينهما. والنتيجة حدوث تغير جذري في الحياة الإعلامية التلفزية.والواقع أن هذا الزمن البطولي عاش حقائقه كما عاش أوهامه.
فلقد كان يحمل المشاهد على الاعتقاد بما تعرضه النشرة الإخبارية، الأمر الذي كان يشكل قوة التلفزيون. وفي حين أن قراءة الصحيفة المطبوعة كانت تستدعي التعقل لما يُقرأ، وأن سماع أخبار الراديو يفرض نوعا من الحيطة إزاءها، فإن الصورة التلفزية كانت تبرز كحقيقة لا نقاش حولها.
كذلك فإن الصحافي (مقدم النشرة الإخبارية) كان أشبه بصديق مألوف، اعتادت عليه الأسرة المشاهدة، ويظل يعطي بظهوره الدائم في أوقات النشرة طمأنينة لها بالرغم من الأحداث الجارية التي تشكل نافذتها على العالم وكأنها تشارك اهتمامات التلفزيون نفسه.
هذا الزمن انقضى لأن الصورة لم تعد تعني الحقيقة منذ أحداث «تيميوسوارا» الرومانية ومنذ الأحداث التي عصفت بمنطقة الشرق الأوسط. ولم يعد مقدم النشرة هذا الحيادي الموضوعي التي لا يمكن الشك بما يقوله.
كما أن الأخبار أصبحت مقتضبة ومغرضة بالنسبة للمشاهدين الذين لم يعودوا متلقين سلبيين بقدر ما أنهم أصبحوا راشدين ويطالبون بأن يصبح التلفزيون انعكاسا لاهتماماتهم وما يعيشونه من حياة يومية. باختصار أدت التطورات الجديدة إلى إبراز مفعولين أساسيين:
- مفعول «العدسة المكبرة» حسب تعبير الكاتب.
ذلك أن نسبة المشاهدين ارتفاعا وانخفاضا للبرامج التلفزية قد بينت أن الجمهور العادي لا يحب النظريات المجرد، ويكره الخطابات الاختصاصية، ولا يطيق المناقشات العويصة. إنه يحب أن يفهم الواقع كما يتراءى له وليس كما يريده القائمون على التلفزيون.
إذن لا بد من التبسيط الذي تحول إلى «قانون» تلفزي لكسب الجمهور. كيف؟
إن ذلك يتم بإبصار الجزئيات في الحياة اليومية وإعطاء انطباع عن الأحداث الجارية، «فانطلاقا من الجزئيات يمكن فهم الكليات» وعلى قاعدة معطى الانطباع يمكن للمشاهد أن يدرك نتائج القرارات والإجراءات والأحداث حول حياته اليومية.
- مفعول «المرآة» الذي يعكس حاجة الجمهور لأن يجد نفسه في البرامج التلفزية عبر ظهور أناس «مثلي ومثلك» على الشاشة الصغيرة. بتعبير آخر أصبحت الحاجة ماسة إلى إبصار وجوه «ترمز» للمشاهدين بحيث إن التلفزيون لم يعد أكثر من مرآة لهم.
لقد بدأت هذه الحركة مع لجوء بعض الصحافيين إلى إعطاء «الميكروفون» لبعض النظارة وذلك كشاهد على حدث ويريد طرح آرائه وانطباعاته. لكن هذه الحركة سرعان ما اتسعت وتوطدت لتفرض نفسها اليوم. فالشاهد سواء أكان دافع ضرائب أم مستخدما أم ضحية أم ربة بيت. أصبح نوعا من من «الناطق باسمنا» في التلفزيون.
إنه الـ «نحن» الصريحة والواضحة التي ترد على الأسئلة وتطرح الأسئلة وتبين نقدها أو غضبها بحيث يمكن لكل منا أن يتماهى بها.وسواء في مفعول العدسة المكبرة أم في مفعول المرآة اللذين أنتجهما البحث عن أوسع الجمهور وإرضائه بكافة السبل، فنحن أمام نظام جديد يولد نفسه بنفسه ويضع في قلب آلية عمله المشاعر الفردية والبحث عن الانفعال العاطفي لدى المشاهدين وإطراء النزوعات «النرجسية» لديهم بحيث لا يبقى للصحافي سوى «الاعتقاد باستقلالية» عمله المهني.
والمشكلة في ذلك أن معظم وسائل الإعلام تتنافس فيما بينها لكي تحصل على «القيادة الإعلامية» سواء في بلدانها أو على المستوى الدولي وذلك طبقا لهذا النظام الإعلامي الجديد. فسواء كان الفرد غنيا أم فقيرا، عالما أم جاهلا، فتيّا أم مسنّا، رجلا أم امرأة، فإن الانفعال تحسسا وتأثرا هو ما تبحث عنه كبريات هذه الوسائل.
هذا ما يفتح الباب أمام إلغاء الحس النقدي لدى المشاهد وتحويله إلى مستهلك إعلامي «مرتكس»، الأمر الذي لا يمكن أن يحمل سوى نتائج سلبية على الحياة الديمقراطية ورؤية المشاكل الحقيقية للعالم.
بعبارة أخرى فإن التطورات الإعلامية تفتح المجال للشعور لا للتحليل، للاستهلاك لا للنقد بحيث أن المشاهد يسجل في ذهنه ما يُطرح له دون مصفاة أو مراجعة، وإذا ما تم له ذلك في البداية فإنه سيعتاد شيئا فشيئا هذه التطورات تبسيطا للأحداث وانجرافا مع المحركات العاطفية وابتعادا عن القضايا الأساسية والكبرى.
والأخبار ليست وحدها المعنية بتطورات النظام الإعلامي. فخلال خمسين عاما تغيرت جميع أنواع البرامج التلفزية. فإذا كان الزمن البطولي التلفزي قد تميّز بأعمال سينمائية تلفزية مأخوذة عن التراث الثقافي الكلاسيكي، فإن «القصة الخيالية» الجديدة قد انزلقت نحو شخصيات عادية يومية.
وهنا أيضا فالأبطال العاديون «قريبون جدا منا» و«يحركون مشاعرنا اليومية» في الوقت الذي يجعلوننا نتماثل بهم الأمر الذي يفسر إقبال الجمهور عليها، فهذا الأخير يريد أفلام «حركة» و«حكايات بسيطة» و«لذة مباشرة» ومن هنا تأثير المسلسلات التلفزية الأميركية التي قامت بذلك والتي انتقلت إلى تلفزة «العالم الحر» بحيث أن أعوام السبعينات كانت فرصة «لإنزال ثقافي أميركي» في أوروبة مثل مسلسلات «المهمة المستحيلة» و«ستاركي وهوتش» و«دالاس» و«كولومبو».

 

46
رونو جيرار، مؤلف كتاب:الكتاب : ((لماذا يقتتلون ..؟رحلات عبر حروب الشرق الأوسط )) ، هو خريج مدرسة المعلمين العليا، التي مر بها قسم كبير من مفكري فرنسا وعلى رأسهم جان بول سارتر وريمون آرون، وهو أيضا خريج مدرسة الإدارة العليا «مصنع» رجال السياسة في فرنسا بمن فيهم رئيس الجمهورية الحالي جاك شيراك. يعمل منذ عام 1984 كأحد كبار صحفيي التحقيقات بمجلة الفيغارو، وذلك كمراسل حربي حيث قام بتغطية جميع حروب العالم تقريبا خلال ربع القرن الأخير.
حصل عام 1999 على جائزة «موم» المعادلة لجائزة «بوليتزر» الأميركية. ويعمل منذ عام 2001 أستاذا للمسائل الإستراتيجية في كلية العلوم السياسية بباريس. يشكل الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية المنطقة التي شهدت أكثر الحروب في العالم. فلماذا يقتتلون إذن في هذا المجال الجغرافي الممتد من البحر الأبيض المتوسط إلى المحيط الهندي؟
إن مؤلف هذا الكتاب يحاول الإجابة عن هذا السؤال بالاعتماد على قراءته للأحداث التاريخية التي عاشها أو عايشها عن قرب من بيروت إلى بغداد ومن فلسطين إلى جلال أباد، وذلك من موقعه كمراسل حربي، حيث التقى بالمئات من البشر، مسؤولين وناس عاديين، ومن الأكثر شهرة حتى المغمورين، ومن الأكثر قوة حتى الأكثر تواضعا، ومن الصقور كما من الحمائم، المتزمتين والعلمانيين، «المقاومين» للاحتلال والمحتلين. إن التاريخ الذي يكتبه هو في الواقع محصلة ما سمعه وما رآه.
ينطلق المؤلف في حديثه عن الشرق الأوسط من تلك الزيارة التي قام بها للبنان عام 1965. كان عمره آنذاك عشر سنوات، وكانت البلاد «فردوسا»، ويومها وبينما كان يتنزه مع والده في منطقة جنوب بيروت لاحظ وجود جدار تعلوه أسلاك شائكة. فسأل والده: ما هذا السجن؟
ـ هذا ليس سجناً إنه مخيم منذ عشر سنوات. إنهم مرغمون على العيش في هذه المخيمات وليس لهم حق العمل في لبنان.
ثم مرت الأيام والسنوات ليجد رونو جيرار نفسه مراسلاً لصحيفته الباريسية في فلسطين، حيث رأى المسألة من منظور آخر. فإذا كانت الصهيونية تجد «شرعية» في بحث اليهود الأوروبيين الذين عانوا من الاضطهاد عن دولة لهم فإن المقاومة العربية لهذه الصهيونية تقوم على «شرعية» بأنه ليس مطلوبا من العرب أن يدفعوا ثمن الآلام التي عانى منها اليهود في أوروبا.
وتحت عنوان: «الفلسطينيون ضحايا التاريخ»، يؤكد المؤلف من خلال معايناته وزياراته بأن «غزة هي أكبر غيتو في العالم». هذا ولم تكن غزة قبل عام 1948 سوى «واحة بائسة» وسط منطقة صحراوية. لكن فجأة تدفق عليها خلال 1948 ـ 1949 حوالي مائتي ألف شخص من العرب الفلسطينيين المطرودين من بلادهم بعد انتصار الدولة العبرية الجديدة. وبعد حرب 1967 احتلت إسرائيل القطاع.
ثم نصت اتفاقيات أوسلو 1993 على أن يكون للفلسطينيين دولتهم المستقلة في القطاع وقسم من الضفة الغربية. وفي الأول من يوليو 1994 وصل الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات إلى غزة يوم الأول من شهر يوليو 1994 حيث حظي باستقبال جماهيري كبير، لكن مع بقاء 35 بالمائة من قطاع غزة تحت سيطرة المستوطنين الإسرائيليين الذين جلوا عنه في النصف الثاني من شهر أغسطس 2005.
إن المؤلف يتوقف طويلا ليشرح الحالة الاقتصادية والمعاشية الصعبة التي عاشها، ويعيشها، الفلسطينيون في قطاع غزة والضفة الغربية، حيث يشير إلى أن دخل الفرد الإسرائيلي في السنة هو 18000 دولار أميركي بينما لا يتجاوز متوسط دخل الفرد الفلسطيني سنويا 800 دولار، بحيث أن تأمين الحد الأدنى من سبل العيش أصبح الشغل الشاغل للأسر الفلسطينية.
ثم إن أغلبية هذه الأسر لا تجد سبيلا لذلك إلا بإحدى وسيلتين، فإما تصلها تحويلات من الخارج من أحد أفرادها أو يكون القادرون على العمل فيها مرغمين على العمل في إسرائيل. وينقل المؤلف في هذا السياق عن طالبة إسرائيلية، كانت صديقة مجندة لها قد لاقت حتفها في أحد التفجيرات قولها والدموع في عينيها: «كلا، إنني شخصيا لست حاقدة على الفلسطيني الذي قتل صديقتي. إن فعله يدل على يأس مفرط. والوضع أصبح لا يطاق في غزة بالنسبة للفلسطينيين وعلى حكومتنا أن تضع حدا لهذا بشكل ملح».
وبعد أن يصف المؤلف معاناة الفلسطينيين في ظل الاحتلال الإسرائيلي من خلال بعض الأمثلة كـ «قبية، القرية الشهيدة» و«قلقيلية، القرية الممنوعة»، يشير إلى أنه باستطاعة غزة أن تصبح نموذجا إدارياً عربياً جيداً. ذلك أنها أحد أفضل المناطق تعليما في العالم العربي. وأغلبية سكانها يتحدثون، إلى هذا الحد أو ذاك، اللغة العبرية، ويعرفون جيداً الواقع الإسرائيلي. وهكذا قد يمكنهم، إذا حل السلام «أن يخدموا كوسطاء بين الأسواق الإسرائيلية والأسواق العربية».
لكن «إسرائيل مجتمع يعتريه الشك»، كما جاء في أحد عناوين هذا الكتاب، ذلك أنه مجتمع مأخوذ بالشاغل الأمني، لاسيما بعد نهاية ذهنية أوسلو التي لم تعد موجودة في إسرائيل إلا في «حالة هامشية»، كما شخّص المؤلف الوضع منذ بداية عام 2002، وذلك بعد أن كان آرييل شارون قد فاز في الانتخابات التشريعية لعام 2001 على ايهود باراك، وحيث كان الإسرائيليون يتساءلون في الشارع، كما ينقل المؤلف: «أين الرهان الحقيقي لهذه الانتخابات؟ فبين باراك، الكلب المجنون، وشارون، الكلب المسعور، يبقى الخيار ضئيلا». ومع هذا يبقى حلم التوسع الإسرائيلي الحدودي مستحيلا، كما يؤكد رونو جيرار.
لكن، ماذا تفعل أميركا؟
هذا السؤال هو عنوان فصل صغير آخر في هذا الكتاب وحيث يؤكد المؤلف منذ البداية بأن الولايات المتحدة تبقى أحد المفاتيح الأساسية في الشرق الأوسط. وهذا ما أكدته وقائع كثيرة ليس أقلها أهمية تلك المصافحة التاريخية في حديقة البيت الأبيض يوم 13 سبتمبر 1993 بين الرئيس ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحاق رابين. ثم كانت واشنطن هي التي حضّرت ورعت اتفاق طابا في شهر يناير 2001.
ويتحدث المؤلف في هذا السياق عما يسميه ب«الأولويات الإستراتيجية المنحرفة لإدارة بوش»، وذلك على خلفية الإيديولوجية المحافظة الجديدة التي ترى بأن لأميركا «البلاد المختارة» مهمة إصلاح العالم عبر فرضها عليها ولو بالقوة مبادئ الديمقراطية على الطريقة الأميركية.
ومثل هذه الإيديولوجية لم يكن منها سوى أن غذت طموحات جورج دبليو بوش، وصقور واشنطن، الأمر الذي يستشهد عليه المؤلف بمقابلة كان قد أجراها مع ريتشارد بيرل الذي يعتبره بمثابة «أب مبدأ جورج دبليو بوش» أو «أمير الظلمات». وكان بيرل قد استقبل المؤلف وهو في طريقه إلى تركيا لإقناع حكومتها بقبول مرور القوات الأميركية فيها باتجاه العراق،
وحيث يؤكد: «أعتقد بأن العراقيين سوف يستقبلوننا بالملايين وسيعبرون لنا عن اعترافهم بالجميل»، ثم يضيف في موقع آخر: «من الخطأ تماما القول بأننا إمبرياليون بحجة أن مطاعم ماكدونالد موجودة في جميع أنحاء العالم».
ويصف المؤلف الحرب العراقية بأنها «حرب مقررة مسبقا» مؤكدا بأن العراقيين كانوا قد طبقوا حرفيا حتى عام 2002 القرار رقم 1441. وقام المفتشون الدوليون بعملهم وزياراتهم للمواقع بما في ذلك «القصور الرئاسية». لكن الحرب كانت مقررة، وقبل أن تقوم على الأرض «بدأت معركة الرأي العام».
كما يشير إلى وجود بعض أولئك الذين أرادوا منع قيام الحرب ويذكر منهم «هانس بليكس» رئيس فريق مفتشي الأمم المتحدة لفترة من الزمن. لكن رغم جميع أصحاب النوايا الحسنة فقد كان واضحاً بأن «جحيم الحرب» قادم في العراق. ويؤكد المؤلف بأنه رأى آنذاك بأن عملية عسكرية أميركية ستعيق كثيرا تحقيق هدفين رئيسيين لدى الغرب هما تقليص النزعات الإرهابية وإيجاد حلول للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. يقول: «إن الأميركيين رغم النوايا الممتازة، قد اقترفوا حسب رأيي خطأ فادحا في طريقة العمل».
وماذا عن العراق الجديد؟
«العراق الجديد هو بلد انكفأ على هوياته الدينية»، هذا هو العنوان الكبير الذي يعطيه المؤلف لعراق ما بعد الحرب الأخيرة، وذلك بوجود «مجتمع مبعثر». وهذا ما يجد الدليل عليه في انتخابات شهر يناير 2005 التي أظهرت بشكل واضح «تعاظم النزعات الفئوية». أما السمة الأخرى التي يؤكد عليها مؤلف هذا الكتاب بالنسبة ل«العراق الجديد» فإنها تتمثل في «الدائرة الأمنية المفرغة».
ويرى بأنه لا بد من مرور سنوات طويلة لتقدير النتائج الحقيقية للحرب الأميركية الأخيرة في العراق. لكن يمكن مع هذا استخلاص بعض الدروس.
فأولا إذا كان ما أعلنته الإدارة الأميركية عن سعيها لمنع الانتشار النووي من قبل «محور الشر» المتمثل في العراق وإيران وكوريا الشمالية مقبولا بحد ذاته فإن انكشاف زيفه بالنسبة للحالة العراقية قد قلص كثيراً من هامش مناورة واشنطن للتصدي للتهديد الإيراني والكوري الشمالي فيما يخص الملف النووي.
وثانيا بدا بوضوح بأن إيجاد ديمقراطية يشكل مسألة أكثر دقة وتعقيدا من مجرد تكتيك عسكري. وثالثا برزت صعوبات إمكانية إدارة دولة جديدة في أفغانستان حيث يبقى الانتماء القبلي هو «مفتاح السياسة في هذه البلاد». وإذا كانت الإمبراطورية النمساوية قد فشلت في القرن التاسع عشر بإخضاع أفغانستان، ونفس الفشل لاقاه بعدها الإنكليز فإن الأمور قد لا تكون أسهل اليوم بالمقارنة مع مناطق أخرى مثل البلقان،
حيث نجحت الأمم المتحدة إلى حد كبير. ذلك أن البلدان البلقانية «ليست سوى واحات غربية وادعة بالقياس إلى وديان وجبال وهضاب أفغانستان». كما أن مؤلف هذا الكتاب يميل إلى الاعتقاد بناء على مقابلات سابقة كان قد أجراها بأن أسامة بن لادن لا يزال موجوداً في أفغانستان.
وتحت عنوان «باكستان في اللعبة الكبرى» يشير المؤلف إلى أن الجنرال مشرف هو حليف كبير لواشنطن في المنطقة، لاسيما وأنه قرر على خطى كمال أتاتورك أن يضع حدا لتنامي الحركات الإسلامية المتطرفة في بلاده. ولكن حكومته ورغم الإحاطة الشديدة التي تمارسها على الباكستانيين لا تستطيع أن تحقق سوى نجاحات جزئية على هذا الصعيد.
وهكذا دخلت باكستان في «اللعبة الكبرى» الدولية والتي يمثل الطموح الأميركي في السيطرة على الاقتصاد الدولي بواسطة السيطرة على البترول أحد محاورها الرئيسية. «لكنها لعبة معقدة جدا، وما علينا سوى أن ننتظر كي نرى ما ستنتهي إليه»، كما يقول المؤلف.
في الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب يقدم المؤلف رؤيته للعلاقات السورية ـ اللبنانية لاسيما من موقع الصعود القوي للحركات الإسلامية، وخاصة حزب الله في جنوب لبنان «في ظل إيران الخمينية» والذي يبقى، حسب التحليلات المقدمة، بمثابة «ورقة رابحة أساسية بالنسبة لسوريا في المجال السياسي اللبناني».
وينتهي إلى القول: إن الأحداث الأخيرة التي شهدها لبنان قد أدت إلى الخروج السوري من لبنان، لكن الشبيبة اللبنانية يعتريها الإحساس بأن «ثورتها المخملية» لم يتولد عنها سوى رحيل الجيش السوري عن لبنان، ولكن دون خلخلة حقيقية للممارسات ذات الطبيعة الإقطاعية السائدة في الحياة السياسية اللبنانية.
وفي المحصلة النهائية، يؤكد المؤلف على نهاية العنف الإيديولوجي في أوروبا. لكن التحدي الكبير الذي تواجهه في القرن الحادي والعشرين إنما هو في قهر الفوضى المهددة.



47

الصخب والعنف ووليم فولكنر
[/b][/size][/color]


كانت حياة وليم فولكنر لغزاً غامضاً بقدر ما في أعماله الأدبية من ألغاز غامضة. تلك الأعمال التي أثارت موجة من الإعجاب والانتقاد معا. ولعل مرجع ذلك كما يرى البعض أن فولكنر أراد أن يواجه مشكلة الشر القبيح في العالم وتفحصها من كل جوانبها، ولذلك نجد كل الجرائم والرذائل مصورة في كتبه.
يعزز ذلك الرمز في الرواية التي منحته الشهرة وهي رواية «الحرم - Sanctuary » ففيها يغتصب رجل من الشمال فتاة عذراء من أهل الجنوب، ولكنه عنين «وهو هنا يرمز إلى الشلل في نفس الشمال «فيقضي وطره منها باستعمال عرنوس الذرة، ولكن الفتاة بعد ذلك تلتهب شبقا» وهو رمز إلى انهيار القيم في الجنوب». فهو كرجل ينتمي إلى الجنوب المنهزم وظف كل القدرات في التعبير عن الذات.
ولد فولكنر سنة 1897 بالقرب من بلدة أكسفورد في ولاية المسيسبي. وفي الوقت الذي أظهر فيه موهبة فنية بالرسم وموهبة أدبية في الشعر ترك الدراسة بعد أن سئمها ولم يحصل على تعليم عالٍ.
تسكع كثيرا هنا وهناك، وشُوهد حافيا، مفلسا، غير حليق الذقن، يجلس القرفصاء في الشوارع يقرأ ويستمع إلى أحاديث الناس وخاصة الزنوج حيث تحدّث عنهم فيما بعد في معظم أعماله الأدبية التي بلغت أكثر من ثلاثين كتابا، متأثراً بنتائج الحرب الأهلية الأميركية التي أدت إلى إنتصار الشمال على الجنوب وتحرير الزنوج الذين يعتمد اقتصاد الجنوب على سواعدهم خاصة في زراعة القطن. وإعتبرَ ما حلّ بالجنوب مصغراً لما حل بالعالم من فوضى خُلقية وانحلال اجتماعي.
كما تأثر بالحرب العالمية الأولى التي اعتبرها مفتاحا للحرب العالمية الثانية وإساءة للإنسانية حيث عمل خلالها طيارا في سلاح الجو البريطاني وتحطمت طائرته مرتين لكنه نجا، بعد أن فشل في اجتياز الاختبارات اللازمة للالتحاق بسلاح الطيران في بلاده نظراً لقصر قامته وضعف بنيته.
وكان دائما يحس بأزمة ضمير، فعند حصوله على جائزة نوبل في الأدب سنة 1949 قال يوم تسلم الجائزة : في عقيدتي ان الإنسان لن يبقى لمجرد البقاء. بل إنه سيسود.. إنه خالد. لا لكونه وحيدا بين مخلوقات تتمتع بصوت مسموع، ولكن لأنه يملك روحا قادرة على الحنان والتضحية والجَلَدْ.. وواجب الشاعر والكاتب أن يكتب عن هذه الأمور. انقسم حوله الأميركيون وخاصة أبناء الجنوب وشنوا عليه حرباً شعواء وهددوه لزعمهم بمناصرته للزنوج، ووصلت الخلافات إلى التشابك بالأيدي حتى مع أخيه. كما إن الزنوج أنفسهم قادوا التظاهرات ضده بسبب أحاديث لفقت له. فاعتزل الحياة في منزل ريفي متواضع في اكسفورد بولاية المسيسبي، وهو الذي يردد بأنه مزارع بسيط، وليس بأديب، وفي الواقع فإن طريقة حياته تؤيد إدعاءه.
كما بنى عالما خياليا مصورا لولاية أسماها «يوكنابا توفا» وعاصمتها جيفرسون، ولم يدلِ بأحاديث للصحافيين إلا في النزر اليسير وكان يمتنع عن الرد على الهاتف الذي استخدم في تهديده، ميالاً لإطلاق لحيته، كارها إرتداء ربطات العنق، يضع اليافطات لتحذير الفضوليين من دخول مزرعته.
وفي سنة 1929 نجح فولكنر في نشر روايته «الصخب والعنف» بعد أن رفضها الناشرون في البداية والتي ترجمت إلى معظم لغات العالم الحية، علما أنها كانت الكتاب الخامس لفولكنر، استغرق 3 سنوات في كتابته. وفي السنة نفسها تزوج من أرملة لها ولدان وبقي يقطن البيت نفسه القديم الذي نشأ فيه منذ طفولته يكتب في الفترات الصباحية، وينجز الأعمال الأخرى في الأوقات الأخرى. وشخصية فولكنر وحياته تؤكدان أنه لم يكن يهتم بالجاه أو المجد الأدبي ويميل بقوة إلى حياة البساطة ومعاشرة الناس البسطاء.
وفي الرواية فإن آل كمبسن هم أب مخمور معتزل الناس يهوى مطالعة الكتب الكلاسيكية لذا فهو فصيح الكلام، ناقم على تيار الحياة الجديدة محاولا النسيان. وأم أرستقراطية مريضة على الدوام مصرة على الترفع، تاركة شؤون البيت للخدم الزنوج. والأولاد لكل واحد منهم حكاية قائمة بذاتها. ثلاثة إخوة من الذكور مع أختهم كادي أو «كاندس».
الأخ الأول هو كونتن، طالب في جامعة هارفارد، ولأنه مفرط الحساسية، شديد التعلق بالشرف، شديد التعلق بإخته كادي أنهى حياته منتحرا عندما علم أن كادي أقامت علاقات حب مع رجل غريب وضاجعته. ولكي يتستر على ما في ذلك من عار على عائلة كمبسن ادعى أمام أبيه أنه هو الذي ضاجع أخته لعله بذلك يحفظ الأسرة من التفكك، وأغرق نفسه في نهر تشارلز وهو يستذكر ما حدث لأخته. فهو بذلك يمثل الأنا العليا.
الأخت كادي تلد بنتا سفاحا، تسمى بعد انتحار خالها باسمه «كونتن»، يكتشف زوجها أنها حامل من رجل آخر فيطلقها. ثم تغادر البيت نهائيا ومن ثم لتبيت في كل ليلة في حضن رجل غريب، حتى انتهى بها المطاف إلى أن تصبح عشيقة لجنرال ألماني في فرنسا خلال احتلال ألمانيا لفرنسا في الحرب العالمية الثانية. وتبقى كاندي بعيدة عن أهلها غير أنها ترسل النقود شهريا لابنتها كونتن وعلى مدى سنين طويلة.
الأخ جيسن والذي يمثل الأنا الأدنى، نقيض أخيه كونتن، يكره الجميع من حوله وفي مقدمتهم اخته كادي وابنتها، والخادمة الزنجية دلزي، ويقابله الآخرون كرها بكره منذ صباه لشراسته وغطرسته. فهو يمثل قوى التصدع بالأسرة العريقة، وبالتالي في الجنوب المهزوم كله، وكل شيء عنده يندرج تحت مفهوم الربح والخسارة.
فعندما يموت أبوه تحضر مراسيم دفنه أخته كادي متنكرة ولكنه يعرفها ويشاهد كمية الزهور الكثيرة التي تحضرها فيحدث نفسه قائلاً : إنها تساوي خمسين دولاراً. كما اعتاد أن يتحايل على أمه لكي يختلس أموالها مستغلاً ثقتها به. يرفض مقابلة أخته علناً خوفا على صورته الاجتماعية لأنها أصبحت سيئة السمعة، وعندما تتوسل كادي من أجل رؤية ابنتها يساومها مقابل رؤيتها لدقيقة واحدة ويطلب مئة دولار.
ويستولي على الأموال التي تبعثها كادي لابنتها كل شهر مدة سبع عشرة سنة هي ما يوازي عمر ابنتها ويدخرها مع نقوده متهربا من الضرائب حتى جمع مبلغا منى نفسه من خلاله أن يبتز يهود نيويورك جميعا في مدى حصافته المالية. ينعت أخته وابنتها دوما بالعهر، ويرضى أن تكون عشيقته مومساً في ممفيس.أناني، وسادي، وعنيف مع الجميع خاصة مع أخيه المعتوه بنجي.
الأخ الصغير بنجي أو بن، فتى معتوه، يسمع ولا يتكلم، الشيء الذي يتمكن منه هو الصراخ والعويل، فهو يمثل «الهو» في سيكيولوجية فرويد، ومن أهم ما يميزه أن حواسه كالشم والسمع واللمس قوية، شديد التعلق باخته كادي التي يتذكرها عندما يشتم رائحة ورق الشجر في المطر لأنهما متشابهان في الرائحة، مثال للبراءة والبدائية، لا يفقه ما يدور حوله لذا فهو موضع عطف ورعاية الخدم الزنوج كما إنه يركن إلى الزنوج في ظل محيطه، وبعد موت الأب يقوم جيسن بإخصاء بنجي انتقاما لحادثة بعيدة قام بها بنجي بالتحرش بفتاة لم تكلل بالنجاح منفذا العملية التي رفضها أبوه في حياته، أما بعد موت الأم فيقوم بإيداعه مستشفى المجانين.
ثم يأتي دور الابنة كونتن، بعد أن تكبر وتدرك ما يدور حولها، فتكيد لخالها الذي يستولي على نقودها التي تبعثها لها أمها بداية كل شهر، فتتحين الفرصة وتتسلق شجرة الاجاص التي توصلها بغرفة خالها فتأخذ كل النقود التي بلغت سبعة آلاف دولار، وهو مبلغ عوّل عليه جيسن كثيرا، ثم تهرب مع عشيق لها يعمل في سيرك.
غضب جيسن غضباً شديداً وهو يرى دولاراته التي جمعها في مشقة مضنية تسرق على حين غرة، خرج لا يلوي على شيء في بحثه عن كونتن والتي يبدو أنه قاتلها إن وجدها فلما خاب ظنه عاد مغضبا ليجد بنجي مع فروني ابن دلزي الصغير عائدين بالعربة من زيارة قبر أخيه المنتحر حاملا زهرة فيوقف العربة ويصفع الصبي ويلطم بنجي كاسراً ساق الزهرة مفرغاً من شحنة الغضب الذي استحوذت عليه.
ويقوم جيسن ببيع الدار لرجل حوُلها إلى نزل كما قام بتسريح الخدم، منتقما بذلك من دلزي صاحبة الشخصية القوية والشكيمة التي لا تلين المستمدة من جذور آبائها وأجدادها القادمين من أعماق غابات افريقيا، بعد أن رأت دلزي البداية والنهاية، وليردد جيسن في النهاية : حرر إبراهام لينكولن الزنوج من آل كمبسن سنة 1865. وحرر جيسن آل كمبسن من الزنوج سنة 1930


[/font]

48
مؤلف هذا الكتاب هو المفكر الإنجليزي فيليب بلوم المختص بشؤون الفكر الفرنسي والفلسفة السياسية المعاصرة. وفي هذا الكتاب الجديد يقدم المؤلف عرضا وافيا لأكبر مشروع تنويري فرنسي في القرن الثامن عشر: إنه مشروع تأليف موسوعة العلوم، والفنون، والصناعات، والفلسفة الذي أنجزه ديدرو وفريق عمله على مدار ربع قرن تقريبا.
وكان إلى جانب ديدرو مفكر آخر كبير هو دالامبير. هو من أكبر علماء الرياضيات والفلاسفة في عصره. وقد تعاون معهما على كتابة مواد الموسوعة الضخمة عشرات وربما مئات الباحثين والمفكرين في شتى الاختصاصات. ففولتير كتب فيها، وكذلك جان جاك روسو، ومعظم علماء ذلك الزمان. فالموسوعة لا يكتبها شخص واحد.
ومنذ البداية يقول المؤلف ما معناه: إن هذا المشروع الفلسفي الضخم أدى ليس فقط إلى تنوير فرنسا وإنما أيضا أوروبا والعالم كله. فالثورة الفرنسية التي أصبحت منارة لكل الشعوب ما هي إلا ترجمته السياسية على أرض الواقع.
فكيف تبلور هذا المشروع يا ترى؟ على هذا السؤال يجيب المؤلف قائلا: في البداية كان ديدرو وزميله دالامبير يريدان ترجمة الموسوعة الإنجليزية لكي يطلع القارئ الفرنسي على آخر مستجدات المعرفة في عصره.
ومعلوم أن إنجلترا كانت قد سبقت فرنسا إلى النهوض العلمي والصناعي والسياسي. وكانت تمتلك موسوعة «شامبر» المشهورة التي ألفت باللغة الإنجليزية بين عامي 1728 ـ 1742. وكانت تشتمل على مختلف المعارف والعلوم.
ولكن ديدرو بعد تأملات طويلة ومناقشات عميقة استقر رأيه على كتابة موسوعة جديدة لا على ترجمة الموسوعة الإنجليزية حرفيا. وكان يهدف من ورائها إلى استعراض كل مكتسبات الروح البشرية ـ أو الفكر البشري ـ في مجال العلوم والصناعات والحرف على مدار القرون الماضية.
كان يهدف إلى تغيير العقلية الفرنسية عن طريق تشجيع الفكر الجديد ونشر الأنوار الفلسفية في مملكة الاستبداد والظلامية الأصولية. فالفرنسيون في ذلك العصر كانوا جهلة منغلقين على العلم والفلسفة ومحدودي الأفق.
ولذلك فكر هذا الفيلسوف الكبير بتنويرهم وإخراجهم من ظلام الجهل إلى نور العلم. ولكن ذلك لا يمكن أن يتحقق بدون أن يقدم لهم معرفة جديدة غير المعرفة الكنسية السائدة: أي المعرفة التي يتلقونها عن الرهبان والمطارنة. وهي دينية في معظمها ولا تولي أهمية تذكر للعلوم الحديثة.
ثم يردف المؤلف قائلا: وقد انخرط ديدرو مع دالامبير في هذه المغامرة الضخمة لتحقيق هدف نبيل وعظيم. ثم اقتسم العمل مع شريكه منذ البداية. فدالامبير اهتم بالإشراف على المواد الخاصة بالعلم والرياضيات. وأما هو، أي ديدرو، فقد اهتم بمراجعة المواد الخاصة بالفلسفة والدين.
ثم كلف أحد كبار العلماء في ذلك العصر ويدعى «بوفون» بالإشراف على المواد الخاصة بالعلوم الطبيعية من نباتات وحيوانات وتشريح، الخ. وكلف شخصا آخر بالإشراف على المواد الطبية التي ستصدرها الموسوعة، وكلّف آخرين بالإشراف على المواد الاقتصادية، الخ.
هكذا، نلاحظ أنه شكل فريق عمل متكاملا ومطلعا على شتى الاختصاصات لأنه لا يمكن لعالم واحد مهما علا شأنه أن يلمّ بمختلف العلوم. هذا وقد اهتم ديدرو بشرح الآلات والتقدم التكنولوجي الحاصل في عصره. فالعلم النظري لا يكفي وإنما ينبغي أن ترافقه التطبيقات العملية. والواقع أن العلم الذي لا يؤدي إلى تحسين وضع الإنسان المادي لا أهمية له.
لكن من هو جمهور الموسوعة يا ترى؟ نظريا كانت موجهة إلى الشعب. ولكن هل كان الشعب الفرنسي آنذاك يعرف القراءة والكتابة؟ النسبة كانت ضعيفة في الواقع لأن الأمية كانت طاغية وتشمل الفلاحين: أي معظم الشعب.
وبالتالي فالموسوعة كانت موجهة عمليا إلى النخبة التي تحسن القراءة والكتابة وتحب إشباع فضولها المعرفي وتملك النقود الكافية لشراء الكتب. كل هذه المعطيات ينبغي أن نأخذها بعين الاعتبار إذا ما أردنا أن نفهم الجو العام الذي كان سائدا آنذاك.
هذا وقد أوضح ديدرو مقاصده منذ البداية عن طريق افتتاحية العدد الأول قائلا: إن هدفنا من هذه الموسوعة هو جمع كل المعارف التي حققتها البشرية في مختلف العلوم طيلة العصور السابقة.
كما ونهدف إلى نقد التعصب الديني الأعمى وكذلك التعصب السياسي أو بالأحرى الاستبداد السياسي، هذا بالإضافة إلى مدح الروح النقدية للعقل وحرية الفكر. ففرنسا بحاجة إلى أن تتنفس بحرية، إلى أن تتقن الروح النقدية الإبداعية.
هكذا نلاحظ أن هدف المشروع هو محاربة الكنيسة المسيحية المهيمنة على العقول منذ قرون عديدة، وهذه الهيمنة هي التي تؤدي إلى انتشار التعصب والعقلية الظلامية في أوساط المجتمع وبخاصة في الأوساط الشعبية.
وكان ديدرو يهدف إلى تفحُّص كل العقائد بدون أي مجاملة أو مراعاة. فكل شيء ينبغي أن يخضع لسلاح النقد ومنظار العقل بما فيه الدين المسيحي نفسه. ولهذا السبب اصطدم الفيلسوف برجال الدين وحاولوا عرقلة مشروعه بل وأوقفوه أكثر من مرة قبل أن يعود إلى مواصلة العمل من جديد.
وبالتالي فحول الموسوعة الشهيرة دارت المعارك الفكرية والحروب بين شقي فرنسا: الشق الفلسفي العلماني الصاعد، والشق المسيحي اللاهوتي المهيمن تاريخيا. وهكذا اشتبك الأصوليون المسيحيون مع الفلاسفة العلمانيين بكل ضراوة وشراسة.ثم يردف المؤلف قائلاً: هذا وقد صدر الجزء الأول من الموسوعة عام 1751: أي في منتصف القرن الثامن عشر بالضبط.
وأرسلت نسخة إلى المشتركين الذين ينتمون إلى الطبقات العليا من المجتمع: ككبار الأرستقراطيين، وعلماء الكنيسة المستنيرين والبرلمانيين وسواهم ممن يحب المطالعة والقراءة. وكان عدد النسخ المطبوعة منه ألفين (2000).
وفي مقالة بعنوان: السلطة السياسية أو بالأحرى المشروعية السياسية، راح ديدرو يهاجم أكبر شخصية مسيحية في فرنسا: بوسويه. ومعلوم أنه عاش في القرن السابع عشر وكان مضادا للفلسفة الديكارتية وكل العلم الحديث بشكل عام. ومعلوم أيضا أنه كان مربيا لولي العهد.
لقد هاجمه ديدرو لأنه كان يمثل قلعة الفكر الرجعي الفرنسي ولأنه كان يقول بأن ملوك فرنسا يتمتعون بحق إلهي وبالتالي فمشروعيتهم ليست آتية من الشعب وإنما نازلة عليهم من السماء.
وبالطبع فإن هجوم ديدرو على هذه الشخصية الضخمة أثار حفيظة الأصوليين المسيحيين ورجال البلاط الملكي. ولكن ديدرو تلقى دعماً كبيراً من قبل شخصيات أرستقراطية مستنيرة ورفيعة «كما لزريب» وزير الثقافة في ذلك الزمان، وكمونتسكيو، وفولتير، وسواهم.
هذا وقد شهدت الموسوعة نجاحا أوروبيا وليس فقط فرنسيا. فقد تم توزيعها في سويسرا، وإيطاليا، وإنجلترا، وروسيا. ولكن صدور الجزء الثاني من الموسوعة أثار فضيحة كبيرة في أوساط الأصوليين ورجال البلاط الملكي.
فتمت مصادرته فورا وأصبح ديدرو مهددا بالخطر. فراح يتوارى عن الأنظار لكيلا يبطشوا به. وعندئذ اقترح عليه فولتير أن ينقل المشروع إلى برلين عند المستبد المستنير فريديريك الكبير. ولكنه رفض بسبب ظروفه العائلية وأشياء أخرى.

 

49

كتاب : العالم هام 2020  هو عبارة عن تقرير أعدّه خمسة وعشرون خبيراً دولياً، بالاعتماد على مجموعة من المعطيات السرية حتى الآن من أجل تقديم صورة لما سيكون عليه العالم الذي نعيش فيه عام 2020.
كتب مقدمة هذا التقرير المفكر الاستراتيجي الفرنسي ألكسندر أدلر كي، يشرح بحوالي خمسين صفحة ما اختار له كعنوان: «نحو عولمة أكثر تعاسة». والكسندر أدلر هو مؤلف ما يزيد على عشرين كتاباً، كان آخرها «موعد مع الإسلام»، ومن كتبه السابقة «الأوديسة الأميركية» الذي قدمه بيان الكتب في أحد أعداده.
التقرير والمقدمة يحاولان الإجابة عن عدد من الأسئلة التي تشغل العالم اليوم مثل: هل ستتسع دائرة الإرهاب؟ هل سيشهد العالم انهيار الهيمنة الأميركية؟ وهل سيتحول مركز الثقل الدولي إلى آسيا؟. إن المساهمين في هذا التقرير يقومون بالاعتماد على المعطيات المتوفرة لديهم.
وعلى رؤيتهم الشخصية مجموعة من السيناريوهات الخيالية والافتراضات «الجدية» كما يقولون، لما ستؤول إليه الأمور مثل رسالة من حفيد أسامة بن لادن موجهة إلى أسرته لإعلان انتصار مشروع خلافة جديدة أو مثل حدوث حوار بواسطة الرسائل الالكترونية القصيرة بين تجار الأسلحة النووية والكيميائية.
ما يؤكده الكسندر أدلر في بداية مقدمته هو أنه لا ينبغي تصديق ما يقوله البعض من أمثال المخرج السينمائي الأميركي «مايكل مور» عندما يقدمون الطبقة السياسية الأميركية الحالمة اليوم في الولايات المتحدة على أنها مؤلفة من مجموعة من الأميين العاجزين عن فهم تعقيد العالم وأنهم أسرى لأحكامهم التاريخية المسبقة منذ الحرب الانفصالية الأميركية بين الشمال والجنوب في القرن التاسع عشر وحتى الحرب الباردة.
إنه يؤكد بالمقابل بأن أميركا لم تتوقف أبداً عن التأمل والتفكير في العالم من منظور مستقبلي والعمل من أجل بناء هذا المستقبل والسيطرة عليه وتحقيق ما يتطلع إليه مجتمع أميركي لا يزال في عز شبابه هكذا كانت أميركا في عام 1820 قد رسمت ما سيكون عليه العالم عام 1900 .
وقد كانت الصورة التي رسمتها فيها الكثير من الدقة وكانت الولايات المتحدة تمتلك من القوة، كما كانت قد تصوّرت ما يمكنها من منع القوى الخارجية من التدخل في شؤون القارة الجديدة.
كذلك صاغت أميركا خلال تاريخها الكثير من «السيناريوهات» و«السيناريوهات» البديلة وهذا التقرير المعد من قبل مجموعة من الخبراء لحساب أعلى هيئة أميركية قومية للتفكير حول المستقبل ينضوي ضمن هذا السياق مع ما يمكن أن تتضمنه هذه القراءة المستقبلية، كما يرى أدلر من اختزال الواقع إلى «بعد كاريكاتوري» لإدخاله ضمن إطار المخطط المعد سلفاً بخطوطه العريضة.
وبالتالي استبعاد بعض الاعتراضات الجلية. بناء على هذا يرى الكسندر أدلر بأن أربع «صور» مستقبلية يرسمها تقرير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية يتم فيها دفع بعض المعطيات إلى صيغ غير منطقية من أجل إدراجها في إطارات معدة مسبقاً يراد لها أن تكون على أقرب ما يكون من الواقع..
وهذا يبدو مثلاً فيما يخص الاستراتيجيات المتعلقة بمخططات إدارة جورج دبليو بوش بـ «السلام الأميركي» في العالم وبـ «العالم حسب رؤية دافوس» كما صاغتها إدارة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون و«الخلافة الجديدة».
كما ينظر فيها معدو التقرير بالنسبة لتطور الحركة الإسلامية المتطرفة ممثلة بالقاعدة.. و«دائرة الخوف» فيما يخص أحادية القطبية الدولية أو تعدد الأقطاب حسب الأطروحات الفرنسية المعروفة.
وتبدو روسيا في التقرير ضعيفة جداً في أفق الخمس عشرة سنة المقبلة ولكنها ذات ميول «قتالية» بحيث أنها لن تستطيع إقامة كيان حدودي يتمتع بالاستقرار كما يتوقع بأن عزلة موسكو سوف تتزايد أكثر بفعل تضاؤل قوتها العسكرية وعواقب الحروب الانفصالية التي شهدتها يوغسلافيا السابقة بين الكرواتيين الكاثوليك) والصربيين (الأرثوذكس) والبوسنيين (المسلمين).
ومن جهة أخرى، وربما خاصة، سيزداد ضعف روسيا بسبب كون أن القوتين المجاورتين الصاعدتين، أي بولندا (الكاثوليكية وتركيا المسلمة) والتي لابد منهما بالنسبة لعودة موسكو بقوة إلى المسرح الدولي إنما قد أصبحتا، وستظلان، البلدين الإقليميين الأكثر وثوقاً بين حلفاء الولايات المتحدة الأميركية.
أما بالنسبة للصين التي برزت بقوة على المسرح الدولي بفضل نجاح استراتيجيتها بتحقيق معدل نمو اقتصادي مرتفع التي عمل من أجلها دينغ هسياو بينغ لتكون بمثابة «معادل» لتناقضات الصين الشيوعية التقليدية، فإنها تأمل بأن تزيد حصتها كثيراً في السوق الأميركي والأسواق العالمية الأخرى مما سيؤدي إلى عودة نوع من الحرب الباردة تكون الصين إحدى رحاها الأساسية.
ويرى التقرير بأن الصين بدافع رغبتها بأن تصبح «قوة كبرى» على المسرح الدولي سوف تحاول زيادة نفوذها الاقتصادي لدى البلدان المجاورة لها خاصة مع محاولتها بالوقت نفسه تعزيز جيشها.
وترجمة هذا على أرض الواقع هو أن بلدان شرق آسيا قد أدركت منذ الآن بأن عليها أن تتأقلم مع وجود صين أكثر قوة وبالتالي سوف تعمل مستقبلاً من أجل نسج علاقات وثيقة أكثر مع بكين، بل سوف تميل إلى تقديم دعمها لها حول بعض أولوياتها خاصة.
فيما يتعلق بالمسألة الحساسة التي قد تكون موضع نزاع صيني ـ أميركي، أي «تايوان» ويرى التقرير بأن هذه البلاد أي «تايوان» أو الصين الوطنية كما كان معروفاً عنها وبلدان أخرى في جنوب شرق آسيا مثل اليابان قد تطلب العون من الولايات المتحدة من أجل إيجاد «وزن مقابل» لنفوذ الصين المتعاظم.
لذلك من المتوقع أن يلجأ النظام الصيني إلى تحديث ترسانته من الأسلحة وخاصة في مجال الغواصات والصواريخ عابرة القارات أما النفقات الدفاعية الصينية فإنها سوف تتجاوز نفقات بلدان مثل روسيا والقوى الأخرى كي تحتل المرتبة الثانية في هذا الميدان بعد الولايات المتحدة.
بالمقابل قد يؤدي عجز النظام الصيني عن تلبية احتياجات مواطنيه على صعيد إيجاد فرص العمل إلى نشوب بعض الاضطرابات السياسية ثم إن الصين سوف تواجه انطلاقاً من عام 2020 نوعاً من «الشيخوخة» السريعة لسكانها فإنها قد تواجه صعوبات خطيرة بسبب انعدام التوازن الخطير في هذا الميدان الديموغرافي بالمقابل إذا عرف الاقتصاد الصيني بعض التباطؤ فإن أمن المنطقة كلها سوف يعاني من الضعف مما سيزيد بشكل آلي من آفاق عدم الاستقرار السياسي مع ما يترتب عليه من تفاقم مظاهر الجريمة المنظمة بكل أشكالها بالإضافة إلى الهجرات غير المشروعة.
ويرى واضعو التقرير في هذا الإطار أن ازدهار الهند سوف يكون أيضاً مصدر تعقيدات استراتيجية في المنطقة. ذلك ان الهند، مثل الصين، هي أحد أقطاب الجذب المغناطيسي الاقتصادي على المستوى الإقليمي. ثم ان صعودها سوف لن يكون له آثاره في آسيا فقط وإنما أيضاً على صعيد الشمال في آسيا الوسطى وايران وبلدان منطقة الشرق الأوسط.
ويرى التقرير ان مناطق الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية وإفريقيا سوف تشهد استمرار وجود قوى مهمة لعدم الاستقرار. لكن بالمقابل يتوقع واضعو التقرير أن الحريات والتعددية السياسية سوف تحرز تقدماً، ولو بواسطة الدم، انطلاقا من الجزائر المأزومة. ثم ان تراجع السوق النفطي سوف يخفض من الصرامة الايديولوجية للبلدان المعنية. هذا مع الإشارة إلى أن التوترات الاجتماعية سوف تخف في بلدان مثل السعودية والعراق.
وبشكل عام يرى التقرير أنه منذ قيام الحلف الأطلسي عام 1949 لم تعرف التحالفات الدولية مثل هذه الحالة من التذبذب الذي تعيشه اليوم؟ وحيث برزت منطقة الشرق الأوسط « في حالة غليان» وبكل الحالات يرى واضعو التقرير أن دور الولايات المتحدة يشكل عاملاً مهما في إعادة صياغة عالم المستقبل. انه في الواقع. ذلك انه سوف يشكل اختيار السبيل الذي سوف تقرر مجمل القوى الفاعلة من دول أو خارج إطار الدول سلوكه.
وفي طليعة القوى الصاعدة يضع التقرير أولاً الصين والهند، وذلك على غرار ما عزمته ألمانيا خلال القرن التاسع عشر والولايات المتحدة في القرن العشرين.. مما سيؤدي إلى تغير كبير في الخارطة الجيوسياسية للعالم.
يقول التقرير بالحرف: «بنفس الطريقة التي يذكر فيها المعلقون بأن المئة عام المنصرمة كانت بمثابة القرن الأميركي، فإن القرن الحادي والعشرين ربما سيتم اعتباره بمثابة الفترة التي ستدخل فيه آسيا بقيادة الهند والصين إلى قرنها الحادي والعشرين».
ويشير التقرير إلى ان إجمالي الإنتاج الداخلي للصين سوف يتجاوز إجمالي الإنتاج الداخلي للقوى الاقتصادية القريبة باستثناء الولايات المتحدة. أما إجمالي الإنتاج الداخلي للهند فقد تجاوز، وهو بصدد أن يتجاوز، إجمالي الاقتصادات الأوروبية. لكن بسبب الوزن الديموغرافي للصين والهند.
حيث سيصل عدد سكان الأولى الى 4,1 مليار نسمة والثانية إلى 3,1 مليار عام 2020، فإن مستوى معيشة الفرد سيبقى منخفضاً نسبياً بالقياس إلى البلدان الغربية المتقدمة. وضمن السياق نفسه تتم الإشارة إلى أن اقتصاد بعض البلدان النامية مثل البرازيل سوف يتجاوز اقتصاد مجمل البلدان الأوروبية تقريباً في عام 2020.
ولكن هذا لا يمنع واقع ان أوروبا الموسعة والموحّدة سوف تكون قادرة، حسب التقرير، على أن تزيد من وزنها على المسرح الدولي. أما اليابان فإنها تعاني من أزمة شيخوخة سكانها مما يجعل آفاق نموها الاقتصادي ملبدّة إلى هذه الدرجة أو تلك.
وهكذا «قد يكون على اليابان أن تختار بين إرادتها في ان تكون وزناً مقابلاً للصين وبين إغراء أن تصعد في القطار الذي يتقدم: «وضمن هذا السياق أيضاً تتم الإشارة إلى أن الأزمة مع كوريا الشمالية قد تجد حلاً خلال الخمس عشرة سنة المقبلة.
ومن الملفت للانتباه أنه عند الحديث عن روسيا يتم ذكر التحدي الديموغرافي الذي تواجهه، والناتج عن النسبة الضئيلة في عدد الولادات وأيضا في انتشار وباء «الايدز» الذي قد يأخذ أبعاداً «متفجرة».
وبالنسبة للتحديات الجديدة التي سوف تواجهها الحكومات يرى التقرير أن الدولة ـ الأمة سوف تبقى بمثابة الخلية السائدة في النظام العالمي.مع ذلك سوف تؤدي العولمة الاقتصادية وتقدم التكنولوجيات، خاصة في ميدان المعلومات، إلى إخضاع الحكومات لضغوط كبيرة.
ويتم التأكيد أن «الإسلام السياسي» سوف يكون له «بحوالي عام 2020 تأثيرا عالمياً مهماً بحيث سيلتف حوله عناصر من قوميات متعددة ومجموعات اثنية وربما انه سوف يقيم نوعا من السلطة التي تتجاوز الحدود القومية والوطنية».
كما يشير واضعو التقرير ليضيفوا أن التأثير الإسلامي السياسي سوف يتزايد لدى المهاجرين المسلمين في البلدان الغربية. وفي الاندفاع نفسه يتم التأكيد أن ديمقراطيات جديدة هشة سوف تقوم لكنها قد تفتقر إلى قدرات التأقلم الضرورية من أجل البقاء والتطور.
ويقول التشخيص المقدّم إن «وجود حكومات ضعيفة واقتصادات متخلفة وهّبة الشباب والتطرف الديني سوف تتضافر لكنها من اجل خلق دينامية للعاصفة وتشكيل مصدر نزاعات قريبة قادمة في بعض المناطق».
لكن احتمال وقوع حرب شاملة خلال الخمس عشرة سنة المقبلة لم يكن أضعف مما هو بالقياس مع القرن العشرين. إنما تبقى هناك مصادر قلق كبيرة حيال إمكانية استخدام الأسلحة الكيماوية والبيولوجية وبدرجة أقل، ومقذوف نووي مما سيترتب عليه أعداد كبيرة من الضحايا. أفكار وتأملات عمّا سيكون عليه العالم في أفق عام 2020.



50
ريمون آرون هو أحد المفكرين الفرنسيين في القرن العشرين، إلى جانب جان بول سارتر ولكن من منظورين مختلفين، فآرون كان منظر الليبرالية بامتياز بينما كان سارتر فيلسوف اليسار بامتياز أيضا. كان الاثنان قد مرا بمدرسة المعلمين العليا في باريس حيث عُرفا ب«الأخوين العدوين» أو «الصديقين اللدودين».

قدم ريمون آرون عدداً من الأعمال التي أصبحت مراجع في ميدانها. ومن أشهر كتبه «السلام والحرب بين الأمم» و«مراحل الفكر السوسيولوجي» و«المشاهد الملتزم».

«التأمل بالحرية، التأمل بالديمقراطية» هو عمل يضم مجموعة من الإصدارات والدراسات المتفرقة وهي «ثورة مناهضة للبروليتاريا. إيديولوجية النزعة القومية ـ الاشتراكية وواقعها» و«الدول الديمقراطية والدول الشمولية» (التوتاليتارية)، و«الإنسان ضد الطغاة»، و«ثورة مضاهية للشمولية: هنغاريا 1956»، و«المأساة الجزائرية»، و«الثورة الضائعة»، و«ثمانية عشر درسا حول المجتمع الصناعي»، و«الديمقراطية والتوتاليتارية»، و«نزع أوهام التقدم. دراسة حول ديالكتيك الحداثة»، و«فجر التاريخ الكوني»...

وكان ريمون آرون قد تحدث في هذا العمل الأخير «فجر التاريخ الكوني» عما يشابه «نهاية التاريخ» التي قال بها المفكر الأميركي ذو الأصل الياباني فرنسيس فوكوياما على أساس الانتصار النهائي للرأسمالية على الاشتراكي، ويقول آرون قبل عقود عدة: «لم يكن لدى البشر أبدا من الدوافع بقدر ما لديهم اليوم كي لا يقتتلوا فيما بينهم.

ولم يكن لديهم أبدا القدر نفسه من الدوافع كي يحسوا أنهم شركاء في المشروع نفسه. لكنني لا أستنتج من هذا أن عصر التاريخ الكوني سيكون سلميا. إننا نعرف أن الإنسان هو كائن عاقل لكن البشر هل هم عاقلون أيضا؟».

وفي المقدمة التي يكتبها الباحث نيكولا بافوريز لهذا الإصدار الجديد لأعمال ريمون آرون، يرى في هذا المفكر الكبير تجسيدا للمفكر الملتزم والأخلاقي إذ يكتب: «إرث آرون هو حالة ذهنية وأخلاق فكرية والتزام مواطن. الحالة الذهنية تكمن في إرادة الفهم قبل إصدار الأحكام وذلك عبر التأمل في العالم كما هو وليس كما تريده الأحلام. والأخلاق الفكرية تمر عبر احترام الوقائع وعدم التحيز في النقاشات. وعبر المزج بين المعرفة والنضال من أجل الحرية يصبح البشر جديرين بها وتجعل منهم مواطنين يملكون عقلا نقدياً ومسؤولاً».

إن ريمون آرون، كما يتم تقديمه في هذا الكتاب، يمثل «رهان الحرية والعقل في مواجهة التوتاليتارية والعنف». وإذا كان قد ردد بأشكال وصيغ ومواقف متعددة ومختلفة مناهضته للحرب، فإنه «اجتاز» القرن العشرين الذي شهد حربين كونيتين.

لقد كان هذا القرن هو زمن «الحروب الكبرى التي قامت باسم الإيديولوجيات» وجرى فيها استخدام تكنولوجيات المجتمع الصناعي، ولم تكن بعيدة عن بروز الفاشية والنازية في إطار الحضارة الليبرالية. وإذا كان آرون قد نظر لليبرالية ودافع عنها وعن قيمها فإنه بالمقابل حذر من انحرافات المجتمعات الصناعية، لاسيما فيما يتعلق بمسألة الحرية التي دافعت عنها أوروبا اعتبارا من القرن الثامن عشر.

ريمون آرون من مواليد عام 1905، أي العام الذي شهد فصل الدولة عن الكنيسة رسميا في فرنسا، وتوفي عام 1983 وهكذا واجه إذن مثل جميع أبناء جيله دورة الحروب الكبرى والمعارك الإيديولوجية والتبدلات التي شهدها العالم وتغيرات الخارطة الأوروبية، خاصة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

وقد حاول آرون أن يفهم التاريخ الإنساني على ضوء ما تسمح به معرفة «جميع قطاعات المجتمع الحديث من اقتصاد وعلاقات اجتماعية وعلاقات طبقية وأنظمة سياسية وعلاقات بين الأمم ونقاشات إيديولوجية» كما يعبر آرون نفسه.

ويؤكد آرون في جميع كتاباته عن فكرة الالتزام بالحرية في مواجهة كل أشكال الدكتاتوريات، والإصرار على ترجيح العقل في مواجهة الفوضى والعنف، وهذا ما يعبر عنه بالقول: «لقد اخترت قبل خمس وثلاثين سنة المجتمع الذي يسود فيه الحوار. وينبغي لهذا الحوار أن يكون عقلانيا إلى أقصى درجة ممكنة (...). إن مجتمعات الحوار هي رهان بالنسبة للإنسانية. النظام الآخر يقوم على عدم الثقة بالمحكومين، وزعم أقلية من المتنفذين أنهم يمتلكون الإرادة النهائية بالنسبة لهم وبالنسبة للمستقبل أيضا».

ومن خلال النظر في تسلسل دراسات ريمون آرون التي يحتويها هذا الكتاب بصفحاته التي تزيد على 1800 صفحة يبدو أن «المعركة» الفكرية التي خاضها قد اتخذت أشكالا عديدة. إذ كانت ذات طابع فكري نظري بحت خاصة مع نشر كتابه: «مدخل إلى فلسفة التاريخ» حيث أعلن عداءه السافر للفلسفة الوضعية.

ثم أخذت تلك المعركة شكلا ايديولوجياً خلال سنوات الحرب العالمية الثانية على أساس التهديد الكبير، الذي واجهته الديمقراطية مع تنامي قوة النظام النازي واستمر هذا التهديد بعد نهاية الحرب بصيغته الستالينية وتوترات فترة الحرب الباردة.

وكان ريمون آرون قد أولى اهتماما خاصا لدراسة المجتمعات الصناعية باثنين من أهم تعبيراتها، أي في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وقد درس هذه المجتمعات من خلال التوترات التي تجتاحها من داخلها ولكن أيضا من خلال التحديات الخارجية التي تواجهها وتمثلت في الاتحاد السوفييتي (سابقا) وفي مشاكل التنمية في العالم الثالث وذلك على أساس المهمة «الكونية» المطلوبة لأية تنمية.

يقول آرون في دراسته التي تحمل عنوان «تاريخ التقدم»، ما يلي: «ليست غاية الاقتصاد هي إنتاج الحد الأقصى من السلع وإنما حل مشكلة الفقر الأساسية في العالم وتأمين شرط إنساني لأكبر عدد ممكن من الأفراد».

ومن خلال تنوع المشارب والاهتمامات التي تعرض لها ريمون آرون والواقعة «على الحدود» بين فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع والعلاقات الدولية والاقتصاد يصيغ مفهوما سياسيا وليبراليا للديمقراطية، وهو مفهوم يمزج بين المسار العلمي والالتزام في النضال ضد التوتاليتارية وبين الحرص على الموضوعية والتعبير عن وجهة نظر المواطن.

وقد شكل موضوع أوروبا في هذا الإطار أحد اهتمامات ريمون آرون وذلك من خلال قلقه حيال «انتقالها من مصاف حضارة كونية إلى جعلها موضوعا للتنافس بين القوى العظمى في ظل الحرب الباردة» كذلك يرى أن أوروبا التي كانت قد اخترعت الحضارة الليبرالية الحديثة وارتقت إلى مرتبة حضارة كونية فريدة في عصرها خلال القرن التاسع عشر، ولدت فيما بعد حربين كونيتين أيضا، كما ولدت أنظمة استبدادية دمرت قوتها وفككت وحدتها، بل ومست هويتها نفسها من حددها ب«الخروج من التاريخ».

إن التاريخ بالنسبة لريمون آرون متحرك باستمرار بواسطة عاملين أساسيين هما العمل الإنساني والضرورة وما نجم عنهما من تكدس للثروات والمعارف، ولكن أيضا ما نجم عنهما من نزعات استعمارية جسدتها الأمم الأوروبية القوية في عمليات احتلال لعدد من مناطق العالم في أفق بناء إمبراطوريات استعمارية. وهكذا تصرفت أوروبا على عكس مبدأ الحرية الذي يعتبره آرون أساس حضارتها. يقول آرون «الحرية هي جوهر الثقافة الغربية وأساس نجاحها وسر انتشارها ونفوذها».

وعلى قاعدة الموقف من الحرية لم يتردد ريمون آرون في تأييد حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره. وهذا ما عبر عنه في عمله الشهير «المأساة الجزائرية». وكان قد اتخذ في البداية موقفا يطالب بأن يترافق «الجهد العسكري» الفرنسي ببرنامج إصلاحات تؤدي في نهاية الأمر إلى قيام دولة جزائرية. وهذا ما أثار غضب العديد من رجال السياسة الذين كانوا يصرون على بقاء «الجزائر فرنسية».

ويلخص ريمون آرون موقفه من حرب الجزائر بكلمة للفيلسوف والمفكر الفرنسي الكبير «مونتسكيو» صاحب كتاب «روح الشرائع» جاء فيها: «ينبغي على المرء أن يتمسك بالحقيقة في مواقفه حيال الوطن. إن واجب كل مواطن التمسك بالحقيقة حتى في مواقفه حيال الوطن. إن واجب كل مواطن هو الموت من أجل وطنه. لكن ليس هناك أي شخص مرغم على الكذب من أجل هذا الوطن».

واعتبر ريمون آرون في حينه بأن الفرنسيين، وبعد استقلال المغرب وتونس، ثم اندلاع حرب التحرير الجزائرية، كانوا يحسون بالمرارة، وعلى رأسهم أنصار معسكر اليسار، حيال «خسارة شمال إفريقيا»، بل وإحساس ب«الهزيمة». وفي مواجهة مثل هذا الوضع تساءل آرون: «ألا ينبغي علينا أن نتحلى بالجسارة التي تجعلنا نفضل أفكارنا على مصالحنا وأن نضحي بالقوة من أجل احترام مبادئنا؟»

لكن بكل الأحوال أشار آرون، في معرض المقارنة بين أوضاع المغرب وتونس وحصولهما على الاستقلال وبين أوضاع الجزائر أثناء حرب التحرير، إلى أنه لم يكن في الجزائر حزب سياسي مثل «الدستور الجديد» في تونس وحزب «الاستقلال في المغرب.

لكن حرب التحرير الجزائرية فرضت واقعا جديدا بحيث «غدا على الصعيد الاقتصادي والمالي من الأفضل موافقة البرلمان ـ الفرنسي ـ على تكريس مبلغ ثلاثمئة مليار فرنك فرنسي من أجل ترحيل فرنسيي الجزائر وإعادتهم إلى فرنسا،

على اعتبار أن هذا الحل كان أقل كلفة من استطالة الحرب، وحتى لو كان الانتصار هو ما ستؤول إليه» كما قال آرون في عام 1956 ثم أضاف في موقع آخر: «لا يمكن لفرنسا أن تقاتل كي تدفع إلى ما لا نهاية استقلال الجزائر».

وكان آرون قد اعتبر «العامل الديمغرافي» حاسما في تحديد مآل المواجهة. وكان ريمون آرون قد كرس دراسة كاملة لما أسماه ب«الثورة الهنغارية»، أي لتلك الانتفاضة التي شهدتها بودابست عام 1956 وجرى سحقها بالدبابات السوفييتية. وكانت، كما رآها آرون، انتفاضة وطنية عفوية قادها طلبة وعمال ومثقفون وكان من بينهم شيوعيون، أو شيوعيون سابقون.

ومن الدرس الهنغاري يخرج ريمون بالقول «إن الغرب لا يستطيع ولا يريد التدخل - في بلدان أوروبا الوسطى والشرقية الشيوعية آنذاك ـ ذلك أن الاتحاد السوفييتي يمتلك الإمكانيات والتصميم الضروري من أجل سحق الثورات. إن المنظور الوحيد هو قبول الممارسة الشيوعية في روسيا وفي البلدان التي تدور في فلكها.

إننا لا نعرف مدى هامش المتغيرات التي تحتوي عليها هذه الممارسة. ولكن نعرف بأن النظام السوفييتي ليس أكثر مقاومة من غيره أمام تأثيرات التنمية الاقتصادية وأمام انفعالات البشر وأحلامهم وأمام المؤثرات القادمة من الخارج وخاصة من الغرب. وأكثر من ذلك، إن هذا النظام مصاب بتصدع داخلي لم تكن الأنظمة الاستبدادية الشرعية تعرفه، إنه مدان بسبب الإيديولوجية التي يقول بها». هذا ما رآه ريمون منذ عام 1957.



51

الرقابة..موسوعة عالمية :

عبارة عن موسوعة كاملة مؤلفة من اربعة اجزاء وقد شارك في تأليفها العديد من الباحثين والاكاديميين ..و تتحدث عن مسألة خطيرة طالما شغلت الباحثين: الا وهي مسألة الرقابة على الفكر او قمع الحرية الفكرية. ويبتديء الكتاب بالاستشهاد بتلك المقولة الليبرالية المنسوبة الى فولتير: «قد اختلف معك في الرأي، ولكني مستعد لان ادافع حتى الموت عن حقك في ان تقول رأيك». في الواقع ان فولتير لم يقل ذلك حرفيا كما تقول الاسطورة ومعلوم انهم نسبوا العبارة الشهيرة اليه بعد صدور كتاب لفيلسوف يختلف معه في الرأي هو هيلفيتيوس والكتاب المذكور مادي بحت على الرغم من انه يتحدث عن الروح ومعلوم ايضا ان هذا الكتاب منع فور صدوره من قبل الرقابة باعتبار انه مضاد للعقيدة المسيحية. كل ما قاله فولتير عنه في كتابه «القاموس الفلسفي» هو التالي: «لم اوافق اطلاقا على اخطاء كتابه ولا على الحقائق التافهة التي يحتويها ولكني وقفت الى جانبه بكل اصرار لان بعض الناس التافهين ادانوه بسبب هذه الحقائق بالذات وحاولوا منع كتابه» مهما يكن من امر فان الرقابة شغلت المفكرين والناشرين في اوروبا طيلة اكثر من قرنين قبل ان تلغى في اوروبا وتصبح حرية الفكر والتعبير مضمونة ولكن هناك موضوعات لاتزال تخضع للرقابة حتى في الدول الاوروبية المتقدمة، فكل موضوع يحض على الكرة العنصري الموجه ضد فئة معينة من الناس ممنوع ويعاقب عليه القانون وبالتالي فللحرية الفكرية حدود حتى في بلدان ليبرالية جدا كالبلدان الاوروبية او الاميركية. يقول الناشر ديريك جونز المشرف العام على المشروع: هذه الموسوعة ليست حملة دعائية ضد الرقابة.. فالامر مفروغ منه نحن ضد الرقابة والحجر على الفكر فالباحثون الذين يؤلفون موسوعة كاملة عن الرقابة لايمكن ان يكونوا من انصارها فالواقع ان انصارها كانوا موجودين في صفوف الكنيسة الكاثوليكية ايام محاكم التفتيش ومعلوم ان الكنيسة تنظم لائحة طويلة مسجل عليها اسماء كل الكتب الممنوعة او التي ينبغي ان تمنع ككتب ديكارت وغاليليو وعشرات الفلاسفة الآخرين وبخاصة فلاسفة التنوير كما ان الرقابة كانت ممارسة في العهد الشيوعي الستاليني حيث يفرض الرأي الواحد او الحزب الواحد على الجميع ومن يختلف مع خط الحزب الثوري يعتبر منشقا او حتى مريضا نفسانيا تنبغي معالجته في المصحات العقلية ولكن لحسن الحظ فان هذا العهد قد ولى. ولكن الرقابة قد تؤدي الى عكس النتيجة المتوخاة منها فقد تثير ضجة كبيرة حول الكتاب الممنوع الى درجة أن الناس يبحثون بكل الوسائل عن شرائه! وهناك امثلة كثيرة في التاريخ على كتب منعت ثم ارتفعت مبيعاتها الى ارقام قياسية فكل ممنوع مرغوب كما يقول المثل ويقال بان الكاتب الانكليزي مارك توني عندما سمع بمنع احدى رواياته صرخ قائلا: سوف يزداد مبيع الكتاب بمقدار 25 ألف نسخة! هذا مؤكد. والشيء الطريف والممتع في هذه الموسوعة هو انك تجد معلومات دقيقة عن الرقابة على الكتب ليس فقط في الغرب وانما في بلدان اخرى كالصين، او روسيا، او بلدان اخرى وهكذا نأخذ فكرة مقارنة عن كيفية ممارسة الرقابة في الحضارات المختلفة ويمكننا عندئذ ان نطرح اسئلة من هذا النوع: هل يمارس الصينيون مثلا الرقابة على الكتب والمطبوعات مثل الاوروبيين؟ وهل يفعلون ذلك لنفس الأسباب؟ ولكن الموسوعة تهتم بدراسة موضوع الرقابة من خلال التاريخ البريطاني والاميركي قبل اي شيء آخر بعدئذ يجييء الاهتمام بالتاريخ الاوروبي في المرتبة الثانية من حيث الاهمية وهذا توجه معروف لدى الانغلو ـ ساكسون فهم يهتمون بانفسهم وحضارتهم ولغتهم اولا وبعدئذ يجييء الآخرون.
وتكشف لنا الموسوعة عن الحقيقة التالية: وهي ان الرقابة في جميع الحضارات والثقافات تمارس لاسباب عقائدية وسياسية اولا والدليل على ذلك ان السلالات الصينية الحاكمة كانت تمنع المس بالعقيدة الكونفوشيوسية المقدسة لان ذلك يعني التشكيك بشرعية الامبراطور! وقل الامر ذاته عن التاريخ الاوروبي فأي نقد للعقائد الكاثوليكية كان يفهم على اساس انه هجوم على شخص الملك لويس الرابع عشر! «ولهذا السبب منعت كتب الفلاسفة في القرنين السابع عشر والثامن عشر».

 

52
المنبر الحر / محاكم التفتيش
« في: 13:51 13/08/2006  »
مؤلف كتاب_ محاكم التفتيش _ هو البروفيسور إدوارد بورمان المختص بالدراسات الدينية المقارنة. قد كرس كتابه هذا للتحدث عن موضوع طالما شغل المثقفين في الغرب الأوروبي ـ الأميركي: ألا وهو محاكم التفتيش السيئة الذكر والتي طالما قمعت العلماء والمفكرين من كوبر نيكوس، إلى غاليليو، إلى ديكارت، إلى معظم فلاسفة التنوير في القرنين السابع عشر والثامن عشر بل وحتى التاسع عشر فيما يخص إسبانيا والبرتغال.
ومحاكم التفتيش التي ماتت الآن في أوروبا بفضل استنارة العقول تحولت إلى شيء آخر أو مؤسسة أخرى. وهي الآن موجودة في الفاتيكان وتدعى باسم: المجمع المقدس للحفاظ على عقيدة الإيمان المسيحي. صحيح أنها لم تعد تحرق المفكرين وكتبهم كما كانت تفعل سابقاً ولكنها تراقب أي خروج على العقيدة أو أي انتهاك لها وتعاقبه عن طريق فصل الأستاذ من عمله أو منعه من تدريس مادة اللاهوت المسيحي.
يعود المؤلف بالطبع إلى بدايات محاكم التفتيش ويقول: «ان محاربة الزندقة كانت سارية المفعول حتى قبل ظهور محاكم التفتيش كمؤسسة رسمية في بدايات القرن الثالث عشر. فقد كان هناك دائماً أناس يخرجون على هذا المبدأ أو ذاك من العقيدة المسيحية. وكانت الكنيسة تعاقبهم بشكل أو بآخر». ويمكن القول بأن المجمع الكنسي الذي اجتمع في مدينة لاتران عام (1139) كان أول من بلور التشريعات البابوية ضد الزندقة والزنادقة،
وقد طبقت هذه التشريعات على إحدى الفئات المسيحية اثناء الحروب الصليبية لأول مرة وهي فئة «الألبيجيين» التي اعتبرت بمثابة الخارجة على الإجماع المسيحي، وبالتالي فهي مهرطقة أو زنديقة. ثم يردف المؤلف قائلا: «وكان الامبراطور المسيحي هو أول من فكر بالحرق كعقاب للزنادقة عام 1224 وهي عقوبة فظيعة ومرعبة لأنهم كانوا يشعلون النار في الحطب ثم يلقون بالإنسان الزنديق فيها وهو يزعق ويصيح».
ثم صدق البابا غريغوار التاسع على هذا القرار عام 1231 وأصبحت محرقة الزنادقة أمراً شرعياً معترفاً به، بل وخلعت عليها القداسة الآلهة لأن البابا كان يتحلى بمكانة المعصومية في نظر جمهور المسيحيين آنذاك. وبالتالي فكل ما يأمر به أو يفعله مقدس ولا راد له.
وقد كان الهدف من إقامة محاكم التفتيش هو الدفاع عن الإيمان المسيحي في مذهبه الكاثوليكي البابوي الروماني. وقد أسسوها في البداية لمحاربة بعض الفئات المسيحية المارقة في فرنسا، ثم وسعوها لكي تشمل طوائف أخرى عديدة لا تلتزم كليا أو حرفيا بالشعائر المسيحية الكاثوليكية. وأخيراً وسعوها لكي تشمل بقايا الوثنية التي لم تمت بعد في أوروبا، وكذلك لكي تشمل كل أعمال الكفر أي شتم المقدسات المسيحية أو النيل منها أو الاستهزاء بها.
هذا هو هدف محاكم التفتيش في البداية ولكن كيف كانت تشتغل هذه المحاكم يا ترى؟ وما هي منهجيتها في المحاكمة؟ على هذا السؤال يجيب المؤلف قائلا: «كانت تشتغل على النحو التالي: بمجرد ان يشتبهوا في شخص ما، كانوا يقبضون عليه ويخضعونه للتحقيق فإذا اعترف بذنبه تركوه وإذا لم يعترض عذبوه حتى يعترف وإذا أصر على موقفه ألقوه طعمة للنيران وأحياناً كانوا يصدقونه ويعتبرونه بريئاً من التهمة الموجهة إليه فيخلون سبيله».
وكانت محاكم التفتيش مشكلة عادة من رجلي دين أو راهبين اثنين ولكن كان يساعدهما أو يحيط بهما أشخاص عديدون لا ينتمون إلى سلك الكهنوت ككاتب العدل أو كاتب المحكمة، وكالسجان أو حارس السجن..
والشخص الذي كان يرفض المثول أمام المحكمة كانوا يكفرونه فوراً ويخرجونه من الأمة المسيحية وبالتالي يباح دمه ويصبح قتله أمراً مشروعاً ومن يقتله لا يعاقبه أحد ولا يسائله.وكانوا يطلبون من المشتبه فيهم أن يكشفوا للمحكمة عن كل ما يعرفونه عن أسرار الزندقة والزنادقة وكان كاتب العدل يسجل ما يقولونه كمحضر رسمي.
وكان القضاة يلجأون أحياناً إلى الوشاة أو الجيران أو حتى شهود الزور لكي يحصلوا على معلومات تدين الشخص المشتبه فيه والذي يريدون معاقبته بأي شكل لأنه لا يؤدي الشعائر الدينية كما ينبغي، أو لا يؤمن بالعقائد المسيحية كلها بشكل مطلق ودون أي تساؤل.
وكان يصل الأمر بهم إلى حد محاكمة الشخص حتى بعد موته! فإذا ما ثبت لهم أنه مذنب أو خارج على العقيدة المسيحية فإنهم كانوا ينبشون قبره ويستخرجون جثته ويحرقونها معاقبة له.
وكانت العقوبة من نوعين: خفيفة وثقيلة فإذا كان الذنب خفيفاً اكتفوا بتقريع المذنب في الكنيسة على رؤوس الأشهاد وأحياناً كانوا يطالبونه بدفع مبلغ من المال للفقراء للتكفير عن ذنبه أما إذا كان الشخص الملاحق زنديقاً حقيقياً فإنهم كانوا يسجنونه مدى الحياة وفي الحالات القصوى كانوا يلقونه في المحرقة طعمة للنيران..
ويكتب المؤلف: لقد بلغ التعذيب ذروته في القرن الثالث عشر. ففي ذلك الوقت ازدهرت محاكم التفتيش وانتشرت في شتى أنحاء المسيحية الأوروبية من إيطاليا، إلى فرنسا، إلى ألمانيا، إلى إسبانيا والبرتغال، إلخ..
ففي فرنسا أدت هذه المحاكم السيئة الذكر إلى حرق مناطق بأكملها جنوب البلاد، بالقرب من مدينة تولوز، وهي مناطق كانت مسكونة من قبل طائفة مسيحية خارجة على القانون وتدعى: طائفة الكاتاريين. وكانوا يخلطون العقائد المسيحية بعقائد أخرى لا علاقة لها بالمسيحية. ولهذا السبب كفّروهم، وأعلنوا عليهم حرباً صليبية لاستئصالهم في الوقت نفسه الذي وجهوا الحملات الصليبية إلى الشرق الإسلامي.
وبالتالي فالحروب الصليبية ابتدأت أولاً في الداخل قبل أن تنتقل إلى الخارج. وهذا شيء يجهله الكثيرون. فقد كانوا يعتبرون زنادقة الداخل بمثابة طابور خامس يشكل خطراً على المسيحية أكثر من الإسلام. ولذلك حصلت مجازر كثيرة في تلك المنطقة الفرنسية. ولم يستطيعوا التغلب على «الزنادقة» إلا بعد مقاومة عنيفة وجهد جهيد. ولا تزال آثار هذه المجازر حاضرة في الذاكرة الفرنسية الجماعية حتى الآن.
وهي تشكل صفحة سوداء في تاريخ فرنسا. ولذلك فإن الساسة الفرنسيين يقولون عندما تنشب مشكلة داخلية عويصة: لا نريد تحويلها إلي حرب أديان! والمقصود بذلك أنهم لا يريدون العودة إلى الانقسامات الطائفية والحروب الأهلية التي مزقتهم طويلاً في الماضي. وبالتالي فأكثر شيء يرعبهم هو تلك الحروب المذهبية التي جرت في القرن الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر وحتى السابع عشر..
إنهم يريدون أن ينسوا تلك الذكرى الأليمة لمحاكم التفتيش والحروب المذهبية التي تشكل صفحة سوداء في تاريخهم. وبالتالي فمحاكم التفتيش لم تنته من الذاكرة الجماعية، وإنما لا تزال آثارها عالقة في النفوس حتى الآن. ثم يردف المؤلف قائلاً: بين عامي 1250 ـ 1257، أي طيلة سبع سنوات قاد محاكم التفتيش في جنوب فرنسا زعيم كاثوليكي أصولي متعصّب جداً يدعى «روبير لوبوغر». وقد فتّش كل المدن والأرياف هناك بحثاً عن الزنادقة أو المزعومين كذلك.
وحرق بالنار واحداً وعشرين شخصاً، وسجن مدى الحياة (239)، ورمى في النار الكاهن الزنديق لطائفة «الكاتاريين» المارقة. وحكم على قرية بأكملها بالمحرقة، لأنه اتهمها بإخفاء أحد الزنادقة الكبار من رجال الدين الكاتاريين.
ثم يضيف المؤلف : أما أبشع محاكم التفتيش في العالم فكانت في إسبانيا التي كانت مشهورة بتعصبها الديني الكاثوليكي. وقد ابتدأت هناك عام 1480 قبل انتهاء الحروب التي أدت إلى طرد العرب والمسلمين من إسبانيا. وكان على رأسها الملكة إيزابيل الكاثوليكية جداً، وكذلك زوجها فيردنان.
وقد استهدفت محاكم التفتيش أولاً «المسيحيين الجدد» لمعرفة فيما إذا كانوا قد اعتنقوا المسيحية عن جَدّ، أو لأسباب تكتيكية ومنفعية خالصة. وهؤلاء الناس كانوا سابقاً إما مسلمين وإما يهوداً، اعتنقوا مذهب الأغلبية خوفاً من الاضطهاد والملاحقات. وكان ذلك بعد أن انتصرت الجيوش المسيحية على العرب وإنهاء حكم ملوك الطوائف في الأندلس.
وليس من قبيل الصدفة أن يكون مركز محاكم التفتيش في اشبيلية، إحدى عواصم التنوير الأندلسي في سالف الأزمان.. ومن أشهر قادة محاكم التفتيش ليس فقط في إسبانيا وإنما في العالم كله شخص يدعى: توماس توركمادا. ومجرد ذكر اسمه لا يزال يثير القشعريرة في النفوس حتى هذه اللحظة. منذ كان أكبر أصولي متزمت في الغرب المسيحي كله. وكانت جرأته على القتل والذبح تفوق الوصف.
وكان مقرباً جداً من الملكة إيزابيل التي لا تقل تعصباً عنه. ولذلك عيَّنوه رئيساً لمحاكم التفتيش الإسبانية بين عامي 1481 ـ 1498: أي طيلة سبعة عشر عاماً! وفي ظل عهده «الميمون»، أطلقت محكمة التفتيش في طليطلة الأحكام التالية: حرق عشرة آلاف ومئتين وعشرين شخصاً بالنار. ذبح ستة آلاف وثمانية وأربعين زنديقاً آخرين.
تعذيب خمسة وستين ألفاً ومئتين وواحد وسبعين شخصاً حتى الموت في السجون. شنق اثني عشر ألفاً وثلاثمائة وأربعين شخصاً، متهماً بالزندقة أو الخروج عن الخط المستقيم للدين المسيحي. الحكم على تسعة عشر ألفاً وسبعمئة وستين شخصاً بالأشغال الشاقة والسجن المؤبد. باختصار فإن هذه الأحكام المرعبة شملت مالا يقل عن مئة ألف وأربعة عشر شخصاً، ويزيد. وكل ذلك حصل في منطقة طليطلة وحدها. فما بالك بما حصل في مختلف مناطق إسبانيا الأخرى؟!
ثم يختتم المؤلف موضوعه المخيف : وكل هؤلاء الزنادقة كانوا يجردونهم من أملاكهم وأموالهم وأرزاقهم. ولكن «توركمادا» رفض أن يأخذها لنفسه، أو يغتني على حساباه. وإنما ظل رجلاً فقيراً كأي راهب صغير بعد أن أعطاها للكنيسة أو للجمعيات الخيرية المسيحية.


53
ساهم في تأليف كتاب : التاريخ الديني لأميركا كل من الباحثين إدوين س. غوستاد وليف شميدت. والأول هو أستاذ في جامعة كاليفورنيا، وأما الثاني فهو أستاذ في جامعة برنستون. وبالتالي فهما من كبار الأكاديميين الأميركان. وفي هذا الكتاب الذي أصبح كلاسيكياً من كثرة أهميته يقدم الباحثان صورة متكاملة عن التاريخ الديني للولايات المتحدة الأميركية منذ بداية استعمارها من قبل الانجليز في القرن السابع عشر وحتى اليوم.
من المعلوم أن تدين الشعب الأميركي أو قل شرائح واسعة منه يدهش الأوروبيين العلمانيين بشكل كامل وبخاصة في فرنسا. ففي أميركا قد يجتمع آلاف الأشخاص في ملعب ضخم لكرة القدم من أجل إعلان إيمانهم أو إقامة شعائرهم وصلواتهم في الهواء الطلق. وفي أميركا يؤدي الرئيس المنتخب اليمين على الكتاب المقدس (أي التوراة والإنجيل). وهذا شيء مستحيل في فرنسا. وفي أميركا تجد مكتوباً على العملة الوطنية (أي الدولار) العبارة التالية: بالله نثق، أو نؤمن ... الخ.
ولكن هذا لا يعني أن أميركا بلد أصولي على عكس ما نظن. فالواقع أن الدستور ينص على علمانيتها وفصل الدين عن الدولة. ولكن الشعب الأميركي يظل متعلقاً بالدين أكثر من الشعوب الأوروبية. هذا كل ما في الأمر لا أكثر ولا أقل. وهو تعلق ليس له بالضرورة أي انعكاس سياسي.ولكن هناك نقاط مشتركة مع المجتمعات الأوروبية. وهي بالإضافة إلى العلمانية عدم وجود دين رسمي للدولة. صحيح أن المسيحية في مذهبها البروتستانتي هي المذهب الغالب هناك.
ولكن البروتستانتية ليست دين الدولة. وهذا يريح الكاثوليك الذين يشكلون المذهب المنافس وإن كانوا أقلية، ولكن أقلية كبيرة. وبالتالي فجميع المواطنين متساوون أمام القانون سواء أكانوا ينتمون إلى مذهب الأقلية أم مذهب الأكثرية.
يضاف إلى ذلك أن أميركا بلد تعددي من الناحية الدينية. وهناك تسامح كبير ضمن مقياس أنه لا يحق لدين الأغلبية أن يفرض نفسه على الآخرين، وضمن مقياس أن كل الأديان والمذاهب لها حرية الوجود والتعبير عن نفسها. فهناك بالإضافة إلى المسيحية في مذهبيها الكاثوليكي والبروتستانتي، اليهودية، والإسلام، والبوذية، والهندوسية، وبقية الأديان الأخرى.
وبما أن الدولة علمانية فإنها لا تغلّب ديناً على دين، ولا مذهباً على مذهب وإنما تحترم كل الأديان والمذاهب. فلا يوجد دين واحد صحيح وبقية الأديان خطأ. وأما فيما يخص الأصول الدينية الأولى لأميركا فيقول المؤلفان ما معناه: إن التعددية الدينية تجد جذورها في فتح أميركا ذاته. فهذا الفتح أدى إلى تعايش، وتجابه ثلاثة أديان أو ثقافات: ثقافة الهنود الحمر، أي السكان الأصليين للبلاد، وثقافة الأوروبيين الغزاة، وثقافة الأفارقة السود الذين نقلوا إلى هناك كعبيد للاشتغال في الحقول.
ثم يردف المؤلفان قائلين: وأما تعددية المذاهب المسيحية فتقود إلى تعددية المهاجرين الأوروبيين أنفسهم. فالانجليز حملوا معهم المذهب البروتستانتي، والأيرلنديون المذهب الكاثوليكي ... الخ. ويمكن القول بأن المذهب البروتستانتي هو أول من وصل إلى البلاد مع المستعمرين الانجليز. وكان ذلك في بداية القرن السابع عشر. والكثيرون منهم فروا من انجلترا أو سواها خوفاً من الاضطهاد الطائفي الذي كان الكاثوليك يمارسونه عليهم. وقد وصلوا إلى العالم الجديد عام 1620 لكي يجدوا ملجأ وملاذاً.
وقد وصل هؤلاء على دفعات ليس فقط من انجلترا، وإنما أيضاً من هولندا. هل نعلم بأن نيويورك كانت تدعى في البداية: أمستردام الجديدة؟ وذلك لأن الهولنديين هم الذين استعمروها. بالطبع فلم تكن الدوافع الدينية هي وحدها سبب هجرة كل هؤلاء إلى أميركا. وإنما كانت هناك دوافع اقتصادية أيضاً. فالجميع سمعوا بغنى تلك البلاد الجديدة وكانوا يرغبون في تحصيل الثروة فيها وتحقيق أحلامهم في حياة رغيدة.
وعلى هذا النحو أصبح البروتستانتيون هم السكان الأوائل للولايات المتحدة وهم الذين يشكلون مذهب الأغلبية. بعدئذ سوف تصل الهجرات الأوروبية إلى أميركا وستكون في أغلبيتها كاثوليكية. ولكن قبل أن نصل إلى ذلك ينبغي القول بأن الكنيسة البروتستانتية انقسمت إلى قسمين كبيرين بدءاً من عام 1845: قسم ليبرالي مضاد لاستعباد السود، وقسم محافظ يؤيد هذا الاستعباد بالذات. وقد ساد الأول في الولايات الشمالية، في حين أن الثاني ساد في جنوبها. وهو الذي أدى إلى اندلاع الحرب الأهلية الرهيبة التي حصدت مئات الآلاف من كلا الطرفين وانتهت باغتيال الزعيم الكبير ابراهام لنكولين الذي كان من ألد أعداء نظام الرق والعبودية. فقد اغتاله أميركي متعصب من الولايات الجنوبية. ثم يردف المؤلفان قائلين بما معناه: لقد تعرض المجتمع الأميركي لتحولات ضخمة بعد انتهاء الحرب الأهلية وحتى بداية الحرب العالمية الأولى. فقد أصبح مجتمعاً صناعياً، حضرياً، متعدد الأعراق والمذاهب والأديان.
وأصبح علمانياً أكثر فأكثر بسبب ضغط الصناعة والعلم الحديث عليه. وما عاد بالإمكان أن تبقى جبهة البروتستانتيين موحدة خلف التقليد والكتاب المقدس والقساوسة. فأفكار التنوير الأوروبي كانت قد وصلت إلى أميركا وانتشرت في أوساط المثقفين والطبقات العليا من المجتمع. وشكل ذلك تحدياً كبيراً للبروتستانتية، أي دين الأغلبية، على الصعيد الثقافي والاجتماعي والسياسي.
فقد اندلعت معركة كبيرة عندئذ بين الأصولية البروتستانتية والعلم الحديث وبخاصة نظرية داروين. ويمكن القول بأن هذه المعركة لا تزال مستمرة حتى الآن بشكل من الأشكال. فالأصوليون ظلوا متشبثين بالرواية التي قدمتها التوراة عن نشأة الكون وأصل الإنسان في سفر التكوين الشهير.
أما الليبراليون والعلمانيون والحداثيون عموماً فقد صدقوا رواية داروين والعلم الحديث. وهي الرواية التي صدمت المتدينين كثيراً لأنها تقول بأن الإنسان ما هو إلا عبارة عن حيوان متطور (أو قرد مزود بعقل وذكاء متطور ويمشي على قدمين بدلاً من أربع قوائم)!!
والواقع أن أصل الصدام أعمق من ذلك. فالمتدينون يصدقون كل ما يقوله الكتاب المقدس ويأخذونه على حرفيته. وأما الليبراليون فلا يصدقون إلا ما يقوله العقل التجريبي والعلمي الحديث.
وبالتالي فهناك صدام بين مشروعية الوحي المسيحي من جهة، ومشروعية العلم الحديث ومنهجيته الاستنباطية من جهة أخرى. وهذا الصدام انتقل إلى أميركا من أوروبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. كما وانتقل إلى العالم العربي أيضاً وبقية أنحاء العالم.
ثم انقسم المسيحيون أنفسهم إلى قسمين: قسم أصولي متزمت، وقسم ليبرالي. ما الذي نقصده بالتيار الليبرالي المسيحي؟ إنه التيار الذي لا يقرأ النصوص المقدسة قراءة حرفية وإنما مجازية. فهو لا يعتقد بأن التوراة أو الإنجيل هما كتابان في علم الفيزياء أو الكيمياء أو الرياضيات أو الفلك.
وبالتالي فكل ما يقوله الكتاب المقدس عن نشأة الكون والإنسان ينبغي أن نأخذه على سبيل المجاز: أي كقصة شعرية جميلة ليس إلا. وحده العلم يقدم معلومات دقيقة ومبرهناً عليها عقلياً وتجريبياً عن ظواهر الكون. وبالتالي فلنأخذ بالعلم فيما يخص معرفة الكون والظواهر والطبيعة. ولنعتبر الدين فقط عبارة عن تعاليم روحية وأخلاقية ترشدنا إلى الطريق المستقيم في الحياة والسلوك اليومي.
ولكنه لا يقدم لنا أي معلومات موثوقة عن ظواهر الطبيعة. فليست هذه وظيفته. فهذا الشيء من اختصاص العلم فقط. وبالتالي فالدين إذا ما فهمناه على حقيقته لا يتعارض مع العلم وإنما يكمله. ولكن المشكلة هي أن الأصوليين يأخذون النص الديني على حرفيته، وعندئذ يحصل تناقض إجباري بينه وبين علم الفيزياء أو الكيمياء.
فالنصوص المسيحية تفسر سقوط الأمطار أو هبوب الرياح أو سواها من الظواهر الطبيعية عن طريق قوى غيبية أو خارقة للعادة. أما العلم فيفسرها عن طريق قوانين طبيعية لا علاقة لها بالغيب أو بالأساطير أو بالمعجزات ... وقس على ذلك.يضاف إلى ذلك أن التيار الليبرالي المسيحي يعتقد بأن مملكة الله يمكن تحقيقها على الأرض عن طريق التقدم العلمي وتحقيق الرفاهية والسعادة لكل أبناء المجتمع.
أما التيار الأصولي فيعتقد بأن مملكة الله لن تتحقق إلا بعد يوم الحساب وفي العالم الآخر فقط وليس في هذا العالم. هكذا نلاحظ أنه يوجد تناقض بين التيار الأصولي والتيار الليبرالي في أميركا. ولكن على عكس ما نتوهم فإن التيار الليبرالي هو الذي يشكل الأغلبية وليس التيار الأصولي وإن كان هذا الأخير قد انتعش كثيراً في الآونة الأخيرة بعد ضربة (11) سبتمبر.
أما المذهب الكاثوليكي فقد دخل متأخراً إلى أميركا بالقياس إلى المذهب البروتستانتي. ويكفي أن نذكر الأرقام الإحصائية لكي تتوضح كيفية دخول هذا المذهب. فأول دفعة وصلت عام 1800 إلى الأرض الأميركية. وكانت تضم خمسة وثلاثين ألف شخص. وقد وصلوا من أيرلندا وألمانيا بالدرجة الأولى.
ثم أصبح عدد الكاثوليك مليونين عام 1860، وفي عام 1926 أصبحوا ثمانية عشر مليوناً. وأما اليوم فيتجاوز عددهم السبعين مليون نسمة. وبالتالي فهم يشكلون المذهب الثاني في أميركا بعد البروتستانتيين الذين يتجاوز عددهم المئتي مليون نسمة.
وبعدئذ تجيء الأقليات العربية والإسلامية واليهودية والبوذية والصينية الكونفوشيوسية ... الخ. هكذا نلاحظ أن الولايات المتحدة بلد مليء بالأديان والمذاهب. ولكن الجميع يعتبرون مواطنين من الدرجة الأولى أمام القانون. فلا يوجد أي تمييز بين المواطنين على أساس طائفي أو ديني.

54
تبدأ أحداث الرواية في اصلاحية للأحداث حقيرة. عندما ولدت امرأة طفلا هزيلا شاحبا يتأرجح بين هذا العالم والعالم الآخر وبعد أن أبدى المولود الجديد تمسكه بالحياة وُضع بين يدي أمه لتفارق بعدها الحياة. وكان لا بد من وجود تأوهات لموت الأم في هذه السن المبكرة.
هكذا كانت ولادة اوليفر تويست بطل الرواية، وليكبر في تلك الإصلاحية جاهلا كل شيء عن والديه، عدا ما قالته بعض الممرضات العجائز عن أمه وأنها سارت مسافة طويلة كي تصل إلى حيث ولدت، وكان من الطبيعي أن يكبر الطفل شاحبا هزيلا نحيلا جدا ودون متوسط الطول في ظل قلة الغذاء.
هذا إلى جانب أنه يتيم وحقير في نظر مسؤولي الإصلاحية ، يعامل بمهانة ويضرب هو وأقرانه إذا اشتكوا من الجوع كما انه درب نفسه على استدعاء دموعه على عجل عند الحاجة في ظل معاملة الكبار القاسية.
كما واجه هو ورفاقه نظاما يحتم عليهم العمل لكسب قوتهم مقابل ثلاث وجبات طعام بسيطة جدا تبقيهم على قيد الحياة، لا تزيد عن حساء خفيف يوميا مع بصلة مرتين في الأسبوع ونصف كعكة أيام الآحاد تجعل الواحد منهم يفكر بأكل رفيقه النائم إلى جواره.
اختير اوليفر نيابة عن رفاقه لطلب المزيد من الطعام، ولكنه ضرب بعنف أمام الجميع وعومل بقسوة لجرأته تلك ثم سجن، وفي اليوم التالي علقت لافته على البوابة الخارجية تقدم مكافأة قدرها خمسة جنيهات لأي شخص يأخذ اوليفر تويست من الإصلاحية للتخلص منه بصورة قانونية.
اغتبط بامبل المسؤول في الإصلاحية عندما جاءه الحانوتي سوربري وطلب منه أخذ اوليفر ليعمل معه وأملا في المكافأة. كان الحانوتي سوربري رجلا طويلا ونحيفا، يرتدي بدلة سوداء مهترئة وفي الوقت نفسه متعهد بدفن موتى الإصلاحية ، راضيا في كون أجساد أولئك الموتى ضئيلة بسبب الجوع فلا تكلفه خشبا كثيرا من أجل توابيتهم. أنهى بامبل الإجراءات بسرعة لينتهي اوليفر إلى المبيت مرعوبا بين التوابيت في ليلته الأولى في بيت الحانوتي.
ولم تكن معاملة اوليفر في بيت الحانوتي بأحسن منها في الإصلاحية سواء كانت تلك المعاملة من قبل الحانوتي وزوجته أم من قبل نوح كلايبول وشارلوت اللذين يعملان مع الحانوتي واثر مشادة بين اوليفر وبين نوح الذي تعمد إهانة اوليفر ضرب اوليفر بمهانة من جديد ثم سجن.
ولكن اوليفر الذي أخذ يتفجر من الغيظ فرّ في فجر اليوم التالي نحو لندن التي تبعد حوالي 70 ميلا ليعيش حياة ثانية مليئة بالأحداث والمفارقات ولتتقلب به الأحوال اعتمادا على ميول وطباع الأشخاص الذين التقاهم.
يتعرف اوليفر وهو في طريقه إلى لندن على جاك دوكنز والذي يعّرفه بدوره على اليهودي العجوز البخيل فاغن ذي الوجه الشرير بشعره الأحمر الكثيف، وشيئا فشيئا يكتشف اوليفر انه وقع بين براثن عصابة تستغل الصغار أمثاله وتسرق المارة وتمارس أعمالاً إجرامية هنا وهناك يقودها اليهودي فاغن.
ويشاهد تدريباتهم في كيفية سرقة علب التبغ وكتب الجيب ودبابيس القمصان ومناديل الجيب وغيرها، ثم دفعوه على محاكاتهم في التدريب وأوحى إليه اليهودي فاغن انه بعمله هذا سيكون من العظماء، وظلّ اوليفر يتساءل :
كيف أن سرقة جيب سيد عجوز سيجعل منه رجلا عظيما. كما تعرف اوليفر على فتاتين هما بت ونانسي، والأخيرة كان لها دور كبير في مجريات حياته إذ كثيرا ما أشفقت عليه وساعدته وتعرضت بسببه إلى العقاب.
ومع أول عملية سرقة في الطريق العام يقوم بها اثنان من الصبية لحساب فاغن ويشارك فيها اوليفر كمراقب تحدث مفاجآت غير متوقعة فيضطر الجميع إلى الابتعاد عن المنطقة بأسرع ما يتطلب الأمر بمن فيهم اوليفر.
ونظرا لقلة خبرته في مثل هذه الأحداث فقد أُعتقد أنه اللص فيقبض عليه بعد أن يجرح، وعندما فتشه الشرطي لم يجد معه شيئا من المسروقات، ورغم ذلك حكم على اوليفر بالسجن ثلاثة أشهر لولا شهادة صاحب المكتبة الذي رأى كل شيء وجاء إلى المحكمة طواعية ليشهد ببراءة اوليفر قبل تنفيذ الحكم.
هذه الأحداث جعلت من براون لو، الرجل الطيب الذي تعرض للسرقة يشفق على اوليفر الجريح والمنهك والمهان فيأخذه معه إلى مسكنه للعناية به.وعندما استيقظ اوليفر بعد فترة طويلة أدرك أنه مصاب بالحمى.
ورغم العناية الفائقة إلا أنه كان يعاني من الضعف والإنهاك وأحس اوليفر بعد ثلاثة أيام من العناية بالسعادة لأنه ينتمي إلى هذا العالم من جديد ولأن آثار الحمى بدأت تفارقه. وبعدما استمع براون لو إلى حكايته أشفق عليه واستبقاه تحت رعايته. ولكن يد الحظ التي ابتسمت إلى اوليفر لم تدم طويلا فقد كانت أعين العصابة تبحث عنه لإعادته إلى الحظيرة.
نجحت العصابة في اختطاف اوليفر من الطريق العام بينما كان في مهمة شراء حاجيات إلى براون لو ثم سلبت ما بحوزته من نقود وأشياء تخص براون لو وبعد أن سدّت عليه طريق العودة في ظل معاملة قاسية وتدريب آخر من نوع خاص أُجبر اوليفر من جديد على المشاركة في عملية سطو على أحد المنازل.
وفيها تم إدخاله من إحدى الفتحات الصغيرة نظرا لحجم جسمه الصغير لكي يقوم بعملية فتح الباب الرئيسي ومن ثم سرقة المنزل بوساطة أفراد العصابة، وتفشل العملية ليدفع ثمنها وعاقبتها اوليفر أيضا.
أدرك اوليفر فيما بعد أن عملية السرقة قد فشلت وأنه أصيب وأُغمي عليه، وقد تم نقله إلى البيت الذي حاولوا سرقته، وعوضا عن أن يوشوا به إلى الشرطة فإنهم مدّوا له يد العطف والحنان لما رأوه من بؤس وضعف ظاهر على وجهه وبدنه. وامتدت هذه الرحمة لفترة تزيد على الثلاثة أشهر حتى أصبح فيها اوليفر عضوا شديد الالتصاق ومحبوبا جدا من العائلة الصغيرة.
وهنا في هذا البيت المجلل بالرحمة يكتشف اوليفر حقيقة أمه، وأن له أخا من أبيه أكبر منه يدعى مونكس، وأن أخاه ما هو إلا ذلك المجرم الذي ينتمي لعصابة اليهودي فاغن، تلك العصابة التي ارتكبت الموبقات والقتل ووقعت مؤخرا في يد العدالة لتنال جزاءها.
الأسرة التي رعت اوليفر كانت على صلة مع براون لو الذي رعى اوليفر بعد أول محاولة سرقة حضرها وكاد أن يكون ضحيتها لولا شهادة صاحب المكتبة الذي برأته تبنى براون لو اوليفر وشمله برعايته، وساهم براون لو مع آخرين في إماطة اللثام عن حقيقة اوليفر .
حيث اكتشفوا أن والده كان ميسور الحال وأنه وقع في حب أم اوليفر التي توفى عنها والدها آنذاك وكان اوليفر ثمرة ذلك الحب. واستطاع براون لو إرجاع بعض الإرث الذي يخص اوليفر الذي بات سعيدا بحياته الجديدة.
ومما يلفت النظر في رواية اوليفر تويست، ومؤلفها تشارلز ديكنز انه ركز على شخصية فاغن اليهودي البخيل والمجرم، تلك الشخصية التي لا هم لها سوى الحصول على المال وعن أي طريق كان، وتعمل عملها في هدم المجتمع وقيمه، وهو الأمر المعروف في الأدب الانجليزي .
كما فعل وليم شيكسبير في تجسيد شخصية شايلوك اليهودي في « تاجر البندقية» الرواية تحولت إلى فيلم سينمائي وآخر كارتوني، كما مثلت على خشبة المسرح ليكتشف الإنسان من خلالها كيف عبر تشارلز ديكنز عن نبرات المرارة التي مرت في طفولته من خلال شخصيات رواياته. ديكنز الذي داهمه الموت بالسكتة القلبية سنة .

55
مؤلفة كتاب : الأصولية أو بالأحرى المشرفة عليه هي الباحثة الانكليزية بريندا ي. براشير المختصة بالعلوم الدينية والحركات الأصولية المعاصرة. وهي هنا تقدم موسوعة كاملة عن هذه الحركات التي ازدهرت مؤخرا في مختلف مناطق العالم: من الولايات المتحدة، إلى أوروبا، إلى العالم العربي والإسلامي، إلى العالم الهندوسي، الخ.
وهي تركز على عدة موضوعات منها: الموقف السلبي جدا للأصوليين من المرأة، معاداة الأصوليين المتزمتين للعالم الحديث وقيمه العقلانية الليبرالية المتسامحة، ميلهم إلى العنف لفرض أفكارهم على الناس بالقوة لا بالحجة والإقناع، إشعالهم للحروب الأهلية وكذلك حرب الحضارات بين الشرق والغرب، الخ.
وهي تقول منذ البداية ما معناه: كلمة أصولية انتشرت في الولايات المتحدة منذ أواخر القرن التاسع عشر للدلالة على ذلك التيار المتزمت الذي يرفض التطور ويريد أن يعود بالمجتمع إلى الوراء.
وهم ـ أي الأصوليون ـ يطبقون التفسير الحرفي على التوارة والإنجيل. فكل ما ورد فيهما عن خلق العالم والظواهر الطبيعية والمضامين الجغرافية والتاريخية يأخذونه على حرفيته ويرفضون التفسير المجازي له، أي يرفضون أن يأخذوه على سبيل التصوير الرمزي والمجاز.
وبالتالي فحتى لو تعارضت المعلومات الواردة في الكتاب المقدس مع حقائق علم الفيزياء والرياضيات والأحياء الحديث فإنهم يفضلون اتباع الكتاب المقدس وليس العلم وبراهينه اليقينية. أما التيار الليبرالي في المسيحية فيأخذ هذه المعلومات على سبيل الرمز والمجاز ويتحاشى بذلك صدامها مع اكتشافات العلم الحديث.
ثم تردف المؤلفة قائلة:
يضاف إلى ذلك أن الأصوليين الأميركان يرفضون نظرية التطور لداروين ويحاولون منع تدريسها في المدارس وبخاصة في الولايات الجنوبية لأميركا حيث تبلغ شعبيتهم ذروتها. فهذه النظرية التي اكتشفها داروين في القرن التاسع عشر تتعارض مع ما ورد في التوراة عن خلق الإنسان والعالم الطبيعي بشكل عام وبالتالي فهي خاطئة كليا وينبغي تحريمها بحسب وجهة نظرهم.
وقد حصلت مصادمات بين الدولة وهؤلاء الأصوليين بسبب هذه المسألة. ولا تزال المشكلة مطروحة حتى الآن وتلهب العواطف وتقسم الناس إلى قسمين متصارعين.
يضاف إلى ذلك أن الأصولي يحمد الله يوميا على أنه لم يخلقه امرأة! وهو بذلك يحمل صورة سلبية عن المرأة بصفتها كائنا أدنى مرتبة من الرجل. ولذلك فإن الأصوليين يراقبون المرأة كثيرا ويشتبهون بها ويحاولون منعها من ممارسة بعض الوظائف والأعمال. كما ويتصدون لها فيما يخص مسألة الإجهاض.
وكثيرا ما يهجمون على العيادات الطبية التي تمارس عمليات الإجهاض لكي يحطموها أو يدمروها تدميرا. وبشكل عام فإن الأصوليين الأميركان يريدون العودة بالمرأة الأميركية إلى الوراء، أي إلى الحياة التقليدية التي كانت سائدة في الولايات المتحدة قبل الستينات من القرن العشرين. ومعلوم أنه حصلت ثورة جنسية تحررية في أميركا عندئذ، وعمت هذه الثورة بلدان أوروبا أيضا.
وأصبحت العلاقات بين الجنسين مختلفة كليا عما كانت عليه في السابق. وظهرت حركات تحرر المرأة التي قضت على هيمنة الرجل عليها. والأصوليون يكفّرون خصومهم السياسيين عادة ويعتبرونهم رجسا من عمل الشيطان. وأحيانا يصدرون فتوى شرعية باغتيالهم. وبالتالي فهم ميالون إلى العنف والضرب.
وهم يعتقدون بأنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة وكل الآخرين في الخطأ والضلال. وبالتالي فهم لا يناقشونك لأن النقاش ممنوع عندهم عادة.وهم رجعيون من الناحية السياسية. وكثيرا ما يتحالفون مع اليمين المتطرف من أجل المحافظة على القيم التقليدية «الخالدة» للأمة الأميركية أو الفرنسية أو الإسبانية، الخ.
وهم يفسرون كل شيء على ضوء عقائدهم الغيبية وأحيانا الخرافية. فمثلا عندما حصلت ضربة 11 سبتمبر عام 2001 قالوا بأن الله أرادها كعقاب لأميركا التي ابتعدت عن الدين. هذا ما صرحت به ابنة المبشر البروتستانتي الأميركي الشهير: بيلي غراهام. وهو أحد كبار القادة الأصوليين في الولايات المتحدة. فعندما سألتها إحدى الصحفيات عن رأيها بهذا الحادث الذي هزّ أميركا أجابت قائلة:
أعتقد أن الله حزين جدا مثلنا كلنا لأن هذه الضربة حصلت.
ولكن منذ سنوات عديدة ونحن نحارب الله والدين. ومنذ سنوات طويلة ونحن نطرد الدين من مدارسنا، وحكومتنا، ومؤسساتنا، وحياتنا. لقد أصبحنا ماديين بشكل محض. لقد تخلينا عن الله فتخلى الله عنا. ثم تهاجم السيدة غراهام العلمانيين الأميركان وتقول: لقد طالبوا بمنع الصلاة المسيحية في المدارس واستجابت الحكومة بمطالبهم. ثم طالبوا بمنع قراءة الكتاب المقدس في المدارس أيضا، ونفذت الدولة مطالبهم.
ثم طالبوا بإعطاء بناتنا حق الإجهاض إذا كن لا يردن الاحتفاظ بالجنين واستجابت الحكومة لمطالبهم. ثم طالبوا بالحرية الجنسية بين الشباب والبنات ونالوا ما يطلبون. وهكذا خرجوا على شرع الله فعاقبنا الله بضربة 11 سبتمبر التي نستحقها لأننا تخلينا عن ديننا وإيماننا.
وهذا التفسير ل11 سبتمبر يشبه التفسير الذي قدمه الأصوليون الإسلاميون لهزيمة خمسة حزيران. فقد قالوا نفس الشيء تقريبا: لقد تخلينا عن الله فتخلى الله عنا وجعل إسرائيل تنتصر علينا. لقد أصبحنا قوميين، ماركسيين، شيوعيين، إلحاديين فعاقبنا الله بهذه الهزيمة الساحقة الماحقة. بل ووصل الأمر بالشيخ الشعراوي إلى حد شكر الله على هذه الهزيمة الذي أدت إلى تضعضع معسكر الكفر في مصر والعالم العربي. فهزيمة عبد الناصر بالنسبة له كانت تعني خيرا وبركة.
ثم تردف المؤلف قائلة ما معناه: وعلى الرغم من اختلاف الأصوليين فيما بينهم وعلى الرغم من كرههم لبعضهم البعض إلا أنهم جميعا يتوحدون ضد العالم الحديث وحرياته وقيمه الإنسانية والديمقراطية. ويكفي أن تقرأ تصريحات الأصوليين اليهود، أو المسيحيين، أو المسلمين لكي نتأكد من ذلك.ففي رأيهم أن العلمانية كفر، والديمقراطية كفر، والليبرالية كفر، الخ. وهم جميعا ضد تحديد النسل عن طريق الإجهاض أو أي طريقة أخرى. كما أنهم ضد المساواة بين الرجل والمرأة، ويفضلون أن تبقى المرأة في البيت على أن تشتغل خارج البيت.
وجميع الأصوليين يطالبون بزيادة المواد الدينية في المدارس. وبما أن العلمانية سائدة في أوروبا وأميركا، فإن تعليم الدين ممنوع أو مقلّص جدا. وهذا يزعج كثيرا الأصوليين البروتستانتيين الذين يطالبون علنا بإعادة تدريس الدين المسيحي في المدارس الأميركية.
كما ويطالبون بإعادة الصلاة أيضا وعدم الاختلاط بين الجنسين. بل ويطالبون بإعادة العمل بالقوانين العنصرية التي تفرق بين الأسود والأبيض. فهم يفضلون عدم اختلاط البيض «النظيفين» بالسود «القذرين» في المدارس، والجامعات، والباصات، والمطاعم، والمقاهي، الخ. وهذا أكبر دليل على مدى رجعيتهم وكرههم للحياة الأميركية الحديثة التي أصبحت لا تفرق بين السود والبيض كما كان يحصل سابقا.
وبالتالي فالأصوليون الأميركان يريدون العودة إلى الوراء، إلى أيام التمييز العنصري واحتقار البيض للسود. إنهم يريدون التراجع عن كل مكتسبات السنوات الأخيرة في هذا المجال. ومعلوم أن حركة النضال من أجل نيل الحقوق المدنية من قبل السود ابتدأت منذ الخمسينات أو الستينات في القرن الماضي. وكان من كبار قادتها مارتن لوثر كنغ الذي اغتيل في نهاية المطاف.
لقد دفع حياته ثمنا لأفكاره ومبادئه الإنسانية الرفيعة. ثم انتصرت هذه الأفكار في نهاية المطاف وأصبحت حقيقة واقعة. والآن يريد الأصوليون التراجع عنها! وهذا يعني أنهم رجعيون بالمعنى الحرفي للكلمة. إنهم رجعيون سياسيا، ودينيا، واجتماعيا، وكل شيء.
ثم تختتم المؤلفة كلامها قائلة: ولكن المشكلة هي أن ضربة 11 سبتمبر أعطتهم دفعا أو زخماً جديداً ما كانوا يحلمون به سابقا. وهكذا أصبحت لهم تلفزيوناتهم وإذاعاتهم التي تجذب ملايين البشر. وأصبح دعاتهم يملأون الشاشات والفضائيات بكلامهم المعسول الذي يدعو أميركا للعودة إلى طريق الرشاد، أي إلى القيم الأصولية المسيحية التي تخلت عنها بعد ثورة الستينات وأدارت ظهرها لها.



56
ان تصاعد وتائر اعمال العنف المسلح، وتدهور الاوضاع الامنية في بغداد، ووصولها الى ما وصلت اليه من مديات باتت تنذر بالخطر الجسيم، تخفي وراءها اسبابا وجذورا تاريخية، بعضها يمتد بعيدا في عمق التاريخ العراقي، والبعض الآخر منها وسيط خلال الخمسينيات من القرن المنصرم، ومنها ما هو حديث جدا، اي بعد سقوط نظام صدام.
ان تكوينات العنف المسلح في العراق تتداخل مع مجموعة عوامل اولها يبدأ بالتراث الاستبدادي القديم في العراق، الذي عملت الديكتاتورية على تأصيله من خلال مجاميع بشرية كثيرة عاطلة عن الوعي والفكر والمعرفة والمدنية.. الخ. وثانيها مؤسس من قبل القوى العابرة الينا بشكل(قاري) اميركي من خلال دعمها بشكل غير مباشر لاوضاع متشظية وفوضوية في العراق، فضلا عن وجود الضعف الحاصل في المؤسسات الحكومية للدولة العراقية، من خلال صيرورتها ضمن محاصصات طائفية عرقية رسخها كثيرا الزمن الاستبدادي الديكتاتوري والمحتل على حد سواء.
ان امر الخروج من دائرة العنف يكمن في اعادة الاعتبار الى الانسان العراقي الفاقد لجميع مقومات وجود حياة حرة كريمة تتمثل بالاستقرار الامني والاجتماعي، ومن ثم الشعور بالتوازن مع العالم المعاش من خلال ثقافة المواطنة واحترام الهوية الانسائية الفردية مع ما يتلاءم او يرتبط بثقافة القانون.
ان من اهم العوامل في خلق بؤر الاستقرار في العراق، يجري من خلال الابتعاد عن لغة تفضيل المحاصصة او الرغبة في الهيمنة على حساب الآخرين، لان هنالك عقدا اجتماعيا يلزم الجميع بالتعايش وبناء العراق بشكله الحديث فالتعاون يجب ان يجري اولا داخل مجلس النواب، ثم داخل مؤسسات الدولة ثم بين المؤسسات الاجتماعية والاحزاب السياسية وغيرها، كل ذلك يمكن من خلاله تجاوز العنف في البلد.
علينا الا نأخذ الامور من الفراغ، او مبتسرة عن مشهد آخر على صلة وثيقة بها، فبعد ثورة 14 تموز 1958، تكالبت القوى، التي تدعي الوطنية من القوميين والاسلاميين والاقطاعيين  وغيرهم، لوأد الثورة، واستخدموا اساليب التجريف والتجريح، حتى جاء الاغتيال صبيحة 8 شباط 1963 عندما اغتيل القائد الشهيد عبد الكريم قاسم وكثير من اقطاب الحركة الوطنية. الان تتجمع اوصال اولئك بثوبها الجديد، ذلك الثوب الاغتيالي الذي عرفناه، فان تداعيات الاوضاع الامنية في العراق لها جذور تاريخية ولا تأتي من فراغ، لذلك فان الذين تتلمذوا على القتل في الظلام والاختباء في المجاري الآسنة وفي الدهاليز المظلمة، تنمروا وطالت مخالبهم وبرزت انيابهم، هؤلاء يتقنون الرياء، يتفننون في الاغتيال، يتقنون كل الوسائل الذميمة الخبيثة، والان يلبسون كل ثوب، فتارة يلبسون ثوب الدين، وتحسبهم حريصين جدا على الدين، وحريصين على العراقيين اكثر من العراقيين انفسهم وهم يدعون الحرص على الطفولة، ويذرفون الدموع على المساجد والجامعات، وهي طبعا دموع التماسيح. ويعتقد بان هؤلاء في حقيقة امرهم يغتالون الشيء بالشيء، وعلى طريقة(داوني بالتي كانت هي الداء) يذهبون الى المسجد السني فيضربونه ويدعون بان الشيعة ضربوه، ثم يذهبون الى المسجد الشيعي ويدكونه ويدعون بان السنة ضربوه، يفعلون كل هذه الافعال بقصدية خبيثة وغائية في غاية الدهاء والمكر، وذلك معروف في اي زمان، ويقولون هرع الشيعي لقتل السني، وحتى ان هذه الكلمات سني وشيعي وما شابه ذلك ترتجف على شفاهنا، وهي جديدة على قاموسنا، نحن عراقيون تصاهرنا ولعبنا ودرسنا وتخندقنا معا في دواهي وحوالك الايام، علينا ان نقف وقفة واحدة ضد كل من يريد ان يبث الفرقة بيننا، ويثير النعرات الطائفية، والان توشح جدران العراق كما كانت بنفس الوشاح الاسود، بحيث توضع لافتة نعي الشهيد الشيعي بجنب لافتة الشهيد السني. 
ان مساحة الضوء يجب ان ننظر اليها بتفاؤل، فالتضحيات جسام والحرب التي يلوح بها هؤلاء الذين يتباكون على العراق، الذين نراهم على شاشات الفضائيات، ولكنهم يسهمون في دك العراق وفي اعمال العنف بقصدية، ما عدا الشرفاء الذين يعشقون العراق، هذا العراق الشامخ المتجذر الحبيب.
ان السبب الرئيس لتصاعد اعمال العنف المسلح، هو وجود القوات الاجنبية على الاراضي العراقية، فضلا عن وجود بعض الجهات والاطراف المشبوهة الاخرى التي دخلت العراق من الخارج، كما ان القوانين والتعليمات التي وضعها الحاكم المدني السابق للعراق بول برايمر، ومنها قانون ادارة الدولة العراقية، الذي ليس له اية شرعية قانونية، حيث ان الشعب هو الذي يضع القوانين وليس المحتل، وهذا ايضا من الاسباب الرئيسة لما نعانيه اليوم، وقام بول بريمر باساليب مشبوهة ومقصودة بتقسيم المسلمين في العراق، الى الوقف السني والوقف الشيعي، ولم يجد احدا يقف بوجهه او يرفض ذلك، واشار الى بعض رجال السياسة وبعض رجال الدين من السنة والشيعة، الذين يعملون على تحقيق اغراضهم ومصالحهم، هم المكمل لعملية الفساد والخراب الذي وصل اليه الشعب العراقي، بسم الله الرحمن الرحيم ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) فاغفال بعض اصحاب القرار السياسي وبعض رجال الدين عن ما نبههم اليه القرآن الكريم، قد اوصلهم الى هذا الطريق المسدود، لانهم لا يعملون استنادا الى ارشادات القرآن الكريم، بل يعملون استنادا الى رغباتهم ومصالحهم الشخصية وتفسيراتهم الخاصة، وما يمليه عليهم من الدعايات المغرضة، التي تستغلها وتقوم بتفعليها بعض الجهات المخابراتية من دول اقليمية، وهذا هو جوهر القضية.
على رجال الدين وعلى السياسيين ان يرجعوا الى توجيهات القرآن الكريم وان يستندوا الى ما يأمر به الله سبحانه، وكذلك قول الرسول الكريم(ص):(مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا) ولم يقل يقتل بعضهم بعضا، استنادا الى الهوية الطائفية التي لم يأت بها الرسول(ص) . ومن اجل ايقاف نزيف الدم العراقي، يجب على جميع العراقيين بجميع اديانهم وطوائفهم ومكوناتهم، تأييد وتفعيل وتدعيم مبادرة المصالحة الوطنية التي اطلقها رئيس الوزراء المالكي، واجتماع جميع المسلمين تحت راية الاسلام، وليس الطائفية وهذا سوف يوصلنا الى النجاة.
ان ما يحدث من تداعيات امنية تصاعدت في الآونة الاخيرة في مناطق عدة من بغداد، هي ليست تداعيات لوضع طائفي معين، فالعراق لم يعرف الانقسام الطائفي في تاريخه الطويل، اقر بان هنالك وجودا لطائفية بسيطة تشابه التعصب للمدينة او للعشيرة، ولكن لم يكن هناك وجود للانقسام الطائفي بالشكل الذي يحدث الان، والحقيقة ان الصراع هو صراع بين قوى واحزاب ومخابرات ركبت الموجة الدينية من اجل مصالحها، وحولتها الى العنف الطائفي.
هذه القوى مازالت مستمرة في التصعيد الفكري والعملي، لان الخروج من هذا المأزق الطائفي يعني بالتأكيد سقوط الكثير من القيادات السياسية التي لا تملك الشرعية ولا المنهجية الكافية لتوليها القيادة وانما استغلت الخوف الطائفي من اجل الوصول الى مراكز سياسية.
ان اهم الحلول لتداعيات الاوضاع الامنية في مناطق العراق عموما وفي بغداد خصوصا، هو قيام ثقة متبادلة بين مكونات وفئات وطوائف الشعب العراقي من سنة وشيعة وغيرهم، وكذلك دعم المشروع الوطني والعملية السياسية، وقيام الثقة بين الشعب وبين قوى الامن على اختلافها، ولا يكون ذلك الا بضمان امانة هذه الاجهزة وكفاءتها ونزاهتها. 
ان النتائج الوخيمة التي ترتبت على اوضاع معقدة وغير مستقرة، كان مدفوعا بها من قبل اطراف داخلية وخارجية ان تصل بالواقع العراقي الى حد قيام حرب اهلية تحرق الزرع والضرع، ولعلنا لا نكون مختلفين اذا ما اشرنا باصابع الاتهام الى الجهات التي تقف خلف هذه الاحداث المؤسفة والمؤلمة التي يسفك الشعب العراقي جراءها الدم على نحو يؤكد لنا بعد قراءات واعية باهداف تلك الجهات وما ترمي اليه، من ان بقايا النظام السابق تقف على رأس هذه الجهات، وكذلك ما يتعلق بجهات تكفيرية جاءت من المنطقة الموبوءة بالغرض المبيت ضد مصلحة الشعب العراقي وضد امنه واستقراره، اي دول الجوار العربي، مع الاسف.
ان هنالك اكثر من حاضنة تحتضن هذه الجهات الاجرامية التي تدعي الاسلام زورا وبهتانا، بل انها من صميم توجهاتها تكفير المسلمين على عباداتهم وعلى ممارساتهم لطقوسهم الدينية بشتى صورها، وان ما يحصل كل يوم بل في كل ساعة لهو دليل قاطع على وعي قراءتها لهذا المشهد الدموي المؤلم، وكذلك ايضا لا يمكن لنا ونحن نتكلم عن هذه القضية ان نبرئ ساحة الاحتلال، عما يدور وعما يحصل من خلال ضعف الاداء اللوجستي والعسكري والامريكي طوال اكثر من ثلاثة اعوام مضت، ويظهر ذلك في ضعف وتباطؤ الوجود العسكري الاميركي في التخطيط وتنفيذ ما يخطط لاقامة اجهزة امنية عراقية فاعلة وقادرة على استيعاب الهجمة الشرسة ضد الحياة المدنية في العراق.
ان جوهر القول فيما يخص النظرة الى واقع كهذا يتجلى في مرجعياتنا الدينية اولا، لكونها يقع على عاتقها الحجم الاكبر من مسؤولية اراقة الدماء، فالعقلاء المسؤولون عن مسألة توجيه الناس نحو التعامل مع التعدديات في مذاهبنا وعقائدنا الاسلامية، لانها بالنتيجة تنبع وتصب في اتجاه واحد هو الاسلام الواحد، من الضروري ان يكشف هؤلاء العقلاء دوافع الجهات التي تحدثنا عنها آنفا، على اساس ان تلك الدوافع رميت من خلال اوراق ضاغطة تتولى احداث فجوة كبيرة جدا في النسيج الاجتماعي العراقي، ولان المذهبية هي اهم مرتكزات هذا النسيج الاجتماعي  فقد تم استهدافها وفقا لمخططات خارجية استطاعت ان تتوغل الى الواقع العراقي، اثناء مرحلة الانهيار الامني والحدودي ما اوقع اية عملية سياسية او اية ترتيبات لاستقرار الوضع في احابيل تلك الصراعات.

57
مؤلفا كتاب: (بيكاسو (1881 ـ 1973  ) هما الباحثان كارستين ـ بيتر وارنكي، وانغو ف. والتر، المختصان بتاريخ الفن الحديث بشكل عام وفن بيكاسو بشكل خاص. وهما يقدمان هنا سيرة حياة هذا الفنان الشهير إلى قراء اللغة الإنجليزية، ومنذ البداية يقول المؤلفان ما معناه: ولد بابلو بيكاسو في مدينة مالاغا الواقعة في إقليم الأندلس في اسبانيا عام 1881، وهناك أمضى السنوات الأولى من حياته،

حيث أكمل دراسته في المرحلة الابتدائية، ولكنه لم يكن تلميذاً نجيباً، بحسب ما يقول أساتذته، وبحسب ما يعترف به هو شخصياً، فقد كان ضعيفاً في كل المواد تقريباً ما عدا مادة الرسم. وكثيراً ما كان الأساتذة يفاجئونه وهو يرسم حمامة أو شجرة أثناء إلقائهم للدرس، وبالتالي فلم يكن يستمع لهم. ثم كبر بيكاسو في مدينة برشلونة،

حيث انتقل والده مع عائلته إلى هناك بعد أن عيّنوه أستاذاً في مدرسة الفنون الجميلة. وقد دخل بابلو الصغير إلى المدرسة نفسها عندما بلغ الرابعة عشرة من عمره. وقد أشرف والده عليه وزوده بتوجيهاته، وبعد سنتين من ذلك التاريخ دخل بيكاسو إلى الأكاديمية الملكية في مدريد.

ثم يردف المؤلفان قائلين: وبعد تلك الفترة من الدراسات الكلاسيكية اكتشف بيكاسو الحياة البوهيمية عندما راح يتردد على مقهى أدبي وفني واقع في قلب مدينة برشلونة القديمة. وهناك راح يزور المواخير أيضاً، وهذا ما ألهمه فيما بعد لوحته الشهيرة «آنسات آفينيون»، وهي من أشهر لوحاته. ثم أقام صداقات عديدة آنذاك وبخاصة مع فنان يدعى: كازا جيماس، ولكن انتحاره عام 1901 أثر على بيكاسو كثيراً وسبّب له جرحاً داخلياً لم يندمل إلا بعد فترة طويلة.

وبدءاً من عام 1904 راح بيكاسو يستقر نهائياً في فرنسا، وقد استأجر محترفاً في حي المونمارتر القديم والعريق، ولكنه كان بائساً آنذاك وفقيراً جداً، ثم تعرف على امرأة فرنسية عام 1905، وراحت تساعده وتقدمه إلى الأوساط الأدبية والفنية الباريسية، وتعرف عندئذ على الشعراء والكتّاب،

وبخاصة غييوم ابولينير، أكبر شاعر في عصره. ثم تعرف بعدئذ على كبار رسامي فرنسا وبخاصة سيزان وجورج براك، وأسس مع هذا الأخير مدرسة فنية جديدة تدعى بالمدرسة التكعيبية، ومعلوم أن براك كان صديقاً لرينيه شار واندريه بريتون وبقية السورياليين.

وفي عام 1917 ابتسم له الحظ عندما طلب منه أحدهم أن يرسم الديكور للفرقة المسرحية الشهيرة البالية الروسية، فسافر إلى إيطاليا لهذا الغرض. وهناك تعرف على إحدى الراقصات واسمها أولغا فتزوجها وأنجبت له ولداً عام 1921 يدعى بول، وسوف يكون ولده الأول ولكن ليس الآخر فبيكاسو كان مزواجاً مطلاقاً كما سنرى.

ثم عاد بيكاسو إلى أساليب أكثر كلاسيكية في الفن والرسم بعد كل تلك الصرعات التي اتبعها سابقاً. وهذا أمر طبيعي فبعد أن يتطرف الفنان في الاتجاه الطليعي يحس بالحاجة للعودة إلى الهدوء والعقلانية. ولكن هذه الفترة لم تدم طويلاً فقد اندلعت الحركة السوريالية برئاسة اندريه بريتون.

وقد أثرت على جميع الكتاب والفنانين ومن بينهم بيكاسو وهكذا عاد إلى التجريب من جديد وبقوة أكثر، وراح ينتهك كل القوانين الكلاسيكية لفن الرسم من أجل أن يبدع شيئاً جديداً.

ثم يردف المؤلفان قائلين: وفي 27 أبريل من عام 1937 حصل حدث خطير أدى إلى قلب حياة بيكاسو وتغيير مجرى مساره الفني ألا وهو قصف مدينة غرنيكا الإسبانية من قبل الطيران الألماني حتى أصبحت خراباً بلقعاً، وهذا ما دفعه إلى رسم لوحة ضخمة تخلد الحدث. وكانت من أروع اللوحات الفنية في التاريخ المعاصر. وقد كرست شهرته العالمية إلى حد كبير.

ثم انتقل بيكاسو في نهاية الأربعينات من باريس إلى الجنوب الفرنسي أي إلى الشاطئ اللازوردي، أجمل منطقة في العالم.وهناك أمضى الفترة الأخيرة من حياته والتي امتدت حتى عام 1973، تاريخ موته، وبالتالي فقد عاش عمراً مديداً، أي اثنين وتسعين عاماً.

وأما عن حياة بيكاسو مع النساء فقد كانت متقلبة وتدل على شهوانيته الحيوانية أكثر مما تدل على نزعته الإنسانية. فقد كان يغير النساء كما يغير جواربه بعد أن تشيخ وتبلى. وكان يفعل ذلك بلا شفقة أو رحمة، وبالتالي فإذا كان الفنان عبقرياً في مجال الرسم فإنه للأسف الشديد لم يكن إنسانياً إلى الحد الكافي. أو قل لم تكن نزعته الإنسانية كبيرة مثل عبقريته الفنية.

والدليل على ذلك هو أنه التقى في الشارع وعن طريق الصدفة بفتاة تدعى ماري تيريز والتر، فغازلها وأصبحت عشيقته لمدة عشر سنوات بعد أن امرأته أولغا . وقد أنجبت له بنتاً اسمها مايا وقد تخلى عن امرأته فجأة بين عشية وضحاها.

وفي عام 1936 عرفه الشاعر بول ايفوار على فتاة تدعى دورا مار. فتخلى عن عشيقته السابقة بين عشية وضحاها أيضاً وارتبط بهذه الفتاة لمدة سبع سنوات، وفي عام 1943 تعرف على فنانة شابة تدعى فرانسواز جيلو فتخلى عن العشيقة السابقة وارتبط بالجديدة وكأن شيئاً لم يكن.

وقد ولد له منها طفل يدعى كلود عام 1947، ثم طفلة اسمها بالوما عام 1949. ثم انفصل عن فرانسواز هذه عام 1954 بعد ان تعرف على امرأة جديدة تدعى جاكلين روك، وهكذا دواليك، والواقع ان بيكاسو كان يعتبر نفسه فوق البشر، وكان يعتقد ان على الجميع ان يستمعوا له وينفذوا أوامره ويلغوا شخصياتهم. فهو من معدن وهم من معدن آخر.

وقد انعكس هذا الموقف على المقربين منه سلباً، بل وبشكل تراجيدي. فالكثيرون انتحروا أو جُنّوا. فحفيده من ابنه الأول انتحر يوم موته، وإحدى زوجاته السابقات وجدوها مشنوقة في شقتها. وامرأته الأولى ماتت مشلولة دون ان يقبل بزيارتها ولو لمرة واحدة وهي على فراش المرض والموت!.

فهل يعني ذلك أن عائلة العبقري ينبغي أن تدفع ثمن عبقريته؟ هل يعني ان كل شيء مباح للعبقري؟ في الواقع ان العباقرة صنفان: صنف انساني عميق في انسانيته، وصنف مهووس بالشهرة والعظمة والمجد والمال، الخ، ويبدو ان بيكاسو كان من النوع الثاني.

أما جان جاك روسو او كانط او ديكارت فكانوا من النوع الأول. وبالتالي فلا يكفي ان تكون عبقرياً لكي تكون عظيماً، ولكن هذا لا يمنع من القول بأن بيكاسو وصل إلى شهرة قل نظيرها في التاريخ، وقد جمع المجد من كافة أطرافه، وكذلك المال. ويرى المؤلفان انه كان أغنى فنان في عصره وربما في كل العصور.

وتقدر ثروته عند موته بملياري فرنك فرنسي: أي نصف مليار يورو بالسعر الحالي أو حتى مليار دولار بحسب رأي البعض. وهذه ثروة ضخمة لم يتوصل إليها أي كاتب أو فنان مهما علا شأنه.

ثم يردف المؤلفان قائلين: وقد تحول بيكاسو إلى اسطورة حتى في حياته، وأصبح رمزاً على عبقرية الفن في القرن العشرين كله، وكان رؤساء الدول يتمنون ملاقاته، وعلى المستوى الشخصي كان يتمتع بشخصية قوية جداً، وكانت عيناه تلمعان وتطلقان الشرر كالمصابيح! وعلى الرغم من انه كان قصيراً «متراً وستون سنتيمتراً» إلا أنه كان يفرض هيبته على الجميع.

وقد أصبحت لوحاته رمزاً على الفن الحديث كله. انه تعكس لبّ الحداثة وجوهرها، ونقصد بذلك انه كان يرفض التقليد والتراث. بمعنى آخر فانه كان يرفض تقليد أشكال الطبيعة ومناظرها في لوحاته كما كان يفعل الفنانون الانطباعيون. كان يرسم الواقع بطريقة رمزية غريبة لا علاقة لها بالواقع نفسه!

وقد خرج على كل التقاليد الفنية الموروثة منذ مئات السنين. ولم تكن رسومه محكومة من قبل العقل على عكس الفن الكلاسيكي، وإنما من قبل الجنون أو الانفعالات اللاعقلانية الهائجة وهنا نجد تأثير الفلسفة السوريالية عليه.

وعلى الرغم من كل الانتقادات التي وجهت إليه وإلى رسومه الشاذة والخارجة على المألوف إلا أنه ظل مثابراً على طريقته واستطاع أن يفرضها في نهاية المطاف على الكثيرين.

ويبدو أن طفولته السعيدة ساعدته على التفوق في الحياة، فوالده كان أستاذا لفن الرسم في مالاغا بالأندلس وفي برشلونة كما ذكرنا سابقاً. وقد شجعه كثيراً على المضي في هذا الاتجاه وساعده على تفتح مواهبه. ومعلوم أنه ابتدأ يرسم منذ سن الثامنة وكان يرسم الحيوانات ومناظر الطبيعة وبقية الأشياء بسهولة منقطعة النظير وقد كان بيكاسو رساماً ونحاتاً وحفاراً على السيراميك في آن معاً وكان يمسك بالشيء العادي في يده فيحوله إلى تحفة فنية بقدرة قادر.

وكان يوقع اسمه على فاتورة المطعم لكي يدفع ثمن وليمة لأربعين شخصاً أو بالطبع فقد كان صاحب المطعم يقبل بذلك وهو سعيد جداً.. ثم يردف المؤلفان قائلين: صحيح أن النقاد صنفوه في هذه المدرسة أو تلك على مدار تاريخه الشخصي فتارة يقولون إنه كان ينتمي إلى المدرسة التكعيبية، وتارة يقولون بأنه من أتباع المدرسة السوريالية، الخ. ولكنه في الواقع كان صاحب مدرسة خاصة به: هي مدرسة بيكاسو.

ويمكن القول إن فنه يعبر عن قصة حياته وأنه مرتبط بمساره الشخصي والأحداث التي عاشها والتجارب التي عاناها وبالتالي فهو ككل فنان كبير يحكي علينا قصة حياته في فنه ولوحاته.

ولكن للأسف الشديد لم يكن عظيماً على المستوى الشخصي مثلما كان عظيماً على المستوى الفني كما قلنا سابقاً، ويبدو أنه كان بخيلاً جداً على الرغم من ثروته الطائلة ولكن تكمن عظمته في أنه رسم الحرب والسلام بشكل أفضل مما فعل أي فنان في عصره، والدليل على ذلك لوحته الخالدة: غرنيكا،

فقد خلبت العقول بتصويرها لوحشية الحرب والآثار المدمرة والمرعبة الناتجة عنها ولا تزال هذه اللوحة حتى الآن إحدى روائع الفن العالمي على مدار التاريخ وينبغي ان نشهد لبيكاسو بالفضل لأنه وقف ضد الفاشية في عصره وضد نظام فرانكو اليميني والأصولي البغيض.

وبالتالي فالرجل له ميزاته الشخصية على الرغم من كل شيء. ويمكن القول إنه كان ينتمي إلى معسكر التقدم في أوروبا لا معسكر الرجعية والعنصرية وهذا شيء لا يستهان به.

58
 
 
 
  ولد بول سيزان في مقاطعة اكس آن بروفانس عام 1839. وقد أمضى فترة شبابه حيث كان يعود إليها من باريس كلما ضاق ذرعاً بفشله المتكرر هناك في أواخر السبعينات من أواخر القرن التاسع عشر. وقد قضى البقية الباقية من حياته حتى موته عام 1906، وهو عاكف على رسم الريف الذي يحيط بمسقط رأسه.
وخلال حياته عامله أبناء ذلك البلد بنوع من اللامبالاة أو الازدراء، فقد كانوا مقتنعين بأنه شخص غريب الأطوار ومثير للشخصية، يعجز عن إتمام لوحة زيتية واحدة. أهدى سيزان جيرانه بضع لوحات زيتية وانتهى بها الأمر بأن رميت في العليات. واستخدمت إحداها لسد ثقب في أرضية خن للدجاج. ومن السخرية أن سيزان أصبح بطلاً لدى أبناء المدينة، تماماً مثل فان جوخ في أوفير، وتحتفل اكس آن بروفانس بذكرى رحيله ببذخ، ربما كي تعوض ما تعرض له من المعاملة السيئة في حياته.
غير أن النطاق الكبير للاحتفالات له علاقة بجذب السياح أكثر منه بأي شيء آخر، حيث ترتفع لافتات القديس فيكتوار تُرفع في شارع كور ميرابو (وهو الشارع الرئيسي في المدينة)، وتبرز لوحات الطبيعة التي تضم التفاح والبرتقال في «فترينات» محال بيع الكعك، وهناك رحلات بالسيارات إلى دار عائلته في جاس دي بوفان واستوديو الفنان في لي لوف. هنالك أيضاً قطار فرنسي فائق السرعة تجمله أجزاء من لوحات الفنان التي تصور المشاهد الطبيعية.
لا شك أن أساليب التسويق هذه لعبت دوراً في تصميم المعرض، الذي يحمل عنوان سازان في بروفانس، ولكن المنظور المحلي لا يساعدنا كثيراً في فهم أعماله في المعرض. ليس مرد الأمر إلى أننا ينبغي أن ننكر حب سيزان لمناظر معينة، وعلى وجه الخصوص الخليج من لستيك وجبل القديس فيكتوار. كما أن للضوء الغربي تأثيره على الطريقة التي كان يحلل بها الأشكال والألوان أيضاً، ولكن هل كان من الضروري حقاً تصنيف الأعمال على أساس المواقع، كل عمل في غرفة واحدة؟
لم يشكل فارقاً بالنسبة للطريقة التي كان سيزان يرسم بها سواءً كان في جاس دي بوفان، على التلال فوق لستيك وعلى مقربة من شانغر نوار أو عند بونتواز أو فونتسنيلو، أو على شواطئ بحيرة أنيسي. ولكن كانت هناك مراحل مختلفة في رسمه، تعكس تركيزه المتغير في تجاربه وموضوعاته.
 ولسوء الحظ فإن زوار المعرض سيتمكنون من إدراك الموضوع الأساسي للنهج الذي اتبعه سيزان للوصول إلى عمله الإبداعي- بقيامهم باختبار نظريات جديدة على الدوام- فقط إذا قاموا ذهنياً بإعادة تنظيم المعرض وفق التسلسل الزمني لانجاز لوحاته.
 وبطبيعة الحال فإن الأعمال نفسها تعد رائعة. فعددها يبلغ 117 عملاً إجمالاً، بما فيها 30 رسمة ولوحة مائية. وتتضمن لوحتين تعتبران من أروع المناظر الطبيعية في تاريخ الفن هما لوحتا «مشهد القديس فكتوار» التي أعاروها للمعرض متحف المتروبوليتان النيويوركي و«حاملة الأيقونة» من متحف إيسن. ولكن حكماً كهذا حتماً يعد غير منصف.
ومن المؤكد أن مثل هذا الحكم يعد ظالماً، فبالتأكيد تنبغي الإشارة بصورة مماثلة بلوحات مثل «الجالسات على الصخور عند لستيك» المعارة من مدينة سان باولو و«الطريق عند لستيك» المعارة من لندن و«الأرنب الكبير» المعارة من سان بطرسبرغ،
وهذه الأعمال تمثل مراحل وأساليب مختلفة، فبعضها مكثفة، وأخرى أكثر اقتضاباً، حيث نفذت باستخدام مقدار ضئيل من الألوان أو محددة من خلال مخطط يتكون من لمسات من الفرشاة المنسابة. ويضع سيزان لنفسه المعايير العالية ذاتها على الدوام. عازماً على أن يكون صادقاً مع أحاسيسه، فلا يقوم بالتشديد ولا بالتبسيط أكثر مما ينبغي وصولاً إلى الوضوح، وإنما هو يلتزم بما يستطيع أن يراه، حتى إذا كان مشوشاً أو مناقضاً.
وقد زعم بعض النقاد أنه أراد تحقيق شكل من أشكال الكلاسيكية، ولكن هذا الأمر قد يبدو غريباً بالنسبة لشخص كان لا يتق بضراوة بالحكمة المتلقاة في كل أشكالها. يرسم سيزان في بعض الأحيان الجدران والأسقف والأرضيات بدقة هندسية، فينقش أشكالاً من المستطيل والمعين والمثلث التي جربها براك وبيكاسو لاحقاً.
ولكن حتى في لوحاته الزيتية الأخيرة استخدم أيضاً التشتت والفصل، وهو يعمل على بياض الورقة أو على اللوحات الزيتية، لكنه لم يكن يهتم كثيراً بتغطية الصفحة برمتها. وبالاتجاه نحو نهاية المعرض، في الغرف المخصصة للقديس فيكتوار في القرن التاسع عشر، فإن المدى الكبير للحلول في تنظيمه كان واضحاً جداً.
فكل محاولة بدت وكأنها تستدعي منه نسيان المحاولة السابقة، وفي كل مرة يتعين عليه البدء من الصفر، وذلك للتغير الذي طرأ على الطقس، المنظور والضوء، إلى جانب أحاسيسه. كما أن بورتريهاته ولوحاته التي تصور العري- والتي لا تبرز في هذا المعرض إلى حد كبير، تدفعها الديناميكية والرفض ذاتهما لكل ما هو ثابت ونهائي.
ويقدم لنا رؤيتين مختلفتين لزوجته- على سبيل المثال- والشبه الوحيد بينهما هو تصفيفة الشعر والوجه البيضاوي. والشيء نفسه ينطبق على لوحات المستحمات، ولكنه يتعقد من خلال رغبتنا في مد أيدينا ولمس اللوحات وبذكريات المعارض الأخرى والأعمال التي أنجزها مايكل أنجلو، روبنز وديلاكروا.
 

وفي والوقت الذي سنصل فيه إلى هذه اللوحات، سننسى نهائياً بأن سيزان كان رساماً من اكس آن بروفانس. فجوهر الموضوع هنا هو طاقة الفنان الحيوية والمهارة التي ينجز
 
 

59
مؤلفة كتاب مادام القلب يخفق هي الممثلة الفرنسية الشهيرة ميراي دارك. وفيه تروي ذكريات حياتها على مدار السنوات السابقة بدءا من طفولتها الفقيرة في مدينة طولون جنوب فرنسا وحتى وصولها إلى ذروة الشهرة والمجد في باريس لاحقا. ونفهم من كلامها أن ظروف الأسرة كانت صعبة جدا من الناحية المادية ولكن ذلك لم يمنعها من أن تعيش حياة سعيدة مع أمها وأبيها وأخويها الأكبر منها ثم تركت المدرسة العامة بسبب كرهها للدروس والتحقت بمدرسة الفن في طولون.
والواقع أنها اكتشفت ميولها نحو المسرح وهي في الثانوية. وعندئذ راحت تتعلم أصول هذا الفن وتحفظ عن ظهر قلب المسرحيات الكلاسيكية لكورني وراسين وسواهما. وقد لفتت انتباه أساتذتها إلى مواهبها الفنية بفضل فصاحتها في النطق وحسن تأديتها للأدوار المسرحية ورشاقتها.
 ثم تردف المؤلفة قائلة: وبعدئذ شاء لي القدر أن أذهب إلى باريس مدينة الفن والأدب والمسرح وكل شيء. وهناك عانت في البداية كثيرا قبل أن تحظى بدور سينمائي يدرّ عليها بعض المال. وكانت أمها ترسل لها الطعام من طولون لكيلا تموت من الجوع. ثم ابتسم لها الحظ وقبل أحد المخرجين السينمائيين بإعطائها دورا في أحد أفلامه. ثم مثلت بعدئذ في عدة أفلام الواحد بعد الآخر حتى أصبحت ميسورة من الناحية المادية.
وعندئذ غيرت غرفتها الصغيرة وذهبت لاحتلال شقة فخمة في أحد الأحياء الراقية. ثم اشترتها بعد أن أصبحت أجورها السينمائية كبيرة. وعندئذ لم تعد أمها بحاجة لأن ترسل لها المواد الغذائية من الأقاليم البعيدة. ولكنها كانت تتمنى أن تفتخر بها عائلتها لأنها نجحت في العاصمة وفي مجال الأفلام والسينما. وعلى ما يبدو فإن ذلك كان متعذرا. فالعائلة كانت محافظة وتعتبر العمل في السينما مخلا بالأخلاق أو يسيء إلى سمعة الشخص وبخاصة إذا كان امرأة.
وتقول ميراي دارك بأنها شعرت بالألم كثيرا بسبب هذا الموقف. ولم تكن تتجرأ على أن تطرح السؤال التالي على أمها: هل رأيتِ أفلامي يا أمي؟ هل رأيتيني على الشاشة يوما ما؟ والواقع أنها عندما كانت تأخذ إجازة وتعود إلى بيت العائلة في طولون الواقعة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط كانوا يتحدثون عن كل شيء ما عدا السينما! ولكنها فهمت بعدئذ أنهم رأوا جميع أفلامها ويبدو أنهم كانوا غير مرتاحين للأدوار التي تلعبها. وهي أحيانا أدوار إغراء حيث تضطر إلى تعرية قسم كبير من جسدها.
بالطبع فإن هذه النظرة السلبية إلى السينما انتهت الآن في فرنسا ولم يعد لها من وجود بعد أن تطورت العقليات كثيرا. ولكنها كانت لا تزال سائدة في الخمسينات والستينات عندما ابتدأت ميراي دارك مهنتها كممثلة.
ثم تتحدث المؤلفة بعدئذ عن أهم لقاء في حياتها، ألا وهو تعرفها على الممثل الشهير آلان ديلون. وقد تعرفت عليه حوالي عام 1968 وكان هو قد أصبح نجما كبيرا من نجوم الشاشة الفرنسية أما هي فكانت لا تزال في بداياتها وإن كانت قد أصبحت معروفة إلى حد ما. ولكن شهرتها لم تنفجر إلا في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.
وقد عاشت قصة حب عاصفة مع آلان ديلون، واستمرت علاقتهما خمسة عشر عاما. وعندما تعرف عليها كانت لديه مشاكل عائلية كبيرة. فقد طلق زوجته التي أنجبت له طفلا صغيرا يدعى أنطوني. وقد أصبح ممثلا فيما بعد. وعاش الطفل حياة التمزق العاطفي بين أبيه وأمه كما يحصل لكل أولاد المطلقين. والواقع أنه عاش مع ميراي دارك صاحبة أبيه أكثر مما عاش مع أمه. ولذلك فهو لا يزال يحترمها حتى الآن مثل أمه وربما أكثر.
ثم تردف المؤلفة قائلة: في ذلك الوقت كان آلان ديلون يعيش أصعب مرحلة في حياته. فقد اتهموه بالتورط في مقتل حارسه الشخصي الشاب اليوغسلافي الأصل ستيفان ماركوفيتش. وكان مسؤولا عن حمايته لأن المشاهير بحاجة دائما إلى شباب أقوياء العضلات لكي يحموهم إذا ما تعرضوا لهجوم ما بشكل مباغت في الشارع أو في أي مكان آخر.
 ولكن يبدو أن آلان ديلون لم يستجب لكل مطالب حارسه هذا. وحصلت بينهما مشادة عنيفة قبل حادثة الاغتيال ببضعة أيام. ولذلك اتهموا آلان ديلون بها. فقد وجدوا هذا الشاب مرميا في أحد الحقول المحيطة بباريس بعد أن أطلقت رصاصة على رأسه وأصابت منه مقتلا. وقد زعم أنصار ديلون بانه انتحر. ولكن يبدو أن أحدا قتله. والبعض يتهم أحد كبار قادة المافيا وكان صديقا لديلون بتدبير عملية قتله بطلب من ديلون شخصيا، والله أعلم.
 ثم زادت فداحة القصة واتخذت طابعا سياسيا عندما انكشفت خباياها. فيبدو أن هذا الحارس الشخصي هدد آلان ديلون بنشر صور جنسية فاضحة له إذا لم يستجب لمطالبه. وهذا ما سرّع في تصفيته في الواقع. فقد عرف آلان ديلون أنه إذا بقي هذا الشخص على قيد الحياة فسوف يظل سيفه مسلطا فوق رأسه.وسوف يظل يهدده ويبتزّه. ولذلك لجأ إلى تصفيته.هذا ما يعتقده البعض ولكنه ليس مؤكدا.
ما حقيقة هذه الصور الفاضحة يا ترى؟ على ما يبدو فإنها أخذت للممثل الشهير وهو في حفلة ماجنة مع العديد من السيدات ومن بينهن زوجة الرئيس السابق: جورج بومبيدو! ولكن يبدو أن هذه الصورة الأخيرة كانت مفبركة من قبل أعداء بومبيدو قبل أن يصبح رئيسا من أجل سدّ باب الرئاسة أمامه. فالحزب الديغولي كان منقسما إلى قسمين: قسم يرغب في أن يخلف بومبيدو الجنرال ديغول وقسم يرفض ذلك رفضا قاطعا.
 وهذا القسم الأخير هو الذي نظم مؤامرة الصور الفاضحة للضغط على بومبيدو لكي يتراجع عن ترشيح نفسه للرئاسة. فهل كان آلان ديلون متورطا مع هؤلاء الديغوليين المناهضين لجورج بومبيدو؟ لا أحد يعرف. كل ما نعرفه هو أن القصة أخذت أبعادا ضخمة فيما بعد وأصبح آلان ديلون ملاحقا من قبل أجهزة المخابرات لأن بومبيدو كان رئيسا للوزراء وشخصية قوية على الرغم من كل شيء. وضمن هذا الظروف المضطربة حصلت عملية اغتيال الحارس الشخصي لآلان ديلون. ويبدو أنه كان مرتبطا بجهاز المخابرات المقرب من رئيس الوزراء.
ثم تردف ميراي دارك قائلة: مهما يكن من أمر فإن آلان ديلون كان يعيش أقسى لحظات حياته عندما التقيت به لأول مرة.
وكان دائما قلقا يشعر بالخوف من شيء ما. في مثل هذه الظروف تعرفت عليه. ولكنها لم تكن تعرف سبب قلقه واضطرابه لأنها كانت قد دخلت حياته منذ لحظة قصيرة.
 وفي أثناء صعودهما إلى باريس من منطقة الشاطئ اللازوردي كان يبدو شديد النرفزة والعصبية. وكان يوقف السيارة بين الحين والآخر ويقول لميراي دارك: انتظريني هنا، سوف أضرب تليفونا. وكان يهاتف شخصا ما لفترة طويلة ثم يعود إلى السيارة من جديد. وهكذا دواليك.
باختصار فإن ميراي دارك عاشت معه عندئذ قصة رهيبة تشبه قصص الأفلام البوليسية التي مثلها لاحقا ونجح فيها أيما نجاح. ومعروف أن ديلون لا ينجح إلا في هذا النوع من الأفلام المرعبة. ويبدو أنه عكس كل حياته الشخصية في أفلامه ولذلك نجحت هذه الأفلام وجعلت منه أسطورة سينمائية ليس فقط على مستوى فرنسا وإنما في كل أنحاء العالم.
فقد كان يمثل وكأنه يعيش فعلا ولا يمثل. وهنا يكمن أول شرط من شروط النجاح في السينما. ولكن الناس انصرفوا عنه في تلك الفترة واحتقروه لأنهم اشتبهوا في أنه هو القاتل. وعندما نظمت دار الأوبرا الشهيرة في باريس حفلة ضخمة حضرتها معظم شخصيات فرنسا من فنية وثقافية وسياسية قال آلان ديلون لميراي دارك:
هل تقبلين بأن تذهبي معي إلى دار الأوبرا؟ فأجابته، وكانت قد وقعت في حبه، نعم سوف أذهب معك إلى أي مكان في الأرض. سوف أذهب إلى الجحيم إذا لزم الأمر. ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم لم ينس لها هذا الموقف الشجاع بل والمتهور. فالواقع أنه ما كان أحد في باريس يقبل بأن يظهر معه في الأماكن العامة لأن سمعته السوداء ملأت كل وسائل الإعلام. وأصبح شخصا يتحاشاه القريب قبل البعيد.
 وعندما حصلت الاستراحة أثناء العرض في الأوبرا ونهض الجميع من مقاعدهم وتوجهوا إلى «البوفيه» لتناول المرطبات والشراب لم يقم آلان ديلون من مقعده حتى ذهبوا كلهم. وعندئذ أمسك بيد ميراي دارك وخرج هو الآخر وتوجه نحو زالبوفيهس. وعندما رأوه اشرأبت الأنظار نحوه وتركزت عليه. وساد صمت ثقيل رهيب. ولم يقبل أحد بالسلام عليه فبدا وكأنه منبوذا ومكروها.
 ولكن ميراي دارك كانت تقف إلى جانبه بكل افتخار وغير مبالية بنظرات اللوم والعتاب. ثم تجاوز آلان ديلون المحنة وأصبح أشهر شخصية سينمائية في فرنسا ونسي الناس الموضوع وكأن شيئا لم يكن. والآن أصبحت كبريات الشخصيات تترامى على أقدامه.
 


60
المنبر الحر / إتحاد الصداقة..
« في: 14:52 26/06/2006  »
كان مقهى صاحب بقطاع 25 بمدينة الثورة يشكل منذ أوائل عام 1972 محطة مسائية لبرنامجنا الليلي الذي يبدأ بحساب ما لدى العمال والموظفين بيننا من نقود وهل تكفي (( للنزول )) الى شارع السعدون للتجمع ثانية في كازينو البتاوين لجرد مالدى أصدقائنا ثانية إضافة الى ما في جيوب من ينظمون إلينا وضمان كفايتها لمستلزمات السهر في أحد البارات الممتدة خلف ظهر المقهى..
     كان الموظفون والعمال من أصدقائنا يتحملون وزر وتكاليف سهراتنا اليومية وشبه اليومية ومن بينهم الموظف كاظم إسماعيل الكاطع وعامل الكهرباء عبدالحسين حافظ  ولاعب نادي السكك فالح حسون الدراجي وحداد التسليح منعم الربيعي والنجار الشهيد عواد عبدالواحد. أما من شملهم الإعفاء من المصاريف الخمرية فأشهرهم طالب معهد المعلمين كريم العراقي وطالب السادس العلمي داود سالم والرسام الشهيد عدنان وطالب كلية العلوم المرحوم هادي السيد حرز وطالب الأول المتوسط  رحيم العراقي الذي كان يغلب عليه إسم : رحيم أخو كريم..الى أن أهدى له الشاعر الكاطع ديوانه الثالث ( العيد أبو هلالين ) بعبارة :الى الشاعر رحيم..فكان بمثابة إنتقالة نوعية . وكان العشرات من الشيوعيين من مناطق بغداد والمحافظات يزوروننا في المقهى أو يختصرون الطريق فيذهبون الى مقهى السعدون كذلك بضعة بعثيين ممن يرتبطون ببعضنا بعلاقات ثقافية ومنهم بشير العبودي ومكي الربيعي وعبد علي الأطرش وأصدقاء من المنتدى الأدبي الذي كان من بين أعضائه خزعل الماجدي وعبدالله صخي وعبد جعفر وحسن المرواني وعبدالحسين صنكور والمرحوم حسن جعفر.. كان الأغلب ينشرون قصائدهم في جريدة الراصد وأنا من بينهم حيث نشرت قصائدي المبكرة عام1972 ..ولم تتواصل الأيام بذات التكرار فقد كنا في الليالي الصيفية التي لا نسهر فيها خارج مدينتنا لإسباب إقتصادية نغادر المقهى بعد منتصف الليل ونتمشى نحو أبي جعفر الكردي الذي يبيع الرقي في العراء.. ونأكل ما يتيسر لنا من الرقي على أضواء اللوكس.. وبعد أن نشبع يقول له عبدعلي:  سجلها دين علينا. فيسأله أبو جعفر: إنت مُصوكَر يدفع..؟آني يندعيكم كَلابية ركَي..
يجيبه عبدعلي : مصوكَر يدفع  مُصوكَر..
وتنفيذاً لتعليمات ( من فوق ) شكلنا فريقاً بكرة القدم في مقهى صاحب أطلقنا عليه إسم : إتحاد الصداقة .. وتوزعت المهام والمراكزعلى :كاظم إسماعيل الكاطع رئيس فخري للفريق وعبدالحسين حافظ رئيس الفريق وكريم العراقي كابتن الفريق . وكان اللاعب المحترف الوحيد بيننا هو فالح ولكنه لا يستطيع اللعب ضمن فريقنا  بسبب لوائح ناديه الشهير فأصبح مدرباً للفريق.. ومن اللاعبين : جلوب الكاطع حارس مرمى وعدنان وسعدون وحسين ريشان وداود ورحيم و..آخرون..وبعد أسبوعين من التمارين قررنا أن نتحدى فريق إتحاد الثورة الذي يُعتبر فريق البعثيين والذي يلعب بين صفوفه أشهر لاعبي بغداد آنذاك..كانت مغامرة غير محسوبة خاصة وأن بيننا من تجاوز الثلاثين دون أن يجرب لعب كرة القدم  كمنعم الربيعي ولدينا تسعة مدخنين من أصل أحد عشر لاعباً يتكون منهم الفريق.. وهكذا جرت المباراة عصر يوم ساخن من أيام صيف عام 1972 ..بدأ فريقنا بقوة لكنه تهالك بعد ربع ساعة من الشوط الأول وبدأ لاعبوه يلهثون ويسعلون بشدة..وفي الدقيقة العشرين أحرز الخصوم هدفهم الأول ..تبعه الثاني بعد دقيقتين .. ومن هجمة مرتدة أحرزت أنا هدف فريقنا الأول وعند عودتي من بين جمهورنا  الذي كان يقبلني  وجدت أن الفريق الآخر قد سجلوا هدفهم الثالث..وقاد لاعبنا سعدون هجمة مرتدة أخرى وحّول الكرة الى الناحية الأخرى التي كان كريم يشغلها بإعتباره الجناح الأيسر .. لكننا فوجئنا بعدم وجوده حيث غادر الملعب لتدخين سيكارة..إنتهى الشوط الأول بنتيجة ثلاثة أهداف لإتحاد الثورة مقابل هدف واحد لنا..وفي وسط الملعب جمعنا رئيس الفريق عبدالحسين حافظ قائلاً : _اليوم نكَعد بليالي السمر..أكَول ..إشكَد النتيجة..؟
..في الشوط الثاني سجل إتحاد الثورة هدفين مقابل هدف واحد سجله سعدون عندما كان يحاول تمرير مناولة لكريم لكن قدمه إرتطمت بالأرض فأحرز لنا هدفاً دون قصد منه.. وقبل نهاية المباراة بدقائق كان جميع لاعبينا غير قادرين على التحرك.الى درجة جعلت مدربنا فالح يقول للاعب داود:داود إذا متصير زحمه إذا الطوبة فاتت من يمك إضربهه..
إنتهت المباراة بخسارتنا ب 5 أهداف مقابل هدفينا أنا وسعدون..وعدنا الى مقهى صاحب ونحن نسحل أقدامنا بصعوبة ..ووجدنا رئيسنا الفخري كاظم الكاطع بباب المقهى ينتظر وصولنا..متسائلاً:
_ ها كريم ..شنو النتيجة..؟ أجابه كريم العراقي :
_ تعادلنا 5_2.... 


ملاحظة : شكراً للأصدقاء عبدالله صخي و جمال جعفر و حسين ريشان وداود سلمان موسى الذين صححوا بعض الأسماء والأحداث أو شكروا لنا جهدنا المتواضع الذي لم يتجاوز الذكرى..ر.العراقي   

61
الكلدوآشوريين السريان والأطباق الطائرة

ليست لدي مراجع تاريخية ولا مصادر من أي نوع يمكن الإستفادة منها في كتابتي عن هذا الموضوع ذي العنوان الفضفاض والرنان معاً ..ولكنني سأمضي في ذلك رغم قلة زادي وزوادي معتبراً ذلك من قبيل إختبار المعلومات رغم خشيتي من الأخطاء القاتلة التي يمكن ان يرتكبها كاتب مسرحي مثلي محدود التجارب والآفاق والمعارف السياسية.. ولأبدأ من البديهيات التي أعرفها...
الذي أعرفه جداً أن الكلدوآشوريين السريان هم أقلية قومية مسيحية عراقية وليسوا بأقلية كردية..وأن عددهم كان بحدود مليوني نسمه .. وأنهم السكان الأصليون لمناطق : هكاري وسلاميس واورميا و دياربكر وسيواس وأورفه وجزيرة وكرخسلوخ ونوهدرا وأربئيلو وزاخوثا وذلك قبل ان يظهر الأكراد في العراق قبل ثلاثة قرون و الذين إستخدمتهم الدولة العثمانية ( بإعتبارهم من السنة ) لمحاربة الصفويين والحد من نفوذهم في العراق..واعرف من مصادر قرأتها في صباي أن الكلدوآشوريين السريان تعرضوا الى حملات إبادة وحشية في النصف الأول من القرن التاسع عشر من قبل أميريّ السوران وبوتان في هكاري وطورعبدين وزاخو ونوهدرا وسهل نينوى وأربيل .. كما تعرضوا الى مجازر متفرقة لاحقة أبشعها حدث في الربع الأول من القرن العشرين إضافة الى محاولات إجبارهم على الدخول الى الدين الإسلامي.. ورغم كل تلك المعاناة شاركوا أخوتهم الأكراد في النضال ضد حكومة البعث الصدامية إيماناً منهم بعدم التعنصر وإثارة الضغائن والتشبث بحقوق مضاعة.. ولكنهم رغم ذلك أصبحوا عائقاً أمام طموح بعض القيادات الكردية في الإمتداد والتوسع والإنفصال.. وأن عليهم ان يذوبوا في كيان كردي خامل وسياق منسي يتفق والمستجدات التي من بينها أنهم أصبحوا بسبب العوامل التي مرّ ذكرها فئة قليلة لهم في الهنود الحمر أسوة حسنة..وهذا لا ينفي وجود قوى كردية تنظر الى الكلدوآشوريين السريان بعين التقدير والإنصاف وتأييد مطالبتها بحقوقها القومية..هذا ما أعرفه عن الكلدوآشوريين السريان وبقي مالا أعرفه ..
 هل يضطر الكلدوآشوريين السريان الى الإنتماء الى أحزاب كردية رئيسة_ كما فعل أكراد وسط وجنوب العراق بإنتمائهم الى حزب البعث أيام صدام_ ليعيشوا بامان وإستكانة وربما تشملهم رعاية إسرائيل ..؟..أم يواصلوا العمل السياسي المستقل و المطالبة بحقوقهم القومية الكاملة ..؟ أم ينتظروا المتغيرات ومراجعة الأكراد للتأريخ ولأنفسهم ليمنحوا الحقوق القومية للكلدوآشوريين السريان على طبق من ذهب..؟
 

62
مؤلف كتاب : تاريخ الإشتراكية الفرنسية هو البروفيسور بيير بيزباخ استاذ الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة باريس. وكان قد نشر سابقاً عدة كتب نذكر من بينها: قاموس الاقتصاد 2003، وتاريخ فرنسا 2003. وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن التاريخ الطويل العريض للحركة الاشتراكية الفرنسية، ولكي يلم بها جيداً نلاحظ انه يقسم كتابه الى ثلاثة أجزاء كبرى، وكل جزء يتفرع الى عدة فصول. في الجزء الأول يتحدث المؤلف عن بدايات الحركة الاشتراكية في فرنسا تحت عنوان: الاشتراكية الفوضوية ـ الثورية 1789 ـ 1889.

وهنا يتحدث المؤلف عن انبثاق فكرة المساواة لأول مرة في فرنسا التي كانت ارستقراطية اقطاعية تحتقر الشعب وتفصل بينه وبين الطبقات العليا في المجتمع. كما ويتحدث عن سقوط النظام الملكي وحلول النظام الجمهوري محله وصعود نجم نابليون بونابرت وتأسيس الامبراطورية الفرنسية.

ثم يتحدث بعدئذ عن اندلاع الثورة الصناعية التي أدت الى ظهور المعامل وبالتالي طبقة العمال بعد ان كانت فرنسا بلداً زراعياً بالكامل تقريباً. وظهور الطبقة العمالية واستغلال البورجوازيين والرأسماليين لها هو الذي أدى الى انبثاق الفكرة الاشتراكية.

ويرى البروفيسور موريس اغولهون الذي كتب مقدمة الكتاب أن فكرة الاشتراكية في مفهومها الأولي كانت تعني القاء نظرة نقدية على المجتمع. وقد نتجت عنها الإرادة الأخلاقية في تغيير المجتمع نحو الأفضل.

فالاشتراكيون منذ البداية كانوا يعتقدون بأنه يوجد في المجتمع الفرنسي سعداء وتعساء، أغنياء وفقراء، مستغلون بكسر الغين ومستغلون بفتحها، وان ذلك كله ينبغي ان يتغير، وهذا يعني ان تغيير هذا الوضع شيء شرعي بل وواجب علينا اذا كنا نؤمن بالنزعة الانسانية ونحس بآلام الفقراء المدقعين أو الجائعين.

وبالتالي فإن الاشتراكية هي تلك العقيدة المضادة للوضع القائم على عكس المسيحية التي كانت توصي أتباعها بقبول الواقع كما هو لأن الله خلق الناس على هيئة أغنياء وفقراء ولا ينبغي بالتالي تحدي أمر الله أو إرادته. ولهذا السبب اندلعت المعارك بين الاشتراكية والسلطات الكنسية التي اتهموها بالرجعية بل وخيانة الإنجيل لأنها لم تعد تدافع عن الفقراء كما أوصى بذلك عيسى بن مريم عليه السلام.

وينتج عن ذلك ان الاشتراكية هي عقيدة حديثة وعلمانية لمجرد انها تدعو الى تغيير المجتمع ونقله من حال الى حال.كما انها ارتبطت فيما بعد بفكرة الديمقراطية.

ثم يردف المؤرخ الكبير قائلاً: يبدو ان الفلسفة الاشتراكية في بدايتها كانت تعني معارضة الإغراق في الأنانية والنزعة الفردية، بمعنى آخر فإنها كانت ضد الليبرالية المتطرفة التي تفتح الأبواب مشرعة على كل الحريات الفردية، ولكن أيضاً على كل المنافسات الوحشية التي لا ترحم والتي لا ينتصر فيها إلا القوي والغني.

وهي تؤدي بالطبع الى سحق الضعيف والفقير تحت الأقدام. وللدفاع عنهم ظهرت الفكرة الاشتراكية. وبالتالي فمضمونها انساني النزعة منذ البداية ولذلك جذبت اليها كل ذوي النيات الطيبة وقد وصل الأمر بالشاعر الكبير فيكتور هوغو الى حد الإعلان بأنه اشتراكي لانه مفعم بالنزعة الإنسانية والتعاطف مع الفقراء.ولولا ذلك لما كتب رواية «البؤساء» الشهيرة.

وبدءاً من عام 1830 راح الاشتراكيون الفرنسيون ينظمون انفسهم في مجموعات صغيرة سرية مطاردة من قبل النظام.

وكانت السلطة تخلط بينهم وبين الجمهوريين أحياناً. هؤلاء الجمهوريون الذين كانوا يصلون الى السلطة من حين لآخر ولوقت عابر قصير.

ثم نال الاشتراكيون المشروعية السياسية في أواخر القرن التاسع عشر وفي ظل الجمهورية الثالثة. وأصبح لهم الحق في تنظيم أنفسهم داخل حزب محدد. ولكن العدالة الاجتماعية لم تكن حكراً عليهم أو على فلسفتهم. فعلى يمينهم كان الجمهوريون البورجوازيون يعتقدون بإمكانية حل مشكلة الفقر عن طريق إصدار قوانين عادلة وبدون قلب النظام القائم على الملكية الفردية والمبادرة الرأسمالية. وأما على يسارهم فكان يوجد الفوضويون، أي اليساريون المتطرفون الذين لا يؤمنون بإمكانية تغيير الأمور وتحسين أوضاع العمال والفلاحين والطبقات

الشعبية عن طريق النظام القائم حتى ولو كان جمهورياً بورجوازياً ولذلك كانت الثورة الانقلابية هي هدفهم. ثم يردف المؤرخ الكبير قائلاً: في عام 1920 عقد مؤتمر كبير في مدينة «تور» لكل الاشتراكيين الفرنسيين من معتدلين ومتطرفين. وحصل عندئذ الانشقاق الشهير بين هذين التيارين.

وهذا ما أدى إلى تشكل حزبين لا حزب واحد: حزب المعتدلين الاشتراكي، وحزب المتطرفين الشيوعي. ومنذ ذلك الوقت وحتى اليوم نلاحظ أن الحركة الاشتراكية الفرنسية مقسومة إلى قسمين: اشتراكي وشيوعي.

والقسم الأول كان يدعو إلى تغيير النظام البورجوازي عن طريق الإصلاح المتدرج. وأما القسم الثاني فكان يدعو إلى تغييره عن طريق العنف: أي الثورة. وقد شجعهم على ذلك اندلاع ثورة أكتوبر في روسيا عام 1917 وتشكل الاتحاد السوفييتي لاحقاً.

وقد كان الاتجاه الشيوعي هو الأقوى داخل الحركة الاشتراكية الفرنسية منذ الأربعينات وحتى الثمانينات تقريباً.

وقد وصل الأمر بأحدهم إلى حد القول: بين الديغوليين والشيوعيين لا يوجد أحد! بمعنى أن كل الأحزاب الأخرى كانت صغيرة ما عدا هذين الحزبين اللذين خرجا منتصرين بعد الحرب العالمية الثانية.

ولكن التيار الشيوعي في فرنسا فقد الكثير من هيبته ومصداقيته بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وفشل الأنظمة الشرقية في تحقيق مجتمع العدالة الاجتماعية الذي كانت تحلم به. ولهذا السبب فإن التيار الاشتراكي تغلب على التيار الشيوعي في فرنسا بدءاً من عام 1981 تاريخ وصول أول رئيس اشتراكي إلى سدة السلطة: فرانسوا ميتران.

فبعد أن كانت نسبة الأصوات التي يحصل عليها الحزب الشيوعي في الخمسينات والستينات تصل إلى 25% من أصوات الشعب الفرنسي أصبحت في أواخر الثمانينات 8% أو حتى 5%. وهكذا فقد الحزب الشيوعي قواعده الشعبية تدريجياً لكي يحل محله الحزب الاشتراكي الذي يدعو إلى الوسطية والاعتدال واتباع الخط الإصلاحي، لا الثوري، في التغيير السياسي والديمقراطي. وارتفعت نسبة التصويت له من 5% في بداية القرن العشرين إلى 30 أو 35% في نهاياته..

وهذا هو أكبر تحول طرأ على السياسة الفرنسية طيلة الربع قرن المنصرم. ولكن يبقى صحيحاً القول بأن انتصار الاشتراكيين على الشيوعيين كان انتصاراً حزبياً لانه لم يؤد الى حل المشاكل العالقة وفي طليعتها مشكلة الفقر وعدم تحقيق العدالة الاجتماعية. وأكبر دليل على ذلك ما حصل في فرنسا مؤخراً من انتفاضات ومظاهرات شعبية عارمة. وبالتالي فلا يزال للتيار اليساري المتطرف مستقبل أمامه.

63
دراسات، نقد وإصدارات / غوغان
« في: 09:03 14/06/2006  »
مؤلفة كتاب : غوغان هي الباحثة ماريا بلانكو المختصة بدراسة الفن الحديث بشكل عام، والدراسة الانطباعية بشكل خاص، وهي هنا تقدم سيرة ذاتية عن واحد من أكبر الفنانين في العصور الحديثة: بول غوغان، فمن هو هذا الفنان الرائع يا ترى.
ولد بول غوغان يوم 7 يونيو من عام 1848: أي قبل اندلاع الثورة العمالية بأسبوعين فقط، ومعلوم أن الأمير لويس نابليون بونابرت قام بانقلاب عسكري واستلم الحكم لكي يقضي على هذه الثورة الاحتجاجية الغاضبة، وعندئذ اضطر كلوفيس غوغان، والد الفنان المقبل، إلى مغادرة فرنسا والعيش في المنفى الأميركي ـ اللاتيني (البيرو)، ولكن والده مات أثناء الرحلة وخلّف وراءه أرملته «ألهين» وطفلين. وقد استقبلهم لدى وصولهم إلى عاصمة البيرو جده الذي كان قد أصبح غنياً وقوياً هناك.
ثم يردف المؤلف قائلاً: وهناك بقي بول غوغان ست سنوات قبل أن يعود مع عائلته إلى فرنسا، وقد شعر الطفل بول بالاغتراب والحزن لأنه غادر بيرو، ولم يكن يفهم الفرنسية جيداً ولا يحب الدراسة والمدرسة، كان يعيش في الخيال والحلم، كان يشعر بالحنين إلى السفر.
وعندما أصبح عمره سبعة عشر عاماً انخرط في الملاحة البحرية التجارية في مدينة الهافر، وهناك انخرط قبله الفنان الكبير مانيه عام 1848 كبحار، وعندما ركب بول غوغان الباخرة وانطلقت راح ينظر إلى شواطئ فرنسا وهي تبتعد عنه.
وكانت وجهة احدى المدن الكبرى في أميركا اللاتينية ريو دي جانيرو، وقد شعر بالسعادة عندما عاد إلى القارة التي شهدت طفولته وتفتحه على الحياة لأول مرة، ومعلوم أنه ظل يحن إليها ويتمنى الخروج من فرنسا.
ثم زار قبر والده وانحنى أمامه طويلاً. وبعدئذ ذهب إلى جزيرة بنما وبقية الجزر الأخرى. وفي أثناء ذلك كانت أمه تحتضر في فرنسا. وعندئذ عاد إلى البلاد، حيث كانت أخته تنتظره، وكانت الحرب بين فرنسا وبروسيا (أي ألمانيا) قد اندلعت للتو، فعاد بول غوغان إلى سفينته لجوب البحار من جديد، وفي كل ميناء كان يلتقي بامرأة فيحبها قليلاً ثم يرحل. ثم سمع بأن البروسيين حرقوا بيت أخته في منطقة سان كلود بضواحي باريس.
وعندئذ عاد إلى فرنسا من جديد لكي يبتدئ مهنة جديدة هي: فن الرسم، وكان ذلك عند صديقه الحميم «أروزا» وهناك التقى بفتاة دانماركية تدعى «ميت صوفيا غاد» فتزوجها عام 1873، وقد أنجبت له خمسة أطفال.
ثم التقى عند أصدقائه في ضواحي باريس بالفنان الانطباعي الشهير: بيساردو، وقد نصحه بأن يرسم باللون الفاتح لا الغامق. ثم قبلوا بأن يعرضوا له احدى لوحاته في صالون باريسي عام 1876.
وفي البداية اختلف مع مانيه وجماعته، ولم يقبل بالانضمام إلى الفن الجديد، كان يريد أن يصبح زعيم مدرسة في الفن لوحده. ثم التقى بعدئذ بكبار الفنانين الذين سيشغلون العالم في القرن التاسع عشر، بل وحتى الآن: سيزان، ديفا، رينوار، مونيه، مانيه.. الخ.
ثم يردف المؤلف قائلاً: ولكن بعد أن ترك عمله الذي يؤمن له راتباً شهرياً، وقرر تكريس كل وقته للرسم، ساءت أمور المادية، وعندئذ قررت زوجته أن تعود إلى الدانمارك مع أطفالها لأنها لا تستطيع أن تعيش في حالة البؤس والفقر المدقعين. وهكذا تركته وابتعدت عنه ظانة أنه لن ينجح في الحياة.
وهكذا ابتدأ غوغان حياة جديدة مليئة بالوحدة، والعزلة، والحرمان المادي، وفي برد الشتاء كان يجد نفسه مع ابنه وهو فقير معدم لا يمتلك إلا ثمن الخبز، وعندئذ سقط الطفل مريضاً، فراح والده يداويه ويسهر عليه، ولم يستطع الفقر أن يكسر عزيمته، فقد كان يحمل في داخله مشروعاً كبيراً: فن الرسم، وكان يعرف أن ساعته ستجيء، فالعبقرية في داخله ولم تتفتح بعد بالشكل الكافي، ثم قرر أن يذهب للعيش في منطقة الريف بعيداً عن باريس، وهناك قضى معظم الصيف والتقى ببعض الرسامين الآخرين، وقد وصف له أحدهم الحياة الجميلة في احدى الجزر المقابلة لجزيرة بنما، فقرر السفر إلى هناك للعيش بشكل بدائي من دون التفكير في الوقت أو في هموم الحياة المعيشية، وهذا دليل على مدى سذاجته وعبقريته في آن معاً.
ولكن سرعان ما خابت آماله وانتهت فلوسه، فعرض نفسه من أجل العمل في قناة بنما، وكانوا قد ابتدأوا بشقّها، وكان يهدف إلى جمع بعض المال، ثم السفر إلى جزر المارتينيك، وهناك التقى برسام آخر، وسقط كلاهما صريع المرض، ولكنه استمر في الرسم على الرغم من كل شيء.
ثم عاد بعدئذ إلى فرنسا ونزل في أحد الفنادق مع رسامين آخرين، وهناك وقع في حب بنت أحد الفنانين وتدعى مادلين، ولم يكن عمره يتجاوز السابعة عشرة، ثم اختلف مع والدها بعد ثلاث سنوات من ذلك التاريخ بسبب التنافس على الفن واختلاف تصورهما له.
ويضيف المؤلف قائلاً: وهنا يتدخل شخص جديد في حياة غوغان هو: فانسان فان غوخ، فمنذ أشهر عديدة وهو يدعوه للالتحاق به في جنوب فرنسا، وفي مدينة «آرل» على وجه التحديد، وأخيراً قبل غوغان أن يلبي الدعوة وابتدأت مرحلة جديد، وربما حاسمة في حياته، وقد تكفل أخو فانسان، نيو فان غوخ، بالأكل والشرب والسكن واللبس لكلا الفنانين مقابل تسويق بعض لوحاتهما لحسابه الخاص.
ولكن طباع غوغان كانت صعبة بل وقاسية إلى حد ما. فهو لم يشكر فان غوخ على ضيافته ودعوته له للمجيء إلى «آرل» والجنوب الفرنسي، حيث يطيب له الرسم، وحيث تتوافر الطبيعة الجميلة المليئة بالأضواء والألوان وأنوار النهار المشمسة، ثم نظر غوغان من حوله بعد أن وصل إلى البيت الذي يسكنه فانسان فان غوخ ورأى جدرانه مليئة باللوحات التي رسمها الفنان العبقري شبه المجنون.
ولكن لم يعجبه شيء، وراح ينتقدها وينتقد كل علاقات الفنان وصداقاته وأعماله، وهذا ما أثر على نفسية فان غوخ الحساسة جداً والمرهفة، ثم فرض غوغان نفسه عليه وكأنه أستاذه في فن الرسم!
واندلعت بينهما المناقشات الحامية بخصوص تصورهما للفن الرائع وكيفية ممارسته، وأصبحت علاقتهما متوترة إلى أقصى الحدود بسبب الطباع العدوانية لغوغان، وفجأة وقع ما لا تحمد عقباه، فقد هجم فانسان فان غوخ على غوغان وبيده شفرة حلاقة لقتله، ولكن بدلاً من أن يضربه راح يقطع أذنه بالشفرة في حركة تدميرية للذات، وعندئذ عاد غوغان إلى باريس تاركاً غوخ يواجه مصيره المرعب بنفسه، وهكذا عاش فان غوخ آخر أيامه وأذنه مقطوعة.
وبعد إقامة قصيرة في باريس قرر غوغان السفر إلى الأماكن البعيدة، الأماكن القصية من أجل تجديد إلهامه أو شحذه من جديد، وهكذا سافر إلى جزيرة تاهيتي، حيث اشترى كوخاً في حضن الطبيعة لكي يرسم أجمل الأشجار والأزهار والألوان والحقول البدائية والوحشية.
وفجأة تدخل عليه فتاة صغيرة فلاحة في الثالثة عشرة من عمرها، وتصبح نموذجه في فن الرسم، ثم عشيقته وزوجته. وعندئذ انفجرت عبقريته فرسم سبعين لوحة من أجمل اللوحات، وكانت مليئة بالألوان البدائية والنداوات الصوفية والحنين إلى الأبدية والخلود، وقال بما معناه: الله جميل يحب الجمال، الله لا ينتمي إلى عالم المناطقة أو العلماء، وإنما إلى عالم الشعر والحلم والخيال، وفن الرسم هو من وحي الألوهة، والله هو الجمال المطلق.
وراح غوغان يعبّر عن الموضوعات الدينية من خلال الرؤى الطبيعية البدائية والغرائبية، لقد جاء غوغان إلى تاهيتي عام 1891 من أجل تجديد فنه، فقد كان يبحث عن مناظر طبيعية خلابة وجديدة كلياً، وكان بحاجة إلى عزلة كاملة ووحدة مطلقة من أجل الإبداع.
فخياله الوثاب كان في حاجة إلى مثل هذه المناظر البدائية التي تمثل البراءة المطلقة، كان حلمه الداخلي بحاجة إلى حوافز خارجية لكي يتفتح، وعلى هذا النحو أصبح غوغان شاعراً كبيراً تخلت عنه أو قد تخلى عنها، ثم فقد ابنته المفضلة «ألين»، ثم أصبح فقيراً بائساً على الرغم من لوحاته الرائعة التي لم يقدرها أحد حق قدرها، وكان يعيش في خوف دائم من ألا تصله من فرنسا الفلوس مقابل بيع لوحاته، ولذلك قرر الانتحار، ولكن قبل أن يفعل فعلته قرر أن يرسم أعظم لوحة في حياته لكي تكون بمثابة وصيته الروحية.
ثم مات غوغان في الخامسة والخمسين من عمره فقيراً معدماً وبائساً، لكي تباع لوحاته بعد موته بمئات عدة من ملايين الدولارات!! تماماً كما حصل لصديقه اللدود: فانسان فان غوخ، فهل هذه هي ضريبة الفن والعبقرية؟

 

64
مؤلف هذا الكتاب هو البروفيسور روبرت سيرفيس الأستاذ في جامعة أوكسفورد. وهو أحد كبار الاختصاصيين الانجليز في الشؤون الروسية ماضياً وحاضراً. وكان أحد أوائل المؤرخين الذين أتيح لهم أن يتوصلوا إلى الأرشيف السوفييتي بعد انهيار النظام الشيوعي. ولد البروفيسور سيرفيس عام 1947 وأكمل تعليمه العالي في جامعة كامبردج حيث درس التاريخ الروسي والفكر اليوناني القديم. وقد اشتغل في جامعات ايسيكس وليننغراد ولندن قبل أن يلتحق بأوكسفورد عام1998
    وقد نشر بين عامي 1986-1995 ثلاثية ضخمة عن قصة حياة لينين. كما ألف دراسات عديدة عن التاريخ العام لروسيا في القرن العشرين. وقد لقيت مؤلفاته صدى واسعاً لدى الجمهور الانجليزي العام وليس فقط لدى الاختصاصيين                     
      وهو الآن منخرط في كتابة سيرة ضخمة عن حياة ستالين وتروتسكي. ويبدو أن الجزء الأول منها صدر عام 2004. وكان نشر كتاباً كبيراً عن تاريخ روسيا الحديثة بين القيصر نيكولا الثاني وفلاديمير بوتين. وكذلك نشر كتاباً عن تاريخ الثورة الروسية.
وفي هذا الكتاب الأخير عن روسيا: تجربة مع شعب يتحدث المؤلف عن أحوال تلك البلاد بعد سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991. إنه يتناول تجربة روسيا من مختلف النواحي: الاقتصادية، فالسياسية، فالثقافية، فالاجتماعية.. الخ. 
يقول المؤلف بما معناه: بعد موت ليونيد بريجينيف شهد الاتحاد السوفييتي أزمة كبيرة سياسياً، واقتصادياً، ودبلوماسياً. في الواقع إن هذه الدولة التوتاليتارية كانت مبنية على الإيديولوجيا، على الأقل نظرياً. ولكن في حقيقة الأمر فإن الماركسية ـ اللينينية لم تكن إلا واجهة خادعة. لماذا ؟ لأن الدستور الصادر عام 1977 مفرغ من معناه لسبب بسيط: هو أن السكرتير العام للحزب ينزع من المؤسسات كل سلطة ممكنة.
 فالشعار المطروح كان هو التالي: السلطة هي الحزب، والحزب هو السلطة. الحزب هو الذي ورث السلطة عن القياصرة وطبقة النبلاء الروس السابقة. وبالتالي فالسلطة هي في يد اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، ثم بالأخص المكتب السياسي. ضمن هذا المعنى فإن المجلس السوفييتي الأعلى وكذلك مجلس الوزراء لا يمتلكان أي سلطة حقيقية. إنهما عبارة عن واجهة تختفي وراءها السلطة الحقيقية.
وبالتالي فلا مؤسسات رسمية ولا من يحزنون.وكذلك الأمر فيما يخص المناطق والجمهوريات الاتحادية. فالسلطة الفعلية كانت في يد الحزب لا الدولة. صحيح أن الحكومة المحلية كانت تتجسد في شخص جورجي أو أوزبكي أو قوزاقي، الخ. ولكن السلطة الفعلية كانت في يد السكرتير العام المحلي للحزب الشيوعي. وهو روسي عموما. وبالتالي فالعنصر الروسي كان يسيطر على كل جمهوريات الاتحاد السوفييتي.
يضاف إلى ذلك أن بريجينيف كان مريضاً أكثر فأكثر في السنوات الأخيرة. ولذلك ترك السلطة في أيدي الأوليغارشية: أي حكم الأقلية التي تهيمن عليها جماعة صغيرة هدفها الاستغلال والمنفعة الشخصية. وهكذا انتشر الفساد وأصبح عاماً شائعاً في كل أنحاء البلاد.   
وأصبح بعض أعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي من أمثال سوسلوف يمتلكون سلطة لا محدودة تقريباً. فقد كان يسيطر على دور النشر، ووسائل الإعلام، ووكالة تاس للأخبار، واتحاد الكتاب والمؤلفين. كان يعتبر بمثابة الفيلسوف أو المنظّر الأكبر للحزب. 
وباسم ذلك كلفوه بمراقبة الطوائف الدينية وبخاصة الكنيسة الأرثوذكسية التي تشكل الأغلبية التاريخية في روسيا. كما كلفوه بمسؤولية العلاقات مع الأحزاب الشيوعية الأجنبية. باختصار فإن المجموعة الصغيرة التي كانت تحيط ببريجينيف كانت تمتلك كل السلطات. وأحياناً كانت تمارسها بدلاً عنه لأنه مريض.
  ثم يضيف المؤلف قائلاً: وهناك سبب آخر أدى إلى انهيار الاتحاد السوفييتي هو: الأزمة الاقتصادية المتفاقمة. فالقطاع الزراعي كان في حالة يرثى لها. وقد زاد من تدهور الأوضاع انخراط ريغان في حرب النجوم المكلفة جداً: أي في صناعة الصواريخ المضادة للصواريخ جواً. 
ولأجل ذلك ضاعف من ميزانية وزارة الدفاع عام 1985 فأصبحت 258 ملياراً: أي ما يشكل 3,6 بالمئة من الدخل القومي الأميركي. ولكي يرتفع الاتحاد السوفييتي الى مستوى التحدي كان مضطرا لزيادة ميزانيته الدفاعية أيضا فأصبحت 250 مليار دولار: أي ما يشكل 15 بالمئة من مدخوله القومي.
     وهذه نسبة كبيرة. وقد أدت إلى تقليص ميزانيات الوزارات الأخرى وحرمان الشعب من خدمات استهلاكية كثيرة. وهكذا انخفض مستوى حياة الشعوب السوفييتية بسبب هذه المنافسة المحمومة على التسلح، وربما كانت أميركا قد فعلتها قصدا لكي تنهك الاتحاد السوفييتي وتعجل في انهياره.
 وهذا ما حصل عام 1991. وعندئذ انفجر هذا الكيان الاصطناعي الضخم وظهرت على أنقاضه روسيا جديدة. وهكذا تقلصت حدود روسيا إلى ما كانت عليه في أواخر القرن التاسع عشر وبداية العشرين: أي ما قبل الثورة البلشفية وتشكل الاتحاد السوفييتي.
 بل وحتى الأراضي التي كانت قد انضمت إلى روسيا في القرن السابع عشر كالجمهوريات البالطية «البلطيق» استقلت عن روسيا وانفصلت.
وهكذا فقدت روسيا مكانتها كقوة عظمى بين عشية وضحاها. وانهار الاتحاد السوفييتي كقصر من كرتون أو كنمر من ورق. ولكن هذا لا يعني أن كل مشاكل روسيا انتهت! على العكس لقد تفاقمت. فالمجتمع الروسي السابق كان مجتمع المساواة بين المواطنين. صحيح أنهم كانوا فقراء عموماً بالقياس إلى الشعوب الغربية ولكنهم كانوا متساوين فيما بينهم إذا ما استثنينا الطبقة الحزبية التي تتمتع بكافة الامتيازات والحقوق.
أما المجتمع الجديد الذي نهض على أنقاض المجتمع الشيوعي القديم فقد انتقل بروسيا بشكل مباغت وفج من عصر الاشتراكية إلى عصر الرأسمالية. وعندئذ ظهرت التفاوتات الضخمة بين الطبقات. عندئذ افتقرت الطبقات الوسطى وعموم الشعب لكي تغتني طبقة الرأسماليين الجدد فقط. وهي طبقة وصولية، انتهازية من الدرجة الأولى. وقد أصبح أعضاؤها من أصحاب الملايين أو المليارات في ظرف سنوات معدودات أو حتى أقل، ورحنا نسمع بطبقة الأغنياء الجدد في روسيا لأول مرة.
  وأخذوا يظهرون بملايينهم وبطرهم وجشعهم في عواصم الغرب من باريس، إلى لندن، إلى نيويورك، إلى برلين، إلى الشاطئ اللازوردي. وراحوا يشترون الفيلات الفخمة والقصور بأسعار خيالية، وحلوا تقريبا محل أغنياء الخليج وأصحاب البترول الذين سادوا في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.
 وفي الوقت ذاته كان الشعب الروسي يتضور جوعاً. وبالتالي صحيح أنه ربح الحرية بسقوط الشيوعية ولكنه خسر لقمة العيش. وأخذ الكثيرون يتحسرون على النظام السابق على الرغم من دكتاتوريته وإرهابه البوليسي. ويمكن القول بأن نسبة 30 إلى 35 بالمئة من الشعب الروسي أصبحت تعيش تحت مستوى عتبة الفقر في روسيا الديمقراطية والرأسمالية. وهي نسبة كبيرة وغير محتملة. نقول ذلك وبخاصة أن الشعب الروسي يرى على شاشات التلفزيون كيف تعيش طبقته الرأسمالية الجديدة في أحياء موسكو الراقية أو أحياء مدينة سان بطرسبورغ التي ألغت اسمها السابق ليننغراد: أي مدينة لينين. بل وكانت ترى كيف يعيش الأغنياء الروس الجدد على الشواطئ الفرنسية والإيطالية وكأنهم أمراء العهد القيصري القديم.


                                                                                                                 رحيم العراقي / دبي



65
تخرجت «تيريز ديلبيش» مؤلفة كتاب : ( التوحش ) من مدرسة المعلمين العليا، وهي إحدى أهم المدارس الفنية العليا، إذ كان من بين خريجيها جان بول سارتر وريمون آرون وغيرهما. وهي أستاذة في الفلسفة وباحثة في مركز الدراسات والأبحاث الدولية وعضو المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن.
سبق لها أن نشرت العديد من الكتب من بينها «الإرث النووي» و«الحرب الكاملة» و«سياسة الفوضى». كذلك نشرت الكثير من الدراسات في المجلات المختصة مثل «السياسة الدولية» و«السياسة الخارجية» حول المسائل الاستراتيجية والمسائل الدفاعية. كتاب تعتمد مؤلفته كتاريخ مفصلي عام 1900.
حيث كانت أشكال التقدم الاجتماعي والانجازات التكنولوجية والمحاولات الجارية آنذاك للحد من الحروب بين الدول، أموراً قد أدت بمجملها إلى تبرير القيام بتشخيص متفائل بالنسبة لمنظمة المستقبل. لكن بعد خمس سنوات فقط نشبت بوادر الحرب اليابانية الروسية وعرفت روسيا ما تسميه المؤلفة ب«ثورتها» الأولى، وهي المعروفة باسم «الأحد الدامي».
كما نشبت أزمة طنجة بين فرنسا وألمانيا، هذه المظاهر كلها رأت بها المؤلفة المؤشرات الأولى للحرب الكونية الكبرى عام 1914 والتي كان بعض المراقبين القلائل قد رأوا بأنها تلوح في الأفق.
ومثلما كان الأمر عشية 1905 ترى مؤلفة هذا الكتاب أن البشرية مهددة من جديد بمرحلة أخرى يسود فيها التوحش، وذلك في سياق حركة متسارعة للتاريخ بدأت منذ قرنين من الزمن.
حيث تبدو الإنسانية منذ ذلك التاريخ وقد دخلت في «ملحمة مجنونة» لم تعد تفهم كثيراً آليات مسارها، هنا تفتح المؤلفة قوسين لتقول ان الروائي الروسي الكبير «ليو تولستوي» هو أفضل من قدم تقلصات هذه الملحمة وصورها، خاصة في عمله الكبير الشهير «الحرب والسلام»، حيث يبدو أن «التاريخ يتقدم بواسطة فأسه الكبيرة».
لكن بعد الحربين الكونيتين، الأولى والثانية،أدت عمليات التدمير والإضرابات التي شهدتها العلاقات الدولية بالقوى الكبرى إلى العمل كي «تعيد وضع العالم على قدميه».
وتشير المؤلفة في هذا السياق إلى مؤتمر باريس عام 1919 في نهاية الحرب العالمية الأولى حيث بذل المنتصرون جهوداً كبيرة من أجل إعادة تعمير أوروبا. لكن هذه الجهود كلها لم تمنع نشوب حرب عالمية طاحنة كبرى بعد عشرين سنة فقط.
وبعد هذه الحرب الثانية كانت هناك اتفاقيات جنيف حول «قوانين الحروب» و«محاكمات نورمبرغ» لمحاكمة مسؤولي النظام النازي، لكن لم يحدث أي شيء من هذا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي «سلمياً»، وهذا يعود إلى حد كبير، كما ترى المؤلفة إلى ان الحرب الباردة كانت بين خبراء وجواسيس أكثر مما هي بين الشعوب.
وفي نهاية سنوات الثمانينات الماضية أدى تدفق المهاجرين وانهيار «أشهر جدار معاصر»، أي جدار برلين إلى استيقاظ مشاعر قوية خاصة لدى البلدان التي كانت قد عانت من التجزئة. لكن هذه المشاعر لم تمس أعماق الضمير الإنساني.
كما كان الأمر قبل أربعين سنة، لكن هذا لا يعني بأنه يمكن للشعوب التي عانت ان تنسى بسرعة ما عاشته ذلك ان أربعين سنة من الحرب «وان كانت باردة» لها آثارها المقيمة في منازل الذين عاشوها.
وضمن السياق نفسه احتاجت فرنسا إلى قرن كامل، هو القرن التاسع عشر، كي «تشفى» من عنف الثورة الفرنسية الكبرى التي قامت عام 1789، هذا مع تأكيد المؤلفة بأنه لا مجال لمقارنة الآلام التي ترتبت عليها مع ما شهده الروس والصينيون والكمبوديون خلال القرن الماضي، وحيث «لا يزال هذا الماضي يزمجر في أعماق الضمائر.
وتصل تيريز ديلبيش، مؤلفة هذا الكتاب، في محصلة رؤيتها للاحداث المؤلمة الكبيرة التي شهدتها الإنسانية خلال القرن العشرين بان «العالم بمجمله لا يزال يعاني من فقدان بوصلة التوجه».
وعلى مدى فصل كامل تشرح المؤلفة كيف ان القرن الحادي والعشرين يتسم أكثر من أية فترة سابقة بالقلق والتخوف من المستقبل، هذا على الرغم من ان العالم الغربي له تقاليد طويلة في عدم رؤية الكوارث المقبلة، فهو لم ير قدوم الحربين الكونيتين ولم يترقب الثورة الروسية ولا سقوط طوابق برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك..
وتتم الإشارة في هذا السياق إلى ان الأوروبيين قد ذاقوا ويلات الحرب أكثر بكثير من الأميركيين ذلك أنهم عرفوا نزاعاً كبيراً كل جيل منذ القرن السابع عشر، ثم إذا كانت رغبة السلام هي «بذاتها» احدى أكثر العواطف نبلاً، فان هذا لا يعني القبول به بأي ثمن فالحرب هي «أسوأ الأمور» .
ولكنها قد تفرض نفسها احياناً، بل وربما تبدو «فكرة جيدة» حيث تضرب المؤلفة مثالاً على ذلك الحروب «الإنسانية» مثل التي قام بها الحلف الأطلسي من اجل انقاذ شعب من الإبادة على أساس اثني في كوسوفو.
وتحت العنوان العريض «العالم عام 2025» اختارت المؤلفة لتصدير تحليلاتها كلمة قالها الشاعر الألماني الكبير «هنريش هاينه» قبل قرون وجاء فيها: «ان الفكر يسبق الفعل كما يسبق البرق الرعود».
إنها تؤكد بان العديد من الإشارات الموجودة في الحاضر تسمح بإلقاء الضوء على المستقبل.. وحيث كانت قدرة قراءة هذه الإشارات هي احد أهم الفنون وأكثرها دقة لدى القدماء، خاصة عندما كان يراد اتخاذ قرارات مهمة.
وتشير في هذا السياق إلى كتاب للمدعو «جيبون» تصور فيه ماذا كانت ستؤول إليه الأمور لو لم ينتصر شارل مارتل عام 732 على الجيوش الإسلامية التي كانت قد انطلقت من اسبانيا، حيث أكد بان اجتياز نهر الراين ما كان له ليكون أصعب من اجتياز نهر النيل أو نهر الفرات سابقاً، ولربما ان أوروبا كلها كانت قد أصبحت تحت راية الإسلام.
وبالاعتماد على دروس الماضي وقراءة الحاضر واستشراف المستقبل من هذا وذاك تشير المؤلفة إلى وجود عدة رهانات أساسية بالنسبة للمستقبل. أنها تعتمد أولاً على كتاب «مارتن ريس» الأستاذ لعلم الفلك الفيزيائي في جامعة كامبردج، والذي يحمل عنوان: «هل هذا هو قرننا الأخير؟».
ويرى «ريس» في هذا الكتاب أن المستقبل مهدد جداً بسبب تطور التكنولوجيات الجديدة مع زيادة عدم قدرة السيطرة عليها، وحيث تعاظمت درجة هشاشة عالم أصبح موصولاً بنيته إلى درجة كبيرة، وحيث ان أية نواقص في الأنظمة الفرعية يمكن ان يكون لها عواقب كبيرة وخطيرة على النظام الشامل كله:
ولا يستبعد أيضا احتمال قيام مواجهة دولية جديدة، قد تكون السيطرة عليها أقل بكثير مما كانت عليه السيطرة على الحرب الباردة في المحصلة تبدو صورة المستقبل كما يرسمها «ريس» متشائمة إلى درجة أنهم اطلقوا عليه تسمية «صاحب نبوءة نهاية العالم».
بالمقابل ترى المؤلفة انه انطلاقاً من الحاضر يمكن القيام بثلاثة رهانات جريئة.. الرهان الأول هو انه ستكون هناك امكانيات كبيرة في عام 2025 لمكافحة الارهاب الدولي بكل صوره ومكوناته، وثانياً هو رهان مختلف حيث يشير إلى القدرة الاستثنائية التي تتمتع فيها شبكات الإرهاب المختلفة في اعادة بناء قوتها، وخاصة من خلال تأثيرها على أجيال الشباب..
وثالثا وجود فارق كبير بين التقدم الذي حققته المجموعات التي تمارس العنف وبين التقدم الذي حققته الحكومات لاسيما بعد القرارات الجديدة التي اتخذتها البلدات الغربية بعد 11 سبتمبر 2001 في ميادين الاستخبارات والقضاء والشرطة لكن تبقى نقطة الضعف الكبيرة لدى المعسكر الغربي، كما تحددها المؤلفة هي تلك التي تظهر على صعيد معركة الأفكار.
هذا لاسيما وان التجربة الأميركية قد برهنت على صعوبة إيجاد سياسات فعالة للهجرة عندما تكون هذه الهجرة كبيرة وتجري في مدة زمنية قصيرة. هذا بالإضافة إلى فارق أن المهاجرين يقدمون إلى أميركا في أفق أن يصبحوا مواطنين أميركيين، والأمر ليس نفسه بالنسبة لأوروبا.
وبالإضافة إلى المشاكل المطروحة على صعيد تعامل النسيج الاجتماعي الداخلي لدى البلدان المتقدمة، كان هناك مسائل أخرى ترى المؤلفة بأنها سوف تحدد مصير الحرب والسلام خلال العقدين المقبلين..
وفي مقدمة هذه المسائل تحدد ما سيؤول إليه «الوضع النووي» لكل من إيران وكوريا الشمالية، وما سيحل بمسيرة السلام في الشرق الأوسط وما ستفعله اليابان وتايوان في الشرق الأقصى.. والعلاقات الأميركية ـ الصينية. بل وترى المؤلفة في هذه العلاقات إلى جانب ملف الإرهاب وانتشار الأسلحة النووية أهم العوامل المؤثرة على الاستقرار والأمن الدوليين في أفق عام 2025.
وتحدد المؤلفة عشر «مسائل مفتوحة»، كما جاء في عنوان أحد الفصول بالنسبة للمستقبل تتمثل في:
ـ السيطرة على تطور التكنولوجيات وخاصة في ميدان تكنولوجيات علم الوراثة والأجنة حيث يسود الإحساس بأن الأمر يتعلق في هذا المجال بإخراج «العفريت» من الزجاجة وفقدان قدرة السيطرة عليه.
ـ الإرهاب غير التقليدي، لا سيما وأنه كانت قد جرت محاولات سابقة مثلما جرى في مترو طوكيو خلال شهر مارس 1995.
ـ النتائج المترتبة على تحلل القارة الإفريقية. إذ ما بين عام 1975 وعام 2000 لم تعرف إفريقيا الواقعة جنوب الصحراء (إفريقيا السوداء) أي زيادة في الدخل بالنسبة للفرد. وما بين عام 1972 وعام 1989 هناك 72% من الحكومات الإفريقية أطيح بها بواسطة أعمال عنف.
ـ زيادة عدد الدول النووية في الشرق الأوسط، هذا لا سيما وأن العلاقات بين البلدان العربية وإسرائيل، وبين تركيا وإيران قد تتدهور. وتضيف المؤلفة: «إن أمن الأمم الأوروبية سوف يضطرب نظراً لمدى المقذوفات النووية أو المحمولة جواً في المنطقة، ويمكن أيضاً خشية أن تؤدي تعددية القوى الفاعلة النووية آجلاً أوعاجلاً إلى فناء إسرائيل».
ـ العلاقات الإسرائيلية ـ الفلسطينية حيث ترى المؤلفة أن هناك ثلاثة شروط لإحراز تقدم هي أن تقوم الولايات المتحدة وأوروبا بالضغط على العسكر الذين لديهم ثقل ونفوذ أكبر.
وعلى الولايات المتحدة أن تكون حازمة حول مسألة المستعمرات وينبغي على الأوروبيين ألا يغذوا لدى الفلسطينيين الأمل الكاذب بأن تل أبيب قد توقع نصاً تصيغه المجموعة الدولية. والشرط الثاني هو أن تدعم دول المنطقة وخاصة مصر العملية، والشرط الثالث هو أن يستفيد الطرفان من الخطوط إذا أتيحت لإقامة دولتين.
ـ تركيا وأوروبا ولا سيما بأن هذه المسألة تطرح على أوروبا قضية هويتها وحدودها.
ـ نهاية باكستان حيث ترى المؤلفة ان مسألة تفسخ هذه البلاد مطروح بالنسبة للعقدين المقبلين على خلفية صعود القوى الإسلامية حتى داخل الجيش وحيث يمكن لهذا التهديد بالتحلل أن يؤدي إلى نشوب نزاع كبير تكون الهند أحد أطرافه.
ـ الحروب السريعة حيث ترى المؤلفة بأن القرن الحادي والعشرين قد يشهد حروباً خاطفة خاصة في منطقة الشرق الأقصى، وفي مقدمتها بين الصين وتايوان.
ـ تعايش القوى الكبرى لا سيما وأن هذا القرن سوف يشهد بروز قوى كبرى جديدة على رأسها الهند والصين.
ـ هل سيكون القرن الحادي والعشرين هو قرن الخوف؟ وهل يشهد عودة البربرية؟


                                                                                                            رحيم العراقي / دبي

66
أدب / بيت في الوزيرية...
« في: 14:47 17/05/2006  »
قصة قصيرة جدا

 إلتقى رجلان متعبان بل وكادا يصطدمان ببعضهما في ذات الجهة من الرصيف المحاذي لأجمل بيتين في منطقة الوزيرية ببغداد وألقى كـل منهما بأثقاله أرضاً ليسـتريح ويمسـح جـبينه بكـم سـترته الرثة ويلهث وينظر الى الأورام المسـتجدة على كفيه..نظــــر أحدهما الى الآخــر نظرة تعلمها من الأفلام الســينمائية القـديمة تعـبرعــن المفـاجاة بوجود الآخـر في ذات الوقـت الـذي إرتسمت فيه النظـرة ذاتها على وجه الاخر..الأول هو حارس المدرسةالقريبة وكان يحمل قنينة غازثقيلة..والثاني غـريب أتى من مدينة الشنافية بمحافظة الديوانية وكان هذا واضحاً للأول بسبب دقة العقال المثبت على قمة رأسه وعنوانه الذي يعقب إسـمة المكتوب على أحدى الحقائب المربوطة بحبال واسلاك كهربائية ..قال_ وهو يكمل حديثاً بدأه  مع نفسه_ :
*: نعم يا أخي ..أتمنى أن يكون هذا ..بيتي..وأشار الى أحد البيتين الجميلين..إبتسم الأول وقال متفاخراً :
*: إذن فأنت تتمنى أن تكون جاري..!!وأشار الى  البيت الجميل الآخر..تساءل الغريب :
*: هل هذا البيت الواسع الجميل ..هو..بيتك..؟ أجاب :
* : لا..ولكنني أتمنى ذلك منذ أعوام..
 


67
أدب / بعد الغضب
« في: 10:38 08/05/2006  »


بعد ما رحتي من يمي       حزينه ، ضميري أنّبني
حسيت الضمير إنسان       غاضب إجه يحاسبني..
.شسوي واني المظلوم      وعـــــيونج تعـــــاتبني
بيَّ هـموم يابو هــموم       تضـنيني وتشــــــيبني
رّبيت الحــزن بالروح           داريته  مــــــثل  إبني..
.أحس كل شي يضايقني    وحولي ناس متحـبني
أتحـمل حجـي مـسموم      يقــهــرني و يـعــذبني
ويمـج أنفجـر بركـــان         أدنى حجايه تغضبني..
.زحام وأشعر إبوحدي         وحدي الزمن غرّبني
مسافر والعمــر موجه         تبعـــــدني وتقّــربني
وأصرخ: يازمن ليوين؟         وين..الصدى يجاوبني..
.

68
شهد الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي حفل توزيع جائزة الصحافة العربية على 13 صحافياً والذي شارك فيه نخبة من رؤساء التحرير وكبار الإعلاميين والكتاب من جميع أرجاء الوطن العربي، وذلك مساء أمس في قاعة أرينا بمدينة جميرا.
وتضمن حفل توزيع جوائز الصحافة العربية تكريماً خاصاً لشهداء الإعلام عام 2005، حيث قام الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بتكريم أسر الشهداء جبران التويني، سمير قصير وأطوار بهجت، كما كرم الإعلاميين جواد كاظم ومي شدياق اللذين تعرضا لإصابات خطيرة خلال العام الماضي. ثم قام بتسليم جائزة شخصية العام الإعلامية، التي منحت هذا العام لصلاح الدين حافظ تقديراً لدوره وعطاءاته الكبيرة في المجال الإعلامي وذلك في ختام حفل توزيع الجوائز.
وأكد خلفان الرومي رئيس مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية في الكلمة التي ألقاها في بداية الحفل أن جائزة الصحافة العربية أصبحت خلال فترة وجيزة صرحا تطوق إليه العقول المفكرة وتتنادى إليه المؤسسات الإعلامية حيث أصبحت الجائزة مؤسسة عريقة تضاهي إنجازاتها ما وصلت إليه مثيلات عالمية لها عراقتها وتاريخها الحافل، حيث أعزى ذلك النجاح إلى ما توفر للجائزة من أسباب النجاح في ضوء رعاية صاحب السمو نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.
وأشار الرومي إلى التقدم المتحقق للجائزة وقال : «على الرغم من حداثة عمر الجائزة إلا أنها أصبحت مكتملة وناضجة من حيث الإقبال عليها ودقة تنظيمها ومستوى المشاركة فيها» وأضاف: «لقد حشدت الجائزة فريقا متميزا في عمله متمرسا في مهنته، يستظل في حكمه بمعايير المهنة ويستلهم في اختياراته بالتجربة المستنيرة».
بعد ذلك بدأت مراسم توزيع الجوائز، حيث شاركت الجهات الراعية للجائزة في تكريم الفائزين وتسليمهم الجوائز. وقام سلطان بن سليم الرئيس التنفيذي لشركة نخيل بتسليم سلامة أحمد سلامة جائزة أفضل عامود صحافي، والتي تمنح لأفضل عامود نشر في إحدى المطبوعات العربية اليومية أو الأسبوعية خلال عام 2005. وسلّم الدكتور عمر بن سليمان مدير عام مركز دبي المالي العالمي حسين محمد الشبيلي من صحيفة الجزيرة السعودية جائزة الصحافة الاقتصادية التي تمنح لأفضل التحليلات والتحقيقات والتقارير المتصلة بالشؤون الاقتصادية والتي نشرت في إحدى المطبوعات العربية اليومية أو الأسبوعية خلال العام 2005.
وقام فاضل العلي مدير العمليات في دبي القابضة بتسليم سامي عبد الإمام من صحيفة البيان الإماراتية جائزة الصحافة الرياضية، التي تمنح لأفضل التقارير أو التحقيقات أو التحليلات الرياضية التي تعالج شؤون الرياضة العربية أو قضايا الرياضة في أحد الأقطار العربية والتي نشرت في إحدى المطبوعات العربية اليومية أو الأسبوعية خلال عام 2005.
وقام غيث الغيث النائب التنفيذي للرئيس- العمليات التجارية في طيران الإمارات بتسليم أمل سرور من مجلة نصف الدنيا المصرية جائزة الصحافة البيئية، التي تمنح لأفضل التحقيقات والتحليلات والتقارير التي تعالج شؤون البيئة في الوطن العربي أو أحد الأقطار العربية، التي تم نشرها في إحدى المطبوعات العربية اليومية أو الأسبوعية خلال عام 2005.
وقام عبد الرحمن المطيوعي مدير عام غرفة تجارة وصناعة دبي بتسليم جمانة حداد من صحيفة النهار اللبنانية جائزة الحوار الصحافي التي تمنح لأفضل حوار بين صحافي وشخصية عامة نشر في إحدى المطبوعات العربية اليومية او الأسبوعية خلال عام 2005.
وكان الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي قد شهد وقائع الجلسة الافتتاحية لمنتدى الإعلام العربي الذي اختتم فعالياته مساء أمس في جميرا سيتي بدبي وموضوع الجلسة «الإعلام الحكومي». واستمع سموه خلال الجلسة إلى كلمتي الإعلامي والسياسي والصحافي الكبير غسان جبران تويني رئيس دار النهار اللبنانية ورئيس تحريرها ومنى غانم المري رئيسة نادي دبي للصحافة رئيسة جائزة الصحافة العربية. غسان تويني تحدث أمام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم والحضور الذي ضم سعيد محمد الكندي ومعالي محمد عبدالله القرقاوي وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء. ومعالي الدكتور حنيف حسن وزير التربية والتعليم ومعالي الدكتور أنور محمد قرقاش وزير الدولة لشؤون المجلس الوطني وسموالشيخ حشر بن مكتوم آل مكتوم مدير دائرة إعلام دبي ومحمد المر رئيس المجلس الثقافي في دبي إلى جانب عدد من كبار المسؤولين والقيادات الصحافية والإعلامية المحلية والعربية والعالمية، وقال تويني في كلمته مخاطباً راعي الحدث: «صاحب السمو، يا صديق الحرية والكلمة نحن هنا في رعايتكم للبحث في حال الإعلام العربي وقلّ أن دعا حاكم عربي أهل الإعلام العرب للبحث في حال مهنتهم بل رسالتهم من غير أن يكون يبيّت نيّة خطف حريتهم برضاهم وهم صاغرون ،أما أنت يا صاحب السمو فلنا منك أَضْمنَة للخروج من بحثنا بمزيد من الإيمان والثقة لأنك تستقبلنا في عهدة رؤيويّتك وكأنك تساوينا بحكمك أو تدعو لشراكة عضوية ميثاقية معه فنسير معاً على طريق حلمٍ عربي جديد واقعي هذه المرة لأنه ينطلق من إدراك تاريخي لحقيقة فاتت الأجيال والأنظمة السابقة فكانت النكسات حيناً والنكبات أحياناً».
هنيئاً للإمارات وهنيئاً لدبي وهنيئاً لجيلنا العربي الجديد يا صاحب السمو الذي يدعونا أن ننطلق من الرؤية بأن لا مستقبل للإنسان العربي ولا للمجتمع ولا للأمة ولا للدولة حين لا نؤسّس شراكتنا في تنمية تقوم على صهر الجهود في بوتقة النجاح، وهنا يستشهد تويني بكتاب «رؤيتي» لسموه، تتغلب هكذا على المستحيلات تقهرها في البحث الفكري الرافض لليأس ويدعو شعبه لرفض اليأس لأنه يسعى أبداً للتفوق على النفس ،وفي الدين الإسلامي الحنيف الجهاد يعني التفوق على النفس ـ أخالك يا صاحب السمو كنت تعني هذا في كتابك ـ وهكذا تكون التنمية عملية مستمرة لا تتوقف عند حد لأنها في سباق دائم نحو التميز الذي ليس له خط نهاية ـ التحرّر من أوزار التاريخ يدعو إليه حاكم بدوي والبداوة فخر وليست عاراً.
واصل رئيس تحرير صحيفة «النهار» اللبنانية العريقة كلمته المقتبسة في معظمها من كتاب «رؤيتي» مستشهداً بفقرة جديدة من الكتاب ـ «هناك ثلج متجمّد إذا لم يذب ويستحيل مياهاً تسقي الأرض العطشى فلا خير بنبت من الأرض ولا دماء جديدة تسيل في العروق الفتيّة كي لا تيبس قبل أن تصير مصدر قوة دفع خلاّقة أين منها سيلان الذهب الأسْود في بطون أرضنا إن لم نستبْطنْها نحن بالمعرفة والعلوم قبل الهمم والسواعد»؟!
بعد هذه المقدمة الشيّقة والطويلة فسّر تويني المعنى الحقيقي للحرية الثلاثية التي أضلاعها حرية اكتساب المعارف وهي النماذج التي نتوق إليها وأعطيتنا إياها يا صاحب السمو مثالاً ـ أما الضلع الثاني فهو الحوار غير المقيد بأوهام أو هواجس حرية إطلاق الآراء والاجتهادات ولا خوف يقيّدها ولا أوزار مزواريّة تعتقل تحرّكها الخلاّق والخلق الإنساني إن هو إلاّ إنضاج (قبس العقل الفعّال) كما قال الفارابي، أما الضلع الثاني للحرية فهو التعبير بدون عوائق فلا تحدّ حرية التعبير إلاّ قوانينها المقتبسة منها أي التي تستلهم مثاليتها المتجلّية في الحق والخير والجمال. وأضاف: اللاّ حرية الهيولية تشبه الحقيقة المبهمة بل الحرية هي تجسّدها الفعال في الإنسان الحر ومجتمع الأحرار ـ لا حرية مبهمة ـ هنالك أحرار وهناك الانسان الحر.
«الحرية العملية هي الأحرار الذين يفرضون حقوقهم على العالم والتاريخ ويعمرون بالتنمية المستمرة هياكل الرفاهية المستديمة» من أقوال صاحب السمو الشيخ محمد في كتاب «رؤيتي». وعلق الكاتب اللبناني الكبير قائلاً: إن في دبي أحد هذه الهياكل، هيكل أعجوبي فلقد جعلتْها رؤيتك يا صاحب السمو هيكلاً للتنمية وبرهنتَ أن الرمال هي بما نصنع منها وبها ـ ليست هي سجناً ـ وما أكثر السجون في عالمنا العربي ـ الرمال هي بادية الوحي لقد جعلت من الرمال سموكم هيكلاً للخير وللتنمية وللرفاهية، بوركت هذه الأيادي وبورك النموذجُ وبورك الكتاب.
وألقت منى المري، رئيسة نادي دبي للصحافة المنظم للمنتدى، كلمة أشارت فيها إلى الاهتمام الكبير والرعاية الشخصية التي يوليها صاحب السمو نائب رئيس الدولة للمجتمع الإعلامي المحلي والإقليمي. وقالت: «حين وجه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بتأسيس نادي دبي للصحافة وأمر بإطلاق جائزة الصحافة العربية ومنتدى الإعلام العربي كان هدف سموه الإسهام في جهود تطوير الإعلام العربي وتوفير بيئة مثالية لممارسة العمل الإعلامي وبناء مؤسسة لتشجيع الإعلاميين على الإبداع والتميز».
وأشارت منى المري إلى حديث سموه عن تنامي دور الإعلام وعن أدواره الجديدة المترتبة على ثورة الاتصالات والمعلومات حيث لم يعد الإعلام مجرد وسيلة تقليدية بين مرسل ومستقبل بل اندمج في الاقتصاد وبات جزءاً من مكوناته، وكيف اندمجت فيه الثقافة وباتت بعضاً من بضاعته، مع تفاعله مع السياسة إلى ان صار جزءاً منها، يتنقل بين خدمتها والتأثير عليها والمشاركة في صنعها.
وأكدت المري أن نظره صاحب السمو نائب رئيس الدولة وحصافته كان لها دور محوري في وضع دولة الإمارات على خريطة العالم الإعلامية إلى أن أصبحت واحدة من المراكز الرئيسية التي تستقطب مئات المؤسسات الإعلامية وآلاف الإعلاميين.
وقالت إن الإعلام العربي قد شهد تطورا كميا كبيرا خلال الفترة الماضية مستشهدة بعدد الفضائيات العربية الذي من المنتظر أن يصل قريبا إلى 250 محطة بث فضائي مفتوحة ولكنها ألمحت إلى أن التغيير النوعي قد لا يتوازى مع التغيير الكمي في المنطقة حيث أن معظم الانطباعات والاجتهادات تشير إلى التباس التغير النوعي مع اختلاط الإيجابي منه بالسلبي بينما كان معظم النتاج الإعلامي العربي يفتقر إلى الأصالة والإبداع والعمق.
وحصل عبده وازن من صحيفة الحياة اللندنية على جائزة الصحافة الثقافية، حيث قام سالم الموسى الرئيس لتنفيذي، فالكون سيتي أوف واندرز بتسليم الجائزة، التي تمنح لأفضل الموضوعات أو التحليلات أو التحقيقات الثقافية التي نشرت في إحدى المطبوعات العربية اليومية أو الأسبوعية خلال العام 2005.
وقام عبداللطيف الصايغ الرئيس التنفيذي للمجموعة العربية للإعلام بتسليم صهيب جادالله حسن من وكالة رويترز جائزة أفضل صورة صحافية التي تمنح لأفضل صورة صحافية نشرت في مطبوعة عربية يومية أو أسبوعية خلال عام 2005.
وقام عثمان سلطان المدير التنفيذي لشركة الإمارات للاتصالات المتكاملة لِّ بتسليم جائزة تكنولوجيا المعلومات للأستاذ جمال محمد الدويري من صحيفة الخليج الإماراتية، حيث تمنح الجائزة للتحقيقات والتحليلات والتقارير التي تتناول موضوعات وقضايا تكنولوجيا المعلومات في الوطن العربي أو أحد الأقطار العربية التي نشرت في إحدى المطبوعات العربية اليومية أو الأسبوعية خلال عام 2005.
وفاز محمد أمين المصري من صحيفة الأهرام المصرية بجائزة الصحافة السياسية، حيث قامت نجوى القاسم من قناة العربية بتسليم الجائزة التي تمنح لأفضل التحليلات أو التحقيقات أو المقالات السياسية التي تم نشرها في إحدى المطبوعات العربية اليومية أو الأسبوعية خلال عام 2005. أما جائزة أفضل رسم كاريكاتيري فقد فاز بها عماد عيد حجاج من صحيفة الغد الأردنية، حيث قام عبد الله خوري مدير الشؤون الخارجية، شركة مبادلة للتنمية، بتسليم الجائزة التي تمنح لأفضل رسم كاريكاتيري نشر في إحدى المطبوعات العربية اليومية أو الأسبوعية خلال عام 2005.
بعدها قام جوزيف حنانيا الرئيس التنفيذي لشركة هيولت باكارد الشرق الأوسط بتسليم مساعد أحمد العصيمي من مجلة المجلة جائزة التحقيقات الصحافية التي تمنح لأفضل تحقيق صحافي يتناول موضوعات أو ظواهر اجتماعية أو سلوكية أو تربوية أو خدمية نشرت في إحدى المطبوعات العربية اليومية أو الأسبوعية خلال عام 2005.
وسلمت أفكار الخرادلي رئيسة تحرير نصف الدنيا جائزة صحافة الطفل إلى نبيهة محيدلي مديرة تحرير مجلة (توتة توتة) اللبنانية وهي الجائزة التي تمنح لأفضل عمل صحافي يخاطب الأطفال تحت سن 12 عاماً، تم نشره في صحيفة يومية أو مطبوعة أسبوعية خلال العام 2005.



ممثلوا الإعلام العراقي يجاملون الإعلام العربي الرسمي ويقدمون صورة سوداء عن الإعلام العراقي الجديد :الفساد وغياب الأمن أهم العقبات أمام الإعلاميين العراقيين[/b]
    



    حال الإعلام في العراق في الوقت الراهن كان الموضوع الرئيسي لإحدى جلسات العمل التي عقدت في إطار فعاليات منتدى الإعلام العربي أمس في مدينة جميرا بدبي. وأدار الجلسة جاسم العزاوي، إعلامي عراقي من تلفزيون أبو ظبي(لم يزر العراق سوى مرة واحدة منذ ثلاثين عاما) وشارك فيها من المتحدثين كل من فيصل الياسري، مؤسس ومدير قناة الديار الفضائية العراقية وإسماعيل زاير، رئيس تحرير صحيفة الصباح الجديد العراقية وعدنان حسين كاتب.
وركزت الندوة على الأحوال غير المواتية التي يعمل في ظلها حاليا الصحافيون العراقيون. وأظهر النقاش إجماع الحضور على أن الوضع الحالي للإعلام العراقي ليس افضل حالا مما كان عليه الوضع إبان حكم صدام حسين جراء التدخل الخارجي وفي ضوء حالة عدم الاستقرار الأمني الذي يعانيها المواطن العراقي بشكل عام.
وأجمع المشاركون الذين أكدوا أنهم كانوا على خلاف كامل مع نظام حكم صدام حسين على أن الحال في العراق الآن أكثر سوءا ـ مقارنة بحقبة النظام السابق، مؤكدين على أن الأميركيين يرسمون صورة وردية غير حقيقية عن الوضع في العراق من خلال عمليات التمويل المشبوهة لأبواق إعلامية تروج لسياستهم. وأكد المشاركون على الحاجة الماسة لدعم القنوات والصحف العراقية المستقلة ماليا ومعنويا وفنيا لأن الحكومة والأحزاب في العراق تسخر الإعلام العراقي لخدمة مصالح وأجندات خاصة، على حد تعبيرهم.
وقال عدنان حسين إن كل صحافيي العراق حاليا يعملون تحت التهديد وإن الاحتلال لم يغير الوضع في العراق إلا إلى الأسوأ. واشار عدنان إلى أن الصحافة السياسية، وهي تلك التي تخدم مصالح أحزاب معينة ولا تعمل بأي حال من الأحوال ضمن الميثاق الصحافي المتعارف عليه، هي الآن المتحكمة في الوضع الإعلامي السائد في العراق.!!
وبدوره أكد إسماعيل زاير أن 90% من الصحافة العراقية حاليا تنتمي لأحزاب سياسية وهي في الأساس منقسمة إلى ثلاثة أقسام: صحافة حكومية وصحافة حزبية وصحافة مستقلة. أضاف الإعلامي العراقي أن المشكلة اتي تعاني منها الصحف المستقلة، التي هي قليلة للغاية بالمقارنة بالصحف الحكومية والصحف الحزبية، على حد تعبيره، هي أنها لا تستطيع القيام بالدور الذي من المفترض أنها منوطة به، وبسبب ضعف الإمكانات المادية.
وأكد إسماعيل أن الصحافة المستقلة في العراق على وشك الانقراض بسبب عدة عوامل أهمها غياب البعد الأمني والوضع المالي المتردي. واستطرد قائلاً إن الحالة الأمنية في العراق لا تسمح على الإطلاق بتوصيل صوت تلك الصحف إلى الخارج بسبب ما يواجه عمليات التوزيع والنشر من عقبات جسيمة مثل حظر التجول على سبيل المثال وليس الحصر.
وأضاف إسماعيل: «إن أبرز المعوقات على الإطلاق غياب الدعم المالي إذ لا تمول الحكومة العراقية الحالية أو السابقة تلك الصحف بالدرجة التي تمول بها الصحف التي تخدم مصالحها. هناك 5 أو 6 صحف فقط ملتزمة بالمعايير الصحافية وبعدم بث بذور الكره والعنصرية بين العراقيين مثل صحيفتي «المدار» و«الصباح».. في حين أن صحف الأكراد لا تهتم بالإثارة ولكنها في الوقت ذاته لها أجندتها الخاصة».
وأكد عدنان أن الصحافة المكتوبة العراقية تعاني بشدة من مشكلة الانعزالية، مشيرا إلى أن بعض القنوات الفضائية لها أثر سلبي كبير على العراقيين لما تنشره من معلومات غير دقيقة.!
ودعا إسماعيل إلى توفير الاحتكاك اللازم مع الصحافة العراقية من خلال إفساح المجال لها عبر القنوات الفضائية العربية. وأضاف في هذا الشأن: «من حق المواطن العربي أن يطّلع على ما تقوله الصحافة المستقلة في العراق والتعرف على المشكلات التي تقابل المواطن العراقي. وهنا تبرز أهمية بناء جسور مع الصحافة العربية إذ أن معظم الفضائيات مثل قناة الجزيرة لها مرجعيتها الخاصة بها في الخارج». !
وأكد إسماعيل أن المشكلة في الوقت الحاضر تكمن في أن العراقيين في الماضي لم يكن لديهم أي فضائيات يطلعون عليها أما الآن فإنهم وجدوا أنفسهم أمام فيض هائل من الزخم الإعلامي الفضائي الذي له في أحيان كثيرة أثر سيئ في الساحة العراقية.!
وبدوره أكد فيصل الياسري أن حالة الإعلام في العراق تختلف عن مثيلتها في أي بلد عربي آخر. وأشار الياسري إلى وجود قفزة هائلة مر بها الإعلام العراقي في ضوء دخول أكثر من 26 قناة فضائية جديدة ونحو 40 قناة أرضية. وقال في هذا الصدد: «المشكلة الرئيسية في هذا الشأن لا تكمن في غياب العنصر المالي فحسب وإنما في غياب الكوادر المدربة التي يمكن أن تتعامل مع الوضع الراهن بشكل موضوعي. فالقنوات الحكومية تحصل على نصيب الأسد في التمويل وفي الوقت ذاته ليست لديها خطة محددة للتعامل مع الواقع العراقي»!.

واشار الياسري إلى مناخ الترهيب الذي يعمل تحته الإعلامي العراقي والمشكلات الجمة التي تنجم عن هذا المناخ مثل عدم موافقة المسؤولين على الظهور في برامج حية على الهواء خشية التعرض للاغتيال!

وأضاف الياسري: «في الماضي كان الخوف من الحكومة عند الحديث في السياسة أما الآن فإنه يمكنك التحدث مع مسؤولي الحكومة ولكنك تخشى التحدث مع شخص عادي خشية أن يكون عميلا لجهة ما تقرر اغتيالك لأن ما تقوله يتعارض مع مصالحها»
وقال الياسري إن الأميركيين يشترون ذمم عناصر بعينها من المجتمع الإعلامي العراقي لخدمة مصالحهم.




69
تتمثل معجزة هيلين كيلر في أنها قهرت ظلمات ثلاث، وشقت طريقها الوعر بالإرادة الصلبة. وظلت قصة حياتها إلى يومنا الحالي مصدر إلهام للكثيرين، لم تكن إلا فتاة صماء عمياء بكماء، ومع ذلك فقد بلغت من الأهمية أن قال عنها مارك توين الأديب الأميركي الساخر: «أهم شخصيتين في القرن العشرين على الإطلاق هما: نابليون وهيلين كيلر». 
ولدت هيلين كيلر عام 1880م طفلة معافاة سليمة الحواس، ولكن بعدما أتمت عامًا ونصف عام أصابتها حمى شديدة حار الأطباء في نوعها وعجزوا عن علاجها، ولم تمض عدة أيام حتى دبت الحياة في جسد الصغيرة وعادت الحمرة تعلو وجنتيها. 
ولكن والديها اللذين غمرتهما الفرحة بنجاتها لم يدركا أن المرض قد سلبها قبل أن يغادر جسمها أهم حاستين وهما حاستا السمع والبصر. عاشت هيلين في سنواتها الأولى لا تفقه من الحياة غير حاجاتها الفطرية. ولم تجد الصغيرة طريقة للتواصل ببعض الإيماءات والإشارات البدائية، حتى إذا ما فشلت في التعبير عن نفسها والحصول على رغباتها انتابتها نوبات غضب شديدة، وجنحت إلى البكاء والعويل وتحطيم كل ما يصادف طريقها. 
ووجد أهلها أنفسهم أمام فتاة صعبة المراس وأعيتهم الحيل في التعامل معها فبحثوا عن معلمة (آن سوليفان) الشابة الصغيرة ذات الواحد وعشرين ربيعًا التي لم تتصور أن حياتها سترتبط بحياة تلميذتها منذ ذلك اليوم حتى آخر يوم في حياتها. وكانت تكتب بإصبعها أسماء الأشياء على كف هيلين وبهذه الطريقة حفظت هيلين هجاء العديد من الأسماء،
 وإن لم تكن تدرك الصلة بين هذه الأشكال التي ترسمها والكلمات، أو تدرك الصلة بين الكلمة والفكرة التي تمثلها حتى أتت لحظة التنوير في حياة هيلين والتي سجلتها في هذه الرواية التي تعتبر من الكلاسيكيات العالمية حيث تقول: ذهبنا إلى البئر وكان هناك شخص يضخ الماء، ووضعت معلمتي يدي تحت المضخة.
 وبينما كان تيار من الماء البارد ينهمر على إحدى يدي كانت معلمتي تكتب بإصبعها على يدي الأخرى كلمة water في البداية ببطء ثم بعد ذلك بسرعة. وقفت ساكنة وكل تركيزي منصب على حركة أصابعها وفجأة شعرت بحالة وعي ضبابية لشيء كان منسياً، بالإثارة المصاحبة لفكرة عائدة، وهكذا تكشف أمامي غموض اللغة. وكم كانت فرحة هيلين عظيمة، وقد أصبحت تبصر باللمس، ولم تعد إلى البيت إلا بعد أن سألت عن اسم كل شيء مرت به. 
منذ تلك اللحظة بدأت هيلين رحلتها مع المعرفة تلك الرحلة التي لم يكن زادها فيها إلا العزيمة والإصرار والإرادة. فتعلمت القراءة بطريقة برايل التي أصبحت متعتها المفضلة، وانكبت على الكتب تلتهم ما تقرؤه أصابعها، وعن طريق القراءة تعلمت الكتابة وتمكنت منها بل فاقت في أسلوبها الأدبي أقرانها من المبصرين. عندما سئلت عن سبب غرامها بالكتب أجابت: لأنها تحدثني عن الكثير من الحقائق الممتعة عن الأشياء التي لا أستطيع مشاهدتها، 
كما أن الكتب بخلاف الناس لا تتعب ولا تتضايق فتظل تحدثني المرة تلو الأخرى عما أود معرفته، ثم ما هي إلا فترة بسيطة حتى تسمع عن فتاة صماء استطاعت تعلم الكلام فأصرت على المحاولة والخضوع للتجربة، وبذلت العديد من المحاولات المضنية لتعلم المحادثة، وهي الفتاة الصماء التي لم تسمع الكلام فكانت تضع يديها على حنجرة المعلمة وشفتيها حتى تتبين مخارج الحروف. ورغم هذه المحاولات المستميتة فإن كلامها لا يفهمه إلا المقربون منها.
 دخلت هيلين الكلية لتدرس جنباً إلى جنب مع فتيات مبصرات متحدية إعاقتها وجميع من تنبأ بفشلها أو أشفق عليها من مرارة الفشل، لتكون أول عمياء صماء تنال درجة جامعية. وكانت معلمتها الرائعة معها في قاعة المحاضرة تتهجى في يد هيلين بصبر متناه كل ما يقوله الأستاذ المحاضر، وفي المنزل كانت تنقب لها في القواميس عن معاني الكلمات الجديدة، وتقرأ لها مرات عديدة الكتب التي لم تكن مكتوبة بطريقة برايل.
كانت إلى جانب ثقافتها الواسعة تتقن أكثر من لغة قراءة وكتابة، فبالإضافة إلى الإنجليزية أتقنت الفرنسية والألمانية واللاتينية. وبعد تخرجها دارت هيلين ومعلمتها المخلصة في جميع أنحاء العالم تلقي المحاضرات وتقوم بحملات لجمع التبرعات للجمعيات التي تعنى بفاقدي البصر، وتبصر العالم بحقوق العميان. 
وقد لازمتها سوليفان في جولاتها إلى أن توفيت عام 1936م. ألفت هيلين العديد من الكتب والمقالات التي نشرت في الصحف والمجلات والدوريات في تلك الأيام، والتقت جميع رؤساء الولايات المتحدة في عهدها، كما التقت بالعديد من الشخصيات المشهورة. ومنحت العديد من الأوسمة. توفيت هيلين عام 1968م عن عمر يناهز الثامنة والثمانين وهي من الخالدين، ولتكون دليلاً ناطقًا على أن إرادة الإنسان أقوى من الألم والمحن وظروف الحياة، ولتضرب لنا أكبر مثال على قدرة الإنسان على فلسفة الألم. 
قصة حياة هيلين التي روتها في كتابها نشر في 1930، مذكرات كيلر السَاحِرة تَرْوي أحداثَ سيرتها إلى سَنَتِها الثالثةِ في كليَّةِ رادكليف. قصّة هيلين في الكفاح والإنجازِ والأملِ الذي لا تطفئه العواصف. 
بدءا مِنْ حكاياتِ أيامِها الأولى الصعبةِ، إلى تفاصيلِ علاقتِها مَع معلمتها آن سوليفان، إلى انطباعاتها مِنْ الحياةِ الأكاديميةِ، جملها الصادقة البسيطة بصيرةً تحيل إلى عقلِ مُدهِشِ. وفطرة أصلية ، تَتضمّنُ الطبعةِ المئويةِ (لقصّةِ حياتِي) الرسائل التي كتبتها إلى الأصدقاءِ في جميع أنحاء طفولتِها ومراهقتِها اللتين تُدوّنانِ تعاقبَها الثقافيَ والحسّيَ.
 (قصة حياتي) هي قصة رحلة الإنسان من عالم الظلام إلى عالم النور، ومن عالم المجهول إلى عالم الإدراك.كتابها صور متلاحقة نعرف من خلالها وجهًا لوجه صفات خالدة مثل العزيمة والإرادة والصمود والقوة، بل إن روح الإرادة فيه واضحة حتى لنكاد نلمسها. هذه الصفات جميعًا أهلتها لتكون قدوة ليس لفاقدي حاستي السمع والبصر من أمثالها فحسب، بل للمبصرين سليمي الحواس من أمثالنا.
 وما يلفت النظر عند قراءة كتابها هو روح المرح التي تظهر جلية في كثير من فقرات الكتاب.وهيلين العمياء الصماء لا تعدم البهجة والإحساس بالجمال في هذه الحياة. بل إن هيلين تنقد في كتاباتها الكثيرة أقرانها المبصرين لأنهم لا يستغلون الحواس التي وهبت لهم..
 

70
مؤلفا كتاب : نيكولا كوبرنيكوس تحويل الأرض إلى كوكب هما الباحثان أوين جنجيريش وجيمس ماكلاشلان المختصان بتاريخ العلوم بشكل عام وفكر كوبرنيكوس وثورته المعرفية على وجه الخصوص. وهما هنا يقدمان فكرة عن حياته وأعماله ويقولان بما معناه: ولد نيكولا كوبرنيكوس يوم التاسع عشر من شهر فبراير عام 1473 في مدينة بولونية تدعى تورون، ومات عام 1543 في مدينة أخرى تدعى فرومبورك.
وهذا يعني أنه عاش سبعين سنة وهو عمر طويل بالنسبة لذلك الزمان. فقد ولد كوبرنيكوس في عائلة من التجار والموظفين. ولكن والده مات مبكرا عام 1483 أي عندما كان عمره عشرة أعوام فقط. فتبناه خاله مطران مدينة كراكوفيا وسهر على صحته وتعليمه. وقد حرص على إدخاله أفضل المدراس والجامعات. وفي عام 1491 دخل جامعة كراكوفيا حيث درس الصناعات والحرف ولكن دون أن ينال أي شهادة.
وقبل أن يترك مدينة تورون عينه خاله كاهنا قانونيا في مدينة فرومبورك حيث أشرف على الشؤون المالية للكنيسة ولكن دون أي مسؤولية دينية. ثم سافر بعدئذ إلى إيطاليا حيث درس القانون الشرعي المسيحي والطب في جامعة بولونيا. كما درس بعدئذ علم الفلك على يد عالم كبير يدعى دومينيكو ماريا نوفارا. وكان أول عالم يطرح الشكوك على نظرية بطليموس السائدة منذ مئات السنين والقائلة إن الشمس تدور حول الأرض وأن الأرض هي مركز الكون.
ومنذ البداية راح كوبرنيكوس يهتم بعلم الجغرافيا والفلك اهتماما خاصا متزايدا. وقد شجعه أستاذه على تعميق معارفه في هذا الميدان. وقد راحا كلاهما يقومان بتجارب علمية عديدة عن طريق مراقبة السماء ككسوف القمر مثلا وسوى ذلك.ثم يردف المؤلفان قائلين:وبعدئذ أصبح كوبرنيكوس أستاذا للرياضيات ومحاضراً في علم الفلك في روما عام 1500 قبل أن يعود في السنة التالية إلى فرونبورغ. ثم عاد بعدئذ إلى إيطاليا لإكمال دراساته في علم القانون والطب في جامعة بادوا، وهي الجامعة التي درّس فيها غاليليو علم الفيزياء والفلك بعد مائة سنة من ذلك التاريخ.
وبعد أن أكمل دراساته أنشأ مركزا لمراقبة النجوم في مدينة فرونبورغ وانخرط في بحوثه وتجاربه العلمية لسنوات طويلة. وكان كوبرنيكوس يجيد اللاتينية تماما. وهي لغة العلم والفكر في ذلك الزمان. وقد نشر أول كتاب له فيها عن الأخلاق. ولكن كتابه هذا لن ينشر إلا بعد ثلاثة أو أربعة قرون: أي في القرن التاسع عشر. وفي هذا الكتاب عرض أفكاره الأساسية عن علم الفلك. وقال إن الشمس هي مركز الكون وليس الأرض. وقد أذهلت هذه الفكرة كل علماء عصره ولم يصدقوها في البداية.
ولكن كوبرنيكوس لم ينجز كتابه الكبير عن ثورات الأفلاك السماوية إلا عام 1530. ولم ينشره إلا يوم 24 مايو عام 1543 أي وهو على فراش الاحتضار. وقد فعل ذلك عن قصد لكيلا تصيبه الكنيسة بأذى أو تلاحقه. فماذا يمكن أن تفعل به وهو يموت؟ فقد كان يعرف أنه يزعزع الأفكار السائدة في عصره عن بنية الكون بسمائه وأرضه.
ومعلوم أن الكنيسة المسيحية كانت قد تبنت منذ قرون عديدة نظرية بطليموس وأرسطو عن تركيبة الكون، وهي النظرية التي تقول إن الأرض هي مركز الكون وأن الشمس تدور حولها كما هو ظاهر للعين المجردة. وخلعت الكنيسة على هذا الاعتقاد طابع التقديس الديني. واعتبرت أن كل من يشكك بها كافرا أو ملحدا. وبالتالي فجزاؤه في محاكم التفتيش القتل والموت حرقا هو وكتبه.لهذا السبب كان كوبرنيكوس حذراً جداً، فلم ينشر كتابه الكبير إلا في يوم موته.
أو قل إنه أوصى الناشر بأن يتأخر في نشره حتى مرض وشعر باقتراب الموت فصادف أن تم نشره في يوم الاحتضار بالذات. وهكذا أدى هذا العالم الجليل رسالته ثم مضى.
ومعلوم أن فلسفة أرسطو كانت تحظى بالتقديس في العالم المسيحي بعد أن تبناها القديس توما الأكويني وصالح بينها وبين العقيدة المسيحية. وكانت نظرية أرسطو تقول ما يلي: الأرض هي مركز الكون وكل الأفلاك والنجوم الأخرى تدور حولها كالقمر وعطارد، والزهرة، والشمس، وكل شيء.
وبالتالي فهذه العقيدة التي سيطرت على عقلية الناس طيلة ألفي سنة لم يكن من السهل على أحد أن يضعها موضع الشك أو ينقضها. كان ذلك بمثابة العدوان على عقائد البشر وإيمانهم. ولهذا السبب تعرض غاليليو للمحاكمة حتى بعد مائة سنة من موت سلفه العظيم كوبرنيكوس. ولم ينج برأسه إلا بعد أن تراجع عن النظرية الجديدة.
والواقع أن محاكم التفتيش لم تكن تمزح آنذاك فيما يخص الشؤون العقائدية. فأي انحراف عن مبادئ الكنيسة وأفكارها كان يعتبر خروجا على الدين. ولذلك خاف ديكارت بعد أن سمع بمحاكمة غاليليو وأجل نشر كتابه الشهير: مقال في المنهج. وهو كتاب يؤيد نظرية كوبرنيكوس عن أصل الكون وتركيبته. ولم ينشره إلا لاحقا وباسم مستعار أو حتى بدون اسم. وهكذا تحاشى الملاحقة الكنسية له.
نقول ذلك ونحن نعلم أن نظرية الكون الارسطوطاليسية كانت قد اعتمدت من قبل عالم الجغرافيا بطليموس. وهو عالم ظهر في القرن الثاني للميلاد، أي بعد موت أرسطو بستمائة أو سبعمائة سنة. وهو الذي ألف الكتاب الشهير باسم: كتاب المجسطي حوالي عام 141 ميلادية، وقد ترجمه العرب في العصر الكلاسيكي، وفيه يشرح نظريته عن الكون. وقد تحولت إلى حقيقة مطلقة منذ ذلك الوقت وحتى عصر النهضة قبل أن يظهر كوبرنيكوس وينقضها.
وقد أحدث ذلك دويا هائلا في ذلك الزمان. فمن يستطيع أن ينقض الحقيقة المطلقة والمقدسة التي تهيمن على وعي الملايين منذ مئات السنين؟ حقا لقد كان كوبرنيكوس ثوريا من الطراز الأول إذ تجرأ على تغيير نظرتنا للكون والرؤيا العامة للعالم. نقول ذلك وبخاصة أن هذه الرؤيا كانت راسخة في الوعي الجماعي منذ عشرين قرناً. فهل هناك ثورة معرفية أكبر من ذلك يا ترى؟
ثم يردف المؤلفان قائلين: في الواقع أن نظيرة كوبرنيكوس تقوم على الملاحظة الفلكية الدقيقة بواسطة المراصد العلمية وليس على العين المجردة والأحاسيس التي قد تغشنا كما هو معلوم. فظاهريا نلاحظ بالعين المجردة أن الشمس هي التي تدور حول الأرض لأنها تشرق صباحا من الشرق وتغرب مساء في الغرب.
وبالتالي فهي التي تتحرك وليس الأرض. ولكن المظاهر خادعة. فنحن لا نستطيع أن نحس بحركة الأرض ولا أن نراها لأننا نقف عليها. ولكننا لو كنا نقف على سطح كوكب آخر لرأيناها تدور وتتحرك. والواقع أنها تدور حول محورها دورة واحدة كل يوم. كما أنها تدور حول الشمس دورة واحدة كل سنة.
وبالتالي فهي تدور مرتين لا مرة واحدة. ثم أكد كوبرنيكوس على الحقيقة التالية، وهي أن جميع الكواكب الأخرى تدور حول الشمس أيضا مثلما تفعل الأرض. وبالتالي فالشمس هي مركز الكون وليس الأرض. فيما بعد اكتشف العلماء عن طريق مراصد أكبر وأضخم أن هناك شموسا أخرى في الكون غير شمسنا وأن هناك مجرات غير مجرتنا، ولكن هذه مسألة أخرى. ويكفي كوبرنيكوس ما استطاع أن يتوصل إليه في عصره، فلولا اكتشافاته المذهلة الرائدة لما حصلت الاكتشافات اللاحقة.
وكما كان متوقعا فإن معظم علماء القرن السادس عشر رفضوا نظرية كوبرنيكوس. وحدهم عشرة فقط من كبار الباحثين أيدوها واعترفوا بصحتها. ولكن ربما كان هناك علماء يقفون معها دون أن يتجرأوا على إعلان ذلك صراحة خوفا من الكنيسة ومحاكم التفتيش. وفي عام 1588، أي بعد أربعين سنة أو أكثر من موت كوبرنيكوس، ظهر عالم دانماركي كبير يدعى تيشو براهمي.
وقد اعترف بصحة بعض مبادئ نظرية كوبرنيكوس ورفض بعضها الآخر. ولكن الكنيسة المسيحية الكاثوليكية رفضت النظرية جملة وتفصيلا عام 1616 وأدانتها بشكل رسمي عن طريق فتوى لاهوتية. وفي ذات الوقت كان غاليليو من أكبر المتحمسين لها ولذلك أدانته الكنيسة هو الآخر بدوره ..

71
مؤلف كتاب كونفوشيوس هو الباحث جوناتان كليمنتس المختص بفلسفة كونفوشيوس والحضارة الصينية القديمة. ومنذ البداية يقدم لنا لمحة تاريخية عامة عن هذا الرجل الفذ ويقول بما معناه: ولد حكيم الصين الكبير في مدينة صغيرة تقع شمال شرق الصين. وكان ذلك عام 551 أو 552 قبل الميلاد: أي قبل ألفين وخمسمئة وستين سنة تقريبا وحوالي ذلك الوقت ظهر بوذا في الهند، وفيثاغورث في اليونان، ونبوخذنصر في وادي الرافدين.
أما سقراط فقد ولد قبل موت كونفوشيوس ببضع سنوات. وهكذا نأخذ فكرة عن عصر ذلك الرجل الذي اثر على الصين كلها وطبعها بطابعه. فعندما تذكر الصين تذكر العقيدة الكونفوشيوسية.
ثم يضيف المؤلف قائلاً: ولا نعلم كثيرا عن طفولة كونفوشيوس سوى أنها كانت فقيرة وعادية. فقد مات أبوه وهو في الثالثة من عمره. وقد ربته امه الشابة. التي لا يتجاوز عمرها الثامنة عشرة.
وقد اضطر إلى العمل وهو صغير لكسب عيشه ومساعدة أمه. وكان يشتغل في صيد السمك أو صيد الحيوانات في البرية. وقد تزوج كونفوشيوس وهو في التاسعة عشرة من عمره، ورزق بولد في السنة التالية فسماه «لي» وهو يعني في اللغة الصينية: سمك الشبوط. وعندما بلغ كونفوشيوس الثانية والعشرين فتح مدرسة في عاصمة الإقليم الذي يسكنه.
ولم يكن يطلب من التلاميذ ان يدفعوا أجوراً إلا بحسب امكانياتهم. وكان يطالبهم ببذل بعض الجهد من أجل فهم الدروس وهضمها. وكان يعلّمهم مختلف المواد وبخاصة الشعر والموسيقى والتاريخ وأشياء أخرى.
وبعد سنتين من تدشين مدرسته ماتت أمه وعمرها لا يتجاوز الأربعين عاماً. وقد أراد كونفوشيوس أن يدفنها مع والده في القبر نفسه. ولكن والده كان قد مات منذ أكثر من عشرين سنة ولم يعد يعرف أين هو قبره!
ثم دلّته عليه امرأة عجوز. فنقل رفات والده ووضعها إلى جانب نعش أمه وقبرهما إلى جانب بعضهما بعضا. ورفع فوق قبرهما نصباً تذكارياً. وكان ذلك مناقضاً لعقائد الأقدمين في الصين. ويُقال إن صاعقة وقعت على القبر بعد مغادرة كونفوشيوس له، واستنتج الآخرون بأن الآلهة عاقبته لأنه انتهك قوانينها.
وعندما سمع بالخبر بكى كونفوشيوس. ويُقال إن أمير البلاد أقام حفلة عشاء ودعا إليها الشخصيات المهمة. وقد ذهب إليها كونفوشيوس ولكنهم ردّوه على الباب قائلين: أنت لست من الشخصيات المهمة، فما الذي جاء بك إلى هنا؟ وهكذا عاد أدراجه خائباً حزيناً، ولم يقل شيئاً.
ولكن هل كانوا سيتصرفون معه بالطريقة نفسها لو أنهم عرفوا أنه سيصبح لاحقاً أهم شخصية في تاريخ الصين كلها؟ وهكذا تنطبق على كونفوشيوس تلك العبارة الشهيرة «لا نبيّ في قومه»!
وعندما بلغ كونفوشيوس الثلاثين من عمره أصبح حكيماً وعالماً بمختلف أنواع العلوم. وأخذ الملوك والأمراء يدعونه إلى قصورهم لكي يتحدثوا معه ويأخذوا من علمه وحكمته. وقد عيّنوه قاضياً عندما بلغ الخمسين من العمر، وأصبح مسؤولاً عن إقامة حكم العدالة في منطقته.
وقد نجح في مهمته على أفضل وجه. ويُقال إنه أصلح نظام القضاء والعدالة في البلاد وجعله أكثر فعالية. ولكن نجاحه الباهر أدى إلى تألب الحساد عليه.
وهكذا فقد منصبه بسبب المؤامرات الدنيئة. فسافر في الأمصار بحثاً عن الدعم والتأييد من أجل مواصلة الإصلاحات في البلاد، سواء على مستوى الحكم أو على مستوى العدالة والإدارة والتعليم.
ثم يردف المؤلف قائلاً: ومعلوم أن أكثر شيء كان يزعج كونفوشيوس هو انعدام الحس الأخلاقي لدى البشر، حكاماً كانوا أو محكومين. ولذلك فإنه دعا للعودة إلى الطقوس الصينية القديمة، وكذلك إلى القيم الأخلاقية الرفيعة.
وكان يقول بما معناه: لقد خلَّف لنا حكماء الصين كنزاً من المبادئ والقواعد الأخلاقية التي إذا ما تقيدنا بها نجحنا في تنظيم المجتمع والدولة على أفضل وجه.
وكان يقول أيضاً: أهم شيء هو أن يكون الحكام قدوة ومثالاً لشعوبهم. فكلما كان الحاكم شخصاً محترماً، ذا قيم أخلاقية، ازداد إعجاب شعبه به وتقليده له وعندئذ تزدهر أمور الدولة والمجتمع وتسود السعادة.
كان حكيم الصين يقول إن على الإنسان أن يتقيد في سلوكه بخمس فضائل: الطيبة، الاستقامة، اللياقة والأدب، الحكمة، الوفاء والإخلاص، وكان يعتقد أيضاً أن احترام الأبوين والحياة والموت هي من الفضائل التي ينبغي أن يتحلى بها الإنسان، فالموت حق وينبغي أن ننحني أمامه لا أن نتذمر ونثور.
ولم يكتب كونفوشيوس تعاليمه بنفسه وإنما راح تلامذته يكتبونها نقلاً عنه. ويرى الصينيون أن الكتب الخمسة المعتمدة تشكل خلاصة العقيدة الكونفوشيوسية وهناك كتب أخرى تتحدث عن حياته، ولها القدسية نفسها بالنسبة للشعب الصيني.
ثم يضيف المؤلف قائلاً: لقد وصل كونفوشيوس إلى الشهرة في حياته وكان أهل زمانه يعتبرونه المفكر الكبير ولكن بعد موته تحول إلى قديس، أو أسطورة، أو شخص خارق للطبيعة.
قلنا سابقاً إن الحساد استطاعوا تأليب الأمير عليه فطرده من وظيفته كقاض للمحكمة وعزله. وعندئذ راح يسافر في الأمصار بحثاً عن ملك جديد يتفهمه ويعرف قيمة مواهبه. وعاش حياة التشرد والتسكع لمدة أربعة عشر عاماً. ثم عاد بعدئذ إلى مسقط رأسه لكي يكرس كل وقته لجمع النصوص الصينية القديمة. وظل يدرس الحكمة ويهتم بها حتى مات عام 479 قبل الميلاد. وهذا يعني أنه عاش سبعين عاماً.
والآن نطرح هذا السؤال: ما هي تعاليمه الأساسية يا ترى؟ ولماذا نال كل هذه الشهرة التي لا تعادلها أي شهرة أخرى في تاريخ الصين؟ في الواقع انه يصعب علينا أن نجيب على السؤال الأول لسبب بسيط: هو ان الشرّاح وشراح الشراح غطّوا على تعاليمه الأساسية إلى درجة أننا لم نعد نعرف ما هي بالضبط.
وهذا ما يحصل لكل العظماء في التاريخ، فهم يتحولون إلى أسطورة بعد موتهم. وعندئذ يبتدئ الناس بتقديسهم وتنظيمهم إلى درجة أنهم يفقدون إنسانيتهم: أقصد طابعهم الإنساني أو البشري بالأحرى»، ولهذا السبب نجد صعوبة في التوصل إلى كوفوشيوس الحقيقي.
ولكن كتاب «المحاورات» الذي وصلنا يساعدنا على فهم حياة هذا الحكيم الكبير وأفكاره. فهو يقص علينا حكاية حياته اليومية من خلال علاقته بتلامذته ومحاوراته التي لا تنتهي معهم. والواقع ان كونفوشيوس لم يكن فيلسوفاً صارماً على الطريقة اليونانية، وإنما كان كاتباً حراً ينتقل من موضوع إلى موضوع، ومن فكرة إلى فكرة بشكل عفوي.
ثم يردف المؤلف قائلاً ما معناه: كان كونفوشيوس يعتقد انه يستحيل على الإنسان أن يعيش في الغابة مع الطبيعة والوحوش الضارية، وبالتالي فهو بحاجة إلى أمثاله للعيش معهم في مجتمع البشر، ولكي يستطيع أن يعيش معهم بوئام وانسجام ينبغي عليه أن يتقيد ببعض القيم في سلوكه، وأهم هذه القيم هي الانسجام في العلاقات الاجتماعية،
نقول ذلك ونحن نعلم ان الصين في وقته كانت محكومة من قبل سلالات ملكية متناحرة ومتباغضة وهذا ما يجعل الحياة صعبة ومليئة بالمشاكل والواقع انه لم تعد هناك سلالة كبرى تفرض نفسها على الجميع وتحل الوئام والسلام في المجتمع بعد انهيار سلالة «زهاو» التي كانت توحد الصين وتتلقى الأوامر من السماء!
وبالتالي فان كونفوشيوس كان يريد ان يعيد الناس إلى التوحد ونبذ الفرقة والشقاق عن طريق الإيمان بالسماء، فالسماء هي التي تخلع المشروعية على سلطة الإمبراطور العادل والطيب والفاضل وعلى الرغم من ان كونفوشيوس كان يقول بأنه لم يضف أي شيء جديد إلى تعاليم القدماء من حكماء الصين إلا انه نشر كتاباتهم طبقاً لذوقه ومزاجه وقد أسس ما يدعوه المؤرخون بالنزعة الإنسانية الصينية.
فقد وضع الإنسان مصيره وسعادته في مركز اهتماماته ورفض ان يتحدث عن الموت او ما بعد الموت فسعادة الإنسان على هذه الأرض كانت شغله الشاغل وعلى الرغم من انه لم يؤسس ديناً بالمعنى العربي او الغربي للكلمة إلا ان الصينيين اعتبروه نبياً بعد موته وأصبحوا يتبعون وصاياه وكأنها تعاليم دينية وبالتالي فمرتبته لديهم ليست اقل من مرتبة الأنبياء لدى اتباع دين التوحيد.
كل ما فعله كونفوشيوس هو انه حاول تأسيس أخلاق وضعية منظمة عن طريق الشعائر والطقوس ومنتعشة بواسطة الصدق والإخلاص. وكان يركز على أهمية الدراسة والعلم والنزاهة والاستقامة باعتبارها من اهم الفضائل التي ينبغي أن يتحلى بها الإنسان.
ولذلك فان الشعب الصيني ظل يحترمه ويعتبره المربي الاكبر له على مدار القرون واستمرت عملية تبجيله وتعظيمه حتى حصلت الثورة الشيوعية بقيادة ماوتسي تونغ وبعدئذ راحوا يعتبرونه قديما، رجعياً، متخلفاً ولكن هذا الموقف السلبي انتهى الآن، ثم انه لم يشمل أغلبية الصينيين في أي يوم من الأيام.
ثم يردف المؤلف قائلاً: والغريب العجيب هو اننا عندما نقرأ كتاب «المحاورات» المنسوب اليه لا نجد فيه اي افتخار بالذات ولا أي تبجح أو غرور. على العكس، فأننا نجد انه لا يعتبر نفسه معلماً للأجيال ولا يطلب من تلامذته اتباعه على الخط نفسه بدون أي مناقشة.
وانما كان يطالبهم بتنمية الحس النقدي لديهم وعدم اتباعه بشكل أعمى . كان يريد لهم ان يصبحوا أساتذة بدورهم لكي يفكروا بأنفسهم.
وكان يهدف أيضاً الى تنمية التفكير الذاتي أو الشخصي لدى تلامذته فلا يظلون عالة عليه، كان يعجبه التلميذ الذي يختلف عن استاذه أو يتفوق عليه، وكان يقول: لقد كشفت عن زاوية واحدة من زوايا الواقع.
وما على التلميذ إلا ان يكشف عن الزوايا الثلاث المتبقية. واذا لم يستطع أن يفعل ذلك فإنه سوف يظل مقلداً وتابعاً لاستاذه، وهذا شيء سلبي فالتلميذ الذي لا يتفوق على استاذه ليس تلميذاً نجيباً.
وبعد موته استمرت عقيدة كوفوشيوس في الوجود بل وانتشرت في الشرق الاقصى خارج حدود الصين. وقد جمع تلامذته وتلامذة تلامذته تعاليمه الشفهية في كتب معينة. وقد اختارتها سلالة «الهان» بصفتها العقيدة الرسمية للامبراطورية الصينية.
واستمرت الامور على هذا النحو حتى سقوط الامبراطورية الصينية عام 1911 وحلول النظام الجمهوري الحديث محلها، ولكن بعضهم يعتقدون ان الفلسفة الكونفوشيوسية لاتزال هي عقيدة أغلبية الصينيين الكوريين والجنوبيين وبعض الآخرين وبالتالي فهي من أشهر العقائد في العالم.

 

72
ديرك بيستمان كوته مؤلف الماني من اهم الناشطين من اجل السلام في الشرق الاوسط، والعاملين على فضح مرتكبي جرائم الحرب، يشرف ويشارك في عدة مؤسسات في هذا المعنى.
منذ بداية الانتفاضة الفلسطينية عام 1987، ثم تصاعدها مع بدء المفاوضات السلمية في التسعينيات من القرن الماضي، تزايد اهتمام الناس في المانيا بموضوع المسيحيين الفلسطينيين وشغلهم ايضاً اللاهوت في الاطار الفلسطيني. وجاء اصدار عمل ديرك بيستمان كوته في فترة تاريخية حرجة من احتدام الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني وتواصل الانتفاضة الفلسطينية الثانية
ومن هنا لم يتم تناول موضوع المسيحيين الفلسطينيين حتى الآن الا من في ضوء الصراع والحرب. ان الاطار الاجتماعي ـ الثقافي، الديمغرافي وكذلك السياسي لحياة المسيحيين الفلسطينيين لن يقرر الماضي، بل الحاضر والمستقبل كذلك. وعلى هذه القاعدة اقام كوته عمله، وعلى الرؤية الواعية والمصاغة بوضوح: مسيحيون فلسطينيون من اجل السلام والعدالة.
فعندما يعرف المسيحيون انفسهم بمبدعي السلام.. كتواصل لطروحات لاهوتييهم السابقين ـ يضعون نصب اعينهم ـ هذه المهمة كرؤية يعيشونها وليس كما قيل: بلاغة سهلة في خطاب عن السلام.
والوضع الجديد القائم لا يضع المسيحيين الفلسطينيين امام مهمة جديدة، بل والرأي العام العالمي ايضاً. فالمسيحيون الفلسطينيون لن يكتفوا بعد اليوم بالبلاغة السهلة في خطاب عن السلام ـ التي يرددها على اسماعهم اخوانهم واخواتهم في الدين ـ لتؤرشف في الاكاديميات والجامعات الالمانية اذ لم يعد بامكانهم السماح لأن يبقوا كموضوع للجدل العلمي، بل لابد من الممارسة العملية لما يقال.
يقتبس المؤلف من مقال في جريدة اللقاء بعنوان (بلاد التوراة بلادي) كتبه جريس سعد خوري: «الانسان، الارض واشجار الزيتون ثلاثية تشكل هوية الشعب الفلسطيني. ولا يمكن ان نسمح بخسارة اية زاوية منها».
انطلق ديرك كوته من هذا الثالوث كرؤية لعمله في تحديد هوية المسيحيين الفلسطينيين في البلاد المقدسة اجمالاً.
يتألف الكتاب من خمسة فصول ومقدمة ومدخل. يتناول الباحث في الفصلين الأول والثاني مدخلاً اجتماعياً ـ ثقافياً للهوية، التراث التاريخي ووضع المسيحيين الفلسطينيين الراهن.
يتناول الفصل الأول وضعهم السكاني كمجموعة دينية هامشية، اي كشريك يمكن التحدث معه من قبل الطرفين اليهود والمسلمين. ومن خلال طرح أربعة موضوعات اساسية تمكن من ـ كما يعتقد ـ الاحاطة بالتحديات والمخاطر وكذلك الآمال التي تواجه المسيحيين الفلسطينيين.
وتتلخص تلك الموضوعات، بالوضع الراهن داخل وبين المؤسسات الكنسية في البلاد المقدسة، مسألة الهجرة للمسيحيين الفلسطينيين، مسألة التعايش الفلسطيني الداخلي، ما هي الاثار التي نجمت، على مر القرون، عن تبعثر الكنيسة المتزايد في تشعبات لا حصر لها في البلاد المقدسة؟ واخيراً يجب تناول وضع المسيحيين في البلاد المقدسة في مواجهة الثقافة الغربية وحاملها المتمثل بالقوى الكولونيالية الاوروبية (وتاليا اميركا الشمالية)، منذ نهاية القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر،
ثم الحاق البلاد المقدسة بهذه القوى ويختتم الجزء التاريخي من الفصل الاول بالنقاش حول مساهمات المسيحيين في بعث الحركة القومية خلال الثقافة العربية للأمة ووضعهم في الساحة السياسية الفلسطينية والعربية تاريخياً وحاضراً.
في الفصل الثالث يتناول المؤلف الصراع في الشرق الاوسط منذ عام 1948 وملامح الوضع الراهن الناجمة عنه والتركيز في الاساس على وضع الفلسطينيين. ويتعرض لاقامة دولة اسرائيل ولنكبة الشعب الفلسطيني المرافقة لها. وتفاقم الوضع المتزايد بعد انتصار اسرائيل في (حرب الايام الستة)، عام 1967 واحتلال الجولان والضفة الغربية وغزة.
ويتناول في البحث ايضاً اوضاع الفلسطينيين حاملي الجنسية الاسرائيلية وحياة الفلسطينيين في المهجر. وفي هذا الجزء تلعب القناعات السياسية والايديولوجية كمقدمات في الجانب الاسرائيلي ما هو الاساس في فهم الوعي الصهيوني اليهودي للفلسطينيين وتقييمه لهم؟ ما هي الاسس التي يمكن طرحها لذلك الوعي الظاهر في الجانب اليهودي، وخاصة منذ عام 1967، لتناغم التقليد الديني، وأوهام القوة السياسية المفرطة مع العنف العدواني؟ اية علاقة لليمين الاسرائيلي مع الارض على المستوى البرلماني..
السياسي او على المستوى الديني القومي للنشاط الاستيطاني؟ كيف يبرر وخاصة المسيحيين الاصوليين الدعم الغربي للفلسطينيين من جهة ولساسة الاستيطان الاسرائيلي من جهة اخرى وماذا يعني كل ذلك بالنسبة للمسيحيين؟ وهل يمكن في النهاية افساح مجال واسع بعد انطلاق منظمة التحرير الفلسطينية وصعودها كممثلة وحيدة لمصالح الفلسطينيين تحت قيادة ياسر عرفات وابعد من ذلك للانتفاضة في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات وللعملية السلمية منذ عام 1993؟ ان خلاصة الزمن والسياسة اليومية في الشرق الاوسط توضح وتفسر ما تقدم طرحه في الفصل الاول حول القومية العربية والحركة الوطنية الفلسطينية، اذ لا يمكن تقدير الدور المميز الذي قام به المسيحيون الفلسطينيون في يقظة الفلسطينيين كوطن وكحركة وطنية ضمن التطور السياسي في الشرق الاوسط خلال القرن العشرين، ومشاركتهم في معاناة شعبهم وآلامه.
ويواصلون اليوم مقاسمة شركائهم في الوطن من المسلمين الآمال والخيبات، ونصب اعينهم الحياة السلمية الآمنة في وطنهم. فالى جانب التراث الثقافي المشترك للمسيحيين والمسلمين، هناك روابط التاريخ السياسي للفلسطينيين اجمالاً.
وفي الفصلين الرابع والخامس يتناول المؤلف الاطروحات العقائدية للمسيحيين الفلسطينيين وكذلك في الفكر المسيحي عامة والمكرس في السياق الفلسطيني. وهذا السياق ينبثق عن ترابط (الحياة والآلام) للمسيحيين الفلسطينيين: ذلك يعني المكانة الثقافية، الاجتماعية والسياسية الراهنة التي يشغلونها ضمن شعبهم.
في الفصل الرابع تجري محاولة رسم الخطوط العريضة للنقاط العقائدية الهامة وكذلك المستند الديني لعلاقتهم بأرضهم. وهنا يتم استعراض اهم المراكز الجغرافية ومؤسسات اللاهوت الفلسطيني، وقياساً على ذلك الخلفية التراثية لهوية المسيحيين الفلسطينيين القومية والدينية.
وفي الفصل الخامس يقدم المؤلف اهم اربعة مفكرين فلسطينيين والجدل الدائر حول طروحاتهم.
فمنذ 12 عاماً، اي منذ انتفاضة الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، استطاع الشعب الفلسطيني ان يفرض نفسه من قبل ممثليه بجدارة واضحة استدعت الاهتمام على المستوى العالمي. وجاءت الطروحات المبكرة والتي نشرت للمرة الأولى في اوروبا واميركا الشمالية من الياس شكور (اخوة الدم ـ نيويورك ـ 1984)، نعيم ستيفان عتيق ومتري راهب.
واثناء الانتفاضة صدر عن بطرك القدس ميشيل اسعد صباح (صلاة من اجل السلام في القدس ـ القدس ـ 1990) عالج فيه الوضع السياسي في اسرائيل ـ فلسطين وآفاق السلام الدائم في المنطقة ولاقى مؤلفه هذا صدى عالمياً ملحوظاً.
ويمكن الاشارة الى ان اللغة الالمانية اخذت تستقبل الفكر العقائدي المسيحي الفلسطيني منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي. واول عمل في هذا الصدد قدمته انا اليزابيث ـ فلميس عام 1991، كمقارنة مع بعض الفلسطينيين، في رسالة الدكتوراه النهائية ولم تنشر. وفي عام 1992 قدمت مارتينا سيبمان رسالتها حول نقد وتحليل اعمال نعيم ستيفان عتيق.
وفي عام 1993 اصدر توماس دام مقاربة وتقييم فكر التحرر الفلسطيني (من وجهة نظر الماني).
وفي عام 1999 جرى خلاف في الناصرة بين السكان المسلمين والمسيحيين وقد شرح المؤلف الخلاف على ارضية اصرار المسلمين بناء مسجد على قطعة ارض مجاورة لكنيسة. وحين اصدرت الحكومة الاسرائيلية قرارها بالسماح ببناء المسجد، احتفل المسلمون باستملاك قطعة الارض معتبرين ذلك انتصاراً لهم. وفي نفس الوقت وجه الفاتيكان رسالة احتجاج لرئيس الوزراء الاسرائيلي ـ باراك ـ كما دعى كافة رؤساء الكنائس المسيحية والجمعيات الخيرية في اسرائيل ـ فلسطين لاغلاق الكنائس ليوم واحد.
ولم يقتصر الامر على وسائل الاعلام الاسرائيلية بالاشارة الى هذا الحدث وبعناوين بارزة في الصحافة، بل تم تصوير المسلمين المنتصرين والمسيحيين الحزانى وعرضها التلفزيون الالماني، ومن الجدير بالاشارة ايضاً ان المسيحيين الذين تم تصويرهم واقفين امام كنيسة البشارة المغلقة كانوا من السواح والحجاج وليسوا من سكان الناصرة الفلسطينيين. وفي نفس العام نقل التلفزيون الالماني قداساً دينياً في عيد الميلاد من بيت لحم رعاه كل من الخوري متري راهب والاسقف منيب يونان. كل هذه الفعاليات جعلت من المسيحيين الفلسطينيين مجال استقطاب لرأي عام عالمي واسع. ولكن مازال هناك الكثير لفعله من اجل ادخال هويتهم في وعي الجمهور الواسع

73
شارك في تأليف كتاب : روسيا من غورباتشوف الى بوتين خمسة اختصاصيين بالعالم الروسي، كل من موقعه. فالسيدة ماري ـ بيير راي مؤرخة، وآلان بلوم ومارتين ميسبوليه باحثان في ميدان الدراسات الديموغرافية وآن دوتينغي مختصة بالعلاقات الدولية وأخيراً جيرار ويلد خبير في الشؤون الاقتصادية.
هذا الكتاب، كما يدل عنوانه يبحث في الفترة الواقعة بين عام 1985، أي منذ وصول ميخائيل غورباتشوف إلى قمة السلطة في روسيا، وحتى روسيا اليوم في ظل حكم فلاديمير بوتين.
ما يتفق عليه الجميع هو أن وصول ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة عام 1985 كان بمثابة منعطف في حياة النظام السوفييتي، وبمثابة «منعطف» باتجاه النهاية.
ويتم في هذا الإطار التأكيد على أن ميخائيل غورباتشوف، عندما أصبح أمينا عاما للحزب الشيوعي السوفييتي في تلك السنة 1985، وجّه كل اهتمامه نحو «إصلاح» النظام القائم لاسيما من زاوية وقف حالة التدهور الاقتصادي الذي كانت تعرفه البلاد، ولم يكن آنذاك يريد نهاية النظام السوفييتي وإنما بالأحرى إصلاحه، كانت أولى الخطوات التي قام بها ميخائيل غورباتشوف هي باتجاه نوع من الثورة السياسية والاجتماعية والثقافية تحت ظل شعار «الشفافية».
بالوقت نفسه ربحت السلطة السوفييتية آنذاك سبيل التصدّي لآليات «الاقتصاد الاشتراكي» القائم على تدخل الدولة في عمل المؤسسات على مختلف المستويات. وكان في مقدمة الإجراءات التي تمّ اتخاذها إنهاء «الدور القائد» للحزب الشيوعي السوفييتي للدولة والمجتمع والذي أنتج طبقة بيروقراطية كرّست المكاسب لحسابها الخاص.
وفي مقابل تقليص سيطرة الدولة والحزب على مختلف النشاطات جرى توسيع هوامش الحرية بالنسبة للمجتمع المدني الذي كان معطّلا بشكل شبه كامل طيلة عقود طويلة من حياة النظام الشيوعي ذي الطبيعة «التوتاليتارية» في ظل سيادة العقلية الستالينية.
لكن ما حققه التوجه الغورباتشوفي كان أقل من الآمال المعقودة عليه في البداية. هذا ما يشير إليه المساهمون في هذا الكتاب بأشكال مختلفة، ويعيدونه إلى عدم «جذرية» الإجراءات المتخذة، الأمر الذي لا ينفي واقع أن فترة غورباتشوف كانت بمثابة منعطف حاسم باتجاه نهاية الاتحاد السوفييتي.
هكذا نجد ماري بيير راي، أستاذة التاريخ الروسي في جامعة السوربون ومديرة مركز دراسات التاريخ السلافي، وصاحبة العديد من الكتب حول روسيا المعاصرة كان آخرها «المعضلة الروسية، روسيا وأوروبا الغربية منذ إيفان الرهيب إلى بوريس يلتسين»، تقول: «إن الدولة السوفييتية، كانت أقل قمعية وأكثر احتراما للحريات ولحقوق الإنسان، وهكذا شجّعت تطور النظام نحو التعددية والديمقراطية».
ويتفق المساهمون في هذا الكتاب على القول أيضا انه بعد سنوات قليلة من وصول ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة قامت أزمة سياسية واقتصادية حادّة.
وذلك بعد أن انتهت موجة الفرح الغامرة بسقوط النظام الشمولي، هذا النظام الذي تفجر عام 1991 ليترك المكان لم يسمّى ب«الفيدرالية الروسية» وما يجري اختزاله إلى تسمية «روسيا».
روسيا الجديدة هذه وجدت نفسها منذ البداية «غريبة» عن ذاتها وغير قادرة على إيجاد هويتها في حدودها الجديدة، لقد كانت هذه الحدود غير معروفة بشكل دقيق على مختلف المستويات الجغرافية والسياسية وحتى الذهنية مثل هذا الوضع تمّت ترجمته في واقع الأمر ب«أزمة هوية».
«أزمة الهوية» هذه انعكست على السياسة الخارجية الروسية، كما تشرح «آن دوتنغي»، الباحثة في المركز القومي الفرنسي للبحث العلمي والأستاذة في معهد الدراسات السياسية في باريس وصاحبة كتاب هام صدر عام 2004 تحت عنوان: «روسيا والروس منذ فتح الستار الحديدي»، قدمته «البيان» لقرائها ـ . وترى هذه الباحثة أن السياسة الخارجية الروسية ظلّت طيلة سنوات تتأرجح بين الانتماء إلى المعسكر الغربي وبين الانكفاء على الهوية.
لكن إلى أين آلت الأمور بعد 20 سنة من المنعطف الغورباتشوفي؟
إن المساهمين في هذا الكتاب يقدمون رؤيتهم لمحصلة العقدين المنصرمين منذ عام 1985 وما يتم التأكيد عليه هو أن روسيا قد عرفت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، الذي كان أحد القوتين العظميين في العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وطيلة فترة الحرب الباردة، فترة من الضعف.
وقد ظهر هذا الضعف على الملأ أثناء تفجر أزمة كوسوفو إذ إن روسيا حاولت بشتى السبل الدبلوماسية، بل وأحيانا اللجوء إلى خطاب عنيف، منع قوات الحلف الأطلسي من الهجوم على صربيا التي كانت روسيا تعتبر نفسها مسؤولة عنها إلى هذه الدرجة أو تلك.
ثم واجهت روسيا بعد ذلك تأكيد الجمهوريات السوفييتية السابقة، التي كانت تدور في فلك موسكو، على استقلالها الذاتي في علاقتها مع «الشقيقة الكبرى».
مظاهر الضعف نفسها اتسم بها القطاع الاقتصادي أيضا والذي شهد عملية خصخصة كاملة إثر انهيار الاتحاد السوفييتي. وكان انعطافا حادا وصفه جيرار ويلر، الخبير الاقتصادي، وأحد المساهمين في تأليف هذا الكتاب، بالقول: «إن روسيا هي، من وجهة نظر اقتصادية بلاد جديدة من أوجه كثيرة».
هذا وباسم التوجه نحو الاقتصاد الليبرالي، أو اقتصاد السوق، سادت حالة من الفساد والمحسوبيات، وفي نهاية المطاف من المافيات، المرتبطة مع السلطة إلى هذه الدرجة أو تلك، خاصة في عهد بوريس يلتسين الذي كان أول رئيس للفيدرالية الروسية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.
ويتم تكريس عدد كبير من صفحات هذا الكتاب لتحليل ما آلت إليه الأوضاع في ظل روسيا الحالية أو «روسيا بوتين» كان فلاديمير بوتين قد خلف بوريس يلتسين على رئاسة الفيدرالية الروسية في نهاية عام 1999 .
حيث خاض حملة انتخابية على أساس توحيد الروس لمواجهة النزعة الانفصالية الشيشانية وحيث كان الجنود الروس يخوضون من جديد حربا ضد المقاتلين الشيشان المناوئين للسيطرة الروسية على بلادهم.
وتؤكد ماري ـ بيير راي، في هذا السياق، أن فلاديمير بوتين قد استخدم فيما بعد ورقة الحرب الشيشانية من أجل التقرب إلى الغرب، على أساس أن الأصوليين الشيشان، يشكلون خطرا على الحضارة الغربية وأنهم قد ينقلون «إرهابهم» إلى أي منطقة في أوروبا وحتى في الولايات المتحدة الأميركية.
كما ترى السيدة «راي» أن الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين، المعروف بحسّه «البراغماتي» قد نجح إلى حد كبير في استغلال تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن ليقدم نفسه على أنه حليف استراتيجي للغرب في معركته ضد المتطرفين الإسلاميين وانه في جبهة واحدة مع الولايات المتحدة لمكافحة «الإرهاب الدولي» وبهذه الطريقة استطاع فلاديمير بوتين أن يحسّن صورة بلاده على الصعيد الخارجي لتصبح أحد القوى الفاعلة على المسرح الدولي.
لكن استعادة الدور هذه ترافقت مع توجه قوي لدى النظام نحو الاستبداد وتمركز السلطات في يد الرئيس فلاديمير بوتين الذي يبدو أن حلم «الإمبراطورية» لا يزال يدغدغ مخيلته، لاسيما وأنه نتاج صرف للنظام السوفييتي.
هذا ورغم «الانفتاح» الذي يبديه الأوروبيون حيال النظام الروسي الحالي فإن ماري بيير راي ترى أنه من طبيعة استبدادية، تقول: «إن روسيا تشهد في المرحلة الراهنة تعزيز سلطة تسلطية من نمط بيرقراطي».
الباحثان آلان بلوم، مدير مركز دراسات العالم الروسي ومدير الدراسات في المدرسة العليا لدراسات العلوم الاجتماعية في باريس ومارتين ميسبوليه، التي تحمل شهادة الدكتوراه في علوم السكان والعلوم الاجتماعية، يحللان آليات الحياة اليومية لدى المواطنين الروس منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وحتى المرحلة الراهنة.
وحيث ان السمة الرئيسية لحياة هؤلاء الروس هي البحث عن سبل إيجاد قوت يومهم وحيث ان أعدادا متزايدة من السكان تعيش في مستوى دون حافة الفقر، كما تشير العديد من الإحصائيات المختصة.
إن الروس، كما يصفهم الباحثان، بارعون في «رسم استراتيجيات للتأقلم أو للبقاء» هكذا علمتهم تجربة العقود الطويلة في ظل النظام السوفييتي وحيث كان تأمين سبل العيش يتطلب أيضا الكثير من العناء.
في المحصلة، يقدم هذا الكتاب تحليلا للأوضاع الروسية السياسية والاجتماعية والاقتصادية خلال العقدين المنصرمين، أي منذ وصول ميخائيل غورباتشوف إلى رأس السلطة عام 1985.
ولعلّ هذا العمل هو أحد أفضل مئات الكتب التي عرفتها رفوف المكتبات خلال السنوات الأخيرة حول روسيا والعالم الروسي في فترة ما بعد الشيوعية.

74

يعمل دانييل ديماركيه مؤلف كتاب :كافكا والفتيات  ناقداً ادبيا وفنيا. أمضى سنوات من البحث لانجاز دراسة حول الرسام الفرنسي (الروسي الأصل) نيكولا دو ستايل الذي انتحر وهو في اوج شهرته وعندما كان عمره سبعة واربعين عاما فقط.

سبق لمؤلف الكتاب ان نشر عدة روايات مثل «مشهد الوداع» و«صخرة اتريتا».. و«اتريتا» هي قرية فرنسية صغيرة على شواطئ بحر «المانش». والمؤلف هو اخيرا عضو لجنة نشر الارشيف الدبلوماسي لوزارة الخارجية الفرنسية.

موضوع هذا الكتاب الجديد هو الروائى الشهير فرانز كافكا صاحب رواية «المحكمة» الشهيرة وايضا مؤلف المسخ.. الخ.  ولكن من المهم الاشارة منذ البداية إلى أن هذا الكتاب ليس عن سيرة حياة «كافكا» بالمعنى الكلاسيكي لهذا التعبير وانما هو دراسة عن جانب محدد من حياته يخص علاقته مع المرأة.. وعبر هذه الرواية يلج القارئ خبايا العالم «الكافكوي» الغريب والذي يصفه المؤلف نفسه بانه عالم «منفر» و«ساحر» بنفس الوقت.. ولعل نمط العلاقة بين انسان مغرق في سلبيته وفي سوداويته جدير باهتمام طبيب نفساني على اساس انه يعبر ـ اي نمط العلاقة ـ عن حالة مرضية..

لكن مثل هذه الحالة تكتسب اهميتها الكبرى عندما يتعلق الأمر بكاتب من وزن «فرانز كافكا».. اذ وراء، وابعد من، العديد من الاشكاليات العميقة التي عاشها كافكا في علاقته مع المرأة بل و«قدرته» على «تدمير» النساء اللواتي كن يقتربن منه، كانت ترتسم ملامح «عبقرية» كاتب كبير اصبح بمثابة ظاهرة في عصره. اذ ليس هناك سوى «كافكا» واحد من نوعه. «استطاع ان يقدم افضل الاعمال الادبية في عصره، بل وربما في كل العصور». ولكن «هذا الكاتب المتفرد اخرج كتبه عبر تدمير النساء اللواتي كن مصدر الهامه».

إن القاسم المشترك بين تلك النساء اللواتي عشن لفترة من الزمن بالقرب من فرانز «كافكا» هو انهن كن من «الشابات» اللواتي بلغ عددهن حوالي عشر فتيات.. بل ويؤكد مؤلف هذا الكتاب على ان كافكا كان يتعامل وحتى مع الاكبر عمراً منهن على اساس انهن مازلن بمثابة «فتيات صغيرات» و«كان يطلب منهن باستمرار ان يعطينه صورة لهن عندما كن في سن الشباب المبكر.

لقد حاول «فرانز كافكا» مرات عديدة ان يدخل «القفص الذهبي».. مرة مع فتاة من برلين اسمها «فيليبس» والتي كان قد تبادل معها رسائل طويلة.. وكان قد اطلق عليها تسمية «الرائعة». ومرة اخرى مع «جولي» من مدينة «براغ»، وبعد ان تم اجراء جميع التحضيرات تراجع «كافكا» في اللحظة الأخيرة. وبكل الحالات تبقى العلاقة الأكثر ثباتا في حياته «كافكا» هي تلك التي اقامها مع «دارا» الجميلة.. وكانت هي التي رافقته خلال الايام الاخيرة من حياته بعد ان كان مرض السل قد انهكه..  كان قد فقد قدرته على التسلط.. وهو القائل: «ينبغي عدم السخرية من البطل وهو يترنح على خشبة المسرح بعد ان اصيب بجرح قاتل. اننا نمضي سنوات من حياتنا ونحن نرقص من الألم».

ويرى مؤلف هذا الكتاب بان فرانز كافكا لم يلعب مع الفتيات اللواتي اقتربن منه لعبة «القط والفأر» فحسب، ولكنه طلب منهن المستحيل. ولعل «الخطأ الأكبر» كما يتصوره هو ان جميع الفتيات المعنيات المعروفات منهن وغير المعروفات، انما قد وقعن في «وهم» انهن قد نلن الاعجاب الحقيقي ل«كافكا». لكن المؤلف يرى في هذا الكاتب نفسه «ضحية» وليس «جلادا» و«ساديا».. لقد ضحى بأمل السعادة في الحياة داخل اسرة لصالح هوى آخر ملك حياته كلها، واسمه «الأدب».

إن «دانييل ديماركيه» يتساءل في هذا الكتاب عن الاسباب الدينية والعميقة التي جعلت «كافكا» يركز في علاقاته النسائية على «تبادل الرسائل» وتجنب خوض تجربة «الزواج».. فهل كانت صحته «العليلة» هي السبب؟ ام كانت له ميول نحو الجنس المثلي، اي هل كان ساذجاً جنسيا؟.. ربما ان هذه هي المسألة الوحيدة التي اكتفى المؤلف حيالها بطرح الاسئلة.. او لم يتوقف عندها طويلاً.

بكل الحالات وعبر سلسلة الفشل في علاقة كافكا مع الفتيات «ولدت» رواياته واغلبية كتاباته الاخرى. ويؤكد المؤلف بانه في كل مرة التقى فيها «كافكا» ب«فتاة جديدة» انتهى الأمر ب«انتصار الكتابة» على «متعة السعادة». ومن خلال كل «لقاء» مع امرأة كان «يخرج» كتابا. هكذا كان العمل الشهير الذي يحمل عنوان «المحاكمة» حصيلة العلاقة مع «فيليبس».. واثر القطيعة مع «ميلينا» التي كانت تقوم بترجمة اعمال «كافكا» الى اللغة التشيكية، والمرأة التي يعتبرها المؤلف الأكثر ذكاء من بين جميع النساء اللواتي «اقتربن» من «كافكا». قام الكاتب الكبير بانجاز رواية «القصر». يقول المؤلف بهذا الصدد إن هذه الرواية كانت بمثابة «الكفن الرائع الذي لف به كافكا حبه. هكذا كانت قصص «كافكا» منذ سنوات مراهقته في «براغ» وحتى وفاته في احدى ضواحي مدينة فيينا. وهي قصص زخرت بالفتيات اللواتي لم يعرفن فيها سوى طعم المرارة.. ولم يبحث فيها كافكا، كما يبدو، سوى عن مادة لـ «قلمه».


75
المنبر الحر / الحاضر الناقص
« في: 15:24 04/04/2006  »
آلان فينكلكراوت هو احد الذين يحتلون مقدمة المسرح الفلسفي الفرنسي الراهن اذ سبق له وقدم العديد من المؤلفات من بينها عمل لاقى شهرة كبيرة عنوانه «هزيمة الفكر» وهو فيلسوف معروف بنزعته الثورية اذ انه من الجيل الذي كان قد شهد الاحداث التي عرفتها فرنسا في شهر مايو من عام 1968 والمعروفة بـ «ثورة الطلبة».
وفي كتابه الجديد :الحاضر الناقص يعلن الفيلسوف «غضبه» و«تشاؤمه» الكبيرين حيال المشهد الفكري الغربي السائد اليوم وحيث يرى ان النفاق هو السمة الرئيسية السائدة، هذا النفاق الذي يبدو من خلال اعلان اي مبدأ وممارسة ضده ويرى ان اصحاب الخطوة اليوم يبذلون كل جهودهم من اجل اقناع انفسهم وفرض الفكرة القائلة وانهم يعانون من الاضطهاد ومن سيطرة الآخرين وانهم سوف لن يسمحوا بذلك، وعلى نفس المنوال لا يتردد اولئك الذين يعتبرون انفسهم بمثابة ناطقين باسم الرأي العام السائد في اعتبار ما يقومون به بمثابة عمل مقاومة وبنفس الوقت يتم اعلان الحرب على اي نوع من الحنين الى الماضي بينما يحاصرنا الحاضر من كل جانب ويسد جميع المخارج.
ان مؤلف هذا الكتاب اذ يتحدث عن الحاضر الناقص انما يريد ان يعلن رفضه لحقبة غابت عنها مجموعة من القيم الاصيلة، رغم انها تنتمي الى الماضي والأمر الذي دعا بعض النقاد الى وصفه بشيء من الرجعية وبـ «مناوءة الحداثة» بل وبـ «كره الذات» لكنه في واقع الامر يثير فقط عددا من التساؤلات حول مجموعة من الوعود التي كان قد تم اطلاقها في الأفق ولكن لم تجد ترجمة حقيقية ملموسة لها في ارض الواقع وبحيث يبدو ان الانسانية تسير بخطى متسارعة نحو نوع من الفراغ.
ويرسم المؤلف ملامح المجتمع الغربي القائم الآن انطلاقا من حرمان مناهضة العسكرية وحتى الهواتف النقالة.. اما اللوحة النهائية فإنها تبدو مظلمة وقاتمة ولا تنبيء بمستقبل افضل من الماضي الناقص القائم اليوم. السائد اليوم هو مجموعة من الكليشيهات التي لا تصنع وعيا ذاتيا وانما نموذج «موديلا» يفتقد الى المرجعيات الاساسية المطلوبة. ان الاهمال يعيث فسادا بكل شيء.. هذا هو الدرس الاساسي الذي يؤكد عليه المؤلف الفيلسوف.

76
الفنان الكبير  سامي عبد الحميد من مواليد السماوة في العراق عام 1928
أستاذ متمرس في العلوم المسرحية بكلية الفنون الجميلة جامعة بغداد .
حاصل على ليسانس الحقوق ودبلوم من الأكاديمية الملكية لفنون الدراما في لندن وماجستير في العلوم المسرحية من جامعة اورغون الولايات المتحدة
رئيس اتحاد المسرحيين العرب
عضو لجنة المسرح العراقي
عضو المركز العراقي للمسرح
عضو فرقة المسرح الفني الحديث
نقيب سابق للفنانين العراقيين
الف عدة كتب تخص الفن المسرحي منها : فن الإلقاء ، فن التمثيل ، فن الإخراج
ترجم عدة كتب تخص الفن المسرحي منها : العناصر الأساسية لاخراج المسرحية الكسندر دين ، تصميم الحركة لاوكسنفورد ، المكان الخالي لبروك .
كتب عشرات البحوث من أهمها الملامح العربية في مسرح شكسبير ، السبيل لإيجاد مسرح عربي متميز ، العربية الفصحى والعرض المسرحي ، صدى الاتجاهات المعاصرة في المسرح العربي .
شارك في عدة مؤتمرات وندوات تخص المسرح عربيا ودوليا .
شارك في عدة مهرجانات مسرحية ممثلا ومخرجا  أو ضيفا منها مهرجان قرطاج ، مهرجان المسرح الأردني ، مهرجان ربيع المسرح في المغرب ومهرجان كونفرسانو في ايطاليا ومهرجان جامعات الخليج العربي وأيام الشارقة المسرحية .
حصل على الكثير من الجوائز والأوسمة منها :
جائزة التتويج من مهرجان قرطاج ، وسام الثقافة التونسي من رئيس جمهورية تونس ، جائزة الإبداع من وزارة الثقافة والإعلام العراقية ، جائزة افضل ممثل في مهرجان بغداد للمسرح العربي الأول .
من اشهر أعماله الإخراجية المسرحية :
ثورة الزنج ، ملحمة كلكامش ، بيت برناردا ، البا ، انتيغوني ، المفتاح ، في انتظار غودو ، عطيل في المطبخ ، هاملت عربيا ، الزنوج ، القرد كثيف الشعر .

       في الطائرة مابين دبي وقطر الفنان الكبير سامي عبد الحميد ،القديرة فوزية عارف ، إبنتهما و...رحيم العراقي

77
72 نجمة في سماء المحبة

72  باقة ورد نضعها برفق على قبور الشهداء النبلاء
72  إطلاقة في الهواء
72   قبلة حميمة تخالطها الدموع
72  شعلة محاطة بالشموع
أيها..الشريف .. الصادق.. العفيف.. الصابر..يا أبا الإيثار و التضحيات
أيها الشجاع..المجاهد..
أيها الجميل..الراقي..
أيها الكادح البسيط..
يا أبا الفنون والثقافة..ياأصل المحبة..
حزبنا ..جئناك مثقلين بعقد وأمراض آلاف السنين..
فجعلت منا الشعراء والمانحين والمبدعين والمربين..
يا أحرص علينا من آبائنا..وأرحم من أمهاتنا..وأقرب من حبيباتنا
أيها البهي النقي ..البريء ..
يغدرون..فلا تغدر
ويمكرون..فلا تمكر
ويشيخون بكرههم..وتبقيك المحبة في عز الشباب..
أقبل يديك الكريمتين وجبهتك العالية أيها الشيخ الجليل
وانحني واعفر وجهي بترابك الطاهر..

 
 

78

جعل جيل كليمون مؤلف كتاب : مديح النباتات المتشردة من الحداثة وطريقة «شغل» الانسان للحيز الجغرافي موضع اهتمامه الرئيسي، و«المتشردون» الذين يكيل لهم المديح في هذا الكتاب ليسوا سوى تلك النباتات التي تسافر بعيداً والتي يطلق عليها صفة «الريادة» لانها تقصد باستمرار «أراضي بكر» جديدة كي تجعلها مأهولة بالخضرة والحياة.
ويرى المؤلف في النباتات «كائنات حية» يتعامل معها وكأنها اشخاص حقيقيون، لكنه يؤكد بالمقابل بأن للطبيعة ايضا حكمتها في قبول النباتات الوافدة او رفضها تبعاً لمجموعة من الشروط المناخية والجغرافية التي تحدد في نهاية المطاف «قبول» النباتات الغريبة والاجنبية او رفضها، بل ويتحدث ضمن هذا السياق عن مقاومة الوسط الجغرافي احيانا ضد الغزاة، وهو يقدم على ذلك العديد من الادلة من الواقع عن نباتات اجتاحت بعض المناطق ولكنها انقرضت بعد فترة دون اي تدخل انساني في «شن الحرب» ضدها، ولقد باءت عدة محاولات بالفشل في الوصول الى توطين بعض الازهار أو الشجيرات.
ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو ان العديد من البلدان تحاول الوصول الى نوع من «النقاء النباتي» لذلك تحاول فرنسا التخلص من بعض النباتات ذات الاصلي الاميركي وان نيوزيلاند تبحث عن سبل المقاومة من اجل التخلص من النباتات التي كان الفاتحون الانجليز قد ادخلوها الى أراضيها.. واذا كان جيل كليمون يحاول ان يفهم الدوامة العميقة الكامنة وراء مثل هذه المقاومة فإنه بالمقابل يرى بأن هذا يعبر بالوقت نفسه عن موقف محافظ وبل ورجعي يريد فرض مفهوم جامد على الطبيعة بينما ان سمتها الاولى هي الحركة والانبعاث المستمر.
ان هذا الكتاب يمثل في احد وجوهه سيرة حياة حوالي عشرين نبتة حاول المؤلف ان يقدم للقاريء آليات تطورها وانتقالها تشردها، ذلك ان الحبات الصغيرة تسافر بسهولة عبر امتطائها «صهوة الريح» لكن قد ينقلها البحر والطيور والبشر انفسهم وهذه النباتات المتشردة انما تشكل عاملاً مهما في المزاوجة الكونية للانواع، حسب تعبير المؤلف الذي ساهم نفسه من موقع اهتمامه بالعديد من الحدائق مثل حديقة اندريه ستروين الشهيرة في باريس وحديقة كنيسة فالوار في منطقة السوم وخاصة في الحديقة الملكية بجنوب فرنسا في ادخال العديد من النباتات الجديدة مثل شقائق النعمان ونباتات الحبق وشجر البامبو الصيني.
لكن ومهما كان الدور البشري في نقل بعض انواع النباتات فإن عبقرية الطبيعة تبدو بأفضل تعبيراتها عندما تكون حرة. يقول المؤلف ان النبتة عندما تكون حرة تحس بأفضل ما يكون التعبير عن نفسها، هكذا وما ان يتخلى الانسان عن اية بقعة من الارض حتى تستعمرها النباتات في موجات متلاحقة.
ان المؤلف يصف بأسلوب ممتع مختلف مراحل الاستعمار النباتي للمساحات الشاغرة.
والنباتات لها ايضا حساباتها واستراتيجياتها.. باختصار لها عالمها

79
 

 

في اول يوم من الدراسة في مدرسة امريكية

 انضم الى الفصل طالب جديد اسمه سوزوكي ابن رجل اعمال ياباني

..وبعد دقائق من أول درس لسوزوكي قالت المدرسة لطلابها: دعونا نبدأ اليوم بمراجعة شيء من التاريخ الأمريكي..ثم سألتهم :من قال " اعطني الحرية او اعطني الموت؟"

تطلعت في بحر من الوجوه الفارغة لطلابها ( الثولان )الذين سيطر عليهم شيطان الصمت

 ماعدا سوزوكي الذي رفع يده وقال :" هذه العبارة قالها باتريك هنري عام 1775"

 قالت المدرسة : " عظيم !

من قال " حكومة الشعب بالشعب وللشعب لن تنتهي في هذه الارض"

مرة اخرى لم يكن هناك استجابة سوى من سوزوكي الذي قال :

" أبراهام لنكولن 1863"

 وبخّت المدرسة الفصل قائلة : أيها الطلاب يجب ان تخجلوا

 . سوزوكي وهو جديد في هذه البلاد يعرف عن تاريخها أكثر منكم

" وهنا سمعت شخصا يهمس :" اللعنة على اليابانيين " فصاحت المُدرّسة :" من قال هذا ؟"

 رفع سوزوكي يده وقال :" لي ايوكوكا عام 1982."

 وهنا قال طالب يجلس في الخلف لزميله القوي:" يجب أن تقتله."

 غضبت المدرسة وهتفت :" حسنا ! من قال هذا؟"ومن تقتلون..؟

 اجاب سوزوكي :" صدام حسين لصباح مرزا عام 1974.يطالبه بقتل علاوي"

 وهنا أمسك طالب آخر بقلمه وصاح غاضبا :"  سوف احشره في فمك !"

 قفز سوزوكي من مقعده وهو يلوح بيده ويقول بأعلى صوت:

" بيل كلنتون مخاطبا مونيكا ليونسكي 1997"

 وهنا ازداد هياج الطلاب واصابتهم هستريا

 فقال احدهم :" ايها القذر الحقير . اذا قلت أي شيء آخر سوف أقتلك ."

 أجاب سوزوكي بأعلى صوت : هذا ما قاله جاري كوندت مخاطبا شاندرا ليفي 2001"
 شكى طالب غاضب لزميله البدين وهو يشير الى سوزوكي: أنا أتجرع هذا كقطرات السم..
أجاب سوزوكي : آية الله الخميني عام 1988..

صاح الطالب البدين:سأجعل موج البحر يحملك الى موطنك..ذلك القبر..
قال سوزوكي: حكمت البيداري بمنتديات عنكاوا في13/3/2006..

 وأغمي على المدّرسة وفي حين كان الطلاب يتجمعون حولها قال احدهم :" اوه ياللجحيم . اننا في ورطة !"

فقال سوزكي : كونداليزارايس في آخر زيارة للعراق..

 

 

 

80
 
  ساهم في تأليف كتاب:مآزق وآفاق حركة الدمقرطة في الشرق الأوسط ما لا يقل عن اثنى عشر باحثا وباحثة من عرب وأجانب. وأشرفت عليه الباحثة الدنماركية بريجيت راهبيك. وكانت المداخلات قد ألقيت أولا في مؤتمر عقد في كوبنهاغن بالدنمارك في شهر فبراير من عام 2005 قبل أن تجمع لاحقا بين دفتي كتاب. وقد ساهم فيها الباحث السوري سمير عطية ببحث قيم ومطول تحت عنوان:
هل تريد أوروبا والولايات المتحدة فعلا أن تحصل إصلاحات ديمقراطية في سوريا؟ أما مقدمة الكتاب فقد كتبتها المشرفة العامة عليه، أي بريجيت راهبيك تحت عنوان: معضلات الدمقرطة أو الديمقراطية في الشرق الأوسط ومآزقها. أما نادر فرجاني مدير مركز المشكاة للبحوث في مصر فقد كتب بحثاً عن تقرير الأمم المتحدة عن التنمية البشرية في العالم العربي.
 ومعلوم أنه كان المشرف العام على كتابة هذا التقرير في الأعوام التالية: 2002، 2003، 2004. وهو لا يرى أي تعارض بين الإسلام والديمقراطية على عكس ما يتوهم الكثيرون.
أما الباحثة العراقية هدى النعيمي الأستاذة في جامعة المستنصرية قسم العلوم السياسية فقد كتبت بحثاً عن الحالة العراقية بعنوان: معضلات الديمقراطية (أو الدمقرطة) في العراق.
 وكتبت الباحثة السعودية فوزية أبو خالد مداخلة بعنوان: المبادرات السياسية الأميركية والغربية في الشرق الأوسط: تحديات الديمقراطية في الشرق الأوسط، دراسة الوضع في المملكة العربية السعودية. والباحثة المذكورة هي شاعرة وأستاذة علم الاجتماع في جامعة الملك سعود بالرياض. وكانت قد نالت شهادة الدكتوراه من إحدى الجامعات الأميركية.
وكتبت الباحثة الفلسطينية حنان عبد الرحمن رباني بحثا بعنوان: وجهة نظر فلسطينية عن الدور الذي تلعبه المنظمات الغربية غير الحكومية في نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط ثم بالأخص في الدفاع عن حقوق المرأة.
وكتبت الباحثة العراقية أمل رؤوف شلش بحثا عن مستقبل الديمقراطية في العراق. أما الباحثة السعودية مي يماني فكتبت بحثا تحت عنوان: حدود الإصلاحات السياسية في السعودية. هكذا نلاحظ أن السعودية حظيت بفصلين في الكتاب وكذلك العراق. هذا وقد ساهم في الكتاب بعض الباحثين الغربيين إلى جانب الباحثين العرب الذين شكلوا الأغلبية.
في المقدمة العامة للكتاب قامت الباحثة بيرجيت راهبيك بوضع إطار عام لمناقشة الموضوع وقدمت كل مداخلة ببعض الفقرات للتعريف بجوهرها ومحتواها. وتناولت مسألة سوء التفاهم الحاصل بين المثقفين العرب والغرب، وقالت بما معناه: كانت الديمقراطية مطروحة في العالم العربي في الستينات والسبعينات من القرن العشرين من قبل الأحزاب والقوى التقدمية العربية.
ولكن الغرب لم يعرها أي اهتمام، بل وراح يدعم الأنظمة الاستبدادية الحاكمة لأنه كان مشغولاً أو مهووساً بشيء واحد فقط: مواجهة الخطر الشيوعي والاتحاد السوفييتي. وبالتالي فأي نظام عربي يمشي معه في هذا الاتجاه حتى ولو كان متخلفاً ومستبداً كانوا يدعمونه.
أما الآن فقد تغيرت الأمور بعد أن انقلبت الحركات الأصولية على الغرب وحصلت ضربة 11 سبتمبر.
 ولذلك فإن الغرب غيّر سياسته وابتدأ يتحدث عن ضرورة دمقرطة الأنظمة العربية المستبدة التي ولدت مثل هذه الحركات المتطرفة في أحضانها. وضمن هذا الإطار ظهرت مبادرة الشرق الأوسط الكبير وشمال إفريقيا للولايات المتحدة، أو المبادرة الدنماركية للشرق الأوسط الموسع، الخ.
ولكن المثقفين العرب يقابلون مثل هذه المبادرات بالدهشة، والارتياب وعدم التصديق. فهم يطرحون الأسئلة التالية على المسؤول الغربي: لماذا تريدون إقامة الديمقراطية في العراق وليس في المملكة العربية السعودية مثلا؟ لماذا تطالبون سوريا بتطبيق قرارات الأمم المتحدة فيما يخص لبنان ولا تطالبون إسرائيل بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة التي تخصها؟ ثم لماذا يسمح لإسرائيل بامتلاك أسلحة الدمار الشامل ولا يسمح بذلك للعرب؟ومن بين الذين يشكون في النوايا الغربية الباحث السوري سمير عطية.
فمن خلال بحثه المطول عن الحالة السورية نلمح مدى انزعاجه من الموقف الغربي سواء أكان أوروبياً أم أميركياً. فهذا الموقف لم يخدم قضية الديمقراطية في هذا البلد العربي على مدى السبعين عاما الماضية: أي منذ الاستقلال وحتى اليوم. ثم ينخرط الأستاذ عطية في تحليل معمق وتاريخي للحالة السورية منذ البداية ويقول بما معناه:
إن تأسيس الدولة السورية تم ضمن سياق ديمقراطي واعد بالمستقبل. فدولة الانتداب الفرنسية قسمت البلاد إلى خمس دول: دولة دمشق، دولة حلب، دولة العلويين، دولة الدروز، دولة لبنان. ولكن القوى الوطنية التي عرفت كيف تلعب على انقسامات الدول الكبرى استطاعت أن تدحر الاستعمار عام 1946 وتعيد توحيد البلاد.
فالنخب السياسية في المدن السورية الكبرى كدمشق وحلب وحمص وسواها استطاعت أن تقنع القادة الوطنيين لدى العلويين والدروز والأكراد، أي صالح العلي، وسلطان باشا الأطرش، وإبراهيم هنانو بضرورة التوحيد والانضمام إلى المسيرة الوطنية الكبرى. وهذا ما حصل.
وكان يسيطر على الحياة السياسية آنذاك حزبان كبيران هما: الحزب الوطني وحزب الشعب. وهما يمثلان توجهات النخب السياسية والثقافية للطبقات الوسطى في كل من دمشق وحلب. وقد ساهم هذان الحزبان في تشكيل الدولة السورية وترسيخ الديمقراطية في فترة قصيرة. وظهرت في عهدهما أحزاب جديدة ملتقى لأدوات التقويم الجديدة تمثل شرائح معينة من الشعب: كالحزب السوري القومي الاجتماعي، والحزب الشيوعي، وحزب البعث، وحركة الإخوان المسلمين.
وسمح للجميع بالتعبير عن طروحاتهم وآرائهم. ولكن الديمقراطية السورية الوليدة سرعان ما تلقت ضربة موجعة عام 1948 بسبب نكبة فلسطين وتأسيس دولة إسرائيل على أرضها. عندئذ أصبح استقرار سوريا مهدداً، وكذلك العملية الديمقراطية. وهكذا توالت على البلاد انقلابات عسكرية عدة.
وكان اثنان منها مرتبطين بالمصالح البترولية للعراق والسعودية لأن أنابيب نفطهما كانت تمر من خلال سوريا وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط.ثم يردف الأستاذ سمير عطية قائلاً: يضاف إلى ذلك أن سوريا أصبحت تحت ضغط القوى الكبرى في بداية الحرب الباردة. فكلها راحت تتصارع عليها. وقد أثر ذلك بشكل سلبي على الاستقرار الداخلي.
ولكن تحالف الأحزاب السياسية التقليدية والنخب العسكرية أدى إلى إعادة الديمقراطية للبلاد عام 1954. وهذه المرحلة الديمقراطية الثانية التي تلت المرحلة الديمقراطية الأولى للاستقلال كانت فريدة من نوعها ليس فقط في تاريخ سوريا وإنما أيضاً في تاريخ المنطقة العربية ككل. ولا تزال ذكراها العطرة حاضرة في الذاكرة الجماعية للسوريين حتى الآن.
ففي أثنائها جرت انتخابات حرة وانتخب فيها العديد من أعضاء حزب البعث كنواب بالإضافة إلى نائب شيوعي واحد ونائب إخواني واحد (عن الإخوان المسلمين). وأكملت هذه المرحلة الديمقراطية الذهبية بناء مؤسسات الدولة السورية وكذلك الاقتصاد السوري.
وكانت سوريا أول بلد عربي يفتح مصرفاً مركزياً له وينخرط في مشاريع الإصلاح الزراعي وسياسة التصنيع. وحققت نجاحات ملحوظة في ميادين عدة.ثم يردف الباحث السوري قائلاً: ولكن الديمقراطية السورية الوليدة تعرضت لضغوط شديدة من داخلية وخارجية. وقد توجت عام 1957 بتهديدها بالحرب من قبل تركيا وإسرائيل، كل واحدة من جهتها.
وعندئذ لم يبق أمام هذه الديمقراطية إلا أن تقوم بانتحار ذاتي عام 1958 عندما حصلت الوحدة مع مصر. فقد قبل الرئيس عبد الناصر بتقديم سوريا له على طبق من ذهب من قبل القادة السوريين مقابل حلّ كل الأحزاب السياسية.
وكانت النتيجة أن حكم الضباط المصريون سوريا بشكل استبدادي. وأدى هذا الاستبداد إلى تذمر السوريين أكثر فأكثر حتى فرضت الوحدة عام 1961. وتلا ذلك بفترة قصيرة وصول حزب البعث إلى السلطة في 8 مارس من عام 1963. ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن تعيش سوريا في ظل حالة الطوارئ والأحكام العرفية.
 وفي عام 1973 ظهر دستور جديد للبلاد يقضي بوضع السلطة كلها في يد الرئيس حافظ الأسد واعتبار حزب البعث قائداً للدولة والمجتمع. ثم شكلت الجبهة الوطنية التقدمية من بقية الأحزاب وألحقت بالبعث. ولكن دورها كان هامشياً عموماً. فالسلطة الحقيقية ظلت في أيدي شخص واحد وبعض المقربين منه. وظل هذا النظام سائداً في سوريا طيلة حكم الرئيس حافظ الأسد: أي منذ عام 1970 وحتى عام 2000.
 ثلاثين سنة بالتمام والكمال. وبالتالي فقد غابت الفكرة الديمقراطية عن البلاد طيلة تلك الحقبة.ولكن تجربة الديمقراطية المجهضة في الخمسينات ظلت حية في اللاوعي الجماعي السوري. وظل السوريون حتى الآن يلقون باللائمة على أوروبا وأميركا لأنها لعبت دوراً كبيراً في القضاء على الديمقراطية السورية بشكل مباشر أو غير مباشر. ثم جاء عهد الرئيس بشار الأسد الذي كان واعداً بالانفتاح والديمقراطية في البداية.
وقد ورد اسم الديمقراطية في خطاب التدشين ست عشرة مرة على الرغم من أنه قال بأن الديمقراطية على الطريقة الغربية لا تصلح لنا. وحصل انفتاح سياسي بالقياس إلى العهد السابق. ولكن ربيع دمشق لم يدم طويلاً. نقول ذلك على الرغم من أن وضع الحريات في عهد الرئيس بشار الأسد أفضل نسبياً مما كان عليه في العهد السابق.
وفي النهاية يرى المؤلف أن الغرب يخشى الإسلام السياسي السوري ولذلك فإن الديمقراطية تظل معرقلة في هذا البلد.
ويرى أن خشيته لا مبرر لها لأن الإسلام السني السوري هو أموي أساسا: أي دنيوي وعلماني ومدني لا متطرف ولا متعصب على طريقة السعودية ومصر وبعض البلدان العربية الأخرى. وبالتالي فهناك مجال لإقامة حكم ديمقراطي على غرار نظام أردوغان في تركيا.وعندئذ تحصل المصالحة بين الإسلام والحداثة وتعود سوريا إلى ماضي عهدها كرائدة للحركة الديمقراطية في العالم العربي.
 
 


[الملحق حذف بواسطة المشرف]

81
الرسامة معالي زايد تتحدث الى عنكاوا..
[/size]


عندما دخلنا الى المعرض التشكيلي الثاني للفنانة / معـالي زايد الذي حمل عنوان :" عيد الأم"  قالوا لنا إنه حضر الافتتاح قبلنا مصطفى حسين نقيب التشكيليين ، وزاهى حواس ، وعادل إمام ، وعدد كبير من نجوم الفن والفنانين التشكيليين .ومايزال المشاهير  يدخلون الى القاعة ويدورون حول اللوحات ويتفحصون الجدران رغم وجود من لا يفهم لغة الفنون التشكيلية بينهم..
..نعود الى الرسامة الممثلة..معـالى زايد التي تفرغت منذ عـدة شهور للانتهاء من معـرضها الأول الذي تبعه الثاني بسرعة ،  كتبت فى بطاقة الدعـوة تحت مسمى لماذا " التشكيل..؟" :
( شعـرت بعـد هذا المشوار الفنى الطويل ومواجهتى لكاميرات التمثيل فى عملى كممثلة حيث قدمت مئات الأدوار التى صنعها لى الغير أنى راغبة فى التعـبير عن نفسى من خلال لحظة صدق أعبر فيها عن أفكارى ورؤيتى للأشياء التى من حولى وكان قرارى بخروج معـرضى الثاني الذى يحمل عنوان "عيد الأم" . وقصدت به أن أترجم مشاعرى وأحاسيسى بالخط واللون نحو الراحلة العزيزة أمي...).
ومعـالى زايد خريجة كلية الفنون الجميلة عام 1975 ، ولكنها احترفت التمثيل فى عام 1979 واكتشفها المخرج نور الدمرداش .وشاركت فى 80 فيلم و 60 مسلسل و 6 مسرحيات وحصلت على جائزة أحسن ممثلة عام 1983 فى مسلسل دموع فى عيون وقحة كما حصلت على جائزة أحسن ممثلة فى أعوام 1985 ، 1986 ، 1987 ، 1993 ، 1997 لقيامها بأعمال سينمائية وتليفزيونية ..
بعد ان تعبت معالي زايد من الشرح والمجاملات جلست في أحد الأركان فجلست قربها وكأنني صحفي خاص بمنتديات عينكاوا وسألتها :

هل حضرت لمعرضيكِ سنوات طويلة ؟

لا لم أتأخر …خاصة مع المعرض الثاني.. أنا أحلم بإقامة هذا المعرض منذ فترة ، ولكن الحالة الابداعية داخل عقلى لم تكن فى حالة استعـداد .... وفى لحظة معينة وجدت نفسى أعطى كل الوقت من أجل الانتهاء من لوحاتي ، وسبق عـرضت فى المعـرض الأول 25 لوحة - منها 24 لوحة تحت عنوان " الوجـه الآخر " واللوحة رقم 25 هى لأمى الفنانة أمال زايد التى أعتبرها لوحـة مهمة فى حياتى الفنية.لهذا خصصت لوحات هذا المعرض للأمومة 

كيف كانت الخطـوة لاقامة المعـرض الأول ؟
فى لحظة معينة وجدت نفسى أدخر كل الجهد من أجل اقامة المعـرض و حلمى الكبير بدأ يقترب من خلايا عقلى ... وجدت نفسى أعد أدواتى وألوانى من أجل الانتهاء من لوحاتى حتى أحقق الأمنية باقامة أول معـرض لى كفنانة ..أما هذا المعرض فهو أسهل شوية..ولهذا عرضت معه ما تبقى لدي من لوحات المعرض الأول: الوجه الآخر..

هل توجد لوحة من الأعمال المعروضة استغرقت وقت أطول من غيرها لتنفيذها ؟
أنا لا أحدد زمن معين للإنتهاء من لوحاتي ، لأن كل لوحة لها سر ، وسر اللوحة لا يشعـر بها سوى الفنان الذى يصنع اللوحة كما تؤكد مراكز الاحساس وبؤر الابداع فى العـقل .
لوحاتي هي الوجه الحقيقي لي

" الوجه الآخر " هل هو الوجه الحقيقي لمعالي زايد ؟
كل لوحاتى تعبر عن شخصية معـالى زايد ، لذلك اخترت هذا الاسم " الوجه الآخر " فمن يدقق فى اللوحات يرى الوجه الحقيقى والاحساس الكامن لمعـالى زايد الانسانة والفنانة التشكيلية … ربما الناس شاهدتنى كثيرا كممثلة أتقمص الأدوار ، ولكنها المرة الأولى التي أقدم فيها قدراتي الإبداعية والفكرية .

باعتقادك هل مناخ مصر يساعد الفنان التشكيلى للابداع ؟
كل شىء يتوفر للفنان من أجل أن يبدع .... المناخ والروح وأساتذة لديهم خبرة يمنحون نصائح تعطى التفوق للفنان التشكيلى ، اضافة الى جمهور ذواق مدرك لقيمة العمل الفنى والابداعى .

مصر زاخرة بالأسماء الكبيرة فى دنيا الفن التشكيلى ، كفنانة تشكيلية هل تعجبك أعمال لأحد الفنانين وتحرصين على متابعة معارضه ؟
كثيرون كما ذكرت فمصر بها فنانين على مستوى العالمية … ويعجبني الفنان صلاح طاهر ، و الفنانة زينب السجينى ، والفنان فرغلى عبد الحميد .

هل تنوى معـالى زايد تكرار فكرة المعـرض ؟
إن شاء الله اذا حالفنى التوفيق فى المعـرض االثاني  سوف يكون هناك معرض ثالث ولكن أحب أن أحصد النجاح فى معرضى الثاني من الجمهور قبل النقاد لأن الجمهور هو معيار النجاح الأول ، فمتى ما فهم الجمهور الرسالة الفنية من العرض يشعر الفنان بالنجاح لأن ابداعه وصل الى مستقبل الرسالة .

هل تطمحين إلى إقامة معـرض خارج مصر ؟
أحلم بذلك .... فالعرض بقاعات كبرى خارج مصر أمنية أى فنان ، ولكن الآن لا أفكر إلا فى معرضى الأول ونتائجه ورأى الجمهور فى أعمالى .

لماذا اخترتِ هذا التوقيت للمعرض ؟
شهر آذار هو بوابة الربيع . وفيه أيضاً مثلت أفضل أعمالى التليفزيونية مثل " دموع فى عيون وقحة " الذى اعتبره أفضل أعمالي...

بعيدا عن الفن التشكيلى … أين معالى زايد من أعمال الدراما التليفزيونية ؟
لدى عروض أدرسها وربما أبدا فيها بعد شهر رمضان … أما هذا العام في رمضان فسوف أتابع أعمال زملائى من مقعد المتفرجين ، وليست لى أعمال تعـرض خلال شهر رمضان القادم .

هل هذا الابتعاد بسبب المعرض ؟
لا ، ولا أريد أن نخلط الأوراق بين الفن التشكيلى والتمثيل .... الفن التشكيلى حالة مزاجية تأتى فى لحظات على شكل طاقة ابداعية لابد لها من الخروج فى شكل عمل فنى



                                     

82

 مؤلف كتاب الوضع التناقضي للسلطة الاميركية ، البروفيسور جوزيف س. ناي، هو عميد كلية كندي للحكومة، وهي كلية مختصة في شئون الحكم وتابعة لجامعة هارفارد. وقد شغل سابقاً منصب رئيس مجلس الاستخبارات القومية ونائب وزير الدفاع في حكومة الرئيس بيل كلينتون، وهو مشهور بمقالاته التي ينشرها بشكل منتظم في الجرائد الكبرى: كالنيويورك تايمز، والواشنطن بوست، وول ستريت جورنال.. كما انه نشر سابقاً العديد من الكتب. نذكر من بينها: الحكم في عالم العولمة، والطبيعة المتغيرة للسلطة الأميركية.. الخ. وفي هذا الكتاب المهم الذي صدر بعد تفجيرات 11 سبتمبر الارهابية نلاحظ ان المؤلف يقدم صورة عامة عن وضع اميركا في العالم واسباب النقمة عليها، وضرورة تغيير السياسة الخارجية الاميركية.. والكتاب مؤلف من خمسة فصول هي التالية:
1- القوة الجبروتية الاميركية.
 2- الثورة المعلوماتية،
 3- العولمة،
 4- الجبهة الداخلية،
 5- اعادة تحديد المصلحة القومية الاميركية.
والسؤال الذي يطرحه المؤلف منذ بداية الكتاب هو التالي: ما هو الدور الذي ينبغي ان تلعبه اميركا في العالم؟ ما هي التحديات الاساسية التي تواجهنا في القرن الواحد والعشرين؟ وهل ينبغي علينا ان نحدد طبيعة مصلحتنا القومية؟ ان هذه الاسئلة تتخذ ابعاداً جديدة على ضوء الهجوم الارهابي الخطير الذي حصل صبيحة 11 سبتمبر.
ثم يردف المؤلف قائلاً: منذ عهد الامبراطورية الرومانية لم يتح لأية امة ان تحظى بكل هذه القوة الاقتصادية الثقافية والعسكرية التي حظيت بها الامة الاميركية. ولكن هذه القوة الجبروتية لا تتيح لنا ان نحل مشاكل خطيرة: كمشكلة الارهاب، او تدهور البيئة وتلوثها، او انتشار اسلحة الدمار الشامل.
والشيء الجديد الذي اكتشفناه مؤخراً هو التالي: نعم ان اميركا هي اكبر قوة عظمى ظهرت في التاريخ. بل ولا يمكن ان تقاس قوة الامبراطوريات السابقة بما فيها الامبراطورية الرومانية بقوتها.
ولكن على الرغم من ذلك فإنها عاجزة عن حل جميع مشاكل العالم ان لم تشرك الامم الاخرى في البحث عن هذا الحل.
هذه هي الحقيقة البسيطة التي اكتشفناها. ان اميركا عاجزة عن فعل كل ما تريده في العالم على عكس ما يتوهم الكثيرون. ولهذا السبب فإنه ينبغي عليها ان تغير من سياسة الغطرسة التي اتبعتها سابقاً. ينبغي ألا تنفرد بالقرار لوحدها. فالأمم الاخرى لها كلمتها ايضاً. واذا لم تعرف اميركا كيف تتعاون معها فإنها سوف تفشل في مواجهة التحديات الخطيرة لهذا القرن الذي ابتدأ بشكل خطير جداً.
ثم يردف البروفيسور جوزيف س. ناي قائلاً: ان التهديد الذي يمثله الارهاب والذي يسلّط سيفه فوق رؤوسنا هو اكبر دليل على ضرورة تغيير سياستنا الخارجية. فنحن لن نستطيع القضاء عليه الا اذا تعاونا مع الامم الاخرى سواء أكانت قوية ام ضعيفة، كبيرة ام صغيرة.
أن مأساة 11 سبتمبر ايقظت الاميركيين من سبات عميق. لقد اصبنا بالغرور طيلة سنوات التسعينيات بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانتصارنا في الحرب الباردة. لقد اعتقدنا ان العالم كله اصبح لنا ولم يعد هناك اي خطر يتهددنا.. ففي بداية التسعينيات كانت حرب الخليج قد شكلت انتصاراً سهلاً بالنسبة لنا. وفي نهايتها خضنا الحرب ضد ديكتاتور الصرب ميلوسيفيتش وانتصرنا فيها دون ان نخسر ضحايا بشرية تذكر.
وراح اقتصادنا يزدهر بشكل لم يسبق له مثيل من قبل وأصبحنا في ذروة القوة والمجد والسعادة. ولا توجد قوة عظمى تشبهنا في التاريخ الا قوة بريطانيا ربما في العصر الفيكتوري.
وفجأة حصل ما لا تحمد عقباه وما لم نكن نتوقعه على الاطلاق. وأفقنا من غيبوبتنا على وقع انهيار مركز التجارة العالمي في نيويورك.. وكانت الصدمة الرهيبة التي اصابت اميركا في الصميم.
ثم يقول المؤلف: لكن لنعد الى الوراء قليلاً. في السابق كان الاميركيون غير مبالين بالسياسة الخارجية. كانوا مشغولين بهمومهم الداخلية ورفاهيتهم الاقتصادية وسعادة ابنائهم. ولكن كل شيء تغير بعد 11 سبتمبر. في الواقع انه كان ينبغي علينا ان نرى الزوابع قبل ان تصل. فهناك مؤشرات عديدة كانت تنذر بالخطر.
ففي بداية العام الذي حصلت فيه المأساة كانت لجنة الأمن القومي التي يترأسها السيناتور غاري هارت والسيناتور وارين رودمان قد كتبت تقريراً جاء فيه: ان التفوق العسكري الاميركي لن يحمينا من الضربات الارهابية. ونحن نتوقع ان يموت الاميركان على ارضهم الخاصة بالذات. وربما ماتوا بأعداد كبيرة.
هذا الكلام كتب قبل تسعة اشهر من تفجيرات 11 سبتمبر. ولكن احداً من المسئولين لم ينتبه اليه، ولم يعره اي اهتمام.
ثم يردف المؤلف قائلاً: في عام 1997 كتبت تقريراً مع زميل اخر قلنا فيه: ان الاولوية القصوى التي ينبغي على مجلس الامن القومي ان يهتم بها هي: الارهاب. ولكننا نخشى ان تكون طبيعة المجتمع الاميركي غير ملائمة لمواجهة هذا الخطر. فالعقلية الاميركية تعودت على الا ترى الخطر الا بعد ان يصيبها ويفتك بها.
ان الهجوم الارهابي الذي حصل يوم 11 سبتمبر كان علامة بارزة على المتغيرات العميقة التي تحصل في العالم. ومن اهم هذه المتغيرات ما يلي: ان ثورة المعلوماتية والاتصالات التي حصلت مؤخراً ادت الى انتقال السلطة من الحكومات الى الافراد والعصابات. فهؤلاء اصبحوا يريدون ان يلعبوا دوراً في السياسة العالمية، ولم يعد هذا الدور محصوراً بالدول.
وهذا الدور يشمل ايضاً الاعمال الارهابية، والتدمير الضخم لمنشأة ما او مؤسسة معينة. بمعنى آخر فإن عصرنا الذي يشهد انتشار القطاع الخاص في كل المجالات ادى الى خصخصة الارهاب! اصبحت اي مجموعة منظمة تستطيع ان تهدد الدول عن طريق امتلاك وسائل المعلوماتية الحديثة من انترنت وفاكس وايميل وسواها، ثم عن طريق امتلاك المتفجرات والاسلحة. بل وأكثر من ذلك فإن صيرورة العولمة ادت الى تقليص المسافات. فما كان يحدث في بلد بعيد كأفغانستان لم يكن يعنينا كثيراً في الماضي. ولكنه الآن ينعكس على حياة المواطن الاميركي بشكل مباشر. وكل ذلك بسبب العولمة ووسائل الاتصالات الحديثة التي ربطت اقصى الارض بأقصى الارض.
ثم يردف المؤلف قائلاً: ينبغي العلم بأن العالم انتقل من مرحلة الحرب الباردة الى مرحلة العولمة الشمولية والمعلوماتية. ولكن السياسة الاميركية، حتى امد قريب، لم تكن تمشي على ايقاع هذه المتغيرات. وبالتالي فلم تفهمها او لم تستوعبها. ولهذا السبب فوجئت بهجوم 11 سبتمبر.
ان مشكلة اميركا هي التالية: كيف يمكن ان توفق بين قوتها وبين قيمها دون ان تتخلى عن حماية نفسها من الضربات الارهابية. فبما اننا اكبر قوة في العالم فإننا نثير غيرة الآخرين وكرههم وبخاصة في العالم الاسلامي ولكن هناك الكثيرون ممن تعاطفوا معنا في محنتنا، وبالتالي فليست جميع الشعوب حاقدة علينا على عكس ما يقال.
هناك اطروحتان تتصارعان في اميركا، اطروحة الانعزاليين وأطروحة التوسعيين. فالانعزاليون يقولون أن اميركا سوف تسلم من الارهاب اذا ما انسحبت من العالم وانكفأت على حدودها وكفّت عن التدخل في شئون العالم.
ولكن التوسعيين او حتى الحياديين يقولون: لا، ليس هذا الكلام صحيحاً. فلو فعلنا ذلك لفسره الارهابيون على اساس انه علامة ضعف وانهزام. وبالتالي فإنهم سوف يتجرأون على مهاجمتنا اكثر فأكثر.
ثم يردف المؤلف قائلاً: في الواقع ان الارهاب لا يفهم الا لغة القوة، وبالتالي فإن الرد عليه ينبغي ان يكون حازماً لا هوادة فيه. وهذا ما نفهمه ضمناً من تصريح الملك عبدالله الثاني، ملك الاردن، عندما قال: انهم يريدون تقويض صرح الولايات المتحدة عن طريق هذه الضربات العنيفة. انهم يريدون تركيع اميركا وضرب كل ما تمثله من قيم ديمقراطية، وازدهار، وحريات، وثقافة.
يضاف الى ذلك انه حتى لو انسحبنا من العالم فإن الثقافة الاميركية الشعبية لن تنسحب وسوف تظل تؤثر على البلدان الاخرى وتصل الى اقاصي الارض.. فتأثير السينما الاميركية وافلام هوليوود، وقناة السي. إن. إن والانترنت، والمسلسلات الاميركية كل ذلك سوف يستمر مهما فعلنا. وهو يساهم في الاشعاع الاميركي في الخارج ويخفف من حدة القوة الجبروتية الاميركية، بل ويجعل قبولها اكثر سهولة بالنسبة للشعوب الاخرى. ولكن ليس بالنسبة لجميع الناس.
فالجماعات الاصولية المتطرفة تكره حضارتنا القائمة على الحريات الفردية في شتى المجالات: من دينية، او سياسية، او اقتصادية، او ثقافية، او حتى جنسية.. انهم يكرهون الحرية والنزعة الفردية ويخشون ان ينتقل كل ذلك الى مجتمعاتهم يوماً ما. بل انهم يتهمون اميركا بافساد المجتمعات الاسلامية.. وبالتالي فإن قيم الانفتاح والتسامح والحرية لا تناسب هؤلاء الناس المتزمتين اكثر من اللزوم، وعلينا ان نأخذ علماً بذلك ونعتبره حقيقة واقعة لابد من مواجهتها. ثم يخلص المؤلف الى القول:
ينبغي تعديل السياسة الخارجية الاميركية لكي تصبح اكثر توازناً واحتراماً ليس فقط بمشاعر الامم الاخرى وانما بصالحها ايضاً. وينبغي ان نتخلى عن السياسة العنجهية التي تستفرد بالقرار الدولي ولا تأخذ بعين الاعتبار الا مصلحة اميركا.. ينبغي ان نخرج من نظرتنا الضيقة والانانية لكي نستطيع ان نقيم تعاوناً ايجابياً مع جميع الامم الاخرى. وهذه هي الطريقة الوحيدة لمحاصرة الارهاب.

83
أدب / معلمي
« في: 10:27 13/03/2006  »
                                                                 
معلمي ... معلمي               إني إلـيك أنتـمي
بفضلكَ....وبذلك                فهمتُ سرَ عالمي..
*****
           معلمي..علمتني الكتابهْ                                     
            وقراءة الحروف والحسابَ                                     
           علمتني الفنون والألعابَ   ويالهُ من كرمِ ..         
                       *****
            تُشّكلُ المعارف َ الموّسعه                 
             تجعلها مثلُ الثمارِ اليانعه                 
             إن العلومَ كالنوافذِ مُشْرَعه     نحوَ حدود الحُلُمِ.. 
                       *****
   معلمي أنا ابنك الـذي حضى                         
      منك الحنان والنجاح والرضا                         
    أرفع وجهي داعياً نحو الفضا     يارب صُن معلمي..
*********
كـــبذرةٍ طـــيبةٍ فـينا  نمـا                   
تقديرُنا السامي لمن بنا سما                     
جــميعـُنا نحــترمُ المعــلما     كوالدٍ محترمِ..

84
  يعرض المالك الأميركي لرسائل روبرت براوننغ هذه الوثائق الأدبية للبيع في مزاد تجريه دار كريستيز, لندن, الثالث عشر من آذار (مارس) الجاري. يقدّر ثمنها بمليون جنيه استرليني, وتضم سبعين رسالة تبادلها الشاعر الانكليزي مع جوليا ودجوود التي صغرته بواحد وعشرين عاماً بعد وفاة زوجته الشاعرة اليزابيث باريت. عرفت جوليا ككاتبة ومؤرخة وناقدة ومكنها اطلاعها من مناقشة تشارلز داروين الذي كانت زوجته قريبتها. أوقفت المراسلة بعدما خشيت اسرتها ثرثرة الناس, فارتبط براوننغ بصداقات مع اخريات طمأنهن الى صداقتهم الغالية عليه في الوقت الذي قال ان قلبه لا يزال ملك زوجته.
يعود الشاعر الى الضوء أيضاً مع كتاب جديد صدر أخيراً عن دار هاربر كولينز لإيان فنليسون, لا يضيف "براوننغ: حياة خاصة" الكثير الى ما يسميه توماس هاردي "أحجية" أدباً وشخصية. الكاتب الأميركي هنري جيمس وسّع فكرة هاردي وتحدث في قصة "الحياة الخاصة" عن ثنائية براوننغ الأساسية. الواجهة العامة لشخص يحب الحفلات ويتكلم بحماسة من دون أن يقول الكثير, والوجه الخاص للشاعر الخفر الذي كان أكثر ارتياحاً للقاءات الصغيرة. "جزءان مستقلان" قال جيمس, لكن فنليسون طمح من دون أن يوفق كثيراً. قبل وفاته بعامين, أحرق براوننغ أوراقاً خاصة ومسودات أعماله, لكنه لم يحرق رسائله الى زوجته وجوليا وردودهما. الحب بين روبرت واليزابيث التي كبرته بستة أعوام وأدمنت المورفين تحول اسطورة في الوسط الأدبي البريطاني, لكن والد اليزابيث رفضه. كان روبرت لا يزال يعتمد مادياً على والديه, وقدمت له فرصة الاعتماد عليها بعدما هربا الى ايطاليا مع خادمتها وكلبها. عادا الى لندن ليتزوجا سراً وعاشا في فلورنسا حيث توفيت اليزابيث عن خمسة وخمسين عاماً مخلفة طفلاً أفسده الدلال.
اشتهر براوننغ (1812 - 1889) بغموض شعره, وعندما سمعه هنري جيمس يقرأ قصائده ارتاح: "إذا كنت لا تفهمها فهو يفهمها أقل منك". تنيسون قال انه فهم السطرين الأول والأخير من قصيدته الروائية "سوديللو", وعندما تزوج اليزابيث بعد تسعة عشر عاماً من المغازلة السرية تمنى وليم وردزورث ان "يفهم احدهما الآخر لأن أحداً لم يفهمهما". جيمس وصف بلؤم كيف يقرأ براوننغ قصائده كأنه يكرهها ويريد ان يقطِّعها بأسنانه, ورأى اودن ان حسنات شعره لا تظهر إلا إذا قرئ بالجملة.
استمد ثقافته الأساسية من مكتبة والده التي ضمت ستة آلاف كتاب, ولأنه كان كوالدته بروتستنتياً يرفض الكنيسة الانغليكانية لم يقبل في جامعتي آوكسفورد وكيمبريدج, فأمضى بضعة أشهر تعيسة في جامعة لندن الجديدة يومها. كانت أسرته تعيله عندما تزوج في الرابعة والثلاثين, وانتقلت المسؤولية الى زوجته ثم ورث صديقاً مشتركاً فحقق استقلاله, على انه لم يعش من شعره الا في الأعوام العشرين الأخيرة من حياته. دعم تفوق زوجته شعراً عليه من دون استياء, وكان هذا الاعتراف وزواجه السري منها الأمرين الوحيدين غير التقليديين في حياته. عندما توفي عن سبعة وسبعين عاماً دفن في كنيسة وستمنستر, لندن, وأنشدت قصيدة زوجته: "ما الذي نعطيه لمن نحبهم؟". كان كتب ان قلبه سيرقد دائماً قرب زوجته التي توفيت قبله بثمانية وعشرين عاماً ودفنت في فلورنسا, وربما عنى ذلك.


[الملحق حذف بواسطة المشرف]

85
إعلام الفكر والفلسفة / الرائي:
« في: 09:35 08/03/2006  »
 
طمس اسمه لصعوبته واستبدل بجنسيته فبات اليوناني فحسب. وطمس فنه لغرابته وتخلفه فغاب ثلاثة قرون. لكن ناشينال غاليري لندن, تستعيده بدءاً من الحادي عشر من الشهر الجاري حتى الثالث والعشرين من أيار (مايو). كان عاد في أواخر القرن التاسع عشر عندما اكتشف الوطنيون الاسبان ان ضيفهم في القرن السابع عشر سبق زمانه في الواقع. وان اشكاله المشوهة الراجفة تخطت أسلوب عصر النهضة وافتتحت الحداثة. بابلو بيكاسو حسم الأمر عندما استوحى "فتح الختم الخامس" ورسم "آنسات افينيون" التي غيّرت كل شيء وباتت أهم لوحة في الفن الحديث. نرى في "فتح الختم الخامس" شخصاً يبتهل (أو يرقص الباليه؟) ويبدو كأنه ينكمش في ثوب أزرق متهدل. سائر الأشخاص عراة, أجسادهم بيض مهزوزة, يحاول بعضهم جاهداً رفع الأطفال في فضاء قاتم مشحون. قد نعبرها بفتور لأننا لا نفهمها, لكن بيكاسو توقف عندها ملياً حين رآها في مونمارتر لدى مواطنه اغناسيو ثولواغا الذي بات الرسام المفضل لدى الجنرال فرانكو لاحقاً. قال ان "آنسات افينيون" رَاقَته ونسخ فيها شكل اللوحة المربع ووضع العاريات والجو المشحون والكسر التكعيبي للسماء.
ولد دومينيكوس ثيوتوكوبولس (1541 - 1614) في كريت التي كانت احدى مستعمرات البندقية, وبدأ رسام ايقونة تأثر بالأسلوب البيزنطي الحاد الجامد. غادر جزيرته الى الجزيرة المرجع, وفي البندقية تتلمذ على تيتيان, لكنه دان بالكثير لتنتوريتو. في روما صدم زملاءه عندما قال ان باستطاعته رسم "يوم القيامة" بجودة مايكل انجلو مع جعلها أكثر مسيحية. كانت الكنيسة الكاثوليكية تحارب البروتستنتية والإسلام بالثقافة والسلاح, وشاءت تطهير الفن من الأساليب الوثنية واخضاعه للدين. لكن مايكل انجلو رسم العري صريحاً في شلال الأجساد المتدفق على جدار كنيسة سيستين, فرأى كثيرون أفضل عمل له جديراً بحمام عام أو خمارة لا بمكان سام كالكنيسة. كان في مقدور المثقفين رؤية تأثير دانتي في "يوم القيامة", لكن كيف سيفهم الأميون الجهلة رسم الصور المقدسة بهذه الطريقة؟ أتى آل غريكو من خلفية شرقية أكثر ورعاً وصرامة, وقبل بخدمة الفن للدين خلافاً لمايكل انجلو وفناني روما. هجس بتطهير المسيح الهيكل من التجار, ورسمه مراراً جاعلاً مايكل انجلو وتيتيان ورافاييل صرافين في احدى اللوحات, فأوحى رغبة عميقة وصادقة في تطهير الفن وجعله مسيحياً. هرب آل غريكو من عداء فناني روما الى طلطيلية, اسبانيا, حيث تخلص من عقدة مايكل انجلو ومهد للحداثة. يعزو البعض الاستطالة والالتواء في أشكاله الى تأثره بتنتوريتو وبارميجانينو في حين يربطها آخرون بوجوده في اسبانيا بعيداً من الفنانين وحراً من تأثيرهم. كارافاجو وحده اقترب من منزلة مايكل انجلو, لكن آل غريكو كان فناناً كبيراً فريداً تجاهل الموضوعية في العالم الخارجي وشحنه بعاطفته ورؤيته الذاتية.


[الملحق حذف بواسطة المشرف]

86
أدب / دارمي أخير..
« في: 15:41 01/03/2006  »
  ضّـيّعت ليلى وضاع    عمري وزماني
  حتى الشمس تندار   واني بمكاني..

[الملحق حذف بواسطة المشرف]

87
إلتقى محرر جريدة البيان مع الممثلة العربية رغدة والكاتب المسرحي رحيم العراقي في إحدى قاعات إستقبال قناة دبي الفضائية حيث حلت النجمة رغدة ضيفة على برنامج  ( أهلنا في العراق ) الذي ساهم بإعداده رحيم العراقي في سياق تقديم المساعدات العاجلة لمتضرري الحرب  ..النجمة رغدة كانت متوترة الأعصاب وحزينة ومتشائمة عكس زميلها في اللقاء رحيم الذي كان في قمة التفاؤل والسعادة وهذا ما جعل اللقاء ينتهي بعاصفة رغدوية  و شماتة رحيمعراقية.. نعدكم بنشر تفاصيل اللقاء فيما بعد ..


                                                                            

[الملحق حذف بواسطة المشرف]

88
المنبر السياسي / سادة الحروب
« في: 12:46 01/03/2006  »
 سادة الحروب

عمل: جان باكون مؤلف هذا الكتاب لسنوات كصحفي في اذاعة «بي.بي.سي» البريطانية.و كتب عدداً من الروايات قبل ان يكرس اهتمامه لدراسة تاريخ الحرب.
في هذا الكتاب «سادة الحرب» يؤرخ لفكرة الحرب ذاتها ولـ «سادتها» عبر الآلاف من النزاعات. فإذا لم يكن هناك من يحب الحرب عملياً فإن الانسانية قد عرفت منذ بدايات تاريخها سلسلة لا تنتهي من الحروب.
ولقد قيل كثيراً ان البشر يشنون الحروب لان هذا قد يخدم مصالحهم ويسمح لهم ببيع الاسلحة.. وعبر الحرب يستطيع البعض ان يجعلوا من انفسهم قادة في بلدانهم او على الآخرين او ربما لانهم يريدون ان يتابعوا السياسة بـ «وسائل اخرى» كما ردد كثيراً الفيلسوف الليبرالي الفرنسي ريمون آرون.
ان بعض التحليلات التي يحتويها هذا الكتاب تبدو وكأنها تستجيب مباشرة لما يشهده العالم من احداث في هذه المرحلة الدقيقة من العلاقات الدولية. يقول المؤلف في احدى الجمل. بمقدار ما تكون الحرب قاسية تكون في واقع الامر انسانية.. ذلك لانها تنتهي بذلك بسرعة اكبر».. وهكذا يتم الحديث اليوم احياناً عن حروب قصيرة الامد.. الامر الذي يدل بوضوح على ما يمكن ان تكون عليه من شراسة.
ويقدم المؤلف ايضاً عدداً من الاحصائيات ذات الدلالة الكبيرة اذ نقرأ مثلاً انه «ما بين عام 1496 قبل الميلاد وحتى عام 1861 بعده، اي في مدة 3358 سنة، كان هناك 3139 سنة قد شهدت حروباً بينما لم يبلغ عدد سنوات السلم سوى 277 سنة».. هذا دون ان يأخذ المؤلف في اعتباره الـ 140 سنة الاخيرة والتي شهدت حربين لكونيتين وعدداً كبيراً من الحروب الاقليمية والمحلية، ولكن ايضاً الفترة التي امتلكت بها عدة قوى عالمية اسلحة الدمار الشامل التي ليس اقلها فتكاً السلاح النووي.
والحرب لا يقوم بها «سادتها» بمعزل عن الآخرين: اذ عرفت حروب عديدة تواطؤ القائمون على السلاح مع شرائح كبيرة من التجار وبترحيب اصحاب القرار السياسي وعلى أعلى المستويات.
ويلاحظ المؤلف في هذا السياق ان «الاعتمادات» المكرسة للحروب هي «سهلة المنال» اكثر من اية اعتمادات اخرى مهما كان نشاط المؤسسات المطالبة بها حساساً مثل التربية او حتى الصحة العامة.
من الواضح انه يمكن لهذا الكتاب ان يصبح مرجعاً في ميدان البحث عن «سادة الحروب» عبر التاريخ.. وكان المؤلف قد قدم «نسخته» الاولى منه عام 1981 بصورة ودراسة عن الموضوع ثم طورها فيما بعد في كتاب من اكثر من ثلاثمائة صفحة.. وبكل الاحوال لم يفقد هذا العمل ابداً «راهنيته»
سادة الحروب

عمل: جان باكون مؤلف هذا الكتاب لسنوات كصحفي في اذاعة «بي.بي.سي» البريطانية.و كتب عدداً من الروايات قبل ان يكرس اهتمامه لدراسة تاريخ الحرب.
في هذا الكتاب «سادة الحرب» يؤرخ لفكرة الحرب ذاتها ولـ «سادتها» عبر الآلاف من النزاعات. فإذا لم يكن هناك من يحب الحرب عملياً فإن الانسانية قد عرفت منذ بدايات تاريخها سلسلة لا تنتهي من الحروب.
ولقد قيل كثيراً ان البشر يشنون الحروب لان هذا قد يخدم مصالحهم ويسمح لهم ببيع الاسلحة.. وعبر الحرب يستطيع البعض ان يجعلوا من انفسهم قادة في بلدانهم او على الآخرين او ربما لانهم يريدون ان يتابعوا السياسة بـ «وسائل اخرى» كما ردد كثيراً الفيلسوف الليبرالي الفرنسي ريمون آرون.
ان بعض التحليلات التي يحتويها هذا الكتاب تبدو وكأنها تستجيب مباشرة لما يشهده العالم من احداث في هذه المرحلة الدقيقة من العلاقات الدولية. يقول المؤلف في احدى الجمل. بمقدار ما تكون الحرب قاسية تكون في واقع الامر انسانية.. ذلك لانها تنتهي بذلك بسرعة اكبر».. وهكذا يتم الحديث اليوم احياناً عن حروب قصيرة الامد.. الامر الذي يدل بوضوح على ما يمكن ان تكون عليه من شراسة.
ويقدم المؤلف ايضاً عدداً من الاحصائيات ذات الدلالة الكبيرة اذ نقرأ مثلاً انه «ما بين عام 1496 قبل الميلاد وحتى عام 1861 بعده، اي في مدة 3358 سنة، كان هناك 3139 سنة قد شهدت حروباً بينما لم يبلغ عدد سنوات السلم سوى 277 سنة».. هذا دون ان يأخذ المؤلف في اعتباره الـ 140 سنة الاخيرة والتي شهدت حربين لكونيتين وعدداً كبيراً من الحروب الاقليمية والمحلية، ولكن ايضاً الفترة التي امتلكت بها عدة قوى عالمية اسلحة الدمار الشامل التي ليس اقلها فتكاً السلاح النووي.
والحرب لا يقوم بها «سادتها» بمعزل عن الآخرين: اذ عرفت حروب عديدة تواطؤ القائمون على السلاح مع شرائح كبيرة من التجار وبترحيب اصحاب القرار السياسي وعلى أعلى المستويات.
ويلاحظ المؤلف في هذا السياق ان «الاعتمادات» المكرسة للحروب هي «سهلة المنال» اكثر من اية اعتمادات اخرى مهما كان نشاط المؤسسات المطالبة بها حساساً مثل التربية او حتى الصحة العامة.
من الواضح انه يمكن لهذا الكتاب ان يصبح مرجعاً في ميدان البحث عن «سادة الحروب» عبر التاريخ.. وكان المؤلف قد قدم «نسخته» الاولى منه عام 1981 بصورة ودراسة عن الموضوع ثم طورها فيما بعد في كتاب من اكثر من ثلاثمائة صفحة.. وبكل الاحوال لم يفقد هذا العمل ابداً «راهنيته»








[الملحق حذف بواسطة المشرف]

89
دعت مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية أكثر من 40 شخصية ثقافية وفكرية وإعلامية لحضور حفل توزيع جوائز الدورة التاسعة (2004  2005) والذي سيقام يوم الاربعاء الثامن من مارس/آذار الجاري في دبي. وكانت مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية قد وجهت الدعوة الى كل من عائلة الشاعرالراحل محمد الماغوط الفائز بجائزة الشعر، والدكتور ثروت عكاشة الفائز بجائزة الانجاز الثقافي والعلمي، والبروفيسور انطوان زحلان الفائز بجائزة الدراسات الانسانية المستقبلة، والدكتور عزالدين المدني الفائز بجائزة القصة والرواية والمسرحية، والدكتور محمد مفتاح الفائز بجائزة الدراسات الأدبية والنقد، حيث سيجري تكريمهم ماديا ومعنويا. كما وجهت المؤسسة الدعوة الى عدد من الشخصيات الثقافية العربية بالإضافة الى عدد من الفائزين بالجائزة في دورات سابقة وبعض أعضاء لجان التحكيم. حيث من المتوقع ان يحضر الحفل كل من الدكتور جابر عصفور أمين عام المجلس الأعلى للثقافة في مصر، والدكتور عبدالله صالح العثيمين أمين عام جائزة الملك فيصل في المملكة العربية السعودية، والمسرحي الكويتي عبدالعزيز السريع أمين عام جائزة البابطين للإبداع الشعري، والشاعر البحريني قاسم حداد، والناقد الدكتور معجب الزهراني، والناقد الدكتور علوي الهاشمي والدكتورة دلال البزري، والدكتورة زهور كرام، والدكتور عماد ابو غازي مدير المجلس الأعلى للثقافة بمصر، والناقد المغربي الدكتور عبدالله بنصر العلوي والدكتورة فاطمة المحسن، والناشر فخري كريم والناقد جهاد فاضل. وأيضا وجهت المؤسسة الدعوة الى عدد كبير من وسائل الاعلام من مختلف الدول العربية، والى عدد من الإعلاميين من بينهم: عبده وزان “الحياة”، أمجد ناصر “القدس العربي” فاضل سلطاني “الشرق الأوسط” سعيدة شريف “الجريدة”، محمود الحرشاني “مرآة الوسط”، أحمد عامر “جريدة الصباح”، مصطفى غزال “الجمهورية” تهامة الجندي “الكفاح العربي”، زاهي وهبي “تلفزيون المستقبل” زينب عساف “النهار”، صالح الغريب “القبس”، مازن عليوي “الوطن” خالد الرويعي “الوقت”، جمال الشاعر “قناة النيل الثقافية”.
 

90
المنبر الحر / في بيتنا خادمة ..
« في: 15:33 27/02/2006  »
خادمة تضع الطفل الصغير في الثلاجة عندما يبكي فتصيبه البرودة الشديدة ويتوقف عن البكاء، وأخرى تضع الدبابيس في رأس الطفل إذا صرخ فيسكت وينام لمدة طويلة، وعندما علمت أن مخدومها الذي توقف عن منحها راتبها الشهري منذ اشهر لا يريدها وسيعيدها إلى بلادها _إيد من ورا وإيد من كَدام _، وفي اللحظات الأخيرة وضعت طفله في الغسالة فمات وهربت، أما الثالثة فتضع الزجاج المطحون في الطعام انتقاما من مخدومتها. سيدة تكتشف أن خادمتها جلبت معها كتب السحر  لإلحاق الضرر بالأسرة خاصة وان اكثر من98% من الخليجيات يؤمن بالسحر والفنجان وقراءة الكف والأبراج . ولم ينته الأمر عند هذا الحد بل إن واحدة تحمل سفاحا من شاب مدلل في الأسرة وتهدد بالفضيحة  ورب الأسرة يسكتها بالنقود  أو بالقسوة والتهديد والوعيد دون أن يعاقب إبنه لأنه شاب والشاب المسلم ينظر الى الأجنبية كبقرة أو جارية بعد أن طوع بعض الأمراء له الوازع الديني ليكون غطاءٍ وستراً .. وزاد الطين بلة أن الطفل يقلد الخادمة في عباداتها الشركية، والمصيبة أنها تجلب الأفلام الجنسية وتشاهدها مع الأطفال الصغار. وهكذا تتحول “الخادمة” في المنزل إلى قنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر في أي وقت والضحية الأولى هم الأطفال الصغار، وإن كانت الأخطار لا تقف عند هذا الحد بل تمتد إلى جميع أفراد الأسرة من شباب وشابات وأزواج وزوجات.
      بداية تدق دراسة سعودية ناقوس الخطر وتشير إلى أن 59 في المائة من المربيات والخادمات يفضلن إقامة العلاقة العاطفية والجنسية قبل الزواج، و69 في المائة من الخادمات لا تزيد أعمارهن على العشرين، وجميعهن من أوساط يسودها الفقر والجهل والتخلف، وأن 75 في المائة منهن ينتمين إلى ديانات غير سماوية وان 5.97 في المائة من المربيات يمارسن الطقوس البدائية أمام الأطفال.
وأرجعت الدراسة وجود الخدم في المجتمعات الخليجية إلى عدة أسباب منها، دخول المجتمع عصر الترف، واتساع وتعدد مجالات عمل رب الأسرة وخروج المرأة للعمل وتقصير بعض الأمهات في واجباتهن المنزلية، واتجاه الأزواج إلى إراحة الزوجات وكثرة أفراد الأسرة، وأخيرا التقليد وحب الظهور والتفاخر بكثرة الخدم.
وأكدت الدراسة أيضا أن هؤلاء الخدم يؤثرون سلبا في الأسرة والطفل لأن الصغير يبقى مع الخادمة مدة أطول من بقائه مع أمه، فيتكلم بأسلوبها الركيك ويستعمل الرموز بدلا من النطق ما يؤثر في حصيلته اللغوية، ومما يزيد الأمر خطورة أن الخدم ينقلون عاداتهم وتقاليدهم وثقافة مجتمعاتهم التي تغاير القيم والثقافة الإسلامية، فيؤثرون على الصغار في لغتهم ومعرفتهم ونفسياتهم ما أدى إلى تفشي المنكرات وضياع كثير من الأبناء والبنات بسبب سوء التربية وعدم المراقبة، فتنتشر العقائد الفاسدة والأفكار المنحرفة وتشيع الرذيلة والمفاهيم الخاطئة.
ثقافة وعادات مختلفة
   أن المربية الأجنبية تنقل الى الطفل العربي ثقافة معينة وتربية مختلفة، فتضعف اللغة و _تعولم _  الإنتماء بطريقة عشوائية تخلخل جذوره  وتعزله عن الآباء والأمهات، وبذلك ينفصل الطفل عن الأسرة وينسلخ البيت العربي عن أصوله...
 يجب أن تكون لنا وقفة أمام هذا الخطأ الجسيم لأنه إذا تركنا لهذه المأساة أن تتفشى في مجتمعاتنا  فإننا بذلك نربي أجيالا يغترب لسانها وتفتقد معالم دينها وتتشبع في أحضان مربيات أجنبيات بالغريب من الطباع والتقاليد والبعد عن الدين، فإذا توافرت كل هذه السلبيات فماذا بقي لنا أن نحتفظ به لتربية أبنائنا اللهم إلا ضياع هذه الأجيال القادمة التي يجب أن تحمل رسالة الأمة من مسؤوليات دينية وسياسية وثقافية واجتماعية.
سلبيات بالجملة
 إن وجود المربية في البيت ليس له ايجابيات على وجه الإطلاق بل العكس تماما هو الصحيح، فسلبياتها كثيرة جدا من شتى النواحي، وأكثرها خطرا الخلل الكبير الذي تحدثه في تربية الطفل، فهي تنقل ثقافة البيئة التي نشأت فيها وتغرس ثقافة مجتمعها من عادات وتقاليد وأسلوب تفكير، والكارثة الكبرى إذا كانت من دين مختلف، فيتربى الطفل تلقائيا على مبادئ دين آخر، وقد يكون دينا غير سماوي فالخادمة تجلس مع الطفل وتلاعبه وتتحدث معه أكثر مما تفعل أمه، وبالتالي يتأثر بها بسهولة لأن الطفل بطبيعته يقلد الكبار خاصة من يكونون ملاصقين له باستمرار فيقلدهم بطريقة عشوائية، لأنه لا يدرك الصواب من الخطأ، ومهما حاولت الأم أن تجعل المربية أو الخادمة تحت المراقبة فإنها ستفشل لأنه من غير المعقول أن تراقبها على مدار الساعة، ومن هنا فالأولى بالأم بدلا من تضييع الوقت في مراقبة الخادمة أن تستثمره في تربية ولدها بنفسها والاستغناء تماما عن المربية.
أن غياب دور الأم في التربية يضعف العلاقة الطبيعية التي تنشأ بينها وبين طفلها فيحرم من العطف والحنان اللذين ينتظرهما منها والتي من المفترض أن تشعر بما يدور في رأسه وتفهمه من دون أن يتكلم، ولا ينبغي أن يشاركها احد في هذه المهمة سوى الأب صاحب الحق في هذا والى جانب أن المربية مرفوضة في تربية الطفل فهي أيضا مرفوضة لأنها تفشي أسرار البيت.
مشاعر الأمومة
 إن الأصل في تربية الأبناء أنها تعتمد على الأم باعتبار أن دورها بالنسبة للطفل يتعدى الرعاية المادية المتمثلة في تقديم الطعام وتغيير الملابس وتلبية المتطلبات الأساسية، إلى توصيل مشاعر الأمومة الحقيقية من خلال ابتسامتها وأحضانها الدافئة وإرضاعها له بشكل طبيعي ورعايتها بعد ذلك من خلال العلاقة المباشرة وجها لوجه، والتي تسمح بتعليمه اللغة الصحيحة وبناء القيم الايجابية لديه، بالإضافة إلى تعديل وتقويم السلوكيات الخاطئة حتى تكون لبنات الشخصية الأولى لدى الطفل في إطار اجتماعي صحيح وهذا هو الوضع الأمثل.
 ان الاعتماد على المربية الأجنبية التي تحمل لغة مختلفة وعادات وتقاليد مغايرة وقيما لا تتفق مع مجتمعاتنا العربية والإسلامية، كل ذلك يسهم في إكساب الطفل أنماطا سلوكية شاذة وغير طبيعية لأنه ينشأ على قيم وتقاليد غير صحيحة، بالإضافة إلى أن المربية الأجنبية مهما كانت مدربة على أساليب التربية العلمية فهي لن تستطيع توصيل المشاعر العاطفية التي تشعر الصغير بالحب والأمان، وإذا كانت هناك ضرورة ملحة لوجود الخادمة فلتكن مسلمة ملتزمة بسلوكيات وآداب وتعاليم الإسلام مع إشراف الأم على تربية أبنائها إشرافا كاملا، فغياب هذا الدور يؤدي إلى شخصيات منحرفة غير متكاملة وغير سوية، وقد يحدث أيضا انعدام في التوازن النفسي الذي لا يحققه إلا الأب والأم للطفل.
مرحلة خطرة
  إن مرحلة الطفولة من أكثر وأدق مراحل العمر أهمية في حياة الإنسان عامة والمسلم خاصة، حيث يكون الطفل بطبيعته وفطرته مستعدا لتلقي المبادئ الأساسية للدين الإسلامي والتي تظل معه ويتمسك بها طوال حياته، ولذلك يجب أن يحاط الطفل بجميع أنواع الرعاية النفسية والصحية، وفي الدول المتقدمة يدركون مدى خطورة هذه المرحلة السنية ومن ثم يركزون معظم اهتمامهم على المرحلة الابتدائية، فوجود المربية الأجنبية، خاصة من تدين بغير الإسلام، قنبلة موقوتة وغزو ثقافي لعقول الأطفال يبعدهم عن مبادئهم وأخلاقهم، فإذا كانت الأم قادرة ماديا وفي حاجة إلى من يساعدها على أعمال المنزل، فيجب ألا يكون للخادمة علاقة بالطفل لا من قريب ولا من بعيد، بل يقتصر نشاطها وعملها على الأعمال المنزلية فقط، كما يجب أن تكون مسلمة ملتزمة بأخلاق وقيم ومبادئ الإسلام، وان يكون وجودها في المنزل تحت إشراف كامل، ويقظة من الزوجة طوال الوقت، وألا تكون لابنها مجرد جليسة، بل تكون أما قلبا وقالبا تحتويه بين ذراعيها وفي أحضانها حبا وحنانا وتربيه على الفضائل والأخلاق الكريمة.
نزرع الشوك
العرب كانوا دائما يختارون لأبنائهم مرضعات من طبقات معينة ممن يتميزن بالخلق الكريم والحلم وسعة الصدر، لأن الطفل يتربى ويكتسب خلال تربيته من صفات المربية،و عاداتها وتقاليدها وسلوكياتها خلال فترة معايشتها له والإشراف على تربيته  قاعدته اللغوية والأخلاقية..لذا فان اختيار مربية إسلامية ليس كافيا وحده، فليست كل مربية مسلمة تربي أبناء صالحين لذلك يشترط في المربية أن تكون ملتزمة في سلوكياتها وملابسها وتعاملاتها، لأن الطفل في الصغر مثل “العجينة” التي تتشكل كيفما يريد القائم على أمر تربيته، يتأثر بأي حركة أو صوت أو كلمة، ولذلك يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه” فالأب والأم مسؤولان عن اختيار المربية الصالحة الملتزمة بتعاليم الإسلام لضمان تخريج أجيال قادرة على تحمل أعباء الريادة في المستقبل، خاصة في هذا العصر الذي أصبح فيه الإسلام والمسلمون هدفا دائما لكل المخططات والمؤامرات التي تدبر وتحاك من قبل الإرهاب اللادني والزرقاوي الضاري ..لتشويه الإسلام والإساءة إليه والإنقاص من شأن المسلمين.
أخيراً فإنه من المؤسف أن نرى الأسر المسلمة تستأجر المربيات وخادمات المنازل من دون انتقاء ومن دون البحث عن الشخصيات الصالحة المؤتمنة، فالأسرة المسلمة مطالبة شرعا بمراقبة سلوك أبنائها وتصرفاتهم مع الخادمات مهما كانت جنسياتهن ودياناتهن والحرص على عدم الخلوة  _ التي يحرص عليها الرجل _من أي نوع لا مع الكبار ولا مع الصغار، فأعظم الخطر يكون على الأطفال الذين يجهلون أمور الدين فيسهل التأثير فيهم وتتزعزع عندهم العقيدة، وتغرس فيهم قيم ومبادئ تخالف الإسلام ويتعلمون قيما وطقوسا باطلة.


91
بمزيد من القلق، نشهد التصعيد الحالي في موجة التوتر المخيفة التي أشعلها قيام صحف أوروبية بنشر صور كاريكاتورية للنبي الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) اعتبرها المسلمون مسيئة إلى حد كبير. سوف نكون جميعاً خاسرين إذا فشلنا في نزع فتيل هذا الوضع، والذي لن يفعل شيئاً سوى خلق أجواء من سوء الظن وسوء التفاهم بين الطرفين ولذلك فمن الضروري ان نناشد الجميع الاحترام والهدوء والإصغاء إلى صوت العقل. والسنة الماضية ترأس رئيسا حكومتي تركيا واسبانيا مبادرة إطلاق العمل على تحالف مشروع الحضارات، انطلاقاً من إيمان راسخ بأن الغرب بحاجة إلى مبادرات وأدوات لوقف دوامة الكراهية والتشويش التي تشكل بحد ذاتها تهديداً للسلام والأمن الدوليين. والحوادث المؤسفة التي نشهدها اليوم انما تؤكد مجدداً على تشخيصنا للعلّة والتزامنا بالسعي لحشد المزيد من الدعم لهذه القضية. لطالما كانت اسبانيا وتركيا منذ القدم على مفترق طرق بين الشرق والغرب، ولذلك فنحن ندرك تماماً ان الطريقة التي يتم فيها معالجة مظاهر التماس المباشر بين الثقافات المختلفة يمكن ان تكون عامل إثراء كبير، لكن يمكن أيضاً ان تكون عامل نزاع هدّام. وفي عالمنا المعولم، الذي يتضاعف فيه باستمرار حجم العلاقات والتبادلات بين الحضارات المختلفة، والذي يمكن فيه ان تكون لحادثة محلية ارتدادات قوية في أنحاء العالم، فمن الضروري ان نكّرس قيم الاحترام والتسامح والتعايش السلمي .. إن حرية التعبير ركيزة أساسية من ركائز أنظمة الغرب الديمقراطية، ولن يتخلون عنها أبداً. لكن ليس هناك حقوق من دون إظهار المسؤولية والاحترام لمشاعر الآخرين، وقد يكون نشر هذه الرسوم الكاريكاتورية قانونياً مئة بالمئة، لكنه ليس حيادياً ولذا يجب رفضه من منظور أخلاقي وسياسي. وفي النهاية فإن كل هذا يعزى إلى سوء الفهم وسوء أظهار الثقافات المختلفة المنسجمة كلياً مع قيمنا المشتركة، وتجاهل هذه الحقيقة يمهد الطريق لسوء الظن والنفور والغضب، وهذه كلها عوامل قد تؤدي إلى عواقب غير مرغوب فيها، علينا جميعاً العمل بجدّ لتفاديها. والطريقة الوحيدة لبناء نظام دولي أكثر عدالة هي من خلال إظهار القدر الأقصى من الاحترام لمعتقدات الثقافات الأخرى. نحن ملتزمون بشكل كامل باحترام معايير القانون الدولي والمنظمات الدولية التي تجسده. لكن لا المؤسسات ولا القوانين كافية لضمان السلام في العالم. علينا ان نرسخ مفهوم التعايش السلمي، وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا إذا كان كل طرف مهتماً بفهم وجهة نظر الطرف الآخر وقام بإظهار الاحترام لمقدساته. هذه هي الأسس المنطقية والأهداف الرئيسية لمبادرة تحالف الحضارات التي تروج لها اسبانيا وتركيا..

92
 
  تفتتح وزارة الثقافة العراقية في الفترة المقبلة 16 مركزا ثقافيا عراقيا في الخارج أولها في إمارة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة. واعلن الدكتور شفيق المهدي مدير عام دار ثقافة الأطفال في وزارة الثقافة العراقية عن توقيع اتفاقية تعاون ثقافي مع الإمارات خلال الزيارة التي اختتمها الأسبوع الماضي الوفد الثقافي العراقي لدولة الإمارات العربية المتحدة وترأسه نوري الراوي وزير الثقافة.
 ويأتي افتتاح هذا المركز ضمن 16مركزا ثقافيا عراقيا تقرر فتحها في بعض العواصم العربية منها دبي وبيروت وعواصم أجنبية أخرى. وأوضح المهدي أن الوفد العراقي أجرى مباحثات مع المسؤولين فى دولة الإمارات العربية المتحدة تم الاتفاق خلالها على فتح مركز ثقافي عراقي يتبع وزارة الثقافة العراقية وليس وزارة التعليم العالي أو الخارجية.
 وأشاد بالخطوة الإماراتية المتمثلة بالمساعدة في دعم وتمويل إنشاء قناة فضائية عراقية ثقافية تعنى فقط بالثقافة العراقية. وبيّن «أن أمر القناة قد أقر من قبل الأشقاء في الإمارات وستدعم من قبلهم وأن التفاصيل المتعلقة بهذه القناة ستأتي لاحقا». وتابع المهدي ان القناة الفضائية الثقافية العراقية «ستزيل ما تبقى من الحصار الثقافي السابق على العراق وستسهم برفعه عنا كليا».
 


 
 

93

جورج دوبي هو اهم مؤرخ فرنسي لفترة العصر الوسيط الذي خصه بالكثير من اعماله مثل «الاقطاع» و«العام 1000» و«ما هو المجتمع الاقطاعي؟».. الخ، وكان دوبي قد درس مجتمع العصر الوسيط من خلال العديد من تبدياته وسلوكياته خاصة فيما يتعلق بالزواج والقرابة والحياة الخاصة والتاريخ الاجتماعي.. ونمط العلاقات الزراعية وتكون الذهنيات.. لقد اعتمد هذا المؤرخ في جميع ابحاثه مفهوم «المدى الزمني الطويل» الذي اكدت عليه مدرسة الحوليات التي تأسست في مطلع عقد الثلاثينيات الماضي من قبل مارك بلوك ولوسيان فيفر وفرناند بروديل.. وقالت بضرورة، قراءة التاريخ بالاعتماد على فهم السياق الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي الذي انتج الاحداث التاريخية وليس التركيز على دراسة الاحداث نفسها.
هذا الكتاب «الفن والمجتمع» يسد ثغرة تخص دراسة العلاقة بين «الفن والمجتمع» خلال العصر الوسيط مع اسقاط مثل هذه العلاقة على واقع الفن في القرن العشرين.
وكان دوبي قد انجز كتابة مادة هذا العمل منذ عام 1995 لكنه توفي قبل نشره عام ,1996. وقد اضيفت له بعد مرور ست سنوات من التحضير عدة دراسات ومحاضرات متفرقة.. كان المؤرخ قد قدمها في مناسبات مختلفة وقد قام بعملية جمع هذه المواد «غي كوبو رشون» الخبير بأعمال «جورج دوبي» الذي يصفه بأنه «هاوي فن كبير».
وقد اعتبر دوبي بأن الاهواء البدائية «لدى انسان العصر الوسيط تجد صداها لدى انسان القرن العشرين.. كما انه يؤكد بأن الكثير من التعبيرات الفنية لذلك العصر كانت بمثابة مؤشرات اولى حول حركة ترمي الى تأكيد العقلانية الغربية لاحقا. هذا يبدو وبشكل خاص في العراقة التي تتسم بها بعض التفاصيل الخاصة برسم الاشخاص او بالدلالة على حركتهم.. وذلك مهما كانت انتماءاتهم الطبقية أو العقائدية.
يقول جورج دوبي: ان وضع الابداع والمبدع اليوم بالقرب من الابداع والمبدع في الماضي يكشف عن شبكة متداخلة من اشكال التشابه وأشكال الاختلاف ومثل هذه الممارسة تلقي الضوء على مسائل كثيرة. أليس الاقتراب بأكبر قدر من المشاكل التي يطرحها تطور علم الجمال هو السبيل لفهم الحركة العامة للتاريخ؟» ما يؤكده جورج دوبي ايضا هو انه وبعد قرون عديدة يتم استخدام نفس الذهنية ونفس الادوات تقريباً للوصول الى نفس العملية الابداعية في المجال الفني.
كتاب يبرز بعداً آخر في موهبة المؤرخ جورج دوبي وهو انه ناقد فني.. بل وفنان ايضا يعيد قارئه الى العصر الوسيط كي يصطحبه الى القرن العشرين.

94
 بلغ عدد الشعراء وأشباه الشعراء الذين يدعون بأن قصيدة ليلى التي غناها الساهر  هي من تأليفهم أكثر من عشرة شعراء بعين العدو..وقد طلبت من كاظم الساهر وكريم العراقي و بعض الشعراء و الأدباء الذين عاصروا وجايلوا الشاعر حسن المرواني أن يردوا على هذه الإدعائات إلا أنهم قالوا : أنها مجرد أكاذيب رخيصة لا يستحق أصحابها أن نرد عليهم .. ولكن ما نقلته بعض المنتديات عن إدعاء وليد خالد الشطري بأن ليلى من إبداعات أبيه وهو شاعر كبير جعلني أتقدم بشهادتي..
في بداية سبعينات القرن الماضي عرّفني شقيقي الشاعر كريم العراقي  الطالب بمعهد المعلمين ( آنذاك)بالشاعر الشاب ( آنذاك ) حسن فرحان المرواني في حديقة مستشفى مدينة الثورة وبعد ان غادرناه سألت كريماً عن المرواني فحدثني عنه و قرأ لي قصيدتين من إبداعه إحداهما ( أنا وليلى وإشطبوا أسمائكم ) فتأثرت بها رغم أن قصيدته الأخرى لا تقل عنها روعةً والقصيدتان تحملان ذات الأسلوب والمفردات واللغة ..بعدها زرنا أنا و الصديق حسين ريشان الشاعر حسن المرواني في بيته بقطاع 32 بمدينة الثورة والذي لايبعد عن بيتنا كثيراً وإستمتعنا بقصائده الجديدة .. وفي عامي71 و 1972كانت القصيدة تُنقل من دفتر الى دفتر ومن شخصٍ الى آخر وهي تحمل إسم شاعرها المرواني حتى حفظها مئات الالاف في ثانويات وكليات بغداد والمحافظات ولم يجرؤ أحد على أن ينسبها لنفسه أكان شاعراً أو ((ملحناً )) فهي حكاية وهوية وقصيدة الشاعر حسن المرواني..وفي العام ذاته 1972 تعرفت على الفنان الشاب (آنذاك) رياض أحمد في بيت الشاعر كاظم إسماعيل الكَاطع بقطاع 31 بمدينة الثورة وكان معنا الشعراءكريم العراقي وجمعة الحلفي وآخرون فقرأ الكِاطع والعراقي والحلفي بعض قصائدهم وقرأت لهم مقطعاً من قصيدة المرواني فطلب مني رياض أحمد أن أكتبها له بخط يدي فكتبت ما احفظه منها على ان أجلب له بقية القصيدة يوم الجمعة المقبلة في مقهى الزهاوي..ولكنني لم أذهب الى هناك ..وفي عام 1982 إلتقيت بالفنان المرحوم رياض في المدينة السياحية في الحبانية ورغم مرور عشر سنوات ورغم سكره الشديد إلا أنه صاح بي :وين قصيدة ليلى..؟آني حصلتها.. بس ضيعتها..فوعدته بان أتصل بالمرواني وأحصل عليها كاملةً.. في عام 1983 إلتقيت برياض في الموصل حيث دعاني صديقي الفنان قحطان العطار ..فلم يسألني عن القصيدة فقلت لعله نسيها أو حصل عليها من شخص آخر..ولم ألتقي برياض بعدها إلا عام 1986حيث إستضفته ببرنامج كنت أقوم بإعداده..أما المرواني فقد إفتتح في تلك الأيام مقهى شعبياً بمدينة الثورة بالإشتراك مع صديقي حسين ريشان ليعينه على معيشته وظروفه الصعبة إلا أن المشروع فشل وذلك قبل إنتقاله الى الزعفرانية.. ربما أكون قد إبتعدت عن الموضوع إلا أني أردت أن أقول باننا قد عاصرنا المرواني وليلاه وتلقفنا قصيدته كالخبزة الساخنه فكيف لنا أن نسكت على إدعائات كاذبة تنسبها لغير شاعرها كان آخرها وليس أخيرها ما نُقل عن وليد الشطري الذي كان من الأجدر به أن يقوم بتكذيبها إعتزازاً بقصائد أبيه ؟ أتمنى أن يكون الخبر هذا عارياً من الصحة حاله حال بقية الإدعاءات العشر فهي مجرد تجني وكذب رخيص..
وأتمنى أ أخيراً أن لا يدعي صديقي الشاعر حكمت البيداري بأنه كتب هذه القصيدة عن مشرفة الصفحة  الأدبية في منتديات عينكاوا..

95
المنبر السياسي / ماركسية ماركس
« في: 13:30 19/02/2006  »

 
المنظر اللبرالي الفرنسي، والأوروبي الأكثر شهرة خلال القرن العشرين ريمون آرون  تحدث طويلاً عن الفيلسوف الألماني «كارل ماركس» الذي يفترض ان يكون «خصمه» بالتعريف.. فآرون هو «منظرً اللبرالية» و«ماركس» هو رمز الفكر الاشتراكي.
قدم  آرون العديد من الكتب التي اصبحت بمثابة «مراجع» وليس اقلها شهرة كتاب «السلام والحرب بين الأمم» الذي نشره مؤلفه في عقد الستينيات الماضي ولم تتم ترجمته ـ للأسف ـ الى اللغة العربية رغم أهمية العديد من الاطروحات التي تضمنها من أجل فهم أحداث جرت فيما بعد وكان آرون قد «تحدث» عنها برؤية مستقبلية ثاقبة.. ومن مؤلفات آرون الأخرى «مراحل الفكر السوسيولوجي» و«المتفرج الملتزم» الذي تحدث فيه عن العديد من القضايا العربية.. الخ.
هذا الكتاب الجديد الذي يصدر بعد سنوات من وفاة صاحبه يحتوي على المحاضرات التي كان «ريمون آرون» قد ألقاها على طلبته في جامعة السوربون عام 1962 وعلى مستمعيه عام 1977 وتحدث فيها عن فكر ماركس ولكن ايضا وأساساً عن الدور الذي لعبته الاطروحات الماركسية في تكوينه الفكري. يقول: «انني لست مديناً لتأثير مونتسكيو أو توكفيل الفكري.. ومازالت على الرغم مني أولي أهمية أكثر لفهم اسرار رأس المال (كتاب ماركس الشهير) مما أهتم بكتاب الديمقراطية في اميركا لتوكفيل
لكن بالمقابل لا يتردد ريمون آرون: في أن يؤكد «خيانة» الماركسيين أنفسهم لافكار ماركس. يقول: «اذا قمنا بدراسة للأنظمة التي تقول بانتمائها الى ماركس وخاصة من وجهة نظر اقتصادية من النمط السوفييتي ـ السابق ـ فإنه ينبغي علينا ان نلاحظ بان هذا النمط لا يشكل تطبيقاً للافكار التي قدمها كارل ماركس في كتابه رأس المال؟ وذلك بكل بساطة لكون أن هذا الكتاب لا يحتوي على نظرية على ما ينبغي ان يكون عليه الاقتصاد المخطط ـ اي الاشتراكي.
ان ريمون آرون، كما يشير في اشكال متنوعة، ينتمي الى جيل الثلاثينيات من العقد الماضي.. اي الجيل الذي ما كان له ان يكون حيادياً تجاه «الماركسية» وذلك مهما كانت مواقفه «تأييداً» أو «رفضاً».. من هنا تم وصف «ريمون آرون» و«جان بول سارتر» ـ الفيلسوف الملتزم بانهما «الصديقان اللدودان».. «صداقتهما» قامت على اساس انتمائهما لجيل لعبت فيه افكار ماركس دوراً رئيسيا.. وهما «لدودان» بسبب المواقف المتعارضة التي تبنياها حيال تلك الافكار نفسها.
وكان جيل ريمون آرون «يعيش في اجواء» مشربة بالفكر وبالايديولوجيا الماركسية.. فمناهج التعليم، وخاصة الجامعية المكرسة لدراسة العلوم الاجتماعية، كانت تجد في صاحب «رأس المال» احد نقاط ارتكازها.. وعلى الصعيد السياسي كان الحزب الشيوعي هو احد القوى السياسية الرئيسية وقد برز دوره أكثر تأثراً بعد دوره الكبير في مقاومة الاحتلال الالماني لفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية ولم يكن الموقع المتميز الذي احتله الاتحاد السوفييتي ـ السابق ـ على المسرح الدولي بعيداً عن «حضور» الفكر الماركسي في شتى ميادين الحياة العامة. في المحصلة العامة لم تكن معطيات الواقع آنذاك الا بمثابة «تربة خصبة» لجعل الماركسية بمثابة مسألة اساسية حتى بالنسبة لاولئك الذين يدحضونها، ومن بين هؤلاء «ريمون آرون» مؤلف هذا الكتاب.
وبمقابل «الحضور» الكبير لافكار كارل ماركس منذ النصف الثاني للقرن التاسع عشر ـ هذا ما يتعرض له المؤلف طويلاً في احد دروس بجامعة السوربون في عام 1962 ـ كان هناك نوعاً من «الغياب» الكبير ايضا للفكر «اللبرالي».. ويعترف «ريمون آرون» نفسه بهذا الصدد بانه لم يقرأ توكفيل، الفيلسوف وعالم الاجتماع اللبرالي الكبير إلا في وقت متأخر.. ويبدو انه لم يتعمق أبداً في «معرفته» لاطروحات «ستيوارت ميل» وغيره من منظري اللبرالية الانجلوسكسونيه.
ان «ريمون آرون» يؤكد مراراً وتكراراً في دروسه ومحاضراته التي يحتويها هذا الكتاب على أن تأثره بالفكر «الماركسي» انما قد جاء في موقع «الند». أي الموقع الذي فرض نوعاً من «الحوار» ومن «المعركة» بنفس الوقت. يقول «آرون» بهذا الصدد: «ان اي انسان يمتلك حسا بسيطا عن آليات الابداع الفكري يعرف جيداً بان الانسان الأكثر اهمية بالنسبة لنا هو ذلك الذي كنا قد دخلنا في صراع وفي نقاشات معه. وهذا ما يفسر بشكل ممتاز واقع ان افضل ممثل للفكر اللبرالي الفرنسي، وأحد ممثليه البارزين عالمياً، خلال النصف الثاني من القرن العشرين قد درس بعناية بالغة كارل ماركس. يقول: ليس هناك مؤلف اخر قد قرأت له وشارك في تكويني الفكري أكثر من كارل ماركس.. لكنه هو ايضا ذلك الذي لم اتوقف ابداً عن قول الآراء السيئة حياله.. لقد اهتم «ريمون آرون»، كما يبدو بوضوح في كتاباته، بكل جدية وتركيز بمعرفة ماركس.. ألا يمثل هذا تمشياً مع القاعدة الاستراتيجية المعروفة: «اعرف عدوك».. قد ينبغي التأكيد هنا بان «آرون» قد رأى في ماركس بالأحرى «خصما» وليس عدوا.
ولعل افضل شاهد على «اعجاب» ريمون آرون بماركس جملته التي يقول فيها: «إن المبدأ الذي حاولت تتبعه يحتل سمة قل أن وصل مبدأ آخر إلى مثلها وهو انه يمكن شرحه بإخلاص في خمس دقائق اوخمس ساعات اوخمس سنوات او في نصف قرن.

96
تخلص كانط لأول مرة من تأثير الفيلسوف «وولف» الذي كان معلمه في تلك اللحظة. لقد تخلص من فلسفته وراح ينكر امكانية معرفة العالم الغيبي أو الماورائي عن طريق الفكر البشري. فالعقل البشري كما اكتشف كانط يستطيع ان يفهم الظواهر المحسوسة عن طريق التجربة ولكنه لا يستطيع ان يعرف ما وراء الظواهر إلا عن طريق التخمينات والظنون. وبالتالي فالمعرفة العملية، أي معرفة نيوتن وعلم الفيزياء والرياضيات، وهي وحدها اليقينية وما عداها تخرصات، وأقاويل. ولذلك فإن كانط ركز اهتمامه في كتابه الكبير الأول على نقد العقل النظري أو الخالص أو الميتافيزيقي. وشرح لنا ما يمكن للمعرفة البشرية أن تتوصل إليه وما لا يمكن أن تتوصل إليه مهما حاولت. فما وراء الغيب موصد وعالم الميتافيزيقا لا يمكن لعقل بشري ان يتوصل اليه.
وفي عام 1788 ظهر كتابه الكبير الثاني نقد العقل العملي حيث نظر للاخلاق والسلوك البشري الذي ينبغي ان يتبعه الانسان في المجتمع. وفي عام 1793 تعرض كانط لمسألة الدين وحاول تقديم تفسير عقلاني للمسيحية. ولذلك كان عنوان كتابه «الدين ضمن حدود العقل فقط».
وانتقد كانط العقلية الغيبية والخرافية التي كانت تسيطر على عامة الشعب الألماني آنذاك. ودعا الى تنوير العقول عن طريق التربية والتعليم. وقال ان التنوير يعني الجرأة على استخدام العقل. ولكن المشكلة هي اننا عندما نحاول استخدام عقولنا نصطدم بالآراء الشائعة في المجتمع وبأقوال الأقدمين وبمواعظ الخوارنة والبطاركة الذين يحذرون الناس من العقل ويبينون لهم فضائل النقل والتواكل. وبالتالي فلا احد يشجعك على استخدام عقلك.
ولذلك فمن السهل ان نقول: استخدم عقلك أيها الانسان عندما تتصرف في قضية معينة، وتتخذ موقفا معينا. فالواقع ان الكثيرين من علية القوم يحاولون منعنا من استخدام عقولنا.
كان ظهور كانط بمثابة إنقاذ لألمانيا من التيه والضلال. وقد شكل منارة لكل الجامعات والمثقفين بعد أن حل لهم المشاكل العويصة التي كانوا يتخبطون فيها ودلهم على الطريق.
وقد ظهر بعده مباشرة مفكران هامان هما الشاعر شيلر 1759-1805 والعالم اللغوي فون همبولدت (1767-1835). وكلاهما استفاد منه على طريقته الخاصة. ولكن ظهر مفكر آخر مضاد له تماما هو هامان (1730-1788).
وكان متصوفا يؤمن بوحدة الذات والموضوع ويكره التقسيم الثنائي الكانطي للانسان الى ذات وموضوع. فالانسان كل واحد في نظره ووحدة متكاملة لا تتجزأ ولا تنفصم عراها. والانسان لا يعيش فقط بالعقل كما يزعم كانط، وانما بالمشاعر ايضا والأحاسيس والخيالات والاحلام وحتى الاوهام. وهذا نقد للعقلانية الجافة والصارمة لكانط، كما انه يعتبر نقدا لكل عصر التنوير.
ثم ظهر بعدئذ فيلسوف كبير هو فيخته (1762-1814). وكان كانطيا محضا في البداية ثم تطور بعدئذ كما يحصل لكل التلامذة العباقرة واستطاع اكتشاف خطه الخاص في الفلسفة. وقد اشتهر فيخته بعدة كتب نذكر من بينها: خطاب موجه الى الأمة الالمانية، وعقيدة العلم.
واصطدم هذا الفيلسوف بالقوى السائدة في عصره وبخاصة رجال الاكليروس المسيحي الذين ضايقوه بل واتهموه باشاعة الإلحاد. وأدى ذلك إلى فصله من الجامعة بل وتعرضه للتهديد بالاغتيال. وعقيدة العلم بالنسبة له تعني العقيدة القائمة على العلم والمعرفة الموضوعية. وهي حتما ستصطدم بالعقائد المسيحية الغيبية السائدة. فالمعرفة العلمية غير المعرفة الدينية لانها قائمة على المحاجة المنطقية والبراهين العقلية، لا على هيبة الاقدمين ورجال الدين.
وأما كتابه الذي يتخذ عنوان «خطاب موجه الى الأمة الألمانية » فقد أسس للقومية الألمانية بحسب رأي بعضهم. والواقع ان فيخته بعد ان تحمس للثورة الفرنسية ونابليون كبقية فلاسفة التنوير من أمثال كانط وهيغل وشيلنغ راح يهاجم الامبريالية الفرنسية ومحاولتها السيطرة على ألمانيا. ولذلك ركز على استنهاض الشعور القومي الألماني لكي يؤدي الى وحدة البلاد المتمزقة الى العديد من الدول الصغيرة.
وقد تحقق هذا الحلم، حلم وحدة ألمانيا، على يد بسمارك في نهايات القرن التاسع عشر.
ثم ظهر بعد فيخته فيلسوف آخر مهم هو شيلنغ (1775-1854). وهو من تلامذة كانط وفيخته في آن معا. وتحت تأثير الفكر الديماكلينيكي لفيخته راح يشكل فلسفة للطبيعة عن طريق تأليف كتاب حول الموضوع عام 1797. وقد نبغ بشكل مبكر جدا وسبق هيغل الى الشهرة على الرغم من انه كان اصغر منه من حيث السن. ولكن هيغل تفوق عليه وعلى غيره فيما بعد واصبح أشهر فيلسوف الماني بعد كانط.
وقد تأثرت فلسفة شيلنغ بالمناخ الرومانطيقي الذي أخذ ينتشر في ألمانيا آنذاك. والرومانطيقية، كما هو معروف، كانت في جزء منها رد فعل على عقلانية كانط وعصر التنوير عموما.
وقد اهتمت هذه الحركة الجديدة بالخيال وقالت بما معناه: ان الانسان تشكل من خيال جامح وعقل وليس فقط من العقل. وبالتالي فلماذا بتر الفلاسفة العقلانيون هذه الكلمة منه؟ أليس الخيال هو الذي يدفع الى الابداع والابتكار؟ وبما ان الرومانطيقيين يحبون الطبيعة جدا كان شيلنغ ركز على الموضوع التالي: هناك انصهار مطلق أو وحدة كاملة بين الانسان والطبيعة، او بين الروح والمادة ولا يمكن فصل احدهما عن الآخر.
وقد شرح شيلنغ تصوراته هذه في كتابين صدرا بشكل متتابع وراء بعضهما البعض، الاول بعنوان: نظام المثالية (1780)، والثاني بعنوان: عرض لفلسفتي وفيه يستعرض شيلنغ المحاور الرئيسية لفلسفته وكيف تتمايز عن فلسفة كانط او هيغل او حتى فيخته. وقد اعتمد شيلنغ على سبينوزا في بلورة فلسفته وكان من القائلين بوحدة الوجود: أي وحدة الطبيعة ككل بما فيها الانسان، فلا يوجد شيء خارج الطبيعة، والطبيعة هي كلية ما هو موجود.
ثم أصدر شيلنغ بعدئذ عدة كتب عن فلسفة الفن (1803)، وفلسفة الدين (1804)، والبحوث الفلسفية عن جوهر الحرية الانسانية (1809) ... الخ.
ثم جاء هيغل (1770-1831) الذي كان صديقا لشيلنغ وزميلا له في الجامعة قبل ان يختلفا ويتباعدا لكي يؤلف كل منهما فلسفته الخاصة. وهيغل اهم من شيلنغ لانه استطاع التوصل الى بلورة فلسفة جديدة غير فلسفة كانط، بل وتعتبر تجاوزا لها، أو قل اضافة اليها.
ثم يردف المؤلف قائلا: والواقع ان هيغل كان يعتبر فلسفته بمثابة ختام لكل الفلسفة السابقة منذ اليونان وحتى وقته! وبالتالي فلم يتجاوز كانط فقط وانما تجاوز ايضا ارسطو وافلاطون وديكارت وسبينوزا ولايبنتز وكل الفلسفة الحديثة والقديمة. لقد حقق هيغل المصالحة بين الذات والموضوع، أو بين الفرد والكون عن طريق المنهج الجدلي الذي يستطيع التوحيد بين الاضداد في حركة مستمرة لا تنتهي الا لكي تبدأ من جديد. واستطاع هيغل ان يلخص كل عصره عن طريق الفكر: أي عن طريق بلورة فلسفة جديدة قادرة على تشخيص كل مشاكل الحاضر واقتراح حلول ناجعة لها.
ان عبقرية هيغل تكمن في تجاوز العقلانية التجريدية على طريق كانط، والحدس الرومانطيقي على طريقة شيلنغ والتوصل الى تركيبة موفقة بينهما عن طريق منهج الجدل الذي يوحد بين الاضداد.
ثم تكمن عبقريته بشكل ساطع في كتابه الكبير الاول: علم تجليات الروح (او فينوميثولوجيا الروح). والمقصود بالروح هنا الفكر البشري أو العقل. وقد كان بدائيا في البداية، ثم راح يتطور من خلال التجربة ومصارعة العالم، حتى توصل الى النضج الكامل أو المعرفة المطلقة على يد هيغل نفسه.
ولكنه في أثناء ذلك مر بكل المراحل المتتالية كالمرحلة اليونانية بكل فلاسفتها وكتابها التراجيديين، والمرحلة الرومانية التي تلتها، ثم المرحلة المسيحية والقرون الوسطى، ثم مرحلة عصر النهضة والانبعاث في القرن السادس عشر، ثم مرحلة التنوير في القرن الثامن عشر، ثم مرحلة الثورة الفرنسية في نهايات القرن الثامن عشر، ثم المرحلة الرومانطيقية التي تلتها، ثم اخيرا المرحلة المتمثلة بفلسفة هيغل ذاتها.
في كل مرحلة كانت تتجلى الروح بشكل ما. وعندما نقول الروح نقصد العقل أو الفكر البشري. وكلما صعدت الروح مرحلة اضافية كلما نضجت اكثر حتى وصلت الى قمة النضج على يد هيغل نفسه، أي حتى وصلت الى مرحلة المعرفة المطلقة التي لا مرحلة بعدها.
بالطبع فان اعتقاد هيغل بأنه ختم التاريخ او ختم الفلسفة والفكر ووصل بهما الى نهاياتهما ليس الا مجرد وهم. فالتاريخ لم ينته بعد هيغل ولم يتوقف عنده او عند فلسفته. والدليل على ذلك انه ظهرت بعده عدة فلسفات كبرى كفلسفة نيتشه، وكيرليغارد، وهيدغر، وغيرهم.
ولكن لا ريب في ان هيغل وصل بالعقلانية الكلاسيكية الى نضجها الاعلى، الى ذروتها التي لا ذروة بعدها. ولذلك فان نيتشه انحرف عنه كليا لكي يستطيع ان يؤسس فلسفة مختلفة عنه تماما.
فالعقل الغربي بلغ ذروته وربما معصوميته، على يد مفكري الفلسفة المثالية الالمانية وبخاصة كانط وفيخته وشيلنغ وهيغل. لقد حل محل العقل اللاهوتي الغيبي المسيحي بصفته المرشد الاعلى للبشرية. ولذلك قال بعضهم بأن الفلسفة المثالية الالمانية ما هي الا علمنة للاصلاح اللوثري: أي للدين المسيحي في نهاية المطاف وعلى هذا النحو حلت الفلسفة محل الدين في أوروبا.



97
       * الى الصديق الشاعر حكمت البيداري محاكاة وجدانية لقصيدته ما أسامحك..   

            ..من بعد ما حطـمتني     وما بقـت غير الجراح
            هسه شتأملت مني    وجايني تريد السماح ..؟
           _ ردي و تقّبله مني      حتى لو مُره الحقيقه
             ما أرد لك يلكَلت لي     كـلمن يروح بـطريقه 
              وضيعتني بدرب حزني
             أمشي والنسمه تهزني  غصن بجـفـوف الرياح
                                            وجايني تريد السماح..
                                     * * * *
           ..السماح الكلمه صعبه      بشـفه مليانه مـراره
             إعذرني ما أكَدر عليهه    أبد وأحسبهه خساره   
             بالأخـص وياك إنته
             يلبعت كَلبي وتركته        طير مكسور الجناح
                                            وجايني تريد السماح.
                                    * * * *
           ..ما أسامح ماأسامح        و هــذا آخر ما أكَــوله
             إنتَ لو تقره الملامح        جان تفهمني بسهوله
              تغـّيرت كــل المـعـاني
            وصرت بعدك شخص ثاني   كل حلو بطباعي راح
                                              وجايني تريد السماح..
                                                                         
       

[الملحق حذف بواسطة المشرف]

98
     
 مثل المتاهة التي تمضي بك في تقاطعات متشابكة، يأخذك فيلم “سيريانا” في رحلة لن تعرف أين تبدأ وأين تنتهي. ورغم أنك لن تدرك أحيانا مغزى بعض التفاصيل عندما تغرق فيها، فإنه يستولي عليك في النهاية إحساس عميق بأن هناك مغزى خافيا وراء هذه التفاصيل، وقد يدفعك ذلك إلى أن ترى الفيلم مرة أخرى  لعلك في المشاهد الثانية تدرك ما فاتك المرة الأولى، لكن مأزق هذا النوع من الأفلام أنه يدفع متفرجين آخرين إلى أن يتناسوا التجربة المؤلمة لمشاهدة الفيلم، ليس فقط لأن موضوعه ومضمونه يحكيان على نحو متشائم عن مصير العالم في تلك النقطة التاريخية الحاسمة التي نعيشها الآن، ولكن أيضا لأن شكله الفني يتطلب قدرا كبيرا من المجاهدة والمجالدة من جانب المتفرج الذي يذهب إلى السينما بحثا عن “المتعة”.
 من المهم أن نذكر في البداية أن مؤلف ومخرج فيلم “سيريانا” هو ستيفن جاجان في تجربته الإبداعية الأولى، لكنه خاض تجربة مهمة سابقة في كتابة سيناريو فيلم “ترافيك” الذي أخرجه صاحب الأسلوب المتميز ستيفن سوديربيرج.
دعنا في البداية نفسر كلمة “سيريانا” التي يأخذها الفيلم عنوانا له، فهو اصطلاح  فيه بعض الملامح التوراتية الغامضة  يستخدمه المحافظون الجدد في الإدارة الأمريكية الحالية، حول مخططهم لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط على هواهم، وكما ترى فإن هذا العنوان يأخذك على الفور إلى قضية شديدة الجدية والأهمية، ليس فقط في موضوعها وإنما في شكلها أيضا، وأرجو ألا تنتظر أن أقدم لك هنا “ملخصا” لحدوتة الفيلم، لأن الفيلم أولا يستعصي على أي تلخيص، ولأنه ثانيا لا يحتوي على أي حدوتة!
ورغم أن الفيلم يشير إلى “سيريانا”، كما تدور في أحلام ومؤامرات المحافظين الجدد، فإنه يفضل ألا يستعين كثيرا بأسماء دول حقيقية، وإذا أردت أن نبدأ بمركز الدائرة في الفيلم فهو أن دولة نفطية خليجية قد قررت أن توقع عقدا لاكتشاف النفط وشرائه مع شركة صينية بدلا من شركة أمريكية، مما يؤدي إلى هزيمة اقتصادية غير متوقعة لشركة أمريكية عملاقة تدعى “كونيكس”، في نفس الوقت الذي تنجح فيه شركة أمريكية صغيرة تدعى “كيلين” في الحصول على حق اكتشاف وشراء النفط في كازاخستان، وفجأة يتم الإعلان عن اندماج بين الشركتين، وهو الاندماج الذي يثير اهتمام وزارة العدل الأمريكية التي تقرر أن تبحث الأمر وتتابعه حتى ينتهي لمصلحة السياسة الأمريكية.
يحكي الفيلم في البداية عن روبرت بارنز، (جورج كلوني الذي شارك أيضا في إنتاج الفيلم)، عميل المخابرات المركزية الأمريكية المخضرم، الذي يبني الفيلم شخصيته على مذكرات عميل المخابرات السابق روبرت باير في مذاكراته التي نشرها عام ،2002 إن بارنز الذي يتحدث أيضا الفارسية والعربية يتنقل بين العديد من عواصم المنطقة، حيث يأمره رؤساؤه بالترحال لتنفيذ عمليات غامضة، لكن الرجل الكهل يدرك شيئا فشيئا أن الزمن قد تغير وتجاوزه، إذ لم يعد مطلوبا من عميل المخابرات أن يقوم بعمليات تتطلب المعلومات أو المجازفة أو حتى إتقان استخدام الأسلحة، بل أصبح  في زمن الأقمار الصناعية والصواريخ الموجهة عن بعد  مجرد “بيدق” على رقعة شطرنج يحركه كيفما شاء هؤلاء الجالسون في أبراجهم العاجية، ويتعاملون مع العالم كأنهم يقبضون عليه بخيوط حريرية غير مرئية ليحركوه كما يحرك لاعب الدمى عرائسه الخشبية.
تبدو شخصية بارنز  وتلك هي المفارقة  غير فاعلة في دراما الفيلم، لكن ظهوره واختفاءه  خاصة في البداية والنهاية  يسهم في ربط الأحداث والشخصيات، التي تتضمن ثلاثا أو أربعا  وربما أكثر  من القصص التي تدور في عوالم شديدة الاختلاف، هناك الأمير ناصر “ألكسندر صديق” ولي العهد المستنير في الدولة الخليجية، والذي تخرج في جامعة غربية ويخطط لاستخدام عائدات النفط لتطوير بلاده، لذلك فإنه يوقع العقد مع الشركة الصينية مما يؤلب عليه السلطات الأمريكية التي تبدأ في التآمر لإقصائه ليحل محله شقيقه الأصغر الأمير مشعل “أكبر كورثا” لأن هذا الشقيق لا يهتم إلا بملذاته التي تظهر في بهرجة قصره الإسباني الذي يدعو  إليه بعضا من اكبر خبراء البترول في العالم، وهنا تبدأ القصة الثانية، فمن بين هؤلاء الخبراء نرى برايان وودمان “مات ديمون” المقيم في سويسرا مع زوجته “اماندا بيت” وطفليه، لكن حضوره مع أسرته إلى حفل الأمير مشعل سوف يفضي إلى مأساة غرق أحد طفليه في حوض السباحة، لكنه بعدما يجتاز الأزمة يقرر قبول عرض الأمير ناصر أن يصبح مستشاره الخاص في مشروعه الإصلاحي، مما يخلق توترا بين برايان وزوجته التي تتهمه بأنه باع موت ابنه بالمال.
في جانب ثالث فإن خسارة الشركة العملاقة كوينكس لعقدها مع الدول الخليجية يؤدي إلى فصل العمال من وظائفهم، وهنا نرى العامل الباكستاني الفقير الشاب وسيم “مظهر منير” وهو ينتقل مع أبيه العجوز، عبر مشاهد الفيلم من حال رث إلى حال أكثر رثاثة، حتى ينتهي للانضمام إلى جماعة إرهابية لأنه لم يجد أمامه طريقا للحياة، على الجانب المناقض تماما وفي أروقة وزارة العدل الأمريكية يتم تكليف المحامي الطموح الشاب بينيت هوليداي “جيفري رايت” بالمتابعة القانونية للعقد بين الشركتين الأمريكيتين لكنه يكتشف أن دوره الذي لا يعيه تماما هو انه مخلب قط يستخدمه “أهل القمة” للتأكد من أن الأمور تسير إلى مصلحتهم.. إلى أين تقود هذه المتاهة من الأحداث والشخصيات؟ إن أردت إشارة عابرة إلى ما يمكن أن يحدث فهو أن عميل المخابرات بارنز يتلقى تكليفا باغتيال الأمير ناصر، لكني لن أخبرك كيف انتهت هذه المهمة لتكتشف ذلك بنفسك، وان كان من الواجب أن أؤكد ألا تنتظر في “سيريانا” فيلما هوليووديا تقليديا.
إن فيلم “سيريانا” فيلم “مثقف”، إن جاز التعبير، وهو بهذا التعقيد المتعمد في بنائه يتوجه إلى شريحة خاصة من الجمهور هي بالفعل تعرف تعقيدات الاقتصاد والسياسة والحروب، لكن الأجدر أن تصل هذه الرسالة إلى الشريحة الأكبر من الجمهور التي تحتاج في السينما إلى إشباع عواطفها قبل  ومن اجل  إدراك الجوانب الفكرية في العمل السينمائي، وفي هذا الجانب يميل “سيريانا” إلى اختزال العواطف والمشاعر إلى أدنى حد ممكن، مما أدى إلى فقدان المتفرج في مشاهد عدة قدرته على التفاعل مع الشخصيات والأحداث، وربما حاول صانع الفيلم ستيفن جاجان أن يخلق بعض اللحظات الجياشة بالعاطفة، خاصة في علاقة الآباء والأبناء في الفيلم، لكن للأسف ظلت هذه العلاقات الإنسانية مجرد إشارات عابرة لا تظهر حتى تلبث أن تختفي.
في أحد مشاهد الفيلم بعض جمل الحوار بالغة الدلالة، يتحدث فيها أحد موظفي الإدارة الأمريكية عن الفلسفة “البراجماتية” التي تريد أمريكا أن تجعلها تسود العالم من أجل مصلحتها وحدها، فعندما يحدثونه عن الفساد يجيب على نحو قاطع: “الفساد؟ الفساد ليس إلا تدخل الحكومة في فاعليات السوق بحجة فرض قواعد تنظيمية، الفساد هو ما يحمينا، الفساد هو ما يجعلنا ننعم بالأمان والدفء، الفساد هو ما يتيح لنا أن نتجادل الآن بمرح بدلا من أن نتقاتل على قطعة لحم في الشوارع، الفساد هو أن ننتصر ونربح في النهاية”!! انه إدمان الفساد.
 

99
مؤلف كتاب مسرح الحرب  الصحفي والمفكر الاميركي المعروف لويس لافام، وهو المشرف على نشر مجلة هاربير «هاربر ماغازاين» وكان قد نال جائزة اميركا القومية على كتاباته النقدية، وقد صدرت له في الماضي عدة كتب نذكر من بينها: المال والطبقات الاجتماعية في اميركا، وحفلة تنكرية امبراطورية، وفندق اميركا، وبانتظار البرابرة.. الخ،
لافام يكتب الآن ويعيش في مدينة نيويورك. ومنذ البداية يقول هذا الكاتب النقدي الذي لم يخف استياءه من السياسة الاميركية: كل شيء تغير بعد 11 سبتمبر هذا ما تكرره على اسماعنا وسائل الاعلام الاميركية صباح مساء منذ ان كان جورج دبليو بوش قد انخرط في حربه ضد الارهاب. انها حرب دائمة معلنة ضد عدو غير واضح المعالم، ولكن سلوك جورج بوش العنجهي والامبراطوري لا يشذ عن سياسة الادارات الاميركية السابقة على عكس ما نتوهم. فجميعها سياسات امبراطورية وتوسعية تريد الهيمنة على العالم. ولكن البعض يعتقد بان قادة اميركا الحاليين هم اكثر رجعية ويمينية حتى في حكومة رونالد ريغان!
ثم يتحدث المؤلف عن الحروب السابقة التي خاضتها اميركا منذ سنوات عديدة، كالحرب العالمية الثانية، وحرب فيتنام، وحرب الخليج الثانية في عهد بوش الأب وما تلا كل ذلك، وينصح المؤلف القادة الاميركان بعدم التدخل في شئون العالم باستمرار، وترك الآخرين يحلون مشاكلهم بأنفسهم، فبأي حق أو بأي مشروعية يقوم بوش بتأديب العالم؟
ولكن المؤلف في ذات الوقت يدين بالطبع الاعمال الارهابية التي أدت الى مقتل ما لا يقل عن ثلاثة آلاف شخص في نيويورك وواشنطن، ويدعو لمعاقبة المسئولين عن هذه الجريمة الكبرى التي ذهب ضحيتها ما لا يقل عن مئتي مسلم ايضا، هذا بالاضافة الى جنسيات اخرى عديدة من اميركية وغير أميركية.
وفي ذات الوقت يحذر المؤلف من مطلب الوقوع في سياسة الفعل ورد الفعل.
فلا ينبغي ان تبالغ اميركا في الرد، ولا ينبغي ان تعاقب الا المسئولين عن الجريمة. فالعالم الاسلامي شيء، والارهاب شيء آخر ولا يمكن الخلط بينهما.
في الواقع ان صوت المؤلف يبدو نشازاً بالقياس الى الجوقة الاعلامية الداعية الى الحرب العامة المعممة. ولكنه صوت نقدي جريء لا يخشى الخروج على الخط العام للسياسة الاميركية.
يقول المؤلف بما معناه: بعد مرور ستة اشهر على مأساة (11) سبتمبر وقف جورج دبليو بوش امام حفل كبير من الشخصيات المتجمعة في حدائق البيت الابيض تقدم من الميكرفون والقى خطابا حماسياً هاجم فيه الارهاب وعبّر عن رغبته في مواصلة الحرب ضده الى ما لا نهاية اذا لزم الامر كان بوش يخطب امام «1300» شخصية من شخصيات أميركا وكان من بينهم اعضاء المحكمة العليا، ورجالات الكونغرس، والوزراء، وكبار الضباط، ورجال السلك الدبلوماسي بما فيهم السفراء العرب والمسلمون.
وبدأ الرئيس وكأنه يقود حملة صليبية جديدة تشبه الى حد ما تلك الحملات التي دشنها البابا في القرون الوسطى وقال بان حربه عادلة وان الاعداء هم الذين ابتدأوا الضرب وسوف يعاقبهم ويلاحقهم في كل مكان.
ولكن بما انه كانت توجد شخصيات اسلامية وبوذية ومسيحية في الحفل فان الرئيس لم يشر الا مرة واحدة الى المسألة الدينية بالمعنى المسيحي للكلمة ولم يتحدث عن ملاحقة جميع الاشرار في العالم وانما فقط الارهابيين وتحدث عن التحالف الحضاري الذي يضم الجميع من مسلمين ومسيحيين ضد اعمال العنف والتطرف.
ولكن كان واضحا من لهجة الرئيس انه يستلهم اللغة الانجيلية والمسيحية واذا لم تكن كلماته هي نفس الكلمات التي يستخدمها الصليبيون والاصوليون المسيحيون فان المضمون لم يكن مختلفا كثيرا لنحاول ان نجري مقارنة بين خطاب البابا اوربان الثاني وخطاب جورج بوش في عام 1195 اي قبل اكثر من ثمانمئة سنة القى البابا المذكور خطابا مشهورا لتجييش الحملات الصليبية على العالم الاسلامي وكان مما جاء فيه مايلي: اننا نسمع اخبارا مقلقة تأتينا من بعيد نسمع بان جنس الاشرار الذي يضم الاتراك والفرس والعرب قد دنس مقدساتنا المسيحية في الشرق وهم اناس خارجون على ايماننا وعقيدتنا ومغضوب عليهم من قبل الله! فالاتراك يقتلون عباد الله المسيحيين في الشرق ويبقرون بطونهم، ويمثلون بهم ويذلونهم فماذا تنتظرون اذن لكي تنتقموا منهم!
على هذا النحو جيش البابا جحافل الصليبيين للهجوم على الشرق الاسلامي بالطبع فان الرئيس بوش لايستطيع ان يستخدم نفس اللهجة او نفس اللغة لانه لا يعيش في القرون الوسطى ثم انه يتحدث امام جمهور ضخم يضم كل اعضاء السلك الدبلوماسي وفيهم الكثير من سفراء الدول العربية والاسلامية كما قلنا يضاف الى ذلك انه حرص على التفريق بين الارهاب والاسلام وذهب حافي القدمين الى المسجد في واشنطن، ولكنه يستخدم لغة الوعظ الديني التي تذكرنا من بعيد بلغة البابا فجورج بوش واقع تحت تأثير التيار  المتشدد الذي يقوده في اميركا القس بات روبرتسون. قال الرئيس الاميركي بما معناه: اين ارى عالما من السلام والوئام سوف ينهض بعد القضاء على الارهاب فليبارك الله اذن تحالفنا.
وبالتالي فان الرئيس الاميركي يعتقد انه يخوض حرباً مقدسة ضد عالم الاشرار.
وهذا ما قاله والده حرفياً تقريباً عندما ارسل القوات الاميركية الى الصومال عام 1992. قال جورج بوش الأب بما معناه: لكل بحار وجندي وطيار منخرط في هذه المهمة اسمحوا ان اقول لكم بأننا ننفذ ارادة الله، بأننا نخوض حرباً عادلة، مقدسة، وسوف لن نفشل، شكراً لكم وليبارك الله الولايات المتحدة الأميركية.
ثم جاء ابنه لكي يلعب نفس الدور ولكي يقول لنا بأنه ينفذ ارادة الله على الارض. وبالتالي فما اشبه الليلة بالبارحة! ما اشبه جورج بوش الاب بجورج بوش الابن! ولكن يمكن القول بأن جورج بوش الاب كان علمانياً اكثر من ابنه. فمن المعلوم ان اليمين البروتستانتي يحيط بجورج دبليو بوش ويؤثر عليه.
نقول ذلك على الرغم من ان اميركا دولة علمانية. ولكن تعيين جون اشكروفت كوزير للعدل كان يعني انه لا يوجد فصل حقيقي بين الكنيسة والدولة في اميركا. فالرجل أصولي مسيحي، والكل يعرف ذلك. فمنذ ان استلم وزارة العدل اصبح يعتبر نفسه بمثابة المسئول عن تنفيذ العدالة الالهية، لا العدالة البشرية او الارضية.
وبعد ان أعلنت اميركا حربها على الإرهاب راح هذا الوزير المتشدد يتخذ قرارات تحد من الحريات العامة للمواطنين بل ودعا الى تعديل القوانين أو تغييرها لكي تتناسب مع المرحلة الجديدة. فمثلاً سمح بالتنصت على المكالمات الهاتفية لاي شخص يشتبه به. وبالطبع فهناك بعض الابرياء الذين سيدفعون الثمن كما حصل في عهد مكارثي السيء الذكر.
وطالب بتعديل القانون من اجل السماح له بالقبض على المتهمين بالارهاب ومحاكمتهم سرياً امام محكمة عسكرية وعندما تسمعه يتحدث امام لجنة الكونغرس المسئولة عن العدالة والامن فانك لا تستطيع التفريق بينه وبين جماعة الجهاديين الذين يحاربهم! فكلامه يشبه المواعظ الدينية التقليدية مثلهم وبالتالي فهو اصولي يحاكم اصوليين.
وقبل  سنوات صرح في احدى الجامعات الاميركية قائلاً: نحن في اميركا ليس عندنا ملك، ولكن عندنا يسوع المسيح! ثم كرر نفس الكلام امام «6000» من المتدينين الاميركان بل ووصل بالامر الى حد القول بأن الحرية الاميركية نازلة علينا كهدية من السماء! ورد عليه رجال الدين والقساوسة قائلين: آمين. وبالتالي فان هذا الذي يعتقد بأنه يتلقى الأوامر من الله لمحاربة الارهابيين.. وربما كان يعتقد بأن القدرة الفوقية هي التي كتبت دستور الولايات المتحدة ووثيقة حقوق الانسان.
يضيف المؤلف : لا اعرف فيما اذا كانت الادارة الاميركية كلها موافقة على خط وزير العدل وتوجهه الاصولي المسيحي. ولكن اعرف ان هناك الكثير من وسائل الاعلام التي تمشي في هذا الاتجاه ولا ريب في ان بعضها يشعر وكأنه يخوض حربا دينية مقدسة ضد الارهابيين.
مهما يكن من امر فان ادارة الرئيس الأميركي لا تطلب منا ان نحاكمها على أساس ما تعرفه وما تفعله، وانما على اساس نظافة قلبها وطهارة مقاصدها.
وعندما يطرح اعضاء الكونغرس بعض الاسئلة العادية على الحكومة من نوع: لماذ تريدون اعلان الحرب على العراق؟ هل هذا ضروري فعلا؟ كم هو عدد الجنود الذين سترسلونهم.. الخ عندما يطرحون هذه الاسئلة فان الحكومة الاميركية تشعر بالحرج وتتشكك في وطنية اعضاء مجلس الشيوخ! بل وتتهمهم بانهم يزرعون بذور الانقسام والفتنة في صفوف الشعب الاميركي وتقول لهم بما معناه: نحن في حالة حرب مع عدو رهيب لا وجه له ولا هوية وانتم تطرحون علينا هذه الاسئلة التي تثبط هممنا وتضعف عزيمتنا! وهكذا يضطر النواب الى السكوت.. فلا احد يريد ان يظهر بمظهر التقاعس عن محاربة الارهاب بعد كل ما حصل في 11 سبتمبر فالشعب الاميركي معبأ تماما ولن يغفر لاي قائد سياسي تخاذله في هذه الفترة العصيبة. وسوف يسقط في الانتخابات اي نائب يعارض سياسة بوش حالياً، والدليل على ذلك ان بوش استطاع ان ينتصر بشكل صارخ في الانتخابات النيابية التي جرت مؤخراً. واصبح يمتلك اغلبية مريحة في الكونغرس وغير الكونغرس.
وبالتالي فالاصوات النقدية او المعارضة للخط العام سرعان ما تعزل وتحتقر هذا اذا لم تهتم بالخيانة الوطنية. هذا لا يعني بالطبع ان سياسة الحكومة كلها خاطئة او لا عقلانية. فالواقع ان الادارة مشكلة في عدة اجنحة لا من جناح واحد. فهناك المتطرفون وهناك المعتدلون. واحياناً ترجح كفة هؤلاء، واحياناً ترجح كفة اولئك.
ولكن بما ان مصير العالم متوقف على القرارات التي يتخذها الرئيس الأميركي فان العواقب ستكون وخيمة إذا ما اخطأ. وهناك نقطة ثانية ينبغي ان يأخذها الرئيس الاميركي بعين الاعتبار. وهي ان اميركا برهنت على اصالتها وطيب نيتها عندما ساعدت اوروبا واليابان على النهوض بعد الحرب العالمية الثانية. وكانت هذه الدول مدمرة تماماً. ولكن اميركا نظمت لها خطة مارشال ودفعت من جيبها من أجل مساعدتها.
والآن ينبغي على الرئيس بوش ان يبلور خطة مارشال ثانية لكي يساعد الفقراء والجائعين في العالم.

100
 
  مؤلف هذا الكتاب هو الناقد الاميركي رونالد ارونسون المختص بشئون الأدب الفرنسي المعاصر وفيه يتحدث عن علاقة اثنين من كبار الأدباء والمفكرين في القرن العشرين: البير كامو وجان بول سارتر. انه يروي القصة الكاملة للقطيعة التي حصلت بين الرجلين بعد علاقة صداقة رائعة استمرت لبضع سنوات. ويرى المؤلف ان هذه القطيعة ناتجة عن خلاف في الرأي حول بعض القضايا الفكرية والسياسية. ومن القضايا التي اختلفا عليها قضية العنف ومشروعيته او عدم مشروعيته بمعنى آخر: هل يحق لنا كثوريين ان نلجأ الى استخدام العنف من اجل تغيير الواقع القائم ام لا؟ سارتر قال نعم وكاموا قال لا.
وعلى هذا الاساس افترقا وحصلت بينهما المشاكل المعروفة التي شغلت الصحافة الفرنسية ردحاً من الزمن. لقد حصلت القطيعة والمشادات بين الرجلين على أثر نشر كامو لكتابه المعروف: الانسان المتمرد.
وقد حظي الكتاب بترحيب الصحافة الكبرى في فرنسا فجريدة الفيغارد قالت عنه: انه ليس فقط اهم الكتب التي نشرها البير كامو حتى الآن وانما اهم كتاب في العصور الحديثة!وأما جريدة اللوموند فقالت إنه لا يوجد كتاب آخر يعادله قيمة منذ الحرب العالمية الثانية ولكن الشيء المقلق هو ان بعض جرائد اليمين المتطرف حيَّت الكتاب ايضا!
وقالت عنه احداها بأنه يمثل عودة الى القومية الفرنسية، بل وحتى الى الايمان بالمسيحية وهاجمت الصحيفة اليسار الفرنسي كما هو معتاد لانه ملحد وكافر وزنديق. وأثنت على البير كامو ورحبت بعودته الى حضن القيم المحافظة لفرنسا. وقالت إن كامو يدافع عن النظام ضد الفوضى التي ينشرها الاباحيون واليساريون والعدميون. فبعد كتابه السابق «اسطورة سيزيف» الذي بشر فيه بالعبث واللامعقول وأساء بذلك الى الشبيبة الفرنسية نجد ألبير كامو يعود الى حظيرة القيم التقليدية للأمة الفرنسية وهذا خبر مفرح بالطبع لان كامو كاتب كبير.
بالطبع فإن سارتر وجماعته رأوا في الكتاب هجوما مقنعا عليهم وعلى تيارهم السياسي والفكري. فسارتر كان لا يخفي في ذلك الوقت انضمامه الى المعسكر الستاليني الشيوعي ومحاربته للمعسكر البورجوازي وقد رأى في كتاب صديقه القديم البير كامو خيانة للخط الثوري الانقلابي وطعنة للأصدقاء في الظهر.
 ولذلك كلف احد اعضاء مجلته «الازمنة الحديثة» بعرضه ونقده وتفنيده. وهذا ما كان وقد فوجيء كاموا بالهجوم الذي لم يكن يتوقعه. ويقال انه لم يعد يعرف كيف يكتب واختل توازنه لفترة من الزمن.
ثم استعاد بعد ذلك طاقته وأعصابه ورد على جماعة سارتر بحزم. وبعدئذ اندلعت المناوشات بين الطرفين على مصراعيها ولم تنته إلا بموت كامو بشكل مفاجيء في حادث سيارة عام 1960 وهذا دليل على ان المعارك الفكرية عنيفة ومنهكة مثلها في ذلك مثل المعارك السياسية بل وحتى العسكرية!
وتقول سيمون دوبوفوار عن هذه القطيعة ما يلي:
اذا كانت صداقتهما قد انتهت بفرقعة كبيرة فذلك لان اسباب انهيارها كانت تتفاعل منذ زمن طويل.
 ثم يردف المؤلف قائلا: الواقع ان التعارض الايديولوجي بين الرجلين كان قد تزايد سنة بعد سنة منذ عام 1945. فالبير كامو كان عبارة عن شخص مثالي اخلاقي مضاد للشيوعية واما سارتر فكان منذ عام 1940 قد حاول رفض المثالية والانخراط في التاريخ والواقعية النضالية.
وكان سارتر يزاوج بين الوجودية والماركسية ويحاول الاقتراب من الشيوعيين والحزب الشيوعي كان آنذاك اكبر حزب في فرنسا وكانت تحيط به هالة المجد بسبب بطولاته ومآثره اثناء المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي.
كان سارتر يؤمن بالاشتراكية ويعتقد بامكانية تطبيقها على ارض الواقع وانهاء الحكم البورجوازي الرأسمالي في فرنسا وعموم أوروبا والغرب. وأما البير كامو فكان يدافع عن القيم البورجوازية للمجتمع الفرنسي. وبما ان العداء بين المعسكرين السوفييتي والاميركي كان على اشده ولا يسمح بالحياد فإنه اصبح محتوماً على كل مثقف ان يختار معسكره. وهذا السبب افترق الصديقان القديمان عن بعضهما البعض وأصبحا عدوين متناحرين فسارتر راح يقترب من الاتحاد السوفييتي بل ويقبل بزيارته والثناء عليه ومهاجمة اميركا والرأسمالية بعنف.
 وأما البير كامو فكان يكره الاتحاد السوفييتي وفي ذات الوقت لا يحب الولايات المتحدة! وكان كامو ينتقد سارتر باستمرار بسبب تسامحه مع النظام الاستبدادي السوفييتي وبالطبع فإن ذلك كان يزعج سارتر ويزيد من غضبه على هذا الصديق غير الوفي في نظره.
في الواقع ان سارتر كان عبارة عن ستاليني بورجوازي في نظر كامو. فسارتر ولد في عائلة غنية ولم يعرف الفقر في حياته على عكس كامو. ولذلك فإنه يستطيع ان يعلن تأييده للاتحاد السوفييتي دون ان يخسر شيئاً. فأمه كانت تساعده مادياً وتدفع له حتى الضريبة! وبالتالي فلا يهمه غضب البورجوازية الفرنسية عليه لانه يملك من النقود ما يكفيه للاستغناء عنها. ويمكن القول بأن سارتر كان يستطيع ان يرفض جائزة نوبل البورجوازية الرأسمالية وقد رفضها ولكن البير كامو ما كان بامكانه ان يفعل ذلك ولهذا قبلها. فقد حلت له مشاكله المادية تماماً.
ضمن هذا السياق ينبغي ان نموضع كلا الرجلين لكي نفهم سر القطيعة المدوية التي حصلت بينهما يقول سارتر ملخصاً علاقتهما كلها: في الآونة الاخيرة ما عدنا نلتقي الا قليلا وعندما كنت اصطدام به بالصدفة في احد الشوارع او الاماكن كان يلومني لانني فعلت كذا وكتبت كذا.. الخ وهكذا لاحظت انه تغير كثيرا تجاهي ولم يعد كما كان في السابق،
وأما في بداية علاقتنا فما كان يعرف انه كاتب كبير كان شخصاً فكاهياً مليئاً بحب المزاح، بل والمزاح الثقيل وكنا نروي قصصا مبتذلة وسوقية امام سيمون دوبوفوار وزوجته. وكانتا تشعران بالانزعاج من هذه المزحات الجنسية السوقية.. ولكن على المستوى الفكري ما كان بامكاني ان اذهب معه بعيداً لانه كان يخاف الغوض بعيدا في الاعماق الفكرية كان في بعض جوانبه يشبه زعران الجزائر، كان مرحا جدا. وربما كان آخر صديق جيد تعرفت عليه. انتهى كلام سارتر.
 
 

101
هل يستطيع الإرهاب أن يصلب المسيح من جديد..؟



هل يستطيع الإرهابيون المتوحشون قتل الكنائس..وإزهاق روح الله في ذراه؟
هل يعلو عواء الضالين ودعوتهم الى الموت والخراب على أجراس المحبة والدعوة الى العبادة..؟
هل يمحو ضجيج قنابلهم وأحزمتهم الناسفة أصوات التراتيل التقية وموسيقاها البهية ..؟
هل تستطيع خِرَق أعلامهم السوداء أن تحجب الرؤى عن أجمل العيون الزرق والخضر والصفر ..؟
    أوتنسج خيوط العنكبوت الرمادية حول خُصلات شقراوات العراق..؟
هل يستطيعون قتل أطفال يسوع.. وهم ملائكة الأرض..؟
المسيحيون باقون في عراقهم..في الغرب والشرق والوسط و الشمال والجنوب..
المسيحيون ( وجه لحافنه ) وإطلالتنا على الآخر..
المسيحيون رسل محبتنا وعنوان حضارتنا..
المسيحيون صليب شعرنا وفنوننا الجميلة..
 المسيحيون رموز حضارتنا وأفكارنا الأصيلة..
المسيحيون عراقيون قبل أن يكون العراق..
ولو نفخ كل الإرهابين بكل مافي أنفاسهم الكريهة
 فلن يطفئوا ضوء شمعة في كنيسة تمجد الرب
                                           فيحرسها الرب..
             [/font] [/b] [/size]

102
اندريه بلان هو استاذ جامعي مختص بتاريخ الادب في القرن السابع عشر في هذا الكتاب الضخم الذي يزيد عدد صفحاته عن السبعمئة صفحة مكرس لاحد اهم كتاب المسرح الفرنسيين، وليس في القرن السابع عشر ولكن ايضا في جميع العصور، وحيث لاتزال مسرحياته تعرف طريقها الى العرض حتى الآن في العديد من مسارح فرنسا والعالم، المقصود هو «جان راسين».
مؤلف هذا الكتاب يصفه منذ البداية بانه مكرس لـ «الجمهور العريض» ولا يتردد في التأكيد على انه هو عبر كتابته لسيرة حياة «راسين» في القول بانه لم يعد ممكنا لأي انسان يتصدى لكتابة سيرة حياة هذا الاديب المسرحي ان لايعود الى عمل سابق كبير كان الناقد «ريمون بيكار» قد قدمه عام 1961 تحت عنوان «مسيرة» جان راسين المهنية».
ان كل من يكتب سيرة حياة «راسين» يجد نفسه امام مقارنة شبه حتمية مع اديب آخر كبير عاش في نفس الفترة هو «بيير كورناي» صاحب مسرحية «السيد» الشهيرة وحيث كان ناقد كبير قديم «هو لابروييد» قد قارن بينهما قائلا: «ان كورناي يرسم البشر كما ينبغي ان يكونوا، اما راسين فانه يرسمهم كما هم».
ومن سمات هذه السيرة هو ان مؤلفها لم يتعرض فقط لـ «بطله» وانما ايضا للمسار التطوري الذي عرفته اعماله بعد وفاته وحتى الحقبة الراهنة. ويلاحظ بأن «اندريه بلان» يحاذر استخدام الصيغ الجازمة الحاسمة وكأنها تعبير عن حقائق مطلقة.. بل نراه يستخدم تعابير مثل «اننا نجهل اذا...» او «يبدو أن...» او «يمكن الاعتقاد ان...» كما انه يعتمد على القراءة التاريخية الاجتماعية للمجتمع الذي عاش فيه «جان راسين» هكذا جاءت هذه السيرة بمثابة عملية «توليف» لعمل شخصي مع معطيات فترة كاملة بحيث يمكن للقاريء ان يلم بكل ما يمكن ان يلقي الاضواء على حياة الكاتب المسرحي وعلى مسرحياته وتلقي الجمهور لها، ولكن ايضا تلقي القصر للأديب ولأعماله.
ولعل الجديد تماما في هذه السيرة يتمثل في الجزء الذي يخص تقصي المسار الذي عرفته اعمال جان راسين بعد موته وصولا الى الحقبة الحالية حيث نجده يتحدث مثلا عن مسرحية «فيدر» لمخرجها «باتريس شيرو» المعاصر كذلك يتحدث عن الممثلات الشهيرات اللواتي لعبن الادوار الرئيسية في مسرحيات راسين واللواتي كان من اشهرهن «ساره برنار».
ان اندريه بلان قد لا يقدم اي كشف جديد عن حياة جان راسين لكنه قدم شخصية هذا المبدع في مختلف اوجهها وتبدياتها كشاعر وككاتب مسرحي وايضا كمؤرخ للملك وكرب عائلة ومن بين هذه الصفات كلها يؤكد على اهميته في بعدين هي الكتابة المسرحية والشعر.. وحيث كان الشاعر فاليري قد قال بإنه لا يوجد بين اشعار راسين بيت واحد ينبغي تعديله.
 


103
يقدم هذا الكتاب صورة كاملة تعبر عن رؤية غربية لنظرة الغرب الى الإسلام في العصور الوسطى، وهى رؤية رغم ما حاولت الإلتزام به من موضوعية إلا أنها في النهاية لم تتمكن من تجاوز أسر المواقف التحيزية ضد الإسلام رغم أنها تصدر عن مؤلف دارس أكاديمي تخصص في دراسة العصور الوسطى في الغرب وهو ر. و. سذرن الأستاذ المخضرم في جامعة هارفارد والذي أثرى المكتبة الغربية بالعديد من الدراسات المتخصصة عن تلك الفترة.
ومنها «المجتمع الغربي والكنيسة في العصور الوسطى» و «صناعة العصور الوسطى» و «النزعة الإنسانية في العصور الوسطى» ويقدم المؤلف من خلال الكتاب وهو في الأصل عبارة عن مجموعة محاضرات ألقاها ر. و. سذرن في جامعة هارفارد الأمريكية تناولا لفترة ثمانية قرون ونصف من الصراع بين الإسلام والنصرانية.
وانطلاقا من خبرته كمتخصص يميز هنا بين ثلاث مراحل رئيسية الأولى أربعة قرون من عدم المبالاة والثانية محاولات القرن الثالث عشر المختلفة لتقدير الإسلام وتقييمه والثالثة أواسط القرن الخامس عشر حين غاص بعض المفكرين الاوروبيين في قضايا لم تناقش من قبل لعدة قرون، وهو يتتبع في هذا الصدد حسبما يشير المترجمان أسباب المواقف المعروضة المتباينة والى أي مدى أثرت في سير الأحداث أو بررتها هذه الأحداث.
بداية يشير المؤلف الى أن العلاقة بين الإسلام والنصرانية في العصر الوسيط لم تكن موضع دراسة جادة وهو الوضع الذي تواصل الى أن جاء عمل ارنست رينان في وقت متأخر في القرن قبل الماضي حول ابن رشد والرشدية، بمعني أخر أنه لم يبذل مجهود كبير لتفهم إسهام الإسلام في تطور الفكر الغربي أو تأثيره في المجتمع الغربي المجاور للإسلام حتى السنوات الواقعة بين الحربين العالميتين.
 غير أنه ورغم ذلك فإن الشعور العام الذي ساد الغرب على مدى القرون الثلاثة الماضية هو التفوق في مختلف المجالات وهو شعور لم يلق تحديا خلال هذه الفترة الا في النادر وأصبح جزءا من تراث الغرب الذي من المؤلم تعديله أو العدول عنه.
ويعرض المؤلف لجوانب من التحديات التي مثلها الإسلام أمام الغرب آنذاك سواء على الصعيد العملي أو على الصعيد الفكري فعلي المستوى الأول تطلب الأمر كما يقول المؤلف اتخاذ اجراءات معينة كالصليبية والدعوة الى النصرانية والتبادل التجاري وعلى المستوى الثاني
 وباعتباره مشكلة لاهوتية تطلب بإلحاح بعض الأجوبة على بعض الأسئلة التي كان لا بد من طرحها مثل مادوره الذي قدرته العناية الألهية في التاريخ وهل كان علامة على نهاية العالم أو هو مرحلة من مراحل التطور في النصرانية وهل كان هرطقة أو انشقاقا مذهبيا أو دينا جديدا؟ وقد وقف علماء العصور الوسطي وأولى الأمر أمام جميع هذه المعضلات التي عرفناها في مختلف المجالات وألقوا الكثير من الأسئلة التي نطرحها الأن.
 على أن الشيء الوحيد الذي يجب توقع عدم وجوده في تلك العصور هو الروح المتحررة الأكاديمية أو البحث الإنساني الذي تمير به الكثير من البحوث التي تناولت الإسلام في المائة سنة الأخيرة.
وفي سياق دراسته يشير المؤلف الى حيرة الغرب في تفهمه للإسلام وقد عزز من ذلك عدم تمكنه من الحصول على أية مساعدة من الثرات القديم ولا طمأنينة من الحديث فاعتمد علنا ولعصر كامل على الماضي في مواده وقد زاد من ذلك أن الإسلام كان عقيدة بعض الرجال الذين دأب الغرب على الإعجاب بهم باطراد وأحيانا بشدة كالفارابي وابن سينا وابن رشد وأبطال فروسية كصلاح الدين وسواه فكان من الصعب تصديق القول بسذاجة عقول مثل هؤلاء الرجال.
وقد أثرت جميع هذه الاعتبارات المعقدة في رد الفعل الغربي ازاء الإسلام في العصور الوسطي. هذا الى جانب اختلاف الأسس التي يقوم عليها كل من المجتمعين الغربي والإسلامي في ذلك الوقت ففيما حقق الإسلام القوة والثروة والنضج كان الغرب مجتمعا زراعيا اقطاعيا رهبانيا في الوقت الذي تركزت فيه قوة الإسلام في المدن الكبيرة والقصور الثرية وخطوط المواصلات الطويلة.
فضلا عن أن الإسلام قطع خلال اربعمائة عام من وجوده مراحل من تطوره العقلي لم يستطع الغرب تحقيق نظيرها الا بعد مرحلة تطور أطول منها بكثير فقد انتجت البلاد الإسلامية مجموعة ضخمة ومتنوعة من العلماء والأثار العلمية في القرون التاسع والعاشر والحادي عشر تفوق ما أنتجته النصرانية الوسيطة في المدة نفسها من الزمان.
 وفي اشارة الى بعد الشقة بين ما كان عليه حال المسلمين والغرب في ذلك الوقت يقول المؤلف إن مقارنة فهارس الكتب الغربية بقوائم الكتب المتوفرة لدى علماء المسلمين لتعطي انطباعا أليما عن حالة العقل الغربي وهذه المقارنة تقع على حد قوله كأنها قنبلة على علماء القرن الثاني عشر اللاتين الذين كانوا أول من فتح عينيه على واقع هذا الاختلاف.
 وبشكل عام يشير المؤلف الى أنه كان هناك جهل تام بالإسلام في الغرب فهو لم يكن على حد ما يذكر سذرن سوى مجموعة من الأعداء تهدد العالم النصراني من كل صوب وقد لجأوا في محاولة فهم ما يتعلق بالعرب المسلمين الى الكتاب المقدس من خلال تاريخ العهد القديم.
 واذا كان الأسبان هم الذين تعرضوا بشكل مباشر للحكم الإسلامي فإن المؤلف يقدم لنا صورة وردية بشأن وضعهم هناك فالنصارى حسب قوله كانوا يحبون قراءة القصائد والقصص العربية ودراسات الفقهاء والفلاسفة العرب لا لدحضهم بل لامتلاك ناصية لغة عربية سليمة وقد استثار هذا ردود فعل بين حفنة من النصارى وقادهم الى الاحتجاج ضد هذه التطورات التي تمثل ردة عن النصرانية من قبل بعض اخوانهم.
 وقد تبدلت العلاقة بين العالم النصراني والإسلام فجأة بقيام الحروب الصليبية وفي مؤشر على ذلك يقول المؤلف أنه لم يجد قبل سنة 1100 اسم محمد يذكر الا مرة واحدة في الأدب الوسيط خارج اسبانيا وجنوب ايطاليا أما بعد عام 1120 فقد بات لدي كل فرد في الغرب صورة للإسلام ومن هو محمد (صلي الله عليه وسلم)
وإن كانت هذه الصورة رغم ذلك لم تكن مبنية على معرفة حقيقية وهي صورة مشوهة في الغالب تردد بعض ما أتهم به الأقدمون النبي صلى الله عليه وسلم وخاصة تهمة السحر وقد وصل الأمر الى حد ترويج الأساطير التي ليس لها أية علاقة بطبيعة الإسلام ومن ذلك اتهام المسلمين بعبادة الأصنام !
 (وهو الافتراء الذي أعاد طرحه هذه الأيام مساعد وزير الدفاع الاميركي) والخلاصة أن التفسيرات المختلفة التي قدمت للاسلام آنذاك قامت على أنواع مختلفة من الجهل وقد كان لهذه المحاولات في تفسير الإسلام تأثيرها العميق في مستقبل الفكر حيث هيأت للإسلام مكانة في ثلاثة من التقاليد العظيمة للفكر والوجدان وهي تاريخ الكتاب المقدس والنظرة الإلهامية والخيال الشعبي.
 ويعرض المؤلف بعد ذلك الى بدايات التعريف الصحيح بالإسلام فيذكر أن المفارقة أن ذلك تم على أيدي رجال ساهموا بقدر واف في الأدب الخيالي لتلك الفترة ومن بينهم وليام الملمسبري الذي يكشف تاريخه عن شغف خاص بالسحر والأعاجيب لكنه كان حسبما يذكر المؤلف أول من فرق بوضوح بين أساطير عبادة الأصنام والخرافات الوثنية السلافية وبين التوحيد في الإسلام، كما أكد خلافا للرأي السائد آنذاك أن الإسلام لا يعتبر محمدا إلها بل نبيا.
وقد استتبع هذا التطور والذي جاء في بواكير القرن الثاني عشر نشأة عادة البحث المستقل في غربي أوروبا في أوائل هذا القرن وهو الأمر الذي كشف عن نفسه في المأثورات التي تحمل تقديرا صادقا للإسلام وفي هذا الصدد قام بيتر المحترم بترجمة القرآن (معانيه) وأكملها في يوليو عام 1143 وهي الترجمة التي تعتبر علما في طريق الدراسات الإسلامية حيث أنه بهذه الترجمة أتاح ولأول مرة أداة بيد الغرب لدراسة جادة للإسلام وإن كان قد استهدف أصلا بالترجمة مواجهة أية احتمالات لتأثر المسيحيين بالإسلام.
غير أن الجهد الذي كان يبذل في سبيل وضع الإسلام في إطار عقلي كريم فتر بعد عهد بيتر المحترم اذ جاءت أخطار أقوى من تلك التي شد اليها الإنتباه وكان الخطر الذي شعر به معظم المراقبين للإسلام في أخر القرن الثاني عشر ذا صبغة عسكرية وكان الرد البسيط هو الحث على مزيد من الجهد العسكري.
 وإزاء ذلك انقسم العالم الغربي الى معسكرين يقول أولهما بأن لا صليبية على الإطلاق ويدعو الأخر الى صليبية أفضل وأكثر استعدادا وفي كل الأحوال كان على أكثر المؤيدين للحملات الصليبية تعصبا أن يتجهوا بتفكيرهم الى المحتويات العقلية للعقيدة الإسلامية ومحاولة دحضها إما لإضعاف إرادة المقاومة لدى العدو أو أن يسقط في يده وإما لشد الأوتار الواهنة في الغرب ببث إيمان أكبر في جهده العسكري.
وهنا يشير المؤلف الى أثر ظهور المغول والذي بعث أمالا لدى الغرب بإمكان التوحد معهم لهزيمة المسلمين.
 ثم يعرض المؤلف لمجموعة لحظات في تاريخ الغرب لها دلالة في علاقته بالإسلام ويشير في هذا الخصوص الى أن إمتلاك أسلوب فلسفي مشترك كان الرابطة الجديدة الكبرى بين الجانبين في القرن الثالث عشر وهو الامر الذي جاء نتاج جهد مجموعة من المترجمين وقفوا أنفسهم للعمل في طليطلة إبان الربع الثالث من القرن الثاني عشر
وقد قدم هؤلاء الرجال الى الغرب أعمال كبار الفلاسفة المسلمين أمثال الكندي والفارابي وابن سينا وغيرهم ومكنوا الغرب - لأول مرة - من امتلاك تراث الفكر الفلسفي والعلمي اليوناني الذي كان يحتل وضعا متميزا في قرون الإسلام الأولى.
وفي نهاية القرن الثاني عشر أصبح في الإمكان الحصول على جزء كبير من هذا العمل باللغة اللاتينية وقد كان من توابع ذلك تأثر اللاهوت النصراني في أرائه ولغته بالفلسفة الإسلامية وهو مظهر واحد من مظاهر نفوذ فكري إسلامي أوسع.
وفي السياق ذاته يعرض لدور روجر بيكون الذي تجاوز مرحلة فهم المسلمين اعتمادا على الكتاب المقدس معتمدا تماما على الفلسفة مستمدا إياها من فلاسفة الإسلام.
ثم يتناول المؤلف في الفصل الثالث الوضع الذي نجم عن ثبوت وهم الأمال التي سادت من قبل وتمثلت في أنه أذا أعيد المنشقون النساطرة الى الجماعة المسيحية واهتدى التتار فإنه سيقضى على جميع العرب المسلمين بسهولة.
فإزاء عدم تحقق هذه الأمال ساد ما يسميه المؤلف بفترة نحس في تاريخ اوروبا وكانت من علامات العصر آنذاك في القرن الرابع عشر عدم الإيمان بوجود حلفاء خارج اوروبا والإنفصام العميق داخلها ولامبالاة غير محددة بالأعداء في الخارج وخاصة الإسلام عدوها الأكبر.
ومع دخول القرن الخامس عشر كانت الحقيقة الواضحة للعيان هي وجوب القيام بعمل ما تجاه الإسلام الذى بدأ يزداد خطره مع فتوحات الدولة العثمانية، وهو ما انعكس في تفكير شخصية مثل مارتن لوثر الذي راح يؤكد على عدم وجود حل سياسي أو عقلي للمشكلة الإسلامية. أما كيف تغير الحال الى النقيض فهذا مايتجاوز نطاق الكتاب.
 


104
الأربعاء الماضي، كان زوار منطقة الشندغة التراثية في دبي على موعد مفاجىء مع آلات تصوير وموسيقى تصدح وأجهزة صوتية ضخمة، وحشد من الفنيين يدورون بينها، ومجموعة من شباب يعتمرون ''السدارة'' البغدادية التي تعود الى أيام الملك فيصل الأول وتنسب اليه·
وكان أيضا النجم كاظم الساهر يلاحق فتاة تلفحت بالعباءة العراقية المعروفة· غير ان الفتاة أمعنت دلالاً وغنجا، فيما كان الأصدقاء يمازحونه ويغيظونه مناكدين أياه، لتزداد الفتاة تمنعا وصداً···
_دارت الكاميرات
هكذا تدور أجواء الأغنية الجديدة التي دارت الكاميرات لتصويرها في الشندغة بأجواء بغدادية تستوحي أجواء خمسينيات بغداد القديمة والأصيلة، ولهذا السبب استدعى الفنان كاظم الساهر الفرقة الوطنية للفنون الشعبية التي قدم اعضاؤها ومدربهم فؤاد ذنون من بغداد بثياب البغداديين التقليدية: الصاية والزبون والجراوية والسدارة··· ليسهموا في تصوير كليب أغنيته الجديدة ''تتبغدد علينا''·
وفي موقع التصوير احتشد عدد من أصدقاء كاظم الساهر المقيمين في دبي واستعادوا ذكريات وطنهم وهمومه وأيام الوطن الذي كان يجمعهم قبل ان يصبح ''كل واحد منهم تحت نجمة بعيدة'' كما يقول المثل البغدادي···
_مفاجأة كريم العراقي
غير ان المفاجأة الأطرف كانت مشاركة الشاعر كريم العراقي -كاتب الأغنية- في التمثيل من خلال مشاهد مرسومة بدقة محكمة وفق سيناريو مميز انجزه مخرج الكليب الفنان حسين دعيبس، غير ان المفاجأة الأخرى تمثلت في ما كشفته أنا للجميع بأن هذه ليست المرة الأولى التي يظهر فيها شقيقي كريم العراقي في أغنية من الأغنيات التي كتبها، فقد ظهر ممثلا في أغنية ''يابو مركب'' للفنان فؤاد سالم التي صورت قبل ثلاثين عاما لتلفزيون بغداد، ومن الطرائف ان كاظم الساهر حين اكتشف من خلال حديثي ان كريم العراقي هو من كتب اغنية ''ياشميسة'' احدى اغنيات الأطفال الشهيرة قال له : معقولة كريم···؟ كم عمرك،؟ فقد كنت أحفظ هذه الأغنية في طفولتي..

--------------------------------------------------------------------------------


105
مؤلفة هذا الكتاب: السيدة بربارة ليمنغ، مختصة اساسا في الدراسات الروسية. وقد نالت شهادة الدكتوراه من جامعة نيويورك، ودرست لسنوات عديدة في معهد «هنتر» بمدينة نيويورك. وكانت تكتب بشكل منتظم في مجلة «النيويورك تايمز». ولكنها تعيش الآن في «كونيكتيكوت» وقد نالت جائزة النقاد على كتابها عن «أورسون ويلز» الذي كتبته بالتعاون معه.
وفي هذاالكتاب الضخم عن سيرة حياة جاكلين كندي يمكن ان يجد القارئ معلومات واضاءات جديدة ماكانت معروفة من ذي قبل. ومعلوم ان هذه المرأة اصبحت اسطورة القرن العشرين، وقد صدرت عنها مؤلفات وكتب عديدة جدا. والواقع ان جاكلين كندي عاشت أكبر مأساة خلال الالف يوم من حكم زوجها بعد ان اغتيل امام عينيها رميا بالرصاص. وتقول المؤلفة منذ بداية الكتاب ما معناه: لقد استشرت الكثير من تقارير المخابرات التي كانت ممنوعة على الاستشارة حتى امد قريب. واستفدت من هذه التقارير السرية جدا في كتابة سيرة حياة سيدة أميركا الاولى في فترة من الفترات. وتابعت حياة جاكلين مع زوجها يوما بيوم في البيت الابيض. واحيانا ساعة بساعة.. وكل لقاءاتهما مع شخصيات العالم الكبرى اطلعت عليها. تقول بخصوص اول زيارة رسمية الى فرنسا ولقاء كندي بديغول: عندما حطت الطائرة في مطار اورلي بتاريخ 31 مايو عام 1961 كان الجنرال ديغول بجسده الضخم ينتظر الزوج الرئاسي والى جانبه ايفون ديغول، زوجته الصغيرة الحجم، وكان كندي يتهيب هذا اللقاء لأن ديغول شخصية تاريخية ولأنه انتقده بعد ادارته لأزمة خليج الخنازير قائلا: انه غير كفؤ! وكندي ما كان يتحمل ان يشكك احد بكفاءته حتى ولو كان الجنرال ديغول. ومعروف عن ديغول ايضا انه كان لا يتحدث الا بالفرنسية ويعتبر نفسه تجسيدا لعظمة فرنسا مثل نابليون. ولذلك فانه فاجأ جاكلين كندي عندما صافحها باللغة الانجليزية: هل كانت رحلتك مريحة؟.. وكانت هذه العبارة علامة على انه لا يريد المواجهة مع الاميركان على الرغم من انه اصعب حليف لهم.
ثم تردف المؤلفة قائلة: كانت جاكلين على عكس زوجها تتحدث الفرنسية بطلاقة بسبب اصولها الفرنسية وتربيتها ولذلك انخرطت في حديث مباشر مع الجنرال ديغول بالفرنسية. ولكن زوجة الجنرال سرعان ما سحبتها من يدها وأخذتها معها الى جانب السيدات. وهكذا تركتا الرئيسين يستعرضان حرس الشرف.
كان سفير فرنسا في واشنطن قد سبق الرئيس كندي الى باريس لكي يعطي بعض المعلومات عنه الى ديغول. وقال للجنرال: ان كندي يشعر بأنه ضائع بعد ازمة خليج الخنازير، وهو يحترمك كثيرا ويعتبرك قائدا كبيرا. وربما كان بحاجة الى توجيهاتك وخبرتك.. وعندئذ قرر ديغول ان يتعاطف مع هذا الرئيس الشاب الذي هو في عمر اولاده وقال للسفير: لا، ابدا انه رجل شجاع وليس بحاجة لي لكي اقوده. في الواقع انه كان يشعر في قرارة نفسه بالفرح لان كندي اختاره كمرشد ولم يختر ماكميلان رئيس وزراء بريطانيا.
وعندما جلس الرئيسان في مقابل بعضهما البعض مع اثنين من المترجمين فقط احس ديغول بصحة كلام السفير. ولذلك لعب دور الاب واعطاه بعض التوجيهات وبخاصة ان كندي سوف يقابل خروتشيف خلال بضعة ايام. والواقع ان كندي هو الذي طلب مقابلة ديغول قبل ان يعقد قمة مع خصمه اللدود خروتشيف.
بعد انتهاء المحادثات خرج الرئيسان من القاعة المغلقة وشاهدا جاكلين كندي تمشي نحوهما فحياها ديغول بكل محبة. ولكن اذا كان زوجها قد ادهشه شبابه الغض وصغر سنه، فان جاكلين بدت له وكأنها طفلة!.. من المعلوم ان ديغول كان قد تجاوز السبعين آنذاك. واما كندي فلم يكن قد تجاوز الاربعين الا قليلا.
ثم تقول المؤلفة:
يبدو ان وجود جاكلين الى جانب زوجها قد ساعده كثيرا من الناحية الدبلوماسية، ولم يكن يتوقع ذلك، فالجنرال ديغول بدا معجبا جدا بها، وبخاصة ان اصولها فرنسية وتتحدث الفرنسية بطلاقة. ولذلك تعاطف مع الرئيس الشاب القليل الخبرة في مجال السياسة الدولية، واعطاه بعض التوجيهات حول افضل طريقة لمواجهة خروتشيف. ثم نبهه من مخاطر التورط العكسري في جنوب شرق اسيا وبخاصة في فيتنام.
لقد سحرت جاكلين فرنسا والفرنسيين الى درجة ان جون كندي عرف نفسه مرة قائلا: اريد ان اقدم لكم نفسي ايها السادة: انا زوج جاكلين كندي! بمعنى انها هي المهمة وليس هو.. على الرغم من انه رئيس الولايات المتحدة، ولكنه قال هذه العبارة. امام الصحفيين وشاشات التلفزيون وهو يمزح ضاحكا.. وبعد سهرتهما الرائعة في قصر الاليزيه عادا الى مقر اقامتهما في الكي دورسيه لكي يناما، وقبل ذلك حاولت جاكلين ان تتحدث عن السهرة وتعطي انطباعاتها، ولكن رئيس فرع المخابرات الاميركية الذي يرافقهما، اعطاها اشارة بألا تقول اي شيء لان غرفة النوم قد تحتوي على ميكرفون مخبأ في مكان ما!!.
وفي صبيحة اليوم التالي نصحهما رئيس المخابرات بأن يرتاحا كثيرا لان سهرة ضخمة تنتظرهما في قصر فرساي. ومعلوم ان ديغول كان اذا ما اراد تكريم شخصية اجنبية الى اقصى حد يفتح ابواب قصر فرساي التاريخي الشهير.. وهو القصر الذي بناه لويس الرابع عشر، الملك الشمس كما يلقبونه، اي اعظم ملوك فرنسا بالاضافة الى هنري الرابع، وفي قصر فرساني هناك قاعة رائعة تدعى «بقاعة المرايا». وفيها يتم عادة تنظيم العشاء الرسمي الفاخر الذي تدعى اليه كبار الشخصيات الفرنسية احتفاء بالضيف الزائر.
ثم تضيف المؤلفة قائلة:
ولكن جاكلين قالت له، اي للمسئول عن الامن والمخابرات، بانها لا تستطيع ان تبقى في غرفتها طيلة النهار وانها تريد ان ترى باريس. وبعد الحاح شديد سمح لها بذلك بشرط ان يرافقها عميل سري لحراستها.
وفي المساء كانت كل شخصيات باريس تنتظرها في اجمل قصر في العالم: قصر فرساي. وكان وزير الثقافة اندريه مالرو مكلفا باستقبالها مع زوجها عندما تنزل من السيارة. ويبدو ان جاكلين كندي كانت تحترم مالرو كثيرا وتقرأ رواياته، ثم سلمها مالرو الى ديغول شخصيا، وكان ينتظرهما على مدخل القصر، وعندئذ عاشت جاكلين كندي اجمل سهرة في حياتها كما يقال. وبما ان جون كندي كان يتضايق من وجود المترجم فانها طردته، امام كل الناس وراحت تقوم بدور المترجم بينه وبين ديغول.
في الواقع ان جاكلين كندي كانت تريد جذب ديغول لكي يتماشى بشكل افضل مع زوجها ومع السياسة الاميركية بشكل عام. وديغول كان يريد جذبها والتأثير عليها لكي يصل الى زوجها ويؤثر على توجهاته السياسية.. وبالتالي فلعبة الجذب والاغراء كانت مزدوجة ولم تكن من طرف واحد.
ثم تردف المؤلفة قائلة:
بسرعة استطاع ديغول ان يشعر الرئيس الاميركي وزوجته بالارتياح في قصر فرساي بل وشعرا وكأنهما بين افراد عائلتهما. ثم راح كندي يطرح على ديغول اسئلة عديدة عن الشخصيات التاريخية التي عاصرها من امثال تشرشل، وروزفيلت، وسواهما.
سأله: من كان الاعظم كبطل حرب؟ من كان يحب اكثر من الناحية الشخصية؟ وراح ديغول يجيبه وجاكلين تترجم وتستدير تارة نحو زوجها وتارة نحو الجنرال ديغول.. كانت سهرة ممتعة بكل معنى الكلمة.
انتهى العشاء في الساعة العاشرة وانفتح بابان من زجاج امام ديغول وزوجته وجون كندي وزوجته، واختفوا جميعا، هذا في حين ان المدعوين اقتيدوا الى مسرح لويس الخامس عشر. وما ان جلسوا على مقاعدهم حتى شاهدوا الرئيسين يطلان عليهم من شرفة المسرح العلوية وعندئذ قاموا جميعا للتصفيق لهما. وكان منظرا مؤثرا.
وفي منتصف الليل انتهت السهرة وكلف ديغول مالرو بمرافقة الرئيس كندي وزوجته حتى باب سيارتهما. وما ان مشت السيارة بضع خطوات حتى امر كندي السائق بالتوقف. وترجل من السيارة مع زوجته لكي يلقي نظرة على حدائق قصر فرساي الرائعة. وكانت مضاءة من اجله بكل نوافيرها وتماثيلها وازهارها واشجارها.. وعاش كندي عندئذ لحظة تأمل عميقة. وشعرت جاكلين بأنها تشاطره نفس الاحاسيس. وبدءاً من تلك اللحظة اعتقدت بأنها ستلعب دورا ما في حياته السياسية ايضا، وليس فقط في حياته العاطفية الخاصة.
وفي الصباح كانت كل صحافة فرنسا تمجد بجاكلين كندي وتعتبرها ملكة فرنسا. فقد حلت محل ماري انطوانيت في قصر فرساي واصبحت معبودة الجماهير كما يقال. وربما لم تنجح زيارة رسمية لآل كندي الى الخارج مثل هذه الزيارة. وقبل مغادرتهما فرنسا نصح ديغول كندي بالا يخاف من تهديدات خروتشيف، فهي عبارة «عن فقاعات صابون ليس الا». ثم تتوقف المؤلفة طويلا عند قصة اغتيال كندي وزوجته الى جانبه في السيارة الشهيرة المكشوفة في احد شوارع دالاس.. ولكن القصة طالما رويت في الكتب والصحف الى درجة انها اصبحت معروفة للجميع. انها قصة مأساوية بكل معاني الكلمة. فبعد ان اصابته الرصاصة القاتلة في الرأس استدارت نحوه جاكلين وسألته: ماذا حصل لك؟ ماذا حصل؟ وعندما عرفت بحقيقة الأمر انحنت عليه وهي تبكي وتقول: اني احبك يا جاك! اني احب.. ولكن كل شيء كان قد انتهى وقسم من دماغ زوجها يتطاير في الهواء فقد كانت هناك اكثر من رصاصة قد اصابت منه مقتلا.. هكذا حصلت اشهر قصة اغتيال في القرن العشرين. وقد اسالت من الحبر مدرارا وملأت مئات او حتى الاف الكتب حتى الآن.
ثم تقول المؤلفة ما معناه: بعد ثلاثة اشهر من مقتل كندي ارسل لها هارولد ماكميلان رئيس وزراء بريطانيا رسالة يقول فيها: لقد برهنت على اكبر شجاعة امام العالم الخارجي، والان بقي عليك ان تكوني شجاعة امام العالم الداخلي، امام اطفالك وأهلك. والآن سوف تعيشين بدون جون فيتزجيرالد كندي. في الواقع انها احست بصدمة رهيبة لان زوجها سقط امام عينيها مضرجا بالدم. بل واحست وكأن شيئا في داخلها قد قتل بمقتله. ولذلك فعندما عرض عليها جونسون ان تختار اية سفارة في الخارج لكي تديرها رفضت واعتذرت بأنها تريد تكريس نفسها لتربية ولديها. فهما الشيء الوحيد الباقي من جاك. رفضت ان تكون سفيرة في باريس على الرغم من ان فرنسا كانت سترحب بها اجمل ترحيب. ولكن السياسة لم تعد تعني لها شيئا يذكر بعد ان اودت بزوجها. اصبحت تكره السياسة وتخشاها.
بل وقررت ان تغادر واشنطن مع ولديها لكي تسكن في نيويورك. فواشنطن تذكرها كثيرا بالرئيس القتيل. واحيانا تضغط الذكريات على قلبها بشكل لا يحتمل.
انها لا تستطيع ان تنسى، ومع ذلك فهي مضطرة لان تنسى اذا ما ارادت ان تستمر في الحياة.. ولهذا السبب قررت الابتعاد عن كل ما يذكرها بجاك كندي من قريب أو بعيد.
وحتى عندما ارادت السفر الى انجلترا للابتعاد قليلا عن مكان الاحداث ووضع جونسون تحت تصرفها طائرة خاصة لنقلها مع ولديها طلبت منه الا تكون طائرة رئاسية. لماذا؟ لانها تذكرها برحلاتها مع زوجها الى الخارج عندما كان لا يزال رئيسا. ثم انها تذكرها بذلك الكابوس المرعب عندما نقلت جثمان زوجها على متن احدى هذه الطائرات بعد مصرعه.
لقد ارادت جاكلين كندي ان تسافر الى انجلترا لكي تنسى. وقد استقبلت هناك من قبل الملكة والامير شارل ومعظم افراد العائلة المالكة. كلهم كانوا يحيطون بها، ويحبونها.
كلهم ارادوا مواساتها وكان هناك ايضا الصديق الصدوق هارولد ماكميلان رئيس الوزراء. وكانت تثق به ثقة مطلقة وتعتبره بمثابة الاب بالنسبة لها ولزوجها، تماما كالجنرال ديغول.
وبعد ان قضت فترة نقاهة وحداد في انجلترا عادت الى اميركا وهي اكثر رزانة لقد اصبحت تتعود على الحياة الجديدة بعد فقدان زوجها، اشهر رئيس اميركي في القرن العشرين. وكتبت الى ماكميلان رسالة شخصية تقول فيها. هناك شيء وحيد يمكنني ان افعله لجاك: هو ان اهتم بولديه كارولين وجون انهما البقية الباقية منه. والشيء الوحيد الذي كان سيرضيه هو ان يعرف اني ملتزمة بهما، واني سأربيهما كما يجب ان يربيا. وهذه هي الطريقة الوحيدة لكي انتقم له، لكي انتقم من الزمان الغادر.

106
فرانسوا نوريسييه مؤلف هذا الكتاب هو أحد اعضاء اكاديمية «الغونكور» التي تمنح كل عام ومنذ بدايات القرن العشرين جائزة أدبية تحمل اسمها وتعتبر احدى أهم الجوائز، بل وأهمها على الاطلاق، من حيث المبيعات التي يحققها الكتاب الفائز. وقد كان بين الذين حصلوا عليها أمين المعلوف والطاهر بن جلون وقد اشتهر المؤلف كناقد أدبي وكروائي اشتهرت عدة أعمال له مثل «امبراطورية الغيوم» و«يتامى اوتيل» و«جسد ديانا»..
لكن شهرته الكبرى تعتمد في الواقع على كتاباته الخاصة بسيرته الذاتية ابتداء من كتاب «بورجوازي صغير» الذي يعود له اليوم من جديد بعد حوالي 40 سنة من طبعته الأولى وحتى «نقص العبقرية» الذي نشره خلال العام الماضي ومروراً بـ «متحف الانسان» المنشور عام 1978.
يبلغ فرانسوا نوريسييه اليوم الخامسة والسبعين من عمره، وهو مصاب بمرض «بركنسون» الذي دفعه نحو حالة من الضياع، كما يشير هو نفسه في كتابه الأخير «نقص العبقرية».
وهو يعود اليوم الى نشر أعماله السابقة الخاصة بسيرته الذاتية بعد ان قدمها وعلق عليها من موقعه الحالي بنوع من الاضاءات على الماضي «فلاش باك». وهكذا يعود فرانسوا نوريسييه الى الحديث عن السياق الأدبي الذي كان قد تم فيه نشر «بورجوازي صغير» للمرة الأولى عام 1963 وحيث كان يسود آنذاك تياران أدبيان تمثلا في الرواية الجديدة التي كان من أبرز رموزها الان روب غرييه و«الأدب الملتزم» مع جان بول سارتر وسيمون دوبوفوار وغيرهما.
ويؤكد فرانسوا نوريسييه من جديد بأنه يفضل كتاباته «الذاتية» على رواياته، ذلك ان الأدب بصيغة ضمير المتكلم يحمل دائماً في طياته الكثير من «المخاطرة» و «الكشف» وأحياناً «التحدي»، هكذا يؤكد بأنه لم يكن في الواقع «بورجوازياً صغيراً» عندما نشر كتابه وإنما كان ينتمي بالأحرى إلى أسرة من الحرفيين «لم يرث عنها شيئاً» ولكنه بالمقابل كان يحلم باستمرار بالانتماء إلى نمط من «البرجوازية المستنيرة، التقدمية، الحضارية»
وبالتالي شكلت هذه الفكرة المحور الأساسي الذي نظم حوله حياته وصداقاته وقراءاته ونشاطاته، وكان قد كتب في أحب جمل «بورجوازي صغير» ما يلي: «انني لست فخوراً بحياتي، ولا أحد نفسي ولا أحب حياتي» أما اليوم فإنه يرى بأن مثل هذه الجملة إنما كانت في الواقع بمثابة تعبير عن رغبته في ان يرى كل شيء من كل زواياه.. الأمر الذي يتماشى كثيراً مع نفس المنهج الذي اعتمدته النظرية التكعيبية في الفن ولا يتردد فرانسوا نوريسييه ان يقول اليوم بأنه إذا أراد ان يعيد كتابة هذه الجملة المأخوذة من «بورجوازي صغير» فإنها ستكون أيضاً أكثر عنفاً وأكثر راديكالية».
وتقول جملة أخرى في كتاب بورجوازي صغير ما نصه: «ان الكتابة لا تشكل سبباً للحياة وعلة للوجود، ولا يشكل أطفالي وأعمالي مثل هذا السبب، ولا شك بأن الانسان يحيى بشكل أفضل جداً بدون ان يكون هناك سبب وعلة لحياته» هذه الجملة أثارت الكثير من الانتقادات عند كتابتها.. واليوم يعترف فرانسوا نوريسييه بأنه كان قد عاش قبل اصدار كتاب «بورجوازي صغير» خمس سنوات كاملة، أسيراً للصمت وللغياب، اذ انه لم ينشر شيئاً وكان ممكناً ان تستمر تلك الحالة إلى ما لا نهاية في حياته ولذلك يعتبر بان كتاب «بورجوازي صغير» الذي «كسر فيه» الصمت الذي كان يلفه بمثابة كتابه الأول،
هذا على الرغم من انه كان قد نشر قبله بسنوات عملاً روائياً يحمل عنوان: أزرق من الليل» بل ويؤكد فرانسوا اندريسييه بأن أفق الابتعاد عن الكتابة لم يكن يثير لديه الكثير من القلق حيث كان قد استكان لمنطق اللاجدوى في كل شيء، ومع نشر «بورجوازي صغير» عادت الآلة للعمل من جديد.. ويقول المؤلف اليوم: «لقد أصبح عمل الكتابة سبباً وعلة لحياتي، انه نقطة تعلقي الوحيدة في العالم، والتي تمنحني اكسجين الحياة، لكن هذا لا يمنع واقع ان الثقوب تتكاثر في الشبكة».
ومع المسافة الزمنية يتحدث فرانسوا نوريسييه عن «عظمة» سن الشباب خاصة عندما يدرك المرء متأخراً للأسف بأن حياته تصبح فيما بعد نوعاً من النضال المستمر ضد المرض والانهاك وفقدان الذاكرة، وهذه اشارة جديدة لمرض باركنسون الذي يعاني منه المؤلف، لكنه يؤكد بالمقابل على اهمية ان يقيم الانسان علاقات متوازنة وسهلة مع الآخرين، إذ لا يمكن للانسان ان يبحث عن السلام مع نفسه عبر اعلانه الحرب على الآخرين».
من جهة أخرى يعترف فرانسوا نوريسييه بأنه لجأ طيلة حياته لتعاطي المنشطات والمحفزات من أدوية وغيرها وذلك بغية «جعل الحياة محتملة والعمل ممكناً».. كما يقول في احد مقاطع بورجوازي صفير.. هذه الممارسة التي يبدو انها قد رافقته طيلة حياته. يقول اليوم: انني لا انفي ابداً المخاطر الكبيرة التي عرضت نفسي لها بسبب مثل هذه الممارسة، ثم يؤكد، لم اكن في يوم من الايام من أنصار التدمير الذاتي.
لكنه مع ذلك حافظ، وكما يعترف هو نفسه، على الكثير من سلوكيات الشباب وهواياته وفي مقدمتها حبه المفرط لـ «الخيول» التي كتب عنها في بورجوازي صغير، ما مفاده: «علي ان اعلن امتناني للخيول فهي التي دفعت دراستي الى الامام، وهو الذي قد اصبح اليوم بمثابة جنرال متقاعد.
«بورجوازي صغير» كتاب قديم يعود الى الواجهة من جديد وليثير الكثير من الضجة والتعليقات، كما كان الامر عند نشره للمرّة الاولى.. وآنذاك كتب عنه الشاعر الكبير لويس اراغون: «سيرة ذاتية ام رواية» الامر الاساسي كما ارى يكمن في اللغة التي يكتب المؤلف بها حيث انه قد وصل الى سن النضج عبر النثر الجميل الذي يكتبه ويمثل درساً في اللغة الفرنسية المعاصرة التي تفتقر المدارس لها. ومنذ زمن طويل لم يكتب احد بمثل هذه الطريقة. اريد ان اقول بنفس القدر من السيطرة على الجملة التي لا يمكن إلا وان يلتفت المرء لها كامرأة جميلة.


107
 
  صدر في القاهرة كتاب «الصحافة الدينية في إسرائيل»، للكاتب والباحث أحمد فؤاد أنور، وتهدف الدراسة إلى التعرف على تاريخ وتطور الصهيونية والقوى الدينية في إسرائيل، وكذلك أهم الصحف الدينية في إسرائيل.
وأيضا خلفيات كل قضية من القضايا التي تناولها البحث، كما تهدف لرصد موقف الصحافة الدينية في إسرائيل في قضايا الشريعة والقضايا المتعلقة بالأيديولوجية السياسية تجاه مصر والفلسطينيين، والعرب.
في تسلسل منطقي بدأ الكتاب بعرض علمي موضوعي لجذور الصحافة الإسرائيلية بشكل عام، وكيف انتقلت إلى فلسطين مع موجات الهجرة الأولى من شرق أوروبا، ثم تعرض الباحث إلى إسهام الصحافة في الترويج لحركة التنوير.
ومن ثم الترويج لنشر اللغة العبرية التي كانت غائبة عن التداول آلاف السنين، تمثل الصحافة باللغة العبرية بوقاً إعلامياً، وتبشيرياً للسياسي الذي كان بدوره حامل رسالة وفكر الأيديولوجي الذي نضج بين أحضان التعاليم اليهودية.
لقد مثلت الصحافة الدينية مرجاً خصباً لازدهار ونماء الأبعاد الروحية للأيديولوجي المتشدد، الذي يحرم على اليهود انتهاك حرمة يوم السبت ، وقد ركز المؤلف على دور الصحافة الدينية في إسرائيل وإسهامها في تجنيد طلبة المعاهد الدينية، والفتيات لهذه الغاية المقدسة وعلى رأس تلك الصحافة كانت صحيفة (هتسوفيه).
تناول الكتاب بعمق الفكر الصهيوني الديني وركز على العلاقة بين الشريعة اليهودية والقانون المدني في إسرائيل موضحا أنها علاقة ممتدة ومتبادلة أدت في النهاية إلى تلاحم اليمين الديني المتطرف مع الأحزاب العلمانية كحزبي العمل والليكود.
وقد أكد المؤلف على أن أفراد المعسكر الديني الصهيوني ليسوا كلهم في توافق مع العلمانيين بل إن منهم من خدم الفكرة الصهيونية منذ البداية.
وآخرون أعلنوا رفضهم لها ونظروا إلى الفكرة وأصحابها على أنهم زنادقة وليس بإمكانهم تحقيق فكرة الخلاص، وأن المسيح المتدين لن يعود على أيديهم ولا الأرض المقدسة، المعسكر الأخير تبني موقفًا نفعياً من الدولة باعتبارها شراً لابد منه، كما أن الحركة الصهيونية استفادت من كل المعسكرين وأصبحت تغذي نفسها من الدين والأفكار التي تبناها الدينيون اليهود.
كما أكدت على أنه يوجد في الولايات المتحدة 65 مليون يهودي أو مؤازر لليهودية يستخدمهم الصهاينة لتأييد دولتهم بأشكال معروفة لدى الجميع.
عاد أحمد فؤاد خلال كتابه المهم للجذور التي نبتت عليها الفكرة الصهيونية، وشكلت دفة التوجيه لسلوك الأفراد منهم ومن القضايا التي خصص لها المؤلف قسما كبيرا من كتابه: نفي اليهودي المتدين للآخر اليهودي العلماني.
 والتحذير منه، والترهيب من الاختلاط بهم، بل ورفض كل قانون يضبط الحياة وفق رؤية العلمانيين، وهذا النفي للآخر يثير في القارئ الرغبة في المقارنة بين مستويات النفي في فكر اليهود!! فإذا كان اليهودي المتدين ينظر إلى اليهودي العلماني بهذا الازدراء، فكيف هي نظرته إلى غير اليهودي، سواء كان مسلماً أو مسيحياً أو حتى بوذياً؟
 

كما أسهب في وصف الدور الذي لعبته الصحافة الدينية في إسرائيل لفرض قيود دينية على الإجراءات الديمقراطية المتبعة في إسرائيل، والتي طالما تباهى بها الإسرائيليون في منطقة الشرق الأوسط الذي يعيبون عليه خضوعه لحكم الفرد المطلق، لقد جهدت صحافة المتدينين اليهود على التنظير لفكرة التنكر لأي أغلبية في الكنيست الإسرائيلي تعتمد على صوت النواب العرب، وفي ذلك التفريق بين صوت عضو كنيست يهودي وآخر عضو كنيست عربي يمكن ملامسة العنصرية اليهودية الدينية بالأصابع.
 

ومن الأسئلة التي عنيت الدراسة بالتطرق إليها بشكل موضوعي علمي السؤال :كيف يرى اليهودي المتدين مصر بعد أكثر من 25 عاما على توقيع اتفاقية سلام ؟
 

ما زالت تظهر مصر في الصحافة اليهودية كدولة غريبة، يطلق عليها لفظة عبرية (جوييم) ومعناها بالعربية الأغيار، ولهذه التسمية دلالة بعيدة الأثر في الفكر اليهودي، فمصر لدى اليهود دولة تعمل على إضعاف إسرائيل، لأن مصر كما يحسبون تروج لكراهية إسرائيل.
 

ومصر ترفض التطبيع مع إسرائيل، ومصر تعيق مشروع الشرق الأوسط الكبير، عن ذلك يضيف الباحث «من الركائز التي روجت لها الصحافة الدينية بشكل عام، و(الحريدية) بشكل خاص رفض الأغيار.
 

وهو ما يشكل عقبة حقيقية على طريق السعي للتوصل للسلام، إن رفض الثقة في الآخر لا ينبع من كونه يتحرك سياسيا بشكل مثير للقلق، بل لمجرد أنه آخر، لا يجب التطلع لسلام معه يؤدي لذوبان التقاليد اليهودية والشعب اليهودي، وتجدر الإشارة إلى أن التحذير من الذوبان في الأغيار يتعاظم.
 

ويكون أكثر منطقية تجاه الدول التي لها حدود مشتركة مع إسرائيل، وحيث ان كل هذه ـ الدول عربية، والحدود الوحيدة المفتوحة ـ لكونها أبرمت معها اتفاقية سلام أمام الزيارات المتبادلة وحركة التجارة، والنشاط الثقافي المباشر، هي الحدود مع مصر، فإن الحديث عن رفض الاندماج مع الأغيار ينطبق على مصر، بشكل خاص».
 

لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل توغلت الصحافة الدينية في الرجوع إلى الماضي، وهي ترى مصر عدواً تاريخياً لليهود، وعملت في الماضي على استعبادهم، وإذلالهم، وطردهم من مصر، وفي هذا المقام يفاجأ المتتبع للتاريخ اليهودي في مصر حجم الكراهية والأحقاد التي يخزنها اليهود للمصريين، وما يبنى على ذلك من سلوك.
 

يأتي دور السلام مع الفلسطينيين في الباب الثالث من البحث، فقد ظهر الفلسطينيون لدى اليهود بعدة أوصاف؛ أقلها صفة الغدر، فالفلسطيني لا يحترم اتفاقيات السلام.
 

وكل يهودي يفاوض الفلسطينيين خائن لتعاليم الدين اليهودي، ولدولة إسرائيل، لأن الفلسطيني لص سارق، ولا هدف له سوى تدمير دولة إسرائيل والقضاء عليها، ولما كانت هذه هي أوصاف الفلسطينيين؛ فإن قتلهم وتصفيتهم عمل ديني ووطني، ولا حرمة في ذلك تقع على اليهود، ولا بريء بين الفلسطينيي