عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - ماري ايشوع

صفحات: [1] 2 3 4 5
1
زمن الصوم الكبير للعام 2016 – رياضة روحية عبر النت مع النبي إيليا: اللقاء بإله الحياة
6)  أحد السعانين .. السير نحو الآلام : أن نفتح قلبنا لحضور الله
»قم وَكُل، فإنَّ الطريقَ بعيدةٌ أمام«
1)   نص من حياة إيليا النبي: الحج إلى ينابيع العهد (1 ملوك 19: 1 - 18)

1وَأَخْبَرَ أَخْآبُ إِيزَابَلَ بِكُلِّ مَا عَمِلَ إِيلِيَّا، وَكَيْفَ أَنَّهُ قَتَلَ جَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ بِالسَّيْفِ. 2فَأَرْسَلَتْ إِيزَابَلُ رَسُولاً إِلَى إِيلِيَّا تَقُولُ: «هكَذَا تَفْعَلُ الآلِهَةُ بي وَهكَذَا تَزِيدُ، إِنْ لَمْ أَجْعَلْ نَفْسَكَ كَنَفْسِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي نَحْوِ هذَا الْوَقْتِ غَدًا». 3فَخافَ وقامَ ومضى لإنقاذ نفسهِ، وَأَتَى إِلَى بِئْرِ سَبْعٍ الَّتِي لِيَهُوذَا وَتَرَكَ غُلاَمَهُ هُنَاكَ. 4ثُمَّ سَارَ فِي الْبَرِّيَّةِ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، حَتَّى أَتَى وَجَلَسَ تَحْتَ رَتَمَةٍ وَطَلَبَ الْمَوْتَ لِنَفْسِهِ، وَقَالَ: «قَدْ كَفَى الآنَ يَا رَبُّ. خُذْ نَفْسِي لأَنِّي لَسْتُ خَيْرًا مِنْ آبَائِي». 5وَاضْطَجَعَ وَنَامَ تَحْتَ الرَّتَمَةِ. وَإِذَا بِمَلاَكٍ قَدْ مَسَّهُ وَقَالَ: «قُمْ وَكُلْ». 6فنظر فإذا عند رأسه رغيف مخبوز على الجمر وجرة ماء، فَأَكَلَ وَشَرِبَ ثُمَّ رَجَعَ فَاضْطَجَعَ. 7ثُمَّ عَادَ مَلاَكُ الرَّبِّ ثَانِيَةً فَمَسَّهُ وَقَالَ: «قُمْ وَكُلْ، فإنَّ الطَريقَ بعيدةٌ أمامَك». 8فَقَامَ وَأَكَلَ وَشَرِبَ، وَسَارَ بِقُوَّةِ تِلْكَ الأَكْلَةِ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً إِلَى جَبَلِ اللهِ حُورِيبَ، 9وَدَخَلَ هُنَاكَ الْمُغَارَةَ وَبَاتَ فِيهَا.
وَكَانَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَيْهِ يَقُولُ: «مَا لَكَ ههُنَا يَا إِيلِيَّا؟» 10فَقَالَ: «قَدْ غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ إِلهِ الْجُنُودِ، لأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ تَرَكُوا عَهْدَكَ، وَنَقَضُوا مَذَابِحَكَ، وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَكَ بِالسَّيْفِ، فَبَقِيتُ أَنَا وَحْدِي، وَهُمْ يَطْلُبُونَ نَفْسِي لِيَأْخُذُوهَا». 11فَقَالَ: «اخْرُجْ وَقِفْ عَلَى الْجَبَلِ أَمَامَ الرَّبِّ». وَإِذَا بِالرَّبِّ عَابِرٌ وَرِيحٌ عَظِيمَةٌ وَشَدِيدَةٌ قَدْ شَقَّتِ الْجِبَالَ وَكَسَّرَتِ الصُّخُورَ أَمَامَ الرَّبِّ، وَلَمْ يَكُنِ الرَّبُّ فِي الرِّيحِ. وَبَعْدَ الرِّيحِ زَلْزَلَةٌ، وَلَمْ يَكُنِ الرَّبُّ فِي الزَّلْزَلَةِ. 12وَبَعْدَ الزَّلْزَلَةِ نَارٌ، وَلَمْ يَكُنِ الرَّبُّ فِي النَّارِ. وَبَعْدَ النَّارِ صَوْتُ نَسيمٍ لَطيف. 13فَلَمَّا سَمِعَ إِيلِيَّا لَفَّ وَجْهَهُ بِرِدَائِهِ وَخَرَجَ وَوَقَفَ فِي بَابِ الْمُغَارَةِ، وَإِذَا بِصَوْتٍ إِلَيْهِ يَقُولُ: «مَا لَكَ ههُنَا يَا إِيلِيَّا؟» 14فَقَالَ: «غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ إِلهِ الْجُنُودِ، لأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ تَرَكُوا عَهْدَكَ، وَنَقَضُوا مَذَابِحَكَ، وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَكَ بِالسَّيْفِ، فَبَقِيتُ أَنَا وَحْدِي، وَهُمْ يَطْلُبُونَ نَفْسِي لِيَأْخُذُوهَا». 15فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «اذْهَبْ رَاجِعًا من خلال طَرِيقِ بَرِّيَّةِ دِمِشْقَ، وَادْخُلْ وَامْسَحْ حَزَائِيلَ مَلِكًا عَلَى أَرَامَ، 16وَامْسَحْ يَاهُوَ بْنَ نِمْشِي مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ، وَامْسَحْ أَلِيشَعَ بْنَ شَافَاطَ مِنْ آبَلَ مَحُولَةَ نَبِيًّا عِوَضًا عَنْكَ. 17فَالَّذِي يَنْجُو مِنْ سَيْفِ حَزَائِيلَ يَقْتُلُهُ يَاهُو، وَالَّذِي يَنْجُو مِنْ سَيْفِ يَاهُو يَقْتُلُهُ أَلِيشَعُ. 18وَقَدْ أَبْقَيْتُ فِي إِسْرَائِيلَ سَبْعَةَ آلاَفٍ، كُلَّ الرُّكَبِ الَّتِي لَمْ تَجْثُ لِلْبَعْلِ وَكُلَّ فَمٍ لَمْ يُقَبِّلْهُ».



2)  تأمُّل :  نحو اللقاء بالله
أ‌)   رِحلة إيليا إلى حوريب
أمام تهديد إيزابَل له بالموت، يخاف إيليا ويهرب. وبسبب جُبنِه هذا، يقنط إيليا وتفتر همته، وينهار في نهاية يوم من السير! إنه يتمنى الموت. وهنا ينضم الله إليه في وسط يأسه.
يمكن للإكتئاب في الواقع، أن يسمح  لنا بأن نسترجع من جديد طاقتنا الحيوية الموجودة في أعماقنا الدفينة. عندها يمكننا أن نعيش العزلة التي وَضَعْنا نفسنا فيها، لكن في هذه المرة ليست العزلة المفروضة علينا بسبب إكتئابنا، لكن العزلة المُختارَة من أجل الله والمعاشة معه وفيه. فالعزلة أو الخلوة المختارة بحد ذاتها هي نعمة، بما أنها  تُحيي وتُعَمِّق علاقتنا مع الله. فالحرية تفترض، في الحقيقة، القدرة على تحمل وعيش عزلتنا أو وحدتنا. يجب أن نَعلَم بأن كياننا الأعمق، الحميم، لا يمكنه أن يدخل في علاقة مع إنسان آخر، مهما كان عمق درجة العلاقة التي تربطنا. فالله وحده يعرف سر قلبنا حقاً. فحتى بالنسبة لنا نحن، يبقى كياننا العميق سرً يتجاوزنا، ولن يُكشَف لنا إلاّ عندما نرى الله وجها لوجه. عندها سنعرف أنفسنا ونكتشفها حقاً بكل عمقها بفضل النور الناتج من المحبة، أي من الله الذي يخلقنا باستمرار ودون توقف. ومع ذلك، نحن مدعوون من الآن للإنضمام، في الخلوة، إلى ذلك الذي يدعونا في أعمق نقطة حميمة فينا. وهناك يمكننا أن نسمع كلامه يتدفق وكأنه ينبوع حي.
كان يمكن لهذه القصة أن تنتهي هنا في هذه الخلوة المثمرة في الله، لكنها من جديد، تبدأ بالحركة وبقوة. فعلى إيليا أن يأكل ويشرب، ليس فقط لمجرد تغذية جسده، لكن كي يستطيع السير من جديد في طريق طويل. هكذا يُحَوِّل تدخل الملاك هروبه المُخجِل والمُخزي، إلى حجٍّ نحو جبل العهد، على مثال موسى، لمدة أربعين يوم وأربعين ليلة (خروج 24: 12-18).    
ب)  اللقاء بالله
يقضي إيليا الليل على جبل الله داخل كهف. ويبدو أنه جاء إلى هنا كي يختبيء من جديد: لأن مجيئه هذا يبدو لنا وكأنه يريد من جديد أن يبتعد عن عيون الآخرين وينطوي على نفسه. لكن كلام الله يأتي ويقتلعه مما قد يبدو لنا كنوع من الخوف والتراجع عند إيليا: "مَا لَكَ ههُنَا يَا إِيلِيَّا؟» ، لماذا أنت هنا.. ماذا تفعل هنا؟   يعكس سؤال الله هذا شيئاً من اللوم أو العتاب. كلمة "هنا" والتي تشير إلى جبل سيناء، تتعارض مع كلمة "هناك" أي مملكة إسرائيل حيث الله دعا إيليا النبي.  أي إن الله يعاتب إيليا لعدم وجوده في مكان رسالته النبوية (أي هناك)، أي أنه يلومه لتركه رسالته. ويحاول إيليا من خلال جواب طويل أن يبرر فعلته هذه، موضحاً بأن غَيرته لله هي التي قادته إلى الصحراء لأن بني إسرائيل قد تركوا الرب وتخلوا عن عهده معهم. ويضيف إلى ذلك مسألة تدميرهم لمذابح الرب وقتلهم لأنبيائه. هكذا يبرر إيليا هروبه هذا والوحدة أو العزلة التي يضع نفسه فيها، موضحاً بأنهم يريدون قتله.
بعد أن عَبَّر عن يأسه وغضبه، يرفض إيليا الخروج في حضور الرب. تَحدُث عندها ثلاثة ظهوارت كونية يمكن أن تعكس وتشير إلى أنواع القلق أو المخاوف التي تسكن قلب إيليا، كما يحصل معنا، في ظروفنا الصعبة. أولاً، ريحٌ شديدة، إعصار شديد، يُحَطِّم كل شيء ويزعزع ثوابتنا. فما كان الأكثر قداسة، أي العهد بين الشعب والله، قد أُنتُهِكَ. وفَضَّل إيليا الهرب. إن هذا الإعصار أو الريح الشديدة تجلب الفوضى وتزعزع كل المقاييس وتُربِكنا فلا نَعُد نعرف من بعد إلى أين نذهب. هل يبقى عندها معنى لحياتنا؟ وسط تجربة كهذه، في أي شيء يمكنني أن أضع ثقتي؟

لكن الرب ليس موجود في "سؤال" كهذا!

بعد ذلك، يحدث زلزال يهز كل ما نقف عليه ونعتبره "ضمانًا" لنا في مسيرتنا، ويهز كذلك علاقاتنا وكل ما يربطنا مع الآخرين. لقد رأى إيليا الشعب يبتعد عن الله، ويرى كذلك كيف أن الملك يأمر بقتل أنبياء الله بتحريض من زوجته الوثنية إيزابَل. هل أنا وحيد حقاً في هذه المُعضلة بينما الأرض نفسها تهتز تحت قدمَيَّ؟ هل هناك تواصل ممكن؟ أليس كل شيء قد انكسر وأصبح حطاماً فيما يخص العلاقات الإنسانية؟

هنا أيضاً لم يكن الرب في هذا "السؤال"!
بعدها، يأتي النار ويهدد الوجود نفسه، كي يدمر ويأكل كل شيء. ألن يصبح كلُّ شيء مجرد رماد؟

لا يمكن للرب أن يكون في هذا "السؤال" الذي يعكس الدمار والإبادة التامة.

وأخيراً، بعد النار، يأتي صَوتُ نَسيمٍ لطيف. فَلَمَّا سَمِعَ إِيلِيَّا، لَفَّ وَجْهَهُ بِرِدَائِهِ وَخَرَجَ وَوَقَفَ فِي بَابِ الْمُغَارَةِ. لا يمكن لإيلي أن يرى شيئاً، ووجهه ملفوف هكذا. فكل شيء متعلقٌ بمستوى إصغائنا.. بطريقة إصغائنا، إصغاء سري كما تعكسه عبارة "صوتُ نسيم لطيف"، التي يمكن أن تُتَرجم أيضاً "صوتُ صَمتٍ لطيف!" والتي تعكس بحد ذتها نوعاً من التناقض أو المفارقة السرية (فهل للصمت صوت؟!).
إن مرور الله هنا يشبه صوتًا لطيفاً وخفيفاً جداً، يناقض ويعارض عنف العوامل الكونية التي سبقته (الإعصار والزلزال والنار). إن هذا النص لا يشبه أو لا يتطابق مع ظهورات الله بالمعنى الواضح التي نعرفها في الكتاب المقدس. إن خبرة إيليا هذه قد حدثت بينما كان لايزال مختبأً في الكهف. إنه لا يرى الله، لكن عليه أن يُمَيِّز شيئاً فشيئاً الحضور الإلهي  من خلال سماعه لصوت لطيف وعجيب. هنا الحوار إذن يسود ويطغي على النظر.
أمام اليأس والقلق، لا يجب أن نطرح الأسئلة، أعني لا يجب أن نبحث عن سبب ما يحدث لنا ... أمام اليأس والقلق علينا أن نصغي بصبر إلى صوت الله، الذي لا يمكننا سماعه بسهولة لأنه خفيف جداً، يشبه "صوت الصمت الخفيف"، الذي فيه يَهَب اللهُ نفسه لنا وكأنه "نسيم عليل، خفيف"! وإيليا كان حاضر هناك لاستقبال معجزة الحياة هذه التي تُدهشنا بهشاشتها: الله الذي هو غير منظور حتى في حضوره، إذا أصغينا إليه، يمكننا أن نسمع صوته اللطيف!
وإيليا، بعد أن خرج أخيراً من كهفه، يمكنه أن يسمع بشكل آخر هذا السؤال الحاسم: "مَا لَكَ ههُنَا يَا إِيلِيَّا؟» ... ماذا تفعل هنا؟ فيجيب إيليا بنفس الجواب السابق، الذي يعكس القلق والخوف، لكن في هذه المرة  يمكننا أن نشعر بأن "النهوض" أو "القيامة" هي قريبة. لأن الله هنا قد كشف لإيليا (في عمق قلبه) بأنه حاضر معه ولو بطريقة خفية جداً. هذا اليقين جعله يجد من جديد، السلام، والرغبة في العيش، والشجاعة التي ستدفعه من جديد للسير بهدف إتمام الرسالة التي استلمها من الله. إن الله أكبر من كل ما يمكننا تصوره. ولهذا يمكننا التعرف عليه أيضاً في الإيمان، ومن خلال علامات بسيطة متواضعة، تكشف لنا قربه الخفي. لكن علينا من أجل ذلك أن نختلي أو "نختبيء فيه"، كي نستطيع بالتالي أن نكتشف في داخلنا حضور الله الخفي هذا.

ج)  خطاب الله
بعد أن سأله الله لمرتين "ماذا تفعل هنا يا إيليا؟" (الآيات 9 ، 13)، يطلب الله منه أن يبدأ السير من جديد ليعود من حيث أتى. فلقاء إيليا بالله سيُرجعه إلى رسالته كنبي في إسرائيل. إن الأمر المعطى من قبل الله إلى إيليا كي يعود من نفس الطريق، يلمح إلى رسالته النبوية التي كان قد هجرها، وسيكتمل هذا الأمر من خلال تسليمه رسالات أخرى عليه القيام بها. فعلى إيليا أن يمسح ملكين ونبياً. إن رسالة إيليا ستتحقق من خلال أحداث مختلفة: دعوة أليشاع (1ملوك 19: 19-21)؛ الرسالة التي أُرسِل إليها عند أخاب بعد قتله لنابوت ومصادرة أرضه (1 ملوك 21: 17-29)؛ التنبؤ بموت الملك أَخَزْيَا (2 ملوك 1: 1-18)؛ ويمكننا أن نشمل أيضاً رفع إيليا في عربة من نار مع تحويل رسالته إلى أليشاع (2ملوك 2: 1-25). إن هذه الرسالات المختلفة ليس لها أية صلة ما مع يسبقها. هكذا إذن يُثَبَّتُ إيليا في رسالته النبوية. هكذا إذن عندما ننفتح إلى كلام الله ونستقبله في الطاعة والثقة، يُقيمنا من جديد .. يجعلنا نقف من جديد ويُذكِّرنا بمسؤولياتنا ويُرسلنا إليها من جديد. إن حضور الله الأكيد، الذي انبثق من هذا الصمت، سمح لإيليا لأن يتغلب على الخوف. فعندما نسمح لكلام الله أن يعمل فينا، سيهبنا نعمة وشجاعة، ويجعلنا نلتزم من جديد بالرسالة، متجاوزين كل الأسئلة التي تقلقنا وكل خيبات الأمل والإحباطات؛ والغريب في كل ذلك، أن هذا كله يحدث مع أن كلام الله الذي نسمعه لا يقدم لنا ضمانًا آخر غير أمانة الله ووفاءه لكلامه ولعهده: "اذْهَبْ رَاجِعًا من خلال طريق البَرِّيَّةِ»، (وأنا سأكون معك، لا تخف)، هذه هي أمانة الله.
   
3.  تأمُّل في إنجيل الآلام (لوقا 22: 39 – 46): صلاة في جبل الزيتون

           خرج يسوع وذهب على عادته إلى جبل الزيتون، وتبعه تلاميذه.  ولما وصل إلى ذلك المكان قال لهم: (( صلوا لئلا تقعوا في التجربة )).  ثم ابتعد عنهم مقدار رمية حجر وجثا يصلي فيقول: ((يا أبت، إن شئت فاصرف عني هذه الكأس… ولكن لا مشيئتي، بل مشيئتك!))  وتراءى له ملاك من السماء يشدد عزيمته.  وأخذه الجهد فأمعن في الصلاة، وصار عرقه كقطرات دم متخثر تتساقط على الأرض.  ثم قام عن الصلاة فرجع إلى تلاميذه، فوجدهم نائمين من الحزن.  فقال لهم: (( ما بالكم نائمين ؟ قوموا فصلوا لئلا تقعوا في التجربة )).

ما الذي حدث لنا؟
فقد كنا متحدين تماماً حوله عندما قاسَمَنا الخبز، ومتأثرين جداً عندما مَدَّ لنا يده بالكأس! لقد كنا فرحين سوية حوله في هذه الوليمة عندما طلب منا أن نستقبل جسده ودمه!

ما الذي حدث لنا؟
كان يتحدث عن الملكوت الذي سيأتي، وكنا نشعر بقوة بهذا الملكوت، عندما كنا سوية، معه! كنا نحس بالطبع بثقل كلامه عندما أخبرنا بأنه لن يشرب من هذا الخمر بعد، لكن كل شيء كان بسيطً جداً معه، عندما كنا سوية!

ما الذي حدث لنا؟
كان هناك أولاً هذا الحزن الكبير في البستان، في الليل. لقد غزى الحزنُ قلوبنا بحيث غلبنا النعاس ونمنا كلنا. وحده هو، ظل وحيداً.

لكن لماذا؟ لماذا يا رب؟
كان هناك أيضاً الخوف.. الخوف من مواجهة الآخرين، لم يكن ظاهراً للعيان، لكن كان يجتاح كل شيء.

لكن لماذا؟ لماذا يا رب؟
ثم بعد ذلك أتت الإستجوابات، والإذلال والإهانات، والعنف... كيف وصلت به الأمور إلى هذه الدرجة؟ لم يعد الشخص الذي كنا نعرفه. مَنْ كان يعرف هذا الرجل حقًا؟ هل كنا نحن نعرفه عندها؟!

لكن لماذا؟ لماذا يا رب؟
هناك أسئلة، لا تقودنا إلى أي مكان. كل هذه الأسئلة التي طرحناها ونطرحها أمام الألم والشر .. وعلينا أن نعرف بأن احتفالنا في الأسبوع المقدس ليس من أجل أن نجد أجوبة على هذه الأسئلة.

لكن مع ذلك، نحن هنا!
صحيح، يمكن للحزن اليوم أيضاً، أن يعزل .. أن يترك الآخر في عزلته ووحدته.
صحيح، أن الخوف يمكنه أن يقطع كل الروابط، ويُعمي لدرجة الألم.. لدرجة الظلم.
صحيح، أن الألم يمكنه أن يلتهم الإنسان، ولا يعود إنساناً بعد. فهل يبقى هناك من معنى لحياته؟ فحتى بعد ألفي سنة من آلام وصلب المسيح، لازلنا نواجه الحزن والخوف والألم.. لازلنا نطرح نفس هذه الأسئلة.

إذن لماذا نحن هنا؟ وما معنى حياتنا؟
 ربما نحن هنا، ليس لكي نجيب على "لماذا" الألم والخوف والحزن في حياتنا، لأنه في الحياة، هناك أوقات، المهم فيها هو: أن نكون هنا! أن نظل واقفين أمامه .. أن نعيش بحسب إرادة أبينا السماوي.

لكننا لسنا هنا، على مثال النساء القديسات اللواتي بقين حتى النهاية .. ينظرن عن بعد، بصمت، وبحزن وألم. لقد فهمن مع ذلك، بأن حضورهن بهذه الطريقة كان أفضل من لا شيء بالنسبة له!

كما إننا لسنا هنا ، كما كان لص اليمين، الذي بفضل حُب المسيح له، كان نظره متوجه نحو الحياة التي وعده بها يسوع، هو الذي كان في عمق الهاوية وينتظر الموت القريب.

ونحن لسنا كذلك هنا، حتى نضع جسده في القبر مثل يوسف الرامي الشجاع: لقد فهم بأن بإمكانه على الأقل، أن يفعل ذلك من أجل المعلم.

عندما يكون كل شيء قد إنتهى .. عندما يكون قد فات الآوان وحدث ما حدث، هل نتصرف نحن أيضاً هكذا؟
هل نكون هنا "معه"، و"له" ومن "أجله" ؟

ومع ذلك فنحن هنا!
لكننا هنا، ربما مثل قائد المئة هذا الذي كان قادراً على أن يُسَبِّح الله ويمجده أمام الصليب، أمام هذا الصمت المؤلم: لم يكن الخوف هو من يسيطر عليه، كلا؛ لأنه شهد مثل هذه الفضائع كثيراً من قبل! ولم تكن الشفقة ما دفعه إلى ذلك، لكن كان هناك "شيء" من الله، شيء يتجاوز فهمنا فتح لنا أفقاً لا يمكن تصوره. كما لو كانت الوحدة الرهيبة التي اختبرها يسوع على الصليب، أقوى من الموت، لأنها تتكلم وتجمعنا معه وتخلق التواصل معه على الرغم من كل المظاهر.. أو كما لو كان هذا يشبه سلاماً غير معروف لنا، كان قد وُلِد من رجاء أقوى من الخوف.. أو كأن هناك ثقة غير مفهومة أَعطت هذا اليقين الآتي من الله، عند قدم الصليب.

هذه العزلة، وهذا الخوف، وهذا الشر، أخذها يسوع كلها على عاتقه، بحرية، وبحُب، كي يعيد التواصل والوحدة والرجاء والثقة به   .. فَبِه وحده، فُتِح طريقٌ لنا في قَلب الليل.

نعم، نحن هنا! أمام الصليب، انفتح أمامنا شيءٌ من سر الله نفسه، شيءٌ لا يمكن فهمه، لكنه كله حُب، على الرغم من كل المظاهر، شيء يعطينا هذه الثقة التي تجعلنا، على الرغم من كل شيء، نستطيع أن نُحِب.


4.  ثلاثة مسارات لتَبَنّي الإنجيل وتطبيقه في حياتنا، والآية للحفظ وللصلاة:
      على ضوء فصح يسوع:

* كيف نعيش أوقات الإحباط أو الإكتئاب: هل نعيشها كنعمة للخلوة أو العزلة من أجل إحياء علاقتنا مع الله وتجديدها؟
*   أن نجبر أنفسنا هذا الأسبوع، بنعمة الله، أن ندخل في صمت هاديء .. في حضور الله، في ثقة وتسليم، بعيداً عن أي تساؤل يقلقنا في حياتنا.
     *   كي نتأمل صليب يسوع يوم الجمعة العظيمة، لنُسَبِّح الله مع المسيح متحدين مع أفخارستيته التي أسسها لنا يوم خميس الفصح.


   آية تساعدني على البقاء في حضور الله وعلى التعاطف مع الآخرين:
-   
-  مع الشهيق أردد العبارة التالية كعلامة على الإعتراف:  »يَا رَبّ، إنِّي لَسْتُ خَيْرًا مِنْ آبَائِي...
-  مع الزفير أردد العبارة التالية كعلامة على الطاعة   :    ... قُمْ وَكُلْ، فإنَّ الطَريقَ بعيدةٌ أمامَك!«

5.  الصلاة كل يوم من أيام الأسبوع مع إيليا النبي:
الأثنين  21 آذار :
أفَلا تعلمون ما قال الكتاب في إيليا؟ كيف كان يخاطب الله شاكيا إسرائيل فيقول: (( يا رب، إنهم قتلوا أنبياءك وهدموا مذابحك وبقيت أنا وحدي، وهم يطلبون نفسي؟)) فماذا أوحي إليه؟ (( إني استبقيت لي سبعة آلاف رجل لم يجثوا على ركبهم للبعل )). وكذلك في الزمن الحاضر لا تزال بقية (من شعب الله المختار) مختارة بالنعمة.    (رومة 11: 1-5)

يا رب، على الرغم من الحروب وكل المآسي التي نحن شهود عليها، لا تتركنا نفقد إيماننا في مستقبل البشرية.
الثلاثاء 22  آذار:
(بعض المؤمنين) هاموا على وجوههم (...) وعاشوا محرومين مضايقين مظلومين، لا يستحقهم العالم، وتاهوا في البراري والجبال والمغاور وكهوف الأرض.        (عبرانيين 11: 37-38)

هل أخاف أن أكون "نبياً": فلربما يُنظَر إلي كـغبي أو مثير للسخرية، أو مزعج، من خلال شهادتي لله بكلامي وحياتي؟

الأربعاء  23   آذار:
((وكان هناك صَوْتُ نَسيمٍ لَطيف. فَلَمَّا سَمِعَ إِيلِيَّا لَفَّ وَجْهَهُ بِرِدَائِهِ وَخَرَجَ وَوَقَفَ فِي بَابِ الْمُغَارَةِ.)) (1 ملوك 19: 12-13)

يا رب، في هذا الأسبوع، حيث نحيي آلامك المُخَلِّصة، أعطِني أن أكتشف حضورك، وسط صخب العالم، وصرخات الألم، ولامبالاة المكتفين بذواتهم.

خميس الفصح  24   آذار:
((قال لهم يسوع: أنا خبز الحياة. من يقبل إلي فلن يجوع، ومن يؤمن بي فلن يعطش أبداً))       (يوحنا 6: 35)

كان خبز الملاك كافياً لإيليا مدة 40 يوماً.      فلماذا لا نؤمن بأن جسد ودم الله نفسه سيسندنا لمدة أطول!

الجمعة العظيمة  25  آذار:
((ولما كان الظهر خيم الظلام على الأرض كلها حتى الساعة الثالثة. وفي الساعة الثالثة صرخ يسوع صرخة شديدة، قال: يلي ، إيلي، لما شبقتاني؟ أي: إلهي إلهي، لماذا تركتني؟ فسمع بعض الحاضرين فقالوا: ها إنه يدعو إيليا ! فأسرع بعضهم إلى إسفنجة وبللها بالخل وجعلها على طرف قصبة وسقاه، وهو يقول: دعونا ننظر هل يأتي إيليا فينزله. وصرخ يسوع صرخة شديدة ولفظ الروح. فانشق حجاب المقدس شطرين من الأعلى إلى الأسفل. فلما رأى قائد المائة الواقف تجاهه أنه لفظ الروح هكذا، قال: كان هذا الرجل ابن الله حقا !)) (مرقس 15: 33-39)

لقد أخذ الله على عاتقه كل وضعنا البشري، بما في ذلك ألمي وموتي أنا. فأنا إذن لست وحيداً ومنعزلاً، لكني جزء من تأريخ الله هذا؛ ولدي رسالة أشترك من خلالها في عمله ومخططه.

السبت  المقدس 26  آذار :
((ومضى إيليا من هناك فلقي أليشاع بن شافاط، وهو يحرث وأمامه اثنا عشر فدان بقر، وهو مع الثاني عشر. فمر إيليا نحوه ورمى اليه بردائه. فترك البقر وركض وراء إيليا وقال له: دعني اقبل أبي وامي، ثم أسير وراءك. فقال له إيليا: اذهب راجعا، ماذا صنعت بك؟ فرجع من خلفه وأخذ زوجين من البقر وذبحهما وطبخ لحمهما على أداة البقر وقدم للشعب فأكل. ثم قام ومضى مع إيليا، وكان يخدمه)).      (1 ملوك 19: 18-21)

"في هذا اليوم، عندما استراح الله من أعماله، أَنتظرُ أنا في صمت، عارفاً، بأنه على الرغم من الشعور بالإحباط، فأنا لست وحيداً. لأنه دعاني، مع آخرين، للسير خلفه".
مع محبة الأب غديلر الكرملي
قيامة مجيدة للجميع

2
زمن الصوم الكبير للعام 2016 – رياضة روحية عبر النت مع النبي إيليا: اللقاء بإله الحياة
5) الأسبوع الخامس : أن نلتقي بالآخر بفضل فقرنا المشترك
»قم وامضِ إلى صِرفَة صيدا ... فقد أمرتُ هناك أمراة أرملة أن تطعمك «

1. نص من حياة إيليا النبي: الأرملة ومعجزة الزيت والدقيق (1 ملوك 17: 7 - 16)
وكان بعد إيام أن جف النهر، لأنه لم ينزل على الأرض مطر. فكان إليه كلام الرب قائلا: ((قم وامض إلى صرفةِ صيدا، واقم هناك، فقد أمرت هناك أمراة أرملة أن تطعمك )). فقام ومضى إلى صرفت، ووصل إلى باب المدينة، فإذا هناك أمراة أرملة تجمع حطبا. فدعاها وقال: ((هاتي لي قليل ماء في أناء لأشرب )). فتوجهت لتأخذ، فناداها وقال: ((هاتي لي كسرة خبز في يدك))، فقالت: ((حي الرب؟ إلهك ! أنه ليس عندي رغيف إلا ملء راحة دقيقا في الجرة وشميرا من الزيت في القارورة، وها أنا اجمع عودين من الحطب لأدخل وأعده لي ولابني ونأكله ثم نموت )). فقال لها إيليا: (( لا تخافي! أدخلي فأعدي كما قلت، ولكن أعدي لي من ذلك أولا قرصا صغيرا وأتيني به، ثم أعدي لك ولابنك بعدئذ. فإنه هكذا قال الرب إله إسرائيل: إن جرة الدقيق لا تفرغ وقارورة الزيت لا تنقص ، إلى يوم يرسل الرب مطرا على وجه الأرض )). فمضت وأعدت كما قال إيليا وأكلت هي وهو وأهل بيتها أياما. وجرة الدقيق لم تفرغ وقارورة الزيت لم تنقص، على حسب كلام الرب الذي تكلم به على لسان إيليا.

2) تأمُّل : أن ألتقي بالآخر بفضل ما هو مشترك بيننا: أي وضعنا الإنساني الضعيف والفقير
أ‌) قبول النفي
لنرجع قليلاً إلى الأسبوع الأول... إيليا، يطيع أمر الرب له فيذهب ويختبيء في نهر كريث، وبهذا يجد نفسه بمنأى عن مطاردة محتملة من الملك أخآب. بالإضافة إلى ذلك، طاعته لأمر الرب هذه جعلته يبقى على قيد الحياة في زمن الجفاف آنذاك. لكن وعلى الرغم من ذلك، بدأ الوضع يتدهور لدرجة أن يصبح مأساوياً: فالنهر يجف بدوره، وإيليا يجد نفسه مرة أخرى في مواجهةِ تحدٍ جذريٍ لثقته بكلام الله. فكما حصل في المرة السابقة، يحتوي كلام الله على عدة عناصر: ((قُمْ وامضِ إلى صرفةِ صيدا، واقم هناك.)) "صرفة" هي مدينة فينيقية تقع على ساحل البحر المتوسط بين صيدا وصور. صيدا كانت عاصمة لعبادة البعل والمدنية التي انحدرت منها إزابَل عدوة إيليا، والتي أصحبت زوجة الملك أخآب. بعد ذلك، يوضح الرب خطة خلاصه الخاصة بإيليا: (( ستجد هناك أمراة أرملة قد أمرتُها أن تطعمك )). إذن، إغاثة بشرية ستكمل إغاثة الغربان قبلها، لكي يبقى إيليا على قيد الحياة. وبما أنه سيكون في أرض غريبة، فمَن يغيثه سيكون غريباً بالطبع، وأكثر من ذلك من سيغيثه هي امرأة، بل وأرملة. ما يجب معرفته هنا هو التالي: إنْ كان الوعد بمساعدة الغربان له لم يكن مُطَمئِناً، فهذا الوعد الجديد، في عقلية ذلك الزمان، لم يكن مُطَمئِناً أبداً. فأي سلطان كان الرب، إله إسرائيل، يملكه لكي يعطي أوامره إلى امرأة غريبة في بلاد البعل؟ بالإضافة إلى ذلك، كيف لأرملة، والتي تنتمي إلى فئة الناس الأكثر ضعفاً وفقراً في تلك المجتمعات التي يسودها الرجل، "المجتمعات الذكورية"، أي التي لم يكن للمرأة بصورة عامة أي دور مهم فيها، كيف إذن لأرملة أن تقدم مساعدة فعالة لإيليا؟ أليس الأثنان (إيليا والأرملة) هما في نفس الوضع الإنساني الضعيف والفقير والهش، أي وضع الإنسان المنفي في أرض غريبة: إيليا منفي من أرضه إلى بلد غريب، وهذه الأرملة التي بدون حماية عائلية، أي لوحدها؟ لكن وعلى الرغم من ذلك، وكما حدث في المرة الأولى، يطيع إيليا دون أن يتذمر. بل يتبع أمر الله بحذافيره: يقوم ويذهب إلى صرفة كي يصل إلى هذه الأرض الوثنية الغريبة، والتي أتت منها الملكة إزابَل التي تضطهده، تلك التي تحمل معها الموت لإسرائيل.
إيليا كان يعتقد إذن، بأن قوة الرب لا تقتصر على حدود أرض إسرائيل. لأن إله إسرائيل يمكنه أن يغذي اتباعه في وطن البعل نفسه الذي ضربته المجاعة. وبالإضافة إلى ذلك، أرملة صرفة هي النموذج المضاد تماماً للملكة إزابَل. هي أيضاً كانت فينيقية بالطبع، مثل الملكة، لكنها تعكس روح الضيافة الشرقية المعروفة. لكن علينا أن نعرف بأنه في ذلك الوقت، كان من المُذِل لأي يهودي أن يعتمد في بقاءه على قيد الحياة بفضل امرأة، وتزداد صعوبة قبول ذلك عندما تكون المرأة وثنية. ويُضاف إلى كل ذلك ألم العيش في أرض غريبة واختبار هذا النوع من الوحدة والعزلة الذي هو المنفى. لكن مع ذلك، من خلال طريق الإنفتاح هذا على الغريب وعلى البلدان الغريبة، سيمر خلاص الله. هكذا إذن، بالإضافة إلى ضرورة التخلي عن ضمانات مُكتَسَبَة لكي يستطيع إيليا تحمل حياة التنقل والمنفى وعدم الإستقرار، كان عليه أن يضع حياته بيد شخص هو نفسه معرض إلى الموت، أي إلى أرملة تعيش في بلد يعاني كثيراً من المجاعة. هذا هو الشخص الذي وعد الله إيليا بأن يكون حامياً له! وإيليا يثق بالله على الرغم من ذلك، وإيمانه هذا سيجعل المستحيل ممكناً.
ب) الإعتماد على الآخر والتضامن
عندما يصل إيليا عند مدخل المدينة، يلتقي بامرأة تجمع الحطب. كانت على وشك أن تهيأ النار من أجل وجبة طعام، أي من أجل البقاء على قيد الحياة. إيليا يعرف من خلال ملابسها بأنها أرملة (كان هناك ملابس خاصة بالأرامل، أنظر تكوين 38: 14). يدخل في حوار معها ويطلب منها ماء للشرب: ((هاتي لي قليل ماء في أناء لأشرب )). لم يكن بإمكان هذه الارملة أن ترفض "قليلاً من الماء" لمسافر آتٍ من أرض بعيدة فتجيبه على طلبه البسيط. متشجعاً من إستجابتها لطلبه هذا، يتجرأ إيليا ويقدم طلبًا ثانياً مُصاغاً بنفس طريقة الطلب الأول: ((هاتي لي كسرة خبز في يدك)). يبقى إيليا مهذباً في طلبه ولا يبالغ بطلباته، لكن رد فعل الأرملة يناقض استجابتها في المرة الأولى، وتبدأ بإلقاء يمين: ((حي الرب؟ إلهك !)) ليس باسم البعل بل باسم إله إيليا. إن موقف الإيمان هذا والتسامح تجاه رجل إسرائيلي، يحث إيليا على الإعتقاد بصدق كلامها عندما تجيبه بعدم استطاعتها توفير الخبز له. يُطَمئن إيليا هذه الأرملة من خلال صيغة تُحَضِّر لكلام الله بخصوص الخلاص: (( لا تخافي!)) ثم، يصبح هذا الزائر الغريب، الذي كان إلى الآن متواضعاً في طلباته، يصبح إذن متطلباً بشكل كبير جداً عندما يطلب لنفسه حصة من الطعام قبلها وقبل ابنها! لكنه يضيف إلى طلبه هذا وعداً يأتي من الله: (( فإنه هكذا قال الرب إله إسرائيل)) الأرملة وابنها سيحصلون دائماً على طعام إلى اليوم الذي فيه سيرسل الرب المطر وعندها ستوفر لهما الطبيعة ما يحتاجان للعيش.
هكذا إذن، تَصَرَّفَ إيليا بتواضع وطَلَبَ استضافة امرأة وثنية! ورَضِيَ أن يجعل نفسه معتمداً عليها، وفهم بأن الله جعله متضامناً معها في مصيره. ومن خلال كرم ضيافة هذه المرأة، يُمَيِّز إيليا يد الله نفسها. في الواقع، إن هذه الأحداث تقوده ليس فقط إلى التخلص من المجاعة، لكن إلى تخليص هذه المرأة أيضاً. هكذا إذن، إصغاء إيليا إلى كلمة الله، جعله متضامنا مع شخص مُعَرَّضٍ مثله إلى موت محتمَل. بكلمة أخرى، وضعه كغريب يحتاج إلى العون جعله متضامنا مع هذه الأرملة الوحيدة التي هي أيضاً كانت محتاجة إلى العون. التقى الإثنان إذن وتضامنا بسبب وضعهما الإنساني الضعيف المشترك واستقبلا الخلاص كلاهما بفضل إعتمادهما الواحد على الآخر. بالتالي نحن مدعوون إلى تمييز الخلاص الذي يهبنا الله إياه من خلال اللقاء بأشخاص ضعفاء ومحدودين مثلنا. إن هذا التعاطف والتضامن المعاش هو بحد ذاته تجربة للخلاص بمجرد أنها تضعنا في علاقة مع أشخاص بعيدين جداً عنا إجتماعياً، وثقافياً ودينياً: إن محبة الله لا تعرف الحدود؛ إن تضامننا الإنساني يجب أن يكون كذلك أيضاً، نحن الذين لا يمكننا أن نطمح في الحقيقة إلى الخلاص دون أن نرغب في أن يكون هذا الخلاص للجميع.
ج) ثمار الثقة المتبادلة
لقد تبع إيليا أوامر الرب حرفياً، وقد فعل نفس الشيء من أجل الأرملة. هذه الأرملة أطاعته حرفياً أيضاً، بحيث أن الوعد الذي أعطاها إياه إيليا يتحقق: فالجميع سيتوفر لهم الطعام ولمدة طويلة. إن إعلان الرب لإيليا الذي بموجبه ستُطعمه أرملة من صرفة قد تحقق ايضاً. وتنتهي القصة بمعجزة الدقيق والزيت اللذين لا ينضبان بحسب كلام الرب الذي قاله من خلال رسوله إيليا. إيليا هذا قد تكلم حقاً باسم الرب. هكذا إذن نرى أن صورة إيليا تتبلور شيئاً فشيئاً وتكتمل كنبي بامتياز. إنه أيضاً نموذج ومثال للإيمان لجميع المؤمنين الراغبين في الإصغاء لكلمة الله. فهو يُبين لنا كيفية الإشتراك في مخطط الله الخلاصي للعالم، والذي به نَخلُص نحن أيضاً في نفس الوقت.
إن هذه التجربة تمر من خلال أحداث عرضية غالباً، مما يتطلب منا أن نكون متأهبين ومستعدين لكل ما هو غير متوقَع، بل لما لا نتصوره أو نتخيله. فالله يُدهشنا ويفاجئنا دائماً! إن موقف الإستعداد هذا الناجم عن إصغاءنا إلى كلمة الله يضعنا في موقف تواصل مع الآخرين. فهو بإمكانه أن يجعل أناساً آخرين ينفتحون إلى هذا الإصغاء لكلمة الله، كما تشهد على ذلك هذه الطاعة الواثقة التي عكستها هذه المرأة تجاه كلام إيليا. إن هذه الخدمة التي قدمها إيليا في الخفية وفي أرض غريبة، ستهيأه بالإضافة إلى ذلك إلى الخدمة الكبيرة التي ينتظرها الله منه بخصوص إعادة بناء "العهد" الذي ابتعد عنه الملك وحاشيته، لأن مقطعنا اليوم يسبق التقدمة أو الذبيحة التي ستقام على جبل الكرمل. الموضوع هو بخصوص أن نكون أمناء في الأشياء الصغيرة كي نتمكن من أن نكون أمناء في ما هو أكبر وأعظم. وإيليا هو في هذا الخصوص "سابق" للمسيح الذي يدعونا حُبه إلى اللقاء بالآخر بشكل عميق متجاوزين بذلك كل ما يفصلنا ويبعدنا عن بعض. وهذا يتطلب منا أن نتعرف على هذا الفقر أو الضعف المشترك والجذري فينا ونقبله، والذي يجعلنا متضامنين مع الجميع ومتأكدين بأن هناك دعوة مشتركة تجمعنا جميعاً ألا وهي أن نكون أبناء الله. (أنظر فيلبي 3: 7-14).

3. تأمُّل في إنجيل هذا الأحد (يوحنا 8: 1- 11): المرأة الزانية
في ذلك الزمان:
ذهب يسوع إلى جبل الزيتون. وعاد عند الفجر إلى الهيكل، فأقبل إليه الشعب كله. فجلس وجعل يعلمهم. فأتاه الكتبة والفريسيون بامرأة أخذت في زنى. فأقاموها في وسط الحلقة، وقالوا له: ((يا معلم، إن هذه المرأة أخذت في الزنى المشهود. وقد أوصانا موسى في الشريعة برجم أمثالها، فأنت ماذا تقول؟)) وإنما قالوا ذلك ليحرجوه فيجدوا ما يشكونه به. فانحنى يسوع يخط بإصبعه في الأرض. فلما ألحوا عليه في السؤال انتصب وقال لهم: (( من كان منكم بلا خطيئة، فليكن أول من يرميها بحجر! )) ثم انحنى ثانية يخط في الأرض. فلما سمعوا هذا الكلام، انصرفوا واحدا بعد واحد يتقدمهم كبارهم سنا. وبقي يسوع وحده والمرأة في وسط الحلقة. فانتصب يسوع وقال لها: (( أين هم، أيتها المرأة؟ ألم يحكم عليك أحد؟)) فقالت: ((لا، يا رب)). فقال لها يسوع: (( وأنا لا أحكم عليك. إذهبي ولا تعودي بعد الآن إلى الخطيئة)).

منذ بزوغ نور الصباح، في الفجر، يذهب يسوع إلى الهيكل ليُعَلِّم الناس المحتشدين حوله. فجأةً، كَتَبة وفريسيون يقاطعونه دافعين أمامهم امرأة أُخِذَت في الزنى المشهود. إنهم في الحقيقة، كانوا يسعون إلى إدانة يسوع بإظهار أنه هو نفسه متجاوز على شريعة موسى ولا يحترمها. لكن يسوع يبقى صامتاً منحياً ويخط بأصبعه في الأرض. لا ينظر إلى أحد، وكأنه يعتزل الجميع وينزل إلى أعماق قلبه. يتخذ يسوع هنا موقف التواضع الذي يُقربه من هذه المرأة المهانة والمعرضة لأن تُعاقَب من قبل الجميع. هكذا يبدأ يسوع بإظهار تضامنه مع هذه المرأة، وكأنه في نفس وضعها: أي محاطٌ من قبل متهميه الراغبين في إدانته والتخلص منه. فمثلها، هو وحيد في مواجهة الجميع. مثلها، هو مُتَّهَم بتجاوز وخرق الشريعة. مثلها، هو مُهدَّد بالموت.
بعد ذلك ينتصب يسوع، ويُظهِر هذا التواصل العميق مع المرأة على الرغم من خطيئتها. لهذا يمكنه أن يعلن عندها: ((من كان منكم بلا خطيئة، فليكن أول من يرميها بحجر!)) يسوع هنا يستشهد هو أيضا بمبدأ من الشريعة نفسها: ((أَيْدِي الشُّهُودِ تَكُونُ عَلَيْهِ أَوَّلاً لِقَتْلِهِ، ثُمَّ أَيْدِي جَمِيعِ الشَّعْبِ أَخِيرًا، فَتَنْزِعُ الشَّرَّ مِنْ وَسَطِكَ)) (تثنية 17: 7). فبحسب الشريعة، مَن يشهد على حقيقة الزنى عليه تَحمُّل شهادته ويكون أول مَن يُنَفِّذ حكم الموت. لكن يسوع يُوسِّع محتوى هذه الوصية ويضيف عليها مطلب أن يكون هذا الشاهد نفسه بدون خطيئة حتى يمكنه أن يبدأ الرجم. كما هو الحال في مَثَل القِشّة والخشبة، يسوع يضع كل واحد منا أمام وضعنا الشخصي كخطأة.
ثم ينحني يسوع من جديد ليكتب على الأرض. وبعد رحيل المُتَهِمِين، ينتصب يسوع من جديد ويدعو المُتَهَمة بـ "يا امرأة"، وهو مصطلح يدل على الإحترام، يستعمله كذلك مع السامرية، وحتى مع أمه مريم، في قانا الجليل وكذلك على الصليب. هكذا إذن، هذه المرأة، التي كان يعاملها الآخرون إلى تلك اللحظة "كشيء يجب التخلص منه"، تُصبح كائناً يجب أن تُعامَل باحترام. لهذا يمكنها عندها أن تتكلم بدورها وأن تُظهر كرامتها. (( وأنا لا أحكم عليك. إذهبي ولا تعودي بعد الآن إلى الخطيئة)). إن الإدانة هي مستحيلة بالنسبة لِمَن يعترف بأنه متضامناً بالأساس مع الآخر في إنسانيته. بالإضافة إلى ذلك، إدانة كهذه تقود ليس فقط إلى موت الضحية، لكنها تُجَرّد من إنسانيتهم أيضاً هؤلاء الذين ينخرطون في العنف. وحده الحُب يمكنه أن يُغيّر القلوب وأن يفتح للجميع طريقًا للحياة. هكذا إذن يكسر يسوع الحلقة المميتة للحكم والإدانة. وتنجو المرأة بالتالي من الموت المحتم، لكنها لا تنجو من الجهد الذي يتطلبه كل إهتداء أو توبة حقيقية. لأن عليها في الوقت الحاضر أن تتخلى عن كل رغباتها السيئة كي تستطيع العودة إلى طريق الأمانة. ستستقي القوة من هذا الغفران اللامحدود الذي يقدمه لها يسوع، هو الذي تنازل .. تواضع ونزل حتى الصليب، ليلتحق بنا في طريق هلاكنا وضياعنا، لكي يقودنا إلى الحياة.
كم من مرة نحن بدورنا ندين الآخرين ونود إزالتهم من أمامنا.. ونرجمهم بلساننا أو بأفعالنا أو أفكارنا... إنجيل اليوم هو درس لنا يُذَكِّرنا بأننا نحن لسنا بدون خطيئة، ولسنا بالتالي أفضل من غيرنا فلماذا ندين الآخرين؟! علينا إذن أن نغير قلبنا ونظرتنا ونرجع إلى الله.

4. ثلاثة مسارات لتَبَنّي الإنجيل وتطبيقه في حياتنا، والآية للحفظ وللصلاة:

* أن أكون مستعداً للإصغاء إلى كل ما يطلبه الله مني، وأن أقبل الآخر الضعيف الذي ألتقي به.
* أن أقبل فقري وضعفي الشخصي كي أكون متضامنًا مع الجميع.
* أن أقوم بفعل تضامن وتعاطف خلال هذا الأسبوع.

آية تساعدني على البقاء في حضور الله وعلى التعاطف مع الآخرين:
-
- مع الشهيق أردد العبارة التالية كعلامة على الأستقبال: »إذهَبْ إلى حيث أرسلكَ ...
- مع الزفير أردد العبارة التالية كعلامة على الإمتنان والثقة : ... هناك مَن سيهتم بك. «

5. الصلاة كل يوم من أيام الأسبوع مع إيليا النبي:

الأثنين 14 آذار :
((قال يسوع في مجمع الناصرة: الحق أقول لكم: كان في إسرائيل كثير من الأرامل في أيام إيليا، حين احتبست السماء ثلاث سنوات وستة أشهر، فأصابت الأرض كلها مجاعة شديدة، ولم يُرسَل إيليا إلى واحدة منهن، وإنما أُرسِلَ إلى أرملة وثنية في صرفة صيدا. (لوقا 4: 25-26)

يُمكن لله أن يُظهِرَ نفسه من خلال الشخص الأكثر صِغراً، الأكثر فقراً.
ربما أيضاً من خلالي أنا ... إذا اعترفت بفقري وضعفي أمامه؟

الثلاثاء 15 آذار:
((هاءنذا آتي بالجديد ولقد نَبَتَ الآن أفلا تعرفونه؟ أجعل في البرية طريقا وفي القفر أنهارا. يمجدني وحش البرية، بنات آوى وبنات النعام، لأني أجعل مياهًا في البرية وأنهاراً في القفر لأسقي شعبي، مختاري، الشعب الذي جبلته لي فهم يُحَدّثون بحمدي.)) (أشعيا 43: 19-21)

يُرسِل الله عَونَه، في الكثير من الأحيان، بطريقة غير متوقَّعَة، مثلاً من خلال غراب أو أرملة (كما حصل مع إيليا) ... يا رب، إفتح عيون قلبي، كي أتعرف على طُرقك وأمجّدك.

الأربعاء 16 آذار:
((وجلس يسوع قبالة الخزانة ينظر كيف يلقي الجمع في الخزانة نقودا من نحاس. فألقى كثير من الأغنياء شيئا كثيرا. وجاءت أرملة فقيرة فألقت عشرين، أي فلسا. فدعا تلاميذه وقال لهم: الحق أقول لكم إن هذه الأرملة الفقيرة ألقت أكثر من جميع الذين ألقوا في الخزانة، لأنهم كلهم ألقوا من الفاضل عن حاجاتهم، وأما هي فإنها من حاجتها ألقت جميع ما تملك، كل رزقها.)) (مرقس 12: 41-44)

هل ألتزم بشكل تام في كلامي وأفعالي، وهل أضع فيها كل قلبي؟

الخميس 17 آذار:
((وكان يسوع قد تعب من المسير، فجلس دون تكلف على حافة البئر. وكانت الساعة تقارب الظهر. فجاءت امرأة من السامرة تستقي. فقال لها يسوع: "اسقيني")). (يوحنا 4: 6-7)

يدفع الله إيليا إلى التوجه إلى الأرملة، ويسوع نفسه لم يتردد من أن يطلب من السامرية أن تسقيه ماءً.
هل أستطيع أن أثق بشخص غريب، بشخص غير موثوق به من النظرة الأولى؟

الجمعة 18 آذار:
(( إلا أنّ ما كان في كل ذلك من ربح لي عددته خسرانا من أجل المسيح، بل أعد كل شيء خسرانا من أجل المعرفة السامية، معرفة يسوع المسيح ربي. من أجله خسرت كل شيء وعددت كل شيء نفاية لأربح المسيح. )) (فيلبي 3: 7-8)

يا رب، ساعدني على ترك عاداتي الروحي الصغيرة، وقناعاتي الإنسانية التي تبعدني عنك، لكي أسير في طريق البِر الحقيقي.

السبت 19 آذار (عيد القديس يوسف):
(( وما نوى ذلك حتى تراءى له ملاك الرب في الحلم وقال له: يا يوسف ابن داود، لا تخف أن تأتي بامرأتك مريم إلى بيتك. فإن الذي كون فيها هو من الروح القدس، وستلد ابنا فسمه يسوع، لأنه هو الذي يخلص شعبه من خطاياهم)).
(متى 1: 20-21)

إن الله أسلم نفسه إلى كل واحد منا كما فعل مع مريم ويوسف. ماذا فعلنا به؟ هل نهتم به ونجعله ينمو ويكبر فينا؟
الأب غدير الكرملي

3
زمن الصوم الكبير للعام 2016 – رياضة روحية عبر النت مع النبي إيليا: اللقاء بإله الحياة
4)  الأسبوع الرابع : إستعادة ما فقدناه
» كلامك يا رب حَقٌ. «

1.   نص من حياة إيليا النبي: قيامة ابن الأرملة (1 ملوك 17: 17 – 24)
17وَبَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ مَرِضَ ابْنُ الْمَرْأَةِ صَاحِبَةِ الْبَيْتِ وَاشْتَدَّ مَرَضُهُ جِدًّا حَتَّى لَمْ تَبْقَ فِيهِ نَسَمَةٌ. 18فَقَالَتْ لإِيلِيَّا: «مَا لِي وَلَكَ يَا رَجُلَ اللهِ! هَلْ جِئْتَ إِلَيَّ لِتَذْكِيرِ إِثْمِي وَإِمَاتَةِ ابْنِي؟». 19فَقَالَ لَهَا: «أَعْطِينِي ابْنَكِ». وَأَخَذَهُ مِنْ حِضْنِهَا وَصَعِدَ بِهِ إِلَى الْعُلِّيَّةِ الَّتِي كَانَ مُقِيمًا بِهَا، وَأَضْجَعَهُ عَلَى سَرِيرِهِ، 20وَصَرَخَ إِلَى الرَّبِّ وَقَالَ: «أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهِي، أَأَيْضًا إِلَى الأَرْمَلَةِ الَّتِي أَنَا نَازِلٌ عِنْدَهَا قَدْ أَسَأْتَ بِإِمَاتَتِكَ ابْنَهَا؟» 21فَتَمَدَّدَ عَلَى الْوَلَدِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَصَرَخَ إِلَى الرَّبِّ وَقَالَ: «يَا رَبُّ إِلهِي، لِتَرْجعْ نَفْسُ هذَا الْوَلَدِ إِلَى جَوْفِهِ». 22فَسَمِعَ الرَّبُّ لِصَوْتِ إِيلِيَّا، فَرَجَعَتْ نَفْسُ الْوَلَدِ إِلَى جَوْفِهِ فَعَاشَ. 23فَأَخَذَ إِيلِيَّا الْوَلَدَ وَنَزَلَ بِهِ مِنَ الْعُلِّيَّةِ إِلَى الْبَيْتِ وَدَفَعَهُ لأُمِّهِ، وَقَالَ إِيلِيَّا: «انْظُرِي، ابْنُكِ حَيٌّ» 24فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لإِيلِيَّا: «الآن عَلِمْتُ أَنَّكَ رَجُلُ اللهِ، وَأَنَّ كَلاَمَ الرَّبِّ فِي فَمِكَ حَقٌّ».

2)  تأمُّل :  «انْظُرِي، ابْنُكِ حَيٌّ»
أ‌)   تأنيب الضمير والموت
بينما كان إيليا يُستَقْبَل من قبل أرملة صرفت (النص الذي سنتأمله الأسبوع القادم)، يمرض ابن هذه الأرملة ويموت. فتوجه هذه الأرملة الوثنية كلامها إلى إيليا وتدعوه بـ "رجل الله": تعترف به إذن كنبي بعد معجزة تكثير الطحين والزيت التي أعلن عنها وحققها. إن كلام إيليا كان يتضمن وعداً بالبقاء على قيد الحياة، إذن وعداً بالحياة، لكن ها هي الأرملة تواجه موت ابنها. أمام موت ابنها تتحول هذه المرأة الكريمة والمضيافة إلى امرأة عنيفة بسبب ألمها: : «مَا لِي وَلَكَ يَا رَجُلَ اللهِ؟». أمام مأساة موت ابنها، نراها تفقد ثقتها بإيليا وتتهمه بأنه أتى عندها كي يُذكِّرها بخطاياها ويسبب بموت ابنها. إنها تفسر موت ابنها كعقوبة إلهية. لكن أيَّ جريمة كانت قد اقترفت لتُسَبِّب هكذا موت ابنها الوحيد بعد موت زوجها؟ إنها لا تشير هنا بالضرورة إلى خطيئة معينة. لكنها فقط واعية بأن كل إنسان هو خاطيء أمام الله. إنها تبكي بغضب على فقدانها حياة ابنها بعد أن فقدت حياة زوجها قبل ذلك.
كلنا اختبرنا أو سنختبر يوماً ما سر الموت والحياة: كيف علينا التعامل مع هذا السر؟ كيف نتعامل مع أهلنا الذين أعطونا الحياة والذين ربما سمحوا لنا أيضاً بأن ننقلها لغيرنا؟ كيف نفهم سر الموت والحياة؟
ب)  صورة الأب بالتبني
على إتهام الأرملة هذا، لا يجيب إيليا، لكنه يذهب للعمل فوراً ويطلب من المرأة أن تسلمه ابنها. بل إنه لا ينتظر جوابها ويأخذه من حضنها. رمزيا، هنا إيليا يتبنى الطفل وكأنه ابنه الحقيقي كي يوصل له أن ينقل له الحياة. فهو لا ينتزع فقط جسد الطفل الميت من حضن أمه، لكنه يحمله بعيداً ويصعد به إلى حيث كان هو (إيليا) يسكن، أي في العُلّية، أي أقرب إلى الله. وهناك يتصرف كأب، من خلال الصلاة، معترفاً بأن أصل أبوته هذه تأتي من الله. إن الأرملة اتهمته بأنه تسبب في موت ابنها: فحضور إيليا سبَّب موت ابنها حسب رأيها. لهذا يتبنى إيليا هذه التهمة وينقلها إلى الرب كما هي، في صلاته: "يا رب، هل تريد أن تُسيء أيضاً إلى هذه الأرملة التي نزلت عندها لاجئاً، لدرجة أنك تُميتُ ابنها؟
يحمل إيليا إذن قضية هذه المرأة على عاتقه.. يتبنى قضيتها ويرفض أن يرى في موت الطفل عقاباً من الله. ويناشد عدالة الله، لكن بمعنى إيجابي تماماً: فهذه الأرملة، التي بينت الكثير من الكَرَم تجاهه واستقبلته، تستحق أن تُبارك وليس أن تُعاقَب. لهذا يقدم إيليا لله رفض هذه المرأة ومقاومتها. إن النبي هو وسيط ينقل كلام الله إلى البشر، لكن أيضاً ينقل كلام البشر إلى الله، كي يتمكنوا (البشر) من الدخول في سر مصالحتهم مع الله. (انظر 2 قورنتس 5: 17-21)   بعد هذه الصلاة، يتمدد إيليا ثلاث مرات على الطفل، وهو رقم رمزي يشير إلى الكمال. يبدو أنه بهذا أراد أن ينقل قوة حياته الشخصية إلى جسد الطفل المائت. ما قام به إيليا هنا يُفتَرض أن يُسبب له مشكلة شرعية كبيرة. فبحسب شريعة موسى، الشخص الذي يلمس جثةً يصبح هو نفسه غير طاهر، نجس. وعليه بالتالي أن يتبع طقوساً تطهيرية مفروضة عليه. إيليا ينام على جثة الطفل. لكن مع ذلك، في قصتنا هنا، نحن لا نرى أي نُفور في تصرف إيليا هذا، بل ولا توجد حتى أية إشارة في أي مكان في النص إلى أن على إيليا أن يتطهر بعد عمله هذا. إنه يتحمل الخطيئة الطقسية التي تفرضها الشريعة، وهو يفعل ذلك لفائدة ومصلحة الشخص الذي يصلي من أجله، أي كما سيفعل يسوع عندما سيلمس الأبرص. إن وضع "التنجس" أو "عدم الطهارة" التي وضع نفسه فيه أمام الله لم يمنع أبداً من أن صلاته أُستُجيبَت. في الحقيقة، إن فعلته هذه لها قيمة الذبيحة. فإيليا هنا يقدم ذاته كذبيحة لكي يحصل على الحياة لهذا الطفل المائت. وذبيحته هذه تحفظه طاهراً على الرغم من ملامسته لجثة الطفل.
أثناء إتمام الفعل الذي قام به مع الطفل، يوجه إيليا صلاة ثانية إلى الرب: "أيها الرب إلهي، أتوسل إليك، أرجع الحياة إلى هذا الطفل!" اللهجة هنا تغيرت تماماً. لم يعد هناك إتهام بل دعاء واثق بالله ومُوَقِّر له. إن النصوص التي تحدثنا عن إيليا في الكتاب المقدس تشير إلى الطاعة التامة التي يقدمها إيليا لأوامر الله وكيف أنه يحاول تطبيق أمر الله بحذافيره. ومن جديد، يستجيب الله لصلاة إيليا: تعود الروح إلى الطفل ويرجع إلى الحياة. إن عودة الحياة إلى الطفل تُنسَب إلى حقيقة أن الرب قد قَبِلَ صلاة إيليا وليس لأن إيليا قد تمدد على جسد الطفل المائت. إن نصنا هذا يُعزِّز فعالية صلاته أكثر من التركيز على قدرته كصانع للعجائب. إن إيليا يعيش علاقة مُمَيّزة وخاصة مع الرب الذي، وحده، يمتلك السلطان على الموت وعلى الحياة. بكلمة أخرى، إيليا هنا هو يتبنى الطفل.. ويصبح أباه، وينقل له الحياة، ليس بقوة منه لكن بنعمة ذاك الذي هو وحده، الأب. ويمكنه هكذا ممارسة هذه الأبوة، لأنه هو نفسه ابنٌ لهذا الأب الذي يتمم إيليا كلامه في كل تفاصيل حياته.
ج)  الإعتراف بأُبُوَّة الله
من العُلّية، ينزل الطفل الآن إلى مكان عيش الأرملة لاستئناف الحياة الطبيعية. وهنا تعترف الأرملة بإيمانها: «الآن عَلِمْتُ أَنَّكَ رَجُلُ اللهِ ... ». إنها لم تعد تحتاج إلى أن تؤمن، لأنها تعرف الآن بالخبرة: إن إيليا جاء بالفعل ليجلب الحياة إلى بيتها. واعترفت بالتالي بأن كلام إيليا هو كلام الرب. وأن ما أعلنه لها إيليا حقيقي وصحيح وموثوق به. إن تحقيق كلام نبوي أو الوفاء به يبرهن أو يثبت مصداقية النبي نفسه وكونه حقاً نبي. فلم يعد هناك الآن أي شك، حتى بالنسبة للقاريء، حول هوية إيليا الذي ظهر فجأة دون مقدمات أو تعريف في سفر الملوك الأول (1 ملوك17:1).
«انْظُرِي، ابْنُكِ حَيٌّ! » يُمكِن لهذه العبارة أن تؤثر بنا بطرق عديدة، بحيث أننا نرى أنفسنا في هذا الطفل، أو نرى فيه أشخاصاً من حولنا وأحداثاً من حياتنا. إن الله هو أب من خلال عمادنا، فهو يريد أن يُدخِلنا تماماً في هذه العلاقة البنوية التي هي الينبوع الوحيد لحياتنا. يمكننا أن نستقبل هذه الحياة من الله بوسائط متعددة. هناك بهذا الخصوص الأبوة الطبيعية، وفي نفس الوقت "أُبُوّات بالتبني". هذه الأخيرة تجد حقيقتها النهائية والتامة في أُبُوّة الله، لكن علينا من أجل ذلك أن نضعها في بعدها الروحي الحقيقي! لا أحد يمكنه أن يكون "أب" في هذا العالم (أي أن يكون قادراً على أن يوصل أو ينقل حقاً حياةً منفتحة لعطية الله)، دون هذه الإرتباط بـ "محبة الله" المتسامية التي هي مصدر وينبوع كل شيء.


3.  تأمُّل في إنجيل هذا الأحد (لوقا 15: 1-3 ، 11-32): الابن الضال
وكان الجباة والخاطئون يدنون منه جميعا ليستمعوا إليه.  فكان الفريسيون والكتبة يتذمرون فيقولون: ((هذا الرجل يستقبل الخاطئين ويأكل معهم)).  فضرب لهم هذا المثل قال:
وقال: ((كان لرجل ابنان.  فقال أصغرهما لأبيه: يا أبت أعطني النصيب الذي يعود علي من المال. فقسم ماله بينهما.  وبعد بضعة أيام جمع الابن الأصغر كل شيء له، وسافر إلى بلد بعيد، فبدد ماله هناك في عيشة إسراف.  فلما أنفق كل شيء، أصابت ذلك البلد مجاعة شديدة، فأخذ يشكو العوز. ثم ذهب فالتحق برجل من أهل ذلك البلد، فأرسله إلى حقوله يرعى الخنازير.  وكان يشتهي أن يملأ بطنه من الخرنوب الذي كانت الخنازير تأكله، فلا يعطيه أحد. فرجع إلى نفسه وقال: كم أجير لأبي يفضل عنه الخبز وأنا أهلك هنا جوعا! أقوم وأمضي إلى أبي فأقول له: يا أبت إني خطئت إلى السماء وإليك.  ولست أهلا بعد ذلك لأن أدعى لك ابنا، فاجعلني كأحد أجرائك.  فقام ومضى إلى أبيه. وكان لم يزل بعيدا إذ رآه أبوه، فتحركت أحشاؤه وأسرع فألقى بنفسه على عنقه وقبله طويلا.  فقال له الابن: يا أبت، إني خطئت إلى السماء وإليك، ولست أهلا بعد ذلك لأن أدعى لك ابنا.  فقال الأب لخدمه: أسرعوا فأتوا بأفخر حلة وألبسوه، واجعلوا في إصبعه خاتما وفي قدميه حذاء، وأتوا بالعجل المسمن واذبحوه فنأكل ونتنعم،  لأن ابني هذا كان ميتا فعاش، وكان ضالا فوجد. فأخذوا يتنعمون.
 وكان ابنه الأكبر في الحقل، فلما رجع واقترب من الدار، سمع غناء ورقصا..  فدعا أحد الخدم واستخبر ما عسى أن يكون ذلك. فقال له: قدم أخوك فذبح أبوك العجل المسمن لأنه لقيه سالما.  فغضب وأبى أن يدخل. فخرج إليه أبوه يسأله أن يدخل،  فأجاب أباه: ها إني أخدمك منذ سنين طوال، وما عصيت لك أمرا قط، فما أعطيتني جديا واحدا لأتنعم به مع أصدقائي.  ولما قدم ابنك هذا الذي أكل مالك مع البغايا ذبحت له العجل المسمن!  فقال له: يا بني، أنت معي دائما أبدا، وجميع ما هو لي فهو لك.  ولكن قد وجب أن نتنعم ونفرح، لأن أخاك هذا كان ميتا فعاش، وكان ضالا فوجد )).

إن أحد الأهداف الأساسية لأمثال يسوع هي أن تكلمنا عن الله، أن تكشف لنا صورة الله الآب.. أن تُعرِّفنا عن الآب.
في مَثَلنا اليوم الذي يرتكز على ردود أفعال الأب أو موقفه تجاه ابنيه، تتوضح لنا المشكلة منذ السطور الأولى: فمن جهة كان هناك أناس يُعتَبرون بعيدين عن الله، تتدافع فيما بينها لكي تسمع يسوع، مثل العشارين والخطأة؛ ومن جهة أخرى، لدينا أناس أمناء، ورعين، كانوا يحاولون، في كل لحظة وفي كل تفصيل من تفاصيل حياتهم اليومية، أن يعملوا إرادة الله (هؤلاء هم الفريسيون والكتبة). يجب أن نعرف بأن الفريسيين هم حقاً أناس جيدون، وَرِعون جداً وأمناء لشريعة موسى؛ ولهذا لا يُمكن إلاّ أن يُصدَموا من تصرفات يسوع ويقولون: "هذا الرجل يستقبل الخطأة ويأكل معهم!" بل هناك أخطر من هذا، فالفريسيون كانوا واعين جداً بعَظَمة الله، ولهذا بالنسبة إليهم، لا يمكن التوفيق أبداً بين الله القدوس وبين الخطأة؛ إذن إذا كان يسوع من الله كما يقول، فكيف يمكنه أن يسير مع الخطاة ويستقبلهم ويتعامل معهم؟
هذه كانت المشكلة، ولهذا يَقُص عليهم يسوع هذا المثل لكي يجعل هؤلاء الفريسيين والكتبة يفهمون أكثر وجهَ الله ويكتشفون الصورة الحقيقة للآب. الأب في مثلنا إذن، هو بالتأكيد الشخصية الأساسية.
كان لهذا الأب ابنان.. أبنان مختلفان عن بعضهما في كل شيء، لكن هناك شيء واحد مشترك بينهما: أي طريقتهما في فهم علاقتهما مع أبيهما. فكل واحد منهما تصرف بشكل مختلف تماماً عن الآخر، لكن في النهاية، طريقة تعاملهما مع الأب ونظرتهما إلى علاقتهما بالأب كانت واحدة .. متشابهة!.. صحيح بأن الأبن الأصغر أهانَ أباه بشكل كبير بمطالبته حصته من الميراث على الرغم من أن أباه حي، بينما الآخر لم يفعل هذا، لكن الاثنين، في الحقيقة، يمتلكان عقلية حسابية ويتعاملان مع أبيهما على هذا الأساس. فالابن الصغير الذي أخطأ يقول في النهاية: "أنا لا استحق بعد اليوم أن أدعى أبنا لأبي"؛ والآخر الذي بقي أمينا يقول: "أنا أستحق أكثر من هذا". إذن الأثنان ينظران إلى موقفهما وعلاقتهما كأبناء من خلال نظرة حسابية: أستحق كذا أو لا أستحق كذا. أليس هذا هو أيضاً أساس علاقتنا مع الله؟!
أما الأب، فهو بعيد جداً عن هذه الحسابات في علاقته مع أبنيه: فهو لا يريد حتى أن يسمع الكلام عن الاستحقاقات، لا من الصغير ولا من الكبير. فالابن الأكبر يقول له: "كنت أتمنى أن تعطيني ما أستحقه ثمناً على طاعتي لك.. أعطني ما هو لي..." ، لكن الأب سيذهب أبعد بكثير من هذا وسيقول: "كل ما هو لي هو لك". وعندما يعود إليه ابنه الأصغر ويريد أن يعتذر أو يبين ندامته، نراه لا يعطيه المجال حتى لكي يقدم اعتذاره؛ فهو لا يطلب أي تبرير أو شرح؛ لكنه يستعجل لكي يقيم الأحتفال، لأنه يفكر ويقول: "ابني هذا كان ميتاً فعاش؛ وكان ضالاً، ضائعاً، فوُجِد".
هنا بالذات نجد تعليم هذا المثل: مع الله، المسألة ليست مسالة حسابات واستحقاقات. وهذا مع الاسف هو منطقنا جميعاً، ولا نستطيع ان نتجاوزه بسهولة. وكل الكتاب المقدس، منذ العهد القديم، يعكس هذا التعليم الذي يحاول الله أن يعلمنا إياه: تعليم بطيء وصبور من قبل الله حتى يكشف لنا نفسه وصورته كما هو حقاً وليس كما نحن نتخيله أو نتصوره. فنحن نتخيل الله كإله بيده دفتر للحساب، يكتب فيه كل أعمالنا الصالحة والشريرة، ماسكاً بيده ميزان ويقيس أعمالنا... بل ونحن نتمنى أن يحاسب الله الناس، خاصة الآخرين بالطبع، الذين نعتبرهم خاطئين وليسوا مثلنا مؤمنين! لكننا لا ننتبه في الحقيقة، إلى أننا بهذا العمل نكون منافقين، لأننا ننسى أو نتناسى بأننا لسنا أبراراً.. لسنا بدون خطيئة، بل ربما أسوأ من الذين ننتقدهم وندينهم ونحكم عليهم.
بينما الله .. هو ليس كذلك، فهو لا يكف عن كشفه ذاته لنا كل يوم: فأمامه، لا يوجد استحقاق ("فكل ما هو له هو لنا")؛ معه، لا يوجد إلا حُبّ مجاني... وهو لا يفكر إلا في أن يحتفل .. أن يقيم احتفالاً .. عيداً كبيراً، في كل مرة يقترب أي واحد منا من بيته. هذا هو الله!

4.  ثلاثة مسارات لتَبَنّي الإنجيل وتطبيقه في حياتنا، والآية للحفظ وللصلاة:

*   «هَلْ جِئْتَ إِلَيَّ لِتَذْكِيرِي بخطاياي؟» : إن الصوم الكبير هو الوقت المُفَضَّل لاستقبال رحمة الله. متى سأذهب وأتقدم لسر المصالحة كي استقبل غفرانه، وأقوم بدوري بفعل غفران تجاه الآخرين؟
*  «أعطني ابنك!» : يتبنى إيليا الطفل كي يعيد له الحياة. كيف أعيش بنوتي الروحية؟ أيُّ أبٍ أُعطي لي على الصعيد الروحي؟
*  «انْظُرِي، ابْنُكِ حَيٌّ»: إننا مدعوون للإيمان بـ "الكلمة" الذي جعل منا أبناء الله. نعم، أنا "أعلم" من خلال خبرة الإيمان بأن الابن هو حي: "كان ميتا فعاش ...".

آية تساعدني على البقاء في حضور الله وعلى فتح قلبي أمام بره وعدالته:

-  مع الشهيق أردد العبارة التالية كعلامة على الفرح المستَقبَل:   »حَيٌّ أنتَ يا رب ... 
-  مع الزفير أردد العبارة التالية كعلامة على الإمتنان :          ... وكلامُك حَق. «

5.  الصلاة كل يوم من أيام الأسبوع مع إيليا النبي:

الأثنين  7 آذار :
18فَقَالَتْ المرأة لإِيلِيَّا: «مَا لِي وَلَكَ يَا رَجُلَ اللهِ! هَلْ جِئْتَ إِلَيَّ لِتَذْكِير إِثْمِي وَإِمَاتَةِ ابْنِي؟». (1 ملوك 17: 18)
يا ربنا يسوع، لقد عَلَّمتنا أن نتضرع إلى الله كأبٍ لنا. اجعلني أجرؤ وأقف أمامه، كما أنا، بيدي الفارغتين.

الثلاثاء 8  آذار:
" أَلْقِ عَلَى الرَّبِّ هَمَّكَ فَهُوَ يَعُولُكَ. لاَ يَدَعُ الصِّدِّيقَ يَتَزَعْزَعُ إِلَى الأَبَدِ." (مزمور55: 22)
إنْ كان الله أبي، سأتمكن من التحدث معه بحرية، بل وأستطيع أن أقول له كلمات لا أجرؤ على التلفظ بها بصوت عالٍ. هل أؤمن حقاً بأنه سيصغي إلي ويعزيني؟

           الأربعاء 9  آذار:
"فإذا كان أحد في المسيح، فإنه خليقة جديدة. قد زال العالم القديم، وها قد جاءت أشياء جديدة. (...) فنحن سفراء في سبيل المسيح وكأن الله يعظ بألسنتنا. فنسألكم باسم المسيح أن تدعوا الله يصالحكم.  (2 قورنتس 5: 17-20)
سأستغل زمن الصوم هذا كي أتصالح مع الله وبهذا سأستقبل "نفخة" جديدة، ستحييني من جديد.
الخميس 10 آذار:
" وَالآنَ يَا رَبُّ أَنْتَ أَبُونَا. نَحْنُ الطِّينُ وَأَنْتَ جَابِلُنَا، وَكُلُّنَا عَمَلُ يَدَيْكَ. لاَ تَسْخَطْ كُلَّ السَّخْطِ يَا رَبُّ، وَلاَ تَذْكُرِ الإِثْمَ إِلَى الأَبَدِ. هَا انْظُرْ إلينا نحن شَعْبُكَ كُلُّنَا.  (أشعيا 64 : 8-9)
نحن جميعاً أبناء الله، حتى الذين لا يؤمنون به. أصلي إلى الله كي يُظهِر رحمته للجميع، حتى إلى هؤلاء، الذين أعتبرهم أعدائي أو الذين أبغُضُهم.

الجمعة  11  آذار:
» اَللهُ طَرِيقُهُ كَامِلٌ. قَوْلُ الرَّبِّ نَقِيٌّ. تُرْسٌ هُوَ لِجَمِيعِ الْمُحْتَمِينَ بِهِ ». (مزمور 18: 30)
سأقوم وأعود إلى الله، فأنا دائماً لست قريباً بما فيه الكفاية. هل اختبرت في حياتي، بأن طرقه، وفقط طرقه هي حق وأثبتت مصداقيتها؟
 
السبت  12  آذار:
"فقال له: يا بني، أنت معي دائما أبدا، وجميع ما هو لي فهو لك.  ولكن قد وجب أن نتنعم ونفرح، لأن أخاك هذا كان ميتا فعاش، وكان ضالا فوجد". (لوقا 15: 31-32)

كيف أنظر إلى نفسي؟ كيف أفهمها؟ هل أعتبر نفسي شخصاً صالحاً، لم يبتعد أبداً عن الله؟ حتى في هذه الحالة، هناك تعليم لي أيضاً: أن أنظر إلى الآخرين بعيون الله، وأن أستقبلهم بحُب ورحمة، دون أن أحكم عليهم أو أعتبر نفسي أفضل منهم.
الأب غدير الكرملي


4
زمن الصوم الكبير للعام 2016 – رياضة روحية عبر النت مع النبي إيليا: اللقاء بإله الحياة
3)  الأسبوع الثاني : التنديد بالظلم
» لقد رأيت بؤس شعبي... «
1.   نص من حياة إيليا النبي: مقتَل نابوت اليَزرَعيلي على يد الملك أخآب (1 ملوك 21: 1 – 29)
1وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّهُ كَانَ لِنَابُوتَ الْيَزْرَعِيلِيِّ كَرْمٌ فِي يَزْرَعِيلَ بِجَانِبِ قَصْرِ أَخْآبَ مَلِكِ السَّامِرَةِ. 2فَكَلَّمَ أَخْآبُ نَابُوتَ قَائِلاً: «أَعْطِنِي كَرْمَكَ فَيَكُونَ لِي بُسْتَانَ بُقُول، لأَنَّهُ قَرِيبٌ بِجَانِبِ بَيْتِي، فَأُعْطِيَكَ عِوَضَهُ كَرْمًا أَحْسَنَ مِنْهُ. أَوْ إِذَا حَسُنَ فِي عَيْنَيْكَ أَعْطَيْتُكَ ثَمَنَهُ فِضَّةً». 3فَقَالَ نَابُوتُ لأَخْآبَ: «حَاشَا لِي مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ أَنْ أُعْطِيَكَ مِيرَاثَ آبَائِي». 4فَدَخَلَ أَخْآبُ بَيْتَهُ مُكْتَئِبًا مَغْمُومًا مِنْ أَجْلِ الْكَلاَمِ الَّذِي كَلَّمَهُ بِهِ نَابُوتُ الْيَزْرَعِيلِيُّ قَائِلاً: «لاَ أُعْطِيكَ مِيرَاثَ آبَائِي». وَاضْطَجَعَ عَلَى سَرِيرِهِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ خُبْزًا. 5فَدَخَلَتْ إِلَيْهِ إِيزَابَلُ امْرَأَتُهُ وَقَالَتْ لَهُ: «لِمَاذَا رُوحُكَ مُكْتَئِبَةٌ وَلاَ تَأْكُلُ خُبْزًا؟» 6فَقَالَ لَهَا: «لأَنِّي كَلَّمْتُ نَابُوتَ الْيَزْرَعِيلِيَّ وَقُلْتُ لَهُ: أَعْطِنِي كَرْمَكَ بِفِضَّةٍ، وَإِذَا شِئْتَ أَعْطَيْتُكَ كَرْمًا عِوَضَهُ، فَقَالَ: لاَ أُعْطِيكَ كَرْمِي». 7فَقَالَتْ لَهُ إِيزَابَلُ: «أَأَنْتَ الآنَ تَحْكُمُ عَلَى إِسْرَائِيلَ؟ قُمْ كُلْ خُبْزًا وَلْيَطِبْ قَلْبُكَ. أَنَا أُعْطِيكَ كَرْمَ نَابُوتَ الْيَزْرَعِيلِيِّ». 8ثُمَّ كَتَبَتْ رَسَائِلَ بِاسْمِ أَخْآبَ، وَخَتَمَتْهَا بِخَاتِمِهِ، وَأَرْسَلَتِ الرَّسَائِلَ إِلَى الشُّيُوخِ وَالأَشْرَافِ الَّذِينَ فِي مَدِينَتِهِ السَّاكِنِينَ مَعَ نَابُوتَ. 9وَكَتَبَتْ فِي الرَّسَائِلِ تَقُولُ: «نَادُوا بِصَوْمٍ؟ وَأَجْلِسُوا نَابُوتَ فِي رَأْسِ الشَّعْبِ. 10وَأَجْلِسُوا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي بَلِيَّعَالَ تُجَاهَهُ لِيَشْهَدَا قَائِلَيْنِ: قَدْ جَدَّفْتَ عَلَى اللهِ وَعَلَى الْمَلِكِ. ثُمَّ أَخْرِجُوهُ وَارْجُمُوهُ فَيَمُوتَ». 11فَفَعَلَ رِجَالُ مَدِينَتِهِ، الشُّيُوخُ وَالأَشْرَافُ السَّاكِنُونَ فِي مَدِينَتِهِ، كَمَا أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ إِيزَابَلُ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الرَّسَائِلِ الَّتِي أَرْسَلَتْهَا إِلَيْهِمْ. 12فَنَادَوْا بِصَوْمٍ وَأَجْلَسُوا نَابُوتَ فِي رَأْسِ الشَّعْبِ. 13وَأَتَى رَجُلاَنِ مِنْ بَنِي بَلِيَّعَالَ وَجَلَسَا تُجَاهَهُ، وَشَهِدَ رَجُلاَ بِليَّعَالَ عَلَى نَابُوتَ أَمَامَ الشَّعْبِ قَائِلَيْنِ: «قَدْ جَدَّفَ نَابُوتُ عَلَى اللهِ وَعَلَى الْمَلِكِ». فَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَرَجَمُوهُ بِحِجَارَةٍ فَمَاتَ. 14وَأَرْسَلُوا إِلَى إِيزَابَلَ يَقُولُونَ: «قَدْ رُجِمَ نَابُوتُ وَمَاتَ». 15وَلَمَّا سَمِعَتْ إِيزَابَلُ أَنَّ نَابُوتَ قَدْ رُجِمَ وَمَاتَ، قَالَتْ إِيزَابَلُ لأَخْآبَ: «قُمْ رِثْ كَرْمَ نَابُوتَ الْيَزْرَعِيلِيِّ الَّذِي أَبَى أَنْ يُعْطِيَكَ إِيَّاهُ بِفِضَّةٍ، لأَنَّ نَابُوتَ لَيْسَ حَيًّا بَلْ هُوَ مَيْتٌ». 16وَلَمَّا سَمِعَ أَخْآبُ أَنَّ نَابُوتَ قَدْ مَاتَ، قَامَ لِيَنْزِلَ إِلَى كَرْمِ نَابُوتَ الْيَزْرَعِيلِيِّ لِيَرِثَهُ.
17فَكَانَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَى إِيلِيَّا التِّشْبِيِّ قَائِلاً: 18«قُمِ انْزِلْ لِلِقَاءِ أَخْآبَ مَلِكِ إِسْرَائِيلَ الَّذِي فِي السَّامِرَةِ. هُوَذَا هُوَ فِي كَرْمِ نَابُوتَ الَّذِي نَزَلَ إِلَيْهِ لِيَرِثَهُ. 19وَكَلِّمْهُ قَائِلاً: هكَذَا قَالَ الرَّبُّ: هَلْ قَتَلْتَ وَوَرِثْتَ أَيْضًا؟ ثُمَّ كَلِّمهُ قَائِلاً: هكَذاَ قَالَ الرَّبُّ: فِي الْمَكَانِ الَّذِي لَحَسَتْ فِيهِ الْكِلاَبُ دَمَ نَابُوتَ تَلْحَسُ الْكِلاَبُ دَمَكَ أَنْتَ أَيْضًا». 20فَقَالَ أَخْآبُ لإِيلِيَّا: «هَلْ وَجَدْتَنِي يَا عَدُوِّي؟» فَقَالَ: «قَدْ وَجَدْتُكَ لأَنَّكَ قَدْ بِعْتَ نَفْسَكَ لِعَمَلِ الشَّرِّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ. 21هأَنَذَا أَجْلِبُ عَلَيْكَ شَرًّا، وَأُبِيدُ نَسْلَكَ، وَأَقْطَعُ لأَخْآبَ كُلَّ بَائِلٍ بِحَائِطٍ وَمَحْجُوزٍ وَمُطْلَق فِي إِسْرَائِيلَ. 22وَأَجْعَلُ بَيْتَكَ كَبَيْتِ يَرُبْعَامَ بْنِ نَبَاطَ، وَكَبَيْتِ بَعْشَا بْنِ أَخِيَّا، لأَجْلِ الإِغَاظَةِ الَّتِي أَغَظْتَنِي، وَلِجَعْلِكَ إِسْرَائِيلَ يُخْطِئُ». 23وَتَكَلَّمَ الرَّبُّ عَنْ إِيزَابَلَ أَيْضًا قَائِلاً: «إِنَّ الْكِلاَبَ تَأْكُلُ إِيزَابَلَ عِنْدَ مِتْرَسَةِ يَزْرَعِيلَ. 24مَنْ مَاتَ لأَخْآبَ فِي الْمَدِينَةِ تَأْكُلُهُ الْكِلاَبُ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْحَقْلِ تَأْكُلُهُ طُيُورُ السَّمَاءِ». 25وَلَمْ يَكُنْ كَأَخْآبَ الَّذِي بَاعَ نَفْسَهُ لِعَمَلِ الشَّرِّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ، الَّذِي أَغْوَتْهُ إِيزَابَلُ امْرَأَتُهُ. 26وَرَجِسَ جِدًّا بِذَهَابِهِ وَرَاءَ الأَصْنَامِ حَسَبَ كُلِّ مَا فَعَلَ الأَمُورِيُّونَ الَّذِينَ طَرَدَهُمُ الرَّبُّ مِنْ أَمَامِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. 27وَلَمَّا سَمِعَ أَخْآبُ هذَا الْكَلاَمَ، شَقَّ ثِيَابَهُ وَجَعَلَ مِسْحًا عَلَى جَسَدِهِ، وَصَامَ وَاضْطَجَعَ بِالْمِسْحِ وَمَشَى بِسُكُوتٍ. 28فَكَانَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَى إِيلِيَّا التِّشْبِيِّ قَائِلاً: 29«هَلْ رَأَيْتَ كَيْفَ اتَّضَعَ أَخْآبُ أَمَامِي؟ فَمِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَدِ اتَّضَعَ أَمَامِي لاَ أَجْلِبُ الشَّرَّ فِي أَيَّامِهِ، بَلْ فِي أَيَّامِ ابْنِهِ أَجْلِبُ الشَّرَّ عَلَى بَيْتِهِ».
2.   تأمُّل :  التنديد بالظلم بشجاعة
أ‌)   سُم "الشهوة" (بمعنى اشتهي مقتنى غيري)
نحن تقريباً في العام 860 ق م. أخآب يملك منذ أكثر من 15 سنة. وهو في أوج قوته، لكنه لم يكن يرضى بما لديه. وها هو يطمع بكَرْم نابوت المجاور لقصره، لكي يُوَسِّع نطاق مساحات قصره هذا في يزرعيل. لكنه تفاجأ برفض نابوت لكل المقترحات والتعويضات المربحة التي قدمها لنابوت بمقابل كَرْمه. ويعارض نابوت طلب الملك قائلاً بأن ذلك يناقض الشريعة المقدسة، أي شريعة أرض الميعاد المعطاة من قبل الله لشعبه (أنظر خروج 3: 7 وما يلي) وبالتالي لا يمكن لأحد أن يتصرف بها كما يشاء: فبالنسبة لنابوت، صحيح أنه ورث كَرْمه هذا من آباءه، لكن في الواقع، هو استقبلها من الله كميراث من خلال سلسلة أجيال طويلة. الملك أخآب هو إسرائيلي ويفهم جيداً بأن هذه الحُجة لا يمكن رفضها. لهذا لم يلح على الأمر وعاد إلى قصره. يرجع إذن وينام وينعزل ويرفض الطعام ويتكأب! نصل هنا إلى مرحلة أساسية في القصة. إلى هنا أخآب يحترم الشريعة، لكنه رضخ مع هذا إلى جشعه وطمعه إلى درجة أن غرق في الحزن بعد أن فشل في ما أراد. هذه هي اللحظة الحرجة التي فيها تُفرخ الخطيئة في السر: أخآب يسمح للشهوة، أو للرغبة المنحرفة تدخل في قلبه وتسيطر عليه.
في هذا الخصوص، لنفكر في التحذير المرسَل من قبل الرب إلى قايين:
   6فَقَالَ الرَّبُّ لِقَايِينَ: « لِمَ غضبتَ ولِمَ أطرقتَ رأسك؟ فإنك إن أحسنت أفلا ترفع الرأس؟ وإن لم تحسن أفلا تكون الخطيئة رابضة عند الباب؟ إليك تنقاد أشواقها، فعليك أن تسودها » (تكوين 4: 6 وما يلي). بينما يسوع سيركز على طهارة القلب بقوله بأن الخطيئة موجودة في الشهوة نفسها حتى قبل أن تنتقل إلى الفعل. وعلى أي حال، هذا سيحدث عاجلاً أم آجلاً إذا لا نقف بوجهها ونصدها.
ب)  عَمى السُلطة
هذا ما حصل لأخآب، والذي كَرر الشر الذي بدأه قايين. إزابَل تُنَظِّم عملية القتل "القانونية" لنابوت بتواطؤ ضمني من زوجها أخآب الذي دفعه جُبنه إلى أنه تركها تفعل ما فعلت دون أن يعترض أو يفتح فاه. لكن موت نابوت هذا سَبَّبَ استياءًا كبيراً عند خدام إله إسرائيل. الرأي العام كان يعرف ماذا حدث حقاً. وكانوا يشيرون إلى إزابَل كالمحرضة على هذه الجريمة البشعة خاصة أنها تنتهك القانون القديم الخاص بالأسباط: أي أن كل ما يتعلق بإرث الآباء والأجداد كان يُنظَر إليه كخط أحمر لا يُمَس. الملك ارتكب إذن أفظع الخيانات باستيلاءه على أرض نابوت. لكن مع ذلك لم يكن أحد من الشعب يجرؤ على الإحتجاج. هذا المقطع هو هنا مثل تحذير ثاني بخصوص الخطر الذي يقع فيه الحكام بإعتقادهم أنهم فوق القوانين.
واليوم أيضاً، لا تتوقف وسائل التواصل الإجتماعي المختلفة عن تقديم أمثلة فاضحة على أعلى المستويات السياسية والإقتصادية والصناعية، مُغرِقة كل مرة عدداً كبيرا من البشر الضعفاء في حياة متزعزعة بل وبائسة في بعض الأحيان. فما يظهر هكذا بصورة واضحة من خلال ضجة إعلامية، ليس إلاّ مجرد جانب من الظاهرة نفسها، لأن السلطة والجشع يعميان قلب الإنسان في كل طبقة من طبقات التسلسل الهرمي في المجتمع.
لكن ماذا عني أنا عندما أكون في منصب قوة، مهما كان بسيطاً؟ وكيف أحتوي احباطاتي حتى لا أقع وأستسلم لتجربة استخدامي لسلطتي بشكل ظالم وغير عادل؟ من السهل دوماً أن ننصدم من تصرفات الآخرين ونرى عيوبها ونواقصها، لكننا نصتصعب كثيراً مراجعة تصرفاتنا وحياتنا نحن!
ج)  الإصغاء إلى كلمة الله وشجاعة التصرف
لكن في زمن آخآب، كان هناك نبي سيجعل أخآب يسمع صوت العدل الإلهي، كما فعل سابقاً النبي صاموئيل مع النبي شاؤل، أو أيضاً النبي ناتان مع الملك داؤد: هذا النبي هو إيليا الذي يتنبأ لأخاب بموت عنيف بسبب فعلته هذه. النبوءة أو كلام الله هنا كانت لاتزال تطبيقاً صارماً لقانون "العين بالعين" القديم. هكذا تنبأ إيليا بأن دم أخآب ودماء أبناءه ستسيل في نفس المكان الذي سال فيه دم نابوت ودماء أبناءه. كان رد فعل أخآب متطابقاً تماماً مع التفهم الديني في ذلك الوقت، فلم يُعنِّف النبي بل بالعكس اعترف بأخطاءه، وأعلن عن توبة علنية. فيتراجع الرب عندها عن إدانته له. وأجل اللعنة ونقلها إلى الجيل التالي للملك وليس عليه.
إن هذه التوبة هي ثمرة الشجاعة الإستثنائية لإيليا أمام سُلطة مطلقة لم تكن تعترف بأي حدود. لكن هذه الشجاعة، استمدها إيليا من إصغائه إلى كلام إلهه الذي يعمل باسمه. إن حُبه لإله إسرائيل قاده إلى طاعة غير مشروطة لكلامه. مرة أخرى، لا يوجد إصغاء لكلمة الله لا يقود إلى توبة أو إلى إلتزام في خدمة العدالة. إن الصلاة الحقيقية تصبح عملاً في خدمة البشر، لأنها علاقة حية مع الله العادل وصديق البشرية. أن نخدم الله الحي، يعني في نفس الوقت، أن نعبده في الصمت والإصغاء وأن نتمم إرادته في العدل والمحبة تجاه البشر.

3.  تأمُّل في إنجيل هذا الأحد (لوقا 13: 1 - 9)

في ذلك الوقت، حضر أناس وأخبروه خبر الجليليين الذين خلط بيلاطس دماءهم بدماء ذبائحهم.
فأجابهم: ((أتظنون هؤلاء الجليليين أكبر خطيئة من سائر الجليليين حتى أصيبوا بذلك؟  أقول لكم: لا، ولكن إن لم تتوبوا، تهلكوا بأجمعكم مثلهم. وأولئك الثمانية عشر الذين سقط عليهم البرج في سلوام وقتلهم، أتظنونهم أكبر ذنبا من سائر أهل أورشليم؟ أقول لكم: لا ولكن إن لم تتوبوا تهلكوا بأجمعكم كذلك )).
 وضرب هذا المثل: ((كان لرجل تينة مغروسة في كرمه، فجاء يطلب ثمرا عليها فلم يجد.  فقال للكرام: ((ني آتي منذ ثلاث سنوات إلى التينة هذه أطلب ثمرا عليها فلا أجد، فاقطعها! لماذا تعطل الأرض؟))  فأجابه: ((سيدي، دعها هذه السنة أيضا، حتى أقلب الأرض من حولها وألقي سمادا.  فلربما تثمر في العام المقبل وإلا فتقطعها)).          

هل هناك علاقة مباشرة بين المصائب التي تحدث لنا وبين العمل الإلهي كما يقترحه علينا مقطع سفر الملوك الأول الذي نتأمل به اليوم؟  يسوع يعارض هنا الرأي الشائع الذي يربط المصيبة بعقاب إلهي. مناسبة هذا التعليم هو أخبار المذبحة التي اقترفها بيلاطس المعروف بقسوته الكبيرة. ثم يضيف مثالاً آخر، وهو كارثة سلوان، حادث تقني هذه المرة، مرتبط بإهمال البشر أو عدم كفائتهم: من ناحية، لا يمكن القول بأن هذه المصيبة هي نتيجة عقاب إلهي، لأن سر الله يتجاوز فهم البشر؛ لكن من ناحية ثانية مع ذلك، لا أحد ينبغي أن ينسى أن الله لديه القدرة على ممارسة عدالته. لكن وفي كل الأحوال، لا يجب ن نرى في هذه الوفيات المأساوية عقابًا إلهياً، ومع ذلك، فإن هذه الأحداث تمثل دعوة مُلِحّة للتوبة والإرتداد.
هكذا يقود يسوع مستمعيه إلى مستوى آخر. فنحن لسنا بصدد تقييم إن كان الآخرون مذنبين أم لا، لكن الموضوع هو أننا، في الأحداث التي نواجهها في حياتنا، علينا أن نرى "دعوة" إلى أن نأخذ على محمل الجد مسؤوليتنا الخاصة. فلا فائدة في أن نقلق ونتعاطف على مصير الضحايا، إنْ كان هذا التعاطف معهم يعفينا من أن نتفحص ذاتنا ونراجع حياتنا نحن. لكن مع هذا، يفتح يسوع بُعداً آخر. إن الله لا يريد أن يُحقق عدالته بنفسه في هذا العالم، لكنه يريد أن يعطي لكل إنسان ذو إرادة حسنة الفرصة كي يُطابق إرادته مع إرادة الله العادلة وأن يصبح فاعلاً في تطبيقها أو تحقيقها في عالمنا. هكذا، لا يعمل الله من خلال الكوارث الطبيعية أو الظلم البشري. لكن مع ذلك، إنه فاعل جداً كما يوضحه مثل التينة. فالله يعمل من خلال صبره تجاهنا، ومن خلال رجاءه وثقته فينا. إن المسيح يكشف لنا عمل الله هذا كونه هو نفسه هذا الكرام الذي يُثري أرضنا ويُعلِّمنا التواضع والبساطة والشجاعة والحقيقة والثقة.
هكذا يمكننا أن نفهم بشكل أفضل كيف أن الله يتدخل في حياتنا. فأمام خبرة ضعفة وهشاشته، يشعر الإنسان بحاجته التامة لأن يولد الله فيه ويصبح سنده الوحيد أكثر فأكثر. وقلق الإنسان من الموت هو المكان المفضل كي يستطيع أن ينفتح لاستقبال الشجاعة التي يهبنا الله إياها، شجاعة أن نختار الثقة في انتصار الحياة والحُب تجاه الجميع وفي كل الظروف.  هذه الشجاعة العجيبة التي يهبها الله لنا، إذا آمنا به، تسمح لنا أن نعبر بسلام تهديد الموت والعدم. ويسوع نفسه عكس لنا هذه الشجاعة في حياته وفي آلامه وموته على الصليب. هكذا يجعلنا الإيمان نختبر عمل الله في وسط هشاشتنا وضعفنا البشري. إن التوبة تدفعنا لأن نتمسك بشجاعة بالله وأن لا نستسلم بجُبنٍ إلى الشر. وأخيراً، إن الإيمان برحمة الله تسمح لنا أن لا نيأس أبداً، لا من أنفسنا ولا من الآخرين.

4.  ثلاثة مسارات لتَبَنّي الإنجيل وتطبيقه في حياتنا، والآية للحفظ وللصلاة:

*   أُمَيِّز دور "الشهوة" (إشتهاء مقتنى غيري، أو صفات غيري)، أي هذه الرغبة المنحرفة، والتي تُدخلني في حالة
     حزن داخلي.
*  أن أعترف بالظلم الناجم عن "شهواتي"، وحاجتي للامتلاك.
*  أعزم على القيام بأعمال بِرّ هذا الأسبوع.


آية تساعدني على البقاء في حضور الله وعلى فتح قلبي أمام بره وعدالته:

-  مع الشهيق أردد العبارة التالية كعلامة على رحمة الله تجاهي: » لقد رأيت بؤس شعبي... 
-  مع الزفير أردد العبارة التالية كعلامة على حضوري أمام الله:  » الآن إذهب! أنا أُرسِلك! «



5.  الصلاة كل يوم من أيام الأسبوع مع إيليا النبي:

الأثنين 29 شباط :
" الرب كأسي وحصة ميراثي، أنت الضامن لنصيبي. المصير الذي يصيبني لذيذ، والنصيب الذي وقع لي هو الأجمل." (مزمور 16: 5-6)
يا رب، قُدْ أنت رغباتي، واجعلني أثق بأنك ستعطيني أفضل نصيب.
 
الثلاثاء 1 آذار:
" فقال الرب: إني قد رأيت مذلة شعبي الذي بمصر، وسمعت صراخه بسبب مسخريه، وعلمت بآلامه، فنزلت لأنقذه من أيدي المصريين وأصعده من هذه الأرض إلى أرض طيبة واسعة، إلى أرض تدر لبنا حليبا وعسلا." (خروج 3: 7-8).
يا رب، أعطني الصبر كي أنتظر تحقيق رغبة أكبر تتعلق بك، بدل أن أرضى بمجرد ملذات صغيرة تُشبع رغباتي حالاً ومتعلقة بهذا العالم.

           الأربعاء 2  آذار:
"قال يسوعُ لِتَلاَمِيذِهِ:«لاَ يُمْكِنُ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَ الْعَثَرَاتُ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِلَّذِي تَأْتِي بِوَاسِطَتِهِ! خَيْرٌ لَهُ لَوْ طُوِّقَ عُنُقُهُ بِحَجَرِ رَحىً وَطُرِحَ فِي الْبَحْرِ، مِنْ أَنْ يُعْثِرَ أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ. (لوقا 17: 1-2)
هل أُظهِر دائماً الإحترام نحو قريبي، وهل أنظر بلطف وطيبة إلى حياته وقناعاته، أم أميلُ إلى الحكم عليها؟

الخميس 3  آذار:
" تَقَدَّمَ أحدُ الأشخاص وَقَالَ ليسوع: «أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ، أَيَّ صَلاَحٍ أَعْمَلُ لِتَكُونَ لِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ؟» فَقَالَ لَهُ:«لِمَاذَا تَدْعُوني صَالِحًا؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ. وَلكِنْ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ فَاحْفَظِ الْوَصَايَا». قَالَ لَهُ:«أَيَّةَ الْوَصَايَا؟» فَقَالَ يَسُوعُ:«لاَ تَقْتُلْ. لاَ تَزْنِ. لاَ تَسْرِقْ. لاَ تَشْهَدْ بِالزُّورِ. أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، وَأَحِبَّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ». (متى 19: 16-19)
"الكمال لا يتمثل في الملذات الداخلية، إنه الميراث الذي يستلمه ذاك الذي يحب الأكثر؛ له، ستكون المكافأة، مثلما هي لذاك الذي يعمل بالبِرّ والحق." (القديسة تريزا الأفيلية، القصر الداخلي).

الجمعة  4  آذار:
» وأولئك الثمانية عشر الذين سقط عليهم البرج في سلوام وقتلهم، أتظنونهم أكبر ذنبا من سائر أهل أورشليم؟ أقول لكم: لا ولكن إن لم تتوبوا تهلكوا بأجمعكم كذلك ». (لوقا 13: 4-5)
علينا أن نخلق في حياتنا مجالاً للمُخلِّص الأفخارستي، أي المسيح الذي يهب ذاته في القربان المقدس، كيما يتمكن من تغيير قلبنا ليشبه قلبه. هل هذا صعب علينا حقاً؟ (القديسة الكرملية تريزا بندكت للصليب)

السبت  5  آذار:
«فِي ذلِكَ الْيَوْمِ غَنُّوا لِلْكَرْمَةِ اللذيذة: أَنَا الرَّبُّ حَارِسُهَا. أَسْقِيهَا كُلَّ لَحْظَةٍ. ولِئَلاَّ يُوقَعَ بِهَا، أَحْرُسُهَا لَيْلاً وَنَهَارًا.» (أشعيا27: 2-3)
لقد خَلَق الله الإنسان، لكي يعتني بتُحفَته، التي هي الخليقة.
أَعزِمُ على الإلتزام بِبِرّ واحترام تجاه كل الخلائق التي حولي.
الأب غدير الكرملي


5
زمن الصوم الكبير للعام 2016 – رياضة روحية عبر النت مع النبي إيليا: اللقاء بإله الحياة
2)  الأسبوع الثاني : معركة الثقة

» الرَّبُّ هُوَ اللهُ ! « 
1.   نص من حياة إيليا النبي: التقدِمة في جبل الكرمل ونهاية الجفاف (1 ملوك 18: 20 – 46)

20فَأَرْسَلَ أَخْآبُ إِلَى جَمِيعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَجَمَعَ الأَنْبِيَاءَ إِلَى جَبَلِ الْكَرْمَلِ. 21فَتَقَدَّمَ إِيلِيَّا إِلَى جَمِيعِ الشَّعْبِ وَقَالَ: «حَتَّى مَتَى تَعْرُجُونَ بَيْنَ الْفِرْقَتَيْنِ؟ إِنْ كَانَ الرَّبُّ هُوَ اللهَ فَاتَّبِعُوهُ، وَإِنْ كَانَ الْبَعْلُ فَاتَّبِعُوهُ». فَلَمْ يُجِبْهُ الشَّعْبُ بِكَلِمَةٍ. 22ثُمَّ قَالَ إِيلِيَّا لِلشَّعْبِ: «أَنَا بَقِيتُ نَبِيًّا لِلرَّبِّ وَحْدِي، وَأَنْبِيَاءُ الْبَعْلِ أَرْبَعُ مِئَةٍ وَخَمْسُونَ رَجُلاً. 23فَلْيُعْطُونَا ثَوْرَيْنِ، فَيَخْتَارُوا لأَنْفُسِهِمْ ثَوْرًا وَاحِدًا وَيُقَطِّعُوهُ وَيَضَعُوهُ عَلَى الْحَطَبِ، وَلكِنْ لاَ يَضَعُوا نَارًا. وَأَنَا أُقَرِّبُ الثَّوْرَ الآخَرَ وَأَجْعَلُهُ عَلَى الْحَطَبِ، وَلكِنْ لاَ أَضَعُ نَارًا. 24ثُمَّ تَدْعُونَ بِاسْمِ آلِهَتِكُمْ وَأَنَا أَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ. وَالإِلهُ الَّذِي يُجِيبُ بِنَارٍ فَهُوَ اللهُ». فَأَجَابَ جَمِيعُ الشَّعْبِ وَقَالُوا: «الْكَلاَمُ حَسَنٌ». 25فَقَالَ إِيلِيَّا لأَنْبِيَاءِ الْبَعْلِ: «اخْتَارُوا لأَنْفُسِكُمْ ثَوْرًا وَاحِدًا وَقَرِّبُوا أَوَّلاً، لأَنَّكُمْ أَنْتُمُ الأَكْثَرُ، وَادْعُوا بِاسْمِ آلِهَتِكُمْ، وَلكِنْ لاَ تَضَعُوا نَارًا». 26فَأَخَذُوا الثَّوْرَ الَّذِي أُعْطِيَ لَهُمْ وَقَرَّبُوهُ، وَدَعَوْا بِاسْمِ الْبَعْلِ مِنَ الصَّبَاحِ إِلَى الظُّهْرِ قَائِلِينَ: «يَا بَعْلُ أَجِبْنَا». فَلَمْ يَكُنْ صَوْتٌ وَلاَ مُجِيبٌ. وَكَانُوا يَرْقُصُونَ حَوْلَ الْمَذْبَحِ الَّذِي عُمِلَ. 27وَعِنْدَ الظُّهْرِ سَخِرَ بِهِمْ إِيلِيَّا وَقَالَ: «ادْعُوا بِصَوْتٍ عَال لأَنَّهُ إِلهٌ! لَعَلَّهُ مُسْتَغْرِقٌ أَوْ فِي خَلْوَةٍ أَوْ فِي سَفَرٍ! أَوْ لَعَلَّهُ نَائِمٌ فَيَتَنَبَّهَ!» 28فَصَرَخُوا بِصَوْتٍ عَال، وَتَقَطَّعُوا حَسَبَ عَادَتِهِمْ بِالسُّيُوفِ وَالرِّمَاحِ حَتَّى سَالَ مِنْهُمُ الدَّمُ. 29وَلَمَّا جَازَ الظُّهْرُ، وَتَنَبَّأُوا إِلَى حِينِ إِصْعَادِ التَّقْدِمَةِ، وَلَمْ يَكُنْ صَوْتٌ وَلاَ مُجِيبٌ وَلاَ مُصْغٍ، 30قَالَ إِيلِيَّا لِجَمِيعِ الشَّعْبِ: «تَقَدَّمُوا إِلَيَّ». فَتَقَدَّمَ جَمِيعُ الشَّعْبِ إِلَيْهِ. فَرَمَّمَ مَذْبَحَ الرَّبِّ الْمُنْهَدِمَ. 31ثُمَّ أَخَذَ إِيلِيَّا اثْنَيْ عَشَرَ حَجَرًا، بِعَدَدِ أَسْبَاطِ بَنِي يَعْقُوبَ، الَّذِي كَانَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَيْهِ قَائِلاً: «إِسْرَائِيلَ يَكُونُ اسْمُكَ» 32وَبَنَى الْحِجَارَةَ مَذْبَحًا بِاسْمِ الرَّبِّ، وَعَمِلَ قَنَاةً حَوْلَ الْمَذْبَحِ تَسَعُ كَيْلَتَيْنِ مِنَ الْبَزْرِ. 33ثُمَّ رَتَّبَ الْحَطَبَ وَقَطَّعَ الثَّوْرَ وَوَضَعَهُ عَلَى الْحَطَبِ، وَقَالَ: «امْلأُوا أَرْبَعَ جَرَّاتٍ مَاءً وَصُبُّوا عَلَى الْمُحْرَقَةِ وَعَلَى الْحَطَبِ». 34ثُمَّ قَالَ: «ثَنُّوا» فَثَنَّوْا. وَقَالَ: «ثَلِّثُوا» فَثَلَّثُوا. 35فَجَرَى الْمَاءُ حَوْلَ الْمَذْبَحِ وَامْتَلأَتِ الْقَنَاةُ أَيْضًا مَاءً. 36وَكَانَ عِنْدَ إِصْعَادِ التَّقْدِمَةِ أَنَّ إِيلِيَّا النَّبِيَّ تَقَدَّمَ وَقَالَ: «أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَإِسْرَائِيلَ، لِيُعْلَمِ الْيَوْمَ أَنَّكَ أَنْتَ اللهُ فِي إِسْرَائِيلَ، وَأَنِّي أَنَا عَبْدُكَ، وَبِأَمْرِكَ قَدْ فَعَلْتُ كُلَّ هذِهِ الأُمُورِ. 37اسْتَجِبْنِي يَا رَبُّ اسْتَجِبْنِي، لِيَعْلَمَ هذَا الشَّعْبُ أَنَّكَ أَنْتَ الرَّبُّ الإِلهُ، وَأَنَّكَ أَنْتَ حَوَّلْتَ قُلُوبَهُمْ رُجُوعًا». 38فَسَقَطَتْ نَارُ الرَّبِّ وَأَكَلَتِ الْمُحْرَقَةَ وَالْحَطَبَ وَالْحِجَارَةَ وَالتُّرَابَ، وَلَحَسَتِ الْمِيَاهَ الَّتِي فِي الْقَنَاةِ. 39فَلَمَّا رَأَى جَمِيعُ الشَّعْبِ ذلِكَ سَقَطُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ وَقَالُوا: «الرَّبُّ هُوَ اللهُ! الرَّبُّ هُوَ اللهُ!». 40فَقَالَ لَهُمْ إِيلِيَّا: «أَمْسِكُوا أَنْبِيَاءَ الْبَعْلِ وَلاَ يُفْلِتْ مِنْهُمْ رَجُلٌ». فَأَمْسَكُوهُمْ، فَنَزَلَ بِهِمْ إِيلِيَّا إِلَى نَهْرِ قِيشُونَ وَذَبَحَهُمْ هُنَاكَ.
41وَقَالَ إِيلِيَّا لأَخْآبَ: «اصْعَدْ كُلْ وَاشْرَبْ، لأَنَّهُ حِسُّ دَوِيِّ مَطَرٍ». 42فَصَعِدَ أَخْآبُ لِيَأْكُلَ وَيَشْرَبَ، وَأَمَّا إِيلِيَّا فَصَعِدَ إِلَى رَأْسِ الْكَرْمَلِ وَخَرَّ إِلَى الأَرْضِ، وَجَعَلَ وَجْهَهُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ. 43وَقَالَ لِغُلاَمِهِ: «اصْعَدْ وتَطَلَّعْ نَحْوَ الْبَحْرِ». فَصَعِدَ وَتَطَلَّعَ وَقَالَ: «لَيْسَ شَيْءٌ». فَقَالَ: «ارْجعْ» سَبْعَ مَرَّاتٍ. 44وَفِي الْمَرَّةِ السَّابِعَةِ قَالَ: «هُوَذَا غَيْمَةٌ صَغِيرَةٌ قَدْرُ كَفِّ إِنْسَانٍ صَاعِدَةٌ مِنَ الْبَحْرِ». فَقَالَ: «اصْعَدْ قُلْ لأَخْآبَ: اشْدُدْ وَانْزِلْ لِئَلاَّ يَمْنَعَكَ الْمَطَرُ». 45وَكَانَ مِنْ هُنَا إِلَى هُنَا أَنَّ السَّمَاءَ اسْوَدَّتْ مِنَ الْغَيْمِ وَالرِّيحِ، وَكَانَ مَطَرٌ عَظِيمٌ. فَرَكِبَ أَخْآبُ وَمَضَى إِلَى يَزْرَعِيلَ. 46وَكَانَتْ يَدُ الرَّبِّ عَلَى إِيلِيَّا، فَشَدَّ حَقْوَيْهِ وَرَكَضَ أَمَامَ أَخْآبَ حَتَّى تَجِيءَ إِلَى يَزْرَعِيلَ.
2.  تأمُّل :  معركة الثقة
يعكس إيليا ثقة تامة في إله إسرائيل في مواجهة عداء جميع من حوله. مع أنه يشعر وبشدة بأنه وحيد تماماً في أمانته لله وسط شعب غَرِق في عبادة الأوثان. كانت الملكة إيزابَل قد قتلت أنبياء الرب، وإيليا يجد نفسه وحيداً في مواجهة 450 نبي من أنبياء البعل، لكن أيضاً في مواجهة سلطة الملكة والشعب كله. وحيداً ضد الجميع، إيليا يجمع في شخصه كل أمانة الشعب، من خلال شهادته وإيمانه بالله، منذ البداية وحتى النهاية، بيقين  وثقة لا يتزعزعان: » اللهُ هو الإله الوحيد! «.
لنتابع قصة معركة الإيمان هذه:

الصراع الروحي (المعركة الروحية)
ينتقد إيليا الشعب ويلومهم لرقصهم لإلهين أثنين، مُلَمِّحاً في نفس الوقت، إلى رقصة طقسية فينيقية، وكذلك إلى العبادة المزدوجة والمقدمة إلى البعل وإلى الرب. لهذا يأمر الشعب ويفرض عليهم إتّباع الإله الحقيقي. إيليا، وهو المُفَسِّر لروح موسى، يؤكد بأن الرب لا يمكن أن يقبل هذا الإنقسام في العبادة، أي أن يَعبد شعبُه إلهين: هو والبعل.: "إِنْ كَانَ الرَّبُّ هُوَ اللهَ فَاتَّبِعُوهُ ..." يدعو إيليا الشعب إذن إلى عيش كلمة الله من خلال حُبهم لله من كل قلوبهم، ومن كل قوتهم ومن كل روحهم. ثم يحدد بعد ذلك أحكام وشروط الإختبار الذي سيتواجه من خلاله مع أنبياء البعل الـ 450: فالإله الذي سيستجيب للأدعية ويرسل النار على التقادم سيُعتَرَف به بأنه هو الإله الحقيقي. يوافق الشعب على هذا التحدي الذي سيوضح لهم الخيار الصحيح الذي عليهم أن يتخذوه.
إن الخطوة الأولى من الصراع الروحي تتضمن أن نصل إلى أكبر وضوح ممكن للتناقضات التي تُقَسّم قلبنا. فلكي نتقدم في الحياة الروحية، علينا أن نكون واعين بتشوشنا وعدم وضوح أفكارنا وبتناقضات حياتنا. فنحن لدينا في الواقع عدة "آلهة" نلجأ إليها بحسب الظروف. علينا أن نكون واضحين في خياراتنا ولا نظل نتخبط في عبادتنا. يسوع سيُعَبِّر عن ذلك بكلمات أخرى قائلاً: "ليكن كلامكم "نَعَمْ" أو "لا"، وما زادَ على ذلك فهو من الشرير" (متى 5: 37). عندها يمكننا الإلتزام في الصراع الروحي، أي بعدما نعرف ما الذي علينا تضحيته من أجل البلوغ إلى الوحدة الداخلية للقلب الذي يحب الله حقًا. يبقى بالطبع أن نقوم بالتضحيات الضرورية حتى لا نُقسّم جهودنا ونظل ضائعين في الجهتين. لكن هذا يفترض بالطبع بأن نُسَلّم ذاتنا لله في الصلاة لكي نستقبل منه الشجاعة والإصرارا على أن لا نعد نتصرف كـ "اعداء لصليب المسيح"، بل كـ "مواطني السماء" (أنظر فيلبي 3: 18-21). سيكون هذا بمثابة التحرير بالنسبة لنا .. سننضج في الحرية. لنعترف بأننا، على مثال أنبياء البعل، نقوم في الكثير من الأحيان بجهود مُضنية للحصول على أطعمة مثيرة للسخرية وليست ذات قيمة، بينما إذا حملنا نير الله علينا، سيكون هذا هَيِّناً وخفيفًا (أنظر متى 11: 30).

    صلاة الطلب
يرمم إيليا مذبح الرب الذي هدمه أتباع البعل، وذلك وفقاً للنموذج الذي بناه موسى بعد العهد في سيناء مع الأحجار الـ 12 على عدد أسباط إسرائيل (أنظر خروج 24: 4). وسيُظهر إيمانه القوي بقدرة الله من خلال رشه المذبح لثلاث مرات كي يُصعب اشتعاله، ثم يدعو علناً إله الآباء. كل الشعب كان شاهداً على ما حصل بعد ذلك. عندها يأمر إيليا أن يمسكوا بأنبياء البعل. "فنَزَلَ بهم إلى النهر فذبحهم  هناك" (أنظر تثنية 13: 2-6 و   18: 20-22).
إن هذا الفعل العنيف يصدمنا اليوم بالطبع، لكن يجب أن نعرف بأن مفهوم العدالة في ذلك الوقت كان لا يزال في بدايته لأنه كان يتبع "شريعة العين بالعين" التي سَنَّها موسى: أي يجب أن نعاقب جريمة ما بعقابٍ مساوي لها وليس أكبر منها، وكانت هذه الشريعة بحد ذاتها تُعتَبر تطوراً في مفهوم العدالة آنذاك والغرض منها احتواء الإنتقام المفرط والحد منه. وبما أن أنبياء الرب كانوا قد قُتِلوا على يد أنبياء البعل، لهذا وبحسب "شريعة العين بالعين" هذه، سيُقتَلون بدورهم وبنفس الطريقة. بالإضافة إلى ذلك، أنبياء البعل هؤلاء، هم كهنة دَنَّسوا القدسيات، ودفعوا الشعب إلى الوثنية وتَرْك إله العهد. على هذه الجريمة الدينية، لم يكن موسى يقبل أبداً بعقابٍ أقل من الموت. إن سيطرة البعل، ونفوذ الملكة إيزابَل، وتقَلُّب رأي الشعب، وقساوة عادات ذلك الوقت، لم تكن تترك لنبي الله خيارات عديدة. هكذا يُحقق إيليا في نفس الوقت، العقوبة المفروضة في شريعة موسى على خطيئة عبادة الأوثان، وكذلك الإنتقام للأنبياء المقتولين من قِبَل الملكة إيزابَل، وأيضاً إلغاء أو إزالة العبادات الفينيقية الوثنية من بين شعب إسرائيل.
هكذا إذن وضع إيليا نفسه وبجرأة كبيرة، في معركة وصراع ديني وسياسي، مجازفاً بذلك بحياته نفسها. لاحقًا، المسيح، سيرفض العنف. لكنه مع ذلك، سيدخل ويلتزم، بصورة جذرية أيضاً، في صراع مماثل. فقد وهب بالفعل حياته والتزم برسالته حتى الموت على الصليب.
ونحن، بدون أن نكون "إيليا" أو "يسوع"، كل واحد منا لديه صراعه الروحي الخاص به، وعلينا في هذا الصراع أو "المعركة" الروحية أن نستند قبل كل شيء على صلاة الطلب، لأن هذه المعركة ليست معركتي أنا، لكن معركة الله فيَّ. فالله وحده يمكنه أن يرسل النار من السماء لكي يُتمم "تقدمة" حياتي ويحررني من تعلقاتي الوثنية. وعلي أن أصلي من أجل ذلك بثقة مطلقة، أي من خلال إلتزامي التام في هذه الصلاة. لست أنا من يستطيع إتمام هذه التقدمة، فهي لن تتم إلاّ إذا وَضعتُ فيها كل رغبتي ومن كل قلبي.
بكلمة أخرى، على مثال إيليا النبي، عليّ أن لا أقبل بعد اليوم أن أعيش حياةً سطحية ومنقسمة. أي عليّ أن أطلب من الله من كل قلبي في الصلاة، طالبًا منه أن يتمم "تقدمة حياتي له"، لأني لن أستطيع فعل ذلك لوحدي، وأن يحررني من تقلباتي المستمرة طوال حياتي.. أطلب منه أن يجعلني أتقدم في الحرية، حرية أبناء الله.

    لنجرؤ  ونَثِق
بإرساله نار السماء على التقدمة، وافق الله على إعادة إحياء "العهد" الذي ألغاه الشعب بسبب عبادته للأوثان. لكن مع ذلك، صلاة النبي هي واجبة ومطلوبة لكي ينزل المطر من جديد، بما أنه توقف عن النزول بأمره أيضاً (1 ملوك 17: 1). يُظهِر إيليا هنا ثقته التامة باستجابة الله لطلبه. ويدعو إيليا الملك أخآب إلى قطع صيامه، وأن يأكل ويشرب. ويحثه على تسلق الجبل، على الأرجح، للمشاركة في مأدبة دينية مع حاشيته. أما هو، فقد سجد على الأرض، وَجَعَلَ وَجْهَهُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ، لكي يدخل بذلك في علاقة مع الرب. ثم يرسل بعدها خادمه سبع مرات لينظر نحو البحر ويتطلع نحو الأفق. كانت رؤية "غَيمةٍ صغيرة قدر كَفِّ إنسان صاعدة من البحر" كافية بالنسبة لإيليا لكي يؤمن بعودة هطول المطر وتوقف الجفاف. ثم يُرسِل خادمه لإعلام الملك أخآب بذلك ويطلب منه أن ينزل من الجبل ويعود إلى يَزرَعِيلَ بأسرع وقت ممكن. هنا، يبدو إيليا وكأنه أُخِذ من قِبَل الرب ونُقل إلى يزرعيل حتى يصل إلى هناك قبل وصول الملك.
لكن بغض النظر عن طبيعة هذا النجاح المدهش وغير العادي، يكشف لنا هذا النص وهذا ما يهمنا هنا، كم أن قوة الصلاة تعتمد على عمق الثقة بالله التي ترافق صلاتنا هذه. في إنجيل هذا الأحد، نرى يسوع يتجلى بفضل استجابة الآب لصلاته. فيتوهج حضور الله فيه. يتكلم مع موسى وإيليا عن صعوده إلى أورشليم. التقدمة، تقدمة حياته، لازالت أمامه، لكن حدث التجلي هو مثل استباق لانتصار المسيح المصلوب والقائم على الخطيئة والموت. فعندما أجرؤ وأثق بقوة بالله، فصلاتي تكون قد أُستُجيبت من الآن بشكل ما، حتى لو لم أختبر بعد كل ثمار الحرية التي أنتظرها، لأن الثقة بالله هي من الآن مثل عربون لانتصاري على القلق الناتج عن الخطيئة والموت. ويمكنني، عندما أنظر نحو سماء حياتي، أن أُميِّز هذه "الغيوم الصغيرة"، والتي تُعلن وتبشر بفيض من الحياة.

3.  تأمُّل في إنجيل التجلي  (لوقا 9: 28-36)

في ذلك الزمان:
مضى يسوعُ ببطرس ويوحنا ويعقوب وصعد الجبل ليصلي.  وبينما هو يصلي، تبدل منظر وجهه، وصارت ثيابه بيضا تتلألأ كالبرق.  وإذا رجلان يكلمانه، وهما موسى وإيليا،  قد تراءيا في المجد، وأخذا يتكلمان على رحيله الذي سيتم في أورشليم.  وكان بطرس واللذان معه قد أثقلهم النعاس. ولكنهم استيقظوا فعاينوا مجده والرجلين القائمين معه.
 حتى إذا هما بالانصراف عنه قال بطرس ليسوع: (( يا معلم حسن أن نكون ههنا. فلو نصبنا ثلاث خيم، واحدة لك وواحدة لموسى وواحدة لإيليا!)) ولم يكن يدري ما يقول.  وبينما هو يتكلم، ظهر غمام ظللهم، فلما دخلوا في الغمام خاف التلاميذ.
 وانطلق صوت من الغمام يقول: (( هذا هو ابني الحبيب، فله اسمعوا)).  وبينما الصوت ينطلق، بقي يسوع وحده، فالتزموا الصمت ولم يخبروا أحدا في تلك الأيام بشيء مما رأوا.

"فلم يروا إلا يسوع وحده."
بهذه العبارة البسيطة، تنتهي قصة التجلي، في إنجيلنا اليوم. عبارة قصيرة يمكن أن نفهمها أولاً كمجرد ملاحظة اعتيادية. فبعد كل ما شاهدوه قبل قليل، فجأة يجد التلاميذ أنفسهم من جديد في ظروف الحياة اليومية الإعتيادية.. في روتين الحياة اليومية. وعليهم أن ينزلوا من الجبل، واسترجع كل شيء وجهه الإعتيادي المألوف. فكل ما هو غير مألوف وفوق طبيعي اختفى: موسى وإيليا، والسحابة، وصوت الآب، كل شيء اختفى. يسوع هو هنا، وحده أمام التلاميذ.
لكن يمكننا أيضاً أن نفسر هذه العبارة الأخيرة في إنجيل اليوم بطريقة أخرى. فقبل ذلك في الحقيقة، كان التلاميذ منبهرين بالآيات والمعجزات التي حققها يسوع. وكان هذا سبب اتباعهم له في البداية. كانوا أيضاً قد تأثروا جداً بكل هذه الجموع والحشود الكبيرة التي كان يزداد عددها وحماسها له يوماً بعد يوم، فقد كانت هذه الجموع الكثيرة تأتي وتتبع المعلم في النهار وفي الليل. كل هذا أثَّر فيهم كثيراً، وكان يُريحهم ويفرحهم، لكن ربما أيضاً، كان يُبعد أنظارهم عن الهدف الحقيقي أو عن الشيء الأساسي.
لكن من الآن فصاعداً، بعد حدث التجلي، هم لا يرون إلاّ يسوع وحده. وكل شيء آخر، أي إعجاب الجموع، المعجزات والأعاجيب، تأتي في الدرجة الثانية. فالشيء الأساسي والمهم الآن هو سر يسوع، هذا السر الذي يحمله في جسده الظاهري الإعتيادي، هذا السر هو الذي يدهشهم ويهمهم الآن. ففي دقائق قليلة، على الجبل، استطاعوا أن يكتشفوا ولو قليلاً سر يسوع العميق، سر وجوده الحقيقي، سر علاقته مع الآب. ولهذا، من الآن فصاعدا، يسوع وحده هو من يهمهم، هو وحده من يجذب كل إنتباههم .. على يسوع وحده ستتركز كل تساؤلاتهم، كل إنتظاراتهم. لقد تبعوا يسوع في البداية لأنهم كانوا ينتظرون ملكوت الله، وها هم الآن يستلمون أكثر بكثير من الملكوت، لقد رأوا الله نفسه، من خلال يسوع المتجلي!
فالتجلي يمثل إذن بالنسبة للتلاميذ تحولاً حقيقياً في طريق الإيمان. من الآن فصاعداً، هم لن يبحثوا عن الأشياء التي يمكن ليسوع أن يعطيهم إياها أو يحققها لهم، لكن يسوع نفسه هو أصبح موضوع بحثهم. فهو لم يعد مجرد حامل رسالة معينة من الله، لكنه هو نفسه أصبح هذه الرسالة. الآن بدأ التلاميذ يلاحظون، حتى ولو بشكل لازال مظلماً أو مشوشاً، بدئوا يلاحظون بأن الشيء الأساسي والأهم هو ليس ما يحققه أو يفعله يسوع، ولا حتى ما يقوله، لكن الأهم هو خاصة مَنْ هو يسوع .. المهم هو شخص يسوع نفسه، حقيقته.
تجربة التلاميذ هذه، نحن مدعوون، نحن أيضاً، إلى عيشها يوماً ما.
فنحن أيضاً مثل التلاميذ، في بداية حياتنا الإيمانية، نحن نبحث عن الآيات والمعجزات، والبراهين، والعلامات والتأكيدات، وهذا شيء طبيعي. فمثل التلاميذ، نحن أيضاً بحاجة إلى أن نرى، أن نلمس، كي يثبت إيماننا. لكن بعد ذلك، يجب أن يأتي اليوم الذي فيه يصبح يسوع نفسه هو في قلب حياتنا. فليس المهم بعد ذلك العزاء أو التعزيات ولا الخبرات الروحية، مهما كانت قوية أو جميلة.. وليس المهم بعد النجاحات أو حتى الأفراح التي نحصل عليها في حياتنا المسيحية، ليس كل هذا في الحقيقة هو ما يسندنا ويقوينا في حياتنا الإيمانية اليومية، لكن من الآن فصاعداً، "يسوع وحده"، هو من يجب أن يصبح شيئاً فشيئاً، سبب إيماننا، سبب محبتنا، وسبب رجاءنا. علاقتنا الحميمة به، هي التي تقوينا وتسمح لنا بحمل صليبنا والمضي قُدماً خلفه بفرح وثقة.
هذا بالطبع لا يلغي الصعوبات والعواصف، في حياتنا، ولا لحظات الضعف والتعب، لكننا عندها سنختبر هذه الخبرة العجيبة، المدهشة، وهي أننا على الرغم من كل صعوباتنا وحاجاتنا وضعفنا ومخاوفنا، سنختبر بأنه هو، يسوع، هو من يحملنا، هو من يعطينا الحياة، هو من يعطينا الوجود كل يوم، هو وحده، سبب حياتنا!
في زمن الصوم المبارك هذا، أحد أهم أهداف الصوم مهما كان نوعه ومضمونه، هو هذا: أي أن يصبح يسوع وحده، أي الله، هو مركز اهتمامنا وهو من يحرك كل حياتنا. كل شيء يزول.. كل شيء سيزول، الله وحده هو الباقي. هذا يجب أن يكون النور الذي يقود حياتنا وتوجهاتها الأساسية. أي ليست مصلحتنا أو ما يعطيه يسوع لنا هو ما يجب أن نركز عليه..
لنطلب من الله هذه النعمة، أي أن يكون يسوع وحده، سبب إيماننا، هو سبب كل جهود المحبة التي نحاول القيام بها، وهو أيضاً سبب رجاءنا الوحيد.. آمين.   

4.  ثلاثة مسارات لتَبَنّي الإنجيل وتطبيقه في حياتنا، والآية للصلاة:

*   أَعتَرِفُ بترددي المستمر وتقلباتي في إتخاذ القرار الواضح في إتباع المسيح، وأعزم بقوة هذه المرة وأقرر إتباعه بأمانة .. من خلال قبولي التضحيات التي تتطلبها هذه الأمانة في السير خلفه.
*  أُصَلّي بثقة، لأن الله وحده يستطيع أن يُتِمّ ما نقدمه له من "تقادم" ويجعلها تُثمِر.
*  أَنظُر وأَكتَشِف مجد الابن الحبيب في إخوتي وأخواتي من حولي.

آية تساعدني على البقاء في حضور الله والتركيز على توبتي ورجوعي المستمر إليه:
-  مع الشهيق أردد العبارة التالية كعلامة على إيماني:   » الرَّبُّ هُوَ اللهُ ! « 
-  مع الزفير أردد العبارة التالية كعلامة على حضوري ومثولي أمام الله:  » حَيٌّ الرب ! «

5.  الصلاة كل يوم من أيام الأسبوع مع إيليا النبي:

1.   الأثنين 22 شباط :

في ذلك اليوم، اتفق أن يسوع كان يصلي في عزلة والتلاميذ معه فسألهم: (( من أنا في قول الجمــــوع؟)) فأجابوا: ((يوحنا المعمدان)). وبعضهم يقول: ((إيليا)). وبعضهم: ((نبي من الأولين قام)). فقال لهم: ((ومن أنا في قولكم أنتم ؟)) فأجاب بطرس: ((مسيح الله)).  فنهاهم بشدة أن يخبروا أحدا بذلك. (لوقا 9: 18-21)

أن نعبد الله في الحق، هو أن نعترف بأنه هو إلهنا ونتصرف على هذا الأساس في حياتنا اليومية، وأن نعرف أيضاً حقيقتنا نحن، أي نعرف أنفسنا على حقيقتها، وأن نتصرف على هذا الأساس.
  (الطوباوي لورنت القيامة)
الثلاثاء 23 شباط:
"فليعترف بعضكم لبعض بخطاياه، وليُصَلِّ بعضُكم لبعض كي تشفوا. صلاة البار تعمل بقوة عظيمة. كان إيليا بشرا مثلنا فصلى طالبا بإلحاح ألا ينزل المطر، فلم ينزل على الأرض ثلاث سنوات وستة أشهر. ثم عاد إلى الصلاة فمطرت السماء وأخرجت الأرض ثَمَرَها". (يعقوب 5: 16-18)
أن أكون باراً، هذا يعني أن أعترف أمام الله بضعفي ومحدوديتي أمام الله والبشر أيضاً.
هل أمتلك الشجاعة لقبول هذه الحقيقة، كيما تصبح صلاتي مثمرة؟

           الأربعاء 24  شباط:
"أجبني يا رب اجبني، ليعلم هذا الشعب أنك، أيها الرب، أنت الله، وأنك أنت مَن تَرُد إليك قلوب شعبك. 
فهبطت نار الرب وأكلت المحرقة والحطب والحجارة والتراب، حتى لحست الماء الذي في القناة. فلما رأى ذلك كل الشعب سقطوا على وجوههم وقالوا: الرب هو الله، الرب هو الله". (1 ملوك18: 37-39)

كان إيليا يثق ثقة مطلقة بأن الله سيصغي إلى صلاته فيكشف ذاته.
هل أثق أنا بالله، أم هل أنتظر علامات ومعجزات لكي أؤمن؟

الخميس 25  شباط:
"ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله، وفقد نفسه أو خسرها؟ لأن من يستحيي بي وبكلامي يستحيي به ابن الإنسان، متى جاء في مجده ومجد الآب والملائكة الأطهار." (لوقا 9: 25-26)

هل يحدث معي في بعض الأحيان أن أتصرف وكأن الله غير موجود، أو أن أعيش بحسب منطق العالم؟

الجمعة  26  شباط:
" تعالوا إلي جميعا أيها المرهقون المثقلون، وأناأريحكم." (متى 11: 28)

أُمكث معي يا رب، وساعدني على حَملِ مشاكلي وصعوباتي ومخاوفي.

السبت  27  شباط:
      وَقَالَ لِخادمهِ: «اصْعَدْ وتَطَلَّعْ نَحْوَ الْبَحْرِ». فَصَعِدَ وَتَطَلَّعَ وَقَالَ: «لَيْسَ شَيْءٌ». فَقَالَ له إيليا لسبع مرات: «ارْجعْ!» (1 ملوك 18: 43)

يا رب، أعطني الصبر والمثابرة أن أنظر وأكرر النظر إلى الأشياء الصغيرة نفسها "سبع مرات"، كي أتمكن من اكتشاف العمل الكبير الذي يختفي داخلها.

الأب غدير الكرملي

6
زمن الصوم الكبير للعام 2016 – رياضة روحية عبر النت مع النبي إيليا: اللقاء بإله الحياة
الأسبوع الأول : الإختباء في البرية

» امْضِ مِنْ هُنَا  (أُترُك هذا المكان) وَاتَّجِهْ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَاخْتَبِئْ عِنْدَ النهر ...«  (1ملوك 17: 3)

1.  نص من حياة إيليا النبي: الله يتكلم ويعمل (1 ملوك 17: 2 - 6)
وكان كلام الرب إلى إيليا قائلا:
«امْضِ مِنْ هُنَا (أترك هذا المكان) وَاتَّجِهْ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَاخْتَبِئْ عِنْدَ نَهْرِ كَرِيثَ الَّذِي في شرق الأُرْدُنِّ، فَتَشْرَبَ مِنَ النَّهْرِ. وَقَدْ أَمَرْتُ الْغِرْبَانَ أَنْ تُطعِمَكَ هُنَاكَ».
فَانْطَلَقَ إيليا وَعَمِلَ حَسَبَ كَلاَمِ الرَّبِّ، وَذَهَبَ فَأَقَامَ عِنْدَ نَهْرِ كَرِيثَ الَّذِي في شرق الأُرْدُنِّ. وَكَانَتِ الْغِرْبَانُ تَأْتِي إِلَيْهِ بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ صَبَاحًا، وَبِخُبْزٍ وَلَحْمٍ مَسَاءً، وَكَانَ يَشْرَبُ مِنَ النَّهْرِ.«

2.  تأمُّل :  الإختباء في البرية

أ)  "امْضِ مِنْ هُنَا  (أُترُك هذا المكان)..."

إن الإعلان عن آفة الجفاف (17: 1) يفتتح الفصول 17-18 من سفر الملوك الأول. كان الإسرائيليون قد خانوا الله والعهد المبرم معه بالإنخراط في عبادة البعل. في كل سنة، كان على كل إسرائيلي أن يُقدِّم للكاهن نصيباً من ثمارِ محاصيله كتقدمة شكر لعطية أرض الميعاد من قبل الرب (أنظر تثنية 26: 4-10) . لكن وبسبب الجفاف الذي عاقبهم الله به، لم تعد هذه التقدمة ممكنة، لأن عبادتهم للأوثان قد جعلت العهد مع الله باطلاً والأرض جرداء. والنبي إيليا يعلن لهم العواقب الحتمية لخيانتهم هذه للعهد ولعدم ورعهم: خطيئتكم ستحول أرض الميعاد إلى صحراء. وبعد أن أوصل إيليا رسالة الله هذه للشعب، يهرب بناء على أمر من الله. لأن هذا كان الخيار الوحيد الممكن عندها. فقد كان إيليا طوال السنين الثلاثة للجفاف التي تبعت إعلانه هذا، مطلوباً للقبض عليه من قبل رجال أخآب (1 ملوك 18: 10). لذلك كان على إيليا أن يختبئ كالمنبوذ أو المجرم.
هذا الحدث الكتابي يكشف لنا أن حياةً لا تُصغي إلى كلمة الله تصبح عقيمة، لأن الله ينتظر أن أقدم له ثمار حياةٍ قد زرعها هو بكلمته (تَذَكَّروا مثل الزارع).
يمكنني أن "أتذكر" بامتنان، أي أن أستعيد بامتنان وشكر لله ذكرى ثمار عشتها في حياتي بفضل حب الله المُخَلِّص. على مثال إيليا، أنا أيضاً (أقصد في هذه الفقرة كل واحد منا) اختبرت كيف أن كلمة الله قد لمست حقاً قلبي. وكفعل امتنان وعرفان بالعطايا المعطاة لي من قبل الله، يمكن أن تجعلني كلمة الله أذهب إلى أبعد في طريق التحرير.. أن أمضي قُدماً في هذا الطريق. لأني أنا أيضاً أعاني من الجفاف والعقم المرتبطان بتصرفاتي التي غالباً ما تُبعدني عن الله. ويصيبني الحزن بسبب تكرار عدم أمانتي، وجُبني وقلة ثقتي بالله، وضعفي وتعلقي بالدنيويات.
ليَهبني الرب نوره وقوته كي أُمَيِّزَ ما لا يزال وثنيًا في رغباتي؛ وكي أفتح قلبي وأذني لصوت الرب ودعوته لي بأن أترك كل ما من شأنه أن يجعل من حياتي صحراء.. جرداء.. أرضاً يطالها العطش واليبوسة والمجاعة تجاه وعود الرب، الذي يقول لي اليوم أنا أيضاً : "امْضِ مِنْ هُنَا ...» ، أترك .. ابتعد من هذه الأماكن ...
 
ب)  "واتّجه نَحْوَ المشرقِ.."

يبدو أن إيليا، أثناء إعلانه عن آفة الجفاف إلى أخآب الملك، أنه كان قد تصرف بمبادرة منه (1ملوك 17: 1). فقد تكلم باسمه الشخصي دون أن يستخدم المقدمة النبوية التقليدية "هكذا يقول الرب". إنه بالتأكيد تصرف هكذا بدافع هاجس خدمة الله الحي، لكن ألا يعكس هذا أيضاً نوعاً غامضاً من الكَرَم الشخصي على الأغلب؟ (وهو ما نقع فيه نحن أيضاً في بعض الأحيان ونعزو تصرفنا وكأنه إرادة الله نفسها!).
بعد هذا الإعلان، يُرسله الله إلى البرية والخلوة كي يُنَشِّئه في مدرسة كلمته. فعلى إيليا أن يُنَمّي عنده موقف الإصغاء المتواضع والطاعة. عليه أن يختبر وضعاً يكون فيه في حالة إعتماد كلّي على الله. وأن يتعلم بأن بقاءه على قيد الحياة متعلق تماماً بهذا الخبز وهذا الماء اللذين لا يمكن أن يرجوهما إلاّ من العناية الإلهية. في ظروفه هذه إذن والتي يجد نفسه فيها منعزلاً ووحيداً، سيستطيع أن يختبر محدوديته وعدمه وبؤسه وبالتالي ضروره إتكاله الكلي على الله وحده.
إن البرية أو الصحراء هي المكان المناسب لمعرفة الذات، لأنها تسمح لنا أن نختبر عن قرب هشاشة الوضع البشري. إنها تشبه العودة إلى مرحلة الطفولة: نحن نتكلم هنا عن "مرحلة الطفولة" التي نتعلم فيها كيف نسمح لله أن يجعلنا نولد إلى حياة جديدة، حياة أبناء الله .. أي كيف صبح أبناءً لله. إن خطيئة الوثنية الأساسية هي في الواقع "عبادة الذات"، أي أن أرغب في أن أجعل من ذاتي أنا، خالق حياتي أو مصدر وجودي. هذا هو أساس خطيئة الإنسان منذ البداية كما ينقلها لنا الكتاب المقدس وإلى اليوم. فالكبرياء يدفع الإنسان إلى أن لا يعتمد إلاّ على ذاته وأن لا يثق إلاّ بجهوده وقدراته الشخصية. هذه الأشياء هي مفيدة عندما يتعلق الأمر بتحمل مسؤولياتنا في العالم، لكنها غير مناسبة أبداً عندما يتعلق الأمر باشتراكنا في حياة الله. إن خبرة المرور بالبرية تعكس هشاشة إدعاء الإنسان هذا، في أن يجعل من نفسه إلهًا. فالعَوَز يُعَلِّمنا أن نتلقى حياتنا من "آخر" وأن نعيش في نفس الوقت، بنوتنا الإنسانية والإلهية. لكن مع ذلك، إن حياة الخلوة في البرية هذه سوف لن تعطي أية ثماراً أو فائدة إذا تحولت إلى مجرد إنجاز تقشفي شخصي أجد فيه راحة الضمير ورضىً نفسي يوهمني بأني قمت بعمل رائع. فلكي تكون الخلوة مكاناً للإمتنان والشكر، عليها أن تكون منقادة من قبل الروح القدس، روح التواضع والثقة، روح الوداعة والتسليم التام بين يدي الآب. عندها فقط ستسمح لي خبرة ضعفي وفقري أن أكتشف كم أن الحياة هي عطية لا أستحقها  بالمقارنة مع كل خياناتي وبعدي عن الله. وعندها سيدفعني الروح القدس إلى البرية (إلى الإختلاء) كي يُنَشِّئَني على الإصغاء الحقيقي إلى كلمة الله. المَشرِق يرمز إلى ابن الله، أي إلى الشمس المشرقة، الذي بقيامته، ينشر علينا محبة الآب. الابن الوحيد، هو يُخلِّصنا من الموت الذي تسببه الخطية، كي يجعلنا نولد إلى حياة أبناء الله: " اتّجه نَحْوَ المشرقِ.." كي تحتفل بفرحٍ بقيامة الابن وبولادتك أنت إلى الحياة الإلهية!


ج)  " وَاخْتَبِئْ عِنْدَ النهر.."

يمضي إيليا ويختبئ، بحسب كلمة الله له؛ ويختبر عندها بأن العناية الإلهية هي التي تُوفِّر له الطعام وتسقيه. لكن علينا أن نفهم أنا ما يهمنا في معنى "الإختباء" هنا، هو أن ننزل في أعماقنا، في المكان الذي لا يمكن أن تصل إليه أية نظرة بشرية، لكي "نقف" في حضور الله نفسه. فالله هو وحده ينبوع كياني، هو الآب، هو المصدر. الله مختبئ فيَّ، لأن حضوره غير منظور لكنه مع ذلك هو قريب جداً، أقرب مما نتصور. لهذا عليّ النزول إلى هذا المكان في قلبي حيث الله وحده يسكن ويقيم، كيما أستطيع الإصغاء إلى كلامه وفهمه وحفظه، كي يصبح بعدها طعاما حقاً وشراباً حقاً. أن "أختبئ"، يعني أن أختلي في داخلي أثناء يومي كي أكتشف، ولو للحظة، الحضور الحميم لذاك الذي ينظر إليّ كما ينظر إلى ابنه الوحيد!
إن إنجيل هذا الأحد الأول من الصوم يبين لنا بأن يسوع قد جُرِّبَ بالتحديد في حقيقته كابن لله: "إنْ كنت ابن الله!"
(أنظر لوقا 4: 3 ، 9). ونحن أيضاً، على مثاله، نُجَرَّب طوال حياتنا، لكن يسوع موجود في أعمق أعماق قلبي كي يساعدني لأكافح ضد كل ما يجعلني أقاوم إرادة الله فيّ وكل ما يمنعني من أن أعيش حقاً الثقة المطلقة بالله.. ثقة أبناء الله. أي كي لا أسقط في التجربة بل أتجاوزها كما فعل هو.
أطلب من الروح القدس اليوم أن يجعلني طَيِّعًا إلى كلمة الله وأن أدع يسوع يقود نفسي نحو الآب. من أجل ذلك، ألتحق بالابن في هذه الخلوة المَخفية عن العين البشرية: " اخْتَبِئْ عِنْدَ النهر ..." ، لنأخذ بعض اللحظات في صمت وخلوة كي أصغي لصوت الله في داخلي.

3.  تأمل في إنجيل الأحد (لوقا 4: 1-13) : تجارب يسوع
أ)  "امْضِ مِنْ هُنَا  (أُترُك هذا المكان) ...

فصل من بشارة القديس لوقا الإنجيلي البشير
في ذلك الزمان:
رجع يسوع من الأردن، وهو ممتلئ من الروح القدس، فكان يقوده الروح في البرية  أربعين يوما، وإبليس يجربه، ولم يأكل شيئا في تلك الأيام. فلما انقضت أحس بالجوع.
 فقال له إبليس: (( إن كنت ابن الله، فمر هذا الحجر أن يصير رغيفا)).  فأجابه يسوع: (( مكتوب: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان)).
 فصعد به إبليس، وأراه جميع ممالك الأرض في لحظة من الزمن،  وقال له: (( أوليك هذا السلطان كله ومجد هذه الـممالك، لأنه سلم إلي وأنا أوليه من أشاء.  فإن سجدت لي، يعود إليك ذلك كله)).  فأجابه يسوع: (( مكتوب: للرب إلهك تسجد، وإياه وحده تعبد)).
 فمضى به إلى أورشليم، وأقامه على شرفة الـهيكل وقال له: (( إن كنت ابن الله، فألق بنفسك من ههنا إلى الأسفل، لأنه مكتوب: يوصي ملائكته بك ليحفظوك))،  ومكتوب أيضا: ((على أيديهم يحملونك لئلا تصدم بحجر رجلك)).  فأجابه يسوع: (( لقد قيل: لا تجربن الرب إلـهك)).
 فلما أنهى إبليس جميع ما عنده من تجربة، انصرف عنه إلى أن يحين الوقت.
إن التجربة، هي الكلام المنحرف، المُضَلَّل، هي تهديم الإنسان (عكس الخلق). هكذا إذن نرى أنه بعد عماده مباشرة، يجد يسوع نفسه أمام اللامعنى والموت. وهذا حدث في البرية حيث قاده الروح القدس. كي نستطيع فهم مبادرة الروح القدس الغريبة هذه، علينا أن نُذَكِّر أنفسنا بالآية التي تسبق نصنا مباشرة: ((وأتى صوت من السماء يقول: أنت ابني الحبيب، عنك رضيت)).أو الترجمة الأفضل: ((فيك وضعت كل حُبي))، إذن يسوع الممتليء بالروح القدس، سمع أباه يُعبِّر له عن الحب اللامحدود الذي يحمله تجاهه. لكن يسوع لا يجيب بشيء على حُب الآب الفريد هذا، كما لو كان عليه أن يدع هذا الكلام العجيب ينزل إلى أعماق قلبه. كلام إلهي عجيب لدرجة أنه لا يُفهَم إلا في الصمت ... لن هذا الصمتٌ سيسمح لعبارات أخرى مناقضة أن تدخل... عبارات مثل: "إن كنتُ ابن الله، فمالذي يمنعني من أن أغير هذه الحجارة إلى خبز وأضمن الأمان المادي لي؟"؛ أو "إن كنتُ أنا ابن الله، مالذي يمنعني من استخدام قدرتي الكبيرة على كل ما يقع تحت نظرتي؟" هذه هل لحظات قلق وتجارب إنسانية تماماً... كان على يسوع أن يعيش إنسانيتنا إلى هذه الدرجة. كان لابد ليسوع أن يواجه هذه التجارب لكي يكون جوابه للآبع  جوابًا حُراً تماماً.
إن المسيح يفتح لنا طريق الحرية البنوية بالإعتماد الكلي على كلمة الآب. في ثلاث مرات، يَعبر ويجتاز التجربة من خلال إعلانه آية من كتاب سفر تثنية الإشتراع، لأن كلام الله حق وصدق. مع هذه الاستشهادات الثلاثة من كلام الله، يسوع يستند على شريعة الحياة وعلى وعد الله بخلاص شعبه. هكذا إذن في البرية، استطاع يسوع أن يعيش إنسانيته من خلال كلام حُر، وحقيقي ومُحب:
كلام حُر في حضور الله لأنه رفض أن يغير الله بشيء آخر .. رفض إذن عبادة الأوثان، رفض أن يتخذ إلهاً غير الله؛
كلام حقيقي تجاه ذاته هو، لأنه أراد أن يعيش تماماً هشاشة وضعه البشري؛
وكلام مُحِب تجاه الآخرين، لأنه تخلى عن كل أنواع العلاقات المستندة على السلطة والقوة. يسوع هو الآن جاهز لكي يعلن الكلام الذي يُحرر ويُؤنسن (يُنَمّي إنسانياً): أي الإنجيل!
ونحن أيضاً، يدفعنا الروح القدس إلى البرية (الخلوة في الرياضة الروحية) كي نولد ونعيش من الكلام النقي الخالي من أي نوع من أنواع الوثنية، ومن كل كذب ومن كل رغبة في السلطة.
في زمن الصوم هذا، زمن التوبة، لنسأل أنفسنا بخصوص نوعية كلامنا. لتهدنا نعمة زمن التوبة هذا إلى أن يكون كلامنا كلاماً حُراً، وحقيقياً ومُحبًّا، أي كلاماً إنسانياً على صورة يسوع، هو كلمة الآب الأزلي.

إن نص تجارب المسيح هذا هو نص غني جداً بالمعاني الروحية:
منذ بداية رسالته العلنية، يواجه يسوع  قوى الشر. ومنذ البداية سيتغلب عليها؛ وسينتصر أيضاً عند الهجمة النهائية لقوى الشر، أي في بستان الزيتون وطريق الآلام الذي يتبع ذلك حتى الصلب.
الإنجيل يربط بين البداية والنهاية. فنحن نجد في الواقع بأنه بعد التجربة الثالثة في نصنا اليوم العبارة التالية: "فلما أنهى المجَرِّبُ جميع ما عنده من تجربة، انصرف عنه إلى أن تحين الساعة". أي تلك "الساعة" التي سيلمح إليها يسوع عندما يوقفه الحرس في بستان الزيتون: "الآن أتت سَاعَتُكُمْ؛ وهذا هو سُلْطَانُ الظُّلمَات" (لوقا 22: 53).
لكن يسوع لم يُجَرَّب فقط في بداية حياته وفي نهايتها، لأنه بين تجارب البرية في البداية وتجارب جتسمانية والآلام في النهاية، لم يتوقف يسوع عن محاربة قوى الشر وعن تحقيق النصر عليهم من خلال شفاءاته وطرده للأرواح الشريرة؛ والتجارب الثلاثة في البرية في نصنا اليوم تعكس لنا ثلاثة أنواع من الأعمال والتأثيرات التي رفضها يسوع طوال حياته:
1) "مُرْ هذا الحجر أن يصير خُبزاً!"، ... لو فعل يسوع هذا لَكان "مسيح" الفيض والراحة
2) "ستحصل على مجد جميع الممالك!"، ... لو فعل يسوع هذا لَكان سيعكس "مسيح" القدرة والسلطان.
3) "ألقِ نفسك إلى الأسفل، والملائكة سيحفظوك!"، ... لو فعل يسوع هذا لَكان سيعكس "مسيح" الهيبة والجاه 
                                                                                                        واضعاً الله في خدمته.

لكن في مشروع الله، السلطان الوحيد ليسوع يجب أن يكون غَلَبة وتألُّق الحقيقة.

إن قصة التجارب هذه كانت مفهومة بالنسبة للجيل الأول من المسيحيين، أكثر مما هي بالنسبة إلينا اليوم، لأنها كانت تُذَكِّرهم بوضوح بالتجارب الثلاثة للشعب العبراني أثاء مسيرته في البرية:
- الحجر المحوَّل إلى خبز .. كان يُذكِّرهم بحدث المَن السماوي (خروج 16)؛
- السجود الذي طالب به المجرِّب .. يُذكرهم بحدث العجل الذهبي (خروج 32)؛
- وتجربة إجبار الله على القيام بمعجزة .. كان يُذكِّر بتمرد الشعب في واحة مَسّة (خروج 17).
   
       هكذا إذن، التجارب الثلاثة التي تَغَلَّب عليها يسوع شخصياً ولم يسقط فيها، كمسيح مُرسَل من قبل الله، كان شعب إسرائيل قد اختبرها، جماعياً، كشعب شاهد لله ولعهده مع البشر لكنه سقط فيها جميعها.

    ونحن اليوم نواجهها أيضاً في حياتنا الشخصية كمُعمدين، لاننا نحن أيضاص نختبر طوال حياتنا هذه الإغراءات الثلاثة: -  إغراء الفيض والبحث عن الراحة وعدم الجهد،
-  إغراء رغبتنا في امتلاك السلطة والنفوذ
-  وإغراء أن نجرب الله ونبتز محبته.

    فنحن نتمنى لو أن إيماننا يَضمن لنا الأمان المادي والراحة، ونتمنى لو أن مكاننا كشهود للمسيح في العالم وبفضل خداماتنا كتلاميذ للمسيح يعطينا السلطة والنفوذ والإحترام، وكذلك نتمنى لو أن الله "يمسكنا ونحن طائرون ويحفظنا من السقوط!" أي أن يكون ضمانًا لنا من خلال تدخلاته المستمرة والأعاجيبة في حياتنا لإزالة كل خطر أو صعوبة تواجهنا.

     لكن مثال يسوع اليوم يجبرنا على أن نبتعد نحن أيضاً بدورنا عن هذه التجارب. لأننا معمَّدون، ولأن الروح القدس يعطينا مسؤولية في عمل المسيح يسوع، وعلينا إذن أن نتخلى عن البحث عن الراحة، والسلطان، وكل ما هو فوق إعتيادي وأعاجيبي، لكي نشترك بدورنا في انتصار يسوع، فنتشبه به في حريته أيضاً، حرية أبناء الله.

    هذا هو معنى صومنا الحقيقي:
    -  أي أن نعيش في العمق، وليس فقط من الخبز .. أن نعيش من كلمة الله، أي من إرادته؛
    -  أن نعبد الله وحده، وأن نتخلى أمامه عن كل أنواع السلطان الأخرى
    -  أن نحب الله بمجانية تجعلنا نتوقف عن محاولتنا لجعله في خدمتنا وخدمة إرادتنا ورغباتنا.

       عندها فقط، طعامنا اليومي، طعام كل يوم، طعامنا الضروري والطيب، سيكون:  تحقيق إرادته هو وليس إرادتنا. آمين.

    4.  ثلاثة مسارات لتَبَنّي الإنجيل وتطبيقه في حياتنا، وآية من الكتاب المقدس للحفظ  و "للتنفس"
*   "امْضِ مِنْ هُنَا  (أُترُك هذا المكان) ..." : أَترُكُ كل ما يجعل من حياتي صحراء، بإتخاذ أفعال تجرد ملموسة وواقعية كي أضع نفسي في وضع إصغاء لوعود الرب يسوع.
*  "اتّجه نَحْوَ المشرقِ.." : أطلب عون الروح القدس كي يجعلني أصغي في الحق إلى كلمة الله وأدخل في سر الابن الذي فيه وبفضله أصبحنا نحن أيضاً ابناء الله.
*  "وَاخْتَبِئْ عِنْدَ النهر..": ألتحقُ بيسوع في هذه الخلوة المحجوبة عن عيون البشر، لكيما يقودني ويدفعني في طريق تسليم ذاتي بثقة إلى إرادة الآب.

آية تساعدني على البقاء في حضور الله والتركيز على توبتي ورجوعي المستمر إليه
-  مع الشهيق أردد العبارة التالية كعلامة على الطاعة لإرادة الله:
                                                            "امْضِ مِنْ هُنَا وَاتَّجِهْ نَحْوَ الْمَشْرِقِ... 
        -  مع الزفير أردد العبارة التالية كعلامة على حضور الله في قلبي:
                                                                     "وَاخْتَبِئْ عِنْدَ النهر ..."


5.  الصلاة كل يوم من أيام الأسبوع مع إيليا النبي:

الأثنين 15 شباط:
"إِنْ لَمْ تَسْمَعْ لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ كي تَحْرِصَ على أَنْ تَعْمَلَ بِجَمِيعِ وَصَايَاهُ وَفَرَائِضِهِ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ... فبدل المطر لأرضك، سيُنزِلُ الرَّبُّ من السماء على أَرْضِكَ غباراً وَتُرَابًا."  (تثنية 28: 15 ، 24)

يا رب، افتحْ آذان قلبي، كي لا يُصبح قلبي صحراءً عقيمة، لكن حديقة خصبة ومثمرة


الثلاثاء 16 شباط:
"انْطَلَقَ إيليا وَعَمِلَ بحَسَبِ كَلاَمِ الرَّبِّ، وَذَهَبَ فَأَقَامَ عِنْدَ نَهْرِ كَرِيثَ الَّذِي في شرق الأُرْدُنِّ." (1 ملوك 17: 5)

هل أملك الشجاعة لأن "أختبئ" .. أن أبقى مع الله في الصمت، دون أن البحث الدائم عن صور أو ضوضاء؟ لنجبر أنفسنا على أخذ بعض الخلوة مع الله كي نصغي له فقط .. من أجله هو .. كي نفرحه هو.

الأربعاء 17  شباط:
«اَلْكَلِمَةُ قَرِيبَةٌ مِنْكَ جداً، إنها فِي فَمِكَ وَفِي قَلْبِكَ هذه الكلمة هي كلمة الإيمان الَّتِي نَكْرِزُ بِهَا: لأَنَّكَ إِنِ اعْتَرَفْتَ بِفَمِكَ بأن يسوع هو الرب، وإنْ آمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، ستحصل على الخلاص.» (رومة 10: 8-9)

كلمةالله هي قريبة جداً مني. ألا أميل غالباً في البحث عنها في أماكن بعيدة جداً، في كل ما هو مثير وجذاب، بدل من أن أصغي إلى قلبي؟ الله هنا فيّ، لماذا البحث عنه بعيداً..؟

الخميس 18  شباط:
"لقد أفقرك، وَأَجَاعَكَ وَأَطْعَمَكَ الْمَنَّ الَّذِي لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهُ وَلاَ عَرَفَهُ آبَاؤُكَ، لِكَيْ يُعَلِّمَكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كلمة تَخْرُجُ مِنْ فَمِ الرَّبِّ." (تثنية 8: 3)

يا رب، أعطني الفقر الروحي، كي لا أكتفي بِتَخَيُّلِ أفكارٍ روحية جميلة، بل كي أبحث عن التعرف عليك حقًا في حياتي الواقعية اليومية.


الجمعة  19  شباط:
"لاَ تُجَرِّبُوا الرَّبَّ إِلهَكُمْ كَمَا جَرَّبْتُمُوهُ فِي مَسَّةَ." (تثنية 6: 16)

يا رب، أعطني النعمة كي أتعرف على الطرق التي تفتحتها أمامي وأن لا أبقى جامداً متمسكاً بأفكاري.

السبت  20  شباط:
       "الرَّبَّ إِلهَكَ تَخَفْ، وَإِيَّاهُ تَخدُم." (تثنية 6: 13)

مخافةالله، هي المحبة، وخدمته، هي الحرية الحقيقية؛ أن نكون مرتبطين معه هذا هو مصدر كل حياتنا.


7
زمن الصوم الكبير للعام 2016 – رياضة روحية عبر النت مع النبي إيليا:
اللقاء بإله الحياة
أربعاء الرماد : عبادة الأوثان والتوبة

» حُيٌّ الرب الذي أنا واقف أمامه! « (1 ملوك 17: 1)

1.  مسيرتنا في الرياضة الروحية
إن النبي إيليا، مثله مثل يوحنا المعمدان (السابق للمسيح، أي الذي يعد الطريق له)، يتقدم المسيح في الزمن وسيهيئنا إذن للدخول في سره الفصحي. علينا في هذه الرياضة أن نأخذ على عاتقنا ونتبنى قصة إيليا (وهو نبي بأعماله أكثر مما بأقواله) كي نتمكن نحن من السير خلف يسوع. سيساعدنا إيليا شيئاً فشيئاً على اللقاء "بإله الحياة" كيما نصبح أفضل تلاميذٍ للمسيح.
لكن لماذا وكيف يستطيع إيليا أن يساعدنا في ذلك؟
أولاً لأن إيليا هو رجل الكلمة، النبي بامتياز، الضامن لعهد الله مع شعبه على غرار موسى، ونراه جنباً إلى جنب مع هذا الأخير أثناء تجلي الرب يسوع.
إيليا هو أيضاً رجل الإصغاء، فحياته بأكملها منقادة ومُوَجّهَة من قِبَل كلمة الله الذي كَرَّس حياته بامتياز للشهادة لها (أي لكلمة الله).
إيليا أيضاً هو رجل الفعل (العمل)، فقد التزم دون تحفظ في تأريخ الخلاص: وهو لم يترك لنا أي شيء مكتوب، لأن نبوءته هي بأكملها فعل وعمل.
لهذه الأسباب يُعتَبَر إيليا "أبو الرهبانية الكرملية" لأنه شاهد أمين على الإصغاء إلى كلمة الله في الصلاة وكذلك على تحقيق أو تنفيذ هذه الكلمة في العمل. إن الصلاة في الكرمل ليست في الواقع البحث عن الراحة السعيدة والهدوء والسكينة، لكنها اشتراك في سعي الله وشغفه من أجل خلاص العالم.
إن رياضاتنا الروحية هي أيضاً دعوة لنا لأن نرغب نحن أيضاً في هذا الخلاص ونشتاق إليه في قلب حياتنا، كي نستقبل من يسوع المائت والقائم، السلام الذي هو وحده يستطيع أن يعطيه. إن السلام الحقيقي ينبع من إشتراكنا في محبة الآب في وسط صراعات هذا العالم ومن أجل هذا العالم.
hill
2.  نص من حياة إيليا النبي: وثنية أخآب والإعلان عن الجفاف (1 ملوك 16: 29-34 ؛ 17: 1)
مَلَكَ أخآبُ بن عُمرِي على إسرائيل في السنة الثامنة والثلاثين لآسا، ملك يهوذا. وكأنت مدة مُلك أخآب بن عمري على إسرائيل في السامرة إثنتين وعشرين سنة. وَعَمِلَ أَخْآبُ بْنُ عُمْرِي الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ الَّذِينَ قَبْلَهُ. ولم يكفه أن سار في خَطَايَا يَرُبْعَامَ بْنِ نَبَاطَ ، فتزوج إيزابَل، ابْنَةَ أَثْبَعَلَ مَلِكِ الصِّيدُونِيِّينَ، وَراحَ يعبد الْبَعْل وَيسجد لَهُ. وَأَقَامَ مَذْبَحًا لِلْبَعْلِ فِي بَيْتِ الْبَعْلِ الَّذِي بَنَاهُ فِي السَّامِرَةِ. واقام أحآب وتدا مقدسا. وَزَادَ أَخْآبُ فِي الْعَمَلِ لإِغَاظَةِ الرَّبِّ إِلهِ إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ مُلُوكِ إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُ.
وفي أيامه أعاد حيئيل، الذي من بيت إيل ، بناء اريحا، بحياة أبيرام بكره اسسها وبحياة سجوب، أصغر بنيه، نصب أبوابها ، على حسب كَلاَمِ الرَّبِّ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ عَنْ يَدِ يَشُوعَ بْنِ نُونٍ.
فقال إِيلِيَّا التِّشْبِيُّ مِنْ مُسْتَوْطِنِي جِلْعَادَ لأَخْآبَ: (( حي الرب، إله إسرائيل، الذي أنا واقف أمامه! إنه لا يكون في هذه السنين ندى ولا مطر إلا بأمري )).

3.  من هو إيليا؟
إيليا يظهر فجأة في سفر الملوك الأول ويختفي بصورة غامضة على عربة نارية. لا نعرف نسبه، فكل ما نعرف عنه هو أنه من منطقة غير معروفة تدعى "تِشْبة"، في القرن التاسع قبل الميلاد. يظهر كرجل منعزل ومتوحد، مجهول. اسم "إيليا" يبدو كأنه صرخة معركة: "إلهي، هو الرب". ينتسب إلى التقليد النبوي الخالص، ونراه لهذا يتدخل عند الملك كمترجم أو متحدث حيٍّ للرب، في وقتٍ كانت فيه سياسة زواج أخآب مع إيزابَل تدفع بإسرائيل نحو عبادة الوثن "بعل" وهَجْرِ إله العهد. لنتذكر هنا بأنه في تلك الحقبة التي عاش فيها إيليا، وحدة الشعب العبراني التي حققها الملك داوؤد ومن بعده ابنه سليمان لم تعد قائمة. فإسرائيل (اسم مملكة الشمال)، كانت منفصلةً عن يهوذا (مملكة الجنوب).
هكذا إذن، إيليا هو في خدمة الله الذي أراد أن يلتزم تأريخ البشرية كي يحررها. إنه رجل الله، لكن أيضًا رجل سياسة. وعمله سيذهب إلى حد العنف في سياق أزمة خطيرة للغاية، يجد نفسه فيها وحيداً ضد تعسف السلطة آنذاك التي لم يكن أحدٌ يجرؤ على معارضتها. إن حياة إيليا مُقادةٌ باستمرار من قبل كلام الله ما عدا في لحظة ضعف يهرب فيها أمام غضب إيزابَل. ستكون هذه الخبرة بالنسبة له مناسبة للتطهير العميق واختبار فريد لله. هكذا إيليا هو بامتياز صورة أو رمز للإنسان المصغي لله. في العهد الجديد، إيليا مرتبط بيوحنا المعمدان، السابق للمسيح، هذا المسيح الذي جاء كي يتمم خلاص الله في تأريخ البشرية.

4.  خطيئة عبادة الأوثان والدعوة إلى التوبة أو الرجوع إلى الله
الملك أخآب هو ابن لـ "عُمري" الذي اغتصب السلطة بالقوة المسلحة في 885 قبل الميلاد. حكم أخآب على مملكة الشمال من 874 إلى 853 (ق م). أقام عهداً مع ملك صور وصيدا لحماية نفسه من دمشق، لهذا تزوج من ابنه هذا الملك التي كانت تدعى إيزابَل. هذه الأميرة الفينيقية، هي التي أدخلت إلى إسرائيل عبادة البعل اشيرة، وكانت تعول كثيرين من كهنة البعل وقد اضطهدت أنبياء الرب إله إسرائيل. هكذا ابتعد أخآب عن الله وستدفعه وثنيته إلى ممارسة الأضاحي أو التقادم البشرية كما هو مُوضَّح في قصة إعادة بناء أريحا.
إن عبادة الأوثان هي أكبر خطيئة في العهد القديم. فهي تقود الإنسان إلى هلاكه لأنها تَقوده إلى تأليه رغباته الشخصية؛ وينتج عنها أسوأ الإضطرابات والفوضى كما يتضح ذلك من تجاوزات أتباع وكهنة البعل: طقوس فاجرة، رقصات نشوة، تقطيع وتشويه أعضاء، وطقوس تجارة، وبغاء مقدس... أي كل ما يدفعنا إلى أن نعمل من رغباتنا أشياء مطلقة وبهذا نصبح عبيداً لها. هكذا إذن نصبح عبيداً لشهواتنا، فنصير عميانًا ولا نعد نرى سبب مصائبنا وبؤسنا. على عكس ذلك، يدعونا النبي إيليا إلى خدمة الله الحي، الإله الوحيد الحقيقي، أي إلى أن نقف في حضوره وأن نصغي إلى كلمته كي نعيش منها ونعمل في نورها: "حُي الرب الذي أنا واقف أمامه!" أن نقف أمام الله الحي، يعني في الواقع أن نكون في إتحاد معه وفي نفس الوقت نعمل في خدمته.
في بداية زمن الصوم هذا، لنتعرف على ما يستعبدنا ويمنعنا من العيش في حضور الله الحي، كي نعرف ونكتشف فرح العيش في خدمته: "نسألكم ذلك، باسم المسيح، أن تَدَعُوا الله يُصالحكم." (2قور 5: 20).

5.  توجيهات عملية
ستستلمون كل سبت من زمن الصوم الكبير مَلَفاً يخص الأسبوع التالي ويحوي على:
* حدث من حياة إيليا مع تأمل
* تأمل في إنجيل الأحد
* ثلاثة مسارات لتَبَنّي الإنجيل وتطبيقه في حياتنا
* آية من الكتاب المقدس للحفظ  و "للتنفس"
* نص كتابي للتأمل كل يوم

هكذا إذن نحن مدعوون في هذه الرياضة الروحية، إلى أن نغوصَ بالفعل في كلمة الله كي تقود طريقنا نحو الفصح كما قادت حياة النبي إيليا نفسه. ولكي نبقى في جو الرياضة الروحية طوال اليوم، ندعوكم إلى تَذَكُّر أو حفظ آية الإنجيل التي نوصيكم بها. يمكنكم هكذا ترديدها في داخلكم طوال النهار كما كان آباءنا يفعلون بحسب التقليد الشرقي في الصلاة التي نسميها "صلاة يسوع". أن "نتذكر كلمة الله" .. أن نرددها داخلياً، هو أن نبقى في حضور الله إنْ كنا في البيت أم في الطريق، أم في العمل. فالله سيسكن في قلبنا عندما تسكن كلمته في ذاكرتنا. وكلمة الله هذه تكون فعالة عندما نحملها في ذاكرتنا وتنفسنا. الذاكرة والتنفس تعمل على أن تصبح كلمة الله فينا نوراً وحياة طوال الأيام. ابدئوا من الآن بحفظ وتنفس الصرخة الشهيرة لإيليا النبي التي أصبحت شعاراً للمُصَلي الحقيقي:
-   مع الشهيق كعلامة على الإستقبال (أستقبل حياتي من الله): "حي الرب..
-   مع الزفير كعلامة على التقدمة (أُقدِّم حياتي له):            ...الذي أنا واقف أمامه!"


6.  الصلاة كل يوم من أيام الأسبوع مع إيليا النبي، الذي يستأنف يوحنا المعمدان رسالته:

الخميس 11 شباط:
يقول الملاك لزكريا (بخصوص يوحنا المعمدان): "سيسير في الأمام، بحضور الرب، وفيه روح إيليا وقوته، ليعطف بقلوب الآباء على الأبناء، ويهدي العصاة إلى حكمة الأبرار، فيُعِدَّ للرب شعباً متأهباً." (لوقا 1: 17).

يا رب، ساعدني اليوم على أن أعمل من أجل المصالحة

الجمعة 12 شباط:
سأل التلاميذ يسوع: ((لماذا يقول الكتبة إنه يجب أن يأتي إيليا أولا؟)) فقال لهم: ((إن إيليا يأتي أولا ويصلح كل شيء. لكن كيف كتب في شأن ابن الإنسان أنه سيعاني آلاما شديدة ويزدرى؟ أقول لكم إن إيليا قد أتى، وصنعوا به كل ما أرادوا كما كُتب في شأنه.)) (مرقس 9: 11-13)

ربما هناك "إيليا" حولي، أي أشخاصاً يتكلم الله معي من خلالهم: هل أُصغي إليهم؟

السبت 13 شباط:
قال يسوع إلى الجمع بخصوص يوحنا المعمدان: (( ماذا خرجتم ترون؟ أنبيا ؟ أقول لكم: نعم، بل أفضل من نبي. فهذا الذي كتب في شأنه: ((هاءنذا أرسل رسولي قدامك ليعد الطريق أمامك (...) فجميع الأنبياء قد تنبأوا، وكذلك الشريعة، حتى يوحنا، فإن شئتم أن تفهموا، فهو إيليا الذي سيأتي.)) (متى 11: 9-14)

مالذي يجذبني في يومي؟ ما أنا ذاهب لأراه هنا أو هناك؟ راجعوا أنفسكم!

الأب غدير الكرملي

8
قراءات زمن الصوم الكبير (السنة ج)
اليوم   القراءة الأولى   القراءة الثانية   الإنجيل
أربعاء الرماد    يوئيل 2: 12 - 18    2 قورنتس5 :20 -6 :2    متى 6 :1-6، 16 -18
الخميس   الاشتراع 30 :15 -16– 18 أ 20       لوقا 9 : 22-25
الجمعة    إشعيا  58 : 1 -9       متى  9 :14 – 15
السبت    إشعيا  58 : 9ب – 14       لوقا 5 :27 – 32
الأسبوع الأول
الأحد الأول    الاشتراع 26 : 4-9 ، 10     روما 10 : 8- 13    لوقا 4: 1-13
الاثنين    الأحبار 19- 12 ، 11-18       متى 25 : 31-46
الثلاثاء    اشعيا 55 : 10 -11       متى 6: 7-15
الأربعاء    يونان 3: 1-10       لوقا 11: 29 -32
الخميس    ملوك الثالث 19 : 3-8       متى 7: 7-12
الجمعة    حزقيال 18 : 21-28       متى 5: 20 -26
السبت    الاشتراع 26 : 16 -19       متى 5: 43 -48
الأسبوع الثاني
الأحد الثاني    تكوين 15 : 5 -12 ، 17-18    فيلبي 3 : 17 – 4 :1    لوقا 9 :28 -36
الاثنين    حزقيال 34 :11 13، - 16      لوقا 6: 36 – 38
الثلاثاء    اشعيا 1: 16 -20       متى 23 : 1-12
الأربعاء    ارميا 18: 18 -20       متى 20 :17 -28
الخميس    ارميا 17 : 5 -10       لوقا 16 : 19 – 31
الجمعة    تكوين37: 3-4 ،12-13، 17-28       متى21 : 33 – 43،44– 46
السبت    ميخا 7: 14-15 ، 18 -20       لوقا 15 :1-3 ، 11 -32
الأسبوع الثالث
الأحد الثالث    الخروج 3: 1-8 ،13 -15    1قورنتس10:1- 6 ، 10-12    لوقا 13 :1-9
الاثنين    ملوك الرابع 5 : 1 -15         لوقا 4 : 24 -30
الثلاثاء    دانيال3: 25، 34-35، 37، 39-43      متى 18: 21 -35
الأربعاء    خروج 24 :12 -18       متى 5 : 17 -19
الخميس    ارميا 7 : 23 – 28       لوقا 11 : 14 – 23
الجمعة    هوشع 14 : 2-10       مرقس 12 :28-34
السبت    هوشع 6 :1 -6       لوقا  18 : 9-14

الأسبوع الرابع
الأحد الرابع   يشوع 5 :10 – 12    2قورنتس 5 :17 -21    لوقا 15 : 1-3 ، 11 -32
الاثنين    ملوك الثالث 17 : 8-16       يوحنا 4 : 43 -54
الثلاثاء    حزقيال  47 : 1-9 ،12       يوحنا 5 : 1-16
الأربعاء    اشعيا 49 : 8– 13       يوحنا 5 : 17- 30
الخميس    خروج 32 : 7 -13أ ،14       يوحنا 5 : 31 -47
الجمعة    الحكمة 2 : 1أ، 12 -22       يوحنا 7 : 1-2 ،10 ،25-30
السبت    ارميا 11: 18-20 أ ج       يوحنا 7 : 40 -53
الأسبوع الخامس
الأحد الخامس   اشعيا 43: 16 -21    فيلبي 3 : 8 -14    يوحنا 8 :1-11
الاثنين    ميخا 7 : 7-9       يوحنا 8 : 12 – 20
الثلاثاء    العدد 21 : 4-9       يوحنا 8 : 21 -30
الأربعاء    دانيال 3 : 14 -20 ،91 -92 ،95       يوحنا 8 : 31 -42
الخميس    تكوين 17 : 3-5 ، 7 ،9        يوحنا 8 : 51-59
الجمعة    أرميا 20 : 10 -13       يوحنا 10 : 31 -42
السبت    حزقيال 37 : 23 -24 ، 25 -27       يوحنا 11 : 45 -57
الأسبوع المقدس
احد السعانين    إشعيا 50 : 4-7    فيلبي 2 : 6-11    لوقا 22 :14 -23 :56
أو 23: 1-49
الاثنين    إشعيا 42 : 1-7       يوحنا 12: 1-11
الثلاثاء    إشعيا 49 : 1-6       يوحنا 13 : 21-33 ،36-38
الأربعاء   إشعيا 50 : 4-9       متى 26 : 14-25
الأب غدير الكرملي

9
الرهبانية الكرملية في العراق (إقليم باريس) تقدم لكم
رياضة زمن الصوم الكبير عبر النت مع النبي إيليا (2016

ماذا يمكن أن يقوله لنا رجل عاش قبل 3000 سنة تقريباً؟ إيليا التشبي ، أحد كبار أنبياء القرن التاسع قبل الميلاد والذي يُعَد شخصية أساسية في العهد القديم، وقد ظَهَر في الإنجيل أثناء تجلي الرب يسوع. لكن حياته تبقى غير معروفة إلى حد ما. تستمر عائلة الكرمل الروحية بالحفاظ على إرث هذا النبي بعناية، وعيًا منها بالغنى الروحي الكبير الذي ينقله هذا النبي العظيم اليوم لكل واحد منا.
نقترح عليكم في رياضتنا الخاصة بزمن الصوم الكبير لهذه السنة غوصًا في كلام الله وتغيير حقيقياً في حياتنا. ستكتشفون من الداخل، مدى أهمية وآنية رسالة إيليا النبي والتي يمكننا تلخيصها بالنقاط التالية:
- دعوة إلى حياةٍ متجذرة في الصمت أمام غليان وهيجان العالم من حولنا؛
- دعوة إلى اختيار الإله الحقيقي أمام أزمة الإيمان وإتخاذ "آلهة" غيره، أي أمام أزمة ولادة الوثنية الجديدة.
- امتلاك الشجاعة لفضح تواطؤ السلطات السياسية والاقتصادية التي تسحق الضعفاء والفقراء والتنديد به والوقوف أمامه.

عندها، النار التي كانت تحرق قلب النبي إيليا ستنتشر في قلبنا أيضاً: إنها نار الروح القدس الذي سنستقبله في العنصرة كي»نلتقي بإله الحياة«.

إليكم المراحل الستة التي سنتبعها في زمن الصوم الكبير لهذه السنة:
1) الإختباء في البرية
2) كفاح (صراع) الثقة
3) التنديد بالظلم
4) إستعادة ما فقدناه
5) اللقاء بالآخر في فقرنا المشترك
6) الإنفتاح أمام حضور الله.

بعد هذا الملف التعريفي بالرياضة سنبعث إليكم بملف يصلكم يوم أربعاء الرماد (10 شباط)، وستستلمون بعد ذلك كل سبت من زمن الصوم، إن شاء الله، ملفاً أسبوعياً على عنوانكم البريدي، لكن يمكنكم إيجاد نفس الملفات على الفيس بوك في موقع "عائلة كرمل العراق".
ستجدون في كل مرة:
1) تأملاً روحياً يتضمن:
- مقطعاً من نصوص كتابية بخصوص النبي إيليا
- إنجيل الأحد
- ثلاثة مسارات لتَبَنّي الإنجيل وتطبيقه في حياتنا
2) للصلاة كل يوم من أيام الأسبوع سيكون هناك 6 مسارات تساعدنا على التأمل إنطلاقاً من آيات من الكتاب المقدس.
الأب غدير الكرمل

10

5.   الملف الأخير:
                  ميلاد المسيح:   أن نستقبل جديد الله (جِدَّة الله)
 
إنجيل ربنا يسوع المسيح للقديس لوقا   (2: 10 – 14)
 وكان في تلك الناحية رعاة يبيتون في البرية، يتناوبون السهر في الليل على رعيتهم.  فحضرهم ملاك الرب وأشرق مجد الرب حولهم، فخافوا خوفا شديدا.
 فقال لهم الـملاك: ((لا تخافوا، ها إني أبشركم بفرح عظيم يكون فرح الشعب كله:  ولد لكم اليوم مخلص في مدينة داود، وهو الـمسيح الرب. وإليكم هذه العلامة: ستجدون طفلا مقمطا مضجعا في مذود)).  وانضم إلى الـملاك بغتة جمهور الجند السماويين يسبحون الله فيقولون: (( الـمجد لله في العلى ! والسلام في الأرض للناس، الذين يُحبُّهم!))


الميلاد! “الكلمة” أخذ جسدنا، يسوع يولد بيننا. مريم ويوسف يهبان العالم المخلِّص، الملائكة يُسَبّحون ويرنمون ((الـمجد لله في العلى ! والسلام في الأرض للناس، الذين يُحبُّهم!)). الرعاة يُسرعون، المجوس لن يتأخروا. إنها لحظة سلام، لحظة فرح، لكن أيضاً لحظة تجربة: لا يجب أن ننسى بأن مجيء يسوع إلى العالم أو ولادته حدثت في مكان غير مريح، في مكان لعيش الحيوانات، في اسطبل، في مذود، وذلك بسبب عدم استقبال سكان بيت لحم وسوء ضيافتهم. لكن مريم ويوسف قَدَّما أفضل ما لديهما، وهذا "الأفضل ما لديهما" كان ... ابن الله نفسه!

هل نُقَدِّم نحن أفضل ما لدينا لله أم نحن مثل أهل أورشليم في عدم استقبالهم له؟
لويس وزيلي حاولا هما أيضاً طوال حياتهما أن يهبا أفضل ما لديهما، حيث وجِدا، مستندان على إيمان عميق.. إيمان، وُضِع في بعض الأحيان أمام تجربة قاسية وصعبة، لكنه إيمان متجذر بقوة في المسيح. هذا الـ "افضل ما لديهما"، انعكس أو تجسد بالنسبة لهما أيضاً، في إعطائهما للعالم، طفلة، أو بالتحديد آخر طفلة لهما، أتت لكي تُتَوّج حياة لويس وزيلي الورعة والمليئة بحضور الروح القدس. فبعد أسبوعين من ولادة هذه الطفلة الأخيرة في عائلتهما في 1873، تُعَبِّر زيلي، في رسالة، عن سعادتها بعد مرورها بصعوبات وآلام الولادة:
"لقد استعد قوتي بأكلمها الآن، الصغيرة هي أيضاً بصحة جيدة، يبدو أنها ستكون قوية البنية ... الصغيرة هي ليست صعبة ولا تزعجنا أبداً خلال النهار، لكن في الليل تجعلنا ندفع غالياً راحتنا في النهار. مساء أمس، اضررت لحملها إلى الساعة الحادية عشرة والنصف ليلاً، لم أكن أستطع تحمل الإرهاق الذي أصابني؛ لكن بعد ذلك نامت أخيراً، والحمد لله.
هذه الطفلة اسمها تريزا؛ الجميع يقولون لي بأنها ستكون جميلة، إنها تبتسم من الآن. لقد لاحظت ذلك للمرة الأولى يوم الثلاثاء. ظننت أني مخطئة، لكن الشك زال يوم أمس؛ لقد نَظَرَتْ إليّ بانتباه، ثم ابتسمت لي ابتسامة عذبة.
بينما كنت أحملها، لاحظت شيئاً لم يحصل أبداً مع أطفالي الآخرين: عندما كنت أُرنِّم، كانت تُرنم معي... لم أقل هذا لغيركم، لأنه لا أحد يمكنه أن يُصدّقني." (زيلي 85).
لِنَجرؤ نحن اليوم على أن نؤمن، مثل لويس وزيلي اللذان وهبا العالم القديسة تريزا الطفل يسوع، تريزا الصغيرة، لنجرؤ إذن على الإيمان بطيبة وجودة الله، ولنقدم له بدورنا "أفضل ما لدينا"! الإنسان قد خُلِق كي يعطي، ويعطي ذاته، لأنه، في أعماقه، هو محبة، لأنه مخلوق على صورة الله ومثاله، الله الذي ما هو إلاّ محبة (1يوحنا 4: 16). لنطلب إذن شفاعة القديسين لويس وزيلي ... لنطلب منهما أن يُعَلّمانا الثقة في الله أبينا، وأن نتبع يسوع المسيح، وأن نكون ناضجين، بقوة الروح القدس: لنَقبل نحن أيضاً بدورنا أن نكون محبوبين (من قبل الله) وأن نحب (الله والآخر) بدورنا!
عيد ميلاد مبارك ومليء بفرح المسيح!


نبذة عن حياة القديسين لويس وزيلي مارتان أول ثنائي متزوج تعلن قداستهما معًا ، والدي القديسة تريزا الطفل يسوع

القديسان لويس مارتان (1894-1823) وزيلي مارتان (1831-1877)
في التاسِعَ عَشَرَ من تشرينَ الأَوَّلِ 2008، كانَ تطويبُ الزوجينِ لويس وزيلي مارتان، وقد تزامَنَ ذلكَ مع ذكرى مرورِ مئةٍ وخمسينَ عامًا على زواجِهما الّذي حَصَلَ في 12 تَمّوز 1858 في كنيسةِ سيّدةِ ألَنسون، وتحديدًا عندَ منتَصِفِ الليلِ. أَمّا التطويبُ فَكانَ في بازيليك القديسةِ تريزيا في ليزيو- فرنسا، بَعْدَ اجتراحِها أعجوبَةً قَضَتْ بشفاءِ طِفلٍ إيطاليٍّ يُدْعى Pietro Schiliro ، وهو الآنَ بصحَّةٍ جيّدَةٍ ولهُ مِنَ العُمْرِ سِتُّ سَنواتٍ. في هذه المناسبةِ تحضُرُنا شخصيةُ لويس مارتان وهو شابٌّ ممشوقُ القامَةِ، وسيمُ الطلعَةِ، يَرْغَبُ في أَنْ يُصْبِحَ راهِبًا، لكنَّهُ لَمْ يُقْبَلْ في ديرِ القِدّيسِ برنردوسَ لِجَهْلِهِ اللغةَ اللاتينيةَ. وتحضُرُنا بالمقابِلِ شخصيَّةُ الفتاةِ الجذّابةِ زيلي، الّتي هي أيضاً كانَتْ ترغَبُ في أَنْ تُصْبِحَ راهبَةً من راهِباتِ القِدّيسِ منصورِ دي بول مؤسِّسِ راهباتِ المحبَّةِ، لَكِنَّ الأُمَّ الرئيسةَ رفضتها بِلُطْفٍ قائلةً لَها: "إِنَّ اللهَ لا يَدْعوكِ إلى الحياةِ الرُّهبانيَّةِ".  وشاءَتِ الظّروفُ أن يتلاقى لويس وزيلي لأَوَّلِ مرَّةٍ على جِسْرِ القديس ليون في مدينةِ ألِنسون. لويس ساعاتي وبائِعُ حُلًى، وزيلي صاحِبَةُ مَشْغَلِ دانتيل. ثُمَّ قَرَّرا أَنْ يعيشا معاً تحتَ سَقْفٍ واحِدٍ، وكانتِ الـ(نَعَمُ) التي قالَها كُلٌّ منهما في 12 تَمّوز 1858 في كنيسةِ السيّدةِ العذراءِ مريمَ في ألِنسون، بدايةَ رِحْلَةِ القداسةِ والحياة الزوجية والعائليَّةِ. لويس مميَّزٌ بالانتباهِ الواعي وحسنِ التدبير، وزيلي مميَّزةٌ بالديناميكيّةِ واللطافةِ المحبّبَة. رُزِقَ الزوجانِ بتسعَةِ أولادٍ سَبْعِ بَناتٍ وصبيّيْنِ، لَكِنْ لمْ يَبْقَ منهم على قيدِ الحياةِ سوى خمسِ بناتٍ دَخَلْنَ الديرَ بأجمَعِهِنَّ حَيْثُ تَكَرَّسْنَ مُحَصَّناتٍ لِخدمةِ الرَّبّ (أربعة منهن كرمليات وواحد من راهبات رهبنة الزيارة).
لقد عاشَ الزوجانِ لويس وزيلي تِسْعَ عشرةَ سنةً من الحياةِ الزوجيَّةِ العائليَّةِ المليئةِ بالحُبِّ والعطاءِ والصلاةِ والخدمَةِ والتضحية، وقد أقاماهاعلى أساسٍ ثابتٍ صالِحٍ وقويٍّ هو كلمةُ اللهِ، ولطالما طبَّقا كلامَ الإنجيلِ: "يتركُ الرجُلُ أباه وأُمَّهُ ويلزمُ امرأَتَهُ، ويصيرُ الاثنانِ جسدًا واحدًا، فلا يكونانِ اثنينِ بعد ذلكَ بل جسدٌ واحِدٌ، فما جَمَعَهُ اللهُ لا يُفَرِّقُهُ الإنسانُ" (متى 19/65).
حُفظت 218 رسالة من زيلي كتبت عام 1963 حتى مماتها عام 1877 وهي تصف نمط حياتهما في حرب 1870 والأزمات الاقتصادية وولادة أطفالهم وموت أربعة منهم. كانا يواظبان على المشاركة في القداس صباح كل يوم الساعة الخامسة والنصف صباحًا ويصليان التبشير الملائكي وصلوات المساء، يرتاحان أيام الآحاد ويصومان أثناء فترة الصوم وزمن المجيء إنما كانا أيضًا يمزحان ويلعبان فمثلاً كان لويس يحب صيد السمك ويلعب البلياردو.
كانا يدعوان الفقراء ليتعشّوا عندهم في البيت ويزوران المسنين كما علّما أيضًا بناتهما أن يعاملن كل الناس معاملة حسنة.

  لويس وَزيلي مارتان يشهدانِ بأَنَّ كُلَّ عائلةٍ قادرةٌ على أن تكونَ كنيسةً بيتيَّةً ومشتلاً صالحاً للدعواتِ الرُّهبانيَّةِ والكهنوتيَّةِ وهي الّتي تبني الإنسانَ المؤمِنَ والمواطِنَ الصالِحَ.
  مع لويس وزيلي تقدِّمُ الكنيسةُ مثالاً فريداً لأزواجِ العالَمِ وعائلاتِه، وتدعوهم إلى اكتشافِ عظمَةِ الزواجِ وكرامتِهِ وسِرِّ الحُبِّ الذي يسكنُ قلبَ الرجُلِ وقلبَ المرأةِ منذُ "أَنْ خَلَقَهُما اللهُ ذكراً وأُنثى على صورتِهِ ومثالِهِ.
  هذانِ القديسان يشهدانِ من خلالِ حَياتِهما على أَنَّ دورَ الوالِدَيْنِ مهِمُّ في التربيةِ الانسانيَّةِ والجسديَّةِ، لكنَّ دورَهُما الأهَمَّ يَكْمُنُ في نَقْلِ الإيمانِ والانفتاحِ على اللهِ والصلاةِ وشُكرِ الرَّبِّ على النِّعَمِ.  لويس وزيلي هُما علامةٌ وشهادَةٌ حيَّةٌ لِكُلِّ الأزواجِ، وذلك بمثَلهِما الصالِحِ وعيْشِهما اليوميِّ، وفي هذا الصدَدِ يقولُ البابا بولسُ السادِسُ: " إِنَّ إنسانَ اليومِ يؤمِنُ بالشهودِ أَكْثَرَ منه بالمعلِّمينَ". وبالتالي، فإِنَّ لويس وزيلي يتوجّهانِ إلى كلِّ العائلاتِ المتألّمةِ، الحزينةِ والمظلومَةِ، فهما عاشا المرضَ والتخلّي والامتحانَ والوَحْدَةَ: زيلي تُوفّيَت بمرضِ السّرطانِ عن عمر 46 سنة، وبقي لويسُ وحيدًا من دونِ زوجةٍ وأُمٍّ تهتمُّ ببناتِها الخمسِ (وهنّ ماري وبولين وليوني وسيلين وتريزا التي كان عمرها أربع سنوات ونصف ولكنها تذكر أنّ أمّها كانت قديسة)، هكذا عرف لويس التخلّي في العطاءِ وعاشَهُ من خلالِ ذَهاب بناتِهِ إلى الديرِ، وعَبْرَ تقدِمَتِهنَّ للربِّ. توفي عام 1894 بعد أن أصابه مرض عقلي خطير.

قام البابا بندكتس السادس عشر بتطويب الأهل في 19 تشرين الأول 2008 وأعلن البابا فرنسيس قداستهما في 18 تشرين الأول 2015. إنّ الكثيرين يتّخذون من سيرة حياتهما كنموذج عيش في عصرنا هذا. نُذَكِّر من جديد إنّ لويس وزيلي مارتان هما والدا القديسة تريزا الطفل يسوع، الراهبة الكرملية، شفيعة المرسلين وهي من بين الأحب، من القديسين، الى قلب البابا فرنسيس. وكان قد أعلنها البابا يوحنا بولس الثاني معلمة الكنيسة في العام 1997.
المجد ليسوع المسيح

مع محبة الأب غدير الكرملي


11
رياضة زمن المجيء مع القديسَين لويس وزيلي مارتان (2015)

4. الأسبوع الرابع: أن نخرج من ذاتنا

إنجيل ربنا يسوع المسيح للقديس لوقا (1: 39– 45)
في ذلك الزمان:
في تلك الأيام قامت مريم فمضت مسرعة إلى الجبل إلى مدينة في يهوذا. ودخلت بيت زكريا، فسلمت على أليصابات.
فلما سمعت أليصابات سلام مريم، ارتكض الجنين في بطنها، وامتلأت من الروح القدس، فهتفت بأعلى صوتها:
((مباركة أنت في النساء ! ومباركة ثمرة بطنك! من أين لي أن تأتيني أم ربي؟ فما إن وقع صوت سلامك في أذني حتى ارتكض الجنين ابتهاجا في بطني. فطوبى لمن آمنت: فسيتم ما بلغها من عند الرب)).

1. تأمل الأسبوع
" لقد استلمتُ الكثير جداً من النِعَم أمام تمثال العذراء هذا! " (قول زيلي بحسب بناتها).
مريم حامل، ستلد قريباً ابن الله، "ابن العلي" (لوقا 1: 32) المدعو إلى أن يحكم إلى الأبد. إنها ستصبح قريباً "تيوتوكوس" . هذا اللقب فريد في البشرية، فلا أحد غير هذه الشابة من الناصرة ستحصل على هذا الإمتياز! كان بإمكانها إذن أن تضع نفسها في المقدمة، وتطلب امتيازات وأن تُكَرّم، وأن تُحاط هي وابنها مثلاً ببلاط من المؤمنين... لكن لا شيء من هذا صدر منها. بل أن إنجيل هذا الأحد الرابع للمجيء والذي يأتي قبل الميلاد يُبين لنا بالعكس "استعجال" مريم .. استعجالها ليس لكي تضع نفسها في المقدمة أو كي تكون في مرتبة أعلى من غيرها، لكنها مستعجلة.. "مَضت بسرعة" كي تذهب وتساعد إحدى قريباتها، نسيبتها أليصابات. ألم تُقدّم نفسها قبل ذلك كـ "خادمة الرب، أَمة الرب" للملاك جبرائيل، وقت البشارة؟ ها هي تقدم نفسها من جديد "خادمة" أثناء نشيدها "تعظم نفسي"، الذي أنشدته أمام أليصابات وأمام كل الأجيال الحالية.

* إستقبال مريم في بيتنا، كما استقبلتها أليصابات عندها...

كونها "خادمة"، في السابق واليوم أيضاً، العذراء مريم لا تبقى وحدها أبداً. فالأناجيل تُرينا مريم مخطوبة ليوسف، ثم مريم في العلاقة مع الله من خلال وساطة الملاك جبرائيل، ثم مريم تساعد أليصابات، ثم مريم ويسوع، وبعدها مريم و"إخوة" يسوع .. ثم مريم تُعهَد إلى يوحنا تحت الصليب، ثم مريم مع الرسل تُصلي وتنتظر حلول الروح القدس يوم العنصرة ... هكذا إذن مريم ليست وحيدة أبداً: فمريم تهب ذاتها دوماً وهي مُعطاة لنا باستمرار... الذهول والتعجب يصيبان أليصاب وهي ترى مريم تأتي إليها؛ "كيف يحدث ذلك.. من أين لي أن تأتي إليّ أم ربي"؟ الجواب يأتي من إيمان مريم: إنها لا تُكَوِّن فكرة خاطئة عن "العَلي"، لكنها تؤمن بجودته.. بطيبته، وبقدرة العلي التي تنتشر طوال أحداث تأريخ البشرية، في هذا الإله الذي "لا مستحيل عنده" (لوقا 1: 37). هكذا تتشبه مريم بالمقابل بجودة الله هذه وطيبته، فتشترك بقدرة المحبة هذه في حياتها فعلياً: إنها تأتي كي تخدم قريبتها كما نرى في إنجيل اليوم. فمع أنها استلمت من قبل ملاك الرب قبل قليل أغرب وأعظم خبر في التأريخ، وكان من المقبول أن تحتفل بهذا الخبر العجيب وتفكر في نفسها. لكننا نراها لا تفكر بهذا بل بفرح نسيبتها التي كانت عاقراً وبكيفية مساعدتها فوراً ودون تأخير!
كل حياة مريم الناصرية تعكس موقف حواء الجديدة في علاقة مع آدم الجديد، يسوع المسيح. ذاك الذي تتهيأ كي تلده إلى العالم والذي سيكون "الوسيط الوحيد بين الله والبشر" (1تيموثاوس 2: 5)، إنه سيأتي لينتصر بصليبه وقيامته على الخطيئة والموت، إنه يأتي كي يَهَبَ الروح لكل من يؤمن به. مريم، حواء الجديدة، تشترك في العمل الخلاصي لآدم الجديد من خلال صَلاتها الوالدية؛ فهي تتضرع للحصول، بقوة الروح القدس، على ولادة المسيح في نفس المؤمنين (لهذا يُسَمَّون مسيحيون)، لأنها هي كانت قد وَلَدت الابن بنعمة الروح القدس هذا. إن دور مريم هذا كشريكة مع يسوع وإرتباطها به هو حميم لدرجة أن أليصابات تلاحظه وتفهم بأنها لا تستطيع أن تستقبل مريم في بيتها دون أن تستقبل المسيح! لدينا مثالاً آخر يذهب في نفس هذا الإتجاه: فخبرة الخدم في عرس قانا الجليل تعكس لنا الشيء نفسه: فمريم تدعوهم إلى استقبال الحضور الفعال لابنها: "افعلوا كل ما يقوله لكم" (يوحنا 2: 5).
لكن إنْ كان سر الأحد الرابع للمجيء هذا، أي سر حدث الزيارة، إن كان إذن يكشف لنا بوضوح الحضور المستمر ليسوع مع مريم، لا يجب أن ننسى بأن هذا السر يكتمل أيضاً اليوم! فكل من يتجه نحو مريم يجد نفسه مُوجّهًا، مثل أليصابات أو مثل عمال عرس قانا، نحو ابنها يسوع المسيح. فهل بالإمكان أن نكون مرتبطين بقوة بمريم ومتعلقين بها ونهمل وجه يسوع؟ هذه ليست إرادة الآب، وهذا لن يكون عمل الروح، وهذه لن تكون حياة التلميذ الحقيقي للمسيح... "هذه أمك" يقول لنا المسيح على الصليب (يوحنا 19: 27)،. فهل نؤمن بإتمام وتحقيق هذه العبارة؟ "فيسوع لا يريدنا أن نسير دون أم"، يُذكِّرنا البابا فرنسيس. والسؤال هو: هل أتممنا إرادة المعلم نفسه هذه، أي أن نستقبل مريم عندنا، كأم؟

* عون العذراء مريم في منزل تُعتَبَر فيه جزء من العائلة...

إن مريم كانت دوماً جزءًا من حياة زيلي حتى قبل العام 1858، أي قبل لقاءها بلويس. فزيلي تجد في العذراء مريم سنداً قوياً يساعدها في طرق حياتها. أليست مريم هي التي همست إلى قلبها، بعد فشل مشروعها للدخول في الحياة الرهبانية، أليست هي إذن مَن وجهتها إلى حياتها العملية والمهنية؟ زيلي كانت قد سمعت مريم تهمس لها في قلبها ووجهتها كي تقوم بمهنتها في معمل الدانتيلا في 8 كانون الاول 1851... وبفضل هذا الحدث، "نهضت" الشابة .. "قامت" (كان عمرها أقل من 20 سنة) وتجنبت السقوط والإحباط بعد تجربتها الفاشلة القاسية بخصوص الحياة الرهبانية. في نفس الفترة لويس، من جهته، يستلم هدية هي عبارة عن تمثال لعذراء البشارة (التمثال الذي سيُسمى مستقبلاً "العذراء المبتسمة" الذي ارتبط بأعجوبة معروفة مع تريزا الصغيرة، التي ستصبح معلمة للكنيسة). كان قد افتتح قبل مدة قصيرة تجارته في الساعات، وكانت العذراء مريم تشغل عنده أيضاً مكاناً مميزا في حياته. في البداية يضع لويس التمثال في حديقة المنزل الخلفية، في مكان منعزل قليلاً يزوره كل يوم باستمرار كي يتغذى روحياً. لكن تمثال العذراء المبتسمة هذا لن يتأخر، بعد زواجه بزيلي، أن يُحَوَّل مكانه إلى داخل البيت وأن يَستقبل الصلوات اليومية للعائلة. فعائلة مارتان هي في الحقيقة متجذرة في الإيمان المسيحي: فكان يومهم عادة يبدأ بالقداس، باكراً في الصباح، وينتهي مع صلاة المساء حول ثمثال العذراء هذا. بالنسبة للزوجين لويس وزيلي، كما كان بالنسبة لأليصابات في إنجيل اليوم، كانت مريم تُعتَبَر حقاً فرداً من أفراد العائلة. وتمثالها هذا أصبح "مكان الصلاة" المفضل للعائلة في البيت. وتشهد زيلي، منذ رسائلها الأولى، عن "العون" الفعال للعذراء مريم تجاه كل من يَكِل حياته لها. فهي تتكلم عن ذلك مع أخيها "إيزيدور"، الذي كان إيمانه يتأرجح أثناء دراسته الصيدلة في باريس: "أنت تسكن قريباً جداً من كنيسة العذراء سيدة الإنتصارات؟ إذن يكفي أن تدخل الكنيسة مرة واحدة فقط في اليوم، وصلِّ السلام عليك يا مريم. وسترى بأن العذراء القديسة ستحميك بطريقة خاصة جداً، وستجعلك تنجح في هذا العالم، وستعطيك بعد ذلك سعادة لا تنتهي. ما أقوله لك هنا، ليس ورعاً مبالغًا به من جهتي وبدون أي أساس؛ فأنا أتكلم عن خبرة بخصوص ثقتي بالعذراء القديسة، فقد استلمت منها نِعماً أنا الوحيدة التي أعلم بها" (زيلي 1). ثم تُشجع زيلي أخيها ، كي تدفعه للذهاب إلى الكنيسة، فتطلب منه: "اشعل لي شمعة أمام العذارء؛ ستقدم لي خدمة بذلك. لا تستحي من ذلك، فلا أحد يعرفك هناك في تلك الكنيسة". زيلي كانت واثقة جداً بأن : مريم هي حصن أو سور يُقوي ويحمي إيماننا. رسائلها الأخيرة، التي كتبتها وهي مريضة وقريبة من الموت، بسبب انتشار سرطان في الثدي، هي مؤثرة جداً. فزيلي تكشف من خلال هذه الرسائل أيضاً السند الذي تقدمه لها العذراء مريم وهي على أبواب تركها لهذه الحياة. فهي تؤكد بأنها تؤمن بقوة بكلام ((العذارء مريم التي قالت لنا، من خلال برناديت: "سأجعلكم سعداء، ليس في هذا العالم، لكن في الآخر")) (زيلي 210). إن حماية مريم لا تمنع عنا آلام الحياة لكنها تساعدنا على عبورها محتفظين بفرح حضورها الوالدي.
إذن كانت العائلة في الحقيقة، (قبل مأساة وفاة زيلي وبعدها أيضاً) ... كل العائلة كانت معتادة على وضع حياتها تحت نظرة السماء، كانوا يثقون بقوة بشفاعة وعون أمهم العذراء الحنونة. فكل شيء كان يدخل في موضوع صلاتهم وعلاقتهم بالعذراء مريم: الأفراح، والصعوبات والمشاريع والأعمال، كل هذه كانت مواضيع للصلاة اليومية. وبجانب الصلوات المعتادة (الصلاة الربية، السلام الملائكي، وهناك صلاة "تَذكَّروا" للقديس برنردس، التي هي أيضاً صلاة يومية عَلَّمَتْها زيلي لأطفالها)، إذن بجانب هذه الصلوات اليومية، كانت هناك صلوات تخرج من القلب بكل بساطة. مثلاً بخصوص انتظار ولادة طفل ثاني، تتذكر زيلي هذا اليوم الذي صادف 8 كانون الاول عام 1860، "اليوم الذي فيه صليت لأمنا في السماء أن تهبني "بولين" الصغيرة، لكني كلما أتذكر هذا الحدث أبتسم، لأني كنت تماماً مثل طفلة تطلب لعبة معينة من أمها وتحصل عليها، تحصل على نفس اللعبة التي طلَبَتها. كنت أرغب في الحصول على "بولين" وأن تكون تشبه طفلتي الأولى، وكنت أشدد على هذا الطلب، لأني كنت خائفة من أن العذراء القديسة لا تفهم بوضوح رغبتي هذه" (زيلي 147). للمعلومات فقط، "بولين" وُلِدَت في 7 أيلول عام 1861، أي بالضبط تسعة أشهر بعد ذلك! وبقيت زيلي تشكر العذراء مريم كل يوم ولعدة سنوات بعد هذا الحدث (ربما كانت مرتبكة بسبب جرأتها في صلاتها هذه) كونها استجابت لرغبتها هذه وأعطتها هذه النعمة... أما بخصوص عمله المهني، فمريم هي أيضاً سند للعائلة. فزيلي تتذكر الأوقات الصعبة في الأعوام 1870-1871: "كان العمل يطغي على حياتي وكانت لدي مخاوف وهموم من كل نوع، لكني كنت أمتلك ثقة ثابتة وقوية بأني مسنودة من العلى" (65)، كانت تفكر في عون مريم الدائم لها. إذن على الرغم من الصعوبات، حضور العذراء مريم يجلب الحماس والسكينة في العائلة. البنات كُنّ يحببن الإختلاء يومياً مع الوالدين للصلاة. تريزا الصغيرة كانت تحب هكذا أن ترى أبيها يصلي: "لم يكن عليّ إلاّ النظر إليه (إلى أبيها) كي أعرف كيف يصلي القديسون" (كتاب "تأريخ نفس"). هكذا صلاة الأطفال كانت مُحَرَّكة ومُقادة بفضل مثال الأبوين. أثناء الشهر المريمي، كان "مكان صلاة العائلة" مُزَيَّنا بشكل خاص بالورود، بحيث أصبح معبداً صغيراً حقيقياً. كان الأطفال يشعلون الشموع كل يوم بفرح حول العذراء القديسة، وكل ما كان يهمهن هو أن العذراء القديس هي هنا معهم في البيت و"تحت قدميها كان أمي تجعلنا نُصلي، تقول سيلين، وكنا نُقَبِّلها كثيراً جداً لدرجة أن أصابع التمثال كانت مكسورة كلها بحيث كان يجب أن يكون لنا إحتياطي كبير من اليدين!" هكذا كان الإيمان منقولاً إلى الأطفال بشكل واضح وكذلك فرح الإنجيل...
هكذا إذن كان حضور مريم في حياة لويس وزيلي مارتان مفيداً، في كل أوقات حياتهما، السعيدة والصعبة منها. في أحد الأيام، سيصرخ لويس من الفرح أمام بناته قائلاً: "يا إلهي، هذا يكفي!"، مُعبِّراً عن النِعَم الكثيرة التي استلمها من العذراء مريم؛ وزيلي تعترف بدورها لبناتها هي أيضاً قائلة: "لقد استلمتُ الكثير جداً من النعم من هذه العذراء!" إذن بدورنا، مع القديسَين لويس وزيلي، لا نَخَف أن نُحب العذراء كثيراً ونستقبلها عندنا .. في قلبنا .. في بيتنا ...

ثلاثة مسارات لتَبَنّي الإنجيل وتطبيقه في حياتنا على مثال القديسين لويس وزيلي:

* إن استقبال أليصابات للعذراء مريم في الإنجيل، سمح لها أن تختبر كم أن المسيح حاضر هو أيضاً، وكم أن مريم جاءت لكي "ليس كي تُخدَم، بل لكي تَخدُم"، على مثال ابنها! هل نحن استقبلنا مريم عندنا، مثل أليصابات، أو بالاحرى مثل يوحنا التلميذ الحبيب؟ ... أي مكان نقدمه لها في حياتنا اليومية؟

* قلقة على أخيها "إيزيدور" الذي كان إيمانه متذبذبًا خلال سنين دراسته للصيدلة، كانت زيلي تتوسل إليه أن يدخل كنيسة لكي يصلي ويقوم بفعل إيمان فعلي وملموس. من خلال هذا الحدث، زيلي تضع الكرة في ملعبنا وتدفعنا للتفكير نحن بدورنا؛ فهي تقول لنا أيضاً: لا تخافوا أن تقوموا بفعل ملموس يسند إيماننا أمام أمنا مريم، فنجتذب نحونا بركة ابنها...

* إن موضوع نقل الإيمان هو موضوع مُقلِق للعديد منا، خاصة عندما نفكر في "إنعاش صعب للإيمان" عند أحد أفراد عائلتنا: زوج، ابن، حفيد... هنا أيضاً، مريم هي حاضرة معنا كتلك التي تريد أن "تخدم.. أن تساعد". وبفضل تدخلها وشفاعتها وبفضل نصائح زيلي، استطاع أخوها إيزيدور أن يحافظ على إيمانه. 35 سنة بعد هذا الحدث، هو مَن سيُمَوِّل الطبعة الأولى لكتاب تريزا الصغيرة "تأريخ نفس"!


1) لنُصَلِّ في كل يوم من أيام الأسبوع

الأثنين 21 كانون الأول
"أنا أثق دوماً بالعذراء القديسة. لقد استلمت منها نِعماً أنا الوحيدة التي أعلم بها." (رسالة زيل إلى أخيها، في 1كانون الثاني 1863).
((فلما سمعت أليصابات سلام مريم، ارتكض الجنين في بطنها، وامتلأت من الروح القدس)). (لوقا 1: 41)

الثلاثاء 22 كانون الثاني
"عندما تذهب إلى زيارة السيدة "دي"، مُر بكنيسة مريم العذراء سيدة الإنتصارات، ادخلها واشعل شمعة لي هناك، ستقدم بذلك لي خدمة. لا تخجل من أن تفعل ذلك..." (رسالة زيلي إلى أخيها، في 11 آذار 1864).
((حط الأقوياء عن العروش ورفع الوضعاء)). (لوقا 1: 52)

الأربعاء 23 كانون الأول
"صِل بإيمان للعذراء، أم المراحم، ستأتي لنجدتنا، بطيبة وحنان الأم الأكثر حناناً." (رسالة زيلي إلى ابنتها بولين، في 25 حزيران 1877).
((وفي تلك الأيام قامت مريم فمضت مسرعة إلى الجبل إلى مدينة في يهوذا. ودخلت بيت زكريا، فسلمت على أليصابات: "من أين لي أن تأتيني أم ربي".)) (لوقا 1: 39-40، 43).

الخميس 24 كانون الأول
"هيا يا بناتي العزيزات، كونوا دائماً فرحي وتعزيتي على الأرض واستمروا جيداً في خدمة الرب. فهو عظيم جداً ومُذهِل في أعماله!" (رسالة لويس إلى ابنته مريم، في 25 أيلول 1885)
((افعلوا كل ما يقوله لكم!)) (يوحنا 2: 5)

مع محبة الأب غدير الكرملي

12
رياضة زمن المجيء مع القديسَين  لويس وزيلي مارتان (2015

3.     الأسبوع الثالث:   أن نستقبل الحياة
 
إنجيل ربنا يسوع المسيح للقديس لوقا   (3: 10– 18)
في ذلك الزمان:
سأل الجموعُ يوحنا: ((فماذا علينا أن نعمل؟))،  فأجابهم: ((من كان عنده قميصان، فليقسمهما بينه وبين من لا قميص له. ومن كان عنده طعام، فليعمل كذلك)).  وأتى إليه أيضا بعض الجباة ليعتمدوا، فقالوا له: (( يا معلم، ماذا نعمل))؟  فقال لهم: ((لا تَجْبُوا أكثر مما هو مطلوب منكم))؛ وسأله أيضا بعض الـجنود: (( ونحن ماذا نعمل ؟)) فقال لهم: ((لا تتحاملوا على أحد ولا تظلموا أحدا، واقنعوا برواتبكم)).  وكان الشعب ينتظر، وكل يسأل نفسه عن يوحنا هل هو الـمسيح.
 فأجاب يوحنا قال لهم أجمعين: (( أنا أعمدكم بالماء، ولكن يأتي من هو أقوى مني، من لست أهلا لأن أفك رباط حذائه. إنه سيعمدكم في الروح القدس والنار. بيده الـمذرى، ينقي بيدره، فيجمع القمح في أهرائه، وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ )).
 وكان يعظ الشعب بأقوال كثيرة غيرها فيبلغهم البشارة.

1.    تأمل الأسبوع
"أعطِي، أعطِي دوماً واخلِقي أناسًا سعداء"  (226 ، لويس).
((ماذا علينا أن نعمل؟))، هذا السؤال على كل الشفاه. الجموع تُسرع نحو يوحنا المعمدان ممتلئين بالأمل! إن إنجيل اليوم يأتي مباشرة بعد إنجيل الأحد الماضي، عندما خرج  يوحنا من عزلته كي يُعد طريق المسيح. لقد حقق يوحنا نص الكتاب المقدس الذي يتكلم عن شخص سيأتي "فيه روح إيليا وقوته" (لوقا 1: 17)، ويعلن المجيء القريب لذاك الذي سيحمل خطيئة العالم. هذا النور الساطع الذي سينير حياة البشر، وسيقلب حياة الكثيرين رأساً على عقب، بدءًا بحياة مريم الشابة التي كانت تعيش في الناصرة. فهل كانت مريم تنتظر زيارة ملاك لها، والذي سيعلن لها بأنها ستلد مخلص العالم؟ المجوس الذين قادهم النجم، والرعاة المندهشين بزيارة ملائكة السماء، هل كانوا يتوقعون وقوع حدث كهذا في حياتهم؟ يمكننا أن نطرح نفس السؤال أيضاً بخصوص هؤلاء الصيادين الذين سيصبحون تلاميذ الرب ورسله، و كذلك بخصوص هؤلاء الجموع المُعجَبَة والمندهشة أمام هذا المُعَلِّم الذي يكشف لهم بأنه هو "الطريق والحق والحياة" (يوحنا 14: 5)!

هل علينا أن نقوم بأشياء غير عادية؟
إذن البشرى السارة أُعلِنَت من قبل يوحنا المعمدان، والجواب الذي يعطيه على سؤالهم له: "ماذا علينا أن نعمل؟" هو جزء من البشرى السارة نفسها. فالنبي يُعْلِمنا في الحقيقة بأن أعمالنا تُعبِّر واقعياً عن إيماننا (أو عن قلة إيماننا!). وهذه الأعمال ليست أعمالاً عظيمة وغير عادية. نحن لسنا مدعوين للقيام بأعمال جبارة وأعاجيبية .. فنحن لسنا مدعوين لأن نعيش حياةً غير إعتيادية. "ماذا علينا إذن أن نعمل؟"، يطرح العشارون هذا السؤال. هل عليهم أن يُصبحوا مقاومين للمحتل بدل أن يكونوا جباة ضرائب (كما هو حالهم الآن) متعاونين مع المحتل الروماني ومتطلباته الضريبية القاسية؟ هل عليهم أن يتركوا وظيفتهم فتتأثر حياتهم سلباً ، بدل من جمع الضرائب؟ لكن يوحنا يطلب منهم ببساطة أن يقوموا بعملهم بصدق وأمانة: ((لا تَجْبُوا أكثر مما هو مطلوب منكم)). سأله بعض الجنود بدورهم: ماذا علينا أن نعمل كي نكون متطابقين مع دعوة السماء؟ هنا أيضاً، الجواب هو بسيط ولا يتطلب أشياء عظيمة وجبارة أو استثنائية: قوموا بواجبكم.. قوموا بعملكم، لا تكونوا عنيفين عندما لا يستوجب الأمر ذلك... ربما نحن إلى الآن، بعد ألفي سنة، لم نفهم بَعد كم أن البشرى السارة تبدأ بهذه البساطة وليس بشكل آخر. "مَنْ كان أمينًا على القليل، كان أمينًا على الكثير أيضا. ومن كان خائنًا في القليل كان خائنًا في الكثير أيضا" (لوقا 16: 10). سيكون من الخطأ أن نفكر بأن استقبال المسيح في حياتنا يجب أن يُتَرجَم من خلال القيام بأعمال عظيمة وغير اعتيادية. بل العكس تماماً! إن نعمة الروح القدس تُعاش في تفاصيل حياتنا الصغيرة .. في كل الأشياء الصغيرة في حياتنا، إن كانت في العمل، في العائلة، بين الأصدقاء، الخ... هل ننتبه إلى كل هذه "التفاصيل" الصغيرة التي يتكون منها يومنا؟ لنأخذ بعض الوقت ونراجع فيها حياتنا مع هذه التساؤلات. يسوع نفسه أكد مراراً وتكراراً كَمْ أن هذه الأشياء الصغيرة تُنتِج أو ستُنتِج خيراً أعظم منها. "أحسنت أيها الخادم الصالح، يقول يسوع في مَثَل الوزنات، كنت أمينا على القليل، فليكن لك السلطان على عشر مدن" (لوقا 19: 17). نعم، أشياء قليلة توصل إلى السلطان على عشر مدن! القديسة تريزا الصغيرة هي إحدى القديسات اللواتي فهمن بشكل أفضل من غيرها أهمية القيام (بروح الإيمان والرجاء والمحبة)، بأعمال أو تصرفات صغيرة أثناء يومنا.. أشياء صغيرة قد تبدو عادية جداً وغير مُمَيَّزة. فنحن لا يمكننا أن نُشعل ناراً دون قش أو أغصان ... علينا أن نعلم بأن نار الروح القدس ستُدفيء حياتنا وتُنير قريبنا من خلال إضرام ناره أولاً في هذا القش أو هذه الأغصان الصغيرة في حياتنا اليومية. من غير المفيد أن نحاول البحث عن حطب كبير جداً، لأن النار لن تضطرم فيه! فحياتنا، كما يُعَلِّمنا أيضاً يوحنا المعمدان، هي مدعوة إلى أن تحترق وتضطرم "بالروح القدس والنار"... وهذا ما تعكسه حياة لويس وزيلي مارتان؛ فإن كان الإثنان قديسَين، فذلك لأنهما عاشاً ببساطة حياة مستقيمة ونزيهة خالية من أشياء غير عادية أو جبارة.

* إيمانٌ يومي يُتَرجَم من خلال أعمال يومية

في عائلة مارتان، تبدأ الحياة العائلية عادة بقداس الصباح الباكر. كان من الممكن أحياناً أن تذهب العائلة إلى قداس متأخر صباحاً، لكن لويس كان يفضل دائماً هذا القداس الباكر لأن "هذا هو القداس الوحيد الذي يستطيع أن يشترك فيه الخدم والعمال. بذلك أنا، في قداس الصباح الباكر هذا، أكون برفقة الفقراء"، وهذا ما كان يفرحه كثيراً. بعد ذلك، يبدأ عمله (بائع ومصلح ساعات ومجوهرات)، الذي كان يُظهِر فيه الكثير من الجدية والنزاهة. كان لويس يرفض أن يفتح محله يوم الأحد، على الرغم من ضغط الأصدقاء الذين كانوا يقولون له بأن هناك آخرين منافسين له في المهنة يقومون بذلك. لكن وبشكل مدهش، احترام يوم الرب لم يكن يُعيق أو يعرقل أعماله، بل بالعكس... "إنه رجل لم يحاول أبداً أن يجمع ثروة"، تقول زيلي بهذا الخصوص؛ فهو رفض الحصول على ترخيص العمل يوم الأحد، مع علمه بأنه سيفقد فرصة مبيعات مربحة. وعلى الرغم من ذلك، إنه غني؛ ولا يمكنني أن أنسب المستوى المادي المريح الذي يتمتع به إلى شيء آخر غير إلى بَرَكَة خاصة من الله، هي ثمرة حفظه ليوم الأحد، يوم الرب" (زيلي 140).
بعد ذلك يلتحق لويس بزوجته زيلي في مشغلها المختص بصنع "الدانتيلا". عرفت هذه المهنة صعوداً وهبوطاً مع كل ما تسببه أية تجارة من صعوبات مثل تأخير في دفع الأجور، متطلبات غريبة وصعبة من قبل بعض الزبائن، أو غياب الطلبات وركود العمل. في أوقات الأزمات هذه، كان لويس وزيلي يستندان ويعتمدان على العناية الإلهية، دون التأفف أو التبرم من دفع مرتبات عمالهم التسعة، حتى في هذه الأوقات العجاف. "إن عمل الدانيلا هذا يجعل حياتي صعبة، تتنهد زيلي في إحدى رسائلها إلى أخيها، فعندما يكون هناك طلبات للدانيلا كثيرة جداً، أُصبِح عندها عبدة للعمل وبشكل مرهق جداً؛ وعندما نفتقر للطلبات، أجد نفسي أمام ديون تقدر بعشرين ألف فرانك، وعمال- أصلاً من الصعب الحصول عليهم- علي أن أبطلهم وأجد لهم عملاً عند شركات أخرى للدانتيلا، كل هذا يؤرقني ويعذبني، ولدي الكثير من الكوابيس بسبب عملي هذا. لكن، ما العمل.. ماذا علي أن أعمل؟ يجب أن نقبل ذلك، وعلينا أن نثق بالعناية الإلهية"، تختم زيلي. كان الوضع المالي لتجارتها يتقدم ويزدهر من سنة إلى أخرى، واضعاً عائلتها في مأمن من الصعوبات المادية، لكن زيلي حافظت على انتباهها للأولويات في حياتها؛ فهي لم تجعل نفسها عبدة لجشع الإغتناء أكثر فأكثر... ومع أنها رئيسة شركة، لكنها كانت تقوم بعملها ومسؤوليتها هذه على صورة المسيح وهو يغسل أقدام تلاميذه: فكانت تحتفظ لنفسها بالجزء الأكثر إزعاجاً ومللاً من العمل مع أن كان بإمكانها أن تعطيه لأي واحدة من عاملاتها. لويس وزيلي كانا إذن يُتمان مهامهما اليومية على أفضل شكل يستطيعان القيام به، بروح الخدمة، وبروح المحبة المسيحية. "أنا أعامل عاملاتي بنفس الطريقة التي بها أعامل أطفالي"، تؤكد زيلي. إنهما لم يعملا أعمالاً جبارة وفوق العادة، وعائلتهما كانت عائلة بسيطة وإعتيادية لا تتميز في هذا المجال عن العائلات الأخرى... فالأعمال الفوق إعتيادية والتي يجب عملها باسم الإيمان، لم تكن تجتذبهما. هكذا إذن، وإن كانت العائلة لا تخفي إيمانها القوي أمام الآخرين، لكنها لا تفرضه على عمالهم أو زبائنهم.



* شعلة الإيمان الدافئة

هل كانت حياة هذه العائلة، التي يقودها الروح القدس، جافة وقاسية؟ كلا بالطبع، لأن الإيمان ليس شيئاً حزيناً أو مُحزِنا! فالفرح والسعادة -على الرغم من التجارب- يسهمل ملاحظتهما كتابات الزوجين زيلي ولويس. كما أن أطفالهما لم يعانوا من النشاط الكثير وساعات عمل أمهم الطويلة، فزيلي كانت تفضل أن تقطع عملها وتكمله في اليوم التالي على أن تستمر لساعات متأخرة في الليل فتهمل بذلك الإهتمام بإحتياجات أطفالها اليومية. ففرح أن يكونوا سوية (آباء وأبناء)، والألعاب، والتراتيل، والقصص المحكية (من قبل لويس خاصة)، كل ذلك كان يجعل الجو العائلي حُراً ومُفرِحاً. فحياة عائلتهما كانت في نفس الوقت بسطية وفعالة ونشطة. من جهة أخرى، كان لويس قد تعلم من دراسته في باريس، كم أن العلاقات السيئة لها تأثيرات ضارة في حياة الإنسان، لذلك كان يهتم بحماية العائلة من العلاقات الدنيوية الزائدة عن الحد الطبيعي. هكذا كانت ثمار حياة لويس وزيلي مثمرة جداً. فبناتهما عِشنَ حياة طفولة سعيدة، وواحدة منهن ستصبح لاحقاً "أعظم قديسي الأزمنة الحاضرة" (كما لَقَّب البابا بيوس العاشر القديسة تريزا الطفل يسوع).
هكذا نور المسيح يسطع بقوة على بيت لويس وزيلي مارتان، بل وينير بضياءه الآخرين. فَهُما إن كانا يتجنبان العلاقات السيئة والضارة ويهتمان ببناء عائلتهما بجدية واستقامة، نراهما بالمقابل وبحماسة كبيرة يساعدان القريب، كل واحد بطريقته الخاصة. زيلي، وهي الأكثر سِرّية في ذلك، كانت ترسل سلال من الطعام وبعض النقود إلى فقراء المدينة باستمرار. لدينا شهادة لويز ماريه التي كانت تعمل كخادمة في بيت زيلي لمدة 11 سنة، تقول فيها: "كانت سيدتي ترسلني باستمرار عند الفقراء مع 40 فلساً. ولا أحد كان على علمٍ بذلك غيرنا نحن الأثنتين"... أما لويس من جهته، كان مشتركاً في جمعيتين معروفتين في ذلك الوقت هدفهما مساعدة المعوزين. إن تقدير لويس للفقراء هو كبير لدرجة أنه في أحد الأيام، في بيتنا في "البويسونيه" (في مدينة ليزيو)، يطلب من أحدهم أن يبارك أبنتيه الصغيرتين، سيلين وتريزا! 
"أعطِي، أعطِي دوماً واخلِقي أناسًا سعداء"  (226 ، لويس)، كانت هذه نصيحة لويس في نهاية حياته إلى ابنته ماري. تبدو هذه النصيحة وكأنها ترمز إلى البشرى السارة المستَقبَلة في الأشياء الصغيرة اليومية في حياتنا. لويس يكتب في الحقيقة هذه العبارة كي يشجع ويهنيء ماري ابنته التي قامت بفعل عطاء بسيط جداً (وهبت بعض ثمار الخوخ)، فينصحها قائلاً: أعطِي، أعطِي دوماً" أينما كنتِ، "واخلِقي أناسًا سعداء" أينما كنتِ. إن نصيحة لويس هذه هي بسيطة وقَيِّمة جداً في نفس الوقت؛ فلا يجب أن نظن بأننا نستطيع أن نفعل الخير أو نقوم بأعمال كبيرة في المكان الذي لا نتواجد فيه! فبمَن يمكننا أن نُشَبّه الشخص الذي يريد أن يحمل النور إلى سكان المدينة الموجودين في الجانب البعيد الآخر، بينما هو لا يهتم بأن يرى هذا النور ينتشر في بيته نفسه؟ إذن "ماذا علينا أن نعمل؟" كان الجموع يسألون في إنجيل اليوم؟ "أعطوا، أعطوا دوماً فتخلقوا إناساً سعداء" هذا هو جواب عائلة لويس وزيلي مارتان: أعطِ ذاتك للقريبين منك، وذلك من خلال أشياء صغيرة (40 فلساً، بعض ثمار الخوخ...) واخلق أناساً سعداء.


ثلاثة مسارات لتَبَنّي الإنجيل وتطبيقه في حياتنا على مثال القديسين لويس وزيلي:

*  يسوع هو "الطريق والحق والحياة" (يوحنا 14: 6). يمكننا أن نتساءل ماهو حالياً الطريق الذي نسير فيه، ما هي حقيقة حياتنا. وكيف يتجسد إيماننا في حياتنا اليومية؟ فأعمالنا وتصرفاتنا اليومية تعكس بوضوح مدى تقدم مستوانا الروحي أم العكس!

*  "كُلّي شوق لأن أكون بالقرب منكِ"، "أنا زوجكِ وصديقك الحقيقي، الذي يحبك إلى الأبد" يكتب لويس إلى زوجته زيلي. في علاقاتنا الزوجية، هل نُظهرِ حقاً دلائل لطفنا وإهتمامنا بشريك حياتنا، أم نحن نبحث غالباً عن مصالحنا الخاصة؟
ذكرنا أن لويس وزيلي كانا يهتمان بأطفالهما وبتنشئتهم، لكنها كانا يتفاديان في نفس الوقت تدليلهم بشكل مفرط، كما تشهد الكثير من التفاصيل المذكورة في رسائلهما بهذا الخصوص. هل نحن لدينا علاقة مناسبة مع أطفالنا.. هل نهتم بجدية بتنشئتهم الروحية أيضاً وليس فقط في المجالات الأخرى؟ إن كنا غير متزوجين، ما  الذي يجذبنا نحو الزواج؛ هل هو البحث عن السعادة المرتكزة على أنفسنا نحن، أم البحث عن حياة مشتركة ومقاسمة بين اثنين .. حياة سعيدة لكن مع تنازلات من قبلنا أيضاً كي نستطيع العيش مع الآخر.

*  في حياتنا المهنية، أو في بحثنا عن عمل ما، هل نعكس حقاً – مع رفيقنا أو مع زبائننا...- روح الخدمة الحقيقية، وهل نتمنى حقاً أن نقوم بالأشياء بأحسن الطرق وأن نكون مفيدين، وكلنا رغبة نزيهة وصادقة بأن نخدم الآخر بأفضل شكل ممكن؟


1)   لنُصَلِّ في كل يوم من أيام الأسبوع

الأثنين 14 كانون الأول 
"أعطِي، أعطِي دوماً، واخلِقْي أناسًا سعداء"  (نصيحة لويس لابنته ماري).
((: أعطوا تعطوا: ستعطون في أحضانكم كيلاً حسنا مركومًا مهزهزًا طافحاً، لأنه يُكال لكم بما تكيلون)).  (لوقا 6: 38)

الثلاثاء  15 كانون الثاني
"إن يسوع يرغب بأن يعتمد خلاص النفوس على تضحياتنا وحُبنا. فهو يستجدي منا أنفسًا" (رسالة رقم 96 من تريزا إلى سيلين).

((سيروا في المحبة سيرة المسيح الذي أحبنا وجاد بنفسه لأجلنا قربانا وذبيحة لله طيبة الرائحة)). (أفسس 5: 2)


الأربعاء  16 كانون الأول
"لقد مررنا بفقير كبير في السن. أرسلت تريزا تحمل له بعض المال. ثم قلت له بأن يتبعنا، لأني أود أن أعطيه  حذاءً. جهزنا له وجبة طعام جيدة فقد كان جائعاً جداً." (رسالة زيلي إلى ابنتها بولين، في 14 أيار 1876).

((كونوا رحماء كما أن أباكم رحيم.)) (لوقا 6: 36)

الخميس   17 كانون الأول
"أعتقد أنه من الغباء أن أترك شَرِكَتي لأن لدي خمسة أطفال علي تربيتهم.  يجب أن أكمل حتى النهاية من أجلهم." (رسالة زيلي إلى نسيبتها، في 6 شباط 1876)

((فكونوا إذا، يا إخوتي الأحباء، ثابتين راسخين، متقدمين في عمل الرب دائما، عالمين أن جهدكم لا يذهب سد ى عند الرب.)) (1قورنتس 15: 58)

الجمعة  18  كانون الأول
"أنا لا أعلم إن كانت العذراء القديسة ستشفيني من مرضي فقد لا يكون ذلك إرادة الله. إن لم أُشفَ، فهذا يعني أن الله يريد بشدة أن يأخذني له." رسالة زيلي إلى نسيبتها في 5 تموز 1877)

((يا أبت، إن شئت فاصرف عني هذه الكأس… ولكن لا مشيئتي، بل مشيئتك!))   (لوقا 22: 42)

السبت  19  كانون الأول
"كم أنا مشتاقة لأكون بالقرب منك يا عزيزي لويس. أحبك من كل قلبي وأحس أيضًا بأن حُبي قد تضاعف بسبب بعدي عنك. سيكون من المستحيل علي العيش بدونك." (رسالة زيلي إلى لويس في 31 آب 1873).
((ولذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلزم امرأته فيصيران جسدا واحدا.))
 (أشعيا35: 1-2).

مع محبة الأب غدير الكرملي
[/b]

13
2. الأسبوع الثاني: أن نجد مكاننا الخاص بنا
 
إنجيل ربنا يسوع المسيح للقديس لوقا   (3: 1 – 6)
يوحنا يعد الطريق ليسوع
في السنة الخامسة عشرة من حكم القيصر طيباريوس، إذ كان بنطيوس بيلاطس حاكم اليهودية، وهيرودس أمير الربع على الـجليل، وفيلبس أخوه أمير الربع على ناحية إيطورية وطراخونيطس، وليسانياس أمير الربع على أبيلينة،  وحنان وقيافا عظيمي الكهنة، أُنزِلَت كلمة الله إلى يوحنا بن زكريا في البرية؛ فجاء إلى ناحية الأردن كلها، ينادي بمعمودية توبة لغفران الخطايا،  لى ما كتب في سفر أقوال النبي أشعيا: (( صوت مناد في البرية: أعدوا طريق الرب واجعلوا سبله قويمة. كل واد يردم وكل جبل وتل يخفض والطرق الـمنعرجة تقوم والوعرة تسهل وكل بشر سيرى خلاص الله)).
Célibataire
1.    تأمل الأسبوع
"علينا أن نضع أنفسنا في موقف الإستعداد لقبول إرادة الله بسخاء، مهما كانت، لأن إرادة الله ستكون أفضل ما يمكن أن يحدث لنا."  (204 ، زيلي).
يوحنا .. النبي .. المعمدان، يدخل في تأريخ إسرائيل في الوقت الذي فيه يبدو العالم مُنَظَّم ومُسَيطَرٌ عليه: ففي  السنة "الخامسة عشرة"، كان هناك امبراطور في روما، وحاكم في اليهودية، وعظماء أحبار وشخصيات أخرى في السُلطة في أماكن مختلفة من الإمبراطورية الرومانية. كل شيء إذن كان يبدو وكأنه يسير بدون مشكلة كبيرة. لكن ذلك العالم الذي كان مُنَظَّماً لم يكن مع ذلك العالم المثالي، كما يصفه لنا المؤرخ المشهور "فلافيوس جوزيف" الذي نقل لنا شراسة ووحشية بيلاطس البنطي على سبيل المثال. فبين الحين والآخر كان يقوم بأعمال قمع وحشي ودموي. وكان يصدم الحساسية الدينية اليهودية بإدخاله رموزاً رومانية دينية غير مقبولة بالطبع من قبل اليهود وكذلك كان يستحوذ على أدوات الهيكل وكنوزها لأغراضه الخاصة. لكن وعلى الرغم من كل هذا، كانت الأمور في ذلك الوقت تسير بانتظام على الأغلب؛ فقد كان السلام (سلام روما .. سلام البشر) مفروضًا على الأغلب كما يبدو.
*  الدعوة إلى التوبة (الإرتداد، الرجوع إلى الله) في قلب حياتنا
لكن عندها، حدث شيءٌ مفاجِئٌ وظَهر إلى العيان: في قلب هذا العالم، "أُنزِلَت كلمة الله إلى يوحنا بن زكريا". كلمة الله دخلت هذا العالم وتدعونا إلى أن نغير تصرفاتنا. تدعونا إلى "التوبة من أجل مغفرة الخطايا". أرسل الله كلمته إلى العالم لأن هذا العالم ليس فقط عالم البشر لكنه عالم الله ايضاً. لهذا حضوره.. كلمته.. تدبيره الإلهي يظهر وسط حياتنا نفسها مهما كانت تبدو عادية وبسيطة. إن أبانا لا يسكن بعيداً مختبئًا في السماء، وليس علينا أن نتسلق الغيوم للإتصال به. إن أبانا يأتي بنفسه إلينا، من خلال الروح القدس مثلاً الذي جاء إلى مريم وقت البشارة، أو من خلال الإبن الذي أتى إلى تلاميذه بعد القيامة.
إن كانت كلمة الله قد وُجِّهَت إلى يوحنا المعمدان ومن خلاله إلى الشعب في ذلك الوقت، فهي مُوَجَّهة إلينا اليوم أيضاً. هكذا، يوجه لنا الله، من خلال إنجيل اليوم، طَلَبًا ووعداً. الطلب هو مُلِحٌّ جداً، بل طَلبٌ آمِر: "أعدّوا طريق الرب"! كيف نفعل ذلك؟ إن تغيير الموقف الداخلي والخارجي هي وسيلة الإنسان لإعداد الطريق لمجيء المشروع الإلهي. إن الله لا يفرض نفسه بقوة علينا، لكنه يكشف نفسه لنا عندما يكون قلبنا جاهزاً لاستقباله. إن إلهنا، من خلال يوحنا المعمدان، يدعونا إلى أن نعمل على امتلاك موقف استعداد القلب هذا، وهذا ليس بالسهل. إن ثِقَل حياتنا الشخصية، بجروحاتها وإحباطاتها وآلامها وضياعاتها، لا يُسَهَّل علينا دوماً امتلاك استعداد القلب والروح هذا. لكن ما أن نجده، هذا الإستعداد وتغيير التصرفات، يأخذان اسمًا، ندعوه "توبة". إلى هذا نحن مدعوون، في هذا الأحد الثاني من زمن المجيء: نحن مدعوون إذن إلى التوبة!
إن هذه التوبة (معنى الكلمة بالأساس هو "الرجوع إلى الله")، أو بكلمة أخرى، هذا الرفض لأن ننغلق على أنفسنا وعلى خطايانا، هذه الثقة المستعادة بالله، تترك عندئذٍ مكاناً لوعد الله: "كل بشر سيرى خلاص الله". "لقد وعد الله بذلك"   ، يضيف نص اشعيا النبي الذي يستشهد به إنجيلنا اليوم. فكل مَن يُعِدّ طريق الرب سيرى خلاص الله يعمل في حياته. إن هذا الخلاص ربما لن يأتي كي يغير العالم الحالي، "المُنَظَّم" وغير المثالي كما كان العالم في زمن يوحنا المعمدان، لكنه يسمح "لكُل بشر" متجه نحو السماء أن يجد مكانه على الأرض.
أن نجد مكاننا الخاص في العالم، أليست هذه مسألة أساسية في الحياة؟ بل أفضل من ذلك، أن نرى جمال هذا المكان الذي هو لنا، أن نرى قيمة المكانة التي وهبها الله لنا، أليس لهذا أهمية أولى في الحياة؟ إن وعد الله قد أُعطي لنا، إنه يدعونا إلى أن نأخذ مكاننا وسط المجتمع، قبل أن نأخذ مكاننا في قلب الملكوت المخصص لنا مسبقاً... لويس وزيلي أمضيا سنين طويلة قبل أن يجداً مكانهما الخاص بهما، لكن هذا الإنتظار كان يستحق العناء، لأن النتيجة كانت مثمرة وجميلة جداً!

 * أن نجد .. ونأخذ المكان الخاص بنا ... وأن نرى الشيء الجميل الذي فيه ...
في 1847، بعد خيبة أمله بسبب فشله في الدخول في الحياة الرهبانية، يضع لويس جهده في دراسته المهنة كساعاتي (خبير ومصلح ساعات)، وسيذهب إلى باريس لعدة سنوات لهذا الغرض. هناك سيكافح كي لا يدع نفسه يقع في تجارب عديدة في هذه العاصمة المغرية والقادرة على أن تبعده عن إيمانه العميق. لا ننسى أنه كان خارجاً من خبرة مؤلمة وفاشلة، وبسبب خيبة أمله كان من الممكن أن يبحث عن "الراحة واللهو"، كطريقة لنسيان فشله؛ كان من الممكن إذن أن يُقَسّي قلبه ويعمل ما يشتهي... لكنه فَضَّل أن يبقى أميناً ونزيهاً وناضل لكي لا يسقط. "كان يحتاج إلى الشجاعة من أجل الخروج منتصراً في معاركه"، ستكتب لاحقاً زيلي زوجته بهذا الخصوص. بعد ذلك يعود لويس إلى مدينته "ألنسون" وكان عمره 34 سنة – وهو عمر كبير نسبياً، في ذلك الوقت، لشخص سيُغير الله حياته ويهيئها لأشياء عظيمة. أما زيلي، في تلك الأثناء، كانت قد عادت من محاولتها الفاشلة، هي أيضاً، للدخول في الحياة الرهبانية! لكنها كانت لا تزال تحمل في قلبها الرغبة في عيش حياة مكرسة تماماً لله: "كنت أحلم دائماً برواق الدير والخلوة"، ستكتب زيلي بضعة سنين لاحقاً. لكنها الآن تحاول أن تهيء نفسها للحياة الزوجية (التي كان لابد منها، في ذلك الزمان، إن لم ندخل الدير) وتكرس وقتها وطاقتها في مجال صناعة الدانتيلة؛ كان عمرها آنذاك 20 سنة. هكذا إذن، سيعيش لويس وزيلي في نفس المدينة الصغيرة (ألنسون) لمدة 6 أو 7 سنوات تقريباً دون أن يلتقيا، مع أنهما كانا يعيشان على بعد   500 م تقريباً الواحد من الآخر...
إن حياتهما كانت مُنَظَّمة ومُرَتبة، ومهنتهما كانت تسير على ما يُرام، لكن قلب كل واحد منهما كان على ما يبدو، ينتظر أو يتوقع شيئاً. كانت زيلي تتساءل: "هل عليّ أن أبقى دون زواج؟" وكانت أم لويس تتساءل أيضاً: "هل سيبقى ابني لويس أعزبًا؟"
في نيسان 1858، تبدأ العناية الإلهية بالعمل. "في أحد الأيام، وبينما كان زيلي تعبر جسر "القديس ليونارد"، مَرَّ أمامها شابٌّ جذبته إليها هيئته النبيلة، وخجله، ومظهره المحترم. في نفس اللحظة، سمعت صوتاً داخلياً يهمس إليها في السر: "هذا هو الذي هيّأتُه لك" (أنظر "قصة عائلة"). زيلي تسمع في داخلها كلاماً سماوياً (نسبته هي إلى العذراء مريم) جاء وقلب حياتها رأسًا على عَقِب؛ ها هي إذن تلتقي بلويس. هكذا إذن، كانت زيلي ولويس أيضاً، قد حَضَّرا قلبهما كي يكونا مستعدين للسماح لإرادة الله أن تعمل في حياتهما ("أعدوا طريق الرب"، يقول لنا إنجيل اليوم)، فالله كان قد أعد لهما مسبقاً هذا المكان الخاص بهما، على الرغم من أنهما كانا يرغبان في الحياة الرهبانية. لكن مع ذلك، لويس وزيلي كانا لا يزالان يواجهان الصعوبة في رؤية جمال مكانهما، جمال الزواج والإتحاد الزوجي. هكذا إذن، تم زواجهما بعد لقاءهما على الجسر هذا بثلاثة أشهر فقط. وكان ذلك في 13تموز 1858، باحتفال بسيط وبتكتم (حصل الزواج في منتصف الليل، بحضور بعض المقربين فقط الذين كانوا أقل من 15 شخص). لكن لويس وزيلي لم يكونا بعد قد فهما تماماً ما حصل! فهما لم يعيا بعد جمال دعوتهما وسطالعالم، لدرجة أن زيلي، في يوم الزواج نفسه، تذهب (برفقة لويس) كي تبكي بدموع حارقة في دير الزيارة حيث كانت اختها أليس راهبة هناك. تقول زيلي لأختها لاحقاً في إحدى الرسائل: "كنت أشعر بالحزن الكبير لوجودي وسط العالم، كنت أتمنى أن أخفي حياتي مع حياتك، في الدير". هكذا إذن، في يوم زواجها، كانت زيلي تحلم بحياة الدير!

 *  كلام الله المُوجَّه لنا ، كلام الله المُستَقبَل:  تحقيق الوعد
إن كان الزوجان لويس وزيلي قد فهما دعوة الله إلى القداسة في قلب المجتمع الذي يعيشان فيه، كزوج وزوجة، فهما مازالا مع ذلك ممتلئان بالرغبة في عيش حياة رهبانية. لهذا اتفقا على العيش دون علاقة زوجية، وقد استمر هذا الحال للأشهر العشرة الأولى من زواجهما! ولحسن الحظ، الكاهن المُعَرِّف للويس هو من طلب منه أن يضع حداً لهذا الإمتناع أو الإمساك عن العلاقة الجسدية الزوجية! لويس وزيلي أطاعا المُعَرِّف، وسيكتشفان بعدها فرح العطاء المتبادل، عطاء أحدهما للآخر. تسعة أطفال سيولدوا، القديسة تريزا الصغيرة هي واحدة منهم، الأخيرة. سيكتشف لويس وزيلي من خلال أطفالهم فرح أن يُصبح المرء أباً أو أمًّا. هكذا، وخلال عماد البنت الكبرى "ماري" في 1860، لويس سيكون سعيداً جداً ويُعلن للكاهن قائلاً: "هذه هي المرة الأولى التي آتي فيها هنا من أجل الإحتفال بالعماد، لكنها لن تكون المرة الأخيرة!". زيلي، من جهتها، تصرخ فرحة وتقول: "أنا، أحب الأطفال لحد الجنون، لقد خُلِقتُ كي يكون لي أطفالاً" ...
ها إن وعد الله قد تحقق، لويس وزيلي هما فرحان تماماً.. بل ممتلئان بالسعادة. بالطبع استمر ميل لويس وزيلي إلى الصلاة ثابتًا وقويًا حتى النهاية، لكنهما وضعا حداً لميلهما إلى الحياة الرهبانية. زيلي هي سعيدة مع لويس، لدرجة أنها "تتمنى أن تمتلك كل النساء نفس سعادتها". ولويس من جهته يقول عنها: "أحبها إلى الأبد".
لكن كان عليهما أن يكافحا من أجل الحفاظ على هذه السعادة وجعلها تنمو، وذلك لأن الصعوبات العائلية كانت كثيرة. فمن بين الأطفال التسعة الذين وُلدوا من زواجهما، مات أربعة منهم في عمر الطفولة الأولى. كان ذلك تجربة مؤلمة وقاسية جداً. ففي ظرف أربع سنوات، يرى الزوجان ثلاثة أولاد رُضَّع يموتون، وكذلك بنت صغيرة (هيلين) بعمر 5 سنين. كانت الصدمة بموت هذه البنت الأخيرة كبيرة وقاسية جداً. فقد ماتت الطفلة بين أحضان أمها بينما أمها لم تكن تنتظر ذلك أبداً. "ظننت بأني سأموت أنا أيضاً بدوري".  لكن إيمان لويس وزيلي، الذي كان يواجه تجربة قاسية، سمح لهما أن يتجاوزا ويعبرا المأساة: "لقد وهبناها سوية إلى الله أبينا". لكن وقت الحداد يجب أن يأخذ حقه بالطبع، وسيكون طويلاً. ليوني، التي وُلِدَت سنة قبل هيلين، كانت طفلة صعبة المراس، وأقل ذكاء من أخواتها وضعيفة وهشة من الناحية النفسية. وكانت تُسبب الكثير من القلق لأمها زيلي، التي تقول عنها عندما كان عمرها 11 سنة: "كلما كنت أرى ليوني وأرى كم صعب تربيتها والتعامل معها، كلما كنت أقتنع أكثر بأن الله لن يسمح بأن تبقى كذلك. سأصلي إلى أن تتغير". ليوني في الواقع ستتغير وتتقدم كثيراً، لدرجة أنها ستفهم لاحقاً أكثر من أخواتها تعليم أختها تريزا الصغيرة بخصوص "الطريق الصغير" أو "طريق الطفولة الروحية".
العبارة التالية توضح موقف زيلي ولويس وعلاقتهما بالله واستمر ذلك طوال حياتهما: "علينا أن نضع أنفسنا في موقف الإستعداد لقبول إرادة الله بسخاء، مهما كانت، لأن إرادة الله ستكون أفضل ما يمكن أن يحدث لنا." لقد اختبرا ذلك، على الرغم من الصعوبات، بل وفي قلب هذه الصعوبات. إن هذا "الإستعداد" هو دائماً عمل التوبة.. ثمرة التوبة. فبفضلها، نستطيع أن نسلم مفتاح حياتنا إلى الله، كي يعمل فيها كما يريد.

بعض الأفكار حول إنجيل اليوم:
أُعطي يوحنا المعمدان رسالة وهي أن يُعد مجيء المخلص. نراه إذن يترك خلوته الطويلة في البرية ويذهب ليعلن وينادي بمعمودية التوبة لغفران الخطايا.
كيف سيقوم برسالته هذه؟ كيف سيهيء مجيء المخلص؟
في الحقيقة، المعمدان يفعل نفس ما كان يفعله أنبياء العهد القديم من قبله. هذه كانت أيضاً كرازتهم وتبشيرهم. فالمعمدان هو آخر أنبياء العهد القديم قبل المسيح، ومثل سابقيه إذن الذين كانوا يدعون باستمرار الشعب العبراني ويُذكِّروه بضرورة ان يُحَضِّروا ويهيئوا مجيء الرب. هذا التحضير المفروض على الشعب كجماعة؛ هو مفروض ايضاً على كل واحد شخصياً. فهذا التحضير لمجيء الرب يتضمن أن ننتبه كي لا نستمر في نسيان الله وإهماله، وأن نُبعد عنا الأوثان التي نعبدها، وكذلك أن ننعدل الطريق المعوجة للظلم والأنانية.
يمكننا إذن أن نفهم رسالة المعمدان وتعليم إنجيل اليوم من خلال عبارتين مهمتين في النص:

1.   العبارة الأولى هي: " أُنزِلَت كلمة الله إلى يوحنا بن زكريا في البرية". بصورة عامة، نلاحظ في الكتاب المقدس بأن الله يهيء رسله من خلال فترة طويلة من الخلوة. يبقى هذا الشيء أساسيًا، اليوم أيضاً، بل ومهماً جداً لكل مسيحي. لا أقصد أن على كل مسيحي ان يفرض على نفسه خلوة، ولفترة طويلة من حياته. لكن على كل مسيحي، مهما كانت دعوته ومسؤوليته، أن يخصص كل يوم وقتاً للخلوة والصلاة، وحده وجهاً لوجه مع الله.
العبارة الثانية هي: "كان يوحنا ينادي بمعمودية التوبة لغفران الخطايا".  كان الفريسيون والصدوقيون، الذين يوجه يوحنا كلامه إليهم اليوم، يظنون بأن تطبيق الشريعة يكفي لكي يكونوا مؤمنين صالحين. لكن يوحنا المعمدان يقول لهم بأن الأهم هو تغيير القلب. ولاحقاً، سيقول يسوع بأن ما ينجس الإنسان هو ما يخرج من قلبه: الكراهية، وعدم الطهارة، الأنانية والظلم، الاهتمام الزائد بالمادة في حياتنا اليومية. هكذا إذن، لكي يهيء يوحنا المعمدان مجيء المسيح، نراه يعلن ضرورة تطهير القلب. فالتوبة تعني العودة إلى طريق الرب.. الرجوع إلى الله.
يوحنا المعمدان يقول لهم إذن، بأن أهم هناك شيء أهم من التطبيق الخارجي للوصايا، هناك ضرورة توبة القلب وتغيير الحياة.

2.   
بكلمة أخرى، يجب أن ننتبه إلى ما يلي: يجب أن تعكس حياتنا الخارجية وعيشنا الخارجي لوصايا الله والطقوس التزامً داخليًا أيضاً، أي أن نرفض الخطيئة، وأن نكون أمناء مع الله في كل شيء. فمثلاً إن كان فينا طِباع وتصرفات معوجة، علينا تسويتها وتعديلها، مثل إهمالنا لله وللقريب، أو مظاهر معينة علينا تجاوزها والتخلص منها. ربما هناك فينا طرق معوجة ومحفورة غير مستوية، أي كذب وأنانية وعدم غفران، علينا أيضاً أن نُعِّدها ونجعلها قويمة.

باختصار هناك نقطتان مهمتان نأخذها من إنجيل اليوم:
-   أن تكون لدينا حياة صلاة وعلاقة ألفة مع الله
-   أن يكون قلبنا يقضاً، ساهراً، كي يعكس التزامنا وتصرفاتنا الخارجية أمانتنا الداخلية مع الله.
اليس هذا هو ما يطلبه منا يسوع في هذا الزمن، زمن المجيء؟ فنحن سنهيء قلوبنا لاستقباله ومجيئه في الميلاد، من خلال الصلاة، والتوبة الداخلية، أي تغيير القلب الذي سيجعلنا أكثر ملتزمين وأمناء لوصية المسيح ولتعليمه.
ما هو مطلوب منا في زمن المجيء هذا هو: أن نسهر.. أن نصلي.. أن نتوب.. أن نرجع إلى الله.. أن لا ننساه.. أن نتغير، حتى عندما يأتي المسيح ويريد أن يولد في قلوبنا، سيجد مكاناً حاضراً، ومُهيئاً له فيستقر فيه. آمين.

ثلاثة مسارات لتَبَنّي الإنجيل وتطبيقه في حياتنا على مثال القديسين لويس وزيلي:

*  في الإنجيل، يسمع الجمع نداء الله من خلال موعظة يوحنا المعمدان وهو يعلن عماد التوبة من أجل غفران الخطايا. في حياتها، زيلي تسمع دعوة الله لقبول الرجل الذي سيمر أمامها: لويس مارتان. إن الله يكلمنا بطرق عديدة ومن خلال وسائط متنوعة، السؤال المهم هنا هو:
هل نحن أيضاً منتبهين (على مثال زيلي ولويس) لنداءات الله هذه في حياتنا اليومية؟ هل نأخذ الوقت كي نميز هذه النداءات؟ وكيف نجيب عليها؟
*  إن استعداد القلب والروح سمحا للويس وزيلي أن يقبلا أن يُغيِّر الله حياتهما ويقلبها رأساً على عقب، لدرجة أنهما قَبِلا تَبَنِّي حياة لا تتطابق، في البداية، مع مفهومهما للحياة المقدسة التي يصبوان إليها.
هل نضع نحن وجودنا وحياتنا بأكملها تحت نظرة الله الرحيمة؟ أم نحن نخبيء عنه، وربما عن أنفسنا، النقاط المظلمة أو المؤلمة من حياتنا؟ هذا يجعلنا نسأل أنفسنا إنْ كان موقفنا هو حقاً موقف بنوي، وواثق، موقف الطفل تجاه أبيه .. موقف  المؤمن الواثق بالله؟ ...

*  إن خلاص البشر هو في الله .. لم يتوقف يوحنا المعمدان عن ترديد ذلك. لويس وزيلي اختبرا هذا أيضاً. فلو كانا قد سَيَّرا حياتهما بنفسيهما، ربما ما كانا قادرين على وهب ذاتهما الواحد للآخر، وما كانا قادرين على امتلاك واختبار فرح أن يكونا أبوين، وكذلك ربما ما كانا وجدا مكانهما المناسب ولا اكتشفا جمال مكانهما هذا في الحياة.
هل نحن متأكدون تماماً من أننا نرى بوضوح مكاننا المناسب لنا هذا: هل وجدناه؟ هل يمكننا حقاً اكتشاف جمال هذا المكان المُعَد لنا من قبل الله؟



1)   لنُصَلِّ في كل يوم من أيام الأسبوع

الأثنين 7 كانون الأول 
"علينا أن نضع أنفسنا في موقف الإستعداد لقبول إرادة الله بسخاء، مهما كانت، لأن إرادة الله ستكون أفضل ما يمكن أن يحدث لنا." (رسالة زيلي إلى ابنتها بولين، في أيار 1877).

((أعدوا طريق الرب واجعلوا سبله قويمة ... وكل بشر سيرى خلاص الله)).  (لوقا 3: 5-6)

الثلاثاء  8
"أنا أحلم دائماً بالدير وبخلوة الدير. ولا أعرف حقاً، مع الأفكار التي تراودني الآن، كيف أنها لم تكن دعوتي. لكني أحس بأن كل ذلك ما هو إلاّ أفكاراً جوفاء: فالأحرى بنا أن نعيش الزمن الحاضر." (رسالة زيلي إلى ابنتها بولين في 16 كانون الثاني 1876).

"ما أطلب في الصلاة هو أن تزداد مَحَبَّتُكُمْ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ فِي الْمَعْرِفَةِ وَفِي كُلِّ فَهْمٍ، لتُمَيِّزا الشيء الأهم." (فيلبي 1: 9-10)


الأربعاء  9
"كنت أفضل أن أكون رسولاً بدلاً من المكان الذي أنا فيه الآن، لكن بما أن هذه هي إرادة الله، أعتقد أن هذا حصل كي أتغلب على كبريائي. ليكن كل شيء لمجد الله العظيم." (رسالة لويس إلى إحدى الممرضات عندما كان مريضاً نزيلاً في إحدى مستشفيات مدينة "كان" الفرنسية في 27 شباط 1889)

" لِكَيْ تَسيروا مُخْلِصِينَ وَبِلاَ عَثْرَةٍ إِلَى يَوْمِ الْمَسِيحِ، 11مَمْلُوئِينَ مِنْ ثَمَرِ الْبِرِّ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِمَجْدِ اللهِ وَحَمْدِهِ.." (فيليبي1: 11)

الخميس  10
"أنا أعرف بأن الله يهتم بي، لقد لاحظتُ ذلك كثيراً في حياتي." (رسالة زيلي إلى ابنتها بولين، في 12 آذار 1876)

" بما أن الله ابْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَله ، أنا واثق بأنه سيُكَمِّلُه إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ." (فيليبي 1: 6)

الجمعة  11
"أنا أعيش كثيراً على الذكريات. فكل ذكريات حياتي هي جميلة جداً لدرجة بأنه على الرغم من التجارب الصعبة التي واجهتني، كان هناك أوقات فيها يفيض قلبي من السعادة." ( رسالة لويس إلى أحد أصدقاءه في 1883)

"انهضي يا اورشليم... وانظري بنيك مجتمعين من مغرب الشمس الى مشرقها بكلمة القدوس مبتهجين بذكر الله." (باروك 5: 5)

السبت  12
"إن قلبنا لن يرتاح ولن يفرح أبداً ما دام لم يَر الجمال الأبدي الذي هو الله. أتطلع قريباً إلى فرح العائلة الحميم، هذا الجمال هو مَن يجعلنا نقترب أكثر فأكثر من جمال الله الأبدي." (رسالة لويس إل ابنته ماري في 6 تشرين الأول 1885).

"ستَفْرَحُ الْبَرِّيَّةُ وَالأَرْضُ الْيَابِسَةُ، وَيَبْتَهِجُ الْقَفْرُ وَيُزْهِرُ كَالنَّرْجِسِ. 2يُزْهِرُ إِزْهَارًا وَيَبْتَهِجُ ابْتِهَاجًا وَيُرَنِّمُ. يُدْفَعُ إِلَيْهِ مَجْدُ لُبْنَانَ. بَهَاءُ كَرْمَلَ وَشَارُونَ. هُمْ يَرَوْنَ مَجْدَ الرَّبِّ، بَهَاءَ إِلهِنَا." (أشعيا35: 1-2).
مع محبة الب غدير الكرملي
[/color]

14
الرهبانية الكرملية في العراق (إقليم باريس) تقدم لكم
رياضة زمن المجيء عبر النت مع القديسَين لويس وزيلي مارتان، زوجان أُعلنا قديسين حديثاً (2015)

الأسبوع الأول: أن ننتظر موعد (مجيء) الله
 
إنجيل ربنا يسوع المسيح للقديس لوقا (21: 25-28 ، 34-36)
في ذلك الزمان: كَلَّم يسوع تلاميذه بخصوص مجيئة قال: 
ستظهر علامات في الشمس والقمر والنجوم، وينال الأمم كرب في الأرض وقلق من عجيج البحر وجيشانه، وتزهق نفوس الناس من الخوف ومن توقع ما ينزل بالعالم، لأن أجرام السماء تتزعزع: وحينئذ يرى الناس ابن الإنسان آتيا في الغمام في تمام العزة والجلال.  وإذا أخذت تحدث هذه الأمور، فانتصبوا قائمين وارفعوا رؤوسكم لأن افتداءكم يقترب .
فاحذروا أن يثقل قلوبكم السكر والقصوف وهموم الحياة الدنيا، فيباغتكم ذلك اليوم كأنه الشَبَك (الفَخ)، لأنه يطبق على جميع من يسكنون وجه الأرض كلها.
 فاسهروا إذن مواظبين على الصلاة، لكي توجدوا أهلا للنجاة من جميع هذه الأمور التي ستحدث، وللثبات لدى ابن الإنسان.

1)    تأمل الأسبوع
"أنا متأكدة من أنك َستقوم (من فعل القيامة) إذا أردتَ ذلك" (الرسالة الأولى للقديسة زيلي إلى أخيها، في 1 كانون الثاني 1863).
ما هو الشيء المشترك بين انتظار مجيء طفل إلى العالم (ولادة طفل) أو بالأحرى ولادة الطفل الذي عليه يستند وعد الحياة وخلاص العالم، وبين الأحداث المخيفة والمصائب المذكورة من قبل يسوع في إنجيل هذا الأحد الأول من زمن المجيء لهذه السنة؟
يسوع الذي كان يتحدث إلى تلاميذه، يصف لنا "مجيئاً" يسبب القلق، والخوف، بل وحتى زعزة أركان وأسس العالم. لكن الموضوع الذي يتكلم عنه يسوع هو بخصوص المجيء الممجد لله الذي صار بشراً، أي ذاك الذي جاء ليلتقي بالبشرية كي يقودها لترعى في أرض الميعاد التي وعد بها شعبه منذ قرون طويلة، أي في الفردوس المفتوح حتى للمجرمين (لص اليمين).. أي في تلك الحياة الموعودة التي لن يكون فيها لا مرض ولا موت ولا بكاء ولا أنين!...

*   تعليم يسوع: اقرأوا ما خلف السطور .. أي افهموا الأحداث حولكم...
يريد يسوع من تلاميذه أن يفهموا بأن المهم هو ليس أن نعرف تماماً ماذا سيحوي مستقبلنا من أحداث، لكن المهم أن نسهر، أن نصلي، وأن نستمد القوة من إيماننا لكي نتمكن من الثبات واقفين في مواجهة الأحداث العصيبة والمأساوية وغير المتَوَقَّعة والتي من الممكن أن تؤثر بشدة على حياتنا. هكذا، إنْ كان رجال الدين المؤمنين في إسرائيل قد فسروا بشكل صائب الكتاب المقدس لدرجة أنهم عرفوا بأن المسيح الآتي سيولد في بيت لحم، في أرض يهوذا، فلا أحد بالمقابل كان يتوقع أن يكون النبي المُعلَن عنه والمنتظَر سيكون الله نفسه والذي يأتي ويتخذ جسدنا، ويولد طفلاً مثل أطفال البشر، في مكان فقير جداً مثل مذود الحيوانات... الملك هيرودس لم يتوقع ذلك، عظماء الكهنة  والكتبة لم يفهموه، وسكان بيت لحم الذين استقبلوا يوسف ومريم لم يفهموا ذلك أيضاً، وشعب إسرائيل نفسه كانوا يظنون بشدة بأن "المسيح، عند مجيئه، لا أحد سيعرف مِن أين هو" (يوحنا 7: 27). ومع ذلك، فالله واضح وصادق؛  ولا يوجد "مَكْرٌ في الله، صخرتي"، يُعلن المزمر (مزمور 92: 16). إن عدم فهم البشر هذا، والتهديد المذكور من قبل المسيح على عالمنا (لوقا 21: 26) يأتي من حقيقة أن الإنسان قد فقد براءة الطفولة، وقلبه هو غالباً ما يكون مريضاً وغير طاهر. إن رد فعل هيرودس العنيف والظالم عندما أمر بقتل أطفالاً أبرياء، بعد إعلان ولادة أمير السلام، يكشف بوضوح قلبًا مريضاً ومنغلقاً على ذاته. بينما الله، هو، ليس مخادعًا ولا قاسيًا، ومشروعه لكل واحد منا هو ببساطة مشروع حياة. إنْ كنا نتلهف إلى هذه الحياة – التي من أجلها خُلِقنا منذ البداية – فهل لدينا استعداد القلب والروح بشكل كافٍ كي نُميّز ونعرف كيف نستقبله؟ هل لدينا حقاً الإيمان بالله الذي يضع فينا هذه التطلعات والآمال الكبيرة (للسعادة، وتطوير مواهبنا وقابلياتنا، وللحياة العائلية أو للحياة المكرسة...) ويتمنى أكثر منا أن نحققها؟
إن إنجيل هذا الأحد الأول من زمن المجيء يجذب إنتباهنا إلى النقطة التالية: في بحثنا عن السعادة، يسوع لا يطلب منا أن لا نُخطيء أبداً لكنه يطلب منا بالأحرى أن نسهر: "فاسهروا إذن مواظبين على الصلاة" .. اسهروا إذن وصلوا دائماً.. في كل وقت (لوقا21: 36). إن وصية يسوع هذه تدعو إلى موقف إيماني .. إلى أن نستعد لحياة الملكوت من الآن... إلى إتخاذ موقف يجعلنا نراجع ونرتب أولوياتنا أو قناعاتنا. "ابحثوا تجدوا ... لأن كل من يبحث يجد" (لوقا 11: 9-10)، يقول لنا يسوع بقوة. إن مَن يبحث يعرف جيداً بأنه من الممكن أن يُخطيء بسهولة أو باستمرار قبل أن يجد ما كان يبحث عنه. لهذا السبب، دعوة إنجيل اليوم لا يجب أن تُفهَم كدعوة إلى عدم الوقوع في الخطأ، لكنها دعوة إلى البقاء ساهرين. فنحن يمكن أن نُخطيء في أية لحظة ... ولدينا الحق في أن نراجع ونغير قناعاتنا، ويمكننا أن نفشل أيضاً... إن الله يدعونا في قلب هذه الأحداث، بل يدعونا خاصة في وسط هذه الأوضاع الصعبة، لأن نحافظ على موقف يتسم بإيمان يقظ .. إيمان ساهر. لسنا نحن مركز حياتنا، بل أننا مرتبطون بذاك الذي خلقنا وافتدانا، نحن مرتبطون بذاك الذي لديه بخصوصنا مشروع حياة ثابت وإلى النهاية، حتى عندما نسير في طرق معوجة ونبتعد عنه، لأنه، هو، أمين ولا يتغير. "لقد أتيت لتكون الحياة للناس بل وتفيض فيهم" (يوحنا 10: 10)، يقول يسوع.
فهل نجرؤ على الإيمان بذلك، وإلى أي حد؟
*   إنفتاح القلب وسط منعطفات حياتنا ..
إن حياة زيلي ولويس تدعونا إلى البقاء ثابتين في فعل الإيمان الجريء هذا. لقد عملا يومياً، من خلال الصلاة والإيمان، من أجل الحصول أو الإستمرار على إنفتاح حقيقي للقلب وللروح خلال كل منعطفات حياتهما المتنوعة.
وُلِدَت زيلي ماري كيران، في 23 كانون الأول 1831 في فرنسا، في قرية بالقرب من مدينة "ألنسون" التي تحولت إليها عائلتها بعد بضعة سنوات. كانت الثانية في العائلة، لديها أخت أكبر منها وأخ أصغر منها. أهتم والداها بتنشئتها تنشئة مسيحية. ولسوء حظها، كان والداها قاسيان فحُرِمَت من الحُب والحنان في فترة طفولتها إن كان من جانب والدها أم والدتها. كتبت لأخيها تقول: "إن فترة طفولتي وشبابي كانت حزينة جداً، فإن أمي، إنْ كانت تدللك، كانت قاسية جداً معي كما تَعْلَم؛ ولم تكن تعرف كيف تهتم بي أو تعاملني، لهذا لقد تألمت كثيراً ومن أعماق قلبي" (مراسلات عائلية 15). لم تمتلك زيلي أبداً أية لعبة في طفولتها ولا حتى دمية... لكنها بدل أن تتأثر نفسياً وتنطوي على نفسها، حاولت البحث عن الحنان والحُب في العلاقة مع الله. عطشها للحب بدوره توجه نحو الناس الفقراء والمحرومين. وأحست برغبة قوية داخلها في أن تكرس حياتها لله للفقراء. هكذا لم يمنعها ألمها ومعاناتها في طفولتها وشبابها من أن تبحث عن عيش حياة تستحق العيش وأخذت تبحث عن إرادة الله في حياتها وعَمّا يريد الله منها، لكنها لم تكن بعد تفهم بالضبط إرادته.
لويس مارتان، من جهته، ولد قبلها في 22 آب 1823 في مدينة بوردو الفرنسية. بعد سبع سنوات تنتقل العائلة غلى مدينة "ألنسون". يبدو أنه عاش فترة شبابه دون صعوبات تُذكر، كان يطالع كثيراً كتب حياة القديسين. ربما يفكر البعض منكم الآن بأن الشابين لويس وزيلي وبما انهما يعيشان في نفس المدينة الصغيرة التقيا وأحبا بعضهما بعض وكوّنا عائلتهما بسرعة. لم تسير الأمور بهذه السهولة. لأن لويس هو أيضاً، أخطأ في البداية بخصوص إرادة الله في حياته. فبعد أن تَعَلّم مهنة الساعاتي، توجه نحو دير "القديس برنردس"، دير شهير في سويسرا. وسيحمل لويس دائماً في قلبه هذا الميل إلى الخلوة والتأمل والمغامرة أيضاً. لكن بعد محاولة في هذا الدير في عمر 22 سنة، اضطر لويس أن يعود إلى ألنسون، لكي يتعلم اللغة اللاتينية! فقد كانت معرفة اللاتينية شرطاً ضرورياً كي يُقبَل في الدير ويصبح راهباً في تلك الرهبانية آنذاك. كانت هذه تجربة كبيرة بالنسبة لهذا الشاب. فحاول أن يتعلم اللاتينية لمدة سنة ونصف وبعناد كبير، لكنه فشل في ذلك ولم يتمكن من الإستمرار، فكانت خيبة الأمل كبيرة جداً بحيث تمرض بعدها ...
في ألنسون، زيلي تتجه بدورها نحو الحياة الرهبانية. وكانت ترغب بشدة أن تصبح من "بنات المحبة" لكي تتمكن أخيراً من تكريس حياتها لله وللمرضى لأن هذه الجمعية الرهبانية تهتم بالمرضى. عندما كان عمرها 18 تقريباً، تذهب إلى الدير برفقة والدتها لتلتقي برئيسة الدير؛ لكن اللقاء مع رئيسة الدير انتهى سريعاً، لأن الرئيسة تعلن بوضوح بأن زيلي ليس لها دعوة عندهن. إذن بالنسبة لزيلي وكذلك بالنسبة للويس، كانت هذه التجارب فشلاً كبيراً. كان ذلك صعبًا جداً بالنسبة لزيلي لأن هذا عَمَّق فيها فراغها العاطفي وألمها الذي عاشته في طفولتها ومراهقتها. هكذا إذن تبدو حياة زيلي ولويس وكأنهما مسيرتين كانتا متجهتان نحو السماء لكنهما فجأة تتعثران وتفشلان. لويس وضع كل قواه لكي يصل إلى ما يريده وناضل من أجل ذلك، لكن النهاية كانت الهزيمة. أما زيلي فالتجأت بأكملها إلى حياة كانت تتصور أنها ستكون أفضل لها، لكن هي أيضاً خاب أملها كثيراً، وفشلت فيما كانت تظنه مستقبلها...

*   القوة الـمُستَمَدّة من الإيمان ولاصلاة ..
لنعد إلى الإنجيل كي نُقيِّم وضع لويس وزيلي: "افهموا"، يقول لنا يسوع، "افهموا بأن المهم ليس أن نعرف تماماً محتوى مستقبلنا أو مما سيتكون، لكن المهم أن نسهر، أن نصلي، أن نستقبل في الإيمان نعمة الثبات، نعمة البقاء واقفين وصامدين أمام التجربة، مثل تلك التي اختبراها لويس وزيلي. فالإثنين في الحقيقة، استقيا من الإيمان والصلاة القوة لكي لا يقعا في الإحباط والكآبة. الصلاة التي خرجت من قلب زيلي مباشرة بعد أن فشلت في الدخول في الحياة الرهبانية، تعكس هذا جيداً: "يا إلهي، بما أني لم أكن مستحقة لأن أكون عروسك (...)،  سأدخل في حياة الزواج كي أُكمل إرادتك المقدسة. لهذا، أتوسل إليك، هبني الكثير من الأطفال، وليُكَرِّسوا جميعهم حياتهم لك"... بعد أن أُحبِطَت، تناضل زيلي مع ذلك كي تثبت في إيمانها بأن الله يهيء لها مشروع حياة حقيقي، وقلبها وروحها يبقيان منفتحان ويقظان وساهران لاكتشاف وفهم إرادة الله في حياتها.
أما لويس، فيبدأ دون تأخير في التركيز على مهنته كساعاتي. فيفتتح محلاً لبيع وتصليح الساعات في المدينة. ويبدو أنه لا يفكر في الزواج. إحدى المؤمنات في خورنته تهديه تمثالا للعذراء مريم (يمثل عذراء البشارة، وهو التمثال الذي سيشتهر وسيسمى بتمثال العذراء المبتسمة التي ستبتسم للقديسة تريزا الطفل يسوع في طفولتها وتشفيها من علتها). كان لويس يكرس وقتاً طويلاً للصلاة وفي نفس الوقت كان نشطًا جداً في الأعمال الخيرية والتبرعات للفقراء والمحتاجين. هو أيضاً، وعلى الرغم من ألم فشله وعدم تمكنه من تحقيق حلمه في الحياة الرهبانية، يحافظ على إنفتاح القلب والروح تجاه ربه وإلهه. لويس وزيلي، كانا يستطيعان أن يتبنيا صلاة صاموئيل الصغير نفسها ويقول كل منهما لله: "تَكَلَّمْ (في حياتي) يا رب، فإن عبدك يسمع" (1صموئيل3: 10). سيستمر هذا الوضع لعدة سنوات. بعدها سيعمل ويتكلم الله في قلب هذين الشابين، لأنهما سينتهيان بإتمام مشروع حياتهما؛ سنكتشف تفاصيل ذلك في الأحد الثاني من زمن المجيء (الأسبوع القادم). مشروع الحياة هذا سيتحقق بحيث ستكتب زيلي، متقوية من هذه الخبرة، فتقول بثقة  لأخيها: "أنا متأكدة بأنك ستنجح إنْ أردتَ ذلك"؛ ستنجح ... لكن تحت نظرة الله، وربما ليس بالطريقة التي فكرتَ فيها في البداية، أي ليس كما كنت تتمنى في البدء!

ثلاثة مسارات لتَبَنّي الإنجيل وتطبيقه في حياتنا على مثال القديسين لويس وزيلي:

* إن هذا الأحد الأول من المجيء يسمح لنا أن نلاحظ كم أن لويس وزيلي حاولاً أن يفهما، بناءً على دعوة يسوع، ما هو مشروع الحياة لكل واحد منهما.
ونحن.. هل نعمل نحن أيضاً على أن نمتلك استعداد القلب هذا كي نطابق حياتنا مع مشروع الله لنا؟ فنحن في أغلب الأحيان مشغولين بأشياء أخرى غير إرادة الله في حياتنا أو بمشاغل وهموم الحياة وبرغباتنا وإرادتنا نحن...

* لويس وزيلي لم يخططا في البداية للزواج، لدرجة أن خيبات أملهما بدت بالنسبة إليهما فشلاً كبيراً وتامًا في حياتهما. كيف نحن بدورنا نُقَيِّم أو ننظر إلى فشلنا أو إخفاقاتنا الخاصة: هل ننظر إليها مجرد نظرة إنسانية بحتة، أم كطريقة تجعلنا نثب من جديد نحو الأمام على الرغم من الألم المعاش والذي لا مفر منه؟  هل نعتقد بأن لنا الحق في أن نخطأ، تحت نظر الله؟ لِنَجْرُئَنَّ ونغفر لأنفسنا أخطائنا الخاصة. ولا نَدَعْنَّ خيبات الأمل والإحباطات أن تملك على حياتنا...

* وأخيراً، كان الإيمان المسيحي والصلاة يأخذان حيّزاً مهماً وكبيراً في حياة لويس وزيلي. فالإيمان والصلاة كانا السند الأساسي لهما في كل مرة كانا يُرفَضان أو يفشلان (كم من مرة نسمع هذا السؤال من حولنا أو نردده نحن وقت الضيق: إن كان الله موجوداً، لماذا كل هذه المصائب والفشل في حياتي؟"). هكذا ساهم الإيمان والصلاة في وضع أسس صَلِبَة في حياتهما. هل يتلاشى إيماننا ويتوارى، أم أنه يظهر بالعكس كسند، في أوقات الضيق أو عندما نواجه صعوبة ما في حياتنا؟

تأمل في إنجيل اليوم
في هذا اليوم الأول للرياضة (الأحد)، تقدم لنا الليتورجية مقطعاً من إنجيل لوقا ربما سيُدهشنا كثيراً. فالرب يسوع يتكلم فيه عن مصائب مخيفة: علامات في الكواكب، ويلات تضرب العالم، قوى السماء تتزعزع. لماذا تختار الكنيسة نصاً كهذا في هكذا مناسبة؟! فنحن نريد أن نتهيأ لعيد الميلاد، بينما الرب يسوع يكلمنا عن نهاية العالم!
يجب أن نعلم بأن يسوع يستعمل هنا أسلوباً لُغَوياً خاصاً، نجده في العديد من الأماكن في الكتاب المقدس. هذا الأسلوب اللغوي يُسمَّى "الأسلوب الرؤيوي". إنه ليس أسلوباً يخص المصائب! لكن الكلمة باليونانية تعني حرفياً "الكَشْف". إن هدف اللغة الرؤيوية هو أن تكشف لنا شيئاً مما سيحدث في نهاية الازمنة، والغرض من ذلك هو تحريك وتقوية رجاءنا، خاصة في وقت الأزمة. وكأن المسيح يريد أن يقول لنا: "نعم، ستواجهكم العديد من الصعوبات، لكن لا تنسوا أبداً باني مخلصكم، وبأني آتٍ إليكم!" هكذا، يوجه نص الإنجيل هذا نظرنا نحو مجيء الرب يسوع، في مجده، في نهاية الأزمنة. ومجيئه في بيت لحم، في ليلة الميلاد المتواضعة، هو صدى لهذا المجيء النهائي.
إذن، يمكننا أن نفهم بشكل أفضل لماذا نسمع هذا المقطع الصعب من الإنجيل في بداية مسيرة المجيء. إن هدف طريق حياتنا المسيحية قد كُشِفَ لنا في هذا النص .. سبب مجيء الرب في الميلاد قد كُشِفَ لنا: إنه يأتي لخلاصنا: "لأَنَّ فِدائَكُم يَقْتَرِبُ». وهذا لا يجب أن يخيفنا ويرعبنا، بل بالعكس. فيسوع، عندما يكشف لنا هكذا معنى وجودنا، فهو يوجهنا نحن الموقف الذي علينا أن نتخذه كي نتهيأ من خلاله لإستقبال مجيئه: "انْتَصِبُوا قائمين، وَارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ" ، "اسْهَرُوا إِذًا مواظبينَ على الصلاة في كل وقت". العديد من النصائح والعديد من النداءات التي تحثنا على السهر، والموجودة في أماكن أخرى من الإنجيل، يمكننا أن نتبناها وننتبه إليها في بداية رياضة المجيء هذه. لأن الرب يسوع يأتي إلينا.. دوماً! وفي عيد الميلاد، نحن لا نقوم فقط بإعادة ذكرى مجيئه قبل 2000 عام. لكننا نحتفل بالأحرى بمجيئه في الوقت الحاضر: هذه السنة، في عيد الميلاد، يسوع سيولد من أجل خلاصنا. اليوم، وكل يوم، يأتي الرب يسوع إليَّ، في حياتي، أينما أكون. بل هو لم يتوقف أبداً عن المجيء إليّ، عن دعوتي للقاء به. لكن هل أنا منتبه لمجيئه، لحضوره في حياتي؟ هل أرغب أن ألتقي به؟ هل أشتاق لِلُقْياه؟
2)    لنُصَلِّ في كل يوم من أيام الأسبوع
الأثنين 30 تشرين الثاني 
"سأقبل الحياة الزوجية كي أُكمل إرادتك المقدسة. لهذا، أتوسل إليك يا رب، هبني الكثير من الأطفال، وليُكَرِّسوا جميعهم حياتهم لك." (صلاة زيلي).
"تَكَلَّم يا رب، إن عبدك يسمع." (1صموئيل 3: 10)
الثلاثاء  1 كانون الأول 
"أنا سعيدة جداً مع لويس. إنه يجعل حياتي جميلة. إن زوجي رجل قديس، وأتمنى أن تحصل جميع النساء على زوج مثله." (رسالة زيلي إلى أخيها).
"أيها الرجال أيها الرجال، أحبوا نساءكم كما أحب المسيح الكنيسة وجاد بنفسه من أجلها." (1صموئيل 3: 10)
الأربعاء  2 كانون الأول 
"عندما وُلِد أطفالنا، لم نعد نعيش إلاّ من أجلهم، كان ذلك كل سعادتنا. أتمنى أن يكون لي أطفالاً كثيرين حتى أُربيهم من أجل السماء." (رسالة زيلي إلى بولين ابنتها، 4 آذار 1877)
" اطلبوا أولا ملكوت السموات، فيُعطى لكم كل هذا وبفيض." (متى 6: 33)
الخميس  3  كانون الأول 
"إن أباكِ العجوز قد اكتفى من كل المحاسن التي تحوطه، ويحلم بالسماء وبالأبدية: باطل الأباطيل، وكل شيء باطل ما عدا محبة الله وخدمته!""  (رسالة لويس إلى ابنته ماري، 30 آب 1885)
" أحبب الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل ذهنك وكل قوتك." (مرقس 12: 30).
الجمعة  4  كانون الأول 
"أرغب تماماً أن أكون قديسة لكني لا أعرف من أين أبدأ... لهذا أظل على صعيد الرغبة فقط: فأنا أقول عدة مرات في اليوم:  يا إلهي، كم أود أن أكون قديسة" ( رسالة زيلي إلى ابنتها بولين، 26 شباط 1876)
" كونوا أنتم كاملين، كما أن أباكم السماوي كامل.." (متى 5: 48).
السبت  5  كانون الأول 
"كنا كل ليلة نصعد لنصلي سوية، وكانت الملكة الصغيرة (تريزا) وحدها بالقرب من ملكها (أبيها لويس)، كانت فقط بحاجة إلى أن تنظر إليه كي تعرف كيف يصلي القديسين." (القديسة تريزا الصغيرة، تأريخ نفس).

"فاسهروا مواظبين على الصلاة، لكي توجدوا أهلا للنجاة من جميع هذه الأمور التي ستحدث، وللثبات لدى ابن الإنسان." (لوقا 21: 36).
الأب غدير الكرملي



15
قراءات زمن المجيء ( سنة ج )  2015
اليوم   القراءة الاولى   القراءة الثانية   الإنجيل
الأسبوع الاول
الأحد الأول 29/11   ارميا 33: 14- 16   تسالونيقي3: 11- 4: 2   لوقا21: 25- 28، 34- 36
الاثنين      30   اشعيا 2: 1- 5      متى 8: 5- 11
الثلاثاء     1   اشعيا 11: 1- 10      لوقا 10: 21- 24
الاربعاء    2   اشعيا 25: 6- 10 أ      متى 15: 29- 38
الخميس    3   اشعيا 26: 1- 6      متى 7: 21، 24- 27
الجمعة    4   اشعيا 29: 17- 24      متى 9: 27- 31
السبت    5   اشعيا 30: 19- 21، 23- 26      متى 9: 35-38، 10: 1،6-8
الأسبوع الثاني
الأحد الثاني  6   باروك 5: 1- 7   فيلبي1: 4- 6، 8- 11   لوقا 3: 4، 6
الاثنين      7   اشعيا 35: 1- 10      لوقا 5: 17- 26
الثلاثاء     8   اشعيا 40: 1- 11      متى 18: 12- 14
الاربعاء     9   اشعيا 40: 25- 31      متى 11: 28- 30
الخميس     10   اشعيا 41: 13- 20      متى 11: 11- 15
الجمعة      11   اشعيا 48: 17- 19      متى 11: 16- 19
السبت      12   سيراخ 48: 1- 4، 9- 11      متى 17: 10 -13
الأسبوع الثالث
الأحد الثالث 13   صفنيا 3: 14- 17   فيلبي4: 4- 7   لوقا 3: 10- 18
الاثنين      14   عدد 24: 2-7أ ، 15-17أ      متى 21: 23 - 27
الثلاثاء     15   صفنيا 3: 1-2 ، 9-13      متى 21: 28- 32
الاربعاء    16   أشعيا 45: 6ب-8، 18، 21ب-24      لوقا 7: 19-23
الخميس    17   تكوين 49: 1- 2، 8- 10      متى 1: 1- 17
الجمعة     18   ارميا 23: 5- 6      متى 1: 18- 24
السبت     19   قضاة 13،2- 5أب6- 7، 24-25أ      لوقا 1: 5- 25
الأسبوع الرابع
الأحد الرابع   20   ميخا 5: 2- 5 أ   عبرانيين10: 5- 10   لوقا 1: 39- 45
الاثنين        21   صفنيا 3: 14- 17 أ      لوقا 1: 39- 45
الثلاثاء  22   ملوك الاول 1: 24 -28      لوقا 1: 46- 56
الأربعاء  23   ملاخي 3: 1-4 ، 4: 5-6       لوقا 1: 57-66
الخميس  24   ملوك الثاني 7: 1- 5، 8ب- 10أ، 12- 13أ، 14أ، 16   لوقا 1: 67- 79


16
الرهبانية الكرملية في العراق (إقليم باريس) تقدم لكم
رياضة زمن المجيء عبر النت مع القديسَين لويس وزيلي مارتان، زوجان أُعلنا قديسين حديثاً (2015)
استقبال حداثة (جِدّة .. ما هو جديد) الله مع القديسَين لويس وزيلي مارتان (والدي القديسة تريزا الطفل يسوع)

"إن الله يعرف أفضل منا ما نحتاج إليه"،
هذا ما تكتبه القديسة زيلي إلى زوجها لويس مارتان في 24 كانون الأول 1876.
إن فعل الإيمان هذا سيرافق رياضتنا الروحية المقترحة عليكم من قبل الرهبانية الكرملية (إقليم باريس) لعيش زمن المجيء لهذه السنة 2015.
منذ الثامن عشر من تشرين الأول، لويس وزيلي مارتان أصبحا أول زوجين أُعلنت قداستهما في تأريخ الكنيسة الكاثوليكية! إنهما يفتحان لنا هكذا طريقَ قداسةٍ خاصًا بالحياة العلمانية وكذلك بحياة الأسرة. . سيرافقاننا أثناء رياضة المجيء نحو الحداثة (الجِدّة) الكبيرة التي حصلت في التأريخ، أي ولادة الطفل-الإله يوم الميلاد.
عنوان رياضتنا الروحية هو:   
استقبال جديد الله ، مع القديسَين لويس وزيلي مارتان

القديسان لويس وزيلي مارتان:
من هما لويس وزيلي مارتان؟
هل هما مجرد والدا القديسة تريزا الصغيرة (تريزا الطفل يسوع)، أي هل هما أبوان حياتهما عادية ودون أية أهمية لو لم تكن ابنتهما القديسة الشهيرة؟ أم أنهما على العكس قديسان فريدان من نوعهما؟ كيف يمكن لحياتهما الإيمانية أن تكون ذات فائدة لنا اليوم؟ واخيراً، أية صلة يمكننا أن نكتشف بين هذين الزوجين وبين نعمة الميلاد الذي ننتظره هذه السنة؟
إن المواضيع المختلفة التي سنتناولها خلال الآحاد الأربعة لزمن المجيء تجيب على هذه التساؤلات المتعددة. سنكتشف تدريجياً تفاصيل حياتهما بتقدم هذه الرياضة. لكن مع هذا يمكننا الإجابة من الآن على السؤال الأخير: لويس وزيلي، مثل مريم ويوسف، استقبلا عطية ذاك الذي هو الحياة، استقبلا حضور المحبة المُقَدِّس. حياتهما المشتركة، التي سنتابعها زمنياً بالتدريج أثناء هذه الرياضة الروحية، ستتيح لنا أن نرى كيف أن نعمة الميلاد، أي نعمة الحُب الذي جاء واتخذ جسدنا وسكن بيننا، تتجسد في حياة زوجين يتقاسمان الإيمان اليومي في عائلة الناصرة البسيطة.

القداسة في الحياة العائلية
لكن لا يجب أن نتوهم! إنْ كان لويس مارتان يستطيع أن يكتب لبناته: "إن عائلتنا، على الرغم من بساطتها، تتشرف بأن تكون في عداد الذين مَيَّزهم خالقنا الحبيب" (الرسائل العائلة 231)، فهذا الإمتياز ليس المقصود به أن يكون حِكراً على "النخبة" من الأُسَر. فعلى مثال حياة تريزا الصغيرة، لويس وزيلي عاشا حياة بسيطة، خالية من الأحداث أو من النعم الخارقة أو فوق العادية. بل أكثر من ذلك، إنهما مَرّا بأوقات صعبة على صعيد الحياة العائلية (صعوبات في تنشئة إحدى بناتهما، موت 4 أطفال رضع، صعوبات مادية...)، أو على الصعيد المعنوي (خاصة أمام تجارب الإحباط وفقدان الأمل). ومع أن لويس وزيلي عاشا في القرن التاسع عشر، فمشاكلهما ونضالهما يعكسان لنا زوجان عصريان تماماً، قريبان من إنشغالاتنا وهمومنا.. ومن أفراحنا.. ومن نضالنا الشخصي.
إن القداسة هي ممكنة وهي ليست حزينة: هذا ما تُعَلِّمنا إياه حياة لويس وزيلي خاصة. لا نخف إذن من أن نطمح بدورنا على مثالهما إلى القداسة، لا نخف أن نختبر بدورنا جمال القداسة المسيحية. لويس وزيلي لم يولدا قديسان.. بل حصلا عليها في حياتهما.. لكن هل كان لديهما مؤهلات أو استعداد فطري مسبق لهذا الموضوع؟ لايبدو ذلك. لكنهما عاشا الإيمان المسيحي بأخذه على محمل الجد وببساطة، من خلال تطبيق وصايا المسيح وباتباع تعليم الكنيسة. هذا ما غير حياتهما تماماً. لم يكونا يفرضان على أنفسهما إماتات مفرطة، ولا تشدد زائد: لويس وزيلي عاشا القداسة في ورع حياتهما الخاص بهما. لنطلب من الله أن يكون مثال حياتهما ونعمة مجيء ربنا يسوع دافعًا لنا طالبين من الروح القدس أن يأتي وينير حياتنا اليومية اليوم وكل يوم.
سنتعلم خلال مسيرتنا في رياضة المجي مع عائلة مارتان هذه السنة، أن نستقبل حداثة أو جِدّة الله التي ستنكشف لنا يوم ميلاد الرب يسوع. سنتبع أربع مراحل، على عدد أسابيع المجيء الأربعة، بالإضافة إلى تعليم قصير خاص بيوم الميلاد نفسه:
1.   أن ننتظر موعد (مجيء) الله
2.   أن نجد مكاننا الخاص بنا
3.   أن نستقبل الحياة
4.   أن نخرج من ذاتنا
رياضة مباركة لكا واحد منكم،الرب يحفظكم
الأب غدير الكرملي                                                   

17
علاقتي به قديمة .....
اعترف ربي وإلهي اني التقيتك في 2004 ولكن علاقتي بك قديمة جداً منذ ان فكرت ان توجدني، انت معي كي سنين عمري خطوة بخطوة دون ان ادري، وحين اتذكر كيف عشت قبل ان التقيك واعرفك واختبرك اثق انك انت من كان يحميني من كان يقويني من كان يعطيني كل شيء، سامحني اذا تأخرت لأعرفك أظن هذا ليس كله ذنبي ولكن الحمد والشكر لك لأنك لم تتركني بعيدة عنك، نعم شكراً لأتنك اوجدني شكراً لأنك احببتني، شكراً لأنك صبرت علي، واليوم اعترف حتى لو كنت وهم ربي وإلهي يكفيني ما عشته واعيشه معك من الحب. آمين
27_11_2015

18
سامحنا ربي وإلهي ...
سامحنا على كل مرة آتيت إلينا من خﻻل فقير محتاج ولم نراك، على كل مرة اسمعتنا آهاتك من خﻻل متألم ولم ننتبه، على كل مرة لم نعمل ما بطاقتنا بل تذمرنا، على كل مرة نسينا أن ﻻ مستحيل حين نعتمد ونتأكل عليك، سامحنا ﻷننا مازلنا نعيش كالبشر وليس كالقدبسين كما أردت ربي وإلهي. آمين
17_10_2015

19
يا مريم أمنا ...
يا مريم أمنا القديسة اسرعي إلى ابنك واخبريه عن حاجتنا فكل واحد منا بحاجة لتدخل ابنك في حياته، اسرعي واخبريه كما فعلت في قانة الجليل حين علمت بحاجتهم إلى الخمر ليس لدينا غيرك لتطلب لنا وتساعدنا وتشفع عند ربنا يسوع المسيح ﻻ تنسي نحن ابناءك منذ أن أعطاك ابنك لنا اما على الصليب. آمين
10_10_2015

20
ﻻ تخافي انا معك ...
أسير في الطريق مطمئنة ﻻن ربي وإلهي قال ﻻ تخافي انا معك، أعيش اليوم وﻻ أفكر بالغد ﻻن هو من قال ﻻ تخافي انا معك، وﻻني ضيفة على هذه اﻷرض وبيتي في السماء اعمل واتعب من أجل القوت اﻷبدي. آمين
9_10_2015

21
من أجلي انا الخاطئة ...
اعترف يايسوع حين أكون معك شهوة قلبي تكون أن المس حضورك أن أسمع صوتك، أعلم أني غير مستحقة، ولكني اتذكر من أجلي انا الخاطئة تجسد، من أجلي مت على الصليب، من اجلي كل التدبير الخﻻصي كي ﻻ أهلك ربي وإلهي فاجعلني استحقك. آمين.
5_10_2015

22
ﻻ أعلم هذا جهل أم ضعف ايمان ..
كثيراً ما اطلب منك يا يسوع ربي وإلهي أن تريني نفسك حين كنت متجسدا على اﻻرض ناسية انك أريتني نورك أريتني وانت في مجدك، نعم اعذرني ياإله حياتي على جهلي أو ضعف إيماني فما هو من اﻻرض ﻻ يطلب اﻻ ما هو أرضي، شكراً ﻻنك تحاول كل يوم أن ترفعني نحوك. آمين
4_10_2015

23
ﻻ أعلم لماذا .. ربما ..
اعترف لك يا يسوع ربي وإلهي اني قليﻻ ما أتأمل يصليبك ﻻ أعلم لماذا؟ ربما ﻷني ﻻ أحتمل اﻵلم، او ﻻ احتمل ان اراك تتألم، ولكني كثيراً ما أتأمل بتجليك وصعودك ربما ﻷني احتاج لنورك لتنير الخفايا التي مازالت مظلمة في حياتي، أعلم أنك تعلم السبب أكثر مني ﻷنك تعرف كل شيء عني ربي وإلهي. آمين
2_10_2015

24
ﻻ تتركني ﻻ تنساني ...
وأنا أتأملك يا يسوع وانت ترتفع نحو السماء أمام عيون تﻻميذك قلت في نفسي ﻻ تتركني ﻻ تنساني ربي وإلهي وأنا واثقة انت ﻻ تنسى وﻻ تترك اﻷنسان الذي تجسد من أجله، ربما كنت أذكر نفسي بما تنتظره منا وهو أن ﻻ ننسى مع مشاغل وصعوبات يومنا ان الراحة واﻷمان عندك وحدك ربي وإلهي. آمين
29_9_2015

25

اغفر لي ياإلهي ...

ﻻ أعلم ربما انا ايضا سألت مثل غيري أن لم يكن بصوت عالي ربما في الصمت أين إلهك الذي تحبيه أين هو من كل هذه اﻵﻻم والمحن في كل مكان؟ نعم ربي وإلهي سامحني اذا كنت ﻻ اسمع صوتك في كثير من اﻻوقات فكيف اسمع صوتي والضجيج يملء حتى أعماقي، اغفر لي ياإله حياتي على جهلي ضعفي على قلة إيماني. آمين

28_8_2015

26
أظهرت لي حقيقتي ...
شكراً ربي وإلهي لوﻻ روحك القدوس لبقيت في جهلي في الظﻻم، نعم روحك القدوس من كشف لي حقيقتي بفضل روحك فهمت اني ﻻ أملك شيئاً ﻻ أملك ما يدعو للتكبر واﻻفنخار انت وحدك افتخاري فﻻ تتركني يا سيد حياتي كي ﻻ أعود للظلمة قد انت حياتي بمشيئتك. آمين
27_8_201

27

كيف ﻻ احبك يا خالقي ...
نعم ربي وإلهي كيف ﻻ احبك وانت لم تبالي ماذا كنت باﻷمس، ومازلت تغفر لي ذنب اليوم وكل يوم دون أن تحرجني أو به تذكرني بل انت تعمل فيا كي اياه تنسيني كما لو لم يكن، نعم فكيف ﻻ احبك واتمسك بك يا خالقي، شكرآ على صبرك وطول اناتك، شكراً ﻻنك تمسك عني غضبك، شكراً ﻷنك مازلت تنتظر عودتي إليك بعد كل سقطة احبك ربي وإلهي أكثر من نفسي. آمين
22_8_2015


28

ﻻ افرح بل أحزن ...
تعلم ربي وإلهي اني اقول الحق وكم منك طلبت أن ﻻ تخفى عيوني عن اﻵخرين بل ﻷظهر على حقيقتي امامهم، اعترف حين يمدحني اﻵخرين ﻻ افرح بل أحزن ﻻنهم لم يروا عيوني. آمين
13_8_2015

29

هو قريب جداً ...
اعترف ربي وإلهي حين كنت بعيدة جدآ عنك كنت أنت قريب جداً مني ﻷنك تحبني، وحين كنت ﻻ أعرف سوى اسمك كنت أنت تعرف كل شيء عني ﻷنك أنت خلقتني، وحين كنت ﻻ اعطيك شيء مما اعطيتني كنت أنت ﻻ تتركني احتاج لشيء، فكيف ﻻ أؤمن واثق انك معي في كل الظروف بعد أن صرت قريبة منك وصرت انت كل شيء في حياتي ربي وإلهي . آمين

30

علمني ربي وإلهي ...

دعوتني لمائدتك فلبيت الدعوه، انتظرتني فجئت اليك، معا عشنا اوقاتا صادقة، اعترفت بالدموع كم مشتاقة انا لك، وقبل أن أترك بيتك اعطيتني بركتك، اجعلني ربي وإلهي بركة لكل من به التقي، علمني أن أعطي كما اعطيتني، علمني أن اعامل اﻵخرين كما عاملتني. آمين

27_7_2015

31
اريد أن أراك واسمعك ...

ﻻ اتذكر يا يسوع ربي وإلهي اذا كنت قد أخبرتك اني اشتقت أن أراك واسمعك، فغذني لزمن تجسدك ﻷلتقي بك كواحدة ممن بهم التقيت، مثل المجدلية أو السامرية، الكنعانية أو نازفة الدم، المنحنية أو مرتا أخت مريم، فأنا أيضاً احتاجك ﻷني خاطئة ومريضة وبحاجة لشفاءك، انا ايضا مشتاقة أن أتوب توبة بﻻ رجوع، يا من بحثت عني دون أن أعلم، شكراً ﻷنك لم تتركني في خطيئتي اموت، شكراً لحضورك في حياتي انا الغير مستحقة، نعم ربي لم أسمع واحدة بك التقت وعاشت كأمسها. آمين

22_7_2015

32
انت وحدك
انت ربي وإلهي من اخذني من مكان مظلم قذر مليء بالضجيج لمكان منير نظيف هادئ، انت من فتحت الباب الذي كان يفصل بيني وبينك، انت من أريتني نورك، انت من لمستني في العمق، كيف حدث؟ ﻻ أعلم ما أعلمه اني منذ ذلك اليوم وانا اتبعك وانا بسواك ﻻ ارغب. آمين

33
نفسي تنتظرك...

هيا يا نفسي بوحي كل يوم له بشوقك فهو يحبك فﻻ تخجلي ممن يحبك وبشوق هو اﻵخر ينتظرك، اخبريه حتى لو يعلم أنك بدونه وحيدة وﻻ من يملء مكانه، فكل ما تتمنيه موجود عنده وفيه، اخبريه انك بحالة الشوق ليل نهار، وبحضوره تنسي كل شيء، بحضوره تعيشي الفرح والسﻻم الحقيقي، اخبريه انك تتغيري من أجله، ومن أجله تحبي من حولك، من أجله مستعدة أن تموتي، نعم يا نفسي انتظريه كل الوقت فهو يستحق هذا له تفعلي. آمين

23_5_2015

34
صباح الخير ...

صباح الخير يايسوعي .. هذا اوﻻ، شكراً ﻷنك ربي وإلهي هذا ثانياً، شكرآ من أجل كل شيء هذا ثالثاً، رابعا ولﻷخير انا احبك وأريد أن احبك، واﻵن أخبرني انت عن أمورك، كل ما أعرفه من إنجيلك وما ﻻ أعرفه عنك، فمادمت احبك ومادمت انت حياتي كلها من حقي أن أطلب هذا منك، من حقي أن اعرفك كل يوم اكثر، نعم جاء دورك لتتكلم وانا اصغي إليك، المهم أن أسمع صوتك، المهم أن تعطيني خبزك، المهم أن أبدأ يومي معك، فأعيش نهاري كله ومعي انت ربي وإلهي. آمين

20_5_2015


35
هو الصديق ...

يسوع هو الصديق الذي يحتاجه اﻹنسان في حياته، نعم ربي ﻷنك وفي ويجدك كلما احتاج اليك في اﻻفراح وفي اﻻحزان، انت ﻻ تترك من وثق بك واتخذك صديقا له، تبقى أمينا حتى لو لم يكن هو أمينا معك، انت ﻻ تتغير مهما تغير هو عنك، فأنت انت مثل اول يوم بك التقى تشعره بحبك واهتمامك، شكرا لك ربي يسوع ﻷنك ترضى أن تكون صديقا لﻹنسان وأنت ابن الله. آمين
27_6_2015


36
بك الحياة ...
تعال ربي وإلهي لنعود من جديد كما كنا معا، فأنت خلقتني ﻷكون معك ولك، فلماذا البعد وفي البعد حزن وألم في البعد دموع وسهر، اذا كانت السعادة والحياة بالقرب منك لماذا إذا ﻻ نعيشها معا، معا ﻻ خوف ﻻ قلق الظروف معنا او ضدنا ﻻ نهتم، نعم تعال أنا في انتظارك كل لحظة فشوقي لك كل يوم في ازدياد، تعال ياسيد الحياة انا بدونك فارغة وﻻ لشيء نافعة فالحياة بك وحدك. آمين
19_5_2015

37
لو لم تبادر انت ...
نعم ربي وإلهي لو لم تبادر انت وتأتي الي وتظهر محبتك .. خوفك علي كيف كنت ساتجرأ واقف امامك واحاورك؟ لو لم تعطيني اﻷمان كيف كنت ساتجرأ واخبرك كل ما يخطر ببالي دون خوف منك؟ كيف كنت سأتجرأ لوﻻ ثقتي انه مسموح لي كل شيء اﻻ العيش بعيدا عنك، نعم يا احلى ما في حياتي استخدمي لمجدك ﻻ تهتم لمشيئتي فلتكن مشبئتك، أكمل عملك فيا ما أجمل عملك حين تغير القلب تغير الفكر، حين تمحو الكبرياء واﻻنانية، حين تزرع الحب فنحب الجميع، ذقت حﻻوتك لهذا البعد مرارة عنك، نعم كلما اقتربت منك أشعر كم بعيدة انا عنك. آمين
13_5_2015

38

[ربي وإلهي ...

ما أعرفه ﻻ شيء أمام ما أجهله عنك، فأخبرني يارب عن اسرارك وأكثر عن ملكوتك فأنا أعيش من أجلك فأشغلني أكثر بك، اغمرني بنعمتك ادهشني كعادتك وخاصة في أمورِ الصغيرة التي بها تهتم وكأنها عظيمة عندك، أريد أن أعيش مندهشة كل الوقت، فأذا لم تدهشني انت ﻻ شيء آخر منه سأندهش. آمين
12_5_ 2015

39

بأسم المسيح اطلب ..

يا أبي السماوي انت ارسلت ابنك يسوع ﻷلتقي واتشبه به، وانا منذ أن التقيته ﻻ اطلب سواه، ولكن كل ما حولي يمنعني من اﻷتحاد به، اعترف وحدي ﻻ أستطيع مهما سعيت دون نعمتك لهذا منك اطلب بأسم ابنك، فهو من قال: كل ما تطلبونه بأسمي من ابي السماوي تنالونه، أعطيني نعمة ﻷتشبه به، كي كل يوم انقص وهو يزيد، كي يراه كل من يراني. آمين

8_5 _2015

40
كرازة الأحد الرابع للفصح ب 2015 

قراءات القداس: (أعمال 4: 8-12 / 1 يوحنا 3: 1-2 / يوحنا 10: 11-18)


اليوم هو الأحد الرابع من الزمن الفصحي. وهذا الأحد تخصصه الكنيسة لتحتفل بيوم الصلوات من أجل الدعوات، فاليوم هو يوم الدعوات العالمي... بالطبع الدعوات الكهنوتية والرهبانية، لكن أيضاً الدعوات العلمانية، أي دعوة كل مسيحي. اليوم هو إذن مناسبة لأن نفكر في دعوة كل واحد منا، أي ليسأل كل واحد نفسه: كيف  أعيش حياتي المسيحية؟ هل أنا ملتزم حقاً، وكيف أعيش إيماني في حياتي اليومية؟ كيف يمكنني أن أعمل إرادة الله بشكل أفضل؟ وماذا أقدم لله في حياتي؟ وما هي دعوتنا كمسيحيين أصلاً؟
وليسأل الأهل أنفسهم أيضاً: هل نصلي من أجل أن يعطي الله الكنيسة دعوات كهنوتية ورهبانية حقيقية؟ هل نشجع أبناءنا على أن يكرسوا حياتهم لله، ولخدمة الآخرين، ولخدمة الكنيسة؟
لنصلي إذن إلى الله، لنصلي إلى راعينا الصالح، كي يُسرع ويأتي إلينا .. نحن البعيدين عنه في أغلب أوقات حياتنا ويومنا.
لنطلب منه أن يأتي، ويُمسكنا بيده ولا يدعنا أبداً نبتعد عنه،
لنطلب منه أن يُرسل إلى كنيسته دعوات جديدة، ملتزمة، وجدية.
ولنقدم له حياتنا اليوم طالبين منه التوبة والمغفرة عن كل أنانيتنا ولا مبالاتنا.

إنجيل ربنا يسوع المسيح للقديس يوحنا  (10: 11- 18)

في ذلك الزمان، قال يسوع:
 أنا الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه في سبيل الخراف،  وأما الأجير، وهو ليس براع وليست الخراف له فإذا رأى الذئب آتيا ترك الخراف وهرب فيخطف الذئب الخراف ويبددها، وذلك لأنه أجير لا يبالي بالخراف.
أنا الراعي الصالح أعرف خرافي وخرافي تعرفني،  كما أن أبي يعرفني وأنا أعرف أبي وأبذل نفسي في سبيل الخراف. ولي خراف أخرى ليست من هذه الحظيرة فتلك أيضا لابد لي أن أقودها وستصغي إلى صوتي فيكون هناك رعية واحدة وراع واحد.
إن الآب يحبني لأني أبذل نفسي لأنالها ثانية. ما من أحد ينتزعها مني بل إنني أبذلها برضاي.  فلي أن أبذلها ولي أن أنالها ثانية وهذا الأمر تلقيته من أبي.
 
الكرازة  2015
كان يسوع يعرف جيداً، بأنه فقط عندما  تأتي الذئاب، يمكننا أن نُميز الراعي الصالح عن الرعاة الآخرين. لأنه قبل ذلك، لا يمكننا أن نُميز، بعيوننا البشرية، الراعي الصالح عن غيره. لكن عندما تأتي التجارب والصعوبات، تنكشف الحقيقة العميقة للقلب. عندها فقط يمكننا تمييز ما هي أولويات هؤلاء الرعاة، أو ما هو المهم بالنسبة لهم، حياتهم أم حياة خرافهم.
إن ما يميز الراعي الصالح، ليست صفاته ومواهبه الإنسانية ولا قدراته الخاصة، ولا حتى ثقافته ومعرفته وخطاباته. كلا، فيسوع لا يتكلم عن هذه أبداً. لكن ما يجعل الراعي الصلاح يختلف عن الآخرين، هو أنه يعطي حياته من أجل خرافه، بينما الآخرون يهربون ويتخلون عن القطيع للحفاظ على حياتهم هم.
لكن لننتبه قليلاً، فالأمر لا يعتمد على الشجاعة أو القوة. ويسوع يكشف لنا السبب الحقيقي: إننا له.. فهو يعرفنا ونحن نعرفه. بينه وبيننا هناك علاقة حُب: فقد وهب حياته لنا .. ضحى بها من أجلنا. ومنذ تلك اللحظة فصاعداً، لا شيء يمكنه أن يبعدنا أو يفصلنا عنه، لا الخوف ولا القلق، ولا الإضطهادات، ولا الموت، ولا حتى خياناتنا الواضحة وغير الواضحة، والتي تملأ حياتنا كلها. فبالنسبة للراعي الصالح، لا يوجد هناك أي خروف ضال لا يمكن استرجاعه مهما تاه بعيداً.. لا يوجد أبداً خروف أثقل مما يمكن أن يحمله على كتفيه ويرجعه إلى الحظيرة. عندما نتكلم عن صورة الراعي الصالح، نفكر بالطبع برعاة الكنيسة، بهؤلاء الذين لَبوا نداء الرب،  لكننا نفكر أيضاً في الرعاة الذين ينقصوننا، أي الذين نحتاجهم.. الذين لا نملكهم بعد. هل توقف الله عن دعوته لنا.. هل أنه لم يعد يدعوا البشر؟ هل أصبح البشر  صُمًّا.. لا يسمعون.. لِماذا لَمْ نعد نصغي ونسمع صوت الرب ونداءه أو دعوته لنا؟هل رغبتنا في مسرات الحياة ومَلذّاتها ورغبتنا في الغنى، كما يقول يسوع في مثل الزارع، هل هي تخنق في قلبنا رغبتنا أو شوقنا لعيش الملكوت؟
إن موضوعنا هذا وكل هذه الأسئلة ليست جديدة، ألَم يهرب بطرس ونكر يسوع وتركه وحيداً كباقي التلاميذ؟ أَلَم تُطرح هذه الأسئلة أيضاً على شهداء الكنيسة الأولين، وقت الإضطهادات التي شَتَّتَت الجماعة المسيحية الأولى التي وُلدت في أورشليم؟ إذا نظرنا بعيوننا البشرية، فلم يكن هناك أي رجاء أو أمل في تقدم أو توسع الكنيسة، عندما نرى تصرفات الرسل وبداية التلاميذ الضعيفة والفاشلة هذه. لكن مع ذلك، وبعد ألفي سنة من هذه الأحداث، نرى أن الإنجيل قد بُشِّر به في كل نواحي الأرض. ولا يوجد هناك مكان أو شعب لم يسمع بسر الله العجيب هذا، الذي صار بشراً كي يخلصنا ويخلص العالم. فالحجر الذي رذله البنائون صار هو حجر الزاوية .. رأس الزاوية!
إن الراعي الصالح لا يترك خرافه أبداً. لهذا يمكننا أن نعتمد عليه، اليوم أيضًا. لكن إذا كان بيننا من يحلمون بحياة مسيحية هادئة، بدون مشاكل ولا هموم لا تقلبات، يُذكرهم القديس بطرس في القراءة الأولى من قداس اليوم (من أعمال الرسل)، بأن ذاك الذي قام من بين الأموات، هو نفسه المصلوب. ولا يجب أن نستغرب من رفض العالم للمسيح ولا من مبالاته لدعوته ورسالته. فيوحنا الإنجيلي يؤكد لنا في رسالته التي سمعناها اليوم أيضا: "إذا كان العالم لا يعرفنا (أي يرفضنا)، فذلك لأنه لم يعرف الله!"
لنكن متأكدين وواثقين، بأنه فقط هذه البشرى التي بَشِّر بها بولس طوال حياته، أي "جنون رسالة المسيح هذه" جنون الصليب والقيامة، هذه البشرى وحدها إذن تستطيع أن تزيل كل ترددنا وخوفنا، نحن الذين دعانا الله يومًا باسمنا. ورسالة المسيح هذه.. بشرى المسيح هذه، نحن اليوم، كل واحد منا، هو مُؤتَمَن عليها، كل واحد منا هو شاهد عليها، فالمسيح أوكلنا نَشْرَ هذه الرسالة من بعده. نحن وكلاء المسيح.. ماذا نفعل بماله؟  فبقدر ما نترك بشرى المسيح هذه تدخل في قلبنا وتثبت فيه، بقدر ما سيزول كل خوف من قلبنا وسيولد في الكنيسة رعاةُ صالحون هي بحاجة إليهم اليوم أكثر من أي يوم آخر.
الأب غدير الكرملي

41
كرازة الأحد الثالث للفصح (ب) 2015
قراءات القداس: (أعمال 3: 13-15 ، 17-19 / 1 يوحنا 2: 1-5أ / لوقا 24: 35-48)

مقدمة الكاهن
نحن مجتمعون اليوم لكي نحتفل بالأفخارستيا. الله هو حاضر معنا وبيننا. هو حاضر في المسيح القائم. هو دائماً يجعل نفسه قريبًا منا ويرينا ذاته، يكشف لنا ذاته في كسر الخبز.
هذا هو إيماننا، وكما في كل قداس، نحن نستقبله في الإيمان. لنطلب منه اليوم أن يقود حياتنا نحو فرح القيامة، هذا الفرح الذي ننتظره منذ وقت طويل. ولنصلِّي إليه لكي يغير قلوبنا، لكي، ومن خلالنا، تكون قوة حبه وقيامته، قريبة من كل الناس الذين نعيش معهم.

 في ذلك الزمان:
روى تلميذا عِمَّاوُس للرسلِ ما حدثَ في الطريق، وكيف عرفا يسوع عند كسر الخبز.
 وبينما هما يتكلمان إذا به يقوم بينهم ويقول لهم: "السلام معكم!" فأخذهم الفزع والخوف وظنوا أنهم يرون روحا. فقال لهم: "ما بالكم مضطربين، ولم ثارت الشكوك في قلوبكم؟  أنظروا إلى يدي وقدمي. أنا هو بنفسي. إلمسوني وانظروا، فإن الروح ليس له لحم ولا عظم كما ترون لي". قال هذا وأراهم يديه قدميه غير أنهم لم يصدقوا من الفرح وظلوا يتعجبون، فقال لهم: "أعندكم ههنا ما يؤكل؟" فناولوه قطعة سمك مشوي.  فأخذها وأكلها بمرأى منهم. ثم قال لهم: "ذلك كلامي الذي قلته لكم إذ كنت معكم وهو أنه يجب أن يتم كل ما كتب في شأني، في شريعة موسى وكتب الأنبياء والمزامير". وحينئذ فتح أذهانهم ليفهموا الكتب، وقال لهم: "كتب أن المسيح يتألم ويقوم من بين الأموات في اليوم الثالث، وتعلن باسمه التوبة وغفران الخطايا لجميع الأمم، ابتداء من أورشليم. وأنتم شهود على هذه الأمور.  وإني أرسل إليكم ما وعد به أبي. فامكثوا أنتم في المدينة إلى أن تلبسوا قوة من العلى.

"الكرازة"
بالنسبة للتلاميذ الأولين، كانت خبرة القيامة خبرة متناقضة أو مفارقة. فإذا كانوا قد آمنوا بقيامة المسيح، فالسبب ليس لأنهم سمعوا يسوع، ولا لأنهم رأوه بعد موته، ولا لأنهم لمسوه! في نصنا اليوم، يركز القديس لوقا الإنجيلي على ذلك ويؤكد عليه. فعلى الرغم من ظهور يسوع للبعض منهم ولشهاداتهم بقيامته، لم يؤمنوا بعد.. لم يجرئوا على الإيمان به، حتى بعدما سمعوه ورأو ولمسوه! في الحقيقة، إنهم لن يؤمنوا بقيامة يسوع تماماً ولا سيشهدون لإيمانهم بهذه القوة التي نعرفها، إلاّ بعد أن يبدأ يسوع يفتح عيونهم ويشرح لهم معنى الكتب، أي معنى الكتاب المقدس. هكذا إذن، رؤية يسوع، وسماع يسوع، ولمس يسوع ... كل هذا لم يكن كافياً لكي يؤمنوا! فهم كانوا بحاجة إلى شهادة الأسفار المقدسة، أو بالأحرى كانوا بحاجة إلى أن يروا الكتاب المقدس ينفتح أمام أعينهم لكي يؤمنوا بالقيامة التي كانوا قد رأوها بعيونهم.
بالنسبة لنا، هذا قد يبدو غريباً جداً، بل وحتى غير مفهوم أبداً. فنحن نعتقد عادة بأنه يكفي أن يظهر يسوع لأعيننا أو أن نستطيع لمسه وسماعه يتكلم، لكي يصبح إيماننا أبسط، وتختفي كل صعوبات إيماننا وشكوكنا. في الواقع، لوقا الإنجيلي يبين لنا عكس ذلك تماماً. فما يسند الإيمان، وما يقوي الإيمان، وما يغذي الإيمان، هو ليس أن نرى أو أن نسمع أو أن نلمس يسوع، لكن هو أن نتعرف عليه في الكتاب المقدس.
هذا هو بالذات الطريق الذي سار فيه تلميذي عماوس، اللذان يفتتحان نصنا اليوم.  فهما أيضاً، كانا بحاجة في البداية إلى كلام المسيح الذي جعل قلبهما متقداً وفتح أعينهما وحرك ذهنهما النائم، لكن، ولننتبه هنا قليلاً، حتى هذا لم يكن كافياً تماماً، بل كان هذا البداية الأساسية أو أحد الشروط المهمة للإيمان. لأنها وفقط عندما كسر يسوع الخبر، هنا انفتحت أعينهما تماماً وفَهِما! كانا إذن بحاجة إلى سر القربان، سر جسد ودم المسيح لكي يكتشفا بأنه هو، يسوع، هو من كان معهما، وبأنه هو مَن كان يرافقهما طوال الطريق.
هكذ إذن، ومرة أخرى، أن نرى يسوع، وأن نلمس يسوع، أو أن نسمع يسوع، كل هذا لا يمكن أن يصبح خبرة حقيقية ومؤثِّرة على حياتنا، إلاّ عندما نحتك وندخل في علاقة مع كلام الله ومع الأفخارستيا. ولهذا بالتأكيد، كان على الرسل أن يعيشوا هذه الخبرة الفريدة لبدايات الكنيسة. وإلاّ لَكُنّا نندب حظنا بأننا لم نعش ما عاشوه هم وبأننا أقل منهم، وليس لدينا نفس الأسباب أو الدوافع مثلهم لكي نؤمن بالمسيح. بينما نصوص القيامة كلها هي البرهان الواضح على أن الإيمان لم يكن سهلاً بالنسبة لهم، هم الذين سمعوه ورأوه بأعينهم ولمسوه بأيديهم. بل مثلنا، هم كانوا بحاجة إلى أن يتأملوا في كلام الله، وإلى أن يتغذوا من مائدة الرب، من الأفخارستيا، حتى يستطيعوا أن يتعرفوا عليه وأن يؤمنوا به.
إذن على العكس مما نتخيل أو نعتقد في بعض الأحيان، تلاميذ يسوع الأولون، الرسل أنفسهم، لم يكن لهم أفضلية أو لم يَعامَلوا بطريقة خاصة ومَفَضَّلَة جعلتهم فوق الآخرين وجنبتهم كل شك في إيمانهم أو في تساؤلاتهم حول الإيمان.. كلا.. بل أن كل الأشياء التي نحن نختبرها ونعيشها ونعاني منها في طريق إيماننا، هم أيضاً، مروا مثلنا بها أو اختبروا مثلنا الليل، ليل الإيمان، اختبروا مثلنا الخوف، والقلق والشك. مثلنا، كان عليهم أن يواجهوا الملل والتعب، والغياب، غياب الله الظاهري، والإنتظار المظلم والفارغ. مثلنا، كان عليهم يغرفوا وينهلوا القوة، من ينابيع كلام الله ومن الأسرار، القوة لكي يستمروا في السير في طريق الشهادة لذاك الذي رأوا وسمعوه ولمسوه. هكذا إذن خبرتهم هذه أصبحت حقيقية ومؤثِّرة بفضل تأملهم في كلام الله وبقوة الأفخارستيا.
بالنسبة لهم، الكنيسة لم تكن بعد إلاّ مجرد جماعة صغيرة جداً من الرجال والنساء، المُجبَرين على الإختباء خلف الأبواب المغلقة. إنهم لم يكونوا بعد قادرين على اختبار القوة العظيمة وغير الإعتيادية لكلام الله .. لكلمة الله وللأسرار، ولتأثيرهما على القلوب حتى الأكثر قساوة والأكثر صلابة. هم الذين كانوا خائفين ومرتعبين، لم يكونوا يعرفوا بعد، كما نحن نعرف اليوم، كم أن شهادتهم ستغير مصير العالم وما هي القدرة العجيبة التي سيضعها الله في ضعفهم. لم يكونوا بعد قد اختبروا قدرة كلمة الله وقوة أسراره وتأثيرها في حياتهم! إذن، يمكننا القول بأننا نحن اليوم نعرف أكثر منهم بهذا الخصوص، بفضل مرور 2000 سنة على هذه الأحداث وعمل الروح القدس في الكنيسة. بالمقارنة بهم إذن، نحن لدينا الأفضلية في أن نؤمن  أكثر بقيامة المسيح.
لنطلب من المسيح القائم، أن يفتح أعيننا ولا يجعلنا ننعس في الطريق بل أن نستقي ونتغذى دوماً من كلامه ومن جسده ودمه الأقدسين ولنصرخ إليه قائلين: يا رب، زد إيماننا وقوِّه، واجعلنا نشهد لك بقوة وبفرح كل يوم وفي كل الظروف. آمين.

42
كرازة الأحد الثاني للقيامة (ب)  2015   
قراءات القداس: (أعمال 4: 32 – 35 / 1 يوحنا 5: 1 - 6 يوحنا 20: 19-31)

وفي مساءِ ذلك اليوم، يوم الأحد، كان التلاميذ في دار أغلقت أبوابها خوفا من اليهود، فجاء يسوع ووقف بينهم وقال لهم: " السلام معكم!"  قال ذلك، وأراهم يديه وجنبه ففرح التلاميذ لمشاهدتهم الرب.  فقال لهم ثانية: "السلام معكم! كما أرسلني الآب أرسلكم أنا أيضا".  قال هذا ونفخ فيهم وقال لهم:  "خذوا الروح القدس.  من غفرتم لهم خطاياهم تغفر لهم، ومن أمسكتم عليهم الغفران يمسك عليهم". على أن توما أحد الاثني عشر، ويقال له التوأم، لم يكن معهم حين جاء يسوع. فقال له سائر التلاميذ: "رأينا الرب". فقال لهم: "إذا لم أبصر أثر المسمارين في يديه، وأضع إصبعي في مكان المسمارين، ويدي في جنبه، لن أومن".
 وبعد ثمانية أيام كان التلاميذ في البيت مرة أخرى، وكان توما معهم. فجاء يسوع والأبواب مغلقة، فوقف بينهم وقال: "السلام معكم !" ثم قال لتوما: "هات إصبعك إلى هنا فانظر يدي، وهات يدك فضعها في جنبي، ولا تكن غير مؤمن بل كن مؤمنا ". أجابه توما: "ربي وإلهي!"  فقال له يسوع: "ألأنك رأيتني آمنت ؟ طوبى للذين يؤمنون ولم يروا".
 وأتى يسوع أمام التلاميذ بآيات أخرى كثيرة لم تكتب في هذا الكتاب، وإنما كتبت هذه لتؤمنوا بأن يسوع هو المسيح ابن الله، ولتكون لكم إذا آمنتم الحياة باسمه.

أحد الرحمة الإلهية
إن هذا الأحد الثاني من من الفصح هو أحد الرحمة الإلهية. هذا العيد كان قد أعلنه البابا القديس يوحنا بولس الثاني بمناسبة إعلان قداسة الأخت فوستين.
ويوم أمس، يوم السبت(11 نيسان)، في ليلة عيد الرحمة الإلهية، اختار البابا فرنسيس أن يصدر رسالته التي يعلن فيها عن افتتاح يوبيل استثنائي، عن سنة سنة مقدسة، تُخَصَّص للرحمة الإلهية  (وهو كان قد أعلن عنها قبلاً في 13 آذار الماضي).
ستبدأ هذه السنة المقدسة في 8 كانون الأول 2015 ، أي يوم عيد الحبل بها بلا دنس، وتنتهي في 20 تشرين الثاني 2016، يوم عيد المسيح الملك. ويقول البابا: "هذا الزمن هو زمن رحمة، ومن المهم للمؤمنين العلمانيين أن يعيشوها وينشروها في الأماكن المختلفة من المجتمع."
كانت سنة الفداء هي آخر يوبيل استثنائي أُعلن سنة 1983 في عهد البابا يوحنا بولس الثاني. يجب أن نعرف بأن الرحمة كانت الموضوع المركزي لهذه السنوات الأولى من حبرية البابا فرنسيس. فهو يهتم بهذا الموضوع جداً. فالرحمة، بالنسبة إليه، ليست مجرد موقف رعوي ولكنها جوهر إنجيل يسوع. وهي الرسالة الأقوى ليسوع كما يقول.
لنرجع إلى قراءات اليوم. فقراءات هذا الأحد تُبين لنا إلى أية درجة أن الله رحوم.
القراءة الأولى مأخوذة من أعمال الرسل. إنها تُظهِر لنا الجماعات المسيحية الأولى التي استقبلت رحمة المسيح هذه. وكيف أن لقاءهم معه غَيَّر تماماً حياة هؤلاء الناس. فقد فهموا بأنهم مدعوون إلى أن يصبحوا جماعة مقاسمة، وجماعة صلاة وجاعة تحاول باستمرار أن تكتشف الله. أي أن علينا أن نُكَوِّن بيننا نوعاً من الأُخُوّة والمقاسمة والتضامن. فمِن خلال حياتنا وأعمالنا، يجب أن نعلن ونبشر بالملكوت الذي يريد الله أن يزرعه فينا من خلال وهبه لنا روحه القدوس، روح المحبة والرحمة. وهذه الرحمة هي معطاة إلى كل البشر دون استثناء.
في القراءة الثانية، القديس يوحنا يريد أن يُرجعنا إلى قلب الإيمان بالمسيح. ويقول أن الإيمان يجدد تماماً رؤيتنا أو نظرتنا إلى العالم. فهو يجعلنا ننظر إلى كل شيء حولنا بمنظار نور هذه المحبة التي ظهرت لنا في يسوع. وسنبدأ في فهم رحمة الله هذه عندما ننظر إلى صليب المسيح. فهذا العالم الذي "أحبه الله إلى هذه الدرجة" علينا أن نحبه نحن أيضاً. إذا كنا نحب الله، فعلينا نحن أيضاً أن نحب كل إخوتنا. وهذا هو نضال يومي علينا القيام به ضد قوى الشر وحتى النهاية. لكن الرب لن يتركنا وحدنا. القديس بولس يقول لنا، لا شيء يمكنه أن يفصلنا عن محبة المسيح.
أما إنجيل اليوم، فهو يدخلنا أكثر من أي وقت آخر في رحمة الله التي ظهرت في يسوع. ففي هذا اليوم الأول من الأسبوع، يأتي يسوع ويَظهَر لتلاميذه. يجدهم خائفين، منغلقين على أنفسهم، مختبئين خلف الأبواب الموصدة. فيسوع هذا الذي آمنوا به، لم يستطع حتى الدفاع عن نفسه. ولهذا لن يستطيعوا بعد الإعتماد عليه. وهم الآن يخافون أن يواجهوا هم بدورهم نفس عقاب معلمهم. لهذا يختبئون ولا يريدون الخروج إلى المدينة.
إن هذا الخطر، هو اليوم أيضاً حاضر: فكيف يمكننا مواجهة استهزاء العالم الخارجي الذي لا يؤمن بما نؤمن، بهذا العالم الذي يهاجم إيماننا وإلهنا .. يهاجم الكنيسة، ويضطهد المسحيين؟ نحن نختبر ونرى كل يوم كيف أنه ليس من السهل أن نعيش إيماننا في عالم اليوم .. عالم اليوم الذي يبدو فيه كل شيء يناقض حضور الله ويجذبنا بعيداً عنه. والتجربة الكبيرة التي يمكن أن نقع فيها كل يوم هي أن نتقوقع أو ننطوي على ذواتنا في جماعات صغيرة ونظل بيننا فقط. فبهذا نحاول أن نحمي أنفسنا من العواصف والهجمات. لأننا نرى أنفسنا غرباء في هذا العالم الذي لا يقبل إيماننا بإله مصلوب حُبًّا. في هذا العالم، نحن نقتنع بسهولة بأننا لا نستطيع أن نفعل أي شيء.. ولهذا ننسحب.
لكن الإنجيل يقول لنا، بأنه في يوم القيامة هذا، الذي نحتفل به هذه الأيام، يأتي المسيح إلينا ويلتحق بنا كي يحررنا من هذا الخوف. فهو يدعو تلاميذه، كل تلاميذه، للخروج وللبدء في الرسالة: "كما أرسلني الآب أرسلكم أنا أيضا". كلماته الأولى هي رسالة سلام: "السلام معكم!"... سلام المسيح هذا، المسيحيون هم مَن تقع عليهم رسالة حمله ونقله إلى إخوته: "إذهبوا في العالم كله، في الأرض كلها: وأصبحوا أنتم رجاء البشر". نحن مدعوون أيضاً لأن نُصبح حاملي المحبة، وليس فقط حاملي السلام. ففي اليوم الذي تنطفي شعلة المحبة في قلبنا، هناك الكثيرون سيموتون من البرد. وهذه المحبة يجب أن تذهب لحد الغفران. فكل مسيحي هو أداة لرحمة الله. والقديس بولس يوجه كلامه إلى أهل أفسس ويقول: "اغفروا بعضُكم للبعض الآخر كما غفر الله عنكم في المسيح".
بقي أن نتكلم قليلاً عن توما. فهو لا يستطيع أن يؤمن بما لا يراه. فهو رأى يسوع مصلوباً ثم موضوعاً في قبر. لكن المسيح القائم يصبر حتى النهاية ويجيب على طلبه الغريب، ويدعوه إذن إلى أن يقترب منه ويلمس جراحاته. لكن توماً بعد أن رأى يسوع وسمع كلامه هذا، لم يعد بحاجة إلى التأكد بهذه الطريقة. بل وذهب إلى أبعد من كل زملائه الرسل، لأنه كان الأول الذي أعطى ليسوع هذا اللقب الذي هو أعظم لقب أُعطي له، عندما قال: "ربي وإلهي". فاللقاء بيسوع وكلماته هي التي تسبب وتدفع غير المؤمن إلى إعلان الإيمان.
نحن أيضاً، مثل توما، مثل هذا الرسول، نتمنى أن نرى إثباتات وبراهين. لكن يسوع القائم لا يتوقف عن أن يُذَكِّرنا بهذه العبارة: "طوبى لمن يؤمن ولم يرَ." إذن حتى لو كنا شكاكين مثل توما، لنتشبه به أيضاً حتى النهاية؛ ولتكن خبرته مع المسيح هي خبرتنا أيضاً. أي أن نؤمن مثله في النهاية وعلى الرغم من ضعف إيماننا وتذبذبه .. لنؤمن مثله إذن بأن يسوع بالنسبة لنا هو الرب والإله: "ربي وإلهي".
في هذا الأحد، أحد الإيمان .. أحد الرحمة الإلهية وهو أيضاً أحد الفرح لأن التلاميذ فرحوا برؤية الرب القائم، لنصلي إلى الرب يسوع ولنقل له: ربنا وإلهنا، قَوِّ إيماننا. كُن معنا كي نصبح أكثر شجاعة في كل مرة علينا أن نشهد فيها لك. إجعلنا أكثر كَرَمًا في عيش المحبة الأخوية، إملأ قلوبنا برحمتك الإلهية، اجعلنا نكتشف بفرح كل يوم، رحمتك العجيبة والمجانية في حياتنا البسيطة. ولا تجعلنا ننسى أبداً بأنك يا رب تغفر كل شيء وباستمرار، وبالتالي فلا ينبغي علينا أن نتعب من طلب المغفرة. ولنكِل منذ الآن، سنة الرحمة الإلهية التي أعلن عنها البابا، إلى مريم، أم الرحمة، لكي تميل نظرها إلينا وتسهر على مسيرتنا: مسيرة إيمان وثقة.. مسيرة فرح وإيمان بالمسيح الذي يهب لنا حياته في القربان، مسيرةٌ نعيشها بقلب واثق مفتوح لننال غفران الله ورحمته. آمين.

43
أحد القيامة :  يحملنا الله في قلبه

إنجيل ربنا يسوع المسيح للقديس مرقس 16: 1 - 8

ولما انقضى السبت اشترت مريم المجدليةومريم أم يعقوب وسالومة طيبا ليأتين فيطيبنه. عند فجر الأحد جئن إلى القبر وقد طلعتالشمس. وكان يقول بعضهن لبعض: "منيدحرج لنا الحجر عن باب القبر؟"فنظرن فرأين أن الحجر قد دحرج، وكان كبيراً جدًا. فدخلن القبر فأبصرن شابا جالسا عن اليمين عليهحلة بيضاء فارتعبن.فقال لهن: "لاترتعبن ! أنتن تطلبن يسوع الناصري المصلوب. إنه قام وليس ههنا، وهذا هو المكان الذيكانوا قد وضعوه فيه. فاذهبن وقلنلتلاميذه ولبطرس: إنه يتقدمكم إلى الجليل، وهناك ترونه كما قال لكم".فخرجن من القبر وهربن، لما أخذهن من الرعدةوالدهش، ولم يقلن لأحد شيئا لأنهن كن خائفات.


تأمل:
القبر المفتوح
لم يكن ذلك الصباح صباحاً إعتيادياً. كان الوقت فجرًا، الوقت الذي فيه يزيل النور الظلمات .. ويالها من ظلمات، ظلمات الموت! ثلاث نساء .. كُنَّ حاضرات عند قدم الصليب وقت موت يسوع، يتقدمن في فجر ذلك اليوم .. وسط هذا النور الذي بدأ يولد، وكن تتساءلن فيما بينهن: "منيدحرج لنا الحجر عن باب القبر؟"لكن عندما وصلن إلى المكان، كان الحجر مُدَحرَجًا. النص يُكلمنا هنا عن حجر كبير جداً، نرى اليوم في فلسطين العديد منه في أبواب القبور القديمة، لا تستطيع النساء أن تحركنه، ولا يستطيع حتى رجال الحرس الروماني أن يفعلوا ذلك.  كان هذا الحجر يحتاج إلى عدد كبير جداً من الرجال الأشداء كي يُدَحرَج. لكن أهم من هذه التفاصيل حول العدد الضروري لتحريك هذا الحجر، هذه الحجارة الكبيرة توجهنا إلى ما تعنيه. فهي تجعلنا نفكر في الموت الذي يفصل بين البشر بطريقة قاسية. حجر كبير جداً، كالموت، يغلق القبر. بأية قوة سرّية دُحرِج هذا الحجر؟
غير النساء الثلاثة، الشخصية الوحيدة الحاضرة هو الشاب الجالس في الداخل وعليه حُلّة بيضاء. النساء كُن إذن السابقات. فهن جئن ليُطيّبْنَ ميتا، لكنهن يجدن، عوضاً عن الميت، شابًا في حُلّة بيضاء! أي أن حياةً أقوى من الموت سَبَقتهن. ارتعبن جداً، دون أن يستطعن التقدم أكثر. كُنَّ بحاجة إلى كلام الشاب لكي يستطعن بعدها التحرك، لأنهن لم يكن يفهمن شيئاً مما يحصل. لأن هناك شيئاً ناقص في الحدث يصعب عليهن الفهم. يحتاجون إلى هذا الشيء الناقص لكي يفهمن معنى ما يحدث. فما يحدث هناك يفوق العقل: نحتاج هنا إلى كلام. إن ذاكرة هؤلاء النسوة توقفت عن العمل. لككن ما تحفظه ذاكرتهن هو أن يسوع الناصري، المصلوب، والذي لا يزال يحمل آثار المسامير، قد قام!
الصلب والقيامة هما مرتبطان في هذا الإعلان. وعلينا العبور من الواحد إلى الآخر، من ليل القبر إلى نور الفجر.. النور الذي يولد شيئاً فشيئاً. ويسوع المصلوب، جسده، ليس هنا، في هذا المكان الحزين. لأن هناك علاقة بين القبر والذاكرة. أنظروا إلى المكان الذي لم يعد موجود فيه يسوع، أنظروا داخلكا، واسمحوا لذاكرتكم أن تُشفَى من كل معرفتها حول الحياة والموت، ومن كل أنواع الحِداد التي تركت آثارها فيكم ولم تُشفَ بعد. أنظروا وتأملوا في الشاب ذي الحُلّة البيضاء، جالس. لقد دُحرِج حجر القبر، وليس هناك ميت بل الحَي القائم من القبر هو الباقي.
إن هذا الحجر الثقيل، هو ربما ذاكرتنا، المسدودة والمغلَقة بجروح الماضي التي لا تجعلنا ننفتح. لكن أنظروا.. لم يعد هناك جثة! لقد أتت النسوة للبحث عن جسد ميت، لكنهن يخرجن من القبر بأيادي فارغة لكن مصحوبات بوعد. هل نريد حقاً أ، نختار الحياة، وأن نخرج من القبر معهن؟ طوبى لمن يؤمن ولم يرَ ويَدع الرجاءَ يدخل في قلبه! لقد دخلت النساء في هيكل، فيه ربُّ الحياة هو من يملك فيه إلى الأبد. لقد مَست هؤلاء النسوة مكانًا مقدسًّا وارتعبن من الخوف، من هذا الخوف المقدس. ثم أُرسِلوا إلى حياتهم اليومية. هناك، في حياتهم اليومية، عليهن أن يبحثن عن حضور القائم من بين الأموات. وحده يسوع يستطيع أن يفتح قبورنا، هذا الحجر الكبير، حجر الحُزن المُكَبِّل. وحده يسوع يفتح فينا معنى الحياة، ويُدخلنا في علاقة أخرى مع الحياة ومع الآخرين.
اكتشاف حياتنا في العمق
كان لتريزا حياةً فريدة وغنية جداً بالعلاقات مع الله ومع الكثير من الناس. وقد سمحت لله أن يدخل في حياتها الإنسانية الضعيفة، وقبلت أن يُسَيِّرها بنفسه. كان لديها رغبة كبيرة، أو شوقًا كبيراً ومستمراً لله، وعملت كل ما تستطيع لكي تشبع شوقه هذا بالإتحاد بالله. وقد مُنِحَت تريزا نِعشماً فريدة هيَّئَتها لعيش دعوتها ورسالتها كمؤسِّسة وكمعلمة للكنيسة. هذه كانت دعوتها هي، رسالتها هي. لكن دعوتنا نحن، ورغباتنا ورسالتنا نحن، تختلف. أي أننا يجب أن نفهم بأنه ليس علينا أن نقلد تريزا أو نتشبه بها حرفياً؛ فهي هنا لكي تُلهِمنا. إنها أُعطيت النِعَم التي كانت بحاجة إليها  لتتميم رسالتها. علينا إذن بدورنا أن نكتشف دعوتنا الخاصة بنا وأن نستقبل عطية الله، وأن نُعَبِّر بقوة عن رغباتنا وتوقنا إلى الدخول في علاقة حميمة مع الله باستمرار ودون كلل. المهم هو أن ندخل في أعماقنا .. هو أن نجد مركزنا، أي أن نجد الدعوةالتي تعطي معنىً لحياتنا.
مثل النسوة في الإنجيل، يمكننا أن ندور حول حياتنا، وأن نعيش يومنا في حياةٍ يُسيّرها الماضي وروح الموت. فتتوقف خطواتنا فند القبر. هنا سؤال النسوة"مَن يُدحرج لناالحجر؟" ممكن أن يصبح فين صلاةً. فيمكننا أن نختبر في بعض الأحيان كم هي ثقيلة هذه الحجارة التي تغلق قلبنا أو عقلنا. هذه هي الحياة اليومية التقليدية لذاك الذي لم يكتشف حياة الله في قلبه ويركض خلف حياته. لكن ماذا انتفعت من أن المسيح وُلِد يوماً ما من ميريم في بيت لحم، إن لم يولدَ أيضاً بالإيمان في قلبي؟ إن حياتنا هنا على الأرض ما هي إلاّ تحضير للحدث الآتي الذي هو هبة الحياة الجديدة الموسومة بالقيامة. فنحن مدعوون على مثال النسوة اللواتي ذهبن إلى القبر مع الطيب ليقمن بما أرادت القيام به، أي مشروعهن الصغير... نحن أيضاَ إذن مدعوون لأن ندع أنفسنا ننُقاد بيد الله العجيبة، وأن نترك طيب مشاريعنا الصغيرة، لكي ندخل ونسير في مشروع الله الكبيير الذي هيَّأه بنفسه لنا. إن هذا هو دعوة للذهاب إلى العمق.. للإبحار نحو الأعماق. لنطلب من المسيح القائم أن يقلب حياتنا ويغيرها ويملئها بالرجاء الذي فتحت أبوابه قيامة المسيح!


أن نعيش يومنا مع المسيح القائم
لننتبه قليلاً: لا نخدعن أنفسنا.. فنحن نبقى في العالم، في حياتنا اليومية. لكن ما يتغير فينا، هو طريقتنا في عيشنا لحياتنا اليومية هذه في العالم. وتريزا هي واضحة جداً بهذا الخصوص. إنها تدعونا لأن نعيش بقوة وحتى النهاية ما علينا أن نعيشه كي يوم. فلندعها إذن تُنهي رياضاتنا هذه التي بدأناها في بداية زمن الصوم برفقتها:
"من الحَسَن، يا أخواتي، أن أعرضَ لَكُنَّ الغاية التي من أجلها يصنع الرب نِعَمًا غزيرةً في هذا العالم... فجلاله لا يستطيع أن يهبنا نعمة أعظم من إعطائنا حياةً نخصِّصها للإقتداء بحياة ابنه الحبيب والتشبه به؛وهكذا فإني على ثقةٍ بأنَّ هذه النِعضم غايتُها تشديدُ ضعفنا (...) لا تَبحَثنَ عن أن تُفِدْنَ جميعَ النسا، بل اللواتي يُعايِشْنَكُنَّ، فيكون عملُكنَّ أعظمَ لأنكنَّ أكثر التزاماًا تجاههنَّ... هكذا ستخدمون الرب، ليس فقط بوفرة، لكن بطريقة مرضية جداً لديه، وإنَّكنَّ لَتضستطِعْنَ ذلك، وما تحققونه بهذه الطريقة سيُظهِر لجلاله بأنكن تستطعن القيام بأشياء أكثر بكثير؛ فيكافِئكُنَّ كما لو كسبتنَّ له نفوسًا عديدة. (...) أخيرًا، يا أخواتي، إليكنَ خلاصة القول: لا نَبنيَنَّ أبراجاً بدون أساس، فإن الرب لا ينظر إلى عِظَمِ الأعمال التي نقوم بها بقدر ما ينظر إلى الحُب الذي به نحققها. فإذا عملنا ما في طاقتنا، فإن جلاله سيجعلنا نقوم بأعمال كل يوم أكثر من اليوم السابق، إذا أستمرينا في العمل ولم نمل سريعاً..." (المنازل).

إنه الحب الذي يريد أن يقودنا: لندع الله يقودنا إذن. وصلاة الصمت هي بالنسبة للقديسة تريزا الأفيلية الطريق الذي نستيطع من خلاله بأفضل طيرقة أن نتبع ونخم ربنا وغلينا، وأن ننفتح  إلى حُبِّه. وصلاة الصمت المستمرة ستدفعنا إلى استقبال حياتنا نفسها من الله وأن نعيشها تحت إراته بيوماً بعد يوم، وحيثما يضعنا الله. أي أن نعيش في العالم.. أن نكون في العالم، لكن قلبنا يقوده حُضور الله الذي يملأنا بفرحه العميق وبسلامه. إن حياتنا اليومية الروتينية هي هنا بانتظارنا كل يوم، لكن مع ذلك، سوف لن تكون أعتيادية إذا سمحنا لحُب الله أن يقود قلبنا. إن العالم محتاج إلى رجاءنا. أتمنى لكل واحد منكم أن يكمل طريقه مع الله في هذا الإتجاه!


44
كرازة الجمعة العظيمة 2015 في كنيسة عذراء فاطمة للآباء الكرمليين ، بغداد
نحتفل اليوم بآلام الرب يسوع.
ما معنى هذا الإحتفال الذي نقوم به في كل سنة؟
الإحتفال بآلام المسيح، هو ليس أن نُدخِل أنفسنا مرة في السنة في جو من الحزن والألم وتأنيب الضمير، ونأتي للكنيسة لمجرد أن نَحْضر قصة أو مشهد مأساة المسيح، وبشكل غير فعال، أقصد نحضر بجسدنا ولمدة ساعة، أو ساعة ونصف، ثم نعود للبيت ونكمل حياتنا الإعتيادية.
كما أن احتفالنا هذا هو ليس أن نعيد ذكرى موت صديق أو شخص عزيز علينا ونتألم لفراقه. فاحتفالنا هذا هو بالطبع أكبر بكثير مما ذكرنا. لكن أن نحتفل بآلام الرب يسوع هو بالدرجة الأولى أن نعيش تغيير القلب.. أن نعيش ما نسميه "الإهتداء". إهتداء أو تَحَوُّل يشبه ما حصل في القراءة الأولى التي سمعناها في بداية القداس من سفر أشعيا النبي، وهو النص الذي نسميه نشيد عبد يهوه (الرابع) المكتوب قبل أكثر من خمسة قرون قبل المسيح.
فالجموع في هذا النص يتكلمون في البداية عن هذا الشخص الغامض.. هذا المتألم. ويتكلمون عن الحكم التعسفي بقتل هذا الشخص غير المُعَرَّف أو غير المعروف بالنسبة إليهم، لكن الله يُطلق عليه تسميه "عبدي". الجمع في البداية كان يتصور بأن هذا الرجل المُشَوَّه بسبب التعذيب، كان مجرد شخص مظلوم مثل الكثيرين غيره، مجرد شخص غير معروف وغريب عنهم وعن حياتهم، ليس له علاقة بهم وبحياتهم. لهذا في البداية وَضَعَت الجموع نفسها بعيدة عن هذا الشخص، وليس لها أية علاقة معه، ومنزعجة من هذا المنظر أو المشهد المحرِج وتحاول أن لا تتورط به، حتى لو كان هذا المشهد الذي تراه أمامها هو مُرَوِّع بسبب تعذيب هذا الشخص المسالم البريء، لكنهم لم يكونوا يرغبون في التدخل.
إلى هنا إذن، لا يوجد شيء جديد، إلى اللحظة التي فيها يغمر نور الله قلوبهم، مما جعل عيونهم تنفتح وترى أخيراً .. تُبصِر أخيراً! هذا التحول المفاجيء في النظر وفي الفهم، هذا الإهتداء، مُعبَّر عنه من خلال هذه الكلمات القليلة: "لكنه هو مَن حَمَل آلامَنا .. هو من احتَمَلَ أوجاعَنا." بكلمات أخرى: ما يعيشه هذا الرجل له علاقة مع حياتنا نحن. بل أنه يتحمل مسؤولية لاذنب له فيها، لأنها مسؤوليتنا .. هو يحملها عنّا نحن.
نعم، إن هذا الرجل هو صورة لحَمَل الله الذي يحمل خطيئة العالم، يحملها كي يلغيها.. كي يزيلها...
في هذه الأيام، قال لي أحد الأشخاص بأنه في الأسبوع المقدس، لهذه السنة، سيحاول أن لا يفكر في نفسه بل أن يهتم فقط بيسوع. وقال بأنه لا يريد أن يتكلم فقط عن مشاكله ومصاعبه، لأنه لا يريد أن يضيف أو يُثقِل كاهل يسوع بعد أكثر، هو الذي يتألم من أجلنا..
هذه الكلمات هي بالتأكيد مُؤثِّرة وعلامة على علاقة صداقة مع يسوع. لكن مع ذلك، مجيئنا للإحتفال بآلام المسيح، هو ليس مجرد شيء يشبه طريقتنا في تعزية أو مواساة صديق يمر في ألم أو ضيق. يسوع لم يكن له عندما تألم أي مُعَزِّي تقريباً، وهو ليس بحاجة إلى تعزيتنا اليوم. لكن ما يريده منا اليوم، هو أن نفهم نحن أيضاً، كما فهم الجمع في نص أشعياً، أن نفهم إذن بدورنا، أنه قد حَمل آلامَنا، واحتَمَل أوجاعَنا، وأخذ على عاتقه خطايانا؛ ما يريده يسوعمنا اليوم إذن هو أن نضع رابط بين حياته وحياتنا .. أن نربط بين حياته وحياتنا. أن لا نكون مجرد متفرجين لمشهد مؤلم.. بل أن نربط حياتنا بحياته، كما فعل هو بنفسه.
 لهذا لا يوجد معنى من أن نفكر بأننا سنُثقِل عليه ونزيد على مشاكله: بل بالعكس، سنعيش الإهتداء حقاً إذا اعترفنا بأننا مشتركين، داخلين، منخرطين في آلام يسوع. فالمسيح قد تألم من أجلنا، يقول بطرس(1بطرس 2: 21). آلامه، هي آلام سببها حُبّه لنا، لكل واحد منا. إذن لا نستطيع أن نكون مجرد متفرجين، بل يجب أن نتخذ موقفاً إيجابيًا وفعال، ومن هنا تأتي أيضاً أهمية أن نقدم آلامنا مع آلامه لخلاص العالم، أي أن نجعل لآلامنا معنى، وإلاّ سنتألم بدون معنى، فالألم ليس له معنى بحد ذاته.. الألم هو سلبي بحد ذاته، لكن مع المسيح، وبفضل آلامه هو التي تحملها بسبب الحب، ممكن أن تحمل آلامنا بذرة القيامة.
إخوتي وأخواتي، نحن اليوم، في الحقيقة، تماماً في نفس موقف بطرس يوم أمس الخميس: هل سنترك الرب يسوع يغسل لنا أقدامنا؟ هل سنقبل أن نقدم له أخيراً كل أحمالنا وخطايانا، معترفين بأنه قد حملها مسبقًا منذ يوم الجمعة العظيمة هذه؟
الإحتفال بآلام المسيح، هو إذن أن نترك أنفسنا نُخَلَّص من قبل يسوع. أن نستقبل خلاصه. وجزء من هذا الإستقبال هو الإعتراف بالجميل، الشكر والتسبيح، ونحن بخيلين جداً مع الله في هذا الخصوص.
بعد دقائق، عندما سنأتي في طواف، الواحد بعد الآخر، كي نُكرم صليب المسيح ... لنفتح قلبنا .. ولنضع تحت قدم الصليب، كل ما يمنعنا أو يعيقنا من أن نستقبل حُبَّه العجيب هذا وأن نعيش بالتالي منه. فلا يكفي أن نتأثر بِحُبَّه دون أن تتغير حياتنا وتصرفاتنا.هكذا فقط، آلامالمسيح التي عاشها حُبًّا بنا، لن تذهب سدى .. ولن تكون بدون فائدة بالنسبة لنا. إذن، لنطلب هذه النعمة من الله في هذه السنة، وعندها سنشترك تماماً، بشكل تام، في آلام الرب يسوع. عندها فقط ستتغير قلوبنا .. ستتحول حياتنا .. لنطلب نِعمة الإهتداء هذه في هذا اليوم المبارك الذي فيه حَمَل يسوع آلامَنا .. واحتَمَلَ أوجاعَنا وأزال كل خطايانا." آمين.
قيامة مباركة وكل عام وانتم بالف خير

45
كرازة قداس خميس الأسرار في كنيسة عذراء فاطمة للآباء الكرمليين، بغداد ، 2015
(يوحنا 13: 1-15 / خروج 12: 1-8 . 11-14 / 1 قورنتس 11: 23-26)

"إني جعلت لكم من نفسي قدوة .. مثالاً، لتصنعوا أنتم أيضاً ما صنعته لكم!"
يقوللنا يسوع في هذا العشاء الأخير: أعطيتكم الآن مثالاً، لكي تعملوا مثله أنتم أيضاً في حياتكم.
هذه هي المرة الوحيدة في إنجيل يوحنا، (بل وفي الأناجيل الثلاثة الأخرى) التي فيها يستعمل يسوع كلمة "مثال"،
المرة الوحيدة إذن التي يقدم فيها، نفسه، بطريقة واضحة تماماً ومباشرة، كـ "مثال" علينا أن نحتذي به.. أن نتشبه به. فكل ما عَلَّمَنا إياه، وكل ما قام به، نجده إذن بهذه الطريقة مُرَكَّزاً .. أو مُلَخَّصًا، في هذا النص من إنجيل يوحنا.
لكن ما هو هذا المثال ..
ما هي هذه الصورة التي يقدمها لنا يسوع كي نُقَلِّدها، كي نتشبه بها؟

على عكس الأناجيل الثلاثة الأخرى، القديس يوحنا لا يحدثنا هنا عن قصة تكوين أو إنشاء الأفخارستيا؛ونراه يدعونا بقوة إلى الإشتراك في الأفخارستيا لإحياء ذكرى الرب يسوع، لكننا لا نستطيع أن نتشبه بيسوع في هذه النقطة. لأنه هو وحده الذي أعطى، لمرة واحدة وإلى الأبد، جسده ودمه وغفر كل خطايانا. نحن بالطبع لا نستطيع أن نفعل هذا، المسيح وحده كان قادراً على ذلك.
لكننا نستطيع أن نشترك في عمل الخلاص، بطريقة أخرى، وبحسب مقاييسنا الإنسانية، وقدراتنا البشرية بالطبع. إذن ما يقترحه يسوع علينا كي نتشبه به، هو أن نتبع الطريق الذي أوصله إلى هذا المَقعد الأخير ..المكان الأخير، الذي أصبح علامة مهمة للمسيح وللمسيحيين من بعده. فيسوع يؤكد في إنجيل اليوم بأنه هو حقاً "المعلم والرب"، لكن ليس بالمعنى الذي نعطيه إياه عادة. بل بالمعنى الذي كشفه لنا، بنفسه هو .. فهذه التسميات، هذه الألقاب، لها معنى آخر في لغة الله .. بالنسبة لله .. من وجهة نظره.
فبالنسبة لله، "أن نحكم، أو أن نسود" يعني "أن نحب".. "وأن نهيمن أو أن نتسلط"، تعني "أن نخدم" .. وكذلك "أن نقود" تعني "أن نأخذ المقعد الأخير، المكان الأخير".
نحن هنا بالطبع، بعيدون جداً عن كبار العالم وقادة الأرض الذي يحاولون القيام بكل شيء كي يسيطروا ويتقدموا ويحصلوا على المقعد الأول .. على المكانة الأولى .. وهم يبحثون دوماً على أن يكون التركيز، كل التركيز، عليهم هم، لكي يخدمهم الآخرين.
يسوع هنا يقدم لنا صورة عن الله مختلفة تماماً عن الصورة التي لدينا عنه: أي عن إله كلي القدرة، والذي يفرض كل مشيئته وإرادته على خليقته الخاضعة والضعيفة.
طريق يسوع هو مختلف تماماً ...
فبركوعه أمام تلاميذه في العشاء الأخير، وقبل أن يبدأ السير بشجاعة وعزم في طريق الآلام، يسوع يكشف لنا في الحقيقة، قلب رسالته .. يكشف لنا قلب الله نفسه. وعندما يقترح علينا أن نتشبه به، فهو يريد أن يساعدنا على أن نفهم في أعماقنا، ماذا يعني حقاً "أن نُحب"، فهو يريد أن يُعَلِّمنا ويُعَرِّفنا إذن على حياةالله الحميمة والعميقة نفسها. أي أنه يكشف لنا سر الله نفسه.. قلب الله نفسه، من خلال تعليمه الأساسي لنا اليوم.
لكن بعد أن حاولنا أن نفهم تعليم يسوع اليوم وماذا يريد منا أن نفعل: أي أن نتشبه به في طريقة حُبّه، دون محاولة التسلط والبحث عن المكانة الأولى لكن أن نكون في خدمة الآخرين وبشكل مجاني، إذن بعد أن فهمنا هذا التعليم، نحن كلنا في الحقيقة، واعون ومتأكدون بأننا غير قادرين تماماً على أن نتشبه بيسوع وبأعماله وأفكاره والعيش بهذه الطريقة. فمَنْ منّا، في  الواقع، مستعد لأن يأخذ المكان الأخير، خاصة عندما يستطيع أن يأخذ أماكن في المقدمة!؟ (نحن بالطبع لا نتكلم هنا عن التقدم في العمل أو في مشاريع معينة، لكن يسوع يتكلم عن طريقة عيشنا ونظرتنا للآخر وعلاقتنا به، أي عن تصرفاتنا في الحياة).إذن ما يطلبه منا يسوع، أي هذا الحُب الذي يطلبه منا يسوع يُخيفنا جداً في الحقيقة، ونحن نوجِد دائماً أسباباً عديدة كي نهرب من هذا التعليم الأساسي في الإنجيل. ويسوع يعرف ذلك، ولهذا السبب فهو ترك لنا سر جسده المُعطى ودمه المراق، لأنه يعرف ضعفنا. من هنا تأتي أهميةالأفخارستيا الكبيرة.
إخوتي وأخواتي الأحباء، كي نستطيع أن نصل يوماً ما إلى التشبه بيسوع كما يريد منا ... إذن كي نتمكن من أن نحب كما هو أحبنا، نحن بحاجة في الحقيقة، إلى أن نتغذى دوماً من سر الخلاص هذا. ولهذا ترك لنا يسوع سر الأفخارستيا، سر النمو، سر النضوج، سر القوة، سر الشجاعة، أي كل الأشياء التي نفتقر إليها. لأن يسوع يعرف جيداً بأننا، بدونه، لا يمكننا أن نفعل أي شيء.
باختصار إذن:
يسوع يقول لنا : "أصنعوا هذا لذكري!"
اليوم، يُذَكِّرنايسوع من جديد بجوهر حياتنا كمسيحيين: أن نتشبه به.. أن نحاول أن نعيش كما عاش، أن نحب كما هو أَحب... أي أن نكون في خدمة الآخرين، بمجانية وبروح التواضع..
ولهذا، ربما علينا، من اليوم، أن نتقدم لتناول القربان، بشكل آخر، بطريقة أكثر واعية .. طريقة تعطي للقربان المقدس هيبته وعَظَمته ومعناه ..
اليوم عندما تتقدمون للتناول، تَذَكَّروا بأنكم تستلمون الله في قلوبكم، الله الذي يريد أن يأتي ويتخذ من قلوبنا مقامًا له، مسكناً له. وبالنتيجة لا يمكننا بعد ذلك أن نظل في نفس طريقة عيشنا، كفانا نوماً .. لنحاول، وبقوة هذا القربان المقدس، أي بقوة الله الذي يسكن فينا، لنحاول إذن أن نتشبه بيسوع، وأن نُحَب ولو قليلاً كما أحبنا هو. لنطلب من المسيح في هذه الأيام المباركة أن يغيرنا من الداخل، أن يجعلنا نقوم يوماً بعد يوم معه، عندها فقط سنستحق حقًا أن نُدعى باسمه، أي أن نحمل هذا الأسم الجميل: مسيحيين..  آمين. 

46
الأسبوع السادس من زمن الصوم الكبير:  أن نُسلم حياتنا لمحبة المسيح.

قراءات قداس أحد السعانين للسنة ب (إشعيا 50 : 4-7 / فيلبي 2 : 6-11 / مرقس14: 1-15: 47و متى 21: 1-11)

مدخل إلى النصوص الليتورجية:
يسوع يهب حياته لنا
سندخل  اليوم، الأحد، في الأسبوع المقدس، الأسبوع الحاسم في حياة يسوع على الأرض. يُفتَتَحُ هذا الأسبوع بعيد السعانين الذي فيه يُستَقبَل يسوع كمَلِك. لكن يسوع يُدهشنا، وبِعكس انتظاراتنا البشرية، يَدخل المدينة على ظهر حمار وليس كالملوك الذين يدخلون المدن على ظهور الخيل. يسوع بهذا يريد أن يُظهِر للناس بأنه ليس ملكاً محاربًا متسلطًا مُمتَطيًافَرَسه الذي يُستَعمَل عادة في الحرب، لكنه ملك مسالم يتقدم نحو أورشليم. هكذا إذن يستقبله الشعب كملك، باسطين أرديتهم على الطريق مع أغصانٍ من الشجر تحت قدميه وحاملين سعف النخلِ، كلها حركات تُظهِر الولاء والتبعية. لكن وبعد أيام قليلة، نفس هذه الجموع ستبصق في وجهه. فالبشر لا تقبل الضعفاء ولا ترحمهم! الويل للخاسرين، الويل للإنسان الضعيف ودون هيبة .. لاسيما الويل لذاك الذي لا يهب الشعب ما يريدون، الذي لا يحقق آمالهم! لكن وعلى الرغم من كل ذلك، نرى يسوع يتقدم نحو نهايته التي كان يتوقعها.. نراه يتقدم بحرية غريبة لا تؤثر بها نظرات الشعب المركَّزَة عليه. يتقدم بيدين فارغتين، لا يحمل سلاحاً، لأن رسالته مختلفة تماماً عمّا ينتظره الشعب منه.
لكن مالذي يدفع يسوع كي يهب نفسه بهذه الطريقة؟
لقد فهمت القديسة تريزا من خلال خبرتها بأن ما دفعه لذلك ما هو إلاّ حُبه للبشرية. إنه ليس حُبًّا عامًا وغامضًا وغير مُوَجَّهٍ في النهاية إلى أشخاص معينين. لكنه حُبّه الشخصي لكل واحد منا.. حُبُّ مُوَجّه لكل واحد منا.. حُب شخصي. فالمسيح يأتي كي "يقيم" (من القيامة) قلبنا كيما يضع فيه حياته، وهذا ما يكشفه بنفسه لتريزا:
"لقد قال لنا جلاله ذلك في العشاء الأخير: "اشتهيتُ بقوة أن آكل عشاء الفصح معكم" (لوقا22: 15) فكيف لم يتمثَّل أمامكَ، يا ربّي، الموتُ الأليم الذي كنتَ ستكابدُه، ذاك الموت القاسي، المرعب؟
- كلا؛ لأن حُبِّي الكبير للنفوس، ورغبتي في خلاصِها تتجاوزُ بما لا يُحَدُّ هذه الآلام؛ والعذاباتُ المريعة التي قاسيتُها، وأقاسيها، منذ أن صرتُ في العالم، تكفي لشدَّتِها حتى أعتبرَ تلك كَلا شيءٍ مقارنَةً بها." (المنازل).

على مثال مريم بيت عنيا: علينا أن نرافق يسوع
سنسير مع ثلاث شخصيات في هذا الأسبوع. الأولى هي إمرأة بيت عنيا، والتي يطابقها التقليد بمريم (أخت لعازر) المذكورة في إنجيل يوحنا الفصل 12. إنها فهمت محبة يسوع وتُعَبِّر عن ذلك من خلال فعل غير مقبول لأعراف ذلك الوقت وللمدعوين في هذا الحدث:
"وبينما هو في بيت عنيا عند سمعانالأبرص، وقد جلس للطعام، جاءت امرأة ومعها قارورة من طيب الناردين الخالص الثمين،فكسرت القارورة وأفاضته على رأسه. فاستاء بعضهم وقالوا فيما بينهم: "لم هذا الإسراف في الطِيب؟فقد كان يمكن أن يباع هذا الطيب بأكثر منثلاثمائة دينار فتعطى للفقراء". وأخذوا يدمدمون عليها. فقال يسوع: دعوها، لماذا تزعجونها ؟ فقدعملت لي عملا صالحا.أما الفقراء فهمعندكم دائما أبدا، ومتى شئتم، أمكنكم أن تحسنوا إليهم. وأما أنا فلست عندكم دائماأبدا.وقد عَمِلَتْ ما في وسعها، فطيبتجسدي سالفا للدفن." (مرقس 14: 3-8).
كان لمريمهذه حدسًا أو إحساسًا بما سيحدث، ولم يكن هناك أي شيء قادر على منعها من فعل ما فعلته، ولا حتى نظرات المدعويين الغاضبة. فهي كانت تعيش على صعيد "العلاقة".. بينما هؤلاء المدعويين، هم على صعيد الفاعلية. ففعلها هذا يبدو لهم غبي وفي غير محله وغير فعال: فقد كان عليها أن تفعل أفضل من ذلك، وتستفيد بشكل آخر من نقود هذا العطر. كان هذا سيكون مفيداً وفعالاً أكثر.لكنهم بالطبع لم يفهموا أي شيء.. لم يفهموا أصلاً ذاك الذي جعل من نفسه فقيراً من أجلهم وهو الغني، هم الذين يَدَّعُون أنهم يهتموا بالفقراء. بينما هي، هي أظهرت حُبها من خلال ما كانت تملك، من خلال كل كيانها. فمن خلال إفاضتها للطيب على رأس يسوع، هي في الحقيقة تهب حياتها نفسها. إنها في حالة إصغاء لقلب يسوع،فقامت بفعلها هذا كي تهب بدورها حياتها له، بطريقها هي. وهذا ما أَثَّر في يسوع. فيسوع لا يمكنه أبداً أن لا يتأثر بأفعال المحبة ووهْبِ الذات. الموضوع هنا ليس له علاقة بالفاعلية البشرية إذن، كأن نستفيد من نقود الطيب ونوزعه على الفقراء، لكن الموضوع يخص المحبة .. يخص منطق الحُب. وتريزا، المتأثرة جداً بشخصية مريم من بيت عنيا هذه ترنم معها قائلة:
"إنَّ هذا السجنَ الإلهي،
سِجنَ الحبّ الذي أعيش فيه،
جعل من الله أسيراً لي،
وحَرَّر فؤادي؛
لكن أن أرى الله أسيري،
لَيُثيرُ في داخلي حُبًّا كبيراً
لدرجة أني أموت لعدم موتي."(قصيدة 1).

   على عكس يهوذا، علينا أن نرجو
أحد المدعويين، وهو يهوذا   سيتصرف بشكل مختلف، لأن ظَنُّه خاب بالتأكيد بسبب موقف يسوع. فالمسيح كان قد قال قبل ذلك بقليل بأنه سيواجه الموت. وهذا قد خيب بلا شك ظن يهوذا الأسخريوطي. فيهوذا الذي كان له رجاءً آخر غير الذي أتى به يسوع، لم يعد يؤمن بيسوع. فعلى الرغم من إتباعه ليسوع وإصغائه لتعاليمه مدة ثلاث سنين، لم يستطع، ولم يعرف، كيف يدخل في قلب يسوع، أو أن يكتشف أو يشعر بقدرة الحُب الموجودة في جسد هذا المعلم المسالم الضعيف ظاهرياً. وعندما نرى مريم تُسَلِّم حياتها ليسوع من خلال إفاضة الطِيب على رأسه، نرى يهوذا يُسَلِّم إنسانًا .. "الإنسان". ربما اعتقد يهوذا أنه قام بعمل جيد على طريقته، مثل مريم التي على طريقتها عملت ما ظَنَّته عملاً جيداً. لكن الفرق بينهما هو أن نِيةَ يهوذا لم تَكن مُحِبَّة، أي ليست المحبة هي التي دفعته لتسليم معلمه.
بهذه الطريقة إذن يبدأ هذا الأسبوع الحاسم: أي يبدأ بخيانة. لكن وعلى الرغم من ذلك، هذا لن يوقف عمل يسوع، ولن يقلل من رجاءه بتخليص البشرية بضمنهم يهوذا الخائن نفسه.
ولما كان المساء، جاء مع الاثنيعشر. وبينما هم جالسون إلى المائدةيأكلون، قال يسوع: "الحق أقول لكم إن واحدا منكم سيسلمني، وهو يأكل معي." فأخذوا يشعرون بالحزن ويسألونهالواحد بعد الآخر: "أأنا هو؟"فقال لهم: "إنه واحد من الاثني عشر، وهو يغمس يده في الصحفة معي."(مرقس 14: 17-20).
على طريقة الأنبياء، يسوع لا يدين يهوذا لكنه يحذره:
"وبينما هم يأكلون، أخذ خبزا وبارك،ثم كسره وناولهم وقال: "خذوا، هذا هو جسدي." ثم أخذ كأسا وشكر وناولهم، فشربوا منها كلهم."(مرقس 14: 22-23).
مريم (بيت عنيا) وهبت كل شيء عندما أفاضت الطيب على رأس يسوع. ويسوع يهب ذاته كُلِّيةً ليهوذا أثناء العشاء. فهو يهب صداقته مع السلام، يهب حُبه مع الخمر الذي يصبح دمه. وكأن يسوع يود أن يقدم له التحذير النهائي. لكن يهوذا يغوص في الليل... ونحن ربما معه... فمَن هو يسوع بالنسبة لنا؟ ها نحن ومنذ سنين ربما، نحاول أن نسير على خطاه، خلفه، بقدر ما نستطيع، وربما حاولنا أن نصلي كما طلب منا، وأن نبقى معه. وربما اختبرنا اليبوسة والجفاف في الصلاة وصعوبات أخرى منعتنا من التقدم. هناك أيضاً تجارب الحياة العائلية والوظيفية وغيرها. أين هو يسوع عندما نمر في هذه التجارب؟كم من مرة طرحنا هذا السؤال! وربما نترك بعد ذلك الصلاة ونحاول أن نواجه صعوبات حياتنا بالإعتماد على أنفسنا.
لا ننسى بأن تريزا أيضاً اختبرت تجربة أن تترك المسيح. بالطبع كانت صلاة الصمت بالنسبة لها الوسيلة التي تفتح أمامها الباب للدخول في علاقة الصداقة معه. كانت بفضل هذه الصلاة تستطيع الحوار مع يسوع، وأن تعهد إليه بصعوباتها، وشيئاً فشيئاً، تعبر من همومها وصعوباتها إلى حضور الصديق نفسه، الذي يملأ قلبها بسلام عجيب، وتترك الهموم الشخصية المكان لعلاقة الحُب المتبادل والسكنى مع الله. لكن في دير التجسد الذي كانت تعيش فيه، ازدادت ثقتها بنفسها بعد نجاحها في جذب الآخرين وإعجابهم بها، بفضل روحها الجميلة والجذابة، وبدأت تخصص وقتًا طويلاً للمقابلات (من خلف المحبس) مع أصدقاء للدير كانوا يريدون التحدث معها في مواضيع دينية. لكنها بهذا بدأت تبتعد شيئاً فشيئاً عن المسيح. تعالوا نسمع ما تقوله هي بنفسها عن خبرتها هذه التي تصفها "بالخيانة":
"قضيتُ في هذا البحر الهائج قرابة عشرين سنةً، أسقطُ تارةً وأنهضُ أخرى، لكن بشكل سيء، بما أني كنت أعود إلى السقوط من جديد. (...) ويمكنني القول أنها حياةٌ من أشدّ ما يستطيع المرء أن يتصورها مشقَّةً. فما كنت أتنعمُ بالله، ولا كنتُ أغتبط بالعالم. فحين كانت مسرَّاتُ العالم تغمرني وأتذكر واجباتي نحو الله، كان الأسى ينتابني، وحين أكون مع الله، كانت أهواءُ العالم تسلُبني السكينة. تلك كانت حربًا شاقة لا أدري كيف استطعتُ احتمالضها شهراً، فكم بالأحرى سنواتٍ عديدةً.
ومع هذا أرى بوضوح عِظَم الرحمة التي غمرني بها الرب؛ فرغم علاقاتي الدنيوية، بَقِيَتْ لي الجسارةُ على ممارسة صلاة الصمت. أقول الجسارة، لأني لا أعرف في هذه الدنيا جسارةً أكبر من خيانة الإنسان مَلِكَه واستمراره في حضرته، على إدراكه أن الملك عارفٌ بالامر. فلئن كُنّا دائماً في حضرة الله، فإنَّ حضورَ الذين يمارسون الصلاة الصامتة هو حضور من نوع آخر، في نظري، لأنهم يرون أن الله يشاهدهم. أما الآخرون فقد يقضون أيامًا لا يتذكرون فيها أن الله يراهم." (السيرة).
إن كان استعمال تريزا لكلمة "خيانة"يمكن أن تدهشنا، علينا أن نأخذها بجدية وبمعناها القوي بالنسبة إليها: فهي تعترف بأنها خانت "صديقها"، أو على الاقل أنكرته مثل بطرس بعد العشاء الأخير.

   على مثال بطرس، علينا انتظار الرحمة
لدينا إذن من جهة، تجربة خيانة يسوع لأنه لم يحقق آمالنا أو وعوده لنا كما نريد أن نفهمها نحن، ولدينا من جهة أخرى، تجربة أن ننكر ذاتنا لأننا خجلين من أنفسنا، وبالتالي يدخلنا ذلك في تجربة أن نعاقب أنفسنا بتخلينا عن مُعَلِّم الحياة ونتوقف عن إتباعه.عندها لم يعد هناك أي رجاء ونُترَك لأنفسنا.. وحيدين. عندما نسير خلف يسوع، تواجهنا مئات التجارب التي تأتي وتزعزع رجاءنا، وتُضعِف إيماننا. عندها تبدو الصخرة التي نستند عليها هشة ومتحركة تحت أقدامنا. وفي الأوقات الحاسمة من إلتزاماتنا البشرية، نحن مثل بطرس نترنح عندما نرى هذا الرجل، هذا الصَديق، يترك نفسه يُذَل ويُهان دون أن يقوم بأي رد فعل. ويسوع لم يبحث حتى عن الدفاع عن نفسه، بل وحتى رفض أن يرفع بطرس السيف ويدافع عنه: وبطرس لا يفهم ما يحدث، ولا يستطيع أن يجاري يسوع في تفكيره هذا. هكذا خَيّبَبطرس أمل يسوع فيه لأن يسوع لم يحقق إنتظارات بطرس. فهو كان يرى في يسوع البطل المحرِّر لكنه لم يرَ أمامه الآن إلاّ شخصًا ضعيفاً مهاناً. هذا ما نختبره نحن في الكثير من الأحيان. ننتظر من المسيح أن يحل لنا مشاكلنا ويتدخل بشكل سحري وفوري في تجاربنا ومِحَننا، وعندما نرى بأن انتظاراتنا لم تتحقق، يضعف إيماننا ونتخلى عن الصلاة ونعتمد على ذواتنا.
لكن بطرس وبعد نكرانه الثالث له، اخترقت كلمات يسوع التي قالها له في العشاء الأخير قلبه وأعماقه:
"فأخذ بطرس يلعن ويحلف: "إني لا أعرف هذا الرجلالذي تعنونه."فصاح الديك عندئذمرة ثانية، فتذكر بطرس الكلمة التي قالها يسوع: "قبل أن يصيح الديك مرتين، تنكرنيثلاث مرات". فخرج على عجل وأخذ يبكي بشدة."(مرقس 14: 70-72).
لقد سمع بطرس في أعماق قلبه تحذير يسوع له بخصوص نكرانه له. فهو كان قد إدعّى بأنه سيتبع يسوع أينما ذهب وفي كل الظروف، واعداً إياه بأنه سيهب حياته من أجله إن دعت الحاجة لذلك. لكنه يلاحظ الآن جُبْنَه ويبكي خجلاً وخزيًا. لكن وعلى الرغم من غَمّه، وبخلاف يهوذا، بطرس يحافظ على العلاقة. وهنا في هذه العلاقة التي حافظ عليها بطرس سينتظره يسوع بعد القيامة ليقول له بأنه غفر له ما فعل، وبأن الحُب الموجود في قلبه تجاه معلمه انتصر على بؤسه وضعفه. عندها يولد الرجاء من جديد، لكن في بعد آخر من الحياة، بُعْد ليس له علاقة مع رجاءنا الإنساني الضيق، لكن مع رجاء يستند على حياة الله في قلوبنا.
"يا لَصلاحَ إلهي اللامتناهي! أظن أني أنظر إليك وإلى نفسي على هذه الحال من التفاوت. يا بهجة الملائكة! كم أود أن أذوب بكُليَّتي في محبتك عندما أنعم بهذه المشاهدة. ما أصدقَ تحمُّلَكَ مَنْ يتعب مِن صحبتك! ما أخلصَك، ربّي، صديقًا له! كم تُسبغ عليه من هبات، وتحتمله بطول أناة، وتنتظر أن يسمو على مستواك، بينما تتحمَّل، ربي، صابرًا، مستواه! تحسب له، يا ربي، لحظاتٍ أَحَبَّك فيها، وعند أول  بارقةٍ من ندم تنسى كلَّ إهاناته! لقد اختبرتُ هذا بنفسي وبوضوح. ولا أفهم ، يا خالقي، لماذا لا يحاول جميع البشر أن يقتربوا منك في هذه الصداقة الخاصّة والحميمة..."(السيرة).

إخوتي واخواتي الأحباء، مع مريم (بيت عنيا) وبطرس، لنتبع يسوع ولننتظر بثقة وإيمان عطية رحمته. وبالتاكيد، سيُبهرنا نوره في ليلة الفصح.
لنُسَلِّم ذواتنا سوية إلى حُبِّه اللامتناهي!

شهادة حول الصلاة: "هذا الكلام يُغَيّرني من الداخل"
"ما هي الصلاة الصامتة في حياتي؟" هي أن يكون قلبي متجهاً نحو الله .. أن أبحث عنه .. أن أنتظره.. أن أنظر إليه.
في الصباح، هي أن أُسَلّم له يومي كما هو، كما سيقدم نفسه لي، حتى قبل أن أعرف ما سيحدث لي مسبقًا. أضع نفسي ويومي بيد الله الذي يحبني.
وفي المساء، صلاة السكوت هي أن أسلم له هذا اليوم كما عشته حقًا. في صلاتي هذه، أسلم له كل مخاوفي، وكل همومي وكل ما يقلقني. تأكدوا بأنه سيضع سلامه فيها. أكرر بعض كلمات يسوع كي تدخل في أفكاري وفي أعمالي اليومية البسيطة والمتكررة. وشيئاً فشيئاً، ألاحظ بأن هذه الكلمات تُغَيّرني، تحولني، بلمسات صغيرة. كلام يسوع هذا سيُنير الخفايا الأكثر ظلمة في كياني. ربما أبدأ صلاتي ببعض كلمات الكتاب المقدس لأن الله يكشف ذاته دوماً من خلاله. ويكشف ذاته دوماً بشكل آخر غير الذي أُكَوّنه عنه. لا يجب أن نَمل أبداً من العودة إلى كلام الله، ولنحاول أن نكون دائماً أمناء له، لا أن نختار ما يناسبنا ونترك المتطلب منه بحجة أننا ضعفاء! في صلاة الصمت، ربما أصعب شيء هو أن أجد الوقت الكافي والمناسب للصلاة، صباحاً ومساءً، والذي يسمح لي أن أكون أميناً لهذه الصلاة. مَن له خبرة في هذه الصلاة، يعرف جيداً أن كل لحظة أقتنصناها وخصصناها لله لم تذهب سدى بل أثمرت ثمراً كثيراً! لا تنسوا أبداً طلب يسوع المُلِح: أسهروا معي.. كونوا معي.. صلوا معي!


الصلاة كل يوم من أيام الأسبوع مع تريزا الأفيلية:
الاثنين 30 آذار:
"آهٍ، ما أشد! خطورة الخطيئة، لقد كانت كافية لتقتل الله بهذه الآلام الشديدة ... أيها المسيحيون! لقد آن الأوان لتدافعوا عن مَلِكم وترافقوه في وحدته القاسية؛ فقليلون هم أتباعه الذين مكثوا بجانبه." (ابتهالات).
"دهش التلاميذ دهشا شديدا وقالوا: "من تراه يقدر أنيخلص؟"فحدق إليهم يسوع وقال لهم: "أما الناس فهذا شيء يعجزهم، وأما الله فإنه على كل شيء قدير." (متى 19: 25-26).

الثلاثاء 31آذار:
"إن المسيح هو صديق طيب جدًا، لاننا ننظر إليه إنساناً، ونراه في ضعفه ومشقاته، ونرى فيه رفيقًا... فهذا الرب بقي وحيداً دون أية تعزية، تركوه وحده في المحن، فلا نتركنّه نحن." (السيرة).
"قبل الفصح بستة أيام، أقيم ليسوع عشاء، فتناولت مريم حقة طيب من الناردين الخالص الغالي الثمن، ودهنت قدمي يسوع .. فعبق البيت بالطيب." (يوحنا 12: 2 - 3).

الأربعاء 1 نيسان:
"أنظروا إلى المسيح وهو وسط الألم والقلق، مُضطَهَدٌ من قبل البعض، ومغطى بالبصاق من قبل البعض الآخر، أصدقاؤه نكروه وتركوه وحيداً، دون أي شخص يدافع عنه، إنه وحيد تماماً. لكنه ينظر إليكم، يوجه عيناه الجميلتان نحوكم، ولكثرة رحمته سينسى آلامه لكي يعزيكم ويسندكم وقت الألم والضيق." (طريق الكمال).
"ونحن عرفنا المحبة التي يظهرها الله بيننا وآمنا بها. الله محبة فمن أقام في المحبة أقام في الله وأقام الله فيه." (1يوحنا4:16).

الخميس 2 نيسان :
"إن يسوعنا يبدي ضعف بشريته أمام الآلام، لكنه عندما يغوص فيها يبدي شجاعة كبرى.. فعندما كان ماضيًا إلى البستان، قال: نفسي حزينة حتى الموت؛ وعندما كان على الصليب، وهو يدنوا من الموت، ما تشكّى."(خواطر في حب الله).
"قال يسوع: ما أتيت إلا لتلك الساعة.يا أبت، مجد اسمك".(يوحنا 12: 27-28).

الجمعة 3 نيسان :
"أُطلب مني يا إلهي ما ترغب في طلبه مني، فهذا ما أريده، لأن خيري، كل خيري، هو أن أرضيك. فَلْيَمُتْ هذا الأنا، ولتَحيَ أنت فِيَّ، فأنت أكبر مِن "أنا" وأكثر خير لي من نفسي. فلتَحيَ أنت فيَّ ولْتُعطِني الحياة." (ابتهالات).
"من الآن فصاعداً، ما أنا أحيا، بل المسيح يحيا في. وإذا كنتُ أحيا الآن حياة بشرية، فإني أحياها في الإيمان بابن الله الذي أحبني وجاد بنفسه من أجلي."(غلاطية 2: 20).

السبت 4 نيسان:
"إن تفكيرنا في أن ربنا قد غفرَ خطايانا ونسيها، هذا لا يُخفِّف من ألمنا، بل يَزيدُ منه أن نرى صلاحًا كهذا الصلاح. أظن أن هذا كان استشهادًا شديداً للقديس بطرس، وللمجدلية؛ فلأن حبهما كان كبيراً جداً، وتَلَقَّيا عطايا كثيرة، وفَهِما عظمة الله وجلاله، فإنَّ عذابهما كان كبيراً جداً." (المنازل).
"وإنما عرفنا المحبة بأن ذاك قد بذل نفسه في سبيلنا. فعلينا نحن أيضا أن نبذل نفوسنا في سبيل إخوتنا.."(1يوحنا3:16).

47
الأسبوع الخامس من زمن الصوم الكبير:  النظر إلى الغد بثقة ... النزول إلى العمق.

قراءات قداس الأحد الخامس من زمن الصوم الكبير للسنة ب 2015
إرميا 31: 31 – 34
 ها إنها تأتي أيام، يقول الرب، أقطع فيها مع بيت إسرائيل وبيت يهوذا عهدًا جديدًا،لا كالعهد الذي قطعته مع آبائهم، يوم أخذت بأيديهم لأخرجهم من أرض مصر لأنهم نقضوا عهدي مع أني كنت سيدهم، يقول الرب.
ولكن هذا العهد الذي أقطعه مع بيت إسرائيل بعد تلك الأيام، يقول الرب، هو أني أجعل شريعتي في بواطنهم وأكتبها على قلوبهم، وأكون لهم إلهًا وهم يكونون لي شعبًا.
ولا يعلم بعد كل واحد قرببه وكل واحد أخاه قائلا: "اعرف الرب"، لأن جميعهم سيعرفونني من صغيرهم إلى كبيرهم، يقول الرب، لأني سأغفر إثمهم ولن أذكر خطاياهم من بعد.


عبرانيين5 : 6– 8
المسيحُ في أيامِ حياته البشرية، رفع الدعاء والابتهال بصراخ شديد ودموع ذوارف، إلى الذي بوسعه أن يخلصه من الموت، فاستُجيب طلبُه لتقواه.وتعلم الطاعة، وهو الابن، بما عانى من الألم. ولما جُعِلَ كاملاً، صار لجميع الذين يطيعونه سبب خلاص أبدي.


يوحنا 12: 20–33
في ذلك الزمان:
كان بعض اليونانيين في جملة الذين صعدوا إلى أورشليم للعبادة مدة العيد.فقصدوا إلى فيلبس، وكان من بيت صيدا في الجليل، فقالوا له ملتمسين: "يا سيد، نريد أن نرى يسوع". فذهب فيلبس فأخبر أندرواس، وذهب أندرواس وفيلبس فأخبرا يسوع.فأجابهما يسوع: "أتت الساعة التي فيها يمجد ابن الإنسان.الحق الحق أقول لكم: إن حبة الحنطة التي تقع في الأرض إن لم تمت تبق وحدها. وإذا ماتت، أخرجت ثمرا كثيرا.من أحب حياته فقدها ومن رغب عنها في هذا العالم حفظها للحياة الأبدية.من أراد أن يخدمني، فليتبعني وحيث أكون أنا يكون خادمي ومن خدمني أكرمه أبي.الآن نفسي مضطربة، فماذا أقول؟ يا أبت نجني من تلك الساعة. وما أتيت إلا لتلك الساعة.يا أبت، مجد اسمك".
فانطلق صوت من السماء يقول: "قد مجدته وسأمجده أيضا". فقال الجمع الذي كان حاضرا وسمع الصوت: "إنه دوي رعد". وقال آخرون: "إن ملاكا كلمه".أجاب يسوع: "لم يكن هذا الصوت لأجلي بل لأجلكم.اليوم دينونة هذا العالم. اليوم يطرد سيد هذا العالم إلى الخارج.وأنا إذا رفعت من الأرض جذبت إلي الناس أجمعين".
وقال ذلك مشيرا إلى الميتة التي سيموتها.
 
مدخل إلى النصوص الليتورجية:
"سأكتب شريعتي على قلوبهم" (إرميا 31: 31-34). إن هذا الوعد قد تحقق في المسيح عندما سيُسَلِّم لنا الروحَ القدس أثناء الفصح. إن يسوع لم يهرب من آلامه لكنه أطاع وقَبَل الموت كي تُثمِر حياتَه. (يوحنا 12: 20-33): لقد اختبر محدوديات البشرية وضعفها، مع القلق والخوف أمام الموت. بهذا فتح لنا الباب إلى عالم جديد، عالم النعمة (عبرانيين 5: 7-9). يجب أن لا ننسى أبداً بأن يسوع قَبِل أن يعيش كل ذلك حُبًّا بنا. والحُب المَحِّرِر هذا، هو الذي يسمح لنا أن ننظر إلى الغد بثقة.. أن ننزل إلى العمق، كل يوم من أيام حياتنا.
تأمل الأسبوع
من الخوف إلى الجُرأة
إن يسوع يأتي كي يكشف لنا ماذا ينتظر الله منّا.. لكن ما هو إنتظار الله؟إن الله عَبَّر عن إنتظاره هذا منذ البداية، في سفر التكوين. آدم وحواء "سمعا وقع خطى الرب الإله وهو يتمشى في الجنة عند نسيم النهار، فآختبأ الإنسان وامرأته من وجه الرب الإله فيما بين أشجار الجنة. فنادى الرب الإله الإنسان وقال له: "أين أنت؟"(تكوين 3: 8-9). إن الله يبحث عن الإنسان،يبحث عن حضوره، ويناديه بحُب: "أين أنت، أين تختبئ؟ أنا قريب منك وأنت بعيد عني. لمذا تختبئ بعيداً عني؟" وفي نفس الوقت يجعل الإنسانَ يتساءلبقوله له "ماذا تفعل بحياتك؟" كما لو أنه يدعوه لمراجعتها. "ماذا تفعل بحياتك؟" إن هذا السؤال يُطرَح علينا اليوم أيضاً. كيف سنجيب عنه؟
إن الله في بحث دائما عن الإنسان. الرجل والمرأة يختبآن خوفًا. يا لها من مفارقة! لكن مِمَّن يجب أن نخاف؟ من الله أم من أنفسنا؟ لأننا رأينا في المرة الماضية كيف أن الله الذي يكشف نفسه لنا هو إله الحياة، وليس إله الموت. أليس من الغريب أن نخاف من الله ونهرب منه، بينما هو يريد أن يجعلنا نَعبُرَ من الخوف إلى الثقة بل وإلى الجرأة. القديسة تريزا تجرأت وذهب إلى أبعد، من خلال إصغائها وإنتباهها إلى قلبها والتركيز على صوت الله الخارج من أعماقها. والمقطع التالي من إحدى قصائدها هو مثال على ذلك:
"يا جمالاً يفوق كل جمال!تُؤلم من دون أن تجرح، وتُتلف، من دون ما أَلم، حُبَّ الخلائق.
يا عقدة  تجمع هكذا شيئين مختلفين جداً.وتجمعين مَنْ لا كيان له، مع الكائن اللامحدود.
مِن دون أن تفنين تكمّلين، ومِن دون إلزام حُبٍّ، تُحِبّين، والعَدَمَ فينا تُعظِمّين". (قصيدة 6).

أليس هذا ما يجب أن يبحث كل واحد منا عنه؟ لكن هل نرغب، على مثال تريزا، بل ونجرؤ مثلها، على النزول إلى الأعماق.. إلى عمق قلبنا؟ الذي هو رمز للتعبير عن ممارسة صلاة الصمت. هل سنجرؤ على القيام، على الأقل، بخطوة صغيرة أولى؟ يجب أن نعلم بأن ذلك لا يجعلنا نعيش خارج عالمنا، بل إنه يجعلنا، بالعكس، نعيش بشكل أفضل حياتنا.
كيف نزرع ونُنمي فينا الرغبات الكبيرة
إن الله جاء كي يفتح أمامنا مجالات واسعة. مجيئه نفسه هو دعوة للثقة. إذا أردنا السير في طريق الصلاة هذا، فلا يجب أن نفهم أن علينا أن نثق بأنفسنا وفي قدراتنا أو مواهبنا. فنحن لا نتكلم عن مجرد بنيان إنساني، لكن عن بنيان روحي. ففيما يخص البنيان الإنساني أو في مجال الأعمال والوظائف، الثقة بالنفس والمواهب والقدرات هي بالطبع شيء أساسي يجب تنميته، لكن موضوعنا يخص بالذات كيف نستقبل الله نفسه وليس أقل من ذلك. وفي الحقيقة، سيكون من الخطر أصلاً أن نعتمد في ذلك على قوانا الخاصة. ففي هذا المجال، الإعتماد الكبير على أنفسنا يكشف أننا لا نعرف أنفسنا جيداً، وكذلك أن هناك زهواً وتكبراً داخلنا. وعاجلاً أم آجلاً، سنواجه محدوديتنا وضعفنا، مهما كنا أقوياء. ففي هذا الطريق، طريق الدخول في علاقة حميمة مع الله، بالإضافة إلى أهمية الإلتزام التام فيه، علينا أن نتعلم العيش في الإيمان وأن نسلم أنفسنا لِحُب الله الكبير الذي سيغمرنا، إذا سمحنا له بذلك:
"يجدر بنا أن نمتلك ثقةً كبيرةً، فينبغي أن لا نستهين بالرغبات، بل أن نأمل من الله بأننا، إذا جهِدنا أنفسنا شيئاً فشيئًا، سنبلغ، حتى ولو لم يكن ذلك حالاً، ما بلغه قديسون كثيرون بفضلٍ منه تعالى. فلو أنهم لم يُصمِّموا أبداً على رغبة ذلك ووضعِه موضعَ التنفيذ، لما ارتقوا إلى هذه الحالة السامية. إن الله، عزّ وجلّ، يُقدِّر النفوس المقدامة ويحبِّها، على أن تكون متواضعةً ولا تعتدّ بذاتها أبداً."(السيرة).
هكذا في الحقيقة، عندما تتعب النفس، فإنها مدعوة إلى التوجه، أكثر من السابق، نحو الله. إنه ليس سيدًا متطلِّبًا ينتظر أن نكون كاملين. لكنه يأتي بنفسه ويأخذ زمام المبادرة لكي يساعدنا على الإستمرار في السير في هذا الطريق، . إن الله لا يطلب منا أن نكون أقوياء بلا عيب، بل أن نتعلم الإعتماد عليه، أن نثق به، أن نستند عليه. وتريزا تشجعنا على عدم تحديد رغباتنا أو تقييدها، بل أن ندعها تتجه وبقوة نحو الله كي تتحقق بأكملها. علينا بكلمة أخرى، أن نرغب في اللامحدود في وسط محدوديتنا وضعفنا، وأن نواجه كل المخاوف التي تحاول الحد من رغبتنا هذه. إن التخلص من هذا الصراع أو الضغط المستمر علينا، سيكون في إنفتاح قلبنا التدريجي لعمل الله فينا.
الله يعمل
إن تريزا تحثنا من جهة، على الإلتزام في هذا الطريق كي نُحرِّر داخلنا الرغبة في عيش المحبة الحقيقية مع الأعمال التي ترافق ذلك. ومن جهة أخرى، إنها واعية تماماً بأن السير في طريق الأمانة هذا لا يمكن إلاّ أن يكون بمساعدة عمل الله في قلوبنا.
"في ما مضى، كثيراً ما كنت أتأمّل في كلام القديس بولس "بالله نستطيع كلّ شيء" (فيلبي 4: 13)، وكنتُ على يقين من أنني لا أستطيع أمراً بذاتي. وهذا التأمّل كان كثيرَ الفائدة لي، كما أفادني قول القديس أغسطينوس: "أعطِني يا رب ما تأمر، ومُرني بما تريد" (كتاب الإعترافات). وكنت أفكر مراراً في أن القديس بطرس ما خسر شيئًا حين ألقى بنفسه في البحر ولو أنّ الخوف استولى عليه من بعد. إنّ هذه العزائم في البدء ذاتُ قيمة كبرى، ولو كان الواجب، في هذه الدرجة الأولى، أن نسير برويّة، ونتقيّد بالفطنة وبرأي المعلِّم. وعلينا أن نختار واحداً يعلِّمنا محاكاة الضفدع أو يكتفي بأن يتبَيِّن للنفس كيف تصطادُ العَظايا فحسب. فليكن التواضع دائمًا نصبَ عينينا لنفهم أن هذه القوى ليست نابعةً  منّا."(السيرة).
بالنسبة لتريزا، الجرأة لا تتعارض مع التواضع لكنها بالعكس: فعندما تجازف وبجرأة، تريزا تذهب نحو الأمام وتكبر في التواضع، لأنها كانت تفهم شيئاَ فشيئاً بأن الله هو من يعمل فيها وليست هي. وسَنَدَها هو صداقتها مع المسيح والتي حررتها من أن تستند على صداقات إنسانية كانت تُبعدها عن طريقها:
"لقد اكتشفت بالخبرة بأن العلاج الحقيقي لعدم السقوط هو تعلّقنا بالصليب، وثقتنا بمن رُفِعَ عليه. ففيه أجد صديقًا حقيقيًا، وأراني بذلك أمتلك قوة، كما يبدو لي، ان أقاوم العالم كلّه إذا خاصمني، على أن لا يتخَلّى الله عنّي. قَبْل أن أدرك هذه الحقيقة الواضحة جداً كنت أهوى أن يحبّني الجميع. أمّا الآن فلا أُعير ذلك أدنى إهتمام."(التقارير).
وهذا ينطبق علينا أيضاً. فحضور محبة الله المُخَلِّصة فينا هي وحدها التي ستسمح لنا بالتقدم في هذا الطريق وتجعلنا نتجاوز ونعبر تمركزنا على ذاتنا. ويمكننا قول ذلك بكلمات أخرى: إن القداسة ليست فضيلة .. إنها ليست كل الفضائل الموجودة فيك. وهي أيضاً ليست خِصالك مهما كانت رفيعة وكبيرة؛ كما أنها ليست تضحياتك مهما كانت كبيرة أو بُطولية، ولا هي كمالك مهما كنت كاملاً. لكن القداسة هي الله.. هي وجود الله فيك أنت الإنسان. علينا إذن أن نُغيَّر مقاييسنا للوصول إلى العمق.
تغيير المقاييس
إن هذا الطريق نحو العمق يدعونا إلى الإعتماد على الله أكثر من الإعتماد على أنفسنا. وصلاة السكوت، بفتحها لنا الباب للدخول في علاقة حميمة مع إله الحُب، تخلق فينا مجالاً آخر ومقاييسأخرى. والقديسة تريزا تتحدث عن خبرة الإهتداء، التي سبق وأن تحدثنا عنها، والتي جعلتها تولد لحياة جديدة:
"ما تلى هذا الحدث، هو كتابٌ جديد، أعني حياةً أخرى جديدة. فما رويتُه حتى الآن كان حياتي؛أما التي عشتُها منذ أن بدأت الحديث عن أمور التأمل فكانت، في إعتقادي، حياة الله فيَّ. ففي معلومي، كان يستحيلُ عليَّ الإنعتاقُ، في وقتٍ وجيزٍ، من عاداتٍ وأعمالٍ رديئة جداً. تمجَّد الرب الي حرّرني من ذاتي. ما إن شرعتُ في الهرب من الظروف الخطرة، وفي الإكثار من الإنصراف إلى الصلاة الصامتة، حتى بدأ الرب يُسبغ عليّ نِعمه. فكأنّه كان يشتهي، على ما يبدو، أن أتمنى قبولها."(السيرة).
إن جِدَّة كهذه يمكنها أن تشوش في البداية. فنحن لدينا طريقة معينة نتصرف بموجبها مع الآخرين وحتى مع أنفسنا.. طريقة معينة للتفاعل في مواجهة الصراعات والتجارب من خلال الخوف، أو الإستخفاف والإزدراء، أو من خلال القلق. لكن مع ذلك، وشيئاً فشيئًا، تبدأ بعض نقاط ضعفنا تختفي. والآخرون يمكنهم أن يلاحظوا ذلك ويجعلوننا نلاحظه بدورنا، وسط دهشتنا عادة! وهم بدورهم سيبدأون يتساءلون عندما يرون كيف نصبر، وكيف نسامح ونغفر للآخر، وكيف أصبحنا أكثر قدرة على الإصغاء من السابق. إن كل هذا التغيير الداخلي يمكن أن يُربكنا ويجعلنا نستغرب. علينا عندها الإستناد على المقاييس الخارجية التي لدينا، كي نستطيع الإستمرار دون قلق في الطريق الداخلي هذا. إن هذه المقاييس هي في أغلب الأحيان، إيقاعات حياتنا المرتبطة بعملنا، وبمتطلباتنا والتزاماتنا العائلية، وبغيرها من الإلتزامات المختلفة. إن هذه الأُطر الخارجية تساعدنا على التعامل مع تغيير المقاييس الداخلية هذه: فعندما يريد الله أن يسكن فينا ويدعونا إلى السماح له بذلك، هذا يمكن أن يجعلنا نقلق ونضطرب! والنزول إلى العمق لا يعني بالضرورة أن نغير فوراً وحالاً إطار حياتنا.
هناك نقطة مهمة بهذا الخصوص، هي تغيير علاقتنا مع الوقت، وهو علامة على تغيير داخلي آخر. فتجذرنا في العالم هو شيء مرتبط بعمق كياننا، لكننا نستطيع السيطرة تدريجياً على طريقتنا في التعامل مع العالم ومع تقدم العصر السريع جداً والذي في بعض الأحيان يبعدنا عمّا هو أساسي وجذري في حياتنا. هكذا يمكننا مثلاً مقاومة أو عدم الوقوع في فخ وسائل التواصل الإجتماعية التي يمكن أن تأخذ كل وقتنا أو أغلبه وتدخلنا في أشياء ليست أساسية لحياتنا حقاً، بل وتبعدنا عمّا هو جوهري لنا. ربما سيجعلنا هذا نخاف في البداية، نخاف من أننا لا نواكب خطوة بخطوة ما يحدث حولنا. لكن مع ذلك ودون أن نلحظ ذلك، سيعيش قلبنا في سلام، ويتقوى منالداخل. فما نفقده على السطح، نربحه في الأعماق. أعني عندما نضحي ببعض الوقت كنا نكرسه للفيس بوك مثلاً ونخصصه للصلاة، هذا ليس خسارة بل ربحاً. فعندما نأخذ بعض الوقت للخلوة والدخول في علاقة مع الله في العمق، سيوفر لنا ضماناً أكثر وثقة أكبر من قبل. وعندما تواجهنا المِحَن والتجارب، سنكون أقوى في مواجهتها وسنعطيها معنىً أكثر فأكثر.
في هذا الأسبوع، لِنَسِر بثقة في هذا الطريق الإلهي، والذي يقودنا نحو العمق!

شهادة حول الصلاة: "صلاة الصمت تُغيّر حياتنا"
في صلاة الصمت، يمكننا استخدام كلمة الله والتأمل فيها، خاصة عندما يكون ذهننا مُشَتَّتًا. والله بجودته الكبيرة يهبنا عادة نِعَمًا تنير معرفتنا حول ذاتنا، وحول علاقاتنا مع القريبين، وحول تصرفاتنا وعاداتنا المختلفة. فاستمرارنا في الصلاة سيجعل الله يساعدنا في التقدم في طريق المعرفة المؤلم هذا، وسيحررنا من الكثير من تصرفاتنا الخاطئة القديمة. وستصبح الصلاة مثل طريق شفاء داخلي مستمر وتدريجي.
بعد فترة من ممارسة صلاة الصمت، سنلاحظ ودون سابق إنذار، بأننا قد تغيرنا.. فنحن لم نعد مَن كنا عليه قبل ممارسة الصلاة قبل سنين، وسنعي بوضوح بأننا لن نرجع إلى مَن كنا عليه سابقاً. فصلاة الصمت تصبح لنا سبب خلاص وتحرير لأنها الوسيلة التي تضعنا أمام حُب الله المُخَلِّص والمُطَهِّر والمنَقي والخالق. وعندما نمر بخبرات عائلية مريرة وثقيلة، أو في صعوبات صحية، ستكون صلاة الصمت هي المكان الذي يأتيني فيه الرب كي يقويني ويعزيني ويسندني: فروحه القدوس هو دوماً أقوى من ضعفي ومحدوديتي وإحباطاتي ومقاوماتي وشكوكي وسقطاتي. وبدون صلاةالصمت، لن أستطيع أبداً السير بفرح خلف يسوع وأن أعلن قبولي مثل مريم، في قبول إرادته في حياتي وتبنيها بثقة كبيرة. لنصرخ مع أمنا مريم عبارتها الشهيرة هذه: "تُعظِّم الرب نفسي، وتبتهج روحي بالله مُخلِّصي."




الصلاة كل يوم من أيام الأسبوع مع تريزا الأفيلية:
الاثنين 23 آذار:
"آهٍ يا رب، أنا أعلم بأني كنت سأتيه في الطريق لو لم تُرجعْني، أنتَ، إليه؛ فحين رأيتُكَ بقربي، رأيتُ جميعَ الخيرات ... ففي حضور صديقٍ صالح كهذا الصديق، ومع قائدٍ طيّبٍ كهذا القائد والذي يضع نفسه دائماً في المقدمة لمواجهة الألم، يُمكن احتمالُ كلِّ شيء. إنه عونُنا ومانحُ القوّة، ولا يتركُنا أبداً." (السيرة).
"وكان الابن الضال لم يزل بعيدا إذ رآه أبوه، فتحركت أحشاؤه وأسرع فألقى بنفسه على عنقه وقبله طويلا.فقال له الابن: يا أبت، إني خطئت إلى السماء وإليك." (لوقا 15: 20).
الثلاثاء 24آذار:
"لَكَمْ تأخّرتْ رغباتي في أن تضطرم، ولَكَمْ بَكَّرْتَ أنت ربي، في البحث عني وفي دعوتي لكي أشغل ذاتي بِكُلِّيتها بك! هل اتَّفَقَ، ربي، فتخلّيتَ عن البائس، أو أَشَحْتَ عنك المستعطي المسكين عندما أراد أن يَصِلَ إليك؟" (ابتهالات).
"تنبهوا لأنفسكم من أن تنسوا عهد الرب إلهكم الذي قطعه معكم، فتصنعوا لكم تمثالا منحوتا لشيء مما نهاك عنه الرب إلهك،  لأن الرب إلهك هو نار أكلة وإله غيور." (تثنية 4: 23 - 24).
الأربعاء 25 آذار:
"مع مريم "افرحي، يا نفسي، لأنّ هناك من يحبّ إلهَكِ كما يستحق ... ويمكنكِ أن تطلبي منه أن يساعدكِ كي تشاركي ولو مشاركةً يسيرة في أن يكون اسمه مباركًا وممجداً، وتستطيعي أن تقولي بحقّ: تعظّم نفسي الربّ." (ابتهالات).
"فقالت مريم: "أنا أمة الرب فليكن لي بحسب قولك."(لوقا 1: 38).
الخميس 26 آذار :
"من المهم جداً أن لا نُصَغِّر أو نُحَجِّم من رغباتنا. ويُثير فيّ العجبَ مدى أهمية الطموح الكبير لتحقيق أمورٍ عظيمة في هذا السبيل. فالنفس، وإن لم تتوفر لها القوى فيما بعد، تَطير وترتفع عاليًا، ولو أنها، كعصفورٍ طريٍّ ريشُه، تتعب وتُبطيء السير." (السيرة).
"أستطيع كل شيء بذاك الذي يقويني."(فيلبي 4: 13).
الجمعة 27 آذار:
"لمن يحبونه، ولكي يُحيي إيمانهم إذا كان قد ضَعُف، يكشف الله عن ذاته، ويهب لهم عربونًا مسبقًا لما سيهبنا إياه ويقول: "إعلموا أن هذا ليس إلاّ قطرة من بحر هائل من الخيرات. فالله لا يهمل أي شيء تجاه مَن يحبونه، وعندما يرى بأنهم يستقبلونه، يهبهم النِعَم ويهب ذاته أيضاً." (السيرة).
"أنظروا أي محبة خصنا بها الآب لندعى أبناء الله وإننا نحن كذلك."(1 يوحنا 3: 1).
السبت 28 آذار:
"آهٍ، لَكَمْ أتَذَكّر الماء الحي الذي أعطاه الرب للمرأة السامرية!كنت أتوسَّل إلى الرب غالبًا كي يُعطيني ذلك الماء."(السيرة).
"مَنْ يشرب من الماء الذي أعطيه أنا إياه فلن يعطش أبداً، بل الماء الذي أعطيه إياه يصير فيه عين ماء يتفجر حياة أبدية."(يوحنا 4: 14).

48

الأسبوع الرابع من زمن الصوم الكبير:  أن نصبح متواضعين

قراءات قداس الأحد الرابع من زمن الصوم الكبير للسنة ب
أخبار الأيام الثاني 36: 14 – 16 ، 19 - 23
أكثر جميع رؤساء الكهنة والشعب من المخالفة، بحسب جميع قبائح الأمم، ونجسوا بيت الرب الذي قدسه في أورشليم.فأرسل إليهم الرب، إله آبائهم، رسلا بلا ملل، لأنه أشفق على شعبه وعلى مسكنه.فسخروا من رسل الله، وآزدروا كلامه وهزئوا من أنبيائه، حتى ثار غضب الرب على شعبه، حتى لم يبق علاج. وأحرقوا بيت الله، ودمروا سور أورشليم، وأحرقوا جميع قصورها بالنار، وأتلفوا كل نفيس من آنييها.والذين نجوا من السيف جلاهم إلى بابل ، حيث صاروا عبيدا له ولبنيه، حتى قامت مملكة فارس.فتم ما تكلم به الرب بفم إرميا، حتى آستوفت الأرض سبوتها، لأنها تعطلت كل أيام خرابها إلى آنقضاء سبعين سنة.
وفي السنة الأولى لقورش، ملك فارس، لكي يتم ما تكلم به الرب على لسان إرميا، نبه الرب روح قورش، ملك فارس، فأطلق نداء في مملكته كلها وكتابات أيضا، قائلا : "هكذا قال تورش، ملك فارس: جميع ممالك الأرض قد أعطانيها الرب، إله السموات، وأكل إلي أن أبني له بيتا في أورشليم التي في يهوذا. فمن كان منكم من شعبه أجمع، فالرب إلهه معه، فليصعد".

أفسس 2 : 4–10
أيها الإخوة:
إنَّ الله الواسع الرحمة، لحبه الشديد الذي أحبنا به، مع أننا كنا أمواتا بزلاتنا، أحيانا مع المسيح (إنَّ الخلاصَ جاءَكم مِنَ النِّعمَة)، وأقامنا معه وأجلسنا معه في السموات في المسيح يسوع.فقد أراد أن يظهر للأجيال الآتية نعمته الفائقة السعة بلطفه لنا في المسيح يسوع،فبالنعمة نلتم الخلاص بفضل الإيمان. فليس ذلك منكم، بل هو هبة من الله،وليس من الأعمال لئلا يفتخر أحد.لإننا من صنع الله خلقنا في المسيح يسوع للأعمال الصالحة التي أعدها الله بسابق إعداده لنمارسها.

يوحنا 3: 14– 21
كما رفع موسى الحية في البرية فكذلك يجب أن يرفع ابن الإنسان، لتكون به الحياة الأبدية لكل منيؤمن. فإن الله أحب العالم حتى إنهجاد بابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. فإن الله لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالمبل ليخلص به العالم. من آمن به لايدان ومن لم يؤمن به فقد دين منذ الآن لأنه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد.
وإنما الدينونة هي أن النور جاء إلىالعالم ففضل الناس الظلام على النور لأن أعمالهم كانت سيئة.فكل من يعمل السيئات يبغض النور فلا يقبل إلىالنور لئلا تفضح أعماله. وأما الذي يعمل للحق فيقبل إلى النورلتظهر أعماله وقد صنعت في الله".
 
مدخل إلى النصوص الليتورجية:
"إن الله لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالمبل ليخلص به العالم" (يوحنا 3: 14 – 21).إنَّ الخلاصَ جاءنا مِنَ النِّعمَة: فهو لم يأتِ بفضلنا نحن أو بواسطتنا لكن من نعمة الله (أفسس 2: 4-10). إن استقبال خلاص يسوع يفترض أن نفهم بأننا لا نستطيع أن نُخَلِّص أنفسنا بأنفسنا. فنحن لسنا خالقي حياتنا لكننا نستقبلها من الله .. نقبلها منه؛ وهذا ينطبق أيضاً على الخلاص. فالخلاص لا يُؤخَذ أو يُصنَع من قِبلنا، بل يُستَقبَل مجانًا.
بهذا المعنى، علينا أن نفهم أن طريق الخلاص هو طريق التواضع الذي نتعلم فيه السير خلف المسيح الوديع والمتواضع القلب.
تأمل الأسبوع
إن الله يريد أن يُخَلِّصنا
إن حُبّنا يجب أن يُحَرَّر من كل إدّعاء أو غرور. "إن الله لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالمبل ليخلص به العالم". علينا أن نتعلم الدخول في منطق الحُب .. في منطق حُب إله الحياة الذي يكشف نفسه لنا أولاً وقبل كل شيء كإله الحُب، أو بالأحرى يكشف نفسه لنا كـ "محبة". وإذا كان الله إله الحياة حقاً، فهو لا يستطيع إذن أن يعطي الموت: "إن الله لم يخلق الموت" (حكمة 1: 13). فإن الله لا يمكنه أن يعطينا ما يمكن أن يدمرنا: في هذه النقطة نحن نقوم بالعمل كله. ففيما يخص الأنانية والغيرة والكبرياء والكراهية والحقد، نحن لسنا بحاجة إلى الله. لأننا وللأسف ماهرون بما فيه الكفاية كي نعاقب أحدنا الآخر. وهذا ينطبق على الحياة والموت، فنحن كما ذكرنا لسنا مصدر حياتنا، فلا يمكننا أن نهب الحياة لأنفسنا، لكننا نستطيع أن نكون مصدر موتنا. فيكفي أن نرى ما يحصل كل يوم في بلدنا والعالم لكي نرى ما يمكن أن يحصل عندما يبتعد الإنسان عن الله ويُسَيِّر حياته بنفسه.
إن الله حياة، ولا يستطيع أن يهب أي شيء آخر غير الحياة. لهذا فهو لا يستطيع ولا يريد، باسم الحُب والإحترام اللذين يكنهما نحونا، أن يتجاوز على حريتنا. فإذا رفضناه، ورفضنا أي علاقة معه، فهو لا يستطيع أن يدخل في قلبنا. "أنا الرب إلهك الذي أصعدك من أرض مصر فأوسِعْ فمكَ لأملأه. لكن شعبي لم يسمع لصوتي وإسرائيل لم يردني، فتركتهم إلى قلوبهم القاسية، فساروا على هواهم. آهٍ، لو سمع لي شعبي وسلك إسرائيل طرقي، لأذللت في لمح البصر أعداءهم ورددت يدي على مضايقيهم". (مزمور 81: 11 – 15). إن الله يهب الحياة، إنه يهب حُبّه. علينا إذن أن لا نخاف، بل أن نرغب ونشتاق إلى هذا الحُب ونطلبه منه. إن استقبال صداقته سيخلصنا من أنفسنا ومن إضراباتنا ومخاوفنا.
فخ التواضع الزائف
في أغلب الأحيان، يكون الخوف، والخجل من أنفسنا ومن تصرفاتنا، سَبَبَي ابتعادنا عن حُب الآخرين وعن حُب الله أيضاً. والقديسة تريزا اختبرت ذلك، بل وصلت إلى درجة التوقف عن ممارسة الصلاة  بسبب ما كانت تضن أن له علاقة بالتواضع:
"بدأتُ، إذن، أنتقل من أُلْهُوَّة إلى أُلهوَّة، ومن غرور إلى غرور، ومن ظَرفٍ إلى ظرف لأَحشر ذاتي في مخاطر جسيمة جداً وأجد نفسي تخنقها أباطيل عديدة حتى بتُّ أخجل من الإقتراب من الله في الصداقة الخاصة الحميمة التي هي الصلاة الصامتة. وقد زاد في استحيائي أنّ خطاياي تكاثرت، فأخذتُ أفقد المتعة والسرور في ممارسة الصلاة الصامتة . كنت أرى بوضوحٍ، يا ربّي، ان هذه الهبات تفوتني لأني أبتعدُ عنك.
كانت هذه أفظع خدعة يستطيع الشرير أن يوقعني فيها تحت ستار التواضع. بدأتُ أخشى ممارسة صلاة الصمت." (السيرة).
إن تريزا تختبر شعوراً بالذَنْب والخجل لأنها كانت تحس بعدم استحقاقها، وفي نفس الوقت، بعدم قدرتها على فعل الخير. فأغلقت نفسها في هذه الدائرة الخطرة والتي تتضمن في معاقبة ذاتها بسبب عدم استحقاقها.
أحد نتائج هذه الفكرة الداخلية هي أن نؤمن بأننا من خلال معاقبة ذاتنا سنتمكن من تخليص نفسنا. وكأننا سننظف خطئنا الشخصي ونبدأ من جديد. لكننا ننسى بأننا بابتعادنا عن الله، فإننا في الحقيقة نبتعد عن ذاتنا، لأننا لا يمكن أن نستقبل الحياة كل يوم من جديد إلاّ من خلاله هو، فنحن كما ذكرنا، لسنا مصدر وجودنا وحياتنا. إننا نحتاج، في الحقيقة، إلى وقت ليس بالقصير كي نتمكن من الخروج من ذواتنا كي نتجه من جديد نحو الله. بل ونحتاج في بعض الأحيان أن نَصِل إلى القاع، كي نفهم بعدها بأن الخلاص ليس مِنّا، بل من الله وفي الله.

أن نَدَع الحُب يَغلبنا
إذا لم يحدث فَطر أو صدع في درع كبرياءنا، فلن يستطيع نور الله أن يتسرب من خلاله، وبالتالي يمكننا أن نراه. إذا حدث ذلك، فعندها فقط سنتمكن من المرور تدريجياً من صرخة الغرور:"أنا وحدي"،إلى الصرخة الأخرى، "يا رب، أنا بحاجة إلى حُبك كي أحيا." تريزا تقول ذلك لكن بطريقتها الخاصة عندما تذكر كيف أن المواعظ كانت تساعدها على اكتشاف ذاتها:
"من جهة كنت أجد في المواعظ تعزية كبرى، وكنت أتعذَب من جهة أخرى لإدراكي أنّي بعيدةٌ جداً عن أن أكون مَنْ يجب أن أكون. فكنت أتوسّل إلى الرب ليساعدني، إلاّ أني كنت أُذِنب، كما أرى الأمر الآن، لأني لم أكن أضع ثقتي كلها بالله عزّ وجلّ، وأنزعها كلها من نفسي. كنت أبحث عن علاج، وأبذل المساعي لذلك، لكني لم أكن أفهم أنّ لاشيء ينفعنا إذا نزعنا ثقتنا بنفسنا نزعاً تامًّا ولم نضعها بالمقابل في الله.
كنت أرغب في أن أحيا لأني كنت أدرك أني لا أعيش بل أصارع ظلاًّ من الموت، وما كان هناك مَن يعطيني حياةً، وما كان لي أن أحصل عليها بذاتي." (السيرة).
كانت تريزا تعيش داخلها صراعًا بين الموت والحياة!ربما كان إنقباضها هذا أو انطوائها على ذاتها ثمرة فهمها الخاطي للتواضع. وأمام هذه الحلقة المُفرَغة، ليس هناك إلاّ علاج واحد: أن تَدَع الحُب يغلبها..أن تَدَعْه ينتصر عليها. لقد واجه الرسل أنفسهم نفس الصراع هذا. أَلَم يرفض بطرس، على سبيل المثال، أن يقوم يسوع، وهو المعلم والرب، بالركوع أمامه كي يغسل قدميه؟ (يوحنا 13) لقد رفض ذلك بسبب التواضع كما كان يظن... بنفس الطريقة في بعض الأحيان، نحن أيضاً، نفصل أنفسنا عن الحُب، عن الله. بهذا التصرف نحن نقوم بخطأ كبير جدًا. لأن علينا بالعكس أن نقوم بفعل ثقة بالحُب .. أن نثق بالحب.. أي بالله نفسه، وأن نُسلم أسلحتنا أمامه، وأن نترك عاداتنا التي تقودنا إلى الموت كي نستقبل الحياة! علينا أن لا نستند بعد على اكتفاءنا الذاتي، لكن لنضع كل ثقتنا بالله!
   علينا عيش التواضع حقاً كي نستقبل الحياة
"حَذارِ، يا أخواتي، حذارِ من بعض أنواع التواضع التي يحرِّكها فينا الشيطان بسبب القلق الكبير من جسامة خطايانا؛ فإنه، في هذا المجال، يضغط عادة على النفوس بطرائق مختلفة حتى يبعدها عن تناول القربان، وعن ممارسة صلاة الصمت الشخصية، ويُشعِرها بأنها لا تستحقها؛ ويبلغ بها الأمر أن تتصور بأن الله، وهي ما هي، قد تخلى عنها، فتكاد تشك حتى برحمته. (...). أعرف هذا لأنني خَبِرته بنفسي. إن التواضع، مهما كان كبيرًا، لا يقلق النفس، ولا يشوّشها أو يثيرها، بل يأتيها بسلام، ومسرّة، وسكينة؛ ويبسطها، ويؤهِّلها لمزيد من خدمة الله خدمةً نصوحًا." (طريق الكمال).
من خلال كلام تريزا هذا، نستطيع أن نفهم مصدر التواضع الحقيقي وما يحركه. فهو ليس فضيلة نعطيها لأنفسنا، أو نبنيها ونُنَمّيها فينا، لكن التواضع، كالمحبة، هو ثمرة علاقة. هذه العلاقة تنمو وتنضج تدريجياً وتجعلنا يوماً بعد يوم نكتشف في العمق ضعفنا ونقبله بل ونحبه لأنه هو من يجعلنا نصبح حقاً أبناء الله؛ لأن التواضع أمام الله هو شرط أساسي للدخول في علاقة حقيقية بنوية مع الله أبينا الذي يحبنا ويريد أن يرفعنا إليه. هذه هي المفارقة: فنحن ننفتح على عدمنا عندما نقف أمام كمال الله وعَظَمَته. هنا ستدخل النعمة فينا: فسيتوسع قلبنا بقدر ما نسمح لله أن يدخل فينا. إن ذلك نعمة حقيقية .. نِعمة خلقتنا من جديد .. كل يوم. وصلاة السكوت هي المكان المناسب والوسيلة المثلى لاستقبال هذه العطية الكبيرة، ولنمو علاقتنا هذه مع الله، شرطَ أن نقبل أن نعيشها كل يوم وبأمانة، وأن نأتي إلى الله بثقة وتواضع، وأن نترك ضوضاء محبتنا لذاتنا التي وللأسف، هي ما يقود حياتنا في أغلب الأحيان:
"عندما يعملُ روحُ الله فينا، لا تكون ثمَّة حاجةٌ إلى أن نمضي في استقصاء أشياءٍ تُشعِرنا بالتواضع والخجل، لأن الرب نفسَه يُعطينا تواضعًا مختلفًا تمامًا عن الذي نكسِبه باعتباراتنا الحقيرة؛ وهذ ليست شيئاً إذا ما قورِنَت بتواضعٍ حقيقيّ نَيِّر يُعلِّمنا إياه الرب هنا. (...) وسيَبْعُد حالاً عن النفس الخوفُ العبوديّ ويحلُّ محله خوفُ أرفع من السابق بكثير، لأنه خوف الصَديق الأمين. وترى النفسُ أنّ حبًّا لله بدأ ينمو فيها، مجرَّدًا عن كلّ مصلحة خاصّة. وترغب في أوقاتِ خلوةٍ لتزداد متعتها بذاك الخير." (السيرة).
إن هذا الخير هو حضور المسيح.. والدخول في علاقة حميمة مع المسيح. فبمجيئه بيننا، جاء كي يبحث عن صداقتنا. والصَديق لا يدين ولا يعاقب، لكنه يبحث عن الخير. إن الله هو خالق كل هذا الكون الذي ينكشف أمامنا أكبر فأكبر ويكشف عن أسراره الهائلة أكثر فأكثر كل يوم ولجيل بعد جيل. كان من الممكن أن يكون الله مخيفاً لو لم يأتِ إلينا ويكشف عن حضوره، ويهب لنا حياته:
"فَلْنَتوقف ولنُقلِعْ عن الخجل الذي نشعر به ونَحسَبه تواضعًا.
كلا، ليس التواضع في أن ترفضن هِبَةً قد يمنحكنّ إياها الملك، بل في أن تأخذْنَها وتُدرِكْنَ كم تتجاوز استحقاقكنّ إيّاها، وأن تَنْعَمْنَ بها.
ما أسخف هذا التواضع: أي أن أجدَ سلطانَ السماء والأرض في بيتي وقد جاء لينفحَني هِبَةً ويرتاحُ إلى صحبتي، فأرفض، بدافع التواضع، أن أتجاوب معه، وأن أمكثَ بقربه أو آخذ ما يعطيني، بل أتركه وحيداً؛ وإذا دعاني وأَلحَّ عليَّ أن أطلب منه حاجةً فأرضى، بدافع التواضع، أن أبقى فقيرة، بل أن أدعه يذهب عندما يرى أنني لا أحزم أمري!
فلا تأخذْنَ، يا بناتي، بهذا النوع من التواضع؛ بل عاملنَه معاملتكنَّ أبًا، وأخًا، وسيّدًا، وعريسًا؛ حينًا بطريقة وحينًا بأخرى، وهو يُعلّمكنَّ ما يجب أن تَعْملْنَه لمرضاته. ." (طريق الكمال).
لنطلب من ربنا يسوع، أن يجعلنا نختبر في هذا الأسبوع، التواضع الحقيقي الذي تصفه لنا تريزا.

شهادة حول الصلاة: "السند الحقيقي لحياتي"
إذا قرأنا تعاليم تريزا الأفيلية حول حياة الصلاة .. صلاة السكوت، والتي تعيد وتكرر فيها باستمرار "سيروا، سيروا دوماً بدون كلل أو ملل، وواظبوا على ذلك وبأي ثمن." عبارات تريزا هذه تشجعنا على أن نظل أمناء على الصلاة حتى في أسوأ الأوقات وأكثرها إحباطاً وأن لا نُفَرِّط في وقت الصلاة هذا الذي هو في الحقيقة وقت خاص بالله، وقت التزود بالغذاء الروحي، وبالقوة والنعمة التي نحن بحاجة إليها كي نعيش حياتنا كما يجب. اليوم وبعد كل هذه السنين، يمكنني القول بأن صلاة الصمت كانت ولا زالت السند أو حجر الأساس الحقيقي لحياتي بكل أبعادها، بالإضافة إلى كلام الله وحياة الأسرار.
فصلاة الصمت تسمح لنا أن ندخل في علاقة حميمة حقيقية مع الله وليس مجرد التفكير العقلاني فيه، وهي تجعل من حقائق الإيمان الأساسية حية في حياتنا اليومية وليست مجرد أفكارًا جميلة. بل أَفْضل من ذلك: إن صلاة الصمت هي الوسيلة المفَضَّلة التي من خلالها يجعل الله من نفسه قريباً منّا ويستولي على حياتنا كي يقودها، وينيرها، ويملأها بسلامه. كما أن صلاة السكوت هي بالتأكيد الطريق الذي يساعدنا على البحث المستمر عن سر الله الآب والابن والروح القدس، والذي يساعدنا على أن نرى بعيون القلب كم أننا بدون نعمة الله، ستجعلنا تجاربنا وخطايانا وسقطاتنا نبتعد عن ملكوت الله بل تعمي أعيننا عن باب الملكوت.
يجب أن نكون جائعين إلى الله، بحيث لا نتوقف عن البحث عنه مهما كانت ظروفنا قاسية وصعبة، وأن نبقى أمناء في تكريس أوقات الصلاة هذه لله والتي تساهم بشكل أساسي في بناء علاقتنا معه، وحتى لو واجهنا في الصلاة هذه، أوقاتاً من الفراغ واليبوسة أو الجفاف، وروح الشر في بعض الأحيان، والفتور وتشتت الأفكار في أحيان أخرى.
بالنسبة لمَن يريد أن يبدأ طريق صلاة الصمت هذا، سيواجه ولمدة طويلة، تجربة التخلي عنها والتوقف. فأصعب شيء في البداية هو أن نظل أمناء في تكريس أو تخصيص وقتًا معينًا للصلاة ولا نقلله لأي سبب من الأسباب. نحن نواجه يوميًا هذه التجربة: أن نتخلى عن وقت الصلاة المخصص لله، وفي الكثير من الأحيان لأسباب تافهة. علينا إذن أن نتخذ قراراً شجاعاً في التضحية بجزء من الوقت الذي نخصصه عادة لأشياء أخرى ربما غير ذات أهمية أو على الأقل لتقليل وقت جلوسنا الطويل أمام التلفاز أو الكمبيوتر على سبيل المثال، كي نكرسه لله. تأكدوا أنكم لن تندموا أبداً على هذه التضحية مهما كلفكم ذلك.

الصلاة كل يوم من أيام الأسبوع مع تريزا الأفيلية:

الاثنين 16 آذار:
"كنت أرغب في أن أحيا لأني كنت أدرك أني لا أعيش بل أصارع ظلاًّ من الموت، وما كان هناك من يعطيني الحياة، وما كان لي أن أحصل عليها بذاتي." (السيرة).
"إن الله الواسع الرحمة، ولحبه الشديد الذي أحبنا به،مع أننا كنا أمواتا بزلاتنا، أحيانا مع المسيح." (أفسس 2: 4-5).

الثلاثاء 17آذار:
"إن الربّ نفسَه يُعطينا تواضعًا مختلفًا تمامًا عن الذي نكسِبه باعتباراتنا الحقيرة؛ وهذه ليست شيئاً إذا ما قورِنَت بتواضعٍ حقيقيّ نَيِّر يُعلِّمنا إياه الرب هنا؛ هناك حقيقةٌ مشهورة، هي المعرفة التي يعطينا الرب لندرك عجزنا عن امتلاك خيرٍ ما بقدرتنا الخاصة، وكلما كانت الخيرات أسمى كان عجزنا أكبر." (السيرة).
"يا بَنِيَّ، لا تكن محبتنا بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق .... فإذا وبخنا قلبنا أمامه، لِنُهَدِّيء قلبنا، لأن الله أكبر من قلبنا وهو بكل شيء عليم." (1 يوحنا 3: 18 - 20).

الأربعاء 18 آذار:
"علينا أن نشكر الرب الذي يُبقي فينا الرغبة في إرضائه رغم صِغَرِ أفعالنا. وهذه الطريقة في جعل المسيح بصحبتنا تفيد في جميع الحالات، وهي وسيلةٌ مضمونة كل الضمانة للتقدم في صلاة الصمت في وقت وجيز." (السيرة).
"إذا فعلتم جميع ما أُمرتم به فقولوا: نحن خدم لا خير فيهم، وفَعَلْنا ما كان يجب علينا أن نفعله." (لوقا 17: 10).
الخميس 19 آذار (عيد القديس يوسف)
"لقد اتخذتُ لي محاميًا وشفيعًا القديس يوسف المجيد ووكلتُ إليه ذاتي كلَّها... إن هذا القديس المجيد يساعدنا في احتياجاتنا كلِّها وفي مختلف الظروف؛ فالربُّ يريد أن يُفهمنا أنه كما كان خاضعًا لهذا القديس على الأرض، إذ كان   يدعوه أبّا باعتباره مدبِّرًا فكان بإمكانه أن يأمره، هكذا أيضاً يفعل في السماء كل ما يطلبه إليه فعله." (السيرة).

"هو الذي في صورة الله لم يعد مساواته لله غنيمة، بل تجرد من ذاته متخذاً صورة العبد وصار على مثال البشر وظهر في هيئة إنسان، فوضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب."(فيلبي 2: 6 - 7).

الجمعة 20 آذار:
"أمام الحكمة اللامتناهية، صدّقوني، إنّ درسًا وجيزًا في التواضع وممارسة فعلٍ فيه، لأَسمى من عِلمِ العالمِ كلِّه. هنا لا مجال لإقامة الدليل، بل لأن نعرف ببساطة ما نحن عليه ونمثُلَ ببراءةٍ أمام الله ... لأنه، جلّ جلاله، يتواضع بحيث يتحملنا قربه وكما نحن." (السيرة).
"إني معكم منذ وقت طويل، وأنت لم تعرفني؟ ألا تؤمن بأني في الآب وأن الآب فيّ؟" (يوحنا 14: 9–10).
السبت 21 آذار:
"أَعلَمُ جيداً أني بدون معونة الله كان يستحيل عليّ التخلص، في وقتٍ وجيزٍ، من عاداتٍ وأعمالٍ رديئةٍ جداً. تَمَجَّدَ الربّ الذي حَرّرني من ذاتي." (السيرة).
"هكذا قال الرب: لاتخف فإني قد افتديتك ودعوتك باسمك، إنك لي.إذا عبرت المياه فإني معك."(أشعيا 43: 1 – 2).

مع محبة الأب غدير الكرملي

49
الأسبوع الثالث من زمن الصوم الكبير: تحرير قدرتنا على الحُب

قراءات قداس الأحد الثالث من زمن الصوم الكبير للسنة ب (2015)

الخروج 20: 1 – 17
تكلم الله بهذا الكلام كله قائلا: "أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر، من دار العبودية.لا يكن لك آلهة أخرى تجاهي.لا تصنع لك منحوتا ولا صورة شيء مما في السماء من فوق، ولا مما في الأرض من أسفل، ولا مما في المياه من تحت الأرض.لا تسجد لها ولا تعبدها، لإني أنا الرب إلهك إله غيور، أعاقب إثم الآباء في البنين، إلى الجيل الثالث والرابع، من مبغضي،وأصنع رحمة إلى ألوف من محبي وحافظي وصاياي.لا تلفظ آسم الرب إلهك باطلا، لأن الرب لا يبرئ الذي يلفظ آسمه باطلا.أذكر يوم السبت لتقدسه.في ستة الأم تعمل وتصنع أعمالك كلها.واليوم السابع سبت للرب إلهك، فلا تصنع فيه عملا أنت وآبنك وآبنتك وخادمك وخادمتك وبهيمتك ونزيلك الذي في داخل أبوابك،لأن الرب في ستة الأم خلق السموات والأرض والبحر وكل ما فيها، وفي اليوم السابع آستراح، ولذلك بارك الرب يوم السبت وقدسه.أكرم أباك وأمك، لكي تطول الأمك في الأرض التي يعطيك الرب إلهك إياها.لاتقتللاتزن، لا تسرق، لا تشهد على قريبك شهادة زور، لا تشته بيت قريبك: لا تشته آمرأة قريبك ولا خادمه ولا خادمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئا مما لقريبك."
1قورنتس 1 : 22 – 25
لما كان اليهود يطلبون الآيات، واليونانيون يبحثون عن الحكمة،فإننا نبشر بمسيح مصلوب، عثار لليهود وحماقة للوثنيين،وأما للمدعوين، يهودا كانوا أم يونانيين، فهو مسيح، قدرة الله وحكمة الله،لأن ألحماقة من الله أكثر حكمة من الناس، والضعف من الله أوفر قوة من الناس.
يوحنا 2: 13 – 25
وكان فصح اليهود قريبا، فصعد يسوع إلى أورشليم،فوجد في الهيكل باعة البقر والغنم والحمام والصيارفة جالسين.فصنع مجلدا من حبال، وطردهم جميعا من الهيكل مع الغنم والبقر، ونثر دراهم الصيارفة وقلب طاولاتهم،وقال لباعة الحمام: "ارفعوا هذا من ههنا، ولا تجعلوا من بيت أبي بيت تجارة".
فتذكر تلاميذه أنه مكتوب: "الغيرة على بيتك ستأكلنين".
فأجابه اليهود: "أي آية ترينا حتى تعمل هذه الأعمال؟" أجابهم يسوع: "انقضوا هذا الهيكل أقمه في ثلاثة أيام!" فقال اليهود: "بني هذا الهيكل في ست وأربعين سنة، أوأنت تقيمه في ثلاثة أيام ؟" أما هو فكان يعني هيكل جسده.
فلما قام من بين الأموات، تذكر تلاميذه أنه قال ذلك، فآمنوا بالكتاب وبالكلمة التي قالها يسوع.
ولما كان في أورشليم مدة عيد الفصح، آمن باسمه كثير من الناس، لما رأوا الآيات التي أتى بها.غير أن يسوع لم يطمئن إليهم، لأنه كان يعرفهم كلهم. ولا يحتاج إلى من يشهد له في شأن الإنسان، فقد كان يعلم ما في الإنسان.
مدخل إلى النصوص الليتورجية:
محبة الله والقريب (خروج 20: 1-17): هذه هي كلمات العهد من أجل العيش على الأرض في حضور الله وفي علاقة صداقة مع البشر. لكن يسوع يدفع هذا الحُب إلى أبعد حد.. إلى حد الموت على الصليب، والذي يقول عنه القديس بولس أنه أُعتُبِر حماقة أو جنون، جاعلاً كل واحدٍ منا قريبه! (1قورنتس 1: 22 – 25) في ابنه الذي جاء يسكن بيننا وسيُطهِّر بفضل حضوره معنا كل ما يحتاج إلى التطهير (يوحنا 2: 13 – 25). نحن مدعوون كذلك إلى أن نفتح قلوبنا إلى ما يجب أن يأخذ المكانة الأولى لدينا، أي إلى محبة الله. إن الله يحبنا ويتمنى أن نبادله هذا الحُب، وكي نستطيع عيش علاقاتنا كلها في محبته، وبحرية كاملة. إن قدرتنا على الحُب يجب أن تتحرر بواسطة المسيح.
تأمل الأسبوع
كانوا يُحبونني كثيراً ....
كان للقديسة تريزا الأفيلية إرادة قوية جداً، ممزوجة بالكثير من الفخر والإعتداد بالنفس؛ ساعدها ذلك على اجتياز الكثير من الأوقات الصعبة، وعلى التقدم في الحياة. لكنها كانت أيضاً عاطفية جداً. وبفضل هباتها الطبيعية وجمالها وذكاءها، كانت تعرف كيف تجذب الصداقات، وتضع نفسها في المركز. تتحدث بنفسها عن ذلك وهي تذكر عيشها لفترة في دير الراهبات الأوغسطينيات حيث تنشأت مع بنات أخريات:
"كان قلقي كبير جداً، لكني في ظرف ثمانية أيام، وربما أقل، كنت سعيدة أكثر بكثير مما كنت في بيت أبي. كل رفيقاتي كُن أقل سعادة مني، لأن الرب أعطاني هذه النعمة؛ ففي كل مكان كنت فيه، كنت أُفرِح وأُرضي الجميع، لهذا كانوا يحبونني كثيراً."(السيرة).
كان لديها، كما تقول، الحاجة لجذب محبة الآخرين لها، وهذا ما سيلاحقها لسنين طويلة، دون أن تتمكن من السيطرة على هذه الرغبة عندها:
"كنت أهتم بإرضاء رغباتي وغروري أكثر من الإهتمام بما كانت نفسي تحتاج إليه بالفعل".(السيرة).
إن تريزا هي مثلنا: فهي تبحث عن السعادة، وعن جذب إعجاب الآخرين، وعن الحُب.

تَعَلُّم الحُب .. أن نتعلم كيف نُحب ...
إن الله جاء يسكن بيننا كيما نجعل، نحن بدورنا، مقامنا عنده ... نسكن فيه. بفعله هذا، هو لم يأتِ كي يُحدد أو يلغي علاقاتنا الأخرى، لكن لكي يعطيها معنىً وعمقاً أكثر. فبمجيئه إلى قلبنا، يأتي الله في الحقيقة، كي يحرر قدرتنا على الحُب. إن طريق الحرية هذا يتحقق تدريجياً. فعلى مثال ما حصل لتريزا، علينا نحن أيضاً أن نتعلم السيطرة على رغباتنا في جذب الآخرين وان نكون نحن المركز، من أجل أن نكتشف الحُب الحقيقي.
فبرفقة يسوع، علينا الذهاب أبعد من ذلك، دون أن نلغي حاجتنا لأن نكون محبوبين.. لأن نُحَب. الهدف الصعب الذي علينا بلوغه هو أن نتعلم أن نُحِب الآخر من أجله هو وليس من أجلنا نحن.. أي أن يكون هو المركز وليس نحن. هذا هو الشرط الأساسي كي نتمكن من النمو في الحب وأن نسمح لقلبنا أن يكبر ويتنفس من الأبدية التي خُلقَ أصلاً لها. وهذا يتطلب طريقاً طويلاً من النضوج العاطفي.
إن العالم في الحقيقة يجذبنا، ورغبتنا في أن يحبنا الآخرون تضعنا في بعض الأحيان في مواقف حرجة: فإنها تقيدنا أكثر مما تحررنا. وتريزا الشابة كانت بحاجة إلى أن تكون قاسية على نفسها في الكثير من الأحيان كيما تصحح أو تُقَوّم علاقة حبها لأبيها وعلاقتها بالآخرين. لكنها كانت بحاجة إلى وقت أكثر كي تصل إلى تحرير قلبها في مستوى أكثر عمقاً، في علاقتها مع الله وكذلك مع البشر.

الحاجة إلى أن يُعجَب بنا الآخرون
تَدْخُل تريزا دير الكرمل لأن الله جذبها من الداخل.. في أعماقها، لكن أيضاً لأغراض أخرى علينا التأمل فيها. فكما تكتب بنفسها في سيرتها بخصوص هذا القرار، كانت متأثرة من الخوف من جهنم. علينا بالطبع أن نضع خوفها هذا في سياقه: ففي ذلك الوقت (نحن مع الأسف لازلنا إلى الآن، في بعض الأماكن نقدم موضوع الخلاص بهذه الطريقة الخاطئة!)، كان الخلاص يُقَدَّم بطريقة مخيفة مع إله يوصَف بأنه حاكم متطلب جداً ودَيّان مخيف. هكذا لم تكن تريزا في البداية متجهة نحو الله لكن نحو ذاتها، نحو خوفها هي.
لكن مع ذلك، إذا كانت تريزا قد تركت العالم بدخولها دير الكرمل، فالعالم لحق بها بهمومه، وأفراحه وآلامه. فقد كان الكثير من الأشخاص يأتون إلى دير التجسد للتحدث معها. كانوا يتحدثون معها في خصوصياتهم وأسرارهم، وكانت تستقبلهم وتصغي إليهم من كل قلبها. مع خصوصياتهم، كانت تريزا تستعيد كل أفراح وآلام قلب الإنسان، وكل البشرية. كانت بهذه الطريقة تُعزي هؤلاء الناس وأيضاً وبشكل غير مباشر تتعزى هي. هذه التعزية كان لها دوراً مهماً في تقدمها الروحي، لكنها تتطلب أيضاً تغيير الذات.
نحن أيضاً على مثال تريزا، وهناك سؤال يُطرَح علينا: لماذا أو لِمَن نحن نعمل، عندما نبحث عن فعل الخير؟
كان لتريزا عطش عميق إلى الصداقات وربما إلى أن توجد هي في مركز هذه الصداقات. إن تريزا، الطفلة، والشابة المحبوبة من قبل أبيها، احتفظت في الحقيقة بهذه الحاجة لأن تكون محبوبة وأن تجذب اهتمام وحُب الآخرين وإعجابهم. وهو بالطبع شيء إنساني تماماً لكن علينا توجيهه وتقويمه بشكل إنجيلي أكثر.
"في الطريق إلى منزل شقيقتي، كان يسكن عمُّ لي ... وكان يريد أن يبقيني عنده بضعة أيام. كان يقضي وقته بمطالعة كتبٍ صالحةٍ، وكان حديثه يدور، أكثر ما يدور على الله وعلى بطلان العالم. كان يطلب إليّ أن أقرأ له، ومع أن كتبه ما كانت تروقني، كنت أبين له العكس؛ فقد كنتُ أبالِغ في إرضاء الآخرين وإن كان ما أعمله لهذه الغاية يشقّ عليّ؛ حتى إن الإحتمال، وهو يُعتَبر لدى الآخرين فضيلةً، صار لديّ خطأً كبيراً لأنني كثيراً ما كنتُ أُمارسه دون تمييز." (السيرة).
إن هذه الحاجة لأن ترضي الآخرين سترافقها لمدة طويلة وستقودها إلى علاقات أخرى.
"كان بي نقيصةُ جسيمةٌ سبّبتْ لي أضراراً بالغة. فعندما كنتُ أشعرُ بأن شخصاً يكنّ لي المودَّةَ، ويروقُني أمرُه، أتعلُّقُ به حتى تصيرَ ذاكرتي أسيرةَ التفكير فيه، ولو لم يكن في نيّتي إغاظةُ الله، إلاّ أني كنت أرتاحُ إلى رؤيتِه، والتفكير فيه وفي الصفاتِ الحسنة التي أجدُها فيه. لقد كان هذا الأمر وخيماً بحيث ضَلَّلَ نفسي تضليلاً. وبعد أن شاهدتُ جمالَ الرب الفائق ما عدتُ رأيتُ أحداً بإزائه حسنًا ولا جديراً بأن يَشغلني وأتعلق به أكثر من تعلقي بالله ... كان يكفيني أن أعود فأتذكّر قليلاً هذا الربَّ حتى أستعيدَ حرِّيَّتي. " (السيرة).
في الواقع لم يكن هناك أي شيء غير نزيه في هذه التعلقات التي تتكلم عنها تريزا بخصوص علاقاتها. لكن مع ذلك، ميلها هذا يكشف عن تعلق عاطفي غير منظور كما فهمته لاحقاً. ومن الضروري أن يمس الشفاء والتحرر، الذي تتكلم عنه تريزا، أعماق قلبها، كي تستطيع أن تكتشف مجالاً لم تعرفه من قبل من الحرية والإثمار. هذه ستكون نعمة الطريق الذي سيُفتَح فيها بفضل صلاة السكوت: فهناك، في طريق الصلاة هذا، ستختبر تريزا صداقة عميقة مع المسيح وستتذوق ثمارها.
صلاة الصمت تُوَسِّع القلب
كيف اكتشفت تريزا صلاة السكوت (أو صلاة الصمت)؟
"لم أكن أعرف كيف أصلي صلاة الصمت ولا كيف أختلي مع نفسي. فأخذت أبحث عن أوقات الخلوة، وأُكثر من الإعتراف، وأتبع طريق الصلاة هذا، معتمدةً على كتاب، كمُعلِّمٍ لي. كنتُ أبحث بكل ما أوتي إلي من قوة على أن أتأمل يسوع المسيح، خيرِنا وربِّنا، حاضراً فيّ: تلك كانت طريقتي في عيش صلاة السكوت."(السيرة).
إن الله رافقها في هذا الطريق كي يشجعها، لأنها كانت ضائعة قليلاً بسبب تعلقاتها العاطفية. لقد عاشت عشرين عاماً مُمَزِّقة ومُشَتَّتة إلى أن وصَلَت إلى لحظة حاسمة:
"كانت نفسي تَعِبَةً تصبو إلى الراحة، إلاّ أن عاداتها البائسة كانت تَحُول دون تَنَعُّمِها بالسكينة. وحدث أني كنت أدخل المصلّى ذات يوم فشاهدت تمثالاً جيءَ به للإحتفال بعيدٍ في الدير، وقد حُفِظَ هناك إلى حينه. كان تمثال المسيح مثخنًا جراحًا ويثير في النفس مشاعرَ التقوى، بحيث إني، حين شاهدتُه، إضطربتُ بكُلِّيتي لرؤيتي إياه على هذه الحال، لأنه يُمثِّل تمثيلاً دقيقاً ما احتملَه لأجلنا. فاعتراني غمُّ شديد لسوءِ تشكري تلك الجروح حتى خِلْتُ قلبي يتفطّر، فانطرحتُ قربه وأنا أذرف دمعاً مدرارًا، وأتوسّل إليه أن يقوّيني نهائياً فلا أعود أُهينه." (السيرة).
في نفس هذه الفترة، قرأت تريزا كتاب "الإعترافات" للقديس أغسطينوس الذي يتحدث فيه عن قصة إهتداءه. فبعد صراع داخلي طويل، يأتي الله ويلمس أعمق نقطة في قلبه ليحرره من ضياعه واضطرابه. تريزا تتأثر بقصة اهتداء هذا القديس الكبير وتفهمها تماماً لأنها اختبرت شيئاً مقاربًا جداً لهذا الإهتداء، وتعرض لنا بشكل غير مباشر صراعها الداخلي الخاص بها وكيف أنها غير قادرة على مواجهة هذا الصراع وحدها، أي دون عون وسند من الله. لكن مع ذلك سيستمر هذا الصراع ولن ينتهي قريباً. وكي تقاوم تريزا تعلقها ببعض الأشخاص وهو ما كان يشتتها ويبعدها عن صلاتها، كانت تجبر نفسها على المواظبة والأستمرار في الصلاة الصامتة .. أي أن الصلاة ستكون سلاحها الذي تستخدمه لمواجهة كل مصاعبها وصراعاتها. وعلى مثال القديس أغسطينوس، ستحتاج إلى تدخل المسيح الذي يقول لها: "لا أريدكِ بعدُ أن تُحادِثي الناسَ ..." (السيرة). ومنذ تلك اللحظة تغيرت الأمور بالفعل بالنسبة لها: ستتمكن أخيراً من عيش علاقاتها مع الآخرين بشكل متوازن وصحي وليس بطريقة كانت تعيقها في طريقها نحو الله. يجب أن ننتبه هنا بخصوص موضوع العلاقات مع الآخرين. فتريزا تريدنا أن نفهم بأن العلاقات مع الآخرين هي مهمة جداً بشرط أن لا تستعبدنا أو تعيقنا في طريقنا نحو الله، أي أن عبارة يسوع هذه يجب وضعها في سياقها، لأن الله لا يريدنا أن نمتنع من الدخول في علاقة مع الآخرين لكن كما ذكرنا قبل قليل، العلاقة مع الآخر يجب أن تتغذى من علاقتنا مع الله وليس أن تكون هي الأساس وتبعدنا عن الله.
إن عدم قدرة تريزا على التحرر من تعلقاتها كان الطريق الضروري نحو إهتداءها الجذري إلى حُب الله الأساسي. ووهبها كلام يسوع الحاسم طاقة جديدة لا تنضب. "منذ ذلك اليوم، صار لي من الإقدام والشجاعة ما جعلَني أتركُ كل شيء حُبًّا بالله".(السيرة). إن كلام الله يحقق ما يقوله: إنه يهب القوة والسلام.
"وتم هذا على أكمل وجه، فلم أستَطِعْ، من بعدُ، أن أتَعَلَّقَ بصداقة، أو أحصُلَ على تعزيةٍ، أو أشعرَ بحبٍ خاص إلاّ نحو أشخاصٍ أعرفُ أنهم يُحِبُّون الله حبًّا خاصًا ويسعَون إلى خدمته. لقد استحالَ علي ذلك، ولا يهمُّني أكانَ هؤلاء أقرباء أو أصدقاء."(السيرة).
تسند تريزا وبوضوح سبب هذا التغيير العاطفي الذي حصل لها إلى تدخل الله وعمله في صلاة السكوت:
"إن الله عَلَّمني طريقة في صلاة السكوت جعلتني أتقدم أكثر، وتجعلني لا أتعلق أبداً باشياء هذه الحياة، وتعطيني شجاعة أكثر وحرية أكبر."
هكذا أصبحت تريزا أخيراً حُرة كي تحب. احتاجت إلى وقت طويل كي تتمكن من الوصول إلى هنا، وهذا يمكن أن يكون مصدر تعزية لنا وسبب رجاء في حياتنا. فبإعطاء قلبنا لله، نحن لا نفقده أو نخسره، بل سنجده أو سنسترجعه لكن متغيرًا ومتحولاً. هذا ما توضحه عبارات القديس أغسطينوس التالية: "إن الله بجعلنا ننتظره، يوسع رغباتنا؛ وبجعلنا نرغب برؤيته ولقياه، فهو يوسع النفس؛ وبتوسيعه للنفس، يجعلها قادرة على أن تستقبل. لتكن عندنا إذن يا إخوتي هذه الرغبة لأننا يجب أن نكون ممتلئين." لنطب من الله أبينا أن يهبنا في هذا الأسبوع الثالث من زمن الصوم أن نفهم هذه الحقيقة كي نواظب ونستمر في طريق صلاتنا.
شهادة حول الصلاة: "منذ ذلك الحين لم أتركها أبداً"
منذ طفولتي، جذبني الله، لكن معرفتي له عندها كانت مقصورة فقط على الصورة التي كانت الكنيسة تعطيني إياها عنه، من خلال حياة القديسين والتعليم المسيحي والقداس والإعتراف. كنت أحب خاصة الأوقات الليتورجية الخاصة بالأعياد الكبيرة التي كانت تختلف عن القداديس الإعتيادية. أود هنا أن أكلمكم عن أهمية الإيمان الذي ينقله أهلنا لنا. فلولا شهادة الأهل الذين يُصَلون أمامنا ويذهبون باستمرار إلى القداس ويشهدون لإيمانهم كل يوم، لا تنضج بسرعة بذرة الإيمان في قلوب أطفالهم عميق، إلاّ ما ندر. من المهم جداً إذن على الأهل أن يعرفوا أهمية نقل إيمانهم العميق وليس مجرد الأشياء السطحية إلى أطفالهم وهي مسوؤلية كبيرة يُسألون عنها يوماً ما. فكيف يتعلم الطفل الصلاة إذا لم يرَ أحد والديه على الأقل يصلي باستمرار وبورع. وكما ذكرنا، ليس مجرد ترديد صلاة ما، فالصلاة هي أكبر من ذلك بكثير، لأنها الدخول في علاقة حميمة مع الله. هناك شيء آخر مهم وهو توفير الجو المناسب في البيت وكذلك توفير مكتبة حتى لو صغيرة تحوي بعض الكتب الروحية الأساسية التي تغذي الإيمان وتجيبعن بعض تساؤلات المؤمن. عندما نقرأ حياة قديس ما، مثل تريزا الأفيلية أو تعاليمها، لابد أن يؤثر هذا فينا أو على الأقل يجعلنا نتساءل عن حياتنا نحن وعما نفعله كجواب عن حُب الله لنا. لكن لنكن واقعيين، بالنسبة للكثير منا، مجرد أن يسمع كلمة "صلاة"، أو "صلاة الصمت"، كأنهم يسمعون كلمة تعني "الصعوبة" أو "الملل"! والأسباب واضحة وكثيرة، لكن ربما لأنهم لم يعرفوا حقاً معنى الكلمة الحقيقي وكذلك لأن خبرتهم التي عاشوها مع الصلاة (إن كانوا عاشوا هكذا خبرة) كانت مزعجة ومملة، وكانت بالطبع مجرد ترديد عباراة ربما لا يفهموها أو طويلة ولا تؤثر فيهم.ستضل الصلاة ربما غير معروفة حقاً بالنسبة لنا ما لم نقبل أن نخصص كل يوم بعض الوقت (على الأقل ربع ساعة كبداية)، نكرسه للدخول في علاقة حب وصداقة وثقة وتسليم مع الله أبينا. صلاة السكوت هي أن نضع أنفسنا بين يدي الله وتحت أنظاره الحنونة، دون أن نقلق بخصوص كيفية قضاء الوقت معه، بل لنسمح للروح القدس أن يصلي هو بنفسه فينا. أذكر أن يوم اكتشافي لصلاة السكوت وفهمي لها، على الرغم من أني كنت أصليها قبل ذلك، كان يوم فرح كبير ونعمة ثمينة لحياتي بأكملها لأنه أثر ولايزال يؤثر عليها، لأني منذ ذلك الحين لم أترك الصلاة أبداً، أو ربما علي القول بالأحرى، أن الصلاة لم تتركني أبداً بما أن الروح القدس هو من يجعلنا نستمر فيها. أطلب من الله أن يكتشف كل واحد منكم هذه النعمة والهبة الثمينة، التي بدونها، ربما ستفقد حياتنا الكثير من عمقها ومعناها.


الصلاة كل يوم من أيام الأسبوع مع تريزا الأفيلية:

الاثنين 9 آذار:
"أَسألُ، حُبًّا بالرب، تلك النفوسَ التي خصَّها، جلّ جلاله، بهذه النعمة العُظمى (نعمة الإختلاء وصلاة الصمت)، أن تعرف ذاتها، وتُقدِّرَها أي تقديرٍ باعتزازٍ متواضعٍ قُدسيٍّ حتى لا تعودَ إلى قدور مصر (أي إلى العبودية القديمة)... كما حصل لي." (السيرة).
"أستمر في عَدْوي، لَعَلّي أقبض على المسيح، فقد قبض علي يسوع المسيح. إنما يهمني أمر واحد وهو أن أنسى ما ورائي وأتمطى إلى الأمام، فأسعى إلى الغاية، للحصول على الجائزة التي يدعونا الله إليها من عَلُ لننالها في المسيح يسوع." (فيلبي 3: 13 - 14).

الثلاثاء 10آذار:
"قبل أن أعرف كيف أساعد نفسي بنفسي، كانت لي رغبةٌ كبرى تدفعني لإفادة الآخرين وهي تجربةٌ عادية جداً تحدث للمبتدئين وإنْ أصبتُ فيها نجاحاً." (السيرة).
"كل شيء ممكن، ولكن ليس كل شيء بنافع. كل شيء ممكن، ولكن ليس كل شيء يبني.لا يَسْعَيَنَّ أحد إلى منفعته، بل إلى منفعة غيره." (1 قورنتس 10: 23).

الأربعاء 11 آذار:
"إن عدم إعتبارهم إيايَّ سيئة يعود، إلى حدٍّ كبير، إلى أنهم كانوا يرونني، مع كوني فَتيَّةً، كنت أختلي مرارًا لأصلي وأُطالع، وأُكثِرُ من الحديث عن الله، وأهوى رسم صوة السيد المسيح في مواضع عدة، وأنَّ لي مصلّى أجعل فيه ما يثير روحَ التقوى، ولا أنطِقُ بالسوء؛ كما كانوا يرون فيَّ أموراً أخرى لها ظاهرُ الفضيلة. أما أنا، لغروري، فكنت أعرف أن أُقدِّر ذاتي في الأمور التي إعتاد العالم أن يُقدرها." (السيرة).
" أمجانا يتقي أيوب الله؟." (أيوب 1: 9).(وأنا.. أمجانًّا أحب الله وأتقيه؟)

الخميس 12 آذار:
"قال الرب لي: واأسفاه، يا ابنتي! ما أقلّ الذين يُحبُّونني حبًّا حقيقيًا! ... أتعرفين ما معنى حُبي حُبًّا حقيقيًا؟ معناه أن كُلَّ ما لا يَسُرُّني كَذِبٌ. ستفهمين بوضوح ما لا تُدركينَه الآن، من التقدُّم الذي تُحقِّقُهُ نفسُك." (السيرة).
"روح الحق، سيرشدكم إلى الحق كله لأنه لن يتكلم من عنده بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بما سيحدث؛ هو سيمجدني."(يوحنا 16: 13).

الجمعة 13 آذار:
تتكلم هنا عن الأشخاص المتقدمين في الحياة الروحية) "بالنسبة لهؤلاء، لا يعود يَهُمُّهم إذا صاروا محبوبين أو غير محبوبين... الحُبُ هو الشغف بالعمل على أن تُحب النفسُ الله وتكونُ جديرة بحُبِّه، ولا حُب آخر غير هذا ممكن أن يدوم." (طريق الكمال). "إجذبني. فنجري سوية." (نشيد الأناشيد 1: 4).

السبت 14 آذار:
"ذات يوم، وبينما كنت أدخل المصلّى، شاهدت تمثالاً جيءَ به للإحتفال بعيدٍ في الدير، وقد حُفِظَ هناك إلى حينه. كان تمثال المسيح مثخنًا جراحًا ويثير في النفس مشاعرَ التقوى، بحيث إني، حين شاهدتُه، إضطربتُ بكُلِّيتي لرؤيتي إياه على هذه الحال، لأنه يُمثِّل تمثيلاً دقيقاً ما احتملَه الرب لأجلنا." (السيرة).
"إعلموا بأنكم لم تُفتدوا بالفاني من الفضة أو الذهب من سيرتكم الباطلة التي ورثتموها عن آبائكم،
بل بدم كريم، دم الحمل الذي لا عيب فيه ولا دنس ، دم المسيح.وكان قد اصطفى من قبل إنشاء العالم، ثم كُشِف من أجلكم في آخر الأزمنة".(1 بطرس 1: 18 - 20).

مع محبة الأب غدير الكرملي

50

الأسبوع الثاني من زمن الصوم الكبير:  الذهاب إلى ينبوع الحُب

قراءات قداس الأحد الثاني من زمن الصوم الكبير للسنة ب

تكوين 22: 1-18
وكان بعد هذه الأحداث أن الله امتحن إبراهيم فقال له: "يا إبراهيم". قال: "هاءنذا". قال: "خذ ابنك وحيدك الذي تحبه، إسحق، وآمض إلى أرض الموريا وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أريك". فبكر إبراهيم في الصباح وشد على حماره وأخذ معه آثنين من خدمه وإسحق ابنه وشقق حطبا للمحرقة، وقام ومضى إلى المكان الذي أراه الله إياه.وفي اليوم الثالث، رفع إبراهيم عينيه فرأى المكان من بعيد. فقال إبراهيم لخادميه: "أمكثا أنتما ههنا مع الحمار، وأنا والصبي نمضي إلى هناك فنسجد ونعود إليكما". وأخذ إبراهيم حطب المحرقة وجعله على إسحق آبنه، وأخذ بيده النار والسكين وذهبا كلاهما معا. فكلم إسحق إبراهيم أباه قال: "يا أبت". قال: "هاءنذا، يا بني". قال: "هذه النار والحطب، فأين الحمل للمحرقة؟" فقال إبراهيم: "الله يرى لنفسه الحمل للمحرقة، يا بني" ومضيا كلاهما معا. فلما وصلا إلى المكان الذي أراه الله إياه، بنى إبراهيم هناك المذبح ورتب الحطب وربط إسحق آبنه وجعله على المذبح فوق الحطب.ومد إبراهيم يده فأخذ السكين ليذبح آبنه.فناداه ملاك الرب من السماء قائلا: "إبراهيم إبراهيم!" قال: "هاءنذا". قال: "لا تمد يدك إلى الصبي ولا تفعل به شيئا، فإني الآن عرفت أنك متق لله، فلم تمسك عني آبنك وحيدك". فرفع إبراهيم عينيه ونظر، فإذا بكبش واحد عالق بقرنيه في دغل. فعمد إبراهيم إلى الكبش وأخذه وأصعده محرقة بدل ابنه.وسمى إبراهيم ذلك المكان "الرب يرى"، ولذلك يقال اليوم: "في الجبل، الرب يرى". ونادى ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء. وقال: "بنفسي حلفت، يقول الرب، بما أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك عني آبنك وحيدك، لأباركنك وأكثرن نسلك كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر، ويرث نسلك مدن أعدائه،ويتبارك بنسلك جميع أمم الأرض، لأنك سمعت قولي".


رومة 8: 31-34
فماذا نضيف إلى ذلك؟ إذا كان الله معنا، فمن يكون علينا؟إن الذي لم يضن بابنه نفسه، بل أسلمه إلى الموت من أجلنا جميعا، كيف لا يهب لنا معه كل شيء؟فمن يتهم الذين اختارهم الله؟ الله هو الذي يبرر! ومن الذي يدين؟ المسيح يسوع الذي مات، بل قام، وهو الذي عن يمين الله والذي يشفع لنا؟

مرقس 9: 2-10
في ذلك الزمان، مضى يسوع ببطرس ويعقوب ويوحنا فانفرد بهم وحدهم على جبل عال، وتجلى بمرأى منهم. فتلألأت ثيابه ناصعةالبياض، حتى ليعجز أي قصار في الأرض أن يأتي بمثل بياضها. وتراءى لهم إيليا مع موسى، وكانا يكلما نيسوع. فخاطب بطرس يسوع قال: "رابي،حسن أن نكون ههنا. فلو نصبنا ثلاث خيم، واحدة لك، وواحدة لموسى، وواحدة لإيليا." فلم يكن يدري ماذا يقول، لمااستولى عليهم من الخوف. وظهر غمام فظللهم، وانطلق صوت من الغمام يقول: "هذا هو ابني الحبيب، فله اسمعوا." فأجالوا الطرف فورا في ما حولهم، فلم يروا معهم إلا يسوع وحده. وبينما هم نازلون من الجبل أوصاهم ألا يخبروا أحدا بما رأوا، إلا متى قام ابن الإنسان من بين الأموات.

مدخل إلى النصوص الليتورجية:
أن القديس بولس يضعنا في مركز السِر المسيحي: الله يهب ذاته إلينا في ابنه، وهكذا يهبنا كل شيء من خلال مجيء يسوع؛ فمَن يفصلنا إذن عن محبته؟ (رومة 8: 31-34). لهذا يدعونا الرب يسوع لأن نهب ذاتنا نحن أيضاً بالمقابل (تكوين 22: 1-18). نَعَم، إن الله حَيّ وقد وهب لنا ابنه.. كلمته ذاتها لكي نصغي إليه (مرقس 9: 2-10). هكذا سنستطيع السير دون خوف نحو ينبوع الحُب: إنه يستنير على جبل طابور.
تأمل الأسبوع
عندما يُقَيّدنا الحُب ...
إن الله محبة.. وبما أنه محبة، نجده موجوداً في قلب كل علاقة ويختبئ فيها. لكن في بعض الأحيان، تكون علاقاتنا متمركزة على أنفسنا بحيث نجد فيها أنفسنا مُقَيَّدين.. مُكَبَّلين، وكذلك نقيِّد الآخرين ونُكَبِّلهم. في هذه الحالة، لا يمكننا أن نُسمي الحُب علاقة، بل يصبح مُجَرَّد تَمَلُّكًا من قِبَلنا للآخر.. نَتمَلّك الآخر. هنا،ليس الآخر هو مَن نحبه، بل بالأحرى نحن نحب أنفسنا من خلاله. وأين الحُرية هنا؟ أين حق الآخر في أن يعيش حياته، وأن يختار هو أيضاً مَن يُحب؟ إن علاقةً كهذه، لا يمكنها أن تكبر بل بالعكس، هناك خطر كبير أن تصبح علاقة مُدَمِّرة: فنحن هنا نَعْبُر من الحرية إلى العبودية. يمكننا ملاحظة هذه المشكلة في علاقة تريزا مع أبيها. فبعد أن فقدت تريزا أمها وهي صغيرة، تعلقت جداً بأبيها وبشكل مفرط. أبوها، من جهته، فقد زوجته التي يحبها، وبقي له الآن أطفاله الذين بدأ يتعلق بهم، خاصة تريزا التي كانت شابة ومليئة بالحيوية والجمال. وكانت تريزا واعية بتعلق أبيها الكبير بها.
"كنتُ المُفَضَّلة عند أبي."  .. "كان أبي يكن لي حُبًّا مُفرَطًا.." ... "كنت أقرأ رسائل القديس جرميوس، وكانت تٌقويني لدرجة أني قررت أن أفصح لأبي عن كل شيء (عن رغبتها في تكريس حياتها في الكرمل). كان أبي يُحبني بشدة لدرجة أني كنت أعرف بأني لن أستطيع الحصول منه على الموافقة، ولم ينجح الأشخاص الذين طلبت منهم أن يكلموه بإقناعه برغبتي هذه. كل ما حصلت عليه منه كان موافقته على أن أعمل ما أريد، لكن بعد وفاته..." (السيرة).
كانت تريزا أيضاً تحب والدها بشدة ومتعلقة به بإفراط. لكن أليس هذا النوع من الحُب المفرَط، هو نوع من الرغبة غير الواعية لدينا لتَمَلُّك الآخر، كي نُطَمئِنَ أنفسنا، خوفاً من أن يتركنا الآخر ويبتعد عنا؟ إن شدة العلاقة بين تريزا وأبيها تفاقمت أكثر عندما اتخذت تريزا قرارها الشجاع بالدخول إلى دير الكرمل وهي في العشرين من عمرها ودون إذن من أبيها لأنه كان يرفض ذلك وبشدة.
"أَذكُر أني، وأعتقد بأن تلك كانت الحقيقة، عندما خرجت من بيت أبي (للدخول إلى دير الكرمل) تألمت بشدة بحيث أعتقدت بأن ذلك لن يكون أسوأ من ألم الموت؛ يمكنني القول بأن كل عَظْمَة من عظامي انفصلت عن الأخريات؛ وبما أني لم أكن أمتلك بعد حُب الله هذا الذي يجعلني قادرة على عدم التعلق بأبي وبالأقرباء، كان ذلك يسبب لي ألماً شديداً لدرجة لو أن الله لم يساعدني، لما تَمَكَّنْتُ من الذهاب نحو الأمام وتكريس حياتي له. لقد وهبني الشجاعة كي أُقنِع نفسي، مما سمح لي بترك البيت والقيام بما قمت به." (السيرة).
لدينا هنا مثالاً واضحاً لشدة الصراع الذي كان يحصل داخلها كي تتمكن من أن تذهب حيث كان الله يدعوها. بالنسبة لتريزا دعاها الله للحياة الرهبانية .. وبالنسبة لآخرين، سيكون الإلتزام والأمانة في الحياة الزوجية التي تفرض أيضاً إنفصالاً عن الأهل. كان على تريزا أن تمتلك قوة إرادة كبيرة جداً كي تتمكن من السيطرة على نفسها وأن تكسر قيودها وأن تقرر أن تترك بيت أبيها. كان هذا قراراً كلفها الكثير، لأنها، كما كتبت بنفسها، لم تكن تحس في قلبها الحُب الكافيوالمرتكز على الله. إن الله يعمل في حياتنا، لكن ليس بدوننا!
   
... أن نُدخِل بعضَ "الهواء النَقي" في علاقاتنا
هناك بُعدان في الحُب. أولاً بُعدٌ "غير فعال"، وأعني به الحُب المُسْتَلَم، أي أن نكون محبوبين من قبل الآخر.. الحُب الذي يُحَرِّك القلب. ثم هناك البعد "الفعّال" للحُب، أي المرتبط بالإرادة الملتزمة. هذا ما تعيشه تريزا هنا. فهي تلاحظ بأننا نحتاج إلى عون الله كي نتمكن من التَحَرُّر من العلاقات أو الصِلات غير المُتَّزنة وأن نكون قادرين على القيام بخيارات حُرّة. لكن هذا يحدث من خلال المرور بخبرات مؤلمة، فيها تضحيات وتخليات شخصية مؤلمة والتي تمس أعماق كياننا. على هذا الصعيد فقط،تقول تريزا، سنتمكن حقاً من العيش "في الحَق"، وبأن خياراتنا تُعمَل بحرية، والتزاماتنا تتحقق وتثبت وتستمر، وكذلك حياتنا تمد جذورها وتنضج. نحن عادة لدينا رغبة عميقة بأن نكون محبوبون دوماً وإلى الأبد. فصداقاتنا، وعلاقات الحُب التي نمر بها تأتي لتُغذي هذا المجال في أعماقتنا، لكن دون أن تتمكن من إرضاءنا تماماً. هنا نحن نلامس شيئاً من الأبدية. فإذا كنا قد خُلِقنا على صورة الله، فذلك لأن هناك حَيِّزاً داخلنا، مرتبطًا بما هو إلهي. إنه أعمق نقطة في قلبنا. وَعَظَمَة كياننا تَظهر هناك من خلال الدخول في علاقة حُب مع الله، مع هذا الجمال المطلق.
نحن بالطبع لا نقول هنا بأن علينا التخلي عن صداقاتنا وعلاقاتنا الحميمة مع الآخرين أوأن ننقطع عنها وأن لا نحب من بعد. فتريزا لم تتخلَ عن أبيها، ولم تُدِر له ظهرها. لكن وبشكل يبدو كأنه مفارقة، بأخذها بعض المسافة عنه، أي من خلال وضعها مسافة في علاقتها بأبيها الذي كان يريد أن يسيطر ويستحوذ على حياتها ويتحكم بها بسبب حُبه المفرط بهاوتعلقه الكبير بها، إذن من خلال ذلك، ستتمكن من جعله ينضج في علاقته بها ويختبر حقًا كيف أننا خُلقنا كي نُحِب وأن نُحَب لكن بشكل متزن ودون استعباد. هكذا إذن علينا أن نُدخِل بعض "الهواء النقي" في علاقاتنا كي ندعها تعيش، وتكبر، وكي نترك للآخر حريته. فما يُخَرِّب علاقاتنا في الكثير من الأحيان ، هو خوفنا من الوحدة، من أن نبقى وحدنا، وأن نحس بأننا متروكون.. وأن الآخر قد هجرنا أو أن الآخر لا يحبنا: إن هذا الخوف أو القلق يُوَلِّد داخلنا الكثير من التصرفات وردود الأفعال الخاطئة.
التقدم بخطوة نحو ينبوع الحياة
"كنت أحُب أبي جدًا لدرجة أني كنت أتمنى له كل الخير الذي كنت أعتقد أني أحصل عليه من خلال فعل الصلاة الذي أقوم به (تقصد هنا صلاة السكوت التي كانت تقوم بها كل يوم).فلا شيء في هذه الحياة كان يبدو لي أهم من صلاة السكوت؛ لهذا كنت أقوم بكل ما أستطيع من "الحجج"، كي أقود أبي إلى هذه الإلتزام بالصلاة.(السيرة).
إن القلب، بانفتاحه على الحياة الإلهية المنسكبة في أعماقه، يصبح بفضل صلاة السكوت أكثر قدرة على المحبة، لأنه هنا، يستقي من ينبوع الحُب نفسه. يكفي أن يكون القلبان متجهان إلى نفس الإتجاه. وتريزا ستبدأ وبعزم بإقناع أبيها في السير في هذا الإتجاه. وهي ستنجح كثيراً في ذلك لدرجة أن أبيها سيختبر بدوره أهمية الحُرية الشخصية  في العلاقات وعدم الرغبة في تملك الآخر والحد من حريته. كان أبوها يحبها جداً ومتعلق بها وهي كذلك من جهتها: لم يكن هذا خطأً، لكن علاقة الأب بابنته هذه كانت تحتاج إلى تنقية. كان عليهما في الحقيقة أن يكتشفا بأن هذا الحب الأبوي والبنوي لا يأتي منهما هما، أي ليسا هما مصدره، لكنه ياتي منالله وبأنه يجب أن يقود إلى حُبٍّ أعظم من مجرد علاقة الحُب العائلي الموجودة بينهما. وهذا ينطبق علينا نحن أيضاً: فنحن مدعوون إلى نكتشف نفس هذه الحقيقية كي نتمكن من أن نُحب في الحَق.
"كان أبي، بسبب تقديره ومحبتة لي، يُصَدِّق ويثق بكل ما كنت أقوله له. وكان يود التحادث معي بل وكان حتى يلومني لأني بدأت أهجر صلاة السكوت. وكان قد وصل إلى مرحلة متقدمة جداً في الصلاة بحيث أنه كان يقلل من وقت بقاءه معي، فما أن يراني قليلا، أراه يذهب كي يصلي، حتى لا يضيع وقته، كما كان يقول لي." (السيرة).
إن هذا التصرف ليس له علاقة بعدم الإحساس أو بالفظاظة أو بعدم احترام الآخر: فالقلب يستمر في الحُب حتى لو كان الآخر بعيداً. فمن خلال القيام بصلاة السكوت، اكتشف والد تريزا حرية قلبه. لقد اختبر القرب من المسيح، وقدرة قيامته. واستطاع أن يوسع حاجته لأن يحب وأن يكون محبوباً من قبل الآخر. كان حُبُّه بحاجة إلى التحول، قبل أن يتمكن من أن يتذوق عَظَمَة السلام والحرية التي مصدرهما الحُب الحقيقي وحده.
"في تلك الحُقبة، أُصيب أبي بالمرض الذي سَبَّب وفاته بعد أيام قليلة. كنت أذهب للإعتناء به، وكانت نفسي أكثر مرضاً وتألماً مما كان هو في جسده (...). كان مرضه بالنسبة لي محنة كبيرة؛ وساعدتني خبرات مرضي الشخصية السابقة وما عانيته من آلام خلالها، في إسناده والوقوف بجنبه. وعلى الرغم من كوني كنت أنا نفسي مريضة جداً، كنت أتجاوز ذاتي وأتحامل على نفسي، لأني كنت أعرف بأني لو فقدته، سأفقد كل ما عندي وكل سعادتي، لأن أبي كان كل ذلك بالنسبة لي، لهذا كنت أتحلى بالشجاعة حتى لا أُظهِر له ألمي ومعاناتي، وكنت أبدو طبيعية جداً إلى وقت وفاته، على الرغم من أني كنت أحس، وأنا أراه ينطفيء أمامي شيئاً فشيئاً، بأن نفسي تُنتَزَع مني من كثرة حبي له وتعلقي به."(السيرة).
كيف نتعامل مع حاجتنا الماسة إلى الحب؟
لا يمكننا أن نمتنع عن الدخول في علاقات محبة مع الآخرين، لأننا خُلقنا للحُب.. لكن وفي نفس الوقت، لا يمكننا كذلك أن نتجنب الألم الناتج عن فشل هذه العلاقات. فالحياة خليط من الأثنين. في بعض الأحيان يكون الأمر صعبًا جداً بالنسبة لنا، ربما لأن محبة الله ليست مترسخة في قلبنا بما فيه الكفاية، كما تردد تريزا في الكثير من الأحيان. رد فعلنا الأول عادة هو أن ننغلق عن المحبة وعن التعامل مع الآخرين ونقسي قلبنا. لكن بدل أن نتصرف هكذا، لماذا لا نفعل كما فعل والد تريزا. أي بدل من أن ننغلق على ذواتنا ونغلق قلبنا، علينا أن نقوم بالأحرى بتسليم مخاوفنا ووحدتنا إلى رحمة الله اللامتناهية، وإلى حضوره الدائم والحنون معنا؟ هكذا بالنسبة لتريزا، صلاة السكوت هي طريقها المفضل لتنقية وتوجيه حُبها المنفتح نحو الآخرين. فبفضل صلاة السكوت التي ساعدتها على الدخول في علاقة حميمة مع الله، ومع أنها بقيت حساسة دائماً تجاه محيطها، فلم تعد سجينةً أو تابعةً لمحبة الآخرين. فانفتاح قلب تريزا تجاه عمل الله استطاع ايضاً أن يشفيها من خوفها لأن تُترَك وتُهمَل من قبل الآخرين أو أن لا تُحب كما تتمنى من قبل الآخرين. إن خبرة أن يهجرها الآخرون والتي عاشتها بألم بسبب وفاة والدتها، لابد أنها تركت آثاراً عميقة جداً في قلبها. هنا أيضاً تلعب صلاة السكوت دوراً أساسيًا في التئام جراحاتنا. "في يسوع، وهبنا الله كل شيء، مَن يفصلنا عن محبته؟" إن تأكيد القديس بولس هذا، يجب أن يجعلنا لا أن نفكر فقط في علاقتنا مع الله ونراجع تصرفاتنا فيها، لكنه يُقَوينا خاصة. لكن مع ذلك، لا يجب أن نخدع أنفسنا: إن الجروحات المرتبطة بأحداث مهمة في حياتنا، لا تلتئم في لحظة. بما أن هذه المناطق الجريحة تكون عادة مختبئة في أعماق ذاكرتنا، وتحتاج إلى وقت كي تُشفى، أي إلى الصبر والرجاء. لكنها تحتاج خاصةإلى تدخل من الله. 
واثقين من وعود الله وأمانته تجاهنا، لنحاول هذا الأسبوع أن نتقدم خطوة إلى الأمام في طريق تعلم المحبة الحقيقية. لنركز على حبنا نحن للآخر، وأن لا يكون ذلك مشروطاً بحب الآخر لنا. لِنَسِرْ إذن نحو الينبوع الذي وحده يمكنه أن يروي عطش حُبنا.
شهادة حول الصلاة: صلاة السكوت هي صراع وسَنَد
أرى أن الإلتزام في الصلاة لدرجة أن تصبح عادة عندنا، وبمرور الزمن، سيبني علاقة حقيقية مع المسيح. الشيء الصعب والذي يشبه الصراع المستمر هو أن نجد الوقت كل يوم لصلاة السكوت هذه. لاحظت أيضًا أنني عندما أصلي كل يوم في نفس التوقيت، هذا ما يجعل هذا الصراع أسهل. إنه بالفعل صراع .. صراعٌ ضد تعبي أولاً، لكن ضد كسلي أيضاً. لاحظت أيضاً، أن صلاة السكوت لا تأخذني إلى السماء السابعة كما يظن البعض، لكنها تبدأ في الكثير من الأحيان من السرداب.. من أوطئ طابق!
لكن عندما كان لدي الوقت لكي أستمر في الصلاة وقتاً أكثر، كنت ألاحظ بأن الدقائق الأخيرة هي الأفضل، وبأني أخيراً استطعت أن أبتعد عن همومي ومشاغلي وعن ذاتي أصلاً، وأركز أكثر على الله الحاضر أمامي وفيّ. هذا ما يسمح لي أن أغادر الصلاة في سلام. وبمرور الوقت، أصبح طريق الصلاة هذا سنداً حقيقياً.

الصلاة كل يوم من أيام الأسبوع مع تريزا الأفيلية:

الاثنين 2 آذار:
"عندما تركت بيت أبي كي أدخل الدير، تألمت كثيراً جداً... وبما أني لم أكن أمتلك بعد حُب الله هذا الذي يجعلني قادرة على عدم التعلق بأبي وبالأقرباء، كان ذلك يسبب لي ألماً شديداً لدرجة لو أن الله لم يساعدني، لما تمكنت من الذهاب نحو الأمام وتكريس حياتي له." (السيرة).
"وقال الرب لأبرام: انطلق من أرضك وعشيرتك وبيت أبيك، إلى الأرض التي أريك. وأنا أجعلك أمة كبيرة وأباركك وأعظم اسمك، وتكون بركة. فانطلق أبرام كما قال له الرب." (تكوين 12: 1-4).
الثلاثاء 3آذار:
"لا يجب أن تَدَعُوا قلبكم يكون عبداً لكائنٍ مَنْ كان، إلاّ للمسيح الذي افتدانا بدمه؛ بهذا ستجدون أنفسكم، ودون أن تعرفوا كيف، مرتبطين به إلى درجة أنكم لن تستطيعوا بعد الإبتعاد عنه." (طريق الكمال).
"أنتم لم تتلقوا روحًا يجعلكم عبيداً، بل روحًا يجعل منكم أبناء." (رومة 8: 15).
الأربعاء 4 آذار:
"من الضروري أن نعهد بأنفسنا بين فترة وأخرى إلى رجالٍ روحانيين فاهمين... فأن نحصل على توجيهات منيرة كي نتمكن من عيش شريعة الله، هذا هو خيرنا الأعظم. وهكذا ستُبنى صلاة السكوت التي نعيشها كل يوم، على أسس متينة." (طريق الكمال).
"جاء نيقوديمس إلى يسوع ليلا لكي يسأله."(يوحنا 3: 2).

الخميس 5 آذار:
"ما أنصح به بقوة وباستمرار، هو أن لا تتركوا صلاة السكوت أبداً؛ عندها ستعرف النفس ما الذي تعمله، وسيهبها الله الندامة والقوة على النهوض دوماً." (السيرة).
"وكان هناك عند بركة بيت ذاتا رجل عليل منذ ثمان وثلاثين سنة.فرآه يسوع مضجعا، فقال له: أتريد أن تشفى؟ (...) فقال له يسوع: قم فاحمل فراشك وامش." (يوحنا 5: 5-8).
الجمعة 6 آذار:
"عندما نقبل أن يُعَلِّمنا ربنا، وأن ننفتح حَقًا لتعليمه لنا أثناء صلاة السكوت، عندها سنتمكن من أن نُحب بشكل مختلف عن الآخرين... فحتى لو كنا لا نزال نفرح بأن نكون محبوبين من قبل الآخرين، ما أن نرجع إلى أنفسنا في الداخل سنرىكم أن ذلك حماقة. وكم سنكون عميانًا إن تَعَلَقْنا ورَغِبنا كثيراً في أن يحبنا الناس." (طريق الكمال).
"إذا كان الله معنا، فمن يكون علينا؟فمن يَتَّهِم الذين اختارهم الله؟ إن الله هو الذي يبرر، وقد وهب ابنه من أجلنا." (رومة 8: 31-33).
السبت 7 آذار:
"لازالت عندي الرغبة في الإختلاء، وفي اللقاءات التي نتكلم خلالها عن الله... كنت أبتعد بشدة عن إهانة الله... لقد كانت علامات أحترامي لله ومحبته، تأتيني مع صلاة الصمت." (السيرة).
" يا رب، إلى من نذهب وكلام الحياة الأبدية عندك؟(يوحنا6: 68).

مع محبة الأب غدير الكرملي

51

رياضة روحية لزمن الصوم الكبير 2015 (الآباء الكرمليين في العراق)
الأسبوع الأول من زمن الصوم الكبير: أن نختار العيش
مدخل إلى النصوص الليتورجية:
إن قوس قُزَح الذي نراه في القراءة الأولى هو علامة العهد الذي أقامه الله مع نوح. إنه يرمز خاصة إلى "الجسر" الحقيقي بين السماء والأرض: أي جسد يسوع، المائت والقائم من أجلنا (تكوين 9: 8-15). أمام هذه العطية الإلهية، جواب حُبّنا سيكون من خلال محاولة عيش عمادنا كما يجب وأن نتبع يسوع (1 بطرس 3: 18-22). هذا يبدأ في البرية مدة أربعين يوماً. فهناك هو المكان الرمزي لحياتنا التي نحن مدعوون فيها لاستقبال الملكوت. فملكوت الله أصبح قريباً منا جداً في يسوع (مرقس 1: 12-15)، كما أعلنته علامة قوس قزح. إننا مدعوون أيضاً لأن نستقبل يسوع الإنسان، كيما نستقبل (نَقبل) منه تأليهنا.. أي كي يجعلنا نشترك في حياته الإلهية. هذا هو خيار حياتنا.. فهذا الخيار ليس مفروضاً علينا لكنه اختيارٌ حُر.
تأمل الأسبوع
ما معنى أن نستقبل يسوع كإنسان، وكيف نعمل ذلك؟
أن نستقبل يسوع الإنسان يعني أن نستقبل منه إنسانيتنا .. أعني أن نكتشف من خلاله إنسانيتنا.. لكن إنسانيتنا الحقيقية، وليست تلك التي يسعى العالم إليها. إنه طريق للولادة الجديدة .. للتجسد، يدعونا إليه يسوع. إنه حَمَل إنسانيتنا بأكملها، وقبل ضعفها، حتى الإستهزاء والتعذيب، بل وحتى الموت، كيما يحولها بعد ذلك بفضل قوة القيامة والمحبة. فبتجسده، يأخذ يسوع حياتنا على عاتقه. فمنذ البدء، يحلم الإنسان: "ستكونون كالآلهة" يقول لنا الفصل الثاني من سفر التكوين. بينما الله، هو، "يحلم" بالإنسان في حقيقته التي يعرفها وخلقها هو. وإننا نؤمن بأن قدرة الله الكلية ستحررنا وتجعل منا مخلوقات سعيدة، حُرّة من أي ضغوطات. هكذا كان على يسوع أن يواجه "قدرة الإنسان" الوهمية (التي يظن الإنسان أنه يمتلكها)، هي التي لا تعرف ولا تفهم حقاً قدرة المحبة الأبدية. لأنه ليست هناك قدرة حقيقية إلاّ قدرة المحبة. إننا اليوم نركز أنظارنا على قدرات الإنسان ونظنها أبدية، كلية القدرة ولا تزول، وننزعج جداً من كلما يُظهِر ضُعفَ الإنسان. لهذا مثلاً، نحن نهاب الألم ونهرب منه مهما كلف الأمر.ونخاف من محدوديتنا وضعفنا ونحاول إخفاءهما حتى على أنفسنا مفكرين: "آهْ، لو رآني الناس الذين ألتقي بهم على حقيقتي، فسوف لن يحبونني!" ومع ذلك، فنحن لا نستطيع دوماً أن نكذب وأن نتغاضى عن حقيقتنا. فحقيقة إنسانيتنا لا بد لها أن تلحق بنا يوماً ما، وعندها ماذا سنعمل؟ كيف سنتمكن من عيش حياتنا عندها؟ القديسة تريزا تقترح علينا طريقاً يساعدنا على ذلك، ألا وهو طريق الصلاة الصامتة، من أجل الدخول في حوار مع المسيح وأن نصبح أصدقاءه.
صديق يشفينا
ينزعج الكثيرون منا عندما يسمعون عبارة "الصلاة الصامتة"، ويتساءلون مستغربين: "كيف يمكن أن نقضي نصف ساعة مثلاً في الصمت أمام الله؟" لكن قبل أن نحكم سلبًا على هذه العبارة التي لا نفهم معناها غالبًا، لنستمع إلى القديسة تريزا الأفيلية وهي تُعَرِّف لنا الصلاة الصامتة: "ما الصلاة الصامتة إلاّ حوارُ صداقةٍ نُجريه غالبًا على إنفراد، مع مّن نعرف أنه يُحبّنا" (السيرة).
إن لقاءنا بالقديسين من خلال ضعفهم البشري ومحدوديتهم يمكن أن يساعدنا في طريقنا وأن يهبنا الأمل. نحن للأسف لا نملك الكثير من التفاصيلبخصوص طفولة تريزا، وصراعاتها، خارج ما تركته لنا بنفسها في كتاباتها. لكن يمكننا مع ذلك أن نجد في هذا الخصوص مادة تُذَكِّرنا بخبراتنا نحن، وتجعلنا نسير مثلها خلف يسوع، وتقودنا محبته الرحومة.فالمحبة هي التي تساعدنا على تجاوز ضعفنا ومحدوديتنا، وتجعلنا ننهض من جديد ونسير مع إخوتنا وأخواتنا. إذا كان الله يأتي ويلتحق بنا في يسوع، وإذا كان قد جعل من نفسه قريباً منا جداً، فذلك لكي نتعلم كيف نستقبله. فلا يجب أن ننتظر أن نصبح قديسين أولاً كي نبدأ في الدخول معه في علاقة حُب، لأننا لن نصل إلى ذلك أبداً!
"أرى أن إلهنا هو إنسان أيضاً، فهو لا يستغرب أبداً من ضعفات البشر، ويفهم طبيعتنا البائسة، المُعَرَّضة للسقوط كثيراً، بسبب الخطيئة الأصلية التي جاء هو كي يُصلِحها ويزيلها عنا. فمع كونه السيد والرب، يمكنني أن أعامله كصديق، لأنه ليس مثل هؤلاء الذين يُعطى لهم، هنا على الأرض، لقب السيد."(السيرة).
إن قرب يسوع هذا هو الذي ساعد تريزا على أن تكبر وتنضج في الإيمان. فأن نترك انفسنا نُحَب تحت نظرة الله الحنونة: هذا هو طريق الشفاء بحد ذاته. وتريزا عاشت هذا أولاً وبشكل عملي في علاقتها مع والدتها.
كانت والدة تريزا امرأة حنونة وورعة، أعطت حياتها كلها لأطفالها. وقد حالف الحظ تريزا في أن تولد في عائلة، وهبتها الحُب، وقدمت لها أيضاً تعليمًاجيداً، وهو ما كان نادراً في ذلك الوقت بالنسبة للفتيات. لنصغي إلى ما تكتبه تريزا عن والدتها:
"كانت والدتي تحب كتب الفروسية ، دون أن تجعل من وقت الترفيه هذا شيئًا سلبياً مثلما كنت أنا أعمل، لأنها لم تكن تهمل عملها؛ كانت تسمح لنا أن نقرأ هذه الكتب، ربما كيتتمكن من نسيان آلامها وأوجاعها الكبيرة، كما أن ذلك كان ربما طريقة لشغل أطفالها بشيء ما وتُجنِّبهم التشتت. كان أبي يتعصب كثيراً من ذلك لدرجة أننا كنا نتجنبه لكي لا يرانا. بدأت أتعود على قراءة كتب الفروسية هذه وأحبها؛ وبدأ هذا العيب الصغير (أي التعلق بكتب الفروسية) يقلل ويجمد شيئاً فشيئاً من طموحاتي وبدأت أهمل كل الأشياء الأخرى؛ لم أكن أعتقد بأن هذا كان شيئًا سيئاً، مع أني كنت أضيع الكثير من الساعات، نهاراً وليلاً، في قراءة هذه الكتب التي لا جدوى منها، وفي الخفاء، دون علم أبي. كنت قد تعلقت بهذه الكتب كثيراً لدرجة أنني عندما لا يقع تحت يدي كتابًا جديداً، لم أكن أجد المتعة في أي شيء آخر."(السيرة).
في هذه السطور القليلة، يمكننا أن نلاحظ شيئاً من طبع تريزا، الشغوفة والمولعة بالقراءة، ربما مثل شباب اليوم المولعين والمتعلقين بكل ما يخص وسائل الإتصال والإنترنت... هذا الطبع الشغوف سينعكس بوضوح في حُبها لله وتكريسها له كل حياتها بعزم وقوة.
في مواجهة الموت
كل شيء كان يسير نحو الأفضل بالنسبة لتريزا الشابة التي كانت تحلم بقرءاة قصص الفروسية. لكن موت والدتها جاء ليكسر أحلام فترة المراهقة التي كانت تمر بها. فعلى الرغم من عون العديد من الخادمات، ستموت والدتها "بياتريس"بسبب الإجهاد والتعب في عمر يناهز الـ 33 عاماً. حافظت والدتها حتى بعد موتها على وجه هاديء جداً بحيث ظن أطفالها أنها نائمة. ولم تفهم تريزا حالاً هول مصيبتها، فهي كانت تجهل عندها الفراغ الكبير الذي يخلفه موت الشخص العزيز عند الأحياء. إليكم ما قالته تريزا عندما توفيت والدتها، وهي في عمر الـ 14 عاماً (وليس 12 كما تكتب هي):
"أذكر أنه عندما توفيت والدتي كان عمري في حدود الـ 12 عاماً. وعندما فهمت ما قد خسرتُه بوفاتها، ذهبت، وكلي ألم وحزن، أمام صورةٍ لأمنا العذراء مريم، متوسلةً إياها أن تكون هي أمي، وكانت دموعي تنزل بغزارة. يبدو لي بأني، وعلى الرغم من أن هذا كان تصرفًا ساذجاً يخرج من طفلة، لكنه كان عونًا كبيراً لي، لأنه ومن الواضح لي بأن هذه العذراء الحنونة كانت دوماً مصدر عون وسند كلما استنجدت بها، وها هي أخيراً تجذبني نحوها"(السيرة).
بفقدانها لوالدتها، فقدت تريزا في الحقيقة صديقةً ومثالاً ومعلمةً. وربما أصيبتتريزا ببعض الضياع: فهي بحاجة إلى أم كي تقودها في عالمها العائلي الذي كانت تَغْلُب عليه الذكورية، حيث كان عليها أن تجد دوماً مكانها فيه. ما الذي عليها ان تفعله عندما كل شيء تحتها بدء يهتز؟ كانت تجربة الإنغلاق على نفسها تهددها كل يوم. لكن ولحسن حظها، كان لدينا ينبوعًا تستقي منه، يبدو بسيطاً وساذجاً، لكنه ذو أهمية كبيرة. فقد انفتح أمامها طريق مليء بالثقة: أن تأخذ مريم أمًا لها. كان عليها فقط أن ترفع عينها نحو السماء لكي لا تجد نفسها وحيدة. إن هذه الحركة البسيطة التي الإيمان وحده يمكن أن يجعلها ممكنة، سمحت لها بأن تبقى في علاقة مع الحياة. إن هذا شيء حيوي ومهم جداً بالنسبة لها كما هوبالنسبة لنا نحن أيضاً. فقد كان من الممكن بالنسبة لتريزا في تلك اللحظة، أن تتوقف على النمو والنضوج داخلياً. لكنها اختارت أن تبقى حَيّة وهي تواجه الموت أمامها. لكن هذا بالطبع لم يمنعها من أن تختبر حرقة غياب والدتها الحبيبة وثقل الأيام لأشهر وسنين تلت ذلك الحدث المؤلم. وقد وصلت تريزا نفسها إلى حافة الموت، هي نفسها، بعمر الـ 24 عاماً، لكنها تخطت ذلك.
في لحظات خطيرة ومهمة كهذه، الخطر الذي يمكن أن يواجهنا، كما واجه تريزا، هو خطر الإنطواء على ذواتنا. خاصة وأن هذا الإنطواء يقود إلى خطر التصلب، ورفض الإنفتاحوالنمو الداخلي والنضوج ونُحاول أن نُجَمِّد أنفسنا عاطفيًا في تلك الفترة.إن هذا النوع من الخبرات يترك آثاراً سلبية، وربما جعل تريزا تفكر في معنى حياتها.
اختيار الحياة
اختارت تريزا أن تدع مريم العذراء تسندها في محنتحها. فباتخاذها لمريم أمًّا لها، تقرر تريزا الخروج من ذاتها ومن ألمها. يجب أن نتعلم نحن بدورنا الإستفادة من هذا الجهد في أوقات المحن.. أعني أن نمد يدنا إلى يد أخرى كي تساعدنا وقت الشدة، وهو عكس الإنغلاق على الذات والتقوقع الذي نقع فيه عادة. فصرختها للعذراء ومدها يدها إلى يد العذراء كي تستند عليها .. أي أن فعل رفع يدها من خلال الصلاة، وصرختها للآخر .. وتركها الآخر (هنا مريم)، يدخل قلبها وتسكب قلبها فيه، وعدم انطواءها على ألمها بل انفتاحها على حضور العذراء معها... إذن، إن صرختها للعذراء ومدها يدها إلى يد العذراء كي تستند عليها، هذا هو طريق الحياة الذي انفتح أمام تريزا. بعد ذلك قادتها مريم، شيئاً فشيئاً إلى اللقاء بابنها يسوع. وستكتشف تريزا عندها صداقة يسوع، أي الشخص الذي يمكنها التحدث معه بكل بساطة، بكل شيء.
"لم أكن أعلم كيف أصلي صلاة السكوت ولا كيف أختلي بالله... وبما أن الرب كان قد وهبني نعمة الدموع، وكنت أحب المطالعة، بدأت أبحث عن أوقات خلوة، وأتقدم لسر الإعتراف كثيراً، وألتزم في طريق الصلاة هذا، بمساعدة هذا الكتاب  الذي كان يقودني... كنت أحاول قدر إستطاعتي أن أعيش محافظة في داخلي على حضور يسوع المسيح، كنزنا وربنا؛ كانت هذه طريقة صلاتي"(السيرة).
إن طريق الإهتداء هذا ساعد تريزا على أن لا تنطوي على نفسهامعتمدة فقط على قواها كي تعيش، وكذلك على عدم إنغلاقها على ذاتهاداخل قوقعة. وإلاّ كان ذلك سيؤدي إلى الإنقطاع عن العالم والإلتجاء إلى عالم آخر وهمي. هكذا إذن يأتي الله إلى حياتنا كي يساعدنا على النهوض حتى نستطيع البقاء في الحياة بكامل قوانا. لكن علينا أولاً أن نقبل هذه الحياة.. أن نستقبلها! تريزا قبلت هذا الخَيار: فهي جاءت إلى الله كما هي، بضعفها ونواقصها، ولم تنتظر أن تصبح كاملة كي تأتي إليه، بل أتت إليه دون قيد أو شرط. والنتيجة كانت أنها دخلت في علاقة عفوية بين الله وبينها: في"حوار الصداقة"هذا بين الله وبينها. هذا هو العنصر الأول مما سيكون حياة الصلاة (صلاة السكوت) عندها: وهي لم تَكف أبدأ عن دعوتنا لكي نعمل نحن أيضاً، كما فعلت هي.
"أثناء اهتماماتنا وأعمالنا، ووقت الإضطهادات، والمحن، وعندما لا نعيش في السلام المعتاد، وفي ساعات اليبوسة، المسيح سيكون أفضل صديق نتخذه عندها، لأننا سنجد فيه الإنسان، سنرى ضعفه، ومِحَنه وصعوباته، وسيبقى معنا يرافقنا؛ إذا عَوَّدْنا انفسنا على ذلك، سيصبح من السهل جداً علينا أن نجده بالقرب منا متى ما نريد."(السيرة).
لنحاول خلال هذه الأسبوع أن "نتدرب" على العيش مع المسيح، في تفاصيل يومنا البسيطة، وفي خياراتنا اليومية البسيطة. وعندما تواجهنا تجربة أن نغلق قلبنا وننطوي على أنفسنا، لنقرر بسرعة الخروج من أنفسنا، والتوجه نحو العمق!
شهادة حول الصلاة: "الصلاة فتحت عيني"
عندما أصلي ، يتشتت تفكيري بسهولة كبيرة بسبب أشياء مختلفة، وكي أرجع إلى الصلاة، علي بانتظام إبعاد هذه الأفكار غير المرغوب فيها عني. وكي أتمكن من ذلك، أعتدت أن أبدأ بعد كل تشتت بصلاة قصيرة أو بعبارة تؤثر فيّ أوجهها لله. قبل أيام، وبينما كنت أصلي، تشتت فكري ورجعت في ذاكرتي إلى ما حدث في صباح ذلك اليوم مع أحد أصدقائي. كنت قد اكتشفت بالصدفة بأنه قد قام بعمل يعكس تقصيراً واضحاً في عمله الوظيفي. وبعدما واجهته بذلك، اعترف لي بتقصيره، فأنبته وطلبت منه أن لا يعود إلى مثل هذه التصرفات الخاطئة مستَقبَلاً.
لكني وبعد أن عدت إلى صلاتي بعد هذا التشتت بواسطة عبارة صغيرة موجهة لله ولعدة مرات، انفتحت عيناي على حقيقة لم تخطر ببالي. فمع صديقي هذا، لم أستفد من الفرصة التي أُتيحت لي كي أتصرف كمسيحي. فأنا عاتبته مُفَكِّراً فقط بخطئه الوظيفي وإساءته للشركة التي يعمل فيها، لكني نسيت خطأه وإساءته تجاه نفسه هو. أي أني كلمته كحاكم أو مفتش ربما، لكن ليس كصديق، أو كأخ. وصلاة السكوت هي التي فتحت عيني على هذه الحقيقة. أو ربما يمكنني القول، فتحت قلبي. والآن، أود أن أقول لصديقي هذا: انتبه لنفسك، فهناك أعمال تسبب الأذى لك أنت.. لذاتك، وتجرحك، وتُبقي في داخلك طعماً مرًّا.. أنتبه لأن قيمتك أكبر من ذلك بكثير.. أنت أثمن من ذلك بكثير في عيني الله.
غمرتني عندها محبة كبيرة لصديقي هذا. لأن الله أراد أن أحس بتضامن مع هذا الصديق، وربما أراد أيضاً أن أحس بضعفي وبأني من الممكن أن أقع أنا أيضاً في أي عمل سلبي على مثال صديقي هذا بل وأسوأ. صليت من أجله وسأحدثه عن ذلك في أول فرصة نلتقي فيها."

الصلاة كل يوم من أيام الأسبوع مع تريزا الأفيلية
الاثنين 23 شباط:
"كانت الرغبة في الإختلاء للصلاة لازالت في داخلي، وكذلك التحدث عن الله أثناء التقائي بالآخرين؛ وعندما يبدأ شخص ما بالتحدث عن الله أمامي أثناء هذه اللقاءات، كان ينتابني فرح كبير أكبر بكثير من كل الأحاديث الدنيوية الجميلة. وكنت أتناول القربان وأتقدم لسر الإعتراف أكثر بكثير مما كنت أتمناه." (السيرة).
"هاءنذا أستغويها، وآتي بها إلى البرية، وأخاطب قلبها. " (هوشع2: 14).
 
الثلاثاء 24 شباط:
"أرى أن إلهنا هو إنسان أيضاً، فهو لا يستغرب أبداً من ضعفاتنا... فمع كونه السيد والرب، يمكنني أن أعامله كصديق، إنه ليس مثل هؤلاء الذين يُعطى لهم هنا على الأرض لقب السيد." (السيرة).
"طلب التلميذان من يسوع: أين تقيم؟ فقال لهم: تعالاً فانظُرا!. فذهبا ونظرا...، وأقاما عنده." (يوحنا 1: 38 – 39).

الأربعاء 25 شباط:
"أنا لا أطلب  منكم إلاّ أن تنظروا إليه... فهو، لا يرفع عينه أبداً عنكم: إذن هل أنا أطلب حقاً الكثير منكم، عندما أطلب أن تُبعدوا أنظاركم عن الأشياء الخارجية كي تنظروا إليه فقط، هو، بين الحين والآخر؟" (طريق الكمال).
"دنا يسوع ولمسهم وقال لهم: "قوموا، لا تخافوا".فرفعوا أنظارهم، فلم يروا إلا يسوع وحده." (متى17:7-8).

الخميس 26 شباط:
"هؤلاء الذين لا يُصَلّون، أتوسل إليهم أن لا يحرموا أنفسهم من خيرٍ ثمين كهذا. ففي الصلاة، لا يوجد أي شيء نخاف منه، ويوجد كل شيء نتمناه. هناك نتعلم شيئاً فشيئاً كيف نتعرف على طريق السماء، إذا قبلنا أن نسير فيه باستمرار ومواظبة، وأن ننتظر كل شيء من رحمة الله:  فليس عبثًا أننا اخترناه صديقاً لنا." (السيرة).
"لا أدعوكم خَدمًا بعد اليوم، لأن الخادم لا يعلم ما يعمل سيده. لكني أدعوكم أصدقائي (...). أنا أخترتكم." (يوحنا 15: 15-16).

الجمعة 27 شباط:
"لا تظنوا أني سأطالبكم بالحفاظ على وصايا عديدة... بل أكتفي بطلب عيش ثلاث نقاط فقط (...). الأولى هي بخصوص المحبة التي علينا أن نكنها أحدنا للآخر؛ النقطة الثانية، التجرد  عن كل الخلائق؛ والثالثة هي التواضع الحقيقي، الذي على الرغم من أني أذكره في النهاية، فهو الأساسي لأنه يشمل كل الفضائل." (طريق الكمال).
"فحدق إليه يسوع فأحبه فقال له: "واحدة تنقصك: اذهب فَبِعْ ما تملك وأعطه للفقراء،فيكون لك كنز في السماء، وتعال فاتبعني." (مرقس10: 21).

السبت 28 شباط:
"لا تبحثوا عن تكونوا مفيدين للعالم بأكلمه، لكن على الأقل لهؤلاء الذين يعيشون حولكم... إن الله ينظر أكثر ليس إلى حجم وكبر أعمالنا، بل إلى المحبة التي نضعها في هذه الأعمال." (المنازل).
"جاء يسوع إلى الجليل يعلن بشارة الله، فيقول: " لقد اقترب ملكوت الله. فتوبوا. (مرقس 1: 14-15).
 
بعض الإرشادات المساعدة في الصلاة الصامتة
من المهم دوماً أن نُذَكِّرَ أنفسنا بأن هدف الصلاة الصامتة هو الإتحاد بالله. ولتحقيق هذا الهدف، لا توجد وصفة سحرية أو طريقة يكفي إتباعها كي نبلغ الهدف. لهذا في كل مرة ندخل فيها للصلاة، علينا بذل بعض الجهود لكي ندخل في علاقة الحُب هذه مع الله. عندما نلتقي بشخص ما، هناك بداية اللقاء ووسطه وخاتمة هذا اللقاء:

بداية الصلاة الصامتة
- آتي إلى الصلاة وكأني ذاهب إلى موعدٍ مع الحبيب، آتي بثقة. أتخذ موقفاً جسدياً ملائماً .. مريحاً، وثابتًا.. مستقراً. أعمل علامة الصليب ببطيء ووعي .. ممكن أرفع يَدَيَّ متضرعاً ومستقبلاً نعمة الله .. أو أغلق عينَيَّ، الخ...

- وفي الحال، أضع نفسي في حضور الله، الآب ، والابن ، والروح القدس: "أنت فِيَّ يا رب .. أنت تسكن في أعماق قلبي.. يا إلهي الثالوث .. عَلِّمني أن أعمل ما يُرضيك!" من الممكن أن أبدأ هنا الصلاة الربية...

- أطلب عون الروح كي يساعدني على الدخول في الصلاة .. صلاة الصمت. أحاول أن أدخل وألتحق في صلاته وكأنه هو مَن يتمتم في شَفَتَيَّ.

- أضع نفسي تحت تصرف الله .. أترك همومي وشواغلي .. وإذا لا أستطيع.. أقدمها لله. "أنا هنا يا رب، من أجلك أنت، من أجل أن تفرح أنت .... أريد ما تريده أنت يا رب".

- إن هذه البداية مهمة جداً. ويجب أن نأخذ الوقت الكافي لها. بل من الممكن حتى أن تصبح هي كل الصلاة.. أي أن تأخذ كل وقت الصلاة!
أثناء الصلاة
- بعد هذه البداية، كيف سأملأ وقت الصلاة (نصف ساعة مثلاً)؟

- أتأمل في نص من الكتاب المقدس (يُفَضَّل أن أختاره قبل  الدخول في الصلاة). أقرأه ببطيء، وأتوقف في الكثير من الأحيان عند أي شيء يؤثر فيَّ. أتأمل في كلمة مثلاً، أو في عبارة لمست قلبي. أكررها في قلبي. أترك كلام الله ينزل في قلبي.. إلى الأعماق. أحتفظ بكلام الله هذا لأطول وقت ممكن طالما كنت أجد فيه غذاءً. {عندما نقرر البدء في ممارسة الصلاةالصامتة، من المهم أن نستعين بنص من الكتاب المقدس. نحاول التأمل في كلام الله هذا الذي يرفع روحنا. كما أنه يساعدنا على تثبيت أو تركيز الإنتباه ويسمح لنا بالعودة إلى الله عندما يُبعدنا الشرود أو تشتت الأفكار. لاحقاً، بعد أن نتقدم قليلاً في طريق الصلاة الصامتة، سيصبح استخدام الكتاب المقدس أقل ضرورة أو فائدة (أثناء وقت الصلاة بالطبع وليس بصورة عامة في الحياة). وعندها، اللقاء مع يسوع .. مع الله الحاضر في قلبنا، سيكون هو الأساس والمهم. عندئذٍ، سنعيش الصلاة الصامتة وكأنها مقاسمة مع أفضل صديق لنا .. صديقنا المُفَضَّل. فعندما يكون هناك لقاء مرتَقَب بين حبيبين، فهل سيُحَضّران مسبقاً موضوع حديثهما أو حوارهما هذا؟}
- بين فترة وأخرى، أتكلم مع الله بما يهمه هو. أعبده..أُسَبِّحه.. أشكره.. أُحِبُّه. أفكر بما فعله يسوع. أستطيع أن أكلمه عن حياتي، أو ما يهمني، عن الصعوبات التي تواجهني،"يا رب، ارحمني. إفعل بي ما تشاء." وعندما أرى بأن نص الإنجيل الذي أتأمل فيه لم يعد يغذيني، أنتقل إلى نص آخر.

- أستقبل بفرح وبساطة ما يقوله لي الروح القدس. أحاول البقاء في صمت في الإيمان والمحبة. أن أكون هنا مع يسوع، هذا يكفي. أعطي للروح القدس الوقت لكي يطبع فِيَّ الشَبَه الإلهي، هذا هو الشيء الأساسي والجوهري في الصلاة.

- جسدي يبقى ساكناً، لا يتحرك، لكن روحي هي يقظة تماماً. إنْ حصل لي بعض الشرود، فهذا ليس مهماً؛ لكن لأحاول فوراً ودون إبطاء أن أعود من جديد إلى الله، في كل مرة .. مهما كانت المرات التي أشرد فيها، أعود إليه من جديد. ربما ترديد عبارة قصيرة أُحبّها سيساعدني على الرجوع .. أرددها لعدة مرات إلى أن أستعيد تركيزي فأصمت من جديد .. وأصغي بصمت.

- إذا لم أكن أحس بأي شيء، أو إذا كنت أشعر بالممل أو بالضجر في وقت الصلاة هذا.. أستَمِرُّ في البقاء مع الله، أستمر بالإهتمام به ولا أتركه. فأنا هنا من أجله، وليس من أجلي. لهذا، في الكثير من الأحيان، الصلاة هي كفاح.. نضال .. سَهَر.

ختام الصلاة الصامتة
- أشكر الله على كل النِعَم المعروفة وغير المعروفة التي وهبني إياها .. أي التي أحسست بها والتي لم أشعر بها أو لم أعي أنه وهبها لي .. لأني عندما أصلي، حتى لو لم أكن أحس بأي شيء، فالله يعمل فِيَّ ويُخلِّص العالم.

- ثم أَبحَثُ كيف سأعمل إرادة الله اليوم.  وأعهد إلى العذارء مريم أمي، الكنيسة وكل مَن أحِب.

- يمكنني أن أُنهي وقت الصلاة الصامتة هذا بصلاة أعرفها.

- أُسَلِّم لله زمن الصلاة هذا كما هو، دون أن أحكم عليه أو أُقَيِّمه (أي أفكر أنه كان إيجابياً ومفيداً أم لا.. ليس هذا مهماً). أبقى في سلام لبعض اللحظات. أغادر بدون طيبة خاطر، مثلما نترك حبيباً أو صديقاً عزيزاً، أي رغماً عنا! ولنتذكر، بأننا عندما نغادر ونذهب إلى مشاغل أخرى، فنحن دوماً مع الله.
مع محبة الأب غدير الكرملي

52
قراءات زمن الصوم الكبير (السنة ب)
اليوم   القراءة الأولى   القراءة الثانية   الإنجيل
أربعاء الرماد    يوئيل 2: 12 - 18   2قورنتس5 :20 -6 :2    متى 6 :1-6، 16 -18
الخميس   الاشتراع 30 :15 -16– 18 أ 20      لوقا 9 : 22-25
الجمعة    إشعيا  58 : 1 -9       متى  9 :14 – 15
السبت    إشعيا  58 : 9 – 14       لوقا 5 :27 – 32
الأسبوعالأول
الأحد الأول   التكوين 9 : 8 - 15   1 بطرس 3 : 18- 22   مرقس 1: 12 - 15
الاثنين    الأحبار 19- 12 ، 11-18       متى 25 : 31-46
الثلاثاء    اشعيا 55 : 10 -11       متى 6: 7-15
الأربعاء   يونان 3: 1-10       لوقا 11: 29 -32
الخميس    ملوك الثالث 19 : 3-8       متى 7: 7-12
الجمعة    حزقيال 18 : 21-28       متى 5: 20 -26
السبت    الاشتراع 26 : 16 -19       متى 5: 43 -48
الأسبوع الثاني
الأحد الثاني    تكوين 22 : 1 -18    رومة 8: 31ب - 34   مرقس 9 :2 -10
الاثنين    حزقيال 34 :11 13، - 16      لوقا 6: 36 – 38
الثلاثاء    اشعيا 1: 16 -20       متى 23 : 1-12
الأربعاء   ارميا 18: 18 -20       متى 20 :17 -28
الخميس    ارميا 17 : 5 -10       لوقا 16 : 19 – 31
الجمعة    تكوين37: 3-4 ،12-13، 17-28       متى21 : 33 – 43،44– 46
السبت    ميخا 7: 14-15 ، 18 -20       لوقا 15 :1-3 ، 11 -32
الأسبوع الثالث
الأحد الثالث    الخروج 20: 1- 17   1قورنتس1: 22 - 25   يوحنا 2: 13 - 25
الاثنين    ملوك الرابع 5 : 1 -15         لوقا 4 : 24 -30
الثلاثاء    دانيال3: 25، 34-35، 37، 39-43      متى 18: 21 -35
الأربعاء   خروج 24 :12 -18       متى 5 : 17 -19
الخميس    ارميا 7 : 23 – 28       لوقا 11 : 14 – 23
الجمعة    هوشع 14 : 2-10       مرقس 12 :28-34
السبت    هوشع 6 :1 -6       لوقا  18 : 9-14

الأسبوع الرابع
الأحد الرابع   2أخبار الأيام 36: 14 – 16 . 19 - 23   أفسس 2: 4 - 10   يوحنا 3: 14 - 21
الاثنين    ملوك الثالث 17 : 8-16       يوحنا 4 : 43 -54
الثلاثاء    حزقيال  47 : 1-9 ،12       يوحنا 5 : 1-16
الأربعاء    اشعيا 49 : 8– 13       يوحنا 5 : 17- 30
الخميس    خروج 32 : 7 -13أ ،14       يوحنا 5 : 31 -47
الجمعة    الحكمة 2 : 1أ، 12 -22       يوحنا 7 : 1-2 ،10 ،25-30
السبت    ارميا 11: 18-20 أ ج       يوحنا 7 : 40 -53
الأسبوع الخامس
الأحد الخامس   إرميا 31: 31 – 34   عبرانيين 5: 7 - 9   يوحنا 12: 20 - 33
الاثنين    ميخا 7 : 7-9       يوحنا 8 : 12 – 20
الثلاثاء    العدد 21 : 4-9       يوحنا 8 : 21 -30
الأربعاء   دانيال 3 : 14 -20 ،91 -92 ،95       يوحنا 8 : 31 -42
الخميس    تكوين 17 : 3-5 ، 7 ،9        يوحنا 8 : 51-59
الجمعة    أرميا 20 : 10 -13       يوحنا 10 : 31 -42
السبت    حزقيال 37 : 23 -24 ، 25 -27       يوحنا 11 : 45 -57
الأسبوع المقدس
احد السعانين    إشعيا 50 : 4-7    فيلبي 2 : 6-11    لوقا 22 :14 -23 :56
أو 23: 1-49
الاثنين    إشعيا 42 : 1-7       يوحنا 12: 1-11
الثلاثاء    إشعيا 49 : 1-6       يوحنا 13 : 21-33 ،36-38
الأربعاء   إشعيا 50 : 4-9       متى 26 : 14-25
مع محبة الأب غدير الكرملي

53

مقيدة بحبه

اعترف اني قد غضبت منه ﻻنه لم يمسكني حين اخطأت، وانا ﻻ أحب أن أخطأ حتى لو كان خطأ صغيرا، فقررت أن ﻻ أفكر به وﻻ أتحدث واعمل معه، ولكني اكتشفت بلحظة اني ﻻ اعرف شيئا بدونه ﻻنه يشغل يومي كله وحياتي، نعم اكتشفت ﻻ شيء آخر بدونه اعرف أن اعمله ليس فقط ﻻني ﻻ أريد، بل ﻻني ﻻ أستطيع حقا ﻷني مفيدة بحبه ﻻ مجبرة ولكن بحريتي الكاملة. آمين

15-2-2015

54

سلسلة رياضات روحية عبر النت، دير الكرمل في العراق (إقليم باريس الكرملي) (رياضة روحية رقم 6)

إن هذا العام 2015 هو عام اليوبيل المئوي الخامس على ولادة القديسة تريزا الأفيلية (تريزا ليسوع 1515 – 2015)، والرهبانية الكرملية في العالم تتحضر لهذا الإحتفال منذ 5 سنوات من خلال إعادة قراءة كتاباتها وعمل دراسات تعريفية عنها وعن كتاباتها الفريدة. لهذا ومن المنطقي أن تكون رياضتنا الروحية لزمن الصوم الكبير لهذه السنة برفقة هذه القديسة الكبيرة، أول امرأة تُعلَن "معلمة الكنيسة". عنوان رياضتنا هذه هو:

عندما يُحَوِّلُ الحُبُّ : خطوات صغيرة نحو حياة كبيرة
"لا يجب أن نخاف، بل أن نَأمُل )(كتاب السيرة 8: 5)

أربعاء الرماد: “أن نفتح مغارة قلبنا «
القديسة تريزا الأفيلية (تريزا ليسوع): حياتها
نحن أمام امرأة من القرن السادس عشر في أسبانيا، عاشت في مرحلة فاصلة بين حقبتين: الأولى تشمل القرون الوسطى بنظرتها التقليدية إلى الإنسان، أي التي تنظر إلى الإنسان كمركز العالم بينما الله هو في السماء. هذه كانت الحقبة الأولى، لكن هذه النظرة إلى الكون بدأت تتغير في وقت تريزا. فلم يعد الإنسان في المركز، ولا حتى الله أيضاً لم يعد في العلى؛ فالأرض تدور حول الشمس وهي ليست مسطحة كما كانوا يعتقدون قبلاً بل مدورة. أي بصورة عامة، بدأت النظرة إلى العالم والكون والإنسان وإلى الله تتغير. بدأ الإنسان يشكك في كل شيء وأخذ يتساءل فيما إذا كان للكون مركز، أي هل هو الله أم شيء آخر ... فالنظرة إلى العالم ومكانة الله بدأت تتزعزع وتتشوش.
شهدت هذه المرحلة أيضاًحصول شرخ أو انشقاق داخل الكنيسة نفسها بسبب الخلاف البروتستانتي.
وأخيراً، هناك حدث مهم جداً أثر كثيراً على تفاصيل الحياة آنذاك،ألا وهو اكتشاف العالم الجديد (أمريكا) ولموارده الغنية الكثيرة. فقد بدأ الذهب والفضة يُنقَلان من هناك إلى أسبانيا والبرتغال بمئات الأطنان. وبدأت أوربا تدخل في الحقبة الحديثة المتطورة والتي ستقودها إلى تطورات جوهرية.
أخوة تريزا نفسها كانوا من بين المغامرين الذين ذهبوا إلى أمريكا للبحث عن المال والغنى. لكن تريزا لم تذهب معهم، لأنها كانت عطشى جداً إلى كل ما هو أبدي: "إلى الأبد ، إلى الأبد" هي صرختها وهي طفلة، عندما خرجت معأحد إخوتهادون علم عائلتها، إلى حيث كانت هناك حرب بين الأسبان وجيش المسلمين، كي تموت شهيدة وتحقق بذلك عيشها مع الله إلى الأبد (السيرة 1: 4). كانت قد سمعت البعض من حولها يقول بأن من يموت في الدفاع عن بلده ضد المسلمين الذين جائوا يحتلون بلدهم سيصبح شهيداً ويعيش إلى الأبد مع الله. كان عمرها آنذاك سبع سنين وكانت منذ ذلك الحين تعرف كيف توصل شغفها واشتياقها للأبدية، بحيث أنها أقنعت أخيها، الذي كان يكبرها سنًّا، كي يرافقها في هذه المغامرة. بالطبع لم تنجح هذه المغامرة لأنها عمها التقى بهما في الطريق فأرجعهما إلى البيت.
لم يكن ذهب العالم الجديد ما يجتذبها، ولا امتلاك أراضي واسعة للزراعة ولا النفوذ. لكن بناء حياتها الروحية والتعرف على ذلك الذي يسكن داخلها هو ما كان يشغلها. هذا هو "العالم الجديد" الذي كانت تريزا ترغب وتتمنى اكتشافه والتنعم بغناه: أي باطنها المسكون من قبل الله.
"لا يجب أن نتصور بأننا فارغون في داخلنا... لأن هناك في أعماقنا، شيئًا آخر ثميناً جداً، ولا يمكن مقارنته بأي شيء آخر، مما نراه في الخارج." (طريق الكمال 28: 10).
ستكرس تريزا كل حياتها كي تصبح "صديقة" يسوع من خلال طريق الصلاة الصامتة. فبرفقة هذا الصديق، تريزا "ستفتح مغارة قلبها". وسينفتح أمامها مجال واسع وهائل للحب.
وُلِدَت القديسة تريزا في عائلة إسبانية، كان والدها "ألونزو" نبيل كريم وقريب جداً منها. بعد موت زوجته "كاتالينا" التي ولدت له طفلان، تزوج في 1509 من بياتريس أهومادا. كان عمره آنذاك 30 عاماً وبياتريس 15 عاماً فقط. ستهبه 10 أطفال: بعد ولدين، تولد تريزا في 28 آذار 1515 في مدينة آفيلاً في أسبانيا.

مدخل إلى النصوص الليتورجية لهذا اليوم
في القراءة الأولى والثانية من قداس اليوم، أربعاء الرماد، لدينا دعوة إلى التوبة.. إلى الإهتداء.. إلى الرجوع إلى الله (يوئيل2: 12-18؛ 2كورنتس5: 20-6:2). هذه التوبة والرجوع إلى الله تتجسد في الإنجيل (أنظر متى 6: 1-18) في فعل روحي للصوم، والصلاة والصدقة. فالصوم يفتح مجالاً للآخر في قلوبنا: إنه يساعدنا على أن نعي بأننا لا نعيش فقط من الأشياء المادية. والصلاة تجعلنا ننفتح على الله، فهي تُنَمِّي النفس وتُنضجها من خلال خلقها في داخلنا الرغبة اللامتناهية لأن نكون محبوبين.. لأن نُحَب (من قبل الله). أما الصدقة فهي تجعلنا ننفتح على القريب، من خلال المقاسمة، والشركة، وعطية الذات للآخر: فالمحبة المستَلَمَة أصلاً يجب مقاسمتها.

تأمل: إلى ماذا يجب علينا أن نتوب ونهتدي؟
لقد اكتشفت تريزا الأفيلية عَظَمَة كرامة النفس التي يقيم فيها الله. وهي تدعونا إلى نفعل نحن أيضاً بدورنا نفس الشيء، أي أن نلتفت نحو الله ونقيم فيه، من خلال الصلاة الصامتة. هنا نحن في قلب الصلاة. فالصلاة في الحقيقة ليست مجرد مجموعة من الكلمات علينا ترديدها، لكنها الرغبة والشوق إلى الإنفتاح نحو علاقة جوهرية مع الله وأن نتواصل معه.
إنها تتضمن في الحقيقة، أن نهتدي إلى حقيقة إنسانيتنا العميقة، تلك التي جاء يسوع نفسهكي يكشفها لنا. لكنها تتضمن أيضاً أن ننفتح نحو مجيء الله إلى أرض البشر، متخذاً جسدنا، ومنذ ولادته البشرية. فالإهتداء هو ليس ثمرة عمل إرادي، لكنه إنفتاح القلب نحو حب الله المُخَلِّص. إن التجربة الكبيرة الخاطئة التي يمكن أن يمر بها الإنسان هي أن يؤمن بأنه لكي يكون محبوباً، عليه أن يستحق ذلك، ويجب أن يُظهِر نفسه بأنه محبوب؛ وهو يظن أن هذا صحيح إن كان في علاقته مع الله ومع الآخرين أيضاً. بينما يسوع جاء يقول لنا بأن المحبة لا يمكن أن يُستَحوَذ عليها.. لا يمكن أن نحصل عليها بإرادتنا وقدراتنا وحدها، لأنها إنفتاح القلب تجاه عطية الله، في فعل اختياري حُر.
في زمن الصوم الكبير هذا، لنتعلم أن نطلبهذه النعمة من الله: أن نُشفى من كل خبرات عدم محبة الآخرين لنا، ومن جروحاتنا التي سببتها قلة محبة البعض لنا، ولازالت هذه الجروحات لم تندمل. لنتعلم أيضاً أن نطلب الغفران لأننا تبدورنا لم نعرف أن نُحِب الآخرين حقاً.تقول لنا القديسة تريزا، في هذا الطريق "لا يجب أن نخاف بل أن نأمل..". صحيح أن هناك جهوداً تقع على عاتقنا وعلينا القيام بها، لكن فيما يخص الخلاص، فهو لا نستلمه إلاّ من الله. فالخلاص ليس في متناول الإنسان، لأنه عطية ونعمة من الله. "نحن مُخَلَّصون بالنعمة"، يقول القديس بولس (أفسس2: 5)، وهو ما ستكتشفه تريزا الأفيلية شيئاً فشيئاً، عندما ستختبر قدرة النعمة العجيبة وتأثيرها في إنسانيتها الضعيفة.

الطريق الذي ستسير فيه رياضتنا الروحية: طريق الإهتداء إلى الحُب
خلال رياضتنا الروحية التي عشناها أثناء الصوم الكبير للعام 2013، ساعدتنا فيها أيضاً القديسة تريزا الأفيلية، لكننا عندها تبعنا تريزا الواصلة إلى قمة نضوجها الروحي. في رياضتنا لهذه السنة، سنسير مع تريزا وهي في طريق هدايتها الشخصية ورجوعها القوي إلى الله (1515 - 1556)، أي منذ طفولتها وإلى اكتشافها الكبير لُحب المسيح لها وهي في التاسعة والثلاثين من عمرها. ما يلي مراحل الرياضة الروحية مُحَدَّدة ومُقَسَّمة من خلال صراعات تريزا الروحية قبل أن تصل إلى قمة الحياة الروحية والإتحاد بالله:
1) أن نختار العيش: تريزا المراهقة في مواجهة موت والدتها.
2) الذهاب إلى ينبوع الحُب: تريزا سجينة حُب والدها المفرط والمُتَمَلِّك.
3) تحرير قدرتها على الحُب: تريزا واقعة في شباك الصداقات.
4) أن تُصبح متواضعة: تريزا مُحبَطَة بسبب ضعفها ونواقصها.
5) النظر إلى الغد بثقة: تدعونا تريزا إلى الثقة.
6) أن نسلم حياتنا لمحبة يسوع: كيف نعيش الأسبوع المقدس (من السعانين حتى عيد القيامة).

"لا يجب أن نخاف، لكن أن نأمل .. أن نشتاق.. أن نتمنى.. ".. في بداية زمن الصوم الكبير هذا، لنطلب إذن من الله أن يجعلنا حاضرين أمامه، هو الحاضر دوماً، وأن يُحَرِّرنا من أنفسنا، أي أن يُخلِّصنا. فهدف هذه الرياضة الروحية هو أن ندع الحُب يُحوِّل حياتنا، وأن يجعلنا ننظر نحو الغد بثقة ورجاء. ستستلمون عادة كل يوم سبت، من زمن الصوم الكبير هذا، ملفًا يحوي على تأمل وشهادة حول حياة الصلاة مع بعض النقاط المساعِدة على الصلاة اليومية.
أتمنى لكم رياضة روحية وزمن صوم مبارك.

الصلاة كل يوم من أيام الأسبوع مع تريزا الأفيلية

الخميس 19 شباط:
"نحن لسنا إلاّ خدامَ المحبة، هذا ما يجب أن نكونه، إذا قررنا أن نتبع في طريق صلاة السكوت هذا، ذاك الذي يحبنا إلى هذه الدرجة... لكننا بطيئون جداً في وهب ذواتنا تماماً لله." (السيرة11: 1).
"هاءنذا واقف على الباب أقرعه، فإن سمع أحد صوتي وفتح الباب، دخلت إليه وتعشيت معه وتعشى معي." (رؤيا 3: 21).

الجمعة20 شباط:
"في بحثنا عن محبة الله، نحن نريد الحفاظ على محبتنا ورغباتنا ولا نقدمها له، بل نحن لا يمكننا أصلاً أن نجعل رغباتنا ترتفع ولو قليلاً عن الأرض.
" إن الله لا يهبنا كنزه فوراً وبشكل كامل، لأننا لا نُسَلِّم له كل شيء في نفس الوقت، لا يهمني حتى لو وهبني الرب حبَّه قطرة فقطرة!" (السيرة11: 3).
"لأن هؤلاء كلهم ألقوا في الهبات من الفائض عن حاجاتهم، وأما هي فإنها من حاجتهاألقت جميع ما تملك لمعيشتها." (لوقا21: 4).
"
السبت21 شباط:
"نحن نظن بأننا وهبنا كل شيء لله، لكننا لا نعطي لله إلاّالفائض عن حاجاتنا، محتفظين لنا بالأصل والممتلكات. نحن ربما نقرر في أوقات كثيرة أن نصبح فقراء، لكننا وبسرعة نقلق، فنعمل كل شيء كي لا ينقصنا شيء، ليس فقط مما هو ضروري، لكن حتى من الفائض." (السيرة11: 2).
"أنظروا إلى طيور السماء كيف لا تزرع و لا تحصد ولا تخزن في الأهراء، وأبوكمالسماوي يرزقها. أفلستم أنتم أثمن منها كثيرا؟"(متى 6: 26).

مع محبة الأب غدير الكرملي

55

الأحد السادس من الزمن الإعتيادي ب (مرقس 1 : 40-45)

قراءات اليوم: (أحبار 13: 1-2 و 45-46 / 1 قورنتس 10: 31 – 11: 1 / مرقس 1: 40-45)

مدخل

مرة أخرى يجمعنا المسيح حول مائدته .. يجمعنا ليعطينا كلمة الله ويمنحنا حياته من خلال القربان المقدس. وسنسمع في قداس اليوم الإنجيل الذي فيه يشفي يسوع أبرصاً. يمكن أن يكون هذا الأبرص مثالاً لنا في هذا الإنجيل، علينا التشبه به .. بإيمانه وثقته القوية بالمسيح.
في البداية لنطلب هذه النعمة من الله: أن يجعلنا نسلم حياتنا بين يديه بثقة وباستمرار، ولنعترف أمامه بأننا ضعفاء .. ولا معنى لحياتنا بدونه.

في ذلك الزمان:
أتى إلى يسوع أبرصٌ يتوسل إليه، فجثا وقال له: "إن شئت فأنت قادر على أن تبرئني." فأشفق عليه يسوع ومد يده فلمسه وقال له: "قد شئت فابرأ." فزال عنه البرص لوقته وبرئ.
فصرفه يسوع بعد ما أنذره بلهجة شديدة، فقال له: "إياك أن تخبر أحدا بشيء، بل اذهب إلى الكاهن فأره نفسك، ثم قرب عن برئك ما أمر به موسى، شهادة لديهم."
أما هو، فانصرف وأخذ ينادي بأعلى صوته ويذيع الخبر، فصار يسوع لا يستطيع أن يدخل مدينة علانية، بل كان يقيم في ظاهرها في أماكن مقفرة، والناس يأتونه من كل مكان.

الكرازة
منذ اليوم الأول، منذ أن ظهرت أول علامات البرص على جسده، طريق هذا الرجل، إلى أن وصل إلى يسوع وركع أمامه، كان بالتأكيد طويلاً ومؤلماً جداً. وربما لهذا السبب استطاع أن يجد الكلمات التي مَسَّت حالاً وفوراً قلب يسوع: "إذا أردت، يا رب، فأنت قادر على شفائي" فما هزَّ يسوع بقوة ، كما يقول لنا الإنجيل، ليس أولاً هذا البرص الذي يشوه جسده ووجه، ولا هذا المرض الذي جعل منه شخصًا مُبعَدًا وغير مرغوبٍ فيه، أو فقيراً بسبب الشريعة، لكن ما مَسًّ يسوع وأثَّر فيه جداً هو اعترافه المتواضع بضعفه الشخصي، وهذا هو أساس كل صلاة حقيقية.

إلى هذا بالذات، إلى قلب هذا السِرّ، يريد الإنجيل أن يقودنا اليوم. فإن ما يجب أن يجذب انتباهنا اليوم في هذا الإنجيل، ليس أولاً شفاء هذا الأبرص، مهما كانت هذه المعجزة كبيرة ومدهشة، لكن إنجيل اليوم يريدنا أن نتساءل بخصوص موقف مئات وألوف البرص الآخرين، كل الذين عاشوا في وقت المسيح، والذين سمعوا به، لكنهم لم يأتوا أبداً طالبين الشفاء. هل من الممكن أن نتخيل ولو للحظة بأن يسوع كان سيرفض مساعدتهم؟ بالتأكيد لا، فنحن نعرف من الإنجيل بأن طيبة يسوع لم يكن لها حدود فهي كانت تغطي حتى غير المستحقين والمجرمين. إذن السر الذي يكشفه لنا إنجيل اليوم هو أن الكثيرين غير هذا الأبرص لم يأتوا إلى يسوع. لماذا؟

لأن الطريق الذي سار فيه هذا الأبرص والذي لم يرد الآخرون السير فيه كما ذكرت في البداية، هو أن يعترف بمرضه وبمحدوديته، وبالتالي استطاع على الرغم من كل المعوقات الجسدية والتي تفرضها الشريعة والمجتمع، استطاع أن يذهب إلى يسوع، إلى الشخص الوحيد الذي يمكن أن يشفيه.
هذا الطريق الذي يقود إلى قدمي يسوع وإلى الشفاء الكامل، هو طريقنا نحن أيضاً، طريق كل واحد منا. وهو مفتوح، مثلما كان مفتوح منذ 2000 سنة، لكل واحد منا اليوم، إذا قَبَلْنا، على مثال هذا الأبرص، أن نسير في هذا الطريق، طريق التواضع الذي يجعلنا نكون مقتنعين بأننا بدون الله لا يمكن أن نفعل شيئاً ذو قيمة، وبأننا باعتمادنا فقط على أنفسنا بعيداً عن الله، لا يمكن أن نُخَلِّص أنفسنا بأنفسنا، وليس لحياتنا معنى حقيقي. ولا يجب أن ننسى أبداً بأن الله خلقنا كي نعتمد عليه.. كي نستند عليه، كأبناء، لكي تكون علاقتنا به علاقة الابن والبنت بالأب الذي كل حياته موجهة لأبنائه ولسعادتهم.
لكن ما هو هذا الطريق الذي يُظهِره لنا الأبرص في إنجيلنا اليوم؟ مرقس الإنجيلي لا يعطينا أية تفاصيل عنه، فهو لا يقول لنا أي شيء عن آلام ومعاناة هذا الأبرص في السابق، ولا عن قلقه ورفضه لمرضه الذي جعله يكون مكروهاً ومنبوذا من مجتمعه وأهله وأصبح يعيش على هامش المجتمع في البراري بعيداً عن البشر. كان الأبرص مُجْبَراً على أن يُصدر صوتًا عندما يقترب من الناس، لكي يحذرهم بأنه أبرص، وبهذا يبتعد الآخرون عنه. مرقس لا يقول لنا أي شيء إذن عن مدى إحساسه بالضعف والرفض وعدم الحُب من قبل الآخرين. ومرقس لم يقدم لنا التفاصيل لأن هذا الطريق هو ربما طريق كل واحد منا بشكل أو بآخر. والإنجيل لا يقول لنا إلاّ المرحلة الأخيرة من هذا الطريق، أي مرحلة تسليم حياتنا بكل ثقة والتي قادت هذا الأبرص إلى يسوع: "إذا أردت، فأنت قادر على أن تطهرني."هذا هو موقف المسيحي الحقيقي: فهو هنا لا يشترط أي شيء، ويعلم بأنه لا يسيطر على أي شيء في مسيرة حياته، لكنه يسلم حياته إلى إرادة الله. وهنا فقط يستطيع يسوع أن يتدخل ويمسه ويشفيه ويخلصه.
طريق الأبرص هذا، طريق العشارين والخطأة، يسوع، هو أيضاً، سار فيه، من أجلنا، حتى نهايته، ونراه في بستان الزيتون واضحاً في صلاته في هناك: يا أبتِ مشيئتك التي أريدها وليست مشيئتي.وهذا الطريق، طريق تسليم الذات بيد الآب، أصبح طريق القيامة وطريق الحياة وإلى الآبد.
من الآن فصاعداً، يجب أن نؤمن بأنه مع يسوع، لا يمكن لأي ليل أو ألم أو معاناة أن تستمر دائماً، وبأن يسوع هو معنا وهو وحده قادر على أن يعطي معنى لحياتنا ويملأها بنوره. هو هنا، بالقرب من كل واحد منا، مستعد لأن يستقبلنا. لكن بشرط أن نلتجئ إليه بثقة وتواضع؛ أن نسمح له أن يقودنا نحن أيضاً، مثل هذا الأبرص، إلى الركوع أمام يسوع وأن نسلم حياتنا بين يديه قائلين له: يا رب، أنا أثق بك .. إذا أردتَ، فأنت قادر على أن تحررنا .. أن تطهرنا .. أن تخلصنا، آمين.

مع محبة الأب غدير الكرملي
[/b][/color][/size]

56

ليس عتاباً أو اتهاماً
في وقت الضيق اصرخ اليك ربي وإلهي وصراخي ليس عتابا أو اتهاما، بل ﻻنه ليس لي سواك يرى ويسمع كل ما يحدث، ليس لي سواك اشكي له ألمي، فأنت وحدك تعلم لماذا المحنة، تعلم ومتى النهاية، ﻻنك وحدك تعزي وتعطي النعمة ﻻتحمل، اصرخ اليك ﻻخرج كل ما في داخلي فارتاح فانت مني ﻻ تغضب أن صرخت أمامك ﻻنك تتفهم ظرفي وحالتي. آمين

10-2-2015

57

ذهبت ﻷتعلم منك
إلهي مجددا ذهبت بافكاري لزمن تجسدك ﻷراك واسمعك، ﻷتعلم منك كيف الكل نائم وانت وحدك في خلوة مع أﻵب في صﻻة من اجل اﻷنسان، ﻷتعلم منك كيف أخدم واعمل من أجل راحة اﻻخرين، ﻷتعلم كيف انسى ذاتي من أجل من هم حولي ومن يحتاجني، منك اطلب ربي وإلهي أن تساعدني كي أثبت بايماني بثقتي وبرجائي، نعم ساعدني كي يبقى نظري على أﻵب في كل الظروف، شكرا ربي وإلهي ﻷنك موجود في حياتي. آمين

7-2-2015

58

الأحد الخامس اعتيادي (ب) 2015 (مرقس 1: 29 - 39)
قراءات القداس: (أيوب 7: 1-4. 6-7 / 1قورنتس 9: 16-19 . 22-23 / مرقس 1: 29-39)

مرقس 1: 29-39
في ذلك الزمان:
لما خرجوا من المجمع، جاؤوا إلى بيت سمعان وأندراوس ومعهم يعقوب ويوحنا. وكانت حماة سمعان في الفراش محمومة، فأخبروه بأمرها. فدنا منها فأخذ بيدهاوأنهضها، ففارقتها الحمى، وأخذت تخدمهم.
وعند المساء بعد غروب الشمس، أخذ الناس يحملون إليه جميع المرضى والممسوسين. واحتشدت المدينة بأجمعها على الباب. فشفى كثيرا من المرضى المصابين بمختلف العلل،وطرد كثيرا من الشياطين، ولم يدع الشياطين تتكلم لأنها عرفته.
وقام قبل الفجر مبكرا، فخرج وذهب إلى مكان قفر،وأخذ يصلي هناك. فانطلق سمعان وأصحابه يبحثون عنه،فوجدوه. وقالواله: "جميع الناس يطلبونك."
فقاللهم: "لنذهب إلى مكان آخر، إلى القرى المجاورة، لأبشر فيها أيضا، فإني لهذاخرجت."
وسار في الجليل كله، يبشر في مجامعهم ويطرد الشياطين.

الكرازة
"جميع الناس يطلبونك".. كل الناس يبحثون عنك!
سننطلق اليوم من عبارة بطرس هذه، التي تبدو وكأنها عتاب موجه ليسوع.. عتاب ممزوج بنوع من عدم الفهم. فموقف يسوع في الحقيقة، لا يبدو منطقياً ابداً؛ فمن الصعب أن نفهم أو نتفهم حقاً موقف يسوع أو السبب في انسحابه وذهابه إلى العزلة بعيداً عن الجموع، بينما هو في قمة نجاحه في رسالته وفي استقطاب الناس نحوه. فلماذا ينعزل لوحده بينما يرى أن رسالته تنجح وتُثمِر؟ لماذا لا يستغل هذه الفرصة وإتباع الجموع له، لتغيير الأشياء، في عالم يبدو تائهاً وضائعاً والشر مسيطر عليه؟
إن عتاب بطرس غير المباشر هذا، يعكس في الحقيقة عدم فهمنا وحيرتنا نحن أيضاً. فإذا كان الله هو كلي القدرة، لماذا يترك عالمنا يسير في طرق الشر والضياع والظلم؟ لماذا لا يأتي ويُعدِّل ويُقَوِّم أو يُنَظِّم كل ما هو موعج؟ ففي سؤال بطرس هذا تنعكس كل تساؤلات الإنسان منذ آلاف السنين. لماذا الله غائب لهذه الدرجة، خاصة عندما نكون في أمس الحاجة إليه؟
إن نص أيوب الذي سمعناه قبل قليل، يُذَكِّرنا بأن هذه التساؤلات هي قديمة جداً. فأيوب، الذي يُعتَبَر في الكتاب المقدس مثال للإنسان الذي يواجه الألم وانعدام المعنى في الحياة، نراه هنا (أيوب) يصرخ وهو فاقد الرجاء بكل شيء ويقول: "إن عيني لن تريا السعادة بعد الآن!"
هذه هي المفارقة في حياتنا، وفي وجودنا كبشر: فنحن نبحث عن السعادة .. نحن عطاش لأن ننجح في حياتنا .. لأن تكون حياتُنا ناجحة، لكن هذه الرغبة تواجِه باستمرار موانعاً تضعها الحياةُ أمامنا، لكي نصطدم في النهاية مع المرض والموت.
وأمام هذا التساؤل، أمام الملايين من البشر الذين يحسون بأن حياتهم ضائعة وليس لها أي معنى... أمام كل هذا إذن، موقف يسوع في إنجيل اليوم، يحيرنا ويزعجنا بل وربما يكون في بعض الأحيان مثل حجر عثرة لفهمنا بل وحتى لإيماننا. فهو الذي يستطيع أن يشفي ويخلص، أن يُهدّيء ويجدد، هو الذي يستطيع أن يعيد من جديد وبشكل نهائي، العالم والإنسانية إلى الطريق الصحيح، نراه هنا كما يقول الإنجيل"وقام عند الفجرِ مبكراً، فخرج وذهب إلى مكان قفر، وأخذ يصلي هناك"!
نحن هنا أمام سر كبير، أمام سؤال يبقى دون جواب، سؤال يقلب كل أحلامنا في النجاح والسعادة.
وهو نفس رد الفعل المعاتب الذي سنراه عند التلاميذ غير المصدِّقين، عندما سيعلن يسوع لهم عن آلامه وموته. في الحقيقة، لدينا هنا شيئاً غريباً وغير مفهوم في موقف يسوع، بالنسبة للتلاميذ.. لكن أيضاً بالنسبة لنا نحن اليوم.. لدينا شيئاً يتجاوز فهمنا أو نظرتنا ومنطقنا الإنساني.. ففي موقف يسوع، هناك شيء لا يأتي من أرضنا .. شيء مصدره مكان آخر غير مكاننا، مكان آخر تكشفه لنا صلاة يسوع.
ربما علينا هنا أن نتخيل استغراب وتعجب التلاميذ الكبير عندما رأوا يسوع راكعاً .. يصلي في الصمت والعزلة في الفجر باكراً. فبعد كل هذه الشفاءات التي قام بها، كل هذه المعجزات، كانوا يتوقعون أو ينتظرون أن يجدوا يسوع في موقف أكثر منطقياً، أي واثق من نفسه وجالس الخ.! لكنهم يجدوه في موقف هو في الحقيقة عجيب جداً ومؤثر جداً لأنه يعكس تواضع ابن الله راكعاً أمام أبيه. صورة يسوع الراكع هنا تعكس بصمت أعظم سر يمكن أن نقابله يوماً ما، وهو سر حياة الله نفسه، سر يحوي في نفس الوقت القدرة والعَظَمَة، والضعف والتواضع.
لقد فهم القديس بولس جيداً هذا السر، كما يبين لنا نص الرسالة الأولى إلى أهل قورنتيس الذي سمعناه اليوم. فكل ما استطاع أن يعمله، هو بولس، لم يكن بشيء، أو ليس له قيمة، أمام سر ابن الله العجيب. فمهما فعل بولس، فهو لا يستطيع ان يفخر أو يجعله يتكبر ويُعجب بنفسه. فنجاحه، سعادته، هي في مكان آخر، مصدرها مكان آخر .. مكان جاء يسوع وكشفه لنا، ويتمنى أن نكتشفه، نحن أيضًا بدورنا.
إن طرق الله تختلف كثيراً عن طرقنا نحن البشر.
باختصار، إنجيل اليوم، والإنجيل بصورة عامة، يقول لنا، بأننا إذا نريد أن يكون لحياتنا معنى حقاً.. إذا كنا نريد أن نحصل على السعادة الحقيقية، فمصدر كل هذا ليس أعمالنا وما نفعله وما نفكر به.. هو ليس نجاحاتنا في أعمالنا وطموحاتنا، لكن المصدر الحقيقي يجب أن نجده في الله، ولا يمكننا أن نجده إلاّ من خلال علاقة حميمة، علاقة حب وتواضع أمام الله، علاقة تسليم للذات، أمام الله، الذي وحده يمكن أن يعطينا السعادة، وحده يمكن أن يجعل لحياتنا معنى،
هذا ما يشرح تصرف يسوع في إنجيلنا اليوم: سر نجاح يسوع وسعادته الحقيقية، ليس في المعجزات التي يقوم بها ولا في مجيء الناس إليه.. لكن في علاقة الحب الحميم التي تربطه بالآب، في علاقة الإعتماد الكلي وتسليمه لحياته بين يدي الآب. سر تصرف يسوع هذا يكشف لنا سر الملكوت نفسه، الذي يريدنا الله أن نشترك معه فعلياً في بنائه وأن نتحمل مسؤولية أعمالنا وتصرفاتنا. وكيف أن كل ما نفعله يجب أن يكون تحت نظرة الله أبينا في علاقة بنوية مليئة بالثقة والتسليم.
هذا ما يكشفه لنا يسوع اليوم، ويتمنى أن نعيشه كما عاشه هو، آمين.
مع محبة الأب غدير الكرملي

59

كل شيء منك أحبه

بحثت عنك إلهي فوجدتك جالسا عند البئر فجئت إليك ﻷريحك قليﻻ من التعب بالحديث معك، ﻷروي عطشك حين أخبرك كم أحبك، فوجدت نفسي هي من ترتاح بقربك، هي من ترتوي من حبك، شئت أن اشاركك وحدتك فإذا أنت تشارك نفسي بسﻻمك وقلبي بفرحك، اذا ساعدني إلهي ﻷتشبه بك، فأنا أحب كل ما تقوله وكل ما تفعله فلم انزعج يوما من كﻻما لك وعنك، فكل شيء منك أحبه ويفرحني ويشعرني باﻷفتخار فأنت من تشتهي النفس أن تكون مثله وتسير على خطأه وتقتدي به، نعم إلهي أحبك. آمين
5-1-201

60
الأحد الثاني للزمن العادي  (ب)   2015
قراءات القداس: (1صموئيل3: 3ب-10-19/ 1 قورنتس 6: 13ج-15أ. 17-20 /  يوحنا 1 : 35-42)

هناك بعض اللقاءات التي تحدث في حياتنا، لا يمكن أن ننساها أبداً: مثلاً عندما نلتقي بشخص يهتم بنا بصورة خاصة، بشخص يثق بنا، ويُشرِكنا في حياته ويبين لنا حُبَّه. اليوم الإنجيل يكلمنا عن أحد هذه اللقاءات.
بهذه الطريقة استطاع يسوع أن يربط التلاميذ به. ومنذ لقاءهم الأول به، أثَّر في حياتهم ولم يستطيعوا أبدا أن ينسوه بل وتغيرت حياتهم تماماً بسببه. فالإنجيلي يوحنا مثلاً، يتذكر، بعد أكثر من 50 سنة من هذا الحدث، بأن الساعة كانت الرابعة عصراً! أي أن هذا الحدث أثَّر فيه جداً وغير حياته.
هذا اللقاء بيسوع، اليوم، هو ممكن بالنسبة لنا أيضاً؛ لكن يجب نذهب ونقيم عنده، وأن نسمح له بأن يقود حياتنا، وعندها لا يمكن إلا أن تتغير حياتنا بفضله.
في بداية هذا الأحد، لنطلب من الله أن يجعل منا نحن أيضاً، على مثال التلاميذ الأولين، شهوداً وتلاميذاً حقيقين له.

يوحنا 1 : 35-42
في ذلك الزمان:
كان يوحنا في الغد أيضا قائما هناك، ومعه اثنان من تلاميذه.  فحدق إلى يسوع وهو سائر وقال: "هوذا حمل الله!" فسمع التلميذان كلامه فتبعا يسوع.
 فالتفت يسوع فرآهما يتبعانه فقال لهما: "ماذا تريدان؟" قالا له: "رابي" أي "يا معلم"، أين تقيم؟" فقال لهما: "هلما فانظرا !" فذهبا ونظرا أين يقيم، فأقاما عنده ذلك اليوم، وكانت الساعة نحو الرابعة بعد الظهر.
 وكان أندراوس أخو سمعان بطرس أحد اللذين. سمعا كلام يوحنا فتبعا يسوع.  ولقي أولا أخاه سمعان فقال له: "وجدنا المشيح" ومعناه المسيح.
 وجاء به إلى يسوع فحدق إليه يسوع وقال: "أنت سمعان بن يونا، وستدعى كيفا"، أي صخرا.
الكرازة
إنجيل اليوم يكلمنا عن دعوة يسوع للتلاميذ الأولين: المعمدان يوجه تلاميذه نحو يسوع ... يسوع هو الذي يبدأ ويأخذ زمام المبادرة ... يذهبون للتعرف على يسوع ... ثم يقيمون عنده ... وفي النهاية يذهبون يبشرون به.
هذا هو طريق كل تلميذ.
إذن كيف من الممكن أن نصبح نحن أيضاً تلاميذ للمسيح؟ أو السؤال الأهم ربما هو لماذا لا نهتم نحن اليوم في أن نصبح تلاميذه، لماذا ليست لدينا الرغبة القوية بهذا الإتجاه؟
الجواب الأساسي هو لأننا ربما بعد لا نعرفه جيداً، وبالتالي لسنا واعين تماماً بما فعله من أجلنا؟ ومن الطبيعي كي أتبع شخصًا وأهب حياتي من أجله، عليَ أن أعرفه جيداً وأن يكون هناك سبب قوي كي أسلم له حياتي.
نحن بحاجة إذن، على مثال التلاميذ الأولين، إلى أن نختبر هذا اللقاء الحميم مع المعلم. يجب أن نذهب وننظر، يجب أن نتعرف على المسيح (الكتاب المقدس وعيشه/ الأفخارستيا / الصلاة... الخ.)، وعلينا أيضاً أن نمكث معه وأن نقيم فيه، مثل الأغصان في الكرمة.
وإنجيل اليوم يكشف لنا السر الحقيقي الوحيد كي نصبح تلاميذ المسيح: يجب أن نقيم معه، أن نمكث عنده. لأن المكوث معه، الإقامة عنده هي أساس كل شيء وكل تفاصيل حياتنا عندها تأخذ معناها من علاقتنا وحياتنا معه. وهذا المكوث والعيش مع المسيح سيجعل منا شيئاً فشيئاً وبمرور الأشهر والسنين، أصدقاء ورفقاء حقيقيين لله.
في إنجيل اليوم، المعمدان يسمي المسيح "حمل الله"، هذا اللقب مهم جداً في إكتشافنا للمسيح. وربما نستطيع القول بأن مفاجأة هذا النص هي هذا اللقب الغريب الذي يُعطى للمسيح: حمل الله.
ما هو أصل هذه العبارة؟
إن عبارة "حمل الله" تشير على الأقل إلى 4 أشياء ممكنة:
فهي تشير أولاً إلى الحمل الفصحي: أي إلى طقس الفصح اليهودي وإلى خروج الشعب من مصر، فموسى كان قد طلب من الشعب أن يقوموا بهذا الطقس أي أن يذبحوا حملاً، قائلاً لهم: "من الآن فصاعداً، في كل سنة، هذا الطقس سيذكركم بأن الله مر بينكم ليحرركم ويخلصكم". ويوحنا المعمدان يُطبق هذا اللقب على يسوع: إنه هو "الحمل الفصحي" .. هو نفسه حضور الهو، هو الفصح، أي "عبور" الله (أو "مرور" الله) الذي يحرر الشعب. وهو المسيح، صورة الله، جاء أيضاً ليحررنا من عدو أقوى من أي عدو، أي من الخطيئة. فهو يحمل خطيئة العالم ويصالح الإنسانية مع الله.
النقطة الأولى إذن هي (الحمل الفصحي)؛ النقطة الثانية التي تشير إليها عبارة "حمل الله" هي الإشارة إلى "عبد الله" (عبد يهوه) الذي يكلمنا عنه النبي لأشعيا. النبي أشعيا يكلمنا عن عبد الله، وهو كائن سري، يحقق مشروع الله من خلال الألم والاضطهاد. فمنذ الجلاء إلى بابل، الكثير من اليهود كانوا ينتظرون المسيح الذي يحمل ملامح هذه الشخصية المتألمة، شخصية عبد يهوه. ويُقارَن عبد الله هذا، في آلامه، بالحمل البريء الذي يحمل خطايا العالم (أشعيا 52-53). وفي النهاية بالطبع، سينتصر هذا العبد المتألم وسيرفعه الله ويمجده (أشعيا 52: 13).
نأتي إلى النقطة الثالثة، وهي إشارة إلى أسحق: فعبارة حمل الله تشير هنا إلى الحمل المعطى من قبل الله .. الحمل الذي يعطيه الله. ففي القصة المعروفة، عندما طلب الله من إبراهيم أن يقدم ابنه إسحق كذبيحة، يسأل إسحق أباه إبراهيم: "لكن أين هو الحمل الذي سنقدمه كذبيحة؟"، وإبراهيم يجيبه: "الله هو الذي سيهيئ الحمل من أجل الذبيحة". وفي إنجيلنا اليوم، يوحنا المعمدان يرينا الحمل الحقيقي المهيأ من قبل الله: من الآن فصاعداً أُلغيَت كل الذبائح الدموية. فالمسيح يرمز إذن إلى هذا الحمل المهيأ من قبل الله والذي  محا كل خطايانا من خلال حبه لنا واستسلالمه لإرادة الآب وليس من خلال الذبائح الدموية للحيوانات كما كان الحال سابقاً. فذبيحة المسيح الحقيقية هي أنه وضع نفسه وحياته بأكملها في خدمة حياة إخوته.
النقطة الرابعة والأخيرة، هي إشارة إلى موسى. فيوحنا المعمدان يرى في المسيح موسى الجديد: فكما حرر موسى الشعب من عبودية مصر، يسوع يقوم بالتحرير الجذري، أي تحرير البشر من عبودية الشر. والربانيين اليهود كانوا يقارنون موسى بالحمل: فأمام سلطة وقوة فرعون، كان هناك ضعف وبراءة الحمل الذي انتصر عليه.

السؤال الذي علينا طرحه اليوم على أنفسنا هو: هل نحن حقاً راغبين في إتباع المسيح؟ هل نحن حقاً منجذبين نحوه؟ اليوم أيضاً يسوع يلتفت نحو كل واحد منا، كما فعل مع التلاميذ، ويسأل: ماذا تريد؟ إذا تريد أن تعرف من أنا وأين أقيم.. أي إذا كنت تريد التعرف علي واكتشافي، عليك أن تأتي وتقيم معي.. إذن إذا كنت حقاً أعرف ماذا أريد.. تأتي لحظة مهمة وحاسمة ألا وهي لحظة القرار. نحن في الكثير من الأحيان نعرف ماذا نريد أو ماذا يجب علينا أن نفعل، لكننا لا نقرر.. لا نلتزم بجيدة.. أو قراراتنا تكون سطحية وننساها بسرعة أو نتخلى عنها.
هكذا إذن، يسوع يقول لنا، إذا كنت تريد أن تعرف ماذا عليك أن تفعل، "تعال وأنظر!"

لنطلب اليوم إذن من المسيح .. حمل الله.. أن يجذبنا إليه، أن يكشف لنا حُبه لكل واحد منا ويجعلنا من تلاميذه، حتى نستطيع أن نشهد له كل يوم، لا نخف من أن نذهب خلفه ونقيم معه...

مع محبتي سلامي
الأب غدير الكرملي
[/b][/color][/size][/size][/color][/b]

61

عماد الرب  (2015)
(قراءات القداس: نشيد عبد يهوه: أشعيا 42: 1-4 ، 6-7 /  1يوحنا 5: 1-9 / متى 3: 1-17)
إخوتي وأخواتي الأحباء،
تحية عطرة في الرب يسوع.
اليوم في الطقس اللاتيني، نحتفل بعيد عماد الرب. (في عيد الدنح احتفلنا بكشف الله لذاته في أبنه من خلال إنجيل المجوس). وبهذا العيد، عيد العماد، ينتهي ما نسميه بزمن الميلاد. فالليتورجية تدخل بعد هذا العيد في الزمن الأعتيادي. هذا العيد يحدد إذن مرحلة مهمة، ليس فقط في الزمن الطقسي، لكن أولاً في حياة يسوع نفسها. فبالنسبة ليسوع، العماد هو أول فعل يقوم به في حياته العلنية، فالعماد يفتتح زمن رسالتة العلنية، زمن الكرازة.. زمن إعلانه البشرى السارة، بعد ثلاثين سنة من الحياة الخفية في الناصرة.
إذن هذا العيد، العماد، بإنهائه زمن الميلاد وإدخالنا في الزمن الإعتيادي، فهو يجعلنا أيضاً ندخل في زمن الكلمة. الكلمة الذي صار بشراً .. الكلمة الذي جاء وسكن بيننا .. وها هو يأتي لكي يلتقي بنا. إنه يأتي يطرق باب قلبنا، يأتي لكي يمس أعمق نقطة في قلوبنا والتي تتطلع إلى الخلاص.
لِنَدَعْ الكلمة إذن تدخل فينا!
اليوم، كما يقول المزمور، لا تُقَسُّوا قلوبَكم.. لا تغلقوا قلوبكم .. لكن اسمعوا وأصغوا إلى صوت الرب.. إلى كلمة الآب!
(متى 3: 1-17)
 في تلك الأيام، ظهر يوحنا المعمدان ينادي في برية اليهودية فيقول: "توبوا، قد اقترب ملكوت السموات".  فهو الذي عناه النبي أشعيا بقوله: "صوت مناد في البرية: أعدوا طريق الرب واجعلوا سبله قويمة".
وكان على يوحنا هذا لباس من وبر الإبل، وحول وسطه زنار من جلد. وكان طعامه الجراد والعسل البري. وكانت تخرج إليه أورشليم وجميع اليهودية وناحية الأردن كلها،  فيعتمدون عن يده في نهر الأردن معترفين بخطاياهم. ورأى كثيرا من الفريسيين والصدوقيين يقبلون على معموديته، فقال لهم: "يا أولاد الأفاعي، من أراكم سبيل الهرب من الغضب الآتي؟  فأثمروا إذا ثمرا يدل على توبتكم، ولا يخطر لكم أن تعللوا النفس فتقولوا "إن أبانا هو إبراهيم". فإني أقول لكم إن الله قادر على أن يخرج من هذه الحجارة أبناء لإبراهيم.  هاهي ذي الفأس على أصول الشجر، فكل شجرة لا تثمر ثمرا طيبا تقطع وتلقى في النار.  أنا أعمدكم في الماء من أجل التوبة، وأما الآتي بعدي فهو أقوى مني، من لست أهلا لأن أخلع نعليه. إنه سيعمدكم في الروح القدس والنار.  بيده المذرى ينقي بيدره فيجمع قمحه في الأهراء، وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ".
 في ذلك الوقت ظهر يسوع وقد أتى من الجليل إلى الأردن، قاصدا يوحنا ليعتمد عن يده.  فجعل يوحنا يمانعه فيقول: "أنا أحتاج إلى الاعتماد عن يدك، أوأنت تأتي إلي؟"  فأجابه يسوع: "دعني الآن وما أريد، فهكذا يحسن بنا أن نتم كل بر". فتركه وما أراد.
 واعتمد يسوع وخرج لوقته من الماء، فإذا السموات قد انفتحت فرأى روح الله يهبط كأنه حمامة وينزل عليه.  وإذا صوت من السموات يقول: "هذا هو ابني الحبيب الذي عنه رضيت".

الكرازة
لم يكن من قبيل الصدفة، أن يسوع، عندما خرج من مياه المعمودية، يسمع صوت الآب يقول: "هذا هو ابني الحبيب؛ الذي عنه رضيت (أو ممكن أن نترجم: "الذي فيه، وَضَعْتُ كل حُبي") ؛ أقول أن هذه ليست صدفة لأن هذه العبارة تأتي في نبوءة أشعيا (في النشيد الأول لعبد يهوه). إذن ومنذ بداية رسالة يسوع العلنية، يقدم لنا الإنجيل مفتاح الفهم لما يجب أن يحصل ليسوع فيما بعد، أي لماذا عليه أن يتألم ويموت ثم يقوم.. فيسوع يحقق إذن نبوءة أشعيا.. يسوع هو "عبد يهوه" الذي تنبأ عنه أشعيا.. "عبد يهوه" الذي هو مسيح الله والذي سيتألم ويهب حياته ومن ثم يرفعه الله. هكذا تأتي الشخصية السرية لعبد يهوه هذا لكي تُوضِّح لنا طريق يسوع الغريب والفريد.
ويسوع نفسه في الحقيقة، سيتكلم عن "عماد آخر" يجب أن يُعَمَّد به: "علَيَّ أن أعتمد بمعمودية (أو "عليِّ أن أقبَلَ معموديّةً، وما أشد ضيقي حتى تَتِمّ!" (لوقا 12: 50) . في هذه الآية، يستعمل يسوع صورة العماد .. صورة العبور أو المرور من خلال المياه، لكي يتكلم عن موته على الصليب.
إن الماء، في الكتاب المقدس، له هذه القيمة الرمزية المزدوجة: فهو في نفس الوقت رمز للحياة .. مصدر للحياة، لكنه أيضاً طريق يمر الموت من خلاله. الماء هو مصدر الحياة، فهو يُزهِر الصحراء، ويعيد القوى للإنسان المتعَب ويُريح ويُروي العِطاش. لكنه أيضاً سبب الطوفان، وسبب دمار كل الحياة على الأرض! ولدينا مَثل واضح على على هذا المعنى الرمزي المزدوج للماء في قصة عبور البحر الأحمر، في سفر الخروج: فالماء كان سبب عبور العبرانيين إلى الحياة وتحريرهم من العبودية، لكنه كان في نفس الوقت، سبب موت جيش فرعون الذي كان يلاحقهم.
هكذا إذن في عماد يسوع، يتداخل الموت والحياة معاً، لكن بشكل جديد وخاص جداً. فهنا ليس الموت من له الكلمة الأخيرة. فالعماد ليس مجرد صورة طقسية لمصير كل إنسان: أي المرور من الحياة إلى الموت. لكن العماد يُدخلنا في بُعد ومفهوم جديد .. يُدخِلنا في فهم جديد تماماً لسر الموت والحياة.. مفهوم جديد لحياتنا نحن.
فعماد يسوع لم يكن مجرد الإعلان عن موته على الصليب، لكنه يتنبأ ويكشف لنا أيضاً الحياة الأخرى التي تنتظرنا .. يتنبأ ويكشف لنا القيامة التي تتم بعد هذا الموت، أو من خلاله. وهذا ينطبق على حياة كل واحد منا نحن أيضاً. والقديس بولس يلخص، في عبارة قصيرة لكن مركزة جداً، هذه الفكرة الأساسية في إيماننا المسيحي، في رسالته إلى أهل قولسي عندما يقول: "إنكم دُفِنتُم مع المسيح، بالمعمودية، وبها أيضاً أُقِمتُم معه!" (قولسي 2: 12).
هكذا إذن، المعمودية، هي سر العبور من الموت إلى الحياة التي خُلِقنا من أجلها منذ البداية. ومعمودية يسوع في بداية حياته العلنية، ما هي إلاّ الإعلان أو المثال على هذا العبور أو المرور من الموت إلى القيامة، والذي هو بالذات دعوتنا الحقيقية، دعوة كل إنسان.

هكذا إذن، ومنذ لحظة عماد يسوع، ندخُل في سر معمودية المسيح، أي في الطريق الغريب الذي أختاره الله كي يخصلنا من خلاله.. نحن كنا نتمنى لو أنه يخلصنا، وبكلمة واحدة، من الشر ومن عالم الشر كله ويخلق عالماً جديداً، دون أن يمر بالآلام والموت.
هكذا، يقترح الله علينا، من خلال المسيح.. يقترح على كل واحدٍ منا أن نصبح أبناءه. وعندها، في قلب حياتنا وظلماتها وصعوباتها، سيتردد في قلوبنا نشيد المحبة هذا، نشيد المحبة الصادر عن الله الآب والموجه نحو ابنه: "أنت ابني الحبيب..."، أي الموجه نحو كل واحد منا. لكننا ربما نفضل أن لا نصغي إلى صوت الآب هذا أو إلى دعوته هذه لنا. لأن محبة الله هذا أو دعوته هي خطيرة بالنسبة لنا، فهي متطلبة جداً، لأن مَن يريد أن يُجيب عليها حقاً، يجب عليه أن يغير حياته، وأن يموت عن ذاته.. أي أن يمر بطريق العماد نفسه الذي مر فيه يسوع.. أن يموت عن ذاته من أجل الآخرين كي يقوم معه في النهاية.
فإذا تجرأنا وأصغينا إلى صوته، إذا لم نُغلق آذاننا وقلوبنا أمامه، عندها سنفتح أيدينا، عندها سنفقد كل ما كان يُكوِّن حياتنا، سنفقد إرادتنا الضعيفة الخائفة المنغلقة على ذاتها.. لأن الله عندما يسيطر على حياة شخص ما، فهذا لكي يمتلكه، ويُشرِكه في خلاص العالم. لكن السر الكبير، هو أننا عندما نفقد كل شيء .. سنربح كل شيء .. لأن الله وحده يكفي.
إذن، على مثال المعمدان، وعلى مثال كل الذين تبعوا يسوع، نحن مدعوون لأن نتوقف، نحن أيضاً، عن أن نطلب من الله أن يجيب عن إنتظاراتنا، وأن يخلصنا بحسب طرقنا نحن. وربما عندها سنسمع نحن أيضاً، بدورنا، صوت الآب هذا الذي كان قد قال لبطرس وليعقوب ويوحنا، على جبل التجلي: "هذا هو ابني الحبيب.. الذي وضعت فيه كل فرحي، وضعت فيه كل محبتي، اسمعوا له .. اصغوا إليه!" وإذا أصغينا إليه وعملنا بمشيئته، ستصبح حياتنا على مثاله، مليئة برائحة الآب الطيبة.. مليئة بنِعَم الآب وبروحه القدوس الذي يعطي لحياتنا، لكل حياتنا معنىً وهدفًا، على الرغم من كل صعوباتها وأحزانها، آمين.
مع محبتي سلامي
الأب غدير الكرملي



62

صرت طفلاً

يارب أن صرت طفلاً هذا يعني أنك صرت مثلي أنساناً لتغير نظرتي لكل شيء، لتحول نظري نحو السماء لأني للسماء خلقت، لتغير نظرتي للأنسان الذي معي يعيش لأراك فيه فأحبه من كل قلبي ونفسي، صرت طفلاً مثلي لتغير كل شيء فيا، افكاري فأخرج من ذاتي نحو الآخر، لتغير اقوالي فلا اسيء بكلمة لا لك ولا لأي انسان، لتغير اعمالي فتكون كلها للخير فلا اعمل من يهينك ولا يهين الآخر، صرت طفلاً لتغير قلبي ليكون مستعداً وساهراً ويقظاً كي يراك حين اليه تأتي، صرت طفلاً لتغير نفسي فتطيع الروح لا الجسد، صرت طفلاً لتغير العالم من ظلام الى النور، من الخطيئة الى البر والقداسة، صرت طفلاً ولكن ليس كأي طفل فأنت من السماء ونحن من الأرض، نعم ربي صرت مثلي ولكن الفرق بينك وبيني انك لم تعرف الخطيئة وانا عرفتها وعشتها. آمين

9-1-2015


63

عيد الدنح  (ب)  2015
قراءات قداس اليوم: (أفسس 3: 2- 3أ ، 5 - 6 / أشعيا 60: 1-6 / متى 2: 1-12)

مقدمة الكاهن
نحن لازلنا في الزمن الميلادي: بقي لنا أحد آخر وينتهي هذا الزمن الطقسي وندخل في الزمن الأعتيادي للسنة الطقسية. في الطقس اللاتيني نحتفل اليوم بعيد الدنح (أي عيد ظهور الله في  العالم.. أو كشفه ذاته للإنسان)، وسنحتفل الأحد القادم وهو الأخير من زمن الميلاد، بعيد عماد المسيح.
ففي كنائسنا الشرقية، في عيد الدنح، نقرأ إنجيل العماد (أي كيف أن الله كشف ذاته من خلال ابنه ونزول الروح عليه وكذلك سماع صوت الآب يقول: "هذا هو ابني الحبيب..." .. بينما في  الطقس اللاتيني، في عيد الدنح، نقرأ إنجيل ظهور الله للمجوس من خلال النجمة التي قادتهم إلى مكان ولادة المسيح (أي الله يكشف ذاته للبشرية في حدث الولادة)؛ بينما الأحد القادم سنقرأ إنجيل العماد. أي في الطقس اللاتيني هناك عيدان مختلفان: الدنح (الله يُظهِر ذاته للعالم: نص المجوس)، وكذلك عيد عماد الرب (إنجيل العماد) بينما في كنائسنا الشرقية، لدينا عيد الدنح الذي نحتفل فيه بعماد الرب يسوع. وهذا مجرد اختلاف في التقاليد الطقسية.
في زمن الميلاد هذا، وفي بداية هذه السنة الجديدة، لنقدم حياتنا بكل تفاصيلها، لنقدم حياتنا بنعمها وبنواقصها وصعوباتها إلى الله ولنطلب منه أن يعطينا في بداية هذه السنة الجديدة، قلباً جديداً، قلباً يعرف كيف يُحب أكثر من قبل، قلباً يعرف كيف يكتشف حضوره يومياً بيننا وفينا.

متى 2: 1 – 12
ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية، في أيام الملك هيرودس، إذا مجوس قدموا أورشليم من المشرق وقالوا:  "أين ملك اليهود الذي ولد؟ فقد رأينا نجمه في المشرق، فجئنا لنسجد له".
 فلما بلغ الخبر الملك هيرودس، اضطرب واضطربت معه أورشليم كلها. فجمع عظماء الكهنة وكتبة الشعب كلهم واستخبرهم أين يولد المسيح.
 فقالوا له: " في بيت لحم اليهودية، فقد أوحي إلى النبي فكتب: "وأنت يا بيت لحم، أرض يهوذا لست أصغر ولايات يهوذا فمنك يخرج الوالي الذي يرعى شعبي إسرائيل".
 فدعا هيرودس المجوس سرا وتحقق منهم في أي وقت ظهر النجم.  ثم أرسلهم إلى بيت لحم وقال: " اذهبوا فابحثوا عن الطفل بحثا دقيقا، فإذا وجدتموه فأخبروني لأذهب أنا أيضًا وأسجد له".
فلما سمعوا كلام الملك ذهبوا. وإذا النجم الذي رأوه في المشرق يتقدمهم حتى بلغ المكان الذي فيه الطفل فوقف فوقه. فلما أبصروا النجم فرحوا فرحا عظيما جدا.  ودخلوا البيت فرأوا الطفل مع أمه مريم. فجثوا له ساجدين، ثم فتحوا حقائبهم وأهدوا إليه ذهبا وبخورا ومرا.
 ثم أوحي إليهم في الحلم ألا يرجعوا إلى هيرودس، فانصرفوا في طريق آخر إلى بلادهم.
الكرازة
في تفكيرنا وفي داخلنا، عيد الميلاد مرتبط دوماً بالفرح .. بجو من الفرح الداخلي. ولكننا ننسى ربما في الكثير من الأحيان بأن ميلاد المسيح كما ينقله لنا الإنجيل، لم يكن عيداً بالنسبة للعالم عندما حدث.. بل ربما بالعكس!
فالإنجيل يكلمنا عن تناقض عجيب: فمن جهة، هناك الفرح الكبير للمجوس الوثنيين .. هؤلاء الباحثين عن الله، الذين  تركوا كل شيء في حياتهم وبدئوا السير لمجرد أنهم رأوا علامة بسيطة.. نجمة..  ومن جهة أخرى نجد هذا القلق الكبير الذي سيطر على الملك هيرودس والمقربين منه عندما أُعلن لهم هذا الحدث! فبالنسبة للمجوس، ميلاد يسوع كان مصدر فرح عظيم، بينما نفس هذا الحدث بالنسبة لهيرودس والآخرين، كان مصدراً للقلق والإرتباك والإضطراب. فالله، بمجيئه إلى هذا العالم .. وبمجرد حضوره البسيط، غَيَّر جذريًا موازين حياة الإنسان.
 فهذا المجيء، مجيء الله في حياتنا، وكما أعلنه النبي أشعيا (أنظر قراءة قداس اليوم الأولى: أشعيا 60: 1-6)، ما هو إلاّ مجيء النور في حياتنا .. حياتنا التي يملأها الظلام وينتشر في كل الأرض. وإذا كان النبي أشعيا يُصر قبل كل شيء على الطابع المفرح والإحتفالي والعجيب لهذا المجيء، فهذا لا يمنع بأن هذا الحدث يهز ويحرك ملكوت "الظُلمة" تُغطي الأرض كلها" و"الديجور" التي "يشمل الشعوب". فبمجيئه إلى هذا العالم، يكشف نور الله الظلمات ويفضحها،  بل إنه يكشف ظلمات قلوبنا أيضاً.
بالنسبة لهيرودس، "وكل أورشليم معه"، كان مجي المسيح يعني أولاً نهاية حقبة، نهاية مرحلة تأريخية. فقبل مجيء يسوع، كانوا قد تعودعوا على عدم انتظار أي شيء من الله .. لم يعودوا ينتظرون أي شيء من الله، إلاّ بشكل خجول جداً.. لم يعودوا ينتظرون مجيء هذا المسيح الذي أُعلن عن مجيئه في الكثير من النبوءات. فهم كانوا مستقرين في حياتهم وفي طريقة عيشهم التي اختاروها، لدرجة أنهم لم يعودوا يرغبون أو يتمنون حتى مجيئه .. أي أنهم كانوا مُكْتَفين بذاتهم... فحتى لو كانوا لا يزالون يقرأون ويدرسون الكتاب المقدس، أو حتى لو كانوا يعرفون أين يجب أن يولد المسيح .. فهم في الحقيقة لم يعودوا ينتظرون أي شيء من الله.. من مجيئه! وبمرور الوقت، ضعف انتظارهم ورغبتهم هذه في مجيئه .. أو لم يعد لمجيء الله في حياتهم أي معنى.
لكن الموقف، بالنسبة للمجوس، كان مختلفًا تماماً: فهذه النجمة الصغيرة كانت كافية لكي تلد في داخلهم هذه الرغبة الروحية الحقيقية. كانت كافية كي تجعلهم يثقوا ويقبلوا أن يسيروا بهداها وخلفها، مع أنهم لم يكونوا يعرفوا إلى أين ستقودهم، مثل إبراهيم. وأثناء الرحلة خلف النجمة، كان الإنتظار يكبر فيهم. ورحلتهم الطويلة هذه إلى بيت لحم أصبحت مثل رحلة روحية داخلية لولادة المسيح في حياتهم. فهذا الطريق الطويل الذي قاد هؤلاء الوثنيين إلى أورشليم كان مثل طريق نضوج قلبهم وإيمانهم. فهم الذين كانوا علماء وحكماء، قبلوا أن يتنازلوا ويسألوا الآخرين.. قبلوا أن ينتظروا، قبلوا أن لا يقرروا ويختاروا بالإعتماد على أنفسهم الطريق الذي يجب أن يتبعوه...  بل ذهبوا واعتمدوا على كلام الآخرين عندما اختفت النجمة من طريقهم ولم يعودوا يعرفوا الطريق. هكذا إذن، وبدون أن يعوا ذلك، يبدو أن بحثهم المستمر والطويل هذا، غير حياتهم تماماً لأنهم قبلوا أن يسلموا زمام أمورهم إلى آخر .. إلى الله من خلال علامات حضوره في حياتهم.
إن هذا التناقض بين النور والظلمات، بين غفوة رغبتنا في أنتظار الله وبين البحث الداخلي المستمر عنه، سنجده فينا نحن أيضاً. ففي الحقيقة، هيرودس والمجوس هما وجهان موجودان فينا.. وجهان لقلبنا نحن.
ألسنا نحن أيضاً، من هؤلاء الناس المُكتَفين .. الذين يعرفون الكثير عن الله لدرجة أنهم لم يعودوا حتى يروه عندما يمر.. عندما ياتي، عندما هو هنا؟ فالله بيننا لكننا لا نعرفه أو لا نكتشفه! لكن ألسنا نحن أيضاً، في أعماقنا،  مدفوعين باستمرار للبحث والإنطلاق من جديد، بواسطة نجمة صغيرة تنير في حياتنا، على الرغم من ظلمات الشك التي تحوطنا، وعواصف الحياة اليومية أو من اكتفاءنا بما نعيشه؟
نحن في نفس الوقت، هيرودس هذا، الذي لا يريد أن يذهب للبحث عن المسيح، لأنه يريد أن يحافظ على ما يعتقد أنه يملكه، والذي هو مستعد لعمل كل شيء، حتى لو كان سيدمر ويهلك آخرين، كي يبقى في مكانه الحالي المريح بالنسبة له ولا يريد أن يغير أي شيء من حياته... لكننا أيضاً هؤلاء المجوس، الذين تركوا كل شيء كي يتبعوا علامة من الله ظهرت في حياتهم وأنارتها. نحن إذن هذا الخليط من النور والظلمات.. خليط من الإيمان والإكتفاء بأنفسنا وبما نعيشه، خليط من الفرح والقلق.
إذن السؤال المهم اليوم هو: هل نجرؤ، مثل المجوس، أن نتبع النجمة؟ أن نتبع هذه الأنوار الصغيرة التي يضعها الله بين الحين والآخر في حياتنا .. أن نتبع إذن علامات حضور الله في حياتنا.. والتي تتطلب في الكثير من الأحيان، تغييراً جذرياً في طريقة عيشنا؟
فيجب أن نعلم بأننا إذا قبلنا أن نتبع النجمة.. أي أن نتبع طريق الله .. أو كل ما يقودنا إلى طريقه، علينا أن نقبل تغيير حياتنا؛ فالمجوس، يقول لنا الإنجيل، بعد أن حَذَّرهم الله في الحُلم، يعودون إلى بلدهم، لكن من طريق آخر. لأن عليهم أن يتجنبوا هيرودس. بالمعنى الروحي يمكننا القول: إن مَن يقوده الله حتى المذود، أي إلى اكتشاف طفل الميلاد، يستطيع أن يعود إلى بيته، إلى بلده، إلى أهله، لكن هذا سيكون من طريق آخر، أي يجب عليه أن يغير طريقه. أي يغير حياته وتصرفاته، وطريقة عيشه والطريق التي كان يستعملها عادة، فلا يمكن أن تكون بعد كما كانت في السابق. لأن مَن يذهب إلى بيت لحم، سيحصل في حياته تغييراً جذرياً... فمَن يكشف المسيح حقاً ويتركه يولد في قلبه، لا يمكن أن يعود إلى نفس طريقة حياته السابقة... إن مَن يسمح للمسيح أن يمس قلبه ويملك على حياته، لا يمكنه بعد أن يتصرف كما كان يفعل في السابق.. حضور الله الحقيقي في حياتنا يتطلب إذن تغييراً مهماً في حياتنا وفي طريقة تعاملنا مع الآخرين.
السؤال إذن هو موجه لكل واحد منا اليوم: نحن .. ماذا تَغَيَّرَ في حياتنا؟ هل حقاً نريد أن نغيرها من أجل الله؟ نحن نَدَعّي بأننا لا نعرف كيف يجب أن نغيرها أو ماذا يطلب منا الله أن نقدمه له، فأي شيء يمكننا أن نقدمه لله حقاً؟
لكن في الحقيقة، نحن نعلم في قرارة أنفسنا، وعندما نتأمل في حياتنا ولو قليلاً، نعلم بأن الله لا يريد إلاّ أن نستقبله في حياتنا وقلوبنا وبيوتنا. إنه لا يريد منا هدية، فهو مَن يريد أن يعطينا. واليوم يبدو أنه يريد  أن يعطينا شيئاً ثميناً كما يفعل دوماً .. يريد أن يهبنا هدية ثمينة، لكنها في نفس الوقت مسؤولية يجب أن نهتم بها... إنه يريد أن يعطينا الآخر .. القريب، كي نهتم به ونحاول أن نحبه وأن نرى حقاً المسيح فيه.
لنطلب من الله وبثقة، أن يأتي ويولد فينا .. لنطلب منه أن يأتي ويُظهِر لنا وجهه .. وأن يفتح عيوننا كي نكتشفه كل يوم في أخوتنا، وأن يُعَلّمِنا بالفعل كيف نُحِبّ حقاً. آمين.
مع محبة وسلام الأب غدير الكرملي

64

عام 2015
يامن فتح الباب المغلق لسنين وسنين بين اﻷرض والسماء، يامن دع النور الحقيقي يصل لكل إنسان، اعترف كثيرة هي اﻻمنيات لهذا العام وكلها بين المهم واﻻهم، السلام واﻻمان في كل مكان من العالم فيعيش كل إنسان بأطمئنان، حضورك الدائم في حياة كل إنسان فيعرف قراءة أحداث حياته فيغهم ما يحدث معه، اﻻمتلاء من روحك فيعيش كل إنسان في فرح وسلام في كل الظروف، ليكن هذا العام عام الرجوع، رجوع كل إنسان إليك ياالله رجوعه عن خطيئته، رجوعه عن انانيته وكبريائه، رجوع البعيد عنك والذي ينكرك وﻻ يؤمن بك، رجوع كل إنسان إلى بيته وحياته المشرد والمهجر، عام خروج كل إنسان من ذاته، ليكن عام يزيد فيه الخير ويقل الشر، يامن تحبنا وتريد خﻻصنا أكثر من أنفسنا ساعدنا لنعمل منذ اﻵن معك ولمجد اسمك. آمين
3-1-2015

65

كما أنت معي ...
نعم احبك إلهي ولكني أرغب أن احبك من جديد، اعترف أني احببتك ﻷنك تحبني وﻻ تدعني احتاج شيء، ﻷنك تحميني وتحرسني في ليلي ونهاري، ﻷنك تخاف علي وتريد خﻻصي، ولكني اﻵن أرغب أن احبك لذاتك ﻷنك تستحقُ أن احبك، تستحق ُ أن اكون صادقة وامينة معك، تستحق أن اعطيك نهاري وليلي، تستحق أن اكون معك كما أنت معي. آمين
3-1-2015

66

تعال أيها الحبيب فأنا بدونك وحيدة، تعال يا سبب وجودي منذ أن كنت في فكرك، سبب وجودي اليوم بين ناسي واحبتي، نعم مازلت ابحث عنك واردد اسمك ثم اصمت واصغي لك فأنسى نفسي، تعال فلا عيد وﻻ فرح وسلام بدونك. آمين

67

25رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال هبة ذاته للإنسان.
الأربعاء24 كانون الأول 2014: الله يهب ذاته ..
"هذا ما تصنعه محبةُ رب الجنود العظيمة. "

هكذا إذن! الله يُخَلِّص بوَهْبِ ذاته إلينا، واليوم .. في مساء هذا اليوم.. تساعدنا الليتورجية في جعل هذا الحدث حاضراً في حياتنا. نورٌ، وبشرى، وفرح.. هي علامات هذا المجيء.. يرافقها شعور بفرح الإنتصار وفرح الحصاد. فالحياة المزروعة تحمل من الآن ثماراً. فهو سيأتي مثل ذاك الذي"ينشُر على عرشِ داؤدَ ومملكته سَلامًا دائماً لا انقضاءَ له"(أشعيا 9: 6) لكن ليس أي سلام: فهذا هو الوعد الواقعي الملموس لذاك الذي لا "يسكن" فقط في رجاء كل الشعب لكن أيضاً في كل تأريخه، كل تأريخنا نحن. بكلمة أخرى: مجيء الله في حياتنا هو رجاء نحمله داخلنا.. يسكن فينا ويرافق كل تأريخ حياتنا. بل أكثر من ذلك: إنه يسكن جسدنا ذاته. في هذا الحدث الذي هو دائماً حاضر ومتجدد باستمرار، الكلمة يأتي ويسكن – ويُحَوِّل – كل ما نحن عليه: النِير الثقيل، العصا التي تقسو على الكتف، هو نفسه سيحملها عنّا؛ والحصاد سيرتفع بفضل حياته المزروعة فينا؛ والفرح سيُعلِنُ انتصاره على كل الآلام، وسينشرُ بيننا نوراً عظيماً في قلب ظلام حياتنا وقلوبنا. لا شيء فينا غريب عنه. فالله تبنى حياتنا ذاتها. فانتشرت نعمته بذلك في كل ظلماتنا. لكن لننتبه قليلاً: فكل ذلك، علينا أن نكتشفه في وجه طفل فقير من هذه الارض. لا أكثر. وجه بين أوجه كثيرة أخرى. وجه فريد، لكنه في نفس الوقت، يشبه كل الأوجه الأخرى لأبناء البشر... فيه.. هو الذي يُشبهنا .. فيه، الله يُخلصنا. "هذا ما تصنعه محبةُ رب الجنود العظيمة".

نص اليوم: أشعيا9: 1–6
الشعب السائر في الظلمة، أبصر نورا عظيما؛ والجالسون في بقعة الموتِ وظللاله، أشرق عليهم نور. كَثَّرْتَ له الأُمّة وَفَّرْتَ لها الفرح. يفرحون أمامك، كالفرح في الحصاد، كابتهاج الذين يتقاسمون الغنيمة. لأن نِيرَمَشَقَّتِها، وعصا كَتِفِها، وقضيبَ مُسَخِّرِها، قد كَسَرْتَها، كما في يوم مِدْيَن,
لأنه قد وُلِدَ لنا وَلَد، وأعطي لنا ابن؛ فصارت الرئاسة على كتفه، ودُعِي أسمُهُ عَجيبا، مُشيراً، إلهًا جباراً، أبا الأبد، رئيسَ السلام.هكذا ستنمو رئاسته، وسينشُر على عرشِ داؤدَ ومملكته سَلامًادائماً لا انقضاءَ له. وستُؤَسَّسُ مملكته على الإنصافِ والعدل، من الآن إلى الأبد. هذا ما تصنعه محبةُرب الجنود العظيمة.
يا رب،إن يومك قل حَلّ ... يوم ظهورك .. فالله القوي والطفل، يُسَلَّمُ بين أيدينا. أعطنا أن نشعر بهذا الفرح الذي يُولَدُ من ضعفنا الذي أخذْتَه أنت على عاتقك .. هذا الفرح الذي يولد من تجاربنا المحمولة من قِبَلِكَ .. الفرح الذي يولد من الموت الذي هَزَمْتَه يا رب.
لينتشر هذا الفرح إلى العالم بأكمله، وليأتِ ويَمس كل هؤلاء الذين، خاصة في هذه الليلة، يعانون من ألم الوحدة، والمرض، والشيخوخة، والفقر، والتهجير، والرفض. ليروي هذا الفرح كل حياتنا وليبقَ أقوى من كل شكوكنا وأحزاننا. تَبارَكْتَ يا رب إلى الأبد، أنت الذي تأخذ طرقاً غير متوقَعَة، أنت الذي تلتزم في إنسانيتنا دوماً، أنت الإله الذي حُبُّه يُخَلِّصنا إلى الأبد. آمين.

ميلاد سعيد وكل عام وانتم بالف خير
مع محبة الأب غدير الكرملي
وماري ايشوع

68

24رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال هبة ذاته للإنسان.
الثلاثاء23 كانون الأول 2014: مثل السارقأتي فجأة إلى هيكله السيد الذي تلتمسونه"
من خلال قراءة الآبيات الأخيرة من سفر ملاخي النبي، تضعنا الليتورجية اليوم في نقطة الإتصال بين العهد القديم والجديد. فهذا السفر هو السفر الأخير في العهد القديم، وإذا قلبنا ولو صفحة واحدة سنجد أنفسنا في الجهة المقابلة، أي في العهد الجديد، وسنقرأ: "نسب يسوع المسيح، ابن داود، ابن إبراهيم" (متى 1: 1). مع أننا هنا في نصنا اليوم لا نتكلم عن ولادة ولا عن وعد، بل ولا عن الفرح أو عن الخلاص، لكننا نتكلم في نصنا اليوم عن"يوم عظيم ورهيب" (ملاخي 4: 5)، حيث كل شيء سيُحرَق في "نار السباك"ويُطَهَّر بـ "كمسحوق منظف للثياب"(3: 2). فنحن هنا أمام حكم .. دينونة – وربما سنستغرب ونقع في حيرة بقراءتنا هذا النص في عشية عيد الميلاد. نعم، نحن سنُحاكم – لكن من قِبَل ذاك الذي جعل نفسه أصغر وأضعف من الذين جاء كي يحاكمهم. يوحنا المعمدان دق ساعة مجيء "الرب الذي تبحثون عنه"(يوحنا 3: 8)، وسيكون"فجأة"،هنا بيننا، مثل ذاك الذي لا ننتظر مجيبه أبداً لأننا حتى إذانبحث عنهفبفتور، ننتظره، لكننا لا نعرف "لا من أين يأتي ولا إلى أين يذهب"(يوحنا3: 8)، ذاك الذي يأتي "مثل السارق"،كما يقول لنا العهد الجديد ذلك ولأكثر من مرة (1 تسالونيقي 5: 2. 4؛ 2بطرس 3: 10؛ رؤيا 3: 3؛ 16: 15)، مثل النور في الظلمات.. مثل النار في الحطب.
فهل يجب إذن أن نخاف؟
كلا بالطبع، لكن بالأحرى علينا أن نأخذ بعزم طريق بيت لحم، وأن نضع جانبًا كل أفكارنا المسبقة:
فالطفل الذي سنلتقي به، ينتظر منا تقدمة الرحمة والسلام ينتظر منا أن نقدم له حياتنا تقدمة حُرّة طاهرة.
نص اليوم: ملاخي 3: 1– 4 ؛ 4: 5 - 6
هاءنذا مرسل رسولي،لِيُعِدَّ الطريق أمامي، ويأتي فجأة إلى هيكله السيد الذي تلتمسونه، وملاك العهد الذي تتمنوه، ها إنه آت، يقول رب الكون. فمن الذي يستطيع أن يحتمل يوم مجيئه؟ ومن الذي سيستطيع الوقوف عند ظهوره؟ فإنه مثل نار السباك، كمسحوق منظف للثياب.فيجلس كي يصهُر ويُنَقِّي الفضة، فينقي بني لاوي ويمحصهم كالذهب والفضة، هكذا سيتمكون، في نَظَر الرب، قادرين على تقديم القربان في البِر. فتكون عندها تقدمة يهوذا وأورشليم مرضية للرب، كما في الأيام الماضية والسنين القديمة،
هاءنذا أرسل إليكم إيليا النبي، قبل أن يأتي يوم الرب العظيم الرهيب،فيرد قلوب الآباء إلى البنين، وقلوب البنين إلى آبائهم، لئلا آتي وأُنزِل على الأرض اللعنة.
يا رب، ها هو يوم مجيئك يقترب؛ اليوم الذي فيه سنحتفل في هيكل الكنيسة بولادتك، ويا ليتنا نحتفل فيه في نفس الوقت بولادتك في هيكل قلبنا. أنت تريد أن تأتي كي تجعل من قلبنا مسكناً لك. نشكرك يا رب، لأنك كشفت لنا بأنك لن تأتي بالقوة والمجد، لكن في الحنان والضعف. نشكرك لانك أفهمتنا بأننا سنُحاسَب في اليوم الأخير على المحبة، وبأننا سنقف في ذلك اليوم ليس أمام الحاكم المخيف، بل أمام حُبِّك الرحوم، أنت إلهنا العظيم وربنا الحنون، الذي أراد أن يصبح طفلاً ويهب ذاته لنا، أنت الذي ياخذ حُكمك شكل الخلاص، تعال يارب .. تعال وخلصنا!

69

23رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال هبة ذاته للإنسان.
الأثنين 22 كانون الأول 2014: نبوءة الضعفاء
"كُسِرَتْ قِسيُّ المقتدرين، ولَبِس الضعفاء القوة"
النبية حنّة، هي صورة الرجاء الطافح الذي نتأمله اليوم. "لقد حَبِس الرب رحمها تماماً"(أي جعلها عاقراً)، هذا ما نقرأه هذا في بداية سفر الملوك الأول (1: 6) كان هذا هو المنطق الخاص بنصوص العهد القديم، والذي كان يَنسُب كل شيء إلى إرادة الله. لكن حنّة لم تكن تقبل هذا المنطق: فاستقرت في الهيكل، وأخذت تصلي باستمرار.. صلاة "المرأة المحزونة، المكروبة النفس" (1: 15) .. كانت تذرف صلاتها مع دموعها أمام الرب. وكي تتأكد من أن الله سيستجيب صلاتها، أعطت مُقَدَّما. فنراها تَعِدُ مُسبقًا ما تطلبه. أي أن هِبَتها تسبق الهبة التي تريد أن تستلمها..فهي تقول:"يا رب، إنْ أنت نَظَرتَ إلى بؤسي أنا أَمَتك، وأعطيتَني مولودا ذكرا، سأعطِه للرب لكل أيام حياته.." (1: 11). أي أنها تَنذِر مقدّمًا الطفل الذي لم تستلمه بعد.. تَنذره لله. وكانت صادقة ولم تخدع الرب. فنحن نراها من جديد في الهيكل اليوم، حيث تأتي كي تُكمِل وتحقق وعدها هذا. أعطاني الربُّ بُغْيَتي التي سألتُها من لدنه. ولأجل ذلك، أعطيها بِدوري للرب.." (1: 27 - 28). لأنها آمنت، حنّة العاقر.. استلمت من الرب مقدرة العطاء. وبوهبها ما أستلمته من الله، حنّة التي أفاض عليها الله عطيته، تُصبح نَبية:
فليس الأقوياء ولا المقتدرين مَن يستطيعون استقبال الله الذي يهب ذاته، لكن مَن يستطيع ذلك هم هؤلاء الذين حتى لو كانوا أقوياء ومقتدرين في عيون العالم، يعرفون في أعماقهم بأنهم لا يختلفون عن إخوتهم: أي يعرفون أنهم هم أيضاً ضعفاء وصغار. إن الله لا يهب ذاته من أعلى عَظَمته، لكنه ينزل لأقصى درجة إلى أن يجعل من نفسه الأصغر والأضعف. هذا هو خياره الإلهي، هو الله: فهو أخلى ذاته إلى أبعد الحدود كي يتمكن أضعف وأصغر بني البشر من أن يستقبله.
نص اليوم: 1 ملوك 1: 24–28 ؛ 2: 1أ
لما فَطَمَتْ حَنَّةُ صاموئيل، صعدت به ومعها ثلاثةُ عجول وإيفةٌ من دقيقٍ وزِقُّ خَمر، وجاءَت به إلى الربِّ في شيلو. وكان الصبي لا يزال طفلا. فذبحوا العِجل، وقَدَّمُوا الصبي إلى عالي. وقالت: "يا سيدي، حَيَّةٌ نفسك! أنا المرأة التي وقفت لديك ههنا تصلي إلى الرب. إني لأجل هذا الصبي صَلَّيْتُ، فأعطاني الربُّ بُغْيَتي التي سألتُها من لدنه. ولأجل ذلك وهبته للرب، كلَّ أيامِ حياتِه، يكونُ موهوبٌ للرَّب". وَسَجَدُوا هُنَاكَ لِلرَّبِّ.
فصلت حنة فقالت: إبتهج قلبي بالرب وارتفع رأسي بالرب، واتسع فمي على أعدائي، لأني قد فرحت بخلاصك. لا قدوس مثل الرب، لأنه ليس أحد سواك وليس صخرة كإلهنا. لا تكثروا من كلام التشامخ، ولا تخرج وقاحة من أفواهكم، لأن الرب إله عليم وازن الأعمال. كسرت قسي المقتدرين ولَبِس الضعفاء القوة. الشباعى آجروا أنفسهم بالخبز والجياع كفوا عن العمل حتى إن العاقر ولدت سبعة والكثيرة البنين ذبلت. الرب يميت ويحيي يحدر إلى مثوى الأموات ويُصْعِدُ منه. الرب يُفْقِرُ ويُغنِى، يَضَعُ ويرفع. يُنهِضُ المسكينَ عن التراب، يُقيم الفقيرَ من المزبلة ليجلسه مع العظماء، ويورثه عرش المجد.
يا رب، نحن لا نستطيع ن نهب لك إلاّ ما أنت تعطينا إياه. لكننا، مثل حنّة، نقف أمامك، بإيمان وثقة. أنت الذي أفضت علينا نعمك، وستفيض علينا دومًا عطاياك من خلال مجيء ابنك.
ماذا يمكننا بالمقابل أن نقدم لك غير أنفسنا يا رب، كي نُجيب بحُبٍّ على حُبِّك؟
أعطنا كَرَمَ حنّة، وثقة صموئيل الطفل، لكي وعلى مثالهم، نضع أنفسنا في خدمتك، ولكي نعمل معك على إشباع من هو جائع، وإغناء من هو فقير، ورَفع من هو مهان. تعال يارب .. تعال وخلصنا!

70

السير نحو الميلاد ...
تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
موضوع الأسبوع الرابع:

الله الذي يُخَلِّص من خلال هبة ذاته للإنسان.
الله يُخلِّص. هذا هو السِر الذي نتأمله منذ بداية زمن المجيء هذا وخلال مسيرتنا نحن الميلاد هذه السنة. فالله يُخَلِّص من خلال مجيئه لملاقاة الإنسان، ومن خلال خلقه كل شيء جديداً – هو "الخالق الأمين" (1 بطرس 4: 19)- ومن خلال عقده أو إقامته عهداً مع الإنسان. ههذ كانت مواضيع الأسابيع الثلاثة الماضية، والتي سضمحت لنا أن نكتشف وجهَ إلهنا الذي يجعل من نفسه قريباً.. أكثر فأكثر قربًا، والذي أراد أن يتحد، بعزم وتصميم، بإنسانيتنا، كي يُخَلِّصها، وذهب حتى النهاية في هذا الطريق من خلال وهب ذاته لنا؛ هذا هو السِر الذي سنتأمل فيه في هذه الأيام القليلة التي تفصلنا عن ميلاد الرب يسوع. في هذه الأيام، نحن ربما منشغلين جداً بكل أنواع التحضيرات الضرورية بالتأكيد لاستقبال العيد، لكننا مدعوون فيها أيضاً إلى أن نفتح كل يوم كتابنا المقدس كي نسمح لله أن يُشبِعنا من الخبز الوحيد الذي بمقدوره حقاص أن يُغذِّينا ويُشبعنا: كلام الله "الحي والدائم" (1 بطرس 1: 23).
الله يُخَلِّص من خلال عطيّةِ ذاته. كان بإمكانه أن يُخلِّصنا بطريقة أخرى، هو الكلي القدرة، لكنه مع ذلك يختار ليس فقط أن يتكلم، ليس فقط أن يُعلن أن أن يقيم عهداً – أي كل الأشياء التي تحافظ خارجياً على مقام كل طرف من أطراف العهد وعلى الإختلافات بينهما-، لكنه أراد أن يشارك بشكل كامل وتام وضع الإنسان، "هذا "المسافر الفقير" على طريق الأرض، لكي نحن بدورنا نشاركه حقاً ما هو عليه. كان لآباء الكنيسة (إيريناوس، أثناسيوس...) عبارة جوهرية لشرح ذلك: "الله صار إنساناً، كي يصير الإنسانُ إلهاً". فالله يهب ذاته بأكلمه كما هو من خلال عندما صار إنسانًا. بكلمة أخرى: الله يهب ذاته من خلال التخلي عن ذاته؛ الله يهب ذاته من خلال نزوله.. تنازله، تضاءله.. جعل من نفسه ضعيفاً! الله المحبة أشفق على الفراغ الكبير الذي كان في إنسانيتنا، وأراد أن يملئه بذاته هو! افرغ ذاته كي يملأ الإنسانية من ذاته.. أخلى ذاته يقول القديس بولس. ملئنا من قوته التي أتتنا كضعف! (الله يأتي كطفل في مذود).. ملأ الإنسانية من نوره المختبء في الجسد، من حُبِّه الذي تلون بلون الدم (الحَمَل الذبيح، مصلوب الحُب): مَن يستطيع أن يستوعب سِرًّا كهذا ؟ كيف لا نندهش أمام سر الإيمان هذا!
لكي نتأمل في قرب الله العجيب هذا من الإنسان .. والذي يهب ذاته كي يقترب منا، سنقوم وببساطة، كما فعلنا سوية طوال زمن المجيء، بفتح قلوبنا لكلام الله الذي تقترحه علينا ليتورجية هذه الأيام. سنستمع إلى سلسلة من الشهادات التي تعلن المُخَلّص: سنلتقي بصاموئيل، الذي دعوته النبوية ستكون الإصغاء إلى كلام الله، ثم برسول الله الذي يجب أن "ينقي ويُطهر"، وسنمر بـ "عمانوئيل"، ابن العذراء، "الطفل المولود لنا .. الأبن المعطى لنا".. لنستجمع قوانا إذن في نهاية مسيرتنا نحو الميلاد، ولنستمر في الإصغاء بحماس وانتباه إلى كل كلمة من كلام الله... الله الذي جاء "ونَصَبَ خيمته بيننا" (يوحنا 1: 14). لا نخف أبداً من المغامرة والسير خلفه.. لنفتح أبواب قلوبنا وليدخل الكلمة: فالكلمة ، من أجلنا، صار بشراً.
الأحد 21 كانون الأول 2014
الله الذي يُخَلِّص من خلال هبة ذاته للإنسان
تذكير: في هذا الأسبوع الرابع من زمن المجيء، سنستمر في السير في طريقنا نحو الميلاد وبنفس الإيقاع الإعتيادي: القراءةالليتورجية الأولىالمخصصة لكل يوم، هي التي تقود تأملنا إنطلاقًا من موضوع الأسبوع وكما فعلنا في الأسابيع الثلاثة الماضية. موضوع هذا الأسبوع هو:"الله الذي يُخَلِّص من خلال هبة ذاته للإنسان". ويوم الأحد هو عادة مدخل لموضوع الأسبوع هذا، ونجد فيهأيضاً نصًا من التراث المسيحي، يُؤخَذ عادة من أحد آباء الكنيسة أو أحد القديسين المعروفين.
*تأمل في إنجيل الأحد الرابع من زمن المجيء:لوقا 1: 26- 38
في الشهر السادس، أرسل الله الـملاكجبرائيل إلى مدينة في الجليل اسمها الناصرة، إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف، واسم الفَتاة مريم.
فدخل إليها فقال: "السلامُ عليك، أيتها الـممتلئةنعمة، الرب معك".فداخلها اضطراب شديد لشهدا الكلام، وسألت نفسها ما معنى هذا السلام.
فقال لها الـملاك: "لا تخافي يا مريم، فقدنلت حظوة عند الله. فستحملين وتلدينابنا فَسَمِّيهِ يسوع. سيكون عظيما وابنالعَلِيِّ يُدعى، ويوليه الرب الإله عرش أبيه داود، ويملك على بيت يعقوب أبد الدهر، ولن يكون لملكهنهاية".
فقالت مريم للملاك: "كيفيكون هذا ولا أعرف رجلا؟"فأجابهاالـملاك: "إن الروح القدس سينزل عليك وقدرة العلي تظللك، لذلك يكون الـمولودقدوسا وابن الله يدعى. وها إن نسيبتكأليصابات قد حَبِلَتْ هي أيضًا بابنٍ في شيخوختها، وهذا هو الشهر السادس لتلك التي كانتتدعى عاقرا. فما من شيء يُعجِزُ الله".
فقالت مريم: "أنا أَمَةُ الرب، فليكنلي بحسب قولك".
وانصرف الـملاك من عندها.
التأمل:
منذ الأحد الأول للمجيء، وفي كل أحد، نسمع القراءات والكرازة تتكلم عن مجيء المسيح. واليوم أيضاً سنتكلم عن نفس الموضوع وسنطلب من المسيح أيضاً أن يُهيئنا لاستقباله كما يستحق هذه السنة، نطلب منه أن يحضرنا لمجيءٍ جديد لابن الله في حياتنا؛ لكن اليوم سنتأمل مجيئه من خلال التأمل في إنجيل بشارة مريم. أحد الأيام، جاء الملاك جبرائيل كي يتكلم عن طفل سيولد قريباً. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي فيها يتكلم عن طفل سيولد، لكن الطفل في هذه المرة هو ليس مجرد نذير، أو صوتٌ صارخ أتى ليُعِّد طريق الرب، لكنه المسيحُ نفسُه؛ فالإعلان أو البشرى التي جاء يعلنها الملاك هذه المرة، ليست موجهةً إلى زكريا غير المصَدِّق لها، لكن إلى مريم القوية في إيمانها، مريم الرقيقة، التي تريد أن تكرس حياتها كخادمة، خادمة للرب.
لم يكن ملاك الله يستطيع أن يتأخر أكثر من هذا كي يتدخل. فقد كانت مريم موعودة ليوسف: كانت قد خُطِبَت بحسب تقاليد ذلك الوقت، وبعد وقت قليل من ذلك، كانت ستبدأ حياةً جديدة في عائلة جديدة مع يوسف.
في أعماقها ربما، كانت تُفَضِّل أن تحقق حـلمها: أي أن تكرس قلبها وجسدها حتى النهاية إلى إلهها. لكن كيف يمكن لهذا أن يحدث؟ كيف يمكنها، وهي الشابة الضعيفة، أن تهرب من هذه التقاليد المتوارَثة؟ إذن، هل وضع الله في قلبها رغبة مستحيلة؟
وها أن الملاك في بداية بشارته سيضاعف من حَرَجِها: "ها إنك، يقول لها، ستحبلين وتلدين ابنا، فسَمِّيه يسوع". هي، كانت قد أحست بأنها مدعوة من قبل الله لأن تكرِّس بتوليتها له، لكن ها أن الله نفسَه يُعلن لها بأنها ستكون أُمّاً ستغار منها كلُّ نساء إسرائيل.
نرى مريم هنا، في نفس الوقت، خاضعة وتتساءل: هل غَيَّر الله تصميمه وخطته بالنسبة لها؟ كيف سيتم ذلك، وأنا عذراء .. كيف يتم ذلك وأنا لا أعرف رجُلاً؟ بكلمة أخرى، كأنها كانت تقول في نفسها: لكي أطيعك يا رب، هل يجب أن أترك وأتخلى عن دعوتك الأولى لي؟
كلا، إن الله لا يتراجع عن كلامه أو يغيره، لكنه بالعكس سيتممه، سيُتَوّجه، سيجعل بتوليتها تُثمِر بأمومة هي تماماً من عمل الروح القدس: "ستظلك قدرة العلي"؛ لذلك يكون المولودُ منك قدوساً وابن الله يُدعى".
فالله سيحقق في نفس الوقت، دعوته ووعده لمريم، وكذلك عطية المخلص التي بَشَّر به أنبياؤه من قبل. ولأن مريم تدع الله يُسَيِّر حياتها، ها هي تستلم رسالة أكبر وأخطر مما كانت تتوقع، وأصبح لها مكانا جديداً تماماً في تأريخ الخلاص.
عندما، في حياتنا، يبدو أن الله يناقض كلامه، عندما يتركنا مُحرَجين أمام سر الاختيار، لا يجب أن نهرب، أن نخاف: بل لنؤمن بأنه يُحَضِّر لنا إحدى عجائبه.
عندما يقدم لنا الله طريقاً جديداً، طريقاً للتجربة أو طريقاً للفرح، لنتركه يعمل فينا، لنتركه يُخرِجَنا من أرض العبودية إلى الحرية: فكل شيء سيتم بحسب كلامه، لأنه لا شيء يستحيل على الله.
لكن كيف قَبِلَتْ مريم بهذه المسؤولية الخطيرة وهي الفتاة البسيطة في قرية نائية؟ ما هو سر مريم؟
في الحقيقة، السر الذي لازمها طوال حياتها هو رجائها الكبير بوعد الله.
فهي ليست مثلنا، شكاكين وضعيفي الإيمان... هي ليست بحاجة إلى تفاصيل وإيضاحات أكثر من الملاك، ولا إلى مدة لكي تُفَكِّر، ولا إلى ضمانات إضافية كما نحن نفعل دوماً؛ إنها ليست بحاجة إلى قوة أخرى غير قوة الله: "ليكن لي بحسب قولك!"،أي لتكن مشيئة الرب فيَّ.
هذا هو إيمان التلميذ الحقيقي: التزام كامل في خدمة الله ... هذه هي الرسالة التي تحملها لنا مريم اليوم، ونحن على أبواب زمن الميلاد، لكي تُهيئ فينا طريق الرب.
إنها تطلب منا أن نجرؤ على العيش، أن لا نخاف من أن نؤمن. أن نعيش ونحن نؤمن، أن نجرؤ على العيش في الإيمان؛ أي أن نعيش مما نؤمن. هذا ما فَعَلَتْهُ هي طوال حياتها، وعاشته في تفاصيل حياتها البسيطة والمملة والثقيلة لنساء عصرها وقريتها، وفي بيئة اجتماعية وسياسية صعبة ومخَيِّبة للآمال مثل بيئتنا اليوم.
إن العظائم التي صنعها الله لها، حققها في الحياة اليومية البسيطة، في تفاصيل حياتها اليومية الاعتيادية، وها هي قد أصبحت الشاهد المثالي على الإنجيلبدون أن تقوم بأعمال عظيمة أو أن تترك حدودها .. حدود قريتها، لكن من خلال معيشتها حتى النهاية كخادمة للرب، كأمة الرب.
لكن ما هو سر مريم الذي يجب أن نتعلمه منها إذن؟.. ما هو سر هذه الفتاة الشابة؟...
إن سر مريم هو إنها عرفت كيف لا تخلف موعد مرور الله في حياتها؛ سرها هو أنها كانت حاضرة عندما مر الله بقربها؛ أي أنها كانت ساهرة .. يقظة .. ذات قلبٍ يعرف كيف يصغي .. سرها يكمن في أنها آمنت بأن لا شيء يستحيل على الله... تجرأت على ذلك لأنها آمنت؛ ولهذا حياتها تحولت تماماً وأشرق نور الله فيها إلى الأبد.
لنتذكر جواب مريم الأول، "نَعَمَها" الأولى لله، جوابها المُعتَمِد تماماً على الله وليس عليها هي، جوابها المملوء بالفرح والرجاء:"ها أنذا أمة الرب، فليكن لي بحسب قولك".
ونحن.. قبل أيام قليلة من الميلاد... ماذا فعلنا أو ماذا نفعل لكي نسمح لله أن يأتي في حياتنا، أو يولد فيها كما فعل في مريم؟ .....
لنصلي لله بثقة ولنَقُلْ له: "يا رب، اجعلني أنا أيضاً أجرؤ على القول لك بفرح ورجاء على الرغم من ضعفي: "ها أنذا يا رب، أطلب مني ما تشاء، اجعلني خادماً لك، ولتكن مشيئتُك فيّ دوماً، آمين."
نص من التراث المسيحي:
العالم كله ينتظر جوابَ مريم
من مواعظ القديس برناردس رئيس الرهبان في تسبيح مريم العذراء
سَمِعْتِ، أيتها البتولُ، أنكِ ستحمِلِين وستلدِين ابنًا. وسَمِعْتِ أن ذلك لن يكونَ بقوةِ رجُلٍ بل بقوةِ الروح القدس. وهو ذا الملاكُ ينتظرُ الردَّ منكِ: يجبُ ان يعود إلى الله الذي أرسَلَه.
أيتها السيدةُ، نحن ايضاً ننتظرُ منكِ كلمةَ الرحمة، نحن الرازحِين تحتَ قرارِ الحُكمِ الصادرِ علينا.
هذا ثمنُ خلاصِنا بين يَدَيْكِ. سنتحرَّرُ عن قريبٍ إنْ أنتِ وافقْتِ. بالكلمةِ الأزليِّ كُوِّنَّا جميعاً: وها نحن الآن عُرضَةٌ للموتِ. بكلمتِك الموجَزةِ تُرَمَّمُ طبيعتُنا ونُعادُ إلى الحياة.
يتوسَّلُ إليكِ بالدموعِ آدمُ المنفيُّ من الفِردَوسِ مع نسلِه المعرَّضِ للشقاء. يتوسَّلُ إليكِ إبراهيم. يتوسَّلُ إليكِ داؤد. يتوسَّلُ إليكِ الآباءُ القديسون، أي أجدادُكِ: هم أيضاً يسكُنون في ظلالِ الموت. العالم كلُّه ينتظرُ ذلك منكِ جاثيًا أمامَكِ وبحقٍّ.
فعلى كلمةٍ من فمِكِ يتوقَّفُ عزاءُ المتعَبِين، وفداءُ المأسورين، وحريَّةُ المحكومِ عليهم، وأخيراً خلاصُ جميعِ أبناءِ آدم، والجنسِ البشريِّ الذي أنتِ منه.
أسرِعي بالردِّ أيتُها البتول، أجيبي بسرعةٍ على الملاكِ، وعلى الله بوساطتِه. قُولي كلمةً واستقبلي الكلمة. قولي كلمتَكِ الإنسانية، واحمِلي بالكلمةِ الإلهي. قولي كلمتَك العابرةَ، واستقبلي الكملةَ الأزليَّ.
لماذا تتأخرين؟ لماذا تضطَرِبين؟ آمِني واقبَلِي واستَقبِلي. أنتِ مُتَواضِعةٌ، فتجرَّئِي. أنتِ حييَّة، فتشدَّدِي. ليسَ من المناسبِ الآن مع براءتِكِ البتوليةِ أن تنسَيْ الفِطنةَ. في هذه الحالةِ فقط لا تخافي الغُرور، أيتها البتولُ الفَطِنَة. كان حياؤُكِ في الصمتِ مَرْضِيًّا لدى الله. وأما الآن فكلمةُ تقواكِ وطاعَتِك للهِ هي الضَّروريةُ.
افتحي قلبَكِ للإيمان، ايتها البتولُ الطوباويّة، وشفتَيكِ للقُبول، وأحشاءَكِ لاستقبال الباري. هوذا مُشتَهَى جميع الأمم في الخارج يَقرَعُ على الباب. إذا تأخَّرْتِ، سيذهبُ ثم تَشرَعِين في البحثِ عَمَّن تُحِبُّه نفسُكِ. قُومِي، اسرِعِي، افتَحِي. قُومِي بالإيمان، أسرِعي بالتقوى، وافتحِي بكلمةِ القُبُول.
قالتْ مريمُ: "أنا أَمَةُ الربِّ، فَلْيَكُنْ لي بِحَسَبِ قَولِكَ"(لوقا 1: 38).


71

21رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال عقده (إقامته) عهداً مع الإنسان
السبت20 كانون الأول  2014:  ذاك الذي يأتي
"سيأتي ذاك الذي يعود إليه المُلك والسلطان"
ينتهي هذا الأسبوع كما بدأ: أي بالإعلان النبوي بمجيء شخص من نسل يعقوب، والذي رآه "بلعام" يرتفع بعيداً مثل النجم أو الكوكب، ويقارنه يعقوب، في نصنا اليوم، بشبل أسد. فيعقوب نفسه، قبل موته بقليل، كان قد ألقى على كل واحد من أبناءه، أسلاف أسباط إسرائيل الإثني عشر، نبوءة تُعلن مستقبل كل سبط منهم. ونبوءة يهوذا هي مميَّزة عن الأخريات: فمن سبط يهوذا ستخرج السلطة السياسية الأقوى والأكثر ثباتاً وديمومة في تأريخ إسرائيل المتقلب، لأن هذا السبط أنجب داؤد. لكن سيأتي من هو أعظم من داؤد، الذي كان ملكًا فذاً ورمزاً للمسيح الآتي، لكنه كان، مثل أي إنسان، مُنقَسِمًا بين حُبه لله الذي اختاره، وبين ضعفه وخطاياه التي تُبعده عن هذا الإله؛ إذن يُعلَن عن مجيء ذاك الذي هو أعظم من يعقوب ويهوذا وداؤد وكل أبناءه .. ذاك الذي يجب أن يأتي .. ذاك الذي لا يتوقف عن المجيء إلينا، منذ بدء التأريخ .. حتى قبل أن يُقام العهد الأول بين الله والبشر. ذاك الذي يأتي إلينا منذ الأزل، بقوة ونُبلِ وقدرة أسد، لكن أيضًا بحنانِ وتواضعِ الحَمَل. ذاك "الذي يعود إليه المُلك والسُلطان"،لأنه "إلهٌ حَق، من إله حَق". ذاك الذي قوتُه تسمح له بأن يستخدم السلطة الحقيقية دون أن يفرض نفسه بالقوة والعنف، لكنه يأسر القلوب بحنانه ولُطفِه، ذاك الذي لا يسيطر أو يستحوذ باستخدام السلاح، لكنه يحكم بالحُب.
نص اليوم:     تكوين 49: 1 -2  .  8–10
دعا يعقوب بنيه وقال: "اجتمِعوا لأنبئكم بما سيحصل لكم في الأيام القادمة.اجتمِعوا وأصغوا يا بني إسرائيل، أصغوا إلى يعقوب أبيكم.
يا يهوذا، سيحمدك إخوتُك، وتكون يدُك على رقبة أعدائك، ويسجد لك بنو أبيك. بُني يهوذا هو شبل أسد؛ عاد من الصيد، وجثم وربض كالأسد. هذا الوحش، مَن ذا الذي يُقيمه؟لا يزول المُلكُ من يهوذا، ولا تؤخَذ عصا القيادة من يدِ بنيه، إلى أن يأتي ذاك الذي يعود إليه المُلك والسُلطان، مَن ستُطيعه جميع الشعوب.
يا رب، مُبارَكٌ أنت، على كل ما تفعله من أجلنا .. على مخطط عهدك الصبور معنا، والذي عَرَّفْتَنا عليه من خلال هؤلاء الذين يتكلمون باسمك. نشكرك يا رب على هذا الرجاء العجيب الذي وعدتنا بحصوله في نهاية التأريخ.. نشكرك على النبوءات الكثيرة،والتي، منذ يعقوب إلى يهوذا، ومن يهوذا إلى داؤد، تُعَوِّدنا تدريجيًّا على إنتظار ابنك الوحيد. أعطنا يا رب، وكما فعل شعب الكتاب المقدس طوال قرون طويلة، أن ننتظر بحرارة وشوق، هذا اليوم القريب، الذي فيه يأتي إلينا، هذا الطفل الذي أتَمّ كل الوعود والنبوءات، كي يقودنا إليك. تعال يارب .. تعال وخلصنا!

مع محبة الأب غدير الكرملي

72

20رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال عقده (إقامته) عهداً مع الإنسان
الجمعة19 كانون الأول 2014: الوقوف أمام الله
"أن نرتبط بقوة بعهدك "
العهد بدأ منذ الخلق .. العهد يستمر حتى العرس الأبدي: في اليومين السابقين، تأملنا بتعجُّبٍ مشروع الله لنا؛ لكن اليوم، وبينما يقترب تحقيق مشروعه العجيب هذا، يطلب منا الله أن نلعب دورنا في عمل العهد. في نصنا اليوم نجد "تطويبة" (طوبى للإنسان...") تحدد لناما هو دور الإنسان هنا، والذي يتضمن في بعض الأحيان العمل، وفي أحيان أخرى، التوقف عن ذلك. فكما خلق الله في البدء العالم في ستة أيام، وفي اليوم السابع أخذ راحة كي يتأمل في عمله هذا، كذلك الإنسان هو مدعو من جهةٍ،أن يعمل "بحسب الحق"، وأن يتمسك به بقوة؛ ومن جهة أخرى، أن يتوقف عن العمل، حتى لا يقع في الشر وكي يحترم السبت "ولا ينتهكه"، أي من خلال تحديد يومٍ غير دنيوي، لكن مقدس، يوم معطى لله حتى نتأمله في كلامه وفي عمله. فمن خلال عيش هذا التناوب في الإيقاع في حياتنا، وكلنا انتباه باتجاه الخير الذي هو الله نفسه، بهذا إذن سيدخل الإنسان شخصياً، وبعمق، في العهد. إن اختيار الله في البداية لشعبه، مَرِّ من خلال إنسان (إبراهيم)، ومن خلال شعب (الشعب العبراني)، وهذا الإختيار يمتد الآن إلى كل هؤلاء الذين "يرتبطون بقوة بالعهد"، لأننا كما يقول القديس بولس، "لقد اختارنا الله في المسيح منذ إنشاء العالم" (أفسس 1: 4). فالابن سيأتي في نهاية العالم ليجمع كل البشرية في العهد الجديد الابدي
نص اليوم: أشعيا56: 1 -3أ . 6 – 8
هكذا قال الرب: حافظوا على الحق، وأجروا البِر، فقداقترب خلاصي أن يجيء، وبِرِّي أن يتجلى. طوبى للإنسان العامل بحسب الحق، والمتمسك به بقوة؛ الذي يحافظ على السبت ولا ينتهكه ويمتنع عن فعل كل شر. لا يجب أن يقول الغريب الذي انضم إلى الرب: "إن الرب سيستبعدني عن شعبه". والغرباء المنضمون إلى الرب ليخدموه، ويحبوا اسم الرب، ويكونوا له عبيدً، وكل من حافظ على السبت ولم ينتهكه وتمسك بعهدي، كل هؤلاء، سآتي بهم إلى جبل قدسي. وأفرحهم في بيت صلاتي، وتكون محرقاتهم وذبائحهم مَرْضِيّة على مذبحي، لأن بيتي بيت صلاة يدعى لجميع الشعوب. يقول السيد الرب، الذي يجمع منفيي إسرائيل: مع هؤلاء المجموعين سابقاً، سأجمع غيرهم وأضمهم إلى الآخرين.
يا رب، على مثالك، كما فعلتَ عند الخلق، أنتَ تُعَلِّمنا العيش في التناوب بين العمل والراحة .. بين القيام بأشياء وبين التأمل في العالم. أنت تُعَلِّمنا أن نقف أمامك في مجانية الصلاة، لقد جعلتَ من قلبنا بيت صلاة لأنك تسكن فيه. أنت الذي تأتي كي تجمع كل الشعوب في وحدة حُبِّك، أعطنا أن نعيش في السلام والتوافق، ونحن نتقدم نحو مسكنك الذي، ومنذ الأزل، قد هيأتَه لنا، تعال يارب .. تعال وخلصنا!

73

19رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال عقده (إقامته) عهداً مع الإنسان
الخميس18 كانون الأول  2014:  ... إلى الأبد
"زوجُكِ ، هو خالقُكِ"
اليوم، يأخذ العهد شكل العرس. إن فِعْلَ الخلق الذي قام به الله، والذي كنّا نتأمله يوم أمس، كان قد نتج عنه أرضاً مُثمِرة، دُعي الإنسان كي يسكن فيها. واليوم، غاية خلقه توضحت بشكل كبير: فصورة العرس موجودة في كل تفاصيلها –الزواج، الحب الكبير، الهجران، الغفران- لكي نفهم وبوضوح بأن العهد المقتَرَح من قبل الله للإنسان، لا يشبه الإتفاق القانوني بين شخصين متعاقدين، بسبب اتفاق مفيد للطرفين. كلا، إنه عهد يُعَبَّر عنه بعبارات حُبٍّ قوية وشديدة.
لكن لا يجب أن ننخدع بالعبارات المستعملة هذه: فإذا كان لغة النص هنا تتكلم عن هجران وغضبه، فهذه كانت طريقة ذلك الوقت والتي تَستخدم لغة وردود أفعال إنسانية تماماً وتَنسُب لله، لكن في الواقع، عهد الله هو أبدي ومجَدَّد على الدوام؛ فليس الله هو من يهجر ويخل بالعهد، لكن الإنسانية، بسبب ضعفها وإهمالها، تجعل من نفسها زوجة متقلبة الأطوار.. غير مُحِبَّة وخائنة. لأن الله، وهو الحُب بالذات، لا يمكنه أن يناقض ذاته أو ينكرها. "فحتى لو غَيَّرَت الجبال موضعها... فإن حُبّيلكِ لن يتغير.. يقولمحبة التي تخلق، تصبح إذن، المحبة التي تفدي. ويُذَكِّر الله بوقت نوح، فبعد الطوفان، تظهر علامة العهد "القوس قزح"، لكي تُظهِر بأن العهد يبقى حقيقة محفورة في الطبيعة كما في تأريخ البشرية، وبشكل دائمي وثابت. ومن جديد ستُعطى لنا علامةً
نص اليوم:     أشعيا  54 : 1– 10
كلام الله الموجهة إلى أورشليم:
إهتفي بفرحٍ، أيتها العاقر التي لم تلد؛  إندفعي بالهتاف وآصرخي بالفرح، أيتها التي لم تختبر آلام المخاض! فإن المرأة المهجورة سيكون لها أبناء أكثر منتلك التي لها زوج، يقول الرب. وَسِّعي موضع خيمتك، وليبسطوا جلود مساكنك، ولا تمنعيهم. طولي أطنابك وثبتي أوتادك! فإنك تتجاوزين إلى اليمين وإلى الشمال ويرث نسلك الأمم ويُعَمِّر المدن الخربة. لا تخافي، فإنك لن تَخزَي. ولا تخجلي، فإنك لن تُفتضحين، لأنك ستنسين خزي صِباك،  ولن تَتذكري عار إرمالك من بعد. لأن زوجك هو خالقك، "ربُّ اللقوات" اسمه. وفاديك، هو إله إسرائيل القدوس، يدعى إله الأرض كلها. نعم، كامرأة مهجورة كئيبة الروح، الرب يدعوك. وهل تُرذل زوجة الصبا؟ يقول إلهك. لقد هجرتك لِوَهلَة، لكني وبمراحمي العظيمة سأضمك. في سورة غضبٍ، حَجَبْتُ وجهي عنك لحظة. لكني وبحُبٍّ أبدي، تَرَأفتُ بك، يقول الرب فاديك. فكما أقسمت في أيام نوح، ألاّ تُغرِقالمياه الأرض، كذلك أقسم ألا أَغضب عليك وألا أزجرك. فحتى لو غَيَّرَت الجبال موضعها، أو تزعزعت التلال، فإن حُبّيلك لن يتغير، وعهد سلامي لن يتزعزع،يقول الرب راحمك.
يا رب، أنت تكشف لنا، بأن مُخطط حُبِّك، ومنذ الأزل، هو أن تتخذ من البشرية "عروسًا" لك، لكي تملأها بحنانك وحُبِّك وتُكثِر نسلها. يا رب، إن مُخطط حُبّك هذا هو من عجيب لدرجة لا يمكننا فيها أن نجرؤ على تصديقه أو الإيمان به. قَوِّ فينا الرجاء يا رب. إغفِر لنا إهمالاتنا وفُتورنا.. وبطئنا في الجواب على حُبِّك. تعال وطَهِّر فينا كل ما هو غير قادر على استقبال هذا الحُب الذي يأتي كي يحملنا معه نحو أبديتك. تعال يارب .. تعال وخلصنا!


74

18رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال عقده (إقامته) عهداً مع الإنسا
الأربعاء17 كانون الأول  2014:  منذ الخلق..
"جَبَلَ الأرضَ للسُكنى"
اليومان الأولان من هذا الأسبوع الثالث من زمن المجيء، ساعدانا على التأمل في عمل الله في سر العهد، من خلال إعلانه للنجم أو الكوكب المُخلِّص، ومن خلال تهيئة وتحضير شعبٍ يستقبل هذا المُخلِّص. اليوم سنرجع إلى زمن أبعد من ذلك، إلى ما قبل العهد، إلى فعل الخلق نفسه. فالله الذي كشف اسمه إلى موسى: "أنا هو"، هذا الإله يُذَكرنا اليوم كيف أنه في البدء "جَبَل الأرض وصنعَها".نحن في الحقيقة لازلنا هنا نتكلم عن نفس السِرّ الذي تكلمنا عنه في اليومين الأولين، لأن مخطط الله للخلق هو منذ البدء مخطط لإقامة العهد مع الخليقة: فالله "لم يخلق الأرض لكي تكون صحراء، لكنه جبلها كي تكون مسكونة بالخلائق، خلقها للسُكنى".
إن الله، ومنذ الأزل، كان يفكر في الإنسان، الذي سيَكِل إليه الخليقة؛ كما أن قلب الله، ومنذ بدء الخليقة، كان يحث الإنسان على الدخول في علاقةٍ بنوية معه .. في قران معه. ولهذا، فالله الخالق، هو أيضًا الله المخلص؛ من أجل ذلك، دعا الإنسانَ إلى الحياة، ويريد أن يعطيه من جديد الحياة وبفيض. كل شيء مُعطى سوية، أي الهبات الطبيعية والروحية في نفس الوقت: ندى السماء والبراعم، وفي نفس الوقت يهب البِرَّ والخلاص. ولتُمطِرِ الغيومُ الصِدِّيق!أي أن الله لا يهبنا فقط عطايا الطبيعة والعطايا الروحية المختلفة، لكنه يهبنا ذاته هو: "الصِدِّيق .. البّار"،فالله نفسه هو البارُّ الذي يأتي كي يُخلِّصنا.
نص اليوم:     أشعيا 45: 6ب–8.  18 . 21ب - 25
أنا الرب وليس من رب آخر. أنا مبدع النور وخالق الظلام، ومجري السلام: أنا الربُّ صانعُ هذه كلها. أُقطُري  الندى أيتها السموات من فوق، ولتُمطِرِ الغيومُ الصِدِّيق! لتنفتح الأرض، وليُبَرْعِمالخلاصُ، وليَنبُتِ البِرّ أيضاً. أنا الرب خَلَقْتُ ذلك.لأنه هكذا قال الرب خالقُ السموات، الله جابلُ الأرض وصانعها، الذي أقرَّها ولم يخلقها للخواء، بل جَبَلَها للسُكنى: إني أنا لاربّ وليس مِن ربٍّ آخر.
مَن الذي أسمعَ بهذه من القديم، وأَخبَرَ بها من ذلك الزمان؟ أليسَ إيايَّ أنا الرب؟ فإنه ليس من رب آخر، لا إله غيري، إله عادل مُخَلِّصٌ ليس سواي. توجهوا إليَّ، فتخلُصوا، يا جميع أقاصي الأرض؛ فإني أنا الله، وليس من إله آخر. بذاتي أقسمت، ومِن فَمي خَرَجَ الصِدْق. كلمةٌ لا رجوع عنها، ستجثو لي كل ركبة، ويُقْسِمُ بي كلُّ لِسان. سيقولون فِيّ: بالرب وحده البِرّ والقوة، وإليه يأتي جميع الذين غضبوا عليه فيَخزون.
يا رب، مُبارَكٌ أنت من أجل خليقتك التي تعكس جلالَكَ وجَمالكَ .. خليقتَكَ التي تعكس عَظَمَتَك وقدرتكَ، لكنها تعكس أيضاً إهتمامك وعنايتك بالإنسان، وتعكس كذلك مَحبَّتَك التي جعلتك تجبل خليقةً على صورتك كي تدخل معها في علاقة .. خليقةً تصرخ إليك وتتضرع قائلة: "يا رب!" .. وتقول لك أيضاً: "أبَّا .. أيها الآب!"
مُبارَكٌ أنت يا رب لأنك خلقتَ الأرض والغيوم، ووهبتنا الثمار والسماء، ومن أجل كل ما تستمر دون توقف في إعطائه لنا وتجديد وَهْبِهِ كل يوم، في الخلاص الذي يأتي إلينا... أنت الذي وُجِدْنا بفضلك، تعال يارب .. تعال وخلصنا!

75

17رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!
الله الذي يُخَلِّص من خلال عقده (إقامته) عهداً مع الإنسان
الثلاثاء16 كانون الأول  2014:  إن لم تعودوا كالاطفال ...
"شعبٌ صغير وفقير"
يوم أمس، ظهر إلى النور، الوعد الذي قدمه الله بأن يهب لشعبه رئيسًا لقيادته. اليوم، موضوعنا يتكلم بالأحرى عن تحضير هذا الشعب، إذن عن تحضيرنا نحن، لاستقباله. "سأغير قلوب شعبي وأُنَقّي شفاههم." الله أيضاً هو مَن يهتم بإتمام العمل؛ أي أن ذاك الذي يقدم الوعد، هو أيضاً نفسه الذي يساعدنا على دَعم هذا العهد. إن هذا التغيير يقوم به الله بإتجاهين: الأول هو الإنفتاح الخارجي على الشعوب الأخرى، والثاني هو نحو العمق. أي لم يعد شعب واحد هو المدعو، لكن كل الشعوب، "أبنائي في الشتات"، كلهم مدعوون للتقرب إلى الرب. كما أنهم لن يستطيعوا بعد أن يقدموا أنفسهم من خلال التباهي والتكبر كونهم "الشعب المختار"، ، لكن في تواضع مَن يستلم كل شيء من آخر، من ذاك الذييهب كل شيء مجاناً. ها نحن أمام بشرى سارة!
أمس كنا نتكلم عن عَرش وصلوجان – لأن من سيأتي هو حقاً ملك. أما اليوم فالموضوع يخصالتواضع، الصِغَر، لأن مَن يأتي هو طفل، وعلى مثاله، يريد الله أن يجعل منا جميعاً أبناءه؛ اليوم الموضوع يخص الفقر، لأن الشيء الوحيد الذي يطلبه منا هو أن نسمح له بأن يُتَمِّم عمله فينا. أن نتخلى عن كل ما يعطينا الأمان، كي لا نضع ثقتنا وإتكالنا إلاّ على الله (أي وكأننا نتخلى عن أسلحتنا بشكل ما)، هذا هو الشرط الأساسي كي نتجاوز الخوف (مع أن هذا يبدو متناقضًا)، لأننا عندها "سنعتَصم باسم الرب"..أي سيكون هو ملجأنا وحمانا ومَن يعطينا الأمان. هكذا سنكون جاهزين لرؤية الطفل الذي سيأتي.
نص اليوم:     صفنيا3: 1–2.  9 - 13
كلام الرب إلى أورشليم:
ويل للمتمردة الدنسة المدينة الظالمة!إنها لم تصغي لصوت أي شخص، ولم تقبل التأديب، ولم تتكل على الرب، ولم تتقرب لخدمة إلهها. أما أنا، يقول الرب، سأغير قلوب شعبي وأُنَقّي شفاههم، كي يدعوا جميعا باسم الرب ويعبدوه بقلب واحد. مِنْ عَبْرِ أنهارِأثيوبيا، عِبادي، وأبنائي في الشتات، يقربون لي تقدمة. في ذلك اليوم، لن تخجلي من جميع أعمالك التي عصيتني بها، لأني حينئذ أنزع من وسطك المتباهين المتكبرين، فلن تعودي بَعْدُ إلى التَّكَبُّر في جبلِ قدسي. وأُبقي في وسطك شعبًا وضيعًا فقيرا،يعتصم باسم الرب. هذه البقية من إسرائيل، لن ترتكب الظلم. ولن تنطق بالكذب، ولن يوجد في فمها لسان مكر،لأَنَّهُمْ سيَرْعَوْنَ وَيَرْبُضُونَولا أحد يفزعهم.
يا رب، ها نحن أمامك، ضعفاء وصغار كما ترغب في أن نكون، ليس لكي تسحقنا وتهيننا، لكن كي تنظر إلينا كأبناءك الأحباء الذين، ما أن يُسَلِّموا أنفسهم لك ولو قليلاً، ستبعد عنهم كل شر. أعطنا يا رب أن نسمح لك بأن تغيرنا بنظرتك. لا تجعلنا نعتمد على ما نتصوره يعطينا الأمان والسلام، بل أن نستقبل السلام والأمان اللذين يأتيان منك وحدك. السلام الذي سيأتينا في هذا الطفل الذي سيولد بيننا.تعال يارب .. تعال وخلصنا!

76

16رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال عقده (إقامته) عهداً مع الإنسان
الأثنين 15 كانون الأول  2014:  النجم هو العلامة
"كَوْكَبٌ يَخرُجُ مِنْ يَعْقُوبَ"
إله العَهد، إله الآباء... إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، الذين أقام اللهمعهم، يقول لنا سفر التكوين، عهدًادائماً لهم ولكل نسلهم.. هذا الإله، ها هو يكشف ذاته كالإله الذي لا ينسى وعوده، الإله الأمين الذي نعمتُه هي حاضرة دوماً. فهو يُلهم حتى الأنبياء الغرباء، الوثنيين، لكي يُذَكِّر بأنه يُحِبُّ شعبه ويغمره بعطاياه. "ما أجمل خِيامِك ! لقد زَرَعَها الربُّ كأرزاتٍ على المياه!
ثم يُعلِن بأنه من هذا الشعب، ومن نسل يعقوب، سيخرج "بطلٌ"،لكي يحكمه، بمعنى يقوده نحو الخلاص. ويالَهُ من بَطَل! فهو لا يشبه قائدًا محاربًا، لكنه يشبه نجمًا! نجمٌ يرمز إلى الرجاء في الليل المظلم؛ نجمٌ يشير بأن المكان الحقيقي لمستقبلنا ولسعادتنا، هو السماء. نجمٌ مُعلَنٌ عنه منذ قديم الزمان، والذي نرى فيه "النجم الشارق من العُلى"الآتي لزيارتنا ولتفقدنا (لوقا 1: 78)، " كوكب الصبح الذي يُشرِق في قلوبنا" (2 بطرس 1: 19).لنتعلم من النبي بلعام الذي عرف كيف يُصغي إلى الله الذي كان غريبًا عنه، وليساعدنا مثاله هذا على أن نكتسب نحن أيضاً نظرةً ترى أبعد من المظاهر المباشرة والمادية .. نظرةً تستطيع أن ترى الخلاص حاضراً دوماً وباستمرار في العالم
نص اليوم:     عدد24: 2–7 .  15 - 17أ
جاء النبي الوثني بلعاملِيَلْعَن إسرائيل. فرفع عينيه ورأى إسرائيل مُخَيِّمًا بحسب أسباطه. فنزل عليه روح الله. فنَطَقَ هذه الكلمات النبوية وقال: "كلام بلعام بن بعور كلام الرجل الثاقب النظر. كلام من سمع أقوال الله، من رأى ما يريه القدير،مَطْرُوحًا وَهُوَ مَكْشُوفُ الْعَيْنَيْنِ.ما أجمل خِيامك يا يعقوب، ومساكنك يا إسرائيل. فهي منبسطة كأودية وكجنات على نهر، لقد زرعها الله كشجراتِ عودٍ، وغرسهاكأرزاتٍ على المياه. بَطَل يخرج من نسله، ويسود شعوبا كثيرة. ويرتفع مُلْكُهُ على أجج، وتتسامى مملكتُه".
ثم نَطقَ من جديد كلماته النبوية وقال: "كلام بلعام بن بعور كلام الرجل الثاقب النظر. كلام من سمع أقوال الله، ومن عرف معرفة العلي ،ومن يرى ما يريه القدير، مَطْرُوحًا وَهُوَ مَكْشُوفُ الْعَيْنَيْنِ.هذا البَطَل، أَراهُ ولكنْ ليسَ للوقت الحاضر. أُبصِرُه ولكن ليس من قريب.كَوْكَبٌ يَخرُجُمِنْ يَعْقُوبَ، وَيَقُومُ صولجانٌ مِنْ إِسْرَائِيلَ،
يا رب، أنت الإلهُ الأمين الذي لا يَمَلُّ من السير معنا ويرافقنا. مُباركٌ أنت يا رب على وعودك التي، منذ البدء، تنير طريق البشر. نُسَبِّحك يا رب لأنك تُعوِّد عيوننا دوماً على استقبال حقائق تتجاوزنا لحد الآن .. كحقيقة علامة النجم الذي دَلَّنا على ودلاة ابنك الآتي ليُنير طريقنا ويقودنا إليك. افتح عيوننا لرؤية نورك، أنت الذي لا تتوقف المجيء إلينا. تعال يارب .. تعال وخلصنا!


77

موضوع الأسبوع الثالث:
الله الذي يُخَلِّص من خلال عقده (إقامته) عهداً مع الإنسان
إن الله الخالق .. الله الذي يخلق من جديد .. الذي يجدد خَلقَ كل شيء باستمرار، هو إلهٌ يُحب أن يدخل في علاقة... في علاقة حُب معه هو. الكتاب المقدس، في سفر التكوين، يرينا الله يأتي "وهو يتمشى في الجنة عند نسيم النهار"ويتحدث مع الإنسان، ثم يبحث عنه، لأن الإنسان بعد ضَلَّلته روح الشر،"خاف واختبأ من وجه الرب الإله فيما بين أشجار الجنة"(تكوين 3: 8-9). ومن أجل إعادة بناء هذه العلاقة المقطوعة، "يخلق" الله العهد.
العهد: إن هذه الكلمة الجميلة، التي تُعَبِّر عن العلاقة المُؤَسَّسة بثبات، ظَهَرَت بعد الطوفان، عندما ظَهر قوس قزحعلى الأرض الجديدة التي انبثقت من مياه الطوفان: "هذه علامة العهد الذي أنا جاعله بيني وبينكم وبين كل ذي نفس حية معكم مدى الأجيال للأبد:تلك قوسي جعلتها في الغمام فتكون علامة عهدي بيني وبين الأرض" (تكوين 9: 12-13). إن هذا العهد الذي ينساه الإنسان باستمرار أو يهمله باستهزاء، يقترحه الله من جديد باستمرار وبلا كلل أو مَلَل: فهو يدعو إبراهيم ويكشف له نفسه؛ يأتي ليجد موسى ويُرسله إلى شعبه كي يُخرجه من العبودية؛ يختار داؤد، "الراعي بحسب قلبه"، كي يقود شعبه بحكمة وعدل. والله يُحب كل واحد منهم حبًّا عجيباً، فيُصَبِّره .. ويوبخه كابن له عندما يُخطيء.. يُنَشِّئه باستمرار وبلا كلل..ويغفر له.. ويقدم له دوماً هذا العهد، الذي بمرور السنين والقرون، سيصبح بشكل أوضح وتدريجياً، عهداً له صورة "العرس" .. صورة زواج لا يمكن حَلَّه أو إلغاءه.
فالله، بخلقه البشرية "على صورته ومثاله"،ومن خلال نفخه فيه نفخةً من حياته، كان يفكر في العرس الأبدي الذي يُحضِّره له منذ البداية في بيته الكبير. وبما أن الإنسان كان يعاند ولا يريد أن يفهم، أتى الله بنفسه، في ابنه، الذي جاء يقترن بالبشرية ويذهب إلى أبعد الحدود فوهب جسده وحياته لها، في "تبادل حُبِّ عجيب"، كما يقول آباء الكنيسة، "تبادل عجيب"، يُشرِكنا من خلاله في ألوهيته: "الله صار إنسانًا، كي يصبح الإنسان إلهًا"
هذه هي القصة التي سنتأمل فيها هذا الأسبوع، من خلال الإعلانات أو النبؤات والتي كانت لاتزال مبهمة بخصوص مجيء رئيس أو ملك سرّي والذي سيُعطى لنا (الأثنين والسبت)؛ وكذلك من خلال التحضيرات التي يقوم بها الله كي يُهيء بها قلب الإنسان لاستقباله (الثلاثاء والجمعة)؛  وأخيراً من خلال الكشف عن مخطط حُبِّه منذ الخلق (الأربعاء) وإلى مرحلة الوصول إلى القِران أو الزواج (الخميس).
كان يجب أن يأتي "عمانوئيل، "الله معنا"،كي من الممكن أن يصبح العهدفعالاً بين الطرفين المتعاقدين، اللذين هما مختلفين جداً في الطبيعة وفي القوة، وكذلك لكي يمكن لقدرة الله الكلية ولضعف الإنسان الكلي، أن يتحدا. كان يجب أن يولد طفلٌ ضعيف بيننا، والذي هو نفس الوقت أيضاً الله القوي، كي يُمكِن أن يُعقَد أخيراً  – من خلال جسده المبذول حتى الموت، ومن خلال روحه الموهوب للجميع –العهد الجديد الأبدي
يا رب، أمام هذه العطية الجذرية والجوهرية ، زِدْ فينا الرغبة في الدخول والإلتزام بهذا العهد الجديد الأبدي!
الأحد  14 كانون الأول 2014
الله الذي يُخَلِّص من خلال عقده عهداً مع الإنسان
تذكير: في هذا الأسبوع الثالث من زمن المجيء، سنستمر في السير في طريقنا نحو الميلاد وبنفس الإيقاع الإعتيادي: القراءةالليتورجية الأولىالمخصصة لكل يوم، هي التي تقود تأملنا إنطلاقًا من موضوع الأسبوع وكما فعلنا في الأسبوعين الماضيين. موضوع هذا الأسبوع هو:"الله الذي يُخَلِّص من خلال عقده (أو إقامته) عهداً مع الإنسان". ويوم الأحد هو عادة مدخل لموضوع الأسبوع هذا، ونجد فيهأيضاً نصًا من التراث المسيحي،  يُؤخَذ عادة من أحد آباء الكنيسة أو أحد القديسين المعروفين.
*تأمل في إنجيل الأحد الثاني من زمن المجيء:يوحنا  1: 6- 8  و  19- 28
ظهر رجل أرسَلَه الله، اسمهيوحنا. جاء شاهدًا لِيَشهدَ للنور، فيؤمنَ عنشهادتِه جميعُ الناس. لم يَكُنْ هو النور، بلجاء كشاهد لِيَشهدَ للنور.

وهذه شهادة يوحنا، إذ أَرسل إليه اليهودُمن أورشليم بعضَ الكهنة واللاويين، يسألونه: "من أنت؟"فاعترف ولم ينكر، اعتَرَفَ: "لست المسيح"
فسألوه: "من أنت إذاً ؟ أأنت إيليا؟"  قال:ا "لستُ إيّاه". "أأنت النبي؟" أجاب: "لا!" فقالوا له: "من أنت؟ فنحمل الجوابَ إلى الذينأرسلونا؛ ما قولُك في نَفسِك!"
قال: أنا صوتٌ مُنادٍ: " في البرية قَوِّمُوا طريقَ الرب، كما قال النبي أشعيا".
وكان المرسَلون من الفريسيين. فسألوه أيضا: "إذا لم تكن المسيح ولا إيلياولا النبي، فَلِمَ تُعَمِّدُ إذاً؟"
أجابهميوحنا: "أنا أُعَمِّدُ في الماء، وبينكم مَنْ لا تعرفونه، ذاك الذي يأتي بعدي، ولستُ أهلاً لأن أفُكَّ رباطَحذائِه".
وجرى ذلك في بيت عنيا عبرالأردن، حيث كان يوحنا يُعَمِّد.
التأمل:
ظهر رجل أرسَلَه الله، اسمهيوحنا. جاء شاهدًا لِيَشهدَ للنور، فيؤمنَ عنشهادتِه جميعُ الناس. لم يَكُنْ هو النور، بلجاء كشاهد..
إن يوحنا المعمدان، مع مريم، أكبر شخصيات زمن المجيء. في كل عام، يُخَصَّص الأحدان الثاني والثالث من زمن المجيء وبشكل كامل له. لأن له دوراً فريداً من نوعه: فهو آخر الأنبياء .. الشاهد الأول ليسوع المسيح.. صوت صارخ وقوي.. لكنه يختار أن يختفي ويصغر بتواضع أمام ذاك الذي يبشِّر به .. جاء كي يشهد.. يشهد للنور ..
أيها الشاهد للنور، قُلْ لنا من أي طريق سيأتينا المسيح..!
في الحقيقة، لا أحد مثل يوحنا المعمدان استطاع أن "يُمَثِّل" زمن المجيء. وكأنه أصبح رمزاً لهذا الزمن الطقسي. فهو آخر أنبياء العهد القديم الكبار (لوقا1: 76 / متّى 11: 9): هو إذن "الرابط" بين الماضي والمستقبل، بين ما هو قبل وما هو بعد.
يا رب، ساعدنا على أن نكون أمناء لجذورنا الماضية، ومنفتحين على كل شيء جديد تريد أن تخلقه اليوم.
جاء كشاهد لِيَشهدَ للنور.
شاهد النور! ما أجمل هذا اللقب! يوحنا المعمدان هو رجل الشهادة. الأناجيل الثلاثة الأخرى يقدمون لنا يوحنا المعمدان "كواعظ التوبة". بينما الإنجيل الرابع يُظهِره لنا "كشاهد للنور"... أول "شاهد ليسوع المسيح". يجب أن لا ننسى بأن كلمة "شاهد" هي، بلغة العهد الجديد الأصلية، أي اليونانية، نفس كلمة "شهيد". أي نفس الكلمة تُعَبِّر عن مَن يشهد لشخص آخر وكذلك عن من يستشهد. والمعمدان بالفعل، جمع المعنين، فهو كان "أول شاهدٍ"" ليسوع، لكنه أيضاً "أول شهيد" ليسوع (مرقس 6: 27). كانت هناك فكرة مسيطرة على إنجيل يوحنا وهي: أن العالم[1] يهيء "قضية .. دعوى" ضد يسوع. فالعالم يرفض يسوع، ويتهمه. ويمكن تلخيض هذه "القضية" بالسؤال التالي: "لكن من هو يسوع هذا؟" لهذا يظهر شهودٌ يشهدون عن المتهم. إن كلمة "شهادة" نراها في إنجيل يوحنا 14 مرة، والفعل "يشهد" 33 مرة. وأول شاهد قَدَّم نفسه لشغل هذه المهمة، هو يوحنا المعمدان: "جاء كشاهد ليشهد للنور." أنا قادر على أن أدافع عن يسوع وأشهد له عندما يتهمونه؟
وهذه شهادة يوحنا، إذ أَرسل إليه اليهودُمن أورشليم بعضَ الكهنة واللاويين، يسألونه: "من أنت؟".. ولماذا تُعَدِّد؟
إن هذه العبارة تدعونا إلى أن نسأل أنفسنا حول دورنا نحن كشهود. فعلى كل مسيحي أن يكون شاهداً للمسيح. وفي الحقيقة، نستطيع أن نلاحظ بأن طريقة عيش يوحنا المعمدان هي التي كانت تحث معاصريه وتجعلهم يتساءلون. فكانوا يسألونه عن هويته.. مَن هو...
هل نحن اليوم نسبب أي تساؤلاً لمن يرونا نعيش معهم أو بالقرب منهم
هل هناك في تصرفاتنا، شيئاً يمكن أن يُحيِّر أو يثير الفضول عند الآخرين
يا رب، ساعدنا على أن نعيش بطريقة تجعل رفقاءنا، وأصدقاءنا وكل من يتعامل معنا، يتساءلون عن "السِرّ" الذي يُسَيّر حياتنا: "مَن هو..؟ لماذا يتصرف دوماً هكذا؟!"ت المسيح .. ولا النبي .. أنا صوت ..".
هكذا، وخلف السؤال حول هوية المعمدان، الشاهد... هوية يسوع هي التي كانوا يبحثون عنها. فالسؤال الحقيقي الذي كان خلف سؤالهم للمعمدان: "هل أنت المسيح؟"، هو التالي وهو الذي كان يهمهم أكثر معرفة الجواب عليه: "إذن مَن هو يسوع؟ هل تعرفه؟".
وجواب يوحنا كان مُزدَوَجًا: فهو يبدأ بالقول وبتواضع، بأنه ليس المسيح.. ثم يضيف بأنه لا يريد أن يكون إلاّ "صوت"، صوت شخص آخر!
اليوم، الكنيسة، وكل مسيحي، عليهم أن يتبنون شهادة يوحنا المعمدان الشجاعة هذه.
"يا كنيسة المسيح، ماذا تقولين عن نفسك؟ مَن تعتبرين نفسكَ؟ مَن تُمَثِّلين؟"
"أيها المسيحي، من أنت.. ماذا تقول عن نفسك؟ مَن تعتبر نفسك؟ "
كلا! أنا لست المسيح. أنا لست إلاّ صدى للمسيح.
يا رب، أنقذنا من إدعائاتنا بأننا نمتلك الحقيقة .. بأننا وحدنا "متحدثي المسيح"، أو الوحيدين الذين يعرفون ويفهمون يسوع المسيح
بينكم ..في وسطكم.. مَنْ لا تعرفونه ...،
إننا نؤمن بأن المسيح الذي نبحث عنه، هو أصلاً بيننا وفي وسطنا.. وفي قلب رجاءنا وتطلعاتنا، وصراعاتنا، وكل حُبّنا الإنساني!ّ ويمكننا القول بأن الأفضلية الوحيدة للكنيسة، وللمسيحي، هي أنه "يتعرف"، و "يُسَمِّي" ذاك الذي ينتظره البشر ويبحثون عنه على غير هدى.. فنحن "نعرفه ونسميه"، ونؤمن بأنه من الآن موجود وحاضر معنا وبيننا وفينا. التجربة التي قد نقع فيها نحن المسيحيون هي أن نعتبر أنفسنا أفضل من الآخرين المختلفين عن إيماننا. لكننا ننسى ربما وبسهولة بأن ذاك الذي نؤمن بأنه حاضر معنا وبيننا وفينا، يأتي إلينا كل يوم في وجوه الآخرين .. وذاك الذي ندعي بأننا نحبه ونمتلكه في قلوبنا، هو نفسه الذي نهمله ولا نتعرف عليه عندما يأتي إلينا كل يوم لابساً وجه أخي وأختي وقريبي وكل من ألتقي بهم يومياً.انتبهوا .. اسهروا ...!" يقول لنا يسوع: "فقد كنت جائعاً .. وسجينا، ومريضاً، ومضطَهَداً ومُعَذَّبًا، ونازحاً ومحتاجاً.. لكنكم لم تفعلوا شيئاً إلي.." فنحن نهمل وباستهزاء المسيح الرب كل مرة نُهمل فيها ونستهزء بأخٍ أو أختٍ لنا.
لكننا بالمقابل يجب أن نفرح في كل مرة نستقبل ونمد يدنا فيها لأخ أو أختِ بحاجة إلينا، لأنا نعرف بأن الله  صار "إنسانا"، وبأنه يريدنا أن نحترم الإنسان الذي نحتك به كل يوم، مهما كان لونه أو عرقه أو جنسه. أن نكون مسيحيين إذن هي ليست أفضلية بل مسؤولية ورسالة
ذاك الذي لا تعرفونه، يأتي بعدي..
كل حياة يسوع تأثرت جداً بهذا "الجَهل" أو "عدم المعرفة". فالله لا يأتي بوضوح مثل صوت البوق أو صوت الرعد. فالله ليس ذاك الذي "يسحق" أو "يسيطر". بل إنه مثل  "نفخة الريح، الذي لا نعلم من أين يأتي ولا إلى أين يذهب." (يوحنا 3: 8). الله هو "ذاك الذي يسمح للآخرين أن يسحقوه، أن يصلبوه، أن يتهموه"... هل هذه مفارقة؟ كلا.. بل هي حقيقة الله الذي لا يستطيع إلاّ أن يكون "الله الخفي"، وذلك لأن كيانه أسمى من أفكارنا التي تريد فهمه والسيطرة عليه. وهوية يسوع ("مَن أنت إذن؟") تخفى وتغيب على كل بحثنا وتحقيقاتنا ومحاولاتنا لفهمه واحتوائه. إنه حقاً "الله الخفي" بمعنى أنه سيبقى سِرًّا يتجاوز فهمنا وعقلنا.
يا رب، ساعدنا على أن نكتشفك .. وأن نتعرف عليك حيث أن تختبيء. لقد بحثت عنك في الصحة، في النجاح، في الأصدقاء، في فرح العيش (وأنت موجود هناك، أيضاً!). لكن، ما حصل لي، هو المرض، الفقر، والفشل، في الزواج أو في الحياة العائلية أو الوظيفية. ساعدني يا رب، على أن لا أمر بجانب حضورك الخفي، بل أن ألتقي بك حيثما تكون.. أحتاج لعينين مثل عينيك الطاهرتين اللتين تريان ما هو خفي ولا تحكمان فقط على ما هو ظاهر. ساعدني يا رب!
يا بني.. إن استطعت أن تكشفني "خَفِيًّا.. لكن حاضراً دوماً معك وفيك"، ستكتشف ينبوعاً للفرح، لا أحد ولا أي شيء آخر يمكنه أن ينتزعه أو يسلبه منك... فرح مريم عندما اكتشفت ولادة الإله الخفي في أحشاءها.. فرح يوحنا المعمدان الذي، مع أنه كان يرى نفسه وهو "يصغر"، وجد بهذا فرحه.. ووجده "الآن تامًّا" (يوحنا 3: 29-30).
ولستُ أهلاً لأن أفُكَّ رباطَحذائِه".
إن يوحنا المعمدان هو ذاك الذي "احتجب وتنحى بتواضع أمام ذاك الذي كان يعلن عن مجيئه". يوحنا المعمدان، هو "الشاهد" الحقيقي: أي ذاك الذي يوجد فقط بالعلاقة مع "الآخر"، فهو يرفض لقب "المسيح" (يوحنا 1: 20). ويتمنى "أن يختفي" كي يَكبُر "المسيح" (يوحنا 3: 30). إنه ليس النور، لكن "السراج الموقَد" في الليل (يوحنا 5: 35). إنه الخادم غير المستحِق أن يفكَّ رباط حذاء المعلِّم (يوحنا 1: 27). إنه ليس إلاّ "صديق العريس"، الذي يقف عن بعد، محتجبًا (يوحنا 3: 29). إنه ذاك الذي قام بأعجب شيء ألا وهو: إنهاء "رسالته" وتفضيل رسالة يسوع عليها، من خلال إبعاد تلاميذه عنه هو، كي يرسلهم ليتبعوا "آخر".. يتبعوا يسوع (يوحنا 1: 35-39). وأخيراً، يموت قبل أن يرى انتصار القائم من بين الأموات.. يموت في ظلمة الشكّ التامة: "أأنتَ الآتي، أم آخر ننتظر؟" (متى 11: 2.19). هكذا إذن كان يوحنا المعمدان، ليس فقط "الشاهد" المثالي، لكنه أيضاً "مثال" المؤمن الحقيقي بالذات: "ذاك الذي لا يرى، لكنه يؤمن" (يوحنا 20: 29).
يا قديس يوحنا المعمدان، صلِّ لأجلنا
يا قديس يوحنا المعمدان، أعطنا قدرتك على الإحتجاب والتواضع
يا قديس يوحنا المعمدان. أعطنا هذا "الحب الجنوني" الذي يضحي بنفسه من أجل الآخر.. كيما يصبح فرحنا تامًّا...
"أنا أُعَمِّدُ في الماء ...
يقول لنا الإنجيلي يوحنا، أن اليهود أرسلوا إلى المعمدان بعض الكهنة واللاويين، وهم خبراء في "التطهير الطقسي"، خبراء رسميين ..ومعتَرَف بهم. هؤلاء هم إذن مَن أُرسِلوا في ذلك اليوم للتحقق من صحة عمل هذا الشخص الهامشي بالنسبة لهم (المعمدان) والذي كان يدعو الآخرين للعماد "لمغفرة الخطايا" (مرقس 1: 4) والذي لا يمكن إلاّ أن يكون مشكوك فيه، وممنوع من العمل من قبل الدين الصحيح، دين أورشليم (يوحنا 1: 19). وكان من بين المرسلين أيضاً لاستجواب يوحنا بعض "الفريسيين"، "الأنقياء"، "المنفصلين" (عن الآخرين كونهم أفضل منهم!)، والذين كانوا يعرفون، وبشكل تام، الشريعة والسنن والقوانين.. ما هو مسموح وما هو ممنوع.. (يوحنا 14: 24). لكن هؤلاء الفريسيين الحريصين على تطبيق الطقوس بحذافيرها، مَرّوا مع الأسف بجانب الشخص الوحيد الذي كان بمقدوره أن يغفر الخطايا حقًا .. سيرفضه غالبيتهم. لكن يوحنا المعمدان، كان يعرف ذلك جيداً، كان يعرف بأنه ليس هو المعمدان، هو "الرسول .. الخادم" البسيط مَن كان يغفر الخطايا... فهو "لم يكن يُعمِّد إلاّ في الماء"... لكن، سيأتي بعده، بعد عمله الطقسي كمُعَمِّد، سيأتي "الحَمل الذي يحمل خطيئة العالم" (يوحنا 1: 29).
يا رب، بينما يقترب حدث الميلاد منا، أعطنا أن نقترب منك، أنت الوحيد الذي تغفر الخطايا.
وجرى ذلك في بيت عنيا عبرالأردن، حيث كان يوحنا يُعَمِّد
كان قد جاء من أورشليم.. المدينة المقدسة، والتي كانت في ذلك الوقت المركز العالمي لنشر كلام الله والسيطرة على طريقة نشره. بينما نرى بأن الله سيكشف عن ذاته، لس هناك في أورشليم، بل في أرض غريبة، فيما وراء نهر الأردن. والإنجيلي يوحنا كان مقتنعاً جداًبأهمية هذه المعلومة الجغرافية، بحيث ركَّز عليها مرتين (يوحنا 1: 28 و 10: 40)
يا رب، ساعدنا على أن نكون "مُرسَلين"، وأن لا ننغلق داخل حدودنا. فكم هي حزينة مثلاً الحدود التي نضعها نحن المسيحيين لتفصل بيننا: هذا كلداني وهذا سرياني وهذا..... هذه التسميات ربما قد لا تضر كثيراً بقدر ما تضر نظرتنا للآخر وتعاملنا معه بحسب هذه التقسيمات. امنعنا يا رب من أن نتعامل مع إخوتنا بحسب طائفتهم، لأننا سنكون عندها بعيدون كل البعد عن تعليمك .. وهذا يكشف أيضاً بأننا لم نتعرف عليك بعد.. ولم نكتشف بعد حضورك وسطن
يا رب، افتح عيون قلوبنا كيف تكتشف حضورك السرّي... في الشاطي المقابل
*نص من التراث المسيحي: 
التدبير الإلهي في التجسد الخلاص
من كتاب القديس إيرناوس الأسقف في الرد على الهراطقة
الله هو مجد الإنسان.
وفي الإنسان يتمّ عمل الله كله، وحكمته وقدرته.كما أن الطبيب يُظهِر نفسه في المرضى الذين يعالجهم،
كذلك يُظهر الله نفسه في تعامله مع الناس.ولهذا قال القديس بولس الرسول:
"إن الله أغلق على جميع الناس في العصيان ليرحمهم جميعا" (روما 11: 32).
قال هذا في الإنسان الذي عصى الله، فأُبعِد عن الخلود،ثم عاد ونال رحمةً بيسوع المسيح ابن الله، وبه نال التبني.
وما دام يقبل، من غير كبرياء أو غرور، المجد الحقيقي،إذا قررنا أن نعود إلى الطريق، أن نهتدي، فالله لن يكون متفرجاً: بل سيملأنا من روحه هو.الناجم عن المخلوقات وعن خالقها، الإله القدير وواهب الكائنات كيانها،
وما زال ثابتا على محبته تعالى وعلى حمده والخضوع له،فسوف ينال مجدا أعظم يتقدم به شيئا فشيئا حتى يصير شبيها بمن مات من أجله.
"اتخذ الكلمة جسدا يشبه جسدنا الخاطئ " (روما 8: 3)،ليقضي على الخطيئة، ويبعدها عن الجنس البشريّ.

ودعا الإنسان ليكون شبيها بالله، وليقتدي به.وأدخله في سر أبوّة الله، فمكنه أن يدركه ويراه.
كلمة الله سكن في الإنسان، وصار ابن الإنسان، ليمكن الإنسان من أن يدرك الله،وليجعل إقامة الله في الإنسان أمرا ممكنا، بحسب رضى مشيئة الله الآب.ولهذا فإن الرب نفسه أظهر لنا علامة خلاصنا،إذ وُلِدَ من البتول ودعي اسمه "عمانوئيل" أي "الله معنا"، لأن الرب يسوع المسيح، هو الذي خلص جميع الذين لم يكونوا قادرين على أن يخلصوا أنفسهم بأنفسهم.
وفي هذا المعنى قال القديس بولس ذاكرا ضعف الإنسان:"إني أعلم أن الصلاح لا يسكن فيّ" (روما 7: 18)،
مبينا أن الخلاص ليس منا، بل من الله.وقال أيضا: "ما أشقاني من إنسان.فمن ينقذني من هذا الجسد الذي مصيره الموت" (روما 7: 24).وهو يشير بهذا الكلام إلى المحرر الذي هو يسوع المسيح.وهذا ما أشار إليه النبي أشعيا أيضا حين قال:"قولوا لفزعي القلوب، تقووا، ولا تخافوا. هو ذا الله آت ليحكم ويثبت. إنه يأتي ليخلصكم" (أشعيا 35: 4).

78

14رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال خلقه كل شيء جديداً.
السبت13 كانون الأول  2014:   القلب الجديد
"الله حَضَّرهم للرسالة"
النص الأخير الذي تقترحه علينا ليتُرجية هذا الأسبوع، والذي يقدم لنا خلاص الله كخلق جديد لكل شيء، يحوي الكثير مما يدهشنا. فهو يتكلم عن نبي قديم، قام بمعجزات لا تخصناولا تهمنا بل وربما تصدمنا قليلاً. فكيف يمكننا أن نَعتَبر أن جَلْبَ المجاعة للناس، وقَتْلَرجالٍ بِحرقهم بالنار، كيف نعتبرها إذن أعمالاً عظمية أُنجِزَت لمجد الله؟! بل وأكثر من ذلك، أُنها أُنجِزَت بمساعدة الله
بالطبع لا يجب أن ننخدع من نبرة هذا النص الذي يريد تمجيد آباءنا في الإيمان، باستخدام عبارات هي أقرب منها إلى الملحمة مما هي من القصة التأريخية.
لكن المهم، هو أن هذا النص، على الرغم من كل شيء، يعلن لنا نوعاً من "البداية".
أيَّ دور كان التقليد اليهودي يسند إلى إيليا؟ كان التقليد اليهودي يقول بأن إيليا سيعود في نهاية الأزمنة، مباشرة قبل مجيء الرب النهائي... وبأنه سيأتي كي يصالح بين "الآباء والأبناء".. كي يُهيّأ إذن إنسانية تعيش في سلام، ووحدة..إنسانية قادرة على استقبال المسيح. ويسوع كان قد شرح لتلاميذه بأن ذاك الذي جاء ليلعب دور إيليا، أي دور التحضير لمجيئه هو المسيح، هذا الشخص هو يوحنا المعمدان، الذي كان قد جمع الشعب من أجل عماد التوبة. هكذا، الرسالة التي أُوصِلَت لنا هي أن تجديد العالم والذي هو إحدى علامات مجيء الرب النهائي، يبدأ بتجديد قلوبنا
هنا في الحقيقة، نار إيليا – مثلها مثل ماء عماد يوحنا المعمدان – يمكن أن يكونا مهمين، رمزياً بالطبع، لتطهير قلوبنا، ولتخليصها من كل ما يُثقلها ويعرقل عملها، كيما تُصبح حاضرة ومُهَيَّأة لمجيء ذاك الذي يأتي ويولد بيننا في حنان طِفل.
ماذا نفعل نحن اليوم كي نجدد قلوبنا
نص اليوم:  يشوع بنِ سيراخ  48: 1–4  ، 9– 11
وقام ايليا النبي كالنار، وَتَوَقَّدَ كلامُهُ كالمِشعَل. بَعَثَ عليهم الجوع، وبِغَيرتِه رَدَّهُم نَفَرًا قليلاً. أغلقَ السماءَ بكلامِ الرب، وأنزَلَ منها نارًا ثلاثَ مرات. ما أعظمَ مَجدَكَ يا ايليا، بعجائبك! ومَنْ لهُ فَخْرٌ كفخرِكَ؟
وخُطِفْتَ في عاصفةٍ من النار، في مركبةِ خَيلٍ نارية، وقد اكْتَتَبَكَ الربُّ لأقضيةٍ تَجري في أوقاتها، ولتَسكينِ الغضبِ قَبل حِدَّتِهِ، وَرَدِّ قَلبِ الأبِ الى الابن، وإصلاح أسباطِ يعقوب.طوبى لِمَنْسيراك، وطوبى لهؤلاء الذين ماتوا في محبة الرب، لأننا نحن أيضاً، سنحصل على الحياة الحقيقية.
يا رب، في شَخْصِيَّتَي إيليا النبي ويوحنا المعمدان الكبيرتين، أنتَ تُظهِر لنا مثال الإنسان المُلتَهِبَ حُبًّا من أجلك .. الإنسان المُمتلأ رغبةً لِيُعَرِّفَ الآخرين عليك. ضَعْ فينا يا رب نفس الغَيرةالتي وهَبْتَها لهما .. ونفس نقاوة القلب في في خدمتك، كي يتغير قلبنا ولكي يَعرِفَ العالم حولنا، شيئاً فشيئاً، وبشكل أفضل، قيمة الحياة والخلاص اللذين تقدمهما للعالم. مباركٌ أنت يا رب، من أجل كل هؤلاء الذين، ولقرون عديدة، حَضَّروا مجيئك. مباركٌ أنت من أجل كل أفعال المصالحة التي، في عالمنا، تبني بالفعل وتُعجِّل مَجَيء ملكوتك، أنت الذي تحيا لكي تُخَلِّص كل البشر... تعال يارب .. تعال وخلصنا!

مع محبة الأب غدير الكرملي

يتبع


79


 

13رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال خلقه كل شيء جديداً.
الجمعة12 كانون الأول  2014:   الإله القريب جداً.
"لَيْتَكَ يا بُني، كنتَ يَقِظًا وأصغيتَ إليَّ!"
في عملية الخلق الجديد، الذي يقوم به خلاص الله.. نسمع اليوم في نصنا ما يشبه تنهد مليء بالحسرة والأسف:  "لَيتَكَكنتَ يقِظاً وأصغيتَ إلى وصاياي ...".نحن، في الكثير من الأحيان، لا نكون منتبهين أومصغين إلى صوت الله .. ونكون غافلينوشاردي الذهن بسبب مختلف الإنشغالات والإهتمامات التي تضعنا في مواقف نأسف فيها دوماً على عدم فعل ما كان يجب علينا فعله: فنحن دائماً نعي متأخرين وبعد فوات الأوان بأننا أخطئنا في اختيار الطريق، أو أن مساعينا كانت عقيمة، وأفكارنا كانت خاطئة، وبأننا ابتعدنا عن الله، دون أن ننتبه..
لكن إذا كان زمن الإنسان هو زمن الأسف والحسرة على الماضي، فإن زمن الله هو دائماً "أبدية الحاضر": "أنا هو.. أنا الكائن"، يقول الرب. هذا هو الأسم الذي أعطاه الله إلى موسى. لكن مَن هو هذا الإله الثابت المستقر أزلياً؟ إنه المُخَلِّص، إنه الله، كُلِّي القدرة، ذاك الذي يجعل من نفسه "الأقرب" للإنسان. ومهما كانت أخطاءنا الماضية، يقدِّم الله لنا من جديد ودائماً نفس الوعد: إنه يَعدنا بالسلام والعدل، إنه يَعِد بالإثمار والألفة معه .. كل يومٍ من جديد ومهما يحصل؛ ويستخدم الله صوراً تُكَلِّم الشعب الذي كان مُهَجَّراً ونازحاً من مكان إلى آخر: التراب والنهر.. البحر وحبات الرمل.
"أنا الربُّ إلهُكَ الذي يُعَلِّمُكَما يُخَلِّصُكَ": لكن ماذا نحتاج كي نستقبل هذا الخلاص الذي يُقَدِّمه لنا اللهوبشكل أبدي؟ ما نحتاجه هو فقط أن نصغي إلى كلامه. فقط أن نكون.. منتَبهينإلى إرادته.. هذه الكلمة الجميلة تعكس الإنتظار وفي نفس الوقت الإصغاء والرغبة في عيش ما نصغي إليه.
هكذا، وبهذا الشرط، سنتمكن من تجاوز الماضي، مهما كان يحمل من فشل أو أخطاء.. سنتجاوزه.. وسيأتي سلام الله ويروي،كالنهر، أرض حياتنا.
نص اليوم:  أشعيا 48: 17 - 19
هكذا قال الرب فاديك القدوس:
أنا الربُّ إلهُكَ الذي يُعَلِّمُكَ ما يُخَلِّصُكَ، ويَهديكَ الطريقَ الذي تسيرُ فيه. لَيتَكَ كنتَ يَقِظاً وأصغيتَ إلى وصاياي! فكان سلامُكَ كالنهرِ، وبِرُّكَ كأمواجِ البحر!وكانت ذُرِّيَّتُك كالرَّمل، وسلالة أحشائِكَ كحَصاهُ، فَلَمْ يَنْقَرِضْ ولم يَبِد اسمُه مِن أمامي!.
  رب، أمامك.. أنت الذي تأتي إلينا.. كل يوم بدون ملل.. وإلى الأبد، نريد اليوم أن نُقَدِّم أنفسنا مع كل ماضينا.. بكل ما يحتويه.. مع حسرتنا، وجروحاتنا وكل أخطائنا، نُقَدِّمها لك كي تأخذها بقوتك المُحيية، وتقتلعنا من كل ما يسحبنا إلى الخلف ويمنعنا من التقدم نحوك.
يا رب، إجعلنا ننتبه لصوتك ونطيع كلامك.. كلام الحياة الذي يفتح أمامنا رجاء العالم الجديد الذي وعدتنا به ... تعال يارب .. تعال وخلصنا!



80

12رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال خلقه كل شيء جديداً.
الخميس11 كانون الأول  2014:   أن نستقبل "الجديد" الذي تهبه نعمة الله لنا.
"قَدَّر الله لنا منذ القِدَم، أن نكونَ أبناءه
نص النبي أشعيا الخاص بهذا اليوم، يُكرِّر علينا نفس الموضوع الذي تَكلمنا عنه في اليومين الماضيين. لهذا فكرت اليوم أن نعمل "وقفة" في طريق التجديد الذي يتكلم عنه الصوت المنادي لأشعيا النبي. مع أنها ليست تماماً وقفة أو قطع في الموضوع، لأننا سنستمر في التكلم عن نفس الموضوع: لأننا سنتكلم اليوم عن الولادة أيضاً، ولو بطريقة أخرى. قبل يومين (8 كانون الأول) صادف (ويصادف كل سنة في نفس التأريخ) عيد الحَبَل الطاهر بمريم أمنا (عيد العذراء مريم المحبول بها بلا دنس أصلي)؛لكننا استمرينا في رياضتنا الروحية، في تأمل النص اليومي الخاص بزمن المجيء، كي لا نقطع تسلسل الموضوع. وبما أن هذا العيد هو مهم لنا كثيراً ولا يبعدنا عن موضوعنا بل بالعكس، وكذلك بسبب الملاحظة التي ذكرتها في بداية حديثي اليوم، سنتأمل اليوم في القراءة الخاصة بهذا العيد وهي من رسالة القديس بولس إلى أهل أفسس.
عندما تحتفل الكنيسة بمريم المحبول بها بلا دنس أصلي، فهذا يعني بأنها تؤكد بأن الله قد أعَدَّ لابنه "مقاماً" "مُقَدَّساً لا عيبَ فيه". إنّ هذه هي "جِدَّة [1]" مطلقة تحدث اليوم: ولادة إنسان قديس حقًّا، مطابقٌ تماماً للمشروع الذي يريده الله للإنسان عند خلقِه له على صورته. ومريم، بشكل ما، هي الكائن الوحيد "الإنساني" تماماً، لأنها بدون خطيئة .. بما أنها عاشت في الألفة الحميمة مع الله.
لكن بماذا يهمنا هذا؟ إن هذا يهمنا ويخصنا تماماً لأن مريم وما حصل لها ليس استثناءً خاصًّا بها. فهي ليست غريبةعنا، بل واحدة منّا. فنحن .. كل واحد منا، يؤكد لنا بولس الرسول، قد اختارنا الله في المسيح، قبل إنشاء العالم، لنكون في نظره قديسين بلا عَيبٍ في المحبة.بكلمة أخرى، إن ما حَصَل لمريم، بالنعمة، منذ لحظة ولادتها (أي أنها طاهرة وبدون خطيئة)، سنصبحه نحن، أيضاً بفضل نعمة الله بالطبع، لكن شيئاً فشيئاً وطوال حياتنا. هذه هي بالذات دعوتنا المشتركة. لكن ليس لكي نصبح كاملين بلا عيب: فنحن لسنا مدعوين لأن نصبح شعباً يتكون من أناس كاملين، لكن "قَدَّرَ الله لنا أن نصبح شعبه" .. أي هؤلاء الذين يقفون في حضرة الله ويُرَنِّمون بحمده. ومن أجل ذلك، علينا أن نتخذ من مريم أمنا مثالاً لنا لأنها عرفت كيف تستقبل الجديد الذي جاءت به النعمة التي "مَلأَتْها" تماماً (الممتلئة نعمة). علينا إذن أن نستقبل جديد النعمة الذي ينبت فينا، وأن نحميه .. وأن نحافظ عليه .. وأن نجعله ينمو ويكبر داخلنا. هكذا، حياة كل واحد منا، والمُجَدَّدة من الداخل، ستصبح أكثر فأكثر مطابقة ووفق الأختيار الأزلي لله.هو الذي خلقتنا على صورته .. على مثاله
اليوم:     أفسس 1: 3–6 .  11 - 12
تبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح. فقد باركنافي المسيح كل بركة روحية في السموات. ذلك بأنه اختارنا فيه قبل إنشاء العالم، لنكون في نظره قديسين بلا عَيبٍ في المحبة. وقَدَّر لنا منذ القِدَم، أن يتبنانا بيسوع المسيح، على ما ارتَضَتْهُمشيئتُهُ، لحَمْدِه على نِعمَتِه السنية، التي أنعم بها علينا في الحبيب...
وفيه كانَ لنا نصيبٌ وَفقًا لِما قَضاه بتدبيرٍ سابق، ذاك الذي يَفعَلُ كلَّ شيء، على ما تُريدُه مَشيئتُه. فأَعَدَّنا منذ القِدَم لِنُسَبِّحَ  بِمَجده. نَحنُ الذين سَبَقَ أن جعلوا رَجاءَهم في المسيح.
يا رب، في مريم، أعطيتنا أيقونة الخلق المُجَدَّدَة على صورتك. نحن نتأمل فيهاما ترغب يا رب أن يُصبح كل واحد منا. تَباركْتَ يا رب على هذه العطية التي وَهَبْتَها لنا بأن تختار بنتاً من جنسنا لتعمل منها أمًّا لابنك ..ولتَجعَلْ منها أمنّا .. التي تُرينا الطريق نحوك. نَتَضَرّع إليها كي تأتي وتساعدنا في أوقات الخطر والإحباط .. كي تأتي وتلمَس قلب هؤلاء الذين لم يسيروا بعد في طريقك. فيَتِمَّ عَمَلُ خلاصِك في العالم... تعال يارب .. تعال وخلصنا!

81

11رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال خلقه كل شيء جديداً
الأربعاء10 كانون الأول  2014:   أن نَدَعَ الله يجدنا !
"في الرب،يجدون قِوَىً جديدة"
يوم أمس، طَلبنا من الله نعمة المواظبة على الصلاة والإصغاء، كي نسمح له أن يلقي علينا كلمات مُعزِّية. لكن اليوم هناك كلام آخر يُسمَع، كلام مؤلم لكنه يلقي الضوء على أشياء مهمة، كلام هو عتاب قاسي من قبل الإنسان تجاه الله: "إن طريقي تخفى على الرب، وإلهي يُهمِل حَقي" في بعض الأيام، يبدو أن طريق حياتنا يتيهويصطدم في أشواك الغابات وتنهال الصعوبات علينا، وعندها نبدأ بمعاتبة الله: "لماذا الله ليس عادلاً معي؟ لِيرى على الأقل نيتي الصالحة، ورغبتي في عمل الخير، وأن لا يتركني أُنْهَك في هذا الطريق الذي لا يقود إلى أي مكان!" إن هذا الصوت المتعَب، الله نفسه هو مَن يستقبله. فهو لا يرفض ولم يرفض أن يسمع هذا العتاب، وأن يجيب علىهذا الكلمات التي لا تحتوي على أي ثقة أو رجاء: "لِمَ تقول يا إسرائيل: إن طريقي تخفى على الرب؟"
"لم .. لماذا؟" يقول الله...فالله يستغرب في الواقع: "ألا تعرف ذلك؟"
لكننا نحن بدورنا نتعجب ونستغرب: فلكي يُجيب على تَعب الإنسان وعتابه، نرى الله يقدم لنا نفسه كالإله القوي الذي "لا يضعف ... ولا يَمل". فهو لا يترددفي أن يقدم نفسه في العَظَمة والقوة، حتى لو بدى ذلك للإنسان المتعَب ربما بأن كل هذه العَظَمَة والفخامة لن تُريحه بل تُزيد من وحدة هذا الإنسان المتعَب والسائر في طريق صعب ووعر.لكن مع ذلك، إذا كان الله يتكلم هكذا، فلأنه يريد أن يبين بأن قوته وعَظَمَته هذه هي للإنسان .. من أجل الإنسان. صحيحٌ أن "الفتيانُ يتعبون ويَعيَون"، وحتى الرياضيون يرون في يوم ما، قوتهم تخور. أما هؤلاء الذين يضعون رجاءهم في الرب، فيجدون فيه قِوَىَ جديدة." يجدون ما لا يستطيعون أن يعطوه لأنفسهم. فالله وحده يمكنه أن يهبنا حياته هو.. "هؤلاء الذين يضعون رجاءهم في الرب "، يسمحون له في الحقيقة، بأنيجدهم. بالمعنى الذي نراه في مَثَل الابن الضال. لماذا الخوف إذن، فمهما تهنا وضللنا وتعبنا في طريق حياتنا، لنحتفظ بثقتنا بالله أبينا، لأنه لن يرتاح إلاّ عندما يجدنا!
نص اليوم:     أشعيا 40: 25 - 31
"بمن تشبهونني؟"  يقول القدوس؟إرفعوا عيونكم إلى العلاء وانظروا: مَن الذي خلق هذه،مَن الذي يُبرِزُ جُندَها بعدَد، ويدعوها جميعاً بأسمائها، وذلك بسبب عَظَمة قدرته وشدة قوته، فلا يُفقَدُ أحد منها.
فَلِمَ تقول يا يعقوب، وتتكلم يا إسرائيل: "إن طريقي تخفى على الرب، وإلهي يُهمِل حَقي" أما عَلِمْتَ، أوَ ماسَمِعْتَ؟ إنَّ الرب إله سرمدي، خالق أقاصي الأرض، لا يَتعَبُ ولا يُعيي، ولا يسبر فهمه.يُؤتي التَعِبَ قوةً، ولفاقد القدرة يُكْثُرُ الحَوْل.الفتيانُ يتعبون ويَعيَون، والشبان يَعثُرون عِثارا.أما هؤلاء الذين يضعون رجاءهم في الرب، فيجدون في الرب قِوَىً جديدة، يرتفعون بأجنحة كالنُسور؛ يَعْدُونَ ولا يُعْيَون، يسيرون ولا يَتْعَبون.
يا رب، يا خالق كُلّ شيء، اليوم نَكِلُ إليك، بصورة خاصة، كل المتعَبين والمتألمين، كل الذين فقدوا عزيزاً أو بيتاً أو بلداً ... والذين، تحت ثِقَل الحِداد، أو المرض أو الألم، تخور قواهم ويُحبَطون.
أنت خالقنا .. أنت أبونا .. لقد خلقت الكون بِحُبّ، ومن حُبِّك هذا، نحن نستقي القوة يا رب.
مُباركٌ أنت لأجل عمَلِك المستمر في حياتنا؛ مُباركٌ أنت يا رب على القوة المُحَوِّلة لقيامتك. جَدِّدْ فينا عطية قُوَّتِك، تلك التي تنبع من ثقتنا ورجائنا بك، أنت العارف بكل شيء، والقادر على كل شيء. تعال يارب .. تعال وخلصنا!


82

10رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال خلقه كل شيء جديداً.
الثلاثاء 9  كانون الأول  2014:   لِنُصغي إلى ذاك الذي يُكَلِّم قلوبنا.
"عَزُّوا شَعبي"
في نص النبي أشعيا اليوم، نسمعصوتًا صارخًا. لا نعرف بوضوح من أين يأتي. إنه صوت ينادي وبقوة. بالتأكيد هذا الصوت يأتي من الله.. إنه هو مَن يرغب التكلم مع أورشليم. لكن مع ذلك، هذا الصوت هو ليس صوته، أو بالأحرى إنه صوتُ إله يكشف عن ذاته من خلال أصوات بشرية. اليوم، يعلن الله عن رغبته في أن يوجه إلى الإنسان كلاماً لكي يكون معه، لهذا سيكلمه كما يُكَلِّم الصديق صديقه، لكن بطريقة غير مباشرة: لدينا هنا رسول يُخاطب قلبَ أورشليم عنه.
"خاطبوا قَلبَ أورشليم. " ... لكن ألا يمكن أن يكون هذا هو الشيء الجديد الذي يحدث اليوم؟ أعني أن الله يتحدث معنا من خلال كلمات بشرية، يتكلم بتواضع من خلال إخوتنا، ويسمع ما نقوله له، نحن بدورنا! في الحقيقة، إن هذا العالم الجديد الذي حاولنا يوم أمس أن نجرؤ ونرغب في مجيئه، مُشار إليه اليوم أيضاً من خلال هذا الصوت المنادي: "كل جبل وتَلٍّ ينخفض، والمُعوَجُّ يتقوم، ووعر الطريق يصير سهلا". وثمرة تَحُوّل العالم هذا هي هذه بالضبط:أي أن نتمكن من التعرُّف على أن "فم الرب قد تَكَلَّم"
 إن أي كلام من الله بخصوص حياتنا لابد أن يحمل التعزية. لكن مع ذلك، كلام الله الذي نسمعه اليوم يقول أيضاً بأن "كُلُّ بَشَرٍكالعُشْب" ، أي زائل كالعشب. لكن عندما يصل هذا الكلام إلى القلب، سيدوّي صوته ويوصل هذا النداء: "عَزُّوا، عَزُّوا شَعبي". وهنا، نصل إلى النتيجة النهائية. الإثم قد غُفِر، والمكافأة قد وُهِبَت. ليس لأن الله هو ذاك الذي يحاسب ويعاقب. لكن في كلامه، تنكشف لنا صورة الله الحقيقية: ها نحن أحرار لأننا نعرف بأننا قد غُفِر لنا. صحيح أنّ كل بَشَرٍ زائل كالعشب، لكن يمكننا أن نستقبل الله في هذا الجسد الهش والضعيف .. الله الذي يجعل من نفسه قريباً جداً منا ويُعزينا كل يوم
  نص اليوم:     أشعيا 40: 1 - 11
"عَزُّوا، عَزُّوا شَعبي، يقول إلهُكُم. خاطبوا قَلبَ أورشليم، وقولوا لها بأنْ قَد تَمَّ تَجَنُّدُها، وغُفِرَ إثمُها، ونالت من يد الرب ضعفين عن جميع خطاياها."
صوت صارخ: "في البريةأَعِدُّوا طريقَ الرب، واجعلوا سبل إلهنا في الصحراء قويمة. كل واد يرتَفِع، وكل جبل وتَلٍّ ينخفض، والمُعوَجُّ يتقوم، ووعر الطريق يصير سهلا، ويتجلى مجد الرب، ويعاينه كلُّ بشر، لأن فم الرب قد تكلم"
صوت قائل : " نادِ" فقال: " ماذا أنادي؟ " كُلُّ بَشَرٍكالعُشْب، وكُلُّمجدِه كَزَهْرِ الصحراء. العشبُقد يَبِس، وزَهرُهُقد سَقَط، لأن روح الربِّ هَبَّ فيه. إنَّ الشعبَ عُشْبٌ حقًا. العشبُقد يَبِس، وزَهرُهُقد سَقَط، وأما كلمة إلهنا فتبقى للأبد".
 إصعدي إلى جبلٍ عالٍ يا مُبَشِّرَةَ القُدْس. إرفعي صوتك بقوة يا مُبَشِّرَةَ أورشليم. إرفعيه ولا تخافي، قولي لِمُدُنِ يهوذا: " هوذا إلهكم، هوذا السيد الرب يأتي بقوة، وذراعه تَمُدُّهُ بالسلطان، هوذا جزاؤه معه وعملُه قدامه. يرعى قطيعه كالراعي، يجمع الحُملانَ بذراعه، ويحمِلُها في حِضْنِه".
يا رب، أنت تأتي لتُجَدِّد كُلَّ شيء. إننا نؤمن بأنك ترغب أكثر منا بولادتك بيننا وفينا.
اليوم، نضع حياتنا أمامك في هذه الصلاة. عَلِّمنا أن نعيشها في المثابرة والمحبة.
عَلِّمنا أن نُسَلِّمك مفاتيحها بثقة وإيمان. أسمِعنا صوتك العذب وكلامك الذي توجهه إلينا كل يوم.
إجعلنا نكون بالنسبة لإخوتنا رُسُلَ تعزية وسلام!تعال يارب .. تعال وخلصنا!

83


9رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق

»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!
الله الذي يُخَلِّص من خلال خلقه كل شيء جديداً.
الأثنين 8 كانون الأول  2014:   هوذا إلهكم ..يأتي فيخلصكم
"ستنفجر المياه في البرية"
في نصنا اليوم، يرتفع صوتٌ ويُعلن: "هوذا إلهُكم... هو يأتي ويُخلِّصُكم".هوذا إلهُكُم... ماذا سنرى؟ إلى ماذا يدعونا النبي أشعيا من خلال كلمة "هوذا"؟ هل هو يدعونا للتأمل في كشف الله لذاته على طريقة الكشف أو الوحي في سيناء: برق ورعد وسحاب؟ كلا. إن ما يشير إليه أشعيا اليوم، هو ليس عالمًا يهتز ويتخلخل أمام عَظَمَة الله الذي يأتي بنفسه. نحن في الحقيقة لا نرى أي شخص يتقدم إلينا، لكن الصحراء المُقفِرة ستُزهِر.. وبلاد العطش ستنفجر فيها المياه، والسراب ينقلب غديراً... الأماكن المتروكة والمهملة تُصبح طُرقًا.. طُرُقاً آمنة للذهاب من خلالها إلى المدن المجاورة. لكن ليس اللهمن يَعبُر في هذا الطريق المقدس. بل الإنسان هو مَن يسير فيه: المأسورون "الذين افتداهم الرب" .. أي نحن، فكل واحد منا هو مأسور.
هوذا إلهنا... تأملوا في طريقة الله الرصينة والخفية التي يأتي من خلالها إلينا؟ فنحن لا نلاحظة في أي مكان بوضوح، لكننا نلاحظ ثمار عمله .. فهو يُجَدِّد كل شيء .. يخلق كل شيء جديداً. هكذا اختار الله أن يكشف نفسه: فهو لا يكشف نفسه من خلال حَجْبِ وإخفاء كل ما نعرفه حولنا بعَظَمَةِ نوره ومجده، لكن من خلال إظهار الحياة وجعل المياه تتدفق فيها، وتُخصِب كل شيء جاف ويَبِس حولها.

ويجرؤ النبي أشعيا ويقول بأن هذا المجيء هو أيضاً "انتقام"، "أخذ بالثأر"! هذا لا يعني بالطبع بأن الله يحمل داخله هذه المشاعر الإنسانية السلبية، لكن هذه الكلمات الإنسانية تُبين وبقوة بأن الله هو في جانبنا. فأمام هذا العالم، الذي يجعلنا، في الكثير من الأحيان، نعاني ونتألم ونمر بالموت، أمام هذا العالم الذي هو في الكثير من الأحيان جاف وقاحل ومليء بالأشواك، أمام هذا العالم إذن، الله لا يستسلم بل يلتزم بجانب الإنسان.. يقف بجانبنا. فهو يريد الحياة، ويريدها حَيّةً. وإنْ كان سيأتي، فذلك لكي يُحوِّل هذا العالم ويُغَيِّره... إنْ كان سيأتي، فذلك لكي يزرع فينا الأمل والرجاء والرغبة في تَغيُّر وتَحوّل عالمنا هذا... يأتي كي يجعلنا نجرؤ ونؤمن بأن الجديد هو ممكن، وأن الله يرغب أكثر منا في أن يَتجَدَّدَ كل شيء."تقووا إذن ولا تخافوا، فهوذا إلهُنا .. هو يأتي ويُخَلِّصُنا".
نص اليوم:     أشعيا 35: 1 - 10
ستفرح البرية والقفر وتبتهج البادية وتزهر كالورد. تزهر إزهارا وتبتهج ابتهاجا مع ترنيم. قد أوتِيَتْ مجدَ لبنان، وبهاءَ الكرملِ والشارون، فهم يرون مجد الرب وبهاء إلهنا.
قووا الأيدي المسترخية وشددوا الركب الواهنة. قولوا لفزعي القلوب: " تقووا ولا تخافوا، هوذا إلهُكُم، النِقمةُ آتية، مكافأةُ اللهِ حاضرة: هو يأتي ويُخَلِّصُنا".
حينئذ تتفتح عيون العُمِي، وآذان الصم تتفتح، وحينئذ يقفز الأعرج كالأيل، ويترنم لسانُ الأبكم؛إذ قد انفجرت المياه في البرية، والأنهار في البادية. فالسراب ينقلب غديراً، والمَعطَشَةُ ينابيعَ مياه. وفي مأوى بنات آوى الذي يربضن فيه، تظهرُ خُضرةُ القصَبِ والبَرْدِيّ.
ويكون هناك مسلك وطريق، يقال له الطريق المقدس، لا يَعْبُرُ فيه نجس، بل إنما هو لهم. من سَلَكَ هذا الطريق، حتى الجُهُّالُ لا يَضِلّ. لا يكون هناك في الأرض أسد، ولا يصعد إليه وحش مفترس، ولا يوجد هناك، بل يسير فيه المُخَلَّصُون. والذين فداهم الربُّ يرجعون، ويأتون إلى القُدْسِ بترنيم، ويكون على رؤوسهم فرحٌ أبدي، ويرافقهم السرور والفرح، وتنهزم عنهم الحسرةُ والتَّأَوُّه.
يا رب، مع النبي أشعيا، نطلب منك أن تجعلنا نجرؤ ونقدِّم أنفسنا في الحق أمامك.
أنت تأتي بنَفْسِك وتريد أن تخلصنا:
ها هي أرض قلوبنا الجافة .. بلاد العطش، والكثير من أشواك الغاب. هوذا العالم الذي فيه لا نستطيع أن نجد طريقنا بسهولة. إننا نؤمن بأننا سنرى مجدَك في هذه الأماكن الصحراوية التي نعيش فيها... نود أن نمتلك هذه الثقة ونعترف بأننا ننتظر شيئاً جديد. نُقدّم لك حقيقة رغبتنا لكي تزرع فيها الحياة. نود أن نترك كلمات أشعيا النبي ترن في أذهاننا: "ستنفجر المياه"، لقد وعدتنا بذلك يا رب. "ليفرح وليزهر.." من الآن، بلد العطش:
تعال يارب .. تعال وخلصنا

84

8رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين –العراق
(الأسبوع الثاني: 7 – 13 كانون الأول 2014)
السير نحو الميلاد ...
تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!
موضوع الأسبوع الثاني:
الله الذي يُخَلِّص من خلال خلقه كل شيء جديداً.
إنه هو مَن أحبنا أولاً.
في بداية هذا الزمن الذي يقودنا نحو ميلاد المُخَلِّص، وطوال الأسبوع الأول، تأمَلنا في الله الذي يأتي للقائنا. كان هذا موضوع الأسبوع الأول. فالله هو مَن بدء مبادرة الحُب هذه .. هو الأول.. لأنه هو مَن يهبنا ما يلزم كي نتمكن من البحث عنه... هو الأول، لأن كل شيء يأتي منه..هو الأول لأنه يهب كل شيء، بل ويهب حياته أيضاً. فهو يأتي للقائنا حيث نكون نحن.. في عالمنا السائر في الظلمات.. يأتي في حياتنا، التي هي بعض الأحيان مجروحة، لكنها دوماً في بحث عن السلام والسعادة. الله يأتي في حياتنا، كي يحولها تماماً. الله يأتي إلى العالم، فيتحول العالم دون أن يدري.. لأن التحول يحصل في الأعماق. أليس هذا ما ننتظره في الحقيقة؟ أي أن يأتي الله ويغير حياتنا وعالمنا كله؟ إن الله هو الإله القدوس السامي الآخر، المختلف عنا تماماً.. لكنه في نفس الوقت أيضاً، أقرب إلينا من أنفسنا نحن:هو وحده يمكنه معرفة رغبات قلبي العميقة، والوحيد أيضاً الذي يملك القدرة على تحقيق هذه الرغبات.. هو خالق كل شيء، ولهذا هو الوحيد القادر على تجديد كل شيء.
ها هي إذنالبشرى الكبيرة لهذا الأسبوع الثاني من زمن المجيء: الله يأتي ، ويصنع كُلَّجديد. هناك شيءٌ تَغيَّرَ في العالم مع مجيء المُخَلِّص. وهناك شيء سيتغير لأنه لن يتوقف عن المجيء.. بل مستمر بالمجيء. وكي نُهيأ أنفسنا لاستقبال هذا الشيء الجديد التي يغزو عالمنا وحياتنا .. كي نَقْبَله (لأننا في بعض الأحيان نخاف من الجديد، حتى لو لم نكن راضين عمّا نعيشه الآن في الوقت الحاضر)، إذن كي نقبله، علينا أن نجرؤ ونمتلك رغبات كبيرة. رغبات هائلة مثل السلام والتناغم الذي نتمنى أن يعم العالم بأكلمه. رغبات عميقة، أمثال تلك التي لا نجرؤ أو لا نفكر في أن نضعها أمام الله، أو مثل تلك التي لا تجرؤ صلاتنا على التعبير عنها، مثل: لِيَحدث شيءٌ جديدٌ في حياتنا، لِيُولد فِيَّ الإنسان الجديد، ليُجَدِّدني خلاص الله، وليولد فيَّ هذا الإنسان الجديد وليكبُر.
هذا هو بالذات الموضوع الذي تُكَلِّمنا عنه النصوص الليتورجة لهذا الأسبوع : الولادة... ولادة عالم جديد يصفه لنا الصوت المتحمس لأشعيا النبي قائلاً:"الأرض المنعرجة تتعدل، والطريق الوعر يصير سَهلاً!".. ولادة عالم جديد نجد فيه كلام تعزية وحنان مصدره الله.
عالم جديد، يسمع فيه المجليين عن أرضهم كلام تعزية وحنان.. عالم جديد، يسمع فيه المتعَبين والثقيلي الأحمال كلاماً يُقَوّي، ويُشَدِّد ويهب الرجاء. نحن لا نتكلم هنا عن مجرد حُلم، أو عن عالم خيالي مثالي نُصَبِّر به أنفسنا المتعَبة ورغباتنا الكبيرة: يوم الأثنين من هذاالأسبوع، سنحتفل بِعيدٍ يُذَكِّرنا بأن بواكير هذا العالم الجديد هي من الآن بيننا: فالإحتفال بالحَبَل الطاهر لمريم (المحبول بها بلا دنس أصلي)، يعني أن هناك خليقة مُجَدَّدة تماماً بفضل نعمة من الله، وطأت أرضنا .. وبأنها صورة مسبقة لما نحن بأجمعنا مدعوون لأن نصيره في مجد الله. لكن لننتبه: فحتى لو كان هذا العالم الجديد بيننا، فلا يزال له الحجم الصغير والهشاشة اللتين يتمتع بهما ابن البشر، لهذا عليناأن نكون "منتبهين ، يقظين" لصوت الله، الذي يأتي كل يوم ليجدد حياتنا، إلى أن نصل إلى الولادة النهائية في اليوم الأخير.. علينا إذن أن نعمل على أن ينمو شيئاً فشيئاً، فينا وفيما حولنا، هذا العالم الجديد الذي تركه المُخَلِّصُ لنا مثل هدية نفيسة.
الله الذي يُخَلِّص من خلال خلقه كل شيء جديداً
الأحد  7 كانون الأول 2014
في الأسبوع الثاني من زمن المجيء هذا، سنستمر في نفس طريقنا نحو الميلاد وبنفس الإيقاع الإعتيادي: الرسالة الأولى من القراءة الليتورجية المخصصة لكل يوم، هي التي تقود تأملنا إنطلاقًا من موضوع الأسبوع. وموضوع هذا الأسبوع هو: "الله الذي يُخَلِّص من خلال خلقه كل شيء جديداً". ويوم الأحد هو عادة مدخل لموضوع الأسبوع هذا، ونجد فيهأيضاً نصًا من التراث المسيحي، عادة أحد آباء الكنيسة أو أحد القديسين المعروفين.
*تأمل في إنجيل الأحد الثاني من زمن المجيءمرقس 1: 1 -  8
بدء بشارة يسوع المسيح ابن الله:
كُتِبَ في سفر النبي أشعيا: "هاءنذا أُرسل رسوليقدامك لِيُعِدَّ طريقَك. صوتٌ مُنادٍ:
في البريةأعدوا طريق الرب ، واجعلوا سبله قويمة."
تم ذلك يوم ظهر يوحنا المعمدان في البرية، ينادي بمعمودية التوبة لغفرانالخطايا. وكان يخرج إليه أهل بلاداليهودية كلها، وجميع أهل أورشليم، فيعتمدون عن يده في نهر الأردن معترفين بخطاياهم.
وكان يوحنا يلبس وبر الإبل، وزناراً منجلد حول وسطه. وكان يأكل الجراد والعسل البري، وكان يعلن فيقول: " يأتي بعدي من هو أقوى مني، من لست أهلا لأن أنحني فأفكرباط حذائه. أنا عَمَّدْتُكُم بالماء، وأماهو فيُعَمِّدُكُم بالروح القدس."
سنقرأ اليوم بداية إنجيل القديس مرقس. طوال هذه السنة المسماة "السنة ب"[1]، سيكون لإنجيل مرقس الأولوية في أناجيل الآحاد.
إن تقليد الكنيسة قَدَّم دوماً مرقس الإنجيلي كتلميذٍ لبطرس الرسول. هكذا إذن سنسمع في هذا الإنجيل ذكريات وتعليم بطرس، هذا الشاهد الذي كان قريباً جداً من يسوع. نعتقد بأن هذا الإنجيل قد كُتِبَ في روما، نحو العام 70، وموجَّه إلى جماعة مسيحية متكونة من مؤمنين من أصل وثني، لم يعيشوا أبداً في فلسطين.
عند مقارنتنا لهذا الإنجيل مع الثلاثة الأخرى، نراه عمليًا جداً: فهو قصة رجل من الشعب .. قصة مليئة بتفاصيل جميلة ومشوقة. لكن لا يجب أن ننخدع ببساطة هذا الإنجيل الظاهرية، فمرقس هو أيضاً لاهوتي، يقدم لنا اكتشاف بطرس التدريجي. ففي الجزء الأول من الإنجيل، كل الناس يتساءلون: "مَن هو يسوع؟". ويسوع كان يقوم بأعمال ويلقي بتعاليم تسبب تساؤلات كثيرة. لكن وبشكل غريب، كان يسوع يفرض "السرية" حول شخصه. ثم في الجزء الثاني من حياته العلنية، بدأ يكشف شيئاً فشيئاً عن سر شخصيته. أي أن مرقس استخدم طريقة مشوقة وعميقة في كشفه لسر المسيح، من خلال إدخالنا في السر وفي أجوائه، ومن ثم كشفه لنا هذا السر بالتدريج وبطريقة عميقة جداً.
"جغرافية" مرقس هي أيضاً، "لاهوتية"، بمعنى أنها ترسم هالة حول "الجليل".. هذه الأرض المفتوحة.. المنفتحة والمستقبِلة لرسالة وتعليم يسوع، يضعها إذن في تضاد مع أورشليم.. المدينة التي ترفض يسوع. بالإضافة إلى ذلك، يأخذ بحر الجليل معنىً رمزياً بالنسبة لمرقس (فبطرس، الصياد، كان يعرف أصغر التفاصيل عن بحيرته هذه(: الضفة الغربية هي يهودية، أما الضفة الشرقية فهي وثنية. هكذا يُظهر لنا مرقس، وبإصرار، يسوعَ ذاهباً "نحو الوثنيين"... مفتتحًا هكذا "رسالة" الكنيسة التي يُوجِّه لها مرقس هذا الإنجيل. فكما ذكرت أعلاه، كنيسة مرقس كانت مكونة من مسيحيين من أصل وثني، لهذا يركز في إنجيله على رسالة يسوع نحو الوثنيين وانفتاحها على الجميع وليس فقط اليهود.
اخيراً، إنجيل مرقس هو "مأساوي". هناك ثلاث جماعات إنسانية مرسمومة فيه ومُقدَّمة بوضوح. أولاً، يسوع وتلاميذه، دوماً معاً. ثم هناك الجمع، الذي يتبع يسوع، لكنه لا يفهمه في أغلب الأحيان أو بصعوبة. وأخيراً، الأعداء، الذين يتربصون بيسوع، منذ البداية، ويحكمون عليه ويدينونه.
بدء بشارة(بدء البشرى السارة.. بدء إنجيل..)...
إن أول كلمة من إنجيل القديس مرقس هي نفس الكلمة الأولى من الكتاب المقدس، وهذا ليس صدفة: "في البدء خلق الله السموات والأرض" (تكوين 1: 1). الإنجيلي يوحنا استخدم أيضاً نفس الكلمة في بداية إنجيله: "في البدء كان الكلمة" (يوحنا 1: 1). متى ولوقا، أيضاً،  يشيران إلى حقيقة البداية هذه: "أما أصل يسوع المسيح فكان هكذا..."(متى 1: 18، لوقا 1: 3).هكذا إذن الإنجيليون الأربعة يبينون لنابشكل أو بآخر بأن مخطط الله، من خلال يسوع، يسجّل بدأية جديدة ويُلَمِّح إلى أن خليقة جديدةبدأت. و"زمن المجيء" هذا الذي يبدأ، هو أيضاً، كل سنة، فرصة لبداية جديدة أو لانطلاق جديد في حياتنا نحن.
يا رب، تواجهنا باستمرار تجربة التوقف .. أي أن نتوقف عن السير، وأن نقول: كفى!
أعطنا يا رب كل يوم من جديد، روح "البداية"،  وأحيي فينا باستمرار الرجاء.
"بشارة .. البشرى السارة!" إننا معتادون جداً على هذه العبارة. إنها ترجمة للكلمة اليونانية "إيوانكاليون" والتي جاءت منها كلمة "إنجيل". لكن هذه الكلمة لا تعني "كتابًا"، أو شيئًا. إنها "البشرى السارة لملكوت الله التي ابتدأت في شخص يسوع".  "البشرى السارة، هي القيامة، هي الفصح، إنها الإنتصار النهائي للحياة! هذه الكلمة جاءت من النبي أشعيا وهو يعلن للمسبيين التعساء نهاية جلاءهم: "عَزُّوا، عَزُّوا شعبي... عذابهم قد انتهى... خاطبوا قلبَ أورشليمَ وقولوا لها بأن إثمها قد غُفِر... إصعدي إلى جبلٍ عالٍ ، يا مُبَشِّرة َ صِهيون المُفرِحة، أنت التي تحملين "البشرى السارة"، ارفَعي صوتَك بقوَّة،  وقولي: "هُوذا إلهُكم، يأتي..." (أشعيا 40: 1. 11)
هل هذا هو إيماني أنا اليوم؟ هل أن إيماني هو مجرد حِمًل أجُرُّه معي بصعوبة، أم أنه "بشرى" "سارة"، "جيدة"، "رائعة"؟
البشارة السارة ليسوع المسيح آبن الله ...
منذ البداية، يعلن مرقس فحوى الإنجيل. إن "ألقاب" يسوع هذه هي مفتاح كل القصة. وستعود، في نهاية الإنجيل عندما يتعرف "وثني" على يسوع المائت على الصليب ويقول: "حقاً، كان هذا الرجل ابن الله"(مرقس 15: 39). كانت هذه طريقة أدبية معروفة في الكتابة في ذلك الوقت، تُستَخدَم للإشارة إلى أن المعنى العميق للقصة، بأكمله، مُدرَج بين عبارتين أو كلمتين مكررتين في البداية وفي النهاية.
إن كلمة "يسوع"تعني بالعبرية "الله يُخَلِّص"، "يَشُوَع". إنه الأسم المألوف، الذي يشير إلى الشخصية الإنسانية، التأريخية، الأرضية، لرجل الناصرة.
"المسيح".. تعني بالعبرية "ممسوح الرب"، هذا اللقب يشير إلى أن يسوع هو حقاً ذاك الذي كل إسرائيل كانت تنتظره، المنحدر من نسل داؤد"، "ملك مملكة الله".
وأخيراً، "ابن الله"... هو لقب لن يأخذ كل معناه إلاّ لحظة القيامة. في الوقت الذي كان مرقس يكتبفيه، كان المسيحيون، يُعلنون إيمانهم ويبشرون بألوهية يسوع أيضاً.
كُتِبَ في سفر النبي أشعيا: "هاءنذا أُرسل رسوليقدامك لِيُعِدَّ طريقَك. صوتٌ مُنادٍ:
في البريةأعدوا طريق الرب ، واجعلوا سبله قويمة" ...
هنا أيضاً ليس صدفة أن يبدأ الإنجيلي مرقس باستشهاد من العهد القديم. فيسوع هو ليس "كائن" يصل فجأة من كوكب آخر. لكنه يتجذر في تأريخ شعب. فهو كان "منتَظَراً"، "مُعلنَا به"، "ومجيئه مُهَيَّأ"... ...وقراءة نص من العهد القديم،والتي نقوم بها في قداس كل أحد منذ المجمع الفاتيكاني الثاني، هي ليست تجديداً من قِبَل الكنيسة الحديثة. فالمسيحيون الأولون، ومنذ وقت مرقس، ومسيحيوا متى ولوقا ويوحنا أيضاً، كانوا يقرأون الكتاب المقدس (الخاص بهم، أي العهد القديم)... ويُطَبِّقوه على يسوع.
ونحن؟ يحصل لنا في الكثير من الأحيان أن نتذمر بأننا لم نلتقِ بالله. لكن هل نحاول فعلاً أن نستخدم الوسائل التي لدينا؟ماذا نفعل كي نبحث عنه؟ هل نُعِدّ "طريق الرب"؟ زمن المجيء هذا يُمكِن أن يكون زمناً لإعادة التأمل في الكتاب المقدس.
تم ذلك يوم ظهر يوحنا المعمدان في البرية، ينادي بمعمودية التوبة لغفرانالخطايا. وكان يخرج إليه أهل بلاداليهودية كلها، وجميع أهل أورشليم، فيعتمدون عن يده في نهر الأردن معترفين بخطاياهم...
لا يجب أن نتخيل بأننا "سنلتقي" بالله، في عيد الميلاد مثلاً، بدون "أن نُحَضِّر" مجيئه .. بدون أن نتطهر، أو أن نعمل على نتوب، وأن نُغيِّر حياتنا.
يوحنا المعمدان، هو، لم يجامل مستمعيه. كان يقول لهم: "غَيِّروا تماماً تصرفاتكم... عودوا إلى الطريق!" هذا هو معنى الكلمة التي نترجمها بـ "توبوا". الكلمة اليونانية هي "ميتانويا" وتعني الرجوع إلى الطريق: "كنتم تتصرفون هكذا؟ تصرفوا الآن بالعكس. الشر الذي تقومون به، توقفوا عن فعله. والخير الذي لم تكونوا تعملوه، ابدئوا بالقيام به. تَغَيَّروا! تَغَيَّروا!"
عندما يقترب ميلاد الرب يسوع، المسيحيون هم مدعوون لأن يستقبلوا "سر المصالحة" من أجل غفران خطاياهم. من الآن، أريد أن أتهيأ لذلك، كي أعمل منه مسيرة جدية وناضجة ومسؤولة، وليس مجرد عادة أقوم بها بشكل ممل وروتيني. وعلى مثال الجمع الذي كان يأتي إلى الاردن، سأبدأ "بالتعرف" على خطاياي و"الإعتراف" بها، بوعي ووضوح. يا رب، إفتح عيني!
وكان يوحنا يلبس وبر الإبل، وزناراً منجلد حول وسطه. وكان يأكل الجراد والعسل البري ...
 إنها الملابس النمطية المألوفة "لرجال الصحراء" .. البدو، في ذلك الوقت.
"الصحراء"! إن الجمع الذي كان يأتي إلى الصحراء، هذا الجمع المنجَذِب نحو يوحنا المعمدان، كان عليه أن يترك جزءً من العالم الذي يعيش فيه، لكي يذهب إلى عالمِ آخر. فعندما "ينسحب"هذا الجمع "إلى الصحراء"، هذا يعني ربما نوعًا من رفض السهولة .. رفض حياة  الرفاهية. إن "الصحراء" هي مكان مفتوح أمام أنظارنا، حيث الطرق ليست معبدّة ومهيّاة بوضوح: إنها دعوة للمغامرة إذن! لا شيء واضح وأكيد. "الصحراء"، هي أيضاً مكان الخلوة والصمت: دعوة إلى اللقاء الداخلي! ومن المستحيل هناك أن يشرد فكرنا، أو أن نلتجيء إلى الأمور السطحية والخادعة: فالإنسان يجد نفسه وجهاً لوجه مع نفسه،  مُعرَّى من كل الأقنعة وحضور الله يفرض نفسه بقوة. في هذا الصمت والخلوة ونزع الأقنعة، ربما سيتمكن الله من أن يُسمِع صوته لنا: فعندما تسقط أقنعتنا، سنسمع نداءه لعيش حياتنا بصدقوحق. إذا كنا نريد أن يكون لقاءنا بالله حقيقي وعميق، يجب أن يكون لنا وقتٌ مخصصٌ "للصحراء".
هل أستغل زمن المجيء هذا لآخذ وقتًا منتظماً للخلوة والصمت؟
وكان يعلن فيقول: " يأتي بعدي من هو أقوى مني، من لست أهلا لأن أنحني فأفكرباط حذائه. أنا عَمَّدْتُكُم بالماء، وأماهو فيُعَمِّدُكُمبالروح القدس."
إن يوحنا المعمدان لم يوجَد إلاّ من أجل آخر .. من أجل شخص لم يُحَدَّد أسمه بعد: "ذاك الذي يأتي"، "الآتي!"..."الأقوى"... "الأكرم"، "الأكثر أهلاً"، "ذاك المملوء بالروح القدس"..
إذا قررنا أن نعود إلى الطريق، أن نهتدي، فالله لن يكون متفرجاً: بل سيملأنا من روحه هو.
*نص من التراث المسيحي:
من كتابات القديس البابالاون الكبير ، القرن الخامس (مقطع من الموعظة السابعة لعيد الميلاد)
  إن ربنا يسوع المسيح، بولادته إنسانًا حقًا، هو الذي لم يتوقف أبداً عن كونه الله، حقق في ذاته بداية الخليقة الجديدة، وفي ولادته أعطى البشرية بداية روحي يُمكنه فهم هذا السر الكبير؟ ومَن يستطيع أن يشرح هذه النعمة العظيمة؟
الظلم سيصبح نقاوة، والشيخوخة تصبح جِدَّةً [2]؛ الغرباء سيكون لهم الحق في التَّبَنّي، والناس القادمون من بلدان أخرى سيشاركون في الميراث. الكفار يصبحون أبراراً؛ والجشعون يصبحون كُرماء؛ الزناة يصيرون أطهاراً؛ والبشر الجسديون تماماً يصبحون روحانيين.
من أين يأتي تغيير كهذا إنْ لم يكن من "يمين الله العَلي"؟ إن ابن الله جاء ليهدم أعمال الشر؛ لقد إتّخذ جسدنا والتحق بنا، وجعلنا نتجسّد فيه ونلتحق به، بحيث يصبح نزول الله نحو عالم البشر، نوعاً من ارتفاع الإنسان نحو عالم الله.
استيقظ إذن.. تَنَبَّه أيها الإنسان، وتَعَرَّفْ على كَرامة وسمو طبيعتك! تَذَكَّر بأنك خُلِقْتَ على صورة الله، وهذه الصورة، على الرغم من أنها أُفسِدتْ في آدم، قد أُصلِحَت وأُحييت في المسيح!
استخدِم الخلائق المنظورة، كما يجب أن تُستَخدَم؛ويمكنك أن تستخدم الأرض، والبحر، وما يأتي من السماء، والهواء، والينابيع والأنهار؛ واستعمل كل ما يوجد من جميل ورائع، لتسبيح وتمجيد الخالق.
لتستقبل عيناك النور المرئي، لكن احتضن من كل قلبك هذا النور الحقيقي "الذي ينير كل إنسان آتِ إلى العالم" والذي عنه يقول النبي: "مَن ينظر إليه يُشرق وجهه، ولن يبقى فيه أي ظلمة أو اضطراب".
فإذا كنا بالفعل هيكل الله، وإذا كان روح الله يسكن فينا حقاً، فإن ما يحمله كل مؤمن في داخله، له قيمة أكبر بكثير من كل عجائب السماء.
[1]) السنة الطقسية اللاتينية مقسمة إلى ثلاث سنوات: أ، ب، ج. كي يتمكن المؤمن من سماع معظم نصوص الكتاب المقدس خلالها. أي أن النص نفسه يعود كل ثلاث سنوات (وليس كل سنة، كما هو الحال في السنة الطقسية لمعظم كنائس الشرقية المقسمة على سنة واحدة فقط).
الأب غدير الكرملي


85

7رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين – العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال مجيئه لملاقاة الإنسان.
السبت6 كانون الأول 2014 :الله يهتم يلتزمنا
"يسكُبُ الربُّ مَطَرَه على زَرْعِكَ
إن الرَّبَّ يأتي للقاء الإنسان من خلال نعمته التي يفضيها عليه. نصنا اليوم مؤثِّر جداً لأنه مليءٌ بأعمال الله وفعله فينا. سيصرخ الشعب تجاهه وفي المقابل، سيجيب الربُّ .. سيعطي .. ويُعلِّم .. ولن يتخلى عن شعبه أو يختبيء.. سيتكلم .. وسيعطي مرة أخرى، سيضمد الجراح ويشفي. سيكون حاضراً هنا. في الحقيقة هو هنا أصلاً، لكنه سيُظهِر ذلك.. سيكشفه. سيأتي الربُّ لملاقاتنا ويفتح عيوننا على مخطط خلاصه. هو سيتحمل كل شيء، ويقود كل شيء، من البدء وحتى النهاية. واليوم يريدنا أن نراه، وأن ندخل في الفرح، في هذا التيار الذي يقوده هو بنفسه. وهنا أيضاً، العمل الوحيد المطلوب من الإنسان والذييُطلِق عطية الله هذه، هي صرخته نحو الله. يكفي أن نتوجه بتواضع نحوه وأن نضع رجاءنا به، وأن نؤمن بحبه، وبرغبته في ان يقودنا ويباركنا، وأن يكون معنا .. أن يكون عِمانوئيل!
عندها، ستُدخِلنا هذه النظرة الجديدة في فعل تسليم بَنَوي. وسيفتح الله عيوننا على عمله المستمر في حياتنا .. على ما يفعله في حياتنا. ولأننا سنرى كيف أن نعمته تلتزمنا وترافقنا في كل ما نقوم به، يمكننا عندئذٍ أن نُسَلِّم ذاتنا أكثر فأكثر إليه .. بسهولة أكثر فأكثر .. بانفتاح أكثر فأكثر، بثقة أكثر فأكثر.
نص اليوم:     أشعيا 30: 19– 21 ، 23 - 26
19يا شَعْبَ صِهْيَوْنَ الساكنَ فِي أُورُشَلِيمَ. لنْ تَبكيَ بعدَ اليومِ، لأن َّ الربَّ يَتحنَّنُ عليك عند صوت صُراخِكَ ويستَجيبُ عندما يسمَعُكَ، فيُعطيكَ خبزًا في الضِّيقِ وماءً في الشَّدَّةِ، ويُرشِدُكَ ولا يتوارى مِنْ بَعدُ، بل تراهُ عيناكَ أبداً. إذا مِلتَ يمينًا أو يساراً تسمعُ كلامَ قائِلٍ من ورائِكَ: «هذِهِ هِيَ الطَّرِيقُ. اسْلُكُوا فِيهَا». 23ثُمَّ يسكُبُ الربُّ مَطَرَه على زَرْعِكَ الَّذِي تَزْرَعُهُفي الأَرْضَ، فيكون الَخُبْزُ من غَلَّةِ الأَرْضِ شهيًّا وافِراً، وَفي ذلك اليوم تَرْعَى مَاشِيَتُكَ فِي مُروجٍ فسيحة. 24وَالثيرانُ وَالْحَمِيرُ الَّتِي تَفلَحُ الأَرْضَ تَأْكُلُ عَلَفًا مُمَلَّحًا مُذَرَّى بِالْمِنْسَفِ وَالْمِذْرَاةِ. 25وَيَكُونُ عَلَى كُلِّ جَبَل شامخٍ وكلِّ رابيةٍ عالية سَوَاقٍ وَجداولُ مِيَاهٍ فِي يَوْمِ الْمَذبَحَةِ الْعَظِيمَةِ، عندما تَسْقُطُ الأَبْرَاجُ. 26وَيَصيرُ نُورُ الْقَمَرِ كَنُورِ الشَّمْسِ، وَنُورُ الشَّمْسِ يَصيرُ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ كَنُورِ سَبْعَةِ أَيّامٍ، حينَ يُضَمِّدُ الرَّبُّ جُرحَ شَعْبِهِ وَيَشْفِي رُّضوضَه.
ربي يسوع .. لقد جئتَ، أنت الابن الوحيد، كي تكشف لنا الآب. لقد قلتَ لنا مراراً بأن كل شيء فيك تجاه الآب، ما هو إلاّ ثقة وتسليم ومحبة. لقد تَجَسَّدْتَ واتحدْتَ بنا كي تجعلنا نصبح بالتبني، أبناءً للآب مثلك، وذلك لكي نتمكن أخيراً من أن نستسلم لحُبِّك. نشكركُ يا رب ونمجِّدك! تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!
للأب غدير الكرملي
يتبع

86

6رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين – العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال مجيئه لملاقاة الإنسان.
الجمعة5 كانون الأول 2014 :شريعة المساكين
"سيُقَدِّسونَ اسمي
إن الله يأتي للقائنا من خلال وعوده، والتي يتممها شيئًا فشيئًا كلما آمنّا بها. واليوم في نصنا، يَعِدُ الله بأن يُرجعَ الفرح للمساكين والمتواضعين، بتخليصهم من أعدائهم. والإنسان مخلوق لكي يجد الفرح. وهذا الفرح هو في الله .. ومرتبط بمعرفتنا لله مرتبطٌ في حياةِ شركة مع الله. والله لا يريد إلاّ فرحنا. لكن من هو عدونا الذي يخلصنا الله منه؟ الخطيئة هي هذا العدو المستبد، هذا المستهزء، الذي يحاول مقاومة عمل الله هذا. فهو يريد أن يجعلنا نعتقد بأن هذه الشركة مع الله هي شيء مستحيل، ويشكننا بكلام الله ووعوده، ويسخر من إرادتنا وعقلنا وذاكرتنا كي يُّذَكِّرنا باستمرار بأننا ضعفاء وغير مستحقين وبالتالي غير قادرين على العيش في شركة مع الله.
ويسوع .. يأتي كي يُخَلِّصنا من هذه الكذبة. ففي يسوع، الله يأتيللقاء الخاطيء. ويجعل من نفسه صَديقًا للخاطيء.. يأكل على مائدته كي يُعَرِّفه بأنه مدعو إلى الشركة معه، وبأنه أكبر بكثير من خطيئته، وبأن الله قد خلق داخله شيئاً يربطه بالله، وهو أعمق بكثير من خطيئته، وهذه الكرامة التي خلقها الله في الإنسان هي التي تجذبه نحو الشركة مع خالقه. ويسوع قد جاء ليفتح عيوننا على هذه الحقيقة ويتممها: فقد أخذ على عاتقه خطايانا، كي يرفع هذا الحاجز الذي يمنعنا منالعيش في شركة معه. وإذا آمنا بعمل المسيح هذا، يمكننا أن ندخل في شركة معه. وهو سيدخلنا في شركة مع أبيه.
نص اليوم:     أشعيا 29: 17 - 24
17بعد قليل، في مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ جِدًّا، سيَتَحَوَّلُ لُبْنَانُ جنائِنَ، وَالْجنائنُ ستُشبِه غابة كبيرة18فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، يَسْمَعُ الصُّمُّ أَقْوَالَ الكتاب، وَتُبصِرُ عُيُونُ الْعُمْيِ بعدَ انغِلاقٍ على السَّوادِ والظلامِ. 19وَيَزْدَادُ الْمساكينُ فَرَحًا بِالرَّبِّ، وَيَبتهِجُ البؤساءُ بِقُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ. 20لأَنَّ الْطغاةَ يَهلِكونَ والساخرينَ يَزولون ولا يبقى أَثِرٌ للمُواظبينَ على الشَّرِّ. 21أولئِكَ الذين على كلمةٍ يَتَّهِمونَ الآخرينَ بالخطيئةِ، وينصِبونَ شَرَكًا على باب القضاء لِمَن يقضي بالعدلِ، ويُحَرِّفونَ دعوى البريءِ بأباطيلِهِم.
22لِذلِكَ قالَ الربُّ إلهُ بيتِ يعقوبَ الذي افتدى إبراهيمَ: «لَن يخجَلَ يعقوبُ بعدَ الآنِ ولن يَصفَرَّ وجهُهُ23متى رأى أنَّ ذُرِّيَّتَهُ بعدَ العملِ الذي عَمِلَتْهُ يدايَ في وسَطِهِم يُقَدِّسونَ اسمي مِثلَما قدَّسَهُ يَعْقُوبَ، وَيَهابونَ اسمي أنا إِلهُ إِسْرَائِيلَ. 24وأن الضالينَ بالرُّوحِ يهتَدونَ إلى الفَهمِ والمُتَذمِّرينَ يَقبَلونَ أن يَتَعَلَّموا"
ربي يسوع .. أنت النور الذي هو أقوى من ظلماتنا، أنت الحَق الذي هو أقوى من كل كذب، أنتَ تفتح عيوننا على عَظَمَةِ دعوتنا.. وتأتي كل يومٍ، ترافقنا، خطوةً فخطوة، كي تحققها فينا، نُسَبّحك يا رب ونشكرك.
إن خطيئتنا تمنعنا في الكثير من الأحيان من أن ننفتح إلى مجيئك، لكننا نؤمن بأنك تستطيع أن تخلصنا منها. تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!

87

5رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين – العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال مجيئه لملاقاة الإنسان.
الخميس4 كانون الأول 2014 :شريعة المحبة عند الله
"لدينا مدينة حصينة"
إن الله يأتي للقائنا كي يهيأ مدينة.. مدينة منيعة.. مدينة حصينة لكي تستقبل وتحمي من يستنجد به .. تحمي مَن يريد أن يحتمي بالرب. العيش بالإيمان يتطلب أن نكون محميين من قبل الله، لأن العيش بالإيمان هو أن نعترف بهشاشتنا وضعفنا ونقبلها، ونعيشها مع الله. يجب أن نعترف بأننا لسنا أقوياء بحد ذاتنا .. وهنالك في أعمق أعماقنا رغبة للحب لا حد لها، قدرة على الحُب، وضعها الله فينا. لكن طبيعتنا قد جُرِحَت، فأثَّر ذلك على هذه القدرة، وبدأ قلبنا يميل بعدها إلى الإنطواء على ذاته، كي يحمي نفسه، حتى لا يتألم. ولكي يبقى قلبنا منفتحاً، يجب أن يكون الله نفسه هو من يحميه.. علينا أن نتركه يقوم بذلك، أن نسمح له بذلك .. فالله وحده هو مَن يمكنه حماية قلبنا، علينا أن نَكِله إليه .. أن نعهد به له كي يحميه. إنه هو وحده يستطيع أن يجعله يبقى منفتحاً كي يُحِب، مهما كان قلبنا هَشًّا وضعيفاً.
إن الله جاء، في ابنه، واتخذ ضعفنا البشري، ليلتحق بنا ويخلص أثمن ما نملك. لقد أعطانا يسوع قانونًا..  شريعة للمحبة لكي نبقى منفتحين دوماً، فشريعة المحبة هذه لن تسمح بعد لقلبنا أن ينغلق أبداً. فأن نطيع المسيح، هذا يعني أن نبقى دوماً منفتحين على الآخرين. وعندها، سيأتي هو بنفسه ويزرع فينا المحبة التي يطلبها منّا. إنه هو قوتنا.. هو القوة في ضعفنا. هكذا إذن، العيش بالإيمان يتطلب أن نبقى معه في هذه العلاقة الحيوية، الضرورية للحياة، والتي بها وحدها سنستطيع أن نُحِبَّ حقاً.
 اليوم :أشعيا 26: 1 - 6
1فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يُنشَد هذا النشيدُ فِي أَرْضِ يَهُوذَا: لَنَا مَدِينَةٌ مَنيعةٌ! حَصَّنَها الرّبُّ لِخَلاصِنا بأسوارٍ ومتاريسَ.2اِفْتَحُوا الأَبْوَابَ لِتَدْخُلَ الأُمَّةُ الوفيَّةُ للرّبِّ، الأُمَّةُ التي تحفَظُ الأمانَةَ. أنتَ يا ربُّ تحفَظُ سالِمًا مَنْ يَثبُتُ ويحتَمي بكَ. 4تَوَكَّلُوا عَلَى الرَّبِّ إِلَى الأَبَدِ، لأَنَّ الرَّبَّ صَخْرَةُ البقاء. 5 يَخْفِضُ سُكَّانَ الْعَلاَءِ، ويَحُطُّ الْمدينةَ الْشَّامِخَةَ، يحُطُّها إِلَى الأَرْضِ. يُلْصِقُهَا بِالتُّرَابِ. 6لتَدُوسُهَا أَقْدَامُ الْمَسَاكِينِ، وتطَأَها أرجُلُ الفُقراءِ.
 ربي يسوع .. أنت صخرتنا وتريدنا أن نستند عليك. فهشاشتنا وضعفنا لا تغيران شيئًا فيك، بل من خلالها تستطيع، أنت، أن تصبح قوتنا، كي نستيطع أن نحب، وأن نهب ذاتنا، وأن نصبح أحياء. رجاءنا هو أنت يا رب، أنت الحَيّ فينا. أنت حياتنا، تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!

88


4رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين – العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال مجيئه لملاقاة الإنسان.
الأربعاء 3 كانون الأول 2014 :نار الإيمان
إلى أقاصي الأرض بشارتهم
لنستمع اليوم إلى تعليم بولس: إن الله يأتي للقائنا عبر الإيمان .. من خلال الإيمان ! قد يبدو ذلك مفارقة كبيرة .. أو تناقض غريب؟ فالله يأتي كي يخلصنا. يأتي يخلِّص مَن يدعون اسمه. لكن كيف ندعوه دون أن نؤمن به أولاً؟ السر هو أن الإنسان عندما يدعو الله ويستغيث به، هناك، قبل توجه الإنسان هذا نحو الله .. هناك عطية مسبقة وأولى من الله. فالله هو مَنيسبب فينا الإيمان حتى نصرخ إليه.. كي يأتي ويخلصنا. إذن حتى هذه الشرارة الأولى هي عطية من الله ..  هي خطوة الله الذي يأتي للقائنا.
مالذي بقي علينا نحن أن نفعله إذن؟
علينا أن نمسك بهذه الشرارة، ونسمح لها أن تشعل فينا نور الإيمان هذا .. علينا أيضاً أن نقدم له، أو أن نسَلِّم إليه فكرنا وإرادتنا، لكي يُنيرها هذا النار، ويحولها،  ويعطيها بالتالي قدرة جديدة. إن عطية كلمة الله التي تنير قلوبنا وتكشف لنا حقيقتنا وحُريتنا .. وعطية الروح القدسالتي تدخلنا في معرفة الله، يمكن أن تُصبحا فينا، إذا فتحنا قلوبنا، قوىً للخلاص. إذا آمن قلبنا بقوة كلمة الله وعملها الفعال فينا، وبفعل الروح القدس فينا، إذا اعترفت شفاهنا بأن يسوع هو الربّ، لا شيء عندها يستطيع أن يمنعنا من استقبال قوة خلاصه.
نص اليوم:     رومة 10: 9 - 18
9إذاشَهِدْتَ بِفَمِكَ أن يسوع ربٌّ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، نِلتَ الخلاص.10فالإيمانُ بالقَلبِ يقودُ إلى البِرِّ، والشهادةُ بالفمِ تقودُ إلى الخَلاصِ. 11لأَنَّ الْكِتَابَ يَقُولُ:«كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يَخيبُ». 12لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْيَهُودِيِّ وَغير اليهودي، لأَنَّ الله رَبُّهُم جميعاً، يفيضُ بخيراتِهِ على كُلِّ مَنْ يدعوهُ. 13 فالكتابُ يقول: «كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ».
14ولكنْ كيف يَدْعُونَهُ وما آمَنوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ بَلْ كيفَ يَسْمَعُونَ بِه وما بَشَّرَهُم أحدٌ؟ 15وَكَيْفَ يُبَشِّرُهُم وما أرسَلَهُ الله؟ والكتابُ يقول:«مَا أَجْمَلَ خُطواتِ الْمُبَشِّرِينَ بِالخَيْر». 16ولكِنْ ما كُلُّهُم قَبِلوا البِشارةَ. أما قالَ إشعيا:«يَارَبُّ، مَنْ آمَنَ بما سَمِعَهُ مِنّا؟» 17فالإِيمَانُإِذًامن السَّماعِ، والسَّماعُ هوَ مِنَ التَّبشيرِ بالمَسيح.
18غيرَ أنِّي أَقُولُ: أمَا سَمِعوا؟ نعم، سَمِعوا، فالكتاب يقول: «إِلَى الأَرْضِ كُلِّها وَصَلَ صَوْتُهُمْ، وَإِلَى أَقَاصِي الْمَسْكُونَةِ أَقْوَالُهُمْ».
ربي يسوع .. أنت حاضر فينا بكلمتك وبروحك القدوس،
أنت مُتَحِّد بنا إلى الأبد، ونحن نؤمن بأنك ربنا وإلهنا.. إننا نؤمن بهذا ونكرر إيماننا هذا كل يوم.
فأنت يارب، بمجيئك، سَبَّبت إيماننا هذا.. نسبِّحك وندعوا دوماً باسمك..
فبحقِ كلمتك المزروعة فينا، تعال وامْلُك على قلبنا .. تعال يا  رب، تعال وخلِّصنا!


89


3رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين – العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال مجيئه لملاقاة الإنسان.
الثلاثاء 2 كانون الأول 2014 :السماء تلتقي بالأ
"الأَرض تَمتَلِئُ من مَعرِفَةِ الرَّبّ"
فرعُ يخرج من جِذعٍ ..إنسانٌ يولد من الأرض، وروح الرب ينزل ويحل عليه. إن إعلان أشعيا المتعلق بمجيء المسيح مذهل وعجيب. فالسماء هي من تأتي للقاء الأرض .. الروحُ هو من ينزل ويحل على الجسد .. الله يأتي لملاقاة الإنسان من خلال إتحاده به بروحه القدوس.
في زمن كتابة النبي لهذا النص، كانت ذرية داؤد منتهيةً تقريباً، ونسله المتعاقب كان قد ابتعد شيئاً فشيئاً عن الرب، ملقيًا على الشعب الخزي والمصائب، إلى أن وقع السبي وأُجلي الشعب، وكان ذلك نهاية المملكة.
لكن مع ذلك، وبعيداً عن أرضه، استمرت القلة الباقية من الشعب ترجو الرب .. استمر الرجاء حَيًّا في قلوبهم. فمن هذا الفرع، المائت تقريباً، سيقوم وينْمي غُصنٌ ، والذي هو المسيح. هو ثمرة الأرض. لكن الخبر الجميل والعجيب، هو أن الله سيأتي ويُحِلّ روحَه عليه. الإله العلي كلّي القدرة، يأتي للقاء البشرية المُذَلّة، ويهب روحَه لابن الإنسان .. روح الله هذا، بكماله، بملئه، سيقيم ويقود كل كيان هذا الابن
إن عطية الروح القدس هذه لهذا الإنسان- الإله، ولأنه يأتي كي يصالح البشرية مع الله، ستحقق مُصالَحَةً تعانق وتحتضن وتشمل كل الخليقة. وبفضل هذا الإتحاد، تصبح معرفة الله ممكنةمن جديد.
إن الله يأتي لملاقاة الإنسان ويفتح له ويفتح له باب المعرفة هذا، أي باب الدخول في علاقة معه والتعرف عليه.
نص اليوم:     أشعيا 11: 1 - 10
في ذلك اليوم يَخرُجُ فَرعٌ مِن جذعِ يَسَّى، والد داؤد، وَينْمي غُصنٌ مِن أُصولِه، ويَنزلُ علَيه روحُ الرَّبّ، روحُ الحِكمَةِ والفَهْم والمَشورَةِ ، روحُ القُوَّة والمعرفةِ وتَقوى الرَّبّ، ويبتهجُ بمخافة الرَّبّ. لا يَقْضي بِحَسَبِ ما ترى عَيناه، ولا يَحكُمُ بِحَسَبِ سَماعِ أُذُنَيه، بل يَقْضي لِلضُّعَفاءِ بِالعدل، ويُنصِفُ الضالمين بكلامٍ كالعاصا، ويُميتُ الشَريرَ بِنَفخَةٍ مِن شَفَتَيه. ويَكونُ العدلُ حِزامًا لوسطِهِ، والحقُ مِئزَرًا حولَ خَصرِه. فيَسكُنُ الذِّئبُ مع الحَمَل، وَيربِضُ النَّمِرُ بجانب الجَدْيِ، ويَرعى العِجلُ والشِّبلُ معاً، وصَبِيٌّ صَغيرٌ يَسوقُهما.تَرْعى البَقرةُ والدُّبُّ مَعاً ويَبيتُ أَولادُهما معاً، والأَسَدُ يَأكُلُ التِّبنَ كالثَّور، ويَلعَبُ الرَّضيعُ على وكرِ الأَفْعى، ويَضَعُ يدَهُ في مَكمَنِ الثعبان. لا يُسيئُ أحدٌ ولا يُفسِد، أينما كان في جَبَلي المُقَدَّس،  لِأَنَّ الأَرض تَمتَلِئُ من مَعرِفَةِ الرَّبّ كما تملأُ المِياهُ البَحر. في ذلك اليَومِ يرتفع أَصلُ يَسَّى القائِمُ رايَةً لِلشُّعوب، تطلُبُهُ الأُمَم ويَقيم المجد في مَوطِنِهِ.
ربي يسوع .. أيها المسيح.. ابن الله الممتليء بالروح،
أنت يا مَن وحدك تعرف الآب ، ومحبوبٌ من قِبَله، نُسَبِّحك ونسجد لك.
بإشراكنا في حياتك، تُشركنا أيضاً بروحك القدوس، وتدخلنا في هذه المعرفة، التي هي مصدر وينبوع كل مصالحة.
إننا نثق بك يا رب .. ورجاؤنا قوي بك. إجعلنا ننقادُ لتعليمك بتواضع وثقة .. قُدنا أنت يا رب بنفْسك، وَحِّدنا بك .
يا رب، تعال وخلِّصنا!

90

رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
الله الذي يُخَلِّص من خلال مجيئه لملاقاة الإنسان.
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الأثنين 1 كانون الأول 2014 : قَلبٌ مخلوقٌ  للسلام
"تعالوا ، لنسِر نحو  النور!"
يجب أن نكون قد اختبرنا السير في الظلمات .. في الصعوبات، كي نفهم هذا الفرح وكل هذا الرجاء الموجود في نصّنا اليوم والمأخوذ من سفر أشعيا النبي. فالشعب الذي يعيش في الظلمات، لا يستطيع أن يتجه نحو النور. بل هو لا يعرف حتى من أين يأتي النور. لكن يكفي أن يبزغ هذا النور ويطلع في الأفق ولو قليلاً كي يتوجه الكل نحوه. "تعالوا نصعد! تعالوا نَسِر! إن الشعب هو مَن يسير نحو الله، لكن الله هو الذي يُسَبِّب فعل السير هذا. لأنه هو النور..الله يأتي للقاء الإنسان مثل النور .. النور الذي يجذب .. النور الذي يُخلِّص.
إن هذا النور المعطى من قِبَل الله كي يجذب الإنسان نحوه، هو كلمته. إنه يأتي ليحكم على القلوب ... ليس بمعنى الإدانة، لكنه يأتي كي يُنيرها، وكي يكشف لنا لماذا خُلِق قلبنا في الحقيقة. فقلبنا لم يُخلَق من أجل الحرب. وإنْ كان يدخل باستمرار في صراعات، فذلك لأنه مجروح بسبب الخطيئة، إنه مغلَق .. مسدود.
لكن في أعماقه، تبقى هناك رغبة في أن يُلقي السلاح..إن قلبنا مخلوق للسلام.  ونور الخالق وحده، يمكنه أن يكشف لنا ذلك.
لا تخافوا من النور. فهو يأتي كي يُخَلِّصنا. اليوم، علينا أن نترك أنفسنا نُخَلَّص من قبل الله.. لندعه يخلّصنا.. هذا يعني أن نترك كلمته تخترق أعماق قلبنا، كي تتمكن من أن تُنير ما في داخلنا وتشفيه .. فكلمة الله تُنير وتشفي .. تكشف حقيقة قلبنا وتعيد إليه السلام.
نص اليوم:     أشعيا 2: 1 - 5
1اَلأُمُورُ الَّتِي رَآهَا أَشَعْيَا بْنُ آمُوصَ مِنْ جِهَةِ يَهُوذَا وَأُورُشَلِيمَ:
2وَيَكُونُ فِي آخِرِ الأَيَّامِ أَنَّ جَبَلَ بَيْتِ الرَّبِّ يَكُونُ ثَابِتًا فِي رَأْسِ الْجِبَالِ، وَيَرْتَفِعُ فَوْقَ التِّلاَلِ، وَتَجْرِي إِلَيْهِ كُلُّ الأُمَمِ. 3وَتَسِيرُ شُعُوبٌ كَثِيرَةٌ، وَيَقُولُونَ: «تعالوا نَصْعَدْ إِلَى جَبَلِ الرَّبِّ، إِلَى بَيْتِ إِلهِ يَعْقُوبَ، فَيُعَلِّمَنَا مِنْ طُرُقِهِ وَنَسْلُكَ فِي سُبُلِهِ». لأَنَّهُ مِنْ صِهْيَوْنَ تَخْرُجُ الشَّرِيعَةُ، وَمِنْ أُورُشَلِيمَ كَلِمَةُ الرَّبِّ. 4فَيَقْضِي بَيْنَ الأُمَمِ وَيُنْصِفُ لِشُعُوبٍ كَثِيرِينَ، فَيَطْبَعُونَ سُيُوفَهُمْ سِكَكًا[1] وَرِمَاحَهُمْ مَنَاجِلَ. لاَ تَرْفَعُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ سَيْفًا، وَلاَ يَتَعَلَّمُونَ الْحَرْبَ فِي مَا بَعْدُ.
يا ربي يسوع، بتجسدك جئت تقدم نفسك نوراً لقلوبنا.
وكلما تعيش فينا، كلما يستنير قلبُنا ويكتشف حقيقته التي خُلِق من أجلها.
كلامك الذي يدخل قلبنا اليوم، هدفه أن يُحييهذه الحقيقة النائمة في داخلنا .. أن يوقظها من سباتها.
تعال واكشف لنا هذه الحقيقة! تعال يارب .. تعال وخلصنا


91

رياضة روحية عبر النت: زمن المجيء (30 تشرين الثاني-  24 كانون الأول 2014
سلسلة الرياضات الروحية عبر النت
مع الرهبانية الكرملية في العراق
رياضة روحية لزمن المجيء 2014بعنوان:
»السير نحو الميلاد ...
تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
هذه هي الرياضة الروحية الخامسة مع الكرمل، في سلسلة رياضات روحية عبر النت، والتي بدأناها عام 2012. هذه الرياضة خاصة بزمن المجيء الذي يبدأ عشية الأحد الأول لزمن المجيء والمصادف في هذه السنة يوم30 تشرين الثاني
بعض المعلومات عن السنة الطقسية بحسب الطقس اللاتيني:
السنة الطقسية تبدأ بالأحد الأول لزمن المجيء وتنتهي بالأسبوع الأخير من الزمن الإعتيادي. وطوال هذه السنة الطقسيةتحتفل الكنيسةبين هذين الحدثين بسر المسيح بأكلمه، أي من الولادته وإلى مجيئه الأخير (الذي يُسمى أيضًا المجيء الثاني).
تتكون السنة الطقسية من نوعين من الأزمنة: الأزمنة الكُبرى، والزمن الإعتيادي. الأزمنة الكبرى تتضمن: زمن المجي، الميلاد، الصوم الكبير وزمن القيامة، والتي نحتفل في كل واحد منها بِسِرٍّ معين من أسرار الخلاص، بينما الزمن الإعتيادي، بحد ذاته، لا يحوي أي سرٍّ محدد، لكنه بالأحرى يحتفل بكل سر المسيح، خاصة يوم الأحد. إن الزمن الإعتيادي مقسوم إلى 33 أحد، بعمر المسيح، بالإضافة إلى الأحد الرابع والثلاثين وهو الأخير، ويقع فيه عيد يسوع ملك الكون، والذي تنتهي به إذن السنة الطقسية دائماً.
carmeliraq_family@hotmail.com
هو العنوان الألكتروني الخاص بالرياضات الروحية عبر النت، فنرجو الكتابة لنا على هذا العنوان فيما لو كان لديكم أية رغبة بخصوص الرياضات الروحية أو أي إقتراح ترغبون في إشراكنا فيه وشاركوه مع أحباكم وأصدقائكم ممن يودوا استلام الرياضات الروحية أو الكرازات الأسبوعية.
لعيش رياضة روحية مثمرة، ندعوكم إلى مواقف ثلاث:
    تكييف المحتوى: بما أن إنتظاراتكم هي مختلفة تماماً، فالبعض سيجد مادة الرياضة سطحية والآخر سيجدها معقدة وغير مفهومة الخ.. أي ستكون هناك خيبة أمل عند البعض. عليكم إذن أن تميزوا وتختاروا، من محتوى الرياضة الروحية المُرسَل إليكم، ما يساعدكم في طريقكم الروحي.
    صلوا:  سيكون للنصوص المستَلَمة فائدة ما، فقط إذا أخذتم بعض الوقت للصلاة مع هذه النصوص وبمساعدتها.  ليس هناك رياضة روحية حقيقية بدون وقت مخصص للصلاة الشخصية! مع النصوص المرسلة إليكم ستجدون جدولاً بالنصوص الطقسية اليومية لكل يوم من أيام زمن المجيء؛ يمكنكم إذن أن تقرئوا أثناء الرياضة، النصوص الخاصة بكل يوم والتأمل فيها قليلاً، وستكون لكم مثل الخبز اليومي.
     الشركة: نحن نسير سوية في طريق المجيء نحو ميلاد الرب يسوع من خلال شبكة من العلاقات الروحية. لنخصص بعض الوقت للصلاة من أجل بعضنا البعض، ومن أجل كل من يحتاج إلى صلاتنا، ولا ننسى بالأخص أن نصلي من أجل السلام في بلدنا وفي العالم، ومن أجل النازحين والمتعَبين بسبب أوضاع بلدنا الجريح.
أتمنى لكل واحد منكم رياضة روحية مباركة ... وليتمجد أسم ربنا يسوع إلى الأبد!
السير نحو الميلاد ...
ها إن السير نحو الميلاد قد بدأ... الكثيرون منكم قد عاشوا معنا خبرة الرياضة الروحية عبر النت. إنها لَفُرصَة كبيرة أن نعيش طوال زمن المجيء في التأمل في سر مجيء الرب يسوع وإتخاذه جسدنا، وكذلك الإصغاء إلى كلمة الله، ونحس أننا لسنا وحدنا بل عديدون في مختلف أنحاء العالم نقوم بنفس الشيء. وأن نقوم بذلك عبر النت هو بالتأكيد فرصة ونعمة، لكن في نفس الوقت، هو شيء متطلب...  فرصة ونعمة لأننا لسنا وحدنا في هذا الطريق: هناك الآلاف يسيرون معنا ... فأنا لا أعيش إيماني وحدي، لكني أعيشه مع الكنيسة. لكنه أيضاً متطلب، لأننا يجب أن نقوم ببعض الخطوات والجهود كي نستطيع الإستمرار حتى نهاية الطريق دون أن نمل أو نتعب أونتوقف في منتصف الطريق.
فنحن في هذه السنة، سنتأمل كل يوم ولمدة شهر كامل في كلام الله، والكتاب المقدس بيدنا، وعلينا إذن الإنتباه على الرغم من مشاغلنا وظروفنا الصعبة، التي ستدفعنا إلى التوقف وترك كلمة الله إلى يوم آخر. هدف الملاحظات التالية هو مساعدتكم عملياً في السير في طريق الميلاد هذه السنة؛ وعلى أيِّ حال، المهم في هذه الإرشادات هي أن تجعلنا لا نمل ولا تُثبَط عزيمتنا وهمتنا وأن نستمر في السير حتى النهاية في طريق الميلاد. ربما سيبدو الطريق طويل، لكن تذكروا أننا نسيره سوية مع أناس كثيرين غيرنا وعلينا أن نصلي بعضنا للبعض الآخر.
ماذا يقترح عليكم طريق الميلاد هذه السنة؟
سنقترح عليكم في طريق الميلاد لهذه السنة 2014 نصوصًا يومية. ستستلمون الملف الخاص بالأحد (وهو الأهم والأكبر) يوم السبت عادةً (إذا كانت خطوط الإتصالات سهلة!)، وبعدها تستلمون كل يوم أو كل يومين النصوص الخاصة بالتأمل اليومي وهي نصوص قصيرة ترافقنا في تأمل النص الخاص بكل يوم.
إنجيل كل أحد سيكون هو النور الذي ينير أيام الأسبوع التي تليه.
 باختصار إذن ستستلمون ما يلي:
1) يوم الأحد:
*مدخلاً للموضوع الذي سنركز عليه طوال الأسبوع
* تأملاً في إنجيل الأحد.
* نصًا من التراث المسيحي بالعلاقة مع الموضوع.
2) من الأثنين وإلى السبت: سنصغي إلى كلام الله بحسب قراءات اليوم:
*مدخلاً للنص الكتابي (القراءة الأولى أوالإنجيل المقترح لكل يوم).
*تأملاً قصيراً في النص الكتابي لليوم.
*صلاة نحاول تكرارها في ذلك اليوم، تُدخلنا في شركة مع كل السائرين معنا نحو الميلاد في مختلف الأماكن.
ما هي المواضيع التي ستقودنا تأملاتنا؟
المواضيع التي سنتأمل فيها طوال زمن المجيء مرتبطة بنصوص الآحاد:
- الأسبوع الأول(من30 تشرين الثاني– 6 كانون الأول): الله الذي يُخَلِّصمن خلال مجيئه لملاقاة الإنسان.
- الأسبوع الثاني (من 7 – 13  كانون الأول): الله الذي يُخَلِّص من خلال خلقه كل شيء جديداً.
- الأسبوع الثالث (من 14 – 20 كانون الأول):  الله الذي يُخَلِّص من خلال عقده عهداً مع الإنسان.
- الأسبوع الرابع (من 21 - 24 كانون الأول):الله الذي يُخَلِّص من خلال هبة ذاته للإنسان.
كيف نعيش هذه المسيرة نحو الميلاد؟
لعيش هذه الرياضة الروحية كل أسبوع، ربما من المستحسن أن تحددوا في يومكم وقتًا ثابتًا (نصف ساعة على الأقل)، وكذلك مكاناً مناسبًا، مخصَّصًا لعيش مسيرتكم نحو الميلاد.  ابدئوا  بقراءة محتوى ملف اليوم المرسل لكم: مدخل ونص كتابي. خذوا وقتًا للصمت كي تطلبوا من الروح القدس أن يساعدكم على استقبال هذه الكلمات كغذاء في مسيرتكم في ذلك اليوم.  أعيدوا قراءة النص ببطيء، ولأكثر من مرة. ركزوا على عبارة في النص، أثَّرَتْ فيكم أكثر من غيرها. تأملوا فيها أمام الله وليس وحدكم! لا تنسوا بأنه موجود فيكم ومعكم وأن هدف الرياضة أو الصلاة هو أن تدخلوا في علاقة معه وليس أن تصلوا مع أنفسكم وأفكاركم مهما كانت جميلة. راجعوا حياتكم ببساطة على ضوء النص. أنهوا التأمل اليومي باتخاذ قرار عملي بسيط يمكن عيشه في ذلك اليوم أو في اليوم التالي، واختموا بالصلاة المقترحة عليكم، أو أية صلاة أخرى تدخلكم في علاقة مع الله شاكرين له كل نعمه وحبه لكم.
الأسبوع الأول من زمن المجيء (من30 تشرين الثاني– 6 كانون الأول):

الله الذي يُخَلِّص من خلال مجيئه لملاقاة الإنسان.
* مدخل للموضوع الذي سنركز عليه طوال هذا الأسبوع:
"ما أقوله لكم، أقوله للناس أجمعين: اسهروا."
ها هي الكنيسة، كل الكنيسة، مدفوعة بأمر الرب يسوع هذا، تبدأ مسيرة زمن المجيء ...
اسهروا.. يطلب منا يسوع. لكن لماذا علينا أن نسهر؟

لأن الرب آتٍ .. وعلينا أن نستقبله. هذه هي رسالة الكنيسة. فالرب يسوع يأتي ليخلص العالم، وعلى الكنيسة أن تسهر كي تستقبل الخلاص باستقبالها المخلص. هنا يكمن فرحنا الحقيقي. فالمسيح، ولكي يخلص العالم، أراد أن يمر بنا، أن يمر بهذا الباب الذي هو قلبنا. إنه يأتِ ليلتقي بنا (ليلمسنا، ليتعرف علينا، ليمكث معنا) لكي يُخَلّص العالم. ونحن بدورنا، لا نستطيع إستعجال هذا الخلاص الذي نرجوه إلاّ بدخولنا في هذا اللقاء الحقيقي، الشخصي، الحميم مع الرب يسوع.

فكرة الدخول في علاقة حقيقية وحميمة مع الله ربما ستخيفنا. فعندما نعي المسافة الكبيرة الموجودة بين قداسة الله وطيبته وجماله، وبين فقرنا وضعفنا وخطيئتنا، هذا سيدفعنا للوهلة الأولى أن نتخلى عن هذا اللقاء ونعتذر ونتركه للآخرين. لكن الله لا يمكنه أن يخلص العالم بدوننا، بدون المرور بنا؛ لا يمكنه أن يخلص العالم بدون أن يلتقي بنا. لذلك أزال بنفسه هذه المسافة. هذه هي المعجزة العجيبة والمدهشة التي نحتفل بها في عيد الميلاد. فالله نفسه يتجسد، يأخذ جسدنا، يتحد به كي يزيل ويلغي كل مسافة. وسيتمم هذا الإتحاد بآلامه وموته. لكن السر، سر الخلاص، يبدأ هنا في الميلاد.
لا تنسوا أبداً بأن هذا اللقاء بين الله وبيننا هو الهدف النهائي لحياتنا على الأرض. في يوم من الأيام سنعيش إلى الأبد في حضوره .. متحدين به ..نصبح أشباهه، كما يشبه الأبن أباه، ونشاركه حياته نفسها. إن الخلاص الذي نرجوه ما هو إلا حياة في الشركة مع الله. لكن هذا اللقاء بين الله وبيننا هو أيضاً الوسيلة التي اختارها الله كي يحقق ويتمم هذا الخلاص.. إنه الخطوة التي اختارها الله لكي يتمم مخططه العجيب لنا. إن إلهنا هو إله يخلصنا ليس بعصاً سحرية، لكن من خلال مجيئه وبلقاءه بنا.. من خلال مجيئه لملاقاتنا.
إذن، سنحاول في هذا الأسبوع الأول من زمن المجيء، أن نكتشف هذا الإله العجيب، ونتأمله .. هو الذي يأتي لملاقاتنا، سنحاول أن نستقبله، وأن ننفتح على هذا اللقاء. إن الله يتمنى وينتظر ذلك منا. سنصغي إلى "كلمته"، كي نستقبل إرادته. سنحاول أن نثق به .. أن نؤمن به؛ سنحاول أن ننفتح لكلماته المُخَلِّصة. سنحاول كل ذلك سوية. في الكنيسة. من أجل العالم.
*تأمل في إنجيل الأحد الأول من زمن المجيء (30 تشرين الثاني)
مرقس 13: 33 - 37
في ذلك الزمان قال يسوع لتلاميذ بخصوص مجيئه الثاني:
"احذروا واسهروا، لأنكم لا تعلمون متى يحينُ الوقت. فَمَثَلُ ذلك كمثل رجل سافر : وقبل أن يترك بيتَه، فَوَّضَ الأمرَإلى خدمه، كل واحد وعمله، وأوصى البواب بالسهر.
فاسهروا إذاً، لأنكم لا تعلمون متى يأتي ربُّالبيت: أفي المساء أم في منتصف الليل أم عند صياح الديك أم في الصباح،لِئَلا يأتي بَغتَةً فيجدَكُم نائمين. وما أقوله لكم، أقوله للناس أجمعين: اسهروا."
احذروا واسهروا ...
إن كلمة "اسهروا" مكررة أربع مرات من قبل يسوع في هذا النص.
إنها "كلمة السر" بالنسبة ليسوع، والتي بها نستطيع أن نكتشفه كل يوم في حياتنا. قال يسوع هذه الكلمات مباشرة قبل أن يترك تلاميذه نحو الآب، فطريق آلامه (في إنجيل مرقس) يبدأ مباشرة بعد نصنا.
يا رب، ، أنك تُلِّح، وتطلب منا أن نبقى "حذرين ، ساهرين".
في عشية جتسمانية، كنت تَعْلَم بأن تلاميذك لن يتحملوا ما سيحصل وسيتخلوا عنك. لكن مع ذلك، حاولت  أن تُنبههم وتحذرهم من الإستسلام: "اسهروا"، "اسهروا"، "اسهروا"، "اسهروا"!
أنت تعيد علينا اليوم يا رب، نفس هذا الطلب الملِّح.
احذروا ...
استخدم يسوع هذه الكلمة مرات عديدة في سياق "الصراع". فالسهر والحذر لا يمكن أن يتما دون صراع وكفاح. الحذر هنا هو نوع من الإنتباه واليقظة المفرطة في حالة الخطر. فعلينا إذن "أن ننتبه ونكون يقظين" كي نستطيع أن نسمع كلمة الله ، وإلاّ سنمر بجانبها أو لا نفهمها (مرقس 4: 12). يجب أن "نحذر" كي نتجنب "خمير الفريسيين"، وإلاّ سيتسلل داخلنا دون أن نحس بذلك. (مرقس 8: 15، 12: 38). يجب أن "نحذر" من هؤلاء الذين  يتنبؤون ويتكهنون بالمستقبل كما لو كانوا يعرفوه حقاً (مرقس 13: 5 ، 13: 23).
القديس بولس، سيستخدم هو أيضاً لغة مشابهة للتكلم عن السهر والحذر. سيقول أن علينا أن "نكون يقظين" .. "أن نستيقظ من النوم" (رومة 13: 11). كما لو كنا جميعنا أمام خطر الوقوع في السُبات؛ فخطر أن ينام ضميرنا أو يتخدر يواجهنا باستمرار. وبالتالي ردود أفعالنا في الدفاع لن تعمل بعد كما يجب ... لهذا علينا "أن نستيقظ من النوم" أن نتيقظ. ولكي يتكلم عن "السهر"، لا يتردد القديس بولس من استخدام عبارات الحرب: "أسلحة" السهر (رومة 13: 12، أفسس 6: 10، 1 تسالونيقي 5: 6. 8).
أيها الرب يسوع، أنت تقول لي اليوم أيضاً "إحذر، تَيَقَّظ". فالحياة المسيحية تتطلب صراعاً ضد قوىً، من الممكن أن تكون أقوى مني. إجعلني يا رب أبقى ساهراً دوماً، حتى نهاية حياتي، يوم أراك وجهاً لوجه.آمين.
لأنكم لا تعلمون متى يحينُ الوقت ...
كان تلاميذ يسوع قد طرحوا عليه هذا السؤال حول نهاية العالم ومجيئه الأخير: "قل لنا متى تكون هذه الأمور، وما تكون العلامة أن هذه كلها توشك أن تنتهي" (مرقس 13: 4).ويسوع لم يجب على هذا السؤال. هناك نبوءات مختلفة وفي كل الأزمنة، تحاول أن تتكهن بنهاية العالم. ويسوع أجاب على ذلك ولمرة واحدة ونهائية: "أنتم لن تعرفوا متى سيحدث ذلك." فيسوع لا يريدنا أن نعيش في الأحلام، لا بالماضي، ولا بالمستقبل: بل يطلب منا أن نركز على "الوقت الحالي"، على "الزمن الحاضر"، على "اللحظة الحاضرة"، على "اليوم":"اسهروا إذن، لأنكم لا تعلمون ... كونوا دوماً جاهزين .. حاضرين."
الأب شارل دي فوكو كان قد اتخذ العبارة التالية شعاراً له: "حاول ان تعيش كل يوم كما لو أنك ستموت هذا المساء."
فَمَثَلُ ذلك كمثل رجل سافر : وقبل أن يترك بيتَه، فَوَّضَ الأمرَإلى خَدَمِهِ، كل واحد وعمله ...
إن الله يبدو ظاهرياً "غائبًا"، مثل رجل سافر! صورة مؤثرة، يستخدمها يسوع، تُعَبِّر بشكل تام عن الشعور الذي نختبره في الكثير من الاحيان: "ما أبعدك يا رب! أين أنت يا رب!" لكن الإنجيل يبين لنا بوضوح بأن زمن الغياب هذا، بالنسبة ليسوع، هو ليس أولاً زمن المصائب والصعوبات والقلق، لكنه زمن المسؤولية: فكل واحد من الخدم استلم مهمة.. كل واحد أعطي عملاً يقوم به ويهتم به ... كل واحد موكول إليه مسؤولية الإشتراك في بناء الملكوت.. كل واحد وعمله. ويمكن أن نفهم من القصة كما لو أن "السيد" سافر عمداً، لكي يعطي أهمية أو مكانة مهمة لخدمه، وحتى لا يكون دوماً فوقهم ويضغط عليهم.. وكأنه يقول لهم: هاكم، خذوا مسؤولياتكم، أنتم لم تعودوا أطفالاً، قرروا، فكروا، أنا أثق بكم... أعطيكم "كل سلطان لتحقيق مهمتكم"!
يا رب، إجعلنا نستحق هذه المسؤولية التي أوكلتها لنا: في عائلتنا، في عملنا، في مدينتنا، في هذه الجماعة أو تلك في الكنيسة.
وأوصى البواب بالسهر ...
في الليل، "البواب" لديه أهمية كبيرة وخاصة جداً، بما أنه هو مَن تقع عليه مسؤولية "السهر" خاصة، كي يحمي البيت من أي هجوم محتمل، وأن لا يفتح الباب لأَيٍّ كان، وان يكون أول من يفتح الباب للسيد عند رجوعه من السفر. القديس مرقس اعتاد على أن يميز دور بطرس في جماعة الرسل الإثني عشر. فبتمييزه "البواب" عن الآخرين من "الخدم"، يريد أن يُلَمّح بأن يسوع يدعو رعاة الكنيسة وبشكل خاص إلى "السهر": فبطرس، والبابا والأساقفة، هم المسؤولون الأولون عن "سهرِ وتَيَقُّظِ" كل "شعب الله"، على مثال البواب الذي يسهر على كل أهل البيت.
يا رب، أصلي لك من أجل مَن يقومون بهذه الوظيفة في الكنيسة اليوم.
فاسهروا إذاً، لأنكم لا تعلمون متى يأتي ربُّالبيت ...
تكلم يسوع في بداية مثله اليوم عن زمنٍللغياب .. ويعلن أيضاً زمنًا للرجوع.. للعودة...
نحن نسير نحو هذا اللقاء. لا ننسى هذا الهدف.
يا رب، في يومٍ ما، سأراك، وجهاً لوجه، وسأعرفك حقاً، كما أنا معروف من قِبَلِك (1 قورنتس 13: 12). إن الحياة المسيحية ما هي إلاّ السير بإتجاه لحظة اللقاء هذه.
يأتي ربُّالبيت ... في المساء أو في منتصف الليل أو عند صياح الديك أو في الصباح ...
من الغريب أن يسوع لا يقترح رجوعاً إلاّ في الليل! مع أنه في تلك الأيام، وبسبب خطر الطرق، لم يكونوا يسافروا أبداً في الليل. إذن تركيز يسوع على رجوع السيد في الليل، وهي ملاحظة غير منطقية ولا واقعية بسبب ما ذكرنا، لها معنىً رمزيًا عميقاً، نراه في كل الكتاب المقدس: "الليل"، هو وقت الظلمات، وقت "قوى الظلام" (لوقا 22: 53، مرقس 14: 49، أفسس 6: 12). الليلهو إذن وقت التجربة، وقت الإختبار... ففي الليل خاصة علينا أن نكون "حذرين وساهرين"! العهد القديم ينتظر زمن مجيء المسيح كزمن فيه تنتهي الظلمات كي تترك المكان للنور. "أيها البواب، أيها الساهر، ماذا بقي مِنَ اللَّيْلِ؟"، يسأل النبي، كي يُعَبِّر عن هذه الفكرة (أشعيا21: 11). والقديس بولس، لكي يحُث على الرجاء من جديد، يقول: "قَدْ تَنَاهَى اللَّيْلُ وَاقتربَ النَّهَارُ"(رومة 13: 12). والكنيسة عندما تنعلن ميلاد المسيح في قداس الليل، ترنم نشيد أشعيا الجميل (9: 1): "الشعب السالك – أو السائر- في الظلمة، أبصَر نوراً عظيماً."
السهر أثناء الليل. السهر أثناء الصعوبات... الحفاظ على الرجاء حتى عندما نكون في الظلام والعتمة... أن نصمد عندما يبدو كل شيء حولنا ينهار..وُلِد فجر جديد في ليلنا، لكي يُخَلّص شعبه، الله سيأتي. ما أجمل أن نؤمن بالنور عندما نكون في الليل! أعطنا يا رب هذه النعمة!
 القديس يوحنا الصليبي، الروحاني الكرملي الشهير، اشتهر بكتابته حول هذا الموضوع: الله هو هنا، خلال حياتنا الأرضية، مثل نَبعٍ خفي، حاضر بشكل أبدي ودائم، لكن في الليل!
عند صياح الديك ...
 إن تلميح مرقس الإنجيلي، السكرتير الخاص لبطرس، مباشر وواضح. ففي عشية آلامه، في عشية جتسمانية، عندما "نام" بطرس بَدَل أن "يسهر" مع معلمه، في عشية هذه الليلة المأساوية حيث سيُذَكِّر صياح الديك بطرس بأنه أخفق في "السهر" (مرقس 14: 72)، يسوع يطلب من "بواب" الكنيسة أن يسهر. لكننا نعرف بأنه سيفشل في ذلك. كم تُذَكِّرنا خطية بطرس هذه أو نكران بطرس هذا عند صياح الديك، بأن الكنيسة هي إنسانية. وكم يدعونا هذا إلى أن نكون متواضعين ونقبل ضعفنا وضعف الآخرين أيضاً!
لِئَلا يأتي بَغتَةً ...
إن الله يصل دوماً بغتَةً! بشكل غير منتظَر أو متوقَع! بشكل مفاجيء! ويمكننا القول ربما بأن هذه هي إحدى عادات الله: ففي كل مرة نظن فيها أننا فهمنا الله أو أمسكنا به، نكون فيها في الحقيقة لم نفهم أي شيء.
يا رب، اكشف لنا حضورك الخفي في حياتنا، وإجعلنا نكون دوماً جاهزين لزياراتك المباغتة.
فيجدَكُم نائمين ...
أمام الله، نحن دائماً نائمين بعض الشيء... مُفاجَئين بزيارته لنا... علينا إذن أن نخرج من هذا النعاس .. من هذا السُبات الروحي، من هذا الفتور أو الخمول. علينا أن نتبنى أسلوباً فعالاً، نشيطاً، بدل أن نترك أنفسنا في أغلب الأحيان عُرضةً للنعاس.
يا رب، أبقِنا ساهرين .. منتبهين.
ما أقوله لكم، أقوله للناس أجمعين: اسهروا ...
بالنسبة ليسوع، "حضور" الله هو موجود منذ الآن، في قلب الأحداث التي نعيشها: يا رب، إجعلنا ساهرين، يقظين لحضورك. نَجِّنا من هذا النعاس، من هذا الفتور، الذي يجعلنا نخفق في اكتشاف "مجيئك" المستمر. فها هو زمن المجيء ، زمن "السهر" يبدأ ...

*نص من التراث المسيحي:
من كتابات القديس أفرام السرياني
اسهروا وتنبهوا لأن الرب آتٍ
  ليمنعَ السيدُ المسيحُ تلاميذه من سؤالهِ عن وقتِ مجيئه قال: " فأما ذلكَ اليومُ وتلكَ الساعةُ، فما من أحدٍ يعلمهما، لا ملائكةُ السماواتِ ولا الابنُ، إلا الآبُ وحدَهُ. وليسَ لكم أن تعرفوا الأزمنةَ والأوقاتَ "(متّى 24/ 36؛ أعمال 1/ 7).
أبقى ذلك مكتوماً، لكي يحثنا على السهرِ، وليفكرَ كلُّ واحدٍ منا أن الأمرَ يمكنُ أن يحدثَ في زمنه. لو كشفَ الربُّ في أيِّ وقتٍ سوف يأتي لفقدَ مجيئه عنصرَ الشوقِ والرغبةِ فيه، ولما بقيَ موضوعَ رغبةِ الشعوبِ والأزمنةِ التي سيظهرُ فيها. قالَ إنه سيأتي، ولم يقلْ متى سيأتي. ولهذا تنتظرهُ جميعُ الشعوبِ والأزمنةِ بشوقٍ كبير.
  لقد حدَّد الربُّ علاماتِ مجيئه، إلا أنَّ موعدها بقيَ غامضاً. لأن هذه العلاماتِ تأتي بصورٍ كثيرة، وتأتي وتذهبُ وقد تكونُ قائمةً حتى اليوم. وسيكون مجيئه الأخيرُ شبيهاً بمجيئه الأول.
  في السابقِ انتظره الأبرارُ والأنبياءُ، وظنوا أن ظهورَه سيكونُ في أيامهم. كذلك ينتظره اليومَ بعضُ المؤمنين ويرغبون في رؤيتهِ ويظنون أنه سيظهرُ في أيامهم. ذلك لأنَّ زمنَ مجيئه غيرُ معروف. وهذا هو السببُ الأهم: لئلا يحسبَ أحدٌ أن الله مقيدٌ بزمنٍ أو بقضاءٍ ما، هو من تخضعُ لقدرته الأعدادُ والأزمنة. ما حدَّده هو يعرفه هو. فكيف يكونُ له مكتوماً، وقد حدَّد هو علاماتِ مجيئه ؟ وصفها هذا الوصف حتى يظنَّ ويتوقعَ كلُ جيلٍ وكلُّ زمنٍ أنه سيأتي في أيامه.
  اسهروا لأنه عندما ينامُ الجسدُ يسيطرُ الضعفُ على طبيعتنا. وليس ذلك بإرادتنا، ولكنه يتمُّ بقوةِ دفعِ الطبيعةِ نفسها. وعندما يسيطرُ على النفسِ سباتٌ عميقٌ مثلُ الضعفِ أو القلقِ والاضطرابِ يسيطرُ عليها العدوُّ. أمَرَ السيدُ المسيحُ بالسهرِ لكلا النفسِ والجسد: للجسدِ ليحذرَ النعاس، وللنفسِ لتحذرَ النعاسَ والضعفَ، كما قال الكتاب: "اصحوا، أيها الأبرارُ"(راجع 1قورنتس 15/ 34)، وأيضاً "استيقظتُ ولا أزالُ معكَ"(راجع مزمور 139/ 18) وأيضاً: "لا تفترْ همتكم. أما وقد أعطينا تلك الخدمة رحمةً فلا تفترْ همتنا"(2قورنتس 4: 1).
الأب غدير الكرملي

92
ﻻ اهتم اذا كنت :

فقيرا ﻷنك أنت إلهي من يعنيني
ضعيفا ﻷنك أنت إلهي من يقويني
خاطئا ﻷنك أنت إلهي من يقدس حياتي
شكرا ربي وإلهي ﻷنك من أجلي صرت طفﻻ لتأله إنساني.

ميلاد سعيد وكل عام وانتم جميعا يارب بالف خير.

93
البعيد صار قريب
كل يوم الله ينتظر كل إنسان أن يأتي إليه، فماذا تنتظر أيها اﻻنسان؟ انه ينتظرك ليسمعك قل له كل ما في داخلك اذا كان غضب أو سﻻم، اذا كان حزن أو فرح، اذا كان طلب أو شكر حتى لو كان عتاب، فهو ﻻ يغضب منك ﻻنه يعرفك، ﻻنه يحبك ويتفهم كل حاﻻتك، تعال إليه دون أي قناع كما أنت، اكشف له ما يزعجك ليس ليعرف فهو يعرفك بل لتعرف انت ما تريد، لتعرف سبب حالتك لتفهم مشاعرك، تعال إليه وقل له كل شيء حتى لو كان نفس الشيء، فهو ﻻ يمل منك ﻻنه يعرف محدوديتك، فهو يسمع كلماتك ليس من فمك بل من داخلك يسمع ما تريد قوله وﻻ تستطيع، تعال وﻻ تخاف ممن ﻻ خوف منه، تعال إلى من يحبك حقا وﻻ يجاملك، تعال لتنال منه رغبتك وشهوة قلبك، تعال إلى المحبة وخذ ما تشاء فهي تزيد وﻻ تنقص، تعال إلى أجمل حبيب صديق رفيق أجمل آب، فهو خالقك فمن يعرفك أكثر، تعال إلى من رفعك فوق كل المخلوقات وترك بين يديك كل شيء، تعال واستمتع بالخيرات، تعال لترى كيف كل اﻷشياء تعمل معا للخير، تعال وتنعم بحنان الخالق، تعال إلى الراحة والجمال، إلى الكمال والقداسة إلى النور، فﻻ تبقى في ظﻻم في جهل وضياع، تعال أيها اﻹنسان مازال لم يمضي الوقت فالسماء تفرح بواحد اليها يعود، تعال وخذ نصيبك خذ ميراثك من اباك السماوي، تعال لتلمس حضوره في حياتك، تعال لتختبر الفرح والسلام في كل الظروف، تعال لتتحول كل اﻻنانية والكبرياء للعطاء والتواضع، تعال فالبعيد صار قريب فلماذا تبقى انت بعيد؟ بعيد عن بيتك الحقيقي، عن عائلتك الحقيقية، بعيد عن ذاتك. آمين .. أحد مبارك
21-12-2014

94

مراجعة لحياتي

وها العام يمضي ليأتي غيره بكل ما يحمله من الفرح والفرح حتى في وقت الضيق، جاء عام جديد بمولد ابن الله وأسأل نفسي كم سيكون منه لله واﻵخر وكم لذاتي؟ ﻻ أخجل من اعترافي فالعالم الماضي حتى لو كان بدون قصد كان لذاتي فأنا هكذا أشعر حين اجلس أمام مذبحه الغافر وتأخذني ذاكرتي ﻻول يوم من العام الماضي ووعدي ﻹلهي أن يساعدني ليكون العام الجديد عام الصﻻة والصمت عام أكثر التزاما مع ربي، إلهي انت تعلم كيف كان عامي الماضي فﻻ تسمح أن أعيش من جديد كالماضي، فقد حياتي قد حواسي نحوك ونحو اﻵخر فأنسى نفسي، نعم ايها المسيح ياابن الله الحي خلصني من حبي لذاتي وحررني بالعام الجديد من كل سيئاتي. آمين

12-12-2014

95

يا طفل السماء

جئت يا طفل السماء لتصالح اﻷرض مع السماء، جئت لتخبرنا أن اباك هو ابانا السماوي، جئت لتخبرنا عن محبة وأمانة الله، لتخبرنا عن رحمة وحنان الله، لتقول كل إنسان على اﻷرض عزيز وغالي عند الخالق، جئت لتخرجنا من ذواتنا فنتجه نحو الله واﻵخر، لتقول لنا أن الحياة ليست فقط انا بل الحياة مع الله واﻵخر حتى أن اختلف معي باراءه بإيمانه وبثقافته، جئت لتزيل كل الحواجز بين البشر والله، جئت لتدعو كل واحد منا إلى النور والمحبة والسﻻم. آمين

10-12-2014


96

حقا لماذا؟

لماذا نلجأ للناس بدل الله عند الحاجة؟ لماذ نقبل المذلة من الناس حتى لو اعطوا وﻻ نقبل المحبة من الله؟ لماذا ﻻ نترك الله هو من يختار أناس يعطينا من خﻻلهم بكل الحب، ناس يعرفوا أن الله هو من يعطي، يعرفوا أن ما لديهم ليس لهم بل لكل إنسان محتاج. آمي

8_12_2014

 

97

أطرق يفتح لك

دخلت بيتك يارب وتعرفت عليك، اعترف أني اعرف الكثير عنك، ولكن اﻻكثر مازلت أجهل، وأنت إله كريم ﻻ تبخل على من يطلبك، ﻻ تبخل على من يريد المزيد منك، ﻻ تبخل على من يريد ان يلتقي بك، فانت من يقول اطرق الباب يفتح لك، وها أنا اطرق بابك ﻷعرف أكثر عنك ادخلني في صميمك في جوهرك، فكلما عرفتك زاد إيماني بك محبتي لك فهذه مشيئتي اذا كانت أيضا مشيئتك فلتكن مشيئتك. آمين

7-12-2014


98



أنها آثار خطاياي

ياليتني كنت اليوم أحمل صليبي وانا أسير خلفك بسببك وﻷجلك، ولكني أحمل آثار خطاياي الكثيرة، نعم أﻷمي بسبب جهلي والظﻻم الذي عشته قبل أن أتعرف عليك، وليتني كنت أنا من بحث عنك هذا أيضا فعلته قبلي انت، فحين بدأت ابحث عنك وجدتك انت من يبحث عني انت من يفكر بشفاءي وخﻻصي، وجدتك تبحث عني وكأني انسانة باره تحتاجها في ملكوتك، انسانة لم تسيء يوما اليك، نعم ربي حين التقيتك وجدت الحب والحنان الذي كنت أبحث عنه في العالم وفي البشر، فكل ما كنت احتاجه وجدته فيك، نعم لم يرتاح قلبي ويطمئنى ولم اشعر اني انسانة اﻻ وانا معك، كيف اجازيك ربي؟ حتى لو عشت كل لحظة لك ومعك لن أوفيك حقك، لهذا دموع الندم حاضرة كلما شعرت اني ﻻ اعطيك حقك.
نعم إلهي أعلم أني احبك، أعلم أني ﻻ أستطيع العيش والتنفس بدونك، ولكني لست أعلم لماذا أحيانا انشغل عنك. آمين
2-12-2014

99

جاء الليل

جاء الليل ومعه جاء وقت الصمت والسكون، الكل نائم ومن يسهر غير من
يعشق، جاء الليل وبدء الشوق ﻷسمعك والمس حضورك يا حبيب القلب والروح،
جاء وقت اللقاء حيث ﻻ يقطع خلوتنا احد، وحين اشتاق لرؤيتك اعود بذاكرتي
للوراء حين كنت تحاول أن تجلب انتباهي بل الطرق، حين كنت تحاول أن
تفهمني انك حاضر حتى لو لم أراك بعيون الجسد بل أستطيع بعيون اﻷيمان
بعيون القلب، نعم أعود بذاكرتي فأعيش ما عشته معك فرحة ومسرورة، شكرا
ﻻنك منذ أن تعارفنا لم ترفع عني نظرك، شكرا ﻷنك تدرب حواسي لتتجه نحوك،
فلا اسيء إليك حتى بالمشاعر فأنت تعلم إلهي حين اسيء اليك كم أتألم، كم
أخجل منك، فاحرم نفسي من النظر اليك، أحرم نفسي من التحدث معك، وأنت
تعلم ماذا يعني أن أحرم منك، نعم جاء الليل ليأخذني بكل حواسي إليك. آمين
28-11-2014

100

شكرا إلهي ﻷنك ولدت
شكرا إلهي ﻷنك ولدت في حياتنا
شكرا ﻷنك شاركتنا الضحكة والدمع
شكرا ﻷنك حملت عنا الخطيئة واﻷلم
را ﻷنك غفرت لنا ذنوبنا
شكرا ﻷن روحك مازال معنا ويعمل فينا
شكرا لك يا يسوع ربنا وإلهنا فنحن بانتظارك ليس لنعطيك
فنحن ﻻ نملك شيء بل لتعطينا انت من برك لنستمر في
طريق القداسة. آمين
27-11-2014   


101

كل يوم روحي تناجيك

تعال يا روح الله فروحي ليل نهار تناجيك

تعال فهي تهواك ولك هي مشتاقة

تعال لتعش معك كل اﻻحلام

تعال فالفرح ﻻ يكون اﻻ بقربك ومعك

تعال واروي عطش روحي العطشانة

تعال فروحي ﻻ تحيا اﻻ بلقياك .. تعال ... آمين

25-11-2014


102

سلام الرب معك اخي العزيز فريد،، شكرا لمرورك وتشجيعك ربنا يحفظك ويحميك ويقدس حياتك وخدمتك وامنا القديسة تكون دائما معك فهي طريقنا الوحيد الى ابنها.
مع محبتي سلامي صلاتي

103

تــــــأمـــــــــــل

أتأملك ياامنا وأم ربنا والملاك واقف امامك يبشرك، يحدثك بما سيحدث معك بعد موافقتك، أسأل: هل خفتِ ام فرحتِ أم عشتِ معاً الأثنان، المهم عندك أن تعملي مشيئة من اختاركِ لتكونِ اماً لأبنه، من رأكِ طاهرة نقية متواضعة، من رأى فيكِ ما يستحق لتكوني أم أبنهِ الذي يخلص شعبه، سألتِ كيف يكون هذا؟ كيف لا وانتِ واثقة من طهارتكِ ومن عفتكِ، سألتِ ليس بسبب الشك بل لتفهمي، أتأملك وأبنك في حضنك تتأمليه تنظرين اليه بكل الحب والدهشة، لا اعلم أن كنت تعلمين أم لا أنه ربك، ماذا قلت في سركِ وبماذا شعرتِ والملوك  يسجدون لطفلكِ؟ كيف عشتِ مع طفل ليس من الأرضِ كيف معه تعاملت هل كنت تُعلميهِ ام هو كان سبب تعلمك، سبب صمتكِ وتأملكِ؟ كم اخذتِ منه وكم اخذ هو منك؟ نعم كيف تحملت دون أن تسألِ الآب السماوي عن مصير أبنه ومصيرك؟ كيف عشت كل السنين صامتة في قلبك كل ما ترين تحفظي  وبه تتأملي؟ قولي يا مريم أمي لنتعلم منك كيف تكون الطاعة حتى لو لم نفهم. كيف نسلم حياتنا لمن اختارنا، أتأملك ليل نهار تنظرين اليه وتخدميه بكل طاقتك، تهتمي به لينمو بالنعمة والحكمة والقامة، أتأملك تبذلين ذاتك من أجلهِ، نعم أسأل كيف صار وهو ابن الله مطيعاً لكِ ولخطيبكِ؟ وأنت يا يوسف ليس لك كلمة واحدة في الانجيل، ولكن أمانتك ووفاءك يتحدث عنك فكل ما سمعته من الملاك قمت به، كم انت بار ايها الرجل الصالح، هنيئاً لك لأن الآب السماوي اختارك مربياً لأبنهِ، هنيئاً لك لأنك رأيت أبن الله ينمو امام عينيك، آه كم أحبك ياطفل السماء وكم أحبكِ يا مريم أمي وكم أحبك يايوسف شفيعي، أنتم عائلتي الحقيقية، انتم قدوتي وقدوة كل العائلات،منكم أطلب أن لا تنسوا كل العوائل التي تعيش في الأرض.
يا من أنت منذ الازل وللأبد قد ولدت مرة واحدة في الكون قبل اكثر من 2000 عام ولكنك كل عام تولد في حياتنا لنكون للسماء، فأنت من السماء ونحن من الأرض، من أجلنا آتيت من بعيد لتكون قريب من كل واحد منا وكي لا نبقى في الأرض بل معك حيث انت، كل عام تولد في حياتنا لنترك شيئاً فشيئاً انساننا القديم ونلبس بركَ، فأنت تعرف ما نحتاجه لأنك مثلنا صرت يا ربنا وإلهنا كما صرخ توما حين اكتشف حقيقتك، نحتاجك أن تأتي وتملىء عالمنا وبيوتنا وقلوبنا بسلامك تعال لنحتفل ونتشارك بعيد ميلادك وميلادنا فنحن كل عام معك نولد من جديد معك يا اعجوبة الأرض وكل زمان، فكلما تأملتك ازداد اندهاشاً من محبتك ومن تواضعك، نعم كيف لا نفرح وانت احببتنا كل هذا الحب صرت طفلاً من أجلنا.
صلاة: يا طفل السماء شكرا لأنك جئت الى الأرض لتملئها بالمحبة والسلام، المحبة هي العطاء واكبر عطاء هو ما فعلته حين اعطيتنا ذاتك، ومثلك فعلت أمك حين لم تحتفظ بك لنفسها بل اعطتك لنا من كل قلبها، لهذا كل واحد منا يشعر انك ملكه لأنك هكذا تشعره بسبب محبتك له، وهكذا فعل يوسف حين نسى ذاته واهتم بك وبأمك. آمين
30-11-2014


104

عندما أخطأ إليك إلهي ..

كيف أرفع عيناي نحوك وانا عالمة اني إليك أخطأت
كيف ﻻ أخجل منك بعد أن عرفت أي إله انت
كيف أعيش يومي وكأني لم اسيء إليك
كيف يفرح قلبي ومن يحبني بسببي يتألم
نعم كيف تستطيع خاطئة أن تقف امامك
ولكن .. عزائي هو أنك تمقت الخطيئة وليس الخاطئ
عزائي انك تعرف ضعفي وطبيعتي
عزائي انك فيا وان فيك حتى لو أخطأت اليك
عزائي أن اتذكر دوما انك ﻻ تستحق اﻹساءة .. آمين

19-11-2014

105

انت سعادة القلب وفرحه ..
إلهي أعلم أني انا سبب حزني وإلمي، فرغم علمي أن الراحة واﻻبدية معك، رغم علمي انت سعادة القلب وفرحه، رغم علمي كل شيء بعيد عنك هو وقتي وبمرور اﻻيام زائل، رغم علمي أمور كثيرة كثيرة عنك وعني، فمازلت اعطيك القليل مما تستحق، نعم كلما اقتربت منك أظهر على حقيقتي تلك التي تؤلمني ونحزن قلبي ونفسي تحزن روحي، نعم مادمت أعلم لماذا لست كلي لك لست معك كل الوقتِ؟ لماذا لست معك رغم رغبتي وشوقي أن اكون لك ومعك؟ لماذا لماذا لم انسى نفسي واعيش معك شهوة قلبي؟ إلهي ليس هذا كﻻم من الشفاه بل من القلب، صدقا اني أريدك، وأريد نفسي وكلي لك. آمين

19-11-2014

106

سبحانك سبحانك يا خالقي ..
سبحانك إلهي يا من أبدعت في كل ما لمسته يداك، نعم يا مبدع الكون وكل ما فيه، من مثلك صانع العجائب، من مثلك في أفكاره وأقواله واعماله، لقد اعجزت اﻷنسان في الوصول إلى كمالك، كل شيء عندك كامل، سبحانك ﻷنك خلقت كل شيء حسب مشيئتك وما اروع مشيئتك، من يستطيع أن يرى جمال أعمالك دون أن يقف ويسبحك، دون أن يندهش من عملك، يقف ويشكرك ﻷنك فكرت بكل شيء يحتاجه اﻷنسان، شكرا يا خالقي على روعة الخليقة والمخلوقات. آمين
18-11-2014

107

كفى يا روحي ...

انطلقي ياروحي إلى خالقك وارتاحي فالراحة عنده، هيا انطلقي واتركي هذا الجسد اﻷناني الذي ﻻ يحب اﻻ نفسه، نعم الراحة والبقاء عند إلهك فﻻ تفكري وتهتمي بالجسد كفاه السنين التي كانت له وانت المسكينة تسير وراءه، حان الوقت ليلحق هو بك ويعمل حسب إرادتك ويكون معك كما كنت معه طول الوقت، نعم يحتاج إلى درس ليفهم انك سبب بقاءه بالحياة قلوﻻ انت هو مائت ولﻻبد، دعيه يبقى مع نفسه بعض الوقت ليعرف انك من السماء وهو من اﻻرض، ليفهم انه سيتقدس اذا سار وراءك وعمل معك، فأنت ﻻ ترغبي اﻻ أن تكوني مع خالقك منذ اﻵن ولﻷبد، فأنت ﻻ ترغبي اﻻ بالخير له ولك. آمين
18-11-2014

108

اي انسان انت؟
هل يمر كل يوم مرور الكرام في حياتك مع الله؟ فﻻ تقف امامه ﻻنك ﻻ تعرفه وﻻ تعرف ماذا تقول له، أم أنك تعرف القليل عنه وتعطيه ما يستحق معرفتك؟ ام أنك ﻻ تستطيع أن تعيش بدونه، ﻻ تستطيع ان يمر يوم دون أن تقف أمامه لتشكره وتسبحه وتحاوره؟ نعم تشكره على كل شيء ﻻنك تعرفه وتعرف ما ينتظره منك؟ لحظة من فضلك فكر بسؤالي هل تعيش لذاتك؟ أم تعيش مع الله ولله؟ نعم أي إنسان انت؟.
17-11-2014

109

احتاجك إلهي ...
أحتاج ﻷسمك فهو من يخلصني
احتاج لبرك فهو من يسترني
احتاج لدمك فهو من يغسلني
احتاج لكلمتك فهي في دربك تقودني
احتاج لطعامك فهو من يشبعني
احتاج لقلبك فهو من سهام الشرير يخبئني
احتاج لروحك فهو بسﻻم يملئني
احتاجك أيها أﻵب واﻷبن والروح القدس اﻹله الواحد فأنا بأسمك ابدأ كل صﻻة وكل يوم. آمين
16-11-2014

110

إلهي ... واثقين أن من يعيش المحنة ليس كمن ينظر ويسمع عنها، ساعدنا إلهي

لتكون صلاتنا من أجل كل الذين يعانون من اجل أسمك مستجابة. آمين



111

سامحني إلهي ... على كل مرة تذمرت فيها لأجل أمور تافهه وغيري ليس عنده

حتى ما يأكله ما يلبسه. آمين



112

إلهي ... وقفت أمامك كما أنا، لا تدعني أذهب من عندك كما جئتك. آمــــــيــن



113

تعالى ربنا نحن بأنتظارك ..

تعالى ربنا وامنحنا من روحك لنبقى مثلك فﻻ قلوبنا تتحجر

وﻻ دموعنا تجف حزنا وبكاءا على كل إنسان يتألم ويظلم،

كل إنسان تؤخذ منه حياته وهو لم يفعل شرا.

تعالى ياربنا وامنحنا من محبتك وغفرانك ورحمتك لنبقى

مثلك، فكل شيء حولنا تشوه.

تعالى ربنا وقل كن فيكون كل شيء من جديد كما في اﻷول،

كل شيء حسن في عينيك قبل أن يدخل إلى حياتنا الشر.

تعالى ربنا والمس كل القلوب المتألمة والحزينة على فقدان

عزيز عليها، وكل القلوب المتحجرة التي ﻻ تعرف الخوف

منك التي تعمل كل شيء سيئ باسمك.

تعالى ربنا نحن بانتظارك لتخلص شعبك (البشرية كلها)

الذي فديته بدمك. آمين

9-11-201

 



114


ﻻ رحمة وﻻ إحساس ...

آه وآه إلهي الجثث تتطاير في الهواء، من هم على صورتك

اليوم أرخص المخلوقات في وطني، آه من الذي مات قلبه

ولم يعد فيه رحمة، آه من الذي فقد إحساسه فلم يعد يشعر

بالحزن على أخيه اﻻنسان، نعم لم يعد مكان في وطني في

مأمن، عفوا واعتذر منك إلهي فالحيوان أكثر رحمة، أكثر

إحساس باﻷنسان، منك نطلب ياملك السﻻم امنحنا السﻻم

فنحيا في أمان وسﻻم في وطن السﻻم. آمين

8-11-2014



115


يا الله ...

ما أحلى الشفاه وهي تسبحك

ما أحلى اللسان وهو ينطق بأسمكَ

ما أحلى الحواس وهي متجهة نحوك

ما احلى النفس وهي منشغلة بك

ما أحلى الجسد وهو خاشع لك

ما أحلى الروح وهي متواضعة أمامك

نعم ما أحلى اﻷنسان وهو يعيش معك

آمين

7-11-2014


116

بحثت عنها فوجدتها ..

إلهي انت تعلم كم بحثت عن أيقونة أو صورة لك تلمسني في العمق، تكلمني

وتعزيني في وحدتي وألمي، صورة تشاركني كل افراحي، وحين يأست الرب لم

ينسى تعب بحثي فوجدتها في محل مجاور لكنيسة في دمشق في 18

-4-2011 حينها لم أعد أرى شيئا، ومنذ ذلك الوقت وهي بجانبي أراها حين

افتح عيناي في الصباح، أراها حين اترك بيده كل شيء قبل نومي، نعم اجلس

أمامه كأني اجلس أمام انسان اراه ويراني انه حي وحاضر ويشاركني كل شيء

وفي كل ظروفي، فمنذ أن عرفته هو اﻻول في حياتي، هو الحبيب المحب،

والصديق الوفي، هو رفيق الدرب والحياة، هو من تشتاق إليه نفسي ومن ابكيه

في العمق، اعترف انه يشعرني انا الوحيده في حياته، وانا واثقة انه هكذا مع

كل إنسان عﻻقته حميمة وعميقة به، هذا ﻷنه ﻻ يفرق بين واحد وآخر الكل

عنده سواء، هذه هي حكايتي مع هذه الصوره، قد تكون واحدة من الصور

للرب، ولكنها ليست هكذا بالنسبة لي، فهي كل ثروتي وهي ما سأتركه من

بعدي، وان شئتم يوما ان تذكروني بعد رحيلي من هذا العالم فقط انظروا لصورة

ربي هذه، اﻵن وانا اكتب انظر إليه أراه يبتسم لي لست بمجنونة بل اقول

الحقيقة والله شاهد علي. آمين

26-10-2014




117

من يعطي بالحب أيضا يأخذ

إلهي كلما آتيت إليك فارغة ليس لدي حتى ما أقوله لك، لكنك ﻻ تدعني أعود كما

جئتك، هذا أنت إلهي وهذه طبيعتك ﻻ تأخذ وان أخذت تعطي ما يدهش النفس

التي اعطتك، نعم كيف تكون مديونا وانت الخالق لمخلوق الذي عملته بيديك

ليس ﻷنك إله متكبر فكيف ننسى تواضعِك حين صرت طفل بيد اﻷنسان، كيف

تصاغرت. آمين

29-102014

118
وقت الفتور

ياربي يسوع ومريم ويوسف، تعبانة ومنزعجة انا من نفسي، من أفكاري

واقوالي وايضا من أعمالي، كل شيء فيا يتعبني ويزعجني وقت الفتور، أشعر

أني اشوه صورتك إلهي أمام من التقي به، اعترف أني اطلب منكم الكثير وانا ﻻ

أفعل نفسه لمن حولي، اطلب منكم المساعدة وانا ﻻ أساعد من هم في حياتي،

اطلب الرحمة وانا ﻻ ارحم، اطلب أن يكون نظركم علي دوما ونا ﻻ انظر أكثر

من حدود نفسي، اطلب أن تسمعوا وتصغوا لي وانا ﻻ اعرف السماع واﻻصغاء

لمن هم بحاجة، هكذا انا حين أمر بالفتور، نعم ﻻ أكون أنا بل انسانة أخرى ﻻ

أحبها وﻻ أريد أن أعرفها. آمين

16-10-2010


119

صرخة من اﻻعماق

عفوا منك إلهي ولكن هذا ما المسه حيث ذهبت المال هو الله هو الخير، اعترف

إلهي اني لم آتي إليك اﻻ بعد أن فقدت اﻷمل بالحياة والناس، آتيت إليك وﻻ أمل

لي بالنجاة، انت من علمني أن كل ما في العالم هباء، انت من قادني إلى حيث ﻻ

موت بل إلى اﻻبد بقاء، انت من زرع الحب في داخلي لكل الناس، انت إلهي

وراء كل شيء فيا للخير، واﻵن هل اصمت أم اصرخ ليكن الله في حياتكم قبل كل

شيء، ليكن كما الله يريد وليس كما أنت تريد، لتكن مشيئته ﻻ مشيئتك، دع

اﻵخر وابدأ بنفسك، اصمت قليﻻ ثم أسأل نفسك هل أنت تغار تحقد تحسد؟ هل

أنت صادق وامين؟ نعم أسأل نفسك لن يسمعك اﻻ الله تذكر الله يعرفك ويعرف

خفايا قلبك، يعرف أفكارك، كن صادقا مع الله وحين تكون هكذا تكون صادقا أيضا

مع نفسك ومع اﻵخر، ليس عيبا اذا اكتشفنا كثيرة هي عيوبنا ولكن العيب أن

نعرف وﻻ نحاول التخلص منها، لن تستطيع في هذا العالم والشر أكثر من الخير،

ولكن بنعمة الله تستطيع وبعدها كم من اﻻثقال واﻻحمال تزيح عنك، ليس المهم

أن نرضي الناس بل إن نرضي الله واذا أرضينا الله نكون ايضا قد ارضينا انفسنا

واﻵخر، نعم ليست هناك حياة اﻻ مع الله والحياة مع الله يعني أن تكون في حالة

الحب كل الوقت، أن ترى بعيون الله كل الناس، يعني أن تعيش الفرح في كل

الظروف، لنتعلم أن نشكر الله كلما رأينا اﻻغنى منا، اﻻجمل منا، اﻻفضل منا،

ﻷنك هكذا أيضا لغيرك. آمين

15-10-2015



120

انت الذي يجول باحثا


حين جلست أمامك إلهي ﻷقضي بعض الوقت معك، طلبت منك أن تختار انت

موضوع تأملي وإذ أجدك تجول في كل مكان باحثا عن المريض ليشفى،

والخاطئ ليتوب، والبعيد ليكون قريب، بعدها اكتشفت اني الثﻻثة معا، نعم كنت

جدا بعيدة عنك واليوم كل الوقت معك، كنت خاطئة وأي خاطئة واليوم بفضلك

الخطيئة أمقتها، كنت مريضة وانت من شفي روحي فالرو ح عندك اوﻻ ثم

الجسد، شكرا إلهي كم الوقت رائع معك. آمين

10-10-2014




121

حين أضع نفسي مكان اﻵخر اﻷمر سيختلف ...

إن الفريسي والعشار اﻷثنان واقفان أمام الله ولكن من خرج مبررا؟ فالفريسي

انسان صالح ومؤمن هكذا يقال عنه، والعشار خاطيء ايضا هكذا يقال عنه، ﻻ

اعرف لماذا تذكرت هذا الموقف.

كنت جالسة في الكنيسة في المقعد اﻷخير كي ﻻ اتشتت بالنظر وﻻ بالسمع،

دخلت سيدة ومعها طفلة والحقيقة كانت حقا مزعجة، فمنذ أن دخلت لم تتوقف

عن الحجج وﻻ عن الحركة، ولحسن حظي جاءت وجلست امامي، حاولت جاهدة

أن ﻻ انتبه اﻻ لكلمة الله ولكني لم استطيع الموقف مزعج جدا، ولكن حين

وضعت نفسي مكان تلك السيدة كم شعرت بالخجل كم كنت حزينة ﻻن طفلتي لم

تتعبي وتسبب التشويش لي بل لكل من حولي، بيت الله هو للراحة ولكني حتى

هنا لم تدعني طفلتي بالراحة.

أعترف حين وضعت نفسي مكانها حزنت عليها كثيرا فكل الوقت تلك السيدة

منشغلة بالطفلة كي تسكتها، فبدأت اصلي من أجلها ومن أجل كل أم كم تتحمل،

كم تضحي من أجل اوﻻدها من الصغر وبعد الكبر، نعم اعترف أني لم استمتع

بالقداس ولكني لم أحزن ﻻني شعرت قد شاركت تلك السيده خجلها، وعدم

الراحة، وعدم اﻻستمتاع بالقداس.

إذا وضعنا أنفسنا مكان اﻵخر في كل مواقف الحياة لن ندين ولن نحكم عليه بل

سنشاركه في ما يعانيه حتى ولو قليﻻ وهذا أفضل من الحكم عليه، قلت منذ

البداية لحسن حظي وهذا ﻻني عشت شيء جديد ذلك اليوم حين وضعت نفسي

مكان اﻵخر. آمين

6-10-2014




122

اصعد يا رب إلى قاربي ..

نعم اصعد يا رب إلى قارب حياتي وانقلني من الضوضاء إلى الصمت، من

الشاطئ للعمق، اصعد وابعد بي فﻻ أعد أرى من حولي، من على الشاطئ،

خذني من نفسي قبل أن تأخذني ممن حولي، خذني من مشاكل الحياة، أمرني أن

ارمي كل ما يعيقني من الدخول للداخل، دعني أصل للعمق العميق فألتقي بسيد

حياتي، فكل شيء اعتبره نفاية كبولس، كل شيء حتى ما كان يهمني ويشغلني

أتركه واتبعك كبطرس، هيا ربي اعمل فيا فأنسى ما وراءي وامتد لﻻمام، دعني

أرى وجهك أرى مجدك فﻻ تبقى جبال في حياتي، اصعد يارب إلى قاربي

وخذني للعمق العميق بر اﻷمان، اصعد ربي فأنا خاطئ وبدونك بائس، تعالى

واحيا فيا روحي ونفسي للأبد، تعالى فقاربي مليء بأمور العالم، تعالى

وساعدني ﻷرمي كل شيء في البحر فﻻ يبقى سواك انت وأنا في القارب، تعالى

لنبحر معا في بحر الحياة وقد انت قاربي فأنت وحدك تعرف طريق الملكوت.

آمين

2-10-2014


123

أين أنا منك ياأمي ...

كثيرا ما احتار وأنا أتجول في إنجيلك إلهي سائلة نفسي من سأكون اليوم، وإذ

أكتشف أني كل النساء، اعترف أني الخاطئة التي كادت أن ترجم، والسامرية

فأنت من ستر خطايا اﻷمس الكثيرة، والكنعانية واثقة ومؤمنة إنك على كل شيء

قادر، والنازفة عالمة انك لن ترذلني كالباقي حتى لو كنت نجسة، وكالتائبة عند

قدميك بدموعي دموع توبتي رجليك غاسلة، وكالمجدلية عنك في كل مكان

باحثة، وكمرتا عاملة ومتذمرة، وكمريم مشتاقة عند قدميك جالسة ولكﻻمك

صاغية، وأنت ياوالدة ربي أين انا منك فكل نساء العالم تشتهي أن تكون مثلك

طاهرة. آمين

28-9-201

124


عند الظهيرة ...

ﻻ اعرف لماذا إلهي كلما نظرت الى السماء وقت الظهيرة اراك جالسا وحدك عند

البئر، تعبا عطشا جائعا تنتظر انسانة خاطئة مثلي، تنتظر ان آتي ليس ﻷسقيك

من ماء البئر بل لتسقيني انت من ماء الحياة، انا المحتاجة اليك ولكنك تبدو كمن

هو بحاجتي، ﻻ تهتم للحر والعطش وﻻ للجوع ففكرك عندي، متى آتي اليك لتاخذ

خطايا الماضي واليوم، نعم لتحرر وتغير وتشفي نفسي، لتغسل قلبي بماءك

الطاهر الصافي النقي، جالسا وحدك ومشتاق ان تنقذني من الموت اﻻبدي للحياة

الدائمة لﻻبد، نعم إلهي انت دائم اﻻنتظار لكل خاطيء ليآتي اليك فتشفي نفسه

وقلبه، وكل من بك يلتقي ﻻ يبقى على حاله بل يتغير ويعبر من الظﻻم الى

النور. آمين

17-9-2014



125

حكمة ابي ...
 
كنت كل سنة أنجح في دراستي منذ الابتدائية، أتذكر مرة لم ينجح أحد أفراد

عائلتي فذهب والدي واشترى له هدية ثمينة حينها غضبت وقلت له، انا من

تستحق الهدية ﻻني تعبت ونجحت فقال: نعم انت فعلت وانت فرحانة بنجاحك أما

هذا فحزين ﻷنه لم ينجح فيحتاج أيضا أن يفرح، اكيد لفرح والدي بنجاح الجميع

لكن ما حدث قد حدث، اليوم تذكرت هذا وقلت في نفسي، اذا كان اﻷب اﻷرضي

هكذا ﻻ يستطيع أن يرى أحد اوﻻده حزين فكيف أبانا السماوي الذي يفوق اﻷب

اﻷرضي في كل شيء، الرحمة لك ياوالدي كم كنت حنون وطيب القلب.

نصلي من أجل كل الذين سبقونا إلى الح