عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - لويس إقليمس

صفحات: [1]
1
قانون الأمن الغذائي في ميزان البرلمان وأحزاب السلطة
لويس إقليمس
بغداد، في 10 حزيران 2022
ليس غريبًا أن يُجمع ساسة البلاد في نهاية المطاف على الصياغة النهائية لقانون الدعم الطارئ للأمن الغذائي والتنمية وتمريره بصيغته الأخيرة المزكمة للأنوف، بعد أن ضمنَ كلُّ طرفٍ حصته من الغنيمة باستغلال غياب الموازنة. يأتي كلّ هذا في ظلّ الانسداد السياسي والانغلاق الحكومي وغياب الحس الوطني كقاعدة للحكم في المشهد السياسي القائم منذ السقوط الماجن في 2003 والإتيان بشلّة غريبة عن مصالح الوطن والشعب. فما بدر من زعيم الكتلة الفائزة الأكبر في الانتخابات الأخيرة من تقديم استقالات جماعية لنوابها بأمرٍ من زعيمها قد زاد من الشقّ القائم بين الطرفين الشيعيين المتنافرين، أولُهما يسعى لكسر الماكنة التوافقية التي قادت البلاد والشعب إلى الهاوية وأحالت دولة الحضارات والثقافات والكفاءات إلى مجرّد ماكنة تفريخ للموارد الريعية التي تقاسمتها أطراف السلطة منذ الاتفاق على هذه الصيغة التوافقية المحاصصاتية المقيتة والبدء بمشوار جديد قائم على حكومة اغلبية تقابلها معارضة حقيقية لمراقبة الأداء الحكومي ومحاسبة المقصّرين بحق الوطن والشعب. والثانية تسعى لإبقاء المشهد السياسي المترع فسادًا ونهبًا وهدرًا للمال العام ما شاءت الأقدار لكونه أساسًا قائم على حماية مصالح الدولة التي تدعم هذا الطرف والجهات الساندة له من خارج الأسوار. وقد بات شكل الحكم هذا واضحًا وغير قابلٍ للنقاش أو التأويل بحسب اجتهادات أو حتى بالتشويش على حقيقته المتأسّسة على حكم المكوّنات وليس بداعي الحرص الوطني وخدمة الشعب كما ادّعى ويدّعي غالبية الساسة من دون استثناء.  فعندما تصبح الدولة أسيرة بأيادي زعامات تشكّلُ الظاهرة المكوّناتية أساسًا ومعيارًا لاستلام السلطة والعبث بمقدرات الدولة وليس الوازع الوطني ومصالح الوطن والشعب، حينئذٍ نقرأ السلام عليها متحسرين ويائسين من شكل الديمقراطية التي زرعها الراعي الأرعن في البلاد وبها أدام الفوضى الخلاّقة إلى غير مسمّى.
من خلال قراءة متأنية في بنود القانون الذي تمّ تمريرُه بديلاً عن الموازنة بحسب مراقبين ومتابعين وساسة، يبدو واضحًا ما سرى في الدهاليز المظلمة من مناورات وتوافقات أقنعت الطرف المعترض عليه منذ لحظة اقتراحه حتى قبل التوافق عليه. ولا يبدو خافيًا ساعةَ تمريره حفظُهُ لحقوق وحصص ومغانم لكلّ طرف من أطراف العملية السياسية، تمامًا شأنُه شأن تقاسم المناصب الوزارية والدرجات الخاصة والوظائف المهمة الأخرى في شبه اللاّدولة القائمة منذ السقوط. وإلاّ، ما سرُّ هذا الانقلاب المفاجئ والتوافق على تمريره بعد رفضه من جهات قضائية عليا رأت فيه سلوكًا غير مشروع وغير قانونيّ منذ اقتراحه من حكومة تصريف الأعمال.  أمّا ارتكازُ البرلمان لتمريره بذريعة دعم شرائح مظلومة وتخفيف حدة الفقر لديها نتيجة الظروف الدولية المشوّشة ونقص الغذاء والطاقة، كما ورد في الديباجة والأهداف، فما هي سوى فذلكات وذرائع سريعة العطب ومكشوفة النوايا، طالما لن تستطيع هذه الشكليات والإجراءات الترقيعية من معالجة أسس الخلل في المنظومة السياسية المتهرّئة أساسًا. فسنوات الحكم العجاف منذ السقوط ولغاية الساعة، أثبتت فشل جميع الحكومات المتعاقبة في ردم الهوّة بين الشعب وأحزاب السلطة المتكالبة على نهب ثروات البلاد الكثيرة، وليس تنمية الوطن وخدمة الشعب.
هنا، يكون من حق كلّ عراقيّ حريص أن يتساءل عمّا أفرزته مليارات الدولارات الريعية طيلة فترة الحكم منذ السقوط ولغاية اليوم من دون إحداث تقدّم في الوطن والمجتمع والبنى التحتية والخدمات ورفاهة الشعب. بل جلُّ ما حصل ولمّا يزل يحصل، استغفالُ الشعب وسرقة ثروات الوطن وتراجع في كلّ قطاعات الحياة ببنود قوانين وأحكام وإجراءات لا ترقى لمستوى إدارة دولة مثل العراق. ودليلُنا في كلّ هذا، ما بلغته البلاد ووصله الشعب من تذيّل قائمة الشعوب والدول في كلّ شيء، ومن مهانة واستجداء وظائف ونقص خدمات وانحسار شريان الحياة المتمثل بالمياه التي أهملتها الحكومات المتعاقبة ولم يتعدّى تصدّيها للدولتين اللتين تتحكمان بالسلّة الغذائية للبلاد تصريحاتٍ خجولة تبدرُ من هنا وهناك من دون أن تبادر الجهات البروتوكولية والسلطة العليا لتفعيل ما يمكّن من ردعهما باستخدام وسائل وأدوات اقتصادية فعّالة. والسبب واضح لا يقبل اللغط ولا التأويل، وهو يتمثلُ بدور مافيات أحزاب السلطة التي تتحكم بالمنافذ الحدودية ووسائل الاستيراد من إجازات وتراخيص خاصة أو تلك التي تستلم الكوميسيونات عبر مكاتبها الاقتصادية التي تدرّ عسلاً ولبنًا على مدار الساعة.  إنّ ما يهمّ الشعب وما يرنو إليه يقتصرُ آنيًّا على تأمين حاجته من الغذاء والدواء والخدمات الآدمية الواردة في بنود هذا القانون حصرًا. أمّا ما زادَ على هذا وذاك من إنفاق غير ضروري في أبوابٍ لا علاقة لها بهذين البندين، فلن يكون للشعب فيه رأيٌ ولا سلطة، طالما بقيت ناصية الحكم بأيدي أحزاب السلطة وأدواتها الفاسدة في معظمها والتي تتخاصم وتتقاطعُ تارة، وتتصالحُ وتتوافقُ تارة أخرى، تنسحبُ من العملية السياسية أو تهدّد بالانسحاب منها طورًا، وتعود أدراجها كما كانت بهديٍ من الرحمن أو ضغطٍ من السلطان في نهاية الأمر. وكلّ هذا من أجل ضمان حصصها بل وزيادتها وتثبيت سطوتها وإدامة تقاسمها المكاسب فيما بينها. فهي إن اختلفت، ليس على شيء آخر سوى لتعزيز أدوات المال والجاه والنفوذ والجهر أحيانًا زيادةً في الولاء للغير. فمبدأُ "هذا لك وهذا لي"، كان سائدًا وسيبقى في الحكومات التوافقية المشبوهة لحين التغيير الجذريّ القادم الذي ينتظرُه الجميع بفارغ الصبر من أجل وضع حدودٍ قاطعة لسياسة النهب والسرقة واللصوصية بالأدوات والوسائل المتعارف عليها بين أحزاب السلطة سواءً الولائية منها للجارة الشرقية أو مزدوجة الجنسية.
     لقد بدا واضحًا ايضًا، أنه في الوقت الذي يتباكى فيه طرفا النقيض السياسي على حال أهل العراق المأسورين بفساد ساستهم من دون استثناء، والسارحين في مجاهيل البحث عن لقمة عيشٍ كريمة تسدّ رمق أسرهم وتنقذهم من براثن الجوع والعطش المهيمن على واقع حال البلاد عمومًا، نرى في الأفق تواصل الانسداد السياسي المعطِّل لإكمال وعود زعامات السياسة بتشكيل ما تبقى من السلطة التنفيذية المتمثلة برئاسة الجهورية ورئاسة الوزراء. ولم يعد خافيًا تقاطع المصالح الضيقة، الفئوية منها والمذهبية والإثنية وحتى الخاصة التي تقف حجرة عثرة أمام إكمال الاستحقاق الانتخابي وسط تفاقم الغضب الشعبي المُنذر بالانفجار في أية لحظة والذي ينتظرُ اشتعال الشرارة الأولى التي لا تبدو بعيدة في مدار الأفق السياسي القائم حاليًا. أمّا ما يُشاع من اهتمام الزعامات السياسية بمصالح الشعب والوطن وتباكيهم على الحالة المزرية لملايين البشر المستضعفين أصلاً ليست سوى كذبة كبرى يتمّ تسويقها وتداولها في سوق الدعاية الفاسدة لصالح كتلٍ سياسية بعينها برعاية منافقة رئيسية من وعّاض السلاطين وتحت ستارة الدّين والمذهب التي تغطّي العورة. كما لم يعد خافيًا أيضًا بعد تعرّي أداء مؤسسات الدولة الخاضعة لسلطة أحزاب السلطة، ما لصقت بها من وصمة سلبية على جباه زعامات مغمورة تنطق عسلاً في ظاهرها وتنضح شهدًا في شكلها وترى في قدراتها المحتالة والمخادعة ما رأته الضفدعة المنفوخة قبل أن تنفجر وتخسر حياتها لأنها أرادت تقليد البقرة "الضاحكة" صاحبة الحليب الأبيض وإبراز ذاتها للملأ قبل أن يدركها الموت بسبب عدم تقييمها لضعفها وإدراك حدودها. ولا نتمنى أن يكون حال العراق والعراقيين مثل حال هذه الضفدعة المسكينة ولا حال البقرة المتكابرة.
نعم، في السياسة كلّ شيء جائز وقائم وممكن. فهي فنّ المستحيل كما يُقال. ويمكن أن تتبدّل المواقف وتتلوّن الرؤى بحسب المصالح التي تحكمها ووفق معايير الربح والخسارة لدى كلّ طرف معنيّ. لذا، ليس عسيرًا أن تتوافق آراء الأطراف المتناقضة شكلًا وليس جوهرًا في كلّ ما يتعلّق بقسمة الغرماء وتوزيع المهام واقتطاع الحصة من الحلوى بحسب الدرجات والمهام والمواصفات التي حددتها الجهات الراعية للعملية السياسية والمتنفذة من خارج الحدود إذا ما اقتضت الأحوال وتفاقمت الخلافات حول شكل وآليات توزيع المغانم، تمامًا مثلما جرى في الحكومات التوافقية التدميرية السابقة. وما يجري اليوم من تلاعب في الألفاظ في مسألة تشكيل الحكومة من كونها حكومة "أغلبية وطنية" أو "توافقية سياسية" أو "تشاركية موسعة"، كلّها في النهاية تصبّ في ذات مجرى المياه الاسنة التي يبتلعها النهران العظيمان الآيلان إلى الزوال والنضوب إذا بقيا على حالهما من الإهمال واللامبالاة في غياب الاستراتيجية الوطنية الحقيقية. فالمهمّ لدى القوى المتسلطة تنفيذيًا على مقاليد السلطة أن يبقى رسَنُ قيادة البلاد بأيدي مَن يحلو لهم تسميتهم بالأغلبية "العددية" و"المكوّناتية" ضمن البيت الشيعي الكبير حتى لو كان الإجماع عليه شكليًا. فتسمية "المكوّن الأكبر" و"الكتلة الأكبر" لديهم تجري كالمقدسات في الحكم والحياة ولا يمكن المساسُ بها. وهذا جلُّ ما يرمون إليه، رغم سوء التقدير والقياس وغياب الرؤية وقصر النظر وضعف جدواها وطنيًا جميعًا.

الأمن الغذائي استراتيجية وطنية ملزمة

فرضت الحرب الروسية على جارتها أوكرانيا، والتي تبدو أنها ستطول كثيرًا بحسب مراقبين، فرضت ذاتها على واقع الأمن الغذائي على عموم دول العالم. فالبَلدان معًا يشكلان ما مجموعه ثلث توريد تجارة الحبوب العالمية ولاسيّما في الشرق الأوسط، بسبب غزارة الإنتاج فيهما وخصب اراضيهما وحسن إدارة هذا الملف الغذائي المهمّ من الناحية الاستراتيجية. ونظرًا للتراجع الواضح في إنتاج العراق من محصول القمح الوطني بسبب تقلّص المساحات المزروعة سنويًا للأسباب التي بات الجميع يعلمها، فقد وقعت البلاد ضمن دائرة الخطر التي يشكلها الأمن الغذائي بسبب فقدان الاستراتيجية الوطنية والقصور الواضح في تقدير الجهات ذات العلاقة بتأمين مفردات هذه الاستراتيجية كما يفرضها واجبُها الوظيفي وتلزمها الأخلاقيات العامة والمسؤولية المهنية في إدارة هذا الملف من دون جاهزية ما ينبغي اتخاذُه لسدّ العوز الغذائي لفترة مناسبة تفاديًا لأية منغصات أو احتمالات إخفاق في الإنتاج أو التوريد. فالوقاية ووسائلُها قبل وقوع المصائب غير موجودة أساسًا في سجلّات الحكومات العراقية اللاوطنية المتعاقبة. فالبلاد تنتظر وقوع المصائب والأزمات لتتحرّك في ضوئها وتطرح حلولاً ترقيعية لا تجدي نفعًا على المدى البعيد وفق رؤية ومنظور واضحين لأشباه رجال الدولة الغائبين عن معاناة الساحة أساسًا.
لقد كان على وزارة التجارة أن يكون لها استراتيجية واضحة بالتنسيق مع وزارتي الزراعة والموارد المائية المعنيتين بأدوات الإنتاج وتوفير الخزين وفق استراتيجية مشتركة لتأمين السلّة الغذائية الاحتياطية، لاسيّما ما يُؤمّنُ اساسيات مفردات البطاقة التموينية التي تُعدُّ قوت الشعب المهمّ وسندَه الأساس في تأمين وإدامة حياته اليومية البائسة. ونحن لا ندّعي على وزارة التجارة الحالية وحجها هذا الإهمال في وضع الاستراتيجية الخزنية للبلاد وتأمين قوت الشعب. فالمسألة متلازمة منذ أول حكومة تشكلت بعد السقوط حيث أصبحت هذه المؤسسة من البؤر الأساسية للفساد في البلاد بإهدار مليارات الدولارات وسرقة قوت الشعب من قبل وزرائها السابقين ومافياتهم. ولكنّ كلّ ما يُؤخذ على الإدارة الحالية لهذه الوزارة عدم حرصها الوطني على وضع استرايجية ملزمة لتأمين قوت الشعب من المواد الغذائية الأساسية مثل القمح والأرز والبقوليات والسكر وما يمكن أن يدعم السلّة الغذائية للمواطن. فبحسب تصريح مسؤولين رفيعي المستوى فيها، لا يوجد ما يؤمّنُ الخزين الاستراتيجي سوى لشهرٍ واحد، وبحسب مصدر غيره لثلاثة أشهر. وحتى لو افترضنا الحرص الناقص لتأمين القوت الغذائي لأربعين مليون مواطن لثلاثة أشهر، فهذا غير كافٍ لضمان استمرار التوريد بسلاسة بسبب قلّة العرض الدولي وزيادة الطلب العالمي على المنتجات الغذائية عمومًا من جهة، وتراجع المحصول المحلّي من جهة أخرى.
ما جرى تداولُه منذ أسابيع في أروقة مجلس الوزراء وأخيرًا في مجلس النواب من محاولات لإنقاذ مشروع قانون الدعم الطارئ للأمن الغذائي والتنمية لغاية تمريره مؤخرًا من قبل نواب الشعب بالطريقة الفجّة لم يسرّ الكثير من المراقبين والخبراء والمحللين والمتابعين مترافقًا مع الأزمة السياسية العسيرة التي تمرّ بها البلاد هذه الأيام. فبالرغم من الاعتراضات الشديدة والعديدة من قبل الطرف الإطاري الشيعي المعارض منذ بدء اقتراحه ورفض العديد من مفرداته التي رأت فيها أبوابًا واضحة أو بديلة للفساد، إلاّ أن شكل الاعتراضات لم يمس الغاية والهدف من تمرير القانون بعد توصل الجانبين للتفاهم بتقاسم المقسوم من الكعكة الجديدة الحاصلة من الوفرة المالية للموارد الريعية من مبيعات النفط. وكان الحريُّ بهذه الكتلة وغيرها أن يُصار لتفعيل الحسّ الوطني وزيادة الحرص الحكومي في هذا الظرف الساخن للحفاظ على هذه الوفرة وزجّها حصرًا في تأمين مفردات السلّة الغذائية وتعزيز الرصيد البنكي للبلاد ولصالح صندوق الأجيال، وعدم التطرق أساسًا إلى أبوابٍ أخرى ليس لها علاقة بهذه الأزمة الغذائية الدولية والوطنية كبديلٍ للموازنة المتأخرة بسبب صراعات الأضداد المكوّناتيين. ذلك أن رجال الدولة الحقيقيين يُحسنون كيفية إدارة ملفات الشعب ومعالجة احتياجات البلاد وتسريع تشغيل مشاريعها التي تأخرت كثيرًا في انتظار إقرار قانون الموازنة بسبب إشكاليات الإخفاق في إكمال المدد الدستورية لتشكيل الحكومة. وعندما طرح مراقبون وخبراء ومهتمون مسألة التركيز على ضرورة إقرار هذا القانون الذي يدّعي الجميع أهميته لصالح الشعب بحرصٍ منافق فيه وفي غيره، فالقصد فيه كان التركيز على إيجاد حزمة استراتيجية متكاملة لتعزيز النقص القائم في الخزين الاستراتيجي الغذائي في البلاد من اجل تلافي أزمة متوقعة في المواد الأساسية التي تضمن قوت الناس وتمنع عنهم متاعب البحث عنه في المزابل والطرقات والتقاطعات. فالقانون ينبغي أن يضمن من جملة ما يتضمنه، جميع الخدمات الصحية والبلدية والحياتية والتنموية اللصيقة بحياة الشعب إلى جانب الغذاء الرئيسي حصرًا وليس غيرها في هذه الظرف العصيب. فالغذاء بدون دواء ولا خدمات ولا تنمية للاحتياجات الأساسية سيكون ناقصًا وقاصرًا ولا يلبيّ الطموح. كما كان من المهم جدّا التنبيه لعدم انزلاق مشرّعي القانون المذكور إلى أبواب إنفاق جانبية بدتْ وكأنها بديلاً عن مسؤوليات إقرار الموازنة العامة التي تأخرت بسبب تقاعس الساسة والتقاطعات بين زعامات السلطة والمافيات والجهات الولائية التي تتصرف خارج سلطة الدولة ضمانًا لمصالح الجهات التي تغطي عليها وتضمن بقاءها وإدامة تواجدها.
لذا وبمختصر الكلام، وبحسب رأي العديد من المختصين والمراقبين وساسة مستقلين وغيرهم من المقربين من أوساط الحكومة الحالية، بأن هذا القانون بعد إقراره مؤخرًا وعدم ردّه من قبل المحكمة الاتحادية لاحقًا وكما هو منشور، سيكون بديلاً للموازنة، ولكنْ بأبوابٍ لها مسالك طوارئ ودهاليز غامضة يترقبها الشعب. ومهما يكن من أمرٍ، فالمبالغ التي سعت إليها جهاتٌ تصارعتْ لرصدها في هذا القانون المشبوه تُعدّ كبيرة في نظر الكثيرين. كما أنّ ابوابَ صرفها لا تخلو ظاهريًا وليس ضمنيًا فحسب من شبهات فساد في حالة تسليمها التخصيصات المرصودة لها لمشاريع وجهات ووزارات تتضمنها مسودة الموازنة. والخوف، كلّ الخوف من استغلال جهات متنفذة للوفرة المالية التي تلتزم وزارة المالية بتوفيرها والمترتبة من الموارد الريعية لبيع النفط لسدّ فراغات في أبواب إنفاقٍ أخرى ومشاريع متلكئة أو متوقفة كانت تحدّدها الموازنة السنوية في بنودها. وهذا ما يفتح الطريق لاعتبار مَنفذ المشروع وقائيًا غذائيًا في شكله وظاهره وسياسيًا ولصوصيًا بامتياز في باطنه وثناياه بسبب تطرقه لقطاعات وابواب صرف أخرى غير مرتبطة بطوارئ الغذاء وقوت الشعب المطلوب إيلاءها وحدها الأهمية القصوى والحصرية.


2
قراءة في أوراق أهل الكفر وأهل الإيمان
لويس إقليمس
بغداد، في 30 حزيران 2021
لغرض فهم كيف عاش الإنسان حياتَه في الماضي، وكيف نعيشُها نحن اليوم، ولماذا تختلف سلوكياتُ البشر القدامى ورؤيتُهم ووسائل تعبيرهم وتفكيرهم عن أحكامنا في زمن الرقمنة المتسارع والعلمنة والتطور التكنلوجي الزاحف والانترنت الطاغي على أي نشاط، لا بدّ من الإقرار بالفرق في هذه جميعًا بين ما كانت عليه الحياة بالأمس وما بلغته اليوم من تباعد واختلاف وتغيير في كلّ سلوكياتها وإدارتها وطريقة معالجتها لمفردات حياة البشر وسلوكهم. ونحن نقرّ أن هذا عائدٌ في جزءٍ كبيرٍ منه إلى عامل التحضّر والتمدّن وفق ثقافة ووعي الفرد والمجتمع والدولة سواءً بسواء. فطبيعة إدارة الدولة في كلّ شؤونها ومفاصلها وسياستها ورؤيتها تتأثر بطبيعة حياة شعبها وثقافته ووعيه وطريقة تفكيره وحكمه على واقع الحياة والمجتمع.
هناك شعوبٌ تلقت بكل رحابة صدر متشوّقة لكلّ جديد ومبتكَر وحديث. وبعكسها، هناك مجتمعات وجماعات معينة بحدّ ذاتها ترفض الحداثة والتأوين والتطور والتغيير نحو الأفضل بدفعٍ من تأثير تيارات دينية ومذهبية متعصبة ومتعسفة ومنغلقة على الذات وعلى الفكر بقفلٍ من حديد. في حين هناك أخرى غيرُها تتساهل بشيءٍ بسيطٍ مقبول في حدود قناعاتها المجتمعية شريطة ألاّ يتمّ المسُّ بأساسيات هذه القناعات، وإنْ كانت غير مستساغة أو غير منطقية أو غير معقولة في حدود الفكر الناضج والعقل الراجح. فهذان الأخيران، "الفكر والعقل"، لا قيمة لهما في نظر المتعصّبين المنغلقين على ما تلقوه من حشو ولغو في كتاتيب الصغر ودواوين التطرّف والتعصّب ومواقع التحريض والتكفير في تقديس الماضي وأدواته وشخوصه، حتى لو تبيّن لهم الخطأ الفادح الذي أوقعوا أنفسَهم فيه أو جعلَهم الغيرُ المتشدّد ضحيةَ مشاريع ومساومات خاطئة لا يقبلُ بها العقل البشري الراجح. ومن الطبيعي أن نشهد في المجتمعات المتقدمة والمنفتحة خطواتٍ متقدمة بإحراز كلٍّ من الرجل والمرأة ومع مرور الأيام، الشيء الكثير من التقدم والتطور والتغيير نتيجةَ الوعي والنضوج اللذين رافقا حياتهما وإعمالهما العقل حين تقرير الحياة العفوية والقيام بحركاتها وحاجاتها وضروراتها بوسائل متطورة عن ماضي مَن سبقهما في الزمن السحيق. فهل من المعقول مَن اعتادَ عيشَ جودة ورفاهة حياة اليوم بكل تفاصيلها وبهرجتها وتقدمها وجمالها ومتعتها وسرعة تطورها أن يقبل بالعودة لحياة الأمس المعتمة والبطيئة والمغلقة بكلّ أشكال وأقفال التخلّف والجهل؟ بطبيعة الحال، هذا غير ممكن البتّة! 
في محيطنا الشرق-أوسطي ومجتمعاتنا العربية والإسلامية منها بوجه الخصوص، ما زلنا نعيش سكرات الانغلاق على الذات وهي تتحكمُ بنا يمينًا وشمالاً وتهزّنا كالرياح الموسمية الهائجة بين فترة وسواها. مثالُنا، ماتزال أفعال غير منضبطة وخطابات غير موزونة وتصريحات هوجاء تصدر هنا وهناك من أفرادٍ سوّدَ الغلوُّ عقلَهم وأبقتهم الرغبة بعيش قدسية الماضي المشوّه أو في حدود قوقعة الأحلام المتخلّفة رهائنَ ذاك الماضي التليد الذي لم يعدْ للكثير من صوره وفعالياته السحيقة نفعٌ ولا طعمٌ ولا شكلٌ للقبول به تحت أية مسمّيات كظاهرة اجتماعية غير مقبولة في العديد من فقراته ورؤاه وآليات عيشه بمبرّرات غير مقبولة أيضًا. حتى لو عُدّت مثل هذه التبريرات الشرعية من وجهة نظر البعض من المنغلقين على الذات والذين يرفضون كلَّ مختلِف معهم في الدين والمذهب والرأي والواقع الحضاري والاجتماعي والسياسيّ ولا يجيدون فسحة التعبير الصحيح وحرية الرأي التي خلقهم الله ليكونوا بها أحرارًا وليس عبيدًا للكلمة، فإنّها وبكلّ بساطة لم تعد مقبولة في زمنٍ تتحكم به اليوم التقنية الرقمية والتطور في كلّ شيء والتوجه نحو الحداثوية في الفكر والتعبير والسلوك اليومي الذي يقتضي وسائل أكثر انفتاحًا ويسرًا في عيش سمات التحضّر بما فيها من تسامح ومحبة وحوار ونقاش وتآزر وتعايش وتعاون كي تسهل الحياة في أعين البشر من مختلف الأديان والملل والإتنيات والتوجهات السياسية والحزبية والعقائدية. فما كان سائدًا في زمن الجاهلية والجهل والتخلّف، أو بالأحرى في زمن البداوة في منطقتنا أو ما قبلها في حياة الإنسان البدائي أيامَ كان الجملُ سفينة الصحراء والحمارُ ركوبة الإنسان والتراب للتنظيف من آثار الجنابة والأرضُ الواسعة لقضاء الحاجة أينما وكيفما اتفق وما شاكلَها من سلوكيات مماثلة غير مستساغة تربط الشعوب المقهورة ببركة ووساطة وعّاظ السلاطين، لم تعد هذه مقبولة ولا قابلة الممارسة في الكثير من أصقاع الأرض ولدى العديد من شعوب العالم إلاّ ما ندر لدى تلك التي أبقت رَسَن التخلّف شديدًا بين أيديها وفي فكرها وعقلها وسلوكها غير الراجح بل المُقرف بكلّ تفاصيله وأوجهه. فشرقُنا وبلدانُنا ومجتمعاتُنا ماتزالُ متخلفة عن الركب العالمي في كلّ شيء، وبعضُها مصرٌ عليه. وهذه من مظالم ومثالب تلك المنغصات التدويرية في حياة مجتمعاتنا!
لا سموَّ ولا قدسية لدينٍ أو شعبٍ إلا بتقوى الله والفعل الحسن
ما نشهدُه من تدهورٍ وانحدارٍ مخيفين لغاية الساعة في سلوك بعض البشر في أنظمة الحكم في المنطقة وتلك المنصاعة لفتاوى التخلّف والإشارات "المقدّسة" من بعض المنظرين الشرعيين المصرّين على ضرورة عودة المجتمعات إلى أضغاث أحلام الماضي "المقدّس" المندثر الذي لم يعد يتماهى مع تطور العصر وتنوير الفكر وطاقة العقل الهائلة، لا يبشّرُ بخيرٍ قادم للجميع. فأولى بوادر التدهور والانحدار في المجتمعات تبدأ بل بدأَت بالإيغال في رفض قبول الآخر المختلف وفي تكفيره والدعوة للابتعاد عنه وعدم مسايرته أو الاحتفال معه في مناسباته لكونه وردَ ذكرُه في كتب وتوصيات الأقدمين "المطهّرين" في خانة الكفر ويستحقُّ الرفض في كلّ ما يفعلُه أو يقولُه أو يعبّر عنه، أو حتى في وجودِه. وهذا خلافٌ صارخٌ للهبة الربّانية لبني البشر "كي يتعارفوا وينموا ويكثروا" في اختلافاتهم (وليس في خلافاتهم) التي تشكّل أساسًا لتعمير الأرض واستغلالها لصالح البشرية بالتعاون والخدمة المشتركة والخبرة في تطوير وسائل العيش من أجل راحة الإنسان ورفاهته أينما كان. فالأرضُ على سعتها ومساحتها وكبرها وما فيها من خيراتٍ وثرواتٍ ومصادر عيش متنوعة ملكٌ للبشرية جمعاء وليست حصرًا لنفرٍ أو شعوبٍ أو دينٍ أو ملّة أو طائفة تعدُّ ذاتها من "المقدّسات" وخير الأمم التي أُخرجت للناس" دون غيرها!!!
للقاء مثل هذه الأفكار الاستعلائية غير المتمدنة، ستتواصل الأزمات وتشتدُّ المشاكل وتكثرُ الصراعات وتتالى النزاعات وتنتشر الحروب وتطولُ طالما غابَ الحوارُ والتفاهم والمصارحة والمساواة والعدل والانفتاح عن عقول القائمين على السلطات، دينية كانت أم مدنية. فالسلطة الدينية عندما تغبى وتطغى في استخدام ادواتها السلطوية الجامدة وتنغلق على ذاتها في التفسير والتوجيه بعيدًا عن التأوين ومجاراة العصر ونفحة "الأخوّة الإنسانية" تكون قد فرضت ذاتها بأفكارها الغريبة بعيدًا عن أية مسحة ربّانية أبويّة بحيث ينطبق على رموزها وأدواتها قول الفيلسوف نيتشيه بوصفهم "دعاة عنف لكونهم مشلولين أمام العالم وغير خلاّقين ويخافون الحريّة". لذا هم يسعون للتحكم برقاب العباد بالعودة إلى ترّهات الماضي "المقدّس زيفًا" والمندثر مع عصره وغير الموجود إلاّ في مخيّلاتهم المريضة. مقابل هذا، تسعى السلطة المدنية إلى فرض طغيانها على مواطنيها بأدوات القهر والقوّة والسطو والاستغلال والمساومة والابتزاز وغيرها من وسائل القتل والترهيب والترعيب مستخدمة في أحيانٍ كثيرة أدواتٍ بغطاء دينيّ لحفظ سلطانها والإبقاء على منافعها ومكتسباتها غير المشروعة بدعمٍ من وعّاظ السلاطين، أبناء الشياطين. وهذا ما يجري في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، ومنها العراق الذي أجاد ساستُه الموغلون في الفساد والنهب وهدر المال العام كيفيةَ التعامل مع السلطات الدينية ومراجعها لتحقيق أجنداتهم وتعزيز مغانمهم السياسية والوجاهية ومكاسبهم المالية غير المشروعة في أعلى صورها. وهذا أيضًا ما يفسّر الفرق في النظر إلى الأحداث والبشر بين مَن يتحكم بمصير شعوبه من منطلق التسلط والترهيب بغطاءٍ دينيّ كما في أحوالنا، وبين مَن يحترم البشرَ عطيةَ الله الخالق ويترك له الخيار والحرية في التفكير والمعتقد والتعبير والحكم على الأمور وفق القناعات المرتكزة على فهم الحياة وتفاصيلها من موقع ثقافة الشخص ووعيه المجتمعي واستعداده للتفاعل والتعاطي مع المختلف عنه مهما كان شكلُه أو نوعُه أو دينُه لأجل الصالح العام. فالدّين لله ربّ السماوات والأرض والعناصر، والحياةُ لعباده من غير فصلٍ أو تمييز أو عنصرية في الأخذ والعطاء! من هنا، لا سموَّ لدين أو معتقدٍ ولا قدسية لشعبٍ أو طائفة إلاّ في ميزان تقوى الله والفعل الحسن الصادر عن هذه جميعًا.
بلدان الكفّار، هل تستحقّ مثل هذا الوصف؟
من المسلَّمات الحياتية البديهية والإنسانية في بساطة الحياة اليومية وأصولها اتّسامُ "بلدان الكفار" مثلاً (كما يطيبُ لأهل الإيمان المزيّفين تسمية مَن يختلفون عنهم في الدّين والمذهب ولاسيّما أتباعَ الغرب المتمدّن)، بسِمة التقدير والاعتزاز والاحترام لحياة الإنسان، مهما كان شكلُه أو لونُه أو دينُه أو طائفتُه أو واقعُه الاجتماعي. والسبب ببساطة، لأنّ حياة كلّ بني البشر هبةٌ من الله الخالق في نظر شعوب هذه البلدان التي ى تستحق مثل هذا الوصف المغلوط الجائر. فالهبة الإلهية مهما كانت طبيعتُها وشكلُها ورؤيتُها، لها شرفُ الاحترام والتقدير والصون كما توصي بها السماء، ضمن سياقات وسياسات وقوانين هذه البلدان والشعوب المتحضّرة. وأمّا عندنا في "بلدان الإيمان" (كما يجاهر المنافقون والمراؤون شرقًا عربيًا وإسلاميًا)، لم يكن لهذه الهبة يومًا شأنٌ كبيرٌ في قواميس التقدير والاحترام. فقد تعوّدنا القتل والاغتيال والمطاردة والتهديد والعربدة في وضح النهار وفي عتمات الليل بلا ضمير ولا خُلُق ولا رحمة ولا إنصاف.
-   في بلدان الكفار، يحترمون العلم والعلماء، ويقدّرون الطبّ والأطباء، وينحنون للمربّي والمعلّم وصاحب الفضل ويمنحونه الأسبقية المجتمعية في أية معاملة أو طلب أو مناسبة. وفي بلداننا المتخلفة بحسب معتقدات وفتاوى أهل الإيمان الزائف عندنا لا غرابة أن يسخرَ البعضُ من "شقاوات العصر" و"فتوّات اللاّدولة" و"جهلة القوم" من طالب العلم وصاحب المراتب وحامل الشهادات أو الإيغال في إهانة الطبيب الذي يعالجُ المريض أو الحطّ من قدر العالم ليتحكّمَ به الجاهلُ والفاشل والمعمّم الزائف في العمل والوظيفة. والسبب ببساطة، لأنّ العلم والطب والتربية لدى "أهل الكفر" نابعٌ من جنس الأخلاق والإنسانية وليس للتجارة والبازار مثلما تشهدُه أسواقُ "الإيمان والمعتقد الأوحد" عندنا.
-   ألموتُ عند "أهل الكفر" حدثٌ كبير وقاسٍ وزمنٌ مفصليٌّ، لأنه يعني نهاية حياة وبداية حياة أخرى جديدة في ديارٍ هادئة يلاقون بها وجه الخالق ويقفون أمام الديّان الأعظم للمحاسبة عن أعمال أرضية بالرحمة. أمّا عندنا وبالتحديد في بلدان شرقنا المنغلق شرعًا إسلاميًا لحدّ النخاع، فهو في نظر البعض المتزلّف لا يتعدى كونه حدثًا عابرًا وشائعًا وعاديّا كما الفطيسة سواءً كان قتلاً بفعل فاعل أم بسبب حادث عرضيّ نتيجة الإهمال وقلّة الوعي ونقص الثقافة وغياب العلم. ولا يهمّ السبب عند هؤلاء، فهو سيلاقي حتمًا كما موعود له، حورَ العين وما شاء من الحسان والجواري والقيان في انتظار المتعة الواصلة المتواصلة مهما كانت أفعالُه على الأرض.
-   في "بلدان الكفّار"، يُحاسَبُ الجميعُ وفق القوانين والأنظمة ولا أحد يشذُ عن القاعدة الوطنية العامة ولا أحدَ فوق القانون، رئيسًا أو موظفًا أو رجلَ دينٍ أو مواطنًا عاديًا، رجلاً أم امرأةً. فالكلُّ سواسية ولا أحدَ فوق القانون. وأمّا عندنا في "بلدان الإيمان"، فأصحاب النفوذ والجاه والمال والسلاح والسلطة الدينية والعشيرة فوق الجميع. والويلُ للقضاء أن يخرجَ عن طاعة أرباب السلطة أو أن يحكمَ بالعدل أو أن يحاسبَ نفرًا من هذه الطبقة المتسلطة الطاغية الفاسدة أو أن يقاضيَه وفق منظور المساواة والعدالة الذي لا يُطبَّقُ في الواقع إلاّ على المجتمعات الفقيرة ومَن لا سندَ لها من البسطاء من طبقات الشعب من "الرعاع" الذين لا حولَ لهم ولا قوةَ إلاّ باتّباع أهواء السلطان وأدواته. أمّا أصحاب النفوذ والجاه والمال والمقرَّبون من أهل المراجع السلطوية والدينية، فهُم دومًا فوق القانون، والويلُ لمَن يحاولُ المسَّ بهم وبمصالحهم وأدواتهم وأتباعهم، أو جرحهم أو خدشَهم بكلمة أو أن توجّه لهم التهم، أية تُهم. حينها سيقلبون الطاولة على رؤوس الشهاد، ويحرقون الأخضرَ واليابسَ لخاطر عيون السلاطين وأهل الحكم. فهُمْ دومًا على قائمة الخطٌّوط الحمراء!
-   في "بلدان الكفّار"، يقدّسُ بشرُهم الزمنَ ويحترمون ساعات الدوام المخصصة للعمل والإنتاج والتطوير وليس لفرش أنواع الأطعمة فوق مناضد العمل الرسميّ كما نشهد يوميًا خلال مراجعاتنا لدوائر الدولة الرسمية. وكلُّنا نعلم أن لا حسابَ من المسؤول أو الإدارة على مثل هذه السلوكيات المدانة للأسباب العديدة التي لا تنطلي على أحد. حينئذٍ، لا خيارَ للمُراجِع إلاّ الانتظار زمنًا قد يطول، وفي نهايته يتقهقرُ مضطرًّا للعودة إلى بيته بخفّي حنين بسبب انتهاء ساعات الدوام بحسب تصريح الموظف ولا يتلقى غير كلمات "تعال باجر أو بعد أسبوع". 
إزاء هذه التناقضات، وما أكثر من سواها، يحلمُ الكثير من "أهل الإيمان" في أوطاننا العربية والإسلامية بالهجرة إلى دول الكفر، بل يهرعون إليها مهرولين مجازفين بحياتهم وحياة أسرهم، رغمَ أنّ شعوبَ هذه الأخيرة محسوبة على الكفّار وليس لديهم "بركات إلهية"، بحسب وصف أحد الأصدقاء في النخبة الاقتصادية. أليس في هذا غرابة، ما بعدها غرابة في الأخلاق والسلوك وطريقة العيش والتفكير ولغة التعبير! ولكن لا بأس بالتقليب في دفاتر "الكفّار" في مجتمعات شرقية تقليدية تعدُّ نفسَها أمينة على "الإيمان" و"المعتقد" و"المذهب" و"الطائفة" في مظاهرِها الخدّاعة وأدواتها المنافقة وأحكامها الطاغية التي لا تقلُّ جرمًا وخداعًا ونفاقًا عن أعمال أعتى الطغاة، طالما الخاسرُ الأكبر يكون دومًا الشعب، والمضحّي المطلوبُ التضحيةَ به هو المواطن البسيط ورزقُه وعملُه وعائلتُه.
في اعتقادي البسيط، أجدُ في مثل هذه السلوكيات غير الأدبية وغير الأخلاقية حماقاتٍ ما بعدها حماقات حين يتسلّمُ الجهلة والحمقى وفاقدو الأهلية والجدارة والشهادة والخبرة مقاليدَ قيادة الدول والشعوب وتوجيه الرعايا وفق مقاساتهم المحدودة، وهُمْ غيرُ أهلٍ لها. وإذا كان غالبية ساستنا وزعاماتنا وفي غفلةٍ من الزمن قد استحوذوا على كلّ شيء لحدّ الاستخفاف بعقل المواطن البسيط وتركيعه وإذلالِه بسبب الفاقة والحاجة والضرورة واستغلاله في فترة الانتخابات بشراء صوته الذي يصعدُ سعرُه في ذروتها، فهذا من الإشارة البائنة إلى تراجع الأخلاق وغياب الضمير وحمل ملايين البشر للعيش على هامش الحياة. فالحياة عند فئة هؤلاء االمهمَّشين وبسطاء القوم كما يبدو، قد فقدت طعمَها وضاع لونُها وبهتَ جمالُها في نظرهم، ما حدا ببعضهم للسعي للتخلّص من أهوالها وتعاساتها ومراراتها باللجوء إلى وسائل رحيمة أو قاسية للخلاص من الأوضاع القاتمة التي رسمت سمات الحياة التعيسة في زمن الأزمات والشدائد وتراجع القيم وشراء الذمم والمساومات والابتزاز وما سواها من المنكرات التي لا تقبلُ بها قوانينُ السماء ولا البشر الأسوياء. فمثل هذه الآهات والكؤوس المترعة بمرارة الحياة وقساوتها وظلمها، نادرة الوجود في "دول الكفر" ومجتمعاتها، وإن حصلت فهي من قبيل الشذوذ والإدانة والمحاسبة. أمّا في مجتمعات "الإيمان" والنداء باسم الله الخالق الأكبر فهي تكادُ تبدو من الأمور الاعتيادية اليومية في الحياة!
هذا زمنُ الظلم والقهر وغياب الضمير والوعي، فلنتجنبْهُ! وكان اللهُ مع الصابرين الطيبين منتظري الفرج!


3
عندما تغيّر الأحزاب تسمياتها
لويس إقليمس
بغداد، 8 أيار 2022
بعد فوز الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بولاية رئاسية ثانية، بنسبة تصويت تصل إلى %,558 من الأصوات الانتخابية في عموم البلاد، خرج المندوب العام لحركة "الجمهورية إلى الأمام" التي أسسها "ماكرون"، السياسي والاقتصادي الفرنسي في 6 نيسان 2016 في مدينة أميان الفرنسية، لإعلان التسمية الجديدة للحركة (الحزب) تحت مسمّى "النهضة".
وبالرغم من تغيير المسمّى لفظيًا ولغويًا، إلاّ أنه احتفظ بنغمته الإصلاحية التقدمية الوسطية في المبدأ العام. فقد تكون هذه النغمة المتناغمة مع صوت الشارع الفرنسي المتذبذب في التأييد والمعارضة معًا، هي الرهان الأوسع الذي سيجيزُ للرئيس الفائز بولايته الثانية كي يغمر عموم الشعب الفرنسي بنظرته الواقعية إلى الحياة السياسية في مشكلة معالجة التحديات والأزمات المتزايدة سواءً على واقع فرنسا كدولة تتموضع على قمة دول الاتحاد الأوربي بعد ألمانيا اقتصاديًا أو في موقعها العسكري والتسليحي المتقدم على باقي دول الاتحاد. ولا ريب في أنّ هذا الفوز الواضح للتيار التقدمي الوسطي الإصلاحي "الناهض" ستكون له نتائج إيجابية على صعيد القارة الأوربية من جهة تعزيز صمودها الاتحادي وضمان التعويل لخمس سنواتٍ قادمات على ذات السياسة التي انتهجها الرئيس "ماكرون" في تعزيز قدرات الاتحاد ورصّ صفوف بلدانه في مواجهة ما ينتظرُه من تهديدات ومفارقات ومنغصات واضطرابات. فقد ألقى خروج بريطانيا من البريكسيت، ظلالَه على واقع السياسة العامة لأوروبا مجتمعةً. كما أصبح قدرُ هذه الدول على المحكّ بعد نشوب الحرب الروسية –الأوكرانية وتداعياتها الهائلة على مستقبل القارّة ودول حلف الناتو مجتمعةً بسبب ضراوتها ووحشيتها، لاسيّما إذا أخذنا بنظر الاعتبار السبب الرئيسي في شنّ هذه الحرب ورغبة أوكرانيا بالانضمام إلى كتلة حلف الناتو، وما يمكن أن تضيفه أو تتسبَّبَ به في حال استمرارها واستفحالها واشتدادها من أدواتٍ واختناقات وإرهاصات ونتائج قد لا تسرّ عموم أوربا والعالم.
من هنا يرى مراقبون أنَّ في هذا المنحى بتغيير التسمية الحزبية، قراءاتٍ كثيرة تشير في بعضها إلى التناغم والتعاطي مع المستجدّات ما بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أفرزتها النتائج النهائية وحازت فيها المرشحة المعارضة "مارين لي بين" على نسبة تصويت عالية قاربت 41,5% بالرغم من توصيف حزبها اليميني (الجبهة الوطنية) تقليديًا في خانة التطرّف. ومنها تواردُ الرغبة في التقرّب أكثر من صوت الشعب الذي يقتضي الانفتاح العفوي أحيانًا أو الاستراتيجي في غيره ضمانًا لتنفيذ السياسات العامة للجهة الفائزة التي عليها تحمّلُ أعباء إضافية لمواجهة المعارضة المشتدّة في الطرف الآخر. كما أن هذا الفوز يضيف لرمز الحزب الفائز التزاماتٍ إضافية تحتّمُ عليه الإيفاء بالوعود المقطوعة بتعزيز الدور الأوربي ورصانة توجهات حركته ومبادئها فيما يتعلّق بموضوعة المخاطر المناخية التي تثير قلقًا متزايدًا على الصعيد الدولي أكثر فأكثر، ومنه الالتزام الجادّ باتفاقية باريس للمناح. 
في اعتقادي، مثل هذا التوجّه المتحرّك وغير الجامد لا بدّ منه لأية جهة حزبية أو حركة تريد التجديد وتنشد التغيير والنجاح والتقدّم وتحقيق نتائج إيجابية على الأرض ولصالح البشر والحجر معًا. فإظهار قدرٍ من المرونة في تشخيص الأخطاء، وترسيم الاستراتيجيات بالتشاور، وتعّلم الدروس من إخفاقات سابقة أصبح اليوم مطلوبًا في العمل السياسيّ مع كلّ من الأطراف الموالية من جهة وكذا مع الأفرقاء الآخرين، وبالذات مع شخوص المعارضة الذين يعكسون غالبًا حركة الشارع ورغبة الناخب إضافة إلى ما يحيط بالسياسة العامة من تحرّكات مناطقية ودولية تفرزها الأحداث اليومية. من هنا، تأتي أهمية التسمية الجديدة، لتؤكِد النبرة أو النزعة "الماكرونية" في أي تحالف قادم مع الشركاء في الوطن. وهذا ممّا يستدعي نشاطًا محمومًا للسعي لإحراز نجاح قادم في الانتخابات التشريعية القادمة المقررة في الجولتين الأولى والثانية في 12 و19 حزيران القادم 2022 في هذه البلاد، والتي سيكون لها تأثيرٌ كبير على قدرة الرئيس ماكرون وفريقه لتنفيذ ما وعد به الشعبَ الفرنسي مستقلاًّ من جهة وعموم دول الاتحاد الأوربي من جهة أخرى.
هوية أم ماركة سياسية
يبدو أن تغيير مسمّيات الأحزاب أمرٌ طبيعيّ، في سياق التسابق نحو ماركات جاذبة يتأثر بها الشارع والناخب معًا. وفرنسا ليست بعيدة عن شكل هذه الظاهرة بالرغم من احتفاظ بعض الأحزاب التقليدية بهويتها الإيديولوجية منذ عقود من دون تغيير ولا تحديث، كالحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي والجبهة الوطنية بصورة خاصة. لكنّ المؤكّد أنّ اسم أي حزب أو حركة تعمل على الساحة السياسية من قريبٍ أو بعيدٍ، تعني ما تحمله هذه من دلالات ومعاني في التعبير عن الأهداف المبتغاة التي تسعى الأحزاب لتحقيقها في مسيرتها "الوطنية" والنضالية وصولاً لتحقيق الفوز والنصر والسلطة في نهاية المطاف. فالحركات والأحزاب التي تبذل جهدًا من الطبيعي جدًّا أن تصل إلى غايتها. ومنها دمغُ شكل هذا الفوز عادةً بالتسمية التي يحملها الحزب كماركة سياسية لا تقلّ في أهميتها عن اية ماركة تجارية يتمّ الترويجُ لها بكافة الوسائل والطرق والأدوات. فالماركات السياسية غالبًا ما تحتفظ بصداها وسط جمهورها الذي يتعاطف عادةً ويتناغم مع ما تحمله هذه الماركة أو تلك من تشويق جماهيري وسمعة تكشف عن أهداف عامة لأحزاب أو حركات سياسية. كما أنها قد تشكلُ فرصة ملائمة لقلب صفحة الماضي ونسيان ما تم حصادُه من إخفاقات وأشكال الفشل لأية اسبابٍ كانت. وهذا بحدّ ذاته ينمُّ عن شكلٍ واضحٍ من الكفاح المستميت لبلوغ نتائج أفضل عبر التغيير الإيجابي حصرًا وليس الشكليّ واللفظيّ فحسب. فالبعدُ الحزبيّ يأخذُ عادة مداه بعد تجارب ومرورًا بخبرات قد تكون قاسية في بعضها. وهذا يبدو صدقَ ما توصل إليه الرئيس "ماكرون" وفريقُه بعد تجربة الخمس سنوات المنصرمة من حكم "الجمهورية إلى الأمام" التي اتصفت بشيءٍ من الوهن والضعف في طريقة ممارسة السلطة وصياغة القوانين والتقرّب من الشارع وادواته التي زلزلت النظام في تظاهراتها واحتجاجاتها عبر سنوات الحكم الخمس الماضية ولاسيّما من جانب أصحاب "السترات الصفراء" الذين ضاقوا ذرعًا من سياسة الحكومة الاقتصادية بحسب تعبيرهم.
من هنا تكون تسمية النهضة التي ارتآها الرئيس "ماكرون" وفريقُه الحزبي بابًا من ابواب التغيير وطيًّا لصفحة الماضي مهما كانت النتائج الإيجابية الأخرى التي حققها طيلة فترة حكمه للخمس سنواتٍ الماضية. فمجرد طرح تسمية "النهضة" للحركة "الماكرونية" الفتية، فهذا دليلٌ على رؤية شاملة وسعي متجدّد نحو الأفضل وفرصة أخرى لاجتذاب غير المتعاطفين مع فريقه الحكومي السابق ممّن نزلوا إلى الشارع أو أعربوا عن معارضتهم لسياسته الاقتصادية والضريبية وكلّ ما يتعلّق بحقوق العاملين والمشمولين بالضمان الصحي. وقد وصفها البعض بوسيلة "التعبير عن الهوية التعددية" التي يسعى فريقُه لضمّهم في المحصّلة إلى صفوف الحركة الجديدة وعدم إهمال مطالبهم ومشاركتهم رؤاهم وتجليات احتجاجاتهم. وهذا خيرُ ما فعله حرصًا منه دون انتظار هزيمةٍ لاحقة متوقعة وتوخيًا لعدم خسارة شرائح واسعة اتخذوا ويتخذون من الشارع وسيلةً للتعبير والاحتجاج والرفض بأية وسيلة وأي وقت أو مناسبة. فتواصل الاحتجاجات وتواتر الاعتراضات من شأنها إسقاط حكومات وتسقيط ساسة وزعماء. وقد كان للعراق منها نموذجٌ للتشرينيّين في 2019، بالرغم من اختلاف الظروف والأدوات والأهداف!
فبالعمل والتطبيق ونوع الخدمات الجيدة المقدمة للشعب وبالنزاهة والشفافية والخشية من إغضاب الخالق وعباده تُعرفُ هويةُ الأحزاب ويُكشفُ معدنُها، وليس بالكلام المعسول والكذب والسير وراء وعّاظ السلاطين والباحثين زورًا وبهتانًا عن سطوة المال والجاه والسلطة والنفوذ! ولنتعلّم الدروس من تاريخ الشعوب الإيجابية التي عرفت معنى الديمقراطية الصحيحة وتطبيقاتها دون مواربة أو غشّ أو خداع أو استغلال لأدوات السلطة لتحقيق منافع طائفية ودينية ومذهبية وفئوية أو شخصية ضيقة!


4
قلْ كلمة واحدة فقط، فيُشفى العراق!
لويس إقليمس
بغداد، في 28/4/ 2022
من أروع العبارات التي نطق بها قائد مئة روماني على عهد المسيح بن مريم في أورشليم-القدس، وهو يتوسلُه كي يشفي واحدًا من عبيده المرضى المضروبين بمرض قاسٍ لا شفاء منه لدى حكماء عصره، "يَا سَيِّد، لَسْتُ مُسْتَحِقًّا أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفِي، لكِنْ قُلْ كَلِمَةً فَقَطْ فَيَبْرَأَ غُلاَمِي." (متى 8: 8)
هذه العبارة كشفت آنذاك عن واقع إيمانيّ متميّز وتواضع ملحوظ من لدن القائد الأممي صاحب الطلب الذي ناشد في حينها نبيّا بدرجة المسيح بن مريم بالرغم من اختلاف عقيدتي الشخصين. ولكنّ كلّ ما سعى إليه هذا القائد الذي كان يتحكم بكتيبة قوامها مائة جندي وضابط روماني يحتلون "فلسطين"، أنه قدّم واجب الاحترام المطلوب لشخصٍ بحجم المسيح الذي تبعتْه آنذاك أفواجٌ من الشعب اليهودي المؤمنة بقدراته العجائبية ورسالته الخلاصية وأحاديثه النبوية، لاسيّما حين اطّلاعهم ومعرفتهم ومشاهدتهم باجتراح السيد المسيح للعجائب وقدرته على شفاء المرضى والممسوسين، وإعانة المتعبين وثقيلي الأحمال، وتعزية المحتاجين منهم لراحة الفكر وتنقية الضمير والنفس.
ربّاط الكلام، عراقُنا اليوم بأمسّ الحاجة لمثل هذه الالتفاتة المتواضعة من لدن الزعامات الحزبية والسياسية التي تتحكم عبثيًا بمصير شعبهم المغلوب كي تصحو من عقدة العفن المُلازم لحكمهم وما آلت إليه الأحداث ممّا يوصف بالانسداد في العملية السياسية العرجاء القائمة. فكلُّ أشكال المرونة والتواضع والتنازلات المتبادلة لمصلحة الوطن والشعب عبر الحوار الهادئ والتنازل عن أبراج عاجية مصطنعة، هي مطلوبة لمنح فسحة من الأمل بانفراج قريب ممكن، تيمنًا بسلوك ذات النهج الذي انتهجه قائد المئة الذي شكّل واجهة للحكم الروماني الطاغي على المنطقة وعلى الشعب اليهودي في فلسطين آنذاك. فكلّ الأفكار التي تقرّب ولا تُبعِّد الفرقاء أصحاب المصالح الضيّقة مطلوبة وبإصرار لبلوغ برّ الأمان والسماح بالسفينة المتهالكة للمرور إلى ميناء السلام والرفاهية والاستقرار بعد تشذيب البحر المائج من أشكال الألغام، كبيرها وصغيرها، من داخل البلاد وخارجها من خلال منح فرصة للجهة المتقدمة بنتائج الانتخابات بأخذ فرصتها وتحمّل مسؤولية نجاحها وفشلها عبر مشروع "الأغلبية السياسية" التي تسعى إليها وليس المذهبية والطائفية والأكثرية المكوّناتية التي تصرّ جهاتٌ خاسرة منافسة العودة بها إلى العفن السياسي العرفيّ ذاته، بالرغم من تيقّنها بجدب سلوك هذه الطريق وانتفاء أدواتها المدمّرة للبلاد والعباد.
حينها سيكون لكلّ حادثٍ حديث، كما يُقال. وما على حكماء الأمة، إنْ مازالوا بعدُ موجودين على الساحة الوطنية، إلاّ أن ينطقوا مجتمعين معًا بكلمة الحق وبقول الكلمة الوطنية الواحدة: "نعم لمصلحة العراق العليا، نعم لرفاهية الشعب، نعم لمشاركة الجميع وفق الأهلية والجدارة والمساواة" و "لا للعملية السياسية الجدباء، ولا لتقاسم المغانم وتوزيع المكاسب". حينها فقط، تُشفى البلاد!
الخروج من الاحتقان السياسيّ
يتفق الجميع، على أنّ أيةُ محاولات لأية جهة كانت رابحة أم خاسرة في الانتخابات الأخيرة، تسعى لتعطيل العملية السياسية ومصالح الشعب والوطن، تبقى محاولات يائسة وبائسة بسبب العفن السياسي الذي طال أمدُه منذ تاريخ احتلال الوطن والأرض والشعب في 2003.
فالكلّ متيقّن من فوح رائحة جيفة العملية السياسية وتغوّل ساسة البلاد وما يتبعها من ميليشيات وفصائل وأتباع خانعين في استغلال كلّ شيء وأية فرصة للإثراء وفرض الأجندات ولاسيّما الولائية منها، من أجل بقاء الواقع المتهرّئ على حاله طمعًا بالمزيد من قسمة الكعكة ونهشًا متواصلاً بجسم الفريسة الطريّ، طالما بقيت الموارد الريعية في أعلى سلّم التراخي والتراجع في القيم الوطنية والأخلاقية والإنسانية التي آلت إلى الزوال بفعل أحزاب السلطة وأجندات زعاماتها التي نزعت عنها الحياء والخشية ومخافة الله وفقدت عذريتها الوطنية.
كلّ هذا وكثيرٌ غيره، مقابل زيادة في نتانة جراحات الشعب الذي فقد هو الآخر الشيء الكثير من غيرته الوطنية المعروفة بوثباتها الثائرة في السنين العجاف الخوالي حينما كان باستطاعته قول كلمة الفصل في إثارة الشارع وتحقيق المطالب الوطنية بالوسائل التي كان يراها الزعماء الوطنيون مناسِبة والتي يبدو أنها غابت عن المشهد السياسي في زمن الرقمنة والتحوّل التكنلوجي الذي غزا الشارع والبيت والدائرة والشركة وكلّ ركنٍ من أركان البلاد المتراجعة في كلّ شيء، ولاسيّما في العلوم والتربية والثقافة والغيرة الوطنية التي تعدّها الدول المتقدمة أخطر بكثير من اية ميادين سياسية أو اقتصادية أو صناعية أو زراعية. فالجهل حينما يستبدّ في شعب كان له باعٌ في أصالة العلم والمعرفة والقيادة من موقع متقدم عالميًا في فترة حاسمة من تاريخه، فهو الدليل الواضح على وشك اندثاره وتراجعه إلى الدرجات السفلى في قائمة دول العالم. وهذا هو واقع العراق وشعب الرافدين للأسباب التي لا تخفى على أحد بسبب السلوك الشاذ ناقص الجدارة والكفاءة للمنظومة السياسية في إدارة البلاد ونتيجة طبيعية لعبث الدخلاء الراهن في فرض مصالح فئوية وطائفية ومكوّناتية بالية ضيقة الأفق وأخرى شخصية "تكسبية" لا تمتّ بصلة لسمات الوقار والشرف والقيم العليا التي ينبغي أن تكون عليها الطبقة السياسية التي تسعى لحكم أيّ بلد أو شعب. في حين كان الأجدر والأولى أن تتقدّمَ قيمُ الشراكة الوطنية الصحيحة ومبادئ الإيثار والتضحية والاستعداد لخدمة الشعب وصيانة المثل العليا للوطن ومصالحه على مجمل المكاسب والمصالح الطائفية والفئوية والشخصية والحزبية والمكوّناتية.
والأكثر من هذا وذاك، كان الأجدر أن تسمو زعامات أحزاب السلطة ومَن يتحكمون بالبلاد والعباد من ساسة الصدفة من غير المؤهلين والجديرين، وأن تكون على قدرٍ وافٍ من المسؤولية الأخلاقية والوطنية في صيانة الأمانة والحفاظ على الوديعة التي ضُربتْ عرضَ الحائط بالرغم من تعكّز أغلب الطبقة السياسية بكل طوائفها وكتلها البرلمانية والرئاسات الأربع بما فيها القضاء المسيَّس، على حِكَمِ وأقوال الأئمة قولاً وليس فعلاً في ظاهرة خادعة وخائنة للدّين والمذهب والعقيدة وما في هذه من أخلاقيات رصينة وأصيلة لا شائبة عليها.
معجزة من نوعٍ خاص
من الواضح ايضًا، بلوغ حالة البلاد مع تلاحق الأزمات وتكاثرها وتفريخها "عُقدًا انسدادية" لا مناصَّ من الالتجاء لطلب ما يُشبه أعجوبة الشفاء التي ارتآها قائد المئة من السيد المسيح. فهي وحدها اليوم، كفيلة بشفاء البلاد وانتشال العباد من كارثية ساسة المنظومة السياسية الفاشلة بجدارة. فالعراق لم يعدْ قادرًا للنهوض من كبواته وأزماته المتلاحقة، وما أكثرها، إلاّ بأعجوبة ربانية أشبه بما فعله السيد المسيح لغلام قائد المئة حين ترحّمَ عليه بسبب إيمانه وهو الأمميُّ الوثنيُّ. فكم بساستنا الذين يدّعون الإيمان وتقليد الأئمّة، كان الأجدرُ بهم أن يتعاونوا مع ربّ العباد في انتشال الوطن من براثن الجوع والعطش والتخلّف والجهل ونقص الخدمات الآدمية وكذا من التصحّر الماديّ والمعنويّ والروحيّ والأخلاقي في كلّ شيء. وإلاّ فلا مناص من الواقع المتهرّئ إلاّ بتغيير جذريّ في العقلية السياسية مرفقة بتغيير الوجوه الصلفة الفاشلة التي فقدت كلّ حياء بشري وكلَّ خشية برب العباد الذي ركنته وأنبياءَه وأولياءَه وحكماءَه ومثقفيه جانبًا كي تخلو لها ساحةُ الفساد بالضحك على عقول البسطاء من أبناء الشعب الذين ينزلقون بكلّ سهولة لأقوال مدّعي الدين والتديّن والمنادين بالطائفية وسيادة المذهب والأغلبية زورًا وبهتانًا. فهذا هو واقع حالٍ لم نخرج منه منذ 2003، حيث لم تنضج جميعُ الكتل والأحزاب التي حكمت البلاد والعباد في أدائها إزاء الشعب، ولا ارعوت من دعاء الثكالى، ولا خشيتْ من خوف الله، ولا دعتِ الشعبَ المسكين الغارق في متاهات الحيرة والجهل والتخلّف والتراجع يعي دورَه الحقيقي في إحداث التغيير الشامل والصاعق بوسائله الثورية ضدّ أركان الفساد بقطع رقاب الفاسدين بسببٍ من تحكّم هؤلاء بوسائلهم الطائفية بمصائر أتباعهم المغلوبين وعبر أدوات رخيصة وبالية وسهلة باستغلال الدّين والمذهب وقدسية الأشخاص وأركان الولاءات الخارجية للغريب الطامع على حساب المصالح الوطنية العليا للوطن والشعب دون غيرهما.
اليوم، وقد اقتربت مهلة الصيام السياسي التي فرضها زعيم التيار الصدري من نهايتها من جانبٍ واحد ولم تعترف بها الجهة الولائية المنافسة، لا يبدو حصولُ تقريبٍ بوجهات النظر، فيما تعرضه وسائل الإعلام والتصريحات من الطرفين، أو ما يُثار في وسائل التواصل الاجتماعي بالرغم من بروز مبادرات متنوعة ومتعددة تدّعي قدرتها على إخراج الموقف المتأزم من حالة الانسداد القائم بسبب تمسّك كلّ طرف بموقفه وآرائه. وهذه سمة سلبية لكلّ مَن يدّعي الحرص على وحدة الوطن ورصّ الصفوف في مواجهة ما يعتري العالم من أزمات وصعوبات، والعراق ليس استثناءً منها. لكنّ الكلّ متفق على أن أي انفراج في المواقف على أساس وطني وحلولٍ من الداخل العراقي لن يكون صالحًا ومقبولاً إلاّ بتغييرٍ حقيقيّ وجذريّ، سواءً توافقَ هذا مع مصالح أحزاب السلطة أم خاصمَها. ففي النهاية، لا بدّ من فائزٍ وخاسرٍ. لكنّ الرابح الأكبر في حالة ترجيح العقل والحكمة والقانون يبقى الوطن والشعب. فهذه حال السلطة وطلاّب الجاه والمال والنفوذ: يومٌ لك ويومٌ عليكَ، يومٌ تتمتع فيه بكلّ أهداب الحكم وأدواته ونتائجه وجبروته ونفوذه، وآخر تفقد فيه البهرجة والعزّ والجاه والمصلحة والبريق الدنيوي والمادّي الزائف! وهذا كلُّهُ يعتمد على شكل السلوك والنظرة إلى السلطة وما فيها من هذه الأدوات جميعًا حين الحُكم على أداء الشخص حيال موقفه الصحيح من الوطن والشعب.
ننتظر بفارغ الصبر خروج البلاد من عنق الزجاجة بفعل معجزة من أيّ نوعٍ كانت كي يعرف كلّ مواطن حقه في العيش الكريم وفق مبدأ المواطنة الصحيحة والجدارة والكفاءة في الأداء الذي ينبغي أن يشمل الجميع بالمساواة والعدل وليس بالتمييز العنصري (المكوّناتي) اعتمادًا على حيثيات الدين والمذهب والطائفة والمحسوبية والمنسوبية والأغلبية التي تقتل عنصرَ الوطنية والمواطنة في عقرها. من هنا، فإنّ أية تحالفات لا تخدم واقع المواطن ومصلحة الوطن العليا قبل اية مصالح أو مغانم تقليدية اعتادت عليها الكتل السياسية وأحزاب السلطة ومَن يواليها من الطارئين والولائيين خارج الحدود، لن تحقّق الدرجة الدنيا من أمنيات وتمنيات المواطن الحائر في أمر بلاده المحتلّة ولن تكون قابلة التحقيق في أدنى درجاتها. ولكن، تبقى الشراكة الوطنية هي القاعدة الرصينة في إعادة بناء الوطن وعودة سيادته وهيبته ودوره الدولي والإقليمي الرائد عنوانًا أساسيًا لنجاح أية منظومة سياسية غير هذه التي حكمت البلاد مصادفة ومن دون اية جدارة وبعيدًا عن اية مبادئ وطنية وأخلاقية وإنسانية. وبالتالي، لا يمكن التعويل بعدُ على أحزاب فاشلة وفصائل موالية لخارج الحدود وسياسيين جلُّ همّهم اكتناز المزيد من الأموال ونهب ما ييسرُه لهم مبدأ تقاسم المغانم من ثروات البلاد عبر إقطاعيات ووزارات ومناصب ودرجات خاصة هي كلّ ما سعت وتسعى إليه المنظومة الحاكمة منذ ما يربو على تسعة عشر عامًا خلت.
وتبقى كلّ الخيارات مفتوحة لحصول المعجزة والتغيير وإنهاء الانسداد بانتظار قول الكلمة الفصل مساهمةً في شفاء العراق. فمَن سيقولُها؟



5
ورّطها الغرب، ويقولون ستنتصر الأمّة الأوكرانية!
لويس إقليمس
بغداد، في 9 آذار 2022 
يبدو ان الورطة التي أوقعت الحكومة الأوكرانية نفسها بها بانزلاقها وراء تخرّصات وتحريض الكاوبوي الأمريكي راعي الحروب في العالم وتوابعه من دول الغرب الدائرة في فلكه، ستطيح بهذه الدولة الفتية وستحصد الأخضر واليابس، كما يبدو للعيان منذ بدء غزو الدبّ الروسي المنفوش. فالظاهر أن الرئيس الأوكراني "فولوديمير زيلينسكي" الذي جاء إلى الواجهة السياسية في انتخابات حرة ونزيهة وديمقراطية في عام 2019، لا يتمتع برؤية سياسية شاملة للواقع الجديد الذي فرضته تغييرات ما بعد انحسار دور الاتحاد السوفياتي وتفتته وتفككه في 26 كانون أول 1991م إلى دول كبيرة أو صغيرة بحسب أهميتها الاقتصادية والجيوسياسية مع إبقاء باب الحنين إلى الماضي مفتوحًا. فالنظرة إلى الحياة السياسية ومصير البلدان لا تحصرها وجهة نظر ناجمة عن خلفية فكاهية لشخصية تركت التهريج لتدخل المعترك السياسي الغائص في أوحال الدجل والحيلة والنفاق والمساومات والصفقات والمصالح وما سواها من أدوات سياسية عرفَ خصمُه اللدود "فلاديمير بوتين" الشرس حُسنَ استغلالِها وتوظيفِها لصالحه ولصالح بلاده عبر أحلامه التي لا حدود لها بإعادة إحياء الإمبراطورية السوفييتية الجبارة التي اعتادت قول كلمة "لا" للقطب المنافس والغريم التقليدي اللدود. وبالرغم من انتهاك الاتحاد الروسي لمجمل الالتزامات المترتبة عليه في القانون الدولي باعتباره عضوًا دائمًا في مجلس الأمن الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إلاّ أن تبريرات الرئيس الروسي بوتين تكمن في كون ما أقدمت عليه جارتُه أوكرانيا يصبّ في خانة الهواجس من احتمالية تمدّد حلف الناتو صوب بلاده وخشيته من تغوّل دول الأخير على قدرات بلاده الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية في المستقبل.
لقد كان على الرئيس الأوكراني الشاب أن يكون أكثر حذرًا في التعامل مع ملف شائك على تخوم وريثة أكبر امبراطورية سياسية عقائدية حديثة وأن يمضي في سبيل إيجاد حلول شافية للمشكلة مع إقليم دونباس المتاخم لروسيا، لا أن يتغاضى ويتملّص من اتفاقاته مع هذه الأخيرة بطريقة أفضت إلى توارد شكوك وهواجس في عقلية ورؤية الرئيس الروسي الجسور من وجود شبه مؤامرة أمريكية-غربية لعرقلة بروز روسيا كقطبٍ عالميّ منافس لغريمه الأمريكي القديم. فالخبرة الواسعة التي اكتسبها رجلُ المخابرات الروسي بشيطنته في دهاليز السياسة وحنكته الوطنية وحرصه القوميّ وحنينِه المعتدّ لإحياء دور البديل عن الاتحاد السوفيتي السابق قد قصمَ ظهرَ التحالف الغربي -الأمريكي وحصره في زاوية ضيقة لا مناص من تحمّل أعباء المرحلة الصعبة القادمة وعواقبها السياسية والاقتصادية بفرض ما يسعى إليه شخصيًا وجعله أمرًا واقعًا بإملاءاته السياسية والاقتصادية والطوبوغرافية على السواء. وهذا ما أفصحَ عنه شخصيًا للرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" الذي سعى ظاهريًا أكثر من غيره للتوسط بإيجاد مخرج للحرب القاتلة والطاحنة والمدمّرة القائمة بين البلدين عبر قنوات تفاوضية.
في واقع الحال، تعتبر الحرب بين روسيا وأوكرانيا ليست وليدة اليوم، بل ترقى لعام 2014 بحسب متابعين للأحداث الساخنة. فقد كان على الرئيس الأوكراني "زيلينسكي" أن يتعامل مع دولة القوة الضاربة الروسية بمزيد من الحنكة والدبلوماسية في مواجهة مطالبات الدب الروسي بعودة شبه جزيرة القرم إلى أرض روسيا الاتحادية في 2014 بعد نسفه لاتفاقات مينسك. لكنّ سوء النية والتنصّل من الاتفاقات من جانب روسيا، إضافة إلى التدخلات الجانبية والتحريض القادم من دول حلف الناتو وبالذات سيدة الحلف أمريكا لصالح أوكرانيا، قد أغرى قيادة هذه الأخيرة بالمواجهة الحتمية طمعًا بما وُعدت به من دعمٍ وتأييد لا محدود لمواقفها وتمرّدها ورغبتها الجامحة بالانضمام إلى الحلف والاتحاد. وفي المحصلة، يجد البعض في التنصل الغربي بالتدخل العسكري المباشر والمشاركة في العمليات الحربية وفي دعم المقاومة الوطنية لهذا البلد الغارق في الدم والدمار والفناء ومدّها المفتوح بالمال والسلاح حصرًا قد أفضى لترك هذه البلاد تلاقي مصيرها لوحدها في الدفاع عن أرضها ومستقبلها واستقلالها وحريتها. وبالنتيجة كان التشتت والهجرة واللجوء مصيرَ أكثر من مليوني شخصٍ لغاية الساعة هربوا من جحيم النيران المشتعلة في كلّ مكان وهم يعاينون تدمير البنية التحتية لبلدهم بأمّ أعينهم. فلا ماء ولا كهرباء ولا دواء ولا غذاء ولا راحة ولا نوم ولا أملَ، بل دمار وخراب وجوع وبحث عن ملاذ آمن بالدموع والحسرة والرعب المرافق والدهشة، تمامًا كما حصل مع العراق في مطلع تسعينيات القرن الماضي، ومثله في أحداث 2003 حين غزوه من قبل الكاوبوي الأمريكي ومَن معه من الأتباع الأذلاء من دول العالم، وبضمنهم أوكرانيا آنذاك بأعذارٍ واهية واستنادًا لمعلومات مصلّلة غير صحيحة. والحال يبدو للعيان أن أمريكا وإدارتها العسكرية والمخابراتية والتشريعية لا يهمّها أمرُ الحروب المفتعلة هنا وهناك طالما أن هذه الحروب والمآسي تُشنُّ بعيدًا عن أراضيها ومواطنيها ومصالحها المباشرة. هذه سياستُها الخارجية دومًا. ولنا أمثلة من التاريخ الحديث، حيث فيتنام وكوبا والعراق وأفغانستان، والحبل على الجرّار، إلاّ إذا توفقت روسيا ونالت مبتغاها بتسيّد الموقع الأول في العالم مع حلفائها الصينيين والإيرانيين والكوبيين والأمريكيين الجنوبيين ومَن والاهم في الفكر والمنهج، عسكريًا وتسليحيًا، ولاسيّما النووي منها، لتضع أمريكا والغرب التابعَ لها في عنق الزجاجة وتحاصرها كلّما سعت لخلق حربٍ من هذا النوع وبهذا الشكل القذر.
لا حوار قبل تحقيق الأهداف الروسية
قالها بصراحة وصلافة الشجعان: " لا حوار ولا انسحاب قبل تحقيق الأجندة الروسية". وما أدراك ما الأجندة الروسية التي يطبخها الرئيس بوتين على نيران هادئة أحرجت وأرهقت وأغضبت زعماءَ العالم، إلاّ الموالين لروسيا والمقتنعين بحقها في تأمين حدودها في مواجهة حلف الناتو الزاحف، بحسب "بوتين" الواثق تمامًا ممّا يفعلُه تجاه بلدان المعسكر الغربي ومطالبته لجارته أن تأخذ جانب الحياد في نظامها السياسي. فالحياد الإيجابي الذي انتهجته فنلندا مثلاً وحافظت به على كيانها ومصالحها الوطنية والقومية، كان جديرًا بانتهاجه سياسة حكيمة لأوكرانيا أيضًا. وهذا كان سيكون عينَ العقل ونعمَ الفعل! من هنا كان الأجدر بالحكومة الأوكرانية التوصل لحلولٍ وسطية مع الانفصاليين في كلٍّ من دونيتسك ولوغانسك بمنحهما نوعًا من الحكم الذاتي أو ما شابه ذلك من سلطة محلية بالتوافق والاتفاق مع الروس بحيث لا تُثار مشاكل بين أبناء القومية السلافية المشتركة والعقيدة الدينية التي ينتمي إليه غالبية فرقاء البلقان في هذه المنطقة.
إن تصريح الرئيس الأوكراني في أروقة مؤتمر الأمن المنعقد في ميونيخ الألمانية للفترة من 18-19 شباط المنصرم 2022، والذي سبقَ الغزو الروسي بأيام معدودات، بافتقار بلاده "للسلاح والأمن وحقها بالعيش" لم يلقى استحسانًا من جانب روسيا الاتحادية. بل اعتبره رئيسُها العنيد دغدغةً للمشاعر الغربية بالدعوة الصريحة لدعم طموحات هذا البلد بالانضمام إلى حلف الناتو ودول الاتحاد الأوربي، شأنه شأن دول الاتحاد الدائرة في ركب أمريكا التي ترغب بتكريس سياسة القطب الواحد وإبعاد شبح أية محاولة تنافسية من قبل الدبّ الروسي أو التنين الصيني. فالفكرة التاريخية لدى الرئيس "بوتين" تنحصر بكون البلدان السلافية لم تعرف قدرات قوية ومتميزة وسيادية غيرَ تلك التي تقترن بها اليوم روسيا الاتحادية كدولة عظمى ورثت أهليتها لقيادة باقي بلدان البلقان التي اعتادت السير في فلك امبراطورية الاتحاد السوفيتي سابقًا. وهذا ما يسعى "بوتين" لإثباته في سلوكه "الأسطوري" الرامي لإلغاء اية صحوة وطنية أو زوغانٍ عن الزعامة الروسية التقليدية لعموم دول البلقان من خلال السعي لإعادة إحياء قوة موازية ومنافسة لغريمها الأمريكي –الغربي في عالم اليوم المتناقض والمتصارع حدّ التقاتل بين أبناء الشعب الواحد. فالصراع قائم وفي تفاقم متزايد بين الشرق والغرب لا محالة. ولا مفرَّ من التملّص منه أو التقليل من شأنه ومن صحوته بين فترة وأخرى. فهذا واقع حال الأمم والدول. كما أنَّ الصراع سجالٌ بين المتخاصمين، والقوّة العسكرية والقدرة في إقناع الخصم هي التي تفرض شكل واقع الحال، سواءً قبِلَ به العالمُ أو رفضَه.
هل من نصر أوكراني ممكن على التعسف الروسيّ؟
إزاء التطورات العسكرية المتلاحقة على أرض الواقع والإرهاصات المدمّرة للبنية التحتية لأوكرانيا، هل يمكن التنبّؤ بعدُ بانتصار إرادة الأمة الأوكرانية كما تتداول بعض الماكنات الدعائية الغربية وتحرص غيرُها لإدامة عجلة الحرب الضروس بين البلدين؟ أشكُّ في ذلك كثيرًا. إلاّ أللّهمّ إذا كان حلف الناتو يخبئ مفاجأةً بنكهة أمريكية مميّزة لا علمَ لغيره بها، أو في حالة تعرّض الرئيس الروسي لشكلٍ من اشكال العجز أو الاختفاء من المشهد السياسي برمّته بفعل فاعل. لكنّ المؤكّد أن "بوتين" يتصرّف وفق مخطّطات تشيدُ له بقوته وثقته العالية بما يسعى إليه وهو يطبّقُ سياسة الأرض المحروقة لإزالة أيّ أثرٍ لمن يسمّيهم بالنازيّين والمافيويّين الجدد. فكلّ التصوّرات الحالية تشير إلى أنّ مصير أوكرانيا لم يعد بيدها. وهذا يتوقف على مدى ثبات قدراتها العسكرية ومقاومتها لشرور الزعامة الروسية وماكنتها الحربية التي وضعت كلَّ ثقلها في هذه "الحرب الانتحارية". فهي في نظر الرئيس "بوتين" حربٌ مفصلية بين قطبين متنافسين قبل أن تكون حربًا ضروسًا بين دولتين متجاورتين متخاصمتين أو شعبين اختلفا حول مفهوم شكل الحياة والسياسة والتوجه.
من المعروف أن أوكرانيا قد نالت استقلالها منذ أكثر من ثلاثين عامًا بعد تفكّك الاتحاد السوفيتي في 1991، حيث صوّت لصالح حالة الاستقلال أكثر من 91% من نفوسها آنذاك. وبحسب القانون الدولي، هذا الوضع يتيح لها اتخاذ خياراتها الاستراتيجية وشكل نظامها السياسي في الحياة وفقًا للمواثيق والأعراف الدولية. وقد توالى على رئاسة البلاد لغاية اليوم ستة رؤساء عبر انتخابات وطنية ديمقراطية، سواءً ارتضت بها روسيا أو لا. وقد انصبّ تركيز جميع الحكومات المنتخبة على بناء هذه الدولة وفقًا لخيارات الشعب ورؤاه في نوعية وشكل النظام المطلوب للحياة. ولكن يبدو أن "الأسطورة" التي تدور في راس رجل مخابرات الاتحاد السوفيتي السابق ما تزال قائمة وثابتة في مخيلته. فهو يشعر بقدرته على تنميتها وإعادة توليفها بحسب رغباته وطموحاته الشخصية والقومية انطلاقًا من فكرة كون شعوب بلدان المنطقة واحدة لا تقبل التفتّت والتفكّك والانفصال في القومية واللغة والمصير والقيم، ما يتطلب بحسب وجهة نظره إعادة صياغة مستقبل دول المنظومة السوفيتية السابقة لتدور من جديد في فلك روسيا، وريثة الاتحاد السابق من منطلق الحفاظ على العنصر السلافي ومستقبل بلدانه وشعوبه. من هنا كانت هواجسُه من مغبة تمدّد قدرات حلف شمال الأطلسي باتجاه دول البلقان المستقلة والخشية من خسارة روسيا لمواقعها وحلفائها في المنطقة بسبب هذا التمدّد.
تاريخيًا، كانت هناك معاهدات واتفاقات بين روسيا الاتحادية ودولة أوكرانيا منذ عام 1997 تتيح للأولى التموضع في مناطق استراتيجية حساسة تؤمّنُ لها فرض السيطرة على البحر الأسود ومنطقة سيباستوبول، سرعان ما تم تمديدهُ لعشر سنوات إضافية، ثم لغاية 2042 على عهد الرئيس الأوكراني الموالي لروسيا "فيكتور إيانوكوفيتش" مقابل صفقة بتسهيل تمرير الغاز الروسي لهذا البلد بأسعار تفضيلية تصل إلى 30% لصالح أوكرانيا. لكنّ التقرّب المشبوه غير المقبول للرئيس "إيانوكوفيتش" في نظر الشعب الأوكراني قد واجه معارضة عنيفة بسبب اتهامه بالعمالة للروس وبسبب الفساد، ما حدا به لمغادرة البلاد باتجاه حليفه الروسي. ومذ ذاك وروسيا تسعى لفرض سطوتها ورؤيتها الاستراتيجية على هذه البلاد الرافضة أن تكون تابعًا ذليلاً لغيرها بعد نيل استقلالها. وكان منها أن حرّكت أدواتها في منطقة القرم واحتلتها في عام 2014 وشكّلت حكومة موالية لها في انتخابات جرت في ظلّ السلاح وفرض السطوة لتعود إليها أرضًا ونظامًا.
وبعد هذا، هل يمكن للمساعي الأوربية والدولية أن تنجح بخلق حوار بين الدولتين المتصارعتين على المصير والمستقبل وشكل الحياة والنظام؟ واقعيًا، يبدو هناك انسداد سياسي وعناد من جانب الزعامة الروسية التي تصرّ على ترسيخ مزاعمها القومية في الإعلام وتعبّر عن هواجسها إزاء احتمالية تشكيل انضمام أوكرانيا لحلف الأطلسي خطرًا على المصالح القومية الروسية ومستقبل أمنها في المنطقة والعالم. ويبقى الصراع محتدمًا طالما لا توجد نوايا للتهدئة والحوار وتفهّم خيارات وهواجس الآخر على السواء، عبر منظومة قادرة على حلّ لغز الأسطورة الروسية من جهة والخيار الأوكراني من جهة أخرى والاستناد إلى ثلاث اتفاقيات بين الدولتين لرسم شكل العلاقة بينهما واحترام استقلال أوكرانيا وخياراتها في الأعوام 1994 و1997 و2010م. لكنّ عدم احترام الروس لهذه الاتفاقات قد أدخل الشكوك في حكومات أوكرانيا المتلاحقة، ما حدا بالرئيس الحالي للتعبير عن عدم مصداقية الروس في الالتزام بكلامهم ووعودهم. وهذا ما يفسّرُ شدّة المقاومة التي يبديها الأوكرانيون إزاء العنجهية الروسية وماكنتها الحربية المتفوقة. ولولا الدعم الغربي لحلف الناتو لكانت سقطت أوكرانيا في أول ساعات الصراع. إلاّ أنّ ما يديمُ أوار الحرب المدمّرة ويؤجّج القتال، هو ذلك الدعم المفتوح واللاّمحدود من قبل الغرب الأوربي وراعيته أمريكا، بالمال والسلاح والإفراط بفرض العقوبات الاقتصادية والمالية واللوجستية على روسيا، وآخرها فرض الحظر على توريدات النفط والغاز الروسي إلى دول الحلف.
من هنا، تأتي توقعات المراقبين والمحلّلين باحتمالية تحقيق نصر أوكرانيّ في نهاية الصراع بدعمٍ شعبيّ فاق التصورات بارتفاع نسبة الراغبين بالانضمام لحلف الناتو من نسبة تقل عن 30% قبل عام 2014 إلى 60-70% بعدها. وهذا ما يحثُّ حكومة الرئيس "زيلينسكي" على تعزيز وإدامة المقاومة الوطنية حتى تحقيق النصر. وقد تشهد الأيام القليلة القادمة مفاجأة بإنهاء الصراع ووقف قرقعة السلاح تفاديًا لخطرٍ داهمٍ أعظم وحفظًا لأرواح الأبرياء من الشعبين وخشية من توسع القتال خارج ساحة البلدين المتصارعين، لاسيّما بعد إدراك الغرب ودول حلف الناتو ممّا سبق وحذّر منه الرئيس الروسي "بوتين" قبل أشهر من اندلاع الصراع من ارتكاب خطأ جسيم في حالة تراصص الجارة أوكرانيا مع حلف الناتو المنافس لبلده والساعي لتقويض قوته وتأثيره في المنطقة والعالم. ومهما كانت النتيجة في حالة وقف القتال بمساعي ذوي الإرادة الطيبة والنوايا الصالحة من رؤساء وزعامات وشخصيات مؤثرة وأولهم قداسة بابا الفاتيكان، فالمنتصر سيكون العالمُ كلّه، وأولُهم الشعبان الروسي والأوكراني. فيا ربَّ السلام، امنحِ العالمَ السلامَ!


6
عندما يغزو الدينُ عالَمَ السياسة، البطريرك لويس ساكو زعيمًا وطنيًا
لويس إقليمس
بغداد، في 14 شباط 2022
قالوها: "إذا اختلط الدين بالسياسة كانت الفتنة"! لكنّ واقع الحال في أحيانٍ ما وظروفٍ ما تستلزم تدخلاًت قوية وتمريراتٍ متفاوتة بنصائح وملاحظاتٍ لا بدَّ منها من أجل وضع الأمور في نصابها بعد اختلاط الأوراق واغتصاب الحقوق وضياع القدرات واختزال الوطن بفئات متحاصصة متخاصمة متحاربة على الجاه والمال والنفوذ بسبب فساد الساسة وأدواتهم.
عالَمُ السياسة عالَمٌ مغري، فيه مشاهد كثيرة جاذبة للارتقاء بطموحات شخصية وبلوغ مراتب عليا في صفحة الشهرة والمال والجاه والنفوذ والطغيان والفساد، تمامًا مثلما تبرز فيه رجالاتٌ صادقةُ الزعامة تستحق أن تُرفع لها قبعاتُ الاحترام وتُنصبُ لها معالمُ ونُصُبٌ لتبقى في ذاكرة التاريخ والإنسانية الخالدة. وهذا حسبُ بعض رجالات الدين وزعاماته أيضًا في هذه الأيام الصعبة، حين استغلال هذا الأخير أو التجلبب بشكلٍ من أشكاله أو العبور فوق جسوره من أجل بلوغ مآرب شخصية ضيقة وأنانية لا تخدم مبادئَه ولا تحترمُ قيمَه ولا تسمو بمعانيه العليا التي ينبغي توجيهها لخدمة النفوس المتعطشة إلى كلمة الحق وعيش سمات الصدق والمحبة والعدالة الاجتماعية والأخوّة الإنسانية وسط المجتمعات وصولاً إلى تحقيق السلام والاستقرار في المجتمعات وبين الأمم والشعوب احترامًا لخليقة الله شاملِ الرحمة لجميع بني البشر. وطالما وردتْ تحذيراتٌ حكمية من انجراف زعاماتٍ دينية، من أيّ دينٍ أو معتقد أو مذهبٍ، باتجاه أعماق السياسة المحذورة وغير الآمنة بسبب ما قد تنتجه هذه من إشكاليات غير محسوبة النتائج، أو ما قد تفرّخُه من مآسٍ وتخلقه من تشكيكات وهواجس ومخاوف بسوء النية وضعف الإرادة في إدارة دفة هذا الاتجاه غير السالك، المحفوف بالعديد من المخاطر والانزلاقات التي لا تُحمدُ عقباها في حالة زوغانها عن الطريق المرسوم لها في ذاكرة وعقل مَن يختار سلك مثل هذه الطريق غير الآمنة في النتائج والأفعال والمصير. 
عن واقع الحال في عراقنا الجريح، تتأرجح المواقف وتتقاطع الرؤى في النظرة لرجل الدين وهو يخترق عالمَ السياسة ويجوب في غماره ودهاليزه متعثرًا حينًا وصائبًا في خطاه ومساعيه في أحيانٍ أخرى، مقبولاً في غيرها مرةً وساقطًا تحت حربات النقد وسيوف العقد وجنبات الفقد في أخرى. فمازال الجدلُ سيّدَ الموقف على مستوياتٍ عديدة، ومنها موقف عامة أتباع الأديان من زعامات دينية اخترقت عالم السياسة بأشكالٍ وسياقات مختلفة. فمنهم مَن كان حليفُه النجاح والقبول به زعيمًا، أيًا كان شكلُ زعامته، فارضًا نفسَه وشخصَه وتاريخ أسرته ومذهبه بالرغم من أنف الغير، فيما هذا الغيرُ صاغرٌ. ومنهم مَن أخفق في تبيان كاريزما الزعامة شكلاً وقولاً وإقناعًا، فوقعَ ضريرَ السمعة وحبيسَ سوء العشرة وغيابَ القدرة في الإقناع. وهناك شكلٌ آخر من زعاماتٍ دينية أكثر إيجابيةً غالبًا ما اتصفت بكاريزما مميّزة بفضل ثقافتها المنفتحة وعمقها الديني الواضح بفضل سموّ علاقاتها مع قيادات مدنية وشعبية ورسمية، ناهيك عن قربها من أفكار ورؤى وتطلعات ذوي الانتماءات الصادقة للأوطان، والحريصة على بناء الإنسان ومقاربة احتياجاته الإنسانية اليومية. وكان ممّا ساعد نماذجَ هذه الزعامات الدينية الصادقة في وعدها وحسّها وحرصها أن يكون لها دورٌ مميّز ومقبولية لدى عموم ساسة البلاد وزعاماتها بسببٍ من أفكارها الناضجة وقربها الإنساني من الجميع ورؤاها السديدة التي تصبُّ بالتالي في خدمة البلاد والعباد. ويكفي شعورُ العديد من ساسة البلاد وزعاماتها بالخجل والحياء بسبب طروحات هذه النماذج الوطنية من رجالات الدين المتميزين وممّا تطرحُه من أفكارٍ ورؤى ونصائح وتحذيرات تنفع دروسًا يومية في التعامل مع واقع الحياة. ذلكم هو واحدُها، سيدي وصديقي غبطة البطريرك الكاردينال لويس ساكو، سدّد الربُ خطاه دومًا. فهو ينفع اليوم معًا، زعيمًا روحيًا وقائدًا وطنيًا.
البطريرك لويس ساكو، زعيمًا وطنيًا 
من العدل أن أتطرق في هذه السطور إلى هذا الصوت الوطنيّ الصارخٍ في برّية العراق ينادي ويناشد ساسةَ البلاد بأعلى قدراته من أجل إعداد طريق الوطن وتقويم سبل الشعب والرحمة بالفقراء ومساعدة المحتاجين والركون للتعايش السلمي ونشر أدوات الأخوّة الإنسانية التي دعا إليها بابا الفاتيكان خلال زيارته للعراق قبل عامٍ. فحضورُ غبطة البطريرك ساكو، في مناسبات رسمية ووطنية وخاصة، يمثلُ في الواقع السياسيّ الهشّ علامة مضيئة على دور رجال الدين الإيجابيين من فئة المؤمنين حدَّ النخاع بالمبادئ الوطنية الساعية دومًا لنشر أدوات العدل والمساواة والألفة والتضامن والأخوّة والمحبة في أوساط شرائح المجتمع كافة، وليس في أوساط المسيحيين فحسب. فمَنْ مِن العراقيين والعرب والعالم لا يستمتع ويتفكّرُ بكلمات غبطته وهو يعتلي المنابر متحدثًا بصراحته المعهودة وموجهًا كلامه الأخوي بالرغم من قساوته في أحيانٍ كثيرة، للحضور والغائبين معًا بضرورة التكاتف والتآزر والوحدة من أجل وطنٍ موحد يتمتع جميع مواطنيه بحقوق كاملة غير منقوصة وفق الاستحقاق الوطني والجدارة والكفاءة وبموجب الدستور والقانون الشامل بعيدًا عن مسمّيات المكوّنات الطائفية التي أحرقت الأرض وأهلكت الحرث نتيجة تقاسم المغانم وإصرار الزعامات السياسية وأدواتها بمواصلة ذات النهج المحاصصي المقيت في تدمير البلاد ونهب ثرواتها ومنع تقدمها وتطورها أسوة بباقي الأمم والدول.
لا فُضَّ فوك سيدي البطريرك ساكو! بل سلمَ فمُكَ يا ناطقًا باسم المحبة، وصية المسيح الأولى، في كلّ مكان وكلّ زمان وأنتَ تحاصرُ ساسة البلاد في آخر مداخلاتك الوطنية والإنسانية في المنبر الحكيمي يوم 5 شباط 2022 بالاستشهاد والتذكير والرجوع لأفضل عبارات الحق الصارم قبل قرون خلت من جانب إمامٍ فصيح العبارة، حصيف الرأي، محكم العقل، طالما يتبجّحُ به وفيه أتباعُه الأدعياء من دون تطبيق معاني حِكَمِه وأقواله، أو تنفيذ ولو نتفٍ من مخارج هذه الحكم والنصائح النبوية، أو تقويم أدائهم السياسيّ والحكوميّ على أرض الواقع. فقد أوصى أميرُ المؤمنين، علي بن ابي طالب مَن ولاّه مصر أن "يشعر قلبُه بالرحمة للرعية، والمحبة لهم واللطف بهم، وألّا يكون عليهم سبعا ضاريا يغتنم أكلَهم... فالناسُ صنفان إمّا أخ لك في الدين، وإما نظيرٌ لك في الخلق”. ما أجمل الكلام وأفضل الحِكَم لو جرى تطبيقها والعمل بها لكان وطنُنا أفضل حالاً وشعبُنا أكثر سعادة وشوارعُنا أنظف وثرواتُ بلادنا في الحفظ والصون وأخلاقُنا أنقى من الثلج وعلاقاتنا الأخوية تسودها المحبة والتوافق والاتفاق بالحوار الهادئ واحترام الآخر المختلف واعتماد ميزان الأهلية والجدارة في إدارة البلاد والعباد.   
في مشاركته الأخيرة في ندوة عن الوئام بين الأديان في بغداد يوم 9 شباط 2022، بحضور مستشار الامن القومي السيد قاسم الاعرجي، رفع غبطة البطريرك ساكو صوتَه عاليًا أيضًا كعادته منوّها بضرورة "الخروج من النظريات والافكار الى التطبيق العملي في احترام المواطنين والمساواة بينهم بسبب وجود تهميشٍ وإقصاءٍ وظلمٍ سبّبته الطبقة السياسية الحاكمة الباحثة دومًا عن مصالح"، ومنبّهًا في الوقت نفسه  لضرورة الانتباه للخطاب الديني المتشدد الذي ينبغي معالجته على أرض الواقع من خلال  تغيير المناهج التعليمية و استبدالها بأخرى منفتحة، ما يتطلب الذهابَ لسنّ قوانين جديدة  تضمن حقوق الجميع". أليس في هذا التوجه الوطني إماراتٌ واعية وواضحة لزعامة وطنية ودينية تستحق التقدير وأن تُرفع لها قبّعة الاحترام وتولّى جانبًا من زمام القيادة والإدارة الوطنية، أقلّها تقديرًا في قبول توجيهاته السديدة والركون إليه في استشارات صائبة لخدمة الوطن وأهله جميعًا من دون تمييز أو تفرقة في الدين والمذهب والإتنية؟ سؤالٌ جديرٌ بالتقدير والقبول والاحترام ولا يقبل الرفض والنبذ والاستهانة.
هذه دعوة أخرى من مواطن عراقي صادق لزعامات دينية من مختلف الأديان والمذاهب تتمثل وتتجلى فيها الحكمة والرؤية السديدة والانفتاح والأصالة والحداثة معًا، للعمل على نشر الثقافة الوطنية والمجتمعية وبثّ روح الوعي الديني وتيسير الخطاب الوسطيّ المقبول عبر مبادرات حقيقية على أرض الواقع تدعو لاحترام خيارات الآخر والإقرار بحقوقه وعدم التجاوز على شكلِ ونوع هذه الخيارات ضمن حدود القوانين المرعية ودستور البلاد حامي حقوق الجميع بالعدل والمساواة والجدارة في الاستعداد للعمل والخدمة والوفاء بالالتزامات. حينها فقط، سيكون الوطن بخير وأهلُه في غاية السعادة متمتعًا بقدرٍ يسيرٍ من الأمن والاستقرار والرفاهة حالُه حال باقي شعوب الأرض عندما يصبح صاحبَ السيادة على أرضه ومياهه وثرواته وقراره الوطني.

7
أوربا وخطتها الطموحة لتحقيق هدف المناخ النظيف
لويس إقليمس
بغداد، في 8 آذار 2022
تسعى دوائر أوربية متنوعة الفعاليات منذ فترة لتحقيق ما أسمته بخطة "التكيف مع الهدف 55" وإحراز تسوية سياسية مناخية قابلة التطبيق ضمن خطة مدروسة للتقليل من الانبعاثات الغازية السامة بنسبة 55% لغاية 2030 ونسبة 60% لغاية 2050. هذه المبادرة المناخية الطموحة التي تولتها المفوضية الأوربية تحمل بين طياتها مراحل عديدة وصولاً للتخلص من المخلفات الكاربونية القاتلة التي تقرّب البلوغ نحو تحقيق هدف "البيئة النظيفة" من خلال تقليل استخدام الوسائل التي تسهم في تلوث البيئة، ومنها بطبيعة الحال ما يتعلّق بالاستخدام المفرط لوسائل إنتاج الطاقة واستخدامات وسائل النقل التقليدية المعتمدة في كلتيهما على أشكال الوقود الأحفوري بسبب ما يشكله هذا الأخير من منغصات ومشاكل بيئية أفسدت الهواء وخنقت الأجواء وآذت البشر والحجر والماء سواءً بسواء. وبحسب تحليلات مراكز بيئية متقدمة، قد تشكل مخلّفات هذا النوع من الطاقة الوقودية ما يصل إلى 75% من شكل الانبعاثات في أوربا وحدها. لذلك، ومن دون إيجاد بدائل كفيلة بمعالجة هذه المشكلة المتأزمة عبر تغيير أنماط الطاقة المستخدمة وابتكار غيرها ممّا يتلاءمُ ويتكيف مع خلق بيئة أكثر نظافة، فإنه يعسر بلوغ الهدف المنشود المعروف "بالميثاق الأخضر" أو ما يوازيه من "الحياد المناخي" بحلول 2050. وهذا ما يدعو إليه بإصرار أنصار "البيئة الخضراء" ودعاة تحسينها بتسريع وسائل الانتقال إلى نظام بيئي أكثر نقاءً واللجوء لترك وسائل الطاقة الملوِّثة تدريجيًا، بعد رصد ارتفاع درجات الحرارة على كوكب الأرض بمقدار 1,1درجة بين السنوات 1850-2017، وفي فرنسا بالذات بمعدل 1,5 درجة منذ عام 1900، ومثلها تقريبًا في دول القارة العجوز.
احترام اتفاقية باريس للمناخ
لقد تركت اتفاقية باريس للمناح آثارًا إيجابية لدى أصحاب "الدعوة لبيئة أكثر نظافة ونقاوة". وهذا ممّا حدا بمنظماتٍ وجهات رقابية بيئية عالمية ومناطقية ومحلية للتفكير الجدّي بالتخفيف من آثار الاحتباس الحراري الذي بدأ يهدّد البشر والكرة الأرضية بأسرها. وسواءً انتبه البشر "النائمون وأرجلُهم في الشمس" للآثار المدمّرة لهذه الظاهرة أم أهملوا ما ينتظرُهُم في الأيام والسنوات القادمة من منغصات جديدة ومشاكل بيئية وكوارث طالما حذّر منها أصحاب العلّة والتحليل والتنبؤات، فإنّ "الفأس سيقع في الرأس" لا محالة في حالة التغاضي عن المسببات والعلل والنتائج غير الظاهرة أو الضعيفة البادية للعيان. من هنا جاءت الدعوة المتكررة لاحترام اتفاقية باريس للمناخ التي رسمت الخطوط العريضة لاحترام البيئة ووضع السياسات التي من شأنها إنقاذ البشرية من خطر التلوث الداهم الناجم عن تزايد الانبعاثات الحرارية بلا تقييد ولا تفكير للنتائج المدمّرة القادمة. ومن شأن خطط التعافي الموضوعة بعد دراسة مستفيضة أن تقدّم حلولاً معقولة ومقبولة بالالتزام بتخفيض مستويات الانبعاثات سعيًا وراء مكافحة التغير المناخي بكلّ الوسائل المتاحة. وقد رُصدت لبلوغ هذا الهدف ميزانية كبيرة ووضعت له معايير صارمة حددتها اللجنة المكلّفة بمتابعة هذا الملف من أجل بلوغ ما يُسمّى بهدف "الحياد الكربوني" كي يكون متاحًا بحلول عام 2050، حيث من المقرر تناقص الانبعاثات في أوربا بنسبة 60% عام 2050. وهذا من شأنه إحراز نجاحات مماثلة في سبل تخفيض ما تنفثه المصانع والمعامل ووحدات أنتاج الطاقة وأدوات النقل بمختلف أشكالها وأحجامها من سمومٍ كاربونية قاتلة بسبب استخدامها لوسائل الطاقة التقليدية في تشغيلها.
على سبيل المثال لا الحصر، تشكلُ وسائل النقل التي تستخدم مشتقات الوقود التقليدية نسبة عالية من حجم التلوث الذي يحاصر الأجواء ويؤذي البشر الذين يعيشون فوق الأرض في كلّ مكان من البسيطة. وقد تنبهت العديد من الدول لهذه الظاهرة المتفاقمة بسبب ما تشكله من خطورة في تلويث الأجواء وكذلك من ارتفاع في مستويات درجات الحرارة المتزايدة سنة بعد أخرى. لذلك، فقد أوصت بتقليل استخدامات وسائل النقل الخاصة وهيّأت ما تيسر لها من وسائل نقل عامة في جميع المجالات مساهمةً منها في تقليل الانبعاثات الحرارية. وقد تكون المشكلة قائمة وصعبة التخفيف في الدول التي تفتقر إلى وسائل نقل عام تؤمّنُ نقل الإنسان المكلّف بعمل أو وظيفة أو لقضاء حاجة خارج المنزل وأوقات العمل. بل بالعكس، فقد لوحظ تزايد استخدام وسائل نقل خاصة متنوعة وبأعداد تفوق حجم استيعاب شوارع بعض البلدان، كما يحصل في العراق، بحيث اكتظت الشوارع بهذه الوسائل التي تنفث سمومَها في كلّ الأجواء. هذا إضافة إلى ما تشكلُه استخدامات توليد الطاقة عبر الوحدات التوليدية للقطاع الخاص (المولدات) من مشاكل بيئية كثيرة وما تنفثُه من سموم كاربونية في كلّ الاتجاهات، بحيث أصبحت تشكلُ هاجسًا على صحة المواطن والأرض التي يطأُها ويجد صعوبة في استغلالها لأسباب كثيرة.

أجندة الحياد الكاربوني والمسؤولية الجماعية
من هذا المنطلق عينه، تنبهت أوربا إلى هذه المشكلة حين أقدم برلمانُها على وضع أجندة زراعية وقائية صارمة في سياسته العامة في اجتماع 25 حزيران 2021، من أجل إيجاد بعض الحلول الناجعة في تقليل أدوات التلوث وصولاً لسياسة زراعية "أكثر خضرة وإنصافًا" ضمن مخططات صديقة للبيئة اتفقت جميع الأطراف على تبنّيها. وبحسب مصادر، تشكل هذه الروزنامة ما يعادل 25% من ميزانية المساعدة التي تتولاها دول الاتحاد الأوربي، أي ما يعادل 48 مليار يورو. وقد انضمّت الصين بصورة خاصة إلى هذه الفكرة بتبنيها سياسات بيئية إيجابية من جانبها لبلوغ ذات الأهداف بحلول عام 2030 وهدف الحياد الكاربوني في عام 2060. فيما أشارت دول أخرى مثل اليابان وكوريا الجنوبية إلى بلوغ هدف الحياد الكاربوني بحلول عام 2050. فيما أبلغت الولايات المتحدة نظراءها الدوليين في اتفاقية باريس للمناخ، أنها عازمة على تخفيض مستويات الاحتباس الحراري بنسبة 52% بحلول عام 2030 مقارنة بمستواه في عام 2005.
كلّ هذا، يجري ضمن الالتزامات السياسية الدولية باتفاقية باريس للمناخ التي تعهدت دول العالم بإيجاد حلول واقعية لحالة البيئة المتراجعة في نقاوتها ونظافتها نتيجة الاستخدام المفرط للطاقة التقليدية والتباطؤ في إيجاد البدائل للطاقة المتجددة سواءً لأسباب اقتصادية أو جيوسياسية أو غيرها. وممّا لا شكَّ فيه، سيكون لهذه القرارات والإجراءات التعاونية الدولية فيما لو جرى الالتزام بمضامينها وأدواتها وتوقيتاتها، أثرٌ إيجابي على المستوى العام في منظور السياسة العامة للأمم والبلدان التي تعهدت بتنفيذ التزاماتها الأخلاقية والسياسية تجاه الكرة الأرضية لما تشكله هذه المشكلة من مخاطر أو تخلقه من أزمات بيئية لاحقة. وهنا لا بدّ من الإقرار بتباطؤ بلوغ الهدف الأسمى في تقليل الاحتباس الحراري بسبب تعثّر النمو الاقتصادي العالمي نتيجة هجمة COVID19 وتداعيتها وما تركته من آثار سلبية بالتعلّق باستخدام الطاقة التقليدية ومنها استخدام الفحم الحجري الذي زاد بنسبة 4,5 % في 2019 على سبيل المثال لا الحصر لصالح استخدامه في إنتاج الطاقة في دول اسيوية عديدة. وهذا الأمر قد انعكس سلبًا على التأثير المرتقب للمنظور الأوربي في بلوغ أهدافه المخطَّط لها، طالما بقي تعافي الاقتصاد في بعض الدول مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا باستخدام الوقود الأحفوري لأية أسباب كانت. 
لطالما حذّرَ خبراءُ البيئة من النتائج الكارثية والعواقب غير المدركة من مغبة ارتفاع درجات الحرارة على كوكب الأرض بمقدار 2 درجة مئوية، ما يقتضي التنبه للكارثة واتخاذ ما يلزم من إجراءات وقرارات مصيرية حاسمة لتلافي مثل هذه النتائج غير السارّة. وفي حالة التغاضي عن هذه كلّها أو التغافل عن بعضها، فإن العالم مقبلٌ لا محال على كارثة بيئية قاتلة ستغيّر من مواقع جغرافية وتزيد من مخاطر غمر وزيادة مياه البحار والمحيطات بمعدل 82 سم بحلول عام 2100 بحسب توقعات خبراء الأرصاد والبيئة بسبب ذوبان جليد المناطق القطبية التي يراقب العالم ضمورها تدريجيًا. ولنا ان نتصوّر ما سيترتب على هذه التوقعات من عواقب لاسيّما في مناطق السواحل وما يجاورها من كوارث ومآسي واحتفاء مساحات شاسعة من كوكب الأرض بسبب فيضانات عارمة وأعاصير ومواسم جفاف وحرائق غابات متوقعة الحدوث، ما ستكون له آثارٌ سلبية على واقع الحياة الطبيعية للبشر وعلى اقتصاد العالم عمومًا.  وهذا يعني أن هذه العواقب ستكون شاملة لجميع بني البشر، ما يحتّم كون المسؤولية الأخلاقية أيضًا أن تكون جماعية ولا مجال للتنصل منها.
ح



8
أنقذوا أرواح الناس في الطرق والشوارع
لويس إقليمس
بغداد، في 20 شباط 2022
هذا نداءٌ مستعجل جدّا بعد نفاذ صبر العباد إلى أصحاب الغيرة والضمير في كلّ من:
-   رئاسة الحكومة العراقية
-   أمانة بغداد
-   وزارة الإسكان والإعمار والبلديات
-   محافظة بغداد
-   كافة المحافظات
نداءٌ، ليس الأول من نوعِه من جانبي، إلى المعنيين في الجهات أعلاه، صاحبة الشأن في تقديم الخدمات الآدمية التي هي من أبجديات عملها ومسؤولياتها للمساهمة وحث الخطى الصادقة من أجل الاستعجال وعدم التباطؤ والتمهّل في إنقاذ أرواح المواطنين الذين يسلكون يوميًا طرقًا وشوارع مدمّرة مقرفة وكثيرة المخاطر والمفاجآت. فقد سبقني إليه كثيرون، ولكن من دون استجابة جادّة وحاسمة أو إعارة اهتمام يليق بالمشكلة بالرغم من كونها تمسّ أرواح بشرٍ ومواطنين يستحقون الأفضل في كلّ شيء. فكيف بطرقٍ مدمّرة، بعضُها مصنَّفٌ في حساب "الدولية" التي يجري سلكُها يوميًا من قبل مئات الآلاف من البشر وآلاف الشاحنات والعجلات مختلفة الأشكال والأنواع والأحجام، وقد تحوّلت العديد من أجزائها إلى أشباه سواقي وأخاديد مترعة بأكوام من الكتل "الزفتية" المقرفة على جانبي الطريق ولاسيّما قرب السيطرات والنقاط الأمنية التي تزيد من مشقات المسافرين بسؤالها التقليدي المزعج "منين جاي، وين رايح، إفتح الصندوق". إنّ مَن يسلكُ هذه الطرق سيّئة الصيت " عفوًا الدولية" يدرك مدى خطورتها، إلاّ سياسيّونا ومعظمُ المسؤولين في الدولة ومعهم نواب الشعب الذين غالبًا ما يستقلّون الطائرات للوصول إلى وجهاتهم، ما يضعفُ بل ويقلّلُ من تصوّراتهم لخطورة الموضوع عندهم لعدم شعورهم بما يعاني منه المواطن العادي من صعوبات في سلكها يوميًا لأغراض التنقل بين المحافظات والمدن.
في دولة نفطية مثل العراق، تمتلك كلّ أدوات العمل والمواد الأولية والموارد البشرية والطاقة العاملة، كان يُفترض أن تنعم طرقُها السريعة وشوارعها بأعلى درجات التقنية والحرص على حياة السالكين، خاصة للطرق الخارجية التي تكتظّ بوسائل النقل الخاصة والعامة كلّ يوم وكلّ ساعة ودقيقة. وممّا لا يخفى على الجميع، أنّ معظم شبكات الطرق الخارجية هي من إرث النظام السابق الذي حرص على تطوير واستحداث شبكات واسعة من الطرق الدولية والشوارع الجانبية والفرعية في عموم محافظات البلاد، وليس للحكومات المتعاقبة منذ سقوط ذلك النظام لمساتٌ ملموسة في استحداث غيرها إلاّ ما ندر أو حتى في إدامة القائم منها بوسائل حديثة وتقنيات جديدة. فالمطبات في الشوارع الداخلية والخارجية، حدّث ولا حرج. بل أصرّح وبأعلى صوت، بعدم خلوّ ايّ شارع أو طريق عام أو خاص من مطبات (طسّات)، الاصطناعية منها أو الطبيعية أو تلك التي خلقتها الكفاءات الهندسية التعبانة بعد زمن السقوط الأغبر!
 سوف لا أتحدث عن الطرق التي تربط العاصمة بغداد بمحافظات الجنوب، لعلمي أنها تتساوى في سوئها ودمارها واندثارها وعدم نظامية الكثير منها وفق المتعارف عليه في إنشاء الطرق الخارجية. بل سأتحدث عمّا ألمسُه كلّما اتجهتُ شمالاً نحو كردستان العراق والمحافظات الشمالية. فما تشهده طرق الوصول إلى شمال البلاد من حوادث وأعطال في المركبات السالكة إيّاها قسرًا، جديرٌ بالذكر والتذكير والتألّم والحسرة والخيبة معًا. فطريق بغداد-كركوك-أربيل وطريق بغداد-تكريت-الموصل، لا يمكن عدّهما سالكتين صحيحتين وآمنَتين بكلّ المقاييس الفنية والهندسية. فقد تحوّلت أجزاء كبيرة منها للدمار والاستهلاك، سواءً بسبب العمليات العسكرية في زمن تنظيم داعش أو بسبب سوء الاستخدام من جانب الشاحنات الكبيرة التي تخالف قوانين السير والحمل الصحيح الذي توصي به دوائر المرور العامة. ومن المؤسف أنّ هذه الأخيرة لا تطبّق لوائحها وقوانينها بالشكل الصحيح، بل تتساهل كثيرًا مع المخالفين، سواءً بسبب استشراء الرشوة بين عناصرها المكلَّفين بمراقبة السير أو بسبب تقاعس أفرادها من ضباط كبار أو عناصر مكلّفة بتطبيق القانون.
سؤالنا الضاغط إلى الجهات المعنية في وزارة الإسكان والإعمار والبلديات، ودائرة الطرق والجسور المعنية فيها، والمحافظات التي يمرّ بها سالكو هذه الطرق، ألم يكن بمقدوركم طيلة سنوات الحسرة والمرارة من معالجة التكسّرات في الطرق الخارجية وهي أمام أنظاركم تسوء يومًا بعد يومٍ وتتكّسّر وتتدمّر بفعل سوء الاستخدام والإهمال وغياب أو توقّف عمليات الإدامة والصيانة المفروضة ضمن مسؤولياتكم الوظيفية والمهنية والإدارية؟؟؟ وإذا كانت كلّ جهة تلوم غيرَها وتنسبُ الخلل إلى هذه أو تلك في الحكومات المتعاقبة، ألمْ يكن في جزءٍ من ضمائركم ولو شيءٌ يسيرٌ ممّا تبقى من الضمير الإنساني والحسّ الوطنيّ للتخفيف من آثار المشكلة والتقليل من حوادث السير التي تشهدها يوميًا تقريبًا حفاظًا على أرواح البشر إخوتكم وأبناء وطنكم وجلدتكم؟ وإذا كنتم تتحجّجون بعدم تخصيص موارد لاستحداث طرق جديدة وإعادة تبليط ما هو مدمَّر بفعل الاستخدام والتقادم، أليس بمقدور دوائركم في المحافظات التي تمرُّ بها هذه الطرق أن تتولّى مسؤولية الإدامة موقعيًا وعبر قدراتها وكوادرها البلدية المحلية بتقشير وإزالة المواضع والأمكنة التي ساءت وتسوء يومًا بعد آخر والتي تحوّلت إلى سواقي يصعب على المركبات الصغيرة واطئة البدن أن تجتازها بسهولة؟؟؟ ناهيك عن مزاحمتها من شاحنات كبيرة الأحجام يصرُّ سائقوها على السير يمينًا ويسارًا كالأفاعي بحثًا عن مخارج من الجحور المزعجة.
لقد شبعنا كلامًا معسولاً بقرب معالجة الطرق والشوارع وفق استراتيجية هذه الوزارة أو تلك الدائرة كلّما اقتربت ماكنة الانتخابات بحثًا عن أصوات ناخبين يستجدون من مرشحين لأحزاب تقليدية فاسدة وغيرهم من المغمورين غير التنفيذيين تعطفَهم بتبليط شارع أو طريقٍ أو باستخدام مادة "السبّيس" لجعل هذه الطرق سالكة ولو على مضض. بل هناك مَن يستغلّ موقعه وقربه من أصحاب القرار والحكومة وزعامات السلطة باستغلال آليات الدولة وبأموال هذه الأخيرة لتلبية مطالب مشروعة بالتمتع بطرق وشوارع ضمن الأحياء والقرى والبلدات والمدن الكبيرة، بما فيها الطرق الخارجية. نقول ونؤكد أنه لا يكفي التسليم والحديث عن استراتيجيات واهمة وخطط مستقبلية للترميم والصيانة وبناء طرق جديدة. فالواقع لا يتحمّل وزر هذه الاستراتيجيات التي لن يُكتب لها النجاح في المنظور القريب. في حين أنّ الواقع السيّء يستعجل قيام ورش وطنية تساهم فيها جميع آليات وإدارات المحافظات والبلديات في حملة وطنية لإصلاح الأضرار ومعالجة الاندثار في كلّ أنحاء البلاد. وما أكثرها من أضرار في عموم الوطن! مجرّد سؤال إلى من يهمّه الأمر!
أمانة بغداد والمحافظات
أمّا الحديث عن شوارع المدن الداخلية، ومنها العاصمة بغداد، فحدّث ولا حرج. فالأمانة بالرغم من مواردها الذاتية الكثيرة وما يُخصّص لها ضمن موازنات البلاد وما تدرّ عليها جبايات المحلات والأرصفة والساحات العامة وإيجار العقارات وضرائب الدوائر البلدية التابعة لها والمشكوك في عدالتها واستخدامها الصحيح لصالح الدولة، لم ترتقي لغاية الساعة إلى مستوى سمعة بغداد التاريخية والحضارية، مدينة المنصور والرشيد وقلعة الأسود التي كانت حلمَ ملايين البشر وقمةّ التألّق في الأزمنة الجميلة الغابرة. فالشوارع التاريخية فيها ماتزال تعاني من قسوة التآكل وكثرة التشقّقات والحفر والتشويه والاستغلال غير المشروع وتراكم النفايات التي تغزو الجزرات الوسطية والزوايا الجانبية في اغلب شوارع المدينة. وما قامت به هذه المؤسسة العريقة لغاية الساعة لا يرتقي لمستوى سمعتها السابقة. بل هي مطالبة بتواتر الخدمة وتواصل الحملات ليل نهار للمزيد من الصيانة وإعادة إكساء الشوارع بطرق فنّية حديثة ضمانًا للسلامة العامة وخدمة للمجتمع إلى جانب شعورها بالمسؤولية البلدية والحضارية والمهنية في منع التجاوزات في البناء وتقسيم الدور إلى إقطاعات عجيبة غريبة في البناء والتقطيع العشوائي وتشويه أحياء راقية وسلب حرية السابلة باستغلال الأرصفة والتجاوز عليها من دون رقابة ولا حساب.
عمومًا، فالعاصمة تعاني من شدّة الإهمال والمماطلة في التأهيل والتطوير وسوء الاستخدام بسبب انتشار المنسوبية والمحسوبية في التعامل مع مستخدميها ومستثمريها المزيّفين بحسب الجهة الضاغطة والمستفيدة والتي عادة تكون مرتبطة بحزب أو ميليشيا أو زعيم سياسيّ يُؤثر مصالحه الشخصية والفئوية والحزبية على هذه الجهة الرسمية او تلك. كما أنّ العديد من جسور العاصمة والجزرات الوسطية وجسور السابلة ماتزال لم تصلها يدُ الصيانة والتجديد والتطوير. وإنْ وصلتها، فهي لم تكن بذلك المستوى التقنيّ المطلوب، ولاسيّما الطرق السريعة الداخلية المليئة بالمطبات والعوارض الطارئة التي تدخلت أيادي التدمير والتشويه في تشكيلها سواءً أمام أنظار الجهات البلدية التي تقع تحت مسؤولياتها أم بعلم دوائر الأمانة نفسها. 
 من الملاحظ أيضًا، أنّ أمانة بغداد طيلة السنوات المنصرمة منذ سقوط النظام السابق ولغاية اليوم، لم تتوفق بإيجاد مخارج معقولة وحلول أساسية لمشاكل صغار تجار التجزئة من أصحاب البسطيات الذين يفترشون الشوارع والأرصفة أمام انظار مسؤولي الحكومة والأمانة ويشكلون عبئًا على المارة والمتسوّقين وعلى أصحاب المركبات على السواء. ومثل هذه المناظر البائسة والمشاهد غير الحضارية لا تليق البتة بالعاصمة بغداد ولا بأهلها الأصلاء بعد اجتياحها وغزوها من رعاع القوم الزاحفين إليها من محافظات تعاني الفقر والبطالة وسوء الأحوال بسبب غياب الاستراتيجيات في تطوير مدن الجنوب وقراها وضواحي العاصمة عبر سياسة وطنية استراتيجية بغية إيجاد فرص العمل بإنشاء المعامل والمصانع وتقديم الخدمات الآدمية التي تفتقر إليها في معظمها. والسبب بسيط وواضح، ظلمُ الحكّام وقهرُ الساسة وكذب ادّعاءات النواب الذين يلعبون بمصائر ناخبي هذه المدن ويدغدغون مشاعرهم في بداية كلّ دورة انتخابية بهدف كسب الأصوات، ثمّ ما يلبثون أن يتركوهم وراء الستار حتى الدورة التي تليها. وهكذا دواليك تستمرّ صفحة الغدر والخيانة للمبادئ وللثقة والأمانة التي يودعها الناخب في عنق المرشّح الفائز.
كردستان أفضل نموذج تطويري للاحتذاء به
خذوا نموذجًا، واقعَ حال كردستان! فمَن يتجوّلُ في عموم مدن كردستان الرئيسة والدوائر التابعة لها يثني على إدارة الإقليم في البناء والإعمار والنظافة والإسكان الجديد بملايين الوحدات السكنية التي جذبت وماتزالُ تجذب المستثمرين وأصحاب العقارات بسبب استقرارها ونظافتها وتطبيقها القوانين في أعلى درجاته. فيما لم تشهد العاصمة بغداد إلاّ القليل من التطور في هذا الملف. والسبب واضح لا لبس فيه، سوء الإدارة وغياب الإرادة الوطنية في خدمة الشعب وتطوير المدن العراقية عامة بسبب انتشار ظاهرة الفساد والرشى والكوميسيونات والأتاوات التي تفرضها أحزاب ودوائر مشبوهة في إدارتها وجهات ميليشياوية مستفيدة لا تسمح بتطوير الشوارع وبناء المساكن وفق منظورٍ حضاريّ لا يمسّ جمالية المدن وشوارعها ومواقعها التاريخية والحضارية. ناهيك عن مشكلة جمع النفايات المتراكمة ومشاريع معالجتها التي سمعنا عنها الكثير ولم ترى النور بسبب تلكّؤ الجهات المعنية، ومنها وزارة الإسكان والبلديات والصحة والبيئة وأمانة بغداد ومحافظة بغداد حصرًا. وليس غريبًا أن تشاهد تطاير قطع من نفايات تحملها سيارات غير مخصصة لجمعها أصلاً كالقلابات وأنواع الشاحنات غير الحضارية وبأشكالٍ قذرة في مناظرها في أحيانٍ كثيرة. أمّا بالحديث عن مناطق الأسواق العامة وأسواق الجملة، وخاصة في مركز العاصمة، فحدّث ولا حرج. فزيارة واحدة تكفي للبيب أن يصدر حكمَه العادل بمَن أُنيطت به مسؤولية نظافة العاصمة وتنظيم حركتها اليومية بكل أحيائها وشوارعها وأسواقها.
يبقى الحديث عن سلامة الطرق وسلوكها الآمن وكذا عن تهالك وتقادم البنى التحتية وما تشكلُه نظافة العاصمة وسائرُ المدن والقصبات في البلاد طويلًا، مبكيًا، مخجلاً، مخيبًا، وذا شجون! وفي انتظار حملات وطنية حقيقية وهمم الدوائر المعنية كي تشمّر عن السواعد من دون انتظار تخصيصات في موازنات الدولة التي تذهب في معظمها لجيوب الفاسدين عبر اتفاقات ضمنية مع أصحاب الشركات، محلية كانت أم إقليمية أم دولية. فما في هذه الدوائر البلدية من قدرات بشرية وآليات من شأنها معالجة الكثير من الثغرات والإشكالات والحالات عن طريق ردم الأضرار والحفر والتكسّرات القائمة في عموم البلاد.



9
المساواة بين الرجل والمرأة حكمة ربّانية وحقٌ إنسانيّ
لويس إقليمس
بغداد، في 10 شباط 2022
خلقُ اللهُ، جلّت قدرتُه، الإنسانَ ذكرًا وأنثى شريكين ليكملا ويؤنسا بعضهما البعض، ولم يَرِدْ في جميع الكتب السماوية تفضيل خالق الكون لأحد الجنسين على الثاني، ما يعني تحقيق العدل الإلهي بينهما على السواء. فقد "خلقهما الله، ذكرًا وأنثى على صورته ومثاله وباركهم ليثمروا ويكثروا ويملأوا الأرض" (تكوين1: 27-28). أمّا ما هو قائمٌ من اختلافات في الشكل والمظهر وطبيعة الأعضاء مجتمعة، فهي حكمة ربانية من لدن الخالق كي يتكيف الرجل مع شكل وهيئة المرأة الجميلة ويتفاعلا معًا في تبادل الأدوار والمهام وفي المشاعر والأحاسيس والحب والحياة التي تجمعُ الجنسين في موضوعة مشاركتهما الخالقَ بخلق وإنتاج بشرٍ جديدٍ لإدامة الحياة على الأرض الواسعة التي قدّمها الله لآدم وحواء هدية مجانية منذ نشأة الخليقة. وكان منهما أن تعارفا وتناغما وتناسقا للحياة في الفردوس الأرضي الذي صار لهما بيتًا ومأوىً وسكنًا لإقامة حياة زوجية بدائية، سرعان ما اتسعتْ وكبرتْ لتكبرَ وتتسعَ معها أعداد البشر عبر الزمن لغاية الساعة. فالحكمة الربانية مذ ذاك جاءت لقياس المعايير بين الرجل والمرأة على أساس المساواة في الخلق مع اختلاف الهيئة والشكل والصورة والأعضاء كي تكملَ كلٌ من هذه بالتالي عملية التزاوج الغريزي والالتحام الجنسيّ بين الاثنين لغاية بناء وتدبير وتعمير الأرض التي أوكلها الخالق لخليقته كي تقوم بما يترتب عليها من واجبات وترتيبات مادية ومعيشية محسوسة، احترامًا وتقديرًا لدور كلٍّ منهما في صنع حياة جديدة أو في عيش أشكال السعادة التي يرغبها الاثنان معًا بحريتهما ضمن مفهوم احترام حرية الغير وخياراته في نمط الحياة التي يرتئيها مناسِبة ومقبولة.
لستُ هنا بصدد محاججة الأسباب التي دعت الخالق لمثل هذا السبيل ولا لشرح المبررات الخَلقية التي قد يرى فيها البعض سلوكًا خارجًا عن المألوف في شرح ضرورة تبنّي مبدأ المساواة بين الجنسين في كلّ شيء. فهذه سنّةُ الحياة وحكمة القدير، كما أسلفنا. بل من باب التبجيل بحكمة رب السماء والأرض، تقف البشرية اليوم أكثر من أيّ زمن قضى، أمام امتحان كبير لفهم الحكمة الربانية من جرّاء هذا العمل العظيم في تبنّي الاختلافات في شكل وهيأة الجنسين لتظهرَ عظمةُ الخالق في خليقته من دون الانتقاص من صفات وسمات وميزات أحد الجنسين لصالح الآخر. وواضحٌ في شكل ومعايير هذا الخلق، الاعترافُ الضمني بتساوي الجنسين على أساس إكمال أحدهما ما ينقص أو يختلف عن الآخر من باب الاكتفاء والتكييف المحسوس بين الاثنين معًا. وهذه كلّ الحكاية الربانية في مسألة خلق الرجل رجلاً والمرأة امرأةً واعتداد كلٍّ منهما بما هو عليه في الشكل والصورة والهيأة والمشاعر والأحاسيس والرغبات والشهوات وما سواها.
عادةً، تخضع أحكام البشر والمجتمعات والشعوب اتجاه الفوارق والاختلافات الشكلية والجسدية والمادية بين الجنسين لطبيعة الثقافة وشكل التمدّن ونوع السلوك الاجتماعي والدينيّ والمذهبيّ وبحسب الأعراف السائدة في هذه جميعًا، والتي يمكن بل من المؤكد اختلافُها من مجتمع لآخر ومن شعب لغيره. من هنا نلحظُ اختلاف النظرة تجاه سلوك وأداء ورغبة وحركة كلّ من الرجل والمرأة بحسب المجتمع الذي يتواجدان فيه. وهذا يعتمد أساسًا على طبيعة حياة المجتمعات، إنْ كانت هذه منفتحة علميًا وفكريًا واجتماعيًا ومفتوحة الأبواب والنوافذ في شكل الحياة وإزاء متغيراتها وفي تقبّل سلوك الاختلاط والامتزاج في عمومياتها وخصوصياتها، أو منغلقة ومنعزلة في عيشها وسلوكها لا تتقبل الآخر المختلف، بل ترفضُه وتتعالى عليه وتسعى لتجريده من حقّه في عيش شكل الحياة الذي يرتئيها ويرتاح لها في قرارة نفسه. وهذا تشويهٌ وإيغالٌ في النظرة الدونية لهذا المختلف، سواءً كان رجلاً أم امرأةً.
من المؤسف أن مثل هذه النظرة المنغلقة تجاه المرأة، هذا الكائن اللطيف بكلّ جوارحه وهيأته وإثارته الأنثوية، تكادُ تكونُ سمة لصيقة بغالبية المجتمعات الشرقية، وبخاصة العربية والإسلامية منها التي ماتزالُ أسيرة فتاوى وتفاسير ونقل أقاويل مضى عليها أكثر من أربعة عشر قرنًا عندما كان العالَم قاصرًا وحاصرًا ذاته في سلوكيات قبلية وعشائرية وعائلية لم تعد تنفع في زمن السرعة والتقنية الرقمية والحدود المفتوحة بين الدول والأمم التي سعت وجاهدت لجعل العالم قرية صغيرة في التعارف والتقارب والتعاون وتبادل المعلومات والخبرات والمساعدات من أجل جعله أكثر سعادة ورفاهةً عبر الحوار والتفاهم والنقاش على أسس إنسانية ووفق ما شاءت به قدرةُ الخالق "وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا". وهذا يعني أيضًا، الاعتراف بضرورات حياتية بشرية تكفلُ الامتزاج والاختلاط وإحقاق الحقوق من دون تمييز، إلى جانب تحقيق غاية التعايش الإنساني بين الشعوب والأمم وليس نشدَ العزلة والانغلاق على الذات والفصل والتمييز في الجنس على أساس طبقي أو دينيّ يخضع لتفاسير يتيمة قديمة ضيقة الأفق لا تأخذ بنظر الاعتبار تطوّر الزمن وتقدم الشعوب في أفكارها وفلسفتها للحياة المتمدنة وفي علومها وثقافاتها المتجدّدة نحو الأفضل. وهذا أساس التعارف بين الشعوب والدول التي تعي الغاية الحقيقية من الحكمة الربانية في خلق الشعوب مختلفة، كما في اختلاف خلق الرجل والمرأة، آدم وحواء منذ الأزل. فالمرأة تبقى ذلك الكيان الراقي والحسَن الجميل في نظر الخالق كما في نظر المخلوق الذي يدرك عظمة هذا الخالق في خليقته الجميلة الناعمة المثيرة في شكلها وجمالها وحسن سلوكها وإدراكها لدورها في كيفية إسعاد الرجل. فهي لم تكن يومًا عورةً كما يريدُها البعض من المتخلفين، ولا يمكن أن تكون كذلك، طالما أنّ خالق الكون أرادها بهذا الشكل الجميل مكمّلةً لزميلها الرجل وقادرة على التكيّف مع الحياة سواءً حصل لها ارتباطٌ أسريٌّ أم بقيت حرة بلا ارتباط ومالكة لحرية جسدها.
أوربا أكثر القارات تقدمًا في مجال المساواة بين الرجل والمرأة
يُمكن وصف أوربا عمومًا، بكونها القارة التي تستحق لقب أفضل القارات في وضع وواقع تطوّر حياة النساء فيها، حتى لو لم تكتمل صورتُها تمامًا. ولكنها الأفضل بين قارات العالم الأخرى في حق المرأة بالمساواة مع الرجل، ما يجعلها نموذجًا للاحتذاء به من أجل تطور واقع المجتمعات وتمكين المرأة من أخذ دورها الفاعل وسط المجتمع الذي تقيم فيه بلا تحديد ولا تمييز ولا مضايقات. وإنّ نظرةً للنساء اللواتي تولّين مراكز متقدمة في قيادة بلدانهنّ وزعامة الأحزاب التي نجحت لتقف في الواجهة، تكفي لشرح هذا الواقع المتقدّم. ففي عام 2017، تزعمت نساءٌ عديدات رئاسة بلدانهنّ أو رئاسة حكومات بلغ عددهنّ 18 امرأة، بينهنّ 9 نساء من أوربا، إلى جانب مَن تمَّ استيزارُهنّ أو تولّين إدارات شركات ومؤسسات أو انتُخِبن نائبات في برلمانات بلدانهنّ من دون منّة من أحد أو "كوتا تجميلية"، ما يوضح مدى تطوّر واقع حال النساء في هذه القارة أكثر من غيرها. وبالرغم من كلّ هذا التطوّر الملحوظ، إلاّ أنّ الكفّة ماتزال متأرجحة لصالح الرجل، فيما المرأة تواصل نضالَها لبلوغ أعلى نسبة من المساواة في كلّ الميادين ولاسيّما في مجال القيادة والإدارة حيث تشيرُ الأرقام مثلاً على تصاعد نسبة النساء في دخول برلمانات بلدانهنّ على نطاق واسع وكذلك في توليهنّ مراكز متقدمة في إدارتها مع تطور الزمن وتقدّم الأيام.
 لسنا نختلف في حقيقة اختلاف النظرة المجتمعية بين دول الغرب المتمدّن وواقع مجتمعاتنا الشرقية التي نقرّ جميعًا بتخلّفها عن رُكب المجتمع الدولي الذي قطعَ اشواطًا طويلة ومهمّة في اتجاه تحقيق حقوق المرأة وفسح المجال لها واسعًا لإثبات جدارتها في القيادة والإدارة والزعامة في مواقع متقدمة عديدة في قيادة الأحزاب والحكومات والدول. وهذا حقٌ طبيعيٌّ من حقوقها. مثلاً لو تناولنا واقع حال دول الغرب الأوربي، فجميع المعاهدات التي سنّتها دولُهُ تشيرُ بشكلٍ وافٍ إلى اهتمام بالغ في موضوعة المساواة بين الجنسين والتي تعدّها من القيم الأساسية في حياة شعوبها. وهي تختلف بطبيعة الحال من دولة لأخرى في شكل التقيّد ببنود هذه المعاهدات. إلاّ أنها تتشارك في المعايير العامة في النظرة إلى حقوق كلّ من الرجل والمرأة التي لا يمكن تجاوزها أو تجاهلُها بأيِّ شكلٍ من الأشكال. بل تخضع لخيارات صعبة في تقييم أداء الحكومات والأحزاب التي تتولّى السلطة وتدير دفة الحكم. كما أنَّ مسألة حقوق المرأة تأتي في مقدَّم أولويات أية حكومة تصعد على المشهد السياسيّ. بل والأكثر من ذلك، خضوعُ موضوعة احترام حقوق المرأة للرقابة الصارمة والتأييد المتتالي في أية مناسبة ليكون مقياسًا تقييميًا لتقدّم وتطوّر أية دولة في الاتحاد. وهذا ما يجعل حصول دول الاتحاد على درجة 67.9 % وفقًا لمؤشر المعهد الأوربي للمساواة بين الجنسين (EIGE) لعام 2020 مثلاً. فقد التزمت دول الاتحاد الأوربي منذ سنوات طويلة بمسألة المساواة بين الرجل والمرأة، مع الإقرار ضمنيًا بعدم كفاية ما تحقق من حقوق وامتيازات لغاية اليوم، بحسب البعض. فبالرغم من حقيقة صعود نساء عديدات في قمّة المشهد السياسي واقتران ذلك بقيادة وزعامة أحزاب وحكومات بجدارة، إلاّ أنّه ماتزال هناك ثغرات تشعر بها النساء الأوربيات بالغُبن والتمييز في مسألة التعامل مع العديد من الملفات ومنها الكثير من البرامج الاجتماعية على أساس الجنس والتي خلت منها معظمُ الموازنات العامة للاتحاد مجتمعةً. هذا إلى جانب التمييز والغبن بين الجنسين في مجال الأجور حيث لا يتجاوز أجر النساء على مستوى العالم 77 بالمائة مما ينالهُ الرجالُ عمومًا، ومنها دولٌ في القارة الأوربية عينها. وهذا ممّا حفّزَ النساء لتكرار انتقادهنّ لحكوماتهنّ متهمة إياها بالاهتمام الضعيف بمطالباتهنّ بسبب غياب الإرادة بتلبيتها على الرغم من الإقرار بحقيقة فرض المرأة الأوربية جدارتَها القيادية والإدارية في مفاصل الحياة.
إهتمام أوربي متزايد
مؤخرًا، صار الحديث في صفوف المفوضية الأوربية برصد مبالغ كبيرة من الأموال ضمن برامج ما يُسمّى ب"الجيل القادم من الاتحاد الأوروبي" في إطار تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة ضمن موازنات 2021-2027 وذلك لتعزيز قدرات "البعد الجندري" للنساء وحث الدول على الالتزام بأدواتها وأهدافها. وضمن خطط الإنعاش المقترحة المطروحة هذه، لا بدّ من توفر النية والإرادة والمرونة الكافية لأجل الوفاء بتنفيذ الخطط الوطنية المتخذة التي من شأنها أن تكفل بلوغ الأهداف الجندرية من دون عوائق وتمكين المرأة من أداء دورها الفاعل وسط المجتمع ومساهمتها في بناء السلام والتنمية والتعاون الدولي على أكملِ وجهٍ. وهذا بحدّ ذاته يدخل ضمن الأهداف المرسومة من المجتمع الدولي ومنظماته غير الحكومية المنتشرة في جميع دول العالم في تأكيدها على الحريات الشخصية في الأداء والحركة والتعبير والعمل بعيدًا عن كلّ أشكال التمييز الجندري أو الدين أو اللغة أو اللون أو القومية أو شكل الانتماء وما سواها.
إن الاتحاد الأوربي مثلاً، وانطلاقًا من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المعتمَد من قبل الجمعية العامة في 10 كانون أول 1948، يعمل بموجب نص هذا الإعلان الذي يركز على أن "جميع البشر يولدون أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق". وكانت دول الاتحاد من بين الأعضاء الناشطين باتجاه تبنّي مطالب النساء للاستفادة من مخرجات مؤتمر مكسيكو سيتي المنعقد في المكسيك في عام 1975، وفيه تم تعزيز مكانة المرأة في المجتمع. تلاه مؤتمر كوبنهاغن في الدانمارك عام 1980، وفي هذا المؤتمر حصلت المرأة على مكاسب جديدة ضمنت أحقيتها في المُلكيّة والتمتع بحقوق التجنّس والميراث وحضانة الأطفال. وجاء العام 1985 ليشهد نقلةً نوعية في تمكين المرأة من الحصول على اعتراف دوليّ كاملٍ في المساواة بين الجنسين في المؤتمر العالمي المنعقد في نيروبي، ما ساهم بقوّة بولادة حركة نسوية عالمية تتبنى مطالب المرأة في كلّ مكان من الكرة الأرضية عندما شاركت فيه أعدادٌ كبيرة ممثِلةً لمنظمات نسوية وناشطات في مجال المرأة وحقوق الإنسان وكلّ ما يهمّ نساء العالم. فقد انفتحت حينها الآفاق أمامها للتعبير عن مشاكلها والمطالبة بحقوقها كاملة أسوة بزميلها الرجل في سائر مجالات الحياة، ولاسيّما الأسرية والاجتماعية وحقها في العمل وفق قدراتها الجسدية وما يلائمُ أهليتَها ويتناغمُ مع جدارتها وصولاً للأهداف العليا التي لا تتقاطع مع القضايا الجنسانية (الجندرية).
ظاهرة العنف والتحرّش الجنسيّ
زاد الحديث مؤخرًا حول ما تتعرّض له النساء في العالم من صعوبات ومشاكل تتعلّق بزيادة حالات التحرّش الجنسي وأعمال العنف التي تحدّ من قدر المرأة وكرامتها واحترامها. كما أصبحت في أعين البعض من البشر الضعيف سلعةً سهلة للتجارة ولشتى أشكال الاستغلال لأية أسبابٍ كانت من دون أن تلقى الحماية الاجتماعية التي تستحقها والدعم الوافي من قبل المجتمع ومؤسسات الدولة والمنظمات التي من المفروض أن تعينها على مواجهة هذه السلوكيات المجتمعية غير المقبولة. ومن الواضح زيادة دعوات النساء في العالم طلبًا للحماية من أعمال العنف وسلوكيات التحرّش اللفظي أو الجنسيّ التي تتعرّض لها سواءً في الشارع أو في محل العمل أو في المجتمعات المفتوحة أو حتى في داخل الأسرة الواحدة. كما ليس خافيًا ما تعانيه المرأة في مجتمعاتنُا الشرقية من العديد من حالات العنف الجسديّ والأسريّ والمضايقات باللفظ أو الهمس أو اللمس وما سواها من أعمالٍ تخدّش الحياء ممّا يتطلبُ التنبيه من هذه الظاهرة غير الحضارية التي لا تليق بكرامة المرأة ومجتمعاتنا المحافظة بعض الشيء. وهذا ما حثّ الجهات المعنية في بلادنا لتدارك أمثال هذه المنغّصات وتكثيف الجهود الحكومية بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني بتبنّي محاصرة هذه الظاهرة وما تشكلُه من تحديات مجتمعية وأسرية عبر تشكيل دائرة متخصصة للدفاع عن حقوقها وصيانة كرامتها وحفظ قدرٍ وافٍ في حريتها وتمكينها بالوقوف ندًّا للرجل بإثبات جدارتها والكشف عن قدراتها الكامنة في تحقيق السلم الأهلي وإدارة المواقع التي تستحق أن تتولاها بكفاءتها العلمية والإدارية والنسائية المتميزة التي تتحلى بها، ما سيساهم في تخفيف حدّة تسيّد الذكورية في مجتمعنا العراقي في المستقبل المنظور.
إن الأمثلة الكثيرة والنماذج العديدة لحالات التعنيف اللفظي والجسدي وأشكال التحرّش الجنسي والضغوط النفسية والاجتماعية بسبب القيود الكثيرة التي تتعرض لها المرأة قد تجاوزت حدودها، ما اضطرّ هذه الإنسانة الضعيفة في مجتمعاتنا الشرقية خاصة والتي ظلمتها بسبب طبيعتها المنغلقة والمتعصّبة، أن تُحشرَ في المنزل أو تضطرّ لممارسة أعمالٍ حقيرة لا تليق بكرامتها ولا بجنسها الناعم ولا بكفاءتها وقدراتها العديدة. ومن الأسباب ما يتعلّق بالتقاليد والأعراف حين إكراهها بالزواج القسري أو زواج القاصرات ما اضطرّها في حالات صعبة وحرجة للبحث عن مخارج ومنافذ لهذه المزالق. وغالبًا ما تكون باللجوء إلى أقساها وأكثرها مرارة بالانفصال والطلاق وتشتّت الأسرة وضياع الأطفال أو عبر وسائل الانتحار التي زادت وتيرتُها وأدواتُها في مجتمعاتنا الشرقية، ومنها في بلدنا. فقد تحدثت إحصائيات عن تضاعف هذه الحالات إلى درجاتٍ مقلقة في السنوات الأخيرة في عموم محافظات العراق، من شمالِه إلى جنوبه. والأسبابُ هي ذاتُها، ناهيك عن استغلال هذا الجنس اللطيف في عمليات ابتزاز الكتروني صارخة خوفًا من التعرّض لفضائح بعد تهديدات طالت فتيات ونساء عديدات. وهذه تكون غالبًا نتيجةً لسوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ووقوعهنّ ضحايا لأشكال من الابتزاز عبر ضغوطٍ وتهديداتٍ وحتى اعتداءات بإحداث فضيحة.
ويمكن أن يُضاف إلى هذه جميعًا، أشكال التعنيف المباشر والقتل العمد لنساء وفتيات للأسباب المذكورة آنفًا ولغيرها من الأسباب ممّا يُنسب إلى ما يُسمّى في الأعراف والتقاليد العشائرية بجرائم غسل العار حفاظًا على الشرف من دون التأكد في أحيانٍ كثيرة من صحة هذه الأسباب ومن الحيثيات والظروف. فمهما كانت الأسباب والظروف والنتائج، يبقى لجوء الضحايا إلى مثل هذه الأفعال الاضطرارية نتيجةً للضغوط النفسية والاجتماعية والمعيشية والاقتصادية وحتى الجنسية في بعضٍ منها. كما ساهم عدم استقرار الأوضاع السياسية والأزمات الاقتصادية والمالية المتوالية في زيادة حالات الانتحار، ليس في صفوف النساء فحسب، بل دخل على الخط ذكورٌ رجالاً وشبابًا أصابهم اليأس والسأم والإحباط من عدم انجلاء الأزمات المتكررة التي تعرض لها العراق على سبيل المثال لا الحصر. وحالة العراق تنطبق تمامًا على غيره من بلدان المنطقة والمجتمع الشرقي في عمومه بسبب ذكوريته ونظرته الدونية للمرأة التي ترى في تكوينها وفكرها وعقلها عورة وكائنًا ناقص الدين والعقل بحسب البعض من المتخلّفين والمتجلببين بغطاء الدّين والأعراف والتقاليد البائدة! وهنا يأتي دور المؤسسات التربوية والاجتماعية والجهات الأمنية في تقديم النصح والإرشاد وملاحقة الشواذ من البشر وما سواهم من المترصّدين لحريات النساء والداعين لحصرها في أعمال منزلية ومنعها من التفاعل المجتمعي لإبراز قدراتها وكفاءاتها جنبًا إلى جنب مع أخيها وساعدها الأيمن، الرجل السويّ والحريص على بناء الأسرة والمجتمع والوطن.
تكريمٌ للمرأة
لقد كرّمت الأمم المتحدة المرأة وخصّتها بيوم عالميّ للاحتفاء بها في 8 آذار من كلّ عام، تقديرًا لدورها المتميّز في المجتمع وتعبيرًا عن تفاخرها بما بلغته من مسؤولية قيادية في العديد من البلدان المتحرّرة والمنفتحة عبر مشاركتها الرجل في الإدارة والقيادة التي أثبتت جدارتها على صعُدٍ كثيرة. كما أخذت في نظر الاعتبار والتقدير أيضًا دورها الرائد في بناء الأسرة وجهدها في مساعدة الرجل عند غيابه في أداء مهامه الأسرية في كسب القوت اليومي في البلدان التي يصعب على المرأة الخروج من المنزل للعمل لأية أسباب كانت. ولم ينسى المجتمع الدولي جهود المرأة في تربية الأطفال بغياب الرجل الذي أخذ مدى آخرَ من المهام الصعبة التي تؤديها المرأة. وقد لاحظنا ذلك بصورة خاصة في زمن الحرب العراقية-الإيرانية القذرة مثلاً في الثمانينات واضطرار التزام الرجل بأداء واجبه الوطني أثناءها حيث أثبتت المرأة العراقية جدارتها في ترتيب البيت وصيانته وتأمين قوته أحيانًا في ظروفٍ صعبة إلى جانب مهمة تربية الأطفال وما صاحبَ ذلك من مهام وأعمال تحمّلتها في غياب الرجل. وهذا حال الكثير من نساء العالم عندما تضطرُّ الظروف ابتعادَ الرجل عن المنزل. قد تكون هذه الظاهرة غير قائمة في دول الغرب حيث تلجأ المرأة الغربية لأخذ دورها في العمل خارج المنزل، حالُها حال الرجل انطلاقًا من مبدأ المساواة بين الجنسين في هذا المجال أكثر من غيرها من بلدان العالم، إلاّ أن هذا لا يعفي المرأة الغربية من تأدية مهامها الزوجية والمنزلية خارج وقت العمل. وهذا واضحٌ في شكل الروزنامة اليومية التي يتفق عليها الزوجان في تأدية المهام المنزلية بالاتفاق والتراضي حفاظًا على قدسية الأسرة وتواصل التحامها وديمومتها وحفاظًا على سعادة عشهما الزوجي المقدس.
في اعتقادي، ينبغي أن تتضافر جهود الجميع، من حكومات ومنظمات ونخب اجتماعية ودينية ومدنية منفتحة ومؤسسات معنية بدراسة أوضاع النساء وتمكينهنّ في كلّ بلد، في محاولة للبحث عن الأسباب الحقيقية لحالات التجاوز على العنصر النسوي المساوي للرجل في خلقه وفي حقوقه الإنسانية والاجتماعية والشخصية. فالحلول الصحيحة تأتي عبر تفهّم هذه الحقيقة ومعالجة مواقع الخلل والخطأ وصولاً إلى احترام شخص المرأة وتثمين جدارتها وقدراتها التي أثبتت أنها لا تقلّ عمّا هو قائمٌ عند الرجُل. بل تشير الحقائق إلى إبداع المرأة ومنافستها له في الكثير من المواقع والأعمال والمهام والمناصب التي تولّتها أو قامت بها أو أنجزتها.
كلّ التقدير للمرأة في أية بقعة من أرض الله الواسعة، ولاسيّما المبدعة منها. وكلّ الاحترام للمرأة العراقية التي لو قُدّر لها دخول كافة الميادين، لأثبتت جدارتها في ساحات العمل وأفرغت من قدراتها الخلاّقة أينما حلّت. ففيها النخوة والقوة والثبات، ومنها العبرة والفكرة والالتزام، ولها في هذه جميعًا كلّ الثناء والدعاء والتواصل في مشوارها الصعب. فهي خيرُ المعين وأحسنُ الرفيق وأجمل الشكل وأبدع الصورة وأفضلُ الصديق للرجل الصالح!
قالوا قديمًا: "المرأةُ الصالحة نصيبٌ صالحٌ، تُمنحُ حظّا لمَن يتقي الرب" (سفر يشوع بن سيراخ 26:3).

10
عامٌ على زيارة البابا فرنسيس إلى العراق، أبعاد وتحديات
لويس إقليمس
بغداد، في 20 شباط 2022
ليس بمقدور العراقيين على اختلاف طبقاتهم وتلاوينهم العرقية والدينية نسيان الزيارة التاريخية لبابا الفاتيكان فرنسيس إلى بلدهم، بلد أور الكلدانيين، بلد إبراهيم أبي الأنبياء، بلد الأئمة والحضارة والتاريخ والثقافات الفسيفسائية المتنوعة. والأهم في هذا الحدث الكبير إصرارُ قداسته آنذاكَ على تنفيذ تلك الزيارة بالرغم من التحذيرات بشأن التحديات والتحوطات والصعوبات التي أُحيط بها شخصيًا، وتجاوزه العقد الثامن من العمر. فقد تمنى الشعب العراقي الذي رحبَ بها بعفوية عراقية صادقة بعد ختامها بنجاح، تكرارَها سنويًا بحسب الكثيرين كي تشهد شوارع المواقع والمدن التي تباركت بزيارته الميمونة لمساتٍ بلدية واجتماعية مفقودة من تنظيفٍ وخدماتٍ وزينة وبهجة وانفتاح على العالم بعد سنوات من القهر والكظم والانغلاق والكدر وحالة القلق والتوتر والضيم التي تحمّلتها البلاد والعباد بسبب سياسة الحكومات المتلاحقة غير الرصينة والمفتقرة لأبسط أنواع الحس الوطني والشعور الأخلاقي قبل السقوط في 2003 وما بعدها على وجه الخصوص.
ممّا لا شكّ فيه أيضًا، بلوغُ يقين الشعب درجةً عالية من الخذلان وخيبة الأمل في التغيير الموعود نحو الأحسن، الذي قاده الغازي الأمريكي بتعاونه الأرعن مع أعداء البلاد التقليديين ومَن لفَّ لفَّهم حينذاك من دول المنطقة بجهلٍ وعدم دراية بل وبحقد على شخوص النظام السابق من دون تقدير النتائج. فكان منه انفراطُ عقد المجتمع العراقي، وانحلالُ نسيجه، وتفكيك قدراته العسكرية العقائدية حامية الوطن والشعب، وتعرّضُ فسيفسائه الثقافي والاجتماعي والديني إلى سلسلة من الأحداث المأساوية في اغتصاب الحقوق والأرض والعرض والقتل والطرد والغدر على الهوية والتهجير القسري والدفع بهجرة الكفاءات والقدرات البشرية النوعية المتلاحقة. وكلّ هذا وذاك وغيرُه الكثير، كانَ ومازال يحصل بفعل الغزو الأمريكي الطائش عندما سلّمَ البلاد بأيادي غير أمينة على مصالح الوطن والشعب. فكانت النكبات المتلاحقة وسيادة أدوات اللاّدولة في إدارة شؤون البلاد والعباد من دون مقاييس ولا معايير أقلّ ما يُقال فيها وعنها أنها لا تمتّ بصلة لثقافة البلاد وتاريخها الحافل بالحضارة والثقافة والعلم والانفتاح المتمدّن والسلم الأهلي والتعايش بين مختلف مكوّناته. وأقلَّ ما يمكن أن توصف فترة الحكم بعد الغزو الأمريكي في 2003 فشلُها في تحقيق دولة المواطنة المنشودة. ولذا، جاءت زيارة قداسة البابا حينها لتكون بمثابة فاتحة أملٍ موعودٍ قادم للشعب والبلاد في الانفتاح على العالم وتغيير النمط الحياتي المتجهّم من أجل إحياء "الأخوّة الإنسانية" من جديد وعودة الوطن إلى أهلِه الحقيقيين من مغتصبيه وظالميه.

نظرة إنسانية
ربما كان من الأسباب التي حثت قداسة البابا لتحقيق الزيارة في أوانها، ما عانته البلاد وشعب العراق أيضًا، من أزمات متلاحقة بعد سطوة دولة الخلافة على مرابع تواجد المسيحيين في شمال البلاد، ومنها على وجه الخصوص فيما يُعرفُ بسهل نينوى الذي تمكنّ تنظيمُ "داعش" من اجتياح قراه ومدنه وتهجير أهلَه وتفريق ناسه شذرا مذرا في ليلة كالحة لم يشهدوا أمثالها طيلة حياتهم، حتى في زمن المغول قبل قرون خلت. حصل ذلك في قرارة نفس قداسته من دون أن ينسى ما بلغَ ذاكرتَه من إبادة جماعية وأعمال عنف وانتهاكات وحشية بحق أبناء مكوّنات أخرى من شعب العراق، ومنهم الإيزيديون المسالمون وسواهم من المكوّنات التي تقطن هذه المنطقة على وجه الخصوص.
    إنها نظرة إنسانية لا تخلو من شيءٍ من التعاطف الاجتماعي والروحي من جانب أرفع قائدٍ دينيّ مرجعيّ لأكثر من مليار ونصف مسيحي من أتباع الكنيسة الكاثوليكية في العالم. فالجرح الذي نزفت منه نينوى الآشورية وبلداتًها المنكوبة كبيرٌ، ولم يكن من السهل التئامُه ولا معالجتُه محليًا وإقليميًا ودوليًا بسهولة، بالرغم من إجراءات الطوارئ والمعالجات التي بدت هزيلة وضعيفة لا تتناسب مع حجم الكارثة التي خلّفتها دولة الخلافة طيلة قهر السنوات الثلاث من الغزو والسطو على حوالي ثلث الأراضي العراقية بفعل تقاعس السلطات الحكومية وحقد الحكومة التي كانت تمسك بمقاليد السلطة آنذاكَ على هذه المدينة العريقة وسكانها بكافة مكوّناتهم وأديانهم وطوائفهم. لقد كان الجرح من الشواخص التي لا تُمحى ذكراه في ضمائر العراقيين الأصلاء والشرفاء من أبناء الوطن ومحبيه والمتعاطفين معه على السواء، إلاّ أعداء العراق التقليديين وأدواتهم في الوطن والمنطقة.

أبعاد إيجابية ورسالة طمأنينة
توقع الكثيرون أن تكون للزيارة التاريخية لبابا الفاتيكان أبعادٌ إيجابية وأصداءٌ عالمية نظرًا للظروف الحرجة التي كانت وماتزالُ تعيشها البلاد والمنطقة عمومًا من عدم استقرار وتصاعد التوترات وتقاطع المصالح وصراع على السلطة والثروة والجاه بأيّ ثمن من قبل زعامات حزبية، أبسط ما يمكن وصف غالبيتها بزعامات فساد وإفساد، خاوية الضمير والغيرة والأهلية وناقصة الوطنية والحرص والإنسانية. ورأى العديدون ما يُنتظر من هذه الزيارة من معاني إنسانية ومن دعمٍ معنوي وروحي لجميع أبناء العراق وليس للمسيحيين فحسب، وأنه ينبغي الاستفادة منها وتوظيفُها بالشكل الصحيح وبما تحتاجه البلاد من أشكال المساعدة والدعم لانتشالها من قعر البؤس والتراجع في كلّ مرافق الحياة من دون استثناء بفعل الصراع على المغانم وتأمين المكاسب وإدامة وسائل الفساد وأدواته في مرافق الدولة بلا استثناء ومن دون تعلّم الدروس والعبر ممّا حصل وممّا يُنتظر أن يحصل.
قد تكون الزيارة البابوية بالتأكيد، أكثر ما لاقته غيرُها من حيث الترحيب الشعبي والحكومي والروحي، تنظيمًا وسمعة ومتابعة على صعدٍ كثيرة محليًا وإقليميًا ودوليًا. وهذه حقيقة لا يمكن نكرانُها، ومنها زيارتُه لأور الكلدانيين، مدينة إبراهيم الخليل أبي الأنبياء، ولقائه بالمرجعية الشيعية العليا سماحة السيد علي السستاني، ولقاءاته الرسمية والخاصة مع الرئاسات العراقية وكردستان العراق، ثمّ العامة منها والروحية في الكنائس، وإقامته قداسًا في أحد ملاعب مدينة أربيل وزيارته الميمونة إلى موقع حوش البيعة بالموصل التي شهدت دمارًا وتخريبًا مغوليًا من نوعٍ آخر، وبعدها بلدة باخديدا/ قرقوش كأكبر تجمّع مسيحيّ سريانيّ في العراق وبلدة كرمليس المجاورة، ممّا كان له الأثر الطيّب في نفوس أبناء هذه المناطق حين توشحوا بملابسهم التقليدية ورقصوا لمجيئه وغنّوا أطيب الألحان وأرق الأناشيد. وتلكم كانت أروعَ رسالة اطمئنان للشعب المسيحي والعراقي معًا، حين ظهر الجميع بتلك العفوية العراقية المعروفة برحابة صدر واسعة في استقبال الضيوف الأعزاء، ومنها الاستقبال الرسمي بأهزوجة الأغنية التراثية من الفلكلور العراقي "هلا بك يا لغالي هلا بك، هلا بك بين أهلك وأحبابك".

كلامٌ نبويٌّ مسؤول
لعلَّ من أرقّ وأحلى كلامٍ نبويّ ومسؤول سمعه العراقيون والعالم، ما صرّح به المرجع الشيعي الأعلى سماحة السيد علي السستاني، بتأكيده على سمة التلاحم والأخوّة بين الأديان والمذاهب والقوميات التي طالما شدّدَ عليها قداسة البابا وحفظها في ضميره وعقله وروحه ووجدانه، قولُ سماحته: "أنتم جزءٌ منّا ونحنُ جزءٌ منكم". فمن دون المسيحيين والصابئة والإيزيديين وسواهم من المكونات قليلة العدد، لن تكتمل اللوحة العراقية الوطنية الصادقة والصحيحة التي أرادتها أحزاب السلطة برعاية الغازي الأمريكي والطامعين بالبلاد أن تكون لوحة حصرية ثلاثية الأبعاد والمصالح والمغانم والمكاسب بتقاسم الكعكة حسب أمزجة زعامات ورغبات هذا المثلث الانتهازي وأسياده ورعاته الطامعين بكلّ شبرٍ من أرض العراق وأية ثروة بشرية أو مادية تنبع وتخرجُ منه. فاللحمة الوطنية، في حالة صدقها وتطبيقها وجدانيًا من شأنها الردّ الصاعق والحاسم على أية محاولة أو مخطّطٍ لضرب الوطنية العراقية وكشف زيف الانتماء للوطن والأرض والحضارة والثقافة. وتلكم من الأسس الكفيلة ببناء الأوطان وتعزيز روح الانتماء الصادق وصولاً إلى إعمار وإعادة تقويم ما دمّرته السنوات العجاف من حروبٍ وانقلابات متلاحقة دمّرت الحرث وأجدبت الأرض بعد أن كانت البلادُ قبلةَ الأوطان وملهمة الشعوب في الخير والمحبة والعطاء والإبداع.
هكذا يكون الرجال في القول والفعل. وهكذا تكون الأصالة في الوعد والانتماء. وهكذا تكون الرصانة في الفكر والانفتاح طلبًا لتأكيد الخير للجميع وبناء الأوطان، حجرًا وبشرًا. فحيث الضبابية في السلوك والفعل والتطبيق، لا يمكن وضع حدودٍ لأعمال التهميش والظلم والقهر التي تطال الإنسان العراقي منذ عقودٍ بحيث أصبحت الحياة لا قيمة لها بالرغم من كونها أفضل هبة من الله لبني البشر والعالم كي يعيش الجميع بسلام ومحبة وتفاهم كالإخوة، كما ردّدها ويردّدها البابا فرنسيس دومًا. فبناء السلام لا يأتي إلاّ من رعاته الحقيقيين من منفتحي الأذهان والعقول وليس من دجّالي العصر والفاسدين والمفسدين في الدنيا من المتشدّقين بغطاء الدّين ولابسي أوشحة التديّن الزائف كسبًا لودّ الأتباع وحفظًا لمكتسبات ضيقة المآرب لا تنفع يوم قيام الدّين ويوم الحساب العسير.

ترقّب مشوب بحذر
لقد سرّني جدّا أن تردني رسالة جوابية من قداسة البابا فرنسيس بشخص أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان الكاردينال بييترو بارولين، ردّاً على رسالة شخصية أودعتُها بين أيدي قداسته خلال زيارته لكنيسة سيدة النجاة عصر الخامس من آذار 2021. لقد وجدتُ فيها حقًا، ما أثلج صدري من اطّلاعه شخصيًا على كلّ ما أوردتُه من معلومات وبيانات مختصرة عن أحوال العراق السياسية وأوضاع كنيسته المتذبذبة وما تعانيه هذه الأخيرة من انقسام وضعف في صفوف زعاماتها الروحية المفتقدة لروحانية المسيحية في التفاهم والتواضع فيما يخصّ الكراسي.
عمومًا، لا أنكر أنني كنتُ من الذين لم يترقبوا أملاً كبيرًا، بحصول تغيير في أوضاع البلاد العامة والمسيحيين بخاصة، بسبب المنهج الفاشل والمدان الذي تنتهجه المنظومة السياسية والأحزاب التي تُحكم قبضتَها على مقاليد السلطة بأسلوب التحاصص وتقاسم المغانم بالتوافق بسبب استغلال مفهوم الديمقراطية المصدَّر الهجين لصالح المصالح الفئوية وليس للوطن وأهله الحقيقيين. وهذا ممّا جعلَ البلاد أسيرة هذا المبدأ المدمّر، فيما الشعب يئنُّ تحت نير هذا النظام غير المجدي وغير المنتج نتيجة لحجم الفساد الصارخ والرافض لأية مراجعات تقويمية للدستور والقوانين التي شرعنتها أحزابُ السلطة لصالحها إيغالًا منها في استمرار نهب الثروة الوطنية بأية وسائل وأية أدوات وإبقاء البشر في البلاد خارج معايير الحياة الطبيعية للإنسانية. فبالرغم من الترحيب الواسع الذي رافق زيارة البابا قبلها واثناءها وحتى بعدها، رسميًا وشعبيًا وروحيًا، إلاّ النتائج كانت مخجلة ولم ترقى أبدًا لغاية الرسالة التي أحبَ بابا الفاتيكان نقلَها للسلطات العراقية والدول الطامعة بالعراق والمصرّة على إذلال شعب الفراتين وإبقائه أسيرًا بأيادي دخيلة وغريبة على ثقافته وحضارته وتنوعه الديني والعرقي والمذهبي. لذا فالمبالغة في الأمل لم ولا يمكن ان تجد طريقها في التحوّل نحو الأفضل طالما أبقينا على ذات التوليفة التي تحكم البلاد والعباد بأسلوب التوافق غير المجدي الذي لا يمكنه بلوغ أدوات الإصلاح ونتائجه المطلوبة. فالتوافق بين الأفرقاء لا يبني ولا يطوّر ولا يقدّم بقدر ما يثبّت أدوات التمسّك بالسلطة وأغراضها لتحقيق مصالح فئوية ضيقة على حساب مصالح الوطن والشعب.
وهذا ما كشفته الأحداث ما بعد الزيارة حيث لم يلمس العراقيون، والمقصودون منهم تحديدًا من المكوّن المسيحي المتناقص على مدى الأيام والسنين غبَّ تلك الزيارة التاريخية، أية نتائج إيجابية أو بوادر حسنة لتثبيت أهل الدار في أرضهم وموطنهم مع مَن تشاركوا تاريخيًا حلوَ الحياة ومرّها على مدى السنين الخوالي، بسبب تتالي الأزمات وتوالي الأحداث المأساوية وعدم إنصاف أتباع المكوّنات قليلة العدد التي يعدّها المثلث الحاكم أصلاً ضيوفًا غير مرحَّبٍ بهم ولا يستحقّون سوى الفتات من موائدهم بالرغم من استحقاقهم الأفضل لكونهم الأفضل والأحسن والأقرب إلى الوطن في الانتماء والجدارة والصدق والصراحة وفي القدرات بمختلف أبعادها. وإن خرجَتْ بين الفينة والأخرى أو في مناسبات معينة من بعض هؤلاء، زعاماتٍ سياسية كانت أم حزبية، بعضُ أشكال الكلمات أو عباراتُ الإشادة بهذا المكوّن أو ذاك، فتلك لا تعدو كونها مجاملةً عابرة من باب الاستهلاك الدعائي والإعلامي ليس إلاّ وكسبًا لودّ بلدان غربية أو منظمات أو جهات مانحة بغية حلبها أكثر فأكثر بمثل هذه التشدّق غير الحقيقي. فالواقع يشير بما لا يقبل الشكك إلى انحسار الوازع الوطني وتراجع القيم في كلّ شيء، بما فيها قيم التسامح والتعايش مع ملاحظة تفاقم وارتفاع أشكال التشدّد الديني والعرقي والطائفي والمذهبي مع ما يمكن أن تحمله كلّ هذه التناقضات والتحديات من تزايد حالات العنف وتنوع أشكاله وأدواته، ما جعل ذلك ينعكس سلبًا على أوضاع المكوّنات قليلة العدد أكثر من غيرها بسبب ضعف أدوات الحماية التي تفتقر إليها وتدعم تواجدها المهدَّد دومًا بالزوال والتناقص. ومازال موضوع استعادة أملاك ومنازل أبناء هذا المكوّن ممّن اضطروا لمغادرة البلاد لأسباب متعددة تتفاعلُ بسبب تغوّل الجهات التي صادرتها بعمليات تزوير وتهديد وبغطاء وحمايةٍ من ميليشيات زعامات السلطة وأدواتها، ما يشكّل تحديًا لأية حكومة ضعيفة غير قادرة على تحمّل معالجة هذا الملف الشائك.
أمّا ما تنبئه الأيام القادمة، فلن نتحدث به، بل سنتركُه للزمن الصعب المستتر في قدَرِهِ وفي قِصَرهِ أو طولِه، إلاّ أللّهمَّ إن حصلت المعجزة وتغّير العقد الوطني بتغيير المنظومة السياسية برمّتها وتحوُّل البلاد إلى نظام رئاسيّ قادرٍ على ضبط إيقاع الأحزاب التوافقية غير الوطنية ووضع حدود صارمة بوجه الفصائل الولائية التي لا تمتّ للوطن وأهلِه بصلة. وإلى ذلك الحين لو حصلت المعجزة فعلاً بقدوم سرجون أكديّ بنسخته الحديثة أو حجاجٍ ثانٍ بمثابة الفارس الأصيل الذي سيقلب الطاولة ويغيّر الأوضاع نحو الأفضل ببناء دولة المواطنة وفق مبدأ العدالة والمساواة والجدارة، حينها سنقول، لقد استفادت البلاد من وقع هذه الزيارة التاريخية وتم توظيفها بالشكل الصحيح كما رسمها وأرادها الشيخان الوقوران حين لقائهما في النجف الأشرف.
فهل يمكن أن نترقب قريبًا شيئًا من التغيير الإيجابي نحو الأفضل في ضوء القيمة الرمزية لزيارة البابا فرنسيس في ذكراها السنوية الأولى في الفترة القادمة بعد تشكيل "حكومة الأغلبية الوطنية، لا شرقية ولا غربية" الموعودة؟ فواقع الحال يشيرُ إلى أنّ ما انكسر وجُرح صعبٌ جبرُه والتئامُه إلاّ بمعجزة من السماء عبر تغيير الواقع الحاكم المعاش جذريًا والإتيان بطواقم وطنية جديرة بحكم البلاد وإدارة شؤون العباد بما يرضي اللهَ وعبادَه المخذولين من زعاماتهم السياسية والدينية معًا.


11
مفاتيح راحة النفس وهداية الروح
لويس إقليمس
بغداد، في 30 تموز 2021
لا شيءَ أفضل من الركون في زاوية وحصر التفكير في النفس وفي مصيرها لدقائق معدودات. فمن شأن هذه الخطوة أن تُسهّلَ للكائن البشري التأمّل لوهلة بحالِه في استذكار الماضي وتقرير اللاحق ممّا تبقّى من حياته في ضوء عيشه الحاضر، مهما كانت طبيعة وشكل هذا الأخير. ولا غرابة أن نشهد حالات من الانزواء في زوايا المعابد والجوامع والكنائس والأديرة لأشخاصٍ دخلوا في غيبوبة التفكير والتأمل العميق بحثًا عن الأمان والسلام والسعادة وراحة البال للحظاتٍ أو ساعاتٍ بعيدًا عن مشاكل العالم وضوضائه في حوارٍ مع خالق الأكوان وفاحص الكلى والقلوب وجامع المتعبين والمهمّشين وأصحاب الحوائج. فهذه اللحظات هي من اسعد الأوقات لمَن يمنّي النفس بالاختلاء ومحاسبة الذات ولو لفترة. بل مثل هذه الخطوة، شخصية كانت أم جماعية، تقود البشر للاغتناء بالكثير من المعاني والأحاسيس التي تؤمّنُها أعمدة ثلاث في حياة الإنسان الملتزم: "الصوم، والصلاة والعطاء". فكلّ واحدةٍ من هذه السمات الثلاث لها قيمُها ومفاعيلُها وأدواتُها ونتائجُها في حياة الإنسان على الصعيد الشخصي والمجتمعيّ والعلاقة مع الله الخالق.
إنّ السعادة الحقيقية ليست في المتعة الوقتية. كما أنها ليست هدفًا بقدر ما هي وسيلة للإنسان لعيش حياته بصورة طبيعية ومقبولة وسط زحمة المشاكل والمصاعب والاهتمامات. وما أكثر هذه الأخيرة في عالم اليوم المتأجّج في كلّ شيء، حتى في الأحلام والتمنيات والأحداث وما في خانتها وأشكالها. كما أن السعادة الحقيقية عبر الشعور بملامحها لا تعدو كونها غرضًا محسوسًا فحسب، بقدر ما هي منبع للكثير من الخيرات والأعمال الجيدة وقوة للخلاص من المشاكل والمنغصات وكلّ ما يعادي النفس البشرية في مواجهة التحديات، أيّا كانت هذه ومهما كانت. بل إنها أيضًا شكلٌ من أشكال الذكاء في تذوّق كلّ ما هو جميل وحَسَن في نظر الخالق والنفس البشرية السويّة.
الصوم
في الصوم، لا يحرمُ الإنسانُ نفسَه مثلاً من ممارسة هوايته في متابعة ما يستجدّ من تقنيات حديثة مسلّية أو ألعابٍ قدّمتها أجهزة التقنية الحديثة على أشكالها وتنوعها ومفرداتها، وما أكثرها. والصوم الحقيقي أيضاً لا يعني الحدّ من شهوة الكائن البشري أو امتناعه عن أصنافٍ معينة من طعام وشراب وملبسٍ فحسب، بل في الابتعادِ عن عادات غير مستحبة وسلوكيات ضارة جالبة لأشكالٍ من الأذى على الإنسان نفسه أو على مَن حوله من أهل القربى أو في المجتمع الذي يعيشُ فيه او حتى ما يمكن من عملٍ أو فعلٍ ناشز قد يشكلَ خطرًا على المدينة والمنطقة والوطن الذي منه يتنفس الإنسان هواءه ويشربُ من مائه ويأكلُ من خيراته. ونكرانُ كلّ هذه الأفضال يدخل في دارة "الأنا" الملعونة وحبّ الذات البعيدة عن مفاهيم الصوم وموجباته وإيجابياته التي يتوق إليها الباحث الحقيقي عن مفاعيل مفيدة في حياته وعلاقته مع الله الخالق ومع البشر والمحيط الذي يعيش فيه. 
في الصوم ايضًا، يتعلّمُ الإنسان كيف يثبّت استقلاليتَه وإرادتَه من خلال التحكم بمفاتيح الأمور والأفعال غير الضرورية والبعيدة عن الطموحات الروحية النافعة في الدنيا والآخرة معًا. بل يلهمنا الصوم كيفية فهم ما يحتاجُه الإنسان حقًا في صُلب حاجاته وضروراتها التي تساهم في بناء حياته وتقوّي الروح والنفس والعقل والإدراك معًا مشكلةً له حصانة روحية راسخة بفعل الإرادة والعزم للسير نحو الأفضل. وحين التفكير في هذه جميعًا وفي غيرها من الأمور الأساسية للحياة السوية للكائن البشري، وبالذات في فترة ممارسة الصوم، يكتشف الإنسان أن الشعور بالجوع ليس أمرًا معقدًا غير قابل التحمّل والصبر عليه كما يعتقد البعض من الناس الذين يستصعبون الأشياء عامةً. بل بعكس هذه الأفكار الخاطئة، يمكن أن يكون الصوم أداة ووسيلة لتذوّق الطعام والشراب بشوقٍ أكبر عندما يتلذّذ أكثر بتناول طعامٍ أو شرابٍ بعد انقطاعٍ ولو لساعات خارج النظام اليومي المعهود لوجبات الطعام الاعتيادية التي باتت شبه إلزامية في مواعيدها بالنسبة للبعض على مدار الساعة. وهذا يكفي لمنح الإنسان الملتزم بالصوم وموجباته وطقوسه شيئًا وافيًا من السعادة وراحة النفس في ترويض الإرادة واختيار الصالح فيها وفي أدواتها.
العطاء
يُعدّ العطاءُ ركنًا ثانيًا في حياة الإنسان الروحية والإنسانية. فهو يوصف بكونه مقدار الالتزام الأخلاقي تجاه الآخر والشعور بوجوده وكيانه، بغض النظر عن أصل وفصل هذا الأخير. فهو فعلٌ يقوم به الإنسان بقدرٍ من التعاطف والتضامن ضمن شكل الالتزام الذي ينوي تطبيقه وتنفيذه بلا مقابل في صفحة معينة من حياته أو في الزمن الذي يقرّره صاحب الشأن والإدراك والفعل. ومن أشكاله ما يقرّرُه الميسورون بتقديم أموالٍ ذات شأن أو مساعدات عينية أو مادية للفقراء من البشر مباشرةً أو لمنظمات إنسانية تتولى المهمّة عبر شبكاتها وأفرادها، شريطة أن تذهب هذه العطايا لمن يستحقها وليس في جيوب إدارة هذه المنظمات، التي تحوّل الكثير منها لشبكات عائلية للإثراء ورفاهة العيش بفضلها. فالسخاء في العطاء يوحي لفاعله زيادة في الشعور بالراحة مع الذات ومع القيم التي يحملُها في قرارة نفسه.
لقد اثبتت دراسات ومقابلات شخصية قدرةَ العطاء بلا مقابل على ردّ السعادة للإنسان الذي له هذه الموهبة والقدرة والروحية الفاعلة. وهذه من أروع الفضائل التي لا يشعر بها أصحاب "الأنا" من الأنانيّين الذي تقلقهم مثل هذه المفردة ولا موقعَ لها في قواميسهم أو في حياتهم. فالشخص الذي يعطي يشعر بسعادة غامرة ومضاعفة وقت العطاء الذي من شأنه إسعاد الناس المحتاجين ومقاسمتهم أحوالَهم وضرورات حياتهم الصعبة بالتقرّب منهم عبر هذا العطاء أو شكل المساعدة الذي يقدّمه للغير المحتاج، مادّيًا أو روحيًا. وهناك مَن يشعر بفائدة أكبر وسعادة أكثر في زيادة العطاء خلال فترات الصوم، سعيًا وراء أجرٍ أعظم. وهذا ما نلاحظُه ونعيشُه في صفوف المؤمنين الملتزمين وغير الملتزمين على السواء أثناء الصوم الأربعيني للمسيحيين أو في شهر رمضان بالنسبة للمسلمين، وربما لدى غيرهم من أديانٍ ومعتقداتٍ أخرى، ما يزيد من فرحة وسعادة الشخص الواهب والمُعطي بجزالة وسخاء من كلّ قلبه وليس باعتباره فريضة ملزِمة لا بدّ من شرّها. وليس غريبًا أن يشعر الإنسان المتبرّع مثلاً، بعضوٍ من أعضائه لإنقاذ شخصٍ محتاج ومشرفٍ على فقدان حياته، بقدرٍ كبيرٍ من السعادة. أو أن "يبذل الإنسانُ نفسَه عن أحبائه" في أوقات الشدّة حبًا بهم وفرحًا بفرحهم وصولاً لسعادتهم وراحتهم وحلاً لمشاكلهم المعقدة. فالعطاءُ دومًا أفضلُ من الأخذ!
الصلاة
العمود الثالث الذي يراهن فيه الإنسان في حياته بحثًا عن الهدوء والراحة النفسية وشيءٍ كثيرٍ من الاطمئنان والسعادة، يكمن في الصلاة والخلوة بعيدًا عن الضوضاء وأدوات التشويش. ففي العهد القديم صلّى الأنبياء ونالوا عطاياهم ومرادَهم لإكمال مهمة أو نقل رسالة للبشر. وتوالى على خطاهم الأولياء الصالحون، وتبعهم المؤمنون بغض النظر عن الأسلوب والنوايا والأدوات زمانًا ومكانًا. كما أنَّ الصلاة توصي بها كافة الأديان، بل تحثّ عليها لأنها وسيلة المؤمن للوصول قريبًا من الله بسبب ما فيها من ثمار ومن مفاعيل لصحة الإنسان وصلاحه وشفاء نفسيته عبر الحوار المباشر مع الله الخالق. وفي الصلاة يجد الإنسان ما يريحُ فكرَه وعقلَه ونفسَه ويمنحه ما يحتاجُه من خيرٍ مفقود ربما في أيامه أو سنواته السابقة. فهي عند الكثيرين بمثابة الدواء الشافي، ولو للحظات أو ساعات أو أيام، لاسيّما إذا كانت مجبولة بنفحاتٍ إيمانية من القلب. وحينما لا تكون الصلاة مجرّد ترديدِ لكلمات ببغائية غير مفهومة بل نابعة من إيمانٍ حقيقيّ، حينها تكمن فائدتُها أكثر وتكبر مفاعيلُها وتُسهم في إزالة غشاوة الهموم والأحزان والمشاكل وتقلّل من الآلام الشخصية اليومية التي لا يخلو منها أيّ إنسان، لاسيّما حينما يشعرُ أو يستشعرُ قدرًا وافيًا من نعم السماء تنزل عليه في هذه الممارسة الإيمانية الصحيحة. فهي وسيلةٌ أخرى لإدراك عظمة السماء باستثمار ما يتوق إليه المؤمن من رجاء وعظمة من لدن الخالق العظيم سعيًا وراء شيءٍ من السعادة والاطمئنان النفسي والروحي في فترة الاختلاء والحديث المباشر مع الله بمثابة "الابن مع أبيه". وبذلك يشعر الإنسان في هذه الأوقات الخاصة من الخلوة مع النفس بسعادة أعظم حينما يبتعد في صلاته وحديثه المباشر مع الله عن كلّ ما هو مادّي واشتراطيّ ممّا يُفقد الصلاةَ مفعولها. ومع ذلك، من حق الابن أن يطلبَ ما يشاءُ من أبيه، ولكن ليس بصيغة شرطية تسقطُ مع عدم نيل المرام في مثل هذه الجلسة التأملية الانزوائية غير المقبولة. فالله عارفٌ بحاجة الإنسان في الاعتناء بخليقته. وعندما لا تتحقق أمنيات المؤمن الذي يصلّي أو يطلب مرامًا، فهذا شأنُه تعالى لأنه يعرف ما في خير الإنسان، وهو العالمُ بصالحه أكثر من الإنسان الضعيف.
هناك أشكالٌ من الصلاة، بعضُها لا يعدو كونه ترديدَ ألفاظٍ مجردة من الإحساس والعاطفة، أو حفظَ آياتٍ أو عبارات بهدف التباهي بالتديّن أمام الملأ. فمثل هذه الصلاة، ليس لها مفاعيل ولا بركات ولا كرامات كونها خالية من النية الخالصة. كما أن شكل هذه الصلاة لن يكون له القدرة لإعطاء الإنسان ما يتوق إليه من تأييد ربّاني أو دعمٍ إلهيّ لمرافقته في صلاته وانجذابه إلى خالقه. وغالبًا ما تتساقطُ دموع القائم بالصلاة العميقة الخالصة وهو يناجي ربّه لشعوره بقربه منه في هذه الفسحة الزمنية وهو غارقٌ في التأمّل والتساؤل والطلب وبما لا يخلو من عاطفة بشرية وإنسانية ممزوجة بقدرٍ من إبداء الضعف أمام عظمة الخالق والمكان الرهيب الذي يناجيه منه في حوار متبادل. والمصلّي الحقيقي لا بدّ أن يشعر بقوة تدفعُه لاتباع طريق الحق، وانتهاج أفضل السبل لبلوغ المُنى والحكمة والراحة النفسية والسعادة المنشودة والطريق الصحيح في الحياة، وأخيرًا السلام الداخلي، لاسيّما لمَن يفتقدُه في قرارة نفسه.  ففي الصلاة أيضًا قدرٌ وافٍ من الشجاعة لمواجهة الذات في حضرة عظمة الخالق الذي يهدي مَن يشاء من عباده الصالحين والخالصين في مشاعرهم وإرادتهم ونياتهم.
في اليهودية نشهد ليتورجية خاصة بالصلاة في طقوسها، فردًا وجماعةً. كما نقرأ في أناجيل العهد الجديد أهمية الصلاة في حياة المسيحي تأكيدًا على توصية السيد المسيح لأتباعه: "صلّوا ولا تملّوا" (لوقا 1:8). وفي الإسلام أيضًا تُفرض الصلاة من ضمن ثاني أركانِه، دلالةً على منزلتها الرفيعة في حياة المؤمن المسلم. بل هناك مَن يتباهى في هذه الديانات الثلاث بكونه من الملتزمين بالصوم والصلاة والزكاة والعُشر وكلّ ما تفرضُه الشريعة من واجبات. أمّا النعمة الحقيقية وما فيها من مفاعيل وفوائد روحية، فهي تكمن في الصلاة والصوم والعطاء بخفيةٍ ومن دون فرقعات أو تسليط أضواء إعلامية أو دعائية زائفة تغلق باب الثواب بل تنتفي فيها هذه النعمة وهذه البركة. فالله عالمٌ بخفايا وأسرار القلوب وهو يجازي بحسب النية والإرادة.
خلاصة مفيدة
كلُّ مؤمنٍ ومن أيّ دينٍ أو معتقدٍ، يحضُّ الخطى وما في وسعه في حياته الزمنية كي يخزن له في الآخرة أفعالاً تشفعُ له يوم الحساب أمام الديّان العظيم واسع الرحمة لمختاريه. وما أدراكَ ما يوم الدّين! فأمام هذا الرعب من يوم الحساب، يقف الإنسان العاقلُ إجلالاً وفي حيرة من أمرِه كيف به أن يزيّنَ حياته الأرضية بأعمال الرحمة والنعمة والمحبة عبر ثلاثٍ حكيمات: الصوم والصلاة والعطاء.
عندما تكون الصلاة الصادقة بعيدًا عن المظاهر الفارغة وبدواعي التباهي الزائف والتغطية على الواقع المتهرّئ للقائم بشكل هذه الممارسة ليراه الناس، فهي ذاتُ مفاعيل كثيرة تخدمُ المؤمن وتقوّي من عزمه وتقرّبُ نفسَه للّه ابيه السماوي. يقول المسيح " وإذا صَلّيتُمْ، فلا تكونوا مِثلَ اْلمُرائينَ، يُحِبّونَ الصّلاةَ قائِمينَ في المَجامِعِ ومَفارِقِ الطّرُقِ وملتقى الشوارع ليُشاهِدَهُمُ النّاسُ. الحقّ أقولُ لكُم: هؤُلاءِ أخذوا أجرَهُم" (متى 5:6). فأفضلُ الصلاة تكون لله الآب في الخفية، والله القادر على كلّ شيء ويرى كلّ شيء في الخفية هو الذي يجازي عبادَه. ومثلها المتصدّقُ تجاه الفقراء والمساكين والمحتاجين في عطائه السخيّ من كلّ جوارحه وليس استحياءً أو اضطرارًا أو دعايةً. فهو بهذا الفعل المجّاني بلا مقابل يستحق النعمة والبركة إذا تصرّفَ بحيث "لا تعرف يمينُه ما تفعلُه يدُهُ اليسرى." ويكملُ الصوم هذين الركنين عندما يكونُ مصحوبًا بإرادة صادقة ونية فاعلة تهدفُ حقًا للتقرّب من الله والتذلّل أمام عظمة هذا الإله الجبّار. فهو في كلّ الأحوال، عملٌ إيمانيّ ومن العلامات المميزة في بناء الروح وترويض النفس وصقل الإرادة والنيّة.
إنّ مَن يجيد الصلاة في خلوتِه والحوار مع الله أبيه السماوي، ومَن لا يمنع نفسه عن مشاركة إخوته المحتاجين في البشرية في عطائه المفتوح من دون تمييز ولا استعلاء ولا مراءاة، ومَن يعرف كيف يروّضُ نفسَه ويقمع شهوتَه ويمتنع عن أذى القريب والبشر والحجر بإرادته ونيته الصافية، فهذا حقًا يعرف عطايا الله الخالق ويستشعر قدرة رب السماء والأرض ورحمتَه وجبروتَه في حياة الإنسان. فبمثل هذه المزايا والسمات الإيمانية وبغيرها من الطيبات والحسنات، يمكن أن تصطلح أحوالُ البشرية المعذَّبة وبها تُبنى أسسُ الدول المتمدنة وتتشاركُ الشعوب في حب الخالق والبشر بعضها لبعض عوض أشكال الفساد والكراهية وأعمال العنف وما سواها من أنواع الرذائل التي ترفضها الأديان التوحيدية وغيرها من الأديان والمعتقدات الإنسانية في جميع بلدان العالم التي تنشد السلام والمحبة والطمأنينة وكفاف اليوم المشروع من الرزق الحلال.


12
تعزيز قيم التعليم العالي في العراق، أوربا أنموذجًا
لويس إقليمس
بغداد، في 30 كانون ثاني 2022
لا يمكن بناءُ الأوطان من دون وجود قاعدة تربوية تعليمية حقيقية وعلمية ورصينة. 
ففي حين يعتبر العديدُ من الساسة الأقحاح الناضجين علمًا وفكرًا وتخطيطًا، وفي ذات الخط أيضًا ما يعتقد به لفيفٌ من خبراء تنمية الشعوب وتطورها، بأنّ كلفة الجهل أكبر بكثيرٍ ممّا يتم إنفاقُه على أدوات التربية والتعليم في عددٍ من بلدان العالم المتقدم (أوربا على سبيل المثال)، إلاّ أنّ عجلة العلوم في بلدنا الجريح ماتزالُ خارج هذه المعايير في التقييم والتقويم وتعلّم العبر والدروس.
فالواضح أنّ ما نراهُ بأمّ أعيننا ونشهدُه في واقعنا التربوي والتعليمي من تراجع في القدرات التربوية والتعليمية بعد انتشار ظاهرة الأمّية وبلوغها حدودًا مخيفة بعد أن كان المثل يُضرب بواقع العراق المتقدم في هذا المضمار في سبعينيات القرن الماضي وخلّوه من هذه الآفة القاتلة، قد أصبح واقعًا مأساويًا يُنذرُ بشؤمٍ قاتلٍ للأجيال القادمة. ومنها ما شابههُ بما يواجهُه واقعُ التعليم العالي بالذات أيضًا من تخلّف في تحقيق الرصانة العلمية ومن عدم التزام بالمعايير الدولية التي تحفظ نزاهة هذا القطاع الحيوي المهمّ وتمنع عنه الانجراف نحو الإسفاف في أدواته سنةً بعد أخرى بسبب استشراء ظاهرة بيع وشراء الشهادات المزوّرة وتفاقم أدوات التخبط واختلاط الأمزجة غير المتناسقة التي تدير دفة التربية والتعليم على السواء منذ دخول البلاد والعباد تحت مظلة الغازي الأمريكي بالتعاون مع أدواته التي تديره علنًا أو من خاف الكواليس. وتلك مصيبة كبرى أحاقت بواقعنا التعليمي والتربوي وجعلته في ذيل قائمة أمم العالم بعد أن كانت جامعاتُ العراق تحظى بقصب السبق في تسلسلها العالمي عندما كانت منارًا للتعليم في المنطقة وعلامة بارزة للفخر والاعتزاز لمَن حالفه الحظ واستقى من عطر أروقتها الوارفة والنهل من علوم أساتذتها الأجلاء الذين نالوا شهرة واسعة في الأوساط العلمية والتربوية على غيرهم من نظرائهم في المنطقة والعالم لسنوات طوال.
وأنا أتصفح إحدى المنشورات الأوربية، قرأتُ تقريرًا عن واقع التعليم العالي في دول الاتحاد الأوربي، واطلعتُ على الجهود المبذولة في رصد كلّ أدواته ومعايرة حيثياته وصولاً إلى معالجة ما يعتريه من تحديات ليست بالهيّنة، وما يحتاجُه من تحديثات في ضوء المستجدات الدولية التي تفرض كيانَها ووزرها في ضوء مجمل هذه التحديات المستجدة ومنها موضوع التحوّل الرقمي والطاقة المتجددة وما يعتبرُه الغربيون شيخوخةً ديمغرافية ألقت بظلالها على الواقع الاقتصادي بسبب ما أحدثته من تداعيات وإخفاقات عالمية في مواجهة الأزمة الصحية العالمية الأخيرة. وحبذا لو بادرت الجهات العلمية في العراق بتكثيف جهودها وصولاً لأشكالٍ صحيحة من التعاون الدولي مع الجهات ذات العلاقة من أجل نقل مثل هذه الخبرات والاستراتيجيات المتاحة إلى الواقع التربوي والتعليمي المتهالك في البلاد بسبب الصراعات التي تكتنف المشهد السياسي والتي أضاعت هذا القطاع في متاهات غير جديرة به بكلّ المقاييس والمعايير.
من هنا، فقد أدركتْ مؤسسات التعليم العالي في دول الاتحاد الأوربي مدى أهمية تعزيز التعاون الدولي في مجمل هذه المجالات، ومنها طبعًا وعلى سبيل المثال لا الحصر ما يمكن أن تساهم به الجامعات الأوربية الرصينة في البحث والفكر والمتابعة والابتكار وصولاً إلى حاضنة غربية صحية عبر خلق وتشكيل اقتصادات مستدامة ومرنة للحدّ من التداعيات المتعاقبة التي نجحت في خلق أزمات اجتماعية واقتصادية كان لها اثرُها الواضح في التأثير في المجتمعات الدولية عمومًا. أملي أن يجد هذا القطّاع المتراجع في بلادنا ما يستحقه من دراسة ومراجعة وتقييم وتقويم على حدّ سواء بالاستفادة من تجارب الغير ومن هذه السطور الملخصة التي أدركها الاتحاد الأوربي واتخذها أهدافًا قابلة التنفيذ والتطبيق على أرض الواقع.
جسور للتعاون الدولي
في هذا الصدد، تواصلُ دول الاتحاد الأوربي عملَها بين الفينة والأخرى بطرح مبادرات مستجدّة تتناسب مع التحديات التي يفرضها واقع حال التعليم العالي في عمومياته وشكلياته من خلال أشكال الاستراتيجيات التي تصلح لعموم دول الاتحاد وتساهم في بناء جسورٍ للتعاون الفعال بشأن موضوعة هذا القطاع الحيوي وأدواته. ومن ضمن هذه المبادرات "الحرص على تفعيل دور الجامعات وجعلها مؤسسات شاملة قادرة على الإيفاء بدورها في مجتمعاتها المختلفة وفي تطورها وتعزيز نافذة الانفتاح والديمقراطية والمساواة فيها قدر المستطاع عندما يتعلّق الأمر بمسالة النمو المستدام وريادة الأعمال والاندماج والتوظيف"، على حدّ قول "مارجريتيس شيناس"، نائبة الرئيس المسؤولة عن نافذة الترويج لطريقة الحياة الأوربية في الاتحاد. ولعلَّ من جملة ما تهدفُ إليه هذه المبادرة أيضًا، "السعي لدفع أدوات التعاون الدولي في واقع التعليم العالي إلى ابعد ما هو ممكن وذلك من خلال مشاركة القيم المشتركة وتطوير موضوعة الانتقال بين المؤسسات التعليمية وتوسيع نطاق العمل والمؤازرة والتضامن ليأخذ هذا القطاع مداه وأبعاده الأوربية الحقيقية في مجال التعليم العالي". ولكي يأخذ هذا القطّاع الشكل الصحيح لهذا المدى ولدوره الحقيقي، لا بدّ من توفر المقوّمات اللازمة لجعله تعليمًا أوربيًا صريحًا وصائبًا بعمق تاريخ هذه القارة وحضارتها وتفوّقها العلمي على مدى قرون من خلال ما تعلمته واقترنت به واستفادت منه مجتمعةً أو من غيرها من الشعوب. ويقع هذا الطموح من ضمن ما ترتقبه دول الاتحاد الأوربي من توفير البيئة الأفضل لعمل وإبداع الجامعات والباحثين والخبراء فيها بجعلها جامعات حديثة متعددة الجنسيات سهلة التنقل والانتقال منها وإليها. وتعتقد "ماريا غابريال"، مفوضة الابتكار والبحث والثقافة والتعليم والشباب في دول الاتحاد، بإمكانية "الجمع بين التعليم والبحث والابتكار من اجل تحقيق الهدف الأسمى خدمة للمجتمع الأوربي والدولي على السواء".
استراتيجية أوربية لدعم واقع التعليم العالي
تفيد مصادر مقربة من قطاع التعليم العالي في دول الاتحاد الأوربي، بوجود مشروع رائد لهذا الأخير بتبنّي ميزانية طموحة لغاية منتصف 2024، عبر تقديم الدعم اللازم والمساهمات المالية الضرورية لما يربو على 60 تحالفًا أو تجمعًا جامعيًا يشمل ما يزيد عن 500 جامعة في عموم أوربا بغية بلوغ طموحاتها وأهدافها بحصول نقلة نوعية في قطاع التعليم العالي بالذات. ففي عموم أوربا يُحصى ما يزيد عن 5000 مؤسسة تعليمية جامعية تحتضن ما يربو على 7,5 مليون طالب جامعي وحوالي 1,35 مليون تدريسي بمختلف الدرجات العلمية وما يصل إلى 1,17 مليون باحث في مختلف التخصصات العلمية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها من القطاعات التعليمية المعنية. وتهدف هذه الاستراتيجية لدعم عموم هذه المؤسسات التعليمية وتمكينها من التكيف مع الظروف العالمية المتغيرة وازدهار دورها وعملها في إنعاش أوروبا وتعافيها من أزماتها المحيطة بها، شأنها في ذلك شأن غيرها من بلدان العالم.
يتطرق تقريرٌ للاتحاد الأوربي بشأن تطوير المؤسسات الجامعية إلى جملة من الخطوات التي من شأنها تعزيز التعليم العالي في عموم الاتحاد، ومنها:
-   تعزيز البعد الأوربي للتعليم العالي والبحث العلمي بمختلف أهدافه.
-   اعتماد مكانة الجامعات كمواقع إشعاع لواقع وطريقة الحياة الأوربية بفضل الدعم المقدم في تسهيل إجراءات الأمور البحثية والمهنية ضمن الحرم أو التجمّع الجامعي وبما يتماهى وينسجم مع جودة المهارات والتنوع فيها وشموليتها وكذا في سائر الممارسات الديمقراطية والحقوق الأساسية والقيم الأكاديمية.
-    تمكين الجامعات من العمل على إحداث نقلة نوعية في مجال التحوّل البيئي والرقمي بحسب الظروف العالمية التي تفرض مثل هذا الواقع والهدف.
-    تعزيز عمل الجامعات بكونها من المحركات الأساسية لقيادة الاتحاد الأوروبي وتنشيط دورها على المشهد العالمي.
إن مثل هذا الفعل المقرون بالطموح الأعلى لبلوغ الأهداف المشار إليها في هذه المبادرة تتطلب مدّ وبناء جسور لتعاون أوربي مؤثر وفعّال في مجال التعليم العالي والبحث العلمي. كما أنه يهدف أيضًا إلى تمكين مختلف مؤسسات التعليم العالي للتعاون الأوثق من أجل تنفيذ سائر البرامج التطويرية الطموحة مع نظيراتها في العالم والمشاركة الفاعلة في أنشطة مشتركة عبر الأدوات المتاحة. وهذا ممّا سيسهّل نقل المعارف وتداول العلوم وإقامة روابط وثيقة بين الواقع التربوي والتعليمي وأدوات البحث والمجتمعات الصناعية المبتكرة التي تجتاح العالم وتحتاج لمثل هذا التعاون الوثيق بالاستفادة طبعًا من شكل المهارات المتوفرة وتيسيرها لطالبيها استجابةً للمتطلبات الاقتصادية والمجتمعية التي يحتاجها الإنسان في دورة حياته اليومية.
أربع مبادرات من أجل تعزيز البعد الأوربي للتعليم العالي
طرحت اللجنة ذات العلاقة بقطاع التعليم العالي في عموم أوربا، مبادرات أربع بغية تعزيز البعد الأوربي للتعليم العالي لغاية 2024. موجزُها في السطور التالية:
-   الوصول إلى ما مجموعه 60 تحالفًا أو تجمّعًا جامعيًا لغاية منتصف 2024 محتضنًا أكثر من 500 مؤسسة تعليمية وبحثية مختلفة، ودعمها بميزانية طموحة تبلغ 1,1 مليار يورو للفترة من 2021-2027. والهدف هو "تطوير وإقامة تعاون هيكلي مستدام ومنهجي طويل الأمد في مجالات التربية والتعليم العالي والبحث العلمي ومجال الابتكار من خلال إنشاء تجمعات جامعية أوربية مشتركة يستطيع الطلبة والباحثون وكوادرُها من خلالها وعبرها بالاستفادة من سهولة التنقل والانتقال والتمتع بنوعٍ مستدام من الحركة وخلق معارف جديدة عابرة للحدود ومن دون تحديد أو تقييد.
-   العمل معًا على تطوير الوضع القانوني للتحالفات أو التجمّعات الجامعية بين مؤسسات التعليم
العالي بهدف تمكين هذه الأخيرة من تعميم ومشاركة مواردها وقدراتها وقابلياتها بمساعدة مشروع "إيراسموس" بدءً من عام 2022. ومشروع "إيراسموس"، الرائد في مجال التعليم العالي الأوربي الذي يستقطب سنويًا أعدادًا جديدة من الطلبة، كان قد تم إطلاقُه في عام 1987، ويهدف لاستفادة الطلبة الجامعيين من محفزات التنقل الأوربي وتعزيز أبعاده العليا.
-   العمل على تقرير شهادة أوربية مشتركة تعترف وتقرّ بقيمة الخبرات العالمية المكتسبة خلال سنوات الدراسة الجامعية والسعي لتقليل الإجراءات الإدارية التي تعيق عمل البرامج المشتركة.
-   تطوير مبادرة بطاقة الطالب الأوربية من خلال اعتماد بطاقة تعريفية أوربية موحدة لجميع الطلبة الجامعيين المنتقلين للسنة الدراسية 2022 ومنها لجميع الجامعيين في أوربا في العام 2024 من أجل تسهيل عملية التنقل في جميع الاتجاهات والمستويات.
الخطوات الطموحة لتعليمنا العالي في العراق

تحدث الكثيرون عن الظاهرة المخيفة في التراجع الحاصل في مسألة التربية والتعليم العالي في عراقنا المهزوز منذ الغزو الأمريكي في 2003 وما شهده هذا القطاع من تدخلات سافرة غريبة وعجيبة في شؤونه من قبل ادعياء العلم وفارضي مصالح ومكاسب ومتسلّقي مناصب وحاصلي درجات وشهادات لا يستحقونها. وفي ضوء إرادات التغاضي عمّا جرى ويجري حينًا، وصيحات الاستنكار والتنديد وخيبات الأمل حينًا آخر، وفقدان الإرادة الوطنية في تعديل مسار العملية التربوية والتعليمية برمتها في البلاد، أضحى من الضرورة بمكان أن يجلب شكل هذا التراخي والتراجع والتخلّف عن الركب العالمي في هذا القطاع الحيوي المهمّ انظارَ السلطة القادمة والوزارات المعنية بإدارة هذا القطاع كي تضع في حسبانها ما اقترفته السلطات السابقة من جرائم وتعدّيات ضد تنميته ووضع العراقيل ضدّ تطويره بهدف انتشاله من الهوّة السحيقة التي سقط فيها متراجعًا عن الركب الإقليمي والعالمي بدرجات كبيرة.
وطالما كان السببُ معروفًا للجميع بسبب تفاقم الرشى والفساد وأشكال الابتزاز وشراء الذمم والمتاجرة بالشهادات، أو سواءً بالفشل في تهيئة المستلزمات التربوية والتعليمية أو في إعداد الكوادر التي تستحقها المؤسسات التربوية والتعليمية والبحثية أو في العمل على تهجير واستبعاد الكفاءات بسبب تنامي وسطوة أصحاب الولاءات والانتماءات غير الوطنية على مكامن ومواقع وأعمدة هذا القطاع، لذا تستدعي الإرادة الوطنية الصادقة، إن وُجدتْ، أن تشحذ الهمم في تقييم القائم الفاسد وإصلاحه، وتقويم المعوجّ الخارج عن سرب الحضارة والثقافة وإبعاده ومحاسبته في حالة عدم رضوخه للبعد الوطني التربوي والتعليمي الجامع للجميع. فلطالما أقرّت الدول المتقدمة والتي تحترم العلم والعلماء أنّ طريق العلم وأدواته من أفضل أبواب التنمية والتقدم والرفاه في تعزيز حسن العيش والسلم الأهلي وارتقاءً بالإنسان إلى مقام الإنسانية. وهذا هو أفضل الطرق لتفادي نكبة كبرى في هذا القطاع الحيوي والأساسي في إعادة بناء الوطن وانتشاله من براثن الدخلاء عنه ممّن لا يريدون له ولأهله التقدم ورفاهة العيش والالتحاق مجدّدًا بسرب الدول المتقدمة التي تحترم شعوبها ومواطنيها وتحفظ سيادتها وشكل هيبتها وسط دول وشعوب العالم.
وفي الأخير، لا بدّ من تعاضد جميع الأطراف الحريصة على عودة البلاد إلى موقعها الطبيعي إقليميًا وعربيًا وعالميًا بالبحث عن استراتيجيات جديدة أثبتت جدارتها عالميًا، كما هي في واقع حال بلدان الاتحاد الأوربي، من أجل العمل على ترسيخ الأهداف الواقعية التي تستطيع النهوض بهذا القطاع واستقطاب القدرات والكفاءات وتسهيل الاجراءات اللازمة لنجاحه. ومنها أسلوب التوأمة مع الجامعات الرصينة بعيدًا عن شكل الأطر السياحية والمنافع الفئوية والشخصية التي اتخذتها أو تفكر باتخاذها بعض الجهات لدى التفكير بمثل هذه المبادرات. وهذا ممّا سيساهم شكلاً ومضمونًا في استقطاب الكفاءات والعقول الوطنية المهاجرة أيضًا من التي غادرت الوطن قسرًا ومكرهةً بفعل الظروف غير الطبيعية التي مرّت على البلاد وأهلها والتي احتوتها حكومات دول الاغتراب للاستفادة من خبراتها وكفاءاتها المهنية والعلمية. نأمل أن تحظى مبادرات مستقبلية من أجل خلق جسورٍ للتعاون والشراكة العلمية الصحيحة مع الجهات العالمية ذات العلاقة بأهمية تستحقها الأهداف العليا لها، وذلك من أجل إعادة سمعة هذا القطاع بعد تشذيبه وتنقيته من العناصر المغرضة غير الكفؤة والدخيلة عليه بفعل سطوة أحزاب السلطة وتقاسم المناصب والمنافع من باب المحاصصة والاستحقاق السياسي المقيت. وهذا لن يتحقق إلاّ باستبعاد هذا القطاع من شكل المشهد السياسي المشوّش ومن تبعات مقاسمة السلطات وفق مبدأ "هذا لي وذاكَ لكَ".


13

الولاءات الفرعية تلغي الانتماء الوطني
لويس إقليمس
بغداد، في 17 كانون ثاني 2022
 
كتب الكثيرون وكتبنا، وسيستمر اليراع الناضج بالكتابة عن السكاكين الحادة الكثيرة التي اغتالت الوطن وقتلت روح الانتماء إليه وساهمت بفقدان هيبته وضياع سيادته في متاهات تعدد الولاءات الفرعية التي تصرّ جهاتٌ حزبية في المثلث الحاكم إبقاءَها وتصدّرَها المشهد السياسي المتهالك وفق مبدأ التوافق والمحاصصة غير المنتج. ولكن قصرَ النظر في رؤية بعض كتابنا المعروفين على صعيد المنبر الثقافي والصحفي والمحسوبين على كتلٍ سياسية أساسية ساهمت في تشظي الولائية الخالصة للوطن والانتماء له، قد ساهمت في تعزيز هذه الأدبيات عبر التغاضي أحيانًا، بقصدٍ أو بدونه، عن قول كلمة الحق وكشف الحقائق كما هي، حينما يتعلق الأمر بمكوّنهم صاحب الراية العليا في تقديم مسمياتهم العرقية والقومية والفئوية والمذهبية وتدوين سبقِها على غيرها في سارية الانتماء الوطني.
والمقصود هنا وبكل صراحة نموذجان من الساسة قبل غيرهم بسبب تفاقم تأثير هؤلاء وطغيان تعسفهم طيلة السنوات التسع عشرة المنصرمة من حكم المثلث المتهالك بعد السقوط الأهوج على يد الكاوبوي الأمريكي الظالم. ودخولاً في التفاصيل، فقد بان على الملأ مثلاً، تفاخرُ شرائح واسعة من الساسة الشيعة بإيثار مذهبهم وسبقه على أي مسمّى وطنيّ يخص تاريخ العراق وجغرافيتَه وحضارتَه وهيبته وسيادتًه. وقد لحقهم في ذات القطار الوصولي غير الجامع، ما صدَمَ العراقيين والعالم بتعنّتِ زعامات وساسة ونواب أكراد على تقديم مسمّى القومية الكردية والإصرار على مقاربتها والاعتداد بها على حساب أولوية سمة الانتماء الوطني الجامعة للعراق وشعب العراق قبل غيرها من المسميات. ومن المؤسف أن تتفاقم أدبيات مثل هذه الولاءات والانتماءات الفرعية وتتسيّد المشهد السياسي والاجتماعي على السواء في محاولة من أحزاب السلطة الفاشلة لفرضها بأية وسيلة ولتصبح جزءً من الحياة العراقية بتقدّمها على مفهوم الولاء الوطني الجامع.
لقد أعجبني ما كتبه الكاتب الماهر "كفاح محمود كريم" قبل ايامٍ على صفحات هذه الجريدة في عنوان مقالته "الوطن وتعدد الولاءات والانتماءات"، حينما افصحَ وأماطَ اللثام عن بعض منغصات وشكل هذه الولاءات والانتماءات بشأن مفهوم "الوطنية، وتحوّلها في ظل هذه الكائنات إلى مجرد أغنية أو نشيد أو شعار أجوف أو سلّم لاعتلاء كراسي السلطة ليس إلّا"، وذلك من خلال تركيزه حصرًا على أثر الدين والأحزاب الدينية في "تقزيم المواطنة وتصدّر شكل هذا الولاء أو الانتماء للمذهب والعشيرة"! لكنه في واقع الحال، قد أغفلَ أو حاول تجاهل شكلٍ معقدٍ آخر من أشكال هذا الانتماء أو الولاء غير الجامع الذي ينتمي إليه شخصيًا ولم يتوخى الحيادية في الوصف والنقد والتقديم. كنتُ أتمنى عليه أن يكون منصفًا وصريحًا أكثر. ففي ضوء ما نسمع ونقرأ ونشاهد، هل يمكن التغاضي عن صيرورة واقع حال التسمية "الكردساتنية" شكلاً من أشكال الولاء الفئوي في سياسة الإقليم والإصرار على سبق ذكرها على أيّ مسمّى وطني عراقي جامع؟ فإذا كان القبول بها كواقع حالٍ وكحقيقة ثابتة من دون لبسٍ أو خشية، فهي في نظر العراقيين جميعًا رؤيةٌ قاصرة وغير مقبولة. فالعراق أعلى وأرفع من أي مسّمى فرعيّ، قوميًا كان أم دينيًا أم مذهبيًا أم فئويًا أو ما سواه. وما على ساسة الإقليم إلاّ مراجعة الذات وتقرير المصير وعدم خداع شعبهم أولاً وعموم شعب العراق ثانيًا. فالشعب الكردستاني الطيب الذي عانى كثيرًا وصبرَ وضحّى، كان وسيبقى جزءً مهمًّا وأساسيًّا في نسيج المجتمع العراقي، ومساهمًا سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وعلميًا وفنيًّا في إدارة البلاد من منطلق "العراق وطن الجميع".
ولكن، لنفترض هذا سؤالًا بريئًا من مواطنٍ أغاضته مثل هذه المسميات الفرعية التي يسعى أصحابُها وأدعياؤُها تسويقَها من أجل فتّ عضد اللحمة الوطنية وإضعاف القدرة الانتمائية للوطن الجامع وجعله ألعوبة بأيادي الجهات التي تستغلُّ ضعفه وغيابَ الزعامة الوطنية الجامعة الصادقة فيه. فبحسبة بسيطة لا تحتاج إلى تعقيدات العجينة المختلطة بكل أنواع الطحين الجيدّ والرديء والممزوجة بالبهارات والمقبلات المجامِلة والمرائية والكيدية غير البريئة بتاتًا. فإنْ كانت هذه المسميات بكلّ أشكالها وألوانها لا تقبل بأولوية "العراقية" والانتمائية الصادقة والصريحة للوطن الجامع، فلماذا كلّ هذه المماطلات وصفقات الابتزاز والمساومات في الالتزام بالدستور أحيانًا وفي الرغبة بتغييره أو تعديله في أحيانٍ أخرى؟ وكيف بنا من هذا التناقض في الرؤى وفي مسارات الحكم المتعثرة منذ 2003 عندما ساهمت هذه الكتل العرقية والقومية والدينية والمذهبية والعشائرية والإقطاعية والفئوية بمجملها في كتابة الدستور لصالحها ولصالح انتماءاتها الفرعية حصرًا، بعيدًا عن مصلحة الوطن العليا وإيغالاً بإهانةً شعب الحضارات وتغييبًا لدوره، وهو صاحب السلطة كما يدّعي أدعياء السياسة المراهقون الذين سطوا على السلطة في البلاد بتلك الطريقة المعروفة بدعمٍ من أعداء البلاد المحتلين على اشكالهم وتكالبِ مطامعهم وتعدد المكاسب التي حصدوها من وراء إسقاط النظام السابق؟ فتلكم كانت من أكثر الجرائم التي اقترفها الغازي الأمريكي الطائش وأعوانُه من دول الشرّ العالمي والإقليمي وبلدان الجوار الطامعين على حدّ سواء في نشر الفوضى وإضعاف البلاد والسعي لعدم استنهاضها لسنواتٍ قادمات حتى يشاء القدر. وليس في ذلك شك!
سيادة أنماط فرعية من الولاءات
لا أحد ينكر سيادة أنماط عديدة من الولاءات والانتماءات الفرعية في المجتمع العراقي ما بعد التغيير الدامي الذي فرّطَ في مصالح البلاد وفي مصير العباد. ومنها أنّ بعضًا من الجهات التي حصدت منافع حصرية على عهد النظام السابق وما بعد سقوطه بفضل تكالب المجتمع الدولي على قدرات البلاد آنذاك لأية أسباب كانت، قد لاقت فرصتَها المؤاتية في فرض أجنداتها بفضل ما نالته وحصدته من دعم دولي فائق ومساعدات استثنائية لتحقيق مكاسب على حساب باقي مكوّنات الشعب الأخرى. فكان منها ومن سواها مّمن اجتمعوا على إعمال السكاكين الحادة في جسم الفريسة التي تهاوت كالنعجة التي تُساق للذبح من دون إرادتها، أن قتلت كلَّ روحٍ وطنية وفتّتت اللحمة المجتمعية العراقية التي قلّما شهدت نعراتٍ طائفية وخروجًا عن جادة الوطنية منذ عقود. فقد كانت السيادة للوطن شعارًا أبديًا والانتماءُ إلى أرضه وسمائه ومياهه علامة مضيئة في مسيرة جميع مكّونات الشعب بكلّ تلاوينه ومكوّناته وتفاصيله من دون أن تعلو قامة على غيرها إلاّ بالولاء إليه والانتماء له قبل أي انتماء أو ولاء، والتغنيّ بحبه وهم يعانقون ألوان علمه ويغدقونه بنشيد "موطني" الأزلي الكلمات.
تلكم كانت الحقيقة في واقع الحياة مع عدم نكران حالاتِ شذوذٍ في المسيرة السياسية. وهذا شأنٌ طبيعي في بلدٍ مثل العراق متعدد الثقافات والأصول والحضارات والأديان والمذاهب. لكنّ اللحمة الوطنية كانت هي السائدة، وليس الولاءات الفرعية، عرقية كانت أم دينية أم غيرها، إلاّ من جانب شواذ الأمة من الولائيين التقليديين للغير والتابعين لأجندات دولية مغرضة. وهكذا ضاع مفهوم المواطنة الصحيح وحلّت محلَّه ثقافات دخيلة ومغرضة جديدة معطِّلة لروح المواطنة ومسيئة للوطن وأهله، بحيث أصبح ألعوبة بأيادي غير أمينة ودخيلة على حضارته وثقافته وطباعه النهرينية. حتى نهراه الخالدان، لم يسلما من النهش والغدر بالسعي لتجفيفهما من دول الجوار أمام مرأى ومسمع من ساسة الصدفة الذين ركّزوا جلَّ همهم وغمّهم على كيفية الغرف من موارد البلاد واقتسام كعكته التي سال وما يزال يسيلُ لها لعابُ ساسة أحزاب السطوة بأي ثمن واية وسيلة، إلى حين تأزف الساعة. وقد باتت قريبة في إزالة الصورة المشوشة للحالة الشاذة السائدة بعد انتظار مرير عبر تقرير التشكيلة الحكومية المرتقبة "لا شرقية ولا غربية، حكومة أغلبية وطنية". عسى الجهة المعنية تثبتُ على قرارها وتقود همة الإصلاح الوطني الحقيقي بجدارة وعزيمة ونزاهة ومن دون مجاملة ولا تقاعس ولا تغاضي عن محاسبة أهل الفساد سابقًا وحاضرًا ومستقبلاً، بدءً من عناصرها المشبموهة ووصولاً إلى الرؤوس الكبيرة التي تسعى للتشبث بالسلطة والاحتماء بها بأيّ ثمن خشيةً من أن تطالها المحاسبة المرتقبة.
المفهوم الجامع للوطن
من هنا نقول، ليس الدين والمذهب والطائفة والعشيرة هي الأدوات الحصرية في "تقزيم المواطنة" وتأزيم العلاقة بين الشعب والوطن وفي تفتيت لحمة الأخير على حساب المفهوم الجامع. بل بالخروج عن الإجماع الوطني أيضًا في دفع وتقديم "قومية" بعض المكوّنات، أو في السعي لسيادة "العرق" وفرضه عنصريًا على غيره من أعراق المكوّنات الأخرى. فالمفهوم الجامع للوطن يكمن في تقديم المواطنة العراقية على غيرها من الهويات الفرعية، ولا مبرّرَ للتلاعب بالألفاظ وفي دغدغة مشاعر البعض زورًا وبهتانًا. فأنا لو حسبتُ نفسي وطنيًا قحًّا، فينبغي أن أكون "عراقيًّا" بتكويني وواقعي وشخصي وتطلعاتي وطموحاتي وهمومي وحرصي جملةً وتفصيلاً، قبل أن أكون عربيًّا أو كرديًا (كردستانيًا وهي التسمية التي استخدمتها شخصية برلمانية وسياسية مؤخرًا في لقاء إعلامي) أو فيليًا أو سريانيًا أوآشوريًا أو كلدانيًا أو إيزيديًا أو شبكيًا أو صابئيًا أو تركمانيًا أو شركسيًا أو يهوديًا أو معتنقًا الإسلام أو المسيحية أو البهائية أو أية ديانة أخرى معترفٍ بها في بلاد الرافدين بحسب دستور البلاد منذ نشأة الدولة العراقية.
وهكذا يبقى العراق ومستقبلُه رهينَ أداء الصادقين الأوفياء المنتمين إليه بكل جوارحهم وهمومهم وتطلعاتهم، وطنًا يجمع الكلّ بفسيفسائه وتعدّد ثقافاته وقومياته وأديانه، وليس لفئة دون أخرى. وهي ذات السمة الجامعة التي تربط الحاضر بالماضي وترفع من الأمنيات بمستقبل واعدٍ حين استعادة المبادرة بإحياء روح الانتماء الحقيقي للمواطنة والولاء للوطن والشعب عوضًا عن أشكال المسميات الفرعية الأخرى التي تفرّق ولا تجمع، وبعيدًا عن أية نظرة استعلائية لصالح مكوّن ديني أو قوميّ دون آخر. وهذا هو النهج الصحيح في إعادة بناء العراق وفق مفهوم المواطنة والمساواة والعدالة في الحق بحياة سعيدة وآمنة، كما في الحق بإدارة البلاد وفق مبدأ الكفاءة والجدارة ووضع الرجل المناسب في الموقع المؤهلِ له من دون تمييز أو تحييد أو مجاملة.
أمّا أن يًصار إلى تقديم وسبق قومية فرعية على "الهوية الوطنية الجامعة للوطن وفي الانتماء للشعب الأكبر" وعلى الملأ وبكلّ عنادٍ وإصرار، وعبر ما تيسر من وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي المختلفة أو في مناسبات ومؤتمراتٍ دولية، تمامًا كما فعلَ ويفعلُ أدعياءُ وأصحاب تقديم المذهب أيضًا على الانتماء الوطني، فذلك شأنٌ لا يمكن تمريرُه والقبول به بسهولة. وما على الجهات المعنية سوى تعديل المسار ووضع النقاط على الحروف لتبيان الغاية وكشف المستور المقصود واتخاذ ما يلزمه مثل هذا الخروج عن الجامع الوطني "العراقي" الذي ينبغي أن يسبق أية تسمية أو مسمّى غيره. فالمواطنة لا ينبغي "تقزيمها وحصرها في طائفة بذاتها او دين بعينه" كما كتب البعض. لكنّي أضيف وأؤكد، لا يمكن تقزيمُها أيضًا بالتسمية القومية لصالح كتلة أو مكوّن دون غيره. وهذا هو المفهوم الحقيقي "للوطن الجامع والانتماء للشعب الأكبر"! فالوطن يكبر في أعين الشعب داخليًا وخارجيًا حين تلتئم جميعُ مكوناته في بوتقته الجامعة، وطنًا موحدًا وشعبًا واحدًا، وليس في تفتيت عضده والنهش في لحمه كلّما تعرّض لمحنة أو صعوبة ليُترك ينزفُ حتى الموت!
حاشا لوطني أن يموت! فالأمل به وبالخيّرين والطيبين من الوطنيين من ذوي الأرحام الأصيلة كبيرٌ كبرَ بحور الماء، وعظيمٌ عظمة المحيطات، وواسعٌ رحابة صدور العراقيين من ذوي الإرادة الطيبة والنوايا الحسنة، طالما بقيت مياه النهرين الخالدين دجلة والفرات تغذينا بمياهها العذبة الدائمة الجريان. فإنّما الوطن الحقيقي في تقدّمِه وسيادته وهيبته وتقويمه وتشذيبه ووضعه على المسار الصحيح كما يليقُ بأيّ بلدٍ يحترمُ شعبَه ويقرُّ بقدراتِه البشرية والمادية ويصونُ هويتَه ويؤمّنُ مصيرَه. ولا شيءَ غيرَه من وراء القصد!

14
العظماءُ لا يموتون وإن رحلوا
(في ذكرى أربعينية المعلّم الكبير العلامة والمفكر والكاتب الأب ألبير أبونا )
لويس إقليمس
بغداد، في 10 كانون أول 2021
العظماء لا يموتون وإن أسكتهم الموت الزؤام، والعلماء لا يغيبون وإن فارقوا الحياة الفانية، وأصحاب الفكر تبقى أعمالُهم وكتاباتهم ومساهماتُهم علامة بارزة يسطرها التاريخ حتى بعد موتهم. هكذا العلاّمة والمفكر والكاتب معلّمنا الكبير الأب ألبير أبونا. كان كبيرًا في سموّ روحه وحصافة خلقه، جليلاً في مهماته الكنسية والتعليمية والكتابية، متواضعًا في سلوك حياته اليومية غير عابئٍ بارتقاء درجات كهنوتية عليا كان أهلاً لها، لكنه رفضها لكونها خارج إطار منهجه ورؤيته وطموحه. عرفناهُ أنيس المعشر، منفتحَ الذهن، ثاقب البصيرة، جزيلًا بعطائه وإنسانيته، ثريًا بمؤلفاته وتراجمه، رصينًا هادئًا ثابتًا في عزيمته، ملتزمًا صارمًا أحيانًا في حكمه على ما حوله ومنفتحًا صاحبَ نكتة وبديهة في أحيانٍ غيرها، عميقَ الرؤية في نقده واقع حال كنيسته وما يجري في بلاده من تشويه وفسادٍ وتدمير. تقبل كلَّ هذه الترّهات والسفاهات والانحدارات الوطنية والكنسية معًا، بحسرة الراعي الصالح على رعيته التي شاهدها بأمّ عينه تتفتّت ولم يعد منها ما يعين على توحيدها وتجميعها وإعادة تشكيلها وعودتها لعظمتها وسكتها الحضارية. فالدجاجة، الوطن الأمّ، التي كانت لديها القدرة على ضمّ فراخها تحت جناحيها، قد انكسرت إرادتُها بفعل شلّ جناحيها وفقدانها دفّة التوجيه وقدرة الإرادة وعزم الإدارة معًا. إنها قدرة القويّ على الضعيف والحاكم الظالم على بسطاء القوم أحباب الله والإنسانية.
 نعم، نردّدها جميعًا "كلُّ نفسٍ ذائقةٌ الموت"! فالموت حقٌ على عباد الله أجمعين ولا رادَّ لقضاء السماء، وما مراحل حياتنا على الأرض سوى مراحل من الغربة في وطنٍ فانٍ. كما أنّ الموتَ هو النهاية الحقيقية للغربة وهو البداية الحقيقية للعودة إلى أرض الوطن الأبدية. وهو سنّةٌ بشرية ولازمة متلازمة، لا يفرّق بين غني وفقير، عالمٍ أو جاهلَ، جميل المنظر وحسن الوجه أو قبيح الشكل ومشوَّه الصورة، متعلّم أو أمّي، مؤمنٍ أو ملحدٍ أو لا أدريّ... لكن الحسرات تشتدّ وتتفاقم والرهبة تكبر وتعظمُ عندما يُخطف الأعزاء والأحبة، ويُغيَّبُ العلماء والأخيار ممّن تركوا اثرًا لخير البشرية بصالح الأعمال وممّن ساهموا في صناعة العلم والأدب وحسن الأخلاق والمعشر وسائر الفنون، أو حققوا نجاحاتٍ أعلتْ من شأن الأمم والشعوب والدول وسعوا لتنميتها وتقدمها وتطورها وتغييرها نحو الأفضل وليس الانغماس في التراجع والتخلّف عبر ترّهات مظهرية وقشور بلا جدوى. ولعلّ الأب ألبير أبونا الذي غادرنا إلى الأخدار السماوية يوم 4 من كانون أول 2021، يمكن عدُّه من ضمن هذه الفئة ممّن تركوا بصمات واضحة ساهمت في رفد البشرية بأثرٍ منتج وعملٍ فعّال لخدمة الإنسانية والتعريف بإرثها من منطلق نقل الحقيقة التاريخية والواقعية كما هي من دون التباس أو مجاملة أو محاباة. فكانَ لها وفيها من العظماء الذين سيسجلُهم التاريخ.
هكذا كان المعلّم والأديب والكاتب والمفكر والمؤرخ والكاهن والراهب ألبير أبونا المولود في قرية فيشخابور التابعة لمنطقة زاخو في عام 1928. هيأتُه وطلّتُه الجسدية طيلة فترات حياته وعمله منذ نشأته ونموه في الحكمة والقامة بتربيته الأسرية الطيبة، كانتا علامة بارزة على قدراته الكبيرة وإبداعاته الكثيرة ومواهبه المتنوعة بغرفه العميق منذ شبابه من طيات وبطون الكتب ومن أمهات النتاجات الفكرية والعلمية والأدبية والتاريخية. فكان لا يترك شاردة أو واردة يراها مفيدة إلاّ نقلها عبر مؤلفاته بعد تفحّصها وتدقيق أصلها وفصلها لتخرج عبر مؤلفاته الثرية ناضجة كعناقيد العنب الطازجة لتٌطفيء غليلَ الباحث عن مفردات غائرة وغائبة في عمق التاريخ اللغز أحيانًا.
ثلاثة وتسعون عامًا، هي سنواتُ عمر الفقيد الكبير، عاشها بدءً من بيت أهله وأسرته البسيطة في قرية فيشخابور على حدود المثلث العراقي- التركي – السوري. ألحقته أسرتُه بالدراسة الابتدائية فيها، ليبلغ به المطاف تلميذًا في معهد مار يوحنا الحبيب للسنة الدراسية 1941-1942 وليتخرج منه كاهنًا بعد عشر سنوات من المواظبة والالتزام والنهل من العلوم الدينية الفلسفية واللاهوتية واللغات التي كانت تشكل مناهج متميزة فيه دون غيره.
بعد التخرّج كاهنًا في 17 من حزيران عام 1951، أمضى الراحل الكبير بداية مشواره في خدمة أبناء إبرشيته في زاخو، ومتنقلًا أحيانًا بين القرى المجاورة متفقدًا أحوالهم ومُديمًا حاجاتهم الروحية والمادية معًا. بعدها انتُدبَ للعمل سنة 1955 في معهد مار يوحنا الحبيب الإكليريكي بإدارة الآباء الدومنيكان بالموصل في منطقة الساعة، حيث أمضى فيه سنوات طويلة في التعليم والإرشاد عبر تلقينه تلامذته مادةَ اللغة الآرامية وآدابَها والتي كان لي الشرف أن أكون واحدًا من تلامذته، بل من المتقدمين فيها على دفعتي طيلة سبع سنواتٍ أمضيتُها في كنف هذه المؤسسة الكنسية. وطالما افتخرتُ وسأظلُّ أفتخر بالحنين لذكرى تلك السنين الجميلة التي أحفظ جانبًا كبيرًا من تفاصيلها وقد بقيت راسخة في ذهني وسلوكي وثقافتي كعلامة بارزة عندي كما هي كذلك لدى زملاء وأصدقاء كثيرين، منهم مَن ارتقى درجات كهنوتية عليا ومنهم من ترك الدراسة والمسيرة الكهنوتية، وبعضهم رحلوا عن دار الفناء وآخرون ما تزال ذكريات ذلك الزمن الجميل عالقة في ضمائرهم وأفئدتهم والحسرة تعصرهم بسبب ما آلت إليه الأحداث بعد غلق أبواب هذا المعهد في عام 1973 وتفرُّق تلامذته بغير إرادتهم. بعدها تنقل معلمُنا الكبير الأب أبونا بين خورنات عديدة في الكنيسة الكلدانية في بغداد من دون أن يفقد شعلة التأليف والبحث والكتابة والمتابعة والخدمة من دون مقابل. كما جرّبَ لفترات قصيرة، شيئًا من الحياة الرهبانية في أديرة الرهبنة الهرمزدية والكرمليين، لكنه غادرهما لعدم ملاءمتهما لأفكاره ورؤاه وطموحاته الإصلاحية. فأصحاب الطموح كالمتمرّدين على الواقع المرّ غير مرغوبٍ بهم في بلدانهم ومدنهم وبين أهلهم وناسهم. هكذا هي دروس الحياة!
مسيرة طويلة حافلة بالهمة والنشاط والبحث العلمي الدائم والراسخ عن حقيقة الكنائس الشرقية وألغازها ودهاليزها وأوصافها وشخوصها ودياراتها عبر التاريخ الزاخر المليء بالأسرار والفجوات والدسائس والصعوبات والمناكفات التقليدية. هكذا نقرأُها سيرتُه الذاتية بعد رحيله وانطفاء شمعته الجسدية وصمته في قبره الهادئ. لكنّ بصماته الشخصية في نقل حقيقة التاريخ ستبقى الرمز الأكبر بعد موته مرتقية رفوف المكتبات العالمية والمحلية التي تزدان مؤلفاتُه وتراجمُه بها بفضل قدراته الكبيرة واسلوبه السلس في رسم الحرف سريانيًا وعربيًا وفرنسيًا وفي نقل الحقيقة الصادقة بعد الإيغال في التمحيص والفحص والتحليل.  إنها بحق مسيرة علمية ومهنية منتجة تحققت وحققت مؤلفات وتراجم وتحقيقات لمؤلفات غيره، يصعب عدّها والتعريف بها. ولعلّ أشهرها وأهمّها وأكثرها قربًا لدى القارئ والمتتبع والباحث النهم، تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية بأجزائه وأدب اللغة الآرامية وديارات العراق وشهداء المشرق والآراميو ن في التاريخ وعشرات المؤلفات في السير الذاتية والأحداث الدينية والروحية والمدنية. فهو لم يدّخر وسعًا بكشف الحقائق التاريخية كما رآها وتصوّرها وحلّلها ونقلها بصبرٍ وعناية ورويّة. تمامًا، كما لم يُخفي تحسّرهُ وحزنَه إلى ما آلت إليه أحوال الكنيسة الشرقية، والكنيسة الكلدانية بخاصة في سنواتها العجاف الأخيرة. فقالها بحسرة ما بعدها حسرة عبر مؤلّفه: "كنيستي إلى اين؟". وقد أهداني شخصيًا في إحدى زياراتي له في بغداد نسخة منه. كما حظيتُ ببعض مؤلفاته ومنها أحد أجزاء تاريخ الكنيسة الشرقية ونسخة من ترجمة كتاب الرؤساء حيث اعتادَ المرحوم أن يخصّص شيئًا من مؤلفاته لتقديمها كهدايا للتلاميذ الأوائل على دفعاتهم في مادته "الآرامية" في احتفالٍ يُقام نهاية السنة الدراسية في معهد مار يوحنا الحبيب المذكور.
أمّا كلمة الحقّ، فلا بدّ أن تُقال. ففي ظل مشواره الشخصيّ مثير الجدل أحيانًا، والذي لم يخلو من سنوات شابها بعض التخبط في مسيرته الكهنوتية، فقد بانت على بعض توجهاته شيءٌ من علامات الاستفهام والحيرة مشوبة بالشكوك أحيانًا. وعلى ما يبدو، فقد تعثرت أحلامُه في فترة خدمته في معهد مار يوحنا الحبيب الدومنيكي بالموصل بالذهاب بين تأييد مرجعيته الكنسية المتمثلة بالبطريركية الكلدانية التي لم يطب لها حينها مدى التقدّم والشهرة والعناية التي أحاطت بالمعهد المذكور، وبين الالتحاق بمعهد شمعون الصفا الذي كانت تديره البطريركية الكلدانية ويفتقر إلى أركان التدريس والعلمية والتنشئة العالية. فقد شعر في فترة ما بأيادي خفية تسعى لمحاربة المعهد الأول الذي كان يحظى برعاية وعناية وشهرة كبيرة على صعيد كنيسة العراق والمنطقة. وهنا، ليس لي شأنٌ أن ألجَ إلى دهاليز تلك الحقبة التي أودت بمستقبل الرهبنة الدومنيكية في البلاد وإغلاق المعهد المذكور للأعذار الواهية التي خبرناها حينها. لكنّ المؤكّد في تلك الأحداث، تأرجح موقف الأب أبونا وعدم استقراره في قرارة نفسه، ما حمله للتنقل بين مؤسسات رهبانية وكنسية، كما أسلفنا بسبب ضبابية الرؤية وفقدان بوصلة الاستقرار لديه حول ما كان يدور في خواطره وطموحاته التي لم يشأ التعبير عنها إلاّ في مناسبات قليلة واحتفظ بالباقي منها لنفسه. وحتى في المناسبة التي فتحتها له البطريركية الكلدانية للتعبير عن طموحاته عندما توشح بالثوب الرهباني الهرمزدي لفترة قصيرة، لم يتأقلم مع القديم فيها، فغادرها غير متحسرٍ ورافضًا خيار الصدام الفكري العلني بين القديم والحديث الذي ارتآهُ في نقده لحال واقع كنيسته الكلدانية.
للفقيد الكبير الرحمة الواسعة، ولكنيسته ورئاستها وسائر أصدقائه ومحبيه وذويه كل العزاء. ولنا نحن تلامذتُه ومعارفُه وأصدقاؤُه ومريدوهُ كلُّ الفخر بطيب ذكراه وبما نهلنا منه أيام الدراسة على يديه سواءً في معهد مار يوحنا الحبيب الدومنيكي بالموصل، أو في مشواره القصير في معهد شمعون الصفا، أو في الكليات والمواقع الأخرى التي أمضى فيها فتراتٍ في التدريس وإلقاء المحاضرات. فقد حقّ له أن يُسجّل في خانة العظماء والعلماء والمؤرخين والمفكرين والكتاب البارزين والماهرين المهنيين الملتزمين.


 


15
لمناسبة مئوية الدولة العراقية:
الحكم الرشيد في بلد الرشيد
لويس إقليمس
بغداد، في 19 كانون أول 2021
عمر الدولة العراقية التي شاع وصفها ببلاد ما بين النهرين أو ببلاد الرافدين، لا يمكن قياسُه بمئوية سنوات تأسيسها الافتراضي حديثًا وحاضرًا. فالجميع يشهد لحضارتها الموغلة في عمق التاريخ وما واجهته البلاد إبان تلك السنين ولغاية الساعة من منعطفات تاريخية وتقلبات شكلية وجغرافية وطوبوغرافية، منها الإيجابية على قلّتها ومنها السلبية وما أكثرها وأشدها فظاعة وقساوة وظلمًا لأصحاب الأرض على مرّ السنين والعهود والقرون المنصرمة. لكنّ الصفة الملتصقة بأرض السواد "بلد شنعار" أكثر من غيرها، تكاد تكون صفة عدم الاستقرار طيلة تلك المراحل الطويلة والمضنية من التاريخ البشري بسبب تكالب الطامعين عليها من دول الجوار والعالم على السواء. ومَن يقرأ ما أوردته بطونُ التاريخ، بماضيه وحاضره، يدرك تمامًا صدق وصحة هذه السمة التي لم ولن تغيب عنه البتة، مهما قيل ويُقال، ومهما جرى فعلُه في الحاضر والمستقبل. فقد كُتب لهذا الوطن، تيههُ وضياعُه وانجرافُه نحو الهاوية لفترات مظلمة بأيادي مريبة دخيلة غير وطنية أو لا أبالية بمصلحته العليا ومصلحة أهله، إلاّ في فترات قصيرة عرفَ بها قيمتَه وفرضَ هيبتَه وأبدَعَ في سيادته وثقافته وحضارته، كما حصل في عهد الرشيد. وكلّ هذا وذاك حصل ويحصل بالأحرى من داخل عقر الدار المتأرجح أولاً بين الولاء للغير وللأجنبي من منطلق "ثروات الوطن للغريب وليست لأهله"، و"الغريب دومًا أفضل من أهل الدار وأكثر قبولاً"، وبين المصالح الخاصة، فئوية كانت أم عرقية أو حزبية أم طائفية. وهذه الأخيرة من السمات التي أثبتتها الأيام وسنوات الحكم غير الرشيد، خاصةً على مرّ سنوات المئوية التأسيسية التي يحتفل بها العراق هذه الأيام. ولستُ أدري عن أية مقاييس أو بأية معايير تجري الاحتفالات، فيما مصالح البلاد فيما عبادُها مرهونة بأيدي الدخلاء والأغراب عنها منذ سقوط النظام السابق. ناهيك عن سمة الشغف الأعمى بحياة الخارج ومتعِه ووردية الحياة فيه والتي تُرسَمُ لأهل الداخل من دون تمحيص وإعمال حكمة وتفعيل عقلٍ. 
نحن جميعًا، لا ننكر وجود منغصات ومعوّقات وصعوبات تقف حجر عثرة بوجه أصحاب الأرض الأصلاء من أبناء العراق الغيارى تتيحُ لهم التمتع بحياة حرة وكريمة ومرفهة حالُهم حال البشر في بلدان المنطقة المتقدمة أو في العالم. ونظرًا لكون مثل هذه الأدوات دينية أو بشرية صرفة، وكونها غير معصومة ولا يمكن أن تنطبق عليها صفة القدسية، فهي جميعًا إذن، مثار جدل وشكوك بأهليتها وقدرتها على خلق أجواء إنسانية وبشرية طبيعية مناسبة للحياة. من هنا تقتضي الضرورةُ التفكيرَ والترويج والعمل على ضرورة انفراط عقد هذه الأدوات الدخيلة ودفعها بكافة الوسائل المتاحة سلميًا لإخراجها من باحة الحكم ومغانمه، ومحاسبتها على ما جنت به على البلاد والعباد، وليس مجاملتها ومحاباتها ومسح أكتاف شخوصها. وإن حصل عكس هذا الفعل المطلوب، فذلك خروجٌ واضح عن جادة الصواب وإمعانٌ في التأسيس لإدامة الباطل على حساب الحق وبقاء الظالم في ساحة الظلم والجور وإطالة زمن الظلام والقهر وإمعانٌ في الفساد الذي صار لا يُطاق ولا يُحتمل. وكلّ هذا على حساب الوطن والمواطن المغلوب على أمره. وفي حالة الفشل في اتخاذ مثل هذه الخطوة الجريئة المطروحة سلميًا كما حصل في نتائج الانتخابات التشرينية الأخيرة، يكون الانتقال للمرحلة التالية والتي يترقبها الجميع، مجبَرين غير مخيّرين، بفارغ الصبر باللجوء لعناصر أكثر جرأة وشجاعة وحماسة في وضع النقاط على الحروف لمواجهة التمادي في المشكلة الأساسية المتمثلة بنظام الحكم ومنظومته السياسية الفاشلة. أمّا العودة إلى ذات الوسيلة في الحكم بتقاسم السلطة توافقيًا، ومشاركة الفائز والخاسر معًا في حكم البلاد والعباد، فتلك نكسة مضافة لا يمكن القبول بها. فهل يمكن أن يستوي الفائز مع الخاسر في جني ثمار الجهود بحجة وأد نيران الفتنة وترضية الخائبين تحاشيًا لأية صدامات أو انعكاسات هوجاء بفعل تمكّن السلاح المنفلت وسطوة الميليشيات بتحريضٍ طائفي ومذهبي واضح؟
انطلاقة صحيحة مرتقبة
لمناسبة مئوية الدولة العراقية، كرّر رئيس الجمهورية دعوته الملحة للأطراف السياسية كي تتوجه نحو "عقد سياسي واجتماعي جديد يُرسخ الحكم الرشيد". وهذا عين العقل، بل من المطالب الملحة لشرائح واسعة من المجتمع العراقي الباحث عن تغيير حقيقي في منظومة الحكم تعيد للبلاد وأهلها ما فقدته من أمن وطمأنينة وسلام وفرك عقدٍ مجتمعيّ وإعمار وبناءٍ وتنمية وثقافة وتعليم وخدمات. هذا إضافة إلى إعادة بناء شخصية الإنسان العراقي الذي فقد هويته الوطنية وشيئًا كثيرًا من وعيه ورصانته وطينته الأخلاقية والإنسانية والدينية الصحيحة بسبب انغماسه بترّهات المظاهر الفارغة بتحريضٍ من زعامات الطائفية والمذهبية والعشائرية والدينية المهزوزة أحيانًا. فمن المؤسف أن يسود شكل هذه الثقافة الناقصة في المجتمع العراقي الذي أضحى البسطاءُ رهينةً تحت أكناف أشكال مثل هذه الخلطات الغريبة والدخيلة ولاسيّما ذات الطابع الدينيّ والمذهبي منها بفعل بسط الفكر الطائفي المتشدّد الذي استخدمته ومازالت تستخدمه أحزاب السلطة وزعاماتُها وأدواتُها، ولاسيّما الإسلامية منها في فرض أجنداتها الضيقة لكسب ودّ الشارع الذي لفظَها وكره سلوكها وسئمَ من وسائل إيغالها المكشوف في الفساد والخروج عن القانون وفرض أجنداتها بفعل سطوة السلاح.
إن من جملة ما يعنيه هذا النداء الصادر عن أعلى سلطة في الوطن، بالرغم من الشكوك في النوايا والإرادات لكون الجهة الداعية تشكلُ جزءً من توافق السلطات على تقاسم المغانم والمكاسب والمناصب منذ التغيير الدراماتيكي في 2003، تكمنُ بإشارته إلى حالةٍ متهالكة من خيبة الأمل بعد بلوغ العملية السياسية شبهَ حالة من الانسداد السياسي بعد الانتخابات الأخيرة وما شابها من تشكيك وتنابز وتهديد بلغتْ حدّ التدخل بسطوة السلاح واستخدام العدّة والعتاد المتيسر بأيادي الخاسر الخائب لرفض النتائج. فيما الطرف المنافس الفائز بأريحية الأصوات، مازال متمسكًا بمشروعه الوطني بتحقيق "الأغلبية الوطنية السياسية"، وهو ذات المشروع المقدَّم من نفس الأطراف الفائزة في دورات سابقة، فيما هي ذاتُها لا تقبل به اليوم. ومثل هذا التناقض الواضح والفاضح في الرأي والتعبير وتغيير المواقف غير مقبول البتة في زمن الديمقراطية التي قبلت بها واتفقت عليها الأطراف المشاركة في العملية السياسية من دون تردّد أمام الملأ.
إن الأمور لا تُقاس بمثل هذه التقلبات في السياسة. فالديمقراطية الحقيقية لا تعني التوافق العرفي على تقسيم المناصب طائفيًا ومذهبيًا، وتوزيع الثروات بطرق غير شرعية بين أحزاب السلطة عبر نظام التحاصص الفاسد الذي يدرّ على سالكيه وطالبيه عسلاً ولبنًا ويحرم منه شرائح واسعة من الشعب. إنما الديمقراطية الصحيحة تتمثل بما تأتي به صناديق الاقتراع وتقبل به جميع الأطراف، بالرغم من علمنا وإدراكنا عدم إمكانية تطابق الديمقراطية في الأنظمة الطائفية والدينية والعشائرية والقبلية. إذ ليس من المعقول، حين تفوز كتلة او حزب أو تحالف يجري التصفيق له وإقامة الاحتفالات والمهرجانات والشماتة بالخاسر، وبعكسه حين الخسارة تتفاقم الأزمات وتوجّه الاتهامات بالتزوير وتشتد الدعوات بالثبور والتهديد وقلب الطاولة على الفائز. وهنا لا بدّ من الإشارة الواضحة لعدم رضا شرائح واسعة من الشعب العراقي عن أداء ساسة البلاد وشكوكهم المتزايدة بنجاعة العملية السياسية بسبب بلوغها أدنى دركات الفشل والخيبة والتهافت الجنوني في صراعٍ على السلطة ومكاسبها ومناصبها بحثًا عن أبواب ونوافذ درّت عليهم ثرواتٍ طائلة طيلة السنوات السابقة عندما رفعت أحوالَ غالبيتهم من أسافل الحضيض إلى اكتناز الثروات وفتح حسابات وشراء عقارات والتغوّل على عقارات بطرقٍ غير مشروعة. وما خفي يبقى الأعظم! ومن ثمّ، فلا مجالَ بعدُ لاستعادة ثقة الشعب في المنظومة السياسية ككلّ. بل نحنُ أمام تحديات جديدة وحسابات محسوبة النتائج وطنيًا تلوح في الأفق بمعايير صحيحة قادمة تنتظرُ التطبيق والتنفيذ بالرغم من اعتراض الأطراف الفاشلة في السلطة وشبه اللاّدولة.

طاولة للحوار والتفاهم وليس لتقاسم المغانم
كلّ ما يتوق إليه الشعب المغلوب على أمره، قبول جميع الأطراف بما آلت إليه الانتخابات التشرينية الأخيرة من نتائج والجلوس على طاولة وطنية للاتفاق على انطلاقة جديدة بين جميع الأطراف، ليس لتقاسم المناصب والمكاسب ثانية، بل لإتاحة الفرصة للأطراف الفائزة بتنفيذ مشروعها الوطني ذي "الأغلبية السياسية"، فيما الطرف الآخر يفرض رقابته الصارمة من وجهة نظر وطنية وليس طائفية أو حزبية أو مذهبية من أجل الخروج من الأزمة الشائكة وبلوغ مرحلة العقد السياسي الجديد الذي نسعى إليه جميعًا. وهذه فرصة جديدة لعودة الحكم الرشيد بأيادي عراقية وعقول وطنية تأخذ في بنود مشروعها إعادة بناء الدولة العراقية المنهارة من جديد وفق مقوّمات وطنية صحيحة بوضع الرجل المناسب في المناسب وإعادة اللحمة المجتمعية المثلومة والتفكير الجدّي بوضع حدود لهجرة العقول والكفاءات ووضع كل المقدرات في خدمة الوطن والمواطن على أساس العدل والمساواة والجدارة. وكل هذا لا يمكن رؤيته على أرض الواقع من دون إعادةة هيبة القانون، وحصر السلاح بيد الدولة، وكبح جماح تجار المخدرات ترويجًا وتوريدًا وتعاطيًا وتغطية، وتقويم العملية التربوية والعلمية التي تهاوت إلى الحضيض، ومحاسبة الفاسدين والمفسدين من أعلى الهرم وليس عبر صغار الموظفين بجعلهم أكباش فداء.
لذا، ومن منطلق البدء بالتأسيس لمرحلة قادمة وصحيحة من الحكم الرشيد، لا بدّ من تغيير المسارات ووضع النقاط على الحروف والبدء بتصفية بيدر الوطن من الأشواك والزؤان والأدغال الدخيلة كي يعود الحكم للشعب صاحب الإرادة والقرار والمصلحة في كلّ شيء وأيّ شيء. وحتى لو حصلت البداية ببضع ممثلين وطنيين من أصحاب الغيرة والنخوة والإرادة الوطنية، فهي ستكون بادرة خير وبشارة طيبة للمستقبل القريب. فمسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة. وهذه الخطوة ستنفذها هذه القلّة القليلة من النواب المستقلين ومن أصحاب الفكر الوطني المستقلّ الناضج بدعمٍ من ديمومة ثوار الانتفاضة الباحثين دومًا عن "وطن مفقود"، والذين لم يفقدوا جذوتهم ولا خفتت نارُ مطالبتهم بالتغيير المطلوب باتجاه تفعيل الوازع الوطني وعودة الحكم الرشيد إلى بلد الرشيد أيام كان للخلافة العباسة شأنٌ ورفعة وتطورٌ وسمعة حينما كانت بغداد منارة زاهية بزهو قدراتها في كلّ شيء، وسطرًا لمجد العروبة، وصخرة للمُلك الوطيد. فهل ستعود إليها بسمتُها الزهراء الناصعة قريبًا وتبشرنا الأيام القادمة بإشراقة أمل وبهجة وفرح في الأفق؟
هذا هو الأمل القادم الجديد الذي نتوق إليه ونريد حصوله في الدورة المرتقبة للبرلمان، كي نشهد بصدق سمفونية الوطن تخرج من أوتار عودٍ تغنّي له وتعيد أمجاده وثرواته وقراره وإرادته وإدارته إلى أهله الأصلاء من العراقيين الصالحين الوطنيين. دمتِ بغدادُ دارًا للنهى والفن والمحبة والأصالة. فأنتِ دومًا ستظلين بيتَ القصيد، كما أنشدَك قبلنا محبوكِ وأحبابُكِ وعاشقُوكِ! ونحن على وقع خطواتهم نغني لك كي تعودي عاشقةً للحكم الرشيد!



16
خطوات تمهيدية مهمة في خاصرة اللادولة
لويس إقليمس
بغداد، في 28 تشرين أول 2021
قالها تشرينيٌّ ساخطٌ حدّ النخاع بملء فمه: كفانا دولة الهزالة والمحاصصة والفساد والولائية! ومع هذا الصوت الهادر بالوطنية والطافح بالخيبة والأسى، ينبري كلّ الشعب وحشودُ الأخيار ممّا تبقى من الوطنيين فيه، وهم كثرٌ ويزدادون يومًا بعد آخر. والسبب، في كلّ هذه المؤشرات الإدراكُ الواعي بخطورةَ تسيّد أدوات اللاّدولة على مقاليد البلاد والتفريط بالعباد، وتفرّد أحزاب السلطة ومَن فيهم مِن ولائيّي الجارة الشرقية على مقدّرات البلاد من دون ضمير ولا خجل ولا صدّ ولا محاسبة. فبعد إعلان النتائج النهائية التي خرجت بها صناديق الاقتراع بموجب القانون الذي اتفق عليه الأفرقاء، أصدقاء الأمس وأعداء الحاضر، لم يبقى أمام الخاسرين والمعترضين والمشككين ايةُ حجج أو دواعٍ للاحتجاج والنفور وخلق الفوضى عبر النزوع لاستدرار عواطف البسطاء بغطاء الدين والمذهب والعشائرية والطائفية وذلك خشيةً من فقدانهم الحكم وزوال النعم والبركات الناجمة عن أساليب وأدوات حَلبِ مقدّرات البلاد وفرض السطوة والأتاوات على مواقع ومناصب تدرّ عسلاً ولبنًا. وما على الجميع إلاّ القبول بنتائج هذه الجدولة الجديدة من الديمقراطية التي قبِلَ بها حكامُ العراق وارتضتها أحزابُ السلطة ما بعد الغزو الأمريكي الأرعن للبلاد. لقد صدرَ حكمُ الشعب أولاً وآخرًا، في معاقبة فاقدي البصر والبصيرة، وخائني الشعب والبلاد، وهادري المال العام وسفاكي الدم العراقي بلا رقيب ولا حسيب ولا حساب. نقطة، رأس سطر!
كانت مرحلة، من أصعب ما مرّ به عراق الحضارة والطيبة والثراء في كلّ موارده البشرية والطبيعية على السواء. بل مرّت السنوات العجاف منذ تولّي الحاكم المدني الحاقد بريمر، الذي شقَّ لحمة النسيج الوطني بقراراته الجائرة منطلقًا من حقد الإدارة الأمريكية "البوشية" الموغلة في الكذب وفريقه الأفّاك من أجل تدمير كلّ ما تقع عليه أيديهم، بدءً من قدرات الجيش العقائدي الوطني، سور البلاد وحصن العباد المشهود له آنذاك بالخبرة والجنديّة والوطنية. وهذا الجيش ماتزال تنبض في شرايين وأوردة بعض ما تبقى منه وفي مخلفاته، سواءً في السرّ أو في العلن، ومضاتٌ من حبّ الوطن وتحرّكُه روحُ الجنديّة الصحيحة التي رافقت تسيَّده المشهد العربي والإقليمي والدولي لسنواتٍ وعقودٍ ومنه تخرّجت نخب عسكرية في المنطقة صارَ لها جاهٌ وشرفٌ وصيتٌ وتولّت مناصب ورتب عسكرية عليا لسمتها المتحدّرة من عقر الجندية العراقية المتميّزة.
أنصار اللاّدولة في مقياس حكم الشعب
ليس من الفخر ولا من سمات الرجولة تصاعد وتيرة الطغيان السياسيّ وهيجانُه من دون تبريرٍ موثَّق، إلاّ للثأر والثورة بسبب خسارة أطاحت بمصالح هذا البعض. فعلى ما يبدو للمراقب والمتابع أن هذه المفاجأة غير السارّة من شأنها الحدّ من المكاسب والصدّ من خطوات ومخططات يُرادُ لها إبقاء نهج اللاّدولة وضمان فرض نظام التوافق التحاصصي المقيت واستمرار المضيّ بسياسة منظومة دخيلة لا تمتّ للوطن والوطنية بأية صلة أو مقاربة أو مصاهرة. فالدولة في جبروتها وعنفوانها وهيبتها وسيادتها هي الوطن بأكمله، حكومةً وشعبًا وقضاءً. والدولة أيضًا، هي ذلك الكيان القوي الجامع لكلّ المكوّنات والقدرات والكفاءات من دون تمييز ولا فصل ولا عزل إلاّ في الكفاءة والولاء والأصالة وحسن الانتماء وصحة النفس والعقل.  والدولة أيضًا، تتمثُلُ أكثر بقدرة جهازها التنفيذيّ بكلّ تفاصيل ارتباطاته وعلائقه وفعّالياته، في رصد كلّ ما يسيءُ إلى شكل الدولة التي يمثلها رسميًا وشعبيًا، أو ما ينتزعُ من هيبتها ويزرع بذور الشك في قدراتها التنفيذية على تسيير أمور البلاد والعباد بموجب الثقة التي أولاها إياها ممثلو الشعب وتحرص الرئاسة على ديمومتها وصيانتها وحفظها باعتبارها حامية الدستور والقانون. ولعلّ من أهمّ واجباتها في هذا الظرف الحرج الذي تقف فيه أمام منزلقٍ خطير لمصيرٍ مجهول يهدّدُ كيانها ووجودها ومصيرها، يتمثل بالوقوف بوجه اية محاولات للنيل من صوت الشعب الذي قالَ كلمتَه الفصل في صناديق الاقتراع الذي ارتضاهُ جميعُ الفرقاء ووقعوا وثيقة القبول بنتائجه مهما كانت وكيفما كانت. ومن ثمّ ليس من الشرف ولا من الغيرة خلطُ الأوراق وفرض أجندات خارجة عن سلطة الدولة واتخاذ النهج "الهجيني" المنبوذ في تحقيق مسار التوافق بين المشاركة في إدارة الدولة ومهاجمتها والتنمّر عليها في آنٍ معًا، عندما تتأثر مصالحُها الخاصة وتُضرب مكاسبُها غير المشروعة التي يرفضها الشعب والجهاز التنفيذي الموكل بإدارتها. وإلاّ، فقدَ هذا الجهاز قيمتَه وتزعزعت هيبتُه هو الآخر عندما يسعى هذا "الهجين" المرفوض فرضَ أجندته ومصالحه على المصلحة العليا للوطن والشعب الذي أدركَ اللعبة مؤخرًا وحدّدَ بعضًا من سمات المرحلة القادمة التي ستكون مختلفة عن سابقاتها، وذلك عندما رفضَ عبر صناديق الاقتراع شكلَ هذا النظام ورموزه ومنظومة حكمه ونهجه الولائيّ للغير والمفتقِد لأيّ شكلٍ من أشكال الانتماء الصحيح للوطن والوفاء للشعب.
في كلّ الأحوال، ليس خافيًا ولا غريبًا الإقرار بوجود منتفعٍ ومتضرّرٍ، خاسرٍ وفائزٍ في أية جولة انتخابية في أية بقعة من بقاع الأرض الواسعة. وهذا أمرٌ طبيعيٌ ينبغي القبول به. أمّا في حالة وجود اعتراضات، حينئذٍ يمكن اللجوء إلى القضاء وفق الإجراءات الدستورية، بالرغم من الشكوك دومًا في دور القضاء. وهذا الشك قائمٌ حتى في أكثر الديمقراطيات في العالم، ومنها ما حصل في أمريكا في انتخاباتها الأخيرة. فعندما حاول أتباع الرئيس الخاسر خلط الأوراق والخروج عن الأطر القانونية والقضائية في المطالبة بحقوق افتراضية مضروبة ومشكوكٍ بها، كان للقضاء كلامٌ آخر وللشعب حكمٌ مختلف. فالديمقراطية في هذه البلدان العريقة بها، تحدّدها صناديقُ الاقتراع وليس وسائل التنمّر وأدوات الفوضى والدولة العميقة التي تفرض ما يحلو لها من أجندات خارجة عن القانون أو ولائية الحيثيات والنتائج. وهذه جميعًا خارجة عن حدود اللياقة الوطنية والأطر الأخلاقية.
كيف الخروج من المنزلق
لأجل الحفاظ على كيان شبه الدولة القائم وصيانة مكتسبات الديمقراطية الفتية، ولو في أدنى صورها في العراق ما بعد الغزو التدميريّ، لا بدّ من توفّر قاعدة شعبية تدرك أهمية الانزلاق الخطير إلى ما لا تُحمدُ عقباه في حالة إصرار الطرفين، الخاسر والفائز على السواء، على مواقف كلّ منهما. فالواقع المرير والمزري لا يتحمّلُ أكثر ممّا تحملته شرائح كثيرة وكبيرة من الشعب بسبب تغوّل ميليشيات وعصابات أحزاب السلطة ومافيات الفساد للمشهد السياسي منذ قيام أول حكومة محاصصاتية مدمّرة للبلاد والعباد وناسفة لأسس الدولة والإتيان بعناصر لا تؤمن بمفهوم الديمقراطية المدنية المتحضّرة، بل تتخذ من السلاح والتهديد والاسترضاء والاستهداء بالدين والمذهب والقومية والمناطقية والعشائرية والزعيم الأوحد والإرث المقدّس أفضل السبل لترويض الرأي المغاير وكسب ودّ المقابل الناقم على العملية السياسية برمتها. فأصحاب الورقة الخاسرة، يرون في إثارة مثل هذه النعرات الطائفية والمذهبية والعرقية والمناطقية والعشائرية خيرَ وسيلة لزرع بذور الفتنة وإثارة الشكوك وفتح منافذ الشبهات بحثًا عن مخارج يعتقدون بجدواها. فيما يشير الواقع الجديد لخيبة آمال هذه المجاميع غير المنضبطة مهما حاولت أو تكررت مساعيها للحصول على مكاسب انتخابية إضافية أو تعديل بعض نتائجها. فمثل هذه الترقبات والتوقعات تبدو غير لائحة في الأفق في دوائر مفوضية الانتخابات، لا من قريب ولا من بعيد. ولو حصل شيءٌ من هذا القبيل، فلن يكون ذا تأثير عميق في النتائج المعلنة.
من هنا، فإن لجوء بعض القوى الخاسرة إلى أشكالٍ مدانة من العنف والفوضى والتشنّج في الخطاب السياسي بغية تأجيج الأوضاع من منطلق أيديولوجي غير مرحَّب به في كلّ صورِه وأشكاله، يدخل في خانة التمرّد على الجهاز التنفيذي للدولة، مهما كانت هذه الأخيرة في ضعفها القائم. كما أنّ التشكيك بالقضاء، سيأخذ مسارًا دراماتيكيًا ويصعّب من مراسه وموثوقيته ومهنيته على ما هو عليه في واقع الحال الذي لا يُحسدُ عليه البتة. وهذا ممّا سيكون له ومنه تداعيات غاية في الخطورة لا يطيق عليه واقع حال الشعب والبلد معًا. وهنا يكون للعقلاء دورُهم في تهدئة الأوضاع وحثّ الجهات الفوضوية التي تسعى إلى التصعيد غير المبرّر للقبول بالأمر الواقع، تمامًا كما كان عهدُها قبل الانتخابات. أليست هي التي قبلت بنتائج الانتخابات السابقة عندما فرضت نفسها فائزة في مشاهد تزوير فاضحة في الدورات السابقة؟ وحتمًا، اختلفت الأدوار في هذه الدورة التشرينية في مشهدِ رائعٍ تمثّلَ بمعاقبة الشعب البسيط لجلاّديه الذين كان ديدنُهم الكذب عليه طيلة السنوات العجاف الماضية، ولم يحققوا أمنياته بحياة حرّة شريفة ولقمة عيشٍ كريمة وخدمات آدمية تلبّي طلباته واحتياجاتهم اليومية كأي بشرٍ على وجه البسيطة. هنا مربط الفرس!
باختصار، وبعد صدور تقرير مجلس الأمن الدولي خاصة وإشادته بجهود المفوضية على قدر استطاعتها وخبرتها غير المكتملة في إنجاز اليوم الانتخابي أفضل من الدورات السابقة، تكفي للّبيب هذه الإشارة. فالحكومة القادمة لا بدّ أن تولدَ من رحم المعاناة كي تشهد للوضع المأساوي الذي بلغته أوجهُ الحياة المتعددة من تخلّف وتباطؤ وتراجع إلى الوراء بسبب سطوة أدوات اللاّدولة المتعددة على واقع الدولة الهزيلة بكلّ المقاييس. فقد حان الوقت لشدّ أحزمة البناء والإعمار الحقيقيين وتحمّل المسؤوليات الوطنية التي تثبت صدق الانتماء للوطن بعيدًا عن أجندات الولاء للغير، وهي الجهة المعروفة محليًا وإقليميًا ودوليًا في كل وسائل التواصل الاجتماعي والإعلامي، المقروءة والمسموعة والمرئية على السواء. وإنشاءَ الله، لا مجالَ بعدُ للعابثين بمستقبل البلاد ومقدّراتها وبمصير العباد وطموحاتهم كي يعود الوطنُ والشعب إلى حظيرة الدول والشعوب المتقدمة، ويتخلصوا من إرث الحكومات الفاشلة الفاسدة المحاصصاتية المتعاقبة منذ سقوط النظام البائد. وهذه من أولويات الحكومة القادمة، سواءً بشكلها التوافقي التقليدي أو بشكلها الأغلبي في جانبٍ كبيرٍ من أجزائها وبرامجها وأدائها، بالرغم من استقرائنا للواقع المنظور بحضور الشكل التوافقي غير المجدي في ظاهره وتكوينه الركيك. إذ ليس من السهل التخلّي عنه بحسب البعض، طالما أنّ روح التوافق التحاصصي وتقاسم المكاسب والمغانم ما يزالُ فارضًا شكلَه وعقدتَه التي لن يكون بالمقدور حلّها بسياسة القطبين الطبيعيين في أية إدارة للدولة: الحكومة والمعارضة، كما هي حالُ البلدان المتقدمة.
إلى ذلك اليوم، ننتظر بفارغ الصبر بزوغ فجر حكومة جديدة فاعلة بشخصيات تكنوقراط حقيقية وكفاءات وطنية غير ولائية وفاءً للعهد الذي قطعته الكتلة كثيرة العدد في تبنّيها تشكيل الحكومة القادمة، بالرغم من الشكوك القائمة التي تشوب عناصر عديدة في هذه الكتلة متورطة بالفساد والكسب غير المشروع على حساب الشعب والوطن عبر الحصول على أراضٍ واسعة بحجة الاستثمار في مولات والسطو على مواقع تدرّ موارد في المطارات والمرافئ والمنافذ الحدودية ووزارات ومؤسسات مصرفية ومالية. وهذه لا تعمل بمعزلٍ عن مسميات مماثلة في كتل أخرى نظيرة لها وشريكة بإيغالها في الفساد وسرقة المال العام وهدر أموال الدولة. فيما لم تستطع الحكومات المتعاقبة ولا أجهزتُها التنفيذية المعنية ولا القضاء محاسبةَ رموزها الكبيرة وزعاماتها التي تقف وراءَها وتغطّي عليها وتمنع كثيرًا في محاسبتها كلّما اقترب حبلُ القضاء للاقتصاص منها. فالدولة الهزيلة لغاية الساعة ما زالت تعمل وفق مبدأ "حاميها حراميها"، ولن يستقيم الوضع إلاّ في حالة أخذ جانب الحساب دورَه وتطبيقه على الجميع شريطة عمل القضاء بالنزاهة الوطنية والمهنية حفاظًا على سمعته. فالبداية الحقيقية للمحاسبة واسترداد الأموال المنهوبة وسرقات المال العام ليس لها أن تحصل وتحقق أهدافَها إلا انطلاقًا من أعلى الهرم وليس من القاعدة.
وحتمًا، قطعُ رأس الحية هو السبيل الصحيح للبدء بتصفية بيدر الوطن من الزؤان والأدغال والحشائش الضارة أينما تكون ومهما كانت.

17
المنبر الحر / الخاسرُ لا يُؤتمن
« في: 17:37 03/12/2021  »
الخاسرُ لا يُؤتمن
لويس إقليمس
بغداد، بتاريخ 10 تشرين ثاني 2021
في الأمانة الوطنية، لا مجال للتنازلات برهانات خاسرة تحملُها وجوهٌ سياسية خائبة وأفرادٌ دخلاء فاقدو الخبرة في حسن الإدارة وفي تسيير شؤون العباد وصون المال العام وتخطيط اقتصاد البلاد. فمَن جرّبَ حظّه لسنواتٍ خائبات وارتقى المشهد السياسي، والعراق خيرُ مثالٍ لهذه المشاهد الفاشلة، لا يُمكن ائتمانُه ثالثةً ورابعةً أو كلّما ومَتَما حلمَ بهذه على هواه فاقد الرؤية والروية. وهذه رؤية المرجعية الدينية منذ سنوات عندما قالتها بملء الفم. فكيف باللبيب أن يفهم غيرها ويفرض ما لا تستوجبه هذه المرجعية التي قالت كلمتها الفصل في وقت سابق ومازالت على موقفها الذي لم يتزحزح قيد أنملة إلاّ في تقريب وجهات النظر المذهبية وبما يكفل ضمان عدم فقدان السلطة الطائفية التي يروّجُ لها الكثيرون، إلاّ العقلاء منهم من الذين يرون في خيارَي السلطة الحاكمة والمعارضة القوية أفضلَ سبيلٍ للحكم الرشيد وتسيير دفة الحكم مثلما تستوجبه أصولُ الديمقراطية التي قبلتها منظومة الحكم الجديدة بما فيها من عيوبٍ فواحش ومن كبائر فساد في كلّ شيء وأيّ شيء! فالخاسرُ لا يمكن ائتمانُه أكثر ممّا حصل!
قراءة سريعة للواقع السياسي بعد انتخابات العاشر من تشرين 2021، تدلّنا على حدّة الانقسامات في صفوف البيت الشيعي الحاكم منذ السقوط الخائب في نيسان 2003. وإن دلّ هذا على شيء، فإنّما يشيرُ إلى هزالة الإدارة وفقدان الجدارة ورداءة الخيارات في تقرير الصالح الوطني وتغليب المصالح الطائفية والفئوية والشخصية والحزبية على مصلحة الوطن والشعب. ناهيك عن العنصر الولائي للجارة الشرقية في توجهات أغلب الأحزاب الشيعية الإسلامية التي تتبجح بهذه السمة في العلن. بل ويعلنها البعض عشقًا أزليًا ومشاريع تضحيات لقادة هذا البلد الجار الذي لم يخفي يومًا أطماعَه في عراق الرافدين، بلد الحضارات والتعددية الفسيفسائية دينًا ومكوّنات وأعراقًا. وأمام المقاربة الشائكة بين ما سبق حصولُه في انتخابات 2010 حيث الاستنجاد الماكر بمخرج الكتلة الأكبر التي استنبطتها المحكمة الاتحادية المنحازة وغير الحيادية حينها من أجل عدم ضياع الحكم الشيعي وتجاوز ما قد يلحق ذلك من خسارة أو من تصادم بين معسكري الخاسر والفائز، تجد المنظومة السياسية نفسها أمام ذات المشهد الذي لا تُحسدُ عليه. فالصراع بين معسكري القوتين الشيعيتين في أشدّها اليوم ولا يبدو هناك من مخارج سوى بعودة حليمة على عادتها القديمة، أي بتكرار ذات المبدأ التوافقي في تشكيل الحكومة القادمة، لا قدّرَ الله! وهذا يعني من جملة ما يعنيه تقاسم السلطة وتوزيع المكاسب بأي ثمن وإبقاء الشعب العراقي لسنوات أربع قادمات، أسيرَ الصراع الأيديولوجي المرتبط بشكل المنظومة السياسية الفاسدة والفاشلة التي أسّسَ لها اللّصّ الكبير والحاكم المدني سيّء الصيت "بريمر"، عرّاب أميركا وممثل مجرم الحرب على العراق "بوش الابن" في إدارة حكم العراق.
ومنه نخلص إلى حقيقة أنّ المنظومة السياسية القائمة وشكل الحكم البرلماني غير الناضج قد شلّا حركة الإصلاح وكبّلا أية مساهمات أو مساعٍ لإحداث التغيير نحو الأفضل في خدمة الوطن والشعب. وهذا السلوك غير الحضاري من جانب الخاسرين يبدو خارج السياقات الأخلاقية السياسية وموجهًا حتمًا ضدّ الطرف الآخر الفائز بأعلى الأصوات واتهامه بالتخوين وعدم الاعتراف بقدرته على تحقيق مشروعه الإصلاحي الوطني الذي ينادي به لكونه سيسحب البساط من تحت أقدام منافسيه الذين لفظتهم قواعدُهم. لقد كان من المفروض منحه هذه الفرصة لمعاينة ما يدّعي تحقيقه لمصلحة البلاد وراحة العباد في ضوء التراجع في كافة مجالات الحياة. فهذه المنظومة عبر السنوات التي تولت فيها حكومات شيعية رئاستها بإيعازْ من خارج الحدود، لم تتوفق في انتشال الشعب والوطن من الواقع المرير والحياة الرزيلة والتذيّل في آخر القوائم الدولية في كلّ شيء وأيّ شيء. أما الحديث عن فشل الحكومات المتعاقبة، فقد تعدّى نقاطًا ومسائل أساسية كثيرة، منها: انعدام الحرص المسؤول في تقديم الخدمات الضرورية والبنى التحتية، والفشل في إدامة وتطوير شبكة الحماية الاجتماعية وفي تأسيس ما يشمل الضمان الاجتماعي والصحي لكلّ مواطن، وغياب التخطيط الصحيح ووضع استراتيجيات مالية واقتصادية صحيحة ومدروسة للإعمار والاستثمار، وشبه خلوّ في إيجاد حل لمشكلة البطالة المتفاقمة وتكدّس جيوش الخريجين، وافتقار الخطط الناجحة بل عدم القدرة الصادقة لفرض الأمن والقانون على الجميع ومنع التجاوز على الدولة من جانب مافيات اللاّدولة، وضعف الجهود باتجاه إعادة اللحمة الوطنية بسبب الفاعل الطائفي شديد الوطأة، وعدم ادخار الوسع بجعل البلاد بتلك القوة المطلوبة لتأخذ موقعها ومكانتها بين شعوب الأرض والدول المتقدمة وكثيرٌ غيرها. فمذ ذاك ولغاية اليوم، مازلنا نعيش ضمن ذوات الدوائر التدويرية التعبانة المفرَغة غير المنتجة وغير الجديرة بالحكم بسبب اعتلاء المناصب بدواعي الشهادات المزوّرة ولأسباب حزبية أو طائفية أو قريبة من زعامات دينية أو سياسية "مقدسة" فاسدة. وكلّما سعت جهات وطنية، في راس السلطة أو في إحدى مؤسساتها أو دوائرها، لإيجاد مخارج للنجاة من المآزق، وما أكثرها، نجد مَن يلجمُها ويضع العراقيل أمام أيّ منحىً للإصلاح والتغيير ورأب الصدع في استخدام كلّ أشكال القهر والتخويف والابتزاز والتهديد والاغتيال والتسقيط بشتى الوسائل. 

دستور للتوافق
إنّ الإشكالية التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة مردُّها قصرُ النظر في بنود دستور البلاد الأعرج الذي كُتب لصالح فئات كان لها نفوذٌ بارزٌ في فرض ما تراه ملائمًا لمصلحتها الفئوية والطائفية على حساب المصلحة الوطنية. وبمعنى آخر، كانت مؤامرة لوأد كلّ ما يعين الوطن وأهلَه على التعافي السريع والطبيعي من أزماته ومشاكله التي أصابته جرّاء العنجهيات والعنتريات والحروب العبثية التي رافقت فترة الحكم العائلي السابق لسنوات عجاف. كما أنّ الاستفتاء الشكلي الذي جرى على الدستور في 2005، قد أفسد الحسّ الوطني وحرمَ النخب من إبداء الراي والاعتراض على ما احتواه من بنودٍ ومطبات وكمائن وقنابل موقوتة بوجه أية وسائل كانت تستهدف انتشال البلاد من أمراضها السياسية في محاولة واضحة لإبقائها والشعب في مرمى أعداء البلاد، داخليًا وإقليميًا ودوليًا، وجعلِها تدور في دوائر مفرغة وفي أزمات متلاحقة لحدّ استنفاذ كلّ مقدّراتها المادية والمالية وحلبِ مواردها البشرية والاقتصادية بالطرق والوسائل الجهنمية التي نعيشها ونشهدها اليوم.
قد لا يختلف إثنان على الإشكاليات المنغصة التي أنتجها دستور 2005، ومنها معاناة البلاد والعباد من خلفيات كلّ دورة انتخابية وما تشهده الايام اللاحقة للاقتراع الهزيل المتهم في كلّ مرة بالتزوير من ماراثون طويل ومرهق في تشكيل الحكومة التي أخذت المشاركة فيها تقليدًا طائفيًا لاقتناص الغنائم وفرض أتاوات المحاصصة بموجب عدد المقاعد البرلمانية التي تحصل عليها كل كتلة أو حزب من دون بروز معارضة وطنية قوية لمراقبة أداء الحكومة ومؤسساتها وتقويم هذا الأداء بما تحتمه مبادئ الديمقراطية الفتية وغير الناضجة. وإنّ أقلَّ ما يمكن أن يوصف هذا الدستور غير القويم أنه قد كبّلَ البلد وجعله رهينة بيد أحزاب المثلث الحاكم لتقاسم المغانم وفق صيغة التوافق المقيت في مشهد غير وطني عجيب غريب لا مثيل له في العالم المتمدّن. فالكلّ مشارك في السلطة والكلُّ معارض وينتقد الجهاز التنفيذي في ذات الوقت.
لقد أفرزت الأحداث طيلة السنوات المنصرمة ما بعد إقرار الدستور بصيغته الحالية عن أزمات متفاقمة بسبب الأساليب القهرية غير المسؤولة المتبعة في صيغة الحكومات التوافقية المتعاقبة ومنها توليفات غريبة لأشكالٍ من الحكم والسطو خارج سلطة الدولة، تمثلَ بأدوات اللّادولة التي فاقت في تسليحها وعديدها قدرات السلطة الرسمية. كما تمخض مثل هذا السلوك عن خروجٍ واضح لشرائح تدّعي الانتماء لجهاتٍ رسمية ضمن تشكيلات الدولة في فرض قوانينها وابجدياتها ومفاهيمها وايديولوجياتها أحيانًا على الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في البلاد. وهذا كلُّه معروفٌ للقاصي والداني، ولستُ مبتكرًا إياه من بنات أفكاري.
من هنا كان لزامًا على النخب الفائزة في الانتخابات الأخيرة، ولاسيّما "المستقلّة" الوطنية منها أو تلك المدّعية بالانتماء للوطن والشعب أن تضع في أولويات حججها وفي عهدتها البرلمانية وفي برامجها إعادةَ كتابة دستور البلاد وفق رؤية وطنية صحيحة وصادقة ضمن نطاق ميزان الديمقراطية الوليدة. كما أننا نضع ثقتنا في رقاب الكتلة المستقلة الجديدة، التي يسرّنا تسميتها بكتلة "تشرين الوطنية"، كي تقوم بهذا الواجب الوطني وتكثّف من جهودها الصادقة لإحداث تغيير في شكل المنظومة السياسية للسنوات القادمة بدءً من هذه الدورة التي تختلف بالتأكيد عن الدورات السابقة من حيث فرزها الغثّ من السمين واستبعاد الجهات والفئات غير الوطنية التي أثبتت ولاءَها لغير الوطن وأهله. وفي هذا عقوبةٌ لها من مواليها السابقين وخروجٌ عن عقدة عبادة "المقدّس"، طائفة وشخوصًا وزعامات. فلا مقدّس بعد الله والوطن! وكلُّ خارجٍ عن خيمة الوطن أو موالٍ لغير هذا الأخير، لا يمكن ائتمانُه البتة، لكونه خسر الرهان وفقد المصداقية وثقة الشعب والوطن معًا.
وهنا نشير إلى أنه لا بدّ من الوصول إلى تحوّل عميق في الإدارة السياسية وفي الفكر الدستوري من جانب المختصين في هذا الشأن من أجل تقبّل فكرة حصول تغييرات في الدستور العراقي وتعديله أو إعادة قراءة البنود مثار الجدال. كما عليها عدم غضّ الطرف عن كلّ ما يمسّ سيادة الوطن ويحفظ وحدتَه ويصون ترابه وسماءه ومياهه وفق القوانين الدولية من دون خوفٍ ولا خشية في مواجهة دول الجوار الطامعة التي تستخفُّ بسيادة البلد وتخرق هيبَته وتستسهلُ اغتصابَ حقوقه من دون خجل ولا خوف ولا محاسبة أو تحدٍّ من جانب ساسة البلاد وزعامات السلطة الفاسدة للأسباب العديدة والصفات الرزيلة التي يستحقون نعتهم بها بسبب مواقفهم الهزيلة ولا مبالاتهم في إحقاق حقوق الوطن والشعب. وحبذا لو جرى عرض المقترحات المرتقبة لإعادة كتابة دستور جديد أو تعديل العديد من فقراته على الشعب للاستفتاء بعد إنضاجها إعلاميًا ووطنيًا بكل الطرق والوسائل وليس بأسلوبٍ شكليّ كما حصل في دستور 2005 الذي تمّ إقرارُه بطريقة مخجلة وغير ديمقراطية عندما حسمت الجمعية الوطنية "غير الوطنية" أمرها وأخرجه الساسة للناس بطريقة بهلوانية مفروضة على الشعب لضمان مكاسب ومصالح وفوائد لأحزاب السلطة وفق صيغة التوافقات السياسية بين المثلث الشيعي-السنّي- الكردي التي تمتعت بالكعكة العراقية ما طاب لها ولذَّ، بحسب اعترافات زعامات وأفراد وعصابات.

حكومة قوية ومعارضة قوية
إن ما ينتظر البلاد، ترقّبُ وصول حكومة قوية تتحمّل وزر المسؤولية الكاملة أمام البلد والشعب والعالم. وإنّ سرّ نجاحها بالتأكيد، ستحدّدُه سمتُها الوطنية وكفاءتُها الإدارية وجدارتها في خدمة الشعب وتأمين أمنه السلمي ورفاهته مثل سائر شعوب الأرض وفي تنويع مصادر الطاقة ووقف هدر المال العام ومحاسبة سرّاق الشعب ولصوص الخزائن، المركزية منها وفي الأقاليم والمحافظات من دون استثناء. فالجميع مثل الجميع يجب أن يخضع للقانون، ولا فضل أو تمييزًا لمواطن على غيره. فالشعب مصدر القوة والقانون، وليس أحزابُ السلطة ومافياتُها وكلّ مَن يتعكّز على غطاء مهلهلٍ بجلباب الدين او الطائفة أو المذهب أو الزعيم "المقدس" الذي لا ينبغي أن يُمسّ! مقابل ذلك، نترقب قيام معاضة قوية، كما هي حال دول الديمقراطيات في البلدان المتحضرة يكون من ضمن واجباتها واهتماماتها مراقبة أداء الجهاز التنفيذي في الدولة العراقية، أي الحكومة بكل مؤسساتها وتقديم الحلول والمعالجات لإقرارها ومناقشتها في برلمان الشعب وجهًا بوجه من دون تملّص أو مواربة أو محاباة أو مجاملة لطرف أو فردٍ دون آخر. وهذه هي حقيقة الحياة الديمقراطية في السياسة الصحيحة لهذا المفهوم. وحقًا تلكم هي فرصة النجاة المتاحة للتغيير والإصلاح بقيام حكومة قوية تقابلُها معارضة قوية لمراقبة الأداء وتقويم المعوج وتقديم النصح والاستشارة. فقد أثبتت الوقائع والأفعال والسلوكيات الشاذة عقمَ وعدم جدوى الحكومات التوافقية التي كبّلت هذه الأخيرة وجعلتها رهينة بأيدي زعامات السلطة وأحزابها المتاجرة بحقوق الوطن والشعب من هواة الطائفية والعرقية والفئوية.
من جملة ما ننتظره أيضًا من القوى المستقلة والوطنية ومنها تلك التي تدّعي الوطنية في البرلمان الجديد أن يصونوا الأمانة ويحثوا الخطى باتجاه قراءة جادّة لأسباب وحيثيات بلوغ البلاد هذا الدرك من الركاكة في الأداء واستشراء الفساد في كل مفاصل الدولة الإدارية والمالية الذي مردُّه الدستور وتطبيقاتُه الهزيلة وغير الجادّة. وهذا ممّا ينذر بقادم أسود فيما تم غضّ الطرف عن هذه الأسباب لأية دواعٍ. في اعتقادي، فإنّ ترافق العمل الرقابي مع الأداء، وكلاهما من صلب واجبات البرلمان وممثلي الشعب، سيكفلان بدرجة أو بأخرى إجراءَ تعديلات جوهرية في جميع مواقع الأداء والخدمات كي تتوافق مع المرحلة الراهنة. فما كان يصلحُ بعد سقوط النظام السابق لم يعد ينفع بعد خبرة أكثر من ثمانية عشر عامًا من الحكم غير الرشيد والفوضى في الإدارة وغياب الإرادة الوطنية.
إن البلاد بحاجة إلى تغيير مرتقب بعدَ قرب محاسبة الكثير من خلايا الفساد وبلوغ رؤوسها وعرّابيها ممَّن ارتهنوا البلاد والعباد بسبب نظام التوافق الفاسد الذي ضمنَ أدواتٍ لصوصيّة بدأت مواسيرُها بالصدأ والتعفن بحيث فاحت رائحتُها بسبب اشتداد وطأتها على البسطاء والفقراء والكادحين من الباحثين عن رزق حلال ولقمة عيش بكرامة وإنسانية بعد طغيان الغلاء في السلع وتدهور الحالة المعيشية لغير الملتحقين بجيوش وظائف الدولة الخاسرة وغير المنتجة. فالمشروع السياسي المرتقب الجديد تتحمّلُ الكتل والجهات الفائزة مسؤولية المضيّ في سبيل إخراجه للوجود مهما اقتضت الظروف وزادت التحديات. فهو سيكون بمثابة مشروع سياسي واقتصادي واجتماعي وتربوي وعلمي ناضج بدعائم قوية تؤسّسُ لدولة متحضّرة لا تخضع للمحاصصة والتوافق بقدر ما تلقي بكلّ طاقاتها وقدراتها في سبيل إنضاج مشروع وطني قادر على حماية البلاد من اية مزالق وعدم السماح بارتهانه بمصالح دول الجوار بعيدًا عن أية نسمات ونفحاتٍ وطنية صادقة. وهنا سيكون الرابح الأكبر هو الشعب وقواه الوطنية المؤمنة بالانتماء الصحيح للوطن والشعب قبل أي انتماء ديني أو مذهبي أو طائفي أو عرقيّ أو إقليمي أو دوليّ وكلّ ما من شأنه أن يعكرّ صفو الأجواء الوطنية ويوقف عجلة الاقتصاد والتحضّر والسلم الأهلي والخدمات بعمومها ومجملها. أمّا الخاسرون من أحزاب السلطة ولاسيّما الإسلامية منها وزعاماتُها، فلهم البكاء وصريرُ الأسنان والندم على أفعالهم غير الوطنية وخيبتهم وخذلانهم للشعب الذي قدّسهم وهرولَ باتجاههم سنوات مريرة.
فهل سيضع البرلمان الجديد خطوات جادّة باتجاه مشروع وطنيّ قحّ لعراق جديد بحكومة أكفاء وخبراء قادرة على مقارعة مكايد الأعداء والفاسدين والمزوّرين واللصوص، وما أكثرهم؟ وهل ستحزم الكتلة الفائزة أمرَها وتتحدى أصوات الباطل بعدم التنازل عن حقها بتشكيل حكومة وطنية عراقية مخلصة قوية لا تخضع للمحاصصة، تنصف المحرومين وتحسّن الخدمات، وتحاسب الفاسدين وقاتلي الأبرياء ومفتعلي الفتن ومعيقي تقدم البلاد؟ الأيام الماراثونية بيننا لغاية تشكيل مثل هذه الحكومة التي أصبحت ضرورة ماسّة للخروج من عنق زجاجة الحكم العقيم والدولة الاستهلاكية الريعية غير المنتجة. فلا مجال بعد، للخطاب المجامل والمنمّق والمداهن على حساب الوطن وأهله.

18
أوربا، ميثاق جديد للهجرة واللجوء والتحديات المرتقبة
لويس إقليمس
بغداد، في 6 تشرين أول 2021
نشرت مؤسسة روبرت شومان الفرنسية في عددها الصادر بتاريخ 4 تشرين أول 2021، تقريرًا للكاتبة "كاثرين ويهتول دي ويندن Catherine Wihtol de Wenden" قدّمت فيها مراجعة مسهبة عن الميثاق الجديد لدول الاتحاد الأوربي بخصوص مشاكل الهجرة وتحديات اللجوء المفرط الناجم عن ضغوط دولية بسبب الحروب التي شهدتها دول العالم المضطرب. وبحسب الكاتبة، فإن الميثاق الجديد الذي وصل مكاتب المفوضية الأوربية قبل عام، وبالتحديد في أيلول 2020، ليس مرجحًا اعتمادُه بسبب خلافات حادة وانقسامات في دول الاتحاد كونه لا يلبي تحديات المرحلة المعقدة. ويعدّ الميثاق الحديث، الثالث من نوعه ضمن سلسلة قرارات المفوضية الأوربية، حيث سبقه الميثاق الأول في عام 2008 والثاني في عام 2014. وبحسب مصادر مطلعة، فإن الميثاق الجديد قيد المناقشة لا يرتقي لشكل معاهدة، بل يقتصر في تصوراته على نوع من الالتزام الأخلاقي والمعنوي بين دول الاتحاد الأوربي إزاء موضوعة الهجرة واللجوء المتنامي صوبَ أوربا وسط خلافات حادة بين الدول الاعضاء نتيجة لانعدام الثقة وزيادة الضغوط الدولية والهجرات الجماعية وطلبات اللجوء المتنامية بلا رحمة باتجاهها.
ما يمكن ملاحظته في الميثاق الجديد بحسب الكاتبة، تقديمه تنازلات أكثر من سابقيه من حيث السعي الدؤوب لتقاسم الأعباء المتزايدة والهموم المشتركة للتصدي للهجمة الشرسة لطالبي اللجوء وقاصدي الهجرة وإنْ تعددت الأسباب والأغراض من ورائها. فهو من حيث المبدأ لا يضع "تابوهات" أمام هذه الغزوة العالمية لبلدان أوربا بقدر ما يسعى لتنظيمها بما يتوافق مع عدالة المنطق والقدرة الاستيعابية المعقولة تفاديًا لأية منغصات أو مشاكل قد تنجم في حالة تفاقم الأزمة وخروجها عن حدودها المعقولة والعادلة وبحسب خصوصية كل دولة عضو معنيّة في المفوضية الأوربية. فما تخشاها دول الاتحاد الأوربي أكثر، خروج الموضوع عن طاقة الاتحاد، ولاسيّما بفقدان السيطرة على الحدود الفاصلة بين دول المغادرة أي العبور ودول الوصول أي الهدف.
هناك دول يصعب الوصول إليها، إمّا بسبب بعدها عن دول العبور أو لصعوبة العيش أحيانًا في أجوائها المناخية التي لا تتوافق مع طبيعة طالب الهجرة أو اللجوء من العنصر الشرقي. لذا تقع خيارات هذا الأخير بالبقاء في أول موطئ قدم للبلد الذي وصلَ إليه بعد رحلة شاقة مضنية محفوفة بمخاطر لاقى فيها متاعب جمّة عبر تجار لا همَّ لهم سوى كسب المال وإلقاء البشر في مجاهيل البحار من دون مراعاة إنسانية ولا ضمير. وهذا ممّا يشكّلُ عبئًا إضافيًا على أرض دولة الوصول الأوّلي والمواطنين فيها. لذا، من الطبيعي جدًا أن يثيرَ هذا التحدّي غضبَ مواطني هذه الدول ويخلق أزمة لحكوماتها التي تعاني أصلاً من أزمات اقتصادية ومشاكل اجتماعية وسياسية قد تصل لغاية التصدّي لأية أبواب تسعى الحكومات المعنية فتحها تسهيلاً لدخول طالبي الهجرة أو اللجوء مهما تعددت الأسباب. ومنها بروز جماعات متطرفة ومتعصبة للأوطان تسعى للحفاظ على طبيعة شعوبها الأصلية وأعراقها وتماسكها ووحدتها. وهنا قد تدخل أهداف غير هذه ضمن مساعي الحفاظ على التركيبة السكانية الأصلية في العقيدة التقليدية وطريقة عيشها وممارساتها الاجتماعية والسلوكية اليومية. هذا إلى جانب المطالبة بالعدالة في مسألة تقاسم الأعباء للتخفيف عن النتائج الكبيرة والعديدة التي تحتمها هجمات اللجوء والهجرة غير الاعتيادية في الفترة الأخيرة واقتران هذه بالمشاكل والأزمات التي ترافقها. كما لا يمكن تجاهل نقاط الخلاف بين دول الانطلاق المحاذية لدول الاتحاد الأوربي ومشاكستها لهذه الأخيرة لأسباب خلافية في السياسة العامة، كما حصل مؤخرًا في الأزمة التي خلقتها بيلاروسيا وإطلاقها العنان لاختراق دول الاتحاد المجاورة مثل ليتوانيا وبولندا بهدف إحداث خروقات أمنية وخلق أزمات في المنطقة، ما يتطلب تعزيز مراقبة الحدود وتعاونًا أكثر في رصد ومنع اية خروقات لمحاولات غير شرعية للاتجار بالبشر.
حفاظًا على الهوية
كما يبدو للعيان، هناك مَن يرى صعوبة في تنظيم موضوعة الهجرة وطلبات اللجوء بسبب الخلافات المتجددة بين دول الاتحاد الأوربي وطبيعة الحكومات وشكل الأحزاب التي تحكمها. في الآونة الأخيرة، طغت على أوربا أحزابٌ يمينية لا تخفي في سياستها شيئًا من التطرف والترصّد لأية محاولات تهدف لإحداث تغييرات ديمغرافية في شكل التركيبة السكانية لتلك البلدان وهويتها الدينية والاجتماعية والعرقية. ولعلَّ هذا من ضمن حقوقها المواطنية. فالشعب هو صاحب الإرادة والقرار في الأول والأخير حفاظًا على صورته واصالته وعنوانه الديني وهويته القومية والوطنية. ومن جملة ما يعنيه مثل هذا الموقف وضع العراقيل الطبيعية أمام تحقيق هدف الميثاق الجديد، ما يعني بالتالي أيضًا ضآلةً وقصورًا في فرص نجاح تحقيقه على مستوى دول الاتحاد.
ومع تواصل الانتخابات العامة وقربها في بعض دول الاتحاد، نشهد عزوفًا عامًا ومعارضة واضحة إزاءَ هجمات الهجرة واللجوء المتزايدة في منهج بعض الأحزاب الوطنية والقومية، لاسيّما في أكثر الدول المعنية بالهجرة واللجوء وأهمّها، مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وربما أخرى غيرها اكتوت بنيران هذه الظاهرة المقلقة. إضافة إلى دول المجموعة الاسكندنافية التي تخشى غزوها من مواطني دول شرق -أوسطية وآسيوية وأفريقية. وفي حين كانت هذه الموجات القادمة من شعوبٍ ودولٍ محسوبة حتى الأمس القريب عصبَ التعاون والشراكة معها منذ الحقبة الاستعمارية لحين تعثرها وفقدان شرعيتها وخسارة تبعيتها مرحَّبٍ بها طيلة سنوات العسل الطوال، إلاّ أنّ الصورة تكادُ تختلف اليوم بسبب تطور شكل العلاقة بين دولة الاستعمار القديم والشعوب المستعمَرة (بفتح الميم) بعد تمرّد هذه الأخيرة على شكل التبعية التقليدية. وهذا ممّا خلق مؤخرًا فجوة في التعامل الدبلوماسي بين طرفي المشكلة، حيث بدأت تتشكى هذه الأخيرة وحكوماتُها من قرارات تحدّ من سبل طلبات التأشيرات لأية أسباب كانت، كما حصل مع دول مغاربية مؤخرًا. وقد برز تأثير مثل هذه القرارات على طلبات البحث عن عمل أو لأغراض الاستقرار السكني والإقامة لأفرادٍ ومواطنين يسعون لترك بلدانهم الأصلية بعد شعورهم بخيبة أملٍ فيها أو بسبب مطاردتهم وكظم أحلامهم بحياة مستقرة في العدالة والحرية والديمقراطية التي افتقدوها في بلدانهم الأصلية بسبب حكومات وأحزاب فاسدة سعت وراء مصالحها الفئوية والخاصة. وهذا ديدنُ العديد من الدول الشرق-أوسطية والإسلامية ومنها منطقتنا العربية على وجه الخصوص لا التحديد.
ممّا لا يخفى ايضًا، وجود اتفاقات بينية بين دول الاتحاد الأوربي في مجال تنقل اللاجئين وفق معايير اشار إليها الميثاق. لكن ما يختلف عنه الميثاق الجديد المقترح مع نظيره ميثاق دبلن الأول في 1990، عدم إتاحة الفرصة لطالب اللجوء بالتقديم لخيارات عديدة أتاحها سابقُه. وفيما ينص اتفاق دبلن الثاني الذي أُقرّ في عام 2003 على حتمية تحديد طلب اللجوء في البلد الأولي الذي تطأ أقدامُ المهاجر أو طالب اللجوء وعدم السماح له بتغيير الطلب، ما شكّلَ فجوة وأزمة وغضبًا لدى مواطني هذه الدول التي تشكّل القاعدة الأولى لقاصدي الهجرة أو طلبات اللجوء بسبب معاناتها من كثرة قاصديها وتفضيلها على غيرها من بلدان بعيدة نسبيًا قد تتطلب جهودًا ومساعٍ ومتاعب ونفقات إضافية لبلوغها. وفي حين يشكل الهدف من مشروع الميثاق الجديد إيجاد قاعدة للثقة بين دول العبور ودول القصد وتوازنًا في الإقامة والاستقرار فيها، فإنّ الهاجس الأمني يبقى من ضمن المعالجات والسمات التي لا مناص منها في الحفاظ على الخصوصية الأمنية لبلدان الاتحاد وصونِها من أية مخاطر أمنية تسعى لخلق حالات من عدم الاستقرار أو الإرباك والاضطراب فيها لأغراض وغايات، منها معلومة ومنها ما يزال في قيد الجهل والغباء من جانب حكومات أوربية تعيش في سبات أفكارها الناجمة عن حسن نية وطيب إرادة ومدّ يد المساعدة للغريب المطارَد في وطنه وبين أهله وناسه لدواعٍ إنسانية بحتة. وهنا الطامة الكبرى!
إتزان وتحديات وأحلام 
صحيح أن التحديات كثيرة والمعالجات ضعيفة لا ترقى إلى مستوى التضامن والتآزر تلافيًا لمشاكل أوسع وأكبر. لكن ترجيح العقل والاتزان في التأنّي باتخاذ قرارات بقبول حالات اللجوء والهجرة أيضًا، ضروريٌ للبناء القوي لأسوار بلدان أوربا وصون هويتها والحفاظ على صورتها النمطية الخاصة التي يرى فيها طالب اللجوء أو المهاجر جنة عدن وخير مكانٍ للإقامة والعيش المترف الحر في أجواء تختلف كلّيًا عن محيطه السابق في وطنه الذي لفظَه وطردَه وضحّى بمواطنيته بسبب تفشّي الفساد والإفساد فيه وتعميم مبدأ الدكتاتورية المقيتة في الحكم وطرد الكفاءات والقدرات الوطنية بسبب صعود شرائح تافهة وجاهلة وطائفية لحكم بلدان الشرق-أوسطية والأسيوية والأفريقية، ومنها العربية والإسلامية بصورة خاصة. هذا إلى جانب خطايا عديدة اقترفتها وماتزال تقترفُها الأحزاب والحكومات الحاكمة بالحديد والنار، ممّا لا يتيح للعامة من المغضوب عليهم بلوغ العتبات الأولى من أحلامهم إلاّ بشقّ الأنفس وبعد التعرّض لمخاطر لا حدود لها. 
وإزاء الأبواب المفتوحة على مصاريعها للقادم الجديد، مهاجرًا شرعيًا أو غيره أم لاجئًا، تبقى سلوكياتُه هي التي تحدّد مدى اندماجه وتفاعلَه مع المجتمعات الجديدة، هذا إذا كانت نواياه سليمة وصاحَبتها إرادة قوية في تبنّي حياة جديدة بعيدة عن منغصات عديدة لامسها وعايشها في وطنه الأم الذي هجره لأسباب كثيرة، شخصية وعائلية وربما اقتصادية وسياسية بالتأكيد. ومن المفترض بمَن يخرج من هؤلاء عن حزمة التسهيلات التي تلقاها في بلده الثاني الذي آواهُ واحتضنه بصدر رحب وأيادي ضارعة للمساعدة، أن يكون على قدر المسؤولية الجديدة لا أن ينقل ترّهات وخزعبلات بلده المطارَد منه وينغّص حياة الناس الآمنين فيه. وكما يقول المثل الدارج "يا غريب، كُنْ أديب". وهذا يكفي للبيب والقارئ والمتلقي على السواء! 
هنا، يحق للدولة المستقبِلة للقادم الجديد أن تتخذ الحيطة والحذر في قبولها وخياراتها ومراقبتها ورصدها لأية خروقات طارئة غير مقبولة أو مثيرة للريبة والشك عندما تضع مثل هذه السلوكيات الشائنة البلد المضياف الذي احتضنه في مواقف مخجلة ومحرجة تعرّضُ أمنَه وسلامةَ أراضيه ونظامه إلى الخطر. فليس من المعقول ولا من المنطق ولا من الشرع أو المعتقد، أيًا كانت طبيعتُه، مقابلة الخير بالشر والمحبة بالكره والعون بالتخريب والأمنَ بالخيانة. وهنا فقط، يتوجب على دول المنظومة الأوربية أن تكون جادة في صرامتها باتخاذ ما يستوجبه ويستحقُه مثل هذا السلوك الشائن من إجراءات رادعة وعمليات استبعاد بموجب بنود المواثيق السارية جميعًا من دون تغاضٍ أو إهمالٍ أو تساهل طالما أن المسألة تخص السلامة العامة والأمن الوطني والمواطني لمواطنيها. فعلى هذا الأخير يُبنى استقرارُها وديمومتُها وبقاؤُها قوية ومتماسكة. لذا لا عجبَ أن تُتخذ إجراءات الحيطة والحذر في تسجيل طالبي الهجرة واللجوء ومراقبة الحدود ورصد تحركاتهم المشبوهة، كما حصل في عدة دول راقبت جمعيات خيرية ومراكز ثقافية ومواقع عبادة استغلّت مساحة التسامح الغربي المتيسر لتحقيق غايات ونشر أفكار اصولية متطرفة وأخرى طائفية وتخريبية تضع أمن وسلامة الدولة على المحكّ.
من هنا كانت النزعة الجديدة لبعض الأحزاب الحاكمة والمعارضة على السواء، والتي صحت من سباتها بعد نومٍ عميق، كي تتشارك في مبدأ واحد للحدّ من مثل هذه السلوكيات والحفاظ على سيادتها فوق أراضيها. فيما اتخذت أخرى، وساندتها جمعياتٌ ونقابات واتحادات ونخب وطنية وثقافية واجتماعية، توجيهاتٍ حاسمة في هذا الملف بالدعوة لصحوة وطنية لصيانة مجتمعاتها الأصلية من كلّ غريبٍ دخيل لا يحترم القانون أو قادمٍ غير شرعيّ يبحث عن مشاكل أو داعية يشكلُ هاجسُ التخريب أولى أولوياته من الهجرة، كما حصل في اعتداءات عديدة من هذا النوع. ومن ضمن هواجس الشعوب الأصلية لبلدان الاتحاد الأوربي أيضًا، تأتي الخشية من فقدان الإرث الديني والمجتمعي والمناطقي المتمّيز ومساحة الحرية والديمقراطية الحقيقية التي تزدان بها عموم شعوب أوربا. ولعلَّ هذه المزايا تشكّلُ السببَ الرئيسي في توجه أنظار طالبي اللجوء والهجرة باتجاه هذه البلدان المتقدمة والعيش في كنفها، بالرغم من عدّها في نظر البعض دولَ الكفّار!!!

نظرة إنسانية
عمومًا، تكفي النظرة الإنسانية بعديدة الرؤية المتمثلة بالبطاقة الزرقاء الجديدة التي اعتمدها البرلمان الأوربي في 15 أيلول 2021، في استقبال أصحاب المواهب والمهارات وفي قبول الكفاءات المهاجرة وتأمين إقامتها وتهيئة السبل الكفيلة لراحتها وتقدمها وتطوير مهاراتها الضائعة في بلدانها الأصلية. وإذ تتفق دول الاتحاد الأوربي على مبدأ الشراكة والتكامل في هذا الملف الشائك، فإنها من ناحية أخرى تترك مساحة من الحرية لكلّ دولة كي تقرّر ما يستجيب لطموحاتها وييسرُ تحقيق برامجها وخططها في تسيير شؤون البلاد والعباد من دون خرق للمواثيق والاتفاقات العامة أو خروج شاذٍ عن جادّتها. وهذا ما حصل مع موجات الهجرة واللجوء التي صاحبت ولحقتْ استيلاء طالبان على مقاليد الحكم في أفغانستان، حيث اضطرت دول الاتحاد الأوربي لقبول مئات الآلاف من المواطنين الأفغان الذين تدفقوا موجات متتالية ليتم إضافتُهم على كاهل هذه الدول وحكوماتها المثقلة أصلاً بطلبات لجوء دولية مشابهة، تمامًا كما حصل ومازالَ يحصلُ مع لاجئي سوريا والعراق ولبنان إبّان اشتداد الأزمة وتواصلها لغاية الساعة. وهذا ما بدأ يزرع الرعب في نفوس "الشعبويين" الذين نما حسُّهم الوطني تجاه غلبة الدخلاء والمهاجرين وطالبي اللجوء إلى حدٍّ كبير في بلادهم والمخافة من زيادة تأثيرهم وحضورهم الفئوي والطائفي والعرقي والدينيّ على أصحاب الأرض والتاريخ والإرث. كما أنّ أوربا كما يبدو من تباين سلوكيات الحكومات التي تحكمها بحسب توجهات الأحزاب فيها، ليست في وضع يسمح لها بتقاسم الأعباء بين أعضائها لأسباب كثيرة داخلية وخارجية. وهذا ممّا أفقدها سمة التضامن وسيادة التناقض في النهج الأمني لكل دولة بسبب اختلاف الرؤية في معالجة الخلل والحالة كلّ على حدة. من هنا يعتقد مراقبون أن الاتفاقية الأوربية للهجرة واللجوء الأخيرة التي قدمتها المفوضية الأوربية في أيلول 2020 لن تكون فعّالة بسبب غياب سياسة موحدة للجوء والهجرة التي ماتزال بعيدة في الحسابات العامة.


19
مهرجان بابل انتصار للثقافة العراقية
سلوكيات الدكتاتورية الدخيلة لا تنسجمُ مع طبيعة شعب الرافدين
لويس إقليمس
بغداد، في 3 تشرين ثاني 2021
بين الفعل والقول مساحة قد تتسع أو تضيق كما بين الجِدّ واللعب. هناك مَن يرتضي لنفسه التلاعب بمشاعر الناس واللعب على أوتار هشة دينية أو طائفية أو مذهبية أو عشائرية لم تعد تُؤتي أُكلها بعد تصاعد الصحوة الوطنية والنظرة الإنسانية للحياة ومتطلباتها واتساع آفاق التحرّر من براثن فئات خائبة ومريضة من طبقة رجال السياسة والدين وأرباب الكتاتيب ومَن يواليها بفعل خسارة مكامن جبروتها وحواضن سطوتها في أوساط بسطاء القوم وفقراء اليوم ومَن لا حولَ لهم ولا قوّةَ. وما أكثرهم في زمننا، بعد محاولات حثيثة ومتواصلة من بعض هؤلاء بزيادة حشو عقول العامة واستخدام كل التوصيفات التحذيرية والتهديدية بالثبور والعقاب في الدنيا والآخرة وبحجة الخروج عن عرف اجتماعي هشّ متخلّف. فما حصل من جهاتٍ خائبة ومغرضة قبل أيامٍ من افتتاح مهرجان بابل الثقافي بنسخته الخامسة عشرة بعد انقطاعٍ لسنوات والاعتراض على فقراتٍ ترفيهية وغنائية، لا يمتُ لحضارة العراق وثقافة شعبه بأية صلة. فالعراقيون بطبعهم وطبيعتهم ونفسيتهم أصحابُ سمر ونكتة وضحك وترفيه وطرب. كما أن المناسبات لا تحلو ولا يكون لها طعمٌ ولا لذةٌ إلاّ بالطرب الجميل والصوت الرخيم والأنس البهيج النابع عن فنٍّ رفيع بل فنون تطبَّعَ عليها ذوقُ العراقيين ونكهتُهم المتميزة منذ القدم. 
والحق يُقال، فإنّ مثل هذه العراقيل والمحرّمات غير المبررة لم تعد تنفع مهما سعى وحاول بعضُ أصحاب هذه السلوكيات الهزيلة من كارهي الحرية وأدواتها الديمقراطية في التعبير عن الرأي وإبداء الإحساس والشعور بمساحة شخصية، فردية أو جماعية. "هذه حريتنا! نريد أن نغنّي ونبدع ونضحك ونتسلّى، ولا أحدَ يمنعنا!"، قالها أحد المشاركين في مهرجان بابل الحضارة، طالما لا يوجد ما يسيءُ إلى الذوق العام ويخدّشُ الحياء، إلاّ أللهمّ لدى فئة دخيلة وغريبة اقترنتْ "تابوهاتُها" وتحاريمُها بثقافة قيادة البلد الشرقي الذي فرضَ ومازالَ يفرضُ سطوتَه المذهبية ونظرتَهُ الاجتماعية ورؤيتَه السياسية وثقافتَه المتأسلمة المتخلفة على مجمل شرائح البلد والشارع والنظام في العراق بلا منازع. فهذه بمجملها إنما هي شكلٌ من أشكال الثقافة الدكتاتورية الدخيلة التي لا تنسجم مع طبيعة شعب الرافدين وحضارته وقدراته البشرية والمادية، ما جعل أصحابَ الأرض "إيرانيين" أكثر من شعب إيران نفسه، بل وعشاقًا لها ولقيادتها في فرض قوانين واستنباط ممارسات والإيغال في أدوات التخلّف من ملبسٍ ومنعٍ لمظاهر اللهو والراحة وأشكال الفنون إلا في حدودها الدنيا خوفًا من أدوات غريبة تسعى لعودة أدوات "الأمر بالمعروف"، وكأنّ باري البشر وخالق الأرض والسماء والعناصر ما هو إلاّ دكتاتورٌ مسخٌ يرفض على عباده أيَّ شكلٍ من أشكال الترويح عن النفس ولا يرضى بأدوات الإبداع التي تقبل اللهو المتزن غير الخادش والجدّ في التقديم والعرض وبما يسبغ على البشر راحة الفكر واستراحة العقل بحسب الظرف والحاجة.

 صوتُ الحرية


هنا نقول، إنه بعودة موسم مهرجان بابل الدولي بكلّ فقراته ومنها الغنائية مثار الجدل، وكما كان مخطَّطًا له من الجهة المنظمة، قد انتصرت إرادة الفن وعلا صوتُ الحرية وصدحت الحناجر انتصارًا للعراق وأهله الطيبين وتاريخه العريق. فالعراق كما أعرب الكثيرون ليس بقندهار طالبان، ولا ذليلاً تابعًا للوليّ الفقيه، بل كان ومازال وسيبقى بلد الحضارة والأنس والفن والضحك واللعب والإبداع، بلد السياب والجواهري والبياتي كما هو بلد المسرح والطرب والغناء وموطن أبي نؤاس وشهرزاد وشهريار بعد زوال غمّة الهموم والترّهات الطافية فوق سطوحه بفعل تكالب الطامعين واجتماع الأعداء على خيراته ومقدّراته والعبث بأدواته البشرية بكلّ أشكالِ إبداعاتها وقاماتها وطموحاتها. كما أنه البلد الذي من حضارته صُنعت الحياة في دهاليز الزمن الماضي. وهذا قابلِ العودة والتجدّد بإرادة شعبه بعد إزاحة المعوقات والعراقيل والتابوهات عنه.
صحيحٌ أن شعب العراق يتقبل كلّ المتغيرات ويتلون بحسب الوضع والمقام، إلاّ أنه يتميّزُ بأصالته وحبه للحياة والترف والترويح عن النفس متى جاءته الصحوة، شأنُه في ذلك شأن ايٍّ من شعوب الأرض التي لها تاريخ وحضارةٌ وقدراتٌ بشرية ومادية وإبداعية. فكم بالأحرى ما يتميّز به العراق عن غيره من شعوب المنطقة والعالم. فهو سيّد الكتابة وباني الحضارة ومعلّمُ البشرية في أولى خطواتها العلمية والقانونية. وهذا ما يتيح له التربعَ على عرش التحضّر والتمدّن في كشف القدرات وبيان الطاقات بكلّ اشكالها وتفاصيلها، ومنها مهرجانات الفنون والموسيقى والمسرح والغناء والطرب في إشارة إلى ضرورة عودته إلى الحالة الطبيعية لمكانته المطلوبة بين شعوب وأمم الأرض وعدم حصره في بوتقة التديّن المصطنع ومظاهره الخادعة بأية حجةٍ أو مبرّرٍ أو داعٍ لا مبرَّرَ له أصلاً. فهو بلد الإيمان والمرح على السواء، ولا داعي للمتاجرة بهذه الأدوات الرخيصة. فلو كان أسلوب استمالة مشاعر البسطاء وعامة الشعب بشيءٍ ممَا يدّعي هؤلاء الأدعياء بتخديش الحياء وخرق أخلاقيات المجتمع، فقد بات هذا اسلوبًا غير ذي جدوى، بل قاصرًا ولا يمتُّ للواقع الشعبي المطلوب والرائج بصلة لكونه يعكس رؤية سلبية للمشهد الثقافي والإنساني والوطني، في محاولة للصق تهمة التخلّف بشعب النهرين الخالدين وتطلعات أبنائه وحاجتهم للمرح والرفاهة والترويح والضحك.

بابل تغني من جديد رغم المعترضين

"ألعراق بلد الكرم والأمان والطيبة"، قالته الفنانة الكويتية "شمس" وهي تتجول في شوارع بغداد على راحتها مستبعدة أية مظاهر للحماية. فهي آمنة ومطمئنة على حياتها في بلدها، في بغداد عاصمة الرشيد والمنصور، مدينة الكنائس والمآذن والجوامع وبين محبيها من أصحاب الذوق الرفيع من مجمل الفنون التي أبدعت فيها مدارس ومراكز حيوية وأجاد فيها مطربون وشعراء وعشاق الموسيقى والفن حبًا بالحياة. فيما أضفت مشاركة العديد من الفنانين العراقيين والعرب المعروفين الذين لهم جمهورُهم، لمساتٍ مبهجة على فعاليات المهرجان بتفاعلهم مع الجمهور وتجاوزهم حدود الإبداع المحلّي ليرتقوا إلى مصافي الفن العربي والعالمي في أوسع صوره وأدواته، شكلاً وصورةً وطاقةً. وهذه رسالة اطمئنان للعالم ببدايات طيبة لعودة البلاد إلى دورة الحياة تدريجيًا بالرغم من كلّ المعوّقات والعراقيل والمطبّات التي تضعها جهاتٌ متنفذة أو قريبة من السلطة، دينية كانت أم مدنية مهزوزة بتبريرات عديدة، ومنها جهاتٌ مرتبطة وموالية لدولة الجوار الشرقية التي لا تستأنس ولا ترضى بهذه العودة الطبيعية. فلو كان الهدف من هذه العراقيل بوجه تقديم فقرات غنائية وترفيهية حقًا بقصد تأجيج الأوضاع وخلط الأوراق لمنع عودة العراق إلى حظيرة الدول المتمدنة بعد تراجعه في كلّ شيء غبّةَ غزوه وتسليمه للجارة الشرقية، فهذا شأنٌ خطيرٌ لا بدّ من تفحّصه والتمعن به بعناية حفاظًا على هيبة البلاد ورغبة شرائح كبيرة منفتحة على العالم من شعب العراق الجريح حتى في نزهته وراحته ورفاهته. فقد أثبتت الوقائع أنّ الجارة الشرقية وأدواتُها في العراق لا تريد له خيرًا بل تسعى لإبقائِه متخلفًا خانعًا ذليلاً تابعًا لها خارج معايير الأسرة الدولية في نمط حياة ابنائه وفي واقع عيشهم بعيدًا عن أية مقاييس تضمن لهم الحرية والاستقلالية في العيش والتمتع بالهيبة والسيادة وتقرير المصير بعيدًا عن أية إملاءات وفي استغلال القدرات المادية والبشرية باتجاه التقدم والنموّ والتطور نحو الأفضل.
نقول، حسنًا فعلَ رئيس الوزراء الكاظمي بحسم الجدل حول هذا الموضوع والمضيّ في تقديم كل الفقرات ومنها الغنائية من دون تحفظات متعهدًا بضمان الحماية والأمن كما ينبغي. وبالرغم من ورود بعض ملاحظات سلبية رافقت فقرات العرض من حيث التقديم والديكور والتنظيم كما اعتدنا دائمًا، إلاّ أنّ التهافت اللافت والمشاركة الجماهيرية التي امتلأت بها مدرجات المسرح البابلي الثري طيلة أيام المهرجان، هي من الدلائل على نجاح فعالياته ومساهمتها في إرضاء الجمهور المتعطش لعودة الحياة العراقية إلى طبيعتها وإمتاعه لأيام جميلات. وهذه إشارةٌ إيجابية أيضًا، لحبّ العراقيين للحياة ودعمهم الصادق لأشكال الثقافة والفنون والطرب ورفض أية عناصر ظلامية أو رموزٍ أو أدوات سلبية تريد إيقاف عجلة الحياة وحرية المجتمع بأدوات دخيلة. فالدولة تحتاج رجال "إرادة" كي تثبت القدرة الصحيحة على "الإدارة" الجيدة واضحة المعالم في التعامل مع أشكال هذه العراقيل والأساليب غير المقبولة والتي لم تعدْ تتجانس وتتوافق مع بلوغ الفكر والعقل مراحل متقدمة في إطار عالم الرقمنة والتكنلوجيا المتقدمة التي تجاوزت مثل هذه الترّهات والأفكار المتخلفة التي تريد العودة بالبشرية إلى عصور الظلامية والتخلف. فهذا جزءٌ من حرية الفرد ومن أبسط حقوقه، لاسيّما إذا كانت الدولة بإداراتها وإرادتها هي الكفيلة بضمان سير مثل هذه الفعاليات التي تُعدّ من مفاتيح الترفيه للشعب ومن الدلائل على سعة الفكر والرؤية والمدارك في بناء الدولة والإنسان معًا. ومَن يرفض أشكال هذه الأنشطة الفنية فهذه حريتُه، وحريتُه موضعَ احترام. فهو ليس مكرَهًا بالمشاركة فيها أو التفاعل معها أو متابعة فقراتها التي قد لا تسرُّه. ولا بدّ للحياة أن تتواصل في جميع أوجهها الإيجابية التي تبعث النشاط والحيوية والتجدّد والإبداع في الفكر والرأي والرؤية، كما في تقدّم البلاد ورقيّها إلى مصاف الدول المتقدمة والمنفتحة على العالم المتجدّد كلّ يومٍ وكلّ ساعة وكلّ دقيقة.
من الأعماق نهنّئُ إدارة المهرجان باختتامه بنجاح منقطع النظير، ونشدُّ على ايدي المشاركين من الفنانين العراقيين والعرب وكافة الفرق الفنية، ونسبغ الشكر للجمهور الواسع الذي تفاعل وانسجمَ مع فعاليات المهرجان وفقراته، ولاسيّما الغنائية والمسرحية والراقصة وعروض الأزياء منها على وجه الخصوص. وسنظلُ ننشدُ للعراق ونعمل على تقدمه واستعادة دوره الطبيعي بالتربع على عروش الفن والإبداع والعلم. كما نتمنى له عودة سريعة وآمنة إلى حضنه العربي والدولي بعيدًا عن الدخلاء والأعداء التقليديين وذيولهم وأتباعهم من واضعي العراقيل أمام تطوره. فمَن يدعو وينشدُ لبقائه ذليلاً خانعًا ضعيفًا بلا سيادة ولا هيبة ولا تقرير مصير، ليس من العراق بشيءٍ ولا من أهله الطيبين ولا يؤمنُ بتاريخه الحضاري، ومنها بقايا جنائنه المعلقة التي حيّرت العالم وما تزالُ أسرارُها صعبة الاكتشاف بعد مرور أكثر من أربعة آلاف سنة، إلى جانب شواخص مهمة كثيرة مثل مسلّة حمورابي وأسد بابل والثور المجنّح والملوية والعاشق وأور وغيرها، من دون أن ننسى دياراته وكنائسه ومآذنه ومعابده على مرّ السنين والقرون والأجيال التي تحكي قصصًا رائعة في تجانس الاختلاف والتعايش البشري على مرّ التاريخ. ومَن يسعى لغير هذا، سيكون مصيرُه حتمًا في هامش التاريخ المنسي. فالانتصار أولاً وآخرًا، إنما سيكون للشعب!!!



20
الطفولة، ما أحلاها شكلاً وما أصعبها فهمًا
لويس إقليمس
بغداد، في 25 أيلول 2019
قبل أيام قرأتُ موضوعًا جميلاً في صحيفة فرنسية خصصت جانبًا يسيرًا من إحدى صفحاتها التي تعنى بالأسرة والمجتمع للاهتمام بأبجديات الطفل، ومن ضمنها ما يلحق بحياة الطفولة وكيفية التعامل مع حاجات هذه الأخيرة مع نمو الطفل في القامة ونضجه في العقل. في بعض الدول المتقدمة تبدأ عملية تعليم الطفل إلزاميًا بعمر ثلاث سنوات، إن لم يكن قبل ذلك بقليل في بلدان غيرها، وذلك عبر مؤسسات تربوية رصينة تأخذ على عاتقها هذه المسؤولية التعليمية الإلزامية الأولية، إلاّ إذا تعهدت أسرة الطفل بتوفير هذه الممارسة الإلزامية التي تفرضها الدولة. لكنها تبقى تحت مراقبة مؤسسات الدولة المعنية التي تتابع هذه الخطوة من عمر ثلاث إلى سنوات لكونها الفترة الضرورية التي منها ينطلق الطفل إلى الفضاء الفسيح في عالم التربية والعلوم والتكنلوجيا، وباختصار إلى العالم الفسيح. وهذا ما قمتُ به شخصيًا فيما يخصّ أولادي بالرغم من الأوقات الحرجة التي عشناها في بغداد في فترة الحصار في التسعينات من القرن المنصرم، واتّبعتُه اليوم أيضًا مع أحفادي في مرحلة "الدمقرطة" الخائبة التي تعاني منها البلاد حاليًا، إيمانًا منّي بالواجب الذي يترتب على الآباء والأمهات بالأخذ بيد أطفالهم لغاية تهيئتهم لدخول المجتمع من أوسع أبوابه وهم مسلحون بأدوات التربية والأخلاق والسلوك الصالح.
بحسب مفكرين واختصاصيّين بالطفولة، يكون الطفل بعمر 3 سنوات قادرًا على التناغم مع المحيط الجديد المختلف عن محيطه في البيت وسط الأسرة بمساعدة وإشراف مختصّين ومؤهلين وسطيين للمساعدة في تقبّله للاختلاط بالمجتمع الجديد الذي منه تتكون أولى بذرات تفاعلاته مع المحيط الخارجي بشيء من النظامية والرصانة في الأداء والسلوك. كما أن فائدة مثل هذا الاختلاط المبكر سوف تتيح له الفرصة المتيسرة لتنويع مفردات حديثه وسماع كلمات وعبارات جديدة تدخل في قاموس دماغه لأول مرّة. وهذا ما سيعزّز من قدراته الكلامية ومن طاقاته الحوارية في الحديث مع أقرانه ومع المشرفين عليه. وبحسب اختصاصيين، يكون الطفل السويّ بعمر ثلاث سنوات عادة قادرًا على فهم نفسه وجذب الانتباه لشخصه أي في استخدام كلمة "الأنا" بيسر. وبعمر أربع سنوات تبدأ تساؤلاتُه في الزيادة وفي توجيه الأسئلة والاستفسار عن أشياء يراها أو أخرى تخصّه. وبعدها بسنة يتقدم في ملَكته الكلامية ليتجرّأ على إخراج ألفاظ أكثر تعقيدًا وأن يكون واعيًا لمنطقة سكناه وعنوان داره ومؤسسته التربوية البدائية إذا وُجدت حتى اسم مدينته. كما أنه بعمر ست سنوات يصل إلى تعلّم أجزاء من الوقت وتنظيم أسلوب محادثاته وترتيب كلامه بشيء من التفكير والوعي. وهذا ما تسعى إليه المؤسسات التربوية الأولية لترسيخه وتطبيقه وتحقيقه بما يتيسر لديها من قدرات وإمكانات على تباينها واختلاف مؤهلاتها من مركز لآخر ومن من محيط لآخر ومن بلد لآحر. وبالرغم من أنّ هذه السياقات العمرية ليست قياسًا لما تقوم به من حركات وأنشطة، إلاّ أنها متفق عليها في ضوء دراسات علمية مختصة. وليس من شك مصادفة استثناءات تشير إلى تقدّم ملحوظ في ممارسات بعض الأطفال وفي سلوكياتهم سلبًا أم إيجابًا. فلكلّ قاعدة شذوذ.
عملية تربوية
إذن، هي عملية تربوية أساسية تبدأ بهذا العمر الطفولي من وسط الأسرة أولاً، وتتواصل في أحضان أول مؤسسة تربوية انتقالية يرتادها بدءًا من الحضانة فالروضة والتمهيدي وصولاً لعمر الانخراط في المدرسة الابتدائية النظامية. في هذه الأخيرة، يبدأ الطفل مشواره التعليمي وفق نظام منهجيّ وبخطى حثيثة تأخذ بيده إلى ما يمكنه الوصول من علوم ومعارف وخبرات. من هنا ندرك أهمية ارتياد الأطفال المبكر بعمر الطفولة لأية مؤسسة تربوية حكومية كانت أم خاصة، كي تسهّل عليه تعلّم أولى خطواته اللغوية والاجتماعية والتربوية وفق نظام وسلوك مؤطّر خاضع للتقييم والممارسة ولا تغيب عنه بعض التمارين والتطبيقات والفعاليات الاجتماعية والرياضية والتوجيهات والنصائح التربوية والأخلاقية التي تبقى عادة في الأذهان كلّما كبر الطفل ونما عقلُه وزادت خبرتُه. فالعلم في الصغر يبقى الكثيرُ منه في الأذهان ويترسخ ويدوم ويخلد في الذاكرة. فهو تمامًا "كالنقش في الحجر"، كما يقول المثل. وهذه حقيقة علمية وتربوية لا تحتاج إلى تفسير، وقد أثبتتها الأيام والوقائع.
محيط الأسرة وتفاعلُه
ليس من شك في ما يمكن أن يقدّمه المحيط الأسري للطفل ومدى تأثيره في تكوين شخصيته بدءً من أولى مراحل نموّه حتى اكتمال قدراته البنيوية والعقلية والفكرية. فالبذرة الأولى تخرج من البيت الأسري لتشكلّ أولى ملامح الهوية الشخصية لدى الطفل أي في البذرة التي يتمّ غرسها في أذهانه وفي توجيه سلوكه وحركاته وتصرفاته مع محيطه المصغّر ثمّ مع محيطه الخارجي. قد يلاقي المربون أو المسؤولون عن تربية الطفل ضمن المحيط الأسري أو في أولى المؤسسات التربوية التي يرتادها صعوبات في توجيهه أو ترويضه وذلك بحسب طبيعة تكوينه واستعداده وطريقة تلقيه لشكل التربية الأولية الخاصة. وهذا أمرٌ لا يقبل الجدال. بل هو من المسلّمات بسبب هذه التركيبة المعقدة والبسيطة في آنٍ معًا. وهنا يأتي دور الوالدين الأساسيّ أولاً في بلورة شخصية طفلهم وفي صقلها وتعديل ما يبدو غير مقبولٍ في سلوكه البدائي وفي توجيهه وفق طبيعة تكوينهما الأسري والشخصيّ وقدراتهما واستعداداتهما للتفاعل مع حاجات الطفولة وتنمية هذه الأخيرة. وهذا لا يمنع من توجيه الطفل الاتجاه الصحيح الذي يبني ولا يهدم أو يقف حائلاً دون ترسيخ الصالح في سلوكه وتحاشي ما يضرّه ويقف عثرة أمام تعلّمه الصحيح الذي يترافق مع قدراته في هذه المرحلة الأولية. وهنا لا ينبغي ترك الحبل على الغارب في انجذابه غير المتزن نحو عبادة الوسائل الالكترونية الحديثة التي لا تبني الشخصية ولا تقوّم المؤهلات، بل تجعله عبدًا لها وأداة لشرود الذهن وغياب الإرادة في السيطرة على الذات.
كلّ الأبحاث ومعظم المختصين في مجال علم نفس الطفولة والأسرة يعتقدون جازمين بأنّ شكل الحياة التي يعيشها الوالدان وطبيعة ثقافتهما وتعلّمهما وطريقة تفكيرهما وتوجيهما للطفل سيكون لها أثرها الكبير في غرس أولى بذرات الانطلاق الفردي للعالم الخارجي وفق ما يمليه عليه الوالدان أولاً لغاية تشكيل شخصيته الخاصة والتزام زمام السلوك والحركة والتصرف وفق ما آل إليه تفكيرُه وما يشير إليه عقلُه. وهذا واضح في محيط الأسرة التي يكون فيها المستوى التعليمي والتربوي للوالدين جيدًا وعاليًا حيث ينعكس مثل هذا الواقع إيجابًا على سلوك الطفل وعلى تلقينه الطيب والعالي لشكل التربية الذي يقدم له. فهذا من شأنه تسهيل مهمّة التعلّم السريع للطفل والأخذ بيده نحو شقّ طريقه بأمان ويسر. فتراه فتى صغيرًا تتوسم فيه الكثير من أطباع والديه المثقفين والمتعلّمين حيث يبرز مثل هذا التهذيب في أسلوب حياته في محيطه الأسري تمامًا وبالنتيجة في محادثته واختلاطه مع العالم الخارجي. وغالبًا ما تتراجع هذه السمة أو تكاد تنعدم إذا خلت الأسرة من وسائل عائلية سهلة وحميمة وعاطفية ضمن العائلة الواحدة مثل التحاور والنقاش والتفاهم وتبادل الرأي وارتقاء المفاهيم التي تسهم في إنعاش الحياة اليومية بدلاً من حالة الملل واللامبالاة والإهمال في الحياة التقليدية. وهذه هي حالة الطفل الذي يتربى في أسرة مفككة أو قليلة المعارف أو عديمة التربية والثقافة والتفاهم.
لذا من الطبيعي أن نشهد اليوم في ظلّ ظروف عدم الاستقرار الوطني والمجتمعيّ في البلاد عيش نماذج من هذه الحالة الأخيرة غير الصحيحة لطفولة مهملة وهي تعيش خارج إطار المنزل أو في الشوارع أو تراهم براعم غضة يتفحصون القمامة أو يجوبون في الأسواق العامة بحثًا عن لقمة أو مكسب أو لتلبية حاجات أخرى يدسّها رب المنزل والأم في عقولهم وفي رؤوسهم. وشتان ما بين الشكل التربوي الإيجابيّ الأول وهذا الأخير الذي يزداد وزنُه وتتسع مساحاتُه في البلدان النامية والمتخلفة. وعراقنا ليس ببعيد عن هذا النوع السلبيّ في التربية لاسيّما بعد فقد الحكومات المتعاقبة بعد 2003 للكثير من المواصفات والمتطلبات التي توفر حياة كريمة وتعليمًا إلزاميًا وخدمات آدمية مرفهة لمواطنيها. وهذا ما وسّع من زيادة متنامية في أعداد الهائمين من الأطفال والمتسرّبين منهم من المدارس والمقاطعين للتعليم أصلاً لأسباب عديدة حتّمتها ظروف البلاد البائسة بعد الغزو الأمريكي القاهر والظالم.
وبالرغم من أنّ هذه ليست القاعدة، لكنها من السمات الفرضية والنظرية في علم السلوك والاجتماع والتعلّم. وعمومًا في الحالات السويّة، يكون الاختلاط بمستويات مختلفة من أطفال قادمين من طبقات مجتمعية متقاطعة أو متناغمة في الثقافة وشكل الحياة عاملاً مساعدًا في تسريع تعلّم الطفل وتقبّله لكلّ جديد فيما يخصّ مفردات اللغة بخاصة وفي السلوك اليومي الناضج حين التعامل مع أطفال متباينين في القدرات والسلوكيات ونوع الحياة الأسرية. وهذا ما ألاحظه في حفيديّ منذ ارتيادهما دارًا للحضانة في إحدى مناطق بغداد المستقرّة نسبيًا. ففي كلّ يوم يخرجان عليّ بمفردات جديدة وبعبارات غالبًا ما تكون غائبة في مصطلحات المنزل. هذا إضافة إلى تحلّيهما بالشجاعة في مناظرة المقابل وفي الدفاع عن أطماعهما ورغباتهما الخاصة منذ الآن وفي المحاججة حين الضرورة وفي تساؤلات لا تخطر على البال أحيانًا. وهذا بطبيعة الحال بفضل الثقافة المنزلية وتأثير وتوجيه المؤسسة التربوية، على بساطة هيئتها وتنوع ثقافة القائمين على التربية فيها. وعلى العموم، لكلّ عمرٍ لغتُه وسلوكُه وخصائصُه في تنمية القدرات وتوسيع المدارك وتطوير المواهب.
تغييرات 2013 سيفٌ في خاصرة التربية والتعليم الوطني
لا خلاف على التأثير السلبيّ الذي شكّله الغزو الأمريكي في 2003 على طبيعة قطاع التربية والتعليم في العراق. فقد شكّل تغيير النظام السابق بآخَر بعيدٍ عن أي إحساس وطنيّ، سيفًا قاتلاً في خاصرة العراق والعراقيين حين جرى تفكيك المؤسسات التربوية والتعليمية الوطنية وتدميرها وتحييدها لتحلّ محلّها مؤسسات خاصة رثّة في توجيهها وفقيرة في تعليمها وبعيدة عن الركب العالمي وتطور العلوم والتكنلوجيا في مسيرتها الخالية من أية سياسة للنهوض بواقع التربية والتعليم، إلاّ ما ندر وبجهود فردية من أطراف لها باع في العملية التربوية وأخصّ بالذكر منها تلك المدعومة من جهات دينية، ولاسيّما المسيحية، منها باعتبارها مشاريع خاصة لا تخلو من شعور وطنيّ ظلّت تتمتع به هذه وغيرها قليلٌ من مثيلاتها من دون تردد ولا مواربة. ودليلُنا على ضعف الجهاز التربوي في الحكومات المتعاقبة، ما شاب العملية التربوية والتعليمية من تخلّف وتراجع في عناوينها ومناهجها وبرامجها وعزف واضح للتربويين في نقل خبراتهم والانخراط في أغلب المؤسسات التي أصابها الهون والتراخي في جلّ أسسها واستراتيجيتها التي اختفت منها أية نسمة هواء وطنية وإنسانية وتنموية. هذا إضافة للزيادة المطردة في أعداد الأمّيين والمتسربين من المدارس ومفترشي الأرصفة والعازفين عن التعلّم لِما أصبح يشكله هذا الأخير من إعاقة في تطوير القدرات ورعاية المواهب. فالواقع يشير إلى تراجع المؤسسات التعليمية في العراق بعد 2003 إلى مستويات دنيا، بل خارج المعايير الدولية بعد ان كانت خلت البلاد من آفة الأمّية قبل غيرها من شعوب المنطقة في بداية السبعينات من القرن المنصرم ونالت العديد من المؤسسات التعليمية آنذاك تقدير واستحسان الدول المتقدمة. بل كانت جامعات البلاد ضمن أفضل جامعات العالم في تصنيفها حتى أضحت بعد سقوط النظام السابق في الحضيض. 
من هنا، تكون الطفولة في عمومها قد تعرّضت لنكسة في جوهر كيانها بسبب نقص الرعاية وغياب توفير مستلزمات الدراسة التي أضحت تشكّل عبئًا إضافيًا على الأهل في التربية الأسرية وفي مسألة توفير لقمة العيش والنقل، علاوة على ما شكّله ومازال يشكّله الهاجس الأمني والأوضاع غير المستقرّة في عموم البلاد وتنامي ظاهرة الفساد في المؤسسة التعليمة على غرار مثلاتها في قطاعات أخرى. هذا إذا أضفنا إلى هذه وغيرها بالمجموع ما يمثله انتشار العصابات والمافيات من مخاوف جمّة على الأطفال وعلى ارتيادهم للمؤسسات التربوية والعلمية خوفًا على حياتهم وتجنبًا لمصير غامض قد يلحقهم. وفي اعتقادي أنّ كلّ هذا التراجع يعود في أحد أسبابه الرئيسة إلى تراجع دور البيت أولاً في توجيه الأبناء نحو العملية التعليمية وإلى التراخي في الجانب التربوي العام وغياب استراتيجيات التعليم للدولة بكلّ مؤسساتها وإلى غياب التنسيق بين الجهات ذات العلاقة في توفير الأجواء الطبيعية المناسب لمرتادي هذه المؤسسات.
سؤالُنا، متى نشهد تطورًا إيجابيًا في شكل التعليم بالعراق وفي نوعيته وأدواته واستراتيجيته الوطنية الخالية من كل شوائب الزمن القائم بعد 2003، ومنها الطائفية والمذهبية والعنصرية التي تقوّض الفكر وتغلق العقل وتأسر الإرادة بترّهات وتخاريف هذه جميعًا؟؟؟
 


21
انتخابات تشرين "المبكرة" 2021، وأسرارُها   بين الخاسر والرابح
لويس إقليمس
بغداد، في 14 تشرين أول 2021
الآن، وبعد أن كادت حرب الانتخابات البرلمانية "المفصلية الجزئية" في العراق تضعُ أوزارَها، وعرفَ كلُّ حزب أو سياسيّ أو مواطن أو مهتمّ أو متابع حجمَه وثقلَه وكشفَ عن رؤيته وتوقعاته وأمله بما ستؤولُ إليه أوضاع البلاد في الأسابيع المقبلة، كان لا بدّ من مراجعة صحيحة لمجريات الأمور ما قبل يوم الاقتراع من أجل الوقوف على احتمالات ما بعده. لن أدخل في تفاصيل نسبة المشاركة والتقاعس الشعبي الواضح في الإدلاء بالصوت الانتخابي، ولاسيّما عزوف جيل الشباب المتمرّد حدّ النخاع على تفاقم الأوضاع عامةً. فما ذكرته مفوضية الانتخابات عن نسبة مشاركة أولية بحدود 41% لم يكن دقيقًا في المقاييس الدولية في اعتمادها لهذه النسبة باحتساب عدد البطاقات البايومترية المصادق عليها، وليس وفق نسبة مَن يحقّ لهم التصويت من المجموع العام للطاقة البشرية المسموح لها بالتصويت. وبموجب هذه البطاقات، سواءً المستلمة منها أم التي لم يتم استلامها وتبلغ أكثر من مليون ونصف المليون بطاقة، فإنّ المراقبين قدّروا نسبة المشاركة الفعلية ب 34% كحدّ أعلى، فيما أشار سياسيون ومراقبون غيرهم عدم تجاوز نسبة المقترعين من مجموع مَن يحقّ لهم الانتخاب أكثر من 20% أو تجاوزها بقليل. كما أننا لا يمكن أن نتجاهل المشهد العام الذي أدى إلى انحسار المشاركة الواسعة كما توقعها الجميع بالرغم من الجهود المبذولة في الدعوة لمشاركة واسعة سواءً من شرائح نخبوية وثقافية واجتماعية أو من مراجع دينية أو منظمات دولية ومحلية ناشطة، وذلك بسبب فقدان الثقة بمعظم الطبقة السياسية الفاسدة حدّ النخاع، والتي تقف وراء تدني نسبة المشاركة في التصويت.
بطبيعة الحال، هناك أسرارٌ كثيرة قد يتم الكشف عنها في قادم الأيام والأشهر عندما يجلس المتقاسمون الجدد للسلطة التشريعية والتنفيذية على طاولة الكعكة المنتظرة في الدورة الخامسة من مجلس النواب الجديد. ولا بدّ من القول، بروز لاعبين جدد على المشهد السياسي. فإنّ نظرة عابرة على الأسماء الأولية المعلنة الفائزة تشير بحصول تغيير جزئيّ انتقاليّ في الوجوه، مع بقاء أو عودة بعض الوجوه القديمة للدورات السابقة. لكنّ ما يُشارُ إليه أكثر، غياب أسماء لزعامات كانت تمثّلُ الشرَّ بعينه بتسيّدها المشهد السياسيّ وسطوتها على مقدرات الدولة وتحكّمها بكلّ صغيرة وكبيرة، ما كان السبب في ضياع الزخم الوطني الغائب طيلة السنوات العجاف منذ عام السقوط وطيلة ثمانية عشر عامًا من غياب سيادة الدولة وهيبتها واهتزاز الأمن والطمأنينة والاستقرار وغياب الخدمات بكل أشكالها، المدنية منها والبلدية والتعليمية والتربوية وحتى الأخلاقية. هذا إلى جانب التسبّب بهشاشة الوضع الاقتصادي المتردّي وضعف العملة الوطنية وانحسار الحقوق المائية للبلاد بسبب تحكّم دول الجوار والمنبع واستهتارها بالحصص المائية كما تنصُّ عليه اللوائح والقوانين الدولية، حيث لم يكن للجانب العراقي تلك القوّة الوطنية والحجة التفاوضية لفرض حصصه المائية مع الجارتين تركيا وإيران بصورة أدقّ. ويبدوا أن مقولة "المجرَّب لا يُجرَّب" و "لا يُلدغُ الحرُّ من جحره أكثر من مرتين"، قد لاقت مآلهَا ونالت استحقاقَها ولو في أدنى صورها هذه المرة.

آمال وتوقعات
وسط الموج الهائل من كيد التهم بين الشركاء الأضداد والفرقاء الأعداء، والرفض الصارخ للنتائج الأولية المربكة لمجرى الانتخابات لاسيّما من داخل البيت الشيعي الخائب هذه المرة، برزت أصواتٌ متفائلة نسبيًا بغدٍ أفضل بعضَ الشيء بعد ملاحظة بصيصَ أملٍ في التغيير بصعود وجوهٍ جديدة وخلخلة قواعد اللعبة. فالجميع يترقب الأحداث بشيءٍ كثيرٍ من الأمل والرجاء بحصول ما كان يعتمرُ عقول وأفكار أبسط مواطن عرفَ مأساتَه طيلة فترة التغيير الدراماتيكي منذ 2003، عندما وقع ضحية فساد أحزاب السلطة والمنظومة السياسية المحاصصاتية التي كلّما تجددت دورات الاقتراع زاد معها فسادُ الساسة وتخاذلُ الحكومات بكلِّ أشكال الكذب والنفاق والخداع والإهمال والضحك على ذقون البسطاء الذين اكتشفوا اللعبة بعد أن لُدغوا من جحورهم مرارًا وتكرارًا. وفي العموم، يمكن القول إن الشعبَ قالَ كلمتَه، ولو جزئيًّا، في هذه المرّة بانتظار ما يترقبُه من تغييرٍ وتصحيحٍ في مسار العملية السياسية والنهج الحكومي. عساه لا ينخدعُ مرةً أخرى بقدوم مَن ادّعى ومازال يدّعي الإصلاح وإخراج البلاد من بوتقة الفساد وتسيّد السلاج المنفلت وتزايد تحشيد الدولة العميقة وفرض أدوات الخنوع للدخيل والغريب وطغيان صبغة الولائيين على مقدّرات البلاد على حساب الوطن والمواطن.
لقد أثبتت السنوات العجاف الثمانية عشر المنصرمة، عجزًا واضحًا في القرار الوطني وهشاشة في التخطيط وفي وضع الاستراتيجيات وتطبيق البرامج الحكومية والعمل بالقوانين السارية، حيث ثبت بما لا يقبل الشك، عدم قدرة الجهاز التنفيذي وعجز ملاكاته في تطبيق القانون وتنفيذ الالتزامات الوطنية بسبب ضعفه الواضح وعدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب نتيجة تفشّي المحسوبية والمنسوبية الحزبية والطائفية والعرقية والعشائرية وتخييرها على الكفاءة الوطنية. ومنها كان فقدان كفاءات وطنية اضطرّت لترك البلاد والأهل والمدينة والقرية بحثًا عن ملاجئ أمينة تقدّرُ الجدارة الإنسانية والنخبوية وتحترم الكفاءة العلمية والثقافية. وهذا ما نلاحظُه ونسمعُ به يوميًا من بروز كفاءات عراقية وارتقاء شخصيات وطنية مناصب ومراكز متقدمة في دول الاغتراب. بل كان من بين هذه الكفاءات، مَن تسلّمَ مواقع مهمة في هذه البلدان بجدارة تفوق كفاءة ابن البلد الأصلي الذي واجه ومازالَ يواجه سلطة طاردة للكفاءات وأشكال الاستثمار فرص الإبداع والعمل بسبب عدم تمكين القطاع الخاص بأخذِ دوره الطبيعي في تنمية الابلاد وتطوير الصناعة والزراعة مهما تعددت الأسباب. والسبب غياب الاهتمام الواضح بالإنسان العراقي صاحب المبادئ الوطنية لكونه شوكةً في عيون ولائيّي أحزاب السلطة التي تقف عائقًا أمام طموحاته الكبيرة بسبب أطماع هذه الأخيرة وأفعال أفرادها الفاسدة الباحثة فقط وراء الإثراء غير المشروع على حساب الوطن والشعب. وفي الواقع، كلّما أوغلَت هذه الشرذمة المتسلطة على مقادير الدولة في التبجّح بالمطالبة بقيام دولة أو مكافحة الفساد ومحاسبة المفسدين، تبيّنَ كذبُها وخداعُها وزادت من نفاقها ودجلها. فالدولة عبر الحكومات المتلاحقة السابقة كانت أسيرة هذه التوجهات وحبيسة أشكال هذه الأفعال الشائنة التي سطت على المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي بأمثال مزوّري الشهادات، وما أكثرهم!
لعلَّ من ضمن التوقعات بأمل جديد قادم، حصول توافق واتفاق بشأن علاقة المركز بالمحافظات ولاسيّما تلك التي تسعى منها للتمتع بصفة إقليم بحكم لامركزي، كما هي حال إقليم كردستان الذي قطعَ أشواطًا متقدمة باتجاه إعلان دولة مرتقبة حين اكتمال أسسها وصفاتها ومؤسساتها بعيدًا عن هموم المركز المهادن والمجامل والمخادع والنائم في سباتٍ عميق. فبسبب هذه العلاقة المشبوهة بين الطرفين، وقع الشعب وحقوقُه الوطنية المشروعة العليا ضحية توافقات واتفاقات وتنازلات عبر الحكومات المتعاقبة التي سعتْ كلّما وقعت في ورطة تشكيلها لكسب ودِّ سياسيّي الإقليم للحصول على موافقتهم وتمرير الكابينة الوزارية أو الموازنات السنوية بحثًا عن مكاسب ومغانم وامتيازات وما سواها. هذا إلى جانب تحسين الأوضاع العامة للمواطن العراقي بكلّ أشكالها وانتشال الشرائح المسحوقة من قاع الفقر والبؤس وسوء الخدمات والإهمال والبطالة. فما طرحه زعيم التيار الصدري الحائز على أعلى نسبة من الأصوات وطمأنته للشعب بقيادة دفة البلاد والعباد وفق منظورٍ وطنيّ بعيدًا عن تدخلات الخارج من دول الجوار والعالم نصرةً للشعب والوطن، وإعلانه أن لا مكان بعد اليوم للفساد والفاسدين وبضرورة حصر السلاح بيد الدولة، تبدو هذه الأفكار جميعًا وغيرها ممّا خفي للناظر والمترقب، صفحة جديدة مختلفة عن برنامج حكومي مرتقب ينوي تحقيقه و"فرضَه" بما يتيسرُ له محليًا من موقع شعبي وأتباع عقائديين مستعدّين لفعل ما يقولُه ويأمرُه ويفرضُه عليهم، زعيمًا عقائديًا حدّيًا لا يقبل الوسطية التي تخرج عن طوعه وعن إطار الانتماء للوطن والشعب قبل ايّ مسمّى آخر.
معوّقات وعراقيل وشكوك
الساحة السياسية في عمومها، ليس في العراق فحسب بل في معظم بلدان المنطقة والعالم التي تعيش ديمقراطيات فتية غير ناضجة، من الطبيعي حصول إحباطات سياسية وتحديات شخصية وقيام صراعات شرعية وغير شرعية لا تخلو من توجيه تهم وعمل مكايد وأشكال التسقيط والتشهير بل وأحيانًا التهديد العلني والضمني بسبب نتائج الانتخابات. وقد بدأت أشكال هذه البوادر في البروز منذ يوم إعلان النتائج غير النهائية والأيام التالية. ومازال التوتر قائمًا وفي زيادة مفرطة من جهات ولائية ترفض النتائج المعلنة وعدّها مفبركة. والأخطر من هذا وذاك، يكمن في حالة تدخل القضاء أو جهات خارجية في أية مساعٍ لتغيير اللعبة وقلب الطاولة بحجة الحفاظ على الشفافية والرضوخ لتوجيهاتٍ من خارج الحدود، تمامًا كما كان يحصل في سابقات الدورات في ترتيب المقاعد وفق مقاسات الأحزاب المتنفذة ومَن يقف وراءها.
لذا من الطبيعي ألاّ تجري الأمور بسهولة. كما لن تكون الأرضية مفروشة بالورود والرياحين أمام الجهة التي تترقب تصدّرَ المشهد السياسي أكثر من غيرها بفضل ما اكتسبته من اصوات ومقاعد تعتقد بقدرتها على تقديم الحلول لكلّ المعوّقات والعراقيل المتوقعة، وهذه لن تكون قليلة البتة. وما على المفوضية إلاّ الردّ على الطعون والشكاوى وحلّ الإشكاليات المتوقعة في مسألة تغيير مسار النتائج النهائية وفق القانون وليس غيره بالقبول بالضغوط من اية جهة كانت. فعدم الإعلان عن النتائج النهائية بحسب الوعد بعد ساعة من إغلاق صناديق الاقتراع وتأخيره ساعات بل أكثر من نهارٍ لأية اسبابٍ كانت، فنّية أم غيرها، يضع مصداقيتها على المحك. بل بدأت الهواجس بالبروز، فيما دبّت شكوك حول صحة الإجراءات وتأخير الإعلان لفسح المجال أمام طعونٍ أكثر خلال المدة الممنوحة.
هنا لا بدّ من الإشارة، إلى أنه بالرغم من الترحيب الدولي بما جرى يوم 10 تشرين وبالرغم من نسبة المشاركة الضعيفة لليوم المفصليّ المنشود، إلاّ أنّ جهات رقابية دولية ومحلية لم تخفي هواجسها ممّا شابَ هذه الانتخابات من عراقيل ومخالفات وخروقات انتخابية، سواءً من قبل أحزاب السلطة أو المرشحين أو المراقبين المنتدبين عن هؤلاء قبل أو يوم العرس الكبير أو ما بعدها. ففي النهاية، كلّ هذه الأمور لا تهمّ المنظمة الدولية التي راقبت المشهد عن بعد أو قرب، ولم يكن لها عينُ الإشراف الحقيقي على العملية الانتخابية برمتها، كون هذه الأخيرة "وطنية" وتخصّ الشعب والأحزاب المتحكمة بمصير هذا الأخير. وبالتالي، لا يهمّها مَن سيعتلي المشهد السياسي أو مَن سيكون على رأس السلطة التنفيذية، طالما أنّ مصالحَها مضمونة لدى هؤلاء أو لدى غيرهم، سواءً بسواء! ومن ثمّ، لا معنى لما صرّحت به ممثلة الأمم المتحدة في العراق بوصفها المجاملِ والمداهنِ للمشاركة الانتخابية الشعبية "الواسعة" التي تضمن انتخابات نزيهة. بينما لم تشر العديد من المنظمات التي راقبت عملية الاقتراع إلى الأسباب والحيثيات الحقيقية التي جاءت ردّا على عزوف الكثير من المواطنين عن المشاركة الواسعة الحقيقية في العملية، إلاّ ما ندر. فانعدام الثقة بالمنظومة السياسية باسرها والتعاطي الاستعلائي لما شهدته ساحات تشرين منذ انطلاقتها في عام 2019 والاستهتار بسواقي الدم التي سالت من صدور وأجساد المنتفضين ضدّ الطبقة السياسية الفاسدة، كلّها دلالات على فقدان هذه المصداقية بالعملية السياسية وبمن تولوا المشهد السياسي منذ 2003 وبحثهم عن مصالح خاصة ومكاسب ومغانم من الكعكة، على حدّ تعبير العديد من النواب الذين أثروا بصورة فاحشة من منظومة العملية السياسية الفاشلة. ويكفي تصريح أحد النواب السنّة الذي تولى رئاسة البرلمان في دورة لم يكمل معها رئاستَه، قوله: "لا يهمّنا مَن يتسلّقُ الرئاسة ولا مسؤولية إدارة الدولة، طالما يؤمّنون لنا حصتنا (كّياتنا).
صراع على الرئاسات
لعلَّ من ضمن الصراع المتوقع على المواقع الرئاسية التي أصبحت تقليدًا طائفيًا غيرَ مرحَبٍ به بين المكوّنات الرئيسية في البلاد، سعيُ جهات مغمورة باختراق العرف المتبع منذ تشكيل أول كابينة لرئاسة مجلس الوزراء. وهذا ما لوحظ بوضوح قبل فترةٍ من إنجاز العملية الانتخابية عبر زيارات مكوكية وعمليات تفاوضية بين زعامات الكتل الكبيرة. وبالرغم من كون المنصب خدمة وتكليفًا وليس امتيازًا وتشريفًا، إلاّ أن العديد من الساسة المتنورين وجماهير النخب لا يرون في هذا العرف استحقاقًا مقدسًا مدى الحياة. فالكفاءة والجدارة في تبوّء المواقع الأولى ينبغي أن تكون لها الأولوية وليس انسياقًا وراء فوزٍ حزبيّ أو عشائريّ أو طائفيّ أو عرقي دون سواه. وإنّ أيَّ تأخيرٍ في حسم هذا الشأن سيزيد من تعقيد المشهد السياسي. فالعراقيون ومصالح الوطن العليا لن تتحمل عبئًا إضافيًا وهزّات جديدة تزيد من المعاناة أكثر ما هي عليه فيما متوقع من الصراع المرتقب بين الجهات الفائزة المغمورة والخاسرة المتضررة.
قد تكون الأيام القادمة حبلى بكلّ توقعات، سيئة كانت لا قدّرَ الله، أم مُسِرّة بعونه تعالى. لكنْ في العموم، هذه فرصة العراقيين المتاحة ولو في أدنى درجات بداياتها للتخلّص من أدران وخطايا ساسة المفاجأة كما حلا للبعض وصفهم. وعليهم ألاّ يضيّعوا فرصة النجاة هذه المرّة بالرغم ممّا شابَ العملية الانتخابية من مساوئ، سواءً بعدم المشاركة الواسعة التي ترقبها الجميع، أم بسبب عدم صعود أسماء تكنوقراط ومهنيين مشهود لهم بالكفاءة والوطنية والمهنية، أو بسبب تسيّد أحزاب السلطة للمشهد السياسي مع الاختلاف الجزئي بتقديم وجوه جديدة أو ناعمة تابعة لها وبعناوين لأفراد مستقلين وأحزاب حديثة تبدو للناظر ذات استقلالية، لكنها في واقع الحال كانت مناورة شيطانية لإبقاء السطوة على الحكم. فليس من المعقول البقاء في جهالة عدم قراءة التاريخ والاستفادة من دروسه والانتقال من "حالة المأساة إلى حالة المهزلة" على حدّ قول الفيلسوف كارل ماركس.
الرابحون والخاسرون
باختصار، أحد الرابحين الكبار في الدورة الخامسة من الانتخابات التشريعية الأخيرة في العراق، هي الجهة التي ستتولى السلطة التنفيذية وتفرض أجندتها، الحزبية والعقائدية وتفرض سطوتها على مؤسسات الدولة من منطلق الأحقية بالسلطة قبل غيرها متفاخرة بإرثها الجهادي والنضالي مثل سابقاتها. وهذا أتعس الخيارات المتكررة من جانب مَن تولوا سابقًا زعامات البلاد وفق نظرتهم الناقصة للأحداث وقصر رؤيتهم في بناء دولة مواطنية قوية يحظى فيها الانتماء للوطن بمقام القدسية وليس في تقديس الإرث والأشخاص وأشكال النضال والجهاد عبر المتاجرة بالدين والمذهب والطائفة وبأرواح ودماء الشهداء الذين راح معظمُهم ضحية الدجل والغطاء بالدين والمعتقد والطائفة. إلاّ أللّهمَ إذا صدقت الحكومة القادمة في قولها ووعدها وتطبيق برنامجها "الوطني" لتكون رفاهة الشعب وأمنُه وسلامتُه ومعه تنمية الوطن واستقرارُه الاقتصادي والاجتماعي من أولوياتها بتحقيق مبادئ العدالة والمساواة والكفاءة من دون تمييز أو تحيّز أو ميلٍ للعرق والمذهب والطائفة.
أما ثاني الرابحين من الانتخابات التشرينية، فهُمْ آلاف العراقيين من البسطاء والباحثين عن لقمة عيش إضافية تلقوها من جمع مخلّفات اليافطات والدعايات الانتخابية بالاستفادة من كوم القطع الحديدية والخشبية التي جمعوها من الشوارع والجزرات الوسطية والجدران التي ملأت هذه المواقع وتزيّنت لأيام واسابيع بصور جميلة لمشرحين ومرشحات. وفي هذا المشهد التقليدي الغريب يكونون قد ساهموا ايضًا من حيث لا يدرون مع أجهزة أمانة بغداد والبلديات في مختلف المحافظات بحملة تنظيف شعبية لإزالة المخلفات طوعًا وبطرق بدائية مضحكة أحيانًا ومبكية في غيرها. فهذا كلّ ما يحصلون عليه من تركة نواب الصدفة. فهُمْ مثل غيرهم لم ولن يعوّلوا على وعود عرقوبية مثل ما حصل في الدورات السابقة. فهذا مكسبُهم الوحيد والأفضل في زمن الزنق والفاقة والحاجة.
فيما الخاسرون فيها، أشخاصًا وأحزابًا، ما عليهم سوى عضّ الأصابع ومراجعة النفس. فلن يفيدهم الندم، لاسيّما في حالة إقرارهم بكونهم من شلّة الفاسدين الذين لفظهم الشعب بعد إدراك الأخير كذبَهم وخيانتَهم للأمانة الوطنية وللناخب اللذين أوليانهم الثقة. هكذا هي رقصة الغجرية، متعة الراقص ولوعة المتفرّج والوعد بيومٍ قادمٍ أفضل! وبالتالي، فهذه هي معايير الديمقراطية، شئنا أم أبينا.
باختصار، هذه فرصة أخرى لتعديل المسار السياسي وفق منهج وطني يأخذ في الاعتبار حاجة المواطن وحق الوطن بالاستجابة الفعلية للحراك الشعبي الذي قاد التغيير قبل سنتين وفق معطيات جديدة لا تقبل المساومة في هذين العنصرين الأساسييّن. والمساران يستوجبان حقائق جديدة في المنهج والسلوك والإدارة والإرادة معًا. ومن دون هذه الأساسيات في السياسة لا يمكن للوطن أن يتقدم ويتطور. كما سيكون عسيرًا على اقتصاد البلاد أن يتطور ومعه تطور عجلة الزراعة والصناعة والعلوم والتربية والأخلاق والاجتماع وكلّ ما يساهم في بناء الوطن والمواطن بإشراك جميع المكوّنات وفسح المجال الحقيقي للقطاع الخاص للإبداع والتطوّر.
 


22
عربة التغيير من تونس إلى العراق، متى يحين وقتُ انطلاقها؟
لويس إقليمس
 بغداد، في 27 تموز 2021

ما تشهدُه تونس هذه الأيام من فوضى تكتنفها، سياسيًا واقتصاديًا ومجتمعيًا وصحيًا، تشيرُ إلى بلوغ السيل الزبى، بعد تجاوز إخوان النهضة كل ّ الحدود الوطنية ومحاولتهم زيادة التوسع في السلطات على حساب الأحزاب الليبرالية والعلمانية الوطنية. وجاءت القرارات الجريئة لرئيسها "قيس سعيّد"، بتجميد البرلمان ورفع الحصانة عن النواب وإقالة رئيس الوزراء الإخواني ووزراء النهضة، لتضع حدّأ لمدى الاستهتار الذي بلغته حكومة المشيشي برعاية الغنّوشي، رجل الإخوان، الذي فقدَ مصداقية غالبية الشعب الذي عرفَ عيش الحرية "البورقيبية ". وهذا ما دفع سائر الأحزاب الوطنية المتحررة للثورة ضدّ المنهج الإخواني الذي أدخلَ البلاد والشعب في نفق الظلامية والتراجع في الحرّيات وفي رفض احترام الرأي الآخر المعارض. لقد بات مؤكدّا صعوبة التعامل مع نظام الحكم الإخواني الذي زرعَ الفوضى واشكال الفساد في كلّ مرفق من مرافق البلاد، وضرب عرض الحائط كلّ العهود والوعود الانتخابية بانتهاج سياسة وطنية حرة مستقلّة بسبب ارتباطاته ب"الإخوانية الدولية" التي تسعى ضمن مبادئها لفرض ايديولوجيتها الدينية والطائفية والحزبية الضيقة على الأمم والشعوب والدول ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.
في ضوء الإجراءات الجريئة الصادمة الأخيرة، تكون الرئاسة التونسية الرشيدة وإدارتَها القوية قد وضعت يدها على قفل الأمان لتسيير عربة الوطن باتجاه التغيير المرتقب في المنهج بعد اشتداد الخلاف بين الأفرقاء، ووسط تجاذبات واتهامات تعمّقت مع مرور الأيام. ومن الملفت عدم محافظة الأحزاب القائمة بعد سقوط آخر نظامٍ "بورقيبي" متهم بالفساد، على المبادئ التي جاءت من أجلها إلاّ نادرًا. ولعلّ ما أبداه حزب الدستوري الحر بزعامة المرأة القوية وصاحبة الكاريزما والصوت النضاليّ الوطنيّ "عبير موسي" من مجاهدة وعناد وطني في معارضة البرنامج الإخواني في الحكومة والسلطة، يقع ضمن مبادئ الالتزام الوطني بالحداثة والتطور التي كان انتهجها الرئيس الراحل "بورقيبة" في طريقة بنائه لتونس ورفع شأنها عربيًا ودوليًا. وليس من شكّ تعرّض الصفّ الإخواني وسط زحمة هذه الأحداث، لصدعٍ داخليّ واهتزاز في مصداقيته بعد تراجع شعبيته بسبب الاختلال في سلوكياته الحزبية واتّباعه سياسةً غير وطنية وبعيدة كلّ البعد عن النهج الديمقراطي الذي اعتاد عليه الشعب التونسي المجاهد. ومن المؤسف أن يقع الشعب التونسي المعروف تاريخيًا بوعبه الوطني والديمقراطي، صيدًا سهلاً للتيار الإخوانيّ المتطرّف الذي أراد بغطاء الدين أيضًا، بناءَ أمجاده وتعزيز سلطاته على حساب حرية هذا الشعب العريق والمبادئ التحررية والليبرالية التي سار عليها بنيانُ البلاد على عهد بورقيبة على أسس حداثوية بعيدًا عن الروح الطائفية والتشدّد ورفضًا لأية مظاهر متخلّفة في المجتمع ومنافية لروح العصر قبل أن يتحول هو ومن خلفَه لاحقًا إلى حاكمٍ أوحد في تسيير شؤون البلاد والعباد.
وكما انتهى دور الحكم الإخواني القصير سيّء الصيت نسبيًا في مصر، هكذا سيوُضع الغنوشي وأتباعُه من غوغاء الفساد في سلّة المهملات وإلى مزبلة التاريخ بعد أن أفقر الشعب ورمى بالبلاد في ضنك الفوضى والتخلّف لابتعاده عن مشروع البناء الحداثوي الوطني لبلاده واستغلاله المنصة التشريعية في سنّ قوانين على مقاساته الأيديولوجية بهدف السطو على إرادة الشعب بالقانون. فكان من نتائج هذه السلوكيات ضيقة الأفق أن عمّت البطالة واشتدت المعارضة وزادت أعمال العنف وتفاقم غلاء المعيشة إضافة إلى ما تركته أزمة كورونا من آثار سلبية على المجتمع ككلّ. ويُؤخذ على حكومة المشيشي الإخوانية عدم اكتراثها بمصلحة الشعب العليا وتركيز جهودها على طريقة فرض السطوة الإخوانية تحقيقًا لمبادئ تنظيم الإخوان الدوليّ بنشر الفوضى وزعزعة المنطقة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً من أجل إبقاء شعوب هذه الأخيرة تشعر بحاجة مستمرة بحثًا عن وسائل العيش من أكل وشرب وقوت يومي ونسيان بناء الإنسان الحضاري المتمدّن وتحقيق الرفاهة والتطور التي كانت من أحلام "التوانسة" بعد التغيير. فتحقيق مثل هذه الأهداف والأغراض المشبوهة في نظر التنظيمات الأيديولوجية سواءً التشيعيّة منها أو الإخوانية على حدّ سواء، يعني من جملة ما يعنيه إيمانُها العقائدي بكلّ أشكال العبث بمقدّرات الشعوب والدول الناشدة للحرية والأمان والاستقرار والرفاهة والعيش الآدمي، والسير بعكس عقارب ساعة الحرية والديمقراطية التي تؤمن بها سائر شعوب الأرض المتمدّنة التي تعرف احترام البشر وتقدّر نِعَمَ السماء للجميع من دون تمييز ولا فصل ولا تعنيف.
تناظر في المواقف بين تونس والعراق
يُقالُ بأن "السياسة تقوم على سوء الظنّ". وسوء الظنّ يعني الشكّ في الآخر، مهما كان موقعُ هذا الآخر أو منصبُه أو أداؤُه أو دينُه أو قربُه من صاحب القرار. كما أنّ مسألة سوء الظنّ في الحكم تعني التروّي في أيّ سلوك أو رأي في دهاليز السياسة مهما تعمّقت خبرة الشخص في هذه الأخيرة. بل كلّما زادت حدّة الشكوك في نوايا المقابل الآخر في رؤيته السياسية، بقدر ذلك تتعزّز أركان الحكم الرشيد كسبًا للخبرات ووصولاً لأفضل القرارات. وهذا ما فعله الرئيس التونسي في صولته الأخيرة تثبيتًا للحكم الرشيد الذي مارسَه بقناعة السياسيّ الوطني المحنّك بعيدًا عن أساليب المسايرة والمجاملة والتغاضي و"التغليس" التي اعتدنا عليها في بلدنا المغدور، العراق، رئاسة وحكومةً وبرلمانًا وقضاءً، سواءً بسواء. ذلك أن قيادة الدول والأمم تحتاج دهاءً في الإدارة وعزمًا في الإرادة وسموًّا في الأخلاق ورفعةً في الضمير، إلى جانب إبراز رؤى استراتيجية تُعنى بالبناء والإعمار والتخطيط وكظم أية مسالك غير وطنية لا تخدم البلاد ولا تنفع الشعب ولا تأتي له بالخير والرفاهة التي يحلمُ بها كل مواطن. فحين تختفي المبادئ وتغيب الأخلاق عن السياسي وماسك السلطة وراعي القانون لا يبقى من الوطن شيءٌ يعتزُّ به الشعب ولا كرامة للفخر بها، مهما قدّمَ من مظاهر تديّنية ومذهبية فارغة لخداع المقابل. والسبب بكلّ بساطة، خروج مثل هذا الوطن وحكّامه عن معايير الدول المتحضّرة وأخلاق الشعوب التي تحترم ذاتَها وتبني أوطانها وفق مقاييس أخلاقية لا تخلو من سمة المواطنة الحقيقية، وليس التبعية للغير الدخيل وللأغراب. ولنا في هذه أمثلةٌ ونماذج من حقب العصر قديمًا وحديثًا. فالعراقيون بعد سقوط النظام البائد مثلاً، لم ينسوا أيام الفرهود الأسود كي يستغنوا عن أعمال السرقة والنهب والتحطيم والعنف التي صاحبت سقوط مؤسسات الدولة بيد الغوغاء من جهلة العصر والمتخلفين الذين يحلّلون الحرام ويعدّون كلّ ما يعود للدولة ملكًا مشاعًا ولا صاحبَ له، لذا يجوز إحلالُه وسرقتُه والتنعم به.
بحقّ السماء، أية أخلاقٍ هذه، وإلى أين وصل بنا الدهر من هزالة وانحطاط وتخلّف وتراجع في القيم والأخلاق والعلوم والاقتصاد والبناء والإنتاج، بل وفي كلّ شيء! وكيف بنا نبني وطنًا مستقلاًّ ذا هيبة وسيادة وبشعبٍ مثقلٍ بأدوات الجهل والجاهلية عندما تحوّلَ بفعل أشباه ساسة ما بعد التغيير الأحمق إلى قطيع ذليلٍ ولقمةً سائغة بيد الأغراب والدخلاء وأصحاب الولاء؟
لعلّ من جميل ما أسمعَه الشعبُ المتظاهر للملأ: "الغنوشي برّا برّا، وتونس تبقى حرّة"، وهو لا يختلف عمّا نادى به أشقاؤُهم العراقيون الثائرون التشرينيون ومَن والاهم وأيّدهم وساندهم من الوطنيين الأحرار وأصحاب الانتماء الوطني الحر الصادق من جميع النخب في زمن ثورتهم المتواصلة "إيران برّرا برّا، بغداد تبقى حرّة". فالموقف في البلدين متشابه لحدّ اللحمة النسيجية العربية البارزة من حيث سعي زعامات السلطة وأحزاب المحاصصة والولائية في كلا البلدين بفرض أيديولوجيتهم الدينية والمذهبية والطائفية والشخصية الضيقة التي تتسم بها منظومة الحكم الفاسدة في كلا البلدين. فهل ننتظر سنوات كئيبات اخريات ليصل الوعي الجماهيري في العراق مثل هذه الحدود، وبلوغ مثل هذه الجذوة في اتخاذ القرارات الجريئة الصائبة؟ أم نسدل الستار على كلّ أملٍ بمرحلة جديدة تَعِدُ بتغيير جذريّ مشابه في العراق لما يحصل في تونس الشقيقة، كي تقوم به الرئاسة العراقية المداهنة والمجاملة والمتشاركة وضمن الدستور أيضًا، مستفيدة من الإجراءات التصحيحية الصحيحة التي انبرى بها الرئيس التونسي الشجاع لقطع الطريق بوجه "الخطر ‭ ‬الداهم الذي  ‬بات يهدّدُ كيان‭ ‬الوطن‭ ‬وأمن‭ ‬البلاد‭ ‬واستقلالها،‭ ‬بحيث تعذرَ ‭ ‬معه‭ ‬السير‭ ‬العادي‭ ‬لدواليب‭ ‬الدّولة" بحسب كتاب خطابه الرسمي للشعب، ما اضطرّه لاتخاذ‭ ‬"التدابير الاحترازية ‭ ‬التي‭ ‬تحتّمها ‬الحالة‭ ‬الاستثنائية للبلاد ‭ ‬بعد‭ ‬استشارة‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬ورئيس‭ ‬مجلس‭ ‬نواب‭ ‬الشّعب‭ ‬وإعلام‭ ‬رئيس‭ ‬المحكمة‭ ‬الدّستورية "‬‭؟‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
لقد اتضح بما لا يقبل الشك، تحوّل الأنظمة البرلمانية في بعض البلدان العربية المهتزة مثل العراق وسوريا ولبنان ودول المغرب العربي إلى عصابات لتقاسم الثروات والمناصب بتبرير تحوّل هذه البلدان إلى بلدان ديمقراطية، هي أساسًا لا تصلح لبيئتنا الشرقية لعدم إيمان مَن يتداولها بمفاعيلها ومبادئها إلاّ فيما يزيد من سلوكها الأنانيّ ويعزّزُ من سطوتها على المال العام والنفوذ والقوة والجاه. وهذا حالُ العراق منذ السقوط الطائش في 2003 على أيدي الغازي الأمريكي الذي أتى بشراذم غير جديرة بالحكم والسياسة لإدارة بلاد الحضارة والتاريخ والإرث والتعددية الفسيفسائية التي تشكلُ تاجَ رأس البلاد وثروتَه الوطنية بعيدًا عن الدخلاء والأغراب وأصحاب الولاء خارج الحدود.
توافق شعبي على رفض النظام البرلماني بشكله المشبوه
من حقنا اليوم أن نحلم ونستيقظ لنسمع تباشير ما حصل في تونس الشقيقة من إجراءات وتدابير استثنائية،"‭ ‬توقّيًا‭ ‬من‭ ‬الخطر‭ ‬الداهم‭ ‬وسعيًا‭ ‬إلى‭ ‬إرجاع‭ ‬السير‭ ‬العادي‭ ‬لدواليب‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬تفشّي‭ ‬الوباء" بطريقة تراكمية، ولكن شريطة ألاّ تتحول إلى عقد أخريات من التفرّد والحكم الاستبدادي الذي عانى منه البلد والشعب والمنطقة والعالم معًا. كما من حقنا الشكّ بالفرص الضئيلة المتاحة لقيام ساعة التغيير في البلاد وسط إصرار المنظومة السياسية القائمة بالتشبث بالسلطة ما دامت بيدها كلّ أقفال ومفاتيح المال والجاه والنفوذ والسلاح. فعبارة "ما ننطيها"، رفعتها أحزاب السلطة الحقيقية في البلاد وأزلامُها والميليشيات الولائية والفصائل المسلحة منذرة بقلبِ "عاليها واطيها" إذا تمّ المسّ بحكم مذهبها وبمنافعها ومكاسبها وسلطتها التي تدرّ عسلاً طيبًا ولحمًا طازجًا ودولاراتٍ مرصوصات في مصارف وعقارات وعمارات ومولات تكفيها وأجيالَها وأحفادَ أحفادِها سنين طوالاً بل دهورًا بفعل ما تمّت سرقتهُ من أموال الشعب واقتناصُه من أفواه الفقراء والجياع وأولاد "الخايبة" الذين يندثرون ويستشهدون ويُقتلون دفاعًا عن سلاطين العصر بتحريضٍ من أبواق المرجعيات وأصحاب العمائم السوداء والبيضاء وأرباب السدارات واليشماخات (زي عربي) والشال وشبك (زي كردي أشبه بالسروال)، سواءً بسواء.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
لقد صار في شبه المؤكّد أن شكل هذه المنظومات السياسية المتمثلة بحكم برلماني مزيّف ومعطِّل (بكسر الطاء) للأداء السياسي الكابح للتطور الداخلي بحجة الانتقال إلى نظام ديمقراطي في بلداننا العربية، لم يعد قادرًا على الأداء الصحيح لا سياسيًا ولا اقتصاديًا ولا مجتمعيًا ولا علميًا ولا صناعيًا ولا استثماريًا. فقد سقطت الأقنعة وانكشفت عورة أحزاب السلطة التي ثارت عليها جماهير تشرين ومعها كل الوطنيين الأحرار والنخب في عراق الحضارة مثلاً. كما بات شكل النظام البرلماني في العراق والمنطقة في حكم المائت سريريًا بعد أن وثّقَ الواقع حقيقتَه وعزّزَ المنطقُ أهدافَه وتفاعلَ معه الشعبُ المقهور والجائعُ والباحثُ عن وطن مفقود وأمان مسروق في صفحات أشباه الساسة الذين اعتادوا خذلان البسطاء بفعل وتحريض وتنسيق وعّاظ السلاطين. وهذا ممَا عزّزَ نظرية عدم نفع النظام البرلماني في بلدان منطقتنا بسبب وقوع روّاده ومدّعيه والحاكمين باسمه في مستنقع الفساد والإفساد ونهب المال العام وهدر ثروات البلدان التي تحكمها عصابات وليس أحزاب تحترم مبادئَها. فالظاهر في شكل هذا النظام، تقديمُه صورة وردية في موضوعة ترسيخ الحريات العامة والديمقراطية، فيما غايتُه الباطنية اهتزاز أنظمة الحكم وزيادة الصراعات الداخلية واشتداد الاحتقان الشعبي وتفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والصحية والعلمية والثقافية والتربوية، ووأد أية مساعٍ لنهضة وطنية صادقة تتولى تصحيح المسار الخاطئ الذي أقرته أمريكا الغازية وحلفاؤُها لإبقاء دول المنطقة وأنظمتها في وضع استهلاكيّ متواصل وبحاجة للدول الاستكبارية الكبرى وبشكل استعماريّ حديث لا يدع مجالاً لأية روح استقلالية تعتمد الذات في تولّي شؤونها ومصالحها.
من هنا بات لزامًا على أصحاب الأرض الحقيقيين التحرّك عاجلاً وليس آجلاً، لوأد هذه الخطط بعيدة الأمد في النهج الاستعماري الجديد بالاعتماد على أدوات محلية، خارجية وداخلية في تنفيذ هذه المخططات الشيطانية. فلا نستغربنَّ ما حصل في تونس أن يجري أيضًا في أية بلادٍ أخرى في قريب الأيام القادمة. بل هذا ما ننتظرُه في بلاد الرافدين التي فاحت فيها رائحة جيفة الفساد، وصار تدويرُ الفاسدين ديدنًا في كلّ دورة انتخابية، ولكن بأشكال أخرى وأدوات أكثر حداثة وشيطنة بفعل التحكم بالمال العام والنفوذ واتساع مساحات السلاح المنفلت المستخدم في كبح أية محاولات للتخلّص من المنظومة السياسية الحالية المتهمة في أغلبها عبر أدواتها التنفيذية بكلّ أشكال الفساد والسطو والسرقة واقتراف جرائم القتل والخطف والتهديد والابتزاز لضمان بقائها في السلطة واستكمال لغف ما تبقى من الكعكة وبقاء هؤلاء وزعاماتُهم التي تغطي عليهم خارج المحاسبة والإفلات من القانون. فالدولة ينبغي لها أن تستمر والقانون يجري تطبيقُه على الجميع من دون استثناء. وإلاّ لن تقوم للعراق ولا لغيره من دول المنطقة المهتزة قيامة في ظلّ غياب القانون وتطبيقاته وعدم الاعتراف بالحريات العامة ومنها حرية التعبير والتنقل. كما لا يمكن أيضًا، أن يبقى العراق لقمة سائغة بيد الأغراب ودول الجوار الطامعة.
‭ ‬‬






23
الأمم المتحدة وانتخابات 10 تشرين 2021 ، نوايا وإرادات
لويس إقليمس
بغداد، في 30 أيلول 2021
كف الحديث منذ أشهر عدة عن انتخابات مبكرة. فالتبكيرُ فيها كان قد فقد مكانه في روزنامات العدبد من أحزاب السلطة التي كانت قد وضعت في حساباتها ضرورة  إكمال المدة التشريعية المتبقية من دورة مجلس النواب الحالي الذي أدار البلاد منذ دورة 2018. وما لا يمكن نكرانُه ونسيانُه، شدة التزوير التي شهدتها صفحاتُ هذه الدورة المذكورة واعتراف سائر الكتل والأحزاب المشاركة وسط سكوتٍ خجلٍ من جانب المنظمة الدولية التي ساهمت بطريقة أو بأخرى للترويج بصحتها ومشروعيتها ومقبوليتها في حينها. وقد وجدت هذه الأخيرة نفسها في موقف حرج للغاية في فترة لاحقة، ما اضطرّها للخروج عن صمتها والإفصاح عن عمليات تزوير حقيقية خارجة عن السيطرة. وهذا ما يشكّل خرقًا وعارًا بسبب الدور غير النزيه الذي لعبته المنظمة الدولية وممثلتُها، وكيلة الدوائر الاستخبارية العالمية في العراق تحديدًا، عندما غضّت الطرف عن الخروقات وأشكال التلاعب في نتائج صناديق الاقتراع، ما أجاز القول بمحاباتها لاستكمال الكتل السياسية وأحزاب السلطة متمثلة بمثلثها الشيعي- الكردي- السنّي لإكمال مشوار مشروع المحاصصة بذات الطريقة التي بدأت وانطلقت منه على أيدي راعي سلطة الائتلاف بعد 2003.
وفقًا للتحركات الكثيرة لممثلة المنظمة الدولية جينين بلاسخارت في فترة التهيئة لانتخاباتتشرين 2010 في أوساط الكتل السياسية ومشاوراتها مع عموم الرئاسات في العراق، وزياراتها المتكررة للمرجع الشيعي الأعلى في النجف، وزيارتها إلى السؤولين في بلد الجارة إيران التي تُحكم قبضتها على قرار الحكومة العراقية وشبه دولتها، تتضح سعة المساحة التي تتحرك منها هذه المسؤولة الدولية. هناك مَن يرى تناغمًا في الرؤية العامة بين نوايا المنظمة الدولية وإرادة الكتل السياسية بخصوص ما ستتمخضُ عنه طبخة الانتخابات القادمة. فالأولى ومن منطلق الإيمان بشيءٍ من النزاهة الدولية والحرص على مصالح الشعوب المقهورة وإظهارًا لتحقيق العدالة بين مكونات الشعوب متعددة الأطياف والقوميات والأديان، تسعى للإشراف على انتخابات العراق هذه المرة بشيءٍ من الحرص وبادّعاء إخراجها أكثر قبولاً من سابقاتها بدرجات قليلات، حفظًا لماء وجه أحزاب السلطة شريكة المنظمة الدولية والدول التي حرصت على إبقاء خيوطٍ من الأمل مع الحكومات المتعاقبة أولاً، وتهدئة لمشاعر ثوار تشرين الذين لم تخبو جذوة انتفاضتهم طالما أنهم لم يحققوا أهدافهم بالانتصار لدماء زملائهم الذين سقطوا على مذبح الحرية التي سلبتهم إياها الأحزاب الحاكمة وميليشياتُها وجماعاتُها المسلحة التي ماتزال تشكل أركان الدولة العميقة المتغطرسة.
أيًا كانت النوايا والإرادات، فهي ستتقاطع حتمًا مع أهداف الشارع المنتفض الذي لم تركنْ جذوتُه ولم تبردْ سخونتُه جرّاء استمرار استهداف الثوار الوطنيين الحقيقيين الذي احتاروا مع مَن سعى لركوب الموجة وأخذَ بترديد ذات الهتافات والمطالب الوطنية التي أيدتها النخب الوطنية باختلاف تبعياتها وتلاوينها. فهذه شكّلت رأس الحربة في برامج أحزاب السلطة التي فطنت لتراجع شعبيتها ورضخت لبعض المطالب التي نادى بها الثوار تحت مطرقة "الشلع قلع" والتغيير الجذري في النظام والمنظومة الحاكمة التي مازالت سيدة هذه المطالب. لقد قال الشعب كلمته حين قدّم خيرة شبابه عبر مئاتٍ من شهداء الانتفاضة وآلافٍ من الجرحى وذوي العاقات، ما حدا بالمرجعية الشيعية العليا كي ترسل في وقت سابق رسالتها الغاضبة "المجرّب لا يُجرَّب" وتوجيهاتها الأخيرة بحثّ المواطنين على التصويت والمشاركة الكثيفة بهدف إحداث ما ينشده الشعبُ من تغيير في الوجوه السياسية التقليدية التي نالت شهرة الفساد والإفساد بلا منازع محليًا وإقليميًا وعالميًا. ولكن، ما الفائدة من الكلام الذي يُرسلُ على عواهنه، لاسيّما بوجه مَن لا يخجل ولا يخشى مخافة رب العباد ولا يشعر بحالة الفقير ولا ترمش له عينٌ إزاء الجائع والعطشان والمعدوم. حقًا، "إن لم تستحي، فافعلْ ما تشاء"!
لقد بات واضحًا، رفضُ الشارع العراقي لتدوير عموم الزعامات التقليدية لأحزاب السلطة وشخوصها التي خلت أجنداتُها من أية نفحة وطنية أو سمة انتمائية له ولشعبه طيلة حكم هذه الأحزاب والوجوه للبلاد منذ الغزو الأمريكي المهين لسيادة الوطن. وما محاولاتُها لإنتاج أحزابٍ فرعية بمسمياتٍ ديمقراطية وواجهاتٍ سياسية جديدة من حيث القوالب الظاهرية وحاملة لأهدافٍ ومطالبات "تشرينية" تسعى لتبنيها، سوى من الدلائل البيّنة على إفلاسها شعبيًا ومحاولتها التمسّك بقشة واهية برداء الأحزاب الفرعية الجديدة التي تبدو للعاقل والحكيم والمواطن الأمين لمبادئه غير رصينة تمامًا في نوايا شعاراتها المسروقة من الشارع المنتفض بسبب سوء أدائها. ومن باب الاحتراز والحيطة دأبت الزعامات على اختلاف تحزباتها وتوجهاتها الأيديولوجية التي أدخلتها في حالة من التخبط الفكري والسياسيّ بالتفكير جدّيًا بإعادة ائتلافاتٍ قديمة تعتقد بجدواها بالرغم من اتساع الهوة بينها وبين ما تشكله طموحاتُ أيٍّ منها منذ إعلان مفوضية الانتخابات فتح مكاتبها لتسجيل الكتل والائتلافات والكيانات استعدادًا لموعد الانتخابات القادمة. لكنّ ما بدا مخجلاً أكثر، تبجّح أحزاب وائتلافات باكتساحها لصناديق الاقتراع وفوزها الساحق مسبقًا، بل وصل الأمر ببعضها بتحديد المقاعد التي تريدها وأخرى بفرض شيء من سياسة الأمر الواقع بالحصول على منصب رئاسة مجلس الوزراء باستخدام كلّ الوسائل المتاحة وغير المصرَّح بها أيضًا.
مخاوف وقلق
مما لا شكّ فيه، ملاحظة بروز حالة من القلق والخوف التي تساور زعامات الأحزاب التقليدية هذه المرّة، لا سيّما وأنها تأتي بعد فترة حرجة شهدتها البلاد وتمثلت بقدرة الانتفاضة التشرينية لإسقاط وزارة "ولائية" مرتبطة ايديولوجيًا بأجندة الجارة الأرجنتينية التي شعرتْ ولأول مرة بخطورة المدّ الشعبي  الوطنيّ الجارف ضدّ مخططاتها وطموحاتها عبر تبنّيها الساحة العراقية لتصفية حساباتها مع أمريكا والدول الإقليمية. كما لا يمكن التغاضي عن الدور الذي لعبته المرجعية الدينية في فترة ما بالتحذير من خطورة الموقف عندما دعت الكتل الشيعية الحاكمة كي ترخي الحبل قليلاً من أجل امتصاص الغضب الشعبي وذلك عبر حث الحكومة السابقة للتنحي عن السلطة بادّعاء احتمال فقدان المذهب للسلطة والنفوذ في البلاد. لذا رأت في استقالة حكومة عبد المهدي أصلحَ النتائج وأيسرَها، تلافيًا لفقدان مقاليد السلطة وخشية من انجراف الثورة الشعبية نحو ما لا تُحمد عقباه. وقد نجحت في ذلك المسعى بامتياز بإعادة تدوير سياسة المحاصصة وإبقاء الهيمنة على السلطة لما تبقى من عمر الدورة التشريعية بحسب المخطّط بالإتيان بحكومة بينية ضعيفة تبقيها أداةً وتحرّكها وفق مصالحها متى ما شاءت وكيفما شاءت من دون أن يكون لها القرار الوطني الحقيقي الذي أضحى "تابو" وحرامًا في بلد الحضارات. فالسياسة العامة في الحكومة الجديدة التي اتُفق على تسليمها للسيد مصطفى الكاظمي لم تختلف أو تتغير من حيث الإبقاء على ذات الامتيازات في توزيع المناصب واحتكار العقود وإدامة السطو على المنافذ وتهريب الثروة النفطية بين الشركاء الأساسيين وعدم المساس بحصة الكعكة أو التقرّب من منابع الفساد التي تتولاها الحيتان الكبيرة. والدليل على ذلك، بطء التحرّك إن لم يكن شبه التوقف من جانب لجنة الأمر الديواني 29 لسنة 2020، في ملاحقة الفاسدين الأساسيين الكبار في الدولة العراقية، بدءً من زعامات السلطة ووصولاً لكبار موظفي الدولة من أصحاب المناصب العليا الذين يأتمرون بأمر مَن أتى بهم أدواتٍ لتنفيذ أجنداتهم ومواصلة سرقة المال العام بكلّ الوسائل المتاحة والتغطية عليهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. فالتقارير والتصريحيات أشارت مرارًا وتكرارًا إلى جاهزية أكثر من 14 ألف ملف فساد في هذه اللجنة بانتظار حسمها ومعالجتها. فهل تجرّأ رئيسُها المكلَّف وفريقُه حقًا من شقّ جدار الشمع الأحمر واختراقها في ضوء الضغوطات الهائلة التي تعرّضت لها واشكال التهديد العلني والمبطَّن التي طالتها من قيادات فاسدة في البلاد أو من أدواتها الكثيرة ممّن دأبت على تقديم عروضٍ عسكرية استعراضية استفزازية كلّما صدرت أوامر قبض بحقّ رموز الفساد وهدر المال العام وسرقته أو بتهم القتل وتصفية الناشطين وكلّ مَن يتعرضُ سبيلهم أو ينتقد أفعالَهم وسلوكياتهم؟
من هنا، استشعرت الكتل السياسية الكبيرة خطورة الموقف هذه المرّة، عندما شهدت الساحة الدولية تحركات، على خجلها، باتجاه تحقيق نسبة معينة من التغيير في المشهد السياسي على الساحة العراقية من خلال دعم أو بالأحرى حثّ جهات لتبنّي مساعي وأفكار الانتفاضة التشرينية لدخول المعترك الانتخابي عبر تكتلات وطنية بغية تحقيق شيءٍ من المعادلة بالمشاركة في السلطة، وذلك من منطلق المشتركات الوطنية المفصَح عنها ظاهريًا. هذا في حالة تحقق شيءٍ ممّا في الروزنامة الدولية والإقليمية إذا سار القطار بحسب المخطط له من دون عرقلة أو مفاجآت، سواءً بالسماح بشيءٍ من التغيير في المشهد السياسيّ المتشنّج اصلاً أو في تحقيق نتائج وإن كانت خجولة في مجال تحقيق الشفافية ومكافحة الفساد ووضع حدود لعمليات ملاحقة ثوار الانتفاضة وتغييبهم قسرًا وبالوسائل المعهودة المدعومة من أحزاب السلطة. وهذا ما حدا بجهات ولائية تقليدية لزيادة الضغوط على أجهزة الدولة وسياستها الخارجية ومن بينها مفوضية الانتخابات للمطالبة برفض أيّ إشرافٍ دوليّ على الانتخابات القادمة بحجة الحفاظ على السيادة الوطنية، فيما السيادة الوطنية وهيبةُ الدولة قد انتزعتهما أحزاب السلطة وسلّمتهما للسيدة الشرقية رضوخًا ولائيًا لا غبارَ عليه.
    نحن نعتقد أنّ بين المخاوف التي تتذرع بها جهات في السلطة أو مَن يقف وراءها، تخشى على نفسها من عدم قدرتها على تزوير الانتخابات القادمة كما تسنّت لها فرص واضحة في سابقاتها. وهذا أمرٌ مفرغٌ منه بحسب المطلعين والمراقبين والمتابعين. فأية جهة إشرافية أو رقابة دولية أو إقليمية تعني فيما تعنيه جزئيًا أو كلّيًا، صدّ أية محاولة للتأثير على مجرى الانتخابات ونتائجها بفضل الأدوات التي تتحكم بها على الأرض من قدرات مالية ووجود ميلشياوي وعسكري ونفوذٍ عشائري وولائيّ يمكن أن يجيّرَ ويوجّهَ النتائج لصالحها. ويبقى الفرق بين الإشراف الدولي وشكل المراقبة الواهن الذي فرضته أحزاب السلطة والكتل السياسية كبيرٌ. وهذا ما حمل زعماء الكتل التقليدية التي حكمت البلاد وسادت العباد منذ السقوط تتخوّف من كلمة إشراف أمميّ لكونها من جوهر مطالبات الشارع المنتفض الذي فقد الثقة الكاملة ليس بالأحزاب الحاكمة فحسب، بل بمجمل المنظومة السياسية ككلّ. وكما يبدو، لم يعد هناك من أبوابٍ ونوافذ آمنة ذات مصداقية إلاّ بالإشراف الدولي على العملية الانتخابية حفاظًا على شعاعٍ ولو يسيرٍ من "النزاهة والشفافية في مختلف مراحل العملية الانتخابية"، حسبما صرّح المرجع الأعلى خلال أحد لقاءاته مع ممثلة الأمم المتحدة، ما أغاض مراجع سياسية ودينية لدى الجارة إيران التي خشيت على نفسها فقدان زمام التحكم بمقدراتها ومصالحها في العراق الذي تعدّه ولاية تابعة في سياستها وتصوراتها ومخططاتها.
تبقى كلمة لا بدّ منها بخصوص كوتا الأقليات التي تراهن عليها أحزاب وكتلٌ كبيرة بذلت جهودًا لاحتواء مرشحي المكوّنات قليلة العدد، وذلك زيادة في إفسادها وسرقةً لأصوات أبناء هذه المكونات. فنحن لا نعتقد البتة استجابة الغاية من إنشائها وتلبية استحقاقاتها بحسب الدستور وحقها في التعبير عن حرية رأيها بمَن يمثلها على أرض الواقع.
نوايا وإرادات متصارعة
تبقى النوايا والإرادات متقاطعة، كلّ جهة بحسب روزنامتها ومخططاتها. لكنه من الطبيعي في بلدٍ مثل العراق شهد انتكاسة سياسية وبشرية واقتصادية منذ احتلاله قبل 18 عامًا خلت، أن يطلب إشرافًا أو مراقبة دولية أو إقليمية على حدثٍ هامٍ يخصّ مستقبل شعبه ويصون سيادة وطنه التي ارتُهنت بأيدي الأغراب عنه والدخلاء عليه من مزدوجي الجنسية الانتهازيين وأصحاب الولاءات وجيوش النضال الجهادي وما على شاكلته. وهذا ليس انتهاكًا للسيادة، بل تعزيزًا لرسم مستقبل آمنٍ للبلاد ولشعب العراق المقهور ولمستقبل الأجيال التي لا تعرف مصيرها قبل أن تولد. في انتظار اليوم الموعود في العاشر من تشرين أول 2021، نأمل مشاركة واسعة من قبل الشعب كي لا تُعطى فرصة أخرى لأتباع وموالي أحزاب السلطة التقليديين كي تخلو لهم الساحة فيجتاحوا صناديق الاقتراع بجيوشهم الولائية، المنتفعة منها والمنبطحة والمنافقة والماكرة والسائرة في ركب وعّاظ السلاطين وتقديس الشخوص وعبادة الجلادين. وتبقى الانتخابات القادمة فيصلًا بين الحق والباطل. ولنعلمْ، أنه في حالة إعادة ذات الأحزاب التقليدية الفاسدة للواجهة وتدوير ذات الوجوه أو مَن يواليهم ويقلّدهم ويشابههم، فإنّ العيبَ والآفة والخطيئة الكبرى في الشعب الذي يرتاح ويقبل ويرضى بجلاّده. فالشعوب أولاً وآخرًا على أشكالها يولّى عليها!!!

.


24
خطوات مهمة تبني استقلالية الأطفال
لويس إقليمس
بغداد، في 5 شباط 2021
من الطبيعي جدًا للطفل وهو ينمو في القامة والجسم والعقل سليمًا معافىً أن تحتاج خطواتُه الأولى إلى إرشادٍ وإشرافٍ من والديه وأسرته ومَن حولهم وكلّ مَن سيكون له صلة بتقدّم خطواته نحو المستقبل. وليس خافيًا تأثير البيت الأسري على نشأة الطفل من أولى خطوات رؤيته النور عندما تتلقفه الأيادي الأولى مرحبة بقدومه الميمون ومستقبلةً إياه بتباشير الفرح و"الهلهولة" وتوزيع الحلوى وسلامة الصحة للأم التي حملته في بطنها تسعة أشهر أو ما يساويها من زمن الحمل. كما يواصل الأهل، الأسرة الأبوية والأمومية قبل غيرها برعايته ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً متحدية مصاعب وإشكالات ومتاعب كثيرة لا تُحصى في الكثير من الأحيان، لاسيّما تلك التي يصعبُ عليها توفير لقمة العيش الطبيعية من كفاف اليوم لأي سبب كان، كأن يكون بسبب البطالة المستشرية أو صعوبة العثور على عمل للاسترزاق منه أو فقدان المعيل أو غياب المساعدة الحكومية بسبب غياب نظام وطنيّ للضمان الاجتماعي أو بسبب الوضع الاقتصادي المتردّي وما سوى هذه كثيرٌ في ظلّ الفوضى الاقتصادية والأزمات المتلاحقة التي تشهدها دولٌ وشعوبٌ كثيرة في العالم. ولا تشذُّ منطقتنا وبلادُنا من كلّ هذا وذاك. فالعراق يتعرّض تحديدًا في هذه السنوات العجاف إلى نكسات متتالية، سياسية واقتصادية واجتماعية وتربوية وأخرى غيرها بسبب غياب الوعي وتفاقم الفساد واحتكار الوظائف بأيدي شلّة أحزاب السلطة الحاكمة وجهاتٍ محلية وإقليمية ودولية متصارعة تضع العراقيل أمام سبل انتعاش القطاع الخاص ونهضة شركاته ومعامله ومزارعه الإنتاجية بوسائل وطرق شيطانية بعيدة كلّ البعد عن اية لمحة وطنية وفي غياب أية استراتيجية لانتشاله وشعبه من المآسي التي وضعهم فيها نظام المحاصصة المقيت والقاتل منذ الغزو الأمريكي في 2003.
لعلّ من المشاكل التي لا تقلّ خطورة في عراقنا اليوم، والتي ينقصها أبسط اللمسات الإنسانية الآدمية الأساسية تكمن في غياب السكن اللائق لملايين البشر من الذين يفترشون العشوائيات ويتخذون من مساكن التنك والبناء غير المنظم سكنًا يقيهم وأطفالَهم برد الشتاء ولهيب الصيف الحار. وهذا ممّا له الأثر البالغ والسلبيّ عمومًا في موضوعة توفير أبسط وسائل العيش الكريم لأطفالٍ يولدون بلا منازل ولا سكن ولا سقف يحميهم ويوفر ملاذًا آمنًا لهم ولذويهم الذين أنجبوهم ليكونوا مواطنين أسوياء منتجين ومثمرين في بلدهم. فالطفلُ الناجح، ذكرًا كان أم أنثى، في حياته عندما يتلقى تربية سليمة وطبيعية في طفولته، فهذا من شأنه أن يوفر لوالديه راحة البال بمسيرة طبيعية سالكة، ولمجتمعه ثقة بعلاقات رصينة وطيّبة، ولوطنه مستقبلًا واعدًا بحياة أفضل. وهذه من دواعي التنشئة الصالحة والطبيعية في كلّ المجتمعات والأوطان. وعليها تَبني الشعوبُ والدول مستقبلَها وترسم مصيرَ حياة شعوبها وتضع لمسات تقدمها على كفٍّ وتخلّفها عن الركب العالمي على الكفّ الآخر في حالة فشلها بتأمين سبل الحياة الكريمة لمواطنيها.
إنّ من الأساليب التي ترسم مستقبل الأطفال فيها من المتغيرات السلبية بحسب طبيعة المجتمعات وفكرها وتوجهها الدينيّ والمذهبيّ والطائفي، ممّا يقف صدًّا مانعًا أمام تأمين حياة إنسانية سوية للأطفال في أحيانٍ كثيرة. وهذا من مدعاة القلق في دولٍ تضع في أولوياتها اتباع لغة الحشو التلقيني التقليديّ في ذهن الطفل منذ نعومة أظفاره، وتَرافقُ ذلك مع كبره ونموه الذهنيّ والجسديّ على ذات الأسلوب الضيّق في ترويض أفقه وفي وسيلة تنمية قدراته الاستيعابية وتطوّر ذهنه بسبب الكمّ الهائل من أمثال هذا الحشو في النصائح والتوجيهات والنهر والزجر والنهي التي تسلبُ حريَته وتقيّد فكرَه في اتجاه واحد دون السماح له بالاستنارة بما حوله واستكشاف محيطه بحرية من أجل تطوير قابلياته الذاتية. نحن نقول، لا بأس بتدخل الوالدين في توجيه الطفل ومرافقته في نموه البدني لينشأَ عقلُه معافى سليمًا. فالعقل السليم في الجسم السليم، مقولٌة لا نختلف عليها. ولكن لا بدّ من ترك مساحة واسعة للطفل كي يبلى بلاءً حسنًا في تنمية أفكاره وقدراته العقلية ونظرته الإيجابية للمحيط والواقع من منظارٍ بشري وإنسانيّ متناغم مع نموّه الجسدي. ذلك أنّ عملية فرض مفاهيم أبوية وأمومية على الطفل، ذكرًا كان أم أنثى ستكون له آثارٌ سلبية غير طيبة وغير مثمرة على مستقبله ومستقبل مجتمعه ووطنه ككلّ. والسبب في ذلك، كون الإنسان حرًّا منذ الولادة، ولا بدّ أن تبقى له مساحة وافية من هذه الحرية التي منحته إياها السماء.
تربية تنفيذية
لستُ هنا بداعي الإثارة ضدّ أساليب التربية التلقينية السلبية غير الصحيحة التي ينتهجها بعض الآباء والأمهات والمؤسسات بحجة صيانة أخلاق أطفالهم وتعليمهم آداب الحياة على طريقتهم التقليدية التي تحابي مجتمعاهم التقليدية القبلية والعشائرية والدينية والمذهبية ضيقة الأفق والتفكير وناهية الانفتاح، خشية من اتهامهم بالخروج عن معايير هذه المجتمعات وثورتهم على البالي من سلوكياتها التي لم تعد منتجة ولا مثمرة ولا مفيدة في الزمن المعاصر. فالزمن قد تطوّر وأصبحت كلّ الوسائل التكنلوجية والالكترونية والرقمية المتقدمة بين ايادي الجميع من دون استثناء. ومن ثمّ لا حدود ولا محدّدات قادرة اليوم أن تقطع طريق الاستنجاد بكلّ ما هو جديد ورافض للقديم الرثّ البالي الذي فقد بريقه مع تطور الزمن والفكر والرؤية إلاّ فيما يعزّزُ ويديمُ سلّمَ الأخلاق والآداب العامة وأدوات احترام الآخر برغم الاختلاف عنه في الراي والمعتقد والفكر والدين والقومية وما سواها. فهذه تبقى من الأبجديات التي لا بدّ من قيامها وتعزيزها وإدامتها وسط المجتمعات الصالحة السوية المنتجة ولا أقول التقليدية الاستهلاكية غير المنتجة. وبالإمكان الغرف من هذه الوسائل المتجددة، بسمينها وغثّها، بخيرها وشرّها، بفعلها وعقمها ما شاء الطفل والمراهق والشاب والفتاة والرجل والمرأة والكهل والمسنّ، ومتما أرادوا وكيفما شاءوا وأينما رغبوا. فكلّ الطرق مفتوحة اليوم أمام الجميع، وليس فيها من مغالق ولا روادع ولا محدّدات.
سلوكيات سالبة تسلب الاستقلالية
ليس من السهل الوقوف على أفضل الأساليب التقويمية في تربية الأطفال وتعليمهم فنّ الاستقلالية في إدارة شؤونهم اليومية، بدءً من دواعي المنزل الأسري. فمن حق الطفل عندما يبلغ السنّ الذي يتيح له تدبّر أموره اليومية حين تجاوزه سنّ السنتين فما فوق، أن ينعم بشيء وافرٍ من الاستقلالية في أسلوب حياته، وفي إدارة دارته الخاصة باللعب وأنواع ألعابه المفضلة، وفي ترتيب منامه الشخصيّ والعناية بغرفته وتوضيبها ووضع ما يحلو له من صور وأدوات وملصقات وارتداء ملابسه وقضاء حاجاته، هذا في حالة توفر هذه الأدوات طبعًا. فهذه تشكلُ سِفرًا حياتيًا في مسيرة كل طفل، وتسهم في إدراك شيءٍ من تصوراته وطريقة تفكيره ومعالجته للأمور اليومية البسيطة في ضوء ما يتلقاه من دعمٍ وإشرافٍ مباشرٍ وتوجيه سديدٍ من الوالدين. كما أنه في هذه السنّ تبدأ مداركُه بالنمو ويزداد شغفُه باستكشاف محيطه وحاجاته بنفسه، ما يمهّدُ له الطريق للاعتماد على الذات بصورة شبه تامة، مدعومًا بتحفيز من الوالدين. وهذا من البديهيات في الحالات الطبيعية، وهو ما يكتشفه الوالدون في ابنائهم وأحفادهم، وأنا منهم.
تبدأ خطوات الاستقلالية في انفصال الطفل عن الفراش الوالدي الذي كان يؤمّنُ له الدفء والحماية وشيئًا من الحنوّ والعاطفة الأبوية طيلة فترة منامه وسط الوالدين أو على جانبٍ في منامٍ مستقلٍّ عنهما. في فترة ما من نموّ الطفل وبلوغ مداركه حول كلّ ما تقع عليه عيناه في السرير الوالديّ، ينبغي على الوالدين أن يتخذا القرار بتعويد طفلهما على الاستقلال عنهما في منام خاصٍ به عندما يلاحظان تطوّر مداركه وشدّة ملاحظاته ودوام بحثه عن أسئلة تخصّ ما تقع عليه عيناه من علاقة ودية وحميمية لوالديه. في البدء، قد يلاقيان صعوبة في إقناعه بالانفصال عن غرفتهما "المقدّسة" لأسباب مبهمة أو حتى واضحة للعيان تتعلق بشكل العاطفة الطبيعية التي تربطهما به. وقد يكون للأم تأثيرٌ أكبر في تأخير مثل هذا القرار بسبب بروز العاطفة الأمومية العليا والخشية من ابتعاد فلذة الكبد جسديًا وشعوريًا عنها بعد أن كان لصيقًا بها منذ الولادة وبداية أيام نموّه. إلاّ أنّ القرار الصحيح ينبغي اتخاذهُ في وقت ما ومن دون تأخير. فقد حان الأوان لاستقلاليته والبدء بترتيب أموره الشخصية بعيدًا عن أحضان الوالدين، ولو في أدنى أوليات الترتيبات الضرورية. فهذا من شأنه أن يخلق فيه روح التكوين الذاتي وتحمّل المسؤولية عندما يكون في غرقته بعيدًا عن حماية مباشرة أو غطاءٍ حضوريّ من الوالدين. كما ستوفر له هذه الاستقلالية المناخَ مستقبلاً لتعلّم المزيد من الممارسات المهمة التي تنتظرُه، ومنها الاستعداد للتأقلم لاحقًا مع التعلم في المدرسة في خطواته الأولى وتطوير مهاراته وتقوية منجزاته البدائية أمام مرأى الوالدين.
من الممكن أن يواجه هذا الانتقال الجديد في العلاقة بين الوالدين والطفل مشكلةً ليست قائمة إلاّ في فكره البدائيّ المهزوز في البدايات الأولى. وهذه تكمن في الخوف الذي يستشعرهُ الطفل في قرارة نفسه بصعوبة تأمين ما يعتقدُ أنه مبرّرٌ لهذا الخوف، وهي شكل الحماية الوالدية التي كان يتلقاها أيام الطفولة الأولى، والتي يرى أنه في الطريق إلى فقدانها والحرمان منها من دون إنذار. ومن ثمّ يقيم الحجج بالخوف من مجهولٍ قائمٍ في فكره أو يبدي الخشية من أشقائه الأكبر منه سنًا أو أقرانه أو أي شخصٍ آخر يشاركه السكنى الجديدة بعيدًا عن الوالدين. وقد تسنى لي شخصيًا معايشة هذا النموذج وإنجاحه مع أبنائي وأحفادي من بعدهم عبر تهيئة كافة الأجواء للتأقلم مع شكل هذا المناخ الجديد، من تهيئة لغرفة خاصة وفرشها وتأثيثها بما يجذب نظر الأطفال ويعطي انطباعًا براحة أكبر في الوضع الجديد ومزيدًا من الثقة بالنفس. وكلّ هذه من الأدوات الجاذبة والمشجعة لاستقلالية الطفل. هنا تحديدًا، في حالة تراجع أحد الأبوين عن قرارهما بتوجيه الطفل نحو استقلاليته لأيٍّ من الأسباب في أعلاه أو غيرها، فإنَّ آثارَها لن تكون طيبة، لا في صالح الطفل ولا في صالح الوالدين على السواء. فأيّ اهتزاز في الموقف سيعمّقُ الشعور بالحاجة للالتصاق أكثر بالسرير الوالدي لفترة أطول. ولكن لن يكون الأمرُ سهلَ التقبل في وقت لاحق. فاستسلام أيّ من الوالدين لبكاء الطفل وتوسلاته في البدايات الأولى للبقاء وسطهما في ذات الغرفة سيخلقُ لدى الطفل عقدةً عاطفية عندما يكبر، هذا إنْ لمْ يتعرّض لأشكالٍ من الاضطراب النفسي غير المبرّر. 
هناك نقطة هامة أيضًا قد تثير قلقًا بين الوالدين عندما ينحازُ أحدُهما لطفلٍ دون غيره. هنا تبدأ الغيرة لدى الإخوة في الأسرة الواحدة، إذا لاحظ بعضُهم شيئًا من التمييز لصالح أحدهما دون غيره. ومن شأن هذا التمييز أن يخلق صراعًا وسط الإخوة وينال من حجم سعادتها. بل قد يمتدّ الصراع لينتقل بين الوالد والأم ويزيد الجدال بينهما ليحتدم وصولاً للغضب من سلوك أحدهما ضدّ الآخر بسبب الانتصار لطفلٍ دون غيره. وهذا يتطلبُ المزيد من الحذر في الاتزان في المواقف بين أعضاء الأسرة الواحدة، وإلاّ وقع الوالدان في مغامرة الأبوّة التمييزية بين الأطفال والتي يصعبُ لاحقًا تغيير بوصلتها لصالح الاعتدال في المساواة بين الجميع وصولاً لقدرٍ مقبولٍ من السعادة. لكنّ هذا لا يمنع أن يكون لطفلٍ دون غيره دالّةٌ أو حظوة لدى أحد الوالدين لأية أسباب وجيهة، كأن يكون القربُ العاطفي بسبب طبيعة سلوك الطفل أو طريقة تحبّبِه أمام الأب أو الأم وفقًا لتجاوبه مع توجيهاتهم ورغباتهم، ما قد يجلب اهتمام أحدهما تجاهه دون غيره. لكننا عندما نتحدث عن سلوك أبوي في مسألة توجيه الطفل مع نموه في العمر نحو الاستقلالية في تأمين ضروراته اليومية، فهذا ينبغي أن يكون تعميمًا لجميع الأطفال ومن دون تمييز في إقراره واتخاذه، لكونه جزءً اساسيًا في التربية الأسرية الإيجابية.
السعادة في نوعية التربية
في كلّ الأحوال، تبقى التربية الإيجابية هي الخيار الأفضل لتعزيز شخصية الطفل والأخذ بيديه نحو حياة مستقرّة طبيعية تمنحه إياها فسحة الاستقلالية التي يكتسبها من لدن الوالدين. فكلّما شعر الطفل بزيادة قناعة الوالدين بما يأتي به من أفعال وحركات، يزيده ذلك اعتمادًا على قدراته، بل ويزيد من شعوره بشيءٍ من الاستقلالية في السلوك والتصرّفات عندما تكون هذه في منظار الوالدين وتحت نظرهما. وعندما تحدثنا عن ضرورة احتفاظ الوالدين بخصوصيتهما في غرفتهما الخاصة وبما يعزّز من سبل ومفردات سعادتهما الزوجية والعائلية معًا، فذلك كان من منطلق أحد الخيارات الإيجابية في التربية السليمة. فهذه الخطوة بالذات، هي البداية لفسح الطريق أمام مساحة واسعة من البحث المبطن عن الاستقلالية التي يسعى إليها الوالدان ويتقبلها الطفل على مضض في بداياتها الأولى. ولكن سرعان ما ينطلق للتوسع ضمن هذه المساحة المتاحة لإثبات الذات والقدرة على التفاعل مع مفردات الحياة التي تحيط به والتي من شأنها أن تكسبه مزيدًا من الخبرة والثبات والمعاندة في اكتشاف الذات أكثر.
مثل هذا النموذج من العلاقة السوية بين الوالدين والطفل، متاح أكثر وسط الأسر التي تتحلى بحياة مستقرّة ضمن مجتمعاتها والتي تستند فيها لتأمين سعادتها، بتوفر أدواتها الأساسية من مسكن وملبس ومادة. لذا، نرى ملاحظة عكس هذه الحالة تمامًا وسط عائلاتٍ تفتقد إلى أبسط سبل الحياة في افتقارها إلى سكنٍ ملائم يأوي أفراد الأسرة الاعتيادية في عديدها الذي يلائمُ قدرتها على تحمّل تكاليف المعيشة أولاً، واستيعاب أفرادها عندما لا تخرج عن المعقول في الإكثار والإنجاب بلا تحديد. فسرُّ الحياة وبهجتُها وطبيعتُها ليست بكثرة الإنجاب، بل في التربية الصحيحة وبأدواتٍ صحيحة تضمنُ لهم العيش الرغيد والسكن الصحيّ والاستقرار الأسري والسعادة العائلية بعيدًا عن إشكاليات التكاثر العشوائي كالأميبا وكالحيوانات التي تنجبُ صغارها غريزيًا وتلقي رحلَها في الشارع لتتلقفها أيادي الجريمة والشرّ والجهل وأنواعٍ لا تُحصى من الموبقات والأعمال التي تتقاطع مع حق الوطن والمجتمع بإيواء مواطنين صالحين تُعدُّهم أسرهُم لدخول معترك الحياة من منطلق صحيح وصائب.
ونتيجة لما سبق من ملاحظات وتشخيصات، يأتي الجهلُ بأساليب التربية والإعداد الأسري المقبول عاملاً سلبيًا في توفير السعادة الأسرية المفقودة، وذلك بدءً من سُنّة الزواج وأسبابها وأدواتها وضروراتها الأساسية المتمثلة بعدم توفير سكن آدميّ مقبول يحفظ خصوصية الزوجين والأطفال عندما يولدون وسط استعدادات آدمية غير متكافئة وغير متيسرة يُفترضُ أن تتكفلَ الحكومات بتأمينها. وهذا ما يعاني منه المجتمع العراقي بسبب الزيادات العشوائية وغير المنطقية في الولادات والزواجات غير المتوازنة أو المتكافئة، ولاسيما تلك التي تمسّ القاصرين والقاصرات، ما نجم عنه طبيعيًا حالات طلاق عديدة موازية كنتيجة حتمية لصعوبة توفير عش الزوجية ولقمة العيش وسط أزمات خانقة ومتلاحقة في السياسة والاقتصاد ونتيجة لسيادة العرف العشائري والطائفي على سيادة القانون في شبه الدولة العراقية التي فقدت كلّ مقوّمات الإدارة الوطنية السليمة في تلبية احتياجات أبنائها. ولعلّ أولى هذه الضرورات، قيام تعامل صحيح وفاعل يوازي في حجمه وطاقته ما يتناسب مع أزمة السكن الخانقة التي ستظلُّ شوكة عسيرة تواجه الإدارات الطائفية المتلاحقة الفاشلة لفقدانها استراتيجية العمل وفق إدارة فاعلة ناجحة وإرادة وطنية مفقودة أصلاً لم تستطع معالجة هذه الأزمة طيلة فترة حكمها الطائفي.
اختصارًا، لا يمكن تأمين السعادة لأية أسرة في حالة فقدان وضياع أيٍّ من أسسها الأساسية: العش الزوجي في تأمين السكن الصحيّ، التفاهم الأسري المبني على الحب الحقيقي، التربية الإيجابية في توجيه الوالدين للأطفال، الاحترام المتبادل بين الزوجين أمام الأطفال، الثقة المتبادلة ضمن الوضع الأسري، تشجيع الأطفال على الاعتماد على النفس. وغيرها كثيرٌ ممّا يدخل في خانة التربية الإيجابية التي تبقى من مسؤولية مؤسسات الدولة والمنظمات والجهات ذات العلاقة في تنميتها وتعزيزها وإشاعتها في المجتمعات دون تمييز.



25
ألمانيا تطوي أروع الصفحات في تاريخها
لويس إقليمس
بغداد، في 10 أب 2021
ممّا لا شكّ فيه أنّ ألمانيا تقف اليوم في مقدمة اقتصاديات القارة الأوروبية من حيث دينامية اقتصادها ومشاريعها السخية في تعظيم الموارد ودعم قطاع الأعمال وتنويع الإنتاج، كما في سعيها الحثيث لزيادة نسبة الرفاهية في مجتمعاتها بفضل زعاماتها التاريخية التي أسست لهذه القوة المتقدمة في العالم. فقد سبق غيرهارد شرودر زميلته أنجيلا ميركل على رأس المستشارية في إجراء شيءٍ وافرٍ من الإصلاحات التي وضعت البلاد في مصاف الدول الصناعية الكبرى التي يُحسب لها حساب على طاولات المفاوضات والقرار الدولي. لكنّ المستشار السابق شرودر الذي سعى حثيثًا لنيل ثقة الناخب الألماني من دون منافسة، خابَ ظنُّه ومُني في الانتخابات المبكرة التي دعا إليها في 2005 بهزيمة بسيطة أمام منافسته أنجيلا ميركل التي صعد نجمُها وسط الشارع الألماني.
وبذلك تكون ميركل قد دخلت مواقع القرار الأوروبي والدولي من أوسع ابوابه لتشكل طيلة فترة حكمها (2005-2021) ظاهرة نسوية قيادية في أبسط صورها عبر عيشها حياة مواطنية وعائلية بسيطة في شقة مع زوجها، والتي لم تتركها لتسكن في قصرٍ أو فيلاّ فخمة كما تستدعي الأصول، حتى بعد تسنمها منصب رئاسة الحزب والمستشارية. بل والأروع في هذا وذاك، أنها لم تكفّ عن تلبية طلبات سكنها البسيط وسط برلين باستمرارها بالتسوق الفردي من دون حمايات ولا مرافقين إلاّ من حارسها الشخصي، ما أضاف عاملاً مهمّا في مسيرتها السياسية والحزبية وميزة وطنية يُشارُ لها بالبنان في بعثها برسائل ثقة متبادلة إيجابية لمواطنيها وناخبيها. وما أروع أن تودَّعَ هذه المرأة البسيطة والعنيدة والقوية في آنٍ معًا بأكثر من ست دقائق متواصلة من التصفيق الحار الصادق المتواصل في البوندستاغ ومن على الشرفات والشوارع والبيوت ومؤسسات الدولة حينما آنَ أوانُ تنحيها عن السلطة طوعًا بعد 16 عامًا أمضتها في حكم بلدها المانيا واستحقت بحق لقب "المرأة الحديدية". وما أندرهنّ في التاريخ! 
قد تكون المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل" التي حكمت بلدها ألمانيا بجدارة نسائية ناجحة وإخلاص وتفانٍ ومهارة قلَّ نظيرُها، من أروع ما قدمه بلدُها للتاريخ، ليس في ألمانيا فحسب بل في عموم القارة الأوروبية والعالم. فبعد انتخابات 26 أيلول القادم، ستسلّمُ المستشارة الناجحة بكلّ المعايير مقاليدَ السلطة بهدوء العظام وحكمة كبار القوم وحنكة الساسة الفطاحل، فاسحة المجال لغيرها لتكملة مشوار التقدم والتطور بعد أن تصدّر هذا البلد الأوروبي المشهدَ السياسي والاقتصادي والاجتماعي بوقوفه في الصف الأول في دول القارة العجوز. قرارٌ صعبٌ وشجاعٌ قلّ نظيرُه في التاريخ السياسي، وإنْ صحّ وصفُه بزلزالٍ سياسيّ هزّ البلاد بالرغم من بلوغها قمّة العطاء والقوّة والتأثير في حياتها السياسية على الصعيد الداخلي والخارجي. فيما يخشى مراقبون احتمالية حصول إرباكٍ غير مرتقب في الهيكلية السياسية للبلاد بسبب صعوبة التوافق على مرشح بديلٍ لها وبمواصفاتها بعد تنحيها عن منصبها. إلاّ أن القاعدة الرصينة للسياسة الداخلية والخارجية التي عزّزت بها "ميركل" بلادها بأروع اشكالٍ من الاستقرار والإنتاج والتطور لا يُخشى عليها من إمكانية حدوث نقطة تحوّل فاصلة في هذه السياسة، على المدى القريب والمتوسط في أقلّ التقديرات. فالتحالف الحكومي القائم تقليديًا بين أكبر الأحزاب الحاكمة في هذا البلد القوي، ونعني بها الحزب الاشتراكي الديمقراطي وائتلاف حزب الاتحاد الديمقراطي مع توأمه حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي، مع أحزاب اليسار أو الخضر الليبرالية الأخرى، تعي تمامًا مسؤولياتها الوطنية والقومية في إدامة زخم تقدّم البلاد وتواصل تطورها بالرغم من العثرات المتناثرة هنا وهناك والتي سُجلّت أخيرًا على المستشارة وتحالفها بسبب طريقة إدارتها لأزمة الجائحة التي ألقت بظلالها، ليس على هذا البد ونظرائه في القارة فحسب، بل شملت العالم أيضًا. لكنها مؤخرًا، وفي أعقاب كارثة الفيضانات التي اجتاحت مقاطعات ألمانية عديدة وألحقت خسائر بشرية بلغت ما لا يقلّ عن 190 قتيلاً وأخرى مادية كبيرة في البنية التحتية، بادرت المستشارة أنجيلا ميركل على تخصيص ميزانية بمبلغ 30 مليار يورو لإعادة إعمار المناطق المتضررة التي ضربت غرب البلاد في منتصف تموز الماضي 2021. وهذا ما طالبَ به أيضًا أرمين لاشيت المرشح المحافظ لخلافتها لمنصب المستشارة.

أحزاب المعارضة تتهيّأ
هناك مَن يتوقع صعود أحزاب المعارضة مثل حزب الخضر والليبراليين للحكم بفضل ما تمتعت به هذه الأخيرة مؤخرًا من تأييد وتحشيد شعبيّين لارتقاء المواقع المتقدمة في السياسة بعد رحيل المستشارة "ميركل". لكنها لن تلجأَ أو لن تكون في موقع يسمحُ لها لإحداث تحولات جوهرية في السياسة الداخلية والخارجية للبلاد لأسباب تتحكم بها سياسة الاتحاد الأوربي من موقع أعلى وما يحكمها من توازنات وضوابط في إدارة شؤون البلاد كبلدٍ يتقدم اقتصاديًا على سواه من دول الاتحاد. هذا علاوة على أسس النظام الديمقراطي المنهجي الذي تؤمن به شعوب هذا البلد مع وجود فارق ربما في الرؤية العامة للسياسة الخارجية وأسلوب معالجة بعض القضايا الحساسة كالهجرة وما يمكن أن تشكله هذه من منغصات لاسيّما مع التطور المجتمعي الحاصل بتنحي الكوادر القديمة وابتعادها عن المشهد السياسي أو انتقال بعض كوادرها إلى صفوف أحزاب ليبرالية أقرب في تبنيها مطالبَ الشارع. وهذا ممّا يدلّ على إتاحة الفرصة للأجيال الشبابية لتولي المسؤولية وتبنّي رؤى جديدة قد تكون مختلفة عن أفكار مَن سبقوهم في الحكم. ومن شأن مثل هذا التوجّه أن يخلق تجاذبات مجتمعية بسبب الاختلاف في الرؤى والمصالح التي أبرزتها سمة التفرّد سواءً داخل الأحزاب الحاكمة أو في صفوف المعارضة في السنوات التالية لحكم "ميركل". وهذا ما يفسّرُ أيضًا، تشكيلة الائتلاف بعد انتخابات 2017 من أحزاب رئيسة وفرعية صغيرة كانت لها كلمتُها في القرار السياسي، سواءً داخل البلاد أو في صفوف دوائر الاتحاد الأوروبي.
إذًا، في ضوء المتغيرات المتوقعة بعد صعود رصيد الأحزاب الصغيرة التي انجذبَ إليها جيلُ الشباب بصورة خاصة وحازت على سماعٍ جيدّ من المجتمع الألماني، يرى مراقبون في إدارة المستشارة "ميركل" للبلاد منذ الانتخابات الأخيرة في 2017، أنها حققت توازنًا مقبولاً في ائتلاف حكومتها على حساب "البراغماتية البرامجية" التي سلكتها في إدارة شؤون البلاد عامةً، عندما قادتها حنكتُها السياسية والحزبية على انتهاج الوسطية في إدارتها بتغييب النقاشات الإيديولوجية والتوجه نحو ديناميكية أكثر قربًا من الشارع لتلبية مطالب الأخير، لاسيّما في ضوء تقاطع الرؤى مؤخرًا حول موضوعة الإجراءات المتخذة في إدارة أزمة جائحة كورونا واختلاف وجهات النظر بصددها.
على صعيد مستقبل الائتلاف الحاكم للبلاد، لا يخفي مراقبون ومقربون من دوائر القرار حصول شرخٍ في تشكيلته بعد أن تزعمته "ميركل" لسنوات بكلّ جدارة. والسبب كما يبدو، يكمن في الطموحات الأخيرة لبعض الزعامات بالرغبة بالصعود إلى المشهد السياسي بقوّة بفعل كاريزميتها السياسية بإقناع جمهورها بالتغيير. وهذا ما يوضح شكلَ الاختلاف في الاتفاق على المرشح البديل عنها " أرمين لاشيت" الذي خلفَ "ميركل" على رأس السلطة في حزبها الديمقراطي المسيحي مقابل منافسه على المستشارية "أولاف شولتس" الذي يترأس الحزب الاشتراكي الديمقراطي والذي تولى منصب نائب المستشارة "ميركل" ووزارة المالية في حكومتها الحالية. وسيكون على المرشح البديل الذي فاز بترشيح الحزب الديمقراطي المسيحي أن يستعدّ لمواجهة شكلٍ من الانشقاق المتوقع داخل الحزب أو بسبب تخلّي بعض النشطاء عنه لأية أسباب كانت. فالخلافات في الائتلاف الحاكم وإنْ ظلّتْ تحت الكواليس، فليست هناك شكوك بوجود تحركات يمينية من جانب ما يُسمّى بحزب "البديل من أجل ألمانيا" قد تتخذ خطًّا متطرفًا في تغيير سياسة الوسطية القائمة المنتهجَة حاليًا، وذلك من جهاتٍ تنادي بالدعوة لانسلاخ ألمانيا من جسم دول الاتحاد الأوروبي وفق برنامجٍ يعطي لها شيئًا من الخصوصية والاستقلالية في بناء دولتها بعيدًا عن الاتحاد. وإن نجح مثل هذا التوجّه في اصطياد المزيد من الناخبين والمؤيدين، فإنه سيكون علامة سلبية في استمرار بقاء أوروبا متماسكة في قوتها وقدرتها العسكرية والسياسية والاقتصادية. وليس هناك من شكوك باحتمال عودة اليمين المتطرف لحكم ألمانيا، تمامًا كما كانت على عهد هتلر.
حزب الخضر
في الوقت الذي يسعى فيه حزب الخضر للتحشيد لأفكاره ورؤاه في إعادة بناء الدولة الألمانية على أسسٍ تتخذ من فكرة تحديث المجتمع وانفتاحه بطريقة مختلفة إلى العالم من دون خرق لمبدأ احترام الحريات الفردية، فإنّ الفرصة أمامه كبيرة لحصدِ تأييد شعبيّ أكبر في الانتخابات القادمة، بحسب مراقبين، لاسيّما مع تقديمه عنصرًا نسائيًا لخلافة ميركل على المستشارية وهي "أنالينا بيربوك" ذات الأربعين عامًا. وهذا ممّا سيمنح لهذا الحزب فرصة أكبر للتأثير على القرار السياسي في حالة استمرار ائتلافه مع الحزبين الحاكمين المرشحين للفوز بأغلبية مقاعد البوندستاغ القادم. ويسعى حزب الخضر لعرض برنامج انتحابي فاعل مستفيدًا من الثغرات التي برزت في برامج الائتلاف الحالي للحكومة من حيث تركيزه على فكرة الاستثمار العام الكبير الذي من شأنه أن يُسهم في إحداث تحوّلٍ اجتماعي وأيكولوجي عبر تمويلات خارجية وتحديث النظام الضريبي الذي من شأنه المساهمة برفد ميزانية الدولة بالمزيد من الأموال من أجل إعادة بناء البنى التحتية المتهالكة وتطوير وسائل الإنتاج والتصنيع. هذا إضافة إلى برامج اجتماعية أخرى يسعى من خلالها لزيادة مدخولات الأسر محدودة الدخل وزيادة الحد الأدنى للأجور تعزيزًا للدور الاجتماعي للمواطن الألماني.
بالتأكيد لن يكون من السهل وضع برنامج وطني شامل باتفاق جميع الأطراف. فالمواقف ستكون متباينة في ضوء البرامج التي يدافع عنها كلُّ فريق من أجل فرض ما يراهُ الأقرب إلى رؤيته السياسية والاقتصادية والأمنية والدفاعية وحتى الاجتماعية بخصوص برامج الهجرة والمهاجرين وشكل الضرائب التي تفرضها الدولة على دافعيها وما تشكلُه هذه من مواقع الاضطراب في السياسة العامة لألمانيا وعموم دول الاتحاد على السواء. وتبقى الفوارق الثقافية والمواقف السياسية وشكل الهوية القومية من بين المعطيات التي سيكون لها الأثر الكبير في رسم سياسة وشكل البلاد بعد انتخابات أيلول القادمة. لذا، كلّ الاحتمالات مفتوحة أمام هذا الحزب المتنامي بهدوء ورصانة في طريقة كسبه للشارع المتحرّك نحو الإصلاح والتغيير في التحالف سواءً مع أية أحزابٍ حاكمة أو غيرها من تلك الصاعدة من صفوف المعارضة. هذا في الوقت الذي يذهب مراقبون إلى إنه من غير المحتمل التغاضي عن سياسة "الوسطية البراغماتية" التي سادت سياسة حكم "ميركل" طيلة السنوات المنصرمة. وهذا يعتمد أيضًا وبشكلٍ كبير على طبيعة برامج المرشحين أنفسهم وبصورة أكبر مرشحي الائتلاف الحاكم الذي سيبقى الأكثر قدرة على تلبية مطالب الشارع لغاية الساعة أكثر من غيره.
بدلاء عن ميركل على المستشارية
 على أية حالٍ، يرى مراقبون صعوبة محافظة حزب ميركل على قدراته الانتخابية في انتخابات أيلول القادمة. وهذا ما تراه المستشارة الألمانية ايضًا في قرارة نفسها. ففي حين شكلت نسبة شعبية حزبها ما بين 35-38٪ من أصوات الناخبين الألمان في زمن استلامها مقاليد المستشارية، تتوقع هبوط هذه النسبة بمقدار 10 درجات في الانتخابات المقبلة، بمعنى وجود صعوبة بتجاوز حزبها نسبة 25٪ من أصوات الناخبين الألمان. ويتحتم على حزبها المكافحة لتجاوز هذه النسبة. وبغير ذلك لن تتوافر أمامه فرص البقاء في الواجهة السياسية إزاء التحدي والمنافسة الشديدة من لاعبين مغمورين على الساحة الألمانية.
    لعلَّ من بين أقوى المرشحين لخلافة ميركل عندما تنتهي ولايتها في 26 أيلول القادم وكما أسلفنا، السياسية أنالينا بيربوك النائبة عن حزب الخضر منذ 2013 وتتولى منصب نائب رئيس حزبها منذ 2018. وهي تمتلك مهارات سياسية ولها شعبية وسط الشباب. وقد أبدت رغبتها بتشكيل ائتلاف مع الحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم في حالة تحقيق نتائج متقدمة. يليها من حيث الأهمية مواطنُها أرمين لاشيت (60 عامًا)، وهو سياسي محنّك وصحفي حاز على منصب رئاسة الحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم في كانون ثاني 2021. ويُؤخذ على المرشح لاشيت ضعف شعبيته السياسية. يليهما في الترشح على منصب المستشارية، أولاف شولز، من الحزب الاشتراكي الديمقراطي المحافظ الأقدم تأسيسًا في البلاد، وهو محامي وسياسي يبلغ 62 عامًا. ويتولى حاليًا حقيبة المالية في حكومة ميركل إضافة لمنصب نائب المستشارة منذ آذار 2018. بطبيعة الحال، لا أحد يتكهن بنتائج حاسمة في الانتخابات القادمة. ولكن من المؤكد تقاسم هذه الأحزاب الثلاثة نتائج متقدمة، قد تكون متقاربة، ممّا يتطلب ضرورة اللجوء الحتميّ لتشكيل ائتلاف حكومي لإكمال المسيرة القوية والناجحة للمستشارة ميركل.
مهما يكن، فألمانيا بحسب مراقبين مُقدمة على تطورات سياسية في هيكليتها، وقد تأتي بتشكيلة مغايرة للنهج البراغماتي الواضح وسياسة التهدئة والتوافق التي اتبعتها ميركل في إدارة دفة الحكم في بلادها. وما لا يمكن تجاهلُه أو نكرانُه، نيل المستشار ميركل أروع نياشين الشعبية التي أعلتْ من قدرها ورفعتْ من سمعتها وباركتْ حنكتها في طريقة زعامة بلدها، ما كان له الأثر البارز في تعزيز الاقتصاد الوطني الألماني والتأثير في رسم سياسة الاتحاد الأوربي أكثر من غيرها من الزعامات الأوربية. وهذا ما زاد من شعبيتها. فما يطيب للمواطن ويشعرُه بالأمان، قدرةُ بلاده اقتصاديًا وأمنيًا لكونهما مفتاح الرفاهة والسعادة والتطور.


26
العراق... كيف النجاة؟ سفينة نوح في طريقها إلى الغرق
لويس إقليمس
بغداد، في 17 آب 2021
السماعُ لصوت العقلاء والإصغاءُ لنصائح الحكماء والعمل بتوصيات نخب الخبراء من شيمة الساسة الأصلاء، هذا إنْ وُجد منهم أصلاً في شبه وطنٍ كان يُسمّى "العراق" في سابق الأزمان ويتصدر المشهد في سوح العمل والإنتاج والتطور وله الكلمة العليا في التأثير في المشهد السياسي الإقليمي والدولي على السواء. ولعلّ من حيثيات تراجعه في كلّ شيء، إلاّ من تصاعد وتيرة الشحن الطائفي فيه وزيادة أدوات القتل والتهديد والتخريب والحرق والتدمير وما رافق ذلك من شرور وأعمال غير أخلاقية بعيدة عن أصالته، فقدانُه للعديد من المبادئ الجميلة وأدوات السلم الأهلي ومبادرات التآزر والتعايش والتكاتف التي تربى عليها شعبُه المتآلف الذي شكّل َ عبر الزمن أجمل فسيفساء مجتمعي في التاريخ. دعونا لا نبكي أو نتباكى على الماضي ونتذكر أيام زمان، بل العبرة بكيفية إنقاذ البلاد من مازقها القاتل الراهن والوصول بالسفينة المتهرّئة إلى شاطئ الأمان لغرض إصلاح ما تكسّر وتعطّب بها بحكمة ربّانها الحالي. علّه يتحدّى الصعاب، ويتجرّأ أكثر لإيقاف أطناب الفساد ومحاسبة رؤوسهم قبل ذيولهم، ووقف مهازل القتل والخطف والسلاح المنفلت والجماعات الخارجة على القانون ومواقع الحكومة العميقة أينما وجدت وتواجدت.
إنْ يكن الإنسانُ بحاضرِه وليس بماضيه، إلاّ أنّ الحاضر إذا فسدَ ملحُه، فبماذا يُردُّ إليه طعمُه كي يستعيد دوره وأهميته ويعود نافعًا للزمن غير الطيب الذي يعيشُه شعبُ العراق وهو يعاني منذ أكثر من 18 عامًا من الضيم وشرَّ البلاء وشظف العيش وفقدان الأمل والرجاء والأمان وتراجع التعليم والثقافة والخدمات الآدمية في كلّ شيء بسبب فساد زعامات أقلَّ ما يمكن وصفُها بأشباه عصابات نصّبت نفسَها كي تسوس البلاد وتديمَ قوامَها وبقاءَها بالتزوير وخداع البسطاء من الشعب عبر استخدام المال والسلاح والنفوذ الديني والتمويه العقائدي الأيديولوجي المدلّس وغيرها من أدوات الشحن الطائفي والمذهبي والعشائري والقومي المتعصّب. فيما هؤلاء بمعظمهم قد أثبتوا طيلة هذه السنين العجاف بعدَهم كلّيًا عن أية جدارة أو حرص أو نزاهة أو سمة طيبة لخادم الشعب والراعي الصالح الساهر ليلَ نهار على رعيته. والمؤسف أن معظم مَن تولّى السلطة منذ غزو البلاد على أيدي المحتلّ الأمريكي المتغطرس وأعوانه وذيوله وأتباعه قادمٌ من خارج الأسوار وهم يتمتعون بامتيازات من الدولة الأجنبية التي حوتهُم وصرفت عليهم وقدّمت لهم كلّ وسائل الترف والأمان والضمان التي لم يكونوا يحلمون ولو بجزءٍ منها في بلدهم المغضوب عليهم. وعوضَ أن ينقل هؤلاء الساسة والزعماء الموغلون في الفساد وهدرِ المال العام وسرقة قوت الشعب بأدوات وطرق شيطانية، تجربة هذا البلد الأجنبي الطيبة والإنسانية والأخلاقية التي يُفترض أن يكونوا قد تعلّموها وأفادوا منها في بلد "الكفار" الذي مازال يصرّ البعض من هؤلاء الجاحدين وناكري الجميل وصف هذه البلدان بهذه الصفات القذرة التي لا تنمّ سوى عن تخلّف متأصّل وحقد متجذّر في نفوس هؤلاء البعض، إلاّ أن الطيفَ الغالبَ من هؤلاء الجاحدين والانتهازيين مازالوا مصرّين بل وغير مكترثين بإغراق سفينة البلاد المتأرجحة بذات الأدوات السيّئة والفكر الطائفي المتأتي من أيديولوجيات مقيتة في معظمها دينية- مذهبية- طائفية - عرقية- إقطاعية- فئوية- شخصية لا تمتُّ بصلةٍ لأخلاق المكوّنات الأصيلة لشعبٍ عريق كشعب العراق الذي علّمَ البشرية تباشيرَ أوّل حروفٍ للكتابة وزيّنَ مدنَه وبلداتِه بأروع تفاصيل الحياة المتآلفة المتكاتفة المتعاضدة عبر الزمن وسيرة الحياة منذ تشكيل أول أقوام بشرية على أرض النهرين الخيّرين.
سفينة على وشك الغرق، هلْ مِن مَن ينتشلُها؟
بعد أشهر عديدات من مرور البلاد بضائقة ماليّة كاسرة وأزمة سياسية لم تُحسدْ عليها للأسباب الكثيرة التي لم تعد خافية على أحد، لم تبدر أية علامات إيجابية فاعلة من جانب أحزاب السلطة في إحداث تغييرات في السياسة العامة للبلاد وإبراز الدور الحضاري في سموّ العلاقة بين السلطة والشعب التي افتقدت منذ زمن لأية مصداقية. فحتى البسيط من ابناء الشعب الذي "تفتّح باللبن" كما شاع المثل، قد أيقن جملة الأسباب التي أحالت البلاد وشعب العراق إلى حالة ميؤوسٍ منها، ومنها أزمة فقدان الهوية الوطنية بسبب التبعية الولائية للجارة الشرقية الطامعة، وتراجع هيبة الدولة بسبب تزايد أدوات الحكومة العميقة وتسيّد جماعات مسلحة منفلتة تعمل خارج أصول الدولة وأحكامها وقوانينها، وصعوبة ردع أذرع الفساد المتنامي في مؤسسات الدولة وعدم ارتقاء قرارات الحكومات المتعاقبة إلى مستوى صون سيادة الدولة ومؤسساتها بما لها من موجبات قانونية وبما يمنحها حق محاسبة مافيات الفساد لكونها جزءً من الأزمة وليس الحلّ. فمن غير المعقول تسليم ملف الإصلاح والمحاسبة للجان مشكلة من ذات الجهات وذات الأشخاص الذين كانوا جزءًا من عجلة التخريب والدمار والفساد. ناهيك عن إصرار الكتل والأحزاب السياسية الغارقة في تقاسم ما تبقى من ثروات البلاد لحدّ السعي لإفراغ ما في مخزونها الاحتياطي القائم حالًيا في خزائن البنك المركزي العراقي بعد نفاذ الوسائل التي وعدت وزارة المالية بتصحيح مسار الأزمة المالية في البلاد عبر الورقة البيضاء. كلّ هذا وما خفي كان أعظم، ممّا يوحي بتوجه البلاد إلى كارثة مقبلة لا محال، في حالة عدم إثبات حكومة الكاظمي وفريقه الحكومي مقدرة صادمة وصارمة في إدارة الأزمة من كلّ جوانبها والضرب بيدٍ من حديد لتطال الرؤوس الكبيرة المرتبطة بزعامات أحزاب السلطة نفسها التي تدير المافيات المتعددة في سرقة المال العام والتزوير في العقود الحكومية الوهمية والاتجار بالبشر وتداول أنواع المخدّرات استيرادًا وتوزيعًا وانتشارًا من دون روادع. فحتى الحراك الشعبي الذي انتفض له الشعب منذ أكثر من عامٍ في مختلف ساحات التظاهر في وسط البلاد وجنوبها، قد فقد بريقَه بسبب اختراقه والمتاجرة به من أحزاب مشاركة في السلطة ركبت الموجة بهدف إضعاف قدرات المنتفضين المطالبين بإصلاح شؤون الدولة وإدارتها من قبل ساسة وطنيين حريصين على البلاد ويؤمنون بقيم الدولة وهيبتها وسيادتها ويلتزمون بسيادة القانون والعمل بدستور جديد ليحلّ محل الدستور الأعرج القائم حاليًا على مبادئ المحاصصة الوقحة وتقسيم ثروات البلاد لصالح أحزاب السلطة الحاكمة وأتباعهم وأدواتهم وتسليم مقاليد سيادتها وحرية شعبها إلى الغريب والدخيل بحجة الولائية والتبعية المذهبية والطائفية.
لقد حذرت جهات عديدة من مغبة السقوط في الهاوية العميقة التي لا ينفع بعدها الندم والتي إن عادت أوضاع زمن الطائفية والفئوية لا سمح الله، فسوف تحرق ما تبقى من الأخضر واليابس هذه المرة. هكذا هي صورة المشهد السياسي اليوم كما نقرأُها ونراها بأمّ العين ونستشرف طلائعها من أحداث الساعة إبّان الأيام القليلة المنصرمة قبل اشتداد سعير التنافس الانتخابي في 10 تشرين أول القادم. هذا فقط في حالة تأكيد إجرائها في موعدها الافتراضي. وهناك من النخب الاقتصادية والثقافية والأكاديمية مَن يقف متشائمًا من سقامة الوضع وهشاشته بسبب تسارع الأحداث، ومنها تنمّر جماعات مسلحة وفرض إرادتها بسطوة السلاح المنفلت. وهذا لا يمكن أن يحصل من دون وجود دعم وتغطية ومساندة وضوءٍ أخضر من جهاتٍ متنفذة في الدولة تدير شؤون الحكومة العميقة بوسائلها وأدواتها وسلاحها وبأموال وأدوات الدولة ذاتها. وأخشى أن تفقد حكومة الكاظمي سيطرتها على الأوضاع الهشة الراهنة بالرغم من مدّها بوثيقة الائتمان الكليّة من الشعب والمرجعية والنخب التي حمّلتها الثقة والمسؤولية الكاملة لإنقاذ سفينة العراق من الغرق الوشيك في حالة عدم اتخاذ تدابير الصدمة المطلوبة في مقارعة أدوات أحزاب السلطة ووضع حدود لتجاوزات بعضٍ من نواب الشعب غير المؤتمنين على مصالح البلاد من كتل الأحزاب الحاكمة وإصرار البعض على إدامة بقائهم في السلطة ورفض تزحزحهم عن مواقعهم أو ترك مناصبهم لغيرهم الأجدر منهم والأكثر حرصًا وكفاءة في إدارة شؤون البلاد وانتشالها من الغرق الوشيك، لا سمح الله.
خيرُ العلاج لمُّ الصفوف وتشكيل جماعات موازية
في اعتقادي، في حالة استمرار ذات النهج الخاطئ والقاتل من جانب أحزاب السلطة وأدواتها الفاشلة في إدارة البلاد ومعها الجهات التي تقف خلف كلّ هذه الاضطرابات والاختلالات التي تسيء إلى الوطن وشعبه وتعصفُ بوحدته التي تقف على كفّ عفريت هذه الأيام بسبب زيادة الدسائس وأعمال الحرق والتخريب والتلاسن والمماحكات والمناكفات القائمة التي لا جدوى منها، لا بدّ من بلوغ إجماع وطنيّ في صفوف النخب الصاحية التي سئمت الموقف وبلغ اليأس مبلغه من إمكانية التغيير الشامل المرتقب لنجاة سفينة العراق الآيلة إلى الغرق. إلاّ أن هذه النخب على قلتها جديرة أيضًا بالقيام بما يمكّن البلاد من النهوض بأقلّ الخسائر ونجاة سفينتها من التقادم المتهرئ الذي أصاب جسمها المخضّب بالدماء وضربات الخناجر التي حرص نواب الشعب وأحزاب السلطة وسياسيو الصدفة توجيهها في خاصرة جسم العراق بلا خشية ولا رحمة عبر سلوكياتهم الولائية الصارخة والصريحة والمصلحية البعيدة كلّ البعد عن أية ملامح وطنية.
من هنا، تقتضي الظروف الملحة رصَّ الصفوف وتوجيه شرائح الشعب المختلفة، لاسّيما منها تلك ضعيفة الحجة وتقليدية الولاء ومرتهنة الإرادة بزعامات دينية ومذهبية منافقة، باتجاه تأييد جماعات متمدنة وأحزاب وطنية وتجمعات مجتمعية موازية للمافيات القائمة التي تدعمها أحزاب السلطة الحاكمة والتوجه بها نحو اختراق صفوف الشعب المقهور حتى أبعد نقطة في الريف العراقي من أجل توعية المواطن المغشوش المغلوب على أمره الذي صدّقَ ونخشى أنه مازال يصدّق الوعود المعسولة التي اعتادت زعاماتُ أحزاب السلطة، الدينية منها بصورة خاصة أي الاسلاموية المذهبية التي ما انفكّت تستغلّ أوضاع المواطنين البسطاء في التمويه والتدليس وتحسين صورتها السوداء القاتمة أمام الشعب. فيما هي في حقيقة الأمر، لا تتورع عن الإساءة إلى حقوق هذا الشعب التعيس البائس ونهب ثروات البلاد والسعي لإغراقها في أزمات مالية متكررة عبر زيادة النفقات التشغيلية وتحويل الدولة إلى حظيرة استهلاكية لدخلها الريعي الوحيد عبر تواصل استيراد كلّ شيء بسبب تحوّل هذه الدولة إلى حاضنة استهلاكية لمنتجات دول الجوار التي لا يرضيها نهوض العراق وتطور إنتاجه في الزراعة والصناعة والتصنيع. هذا إلى جانب المحافظة على إدامة الامتيازات الكبيرة والمرتبات والمخصصات الفاحشة التي سنتها أحزابُ السلطة عبر نوابها لصالحها ولا تريد مغادرتها أو إلغاءَها أو حتى تعديلها بما يرضي اللّه وينصف عباده بتحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية في الثروات الوطنية.
إن البديل الناجع لن ولا يمكن أن يكون عبر تدوير ذات الوجوه التي مزّقت اللحمة الوطنية ونهبت البلاد وقهرت العباد وأوصلت أهلَه إلى الجوع والفقر والبطالة، وأقحلت أرضه وحوّلت الوطن إلى بقرة حلوب لهم ولدولة الولاء، فيما تحول الشعبُ إلى ايادي ضارعة وأفواه فاغرة لاستيراد كلّ شيء وأيّ شيء. فعودة المنتج الوطني إلى السوق الوطنية يعني وقف الاستيراد أو في الأقلّ الحدّ من تداعياته. وفي هذا سبب وافٍ لتقاطع مصالح أحزاب السلطة حصريًا مع أي تطوّر أو اية عودة محتملة للصناعة الوطنية والمنتج الوطني الكفيل وحده بوضع حدود للاستيرادات التي تستنفذ العملة مع عدم قدرة البنك المركزي على إيقاف مقدار الهدر في العملة الصعبة التي تخرج خارج البلاد بطرق وهمية ووسائل شيطانية غير مسيطَر عليها عبر نافذة بيع العملة المشبوهة أساسًا.
لذا، لا بدّ من تغيير جذريّ في سياسة البلاد الاقتصادية والنقدية والمالية ووضع استراتيجيات متعددة المديات لتجاوز ما وصلت إليه البلاد من تراجع وتباطؤ وتخلّف وتذيّل قائمة الدول الأكثر فسادًا وتراجعًا في كلّ شيء. ولعلَّ من البدائل المرتقبة وضع سياسات استثمارية صحيحة وناجعة عبر خصخصة شركات الدولة الخاسرة وتشجيع القطاع الخاص كي يبدع وينهض بالمشاريع الناجحة التي تخدم الوطن والمواطن. وهذا هو المطلوب من أجل رفع قدرات القطاع الخاص، ليس بالكلام وسنّ التشريعات البعيدة عن آماله وتطلّعاته فحسب، بل بمشاركته الحاضرة في صنع القرار وفي وضع أمثال هذه التشريعات كي تأتي منسجمة مع حاجة السوق الفعلية وتضع حدًّا لوقف استيراد المثيل المنتج محليا بعد تقديم كلّ الدعم اللازم والمطلوب من الحكومة لأجل تطوير هذا القطاع المهم المنتظَر منه أن يمتص جيوش البطالة ويدعم ميزانية الدولة بما تحتاجُه من النقد والعملة التي تخرج خارج البلاد. فهذا ما تستشعر به النخب الاقتصادية وتراه ملحًا من أجل تطوير الصناعة الوطنية ونهضتها من جديد، وليس كما يفعل نفرٌ آخر بالتفرّج والنحيب والصمت على ما يجري من دون حراكٍ شعبيّ لذوي الاختصاص والمهنة.
 هذه هي الفرصة الأخيرة لحكومة الكاظمي كي تثبت جدارتَها وقدرتها الوطنية بكمال الثقة التي منحها إياها الشعب وسوحُ التظاهر التّي ملّت الوعود ولم يعد أمامها سوى طرق أبواب أخرى مغايرة لانتشال السفينة وإنقاذها من الغرق الوشيك. عسى الصرخة وصلت المعنيّين لتجدَّ الجَدّ وتفرض هيبة الدولة وسيادتها وتوقف هدر المال العام وتحاسب الفاسدين من أعلى الهرم حتى أسفله وليس العكس كما هو جارٍ مجاراة ومجاملة وخشية من سطوة المقابل، حتى لو تطلّب ذلك فرض القانون بالقوّة وبالاستعانة بما متيسّر من قوات وطنية تتمتع بعقيدة عسكرية عراقية جاهزة للتضحية من أجل انتشال الوطن وأهله من الغرباء والدخلاء ومن المستغلّين التابعين لخارج الأسوار، وهم معروفون ومشخَّصون لدى جميع أبناء الشعب وحتى في حسابات الخارج. فلا سامح الله، إذا غرقت سفينة العراق، غرق الجميع ولن ينجو منها سوى الشلّة الحاكمة وأتباعُها المستعدّون للهروب بما حملته جعبُ جِمالهم المثقلة بثروات البلاد المسروقة.

27
أميركا أتعس المقامرين بالعراق والمنطقة
لويس إقليمس
بغداد، في 26 أيار 2021
يبدو أن الرؤية الضبابية التي تكتنف إدارة الرئيس الأمريكي "جو بايدن" منذ توليه الرئاسة الأمريكية في ظروف جدلية مربكة ولغاية الساعة، لن تتمكن من تحديد أهدافها في عموم منطقة الشرق الأوسط على وجه الدقة وترميم ما أفسدته إدارتا سلفيه الجمهوري المتهوّر "دونالد ترامب" أو سابقه الديمقراطي، الثعلب المهادن "باراك حسين أوباما"، والذي عملَ تحت إدارته نائبًا له لمدة ثمان سنوات للفترة من 2009-2017. فواقع الحال يشيرُ لانتهاج "بايدن"، أو بالأحرى يُحكم عليه بانقياده وتماهيه ظلاًّ ضبابيًا لرئيسه الأسبق "أوباما" وبما يشبه الحنين الوضعيّ لحقبة توليه ذلك المنصب. فهو كما يبدو في سلوكه المتذبذب بانتهاج سياسة دبلوماسية المطبخ الهادئ التي اتبعها في سيره على خطى سياسة "التقية والمهادنة والتحصّن" في عهد سلفه "أوباما" في مواجهة دول متمرّدة بعينها من تلك التي صارت تشكل مثار قلق وعدم استقرار لدول العالم ومنطقة الشرق الأوسط بالذات، يكون قد فتح الأبواب على مصاريعها لاحتمالية نسج اتفاقات استراتيجية دولية جانبية خارج الخيمة الأمريكية، من شأنها أن تسعى لخلق واقع آخر جديد ومختلف خارجًا عن هيمنة هذه الأخيرة في بقعة غنية وساخنة من العالم.
    من هذه الاتفاقات التي لاحت بواكيرُها في الأفق مؤخرًا، الاتفاقية الاستراتيجية للتعاون التي تم الإعلان عنها بين إيران والصين لمدة خمسة وعشرين عامًا بالرغم من الاختلاف الأيديولوجي بين البلدين. فقد وجدت فيها الجارة الشرقية فرصةً للتملّص من العقوبات القاسية التي فرضتها أمريكا عليها وبدايةً لخروجها عن عزلتها الدولية. وهذا مّما سيفتح أبوابًا لاحقة لغير الصين مثل روسيا وأوروبا لعقد اتفاقات مماثلة قد تكون بداية النهاية للخروج كلّيًا من أغلال الحظر الأمريكي والأممي المفروض عليها بسبب تحوّلها لبعبعٍ صعب المراس والتهجين والمهادنة تحكمه الأدلجة المتعصبة في التشيّع الولائي، بل وعنصرًا غير مريح لعدم استقرار المنطقة والعالم. وهناك مَن يرى أن مثل هذه التطورات الخطيرة في حالة تحقّقها وتوصّل إيران لاتفاقات متلاحقة خارج الهيمنة الأمريكية، مردُّه سياسة التساهل وأسلوب المناورة السياسية المجامِلة والمداهِنة للزعامة الديمقراطية التي أسَّسَ لانتهاجها "أوباما" وتبعها خلفاؤُه من بعده، سواءً الجمهوري "ترامب" الذي كان يعربد من دون أفعالٍ صادمة حقيقية على الأرض أو خلفه الديمقراطي "بايدن" الذي حدّد سياسته في أولى خطواته الرئاسية بسلوك ذات النهج الّلامبالي بدول المنطقة ومحاولة كسب الودّ بأي ثمن بسبب ضعف شخصيته الواضحة. ومن الواضح، أنّ الإدارات الأمريكية المتلاحقة منذ رئاسة بوش الأب ولغاية الساعة، كانت حددت أهدافها في إحداث تغيير في خارطة الشرق الأوسط. كما كان من ضمن تلك الأهداف الرئيسية كسرَ شوكة العراق العروبي وعدم السماح له برفع رأسه من جديد كي لا تقوم له قائمة بعد الذي شهدوا منه من سياسة الخروج عن الطاعة والمواجهة القاسية بكلمة "لا" للغطرسة والعنجهية الأمريكية.
لكن من المؤسف، ألّا تأخذ الإدارات الأمريكية المتعاقبة في حسبانها عند غزوها للعراق مصلحة شعب هذه البلاد وحقه بالعيش بسلام والتمتع بثرواته مثل سائر دول المنطقة التي تنعم بحياة مستقرّة ومحترمة وتعيش اليوم بكرامة ورفعة وانفتاح للعالم، إلاّ في العراق. فقد اقتصر تركيز الغزاة على كيفية استغلال ثروات العراق بطرقٍ تسهّلُ لهم تدمير قدرات هذه البلاد البشرية بأدوات داخلية وخارجية، إلى جانب فقدان سمة السعي الجادّ لإعادة بنيته التحتية التي دمّرتها دباباتُ جيوشهم الغازية وأسلحة حلفائهم الجرّارة التي استحلّت أرضه وأهانت شعبَه عندما جرى تسليمُه ظلمًا على طبقٍ ماسيّ جاهزٍ للجارة الشرقية، العدوّ التاريخي اللدود لإكمال الخطة الاستراتيجية بإنهاء وجود  ومحو حضارة العراق والحدّ من تأثير ثقافته وعروبته على دول الجوار تحديدًا. وفي ضوء هذه السياسة الظالمة وغير المنصفة، تكون أمريكا ومَن يقف بجانبها، مشيرًا وداعمًا ومنفّذًا، قد أوقعت العراق في مأزق يصعبُ الخروج منه سليمًا معافىً على المدى القريب والمتوسط، إلاّ في حالة خلط الأوراق من جديد واتخاذ خطوات الصدمة الدولية الجريئة التي من شأنها وحدها إخراج البلاد من الهوّة السحيقة التي وقعت فيها والنجاة بشعبها من كوارث هذه الهيمنة، ايديولوجيًا وسياسيًا واقتصاديًا وطائفيًا. فالويلات والأزمات المتلاحقة التي وقعت على أهل العراق بعد إسقاط النظام الدكتاتوري السابق على حساب حسن سياسة الاستقرار وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة تأخذ في الحسبان مصلحة البلاد الوطنية وشعبها، كلّها تولّدت بسبب سياسة الإدارات الأمريكية القاصرة المتلاحقة وغير المقبولة بعد الغزو نتيجة لافتقادها لرؤية جاهزة وإرادة صادقة من أجل إصلاح الأمور والسماح بعودة البلاد لأخذ دورها الوطني والإقليميّ المستقلّ بعيدًا عن سياسة المحاور والتبعية للجارة الشرقية. فكلّ الإشارات الواقعية تعني أن إيران ما تزال تنعم ضمنيًا بضوءٍ أخضر من الراعي الأمريكي وحلفائه الغربيين في تمكين سطوتها على العراق وشعبه وتسهيل الاستيلاء على مليارات الدولارات بفضل هيمنتها المذهبية على عقول الساسة الولائيين الذين يجاهرون علانية بتبعيتهم ودفاعهم عن نظام حكمها وقيادتها على حساب مصالح وطنهم وشعبهم.
سياسة الدبلوماسية الناعمة وسياسة القط والفأر
من الواضح بروز أشكال من سياسات التساهل والتنازل والتغاضي بل والتخاذل أحيانًا من لدن الإدارات الأمريكية المتعاقبة، والحالية بصورة أكثر، لصالح بعض دول المنطقة، ومنها إيران بالذات، حيث فاقت هذه السلوكيات غير الواقعية الحدود في بعضٍ منها بحيث صارت بعضُها تشكلُ عبئًا مضاعفًا، إقليميًا ودوليًا، على غيرها. وفي الواقع، بعضُ هذه الدول التي حقَّ وصفُها بالمتمرّدة والسفيهة والتي استخدمتها الإدارات الأمريكية "الاستكبارية" المتتالية "حصانَ طروادة" في فتراتٍ من الزمن الأغبرّ من أجل كسب جانبها كرهانٍ غير مأمون الننائج عبر المساهمة في إحداث تغييرات في خارطة الشرق الأوسط ومنها تدمير بلاد ما بين النهرين وإهانة شعبها منذ اتخاذ القرار الأممي، قد استغلّت الفرصة ومدى التعاطف الدولي ضدّ منظومة النظام السابق المتهوّر من أجل إثبات قدراتها وتعزيز وجودها وفرض رؤيتها الأيديولوجية وسياساتها المتشدّدة هي الأخرى بأشكال الابتزاز والمساومات والاستغلال مستفيدةً من الوازع الطائفي والمذهبي ومدى الكراهية المجتمعية التي رافقت مسيرة ذلك النظام البائد. فما كان من إيران بالذات، إلاّ أن فرضت هيمنتها بموجب سلوك السياسة الناعمة التي تشبه سياسة القطّ والفأر التي اتخذتها الإدارات الأمريكية المتلاحقة منذ غزوها للعراق تجاه سلوكياتها الاستفزازية في المنطقة. وقد ساهمت عدة أسباب لتسهيل هذه الهيمنة على العراق بسبب فقدان الأخير لأبسط قدراته السيادية وضياع شخصيته الوطنية بعد إفراغه من هذه كلّها لا لشيء إلاّ من أجل قلب نظام الحكم ليس إلاّ، والذي اتخذته أمريكا ومَن في طورها هدفًا وطبّقته شعارًا ونفّذته نهجًا من دون وضع خارطة واضحة لإعادة تشكيل البلاد بعد إسقاط نظام الحكم السابق وتغييره نحو الأفضل وفق الديمقراطية المصدّرة كذبًا وخداعًا ونفاقًا. 
ولعلّ من الأسباب التي تهيأت للغازي الأمريكي لانتهاج مثل هذا السلوك الأرعن وغير الناضج بعد تنفيذ الهدف الأسمى بإسقاط النظام السابق وخروج الموقف عن السيطرة بدأت مؤخرًا بالوضوح في الأفق وسوف تكشفها الأيام لاحقا حين إماطة اللثام عن وثائق ومراسلات وتسريبات بدأت بالتوارد يومًا بعد آخر. وهذا ما تفسرُه تحليلات سياسية وما يراه مراقبون حول واقع حال المنطقة في الوقت الراهن. فالخشية من سلوك إيران الاستفزازي في المنطقة ومن مغامراتها التي تجاوزت المعقول تبدو واحدة من هذه الأسباب التي تدمغ هذا الواقع المرير، بعد أن حوّلت عموم المنطقة إلى مستنقع للترسانة الدولية من مختلف الأسلحة والتي زادت من أشكال التوتر الدولي. كما يأتي الخوف الأمريكي والدولي معًا من إمكانية استخدام النظام الإيراني لترسانته العسكرية والصاروخية والتقدم المنجز في حلمه النووي والتي يلوّح بها قادتُه العسكريون والأمنيون علانية ومن دون تحفّظ بمناسبة وبدون مناسبة بعد أن ضمن هذا النظام سهولةَ توزيع أسلحته القتالية المتطورة في أراضي الهلال الذي هيمن عليه تحت بصر ونظر الراعي السياسي الأول وحلفائه من دون القيام بما يليق به من ردّ وردعٍ أمميّن للتقليل من المخاطر المتوقعة في حال خروج الأمور عن نصابها. وآخرها كميّة الصواريخ التي أطلقتها مؤخرًا "حماس" الموالية لإيران ضدّ اسرائيل في عربدتها الأخيرة والتي تطايرت في سمائها كأسراب الطيور المهاجرة. وهذا ممّا خلقَ أشبه ما يكون بفوبيا عالمية حيال النظام الثيوقراطي الذي يحكم هذه البلاد بقبضة الوليّ الحديدية ويسعى لنشر أيديولوجيته في دول المنطقة وخارجها بوسائله وعبر ذيوله وأتباعه. لذا من الواضح أنّ قدرات هذا النظام التوسعية لم يكن لها أن تتشعب وتتمدّد لولا الضوء الأخضر وأساليب المهادنة والتساهل من جانب القوة العظمى ومّن يدور في فلكها، أيًا كانت أسباب أو مبررّات هذه الجهة أو تلك. 
لذا، يبدو أن أسلوب السياسة "الناعمة" التي أعلنتها إدارة "بايدن" في حملته الانتخابية وما بعد فوزه في أكثر من مناسبة للتعامل مع الملفات العديدة في المنطقة وبالذات مع الجارة الشرقية للعراق سوف لن يأتي بنتائج مجدية، كما تشير الوقائع وتشهدُه الأحداث. بل إنّ مصلحة أمريكا العليا سوف تلحقها أضرارٌ بالغة نتيجة انسلال خيوط مهمة وعديدة عن النسيج العام الذي طبع حقبة هيمنتها على دول المنطقة. إلاّ أللّهمّ في حالة تقريرها إجراء تغيير شاملٍ في استراتيجيتها للخروج نهائيًا عن مصالحها القومية وترك إدارة سياسة المنطقة لغيرها من الدول التي بدأت بشائرُ هيبتها بالبروز كقوى اقتصادية مؤثرة دوليًا، ولاسيّما الصين وغريمتها التقليدية روسيا. فالعالم يترقب قرب تربع التنين الصيني على قيادة العالم اقتصاديًا خلال أعوامٍ قليلات إذا ما سارت الأمور حثيثًا في صالحها مقابل تراجع الهيمنة الأمريكية وخفوت تأثيرها وهيبتها بفعل ضعف إداراة هذه الأخيرة وفقدان القدرة على فرض سياساتها وشخصيتها كما اعتادت منذ خروجها منتصرة في الحرب الكونية الثانية وتفرّدها بسياسة القطب الواحد في توجيه العالم لعقودٍ عديداتٍ وفق مقاساتها ومصالحها بعد زوال الاتحاد السوفيتي غريمها التقليديٍ. وفي حالة التحاق الروس بقطار عقد اتفاقات استراتيجية مع دول المنطقة، وبالذات مع إيران، فسيكون ذلك مسمارًا إضافيًا آخر يُدقّ في نعش الهيمنة الأميركية على منطقة الشرق الأوسط وفي نهج تراجع مصالحها فيها وانتهاء صورتها الاستثنائية المهيمنة التي طبعت وجه الكرة الأرضية لعقود وعهود حديثة. وهذا ما يفسّرُ منذ سنواتٍ رغبةَ الإدارة الأمريكية بتقليل تواجدها في منطقة الشرق الأوسط إلى أدنى مستوياته. إلاّ أللّهمَّ في حالة عودة الصقور إلى المشهد السياسي من أجل إعادة هيبة أميركا إلى الواجهة الدولية وقلب الموازين القائمة والمباشرة فعليًا في إعادة تحديد الأولويات الاستراتيجية نحو طريق إحداث تغيير جذريّ في السياسة العامة التقليدية الإيجابية وترك منهج الدبلوماسية الناعمة وسياسة القطّ والفأر التي لا ولن تُؤتي ثمارها مادام الطرف المعني المؤدلج مذهبيًا لا يؤمن بسياسة الحوار والتفاهم والتنازل. وهذه حالُ وطريقة التفكير لدى العنصر الشرقيّ، أفرادًا وأممًا ودولاً. فهذه جميعًا لا ينفع معها إلاّ أسلوب الصدمات الجريئة التي تقطع وتبتر وتنزع بالقوّة في حالة اقتضى الأمر القيام بالتغيير الجذري، تمامًا كما حصل مع العراق حين تقرير غزوه للخلاص من النظام السابق. ولكن من المؤسف حصول ذلك بعنجهية تدميرية قاتلة، بغياب خارطة طريق واضحة تُعيدُ الأمور إلى نصابها وتحقّق لعموم الشعب العراقيّ ما كان ينتظرُه من ديمقراطية حقيقية غير مزيفة ومن حياة مرفهة هي من حقه بعد زمن القهر والظلم وعقود الحروب المدمّرة واستغلال الكرامة لمنافع شخصية وعائلية وعشائرية وفئوية.
مطلوب صحوة أمريكية قومية
في ضوء هذه الوقائع وإزاء السلوكيات المتراخية وغير العقلانية في إدارة الملف العراقي، لا بدّ للسياسة الأمريكية أن تكون أكثر صرامة وحذرًا في التعامل مع ما يجري من ضياع فرصٍ ونهب ثروات وهدر أموالٍ وتشتّتِ حياة ملايين العراقيين وتزايد فقرهم واستمرار نزيف هجرتهم بسبب هيمنة قيادة الجارة "المقدسة" على سياسته وإدارة شؤونه عبر مواليها الولائيين الذين لا تهمّهم مصلحة العراق وعودته إلى محيطه العربي الطبيعيّ. فهل ستصحو الإدارة الأمريكية في عهد "بايدن" بعد انقضاء فترة المائة يومٍ من عهده بعد الذي كشفته الأحداث وتحدّثَ به الواقع من استمرار التجاوز على هيبتها في المنطقة من قبل إيران بالعمل على إعادة الأمور إلى نصابها والعودة بها للالتزام بالاتفاقية النووية من دون غطرسة ولا استغلال لضعف الغرب الأوربي؟ حينها فقط، وعندما تُلجم سياسة إيران الاستفزازية والتسلطية على قرار دول الهلال الشيعي، يمكن توجيه القطار العراقي الضالّ إلى ميناء الأمن والاستقرار والسلام تحت راية وطن واحد ذي سيادة وهيبة واستقلالية، مؤمنًا بمبدأ التعايش السلمي وتقاسم الثروات وطنيًا بعدالة ومساواة ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب في قريب الموسم الانتخابي القادم! فمازالت شرائح كبيرة من الشعب العراقي تؤمن بضرورة بقاء وتواجد وتدخُّل قدرات أجنبية من أجل إحداث التغيير الجذري في المنظومة السياسية الفاشلة بسبب فسادها وهزالة إدارتها وفقدانها للإرادة الوطنية الصادقة التي تضمن مواصلة الحياة الطبيعية مثل سائر شعوب المنطقة وإعادة الاستقرار للشارع الثائر المطالِب بحقّه بوطن مفقود، إلاّ ممَّن فقدوا صلة الرحم بالوطن وباعوا أنفسَهم ذيولاً أذلاّءَ للدخيل والغريب الطامع لفسح المجال لهذا الأخير للتغوّل على المنطقة والتدخل في ملفات دولها وفي شؤونها العروبية.
وبغير هذا وذاك، تكون الحكومة الأمريكية قد اقترفت أخطاءً جسيمة وترتبت عليها خطيئة كبرى أخرى مضافة لعظيم خطاياها. وما أكثرها في العراق خصوصًا! كما أن أميركا بثقلها الدولي، في حالة عدم تقويم الأمور بما تستلزمُه العدالة السماوية بالحفاظ على وجه بلاد الرافدين الحضاري والثقافي التاريخيين المتميّزين ووفق ما يستحقه الشعب العراقي المظلوم من حقٍ بالسيادة على موارده وقراره السياسيّ عبر تغيير جذريّ مدعومٍ من المجتمع الدولي الصادق في سلوكياته الأخلاقية بحيث يضمنُ حقوقًا عادلة وحالةً من الاستقرار النفسي والجسدي والمجتمعيّ بسبب خطيئة غزوها له في 2003، تكون قد خسرت في مقامرتها الدولية غير المحسوبة بحكمة واستحقت لعنة التعاسة التاريخية من أبناء سومر وأكد وبابل وآشور الأصلاء لغاية يومنا هذا.
فالعراق كان وسيظلّ صمّام أمان المنطقة وواحدًا من كبار ساداتها، شاء العذول أم احتجّ. فكلٌّ ما هو مطلوب، الخروج عن شرنقة الدول التي تستبيح أرضه وشعبَه وتسطو على قراره وثرواته بغير حق بسبب تهاون المجتمع الدولي، وبالذات أميركا الغازية التي ستلحقها لعنة العراقيين وكلّ شريف صادق في العالم وليس مَن يجامل وينبطح "تقية" وإذلالاً. كما أنّ العراقيين ليس في جعبتهم معاداة أحد، ولا قطع العلاقات مع أحد، بل إنمّا التعايش وفق مقاييس شرعة حقوق الإنسان وقيم الاحترام المشترك بغرض الخروج من أزماتهم الكثيرة الخانقة التي أوقعهم فيها الغازي الأمريكي ومَن أتى بهم لاستباحة البلاد والعباد بغير حكمة ولا وجه حقّ. وهذا لن يتمّ من دون تغيير المنظومة السياسية القائمة وتعديل نظامها الحاكم الذي أثبت فشله في إدارة البلاد، وبالانفتاح المتبادل مع المحيط العربي كخطوة أولية مأمولة نحو مثل هذا التغيير الإيجابي المنتظر تفاديًا لأية مزالق خطيرة قد تجرّ المنطقة بأسرها إلى نزاعات وصراعات لا تُحمدُ عقباها.
وإلى حين تحقيق المرتجى المأمول في الانتخابات المقبلة ببلوغ عقد اجتماعي وسياسي جديد وبتشكيلة مغايرة للمنظومة السياسية الفاشلة القائمة منذ 2003، وبنظام رئاسي وليس برلمانيّ متحاصص بغيض، يبقى الترقب ماثلاً للأحداث بما يمكن حصولُه من مفاجآت وتغييرات وتطورات.

28
العشائرية لا تبني وطنًا
لويس إقليمس
 بغداد، في 23 آب 2021
تطالعنُا مواقع التواصل الاجتماعي بين الفينة والفينة عن عجائب وغرائبَ عمّا يجري في كواليس الدواوين العشائرية من مهرجانات استعراضية بقصد تصفير مشاكل متنوعة حصلت وتحصل بين عشائر، وأحيانًا لأسباب تافهة. وبحسب ما يطرق سماعنا ونقرأ ونشاهد ما يحصل بين طرفي المشكلة، أي جهة المعتدي والمعتدى عليه، ففي اعتقادي كلّ هذا سلوكٌ شاذٌّ لا يبني مجتمعًا صحيحًا قائمًا على روح المواطنة والقانون والعدالة الاجتماعية التي غادرتنا منذ أن فُقدَ الوطن وغابت عنه هيبتُه وتلوثت سيادتُه بأيادي جاهلة لا تعي سوى قيمَ الفوضى وفرض سطوة القوي على الضعيف بعيدًا عن أعين القضاء وسيطرة الحكومة على كلّ شائبة سالبة تساهم في تدمير المجتمع. ولعلَّ إحداها وأكثرها فتكًا وأذىً وتخلّفًا بمجتمعنا العراقي هذا النمط السيّء من الفصل العشائري الذي راج مؤخرًا وأصبحَ لبعض الدعاة والمهووسين بحكم العشيرة إرثًا اجتماعيًا ومفخرة فارغة من الضمير والعقل والمنطق من خلال فرض السنن والأعراف العشائرية التي فرضت سيادتها على القانون وسلطة الدولة وأصبحت بديلها في تسيير شؤون البلاد والعباد. فقد استشرت استعراضات الفصل العشائري كظاهرة سلبية في السنوات الأخيرة، وتكادُ تخرج عن السيطرة بسبب تقاعس الجهات الأمنية والقضائية في أخذ دورها الأمني والوطني في سدّ ثغراتٍ عزّزتها الروح العشائرية المتنامية وشيوخُها لأغراضٍ تجارية وغير إنسانية، حتى إنها تعدّت حدودها لتشمل مقاضاة مؤسسات ودوائر الدولة ومنظمات لا تؤمن هذه الأخيرة بتعقيداتها. بل أصبح لها أعرافٌ وأصولٌ مكتوبة وشفاهية وفق مراحل غريبة بين المعتدي والمعتدى عليه بدءًا من "الفرشة" التي تعني مبلغًا من المال لتهيئة أجواء الديوان لاستقبال طرفي المشكلة. تليها "الكوامة" ونقضها، و"العطوة" و"النكل"، و"الفريضة" ومن ثمّ الجلوس في دواوين العشائر وما يدور فيها من خطابات لا تخلو من مساومات وتهديدات وفرض أتاوات، ثمّ الاتفاق على "دية" معينة مخفضة بعد تدخلات وسطاء ولخاطر عيون هذا الشيخ وهذا السيّد، وعقد "الراية" في ختامها دليلاً على الصلح وإنهاء التوتر والتهديد والخطر الداهم بين الطرفين. مسرحية رخيصة بحق فرضتها سوء الأوضاع الأمنية وغياب القانون وضعف الإدارة وغياب الإرادة. وكلّها لا تلبي حاجة المجتمع التعبان الغارق بالبحث عن لقمة العيش والأمان والرفاه التي يستحقها. كما أنها في كلّ الأحوال لا تبني وطنًا!
وليس غريبًا ما يطرق السمع أو الحديث عن حالات مقرفة وغير إنسانية بإقحام المرأة في مثل هذه المشاكل الفصلية. فقد تشمل "الدية" أو الفصل علاوةً على مبالغ مالية خيالية، فرض مصاهرة بإحدى فتيات الطرف المعتدي لتكون بمثابة سبيّة أو جارية مهانة، أملاً بأن تساهمَ في إطفاء فتيل العداوة بين الطرفين وتعويضًا لردّ الحيف الذي يدّعي الطرف المعتدى عليه قد أصاب عشيرته جرّاء الفعل المقترَف من جانب الطرف الجاني أي الطرف المعتدي. وهذا السلوك يتعارض مع حقوق الإنسان بحسب الكثيرين إلاّ من جانب شيوخ العشائر الذين يصرّون على أن تكون جزءً من الإرث العشائري المتخلّف والحلول محلّ القانون والقضاء. بل إنه لا يخرج عن صفة الاتجار بالبشر لكونه انتقاص فاضحٌ من قيمة المرأة التي يدّعي بعضُ أدعياء الدين ولاسيّما في المعتقد الإسلامي بعموم مذاهبه، إعلاء شأنها كذبًا وزورًا ورياءً ونفاقًا. فالمرأة هي الضحية في بعض هذه الحالات غير السوية.
من المؤسف القول بأن مثل هذه السلوكيات السلبية الخاطئة لا تحصل إلاّ في بلدانٍ فقدت سيادتها وتلاشت هيبتُها وتسيّسَ قضاؤُها بسبب ضعف الدولة وفقدان ساستها وزعاماتها لأية أبجديات الإدارة والقيادة وفرض السيادة بقوة القانون. وإلاّ ما سببُ المغالاة في طلب مبالغ خيالية لأبسط وأتفه المشاكل التي لا ترتقي إلى كونها مشكلة، كما تسردُ مواقع الكترونية أو تُروى حكايات غريبة عن مثل هذه الاستعراضات الفصلية التي تحولت بقدرة قادر إلى فرصٍ عند بعض ضعاف النفوس للاسترزاق والثراء واستغفال البسطاء في الكثير من الأحيان. وهذا هو دور المثقف ورجل الدين الرصين وأرباب النخب الوطنية التي عليها واجب التصدّي لمثل هذه السلوكيات غير الصحيحة التي تقوّض حكم الدولة وتُضعفُ مؤسساتها وتقودها إلى شفير الهاوية في التعامل الصحيح مع المواطن على أساس الالتزام بالقانون الذي يفرض تطبيقه القضاء النزيه، هذا إن وُجد مثل القضاء! وبعكس ذلك، فالمجتمع ماضٍ نحو تغوّل واسع لدور العشيرة وتقديمه على لغة القانون بفعل تقويض قوته وفاعليته وسط المجتمع، بل سيكون عاملاً مساعدًا في انتشار الجريمة وتوسعها على حساب صيانة أمن الدولة ومجتمعها والحفاظ على سمعتها بين الأمم والشعوب والدول.
دور إيجابيٌّ صحيحٌ للعشيرة
لا ننكر دور العائلة والعشيرة في المساهمة ببناء مجتمعات هشّة بحاجة إلى إضافات إيجابية من جانب عقلاء القوم وشيوخهم في إقامة الصلح والتوعية بسداد الأعمال والأفعال من أجل تحصين هذه المجتمعات، لاسيّما تلك التي تتعرّض لمحن ومصائب وخروقات وحروب تتسبّبُ بتدمير البنى التحتية والاجتماعية. وهذا ما عاناه المجتمع العراقي من دون تمييز في غضون العقود المنصرمة، ما كان له آثارٌ سلبية على أجيالٍ برمتها عندما فقدت كلّ مقومات الحياة وتأثرت بتخبطات ساستها وزعاماتها وابتليت بحكومات فاسدة لم تُعر الأوضاعَ الاجتماعية والعلمية والتربوية ما تستحقه من اهتمام. فكان منها أن سادَ الجهلُ وتراجعَ التعليم وفقدت التربية كلّ مقوّماتها لتنتج البلاد بالتالي جيوشًا جاهلة بشهادات مزوّرة وخلفيات لغوية وعلمية ركيكة تعزيزًا لأشكال التخلّف التي أصابت البلاد. ف "الشعوبُ على أشكالها يُولّى عليها"!
ليس من الصحيح أبدًا تبنّي العشيرة أخذّ دور الدولة في بناء نظامٍ مؤسساتيّ قائمٍ على القانون والنظام يكون فيه الجميع تحت طائلة الدستور والقوانين الوضعية بحسب حاجة البلاد وظروفها الزمنية والمكانية، وبما لا يسمح بالتجاوز على سلطة الدولة من أي طرفٍ. فالعشيرة، مهما كانت قوتُها وقدراتُها لا يمكنها منافسة الدولة وسلطتَها الوطنية في بسط نفوذها على المجتمع بالعدالة والمساواة وفي نشر الحق والأمن والسلام. فالدولة هي الدولة والعشيرة لا تعدو كونها جزءً صغيرًا من الدولة، أية دولة. ومن ثمّ، فلكلٍ جانبٍ دورُه في ترصين المجتمع وبناء صروح الوطن وتعزيز آيات السلام والمحبة والتفاهم والتحاور بشأن أفضل الخيارات لإنتاج أجيالٍ واعية صحيحة الجسم والعقل معًا لتكونَ نواةً إيجابيةً لبناء الأوطان وفق أنسب السبل وأكثرها صحة وضمانًا لحقوق الجميع وبما يخدم الجميع. ولا بدّ للجزء ان يكون إيجابيًا ومؤثرًا ضمن الكلّ الذي يمثل الوطن كخيمة وارفة للجميع، حيث لا تحيزَّ لمواطنٍ على حساب غيره، كما لا خيرَ في مواطن إلاّ بجدارته وكفاءته وما يمكن أن يقدمه للمجتمع والوطن من إضافة إيجابية في العلم والخدمات والبناء والتطوّر وأشكال الإبداع. 
نظريًا وعمليًا، لا يمكن الاعتماد على النظام العشائري في بناء منظومة وطنية، وباختصار في إنشاء وطنٍ له مقوّمات دولة عصرية متطورة يخولها التعامل مع غيرها من الأمم والشعوب وفق منظور التكافؤ في القيم والقدرات والنظام. وما يُلاحظ في أشكال النظم العشائرية التي تسود منطقتنا العربية والمجتمعات الإسلامية عامةً، هشاشة الحكومات التي تحكمها بسبب ضعف القوانين التي تسود البلاد والعباد وفق مفهوم الشرع الذي لا يقبل بديلاً عن تفاسير الأقدمين بالعيش في حقب الماضي السحيق الذي ولّى واندرسَ ولم يعد ينفع لزماننا ومكاننا. فلو كانَ نافعًا في زمانه ومكانه في حقب معينة، فهو ليس كذلك في عالم الرقمنة وتسارع التكنلوجيا ووسائل النقل والسيطرة والإبداع والاختراع. كما لا يوجد شيءٌ كاملٌ متكاملٌ لكلّ زمان وكلّ مكان. فالحياة في حركة دؤوبٍ كما قطارُ الأحداث باختلاف عرباته وما تحملُه من بضاعة وبشر ومتاعٍ.
اليوم تكمنُ قوة الفرد والمواطن في قوة الدولة التي ينبغي التكفلَ بكلّ حاجاته الحياتية. ولو ساد شيءٌ من الاختلال في هذه الموضوعة في بلادنا بسبب ما تعرضت له البلاد من نكسات وويلات ومصاعب بسبب الحروب العبثية المتتالية للأنظمة السابقة وخوائها من ساسة حريصين على قيادة دفّة البلاد بحنكة وجدارة ومفهومية وصدق وعدل، فذلك ليس مبرّرًا لصعود المنظومة العشائرية لتكون بديلاً للمنظومة الوطنية التي تجمع الكلّ تحت جناحيها كما الدجاجة تحمي فراخها. فالعشيرة مهما سمت وتجبّرت وتغوّلت، لا يمكنها أن تكون بديلاً للوطن، تلك الأمّ الحنون التي تُعنى بالجميع وليس بأبناء القبيلة والعشيرة والعائلة المصغرة. فما يربط البشر بالوطن أقوى وأشدّ ممّا يربط الشخص بعشيرته وقبيلته التي تتغيرُ فيها موازين الولاء بحسب شيخ العشيرة وأدائه ورغباته وميوله. بينما الوطن، يحكمُه دستور وفيه قوانين وأنظمة وتشريعات تصون الحقوق وتمنح المواطن ما يستحقُه منها في ضوء ما يقدمه من واجبات وقدرات وفعاليات بالمقابل. وفي حالة اختلال هذه العلاقة الجدلية بين الوطن والمواطن، تسقط معها كلّ القيم وأشكال الارتقاء به وبالمجتمع نحو الأفضل. ولا يخفى على الجميع إخفاق أية منظومة اجتماعية عشائرية التوكيل عن أتباعها في انتهاج سياسة عامة معترفٍ بها بين الدول والشعوب، ببساطة لكونها خارج منظومة الحكم وتفتقر للكثير من شؤون السياسة التي تحكمُ الوطن بالمواطن. فللعشائر رجالُها للحكم بين أفرادها وتوعيتهم بأصول الوطن وأخلاق المجتمع ووسائل التعامل والتعايش بين أبناء الوطن الواحد. كما للسياسة زعاماتُها التي ترسي هذه السلوكيات الإيجابية وسط المجتمع وتقود مواطنيه نحو التقدم والتطور والإنتاج والإبداع والتنافس مع أمم الأرض وشعوبها نحو الأفضل. فالأمم التي مواطنوها أكثر سعادة هي تلك التي تحكمها زعامات قوية، مخلصة، نزيهة، صريحة، شفافة، خدومة، صادقة مع نفسها ومع برامجها، كما مع مواطنيها في استخدام العقل والعقلانية وليس الوجاهة والتنمّر والمجاملة والمراوغة والمتاجرة بالإنسان ومشاكله.
وباختصار، لا هوية فرعية تعلو على هوية الوطن!


29
المنبر الحر / كشكول نفايات!!!
« في: 21:30 12/08/2021  »
كشكول نفايات!!!
لويس إقليمس
بغداد، في 12 آب 2021
صدمني ما قرأتُه في موقع البطريركية الكلدانية على لسان غبطة بطريركها في العراق والعالم، الكاردينال "الكاريزمي" والصديق الجليل لويس ساكو، من كلمات غير مستساغة وقاسية بحق مواقع إلكترونية ناضجة لها شعبيتُها ومهنيتُها في نقل الكلمة والرأي والرأي الآخر وعرض الحقائق مهما اختلفنا حيالها من منطلق نشر الوعي وتبيان الوقائع وفسح المجال للحوار والنقاش وكشف المستور، وأيضًا في تقديم النصح والاستشارة المجانية. لقد كتب غبطتُه بمناسبة إطلاق الموقع الالكتروني الجديد “البيت الكلداني” “Chaldean Home، للرابطة الكلدانية في 6 اب 2021، السطور التالية:
"من المؤسف ان نجد بين الكلدان شرذمة من الاشخاص، يعانون من الفراغ الداخلي، لا معرفة لهم بالواقع العراقي، انتهى بهم الامر الى تبعية من يحرّكهم للانتقاد والاثارة بسخرية وابتذال، والاستهانة بالآخرين، وبث الافتراءات ولصق الاتهامات، لتمزيق البيت الكلداني. انهم ينشرون “هراءهم” المصفوف كحقائق على مواقع هي أساساً كشكول نفايات. رجائي ألّا يردَّ الكتابُ الكلدان عليهم، لأنّ الردَّ نوع من الاستجابة لما يرومون."

ما يهمني في كلّ هذا الكلام، ما لحق من اتهام مواقع إلكترونية لها صداها ومهنيتُها وجهودها في نقل أخبار وتقريب وجهات نظر ونشر وعي في الوسط المسيحي والعراقي معّا، والتي بغيابها لما حصل التواصل بين أبناء الوطن الواحد في الداخل وفي دول الاغتراب التي أصبحت ملاذًا للكثير ممّن تركوا أرض الآباء والأجداد مرغمين. ومن هؤلاء ولأجلهم وبسببهم تكوّنتْ خورنات وتشكلتْ إبرشيات واشتدّ التنافس بين الرعاة، أساقفة وكهنة، لشغر هذه المواقع بوسائل وطرق لا مجال للخوض فيها بحيث صارت بعضُها عائلية ومناطقية بحتة. قولُنا في ما ورد أعلاه بوصف الحقائق التي تُنشر في مواقع إلكترونية بعبارة " كشكول نفايات" وما ضمنه من تشكيك واتهام وانتقاص من أهمية وجدارة ومهنية العديد من المواقع والكتّاب المحترمين الذين يتعاطون يوميًا مع مثل هذه الحقائق والوقائع، لا يطيبُ ولا يحلو للقارئ العاقل الرصين لكونه خارج السياقات المقبولة. فما في جعبتنا من معلومات وبيانات ومستورات للفضّ به قد لا يسرُّ البعض. ومن حقي التساؤل، هل اتسم موقع البطريركية الكلدانية منذ إنشائه بالمهنية في نقل الكلمة والعدالة في نشر ما يصلُه من مواضيع ومقالات وأفكار، أم إنه أغلق أبواب النشر وإبداء الرأي والرؤى أمام كتّابٍ من أمثالي حين مقاطعتي منذ سنوات لأسبابٍ عنصرية بسبب رفضي أن أكون بوقًا مواليًا وتابعًا من غير رأي؟ وهل الموقع الجديد للرابطة الكلدانية التي خرجت عن الغرض المرسومِ لها منذ تأسيسها كقاعدة مجتمعية داعمة لأفكار وجهود الكنيسة الكلدانية لتتحول إلى حزب سياسي يتنافس مع سائر الأحزاب المسيحية الهزيلة الذيلية على الساحة السياسية العراقية الهشّة اصلاً، سيكون أمينًا في نقل الحقائق والوقائع من أجل بناء البيت الكلداني والبيت المسيحي؟ ما هكذا تورد الإبل يا سيدي وصديقي البطريرك! الحقّ يُقالُ ولا يمكن إخفاؤُه بغربال!
التخصيص وليس التعميم
سيدي البطريرك، اسمحوا لي بالقول: إنّ تعميمَكم بهذه الطريقة المفتوحة لمَن "ينشرُ الهراء المصفوف كحقائق على مواقع هي أساسًا كشكول نفايات"، كما وردَ في اتهامكم أعلاه غير مقبول في أدنى درجاته. ولم أكن اتوقع أن يصدر يومًا ما شيءٌ من هذا القبيل القاسي وتعميمه بهذه الصورة الغليظة غير المنصفة. فالتعميمُ صفة المتطرّفين والمتزمّتين ومحتكري الواقع والرأي. أمّا التخصيص والتحديد والتشخيص بدقة ورفعة وعقل وإدراك ووعي وتفهّم وسعة صدر فهو صفة العقلاء ورواد الكلمة الناطقة بالحق والرأي السديد، إن عليه أو معه!
هناك كتاب محترمون، سواءً في صفوف الكلدان أم غيرهم من كنائس أخرى، يجيدون ترويض القلم وتلوينه بسموّ ورفعة واحترام، بالرغم من فارق التقويم والتقييم في ما يكتبونه وينشرونه من غث وسمين. فهذا شأن القلم الذي يتدفق من أعماق القلب ليقول ما يشعرُ به، سلبًا أم إيجابًا. فلكلّ قلمٍ رؤيتُه وتقنيتُه وأسلوبُه شريطة عدم خروجه عن الذوق الرفيع والآداب العامة وعدم تسويق ما يدلي به في مزادات "الافتراء والابتذال والاستهانة بالآخرين" وبقدراتهم وآرائهم. من هنا، لا ينبغي التعميم. فهو سلاح الطرف المتطرّف الاحتكاري لكلّ شيء وفي أيّ شيء. وفي اعتقادي، ما يُساق على بعض كتّاب الكلدان المتَّهمين من قبل رئاسة الكنيسة الكلدانية الرسولية الأصيلة، بالمعصية والخروج عن الطاعة قد ينسحبُ بطريقة أو بأخرى على غيرهم من الكتّاب المسيحيين الذين يسقون العطاش بالكلمة الصادقة ماءً زلالاً ولبنًا عفيفًا لا غبارَ عليه انطلاقًا من شعورهم الإنسانيّ أولاً، وتحمّسًا لنقل الكلمة الصريحة وإبداء الرأي السديد والاستشارة الواقعية ثانيًا في ظلّ المُعاش الواقعيّ كنسيًا ووطنيًا واغترابًا.
والسؤال الذي يقضّ المضاجع ولا يلقى جوابًا شافيًا من أهمّ المراجع من شأنه أن يقلب المواجع بدلَ استنهاض الهمم بالطريقة التي ينوي غبطتُه معالجة الثغرات وصدّ كلّ كلمة لا تغرّدُ في السرب. وهذا محالٌ! فمسألة قذف الغير من المعترضين أو رفضُ عديدِ الرافضين لشكل أسلوب الإدارة الكنسية في الكنيسة الكلدانية بخاصة، أو غيرها من الرئاسات الكنسية الأخرى، لن يجدي نفعًا بقدر ما يوسّع الهوّة بين طرفي النقيض فاتحًا المجال لالتحاق أقلامٍ غيرها في خانة الاعتراض والرفض لكلّ ما يبدر، سواءً من هذه الرئاسة أو غيرها. وهذا من شأنه تفاقم الأمور عوضَ البحث عن مخارج أكثر أمنًا ومعقوليةً وتسامحًا. كما أنّ الردّ على مسألة نشر الغسيل من نفرٍ من كتّاب متهمين بالإصابة ب"فراغ داخليّ" ساعة الغضب وتفاقم الشجون، لا يجدرُ أن يصير بهذه الطريقة الاستعلائية الهجومية. وإنْ كان هذا البعضُ المتهم حقًّا بالإصابة بالفراغ الداخلي وكلّ مَن على أمثاله وأشكاله مُساقًا هو الآخر كالقطيع من جهات محرّضة أو محرَّكًا للانتقاد والسخرية، فما بالُكم لا تعيدوا النظر في الكثير من الأدوات والسلوكيات التي فتحت المجال أمام القاصي والداني للدلو بدلوها في مشاكل كثيرة ضربت كنيسة العراق وكنيستكم بشكلٍ أوسع من حيث إدارة الموارد ورعاية المؤمنين وشكل العلاقة بين الراعي والرعية، وبين الرئيس والمرؤوس (الأسقف والكاهن) في معظم الإبرشيات التي نسمع ونتابع أخبارها بشكل مباشر أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي أضحت سفيرة مجانية لنقل الأخبار والحقائق والفضائح سواءً بسواء؟ أمام ما وصلت إليه تقنية المعلومات ومستجداتها في كلّ يوم وساعة ولحظة، لا يمكن التكهن او السيطرة على كلّ ما يُكتب ويُنشر في ضوء الحريات الشخصية في نشر الأفكار وإبداء الرأي. وما على القارئ الرصين سوى فرز الصالح من غير الجيّد والنافع. كما يستحيل إبداء الرأي كتابة أو صورة وصوتًا، ما لم تتوفر ولو أجزاء الحقائق حين إثارة أي موضوع أو مسألة فيها شيءٌ من الجدلية. والصحّ فيها، أن يًصارُ للاستيضاح بشأنها عبر الحوار والردّ المكفول. فالاختلاف لا يفسدُ في الودّ قضية طالما هناك حوار ونقاش وتبادل معرفة واستكمال الآراء.
في مسألة ثانية، لا تقلّ أهمية عن الأولى، هل جرى معالجة خلاف الكنيسة الكلدانية مع شقيقاتها في مسألة تشكيل مجلس كنسي عام رسميّ لمجمل كنائس العراق بدل تفرّد الرئاسة الكلدانية في عقد اللقاءات الرسمية والتحدث باسم عموم المسيحيين في العراق، بالرغم من عمق اعتقادنا بنوايا رئاسة الكنيسة الكلدانية الإيجابية في الدفاع عن عموم الشعب المسيحي وحرصها لإيجاد أرضية مشتركة لحلّ هذه الإشكالية المقرفة وغير المريحة، سواءً على الصعيد المسيحي الداخلي والخارجي أو على الصعيد الرسمي الذي يعطي انطباعًا محبطًا وسلبيًا أمام الدوائر والقرارات الحكومية الرسمية إزاء كلّ ما يتعلّق بشؤون وهموم مسيحيّي العراق ومن ثمّ وجودهم المقلق. وهل تتصورون حجم الانتقاد والرفض الشعبي وحتى الخجل من تعدّد الوفود المسيحية التي تلتقي الرئاسات ونفرًا من الرسميين والشخصيات والمنظمات داخليًا وخارجيًا، وكأن القائمين بها أبطالٌ يخوضون حفلة تنافسية لنيل قصب السبق في مضمار الساحة والميدان من دون مراعاة لفروض الاحترام للآخر المغيَّب؟؟؟
تناقض في أحوال البيت المسيحي
سيدي البطريرك الجليل، أستميحكَ عذرًا، بعدم القبول بالتناقض الصارخ في تعليقاتكم واستيضاحاتكم لمجريات الأمور بهذه الطريقة غير المجدية. ففرض السيادة على إدارة كنيسة العراق بالطريقة التي تنوون بها أو سوقها من دون تراضٍ من سائر الكنائس الثلاثة عشر الأخرى التي تشكّل مع كنيستكم عصب الحياة المسيحية في العراق لا يليق بمقامكم الكريم، بل ينتقص من كاريزميتكم بالفشل في إقناع الطرف الآخر بموجبات هذه الرئاسة التي نعتقد ونثق بقناعة وافية بجدارتكم الواقعية بتمثيل عموم كنيسة العراق في عصرها الراهن من دون منافس، شريطة التوافق على المسببات والموجبات والوسائل الكفيلة بتأمين مواقف الجميع من دون استعلاء "الأكثرية المزعومة" على "الأقليات المعدودة" بأسلوب استفزازي لا يقلّ خطورة عن اتهامكم بشيءٍ من عنصرية الأكثرية التي سادت المشهد السياسي العراقي ذاته منذ 2003. وهذه من ضمن النقاط السلبية التي رافقت تنظيم زيارة قداسة بابا الفاتيكان للعراق حيث سعيتم ما استطعتم لجعل الزيارة أكثر ميلاً للكلدانية وحصرها بكنيستكم ومناطقكم وطقوسكم، بالرغم من إبدائي شخصيًا ملاحظات جديرة بالتقييم والدراسة قبل موعد الزيارة بثلاثة أشهر بصحبة صديق لي لغبطتكم في مقرّ البطريركية. وهذا ما دفعني لتسليم قداسة البابا رسالة خاصة بشأن الأوضاع في البلاد والكنيسة العراقية عمومًا. وقد تسلّمتُ ردَّ قداسته شخصيًا في أيار الماضي. وهذا كان من دواعي سعادتي الغامرة. من هنا، ليس من المعقول القبول القسري باقتران حضور الكنيسة الكلدانية في العراق حصرًا وربط حاضرها ومستقبلها دون غيرها بعناصر ومقوّمات الأرض واللغة والتاريخ والتراث.
    أمّا بخصوص رغبتكم ترؤسَ مجلس كنائس العراق، فقد كنتُ صريحًا وواضحًا. لقد سبق أن قلتُها في أكثر من مناسبة وحرصتُ على نقلها بمعية زملاء عَمِلْنا معًا بإشرافكم ضمن لجنة توفيق الجهود المسيحية في مناسبات كثيرة قبل أكثر من أربع سنوات أو أكثر عندما كان الحراكُ المسيحي بضرورة لملمة جراح إدارة كنيسة العراق ساخنًا وسط تقاطع الرؤى وتناقض الآراء بينكم وبين رئاسات كنسية شقيقة. ولم نفلح في جهودنا بسبب تعنّت طرفي النقيض، كلّ في رؤيته ومطالباته ورأيه من دون تقديم أية أشكالٍ من التسامح والتنازل عن السلطة. فكلّ طرفٍ أراد أن "يجلس عن يمين المسيح أو عن يساره في المجد الزائل".
في الآخر، حريٌّ بكلّ كاتب حرّ غير مسيَّس أن ينقل الصورة الناصعة وبقلمٍ رصينٍ واقعَ حال كنيسته وكنيسة العراق عامة، بل وحال العراق من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، بقلمٍ حرّ وشجاع ليس بغرض تشويه الحقائق والكذب على القارئ البسيط أو بهدف إثارة السخرية والابتذال والقذف غير المبرّر. كما هو جميلٌ أيضًا أن تتراصف أقلام الكتاب المسيحيين مشيدة بمواقف غبطة البطريرك الوطنية الشجاعة وعدم تماهي غبطته مجاملةً مع حالة الفساد والفلتان وسياسة التهميش التي تتبعها حكومات العراق الطائفية المتتابعة منذ 2003 ولغاية الساعة بحق المكوّن المسيحي الأصيل وغيره من المكوّنات التي تشكلُ فسيفساء الأرض العراقية الثرية. وهذه من بين المزايا الصارخة لغبطته بوجه الظلم وفساد الساسة والنواب غير المؤتمنين على مصالح الشعب.
أرأيتم، فالكلمة الصادقة تُقالُ ولا يُخفيها غربال الحق والصدق. وبغير هذا، لن تثمر الكلمة ولن تأتي أكلَها في توجيه النقد البنّاء حينما تقتضي الساعة والظرف بمزيجٍ من اللياقة والأدب والدقة في وصف الحالات وتشخيص الواقع وتقديم الحلول. في الختام، لشخص غبطنكم منيّ كلَّ تقدير ومودة واحترام.

30
نريدُ العراق دولة مواطنة، لا دولة مكونات وأحزاب
لويس إقليمس
بغداد، في 28 تشرين ثاني 2019
ما انفكّ زعماء الكتل السياسية وأحزاب السلطة والهامشيون من الأتباع الانتهازيين ومن سياسيّي الصدفة يراهنون على بقائهم في السلطة من أجل ديمومة مكاسبهم والحفاظ على مغانمهم وإدامة زخم سرقاتهم بالرغم من الرفض القاطع والصارخ من الشباب الواعي الثائر الذي ضرب أروع شواهد البطولة التي لم يشهدها الشارع العراقي ولا كان يحلم بها شعبُ العراق من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه حينما ارتفعت أعينُ الجميع لتعانق علم العراق وتنشد بدموعٍ صافية مليئة بالحسرات نشيد الوطن "موطني". 
فكلما سمعتُ كلمات هذا النشيد الحماسية النابضة من رحم الوجدان العراقي الطيب الاصيل تغرورق عيوني بالدموع وتتداخلني حشرجة لا أخرج منها إلاّ وأنا ساكبٌ عبراتٍ أحبسُها في أعماقي بحسرات وتنهدات وشجون لفقدانِ وطنٍ جريحٍ كان بالأمس في صدر الحضارات الراقية. لكنه غدا اليوم في زمن الفلتان وغياب الوازع والضمير وسيادة الفساد وركوب الموجات في ذيل الأمم باستحقاق الاحترام. ففقدان وطن يعني ضياع الذات والوجود والكيان والوجدان والكثير من الميزات والخصائل والفضائل المجتمعية التي تجتمع عليها الدولة والشعب. ومن جملة ما يعنيه أيضًا، زوال الشرف والغيرة والهمّة في بناء كنه الإنسان الصحيح وروحه وكيانه الذي يأويه هذا الوطن والذي من دونه يبقى الإنسانُ متشرّدًا قابعًا في زوايا النسيان والتخلّف مرابضًا أكوام القمامة التي يعتقد الدخلاءُ الحاليون على العراق أنهم يمنّون عليه بفضلاتهم من كثير سرقاتهم ووسائل نهبهم لثروات البلاد أمام الناظر من القاصي والداني. 
إنّ الشعب الثائر يقارع اليوم طغمة فاسدة ارتضت لنفسها خطف الفرحة والبسمة والعافية من سائر طبقات الشعب، أطفالاً ويتامى وثكالى وطلبة ومثقفين وأكاديميين وعلماء وصناعيين وأرباب عمل لفقدانهم وطنهم وجعله أسيرًا بيد الدخلاء ومسلوبَ الإرادة. كما لا يمكن أن ينسى في ساحات اعتصامه المتجدّدة في كلّ يوم، تلك الدماء الزكية التي أُريقت على مذبح الحرية والحقوق وفاءً منها لهذا الوطن وأهلِه عندما فتح هؤلاء الشهداء صدورهم وعرضوا أجسادهم الطرية لحقد القنّاصة ومطلقي الرصاص الحيّ والقنابل السامة المسيلة للدموع المحرّمة دوليًا على أيدي أعداء الشعب من المغرضين الذين لا يدركون معنى مفردة الوطن ولا يفقهون مسلّمة ضياع الوطن ولا يعرفون مبدأ حب الوطن! شهداءٌ سقطوا من أجل عراق جديد توقًا لحياة أفضل وبحثًا عن هذا الوطن الذي أضاعه بل أذلّه فاشلون في الحكم، ونكّدوا عيشَ الشعب بسبب منهجهم الفاسد وإخفاقاتهم المتكررة واستشراء فسادهم اللامحدود. فكانت الانتفاضة الشعبية صوتًا صارخًا ضدّ الفساد وأزلامه وضدّ بائعي الوطن وعرّابي صفقاته المشبوهة وولاءاتهم للغير الطامع. وفي حالة إصرار الطبقة السياسية القائمة على إبقاء الحال على ما هي عليه من توتر وفقدان الإرادة الحقيقية بتغيير منهج الحكم جذريًا بالطرق السلمية والأصولية بحسب مطالب الشارع، فإنّ الأيام القادمة حبلى بالإجراءات والأفعال التي تضمن حق هذا الشعب الجريح ومنهم الشباب الثائر. وكما قالها سياسيون من على شاشات الفضائيات، "سيأتي اليوم الذي يُسحلون فيه في الشوارع"، عقابًا على أفعالهم وعنادهم بالتمسك بالسلطة، غير عابئين بنصيحة المرجعية ليوم الجمعة 22 تشرين ثاني 2019 التي أشارت بكل صراحة " في حالة استمرار سفك الدماء، سيؤول الحكم لغيركم". نقطة، رأس سطر! وحينها لات ساعة مندم!
الدولة تغرّد خارج السرب 
إنّ استمرار تبجّح البعض من الساسة وأحزاب السلطة بالاستخفاف بمطالب الشعب وكيل شتى الاتهامات ضدّ المتظاهرين وتوصيفاتهم غير المقبولة يشير بما لا يقبل الشك، أنّ أمثال هؤلاء يعيشون في وادٍ والشعب في وادٍ آخر، وأنّ جبالاً شاهقة تفصلهم عن هموم الشعب وعن تحركات الشارع الثائر بكل طبقاته وهو يغلي على صفيح شديد السخونة. فلا المحتلّ الأمريكي الغاشم الذي أتى بحكم هذه الطبقة السياسية الفاسدة بمكيدة دولية ماكرة لمْ تعرف الخجل ولا الحياء ولا الخطيئة سيقف إلى جانبهم، ولا إيران الجارة الطامعة التي تحتل البلاد حاليًا بكلّ ثقلها الأيديولوجي ستنفعهم، ولا بقية الدول الإقليمية والدولية ومنها الأوربية بالتحديد ستذرف عليهم دموع الحسرة إذا ما حانت الساعة وسيق جميع الفاسدين من دون رحمة إلى مقصلة الشعب كي يقول فيهم كلمة الفصل. وحينها لا القضاءُ المسيّس المهتزّ سيكون له كلمة الفصل والفعل والحكم المداهن للساسة وأدواتهم، ولا الدول والأمم التي ماتزال تراهن وترهن مصالحَها على بقاء الطبقة الفاسدة الحاكمة الناتجة عن توليفة وإخراج المحتل الأمريكي بجميع أدوات الدعم والتستّر والتخاذل التي في حوزتهم سيكون لها أيّ أثر أو تغيير في مسار المرحلة القادمة من التغيير المرتقب باتجاه بناء الوطن على أساس المواطنة والعدالة والمساواة كسائر الدول المدنية المتحضرة في العالم. وهذا أبسط ما يطالبُ به المحتجّون منذ انطلاقة الثورة التشرينية في 2019.
في اعتقادي، من المعيب جدًّا أننا مانزال نسمع أصواتًا نشاز على لسان بعض الساسة والنواب ومَن همْ في مقدمة المسؤولية الحكومية في الدولة العراقية. فما صدر حينها بعد أحداث تشرين من وثيقة الشرف غبة اجتماع الساسة الأضداد في دار مغتصبَة أصلاً من دون وجه حقّ من قبل رئيس كتلة سياسية معروفة، فيها الكثير من التجنّي على مطالب الشارع. فهذه ماتزال تعيش أحلام السلطة والحكم ومكاسب الامتيازات ومغانم المحاصصة التي اغتالت الوطن والمواطن سحابة أكثر من ثمانية عشر عامًا من الظلم والفساد والاستخفاف بحق الشعب. هم الذين اعترفوا بارتكاب المعاصي والخطايا بحق هذا الشعب، وذرفوا بسببها دموع التماسيح من دون أن يرعَووا أو يغيّروا ما في جعبهم المليئة حقدًا على الوطن وأهل العراق، وتعهدوا أمام الملأ بتغيير المنهج والنظام. لكنّ "كلام الليل يمحوه النهار"، حقًا.
فهذا واحدٌ من اعضاء اللجنة القانونية يعلن بالأمس عن مهزلة إعادة صياغة القانون الانتخابي لصالح ذات الكتل السياسية التي ضمنت هيمنتها على نتائج هذا القانون مع بعض التعديلات التي تسمح لما أسماهم ب"الأقليات" بالحصول على مقاعد أكثر. وهذا نائب كردي يعتلي موقع النائب الثاني لرئيس السلطة التشريعية التي يشير فيها إلى رفض المكّون الكردي، الذي هو جزء من إشكالية الحكم في البلاد، لأية تعديلات تمسّ مكاسب هذا المكوّن. ويشاركه فيها زعماء ونواب ومسؤولون أكراد كثر. وهذه من الأدلّة على عدم الرغبة في التغيير والإصلاح الجذريّ. فالكلّ ينادي بهاتين المفردتين من دون أن تهتزّ عروش السلطة باتجاه إصلاح ما أفسده الساسة. فاللعاب بالتأكيد مازال يسيل لأموال النفط وأدوات تهريبه، وما تدرّه المنافذ الحدودية من واردات وأتاوات، وما تأتي به فواتير الاستيراد المزوّرة من منافع لتهريب العملة ومن كوميسيونات، وما يتقاضاه الساسة وأحزابُهم من مرتبات وامتيازات ومنافع بيع المناصب وتداول العقود وما سواها. والقائمة طويلة بشأن عمليات تزوير وابتزاز وتهديد وتبييض أموال واستيلاء على عقارات وسرقة أموال وتهريب ثروات وترويج تجارة مخدرات وما سواها.
والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: أليس في هذه التصريحات والأفعال والممارسات والقرارات ما يمكن أن يزيد من إثارة الشارع ويضع أحزاب السلطة في مواجهة أكثر حتمية بين المنتفضين والمدّعين زورًا وبهتانًا وكذبًا بالإصلاح؟ وإلاّ أيُّ منطق هذا، أن تزيد قرارات الحكومة من امتيازات رفحاء والجهاديين والنضاليين في تعديلات قانون التقاعد؟ وأن تشهد البلاد فوضى إدارية غير مسبوقة فيما يتعلّق بشأن تجميد عمل وحلّ مجالس المحافظات التي يُرادُ إعادة تدويرها وتقنينها؟ وهل ذهب اهتمام المسؤولين في الدولة ولو يسيرًا باتجاه تحفيز المنتج الوطني ودعم القطاع الخاص وفتح المجال أمامه للإبداع وتنشيط الاقتصاد ومعه تأمين حقوق العاملين في هذا القطاع من حيث تضييق الفجوة في المرتبات والحقوق التقاعدية وتأمين الرعاية الاجتماعية للجميع من دون تمييز؟ أسئلة كثيرة تمسّ جوهر الأداء في الدولة العراقية وما يترتب على ذلك من نتائج وخسارة فيما لو طالت الأزمة بين الحكومة والشعب بغعل سطوة أدوات الدولة العميقة.
نتعلم الدروس من الشارع
من الشارع ينبغي تعلّم الدروس. فالشعب اليوم، مازال في رحلة البحث عن وطن مفقود، أسير، معروض للبيع. وسيجد ضالّتَه قريبًا بصبره وطول أناته، لأنّ الوطن يسكن بين حناياه وفي وجدانه، ويعيش حيًا بالروح والجسد، بالقول والفعل. فلا بعدَ مرحلة التغيير القادمة دولةَ مكوّنات بل دولة مواطنة، ولا حكومة محاصصة وأحزاب طائفية وفئوية وقومية بل حكومة حكماء وأكاديميين وخبراء وكفاءات، ولا بنكًا مركزيًا لتهريب العملة بالتواطؤ مع مصارف إسلامية مشبوهة بل مصارف وطنية ناضجة تؤمّن جميع الخدمات وتحفظ حقوق الدولة والمودعين من دون خوف أو تردد، ولا موازنة مالية للنهب والابتزاز بل منهاج مالي وخطط استراتيجية للبناء والتنمية والإعمار، ولا وزارات وإقطاعيات للبيع بالمزاد وللتحاصص بل وزارات منتجة وخدمية يحاسبها الشعب والحكومة معًا، ولا قضاء مسيّسًا يداهن ويجامل ويخضع للابتزاز والتهديد بل قضاء عادل يحكم باسم الشعب ويعطي لكلّ ذي حقٍّ حقَّه من دون تأثير أو تهديدٍ من أحد أو من جهة نافذة.
من دون شكّ، إن استباحة الدولة العراقية من جانب كلّ مَن هبَّ ودبَّ قد أثقل كاهل العراقيين وأيقظهم من غفوتهم وأعاد إليهم نخوتَهم شيبًا وشباّنًا، صغارًا وكبارًا، فتية وفتيات. وهذا ما نشهدُه من امتعاض وتغيير في فكر الشارع بسبب توالي المصائب وعد تلبية مطالب الشعب بأية إصلاحات موعودة. ويكفي أحفادي الصغار مثل غيرهم من براعم وصغار الوطن في الحضانات والرياض والمدارس يعرفون اليوم أن يميّزوا العلم العراقي بالرغم من صغر سنّهم وطراوة فكرهم حين يمرّون في الشوارع أو يشاهدونه على شاشات التلفزة وأن يتغنّوا باسم الوطن. أمّا القائمون على الحكم الذين مازالوا حبيسي المنطقة الخضراء ودهاليزها أو الذين اختاروا الرحيل والابتعاد والهروب قبل تدفق الطوفان القادم، فإنّ عين الشعب ستظل رقيبة عليهم كي ينال كلّ مَن استأثر واستأسد وتنمّرَ بالحكم ما يستحقه من عقاب الشعب حين تأتي الساعة، وهي قريبة.
إنّنا نؤمن، أنّ التغيير قادم مهما تمادت أحزاب السلطة وأصرّ زعماءُ الكتل السياسية المنتفعة من الكعكة بالمراهنة على موقف المرجعية المتأرجح أحيانًا والتي تمسك العصا من الوسط في جميع توجيهاتها كونها توصَفُ جزءً من تشكيلة النظام السياسي القائم ومنتفعة في الكثير من منهاجه السياسي والأيديولوجي والطائفي والمذهبي. نعم، التغيير قادم، مهما تزايدت ضغوط نظام ولاية الفقيه لإبقاء السلطة بيد ذات الطبقة السياسية التي احترفت الطائفية منهاجًا في حكمها وإدارتها الفاشلة للدولة ومؤسساتها لأجل مصلحة الجارة "الشقيقة". والتغيير قادم مادام الشعب يحثّ دول العالم للاعتراف بعدم شرعية الحكومات العراقية المتعاقبة المتهمة بقتل مواطنيها بحسب ما تنص عليه المواثيق والأعراف الدولية. والتغيير قادم مادام الشارع المنتفض ماضيًا في طريق اللّاعودة في انتفاضته الشعبية الوطنية النابعة من رحم الوطن الغالي المضرّج بالوصمات الطائفية والقومية والفئوية المقيتة. والتغيير قادم مادام الوطن أغلى من النفس والجسد والمال لدى هؤلاء الفتية المنتفضين الذين علّموا العراقيين والعالم معنى حب الوطن ومعنى افتدائه بالروح والدم. و"بالروح والدم نفديك يا عراق"!



31
البعد الاجتماعي في قلب الحدث
لويس إقليمس
بغداد، في 17 حزيران 2021
تفصلنا بضعة أشهر عن الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤُها في 10 تشرين أول القادم. فالاستعدادات جارية على قدمٍ وساق، بالرغم من توافر شكوكٍ معينة لديّ ولدى غيري من متابعي الأحداث الساخنة التي تتوارد وتحصل يومًا بعد آخر، بتوقّع أحداث حبلى بالمفاجآت غير السارّة فيما لو واصلَ الانحدار الأمني مسارَه في التردّي وفرضَ نفسَه سيّدَ الساحة. وبالرغم من إنّ بعض المرشحين قد بدأوا حملاتهم الانتخابية قبل موعدها من دون أن يكون لمفوضية الانتخابات أيةُ إجراءات صارمة بتنفيذ قواعدها الأخلاقية والمهنية كما ينبغي، إلاّ أنّ المفوضية أيضًا، حالُها حال سائر مؤسسات الدولة الهزيلة لا تستطيع ردع المخالفات أو محاسبة المخالفين للأسباب التي يعرفُها الجميع. والغريب، كما تشير تسريبات على مواقع التواصل الاجتماعي وكما يحكيه الواقع المرّ، ملاحظة تسارع كتل متنفذة ومستقوية بالمال العام والنفوذ والسلاح ومعها أدواتُها ووسائلُها المرئية والمسموعة والمقروءة عبر لقاءات وتجمّعات انتخابية مُتّخذةً في الأغلب طابعًا عشائريًا وطائفيًا لاستخدام نفوذها بالتهيّؤ من الآن للسطو على أصوات الناخبين بطرق ووسائل غريبة هذه المرّة ومنها الإسراف والبذخ في الصرف على دعوات الولائم بين العشائر وتوزيع مبالغ مالية لكسب أصوات الناخبين وتأمين تصويتهم. فيما تشير تقارير أخرى إلى انسحابات مبكرة لمرشحين طالتهم تهديدات بالتصفية الجسدية أو إلحاق الأذى بهم وبمقرّبيهم من جهاتٍ مجهولة أو مرتبطة بفصائل مسلحة أو أفرادٍ يتمتعون بالقدرة الفعلية على إلحاق الأذى وتنفيذ أجندات الجهات التي يعملون لحسابها، وذلك تحسّبًا من أية منافسة شريفة مع مَن يجدُ في نفسه القدرة على كسب أصوات الناخبين بالاعتماد على جدارته وبرنامجه وتأثيره الشخصي والوطني والاجتماعيّ، لاسيّما بعد تقليص مساحة الدوائر الانتخابية وصغرها مقارنة مع سابقاتها، ما قد يشكّلُ تهديدًا لعدم صعود ممثلي كتل سياسية تقليدية بعينها بسبب ما طالها من شبهات اقتراف جرائم واتهامات بالفساد.
نحن نعتقد أنّ مثل هذه السلوكيات المدانة وغير الصحيحة وغير الوطنية التي تنتقص لأبسط مفردات الديمقراطية في التنافس الحقيقي لا يمكن لها أن تُحدث التغيير المرتقب في المشهد السياسي المتشنّج ولا أن تبني البلاد المنهارة في كلّ شيء، لاسيّما بعد تسيّد الفساد بكلّ أشكاله الإدارية والمالية. يُضافُ إلى هذا كلّه، فقدان القضاء هيبتَه واستقلاليتَه، كما اتضح من التدخلات المشبوهة وغير المقبولة الأخيرة من أعلى سلطة فيه بعدم ترك القضاء العادل لأخذِ دورِه في إدانة ومحاسبة مَن حامت حولهم شبهات القتل والسرقة والاختطاف والتهديد والتحييد السلبيّ وغيرها من أشكال الفساد والجريمة رضوخًا لسطوة أحزاب السلطة أو الجهات التي تحمي وتدافع وتغطّي على هذه الجماعات أو الأفراد لأيّ سببٍ كان. وبالتأكيد، فإنّ لمثل هذه السلوكيات غير المستساغة والمدانة، أبعادٌ اجتماعية سلبية بحق المجتمع ومكوّناته الوطنية الحقيقية التي تحلم بوطنٍ ذي سيادة تُحترمُ هيبتُه ويتصرّفُ مواطنوه بالشكل الذي يليقُ بحضارة الأرض وتاريخ البلاد وسمات التراث المكوّناتي التعدديّ الذي صان وحدة البلاد واحترمَ رموزَها من جميع الأديان والملل والطوائف والقوميات من غير تمييز ولا فصل عنصري أو دينيّ أو طائفي أو إتني وما سواها طيلة العقود والعهود المنصرمة.
لقد ساهمت النخب الوطنية المتقدمة في الوطن والمهجر بتقديم النصح والمشورة للحكومة وأدواتها بنقدها النصوح لتجنب الهفوات والأخطاء والخطايا الكبيرة التي اقترفتها أحزابُ السلطة ما بعد مغادرة الحاكم المدني الأمريكي سيّء الصيت "بريمر" وسادته في البيت البيضاوي، منذ استحواذها على مقدرات "شبه الدولة" على طريقة الكاوبوي الرعناء التي لا تعرف غير لغة القتل والتهديد والاغتصاب والنهب والتدمير والسطو المسلّح على كلّ ما تقع عليه الأيدي بفضل قوة اعتلائها لهذه السلطة ونفوذها في مؤسسات الدولة وضغوطها المستهجنة على القضاء وجعله أسيرًا بأيديها تحرّكُه وفق رغباتها وبحسب توجهات زعمائها خالي الوفاض من أية مسحة وطنية أو ضميرٍ أو رحمة. ومن المؤسف انسحاب كلّ هذه السلوكيات غير الصحيحة على أغلبية المجتمع العراقي الذي خسر سمة الوطن وثقة الشعب، بل وخسرَ ذاتَه والشيء الكثير من أخلاقه وحقَّه الطبيعي بالعيش سعيدًا مرفَّهًا مستقرَّ الحال ومرتاح البال في بيته وشارعِه ومحلّته ومنطقته ومدينته كباقي شعوب الأمم والدول الراقية المحترمة.
كلُّ شيءٍ يسيرُ طبيعيًا في مجتمعات راقية، متقدمة، منفتحة، متمدنة، متحررة، متعلّمة، متطورة في صناعتها وزراعتها وإنتاجها وثرواتها إلاّ في العراق حيث تغيبُ هذه جميعًا منذ تسلّط الحكومات المحاصصاتية المنتفعة المتعاقبة التي لم تعرف غير سرقة البلاد والعباد بأشكالٍ ووسائل وطرقٍ خبيثة لا تعرف الحق بل تقدّسُ الباطل، ولا تعرف الحياء بل توغلُ في الشين، ولا تصغي لصوت المرجعية الرشيدة بل تضربُ نصائحَها عرض الحائط، ولا تنصتُ لأصوات النخب الوطنية على أنواعها وأشكالها وتعدّدها بل تزيدُ من تجاهلِها لها ولدورها الوطني والمجتمعي وإهانتها بأشكال الطرق والوسائل والأدوات، ولا تريد أن تسمعَ صوت الشارع الثائر أو المواطن الحائر أو التاجر الحقيقي المستغيث أو الصنائعي المضروب في مهنته أو المرأة الثكلى أو الطفل المتسكع والمتسرّب من المدرسة. وغيرُها كثيرٌ ممّا يمكن ذكرُه أو نسيانُه لكثرة الهموم والمشاكل والصعوبات في المجتمع المتهالك التعبان.
سماتٌ وطنية ثابتة
كثيرةٌ هي الدول والأمم التي خبرت أزمات معينة، سياسية أو اقتصادية او أخلاقية أو اجتماعية أو صناعية أو زراعية أو علمية أو تربوية. ولكنّ الشعوب المتنورة بفضل وعي وتسامح قادتها وزعمائها من السياسيين ورجال الثقافة والدين والنخب كانت هي الرهانَ الحقيقي في تجاوز الأزمات وتعلُّم الدروس والعبر والاستفادة من خبرات الغير. والأمثلة كثيرة وعديدة لو تتبعنا مسيرة هذه الشعوب وتاريخها في تعديل المعوجّ وإصلاح المكسور واستئناف الحياة الطبيعية في ظلّ دستور عادل وقوانين إنسانية ووطنية لا تقبل بظلم أحدٍ ولا تستبعدُ مواطنًا مهما كانت منزلتُه وطبيعةُ مكوّنه وأصلِه وفصلِه. فهذه سنغافورة التي نهضت من كبوتها واستعادت عافيتها الاقتصادية بعد ركودٍ وتخلّفٍ عن الركب الأممي. وهذه جنوب أفريقيا التي انتشلت نفسَها من حطام العنصرية عندما قادها المناضل السياسيّ والاجتماعي مانديلا إلى طريق البناء والوحدة بفضل تسامحه وقلبه الكبير ووطنيته الصالحة. وهذه ماليزيا التي وقفت في الصفوف الأولى اقتصاديًا مع كبريات الأمم بفضل تغيير استراتيجياتها وتنوير العقل التدبيري الإيجابيّ لقادتها السياسيين الذين وضعوا مصلحة البلاد فوق أية مصلحة. وهذه اليابان التي خرجت خاسرة وخالية الوفاض من حربٍ لا هوادة فيها، ولكنها استعادت عافيتَها بالرغم من خلوّها من أية مصادر أو ثروات طبيعية. وهذه ألمانيا التي دمّرها الحلفاء لنازيّتها واستسلمت لتنهي حربًا كونيّة أتت على الأخضر واليابس، ولكنها استفاقت من صدمتها سريعًا وهي تقف اليوم في مقدمة دول أوربا صناعيًا وماليًا وعلميًا واجتماعيًا. وهذه دولة قطر الشقيقة التي ينعم مواطنوها بأفضل مراتب التعليم والاقتصاد والحياة المرفهة. وغيرُ هذه وتلك كثير. ولعلَّ السبب في صعود شعوب هذه الدول وارتقائها مراتب متقدمة في تسلسل دول العالم المتقدم، يعود قبل أيّ شيء لمواطنيها الواعين والحريصين على مصالح وطنهم وتقدم مجتمعاتهم وطبيعة ثقافتهم وخامة أسلوبهم في العيش وطبقاتهم السياسية الحاكمة الساهرة على خدمة الشعب وتنمية البلاد بوضع استراتيجيات ناجحة وممكنة التنفيذ وتطبيق القوانين سواسية بالعدل والمساواة والرحمة والمحبة انطلاقًا من المواطنة الصحيحة ومن نظرة إنسانية واعية.
إنّ الصحيح في مثل هذه السمات المواطنية أنها تجعل أبناء الشعوب المتحضّرة يشعرون بالانتماء الحقيقيّ للإنسانية أولاً، ثمّ للوطن والمدينة والمجتمع ويقفون صفًا واحدًا من أجل البناء والإعمار والتطوير والتعاون والوحدة طالما أن القانون يحمي الجميع ولا فرق في درجات المواطنة ولا تمييز في دهاليز القضاء والتعليم والثقافة والوظيفة وحق العمل، ولا إجراءات عبثية بطرد عشوائيّ متغابي لطالبي الاستثمار وفرص الإنتاج. وبعكسه سيكون للمظلومين والمقهورين مواقف اتجاه الظالمين والفاسدين وسارقي قوت الشعب وثروات البلد، ولن ترحمهم الأيادي الوطنية ولا العقول النظيفة ولا الأيادي النزيهة مهما تمادوا في الفساد وأوغلوا في الظلم واللصوصية وهدر المال العام والتفريط بحضارة البلاد وإرثها وتاريخها. كما لن يرحمهم التاريخ، بل سيكون مصيرُ العابثين بمصلحة الوطن وثرواته والناكلين بأهله الأصلاء، "البكاءُ وصريرُ الأسنان" حين تحكمُ ساعةُ الحساب العسير حيث لا ينفع بعدها ندمٌ ولا عفوٌ إذا زاد الظلمُ عن حدوده. وهذا ما يحصل في بلداننا الشرق أوسطية والإسلامية بصورة عامة، حيث طغيانُ الحكومات وفسادُ الساسة وجهلُ الحكّام هي التي تسود المشهد السياسيّ، ممّا له تأثيرُه السلبيّ على حياة المجتمعات عمومًا وزيادة في تدهور هذا البُعد النسيجي الذي يُعدّ من أساسيات بناء الأوطان والمجتمعات.
أمّا نحن في العراق، فقد تجاوزت زعاماتُنا كلّ الخطوط الحمر في التعسّف والفساد والظلم، فيما الشعبُ ينتظرُ ساعة الصفر لتلقى هذه مصيرَها، حيث حاوية النفايات والسحل بالشوارع، كما أفصح عنها على الملأ ساسةٌ وقياداتٌ في أحزاب السلطة عندما ثار الشارعُ في صحوته التشرينية في 2019. وماتزال ذات الجذوة ساخنة وحارّة سخونة الصفيح المحترق اللاّهب سخونة الصيف بسبب توجّه البلاد والعباد نحو المجهول وإلى ما لا تُحمدُ عقباه نتيجة لضعف الحكومة الحالية كما سابقاتها، واهتزازها وهزالتها أمام ضغط الأحزاب والكتل والفصائل والميليشيات التي تحكم قبضتَها على مقدّرات الدولة وسلطاتها الأربع وتفرضُ أجنداتها الولائية المرتبطة بمصالح الجارة الشرقية وتعزّز من سطوتها العميقة مع مرور الأيام وتوالي الأحداث غير السارّة. وكلُّنا شهودٌ على ذلك!
أزمة اجتماعية لا تبشّرُ بالخير 
مازلنا إذن ومنذ عقود خلت، نعيش أزماتنا الكثيرة بصبرٍ أحيانًا ورغبة في أخرى بإزالة كلّ هذه التجاوزات غير الوطنية وغير المقبولة مجتمعيًا عندما نشهد على انحلال المجتمع العراقي وطغيان شريعة الغابة في التعامل الاجتماعي بين المواطنين نتيجة تفشّي ظواهر سلبية كثيرة طالما كانت خارجَ حسابات مجتمعنا العراقي الملتزم أخلاقيًا وعائليًا وعشائريًا لحين تشويهه من الدخلاء والغرباء عنه بفعل فاعل عندما بيّتَ نواياه السيئة لأجل تدمير نسيج شعبنا المتعايش والمتآلف منذ القدم، إلاّ ما ندر. فقد غابت عن مجتمعنا في سابق السنين الكثيرُ من أشكال الفساد والإفساد في التعامل المجتمعي عندما كانت القوانين مصانة في أيادي أمينة تخشى من سلطة تنفيذها على كلّ مَن تسوّلُ له نفسُه العبث بمصلحة الوطن العليا أو تمسُّ أمنَه واستقرارَه وهيبتَه وسيادتَه. هذا مع عدم نكران حصول استثناءات أو تجاوزات هنا وهناك من بعض ضعاف النفوس وأصحاب العقول المريضة سواءً القريبة من مراكز القرار والسلطة أو من "الشقاوات" الخارجة عن قوانين المجتمع. كما لم يختبر مجتمعُنا المتماسك طيلة حقبِ السنين الغوابر شيئًا من إشارات التمييز في الدين والمذهب والطائفة والمكوّن، حيث كان الجارُ يجهلُ أصلَ وفصلَ جاره ونوع طائفتَه وانتماءَه العرقي والعشائري والسياسيّ. فهذا لم يكن من أخلاق العراقيين ولا من شيم العائلات الأصيلة بالدخول في الخصوصيات، وهي التي عرفت طريق التسامح والتآزر والتعاون والتزاور والتعايش من دون رتوش ولا قيود. فالسؤالُ عن مثل هذه الأمور الغريبة عن الأخلاق المجتمعية الأصيلة لم يكن مستحبًا البتة، إلاّ لدى الغرباء والدخلاء والطامعين في شيء أو القاصدين غرضًا غير مقبول في التعامل الاجتماعي الصحيح. قد لا تصدّقون عدم معرفتي الشخصية حديثًا جدّا بالطائفة التي ينتمي إليها زميلٌ لي حتى بعد أحداث 2003 بالرغم من عملنا معًا لأكثر من عشرين عامًا! فما يهمّ هو سلوكُ الإنسان وأخلاقُه وطبيعة علاقته الطيبة في العمل وتنفيذ ما مطلوب بكلّ دقّة وأمانة وإخلاص وصولاً لمصلحة الجميع. وغيرُ هذا وذاك، ليس من بين الاهتمامات الضرورية. فالآخر، و"إنْ لم يكن أخاكَ في الدّين، فهو أخوك في الإنسانية"، وهذا كفاية القول. كما أنّ "رأس الحكمة مخافة اللّه" في عباده. 
هكذا بعد السقوط الدراماتيكي في 2003 خصوصًا، ضاعت طبقات الشعب الأصيلة في بلادنا بين فساد وظلم وقهر الساسة وممثلي الشعب الذين فقدوا مع توالي الأيام ثقة مؤيديهم وناخبيهم، وبين تغوّل أحزاب السلطة وأدواتها على مسرح الأحداث في تغيير الملامح المجتمعية التي تطبَّعَ عليها المجتمع العراقي ومنها أخلاقُه العربية الأصيلة التي طبعت ثقافتَه وحضارته وتقاليدَه بين شعوب المنطقة. والقصد الواضح من هذه كلها تحطيمُ النسيج الاجتماعي وحرمانه من محاكاة غيره من الشعوب الراقية التي عملت حكوماتُها الوطنية الحريصة على تحصين مواطنيها بتطبيق القانون بالعدالة والمساواة والاحترام. وما زاد الطين بلّةً، اكتواءُ المجتمع العراقي بأسره أيضًا بنيران مروّجي الطائفية المقيتة من جهة والمحرّضين على التمييز العنصري الديني والمذهبي والإتني من جهة أخرى، ممّا كان له آثارُه البالغة في تفتيت عضده وإضعاف مقوّماته وتراجع قيمه وانحداره نحو الدركات السفلى والمراتب المتخلفة قياسًا بشعوب المنطقة والعالم. ومن المؤسف زيادة وتيرة مثل هذه النعرات الطائفية الانتقامية مؤخرًا واتخاذها مساراتٍ تأجيجية في الساحات والشوارع والطرق العامة على خلفيات افتراضية غير موثوقة المصدر وطائفية التوجّه، ما ينذر حقًا بصراعات طائفية ومذهبية قادمة يكون المجتمع فيها دومًا هو الخاسر الأكبر في النهاية.
هذا إلى جانب دخول آفة المخدرات من جارته الشرقية بشكلٍ واسع وبوسائل وطرق غريبة مبتكرة مدعومةً من جهاتٍ متنفذة في الدولة أو اللاّدولة، ترويجًا وتعاطيًا وتجارةً. وهذا ممّا أفقدَ مجتمعنا قيمَه الأصيلة ومصادر قوّته النابعة من طبيعة إرثه وثقافته وحضارته المشهود لها في التاريخ. فحين يفقد أيُّ شعبٍ نضارة أخلاقه وبريقَ حضارته وشعاعَ ثقافته الراقية ينزل إلى الحضيض ويصعبُ حينئذٍ علاجَه بالطرق الاعتيادية. وحينها لا ينفع إلاّ الكيّ، وهو آخر الدواء! واللبيبُ من الإشارة يفهم! فالبعدُ الاجتماعي بلا شكّ هو المقصد ألأساسيّ من وراء إغراق العراق بأزمات متلاحقة وإبعاده عن محيطه العربي والدولي والإنساني من خلال تحطيم أدوات العلم والتربية والتنشئة المنزلية والمدرسية أولاً، وتأجيل ووضع العراقيل أمام تطوره اقتصاديًا وماليًا وصناعيًا وزراعيًا كي يبقى أسير الاستهلاك ثانيًا، وتدمير قيمه الاجتماعية التقليدية وتفتيت شكل التعاطي الطبيعي بين مكوناته المتعددة التي تشكل صلة الرحم الوطنية الأساسية ثالثًا.

32
نساء أوربا بلا أطفال، كارثة ديمغرافية
لويس إقليمس
بغداد، في 15 حزيران 2021
نشرت مؤسسة روبرت شومان في واحدٍ من أعدادها السابقة دراسة قيّمة ألقت فيها أضواءً حول التركيبة السكانية في المجتمعات الأوربية وعزوف النساء عن الانجاب، ما يشكّل كارثة مجتمعية تلقي بظلالها على مستقبل الديمغرافيا السكانية في هذه القارة العجوز، التي لاحقتها هذه التسمية لهذه الأسباب وغيرها. وبحسب هذه الدراسة التي جرت في 2017 وجذبت انتباهي نظرًا للواقع الخطير الذي استعرضته، فإنّ "ما يقرب من ربع النساء اللواتي وُلدن في أوروبا في العقد الأول من القرن العشرين لم ينجبن أطفالًا"، حيث يُقدّر متوسط معدل الخصوبة في تلك الحقبة ب 23% بين النساء المولودات في 1900 مثلاً، مقابل معدل 7-10 % لصالح فكرة الإنجاب في الأربعينيات والخمسينيات، أي ما معدلُه واحدة من كلّ عشر نساء لم يكن لديهنّ أطفال. فيما ترتفع نسبة العزوف عن الإنجاب في نهاية الستينيات لتبلغ 15% في شمال أوربا و18% في غربها مع ملاحظة زيادة مقلقة في جنوبها في بداية السبعينيات لتصل إلى 25% من مجموع النساء لأسباب تتعلّق بسبل تأمين المعيشة والقوانين التمييزية بين الجنسين وغيرها من السياسات الأسرية التي ماتزال دون المقبولية في نظر نساء هذه القارة. وتدعم هذه المعطيات دراساتٌ معمقة عديدة أخرى قامت بها عدة جهات بحثية للتقصي، ومنها معهد فيينا للديمغرافيا "فيتجنشتاين" والأكاديمية النمساوية للعلوم والمعهد الوطني الفرنسي للدراسات الديموغرافية INED المتخصص في الدراسات السكانية وديمغرافيتها. وما يمكن ملاحظتُه منذ تلك الحقبة الحرجة ولغاية الساعة اقتصار الإنجاب في السنوات الأخيرة على أسرة صغيرة لا تتجاوز الطفلين، مع استثناءات في كنف العائلات الملتزمة دينيًا أكثر من غيرها والتي ترقى إلى احترام طبيعة الحياة التي أمر بها الخالق في بناء الأسرة عبر التكاثر الطبيعي ومشاركة كلٍّ من الرجل والمرأة في عمل الخَلق عبر الارتباط الأسري الشرعي الذي تقدّسه الأديان في عمومها.
كما تُظهرُ هذه الدراسة في جانبٍ من تحليلاتها قوّة الخصوبة لدى النساء الأوربيات والرغبة لديهنّ للإنجاب أكثر من الرجال. وبناءً على البيانات القيّمة المتاحة فيها والتي شملت دولاً أوربية عديدة، فقد لوحظ ضعف في سوق الزواج في فترة الحربين الكونيتين بسبب النقص في أعداد الرجال الذين انشغلوا بهما أو الذين فقدوا حياتهم أو هاجروا إلى بلدان أخرى لتأمين أرزاقهم، ما أحدثَ فجوة كبيرة في عدم عثور النساء والشابات على شركاء الحياة بهدف تكوين أسرة وبناء البيت العائلي. وهذا ما يفسّرُ حقيقة حصول زيادات مهمة في أعداد الولادات في الفترات بين الحربين الكونيتين وما بعدهما حين بدأ الاقتصاد بالانتعاش وعودة الماكنة الصناعية للعمل، ما مهّدَ للتفكير الجادّ بالإنجاب وزيادة أعداد الأسرة تعويضًا للنقص الحادّ الذي ضربَ القارة والعالم على السواء. وماتزال كلٌّ من بلغاريا والتشيك وروسيا في مقدمة البلدان الأوربية التي يمكن وصفُها بالفتيّة من حيث كثرة الإنجاب في صفوف نسائها، حيث تشيرُ الإحصاءات إلى اقتصار نسبة النساء غير الولودات أي مَن رفضن الانجاب لأي سببٍ كان، إلى 8% مقارنة مع المعدلات في بقية الدول الأوربية بنسبة تصل إلى 14%.. .. في المقابل، لوحظ انحسارٌ في الخصوبة في بلدان جنوب أوربا ولاسيّما في كلٍّ من إيطاليا واليونان وإسبانيا حيث وصلت النسبة 20% في بداية حقبة السبعينات مثلاً. أمّا في فرنسا، فهناك إشارات على انخفاض نسبة النساء اللواتي لا يفكرنَ بالإنجاب والتي لا تتعدى نسبة 3-5%. ويمكن إضافة نسبة 2-4% من النساء غير القادرات على الإنجاب بسبب العقم الطبيعي أو موانع أخرى تتعلق بالصحة العامة وما سواها من الظروف القاهرة.
حماية الأسرة
لقد كان للرعاية الاجتماعية التي تبنتها دول الغرب الأوربي وما رافقها من إجراءات الحماية للأسرة وتسهيل وسائل العيش والحياة بعد الحرب العالمية الثانية، الدور المهمّ في تغيير النظرة للإنجاب والابتعاد عن الأنانية لدى بعض الأسر التي انصبّ همُّها في فترة ما على العمل وتأمين العيش والراحة والمتعة الزوجية دن التفكير بغريزة الأبوّة التي تُعدّ ثمرة الزواج بين الرجل والمرأة. واستمرّ هذا لفترة سنوات وتحققت بعض الزيادة في الولادات عمومًا، لحين بروز واقع آخر جديد متعلّق بالسياسة والاقتصاد وكيفية تأمين العيش الرغيد بسبب التحوّل الوحشيّ باتجاه الرأسمالية، ما خلق حالةً من عدم اليقين في طبيعة السوق في المجتمعات الأوربية، ناهيك عن حالات من عدم الاستقرار في الحياة الاجتماعية للأسرة. حينها اختلّ التوازن بين مسؤولية رعاية الأطفال وهدف البحث الصعب عن وظيفة، ناهيك عن شروط العمل التي لم تُنصف المرأة العاملة، لحين تدخّل النقابات والمنظمات لصالحها، ما هيّأَ لها مساحة أكبر من الحرية للتفكير بالإنجاب ولرعاية الأطفال.
هنا يمكن الإشارة إلى حقيقة قائمة بين دول شرق أوربا وغربها ايضًا في مسألة الخصوبة لأسباب عديدة أخرى يمكن أن تُضاف إلى مسألة شروط العمل غير المنصفة أحيانًا والبحث عن وسيلة لكسب الرزق وتأمين الحياة، وهي تكمن في معاناة إضافية ترافق مسألة الإنجاب عندما يتعلّقُ الأمر بكيفية تربية الطفل بغياب الأم المرتبطة بالعمل. فالعملية مكلّفة للزوجين معًا، لاسيّما الزوجين المتعلّمين حيث ظروف التعليم تفرض عليهما الابتعاد عن الالتزام بمسألة الإنجاب أو تأخيرها قدر المستطاع. وأحيانًا يتمّ تفويت الفرصة بالإنجاب بسبب مثل هذه المبرّرات أو شكل هذا التأجيل. ويمكن ملاحظة زيادة في أعداد النساء المنخرطات في مؤسسات تعليمية أو وظيفية عليا أخذت منهنّ الوقت والجهد لغاية رفض التفكير اساسًا في مسألة الإنجاب وبناء البيت الأسري الذي يُعدُّ من أركان بناء المجتمع وديمومة بقاء المجتمعات متماسكة ومتكاثرة ومتوارثة. ومن الدول التي تأثرت بهذه الظاهرة، كلٌّ من ألمانيا والنمسا وسويسرا أكثر من غيرها، ما حثّ حكوماتها للتدخل وإيجاد أجزاء الحلول بهدف التقليل من تأثير الضغوط على المرأة العاملة التي تفكرُ بالإنجاب من خلال تطوير سياسات رعاية الأطفال والنظر في مسألة تيسير الإجازات عن العمل لفترة معقولة تتيح لها الوقت المتاح لرعاية الطفل من دون ضغوط أو إجحاف بحقوقها المشروعة في الأمومة الكاملة. وكل ذلك بهدف التوفيق بين شروط العمل وواجبات البيت التي تتطلبها رعاية الأطفال.
قوانين وأنظمة ولوائح مقيِّدة
لا تقتصر أسباب العقم أو الرغبة الشاردة الّلاأبالية في عدم الإنجاب على واقع حال الزوجين أو خيارهما التوافقي في شكل بناء بيتهما الأسري بقدر ما يتعلّق ذلك بجملة من الاشتراطات والظروف المعقدة أحيانًا من التي تفرض واقعَها على طبيعة حياة الزوجين، ومنها بطبيعة الحال ما يتعلّق بالتطلعات الشخصية والظروف الاقتصادية التي تحيط بهما بشكلٍ أدقّ. وهذه مسألة غاية في الأهمية في ضوء الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي تتعرض لها بلدان العالم أجمع، ولا تقتصر حصرًا على قارة أوربا لوحدها. وحيث إنّ مثل هذا القرار يرسم طبيعة العلاقة بين الشريكين، فإنّه يفترض أيضًا البحث عن الشريك المناسب بقناعة الخيار المتخَذ بين الطرفين في مسألة الاتفاق على الإنجاب من عدمه وكذلك في تقرير حجم الأسرة وفقًا للمعطيات البيتية وطبيعة ظروف الأسرة قبل تكوينها. وربما تكون هذه المرحلة قبل الارتباط من أسس الاتفاق بين الشريكين المفترضين قبل تقرير مسألة الزواج والارتباط الزوجي لما له من أسس اجتماعية وشروط يفرضها أحيانًا الواقع الاجتماعي والمجتمع الذي يختلف من مجتمع لآخر ومن بلدٍ لغيره.
موضوع الإنجاب
من الأسباب والظروف التي تقف عائقًا أمام موضوعة الإنجاب تتعلّق بالقوانين الوضعية وشكل الأنظمة واللوائح التي تصدر من الجهات الرسمية في أية دولة بهذه الخصوص. ولعلَّ واحدًا من هذه يتعلّق بسوق العمل وما تواجهُه طبيعة هذا السوق من تحدٍّ بشأن بلوغ الوظائف غير المستقرّة والمحفوفة بشتى المخاطر التي تواجهُ طالبي العمل، سواءً في مواقع القطاع الخاص أو الحكوميّ. يُضافُ إليها، كما أوضحنا في السطور أعلاه، شكل وطبيعة السياسات المجتمعية التي تخصّ بناء العائلة والمقتصرة تحديدًا في أحيانٍ كثيرة على شكل المساعدات الضعيفة التي تقدمها الحكومات في موازناتها السنوية المحدودة للعائلات والتي بالكادّ تُؤمّنُ وتوفّرُ الحدّ الأدنى من الاحتياجات اليومية المتزايدة يومًا بعد آخر بسب طبيعة التحديات الكثيرة والأزمات المتلاحقة وطنيًا وعالميًا. وهذا ممّا يُصعّبُ القرار بتبنّي فكرة الإنجاب أساسًا لدى الشركاء قبل ارتباطهما رسميًّا. هذا علاوة على لوائح وأنظمة تزيد من تعقيد أوضاع المرأة العاملة بفرض ساعات طوالٍ من الدوام في مؤسسات ودوائر عامة أو خاصة لا تتلاءمُ عادة مع طبيعة الأم الحامل أو الأم المرضعة من حيث إفساح المجال أمامها للتمتّع بامتيازات تليق بأمومتها أو في فترة حملها قبل الولادة، ممّا يجعلُها تخشى فقدان وظيفتها لهذه الأسباب المنطقية. ناهيك عن فرض الرجل ذكوريتًه في الكثير من الأحيان على شريكته بتحميلها العبء الأكبر من مسؤوليات البيت الأسري وتهرّبه من جزءٍ من المسؤوليات التي تفرضها شراكة البيت الأسري بين الرجل والمرأة. وبالرغم من التفاهم القائم في احترام هذا الشقّ المهمّ في الحياة الزوجية في المجتمع الغربي أكثر من غيره في مجتمعات أخرى مختلفة كالمجتمعات الشرقية عادة، إلاّ أنّ مثل هذه الحالات ليست محرّمة الحصول حتى في أوساط البلدان المتمدنة والمنفتحة مثل أوربا. وهذا ممّا يؤشّرُ ارتفاع نسب الأسر غير الراغبة بالإنجاب في صفوف دول جنوب أوربا في العموم والتي تشهد أكثر من غيرها حالات انتهاك وتعنيف ضدّ حقوق المرأة وعدم مساواة جندرية في المشاركة المطلوبة في تقاسم أعباء البيت الأسري.
هناك مَن يتوقع انصياع هذا الجزء من أوربا أيضًا والتحاقَه بما شهدته مجتمعاتُ دول شمال وغرب ووسط وشرق أوربا عمومًا من حيث يُسر تطبيق حزم القوانين والأنظمة التي تسعى لتقليص الفرق بين حقوق الجنسين على أساس المساواة بينهما كما تتطلبُه لائحة حقوق الإنسان. فالجهود حثيثة لتحسين أوضاع المرأة العاملة ومنحها مزيدًا من الحقوق، لاسيّما في حقّها بالتفكير بالإنجاب لما له من فوائد في استمرار الولادات وتأمين القوى العاملة لمستقبل بلدان القارة والحدّ من التغيير الديمغرافي الزاحف بقوّة والذي يخشى منه السكان الأصليون، فيما لو بقيت أوضاع النساء من دون مراعاة ولا تشجيع على الحمل والإنجاب لتجديد النسل وتأمين البشر. وهذه حكمة الخالق القدير بارتباط وثاق الجنسين ضمن مفهوم الزواج الذي من ثماره إنجابُ الأطفال وتكوين الأسرة.
نخلص من التقرير أعلاه، من أنّ ما يعادل ربع نساء أوربا ممّن وُلدن في العقد الأول من القرن العشرين عشنَ حياتهنّ الزوجية بلا أطفال. ثمّ سرعانَ ما تراجعت هذه النسبة في العقود التالية لتقف في حدود معدّل امرأة من كلّ عشر نساء رفضن الإنجاب في بداية عقد الأربعينات والخمسينات. لكنها ازدادت مرة أخرى في بداية عقد الستينات لتصل معدلات رفض الإنجاب للنساء المولودات في نهاية عقد الستينات إلى 15% في بلدان شمال أوربا و18% في بلدان غربها. وبقيت معدلات عدم الإنجاب المؤشرة في حقبة مواليد نساء السبعينات في جنوب أوربا في حدودها العليا، تمامًا كما كانت عليه في العقد الأول من القرن المنصرم، أي واحدة من كلّ أربع نساء بقين خارج حسابات الأمومة للأسباب المؤشرة في أعلاه.

33

تأوين الممارسات المعتقداتية أفضل الخيارات
لويس إقليمس
بغداد، في 20 آذار 2021
في ضوء نضج العقل البشري باتجاه تقييم رؤاه الإيمانية وممارساته "التدينية" وسط المجتمعات، بات ينظر الكثير من الحداثويين والمتمدنين إلى ما يجري في حياة المجتمعات الشرقية، والمسلمة منها على وجه واسع من ممارسات وسلوكيات، بكون الكثير من هذه ومن مثيلاتها قد أصبحت أدوات شبه عقيمة لا تقدّم بقدر ما تؤخر وتقف حائلاً دون فهمٍ وإدراكٍ لأهداف الدين، أي دين أو مذهب. فالفِرَقُ والأحزاب التي اتخذت من الإسلام السياسي وصوره البانورامية الطقوسية الجدلية المستندة لماضٍ سحيق والنابعة عن الرؤية العبثية في تقديس الأشخاص أو غيرها من المسميات المعنوية الغريبة القائمة هذه الأيام، قد أصبحت تشكل عائقًا كبيرًا في قبول تأوين وسائل تلقين التعاليم الدينية وممارساتها وفق مناهج واقعية تتعاطى مع تطور العصر ومقتضيات الحياة المتمدنة. والسبب الأكثر تفسيرًا وترجيحًا لهذا الرفض بالحداثة والتأوين وإعادة التقييم يُنسبُ إلى خشية دعاة هذا المنهج من أية ملامح إصلاحية قد تعصفُ بطموحاتهم وتحدُّ من قدراتهم في إبقاء السطوة الطاغية على مريديهم وأتباعهم ورعاياهم الذين اعتادوا على مسايرة توجيهات مراجعهم وزعاماتهم الدينية والحزبية والعشائرية بحجة طاعة أولي الأمر طاعة عمياء مهما كانت الأسباب والدواعي والظروف. وهذا انتقاص واضحٌ من حرية الفرد في التفكير والتعبير والمعتقد.
لعلّ السبب الأساس في كلّ هذا، نابعٌ من التمسّك بأهداب الماضي الذي إن كان يصلح قبل ألف عامٍ ونيّف أو أكثر أو أقلّ، فهو لم يعد صالحًا في وقت بروز عصر الذرة والعولمة والتكنلوجيا المتقدمة والتطور الرقمي الحديث في حياة الأمم والشعوب. بل يرى البعض أن شكل هذا التحزّب والتمسّك والتشدّد بأهداب الماضي بما له وما عليه من دون تحديث ولا تمحيص ولا تطوير عملي ولا مراجعة فكرية صائبة لفرز الصالح من الطالح والنافع من ضارّه، كفيلٌ بغرز منهج غير مستقرّ ورافض لأية محاولات للتصحيح والتعديل في السيرة وقبول النقد بغاية الإصلاح وكأنه كأسٌ مقدّس لا يمكن المساسُ به. في حين أنَّ الدينَ وتعاليمه وتوجيهاتِ مرجعياته "الرصينة" "المعتدلة" "الحداثوية" من دون تعيين ولا تمييز، ينبغي أن تكون لصالح الإنسان وليس الإنسان لصالحها. ولنا في هذا أفضل قول سديدٍ للسيد المسيح حين انتقده الفريسيون بسبب قيام تلاميذه بقطف سنابل الزرع في اثناء سيرهم يوم السبت "المقدّس" لدى اليهود. فلمّا عرفَ أفكارَهم نهرَهم بالقول: " السبتُ، إنّما جُعل من أجل الإنسان، لا الإنسان من أجل السبت" (إنجيل مرقس 2:27). فحاجة الإنسان أهمّ من أية مظاهر فارغة وغير منتجة. وهذه هي فلسفة الحياة بالدعوة لصناعة الحياة وضروراتها وليس بتقديس ما حصل في التاريخ الذي تُطمسُ (بضم التاء) ذكرياتُه حتى لو لم يكنْ عقيمًا. فالإنسانُ يبقى قلبَ الحدث مهما قالَ التاريخ وتحدثت الجغرافيا!
في هذا السياق أيضًا، لعلَّ أفضل ما فطنَ إليه بابا الفاتيكان في أحد أحاديثه ولنفس السبب، وهو يخاطبُ أوربا مجتمعة مستذكرًا تاريخَها وقيمَها، أنه حذّرَ من مرحلة عدم اليقين ومن مخاطر الانجرافات الفردية في التعلّق بما أسماه "ألبوم الذكريات" والاستعانة عوضه بنظرة موضوعية قادرة على بناء مستقبل حيّ وفاعل يمكن تقديمه للعالم أجمع. وليس غيرُ التضامن كفيلًا بتأمين الفسحة الحقيقية بين الشعوب، لاسيّما في عصرٍ تزداد فيه التحديات من حروب وأزمات وأشكال تمزّق وانقسامات وأوبئة تهاجم العالم أجمع بضراوتها التي يصعب التحكم بها بالرغم من تطور وتنوع التقنية الحديثة التي وقفت خجلة أمام كلّ هذه المشاكل والأزمات. وهذا ما يتطلّبُ اكتشاف سبلٍ جديدة ومثمرة لصناعة الحياة وعيش تفاصيلها الإنسانية بشكلٍ أفضل وأنجع، ليس بالعودة إلى الماضي البائد في محتواه وعناصره الضعيفة، بل بالاستفادة من دروسه المثمرة واكتشاف دروب سديدة أكثر منفعة للبشرية ولشعوب الأرض بحيث لا تخرج عن نطاق التعاون والتضامن والتآزر وما فيه من قيمٍ إنسانية عليا. وقد أسماه بابا الفاتيكان ب"درب الأخوّة" الذي وحده كفيلٌ بتأمين سبل السلام والسلم الأهلي والتوحد لصناعة حياة أفضل للبشرية جمعاء.
لا مجالَ للتشدّد والراديكالية
لقد أطلقت جائحة كورونا صافرة الإنذار بضرورة استعادة الدول والشعوب زمامَ المبادرة بإجراء تقييم إنسانيّ شامل للأزمات التي أحدثتها والتي لم تعد تنفع معها سمةُ الانفرادية والتشدّد والانعزالية والانفصالية في اتخاذ القرارات المصيرية وإدارة شعوب الأرض أو التحكم بها وفق أمزجة عبثية مختلّة. فالجائحة والأزمة التي خلقتها، إنّما هي عابرة للقارات والدول والشعوب. وفي حين لم تنجُ منها أية أمة أو دولة أو مجتمع أو فئة، فتلك رسالة تنذر بأسوأ ما يمكن أن يكون أو يحصل. وهذا الوضع غير المستقرّ في حياة شعوب الأرض خيرُ مناسبة وأفضل زمن لإعادة تقييم الأوضاع والقرارات وتهيئة الرؤى نحو مستقبل أفضل للبشرية ككلّ من حيث تجديد وسائل الإيمان والمعتقدات ونبذ أية مسحة مائلة إلى التشدّد والتطرّف في المواقف والمظاهر التقليدية الاستهلاكية غير المجدية، ومنها الإصرار والثبات على ممارسات ومظاهر لم تعد قادرة على خدمة الإنسان وتقديم ما يُصلحُ حالَه ويؤمّنُ حاجاته المتزايدة. فلنترك الماضي حائرًا بشخوصه وأحداثه، في ذات الوقت الذي يمكن للعالم أن يكتشف حاجاته المستقبلية في ضوء حاضره المنهك بالهموم التي جعلته أسير تلك "الذكريات" التي أصبحت من الماضي. فالعودة إلى زمن الماضي ضياعٌ للوقت والجهد في زمن يركض أسرع من البرق إلاّ فيما يمنح فرصًا أفضل لتقييم الأوضاع وتصحيح المسارات وإصلاح الذات ومصائر البلدان ووضعها في خدمة البشرية المتألمة.
بذلك نقول، لا مجال بعدُ للعودة إلى ذلك الزمن الذي ولّى لفقده سمة الضرورة، إلاّ بالاستفادة من دروسه وعبرهِ، وذلك بسبب ضياعه في متاهاتٍ ساهمت بشكلٍ أو بآخر في تخلّف أمم وثقافة شعوب كان يُفترض بها إدامة زخم زهوها وتقدمها ورفعتها فيما لو رفعت راية التأوين والتطوير والانفتاح في أفكارها وممارساتها الطقوسية المتنوعة وفي رؤيتها الصحيحة لحقيقة مَن ترفعهم إلى درجات "القداسة" وتمنحهم سمة "القدسية" بدون مسوّغ. ولو أدركت زعاماتُ العالم، ومنها الدينية التي تمسّ منطقتنا وشعوبَنا، وتفحصت العبرة بضرورة مراجعة الماضي، لأدركتْ قيمة ُ"الحاجة إلى الحقيقة" وشكل "العدالة الاجتماعية" التي أثارتها حضاراتُ شعوبٍ وبلدان متطورة وسياساتُها الحديثة المعاصرة التي عرفتْ طريقَها إلى التقدم والتفاؤل والتطور في كلّ مفاصل حياتها عبر حداثتها وتأوينها لحاجاتها المعتقداتية وفق الظرف والحاجة. وهذا ما حصلَ ويحصل لشعوبٍ أسدلت الستار على اية خبراتٍ سلبية ماضية أعاقت تقدمها وتطوّرَها، بعكس شعوبِ منطقتنا ومن دون تمييز في الدين والمذهب، ولاسيّما المتشدّدة منها والماضية بإبقاء ذات المفاهيم الدينية المتخلفة من دون إعمال العقل والقناعة، وإدامة زخم مراسيم وطقوسٍ استهلاكية لم تعد تنفع ولا تساير الزمن في أدواتها وأشكالها.
لقد أسهم مثل هذا الواقع غيرِ المستقيم ببروز أدعياء وأتباع صار لهم منهجٌ في فرض صفة "القداسة" و"القدسية" حتى على أشخاصٍ أو مؤسساتٍ أو أحزابٍ أو مسميات معنوية أو فئاتٍ القصدُ منها إبعادُ الشبهات عن سلوكيات هذه أو هؤلاء، والسعي لتوفير أقصى درجات التغطية والحماية على أدائهم وتأمين مواقفهم ومواقعهم ومناصبهم من أية انتقادات في مسيرتهم المتعثرة. وكلُّ ذلك يحصل باسم الدين والطائفة وبدعم من مرجعيات جدلية غير رصينة تحولت معظمُها إلى أدوات ساعية للاستثمار التجاري والدعاية في كلّ شيء أو بتحوّلها إلى مكاتب اقتصادية لجمع المال بأية حجة وأيّ عذر باستخدام الدين وسيلة. وما الإصرار من جانب أطراف تدّعي الولاء والخدمة والعشق الأزليّ للأئمة، وتشدُّدهم على إبقاء بعض مظاهر الطقوس غير الحضارية، سوى باب من أبواب الرضوخ لدعاة تقديس الأشخاص والأفراد والجماعات واتخاذها سبيلاً لبلوغ أهداف تجارية وأخرى سياسية بعيدة عن الوازع الإيماني والمعتقداتي الصحيح. وهذا جزءٌ لا يتجزّأ من مفهوم التشدّد والراديكالية المستخدمة في إدامة تدوير هذه المظاهر، والذي ينبغي معالجتُه وتعديلُه والنظر إليه باعتباره شأنًا غير مقبول في الزمن المعاصر الذي تغيرت فيه المفاهيم والقيم والرؤى تحقيقًا للعدالة الاجتماعية واحترامًا لباقي الأطراف الشريكة في الوطن والإنسانية.
إنَّ مَن يريد اليوم في مجتمعنا العراقي تحقيق حاكمية الله على الأرض بأية وسيلة أو محاربة الخارجين عن الملّة بحجة تحقيق الشرع، لا يختلف في رؤيته وسلوكه عمّن قتلَ وسبا واغتصبَ ودمّرَ وأحرقَ من دواعش الدولة الإسلامية إبان احتلالهم لأكثر من ثلث أرض العراق وتدنيسها بأفعالهم الشنيعة والمرفوضة بكلّ المقاييس والمعايير من جميع الأديان السماوية والشركاء في الوطن. فأولئك فعلوا ذلك أيضًا باسم الدين وحفاظًا على ما ادّعتهُ زعاماتُهم بالخروج عن الموالاة وبحجة حماية الدين والمذهب انطلاقًا من فكر راديكالي متشدّد. وفي الحقيقة كان الغرض الأخير منه توطيدَ سلطانهم وتبريرَ مظالمهم وتحقيقَ أطماعهم.
من هنا، وضمن ذات المعايير، لا يختلفُ عنهم مَن يُصرُّ اليوم على إبقاء ذات المظاهر الاستهلاكية وذات السلوكيات العنفية الرعناء لتحقيق هذه الحاكمية غير المقبولة التي يتضرّرُ منها الغيرُ المختلف عنهم ويتحفّظُ عليها الشريكُ في الوطن وتبقي حركة البلاد وإدارتَها شبه مشلولة ومضطربة. فإنزال القصاص في أشكالٍ من العنف غير المبرّر ومحاربة أصحاب محلات بيع الخمور المجازة رسميًا أو غير المجازة منها في هذه الأيام الأخيرة، كلُّها من مظاهر العنف غير المبرّر لكونها تحدث خارج نطاق القانون والدولة التي وحدها كفيلة بمؤسساتها الرسمية معالجة أي خرقٍ أو خروجٍ عن الآداب العامة والقوانين النافذة. وهذا جزءٌ من سيادة الدولة وبقاء هيبتها منتصبة في نظر المجتمع والأمم والشعوب. وأيّ انتقاصٍ من هذه الهيبة وهذه السيادة من شأنه أن يطيح بمصير شعبٍ بأكمله ويُسقط رهان الوطن إذا انتصر العنف على المحبة والرفق وطغا القتل على الرحمة والألفة وسادت الفوضى على القانون وتطبيقاته الدستورية. وما أحوجنا اليوم إلى ثقافة المحبة واحترام الآخر!

34
أوربا أفضل القارات للنساء
لويس إقليمس
بغداد، في 30 حزيران 2021
من طبيعة النفس البشرية أن تولي اهتمامًا خاصا بالنساء، بشكلهنّ وتكوينهنّ وجمالهنّ ووظيفتهنّ وجاذبيتهنّ الأنثوية وطبيعة سلوكهنّ ونظراتهنّ وحتى في مشيتهنّ وملبسهنّ ومأكلهنّ. فهنّ أفضل خلق الله في كلّ هذا وذاك، وهنّ الوجه الحسن للسعادة حين يكملنَ دورة الحياة وتمتزج هذه الحياة مع الماء والخضرة والعشرة الحسنة الطيبة دون استغلال لكلّ صفاتهنّ الرقيقة المعروفة بهنّ عمومًا ومن دون تخصيص. فالخالق الذي صنع حواء من ضلع آدم لترافقه وتسعده وتشاركه الجنّة بحلاوة ثمارها ونظارة أرضها وجمال طبيعتها، قد أجاز لها أيضًا أن تكون شريكة للرجل في كلّ شيء وان تتساوى معه في الحق في الحياة والعمل والإبداع. لا بل قد جاد عليها بأفضل ما في الخليقة وهي مشاركة الخالق في الخلق بنعمة الإنجاب التي لا يقوى عليها الرجل. وبذلك يكون الخالق قد حباها بنعم أكثر من الرجُل الذي وهبه هو الآخر نعمة مميزة وبما يعين المرأة على الحمل والإنجاب وملء الأرض بنينًا وبنات لمجد الله ونماء البشرية وتطورها نحو الأفضل.
قد تختلف نظرة البشر من منطقة لأخرى ومن دين لآخر ومن مذهب لغيره حول المرأة بحسب الثقافات والعادات والتقاليد والأعراف والقوانين. ففي أوربا التي تُعدّ أفضل قارة من حيث احترام حقوق المرأة وتمتعها بمساواة مع الرجل في معظم المجالات وسط مجتمعاتها المتنوعة، نجد هذه الأخيرة في تطور متواصل وباتجاه تنميةٍ وتقدمٍ في مسارات الحياة المتنوعة على غيرها من شعوب القارات الأخرى. وهذه الحالة يمكن الاعتداد بها عالميًا. بل هي نابعة من الفكر الغربيّ المنفتح على الدور المهمّ الذي تضطلع به المرأة بغضّ النظر عن أصلها ونشأتها ووظيفتها. فالمرأة شيء مقدّس عند الإنسان الغربيّ لا يمكن إلغاء دورها وحقها في المساواة مع رفيقها الرجل أو السماح بتعنيفها أو الاستخفاف بطاقاتها وقدراتها التي توازي في الكثير منها قدرات الرجل إن لم تتفوق عليه في بعضٍ منها. بطبيعة الحال، هناك استثناءات لحالات لا تتوافق مع طبيعة تريبة جسدها الناعم ورقتها المألوفة قياسًا مع هيئة الرجل. وهذا ليس من داعٍ للخوض به، لأنه لا يقدّم ولا يؤخّر من حقيقة واقعها ووضعها العام في القوانين الوضعية والتشريعات التي يسنّها الغرب تقديرًا لكفاءتها واحترامًا لقدراتها ومساهمتها في بناء أطر الدول التي تعيش في كنفها. والمرأة الأوربية هي مدعاة دائمة للفخر وإثبات الذات ونموذج يُحتذى به في كل دول العالم.

أوربا جنّة النساء على الأرض
صدقَ مَن وصف أوربا بجنّة النساء على الأرض. فقد ساعدتها آراء الرجل الأوربي المتحررة والفكر الليبرالي المستمدّ من مفكريها وكتابها وفلاسفتها وبالأخصّ خروجها عن شرنقة الكنيسة وولاية رجال الدين عليها وعلى حريتها، كي تكمل دورة الحياة وتثبت ذاتها بفعل إرادتها الصائبة ونزولها إلى معترك الحياة بقوة. فجاءت مساهمتها في إدارة مؤسسات الدولة وتنمية القطاع الخاص متوازية مع حاجات المجتمع إلى دورها الرائد بما تمتلكه من فكر ودراية وطول باع وبما تكتنزه من قدرات تدريبية ومعرفية سريعة في سوق العمالة وفي تسيير العملية الإنتاجية في المعامل والمصانع، بأدواتها الثقيلة والمتوسطة والخفيفة. فهي من جهة، لا تعبأ بالمصاعب ولا تدع طبيعة العمل تقف حائلاً دون تمكينها من كسب المهارات والإبداع وتحقيق أفضل النتائج. وهذا شأن الكثير من النساء المبدعات في هذه القارة اللائي عزّزن من مواقعهنّ في فنّ الإدارة والمناصب العليا التي كانت حكرًا على الرجل، وذلك بفضل ما أبدته المرأة الغربية من براعة ومهارة ودراية في المواقع التي تسلّقتها.
نظرة إلى واقع المرأة اليوم، نجدها حاضرة وبقوّة في مواقع متقدمة في المنظمات الدولية والمؤسسات الوطنية ترأس لجانًا ودولاً وحكومات وإدارات عامة، ناهيك عن تواجدها في المعامل والمصانع وورش صناعية وزراعية ومكاتب تجارية وشركات عامة وخاصة. بل تُعدّ أوربا أكثر قارة في العالم تديرها نساء كفوءات ومبدعات. ولو أحصينا المَلكات والكفاءات النسائية التي تحكم دول العالم، لرصدنا أن نصفهنّ أو ما قارب ذلك قادمات من أوربا أو منتميات لهذه القارة. وهذا يعطي مفهومًا بمساحة الاحترام والتقدير والاعتراف التي توليها أوربا والغرب عمومًا لدور المرأة في الحياة والذي لا يقلّ أهمية عن الرجل الذي مازال قابضًا بيديه العنيدتين دفة الحكم والإدارة في المجتمعات المتخلّفة ومنها منطقتنا الشرق-أوسطية التي تأبى التقاليد والعادات والأعراف الدينية البائدة الاعتراف بدور المرأة الشرقية وبقدراتها البشرية وطاقاتها الإنسانية والإبداعية إذا ما توفرت لديها الفرصة للتعبير عن الذات.
صحيحٌ أن المرأة في المشرق العربي وعدد من البلدان الإسلامية قد شهدت بعض التقدم، فصارت وزيرة ونائبة واحتلت مناصب إدارية سواء بفضل كفاءتها أم بدعمها من كتل وأحزاب السلطة، إلاّ أنّ ما تلقاه من معوّقات وما تصادفُه من مصاعب ومن عثرات أمامها تكاد تكون كارثية. فهي لا تجرؤ لغاية الساعة، إلاّ ما ندر، كي تخرج بحريتها وتعبّر عن آرائها وتكشف ما تريد قوله بكلّ حرية ومن دون إحراج. فهي في كلّ الأحوال ما تزال خاضعة في العديد من جوانبها وأنشطتها للرجل، سواء في المنزل أم في المؤسسة التي تعمل لصالحها أم لصالح الكتلة أو الحزب الذي يطوّعها ويملي عليها ما ينبغي قوله سواء للإعلام أم في المحافل الوطنية والعامة. وهذا انتقاص من كرامتها وعزة نفسها وعدم إقرار صريح بقدراتها وحرية تعبيرها ونشاطها وفكرها.

لا مجال للمقارنة
لا أريد إجراء مقارنة للمرأة الشرقية مع نظيرتها في الغرب، بقدر ما أودّ التأكيد على حرية كل إنسان في التعبير عن مواقفه وعن رغباته وإرادته. ففي الوقت الذي نجد المرأة الغربية تبتعد أكثر عن أجواء المنزل بحثاً عن وظيفة أو مهنة تؤمّن لها نفقات الحياة الصعبة في بلدان الغرب عمومًا، نجدها في المقابل تهمل دورها البشري في الطبيعة كأمّ منتجة ومتوالدة للحياة من أجل ديمومة هذه الحياة في هذه القارة العجوز التي ابتعدت عن مهمّة الإنجاب وتوالد البشرية بحسب مشيئة الخالق الأساسية. وهذه نقطة ضعف المرأة الغربية التي لا تقدّر هذه النعمة الكبيرة التي أحالتها جانبًا حتى عمر متقدّم قلّما يسمح أو يتيح لها الإنجاب بعد تقدم العمر وفوات الأوان. وهذا أحد الأسباب التي حثّت وشجّعت دولاً غربية ومنها أوربا لاستيراد البشر من دول ومناطق أخرى من العالم تعاني من التخلف والفقر والحاجة والجوع كي تستثمرها في تسيير ماكنتها الاقتصادية والإنتاجية والخدمية. فصارت وعاء للهجرة الشرعية وغير الشرعية، ما قلب الحاجة هذه إلى مأساة ومشكلة وأزمة مهاجرين عالمية في السنوات الأخيرة. 
بالمقابل، نلاحظ كثرة الولادات في العالم الشرقي والإسلامي بصورة خاصة. وهذا بفضل المساحة الشخصية التي تتيحها الأعراف القائمة المستندة إلى العرف العشائري والقبلي والديني بكون "الزواج نصف الدين"، وإلى القوانين الوضعية والشرعية التي تشجع إتمام أشكال الزواج وتعدده من دون محدوديات لدى بعض المذاهب. وقد أسهمت هذه جميعًا، إضافة لأسباب غيرها مثل تنامي البطالة وشيوع الجهل والأمية والبطالة في السنوات الأخيرة، بزيادات انفجارية في بلدان الشرق التي تفتقر أصلاً إلى استراتيجات للتخطيط السكاني والحضري، كما يحصل في العراق على سبيل المثال. ولا بدّ من ملاحظة ما أنتجته هذه الزيجات غير الرصينة وغير المتكافئة في العديد منها، من مشاكل ومآسٍ على طرفي المعادلة، فكثرت حالات الطلاق وتعرضت أسر بأكملها للانفكاك والانحلال. وكانت من نتائجها، زجّ هذه الأسر أنفسها أو لأبنائها في متاهات الشوارع والساحات والأماكن العامة للعمل في استجداء المارة وأصحاب المركبات وخروج العديدين منهم عن سواء السبيل للعمل في أعمال غير شريفة وفي مجال الدعارة والكسب الحرام. وهذا بطبيعة الحال قد جعل من هذه الحالة ظاهرة مستعصية تحتاج لجهود كبيرة وكثيرة من أجل إعادة أخلاقيات المجتمع العراقي إلى طبيعتها الوطنية والحضارية وبما يكفل حقوق جميع المواطنين، ومنهم مساواة المرأة مع الرجل ورفع كافة القيود عنها ومنحها مساحات من الحرية والحركة وإمكانية التعبير عن نفسها بالقبول أو الرفض في مسألة الارتباط الأسري واختيار الشريك المناسب من دون تدخل عشائري أو أسري وتحاشيًا لأية ضغوط أخرى خارجية من شأنها التأثير على قرارها وتقييد حريتها في المأكل والملبس والخروج والزواج والإنجاب والوظيفة وما سواها ممّا تحتاجه الحياة من حرية للتعبير عن الإرادة التي أحلّها الله الخالق في حياة كلٍّ من الرجل والمرأة على السواء. ومراجعة بسيطة للإحصائيات التي تصدرها المحاكم المدنية في عموم العراق بخصوص حالات الطلاق المسجلة كفيلة بتوضيح آثار هذه المشكلة. هذا إذا استثنيا الحالات الكثيرة التي لا تحصى التي تجري خارج هذه الدوائر الرسمية.
تبقى المرأة الغربية بتطلعاتها وقدرتها على التعبير عن إرادتها وإمكانياتها الفردية هي النموذج الذي يمكن الاحتذاء به في أوساط الجنس الأنثوي الرقيق في بلدان شرقنا ومنه العراق. فقد أثبتت قدرتها على مجاراة الرجل في الإدارة وفي المساهمة بمواجهة التحديات الحياتية الكثيرة وفي إلهام غيرها من نساء شعوب العالم ومنهنّ في العراق. فالماجدات العراقيات المتحرّرات المؤمنات بالليبرالية والحرية الشخصية والواثقات بقدراتهنّ في إثبات الذات والكفاءة، أثبتن في مواقف كثيرة أنهنّ على قدر وافٍ بالمسؤولية والوفاء بالأمانة. وما أكثر ما شهدتُ شخصيًا من أمثال هذه النخب التي لا تتوانى في الدفاع عن حقوق زميلاتهنّ وزملائهنّ وبما يحفظ الأمانة الوطنية والإنسانية التي في أعناقهنّ. فهنّ الزوجات وهنّ الأمهات وهنّ المربيات وهنّ المعلّمات وهنّ طالبات العلم والثقافة والمدافعات عن حقوق الإنسان والحريصات على بناء الوطن والمواطن وهنّ السائرات في طريق التضحية والشهادة والخدمة من دون مقابل في أحيان كثيرة. وستبقى المرأة هي المحرّك الفعلي للعالم إذا أُتيحت لها فرصة الإبداع وحرية الفعل والحركة.





35
ألتشرينّيون إلى أين؟
لويس إقليمس
بغداد، في 22 حزيران 2021
بين متفائلٍ لحدّ النشوة والثقة ومتشائمٍ لحدّ اليأس والإحباط تتراقص كالسراب المجهولِ العنوان أحلامُ العراقيين بكلّ مشاربهم وطوائفهم وتوجهاتهم الدينية والعرقية والطائفية. فوسط ما يجري من انتكاسات متكرّرة على الصعيدين الأمني والسياسيّ المضطربَين بسبب تغوّل قوى الميليشيات والفصائل المسلحة الخارجة عن سلطة القانون والتي لا تدين بولائها لقوةّ الدولة ودستورها وقوانينها بل للجارة الشرقية في كلّ شيء، يقف الشعب العراقي حائرًا متسائلاً إن كان مصيرُه سيبقى معلَّقًا في مهب الرياح العاتية لسنواتٍ عجافٍ أخريات، أم سيأتيه الفرَج مُهَروِلاً من حيث لا يدرون. ولكن كيف، وبأية وسيلة سيحصل هذا؟ ومتى سيتمّ وضع سكّة البلاد على قطار الإعمار الصحيح والبناء الفكري والحضاري والأخلاقي لشعبٍ أفقدتهُ قياداتُه السياسية الفاسدة بمعظمها وأحزابُ السلطة الفاشلة ولاسيّما الدينية منها غالبيةَ سماتِ التمدّن والتحضّر والأخلاق والعلم والتربية منذ سقوط النظام السابق الذي كان السبب فيما جرى بعد أحداث 2003. وصحّتْ اليوم الكلماتُ القوية الطنّانة " كلها منّه، مصايبنا وطلايبنا، من صاحبنا كلها منّه" التي أنشدها الفنان الهزلي الناقد "عزيز علي" في واحدٍ من أروع منلوجاته الوطنية والذي ينطبق بحق على صناعة رأس النظام السابق وقبله قادة الانقلاب المشؤوم على النظام الملكي. وذات المقولة تسري اليوم على النظام المحاصصاتي المقيت بشأن ما يجري من أحداث مأساوية بسبب سلوكيات أحزاب السلطة والميليشيات المسلحة والفصائل الولائية المنفلتة المستقوية بها والمنضوية في إطار ما يُسمّى بالحشد الشعبي التي تفرض سطوتها على إدارة الدولة العراقية خارج السياقات الدستورية والقانون، مستغلّة فتوى المرجعية الجهادية الكفائية التي أُخرجتْ عن سياقها ومفهومها حين دعتْ إليها في ظرفٍ وطنيّ حرجٍ لإنقاذ البلاد من كابوس الدواعش الذي ثبتَ، بالوقائع والوثائق التي بدأت تتوالى وتتوارد من مراكز القرار، إنتاجَه وتمويلَه وتوجيهَه بالشراكة بين إدارة فريق أوباما سيئ الصيت وإيران الجارة المنتقمة من كلّ ما هو عراقي وعربي.
بعد تفاقم الأوضاع وتكرار ذات السياسات الفاشلة للحكومات العراقية المتعاقبة وبلوغ الغضب الشعبي مداه الأقصى، جاء الحراكُ التشريني في موعده نهاية تشرين الأول 2019 ليقول كلمة الشارع: كفى انزلاقُ الأوضاع إلى ما لا تُحمدُ عقباه، وكفى انتهاكًا لسيادة الوطن وعراقته وحضارته وإرثه الثقافي والديني والإتني والتعددّي المتميّز في كلّ شيء. نقرُّ أنه لم يكن من السهل إدامة هذا الحراك الاحتجاجيّ الوطني الساخن سخونة الشارع الغاضب. فقد حاولت جهاتٌ عديدة ركوبَ موجته لتحسين صورتها بوجه النقمة الشعبية العارمة التي زادت وتيرتُها وتعددت مطالبُها مع تزايد انتهاكات الميليشيات والفصائل الولائية التي سعتْ لقضم أصابع الناشطين وردع مطالبهم وإسكات صراخاتهم بأية صورة أو وسيلة أو أداة متيسرة، وما كانت أكثرها ممّا نسمع ونشاهد ونترقب. وماتزال ذاتُ الأيادي القذرة تنشط أينما تحين الفرصة للنيل من إرادة المحتجّين الذين يزدادون يومًا بعد آخر بالرغم من وسائل التهديد وعمليات الخطف والاغتيال والتغييب التي طالتهم ولم تتوقف لغاية الساعة، فيما الدولة تقف عاجزة عن وضع حدودٍ لهذه الجرائم المتراكمة والمتواصلة بالرغم من الوعود التسويفية التي أطلقتها وماتزالُ بالكشف عن مصير الشهداء المغدورين والقتلة الذين تحتضنهم أحزابُ السلطة وتغطّي على جرائمهم وتستخدم سطوتها ونفوذها على القضاء العراقي كي لا يقوم بدوره المستقل في معالجة هذه الانتكاسات القانونية. وهذه مشكلة كبيرة لا تليق بتاريخ القضاء العراقي ولا بشخوصه، لاسيّما وأنّ أولى القوانين على وجه الكرة الأرضية صدرت من أرض الرافدين وطبّقها الملك حمورابي بقسوة شديدة آنذاك، وأضحتْ منارًا ونموذجًا ومصدرًا للقوانين الدولية فيما بعد. فالدولة التي لا يتفاعل فيها القضاء مع صوت العدالة والمساواة في تطبيق القوانين وتنفيذ الأوامر لا بارك الله فيها ولا تستحقّ تسميتها بدولة.
بين الدولة واللادولة
كلُّ ما نادى به الثوار التشرينيون أنهم طالبوا بعودة وطن مفقود، "نريد وطن"، أي بدولة تحترمُ مواطنيها. وهذا من أبسط حقوق أي مواطن يعيش في أية بقعة من أرض الله الواسعة. فمَن ليس له وطن أو دولة تحميه وتضمن حقوقَه، ليس له كيانٌ ولا هوية ولا يمكن أن يشعرَ بصدق الانتماء إليه. كما أنّ مَن يعيش بلا وطن حرّ ومستقلّ وسيدِ نفسه، إنّما كأنه مخلوق عشوائيّ لا يستشعرُ بالحياة السويّة الكريمة التي تليق ببني البشر. فيما الحياة مجانية من عند خالق الأكوان وليست منّة من أحد ولا مكرمة من حكومة ولا فضلاً من ساسة ولا هدية من سلاطين وحكام واباطرة وملوك الأرض. كما أنّ الوطن عندما يحتضن أبناءَه ويحرص على رفاهتهم من دون تمييز ولا منّة يكون مثل الدجاجة التي تحتضنَ كتاكيتها الصغار وتحميهم من شرّ الأعداء وغدر الغرباء ومكيدة الدخلاء. وهذا واجب الدولة الطبيعي تجاه مواطنيها. إنّما هذا لم يحصل في بلاد الرافدين منذ الغزو الأمريكي المتعجرف لغاية الساعة. ففي كلّ مرّة ينتفض فيها الثوارُ السلميون، يتلقون وعدًا من السلطات الرسمية بالحماية وملاحقة المجرمين أزلام أحزاب السلطة، بينما تغدرُ بهم أدواتُها الأمنية الخارجة عن سلطتها والمنفذة لأجندات سلطات ونفوذ أحزاب السلطة وميليشياتها وفصائلها المسلحة التي تعيث في أرض العراق فسادًا منذ استقوائها بفتوى المرجعية وتشكيل ما يُسمّى بالحشد الشعبي الذي أطلقوا عليه سمة المقدّس زورًا وبهتانًا. وفي حقيقة الواقع، أثبت هذا التشكيلُ الدخيل صفتَه الموازية لقوة الحرس الثوري الإيراني كي يكون أداةً تنفيذية وقوة ضاربة بأيدي الأحزاب الولائية التي تخشى فقدان مكاسبها في أية لحظة وتسعى لاستخدام مثل هذه الأدوات الخارجة عن القانون في تسويق أجنداتها وديمومة مصالحها وتمويل مشاريعها الفئوية والطائفية والشخصية. وقد كشفت التحقيقات المسرّبة عن اللجان والهيئات التحقيقية التي شكلتها حكومة الكاظمي خجلاً، الشيءَ الكثير من هذه الوسائل والأدوات. لكنها اصطدمت بإعاقات وصعوبات كثيرة ومعقدة من لدن أحزاب السلطة ومَن يُديرُ دفتها ويوجّهُ أنشطتَها ويكفلُ تحقيق أجنداتها على الأرض. وهذا ممّا وضعَ القائد العام للقوات المسلحة في مأزقٍ بين سعيه لفرض هيبة الدولة وتطبيق القانون وبين خياره بالامتثال لرغبات أحزاب السلطة الولائية التي تفرض سطوتَها عليه. فكلّما يعدُ ويسعى للحدّ من نفوذ هذه الأطراف المنفلتة خارج سيطرة الدولة، زادت من ضغوطها عليه وعلى فريقه للتراجع عن أية قرارات لا تخدمها. ومنها أن حكومة الكاظمي اكتسبت صفة "حكومة التراجع" عن القرارات. كان اللهُ في عونه!
حتمًا، لن يتراجع ثوارُ تشرين عن مطالبهم المشروعة باستعادة الدولة من أيدي العابثين بمصيرها من الذين يسعون لخلق واقع حال "الّلادولة" عبر فرض أجندات الجارة الشرقية في إبقاء مصير البلاد بأيدي العابثين بأمنه وسيادته وجعله تابعًا ذليلاً لها وسوقًا استهلاكية دائمية رائجة لمنتجاتها. كما أنّ هذه الجارة "المقدسة" وقفت بوجه إقامة أية صناعة وطنية وأعاقتْ بإصرارٍ اية جهودٍ لتطوير أية حقولٍ أو أراضٍ من شأنها تنمية وتأمين سلّة العراق الغذائية، وذلك خوفًا من توقف تدفّق العملة الصعبة التي ساهمت بتأمين ميزانيتها منذ 2003 والتي بسببها صمدتْ وقاومت العقوبات الاقتصادية القاسية التي فرضها الغازي الأمريكي للأسباب المعروفة للقاصي والداني. ومهما حاول أصحابُ السلاح المنفلت فرض مصالهم الولائية بقوة السلاح وغيره، فإنّ عزيمة ثوار الانتفاضة في ازديادٍ مضطرد ولن يصيبَهم الإحباط واليأس ولن يعرفوا التراجع عن مطالبهم المشروعة بطرقهم السلمية. ف"الدنيا تُؤخذُ غلابًا وليس بالتمنّي" وانتظار يدِ القَدَر لتفعلَ فعلَها. أمّا الوطن واستعادة هيبته وسيادته تبقى من أولويات المطالب، ليس للثوار في ساحات التظاهر في عموم البلاد فحسب، بل لجميع العراقيين من المتعاطفين مع الثوار والغاضبين على استشراء فساد السلطات الأربع، وحتى من أنصار وأتباع الميليشيات والفصائل المنفلتة ممّن سئموا من السلوكيات غير الرصينة لهؤلاء وممّن أساؤوا إلى سمعة المقاومة الحقيقية التي تنادت لصوت المرجعية الرشيدة. فقد أثبت الخارجون عن سلطة الدولة والعابثون بالقانون ولاءَهم الفاضح للدولة الجارة الشرقية وتنكّروا لشرف بلدهم وعزته وتاريخه وحضارته وإرثه الطويل المميّز بين الشعوب.
قد تكون الانتخابات القادمة فيصلاً ما بين تحقيق سيادة الدولة والّلادولة. ولكن ممّا يُخشى منه، استخدامُ أموالِ الدولة ووسائلها وأدواتها السياسية من جانب أحزاب السلطة ومّن يواليها خارجيًا ومَن يساندها داخليًا من رعاع القوم بدفعٍ من أصحاب العمائم والمغرضين الذين بدأوا يسوّقون أبواقَهم الطائفية والمذهبية للتحذير من فقدان الامتيازات والمكاسب وخسارة الأموال والجاه والسطوة والمناصب في حالة عدم تدوير نفاياتهم في الانتخابات القادمة. وهذه مشكلة بحدّ ذاتها. فالمستقلّون والمرشحون المغمورون من ثوار الانتفاضة لا يمتلكون مثل هذه الوسائل للترويج لبرامجهم والتعريف بأشخاصهم لجمهورهم، ممّا يقلّلُ من فرصهم بالفوز. ناهيك عن أدوات الترهيب والتهديد وإطلاق الوعود العرقوبية التي احترفتها أدواتُ أحزاب السلطة في كسب تأييد ناخبيها وإقناعهم بضرورة عدم الإخلال بالتوازن القائم حفاظًا على سطوة جماعة مذهبية معينة ماتزال تعيش تداعيات تخلّفها وجوعها ودوام شعورها بالغبن والظلم، فيما هي التي تتسيّدُ المشهد السياسي الحاكم منذ ثمانية عشر عامًا وتحصدُ الامتيازات التي لم تكن تحلمُ ولو بشيءٍ ضئيلٍ من مكاسبها وبهرجتها عبر إيغالها في أدوات الفساد والسرقة وهدر المال العام وفق مبدأ المحاصصة الذي شرّعته بإسنادٍ من الغازي المحتلّ الظالم.
‬‬   يبقى القاسم المشترك لكلّ الثوار في ساحات الشرف التي احتضنتها محافظات العراق، إصلاحُ الأوضاع المتدهورة وتقويم المعوجّ، منها وما أكثره. وهذا لا يمكن له أن يتحقق إلاّ بتغيير المنظومة السياسية القائمة من جذورها والتوجّه لاحقًا لتعديل الدستور، وإنْ أمكنَ تغيير الدستور وفق قواعد المواطنة الصحيحة وليس وفق التوافق الديني والمذهبيّ والإتني. فهذه جميعُها لا يمكن لها أن تبني وطنًا قويًا موحدًا ذا سيادة وهيبة وسمعة بجميع قواه وبتعدّد جماعاته وقومياته وأديانه التي تشكلُ فسيفساءَه المميّزة بين الشعوب والأمم. وفي اعتقادي، أن قدرات المنتفضين ماتزالُ قوية، والشعبُ مازالَ يراهن على نجاحها وفعلِها وتأثيرها وسط الجماهير التي يزدادُ غضبُها يومًا بعد آخر بسبب الشعور بفقدان الأمن والأمان والأدوات المستخدمة في استبعاد المبادرات الجماعية والفردية التي تسعى لإحداث التغيير في المنظومة السياسية. فما يلقاهُ ثوّار تشرين من دعمٍ دوليّ وإقليميّ واضح ومن تأييد شعبيّ قد أغاض أحزابَ السلطة ومَن يقف مساندًا لإبقاء الأوضاع على حالها بأيدي أصحاب السلاح المنفلت والفصائل المسلحة الخارجة عن القانون التي تسعى لإدامة زخمها وإبقاء سطوتها ما شاءت الأقدار والجارة الأرجنتينية "المقدسة". أمّا مَن يراهنُ على اختفاء الثوار من ساحات الشرف ومن خفوت أصواتهم، فهو واهمٌ. فالشعبُ كلُّه إلى جانبهم، مساندٌ وداعمٌ ومتأمِّلٌ بهم خيرًا نحو التغيير والإصلاح.
 

36
أصحاب السيادة والمقامات الكهنوتية والرهبانية الأجلاء
السيدات والسادة والأصدقاء الأعزاء

تحية طيبة
      وصلتني هذا اليوم رسالة ردّ مباركة من قداسة البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان، بتوقيع الكاردينال بيترو بارولان، أمين سرّ دولة الفاتيكان (رئيس وزرائها)، ردّا على رسالة شخصية أودعتُها بين أياديه المقدسة عصر يوم 5 آذار 2021 خلال زيارته لكنيسة سيدة النجاة ولقائه مع نخبة من مسيحيّي الكنائس الكاثوليكية من أساقفة وكهنة ورهبان وراهبات وشمامسة ومكرَّسين. فقد كان لي فخر عظيم بالتحدث مع قداسته في نهاية اللقاء وإيداعه رسالة شخصية بالمناسبة حول أوضاع العراق والكنيسة ورجالاتها. ونظرًا لما في ردّ هذه الرسالة البابوية من فهمٍ وإدراكٍ واطّلاعٍ عميق وواسع وقريب لقداسته بأوضاع العراق الذي ينال اهتمامه الأبوي الكبير، وددتُ أن تشاركوني في قراءة مضمونها والتأمل في معانيها واستخلاص الدروس التي قصدها قداستُه بين أسطرها بشأن أوضاع العراق والكنيسة الكاثوليكية بصورة خاصة. كما لم ينسى قداستُه التعرّض ضمنًا للفاجعة الأليمة التي ضربت هذه الكنيسة والتعبير عن تعاطفه مع الضحايا الأبرياء وقربه من الذين كانوا شهودًا وشهداء فيها وصلاته من أجلهم. ولعلَّ أهمَّ ما ختمه قداستُه في هذه الرسالة، تمنياتُه بتقدّم بلادنا والوصول إلى دروب السلام والمصالحة التي تنقصنا، والتي من دونها لا يمكن لهذا البلد أن ينهض من كبوته ومحنه ومشاكله للوصول إلى نعمة الطمأنينة في العيش المشترك والتطلّع الإيجابي نحو المستقبل. ومن أجمل ما ورد في ختام رسالة قداسته، الطلب من كلّ واحدٍ منّا المساهمة في وضع حَجَرٍ لتقوية بناء هذا البلد، وإيداعنا جميعًا تحت حماية العذراء مريم ببركته السخية.

في المرفق:
- رسالة قداسته باللغة الفرنسية
- ترجمة الرسالة إلى اللغة العربية

تقبلوا منّي وافر التقدير والاحترام

لويس إقليمس
في 22 حزيران 2021


أمانة سر الدولة
قسم الشؤون الخارجية                      الفاتيكان، في 4 أيار 2021   
الرقم: 496.034                            

سيدي،
وصلت رسالتك المؤرخة في 5 آذار 2021 إلى قداسة البابا فرنسيس، الذي اطلع عليها شخصيًا. إنه يشكرك على الانفتاح عليه بصدق وتعبيرك عن معاناتك. وهو يعبّر عن تعاطفه وقربه منك في المحن التي كنتَ شاهدًا لها، ويضع الضحايا الأبرياء تحت رحمة الله.
    الأبُ الأقدس على اطلاع جيد وبشكل خاص بالوضع في العراق. إن الغموض وعدم التناغم في السلوك وفي نوايا الأشخاص الذين يريدُ إقامة حوارات معهم لا يمكن أن تفوته. ومع ذلك، فإن اللقاء الأخوي والإصغاء المتبادل هما السبيلان الوحيدان اللذان يمكن اتباعهما لبناء تعايش سلمي حقيقي، بين الجماعات الموجودة، وفي المقام الأول بين الكنائس الكاثوليكية في الشرق التي تبقى مثار اهتمامه وتعاطفه وصلاته، بعد الجرائم والفظائع التي حصلت. وإنّ الأب الأقدس لا يكلّ بالطلب من الرب من أجل أن تتقدم بلادك الغالية على دروب السلام والمصالحة، وكي يعيش كل واحد فيها إيمانَه بطمأنينة بتطلّعه نحو المستقبل. إنه يدعوك لمواصلة المساهمة بسخاء في وضع حجرك في هذا البناء. وإذ يعهدكم وجميع الأشخاص الأعزاء عليك، تحت حماية العذراء مريم، فإنّ البابا فرنسيس يبارككم من كل قلبه.
 أرجو منكم، سيدي، أن تقبلوا مشاعري الدينية والمخلصة.

الكاردينال بيترو بارولان
   أمين سرّ الدولة
--------------------
-   عناية السيد لويس إقليمس
بغداد/ العراق

37
ترنيمة الانتخابات ولازمة الفساد والتزوير
لويس إقليمس
بغداد، في 6 حزيران 2021
لو اتصف غالبية الشعب العراقي بشيء مقنع من الإدراك وقدرٍ وافٍ من الوعي لِما حصل له على أيدي مافيات الفساد الإداري والسياسي الذي اتصفت به حكومات البلاد المتعاقبة منذ 2003، لتسنى له تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية بجرأة وشجاعة وصراحة ومن دون مجاملة ولا مواربة ولا خجل. بل توجبَ عليه أن يعلنها على أسماع الملأ يوم الانتخابات المنتظرة في 10 تشرين أول القادم، موعد الاستحقاق التشريعي المنتظر الجديد. هكذا صرخ الشعبُ وزاد من غضبه بالقول الصارم: "كفى ما لحقنا منكم من سرقات وتلاعب بمقدرات البلاد ونهب ثرواتها، ومن مظالم ووعود عرقوبية وضحك على الذقون، ومن كذب واحتيال وخداع لضعاف النفوس ولغالبية الشعب المغلوب على أمره، والذي اعتاد عبادة الأشخاص وتعظيم الجلاّدين والمشي خلف المستغِلّين (بكسر الغاء) للبسطاء". فمثل هذا الوعي النسبي في صفوف العامة بعد سنوات من التجربة والخبرة يمكن أن يكون رهانًا قويًا على إحداث تغيير جذريّ في المشهد السياسي باستبعاد ملحوظٍ للزعامات القديمة الفاسدة ورموزها من دون استثناءٍ ولا تمييز، تلك التي قوّضت الحسّ الوطنيّ ومزّقت النسيج الاجتماعي وأحالت البلاد إلى شبه دولة مستهلِكة للمنتجات المستوردة بلا رحمة، مستجدية للقروض المتكالبة عليها، غارقة بالديون المتراكمة من دون تخطيط ولا إدارة ولا نتائج إيجابية ملموسة في جميع القطاعات، ولاسيّما الإنتاجية منها والخدمية التي تشكلُ عماد الاقتصاد وواحدًا من أهمّ أركان السيادة الوطنية واستقرار الاقتصاد الوطني. وهذا كان فحوى توصية المرجعية الشيعية العليا "المجرَّب لا يُجرَّب". 
     ستكون خيبة أمل كبيرة ببقاء ذات الرؤوس القديمة الفاشلة التي تطلُّ علينا هذه الأيام، سواءً بتصريحاتها المبطنة أو عبر تراشقها الفاضح كاشفةً عورات بعضها بعضًا، السياسية منها والإدارية والمالية عبر مناكفات تنافسية وتسقيط زعاماتيّ واتهامات متبادلة بالفشل في إدارة البلاد والإيغال في الفساد. وإنْ تكن هذه الاستعراضات إلاّ جزءً من ذرّ الرماد في العيون استعدادًا لاستشراف واقع قيادة السلطة وبسط النفوذ منذ الآن والتهيئة لها، إن ترويعًا أو دعايةً أو تهديدًا. وسوف نرى في قادم الأيام ما سيصدر عن زعامات الكتل الكبيرة ولاعبيها الأساسيين من إعلانات ضخمة ويافطات كبيرة تتناسب طرديًا مع تخمة الفساد التي دمغت عموم ساسة البلاد وكتلهم وأحزابهم ومَن على خطاهم وسيرتهم، طيلة السنين العجاف المنصرمة. هي ذاتُها إذن، مَن يُخشى أن تعيد تدوير شخوصها لتتحكم بالعملية السياسية لسنوات أربع عجاف ظالمات سالبات قادمات لا محالة، لا سمح الله في حالة إعادة انتخابها مثل سابقاتها، مرة أخرى. فهي التي ستشكل حكومة المحاصصة التوافقية اللصوصية العرفية مرة أخرى، وهي التي ستكمل تقاسم ما تبقى من الكعكة المشتراة سلفًا بدماء الشهداء والجرحى، وهي التي ستزيد من تراكم الديون والقروض والتسليف المسبق التي من شأنها إبقاء البلاد والعباد أسرى الدول الخارجية المستغِلّة لسنواتٍ طوال قادمات، وهي التي ستحرم الأجيال القادمة التي لم تولد بعدُ من حقها في ثروة البلاد وفي عيش حياة آدمية وإنسانية مثل سائر الشعوب المتحضّرة، وهي التي ستبقي جواز سفر مواطني بلادهم الجريحة حتى العظم في ذيل القائمة الدولية ذليلاً مطارَدًا مُهانًا، وهي التي ستواصل وأدَ أية مساعٍ لنهضة القطاع الخاص الذي اقتُرفت بحقه أبشع المخالفات والمظالم واستبيحت مقدّراتُه وكفاءاتُه من دون وجه حق. ألا يكفي ما حصل من خراب ودوسٍ لكرامة البشر واختفاءٍ لكلّ ما كان حضاريّا وعلميّا وتراثيًا وأخلاقيًا وفنّيًا وتربويًا و و و. ولو حصل ذلك فعلاً، فإنّ اللوم هذه المرة أكثر من ذي قبل، سيقع على عموم شرائح الشعب بسبب إيغال هذا الأخير في الجهل والتخلّف وعبادة الأشخاص وما ينسجه حول بعضهم من هالةٍ لقدسية زائفة وإيمان ظاهريّ باطل وصدق كاذبٍ في الوعود والسلوك.
وكالعادة، سوف لن يتوانى زعماءُ ومرشحو أحزاب السلطة المتخَمون بالمال العام الفاسد لزيادة حمّى وطيس الانتخابات وجعلها تستعر عبر تجمعات انتخابية دعائية فارهة وإقامة احتفالات ومآدب مترفة صاخبة وتوزيع بطانيات ومدافئ وكارتات تشغيل الموبايلات ووعود بتعيينات في دوائر الدولة وتوزيع سندات قطع أراضي وسلال غذائية وما سواها، لخداع الشرائح الجاهلة من بسطاء وسذّج الشعب الجائع الباحث عن لقمة عيش شريفة في مكبات النفايات والأزقة المكتظة بحشود الفقراء، والعاطلين الباحثين عن فرصة عمل وغيرهم من الخريجين الذين خابت آمالُهم وآلت دراساتُهم وأتعابُهم العلمية إلى سوق الشورجة في بغداد وأسواق بيع الخضراوات والفاكهة في مدن وقصبات العراق بدل أن يمضوا ما اكتسبوه من معارف ومهارات في خدمة البلاد وفي تطويرها وتنميتها. وبالتأكيد سيجري ذلك باستخدام الدين والمذهب والطائفة والقومية والعشيرة والحزب غطاءً لضمان كسب هذه الطبقات المسحوقة. كما بدأ بازار شراء الأصوات وبطاقات الناخبين بأخذ دوره منذ أيام، وسيزداد وطيسُه مع قرب موعد الانتخابات. أمّا الدفع، فسيكون بحسب وسيلة ضمان صوت الناخب وتأمين الحصول على بطاقته الانتخابية كي لا ينكث بعهده. ناهيك عن الخوف من وسائل جديدة قد تلجأُ إليها أحزاب السلطة في تزوير الانتخابات. فمن المؤكد عدم مقدرة الجهات الرقابية والإشرافية الدولية والإقليمية والمحلية على مراقبة جميع مواقع الاقتراع وضمان عدم التلاعب بالصناديق وطريقة الاقتراع، لاسيّما هناك أحاديث منذ الساعة تشيرُ لشراء بطاقات انتخابية عبر بازار مفتوح بدأت بعضُ ملامحه بالبروز للملأ عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وهناك مَن يتحدث عن فقدان أو توفر أكثر من مليون بطاقة انتخابية غير شرعية، من شأنها أن تقلب النتائج لصالح مزوّريها. لذا من الصعوبة الحديث عن نزاهة حقيقية في الانتخابات القادمة، فيما لو جرت بحسب الموعد.
هكذا آلَ حالُ العراقيين أصحاب الحضارة والتاريخ العظيم وأولاد السلف الصالح من الأنبياء والأئمة الأطهار، ولم يجدوا مَن ينقذهم بعدُ من هذه الكارثة التي حلّت بهم وببلادهم. فكلُّ مَن توالوا على الحكم بعد حقبة الدكتاتورية الظالمة، ظهروا أشدّ قهرًا وعنفًا وأكثرَ فسادًا وظلمًا وأفظعَ خداعًا واحتيالًا. ساستُنا وزعاماتُنا ينطقون باسم مكافحة الفساد وهُم من أشدّ الناس سرقة ونهبًا ولصوصيةً وفسادًا وكذبًا وخداعًا. جميعُهم أثروا على حساب الشعب المغدور وكسبوا مناصب عليا وجاهًا ومالاً ونفوذًا وامتيازاتٍ ومقتنيات وعمارات وفللًا فارهة في دول الجوار والعالم. جميعُهم يدّعون مكافحة الفساد ويحملون ملفات فساد لشهرها ضدّ الخصوم والمنافسين. وحين مقاسمة الكعكة تصمتُ الأفواه وتسكت الأصوات وتدخل الألسن في محاجرها خوفًا من انقلاب السحر على الساحر. هكذا، لم نعد نعرف مَن هو الفاسد ومَن هو سارقُ قوت الشعب ولا مَن هو ناهبٌ لخيرات البلاد ومعطِّلٌ للانتماء الوطني وكارهٌ لتنمية واقع البلاد ورفاهة العباد منذ 2003 ولغاية الساعة. 
رهانات خاسرة
حين قدوم رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي مدعومًا من الغازي الأمريكي، ظنّ العديدون أنه حصانُ الرهان الأكبر في مسألة مكافحة الفساد وتنفيذ برنامج الإصلاح الذي نادت به المرجعية وطالب به عمومُ الشعب وبخاصّة طبقتُه المثقفة ونخبُ القطاع الخاص على السواء. لكنّ شيئًا من تلك الوعود لم يحصل، وظلّت سمة التسويف لصيقةً بخطابه عبر تلويحه الدائم بالعصا الغليظة في محاربة الفاسدين ودفع ملفاتهم إلى النزاهة، بحيث أصبحت كلمة "سوف" متلازمة مع مشروع محاربة الفساد غير القائم أصلاً. أربع سنوات مضت من عمر تلك الحكومة التي نالت تأييد المرجعية والشارع وغالبية الشرائح المجتمعية، لكنها لم تستغلّ الفرصة لوضع الأمور في نصابها وإعادة ما أفسدهُ سلفُه طيلة ثمان سنوات لولايتين متتاليتين اتسمتا بهدر كبير في المال العام وسرقات في وضح النهار وعقود وهمية وتبييض أموالٍ وتهريب عملة تزيد عمّا جرى تقديره بأكثر من أربعمائة وخمسين مليار دولار، وما خفي كان أعظم! وآخر سنوات ولايته، تكلّلت وبما لا يقبل الشك بتأكيد تواطؤ جهات قريبة من دارة حكومته مع أشدّ وأعتى تنظيمٍ إرهابيّ من أجل السماح له باستباحة مناطق ومدن بأكملها جرى تسليمها أو بيعُها كما يشاء البعض وصفها، من دون قتالٍ، وذلك نكاية بأهل تلك المناطق وانتقامًا لوطنيتهم وبسالة جنديتهم في الدفاع عن حياض الوطن من عدوّهم الطامع المنتقم القادم من الشرق. فكان ما أقدم عليه هذا التنظيم المتشدّد أن عاث في أرض العراق فسادًا ما بعده فساد، في القتل والتهديد والاغتصاب والتهجير والنهب والتدمير وكلّ ما يمكن أن يخطر على البال. وبذلك يتحمّل زعيم الكتلة الحزبية الحاكم آنذاك، كامل المسؤولية بما آلَت إليه البلاد من انهيارٍ ودمارٍ وشنارٍ وتراجعٍ أمنيّ وفسادٍ وتزويرٍ حتى القضاء على كيان ذلك التنظيم الإرهابي العسكري شكليًا، لكنَ شروره وآثارَه وأيديولوجيتَه لم تنتهي بعد.
وجاء الرهان الآخر مع خليفة العبادي الذي لم يستطع الخروج عن نطاق وتأثير أدوات الدولة العميقة التي حكمت البلاد فعلاً وواقعًا بحسب توجيهات وإشراف زعامة الجارة الشرقية، حتى سقوط حكومته بدفعٍ من ثوار تشرين وانتصارًا لدماء شهداء الانتفاضة وبناءً لإيعازٍ واضحٍ من المرجعية التي رغبت بتغيير أدوار اللعبة وشخوصها حفظًا لماء الوجه وخشية من تفاقم المشهد نحو الأسوأ. فحصول ما لا يمكن تصورُه بتغيير المنظومة السياسية برمتها، كان مطروحًا وبشدّة بسبب اتخاذ الفساد والتزوير أشكالاً خطيرة لم تعد تُطاق على عهده. وذلك كان يعني من جملة ما يعنيه فقدان السيطرة والسطوة والنفوذ والامتيازات والمال والسلاح. وبمعنى آخر أكثر وضوحًا، كان يعني اختفاء السطوة الشيعية على مقاليد الحكم في العراق واختلال التوازن الإقليمي والدولي الراهن لصالح أنداد الجارة إيران التي تسعى للاحتفاظ بالعراق ورقةً رابحة بوجه عدوتها اللدود أمريكا وحلفائها من دول الخليج التي أذاقتها المرّ، فاحتفظت به ليكون أفضل ساحة لتصفية حساباتها مع أمريكا والعالم الغربي بعمومه.
من هنا، كان لا بدّ من استقدام شخصية وسطية أخرى مقبولة تأتمر بأمر الحاكم الفعلي للبلاد وقياداته الأمنية والاستخبارية والمخابراتية والعسكرية على السواء. فكان السيد الكاظمي رهانهم الآخر المقبول في سلسلة الرهانات العاجزة المتتالية، بالرغم من اتسامه بشيءٍ من الحدّة والقرار الوطنيّ في معالجة الثغرات القديمة المتراكمة. لكنه في كلّ الأحوال، بقي أسير الإرادات والرغبات والضغوط من الجارة الشرقية وكذا من الزعامات الحزبية التي تسعى جاهدة ما استطاعت الحفاظ على مكتسباتها وعدم التفريط بها بأي حالٍ من الأحوال. وآخرها، الوقوف بوجه الموعد الذي اختاره لتحقيق وعوده بإنجاز انتخابات مبكرة في السادس من حزيران، حين اضطرّ للرضوخ لتأجيلها حتى 10 تشرين أول القادم بحسب إرادتهم في خطوة لمحاولة تمديدها حتى انتهاء الفترة المقررة للدورة الحالية لو تيسر لهم ذلك. وهذا من الدليل على أنّ المشهد التحاصصي الطائفي الذي يرفض فيه الجميع الخروجَ من عنق زجاجته والتخلّي عنه ما يزالُ هو نفسُه قائمًا. وسيبقى المشهد الهزليّ كذلك سيّدَ الموقف ولاعبًا قويا على الساحة مادامت ذاتُ الأحزاب وذاتُ الوجوه من الزعامات التقليدية باقية ومتسلطة بأدواتها في تعزيز دورها في الدولة العميقة ما استطاعت ذلك. حتى وإن تغيّرت بعض الوجوه عبر ترقيعات هنا وهناك أو عبر إنتاج نسخٍ جديدة من أحزاب بمسمّيات جديدة رنانة متشدّقة بأهداف ثوار الانتفاضة التشرينية، إلاّ أنها لا تعدو كونها مسألة تدوير أحزاب وأشخاص وإيهام بالإصلاح الزائف.
ملفات فساد مختومة بالشمع الأحمر
ستبقى موضوعة الفساد والتزوير التي تحوّلت إلى أعرافٍ معتادة في الدولة والمجتمع منذ 2003، من أكبر الملفات التي تحتاج الحماسة والشجاعة والجرأة والإرادة الصلبة للمعالجة والمتابعة بسبب تحوّلها إلى لازمةٍ متكرّرة في الحكومات المتعاقبة. ومع عدم نكران ما تحقق على عهد حكومة السيد الكاظمي لغاية الساعة من خطوات جادة بخصوص معالجة هذا الملفّ الشائك ولو بشيءٍ من الروية والتباطؤ والخشية والحذر، فإنه يُحسبُ له إنجازًا على طريق تنفيذ القانون والاستقرار الأمني بعد التجرّؤ الأخير على اجتياز بعض الخطوط الحمراء. ولكن تبقى ملفاتُ الكبائر والعظائم الأكثر جدليةً وحساسيةً مطوية ومركونة على الرفوف المحروم التقرّب منها، لكونها تمسّ زعامات أساسية ومن الدرجة الأولى في الصفوف الحاكمة لقيادة شبه الدولة. وربما سيبقى الغطاءُ مقفولاً ومشمَّعًا بالأحمر كي لا تفوح رائحتُه النتنة لسنوات وسنوات!
 هكذا لا أحد يجرؤ فتح ملفات الفساد الكبيرة التي ترعاها أحزابُ السلطة منذ 2003، مسندةً ومدعومة في معظمها بغطاءٍ دينيّ وبهالةٍ من القداسة في أغلب الأحيان كي لا يقتربَ منها أحد. فهل تتغيّر الحال بعد العاشر من تشرين أول القادم، في حالة إقامة موعد الانتخابات في موعدها المؤجَّل؟ أم ننتظرُ موعدًا جديدًا يتناغم مع رغبة أكثر النواب الذين يصرّون في الخفاء على بقاء تمثيلهم الفاشل لناخبيهم حتى إتمام فترتهم القانونية في موعدها في 2022؟ والعبرة دائمًا، بتعلّم الشعب من دروس الحياة ليدرك فداحة الكارثة التي أوقعته فيها الزعامات التقليدية التي حكمته وأذلّته وضحكت على عقول السذّج ممّن في صفوفه بسبب المتاجرة بحقوق المواطنين والرقص على دماء شهدائهم والانتقام من المطالبين بوطن مفقود ولقمة عيشٍ حلال ووظيفة في الأحلام. والأنكى من هذا والأكثر مرارةً من ذاك، احتفاظُ بعض الزعامات الحزبية والإسلامية منها على وجه الخصوص وأتباعُهم بمواقعهم وامتيازاتهم عبر المتاجرة بحقوق الشعب المواطنية بغطاء الدّين والمذهب واللعب على الوتر الطائفي.
ومادامت الكعكة طرية وسُكّرية وجميلة، فتذوُّقُها والقطعُ منها حلالٌ على زعامات الدولة ومَن يتحكم بها من أحزاب السلطة وأتباعهم، ولا تجوز لباقي شرائح الشعب المتخم بالمرارة وقساوة الحياة وشظف العيش، على قول قائل: "مَن لهُ يُعطى ويُزاد، ومَن ليس له، حتى ما هو لَه يُؤخذُ منه ويُعطى للذي له". حكمة زائفة في الحياة السياسية، ظاهرُها الدفاعُ عن حقوق الفقراء، وباطنُها نهبُ ثروات بلادهم وتدمير مستقبل أجيالهم بطرق شيطانية وبغطاءٍ ديني تارة، وقوميّ تارة أخرى، ومجتمعي متخلّف في طورٍ آخر. والغدُ لناظره قريب! فهل سنعيد ونكرّرُ ذات الترنيمة الانتخابية ونقتنع ونؤمنُ بذات اللازمة في التطرّق لآفة الفساد والتزوير؟

38
وجهة نظر في فلسفة وجود السماء
لويس إقليمس
بغداد، في 6 شباط 2020
تعلمنا منذ الصغر وجود سماء وجهنّم ومطهر وفردوس في انتظار مصير البشر بعد الموت. والموتُ لا يخطئُ أحدًا ولا يمازح احدًا ولا يجانب أحدًا. فهذه سنّة الحياة: ولادة وحياة وموت. ولكن ماذا بعد الموت؟ هل من حياة أخرى؟ وكيف ستكون؟ أو بالأحرى كيف سيكون شكلُها إنْ وُجدتْ؟ وما مصير الإنسان بعد سفرة الحياة القصيرة في مقياس الزمن الطويل، والتي قد تدوم ساعات أو أيامًا أو اشهرًا أو سنوات ما قدّر القدرُ مقدارها وسبيلها وتواصيفها، بحلوها ومرّها، بسعادتها وشقائها؟ وهل السماءُ مهمة إلى حدّ الحلم بمتاهاتها المجهولة وجنانها الخيالية ومَن عليها وبأشكالها المتباينة وفق ما يصوّرها البعض بحسب ثقافة وتربية كلّ إنسان، وبطريقة العيش في حدود أسيجتها، إذا كانت فيها سياجات تفصلها عن نيران جهنّم أو عن أبواب المطهر القريبة منها، بحسب ما بلغ أسماعَنا لحد الحشو في الصغر. من هنا يكون تساؤُلنا اليوم عن حقيقة هذه المفردات بعد أن تعلّمنا وخبرنا الحياة وكبرنا وسار بنا قطار العمر نحو محطته الأخيرة التي نجهل أوان بلوغها.
هذه نظرة عامة ورؤية بشرية ضعيفة ومحدودة للمراجعة في هذه السطور، علّها تختصر ردود أسئلة كثيرة، مثيرة في بعضها، ومتشنجة في بعضها الآخر، ومنغلقة جافة في غيرها، بسبب طبيعة الشكوك أو الوثوق في معانيها وفي حقيقة وجودها وبحسب استعداد ومحدودية فكر الكائن البشري الذي يبقى ضعيفًا وقاصرًا مهما سمتْ منزلتُه وارتفعَ شأنُه وفاقَ قدرُه في هذه الحياة الدنيا القصيرة على الفانية.
عمومًا، لقد أصبحت كلمات مثل الجنّة والنّار، السماء وجهنّم، الفردوس والأرض ضمن حقائق جوهرية يعوّل عليها البعض في قراءتهم لأصولها ومفاهيمها، تمامًا كما يصفها علم الأنثروبولوجيا الدينية المتعمّقة. وفي الحقيقة، نحن غافلون عن هذا العلم كثيرًا. لا بل إن الكثيرين من البشر ليس لهم وعيٌ كافٍ بما يمكن أن يقدمه هذا العلم من معارف وشواهد وحقائق عن طبيعة الخليقة وشواخص البشرية ومكنونات الكائن الحيّ من نبات وحيوان وبشر وكلّ دبيب على الأرض. ومن هنا، لا يمكن بل لا يجوز للمسيحية أو أيّ دين آخر أن يحتكر لنفسه التحدث باسم مصير البشرية ونوازعها وطموحاتها ومستقبلها من موقع الاحتكار والأهلية والأحقية. فالبشر وسائر خليقة "الكائن الأعظم" الذي نصفه بالخالق مهما كانت تسميتُه الإلهية، يقفون منذ بدء الخليقة تحت سقف سماء زرقاء يتطلعون إليها بعيونهم ويدوسون الأرض بأرجلهم ويعملون بأيديهم وعقولهم في فضائها وترابها الذي يعودون إليه من حيث جاؤوا بعد دورة الحياة. فالكلّ يتطلّع في لحظةٍ ما وزمنٍ ما ومكانٍ ما إلى السماء الزرقاء، صافية كانت أم متلبدة بالغيوم. ولنا في طيور السماء أصلح الأمثلة حينما تنحني برؤوسها لتشرب الماء لتعود ترفع عينيها إلى العلا وكأنها تشكر السماء التي تحتضنها ومَن خَلَقَها على نعمة تعدّها أكسيرًا ودواءً منعشًا.
هكذا الشمس والقمر، وسائر العناصر، جميعُها هي مثار الاندهاش والتأمل الخياليّ في ظهورها وخفوتها، في شروقها وغروبها، في انبلاجها واختفائها وفق موازين وتوقيتات سرمدية يصعب تفسيرُها وتأويلها والبحث في أسرارها وأغوارها. ومثلُها مازالت تُبهرُنا حقائق وغرائب ما يقع في مختلف بقاع العالم من تطورات طقسية عبر دورات غير ثابتة ومتحولة من عصر لآخر ومن منطقة لأخرى ومن قارة لغيرها ومن بلد لآخر. غيوم وأمطار، سيولٌ ورعود، شمسٌ وفيء، برد وثلج، مطرٌ وحالوبٌ، كلها ظواهر تتباين في شكلها وذروتها وحدوثها ضمن متلازمة غير متطابقة في شكلها ودورتها وزمانها ومكانها. ولا بأس أن نجد شمسًا تشرق هنا وقبالتَها مطرًا ورعودًا وفي غيرها ثلوجًا وعواصف وفي أخرى زلازل وهزّات، وما يمكن أن تأتي به كلّ هذه الثورات الطبيعية من فوائد ومكاسب أو منغصات ومشاكل لبعض الأقوام ولطبيعة أرضهم وبلدانهم خارج السياقات والطموحات والرغبات.
إنها الجغرافيا المتحركة التي لا تقبل التوازي والتساوي إلاّ لو حصل ذلك بأمر "خالق الأكوان" وربّان الأرض وحادي البشر. فهو وحده القادر أن يُعين البشر للقبول بوجود جغرافيا أخرى أسمى من تلك القائمة على الأرض التي تُسمّى بالفانية في مصطلحاتنا الحقيرة. وهذا ما تعتقد به المسيحية من أنّ ملكوت السماوات أي السماء يكمن في داخل قلب الإنسان الذي يُعدّ جغرافيا للسماء الحقيقية في حياة المسيحي، حيث "الملكوت السماوي الحقيقي يكمن في داخل الإنسان". هي إذن، جغرافيا مختلفة أو مقامٌ أمين متسامٍ لا يقبل الشك في راحته وعدم فنائه أو تعرّضه للهلاك والبور. جغرافيا من نوع آخر مختلف تمامًا ينشدها الإنسان ضمن سقف حياته الأرضية منذ بدء نسمة الحياة فيه حتى مغادرتها وفق السنّة الربّانية. إنها سماء أخرى دائمة غير مادية بحسب العرف الدينيّ المتوارث في ثقافات وحضارات منطقتنا الشرق أوسطية، بلد الأنبياء والرسل والأئمة والقديسين والصالحين. وهذا يدخل طبعًا، ضمن العرف الذي تقدمه الأنثروبولوجيا المسيحية في اختيارها وتخييرها، في تعريفها وترغيبها، في فهمها وتأويلها لماهيّة ومفاهيم السماء والأرض، الجنّة والنار، الملكوت السماوي والفردوس الأرضي.
في ضوء خضمّ هذه التساؤلات بما فيها من حقائق وتشكيكات، هل يمكن التأكد من وجود صاحب أو ربّ هذا المقام الأخير في مكان ما؟ أم سنقبل بما قاله رائد الفضاء الروسي يوري غاغارين: "طرت إلى الفضاء، لكنني لم أرَ الله؟" حينئذٍ، سنقرأ السلام على صلاتنا الربانية في نكراننا وجود كائن في السماء له كلّ القدرة والسلطة على ما في الأرض وما عليها وما تحتها. فالسماء التي تنشدها الأديان السماوية المؤمنة بالله خالق البشر جميعًا، ليست ولا يمكن أن تكون مادية بحتة غنية بجنانها وحورياتها ومتعها المحسوسة، كما تصوره الديانة الإسلامية ونصوصُها المادية التي لا تتعدى كونها وعودًا للمتعة ما بعد الموت حتى لو كان الموت زؤامًا على حساب قيمة الإنسان وخارج السياقات الربانية. إنما السماء الآتية، إنْ هي إلاّ مقامٌ للراحة والخلود الحقيقيين، تبدأ من بدء حياة الإنسان على الأرض الفانية وتتواصل في تشكيلها وإعدادها طيلة ما بقي حيًا وعملَ وجاهد وكافح لمجد الله الجبّار ولنصرة مَن في الأرض ممّن ينتظرون يومهم مثله لتسفر وجوهُهم برؤية الخالق ونخبة الأخيار والأبرار والصدّيقين من الطيبين الذين أجادوا أفعال الرحمة والمحبة والتضحية والعون لخلائقه من دون تمييز ولا تخصيص.
رؤى ما وراء الموت
سؤال حرج وجدليّ يتبادر إلى الذهن، لكنّه مشروع: هل يمكن التوفيق بين الإيمان والعقل، بين الواقع والعلم في إدراك معنى السماء والجنّة التي ترادفها مع ما ينتظر الإنسان بعد الموت وبحسب ما تلقّنه الأديان وتعلّمه الكتب أو تنقله الأحاديث والتقاليد؟ ليست الإجابة سهلة، بقدر ما هي معقدة في الوصول إلى تفسير أقرب إلى فكر الإنسان وقلبه وعقله في ظلّ التراكمات التقليدية والأعراف الساذجة مقابل اتساع العلوم وتطوّر أدواتها وتقنياتها والفراغ المتاح المتبقي بين هذه وتلك. ينقل لنا الدكتور باتريك ثيلر Patrick Theillier وهو مدير سابق لمكتب التحقيقات الطبية في مدينة لورد الفرنسية شهادة أحد المدنفين من الموت. بحسب هذا الأخير، ونقرأُ في وصفه ما يمكن ان يقع فيه كلّ إنسان مشرف على الموت من ورود تصورات وتخيّلات عجيبة غريبة، قد لا يفهم هو أو مَن حوله معانيها وأسبابَها. فحين يقترب الإنسان من حافة الموت ويكون ما يزالُ في جزءٍ من وعيه، يجد نفسَه في نفق مظلم وأمام خيالٍ واسع من جمال المناظر والطبيعة التي تتراقص أمامه كالأشجار والورود والجبال والوديان والمياه الجارية في أنهار جميلة والطرقات والأضواء والمدينة الساحرة والوجوه الحسنة للصالحين من جميع الفئات ولاسيّما المحبّين والمقرّبين وكلّهم يرفلون بسلام هادئ. إنها مجرّد تصوّرات من خيال بشريّ ناجمة ربّما عن حالة من الهذيان مع اقتراب الحياة من حافة الموت. لكنّها قد تكون أيضًا، علامة شاخصة لما ينتظرُه الإنسان في الحياة الأخرى وما يسعى لبلوغه.
هذه الحالة وحالات أخرى وثّقتها سجلات صحية مستقلّة وكنسية عديدة تشير جميعُها إلى اللحظات الحرجة التي يتصوّرها المدنفون على الموت ومّن قُدِّرَ لهم أن يعيشوا حياة جديدة بعد وشوكهم للاقتراب من نفقه المظلم. قد لا يستغرب الكثيرون منّا مثل هذه الرؤى والحكايات في مثل هذه التجارب الاستثنائية المنقولة من سجلاّت هؤلاء الأشخاص، سيّما وأنّ شبيهاتها وخبراتها ترد في كتب مقدسة وقصص قديسين وناس صالحين وصوفيّة من جميع الأديان والثقافات. وهي علامات ربما ليس من السهل القبول بها في عصرنا، بالرغم من عدم استحالتها. فالمريض عادة ولاسيّما مَن اشتدّ به المرض واقترب من حدود الموت يمكن أن يتخيّل الكثير من الصور والمناظر التي تتراقص أمامه كالأخيلة دون أن يعي ما تعنيه هذه، وكأنه يقترب من عالم آخر مختلف عن عالمه الدنيوي. ولكنها حالة واقعة أشبه بالظاهرة أثبتتها تحقيقات الأطباء بشهادات القائمين عليها ومن أصحاب التجربة أنفسهم. فهل يمكن الاستنتاج أنّ ما بعد هذه الحياة حياةً أخرى في ضوء هذه الظواهر والتجارب؟
في ضوء هذه المعطيات المتغيّرة والجدلية نفهم إذن، وجود حياة أخرى ما بعد الموت، شئنا أم أبينا. وهذا ما تعلّمُنا إياه الأديان ووفق ما نتلقاه منذ صغرنا عبر معرفة ومعلومة وتلقين في أبجديات الأديان التي تحاصر فكر الإنسان وعقله وتصدع رأسَه. ولكن كيف هو شكلُها بعد حياة الشقاء القصيرة قياسًا بالحياة الأخرى ما وراء الإقامة المؤقتة على الأرض؟ يقول الواعظ الفرنسي الكبير بوسيويه :"ما قيمة المائة سنة أو الألف منها بما أنّ لحظة واحدة تمحوها بلمح البصر؟".
في هذا المجال، نقرأ أيضًا اختلافات في مديات هذه التصورات وطبيعتها. لكنها جميعًا، مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمسألة اليقين  convictionوالقناعة مقارنة مع رأي العلم الذي لا يقبل  بغير الحقائق البيولوجية سندًا في مثل هذه الشهادات والخبرات الخارجة عن الطبيعة أحيانًا من أجل تثبيتها واعتمادها وثائق غير قابلة التشكيك والنقض. وحيث أن الحياة التي لا تُرى في مثل هذه التجارب تبدو غاية في الجمال والواقعية لأصحاب التجربة الذين تتراقص مثل هذه المناظر الماورائية في مخيلتهم في لحظات تجارب سكرات الموت، يقف العلم حائرًا أيضًا في كيفية فهم طبيعة عمل دماغ الإنسان الغائب عن الوعي في مثل هذه اللحظات الحرجة. فهل هذا يعني أن وعي الإنسان في هذه المرحلة الحرجة بين الحياة والموت يعمل من دون دماغه الذي يغيب عنه في اللحظات التي تُعرف بالوفاة السريرية علميًا؟ هذا ما ينبغي أن يثبته علم الطب في حالة تجربة الاقتراب من الموت التي تنتظر الكائن البشري، سواءً بوعيٍ منه أم بغير إدراكه. ولكنه من المؤكد، أن روح الإنسان تنفصل عن جسده حين الموت، وبحسب قناعات وتعاليم أديان معينة، هذه الروح التي تصعد إلى السماء أو أيّ مكان سواه، تعود لتعانق الجسد البالي بعد القيامة. فالصالح في أفعاله مصيرُه الجنّة استعدادً لرؤية الديّان العادل، ولكنْ بصورة جسدٍ روحيّ ونفس صالحة. أمّا الطالحُ فبئس المصير وإلى جهنّم حيث الهلاك في النار وصرير الأسنان. وهناك مَن يعتقد بوجود محطة وسطية بين الجنّة وجهنّم سُميت ب"المطهر"، حيث يُنتظر من المُدان المطلوب قضاءَ فترة الإصلاح والندم على بقايا آثار الخلل في بعض مواقع حياته.
ويبقى للإنسان أن يسمح لنفسه بالقبول بهذه الرؤية وهذا الاستعراض في ضوء ما اختزنه من إيمان أو يقين بشكل هذا الإيمان، أو الالتفاف عليه ونبذه وعدّه مجرّد خرافات فيما لو اعتقد جازمًا بعدم وجود حياة أخرى ما بعد الموت. ولا شيء من يقين جازم يمكن القبول به. فالأمر متروك لكلّ إنسان يلاقي مصيرَه في الموت بحسب يقينه وإيمانه أو جحوده ونكرانه.



39
حرائق العراق متواصلة، مَن يُطفئ أسبابَها
لويس إقليمس
بغداد، في 10 أيار 2021
تسارعت دول وحكومات ومنظمات لإعلان تعاطفها مع ذوي الهالكين والمصابين بكارثة مستشفى ابن الخطيب التي حصدت أرواح أكثر من ثمانين ضحية لجأوا إلى هذا المستشفى الحكومي للتشافي من الإصابة بفيروس كورونا لثقتهم بالنظام الصحي الوطني العراقي بالرغم من تهالكه الواضح. وبالتأكيد، لو تسنى لهؤلاء المرضى اللجوء لخيارات أفضل، لما ترددوا حينها. وجاء الردّ سريعًا من دولة رئيس مجلس الوزراء بسحب اليد من مسؤولين كبار في مؤسسات الدولة المعنية، بدءًا بوزير الصحة ومحافظ بغداد وإدارة المستشفى المنكوب بعد تصاعد مشاعر الغضب والاستياء الشعبي والمنظماتي في انتقادها لأشكال الإهمال والتقصير والاستخفاف بصحة المواطنين ودمائهم. كما لم تبخل تغريدات وتعليقات وكتابات وتحليلات بالمساهمة في التنبيه للحالة المزرية وأشكال الإهمال والتخلّف والضعف والهزالة التي تتصف بها مؤسسات أكبر وزارة خدمية ما تزال خاضعة لبازار المتاجرة والبيع في سوق السياسة التي تضطلع بها أحزاب السلطة، بل وتتكالبُ للحصول عليها بسبب ما تقدمه من عسل غنيّ يسيل له لعابُ أحزاب السلطة منذ 2003 ولغاية الساعة. ومن حق المغرّدين أن يستنكروا “صمت” بعض السياسيين والزعماء الدينيين في العراق عما حصل، “بعكس تفاعلهم الواسع مع الأحداث السياسية” وكلّ ما يخصّ مكاسبهم ومنافعهم ومصالحهم، ومنها استعدادهم غير المسبوق لجولة الانتخابات القادمة في 10 تشرين أول القادم، والتي يخشون فيها فقدانهم جزءًا كبيرًا من قاعدتهم الشعبية التي أيقنت في النهاية مدى مكرهم ودجلهم وضحكهم على عقول الناس والناخبين منذ 2003 مدعومين بغطاءٍ دينيّ وطائفيّ أصبح في عداد الاستهلاك السياسي الذي لم يعد ينفع.
ما يجري في العراق من حرائق وفواجع وكوارث صار من الأمور الاعتيادية لدى شعبٍ بائس أوكلَ همومَه ومصيرَه وحياتَه قسرًا بأيدي ساسة الصدفة الذين اعتادوا خديعتَه وغشَه وتخييب أمله بهواجس ومزاعم عديدة منها الدينيّة والأخروية والإماميّة والولائية والعشائرية والقبلية التي تصبّ جميعًا في مصلحة زعامات السلطة ولاسيّما الدينية والإسلاموية منها أكثر من غيرها. وقد أبدعت هذه الأخيرة وأدواتُها وأذرُعُها التي تكاثرت كالأميبا، في إدارتها للعملية السياسية بأدواتها القسرية مستخدمة المال السياسي والنفوذ والسلطة والسلاح في إقناع الأتباع بضرورة الاستمرار في الإذعان لأولي الأمر بحسب توجيهات زعامات دينية لا تدخّر جهدًا أو مناسبة إلاّ وأعادت التذكير بضرورة تواصل مثل هذا الولاء الأعمى خشية من فقدان السلطة وذهابها لجهات وطنية أخرى يكونُ ولاؤُها للعراق، وحينئذٍ سوف تخسر المكتسبات والامتيازات التي تجيّرُها لصالح جهة الولاء إليها.
لذا ومن منظار الاحتفاظ بالمناصب والمكاسب في دوائر ومؤسسات الدولة، وضمن نظرية التمسك بأهداب السلطة حفاظًا على الامتيازات العديدة، وما أكثرها، تدخل هذه الكوارث بأشكالها وأنواعها ضمن مفردات الحياة اليومية المعتادة. وحيثُ إنه من الطبيعي أن تتصدّر الفاجعة صفحات الصحف وأن تتناقلُها وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة المحلية منها والعالمية في لقاءات وتحليلات بالصورة والصوت، إلاّ أنّ ما يُخشى منه، أن تلقى ذات النصيب السالب في ملفات قمامة النسيان والتي يُبدعُ ساسة البلاد وزعاماتُ السلطة ومتولّو هذه الوزارة "المملوكة" لجهة سياسية أو حزبية أو زعامة دينية أو حشدية بدرجها في الآخر على الرفوف مثل سابقاتها من أمثال فاجعة جسر الأئمة وسبايكر ومستشفى اليرموك وحوادث الشورجة والكرادة والحبيبية ومثيلاتها في محافظات العراق من دون تحديد. لذا، لا ضمان بعدم تكرار ذات المصيبة أو شبيهاتها في أية مؤسسة أو دائرة أو سوق أو مبنى أو مشفى آخر وبأشباه النتائج التحقيقية التي يُسدل عليها الستار كالعادة وتُطوَّق ضدّ مجهول أو بسبب تماس كهربائيّ لخاطر عيون الجهة الحزبية أو الزعامة السلطوية التي تتحكم بهذه الجهة، ليبقى الدم العراقي وحياة المواطن أرخصَ ما موجود في سوق البازار الرائج. وفي النهاية سيسكت أهلُ الضحايا بتخديرِهم بحفنة من ملايين الدنانير التي ستغدقُ عليهم من جهات حكومية ودينية ومنظماتية لتكون الفدية والديّة في احتساب شراء الدم العراقي بأبخس الأثمان بحجة الشهادة أو القتل غير العمد. ثم يأتي الدور التكميلي للمرشحين المنافقين، ونحن على أبواب انتخابات مستحقة، كي يكملوا دورة التخدير بهدايا وعطايا ووعودٍ إضافية تكميلًا لدور مؤسسات الدولة في طمس معالم الحوادث المؤسفة المتتالية. 
مهما كانت الأسباب وأيًا كانت نتائج التحقيقات التي ستخرج بها اللجنة التحقيقية المشكّلة من كبار المسؤولين في الدولة، فإنها لا تعفي الجهة السياسية التي تدير شؤون هذه الوزارة بمثابة "دكان" يدرّ عليها موارد وعائدات لإدارة شؤونها الحزبية والسياسية والفئوية الخاصة بها، حالُها حال باقي وزارات الدولة العراقية المتهالكة ومؤسساتها التي تُباعُ وتُشترى في بازار السوق الكبير قبيل الانتخابات وإبّان تشكيل أية حكومة. وهذا منوالُنا منذ السقوط الدراماتيكي للدولة العراقية المؤسساتية في 2203 ولغاية اليوم. لقد ساد الإهمال والهزالة إدارةَ عموم مؤسسات الدولة العراقية، وأضحى همُّ الجهات السياسية التي تتحكم بالوزارات التي تحصل عليها بموجب اتفاقات وتوافقات متبادلة المصالح بين الجهات السياسية يتلخصُ ببسط السطوة الكاملة على مقدّرات وموارد الوزارة أو المؤسسة أو الدائرة نزولاً إلى الأقسام والشعب ووصولاً إلى درجة المنظف (الفرّاش) والحارس. وهذه من الكوارث التي حلّت بالبلاد عندما أصبحت مؤسسات الدولة رهينة بأيدي هذه الجهات السياسية التي تدّعي الحكم باسم الاستحقاق الانتخابي وبغطاء الدين والمذهب والطائفة والقومية، فغابت عنه الاحترافية وغادرت الضمائر مواقعها في رؤوس أهل البلاد وأصبح الإخلاص والغيرةُ والإبداعُ في العمل في خبر كان. وهذا ما يُنذر من دون أدنى شكّ بتكرار مصائب قادمة في ظلّ غياب التخطيط الصحيح وضوابط العمل المهنيّ وفشل الإدارات غير الجديرة وفقدان الكوادر الكفؤة التي جرى طردُها وتحييدُها واستبعادُها لتحلّ محلّها عناصر جاهلة ومتخلفة لا تحمل القدر اليسير من الكفاءة والجدارة والاستحقاق في العمل والإدارة على السواء بحجة انتمائها لأحزاب السلطة وأركان الحشد المتنمّر من الولائيين غير العابئين بمصلحة الوطن وأهله الحقيقيين.
 من هنا، نعتقد ببقاء مؤسسات البلاد ودوائرها وأسواقها ومعظم أبنيتها بمثابة قنابل موقوتة قابلة الانفجار في أية لحظة لأسباب عديدة، منها الافتقار للآليات الصحيحة في الإعمار ووسائل البناء والضوابط التي تحكم أنظمة العمل والتشغيل وغياب الصيانة وتأمين حالات الطوارئ وما سواها من مستلزمات ضرورية للأمان. وهذا ممّا يستدعي تواصل الضغوط الشعبية على الجهات التنفيذية في مؤسسات الدولة، لاسيّما الخدمية منها كي تبقى بعيدة عن التنافس التحاصصي للأحزاب الفاسدة الحاكمة بعمومها من أجل ضمان ما يمكِّن من إبعاد هذه المؤسسات الخدمية عن مكامن الخطر ما أمكنَ ذلك.
ثقافة الاستقالة والاعتذار
في الدول المتحضّرة، ليس هناك ما يُشاع عندنا من حقّ شرعيّ بتولّي هذا المنصب أو ذاك وفق نتائج انتخابات مزوّرة في أعلى مسمياتها ومشكوك فيها من قبل أهل الدار قبل الغريب. فالمنصب يبقى تكليفًا وليس تشريفًا ويستحقه مَن لديه مواصفات القيادة الحكيمة والإدارة الرشيدة والكفاءة العلمية والعملية، مضافًا لها الخبرة المطلوبة في ميادين العمل ونضارة الضمير الحيّ في خدمة الوطن والشعب على السواء والالتزام الشريف بالعمل والمسؤولية الموكلة إليه بجدارة وأريحية ومهنية عالية. وكلُّ مَن يشعر بعدم قدرته على تلبية متطلبات المهنية والشفافية والجدارة يتوجب عليه الانسحاب من المسؤولية المكلَّف بها من دون تأخير ولا تردّد. ولنا في الواقع الحياتي العربي السابق والراهن نماذج ممّن تسنّموا مسؤوليات عليا ووزارات ومؤسسات ولم يستطيعوا تحقيق الالتزام المطلوب في العمل والإدارة، فانسحبوا من الحياة السياسية والعملية مرفوعي الرأس وبشرف. فقد سبق لوزيرة الصحة الكويتية قبل سنوات أن اعتذرت عن الاستمرار في موقع المسؤولية الأعلى على رأس الوزارة لفشلها في إدارة وزارتها وتردّي أوضاعها بسبب حريق ناجم عن الإهمال في أحد المشافي الوطنية. كما أحسن الوزير الأسبق للصحة بالعراق علاء العلوان بتقديم استقالته حينما تراءى له عدم المقدرة على محاربة مافيات الفساد المعشعشة في وزارته وشعوره باستحالة إجراء التغييرات والإصلاحات طالما بقيت الوزارة أسيرة نفوذ كتلة سياسية أو زعامة حزبية تتحكم في مواردها وعقودها وتعييناتها. وفي ذات السياق، نقف عند أقرب حادثة من هذا النوع، عندما تعرّض الأردن حديثًا في أحد مستشفياته لحادثة إهمال نادرة مشابهة قبل أسابيع حين اعتذر وزير الصحة وقدّم استقالته بسبب خطأ لم يرتكبه وراح ضحيته عدد من مرضى كورونا. ومثلهما العديد من الوزراء والمسؤولين في دول العالم من الذين شعروا بعدم القدرة على إدارة مواقع المسؤولية التي تسنّموها. 
هذه هي ثقافة تولّي المسؤوليات في البلدان المتحضّرة، إلاّ في العراق حيث يبقى المكلَّف لصيقًا بالكرسي ولا يروم المغادرة لو تسنى له ذلك. أمّا الاعتذار، فلا وجود لمثل هذه الثقافة العالية في سجلات المسؤولين والساسة في العراق. ومّن حاول منهم في فترة عصيبة وحرجة قبل سنوات، فقد كانت بداعي "التقية" حين الشعور بخوار القوى والخشية من فقدان القواعد الجماهيرية للأتباع والشعور بقرب سحب البساط من تحت سلطتهم والخوف من تعرّضهم لاحقًا لعواقب وخيمة يستحقونها بلا رحمة ولا شفقة بسبب الأذى الذي ألحقوه بعامة الشعب نتيجة لفسادهم وطغيانهم واستغلالهم للنفوذ لتحقيق مآربهم ومآرب الجهات والدول التي تقف خلفهم. 
لذا، وانطلاقًا من فرضية كون هذه الوزارة أو تلك المؤسسة من ممتلكات الجهة السياسية الفلانية التي حازت عليها بالتوافق مع بقية الكتل الفائزة في انتخابات شبه مزورة كاملةً، يكون من المستحيل على الوزير أو المسؤول في دائرة ما المبادرة بتقديم استقالته في مثل هذه الحالات. فهذه الوزارة أو تلك المؤسسة تُعدّ من الممتلكات الخاصة بل من المغانم التي تدرّ عليه وعلى الجهة التي أتت به ودعمته الأموالَ الطائلة طيلة فترة توليه المسؤولية للدورة البرلمانية أو في صفوف الحكومة المشكَّلة وفق نظام التحاصص سيّء الصيت. لذا فالدعوات التي تصدر من هنا وهناك أو عبر تغريدات غاضبة بهذا الخصوص لن تكون ذات قيمة إلاّ في حالة اتسام رأس الجهة التنفيذية في الحكومة العراقية بشجاعة الأسد الوثّاب ورصانة الحكيم الحازم في تقدير الموقف الصائب وإعطاء الحادثة المؤلمة الأخيرة وما سواها ما تستحقه من إجراء رادع بحق المقصّرين والمهملين والمستخفين بحقوق المواطن الذي لا حول له ولا قوة سوى الاستعانة برب السماء للتخفيف عن مصائبه، وما أكثرها وأقساها في بلادٍ ضاعت فيها المقاييس واختفت المعايير وتلاشت الغيرة والضمائر لتصبّ في جيوب الفاسدين. فالتيار الصدري مازال ممسكًا بكل قواه ويعاند لإبقاء هذه الوزارة الخدمية المهمة في حياة المواطن منذ 2005 لما فيها من مكاسب ومنافع وأموال تدرّ على التيار وأتباعه من دون رقيب ولا حسيب. وكان الأجدر برئيس مجلس الوزراء اتخاذ قرار جريء بسحب اليد من جميع وكلاء الوزارة والمدراء العامين المعشعشين فيها منذ سنوات لتلبية مصالح هذا التيار الذي أثبت فشله في أية وزارة خدمية تولاها بسبب سوء الإدارة والفساد. فهؤلاء بالتأكيد هم الذين يؤمّنون حصة التيار الصدري من ميزانية الوززارة التي تتطيار مع الهواء. وهذا ما يتطلب إبعاد الوزارات الخدمية عن أسلوب المحاصصة وتقاسم الثروات بهذه الطرق البشعة واللاأخلاقية.
وفي الأخير، فإنّ المسؤولية في هذه الفاجعة الكبرى لا تقع على عاتق رأس الوزارة فحسب، بل يتشارك معه مساعدوه والمسؤولون التنفيذيون والجهات الرقابية والتفتيشية في هذه الوزارة المؤتَمنة على صحة المواطن وعلاجه. وفي ضوء العواقب الوخيمة التي تسبب بها الحادث المأساوي، لا بدّ من عقوبات صارمة وقصاص ضدّ مَن يظهر التقصير والإهمالُ في مسؤولياته.  وهذا أبسط ما يترتب على رأس السلطة التنفيذية القيام به كي يحدّ من نوازع الإهمال والفساد المستشري، ليس في هذه المؤسسة الخدمية لوحدها، بل هذه حال جميع الوزارات ومؤسسات الدولة المتعثرة لغاية الساعة بسبب تنامي مصالح الأذرع الطائفية والإثنية والفئوية والعشائرية في مرابع الدولة المثقلة بهمومِ حُكمِ ساسة الصدفة ومَن ليس ولاؤُهم قطّ للوطن بل لجهات دخيلة وغريبة. والعبرة هنا في تعلّم الدروس وأخذ الحيطة والحذر في إجراءات السلامة والحرص على صيانة ممتلكات الدولة وتعزيز بنيتها التحتية والقيام بتحسين الخدمات كي تساعد هذه جميعًا في امتصاص نقمة المواطن المقهور أصلاً. كما أن الوقت ليس للشماتة والانتقام والمزايدات السياسية بهدف الدعاية الانتخابية، بل في البحث عن الأسباب التي ساهمت وتسهم في تفاقم الكوارث والحوادث والحرائق المتواصلة التي ليس لها نهاية، كما نسمع ونشهد في كلّ يوم جديد.
تمنياتنا لوزارة الصحة بالشفاء العاجل من أمراضها في الإهمال والترهل وسوء الإدارة وأشكال الفساد في دوائرها ومكاتبها. عسى أن تعود لها نضارةُ صفحاتِها المشرقة التي اتسمت بها أيام الزمان الجميل عندما كانت قبلةً للعلاج ورائدة في الشفاء يقصدها الأشقاء من جميع أقطار الوطن العربي ويصبو لها الأغراب من دول ومنظمات لاحتضان علمائها وأطبائها من الذين زيّنوا ومازالوا يزيّنون مشافي ومؤسسات علمية وطبية عالمية رصينة تفخرُ بشخصياتهم ومسؤولياتهم وقدراتهم الرائدة. حينها فقط، سيكون لعلوم الطبّ وأطباء العراق وعلمائه تقديرٌ يليقُ بهم في بلادهم وشأنٌ عالميٌ يٌحتذى به، عندما يعي كلٌّ مسؤولياتِه، وحينما يحترم السياسيُّ والمسؤول في الدولة رجلَ العلم، وعندما تضعُه الدولة في موقعه المناسب، وليس بمحاربته ومطاردته لكونه يشكلُ عبئًا على المسؤول الجاهل ومدّعي الدين المتخلّف خوفًا من مزاحمته إياهم على الموقع والمنصب الذي يستحقه العالِم الواعي وليس المدّعي الجاهل. هذه هي الحقيقة بين العالِم والجاهل. صراعٌ مريرٌ متصلٌ ومتواصلٌ، غيرُ جديرٍ بالتنافس ولا يقبلُ المقاربة والتشابه مهما علا قدمُ المسؤول في الدولة والسلطة وزاد ثراؤُه وعظمَ فسادُه وكبرَ دجلُه.

40
الجوائح في العالم، وقائع من التاريخ
لويس إقليمس
بغداد، في 7 نيسان 2021
عرف تاريخ البشرية أصنافًا شتى من الجوائح أو ما يمكن تسميتها بالأوبئة الفتاكة القاتلة التي صعبَ السيطرة عليها أو علاجها بشريًا وبما يخفّف من الخسائر العامة والخاصة التي أحدثتها هذه في صفوف الجنس البشري وعلى دبيب الأرض بأشكالها على السواء. فقد شهدت البشرية في الحقب التاريخية الماضية أوبئة قاتلة مثل الجدري والسلّ والطاعون والحصبة والجرب واشكال الحميات وأنواع الإنفلونزا، وحديثًا كارثة السيدا أو ما سُمّي بالإيدز (نقص المناعة المكتسبة)، وآخرُها فيروس جائحة كورونا الذي أقلق العالم وهزّ العروش وحجز شعوبًا وأممًا في منازلها وضمنَ أسيجة بلدانها وأدّى تفشيه المذهل إلى إغلاق الحدود ومنع التنقّل واتخاذ إجراءات قاسية للحدّ من انتشاره بعد أن حيّر العلماء والبشر العاديين في كيفية وروده والشكوك بصناعته بشريًا والخشية من وجود مؤامرة دولية تقوم بها جهات مستفيدة من ظهورِه ومن آثاره السلبية القاتلة على حاضر البشرية ومستقبل الأجيال التي لم تولد بعد. وهذا بحسب مراقبين ومحللين ومتابعين لأشكال الأزمات التي خلقتها هذه الجائحة المستجدّة والمتحوّرة بشكل غريب، سائرٌ ربّما ضمن التصوّرات الجديدة للخارطة المرتقبة للأرض على يد "الأسياد"، رعاة المال والاقتصاد بالاتفاق مع المقاولين في مجال الصحة والمال والسياسة.
عمليًا، لا يمكن نكران مساهمة وسائل التنقل السريع بسرعة انتشار الأوبئة مؤخرًا بالرغم من الوعي الصحي والتقدم التقني والطبي لدى عموم شعوب الأرض، تمامًا كما ساهمت الوسائل المتخلفة في أزمنة سابقة في انتشار هذه الأوبئة نتيجة لعدم توافر الوسائل المتقدمة التي من شأنها التخفيف من حدّة هذه الأمراض القاتلة وكذلك بسبب النقص الحاد آنذاك في العنصر البشري الذي يفترض قيامُه بما يترتب عليه من تهيئة المستلزمات المادية التي من شأنها المساهمة في الرصد والحدّ من الانتشار وفي استخدام العلاجات المتوفرة من صنع البشر. من هنا قد تكون المقاربة في مقارنة تأثيرات وخسائر جائحة كورونا مع ما شكّله وباء الطاعون الأسود مثلاً، والذي ضربَ مناطقَ عديدة من العالم في أزمنة مختلفة من التاريخ. ولعلَّ أشدَّها وأكثرَها عنفًا وألمًا وخسارة حينما اجتاحَ هذا الوباء العالم الأوربي في القرن الرابع عشر وبالذات في السنوات من 1346-1352م. ففي هذه الحقبة نجد الآثار الكارثية التي أوقعها الطاعون بحصاد أكثر من ثلث سكان هذه القارة بحسب "جوليان لوازو" أستاذ تاريخ القرون الوسطى في جامعة مرسيليا في فرنسا الذي يشيرُ إلى تقاربٍ وصفي في الكارثتين في مقابلة له مع مجلة "باري ماتش" الفرنسية. وفي وصفه لطريقة انتشار الوباء حينذاك، يشيرُ هذا العالم إلى نوعٍ من بكتيريا تنقلها بعض القوارض القذرة التي صعبَ مقاومتها والقضاء عليها ومعالجتُها حينذاك بسبب ضعف الإمكانيات المتاحة بشريًا وعدم استيعاب هول الكارثة التي شاع تسميتُها بالموت الأسود بسبب الرعب والدمار الذي أحدثه في المنازل والكنائس والشوارع. ووفقًا لرؤيته، وبسبب ذلك الوباء، فقد توقفت الحياة في بعض المدن المصابة والتزم العامة والخاصة منازلهم في انتظار الموت الزؤام على الأسرّة ووراء الأبواب المغلقة أو بملاقاة المصير الأسود على الطرقات وفي الشوارع والأماكن العامة، بحيث صعب التقاط الجثث ونقلها إلى المقابر لكثرة عددها والخوف من العدوى الحتمية. وجدير الإشارة إليه بحسب بعض الروايات في تلك الحقبة المظلمة، ارتفاع أسعار الشموع بسبب كثرة استخدامها في نقل جثث الموتى والهالكين بسبب الوباء إلى المقابر.
من المعلوم ايضًا، أنّ أقرب الوسائل لنقل عدوى تلك الأوبئة في حينها، كان بسبب التجارة عبر البحار التي كانت رائجة بين دول العالم على بطئها وخفتها حيث كانت تستغرق أسابيع وأشهرًا، وليس كما نشهده اليوم من سرعة انتشارها كالبرق بسبب تقدم وسائط النقل والتكنلوجيا وسرعة الحركة البشرية والسفر الرائج دون الاكتراث أحيانًا للنتائج المترقبة. هناك مَن يعتقد من أطباء العرب في القرن الرابع عشر بأنّ وباء الطاعون الأسود الذي وصل أوربا في حينها، قد أُتيح له الانتشار انطلاقًا من الصين أيضًا، تمامًا كما يسود الاعتقاد الراهن بكون هذا البلد مترامي الأطراف هو السبب في نقل فيروس جائحة كورونا في العام 2019.
عصيات الطاعون
بحسب دراسة علمية رصينة في علم الأنساب الخاصة بعصيات الطاعون، توصل المعنيون بكون هذه العصيّات هي السبب في انتشار وباء الطاعون في العالم، وذلك انطلاقًا من منطقة التبت حصرًا حيث موطن هذه العصيّات المستوطنة في مجموعة من القوارض البرّية وذلك ربما بسبب بعض الخصوصيات البشرية وطبيعة الحياة التي تتميز بها هذه البقعة من العالم. ويرى بعض هؤلاء أن الغزوات المغولية التي اجتاحت مناطق متعددة من العالم، ومنها أوربا ودول الشرق يمكن عدُّها من وسائل نقل أدوات الطاعون إلى هذه الشعوب، بالرغم من عدم الإقرار ضمنًا بكونها السبب الأساس الوحيد لنقل عدوى هذه الجائحة كي لا تُظلمَ جزافًا.
بذات الطريقة والوسيلة نخلص لافتراض نقل أدوات جائحة كورونا إلى العالم الراهن بسبب القدرة الاقتصادية المتميزة لهذه البلاد الشاسعة في الوصول إلى أقصى أراضي الكرة الأرضية وغزوها بطريقتها الخاصة بها. فنحن ندرك وسائل الاتصال المتاحة آنذاك في الربط بين البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود لأغراض التجارة، كونها من الوسائل الرئيسية في التنقل والتجارة. وهذا ما يفسّرُ وصول الطاعون إلى أوربا، ومنها فرنسا بالذات وعلى وجه التحديد بسبب التجارة الدولية التي كان يمارسها التجار بين البلدان، ولاسيّما في موانئ المدن الرئيسية مثل الإسكندرية في مصر ومرسيليا ونورماندي في فرنسا وصقلية في إيطاليا ولندن في بريطانيا وغيرها. وهذه المدن كانت رائجة تجاريًا، ما يمكن القول إن الحركة فيها قد يسّرت الطريق لانتقال العدوى أكثر من غيرها وإحصاء زيادة في عدد الوفيات الدراماتيكية المقلقة. وغالبًا ما، كانت الدوائر الكنسية وصفوف المؤمنين المقرّبين منها من المتطوعين هي الجهة التي تتبنى تقديم المساعدات الغذائية والعلاجية المتوفرة على شحتها وكذلك في عمليات دفن الضحايا الكثيرين بالرغم من المخاطر التي يمكن أن تشكلها وسائل الاتصال الجسدي والمادي المباشرة مع جثث الهالكين أو عائداتهم ومقتنياتهم والتلوث في الأجواء.
ظلمُ الزمان وقهرُه
لسنا هنا بصدد توجيه اللائمة على بلدان أو جهات أو أفرادٍ لاتخاذهم كبش فداء لما عانت منه البشرية في أزمنة سابقة ولا في أيامنا هذه عندما تمّ توجيه اللوم على بلد معين وشعبٍ معيّن متهمٍ بتناول حيواناتٍ ودبيبٍ غير مستساغٍ ترفضه شعوبٌ أخرى على وجه الأرض. فكما حصل في الماضي السحيق، حين اتُهم اليهود بنقل أمراض مثل البرص والجذام والتي عُدّت عارًا على بشرٍ ابتلتهم السماء كي "تظهرَ إرادة رب السماء وقدرتُه على البشر غير الأسوياء" بحسب نظرة بشرية ضيقة من فئاتٍ ترفعت عن طبقات ٍ مسحوقة من البشر والفقراء والمعدَمين، يمكن تسجيل ما يحصل حوالينا في أيامنا هذه من شبيه الاتهامات التي ساقها البعض ضدّ شعوبٍ في القارة الصينية. فهذه في ظاهرها وباطنها لا تخرج عن فحوى هذه النظرة الضيقة غير السوية وغير العادلة تجاه هذه الشعوب المتحركة في نشاطها المتنوع والتي تحب الحياة على طريقتها وتجيد استنباط الجديد والمتطور لتنميتها واستمرار عيشها وفق منظارها القارّي المتميّز. ولكن المهمّ في هذه الويلات التي تأتي من جرّاء الجوائح والأوبئة والأمراض تكمن في قدرة الإنسان على استغلالها واتخاذها عبرًا ودروسًا لتغيير العقليات والكفّ عن الحكم المسبق غير المنطقي على أشكال البشر وتصانيفهم وسلوكياتهم بالرغم من أن الحكم المطلق أولُه وآخرُه من اللهّ خالق الكون وليس من لدن البشر الذي يبقى ضعيفًا في قدراته الحقيرة التي لا يمكن أن ترقى إلى قدرات الخالق الجبارة. فظلمُ الزمن وقهرُه لا يميّز أحيانًا أحدًا. وهذا ما يفسّرُ أن الموت حقٌّ على الجميع وليس بمقدور كائنٍ مَن كان أن يقف بوجهه حينما تأتي الساعة ويخطف الموت بني البشر كاللصّ في الليل الذي لا يُعرف أوانُ قدومه ووقتُ هجومه على البيت من أجل سرقته. فتلك الساعة وذلك الوقت لا يعلمُه إلاّ ربُّ العالمين ولا أحد سواه. كما أنّ الموت في سلوكه العبثي أحيانًا لا يميّزُ بين الملك المتعالي والإنسان البسيط، بين الرئيس والمرؤوس، بين الفقير والغني، بين الزعيم الديني والمؤمن البسيط، بين الرجل والمرأة، بين الكبير والصغير. فالكلّ سواسية أمام القضاء الإلهي.
إنّ ما نشهدُه اليوم في سلوكيات البعض من البشر إزاء جائحة العصر كورونا، قد لا تختلف عمّا شهده العالم إبّان وباء الطاعون الأسود. فحينذاك، تذكرُ بعض كتب التاريخ لجوء ذواتٍ من الطبقة الارستقراطية للهجرة خارج مناطق سكنها هربًا من أشباح الموت الزؤام الذي حاصر مدنًا كبيرة بأسرها. وتتكرّرُ شبيه تلك الحكاية اليوم بمغادرة بشرٍ لمناطق عيشهم وسكنهم قصدًا للتحصّن من وبال الجائحة. وتلكم مفارقة لا تدخل في حسابات القدر الذي لا يعرف التمييز بين زيد وعبيد، بين قويّ وضعيف، بين سيد القوم وحقيره، وفي اية بقعة من أرض الرحمن الواسعة. فالكلّ يبقى عرضةً للإصابة بالمرض والكلُّ سيتأثر من قريبٍ أو بعيدٍ. فلا شروط للهرب منه مهما كان موقع الإنسان ومنصبُه وتأثيرُه وشخصُه، حتى المتلقون للقاحات المتعددة التي أخرجتها مصانع إنتاجية بقصد التجارة وممارسة مهنة الشفاء سواءً بسواء، خابت ظنونُهم ولم تتوفر لهم فرصة ضمان التحصّن من القادم المجهول. فما تزال اللقاحات المطروحة تثير شيئًا من الغموض في فعاليتها ونجوعها ومدى مواجهتها لقدرات الفيروس على التحوّل والتلوّن والتطوّر في أساليب مهاجمتها الشرسة للبشر.
لقاحات آمنة
إنّ الأمل يحدو بالبشرية والاختصاصيين بالأمراض الانتقالية والعاملين في المَخابر أن يصيرَ التوصل العلميّ العام إلى لقاحات آمنة وأكثر فعالية تسهم في منع الإصابة قدر المستطاع من أجل إبعاد الجنس البشري عن المخاطر التي تحوم حوله، ولكنْ بأقلّ الخسائر وبتصفير التأثيرات الجانبية المشكوك فيها والتي ماتزال تثير تساؤلات عديدة مشروعة، ما حدا بالبعض للتقاعس والتصدّي لأخذها، خشيةً من الوقوع في شراك تأثيراتها المجهولة على الصحة الجسدية. فكلٌّ يخشى على صحته وصحة وأحوال محبيه وأهله وأصدقائه وشعبه نتيجة لضعف الثقة التي عمّت عامة البشر والجهات العلمية والصحية التي اختلطت مخططاتُها وتوجهاتُها مع استراتيجيات وسياسات "أسياد العالم" غير الظاهرين الذين يديرون دفة القاطرة البشرية انطلاقًا من مواقفهم السياسية ومواقعهم الدولية، كلّ بحسب مصالحه ومنافعه ومكاسبه.
لذا، فإنّ ذات الوصف الذي عرفه التاريخ في أزمنة الجوائح، قد يكون قريبَ الشبه فيما يحصل بشأن فيروس كورونا والهالكين بسببه، حيث خيّمَ الخوفُ وساد الرعبُ على أيّ شيء وكلِّ شيء يمسُّ مريض كورونا والمدينة والبلد الذي انتشر فيه، بالرغم من ضربه كلّ بقاع الأرض وبشرها من دون تمييز بسبب سرعة التنقل ووسائل الاتصال المتعددة المساعدة في إمكانية انتشاره. إلاّ أنّ حالة الفوضى التي تركها فيروس كورونا ربّما تختلف في بعض آلياتها ودوافعها وأسبابها عن تلك التي تركتها جوائح التاريخ لأسباب عديدة منها مستوى الوعي وتوفر وسائل الوقاية وتعدّد مراكز العلاج والحملة العالمية لإيجاد العلاجات الواقية، ومنها اللقاحات التي ما تزالُ تثير القلق والحيرة والخوف في صفوف البشرية. ففي الوقت الذي تدعو فيه المنظمات الصحية العالمية ومراكز العلاج الدولية للتحصّن بأخذ اللقاح، هناك أطرافٌ علمية واجتماعية تشكّك في مقدرة اللقاحات المطروحة في الأسواق بمنح الحصانة الصحية لمَن يقتبلها. بل ذهب البعض لاعتبارها مؤامرة دولية تسعى من ورائها شركات عالمية كبرى تحقيق أرباح عظمى من ورائها. ناهيك عن الجدوى العالمية المخطَّط لها فيما يخصّ مستقبل البشرية على الأرض والأهداف المخفية وغير المكشوفة المنتظرة من وراء الجائحة. وفي كلّ الأحوال، فالبشرية ضائعة بين الأمل والخوف، بين الرجاء واليأس، بين الفرج والضيق ممّا يجري من دون بروز ما يمكن أن يشفي الغليل ويهدّئ من روع الإنسان المغلوب على أمره في أمر هذه الجائحة.
وقانا الله شرّ بلائها وشفى مرضاها ورحم الهالكين بسببها.


41
سوق العمل في ظل الجائحة، أزمات مضاعفة
لويس إقليمس
بغداد، في 24 آذار 2021
لا أحد يشكّ في ما آلت إليه أحوال الشعوب والدول من بؤسٍ وتراجعٍ في الحقوق الآدمية التي فرضتها ظروف الجائحة وتحوّرات فيروساتها المستجدّة منذ أن اجتاحت العالم نهاية 2019، وماتزال تداعياتُها قائمة بقسوة وبشدّة رهيبة تُخيف العالم وأساطينه وحكوماته، بالرغم من الجهود الدولية للسعي لاحتواء المرض القاتل بشتى الطرق الوقائية والدوائية لغاية الساعة. ولعلّ من بين التداعيات العديدة لهذا الوباء القاتل الذي لم يشهد التاريخ له مثيلًا من حيث الشراسة واكتساح كلّ شيء وأيّ شيء أمامه، تعريض البشر إلى أزمات متلاحقة في الاقتصاد والسياسة والإدارة والعلاقات على أشكالها وتفاعلاتها، ومنها شبح البطالة القاتل الذي خيّمَ على أجواء المصانع والمعامل، ما أدّى إلى إغلاق تامّ أو شبه تامّ لهذه ولغيرها من الشركات التي كانت سندًا وتمويلاً لمعيشة الملايين من البشر.
أساسيات الحقوق
بالرغم من كون العمل وما يأتي من ورائه من كسبٍ لكفافِ اليوم وما يضيفهُ من ادّخار للبعض الآخر يقع من ضمن أساسيات الحقوق المواطنية في أية بقعة أو بلدٍ، إلاّ أنّ البشرية وقفت حائرة متسمّرةً أمام معضلة البطالة وما حتّمته من تداعيات ومشاكل عائلية وأسرية ومجتمعية ووطنية وعالمية في شموليتها للجميع. ومع كلّ الإجراءات المساندة واشكال التمويل التي تقدمت بها دولٌ متقدمة حضاريًا ومدنيًا في أنظمتها السياسية انطلاقًا من حق المواطن بتأمين عيشه ومعيشة أسرته بكرامة وشرف، إلاّ أنّ النظام المالي والتمويلي لم يستطع الصمود في بعض هذه الدول أمام التحديات الكبيرة المتزايدة بسبب استطالة فترة المحنة وامتداد تأثيراتها لميادين أخرى تأثرت بها قطاعات واسعة وخلقت مشاكل منزلية وأدّت إلى أزمات عائلية بين الأزواج وأفراد الأسر والأصدقاء عندما حدّت من العلاقات المجتمعية بكلّ اشكالها ووسائلها ومفرداتها.
لقد تراجع سوق العمل في كلّ المجتمعات بدرجة مخيفة ومضطربة لا تُنبئ بخير قريبٍ قادم، إلاّ في حالة ترقّب تغيير جذريّ إيجابيّ قادمٍ في وسائل تفكير الزعامات التي تحكم العالم وتتسيّد المشهد العام للحكومات وأذرعها في مناطق نفوذها. ومن هذه الوسائل الإيجابية المنتظرة من زعامات العالم بطبيعة الحال، عندما تعمد بحسن النية على تطبيق معايير إنسانية غير استغلالية ضدّ فئات هشّة وقابلة الانكسار بسبب ضعف هذه الأخيرة وعدم قدرتها على مواجهة الواقع والتحديات الكبيرة بسبب فقدانها الوسائل والأدوات التي تمنحها الثقة بالنفس والقدرة على المواجهة وكسب الرهان بكفاءتها المغيّبة وبقدراتها الكامنة التي تخشى إبرازَها لأية ظروفٍ أو أسباب. فعندما لجأت دولٌ متقدمة تفاعلت "مواطنيًا" باحترامٍ مع مجتمعاتها المتحضّرة، حصل ذلك لكون مواطني هذه المجتمعات اتصفت بكامل الثقة بالنفس وبقدرتها على مواجهة التحديات الصعبة بتعاونها المتضامن مع الدولة والمؤسسات التنفيذية للوصول إلى الأمان النفسي والجسدي والفكري والعلمي وتجاوز سقف المحنة بأقلّ الخسائر الاقتصادية والبشرية. وهذه تُحسب تمامًا لهذا الصنف من الدول المتقدمة، بالرغم من الخسائر البشرية التي راحت ضحية الجائحة بسبب التهاون وعدم الاكتراث أو الالتزام القاصر ببروتوكولات الوقاية والحماية والحذر. إلاّ أنّ سلوك الحياة اليومية في هذه الدول المتحضّرة صمدَ وواظبَ على شكل وأسلوب الحياة الجديدة التي فرضتها شروط الجائحة بسبب الضمانات وأشكال المساعدة والحزم التمويلية الضخمة التي تكفّلت بها حكومات هذه الدول في علاج الأزمات الاقتصادية وتأثيراتها الجانبية على الحياة المجتمعية وأشكالها ومفرداتها التي تأثرت بفعلها.
إنه من المؤسف أنّ بعض الأنظمة السياسية القلقة والمضطربة في منطقتنا، ومنها بطبيعة الحال النظام السياسي الهزيل القائم في العراق، بسبب غياب الإرادة القوية والإدارة الرشيدة، قد وقعت فريسة لأشكال عديدة من المخالفات والخروقات بحق المواطن البائس الذي احتار في أمر معيشته واستصعبَ تدبير شؤونه ومتطلبات بيته وأسرته بسبب شحة فرص العمل أو فقدان عمله أو وظيفته في أسواق القطاع الخاص. في حين واصل حياتَه الطبيعية من دون مشاكل تُذكر مَن احتمى بوظيفة عامة في صفوف الدولة المترهلة التي صارت ملجأً تمويليًا للمجتمع العراقي بالرغم من انتفاء وقصور إنتاجية موظفيها وبلوغها نسبة مقرفة لا تتعدى عشر دقائق في يوم الدوام الكامل، هذا في حالة عدم احتساب ما تفجّرت به قرائحُ الساسة ونوابُ الشعب بزيادة مثيرة في أيام العطل الرسمية وما زيد أو يُزاد عليها من أيام أخريات حسب قناعة الجهة التنفيذية في المركز أو المحافظات. وهذا ما يُعزى لتراكض المواطنين للتعيين في دوائر الدولة التي تكفل مرتبًا مضمونًا للمعيشة دون القطاع الخاص. والسبب واضح ومؤسف، لكون الدولة وإداراتها الفاشلة افتقدت لأبسط إجراءات التخطيط وخلت برامجُها من أية استراتيجيات تكفل وسائل وأدوات بناء الوطن والبشر معًا بالتكافل والتضامن مع القطاع الخاص الذي هو أساس بناء الأوطان وتقدّم صناعته وزراعته عبر تشجيع وسائل الإنتاج وتحفيز هذا القطاع المهمّ لأداءٍ أفضل من خلال سنّ التشريعات والقوانين الصحيحة التي تكفلُ له مثل هذا التقدّم في العمل والإبداع والإنتاج كي يتنافس مع المستورد الخاضع لإرادات جهات سياسية مرتبطة بدول الجوار التي لا يطيب لها تقدّم القطاع الخاص الوطني في البلاد.
ضمان اجتماعي مقابل المواطنة

صحيحٌ أنّ شرائح مجتمعية في الدول المتقدمة قد خسرت وظائفها غير الثابتة في سوق العمل في القطاع الخاص بسبب الإغلاق التام أو الجزئي لصغار الشركات والمصانع، لكنها لقيت من جانب حكوماتها كلّ الدعم وأشكال المساعدة بصورة مباشرة أو عبر تنظيمات حكومية أو منظمات خيرية فاعلة في مجتمعاتها. وهذا يُحسب سلوكًا إيجابيًا لهذه الحكومات التي تضمن قوانينُها أبسط أنواع الرعاية الاجتماعية ولو في حدودها الدنيا، تقديرًا للصفة المواطنية لكلّ فردٍ يعيش فوق أراضيها. ومنه ما يتنعم به اللاجئون الشرعيون وغير الشرعيين المقيمون في هذه الدول. وممّا لا شكّ فيه هناك أفرادٌ ومواطنون عراقيون سبق أن اتخذوا من دول غربية ملجأً آمنًا لهم ولأسرهم، مازالوا يستفيدون من حسنات نظام الرعاية الاجتماعية في دول الاغتراب بالرغم من تمتعهم بامتيازات مالية ووظيفية في بلدهم الأصلي بسبب ميزة المواطنة المزدوجة، بعكس مَن بقي صابرًا صامدًا من مواطنيهم طيلة فترة الأزمات التي تعرّض لها الوطن والشعب بسبب تقلبات أنظمة الحكم.
ومن محاسن الأنظمة المتقدمة في العالم، بما فيها دولٌ إقليمية وعربية شقّت طريقها نحو التحضّر والتمدّن واحترام حقوق البشر الذين ترعاهم أبويًا، التزام أرباب العمل باللوائح الوطنية في بلدانها بأقصى ما يمكنها ذلك حين تولدت لديها القناعة الكافية بمراعاة ظروف موظفيها وعمالها بعملٍ جزئيّ حفاظًا على كرامة المواطن لحين استتباب الظروف وعودة الحياة إلى دورتها. وهذا الإجراء جاء في بعضٍ من أسباب جزئياته بسبب تعاون الحكومات مع سوق القطاع الخاص من أجل إبقاء كرامة الموظف عالية قدر المستطاع وعدم تعريضه للإهانة والتسمّر في الساحات والشوارع بحثًا عن مورد خائب شحيح في زمن الغدر والفاقة. ومن المفارقات بين ما حصل في العراق قبل أكثر من عام فيما يخصّ انتفاء الحاجة لأربع مواليد متتالية وإحالتهم على التقاعد القسري وتوظيف بدائل عنهم بحجج واهية للتخلّص من عبئهم بسبب تقادمهم في السنّ، نرى مواقف مغايرة أكثر إنسانية في احتفاظ دول متقدمة بطاقات المسنّين لأطول فترة ممكنة تجاه الذين تجد فيهم كلّ خيرٍ وبركة ومواظبة في زيادة الإبداع والإنتاجية بسبب خبراتهم القوية ومهاراتهم المكتسبة، ما ينمّ عن عمق التقدير والتمسّك بالطاقات المبدعة وليس برميها رمية الكلاب لتجد مصيرها تمدّ يديها بسبب تفاقم الحاجة وصعوبة توفير لقمة العيش لقلّة المرتّب التقاعدي الذي لا يسدّ رمق العيش في أدنى صوره. فليس بهذه الصور الشائنة يتمّ التعامل مع كبار السنّ الذين عندما لا توفّر الدولة ما يضمن حياة حرة كريمة لمواطنيها الذين تقفر بهم فرص العثور على العمل حين تسريحهم قسريًا وعدم توفر نظام اجتماعي وطني يقي حياتهم ويديمُ حصولهم على مورد إضافيّ لإدامة حياتهم بما يستحقونه من لدن وطنهم والمؤسسات التي خدموها طيلة فترة عملهم. وهذا ينطبق أيضًا على سوق العمل في القطاع الخاص حينما تفتقر شركات ومكاتب القطاع الخاص إلى نظام عادلٍ للرعاية الاجتماعية الذي يكفل حياة كريمة للعامل حينما تنتهي فترة عمله لأية أسباب.
في هذا الصدد، ولتسهيل اندماج المنتهية عقود عملهم في الدول المتقدمة، نجد ما يملأ فراغ الدولة عبر نقابات أو منظمات تتولى تسهيل البحث عن فرص عمل ومبادرات اجتماعية لمَن فقدوا وظائفهم أو للباحثين عن عمل يدرّ موردًا يكفي حاجة الحياة اليومية قدر المستطاع. وهذا من حسنات الأنظمة السياسية الصادقة مع شعوبها والباحثة عن خدمة مواطنيها، والسبب يعود للخشية من محاسبتها من قبل الشعب وعزوف الناخبين في دورات لاحقة عن إعادة تدويرهم بسبب الفشل في تأمين ما يسدى من خدمات للناخب. وهذا، بعكس ما يحصل في أنظمتنا المتخلفة والأنانية والمصلحية حيث يفتقر الناخب لأدنى درجات الوعي والإدراك لمصلحته ومصلحة وطنه عندما يقع في كلّ مرة فريسة لوعود معسولة كاذبة في معظمها من جانب القائمين المتلاعبين بمصيره ومصير وطنه. من هنا لا نجد سببًا موجبًا لإدارة الظهر لكبار السنّ الباحثين عن عمل لاسيّما عندما يكونون من طبقة الذين يتصفون بالخبرة الجادة والمهارات الإدارية والمهنية التي من شأنها خلق أجواء إيجابية لزيادة الإنتاج وتقدّم تطبيقات العمل. فحينما يجتمع صناع القرار وأصحاب الخبرات التنفيذية والمهنية يمكن للمشروع، أيّ مشروع، أن يخلق نسيجًا اقتصاديًا ومنتجًا في أعلى مراحله. فهذا إلى جانب الفائدة المرجوّة من الخبرة المهنية والمهارة الإدارية، سيخرج بنتائج مفيدة على صعيد امتصاص البطالة قدر المستطاع عندما تدور الماكنة ويسير العمل بوتائر صحيحة ضمن المخطَّط له.
من هنا، يبقى العمل الوظيفي من القضايا الأساسية لمستقبل المجتمعات في أية دولة أو منطقة من أجل ازدهار اقتصاديات هذه الدول وتعافيها وتجاوز أزمات البطالة وصولاً للتماسك الاجتماعي والتوازن الأسري بدل البحث عن مفرّ أو أنفاق غير مجدية لخلق المشاكل أو الوقوع في المحاذير أو الالتجاء إلى وسائل جرمية غير طبيعية في إنهاء الحياة. فالعمل الجيّد نوعٌ من العبادة وبه يستحق العامل أجرَه كي يعيش كريمًا حرًّا على أساسه والدفع به للمساهمة في صالح الخير العام له ولأسرته ولمجتمعه ووطنه من خلال تطوير القدرات وشحذ القابليات نحو الأفضل. كما أنّ العامل الصالح أو الموظف الجيّد هو مَن يشعر بالفرح الغامر ويجد معنى لعمله حين تحقيقه تقدّمًا في أدائه من دون معاناة أو منغّصات تقف عثرة أمامه. وهذا ما نحتاجُه من صفات وإجراءات لتحقيق العدالة الاجتماعية في محيطنا الوطني. فالكثير من هذه ومن غيرها مفقودٌ في بلادنا وفي مخططات أنظمتنا السياسية المتتالية التي لم تتقدّم خطوات جادّة باتجاه تأمين حياة مواطنيها كما يليق في كلّ مراحل حياتهم.
 



42
البابا غادرَ العراق والعراقيون باقون إخوة
لويس إقليمس
بغداد، في 12 آذار 2021
    غادر البابا فرنسيس بغدادَ صبيحة الاثنين 8 آذار 2021، مبتهجًا سعيدًا وصادقًا مع شعب العراق، عائدًا إلى دولة الفاتيكان بعد إمضاء أربعة أيام مباركة حافلة بلقاءات رسمية ودينية وشعبية، أجمع الجميعُ بأنّها كانت مثمرة. وقد توّجَها في كلّ محطة بلقاء شرائح من المجتمعات المسيحية في سلسلة صلوات وقداديس في مواقع تمّ انتقاؤُها لرمزيتها ودلالاتها والهدف من زيارتها. قد تكون هذه من أكثر الزيارات المتعبة والمنهكة جسديًا لرجلٍ مسنٍّ مثله، ولكنّها ربما تندرج ضمن حساباته الشخصية بكونها من أروع أيام حبريته، بل حياته. وهذا ما حدا به للتعبير عن عظم تقديره ومحبته لكلّ العراقيين، رسميّين ومدنيّين ورجال دين بكلّ أطيافهم وألوانهم، أينما حلَّ وارتحلَ. وقد أبى إلاّ أن يترك جزءً مؤثرًا من شخصه الرعويّ والأبويّ الكريم ومن روحه المُحبة الطيبة، عندما قالَ في القداس الذي أحياه في ملعب فرنسو الحريري في أربيل: "الآن، اقتربت لحظة العودة إلى روما. لكنّ العراق سيبقى دائماً معي وفي قلبي".
غادر البابا إذن، تاركًا جزءً من قلبه الحنون الرؤوف المتسامح الكريم الكبير في كلّ شيء، بين أيادي شعب بلاد الرافدين، مهد الحضارات ودار الثقافات بتلاوينها وتعدديتها وتقاليدها وإرثها. لقد سرّهُ وأسعدهُ كثيرًا أن يشبعَ نهمَه الإنساني من رائحة العراق الذكية الطيبة وناسِه الطيبين طيلة أيام زيارته الميمونة وأن يتلذّذ بأكلة بقلاوته الشهيرة بعدما أيقنَ استحقاق وصفِه بالحديقة الغنّاء وارفة الظلال التي من شأن قدراتها الفياضة الكامنة شمولَ كلّ أبناء مكوّنات العراق بلا تمييز وبالحق في العيش الحرّ المشترك وفق مبدأ "الأخوّة الإنسانية" التي اتخذها شعارًا ومحورًا في رحلته "جميعُكم إخوة"، تأكيدًا على ضرورة التعايش السلميّ الذي وحدَه كفيلٌ بالتأسيس لمجتمع متحضّر، آمنٍ، منفتح، متضامن، مستقرٍّ، متسامح، كريم في مفهوم احترام الاختلافات، مهما كانت في طبيعة الدين أو العرق أو الجنس، وذلك حفاظًا على رصانة البلاد والعباد وحمايتها من كلّ أشكال التمزّق والفرقة والعنف والاضطهاد والتمييز غير المبرّرة التي تهدم ولا تبني، تضرّ ولا تنفع، تمزّق ولا توحّد.   
غادر البابا، ولكنّ الكثيرين مصرّون على قطف ثمار هذه الزيارة التاريخية بالبقاء متجذّرين في أرض إبراهيم أبي الأديان والمؤمنين، أملاً بانتظار عودة مَن خرجَ مضطرًّا غير مُخيَّرٍ في ظروفٍ حتّمت عليه مغادرة البلاد قسرًا، بسبب ما عاناه من قهرٍ وظلمٍ وقسوة وتهميشٍ وتمييزٍ وتهجيرٍ وخسارة ممتلكات وأعزّاء للظروف الاستثنائية الظالمة التي نعرفُها. فقد ساهمت الحكومات "اللاوطنية" المتعاقبة بشيءٍ كثير من هذه الظروف الظالمة عندما أشاحت النظر عن حقائق صادمة عاشتها مجتمعاتُ المناطق المتضررة من سيطرة عصابات الإرهاب الداعشي عليها من دون الالتفات إلى حقها بإعادة ما جرى تدميرُه من بشرٍ وحجرٍ وثقافة وتراثٍ وممتلكات وإرث حضاريّ وتعويضُها بما يحتمُ عليه الواجب الوطني. بل جاءت مثيلاتُها من ميليشيات مدعومة من أحزاب السلطة وتحت غطائها الحمائي لتكملَ ذاتَ النهج في مواصلة سلسلة الإرهاب والعنف والترعيب، ولكن من طرازٍ جديد تمثّلَ بأشكالٍ "فانتازية" من التغيير الديمغرافي، لاسيّما في المناطق التي تشهد تاريخيًا لجذور الأقليات الدينية والعرقية في محافظات بشمال البلاد التي ما تزال تعاني من آثار الدمار والخراب التي شهدها البابا بأمّ عينه متحسّرًا ووصفها بالخسارة الفادحة. فقد تعمّدت جهاتٌ متسلطة عبر الحكومات المتعاقبة على إبقاء ذات النهج التمييزي في أشكال الإهمال والاستخفاف والتغاضي عمّا يحصل في مناطق تواجد الأقليات الدينية والعرقية في المناطق التي شهدت أقسى مراحل التهجير والنزوح والتهديد بالعَرض والأرض، ما ساهم بما لا يقبل الشكّ في المشاركة ضمنيًا بعملية منهجية مخطَّط لها بعناية من أجل استمرار الدفع بتغييب وتهجير ما أمكن من ابناء هذه المكونات الأصيلة وتواصل إبعاد أتباعِها عن الوطن وتمزيق نسيجهم المجتمعي والدفع بانسلاخهم قسرًا من مسقط الرأس والأهل والأحبة. فكان نصيبُهم طرقَ عتباتِ التهجير القسري والتشرّد في بلدان الاغتراب طلبًا للأمن والسلام وكفاف الخبز المضمون والاستقرار النفسي والعائلي بعد أن ماتت الضمائر وطغى صوت القتل والعنف واشتدت وطأة الفساد لتعمّ الإدارات الفاشلة للحكومات الهزيلة المتعاقبة منذ سقوط البلاد على أيدي الغازي الأمريكي الظالم وشلّة استقدمَها بغباء لكونها لم تفهم غيرَ لغة التخوين والانتقام ونهب الثروات والإثراء على حساب الوطن والشعب الصابر.
نظام اجتماعي بثقافة جديدة 
لم تشهد زيارة أي مسؤول في أية دولة في العالم في الزمن الحاضر، ما نالته زيارة بابا الفاتيكان إلى العراق من حيث الاستقبال الرسمي والجماهيري وتفاصيل اللقاءات رفيعة المستوى وتعددّ المواقع الرمزية روحيًا وتراثيًا واجتماعيًا وتاريخيًا. فكلّ موقع وطأته قدماه، كان بدافع المشاركة الوجدانية الصميمية بغية إعطاء نفحة إرشادية مقصودة المعاني ودروسٍ مهمة لصالح إعادة بناء النسيج المجتمعي الوطني على أسس العدالة والمساواة ورفض التمييز بين المكوّنات على أسس دينية ومذهبية وعرقية، والتأكيد على الحق في الحياة الإنسانية وكسب القوت اليومي الشريف لكلّ المواطنين من منطلق كونِ الثرواتِ الوطنية ملكًا للجميع وليس للمتسلطين والحكام والفاسدين وأذنابهم وأتباعهم. فما تفوّه به أمام المسؤولين رسميًا أو الحضور شعبيًا، لم يجرؤ غيرُه لقوله، لكونه أخرجَه من صميم قلبه ومن بواطن روحه الإنسانية الطيبة التي حملت سلامًا وتفاؤلاً وأملاً ورجاءً بغدٍ أفضل للجميع ومن دون تفرقة. وحين لقاء القطبين الروحيين، قداسة البابا فرنسيس الفقير إلى الله مع نظيره المرجع الشيعي السيستاني الذي وصفه برجل الله وبالحكيم، سادت أجواء الوقار والألفة والتسامح لتكون نهجًا وطريقًا أمينًا لبناء الوطن عبر التأكيد على ضرورات العيش المشترك ضمن أجواء التسامح الديني المطلوب بين مختلف الأديان والطوائف، ما حدا بالرئيس العراقي لوصفه بلقاء "قمة الاعتدال والتسامح وخير منهجٍ في الوسطية والتحاور والتعايش". ولعلَّ هذا من أهمّ مفردات الرسائل التي حرص الطرفان على نقلها لعموم الشعب الجريح المظلوم الذي يعاني منذ ما يربو على ثمانية عشر عامًا من قهر نفرٍ من ساسة فاقدين للضمير والحياء طغوا بظلم سلوكياتهم غير الوطنية وغير الإنسانية على بني وطنهم بعدما تغوّلوا على سلطة الدولة وأفرغوها من محتواها الوطني الضامن لحقوق الجميع بحسب الدستور والقوانين والأعراف الإنسانية التي لا تقبل بظلم أو تهميش أو أذية أحد. 
لقد سرى مفهوم التسامح الديني الذي أرسى له لقاءُ الحبر الأعظم مع سماحة السيد السيستاني، ليكون خارطة طريق واضح ضمن أولويات ساسة البلاد، والذي بغيابه لا يمكن خلق مجتمعات متجانسة ومتعايشة بنظام سياسي عادلٍ يكفل حق الجميع بوطنٍ ذي هيبة وسيادة وعصمة تكون بيد الشعب وليس بأيدي الغرباء والدخلاء الذين ارتضوا أن يبيعوا أنفسهم ووطنهم وأهلَهم للغير من دول الجوار وولاتها الطامعين بأرض الوطن وثروات البلاد. ومن دواعي نجاح هذا اللقاء، أن ترنوَ نخبٌ وطنية وثقافية وسياسية مستقلّة رصينة باتجاه البحث عن عقد اجتماعي جديد ونظام سياسيّ مختلفٍ تمامًا عن الذي سلكته حكومات ما بعد الغزو الأمريكي المجحف بحق العراق وأهلِه، تمامًا كما أشار السيد رئيس جمهورية العراق في كلمته الترحيبية المؤثرة. ومن شأن مثل هذا النظام الجديد المرتقب الذي يُتوقع أن تُثمر عنه نفحاتُ التغيير المنتظر القادم عندما يصحو العراقيون ممّن مازالوا في غفوتهم ليدركوا مدى الكارثة التي أوقعتهم فيها زعامات السلطة الحاكمة وأحزابُها الفئوية في كلّ مرّة يقترب العراقيون فيها من موعد الانتخابات. فقد أجاد الساسة لعبتهم بجدارة وبمهارة خيّبت الآمال الوطنية في كلّ مرة، بالرغم من إدراك الكثير من ابناء الشعب العراقي مدى تغوّل الأحزاب الحاكمة بلا رحمة وإثراء معظمها على حساب الشعب والوطن وتفوّقها في أشكال الفساد والإفساد وفي كلّ ما تعجزُ عنه الألسن وتسرد له صفحاتُ الصحف وتصفه مواقع التواصل الاجتماعي وتتطرق له الفضائيات على اختلاف مسمياتها واتجاهاتها.
من هذا المنطلق عينه، أيقنت النخبُ والقطاعات المختلفة في البلاد، أن لا بديل إلاّ بتغيير العقلية وطبيعة الثقافة ونهج التفكير لتصبَّ جميعُها في خانة نظام سياسيّ مختلف النهج والرؤية وبعقد اجتماعيّ- سياسيّ جديد عبر الدعوة الناصحة والداعمة لمثل هذا التغيير الجذري في السلوك والآليات إيمانًا بقدرة الشعب على التجديد والتجدّد وانتشال البلاد والعباد من الوضع المزري الذي آلت إليه. وهذا ما ينتظرُه حقًا مَن تبقى من شرفاء الوطن الباحثين بفارغ الصبر والأمل عن وطنٍ مفقود، مرهونٍ بأيادي غير أهله. وتلكم من جملة النتائج المؤملة التي يمكن أن تلهمها الزيارة التاريخية لبابا السلام والتي ينتظر الجميع ثمارَها على أرض الواقع. ولعلَّ إعلان رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي، باعتبار يوم السادس من آذار من كلّ عام، يومًا للتعايش السلميّ في البلاد ودعوتَه لعقد حوار وطني بين جميع القوى العراقية لحل جميع المشاكل والصراعات بشكل جذري، تندرجُ ضمن بوادر هذه الإيجابيات وتبيان مفعولها.
في اعتقادي، ما حصل من تفاعلٍ كبير من جانب شرائح واسعة من مختلف المشارب والثقافات والأديان في المجتمع العراقي الباحث عن مفرّ آمنٍ وخروجٍ سلميّ من عنق الزجاجة الخانق الذي أوجدته زعامات السلطة ومَن سار على دربها المدمّر للمجتمع، هو الطريق الآمن الصحيح للتفكير ألف مرةّ ومرّة بتغيير السلوك في خيارات الحياة بعد إفسادها من أطراف الأحزاب الحاكمة وفق مبدأ المحاصصة وتقاسم الكعكة. وهي البداية الصحيحة للدعوة لتشكيل لوبيات مجتمعية والانخراط في تشكيلات سياسية جديدة لا تمتُّ بأية صلة لأحزاب السلطة الحالية وتفرّعاتها التدويرية لشخوصٍ تلبي وتكمل ذات الفكر الطائفي والنهج المحاصصاتي ولكن بوجوهٍ شبابية وأخرى لطيفة جاذبة تسعى لفتنة المواطن البسيط بعَسَل الكلام وجمال الوجه الحسن.
من هنا، جاءت جزئيات من رسالة البابا أيضًا، لتؤكدَ مضمون التغيير المطلوب في منظومة الحياة السياسية والاجتماعية للعراقيين باستلهام قدراتهم الكبيرة من أجل إنهاض البلاد من قساوة أحزاب السلطة بسبب ابتعاد هؤلاء عن مصلحة الوطن والشعب عندما تطرّقَ قداستُه إلى مسألة ضرورة "ترميم المجتمع والإنسان بالتزامن مع ترميم ما أصابَ المدن والبنى التحتية من دمار". لذا، وجبَ على ساسة البلاد أن يدركوا أنه عندما جاءَ البابا "حاجّأ تائبًا طالبًا شفاء الجراح وعزاء القلوب"، فإنّما تلك دعوة ملحة للتغيير التي تنتظر دعمًا ومساندة من المجتمع الدولي وأصحاب النوايا الحسنة والإرادات الطيبة في تغيير الفكر والعقل والرؤية والاستراتيجيات التي تبني وتعمّر وتُسعد البشر بدلًا من قساوة القلب وظلم الناس وهدر المال العام والسرقة واللصوصية والانتقام والتشبّث غير المبرّر بالسلطة وفرض الأجندات الدخيلة والغريبة على أهل الوطن وإدامة الشعور السلبيّ بالمظلومية الدائمة لفئات استأثرت بالسلطة حين اعتلت المشهد السياسي بدعمٍ من الغازي المحتلّ من غير استحقاق للكثير من شخوصها، لاسيّما القادمين على ظهور الدبابات الظالمة بالرغم من تجاوز هذه المرحلة السلبية منذ زمنٍ.
استثمار الزيارة
بعد الأيام الجميلة المعدودات من الفرح العام الغامر الذي ساد معظم أوساط المجتمع العراقي بزيارة بابا الفاتيكان، إلاّ من ذوي الإرادات السلبية الطاردة لنهج التسامح والعيش المشترك السليم بين إخوة الوطن، كان لا بدّ من البحث عن مخارج وطنية لاستثمار مفاعيل هذه الزيارة التاريخية بحقّ بالشكل الصحيح الذي يرسم الطريق لكسب ثمارها المرتقبة وبما يُؤمّنُ المصلحة العليا للوطن والشعب على السواء. هناك مَن رأى فيها مجاملة ومساندة للمشهد العراقي السياسي القائم من جانب أعلى رئاسة مسيحية كاثوليكية في العالم وفقًا لرؤىً مداركية قاصرة لا تأخذ في الحسبان جملة الرسائل التوبيخية المبطنة الموجهة للزعامات الكتلوية والحزبية والإسلامية والطائفية المتسلطة على رقاب الشعب منذ ما يربو على ثمانية عشر عامًا. وهذه الفئة القليلة المعترضة على الزيارة التي لم يتيسّر للحبر الأعظم اللقاء معها أو بالأحرى لم يسعفهُ برنامج الزيارة المنهك والمكثّف أن يملآَ فراغها ويكسب ودّها، لم تتعمّق جيّدًا في الأسباب والتبريرات الموجبة التي وقفت حائلاً دون قدرته على تلبية كافة الطلبات والتمنيات باللقاء. فقد وضع قداستُه في حسبانه ما اختلج أفكار هؤلاء وغيرهم ممّن منّوا النفس بتحقيق اللقاء أو المشاهدة عن قرب توثيقًا للذكرى. فمن الواضح، أنّ برنامجه المكثّف كادَ أن يرهقه بسبب سنّه المتقدّم ووضعه الصحّي غير السليم تمامًا. ومع كلّ هذا وذاك، فقد حافظ على ابتسامته الراعوية وحسن تفاعله مع المستقبلين بكلّ جوارحه، معربًا في كلّ لقاء وحدث وموقع عن عظيم امتنانه لشعب الحضارات والثقافات الذي لا يستحق مثل هذه المعاملة السيئة وأشكال أدوات الاستخفاف من قادته السياسيين الذين تراكضوا نحو مصالحهم الشخصية والفئوية والطائفية الضيقة تاركين الشعب غارقًا في ويلات الأزمات والحروب المتلاحقة منذ عقود. ومَن يتمحص في كلمات وعباراتٍ ساقها قداستُه في مجمل لقاءاته، يرى فيها تباشير خيرٍ قادمٍ للشعب المظلوم في قليل الأشهر القادمة بما يخصّ إعمار ما جرى تدميرُه في مدن العراق من دون تمييز. وهذا من ضمن الوسائل الكفيلة في إيجاد رؤية وطنية شاملة لاستثمار دروس الزيارة بجذب انتباه المجتمع الدولي نحو إعمار ما دمّرته الحروب المتعاقبة على العراق وبخاصّة ما فعلته عصابات الإرهاب الداعشي طيلة فترة احتلاله لبلدات ومدن عانت من عنفه وبطشه وتدميره ونهبه وتعنيفه وقتله وسبيه واغتصابه وتهجيره لشرائح كثيرة بسبب فقدان الأمان والحياة الكريمة.
إنّ ما شخّصته عيناه من آثار الدمار الشامل في مدينة الموصل التي خصّها بصلاة أبوية وسط الأنقاض، كفيلٌ بالإشادة بما قام به هذا الشيخ الثمانينيّ وهو يتأملُ ويتفكّرُ ويعيدُ في مخيلته تلك المشاهد المرعبة التي عاشها أهل المدينة، ومثلُهم أهلُ العراق بعموم تلاوينه الدينية والقومية. ومن أروع ما شهدته عيناه ذلك العرس العفويّ الذي ترافق مع هلاهل النساء والرقص التقليدي وكلمات الترحيب من أهل بلدة قرقوش بأطراف الموصل والتي تمثل أكبر تجمّع مسيحي سريانيّ في العراق، حين اشاد البابا فرنسيس بدور المرأة العراقية التي خصّها بسلام خاص وتحية حارة نظرًا لدورها الرائد في بناء الأسرة والعمل مع الرجل في إعادة ترميم ما دمّرته أيادي العنف والتشدّد والانتقام. لقد هاله حقًا، ما شاهد من أعمال التدمير الوحشيّ في كنائس وجوامع ومساجد ومعابد هذه البلدة ومساكن أهلها المسالمين الآمنين، معبّرًا في ذات الوقت عن دهشته لسرعة الاستجابة لأعمال الترميم القائمة بفضل مساعدات المنظمات الدولية والكنسية المختلفة من دون أن تحظى بأية لفتة "تعويضية" من جانب السلطات الحاكمة لغاية الساعة. وفي اعتقادي، سوف تزيد جهات دولية من اهتمامها بشؤون العراق بعد هذه الزيارة التي يمكن عدُّها لفتة وفرصة استثمارية يمكن للحكومة والجهات الرسمية والشعبية استغلالها لصالح البلاد والعباد بالتفاعل مع الجهات الدولية المستعدة للمساعدة والمساهمة في إعادة بناء الإنسان العراقي وبلد الحضارات وبلداته المدمّرة التي تنتظر فعاليات كبرى لإعادة التأهيل والبناء واسترجاع اللحمة المجتمعية. ولعلَّ ما يسرُّ أكثر، تفاعل رؤساء دول وزعامات دينية مختلفة مع أجواء الزيارة الإيجابية ودروسها الكثيرة التي تُنبئ بانتظار حصول نقطة تحوّل حقيقية في المنظومة السياسية في هذا البلد وفي عموم دول الشرق الأوسط التي تعاني من أزمات مستفحلة ومتلاحقة نالت قسطًا وافرًا من عدم الاستقرار والفوضى والفساد وأوجه الظلم.
كما أنه من اللطيف جدّا، أن تتواصل صفحاتُ الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي والفضائيات لأيامٍ وما تزال لغاية الساعة، بتطرقها إلى تفاصيل الزيارة ومضامينها ومفاهيمها والمخرجات المتوقعة منها عبر تقارير موقعية ومتابعات جريئة مع شرائح مختلفة في المجتمع العراقي وخارجه، وذلك لاستبيان أهمية الزيارة والنظر بكيفية استثمارها على الكثير من الأصعدة، ومنها بطبيعة الحال كيفية إصلاح النظرة الخاطئة للبعض ممّن يصرُّ على الشذوذ الفكري والمجتمعي لعدم اعترافهم بصحّة "أخوّة بني البشر" بعضهم للبعض. وتبقى مقولة الإمام علي من أروع العبارات:" الناس صنفان، إمّا أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق". فهذه ما تزالُ ترنُّ في أذهان البشر الأسوياء، ومنها اقترانُها بشعار البابا الذي رفعه في زيارته. وهذا جديرٌ بترك أدران الماضي المليء بالترّهات والأقاويل التي لم تعد تنفع مع تطوّر العصر وتقدم العلم وأدواته. لذا كان لا بدّ أن يدرك الجميع بأن أفضل وسيلة لتقدّم المجتمعات والأمم تكمن بخلق بيئة إنسانية يتشارك فيها جميع ذوي الإرادات الصالحة كي تنعم مجتمعاتهم على اختلاف أديانها وقومياتها وأعراقها وأجناسها بما يتناغم مع ما يجمعها من مشتركات جامعة وليس بما يفرّقها في حسن تلاقيها وتعارفها وتآزرها وتضامنها بدل صراعاتها وحروبها وانتقاماتها غير المبرّرة. فالجميع إخوة ضمن خيمة "الأخوّة الإنسانية" التي دعا إليها بابا الفاتيكان في الوثيقة التي وقّعها مع شيخ الأزهر في 2019. وما يزال صدى هذه الوثيقة شاهدًا على ضرورة آليات التغيير القائمة في عقلية التداول وأساليب الاعتدال والتسامح التي أعقبت التوقيع عليها. ومن شأن نشر هذه السمة الجليلة في وسط الناس والمجتمعات أن تسهم بما لا يقبل الشكّ بوضع حدود لكلّ أشكال التمزّق والانقسام في المواقف الوطنية التي لا تقبل الجدل طلبًا لحياة أفضل واستقرار دائمٍ يكفل الحياة الشريفة والآمنة لكل المواطنين، والانطلاقة من مثل هذا الاستقرار نحو وضع الآليات والبرامج الوطنية من أجل جذب السياحة واستثمار ما هو قائم من شواهد حضارية ومواقع آثارية تجمع الديانات التوحيدية الثلاث، كما حصل في أور مدينة أبي الديانات إبراهيم. فالشعوب المنفتحة على العالم والتي تجيد كيفية استغلال طاقاتها البشرية وكنوزها التراثية والحضارية والآثارية هي تلك التي تعرف أهمية السياحة التي يمكن أن تدرَّ ثروات إيجابية مضافة تعزّزُ من اقتصاد البلاد في تنويع وجذب الاستثمارات التي تخلق فرصًا للعمل وتمتص اشكال البطالة القائمة في كلّ مكان وموقع.
إيذانٌ بالتغيير
في الأخير نقول، مع انفتاح البلاد نحو القوى الإقليمية والدولية، ننتظر وبحرص شديد انعكاس هذه الزيارة على كلّ أشكال الحياة في بلاد الرافدين. فنحن ننتظرُ تفاعلاً جادًّا بين أبناء الوطن الواحد من منطلق الانطباع الإيجابي الذي تركته بصمات هذه الزيارة التاريخية التي نأمل أن تكون بابًا واسعًا نحو استقرار العراق السياسي وعودة اللحمة المجتمعية التي حاول وما زال يحاول البعض من الشواذ ومن المرتبطين خارج الأسوار أحيانًا أن يضعوا العراقيل باتجاه إصلاح ذات البين وما تركته سياسة أحزاب السلطة بوسائلها التدميرية بسبب نهجها التحاصصي المرفوض شعبيًا ونخبويًا. وهذا يتطلبُ من جميع الوطنيين والحريصين على إعادة لحمة النسيج المجتمعي الأصيل كي يستثمروا جهود بابا الفاتيكان ونصائح المرجعية الحكيمة لجذب أنظار العالم واستقدام المساعدات الدولية الضرورية بإعادة البناء الوطني والمجتمعي على السواء. وهذا لن يكون ممكنًا، إلاّ في حالة حصول تطورات وتغييرات جذرية في شكل ونهج المنظومة الاجتماعية والسياسية القائمة بفعل أنانية وفساد الأحزاب المتسلطة منذ 2003 وسط تفرّج وضحك دول الجوار والعالم على هزالة الإدارات السياسية المتعاقبة وفقدان الإرادة الوطنية بالتغيير الضروري وعجزها عن الخروج من براثن العقلية الرخيصة المتمثلة بالخيانة للوطن وأهله وبالطائفية والانتقام ولا تريد الإقرار بسمة المحبة والتسامح التي تفوق في مفعولها مبدأَ القتل والسلب والاغتصاب والسرقة وتنكر فيما تنكر أيَّ احترام للاختلافات العرقية والدينية والجنسية والثقافية والحضارية التي يمكن أن تشكل غنى وثروة للبلاد وأهلها في وجه اية متاهات أو أطماع لشواذٍ من الداخل ودول الجوار والعالم.
كلّ التقدير والاحترام لكلّ مَن ساهمَ في إنجاح هذه الزيارة التاريخية وسعى لأجل تحقيقها بالرغم من كلّ المنغصات والعراقيل والتغريدات التشويهية التي سعى البعض لوضعها أو بثّها. لكنّ رجاء العراقيين وأدعيتهم ودعواتهم لم تخبْ، بل أفلحت وستفلحُ رغمًا عن أصحاب النوايا السيئة. ونحن جميعًا بانتظار نتائجها الإيجابية، باقون في أرض الآباء والأجداد لنعيد إرثهم ونجدّد حضارتهم ونؤيّدَ تمازج الثقافات المتعددة بفسيفسائها الجميلة وفق رؤى متجددة إيجابية لمعاني الأخوّة المتنوعة، وإنْ تكن حالمة في بعض جزئياتها.


43
تقديس التاريخ والبشر أم صناعة الحياة
لويس إقليمس
بغداد، في 10 تشرين ثاني 2020
كنّا دومًا نقول ونردّد، إنّ في العراق خزينًا واسعًا من الأفكار والقيم والرؤى التي يمكن الاعتماد عليها في صنع حياة جديدة لأبناء العراق ومشاركتهم للإنسانية جمعاء في البناء المعاصر الشامخ الذي يمكن أن يشكّل قاعدة معيارية مستقبلية لإعادة بناء الشخصية العراقية وفق مقاييس وطنية تجابه العصر والحاجة والظرف بعد جرفها مرغمةً بطوفان التبعية والولائية والتقديس العبثي المفرط لأشخاص ومسمّيات ومراسم ومظاهر دخيلة وغريبة لا ترقى لتاريخ الوطن الحضاري والثقافي والتعددي. فالمغالاة في أية مظاهر "تقديسية" للفرد أو الجماعة أو الدين أو المذهب أو الطائفة أو القومية أو العشيرة أو القبيلة وما سواها من مفردات دونية أو فرعية ثانوية هي في نظر القيم السماوية المقدَّسة (بفتح الفاء) خروجٌ عن طاعة خالق السماء والأرض والعناصر. فهو وحده هو القدّوس الطاهر ولا أحدَ سواه، إلاّ ما يخصّ الأوطان الطيبة التي تحتضن البشر القاطنين فيها والمستغيثين بها والمعتاشين عليها بفضل نعم السماء ورحمة الله الخالق الواسعة. وأية محاولة أو انجرار باتجاه إضفاء صفة "القداسة" و"المقدَّس" لأية مسميات أخرى لغير الله بقدرته الجبارة والأوطان بخيراتها الفياضة، بما فيها من مسميات بشرية ضعيفة ومواقع مستحدثة للعبادة والزيارة، هي خروجٌ عن إرادة الله القدير الماسك الأرض والسماء بيديه دون سواه. بل يُعدّ ذلك عبثًا ومساسًا بصفة لا تليق إلاّ بالخالق العظيم وأوليائه وقدّيسيه الأصفياء، بعد أن انتشرت مؤخرًا صيحات نشاز تُسبغ سمة "المقدَّس" على بشرٍ وأضرحة لا شأنَ لها بأضرحة الأئمة والقدّيسين الذين أكرمهم التاريخ ومنحهم حقّ حمل هذه الصفة حصرًا، حفظًا لكرامتهم وتقديرًا لمنزلتهم التاريخية وعلوّ شأنهم بين البشر بفضل أعمالهم الطيبة وكراماتهم.
صناعة الحياة
مربط المقدمة يترافقُ مع مقترح رائع لأحد الزملاء في نخبة اقتصادية متميزة في تغريدة أخرجها بكلّ جدارة وجرأة نابعة عن حرصٍ وطنيّ غير مشكوكٍ فيه. وفي حالة تطبيقه سيكون له شأنٌ في إعادة بناء الشخصية العراقية وزرع بذور التنوير في صفوف الشعب اللاّهث وراء ترّهات وتقاليد غير منتجة في حياته عندما يجري تعطيل الحياة قسرًا في مناسبات الزيارة الأربعينية لأخوة الوطن من أبناء المذهب الشيعي وغيرها من مناسبات مذهبية ولأيام عديدات، كما هي الحال هذه الأيام في تقليد استفزازيّ لمناسبة زيارة الإمام موسى الكاظم. ففي هذه الزيارات المليونية غير الحضارية التي تتقاطع مع العقل والحكمة والمنطق، صارت تتأثر بها مصالح الوطن والناس على السواء، لأنها تجري بغير مسوّغ ولا حقّ، بل  أصبحت تُفرض على عموم الناس ورغمًا عن الجميع. وفي هذا السلوك غير المسوّغ، الشيءُ الكثيرُ من انتهاكٍ لحقوق الناس واغتصابٍ لحريات باقي المكوّنات أو حتى لشرائح كبيرة من أبناء ذات المذهب الذين ينساقون إليها تماهيًا مع الدعاة إليها، حتى في حالة إدراكهم انسياقَها لأخذ مسارات وأشكالًا غير حضارية، ومع ما تسببه من اختناقات مرورية بسبب قطع طرقٍ لتأمين مسيرات الزوار البسطاء السذّج المعتقدين بما لا يفقهون به أو يدركونه. هذا إذا أضفنا إلى هذه جميعًا ما تعانيه مؤسساتُ الدولة العراقية طيلة فترة المناسبة من شللٍ شبه مطبق يُضفي ضعفًا على هيبتها المسلوبة أصلاً ويلقي بظلاله على وسائل تنمية اقتصاد البلاد المترنّح. وهذا ما يتطلّبُ تنضيجَ الأفكار وتنوير البسطاء من الناس الذين ينساقون كالخراف بلا روية ولا تفكير ولا تمحيص وراء دعوات وتحريضات دعاة تكريس التخلّف وإبقاء البشر أسرى مثل هذه التقاليد الاستهلاكية المتخلفة التي لا تخرج عن سمة التبعية الساذجة لأولي الأمر بدعوى "التشوير" في حالة رفض المشاركة أو عدم الانصياع للضرورة المذهبية التي يعدّها هؤلاء جزءً من سلوكيات إيمانية لا بدّ منها لبلوغ المرام وحصول الكرامات وتعزيز القدرات وإنفاذ سلطة الحكم.
    فكرة هذا الزميل المبدع في أفكاره، تنبع من مداركه الواسعة ورؤيته الوطنية الطيبة بتطرقه العملي لإمكانية تغيير شيءٍ كثيرٍ من مظاهر "التقديس" غير المجدية الجارية في مناسبات الزيارات المليونية إلى المدن "المقدسة!". وقد تنفع الفكرة أيضًا، حين تطبيقها في غيرها من الزيارات والمناسبات الشعبية عند سائر المكوّنات الأخرى في جنوب العراق ووسطه وشماله حتمًا، في حالة وجود الإرادة الكافية لتحويل مثل هذه المناسبات إلى أدوات لشحذ همم الزوار وتوجيههم باتجاه "صناعة الحياة" عبر المبادرة بزرع نخلة نادرة أو شجرة مثمرة لكلّ زائر في الأراضي التي يجتازُها الزائر للوصول إلى المواقع المقصودة. وبذلك نكون قد حوّلنا الصحراء والأراضي البور إلى مزارع وارفة وحدائق خضراء مثمرة، وأعدنا البلاد لتكون "أرض سوادٍ" من جديد تختال بخضرتها وتطيبُ بثمرتها لتضيفَ عوائد غير مسبوقة لخزينة الدولة تعزيزًا لاقتصاد البلاد المنهار. ولنا في مبادرة الفتاة الكردية في شمال الوطن بكردستان، ومثيلتُها التي أقرتها حكومة رئيس الوزراء الأثيوبي "آبي" مؤخرًا، خير نموذج لزرع بذور الأمل بين الحكومة والشعب وتعزيز أدوات جديدة لإدامة تعظيم الثروات والعمل على تنظيف المناخ.
ولأجل بلوغ هذه الغاية، لا بدّ من تكاتف الجهود الجماعية والتوعوية عبر مواقع التواصل الاجتماعي المتعددة وجهاتٍ ذات قدرة في التأثير على إرادة الزوار وسلوكياتهم، ومنها المرجعيات الدينية المتنورة والمتمدنة وأدواتُها المنفتحة بالتعاون مع أجهزة الدولة في الوزارات والمؤسسات المعنية والدوائر الإعلامية والمنظمات الجماهيرية المدنية التي يمكنها التكفّل جميعًا بإدامة هذه المبادرة عبر تهيئة مستلزماتها وضمان متابعة إروائها ونموّها بما هو متيسر ومتاح من أجهزة ريّ متطورة. وبتطبيق هذه المبادرة الرائدة يكون الزائر المؤمن والمواطن الناضج قد ساهم روحيًا بشيء من إيمانه بمعتقده بدل إسباغ صفة القداسة اعتباطًا على الحجر والبشر وترسيم خطوط حمراء على تقاليد ومظاهر استهلاكية غير منتجة بل خارجة عن سمة التحضّر والتمدّن في عصرٍ مضنك لم يعدْ في مقدوره القبول بتخريفات وتأويلات وأحاديث وطرائف عفا عليها الزمن، لاسيّما بعد أن اجتازَ البشر مرحلة العولمة إلى سارية الرمز الرقمي الذي يتحكم اليوم في كلّ شيء وأيّ شيء.
من هنا، نقول إنّ حاجات الإنسان المتغيرة تقتضي اليوم التزام رؤية جديدة في النظر إلى الحياة المعاصرة، إلى "صناعة الحياة" وليس بالتراجع المتقهقر إلى تاريخٍ أصبح من الماضي ولم يعد مقبولاً إعادةُ توليفه وإنتاجه بوسائل غير حضارية فيها الشيء الكثير من مظاهر الغرابة في التقديس والاستهلاك غير المبرّر وفي البذخ الذي يحضّ لأشكالٍ جديدة من أدوات الفساد. فهذه، كما نشهد جميعًا، صارت تكلّف الدولة والشعب أوقاتًا ضائعة ومبالغ مهمّة، هي والشعب بأمسّ الحاجة إليها لإعادة بناء المؤسسات المتخلفة المنهارة، ولاسيّما التربوية والتعليمية منها، والتي هي السبب الرئيس بالهرولة باتجاه إبقاء زخم هذه الممارسات غير المنتجة وإدامة تدويرها بشكلٍ كارثيّ سنة بعد أخرى بالرغم من تحوّلها إلى تقاليد استهلاكية متخلفة لا تمتّ بصلة إلى عمق الإيمان والاعتقاد.
للحاضر همومُه
يكفينا التعظيم بالماضي الآيل الذي يمكن فقط استنباطُ أفضل الدروس منه وأيسرها بغية إصلاح الذات والمجتمع والدولة على ضوء نتاجات الأمس وليس بتدوير محتواها ومظاهرها التي لم تعد تنفع مع تقدم العصر وتزايد الحاجة إلى وسائل أخرى تساهم في بناء كيان النفس البشرية بمظاهر إيمانية أكثر مقبولية وأكثر تمدنًا.  فالحاضر أهمُّ من الأمس. ولكلّ زمنٍ همُّهُ. فما يمكن أن تقدّمه هذه وبدائلُها الحضارية من اجل تقدم المجتمع وتطور مدنه وبلداته والسيرالصحيح والحثيث نحو سلّمِ رقيّ الوطن ورفعته بين الأمم وشعوب ودول العالم، هي الأَوْلى بالسمع والطاعة. كما أنّ الإيغال غير المتمدّن في جزئياتٍ من هذه الممارسات الاستهلاكية غير المنتجة عندما تطغى على قدرات العقل وتسلبها إرادتها وفكرها وتمحيصها، فإنها بالنتيجة تقود العقل والعقلاء إلى مرافئ الجهل والتخلّف. حينئذٍ تتضاعف تكاليفُ الجهل ويصعب معالجتُه إلاّ بالكيّ، وهو آخر العلاج.
عندما سُئلت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل يومًا عن فحوى الإنفاق الكبير على المعرفة والعلم والعلماء، ردّت بأنّ تكاليف الجهل أكثر بكثير من تكاليف المعرفة، داعية إلى ضرورة "تهديم أسوار الجهل وضيق الأفق، لأن لا شيءَ يبقى على حاله". هكذا الشعوب التي خرجت من نفق التخلّف والجهل، وجدت تقدمها وتطورها باستقلال إرادتها ونضج تفكيرها وحداثة تصوراتها الإيمانية، وليس بالطاعة العمياء والسلوكيات غير الحضارية التي تضرّ بقدر ما تنفع.

44
المنبر الحر / ثورة الجياع قادمة
« في: 18:03 08/03/2021  »
ثورة الجياع قادمة
لويس إقليمس
بغداد، في 27 شباط 2021
في ضوء الأحداث غير المطمئنة  وتتالي الوقائع المضطربة والفشل المرصود في تبنّي الحكومات العراقية المتعاقبة لمسار وطنيّ حضاريّ متوازن مستقلّ، أكادُ مثل غيري من المتشبثين بأهداب الوطن  أن أصل إلى نتيجة صادمة إن لم تكن مخيّبة، في تحويل مسار فكري وحكمي الشخصيين (ولو متأخرًا وأنا في منتصف العقد السادس من العمر) على واقع الحياة السياسية والاقتصادية القائمة وعموم الوضع السائد بسبب الضبابية المرافقة لإدارة الدولة ومن ثمّ الصعوبة المتوقعة بإمكانية رؤية الضوء السليم في نهاية النفق المظلم الذي احتجزنا فيه جميعًا والذي تكادُ مشاكلُه وعثراتُه ومعوقاتُه المتلازمة لا تستشرف حلولاً أو تحسنًا نحو الأفضل. فكلّ الأحداث المثبطة التي تلاحق البلاد وقاطنيها بلا توقف منذ الغزو الأمريكي الوقح في 2003، وكلّ الصور والمآسي التي تزداد قتامةً وبؤسًا يومًا بعد آخر، وكلّ التصريحات والنقاشات والتحرّكات المتلاحقة المشبوهة والمقيتة والفاشلة بإمكانية تشكيل أركان دولة متحضرة، وكلّ الفبركات السياسية التي تبدر من الأجهزة التشريعية والتنفيذية والقضائية بصدد الإصلاح الموعود والادّعاء بالقضاء على آفات عديدة طارئة ومنها آفة الفساد وصعوبة فرض هيبة الدولة في إدارة البلاد وفي الحفاظ على المال العام من السرقة التي تجري أمام الأنظار ومغازلة المرجعيات الدينية متقاطعة المصالح للجهاز الحكومي والتشريعي والقضائي بتبرير ديني وطائفي واضح المعالم، كلُّها لا تبشّر بخير قادم سياسيًا ودينيًا واقتصاديًا وتربويًا واجتماعيًا. فقد خلطت كل هذه التخريجات القاتمات السوداوات الشكَّ باليقين وخلقت كمًّا من الإحباط واليأس والقنوط بصعوبة إصلاح ما خرّبته السنوات السبع عشرة المنصرمة من حكم أساطين التخلّف وأدوات الفساد والقتل والانتقام الذين أضافوا أكوامًا من الإهانة والنفاق والاستهزاء بالشعب المغلوب على أمره الذي تحوّل إلى شبحٍ مؤمن بسخرية القدر الذي يتلاعب بالعراق وأهله منذ عقود بسبب غياب القاسم الوطني واستبداله بالانتماء الولائي لإحدى دول الجوار. وبسبب هذه وأخرى غيرها لا حصر لها، بين عامة وخاصة، بَهُتَ بسببها شموخُ العراق وخبا صوتُه الدولي والاٌقليمي وتراجعت سمعتُه حتى بلغت الدركات الدنيا في سلّم ترتيبات الأمم والدول والمجتمعات المتحضّرة في موضوعة احترام مواطنيه و الفشل في تقديم أبسط الخدمات الآدمية وتراجع الصناعة والزراعة والتربية والتعليم وما في شاكلتها نتيجةً لإدامة سمة الفساد وتبييض الأموال وتهريب مليارات الدولارات في مصارف عالمية. كلُّ هذه وغيرها، لخاطر عيون دولة الولاء المقدسة.
عدالة اجتماعية ضامنة للمواطنية ولا سواها
إذًا، تراجُعُ العراق ومجتمعُه ضمن خارطة الأمم والشعوب المتحضرة المسلحة بالعلم والمعرفة والثقافة والتكافل المجتمعي، وانتقالُ مجتمعاته من خانة الثقافة والحضارة والولاء للوطن إلى مفهوم الخنوع والولائية كالقطيع في أحضان الغير بتبريرات عرقية وطائفية ودينية ومذهبية، هي من بين مسببات أخرى كثيرة في أشكال هذا التراجع. فالوطن الحقيقي الذي يفتخر المواطن بالانتماء إليه، هو الذي يحمي الفرد ويحتضن جميع أبنائه بمساواة وعدالة ومن دون تمييز في العرق والدين والطائفة واللون، ويقدم له ما يحتاجه من أمن واستقرار وخدمات ورفاهة عيش وعمل شريف يكسب منه رزقه بالحلال في ضوء الكفاءة والأهلية والحب العذري له ولأرضه ولسمائه ومياهه قبل غيره. فعندما تختفي العدالة الاجتماعية من القاموس السياسيّ لأية حكومة أو دولة بحجج واهية وبتبريرات مذهبية وطائفية وجهادية ونضالية فارغة، فذلك إنذارٌ بفقدان ذلك البلد سببَ وجوده، وتبريرٌ منطقيّ للتفكير بهجره لعدم قدرته على حماية مواطنيه وتأمين عيشهم وحريّتهم وحركتهم. وهذا ما تتطلّبه أبسط شروط الحياة الإنسانية المتمدنة.
فالوطن الحقيقي الصحيح هو مَن يحترم أبناءَه ويحتضنهم بين كنفيه ويُؤمِّن لهم سبل العيش الكريم والأمن والاستقرار وسائر الخدمات الآدمية المطلوبة في نطاق مساواة مواطنية محترمة وعدالة اجتماعية متوازنة لا تقبل بالتمييز ولا بالتعسّف في المبدأ الوطني العام الذي يشمل الجميع بكافة الحقوق والواجبات المطلوبة من جانب الطرفين، وكأنه عقد اجتماعي بين الوطن والمواطن. ولكن، متى اختلّ التوازن في هذه المعيارية التي ترسم خارطة الطريق بين الطرفين، حينئذٍ من الطبيعي أن تختلف أساليب المعالجة وتتباين وسائل التواصل والتجاذب وحتى الاحتكاك الماديّ والمعنويّ بينهما. ومن الممكن أن يصل التمادي في طريق الخلل إلى قطع صرّة العلاقة بين الطرفين. وربّما يصل الأمر في حالة إغلاق كل المنافذ المتاحة لمعالجة الخلل لتصل في أسوأ الأحوال إلى الصدام المسلّح مع الفئة أو الفئات التي تستخفّ بحقوق الوطن والمواطن وكرامتهما بسبب فقدان الدولة لهذه الكرامة ولسيادتها وهيبتها للأسباب الوضعية الشاذة وغير المقبولة إنسانيًا أولاً ثمّ وطنيًا وإقليميًا ودوليًا. فقطع الأرزاق وغياب الكرامة الوطنية وضعف السيادة على البلاد وفقدان المقدرة على محاسبة سرّاق المال العام وقتلة أبناء الشعب واختطافهم وتهديدهم، ومنهم منتفضو تشرين وأصحاب الرأي العام، من شأنها حتمًا أن تقود الحراك إلى علاج صعب آخرُه الكيّ، بالرغم من عسره وصعوبته ومدى الألم الذي يمكن أن يأتي به والمآسي التي يجلبُها في حالة الاضطرار إلى استخدام آخر الدواء بإعلان البيان رقم 1، والذي لن يكون ممكنًا من دون تدخلٍ دوليّ مأذونٍ به.
يؤلمني اليوم أكثر من ذي قبل، تسارعُ الأحداث النحسة في الوطن نحو الأسوأ بسبب رفض ساسته وزعامات أحزابه المتسلّطة المستقوية بدول الجوار، كلّ حسب مصالحها ومنافعها، التراجع عن مواقفها المتصلّبة بالتمسّك بالسلطة وإصرارها على إدامة بقائها ما تسنّى لها ذلك بقوة السلاح والأدوات الأخرى من مال ونفوذ وغطاء ديني ومذهبي، تتحكم بها في تقوية هذا المنهج الذي أثبت خطأَهُ، والذي بسببه ثار عليهم الشعبُ قبل أكثر من سنة ومازال مفترشًا سوح الكرامة والشرف المتعددة في أرجاء البلاد المتألمة، ومنها أنموذجًا، ما يجري في محافظة ذي قار البطلة سليلة لكش وأور وسومر. والمعيب في كلّ هذا وذاك، وبدل أن يتعظّ ساسةُ البلاد من نتائج الثورة العارمة الوخيمة اللاحقة لا سمح الله، والتي طالبت برحيل الفئة الفاشلة الحاكمة "شلعًا وقلعًا"، جابهوا الثوار بقساوة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً إلاّ في زمن البلاشفة والرايخ الثالث والدكتاتوريات العربية والإقليمية والدولية الحديثة التي أفقدت بلدانَها سمة الحرية الحقيقية والنفحة الإنسانية التي توصي بها السماء. وبسبب التعنّت الوقح ورفض مغادرة السلطة بسلاسةٍ نزولاً عند رغبة فئات كثيرة للشارع الثائر المقهور، درءً لمخاطر الانزلاق نحو حربٍ أهلية لا يستبعدُها المراقبون، فقد آثرتْ أحزابُ السلطة الحاكمة بضغطٍ خارجي غير مبرّر من دولة جارة،  ضربَ آليات الديمقراطية الفتية التي اختبرها الشعب لأول مرة متوقعًا منها تغييرًا في الأحوال نحو الأفضل. لكنّ الوقائع سارت بعكس ما تمنّاه أصحابُ الأرض بسبب فقدان الاستراتيجية السياسية للغازي الأمريكي لفترة ما بعد الاحتلال، حيث خلتْ خططُ الغزاة من أية لمحة واضحة وصريحة بترتيب الأوضاع بعد تحقيق هدف القضاء على النظام السابق ورأسه الرمز، فتركوا مستقبل البلاد ومصيرها بيد المجهول ليقرّر مصيرها الزمنُ الغادر وروّادُه فاقدو الوطنية والنخوة والإنسانية. وهذا ما جرى تمامًا، حين تحولت البلاد إلى لقمة سائغة وجسد منهك تنهشه الذئاب المسعورة، وكعكة لذيذة يقتطع منها الساسة وذيولُهم وأتباعُهم، وما أكثرهم في الداخل والخارج، لغاية ترك خزينة البلاد خاوية بسبب إغراقها بالديون وتحويل الأموال المنهوبة خارج البلاد تحت حماية وغطاءٍ من دول طامعة داعمة لإبقاء البلاد في الفوضى الخلاّقة التي أحدثها الغازي الأمريكي المحتل بكل وقاحة وفخر.
لقد رفض ساسةُ البلاد وأجهزتها التشريعية والتنفيذية والقضائية طيلة السنوات المنصرمات منذ الغزو الأمريكي القبيح، كلّ دعواتٍ ونصائح للتوجه إلى الإصلاح الحقيقي في مسار الدولة المتعثّر في إدارتها على أسس استراتيجية ووطنية بحتة تضع الوطن في مقدمة الأولويات وتقيّمُ الرجلَ المناسب ليحتلَّ موقعَه في المكان المناسب. إلاّ أن إصرار الزعامات الفاسدة التي تتولى إدارة البلاد بتمثيلها الصريح لجهات خارجية مشبوهة طامعة وبعيدًا عن أية مسحة وطنية، قد مزّقَ خيمة البلاد الوارفة وجعلَ من الطائفة والمذهب والعرق والعشائرية والإقطاعية مرة أخرى أدواتٍ لحكم البلاد والعباد. وهكذا ضاع الاثنان، الوطن والشعب، في دهاليز وأنفاق الخندق المقيت والمرفوض من معظم طبقات الشعب بعد أن بلغ السيلُ الزبى ولم يعد من طريق آخر سوى الثورة على التعسّف والظلم وصنّاعِه وأدواتِه حين حوّله معظم ساسة الصدفة والفساد وأحزابُهم المتأسلمة الكريهة إلى بقرة حلوب لأطماعهم عبر سياسات زيادة النفقات العامة غير الضرورية في آخر ميزانية للعام 2021. وهذا ما يعني استمرار هدر المال العام، ونهب الثروات بذات طريقة مقاسمة الكعكة، وتردّد الجهات التنفيذية والفضائية المعنية والعديد من لجان مكافحة الفساد أو تقاعسها بمحاسبة السراق واللصوص الحقيقيين والكشف عن قتلة المتظاهرين والحدّ من مافيات الاتجار بالمخدرات التي استفحلت وأصبحت ظاهرة. ومثلُها الكشفُ عن فرق الاغتيال ضدّ كلّ من نادى بوطن مفقود، وذلك  عبر تشريعات لا تتبنى نهجًا ناجعًا لوسائل المحاسبة والتعقّب والملاحقة الجادّة المطلوبة بسبب ضعف الإدارة وهزالة الإرادة.
صولات الصدمة
 مع كلّ ما يصدر عن الجهات الرقابية الرسمية ومكاتب الرئاسات الثلاث هذه الأيام من كلام معسول بالحرص على ملاحقة الفاسدين والحدّ من ظاهرة الفساد المستشرية في مفاصل الدولة، إلاّ أن واقع الحال يقول بغير ذلك. فما يُقالُ لا تلحقُه  دومًا أفعالٌ في كلّ الأحوال، بل يبقى مجرّد وعود عرقوبية لا ترقى لمستوى التنفيذ في ملاحقة حيتان الفساد الحقيقيين وقد أصبحوا معروفين لدى القاصي والداني. فإذا كانت الحكومة واجهزتُها الرقابية جادّة في ملاحقة سرّاق الشعب واستباحة قوتهم اليومي، فما عليها إلاّ أن تبدأ صولات الصدمة الجادة مع كبار اللصوص من زعامات الأحزاب التي تتحكم بالبلاد والعباد منذ السقوط الدراماتيكي في 2003 بقوة المال والسلاح والنفوذ، لاسيّما وقد توفرت هذه الأيام وبما لا يقبل الجدل والشك الكثير من الوثائق والأدلة والشهادات التي تدين عصابات اللصوصية والسرقة في وضح النهار بغطاءٍ من سلطات وزعامات عليا تتحكم بمصير البلاد والعباد وتحمي اللصوص والفاسدين مباشرة أو عبر أدواتها التي اعتادت فرضَ فتواّتها بقوّة السلاح وبوسائل الترعيب والتهديد نهارًا جهارًا. فأين الادّعاء العام واين القضاء الذي يدّعي "الاستقلاليّة" من هذه التوثيقات والفضائح التي إنْ تحرّكت دولٌ أجنبية لتقتصّ من مرتشين تشاركوا مع شخصيات وساسة ومسؤولين عراقيين في الكسب غير المشروع، لم نرى تحرّكًا حقيقيًا وصادمًا للقضاء العراقي حيالَ هذه الجرائم الكبرى. بل مازال العديد من الفاسدين يتولّون مسؤوليات سياسية ومناصب عليا في الدولة، وكأنَّ شيئًا لم يكن. فحتى القضاء وأجهزتُه وشخوصُه قد وقعوا أسرى هيمنة أحزاب السلطة والمثلث الحاكم. أمّا ما بدرَ مؤخرًا من الإيقاع بقيادات ثانوية تنفيذية تابعة لأجندات زعامات السلطة، وما سيبدرُ لاحقًا، لا يكادُ يصل العتبة الثالثة أو الرابعة لهذه الزعامات الفاسدة التي تُمسكُ ببوصلة القضاء وتوجهُه وفق مصالحها الشخصية والفئوية والمذهبية والعشائرية كيفما كان وحيثما يطيب لصالحها.
إنه من الأجدر، بعد أن فاحت جيفة الفضائح، وآخرها عصابة التقاعد وتراخيص شركات النفط والهاتف النقال واستمرار فساد نافذة العملة وسطوة مصارف إسلامية على سياستها ورهن نفط كردستان العراق لأجلٍ غير مسمّى خارج سلطة الدولة الفدرالية، وما خفي كان أعظم، من الأجدر اليوم بدء حملة الصدمة بتعاون حقيقي وجادّ من قبل القضاء والحكومة بدءًا من زعامات الأحزاب وكبار المسؤولين وصولاً إلى القاعدة وليس العكس. فمعروفٌ أنّ تنظيفَ البيت يبدأ من أعلى الدرج وليس من أسفله، أي بدءً من الزعامات السياسية التي تمسكُ بمفاتيح الإدارة السيئة العامة في البلاد ووفق مبدأ: من أين لك هذا؟ هذا إذا كانت "سيدة البيت" جادة وحريصة على تنظيف دارها من الأدران والأوساخ وما يلصق بالجدران والأسقف والأرضيات من ملوّثات تجعل البيت يفوح جيفة وخيسة ورائحة نتنة. فأين لساسة العراق من مثل هذه السيدة الحريصة على بيتها وعائلتها، أو هذا السيّد الوفي لداره وأسرته، كي يتعلّموا الدروس والعبر من زعامات دولية وطنية نزيهة كانت لها بصماتُها في تغيير معالم بلدانها وشقّ طريقها نحو التحوّل الشامل والتطوّر المتنامي، كما حصل مع اليابان وألمانيا اللتين خرجتا من حربين عالميتين خائرتي الاقتصاد، ومثلها سنغافورة والبرازيل وراوندا وجنوب أفريقيا وماليزيا وأثيوبيا مؤخرًا وغيرها من دول العالم الثالث التي أدارها زعماء ناجحون اتسموا بحب الوطن والنزاهة في العمل والإدارة الرشيدة والاستشارة الصحيحة في بناء الأوطان وتوجيه دفة البلاد نحو الأفضل. والملاحظ في مثل هذه الزعامات التاريخية أنها تنحت عن السلطة والحكم وانسحبت من الحياة السياسية بهدوء من دون أي تعنّت أو تشبّث بالسلطة ومفاتنها وبهرجتها تاركين المجال لغيرهم من مواطنيهم لإكمال مسيرة الإبداع والإدارة الرشيدة. وما أحلى ما قاله دي سيلفا، الرئيس البرازيلي الخامس والثلاثون الذي اختير كأكثر شخصية مؤثرة في العالم للعام 2009م في تحقيق العدالة الاجتماعية لمواطنيه وتضييق الفجوات بين الأغنياء والفقراء بسبب برنامجه الإصلاحي الوطني الخالص الذي نقل البلاد من اقتصاد خاسر بمديونية قاتلة إلى بلد صناعي متقدم انتشل مواطنيه من الفقر وجعلها في مصاف الدول المتقدمة بفضل حنكته ورؤيته بعيدة النظر لحالة البلاد. ولعلَّ أجملَ ما صرّح به حين انتهاء ولايته الثانية ومطالبة حشود المؤيدين له بتغيير الدستور للفوز بولاية ثالثة: "أنا أمضي ولكن سيأتي بعدي مليون دي سيلفا". وغادر السلطة مطمئنًا وغير نادم عائدًا إلى حياته البسيطة في مسقط رأسه.
هذا هو الفرق بين منطق الدولة واللادولة، بين التبعية الولائية للخارج والأجنبي الدخيل وبين المواطنية التي تقدّس الوطن وتحرص على بنيانه وصيانته أرضًا وشعبًا وثروة. فعندما تفقد الأممُ هيبتها ويتراجع مصيرُ الشعوب وتتخلّف الأوطانُ عن الركب العالمي، لا يكون مصيرُها سوى الوقوع بين أنياب ساسة اللاّدولة وعصابات ومافيات الدولة العميقة التي تتحكم بمصائر الجميع وتضع الوطن وأهلَه رهائن سذّجًا بأيدي الغرباء والدخلاء والجهلة. وقانا الله من شرّ البلية. فقد يكون الغدُ أتعس من اليوم ومن الأمس عند بقاء الأوضاع كما هي، لحين انتظار ثورة الجياع القادمة الكاسحة، لا محالة!

45
في رحاب أرض الرافدين، العراقيون في انتظار بابا الفاتيكان
لويس إقليمس
بغداد، في 17 شباط 2021
تجري استعدادات حثيثة ومكثفة في عدد من المدن والبلدات العراقية، ومنها بغداد العاصمة، وعلى كافة المستويات، سياسيًا ودينيًا وكنسيًا وشعبيًا، لاستقبال أول حبر أعظم للكنيسة الكاثوليكية حرصَ وبإصرار لزيارة العراق للأيام من 5-8 من آذار القادم 2021، وذلك في أول مبادرة نوعية لافتة. والكنيسة الكاثوليكية يبلغ تعدادها اليوم بحسب تقديرات دولية أولية حديثة، ما يربو على مليار ونصف مسيحي من المجموع الكلّي التقريبيّ للمسيحيين في العالم الذين يشكلون ما تعدادُه أكثر من 2, 3 مليار مسيحي، اي ما يعادل ثلث التركيبة السكانية في العالم. من الجدير ذكرُه، أنّ المسيحيين الكاثوليك في العالم أجمع يخضعون قانونيًا وكنسيًا لسلطة الكرسي الرسولي ومقرُه دولة الفاتيكان، وهم يشكلون اليوم نسبة تقريبية تصل إلى ما يربو على 51% تقريبًا من مجموع تعداد مسيحيي العالم. يقابل ذلك رقمًا مهمًا للكنائس البروتستانتية والإنجيلية وما في دارتهما من كنائس حديثة غير رسولية ليصل عديدُها بحدود 37% من المجموع العام للمسيحيين في العالم، وما نسبتُه التقريبية 12% لأتباع الكنائس الأرثوذكسية المختلفة بحسب إحصائيات مقربة من الدوائر الفاتيكانية.
كان لإصرار بابا الفاتيكان، فرنسيس الأول، على تحقيق أمنية سلفه الراحل يوحنا بولس الثاني، وقعٌ كبيرٌ لدى أوساط عالمية وعراقية متابعة لرحلات بابوات الكنيسة الكاثوليكية. وهذه الزيارة لها من الأبعاد المختلفة ما يجعلها اليوم محطّ أنظار العالم بأسره، لكونها ستسبغُ بركة بابوية متميزة على شعبٍ مقهور وجريحٍ مصاب بأشكال العاهات والأمراض والمصائب، إنسانيًا وسياسيًا واقتصاديًا وبيئيًا وعلميًا وثقافيًا وتربويًا وأخلاقيًا، بل وفي كلّ شيء. فالعراقيون يعيشون منذ عقودٍ ضمن اسلوب حياة شعوب القرون الوسطى في تتالي الحروب والنزاعات وأعمال العنف غير المبرّر، وفي الفساد والانفلات الأمني بوجود الدولة العميقة وأدواتها التخريبية، وفي غياب الضمير الإنساني وروح التآخي، وفي انحسار الروح الوطنية في زمنٍ صار الغريبُ والدخيلُ في البلد سيّد الشعب والأرض والثروة. من هنا ندرك شكل هذه الزيارة التي تتخذ طابعًا تضامنيًا مع العراق، حكومةً وشعبًا، بهدف إعادة اللحمة المجتمعية والغيرة الوطنية وتحفيز زمن التآخي والتعايش والتضامن والمحبة والمصالحة بلا حدود ولا رسوم ولا تمييز على أساس ديني أو عرقيّ أو مذهبيّ. كما أنها لا تخفي شيئًا من الرمزية الراعوية الأبوية لأكبر سلطة كنسية في العالم تتنازل للقاء أتباعٍ مسالمين تلقوا صفعة موجعة على ايدي فئة إرهابية تبنت عناوين دولة الخلافة الإسلامية التي عاثت في مدنهم وبلداتهم وقراهم خرابًا ودمارًا، ونهبت بيوتهم وحلالهم ودفعت مئات الآلاف منهم لترك ديار الآباء والأجداد والبحث عن ملاجئ آمنة في دول الاغتراب القاسية.
إنّ هذه الزيارة الميمونة ستكون الأولى من نوعها لأول بابا يحطّ أقدامَه على أرض الرافدين، بلد إبراهيم أبي الأنبياء، مهد الحضارات وبوابة الثقافات وتعددية الإتنيات والأديان المختلفة المتعايشة على امتداد التاريخ الإنساني، وصاحبة جذور تمتدّ لبداية انتشار المسيحية فيها منذ القرن الأول الميلادي، حيث نمت فيها المسيحية وسط تقلبات الزمن المختلفة. وبشهادة التاريخ ورموزه وروّاده الحقيقيين، كان للمسيحية وأتباعها دومًا اثرُها الكبير على الحياة العامة في العراق والمنطقة، في تميّزها الثقافي والأخلاقي والأدبي والعلميّ والاقتصاديّ والوطني على السواء حتى قدوم الدولة الإسلامية وتعاقب أزمنة الحكم في هذه الأخيرة على عهود الخلافة الراشدية والأموية والعباسية بالتتالي. ومع نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، بدأت أهمية المسيحية الحضارية والثقافية والأدبية والسياسية بالانحسار التدريجي لصالح انتشار أدوات الثقافة الإسلامية كنتيجة عملية لطبيعة تعاملها مع باقي الشعوب والأديان من نظرة دونية تجاه المختلفين مع توجهاتها وقيمها ونزعاتها التشددية بفعل إعمال السيف الذي كان سيدّ الموقف والواقع وما شابهه من أدوات القتل والتهديد والترويع. وقد اتخذت تلك الأفعال شكلَ فتوحات توسعية تعسفية آنذاك بهدف نشر الدين الإسلامي بالسيف، إلاّ أنها في الواقع يمكن وصفُها ما يشبه الغزواتٍ القبلية والعشائرية التي آمنَ بها الخلفاء وأتباعُهم وحواشيهم. وبالرغم من كل تلك الأحداث المأساوية التي حدثت للشعب المسيحي عبر التاريخ، إلاّ أنها لم تخلو بين الفترة والأخرى من بروز أعلامٍ وعلماء وأدباء وزعامات مسيحية مؤثرة كانت لها بصماتُها على الصعيد الوطني والمنطقة والعالم في حقبٍ مختلفة ولاسيّما إبان النهضة العربية التنويرية حتى يومنا هذا.

اهتمام القيادة العراقية وزعاماتها الدينية
مَن يتابع ويراقب الاستعدادات الحثيثة الجارية على الساحة العراقية يدرك تمامًا الأهمية الكبيرة التي توليها زعامات عراقية دينية وسياسية وبرلمانية لهذا الحدث الكبير. فعلاوة على الاستقبالات المعلنة التي ستجري لبابا الفاتيكان على الصعيد الرسمي، يبرز الحدث الأكبر بلقاءٍ مرتقب لشيخ الفاتيكان المسالم مع سماحة المرجع الشيعي الأعلى الشيخ الوقور، علي السستاني، في مدينة النجف الأشرف. وقد أُثيرت تساؤلات عمّا إذا كان اللقاء المرتقب سيتضمن فعلاً توقيع ما يشبه "وثيقة الأخوّة الإنسانية" التي سبق أن وقعها قداستُه مع شيخ الأزهر أحمد الطيب في 4 شباط 2019. لكنّ الأخبار المتوالية من مراكز المراجع العراقية المتعددة الشيعية والرسمية استبعدت هذه الفكرة تمامًا. ولعلّ من أسباب هذا التراجع، خشية جهات مرجعية وسياسية مقربة من دارة المرجع الديني الشيعي من القبول بأية التزامات أدبية وأخلاقية ودينية تجاه مَن تشملُهم بنود مثل هذه الوثيقة، ونقصد بهم أبناء الأقليات الدينية والإتنية بمن فيهم المواطنون المسيحيون والإيزيديون والصابئة المندائيون وآخرون على شاكلتهم على وجه الخصوص. فهؤلاء هم المتضررون الأكثر من غيرهم بسبب ما يجري من خروقات واعتداءات وتهميشٍ من جانب سطوة المثلث الحاكم وفق معايير المحاصصة القاتلة والظالمة بحق الوطن وأبنائه. وفي هذا التراجع أو عدم القبول، هناكَ مَن يثير تساؤلات حول تأشير توقعاتٍ بوجود دوافع سياسية وضغوط خارجية تقف خلفه، بسبب ما قد يحتمله مثل هذا الالتزام من انحسار محتمل لسطوة دولة جارة تمسك بزمام الحكم والسيطرة والتوجيه بلا منافس على الساحة السياسية العراقية وبالتواطؤ مع الراعي الأمريكي وحلفائه للعملية السياسية برمتها. وفي اعتقادي، لو كان حصل التوقيع على مثل هذا البروتوكولٍ الأخوي الإنسانيّ، لفُرزت له أصداءٌ دولية قوية بسبب ما يحمله من رموزٍ دينية ودلالاتٍ إنسانية في إبرازٍ واضحٍ لسمات الوئام والسلام والتسامح والمحبة التي تؤمن بها الديانات التوحيدية الثلاث، وعلى رأسها وفي مقدمتها المسيحية، وذلك من دون اختلاف أو خلافٍ في المبادئ الإنسانية العامة إلاّ في ما لا يؤمنُ به أدعياءُ التشدّد والتطرّف وعرّابو الحروب والقتل والنهب والسلب ورافضو التعايش السلمي والاختلاف التعددي في الدين والعرق والمذهب.
في كلّ الأحوال، فإننا ندرك أهمية الزيارة التاريخية المرتقبة التي توليها الزعامات العراقية المعتدلة جميعًا لكونها تصبُّ في أمل إعادة الدولة العراقية إلى مسارها الصحيح بين الدول وشعوب المنطقة والعالم بالعمل على إعادة هيكلة السياسة الوطنية وتوجيه دفتها نحو بناء الإنسان العراقي والابتعاد عن اية نزعات ولائية غير وطنية لصالح أطرافٍ خارجية. فكل هذه العناوين الفرعية الدخيلة غير الوطنية القائمة في حاضرنا الراهن، لا يمكن بأيّ شكلٍ من الأشكال أن تكون حريصة على بناء البلاد والعباد أكثر من أبنائها الأصلاء في حالة العمل بعيدًا عن الانتماء الصادق للوطن والأرض والحضارة والثقافة الخاصة به. وستبقى هذه المسميات الدخيلة المهيمنة منذ ما يربو على ثمانية عشر عامًا والناجمة عن الهزالة في إدارة البلاد ووسط غياب واضح للإرادة والضمير والروح الوطنية المطلوبة الضامنة للاستقرار والتنمية والتطور والرفاه للشعب، مثار امتعاضٍ وسخط ورفض دائمٍ من قبل عامة الشعب ونخبه الصابرة. 
لقد تناهى لأسماعنا أيضًا، تمنياتُ العديد من الزعامات السياسية والدينية من إسلامية ومسيحية وإيزيدية وصابئية، اللقاء مع قداسته. ونأمل أن تكون الفرصة مؤاتيه لمثل هذا اللقاء التضامني الأخوي والإنساني على عتبة "زقورة أور" التاريخية في ثاني أيام الزيارة يوم السبت المصادف 6 شباط والتي خصّص لها البابا مكانة في قلبه وضميره ضمن برنامج الزيارة، حيث ستكون فرصة لتوالي الحوار بين الأديان والمعتقدات وفق مبدأ احترام التعددية والتنوع التي من شأنها زيادة ثراء عناصر المحبة والأخوّة والتضامن من أجل خلق مجتمعات متعايشة سليمة إنسانيًا وبشريًا. فالاختلاف في الدين والعرق والبشرة واللون والفكر والتقاليد، مثلُه مثل اختلاف أنماط الحياة وسلوكيات البشر. فكلّ اختلاف هو بحدّ ذاته غنى إيجابي وثراء تكاملي يُكملُ ما ينقصُ الآخر ويبني على ما يقدّمُه الآخر من مبادرات وأعمال خير ومحبة وتفاهم وتعاضد، وعلى كلّ شخصٍ أن يقبلَ الآخر كما هو وليس وفق مقاساته وتفكيره ورؤيته التي قد تكون قاصرة أو ناقصة في بعض جوانبها وطروحاتها. كما أنّ اختلاف الألوان والأفكار والرؤى يمنح اللوحة البشرية جماليًتها ويزيدُ عليها إذا كانت جميلة ومتميزة. هكذا نحن في عراق الحضارة والثقافة، تتميّز شعوبُنا وأتباع دياناتنا بشيٍء من الجمال في بعض ملامحنا وسلوكياتنا. كما أنه ليس بالضرورة أن تكون المنظومة بأكملها متشابهة ومتساوية في السلوك والفعل والأداء، بل إن أيّ اختلاف فيها دليلٌ على وجود نوعٍ من الاستقلال في تلك المنظومة. وإنّ أيَّ اختلاف هو دومًا محطّ تقديرٍ وتفاعلٍ وتكاملٍ بالحوار والنقاش والتفاهم على الحدود الدنيا من الرؤى والأفكار ووجهات النظر، شريطة أن تصبّ جميعًا في صالح الإنسان والمجتمعات والأوطان. فهي الأداة الصحيحة لبناء الإنسان والأوطان واستقرار شعوب الأرض وسلامتها وأمنها، طالما أنّ الإنسان هو محور الحدث وصاحب الحياة!

لا للتطرف في الأفكار والسلوك
لا ننكر أن من أهداف الزيارة البابوية، تأكيد الفاتيكان الرسمي على ضرورة حماية التعددية والاختلاف في الدين بين الأقلية والأغلبية الحاكمة. فالزيارة فيها من الأبعاد السياسية ما يساويها ممّا تحملُه من أهدافٍ روحية وتعزيزية وتشجيعية ترقى لتثبيت أتباع الديانة المسيحية والمطالبة الحثيثة بزيادة حمايتهم من أجل المحافظة على جذورهم التاريخية والحضارية والثقافية، في بلاد "شنعار"، العراق. وهي رسالة شاملة أيضًا لجميع أتباع الديانات الأخرى التي تشكل اليوم أقليات ضعيفة وواجبة الحماية في البلاد. وفي هذه الزيارة نقرأ أيضًا بين السطور نداء ملحًا ودعوة واضحة لإشاعة روح التآخي والتعايش ونبذ اية نزعة للتطرف والتشدّد على أساس الدين والمعتقد والعرق والطائفة. فهذه جميعًا تعسّر الحياة لأتباع الأقليات الدينية والمذهبية والعرقية ولا تيسرُها لهم. بل إنّ أيَّ شكلٍ للتشدّد والتطرف في الأداء والفكر والتعاطي مع الآخر المختلف عن دين الحاكم من شأنه قتلُ أيّة روحٍ للتفاهم والحوار من أجل غدٍ أفضل يهدف لتكوين مجتمع تسوده المحبة والوئام والتفاهم والتوافق، ليس من أجل تعزيز المكاسب غير المشروعة، بل من أجل البناء السليم لمجتمع سليم يحظى جديرٍ بوطنٍ يحمل الخير والرفاهة والسلام للجميع على اساس تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة وفق مبدأ الجدارة والكفاءة والأهلية وصحة الانتماء للوطن. وهذا ما ينقصنا في بلدنا منذ عقود، وزادت منه الزعامات السياسية الحاكمة بأمر الغازي الأمريكي الصلف منذ ما يربو على ثمانية عشر عامًا بعد التغيير الدراماتيكي الوقح في 2003 بحجج واهية وتبريرات سياسية منتفعة بناءً على تهريجات وتخريفات معروفة الأغراض والأهداف والتوجهات.
إن في رسالة بابا الفاتيكان رائحة ذكية من الروح الإنسانية يودّ نقلها لعموم الشعب وللزعامات الدينية والسياسية بتكريس الحكمة وإعمال العقل وسيادة العدل وتشجيع روح الإحسان وتبادل الاحترام وترسيخ علاقات الثقة المتبادلة بين جميع مكونات الوطن الواحد الذي يفخر بكونه أرض أبي الأنبياء إبراهيم، أبي إسحق ويعقوب وابنائه الاثني عشر وأسباطهم الذين عاشوا على هذه الأرض الطيبة وتباركوا بها وباركوها بأيديهم وأرجلهم واعمالهم وذرّيتهم من بعدهم. أفلا يستحق ابناؤُهم من بعدهم العيش الرغيد الهانئ المفعم بالتفاهم والتآزر والسلم والأمان والاستقرار والرخاء بعد السنين العجاف من توالي المصائب والآلام والأزمات؟
من موقع آخر، لو لاحظنا، فالزيارة التاريخية هذه ستشمل وسط البلاد وجنوبه وشمالَه، وفيها دلالات طيبة على احترام ورؤية قداسته لجمالية الإرث الإيمانيّ والإنسانيّ والحضاريَ الذي لا مثيلَ له في العراق، فشاءَ أن يُظهرهُ للجميع ولأبناء الوطن بوجه أخصّ. وفي اعتقادي، أن لقاءه التاريخي الذي سيجمعُه مع المرجع الشيعي، سماحة الشيخ الوقور علي السيستاني، كما فعلَ مع فضيلة شيخ الأزهر أحمد الطيّب ، سيفتح ابوابًا عديدة للتفاهم والتحاور وتجاوز التمييز بين أبناء الوطن الواحد على أساس الدين والمذهب والطائفة، ومنه وضع حدود حاسمة للتجاوزات الحاصلة بسبب الراديكالية القائمة لدى بعض الفصائل المسلحة التي تتخذ مِن ما يُسمّى بشعار المقاومة سبيلاً لفرض سطوتها وتشكيلها تهديدًا لكلّ مَن لا يواليها في الفكر والأهداف أو يعترضُ سبيلَها. وفي كلّ الأحوال، يمكن الانطلاق من وراء تحقيق هذا اللقاء التاريخي المهمّ، نحو فضاءات أوسع لتقديس حرية الفرد في الدين والفكر والتعبير. وكما أشار قداستُه يوم توقيع الوثيقة مع شيخ الأزهر بالقول :"بدون الحرية، لا يمكن أن نكون أبناء العائلة البشرية الواحدة". فالحرية الدينية حقٌّ مكفولٌ لأيّ إنسان مخلوق على صورة الله ومثاله، ومن شأنها أن تعمّق مفهوم الأخوّة بين البشر في البلد الواحد وفي العالم على السواء. وهذا ما حدا بالأمم المتحدة لاعتماد تاريخ التوقيع على تلك الوثيقة من كلّ عام "يومًا دوليًا للأخوّة الإنسانية" ليكون بمثابة دعم عالمي لجميع الجهود الإنسانية الرامية لنشر ثقافة التسامح والتعايش والتضامن وكذا لمكافحة كلّ أشكال التمييز والتطرّف والتشدّد والعنصرية والكراهية بين الأجناس البشرية مهما كانت أديانُها وحضاراتُها وألوانُها وأعراقُها ومذاهبُها ومعتقداتُها. فالأديان لله والأوطانُ وثرواتُها وخيراتُها لمَن يعيش فوقها ويستغلُّها للصالح العام للأوطان وأهلها ولعموم البشرية، كونها خليقة الله الحسنة.
وأخيرًا أغرّد مع أبناء وطني من ذوي الإرادة الطيبة: مرحبًا بالبابا فرنسيس في رحاب أرض الرافدين!
تنويه: تأتي زيارة البابا فرنسيس إلى العراق في الأساس بناءً على دعوة خاصة من رأس الكنيسة الكلدانية في العراق والعالم غبطة البطريرك (الكاردينال) لويس ساكو، باعتباره رأس الكنيسة الكاثوليكية في العراق أيضًا. وبتحفيزٍ من غبطته، ونظرًا لسعة علاقاته الطيبة مع الرسميين في الدولة العراقية وعددٍ من زعامات الأحزاب السياسية، تبنت رئاسة الجمهورية الفكرة، وكثفت الخارجية العراقية من جهودها لتحقيق حلم هذه الزيارة. لذا، لا غرابة أن تتسم الزيارة ببصمات واضحة للكنيسة الكلدانية في تنظيم برنامج الزيارة التاريخية من حيث اختيار مواقع الزيارة وإدارة فعالياتها وفرض ما تراه موائمًا لكنيسة العراق بالتفاهم مع سفير الفاتيكان المتعاطف مع رئاسة الكنيسة الكلدانية. فكنيسة سيدة النجاة للسريان الكاثوليك أو كنيسة الطاهرة الكبرى في قرقوش، كانتا الأجدر بتكرّم قداسته إقامة قدّاس في إحداهما، لكون كلتا الكنيستين تمثلان رمزًا ودلالة على الشهادة الخالصة للرسالة المسيحية في العراق، وقد نالتا قسطًا وافرًا من قساوة الدهر والشهادة وأعمال العنف والتخريب والدمار والنزوح والتهجير. لذا وجب التنويه مع وافر التقدير والاحترام لجميع الجهود بإنجاح الزيارة!


46

 تقنين تجارة الخمر وعلب الليل ولا لسموم المخدرات
لويس إقليمس
بغداد، في 23 آذار 2019
تقارير أمنية شبه يومية تشير الى تنامي ظاهرة سلبية قاتلة وسط الشباب العراقي وشرائح أخرى في المجتمع العراقي البائس، وهي ظاهرة الترويج للمخدرات، زراعة واستيرادًا وتسويقًا وتداولاً. آخرها ما صرّح به محافظ واسط من اكتشاف مزرعة لنبتة ثمينة من أنواع الهيروين على ضفاف نهر دجلة قرب مخيم الكوت الكشفي واعتقال صاحبها، داعيًا لاتخاذ ما يلزم لوضع حدّ لمثل هذه الآفة ومعالجتها. وقد سبقته قبل أشهرمحافظة كربلاء التي أشارت إلى هذه الظاهرة السلبية أيضًا وانتشارها على نطاق واسع في المحافظة عندما عقدت مؤتمرًا خاصًا للتنبيه من آفتها التي باتت تغزو المجتمع العراقي من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه. وفي ذلك المؤتمر، بادرت كل من هذه المحافظة وبالتعاون مع العتبة الحسينية للتحذير من تنامي هذه التجارة القاتلة وتحوّلها إلى ظاهرة يصعب السيطرة عليها. كما سبقتها تصريحات لمسؤولين عديدين من محافظات أخرى من جنوب العراق حصرًا، تشكو من فقدان السيطرة على تداول هذه السموم في محافظاتهم، سيّما وأنها أصبحت ظاهرة كبيرة التداول في الشارع والمنزل والعمل وأماكن خاصة يصعب على الجهات الرقابية وصولها.
إذن، هذا خطر آخر يهزّ المجتمع العراقي منذ فترة ليست بالقصيرة وبالذات منذ إسقاط النظام السابق، حيث خرجت إجراءات الخدمات الرقابية الرصينة الفاعلة والمشدّدة عن نطاق قدراتها بعد أن كانت المعالجات والإجراءات آنذاك في أقسى مظاهرها. أجراس عديدة للإنذار دقت وماتزال تدقّ بين فترة وأخرى، وأخرها هذه المبادرة الملفتة للنظر إنْ كان القصد منها حقًا الحد من الترويج لهذه الظاهرة وفرض عقوبات مشدّدة على المتاجرين بهذه السموم القاتلة والمدمّرة وعلى مستخدميها ومروجيها وداعميها على السواء. وما تصريح السيدين محافظي كربلاء وواسط مؤخرًا، بإطلاق صافرة الإنذار من "تحوّل تجارة المخدرات في كربلاء إلى ظاهرة وحصول ما لا يحمد عقباه" سوى تحذير حقيقيّ خطير بإمكانبة غزو هذه المواد السامة لمجتعات البلد كافة بعد أن فعلت فعلها في محافظات جنوبية مستمدّة دعمها من هشاشة الوضع على الحدود الشرقية مع الجارة إيران وسطوة جهات ميليشياوية أو أخرى مرتبطة بأحزاب أو شخصيات في هرم السلطة تقف وراء التغطية والحماية للمتاجرين والمروجين لها. 
إن التحدّي الجديد المتمثل بانتشار ظاهرة المخدرات بأنواعها وأشكالها ووسائل إنتاجها وترويجها وتسويقها وسط المجتمع العراقي لا يقلّ في التعاطي مع مشكلته مع ما تشهده الدولة العراقية برمتها بقطاعيها الحكومي والخاص، من استشراء ظاهرة الفساد المالي والإداري والرشى في مفاصل الحياة العراقية بمجملها، بحيث عجزت أجهزة الدولة في محاربة هذه الآفة، بالرغم من تعدّد الأجهزة الرقابية والأمنية والهيكلية والقضائية المستنفرة شكليًا من أجل محاربتها. والسبب لا يقبل الجدال، كون الجهات التي تقف حائلاً أمام مواجهة هذا التحدّي والقضاء عليه أو تحجيمه هي جزء من هرم السلطة أو هي فعلاً مشاركة في عمليات الفساد بطريقة أو بأخرى، أو إنها تمنح الغطاء الشرعي لمثل هذه السلوكيات من خلال تقديم أشكال الحماية الأمنية والتجارية والشرعية. وبهذا المسعى، فإنها تهدف وضع العقبات للوصول إلى الرؤوس الكبيرة الداعمة أو التي تغطّي على هذه التجارة بدءً من مواقع الإنتاج ومرورًا بالمنافذ الحدودية وأسلوب الترويج والمتاجرة والتوزيع في الداخل والخارج.
مَن المستفيد ومَن المسؤول؟
لكون هذه المشكلة أصبحت تلقي بظلالها على مجموعة من الجوانب الاجتماعية والاخلاقية والاقتصادية والدينية كما جاء في سرد مسؤولين في محافظات جنوبية وعلى لسان أجهزة أمنية مطلعة، وهم يعون حقًا ما يراودهم من هموم مؤرّقة، فإنّ المسؤولية الأخلاقية والمجتمعية والصحية تقع اليوم على عاتق الجميع من أعلى هرم السلطة إلى القواعد العامة في المجتمع ومَن لهم مسؤولية النصح والتوجيه في المنابر الدينية جميعًا وفي المؤسسات والمنظمات المجتمعية من دون استثناء، سيّما وأن المسؤولية إن لم تكن تضامنية، فلن تجدي نفعًا، لكون الشرخ كبيرًا والواقع خارج نطاق السيطرة. وهذا ما يدعو للبحث عن الأسباب والمسببات وتحديد الجهات المستفيدة من انتشار هذه الظاهرة وغيرها من تلك الدخيلة على المجتمع والأغراض الخسيسة التي تقف وراءها جهات متنفذة في مواقع السلطة وعلى الحدود والتي تيسّر دخول هذه السموم وتساهم في ترويجها وزيادة حجم تداولها بسبب ما تدرّه من منافع وموارد تزيد الشهوة وطلب المزيد.
لقد سبق لجهات رقابية وناصحة ومصلحة من قبيل مراقبة السلوك المجتمعي في البلاد أن تداولت في أساس هذه الظاهرة وانتشارها الكبير في صفوف المجتمع العراقي ولاسيّما في الأوساط الشبابية. ومن جملة ما جرى تحديده وتوصيفه بعد تحليل دقيق للمشكلة وأسبابها، أن من بين المسببات الأساسية لها ما تعانيه طبقات مجتمعية بائسة من آلام عاطفية وفراغ مجتمعي للترويح عن النفس الضائقة ونقص في الحاجة الجنسية وفي الحرية المفقودة في اختيار نهج الحياة وفي التعبير عن الذات التي ظلمها المجتمع نفسه ومَن في هرم السلطة. فالغزوات الظالمة المتعاقبة على محلات بيع الخمور والنوادي والعلب الليلية المجازة التي كانت في السابق تحت مراقبة أعين السلطة والأجهزة الرقابية، كان لها هي الأخرى وقع كبير في تحوّل الحاجة الطبيعية للترفيه والتريح عن النفس بالبحث عن متنفس آخر ليكون هو البديل. والنتيجة أنّ البديل الجديد كان أكثر تدميرًا للذات والمجتمع والبلد. ولم نسمع في السابق أحاديث عن تداول سموم المخدرات في حقب الأنظمة السابقة إلاّ نادرًا حيث القوانين الرادعة آنذاك كانت كفيلة بمنع معظم أشكال السموم والأنشطة غير المشروعة وتلك الدخيلة منها على المجتمع. وهذا ما يفسّر سيادة الأمن والأمان ونقاء المجتمع العراقي وانفتاحه وتميّزه عن غيره من دول الجوار والمنطقة.
بلد المرح والرفاهة
إنّ ما نشهده اليوم يأتي ضمن الانحلال السلطوي والفوضى في مراكز القوى والأجهزة الرقابية وفقدان السيطرة على الشارع بما فيه من مآسٍ قائمة في بعض أسبابها نتيجة لتعدّد السلطات التنفيذية وخضوع معظمها لأحزاب السلطة التي تعتاش وتتاجر وتثرى من وراء المتاجرة بمصائب الشارع ومآسي الشعب. وممّا زاد في الطين بلّة، دخول أحزاب ومكاتب اقتصادية تابعة لكتل سياسية متنفذة أو أشخاص أو جماعات ومافيات وعصابات أحيانًا تعمل تحت غطاء أحزاب وشخصيات مقربة من مراكز السلطة في تحديد عمل تجارة الممنوعات الجديدة التي طغت على تجارة الخمور، بالرغم من أنّ هذه الأخيرة قد تطبّعَ عليها البلد ولم تكن تشكل يومًا خطورة طالما كان التداول بها ضمن القوانين والأصول وتحت رقابة أجهزة الدولة. فقد عُرف العراق بلدًا منفتحًا أكثر من غيره من دول المنطقة في التمتع بالحياة الحرة الطبيعية المرحة في حقب خالدة من الزمن الجميل الذي ولّى. فكان حقًا دار استراحة للأشقاء والسياح والزوّار للاستمتاع بليالي أبي نؤاس وشواطئ دجلة الخالد ونخيل البصرة ومشاحيف العشار وربوع نينوى المعروفة في صناعة الخمور والعرق البعشيقي والمسيّح والعصرية. أمّا اليوم، فقد اختلفت الموازين وفقد العراق بريقه وضاع الشعب الطيّب بين إرادات مصالح أحزاب السلطة ورغباتها وأهوائها ومفاسدها التي لا حدود لها ولا ننسى تأثير دول الجوار الطامعة. ومن المؤسف أن نرى جهات كثيرة قد سمحت لنفسها بمراقبة نشاط محلات بيع الخمور والمراكز الترفيهية القائمة والنوادي المجازة، ومنها متابعة وسيلة التعاطي مع أصحابها والمتاجرين بها بدءً من المساومة على استيرادها وفرض الشروط والحصص والكوميسيونات في بيعها وفي توزيعها وتداولها عبر وسائل خسيسة بالتهديد المتكرر بمنعها وغلقها أحيانًا أو بالتعرّض لهم بالخطف والقتل والتصفية الجسدية من دون رحمة كما حصل مع العديد من المتاجرين بها طلبًا للرزق الحلال من أبناء المكوّنين المسيحي والإيزيدي بصورة خاصة.
كل هذه الأفعال الشنعية وغير الحضارية ساهمت في تدهور الوضع الأمني في البلاد واضطرار أبناء المكوّنات التي تتعامل بهذه التجارة إلى مغادرة البلاد أو الانتظار في طابور البطالة بسبب الخوف الدائم من ابتزازهم من قبل نفر من القائمين على السلطة والمافيات التي تعمل تحت غطاء هذه الأخيرة وتفرض ما يسعها من أتاوات أو تعمل على اتخاذ سلوك التهديد بالمنع والقتل وقطع الأرزاق. كما ساهمت في تدمير القوة البشرية في البلاد عبر انجرار العاطلين وأصحاب السوابق لارتكاب الجرائم والخروج عن القيم المجتمعية والتقاليد البيتية المتعارف عليها.
بالنتيجة، فإنّ منع تعاطي الخمور وأنواع الكحول وإغلاق البارات والنوادي الليلية المجازة سابقًا بموجب أنظمة وقواعد أمنية صارمة، قد فتح الأبواب لتجارة وترويج المخدرات التي هي في واقع الحال أكثر خطورة وأعظم فتكًا وأكثر إيذاءً للمجتمع ولاسيّما في المقدمة من الجميع طبقة الشباب المظلوم. ويرى الكثيرون أن مَن يقف وراء منع الكحول وتعاطيها وغلق المراكز والنوادي والبارات هي جهات متنفذة في السلطة تسعى من وراء هذا المنع لزيادة مبيعاتها من المخدرات التي لاقت رواجًا كبيرًا بعد الاحتلال الأمريكي في 2003، ما دفع المحرومين منها للتحول للبضاعة المحظورة الجديدة. فكلّ "ممنوع مرغوب" بحسب القاعدة المعروفة. فما يتم تداوله وما تكشف عنه السلطات الرسمية من وضع اليد على أنواع المخدرات التي تدخل عبر المنافذ الحدودية غير المسيطر عليها تمامًا مثل الكرستال وحبوب الهلوسة وأقراص التخدير وأشكال الحشيشة وغيرها ممّا لم نسمع عنه، تدعو الجهات المسؤولة للتضامن والتكاتف من أجل محاصرة هذه التجارة والقضاء عليها تدريجيًا. وما دامت الحدود مفتوحة مع دول الجوار ولاسيّما إيران، وبوجود ثغرات متعمدة في المطارات والمنافذ الحدودية المخترقة من قبل أفراد تابعين لأحزاب السلطة والكتل السياسية المتحكمة في إدارة هذه المواقع كونها تدرّ عسلاً ومالاً وفيرين لتأمين نفقاتها وبرامجها الانتخابية ومشاريعها الخاصة التدميرية للبلاد، فإنّ الأمور ستسير من سيّء إلى الأسوأ بحسب مراقبين ومتابعين لهذه الظاهرة.
تبقى الحلول بيد السلطات العليا وفي الإجراءات الصارمة التي يمكن أن تتخذها الجهات ذات العلاقة للحد من دخول هذه السموم عبر الثغرات القائمة في المنافذ الحدودية الجوية والبحرية والبرية على السواء. فليس مقبولاً أن تحتفظ جهات مرتبطة بأحزاب السلطة، كما يبدو، بوجود أفراد يعملون على تسهيل هذا النوع من التجارة المحظورة مقابل رشى وأتاوات وكوميسيونات وعلى مرأى من السلطات العليا التي تغض النظر في أحيان كثيرة. كما عليها الأخذ بنظر الاعتبار عدم قبول إمكانية عودة البلاد إلى الوراء في انفتاحها المعروف على العالم وفي طبيعة ثقافة مجتمعاتها المتعددة في العرق والدين والمذهب، وأنه لا يمكن تحويلها إلى قندهار أفغانستان ولا إلى قم ومشهد إيران. وهذا يفتح الباب أمام الجهات المعنية بالسياحة والأمن المجتمعي لتدارس وضع برنامج وطني طموح ومنفتح النظرة والرؤية لحماية مراكز اللهو والنوادي الليلية الموجودة ومحلات بيع الخمور والجهات التي تقوم بتجارة استيرادها وتوزيها وبما لا يؤثر على السلم المجتمعي والأخلاقي لتبقى تحت أنظار الجهات الرقابية بعيدًا عن تدخلات جهات وميليشيات وعصابات أحزاب السلطة. فسلطة الدولة وقرارات الحكومة ينبغي أن تكون الأعلى وفوق كلّ المسميات الفرعية الأخرى وفق القوانين والنظم التي تكفل الحريات للجميع بما فيها حرية تجارة الخمور بأنواعها، إنتاجًا واستيرادًا وتداولاً واستهلاكًا. وهذا أفضل من تحويل البلاد إلى مستنقع للمخدرات والجريمة المنظمة ومراكز للإدمان بسبب ما تأتي به هذه من فظائع ومآس وخراب البيوت وتهديد للأمن المجتمعي. ونعتقد أنّ للإعلام والمرجعيات الدينية والمراكز الثقافية ومنظمات المجتمع المدني دورًا أساسيًّا في التوعية بمخاطر سموم المخدرات وتهديمها للأسرة والمجتمع والبلاد على السواء. فهذا ما يسعى إليه أعداء العراق!


47
اتفاقية باريس للمناخ بعد خمس سنوات من السعي والمجاهَدة
لويس إقليمس
بغداد، في 28 كانون ثاني 2021
حققت اتفاقية باريس (COP21) للمناخ منذ اطلاقتها قبل خمس سنوات نتائج إيجابية متقدمة على صعيد تحسين البيئة وجعل الأرض نظيفة وخالية نسبيًا من التجاوزات المناخية المتصاعدة عالميًا بسبب تزايد المخلفات الصناعية الناجمة عن تكدّس المواد الكاربونية المضرّة، وذلك عبر السعي الحثيث لمعالجتها بوسائل التقنية النظيفة التي تحفظ للبيئة نقاوتها نسبيًا قدر الإمكان. ومن الأهمية بمكانٍ، أنّ الاتفاقية ماتزال حية وقائمة وتتفاعل معها الحكومات والمنظمات المختلفة، وآخرها عودة الولايات المتحدة الأمريكية للعمل بها في ظلّ الإدارة الديمقراطية الجديدة، والتي كانت من ضمن القرارات الأولى التي وقّعها الرئيس جو بايدن يوم تنصيبه رئيسًا للقوة العظمى الأولى في العالم. وتمرُّ الأيام ليعلن "بايدن" لاحقًا عن قرارات جريئة داعمة للحدّ من الانبعاثات الحرارية والغازية بعزم إدارته تنظيم‭ ‬قمة‭ ‬دولية‭ ‬حول‭ ‬المناخ‭ ‬في‭ ‬22 من نيسان القادم من هذا العام لمناسبة "يوم الأرض" والمصادف للذكرى الخامسة للتوقيع على قمة باريس للمناخ،‭ ‬وفق‭ ‬بيان‭ ‬للبيت‭ ‬الابيض. وقد أرفق قراره هذا بتجميد‭ ‬منح‭ ‬التراخيص‭ ‬للتنقيب‭ ‬عن‭ ‬المحروقات‭ ‬من خلال التخلي‭ ‬تدريجا‭ ‬عن‭ ‬مصادر‭ ‬الطاقة‭ ‬الأحفورية‭ ‬بهدف تحييد‭ ‬أثر‭ ‬الكربون‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة‭ ‬بحلول‭ ‬2035، والتوجه عوضًا عنها إلى البدائل المتاحة النظيفة الأخرى من‭ ‬موارد‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬كالرياح وما سواها.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
لعلّ من أهداف الاتفاقية العالمية التي جرت المصادقة عليها في 12 كانون الأول 2015، والتوقيع عليها في 22 نيسان 2016، ودخلت حيّز التنفيذ في 4 تشرين ثاني 2016، تقتضي العمل على تخفيض ارتفاع درجات الحرارة في الجو بمقدار 1,5 درجة مئوية عبر التخفيف من الانبعاثات الغازية التي تعكّر صفو المناخ على الكرة الأرضية. وقد عُدّ هذا البرنامج من المشاريع الوطنية لعموم الدول الأعضاء في المنظمة الدولية. بل عُدّ المشروع قانونًا ملزمًا يتحتم في ضوئه تقليل نسبة الانبعاثات الغازية إلى أدنى مستوياتها بحسب جهود كلّ دولة واستعداداتها المالية والفنيّة والتقنية ومستواها الإنمائي بالالتزام ببنوده ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.
بالتأكيد، لا يزال التحدّي المناخي في أعلى درجاته، ولكنه مرهونٌ بالأمل بإمكانية تحقيق غاياته النبيلة في جعل بيئة الأرض أكثر صحيّة للبشر القاطنين عليها والمسترزقين من خيراتها، وما أكثرها، بعقلانية ودراية وحكمة وضمير حفاظًا على الصحة العامة وما عليها وفيها من بشرٍ وحجرٍ ودبيبٍ وماءٍ وهواءٍ. لقد دأبت كلّ دولة على تحديد مساراتها لتحقيق هذا الهدف الكبير، وأولُها فرنسا على رأس قائمة دول الغرب التي حرصت على الالتزام ببنود الاتفاقية بكل قوة وعقلانية وعلمية من أجل الوصول إلى هدفها مع حلول العام 2030. وبالرغم من كون الاجراءات المتبعة لبلوغ الهدف الأسمى ليست سهلة ومفروشة بالورود، إلاّ أنّ الرغبة الصادقة لدى الدول المتقدمة بتأمين بيئة نظيفة لمواطنيها أولاً ولسائر دول وشعوب العالم بالتالي، هي الرهان الكبير للبوصلة المناخية الآمنة التي ستقود العالم لتحقيق الهدف. وهذا بطبيعة الحال يجري ضمن برامج معدّة لهذا الغرض حيث يتم تقييم التجارب والأدوات والإجراءات على مدار السنة ممّا يتيح للجهات الحكومية والدول المعنية بالاطلاع على ما تحقق في الدول المتقدمة في مسألة معالجة الانبعاثات الغازية للاحتباس الحراري المرصودة فيها دوريًا. وهذا يتطلب من ضمن الخطوات المهمة المتخذة، التوفيقَ بين الرغبة في نموّ اقتصاديات الدول وطموحات كل دولة مع ما يمكن أو ما تصبو هذه إلى تحقيقه من الناتج المحلّي الإجماليّ. وبطبيعة الحال، قد تكلّف بعض هذه البرامج خسارات معينة في ثروات بعض الدول من الناتج المحلّي لصالح تحقيق تقدّمٍ في تحسين البيئة وإنضاج فكرة أهمية صحة المواطن قبل التفكير في أيّ ربح أو خسارة على حساب ذلك. فمسألة التحوّل البيئيّ لن تكون ممكنة من دون تحقيق الشيء الكثير من هذه الجهود الجماعية التي تتطلب انحيازًا إيجابيًا لصالح بيئة آمنة شبه خالية من تزايد الأبخرة الغازية القاتلة للبشر والبيئة معًا.
أهمية الاتفاقية للأجيال القادمة
   من هنا نستطيع فهم مقدار وأهمية اتفاقية باريس في تحقيق الصحة العامة للجميع، بشرًا وأرضًا وسماءً وماءً وحيوانًا وحشرةً وما سواها من خليقة الله التي صنعها لمنفعة الأرض والتمتع بها وبخيراتها بأريحية ممكنة في حالة استخدام ما عليها برويّة وعقلانية وحكمة، كما أسلفنا. لذا تكمن القوّة الكبيرة في هذه الاتفاقية بالإجماع العالمي حول بنودها وأدواتها وأهدافها، مدركين حجم المسؤولية البشرية وحجم التحديات المناخية المتصاعدة على السواء، ما يجعل الأطراف الحريصة على نقاوة المناخ وصحة البشرية وتعافي الأرض، تسعى للالتزام قدر المستطاع بالإجراءات الضرورية المقترحة أو المتخذة جماعيًا لتحسين البيئة تلافيًا لأية منغّصات جانبية وتبديدًا لأيّ قلق مرتقب. ونظرًا لما نالته هذه الاتفاقية من زخمٍ كبيرٍ متزايدٍ من دول ومنظمات وجهات دولية أخرى ذات العلاقة بشأن ما تتعرّض له البيئة عمومًا، فقد جاء تصريح النائب البلجيكي فيليب لامبيرتس عن حزب الخضر والرئيس المشارك حاليًا لائتلاف الخضر في الاتحاد الأوربي متناغمًا مع أهمية احترام بنود وجهود المشرفين والمدافعين عن الاتفاقية التي نالت زخمَها من جهود أعضائها ودعواتهم الملحة في الحفاظ على بيئة نظيفة لما فيه خيرُ الأمم والشعوب والأجيال القادمة. ‬
بالإشارة إلى ما شكلته موضوعة انسحاب الإدارة الترامبية من اتفاقية باريس في العام 2017، من صدعٍ جزئيّ أو اضطرابٍ شكليّ نظرًا لموقع أميركا كدولة عظمى، إلاّ أنّ المجتمع الدوليّ مضى قدمًا في أنشطته وفعالياته المناخية من دون أن تتأثر إجراءات الحفاظ على البيئة، كما كانت تتوقع الإدارة الأمريكية في حينها. وجاء العام 2020 ليسجلَ درجات حرارة ساخنة على غير العادة بعد أن لوحظ تواري كتل جليدية ضخمة من على وجه القارة القطبية الشمالية تحديدًا، ما شكّلَ هواجس جديدة من تصاعدٍ جديدٍ للمشكلة المناخية. وهذا ممَا انسحبَ طبيعيًا على بلدانٍ عديدة ومنها القارة الأوربية التي شهدت صيفًا ساخنًا بعض الشيء وبلدان غيرها في شتى أرجاء المسكونة التي عانت من عواصف وموجات جفافٍ وانجرافات ثلجية واضحة، ما حدا بالأمين العام للأمم المتحدة أنتونيو غوتيرس كي يعلن عن معركة المنظمة الدولية ضدّ هذه الظاهرة الكونية المضرة ويطالبَ بمقابلة الضربة المناخية السلبية بضربة إيجابية أكثر قوة ومعالجة، مشيدًا بما اتخذته الصين وهي أكبر قوة لمصدر الاحتباس الحراري في العالم من خطوات للتخفيف من حدة الأبخرة والغازات المتصاعدة من مصانعها ومعاملها. فالصين تشكل اليوم لاعبًا مهمًا لا يمكن التغاضي عن مسؤوليته التي تبلغ 28% من نسبة الانبعاثات الحرارية في العالم بحسب خبراء ومهتمين في مجال البيئة باعتمادها كثيرًا على حرق الفحم. من هنا يكون التزامُها ببنود الاتفاقية ضرورة أساسية لإنجاح البرنامج العالمي لمكافحة الغازات والانبعاثات الناجمة عن حرق الكاربون والغازات في معاملها ومصانعها المتنامية سنة بعد أخرى. لكن الأملَ قائمٌ بقدرة التنين الصينيّ على التعامل مع هذه المسألة التي تؤرّق أصدقاء البيئة النظيفة في العالم من حيث ما تكتنزه من قدرات مالية وتقنية وبشرية هائلة للتعاطي مع الموضوع.
في ذات الصدد، تشير المعلومات الأولية المنقولة عن الجانب الفرنسي، راعية المبادرة واللولب الفاعل في تقريب وجهات النظر في الاتفاقية، إلى جهود الحكومة الفرنسية ببلوغ خفضٍ قياسيّ في الانبعاثات الحرارية في استراتيجيتها الوطنية بحلول عام 2030 إلى أدنى مستوى متاح. وبالأرقام، اعتمادًا على ما ورد في تقارير معهد Rexecode، وهو أحد المصادر الفرنسية قريبة الصلة بالحكومة، فإنّ هذه الأخيرة قد خططت في توقعاتها ببلوغ معظم استراتيجيتها الوطنية في التقليل من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بحلول عام 2030. فاستراتيجيتُها تقتضي بلوغ انبعاث غازي بمستوى 310 مليون طن في عام 2030 مقابل الحجم المرصود له 414 مليون طن في العام 2019. ولكن لن يكون هذا الطموح ممكنًا إلاّ إذا تضافرت الجهود لبلوغه عبر مفردات كبيرة الأهمية تتعلّق بتوفر الشروط البشرية والإمكانيات المالية التي تعالج جنبًا إلى جنب مشاكلَ الركود الاقتصادي وتأثيراته وربط ذلك بإتاحة مسألة تجديد الطاقة وإزالة الكربون وتحويل الصناعة والاهتمام بمسألة تخضير الكرة الأرضية قدر المستطاع. وما ينطبق على فرنسا، ينسحبُ أيضًا على سائر الدول المعنية بالموضوع.
لعلَّ من ضمن هذه الأدوات الجوهرية في بلوغ أهداف الاتفاقية أيضًا، الاهتمام بصناعة السيارات التي تشكّل القاسم المشترك في تصاعد الانبعاثات الغازية بسبب ما تستهلكه من وقود متنوع لا يخلو من ملوثات كاربونية قاتلة. وهذا في الأساس ما تسعى إليه شركاتٌ رائدة في عالم السيارات للتحول من استخدام نظام الوقود المحترق بأنواعه إلى نظامٍ أكثر نظافة واقلّ تلويثًا للبيئة. هذا إلى جانب الاهتمام بما يٌسمّى بالنيتروجين "الأخضر" واللجوء إلى أنواع أخرى لإنتاج الطاقة النظيفة المبتكرة في توليد الطاقة الكهربائية، كالرياح واشعة الشمس والقدرات النووية للأغراض السلمية وما في ذلك من وسائل نظيفة غيرها من تقنيات رقمية مرتبطة بإدارة الطاقة.
تحذير دوليّ
هناك إشارات بحصول خفضٍ حقيقيّ في الانبعاثات الحرارية لثاني أوكسيد الكاربون بحدود 7% لغاية الساعة، بحسب مصادر بحثية عالمية. ولكنّ كلّ هذه الجهود بحسب مصادر في الأمم المتحدة، لم تمنع من ارتفاع ملحوظٍ في درجات حرارة كوكب الأرض بحدود 3 درجات في ظلّ جائحة كورونا التي عصفت بالعالم وما يزال تأثيرُها واضحًا على مجمل الفعاليات للدول قاطبة. وبحسب خبراء دوليين في مجال البيئة، فإنّ المؤمَّل ضمن استراتيجية اتفاقية باريس أن تستمرّ الجهود الجماعية لبلوغ حدود 1,5 درجة مئوية لغاية نهاية العقد الحالي، ما يتطلب تخفيضًا في الانبعاثات الغازية للاحتباس الحراري بحدود 7,6% سنويًا، وفقًا لتقارير الأمم المتحدة. فقد حذرت هذه الأخيرة من التأثير الضئيل الذي حققته دول العالم في مسألة الانخفاض الفعليّ في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بسبب الجائحة والنقص الحاصل في تأمين مستلزمات مكافحتها. وليس خافيًا مثل هذا التأثير على مجمل الفعاليات بهذا الصدد، ما دفع المنظمة الدولية لإعطاء دفعة جديدة للالتزامات الدولية بالرغم من الصعوبات والمشاكل التي رافقت تأثيرات الجائحة.
   من هنا، يشيرُ خبراء في الأمم المتحدة، إلى ضرورة الاستفادة من دروس جائحة كورونا للتفكير مليًّا بما ينتظر الكوكب الأرضي من مآسٍ وتقلبات طقسية لا تُحمدُ عقباها للأجيال القادمة التي لم تولد بعدُ. ومن ضمن التوصيات، يرى هؤلاء بضرورة التفكير في برنامج "التعافي الأخضر" الذي لا مناصَّ منه لتفادي الكارثة قبل وقوعها. ولعلَّ من هذه الوسائل الفاعلة، توفير مستلزمات الدعم المباشر والسخيّ للبنى التحتية وتخفيض دعم الوقود الأحفوري والقضاء على محطات الطاقة العاملة بالفحم الملوِّث والتوجه نحو التقنيات الخالية من انبعاثات الغاز القاتل بأنواعه والتي تزايدت بسبب إهمال الحكومات وأصحاب المصالح الاحتكارية الكبرى في العالم لوسائل الصناعة والإنتاج والتسويق بحثًا عن أرباح أعلى من دون الاكتراث لما تسببه وسائلُهم من اضرارٍ على البيئة وعلى البشرية جمعاء. ومن شأن هذه الحلول القائمة على ما توفره الطبيعة من وسائل آمنة عبر دعم زيادة الرقع الخضراء عوضًا عن التجريف العشوائي للأراضي والحقول والمساحات الخضراء، كما يجري في بلادنا المبتلاة بساسة جهلة في التخطيط الاستراتيجي. وفي حالة اتباع هذه التوصيات عالميًا، فإنه من الممكن خفض ما يصل إلى 25% من الانبعاثات المتوقعة من اليوم لغاية عام 2030، بحسب البرنامج المعدّ في دوائر المنظمة الدولية.
وفي الأخير، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ برنامج الأمم المتحدة للبيئة يخلص إلى حقيقة مفادُها، أن "الوباء هو تحذير يوجبُ على الجميع تركَ مسار التنمية المدمرة بشكل عاجل. فهو محرك الأزمات الكوكبية الثلاث: تغير المناخ، وفقدان التنوع البيولوجي، والتلوث".


48
رفسة الثور الجامح في آخر سكراته
لويس إقليمس
بغداد، في 14 كانون ثاني 2021
مع تتالي الأيام القليلات القوادم، تقترب ولايةُ "الثور" الأمريكي الجامح من نهايتها بسقوط مهين ل"الجاكي" الاستفزازي في أواخر أيام زعامته لأقوى دولة في العالم. فقد اعتقدَ خطأً خارج حسابات الزمن والواقع أن أنفتَه وتعاليَه وثروته ستؤمّنُ له فوزًا ساحرًا سهلاً بولاية جديدة لسنوات أربع تاليات مترعات بالعبثية والاستفزاز والسياسة الرعناء. فحسابات البيدر غير حسابات الأحلام. الرئيس الأمريكي المنتهية ولايتُه " دونالد ترامب" بدا أشبه بالثور الجامح في أيامه الأخيرة التي تفصله عن موعد ترك البيت البيضاوي. فهو الذي أصرَّ منذ بداية ولايته على تجاهلِ حقوق دولٍ وشعوبٍ وضعَها في أسافل رفوف سياسته الاستفزازية، ولم يكن يهمّه مصيرُها ولا مستقبلُها ولا حياتُها. بل كلُّ ما كان في جعبته المثقلة بالمشاكل هي أمريكا أولاً. ولم يكن العراق أفضلَ حالًا ضمن قائمة هذه الدول والشعوب المتهالكة، عندما قبل هو الآخر مثل سابيقه إبقاء الحبل سائبًا لأحزاب السلطة في الحكومات العراقية المتعاقبة ضمن فترة ولايته الجدلية كي تواصل هزالتها وفسادها في إدارة شبه الدولة العراقية سائرةً في طريق المجهول المظلم الأسود. فقد ساعد بطريقة أو بأخرى بإبقاء ارتباط مصير العراق رهن الولائية العمياء للجارة الشرقية  بعيدًا عن أية نفحة وطنية.
سياسة عامة
هكذا هي السياسة الأمريكية العامة للحزبين التقليديين الحاكمين لا تتغير عادة بين ليلة وضحاها حتى يأمر الأسياد عكس ذلك. وهذا التغيير المرتقب لم يأزف وقتُه بعد، كما يبدو. فمازال النهج تجاه العراق والمنطقة، هو ذاتُه الذي رسمه الحاكم المدني "بريمر"، الحرامي النموذجي الأول، عندما سلّمه بين أيادي هزيلة الإدارة المحاصصاتية وفاقدة الإرادة في الإصلاح وناهبة الثروات بطرق ووسائل شيطانية طيلة 17 عامًا المنصرمة.وقد بلغت معالمُ هذه السياسة الفاشلة قمّةَ الهزالة وشدّةَ الدناءة في مشروع الموازنة المقترح للعام الجديد 2021، حين أصرّ كلُّ طرفٍ على تأمين حصته من الكعكة بالرغم من إدراكهم بالزيادة الكبيرة والمخيفة في مديونية الدولة المرهقة بالقروض والديون والسندات والالتزامات المحلية والإقليمية والدولية والبطالة المتفاقمة والصناعة الغائبة والزراعة المتراجعة.
نعود للثور الآمريكي الهائج وما قد يبدر منه قبل مغادرته سدّة الرئاسة من حركات أو سلوكيات أو قرارات ضمن صلاحياته حتى يومه الأخير رسميًا. من الطبيعي للثور الهائج عندما تتكالبُ عليه سكاكين الأعداء وسفاهات الأنداد أن يرفس، وأن يكون لرفسته أو رفساته تأثيرٌ أو أن يتسبّبَ بجروحٍ بسبب ضرباته الموجعة. فهو لم يترك حسرة في صدور هؤلاء الأعداء المتكالبين طيلة فترة رئاسته. ونحن عامةً في العراق نقول، إنه لو كان للإدارة "الترامبية" أية سمة من الأخلاق السياسية العامة في بدء ولايته قبل 4 أعوامٍ، لكانَ أنهى ما شرعتْ به إدارة مَن سبقَه من غرمائه في الحزب الديمقراطي الذي لا يختلف من حيث المبدأ في مشروع سياسته العامة واستخفافه بقدرات ومصير ومستقبل شعب العراق والمنطقة عندما فسح رئيسُه "أوباما" آنذاك المجال لتنظيم الدولة الإسلامية الداعشي كي يعيث في أرض العراق فسادًا وقتلاً ونهبًا واغتصابًا وتهجيرًا وتهديدًا للبنية التكوينية لشعبه متعدد الأديان والأعراق والمذاهب. وحينها، لم يرف جفنٌ للإدارة الأمريكية لغاية أن استفحل الأمر بوضع اليد على مساحة تعادل أكثر من ثلث أراضيه  في 2014 على مرأى ومسمع من الإدارة الديمقراطية التي سهّلت لهذا التنظيم مهمّة تدمير بنية العراق التحتية والتهاون بنهب ثرواته والعبث بمقدرات شعبه الصابر بالمساهمة بطريقة أو بأخرى بفرط عقد نسيجه المجتمعي وتشتّت مجتمعات مكوّناته الأصيلة من الأقليات الدينية والعرقية متجاوزًا ما خلّفاه مجتمِعَين جنكيزخان وهولاكو قبل أكثر من سبعة قرون خلت بجيوشهما الجرارة.
هكذا تركت السياسة الأمريكية، بديمقراطييها وجمهورييها، شبهَ دولة العراق وشعبَه المجروح والمظلوم لقمةً سائغة لدول الجوار وسلّمته على طبقٍ من ذهب بأيدي عدوته الشرقية التقليدية لتستنفذ مواردَه وتنتهك حقوق شعبه وتخترقَ سيادته وتهينَ هيبته أمام أنظار إدارتِها التي تعمّدت تركَ الحبل على الغارب. فمن الواضح أن الإدارة الأمريكية بحزبيها، قد تهاونت متعمدةً مع كلّ الطامعين والضالعين في إبقاء البلاد وشعب الحضارات فريسة سهلة الطعن والجرح والافتراس من دون مبررات. حتى تلك المبررات التي ساقتها إدارتا بوش الأب منذ تسعينيات القرن الماضي وبداية عهد بوش الابن، لم تكن محبكة الصنع ولا مبررّة الأعذار والحيل التي لم تنطلي على القاصي والداني. ولكنّها كانت قدرة الجبارين على ضعفاء الحيلة، وسطوة الأسياد على "العبيد"، وقدرة الأشرار على الطيبين مع التحفظ على بعض الألقاب وأصحاب المسؤوليات. ولكن، بالتأكيد، لكلّ بداية نهاية، ولكلّ باطلٍ صولة، ولكلّ شرّيرٍ جولة، ولكلّ زعيمٍ رقصة. وقد انتهت الغجرية من رقصتها المعتادة استعدادًا لتولّي غيرها زمام حفلةٍ جديدة بأسلوب قد يختلف عن سابقتها لو حصلَ أن تعلّمتْ درسًا، بل دروسًا على طريق الأخلاق المجتمعية والإنسانية القويمة. وفي انتظار أن يأتي المنقذُ الوطنيُّ الكبيرُ، الظالمُ بحكمة سليمان والحاكم الحكيم بقسوة  حمورابي، فيضعُ النقاطَ على الحروف ويغلقَ مأساة شعبٍ تعبٍ ويوقفُ ترنّحَ بلدٍ متهاوٍ سائرٍ بكلّ المقاييس نحو الإفلاس والهزيمة والفوضى، لا سمح اللهُ!
أميركا في أتون فوضى
من الواضح تعرّض الديمقراطية في أقوى بلدٍ في العالم هذه الأيام للخطر بفعل طيش الثور الجامح المترنّح الذي يتلقى آخر طعناته ويرفس آخر سكراته "الزعاماتية" بعد أن وقعت بلادُه شاسعةُ القدرة وعظيمةُ الجبروت في أتون نرجسيته التراميية التي تصوّرَ خطأً أنها ستحفظُ له كرامتَه وسطوتَه وتجبّرَه من دون حساب ولا محاسبة. والخوف، كلّ الخوف أن تكون هذه "الرفسات" الأخيرة قوية بما يكفي لضعضعة شكل الاتحاد الأمريكي وبداية لتخريب مؤسساته بسبب الطبيعة الاستفزازية التي طبعت سلوكيات "ترامب" الخارجة عن العقلانية الطبيعية والبعيدة في أحيانٍ كثيرة عن الواقعية غير الحضارية التي يمكن أن تهدد بإسقاط البلاد وفي انحطاط قيمها. كما لا ننسى مغازلته المستمرة للطغاة وبعض الحكومات الفاسدة في المنطقة، ومنها حكومات العراق، التي نهبت شعوبها وأفقرت بلدانها لغاية الاستجداء بعد أن أذنتْ للدخلاء والغرباء عنه باستباحة سيادته وسلب هيبته بسبب عبثيتها وفئويتها وولائها للغير. ومثل هذا ينطبق اليوم تمامًا على واقع العراق، إذ لم تفعل إدارتُه شيئًا لوضع حدود للسلوكيات الولائية الطافية، بحجة الديمقراطية المزيفة التي تشدّقت بها وكان هو الراعي والمشرف على خرقها وتدنيسها.
إنّ القانون الأمريكي ومؤسساته الدستورية فوق أية زعامةٍ أو رئاسةٍ أو حزبٍ أو فردٍ أو شيخٍ أو نائبٍ. هكذا هي ديمقراطيتُهم التي يسعون لتصديرها إلى بلدان العالم، ومنها منطقتنا الشرق-أوسطية. ومن المؤسف أنّ معظم الإدارات الأمريكية السابقة ومعها حكومات الغرب، لا تعي تمامًا طبيعة ذهنيات شعوب هذه المنطقة ولا تريد أن تدركَ أو تفهمَ أصول هذه العقليات التي لا يمكن أن يُكتبَ لها تحقيق ولو جزءٍ يسيرٍ من شكل هذه الديمقراطية الفوقية المصدَّرة عبثًا بسبب بقاء هذه الشعوب أسيرة الشرع الذي لا يقبل الجدل ولا يؤمن بالتأوين والحداثة في تفسير القيم الدينية وفق تطورات العصرنة. فأساسُ أي دستور في دول المنطقة يشير بعدم تعارض القوانين والأحكام مع أحكام الشرع. لذا حرصت حكومات الغرب في عمومها، على إبقاء منطقتنا الشرق-أوسطية أسيرة تجاذبات فكرية ونزاعات أيديولوجية وصراعات دينية ومذهبية وطائفية لا نهاية لها من أجل إذلالها واستغلالها لمصالحها القومية غير عابئة بمصلحة شعوب المنطقة المتخلفة عن الركب العالمي بسبب قيمها الدينية والمذهبية والقومية الضيقة التي ترفض الانفتاح وقبول الرأي الآخر المختلف. وستبقى كذلك حسب مشيئة الأسياد وحتى تتبدل الأقدار وتتغيّر موازين القوى لصالح دولٍ علمانية "تعطي ما لقيصر لقيصر، وما للّه للّه".
أميركا اليوم تمرّ بأيام فوضى وبعملية قبصرية قاسية غير مضمونة النتائج فيما لو قرّر الثور الهائج وضع اليد على الزرّ النووي لا سمح الله أو شاءَ أن يكون لرفسته الأخيرة ضربة موجعة لكلّ مَن وقف في طريقه لأجل ولاية ثانية، أو تهكّمَ بسلوكه السياسيّ، أو استهان بقدرته على إيذاء أعدائه، أو شمتَ بسقوطه الرئاسيّ المهين. فما أقدم عليه أتباعُه ومؤيدوهُ في الاستعراض الفوضوي يوم 6 كانون الثاني الجاري بالهجوم الأرعن على مؤسسة الكابيتول جديرٌ بوصفه مسخًا للديمقراطية على أيدي الرعاع في مشهدٍ لا يُحسدُ عليه الشعبُ الأمريكي المتشدّق بالديمقراطية. وهذه باعتقاد الكثيرين، بداية نهاية المنظومة الديمقراطية في أرقى بلد عرف مفاهيمها منذ تشكيل اتحاد ولاياتها. ولنا أن نتذكر فقط ما جرى في استفتاء حزيران 2020 عندما عبّرَ فقط 42% من الشعب الأمريكي عن تفاخرهم بانتمائهم القومي لأمريكا بعد أن كان هذا الافتخار في استفتاء سابق في 2003 قد سجّلَ 69%. وهذا من الدليل على تهاوي الفخر القومي الأمريكي إلى أدنى مستوياته المنحطة في تاريخها على الإطلاق.
وهناك مَن يتوقع الأسوأ باحتمالية انفراط عقد دولة القطب الواحد وفق تصوّرات سيقت مع بروزٍ صاعدٍ للتنين الصينيّ كقوّة اقتصادية وسياسية واعدة، إبى جانب الرغبة الملحّة المدروسة بإحكام من قبل الغريم الشيوعي القديم المتمثل براعي الدب الروسي الحالي الأكثر صلادة وقدرة وديناميكية في التعامل مع الأحداث وفق مفهوم استخباريّ محبوك الجوانب والعلاقات الذي يُعتقد بدورٍ خفيّ له في إضعاف قدرات هذه الدولة الكبرى.
وبذلك، ما من شيءٍ موعود الثبيت يُبقي على تأمين مستقبل الأمة الأمريكية التي حافظت على ثباتها ورصانتها وقدراتها منذ نشأتها الرسمية كدولة اتحادية من ولايات متعددة في 1789. فالعد التنازلي لسقوط دولة الأسطورة الأمريكية كما يبدو وبحسب ما يريد أسياد النظام العالمي الجديد متعدد الأقطاب سيبدأ مع نهاية زعامة "ترامب" ودخول "بايدن" البيت الأبيض. فهناك مؤشرات لحرب أهلية متوقعة على الأبواب بين الولايات الأمريكية، سيّما بوجود لغط عن مخططات تُطبخ في كواليس إدارة الرئيس المنتهية ولايتُه بتوقيعه مؤخرًا على وثيقة في غاية الخطورة قد تقلب الموازين في حالة تعلّق الأمر بالترتيب للقيام بعمل عسكريّ مرتقب. وهذا ما اشارت إليه الديمقراطية "نانسي بيلوسي" رئيسة مجلس النواب التي ناصبت الرئيس "ترامب" العداء العلنيّ السافر منذ بداية ولايته ولغاية نهايتها. وتلكم قد تكون بداية نهاية أمريكا.

49
ما زال البحث جاريًا عن وطن مفقود
لويس إقليمس
بغداد، في 10 تشرين أول 2020
شاءت الأقدار أن يقع العراق وسط بلدان سفيهة لم تتوقف أطماعُها ولا تراجعت أحقادُها ولا خبت دسائسُها يومًا للإيقاع به أرضًا وسماءً ومياهًاً وحضارة وثقافة وتنوعًا في شعوبه المتجانسة منذ أصول التاريخ. فكلُّ الأنظار وكلّ الكيانات وكل الدول، الصديقة قبل العدوّة، كانت وماتزال متوجهة صوبه وتسعى لنهش ما تبقى من جسمه العليل بسبب قسوة عوادي الزمن ومؤامرات بلدان الخارج التي أفقدته هيبتَه وسلبته سيادته وجعلته في مصاف الأمم والشعوب الأكثر تخلّفًا في كلّ شيء، بل متذيّلاً صفوف بلدان العالم. وهي بفعلتها الخبيثة، قد قرّبته هذه الأيام من شفير الإفلاس بالرغم من طفوه على مليارات البراميل النفطية ومكامن الغاز إلى جانب تميّز جلّ أراضيه وتمتعها بثروات معدنية وطبيعية ليس لها مثيل في دول المنطقة حصرًا. ناهيك عن منابعه المائية ونهريه الخالدين اللذين تسعى دول الجوار الخبيثة ما تمكنت، من صدّ المياه عنهما وتجفيف قاعيهما بهدف الإيقاع بشعب العراق وتجويعه إن أمكن مع سبق الإصرار والترصّد وبلا خشية من ربّ العباد ولا استحياء بشريّ. بل إنّ سلوك بعض هذه الدول، ومنها دول الجوار حصرًا، شمالاً وجنوبًا وشرقًا وغربًا وبلا تمييز ولا استثناء، تسعى وبكلّ صلافة وبحقد أسود دفين للإتيان على ما تبقى من هيبته وسيادته وطيبة أهله بشتى الوسائل والأدوات لجعله أضحوكة وألعوبة وبقرة حلوب لطوابير من الأغراب والدخلاء عنه من ساسة الصدفة والجماعات والعصابات والفئات المقتاتة على الكومسيونات وما تدرُّه عليها العقود الفاسدة الكثيرة والمنافذ الحدودية من موارد بأشكالها وما تحصل عليه بفعل الاتفاقات المشبوهة في زمن ضياع السيادة الوطنية وانكسار هيبة الدولة بفعل أدوات الدولة العميقة التي تسرح وتمرح وتعربد وتتحكّم في مفاصل الدولة الشاملةً.
هذه الأوضاع المأساوية التي وصلت إليها البلاد، لاسيّما بفعل الانفلات الأمني المصاحب لأدوات الدولة العميقة، وصعوبة سيطرة الحكومات المتعاقبة على مقاليد الحكم والإدارة بسبب استشراء الفساد وتغوّل أدوات هذا الأخير في كلّ مفاصل الحياة وما ترتب عليه من الهبوط الحادّ في الموارد الريعية المتأتية من بيع النفط الذي تسببت به جائحة كورونا، إضافة إلى التهاون الواضح من قبل المجتمع الدولي وعدم وضوح الرؤية في العقل المدبّر للراعي الأمريكي للعملية السياسية ومغازلته الفاجرة لغريمه في التنافس على إدارة حكم البلاد وسطوة الجارة الشرقية على القرار العراقي الذي أفقدته وطنيته وجرّدته من قدرته على استعادة هيبته وسيادته، كلّ هذه وغيرها ممّا لا نحبّذ التذكير به قد ضعضعَ العلاقة بين المواطن والحكومات الهزيلة المتعاقبة وأفقدَ المصداقية بين الشعب وحكامه المتهمين بالفساد والإفساد لغاية بلوغ اليأس والقنوط من العملية السياسة برمتها والتفكير بالانتقال إلى وسائل أخرى قد يكون الصدام المسلح أحدى أدواتها الرئيسة عندما لن تعود تنفع وسائلُ التغيير السلمية المرجوّة من المنظومة السياسية برمّتها.
كما ليس خافيًا هو الآخر، بلوغ الخيبة من الدور المثير للريبة الذي تضطلع به المنظمة الدولية وممثلتها المثيرة للجدل جينين هينيس-بلاسخارت بظهورها بمظهر سيدة مخابراتية في تحركاتها ونقاشاتها وزياراتها المتكررة لأدوات السلطة ومراجع مختلفة دينية وسياسية، في معظمها بعيدة كلّ البعد عن أية نفحة وطنية. بل هي لا تتورع عن إبداء تذمرها بين الحين والآخر من الهياج الشعبي المتفاقم ضدّ أداء الحكومات المحاصصاتية المتعاقبة، إضافة لعدم إخفائها تعاطفها مع الفصائل الولائية ومجاراة أدوات السلطة وأحزابها كلّما استطاعت ذلك. فهي قد أجادت بفضل حنكتها المخابراتية اقتناص الفرص وإدراك مكامن التسلّل المتاحة التي تنتهزها كوسيط دوليّ لتحقيق مكاسب شخصية ودولية لصالح جهات مستفيدة من بقاء أوضاع البلاد على حالها متشرذمة ومهزوزة وفاقدة للسيطرة على إدارة شؤون البلاد وثرواتها وفرض هيبتها وبما يؤهلها للاضطلاع بدورها الوطني. لذا لم يعد من الصعب الحكم على انحيازها الواضح إلى جانب السلطة وأدواتها العميقة مقابل تهميشها لمطالب ثوار الانتفاضة التشرينية الذين فقدوا ثقتهم بشرعية مهمتها في الفترة الأخيرة.
لا زحزحة عن السلطة المستلمة من الأمريكي !
ما علينا. نحن اليوم في خضمّ تحوّلات واضطرابات وإشكاليات اقتصادية وسياسية ودينية ومذهبية وعرقية لا نترقب نضوبها ولا نعتقد بنهاية لها في القريب العاجل ولا المتوسط. فأحزاب السلطة، ولاسيّما الإسلامية منها تفعل ما بوسعها للبقاء في السلطة ما استطاعت عبر أدوات مستنبطة جديدة ساندة لإدامة بقائها في السلطة. بل هي تشرّع في دهاليز مقرّاتها بغطاء ديني ومرجعيّ ومذهبيّ وبأسلوب محاصصاتيّ مقيت ما يتناسب مع البقاء والتشبّث اللاّواعي بشتى الوسائل والطرق، التشريعية منها والتنفيذية والترغيبية والتهديدية التي تتوجه بها نحو بسطاء الشعب خاصة من رافعي الشعارات المذهبية ومقاومة الأجنبي "الاستكباري الكافر"، ومعهم ومنهم المنغمسون في التخريفات المذهبية والعرفية والعشائرية والمظهرية من الذين لا حولَ لهم ولا قوّة إلاّ بإبداء الخنوع والخضوع لأدوات المراجع الدينية التي بيدها كلّ مفاتيح السياسة والحكم والإدارة بإشارة واحدة تكفي وتفي. وهذه الأحزاب المغضوب عليها من معظم فئات المجتمع، تفعل ذلك انطلاقًا من قاعدة مذهبية ترفض التنازل والإزاحة أو التنحي عن المواقع التي تحصنت بها في أروقة الدولة الفاسدة بدعم من الجارة الشرقية وصمت مريب من الراعي السياسي الأمريكي والغرب المتفرّج وذلك تيمنًا بمقولة "أخذناها وبعد ما ننطيها"، ناسين أو متناسين أن السلطة لا تدوم لأحد. فلو دامت لغيرهم، ما آلتْ إليهم! 
هذه حال الدنيا. والعبرة فيمَن يعرف خشية الله في وطنه وشعبه ويعمل جاهدًا لخدمة الإنسان مواطنه، ويُشبع جوعانًا، ويسقي عطشانًا، ويأوي فقيرًا، ويزور مريضًا، ويكسو طفلاً، ويعزّي حزينًا ويحفظ هيبة البلاد ويطّوّر أحوال العباد ويرمّم المكسور ويشجع الفلاح على حراثة الأرض والصناعيّ على زيادة الإنتاج، ويؤمّن البلاد أرضًا وسماءً ومياهًا، ويعزّز من سيادتها، ويأمن على ثرواتها، ويحرس على مالها العالم من السرقة والنهب والتبذير. وهذا ما لم تقم به، بل فشلت في تحقيقه أحزابُ السلطة منذ 2003 ولغاية الساعة عندما جلست غير مصدّقة على عروشها وكراسيها بدعم من الغازي الأمريكي المتعجرف الذي سلّم البلاد للأغراب عنه وأدخلها في فوضى خلاقة لم تستطع الخروج منها لغاية الساعة. فهل من معتبر؟ وهل من تائب؟ وهل من محاسب لنفسه قبل غيره؟ وهل من حريص على وطن مفقود وضائع يطالب باستعادته ثوارُ الانتفاضة التشرينية الذين تتهمهم بعض أحزاب السلطة بالتخريب وتصفهم غيرُها بالمندسين وقيادات أخرى تدعو لوضع حدّ لثورتهم الباحثة عن وطن واتهام أصواتهم الوطنية بالمهازل؟
     هناك مَن يستعجل حصول انتخابات مبكرة بحسابات سياسية ومجتمعية شبه ضامنة بإبقاء الحكم وما فيه من مكاسب ومنافع ومناصب بأيادي أحزاب السلطة سيئة الصيت التي أتت على الأخضر واليابس وحصدت ما دخلَ خزينة الدولة من ريع بيع نفطه ومشتقاته وإبقاء بنيته التحتية الزراعية والصناعية رهنًا بنظام استهلاكيّ-استيراديّ ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً. بل إنّ أحزابًا متنفذة وبإسنادٍ وحماية من جهات منفلتة تحتفظ بسلاح وسطوة خارج نظام الدولة تتولى مهمة هذه التجارة الاستهلاكية وتقف حائلاً ضدّ أية محاولة لنهوض القطاع الخاص الذي يرون فيه تهديدًا لمصالحها ومصالح أدواتها التي تسيطر بفعل نظام المحاصصة والهيمنة المذهبية على السلطة على مجمل النظام الاستيرادي لكلّ شيء. ناهيك عن سطوة جهات متنفذة تابعة لأحزاب السلطة على المنافذ الحدودية بكلّ أشكالها ومواقعها من شمال البلاد إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، وهيمنة غيرها على مقتربات ونقاط استيرادية بهدف التحكم بما يدخل عبرها من موارد قد تضاهي موارد الريع النفطي بحسب خبراء ومراقبين ومحللين. وهذا ما يشير بشكل أو بآخر إلى تحايل أحزاب السلطة على الشعب المقهور والمغلوب على أمره عبر الإيحاء بنواياهم بإجراء الإصلاحات الموهومة، ومنها موافقتها على إجراء انتخابات مبكرة في ظلّ بقاء الظروف الحالية وسطوتها على أهمّ عوامل تحقيق النجاح فيها بفضل انتفاعها من المال العام والسلاح المنفلت والسلطة من دون نسيان دور المرجعية التي حذّرت في أوقات سابقت من خشية فقدان أصحاب المذهب للسلطة التي ماتزال تديرها بقوة النفوذ المذهبي وبدعم خارجي مشبوه، سواء من أمريكا غير المكترثة لما آلت إليه أحوال الشعب الكارثية أو الجارة الشرقية التي تستسيغ اللعبة مع غريمها الأمريكي وتدفع بتصفية حساباتها على الأرض العراقية وتراهن على بقاء أدواتها لفترة قادمة أخرى من دون تغيير في المنظومة وأدواتها. من هنا يرى البعض أن استعجال أحزاب السلطة بإجراء الانتخابات القادمة في 6 حزيران 2021 كما هو مقرّر، وفي ظلّ الظروف الراهنة التي تطبق فيها هذه الأحزاب على مقاليد الأمور، لن يكون نافعًا وإيجابيًا ما لم تتدارك قيادات التنسيقيات ومثقفو الأمة والنخب بعمومها، ما يحيط بالعملية السياسية برمتها من مخاطر بسبب تغوّل هذه الأحزاب وفروعها المنتجة حديثًا على مقاليد الحياة العامة وعدم بروز أحزاب وطنية منافسة أو تشكيلات موازية تأخذ على عاتقها مسؤولية التغيير الجذري المرتقب. ونحن نأمل ألاّ يقتضي مثل هذا التغيير استخدام العنف في تحقيقه.
إنتاج سلبيّ لأحزاب فرعية
لقد بدا واضحًا للعيان، ظهور أولى طلائع تشكيل أحزاب سياسية جديدة من إنتاج الأحزاب الإسلامية الفاشلة بهدف تضليل الراي العام والظهور بمظهر الإصلاح البعيد كلّ البعد عن مفاهيم بناء الدولة الحديثة التي يطالب بها عمومُ الشعب والتي أفرزتها أصوات الانتفاضة التشرينية حين نادى أبطالُها وثوارُها بأنهم يريدون وطنًا يحميهم وليس غولاً يتحكم بمصائرهم وينهب ثروات بلادهم ويسرق قوت الفقراء ويدمّر ما بنته مؤسساتُه السابقة وما أتى به النظام البائد من تطور وبناء في كلّ الميادين بعيدًا عن حسابات سياسية مليئة حقدًا وعداءً حين سعت وما تزال تسعى أحزاب السلطة الفاسدة منذ 17 سنة خلت، كي تطمس معالم الثقافة والتمدّن والتطور التي ميّزت العراق في عهد النظام البائد. ويكفي ترحّم قيادات وشخصيات سياسية وإدارية في الحكومات المتعاقبة لما تحقق في ذلك الزمن في حين عجزت قيادات البلاد منذ 2003 بإضافة ما يستدعي التفاخر به إلاّ في مشاريع نهب المال العام وإفراغ خزينة الدولة وسرقة موازناتها الانفجارية وضياع المليارات التي لو جرى استغلالها لصالح الوطن والمواطن لانقلبت أحوال البلاد والعباد إلى أفضل ما يكون.
    كما أنّ الملاحظ في هذه التشكيلة الجديدة من الأحزاب الفرعية المنبثقة عن الأحزاب التقليدية الفاشلة المغضوب عليها، قد أدخلت تحسينات شكلية بإقحام عناصر نسائية وشبابية من الجيل الثاني والثالث لتكون واجهة، القصد منها السعي لامتصاص الغضب الشعبي ضدّ الزعامات التقليدية الفاشلة التي كانت وماتزال تشكّل سبب الكارثة في بلوغ البلاد والعباد إلى هذه الأحوال السلبية بالخشية من اقترابها من شفير الإفلاس بحسب خبراء ومراقبين. فهذا ما تشير إليه مفردات وزارة المالية المضطرّة للزيادة في الاقتراض الداخلي والخارجي من أجل سداد مرتبات ومخصصات الموظفين الحكوميين، بمن فيهم آلاف الفضائيين والمزوّرين وأصحاب الدرجات الخاصة والسمة الجهادية والنضالية من الذين يغرفون من ميزانية الدولة بلا حساب ولا تخطيط ولا خشية، وسط تراجع مدخلات الريع النفطي وزيادة النفقات وعدم القدرة على إدارة ملفات الضرائب والجمارك والمنافذ الحدودية بسبب تواصل هيمنة العصابات والجماعات المسلحة والعشائر وأحزاب السلطة عبر أدواتها الحكومية الرسمية عليها.
إنّ الحسرة على ما يجري تكتنز القلوب وتستدعي حدّ الأسنان لغاية إزاحة المنظومة السياسية الحاكمة برمتها "شلع قلع"، ومن دون تمييز ولا استثناء. فكلّ الأحزاب التي دخلت العملية السياسية قد اقتطعت ما أمكنها من الكعكة وما تزال تقتنص الفرص لاستكمال النهب والسرقة واللصوصية. فكيف بها تقبل بمطالبات الشعب بتنحيها عن السلطة التي فشلت بكل المقاييس والمعايير بإدارتها وتوجيهها نحو الصالح العام الوطني؟ وهذا ممّا يستدعي وقفة عمومية، لدعم مطالب الثوار المطالبين برصّ الصفوف والعمل على إخراج أحزاب وطنية قوية موازية للأحزاب الحاكمة تكون منافسة ندّية لها في إثارة الرأي العام وحثّ فئات الشعب للاصطفاف إلى جانب مطالبه المشروعة باستعادة الوطن من براثن اللصوص والسرّاق ووقف مساعي أحزاب السلطة ومَن يقف مساندًا لها من مراجع دينية ومذهبية وسياسية فاسدة وكشفها أمام الراي العام وتسمية الأشياء بمسمياتها من دون مواربة ولا خشية ولا ألغاز. فالماضي الفاسد المدمّر لا بدّ أن يزول لتحلّ مقامَه وجوهٌ وطنية مشرقة يُشهد لها بالولاء للوطن، أرضًا وشعبًا وحضارة وثقافة وتربية ومجتمعًا وفكرًا ملهمًا ورؤية سديدة في النظر إلى المواطن، جوهر الحياة وصانع الحدث وهدف الوطن والإنسانية.




50
على خطى إبراهيم، حجٌّ بابوبي تاريخي إلى أرض العراق
بغداد وأور وأربيل والموصل وقرقوش في انتظار الزيارة الميمونة للحبر الأعظم، بابا الفاتيكان
لويس إقليمس
بغداد، في 25/12/2020
بين مصدِّق ومنذهل، سيتحقّقَ الحلم الكبير بتأكيد حاضرة الفاتيكان في 7 كانون أول 2020 نبأ الزيارة الميمونة التي سبق أن وعد بها بابا الفاتيكان "فرنسيس" إلى أرض السواد العراقية، بلد إبراهيم أبي الآباء وحاضرة أكد وسومر وآشور وبابل، بعد أن كان مقررًا لها أن تجري في 2019 بسبب ضبابية الظروف الأمنية. سيباركُ قداستُه أرضَ شنعار-العراق ومياهَه وسماءَه ويحاورُ أهلَه الطيبين أصلاء الحضارة والثقافة قبل أن تتدخلَ أيادي الشرّ الخبيثة وتزرع الفتنة والفساد وتعملَ قتلًا ودمارًا وتشتيتًا في أبنائه وبناته، في شيبه وشبابِه، في نسائِه وأطفالِه، أحباء الله الخالق العظيم ومالك الأرض والسماء والعناصر بغير منافس. وعلامةً على حسن تدبيرِه وخياره، سيحلُّ البابا "فرنسيس" للفترة من 5-8 آذار من العام القادم 2021، ضيفًا كريمًا عزيزًا على مدينة بغداد دار السلام ومنارة المجد والخلود. وسيتعطّرُ قداستُه بتراب مدينة أور أبي الأنبياء، ويزور أربيل (حدياب الآرامية -مدينة الأربعة آلهة) عاصمة كردستان العراق ورمز التسامح المجتمعي والتآخي، وبعدها الموصل (نينوى الآشورية) قلعة الصمود والتحدّي والتعدّد الإتني والديني. وأخيرًا يأتي دور مدينة "راسن" / قرقوش (بغديدا / بخديدا بالسريانية) التي سيخصّها ببركة رسولية خاصة باعتبارها أكبر تجمّع مسيحي للكنيسة السريانية ورمزًا للمسيحية في محافظة نينوى الجريحة، وفيها أكبر كنيسة في العراق (كنيسة الطاهرة الكبرى) والثانية في الشرق الأوسط من حيث السعة والمساحة والعمران. فقداستُه لم ينس هذه البلدة الحالمة في أطراف مدينة الموصل الأصيلة في كلّ شيء، وما عانته مع غيرها من بلدات السهل متنوعة الأديان والأعراق والمذاهب من تهجير ونزوح لأهلها ومن تدمير لكنائسها ومعابدها وأديرتها ومزاراتها وحرق وتفجير وتخريب وسرقة وسلبٍ ونهبٍ لمنازل أهلها ومؤسساتها الإدارية على ايدي تنظيم الدولة الإسلامية الذي عاث في مدن العراق المحتلة على أياديه الظالمة فسادًا بسبب تقاعس المنظومة السياسيّة الفاشلة وإدارتها الفاسدة عندما سهلت دخوله بالطريقة السالبة التي لا تنطلي على أيّ متابع للأحداث والوقائع والوثائق.
قصارى القول، لقد رحب العراقيون، صغارًا وكبارًا، عامةً ومثقفين، رجال دين وعلمانيين، سياسيين ومدنيين بخطوة الفاتيكان الجريئة التي تُعدّ أول حدث تاريخي لصالح شعب العراق، قبل أيّ مسمّى آخر. فالزيارة المرتقبة كما نفهمها، ستكون لها آثارٌ إيجابية، ليس على الصعيد المحلّي فحسب، بل والإقليمي والدوليّ على السواء. فالعراق مازال يحتلُّ موقع استقطاب دوليّ حسّاس على أصعدة كثيرة نظرًا لموقعه الجغرافي وعمقه الحضاري والتاريخي والثقافي والدينيّ وتميّز أهله وناسه بالطيبة والأصالة والإبداع، لاسيّما مَن حافظ منهم على الأمانة الوطنية ولم يخن الوديعة ولم يتأثر البتة بفساد الساسة وبحكمهم الظالم لشعبهم بشتى أدوات القهر والعشائرية والمذهبية والطائفية واللصوصية والمحاصصة التي قصمت جميعُها حاضرَه وأهانت ماضيه وأضاعت مستقبلَه بفعل الحروب غير المبررة التي خاضها و السياسات غير الحكيمة التي مارستها الأنظمة والحكومات المتعاقبة، ولاسيّما بعد الغزو الأمريكي الظالم في 2003.
لفتة بطولية تعزيزًا لروح الأمل
يقول أحد المتابعين لأنشطة البابا "فرنسيس"، أن الخبر جاء مفاجئًا للجميع حيث لم تُرصد اية زيارة لقداسته منذ أكثر من سنة بسبب آثار فيروس كورونا الذي جمَّدَ حياة البشر وأحالَ العالم إلى كتلة راكدة ضعيفة الحركة في الصناعة والسياحة والتنقل. فيما يرى غيرُه أنّ تحقيق هذا الحلم للعراقيين جميعًا في هذا الوقت الأغبر بالذات، كان لفتة بطولية تعزيزًا لروح الأمل والرجاء بغدٍ أحسن، ومن الدلائل المبشرة بأيامٍ أفضل قادمات لشعب العراق والمنطقة ودلالةً على ترقبٍ واضح وحدسٍ واعد بخفّة حدةٍ مرتقبة في آثار الجائحة وفي تحسّن الأوضاع على عموم البشرية المعذبة في ضوء هذا التاريخ الذي وقع الاختيار عليه. كما أنّ من شأن هذه الزيارة أن تعزّز روح الوحدة الوطنية بين سائر مكوّنات الشعب العراقي وتعيد البسمة إلى شفاه التعساء والفرحة للبؤساء والأمل للفقراء وأن ترسمَ الضوء الأخضر لمَن اضطرّته الظروف الظالمة كي يترك أرضَ الآباء والأجداد ويهجر البلدَ بأهله وأرضه مضطرًا بفعل المعاناة والقهر والظلم والتهديد، للتفكير بالعودة إليه راجيًا حياة معيشية أفضل وعدالة اجتماعية أكثر ومساواة في الحقوق والواجبات من دون تمييز ولا تفرقة ولا تجاهلٍ ولا استخفافٍ بسبب الاختلاف في الدين أو المذهب أو العرق، وفي اعتماد الكفاءة معيارًا لتكافؤ الفرص في كلّ شيء.
عسى أن تجد بركاتُ الحبر الأعظم بلسمًا شافيًا من لدن من تبقى من حكماء العراق ممّن في الحكم ومن ناسه الطيبين من خارج الحكم من القادرين على أداء دورٍ وطنيّ في إعادة بناء ما تمّ تدميرُه على أيدي فئاتٍ متحزّبةٍ منفلتة من رعاع الجهل والتخلّف التي تدير دفّة الحكم الحقيقي بأدوات حكومة عميقة متغلغلة في كافة مفاصل الدولة بفعل المال والنفوذ والسلطة التي استقوى بها هؤلاء وأتباعُهم وذيولُهم.
ترتيبات الزيارة
مَن يتابع خطّ سير الحجّ البابوي المرتقب لا بدّ أن يعيد للأذهان رغبة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني الذي تمنّى تحقيق هذا الحلم في العام 2000 على خطى إبراهيم أبي الأنبياء عندما كان العراق يعيش أوضاعًا صعبة بسبب تتالي الأزمات وانعزال نظام حكمه آنذاكَ عن المجتمع الدولي بسبب الحماقات العديدة لأركانه، لاسيّما في خطيئته الكبرى بحق جارته الجنوبية في حرب الخليج الثانية. فقد سعى البابا الراحل منع حدوث حرب وشيكة ضدّ هذا البلد بسبب قساوة قلب معظم أنظمة المجتمع الدولي ضدّ العراق وشعبه و"تكأكُئِهم على ذي جِنّةٍ"، لكنّه لم يفلح في ردع القوى العظمى المتكالبة عليه. فكانَ أن ظلَّ العراقُ بلدًا ذليلاً مستباحًا وهزيلاً مذ ذاك. وهو اليوم بسبب تلك الحماقات يعاني من تبعات تلكم السياسات الخاطئة وما سواها من أزمات متلاحقة في ديمغرافيته واقتصاده وسياسات حكامه غير الرشيدة منذ 2003، عبر أحزابٍ فاقدة الضمير والأهلية الوطنية سطت على ثروات البلاد وأرهبت ناسه وهجّرت عقولَه وطردت كفاءاته ما اضطرّ الملايين للنزوح والهجرة بسبب فقدانهم لأهمّ ركنٍ من أركان المواطنة، وهو الوطن والمواطنية.
بحسب ما متوفر من معلومات من مصادر حكومية ومرجعيات كنسية، فقد تمت جميع الترتيبات والتحضيرات اللوجستية والأمنية في أقصى درجات السرية مع الجانب العراقي من قبل مبعوثين من الفاتيكان زاروا العراق للتداول بشأن تفاصيل الزيارة، لاسيّما وأنّ البلاد تعاني من أخطر أزمة مصيرية في تاريخها ومن هزالة واضحة في إدارتها. فالمشاكل السياسية والاقتصادية قد أربكت حياة عموم الشعب بسبب فقدان الإرادة السياسية الإيجابية بإصلاح ما فسدُ منذ سنوات، وتفاقم الصراع على السلطة والنفوذ من قبل رؤوس الدولة العميقة وأدواتها التي تعيث في الأرض فسادًا وقتلاً ونهبًا وترويعًا وسط صمتٍ من السلطات التي تشعر أنْ لا حول لها ولا قوّة ولا مقدرة لوضع حدودٍ لمثل هذه السلوكيات الشائنة الخارجة عن الانتماء الوطني الصحيح. فما تزال هذه الأدوات تتحرك بحرية أينما شاءت وكيفما شاءت وسط معالجات خجولة من الأجهزة الأمنية والقضائية التي تخشى تقاطع ذلك مع مصالحها ومكاسبها، إنْ مجاملة أو محاباة أو خشية على أرواحها ومصيرها ومكاسبها غير مكترثة بمستقبل عامة الشعب ومصالح البلاد العليا المهدّدة بالانهيار في اية لحظة.
رسائل البابا في زمن الرجاء
إنّ زيارة بابا الفاتيكان المرتقبة، ستحمل عمومًا في طياتها رسائلَ كثيرة للعراق والمنطقة والعالم وسط زحمة المشاكل وتقاطع المصالح الداخلية والإقليمية والدولية المتكالبة على هذا البلد الجريح بسبب الحالة الراهنة من عدم الاستقرار الأمني والاجتماعي والسياسيّ والأزمة الاقتصادية المتفاقمة التي زادت من حدّة التقاطعات والمناكفات والتسقيطات بين أحزاب السلطة الحاكمة وبسبب الدور السلبيّ اللاّوطنيّ الذي تضطلع به ميليشيات هذه الأحزاب، لاسيّما الدينية منها. وفي اعتقادي، ستشكل هذه الزيارة لبلدنا فرصة لمراجعة المشهد السياسيّ برمته نظرًا للرسائل المهمة الكثيرة التي سيوجهها قداستُه. وما علينا شعبًا وحكومةً وأحزابًا حاكمة، إلاّ ان نغتنمها فرصةً طيبة لصالح بلدنا وأرضنا وناسنا ومواطنينا. بل ستكون دعوة مفتوحة وصادقة لوضع الاختلافات الدينية والمذهبية والعرقية وغيرها من الصراعات العشائرية والحزبية والمناطقية جانباً، وذلك طلبًا للتلاحم والتعاون والتآزر ومن اجل اشاعة قيم التضامن والسلام والاستقرار، وترسيخ العيش المشترك، واحترام التنوع والتعددية، بكوننا اخوة في عائلة واحدة، ومواطنين لأرض واحدة، هي العراق بيتًا وخيمةً وملاذًا للجميع. حينها فقط، ستمتدُّ يدُ السلام لترفرفَ خفاقةً فوقنا جميعًا لتحفظَ بلادَنا وأرضَنا وشعبَنا. وحينها فقط سنبدع جميعًا في خلق مجتمع عراقيّ أفضل يقبل بالآخر المختلف مهما كانَ دينُه أو مذهبُه أو عرقُه أو قوميّتُه أو لونُه أو شكلُه ضمن الانتماء لهوية الوطن الواحد وليس لسواها من هويات فرعية أخرى انفصالية وتمزيقية وتمييزية وولائية.
إنّ هذه الزيارة وفي سياق الترتيبات والتطلعات تمثلُ رمزًا قويًا وعلامة فارقةً للغاية، وهي تفوق أكثر بكثير ممّا تشكلُه زيارة أي رئيس دولة في العالم مهما تجبّر. ويكفي أن يحلمَ بابا الفاتيكان الذي يرأسُ أكبرَ تجمّعٍ دينيّ في العالم أن يسير على خطى إبراهيم أبي الأنبياء في أولى خطوات حجّهِ عندما تطأُ قدماهُ أرض أور الخصبة وتتغزّلُ عيناهُ بعظمة زقورتها التاريخية متطلّعًا للسماء ومتضرّعًا كي تحمي العراقَ وشعبَه وتصونَ أرضَه وأهلَه من أشرار الأرضِ وأفعالهم الشائنة بحق مواطنيهم المعذَّبين وبحق الوطن الجريح الذي خانته أيادي وأفعالُ هؤلاء الوكلاء غير الأمناء على مصالحه ومصالح الشعب عندما لم يحفظوا الأمانة ولم يصونوا الوديعة، ولم يكونوا رعاة صالحين للرعية.
وفي العادة، من ضمن رسائل البابا في أية بقعة أو دولة أو أمةٍ يخصُّها بالزيارة، يركّزُ قداستُه على مواضيع رئيسية مثل موضوع الأخوة الإنسانية التي تمثلُ مطلبًا ملحًا لتصالح البشرية جمعاء وتساهم بجعل العالم قرية نموذجية متآزرة ومتسامحة وإيجابية في سلوكيات البشر. وهذا ما نحتاجُه بإلحاح في ضوء المشهد السياسي المربك والاقتصادي المتراجع والاجتماعي الممزَّق المتأزم وسط صراعات مثلث السلطة الحاكم بلا رحمة ولا ضمير ولا دراية بشكل عناصر المنظومة السياسية الفاشلة منذ تشكيلتها وفق نظام التحاصص البغيض الذي أثقل كاهلَ الدولة وساهمَ بتمزيق لحمتها الاجتماعية وأحالَ ثرواتها إلى هباء منثور بسبب سوء الإدارة وغياب الإرادة في الإصلاح الحقيقي.
رسالة البابا في هذه الزيارة إذن، ستتضمن دعوة للوحدة الوطنية المهدّدة بسبب الصراعات القائمة التي فلّت من عضد الدولة ومن نسيجها المجتمعي إلى جانب رسالة السلام القوية وطنيًا وإقليميًا ودوليًا. ومن أهمّ عناوينها، توجيه رسالة خالصة لمدينة الموصل وأهلها، والتي لم تتعافى بعدُ من جراحاتها الكثيرة منذ طرد رعاع الدولة الإسلامية المتشددة من أراضيها. وستكون رسالتُه أكثر وضوحًا بل وتحملُ أملًا مشعًا لمسيحيي هذه المدينة، ولاسيّما بلدة قرقوش/ بخديدا (30 كم جنوب شرق مدينة الموصل) "رمز المسيحية" في شمال الوطن والتي كانت تحصي بين 50-60 ألف نسمة من أتباع الكنيسة السريانية قبل غزوها على ايدي تنظيم "داعش" الإرهابي المتشدّد. فآثار الدمار والسلب والعبث فيها وفي كنائسها ومنازل سكانها ماتزالُ قائمة بانتظار بلسمة جراحاتها وعودة أهلها الذين تشتتوا في بقاع العالم، ومثلهم سائر أهالي القرى والبلدات المجاورة الأخرى.
وبالتأكيد، لن تخلو لقاءات بابا الفاتيكان مع ممثلي مكوّنات البلاد، شيعةً وسنّةً وأكرادًا ومكوّنات أخرى تشكلُ فسيفساءَ الوطن المتآخية عبر الزمن، تمامًا كما اعتاد فعلَه في كلّ زيارة راعوية أو خارجية لبلدٍ أو منطقة. وفي اعتقادي، ستكون التفاتة أبوية وأخوية يقصدُ بها إشاعة الحقيقة الغائبة في زمنٍ غابَ فيه الأمل بمستقبلٍ أفضل وصارَ الرجاء في غياهب الظلمات.
مشهد غامض وأقليات في مرمى فصائل مسلحة
مَن يراقب المشهد في العراق والمنطقة وموعد الزيارة التاريخية الذي اختارهُ الفاتيكان والتي تُعدّ الأولى لبابا الفاتيكان للبلاد، سيرى توقيتَها متناغمًا مع المطالبات بضرورة إنصاف مواطني المكوّنات التي أحالَها الزمن الأغبر الظالم إلى جماعات "أقليات"، ليس ضمن المجتمع العراقي فحسب، بل في كلّ أنحاء الوطن العربي والمنطقة. فهناك شعورٌ قائمٌ بتحوّل بلدان المنطقة إلى صحارى بلون رمالٍ وحيدة في حالة فراغها من هذه المكوّنات، ولاسيّما المكوّن المسيحي الذي كانت له عبر الأزمان والدهور بصماتٌ مهمّة وأساسية في بناء الأوطان وتشكيل حضاراتها ومدّها بثقافة مميّزة تفتقرُ إليها الأغلبية القائمة في العهود والقرون الأخيرة. لذا تقترن هذه الزيارة