ankawa

الحوار والراي الحر => المنبر الحر => الموضوع حرر بواسطة: عامر صالح في 09:46 23/02/2020

العنوان: احتجاجات اكتوبر العراقية وسنة الصراع السايكوطبقي
أرسل بواسطة: عامر صالح في 09:46 23/02/2020
احتجاجات اكتوبر العراقية وسنة الصراع السايكوطبقي

د.عامر صالح 

ان الأحتجاجات الشعبية السلمية الشاملة لمختلف الفئات الاجتماعية والعمرية التي اندلعت في الاول من تشرين الأول العام 2019 والتي ستنهي شهرها الخامس قد شكلت نموذجا حيا وملموسا في تاريخ العراق الحديث، انها ثورة شعبية شبابية سلمية وبدون مشاركة الاحزاب السياسية" على الأقل في بدايتها الأولى". اندلعت الأحتجاجات بسبب الفشل الذريع لنظام المحاصصة السياسي والطائفي والقومي المقيت..

لقد قدمت الثورة تضحيات جسيمة لم يشهدها تاريخ العراق المعاصر حيث تجاوز عدد الشهداء ال 700 شهيد  شهيد واكثر من 24 ألف جريح، والمئات المعتقلين والمختطفين من قبل السلطة الحاكمة والمليشيات المسلحة التابعة للأحزاب السياسية المتنفذة في السلطة وغير التابعة للاحزاب والمدعومة من قبل قوي اقليمية.
أن الصراع في العراق، هو صراع طبقي ووطني في ان واحد، هو صراع بين قوى الثورة الشعبية الشبابية السلمية والمتمثلة بالعمال والفلاحين الفقراء والمتوسطين، و شرائح ثورية من الطلبة والطالبات والشباب والمرأة والكسبة من جهة، وبين قوي الثورة المضادة المتمسكة بالسلطة من ممثلي نطام ما بعد 2003، وقادة نظام المحاصصة المقيت واعوانهم من المرتزقة والمافيات ومجموعة اجرامية من قوي اقتصاد الدولة العميقة المافيوي اللاشرعي واللاقانوني والاجرامي والمتوحش وبدعم وإسناد من قبل الميليشيات المسلحة التابعة للأحزاب السياسية المتنفذ في السلطة وغير التابعةللاحزاب والمدعومة من قبل قوي اقليمية.

لقد أفرز النظام ومنظومته المعرقلة للوحدة بين الدولة والمجتمع وادارة الحكم بعض من الملامح النفسية والاعراض المرضية التي تشكل جوهر القطيعة بين النظام وبين الشعب, ولعل ابرزها هو:  وجود تناقض صارخ بين الثقافة التي يرتكز عليها النظام السياسي القائم وبين ثقافة المجتمع؛ وجود قطيعة نفسية وثقافية بين الشعب وتطلعاته، وبين النظام وسياساته ومشاريعه؛ تحول النظام السياسي إلى عائق للمجتمع عن الاستجابة للتحديات الحضارية الكبرى؛ شعور الأغلبية أن النظام فاقد لجميع مبررات وجوده، وأنه لا أمل في إصلاحه من الداخل؛ وجود إجماع وطني على فساد النظام السياسي؛ عدم وجود آلية لتغيير النظام من داخله وبقناعة سلمية بسبب شيوع ثقافة الاستحواذ على السلطة، أو تزوير إرادة الشعب كما جرى في انتخابات سابقة.


فإذا توفرت هذه المعطيات كلها ثم تحولت القطيعة النفسية بين النظام الحاكم وبين الشعب المتذمر إلى إرادة لـ"التغيير الحضاري" تبدأ الثورة تخرج من حيز " الوجود الكامن" إلى حيز " الوجود بالفعل"، بعد أن تستكمل أربعة شروط هي: وجود تحول ثقافي عميق في المجتمع ونظرته إلى السلطة والثروة، وما يجب أن تكون عليه العلاقة بين الحاكم وبين المحكوم؛ وجود إرادة جماعية واحدة تنصهر فيها إرادة جميع الأفراد الطامحين إلى التغيير والإصلاح؛ وجود استعداد لتحويل تلك الإرادة الجماعية من حالة التصور النظري إلى حيز الواقع العملي؛ وجود نواة صلبة من نخبة المجتمع مستعدة للتضحية وقادرة على قيادة الجماهير وإذكاء حماسها. 

 الارقام والمعطيات الدولية تشهد عن ما يجري في العراق من احتجاجات ومظاهرات عارمة ضد الفساد الحكومي والدستور والتدخل الأقليمية والأحزاب الدينية الفاسدة والمليشيات، حيث أن عوائد مالية فلكية تجنيها تلك الأطراف منذ سنوات طويلة، على حساب شعب فقير ومؤسسات بدأت بالتصدع والانهيار، ناهيك عن إهدار المال العالم، في بلد يمتلك “ثاني أكبر احتياطيات نفط في العالم”، حيث تم تصنف البلاد في المركز الـ169 من أصل 180 على مؤشر الفساد حسب منظمة الشفافية الدولية، ووصف تقرير منظمة الشفافية  الدولية العراق و انتشار الفساد السياسي والاقتصادي والإداري داخل مؤسساته المتنوعة.                                                 


كما تؤكد تقارير المنظمة أن حجم المال المنهوب في فترة ما بعد 2003 ، بلغ 300 مليار دولار، وتضيف مصادر عراقية أن نحو 350 مليار دولار أُهدرت وسرقت خلال الأعوام 2003-2014 بمشاريع وهمية وفساد مالي وإداري في البلاد، فضلا عن وجود خمسة آلاف مشروع لم تنفذ بسبب سوء التخطيط، في وقت تمر فيه البلاد بأزمة ديون داخلية وخارجية، حيث انهك الفساد الاقتصاد العراقي رغم كل ما يملكه من ثروات مادية وبشرية.                                                                                         


واشار البنك الدولي الى تصنيف العراق كثاني أكثر دولة بالعالم تعاني من تفشي الفساد، فضلاً عن التصنيفات التي تعده واحداً من أكثر الدول سوءاً من ناحية الأعمال التجارية وضعف البيئة الاستثمارية، نظراً للإشكالات العديدة في البنية القانونية والتشريعية
وهشاشة الوضع الأمني والأخص الأشهر الماضية                                                                                                         


حجم الفساد المتزايد في العراق خلق أزمات معيشية واقتصادية متتابعة للمواطنين، وأربك اقتصاد بلادهم حتى أصبح بين الأسوأ  عالمياً، رغم أن البلاد تملك أكبر احتياطي نفطي بالعالم بعد المملكة العربية السعودية، كما يمثل احتياطي النفط العراقي نحو    10.7% من إجمالي الاحتياطي العالمي .                                                                                                     


العراقيون يعانون من البطالة المستفحلة، وضعف الخدمات العامة، والفقر المدقع، الذي معدلاته “الرسمية” بلغت في العام 2019 22.5%، في حين تشير إحصاءات البنك الدولي إلى أن نسبة الفقر تصل إلى 41.2% في المناطق المحررة من تنظيم داعش الارهابي ، و30% بالمناطق الجنوبية، و23% في الوسط، و12.5% في إقليم كردستان، وأضاف البنك الدولي أن 50% من الأطفال فقراء في المحافظات الجنوبية بالعراق .                                                                                         

رغم حالة العنف المفرط التي واجهت بها قوات الأمن المحتجين، إلا أن مطالب الاحتجاجات توحي بتغير كبير في نمط الاحتجاجات العراقية التي بدت متجاوزة للمرجعيات الدينية والكتل السياسية، وهو ما يُمكن أن يُهدد القوى السياسية التقليدية التي تصاعد دورها منذ عام 2003، ويتهمها العراقيون بالتورط في الفساد, وهي غارقة فيه فعلا. وتفرض هذه الحالة الجديدة على الشارع السياسي العراقي سيناريوهات قد تتجاوز تغيير رأس الحكومة كما كان يحدث في السابق، إلى محاولة فرض واقع سياسي جديد في منظومة الحكم بأكملها بشرط استمرار حالة الزخم في الاحتجاجات، أو في أضعف التقديرات يُمكن أن تنجح الفئات المشكِّلة للاحتجاجات -خاصة الفئات الشبابية- في تكوين كتلة سياسية جديدة عابرة للمرجعيات
والأحزاب لتكون نواة لحركة معارضة جديدة. وبالتالي فأن ابرز المهمات الملقاة على عاتق الأحتجاجات يكمن في ما يلي:


ان تشكيل حزب أو كيان وحتى مجموعة احزاب عبر تحالفتها مع شرائح اليسار العراقي،اصبح ضرورة موضوعية ملحة تعكسه حالة الصراع الطبقي السائدة في المجتمع العراقي وهي بالضرورة تمثل مصالح الغالبية العظمى من الشعب العراقي وفق برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي وطني واضح الاهداف والمعالم وعابر للطائفية، ومن الضروري ان يبدأ العمل به من الان، وعكس ذلك سوف لن يستطيع المتظاهرون السلمييون الابطال من تحقيق الاهداف المشروعة للشعب العراقي، الا عبر البرلمان وبالتالي سيشكلون الاكثرية في البرلمان الجديد، من خلال اشراف مباشر للامم المتحدة على الانتخابات البرلمانية، لان جميع المكونات الطائفية الثلاثة قد فقدت شرعيتها وشعبيتها، بوجودكم كقوة منظمة متراصة ستحققون امال وطموحات الفقراء والمساكين والمضطهدين من الشعب العراقي، وبعكس ذلك سوف يتم ابتلاعكم من قبل حيتان وديناصورات الفساد المالي والإداري من قبل قادة نظام المحاصصة السياسي والطائفي والقومي المقيت والفاشل بامتياز, وبالتالي فأن خيار احتواء الاحتجاجات وارد من قبل الطغمة الفاسدة وهو ما يجري الآن عبر وسائل الترغيب والترهيب.

أوكد على المحتجين السلميين الأبتعاد عن الشعارات الغامضة وغير الواقعية والتي تؤذي الحراك الاجتماعي السلمي وتفضي الى موته بطيئا امام سلطة البطش والمليشيات والاندساسات بين المتظاهرين. والمتظاهرين السلميين ليست مشاريع استشهادية مقابل لا شيء, ويفترض ان يفهم المحتجون السلميون ان الاستشهاد والتضحية دون مقابل او ألتماس أفق صوب التغير هو خسارة للوطن والشعب, وبالتالي أي عملية مجتمعية تضخم مدخلاتها دون مخرجات"انجازات" هي خسارة لا تعوض !!!.