عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - علي الابراهيمي

صفحات: [1]
1
سيناريو العراق الامريكي



( بعد ساعاتٍ من تسمية الكاظمي، قال مساعد وزير الخارجية الأمريكي إن الكاظمي "أثبت في وظائفه السابقة أنّه وطني وشخص كفؤ"، معرباً عن أمله في حكومة "قوية ومستقلّة" )
وكانت وظائفه السابقة العمل مع الأمريكيين في مونيتور , ومع البريطانيين في مؤسسة الذاكرة , ومع الأكراد في الصحافة , وحضن ابن سلمان في المخابرات .
ان العراق كان ولا زال محكوماً من قبل العلمانيين منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921م , وعلى أيديهم شهد أكبر عدد من عمليات الاغتيال الرسمي وغير الرسمي , واكبر ظاهرة تخريب ثقافي , وأسوأ حملات تزوير التاريخ , واكبر عمليات سرقة للأرض والثروة لأسباب طائفية .
لكن لماذا تترك حكومة مؤقتة وظيفتها التهيئة للانتخابات فقط العمل على مشاريع اصلاح حقيقية وتذهب لسن قانون يضاف لسلسلة من قوانين تفكيك الاسرة العراقية , وهي اخر دعائم المواجهة ضد الفساد , تحت عنوان ( قانون مناهضة العنف الاسري ) , بما يشبه بصورة مريبة سرعة سن قانون ( الإصلاح الزراعي ) بعد انقلاب عبد الكريم قاسم بشهرين فقط , رغم كونه مثّل الية لسرقة اكبر مساحة خصبة مملوكة من الأرض ونقلها بالخديعة لأيدي الوافدين , بل نقلها تعديل عام 1965 الى ايدي غير العراقيين .
ان هذه الحكومات المريبة نسخة معدلة – بما يناسب الشيعة – عن ظاهرة السيسي في مصر , حيث الانتقال من الدكتاتورية الاشتراكية الى الدكتاتورية الرأسمالية . وهذا ما يجري الاعداد له في العراق .
ان الدعم الإعلامي الكردي والبعثي والخليجي والامريكي لرئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي لا يعفيه من كونه كان جزءاً من منظومة الفساد الإدارية والسياسية التي خرج ضدها الشعب العراقي , عزز هذه الحقيقة بتجديده لعقود شركات الاتصالات الفاسدة بطريقة افسد من طرق سابقيه .
لكن من جانب اخر لماذا يطبّل له الاعلام لزيارته دولة كانت حليفة لصدام منذ محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم , حسب تصريح احد القتلة الاقتصاديين الامريكان , وزودته بكل التسهيلات الدولية للوصول للسلطة وقتل رفاقه من البعثيين , ثم قمع الشعب العراقي , وحربه ضد ايران وانهار الدم التي سالت فيها بالنيابة عن واشنطن بعد فشل عملية تحرير رهائن سفارتها في طهران وسقوط طائراتها في صحراء طبس , اذ خرج العراق – بحسب تقرير للقيادة البعثية في مؤتمر 1989م – مديون لبريطانيا وحدها بما يعادل الخزينة العراقية التي كانت خاوية حينها . والتي دمرت كل معلم حضاري وصناعي وزراعي مدني في العراق خلال ثلاثين يوماً في عام 1991م دون ان تمس رأس صدام , ثم حاصرت الشعب العراقي اقتصادياً بما يندى له جبين الحيوان لا الانسان فقط , وتركت صدام وعشيرته الإرهابية يتنعمون بخيرات العراق ثلاثة عشر سنة أخرى , لتجيء بعد ذلك بكل من هب ودب وتسلطه على العراقيين في 2003م , وتعزز مراكزهم من خلال التمويل الفاسد والقوانين التي سنت تحت اشرافها ورضا حلفائها , ثم أظهرت ابشع مظاهر الطائفية من خلال اجراءاتها السياسية والإدارية كمقدمة لمشروع ( بايدن ) لتقسيم العراق والذي طرحته هي ذاتها , لتسلب بعدها ثروة العراق من خلال جولات التراخيص النفطية التي لم يشهد العالم مثل فساد توقيعها , ودسها لمشاريع الخصخصة لامتصاص ما بقي من مال بأيدي العراقيين , واحتلالها العسكري الذي يفتخر احد جنوده انهم قتل اكثر من خمسة الاف امرأة وطفل في العراق بسلاحه وحده , وجعل قواعدها مركزاً تدور حوله قواعد داعش , بعد ان كانت سجونها في العراق مراكز لصناعة قادة الإرهاب جميعا .
وبحسب الموظفات السابقات في الحكومة الامريكية ( سوزان لينداور ) و ( كاثي اوبراين ) ان جهاز المخابرات الأمريكي كان يدير أكبر خطوط الاتجار بالمخدرات في العالم , لذلك فالحكومة العراقية بعلاقتها المفتوحة مع أمريكا تتعامل مع زعماء عصابة كبيرة . لذلك لم نستغرب تصريحات الألمان ان السفير الأمريكي كان وراء الغاء عقد شركة سيمنز الكهربائية في العراق .
في المقابل ان تصوير الأحزاب الفاسدة التي كانت اقرب للسفارة الامريكية منها للعراقيين على انها تمثل الإسلام والثقافة الشعبية الملتزمة لتحميل الدين والقيم العراقية مسؤولية الفساد محض افتراء . فليس في الدولة العراقية منذ كانت في العام 1921م حتى الان قانون إسلامي واحد , ولم تعمل هذه الأحزاب على سن مثل تلك القوانين , بل كانت تغازل الامريكان في رفض وعرقلة ما يتم اقتراحه منها .
رغم ان دولة إيران التي تطبق النظام الإسلامي ، وبسبب تطبيقه تم فرض حصار اقتصادي وسياسي خانق عليها من قبل أكبر قوى العالم المادية منذ أربعين سنة , هي اليوم ضمن أقل دول العالم في نسبة معدلات الجريمة ومعدلات الطلاق ، ونسبة البطالة فيها أقل من نسبة البطالة في دولة مثل السعودية ، ومن أقل دول العالم في استحصال الضرائب . وثامن دولة في العالم في معدل إصدار الكتب ، والسادسة عشر في مجال إصدار الكتب في العلوم التطبيقية ، والثامنة عشر في مجال إصدار الكتب في الفنون ، والثالثة عشر في مجال إصدار الكتب في علم النفس والفلسفة ، والثانية في مجال إصدار الكتب في الدين ، والثالثة في مجال إصدار الكتب في علم اللغة المقارن ، والسابعة في مجال إصدار الكتب في العلوم البحتة ، والثلاثين في مجال إصدار الكتب في العلوم الاجتماعية . والثالثة عشر في مؤشر الانتاج الزراعي وإنتاج الحبوب ، والثانية والعشرين في عدد الآلات الزراعية . والرابعة عشر في انتاج الكهرباء . والحادية عشر في عدد مستخدمي الإنترنت ، والعاشرة في نسبة الاستثمار في البنية التحتية للاتصالات . والسابعة والأربعين من حيث عدد المحصلين للقراءة والكتابة وقد انتقلت نسبة التحصيل من 52% قبل النظام الإسلامي إلى 97% بعد تطبيقه . وضمن أعلى التقييمات في أكبر الجامعات من حيث عدد الملتحقين بها ، وتوجد فيها أكثر من 707 جامعة ضمن قائمة التصنيف العالمي للجامعات ،  والثانية والعشرين في مجال الالتحاق بالدراسات العليا . وفي قمة ترتيب النمو العلمي وإنتاج المقالات العلمية في العالم حيث نما بمعدل احد عشر ضعفا خلال النظام الإسلامي ، وفي المرتبة السابعة والعشرين في مجال الإنفاق على البحث العلمي ، وفي المرتبة الرابعة في تقنية النانو ، ومن الدول التي تمتلك وكالة فضاء مستقلة . وفي المرتبة الخامسة والستين من حيث التمدن ، ومن أقل الدول هجرة ، وضمن افضل مائة دولة في مؤشر الابتكار العالمي ، وفي المركز الرابع عشر لأقوى جيوش العالم لعام 2020م .
بينما الدول الغربية التي تريد الأحزاب والجماعات والافراد العاملين تحت إدارة السفارة الامريكية في العراق نقل تجربتهم الاجتماعية الى العراق – دون التقنية بالتأكيد وحسب التجربة – فهي في احط دركات العالم الأخلاقية والتربوية فعلا , وبغض النظر عن ارتفاع معدلات الانتحار والجريمة فيها فهناك قبائح كثيرة تجعلنا نطالب بالا تكون مثالاً لبلادنا .
ان اكثر الدول مشاهدة للأفلام الإباحية هي على التوالي عام 2016م البرازيل ، إيطاليا ، أستراليا ، ألمانيا ، فرنسا ، اليابان ، الهند ، كندا ، المملكة المتحدة ، الولايات المتحدة . وفي عام 2017م   تكشف البيانات أن حوالي 60 ٪ من المواقع الإباحية في العالم تأتي من الولايات المتحدة الامريكية ، حوالي 428 مليون صفحة فردية . في المركز الثاني هولندا ، بنسبة 27٪ (187 مليون صفحة) . والمملكة المتحدة في المركز الثالث ، بنسبة 7٪ (52 مليون) من الإباحية في العالم مواقع. وفي كوريا الجنوبية تلتقط الكاميرات الخفية النساء، وأحيانًا الرجال في غرف تغيير الملابس أو حتى في دورات المياه، ثم يتم تحميل مقاطع الفيديو على مواقع إباحية دون علم الضحايا. وباتت المراحيض العامة في العاصمة الكورية الجنوبية مشكلة خطيرة تؤرق المواطنين والسلطات هناك على حد سواء. حيث تعاني كوريا الجنوبية من مشكلة خطيرة تتمثل في انتشار ظاهرة وضع كاميرات تجسس سرية بالمراحيض العامة وغرف خلع الملابس، تستخدم لأغراض "إباحية" . وتنتشر متاحف الجنس في كل من الولايات المتحدة وأوروبا ، متضمنة عدداً كثيفاً من اللوحات والتماثيل والأدوات الجنسية المعروضة للجمهور . اما أعلى معدلات الاغتصاب لعام 2020م فكانت كالآتي ، جنوب أفريقيا ، بوتسوانا ، ليسوتو ، سوازيلاند ، برمودا ، السويد ، سورينام ، كوستاريكا ، نيكاراغوا ، غرينادا ، سانت كيتس ونيفيس ، أستراليا ، بلجيكا ، الولايات المتحدة ، بوليفيا ، نيوزيلندا ، سانت فنسنت وغرنادين ، زيمبابوي ، بربادوس ، ايسلندا ، جامايكا ، بيرو ، الباهاما ، النرويج ، ترينيداد وتوباجو ، إسرائيل ، فرنسا .
وبالتالي فليس المراد من سن قوانين تفكيك الاسرة وتجنيد حكومة فاسدة مثل حكومة مصطفى الكاظمي ودعمها بمد اعلامي واسع وخداع الشباب وعموم العراقيين بمشاهد سينمائية لها – مثل تحرير المنافذ الحدودية رغم ان مدير عام المنافذ اكد انه ممنوع من دخول أي منفذ اتحادي في كردستان وهذا تسبب في خسارة العراق لمليارات الدولارات الأوروبية من خلال مشروع الترانزيت الى الخليج – كل ذلك لا يراد منه سوى نقل العراق الى الدكتاتورية من جديد بذات السيناريو المصري المخادع ليتم لاحقاً بيع وسن القوانين بأبخس الاثمان . وان الصراع الحقيقي اليوم ليس بين الشعب والحكومة , بل هو بين هويتين , تريد أمريكا تثبيت احداهما من خلال استغلال غباء وفساد الأحزاب التي رفعت عنواناً اسلامياً دون تطبيقه او أي اثر له , ومن خلال استغلال التظاهرات الشعبية عبر مجموعة ضخمة على الأرض وعلى مواقع التواصل للسيطرة على مفاصل الدولة العراقية علمانياً عن طريق اشخاص يصرحون علناً ببراءتهم من الدين والثقافة العراقية ويطالبون بالتطبع مع إسرائيل . وهوية أخرى هي هوية الشعب العراقي الدينية والقبلية الأخلاقية التي أصبحت ضحية لغباء وفساد وخمول مؤسسات كان واجبها حماية هذه الهوية ووعي ان المشروع الأمريكي الثقافي اخطر من مشروعها العسكري .

2
قراءة في كتاب أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث  : الحلقة الثالثة : عصور الغرباء



الكتاب : أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث
تأليف : Stephen Hemsley Longrigg \ 1893 – 1979 م \ المفتش الإداري البريطاني في الحكومة العراقية
ترجمة : جعفر الخياط \ 1910 – 1973 م
مراجعة : مصطفى جواد \ 1904 – 1969 م \ مؤرخ ولغوي عراقي




الكتاب في الغالب نقل حرفي لكتابات الاتراك انفسهم , الذين كانوا يمجدون السلاطين والولاة والضباط ذوي النفس العسكري البحت , كما هي الروح البدوية التركية باستمرار . سوى بعض الإضافات التي انشأها المؤلف , وبعض توضيحات المترجم والمراجع وهم من العرب . ومن ثم فنحن بين مبالغة تركية في بناء مجد حضاري من الوهم على واقع عسكري غير مدني ومتخلف جدا , وبين إضافات أوروبية غريبة لا تعي واقع فكر وجذور الشرقيين لاسيما العرب وتنظر لهم على انهم جميعاً اقرب الى البداوة ولا تعرف شيئاً عن نواياهم واسرارهم المعرفية والاجتماعية الواقعية , وبين مجاراة عربية لما هو مكتوب في زمن لم تبن خيوط فجره البحثي التحقيقي بعد , اذ كان عصراً سردياً تقريبا .
فكانت فكرة تحليل تلك النصوص امراً يحتاج الى تأمل , وتجاوز لتلك الصور , والعبور فوق النص الى فضاء ذلك العصر وما قبله او حتى ما بعده .


ان الجباية القاسية والعدل المهان والهدايا المأخوذة كرهاً هي ما ميزت كل عصور العثمانيين في العراق لا سيما القرن الثامن عشر . فيما صار لليهود والبريطانيين والفرنسيين والهولنديين حرية التجارة والحركة في البصرة , وهي المدينة التي كان يسير بها الاهمال نحو الطاعون الذي ضربها في سبعينات القرن الثامن عشر فكان هؤلاء الأجانب يهربون ويبقى أبناؤها يعانون الامرين .
ان الغزو الإيراني للبصرة كان فرصة للشيعة العرب في العراق للخروج بحكم ذاتي يحترم عقائدهم من خلال إزاحة العنصر التركي الطائفي والمتخلف حضارياً وادارياً , والمتعاون فقط مع الأجانب بسبب المال , وهذا ما فهمته قبيلة الخزاعل وحاولت ان تجد صيغ للاتفاق مع الإيرانيين , الذين دخلوا البصرة بانتظام واحترام لم يعهده الشعب في دخول سابقيهم العثمانيين .
الا ان طائفية زعماء قبائل المنتفك ( ال شبيب = السعدون ) وكونهم على مذاهب اهل السنة وخشيتهم من بلوغ القبائل الشيعية ( بني مالك وحلفائهم بني اسد – بني سعيد – الاجود ) التي كانت تؤلف كل جيشهم مرحلة من الوعي وعدم الحاجة لأمير سني يساير الحكم العثماني جعلتهم يثيرون موجة حروب ضد الوجود الإيراني الأقل ضرراً والأكثر تحضراً من الوجود العثماني . وقد اباد المنتفكيون الجيش الإيراني في منطقة الفضلية القريبة من الناصرية في بطائح ذي قار في نهاية سبعينات القرن الثامن عشر . الامر الذي سهل على العثمانيين عودة البصرة دون جهد لاسيما مع انسحاب الإيرانيين سلماً منها بسبب وفاة الوصي على العرش الإيراني .
ومن ثم كانت هذه المرحلة بداية التخلف في المنطقة واضمحلال مجمل القوى القبلية مع زيادة توغل البريطانيين وتلاعبهم بجميع الأطراف ومحاولتهم دعم التخلف العثماني في الجنوب العراقي وقص اطراف الامارة العربية الشيعية الكعبية القوية في الاهواز. فكانت بحق مرحلة سحق قوى الشيعة العرب  .

ان البصرة نتيجة عهود العثمانيين تحولت من مدينة تجارية الى قرية كبيرة . وكان ولاة العثمانيين على البصرة يعتمدون على اليهود في المشورة . وكانت قوات المنتفك هي التي تسيطر على البصرة في نهاية القرن الثامن عشر بعد خروج القوات الإيرانية , ولم يكن بوسع الولاة العثمانيين الدخول الا بإذنهم . ولولا العقل البدوي والطائفي لآل سعدون وغفلة القبائل الشيعية الثلاث لكان بإمكان العرب التحكم بخيوط السلطة في هذه المنطقة .
وقد بلغت قدرة التحكم البريطاني بالسياسة العثمانية في العراق مرحلة متقدمة , وهو ما سيكون مقدمة لما بعده لاسيما مع وجود التعاون اليهودي البريطاني في المنطقة . فصار تعاون المماليك المولودين على المسيحية في البلاد غير العربية - والذين يشعرون بانهم غرباء محتلون - مع الانجليز ضرورة في نظر الطرفين لحكم المنطقة . حتى ان سليمان اغا احد ضعفاء حكام المماليك - الذي بقي اسيراً في ايران لسنين حتى اطلق الإيرانيون سراحه برغبتهم ولم يستطع دخول البصرة الا تحت حماية المنتفك وكذلك بغداد - صنع له البريطانيون وغيرهم من المتلاعبين بالتاريخ بالمال تاريخاً بلا عمل ولا اثر حضاري فعلي سوى انه كان متعاوناً مطيعاً للبريطانيين .
الا ان الجميع من هؤلاء الغرباء كان يرى بوضوح ضرورة تغيير الفكر الشيعي للقبائل العربية في المنطقة الجنوبية من العراق , وإيجاد عازل دائم بين الحضارة العربية الشيعية في العراق والحضارة الشيعية في ايران , لان اجتماعهما معاً سينهي الوجود الغريب العثماني والمملوكي والبريطاني في المنطقة .
فكانت هذه المؤامرات الأجنبية وطائفية وبداوة العقل السعدوني القائد في المنتفك وضعف القبائل الكبيرة مثل بني لام وبني كعب وزبيد والخزاعل والاكراد اللريين بسبب الضربات العثمانية التي استمرت لقرون والحصارات الاقتصادية والحضارية تجاه هذه القبائل وانتشار الامراض والتي استمرت حتى بعد دخول القرن التاسع عشر بقيادة المماليك وإدارة بريطانية ورضا عثماني مقدمة لما سيكون عليها العراق من فقر وتناقض بين الحكومة والشعب وصراع طائفي على السلطة .
 وكان المماليك هذه المرة يريدون تغيير الخارطة القبلية بالتحكم في تعيين شيوخ القبائل مثل محاولتهم تغيير زعيم قبيلة بني لام وهو التغيير الذي احدث فتنة في منطقة شرق العراق كلها حتى منطقة الاكراد اللريين , وهو ما اجزم انه تم بوجود يد بريطانية خلفه , لتبدأ سلسلة الفتن القبلية التي قادتها بريطانيا بعدئذ بخلق صراعات على النفوذ داخل كل قبيلة . ولما لم يكن ذلك ممكناً لهم بصورة مباشرة كانت تستغل فرمانات الاغاوات المماليك الذين دعمتهم للوصول الى سلطة بغداد  .

ادرك العرب الشيعة والسنة ان الحكومة المملوكية في العراق تدار من قبل البريطانيين في عهد سليمان في نهاية القرن الثامن عشر , وانها حكومة العبيد غير العرب المحررين لأسباب عسكرية وديموغرافية , وان السلطان العثماني لا يعنيه من العراق سوى سلب أمواله وارسالها لدعم جيوشه في مصر وغيرها .
فكان تقريب المماليك دون العرب مدعاة لثورة العشائر العربية السنية شمالي بغداد , والتي كانت يقودها امير قبيلة ( العبيد ) , وهو باشا مقرب كان يطمع بنفوذ سياسي اكبر وينفر مما آل اليه حال الحكم في العراق من تقريب المماليك .
 كما ان الضغط الحضاري للقبائل العربية الشيعية في الجنوب على اميرها السني السعدون ثويني جعلته مضطراً لتغيير الخارطة التي اوجدها التعاون البريطاني المملوكي فيثور باتجاه البصرة بالتعاون مع امير قبيلة الخزاعل .
الا ان مشاركة الاكراد السنة الذين كانوا يتمتعون بالنفوذ في بغداد ضد هذه الثورات حتى تم توليتهم على مدينة البصرة , وكذلك وجود الانكشاريين العثمانيين والمماليك الجدد , وخيانة زعماء من داخل البيت السعدوني بقيادة حمود الثامر للمنتفك طمعاً في المشيخة , وعدم وجود رغبة حقيقية لدى الزعماء العرب السنة في المنطقة الشيعية او اللاجئين اليها مثل امير قبيلة العبيد - الذي خان الجيش العثماني والعربي في معركتهم ضد ال سعود والوهابية وتخابر معهم وتم إعدامه لاحقا -  في طرد العثمانيين ومماليكهم خوفاً من رجوع الشيعة الى حكم بلدهم العراق , جعل جميع هذه الثورات تنكسر .
فكان ولاة المماليك يعفون عن هؤلاء الزعماء السنة ويغدقون عليهم المال والهدايا , فيما نفوس الالاف من الثوار قد ازهقت وخربت قراهم ومدنهم , لاسيما ان العثمانيين يفتون بكفر جميع هذه القبائل العربية الشيعية .
 لذلك كان ثويني السعدوني احد عوامل اضعاف الامارة الكعبية العربية القوية بسبب طائفيته , رغم انها لم تكن تشكل تهديداً لإقليمه وانما هو كان يراها تشكل تهديداً لسلطته القائمة على طائفته .
ولم تكن قبائل المنتفك تعي ما كانت تساق اليه من خراب في حاضرها ومستقبلها بسبب هذه الروح الطائفية سياسياً وقبلياً , وبسبب المكر البريطاني الذي لم يكن يرى عقبة كؤود لخططه المستقبلية سوى العقلية الشيعية العلوية المبدأ . سوى امراء قبيلة الخزاعل ( خزاعة ) التي كانت اكثر وعياً بسبب قربها الى النجف الاشرف المركز العلمي الديني للشيعة .
ومع هذا التقريب للأكراد السنة من قبل حكومة بغداد المملوكية والسلطان العثماني الا انهم قد خانوا العثمانيين بعد توليتهم البصرة لضرب قبائل المنتفك في محاولة من هؤلاء الاكراد بالتعاون مع البابانيين في الشمال للسيطرة على حكم العراق , فكان الوالي المملوكي للعثمانيين يلجأ للبريطانيين لمساعدته  .

لقد ظهر في منتصف القرن الثامن عشر الحلف الوهابي السعودي بين الشيخ المتعصب محمد بن عبد الوهاب والأمير النجدي الأعرابي محمد بن سعود . وقد تعزز بالمصاهرة بينهما وتوريث الامارة لحفيدهما معا . وبدأت غزوات هؤلاء الاعراب التكفيريين شديدي الجهل والقاحلي الحضارة على امارة بني خالد في الاحساء , ثم امتدت الى ما جاورها من ارض وحضارة , وهي تكفر جميع المسلمين ولا علاقة لها بغيرهم من المحتلين الاجانب في الخليج .
ثم حين ارادت قبائل العراق صد خطرهم - بعد ان غض العثمانيون والمماليك النظر عن وجودهم عمليا - كان النقص يتمثل في بداوة قائد قبائل المنتفك - الجيش الرئيس في العراق - وهو ثويني واعتماده على بعض قبائل الاعراب في اقصى الحدود الجنوبية للعراق والكويت حين عسكر في منطقة الجهرة , اذ ان هذه القبائل بروحها الغنائمية والمنكسرة ساهمت في كسر جيشه ذاته ونهب معسكره فتم قتل ثويني نفسه .
وحين بلغت خطورة الوهابيين انها سلبت بعض ممتلكات الدولة العثمانية وظهر انها ليست قبائل سنية طائفية تريد الاكتفاء بضرب بعض العرب من الشيعة والسنة اضطر العثمانيون الى حث المماليك في العراق على جمع القبائل المختلفة من سنية وشيعية دون استقدام الاكراد هذه المرة لتأديب هؤلاء الوهابيين غير الخاضعين للسلطان . الا ان عدم الجدية العملية للقادة المماليك وتكبرهم وعدم منحهم الفرصة المناسبة للقبائل العربية المدركة لخطورة مفازات الصحراء جعلت المعركة غير حاسمة في القضاء على اخر معاقل الوهابية في درعية نجد . ثم عاد الوهابيون من جديد وغزو الاحساء .
وحين كان العراق يعاني من اهمال المماليك العثمانيين وتعاني بغداد تفشي وباء الطاعون دخل الوهابيون مدينة كربلاء المقدسة بعد غياب أهلها في سفرهم الى مدينة النجف الاشرف في احدى المناسبات الإسلامية الشيعية , فقتلوا الالاف من كهول وأطفال ونهبوا المدينة حتى ما على النساء من حلي , وسرقوا نفائس العتبات المقدسة الثمينة جدا , بتواطئ من حاكم المدينة السني المتعصب عمر اغا الذي خرج منها عند علمه بقدومهم قبل دخولهم المدينة ولم يحرك ساكناً مطلقا .
فكانت هذه المجازر والاوبئة نهاية حكم اكبر باشا في تاريخ الإدارة المملوكية العثمانية للعراق وهو سليمان , الذي لم يقم طيلة سني حكمه المدينة سوى بالتحصينات العسكرية وانفاق الأموال عليها لحماية سلطانه فقط لا القبائل والمدن العراقية التي انشغل بضربها وافقارها لا سيما الخزاعل وعفك وزبيد في اخر حياته , مما سمح بإضعاف المنطقة الحضرية المقابلة للبر الصحرواي الذي يسلكه الوهابيون لضرب العراق .
فكانت الفترة من 1795 الى 1802م معلنة ضعف العثمانيين ومماليكهم بضعف الباشا الكبير , لعدم وجود دولة مؤسسات وانما دولة اشخاص بدوية الطابع , وكذلك بدء تشكل اخطر دولة في المنطقة طيلة القرون الثلاثة اللاحقة وهي الدولة السعودية  .

لقد كان من الواضح اثر البريطانيين في سياسة الدولة العثمانية عامة وفي العراق خاصة في القرن التاسع عشر . حتى ان الامراء والعسكر كانوا يستعينون بالقناصل البريطانية لتولي الحكم من خلال السفير البريطاني في إسطنبول .
وفي هذا القرن كانت جل اعمال الدولة العثمانية في العراق النزاع والتقاتل بين المماليك ولاة العثمانيين على السلطة وانتشار الجثث والامراض والاوبئة . وكان من الواضح وجود خطط بريطانية لإيصال بعض المماليك الذين اشتراهم من كانوا قبلهم من المماليك من الأسواق الى السلطة , مع ظهور بارز لعرب شمر في الشمال والجنوب وصراعهم مع الاكراد وقبائل العبيد . وكذلك استمرار حملات العثمانيين ضد القبائل العربية والشيعية منها بالخصوص مثل بني لام . وكذلك ضد الكثير من الاكراد في اطار الصراع المملوكي - الكردي للاستحواذ على النفوذ في العراق تحت راية بني عثمان الذين كانت ثروة العراق تشغلهم ويوزعون فرمانات حكمه على أساس حصتهم التي يبعثها كل قائد او زعيم بعد التقاتل مع اخر اليهم . في ظل تواطئ سعدوني مع بعض الولاة والقادة وفقاً لرؤية زعيم قبلي ما لقبائل المنتفك في غيبوبة عن الوعي السياسي والإداري والتي تسببت في اضعاف جنوب العراق على مدى القرون القادمة .




يتبع ..



3

قانون العنف الاسري من زاوية أخرى




قام القانون بتعريف العنف الاسري بشكل فضفاض يلغي تماماً أي سلطة فعلية للوالدين او من يقوم مقامهما لتوجيه الأولاد او قيادة الاسرة , مفترضاً مثالية تامة لعقل المراهق الشاب او الفتاة او حتى الزوجة , وهو ما ليس له مصداق سوى في الامام المعصوم قطعا .
ومن الغريب ان يقوم مثل هذا القانون بإعطاء تعريف شجري للأسرة بعد ان الغى وجودها عمليا , فجعلها لا تتعدى في دورها فندق البوفيه المفتوح لأفرادها . وهو ما سيجعل الآباء يفكرون جدياً في العائد الفعلي لتكوين اسرة لا يملكون توجيهها . وبالتأكيد سيقلل الرغبة في الزواج تدريجياً ويزيد من فرص الانحراف .
ويقوم على تسليم المراهقين والنساء بيد لجان حكومية اعتاد الشعب العراقي على فشلها في مختلف القطاعات منذ عقود , وعلى احتياج أعضائها الى تقويم وتوجيه مستمر وغير متوفر على الدوام , فكيف يمكن التسامح والمجازفة في تسليطها على الاسر الكريمة .
ولا نعرف من اعطى لمراكز إيواء يشرف عليها الغرباء عنوان ( آمنة ) في مجتمع نخره الفساد الحكومي والبيروقراطية والرشى والابتزاز حد النخاع الرسمي .
وهل قام المشرف على كتابة القانون بدراسات فعلية على ارض الواقع لمعرفة نسب العنف الاسري الحقيقية , وهل يمكن تعميم قانون خطير بإمكانه هدم المجتمع العراقي كله بسبب وجود حالات ربما تكون شاذة . بمعنى هل خضع المشرع لرؤية فنية واكاديمية .
واذا كان بعض وزراء العمل والشؤون الاجتماعية السابقين قضوا مدة وزارتهم وهم لا يعلمون بوجود ايتام يتعرضون للإهمال وسوء الرعاية داخل مؤسسات الوزارة حتى تم فضحهم اعلامياً فكيف يمكن تسليطهم على شؤون الاسر العراقية كلها .
واذا كان الشعب العراقي قد خرج معلناً فساد السواد الأعظم من المدراء العامين وكذلك عدم تخصص الكثير منهم , فكيف يتم تسليطهم ايضاً على نظام الاسرة . الا كان ذلك عن قصد وتعمد .
اما منظمات المجتمع المدني فهي من اخطر ملفات استباحة العراق ويقوم اغلبها على التمويل الأجنبي , فمن الذي يضمن عدم تنفيذها لسياسات تخريبية في العراق , لاسيما مع قدرتها المالية على رشوة ( اللجنة العليا لمناهضة العنف الاسري ) لاختيار احداها وترك الأخريات الأقل قدرة مالية . كما حدث في كتابة مسودة القانون تحت اشراف ناشطة مدنية هي ( هناء ادور ) لا تؤمن باي قيمة من قيم المجتمع العراقي صراحة .

ورغم ترك القانون الباب مفتوحاً للتدخل الأجنبي في رسم سياسات الاسرة في العراق , الا انه اهمل تماماً أي دور للدين او القبيلة , وهم اهم وجوه المجتمع العراقي الثقافية . وقد يقول قائل ان بإمكان هذه الفئات التدخل من خلال عنوان منظمات المجتمع المدني , الا اننا من خلال التجربة نعلم يقيناً ان المنظمات الوحيدة القادرة على الدخول داخل هذا الواقع الحكومي هي التابعة للسفارات الأجنبية او التي تدفع مقابل مادي كرشوة .
ومن مضار هذا القانون الواضحة نقل النساء والفتيات والمراهقين خارج كنف الأسرة وجعلهم تحت اشراف الغرباء . وهدم سقف القيمومة الأبوية التي تردع المراهقين عن ارتكاب السوء او مرافقة اصدقاء السوء , ومن ثم ستزداد الجريمة تدريجيا . وإعطاء النساء - اللواتي يتميزن بالعاطفة اكثر من العقلانية بحسب فطرتهن - الأفضلية في هيكلية المنظومة الجديدة , وبالتالي نتوقع قرارات وسياسات متسرعة واحادية الفكر .
ومن نصوص ديباجته وسبب تشريعه يتضح أنه اريد له إرضاء الغرب الذي هو ما يقصد به المجتمع الدولي عملياً وفق المعطيات المعاصرة والحالية .
وطرح القانون في هذا التوقيت متعمد لا شك , لانشغال الناس بهموم التغيير السياسي , وخلط الأوراق في معرفة الفاسد من المصلح .
وهذا ما يذكرني بتمرير الاحتلال الأمريكي لقانون إدارة الدولة الذي هيمن على كتابة الدستور الدائم للعراق بعد اختلاق أحداث النجف مباشرة , حين تم استفزاز التيار الذي شارك في كتابة هذا القانون الغريب اليوم . وبتعاون خفي بين خصمي تلك الاحداث .
وقد تمت صناعة أجيال من الساذجين البليدين بدقة وصبر , من خلال الاعلام الممول والموجه . لإيجاد الأرضية المناسبة لطرح مثل هذا القانون , ومن ثم رؤية ثمرته التخريبية عمليا .

وفي عودة للتاريخ الظالم لا نجد المرجعيات الدينية الأكثر رسمية ومن يتحدث على المنابر الدينية المليونية اعلامياً او النخب الفكرية او زعماء القبائل يملكون رؤية تنويرية حول هذا المشروع الخطير . كما كان الامر في القرون العثمانية المظلمة التي خربت العراق في فكره واجتماعه . فالقانون مخالف للدستور في كثير من نصوصه , ومخالف للثوابت الدينية , ومخالف للقيم القبلية , ومتعارض مع الفلسفة الشرقية لتنشئة الاسرة . ويلغي عملياً النص الدستوري الذي يتيح للوالدين حق تربية أبنائهم . ويتيح للمراهقين فرص كبيرة للانحراف والابتعاد عن الرقابة الابوية ومن ثم الالتحاق – بعد نبذ الاسرة والاقرباء – بالعصابات لضمان الحماية والقوة . ويترك البنات فريسة سهلة لضعاف النفوس في مراكز الشرطة ومراكز الايواء الحكومي . ويمكّن الأبناء من ممارسة علاقات شاذة علنية غير مسبوقة في مجتمعنا , لا تعطي فرصة للأهل سوى التبري من أولادهم او صنع ما هو اخطر بهم لتجنب العار والإساءة الاجتماعية امام قانون لم يأخذ تأثير هذا العنف المعنوي في المجتمع على الابوين والاخوة والاقارب .
والقانون – بصورة غريبة – لم يرد سوى انتزاع الابن والبنت من حضن الاسرة وتركهما للمجهول , دون وجود توصيف لما بعد هذا الاجراء . مستغلاً لغة عصرية تريد التلاعب بأفكار الشباب الصغار , ومن ثم اخراجهم من الرعاية الابوية الى غياهب الدخول في المجهول . دون ان يمتلك القانون أي توصيف لحمايتهم من الانحراف لاحقا . لذلك هو لم يكلف نفسه توصيف جرائم العنف الاسري بصورة تفصيلية لتمييزها عن مظاهر التربية .
واذا كان المجتمع العراقي المتدين والقبلي قد وبنسبة ضئيلة يتسامح في إيواء الذكور في تلك المراكز الحكومية المقترحة , فكيف يمكنه قبول انتزاع الاناث اليها . الامر الذي يعني عملياً قتلهن او قتل موظفي تلك المراكز , او على الأقل التبري منهن , كما تحدثنا تجارب الواقع . واذا كانت اليوم الأقسام الداخلية للطلبة والطالبات تتسبب في انحراف الكثيرين , وهي جزء من الحرم العلمي , فكيف هي الحال المتوقعة في مراكز تشرف عليها دوائر تتعامل مع الاجرام .
ولماذا تم الاقتراح اصلاً اذا كانت القوانين الجنائية العراقية متكفلة بكل اعتداء على أي مواطن بغض النظر عن جنسه وكينونته . الا اذا اريد فقط من القانون الجديد تفكيك الاسرة . لاسيما مع منح الحق لاي طرف غريب عن الاسرة ان يتقدم بدعوى ضدها تحت عنوان وجود عنف اسري , الامر الذي يدخلها في فوضى الابتزاز .
ان فكرة القانون قائمة على تفكيك واحدة من اهم قلاع الصمود العراقية وهي الاسرة . من خلال استغلال التيار المقتدائي الباحث عن النفوذ والمال , والذي وافق بلا تدبر كما هو معهود . اذ كانت رئيسة اللجنة البرلمانية حينها من التيار ( لمى الحلفي ) , والتي هي مصداق تام لمن خاطبهم السيد مقتدى الصدر من على منبر الجمعة في الكوفة بانهم ( جهلة جهلة جهلة ) , فهي صاحبة مقولة ( ان القرآن لا يناسب عصر الفيسبوك ) . وقد شاركت في كتابة مسودة القانون المقترح تحت اشراف ( هناء أدور ) , التي هي بدورها تلميذة - من خلال مؤسسة الامل في المانيا - للشيوعية ( نزيهة الدليمي ) التي كتبت قانون الأحوال الشخصية العراقي الذي تجاوز حينها كل القيم الثقافية المحلية العراقية . لذلك يمكن عد وجود التيار من اهم الفرص التي تسنت للسياسة الأمريكية في العراق . فلا غرابة ان نجد حالياً البلد تحت ادارتهم هم والسفارة الامريكية من خلال شراكة نفعية آنية للتيار تقوم على سلب المال العام واقصاء المنافسين , ونفعية بعيدة المدى للأمريكان من خلال ادواتهم ودماهم المحلية كمصطفى الكاظمي – الذي كان يزود البريطانيين بوثائق مهمة عن العراق بحسب تصريحات السفير البريطاني في باريس – وغيره من سياسيين وتجار ومنظمات مجتمع محلية ظاهرية . يسندهم جميعاً الإعلام الممول والسذاجة الشعبية المصنوعة من خلال برامج اجنبية ومحلية خاصة .
وفكرة تمزيق الاسرة في زمن تم خلط أوراقه من الممكن بسهولة تطبيقها , من خلال الإعلام المكثف , واستغلال الجيل المراهق , والزوجات اللواتي تتلاعب العاطفة بمزاجهن , والاباء غير الواعين . وبكل الأحوال القانون قادر على تفكيك الأسرة , وبسببه سوف تقتل نساء عديدة , وسوف يطرد الكثير من الشباب المراهقين خارج أسرهم ويتم نبذهم . لذلك هو مربح للاعب الأجنبي في كل صوره المفترضة .
ومن الغريب ان تتم كتابة قوانين تخالف الشريعة الإسلامية في زمانيين تشتهر فيهما مرجعية كبيرة اعلامياً , مثل مرجعية السيد محسن الحكيم الذي تم في زمانه كتابة قانون الأحوال الشخصية بيد الشيوعيين وإلغاء المحاكم الإسلامية , ومرجعية السيد علي السيستاني اليوم .
واذا كانت المؤسسات الدينية المتنفذة سياسياً واعلامياً , والأحزاب ذات العنوان الديني , والنخب القبلية , قد فشلت في سن قانون إسلامي واحد , سوى قانون التحكم بالأموال من خلال الوقف الشيعي , فلا بأس ان تخجل من امامها وتاريخها وشهدائها وان تتصدى لمثل هذه القوانين المقترحة لتفكيك عرى المجتمع المسلم .
ولا يمكن للجيل الذي اخذ عن السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر قيم الإسلام والوطنية تصور ان يكون ولده ملاذاً لمثل هكذا قوانين مخربة . الا ان واقع ما عليه التيار من تحالف مع الشيوعيين بلا جامع فكري مشترك , وبعد ان صار اتباعه اكبر عصابة منظمة لسرقة المال العام تحت عنوان مجهول المالك , ووصل بهم الامر الى قتل وسرقة التجار تحت عنوان اخذ مال الأغنياء وتوزيعه على الفقراء , والذي تحول جميعاً في الحقيقة الى مجمعات تجارية ومولات وعربات مدرعة وقصور للمتنفذين من قادة عصابات التيار , كل ذلك يخبرنا عن السهولة التي من الممكن ان يقاد بها هذا التيار الى المجهول , ومن ثم يقود الناس اليه . لكن يمكنه اليوم فقط ان يثبت انه يخجل من مقام الشهيدين الصدرين ويرجع في لحظة ما الى رشده .
واذا كان الاكراد ساهموا تاريخياً في خراب وتدمير كل حيثيات المجتمع الجنوبي الثقافية والاقتصادية من خلال عملهم كأداة عسكرية للعثمانيين الظلاميين لأربعة قرون , فلا بأس ان يتذكروا كيف غدر بهم العثمانيون بعد تلك القرون وفككوا كل اماراتهم وقاموا بتذريتهم . ولن يكون حالهم من الغرب – الغادر في كينونته – افضل . فعليهم ان يكونوا اكثر وعياً ويحترموا ثقافة إخوانهم في الوطن اذا شاءوا ان يتنكروا لعقيدتهم وثقافتهم هم , حتى يجدوا من يلجؤون اليه اذا غدر بهم الزمان . فداعش صناعة أمريكية تم رميها الى الشارع في فترة وجيزة بعد تغير المعادلات الدولية .
ان المشاريع التخريبية الفكرية اخطر واضخم من المشروع العسكري للغرب في العراق , فعلى جميع المؤسسات والنخب والأحزاب والفصائل ادراك ان حماية الاسرة اكثر خطراً واهمية من حماية الأرض .

4
قراءة في كتاب أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث  : الحلقة الثانية : ضرب التحالفات الكبيرة

الكتاب : أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث
 
تأليف : Stephen Hemsley Longrigg \ 1893 – 1979 م - المفتش الإداري البريطاني في الحكومة العراقية
 
ترجمة : جعفر الخياط - 1910 - 1973 م
 
مراجعة : مصطفى جواد - 1904 - 1969 م - مؤرخ ولغوي عراقي
 
 
 
 
 
الكتاب في الغالب نقل حرفي لكتابات الاتراك انفسهم , الذين كانوا يمجدون السلاطين والولاة والضباط ذوي النفس العسكري البحت , كما هي الروح البدوية التركية باستمرار . سوى بعض الإضافات التي انشأها المؤلف , وبعض توضيحات المترجم والمراجع وهم من العرب . ومن ثم فنحن بين مبالغة تركية في بناء مجد حضاري من الوهم على واقع عسكري غير مدني ومتخلف جدا , وبين إضافات أوروبية غريبة لا تعي واقع فكر وجذور الشرقيين لاسيما العرب وتنظر لهم على انهم جميعاً اقرب الى البداوة ولا تعرف شيئاً عن نواياهم واسرارهم المعرفية والاجتماعية الواقعية , وبين مجاراة عربية لما هو مكتوب في زمن لم تبن خيوط فجره البحثي التحقيقي بعد , اذ كان عصراً سردياً تقريبا .
فكانت فكرة تحليل تلك النصوص امراً يحتاج الى تأمل , وتجاوز لتلك الصور , والعبور فوق النص الى فضاء ذلك العصر وما قبله او حتى ما بعده .
 
لقد كان الاوربيون يستخدمون الطرق غير المشروعة من خلال الرشوة والدعاية المغرضة وينشرون الفساد للربح في الشرق المسلم , وخلال المنافسة بين البرتغاليين والهولنديين والإنجليز في القرن السابع عشر شهدت أسواق المنطقة ومنها العراق ظواهر الغش والتلاعب الممنهج واقبح صورة الانانية التجارية .
وقد سبق البرتغاليون الى المنطقة الشرق أوسطية بسبب الامتيازات التي منحتها لهم الحكومة الايرانية , ثم الهولنديون , فيما وصلت اول تجارة بريطانية الى البصرة عام 1635م .
 
وقد تسبب التنافس بين اسرة افراسياب واسرة ال شبيب ( السعدون ) والخيانات المتكررة من أبناء هذه الاسر لمناطقهم او حكامهم في انهيار واحدة من اهم الامارات العربية الحرة المستقلة في المنطقة . وهذا ناشئ على ما يبدو من حسد ال شبيب لنفوذ ال افراسياب . رغم ان حكم ال افراسياب كان مدنياً وحكم ال شبيب كان قبلياً يستغل القبائل .
وقد كان تذبذب ال شبيب وتغير ولائهم سبباً في انهيار امارة البصرة كما انهم لم يكونوا يملكون رؤية سياسية او إدارية او اقتصادية وانما هي اسرة قبلية تعمل بموجب الانفعال المادي الاني .
كما ان فشل الاسر العربية في دولة الحويزة المشعشعية في الاهواز ودولة البصرة الافراسيابية في انشاء شكل من اشكال الوحدة والامن المشترك وفشلهم في اقناع القبائل التي خضعت لتأثيرات ال شبيب ان تنضم الى تحالفهم وتبتعد عن هذه الاسرة وانحسار دور قبيلة بني اسد القيادي وضعفه - والتي كانت تسكن في منطقة اهوار الجزائر المركزية في منتصف هذه الامارات - وغياب المرجعية النجفية عن الحراك في هذه المنطقة الشيعية بسبب استيلاء او نفوذ الاسر الاميرية او الباشوية السنية - التي أقامها العثمانيون وجاء بها المال - كل ذلك افضى الى انهيار الامارات العربية الجنوبية في العراق وخسارته اكبر مراكزه التجارية وواحدة من اهم مراحل الحكم المدني .
 وكانت قسوة وسوء إدارة العثمانيين الفاتحين لهذه الامارات من جديد وفسادهم قد تسببت في انتشار الطاعون والفقر في جنوب العراق وفقدانه لاهم مدنه في الجنوب الخليجي مثل الاحساء والقطيف . وقد كان المظهر العام للدولة العثمانية اسهم في صعود نجم القبائل غير الشيعية والتي كانت في معظمها بدوية .
لقد شهد القرن الثامن عشر زيادة أطماع الباشوات الاتراك في كل بلاد المسلمين ومنها العراق وسرقتهم الثروات بشكل فردي او جماعي شخصي او رسمي , ولم تكن أعمالهم سوى صدى لحملاتهم العسكرية ضد القبائل الثائرة رفضاً لجورهم وتخلفهم الإداري , وفي العراق كذلك شكاية من طائفيتهم الغريبة المدمجة بالسياسة , وكانت أعمالهم الإدارية في شمال العراق اكثر استجابة لإرادة حلفائهم من البكات الاكراد الذين يستعين الباشوات بقبائلهم كجيوش لقمع الثورات في الجنوب . سوى الاكراد الإيرانيين كالأردلانيين الذين كانوا اكثر نظامية واستقلالية من اكراد شمال العراق القبليين .
وقد شهد العراق ثورات ضخمة متتالية بقيادة قبائل كبرى مثل تحالف بني لام ( طي ) الكبير على طول المنطقة الشرقية للعراق المعاصر , وتحالف الخزاعل ( خزاعة ) الذي انضمت اليه بعض قبائل شمر وعنزة في الفرات الأوسط , وكذلك تحالف المنتفك ( النخع وبنو اسد والموالي النبط ) رفضاً للتخلف الإداري والحضاري التركي العثماني , الامر الذي دفع الكثير من القبائل الأخرى للثورة مثل الحميد في شمال ذي قار وزبيد في وسط العراق .
فشهد هذا القرن حملات عثمانية قاسية ضد جميع هذه القبائل من خلال الاستعانة بجيوش الولايات العثمانية غير العراقية والقبائل الكردية وقبائل الصحراء العراقية مثل بعض قشعم وعنزة لتزدهر البداوة بشكل كبير من اجل مصلحة الباشوات العثمانية .
 وكان الكتّاب الاتراك ومن ينتمي الى اسرهم او رعايتهم يحاولون تصوير تلك الحملات بانها على قبائل لصوصية , فيما ان السارق الوحيد للثروة هم الباشوات العثمانيون , وان المسروق الوحيد هي تلك القبائل المالكة للأرض العراقية , فيما جعلت تلك الأقلام من تلك الحملات العسكرية الجائرة اعمالاً بطولية ومدعاة فخر وذكر لأمثال حسن باشا والي بغداد وابنه احمد الذين وليا العراق كله تقريباً مع اسرتهما القريبة والبعيدة بشكل شبه مستقل منذ دخول القرن الثامن عشر , على الرغم من ان الطاعون كان ينتشر من بغداد الى مناطق مختلفة من العراق , وكان الشعب يزداد فقراً وتزداد الامية بسبب قلة الاستقرار وضعف الأمان .
 فيما شهد الصعيد الرسمي حملة حكومية لبناء المدارس الدينية على مذهب العثمانيين وفتح الباب واسعاً امام المبشرين المسيحيين الاوربيين والذين عرفوا بخلاعتهم مما تسبب بثورات شعبية جديدة كما في ولاية البصرة .
فيما لم تكن تعي دولة نظامية شيعية مثل الحويزة المشعشعية في الاهواز خطورة ما عليه الوضع الشيعي , فكانت تزيد من ضعف تحالف قوي مثل تحالف بني لام بحملات عسكرية كبيرة ضده بسبب قلة الارتكاز المعرفي الذي صاحب تكوين هذه الدولة من الأساس .
فيما كان زعماء تحالفات مهمة في الجنوب مثل زعماء المنتفك من ال شبيب يشعرون بغربة داخل تحالفاتهم بسبب اختلافهم المذهبي والحضاري عن قواعدهم العسكرية , فكان تذبذبهم بين السلطان العثماني والرفض الشعبي يضعف الجانب الشعبي .
 وقد حاول العثمانيون في تلك الفترة إسكان وتوطين القبائل لتحقيق مكسبين : زيادة القبائل البدوية السنية في محيط المدن الشيعية , وتقليل خطر القبائل الشيعية السريعة الحركة .
وفيما كانت ايران في العهد الصفوي تعيش حالة من الرفاهية والرقي الفني والعمراني وهذا ما كان يمنح العراق فرصة للتنفس احياناً بسبب علاقاته بها , سقط كل ذلك على يد قبائل بدوية جافة الحضارة وقاسية جدا هي قبائل الغلزاي الجبلية الأفغانية بقيادة محمود خان بن ويس القادمة من مدينة ( قندهار ) التي ما زالت تنتج التطرف والبداوة الحضارية حتى الحين , ولم يكونوا يفقهون انهم ما اسقطوا دولة بل حضارة , وقد كانوا مذهبيين طائفيين كالعثمانيين وعلى عقيدتهم وقد قتلوا الالاف ولم تكن لهم مقومات الحضارة .
وكان العثمانيون يحتلون البلاد الشيعية بفتاوى سياسية مبطنة من علمائهم تستغل الطائفية استمراراً على نهجهم منذ زمن العباسيين , وبهذه الفتاوى اعلنوا الحرب على ايران في ذلك القرن مستغلين سقوطها بيد الأفغان , لكنهم كانوا يواجهون حينها عدواً سنياً على الأرض , فبدأت حرب الدعايات والفتاوى والفتاوى المضادة , حتى تم تقسيم البلاد بينهم .
وقد أظهرت الحرب العثمانية الأفغانية في ايران في النصف الأول من القرن الثامن عشر حقيقة ما كانت عليه الدولة العثمانية من طائفية وما كانت عليه قندهار كذلك وهذا ما انتج موقفهم اليوم . وفيما رفض الاكراد السنة في الجيش العثماني مقاتلة إخوانهم من السنة الأفغان وجنحوا الى السلم , فهم الاكراد الشيعة في ايران ان الطرفين يحاولون اقتسام الحضارة الشيعية فارتأى الاكراد اللريون التواصل مع تحالف بني لام وزبيد في الأراضي العراقية الشيعية , الا ان تشتت الامارات الشيعية بسبب قلة وعي قادتها وعدم وجود إستراتيجية حماية واحدة اضعف الجميع . وكانت السيطرة الأفغانية التركية بداية انهيار المدن الشيعية .
وقد كان الشيعة العرب يرفضون الخضوع لاي الحزبين العثماني او الصفوي بسبب الانفة العربية وكل ما ارادوه هو الاستقلال والالتفات الى مدنهم , لذلك لم يستجب اميرا الحويزة وبني لام لأوامر نادر قلي صاحب حصار بغداد للصفويين ضد العثمانيين باحتلال البصرة رغم ان ذلك استراتيجياً كان سيقوي الموقف الشيعي العام بل رجعا الى بلادهما .
وقد كان ذلك القرن قرن الفاتحين احمد باشا من الطرف العثماني , ونادر قلي من الطرف الصفوي , والأخير هو الذي انهى سنوات الغلزاي الأفغان العشر في ايران وانهى سلطتهم الى الابد وأعاد بناء الدولة الصفوية وتحريرها من العثمانيين .
وقد كانت الحروب العثمانية الصفوية في هذا القرن منطلق الانقسام العربي في العراق بين سني وشيعي , بسبب اعتماد العثمانيين على تأجيج الطائفية الدينية وارتكاز الصفويين عليها . وكان الكتاب والمؤرخون الاتراك يجيدون فن تشويه الحقائق الذي ورثوه منذ زمن العباسيين واستمر في ورثة سلطانهم الى القرن الميلادي الحادي والعشرين , فجعلوا من نقض العثمانيين لاحد اهم شروط معاهد الصلح الكبرى لعام 1736م في عام 1741م - وعند انشغال نادر شاه قائد الصفويين في حروب الهند - بإعادة اعلان السلطان العثماني ان الشيعة غير مسلمين وانهم مارقون ومباحون لأهل السنة - كما كان رأي العثمانيين قبل انتصارات نادر شاه عليهم - جعلوه نقضاً بسبب مطالب للشاه - لا يستسيغها العقل - من طلبه ديار بكر وارمينية وقطع العثمانيين لعلاقتهم بالمغول وهدم اسوار بغداد , وهي لاشك دعاية اوجدها الاتراك ونقلها من بعدهم ليجدوا مبرراً لجورهم المذهبي وطائفيتهم التي لم يستطيعوا كبت شرورها لخمس سنين فقط , وقد قامت دولتهم من قبل على تأجيجها وشراهة البدو .
ورغم ان قوات الدولة الصفوية بقيادة نادر شاه تجوب العراق من البصرة حتى بغداد وكركوك والموصل وحاصرت جميع هذه المدن وقد استطاعت ان تفرض شروط احترام المذهب الجعفري الشيعي على العثمانيين رسمياً , الا ان استقلالية القبائل العربية الشيعية في العراق جعلت الصفويين يغضون النظر عن المطالب بالمدن الشيعية المقدسة وحقوق الشيعة المنتهكة من قبل العثمانيين في العراق . وقد كانت الحروب العثمانية الصفوية طيلة القرن الثامن عشر سبباً رئيساً في انهاك العراق بعد تخريبه ونهبه من قبل العثمانيين .
شهد القرن الثامن عشر افظع المجازر العثمانية تجاه القبائل العراقية التي لم تكن تريد سوى الحرية في ارضها التاريخية وان تدين بعقائدها الخاصة والتي افتى العثمانيون بكفرها . فلم تستطع قبائل الأغلبية في العراق وهي على التشيع ان تستسيغ هدا السلب العثماني لأرضها وهذه السرقة لحضارتها ومن ثم هذا التكفير ضدها , فكيف يمكنها ان تتعاون مع العثمانيين الذين ينظرون من زاوية أخرى هي زاوية الكفر والخيانة لهذه القبائل .
 سوى القبائل السنية التي كان الكثير منها على البداوة , ولذلك كانت قريبة على باشوات العثمانيين والتي كانوا يستخدمونها لضرب قبائل العراق الأخرى .
 فيما كانت القبائل الجديدة والمترددة في ارض العراق بين مد وجزر , مثل شمر , متذبذبة بين عنفوانها العربي وبين رغبتها في التعاون مع احدى الامبراطوريتين .
كما كانت قبائل العراق ومدنه تنظر بعين الرفض لمظاهر الطائفية التي زرعها العثمانيون الاتراك بصفة رسمية من خلال بنائهم المساجد والمدارس الدينية الحكومية على مذهبهم المتزمت فقط ومظاهر الجوع والموت التي تنتشر كل عقد في مجموعة من مدن العراق ومراكزه الحضارية التاريخية التي أصبحت خرابا .
فيما كانت السلطة طيلة القرن الثامن عشر ضمن عائلة واحد في مختلف ولايات العراق تتقاسمها عائلة حسن باشا وولده احمد الذي حكم العراق طويلاً وقاد الحروب فيه وهو امي واصهاره واقاربه ومن تعلق بهم .
وهي عائلة ابادت قبائل العراق من المنتفك ( بني اسد , بني مالك , بني سعيد , الاجود ) وبني لام وزبيد وشمر , لأن هذه القبائل أرادت الحرية والتحضر , ودمرت العلاقات الكردية العربية التي كانت قائمة على التحالف التاريخي للأكراد اللريين وعرب بني لام بسبب اطماعها السياسية . وقد دمرت قبيلة كبيرة ومفصلية في تاريخ الإسلام هي ربيعة لأنها ابت ان تدفع الاتاوات للكهية العثماني .
وكانت كل الجهود المالية للعراق تذهب لقتل أبنائه وابادة قبائله وتخريب ممتلكاتها . وكانت هذه الابادات البشرية والحضارية الالية التي وفرت للبريطانيين دخول العراق لاحقا , وهو من اخر البلدان التي دخلها البريطانيون بسبب رفض أبنائه للاحتلال الأجنبي .
وبالفعل لم يجد العثمانيون سوى هذه القبائل الى جانبهم بعد خيانة حلفائهم لصالح البريطانيين , الا انها حينها كانت قبائل انهكها تاريخ الحكم العثماني .
 وكان ظهور عائلة السعدون ( ال شبيب ) سلبياً على المستوى القيادي والمذهبي في العراق , اذ انها كانت طامحة لما يرتبط بمصالحها لا بما يرتبط بالجمهور العريض المحيط بها , فهي عائلة سنية غريبة صغيرة جداً تعيش وتقود في وسط شيعي ساحق سُمح لها بالظهور لإيجاد معادل موضوعي عربي مناسب طائفياً لرغبة العثمانيين في سلطتهم .
وفي الوقت الذي كان العرب يعيشون هذا البؤس كان العثمانيون يسمحون لشركة الهند الشرقية البريطانية والشركات الهولندية في العراق ان تمارس نشاطاتها التجارية بكل حرية من خلال دفع الاتاوات .
 
وكانت عائلة احمد باشا حاكم بغداد تعيد استخدام الالية العباسية بجلب المماليك وضرب الناس بهم , فجاءت بالمماليك القوقاز والشركس . وكان هؤلاء المماليك قد ازداد عددهم واحتكروا السلطة والإدارة في العراق الى جانب الاتراك منذ تولي مملوك عائلة حسن باشا المدعو سليمان اغا السلطة . وكانت المدرسة التعليمية حكراً عليهم . وقد افتقدوا المبادئ الإسلامية والقيم العربية . فكانوا قساة جفاة , فرضوا الضرائب بقسوة , وحاكوا مختلف المؤامرات من اجل احتكار السلطة في الولايات العراقية والتي كانت تؤول بقتل أبناء القبائل العربية وذهاب السلطة الى المماليك. والمماليك كانت من أولى افعالهم ضرب التحالف القوي التاريخي لبني لام واحتلال ارضهم وسلب أموالهم . وهي أموال ضخمة وخيرات لا تحصر , حتى ان اهل شمال العراق كانوا يلجؤون الى جنوبه أيام المجاعة والقحط في القرن الثامن عشر.
 
ان الحسد والاستبداد والتكبر التركي ساهمت في اضعاف القوة البحرية المستقلة التي كان زعماء بني كعب يرومون انشاءها في الإقليم الأهوازي البصري , والتي كانت تتفوق على القوة العثمانية الرديئة التي شجعت الغربيين على دخول المنطقة , مما أضاع فرصة عودة الخليج لليد المسلمة في القرن الثامن عشر وتغيير تاريخ المنطقة . وكانت عمليات الاضعاف هذه تتم بمساعدة سفن شركة الهند الشرقية . ثم تم الهجوم المشترك للاتراك والايرانيين والبريطانيين على دولة بني كعب وانتصار امارة بني كعب بحكمة . فتم انشاء الحلف التركي البريطاني ضد استقلالية امارة بني كعب في سبعينات القرن الثامن عشر .
وحرب أخرى ضد الخزاعل , انتصر فيها الخزاعل على العثمانيين , وهي حرب كشفت حقد العثمانيين الطائفي حيث اتهموا القائد المنهزم بانه كان رحيماً مع الخزاعل بسبب اصله الإيراني وكانت تقود هذه الدعاية الطائفية كبيرة نساء القصر فزادت لهيب الحقد في الجنود , ولا نفهم كيف يديرون دولة يكفرون شعبها . ثم عاد مماليك العثمانيين مرة أخرى وقاموا بتهجير الخزاعل . وخاضوا حرباً أخرى ضد تحالف عرب المنتفك مرة أخرى , كان من نتائجه فقدان الحكومة العثمانية سلطتها في العراق في النصف الأخير من القرن الثامن عشر .
لقد تركز العرف العشائري في المنطقة وجرى بصورة مطلقة نتيجة لغياب الدولة بسبب تخلف العثمانيين وديكتاتوريتهم ومحاربتهم للقوانين الشرعية الدينية الجعفرية في العراق . وتدخل العثمانيون في عزل وتعيين امراء القبائل , الامر الذي اسهم في تضائل اهل المعروف والحكمة , ومهد للبريطانيين وغيرهم تغيير الفكر العام والتدني بالأخلاق , ومثال ذلك قتل امير قبيلة العبيد في شمال بغداد .
وكانت قبيلة طي في القرن الثامن عشر من القبائل المؤثرة في ماردين بين العراق وتركيا إضافة الى اثرها شرق العراق وجنوبه متمثلة في الجنوب بقبائل بني لام , الذين كانوا مطلعين كيف كان الصفويون يعملون على تحضر شعبهم ومدنهم بخلاف العثمانيين .
وقد كانت إساءة العثمانيين للشيعة وزوار العتبات المقدسة والفوضى الأمنية التي صنعوها حولها وفرضهم الاتاوات الجائرة احد اهم أسباب استفزاز الدولة الصفوية , مع وجود اكثر من مائة اسرة إيرانية في البصرة في القرن الثامن عشر ترفض الحكومة العثمانية ارجاعهم الى بلدهم .
مع قلة ورع وخيانة وغدر العثمانيين في إدارة السياسة والتي لم يسلم منها حتى النبلاء الاكراد الذين راح بعضهم ضحية ثقته بوعود واغراءات العثمانيين ومماليكهم التي فشلت في الوفاء بها حتى نسائهم .
ثم هاجم العثمانيون قبائل الخزاعل وجليحة في النصف الأخير من القرن الثامن عشر . ومن الواضح ان الاكراد كانوا في كثير من الأحيان جزءاً من الجيش العثماني المعتدي على العراقيين او الإيرانيين , بينما لم تحالف القبائل العربية الشيعية العثمانيين الا عند مواجهة الجيش البريطاني في القرن العشرين .
وكان تعيين الولاة وقطع رؤوسهم بلا توقف من قبل سلاطين العثمانيين من اجلى مظاهر الفوضى والاستهزاء ببلاد الإسلام والحضارة في العراق .
وكذلك تقاتل الاسر الكردية فيما بينها على الامارة , والذي جعلها متقلبة الولاءات بين الإيرانيين والأتراك  وهدم اسر كبيرة منها .
وبلغ السوء ان جيوش الاتراك تتقاتل على المال في بغداد كما كانت على عهد العباسيين , فانقسم الانكشاريون وانفصل المماليك , وحاول كل فريق جذب المزيد من الرعاع اليه . فكان ان شاركت قبائل عقيل - القريبة الى بغداد وداخلها - وانحازت الى السلطة النظامية في الحرب الاهلية التي انشبها مماليك العثمانيين بينهم على المال والسلطة , وقد حكم نبلاء العرب المدينة لصد قطاع الطرق الذين جاء بهم بعض مماليك العثمانيين حتى تسلمها مبعوث السلطان في 1778 م , والذي لم يعاقب العاصين ابداً , وربما ذلك لأنه سيفرد القوة للعرب الباقين حينها , حتى رجع هؤلاء العصاة وحاربوه , فاستنجد بالأكراد لا بالعرب للقضاء عليهم .
 

5
قراءة في كتاب أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث \ الحلقة الأولى : من المغول الى افراسياب



الكتاب : أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث
تأليف : Stephen Hemsley Longrigg \ 1893 – 1979 م \ المفتش الإداري البريطاني في الحكومة العراقية
ترجمة : جعفر الخياط \ 1910 – 1973 م
مراجعة : مصطفى جواد \ 1904 – 1969 م \ مؤرخ ولغوي عراقي


الكتاب في الغالب نقل حرفي لكتابات الاتراك انفسهم , الذين كانوا يمجدون السلاطين والولاة والضباط ذوي النفس العسكري البحت , كما هي الروح البدوية التركية باستمرار . سوى بعض الإضافات التي انشأها المؤلف , وبعض توضيحات المترجم والمراجع وهم من العرب . ومن ثم فنحن بين مبالغة تركية في بناء مجد حضاري من الوهم على واقع عسكري غير مدني ومتخلف جدا , وبين إضافات أوروبية غريبة لا تعي واقع فكر وجذور الشرقيين لاسيما العرب وتنظر لهم على انهم جميعاً اقرب الى البداوة ولا تعرف شيئاً عن نواياهم واسرارهم المعرفية والاجتماعية الواقعية , وبين مجاراة عربية لما هو مكتوب في زمن لم تبن خيوط فجره البحثي التحقيقي بعد , اذ كان عصراً سردياً تقريبا .
فكانت فكرة تحليل تلك النصوص امراً يحتاج الى تأمل , وتجاوز لتلك الصور , والعبور فوق النص الى فضاء ذلك العصر وما قبله او حتى ما بعده .
القبائل التركية جاءت كالسيول مع ريح الخراب الى ارض العراق منذ نهاية العهد العباسي , ملأت الاغوار والانجاد , واكتسحت القرى والبلاد , هكذا يصف المترجم حال دخولها الى ارض الرافدين التاريخية . ويضيف ان هذه القبائل تعيث فتكاً وفسادا , وتجهز بوحشيتها على بغداد العاصمة , لتنهي ما بقي من الخلافة العباسية . فغمر الامة ظلام دامس لا تستبين العين فيه الا نار الخراب التي اشعلتها يد الجور الاثيمة . ولا يسمع فيه الا انين مدنية سارت بذكرها الركبان . واذا بهذا الانين ينقطع فيعقبه صوت الموت الرهيب . فتدخل هذه البلاد من ادناها الى أقصاها في سبات عميق ظلت تغط فيه لعدة قرون . حتى العصر الحديث . وقد ظلت طيلة تلك القرون المظلمة نهباً لايدي الامراء المغول والتركمان . تتقاذفها اطماعهم وتستعر في ميادينها حروبهم حتى قضى بعضهم على بعض . لتنعم شركات البريطانيين النفطية وغيرها لاحقاً بخيرات هذه البلاد التي وجدوها ضعيفة منهكة .
ولم يكن للعراق بعد دخول الاتراك سوى انعدام الذكر , بسبب الخراب الذي حل به مادياً ومعنوياً على يد هذه القبائل التركية . الا بعض ما كان من ظهوره في بعض الأحيان نتيجة اهتمام الصوفية الإيرانية وانظار سلاطين الإمبراطورية الناشئة اليه .
وكانت صحراء العراق الغربية فلكاً تدور فيه قبائل البدو العربية المختلفة , لتشغل القادم اليه من الغرب وتمنعه , كما انها لا تترك أي فرصة للانقضاض على أي ارض تفرغ ويمكن استثمارها من قبلها , الى جانب انها كانت المنطقة الأقل اماناً فيه . والتي تضم مختلف من القبائل المتحركة والمتبدلة .
وفي الشمال كانت اردلان اكبر امارة كردية منظمة ادارت المنطقة الكردية بين العراق وايران بين العثمانيين والصفويين , وهي اقرب الى الصفويين في نظامها . وقد كان العراق بكل قومياته يتحدث العربية ويتمظهر بالإسلام . حتى الإيرانيين الذين استوطنوا حول العتبات المقدسة .
ورغم ما كانت عليها بغداد من التجارة والحياة الزراعية والحرفية والتعليمية , الا ان الحكومات كانت متقلبة تلعب بها الأموال , فانحدرت الصناعة والحرف الى احط دركاتها . وصار الجدال الديني هو السائد شعبيا . حتى ان النزاعات تفشت بين الطوائف المسيحية في الموصل , مما يكشف عن تغلغل الأثر العثماني والاوروبي في أراضيها .
وكنتيجة مباشرة – وكما أشار مؤلف الكتاب – ان هذا الواقع المظلم والمتخلف يتجه الى تفكيك القبلية مستقبلاً وذهاب عناوين القبائل الكبرى مثل ربيعة وقشعم والموالي , وظهور قبائل جديدة .
وانتقل العراق منذ دخول المغول من اهم المراكز الاجتماعية والعلمية والاقتصادية ومن جنة الحبوب الى ارض تعاني الخراب مهملة , لاسيما بعد التهديم المتقن لسدود العراق الاروائية من قبل هولاكو والتي كان من الصعب إعادة صيانتها بسبب استمرار اضطراب البلاد , فكانت تلك نقطة اللاعودة في انهيار الاقتصاد التاريخي للعراق . وظلت البلاد تابعة للدولة الايلخانية المغولية في ايران , ثم عاصمة لقسمها الجنوبي . بفوضى إدارية عارمة , تعكس ما كانت عليه حياة المغول . حتى ظهر الأمير ( غازان ) ونفع بغداد عن حب بسبب ورعه الإسلامي الشيعي كما يعبر المؤلف , فكان يتردد الى العراق كثيرا . وكانت تعبر الى أراضيه قبائل البدو من نجد والجزيرة للحصول على مرعى , ولاستغلال خيراته , بحروبها وطبائعها .
الا ان اسلام واحد من اهم قادة المغول الأقوياء , وهو ( حسن الجلائري ) يكشف قوة الدين الإسلامي من خلال قدرة الجمهور المنكسر عسكرياً على تحويل الملوك المنتصرين الى عقيدتهم . فغدت بغداد العاصمة الشتوية للحكومة الجلائرية في القرن الرابع عشر . وكان نضوج عائلة الجلائريين بسبب تدينها , ومحاولتها الدائمة لاعمار العراق بسبب تشيعها , على عكس تاريخ المغول التخريبي الامر الذي يكشف اثر التشيع في النضج السياسي  . اذ اعادوا للعراق شيئاً من الاحترام الذاتي وشيئاً من الرخاء , ووطدوا السلام والسكينة , وانتشرت بعض الشيء ممارسة الفنون , وقد كانت اصلاحاتهم باقية حتى القرن التاسع عشر .
الا ان سقوط تلك الدولة في العراق على يد ( تيمورلنك ) اخر الحكام المغول الأقوياء تسبب بالخراب والموت من جديد . ثم بعد ان مرت العاصفة رجع الجلائريون الى السلطة , وحاولوا إعادة القيم الحضارية الى العراق التابع إداريا الى حكومة تبريز . لكن تقاتل الجلائريون وحلفاؤهم التركمان القره قويونلي ( الخروف الأسود ) أدى الى زوال مملكتهم ووقوعها تحت سلطة القره قويونلي بما فيها العراق . والذين حاولوا تقليد الجلائريين في الحفاظ على المظاهر الحضارية , الا انهم فشلوا بسبب غلبة طبعهم التركي الغنائمي , فكان صراعهم على العرش والنفوذ سبباً في تمزق بلاد المسلمين الحضارية ومن ثم اختفاؤهم هم في القرن الخامس عشر بنفس الطريقة التي اسقطوا بها الجلائريين اذ نافسهم حليف تركماني اخذ بالنمو هم الآق قويونلي ( الخروف الأبيض ) . وقد كان التركمان يعملون في جيش المغول . ثم انهارت امبراطورية الآق قويونلي على يد الاسرة الصفوية الصاعدة والقادمة من اردبيل , فسقطت عاصمتهم تبريز على يد جيش عقائدي , فلجأ حاكم العراق الى السلطان العثماني ليتبع العراق اسمياً للعثمانيين , حتى ارسل الشاه قوة اسقطت بغداد والتي دخلت رسمياً تحت حكم الصفويين عام 1508م . وقد كانت العقيدة الشيعية سبباً في قيام دولة مدنية راقية لأول مرة بعد الخلافة الإسلامية على يد الصفويين الذين يرجعون الى رجل دين معروف في اردبيل تمتاز اسرته بالتدين والتعليم .
وقد شهد العراق اول استقرار منذ انهيار الخلافة على يد الصفويين . ولولا اتجاه العثمانيين الى الشرق لبقي تحت رعاية الصفويين وليس اهمال وتضييع الاتراك . وكان لجمع السلطان سليم العثماني متناقضات الغباء والذكاء اثرا في بدأ الصراع العثماني الصفوي . فهو رأى ان اسقاط الصفويين لدولة الآق قويونلي والاستيلاء على أراضيها حرباً على العثمانيين , فقام بذبح الشيعة أينما وجدهم دون ان يكون لهم ذنب في هذا الصراع وهو ما يكشف غياب العنصر الحضاري عن السلطنة العثمانية وانها امتداد للفكر التركي الطائفي في العصر العباسي . وغضب كذلك من موافقة ايران على لجوء اخوة سليم نفسه اليها , فبدأ حرباً كان مكسبها الأهم شراء ولاء نسبة كبيرة من الامراء الاكراد . لتكون الدولة العثمانية البادئة لهذا الصراع الذي سيوقف زحفها في أوروبا .
وكان بعض الاكراد استغلوا الحضارة الإيرانية ثم اظهروا الولاء للسلطان التركي تملقا للعثمانيين من اجل حمايتهم بعد ذبح الشاه غدراً وسيطرتهم على بغداد . فاصبح العراق منذ اللحظة تابعاً اسمياً للعثمانيين . ثم عاد الى سلطة الصفويين في عهد الشاه طهماسب . الا ان العراق دخل في السلطان العثماني سلماُ بعد اعتماد الصفويين على الاكراد المتذبذبين في حكم بغداد , فدخلها سليمان العثماني فاتحا .
وكانت هذه الفترة من الوجود التركي العثماني في المنطقة الحضارية للعالم الإسلامي واحتكاكهم بسبب الحروب بمختلف المدن المنظمة كافية في اقناع هذا العنصر البدوي بضرورة الإصلاحات التنظيمية والإدارية . فقام السلطان العثماني سليم بسلب عنوان الخلافة من اخر خلفاء العباسيين الذي كان متواجدا في مصر .
فكان شرط العثمانيين على زعيم اكبر تحالف قبلي في جنوب العراق وقد كان حاكماً على إقليم البصرة الواسع تاريخياً - والذي بعث ولده ( راشد ) بالمفاتيح والولاء للسلطان - ان يحكم بشريعة المذهب العثماني في منطقة لها مذهب مخالف .
وكان عصر الحكم العثماني بداية بيع المناصب ووصول من لا يستحق الى سدة الحكم , فصار كل حاكم مشغولا بجمع المال والمزايدة من اجل الحصول او الثبات على كرسي الولاية او السنجق . لكنَ العراق في الواقع كان تحت الحكم الذاتي عملياً , فلم يكن العرب مرتاحين للعنصر التركي بسبب خبرتهم التاريخية حوله .
لقد كان للصراع العثماني الصفوي , ووقوع العراق على الحدود بين الامبراطوريتين , وبداوة وطائفية العنصر التركي , وشعور العرب بغربة هذا العنصر عن حضارتهم , وانشغال الدولة العثمانية بفرض الضرائب واهمالها للعراق , وشعورها بانتمائه الى ايران المعادية لها بسبب تشيعه , وتذبذب الاكراد , وعدم نضوج القيادات القبلية العراقية , الأثر الأكبر في صيرورة العراق خرابا .
وبدأت في الظهور منذ القرن السادس عشر اسر وقبائل غير التي كان يعرفها تاريخ العراقي الإسلامي , ومنها ( أبو ريشة  ) و ( قشعم ) و ( سوران الكردية ) و ( الموالي ) في الاحداث في حدود 1605م . ومن الراجح ان امير قشعم وامير ال بوريشة وريثا بقايا مذحج وطي الشام , وكانوا يسيطرون على المنطقة من النجف الى حلب في حدود 1600م . وهو زمن انطلاق البداوة بسيطرة العنصر التركي وانحسار الكيانات والقيم المدنية . فكان الاتراك مضطرين الى منح المناصب للزعماء البدو بسبب المذهب , لأن باقي الزعماء الكبار كانوا على مذهب اهل البيت في الغالب .
ويرى المؤلف الانجليزي ان تذبذب الاكراد وتشتت امرهم بين الدولتين العثمانية والصفوية وصراعهم على العروش الحقيرة سبب في انهيار القيم في العراق التاريخي .
لقد تحولت البلدان الإسلامية المختلفة لاسيما العراق تحت الحكم التركي العثماني الى فوضى إدارية . وهي عند مقارنتها بانجازات شخص واحد من وزراء الدولة البويهية في العراق تكون كابوساً , فقد قام السعيد ذو الفضيلتين الحاجب البويهي ببناء السدود وحفر الأنهار وإصلاح الطرق واكساء الفقراء بما ظل ذكره كما يشير هامش الكتاب .
فيما كان قتل المزيد من الانفس وسلب الأموال النتيجة المباشرة للصراع التركي الصفوي في العراق . ورغم الفتن التي عانى منها الشيعة وقتل الاتراك والعامة للكثير منهم لاسباب ظاهرها طائفي الا ان كليدار المشاهد المشرفة في كربلاء شفع للاسر والعوائل السنية عند دخول الشاه الى بغداد في عام 1623م وحافظ على حياتهم  , رغم ان الشاه كان غاضباً من فعل الضابط التركي بكر صوباشي بتعليق الإيرانيين الأبرياء في بغداد على السور , بعد ان دعا برسالة شخصية منه الشاه لتسلم مفاتيح بغداد غضباً من اهمال السلطان العثماني له , ورغم هذا الفعل منه وحملته العسكرية على عشائر جنوب العراق , ومن ثم خيانته للحكومة العثمانية وتسببه في اقتتال داخلي ومجازر رهيبة وانتشار المجاعة , الا ان الحكومة العثمانية منحته لقب الباشا . وهو ما لم يتم حفظه للشيعة .
ويبدو ان ناصر بن مهنا امير قشعم كان رافضاً للجور العثماني على الجنوب العراقي والفرات الأوسط , فكان يساند نوعاً ما وجود الحاميات الإيرانية الموجودة لحماية زوار العتبات المقدسة في النجف وكربلاء .
ونتيجة الصراعات المريرة والطويلة دهم العراق وباء الطاعون عدة مرات . بلا عناية ولا التفات ولا خبرة صحية من الحكومات العثمانية فيه . وهو لا شك اهلك الكثير من اهله .
وكان الاعلام الطائفي والمال والمناصب العثمانية قد حولت أبا ريشة من معارض شرس الى داعم رئيس للجيش العثماني من خلال نقل المؤن على ابله التي تقدر بعشرة الاف بعير . وكان الاعلام الطائفي كذلك سبباً في حدوث مجازر مروعة يقودها الاتراك ضد الاسرى او الرعايا الإيرانيين او من يشاركهم في المذهب من الاسر العربية تذهب بآلاف الانفس البريئة , كما حدث عند دخل السلطان مراد الى بغداد . وكانت هذه المجازر تضعف من وجود العوائل التجارية والتاريخية الشيعية في بغداد والمدن الرئيسة . حتى ان السلطان العثماني اوقف أملاك الشيعة في بغداد على قبر عبد القادر الكيلاني قتل الناس عرباً وفرساً على المذهب , ولم يترك حتى الاسرى الذين ذبحهم صبرا . بل ذبح حتى الزوار الإيرانيين للعتبات المقدسة . فتجاوز عدد من راح في هذه المجزرة اكثر من ثلاثين الفاً من الأبرياء . والغريب ان المعركة كانت قد انتهت واستقرت الأمور له في بغداد .
وكان سوء الإدارة التركية الخاملة الجاهلة السلفية المتعصبة في العراق في القرن السابع عشر سبباً عميقاً لانهيار اقتصاد العراق وحضارته وضياع ثروته . وزاد اعتماد المذهبية لحكم البلاد من بناء المساجد دون الالتفات الى بناء المؤسسات الخدمية . حتى سار العراق من جيل الى جيل بلا خطة ولا هدف . وكان فرض الضرائب وجمعها تعسفياً لا طائل خدمي من ورائه . وتدار المؤسسات القضائية والعدلية والأمنية بالرشوة والمحسوبية . وكانت الحكومات التركية تنظر للقبائل العراقية بعين العنصرية والدونية والعداوة المفرطة .
وبعد هذه الأجواء المثالية للقبائل التي توافق مذهب العثمانيين هاجرت شمر الى العراق عام 1640م . وكثر الرحالة الأوربيون في العراق في القرن نفسه . رغم ان الأوروبيين كانوا في حالة عداء صريح للمسلمين . فكان العثمانيون يسهلون مهامهم ويعرقلون قدوم الزوار الإيرانيين حتى ذبحوا الكثير منهم .
واستمر تتابع ولاية الخصيان والجشعين والنزقين واللصوص والبلهاء والمسرفين والفاسدين أخلاقيا والمرضى النفسيين والاميين العسكريين الاتراك والالبان والصرب على بغداد , وخرابها وفقدانها معالم الجمال فيها , وانحدار أهميتها التجارية , لاسيما بعد قتل الاتراك لأغلب تجارها الشيعة . وكانوا ما يقرب من سبع وثلاثين والياً خلال القرن السابع عشر , وكانت جل أعمالهم بناء جوامع وقبور اهل السنة , وفرض الضرائب , والتقاتل بينهم على الثروة , وقمع ثورات القبائل العراقية . وهذا ما لا يتلاءم مع مدينة مثل بغداد لازالت تحتضن كنيسة النسطوريين الموحدين حتى القرن السابع عشر بسبب تنوعها الثقافي والحضاري .
فشن العثمانيون حملات عسكرية ضد بني لام ثم ضد زبيد في 1681م وضد بني لام في 1696م , وقد كانت قبائل زبيد من ورثة قبيلة مذحج العربية الكبيرة في وسط العراق , وبنو لام الورثة المباشرون لقبائل طي العربية وهم واحد من اكبر تحالف جنوب وشرق العراق . فيما الصدر الأعظم للدولة العثمانية صربي امي .
وقد سمح العثمانيون باستقلال حاكم البصرة ( افراسياب ) لأنه من أصول سلجوقية , رغم ان اخواله من العرب من أهالي الدير في البصرة , تخلصاً من الثورات العربية هناك , في خدعة مزدوجة , بعد ان اخذوا الضرائب اللازمة منها بما دفع من ثمن المنصب .
فيما تشكلت شركة الهند الشرقية البريطانية عام 1600م لتكون بديلا عن النفوذ البرتغالي في المنطقة المحتكر للتجارة وابعاده التجار الانجليز المتفرقين . فاحتكرت هذه الشركة التجارة تدريجياً بتسهيل من العثمانيين , الذين قضوا على التجار العراقيين لاسيما الشيعة منهم . وهذه الشركة ستلعب الدور الأكبر سياسياً في المنطقة .
لقد كان الصراع العثماني الصفوي في العراق , والتنافس البرتغالي الإنجليزي الهولندي في الخليج , طيلة القرن السابع عشر , سبباً رئيساً في عدم استقرار العراق , ومن ثم افقاره وازدياد الخراب فيه , لا سيما مع ثورة قبائل جنوب ووسط العراق الدائمة المطالبة بالاستقلال واحترام عقيدتها , وهي قبائل عرفت ببأسها الشديد وشجاعتها ورفضها العبودية مطلقاً كما يذكر المؤلف . حتى عجز الباشوات الاتراك عن ضبط الامور . ولم تكن الأوضاع تستقر الا عند قيام حكومات محلية مثل حكومة افراسياب في البصرة , وحكومة المشعشعين في الاهواز , وحكومة المنتفك في البطائح . فقد كان عهد حكومة افراسياب يتم تشبيهه بعهد حكومة هارون الرشيد من حيث الرخاء والرعاية للأدباء والعلماء والاستقرار . وهو لاشك لا يمكن ان يكون بهذا المستوى الاقتصادي الا ان هذا التصوير يحكي مدى ما عاناه العراقيون واهل البصرة من جور العثمانيين وتخلفهم سابقا . وقد كان التعاون واضحاً بين هذه الحكومات المحلية وتناصر القبائل العربية وتداخلها . وقد هدأت القبائل بقيام هذه الحكومات التي كانت تحاول الاستقلال عن النفوذ والقرار العثماني التركي والصفوي قدر الإمكان والمستطاع . وقد كانت تنجح أحيانا وتفشل أخرى حتى اصبح جنوب العراق اشبه بالدولة المستقلة .


يتبع ...

6


الحكومة العراقية الأكاديمية


العنوان السياسي غلب على كل العناوين القيمية والتنموية في العراق ما بعد الوجود الأمريكي فيه . وقد بلغ اليوم النزاع حول المناصب القيادية والإدارية حد الاستهتار بكل القيم الاجتماعية والإنسانية والأعراف السياسية بين الكتل الحزبية والقومية . حتى انحدرت المجموعات المتفرقة إلى الارتماء في الحضن الأجنبي صريحا ، ومن ثم بيع الوطن عمليا .
ان الإرادة الدولية في العراق واضحة المشاعر في رغبتها زيادة الصراع ، ومن ثم التفكك ، ومن ثم إبقاء الشعب العراقي رهيناً للعبة الدولية . والبصمات الأجنبية في بلاد الرافدين غير ودودة قطعا . ويزداد الصراع بين الشرق والغرب على الأرض العراقية ، لأسباب عقائدية وسياسية واقتصادية وأمنية وتاريخية .
ويزيد الإعلام الممول والموجه محلياً ودولياً من حمى الافتراق ، ومن ثم الهلوسة الشعبية واختلاط الأوراق وضعف الذاكرة الجماهيرية وعدم القدرة على التمييز .
ان افتقار الانتفاضة التشرينية الأخيرة بوجه الفساد إلى الوعي القيادي واضطراب امواجها الفكرية ساعدت في وصول أشخاص من ذات المنظومة السياسية والأمنية الفاسدة إلى السلطة ورئاسة الوزراء .
لذلك أجد من المناسب التخلي عن الرؤى السياسية في إدارة الملف الحكومي العراقي ، والالتجاء إلى الرؤى الأكاديمية ، من خلال تولية ( مجلس كلية ) ملفاً وزارياً او حكومياً مستقلاً لعدة سنوات .
إذ إن عدد الوزارات العراقية بحدود سبعة عشر وزارة ، وعدد الهيئات المستقلة بحدود اثنتي عشرة هيئة . ويكون المجموع بحدود التسعة والعشرين ملفاً قيادياً . فيما يتجاوز عدد الجامعات في العراق الخمسة والثمانين جامعة ، منها خمسة وثلاثون جامعة حكومية تقريبا . مما يسمح بتولي هذه المؤسسات الأكاديمية للعمل القيادي التنموي بعيداً عن المعايير والشروط الحزبية إلى أجل ديموقراطي ما .
وذلك من خلال استغلال التوزيع الجغرافي للجامعات العراقية ، فتشغل جامعة من كل محافظة عن طريق كلية متخصصة وزارة او هيئة ما ، اعتماداً على ما تتميز به تلك المحافظة . وكمثال يمكن لجامعة البصرة ان تشغل ملف النفط او الصناعة لوجود تلك المشاريع في محافظتها ، وهكذا . عن طريق اختيار مؤتمر تعقده الجامعة لاساتذتها لإختيار الكلية المتخصصة في الملف المراد شغله . ويتم اختيار الاسم الذي يشغل منصب وزير او رئيس هيئة عن طريق التصويت السري لأساتذة تلك الكلية . ويشارك في إدارة الوزارة مجلس ساند تكون له صلاحيات من أساتذة ذات الكلية .
فيما يتم اختيار قادة الأجهزة الأمنية عن طريق تصويت سري لمؤتمر لمجالس إدارات الجامعات العراقية .
ويستمر الوضع الجديد لسنتين حتى تتم التهيئة لانتخابات مقبولة تراقبها الجامعات ذاتها من خلال انتداب خبراء يمثلون جميع الجامعات العراقية ، تنتهي مهامهم بانتهاء الانتخابات .
ان الصراع الحالي يتجه بالعراق نحو المجهول ، ويبدد الفساد الثروة الوطنية ، فلابد من حلول مؤقتة غير حزبية .
ويتجه الخلاف بين رئاسة الوزراء وبين السلطة التشريعية إلى ما يشبه النزاع القائم في الولايات المتحدة الأمريكية بين الرئيس وبين مجلس النواب ، وهو ما يزيد التفكك في مؤسسات الدولة العراقية . وهو التفكك الذي يستغله الطرف الانفصالي الكردي ، وكذلك الكتل السارقة في الدولة العميقة ، لاسيما كتلة مثل سائرون التي تحتفظ بالأمانة العامة لمجلس الوزراء .
ويزداد الغرباء قدرة في إقناع القيادات الأمنية بالتضييق على الديموقراطية تحت حجج مختلفة ، وقد تناسوا أنهم وصلوا الى مناصبهم من خلال العهد الديموقراطي .


7
الاسرة واللوائح في العالم

الديموقراطية يضع الكثيرون عليها أملاً وهمياً هي تفتقر إليه في ذاتها ، فهي تفترض أن جميع الناس قادرون على أن ( يحكموا ويُحكموا ) ، وهو أمر كاذب ومخالف للواقع . كما أنها تفترض وجود سلطات قضائية وإدارية نزيهة لتراقب عمل السلطات السياسة والعسكرية ، وهو أمر مستحيل في ظل انهيار القيم الذي تسببت به الليبرالية وتقديس وتكديس المال الذي تسببت به الرأسمالية .
ان النهاية المتوقعة لكل نظام ديموقراطي في ظل فرعنة رأس المال والإعلام هو النظام الاوليغارشي الذي يقوم على حكم مجموعة من أصحاب الثروات والنفوذ وحصر السلطات جميعاً في أيديهم .
والمثال الواضح عالمياً لهذه النتيجة هي الولايات المتحدة الأمريكية التي تخضع لحكم عوائل محددة سياسياً واقتصادياً ولانتقائية جامعات محددة قضائيا . وفي المنطقة العربية كانت مصر أوضح مثال للحكم الاوليغارشي في عهد حسني مبارك ، بدليل ان جميع العوائل الاقتصادية عادت للنفوذ في ظل عودة الحكم العسكري . وفي روسيا تحكم مجموعة من عصابات رأس المال تحت إشراف عصابات أكبر تملك وسائل الاقتصاد والإعلام .
لهذا فالتجربة السياسية الغربية فاشلة وستنتهي الى مآلات مجهولة يتصارع فيها رأس المال مع الرغبة الشعبية في الانعتاق . كذلك هي تجربة تعسفية عالميا , تخلق مجموعة من بؤر العسكرة .
اما التجربة الاجتماعية المبنية على فكرة المتعة الانانية الفردية فقد فككت النظام الاسري بالكامل وسلمت الصغار الى رأس المال , والذين اذا لم يتم تداركهم بالإصلاح والنظم الروحية سيتحولون الى مسوخ مادية تدور في فلك الرأسمالية .
وبعد ذلك الكم من التنظير الاجتماعي الغربي وتسويقه الى العالم لا نجد سوى المزيد من عسكرة القوانين التي لا تتناسب والاسرة . فعلى المجتمع الغربي ان يعيد النظر في مجمل ما كتب من قوانين اجتماعية . والا يقارن بين وحشية الغرب وجمالية الروح الشرقية .
ان معدل سن الزواج  في دول اسيا الوسطى يصل الى 24,9 , وفي روسيا 26,2 , وفي الدول السلافية وأوروبا الشرقية 26,6 , وفي دول شرق اسيا 27,85 , وفي المكسيك والبرازيل 27,5 , وفي الدول العربية يصل الى  28.6 , وفي الدول الغربية 33,135 .
ومن الواضح ان بساطة الحياة وقلة صخبها واقتراب المجتمعات الشرقية من بعضها والحاجة الى تكوين اسرة والاعتماد على الأبناء وقلة تعقيد القوانين الحكومية وتوفر عوامل الامن الاسري من اهم أسباب اقبال الناس على الزواج في المجتمعات الشرقية . في حين تغيب هذه العوامل كما يبدو في الغرب .
وقد كانت التجربة الاجتماعية الغربية غير ناجحة في ظل ارتفاع معدلات الطلاق والتفكك الاسري . حيث ان النسبة المئوية لمعدلات الطلاق  في الدول الغربية وشرق أوروبا وروسيا 42,2 ترتفع كلما اتجهنا غربا , وفي دول الخليج 32 , وفي الدول العربية 15,8 , وفي الدول المسلمة الاسيوية والأوروبية 14,4 . رغم ان دولاً مثل الولايات المتحدة الامريكية تسمح بحد ادنى لسن الزواج يصل الى 12 سنة لكنَ الثقافة التي يفرضها المجتمع تصل به الى سن 33 .
ويمكن تفسير هذه الظواهر بتفشي ثقافة المتعة الانانية في الغرب والوحشية الاجتماعية والاستناد الى القوانين الحكومية في المواجهة الاسرية التي غيبت المشاعر الإنسانية تماماً وساعدت في التدابر الاسري . اما في الخليج فكان اجتماع البداوة مع المال وبالاً على القيم القبلية هناك مع ضبابية الهوية الحضارية . ويبدو انه كلما ازداد الاعتماد على التقدم التقني ازدادت معدلات الطلاق , ويجب الفصل بين تطور الماكنة وتقدم الانسان . من ثم ليس هناك من سبب عقلائي لنقل التجربة الغربية لقوانين الاسرة الينا , وان من يقومون بذلك ببغاوات لا تفهم شيئا . بل يجب حماية الاسرة والمجمع في الشرق من الفايروسات التنظيرية غير الشرقية . كذلك يجب دراسة التجربة السياسية الديموقراطية بتمعن والنظر في مآلاتها وعواقبها .


8
تاريخ الإسلام – قراءة جديدة – شيعة علي – نظرية ابن السوداء



ابن السوداء

( السبئية ) او ( اصحاب عبد الله بن سبأ ) هي التهمة التي طالما ساقها بعض الكتاب المخالفين للتشيع ضد من يشايع ( علي واهل بيته ) , او من يدعي العصمة في الائمة من ذرية الرسول محمد صلى الله عليه وآله . وبالتأكيد هي تهمة لا تستقيم مع ما يملكه مذهب التشيع من عقائد راسخة ذات براهين ساطعة , وفلسفة عالية , ومسانيد تأريخية محكمة .
لكن على كل حال , وانا في بعض حالات البحث والمطالعة كانت تصادفني بعض الكتابات والنصوص عن ( السبئية ), التي لا التفت الى تدقيقها كثيرا , لأنها عادة ليست في صميم تلك الابحاث , غير اني وفي بعض المرات جمعت شيئا من تلك الكتابات في ذهني , فخرجت عليَّ صورة اخرى عن حقيقة اتهام الشيعة بهذه التهمة , وفرضت عليَّ سؤالا , مفاده : ( اذا كان عبد الله بن سبأ شخصية وهمية , لماذا اختار مبتدعوها لها هذا الاسم ؟ ) .
وانا قبل ان اجيب عن هذا السؤال , سوف احاول ان اراجع مع القارئ بعض الآراء الاسلامية وغير الاسلامية المختلفة حول حقيقة وجود هذه الشخصية وصفاتها , ثم اصيغ رأيي الذي اراه منطقيا جدا حول الاسباب الكامنة وراء اختراع هذه الشخصية , وبهذا الاسم ( عبد الله بن سبأ ) .
ان ملخص رواية المثبتين لوجود هذه الشخصية في التأريخ الاسلامي على النحو التالي : ( بأنّ يهودياً من صنعاء اليمن أظهر الاسلام في عصر عثمان واندسَّ بين المسلمين وأخذ يتنقّل في حواضرهم وعواصم بلادهم: الشام، والكوفة، والبصرة، ومصر، مُبشّراً بأنّ للنبيّ محمد (ص) رجعة، كما أنّ لعيسى بن مريم رجعة، وأنّ علياً هو وصيُّ محمد (ص) كما كان لكلّ نبيٍّ وصيُّ، وأنّ عليّاً خاتم الاوصياء كما كان محمد (ص) خاتم الانبياء. وأنّ عثمان غاصب حق هذا الوصيّ وظالمه فيجب مناهضته لإرجاع الحقّ إلى أهله. وسمّوا بطل قصّتهم (عبداللّه بن سبأ) ولقّبوه بـ (ابن الامة السوداء) وزعموا أن (عبداللّه بن سبأ) هذا بثّ في البلاد الاسلامية دُعاته وأشار عليهم أن يُظهروا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. والطّعن في الاُمراء. فمال إليه وتبعه على ذلك جماعات من المسلمين … ) ومن هنا ولد مذهب التشيع , على رأيهم .
وابتدأ هذا الادعاء منذ زمن الطبري , وهو اول راوٍ للاسم المدعى , الى وقت تبنيه رسميا على يد السلفية الوهابية . ولعل اشهر ما كتبه السلفيون اليوم – غير ما كتبه احسان الهي ظهير – هي رسالة الماجستير للباحث سليمان بن حمد العودة بعنوان ( عبد الله بن سبأ وأثره في إحداث الفتنة في صدر الإسلام ) .
اما المستشرقون الذين تبنوا هذه الدعوى فقد اخذوا جميعاً – على التحقيق – عن الطبري وراويه سيف بن عمر , ومع ذلك فهم عاشوا ذات التناقض الذي عاشه اصحاب هذه الدعوى من المسلمين .
يقول ولهاوزن في كتاب الدولة الاموية وسقوطها : (( وللمتطرّفين أسماء مختلفة لا تدلّ إلاّ على ظلال لا قيمة لها من المعاني، وكانوا أوّلاً يُسمّون السبائية. ويقول سيف بن عمر: إنّ السبائية كانوا منذ أوّل الامر أهل الشرّ والسوء في تاريخ حكم اللّه، هم قتلة عثمان، فتحوا باب الحرب الاهلية، وأسّسوا فرقة الخوارج الثوريّة، وتولّد عنهم انهيار الاسلام. أمّا مكانتهم في التاريخ فبلغوها أوّل الامر بواسطة المختار، وإن كانوا قد وُجدوا قبل ذلك. وكان موطنهم الكوفة وضواحيها، وليسوا من العرب وحدهم، بل معظمهم من الموالي، وهم يعتقدون بتعاليم ابن سبأ في تقمُّص الارواح ولا سيّما عودة روح الرسول (ع) في آل بيته. تلك صفاتهم الاساسية. وقد نبذهم العلويّون أبناء فاطمة بنت الرسول (ع) اُولئك الذين تمسّكوا بأساس الاسلام القديم والعُروبة فارتبط السبئية بابن لعلي من زواج ثانٍ اسمه محمد بن الحنفية نسبة لاُمه. ثم إنّ ابنه أبا هاشم عبداللّه ـ الذي كان ( تافهاً ) كوالده ـ أضحى يعتبر وريثه في الامامة حتّى إذا توفّي أوصى بالإمامة لمحمد بن علي العباسي، إلى قوله: فمن مُؤَلِّهي ابن الحنفية ولد مؤلّهو ابنه وهم الهاشمية ولم تنطفئ السبئية في الكوفة بانطفاء المختار، بل ظلّوا في الحلقات الدنيا.
ولا يختلف المذهب الباطني للهاشمية ـ كما يعرضه الشهرستاني ـ أيّ اختلاف عن مذهب ابن سبأ، فالمؤامرة العباسية تشابه تمام المشابهة مؤامرة السبئيين ـ كما يصفها سيف ـ ومركز قيادتها في الكوفة أيضاً. فمن الكوفة كانت تنتشر دعوتها إلى خراسان. إنّ الحركة في كلتا الحالتين دعمها الموالي الفُرس ووُجّهت ضدّ العروبة في الاسلام، وهكذا نرى التوافق بين العبّاسيّين والسبئيين يمتدّ إلى جميع النقاط المهمّة إلى المذهب وطريقة الدعوة ومكان الحزب وتكوينه)) .
ومن الواضح ان الذي يقرأ كلامه دون ان يعرف اسمه سوف يتصور ان المتحدث هو احد سلفية الوهابية اليوم ! . والرجل كما يبدو كان حريصا على دولة الاسلام ونجاتها من مؤامرات السبئية , حتى انه نسي ان يربط بين الحلقات التأريخية لظهور من يسميهم بالسبئية , وان يعالج المتناقضات في مرويات من ينقل عنهم حول فرقة السبئية ! . ونسبة قتل عثمان اليهم وحدهم تجني ، فقد اشتركت قريش – كما اشترك المهاجرون والأنصار – في حصاره ودمه  .
والحقيقة ان ما نسبه هؤلاء المتبنون لدعوى وجود هذه الشخصية في التأريخ من قدرات وامكانيات سياسية واقتصادية واعلامية وحنكة ودهاء لهو ما لم يتوفر لأعظم الشخصيات بل المنظمات والدول على مر التأريخ , فهذه الشخصية التي غيرت مجرى الاحداث في صدر الاسلام , واثرت في كل الامصار والاصقاع المتباعدة , لتحدث ثورة الصحابة ضد عثمان , لهي كفيلة بالقضاء على النبوة والاسلام في مهدهما لو تبناها اليهود منذ البداية ! . ولو تقبلنا دعوى وجود هذه الشخصية في التأريخ , وانها قامت بما رووه عنها , واثرت في اعاظم الشخصيات الاسلامية بالموافقة والمخالفة , وصارت هي المحرك العملي في الدولة الاسلامية , لكان من اللازم علينا ان نسيء الظن بمجمل الصحابة الذين اداروا دفة الدولة الاسلامية عبر الحكم او المعارضة , لانهم كانوا من السذاجة – وحاشاهم – بحيث يتلاعب شخص واحد بهم وبمقدرات دولتهم , التي انتجتها الرسالة المحمدية , رغم انه لم يسلم الا في ايام عثمان , وكان يهوديا !.
وبالتأكيد ان النتيجة الاخيرة غير مقبولة اسلاميا , وتدل دلالة واضحة على ضعف متن هذه الدعوى وسذاجتها , ولكن الحلقة الاضعف كانت هي المستند التاريخي لدعوى وجود هذه الشخصية , وقد تكفل ببيانه جملة من الباحثين من السنة والشيعة على حد سواء , وابرزهم :
الدكتور طه حسين في كتابه علي و بنوه صفحة 518: إن أمر السبيئة و صاحبهم إبن السوداء إنما كان متكلفا منحولا, قد اخترع بآخره حين كان الجدال بين الشيعة و غيرهم من الفرق الاسلامية فأراد الخصوم الشيعة أن يدخلوا في اصول هذا المذهب عنصرا يهوديا, إمعان في الكيد لهم و النيل منهم .
الدكتور عبدالعزيز الهلابي الاستاذ في قسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة الملك سعود بالرياض في كتاب عبدالله بن سبأ صفحة 26 يقول: و على أية حال, فسيف ( و هو راوي قصة إبن سبأ كما سيأتي) أراد طعن الشيعة في الصميم و ذلك بنسبة مذهب التشيع إلى يهودي حاقد على الإسلام يريد تقويضه من الداخل و أن افكار الشيعة (المعتدلين منهم و الغلاة) ليست سوى أفكار هذا اليهودي .
و قال في صفحة 71: الذي نخلص اليه في بحثنا هذا أن إبن سبأ شخصية وهمية لم يكن لها وجود و يدل على أن عبدالله إبن سبأ شخصية وهمية مختلقة و هو أن كل الاحاديث التي ذكرت فيها قصة عبدالله إبن سبأ تنتهي إلى سيف بن عمر التميمي المتوفي سنة 180 هــ .
وكذلك تبعهم من باحثي اهل السنة في نفي وجود هذه الشخصية جملة آخرون , منهم : علي سامي النشار و حامد حنفي داود و محمد كامل حسين .
ومختصر اعتراض الباحثين السنة :
1 – إن كل المؤرخين الثقاة لم يشيروا إلى قصة عبد الله بن سبأ ولم يذكروا عنها شيئا
2 – إن المصدر الوحيد عنه هو سيف بن عمر وهو رجل معلوم الكذب ، ومقطوع بأنه وضاع
3 – إن الأمور التي أسندت إلى عبد الله بن سبأ تستلزم معجزات خارقة لفرد عادي كما تستلزم أن يكون المسلمون الذين خدعهم عبد الله بن سبأ وسخرهم لمآربه وهم ينفذون أهدافه بدون اعتراض : في منتهى البلاهة والسخف .
4 – عدم وجود تفسير مقنع لسكوت عثمان وعماله عنه مع ضربهم لغيره من المعارضين كمحمد بن أبي حذيفة ، ومحمد بن أبي بكر ، وعمار وغيره
5 – قصة الإحراق وتعيين السنة التي عرض فيها ابن سبأ للإحراق تخلو منها كتب التاريخ الصحيحة ولا يوجد لها في هذه الكتب أثر
6 – عدم وجود أثر لابن سبأ ولجماعته في واقعة صفين وفي حرب النهروان ، وقد انتهى طه حسين إلى القول : أن ابن سبأ شخص ادخره خصوم الشيعة للشيعة ولا وجود له في الخارج

اما الباحثون الشيعة فقد فندوا الدعوى جذريا , والقوا بها نهائيا الى مزابل التأريخ , بأجماع تحقيقي , ولعل ابرز باحثيهم :
الدكتور الشيخ أحمد الوائلي في كتابه ( هوية التشيع – فصل : عبد الله بن سبأ ).
السيد مرتضى العسكري في كتابه القيم والمتين ( عبد الله بن سبأ ) .
وملخص اعتراضات الباحثين الشيعة :
1 – التناقض في مرويات الناقلين لدعوى عبد الله بن سبأ : قال الطبري : كان عبد الله بن سبأ يهوديا من أهل صنعاء أمه سوداء فأسلم أيام عثمان ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول إضلالهم فبدأ ببلاد الحجاز ثم البصرة ثم الشام )). أما أبي زهرة وفي كتابه تاريخ المذاهب الإسلامية قال : (( عبد الله بن سبأ كان يهوديا من أهل الحيرة ، أظهر الإسلام )). فهو في هذه الروايات تارةً من أهل الحيرة وأخرى من أهل صنعاء ، وهو عند ابن حزم والشهرستاني وغيرهما ابن السوداء ، بينما يذهب ابن طاهر البغدادي في الفرق بين الفرق و الأسفرايني في كتابه التبصير في الدين أن ابن السوداء شخص آخر ليس عبد الله بن سبأ .
ومحمد فريد وجدي في دائرة المعارف قال : ( السبائية أتباع عبد الله بن سبأ الذي غلا في الانتصار لعلي وزعم أنه كان نبيا ثم غلا فزعم أنه الله ودعا إلى ذلك قوما من أهل الكوفة فاتصل خبرهم بعلي فأمر بإحراق قوم منهم ، ثم خاف من إحراق الباقين أن ينتقض عليه قوم فنفى ابن سبأ للمدائن ، فلما قتل علي زعم ابن سبأ أنه ليس المقتول عليا وإنما هو شيطان صور على صورته وهذه الطائفة تزعم أن المهدي المنتظر إنما هو علي ، وكان ابن السوداء في الأصل يهوديا من أهل الحيرة فأظهر الإسلام وأراد أن يكون له عند أهل الكوفة سوق ورياسة ، فذكر لهم أنه وجد في التوراة أن لكل نبي وصيا وأن عليا وصي محمد ( ص ) فلما سمعوا ذلك قالوا لعلي إنه من محبيك فرفع علي قدره وأجلسه تحت درجة منبره ثم بلغه عنه غلوه فيه فهم بقتله فنهاه عبد الله بن عباس فنفاه إلى المدائن ) ..
وفي هذه المقتطفة : أنه من أهل الحيرة لا صنعاء ، وأنه ابن السوداء وأن الإمام علياً خدع به ، وأنه ادعى النبوة لعلي ، ثم ادعى له الألوهية وإلى هنا يمكن الجمع بين هذا الخلط العجيب ولكن كيف يمكن بعد ذلك أن نجمع بين كونه ينسب له الألوهية ثم يجعله وصيا لمحمد : أترك تقدير هذا إلى العقول الجبارة كمحمد فريد وجدي ونظائره ممن يقود خطى الجماهير في دروب الثقافة والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ،بينما رأينا الطبري وجماعة معه يقولون إن دعوته اقتصرت على الغلو في علي والانتصار لحقه وكل ما يدور حول علي فقط نجد جماعة من المتأخرين يذهبون ومعهم أسانيدهم طبعا إلى أنه كان في كل بلد له دعوة خاصة ، يقول محب الدين الخطيب بأسانيده التي ذكرها : ومن دهاء ابن سبأ ومكره أنه كان يبث في جماعة الفسطاط الدعوة لعلي ( ع ) وفي جماعة الكوفة الدعوة لطلحة ، وفي جماعة البصرة الدعوة للزبير..
2 – إن المصدر الوحيد عنه هو سيف بن عمر وهو رجل معلوم الكذب ، ومقطوع بأنه وضاع .
يقول عنه ابن عدي : بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتابع عليها
ويقول عنه ابن معين ضعيف الحديث فليس فيه خير .
وقال ابن حاتم متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي .
وقال عنه أبو داود صاحب السنن ليس بشيء .
وقال عنه النسائي صاحب السنن : ضعيف .
وقال عنه السيوطي إنه وضاع .
وقال ابن حبان : يروي الموضوعات عن الاثبات .  .
وقال محمد بن طاهر بن علي الهندي عنه : سيف بن عمر متروك اتهم بالوضع والزندقة وكان وضاعا

3 – أن ابن السوداء هو في الحقيقة عمار بن ياسر (الذي كان يشتمه الأمويون وقريش بعبارة ابن السوداء معيرين إياه بسواد أمه سمية )، وموقفه من طلحة والزبير وعائشة وقبلها من عثمان بن عفان هو ذاته الموقف الذي ينسبونه لعبد الله بن سبأ.

4 – ان جملة الخلاف بين الصحابة كان موجودا قبل الزمن الذي وضعت فيه شخصية عبد الله بن سبأ , ولعل اشهر صور الاختلافات كانت حادثة السقيفة وحرق دار فاطمة ابنة الرسول الاعظم واغتيال زعيم الانصار سعد بن عبادة وسلب فدك ورفض بني هاشم للخليفة الاول وتبعهم على ذلك قسم كبير من الانصار وقتل عمر بن الخطاب ورفض غالبية الصحابة تولية الطلقاء من بني امية على الامصار الاسلامية واستئثار عثمان بالثمين من الغنائم والفيء لبني عمه ونبذ الصحابي الكريم أبا ذر الى الربذة من قبل عثمان , الخ من احداث سبقت وجود هذه الشخصية في تأريخ الصراع .

وانا الآن اترك الخوض في حجج الفريقين , لوضوح تهافت هذه الدعوى وضعف متنها وسندها , ولكني مع ذلك اقر بان مذهب الشيعة كان مذهبا سبئيا , ولكن على نحو آخر , والسبئية التي اريدها ليست هي السبئية التي يريدها المتهمون للشيعة بالانتساب لعبد الله بن سبأ اليهودي .

ان في خلق تهمة السبئية وجه آخر , كان هو السبب الاساس في اختراع اسم ( عبد الله بن سبأ ) . ان هذه الشخصية هي بالتأكيد وهمية , لكن جذورها حقيقية , لا بما نسب اليها من معتقدات كاذبة تم صناعتها على ايدي تجار الكتابة للسلاطين , ولكن بما نسب اليها من تشيع لعلي . وينقل السيوطي في تدريب الراوي انه كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم فكرهها كثير منهم واباحها طائفة وفعلوها منهم علي وابنه الحسن  .

ان واضع هذه الشخصية كان عالما بالتأريخ ومسار الاحداث التي رافقت نشوء الدولة الاسلامية , ومن هنا قرأ بصورة جيدة حقيقة الاقوام التي آوت الرسول محمد ونصرته , بعد ان خذلته قريش – سوى بني هاشم وبعض الافراد المتفرقين – , وكذلك درس بصورة ذكية واقع الاقوام التي نصرت وصيه علي بن ابي طالب , وجمع النتائج ليخرج بحقيقة مبهرة مفادها : ان محور الحركة الاسلامية ونشاطها كان يرتكز على جملة من القبائل كلها ترجع الى نسب واحد هو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان , و في اهم تلك البطون تركز الانتماء للإسلام المحمدي ومن ثم التشيع لعلي بن ابي طالب , وهو بطن ( الازد ) , فمنه كان ( الاوس والخزرج ) الذين ناصروا محمدا و آووه , والذين اصر زعيمهم ( سعد بن عبادة ) الّا يبايع للخلافة الا علي بن ابي طالب , حتى تم اغتياله في الشام , ونسب قتله الى الجن , لكن اولئك الجن لم يستطيعوا ان يقتلوا ولده قيس بن سعد , الذي ظل مناصرا لعلي بن ابي طالب في كل معاركه , ومنهم كان النخع ومذحج وهمدان , الذين ناصروا عليا وشايعوه , و منهم كان قائد القوات المسلحة العلوية مالك الاشتر النخعي ,الذي قال فيه الامام علي ما مضمونه ( كان لي مالك كما كنت لرسول الله ) , وتبعه على الثورة ابنه ابراهيم بن مالك قائد جيوش المختار بن عبيد الثقفي , للأخذ بثأر الحسين بن علي , والنخعيون كانوا اهم اسباب الانتصار في معركتي اليرموك والقادسية , ومنهم هانئ بن عروة زعيم مذحج , الذي رفض ان يوالي بني امية حتى استشهد على يد عبيد الله بن زياد , ومنهم آل المهلب الذين تزعموا ثورات متتالية على الدولة الاموية في الاهواز وجنوب العراق , ومنهم حنظلة بن ابي عامر غسيل الملائكة صاحب ثورة المدينة على طواغيت بني امية , ومنهم عمرو بن الحمق الخزاعي , ومنهم … الخ .
وقد كانت قبائل اليمن الازدية بين الديانات التوحيدية الابراهيمية واليهودية والمسيحية , اما في العراق فقد كانوا على المسيحية , وهذا مميز آخر , يجعلهم يفضلون على غيرهم لو تم القياس . وما ذكرناه لا يريد ان يلغي دور قبائل وانساب اخرى ناصرت علي بن ابي طالب , بل نحن نتكلم في محور حركة هذه النصرة , فهناك قبائل كثيرة لم تقل اقداما في نصرته .

ان عمود الجيش والمتشيعين لعلي بن ابي طالب كان من قبائل الازد المنتسبين الى ( سبأ ) , لذلك شكلت هذه القبائل عقدة تأريخية لدى كل الذين اغتصبوا الخلافة وحولوها الى ملك عضوض , لا سيما مع ثوراتها التي لا تهدأ حتى يومنا هذا , حيث لازالت هذه القبائل تشكل المكون الاساس لجنوبي العراق , ومنها اليوم جملة من العوائل الدينية المهمة مثل ( آل كاشف الغطاء ) و ( آل شيخ راضي ) و ( آل اليعقوبي ) , وكذلك كانت هذه القبائل محور التشيع لعلي في اليمن , فاغلب الزيدية او الزيود ينتمون لقبائل همدان وخولان وبعض قبائل مذحج الشماليـّة, و والاشعريون الذين بنو مدينة قم لتكون واحدة من معاهد العلم ونشر التشيع في العالم كانوا اخوة الازد من ( سبأ ) , وكذلك الشيعة في جنوب لبنان ( جبل عامل ) هم من عاملة بن سبأ بن يشجب بن قحطان , الى غيرها من البلدان.

لقد قرأ واضع شخصية ( عبد الله بن سبأ ) حروف المستقبل , من خلال سجل الحاضر لديه , لكنه لم يستطع ان يصرح بما توصل اليه , لأنه سيطعن حينها بالأفاضل من الانصار والكثير من الصحابة , لذلك عبّر عن هذه الحقيقة بفكرة لا تثير الشبهات حول دوافعها , فخلق شخصية مجهولة وعامة ليس لها اسم سوى ( عبد الله ) , وما اكثر ( عبيده ) ! , لكن عبد الله هذا لا ينتمي الى الازد , لأنه نسب قريب يمكن كشفه , لكنه ينتمي الى سبأ عموما , التي كانت محور الرفض لكل ظالم قام حكمه على الاغتصاب , لذلك ( سبأ ) الاب المفترض للاسم المدعى لا ترجمة شخصية له . ومن وجهة نظر المختلق للفكرة ان ( عباد الله ) هؤلاء هم السبب في كل فتنة .

ومن هنا ايضا يمكن لنا تفسير ورود عبارة ( السبئية ) – وليس ( عبد الله بن سبأ ) – في اتهام من يوالي علي بن ابي طالب قبل مرويات ( سيف بن عمر ) و ( الطبري ) . وكذلك يمكننا ان نفهم الآن سبب كون قادة السبئية هم اجلاء الصحابة والتابعين . ومن جميل ما ينسب الى امير المؤمنين علي بن ابي طالب قوله في الازد :

الأَزْدُ سَيْفِي عَلَى الأَعْدَاءِ كُلِّهِمُ
وَسَيْفُ أَحْمَدَ مَنْ دَانَتْ لَهُ العَرَبُ


قَوْمٌ إذا فاجأوا أَبْلَوا وإن غُلِبُوا
لا يحجمون ولا يدرون ما الهربُ


قوم لبوسهم في كل معترك
بيضٌ رقاقٌ وداوُدية ٌ سُلَبُ


البيضُ فوق رؤوس تحتها اليلبُ
و في الأنامل سمر الخطَّ والقضب


وأَيُّ يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ لَيْسَ لَهُم
فيهِ مِنَ الفِعْلِ ما مِنْ دُونِهِ العَجَبُ


الأَزْدُ أزيَدُ مَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمٍ
فضلاً وأعلاهم قدراً إذا ركبوا


يَا مَعْشَر الأَزْدِ أَنْتُمْ مَعْشَرٌ أُنُفٌ
لا يضعفون إذا ما اشتدت الحقب


وفيتم ووفاء العهد شيمتكم
وَلَمْ يُخالِطْ قديما صِدْقَكُمْ كَذِبُ


إذا غَضِبْتُمُ يَهَابُ الخَلْقُ سَطْوَتَكُم
و قد يهون عليكم منهم الغضب


يا مَعْشَر الأزْدِ إِنِّي مِنْ جَمِيْعِكُمُ
راضٍ وأنتم رؤوس الأمر لا الذنب


لَنْ يَيْأَسَ الأَزْدُ مِنْ رُوْحٍ وَمَغْفِرَة ٍ
وَاللُه يَكْلأُهُم مِنْ حَيْثُ ما ذَهَبُوا


طِبْتُم حَدِيثا كما قَدْ طابَ أَوَّلُكُمْ
والشَّوْكُ لا يُجْتَنَى مِنْ فَرْعِهِ العِنَبُ


و الأزد جرثومة إن سوبقوا وسبقوا
أو فوخروا فخروا أو غولبوا اغلبوا


أَو كُوثروا كَثروا أو صُوبرُوا صبروا
أو سُوهِموا سَهَموا أو سُولِبوا سَلَبوا


صفوا فأصفاهم الباري ولا يته
فلم يشب صفوهم لهو ولا لعب


من حسن أخلاقهم طابت مجالسهم
لا الجَهْلُ يَعْرُوْهُمْ فيها ولا الصَّخَبُ


الغَيْثُ ما رُوِّضُوا مِنْ دُوْنِ نائِلِهِمْ
و الأسد ترهبهم يوماً إذا غضبوا


أندى الأنام أكفّاً حين تسألهم
وَأَرْبَطُ النَّاسِ جَأْشا إنْ هُمُ نُدِبوا


فَاللُه يَجْزِيْهِمُ عَمَّا أَتَوا وَحَبَوا
بِهِ الرَّسولَ وَمَا مِنْ صَالِحٍ كَسَبُوا


من هنا يمكن ان ننطلق لنقول : ان كل الشيعة سبئية بالانتماء او التأثر , لكنهم سبئية سبأ بن يشجب , لا سبئية عبد الله بن سبأ اليهودي المختلق  . ولقد ولي علي بن ابي طالب القضاء عن الرسول للقبائل السبئية لأكثر من سنتين  .
وقد اقترن اسم الامة الآرامية نتيجة لهذا كله بمصطلح السبئية ، لا نسبة دم ، بل نسبة ثقافة . فقد اختارت الغالبية في الحضارة الآرامية التي ذكرناها في مبحث خاص ان تكون سبئية الثقافة علوية الهوية إسلامية الدين .
لذلك حين أرسل زيادُ بن ابيه الصالحين ( حجر بن عدي الكندي ) واصحابه الى معاوية بن ابي سفيان كتب : ( إن طواغيت من هذه الترابية السبئية رأسهم حجر بن عدي خالفوا أمير المؤمنين وفارقوا الجماعة جماعة المسلمين ونصبوا لنا الحرب فأظهرنا الله عليهم وأمكننا منهم . وقد دعوت خيار أهل المصر وأشرافهم وذوي الستر والدين منهم فشهدوا عليهم بما رأوا وعلموا ... )  . علماً ان ( الخيار والأشراف وذوي الستر ) الذين شهدوا زوراً على الصحابي الجليل حجر بن عدي – الذي كان ممن كاتب عثمان معترضاً على سياسته - هم ذاتهم من قادوا الجيش ضد الحسين بن علي في كربلاء .
ولذلك كله فقول ورواية ان رسول الله بعث علي بن ابي طالب بسرية الى اليمن – كما في الطبقات الكبرى لابن سعد  – مغلوط جداً ، بثلاثة ادلة ، ان الرواية ذكرت انه دخل ارض مذحج ، ثم همدان ، وهما من قبائل العراق الكوفية ، والثاني ان ارض اليمن كانت حينها للحميريين وآل ذي يزن وغيرهم ، ولم تذكرهم الرواية ، والثالث ان وفد ملوك اليمن أتى رسول الله في السنة التاسعة للهجرة مقراً بالإسلام ، اَي بعد تاريخ تلك السرية او قبلها ، وأرسل النبي معهم مجموعة تفقههم في الدين على رأسها معاذ بن جبل ، ومجموعة أخرى لاحقة على رأسها عمرو بن حزم الأنصاري ، ولو كانوا اسلموا قبل ذلك ما صح امر هذه الوفود وهذه البعثات   ، وان كانوا اسلموا بعد هذه الوفود ما صح امر السرية والمواجهة معها ، لا سيما ان همدان الْيَوْمَ تعادل ثلثي قبائل اليمن . إنما الامر شبهة تاريخية ، اذ لم يفرِّق الرواة بين اليمانية في العراق وبين اليمن الجنوبي . ومنه نعرف ان علياً دخل العراق في زمن الرسول وبأمره . وان قول الرواية – على اختلافها – بانه قتل بضعة أشخاص من مذحج ثم جاءوه مسلمين امر فيه نظر ، فمذحج من القبائل الكبرى ذات البأس الشديد ، ولم تكن لتهتز لثلاثمائة فارس أتوها او بضعة رجال قتلوا منها . لكن يبدو ان التلفيق السلطوي حشر انفه هنا ايضاً . وما يعضد هذا الاستدلال ان همدان اسلمت كلها في يوم واحد بين يدي علي بن ابي طالب ، مما جعل رسول الله يسجد شكراً لله ويقول ( السلام على همدان )  .
ولهذا كله نجد ان صحابية سبئية مخلصة جداً هي ( أسماء بنت عميس ) لم تفارق أهل البيت مطلقاً ، حتى يوم كانت زوجة لابي بكر ، بل وأنجبت ولداً لابي بكر كان من المخلصين لعلي بن ابي طالب هو ( محمد بن ابي بكر ) ، وكان لها شرف غسل بنت النبي فاطمة الزهراء دون الامة ، وحين منعت خصوم فاطمة من الدخول عليها ، ومنهم ام المؤمنين عائشة ، كانت اول سبة رأتها عائشة وأول نبز نبزتها به حين شكتها للخليفة الأول هو انها ( خثعمية ) ، وخثعم من أنمار السبئية  . وحين هيج الأشعث بن قيس الكندي بعد أخذ الراية منه يوم صفين واعطائها لربيعة نسبوا ان أهل اليمن الأشتر النخعي وهاني بن عروة المذحجي وعدي بن حاتم الطائي تكلموا في أمره . ومن الواضح ان هؤلاء كانوا من سكنة العراق  .

ومن سبأ جبل عامل أو جبل عاملة أو جبال عاملة في جنوب لبنان وهي قبيلة (عاملة ) بن سبا . هبط عاملة هذه الجبال وسكنها وبقيت ذريته فيها . ويسمى أيضا جبل الجليل وجبل الخيل. وهو اسم لصقع واسع يتراوح عرضه بين ستة فراسخ وثمانية أو أكثر وطوله نحو اثني عشر فرسخا مشتمل على عدة قرى ومدن وكله معمور ليس فيه خراب ويحده غربا البحر المتوسط وشرقا الحولة ووادي التيم والبقاع وبعض جبل لبنان وجنوبا فلسطين وإذا صح إن تشيع أهله من عهد أبي ذر صاحب رسول الله ص كما يدل عليه النقل المشهور المأخوذ يدا عن يد ووجود مساجد فيه تنسب إلى أبي ذر فأهله [ من ] أقدم الناس في التشيع لم يسبقهم إليه إلا بعض أهل المدينة [ وأهل العراق ] . ومر في طرفه ناصر خسرو الرحالة الفارسي المعروف سنة 437 فقال عن صور ان أكثر أهلها شيعة مع أنها كانت معروفة في القديم بالتسنن. وهو مشتمل على قرى وبلدان كثيرة تنبو عن الحصر كل أهلها شيعة إمامية إلا ما ندر ومن مدنه صيدا وصور ومن بلدانه تبنين وهونين والصرفند وآبل وقدس والشقيف وارنون وهذه كلها لها ذكر في الكتب والآثار وأكبر مدنه اليوم صيدا ثم صور وأكبر قراه النباطية وبنت جبيل والخيام وكثرت فيه العلماء من القرن السادس إلى اليوم اما قبل ذلك فحالته العلمية مجهولة. وفي مجالس المؤمنين: جبل عامل ولاية من أعمال الشام معمور مشهور مشتمل على قرى وبلاد تنبو عن الحصر وبالجملة تجلى أنوار الرحمة الآلهية شامل لأهل جبل عامل ونور المحبة من نواصي إيمانهم ظاهر ولا يوجد قرية من قراه لم يخرج منها جماعة من الفقهاء والفضلاء الإمامية وجميع أهله من الخواص والعوام والوضيع والشريف يجدون في تعليم وتعلم المسائل الاعتقادية والأحكام الفرعية على طبق مذهب الإمامية وفي التقوى والمروءة والفقر والقناعة يقتدون بطريقة مولاهم المرضية ومع تسلط الرومية فلهم همة في نشر مذهبهم  .


9
بين الديموقراطية والديكتاتورية

الحقيقة تخبرنا ان خوارزمشاه ملك خوارزم لم يكن شجاعاً حين ملأ آذان رسل المغول بالرصاص المذاب , فهو قد عاش هارباً من جيوش المغول حتى مات في إحدى جزر البحر الأسود بالمرض , تاركاً شعبه أسيراً فريدا . ولم يكن صدام شجاعاً حين ادخل شعبه في ثلاثة حروب أهلكت الحرث والنسل ولم تبق للبلاد من باقية , لأنه وجد هارباً في جحر تحت الأرض بعدئذ . وكذلك هو ديكتاتور كوريا الشمالية وديكتاتور تركمانستان . القضية أنهم جميعاً جبناء ، وجبناء جدا ، وليس لمحيطهم تاريخ حضاري . كل ما في الأمر أنهم استغبوا شعوبهم (( فاستخف قومه فأطاعوه انهم كانوا قوما فاسقين )) وصدّقتهم هي . لقد قتل هؤلاء القادة الفضلاء والحكماء والنخب ولم يكن لتلك الشعوب من حركة , فبقيت غالبية غبية مقادة ضعيفة . ولما كان (( كيد الشيطان كان ضعيفا )) فلا شك أن عقول من يقودهم أضعف . ومن ثم فنظرية الاستغباء هي أقوى سلاح بيد الحاكم الظالم .
الإمبراطورية المغولية حازت على لقب أكبر دولة في التاريخ بعد ان أنشأها موحّد قبائل البدو الآسيوية جنكيز خان الا انها كانت تعتمد في تنظيمها وبقائها على الشعوب الأخرى والكفاءات الغريبة عنها . واليوم منغوليا أفقر بلدان العالم وتزداد فقرا . بينما انطلقت الشعوب التي احتلها جنكيز خان من جديد بالاعتماد على ارتكازها الحضاري كالصين وإيران . هناك دول تقوم على السلاح مثل الدولة المغولية ، ودول تقوم على المال مثل معظم دول الخليج التي تفتقر إلى المقومات الطبيعية والكفاءات البشرية وارتكازها إلى الصحراء والبداوة ، تنتهي جميعاً بانتهاء السلاح ، او المال الذي يبقيها قائمة على أسس مصطنعة . لذلك نثق بقدرة العراق على النهوض .
لكن لم يتم الاستفادة من هذه الحقيقة على المستوى الرسمي , ولم يتم تنمية روح المعرفة لدى الجمهور , بل على العكس تم تجهيل الجيل الشاب بأكمله ودفعه في اتجاهات غريبة موجهة . فالشاب الذي كان قبل أيام يبارك انتصارات الحشد الشعبي ويفتخر بتضحياته وانجازاته صار يهاجم مقراته دون وعي ولا هدف يفهمه .
في الأسبوع الأخير المجلس الاعلى للإعلام في مصر يشترط على وسائل الإعلام فيها عدم الحديث او نشر أي خبر عن ليبيا وسد النهضة وسيناء وفايروس كورونا الا بما تنشره حكومته . وبذات الأعذار المعروفة ( المنعطف الخطير ) و ( الأمن القومي ) و ( الوحدة الوطنية ) . في نتيجة متوقعة لأي انقلاب عسكري على الثورة الشعبية . وهذا ما أتوقعه للعراق وفق المسار الحالي في ظل نفس الخطوات الدولية والسذاجة المحلية وتبعية وسائل الإعلام العراقية المحركة للرأي العام وانشغال الكتل السياسية بمصالحها .
وديموقراطية سيئة أفضل من ديكتاتورية خاضعة للأجنبي بالتأكيد . فإلغاء مجالس المحافظات واختيار المحافظين من قبل المركز ووجود رئيس وزراء مخابراتي وتقوية نفوذ الأجهزة الأمنية في المجال السياسي بوجود نفوذ مخيف للسفارات الأجنبية هو ابتعاد واسع جداً عن الديموقراطية واقتراب خطير جداً من الديكتاتورية مع غياب الوعي ودليل على نجاح الخطط غير الوطنية وأن الأمور تسير بتخطيط غير منظور وأن الله هو القادر على إخراج الناس مما هم فيه فقط بعد تشتتهم وتفرقهم عن حقهم .





10
وحين خرج الحسن ع لاستنهاض الناس لملاقاة جيش أهل الشام القادم الى العراق بعد رحيل امير المؤمنين علي بن ابي طالب ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فان الله كتب الجهاد على خلقه وسماه كرها ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين اصبروا ان الله مع الصابرين ، فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون ، إنه بلغني ان معاوية بلغه انا كنا أزمعنا على المسير إليه فتحرك لذلك فاخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة . وإنه في كلامه ليتخوف خذلان الناس له ، فسكتوا فما تكلم منهم أحد ولا أجابه بحرف . فلما رأى ذلك ( عدي بن حاتم ) قام فقال: إنا ابن حاتم سبحان الله ما أقبح هذا المقام ، ألا تجيبون امامكم وابن بنت نبيكم ، أين خطباء مضر المصر الذين ألسنتهم كالمخاريق في الدعة ، فإذا جد الجد فرواغون كالثعالب ، أ ما تخافون مقت الله ولا عيبها وعارها . ثم استقبل الحسن بوجهه ، فقال : أصاب الله بك المراشد وجنبك المكاره ووفقك لما تحمد ورده وصدره ، قد سمعنا مقالتك وانتهينا إلى أمرك لك وأطعناك فيما قلت وما رأيت ، وهذا وجهي إلى معسكري ، فمن أحب أن يوافيني فليواف . ثم مضى لوجهه فخرج عن المسجد ودابته بالباب فركبها ومضى إلى النخيلة وأمر غلامه أن يلحقه بما يصلحه وكان عدي بن حاتم أول الناس عسكرا  . وكان من الثوار المجلبين الناس على عثمان والذين شاركوا في قتله  . وكان من عظيم وعيه انه يصرح ببغضه لآل الوليد بن المغيرة المخزومي في شعره ، لما يعلمه من نفاقهم ، ومنه نعرف مستوى عقيدته العالي ومعرفته العميقة بحق الإسلام  .


وهذا ( بشر بن العشوش الطائي الملقطي ) فارس محارب، شاعر فاضل، مخلص في ولائه و محبته لأمير المؤمنين (عليه السلام). حضر صفّين، و قاتل قتالا شديدا، و حاربت طي‌ء مع أمير المؤمنين (عليه السلام) حربا عظيمة، و تداعت و ارتجزت، و قتل منها أبطال‌  .


و ( سعيد بن عبيد الطائي ) قتل في 37 ه ، فارس، اشترك في الجمل، و قتل بصفّين. و لما نزل أمير المؤمنين (عليه السلام) الربذة، أتته جماعة من طي، و فيهم سعيد ( فقال: يا أمير المؤمنين إنّ من الناس من يعبّر لسانه عما في قلبه، و إنّي و اللّه ما كل ما أجد في قلبي يعبّر عنه لساني، و سأجاهد و باللّه التوفيق، أما أنا فسأنصح لك في السر و العلانية، و أقاتل عدوك في كل موطن، و أرى لك من الحق ما لا أراه لأحد من أهل زمانك، لفضلك و قرابتك. قال عليّ (عليه السلام): رحمك اللّه قد أدى لسانك عما يجن ضميرك ) ، فقتل معه بصفّين . وقاتلت طيء يومئذ قتالا شديدا ، فعبيت لهم جموع ، فأتاهم  حمرة بن مالك الهمداني  ، فقال : من القوم ؟ فقال له  عبد الله بن خليفة  ، وكان شيعيا شاعرا خطيبا : نحن طيء السهل ، وطيء الرمل ، وطيء الجبل ، الممنوع ذي النخل ، نحن طيء الرماح ، وطيء البطاح ، فرسان الصباح . فقال  حمرة بن مالك  : إنك لحسن الثناء على قومك . واقتتل الناس قتالا شديدا ، فناداهم : يا معشر طيء ، فدى لكم طارفي وتالدي ! قاتلوا على الدين والأحساب .

ومن طَي ( لأم بْن زياد بْن غطيف بْن سعد بْن الحشرج الطائي ) ، وهو اخ عدي بن حاتم الطائي لأمه . وقد ولاه علي بن ابي طالب المدائن  . اذ كانت ارض طَي العراق من جبل اجا حتى ديالى الْيَوْمَ في العراق ، وهي الأرض التي حمتها ( بنو لام ) طيلة قرون ، اذ كان حلفها يعادل حلف ( المنتفك ) لبني اسد وبني مالك الأشتر في الوظيفة والعقيدة . وقد كانت راية علي مع ( ابي الجوشاء الطائي ) يوم خرج من الكوفة الى صفين  .

وعند بدء مسير علي بن ابي طالب لرد جيش ام المؤمنين عائشة وطلحة والزبير قبل بدء معركة الجمل وهو بالربذة أتته جماعة من ( طئ ) ، فقيل له هذه جماعة قد أتتك منهم من يريد الخروج معك ومنهم من يريد التسليم عليك ، قال جزى الله كليهما خيرا وفضل المجاهدين على القاعدين اجرا عظيما . ثم سار من الربذة ، وعلى مقدمته أبو ليلى بن عمر بن الجراح والراية مع محمد بن الحنفية وعلى الميمنة عبد الله بن العباس وعلى الميسرة عمر بن أبي سلمة وعلي على ناقة حمراء يقود فرسا كميتا ، حتى نزل بفيد ، فأتته ( أسد ) و ( طئ ) فعرضوا عليه أنفسهم ، فقال الزموا قراركم في المهاجرين كفاية ، كما فعلت بعدهم بكر بن وائل  . ومنه نعلم حجم ولاء هذه القبائل .


اما ( خزاعة ) التي كان شاعرها ( دعبل ) أيقونة الولاء لعلي بن ابي طالب وأولاده لاحقا وصارت جزءاً رئيساً من منظومة التشيع في جنوب العراق ، فقد قال الزهري: وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله  مسلمها ومشركها لا يخفون عنه شيئا كان بمكة  . كما فعل معبد الخُزاعي في المكيدة ضد المشركين لصالح المسلمين في غزوة حمراء الأسد  . وقد كانت خزاعة حلفاء لبني هاشم قبل الإسلام ، لما علموا من سماحتهم ونهجهم في الحق ، حتى قال شاعرهم بعد الإسلام وقبل الفتح يستنجد بالرسول :
يا رب أني ناشد محمدا * حلف ابيه وأبينا الاتلدا
ان قريشا أخلفوك الموعدا * ونقضوا ميثاقك المؤكدا
هم بيتونا بالوتير هجدا * وقتلونا ركعا وسجدا

فكان ان اختارت خزاعة يوم الحديبية ان تكون في صف محمد رغم سكنها بين ظهراني المشركين من قريش  . وكما هو واضح في ابيات الشاعر الخُزاعي ( وقتلونا ركعا وسجدا ) ان خزاعة كانت مسلمة حينها . او في رواية أخرى قال : قتلونا وقد أسلمنا  .
وحين سارت قريش لحرب النبي ووصلت الى الأبواء الموضع الذي فيه قبر آمنة أم النبي ص فأرادوا نبش قبرها أشارت بذلك هند بنت عتبة فمنع منه ذوو الرأي منهم وقالوا لو فعلنا نبشت بنو بكر وخزاعة موتانا عند مجيئهم وكانوا حلفاء رسول الله  .
ومن شعر ( سليمان بن صرد الخُزاعي ) الذي يجيب فيه شعر حامل لواء سيد أهل اليمن في الشام ( حوشب ذي ظليم ) الذي هاجم فيه أهل العراق واتهمهم بالتذبذب يمكننا ان نفهم بوضوح ان خزاعة كان قسم كبير منهم من أهل العراق الاصلاء ، اذ قال :
يا لك يوما كاسفا عصبصبا * يا لك يوما لا يواري كوكبا
يا أيها الحي الذي تذبذبا * لست أخاف ذا ظليم حوشبا
لأن فينا بطلا مجربا * ابن بديل كالهزبر مغضبا
امسى علي عندنا محببا * نفديه بالام ولا نبقي أبا

وكان على ميمنة علي يوم صفين ( عبد الله بن بديل بن ورقاء الخُزاعي ) ، ( وزحف  عبد الله بن بديل  في الميمنة نحو حبيب بن مسلمة  ، وهو في ميسرة  معاوية  ، فلم يزل يحوزه ويكشف خيله حتى اضطرهم إلى قبة  معاوية  عند الظهر ، وحرض  عبد الله بن بديل  أصحابه فقال : ألا إن  معاوية  ادعى ما ليس له ، ونازع الحق أهله ، وعاند من ليس مثله ، وجادل بالباطل ليدحض به الحق ، وصال عليكم بالأعراب والأحزاب الذين قد زين لهم الضلالة ، وزرع في قلوبهم حب الفتنة ، ولبس عليهم الأمر ، وزادهم رجسا إلى رجسهم ، فقاتلوا الطغاة الجفاة ولا تخشوهم ، ( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين)  ... وقاتلهم  عبد الله بن بديل  في الميمنة قتالا شديدا حتى انتهى إلى قبة  معاوية  . وأقبل الذين تبايعوا على الموت إلى معاوية  ، فأمرهم أن يصمدوا  لابن بديل  في الميمنة ...  وانتهى – الأشتر -  إلى  عبد الله بن بديل  وهو في عصابة من القراء نحو المائتين أو الثلاثمائة ، قد لصقوا بالأرض كأنهم جثا ، فكشف عنهم أهل الشام  ، فأبصروا إخوانهم فقالوا : ما فعل أمير المؤمنين ؟ قالوا : حي صالح في الميسرة ، يقاتل الناس أمامه . فقالوا : الحمد لله ! قد كنا ظننا أنه قد هلك وهلكتم .  وقال  عبد الله بن بديل  [ لأصحابه ] : استقدموا بنا . فقال  الأشتر  : لا تفعل واثبت مع الناس ، فإنه خير لهم وأبقى لك ولأصحابك . فأبى ومضى كما هو نحو  معاوية  ، وحوله كأمثال الجبال وبيده  سيفان  ، وخرج  عبد الله  أمام أصحابه يقتل كل من دنا منه حتى قتل جماعة ، ودنا من  معاوية  ، فنهض إليه الناس من كل جانب ، وأحيط به وبطائفة من أصحابه ، فقاتل حتى قتل ، وقتل ناس من أصحابه ، ورجعت طائفة منهم مجرحين . فبعث  الأشتر الحارث بن جمهان الجعفي  ، فحمل على أهل الشام  الذين يتبعون من انهزم من أصحاب  عبد الله  حتى نفسوا عنهم ، وانتهوا إلى  الأشتر  ، وكان  معاوية  قد رأى  ابن بديل  وهو يضرب قدما ، فقال : أترونه كبش القوم ؟ فلما قتل أرسل إليه لينظروا من هو ، فلم يعرفه أهل الشام  فجاء إليه ، فلما رآه عرفه فقال : هذا  عبد الله بن بديل  ، والله لو استطاعت نساء خزاعة لقاتلتنا فضلا عن رجالها ! وتمثل بقول  حاتم  :أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها     وإن شمرت يوما به الحرب شمرا )  .قال البخاري  في تاريخه أنه ممن دخل على عثمان  ، فطعن عثمان  في ودجه ، وعلا التنوخي  عثمان  بالسيف . أسلم مع أبيه قبل الفتح ، وشهد الفتح وما بعدها ، وكان شريفا وجليلا ، قتل هو وأخوه  عبد الرحمن  يوم صفين  مع علي ، وكان على الرجالة  .

ومن وجوه خزاعة ( سليمان بن صرد بن الجون بن أبي الجون عبد العزى بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن ضبيس بن حرام بن حبشية بن كعب الخزاعي ) المقتول 65 ه. وعمره وق التسعين . رئيس التوابين يومئذ، خرج في أربعة آلاف يطلبون بدم الإمام الحسين (عليه السلام) و التقوا بعبيد اللّه بن زياد، و اقتتلوا، و قتل سليمان يوم عين الوردة. و كان محدّثا ثقة و له صحبة و رواية. و كانت له سن عالية، و شرف في قومه، فلما قبض النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) تحول فنزل الكوفة حين نزلها المسلمون، و شهد الجمل، و صفين  . وكان ممن كتب الى عثمان بن عفان يعترض على سياسته الدنيوية  .
ومن خزاعة كذلك ( عبد الرحمن بن أبزي الخزاعي ) مولى نافع بن عبد الحارث الخزاعي. سكن الكوفة و ولاه أمير المؤمنين (عليه السلام) على خراسان. أدرك النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و صلّى خلفه. و أعقب: سعيدا وَعَبد الله  .
ومن وجوه خزاعة البيض ( عمرو بن الحمق الخُزاعي ) . أسلم قبل الفتح، وهاجر الى المدينة، فكان الصحابيّ البر الذي حظي بدعوة النبي صلى اللّه عليه وآله بأن يمتعه اللّه بشبابه، فمرت عليه ثمانون سنة ولم ير له شعرة بيضاء على صباحة في وجهه كانت تزيده بهاء. وصحب بعده امير المؤمنين علياً عليه السلام، فكان الحواري المخلص الذي يقول له بحق: «ليت في جندي مائة مثلك». وشهد معه الجمل وصفين والنهروان. ودعا له امير المؤمنين بقوله: «اللهم نور قلبه بالتقى، واهده الى صراطك المستقيم». وقال له: «يا عمرو انك لمقتول بعدي، وان رأسك لمنقول، وهو أول رأس ينقل في الاسلام. والويل لقاتلك ». قال ابن الاثير (ج 3 ص 183): «ولما قدم زياد الكوفة قال له عمارة بن عقبة بن ابي معيط: ان عمرو بن الحمق يجمع اليه شيعة أبي تراب، فأرسل اليه زياد: ما هذه الجماعات عندك ؟ من أردت كلامه ففي المسجد ».  «ثم لم يزل عمرو [فيما يروي الطبري] خائفاً مترقباً حتى كانت حادثة حجر بن عدي الكندي فأبلى فيها بلاء حسناً وضربه رجل من الحمراء - شرطة زياد - يدعى بكر بن عبيد بعمود على رأسه فوقع وحمله الشيعة فخبأوه في دار رجل من الازد، ثم خرج فاراً وصحبه الزعيم الآخر [رفاعة بن شداد] فيمما المدائن ثم ارتحلا حتى أتيا ارض الموصل فكمنا في جبل هناك، واستنكر عامل ذلك الرستاق شأنهما فسار اليهما بالخيل، فأما عمرو فلم يصل الموصل الا مريضاً بالاستسقاء، ولم يكن عنده امتناع. واما رفاعة بن شداد - وكان شاباً قوياً - فوثب على فرس له جواد، وقال لعمرو: أقاتل عنك، قال: وما ينفعني ان تقاتل، انج بنفسك ان استطعت. فحمل عليهم فأفرجوا له، فخرج تنفر به فرسه، وخرجت الخيل في طلبه - وكان رامياً - فأخذ لا يلحقه فارس الا رماه فجرحه او عقره فانصرفوا عنه. وسألوا عمراً: من انت ؟ فقال: من ان تركتموه كان أسلم لكم، وان قتلتموه كان أضرّ لكم !. فسألوه فأبى ان يخبرهم، فبعث به ابن أبي بلتعة، عامل الرستاق، الى عامل الموصل، وهو (عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عثمان الثقفي)، فلما رأى عمرو بن الحمق عرفه، وكتب الى معاوية بخبره، فأمره معاوية بأن يطعنه تسع طعنات كما كان فعل بعثمان فطعن ومات بالاولى منهن أو الثانية»  . وكان ممن كتب الى عثمان مهدداً بالثورة ايضاً . و( عمارة ) الذي اشتكى ابن الحمق الى ابن زياد هو احد ولد عقبة بن ابي معيط المبشرين بالنار على لسان رسول الله كما يأتي ، وابن ابي معيط هو من كان يجيش ضد رسول والإسلام في بدر ، اذ عيّر امية بن خلف بأنه من النساء حين اجمع على القعود وعدم الذهاب ، فاستجاشه وهيّجه  .
وكان على ميمنة علي  يوم صفين عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي وعلى ميسرته عبد الله بن العباس وقراء العراق مع ثلاثة نفر مع عمار بن ياسر وقيس بن سعد وعبد الله بن بديل والناس على راياتهم ومراكزهم وعلي في القلب في أهل المدينة والكوفة والبصرة وعظم من معه من المدينة الأنصار ومعه من خزاعة عدد حسن ومن كنانة وغيرهم من أهل المدينة ثم زحف علي بالناس  .

ورغم ان ( الازد ) بطن كبير في العرب ، وفيه من اختار غير علي بن ابي طالب ، الا ان نسبتهم العظمى كانت في عداد علي . ومنهم ( جندب بن عبد اللّه بن زهير بن الحارث بن كثير بن جشم بن سبيع بن مالك بن ذهل بن مازن بن ذبيان بن ثعلبة بن الدؤل بن سعد مناة بن غامد الأزدي الغامدي ) المقتول 37 ه. فارس سكن الشام، و الكوفة. حضر مع الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حرب الجمل، و حرب صفّين و قتل فيها سنة 37 ه. و كان على الرجالة يوم صفّين. قتله رأس أزد الشام و قتل من رهطه، عجل، و سعد، ابنا عبد اللّه من بني ثعلبة. و في معاجم التأريخ أخبار تدل على عظيم شجاعته و بسالته، و على شدة إخلاصه في حبّ عليّ (عليه السلام)، و قوة إيمانه، و جاء في بعض المراجع: أنّه كان من الصحابة الذين جاءوا مع عليّ (عليه السلام) إلى صفّين  . وقد روي ان النبي قال لوفدهم حين جاءوا مسلمين ( مَرْحَبًا بِكُمْ أَحْسَنَ النَّاسِ وجُوهًا وَأَصْدَقَهُ لِقَاءً وَأَطْيَبَهُ كَلامًا وَأَعْظَمَهُ أَمَانَةً أَنْتُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْكُمْ " . وَجَعَلَ شِعَارَهُمْ مَبْرُورًا )  .
الا ان الازد كانوا شعوباً كما قلنا ، منهم ازد العراق ، الذين آمنوا ثم تشيعوا وكانوا قوة الإسلام ، ومنهم ازد شنوءة في جهة عُمان ، وقد اسلموا طوعاً لكنهم كانوا غير واعين لمعاني الإسلام العميقة ، لذلك كان يبعث النبي مع وفدهم الرسل المعلمين لهم ، ومنهم ازد غسان في الشام ، الذين رمى ملكهم الحارث بن ابي شمر الغساني كتاب رسول الله وهدد مبعوثه  . ويبدو ان ذلك ناشئ عن القرب او البعد من مركز العراق ( الكوفة ) .
ومن اصول الازد ( شريك بن الحارث – الأعور- ابن عبد اللّه بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد اللّه بن مالك بن نصر بن الأزد الحارثي البصري ) المتوفى 60 ه. كان شاعرا، متكلما شجاعا. صحب أمير المؤمنين (عليه السلام). و دخل على معاوية، فقال له: ما اسمك؟ فقال: شريك، قال: ابن من؟ قال: ابن الأعور. قال: إنّك شريك و ما للّه من شريك. و إنّك لابن الأعور، و الصحيح خير. و إنّك لدميم سيئ الخلق، فكيف سدت قومك؟، فقال: و أنت يا معاوية و اللّه، و ما معاوية إلا كلبة عوت فاستعوت، فسميت معاوية. و إنّك لابن صخر، و السهل خير. و إنّك لابن حرب، و السلم خير. و إنّك لابن أميّة، و أميّة أمة صغرت بها. فكيف سميت أمير المؤمنين؟ فقال معاوية: واحدة بواحدة و البادي أظلم .. فقال شريك:
أ يشتمني معاوية بن حرب* * * و سيفي صارم و معي لساني‌
و حولي من ذوي يمن ليوث* * * ضراغمة تهش إلى الطعان‌
يعيّرني الدّمامة من سفاه* * * و ربّات الحجال هي الغواني‌
ذوات الحسن و الريبال شتن* * * سهيم وجهه ماضي الجنان‌
فلا تبسط لسانك يا ابن حرب* * * فإنّك قد بلغت مدى الأماني‌
متى ما تدع قومك أدع قومي* * * و تختلف الأسنة بالطعان‌
يجبني كل غطريف شجاع* * * كريم قد توشح باليماني‌
فإن تك من أمية في ذراها* * * فإنّي من بني عبد المدان‌
و إن تك للشقاء لنا أميرا* * * فإنّا لا نقيم على الهوان‌
فقاسمه معاوية، أن يسكت و قرّبه و أدناه و أرضاه. ذكره الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب عليّ (عليه السلام). و له أخبار و حوادث وافرة. و شعر كثير في المعاجم و السير .
كذلك ( ظالم بن سراق بن صبيح بن كندي بن عمرو بن عدي بن وائل بن الحارث بن العتيك بن الأزد بن عمران بن عمرو بن مزيقياء ) أزدي يكنّى (أبو صفرة) مات بالبصرة، و صلّى عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) و أعقب: المهلب. ذكره الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب عليّ (عليه السلام). و قدم بعد الجمل، و قال لعليّ (عليه السلام): أما و اللّه لو شهدتك ما فاتك أزدي. و ابنه أبو سعيد المهلب، كان من أشجع الناس و حمى البصرة من الخوارج، مات سنة 83 ه  . وقد كان لآل المهلب بعد ذلك شان سياسي مهم لا سيما في دولة ال بويه متمثلين بكاتب معز الدولة الحسن بن محمد المهلّبي  والذي كان حسن السيرة قد كشف الظلامات وقرب العلماء والادباء واحسن اليهم عند ولايته الوزارة  ، كما كانت لهم علاقات واسعة مع النخع وأبناء الأشتر وثوراتهم ضد بني أمية .
ومن الازد ( مخنف بن سليم بن الحارث بن عوف بن ثعلبة بن عامر بن ذهل بن مازن بن ذبيان بن ثعلبة بن الدؤل بن سعد مناه بن غامد الأزدي الغامدي ) له صحبة روى عنه أبو رملة واسمه عامر يعد في الكوفيين وكان نقيب الأزد بالكوفة وقيل إنه بصري واستعمله علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه على مدينة أصفهان وشهد معه صفين وكان معه راية الأزد ومن ولد مخنف بن سليم أبو مخنف لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سليم صاحب الاخبار والسير  .

ومنهم ( هبيرة بن النعمان بن قيس بن مالك بن معاوية بن سعنة بن بداء بن سعد بن عمرو بن ذهل بن مران بن جعفى بن سعد العشيرة الجعفي ) له إدراك وكان من أمراء علي وشهد معه صفين واستعمله على المدائن وكان شريفا  .

ومن الازد ( كميل النخعي ) و ( شبيب بن عامر الأزدي ) عامله (عليه السلام) على نصيبين. و هو جد الكرماني صاحب خراسان. ففي عام 39 ه، سيّر معاوية جيشا إلى بلاد الجزيرة، فكتب شبيب إلى كميل بن زياد و هو بهيت يعلمه خبرهم فسار كميل إليه نجدة في ستمائة فارس فأدركهم كميل و قاتلهم و هزمهم و غلب على عسكرهم و أكثر القتل فيهم. من أهل الشام، و أقبل شبيب بن عامر من نصيبين فرأى كميل قد وقع بالقوم و هنأه بالظفر، و اتبع الشاميين فلم يلحقهم فعبر الفرات و بث خيله، فأغارت على أهل الشام حتى بلغ بعلبك، فوجّه معاوية إليه حبيب بن مسلمة، فلم يدركه و رجع شبيب فأغار على نواحي الرقة، فلم يدع للعثمانية بها ماشية إلا استاقها و لا خيلا و لا سلاحا إلا أخذه، و عاد إلى نصيبين، و كتب إلى عليّ، فكتب إليه عليّ ينهاه عن أخذ أموال الناس إلا الخيل و السلاح الذي يقاتلون به، و قال: رحم اللّه شبيبا لقد أبعد الغارة، و عجل الانتصار  . وكميل هو ( بن زياد بن نهيك بن هيثم بن سعد بن مالك بن حرب )، من صحابة علي عليه السلام وشيعته وخاصته، وقتله الحجاج على المذهب فيمن قتل من الشيعة  .
وقد كان النجباء من قبيلة ( مذحج ) الازدية العراقية في الكوفة ينتظرون انارة علي بن ابي طالب للتحرك ، كما فعل ( اويس القرني ) . وهو أويس بن عامر بن جزء بن مالك بن عمرو بن سعد بن عصوان بن قرن بن ردمان بن ناجية بن مراد (يحابر) بن مالك بن أدد بن مذحج المرادي، المعروف بأويس القرني المقتول بصفين سنة 37 ه، كان من خيار التابعين و لم ير النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لم يصحبه، و من الزهاد و أهل الفقه و العلم، سكن الكوفة، ثم خرج إلى صفّين و قد تقلد بسيفين، و يقال : كان معه مرماة و مخلاة من الحصى، فسلّم على أمير المؤمنين (عليه السلام) و ودعه، و برز مع رجالة ربيعة فقتل من يومه و صلّى عليه أمير المؤمنين (عليه السلام) و دفنه . وقد كانت دعوة مذحج وطيء واحدة في صفين مع رايتين  ، مما يكشف عن قربهما .
وقد كان سيد مذحج ( هانئ بن عروة بن الفضفاض بن عمران الغطيفي المرادي ) أحد سادات الكوفة وأشرافها ، وسيد ( مراد ) التي كانت ارضها حيث مرقد ميثم التمار في العراق في قضاء الكوفة الحالي  . وكان أول أمره من خواص علي بن أبي طالب... ثم كان عبيد الله بن زياد (أمير البصرة والكوفة) يبالغ في إكرامه إلى أن بلغه أن مسلم بن عقيل (رسول الحسين إلى أهل الكوفة) مختبئ عنده، وكان ابن زياد جادا في البحث عن ابن عقيل، فدعا بهانئ وعاتبه، فأنكر، فأتاه بالمخبر، فاعترف وامتنع من تسليمه. وغضب ابن زياد، وضربه، وحبسه، ثم قتله، في خبر طويل. وصلبه بسوق الكوفة. وموضع قبره في الكوفة . وفيه وفي ابن عقيل، يقول عبد الله بن الزبير الاسدي قصيدته التي أولها:
إذا كنت لا تدرين ما الموت فانظري * إلى هانئ في السوق وابن عقيل
إلى بطل قد هشم السيف وجهه * وآخر، يهوي من طمار، قتيل
وَمِمَّا يكشف اسلام مذحج المبكر على يدي رسول الله ان النبي جعل امير مراد المذحجي ( فروة بن مسيك المرادي ) على صدقات مراد وزبيد ومذحج حين قدم عليه وفدا  ، مما يكشف عن اسلام كل هذا المجموع لما جعل عليه من ولاية الخاص . وقد ثارت مذحج فيمن ثار على ابي بكر  .
عن جابر بن عمير الأنصاري قال والله لكأني اسمع عليا يوم الهرير حين سار أهل الشام وذلك بعد ما طحنت رحى ( مذحج ) فيما بيننا وبين عك ولخم وجذام والأشعريين بأمر عظيم تشيب منه النواصي من حين استقبلت الشمس حتى قام قائم الظهيرة ثم إن عليا قال حتى متى نخلي بين هذين الحيين قد فنيا وأنتم وقوف تنظرون إليهم أ ما تخافون مقت الله  .

ومن مذحج (  سويد بن غفلة بن عوسجة بن عامر الجعفي الكوفي ) المتوفى 81 ه، و قد بلغ مائة و ثلاثين سنة . الفقيه، الإمام العابد القانع الزاهد المتواضع، كبير القدر. مولده عام الفيل، قدم المدينة حين نفضت الأيدي من دفنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و أخذ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) و عاد إلى الكوفة. و كان يؤم قومه قياما، و هو ابن مائة و عشرين سنة. مات عام 80، و قيل 81، و جاء 82 ه. روى عنه جمع كثير. و كان يقول: أنا لدة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ولدت عام الفيل. و أخذ عن الإمام الحسن (عليه السلام)، و كان فقيها عابدا قانعا كبير القدر، من أولياء عليّ (عليه السلام)  . وقد وثقه أعلام الجرح والتعديل ، حيث وصفه الذهبي ( الإمام ، القدوة )  .




ومن مذحج ايضاً قبيلتها الأكثر ولاءه لعلي بن ابي طالب ( النخع ) . وقد انتسب الأشتر النخعي  صريحاً الى ( مذحج ) في شعره ، حيث قال ( انا ابن خير مذحج مركبا * من خيرها نفسا واما وأبا )  .

والنخع ارتبطت تاريخياً وعسكرياً ببني اسد ، حيث اشتركا في كسر جيش الفرس في معركة القادسية ، قبل ان يدخل باقي العرب . وكانت نساء النخع ترفض رجوع أبنائهن مفتخرين قبل هزيمة الفرس او الموت ، لهذا تزوجت عند القادسية سبعمائة امرأة نخعية ، رغبة من القبائل في خؤولة هذه القبيلة ذات البأس ، حتى سُميت النخع أصهار العرب . وقد كانوا رجعوا حينها من معركة اليرموك ضد الروم في الشام ، وكان يقودهم الأشتر  ، الذي طلب الى أمراء جيش المسلمين الذين جعلهم عمر بن الخطاب الا يشتركوا مع النخع في القتال ضد الروم ، بعد ان رأى تذبذب وتردد وخشية هؤلاء الامراء عند مشاهدتهم عظمة جيش الروم ، فاختار القليل الصلب من قومه على الكثير المتردد من غيرهم . ورغم ان الرواة نسبوا ان الأشتر اشترك في اليرموك ولم يشترك في القادسية الا ان مقدم جيش العراق وعلى مقدمته النخع من اليرموك – وقد كان عليهم الأشتر – الى القادسية وعداء رواة السلطة للأشتر يجعلنا نعتقد انه كان مشتركاً قد ظلمته الروايا الرسمية عن القادسية ، لا سيما ان جيش الخلافة بقيادة ابي عبيدة وأمراء قريش كان منكسراً لعدة الروم حتى مقدم خالد بن الوليد بأهل العراق الى الشام ، التمر الذي يكشف بسالتهم  .
وكان النخع اول من بنى قبر الحسين بن علي وحوله في كربلاء . وقد شاركوا في بناء الدولة المزيدية في الحلة ، وكانوا قادتها العسكريين ، ثم هاجر قسم كبير منهم مع بني اسد الى بطائح ذي قار ، ومنهم ال إبراهيم وال كاشف الغطاء وال الكرباسي وال شيخ راضي الْيَوْمَ في العراق ، وال معرفي في الكويت .


ويكفي للدلالة على ولائها ذكر اسم رئيسها ( مالك الأشتر ) أمير من كبار الفرسان و الشجعان، و كان رئيس قومه، أدرك الجاهلية و سكن الكوفة، و شهد مع أمير المؤمنين (عليه السلام) المواطن و المشاهد كلها  . يقول ابن الأثير في احداث سنة سبع وثلاثين ( وأصبح  علي  فجعل على خيل الكوفة  الأشتر  ، وعلى جند البصرة  سهل بن حنيف  ، وعلى رجالة الكوفة  عمار بن ياسر  ، وعلى رجالة البصرة  قيس بن سعد،  وهاشم بن عتبة  المرقال معه الراية ، وجعل  مسعر بن فدكي  على قراء الكوفة  وأهل البصرة  . وبعث  معاوية  على ميمنته  ابن ذي الكلاع الحميري  ، وعلى ميسرته  حبيب بن مسلمة الفهري وعلى مقدمته  أبا الأعور السلمي  ، وعلى خيل دمشق  عمرو بن العاص  ، وعلى رجالة دمشق  مسلم بن عقبة المري  ، وعلى الناس كلهم  الضحاك بن قيس  ، وبايع رجال من أهل الشام  على الموت ، فعقلوا أنفسهم بالعمائم ، وكانوا خمسة صفوف ، وخرجوا أول يوم من صفر فاقتتلوا ، وكان على الذين خرجوا من أهل الكوفة  الأشتر ...  وزحف  الأشتر  نحو الميمنة ، وثاب إليه الناس ، وتراجعوا ، من أهل البصرة  وغيرهم فلم يقصد كتيبة إلا كشفها ، ولا جمعا إلا حازه ورده ... وقاتلت النخع يومئذ قتالا شديدا ، فأصيب منهم  حيان  وبكر  ابنا  هوذة،  وشعيب بن نعيم،  وربيعة بن مالك بن وهبيل،  وأبي  أخو  علقمة بن قيس الفقيه  ، وقطعت رجل  علقمة  يومئذ ، فكان يقول : ما أحب أن رجلي أصح مما كانت ، وإنها لمما أرجو بها الثواب وحسن الجزاء من ربي . قال : ورأيت أخي في المنام فقلت له : ماذا قدمتم عليه ؟ فقال لي : إنا التقينا نحن والقوم عند الله - تعالى - ، فاحتججنا فحججناهم ، فما سررت بشيء سروري بتلك الرؤيا ، ( وكان يقال لأبي : أبي الصلاة ، لكثرة صلاته ) )  . وكان الأشتر يرد المنهزمين ويجمع الصفوف اذا تشتت شملها ، حتى كان محوراً في صفين  .
وقد اقبل الناس على الأشتر ، فقالوا : يوم من أيامك الأول وقد بلغ لواء معاوية حيث ترى . فاخذ الأشتر لواء فحمل وهو يقول:
اني انا الأشتر معروف الشتر * أني انا الأفعى العراقي الذكر
لا من ربيعة ولا حي مضر * لكنني من مذحج الغر الغرر
فضارب القوم حتى ردهم على اعقابهم ، فرجعت خيل عمرو ، وقال النجاشي في ذلك:
- رأينا اللواء لواء العقاب * يقحمه الشانئ الأخزر
كليث العرين خلال العجاج * واقبل في خيله الأبتر
دعونا لها الكبش كبش العراق * وقد خالط العسكر العسكر
فرد اللواء على عقبه * وفاز بحظوتها الأشتر
كما كان يفعل في مثلها * إذا الناب معصوصب منكر
فان يدفع الله عن نفسه * فحظ العراق بها الأوفر
إذا الأشتر الخير خلى العراق * فقد ذهب العرف والمنكر
وتلك العراق ومن عرقت * كفقع تبينه القرقر 
ومن الواضح من هذه الأشعار تصريح الأشتر بعراقيته ، وأصالتها ، ولا يصح لمهاجر من أهل اليمن ان يقول ذلك . كما يتضح من شعر النجاشي ان الأشتر ( كبش العراق ) لا اليمن ، وتلك العراق ومن عرقت كما يقول ، وليس ومن هاجرت ، ولا حتى بالإشارة .
وحين دعا معاوية مروان بن الحكم ، فقال : إن الأشتر قد غمني فاخرج بهذه الخيل ... ودعا معاوية عمرا وأمره بالخروج إلى الأشتر ... فخرج عمرو في تلك الخيل ، فلقيه الأشتر امام الخيل وهو يقول:
يا ليت شعري كيف لي بعمرو * ذاك الذي أوجبت فيه نذري
ذاك الذي اطلبه بوتري * ذاك الذي فيه شفاء صدري
ذاك الذي ان القه بعمري * تغل به عند اللقاء قدري
أو لا فربي عاذري بعذري
فعرف عمرو انه الأشتر فجبن وفشل ، واستحيا ان يرجع ، فاقبل نحو الصوت وهو يرتجز، فلما غشيه الأشتر بالرمح راع عنه عمرو ، فطعنه الأشتر في وجهه فلم يصنع شيئا ، وثقل عمرو فامسك على وجهه وثنى عنان فرسه ورجع راكضا إلى المعسكر. ونادى غلام من يحصب يا عمرو عليك العفا ما هبت الصبا يا لحمير هاتوا اللواء فأخذه وكان غلاما شابا وهو يرتجز ، فنادى الأشتر ابنه ( إبراهيم ) : خذ اللواء ، فغلام لغلام . فأخذه إبراهيم وتقدم وهو يقول:
يا أيها السائل عني لا ترع * أقدم فاني من عرانين النخع
كيف ترى طعن العراقي الجذع * أطير في يوم الوغى ولا أقع
ما ساءكم سر وما ضر نفع * أعددت ذا اليوم لهول المطلع
وحمل على الحميري ، فالتقاه الحميري بلوائه ورمحه ولم يبرحا يطعن كل واحد منهما صاحبه حتى سقط الحميري قتيلا  .
وفِي ليلة المناجزة التي عزمها امير المؤمنين على أهل الشام قال الأشتر شعرا ، فلما  انتهى إلى معاوية شعر الأشتر قال : شعر منكر من شاعر منكر رأس أهل العراق وعظيمهم ومسعر حربهم وأول الفتنة وآخرها  .
وفِي ليلة الهرير الكبرى في صفين  خرج رجل من أهل العراق على فرس كميت ذنوب عليه السلاح لا يرى منه إلا عيناه وبيده الرمح ، فجعل يضرب رؤوس أصحاب علي بالقناة وهو يقول : سووا صفوفكم . حتى إذا عدل الصفوف والرايات استقبلهم بوجهه وولى أهل الشام ظهره ، ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال : الحمد لله الذي جعل فيكم ابن عم نبيكم اقدمهم هجرة وأولهم اسلاما سيف من سيوف الله صبه على أعدائه فانظروا إلي إذا حمي الوطيس وثار القتام وتكسرت المران وجالت الخيل بالأبطال فلا اسمع إلا غمغمة أو همهمة . ثم حمل على أهل الشام وكسر فيهم رمحه ثم رجع فإذا هو الأشتر . وكانت رايته مع ( حيّان بن هوذة النخعي ) وهو يتقدم بهم . وقد رفض الأشتر – من شدة وعيه – وقف القتال بعد رفع أهل الشام للمصاحف ، لولا ان سمع اقدام الخوارج على قتل علي امير المؤمنين اذا لم يكف الأشتر . وقيل لعلي ع لما كتبت الصحيفة ان الأشتر لم يرض بما في الصحيفة ولا يرى الا قتال القوم فقال علي بلى ان الأشتر يرضى إذا رضيت وقد رضيت ورضيتم ولا يصلح الرجوع بعد الرضا ولا التبديل بعد الاقرار الا أن يعصي الله ويتعدى ما في كتابه واما الذي ذكرتم من تركه أمري فلست أتخوفه على ذلك وليت فيكم مثله اثنين بل ليت فيكم مثله واحدا يرى في عدوه مثل رأيه إذا لخفت علي مؤونتكم ورجوت أن يستقيم لي بعض أودكم . ولما بلغ عليا قتله قال إنا لله وإنا إليه راجعون، مالك وما مالك وهل موجود مثل ذلك، لو كان من حديد لكان فندا أو من حجر لكان صلدا على مثله فلتبك البواكي  . والاشتر هو ( مالك بن الحارث بن يغوث ) كان من امراء امير المؤمنين وكان فارساً شجاعاً من اكابر الشيعة وعظمائها وشديد التحق بولاء امير المؤمنين شديد الشوكة على من خالفه . وقد روى ابن ابي الحديد المعتزلي ( قلت لله أم قامت عن الأشتر لو أن إنساناً يقسم أن لله تعالى ما خلق في العرب ولا في العجم أشجع منه إلا أستاذه عليه السلام لما خشيت عليه الإثم ولله در القائل وقد سئل عن الأشتر: ما أقول في رجل هزمت حياته أهل الشام وهزم موته أهل العراق ) . وقد رووا شهادة النبي له بأنه مؤمن في قصة دفن ابي ذرّ  .





وكان ( ربيعة بن مالك بن وهبيل ) من الصحابة الذين شهدوا صفين مع علي عليه السلام  . و ( فلما انصرف أبو الاعور عن الحرب راجعا سبق إلى الماء فغلب عليه في الموضع المعروف بقناصرين إلى جانب صفين وساق الاشتر يتبعه فوجده غالبا على الماء وكان في أربعة آلاف من مستبصري أهل العراق فصدموا أبا الاعور وأزالوه عن الماء فأقبل معاوية في جميع الفيلق بقضه وقضيضه فلما رآهم الاشتر انحاز إلى علي )  .

ويبدو ان النخع وال الأشتر كان لهم من الموالي النبط من حملوا عقيدتهم ، وبالتالي هي سرت عن طريقهم في غير العرب . فهذا ( فرّوخ ) مولى لبني الأشتر النخعي يحدّث : ( رأيت عليا في بني ديوار وأنا غلام فقال: أتعرفني؟ قلت نعم، أنت أمير المؤمنين . ثم أتى آخر فقال : أتعرفني؟ فقال: لا. فاشترى منه قميصا زابيّاً فلبسه فمد كمّ القميص فإذا هو مع أصابعه، فقال له: كفه فلما كفه لبسه وقال: الحمد لله الذي كسا علي أبي طالب )  . ثم اختص ال دراج بالدراسة عند الموالي من ال اعين , وهما عائلتان من اضخم عوائل الشيعة العلمية في عهد الصادقين  .

وقد جاء في الحديث - عن عبد الله - يعني ابن مسعود - قال‏:‏ شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو لهذا الحي من النخع، أو قال‏:‏ يثني عليهم حتى تمنيت أني رجل منهم‏.‏ رواه أحمد والبزار والطبراني، ورجال أحمد ثقات ‏.‏ وقد روي انه وفد على النبي من النخع ( رجلان بعثهما قومهما إليه ص وافدين بإسلامهم فبايعاه على قومهما فاعجب رسول الله ص شأنهما وحسن هيئتهما فقال هل وراءكما من قومكما مثلكما قالا يا رسول الله قد خلفنا من قومنا سبعين رجلا كلهم أفضل منا فقال اللهم بارك في النخع ).
وقد شهدوا مع رسول الله فتح مكة وكانت رايتهم مع ( ارطأة بن شراحيل بن كعب ) الذي شهد بذات الراية يوم القادسية فقتل وأخذ الراية اخوه ( دريد ) الذي قتل تحتها ايضاً   . وهذا مما يغفله التاريخ عمدا لتشيعهم العلوي . ولا شك انهم عرفوا مكانة علي حين قدموا معه في حجة الوداع وخطب النبي وافهم الناس الا يشكوا علياً لأنه خشن في ذات الله ، والاهم ان علياً كان والياً على اليمانية حتى حجة الوداع   ، كأنما أراد رسول الله ان يزدادوا بعلي معرفة وهو بهم ارتباطا .

وَمِمَّا يبرز كفاءتهم ودورهم في نصرة علي قول الأشعث بن قيس يوم صفين - وكان لواء الأشعث مع معاوية بن الحارث - فقال له الأشعث: ( لله أنت ! ، ليس النخع بخير من كندة، قدم لواءك )  . فقد كانت البسالة تظهر حتى على شبابهم وحديثي السن منهم . اذ حين ( قال الأشتر لسنان بن مالك النخعي : انطلق إلى أبي الأعور – قائد جيش معاوية - فادعه إلى المبارزة . فقال سنان : إلى مبارزتي أو مبارزتك ؟ قال : إلى مبارزتي . فقال الأشتر : لو امرتك بمبارزته فعلت ؟ قال : نعم ، والله الذي لا اله الا هو لو أمرتني أن اعترض صفهم بسيفي فعلت . فقال : يا ابن أخي أطال الله بقاءك قد والله ازددت فيك رغبة )  . وكان ( كميل بن زياد النخعي ) أميراً على مسلحة علي في الأنبار على حدود أهل الشام .


ومن نساء النخع ( ام الهيثم بنت الأسود ) الراثية لعلي بن ابي طالب بقصيدة قالت فيها :
ألا يا عين ويحك أسعدينا * ألا تبكي أمير المؤمنينا
تبكي أم كلثوم عليه * بعبرتها وقد رأت اليقينا
ألا قل للخوارج حيث كانوا * فلا قرت عيون الشامتينا
أفي شهر الصيام فجعتمونا * بخير الناس طرا أجمعينا
قتلتم خير من ركب المطايا * وذللها ومن ركب السفينا
ومن لبس النعال ومن حذاها * ومن قرأ المثاني والمئينا
فكل مناقب الخيرات فيه * وحب رسول رب العالمينا
لقد علمت قريش حيث كانت * بأنك خيرها حسبا ودينا
وإذا استقبلت وجه أبي حسين * رأيت البدر فوق الناظرينا
وكنا قبل مقتله بخير * نرى مولى رسول الله فينا
يقيم الحق لا يرتاب فيه * ويعدل في العدا والأقربينا
وليس بكاتم علما لديه * ولم يخلق من المتجبرينا
كأن الناس إذ فقدوا عليا * نعام حار في بلد سنينا
فلا تشمت معاوية بن صخر * فإن بقية الخلفاء فينا 
وأم الهيثم النخعية هي ذاتها من استوهبت جثة عبد الرحمن بن ملجم – قاتل علي - وأحرقتها بالنار   .

ويبدو من خلال السياق التاريخي ان النخع كانوا يسيرون مع علي حيث سار ، اذ لا نراهم يعرضون أنفسهم عليه كما القبائل الموالية الأخرى ، لكننا نجدهم في كل معركة ، كما ان رئيسهم الأشتر كان رسول علي في عدة مناسبات ، او جليسه ، او قائد جيشه ، دون فاصلة من موعد او استنصار او ان يندبهم قبلها . وكانت النخع وطيء هم الصابرون حين اشتد قتال صفين وبلغت ذروتها  .


وقسم كبير من ( الأشعريين ) ، من سبأ ، عرفوا حق علي ، تأثراً بسبأ العراق ، رغم ان منهم من كان منافقاً كأبي موسى الأشعري ، ومنهم من كان في جيش بني أمية . فهم من بنوا وأقاموا مدينة العلم والدين ( قم ) في ايران لاحقاً ، فقد شهدوا عن رسول الله غزوة أوطاس ، حيث قال خصمهم يرثي قاتلا زعيم الأشعريين ابي عامر
إن الرزية قتل العلا * ء وأوفى جميعا ولم يسندا
هما القاتلان أبا عامر * وقد كان داهية أربدا
هما تركاه لدى معرك * كأن على عطفه مجسدا

اما قبيلة ( همدان ) ، التي سكنت الكوفة ثم هاجر قسم منها شرقا ، فقد كانت رمز الولاء لعلي . عن البراء بن عازب ( ... اسلمت همدان جميعا – في يوم واحد - فكتب علي إلى رسول الله ص بإسلامهم ، فلما قرأ الكتاب خر ساجدا ثم رفع رأسه وقال : السلام على همدان ) . وهذه السجدة النبوية والسلام إنما هي رسالة عظيمة للأمة منه تخبر عن دور عظيم لهذه القبيلة بعده . ومن ذلك اليوم صارت همدان من أنصار علي ع وشيعته وأخلصت في ذلك. ولما رد أربد الفزاري على علي قبل حرب صفين وهرب لحقته همدان إلى السوق البراذين فقتلوه وطئا بأرجلهم وضربا بأيديهم ونعال سيوفهم فقال فيه الشاعر:
أعوذ بربي أن تكون منيتي * كما مات في سوق البراذين أربد
تعاوره همدان خفق نعالهم * إذا رفعت عند يد وضعت يد
وقال لهم أمير المؤمنين ع يوم صفين يا معشر همدان أنتم درعي ورمحي
وقد صرع ارفع رؤوسها ( بريد ، شتير ، شرحبيل ، كريب ، مرثد ، هبيرة ) بصفّين، كلّ واحد يأخذ اللواء بعد الآخر، حتّى استشهدوا جميعا سنة 37 ه ، و كانوا قد صبروا في ميمنة عليّ (عليه السلام) كلما قتل منهم، رجل أخذ الراية آخر ، و كانوا في مقدمة عصابة مالك الأشتر، و كلهم من همدان و من رؤساء القبيلة  . ومن يعرف ما مالك لعلي يعرف ما معنى وجود همدان معه .
وقد قال فيهم النبي حين وفدوا اليه ( نِعْمَ الْحَيُّ هَمْدَانُ مَا أَسْرَعَهَا إِلَى النَّصْرِ ، وَأَصْبَرَهَا عَلَى الْجَهْدِ ، مِنْهُمْ أَبْدَالٌ وَفِيهِمْ أَوْتَادُ الإِسْلامِ " ، فَأَسْلَمُوا ، فَكَتَبَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابًا )  .
وفيهم قال علي يوم صفين :
دعوت فلباني من القوم عصبة * فوارس من همدان غير لئام
فوارس من همدان ليسوا بعزل * غداة الوغى من شاكر وشبام
وكل رديني وعضب تخاله * إذا اختلف الأقوام شعل ضرام
لهمدان أخلاق ودين يزينهم * وبأس إذا لاقوا وجد خصام
وجد وصدق في الحروب ونجدة * وقول إذا قالوا بغير اثام
متى تأتهم في دارهم تستضيفهم * تبت ناعما في خدمة وطعام
يقودهم حامي الحقيقة منهم * سعيد بن قيس والكريم محامي
جزى الله همدان الجنان فإنها * سمام العدى في كل يوم سمام
فلو كنت بوابا على باب جنة * لقلت لهمدان ادخلوا بسلام
وقد جاء أنّ مالك الأشتر استقبله شباب من همدان، و كانوا ثمانمائة مقاتل يومئذ، و كانوا صبروا في الميمنة، و منهم عبد اللّه، و بكر، بنو زيد ، فقتلوا جميعا في صفّين سنة 37 ه  . وحين انتدب معاوية قطيع أهل الشام ( عك ) لقتال خير أهل العراق همدان اشترطت عك زيادة العطاء من المال والإقطاع من الأراضي كي تقاتل همدان ، فجعل لها معاوية ما اشترطت ، فكانت أشد اقداماً طمعاً ، ثم حمية وعصبية قبلية بعدئذ ، فصمدت لها ( همدان ) وقد اقسم أبناؤها انهم لن يرجعوا حتى تولي عك عن مقامها ، فكان هذا . وحين حزن امير المؤمنين من شخوص النفوس المريضة الى مال معاوية جاءت همدان تخبره انها تريد الآخرة ، فحمد فعلهم واثنى عليهم  . وقد كان بعض همدان رسل علي الى الأقاليم وصد الغارات ، مثل ( مالك بن كعب الهمداني ) الذي بعثه الى دومة الجندل لصد غارات جند معاوية ودعوة أهلها الى الحق  .
رأس همدان ( سعيد بن قيس الهمداني الكوفي ) . فارس شهد الجمل، و كان على حمير. و قيل: إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أقامه بالكوفة. و يعتبر من كبار التابعين و رؤسائهم، و زهادهم. و حضر صفّين، و كان من المخلصين في ولاء عليّ (عليه السلام) و من الشجعان المعروفين، و كان سيد همدان و عظيمها و المطاع فيها، و له بصفّين مقامات مشهودة مشهورة، و له فيها أشعار، و بعد عليّ (عليه السلام)، التحق بالإمام الحسن (عليه السلام) و كان ملازما له  . وحين أراد امير المؤمنين علي الخروج الى الشام بعد قصة الحكمين بالباطل ، وعزّ الناصر ، قام سعيد بن قيس الهمداني فقال : يا أمير المؤمنين سمعا وطاعة وودا ونصيحة أنا أول الناس جاء بما سالت   .
ومن همدان ( الحارث - الأعور - ابن عبد اللّه بن كعب بن أسد بن خالد بن حوث -عبد اللّه - بن سبع بن صعب بن معاوية بن كثير بن مالك بن جشم بن حاشد بن خيران بن نوف بن همدان السبعي ) مات 65 ه. محدّث ثقة، صادق عالم، من أوعية العلم و من كبار علماء التابعين، و من أفقه علماء عصره، و تعلم من أمير المؤمنين (عليه السلام) علما جمّا. سيّما علم الفرائض، و الحساب. و كان من القراء قرأ على عليّ (عليه السلام) و عبد اللّه بن مسعود .


ومن هذه القبيلة ايضاً ( برير بن خضير الهمداني المشرقي ) الشهيد 61 ه ، كان زاهدا عابدا، سيد القراء تابعيا ناسكا، من أصحاب عليّ (عليه السلام) و أقرأ أهل زمانه. و كان من أشراف الكوفة، و لما بلغه خبر الإمام الحسين (عليه السلام) و توجهه إلى العراق، سار من الكوفة إلى مكة و اجتمع به و جاء معه إلى كربلاء، و استشهد يوم عاشوراء. له كتاب القضايا و الأحكام .

ومنهم ( يزيد بن قيس بن تمام ) من بني صعب من همدان ، والٍ من الرؤساء الكبار ، أقامه قراء الكوفة أميراً عليها ، ثم كان مع علي في حروبه ، وولي شرطته ، ثم ولاه أصبهان والري وهمذان ، و كان من خطباء صفين ، وهو المعني بقول ثمامة ( معاويَ ان لا تسرع السير نحونا   فبايع علياً او يزيد اليمانيا )  .
ومنهم ( حجر بن قيس الهمداني المدري ) من المختصين بخدمة أمير المؤمنين (عليه السلام)، و يقال له الحجوري. كان من خيار التابعين، و في الطبقة الأولى ممن كان باليمن، بعد الصحابة من المحدّثين. و قد جاء عن عبد اللّه بن طاوس، قال: رأيت حجر المدري، و قد أقامه أحمد بن إبراهيم خليفة بني أمية في الجامع، ليلعن عليا أو يقتل، فقال حجر: أما إنّ الأمير أحمد بن إبراهيم أمرني أن ألعن عليّا فالعنوه‌ لعنه اللّه، فقال طاوس: فلقد أعمى اللّه قلوبهم حتّى لم يقف أحد منهم على ما قال. له في السنن أحاديث، روى عن زيد بن ثابت، و ابن عباس  .
فيما يمكننا معرفة عمق العقيدة العلوية في همدان من موقف (  سودة بنت عمارة بن الأشتر الهمدانية ) شاعرة من شواعر العرب، ذات فصاحة و بيان و قدرة، و من نصيرات أمير المؤمنين (عليه السلام) و التي كانت تحض الرجال على القتال. وفدت على معاوية بن أبي سفيان، فاستأذنت عليه. فأذن لها، فلما دخلت عليه سلّمت فقال لها: كيف أنت يا ابنة الأشتر؟ قالت: بخير يا أمير المؤمنين، قال لها: أنت القائلة لأبيك:
شمّر لفعل أبيك يا ابن عمارة* * * يوم الطعان و ملتقى الأقران‌
و انصر عليّا، و الحسين، و رهطه* * * و اقصد لهند و ابنها بهوان‌
إنّ الإمام أخا الإمام محمد* * * علم الهدى، و منارة الإيمان‌
فقد الجيوش و سر أمام لوائه* * * قدما بأبيض صارم و سنان‌
قالت: إي و اللّه، ما مثلي من رغب عن الحق، أو اعتذر بالكذب. قال لها: فما حملك على ذلك؟ قالت: حب عليّ، و اتباع الحق. قال: فو اللّه ما أرى عليك من أثر عليّ شيئا. قالت يا أمير المؤمنين: مات الرأس و بتر الذنب، فدع عنك تذكار ما قد نسي، و إعادة ما مضى. قال: هيهات ما مثل مقام أخيك ينسى، و ما لقيت من قومك و أخيك. قالت: صدقت و اللّه يا أمير المؤمنين، ما كان أخي خفيّ المقام، ذليل المكان  .

وان كانت طَي و خزاعة و الازد و مذحج و النخع والأشعريون و همدان من قبائل ( سبأ ) القحطانية ، فقد كان خيرتهم الصحابي الجليل ( عمار بن ياسر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوذيم بن ثعلبة بن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر بن يام بن عنس بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان )  . آتاه اللّه تعالى الحكمة، و أجلسه على كرسي الاستقامة، و أشرق عليه أنوار الملكوت. من كبار الصحابة هاجر مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى المدينة، فهو من المهاجرين الأولين. و شهد بدرا و المشاهد كلها، و صلّى القبلتين. و لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فيه فضائل و مناقب و ثناء. ساهم في بناء مسجد قبا، و اشترك في حرب اليمامة، و قطعت أذنه. استشهد بصفين سنة 37 ه، و دفنه أمير المؤمنين (عليه السلام) بثيابه، و لم يغسّله و دفنه بصفين. و خلّف: سعدا. محمدا. و عمره يوم قتل ثلاث و تسعون سنة، له 62 حديثا في كتب السنن  . وقد شهد عمرو بن العاص عند قتله في مجلس معاوية ان النبي قال تقتله الفئة الباغية ، فأغضب معاوية منه  . وقد كان مميزاً لأهل الباطل في زمان النبي ، حتى انه كان على خلاف حاد مع خالد بن الوليد ، وهو الخلاف الذي وصل الى سمع النبي فبيّن مقام عمار وان من يعاديه يعادي الله  . وهو سبب تسمية الشيعة بالسبئية .



11
تاريخ الإسلام – قراءة جديدة – شيعة علي – سنام العرب

واحدة من أشد أنصار علي بن ابي طالب وأعرقهم كانت قبيلة ( ربيعة ) . ومواطنها التاريخية من مدينة الغراف في الناصرية حتى مدينة الكوت ، تجاورها من الشرق قبيلة طيء ، ومن الجنوب بكر بن وائل ، وبين طيء وبكر الموالي من نبط العراق ، ومن الشمال والغرب همدان ومذحج والنخع وأسد والأنصار .
جاء انه ( حين مرّ علي بأهل الرايات يوم صفين فنادى بصوت عال جهير كغير المكترث لما فيه الناس، وقال: لمن هذه الرايات؟ قلنا: رايات ربيعة. قال: بل هي رايات الله، عصم الله أهلها وصبرهم وثبت أقدامهم  ). وقال في اهم ليلة من ليالي صفين وأشدها : فخر طويل لك يا ربيعة . وكان امير المؤمنين علي بن ابي طالب قد سار بين رايات ربيعة في صفين ، فتعاهدوا على الموت الا يصاب وهو فيهم . وأحاطوا بأمير المؤمنين حياطة بياض العين بسوادها. وقد اشترط سبعة آلاف منهم الا يعودوا الا ان أزالوا فسطاط معاوية ، فلما رأى معاوية جلادتهم هرب الى بعض مخيم العسكر وخلى لهم عن فسطاطه بمشورة عمرو بن العاص . فقال لهم علي : أنتم رمحي ودرعي  .
قال في الكامل في التاريخ ( ... كر  عبيد الله بن عمر  وقال : يا أهل الشام  إن هذا الحي من أهل العراق  قتلة  عثمان  وأنصار  علي  . فشدوا على الناس شدة عظيمة ، فثبتت  ربيعة  ، وصبروا صبرا حسنا ، إلا قليلا من الضعفاء والفشلة ، وثبت أهل الرايات وأهل الصبر والحفاظ ، وقاتلوا قتالا حسنا ، وانهزم  خالد بن المعمر  مع من انهزم ، وكان على  ربيعة  ، فلما رأى أصحاب الرايات قد صبروا رجع ، وصاح بمن انهزم ، وأمرهم بالرجوع فرجعوا ، وكان  خالد  قد سعى به إلى  علي  أنه كاتب  معاوية  ، فأحضره  علي  ومعه  ربيعة  ، فسأله  علي  عما قيل ، وقال له : إن كنت فعلت ذلك فالحق بأي بلد شئت ، لا يكون  لمعاوية  عليه حكم . فأنكر ذلك . وقالت  ربيعة  : يا أمير المؤمنين ، لو نعلم أنه فعل ذلك لقتلناه ، فاستوثق منه  علي  بالعهود ، فلما فر اتهمه بعض الناس ، واعتذر هو بأني لما رأيت رجالا منا قد انهزموا استقبلتهم لأردهم إليكم ، فأقبلت بمن أطاعني إليكم . ولما رجع إلى مقامه حرض  ربيعة  ، فاشتد قتالهم مع – ضد -  حمير  وعبيد الله بن عمر  ، حتى كثرت بينهم القتلى ، فقتل  سمير بن الريان العجلي  ، وكان شديد البأس ، وأتى  زياد ( بن عمر ) بن خصفة عبدَ القيس  فأعلمهم بما لقيت  بكر بن وائل  من حمير ، وقال : يا عبد  القيس  لا بكر بعد اليوم ، فأتت عبد القيس  بني بكر  ، فقاتلوا معهم ، فقتل  ذو الكلاع الحميري  وعبيد الله بن عمر  )   . ومنه نعلم ان عبيد الله بن عمر يشير بصورة مباشرة الى ربيعة في مقتل عثمان بن عفان ، لا لأنهم كذلك فعلاً بل لما يعلمه من معارضتهم لحكومة عثمان واخلاصهم في دعم علي . ودعمهم لعلي واضح في محاكمتهم لأحد زعمائهم امام علي على الدين والعقيدة ، وهو امر يذكرنا بما فعله الأنصار في بعض مواقفهم عند رسول الله . خطب فيهم ( أبو عرفاء ) يوم صفين قائلاً ( ... و إنّ الجنة لا يدخلها إلا الصابرون، الذين صبروا أنفسهم على فرائض اللّه و أمره، و ليس شي‌ء مما افترض اللّه على العباد أشد من الجهاد، هو أفضل الأعمال ثوابا. فإذا رأيتموني قد شددت فشدوا. ويحكم، أ ما تشتاقون إلى الجنة، أ ما تحبون أن يغفر اللّه لكم؟ ) فشد وشدوا معه فاقتتلوا قتالا شديدا، و أخذ الحضين يقول:
شدوا إذا ما شد باللواء* * * ذاك الرقاشي أبو عرفاء
فقاتل أبو عرفاء، حتّى قتل. و شدت ربيعة بعده شدة عظيمة على صفوف أهل الشام فنقضتها . وهو لم يحرك فيهم الدنيا ، بل الآخرة بذكر الجنة ، وهو امر يكشف عن عظيم عقيدتهم في علي بن ابي طالب .
ومن ربيعة ( جميل بن كعب الثعلبي ) كان من سادات ربيعة، و شيعة عليّ، و أنصاره. حضر صفّين والجمل  . وكذلك ( الحضين ابن المنذر بن الحارث بن وعلة البصري الرقاشي الأنصاري)  المتوفى 97 ه. محدّث يكنّى أبا ساسان، و هو صاحب راية عليّ (عليه السلام). ثقة صحيح، عن أبي بصير قال، قلت: لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ارتد الناس إلا ثلاثة، أبو ذر، و المقداد، و سلمان، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) فأين، أبو ساسان، و أبو عمرة الأنصاري. و كان قليل الحديث. ولاه أمير المؤمنين (عليه السلام) إصطخر، و كان من سادات ربيعة مات في 97 ه. و له شعر حسان. و فيه قال الشاعر حين دفع (عليه السلام) إليه الراية يوم صفين و هو ابن تسع عشرة سنة:
لمن راية سوداء يخفق ظلّها* * * إذا قيل قدّمها حضين تقدما
و يوردها للطعن حتّى يزيرها* * * حياض المنايا تقطر الموت و الدّما
ومن قمم ربيعة ( زيد - أبو عبد اللّه - ابن صوحان بن حجر بن الحارث بن الهجرس بن صبرة بن الحدرجان بن ليث بن ظالم بن ذهل بن عجل بن عمرو بن وديعة بن لكيز بن أفصى بن عبد القيس الربعي العبدي ) قتل في 36 ه. محدّث أدرك النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و صحبه. و كان فاضلا دينا سيدا في قومه . قطعت يده في القادسية، و قتل يوم الجمل، فقال: ادفنوني في ثيابي، فإنّي مخاصم. قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «من سرّه أن ينظر إلى من يسبقه بعض أعضائه إلى الجنة، فلينظر إلى زيد بن صوحان». و أعقب: صعصعة . زيدا. سيحان. عبد اللّه، قتل سيحان، و عبد اللّه، يوم الجمل مع أبيهم، قتلهم عمرو بن يثربي، و أخذ أسيرا فأمر أمير المؤمنين (عليه السلام) بقتله فقتل. و كانت ربيعة من أخلص الناس في ولاء أمير المؤمنين (عليه السلام) و كذلك آل صوحان فقد كانت متهالكة في ولائه جميعهم  .
و لما انتهى عليّ (عليه السلام) إلى رايات ربيعة يوم العاشر، من أيام الحرب بصفين، قال ابن لقيط: إن أصيب عليّ فيكم افتضحتم و قد لجأ إليكم و ليس لكم يا معشر ربيعة، عذر في العرب إن أصيب عليّ فيكم، و منكم رجل حيّ، إن منعتموه فحمد الحياة ألبستموه، فقاتلوا قتالا شديدا لم يكن قبله مثله حين جاءهم عليّ، ففي ذلك تعاقدوا و تواصوا ألا ينظر رجل منهم خلفه حتّى يرد سرادق معاوية. فلما نظر إليهم معاوية قد أقبلوا قال:
إذا قلت قد ولت ربيعة أقبلت* * * كتائب منهم كالجبال تجالد
ثم قال معاوية لعمرو : ماذا ترى ؟ قال : أرى الا تحنث أخوالي الْيَوْمَ . فخلى معاوية عنهم ، وعن سرادقه . وخرج فاراً لائذاً الى بعض مضارب العسكر ، فدخل فيه  .
وكان من سادات ربيعة وهي الجبهة العظمى ( كردوس بن هانئ البكري ) القائل في فتنة التحكيم في صفين : ( أيها الناس ، إنا والله ما تولينا معاوية منذ تبرأنا منه ، ولا تبرأنا من علي منذ توليناه . وإن قتلانا لشهداء ، وإن أحياءنا لأبرار ، وإن علياً لعلى بينة من ربه ، ما أحدث إلا الإنصاف ، وكل محق منصف ، فمن سلم له نجا ، ومن خالفه هلك )  .

ومنهم ( مجزأة بن ثور بن عفير بن زهير بن عمرو بن كعب بن سدوس السدوسي ) صحابي. شاعر. فارس. و كان رئيسا شريفا، اشترك في صفين، و حارب أهل الشام مع ربيعة. فقد جاء أنّ ربيعة بعد مقتل أبي عرفاء، شدت شدة عظيمة على صفوف أهل الشام فنقضتها. و في ذلك قال مجزأة:
أضربهم و لا أرى معاوية* * * الأبرج العين العظيم الحاوية
هوت به في النار أم هاوية* * * جاوره فيها كلاب عاوية
أغوى طغا ما لا هدته هادية


فيما كانت من ربيعة قبيلة العراق الأشهر ( بكر بن وائل ) تستميت في الدفاع عن حق علي بن ابي طالب ومنهجه . وموطنها في جنوب ذي قار حيث مدينة الناصرية الحالية ، ويمتد أعرابها الى الصحراء الممتدة بين العراق ونجد ، تجاورها من الغرب في السماوة قبيلة كلب ، حيث كان علي يجعل عليهما من يجبي صدقاتهما معاً احيانا  ، ومن الجنوب قبائل قيس عيلان وعمرو بن تميم ، ومن الشرق أنباط العراق الموالي ، ومن الشمال ربيعة . لذلك كان لهم دور مهم في قتال الخوارج في المثلث الواقع بين الديوانية والناصرية والسماوة  . وقد هاجر قسم كبير منها الى الموصل وشمال العراق وجنوب تركيا . بل كان قسم كبير من ربيعة في الجزء الشمالي الشرقي لجزيرة شمال العراق قبل الإسلام  . وقد كانت بكر بن وائل وعشائرها ( عجل ) و ( شيبان ) سبب انتصاف العرب من العجم في يوم ذي قار العظيم ، الذي حفظت فيه الأرض والعرض ، لا سيما ( عجل )  .
ومنها ( شقيق بن ثور بن عفير بن زهير بن كعب بن سدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل ) المتوفى 64 ه. سيد فاضل، ساد قومه بعد قتل سويد بن منجوف بن ثور، و كان أول من دعا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) بالكوفة. و كان رئيس بكر بن وائل، و رايتهم معه يوم الجمل، و صفّين. مات عام 64 ه، بعد يزيد بن معاوية. و حمل الراية مولاه رشراشة. و ذكره الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو من الثقات عند رجال الحديث. و قدم على معاوية في خلافته. و مات عام 64 ه  . ويصفه الذهبي ( الأمير أبو الفضل السدوسي ، سيد بكر بن وائل  في الإسلام ، وكان رأسهم يوم صفين  مع علي  ، ويوم الجمل )  .
و( الأسود بن بشر بن خوط ) البكري عند التباس الامر يوم الجمل بين الإيمان الواعي والإيمان الساذج كان فارسا، و صاحب لواء عليّ (عليه السلام) يوم الجمل، فقتل فأخذه ابن عمه عبد بن بشر بن حسان بن خوط، فقتل فأخذه الحارث بن حسان بن خوط، فقتل. فأخذه ابنه عديس بن الحارث، فقتل. فأخذه ابن عمهم زهير بن عمرو بن خوط، فقتل. فتحاماه زهير بن عمرو بن مالك، فأخذه حفصة بن قيس بن مرة، فضرب بالسيف فقطع أنفه، و عاش بعد ذلك زمانا )  . و بشر بن حسان بن خوط بن مسعر بن عتود بن مالك بن الأعور بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر الشيباني مقاتل، كان مع أبيه حسان في معركة الجمل، و شهدها مع أمير المؤمنين (عليه السلام)، و حين برز إلى القتال يومئذ، قال:
أنا ابن حسان بن خوط و أبي* * * وافد بكر كلّها إلى النبيّ‌
وحارث بن حسان بن خوط بن مسعر بن عتود بن مالك بن الأعور بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر الشيباني المقتول في 36 ه مقاتل كأبيه و إخوته، و كان مع والده حسان في وقعة الجمل، و قاتلوا، و قتلوا جميعا ، و جاء أن كانت راية بكر بن وائل في بني ذهل، مع الحارث بن حسان ، و كان الحارث يقول:
أنا الرئيس الحارث بن حسان* * * لآل ذهل و لآل شيبان‌
و كان لواء عليّ (عليه السلام)، مع حسين بن محدوج بن بشر بن خوط، فقتل فأخذه أخوه حذيفة فقتل، فأخذه عمهما الأسود بن بشر بن خوط فقتل، فأخذه عنبس بن الحارث بن حسان بن خوط فقتل، فأخذه وهيب بن عمرو بن خوط فقتل، و أخذه الحارث و قتل . ومنه نعلم مرتبة قبيلة بكر في التشيع ، ومنه ايضاً نعلم نوع الرجال الذين اختاروا علي بن ابي طالب .
و ( حسان بن خوط بن مسعر ) فارس، و كان شريفا في قومه. شهد الجمل مع أولاده، الحارث، و بشر، و أخوه بشر بن خوط، و أقاربه. و كان حسان هذا وافد بكر بن وائل إلى النبي  .
وحين وجه معاوية سفيان بن عوف في ستة آلاف وأمره ان يقطع هيت ويأتي الأنبار والمدائن فيوقع بأهلها فأتى هيت فلم يجد بها أحدا ، ثم اتي الأنبار وفيها مسلحة لعلي تكون خمسمائة رجل وقد تفرقوا ، ولم يبق منهم إلا مائتان ، لأنه كان عليهم كميل بن زياد فبلغه ان قوما بقرقيسيا يريدون الغارة على هيت فسار إليهم بغير أمر علي ، فأتى أصحاب سفيان وكميل غائب عنها وخليفته ( أشرس بن حسان البكري ) ، فطمع سفيان في أصحاب علي لقتلهم ، فقاتلهم فصبروا له وقتل صاحبهم أشرس وثلاثون رجلا  . ويبدو واضحاً انتشار بكر في جيوش علي وبقاؤهم جنبه عند غياب الناصر .
ومن بكر بن وائل ايضاً ( حريث بن جابر الحنفي البكري ) فارس، شاعر، رئيس بني حنيفة، و من أصحاب أمير المؤمنين‌ (عليه السلام) المخلصين في ولائه. شهد صفين و أبلى فيها بلاء حسنا. و أمره عليّ (عليه السلام) على لهازم البصرة يوم صفين. و جاء أنّه قتل عبيد اللّه بن عمر بن الخطاب. و كان حريث نازلا بين العسكرين في قبة له حمراء، و كان إذا التقى الناس للقتال أمدهم بالشراب من اللبن و السويق و الماء، فمن شاء أكل أو شرب. و له أخبار تدل على ثباته في طاعة علي (عليه السلام).



ومن بكر بن وائل كانت قبيلة ( شيبان ) الموالية ، ومركزها حيث تقطن قبيلة البدور الْيَوْمَ في محيط مدينة البطحاء . وهذه النسبة إلى شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أقصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان. قبيل كبير من بكر بن وائل ينسب إليه خلق كثير من الصحابة و التابعين و الأمراء و الفرسان و العلماء في كل فن . وكانوا ممن قام مبكراً لقتال الخوارج مع علي بن ابي طالب ، اذ قام ( صيفي بن فسيل الشيباني ) فقال : يا أمير المؤمنين نحن حزبك وأنصارك نعادي من عاديت ونشايع من أناب إلى طاعتك فسر بنا إلى عدوك من كانوا وأينما كانوا فإنك إن شاء الله لن تؤتى من قلة عدد ولا ضعف نية اتباع  .

ومن بكر ( نعيم بن هبيرة بن شبل بن يثربي بن امرئ القيس بن ربيعة بن مالك بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل الشيباني ) فارس كأخيه مصقلة، الذي هرب إلى معاوية، و استعان به على إغراء ربيعة. و نعيم كان شديد التشيع، كتب إليه مصقلة من الشام مع رجل من نصارى تغلب اسمه حلوان، يقول له: إنّ معاوية قد وعدك الإمارة و الكرامة، فأقبل ساعة يلقاك رسولي، و السلام. فأخذه مالك بن كعب الأرحبي فسرّحه إلى عليّ. فقطع يده فمات. و كتب نعيم إلى مصقلة يقول:
لا ترمينّ هداك اللّه معترضا* * * بالظن منك فما بالي و حلوانا
ذاك الحريص على ما نال من طمع* * * و هو البعيد فلا يحزنك إن خانا
ما ذا أردت إلى إرساله سفها* * * ترجو سقاط امرئ لم يلف و سنانا
قد كنت في منظر عن ذا و مستمع* * * تحمي العراق و تدعى خير شيبانا
عرّضته لعليّ أنّه أسد* * * يمشي العرضنة من آساد خفانا
لو كنت أديت مال القوم مصطبرا* * * للحق أحييت أحيانا و موتانا
لكن لحقت بأهل الشام ملتمسا* * * فضل ابن هند و ذاك الرّأي أشجانا
فاليوم تقرع سن العجز من ندم* * * ما ذا تقول و قد كان الذي كانا
أصبحت تبغضك الأحياء قاطبة* * * لم يرفع اللّه بالبغضاء إنسانا
قتل نعيم سنة 66 ه ست و ستين  . وسعره يُبين شدة ولاء شيبان ووعيهم واخلاصهم .
منهم ( يزيد بن الحارث بن رويم بن عبد اللّه بن سعد بن مرة بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن عليّ بن بكر بن وائل الشيباني ) المتوفى 68 ه . قائد فارس من الأمراء، و شاعر فاضل، أدرك عصر النبوّة، و أسلم على يد أمير المؤمنين (عليه السلام): و شهد اليمامة، و نزل البصرة، ثم كان أميرا على (الريّ) قصبة بلاد الجبال. و لما استباح الخوارج ما بين اصفهان و الأهواز، يقتلون و ينهبون قصدوا الريّ، و رأى يزيد كثرتهم فدخل المدينة فحاصروه، و طال عليه الحصار فخرج إليهم فقاتلوه. و انقلب أهل الريّ على يزيد، فأعانوا الخوارج، و انتهت المعركة بمقتل يزيد و أعقب حوشب، و ابن حوشب العوام المحدّث  . ويبدو انه بسبب تعاونه مع ( ال الزبير )  لاحقاً لم يتفاعل معه أهل العراق فتركوه لأهل الري والخوارج .

وفِي الجنوب العراقي التاريخي من ربيعة ايضاً كانت قبيلة ( عبد القيس ) - التي هي اصل البحرين والأحساء والقطيف وجزء كبير من البصرة الْيَوْمَ  – في اخلاص منقطع النظير لعلي . وكانت تحيط بهم قبائل تميم وضبة وأزد عُمان وقيس عيلان .
وقد كانوا يردون مدينة رسول الله في اول الدعوة الإسلامية ، فقد وردوها بعد معركة احد بيوم وفِي غزوة حمراء الأسد  ، ولا يعقل – وهم بهذه الرجاحة والارتكاز العقلي التوحيدي التاريخي والإخلاص اللاحق – الا انهم اسلموا من اول الامر على مراحل .وحين قيل: يا رسول الله هؤلاء وفد عبد القيس قال مرحبا بهم نعم القوم عبد القيس اللهم اغفر لعبد القيس اتوني لا يسألوني مالا هم خير أهل المشرق ورئيسهم عبد الله بن عوف الأشبح وكان دميما فقال رسول الله ص انما يحتاج من الرجل إلى أصغريه قلبه ولسانه وقال له فيك خصلتان يحبهما الله الحلم والأناة  . وقد قرأ ملك البحرين ( المنذر بن ساوى العبدي ) كتاب رسول الله بنفسه على قومه ودعاهم الى الإسلام  .
وفي معجم البلدان القطيف هي مدينة بالبحرين هي اليوم قصبتها وأعظم مدنها وكان قديما اسما لكورة هناك غلب عليها الآن اسم هذه المدينة ولما قدم وفد عبد القيس على النبي ص قال لسيديها الجون والجارود وجعل يسألهما عن البلاد فقال يا رسول الله دخلتها قال نعم دخلت هجر وأخذت إقليدها  . ونساء عبد القيس هن اللواتي ارسلهن علي بن ابي طالب عشرين امرأة مع ام المؤمنين عائشة الى المدينة بعد انتصاره في معركة الجمل عليهن العمائم والسيوف  . وقبل ذلك التحمت قبيلة عبد القيس بجيش طلحة والزبير قبل قدوم جيش امير المؤمنين علي . اذ اقبل حكيم بن جبلة العبدي وهو على الخيل، فأنشب القتال، وأشرع أصحاب عائشة رماحهم، وأمسكوا ليمسك حكيم وأصحابه، فلم ينته وقاتلهم وأصحاب عائشة كافون يدفعون عن أنفسهم وحكيم يذمر خيله ويركبهم بها  .
وقد نُقل ان الأشرف بن حكيم بن جبلة العبدي من عبد القيس من أهل البصرة ، فارس، قتل مع أبيه حكيم بن جبلة قبل مجيء عليّ (عليه السلام) إلى البصرة، قتله أصحاب ام المؤمنين عائشة مع سبعين رجلا من عبد القيس، و كانت عبد القيس، مخلصة في ولاء أمير المؤمنين (عليه السلام). فكان كأبيه من خلّص شيعة عليّ (عليه السلام)  . وكذلك ( الرعل بن جبلة العبدي البصري ) استشهد يوم الجمل سنة 36 ه. قتله أصحاب الجمل، قبل مجي‌ء أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى البصرة، مع أخيه حكيم بن جبلة، و سبعين رجلا من عبد قيس. و كان حكيم، و أخوه الرعل من خيار الشيعة .
ومنها ( عمرو بن مرجوم بن عبد مر بن قيس بن شهاب بن رباح بن عبد اللّه بن زياد بن عصر العبدي ) صحابي، فارس، و كان والده من أشراف عبد القيس، و رؤسائها في الجاهلية، و كان ابنه عمرو، سيّدا شريفا في الإسلام، و هو الذي جاء يوم الجمل في أربعة آلاف، و صار مع عليّ (عليه السلام) و كان على عبد القيس . و لما كتب أمير المؤمنين كتابا إلى ابن عباس، و إلى أهل البصرة فقرأ عليهم كتاب عليّ (عليه السلام)، قام إليه عمرو بن مرجوم فقال: وفق اللّه أمير المؤمنين، و جمع له أمر المسلمين، و لعن المحلّين القاسطين، الذين لا يقرءون القرآن، نحن و اللّه عليهم حنقون، و لهم في اللّه مفارقون، فمتى أردتنا صحبك خيّلنا و رجلنا  .
و عندما خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) في البصرة قبيل المعركة، و أنذر أصحاب الجمل ثلاثة أيام ليكفوا و يرعووا قام إليه ( شداد بن شمر العبدي ) فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنّه لما كثر الخطاؤون تمرد الجاحدون، فزعنا إلى آل نبينا الذين بهم ابتدأنا بالكرامة، و هدانا من الضلالة، الزموهم رحمكم اللّه و دعوا من أخذ يمينا و شمالا، فإنّ أولئك في غمرتهم يعمهون، و في ضلالهم يترددون  .
ومنهم ( صعصعة بن صوحان بن حجر بن الحارث بن الهجرس بن صبرة بن الحدرجان بن عساس العبدي الكوفي ) التابعي الكبير، العالم الجليل، الخطيب الأديب، الفصيح البليغ المتكلم. مات في خلافة معاوية. بعد أن حضر جنازة أمير المؤمنين (عليه السلام) و بكى عليه و رثاه بكلمات، و أثار على رأسه التراب. و جاء أنّ المغيرة نفاه بأمر معاوية من الكوفة إلى الجزيرة أو إلى البحرين فمات بها. و له مع معاوية مواقف حاسمة. قال الشعبي: كنت أتعلم منه الخطب، و جاء أنّه قام صعصعة يوما إلى عثمان بن عفان، و هو على المنبر، فقال: يا أمير المؤمنين ملت فمالت أمتك، اعتدل يا أمير المؤمنين تعتدل أمتك. و له شعر في المعاجم. و منه قوله في رثاء عليّ (عليه السلام):
ألا من لي بانسك يا اخيّا* * * و من لي أن أبثّك ما لديّا
طوتك خطوب دهر قد توالى* * * لديك خطوبه نشرا و طيّا
فلو نشرت قواك لي المنايا* * * شكوت إليك ما صنعت إليّا
بكيتك يا عليّ بدرّ عيني* * * فلم يغن البكاء عليك شيّا
كفى حزنا بدفنك ثم إنّي* * * نفضت تراب قبرك من يديّا
و كانت في حياتك لي عظات* * * و أنت اليوم أوعظ منك حيّا
فيا أسفي عليك و طول شوقي* * * ألا لو أنّ ذلك ردّ شيّا
وقد استأذن صعصعة على علي ع وقد اتاه عائدا لما ضربه ابن ملجم فلم يكن عليه إذن فقال صعصعة للآذن: قل له يرحمك الله يا أمير المؤمنين حيا وميتا لقد كان الله في صدرك عظيما ولقد كنت بذات الله عليما. فابلغه الآذن فقال قل له وأنت يرحمك الله فلقد كنت خفيف المئونة كثير المعونة  .

ومنهم ( المثنى بن مخرمة العبدي ) القائل لابن الحضرمي رسول معاوية لأهل البصرة والذي اثار الشغب فيها ضد امير المؤمنين علي بن ابي طالب بغياب ابن عباس واليه عليها : ( لا و الّذي لا إله إلّا هو لئن ترجع إلى مكانك الذي أقبلت منه لنجاهدنّك بأسيافنا، و أيدينا و نبالنا، و أسنة رماحنا، نحن ندع ابن عمّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و سيد المسلمين، و ندخل في طاعة حزب من الأحزاب طاغ ! و اللّه لا يكون ذلك أبدا، حتّى نسيّر كتيبة، و نفلق السيوف بالهام )  .
وقد خرجت عبد القيس وبكر بن وائل ترد جيش طلحة والزبير وام المؤمنين عائشة عن البصرة بعد ان عاث فيها فساداً وقتلاً ونهباً لبيت المال وشراء الذمم ، قبل وصول جيش امير المؤمنين علي اليها ، فخرجوا حتى كانوا على طريق علي يؤمنونه  . وحين أقام علي بذي قار ينتظر محمدا ومحمدا قبل الجمل أتاه الخبر بما لقيت ربيعة وخروج عبد القيس ونزولهم بالطريق ، فقال : (عبد القيس خير ربيعة وفي كل ربيعة خير وقال:
يا لهف ما نفسي على ربيعة * ربيعة السامعة المطيعة
قد سبقتني فيهم الوقيعة * دعا علي دعوة سميعه
حلوا بها المنزلة الرفيعة )


ويبدو ان واحداً من اعظم أصحاب علي بن ابي طالب وهو ( رُشيد الهجري ) ينسب الى هجر من بلاد البحرين تلك التي كانت تقطنها عبد القيس . عن قنوا بنت رشيد الهجري قالت: ( سمعت أبي يقول: أخبرني أمير المؤمنين صلوات الله عليه فقال: يا رشيد كيف صبرك إذا أرسل إليك دعي بني أمية فقطع يديك ورجليك ولسانك؟ قلت: يا أمير المؤمنين آخر ذلك إلى الجنة؟ فقال: يا رشيد أنت معي في الدنيا والآخرة، قالت: والله ما ذهبت الأيام حتى أرسل إليه عبيد الله بن زياد الدعي فدعاه إلى البراءة من أمير المؤمنين عليه السلام فأبى أن يتبر أمنه، وقال له الدعي: فبأي ميتة قال لك تموت؟ فقال له: أخبرني خليلي أنك تدعوني إلى البراءة فلا أبرأ منه، فتقدمني فتقطع يدي ورجلي ولساني فقال: والله لأكذبن قوله قال: فقدموه فقطعوا يديه ورجليه وتركوا لسانه، فحملت أطرافه يديه ورجليه، فقلت: يا أبت هل تجد ألما لما أصابك؟ فقال لا يا بنية إلا كالزحام بين الناس، فلما احتملناه وأخرجناه من القصر اجتمع الناس حوله فقال: ائتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم ما يكون إلى يوم القيامة فأرسل إليه الحجام حتى قطع لسانه فمات رحمة الله عليه في ليلته  ) . وقد كان الامام علي يسميه رُشيد البلايا ، وقد ألقى اليه علم البلايا والمنايا . وقد كان بنو امية يفرضون على عرفاء الاقوام والجماعات تسليم المعارضين لظلمهم  , وكان هؤلاء الدعاة يذهبون غدرا , حتى انه وميثم التمار وحبيب بن مظاهر الأسدي كانوا يحدثون الناس كيف هو مقتلهم  . وهو لا شك دور مهم لعبه أمثال رُشيد واصحابه هؤلاء في إيصال علوم علي بن ابي طالب وبالتالي رسول الله الخفية الى الناس او الى مستحقيها منهم .


ومن ربيعة كان القبيلة المتذبذبة بسبب حركتها في الأعراب ( عنزة ) ، والتي تزوج علي منها  ليأتلفها ، والتي سنعلم من حالها بأذن الله مستقبلاً الكثير . وكان بصفين من عنزة وهي من قبائل ربيعة أربعة آلاف محجف ، والذين وجهتهم ربيعة مع بعض القبائل لكسر طوق أهل الشام على جيش علي بعد ان أرسل اليهم الأشتر يحثهم ، ففر أهل الشام كاليعافير . لكنهم – عنزة - كانوا اول من خرج على علي ، اذ خرج الأشعث بذلك الكتاب – كتاب التحكيم بصفين - يقرؤه على الناس ويعرضه عليهم ، ويمر به على صفوف أهل الشام وراياتهم فرضوا بذلك ، ثم مر به على صفوف أهل العراق وراياتهم ، حتى مر برايات ( عنزة ) وكان منهم بصفين مع علي ع أربعة آلاف محجف فقرأه عليهم ، فقال معدان وجعد العنزيان فتيان اخوان منهم : لا حكم الا لله . ثم حملا على أهل الشام بسيوفهما حتى قتلا على باب رواق معاوية. ثم مر بها على ( مراد ) فقال صالح بن شقيق من رؤسائهم : - ما لعلي في الدماء قد حكم * لو قاتل الأحزاب يوما ما ظلم - لا حكم الا لله ولو كره المشركون. ثم مر على رايات بني ( راسب ) فقرأها عليهم ، فقال رجل منهم : لا حكم الا لله يقضي بالحق وهو خير الفاصلين . فقال رجل منهم لآخر : اما هذا فقد طعن طعنة نافذة . وخرج عروة بن أدية أخو ( مرداس بن أدية التميمي ) فقال : أ تحكمون الرجال في أمر الله لا حكم الا لله فأين قتلانا يا أشعث  . وشد بسيفه ليضرب به الأشعث فأخطأه وضرب به عجز دابته ضربة خفيفة وصاح به الناس ان أمسك يدك فكف ورجع الأشعث إلى قومه فمشى إليه رجال من بني تميم فيهم الأحنف بن قيس واعتذروا إليه فقبل منهم .
ومن الواضح ان هذه القبائل تشترك في البداوة وكونها من الفئة التي عرفت الإسلام ولم تعرف علي بعد ، وقد احتاج بعضها الى سنين طويلة ودم الحسين للانتقال من المستوى الابتدائي للإسلام الى مستوى معرفة الإمامة  . حتى ان احد زعماء بعض تميم كان من الذين يثبطون الناس عن علي في الكوفة في حربه ضد معاوية الى جانب ابي موسى الاشعري  .

فيما كانت قبيلة ( بني اسد ) التي وفد وفدها الى رسول الله طائعاً دون ان يرسل اليهم النبي من يدعوهم  .  وهي من اعظم القبائل تأثيرا في التاريخ القديم والحديث للمسلمين ، لا سيما الشيعة ، ويكفي انها احد اهم عوامل الحسم في معركة القادسية ضد الإمبراطورية الفارسية ، وهي المعركة المفصلية في تاريخ الشرق الإسلامي ، سبقتها ممهدة بكسر جيش الفرس جارتها ربيعة لا سيما منها بكر بن وائل  ، على تفصيل سيأتي بأذن الله .
وكانت بنو اسد تقطن كربلاء والحلة ، الى جوار النخع ، وجنوبها همدان ومذحج ، وشرقها طيء . وقد أسست بالتعاون مع النخع الدولة المزيدية في الحلة ، ثم هاجر قسم كبير منها مع قسم كبير من النخع ايضاً الى عمق الأهوار العراقية حيث مدينة الچبايش – الجزائر - الحالية .
يقول أبو جهمة الأسدي يرد عليه من أبيات كعب بن جغيل شاعر أهل الشام الذي اساء لبكر بن وائل وبني اسد :
وقد صبرت حول ابن عم محمد * لدى الموت شهباء المناكب شارف
فما برحوا حتى رأى الله صبرهم * وحتى أتيحت بالأكف المصاحف
بمرج ترى الرايات فيه كأنها * إذا جنحت للطعن طير عواكف
وقد غدا يوم صفين ( قبيصة بن جابر الأسدي ) في بني أسد ، وهم حي الكوفة بعد همدان ، فقال : يا معشر بني أسد أما انا فلا اقصر دون صاحبي وأما أنتم فذلك إليكم . ثم تقدم برايته وهو يقول:
 قد حافظت في حربها بنو أسد * ما مثلها تحت العجاج من أحد
أقرب من يمن وأنأى من نكد * كأننا ركن ثبير أو أحد
لسنا بأوباش ولا بيض البلد * لكننا المحة من ولد سعد
كنت ترانا في العجاج كالأسد * يا ليت روحي قد نأى عن الجسد
فقاتل القوم ولم يكونوا على ما يريد في الجهد ، فعدلهم على ما يحب ، فظفر . ثم أتى عليا ع ، فقال : يا أمير المؤمنين ان استهانة النفوس في الحرب أبقى لها والقتل خير لها في الآخرة  .
وهذا التأخير من بني اسد دون ما يريده قبيصة بن جابر ناشئ عن كونهم من القبائل المضرية ، وهي قبائل فهمها لم يكن ناضجاً فيما يخص الإمامة ، ولم تكن بمستوى ربيعة وبعض الازد وطيء العراق . وقد احتاجت الى وقت تفهم فيه هذه القضية الدينية .
وبنو اسد لأنهم سكنة مركز الكوفة في المنطقة الممتدة بين النجف والحلة وكربلاء كانوا اقل قبائل مضر احتياجاً للوقت ، اذ فهموا معنى ورتبة الإمامة سريعاً ، لا سيما بعد شهادة الحسين ، فصاروا أيقونة التشيع التاريخية . وقد ساهم في سرعة معارفهم العلوية اختلاطهم بربيعة والنخع وطيء . ولهذه العلة التاريخية ، من تدرج المعرفة والوعي ، كانت ( الرقة ) في الشام جل أهلها العثمانية الذين فروا من الكوفة برأيهم وأهوائهم إلى معاوية ،  فغلقوا أبوابها وتحصنوا فيها ، وأميرهم ( سماك بن مخرمة الأسدي )  في طاعة معاوية ، وكان قد فارق عليا في نحو مائة رجل من بني أسد ، ثم اخذ يكاتب قومه حتى لحق به منهم سبعمائة رجل  . وقد أسهمت مثل هذه الهجرة في نقاء ارض العراق من النواصب على مراحل ، بلغت ذروتها بعد معركة ألطف حين لفظهم العراق .


ومنها ( أنس بن الحارث بن نبيه بن كاهل بن عمرو بن صعب بن اسد بن خزيمة الأسدي الكاهلي الكوفي ) الشهيد في 61 ه، صحابي جليل القدر رأى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و سمع حديثه و حدث به ما رواه جم غفير من العامة و الخاصة عنه. و دونوه في كتب الأحاديث و السنن و الصحاح، و اشترك في حروب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و حضر بدر و حنين و قاتل، و عرف بالصدق‌ و الوثاقة و حسن النية و السيرة، و عداده في الكوفيين. و بعد وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) انتقل إلى الكوفة، و حين قدم الحسين (عليه السلام) العراق و نزل كربلاء توجه إليه و التقى معه ليلا و أدركته الشهادة، بعد أن سمع من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قوله « إنّ ابني هذا يقتل  بأرض من أرض العراق فمن أدركه فلينصره  >> و كان الحسين بن عليّ في حجر الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» ، فقتل مع الحسين (عليه السلام) ، ذكره ابن داود، في أصحاب الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و في أصحاب علي، و الحسن، و الحسين (عليهم السلام)، و لعله كان أكبر المقاتلين سنّا يومذاك في كربلاء، و جاء في بعض المراجع: خرج أنس بن الحارث الكاهلي و هو يقول:
قد علمت كاهلنا و ذودان* * * و الخندفيون و قيس غيلان‌
بأنّ قومي آفة للأقران* * * يا قوم كونوا كأسود خفان‌
و استقبلوا القوم بضرب الآن* * * آل عليّ شيعة الرحمن‌
و آل حرب شيعة الشيطان
ثم قاتل حتّى قتل. و في حبيب بن مظاهر، و أنس يقول الكميت بن زياد الأسدي:
سوى عصبة فيهم حبيب معفر* * * قضى نحبه و الكاهلي مرمل‌
و كان والده الحارث بن نبيه أيضا من الصحابة. و من أهل الصفة .
والامر كما يبدو واضحاً ان بني اسد كانوا وظلوا من أوعى واخلص الناس لحق علي بن ابي طالب . حتى انهم الذين كانوا يعلمون موضع قبر علي بن ابي طالب في الغريين واقاموا حوله دون القبائل  . وهو كما سياتي باْذن الله امر لم ينقطع حتى كتابة هذه السطور .
بل من الأسديين من كان من خالصة علي بن ابي طالب فهذا ( خندف بن زهير الأسدي ) تابعي ثقة. جاء أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) دعا كاتبه عبيد اللّه بن أبي رافع، فقال: أدخل عليّ عشرة من ثقاتي. فقال: سمّهم يا أمير المؤمنين، فسمّاهم، و ذكر منهم خندف بن زهير الأسدي  .
ومن اسد ( زفر بن زيد بن حذيفة الأسدي ) فارس، أمير و كان من سادة بني أسد، اشترك في صفين، و جاء بقومه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام). قال ابن قتيبة: «قام إلى عليّ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ طيئا إخواننا و جيراننا، قد أجابوا عديّا، ولي في قومي طاعة فائذن لي فاتهم. قال: نعم. فأتاهم فجمعهم، و قال: يا بني أسد إنّ عديّ ابن حاتم ضمن لعليّ قومه، فأجابوه و قضوا عنه ذمامه فلم يعتل الغني بالغنى، و لا الفقير بالفقر، و واسى بعضهم بعضا، حتّى كأنّهم المهاجرون في الهجرة و الأنصار في الإثرة و هم جيرانكم في الديار و خلطاؤكم في الأموال فأنشدكم اللّه لا يقول الناس غدا، نصرت طي‌ء و خذلت بنو أسد، و إنّ الجار يقاس بالجار، كالنعل بالنعل، فإن خفتم فتوسعوا في بلادهم، و انضموا إلى جبلهم، و هذه دعوة لها ثواب من اللّه في الدنيا الآخرة». فقام إليه رجل منهم، فقال له: يا زفر إنّك لست كعدي، و لا أسد كطيئ، ارتدّت العرب فثبتت طي‌ء على الإسلام، و جاد عديّ بالصدقة، و قاتل بقومه قومك، فو اللّه لو نفرت طي‌ء بأجمعها لمنعت رعاؤها دارها، و لو أنّ معنا أضعافنا لخفنا على دارنا، فإن كان لا يرضيك منّا إلا ما أرضى عديّا من طي‌ء، فليس ذلك عندنا و إن كان يرضيك قدر ما يرد عنا عذر الخذلان و إثم المعصية، فلك ذلك منا . فسار معه من أسد جماعة ليست كجماعة طي‌ء حتّى قدم بها على عليّ (عليه السلام)  .
وكان فارس أهل الكوفة الذي لا ينازع رجل كان يقال له ( العكبر ابن جدير الأسدي ) ، وكان فارس أهل الشام الذي لا ينازع عوف بن مجزأة الكوفي [ المرادي ] المكنى أبا أحمر ، وهو أبو الذي استنقذ الحجاج بن يوسف يوم صرع في المسجد بمكة . وكان العكبر له عبادة ولسان لا يطاق ، فقام إلى علي فقال : « يا أمير المؤمنين ، إن في أيدينا عهدا من الله لا نحتاج فيه إلى الناس ، وقد ظننا بأهل الشام الصبر وظنوه بنا فصبرنا وصبروا . وقد عجبت من صبر أهل الدنيا لأهل الآخرة ، وصبر أهل الحق على أهل الباطل ، ورغبة أهل الدنيا ، ثم نظرت فإذا أعجب ما يعجبني جهلي بآية من كتاب الله : ( الم . أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون . ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) . وأثنى عليه على خيرا ، وقال خيرا . وخرج الناس إلى مصافهم وخرج [ عوف بن مجزأة ] المرادي نادرا من الناس ، وكذلك كان يصنع . وقد كان قتل قبل ذلك نفرا [ من أهل العراق ] مبارزة ، فنادى : يا أهل العراق ، هل من رجل عصاه سيفه يبارزني ، ولا أغركم من نفسي ، فأنا فارس زوف فصاح الناس بالعكبر ، فخرج إليه منقطعا من أصحابه والناس وقوف ، ووقف المرادي وهو يقول :
بالشام أمــن ليس فيــه خوف * بالشــام عدل ليس فيــه حيف

بالشام جود ليس فيـــه ســوف * أنــا المرادي ورهطــي زوف
أنا ابن مجــزاة واسمـي عــوف * هل مـــن عراقي عصــاه سيف
* يبـــرز لي وكيف لـــي وكيف *

فبرز إليه العكبر وهو يقول :
الشام محل والعـــراق تمطــر * بهــا الإمـام والإمــام معـذر

والشام فيها للإمـــام معــور * أنــا العراقـي واسمـي العكبـر

ابن جدير وأبـــوه المنـــذر * ادن فإنـــي للكمى مصحــر

فاطعنا فصرعه العكبر فقتله ، ومعاوية على التل في أناس من قريش  ونفر من الناس قليل ، فوجه العكبر فرسه فملأ فروجه ركضا يضربه بالسوط ، مسرعا نحو التل ، فنظر إليه معاوية فقال : إن هذا الرجل مغلوب على عقله أو مستأمن ، فاسألوه . فأتاه رجل وهو في حمى فرس فناداه فلم يجبه ، فمضى [ مبادرا ] حتى انتهى إلى معاوية وجعل يطعن في أعراض الخيل ، ورجا العكبر أن يفردوا له معاوية ، فقتل رجالا ، وقام القوم دون معاوية بالسيوف والرماح ، فلما لم يصل إلى معاوية نادى : أولى لك يا ابن هند ، أنا الغلام الأسدي . فرجع إلى علي فقال له : ماذا دعاك إلى ما صنعت يا عكبر ؟ [ لا تلق نفسك إلى التهلكة ] قال : أردت غرة ابن هند . وانكسر أهل الشام لقتل [ عوف ] المرادي ، وهدر معاوية دم العكبر ، فقال العكبر : يد الله فوق يد معاوية ، فأين دفاع الله عن المؤمنين  .
وقد كانت بنو اسد سر الانتصار على الجيش الفارسي في معركة ( القادسية ) ، اذ بقيت ليال تقاتل وحدها ، وجيش سعد بن ابي وقّاص لا يتدخل ، وهي صامدة ، حتى أتاها مدد أهل العراق ( النخع ) قادماً من الشام ، بعد انتهاء معركة اليرموك ، فاجتمعوا ( اسد ) و ( النخع ) وكسروا جيش الفرس ، ثم اشترك باقي العرب . وقد كان من عظيم معرفتهم بحق علي ان مغضبهم الذي يراد ان يقام عليه الحد من قبل شرطة علي يرى ان فراقه كفر ، فكيف بمن صاحبه  .

وان كانت هذه القبائل من ربيعة ، فقد كان أشهر من عرف من ( مضر ) - التي تنتشر شمالي نجد  - الصحابي ( المسيّب بن نجبة بن ربيعة بن رباح بن عوف بن هلال بن شمخ بن فزارة الفزاريّ ) له إدراك، و قد شهد القادسيّة و فتوح  العراق فيما ذكر ابن سعد، و له رواية عن حذيفة و علي ... و قال ابن سعد: كان مع عليّ في مشاهده، و قتل يوم عين الوردة مع النوّاس. و قال ابن أبي حاتم، عن أبيه: قتل مع سليمان بن صرد في طلب دم الحسين سنة خمس و ستين  .
ومن مضر كذلك ( ال ابي الجعد ) . وأبوهم ( أبو جعد رافع الأشجعي ) من أشجع بن ريث بن غطفان . محدّث كوفي. حدّث أيضا عن ابن مسعود. مات و خلّف: سالما، عبيدا، زيادا، و كلهم من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) و كان من أشراف و أعيان القوم. و آل أبي الجعد من البيوتات العريقة الأصيلة في الكوفة، الموالية للعترة الطاهرة (عليهم السلام). و الذابين عنهم بأموالهم و أنفسهم  . وجاء في معجم رجال الحديث :  (عبد الله بن أبي الجعد : يقال له عبيد النخعي: أخو سالم، مولاهم، كوفي، من أصحاب علي بن الحسين (عليه السلام)، رجال الشيخ . ويأتي عن البرقي عد عبيدة بن أبي الجعد، من خواص أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام). وقال الوحيد في التعليقة معترضا على الشيخ - قدس سره - في قوله: (يقال له عبيد) ما لفظه: " عبد الله بن أبي الجعد ليس هو عبيد بل أخوه، كما مر في أخويه سالم وزياد... ". أقول: ما ذكره - قدس سره - مبني على ما حكي عن جامع الأصول من أن اخوة سالم، زياد وعبد الله وعبيد الله، فلو صح هذا عن جامع الأصول فمن أين يقدم قوله على قول الشيخ من أن أخوة سالم، زياد وعبيد . قال النجاشي في ترجمة رافع بن سلمة بن زياد بن أبي الجعد الأشجعي: " ثقة من بيت الثقات ". أقول: ظاهر هذا الكلام أن المعروفين من هذا البيت كلهم ثقات، فيكون عبد الله بن أبي الجعد ثقة أيضا )  .

فيما كانت قبيلة ( طَي ) في العراق ذراعاً لعلي ، وقد ظلت ولا زالت متمثلة في شقها العراقي قبيلة ( بني لام ) على هذا الولاء والفاعلية كما سياتي بأذن الله . واسم ( لام ) كانت منتشراً في أصول طَي ، كما في ( لام ) جد ( فرعة بنت سعد بن حارثة بن لام الطائي ) و ( زينب بنت أوس بن حارثة بن لام ) زوجات النعمان بن المنذر الملك  . وموطنها يمتد من مدينة العمارة الحالية حتى ديالى في العراق ، على طول الشريط الحدودي مع ايران ، وهذا سبب استخلاف علي لعدي بن حاتم الطائي على المدائن عند مسيره الى صفين  ، وكذلك قتل الخوارج ثلاث نساء من طيء هناك . وتحدهم الأهواز شرقا ، لذلك كانوا هم المدد الذي وصل الى جيش امير المؤمنين علي لقتال الخوارج الذين نهبوا بيت مال الأهواز ، وكان على رأس المدد ( خالد بن معدان الطائي )  ، وتحدهم ربيعة وقبائل اسد والازد الكوفية غربا ، وقسم منها كان في شمال الحجاز حول جبل طيء ودولة ال الرشيد . وقسم اخر كبير جداً يمتد من الاْردن حتى داخل فلسطين ، لذلك كان من هذا القسم الأخير البعض من طيء في جيش معاوية  ، وهو امر يكشف تعدد ولاءات القبائل الكبيرة ، لكن مع بقاء عمودها هو المقياس ، وقد كان عمود طيء في العراق . لهذا كانوا في كتائب جيش الستين الفاً الذي خرج لحرب أهل الشام بعد تحكيم الحكمين  . ويبدو من تولية رسول الله زعيمها عدي بن حاتم على صدقات طيء وأسد ان أرضهم كانت واحدة  . وقد ضمن احد رجالاتها وهو احمد بن محمد الطائي خراج نصف العراق للدولة العباسية في أيام المعتضد  .
وقد فقد سيدها ( عدي بن حاتم الطائي ) أولاده الثلاثة فداءً لعلي ( طرفة ، طراف ، طريف ) فوارس، شهدوا صفين، و النهروان مع عليّ (عليه السلام) و قتلوا. و جاء، قال رجل يومئذ لعدي بن حاتم: يا أبا طريف، أ لم أسمعك تقول يوم الدار: و اللّه لا تحبق فيها عناق حولية، و قد رأيت ما كان فيها؟ قال: بلى. و قد كانت فقئت عين عدي و قتل بنوه، و اللّه لقد حبقت  . وقد كان احد رسل رسول الله بكتابه الى قيصر الروم  . وهو ( عدي بن حاتم بن عبد اللّه بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي بن أخزم بن ربيعة بن جرول بن ثمل بن عمرو بن الغوث بن طي بن ادد بن مالك بن زيد بن كهلان الطائي الأنصاري الطائي ). أسلم سنة تسع، و كان من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، و شهد الجمل، و صفّين، و فقئت عينه في يوم الجمل، و قتل أولاده، طريف، و طراف، و طرفة . و له شعر في المواقف. مات عام 68 ه، و هو ابن مائة و عشرين سنة. و لا عقب له. و قال بعضهم خلال القتال:
شفى السيف من زيد، و هند نفوسنا* * * شفاء و من عيني عدي بن حاتم‌
وله الموقف المشرف البطولي عندما رفع أهل الشام المصاحف على رؤوسهم حيلة اذ قام فقال : يا أمير المؤمنين إن كان أهل الباطل لا يقومون باهل الحق فإنه لم يصب عصبة منا إلا وقد أصيب مثلها منهم وكل مقروح ولكنا أمثل بقية منهم وقد جزع القوم وليس بعد الجزع إلا ما تحب فناجز القوم  . وكان احد رؤساء العراق المبادرين لحرب الخوارج فور نزول امير المؤمنين علي عن المنبر يستحث الناس .


12
تاريخ الإسلام – قراءة جديدة – شيعة علي – بنو هاشم والانصار


بنو هاشم


وبنو هاشم من أفاضل الشيعة . وقد انتشروا في العالم كله . ومنهم جعفر بن ابي طالب ، يقول ابن كثير ( أسلم جعفر قديما وهاجر إلى الحبشة، وكانت له هناك مواقف مشهورة ومقامات محمودة، وأجوبة سديدة، وأحوال رشيدة، وقد قدمنا ذلك في هجرة الحبشة، ولله الحمد. وقد قدم على رسول الله يوم خيبر، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما أدري أنا بأيهما أسر بقدوم جعفر أم بفتح خيبر» وقام إليه واعتنقه وقبل بين عينيه ، وقال له يوم خرجوا من عمرة القضية: «أشبهت خلقي وخلقي» فيقال: إنه حجل عند ذلك فرحا كما تقدم في موضعه، ولله الحمد والمنة. ولما بعثه إلى مؤتة جعل في الإمرة مصليا - أي: نائبا - لزيد بن حارثة، ولما قتل وجدوا فيه بضعا وتسعين ما بين ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، وهو في ذلك كله مقبل غير مدبر، وكانت قد طعنت يده اليمنى، ثم اليسرى وهو ممسك للواء، فلما فقدهما احتضنه حتى قتل، وهو كذلك )  . ومن عظمة بني هاشم في الدعوة الى الإسلام ان جعفر بن ابي طالب هو الوحيد الذي استطاع إقناع ملك غير عربي بالإسلام ، وهو النجاشي ملك الحبشة  .
ومع تفضيل ابي هُريرة لجعفر على سائر المسلمين بعد رسول الله ، وربما لتغييب مكانة علي بن ابي طالب ، او للتعويض عن سكوته عن بيان حق علي أراد الإشارة لهذا البيت من خلال اسم اخف وقعاً على السلطات ، لكن يابى ابن كثير الا التعليق على رواية ابي هُريرة ، فيقول ( قال الإمام أحمد: وحدثنا عفان بن وهيب، ثنا خالد، عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: ما احتذى النعال، ولا انتعل ولا ركب المطايا، ولا لبس الثياب من رجل بعد رسول الله  أفضل من جعفر بن أبي طالب. وهذا إسناد جيد إلى أبي هريرة، وكأنه إنما يفضله في الكرم، فأما في الفضيلة الدينية فمعلوم أن الصديق والفاروق بل وعثمان بن عفان أفضل منه. وأما أخوه علي رضي الله عنهما فالظاهر أنهما متكافئان، أو علي أفضل منه، وإنما أراد أبو هريرة تفضيله في الكرم بدليل ما رواه البخاري: ثنا أحمد بن أبي بكر، ثنا محمد بن إبراهيم بن دينار أبو عبد الله الجهني، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة: أن الناس كانوا يقولون أكثر أبو هريرة، وأني كنت ألزم رسول الله  بشبع بطني خبز، لا آكل الخمير، ولا ألبس الحرير، ولا يخدمني فلان وفلانة، وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع، وإن كنت لاستقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني ، وكان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب، وكان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها )  ، ويبدو واضحاً مستوى التأزم الذي عاشه ابن كثير امام هذه الرواية ، وهكذا صنع هؤلاء تاريخ وفضل لرجال لا فضل لهم بسلبه عنوة من اخرين ! .
وفيما عرفنا كيف كان أمثال خالد بن الوليد ياتون الفاحشة ، كان بنو هاشم احشم الناس واعفهم . فهذا ( عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ) كان يدعو بغلمانه غلاما غلاما يقول : ( إلا أزوجك ما من عبد يزني إلا نزع منه نور الايمان )  . ويبدو ان امير المؤمنين علي بن ابي طالب عاتبه في نهاية دولته على بعض الأمور السياسية  الله العالم بحقيقتها ، فهو اجل وارفع من ان يتلطخ ، اذ كان ذكياً فطنا .
وهذا الصحابي ( الفضل بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي ) يشهد لعلي ويرد على رسالة معاوية لاخيه عبد الله بن عباس :
ألا يا ابن هند إنّني غير غافل* * * و إنّك ما تسعى له غير نائل‌
أ ألان لما صرّت الحرب نابها* * * عليك و ألقت بركها بالكلاكل‌
فأصبح أهل الشام ضربين خيرة* * * و فقع بقاع أو شحيمة آكل‌
و أيقنت أنّا أهل حق و إنّما* * * دعوت لأمر كان أبطل باطل‌
دعوت ابن عباس إلى السلم خدعة* * * و ليس لها حتّى تدين بسائل‌
فلا سلم حتّى تشجر الخيل بالقنا* * * و تضرب هامات الرجال الأماثل‌
و آليت لا تهدى إليه رسالة* * * إلى أن يحول الحول من رأس قابل‌
أردت به قلع الجواب و إنّما* * * رماك فلم يخطئ نبات المقاتل‌
و قلت له لو بايعوك تبعتهم* * * فهذا عليّ خير حاف و ناعل‌
وصيّ رسول اللّه من دون أهله* * * و فارسه إن قيل هل من منازل‌
فدونكه إن كنت تبغي مهاجرا* * * أشمّ بنعل السيف غير حلاحل‌




الأنصار

ولعل ابرز كتلة متشيعة لعلي كانت من الأنصار بقيادة قيس بن سعد بن عبادة ، ولابد انها كانت عن ابيه ، وان تعثرت لأسباب نبينها لاحقا ان شاء الله في مرحلة ما ، الا انهم هاجروا الى العراق في مرحلة أخرى متشيعين ، واليوم لهم إمارة ( تضم مجموعة قبائل كبيرة تتفرع عنها عشائر ) في العراق هي ( إمارة الاوس ) ، ولها مرجعية دينية كبيرة في النجف الأشرف المؤسسة الشيعية الدينية الأكبر متمثلة بالمرجع الديني الشيخ ( محمد موسى اليعقوبي الاوسي ) .
ويتضح من شدة حماستهم وكلماتهم وتعهداتهم على حفظ رسول الله ونشر دينه وان قُتِل أشرافهم وهلكت أموالهم ، بأجر الآخرة ، انهم كانوا على معرفة تامة بالنبوة ، وعلى ثقة عالية بمحمد بن عبد الله  . وهذا ما استمر فيهم اخلاصاً ، اذ مر جمع المسلمين بعد احدى المعارك بامرأة من بني دينار أصيب ابوها وأخوها مع رسول الله ، قالت فما فعل رسول الله ؟ ، غير عابئة بما أصابها ، فلما علمت انه بخير قالت كل مصيبة بعدك جلل  .
و ( قيس بن سعد بن عبادة ) صاحب رسول الله وابن صاحبه . روى عنه : عبد الله بن مالك الجيشاني  ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى  ، وأبو عمار الهمداني  ، وعروة  ، والشعبي  ، وميمون بن أبي شبيب  ، وعريب بن حميد الهمداني  ، والوليد بن عبدة  وآخرون .  وقد حدّث بالكوفة والشام ومصر . وقال الواقدي  : كنيته أبو عبد الملك  لم يزل مع علي  ، فلما قتل علي  ، رجع قيس  إلى وطنه . كان صاحب لواء النبي في بعض مغازيه . وكان بمصر  واليا عليها لعلي . كان رجلا ضخما ، جسيما ، صغير الرأس ، ليست له لحية ، إذا ركب حمارا ، خطت رجلاه الأرض . كان من النبي بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير . وكان صاحب لواء النبي . استعمله النبي على الصدقة . وعن الزهري  : كانوا يعدون قيسا  من دهاة العرب ، وكان من ذوي الرأي ، وقالوا : دهاة العرب حين ثارت الفتنة خمسة : معاوية  ، وعمرو  ، وقيس  ، والمغيرة  ، وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي  .  وكان قيس  وابن بديل  مع علي  وكان عمرو بن العاص  مع معاوية  ، وكان المغيرة  معتزلا بالطائف  حتى حكم الحكمان  . كان قيس جواداً ، نحر وحده لجيش المسلمين يطعمه في احدى الغزوات ، حتى نهاه أبو عبيدة دون بيان السبب ، فأكل الجيش عندها ميتة حوت العنبر الذي القاه البحر بأمر ابي عبيدة  ! . فلما قدم ، قص على أبيه ، وكيف منعوه آخر شيء من النحر ، فكتب له أربع حوائط أدنى حائط منها يجد خمسين وسقا . فقيل : إن النبي لما بلغه ، قال : أما إنه في بيت جود . وقد فعلها ابوه ( سعد بن عبادة ) من قبله وقد كان سيد الأنصار ، اذ كان ينحر ويمير جيوش رسول الله من ماله كما في ذي قرد  . وكانت الراية يوم فتح مكة لسعد وقيس ابنه يوم فتح مكة ، حتى اثار عمر بن الخطاب الفتنة فأعطاها النبي لعلي بن ابي طالب . وقد حاول رواة السلطة لاحقاً على لسان ابي هُريرة جعلها ذاك الْيَوْمَ بيد الزبير وخالد بن الوليد وابي عبيدة  . وكان من الأوائل الذين نهضوا مع الامام الحسن حين خذله الناس . كان سعد بن عبادة وابوه وجده وجد جده سادة في الجاهلية والإسلام ، يطعمون الطعام ، وكان فيهم السؤدد ، وكان يجير فيجار ، وكذلك كان ابنه قيس . وكان لسعد ستة أبناء كلهم نصروا رسول الله  .

وكذلك ( أبو الهيثم بن التيهان بن مالك بن عتيك بن عمرو بن عبد الأعلم بن عامر بن زعوراء الأنصاري الأوسي ) وزعوراء أخو عبد الأشهل ويقال التيهان لقب واسمه مالك وهو مشهور بكنيته وقد وقع في مصنف عبد الرزاق أن اسمه عبد الله قال بن إسحاق فيمن شهد بدرا أبو الهيثم واسمه مالك وأخوه عتيك ابنا التيهان وقال في بيعة العقبة وكان نقيب بني عبد الأشهل أسيد بن حضير وأبو الهيثم بن التيهان وقال بن السكن ذكر بن إسحاق أن أبا الهيثم من بلي من بني عمرو بن الحاف بن قضاعة حالف بن عبد الأشهل وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين عثمان بن مظعون وشهد المشاهد كلها وكذا قال موسى بن عقبة عن بن شهاب فيمن شهد بدراً والعقبة وكان أول من بايع . وقد اثبتوا له الشهادة مع علي في صفين  ، الا الواقدي الذي عرفنا منه البغض لعلي . وكان في اول ستة من الأنصار اسلموا  . وبعض الروايات تذكر انه اول من صافح يد رسول مبايعاً له ليلة العقبة  .

و ( جابر بن عبد اللّه بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن تزيد بن جشم بن الخزرج الأنصاري ) الذي مات في 78 ه. كان كثير العلم و الفضل، و هو من أهل بيعة الرضوان و أهل السوابق و السبق في الإسلام. و صاحب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) شهد بدرا و ثماني عشرة غزوة معه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) و انقطعوا إلى أهل البيت الطاهر (عليهم السلام). و أدرك الإمام محمد الباقر (عليه السلام) و له عنهم، أحاديث و روايات شتّى . وكان أبوه ( عبد الله بن عمرو بن حرام ) من نقباء الأنصار الاثني عشر في بيعة العقبة  . وجابر كان من إخلاصه في نصرة الإسلام وتضحيته بنفسه كان قد خلفه ابوه في اخوات له سبع في معركة احد ، فكان ان بادر الى رسول الله في غزوة حمراء الأسد بعد احد بيوم راجياً قبوله في المجاهدين، فاذن له رسول الله  . وهو الذي روى ان الصحابة الاثبات كانوا يعرفون المنافقين من بغضهم لعلي بن ابي طالب  . وقد كان اخر الصحابة بقاءً ، منقطعاً الى اهل البيت حتى مات ، اذ اقتضت اليات أهل المدينة العمرية المبتدعة التي تمنع من تصديق حديث الأئمة المعصومين الا اذا رووا عن صحابي بقاءه حجة لهم ، حتى انه كان يوجه الناس باتجاه الامام الباقر  . وكان ينادي في المدينة ان علياً خير البشر ، ويدعو الأنصار الى تأديب أولادهم على حب علي  ، وهو امر كان له دور مهم في حفظ ولاية علي بن ابي طالب في عدة أجيال بسبب عمر جابر الطويل .
ومن الأنصار (أبو أيوب الأنصاري ) خالد ابن يزيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن حارثة الأنصاري الخزرجي ، من كبار الصحابة، و من سادات الأنصار. شهد العقبة، و بدرا، و سائر المشاهد، و كان سيدا معظما، محدّثا ثقة جليلا. و هو صاحب منزل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، نزل عنده حين خرج مهاجرا من مكة، فلم يزل عنده حتّى بنى مسجده و مساكنه ثم انتقل إليها. رجع إلى عليّ (عليه السلام)و أنكر على أبي بكر، تقدمه على أمير المؤمنين (عليه السلام)، و شهد مشاهده كلّها. و كان على مقدمته يوم النهروان. و له شعر، و خطب، و مواعظ. مات في‌ القسطنطينة عام 50 ه. و قيل: 51 ه و قيل: 52 ه و دفن هناك. و لا عقب له. قال ابن الأثير: و في اليوم الذي منع فيه عثمان، جاء سعد القرظ، و هو المؤذن إلى عليّ بن أبي طالب، فقال: من يصلّي بالناس؟ فقال: ادع خالد ابن زيد، فدعاه فصلّى بالناس، فهو أول يوم عرف أنّ اسم أبي أيوب الأنصاري، خالد بن زيد  .
ومنهم كذلك ( خزيمة - ذو الشهادتين - ابن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة بن عامر بن غيان بن عامر بن خطمة بن جشم بن مالك بن الأوس ) قتل في صفين عام 37 ه. محدّث شاعر، من كبار الصحابة شهد المشاهد. و جعل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) شهادته شهادة رجلين. روى عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كنت بصفين فرأيت رجلا أبيض اللحية، معتما متلثما ما يرى منه إلا أطراف لحيته، يقاتل أشدّ قتال، فقلت: يا شيخ تقاتل المسلمين؟ فحسر لثامه، و قال: أنا خزيمة سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: «قاتل مع عليّ جميع من يقاتل». و حين قتل رثته ابنته ضبيعة، و كانت شاعرة من شواعر العرب بقولها:
عين جودي على خزيمة بالدّ* * * مع قتيل الأحزاب يوم الفرات‌
قتلوا ذا الشهادتين عتوّا* * * أدرك اللّه منهم بالترات‌
قتلوه في فتية غير عزل* * * يسرعون الركوب للدعوات‌
نصروا السيد الموفّق ذا العد* * * ل و دانوا بذاك حتّى الممات‌
لعن اللّه معشرا قتلوه* * * و رماهم بالخزي و الآفات‌

وكذلك  ( رافع بن خديج بن رافع بن عديّ بن زيد بن عمرو بن زيد بن جشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج الأنصاري ) المتوفى 74 ه. الصحابي الراوي. أصابه سهم يوم أحد، فبقي النّصل في جسمه إلى أن مات سنة 74 ه. و شهد صفين أيضا، و أكثر المشاهد. روى عنه خلق كثير. كان عرّيف قومه، و له عقب كانوا بالمدينة، و بغداد. و قد عرض نفسه يوم بدر فرده رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لصغر سنه، و أجازه يوم أحد. و كان يخضب بالصفرة و يحفي شاربه. و أمه حليمة بنت عروة بن مسعود .
ومنهم ( رفاعة بن رافع بن مالك بن عجلان بن عمرو بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن عضب بن جشم بن الخزرج ) الأنصاري مات 41 ه. كان أبوه رافع، من أصحاب العقبة. أما هو فشهد حرب صفّين، و مات في خلافة معاوية. دفع إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) راية همدان حين خروجه إلى صفّين. و كان من عرفاء الشيعة. و علمائهم و المعروفين منهم بالتمسك بولاية عليّ (عليه السلام)، و من الذين بايعوا أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد قتل عثمان. و فضّلوه على المسلمين كلهم كافة . وابوه ( رافع بن مالك ) او المسلمين من الخزرج  .
وهذا ( زياد بن لبيد بن ثعلبة بن سنان بن عامر بن عدي بن أمية بن بياضة بن عامر بن زريق بن عبد حارثة بن مالك بن ضب بن جشم بن الخزرج بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي البياضي أبو عبد اللّه ) المتوفى سنة 41 ه صحابي، محدّث شهد العقبة مع السبعين من الأنصار، و حين أسلم كسر أصنام بني بياضة، هو و فروة بن عمرو. و مات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هو عامله على حضرموت. ولي قتال أهل الردة باليمن، و كان له بلاء حسن في قتال أهل الردة، و يعتبر من فقهاء الصحابة. ثم التحق بأمير المؤمنين (عليه السلام)، و اشترك في وقعة الجمل . يصرح في شعر له يوم الجمل بان ( علي بن ابي طالب ) هو ( الوصي ) :
كيف ترى الأنصار في يوم الكلب* * * إنا أناس لا نبالي من عطب‌
و لا نبالي في الوصيّ من غضب* * * و إنّما الأنصار جد لا لعب‌
هذا عليّ و ابن عبد المطلب* * * ننصره اليوم على من قد كذب‌
من يكسب البغي فبئس ما اكتسب
ومن الأنصار (أبو سعيد الخدري) ( سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر بن عوف بن الحارث بن الخزرج بن حارثة ) الأنصاري الخزرجي مات 61، 64، 65 ه. صحابي، و ابن صحابي، و من الحفاظ المكثرين، العلماء الفضلاء العقلاء. رجع بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) و مات في المدينة و أعقب: عبد الرحمن. عبد اللّه. حمزة. روى عنه أبو هارون العبدي، و قال: كنت أرى رأي الخوارج حتّى جلست إلى أبي سعيد الخدري، فسمعته يقول: امر الناس بخمس فعملوا بأربع و تركوا واحدة، فقال له رجل، يا أبا سعيد ما هذه الأربعة؟ التي عملوا بها قال: الصلاة، و الزكاة، و الصوم، و الحج، فقلت: فما الواحدة التي تركوها، قال: ولاية علي بن أبي طالب  .
ومن الأنصار الخلّص ( سهل بن حنيف بن واهب بن العكيم بن ثعلبة بن مجدعة بن الحارث بن عمرو بخرج بن حنش بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس ) الأنصاري العربي المتوفى 38 ه. محدّث، سكن الكوفة، و شهد بدرا و ما بعدها، و استخلفه عليّ (عليه السلام) على المدينة، حين خرج إلى العراق، و ولاه فارس، و شهد معه صفّين، و مات عام 38، في الكوفة. روى عنه لفيف من التابعين. و له شعر في كتب التأريخ و الأدب. و صلّى عليه أمير المؤمنين (عليه السلام)، و جاء أنّ سهلا و أخاه عثمان، كانا على شرطة الخميس، و كان أحد الاثنى عشر الذين أنكروا على أبي بكر. و لما مات جزع (عليه السلام) عليه جزعا شديدا و صلّى عليه، و كبّر سبع تكبيرات، و قال: لو كبّرت عليه سبعين لكان أهلا  . وكان من غيرته ومروءته يأتي امرأة لا زوج لها بقباء فيعطيها ما تيسر له ، ثم يعدو على أوثان القوم فيكسرها ليلاً ويأتيها بها لتحتطب ، فآثر له علي ذلك حتى مات معه في صفين  .

ومنهم ( النعمان بن العجلان بن النعمان بن عامر بن زريق الأنصاري الزرقي ) وكان شاعراً فصيحاً سيداً في قومه، أتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقال‏:‏ كيف تجدك يا نعمان ? قال‏:‏ أجدني أوعك‏.‏ فقال‏:‏ اللهم شفاء عاجلاً إن كن عرض مرض، أو صبراً على بلية إن أطلت، أو خروجاً من الدنيا إلى رحمتك إن قضيت أجله‏.‏ وتزوج النعمان خولة بنت قيس، امرأة حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه بعد قتله‏.‏ واستعمله علي بن أبي طالب على البحرين  .


جهاد الانصار
ينقل ابن إسحاق:( وفرغ الناس لقتلاهم فحدثني محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني، أخو بني النجار: أن رسول الله  قال: «من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع أفي الأحياء هو أم في الأموات؟». فقال رجل من الأنصار: أنا، فنظر فوجده جريحا في القتلى وبه رمق. قال: فقال له: إن رسول الله  أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ فقال: أنا في الأموات فأبلغ رسول الله  سلامي وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته، وأبلغ قومك الأنصار عني السلام وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف ) .
ومن جهاد الأنصار العقائدي ما نقله في البداية والنهاية ( قال موسى بن عقبة بعد اقتصاصه وقعة أحد، وذكره رجوعه عليه السلام إلى المدينة: وقدم رجل من أهل مكة على رسول الله فسأله عن أبي سفيان وأصحابه فقال: نازلتهم فسمعتهم يتلاومون ويقول بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئا أصبتم شوكة القوم وحدهم، ثم تركتموهم ولم تبتروهم، فقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم. فأمر رسول الله  - وبهم أشد القرح -بطلب العدو ليسمعوا بذلك وقال: «لا ينطلقن معي إلا من شهد القتال» فقال عبد الله بن أبي: أنا راكب معك. فقال: «لا». فاستجابوا لله ولرسوله على الذي بهم من البلاء فانطلقوا فقال الله في كتابه: { الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ } [آل عمران: 172] . قال: وأذن رسول الله  لجابر حين ذكر أن أباه أمره بالمقام في المدينة على أخواته. قال: وطلب رسول الله  العدو حتى بلغ حمراء الأسد. وهكذا روى ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير سواء. وقال محمد بن إسحاق في (مغازيه): وكان يوم أحد يوم السبت النصف من شوال، فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال، أذن مؤذن رسول الله  في الناس بطلب العدو، وأذن مؤذنه ألا يخرجن أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، فكلمه جابر بن عبد الله فأذن له. قال ابن إسحاق: وإنما خرج رسول الله  مرهبا للعدو ليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم. قال ابن إسحاق - رحمه الله -: فحدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان أن رجلا من بني عبد الأشهل قال: شهدت أحدا أنا وأخ لي فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله  بالخروج في طلب العدو قلت لأخي وقال لي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله ؟ والله ما لنا من دابة نركبها وما منا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله  وكنت أيسر جرحا منه، فكان إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون. قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله  حتى انتهى إلى حمراء الأسد - وهي من المدينة على ثمانية أميال - فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة ) .
قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن مسلم الزهري، عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: وكان مما صنع الله لرسوله  أن هذين الحيين من الأنصار الأوس والخزرج، كانا يتصاولان مع رسول الله  تصاول الفحلين، لا تصنع الأوس شيئا فيه غناء عن رسول الله  إلا وقالت الخزرج والله لا يذهبون بهذه فضلا علينا عند رسول الله  فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها، وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الأوس مثل ذلك . وطالما كانت رايات النبي في أيديهم ، كما كانت في يد سعد بن عبادة في فتح مكة وفِي غزوة وادي القرى ، وفِي يد ولده قيس في فتح مكة ايضاً .
وفِي يوم حنين حين فرّ الناس يقول الحافظ البيهقي: أنبا الحاكم، أنبا الأصم، أنبا أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، حدثني عاصم بن عمر، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله: أن رسول الله قال يوم حنين حين رأى من الناس ما رأى: «يا عباس ناد يا معشر الأنصار، يا أصحاب الشجرة». فأجابوه: لبيك لبيك، فجعل الرجل يذهب ليعطف بعيره فلا يقدر على ذلك، فيقذف درعه عن عنقه، ويأخذ سيفه وترسه، ثم يؤم الصوت، حتى اجتمع إلى رسول الله  منهم مائة، فاستعرض الناس فاقتتلوا .
وقال البخاري: ثنا عبد الله بن محمد، ثنا هشام، ثنا معمر، عن الزهري، حدثني أنس بن مالك قال: قال ناس من الأنصار حين أفاء الله على رسوله ما أفاء من أموال هوازن، فطفق النبي  يعطي رجالا المائة من الإبل. فقالوا: يغفر الله لرسول الله ، يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ قال أنس بن مالك: فحدث رسول الله  بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة أدم، ولم يدع معهم غيرهم. فلما اجتمعوا قام النبي  فقال: «ما حديث بلغني عنكم؟» قال فقهاء الأنصار: أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئا، وأما ناس منا حديثة أسنانهم، فقالوا: يغفر الله لرسول الله ، يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم. فقال رسول الله : «فإني لأعطي رجالا حديثي عهد بالكفر أتألفهم، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وتذهبون بالنبي إلى رحالكم؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به». قالوا: يا رسول الله قد رضينا. فقال لهم النبي : «فستجدون أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض». قال أنس: فلم يصبروا. تفرد به البخاري من هذا الوجه. ثم رواه البخاري ومسلم، من حديث ابن عوف، عن هشام بن زيد، عن جده أنس بن مالك قال: لما كان يوم حنين التقى هوازن ومع النبي  عشرة آلاف والطلقاء فأدبروا، فقال: «يا معشر الأنصار». قالوا: لبيك يا رسول الله وسعديك، لبيك نحن بين يديك. فنزل رسول الله  فقال: «أنا عبد الله ورسوله» فانهزم المشركون، فأعطى الطلقاء والمهاجرين ولم يعط الأنصار شيئا، فقالوا فدعاهم فأدخلهم في قبته، فقال: «أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله ؟».قالوا: بلى. فقال رسول الله : «لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار». وفي رواية للبخاري من هذا الوجه: قال لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بنعمهم وذراريهم، ومع رسول الله  عشرة آلاف والطلقاء، فأدبروا عنه حتى بقي وحده، فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما. التفت عن يمينه فقال: «يا معشر الأنصار؟» قالوا: لبيك يا رسول الله، أبشر نحن معك. ثم التفت عن يساره فقال: «يا معشر الأنصار؟». فقالوا: لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك، وهو على بغلة بيضاء، فنزل فقال: «أنا عبد الله ورسوله». فانهزم المشركون، وأصاب يومئذ مغانم كثيرة، فقسم بين المهاجرين والطلقاء، ولم يعط الأنصار شيئا. فقالت الأنصار: إذا كانت شديدة فنحن ندعى ويعطى الغنيمة غيرنا، فبلغه ذلك فجمعهم في قبة فقال: «يا معشر الأنصار ما حديث بلغني؟» فسكتوا. فقال: «يا معشر الأنصار ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون برسول الله تحوزونه إلى بيوتكم؟». قالوا: بلى. فقال: «لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار». قال هشام: قلت يا أبا حمزة وأنت شاهد ذلك؟ قال: وأين أغيب عنه. ثم رواه البخاري ومسلم أيضا، من حديث شعبة، عن قتادة، عن أنس قال: جمع رسول الله  الأنصار فقال: «إن قريش حديثو عهد بجاهلية ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم، أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله إلى بيوتكم؟». قالوا: بلى. قال: «لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت وادي الأنصار أو شعب الأنصار». وأخرجاه أيضا من حديث شعبة، عن أبي التياح يزيد بن حميد، عن أنس بنحوه، وفيه فقالوا: والله إن هذا لهو العجب، إن سيوفنا لتقطر من دمائهم والغنائم تقسم فيهم. فخطبهم وذكر نحو ما تقدم. وقال الإمام أحمد: ثنا عفان، ثنا حماد، ثنا ثابت، عن أنس بن مالك، أن رسول الله  أعطى أبا سفيان، وعيينة، والأقرع، وسهيل بن عمرو، في آخرين يوم حنين فقالت الأنصار: يا رسول الله سيوفنا تقطر من دمائهم، وهم يذهبون بالمغنم؟ فبلغ ذلك النبي ، فجمعهم في قبة له حتى فاضت فقال: «فيكم أحد من غيركم؟». قالوا: لا إلا ابن أختنا. قال: «ابن أخت القوم منهم». ثم قال: «أقلتم كذا وكذا؟». قالوا: نعم. قال: «أنتم الشعار والناس الدثار، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير، وتذهبون برسول الله  إلى دياركم؟». قالوا: بلى. قال: «الأنصار كرشي وعيبتي، لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعبهم، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار»  . وطالما باتت وجوه الأنصار وأشرافهم تحرس مقام رسول الله من غيلة قريش واليهود ، لا سيما بعد عودتهم من احد ، وعلى رأسهم سيدهم ( سعد بن عبادة )  . وهو الموقف الذي كشف فيه أبو سفيان وشيبة بن عثمان بن ابي طلحة العبدري فكرهما صراحة والشماتة بالمسلمين ، رغم اظهارهم الإسلام الكاذب يوم فتح مكة  .
وحين سمع رسول الله نواح نساء الأنصار على عمه الحمزة قال ( رحم الله الأنصار فان المواساة كما علمت منهم لقديمة ) . وحين سمعت احدى نساء بني دينار من الأنصار إصابة زوجها وأخيها وأبيها مع رسول الله يوم احد لم تسال عن شانهم وإنما سالت عن رسول الله ، وعندما علمت انه بخير قالت ان كل مصيبة بعده جلل  .

اختيارهم علي
وقد اختارت الأنصار علياً اول الامر ، ثم انها لم تختر الشيخين ، حتى هجر سيد الأنصار سعد بن عبادة المدينة ورحل الى الشام على الا يبايع أحداً منهما ، فقتلوه غيلة ونسبوا قتله الى سهم من الجن ، ثم كان سيدهم قيس بن سعد بن عبادة حامل راية علي بن ابي طالب يوم صفين ، ثم كانوا سكنة العراق وشيعته ، وهذا هو الوادي الذي سلكوه ، وقد صبروا على الأثرة والقهر القرشي لهم ، حتى ثار حنظلة غسيل الملائكة على جذورهم وبطش وفسق بني أمية ، فاستباحهم البيت الأموي ثلاثة ايّام بما يعرف بوقعة الحرّة .
وقد  ذم معاوية الأنصار ، فدعا النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري ومسلمة بن مخلد الأنصاري ، ولم يكن معه من الأنصار غيرهما ، فقال : يا هذان لقد غمني ما لقيت من الأوس والخزرج صاروا واضعي سيوفهم على عواتقهم يدعون إلى النزال حتى والله جبنوا أصحابي الشجاع والجبان  .



13

بين العنصرية والعبودية خلط الأوراق


العنصرية :
( هو تفضيل شخص على شخص و عدم المساواة بينهما من حيث الدين، اللغة، الجنس و اللون ) .


العبودية :
( إستعباد الإنسان لأخيه الإنسان ) .


هناك فرق كبير بين المصطلحين ، وتم خلطهما إعلامياً لسد عورة العنصرية ، مثلما تم خلط مفهومي الاحتلال والاستعمار .

فالعبيد في الأزمان القديمة كان يخضع لها البيض لأسباب اقتصادية حين يدينون بمبالغ مالية كبيرة لجهة ولا يستطيعون السداد فيقدمون الجهد العضلي بديلاً عنها . او لأسباب عسكرية حين تنتصر قوة ما على فئة ما ويتم أسر الكثير من أفرادها ولا تريد القوة المنتصرة الإنفاق عليهم دون مقابل فيتم استخدامهم .

اما العنصرية فتنشأ بناءً على رؤية طائفة او جماعة ما تفوقها على جماعة أخرى على اساس اللون او العرق أو الدين أو غيرها . فتستبيح تلك الجماعة التي تصنفها على انها أدنى . وقد تفشت بعد قيام الشعوب الأوروبية بالانتشار العسكري ، حيث ابادت نحو مليار إنسان في الأمريكيتين وسلبت أرضهم ، وجاءت بملايين الأفارقة كعبيد لتستخدمهم في تلك الأراضي المسلوبة . ولم تكتف بذلك بل قامت بالتمييز الاجتماعي ضدهم تماشياً مع نظرياتها واعتقاداتها .

ولهذا لا تزال القيادات والجامعات الغربية تؤمن بشرعية هذا التمييز ، وفي كثير من الأحيان ضرورته . وهو ما يحقق لها مكاسب اقتصادية وعسكرية . ولولا الثورة التقنية والصناعية والثورات الشعبية المستمرة لما تم تحرير احد من العبيد الأفارقة . لكن مع ظهور الآلات كبديل موضوعي لجهدهم العضلي أرادت القوى الغربية الظهور بمظهر إنساني تستثمره إعلاميا .
وكل هذه العنصرية تقوم على فكرة الشعب المختار للزعماء اليهود الذين يقودون العالم في الحقيقة ، والذين يتمتعون بقوانين تمييزية خاصة في مجمل بلاد الغرب .

14
تاريخ الإسلام – قراءة جديدة – شيعة علي



وهم القسم الخاص من الامة الإسلامية ، يكاد يجمعهم – لا سيما لاحقا – اصل مشترك ، انهم في الغالب ورثة الامة الآرامية ، او المتأثرون بها . وهي الامة التي فصلّنا شيئاً من احوالها ومسيرتها في بحث خاص ، وأنها خلاصة التاريخ السومري والحضارات الإبراهيمية . ولهم خصائص تكشفها مواقفهم النبيلة قبل الإسلام وبعده ، وعند الشدة وعند الرخاء ، فهم كانوا سادة قومهم او اجودهم او اتقاهم او أعلمهم ، وكذلك كان علي . عن أبي قيس الأودي قال ( أدركت الناس وهم ثلاث طبقات أهل دين يحبون علياً وأهل دنيا يحبون معاوية وخوارج )   .
حين نزلت الرسالة الإسلامية ما عبد الله بشرعتها يومئذ الا محمد وعلي وخديجة ، علناً ، ولم يكن من رابع  . وفي مجلس لأعيان بني هاشم من ال عبد المطلب ، فيهم أبو طالب والحمزة وأبو لهب ، قال النبي وهو يأخذ برقبة علي (  إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا )  . وعن  ابن عباس  عن النبي قال  (  يا  علي  ، أنت سيد في الدنيا ، سيد في الآخرة ، حبيبك حبيبي  ، وحبيبي حبيب الله ، وعدوك عدوي ، وعدوي عدو الله ، والويل لمن أبغضك بعدي )  ، وعن ابن ابي الحديد عن رسول الله قال لعلي ( لا يبغضك مؤمن ولا يحبك منافق )  ، وعن البخاري: حدثنا قتيبة، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم قال: أخبرني سهل بن سعد: أن رسول الله  قال يوم خيبر: «لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله». قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على النبي  كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: «أين علي بن أبي طالب؟» فقالوا: هو يا رسول الله، يشتكي عينيه. قال: «فأرسل إليه» فأتى، فبصق رسول الله  في عينيه، ودعا له فبرأ، حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية. فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال : «انفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم»  . وقال النبي لعلي ايضاً ( وقال لعلي: « أنت مني وأنا منك >> و قال << وأما أنت يا علي فأخي وصاحبي >>  ، وبالتالي فمن اهتدى بعلي كان من رسول الله ورسول الله منه . وقد آخى رسول الله بين نفسه وعلي لعلو المقام والرتبة . وكانت اليه راية رسول الله في كل المشاهد  ، رغم تعويم الكتّاب لاحقاً لهذا الامر . وقد شهد له أبو ذرّ الغفاري عند ابن عباس انه مصداق قوله تعالى ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا )  . لذلك أنفذ رسول الله علياً خلف ابي بكر لمنعه من تبليغ سورة براءة حين أمره الله انه لا يؤديها الا رجل منه  . وعن ابن ابي الحديد أيضا : انه لم يدون لاحد من فصحاء الصحابة العشر ولا نصف العشر مما دون له  – أي علي بن ابي طالب .

يقول ابن أبي الحديد – في مقارنة بن علي بن ابي طالب وبين سعد بن ابي وقّاص - : شتان بين علي وسعد هذا يداحش على السلب ويتأسف على فواته وذلك يقتل عمرو بن عبد ود يوم الخندق وهو فارس قريش وصنديدها مبارزة فيعرض عن سلبه فيقال له كيف تركت سلبه وهو أنفس سلب فقال كرهت أن ابز السري ثيابه ، فكأن حبيباً عناه بقوله:
إن الأسود اسود الغاب همتها * يوم الكريهة في المسلوب لا السلب 
عن سعيد بن جبير  ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : لما نزلت : ( إنما أنت منذر ولكل قوم هاد ) قال : وضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده على صدره ، وقال : " أنا المنذر ، ولكل قوم هاد " ، وأومأ بيده إلى منكب علي ، فقال : " أنت الهادي يا علي ، بك يهتدي المهتدون من بعدي "  . وعلي بن ابي طالب من قتل كل حملة لواء قريش يوم بدر  . وحين نعلم من علي واصحابه نعي لماذا ثبتوا وحدهم حول رسول الله يوم احد وفرّ الباقون  .
لذلك كان الرسول حين يريد معالجة امر او قضية بنحو يكون هو طرف فيه بشخصه كان يرسل عليا ، ولهذا ارسله لأداء حق بني جذيمة الذين قتلهم خالد بن الوليد بلا ذنب بعد ان اعطاهم الأمان ، فجعل علي لهم الدية بما يرضون وزيادة ، لهم ولأنعامهم  .

لقد جاءت قبائل العراق التاريخي الكبرى ، مثل مذحج والنخع وزبيد وعبد القيس  ، وقد كانوا نصارى ، طائعين في اسلامهم الى رسول الله ، ولو شاءوا لقاتلوا عن دينهم النصراني كما قاتلوا بعدئذ عن الإسلام بشراسة ، لكنهم كانوا مختارين باحثين عن الحق ، لا كما يدعي المدعون من إجبارهم بالسيف على الإسلام ، فهل السيف الا سيفهم . لكن ارادت أقلام بني امية الا يجعلوا لهم فضلاً دينياً على الحاكم ، كما ارادت الخلافة العمرية من قبل الا يكون لهم فضل على قريش . هذا فضلاً عن اهل العراق من ربيعة ومضر والنبط في جزيرة الشمال العراقية حتى حدود تكريت التي كان اغلب أهلها نصارى  .
قال المسعودي في مروج الذهب: كان ممن شهد صفين مع علي بن أبي طالب ع من أصحاب بدر سبعة وثمانون رجلا منهم سبعة عشر من المهاجرين وسبعون من الأنصار وشهد معه ممن بايع تحت الشجرة وهي بيعة الرضوان من المهاجرين والأنصار ومن سائر الصحابة تسعمائة وكان جميع من شهد معه من الصحابة ألفين وثمانمائة اه‍ . وفي السيرة الحلبية: قال بعضهم شهدنا صفين مع علي بن أبي طالب ثمانمائة من أهل بيعة الرضوان وقتل منهم ثلاثة وستون منهم عمار بن ياسر اه‍ . وفي مروج الذهب أيضا أن علياً ع خرج إلى حرب الجمل في سبعمائة راكب منهم أربعمائة من المهاجرين والأنصار منهم سبعون بدرياً وباقيهم من الصحابة إلى أن قال: ولحق بعلي من أهل المدينة جماعة من الأنصار فيهم خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين. ثم ذكر في مروج الذهب صفة دخول علي ع البصرة فقال: فيما حدث به أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي عن ابن عائشة عن معن بن عيسى عن المنذر بن الجارود قال لما قدم علي البصرة خرجت أنظر إليه فورد موكب نحو ألف فارس يقدمهم فارس على فرس أشهب عليه قلنسوة وثياب بيض متقلد سيفا معه راية وإذا تيجان القوم الأغلب عليها البياض والصفرة مدججين في الحديد والسلاح فقلت من هذا فقيل أبو أيوب الأنصاري وهؤلاء الأنصار وغيرهم ثم تلاهم فارس عليه عمامة صفراء وثياب بيض متقلد سيفا متنكب قوسا معه راية على فرس أشقر في نحو ألف فارس فقلت من هذا فقيل خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين ثم مر بنا فارس على فرس كميت معتم بعمامة صفراء تحتها قلنسوة بيضاء عليه قباء أبيض مصقول متقلد سيفا متنكب قوسا في نحو ألف فارس معه راية فقلت من هذا فقيل أبو قتادة بن ربعي ثم مر بنا فارس على فرس أشهب عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد سدلها بين يديه ومن خلفه شديد الأدمة عليه سكينة ووقار رافع صوته بقراءة القرآن متقلد سيفا متنكب قوسا معه راية بيضاء في ألف من الناس مختلفي التيجان حوله مشيخة وكهول وشباب كان قد أوقفوا للحساب في جباههم أثر السجود فقلت من هذا فقيل عمار بن ياسر في عدة من المهاجرين والأنصار وأبنائهم. ثم مر بنا فارس على فرس أشقر عليه ثياب بيض وقلنسوة بيضاء وعمامة صفراء متنكب قوسا متقلد سيفا تخط رجلاه في الأرض في ألف من الناس الغالب على تيجانهم الصفرة والبياض معه راية صفراء قلت من هذا قيل قيس بن سعد بن عبادة في الأنصار وأبنائهم وغيرهم من قحطان. ثم مر بنا فارس على فرس أشعل ما رأينا أحسن منه عليه ثياب بيض وعمامة سوداء قد سدلها بين يديه بلواء قلت من هذا قيل عبد الله بن العباس في عدة من أصحاب رسول الله ص . ثم تلاه موكب آخر فيه فارس أشبه الناس بالأولين قلت من هذا قيل قثم بن العباس أو سعيد بن العاص. ثم أقبلت الموكب والرايات يقدم بعضها بعضا واشتبكت الرماح، ثم ورد موكب فيه خلق عليهم السلاح والحديد مختلفو الرايات كأنما على رؤوسهم الطير في أوله راية كبيرة يقدمهم الطير كأنما كسر وجبر نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى فوق عن يمينه شاب حسن الوجه وعن يساره شاب حسن الوجه قلت من هؤلاء قيل هذا علي بن أبي طالب وهذان الحسن والحسين عن يمينه وشماله وهذا محمد بن الحنفية بين يديه معه الراية العظمى وهذا الذي خلفه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وهؤلاء ولد عقيل وغيرهم من فتيان بني هاشم وهؤلاء المشايخ أهل بدر من المهاجرين والأنصار  .

عن ( عبد الرحمن بن ابزي الخُزاعي ) قال : شهدنا مع عليّ ممن بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة ثمانمائة نفس بصفّين، فقتل منّا ثلاثمائة و ستون نفسا  . ومن ثم لا نتوقع ممن تربى في الحضن القرشي المعادي لرسول الله ان يوفق لمعرفة حق علي . فهذا ( عبد الله بن عمر بن الخطاب ) من الذين لم يبايعوا أمير المؤمنين (عليه السلام)، و قعد عن بيعته مع جماعة عثمانية لم يروا إلا الخروج عن الأمر. و قال حين حضرته الوفاة: ما أجد في نفسي من أمر الدنيا شيئا إلا أنّي لم أقاتل الفئة الباغية مع عليّ بن أبي طالب . و لما ولي الحجاج الحجاز من قبل عبد الملك بن مروان، راح إليه عبد اللّه ليلا ليبايعه و قال: مد يدك لأبايعك، فقال له الحجاج ما أعجلك، فقال: سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله و سلّم) يقول: من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية  . فأخرج الحجاج رجله و قال: إنّ يدي مشغولة عنك، و كان يكتب فدونك رجلي، فقال ابن عمر: أ تستهزئ منّي؟ قال الحجاج: يا أحمق بني عدي، ما بايعت مع عليّ، و تقول اليوم من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، أو ما كان عليّ إمام زمانك؟ واللّه ما جئت إلي لقول‌ النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) بل جئت مخافة تلك الشجرة التي صلب عليها ابن الزبير، فمسح على رجله و خرج  .


15
المنبر الحر / الحسين بن علي 8
« في: 20:29 24/05/2020  »
الحسين بن علي 8 


بقية جيش بني امية


12 - أسماء بن خارجة
ابن حصن بن حذيفة بن بدر الأمير أبو حسان . وقيل : أبو هند ، الفزاري الكوفي من كبار الأشراف . وهو ابن أخي عيينة بن حصن أحد المؤلفة قلوبهم . روى أسماء عن علي ، وابن مسعود . وعنه : ولده مالك ، وعلي بن ربيعة . وفيه يقول القطامي : إذا مات ابن خارجة بن حصن فلا مطرت على الأرض السماء     ولا رجع البريد بغنم جيش ولا حملت على الطهر النساء قال " المحدث مروان بن معاوية بن الحارث بن عثمان بن أسماء بن خارجة الفزاري " : أتيت الأعمش ، فانتسبت له ، فقال : لقد قسم جدك أسماء قسما ، فنسي جارا له ، فاستحيى أن يعطيه ، وقد بدى غيره ، فدخل عليه ، وصب عليه المال صبا . أفتفعل ذا أنت ؟ وروى أبو إسحاق ، عن أبي الأحوص ، قال : فاخر أسماء بن خارجة رجلا ، فقال : أنا ابن الأشياخ الكرام . فقال ابن مسعود : ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق الذبيح بن إبراهيم الخليل . إسناده صحيح . قال خليفة بن خياط : مات أسماء سنة ست وستين . قلت : ومن أولاده شيخ الإسلام أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء بن خارجة . وبنو فزارة من مضر . ولخارجة أيضا صحبة يسيرة ، ولا رواية له ولا لعيينة  .
وعن البختري بن هلال قال: دخل أسماء بن خارجة على عبد الملك بن مروان، فقال له عبد الملك: قد بلغني عنك خصال كريمة شريفة، فأخبرني عنها؛ قال: يا أمير المؤمنين، هي من غيري أحسن؛ قال: فإني أحب أن أسمعها منك فأخبرني بها، قال: يا أمير المؤمنين، ما أتاني رجل قط في حاجة صغرت أو كبرت فقضيتها، إلا رأيت أن قضاءها ليس يعوض من بذل وجهه إلي؛ ولا جلس إلي رجل قط إلا رأيت له الفضل علي حتى يقوم من عندي؛ ولا جلست مع قومٍ قط فبسطت رجلي إعظاماً لهم وإجلالاً حتى أقوم عنهم. قال له عبد الملك: حق لك أن تكون شريفاً سيداً. قال أسماء بن خارجة: ما شتمت أحداً قط، ولا رددت سائلاً قط، لأنه إنما يسألني أحد رجلين: إما كريم أصابته خصاصة وحاجة، فأنا أحق من سد خلته، وأعانه على حاجته، وإما لئيم أفدي عرضي منه. وإنما يشتمني أحد رجلين: كريم كانت منه زلة وهفوة، فأنا أحق من غفرها، وأخذ بالفضل عليه فيها؛ وإما لئيم فلم أكن لأجعل عرضي له غرضاً؛ وما مددت رجلي بين يدي جليس لي قط فيرى أن ذلك استطالة مني عليه؛ ولا قضيت لأحد حاجة إلا رأيت له الفضل علي حيث جعلني في موضع حاجته. وأتى الأخطل عبد الملك فسأله حمالات تحملها عن قومه، فأبى وعرض عليه نصفها؛ فقدم الكوفة فأتى بشر بن مروان فسأله، فعرض عليه مثل ما عرض عليه عبد الملك، ثم أتى أسماء بن خارجة فحملها عنه كلها ... وعن العتبي، عن أبيه، أن أسماء بن خارجة شرب شراباً يقال له: الباذق، فسكر، فلطم أمه! فلما صحا قالوا له، فاغتم وقال لأمه: من الخفيف لعن الله شربة جعلتني ... أن أقول الخنا لكم يا صفية لم تكوني أهلاً لذاك ولكن ... أسرع الباذق المقدي فيه قال الرياشي: المقد: قرية من قرى حمص، وأصل الباذق: الباذاه بالفارسية، وإنما يعرف بالمقدية، وهو حصن من أرض البلقاء. قال عبد الملك ذات يوم لجلسائه؛ هل تعلمون بيتاً قيل لحي من العرب لا يحبون أن لهم به مثل ما ملكوا، أو قيل فيهم ودوا لو فدوه بجميع ما ملكوه؟ فقال له أسماء بن خارجة: نعم يا أمير المؤمنين، نحن، قال: وما ذاك؟ قال: قول قيس بن الخطيم الأنصاري: من الوافر هنينا بالإقامة ثم سرنا ... كسير حذيفة الخير بن بدر فوالله ما يسرنا أن لنا به مثل ما نملك؛ وقول الحارث بن ظالم: من الوافر فما قومي بثعلبة بن سعد ... ولا بفزارة الشعر الرقابا والله إني لألبس العمامة الصفيقة فيخيل إلي شعر قفاي قد خرج منها  .
وفي ترجمة بنته ( هند ) : هند بنت اسماء بن خارجة بن حصن كَانَتْ زَوْجَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ ، وَقِيلَ : إِنَّهَا كَانَتْ لا تُفَارِقُهُ وَحِينَ تَوَجُّهِهِ مِنْ دِمَشْقَ كَانَتْ مَعَهُ. حكى جعفر بْن شاذان ، عن الحرمازي ، أخبرني الوليد بْن هشام بْن قحذم ، كاتب خالد بْن عبد اللَّه ، وكاتب يوسف بْن عمر ، قَالَ : كانت هند بنت أسماء بْن خارجة عند عبيد اللَّه بْن زياد ابْن أبيه ، وهو ابتكرها ، وكانا لا يفترقان في سفر ، ولا حضر ، فقتل يوم الخازر ، وهو من الزاب ، وهي معه ، فقالت : لا يستمكن هؤلاء مني ، ثم شدت عليها قباءه ، وعمامته ، ومنطقته ، وركبت فرسه الكامل ، ثم خرجت حتى دخلت الكوفة في بقية يومها ، وليلتها ليس معها أنيس ، ثم كانت بعد من أشد خلق اللَّه حزنا عليه ، وتذكرا له وذكر ، قَالَ : فقالت هند : إني لأشتاق إلى القيامة لأرى فيها عبيد اللَّه بْن زياد  .
وعن الشيباني عن عوانة قال : ذكر النساء عند الحجاج، فقال عندي أربع نسوة: هند بنت المهلب، وهند بنت اسماء بن خارجة، وأم الجلاس بنت عبد الرحمن بن أسيد، وأمة الرحمن بنت جرير بن عبد الله البجلي. فأما ليلتي عند هند بنت المهلب فليلة فتى بين فتيان، يلعب ويلعبون؛ وأما ليلتي عند هند بنت اسماء فليلة ملك بين الملوك؛ وأما ليلتي عند ام الجلاس فليلة اعرابي مع اعراب في حديثهم وأشعارهم. وأما ليلتي عند امة الرحمن بنت جرير فليلة عالم بين العلماء والفقهاء  .
وفِي ترجمة تهذيب التهذيب للحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب  : وقال الجعابي: وحضر مع عمه كربلاء فحماه أسماء بن خارجة الفزاري لأنه بن عم أمه  .

13 - كثير بن شهاب
الحارثي‏.‏ في صحبته نظر‏.‏ عداده في الكوفيين، وهو الذي قتل جالينوس الفارسي يوم القادسية، وأخذ سلبة‏.‏ وقيل‏:‏ قتله زهرة بن حوية‏.‏ روى عنه عدي بن حاتم إن كان محفوظا‏.‏ روى أحمد بن عمار بن خالد، عن عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه قال‏:‏ أراه عن الأعمش، عن عثمان بن قيس، عن أبيه، عن عدي بن حاتم قال‏:‏ حدثني كثير بن شهاب في الرجل الذي لطم الرجل، فقالوا‏:‏ يا رسول الله، ولاة يكونون علينا، لا نسألك عن طاعة من انقى وأصلح، ولكن من فعل وفعل‏.‏ فقال‏: ‏"‏اتقوا الله واسمعوا، وأطيعوا‏"‏‏.‏ أخرجه الثلاثة‏.‏وقال أبو نعيم‏: ذكره المتأخر من حديث أحمد بن عمار، عن عمر بن حفص عن أبيه- أراه عن الأعمش- عن عثمان بن قيس‏.‏ والصحيح ما رواه علي بن عبد العزيز، وأبو زرعة، وأبو شيبة إبراهيم بن عبد الله، عن عمر بن حفص، عن أبيه، عن عثمان بن قيس، عن عدي قال قلنا‏:‏ يا رسول الله‏.‏ ولم يذكر الأعمش، ولا كثيراً  ‏.‏
وعن حمزة الزيات قال: كتب عمر إلى كثير بن شهاب: مر من قبلك فليأكل الخبز الفطير بالجبن، فإنه أبقى في البطن. قال أبو مخنف عمن ذكره: وكتب - يعني زياداً - : شهادة الشهود – يعني الذين شهدوا على حجر وأصحابه - في صحيفة، ثم دفعها إلى وائل بن حجر الحضرمي، وكثير بن شهاب الحارثي، وبعثهما عليهم وأمرهما أن يخرجاهم. وجاء وائل بن حجر، وكثير بن شهاب، فأخرجا القوم عشية، قال: فمضوا بهم حتى انتهوا إلى الغريين، فلحقهم شريح بن هانئ معه كتاب، فقال لكثير: بلغ كتابي هذا أمير المؤمنين، فقال: ما فيه؟ فقال: لا تسألني، ما فيه حاجتي. فأبى كثير، وقال: ما أحب أن آتي أمير المؤمنين بكتاب لا أدري ما فيه، وعسى لا يوافقه، فأتى به وائل بن حجر، فقبل منه، ثم مضوا حتى انتهوا إلى مرج عذراء، وبينها وبين دمشق اثنا عشر ميلاً. قال محمد بن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة: كثير بن شهاب بن الحصين ذي الغصة، سمي بذلك لغصة كانت في حلقه، ابن يزيد بن شداد بن قنان بن سلمة بن وهب بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن كعب بن مذحج. وكان أبوه شهاب بن الحصين قتل قاتل أبيه الحصين يوم الردة. وكان كثير بن شهاب سيد مذحج الكوفة، وكان بخيلاً، وكان قليل الحديث. قال العجلي: كثير بن شهاب كوفي تابعي ثقة  .
وفِي الكامل في التاريخ : ثم دفع زيادٌ حجر بن عدي وأصحابه إلى وائل بن حجر الحضرمي وكثير ابن شهاب وأمرهما أن يسيرا بهم إلى الشام فخرجوا عشية فلما بلغوا الغريين لحقهم شريح بن هانىء وأعطى وائلًا كتابًا وقال‏:‏ أبلغه أمير المؤمنين فأخذه وساروا حتى انتهوا بهم إلى مرج عذراء عند دمشق وكانوا‏:‏ حجر ابن عدي الكندي والأرقم بن عبد الله الكندي وشريك بن شداد الحضرمي وصيفي بن فسيل الشيباني وقبيصة بن ضبيعة العبسي وكريم بن عفيف الخثعمي وعاصم بن عوف البجلي وورقاء بن سمي البجلي وكدام بن حيان وعبد الرحمن بن حسان العنزيين ومحرز بن شهاب التميمي وعبد الله بن حوية السعدي التميمي فهؤلاء اثنا عشر رجلًان وأتبعهم زياد برجلين وهما‏:‏ عتبة بن الأخنس من سعد بن بكر وسعد بن نمران الهمداني فتموا أربعة عشر رجلًا‏.‏فبعث معاوية إلى وائل بن حجر وكثير بن شهاب فأدخلهما وأخذ كتابهما فقرأه  .
وفي دوره في إبعاد الناس عن مسلم بن عقيل قال الطبري : عن عبد الله بن خازم الكثيري من الأزد، من بني كثير، قال: أشرف علينا الأشراف، فتكلم كثير بن شهاب أول الناس حتى كادت الشمس أن تجب، فقال: أيها الناس، الحقوا بأهاليكم، ولا تعجلوا الشر، ولا تعرضوا أنفسكم للقتل، فإن هذه جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت، وقد أعطى الله الأمير عهدًا: لئن أتممتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيتكم أن يحرم ذريتكم العطاء، ويفرق مقاتلتكم في مغازي أهل الشأم على غير طمع، وأن يأخذ البريء بالسقي، والشاهد بالغائب، حتى لا يبقى له فيكم بقية من أهل المعصية إلا أذاقها وبال ما جرت أيديها؛ وتكلم الأشراف بنحو من كلام هذا؛ فلما سمع مقالتهم الناس أخذوا يتفرقون، وأخذوا ينصرفون  .

ومن سؤال المرأة الكوفية – حين رأت سبي نساء آل البيت النبوي يدخل الكوفة - عن اي الاسارى هم ؟ دليل انشغال الكوفة – الكبرى - حينئذ بالفتح وكثرة الاسرى وان أهلها كانوا على ملل ونحل مختلفة واهتمامات متفرقة , الى ان اعادت خطبة زينب بنت علي تدوير الفكر الكوفي من الفئة الأولية , لتنقله الى المرحلة المتقدمة في المعرفة العلوية  . حيث بدأت العلوية زينب ثورة الهداية الكبرى بتعريف هذا السبي العلوي انه ( سبي آل محمد ) , ليكون عنواناً ومنطلقاً لما يأتي . ثم خطبت فكانت خطبتها تلامس العاطفة وتستنهض الغيرة وتجلي الفطرة وتستند الى الدين وتحذر من المستقبل بما فعل اهل الحاضر الذين اصابهم داء الماضي . فكانت خطبتها هي البادئة لعصر التشيع التام في العراق  . ليتسنى - بعد هذا التعريف والاستنهاض الزينبي للخط العام غير المتمذهب من اهل الكوفة الذي يتحرك ضمن اطار السلطة الرسمية بأي عنوان فكري كانت – لزين العابدين علي بن الحسين الشهيد ان يغيّر معادلة الفكر الكوفية باتجاه الا يكونوا مع السلطة ولا ضد ال محمد , كمرحلة أولى على خط الثورة  . لا سيما مع معرفة هؤلاء من أبناء الخط العام بشرف نسب آل النبي كحد ادنى واعترافهم انه خير الناس , لا على نحو عقائدي وانما اجتماعي , كما في إقرار سنان بن انس النخعي احد قتلة الحسين عند باب ابن زياد انه قتل خير الناس اماً وابا . فكان ان نطق الصم البكم سياسياً من الفقهاء والصحابة والتابعين أمثال انس بن مالك وزيد بن ارقم امام ابن زياد وهو يضرب ثنايا الحسين غاضبين من فعله ومادحين للحسين شكلاً ومضمونا , الامر الذي جعلها شهادة أخرى تحرك ذهن الخط العام باتجاه ال البيت لم يتعمدها هؤلاء  .


16
الكباش وجهاز مكافحة الإرهاب



الكباش الفرعونية التي نقلتها السلطات المصرية إلى ميدان التحرير لتجد حجة لإقفاله واقفال قصة الثورة الشعبية التي كان الميدان رمزاً لها تحكي قصة أخرى من قصص السذاجة الثورية ، حيث شعب يثور على ديكتاتورية مستبدة ، ودول كبرى لها مصالح غير مشروعة في ذلك البلد تحوك المؤامرات ضده ، فتأتي بما يحب - وهو هنا الدين - بنسخة غبية غير مستقيمة ، لتثبت للشعب الثائر ان خياراته كانت خاطئة ، بعدما اشعرته أنه مستقل فيما اختار ، فتنتهي القصة بديكتاتور عسكري آخر اكثر سماجة ( ينقذ الشعب ) من براثن تلك النسخة الغبية ويعتلي عرش السلطة بالدبابة ( الكيوت ) وليحكم سبعاً عجاف ، بعد ان يقوم ( زوار الفجر ) باقتلاع كل جذور الثورة من أصلها الشعبي .
وفي التظاهرات التشرينية الاخيرة في العراق كانت رسالة واضحة من السفارة الأمريكية للحكومة العراقية أنها قادرة على تحريك الشارع .
وكان الفريق العسكري الرمز سيعلب دور الفريق عبد الفتاح السيسي في مصر ربما ، لولا انكشاف الأمر مبكرا .
وقد ذكرت سابقاً ان القائد العسكري الميداني ليس بالضرورة انه يستطيع قيادة دولة وان عنوان الإصلاح لا يكفي لتزكية فئة اشتهرت بكونها اقل وعيا .لذلك سيمرّ هذا الشعب بمراحل تخبط عديدة نتيجة خلط الأوراق واستبدال الفاسد بالراكد . فليس من الصحيح استبدال الفاسد بالغبي ، إذ كلاهما غير صالحين للحكم . بل ربما يعطي الغبي نتائج أفظع .
لقد قرأنا جميعاً في المدارس عن ثورة 14 تموز في العراق وثورة الضباط الأحرار في مصر وثورة السلال في اليمن وكيف قضت على التخلف الملكي في هذه البلدان .
لكنّ الحقيقة ان هذه الانقلابات قتلت هذه الدول وجعلتها في أسفل سلّم البشرية .
فقد كانت الأنظمة الملكية السائدة في اليمن والعراق ومصر - على طائفيتها وبطئها - مهنية وعلمية وأقرب للفهم الحضاري من حكومات العسكر اللاحقة .
والغريب أن هذه الانقلابات حدثت في عشرية واحدة من السنين من 1952 - 1962م ، الأمر الذي يكشف اشتراكها في المصدر .
وهي متشابهة في النذالة والخسة سلوكاً ونتيجة . ففي العراق التف مجموعة من الضباط حول عبد الكريم قاسم ليغدروا بالحكم الملكي الفيصلي ، ثم غدرت مجموعة الضباط القوميين والبعثيين بعبد الكريم قاسم واسقطوه .
وفي مصر التف مجموعة من الضباط حول محمد نجيب ليغدروا بالحكم الملكي الخديوي ، ثم غدرت مجموعة من الضباط القوميين بمحمد نجيب واسقطوه .
وفي اليمن التف مجموعة من الضباط حول عبد الله السلال - الذي أرسله إمام اليمن بنفسه الى العراق للدراسة في الكلية العسكرية وأخرجه ولي العهد اليمني من السجن بنفسه بعد أن غدر بعائلة الائمة وقرّبه - وغدروا بحكم أئمة اليمن ، ثم غدرت مجموعة من الضباط الناصريين القوميين من فرقة المظليين بعبد الله السلال واسقطوه .
حيث اختيار قائد عسكري ذي علاقات جيدة وسلطة كبيرة ومن ثم التخلص منه .
والنتيجة أن العراق ومصر واليمن اليوم في ذيل قائمة شعوب العالم ، بعد أن كانت قبل هذه الانقلابات بستان العالم . حيث ان هذه الأنظمة قتلت الإنسان والإبداع والفكر .
اليوم وفي ظل عودة الفريق عبد الوهاب الساعدي إلى جهاز مكافحة الإرهاب أجد ان الجهاز لم يعد آمنا .
ان ما يحدث اليوم هو الانتقال من الديكتاتورية العسكرية الاشتراكية - التي كانت بديلاً موضوعياً غربياً للدين والقبلية التكافليتين اللتين كانتا تسودان المجتمع العربي المسلم - إلى الديكتاتورية العسكرية الرأسمالية المباشرة التي تبيع الأرض رأساً للمال الغربي او المظلم .



17
المنبر الحر / الحسين بن علي 4
« في: 20:18 30/04/2020  »
الحسين بن علي 4 

لقد اختار عبيد الله بن زياد عمرَ بن سعد اميراً للجيوش لأنه لم يكن مكشوف النصب والعداء لآل محمد كما في حال شمر بن ذي الجوشن , ولو اختار شمراً من بداية الامر لانسحب البعض من القادة الذين لم يكن لهم مذهب واضح لشكهم في عقيدة شمر , فكان مثل عمر بن سعد هو الأنسب لهذه المهمة بالاستناد الى حسده الباطني لآل الرسول ودنيويته , اذ علم ابن زياد ان قدمي ابن سعد ستجر الى الدماء رويدا . حتى ان ابن سعد بشّر أصحابه في كربلاء وهم يهجمون على الحسين بن علي سيد شباب اهل الجنة بالجنة , وهو تناقض  . رغم ان بعض هؤلاء القادة كانوا يعرفون مقام ال محمد لا امامتهم العقائدية كأثر مباشر لتواجدهم في المجتمع السبئي مثل عمرو بن الحجاج الزبيدي  .
وقد كانت القبائل حينئذ منقسمة على نفسها بين تابع للدولة وبين من يملك عقيدة , فكان الذين قادتهم الدولة الى الهاوية العقائدية , وكان الذين قادتهم العقيدة هم أصحاب التشيع لاحقا . فنجد مثلاً من قبيلة بني اسد حرملة بن كاهل ضد الحسين وهو الذي قتل رضيع الحسين بالسهم  , فيما شيخها حبيب بن مظاهر ووجهها السياسي مسلم بن عوسجة مع الحسين  .
ولما كانت جيوش ابن زياد ترتكز الى المادة الخام  اسلامياً رأينا بعض جند ابن سعد يثوبون الى الحسين لما رأوا حاله واصحابه ليلة الطف . وهذه القبائل التي مع ابن سعد بانقسامها فكرياً وكونها على عقيدة الدولة كانت معركتها مع الحسين ضرورية لتعي من هم اهل البيت ومن هم خصومهم  . لا سيما ان الحسين لم يترك منزلاً من المدينة حتى نينوى كربلاء الا خطب الناس ووعظهم إحياءً لأمر الله والتشيع وهي رسالته الحقيقية حينها .
وقد شهد مسلم بن عوسجة الرجل الإسلامي المعروف بأن شمر بن ذي الجوشن فاسق من عظماء الجبارين وان الله امكن منه , الا ان الحسين منعه من رمي شمر بالسهم لأنه كره ان يبدأهم بقتال  , مما يكشف وضوح ان هؤلاء القوم لم يكونوا شيعة . وهذا ما كشفته مقالات قادة وجند جيش عمر بن سعد تجاه الحسين , والتي تجلت عن حقد وجهل كبير بمقامه العقائدي , ابتداءً من مقالة شمر التي تبشر سيد شباب اهل الجنة بالنار مروراً بمقالات جاهلة من مجموعة من الجنود ثم انتهاءً بقتلهم الحسين والتمثيل بجسده  , ولو كانت فيهم بقايا ذرة من تشيع او انهم جاءوا خوفاً او طمعاً فحسب لقتلوه صمتاً خجلين . بل ان شمر بن ذي الجوشن لم يكن يفهم المعنى الديني والعقائدي لكلمات الحسين يوم كربلاء قبل المعركة وكان يعيش الاستفهام عما يقول الحسين حينها , وكان الحسين ينتقل الى بيان البعد النسبي لا العقائدي له ولأهل بيته افهاماً لمثله  .
لهذا كانت خطب الحسين بن علي يوم كربلاء بثّاً للتشيع ومقدمة لعقيدة الامامة  . وقد بيّن بوضوح ان هؤلاء الذين أتوا لقتاله هم بقايا من جيش الجمل وشذاذ الفرق الضالة التي حاربها ابوه من قبل تطلب بالثأر او انهم من آكلي الحرام جاءت بهم الدنيا وبعض من اليهود واهل الضلالة من اهل الكتاب , حيث قال ( .. وتداعيتم إليها كتداعي الفراش فسحقا لكم يا عبيد الأمة وشذاذ الأحزاب ونبذة الكتاب ونفثة الشيطان وعصبة الآثام ومحرفي الكتاب ومطفئي السنن وقتلة أولاد الأنبياء ومبيدي عترة الأوصياء وملحقي العهار بالنسب ومؤذي المؤمنين وصراخ أئمة المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين ولبئس ما قدمت لهم أنفسهم وفي العذاب هم خالدون وأنتم ابن حرب وأشياعه تعضدون وعنا تخاذلون أجل والله الخذل فيكم معروف وشجت عليه أصولكم وتازرت عليه فروعكم وثبتت عليه قلوبكم وغشيت صدوركم فكنتم أخبث ثمر شجي للناظر واكلة للغاصب الا لعنة الله على الناكثين الذين ينقضون الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا فأنتم والله هم ... )  .
لكنّ الحسين كانت وظيفته في كربلاء ليس الموت وانما بثّ الحياة من جديد , فكان يخطب في معسكر اعدائه لزرع روح الثورة وبيان مفاسد السلطة الحاكمة وانها لا عهد لها ولا شرف , فكان يبذر بذرة الثورة بين تلك القبائل التي جاءت لقتاله من حيث لا تشعر او تشعر . فكانت كلماته تهدف لما هو ابعد من كربلاء , لكنها آتت اكلها حتى في كربلاء ذاتها , فجاءه الحر بن يزيد الرياحي التميمي ويزيد بن مهاصر الكندي تائبين ثائرين ضد معسكرهما وهما من القادة , ويظهر من مقالة الحر لعمر بن سعد انه لم يكن يعي مقام الحسين العقائدي من قبل لكنّه انجذب لمقالة الحق العامة في فمه  . وراح بعد كربلاء من خرج ليفوز برأس الحسين مثل مسروق بن وائل الحضرمي يحدّث الناس عن كرامات اهل البيت فيها  .
ولا شك ان وجود بعض العقائديين في جيش الحسين كان له الأثر ايضاً في إيجاد زخم معرفي يخترق جيش ابن سعد والنواصب , ومن أولئك برير بن خضير احد وجوه القبيلة ذات العقيدة العلوية همدان  . وقد كان هذا السريان العقائدي يتعمق اثناء سير قافلة الحسين كذلك في مناطق كانت بعيدة نسبياً عن الحواضر مثل السماوة اذ كان لهم شهيد في كربلاء هو عبد الله بن عمير الكلبي وزوجته البطلة ام وهب  . وكذلك وهب بن حباب الكلبي وامه ذات العقيدة الصلبة  .
مع بقاء المناطق الخام الابعد عن الطريق الحسيني جاهلة بمقامه , فهذا ابن حوزة التميمي يرى ان الحسين بن علي مصيره الى النار ! . فيما يزيد بن معقل يباهل برير بن خضير في دلالة انه كان يظن انه على الحق , جهلا . ومع ذلك كانت المباهلة ايضاً دلالة ذهنية لجيش عمر بن سعد لمعرفة الحق  .
فيما كان الزعيمان في بني اسد حبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة المدخل العقائدي الأبرز لهذه القبيلة والذي حسم لاحقاً انقسامها ودفع النواصب للخروج منها , اذ انهم كانوا من اهم زعمائها ووجهائها ومقتلهم الى جانب الحسين خلق تساؤلات كثيرة لاشك داخلها افضت الى تنقيتها  .
ومن اجلى معاني قول الحصين بن نمير عن صلاة الحسين بن علي واصحابه انها ( لا تقبل ) انه لم يكن يفهم من مقام الحسين الديني شيئا  .
وهذا ما جعل الموالي من الانباط وغيرهم منقسمين في كربلاء وفقاً لانقسامات القبائل التي حالفوها , فالمعرفة كانت تخضع للأثر الجغرافي والقبلي كثيرا , البعض مع الحسين والكثير في جيش بني امية وكثير جداً لا خلاق لهم  . لهذا نجد ان من يشتم الحسين ويضربه بالسيف على رأسه ويسلب البرنس هو مالك بن النسر الكندي , فيما رفضت زوجه ادخال سلب ابن رسول الله الى بيتها  , وهكذا ظلت مثل هذه القبائل – ككندة - التي خضعت لزعامات مترددة بسبب الدنيا او ناصبية وتأثرت بالمحيط المعرفي العراقي بين المد والجزر في قربها من ال الرسول .
وقد صرّح الحسين بوضوح ان من يقاتلونه هم ( شيعة ال ابي سفيان ) لا شيعة ابيه علي بن ابي طالب  . ودليل ذلك ان قبيلة موالية لعلي صراحة مثل النخع خرج منها مثل زحر بن بدر الذي قتل أبا بكر بن علي  وسنان بن انس الذي ضرب الحسين  , الامر الذي يعني ان معركة الطف الكربلائي كانت فاصلة بين حزبين وعقيدتين لا بين نسقين اجتماعيين . وقد كانت القبائل مختلطة متداخلة لا عقيدة متميزة لها حتى ذلك الحين . فنجد في بيت واحد خولي بن يزيد الاصبحي الذي جاء برأس الحسين ليسلمه لأبن زياد , وكذلك زوجته الأولى النوار التي غضبت لان زوجها لم يجيء بالذهب والفضة بل جاء بهذا الذنب , فيما زوجته الثانية العيوف بنت مالك ظلت تعاديه منذ جاء برأس الحسين حتى دلت عليه جند المختار فقتلوه  .
ويكفي مقالة هذا الجيش الاموي للحسين بأنه يرد ( الحامية = النار ) بعد مقتله دليلاً على جهلهم بمقام اهل البيت  . وسلب الحسين عند شهادته  فعلة فوق رضا ابن زياد , وبالتالي هو دليل اخر على الجهل بمقام الحسين ولا يكون الا من الاعراب . فيما كان الموالون لأهل البيت لا يمنعهم المقام من اظهار ولائهم , فهذه امرأة من بكر بن وائل كانت زوجة لاحد افراد جيش عمر بن سعد حملت السيف نصرة لنساء ال بيت الرسول عندما داست الخيل صدر الحسين لتعبر اليهن , فردها زوجها  .
ومن توزيع رؤوس أصحاب الحسين على القبائل التي جاءت مع عمر بن سعد  نعلم حجمها في ذلك الجيش . فالمنافسة كانت بين هوازن وتميم , على اختلاف الرواية ان احداهما ذهبت بعشرين رأساً والأخرى بسبعة عشر , وهما قبيلتان اعرابيتان . فيما ذهبت كندة بقيادة ال الاشعث بثلاثة عشر رأسا . وذهبت اسد ومذحج – مشتركتين – بنحو ثلاثة عشر رأسا . وباقي الناس بأقل من ثلاثة عشر رأسا .
فيما كان العنوان العام للجيش الذي قاتل الحسين بن علي وحاصره وافجع المسلمين به أوضح في شعر الفضل بن العباس بن عتبة بن ابي لهب حيث عدد القبائل الرئيسة المشاركة في احد ابياته فذكر تميم وبكر والسكون وحمير  , وهي قبائل تشترك في جزء كبير من البداوة او انها غير عراقية أصلا .


18
مسؤولية الدولة العراقية عن السموم


الأورام الخبيثة التي تفشت بعد العام 1991م بين السكان العراقيين بشكل مقلق وكبير ، بالإضافة إلى أمراض العقم والتشوه الولادي وغيرها من الظواهر التي لم يشهد لها العراق مثيل قبل ظهور حزب البعث المجرم والحروب التي شنتها القوات الأجنبية على العراق ، هي على ثلاث مسببات بحسب الدراسات المتفرقة . السبب الأول هي الأمراض والسموم والجراثيم التي زرعتها مختبرات النظام البعثي في الحصة التموينية للشعب العراقي المحاصر ، تحت إشراف العالمتين المجرمتين والمنتميتين لعوائل قيادية في نظام صدام رحاب رشيد طه وهدى صالح مهدي عماش  . والثاني هو المصادر الأجنبية كالدم الملوث القادم من أوروبا  أو الأسلحة الملوثة بالمواد المشعة المستخدمة من قبل القوات الأجنبية  . والثالث عن طريق التلوث البيئي الذي تسبب به الإهمال الحكومي للطبيعة والإنسان في العراق  .
وجميع هذه الأسباب موجبة لنحوين من الإجراءات العاجلة ، أولهما تكفل الدولة العراقية مسؤولية معالجة جميع الحالات التي يتم تشخيصها على أنها من ظواهر أمراض ما بعد العام 1991م ، والقيام بتعويض جميع المصابين وأفراد عائلاتهم .بالإضافة إلى معالجة كل مسببات هذه الظواهر .



19
قانون الأحوال الشخصية العسكري

( العراقيون أحرارٌ في الالتزام بأحوالهم الشخصية، حسب دياناتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم، وينظم ذلك بقانون / الدستور العراقي - المادة 41 ) .
هذه واحدة من أكثر المواد الدستورية الهشة في العالم ، إذ هي المادة التي بقيت حبراً على ورق ولم يتمتع العراقيون بظلّها . فهم يخضعون لقانون أحوال شخصية مزاجي لا فلسفة له . فلا هو ملتزم بالشريعة ولا بحق المساواة ، إذ يلزم الأب بالنفقة في حالة الطلاق ويمنعه من رعاية أبنائه ، حتى وإن كانت الام تتمتع بحالة اقتصادية افضل منه . في حالة من التخبط الفلسفي وعدم الوعي من قبل المشرع العراقي تثقل المرأة والرجل وتدفعهما للانحراف الأخلاقي والمالي . فالشريعة الإسلامية توجب النفقة على الأب لكنها تمنحه آلية خاصة لرعاية الأبناء ، فتنقل إليه الأولاد الذكور بعد اتمامهم السنتين ، لمصالح نفسية واجتماعية ، وتترك الإناث حتى بلوغ السابعة عند الام ثم تنقلهم إلى الأب ، لذات المصالح . ثم عند بلوغهم السن الشرعي للبلوغ وهو غالباً بعد تعدي الثالثة عشر - لا الثامنة عشر - يتم تخييرهم إلى اي الأبوين شاءوا .
وفي مادة أخرى تقول ( العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييزٍ بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي / الدستور العراقي - المادة 14 ) . فكيف جاز التمييز بين الأب والأم في النفقة وحق الحضانة على اساس الجنس .
اما المادة (16) من ذات الدستور فتقول ( تكافؤ الفرص حقٌ مكفولٌ لجميع العراقيين، وتكفل الدولة اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيق ذلك ) . فأين هو التكافؤ للأب في فرص رعاية الأبناء .
وفي مخالفة للمادة 19 من الدستور التي تقول ( ثانياً:- لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، ولا عقوبة إلا على الفعل الذي يعده القانون وقت اقترافه جريمة، ولا يجوز تطبيق عقوبة أشد من العقوبة النافذة وقت ارتكاب الجريمة ) تتم معاقبة الأب دون جريمة من خلال إبعاد أبنائه قسريا والتسبب له بأذى نفسي يتجاوز الحد .
اما المادة (29): أولاً: ( ‌أ- الأسرة أساس المجتمع، وتحافظ الدولة على كيانها وقيمها الدينية والأخلاقية والوطنية ) ، فقد سعى المشرّع العراقي لإرضاء الأمزجة خلف الكواليس بكسر كل هذه القيم ، وانتهك كل ثوابت المجتمع العراقي ولم يستند إلى أي قيمة اجتماعية .
وفي ( ‌ب- تكفل الدولة حماية الأمومة والطفولة والشيخوخة، وترعى النشئ والشباب، وتوفر لهم الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم وقدراتهم ) ، فلا ندري كيف تتم حماية الطفولة بإبعاد الطفل عن أبيه وإحداث شرخ كبير في تكوينه النفسي والتربوي ، من خلال الإطاحة بأحد ركني تنشئته النفسية والاجتماعية .
وفي ( ثانياً:- للأولاد حقٌ على والديهم في التربية والرعاية والتعليم، وللوالدين حقٌ على أولادهم في الاحترام والرعاية، ولاسيما في حالات العوز والعجز والشيخوخة ) ، كيف استطاع المشرع العراقي توفير وحماية كل هذه الحقوق المتبادلة بعد كسر العلاقة مع الأب .
اما ( رابعاً:- تمنع كل أشكال العنف والتعسف في الأسرة والمدرسة والمجتمع ) ، فيعيش المشرع تناقضاً غريباً ، إذ يرفض التعسف داخل الأسرة وهو يتعسف ضد الأب ! .
وهو ما يجد صداه في المادة 37 : ( ثانياً:- تكفل الدولة حماية الفرد من الإكراه الفكري والسياسي والديني ) ، إذ يُكره الأب والطفل معاً فكرياً من خلال التكوين النفسي المشوه ، وسياسياً من خلال القوانين الجائرة ، ودينياً من خلال منعهم من الاحتكام إلى عقائدهم .
ان من حق كل عراقي ان تكون له إيديولوجيا ومجموعة أفكار يقتنع بها ومن المستحيل أن يخلو بشر عاقل من منهج يتبعه ، وكل مجموعة حرة في سلوكها ورموزها ورغبتها في تطبيق أفكارها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ما دامت دعوتها سلمية ، بشرط أن تحترم قيم المجتمع وثوابته ، لكن حين تصل مجموعة محددة إلى السلطة تصير محكومة ومسؤولة أمام الجميع ، لأنها تتحكم بمقدرات الجميع ، ومن حق كل العراقيين انتقادها ومساءلتها عن حقوقهم .


20
الحوزة العلمية الدينية السومرية

علي الابراهيمي

تدفق الآيات هي عملية تواصل رسالي بين مجتمع سابق – رباه احد المصلحين – و بين مجتمع لاحق , عن طريق ترابط اجتماعي وتلاحم مكاني , والتي تهيئ الظروف المناسبة لوجود مرشد ومصلح آخر يكون هو الشحنة الدافعة لعملية التواصل , ومركزا لدوران المعتقدات في كل جيل , وبتعاليم ورؤى ومبادئ جديدة اكثر تفصيلا وعمقا وعددا , تأخذ عملية التواصل هذه على عاتقها تنفيذ المخطط الآلهي العام الهادف , والرامي الى هداية البشرية في كل زمان وكذلك لتحقيق دولة العدل الآلهية , من خلال تهيئة المجتمعات الانسانية الاخرى لتقبل اطروحات هذه الدولة عبر غرس مجموعة من المقدمات التربوية والاصلاحية الكفيلة باعادة مسار البشرية نحو جادة الصواب او قريبا منها .
ومن ثم هي المجموعات المترابطة تاريخياً التي تعي قيادتها الحقيقية , وتطبق رؤاها على ارض الواقع باعلى مستوى , مهما بعد او قرب ظاهريا . المجتمع الايماني ينتقل من مكان الى آخر , حسب الظروف التي تراها القيادة , او التي يمكن ان تساعد على اتساع رقعته في عموم المجتمع , وحسب تعاقب القيادات . وهذا التعاقب بالقيادات يمكن ان يغير من مكان المجتمع الايماني .
وبسبب عدم التمكن من التواصل مع القيادات المتعاقبة , يبقى البعض يظن ان المكان الذي كانت تشغله القيادة السابقة هو الاشرف وهو محل وقوع الاحداث التي اخبرت بها القيادات السابقة  . والواضح ان هذه الرؤية ناتجة عن نظرة اولية لحقيقة المجتمع الايماني , وهي صحيحة في نفسها , لكن الواقع اعمق من ذلك واكثر انتاجا , فهي ناظرة لنتيجة وجود هذا الترابط الاجتماعي العقائدي , والمتمثلة بخلق مجموعة واعية لقيادتها الحقيقية .

ان الحضارة نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي . وتتألف الحضارة من العناصر الأربعة الرئيسية : المواد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون. ولاطراد الحضارة وتقدمها عوامل متعددة من جغرافية واقتصادية ونفسية كالدين واللغة والتربية، ... وقصة الحضارة تبدأ منذ عُرف الإنسان، وهي حلقة متصلة تسلِّمها الأمة المتحضرة إلى من بعدها، ولا تختص بأرض ولا عرق، وإنما تنشأ من العوامل السابقة التي ذكرناها.
وتكاد لا تخلو أمة من تسجيل بعض الصفحات في تاريخ الحضارة ، غير أن ما تمتاز به حضارة عن حضارة إنما هو قوة الأسس التي تقوم عليها، والتأثير الكبير الذي يكون لها، والخير العميم الذي يصيب الإنسانية من قيامها ، وكلما كانت الحضارة عالمية في رسالتها ، إنسانية في نزعتها ، خلقية في اتجاهاتها ، واقعية في مبادئها ، كانت أخلد في التاريخ وأبقى على الزمن وأجدر بالتكريم .
ومن هنا كان لتعاقب الحضارات اثر فاعل في نضوج البشرية وتطور المفاهيم الانسانية , لكن على شرط توفر القادة المخلصين الذين يرشدون ابناء كل حضارة لتبني ما هو صحيح ونبذ ما يخالفه .
ولانهيارها - الحضارة - عوامل هي عكس تلك العوامل التي تؤدي إلى قيامها وتطورها، ومن أهمها الانحلال الخلقي والفكري، واضطراب القوانين والأنظمة، وشيوع الظلم والفقر، وانتشار التشاؤم أو اللامبالاة، وفقدان الموجهين الأكفاء والزعماء المخلصين  .
اذن كان من اللازم توفر مجموعة عوامل اساسية لنقول لتعاقب حضاري معين انه ( تواصل رسالي ) منتج ل( مجتمع ايماني ) , اهمها :
١ – انتقال لإرث حضاري سابق الى احضان حضارة جديدة .
٢ – وضوح تميز المجتمع الحضاري اللاحق على المجتمع السابق فكريا .
٣ – احتواء كلا الحضارتين على منهج عبادة توحيدي .
٤ – وجود مصلح رسالي فاعل في كلا المجتمعين .

انّ علماء التأريخ والانساب والآثاريين اختلفوا في حقيقة العلاقة بين المجتمعين السومري والاكدي , وتولدت في ذلك عدة آراء , ارى ان اغلبها عبثية وترفية , لكن يهمني منها رأيان :
1 – ان المجتمع السومري والاكدي هو مجتمع واحد , كانت لغته الاكدية , اما اللغة السومرية فهي اللغة المقدسة , او لغة ( الدين ) , لذلك كانت اسماء المعابد دائما – حتى في عنفوان التألق الاكدي – سومرية .
2 – ان المجتمع السومري سابق على المجتمع الاكدي لكنهما من اصل واحد , ثم اندمجا معا – لترابطهم العضوي - مع تفوق الاكديين بسبب انتمائهم للسامية ، وبالتالي الى نوح عليه السلام , ونموهم السكاني .
والأقرب - بعد قراءة مقارنة للمصادر - ان السومريين هم قوم نوح وعشيرته , و ذراري من نجا معه في السفينة , اما الاكديون فهم ذرية نوح المباشرة .
ان ابحاثاً عراقية حديثة تشير الى رسو سفينة نوح في ارض النجف , وهو امر يؤيده انشاء نوح للمجتمع الاول في تلك الانحاء , وذلك يخالف آراء اليهود والمستشرقين بان المقصود بجبل ارارات التوراتي مرتفع ما في تركيا او ارمينيا , فما الذي دعا نوح ان يتوجه جنوبا لانشاء مجتمعه حينها ؟ .
يقول العلامة والباحث سامي البدري "، إن "هناك معلومات تم الحصول عليها في وثائق مسمارية باللغة السومرية والأكدية تؤكد أن سفينة نوح قد رست في النجف، مبينا أن النص المدون في اللوح الحادي عشر السطر ١٣٨ و ١٣٩  في ملحمة كلكامش يقول ( أمسك جبل بلاد نصر بالسفينة  ولم يدعها تتحرك ) , واسم السفينة كان ( ناصرت نبشتم ) بمعنى ( حافظة الحياة ) , ويقابل الفعل ( يحفظ ) سومرياً كلمة ( حار , حير ) , وبالتالي تكون الجملة بالسومرية ( امسك جبل بلاد الحير بالسفينة ) , ومن ثم اخذ المكان لاحقاً اسمه من قداسة الموقف فصار ( الحيرة ) , الاسم الذي اختزنته الذاكرة العراقية  , وهو ما يوافق ما جاء في الرواية : ( عن المفضل بن عمر عن أبي عبد الله ( عليه السلام ): " استوت على الجودي " هو فرات الكوفة )  .
وأوضح البدري أن كلمة نصر أكدية وتعني الحفظ ويقابلها بالسومرية حير وحار ويعني أمسك الجبل ، والنجف هي جبل الحيرة , مضيفا أن النص العبري يقول استقرت السفينة على جبل آرارت وهي كلمة بقيت مبهمة " .
وأضاف البدري " اكتشفنا أن اللفظة تتألف من كلمتي ار واراد ، وأن أراد هو نهر الفرات ، وتشير إلى النجف والكوفة ، ولا تشير إلى تركيا " . وقد عضد رأي البدري باحث اكاديمي آخر , أنه لاحظ من خلال تحليلات التربة والأدلة الآثارية أن الطوفان حدث بارتفاع 70 مترا، الأمر الذي يشير إلى أن منطقة الخليج العربي كانت يابسة عندما حدث الطوفان، وارتفعت المياه عن مستوى موقع الخليج العربي إلى 70 مترا , مبينا أن هذا الارتفاع معناه أنه يمتد إلى أعلى نقطة في جنوب العراق وهي منطقة طار النجف " .

ان القرآن الكريم يوضح لنا مدى التغير الجذري في مجتمع نوح ( بعد الطوفان ) , والذي جعل الله تعالى يباركهم ويجزل نعمته عليهم :}  قِيلَ يانُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } (سورة هود: ٤٨) . وكانت النتيجة الطبيعية ان يكون هؤلاء هم ورثة المشروع الالهي الايماني : } فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ } (سورة يونس: ٧٣) .

انّ الولاية التكوينية بحسب المعنى اللغوي تعني انّ للمعصوم جهة قرب من القضايا والأمور الكونية ، بحيث تكون له السلطنة على إحداثها وتكوينها  .
كما انّ هذا التعدد الهائل في ( المخلوقات ) المشرفة على كل شيء وكل حدث في الكون افراط واضح يزيد عن التصورات الذهنية القائمة على الحاجات النفسية للشعوب الوثنية ، التي افترض كريمر انّ السومريين منهم ، حيث يكاد يكون لا نهائي ، وهو امر يصعب تصديق انّ السومري المتحضر يؤمن به . لكن الحقيقة انّ المعتقد السومري كان يؤمن ويفكر بما تؤمن وتفكر به الديانات الإبراهيمية من نظام ( الملائكة ) . وقد قرّر الفيلسوف اليوناني الأول ( طاليس ) – وهو ممن اخذ عن العلوم السومرية – ذات المبدأ حين قال : ( ان العالم مملوء بالآلهة  )  , بمعنى ( الملائكة ) دينيا , و ( القوانين الكونية ) فيزيائيا .
عن تفسير القمي : ( سئل الصادق عليه السلام : هل الملائكة اكثر ، ام بنو آدم ؟ فقال : والذي نفسي بيده ، لملائكة الله في السماوات اكثر من عدد التراب في الارض ، وما في السماء موضع قدم الّا وفيه ملك يسبّحه ويقدّسه ، ولا في الارض شجرة ولا عودة الّا وفيها ملك موكل بها ، يأتي الله كل يوم بعملها ، والله اعلم بها ، وما منهم واحد الّا ويتقرب الى الله كل يوم بولايتنا أهل البيت ، ويستغفر لمحبينا ، ويلعن اعدائنا ، ويسألون الله ان يرسل عليهم العذاب إرسالا  ) .
وكما هو جلي من هذه الرواية انّ الملائكة تعمل كقوانين حاكمة في الموجودات ، وهي ذاتها تقوم في وجودها على ولاية الأئمة المعصومين ، بمعنى هو ذاته التقسيم السومري لتراتبية الموجودات العليا . فيما يكون للمعصومين ذاتهم تراتبية خاصة ، تبتدأ برسول الله ، ثم علي بن ابي طالب ، ثم باقي المعصومين .
وما يؤكد قرائتنا هذه وجود ( نينخورساج = الام ) التي هي ( ننماخ = السيدة المجيدة ) , والتي يسميها السومريون ( ننتو = السيدة التي انجبت ) حيث والدة جميع ( الآلهة )  . وقطعا سيتبادر الى ذهن علماء وفلاسفة الامامية اليوم ( السيدة فاطمة الزهراء = سيدة نساء العالمين ) , والتي كانت مصدرا لانوار ( الائمة ) الموكلة اليهم ( الولاية التكوينية ) , ولعل ما جاء في ( الاسرار الفاطمية ) نقلاً عن ( البحار ٤٣ \ ١٠٥  ) مؤيداً لمذهبنا هذا : ( قال الصادق عليه السلام : وهي الصدّيقة الكبرى ، وعلى معرفتها دارت القرون الاولى ) , وبنفس المعنى بيت للشيخ المجتهد ( محمّد حسين الأصفهاني ) في قصيدته (الأنوار القدسيّة ) : ( وحــــبها مـــن الصفات العاليـة  *  عليــه دارت الـــــقرون الخاليـة ) .
( امّا بالنسبة لأسلوب الخلق الذي عزي الى تلك الآلهة ، فان فلاسفتنا السومريين طوروا مبدءاً صار فيما بعد عقيدة في أنحاء الشرق الأدنى كافة ، وهو مبدأ القوة الخالقة الكامنة في الكلمة الإلهية . فكل ما كان على الاله الخالق ان يفعله ، وفقا لهذا المبدأ ، هو ان يضع خططه وينطق بالكلمة ويعلن الاسم . وربما كانت فكرة القوة الخالقة للكلمة الإلهية نتيجة لاستنتاج قياسي مأخوذ من ملاحظة المجتمع البشري ايضا ، فإذا كان باستطاعة ملك من البشر إنجاز كل ما يريده تقريبا بمجرد الامر ، اي بشىء لا يزيد فيما يبدو على كلمات تصدر من فمه ، فلا شك ان إمكانية القيام بذلك كانت اكبر بالنسبة للآلهة الخالدة التي كانت فوق البشر ومسؤولة عن عوالم الكون الأربعة . ولكن ربما كان هذا الحل (( السهل )) للمشاكل المتعلقة بأصل الكون ، حيث الفكرة والكلمة وحدهما مهمتان جدا ، انعكاسا على الأكثر للحافز البشري باللجوء في تحقيق الرغبات المفعمة بالامل الى مجرد الرغبة في أوقات الضيق والمحنة )  .
وبعيداً عن تفسير كريمر للمعتقد السومري ، نجد انه انطباق تام للمعتقد الابراهيمي الذي ذكرناه . ولا يمكن القول انّ الأديان الإبراهيمية - المتأخرة نسبياً عن الحضارة السومرية زماناً - كانت قد وجدت تلك الرقم والألواح الآثارية التي عثر عليها كريمر ، او انّ هذه المعتقدات قد انتقلت اقتباساً لهذه الحضارات الدينية ، فيلزمنا حينئذ القول بأنّ الامة السومرية قد اخذتها عن غيرها ايضاً ، وربما عن نفس المصدر الذي اخذتْ عنه هذه الأديان ، فلا دليل لدى كريمر على ابتداع السومريين لهذا المعتقد ، بل جلّ ما لديه انهم آمنوا به . ولعلّ النص ( بعد أن انزلت ... الملكية من السماء ، وبعد ان انزل التاج والعرش الخاصان بالملكية من السماء ، اكمل رسوم العبادات والنواميس الإلهية ، وأسس المدن الخمس في مواضع طاهرة ، وسماها بأسمائها وخصصها كمراكز للطقوس والعبادات )  يؤيد هذا الافتراض كثيراً ، باعتبار ان السومريين يكررون باستمرار انّ حضارتهم - بمتبنياتها - هبة الالهة .
لقد ورد في الكتاب المقدس قوله ( في البدء خلق الله السماوات والأرض * وكانت الارض خربة وخالية ، وعلى وجه الغمر ظلمة ، وروح الله يرفّ على وجه المياه * وقال الله : " ليكن نور " ، فكان نور )  .

في أجواء العقل التوحيدي هذا نشأت الحوزة العلمية الدينية في العراق , في مدن مختلفة , منها الكوفة وبغداد والحلة والنجف وكربلاء . وانتقل اليها الإرث التوحيدي , بالمباشرة , وبالنص عن الامام .
ان اهم التغيرات التي اعقبت نوح عليه السلام و اثّرت في مجتمعه الايماني هي الزيادة السكانية العالمية المتفجرة بصورة مطردة , وكحالة طبيعية كانت نسبة الخط الانحرافي في توسع . لذلك كان من الطبيعي والحتمي – بناءا على التخطيط الإلهي العام لهداية البشرية – ظهور شخصية مثل ابراهيم النبي بكل ما يرسم لها القرآن الكريم من ابعاد , وتفترق عن الشخصية القيادية لنوح النبي لاختلاف المهام المناطة بكل واحد منهما .
من الأسباب التي يمكن أن يقام على أساسها التغيير في النبوة، هو أن تكون الرسالة التي هبطت على النبي محدودة باعتبار محدودية نفس النبي، وإن كان مفهوماً عاماً، إلا أن هذا المفهوم العام على ما يقول المناطقة، يصدق على أفراده بالتشكيك. هناك على ما تقول الروايات نبي للبشرية، ونبي للقبيلة، وهناك نبوات تختلف من حيث السعة والضيق باختلاف طبيعة النبي نفسه، باعتبار مستوى كفاءة القيادة الفكرية والعملية في شخص النبي  .
{ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ * { وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ } * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } ( الصافات ٧٥ - ٨٤ ).
ان الارث الذي خلفه المجتمع الايماني الاول – الناتج عن تربية نوح النبي – والذي جعل المجتمع العراقي مجتمعا مدركا لابعاد التوحيد , رغم التطور الانحرافي الطبيعي , ان هذا الارث الفكري والرسالي خلق شخصية رسالية جديدة ذات همة عالية جدا , و تمتلك الارضية المناسبة عقليا لمعاني توحيدية ارقى , لذلك كانت النتيجة المتوقعة : { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ } ( الانعام ٧٥ ) . فاتم ابراهيم اشواطاً ادراكية لم تتسنَ لنوحٍ من قبل : { وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ } ( الأنبياء ٥١ ) .

يرى الكثير من كتّاب التأريخ والمفسرين ان ابراهيم خرج من اور لان اهلها مشركون , وهو ظلم وتجني بحق تلك الاقوام وبحق ابراهيم , فان ابراهيم كان من الواجب عليه قبل كل شيء ان يحاول هداية قومه اولاً , وهذا هو ديدن الرسل , بل الخط الرئيس للبعثات السماوية المتكررة . ان خروج ابراهيم كان ناتجا عن شيئين :
١ – مهمته الايمانية الاصلاحية التوسعية الجديدة
٢ – اطمئنانه لامكانية عودة المجتمع العراقي لحظيرة الايمان في أي وقت , بسبب الارث والارتكاز العقائدي في هذا المجتمع .
وإذا اعتبرنا آدم وإبراهيم من الأنبياء المرسلين ، المكلفين من الإله الكبير الخالق الأزل ، فأنه يمكن أعتبار  الدين السومري بمثابة ( الدين  الإصلاحي الأول ) للبشر ، ونستطيع أن نستدل على تأثير تلك الديانة في المجتمع السومري وما يجاوره ، من خلال ذلك الأرث الحضاري المتنوع الذي وصلنا ،  بالإضافة الى ما أنتجته المؤسسة الدينية من تأثير على الإنسان وعلى العلاقات الداخلية والخارجية للمجتمع ، وبعد أن كان المجتمع قبلها يعاني من عدم نضج المؤسسة الدينية ( وفق نظرة روحية تتعلق بالعلاقات الدينية للإنسان ) ، وعدم تبلور ملامح وترابط وانسجام تلك الأفكار الدينية ، تم ترتيب الانسجام والتكامل بينها بالشكل الذي وصلنا وتميز عن غيره من الأنظمة من النواحي المثولوجية  أو اللاهوتية  أو الطقسية  .
وكان واضحا ان مجادلة ( عبدة الاصنام ) لابراهيم لم تكن عن قناعتهم بقدرات هذه الاصنام , بل هم كانوا يعبدونها لتوارث تقديسها عند اسلافهم , الذين اسسوا الحضارة الاولى , وهذا ما عبرنا عنه سابقا بتأثير ( الغلو ( ( وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ ) ( الأنبياء ٥١ - ٥٣ ) , ( قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قالوا بَلْ وجدْنا آباءَنا كذلِكَ يَفْعَلون ) ( الشعراء ٧٢ - ٧٤ ) .
ان هجرة ابراهيم النبي هنا ليست بمعنى ( ترك ارض الآباء الى بلاد اخرى ) , بل هي تلك الهجرة المنتجة بالمعنى الذي تناوله ( علي شريعتي ) . انها هجرة التغيير والبناء , كالتي قام بها نبي الاسلام ( محمد ) صلى الله عليه و آله . لذلك كان ما بعد الهجرة الابراهيمية غير الذي كان قبلها . (( فآمنَ لَهُ لوط و قالَ إنّي مهاجر إلى ربّي )) ( العنكبوت ٢٦ ) .
في الفترة التي اعقبت مجيء ابراهيم الى شمال العراق ظهرت في فارس الديانة الزرادشتية القريبة جدا من التوحيد . واصبحت الارض الآشورية ملامسة لكل الديانات التوحيدية اللاحقة , وبصورة مثيرة للتساؤل , حتى انها كانت احدى الاسباب الرئيسية لانهيار خط الانحراف الاساسي الذي طرأ على الديانة الابراهيمية من خلال انحراف بني اسرائيل , والذي مهد لظهور المسيح عليه السلام .
ارسل إبراهيم خادمَه إلى بلاد ما بين النهرين ليختار لابنه اسحق زوجة من لابان الذي هو من عائلة زوجته سارة ، ان اختيار ابراهيم زوجة عراقية ( من قومه ) ومن عشيرة زوجته ( سارة ) , على نحو من الاصرار يكشفه الكتاب المقدس , يدل دلالة واضحة ان ابراهيم كان يسير ضمن منهج تربوي ايماني , يُريد فيه – بالاضافة الى الكفالة الصالحة لولده – ان يزيد من تواجد الثلة الصالحة في الاراضي الجديدة , وبالتالي يزداد التأثير الايماني في المنطقة , عبر مجموع المهاجرين العراقيين , الذين حملوا معهم الارتكاز الايماني للمجتمع الاول , وكذلك المستوى العقلي المناسب لمحاججة الاقوام المحيطة . و ما يؤكد ذلك ان ( اسحق )عليه السلام سار على ذات المنهج في تزويج ابنه ( يعقوب النبي ) ، فقد عاش اسحق قليلا بعد ذلك وقد تم إرسال يعقوب إلى بلاد ما بين النهرين ليأخذ لنفسه زوجة من عائلته : ( ثُمَّ رَفَعَ يَعْقُوبُ رِجْلَيْهِ وَذَهَبَ إِلَى أَرْضِ بَنِي الْمَشْرِقِ. 2 وَنَظَرَ وَإِذَا فِي الْحَقْلِ بِئْرٌ وَهُنَاكَ ثَلاَثَةُ قُطْعَانِ غَنَمٍ رَابِضَةٌ عِنْدَهَا، لأَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ تِلْكَ الْبِئْرِ يَسْقُونَ الْقُطْعَانَ، وَالْحَجَرُ عَلَى فَمِ الْبِئْرِ كَانَ كَبِيرًا. 3 فَكَانَ يَجْتَمِعُ إِلَى هُنَاكَ جَمِيعُ الْقُطْعَانِ فَيُدَحْرِجُونَ الْحَجَرَ عَنْ فَمِ الْبِئْرِ وَيَسْقُونَ الْغَنَمَ، ثُمَّ يَرُدُّونَ الْحَجَرَ عَلَى فَمِ الْبِئْرِ إِلَى مَكَانِهِ.4   فَقَالَ لَهُمْ يَعْقُوبُ: «يَا إِخْوَتِي، مِنْ أَيْنَ أَنْتُمْ؟» فَقَالُوا: «نَحْنُ مِنْ حَارَانَ». 5 فَقَالَ لَهُمْ: «هَلْ تَعْرِفُونَ لاَبَانَ ابْنَ نَاحُورَ؟» فَقَالُوا: «نَعْرِفُهُ». 6 فَقَالَ لَهُمْ: «هَلْ لَهُ سَلاَمَةٌ؟» فَقَالُوا: «لَهُ سَلاَمَةٌ. وَهُوَذَا رَاحِيلُ ابْنَتُهُ آتِيَةٌ مَعَ الْغَنَمِ». 7 فَقَالَ: «هُوَذَا النَّهَارُ بَعْدُ طَوِيلٌ. لَيْسَ وَقْتَ اجْتِمَاعِ الْمَوَاشِي. اِسْقُوا الْغَنَمَ وَاذْهَبُوا ارْعَوْا». 8 فَقَالُوا: «لاَ نَقْدِرُ حَتَّى تَجْتَمِعَ جَمِيعُ الْقُطْعَانِ وَيُدَحْرِجُوا الْحَجَرَ عَنْ فَمِ الْبِئْرِ، ثُمَّ نَسْقِي الْغَنَمَ».
9 وَإِذْ هُوَ بَعْدُ يَتَكَلَّمُ مَعَهُمْ أَتَتْ رَاحِيلُ مَعَ غَنَمِ أَبِيهَا، لأَنَّهَا كَانَتْ تَرْعَى. 10 فَكَانَ لَمَّا أَبْصَرَ يَعْقُوبُ رَاحِيلَ بِنْتَ لاَبَانَ خَالِهِ، وَغَنَمَ لاَبَانَ خَالِهِ، أَنَّ يَعْقُوبَ تَقَدَّمَ وَدَحْرَجَ الْحَجَرَ عَنْ فَمِ الْبِئْرِ وَسَقَى غَنَمَ لاَبَانَ خَالِهِ )  .
واراد إبراهيم بذلك كله نشر اهل التوحيد من العراقيين في العالم , لينشروا بدورهم العقيدة الإلهية , وكأنما هو يهيئ اهل العراق للوظيفة الدينية العالمية .
وتتلخص المهمة الدينية النجفية بما كانت عليه الوظيفة الدينية الابراهيمية . وهذه المهمة الشاقة هي زيادة نسبة المجموعة المؤمنة و توسيع رقعة الوسط الايماني ودفع الهالة الايمانية نحو آفاق جديدة واراضي بعيدة , عبر الهجرة الملحمية لابراهيم , لم تكن بالمهمة اليسيرة , خصوصا وانه غيّر عقائد ملوك , وزرع بذور الايمان في شعوب عديدة , و نمّا الجذوة الايمانية في نفوس اقوام كادت تنطفئ فيها . وبذلك مهّد ابراهيم النبي لنشوء الديانات التوحيدية الكبرى .
وكل ذلك من خلال : ١ – توفير عدد اكبر من افراد المجموعة المؤمنة .
٢ – توسيع رقعة الوسط الايماني , من خلال تنقية الشوائب التي اصابت الوسط السابق الذي توسع تلقائيا , وخلق وسط جديد اكبر .
٣ – دفع الهالة الايمانية لاعماق ابعد .
٤ – التمهيد لنشوء الديانات التوحيدية الكبرى لاحقا , وقلب المعادلة لانتاج مجتمع ايماني يفوق المجتمع غير الايماني عددا .
٥ – تحقيق نظرية المجتمع الايماني البديل , عبر ولده اسماعيل الذي استوطن الجزيرة العربية , لتأمين حركة الرسالة في حال انحراف المجتمع الايماني القائم ( مجتمع بني اسرائيل ) .
{ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ } ( ال عمران ٦٨ ) ، لان ابراهيم يُدرك جيدا ان الانسان مخير لا مسير , وان المجتمعات الايمانية قابلة للانحراف , كما حدث مع المجتمع الايماني السابق : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ } ( الحديد ٢٦ ) .
لقد نقل الهكسوس من العموريين وحلفائهم الكنعانيين مجاميع عديدة من السومريين الى ارض مصر , مما سمح لاحقا بتغيّر فكري واعتقادي كبير , تكفل به الزمن . ومما يؤيد ذلك ان سكان مصر الفرعونية كانوا من ( الكوشيين والزنوج ) , لكن بعد الهكسوس بدا واضحا تواجد العنصر السامي الرافديني في مصر . الواقع ان الهكسوس قد قضى عليهم جملة في مصر بوصفهم أمة حاكمة على يد الملك احمس الاول ، وليس معنى انه قد قضى على نفوذهم الثقافي في البلاد  .

كان الفراعنة بعد الهكسوس اقوى لسببين , انهم عرفوا العربة الحربية من الهكسوس وانهم اسقطوا اهم القوى المنافسة في المنطقة  , فكان على بني اسرائيل ( يعقوب ) ان يدفعوا ثمن علاقتهم بالهكسوس , فاستعبدهم الفراعنة واذلوهم . وتوفرت في بني اسرائيل صفتان مهمتان يحبهما الشيطان هما : ( الانا ) و ( امراض الاستعباد النفسية ) , فتأثروا كثيرا بشريعة الكابلا المصرية , ووجدوا فيها ضالتهم ,وكذلك وجد الشيطان جنودا ورجالا كان يبحث بجهد عن مثلهم . وهذا ما يراد تطبيقه اليوم في المنطقة الإسلامية .
لقد خرج موسى من ذلك العالم الفرعوني المظلم بعد ان : ( وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ) ( القصص 20 ) . لكنه لم يجد جوهر ما يبحث عنه عقله بعد , (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) ( القصص 21 ) . فاخلص وجهه للخالق الحق والرب الحقيقي , (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ ) ( القصص 22 ) . فكان عند هذه المرحلة بحاجة الى موجه ناصح , من الارض التي لازالت تحت تأثير التوحيد الابراهيمي , فكان : (وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ) ( القصص 23 – 28 ) .
بعد هذه المرحلة الاجتماعية الابراهيمية اصبح موسى جاهزا لدخول عالم النور : (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ) ( القصص 29 ) , فنودي : ( فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ ) ( القصص 30 ) , لكن موسى كان بحاجة ليميز مفهوم ( الله ) , لما رآه من تلاعب فرعوني في الآيات التكوينية , فجاءه النداء المعرّف ( رَبُّ الْعَالَمِينَ ) ( القصص 30 ) .
( وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب ) ( القصص 31 ) , ان هذا المشهد كان مألوفا لدى موسى , حيث يظهر الجن للفراعنة , من خلال طقوسهم . ان التعبير القرآني : ( رآها تهتز كأنها جان ) , كان دقيقا جدا , ومتعمداً لتوصيف حقيقة الجن المعتمدة على ظاهرة الموجات وتردداتها الاهتزازية , فهي رسالة لنا , اي للمستقبل , وهنا جوهر لعبة الطاقة الشيطانية القائمة اليوم , وهي اساس وجود مستقبلات الطاقة كالاهرامات والمسلات وغيرها في عدة حضارات وثنية .
خشي موسى في نفسه ربما ان يكون داخل العالم الفرعوني حتى الآن , فكان بحاجة الى الطمأنينة الربانية : ( يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ ) ( القصص 31 ) , ( يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون ( 10 ) إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم ( 11 ) ) ( النمل ).
وفي مرحلة لاحقة في طريق الهجرة سأل موسى آخر اسئلته التنويرية الكبرى واتاه الجواب : { وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ } ( الأعراف143) , فاصبح جاهزا الان لتلقي شريعة الرب , وان يعلمها قومه في مرحلة لاحقة :{ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ } ( الأعراف145) .
ان فرعون مثل أولئك السحرة بدأ يشك بالله الخاص به  , وصار يتأثر بصورة الله التي طرحها موسى , لكنه اختار الطريق الخاطئ للتأكد من ( الله ) الحقيقي , حيث قال : ( فاوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحاً لعلّي اطّلع الى اله موسى ) ( القصص 38 ) ,  ( يا هامان ابن لي صرحاً لعلّي ابلغ الأسباب ) ( غافر 36 ) , اذ سلك نفس طرق الكبالا الفيزيائية والكونية للوصول للخالق , والتي خدع بها الشيطان ابائه . وفرعون لم يكن ذلك الساذج الذي تصوره بعض الكتابات , بل كان يريد المعرفة , لكنه استكبر ان ينزل الى طريق موسى الذي جاء من وسط العبيد , فاصرّ على سلوك طريق ابائه في المعرفة , وهو رغم كونه طريقاً علمياً ضخماً جدا , الا انه ببساطة هالة ضخمة من الخداع .
ان مقدار المعرفة الذي يمتلكه فرعون كان كبيرا جدا بكل المقاييس البشرية , فالله تعالى يقول : ( وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آَيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى ) ( طه 56 ) , ومن رأى الآيات كلها –  وهي خارقة للطبيعة المنظورة  –  كان بالتأكيد يعرف الكثير , لكن العقلية التي نشأ عليها فرعو ن جعلته يظن ان ما يراه هو ذاته ما يمكن ان تحققه له الشياطين , والتي ارته سابقا الكثير من الآيات الكونية , وراح يعتقد ان ما جاء به موسى هو جزء من ذات العالم الذي يتواصل معه الفرعون , فتوجه الى موسى: ( قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى . فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى ) ( طه 57 – 58 ) .
من هنا تكون القيادة محور النجاة في كل معضلة , على ان تكون قيادة متحركة , مبدعة , تنتقل بالدواء الى أبنائها . ولو ترك موسى بني وإسرائيل وما هم عليه لما نجا منهم احد .
لقد كان ليوشع بن نون الاثر الكبير في انتقال بني اسرائيل من عصر التيه الى عصر معرفة الرب , ويبدو جليا ان موسى النبي كان يدرك ان وظيفته تقتصر على نقل بني اسرائيل من عصر الاستعباد والانخداع الى عصر التيه , والتيه كان ضروريا كفترة زمنية يتم خلالها سحق الصور الانحرافية التي جاء بها العقل الاسرائيلي من الممارسات الفرعونية . لذلك قام موسى بامر الله على تهيئة وصيه يوشع بن نون , الذي تمتع بالصفات المناسبة للقيادة , والتي تم صقلها , فادّى يوشع مهمته الربانية احسن الاداء , وهزم الاقوام الوثنية من العماليق والكنعانيين , وقسم الارض بين اسباط بني اسرائيل , ونظم مجتمعهم ووضع اسس قيام الدولة التوحيدية الاولى . جاء في الكتاب المقدس : ( قضاة 2: 7 وعبد الشعب الرب كل أيام يشوع وكل أيام الشيوخ الذين طالت أيامهم بعد يشوع الذين رؤوا كل عمل الرب العظيم الذي عمل لإسرائيل ) . وهناك رأي آخر يقول بان دخول الاسرائيليين ارض كنعان كان على فترات زمنية متباعدة نسبيا , وان دور يوشع كان يقوم على اعادة هيكلة المجتمع الاسرائيلي فقط , وبالتالي كان سبب استيطان ارض كنعان هي الهجرة القبلية والازاحة السكانية  .
وكان دور علي بن ابي طالب قريباً من ذلك , وكانت الحوزة العلمية الدينية الوارثة لعلي تلعب نفس الدور التأسيسي في صيانة عقيدة الامة ووقاية مبادئها وتقديس دمائها .
بعد خروج اليهود من فلسطين ظهر فيهم مفهوم جديد , هو ( الثنائية الاعتقادية والاجتماعية ) . فقسم منهم التزم شريعة موسى وآبائه , وآمن بالرب الذي وصفه موسى لهم من خلال شريعته , والقسم الآخر ظلت ترتكز في ذهنه صورة الرب المصري المادي ( الخفي ) . من هنا نشب الصراع بين الكهنة والانبياء , وكلاهما كانت له شعبيته ونفوذه . وقد استمرت هذه الثنائية في المجتمع الاسرائيلي حتى توسع الانقسام وانفصل المجتمعان . واليوم فمصطلح اليهود يشير الى المجتمع الاسرائيلي الذي اتبع الكهنة , والذي يعتقد بالاله المصري . اما المجتمعات اليهودية التي احتفظت ببعض العقائد النقية فقد انعزلت في تجمعات خاصة في الشرق الاوسط .
وهذه الثنائية هي التي تفسر لنا ما عاناه الانبياء ( ارميا  و اشعيا ودانيال ) داخل المجتمع الاسرائيلي , حيث تم سجن ونبذ الآخر  , فيما كان اليهود السبب الرئيس في قضية صلب المسيح عيسى عليه السلام . ولكن كان يهود السبي في ( آشور )  من اول المؤمنين بالمسيح , في القرن الاول الميلادي  , وساهموا في قيام المسيحية النسطورية , التي تعتبر احدى انقى الفرق المسيحية تاريخيا من ناحية الاعتقاد .
وهذا ما مر على الامة الإسلامية نتيجة دنيوية الخلفاء والولاة , ثم الاحتلال الأجنبي لأراضي المسلمين . وانتشر الجهل , فكان لزاماً على الحوزة العلمية الدينية مواجهة الأثر المادي الناشئ عن الجهل والسياسة السلطانية , والشبهات المادية التي صنعها الفكر الغربي الفرعوني الأصل .
ان بني اسرائيل زاد فيهم الانحراف وعانى بينهم الانبياء ,وقد صاروا بابا للفساد بعد ان كانوا بابا للإيمان , ولعل الاعتقادات التي نشأت في مجتمعهم بشكل مغلوط ناتجة عن الترسبات الفرعونية في العقلية الاسرائيلية , فمثلا { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ }( القرآن الكريم ، المائدة، 64 ) , لا يمكن ان نتصور ان تعاليم ابراهيم او موسى تضمنت هذه المغالطة في عزل القدرة الالهية عن التصرف في الخلق , لكننا لو تأملنا المعتقدات الفرعونية والكبالية سوف نجد اصلا لمثل هذه المعتقدات التي تتجلى اليوم في العقيدة ( الماسونية ) التي تشبه ما كان يجريه المصريون وهي عين ما يعلّمه العبرانيون وما يجرونه  , فكان من الضروري ان يبعث الله فيهم نبيا قويا يقوم بسلب الراية الايمانية من ايديهم قبل تمزيقها , ويسلمها الى مجتمع نقي قادر على حملها ,ولان الله تعالى الرحيم الحكيم والرؤوف بخلقه فقد اعد مجتمعا اخر في شبه الجزيرة العربية بعيدا عن تأثير سموم بني اسرائيل الشيطانية المخلوطة والمغطاة بالدين ,هو المجتمع السبأي ( مملكة سبأ ) ومنهم قبيلة ( جرهم ) احفاد نبي الله هود عليه السلام , وهو مجتمع يتضمن خصلة فريدة واساسية : ( الاخلاق ) , والتي يأتي الدين ليتممها , كما عبر الرسول صلى الله عليه واله .

للاطلاع على الموضوع كاملا انقر على الرابط التالي :
http://www.ankawa.com/forum/index.php?action=dlattach;topic=963584.0;attach=1241224

21

أمريكا والبنتاغون والبيت الأبيض ملعون

علي الإبراهيمي

العراقيون يتذكرون كيف فتحت القوات الأمريكية في عام 2003م جميع المؤسسات الحكومية العراقية أمام أعمال النهب ، وكيف كان المترجمون الخليجيون الذين يعملون معها يدعون الناس إلى سرقة اثاث تلك المؤسسات .
وفي 1/10/2019 حين ابتدأت أفواج من الجوكر الأمريكي بتخريب مؤسسات الدولة وجرّ المراهقين معها ، بدأت العصابات تجد فسحة للنمو والتوسع في بغداد وواسط وذي قار ، وكادت تكون كذلك في كربلاء والنجف والبصرة لولا وقوف اهل تلك المدن بوجهها .
ولا يختلف اثنان في كون الحكومة العراقية بل المنظومة السياسية العراقية فاسدة ، وغير قابلة لإعادة التأهيل ، وأن التظاهرات شرعية ، لكن أليست هي المنظومة التي عقدت الإتفاقيات الأمنية والعسكرية مع الأمريكان ، وأن ما بني على باطل فهو باطل ، وأنها وليدة الاحتلال الأمريكي ، فلماذا تموّل الولايات المتحدة مائتين وخمسين مراهقاً في شوارع الناصرية لحرق وإغلاق مؤسسات الدولة . في الوقت الذي تقوم قوات خاصة من بغداد بأخذ ( حسين الزعيم ) الشاب الذي قاد تظاهرات مدينة الرفاعي في ذات المحافظة ذي قار ، رغم أنه رفض كل الإغراءات المقدمة له ، ونجح في تعديل الأمور في مدينته .
إن مدينة الرفاعي مدينة نفطية ، تستولي عليها الشركات الأجنبية ، ويعيش أهلها تحت خط الفقر ، ولم تتدخل بغداد طيلة المصادمات الداخلية فيها وذهاب ضحايا مدنيين ، وكان الإعلام العراقي الأمريكي يتبناها مدينة للثورة ، حتى اقتراب أبنائها من الشركات الأجنبية ، والبدء بمناقشة ملف العمال الأجانب ، عندها تدخلت بغداد .
تم أخذ حسين الزعيم وإيقاف تلك التظاهرات وإغلاق ذلك الملف ، وتم ترضية التيار الصدري بتسليم ملف الدرجات الوظيفية لنائبه ( غايب العميري ) ، وتسويف مطالب المتظاهرين .
ان الشركاء بتحريك الأرض المراهقة ضد مؤسسات الدولة كانوا عملاء السفارة الأمريكية وعملاء التيار الصدري ، فكان هذا الاتفاق كافياً لحماية المؤسسات الأجنبية .
اليوم في محافظة ذي قار هناك عصابتان في عموم المدينة ، عصابة محمد شريف أحد أتباع التيار الصدري ، وعصابة الصيدلاني أحمد الركابي العامل مع السفارة الأمريكية .

22
دروس من الديموقراطية في العراق – العيوب


علي الابراهيمي


الديموقراطية كآلية للحكم فكرة توافقية، لكنها غير ناضجة، ومليئة بالعيوب والثغرات الجوهرية. ولقد تمت صناعة هالة أقرب للقداسة حولها لحمايتها من قبل وسائل الاعلام الموجهة او الساذجة التي تنعق مع كل ناعق، ولولا هذه الهالة المصطنعة لالتفتت الشعوب الحية اليها وناقشتها. وقد كانت هذه الآلية ضرورية في البلدان الاوربية القديمة لكونها لم تكن قائمة على نسق فكري معين، بل كانت أقرب الى النظم العفوية الفوضوية، التي تنتهي الى الملك الذي لم يكن سوى شخص عادي ينتظر تحقيق المزيد من الملذات. وكانت القوانين يتم سنّها وفقاً للهوى الملكي او الاميري في أحسن الأحوال. وهذا الحال غير موجود في الشرق الحضاري الفلسفي قطعا، بل الديموقراطية كانت اختراقاً فوضوياً غربياً لحضارة الشرق، تلج منها الأفكار الاستعمارية بصورة ناعمة.
فالديموقراطية مهما استطاعت ان تحقق من حقوق للأكثرية فهي لابد ان تسحق حقوق وامتيازات الأقلية. وليس بالضرورة ان تكون الأكثرية نبيلة او صاحبة حق شرعي انساني، فالغرائز البشرية قد تحكم حركتها فعليا، كالأنانية.
اذ تساوي وسائل الديموقراطية عند التصويت بين العالم والجاهل، وبين السوي والمجرم، وبين الكبير الناضج والصغير النزق، او قد تصل – حين لا يلتفت أحد – الى مساواة العاقل بالمجنون. فجميعهم له صوت انتخابي، لكنّ الأكيد ان ليس جميعهم له عقل انتخابي.
وحين تتعارض الأفكار التي تتنافس للوصول للحكم بالطريقة الديموقراطية بين الإسلام والشيوعية والاشتراكية والرأسمالية او اية عقيدة أخرى تقوم على أساس شمولها الجذور الأولية لنظام الحكم، ومنه رفض الآلية الديموقراطية والاحتكام الى البعد الفلسفي او الديني، وارادت احدى هذه الجهات تطبيق فكرها بعد وصولها للحكم بصورة ديموقراطية، عندئذ تعاني هذه الآلية عقدة غير قابلة للحل او التوافق مع الفكر السياسي المنتصر. فأما الغاء وجوده او الغاء الآلية الديموقراطية ذاتها. او قد يتم التوافق على الا تنفذ اية جهة فائزة فكرها على الأرض لحفظ حقوق الاخرين، ومن ثم يكون نظام الحكم عبارة عن فوضى، يتبرأ كل فكر منها. وهو الحاصل في العراق.
كما ان هذه الآلية تقوم على أساس الاقناع والانتشار، لاسيما في عصر تكنولوجيا الاعلام، وهذا ما يقوم على المال، والذي لا يكون ربما سوى في يد العصابات ومافيا الفساد , التي ستغطي ذئبها بصوف الخروف .
او قد تراهن المؤسسات السياسية ذات المستوى المتدني على غباء الناخبين، لا وعيهم، للوصول للحكم. فهي لا تستطيع الارتقاء، فتلجأ الى خفض مستوى الذكاء العام، من خلال اليات الاعلام والاشاعة والتخريب للمنشآت التعليمية والتربوية والأخلاقية. الامر الذي ينتج جهلاً وفساداً مركّبا. كما هو حاصل مع اكبر كتلة برلمانية عراقية .
وفي النظام الديموقراطي تظل النظم التعليمية والاقتصادية والجنائية والشخصية بلا أسس فلسفية. وانما تقوم على الأسس التوافقية، التي تتغير بين فترة وأخرى. الامر الذي يتسبب في ارهاق المواطن جسدياً وفكريا.


23
دروس من الديموقراطية في العراق – السفارات


علي الابراهيمي



قيام أي نظام للحكم في العالم تحت حراب الاحتلال عملية خاضعة غير طبيعية . فلا يمكن تصور ان تأتي هذه الحراب من دول فاسدة وتنفق مليارات الدولارات لإنشاء نظام حكم عادل دون ان تبتزه . وبالتالي وعلى الأقل ستنتج خلطة سياسية فوضوية .
ان ما جرى في العراق من خلال فرض قانون إدارة الدولة على مجموعة كتابة الدستور بعد احداث النجف الدامية وعدم وعي المقاتلين هناك حينها لما يراد تأسيسه على اثر تلك المعركة لصبيانيتهم السياسية أسس لنظام مبادئ دستورية فاشلة في كل الجوانب الاقتصادية والقانونية والتعليمية والأمنية والإدارية والدينية في العراق .
كما ان عدم التصدي الحقيقي للمرجعية الدينية المؤثرة اعطى الفرصة للأمريكان وللأحزاب المختلفة التي جاءوا بها لتنفيذ رؤاهم المتضاربة والمختلفة , والتي انتجت الدمار . وملخص هذه الرؤى ( خذ اكبر مقدار من الكعكة ) .
ولا شك ان الأحزاب العراقية المؤسسة لما بعد 2003 م بفسادها خضعت للسلطان الأمريكي . اذ كانت هيئة النزاهة – كما على لسان رئيسها السابق موسى فرج – ملزمة برفع التقارير الشهرية الى السفارة , ومن ثم فالسفارة الامريكية كانت تسيطر على رقاب الفاسدين وتملك زمام امورهم او اسكاتهم على الأقل . وبالتالي فجميع المشاريع الامريكية الاقتصادية والأمنية سارت بهدوء . وصارت الولايات المتحدة تملك ولاءات اكبر مساحة من الأحزاب العراقية . بالإضافة الى لعبها على وتر القضية الكردية والعرب السنة لتحقيق اكبر مقدار من المكاسب . فصارت تتحكم بخيوط اللعبة .
امام هذا المد كان هناك مد آخر , معارض , لا مرجعية له ويحتاج الى الدعم , ولا يتمتع ببعد سياسي مناسب , ولا رؤى عقلية ناضجة , الا انه أراد ان يكبر وهو في صباه , ليواجه الغول الأمريكي , فاختار الأقرب اليه فكرا , كما يظن , وهي السفارة الإيرانية . ولأنه لم ينضج بعد اختار ان يكون مقاتلا , لكنه فشل في إدارة الدولة أيضا .
وكانت هناك دول الخليج بسفاراتها بداعي الحفاظ على مصالح بعض أطياف الشعب العراقي , حتى جعلتهم شظايا , بعد ان أرسلت اليهم الاف الإرهابيين . وكانت هناك سوريا , الدولة الأولى التي دربت الإرهابيين وارسلتهم الى العراق , ظناً منها انها تستطيع هزيمة الامريكان , فانقلب السحر على الساحر . وتركيا وإسرائيل والدول الكبرى . بل حتى الأردن , التي تعمل سفيرة العراق فيها كممثل عن الأردن وليس بلدها .
نعم , كان الجميع بحاجة الى الدعم وطرق باب السفارات , في ظل صراع داخلي انشأته وعززته ديموقراطية فوضوية تقوم على الاختلاف في الرجال لا في الأفكار الإصلاحية .
فوصل الحال الى استغفال الشعب وإعطاء ثروته للشركات المتعددة الجنسيات , عن طريق السفارات ومن يواليها , واقنعوه – بالتعاون مع صندوق النقد الدولي – ان خزينته فارغة وان العالم يساعده .


24
دروس من الديموقراطية في العراق - الانقلاب

علي الابراهيمي


التظاهرات التشرينية الاخيرة في العراق كانت رسالة واضحة من السفارة الأمريكية للحكومة العراقية , التي احتسبتها على إيران , أنها قادرة على تحريك الشارع ضدها , وإسقاطها بنفس الآلية التي تم تطبيقها لإسقاط الحكومات العربية السابقة في تونس ومصر وغيرها . وكان الفريق عبد الوهاب الساعدي سيعلب دور الفريق عبد الفتاح السيسي في مصر ربما ، لولا انكشاف الأمر مبكرا .
لذلك لم تنطلق أية مظاهرات في مناطق الشق السني أو الكردي في الحكومة ، لأنهم غير مشمولين بالتهديد الأمريكي . ولهذا ايضاً كانت الدعايات في الإعلام والإشاعات على الأرض ضد إيران ومنظمة بدر لوضوح ارتباطها تاريخياً بالجمهورية الإسلامية .
وكل هذا مع اقتراب مناقشة ملف خطير في البرلمان وهو ملف الرد على الضربات الإسرائيلية ضد مواقع الحشد الشعبي .
فكانت الإجراءات الأمنية المفرطة تأكيداً من الحكومة أنها قادرة على إفشال المشروع الأمريكي ( وأنها ليست تونس أو مصر ) . ومن هنا جاء تأكيد الحكومة الإيرانية أنها واثقة بقدرة الحكومة العراقية على تهدئة الأوضاع .
وكل هذا لا يعني عدم شرعية المظاهرات ، وإنما يعني ان هناك من يركبها فعلا .
وقد ذكرت سابقاً ان القائد العسكري الميداني ليس بالضرورة انه يستطيع قيادة دولة وان عنوان الإصلاح لا يكفي لتزكية فئة اشتهرت بكونها اقل وعيا .لذلك سيمرّ هذا الشعب بمراحل تخبط عديدة نتيجة خلط الأوراق واستبدال الفاسد بالراكد . فليس من الصحيح استبدال الفاسد بالغبي ، إذ كلاهما غير صالحين للحكم . بل ربما يعطي الغبي نتائج أفظع . فبدل أن نشاهد تغيير قانون الانتخابات نحو الأحسن شاهدناه تغيّر نحو الأسوأ .
ونصيحة لإكمال ما تحدث عنه رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي من إجراءات غير روتينية للإصلاح والتغيير : اقتسام ثروة الشركات النفطية العاملة في العراق مع الفقراء والمحرومين ودعم مشاريع البنى التحتية في المحافظات العاملة فيها . وسؤال ( كتلة سائرون ) هل هي معارضة ام حكومة .




25
المنبر الحر / عنيفون ضد العنف
« في: 12:28 28/09/2019  »
عنيفون ضد العنف

علي الابراهيمي



الدستور العراقي \ الديباجة ( نحنُ ابناء وادي الرافدين موطن الرسل والأنبياء ومثوى الائمة الأطهار ومهد الحضارة وصناع الكتابة ورواد الزراعة ووضاع الترقيم. على أرضنا سنَّ أولُ قانونٍ وضعه الانسان، وفي وطننا خُطَّ أعرقُ عهد عادل لسياسة الأوطان، وفوقَ ترابنا صلى الصحابةُ والأولياء، ونظَّرَ الفلاسفةُ والعلماء، وأبدعَ الأدباء والشعراء ... وأن يسُنَّ من منظومة القيم والمُثُل العليا لرسالات السماء .. )
المادة (2) : اولاً : الاسـلام دين الدولــة الرسمي ، وهـو مصدر أســاس للتشريع : أ ـ لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت احكام الاسلام .
المادة (3) : العراق بلد متعدد القوميات والأديان والمذاهب ، وهو عضو مؤسس وفعال في جامعة الدول العربية وملتزم بميثاقها وجزء من العالم الإسلامي .
المادة ( 17 ) : ثانياً: حرمة المساكن مصونة ولا يجوز دخولها أو تفتيشها أو التعرض لها الا بقرار قضائي ووفقاً للقانون .
المادة (29): اولاً: أـ الاسرة اساس المجتمع ، وتحافظ الدولة على كيانها وقيمها الدينية والاخلاقية والوطنية .
المادة (30) اولاً: تكفل الدولة للفرد وللاسرة ـ وبخاصة الطفل والمرأة ـ الضمان الاجتماعي والصحي ، والمقومات الاساسية للعيش في حياةٍ حرة كريمةٍ ، تؤمن لهم الدخل المناسب ، والسكن الملائم .
المادة (37) ثانياً : تكفل الدولة حماية الفرد من الاكراه الفكري والسياسي والديني .

لاشك ان قانون ( العنف الاسري ) المزمع فرضه على الشعب العراقي معارض لكل هذه النصوص الدستورية التي تفرض على المشرّع احترام دين وثقافة وتقاليد الشعب العراقي . وان مثل هذا القانون يعد انقلاباً على الدستور ومخالفة صريحة لنصوصه . وانه انتهاك صارخ لحرمة الاسرة .
وبغض النظر عن ادخال الأجهزة الأمنية في قضايا الاسرة وتسليط الغرباء على اسرارها فان المادة 13 : ( لا تخضع الشكاوى في قضايا العنف الاسري للاختصاص المكاني ) انتزاع كلي عن الأعراف والتقاليد , اذ لا تتشابه مناطق العراق في عاداتها الاسرية , وبالتالي ما يمكن عده عنفاً في جنوب العراق قد لا يمكن عده كذلك في إقليم كردستان .
اما المادة 15 -أولاً : ( لمن تعرض للعنف الاسري، أو من ينوب عنه قانوناً، تقديم طلب الى القاضي المختص لغرض إصدار قرار الحماية وايداعه في المركز الآمن ) فهي لجوء مباشر للعقلية العسكرية التي لن تترك مجالاً للتصالح , اذ يعرف المشرع ان العقلية العراقية تجاه اللجوء للغريب , ومن ثم سوف تنقسم الاسرة . فضلاً عن اخضاع الاسر لمزاج قاض قد لا يعرف من القيم التربوية شيئا . وبصرف النظر عن كون المراكز الامنة عبأ اقتصادياً جديداً على الدولة فهي – وكما يراد لها – عامل هدم اجتماعي .
وفي المادة 17 ( للقاضي المختص عرض الضحية على اللجان الطبية والنفسية المختصة، واتخاذ ما يلزم لنقلها الى المركز الصحي للعلاج وله تأمين إيوائها في المركز الآمن خلال 48 ساعة ) مفارقة ملفتة , من خلال استخدام الاخصائيين النفسيين في مجتمع عانى الحروب والدكتاتورية والفساد , ومن ثم سيكون كل مجني عليه مفترض يعاني من عدة امراض نفسية , قد لا تكون ناتجة عن العنف الاسري ذاته . ولماذا لا يتم استخدام الاخصائيين النفسيين لفحص الاب العراقي الذي يحرمه قانون الأحوال الشخصية العراقي من حق الحضانة ويجبره على النفقة في تشريع مخالف للشريعة الإسلامية وللديمقراطية .
اما القول في المادة 18 ( يتضمن قرار الحماية إلزام المشكو منه، بتدبير أو أكثر من التدابير الآتية: أولاً: عدم التعرض للضحية وعدم التحريض عليها، أو على أي فرد من أفراد الأسرة أو على مقدم الإخبار. \ ثانياً- منع المشكو منه من دخول منزل الضحية او الاقتراب من أماكن تواجده ) فهو هدم كامل للاسرة , وسلب لحق الأقارب في جمع الطرفين , وتشجيع على الانسلاخ الاسري .
ولا تعني المادة20( اولاً-على وزارة العمل والشؤون الاجتماعية فتح مراكز آمنة لضحايا العنف الاسري في بغداد والمحافظات كافة، لحمايتهم وإعادة تأهيلهم، مع مراعاة الاحتياجات الخاصة لذوي الاعاقة، ويحق للمنظمات غير الحكومية المتخصصة فتح وإدارة المراكز الآمنة بموافقة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ووزارة الداخلية ) سوى فتح الباب واسعاً امام التجارب الفاشلة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية لتدمير الحالة النفسية للضحايا , وكذلك منظمات المجتمع المدني الممولة دولياً للعب بالادمغة .

ان الشريعة الإسلامية واضحة في وجوب العمل بتشريعاتها , لا سيما من قبل برلمان تشكل الأحزاب الإسلامية النسبة المهمة فيه . اذ يقول الله تعالى في سورة المائدة : (( إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ )) , وكذلك (( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )) , وكذلك (( وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ )) , فكيف ارتضى هؤلاء ان يكونوا ( كافرين , ظالمين , فاسقين ) , وأين هو الإسلام في تشريعاتهم والقوانين الصادرة عنهم .
وكيف لعقول تشريعية تربت في الحضن المليشياوي ان تسنّ قانوناً يناهض العنف الا اذا كان جاهزاً مفروضاً عليهم . فلا يوجد حزب في البرلمان العراقي ليس له ميليشيا او جماعة عنفية , بدليل ان هذه الحكومة ذاتها فرّقت تجمعات الكفاءات العراقية من حملة الشهادات العليا بمنتهى القسوة واللامبالاة دون ان ينبس احد ببنت شفة ممن عمل على سنّ هذا القانون لمنع هذا العنف والهدر , فمن اين جاءهم الحس الإنساني المرهف ! .
ولماذا لم يحيل مجلس الوزراء مثل هذا القانون المهم الى مكتب السيستاني لمراجعته , فلعله يبقى هناك لبضع سنين , او كسنيّ يوسف . ان عدم عرض القانون على المرجعية الدينية فيما عرض غيره سابقاً استهداف واضح للمبادئ الدينية .
ففي كتاب الخلق الحميد في القرآن المجيد عن النبي الاكرم صلى الله عليه و آله : ( خَيرُكُم خَيرُكُم لأَهلِهِ , وأَنَا خَيرُكُم لأَهلي . ما أَكرَمَ النِّساءَ إلاّ كَريمٌ و َلا أَهانَهُنَّ إلاّ لَئيمٌ ) . وبالتالي الإسلام اعم من قانون العنف الاسري .
بل في أوروبا ذاتها نجد التأكيد على احترام خصوصية ثقافة كل شعب من شعوبها . ففي ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي نجد ( ان شعوب أوروبا – وهي تنشأ اتحاداً أوثق فيما بينها – تعتزم التشارك في مستقبل آمن قائم على القيم المشتركة. وإدراكاً لتراثه الروحي والأخلاقي – يتأسس الاتحاد على القيم العامة التي لا تتجزأ للكرامة الإنسانية والحرية والمساواة والتضامن؛ على أساس مبادئ الديموقراطية وسلطان القانون، ويضع الفرد في القلب من أنشطته بالاعتراف بالمواطنة للاتحاد، وبخلق مساحة للحرية والأمن والعدل. يسهم الاتحاد في المحافظة على تنمية هذه القيم المشتركة، بينما يحترم تنوع ثقافات وتقاليد شعوب أوروبا، وكذلك الهويات القومية للدول الأعضاء ) . وبالتالي النظر للموروث الثقافي ليس ببدعة .
وفي المادة 6 من القانون الأساسي لدولة المانيا ( 2 – رعاية الأطفال وتربيتهم هما الحق الطبيعي للأبوين , وأول الواجبات الملقاة على عاتقهما . وتعنى الدولة بمراقبة قيامهما بذلك ) . بل تشدد الفقرة التي تليها على رفض فصل الأطفال عن ابويهما . فكيف تسنى لمشرع مسلم ان يقوم بهذا الخطأ ! . ومن اين جاء بفلسفة الفصل وكسر الاسرة .
اننا ضد كل اشكال العنف , ومع الإسلام في الرحمة بالاسرة . لكننا ضد تشريع قوانين لا فلسفة لها , تريد اخضاع القيم التربوية لنصوص قانونية جامدة , وتسليم الاسرة الى مؤسسات تجهل ما يحدث في البيوت . كما نرفض عدم الاخذ بالحسبان اختلاف الأطر الحضارية العراقية . وان ما تراه المحكمة من صراع مادي قد يكون معنوياً تربوياً في داخل الاب او الام .
وان تشريع مثل هذه القوانين كان يتطلب حواراً مع القبائل العراقية , لا ان يكون وليد عقلية غربوية كهناء ادور .
















26
زيادة معدل الغباء السياسي

الفلسفة التي تقوم عليها الأنظمة الحكومية الغالبة في عالم عصر الشركات المتعددة الجنسيات ترتكز الى تشويه كل ما يرتبط بالمؤسسات الحكومية الاقتصادية والتعليمية والخدماتية , ليتم اللجوء الى زعماء العالم الأسود ورجال العصابات من قبل الناس في اطار عملية الخصخصة الناعمة وبرمجة العقول .
لذلك يتم عرض العديد من الخيارات السياسية في ظل العمليات الانتخابية الديمقراطية في العالم , وجميعها كتل غبية , يتم تسويقها إعلاميا .
لقد بلغت عمليات البرمجة العقلية مراحل متقدمة في منظومات العصابات , وانتقلت الى عمليات التحكم بالعقل الجمعي , في مقابل تردي مستوى الذكاء العام بفعل المناهج التعليمية الحكومية . ومن ثم يتصور الانسان انه يملك عدة خيارات ينتقي منها , لكنه لا يدرك قطعاً انها خيارات صناعية التقطها من الاعلام .
وفي العراق يجد المواطن جملة من الأحزاب ذات التوجهات الإسلامية والعلمانية والقومية , يمكنه ان يختار منها , الا انه دائماً يواجه نفس المصير ويخسر المزيد من أبنائه . فجميع هذه الأحزاب مملوكة للدولة العميقة , واقطاب هذه الدولة مملوكون للسفارة الامريكية .
ويمكن للمواطن العراقي مشاهدة العديد من القنوات الإعلامية , التي تزيده غباءً كل يوم , من فضائيات ومواقع تواصل اجتماعي وصحف .
ومن ثم يلجأ لرجال دين هم جزء من اللعبة , فهو غير قادر على تشخيص القيادات الدينية الصالحة بعد انخفاض معدل الذكاء واختلاط الأوراق الممنهج .
تعمد مجموعة غبية الى اختيار كتلة ( سائرون ) تحت تأثير الحماسة الدينية , والتي تسن قانوناً يخالف الشريعة مثل قانون ( العنف الاسري ) , دون ان تميز تلك المجموعة ما يجري , بسبب انخفاض معدل الذكاء .
كان ( محمود الصرخي ) يريد ان يصبح مرجعاً دينياً , دون ان يتم مقدمات هذا الامر وفق المنظومة العلمية الشيعية , فكان مرجعاً ناقصا ,  يحتاج الى جمهور غبي , فعمد الى اختيار اغبى الافراد ليشعر بالذكاء .
ان زيادة معدل الغباء ضرورة سياسية في عالم الشركات المتعددة الجنسيات لزيادة مقدار الربح . ففي العراق ايضاً يقوم ابن البلد الغني صاحب الثروة – بمبلغ ستمائة دولار – بحماية موظف اجنبي يعمل في احدى الشركات النفطية في العراق يعطى على الأقل اربة الاف دولار . وبينما لا يجد هذا العراقي من الخدمات في محل عمله او سكنه ما يتناسب والكرامة الإنسانية يتمتع الأجنبي بحياة افضل مما كان في بلده . تحت رعاية المرتشين . وهذا العراقي لا يلتفت الى هذه المعادلة البائسة , وينشغل بمواقع التواصل الاجتماعي وكثرة الحديث . فيما تنشغل النخب الاجتماعية بمظاهر من الخداع والانفة والكذب , بعد ان تم تأهيلها لهذه المرحلة لاكثر من أربعين سنة .


27
المشروع اللاديني في العراق


علي الابراهيمي




الصراع بين الشيعة وصدام كان عقائدياً بامتياز , فقد منح الأخير رجالاته من الشيعة في الثمانينات الكثير من الامتيازات الخاصة , الا ان العموم رفضوا التعاون معه او الميل الى فكره الدخيل والالحادي . وأعطى انصار مذهب اهل البيت في هذا الطريق الثوري مئات الالاف من القرابين .
الا ان الامريكان نجحوا بعد دخولهم الى العراق في تحويل انظار الشيعة نحو التعيينات والوظائف والمكاسب الحزبية المادية , حتى ضاعت تلك القيم الفاضلة والمبادئ الثورية في فوضى الصراع الحزبي والنهم المادي . حتى خسر الجميع ولم يربح احد سوى المشروع الأمريكي .
وقد كان من اهم ملامح نجاح هذا المشروع الأخير خجل الأحزاب والكيانات الإسلامية من طرح اية مشاريع قوانين تستند الى الدين , الامر الذي تطور عملياً الى صيرورة تلك الجماعات عقبات كأداء امام المشاريع الدينية .
واذا اخذنا نموذج السيد مقتدى الصدر وانصاره الذين كانوا في اقصى اليمين الديني نظريا , فسنجدهم اليوم في اقصى اليسار في تحالف مع الملحدين . فقد كان يُنظر الى السيد مقتدى الصدر على انه متطرف ديني , لاسيما وانه ابن السيد محمد الصدر الثائر الأخير . ولا يمكن الاعتماد على ذاكرة أنصاره او وعيهم قطعا , لانهم جماعات جاءت من مناطق مختلفة , العامل المشترك بينها انها بلا عقل .
اما الافراد الوحيدون الذين كانوا صدريين فعلاً مع مقتدى الصدر فقد خرجوا في تكتل ( العصائب ) , والذي كان يفترض به ان يعمل على تصحيح مسار الخط المقتدائي الذي انحرف عن قواعد التشيع واصبح بلا مرجعية , الا ان الحقيقة كانت ولادة مليشيا أخرى تبحث عن المال والنفوذ , ولم نرَ للإسلام اثر في سياستهم .
وقد يظن البعض ان خط عائلة الحكيم ابتعد عن كل المرجعيات الدينية وارتمى في الحضن الأمريكي الخليجي , الا ان الحقيقة تمثلت في وعي هذا الخط لمنهج مرجعية السيستاني في إبقاء الدين في الكتب حتى ظهور المهدي المنتظر , والتركيز على الزعامة .
ان مرجعية السيستاني لا شك هي العقبة الأكبر امام كل المشاريع الإسلامية في العراق , باتكاء الناس عليها , فيما هي لا تهتم سوى بالمال وثروات العتبات .
اما في الجانب الاخر وفي الطرف السنّي فلا نجد سوى الاستسلام للبعد الطائفي لدى الأحزاب الإسلامية والبحث عن ثارات ذهاب السلطة عن يدهم , وتحولهم الى أدوات القتل لكل المشاريع الأجنبية المختلفة حتى اصبحوا بلا هوية . وحين لم يجدهم الناس عملياً لجأوا الى شيوخ العشائر .
وحين ظهرت الى العيان الأجيال الجديدة من الشباب وجدوا اباءهم واحزابهم في خضم الصراع الفوضوي , فكانت اكبر امانيهم ان يجدوا الوظيفة او التعيين على دائرة ما . وكان قد انتهى الجيل الذي ضحّى بوظيفته وامواله وعشيرته من اجل مبادئه . وكانت هذه اجلى معالم نجاح المشروع الأمريكي .
فضاع الوحي ومدرسة ال محمد في صخب الفوضى والنزاع والقتل والدمار , ولا زال العراق دولة علمانية صريحة , تستند كلياً الى قوانين البعث وصدام , في ظل سذاجة جماعات مثل ( بدر ) التي حين تعطي الشهداء على الأرض تظن ان هذا مدعاة لكونها ستنجح سياسيا . والحقيقة ان البطولة في الميدان لا تعني النجاح السياسي . لهذا يتم استغلال أمثال هذه المنظمة من قبل مشاريع وأحزاب أخرى بكل سهولة .



28

رأسمال الجامعات العراقية
 

الجامعات في العالم تتنافس في تطوير إمكاناتها لجذب اكبر عدد من الطلبة والباحثين ، وليرتفع مستواها في التصنيف العالمي . وتسعى جاهدة لاستخدام أكفأ الأساتذة المتمرسين ، وتطوير أوسع المختبرات العلمية . سوى الجامعات العراقية التي تدار بعقلية البعث التسلطية ، والتي تعتمد على عقلية القمع والفرض في الغالب ، مع فقر مدقع في مستلزمات البحث العلمي ، يتم تعويضه بمزيد من الاجبار والأوامر الإدارية .

ولا يتم التركيز على معاناة طلبة الدراسات بسبب التناقض بين المتطلبات البحثية والعلمية المفروضة على الطلبة من قبل الجامعة وبين الإمكانات الواقعية لتلك الجامعات ، وهي إمكانات بائسة جداً اذا قورنت بما تملكه الجامعات الأهلية أو أية جامعة غير عراقية . مع نظام بيروقراطي أشبه بالعسكري لا يمت بأي صلة للمنهج العلمي العالمي . الأمر الذي يتسبب بنزيف المال والجهد للطالب الباحث . مع اضطراره للتعاون مع جامعات أخرى عن طريق دفع الأموال والعلاقات والبقاء تحت ضغط الخوف والتشتت ، ومن ثم بعد ذلك النزيف يتم احتساب الفضل للجامعة البائسة التي عمل فيها الطالب رسميا .

حينما تعرض جامعة ما قنينة بلاستيكية لباحث في مختبر علمي تطبيقي لاستخدامها في تسخين مجموعة من المواد الكيميائية فهي بالتأكيد تسخر من المجتمع الذي تمثله .

وحين يكون الفرق بين مختبرات الجامعات الحكومية وبين مختبرات الجامعات الأهلية فرقاً فلكياً سنتذكر لاشك واقع حال الفرق بين المستشفيات الحكومية والمستشفيات الأهلية ، المقصود والمخطط له من اجل دفع الناس باتجاه زيادة رأسمال المستشفيات الأهلية . لاسيما مع عمل الأساتذة الجامعيين والأطباء في القطاعين في ذات الوقت .

ان الفوضى الإدارية والمادية للجامعات الحكومية تقود البلد الى مزيد من ضياع الجهود والأفكار والبحوث والأموال والوقت ، وهو ضياع يضاف لما موجود من فساد وغباء اداري عام في الدوائر الأخرى الرسمية . الامر الذي يخلق حالة عجيبة من الإحباط المؤدي الى الفشل .

ان تركيز إدارة الجامعات على حضور طالب الدراسات اليومي اكثر من تركيزها على توفير أدواته البحثية يعني شيئاً واحداً انها جامعات ناشئة في مراكز التدريب العسكرية الصدامية .

وان سعي الأساتذة المشرفين في سرقة جهود طلبتهم من اجل رفع تصنيفهم العلمي ، والضغط عليهم لنشر بحوثهم في مجلات علمية مرتفعة الثمن ، لا يعني سوى انهم قطاع طرق .

كما ان إصرار الأساتذة المحكمين على إيجاد العيوب غير المرئية في بحوث متينة من اجل إثبات انهم أساتذة متمكنين ، لا يعني سوى انهم مرضى نفسيين .

وقيامهم بإدخال مصير طلبتهم في صراعهم الداخلي على المنصب او غيره ، لا يعني سوى انهم أمويون حد النخاع .

يجب على وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إعادة تقييم واقع الجامعات العراقية من حيث الصحة النفسية للأساتذة والإمكانات المادية والنظرية والقدرة على المنافسة الشريفة والتوازن بين المناهج العلمية وطرق التدريس في الشمال والوسط والجنوب ، فهناك فرق شاسع في الطرق والمواد والأسلوب . كما يجب إعادة جميع الطلبة المرقنة قيودهم لأنهم كانوا ضحايا أنظمة جامعية بيروقراطية فاشلة في الغالب .

 

 

 

 

 

علي الإبراهيمي

 

29
المنبر الحر / وحوش بدوية
« في: 10:09 11/08/2019  »
وحوش بدوية

علي الإبراهيمي

في غفلة من الزمن وفِي ضجيج من الانقلابات الثورية جاء البعث الى الحكم في العراق في عام ١٩٦٨م ، بعد سلسلة من الانقلابات المنقلبة على بعضها ، إبتداءً من تولية الضباط الذين خانوا الدولة العثمانية على السلطة في بلاد الرافدين من قبل البريطانيين .
وجاء البعث بصدام حسين ، احد أكثر الوحوش دموية ، حيث تقدمت به المنافسة البريطانية الامريكية من قاتل مأجور الى الحارس الخاص لقيادة الانقلاب التموزي ، ومن ثم الى مسؤول مكتب العلاقات ( المخابرات ) الذي كان نواة مأسسة الاجرام ، لتختاره الإدارة الامريكية – بعد انتصارها على النفوذ المخابراتي البريطاني – نائباً للرئيس البكر ، الذي لم يتأخر كثيراً في تقديم استقالته ممهداً الطريق الرئاسي لصدام في عام ١٩٧٩م ، بعدما هالته فنون الوحشية الجديدة عليه – رغم كونه احد أمراء الوحشية القديمة – والتي كادت تطول عائلته لولا تنحيه ، ومن ثم تم منحه وأولاده خيار الموت الرحيم .
كنّا نعجب كثيراً مما تنقله كتب التاريخ حول قسوة الأمويين والعباسيين تجاه معارضيهم ، الا اننا صعقنا لاحقاً بما تم نقله عن جرائم المغول تجاه البشرية . لكننا لم نكن ندرك ان الوحشية تتطور كما تتطور عجلة التقنية .
فما جاء به البعث الصدامي من جرائم مروعة وابادة جماعية وتجويع ومطاردة وحروب وخيانة وغدر واغتيال وسرقة وكذب وتزوير وتغيير ديموغرافي وطبيعي وتشريد للشعوب يفوق ما جاء في خيال هولاكو بالتأكيد .
ان صدام كان يستهدف على الدين والهوية ، فهو يقتل كل متدين حقيقي ، سني او شيعي ، ومن ثم يقتل كل شيعي لا ينتمي الى البعث . وبعد ان كانت دول الخليج وغالبية الدول العربية تبارك جرائمه في الثمانينات ، وتباركهم جميعاً الولايات المتحدة الامريكية ، ذاقت هذه الدولة المشيخية ويلاته بعد ذلك العقد ، لكنها لم تذق طعم حكمه المر .
كيف انتقل صدام بتلك الجموع من البدو المنتشرة بين تكريت والموصل وكركوك والرمادي من قساوة الصحراء وشمسها المحرقة الى ترف السلطة ، وكيف ان تلك الجموع الصحراوية البدوية لم تستطع تجاوز وحشية السلوك حتى بعد تلك الحياة الفارهة ، اذ انها ربما تحتاج الى قرون من المدنية كغيرها من الشعوب لترتكز فيها علائم الحضارة .
ان بقاء هذه الجموع كأدوات وحواضن لمشاريع القتل الامريكية حتى بعد سقوط صدام دليل على انها لم تهضم الإنسانية بعد ولم تدخل في قواعد المدنية ، لذلك انتمت في غالبيتها الى داعش . بل ان دواعش العراق الذين صنعهم صدام فاقوا دواعش الشام في قساوتهم وتخريبهم . وقد تجاوزوا حتى توقعات المنظّر الأمريكي لمشروع القتل في الشرق الأوسط .
لقد كانت هذه الجموع عاجزة – رغم ما يشيعون اليوم من كذب – عن إدارة الدولة المدنية وهي في ذروة سيطرتها السياسية والاقتصادية ، وكان غيرهم يدير معالم الصناعة والاقتصاد والعلم ، فيما كانوا يسيطرون على جميع المرافق العسكرية كعادتهم . كانت مؤسسات هيئة التصنيع العسكري والنفط والمشاريع الزراعية والطبية والتعليمية خاضعة كلياً لإدارة غير هؤلاء البدو . بل حتى حين شكلوا لجانهم الحزبية تحت إشراف غيرهم ليتعلموا منهم ومن ثم قتلوا الجميع وولوا أعضاء تلك اللجان الوزارات والمؤسسات المدنية والصناعية أفشوا الفشل والسرقة والاختلاس والرشوة . لكنهم استخدموا القتل مرة أخرى لتغطية عيوبهم ، وصنعوا المزيد من الوهم .
ثم راحوا ينفقون المزيد من المال على العرب البعيدين ، الذين لا يعلمون من هو صدام وماذا يفعل من جرائم في شعبه ، وان هذا المال الذي ينفقه عليهم يزيد العراقيين فقراء وجوعا . لا يعلم العرب ان صداماً اهلك اكثر من مليوني عراقي .
ينقل احد منتسبي الأمن في السبعينات من القرن الماضي ان قيادة البعث كلفتهم في تلك الفترة بواجب في براري تكريت ، يقضي بجلب مجاميع البدو بالقوة وباستخدام طائرات الهليوكوبتر ، فوجدناهم يهربون أمامنا وهم حفاة في حالة رثة ، لكنني تفاجئت بعد عدة أشهر ان اجد احد هؤلاء البدو الذين احضرناهم وهو معي ضابطاً في نفس دائرة الأمن . ليكون لهؤلاء البدو نصيب في تشريد قوم هذا المنتسب ذاته في المستقبل .

30
المنبر الحر / النقاط الاجتماعية
« في: 07:46 25/07/2019  »

علي الإبراهيمي

مجموعة من الدول تعمل على تأسيس وتفعيل نظام النقاط الاجتماعية ، حيث يشترك المواطن في عمل وخدمة مجتمعية ما فتحتسب له ضمن نظام حكومي يقوم بجرد وتوجيه هذه الخدمات على شكل نقاط مكتسبة ، لتقوم السلطات بتفعيل تأثيرات مقننة لهذه النقاط لصالحه . ولعلّ أشهر هذه التجارب اليوم هي التجربة الصينية ، لكنها تجربة بوليسية بحتة تقوم على مراقبة وانتهاك خصوصيات المواطنين .

ويمكننا تلخيص الفكرة العامة لهذا النظام بالقول ان المواطن – أياً كان – حين يقوم بمساعدة احد المراكز الصحية او المجتمعية او التبرع له او حتى حين يتبرع بقنينة دم تقوم الحكومة بتوثيق هذه الخدمة واحتسابها له في ملف خاص ، وحين يتقدم هذا المواطن على وظيفة ما ، او انه يعاقب بعقوبة ما ، او يحتاج الى مساعدة السلطات ، او يريد المنافسة على الخدمات الحكومية ، او غيرها ، يتم تقييمه وفقاً للقوانين المنصوصة ، ولكن تضاف له نقاطه الاجتماعية فتقدمه على غيره ، بمعنى انها نقاط تفضيلية .
فيما يمكن لهذه النقاط – وفق جداول مدروسة – خفض وتخفيف العقوبات القضائية والإدارية . كما يمكنها خفض الحد الأدنى لمعدل القبول على الجامعات مثلا ، فطبيب أتى الى كلية الطب بمعدل منخفض نسبياً مع خدمة اجتماعية عالية أفضل وأنفع بكثير من طبيب أتى بمعدل ثانوي عال مع شخصيته الرأسمالية القاسية .

وبالتأكيد لن تكون هذه النقاط فوضوية ، بل يتم تقنينها من خلال المراكز البحثية الاجتماعية والأكاديميات المتخصصة ، مع الاستعانة بتجارب عالمية شفافة ، ليتم إقرارها تشريعيا .

فنظام المكافئات المعمول به وفق الأنظمة السارية – والذي لا نريد إلغاءه بالطبع لانه مفيد من الناحية المادية والتي هي ضرورية – قد تسبب بقتل معنوية العمل الاجتماعي وحوَّله الى عمل بنكي .

ان هذا النظام سيقوم لا شك بتحفيز الناس للخدمة العامة ، وزيادة إقبال الأطفال والشباب على المنافسة من اجل اكتساب اكبر مقدار من التقاط للانتفاع منها مستقبلا ، كما يعمل على خفض معدل الجرائم واللامبالاة المجتمعية .

31
أدب / في الخليج ..
« في: 12:59 21/03/2012  »



في الخليج ..


علي الابراهيمي **

A1980a24@yahoo.com
A1980a24@gmail.com

... ...
... ...


قمْ و قبّلْ قدَمَ الواليْ و سَلّمْ
فهو المُنْزَلُ شاياً مَلَكيّا
قمْ و قبّلْ جبهةَ الواليْ و كلّلْ
فهو المخلوقُ ربّاً صَنَميّا
و تقَرّبْ بجهازِ الموتِ زُلْفَى ..
فلعلَّ الواليْ يُمسيكَ وليّا
وتمَسّكْ بعُرى النعْلِ و نادِ :
ايّها السيّدُ انّيْ ..
لستُ أرضى غيرَكَ اليومَ حَميّا
و تمَرّغْ تحتَ أقدامِ العساكرْ
لا تكنْ باللهِ كافرْ ..
أنتَ واليْتَ النبيّا !
وادخلِ الآنَ الجماعةْ
والزمِ الحانةَ ساعةْ
انَّ ذاكَ السُكْرَ طاعةْ
ثمَّ عُدْ واستخْلص الواليْ نَجيّا
وافقدِ الوعيَ ولا ترقَبْ مَليّا
في بلادِ الله شيئاً أجنبيّا
لا تُردّدْ : ( ما القواعدْ ؟ )
انَّ في ذلكَ شاهدْ
من كتاب الله , قالَ :
( والقواعدُ من النساء )
ها هنا كانَ دليلٌ ..
انَما تلكَ ( القواعدْ ) .. ضمْنَ أحكامِ النساءْ
فلما هذا العناءْ !
اننا شعبٌ كريمٌ , جيشُنا جيشُ السماءْ
لا تكنْ فظّاً غبيّا
وانحل الوالي وليّا
ثمَّ رتّلْ تحتَ ظلِّ السيفِ طَوْراً بَدَويّا :
( حنّا و حنّا ) , وكأنَّ اللهَ لم يخلقْ لنا
ندّاً قويّا
فولاةُ الامرِ في نُعْمى .. وخيرُ الناسِ
مَنْ كانَ تقيّا
يعبدُ اللّاتَ , كما العزّى , جميعاً
ويُصلّي نحوَ أمريكا سَويّا
والعق الساقطَ منْ خمْرِ الولاةْ
فَبهِ ماءُ الحياةْ
لاتدعْ تلكَ الهباتْ
ذاكَ مَنْهيٌّ بشرعِ الطَيّبَاتْ
لاتكنْ في الارضِ جباراً عصيّا
واذا صادفتَ يوماً مَخْمَليّا :
( حرمةُ الواليْ تُغنّيْ )
أوْ ( تهزُّ الخِصْرَ ) فاسكتْ
انَّ هذا الامرَ مشروعٌ .. لِمَنْ
أُثْملَ من كَرْعِ القواريرَ مليّا
واذا شاهدتَ ( شَعْرَ الحُرْمَةِ ) مكشوفاً
فصَدّقْ ..
انَّ هذا ( الشَعْرَ ) قدْ أُنْزلَ مِنْ
سبْعِ سماواتٍ جليّا
لا تُشكّكْ أبَدَاً ..
أنَّ ولاةَ الامرِ ابناءُ بغايا
عندها يُصبحُ ذا الدينُ بغيّا
أوَترضى ؟!
فاشكر اللهَ الذي انزلهمْ
دونَ أنْ ندفعَ شيئاً جوهريّا
فانسخ الآنَ جوازاً
نحوَ لبنانَ او الغربَ , و غرّدْ
كَبَعيرٍ وسْطَ شيكاغو يُغنّيْ
وفخوراً ظلَّ يختالُ قويّا
انَّ دينَ اللهِ مَحْميْ
انَّ بيتَ اللهِ مَبْنيْ
انَّ شَعْبَ اللهِ مَخْصيْ
لا تُفكّرْ ..
انَّ بالفكْرِ يصيرُ المرءُ جبّاراً شقيّا
واحذر المنطقَ طُرّاً ..
قدْ نفاهُ السَلَفُ الصالحُ كليّاً
فما
أبقاهُ شَيّا
( مَنْ تَمَنْطقْ .. قَدْ تَزَنْدَقْ )
فاعقلِ الامرَ وعِشْ ..
كَلْبَاً وفيّا

...................................

•   كاتب عراقي لا يحمل ايّة صفة سياسية او دينية او حكومية , رسمية او شبه رسمية , ولم يعتلِ ايّة منصة اعلامية مرئية او مسموعة .
•   بسبب حدوث تشابه في الاسم , اقتضى التنويه .


صفحات: [1]