عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - أبرم شبيرا

صفحات: [1]
1
الآشورية حضارة ولغة وهوية شعب
--------------------
أبرم شبيرا
قبل الدخول في موضوعنا المعنون في أعلاه، أود أن أقول بأنني كنت أرغب أن يكون هذا الموضوع ملحقاٌ بالموضوع السابق في "التعليم السرياني في شمال العراق ... حقاق وأرقام" الذي نشر في هذا الموقع الموقر على شكل حلقات ولكن بسبب طول هذا الموضوع وسعياً للإستزادة في التوضيح والشرح خاصة للذين لا يزالون يسبحون في فنجان قهوة عزمت أن أنشره بشكل مستقل. كان الهدف الأساسي من نشر موضوع التعليم السرياني في شمال العراق هو نثر ذرات من التفاؤل عن الزمن الجميل في النهوض القومي والإنجازات التي تحققت لأمتنا في تلك الفترة وعرضها في أجواء اليوم التي تسودها التشاؤم والضبابية المغلفة بفايروس كورونا وذلك بهدف إعادة الثقة لأبناء شعبنا في الأجواء القاتمة في هذه الأيام الصعبة. ولكن للأسف أخذه البعض، خاصة الذين يقفون على الجانب الآخر من البحر والمستمرين في السباحة في فنجان قهوة، مادة دسمة للثرثرة والتناطح بينهم وتفريغ كوامنهم الداخلية للطعن بهذا أو بذاك متخذين من كرم موقع عنكاوة ساحة لإقتتالهم بهدف ليس إلا التقليل من عظمة الإنجازات التي تحققت لأمتنا في أرض الوطن في التعليم بلغتنا القومية بحجج باهتة وعدوانية لزرع أو تعظيم المأساة والإنقسامات التي يعاني منها شعبنا في الوقت الذي يحتاج هو إلى بصيص من نور أمل للصمود والبقاء في أرض الوطن.
يقال في عالم السياسة بأن اليسار المتطرف يلتقي مع اليمين المتطرف بهدف مشترك وهو مهاجمة الأفكار الوسطية والتي نحن في هذا الزمن الغادر أحوج ما نحتاج إليها من التطرف المقرف نحو هذه التسمية أو تلك. فبمجرد أن أعتبرنا السريانية هي تسمية مناسبة للغتنا القومية في الواقع وفي العصر الراهن، وحتى أن قلنا بأن السريانية مرادفة للآشورية قامت قيامة البعض وأطلق علينا رصاصة الخيانة للأمة الآشورية. وبمجرد أن قلنا أن الكلدان والسريان هم جزء من شعبنا وأبناء أصلاء لهذه الأمة حتى قامت قيامة البعض وبدأ يطعن آشوريتنا بسموم متطرفة... أقولها صراحة أن آشوريتي أكبر بكثير وأوسع حضاريا وأعمق فكرياً لأنها تشكل الثالوث الأقدس مع السريانية والكلدانية في فكري وإيماني القومي. في حين أن "آشوريتكم" وحيدة ويتيمة لا تخرج عن نطاق فنجان قهوة. ليعلم من لا يعلم بأن أية حركة قومية لا تضم أكثرية أبناءها ولا تسطيع أقناعهم بها فأنه من المستحيل أن تحقق أهدافها. هكذا هو حال حركتنا القومية الآشورية فبعد أكثر من قرن لم تسطيع تحقيق أي هدف من أهدافها لأنها عجزت عن ضم أكثرية أبناء شعبنا من الكلدان والسريان إليها وذلك بسبب إعتمادها على فكرها الكلاسيكي في عصر الكلدان والسريان وكبسهم في البوتقة الآشورية من دون إي إعتبارات تاريخية ونفسية وإجتماعية. وعلى العكس من هذا نرى بأن الإنجاز العظيم التي تحقق لأمتنا في التعليم بلغتها القومية كان سبب نجاحه هو شمولية أبناء أمتنا لكل التسميات الحضارية الجميلة من دون تفضيل هذه التسمية على أخرى مع كل هذا لم يزحزح أيماننا بآشوريتنا، والأمر نفسه تماماً فالإيمان في كوننا أمة واحدة لن يزحزح أيمان الكلداني بكلدانية ولا السرياني بسريانته، بل هو تقوية وتعزيز للكلدان والسريان إلى جانب قوة وعزة الآشوريين.
أما الذين يشمأزون من التسمية الآشورية ومن الآشوريين ويغلفوها بأحقادهم المتطرفة نشيرهم إلى ما ذكره الأخ العزيز أدي الشماس بنيامين بت شليمون بخصوص المؤتمر الذي عقد في بيروت في الأول من أيار عام 1998 في قاعة المؤتمرات لمبنى مستشفى الحايك في سن الفيل في بيروت تحت عنوان "الآشورية حضارة ولغة وهوية شعب" هو تأكيد حي ومن قبل فطاحلة الفكر والثقافة والأدب والسياسة ومن مختلف الطوائف والملل على عظمة الحضارة الآشورية والمنتمين إليها ومن دون أية حساسية أو تطرف نحو هذه التسمية أو تلك. المؤتمر نظمته الجبهة السريانية الثقافية ولكن هي وغيرها من المشتركين في المؤتمر أكدوا في بحوثهم على وحدة شعبنا وهويته القومية وحتى الدينية والذي عقد برعاية أصحاب الغبطة وقداسة بطاركة فروع كنيسة المشرق الخمسة: المارونية، الآشورية، الكدانية، السريانية الأرثوذكسية والسريانية الكاثوليكة. وحتى لا أطيل الموضوع أكثر، أستل جدول أعمال المؤتمر، الذي من المؤكد هو حقيقة واقعية وليس فوتوشوب كما يزمجر البعض غضباً وهيجانا من كون الآشورية حضارة ولغة وهوية شعب ينطقها كبار المفكرين ورجال كنيستنا المشرقية.


جانب من الجلسة الأولى للمؤتمر التي أدارها سعادة النائب في البرلمان اللبناني الدكتور بيار دكاش ويظهر في الصورة من اليمين أبرم شبيرا والمطران الماروني أنطوان العنداري و النائب الدكتور بيار دكاش وغبطة مار نرسي دي باز (رحمة الله) مطرابوليت كنيسة المشرق الآشورية ثم الدكتور عماد شمعون رئيس الجبهة السريانية الثقافية.
==================================================================

منهاج المؤتمر (الآشورية حضارة ولغة وهية شعب)

2
الرف الأخير من أرشيف المدارس القومية الآشورية – 7
===============================

التعليم السرياني في شمال العراق: المستقبل وتقييم وتعليق
-----------------------------------
أبرم شبيرا
ما هو المسـتقبل:
----------
خلال مسيرة التعليم السرياني كان هناك بعض التساؤلات تدور في خلد بعض من أبناء امتنا بخصوص مستقبل خريجي المدارس السريانية، ويمكن حصر هذه  التساؤلات بما يلي :
القسم المتشائم منهم يقول: أنه جيد أن يتعلم أطفالنا لغة الأم، ولكن ما الفائدة، غداً سيأتي صدام حسين بقواته ويكتسح المنطقة ويقضي على كل المنجزات التي تحققت في المنطقة بما فيها التعليم السرياني، لهذا السبب يرى هؤلاء بأنه تضيع للوقت والجهود، ويرددون كثيرا ويقولون "حرمات على الشباب أن يضيعوا عمرهم في هذه المسائل". و البعض من هؤلاء كانوا مستمرون على نفس "الاسطوانة" منذ عام 1992 وأطفال آشور أيضاً مستمرون في التعليم السرياني وفي اجتياز المرحلة الابتدائية إلى المتوسطة وغدا سيجتازون المرحلة المتوسطة إلى الثانوية وبعد غد سيكونون على أبواب الجامعة الآشورية. وهؤلاء المتشائمون ظلوا في مكانهم في انتظار قدوم قوات صدام التي ولت ومن غير رجعة. هذه مسألة سياسية بحتة ولا نرغب مناقشتها حرصاً على طهارة لغتنا القومية ونبالة الهدف من التعليم بها في المدارس الرسمية في شمال وطننا الحبيب، سوى أن نقول لهم بأنه من الأفضل لهم أن يضيئوا شمعة بدلا من لعنة الظلام وأن الانتظار يولد السأم واليأس في حين يخلق العمل الهمة والتفاؤل بالمستقبل، خاصة مستقبل أطفال آشور المستهدفين من عملية تعليم لغة الأم .
أما القسم الأخر من المتسائلين فهو الذي يعمل وفق معياره الشخصي في الربح والخسارة مهما كانت الأمور ذات نفع عام للأمة ولمستقبلها.  فتقيمه لهذا النفع وتقديره لمصلحة الأمة لا يتم إلا بمقدار ما يتحقق من منفعة وخسارة لمصالحه الشخصية. فمثل هؤلاء كان يرون بأن التعليم السرياني "لا يوكل الخبر"(+) للطلاب الذين يدرسون جميع مناهج التدريس الرسمية بلغتهم القومية لأن مستقبلهم العلمي مجهول وغير مضمون إذ يصبح من الصعب عليهم دخول الجامعة بسبب جهلهم أو ضعف إتقانهم لللغات الأخرى، وبالتالي سوف يحرمون من مواصلة تعليمهم العالي ومن ثم لا يوفقون في الحياة العملية والمعيشية ويكون الفشل والإحباط مصيرهم. ولهؤلاء لا نقول شيء غير أن نرشدهم إلى الكتاب المقدس ليهتدوا به وليعلموا (إن الحياة أكثر من مجرد طعام، والجسد أكثر من مجرد كساء)  لوقا 12:23. لأنه مهما قيل فهؤلاء لا يقنعهم شيء ما لم يحقق مصلحتهم الشخصية.
وهناك قسم أخر من المتسائلين الذين يملكون أقل الإيمان ويفتقرون في عين الوقت إلى الشجاعة الكافية لمواجهة التحديات المصيرية لأمتنا لذلك يقول هذا النفر من المتشككين بقدرات الأمة بأنه من الأفضل الاكتفاء بتدريس السريانية لأطفالنا كلغة فقط وضمن مرحلة دراسية معينة، كالابتدائية مثلاً، دون شمولها مراحل أخرى متقدمة أو استخدامها كلغة علمية في تعليم مناهج التدريس المقررة في المدارس العامة لأن لغتنا القومية فقيرة وغير قادرة على مجارات المصطلحات والتطورت العلمية. ومثل هذا التساؤل يتداخل أيضا مع مجموعة أخرى من التساؤلات النابعة أصلاً من القلق والحرص على مستقبل طلاب المدارس السريانية، خاصة بالنسبة للمدارس التي جميع مناهج التدريس فيها باللغة السريانية، لا سيما بعد تخرجهم والاستعداد لمواصلة دراستهم الجامعية ؟؟.  الإجابة على مثل هذه التساؤلات،  التي قد تكتسب في  بعض جوانبها نوع من الشرعية في طرحها، تكمن فيالاحتمالات التالية :
أولا: الاحتمال القائم على الطموح العظيم في تأسيس جامعة آشورية أو أقسام للغة السريانية في الكليات الأخرى، وهو طموح قد يبدو في الوقت الحاضر  صعب التحقيق خاصة بالنسبة للجامعة الآشورية، ولأسباب مختلفة ومعروفة إلا أنه ليس بالمستحيل، فإمكانية تحقيقه واردة في المستقبل لو توفرت الإرادة القومية الصلدة مع توفر بقية المستلزمات السياسية والتقنية والمادية الضرورية لتأسيس مثل هذه الجامعة واستمرار الدراسة فيها. فإذا كانت ظروف اليوم تجعل فعلاً مثل هذا المطمح الكبير صعب التحقيق في ظل الإمكانيات والظروف المتاحة وتجعل أمر التفكير الجدي به سابق لأوانه، إلا أنه في  يوم غد عندما يبدأ قطار التعليم السرياني بالوصول إلى محطته الأخيرة من المرحلة الثانوية  وقبل أن يجتازها أبناء أمتنا سيكون يوم الحسم في تقرير مصير الجامعة الآشورية مطروحاً للنقاش ومن ثم التفكير للتحقيق والتنفيذ. فتجربة اجتياز التعليم السرياني للمرحلة الابتدائية إلى المتوسطة والصعوبات المختلفة التي أحيطت بها والتحديات المصرية التي اكتنفتها لازالت ماثلة أمام أبناء شعبنا وغنية بتجارب مفيدة ومثمرة ستسهم بما لا يقبل الشك في إغناء التحدي الكبير الذي سيواجه أبناء شعبنا عند وصول قطار التعليم السرياني إلى المحطة الجامعية واجتيازها وبنجاح. ولعل قد يفيد أن نقول بأن الجامعة الكاثوليكية الحالية في عنكاوة قد تفي بهذا بجزء من هذا الغرض في هذا الوقت. من هنا نقترح أن يكون هناك نوع من التنسيق والتعاون بين الجامعة الكاثوليكية ومديرية التعليم السرياني بهدف تعزيز لغتنا القومية والتي هي أيضا لغتنا الكنسية المشرقية بكل تفرعاتها.
ثانياً : احتمال مواصلة خريجي المرحلة الثانوية من التعليم السرياني نحو المرحلة الجامعية في الجامعات والكليات المتوفرة في المنطقة. فالدراسة في الجامعات هي باللغة الإنكليزية فيما يخص الأقسام العلمية وفي استخدام المصطلحات العلمية بشكل عام أما الدراسة في الأقسام الإنسانية فتستخدم العربية والكردية وحسب المواد والتخصصات. قد يظهر للوهلة الأولى بأن مشكلة اللغة ستكون عائقاً أمام الطلبة المتخرجين من المدارس السريانية ولكن في حقيقة الأمر غير ذلك، إذ إن جميع هؤلاء الطلاب يجدون هذه اللغات وتعلموها في المراحل السابقة. وقد تكون بعض الصعوبة في الاشهر الأولى من السنة الدراسية إلا أنها سرعان ما تزول بمرور الزمن، وهي الحالة التي عايشها معظم الطلاب في العراق عند دخولهم الجامعة وخاصة الأقسام العلمية التي كانت مناهجها باللغة الإنكليزية، لذلك لانعتقد أن تكون مشكلة عويصة لخريجي المدارس السريانية عند وصولهم إلى المرحلة الجامعية، خاصة وهم أطفال ومنذ الآن  يجدون اللغات العربية والكردية وقليلاً من الإنكليزية ويتفوقون على غيرهم في الامتحانات النهائية العامة في المنطقة. والجدير بالإشارة إلى الظاهرة التي يتميز بها أبناء شعبنا الآشوري بشكل عام والطلبة منهم بشكل خاص هي قدرتهم المتميزة على تعلم اللغات، وهي الظاهرة التي تميزوا بها ليست كصفة أو موهبة خاصة أو حصراً بهم فقط وإنما اكتسبوها بسبب انتماؤهم القومي الأقلوي (من الأقلية) وهي الصفة التي تجعل لأبناء الأقليات قدرة خاصة في تعلم لغة الأكثريات وبالتالي يتقنوا، بالاضافة إلى لغتهم القومية، لغات محلية أو دولية أخرى. وقد يتذكر الكثير من أبناء شعبنا كيف كان الطلبة النازحون من المنطقة الشمالية للعراق في بداية الستينات أو الذين كانوا ضمن تجمعات آشورية شبه مغلقة، كالحبانية وحي السكك في بغداد وأحياء أخرى في كركوك وأربيل، كيف كانوا ضعفاء في اللغة العربية أو لا يجدونها بطلاقة ولكن سرعان ما تعلموها عندما دخلوا المدارس الثانوية والجامعات وحقق البعض منهم نتائج متفوقة جداً والأخر أصبح أديبا أو شاعراً أو كاتباً يكتب بالعربية. وحتى في هذه الأيام ، خاصة في المناطق ذات التعدد القومي كدهوك وكركوك وأربيل، قلة ما نشاهد أبناء شعبنا، خاصة الشباب والشابات منهم، لا يعرفون أكثر من لغة محلية إلى جانب اللغتين العربية والإنكليزية.       
ثالثا: هناك بطبيعة الحال احتمالات أخرى مختلفة باختلاف الظروف الشخصية لكل طالب ونوعية اهتماماته العلمية وبمدى الوعي القومي لأولياء أمورهم، ولكن في جميع الاحتمالات الواردة لمستقبل الطالب المتخرج من المدارس السريانية تجعله مستقبلاً مبهراً ليس لمصالحه الفردية فحسب بل لمصلحة الأمة أيضاً، حيث سيظل حتماً محتفظاً بلغته القومية التي تعلمها في المراحل السابقة للدراسة الجامعية حتى في أسوء الاحتمالات المؤدية إلى مستقبله التعليمي، وربما سيكون ضليعاً بها تكفيه لخوض معترك الحياة الثقافية والفكرية وتضعه في مواقف مشرفة معتزاً بلغته التي سيتباهى بها كثيراً عندما يكتب بها رسائله ومقالاته وبحوثه وهو الهدف المتوخى من التعليم السرياني في شمال العراق، ويصبح وبحق وحقيقة مثقفاً آشورياً بكل معنى الكلمة، حينذاك سيصبح مستقبل هذه الأمة أكثر تفاؤلاً وإشراقاً للنهوض القومي والحضاري، ذلك لأنه لا نهوض لأمة من دون نهوض مثقفيها.
وأخيرا من المفيد أن أشير في هذا السياق مسألة شخصية، فخلال زياراتي المتكررة للولايات المتحدة الأمريكية وأثناء إنعقاد الكونفنشن للإتحاد الآشوري الأمريكي القومي للعام الماضي، ألتقيت بشابين من خريجي مدرسة نصيبين الثانوية المهاجرين إلى الولايات المتحدة الأمريكية فعرفت من أحدهم بأنه مرشح لنيل وظيفة في مكتبة أحدى الجامعات الأمريكية قسم اللغات الشرقية للتعامل والبحث في الكتب القديمة لبلاد الرافدين من بابلية – آشورية وسريانية وأرامية. أما الثاني فكان ينتظر نتيجة قبوله في جامعة لإكمال دراسته في اللغات السامية، فبعد اللقاء تذكرت مناضلي أمتنا في الوطن الذين ثبتوا صرح لغتنا القومية وزرعوها في مثل هؤلاء الشباب. ألف شكر وإمتنان لهم.

تقييم واستنتاج:
----------
وأخيراً، وحتى لا نهرب من الحقيقة مهما كانت مره ومؤلمة، يفرض التزامنا القومي علينا أن نواجهها دون خوف أو ترد، وهي الحقيقة المتمثلة في ظاهرة الهجرة التي تنخر بمقومات وجودنا القومي في أرض الوطن، والتطرق في ضوء نتائجها المريرة إلى مستقبل التعليم السرياني وطلابه. فالهجرة ظاهرة لها أسباب تاريخية متجذرة في نفوس أبناء الأمة كما لها أسباب موضوعية معاصرة مؤثرة وبشكل عميق في عقليتهم وتوجهاتهم وسلوكهم بحيث يصبح موضوع إيقافها في ظل الظروف الراهنة والحيلولة دون هجرة أبناء شعبنا لأرض الوطن مسألة تقارب المستحيل. ولكن التخفيف من حدتها هي مسألة أخرى قد يمكن التعامل معها بإيجابية تتوافق مع عقلية ومصالح أبناء شعبنا في المنطقة، وهي مسألة لا نسعى التطرق إليها في موضوعنا هذا حرصاً على حدوده، ولكن الذي يهمنا منها هو التساؤل الذي قد يثار بخصوص مستقبل طلاب التعليم السرياني في ضوء الهجرة القائمة، إذ قد يرد تساؤل عن مدى فائدة دراسة الطلاب لغتهم القومية طالما الهجرة بانتظارهم لقلعهم من مقاعدهم الدراسية ورميهم في عالم الغربة.
هذه الحقيقة المره مهما تعاملنا معها أو حاولنا علاجها فإن نتائجها حتماً ستكون مره أيضاً، ولكن للتقليل من مرارتها القاتلة  نقول بأننا طالما نحن أبناء اليوم ونعيش ونتعامل مع واقعنا الحالي فأن إيماننا برسالة أمتنا حتى في الحدود الدنيا للمكاسب والحقوق التي تحققت لها يفترض علينا أن نتمسك بها دون اعتبار لحجم هذه الحقوق والمكاسب لإن الحق يقاس بمبدئيته وأهميته لأبناء الأمة وليس بحجمه. من هنا نقول بأن حق التعليم بلغة الأم والذي تحقق لشعبنا يجب أن لا نتنازل عنه إطلاقاً بل سنتمسك به تمسكاً مستميتاً حتى ولو كان طالباً واحداً يدرس في مدارس التعليم السرياني. هذا من ناحية، وهناك مسألة أخرى ربما تكون بسيطة لكن لها مضامين مستقبلية خطيرة فيما يخص مصير أبناء أمتنا في المهجر. فمن المعلوم والواضح بأن واقع أمتنا في المهجر يثبت بأنها عاجزة عن تعليم اللغة القومية إلى أبنائنا إن لم نقل بأنه عاجزة كليا عن تخريج شاعر أو أديب أو كاتب. فالواقع المهجري قادر كل المقدرة على ابتلاعهم وصهرهم في المجتمعات الغربية. فمن الملاحظ بأن معظم شعراء وكتاب وأدباء مجتمعنا في المهجر هم من الذين تعلموا لغتهم القومية في الوطن سواء في الكنيسة أو في المدارس الخاصة أو في بيوتهم، وتعليمهم لم يكن أكثر من دراستها كلغة، فكيف والحال إذا هاجر طفل أو شاب درس جميع المواد العلمية باللغة السريانية؟، فمما لا شك فيه أن انصهار وضياع هذا الطفل أو الشاب سيكون أصعب بكثير، إن لم يكن مستحيلاً، في مجتمعات المهجر في مقارنته مع غيره من أبناء مجتمعنا الذين لم يدرسوا لغتهم القومية، وهذه هي إحدى نتائج التعليم السرياني مأخوذاً بأسوء الاحتمالات المستقبلية، فكيف والحال إذا كنا أكثر تفاؤلاً بالمستقبل وتخرج الطالب من الدراسة الثانوية من مدرسة نصيبين، أي درس كل المواد المقررة في الثانوية العامة بلغته القومية ؟؟؟  فمما لا شك فيه فأنه سيكون، شاعراً أو أديباً أو كاتب لأمتنا في المستقبل أن لم يكن عالماً أو أخصائيا يستطيع كتابة بحوثه بلغات عالمية إلى جانب لغته القومية. أي يمكن القول بأن النتائج المستقبلية للتعليم السرياني، بمنظورها، حتى التشائمي، سوف تحصن الطفل أو الشاب الذي يهاجر مع أهله أرض الوطن من الضياع والذوبان في مجتمعات المهجر أكثر بكثير من أي طفل أو شاب لم يتعلم في المدارس السريانية. هذا فيما إذا افترضنا خضوع هذا الشاب أو عائلته لسطوة ظروف الهجرة ومن ثم ترك الوطن نحو المهجر. أما لو نظر إلى مستقبل التعليم السرياني بمنظوره القومي الاستراتيجي التفاؤلي لوجدنا بأن النتائج التي سيحققه التعليم السرياني لأطفالنا ستكون هي الضامن الأقوى لصيانة أمتنا من الضياع والذوبان والسند الأكبر لاستمرار تواصلها نحو آماد مستقبلية أبعد بكثير مما نتصورها ضمن الظروف الصعبة التي تحيط بأمتنا.
ولكن مهما فرضنا احتمالات تشائمية في مستقبل أمتنا فأن هذا لا يحد من عزيمة دفع قطار التعليم السرياني على مسيرته الخالدة وتزويده بوقود حياتنا من أجل استمرارها حتى تحقيق الأهداف التي يفرض علينا ضميرنا وواجبنا القومي تحقيقها مهما كلف ذلك حتى  نوصلها وبأمان إلى تلك المرحلة التي تستطيع الأجيال اللاحقة قيادتها نحو أهداف أبعد من التي حققناها لكي يستمر قطار الأمة المتواصل عبر آلاف السينين... المتواصل عبر مدرسة أربائيلوا الاتبدائية في عنكاوا ماراً بمدرسة نصيبين المتوسطة في دهوك ثم الثانوية حتى عبور الجامعة الآشورية ومن بعدها نحو آفاق أبعد فأبعد والتي ستكون الأساس المتين في خلود الأمة وضمان سرمدية وجودها. فإذا كان أي آشوري، أينما كان سواء في أرض الوطن أم في خارجه، يشعر بأنه جزء من هذا التاريخ، إذن فعليه واجب يفرض المساهمة في استمرار تواصل هذا التاريخ من خلال تواصل مسيرة قطار التعليم السرياني، وهي مسؤولية تاريخية ملقاة على عاتق كل واحد منا دون استثناء، لأن الاستغناء تلغي هوية الشخص الآشورية ويطرحها خارجاً لا بل ويزيلها من الوجود.
ملاحظات وتعليق على التعليقات:
-------------------
قبل أن نعلق على بعض التعليقات التي وردت على الموضوع ونحن في خاتمته وسعياً للتوضيح وإزالة سوء الفهم أو الإرتباك في قراءة وفهم هذا الموضوع، أود أن أؤكد مايلي:
ملاحظات:
------
أولا: كل المعلومات الواردة في هذا الموضوع هي بشكل عام من الكتيب الذي صدر قبل ما يقارب عقدين من الزمن عن التعليم السرياني في شمال العراق الذي سبق الإشارة إليه. وفي حينها صدر الكتاب بأسم "أصدقاء مدرسة نصيبين" إعتزازا بهذه المدرسة من جهة وأظهاره كمساهمة جماعية من قبل المعنيين بالتعليم السرياني من جهة أخرى. لهذا نرى في بعض الأحيان تأتي الجمل والمفردات مرة بصيغة الجمع ومرة أخرى بصيغة المفرد الشخصي.
ثانيا: كما ذكرنا، الكتيب صدر قبل ما يقارب عقدين من الزمن، وهي فترة زمنية طويلة ظهر فيها الكثير من التطورات والتغييرات والتحديات التي أثرت بشكل عام على جميع مناحي حياة شعبنا كما أثرت بشكل مباشر على التعليم السرياني، سواء بإزدياد عدد المدارس خاصة الثانوية منها، أو بسبب تأثير الهجرة على عدد الطلاب.
ثالثا: من دون أدنى شك فقد يلاحظ القارئ اللبيب بأن الإشارة إلى التسمية الآشورية أكثر بكثير من التسميات الأخرى، والغرض من ذلك ليس إطلاقاً التقليل من تسمياتنا الحضارية الأخرى، الكلدانية والسريانية، بل هو مسايرة للواقع المعايش في تلك الفترة حيث كان التسمية الآشورية هي الطاغية على كل النشاطات القومية، وبالمقابل كان هناك نوع من التردد أو التحفظ في إقحام الكلدانية أو السريانية في مسائل قومية غير مرغوبة لأبناء وزعماء هاتين التسميتين، خاصة في ظل نظام إستبدادي دكتاتوري.
رابعا: النجاح الذي حققه التعليم السرياني لم يكن ممكناً إطلاقاً لولا: أولا: وجود كيان قومي أو حزب سياسي جماهيري وفاعل ومعبر عن حقيقة الأمة وطموحاتها كالحركة الديموقراطية الآشورية وقدرتها على التفاعل والتعامل مع القوى السياسية الفاعلة في المنطقة لتحقيق طموحات الأمة التي تمثلت في التعليم بلغة الأم. وثانياً: توفر حد أدنى من هامش ديموقراطي وفرته القوى السياسية في المنطقة وأستطاعت تفهم طموحات أمتنا في تلك الفترة وبفعل الرسالة التي تمكنت زوعا من إيصالها للمسؤولين لإقرار حق أمتنا في التعلم والتعليم بلغتها القومية. ولو حاولنا مقارنة هذا بالحقوق الثقافية التي أقرها نظام البعث في العراق للـ "الناطقين بالسريانية من الآثوريين والكلدان والسريان" عام 1972 نرى بأن الإفتقار إلى هاتين العاملين، تنظيم سياسي قومي نشط وفاعل وغياب الأجواء الديموقراطية سببا فشل ممارسة هذه الحقوق بالشكل الذي يخدم أمتنا في تلك الفترة خاصة بعد أستغلالها من قبل نظام البعث لأغراضه السياسية.
التعليق:
------- 
من الضروري جداً أن نؤكد تأكيداً مشدداً بأن أي تعليق أو نقد لا يقوم على إحترام المقابل هو أمرُ مرفوض ولا قيمة له في حساباتنا الموضوعية لأن الإحترام هو أساس التعامل الصحيح بين الناس.  فالإحترام لا يدل على الحب والتقدير وعلى التحضر فحسب، بل على حسن التربية والسمو الخلقي، أي بهذا المعنى إحترام الناس ومنهم الكتاب والمساهمين في هذا الموقع الألكتروني واجب إخلاقي يفرض الإلتزام به حتى وأن لم تكن هناك بينهم محبة ووئاق. من هذا المنطلق يتحدد ردنا على التعليقات والإنتقادات على المواضيع التي نكتبها ومنها هذا الموضوع في التعليم بلغة الأم. فإحترامنا مضاعف لكل منتقد أو معلق أحترم نفسه قبل أن يحترمنا. فألف شكر لكل الذين أتبعوا أسلوب إحترام الآخر في التعامل مع الموضوع، فبأسلوبهم هذا أغنوا الموضوع كثيراً وعززوه بمعلومات مفيدة وصور جميلة وكتب قيمة رسخت من عظمة لغتنا القومية. أما الذين خرجوا عن هذا الأسلوب الحضاري وتجاوزوا الإحترام في تعاملهم مع الموضوع فإن أحترامنا لهم يبقى دائماً قائماً ونسعى بكل جهدنا للحفاظ عليه وعن طريق عدم الرد عليهم، فلعل يتعضون ويدركون بأننا لا نرغب إطلاقاً تجاوز  حدود دائرة الإحترام كما يفعلون هم.
هناك نقطتان مهمتان في سياق التعليم يستوجب ذكرها إليهما:
الأولى: الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) وذراعها الخيري (الجمعية الخيرية الآشورية)، حيث ورد أسمها كثيراً في الموضوع وتبين بشكل أو بآخر بأنها كانت البطل الحقيقي والفارس المغوار للتعليم السرياني في شمال الوطن. وعجبي كبيراً بعدم ورود أي تعليق أو نقد أو تهجم عليها، خاصة من الذين يقفون على الجانب الآخر من البحر، كما هي العادة. فإن دل هذا على شيء فإنما يدل هذا "السكوت" على نوع من الرضى والإعتراف بالإنجاز العظيم الذي حققته زوعا ومن وقف معها من أبناء شعبنا كما هو إقراراً بتحدياتها وبطولاتها في هذا السياق. والحق يقال فلولاها لما كان التعليم السرياني قد قام على أسس موضوعية ثابة وسار على خطى موثوقة حتى وصوله إلى هدفه المبتغاة. ولكن ... ولكن مع إلتزامنا الكامل بقول الحق والحقيقة نقول بأن زوعا الأمس غير زوعا اليوم، لا بل ونحن في هذه المقارنة بين الأمس واليوم، نقول أيضاً للحق والحقيقة بأن التحديات الداخلية والخارجية ليوم أمس هي غيرها في هذا اليوم وبالتالي وبنظرة موضوعية ستكون أنجازات اليوم مختلفة في مقارنتها مع بطولات وإنجازات الأمس. موضوع نتركه لمناسبة أخرى.
الثانية: لماذا لغة سريانية؟؟ أمتعض بعض القراء الأعزاء، الذين نكن لهم إحترامنا الكبير، أمتعض وتنرفز من تسمية لغتنا بـ "السريانية" منطلقين من أفق ضيق جداً في مقارنته مع عظمة تعليم لغتنا القومية والنتائج التي تحققت لجميع أبناء أمتنا بغنى عن هذه التسمية أو تلك. ولكن مع الأسف الشديد لم يستطيع هؤلاء إستيعاب الأهمية القصوى للتعلم بلغتنا القومية بسب ضيق أفقهم القومي. في هذا السياق يتبادر إلى ذهني القصة التالية:
يروى بأن هنري فورد (1863 – 1947) أبو صناعة السيارات الأمريكية ومخترع سيارة فورد المعروفة كان يشرح لفلاح كيفية عمل سيارته بالبترول وبالإحتراق الداخلي للمكابس والمحرك، وبعد جهد جهيد في الشرح والتفصيل، عاد الفلاح مستغرباً وسأل فورد وقال له: طيب شرحت كل شيء عن مركبتك ولكن لم تقل لي أين ستربط الحصان؟؟؟. هكذا هو حال بعض الأخوة عند قراءة بعض المواضيع ومنها موضوعنا عن التعليم السرياني في شمال الوطن. فعلى الرغم من الشرح المفصل عن أسباب تسمية لغتنا بالسريانية يعودون ويسألون لماذا سميت لغتنا القومية بالسريانية؟ وأنا أعيد وأكرر وأقول:
أولا: قانون وزارة التربية الخاص بتعليم أطفالتنا لغتهم القومية كان قد سماها اللغة السريانية وطبقاً لذلك تأسست المدارس السريانية والمناهج السريانية والتعليم السرياني وهكذا. هذه حقيقة واقعية ورسمية فلا يمكن إطلاقاً تناول الموضوع بصيغة أو تسمية أخرى كأن نقول اللغة الآشورية أو الكلدانية أو الأرامية فهذا مخالف لواقع الحال ولا يمكن إطلاقاً القفز من فوقه ونحن بصدد تناول المسألة موضوعياً وليس لإعتبارات شخصية ضيقة أو طائفية مقيتة متجاهلين أهمية التعلم بلغة الأم. السريانية حققت نجاحاً عظيما فتصور أين كنًا نجد مثل هذا النجاح لو كانت التسمية آشورية أو كلدانية، وهذا سبق وشرحناه في الأقسام السابقة، ولكن يظهر للبعض بأن نرجسيتهم أعظم بكثير من النتائج العظيمة التي حققها التعليم السرياني، وهو الأمر الذي يجعلهم مستمرين بالسباحة في فنجان قهوة.
ثانياً: إيماني المبدئي والمطلق القائم على الحقيقية الموضوعية والتاريخية والفونولوجية هو أن التسمية السريانية أو السريان هي لفظة أغريقية - إنكليزية  للأسريان (Assyrian) والذي سبق وأن فصلنا ذلك في الأقسام السابقة. قبل ما يقارب (25) قرنا من الزمن قال هيرودوت أو هيرودوتس (484 ق.م – 425 ق.م) المؤرخ الإغريقي الكبير، قال في كتابه المشهور (تاريخ هيرودوت) الذي زار بلاد ما بين النهرين وألتقى بالجيش الآشوري المنظم إلى الجيوش الفارسية، قال بخصوص الآشوريين "هذا الشعب الذي نحن الإغريق نطلق عليه سيريانس (Syrians) يطلق عليه البرابرة تسمية أسريانس (Assyrians). كان الأغريق يطلقون على الشعوب غير الإغريقية بالبرابرة. لا أريد الإطالة في هذا الموضوع الذي كتبُ عنه مجلدات ومجلدات ولكن الذي أريد أن أقوله بأن حدود فنجان قهوة الذي يسبحون البعض فيه لا تتسع إطلاقاً لهذه  المجلدات ولا يستطيعون الإدارك بأن التسمية السريانية تعني الآشورية سواء قبلنا ذلك أم رفضنا. فالتاريخ والواقع لا يمكن تغييره بأهواءات ونرجسيات البعض. فأنا وغيري بالآلاف من أبناء شعبي يدركون جيداً بأن تعلم أطفالنا بلغتنا القومية، التي هي لغة أباؤنا وأجدادنا، أهم بكثير من كل شيء. فلكل معترض على التسمية السريانية للغتنا القومية أقول: أليست اللغة التي تم تعليمها في المدارس السريانية هي لغتك ولغة أباؤك وأجدادك؟ لنقل كلنا وننحني إحتراما وتقديرياً لكل فرسان التعليم السرياني في وطننا الحبيب على هذا الإنجاز العظيم.
 .... ويبقى الإحترام سيداً لكل العلاقات الإنسانية.

-------------------------------------------
(+) – هذه العبارة (لا توكل الخبر) تذكرتني بأكبر كُتاب وأدباء شعبنا الشماس كوركيس بنيامين بيت شليمون، رحمه الله، عندما كان يلقي محاضرة عن تاريخ الأدب الآشوري في النادي الثقافي الآثوري في بغداد عام 1970. الشيء المثير والذي قد يكون فيه نوع من الفكاهة عندما ذكر المرحوم وقال بأن البعض يقول "تعلم اللغة الآشورية لا توكل الخبز" فنهض من كرسيه وضرب بكفه على الطاولة أمامه، وكان المرحوم معروف بعصبيته عندما يستفزه أحد بشأن اللغة أو الأدب، فصرخ أمام الحاضرين قائلاً (خيلا جيبت د بستي) أي بما معناه (لتأكل حصى د بستي) وبعد إنتهاء المحاضرة سألناه "ما معنى (بستي) فقال: جيبت د بستي هي تلك الحصى التي تتدحرج على جانب النهر وتكون صلبة جداً". وكان في العراق تستخدم للخرسانة الكونكريتية لشدة صلابتها.

3
من أرشيف المدارس القومية الآشورية - 6
=========================

مناهج التعليم الرسمية بلغتنا القومية !!!!!
 
=========================================== 
أبرم شبيرا
من الضروري التوضيح ونحن في البداية  بأنه إيماناً بأهمية وحدة السياسة التربوية والتعليمية في العراق فأن المناهج المقررة تدريسها في جميع المدارس في المنطقة الشمالية، هي نفس المناهج الرسمية المقررة لكل المدارس في العراق قاطبة ومنها مناهج التدريس في المدارس السريانية للمرحلة الابتدائية والمتوسطة والثانوية من قراءة وحساب وعلوم وتاريخ وجغرافية وتربية وطنية وفيزياء وكيمياء وعلم الأحياء مترجمة إلى اللغة السريانية، باستثناء بعض المواضيع في التربية الوطنية والقومية التي كانت تمدح النظام العراقي وحزب البعث الحاكم حيث تم حذفها وحل محلها مواضيع تخص أبناء الشعب وتراثه وأعياده وتقاليده في المنطقة. ولكن مع هذا يزال هناك مواضيع تاريخية تُدرس في المدارس الكوردية تعتبر مهينة بحق أمتنا في الوطن، مواضيع تجعل من المجرمين وقطاع الطرق رموز قومية وأبطال للكورد في الوقت الذي هو معروف للواقع والتاريخ بأنهم حقاً وحقيقة هم مجرمون بحق شعبنا وعلى رأسهم المجرم أسماعيل أغا (سمكو)، الذي لم يكتفي بإغتيال البطريرك الشهيد مار نيامين عام 1918 بل نكل تنكيلاً بأبناء جلدته الكورد أيضا من أجل السلطة والجاه. وموضوع إلغاء أسماء هكذا مجرمين من المناهج التدريسية مطلب قومي آشوري يعمل الخيرين من أجل وضع الأمور في مقامها التاريخي الصحيح ولعل قادة الكورد سيدركون هذه الحقيقة ويعملون بها.

المهم هو أن هذه الوحدة في المناهج التربوية لها أهمية لمستقبل الطلاب في المراحل المتقدمة سواء أكان التدريس باللغة السريانية أم باللغات الأخرى وأن الذي يهمنها هو المناهج التعليمية في المراحل ما بعد الإبتدائية خاصة مواد الفيزياء والكمياء وعلوم الأحياء والرياضيات والجغرافيا والتي فعلا شكل ترجمتها إلى لغتنا القومية تحدي كبير وواجهت صعوبات جمة أستوجبها جهود إستثنائية لم يكن من السهولة توفيرها إلا بالتضحية بالمال والوقت والعمل ليل نهار من إجل أنجازها وبالتالي إنجاح التعليم السرياني في المراحل المتقدمة. ونشير إلى بعض من هذه الصعوبات، منها:



1)-  الصعوبات التقنية والعلمية:
وتتمثل في صعوبة عملية ترجمة المناهج المقررة رسمياً إلى اللغة السريانية، خاصة المواد العلمية وما يتعلق بمواضع العلوم من شروحات للكائنات الحية من إنسان وحيوانات ونباتات وما في أحشائها من أعضاء وعمليات فسلجية وتصنيفات علمية إضافة إلى المصطلحات والمفاهيم التي تكثر في العلوم الصرفة كالفيزياء والكيماء والأحياء والرياضيات والجغرافيا وغيرها من الأمور والمصطلحات التي تبقى ترجمتها صعبة أيضاً بالنسبة لبقية اللغات المحلية،  فكيف والحال مع لغتنا التي ليس لها هيئة أكاديمية لغوية تتولى مهمة وضع المصطلحات العلمية. غير انه بفضل الجهود الجبارة لبعض المتضطلعين بهذه اللغة والحريصين على مستقبلها وبكدحهم وسهرهم المتواصل تمكنوا من التسابق مع الزمن وتحقيق أصعب المهمات المطلوبة في بدء انطلاق مسيرة تدريس اللغة السريانية، وهي جهود عظيمة من عايش أعمال هؤلاء المناضلين  يدرك حقاً ما حققوه لأبناء أمتهم، فهم وبحق كجندي مجهول الذي يعمل لأمته بهدوء وتأني من دون ثرثرة وهيجان. ويروي لنا الإستاذ المرحوم يونان هوزايا صعوبة هذه المهمة ويقول ”بأنه في مرات عديدة يستوجب أن نقضي عدة أسابيع، لا بل وأشهر أيضا، من أجل إيجاد ترجمة لحشرة صغيرة، وهي المهمة التي يتطلبها أحياناً مراجعة قواميس عديدة ومطالعة كتب تاريخية وعلمية وتراثية عديدة ليست باللغة السريانية فحسب بل أيضا باللغات الأخرى القريبة إليها. أن صعوبة هذه المهمة تتمثل أيضا في كون التعليم السرياني في بدايته الأولى وعدم وجود كتب سابقة في هذا المجال، لهذا نأمل عندما يتم ترجمة وتأليف الكتب لجميع المراحل وحتى نهاية الثانوية، عند ذاك سوف تتقلص المشكلة بالنسبة للأجيال اللاحقة وتبقى مقتصرة على ما يظهر من جديد في العلم والمعرفة" (مقابلة شخصية مع المرحوم يونان هوزايا في عنكاوه 21/2/1999)، سبق الإشارة إليها.

شخصياً لاحظت جزء من هذه التحديات وعايشت ظروف القائمين عليها لفترة معينة وخاصة مسألة أستكمال ترجمة الكتب وإعدادها وشاهدت وأنا في دمشق في عام 1998 كيف كان أستاذنا وأديبنا الراحل يونان هوزايا يسهر الليالي حتى بزوغ الفجر وهو منكب على ترجمة الكتب التعليمية إلى السريانية، وفي حينها كنت أوبخه على عدم الإهتمام بصحته ولكن كان يقول: يجب عليً إكمال ترجمة هذه الكتب حتى تكون في متناول طلاب الصف الأول المتوسط قبل مباشرة الدوام الرسمي وإلا فأن التعليم السرياني سينهار برمته...(موضوع سبق الإشارة إليه). وفعلاً يمكن أن أكد بأن الأستاذ يونان هوزايا وغيره من اللذين ناضلوا نضالاً مستميتاً لإنجاح التعليم السرياني ومواصلة رحلته حتى النهاية هم أبطال حقيقيون في هذه المعركة ورواد الإنجازات التي تحققت لهذه الأمة في التعليم باللغة السريانية. وللحق والإنصاف أقول بأن شخص مثل المرحوم يونان هوزايا يستحق أن يخلد كبطل لا بل كشهيد للغتنا القومية والتعليم بها لأبناء أمتنا. ولا أنسى كلمات مؤثرة أخرى ذكرها المرحوم في صعوبة الإستمرار بتجهيز المواد العلمية وتوفير الأموال لها. ففي مراحل الحصار المزدوج الدولي والعراقي على المنطقة الشمالية كان قد أصبح أمر تمويلها صعباً للغاية مما أضطرت قيادة زوعا في حينها إلى إيقاف رواتب ومخصصات بعض كوادرها الحزبية وتخصيصها لدعم الحاجات المطلوبة للتعليم السرياني الخارجة عن الدعم الحكومي، وفي حينها أتذكر الكلمات التي ذكرها صديقنا الراحل وقال:"سأبيع هذا الجاكيت – قمصلة كان المرحوم يرتديها دائما – من أجل أن يستمر التعليم السرياني"

وأخيراً لم يبقى في هذا السياق إلى أن أذكر بعض الكلمات التي أعتبرها خالدة ورنينها لا يزال يرن في آذاتي وتتفاعل مع فكري والذي من خلالها كان يظهر مدى إهتمام وتضحية بعض من قادة زوعا ومنهم صديقنا الراحل بالتعليم السرياني. ففي أحدى لقاءاتي معهم في شمال الوطن سألتهم ما الذي سيحدث للتعليم السرياني لو أكتسحت قوات صدام حسين المنطقة فقالوا: "صحيح البعض من قادتنا يستسلم والآخر يلجاً إلى المناطق الأكثر أمناً ولكن نعتقد بأن قوات صدام حسين لا تستطيع أن تنتزع لغتنا القومية من ألسنة تلاميذنا الذين تعلموها في المدارس السريانية".

2 - الصعوبات السياسية والنفسية:
يدرك الجميع بأن منطقة فوق خط عرض 36 الآمنة غير خاضعة للحكومة العراقية المركزية كان يسودها نوعاً من التوتر السياسي والقلاقل المقرونة بخوف اجتياح قوات النظام العراقي للمنطقة وما يترتب على هذا الاجتياح من متابعة ومعاقبة الذين ساهموا في إنشاء المؤسسات الرسمية والشعبية أو المشاركة في نشاطاتها أو دعمها. والحالة هذه تنطبق على بعض أبناء شعبنا في المنطقة فهم يعتقدون، بأنه طالما أن التعليم السرياني ومؤسساته ومدارسه نشاطات وظواهر لا تتفق مع نهج الحزب الحاكم في بغداد وقد لا يرضى أو يوافق عليها، بل يمنعها أو يزيلها من الوجود ويعاقب كل من شارك فيها خاصة وهي مدعومة من أحزاب سياسية آشورية كالحركة الديمقراطية الآشورية محسوبة على المعارضة العراقية، لذلك فهم يعتقدون بأن مساهمتهم فيها أو دعمها أو حتى إرسال أطفالهم إلى مدارس التعليم السرياني فأن ذلك سوف يعرضهم للمسائلة والعقاب من قبل النظام العراقي عند قدوم قواته إلى المنطقة. هذه الحالة المقرونة بنوع من الخوف السياسي، المعروف بالفوبيا، خلق نوع من التردد والسلبية تجاه التعليم السرياني. ولكم من الملاحظ أن استمرار مسيرة التعليم السرياني رغم كل المخاطر والمخاوف المحيطة بالمنطقة أثر بشكل كبير على تناقص مثل هذه الحالات وبالتالي اقتصارها على نفر قليل جداً بحيث لم يعد لها أي وزن يذكر في التأثير على المسيرة المستمرة للتعليم السرياني نحو مراحل دراسية متقدمة، وهذا ما أنعكس على تزايد عدد طلاب المدارس السريانية وتعاظم ثقة الطلاب وأولياء أمورهم بها. إذ من الملاحظ بأن بعض العائلات تردت في أول الأمر إرسال أطفالهم الذين تخرجوا من المدارس السريانية الابتدائية إلى مدرسة نصيبين بل أرسلوهم إلى المدارس الكردية المتوسطة، ولكن بعد رسوخ التعليم السرياني في المرحلة المتوسطة واجتيازه السنة الأولى نحو السنة الثانية وتعاظم ثقة القائمين على شؤونه في الاستمرار حتى نهاية المرحلة ترك ذلك انطباعاً إيجابيا بناءاً في نفوس هذه العائلات تجاه التعليم السرياني وبدأت مخاوفهم بالتبدد والزوال فبدءوا بنقل أطفالهم الذين نجحوا من الصف الأول في المدارسة الكردية إلى الصف الثاني في مدرسة نصيبين، وهكذا أستمر التعليم بلغة الأم في المرحلة المتوسطة بكل نجاح وتقدم.

لا أريد الإطالة في الكلمات والتكثير من السطور، لعل البعض يمتعض من القراءة خاصة عندما تصب في جوهر الحقيقة القومية والإنجازات التي حققها أبطال التعليم السرياني لعل البعض يحسبها نوع من المدح المجاملة، لذا أرى بأن بعض الصور للكتب العلمية المترجمة إلى اللغة السريانية والتي تم إعتمادها كمنهج رسمي في المرحلة المتوسطة قد تعوض عن الإطالة في الكلمات والتكثير من السطور، وهي أهم الكتب العلمية المترجمة... أفهل عزيزي القارئ شاهدت سابقا مثل هذه الكتب العلمية والمترجمة إلى لغتنا القومية؟ إلا يسحتق من بذل الغالي والنفيس من إجل ترجمتها وضحى بكل ما يملكه من جهد ووقت لوضع التعليم السرياني على مساره الصحيح والمستمر لغاية يومنا هذا؟ أن هذه الكتب وبلغة الأم لم تأتي بالثرثرة والتهجم على هذا وذاك والسباحة في فنجان قهوة لكي يتحرر الوطن آشور، بل جاءت بفضل الجهود الجبارة لبعض المؤمنين بحق هذه الآمة في العيش برفاهية وهي تستمتع بحقوقها القومية المشروعة.




 

كتاب الحساب (الرياضيات) وصفحة من الكتاب



 

كتاب الجغرافيا مع صفحة من الكتاب
=======================
 


 

كتاب علم الأحياء و صفحة من الكتاب
========================
 



كتاب الكيمياء و صفحة من الكتاب
========================


 

كتاب الفيزياء و صفحة من الكتاب
======================== 
أليس هذا أعظم إنجاز قومي حقيقي لأمتنا طيلة تاريخها المديد؟؟

إلى اللقاء على الرف السابع والأخير من أرشيف المدارس القومية الآشورية المتضمن تقييم ومستقبل التعليم السرياني وخلاصة عامة.

4
      من أرشيف المدارس القومية الآشورية في العراق- 5
--------------------------------
الأقسام الداخلية لمدرسة نصيبين:  الأول من نوعها في تاريخنا القومي
============================================
                                                                                أبرم شبيرا
سابقة قومية تاريخية لأمتنا:
----------------
حق التعليم بلغة الأم لأبناء شعبنا في أرض الوطن حق مشروع لا غبار عليه ولكن نقله وتحويله من المبدأ إلى الواقع يستوجبه توفر مستلزمات لتحقيقه. فبلإضافة إلى ضرورة وحدة الإرادة القومية وأحزابها الحقيقية الممثلة لها، يستوجب أيضاً وجود عدد كافي أو مناسب من الطلاب والمدرسين والاختصاصيين والمشرفين التربويين لفتح المدارس واستمرار التدريس فيها إضافة إلى المصادر المالية الدائمة. وبقدر تعلق الأمر بعدد الطلاب الآشوريين الذين تخرجوا من الدراسة الابتدائية والمطلوب لفتح مدرسة متوسطة لهم لم يكن هذا العدد كافياً حتى في أكثر المناطق الآشورية كثافة كمدينة دهوك وذلك بسبب التقسيم الديموغرافي والجغرافي لشعبنا في المنطقة الشمالية، والتي سنأتي عليها في ما بعد، ولم يكن أمام القائمين على شؤون التعليم السرياني حل لهذه المشكلة عندما تقرر فتح مدرسة نصيبين الأهلية المتوسطة في دهوك إلا عن طريق اللجوء إلى الأسلوبين التاليين :
الأول: توفير وسائط نقل كبيرة كالباصات لنقل الطلاب يومياً من مناطق داخل مدينة دهوك وضواحيها والبعيدة عن مكان المدرسة وأيضا من القرى المحيطة بمدينة دهوك كمنصورية وسميل وبختمه وغيرهم ومن ثم إرجاعهم إلى بيوتهم بعد أنتهاء الدوام المدرسي. 
الثاني: فتح أقسام داخلية للطلاب الذين يعيشون في قرى وقصبات بعيدة عن مركز مدينة دهوك كسرسنك وعقرة وشقلاوة وديانا وصبنا وديرلوك وزاخو وعمادية وغيرها للمبيت فيها حتى يتسنى لهم الالتحاق والدوام في مدرسة نصيبين في دهوك ذلك لأنه يستحيل على طفل أو أي من كان السفر يومياً من وإلى المدرسة من مناطق بعضها تبعد أكثر من مائة كيلومتر ومحفوفة بعدم الإستقرار والمخاطرة.

والأقسام الداخلية لمدرسة نصيبين في دهوك ظاهرة فريدة من نوعها في المنطقة وفي تاريخ أمتنا ومن عدة أوجه منها:
أولاً: أنها لأول مرة في المنطقة وفي تاريخ الآشوريين يفتتح أقسام داخلية لطلاب يدرسون معظم موادهم العلمية بلغتهم القومية في المرحلة المتوسطة وأعمارهم لا تتجاوز الثانية عشر أو الثالثة عشر من العمر أو أكثر بقليل، فمثل هذه الأعمار يتطلبها رعاية خاصة وعناية فائقة ليست من الأمور السهلة ما لم يخصص لها جهود إستثنائية وأموال كافية لتعيين المشرفين والاداريين عليها وتوفير الأجواء النفسية لأفراد عائلة الطالب الذي سيعيش بعيداً عنهم إضافة إلى الإستقرار السياسي والحماية الأمنية.
ثانياً: أنها ظاهرة فريدة في المنطقة لأنه ليس هناك تجارب سابقة في فتح أقسام داخلية لمرحلة الدراسة المتوسطة لا للآشوريين ولا لغيرهم .
ثالثاً: أنها لا تعتمد على مصادر مالية ثابتة ومستمرة بل تعتمد كليا على مصادر ذاتية وآشورية توفرها اللجنة الخيرية الآشورية وبعض الخيرين من أفراد ومؤسسات آشورية في المهجر، فهي لا تستلم مساعدات لا من أية دولة أو حكومة معينة، والحكومة الاقليمية غير ملزمة بمساعدتها لأنها تعتبرها خارج العملية التربية كما وأن مدرسة نصيبين كانت مدرسة أهلية وليست حكومية في تلك الفترة.
رابعاً: أن الأقسام الداخلية تستوعب حالياً (في تلك الفترة) طلاب الصفين الأول والثاني المتوسط، أي بمعنى أنه في كل سنة  يتطلب أقسام داخلية أكثر وزيارة في تكاليفها والجهود المبذولة في إدارتها بازدياد عدد طلابها حتى السنة النهائية للمرحلة الثانوية.
أقسام داخلية للأولاد والبنات، رغم بساطتها، متكونة من دار عادي مستاجر متكون من 5 غرف أو أكثر، لكن كانت مزودة بكل المستلزمات الضرورية للإقامة مجاناً من سكن وثلاث وجبات أكل مع مرشد إجتماعي وصحي وزيارة طبيب بين يوم وآخر، لا بل وفي أحيان كانت تقدم لهم دروس إضافية مسائية للطلاب الذين كان مستواهم أقل من أقرانهم... شيء عظيم ومن زار هذه الأقسام لوجد عظمتها من دون أي مبالغة  في إعتبارها سابقة تاريخية في أمتنا، الفضل الأول والأخير كله يعود إلى الجميعة الخيرية الآشورية ومن وراءها الحركة الديموقراطية الآشورية ومساندة أكثرية أبناء شعبنا خاصة أولياء أمور الطلبة والطالبات. السؤال يبقى: لماذا أقسام داخلية في دهوك وهناك نسبة كبيرة من أبناء شعبنا وبيوتهم في هذه المدينة. الجواب هو: من متطلبات تأسيس مدرسة متوسطة أهلية هو وجود عدد معين من التلاميذ لتأسيس مثل هذه المدرسة. ففي دهوك لم يكن هذا العدد متواجد لذلك تطلب الأمر لأكمال العدد المطلوب بأنخراط الطلاب والطلابات في هذه المدرسة من المناطق الأخرى مثل سرسنك وديانا وعقرة ومنصورية وسميل الذين أكملوا المرحلة الإبتدائية في المدارس السريانية هناك والبقاء في الأقسام الداخلية طيلة أيام الأسبوع الدراسي وفي نهاية الآسبوع كانت الجمعية الخيرية الآشورية توفر وسائط النقل – باصات لنقلهم إلى عوائلهم في هذه المناطق ثم بعد العطلة تعود الباصات بهم للدراسة والبقاء في الأقسام الداخلية. الأمر الذي شخصياً أثار أعجابي ودهشتي هو الثقة الكبيرة التي كان يوليها أولياء أمور الطلاب والطالبات بالجمعية الخيرية الآشورية والقائمين على إدارتها وببعض نشطاء الحركة الديموقراطية الآشورية في أرسال أطفالهم إلى دهوك والبقاء هناك في الأقسام الداخلية لعدة أيام. أمر لم يكن بالإمكان تصور مثل هذه الثقة الكبيرة إلا عندما ألتقيت في حينها ببعض أولياء الأمور وشعرت بمدى عمق هذه الثقة بالجمعية وبزوعا... قصص مثيرة للأعجاب كنت أسمعها من التلاميذ... صدقوني تحتاج لمجلدات لكتابتها وتسجيلها في سجل تاريخي خالد لهذه الأمة وهي تحاول الحفاظ على لغتها في أصعب الظروف وأقساها. أنه من الطبيعي، خاصة لأمتنا الفقيرة من نواحي عديدة أن تواجه مثل هذا الإنجاز التاريخي عدد من التحديات والصعوبات لتحقيقه، ويمكن إيجاز بعضها بما يلي:
1 - الصعوبات الجغرافية والديموغرافية:
الواقع الديموغرافي لشعبنا الآشوري في شمال العراق يبين بأنه يفتقر إلى التركز الجغرافي باستثناء قليل في بعض المناطق، فالتشتت الجغرافي للقرى الآشورية وتباعد بعضها عن البعض وتداخلها مع القرى الكردية يخلق مشكلة صعوبة إيجاد مدارس ذات جدوى تعليمية مناسبة لكل قرية أو منطقة وتوفير كوادر تعليمية كافية لها. من هنا كانت البداية التركز على فتح المدارس في المناطق الأكثر كثافة ومن ثم إيجاد الحل لأبناء القرى النائية والبعيدة عن مراكز المدارس السريانية وعن طريق توفير وسائل النقل لهم لنقلهم إلى المدارس. ومثل هذه الصعوبة برزت بشكل كبير عند افتتاح مدرسة نصيبين المتوسطة في مركز مدينة دهوك باعتبارها أكبر مركز لتجمع الآشوريين، أو باعتبارها محوراً للقرى الآشورية المحيطة بها. وصعوبة العامل الجغرافي يتمثل في كون مدرسة نصيبين المتوسطة في دهوك هي الوحيدة من نوعها في المنطقة مما يستوجب على طلاب المدن الأخرى والقرى والقصبات البعيدة كعنكاوا وعقرة وسرسنك وديانا وبرسفي وصبنا وعمادية وديرلوك وغيرها والراغبين في الدراسة في هذه المدرسة القدوم من هذه المناطق والإقامة في مدينة دهوك خلال الفصل الدراسي، وهي مهمة ليست بالسهلة على الإطلاق سيما وأن جميع هؤلاء الطلاب والطالبات هم صبايا تبلغ أعمارهم بين 12 – 13 سنة. وقد تم حل هذه المعضلة بإنشاء أقسام داخلية مختلفة، اثنان للطلاب وواحد الطالبات، وفي العام الدراسي 1999 – 2000 أصبح للطالبات قسمان داخليان، بما تتطلبها هذه الأقسام من مستلزمات الإقامة من أثاث وأفرشة ومطابخ ووسائل تدفئة وتبريد وتوفير ثلاث وجبات من الأكل مجاناً وغيرها من الوسائل الضرورية للطلاب والطالبات إضافة إلى الرعاية الصحية والاجتماعية  ذلك لكون جميع هؤلاء الطلبة صبايا وقاصرين يستوجبهم عناية خاصة واهتمام كبير بسبب بعدهم عن ذويهم طيلة فترة الدراسة. كما هناك مشكلة أخرى في هذا العامل الجغرافي والتي تتمثل كون بعض الطلاب من مناطق تقع مساكنهم في ضواحي مدينة دهوك والقصبات التابعة لها كسميل ومنصورية وهي المشكلة التي تم حلها في المرحلة الأولى بتأجير باصات كبيرة تقوم بمهمة نقل الطلاب من وإلى المدرسة. فهذه المشاكل والعقبات والتي يتطلبها تخصيص مبالغ ضخمة ليست من الأمور الهينة والسهلة على أي فرد أو مجموعة أفراد ما لم تكون مدعومة بتضحيات تقوم بتوفيرها أبناء شعبنا ومؤسساته في المهجر.
2 - الصعوبات المالية:
  لإزالة العقبات الجغرافية والسكانية للطلبة الدارسين في مدرسة نصيبين كان يتطلبها مبالغ ضخمة ومصاريف كبيرة يستوجب تخصيصها وتدبيرها لغرض توفير وسائط النقل وسكن للطلبة الدارسين في هذه المدرسة والقادمين من المناطق البعيدة عن مدينة دهوك وهي المصاريف التي حتما ستزيد في المرحلة اللاحقة و ستتضاعف أكثر في السنوات القادمة عندما يبدأ التدريس في الصفوف الثالثة المتوسطة وصاعداً. أنه حقاً أمراً مثيراً للتفاخر والاعتزاز عندما يشاهد المرء بعينيه ويتحسس بعقله الاندفاع الكبير لإبناء شعبنا في المنطقة نحو إنجاح الدراسة السريانية في هذه المدرسة الفتية حيث وقفوا جميعاً وقفة شجاعة في مواجهة هذا التحدي الجديد فبذل كل واحد ومن موقعه الخاصة جهوداً كبيرة وتضحيات عظيمة ووقفت منظماتنا الرائدة كاللجنة الخيرية الآشورية والحركة الديمقراطية الآشورية وبعض المنظمات والشخصيات الآشورية في الداخل والخارج مواقف مشرفة في الاستجابة للحاجة المالية المطلوبة في إنجاح هذه التجربة والتي بدأت فعلاً مسيرتها في الموسم الدراسي للعام 1998/1999 بثقة بالغة وإصرار منقطع النظير شكل ذلك زخماً قوياً لاستمرار الحياة في هذه التجربة نحو آفاق أبعد والتي انعكست وبشكل واضح في نجاح هذا الموسم الدراسي وانتقال الطلبة إلى الصف الثاني المتوسط بنفس الهمة والنشاط. ومن الضروري  هنا أن أشير، لا بل أن أشيد بوقفة قومية مسؤولة في هذا السياق. ففي عام 2009 عندما كان الحصار المزدوج الدولي والنظام العراقي يفرض قسوته على المنطقة الشمالية وفي عين الوقت كانت متطلبات التعليم السرياني تزداد بإزدياد طلابه والهمة تتضاعف للخيرين من أبناء أمتنا لضمان إستمراره، أستنفر هذا الوضع الشخصية القومية عمانوئيل قليتا الذي كان مسؤولا عن الجمعية الخيرية الآشورية فرع بريطانيا وبُلغ بالحاجة الماسية لباصين لنقل الطلاب والطالبات فتحرك صوب ألإصدقاء الخيرين لسد حاجة التعليم السرياني إلى الباصات، فعلى الفور، وبحضوري الشخصي، بادر وتبرع كل من السيد بهرم أوديشو بهرامي والسيد وورد فرجو زيا بمبلغ 20 ألف دولار أمريكي لكل واحد منهما للجمعية الخيرية الآشورية لشراء الباصين المطلوبين لنقل الطلاب والطالبات. أنا شخصياً أعرف كلا الصديقين بهرم وورد بأنهما ليسا من أثرياء المال ولا ميسوري الحال، بل للحق اقول بأنهما أغنياء بسخائهم وعطائهم ومواقفهم القومية في مثل هذه الحالات والأمثل كثيرة في هذا السياق، منها تبرعاتهم المستمرة لمتطلبات المسيرة النيسانية في كل عام. أذكر هذا للذين يتغنون ليل نهار عن آشور ويذرفون دموع التماسيح خوفاً على ضياع لغتنا القومية في الوقت الذي لا يبادرون حتى بالتبرع بدولار واحد لحماية لغتهم القومية. 
3-  الصعوبات الاجتماعية والعائلية:
العائلة الآشورية في المنطقة، هي كغيرها من العائلات الشرقية، محافظة بطبيعتها، خاصة في المناطق الريفية والزراعية، فلها أواصر عائلية حميمة بين أفرادها يصعب عليهم الفراق أو الغياب لفترة طويلة، وهي حالة معروفة للكثير من الآشوريين ولا يستوجبها التفصيل، ولكن الذي يهمنا من هذه الإشارة هو كيف سيكون الحال مع طفل عمره بحدود 12 أو 13 سنة أن يفارق أهله لمدة تطول أشهر؟ وكيف تثق العائلة الآشورية بالجهة التي تأوي هذا الطفل وهو بعيد عن بيته ؟؟ وكيف تطمئن إليه وهو محروم من حنان الأم ورعاية الأب ؟؟ أسئلة وأسئلة كثيرة تثار حول طلاب مدرسة نصيبين الذين جاءوا من مناطق بعيدة ويقيمون في الأقسام الداخلية في دهوك. الجواب الوحيد والشافي لهذه الأسئلة، لا بل والحل الأمثل لهذه المشكلة يكمن في الجهود العظيمة والمثالية التي توفرها اللجنة الخيرية الآشورية في الأقسام الداخلية الأربعة التي تشرف عليها. فقبل كل شيء يجب الاعتراف بأن هذه اللجنة والمنظمات والأحزاب الآشورية الفاعلة في المنطقة والمساندة للتعليم السرياني استطاعت أن توف، من خلال إخلاصها لأبناء شعبنا وصدقها في عملها القومي، ظروف فكرية ونفسية واجتماعية كانت قادرة على خلق أجواء اتسمت بالثقة والمصداقية بين عوائل الطلاب والطالبات وصلت إلى حدودها المثالية عندما وضعت هذه العوائل كل الثقة بهذه المؤسسات وأتمنتهم بوضع أطفالهم بين أحضانهم وتربيتهم ورعايتهم ومن دون أن يشعروا التلاميذ بأية غربة أو انزعاج بسبب فراق أهلهم وبعدهم عنهم طيلة فترة الدراسة.
في مقابلة شخصية مع الطالب هرمز بنيامين البالغ من العمر 14 عاماً، الصف الثاني المتوسط، يقول بهذا الخصوص "أنها السنة الثانية وأنا أدرس في مدرسة نصيبين وقدمت من منطقة (ديانا) وأقيم في القسم الداخلي رقم (2) وأني ما أتلقاه من رعاية وإشراف في المدرسة وفي القسم الداخلي ممتاز جداً، فنحن نتلقى ثلاثة وجبات طعام صحية وبكميات تفي حاجتنا وبزيادة كما أن ملابسنا تغسل وعلى الدوام وغرفنا وافرشتنا نظيفة جداً مثلما هي في البيت وفي كل قسم داخلي عاملة تقوم بتنظيف كل شيء كما هناك مشرفة علينا ترعي شؤونا وتنظم أمورنا الشخصية والدراسية أيضاً، وهناك بعض المشرفين هم بالأصل وفي نفس الوقت مدرسين في مدرسة نصيبين وهذا ما يجعل الأمر أسهل إلينا في استمرار المطالعة والدرس في القسم الداخلي والتي قد تكون تجاوزناها في المدرسة بسبب إدراك الوقت لنا كما يساعدنا هذا كثيراً في إداء واجباتنا البيتية بشكل صحيح وتحت إشرافه". أما الطالبة مورين إبراهيم البالغة من العمر 14 عاما، الصف الأول المتوسط والقادمة من منطقــة (نهله) فتقول بخصوص بعدها عن أهلها "أن ما توفره لنا المدرسة والأقسام الداخلية من رعاية خاصة وعناية كبيرة تعوض الكثير عن هذا البعد كما وأن أهلي في كثير من الأحيان يأتون إلى دهوك لقضاء بعض الحاجيات فيزورنني في القسم الداخلي وأقضي معهم ساعات طويلة وفي أحيان أخرى أقضي معهم بعض الليالي عندما يبقون في دهوك عند بعض أقربائنا، كما أن المشرفة تسمح لنا في بعض أيام العطل، وخاصة في عطلة نهاية الأسبوع، أن نزور أقاربنا في دهوك بعد أن ترسل معي مرافق يوصلني إليهم ثم يرجعني إلى القسم. أما في أيام العطل الطويلة والأعياد فإننا نذهب إلى قريتنا وأبقى عند أهلي حتى نهاية العطلة وهذا كله مرتب من قبل اللجنة الخيرية الآشورية خاصة بالنسبة لتوفير النقل بالباصات المخصصة لنقل طلاب الأقسام الداخلية". للحق أقول شخصياً أستغربت إستغراباً شديداً عندما تحدثت إلى طلاب وطالبات الأقسام الداخلية من قوة شخصيتهم وعمق ثقتهم بنفسهم وبمدرستهم وبمدرسيهم وبالقائمين على التعليم السرياني وكأنني كنت أتحدث مع شخصيات بالغة ومليئة بالثقة وبنفسية عالية وبإصرار حماسي وحتى بوعيهم القومي وإداركم لواقع أمتنا في الوطن وبأهمية التعلم بلغة الأم.
صور ناطقة:
========
في نهاية عام 1999 قمت بأول زيارة للإقسام الداخلية للطلاب والطالبات والتي لحقتها زيارات سنوية أخرى، وقد وجدت في بعض الصور بأنها تغني عن صفحا طويلة من الشرح عن هذه الأقسام الداخلية، وهذه بعض الصور التي يظهر فيها الأستاذ نزار حنا مدير التعليم السرياني والأستاذ دواد هيدو المشرف التربوي للتعليم السرياني والأستاذ بهموند حنا مدير مدرسة نصيبين المتوسطة والسيد نابليون كوركيس رئيس الجمعية الخيرية الآشورية والسيد باسم يوخنا من أتحاد الطلبة والشباب الآشوري مع مدرس/مشرف إجتماعي ومدرسة/مشرفة إجتماعية وطلاب وطالبات مدرسة نصيبين المتوسطة في دهوك. من المؤكد اليوم وبعد عشرين عاما، هؤلاء براعم الأمة نموا على تربة الوطن ليصبحوا شبابا وشاباتاً يحملون لغة أبائهم وأجدادهم على أكتافهم فزرعوا أبطال التعليم السرياني فيهم روح الأمة وأهم مقوم من مقوماتها... اللغة. فهذا لم يكن ممكنا إطلاقا لولا تجاوز معظم الإختلافات التسموية والطائفية والقريوية والعشائية... أفهل يدرك القابعون في أبراجهم العاجية هذا الإنجاز العظيم والذين يقضون معظم أوقاتهم في الثرثرة مع أنفسهم عبر شاشات جهاز الكومبيوتر يتغنون ليل نهار بآشور كموطن مقدس للأباء والأجداء ولكن... نعم ولكن لايستطيعون أن يخطوا خطوة واحد نحوه... إذن كيف يتم "تحرير" آشور؟.
 





 

5
لمن لا يعرف القراءة ولا يفهم الحقائق الواقعية ولمن مصاب بالأنيميا القومية الفكرية نعرض له هذه الصور لعل قد تزيل غشاء الحقد والطائفية من عقله ويدرك الواقع كما هو... طلاب آشوريون بمختلف طوائفهم ومللهم وقراهم يوحدهم سقف تعليمي واحد... جيبو... جيبو لفرسان التعليم السرياني في الوطن.

 






زيارة لمدرسة نصيبين في دهوك في نهاية عام 1999  ويظهر في الصورة الأستاذ داود هيدو والمرحوم يونان هوزايا والسيد يوسف سميل مع مدرسة الصف.

6
من أرشيف المدارس القومية الآشورية في العراق- 5
--------------------------------

مدرسة نصيبين المتوسطة: سابقة تاريخية في التعلم بلغتنا القومية
==========================================
أبرم شبيرا
توطئة:
يتضمن الرف الخامس من أرشيف المدارس القومية الآشورية في العراق مواضيع تشكل سابقة تاريخية في التعلم بلغتنا القومية في مدارس  علمانية منتظمة وعلمية. ويمكن تحديدها في تأسيس مدرسة تصيبين المتوسطة والمدارس الأخرى التي أعقبتها  وأقسامها الداخلية التي أوت الطلاب والطالبات ثم المناهج التعليمية العلمية. وبالنظر لكون هذه المواضيع تشكل سابقة تاريخية في أمتنا لذا فهي تتصف بعلو خاص ومتميز ليس بمقياس المسافة بل بالمقاييس الفكرية والعلمية والقومية والإدراكية التي يصعب على البعض من قصيري النظر أو المصابين بالأنيميا الفكرية والمختلين قومياً خاصة القابعين في خيامهم في المهجر والمتحجرين في مقالعهم البعيدة عن واقع الحال لأمتنا في أرض الوطن، فلهؤلاء صعوبة جداً من  الوصول إلى هذا الرف وفهم مواضيعه لأنها أعلى بكثير من مستوياتهم الفكري ويستحيل إستيعابه، فحالهم يشبه حال القط الذي لم يستطيع الوصول إلى اللبن، فقال لا يهم لأنه لبن حامض. هذه السوابق التاريخية ليست بفعل "فرسان" الإنترنيت ولا بفعل "المناضلين" الذين يسعون لتحرير آشور من خلال الكلام والورق وهم قابعون خلف شاشات الكومبيوتر ولا يجرأون أن يخطوا خطوة واحد نحو آشور لمعايشة أبناء آشور والإستماع إليهم. ولا هي هذه السوابق التاريخية من صنع الذين ينكرون أصالة أبائهم وأجداهم ولغتهم العظيمة، بل هي من نتاج كفاح أبطال حقيقيين يواجهون تحديات ماحقة يناضلون صامدين على أرض الوطن يفلحون حتى على الصخر لكي يزرعوا بذور نقية لإنبات شجرة لغة أمتنا وصيانتها من الضياع فكان لأعضاء القائمة الآشورية للحركة الديموقراطية الآشورية في برلمان الإقليم وقفة بطولية في إنتزاع قرار التعليم السرياني بقسميه الإبتدائي والثانوي والحقيقة تفرض علينا أن لا ننسى الدور الكبير الفاعل للمرحوم فرنسوا الحريري والسيد سركيس أغاجان عضوي البرلمان في الدفاع للحصول على هذا المكسب العظيم لأمتنا. من هنا أقول لمن يتوهم البعض بأن التعليم السرياني في شمال العراق كان كحق طبيعي على الدولة لمنحه لأبناء هذه اللغة، نعم هذا صحيح في الدول الديموقراطية التي تقر بحقوق الإنسان والأقليات وليس في دولة كدولة العراق بقسميه الشمالي والجنوبي، بل أقول لمن لا يعرف أو يحس بهذه الأدوار البطولية في الحصول على هذ المكسب العظيم بأنه هو نتاج كفاح أبناء أمتنا الخيرين وهذا ما سندركه من محتويات الرف الخامس من هذا الأرشيف الحاوي على السوابق التاريخية مبتدأ بـ:

مدرسة نصيبين المتوسطة ـ تواصل التعليم السرياني نحو مراحل متقدمة:
كانت البدايات الأولى تحديات مصيرية متعلقة بدخول طلاب الصف السادس الابتدائي للمدارس السريانية في  صيف عام 1998 الامتحانات النهائية "الوزارية" العامة وتخرجهم منها ومن ثم تحولهم إلى المرحلة المتوسطة، وهو التحدي الذي تمثل في بحث وإيجاد حل  لمشكلة تقوم على ركيزتين وهما:
الأولى : مشكلة عدم وجود بالأساس مدرسة سريانية في هذه المرحلة والمستلزمات العلمية من مناهج وكوادر وأبنية وتجهيزات مطلوبة لتأسيس مثل هذه المدرسة.
الثانية : المشكلة القانونية والتي تتمثل في عدم وجود تشريع خاص يقر بالتعليم السرياني للمرحلة المتوسطة ذلك لأن قانون وزارة التربية كان ينص على حق الآشوريين في التعليم بلغتهم القومية في المرحلة الابتدائية فقط.
على هذا الأساس كان يستوجب على القائمين بشؤون تعليم لغة الأم مواجهة هذه المشكلة عن طريق  توجيه اهتمامهم وجهودهم لخوض "المعركة" أن صح التعبير، على مستويين الأول: فكري وثقافي والثاني: سياسي وقانوني. فبخصوص المستوى الأول، يقول الأستاذ يونان هوزايا (رحمه الله) عضو لجنة الترجمة وتأليف المناهج في مقابلة خاصة، بأنه منذ إقرار البرلمان لحق أبناء أمتنا في التعلم في المدارس بلغتهم القومية بدأنا مع تشكيلات التعليم السرياني في المديرية العامة للتربية ثم مع مديرية التعليم السرياني والمركز الثقافي الآشوري وغيرهم من المؤسسات الثقافية والاجتماعية والمختصين في شؤون اللغة والمشرفين التربويين، بدأنا بمراقبة ومتابعة عملية التعليم السرياني مراقبة دقيقة ويومية وخطوة فخطوة من أجل معرفة مسيرتها الصحيحة وتذليل عقباتها وتوفير مستلزماتها بهدف إنضاج هذه التجربة وإنجاحها لتكون قاعدة لمرحلة متقدمة أخرى، وفعلاً بعد أن قطعت نصف الرحلة وأمضت ثلاث سنوات، أي في عام 1995، من مسيرتها تأكد نجاحها وبشكل ملفت للنظر، ليس للآشوريين وحدهم وإنما لغير الآشوريين أيضا بما فيهم المسؤولين في الدوائر والوزارات المعنية. لا بل وتأكد لنا جميعاً بأنه لا محال من استمرار مسيرة التعليم السرياني حتى وصول محطتها الأخيرة، أي الصف السادس الابتدائي واجتيازها بثقة عالية، ولكن كنا مترقبين وحريصين أشد الحرص على التحرك وعلى مختلف الجبهات وفي الوقت والظرف المناسبين وقبل وصول مسيرة التعليم السرياني محطته الأخيرة بفترة معقولة ومناسبة. لهذا  شرعنا في البدء مرحلة تهيأ الأجواء الفكرية والثقافية والفنية من خلال عقد مجموعة من الندوات والحلقات الدراسية واللقاءات من أجل الاستعداد لطرح موضوع مواصلة التعليم السرياني نحو المرحلة الثانوية على المسؤولين المعنيين ( مقابلة شخصية مع المرحوم يونان هوزايا في 21/2/1999 في عنكاوه) .
وفعلاً ومن خلال البحث والتقصي عن مرحلة هذا الاستعداد، نجد بأنه عدد من ندوات وحلقات دراسية عقدت بشأن التعليم السرياني، وهو في سنته الثالثة، أكدت على ضرورة مواصلته نحو المرحلة الثانوية شارك فيها عدد كبير من المختصين باللغة السريانية والمشرفين التربويين والمعلمين وعدد كبيرمن الكوادر المختصة والمدرسين والمشرفون التربويون وشخصيات علمية ودينية وثقافية وأعضاء برلمان ومسؤولون كبار في وزارة التربية توصلوا إلى قرارات وتوصيات أكد على أمكانية وضرورة مواصلة التعليم السرياني نحو المرحلة المتوسطة ثم الثانوية.
 هكذا مع تواصل استمرار نجاح مسيرة التعليم السرياني واجتيازها السنة الخامسة ووصولها إلى سنة ما قبل الأخيرة من الدراسة الابتدائية، تواصلت أيضاً اللقاءات والاجتماعات الهادفة إلى إنضاج الظروف الفكرية والعلمية والفنية للمرحلة المقبلة من التعليم السرياني فعقدت العديد من الندوات والحلقات الدراسية توصلت في نهاية المطاف إلى ضرورة استمرار التعليم نحو المرحلة الثانوية وما يتطلب ذلك من فتح مدارس وتجميع الطلبة والحاجة إلى أقسام داخلية لهم وغيرها من المستلزمات الفنية والإدارية، لا بل وأكد المشاركون في الحلقات الدراسية على أهمية وجود أقسام لدراسة اللغة السريانية وآدابها في جامعات الإقليم وفي معاهد أعداد المعلمين، فعلى الرغم من أهمية هذه التوصيات والقرارات إلا أن  الذي يهمنا بهذا الخصوص هو قرار رفع توصية إلى وزارة التربية في الإقليم بضرورة إقرار تواصل التعليم السرياني نحو المرحلة الثانوية، وهو القرار الشجاع الذي يعكس تجاوز مرحلة التحضيرات الفكرية والثقافية ونقلها إلى المرحلة السياسية والقانونية فيما يخص تحول مسيرة التعليم السرياني نحو مراحل اكثر تقدماً .
فبعد انتهاء هذه الحلقة الدراسية انتقلت الحملة الداعية إلى مواصلة التعليم السرياني نحو المرحلة الثانوية من مرحلة الدراسات والمداولات ألى مرحلة اتخاذ القرار الرسمي بشأنها، أي تجاوز المهمة من المستوى القومي إلى المستوى الرسمي وانتقالها إلى أروقة الوزارات ورئاسة مجلس الوزراء والبرلمان،  حيث قامت وزارة التربية بتحويل التوصية التي أقرتها الحلقة الدراسية إلى مجلس الوزراء لاتخاذ القرار اللازم بشأنها. غير أنه لأسباب سياسية تفاعلت مع التطورات التي سادت في المنطقة في تلك الفترة لم يتخذ أي قرار بهذا الشأن مما أدى ذلك إلى قيام الكتلة الآشورية مع عشرين عضواً من أعضاء البرلمان المؤيدين لهذا المطمح الآشوري في مواصلة التعليم السرياني نحو المرحلة الثانوية بالتوقيع على التوصية ورفعها إلى رئيس البرلمان والذي بدوره رفعها إلى رئاسة مجلس الوزراء لإبداء الرأي واتخاذ القرار بخصوصها. غير أن المسألة تأخرت مرة أخرى في مجلس الوزراء بشكل لم تكن أبدا بعيدة عن التأثيرات السياسية والتي غلفت بحجة عدم توفر الكوادر اللازمة لهذه المرحلة وغيرها من الحجج التي لم تصمد أمام إصرار جميع الخيرين من الآشوريين على ضرورة تحقيق هذا المطلب القومي، وفعلا وفي نهاية الجولة تم حسم المسألة فقامت رئاسة مجلس الوزراء وفي بداية شهر تشرين الثاني 1988، أي بعد أن كان الموسم الدراسي مستمراً لمدة تجاوز الشهر، بإصدار القرار اللازم بهذا الشأن. ثم أعقب ذلك قرارها المؤرخ في 2 تشرين الثاني 1998 والقاضي بالموافقة على فتح مدرسة أهلية في دهوك للراغبين بالدراسة السريانية وبإشراف وزارة التربية وطبقاً لنفس مناهج المدارس الأخرى في الإقليم. وعلى أثر ذلك تحرك فوراً الخيرون والحريصون على استمرار تطوير لغتنا القومية نحو تهيئة المستلزمات القانونية والفنية والعلمية الضرورية لفتح مثل هذه المدرسة، وفعلا ففي الثامن من كانون الأول 1998 قدم كل من الشماس أندريوس يوخنا والأستاذان بهمود حنا ودنخا خيوسو طلبا بفتح مدرسة متوسطة أهلية سريانية في دهوك بأسم مدرسة نصيبين المتوسطة المختلطة ومثل الشماس أندريوس يوخنا، مدير الثقافة الآشورية، مقدمي طلب التأسيس وتم التوقيع في ديوان وزارة التربية للإقليم على عقد تأسيس مدرسة متوسطة أهلية سريانية في دهوك ومثل السيد أندريوس يوخنا، مدير الثقافة الآشورية، مقدمي طلب التأسيس على توقيع العقد. وففي العاشر من شهر كانون الأول 1998 تم افتتاح المدرسة رسمياً في مركز مدينة دهوك وبرعاية الأستاذ يونادم يوسف كنا وزير الاشغال والاسكان وكبار مسؤولي وزارة التربية  وسميت بأسم مدينتا التاريخية الخالدة نصيبين التي لعبت جامعتها المشهور في التاريخ دورها الكبير في تدريس العلوم وتطويرها، كما تم تعيين الأستاذ بهمود حنا مديراً لها وهو صاحب خبرة طويلة في حقل التدريس تزيد عن ربع قرن ويتمتع بمؤهلات جامعية وثقافية تؤهله لاعتلاء هذه المسؤولية الكبيرة. والمدرسة تكونت في البداية، أي في السنة الأولى، فقط من الصف الأول المتوسط (السنة السابعة ) ومن ستة شعب وكان عدد طلابها يقارب ( 136 ) طالب وطالبة. كانت المدرسة، كأي مؤسسة حديثة التكوين وضمن ظروف صعبة، قد مرت بتجربة فريدة من نوعها في تاريخ الآشوريين قاطبة أكتنفتها الكثير من الصعاب التي لايمكن وصفها إلا أنها تم تجاوزها بفعل تكاتف المدرسين والطلاب والإصرار على إكمال المنهاج المقرر خلال السنة الدراسية بالجد والمثابرة ومن دون أي تأخير. وفعلاً تحقق ما اصبوا إليه بنجاح منقطع النظر فتحول الطلاب إلى الصف الثاني المتوسط بعد إنقضاء السنة الدراسية ومن ثم بدأت تحديات أخرى تمثلت في زيادة عدد الطلاب ومضاعفتهما فأصبح للمدرسة خمسة شعب كاملة العدد للصف الأول مجموع طلابها (167) طالب وطالبة وأربعة شعب كاملة العدد للصف الثاني مجموع طلابها (152) طالب وطالبة، أي يكون مجموع طلاب مدرسة نصيبين في الصفين الأول والثاني (319) طالبة وطالبة. وحتما سيزداد هذا العدد في السنة الدراسية القادمة حيث سيتم أيضا فتح شعب عديدة للصف الثالث المتوسط . وهكذا يتضاعف عدد طلابها بتضاعف عدد الصفوف في كل سنة قادمة. إضافة إلى مدرسة نصيبين كان هناك قرار لاحقاً لرئاسة مجلس الوزارء والمرقم 22 في 5/1/1999 تقرر بموجبه أيضاً فتح  شعبة للأول المتوسط في منطقة ديانا غير أنه بسبب قلة عدد الطلاب، والذين كان عددهم سبعة فقط، تأجل أمر فتحها إذ كان يستجوب وجود خمسة عشرة طالب لفتح مثل هذه الشعبة لتكون كصف أول لمدرسة متوسطة، غير أنه كحل وسط تم فتح ملحق بمدرسة آشوربان الإبتدائية السريانية ليتم فيها تدريس المناهج المقررة في الصف الأول المتوسط لطلابها حيث أستمروا على الدراسة بشكل رسمي ومنهجي .
وأخير لم يبقى إلا أن نشير بخصوص مرحلة التحول والتطور الكبير الذي حصل في التعليم السرياني بانتقاله وبنجاح من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة المتوسطة إلى الدور العظيم والوقفة الشجاعة التي وقفتها معظم العائلات الآشورية وأولياء أمور الطلبة الذين أنهوا المرحلة الابتدائية. فهؤلاء جميعاً خاطروا بمستقبل أطفالهم من أجل إنجاح تعليم لغة الأم نحو مراحل متقدم وحققوا بعد صمود وشد الأعصاب من تحقيق هدفهم في استمرار أبنائهم الدراسة في المرحلة المتوسطة رغم تأخر افتتاح مدرسة نصيبين. فبعد أن تخرج هؤلاء من المرحلة الابتدائية في بداية صيف عام 1999 وانقضت العطلة الصيفية وشارفت على انتهائها وأستعد الطلاب الذهاب للمدارس في الأول من تشرين الثاني أصبح موقف هؤلاء محرج للغاية إذ لم تكن هناك مدرسة سريانية متوسطة لاستيعاب خريجي التعليم السرياني الابتدائي ولم تفتح أبواب هذه المدرسة، أي مدرسة نصيبين، إلا في العاشر من كانون الأول 1999 وبعد حصول الموافقة اللازمة لافتتاحها، كما سبق وأن نوهنا عنها. فطيلة هذه الفترة الحرجة والمقلقة لأولياء الأمور رفضوا إرسال أبنائهم إلى غير التعليم السرياني وأبقوا عليهم في بيوتهم منتظرين افتتاح المدرسة المتوسطة حتى أثمر صبرهم وصمودهم بشروع أبواب مدرسة نصيبين واستقبال طلابها. أنه حقاً موقفاً مشرفاً وقفه الجميع وقفة مسؤولة شجاعة لعب دوراً كبيرا في إنتاج مسيرة التعليم السرياني بثمار انعكست في الهمة والنشاط الذي أبداها الجميع حيال إنجاح هذه المدرسة. فألف تحية وتحية لجميع العائلات ولأطفالهم على هذا الموقف الشجاع فلولاهم لما كانت مدرسة نصيبين قائمة في هذا اليوم. أما بعض العائلات القليلة جداً والتي لم تستطيع الانتظار طويلاً خوفاً على مستقبل أطفالهم، وهو خوف مشروع لا غبار عليه، فقد أرسلوا أطفالهم بعد تخرجهم من الابتدائية إلى المدارس المتوسطة الأخرى واستمروا الدارسة فيها لسنة واحدة، أي الصف الأول المتوسط، ولكن سرعان ما أن نجحوا إلى الصف الثاني حتى أرسلوهم إلى مدرسة نصيبين مقتنعين كل الاقتناع بأن التعليم السرياني في المرحلة المتوسطة قد نجح واجتاز الصعوبات والتحديات وسوف يستمر حتى نهايته الأخيرة المقررة له.
وفي السنوات اللاحقة ازدادت المتوسطات والاعداديات في كل مناطق تواجد شعبنا، ثم بعد تغيير شكل التدريس من الإبتدائية والمتوسطة والإعدادية أصبح على مرحلتين: مرحلة الأساس من 1 – 9  ومرحلة الإعدادية حيث أنفصلت المرحلة المتوسطة وأنظمت إلى الأبتدائي والباقي أصبحت مدارس أعدادية وتوسعت وأزداد عددها في الوقت الحاضر، كما أورده لنا الأستاذ نزار حنا مدير التعليم السرياني في وزارة التربية، وهذه الإعداديات هي:
اعدادية نصيبين السريانية - دهوك
اعدادية زاخوثا السريانية - زاخو – بيرسفي
اعدادية زهريرا السريانية - العمادية – ديرلوك
اعدادية اورهي السريانية - العمادية – سرسنك
اعدادية مركا السريانية - عقرة – نهلا
ثانوية شميرام السريانية - اربيل – ديانا
ثانوية اور السريانية - اربيل – عنكاوا
----------------------
شكرا جزيلا أستاذ نزار حنا وشكرا لزملائك فرسان التعليم السرياني في الوطن ولكل الخيرين الذي ساهموا في هذا الإنجاز العظيم من نوعه في تاريخ أمتنا. ولنا لقاء على الرف السادس من أرشيف المدارس القومية الآشورية في العراق.
STAY SAFE MY FRIENDS


7
من أرشيف المدارس القومية الآشورية في العراق- 4
--------------------------------

التعليم السرياني في شمال العراق - حقائق وأرقام
=========================
أبرم شبيرا
توطئة:
توطئة:
في هذا القسم الرابع نتصفح أرشيف المدارس الآشورية القومية من خلال كتابنا السالف الذكر"التعليم السرياني في شمال العراق – حقائق وأرقام، بعد أن نقلنا بعض الصفحات منه في القسم الثالث كمقدمات تمهيدية قبل الدخول في صلب الموضوع عن المدارس السريانية والتعليم السرياني في شمال العراق، أنظر الرابط:
https://ankawa.com/forum/index.php?topic=977422.0 .

وهنا سأحاول أن أستل بعض الأجزاء من هذا الكتاب مع تعديلات طفيفة جداً مبتداً بـ:

أولا: بداية تجربة في التعليم بلغة الأم:
بالرغم من الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية الصعبة، إقليمياً ودولياً في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، فأن  إقليم شمال العراق كان يعيش حالة إستثنائية من التعددية السياسية أتيح للآشوريين حدوداً هامشياً لتتحرك أحزابهم السياسية ومنظماتهم القومية والثقافية والاجتماعية وتنشط في تحقيق بعض الأهداف التي كان الآشوريون دوماً  يسعون  إلى تحقيقها، خاصة فيما يتعلق بتعليم لغة الأم لأطفالهم في المدارس الرسمية وبشكل أصولي تربوي وعلمي وبدون فرض النتائج ومن ثم قبولها خوفاً من إرهاب السلطة أو الأكثرية. فضمن هذه الحالة الديمقراطية البسيطة نشطت بعض الأحزاب والشخصيات الآشورية فاقتربت من ماكنة صنع القرار السياسي والتي تمثلت في مشاركة الآشوريين في البرلمان ممثلين بأربع نواب من القائمة الآشورية التابعة للحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) مع مسيحي واحد من الحزب الديموقراطي الكردستاني (بارتي) ضمن الكوتا المسيحية التي خصصت خمس مقاعد لهم. كما شاركت زوعا في المؤسسات الحكومية الإقليمية والوزارة وفي بقية التنظيمات السياسية والتحالفات الحزبية، فأفرزت هذه المشاركة نوع من التقارب والتفاعل انعكست نتائجها في تفهم وتقبل القوى السياسية الرئيسية الفاعلة في المنطقة والتي تقننت هذه النتائج  فيما بعد في قوانين وتشريعات جديدة ضمنت رسمياً حقوق الآشوريين، خاصة في ما يتعلق بمسألة تدريس لغة الأم في المدارس الرسمية.

ومن بين هذه القوانين التي تهمنا في موضوعنا هذا هو قانون وزارة التربية في الإقليم وخاصة المادة الرابعة منه والتي نصت على ( أن يكون التدريس باللغة الكردية رسمياُ في جميع المراحل ابتداءً من الصف الأول الابتدائي وحتى السادس الإعدادي . وكخطوة أولى تبدأ الدراسة باللغة الكردية في الصف الأول الابتدائي لهذا العام 1992 – 1993 عدا المدارس التي تشملها الفقرة الرابعة) وهي الفقرة التي تنص على ( جعل لغات الأقليات لغة التعليم في المرحلة الابتدائية لأبنائها في المناطق التي تقطنها على أن يكون تعليم اللغة الكردية فيها إلزامياً ). وفي قراره المرقم 16 والمؤرخ في 20 أيلول من عام 1992 أقر المجلس الوطني الكردستاني ( برلمان الإقليم) هذا القانون والذي بموجبه أصبح للأقليات، والذي عرفهم في مادته الأولى الفقرة السادسة بـ "الآشوريين والتركمان والعرب وغيرهم"، حق التعليم بلغتهم القومية. ومما نستدل من هذا القانون المقر بأن التعليم باللغة السريانية يقتصر فقط، كما هو مبين، على المرحلة الابتدائية دون المراحل الأخرى المتوسطة والثانوية. وللاستفسار عن سبب ذلك قابلنا الأستاذ يونادم يوسف كنه، مسؤول القائمة الآشورية في برلمان الإقليم ووزير الإسكان والتعمير سابقا والصناعة والطاقة حاليا، والذي شارك في مناقشات إقرار القانون أعلاه، حيث ذكر بأنه قبل إقرار هذا القانون، جرت مناقشات ومداخلات وتعليقات طويلة ومفصلة حول حصر حق القوميات غير الكردية بالتعليم  بلغتهم القومية على المرحلة الابتدائية وبينّا في حينه تحفظاتنا لهذا الأمر وطالبنا بضرورة أن يكون التعليم السرياني شاملاً أيضا للمراحل الأخرى المتوسطة والثانوية، غير أنه مما يؤسف له بأن جملة عوامل سياسية خارجية وداخلية تفاعلت مع بعض الحجج التي برر بموجبها رفض مطلبنا، منها قلة أو عدم وجود كوادر أكاديمية كفؤة وضعف الإيمان عند البعض من أبناء شعبنا في إمكانية استمرار التعليم السرياني في المرحلة الابتدائية فيكف والحال مع المراحل المتوسطة والثانوية ؟. هكذا تداخلت هذه الظروف مع جملة عوامل سياسية في المنطقة حالت كلها إلى دون إقرار البرلمان لمطلب الكتلة الآشورية في شمول التعليم السرياني للمراحل المتوسطة والثانوية، ولكن مع كل هذا،  فإن هذه النقاشات وما دار حولها من حجج في رفض مطلبنا أثرت إيجابيا في نفوس أعضاء الكتلة الآشورية بحيث جعلتنا أن لا نتهاون ونتقاعس، بل حفزتنا وبشكل كبير على ضرورة تركيز معظم الجهود والإمكانيات لخلق الكوادر الأكاديمية الكفؤة وإنجاح التعليم السرياني في المرحلة الابتدائية كمنطلق أساسي نحو الاعتراف بحقنا القومي في استمرار التعليم السرياني نحو مراحل متقدمة، وهو ما تحقق فعلاً من خلال اجتياز المرحلة الابتدائية وبنجاح منقطع النظير ( مقابلة شخصية بتاريخ 18/2/1999 - دمشق)       

وهكذا فبعد إقرار القانون أعقب ذلك في نهاية شهر أيلول صدور أوامر وزارة التربية وتعليمات مديريات التربية في محافظتي أربيل ودهوك بخصوص التعليم السرياني في هاتين المحافظتين والقاضية بتطبيق قرار التعليم السرياني فوراً في المدارس التي ستشمل بهذا القرار وللسنة الدراسية ( 1992 – 1993 ) والطلاب على أبواب بداية الموسم الدراسي، وهو القرار الذي فاجئ المعنيين بالموضوع والذين كانوا يتوقعون تطبيق القرار في السنة الدراسية القادمة (1993 – 1994) لأن الوقت كان ضيفاً جداً لتهيئة المناهج والكوادر التعليمية وغيرها من الأمور الفنية والتربوية. غير أنه مع كل هذه العجالة والاحراج لم تثني هذه المفاجئة عزيمة الخيرين من أبناء أمتنا من المدرسين والمختصين، فشرعوا جميعاً مع المؤسسات والمنظمات الآشورية الرائدة والطليعية، وفي مقدمتهم المركز الثقافي الآشوري وأعضاء الكتلة الآشورية في البرلمان، بالعمل الحثيث والمضني والمتواصل في التسابق مع الزمن لاستغلال هذه الفرصة العظيمة التي وفرت لأبناء أمتنا في الدراسة بلغتهم القومية. وفعلاً، رغم كل الصعوبات وضيق الوقت، فقد أفلحت هذه الجهود الخيرة في تنفيذ القرار عملياً في السادس من أذار عام 1993، والذي بدا متأخراً بعض الشيء، إلا أنه مع هذا لم يؤثر على سير التعليم السرياني في مرحلته الأولية بل تواصل بفعل الساعات الإضافية الطويلة التي خصصت من أجل استيعاب الطلبة للمنهاج المقرر، وهذا ما تم فعلاً. وبهذا تكون فاتحة جديدة من نوعها قد بدأت في تاريخ تدريس اللغة السريانية في العصور الحديث كلغة تعليمية للمنهج التدريسي المقرر رسمياً في المدارس العامة.
ثانيا: طموح يتحقق ـ التطبيق العملي لقرار التعليم السرياني:

التحليل القانوني لنصوص قانون وزارة التربية في الإقليم وقرارات البرلمان الخاصة باستخدام أبناء القوميات غير الكردية للغتهم في التعليم، بما فيهم الآشوريين منهم والقرارات المتعلقة بالتعليم السرياني، تدل على أن التعليم بلغتهم القومية هو إلزامي وليس اختياري، ذلك لأن الإلزام في النظرية القانونية يعتبر ركن أساسي وجوهري من أركان القانون، فكل نص قانوني هو ملزم بطبيعته ما لم يصرح عكس ذلك وبشكل واضح وعلني وعن طريق الإشارة الصريحة والمبينة بالإستثناءات الواردة فيه. فقانون وزارة التربية نفسه وفي فقرته الثالثة من المادة الرابعة الخاصة بالتعليم باللغة الكردية، فإنه بطبيعته كقانون تشريعي هو ملزم للمعنيين به، غير أنه أورد استثناءً واضحاً فيه عندما استثنى "الاقليات" منها والذي أعطى لهم بموجب الفقرة الرابعة من نفس المادة حق التعليم بلغتهم القومية في المرحلة الابتدائية، مع تضمين هذا الاستثناء إلزامية خاصة بتعلم اللغة الكردية وذلك كمحاولة من المشرع في عدم فسح المجال أمام " الاقليات" للتهرب من تعلم لغة الأكثرية في المنطقة، وهي قاعدة عامة لسياسة معظم الدول في العالم في تنظيم العلاقة بين "الأقلية" و"الأكثرية".

إن إلزامية القانون والقرارات أعلاه والخاصة بالتعليم السرياني واضحة ولا لبس فيها وأكدها الكثير من المختصين والمعنيين بالموضوع، وهو مكسب من أهم المكاسب التي تحققت لأبناء شعبنا في شمال الوطن، غير أن العبرة، وكل العبرة، ليست في النصوص والقوانين وإنما في التطبيق العملي لها على أرض الواقع . فالعجالة في إقرار تطبيق قانون التعليم السرياني في نفس العام الذي كان الموسم الدراسي على الأبواب تداخل بشكل كبير مع اختلاف وجهات النظر في فهم وتفسير نصوص القانون والقرارات أعلاه وخلقت حالة من الارتباك والاجتهادات ساهم ضعف الوعي القومي وهشاشة الإرادة القومية الموحدة في بعض المناطق على خلق فجوة في إلزامية التعليم السرياني بحيث استطاع البعض التسرب من خلالها والركون إلى اجتهاد يقوم على الاكتفاء بتدريس السريانية كلغة في المدارس المشمولة بالقرار واعتبار الكردية وليس السريانية كلغة للتعليم فيها رغم كون فيها غالبية من أبناء هذه اللغة. ولقد سبق وأن بينّا أهمية دور وحدة الإرادة القومية في إنجاح أية تجربة في تدريس لغة الأم، غير أنه في حالة الاجتهاد أعلاه حول مدى إلزامية التعليم السرياني يبين ضعف هذه الإرادة في بعض المناطق والذي أدى إلى التهرب من اعتبار السريانية لغة التعليم، وهي الحالة التي ترتبط ارتباطاً صميمياً بإرادة ومشيئة المعنيين بالموضوع وبمقدار درجة وعهم في أهمية التعليم باللغة السريانية، وفيما إذا كانوا فعلاً يعتبرون أنفسهم مشمولين بهذا القرار أم لا. فالقوانين والنصوص رغم عنصر الإلزام فيها فإن الخيارات الأخرى المتاحة تكون سبباً للتهرب منه والخضوع إلى الإلزام القانوني الخاص الذي توفره هذه الخيارات، وهي مسألة طويلة ومعقدة وتبسيطاً وإختصاراً لهذه الحالة نذكر المثال التالي: إذا كان شخص لا يعترف بأنه آشوري، أو لنقل سرياني أو كلداني، وإنما يعتبر نفسه من قومية أخرى أو لنقل يعتبر نفسه مسيحي فقط ويتردد في التصريح بانتمائه القومي أو الاعتراف بلغته القومية، فإن أي قانون لا يستطيع إلزام مثل هذا الشخص وإجباره على إرسال أطفاله إلى مدارس التعليم السرياني فيما إذا فضل هو، سواء أكان مخيراً أو مسيراً، في إرسال أطفاله إلى الخيارات التعليمية الأخرى المتاحة، أي إلى المدارس غير المشمولة بالتعليم السرياني.  فطالما هو ينكر أو لا يعير أهمية لمثل هذا التعليم فأن القانون أو القرار الخاص بالتعليم السرياني لا يشمله وإنما يشمله القرار الخاص بالخيار الآخر المتاح للتعليم سواء أكان باللغة الكردية أم التركمانية أم العربية. أي بهذا المعنى يمكن القول بأن الالزام بالتعليم السرياني ليس إلزاماً طبيعياً، إن صح التعبير، أي يشمل وبشكل طبيعي وميكانيكي كل من كان آشورياً أو كلدانيا أو سريانياً، وإنما هو إلزام فكري ووجداني، أي يشمل كل من يعي أو يفكر بأنه آشوري أو كلداني أو سرياني وأن السريانية هي لغته وعليه واجب الحفاظ عليها من خلال إفساح المجال لأطفاله لتعلمها في المدارس السريانية. فلا أحد يستطيع أن يجبر آشوري أو كلداني أو سرياني على أن يرسل أبنه إلى المدارس السريانية طالما لا يستطيع أحد أن يمنعه من إرسال أبنه إلى المدارس الكردية أو العربية. والحالة تنطبق أيضاً على أي فرد من أفراد بقيت القوميات عند ضعف الوعي القومي من جهة وتوفر الخيارات الأخرى للتعليم من جهة ثانية، أي في هذه الحالة نكون أزاء إلزامية التعليم وليس أمام إلزامية نوع التعليم. لقد أوردنا هذا المثال البسيط الذي قد ينطبق على بعض الآشوريين ومن مختلف طوائفهم وفي بعض المناطق، ولكن كيف والحال إذا كان مثل هؤلاء لهم مراكز سياسية وإجتماعية ودينية في المجتمع ؟؟ فالشخص المطلع على أبجدية وقعنا القومي يكفيه هذا المثال ليستدل منه معاني عميقة دون الشرح والتفصيل .

فمثل هذه الظروف الصعبة والمعقدة لم يكن من الممكن تجاوزها ومن ثم الخروج بحلول معقولة قادرة على استثمار هذه الفرصة الجديدة التي توفرت لأبناء شعبنا، لولا الجهود الكبيرة التي بذلها المعنيون بالموضوع والمنظمات القومية الطليعية والثقافية وبعض الشخصيات العلمية والثقافية وأعضاء من الكتلة الآشورية في البرلمان وعبر سلسلة من اللقاءات والندوات والاجتماعات حتى تم في نهاية المطاف الخروج من هذه الاجتهادات إلى الواقع التطبيقي وذلك عن طريق الركون إلى الإرادات الحرة لأبناء الشعب في  تطبيق قرار التعليم السرياني، وهي الإرادات التي انعكست في رأيين :
ا
لأول: الاكتفاء بالسريانية كلغة فقط مع اعتبار الكردية لغة التعلم، وهو رأي خير من الرأي الرافض لتدريس هذه اللغة نهائياً.
الثاني: اعتبار السريانية لغة التعليم لكافة المناهج المقررة وكما جاء به القانون المذكور أعلاه، وهو المطمح القومي الكبير الذي يعكس نمو ورقي الوعي القومي للموافقين عليه في أهمية تعلم لغة الأم كلغة علم وثقافة.
كان هذان الرأييان المحك الفاعل والفاصل في تقرير أنواع المدارس السريانية وبالتالي تجسدا في نوعين من المدارس السريانية :
الأولى: المدارس التي تكون الكردية لغة التعليم فيها أما السريانية فتدرس كلغة فقط وضمن حصص أسبوعية معينة في المرحلة الابتدائية .
الثانية: المدارس التي تكون السريانية لغة التعليم فيها لكافة المناهج المقررة، أما الكردية فتدرس كلغة فقط وضمن حصص أسبوعية معينة في المرحلة الابتدائية,

هكذا، فبعد أن تحدد مسار التعليم السرياني وبشكل يتوافق مع الإرادتين أعلاه لأبناء شعبنا بدأت الخطوات الأولى مباشر بعد صدور قرار البرلمان بتأسيس تشكيلات التعليم السرياني في المديرية العام لتربية دهوك وأربيل ثم قبل حلول صيف عام 1996 تم تأسيس مديرية التعليم السرياني في وزارة التربية التابعة لإقليم كردستان – العراق لتقوم بمهمة تنظيم هذه التشكيلات وإدارتها بالشكل الذي يساهم في تطوير التعليم السرياني والذي كان فعلا قد بدأ تطبيقه عملياً في بداية الربيع من عام 1993  وذلك بتأسيس أو بشمول عدة مدارس في محافطتي دهوك وأربيل بهذا القرار والمباشرة بتهيئة الكتب للتلاميذ في الصف الأول واعداد الكادر التعليمي لمدارس المحافظتين. وقد وقف أبناء شعبنا وقفة شجاعة في مواجهة هذا التحدي الجديد في تاريخهم المعاصر والذي لم يكن في بدايته سهلا على الإطلاق، خاصة في ظروف اقتصادية صعبة مقيدة بحصارين دولي وحكومي على المنطقة الشمالية، غير أن الدعم المالي الكبير الذي قامت به الجمعية الخيرية الآشورية في الولايات المتحدة الأمريكية والإسناد المعنوي والقومي والسياسي الذي وفرته المنظمات القومية الطليعية وكل الخيرين والمؤمنين بتراثهم ولغتهم، تمكنت مديرية التعليم السرياني وكافة كوادرها التعليمية  ومن وقف معها وساندها في السير قدماً واجتياز الخطوة الأولى الصعبة، حيث  تم تهيئة الكادر التعليمي من خلال إقامة دورات مكثفة في تعليم اللغة السريانية للمعلمين المؤهلين أكاديميا كما تم استثناء المعلمين المتمكنين في حقل التدريس السرياني من الشروط المقيدة لتنقل فأعقب ذلك نقل أغلب الكوادر التعليمية الى مدارس مدينتي عنكاوة ودهوك. إضافة إلى ذلك تم تهيئة الكتب المدرسية المطلوبة للمنهج الدراسي الرسمي للصف الأول وهكذا في كل سنة حتى اكتملت كل مستلزمات المرحلة الابتدائية من كتب وكادر تعليمي وإشراف تربوي وأبنية مدرسية حتى نهاية صيف عام 1998 حيث تخرجت الدفعة الأولى من المرحلة الابتدائية. هذا ويجب أن لا يفوتنا الدور الكبير الذي لعبه في تلك الفترة كل من  تلفزيون آشور وإذاعة آشور في أربيل ودهوك في المساهمة في إنجاح هذه التجربة الرائعة خاصة من خلال التوعية بأهميتها أو عن طريق تقديم دروس ومحاضرات في اللغة والتاريخ والتراث وعبر الشاشة كتلفزيون تربوي وثقافي ساهم في نشر وترسيخ الوعي بأهمية تعلم لغة الأم وتبيان الدور المطلوب من ذوي الطلاب في هذا المجال. كما لا نريد التكرار والإطناب بالدور الكبير الذي لعبه المركز الثقافي الآشوري في دهوك وعلى الدوام في هذا المجال فهو معروف لكل من عايش أحداث تلك الفترة ولا يزال يلعب هذا المركز دوره الكبير والفاعل إلى جانب الجمعية الخيرية الآشورية في ترسيخ مسيرة التعليم السرياني في شمال الوطن.

لماذا التسمية السريانية للغتنا القومية؟
-----------------------

 أثير الكثير من التساؤلات حول اللغة التي سيتم التعليم بها وتسميتها، سواء أكانت هذه التساؤلات بهدف المزيد من المعرفة وذلك لكون هذا الحدث الأول من نوعه في تاريخنا القومي المعاصر، أو كانت بسؤ نية ومن وراءه عوامل عديدة طائفية وعشائرية وتحزبية وحتى فردية نرجسية، فبدأوا يتساؤلون لماذا سيمت لغتنا القومية بالسريانية وليس باللغة الآشورية أو الكلدانية أو الأرامية... وهكذا؟؟؟. قبل الإجابة على هذا التساؤل نود أن نبين بأن اللغة التي تدرس لأبناؤنا في المدارس السريانية هي القسم الشرقي من لغتنا ( مدنخايا )  التي كان يفهمها ويتكلم ويكتب بها معظم أبناء طوائفنا الكلدانية والمشرقية وحتى أبناء قرى الطوائف السريانية الأرثوذكسية والكاثوليكية في العراق، فهي لغة عامة ومشتركة بين الجميع مع اختلاف بسيط في اللهجات وبعض الألفاظ، وهي حالة عامة وطبيعية جداً بالنسبة لمعظم لغات الشعوب. واللغة المعتمدة في التدريس هي اللغة المسماة بالحديثة أو بـ " السورث " التي يفهمها الجميع، أي هي لغة التعليم، مع اعتماد اللغة الكلاسيكية المعروفة بالقديمة أو بـ "الآرامية" كلغة تدرس في جميع المدارس السريانية من الصف الأول الابتدائي إلى الصف الأول المتوسط، والتي تعتبر أيضاً مصدراً مهماً لاشتقاق المصطلحات العلمية في المناهج التعليمية. فهذه اللغة، سواء الحديثة أو الكلاسيكية، هي نفسها التي كانت تدرس في مدارسنا العلمانية والمعاهد الدينية ولا اعتراض عليها لأنها مفهومة ومقبولة من جميع الطوائف والقرى والمناطق خاصة عند القراءة والكتابة بها، أي بهذا المعنى أن اللغة المعتمدة ليست لغة أية طائفة أو قرية أو منطقة بل هي لغة الجميع مهما كانت طائفتهم أو قريتهم أو منطقتهم، أي أن لغتنا القومية هي التي تدرس في المدارس ويتعلم أطفالنا بها المواد العلمية المقررة رسمياً، وهو الهدف الأسمى من أهداف أمتنا والذي تهون وتتلاشى من أمامه كل الحجج والعذر الأخرى التي تعترض طريقه وتصبح غير مقبولة على الإطلاق أمام عظمة ورفعة هذا الهدف النبيل .

هذا من حيث مضمون اللغة، وهو أهم المهمات في هذه المسألة.  أما من حيث الشكل، أي من حيث تسميتها باللغة السريانية فنود أن نقول بهذا الخصوص ما يلي: عندما يتسلح الانسان بوعي قومي وإنساني وحضاري متفتح وناضج ومكتمل ويمارس من خلال هذا الوعي نشاطاته على أرض الواقع، أي التجسيد الواقعي للوعي، يبدأ هذا الإنسان بامتلاك منظور بانورامي واسع وشامل  يستطيع من خلاله النظر إلى كل أجزاء وفواصل وتقسيمات المجتمع كأنها منظومة  متكاملة ومتجانسة وكل جزء يكمل الجزء الأخر بحيث لا يلغيه أو يتناقض معه، وهو حال أبناء شعبنا  في شمال العراق الذين هم في خضم النضال اليومي، خاصة الذين يمتلكون مثل هذا الوعي البنورامي لأمتنا ويجسدونه على الواقع من خلال النشاطات القومية المختلفة، فهم ينظرون إلى بعض التسميات التي يرغب جزء من أبناء شعبنا أن يطلقها على نفسه أو على طائفته أو على لغته هي  كأجزاء متناسقة ومتكاملة بعضها للبعض ولا تتعارض مع الخطوط الرئيسية والقواسم المشتركة التي تجمعهم جميعاً في وحدة واحدة لها خصائص متميزة، خاصة في ما يتعلق بأهم خاصية وهي اللغة. فطالما هناك اتفاق على إننا أبناء شعب واحد، وهذا بتأكيد معظم رؤساء الكنائس والمؤسسات العلمانية، ولنا لغة وعادات وتقاليد وأماني مشتركة، وهذا أهم المهمات، فإن المسائل الأخرى تبقى ثانوية وفرعية، لا بل وطبيعية، في إطار هذا الجمع المشترك، فالمهم في المضمون وليس في الشكل. فليس من المعقول أن نضحي بلغتنا القومية والتي هي أساس وجودنا واستمرارنا من أجل اختلافات في تسمية معينة يرغب البعض أن يسميها كما يشاء، وهي اختلافات بطبيعتها بسيطة بل يتلاشى تأثيرها في حالة امتلاك الوعي القومي الصحيح. كما أنه ليس من المنطق والعقل أن يخسر شعبنا هذه الفرصة الذهبية في تدريس لغتنا القومية من أجل عناد أو إصرار البعض على تسمية معينة دون غيرها وهي الخسارة التي سيتهلل لها المتصيدون في المياه العكرة للمستنقعات الطائفية والتحزبية والتعصبية والذين يجدون في إنماء وتطوير لغتنا القومية ضررا كبيراً لذواتهم النرجسية ولمصالحهم الضيقة والخاصة. لهذا السبب كثيراً ما نرى هؤلاء يتحججون بحجة خطأ هذه التسمية ويثيرون زوبعة في فنجان وهم محتمون خلف السواتر الطائفية والعشائرية والقريوية وحتى القومانية والتحزبية حول فساد هذه التسمية أو عدم دقتها، لا خوفاً على لغتهم القومية والحرص عليها وإنما تهرباً من مسؤوليتهم تجاه قوميتهم وعدم المساهمة في تدريس لغتهم القومية وتطويرها. ومن سخرية الأقدار أن نرى مثل هؤلاء المحتجون كانون بالأمس القريب يضعون مختلف العراقيل والمصاعب في مسير تاسيس المدارس والتعليم السرياني ويفضلون إرسال أولادهم إلى المدارس الكردية بدلا من المدارس السريانية، اليوم نرى البعض من هؤلاء يعرضون عضلاتهم "العنترية" في الساحة القومية ويبارزون أبناء أمتنا النبلاء الذين ضحوا بالغالي والنفيس من أجل ولادة هذا الحدث التاريخي لأمتنا، لا بل يتحالفون مع هذه الجهة أو تلك من أجل أمحاء هذا السجل الخالد في تاريخنا القومي.

من هذا المنطلق، وبقدر تعلق الأمر بتسمية هذه اللغة بالسريانية، نقول بدءاً بأن الاعتراض القائم على هذه التسمية على أساس ارتباطها بأسم طائفة معينة من طوائفنا الكنسية هو اعتراض خاطئ تماماً وغير مبرر إطلاقاً، فحاله كحال المجني الذي يربط ويحصر الآشورية بالنسطورية فقط والكلدانية باللاتينية الكاثوليكية او السريانية بالأرثوذكسية فحسب، فإيماننا المطلق، وهو إيمان الجميع تقريباً، بأن السريانية كلمة اغريقية لاتينية منحولة من ( أسريان ) والتي تعني الآشورية أو الآشوريين، فإن أجدادنا منذ القدم وحتى وقت قريب كانوا يستخدمون نفس التسمية للغتهم والتي كانوا يسمونها بالسورث أو بـ "لشانت دسوريايي" أي لغة الآشوريين، وكانت المدارس التي تدرس هذه اللغة فيها تسمى أيضا بـ " مدراست د سورايه "، أي المدارس السريانية أو الآشورية. وحتى في زمان أباء كنيسة المشرق كانوا يستخدمون هذه التسميات ( Syriac ) أو (Syrian  ) وبحرية تامة ومن دون أي قيد أو حساسية لتعني الآشوريين أو الشعب الآشوري أو اللغة الآشورية، وإن كانت قد تلبست بلباس ديني مسيحي والسبب في ذلك هو خضوع شعبنا في معظم مراحل تاريخيه إلى شعوب وحكومات مسلمة أو غير مسيحية كان معيار تحديد هويتها هو الدين وليس القومية.  ومن الملاحظ حتى اليوم كثير من الآشوريين يستخدمون في لغتهم هذه التسميات بحرية وبدون أي قيد أو  حساسية أو اعتراض كأن يقول "لشانت دسوريايه أو دسورايي " او يقولون " لايتكلم السورث " أو يتساؤلون " لماذا لا تتكلم السورث "… وهكذ وعلى نفس المنوال يعطون لهذه التسميات دلالات قومية، ولكن بمجرد ما أن تترجم هذه التسميات  إلى اللغة العربية لتصبح " السريان" او " اللغة السريانية" حتى ينفجر شيطان الطائفية والقومانية والتعصبية فيهم ويقلبون الدنيا ولا يقعدوها على هذه التسمية وعلى من يتبناها كتسمية للغتنا القومية. والغريب العجيب بأن البعض يجعل من "الحبة قبة"، كما يقول المثل، فكلمة السريان، كما قلنا هي كلمة معربة من اللاتينية "أسريان" فلو طبق عليها القواعد العربية نرى بأن حرف (لام) هي شمسية مثل (الشمس) تكتب ولا تلفظ. 

إضافة الى ذلك فأن هناك عدد كبير جداً  من الدراسات الأكاديمية والبحوث العلمية التي تناولت هذه اللغة ومنذ فترة طويلة كلها تستخدم نفس التسمية، وهي التسمية التي قد تصلح لتميزها من حيث مراحلها التاريخية المتطورة عن الآشورية القديمة ( الأكدية _ البابلية)، فالتطور التاريخي لهذه اللغة والذي أضفى عليها أن تسمى بـ "السريانية" لا تنقص إطلاقاً هذه التسمية أي إنقاص من قوميتنا أو يغير شيئاً من مقوماتها القومية، فهناك شعوب كثيرة في العالم تختلف تسمية لغتهم عن تسمية قوميتهم ولا تثير أية تساؤلات أو حساسيات بشأن ذلك، فكيف والحال مع الآشوريين ولغتهم السريانية والتي هي تسمية غير غريبة أبداً عنهم وظل الشعب الآشوري يستخدمها ولقرون طويلة من دون أي اعتراض أو احتجاج. فلو تسلح كل آشوري أو كلداني أو سرياني مهما كانت طائفته أو عشيرته أو قريته، بوعي قومي صحيح ومنفتح متجاوزاً لكل النزعات الطائفية والعشائرية والمصلحية، حينئذ سيرى بأن التسميات الأكدية والبابلية والآشورية والكلدانية والأرامية والسريانية هي كلها مصادر لتسمية شعبنا عبر مراحل تطوره التاريخي الطويل فرضت الظروف على تبني هذا الأسم في هذه المرحلة وذاك الأسم في تلك المرحلة، وهي الحالة التي تعكس عن الغنى الحضاري لشعبنا والذي خلدته عبر أجيال تاريخية طويلة وصعبة جداً. هذه الأسباب هي التي جعلت من هذه التسمية  مناسبة للغتنا في المرحلة الحالية وتتوافق مع ظروف أمتنا الحالية أكثر من توافق التسميات الأخرى لها والتي لو تبنيت في ظروفنا الحالية كتسمية للغتنا القومية للتعليم في المدارس الرسمية  لما حققت النتائج المرجوة منها وشذت رسالة أبناء أمتنا في تعليم لغتهم القومية عن طريقها الصحيح وأقتصر تعليمها فقط على طائفة معينة أو مجموعة محددة التي ترغب هذه التسمية وترفض تلك. لنتصور جدلا لو كانت اللغة سميت بـ "الآشورية"، كم من الكلدان أو السريان قبلوا هذه التسمية وأرسلوا أطفالهم إلى المدارس لتعلم اللغة الآشورية؟؟  والحالة نفسه أيضاً لو سميت اللغة بـ "الكلدانية" لقام بعض الآشوريون بثورة رفض وإحتجاج ومقاطعة ولربما فضلوا أن يرسلوا أطفالهم إلى المدارس الصينية لتعلم الصينية بدلا من تعلم الكلدانية !!!. ولكن واقع الحال ومن عايش هذا الإنجاز العظيم وهو يتجسد على الواقع لشاهد بأم عينيه بأن التسمية السريانية لم تمنع أطفال أبناء شعبنا من الكلدان والسريان والآشوريين من الجلوس جنباً إلى جنب لتعلم لغتهم القومية.  من هذه المنطلقات نعتقد بأن التسمية السريانية للغتنا في المرحلة الحالية وإستخدامها في التعليم الرسمي، هي أكثر علمية وواقعية وتراثية ومتطابقة مع ظروف وجودنا القومي المعايش من غيرها من التسميات الاخرى، ولا  نجد في استخدامها أي اعتراض أو إعاقة في مواصلة التعليم بها حتى أرقى المراحل.

أمل أن نلتقي على الرف الخامس من أرشيفنا للمدارس القومية الآشورية في الأيام القليلة القادمة.

STAY SAFE MY FRIENDS




8
إلى جميع الأخوة المعلقين الأعزاء... أتفقنا أم لم نتفق فهذه سنة الحياة وأساس تطور الإنسان المتحضر.
أقول لأخوتي الأعزاء النشطين رابي أدي بيت بنيامين و رابي بولص دنخا، ألف شكر على ملاحظاتهم البناءة... أود أن أكرر ما قلته في الموضوع بأن اللغة ليست من إختصاص خلفيتي الأكاديمية، فأن ما كتبته هو كأرشيف تذكاري لربما يكون عامل في تفعيل جوانب من الوعي القومي الآشوري خاصة ما يتعلق باللغة... أن ما كتبته ليس إلا نتاج وإنعكاس لتلك الدموع التي كانت تنهمر من عيوني عندما كنت أزور المدارس وأرى أطفال أمتنا جالسين على رحلات متكسرة وبين جدران زينتها خرائط من رطوبة الجو ولكن ملئهم، هم ومعلمه، الأصرار والحماس المفعم بالحيوية في تعلم اللغة وكنت أرى في عيونهم مستقبل هذه الامة... وفي حينها قلت من يزور هؤلاء التلاميذ ولا تنهمر الدموع من عيونه فهو ليس أبن هذه الأمة العظيمة. أما الحديث عن زيارة الأقسام الداخلية لمدرسة نصيبين المتوسطة في دهوك فالأعجوبة فيها أكثر بكثير. تصوروا أخوتي الأعزاء أقسام داخلية للأولاد والبنات، رغم بساطتها – دار عادي مستاجر متكون من 5 غرف أو أكثر، لكنها كانت مزودة بكل المستلزمات الضرورية للإقامة من سكن وثلاث وجبات أكل مع مرشد إجتماعي وصحي وزيارة طبيب بين يوم وآخر، لا بل وفي أحيان كانت تقدم لهم دروس إضافية مسائية للطلاب الذين كان مستواه أقل من أقرانه... شيء عجيب غريب... شي عظيم ولأول مرة في تاريخنا المعاصر والفضل كله كان يعود للجميعة الخيرية الآشورية ومن وراءها الحركة الديموقراطية الآشورية... السؤال يبقى: لماذا أقسام داخلية في دهوك وهناك نسبة كبيرة من أبناء شعبنا وبيوتهم في هذه المدينة. الجواب هو: من متطلبات تأسيس مدرسة متوسطة أهلية هو وجود عدد معين من التلاميذ لتأسيس مثل هذه المدرسة. ففي دهوك لم يكن هذا العدد متواجد لذلك تطلب الأمر لأكمال العدد المطلوب أنخراط الطلاب والطلابات في هذه المدرسة من المناطق الأخرى مثل سرسنك وديانا وعقرة ومنصورية وسميل الذين أكملوا المرحلة الإبتدائية في المدارس السريانية والبقاء في الأقسام الداخلية طيلة أيام الآسبوع الدراسي وفي نهاية الآسبوع كانت الجمعية الخيرية الآشورية توفر وسائط النقل – باصات لنقلهم إلى عوائلهم في هذه المناطق ثم بعد العطلة تعود الباصات بهم للدراسة والبقاء في الأقسام الداخلية. الأمر الذي أثار أعجابي ودهشتي هو الثقة الكبيرة التي كان يوليها أولياء أمور الطلاب والطالبات بالجمعية الخيرية الآشورية والقائمين على إدارتها وببعض نشطاء الحركة الديموقراطية الآشورية في أرسال أطفالهم إلى دهوك والبقاء هناك في الأقسام الداخلية لعدة أيام. أمر لم يكن بالإمكان تصور مثل هذه الثقة الكبيرة إلا عندما ألتقيت في حينها ببعض أولياء الأمور وأشعر بمدى عمق هذه الثقة بالجمعية وبزوعا... قصص مثيرة للأعجاب كنت أسمعها من التلاميذ... صدقوني تحتاج لمجلدات لكتابتها وتسجيلها في سجل تاريخي خالد لهذه الأمة وهي تحاول الحفاظ على لغتها في أصعب الظروف وأقساها.
شكراً رابي أدي بيت شليمون على المعلومات التي ذكرتها عن تلك المدراس وشكرا لرابي بولص دنخا على مقترحك في إعادة طبع الكتاب والذي يستوجبه الكثير الكثير ومن أيادي نظيفة وشريفة لعبت دوراً كبيرا في هذه المهمة النبيلة في إحياء اللغة ولا يزالون من دون كلل وملل يعملون من أجل إستمرار الدارسة في هذه المدارس رقم الظروف المميتة التي تحيط بهم. لي أتصال دائم معهم وسأطرح الفكرة عليه وأمل أن ترى النور.... أليس من أبسط واجبنا أن ننحني ونرفع قبعاتنا أمامهم أحتراما وتقديرياً لهم.. في الحقيقة لي صور جميلة جداً عن زياراتي لهذه المدارس والأقسام الداخلية ولكن للأسف هي مرفوفة على الرفوف العالية لمكتبتي ولا تصل يدي إليها في الوقت الحاضر لعرضها لإنشغالي بأمور أخرى وإنشاء الله في المستقبل.
شكرا مرة أخرى على ملاحظاتكم التي كانت دافع كتابة هذه السطور... مع تحياتي.
أخوك أبرم شبيرا

9
من أرشيف المدارس الآشورية القومية في العراق- 3
--------------------------------
التعليم السرياني في شمال العراق - حقائق وأرقام
 ================================
أبرم شبيرا
كلمة لابد منها:
---------
أولا: عندما أنسحبت قوات نظام البعث العراقي من منطقة شمال خط العرض 36 ومن ثم خضوعها للحماية الدولية، قمت بزيارات عديدة للمنطقة بدافع الالتصاق برتبة الوطن والتواصل مع أبناء أمتنا هناك ومعايشة التطورات المهمة والمثيرة للإنتباه والترقب ومعايشتها بشكل مباشر وتحديدا على المستويين، الأول: سياسي والمتمثل في نشاطات وإنجازات الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) على المستوىين الشعبي والرسمي ومشاركتها في برلمان الإقليم في ضوء الهامش الديموقراطي الذي توفر في المنطقة. والثاني: ثقافي تعليمي والمتمثل في تأسيس المدراس السريانية والبدء بالتدريس فيها والمساهمات الكبيرة التي أقدمت عليها الجمعية الخيرية الآشورية والمركز الثقافي الآشوري في دهوك على هذا المستوى.   
ثانيا:  كان من نتائج هذه الزيارات على المستوى السياسي، كتابات كثيراً  كتبناها في فترات سابقة عن زوعا وإنجازاتها وظروفها  والتحديات التي واجهتها وإخفاقاتها وغيرها من المسائل الفكرية والتنظيمية، ولا ضرورة لأعادتها في هذه السطور. أما على المستوى التعليمي والثقافي فكان يتمثل في الزيارات العديدة للمدارس السريانية ومعاينة التدريس فيها والدخول في مناقشات مع طلابها وأساتذتها، والأهم من هذا وذاك هي الأقسام الداخلية للطلاب والطالبات التي وفرتها الجمعية الخيرية الآشورية، الأول من نوعها في تاريخنا المعاصر، ويسجل للجمعية سابقة تاريخية في هذا السياق. كل هذا أثر بشكل مباشر وفاعل في وجداني وفكري، فما كان منُي إلا أن أعود إلى خيمتي في المهجر وأكتب كتاب بشكل كراس أو كتيب عن هذه المدارس وتحت عنوان (التعليم السرياني في شمال العراق – حقائق وأرقام). وهذا العمل لم يكن ممكنا إطلاقاً لولا المساعدة والدعم الكبير الذي تلقيته وقتذاك من الأصدقاء الأعزاء منهم الأستاذ نزار حنا  مدير التعليم السرياني في وزارة التربية ( أربيل ) والأستاذ أكد موشي مراد المشرف التربوي للتعليم السرياني في أربيل والأستاذ داود هيدو المشرف التربوي للتعليم السرياني في دهوك والأستاذ يونان هوزايا، رحمه الله، والأستاذ الشماس أندريوس يوخنا كلاهما أعضاء بارزين في لجنة الترجمة وتأليف المناهج في مديرية التعليم السرياني الذين قاموا مع غيرهم من المختصين بتوفير المعلومات والأرقام عن الموضوع. وللرفيق العزيز يوسف شكوانا أعيد وأقول له ألف شكر على الجهود الكبيرة التي بذلتها في إخراج هذا الكتاب إلى النور وقامت (دار سورث للطباعة والنشر) في سان ديكو – كالفورنيا بطبعه عام 2001 وتوزيعه مجاناً على المعنيين بالموضوع، فلها أكرر شكري وتقديري الكبيرين بعد ما يقارب عقدين من الزمن.
ثالثا: الهدف من هذا الكتاب كان من أجل أعداد دراسة موثقة بحقائق وأرقام عن التعليم السرياني في شمال العراق خاصة  بعد فترة مخاض ولادة مدرسة نصيبين المتوسطة في دهوك عام  199، والتي ستكون موضوع أرشيفنا في الأيام القليلة القادمة، لتكون هذه الدراسة منهلاً مبيناً لأبناء شعبنا، خاصة في بلدان المهجر. وكما ذكرت، كان الكتاب على شكل كراس أو كتيب متكون من 64 صفحة من الحجم الكبير محتوياً أيضا لنماذج أجوبة متفوقة وبدرجة كاملة للطلاب وباللغة السريانية لإمتحانات المواد العلمية والأدبية المقررة. وهنا ملاحظة يستوجب ذكرها حيث تجنباً لسوء فهم البعض من أنني أحشر "أنفي" في بعض المسائل التي ليست من ضمن خلفيتي الأكاديمية، فقد أرتئينا أن ينشر الكتاب تحت أسم "أصدقاء التعليم السرياني – 2000". ولوضع صورة أكثر وضوحاً للقارئ الكريم عن هذا الإنجاز العظيم لأبناء أمتنا ندرج في أدناه فهرس الكتاب للمواضيع التي أحتواها والمتكونة من 15 قسماً، وهي: 
كلمة لابد منها/ أهمية تعلم لغة الأم عند الآشوريين - الطموح والواقع/ تجارب تدريس لغة الآشوريين/ أسباب فشل التجارب السابقة/بداية تجربة جديدة في التعليم بلغة الأم/ لماذا التسمية السريانية للغتنا القومية/ طموح يتحقق: التطبيق العملي لقرار التعليم السرياني/ أنواع وعدد وطلاب المدارس السريانية/ مناهج التعليم السرياني/ مدرسة نصيبين المتوسطة: تواصل التعليم السرياني نحو مراحل متقدمة/ الأقسام الداخلية لمدرسة نصيبين/ تحديات وصعوبات/ تقيم التعليم السرياني/ ما هو المستقبل ؟/ خاتمة واستنتاج.


صورة لغلاف الكتاب
----------------------------
رابعاً: كلمة أخرى لابد منها في أزالة سوء فهم بعض القراء هو الأمر الذي سنلاحظه من ألفاظ وتسميات شعبنا ولغته القومية. حيث سبق في القسمين الأول والثاني من أرشيف المدارس القومية الآشورية كثرة الحديث أو إقتصاره على "الآشورية أوالآثورية" و"الآشوريين أو الأثوريين". وحتى لا نجني على الحقيقة كان الحديث عن المدارس الاشورية بتسميتهم الرسمية وعن القائمين على إدارة هذه المدارس وليس غير ذلك. أما في هذا القسم الثالث من أرشيف المدارس القومية الآشورية، نرى بأن الحديث أو الموضوع هو عن التعليم السرياني واللغة السريانية. ومرد هذا الإختلاف الشكلي بين "الآشورية" و"السريانية" جاء أولا: من أستمرار نفس صيغة أو منوال أرشيف المدارس القومية الآشورية. وثانيا: الإلتصاق بالواقع الفعلي والرسمي لهذه المدارس التي تسمى بالسريانية والتعليم السرياني، لهذا لم يكن بالإطلاق تجاوز الواقع كما هو وفرض رأينا على هذه التسمية أو تلك طالما هي جزء ومكون أساسي لوجودنا القومي في أرض الوطن. وهذا ماسيلاحظه القارئ في الأقسام القادمة من هذا الكتاب. وهنا في هذه السطور وسعياً للفائدة ندرج ثلاثة أقسام من الكتاب التي كانت مدخلا لبقية الأقسام في التعليم السرياني والمدارس السريانية في شمال العراق على أمل أن ننشر بقية الأقسام في مناسبة لاحقة.
أهمية تعلم اللغة القومية عند الآشوريين بين الطموح والواقع :
----------------------------------------
قيل كثيراً عن أهمية اللغة كإحدى  الركائز الأساسية والمهمة في وجود كل أمة من الأمم بحيث اعتبرها البعض من المفكرين كالروح بالنسبة للأمة، فبموتها تموت الأمة أيضاً. واللغة بهذه الأهمية والخطورة في الوجود القومي واضحة وملموسة في اهتمامات الآشوريين وفي أفكارهم وفي أهداف جميع مؤسساتهم الاجتماعية والثقافية والدينية وحتى في أهداف ووسائل أحزابهم السياسية ومنظماتهم القومية، بحيث لا تخلوا صحيفة أو نشرة آشورية من التأكيد على الأهمية الحاسمة لدور اللغة في الحفاظ على كيانهم القومي. لا بل، لا ينتهي حديث بين أثنين أو أكثر من الآشوريين في مناسباتهم العامة أو الخاصة عن القومية إلا ويؤكدون على أهمية اللغة في وجودهم القومي وضرورة صيانتها والمحافظة عليها من الضياع وذلك عن طريق تدريسها لأطفالهم وتعليم القراءة والكتابة بها. وعلى العموم فإن هذه التأكيدات المشددة على أهمية اللغة هي بحد ذاتها  ظاهرة إيجابية مهمة في المجتمع الآشوري تنم عن حرص أبنائه وقلقهم على مستقبل أمتهم، وهي مسألة لا يختلف عليها اثنان ولا يستوجبها التفصيل المطول. على أن الذي يهمنا في هذه المسألة هو التساؤل القائم على مدى إمكانية الآشوريين من ترجمة هذا الاهتمام والحرص والقلق على مستقبل لغتهم القومية إلى واقع ملموس وحقيقي وفعلي يساهم  في تحقيق ما يأملون من هذا الاهتمام ويزيل قلقهم من فقدان لغتهم.
الواقع المأساوي الذي فرض على الآشوريين وبمختلف تسمايتهم، خاصة منذ الحرب العالمية الأولى، يؤكد لنا بأن هناك بوناً شاسعاً بين ما يغلي في قلوب الآشوريين من اهتمام وقلق تجاه لغتهم وبين الواقع المعايش في تعليم هذه اللغة وتعزيزها وتطويرها والحفاظ عليها كخاصية مهمة من خصائص وجودهم القومي. أي أن هناك فرقاً كبيراً بين الطموح والأماني في الحفاظ على هذه اللغة وبين الواقع والتطبيق في تعليمها. فهذا البون أو الفرق هو نتيجة حتمية لهذا الواقع المأساوي من تشرد وعدم الاستقرار والمظالم والمذابح التي فرضت على الآشوريين والتي حالت إلى تجريدهم من فرص تحقيق طموحاتهم وأمانيهم في حماية وصيانة لغتهم القومية عن طريق تدريسها لأطفالهم أو تأسيس مدارس خاصة بها تقوم بمهمة التعليم وبطرق علمية وحديثة متوافقة مع التطورات المستجدة التي يشهدها قطاع التعليم والتربية، وهي الحالة التي سببت عجز الآشوريين عن ترجمة طموحاتهم وأمانيهم في تدريس اللغة الى أطفالهم الى وقائع ملموسة ومثمرة. ولكن مع  هذا الواقع المأساوي وفقر الإمكانيات  كان الآشوريون، ومن جانب الحرص والخوف على ضياع لغتهم القومية، كانوا قد تمكنوا في فترات معينة من القيام بعض التجارب في تدريس لغتهم القومية والتي أدت واجبها بأكمل صورها في سياقها الزمني والمكاني في مقارنة مع ضعف الإمكانيات وبؤس الظروف السياسية والفكرية المحيطة بهم.

تجارب تدريس لغة الآشوريين :
------------------
مما لا شك فيه أن كنيسة المشرق بكل تفراعاتها لعبت دوراً كبيراً في تعليم اللغة الآشورية أو السريانية لأبناء رعيتها وساهم هذا الدور في تعزيز مكانة هذه اللغة بين الأجيال، حيث كانت الكنيسة والمعاهد أو المؤسسات أو الجامعات التابعة لها، وعلى الدوام ومنذ القدم مراكز لتعليم اللغة وما يتعلق بها من تاريخ وتراث. فكانت جامعات مثل نصيبين وأورهي وغيرهما مضرباً للأمثال في هذا السياق. غير أن الذي يهمنا هو مدارس العصر الحديث، خاصة عصر ما بعد الحرب العالمية الأولى. إذ على الرغم من استمرار المعاهد الدينية التابعة لطوائف كنيسة المشرق، خاصة الكلدانية والسريانية والمشرقية "النسطورية" في تدريس اللغة الآشورية/السريانية للنخبة الإكليريكية في العراق كلغة طقسية أو دينية، فأن هذه الفترة خلت تقريباً من المدارس التي تعني بتعليمها للعلمانيين أو تدريسها كلغة قومية خاصة بهم لحين تأسيس مدرسة القس يوسف قليتا، الخالد الذكر، في الموصل في بداية العشرينيات والتي تعد الأولى من نوعها في العراق من حيث تدريس اللغة كلغة قومية للعلمانيين، والتي لعبت دوراً كبيرا في هذا المجال حيث ساهمت مساهمة كبيرة في تخريج الكثير من الطلاب بما فيهم أدباء وشعراء وكتاب، رغم أنها كانت تدرس "السورث" بفرعيها الكلاسيكي والحديث، كلغة فقط الى جانب اللغات الأخرى كالإنكليزية والتي استفاد منها الكثيرون خاصة عندما اقتحموا الحياة العملية في الفترات اللاحقة كما أفادوا هم بدورهم أيضاً أجيال أخرى، ولا نغالي في القول بأنه كان معظم الكتاب والشعراء والأدباء المعاصرين، خاصة من أتباع كنيسة المشرق الآشورية، هم إما من الجيل الأول لتلاميذ القس يوسف قليتا أو من الجيل الثاني الذي تعلم على يد هؤلاء في المدارس الأهلية الخاصة أو في الكنائس أو العائلة نفسها. إضافة إلى ذلك ساهمت المطبعة التابعة للمدرسة، والتي جلبت أحرفها من الهند، في طبع الكثير من الكتب المدرسية والكنسية والتاريخية والتي كانت فاتحة ثقافية تراثية جديد بعد أن دمر الحرب كل المعالم الثقافية والتراثية السابقة من كتب ومخطوطات وغيرها. وهكذا تبع هذه التجربة  تجربة  أخرى تمثلت في  المدرسة الآثورية (قاشا خندو ) في بغداد المدرسة الآثورية في كركوك واللتان تم الحديث عنهما في القسمين الأول والثاني من أرشيف المدارس القومية الآشورية. وهنا يجب أن لا ننسى المدرسة الآثورية في الحبانية والتي عرفت بمدرسة (رابي ياقو) ولكن بسبب قلة المعلومات والمراجع عنها لم يتسنى لنا الحديث عنها. كانت هذه المدارس نماذج رائعة وفريدة في وقتها فحققت نتائج كبيرة ومثمرة ليس من حيث تدريس اللغة الآشورية فحسب أو بقية المناهج الرسمية المقررة وباللغة العربية، وإنما أيضا في إنماء الروح القومية والاعتزاز بلغة وتراث الأمة التي بثتها هذه المدارس في نفوس طلابها ومن ثم أنجبت الكثير من شعراء وأدباء وكتاب عصر هذا اليوم. غير أن قوة الواقع المأساوي وصعوبة الظروف السياسية على تقبل التعددية الثقافية والقومية في العراق، خاصة بعد إستلاء حزب البعث العراقي للسلطة عام 1968 وأستمرار فرض الظروف الاستبدادية و سطوتها على هذه الجهود النبيلة في تعليم لغة الأم أدت في النهاية إلى القضاء على هذه المدارس إما بتأميمها أو بغلقها نهائيا.
وإذا كان فحوى هذا الموضوع يخص تدريس اللغة السريانية كلغة قومية وتحديداً في العراق، فإن هذا لا يعفينا للإشارة إلى المدارس التابعة للكنيسة السريانية الآرثوذكسية والجمعيات التابعة لها في لبنان والشام وفلسطنين والتي كانت تدرس السريانية كمادة ضمن المناهج التدريسية، إلا أنه مع هذا فإن هذه المدارس لم تساهم من خلال تدرسها لهذه اللغة مساهمة كبيرة وفاعلة في ترسيخ مقومات الوجود القومي وبعث الوعي بأهميتها في الحفاظ على هذا الوجود، بل كانت أكثرها ضمن نطاق الكنيسة والأكليريين، كما يستوجب هنا الإشارة إلى بعض اللجان الكنسية التابعة لكنيسة المشرق الآشورية في تدريس اللغة الآشورية وإنماء الوعي القومي بين طلابها. وهنا يجب أن لا نغفل أيضا دور النادي الثقافي الآشوري في تدريس اللغة الآشورية وإنمائها وتطويرها سواء من خلال الدورات التدريسية لللغة أو البحوث والحلقات الدراسية التي قام بها النادي. وفي عام 1972 أصدر النظام العراقي قرار مجلس قيادة الثورة رقم 251 في 16/4/1972 القاضي بمنح الحقوق الثقافية للـ "ناطقين بالسريانية" من ( الأثوريين والكلدان والسريان)، فبالرغم من سلبية كلمة "ناطقين بالسريانية "، والتي هي من مخترعات الإستعمار الفرنسي عندما فرض الفرنسية على اللغة البدائية لشعوب مستعمراتها وأصبحت الفرنسية لغتهم الرسمية فأطلقوا عليهم بالناطقين بالفرنسية أو الدول الناطقة بالفرنسية (Francophone) وهو مصطلح يعطي مفهوماً يقوم على أساس إنكار أو تجريد الناطقين بهذه اللغة من أساسهم القومي والحضاري. غير أن مع هذا، فأن بنود فقرات هذا القرار احتوت على بعض المضامين المفيدة والمهمة للآشوريين في تلك المرحلة ولجميع طوائفهم التي شملها القرار، خاصة في ما يتعلق بتدريس لغتهم القومية. فقد نص القرار على اعتبار اللغة السريانية لغة تعليم في كافة المدارس الابتدائية التي غالبية تلاميذها من الناطقين بهذه اللغة كما نص أيضا على تدريسها كلغة في المدارس المتوسطة والثانوية التي غالبية تلاميذها من الناطقين بها وتدريسها أيضاً في كلية الآداب بجامعة بغداد كإحدى اللغات القديمة. هذا، ناهيك عن ما نص القرار من تأسيس المؤسسات وإصدار المجلات للإهتمام  بشؤون اللغة والثقافة والأدب والفن، وهي في الحقيقة نصوص قانونية ممتازة كانت من الممكن أن تحقق فائدتها للآشوريين عند تطبيقها لو لم يكن من وراء إصدار النظام العراقي لهذا القرار أغراض سياسية تكتيكية سعى من خلالها إلى تحقيق أهدافه السياسية الخاصة تجاه الآشوريين أكثر مما كان يهمه تحقيق القرار نفسه .
غير أنه كما يقول المثل (النمر لا يستطيع أن يغير رقطه ) هكذا أيضا مع النظام العراقي حيث لم يكن بمقدوره استبدال سياسته الاستبدادية تجاه القوميات الصغيرة بشكل عام وتجاه الآشوريين بشكل خاص، فالأهداف السياسية للنظام العراقي من وراء إصدار هذا القرار أجهضت مسألة خروجه إلى الواقع التطبيقي الفعلي وبالشكل الذي كان منصوصاً عليه والذي كان من الممكن للآشوريين، رغم سلبياته، أن يحققوا جزء من طموحاتهم في تلك الفترة فيما يخص تدريس اللغة. لذلك فأن فقرات القرار الخاصة باعتبار السريانية لغة تعليم في المدارس الابتدائية وتدريسها في كلية الأداب بقيت حبراً على ورق ولم ترى التطبيق على الواقع. أما بخصوص مضمون فقرة تدريس السريانية كلغة في المدارس المتوسطة والثانوية فهو الأخر لم يطبق بل أقتصر فقط على المرحلة الابتدائية  وبشكل لم يساهم إطلاقاً في تطوير هذه اللغة أو تعميم تعليمها للطلاب بشكل جدي وحقيقي. إذ ما أن بدأت بدايته العرجاء والمتعثرة حتى ظهرت الصعاب والعوائق في طريق تطبيق المنهج الذي أعد لتدريس السريانية كمادة لغوية في المدارس التي أكثريتها من أبناء هذه اللغة بحيث أصبح بحكم المشلول أو العقيم في أحس الأحوال. ففي عام 1980 توقف العمل بهذا القرار في ما يخص تدريس اللغة السريانية في محافظة دهوك وكان كل ما بقى منه في نهاية المطاف هو حصة أو حصتين في بعض المدارس في عنكاوة وشقلاوة، والتي كانت تفتقر افتقاراً كلياً إلى اهتمام الطلبة خاصة عندما لم تحتسب كمادة تعليمية مقررة ومطلوبة في الامتحانات النهائية. لهذا السبب حتى هذه الحصص البسيطة التي اقتصرت على المرحلة الابتدائية فقط أصبحت بمثابة "قضاء وقت" بالنسبة للطلاب وبالتالي لم تثمر بثمار مفيدة تساعدهم على إتقانها قراءةً وكتابةً، بل أصبحت أداة دعائية أستخدمها النظام العراقي وبعض الشخصيات الدائرة في فلكه في التمشدق بالحقوق الثقافية التي كانت "تمتع" بها الأقليات المسيحية في العراق من أجل تحسين سمعة سجله الأسود في انتهاكات حقوق الإنسان أمام المنظمات الدولية المعنية بالأمر. أما في المناطق الأخرى التي يتواجد فيها نسبة معقولة من الناطقين بهذه اللغة كبغداد وكركوك والموصل فأن الوضع في المدارس التي قرر شمولها بتدريس اللغة السريانية فيها لم يكن على الإطلاق بأحسن مما كان عليه في المناطق الشمالية فلم يتحقق فيها غير تغيير أسم مدرسة أو مدرستين. أما من حيث تدريس اللغة فلم يلمس منها شيء يذكر غير النهاية المحتومة والمرسومة لها في سياسات النظام في إفشال التجربة ومن ثم إرجاع السبب إلى تشرذم الطوائف الآشورية وعدم اتفاقهم على مناهج موحدة أو إلى افتقارهم إلى الحماس والهمة في تدريس لغتهم. وأستمر الحال هكذا في هذه المدارس حتى عام 1991 عندما سحب النظام العراقي قواته من منطقة شمال خط العرض 36 وخضوعها إلى الحماية الدولية والتي كانت فاتحة لتجربة جديدة في تدريس اللغة السريانية، والتي سنأتي على ذكرها في القسم القادم من هذا الموضوع.

أسباب فشل التجارب السابقة:
-------------------------
مما لا شك فيه هنا عوامل عديدة ومختلفة من تقنية وتربوية وعلمية واقتصادية وسياسية وغيرها تلعب دورها في إفشال أية تجربة في تدريس اللغة القومية لشعب من شعوب العالم، وهي حالة عامة وشاملة خاصة بالنسبة للقوميات الصغيرة والخاضعة لهيمنة القوميات الكبيرة، إلا أن هذه العوامل ما هي إلا متغيرات تخضع بالأساس إلى عاملين مهمين يشكلان المضمار الذي من خلاله تتم معالجة هذه العوامل المختلفة أو التخفيف من حدتها، ويمكن تحديدهما بما يلي :
1-   الافتقار إلى الأجواء الديمقراطية: المقصود بالديمقراطية هنا ليس كأسلوب للحكم فحسب وإنما أيضا كمنهج اجتماعي وإطار فكري يسمح من خلاله للأقليات بالتعبير عن تطلعاتهم وطموحاتهم القومية من دون خوف أو إرهاب السلطة أو قمع الأكثرية. والتدريس باللغة القومية للأقليات يعتبر شكل، لا بل الشكل المهم والأساسي، للتطبيق العملي والصادق لهذا التعبير من الديموقراطية. فالافتقار إلى مثل هذه الأجواء يعني ببساطة عدم الإقرار أو الإيمان بالتعددية الفكرية والثقافية وبالتالي يعني الاستبداد في الفكر وحرية التعبير، وهي الحالة التي اكتنفت معظم تطلعات الآشوريين في العراق بما فيها تطلعهم نحو تدريس لغتهم القومية. فالتجارب السابقة في تدريس اللغة، كلغة قومية في مدارس معينة،  وليس كلغة طقسية أو كنسية أو خاصة بنخبة معينة أو اقتصار تدريسها في الكنائس في أيام العطل، وإن لعبت عوامل الأخرى دورها في تعثرها وعدم تطورها بالشكل المطلوب، إلا أن العامل المحك في القضاء عليها  كان العامل السياسي المرتبط بعقلية النخبة الحاكمة في فهم وتقدير  حقوق الآشوريين المشروعة في العراق. ففي ظل غياب الحقوق السياسية والحد الأدنى من الديمقراطية تصبح الحقوق الأخرى بما فيها الحقوق الثقافية وحق تدريس لغة الأم، مجرد كلام فارغ وهباء ذلك لأن مثل هذه الحقوق لا يمكن أن تقوم لها قيامة ولا أن تدوم مع دوام الحرمان السياسي وإلا أصبحت أداة للاستغلال، كما كان الحال مع النظام العراقي في ما يخص إصداره لقرار منح الحقوق الثقافية للناطقين بالسريانية في عام 1972.
2-    فقدان الإرادة القومية الموحدة : لو حاولنا التدقيق في الواقع المأساوي الذي حال دون ترجمة اهتمام الآشوريين وقلقهم على لغتهم القومية الى أعمال واقعية وفعلية نرى بأن ذلك لم يكن وليد السياسات الاستبدادية والمظالم التي فرضت عليهم فحسب وإنما كان أيضاً بسبب ضعف أو فقدان الإرادة القومية الموحدة لهم والتي ساهمت هي الأخرى في عجزهم عن  تدريس اللغة السريانية كلغة قومية لهم. والإرادة القومية الموحدة بالنسبة للآشوريين مهمة جداً مثل أهميتها لبقية القوميات والشعوب الأخرى، بل أهميتها تزداد عندهم أكثر بكثير لا سيما وأن هناك جملة عوامل طائفية وعشائرية ومصلحية تقف بالضد والتناقض مع وحدة إرادتهم القومية، لا بل وتقف أيضا حتى ضد وحدة لغتهم القومية وضد تسميتها المناسبة والصحيحة. فضعف الإرادة القومية أو انعدام وحدتها ينعكس بشكل مباشر في ضعف أو انعدام الحماس والهمة والتصميم على تعزيز المقومات القومية المشتركة، بما فيها اللغة. والإرادة القومية  مهما امتلكت من حس شعبي ووعي تراكمي ونهوض جماهيري فأنها تعجز عن، أو تخفق في، تحقيق وحدتها أو تجسيدها في أفعال قابلة للتطبيق في الواقع العملي ما لم تمتلك هذه الإرادة وسائل أو أداة  تنظيمية تتمثل سواء في أحزاب سياسية أو منظمات قومية أو مؤسسات ثقافية تمتلك حد أدنى من الحرية والديمقراطية لكي تستطيع أن تعبر عن الوعي الجمعي الموحد وبشكل مكثف وتجسد الحس أو الوعي على الواقع العملي وعبر ممارسات فعلية. لا بل وفي حالة قدرة ممثل الإرادة القومية الموحدة، أي حزب سياسي أو منظمة قومية، على التفاعل مع  الهامش الديمقراطي المتاح والقوى السياسية الفاعلة فيه قد تمكنه من الوصول إلى مواقع قريبة ومؤثرة في  عملية صنع القرار السياسي المعني بشؤون الأمة بما فيها مصادر القرارات الخاصة بعملية تدريس لغتها القومية. فبعد عام 1972 عندما جلس الآشوريون، وبمختلف تسمايتهم التي أشار إليهم القرار اعلاه، ممثلين برجال الكنائس والطوائف وببعض المثقفين والمختصين بشؤون اللغة والثقافة للتحاور في سبل تطبيق بنود القرار، نشأت عقبات كثيرة في طريقهم، وبالأخص العقبة الطائفية وتعدد اللهجات، كنتيجة منطقية لافتقارهم إلى الإرادة القومية الموحدة والوسيلة التنظيمية المعبرة عنها والقابلة على التفاعل والتأثير على صانع القرار السياسي بما يخدم مصلحة الآشوريين، فجاءت الفرصة التي كان ينتظرها النظام العراقي ومؤسساته المعنية بالموضوع فقاموا، بدل من حل هذه العقبة والتخفيف من حساسيتها، قاموا بتضخيمها وإبرازها كمعضلة غير قابلة للحل والتسوية فأدى كل ذلك إلى خروج بنتائج هزيلة غير موفقة فيما يخص منهاج  تدريس اللغة السريانية ومن ثم فرضت عليهم فرضاً من أجل الوصول إلى الشكل المرسوم والمخطط لها وإلقاء تبعات الفشل أو ضعف تطبيقه على الآشوريين وإظهارهم كطوائف ضعيفة ومتباينة لا يجمعهم جامع، لا بل وعاجزين على ممارسة حقوقهم الثقافية وتدريس لغتهم رغم "كرم" النظام في منحهم لهذه الحقوق.
نكتفي بهذه الصفحات هنا والتي ستتبعها صفحات أخرى عن جوهر الموضوع في التعليم السرياني في شمال العراق.

STAY SAFE MY FRIENDS


10
شكرا للأخ العزير رابي أدي شماشه كوركيس وهنا أقول (هل يخفى القمر على الناس) هكذا كان والدك الشماس كوركيس بنيامين بيت شليمون مع أعمامك داود وموشي من الرواد المبدعين في الأدب الآشوري واللغة فلا يختفون عن الساحة الأدبية والقومية. كما تعرف، كانوا يملكون مطبعة في كركوك حيث طبعوا العشرات أن لم تكن المئات من الكتب الأدبية والمدرسية وأعتقد كان أسمها مطبعة نينوى ثم أنتقلت إلى بغداد، كما اعتقد، وكان أسمها مطبعة الساعة ولم تتواني أبداء في طبع الكثير من الكتب الآشورية والعربية... ليس هذا فحسب فهؤلاء الفطاحلة أنجبوا عظماء في الأدب واللغة وكيف لا نتذكر الإستاذ المبدع رابي دانيل رحم الله جميعاً... وهل تعرف بأن والدك الشماس كوركيس، وبعض كتبه تعتلي رفوف مكتبتي، كان أول أديب يلقي محاضرة في النادي الثافي الآشوري في بغداد عام 1970 عقب التأسيس ببضعة أسابيع وحضرها ما يقارب 300 شخص... كنا نحن في النادي كتلاميذ مدرسة إبتدائية في المسألة القومية نستمع إليه في كثير من الأمسيات كبروفسور في الأدب واللغة والفكر القومي. لي مجموعة من الصور معه أخذت في النادي ولكن للأسف ليست في حوزتي الآن.
وللأخ العزيز رابي بولص آدم، أقول صدقت كل الصدق... فكل أدباء ومثقفي أمتنا وحتى المهتمين بالمسألة القومية هم خريجوا هذه المدرسة والمدرسة الآثورية الإنجيلية في بغداد ومن النادي الثقافي الآشوري...زرعوا هؤلاء العظماء البذرة الخيرة فأنتجوا محصولاً عظيماً... رحمة الله الرعيل الأول وبارك ربنا يسوع المسيح تلاميذهم.
مع تحياتي الخالصة ... أبرم شبيرا

11
من أرشيف المدارس القومية الآشورية في العراق - 2
------------------------------

المدرسة الآثورية الأهلية في كركوك
====================
مختصر في مناطق تجمع الآشوريين في العراق:
-----------------------------
من أحدى العوامل الأساسية لنشوء أية حركة قومية بكل جوانبها السياسية والثقافية والإجتماعية والحفاظ على كيانها القومي، خاصة بالنسبة للأقليات القومية التي تعيش وتتوطن مع القوميات الكبيرة والمهيمنة، هو العامل الديموغرافي المتمثل في عدد نفوس الأقلية وتركزها الجغرافي. وقد كان بعض قادة الحركة القومية الآشورية يدركون هذه الحقيقة، منهم المثلث الرحمات مار إيشاي شمعون البطريرك الأسبق لكنيسة المشرق الآشورية. فبعد تهجير العثمانيين للآشوريين المنتميين لكنيسته من أقصى شمال بلاد بيت نهرين إلى المناطق التي أصبحت جزء من دولة العراق التي خلقها البريطانيون عام 1920، عملت الحكومة العراقية وبإستشارة الخبير البريطاني في الإسكان السيء الصيت الميجر طومسون على إسكانهم في مناطق متفرقة ومقفرة بين القرى الكوردية والتي كانت بعضها مبوءة بالأمراض المعدية، كالملاريا، كسياسة لتشتيتهم والحيلولة دون تركزهم في منطقة واحدة تشجعهم على القيام بحركة سياسية. بالمقابل عمل وناضل وضحى البطريرك مار شمعون الكثير وطالب بإسكان الآشوريين المهجرين في منطقة واحدة متجانسة في شمال بيت نهرين لتكون ضمانة لحماية وجودهم القومي والذي راح ضحية هذا المبدأ الأساسي في الوجود بحدود ثلاثة ألاف شهيد في مذبحة سميل عام 1933 والمعروفة للقراء كحقلة مأساوية من حلقات نضال الآشوريين.

على العموم، بعد سنوات من الإستقرار النسبي تركز وجود الآشوريين في بعض المدن والمناطق العراقية مثل الحبانية وكركوك وبغداد والموصل. وهنا تجدر الإشارة والتوثيق بأن عشيرة جيلو كانت أول مجموعة آشورية تستقر في منطقة واحدة في بغداد والتي عرفت بـ "كمبت د جلوايه" أي مخيم سكن بني جيلو، وهي بالأساس كانت منطقة سكنية مخصصة للعاملين في مصلحة السكك الحديدية العراقية في منطقة الكرادة في بغداد. حيث لم يجاوروا أبناء عشيرة جيلو بقية العشائر الآشورية في السكن في المنطقة الشمالية لذلك نرى بأنه ليس لهم قرى في هذه المنطقة، بل أكثرهم عملوا في السكك الحديدية العراقية وسكنوا في هذا المجمع الذي كان مفعماً بالنشاطات الإجتماعية والثقافية والرياضية. ويظهر بأنه كنتُ محضوظاً بعض الشيء عندما عثرت في الرفوف القديمة للمكتبة الوطنية في بغداد، وأنا أبحث عن مراجع لأطروحتي الجامعية، على وثيقة قديمة من وثائق "السراي"، أي المقر الحكومي في العشرينيات من القرن الماضي، تذكر بأن "النادي الآثوري" الذي تأسس عام 1920 مع بداية بناء مجمع سكن السكك الحديدية، هو أول نادي إجتماعي مختلط في العراق يرتاده رجالاً ونساءاً.

وفي الحبانية، حيث كان مقر القوات الجوية الملكية البريطانية، خصص للآشوريين العاملين مع هذه القوات مجمع سكني كبير كان مركزاً فاعلاً للكثير من النشاطات الرياضية والإجتماعية والسياسية للآشوريين ومنها ظهر اللاعب المعروف وشيخ المدربين عمو بابا (رحمه الله) وغيره من اللاعبين في كرة القدم الذين كانوا يشكلون عناصر أساسية في المنتخب العراقي لكرة القدم. ولا ننسى هنا ويجب ان نذكر التنظيم القومي الآشوري الذي عرف بـ "خيت خيت ألف" الذي تأسس في الحبانية، وقد سبق وأن كتبنا عنه بأعتباره أول تنظيم قومي سياسي آشوري في العراق. وبعد تسريح الكثير من منتسبي العاملين مع القوات البريطانية، أنتقلوا إلى ضاحية الدورة في بغداد وسكنوا في المنطقة التي عرفت بــ "حي الآثوريين" وفيه تأسس النادي الإجتماعي الأثوري الذي كان زاخرا بالنشاطات الإجتماعية والثقافية وحتى السياسية. وفي بغداد بعد غلق معسكر هنيدي، والذي عرف فيما بعد بمعسكر الرشيد، أنتقل الآشوريون منه إلى مجمع سكني في وسط بغداد وعرف بـ "كمب الكيلاني" والذي سبق الإشارة إليه وإلى المدرسة الآثورية الإنجيلية وإلى التنظيم السياسي الآشوري الذي أعتقلت السلطات العراقية مؤسسيها في المقال السابق. وفي منطقة تجمع الآشوريين في حي "تل محمد" والذي عرف أيضا بـ "منطقة كراج أمانة" تأسس النادي الرياضي الآثوري الذي كان من أشهر الأندية الرياضية في العراق وخاصة فريقه في كرة القدم الذي كان يشمل لاعبين مشهورين أمثال عمو بابا وأديسون ويورا وعمو سمسم وهرمز كبريل وشدراك يوسف وشقيقه عمو يوسف وغيرهم بالعشرات. وللنادي الثقافي الآثوري في منطقة السعدون القريب من كمب الكيلاني سجل حافل في مسيرته للتحديات والإنجازات التي واجهها وحققها في المجلات المختلفة، قصة طويلة سنأتي عليها في مناسبة أخرى. وللسهول والتفصيل يمكن الرجوع إلى كتابي المعنون "النادي الثقافي الآشوري، مسيرة تحديات وإنجازات – 1970 – 1980". أذكر بعض من هذه المؤسسات والأنشطة للتأكيد بأن للتركز الديموغرافي في منطقة واحد يساعد كثيرا لا بل يشكل ركن أساسي في تعزيز الوجود القومي الآشوري، وكذلك أذكره كتمهيد للولوج  في موضوع وجود الآشوريين في مدينة كركوك والمدرسة التي أسسوها هناك.

الآشوريون في كركوك والمدرسة الآثورية الأهلية:
==============================
أنتقل الآشوريون إلى مدينة كركوك في بداية القرن الماضي سواء بشكل مباشر من حيكاري وأورميا عقب تهجيرهم من قبل العثمانيين أثناء مذابح سيفو أو من مخيمات أسكان المهجرين في بعقوبة ومندن أو حتى من الحبانية. والسبب الرئيسي لهذا الجذب للمدينة يرجع إلى توفر فرص عمل كثيرة في شركة نفط العراق المعروفة بـ "I.P.C" خاصة بعد إكتشاف النفط بشكل تجاري، حيث عمل معظم الساكنين في كركوك في هذه الشركة سواء كموظفين أو فنيين أو عمال وأستقروا في أحياء كانت بالكامل آشورية أو شبه آشورية، كمنطقة عرفة والتي عرفت بـ كركوك الجديدة" أو نيو كركوك (New Kirkuk)، ومنطقة ألماس وغيرهما. وكما فعل أبناء عشيرة جيلو في بغداد عملوا نفس الشيء في كركوك حيث سكنوا في منطقة عرفت بأسمهم "محلت د جلوايه"، أي محلة بني عشيرة جيلو". وأنا طفل أتذكر شخصيات مرمومة من أصحاب والدي في هذه المنطقة مثل (يوبي) الصياد المشهور وشقيقه (جونا) حيث كانوا متميزن بأطوالهم وضخامة أجسامهم، رحمة الله جميعهم. 

شكلت مدينة كركوك المحور الثالث مع الحبانية وبغداد للنشاطات القومية والسياسية للآشوريين، ولا نظلم الحقيقة بل نؤكدها في القول بأن عدد من مؤسسي الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) كانوا من كركوك، وهي المدينة التي قدمت ثلاث شهداء خلدهم التاريخ وهم يوسف توما و يوبرت بنيامين ويوخنا إيشو. قبل أن أباشر بكتابة بعض السطور عن المدرسة الآثورية الأهلية في كركوك أود أن أنحني أحتراماً وتقديرا للجهود الكبيرة التي يقوم بها أداريو الموقع الألكتروني لـ  "اشوريو كركوك" – Assyrian of Kirkuk والمشاركين فيه والمساندين له للجهود الكبيرة في جعل هذا الموقع موضوع إهتمام للذين عاشوا في هذه المدينة وكذلك للمهتمين في توثيق المؤسسات الآشورية وأنشطتها في العراق. يذكر الموقع بأنه خصص أصلاً لخدمة توثيق تاريخ الآشوريين المعاصر في مدينة كركوك وهي جهود جاءت في محلها لسد النقص الكبير الحاصل في عملية التوثيق. وتشغل موضوع المدرسة الآثورية الأهلية حيزاً كبيراً من صفحات هذا الموقع والمعززة بصورة جميلة ونادرة تعكس جانباً من جوانب هذه المدرسة ونشاطاتها، ومنها أقتبسنا بعض الصور والمعلومات في هذه السطور.

للمدرسة الآثورية الأهلية في كركوك تاريخ طويل يزيد عن نصف قرن من الزمن، وبإختصار شديد نذكر بأنه في عام 1928 تأسست المدرية الآشورية في كركوك من قبل القس أسحق ريهانه وبمساعدة بعض الشباب الآشوريين المتطوعين الذين هُجروا من حيكاري وأرميا وأستقروا في كركوك. كان القس أسحق ريهانه من المقربين لقداسة البطريرك مار شمعون ومن المؤيدين المتحمسين له، لذلك عندما نفي البطريرك مع عائلته إلى قبرص بعد مذبحة سميل عام 1933 نفي أيضا القس أسحق إلى نفس الجزيرة وبقى مع البطريرك فترة طويلة حتى بعد إنتقاله إلى الولايات المتحدة ووفاته في مدينة تورليك في 10 نيسان عام 1997 عن عمر ناهز 88 سنة.



 



 

ومن بعد نفي القس أسحق تولى إدارة المدرسة القس خوشابا خامس حتى وفاته في عام 1948. أستمرت المدرسة بأدارة العديد من المدراء والمدرسين الأكفاء وبنشاطات مكثفة ثقافية وإجتماعية وتربوية وفنية حتى عام 1974 عندما أمم نظام البعث في العراق كافة المدارس الأهلية فتحول أسمها إلى مدرسة أنستاس، نسبة إلى راهب الكرمليين والعالم اللغوي المعروف "أنستاس الكرملي"، فكان صيف نفس العام آخر فصل لمدرسة آثورية بعد أن أصبحت بشكل أو بأخر تحت أشراف مديرية تربية كركوك التابعة لوزارة التربية.

 

=============================================================

كما ذكرنا للمدرسة تاريخ طويل ولكن أهم شيء تميزت به هو نشاطها الكثيف في عرض المسرحيات. حيث عرض العديدة منها سواء المترجمة من المسرحيات العالمية خاصة مسرحيات شكسبير المشهورة أو المؤلفة من قبل كتاب آشوريين والتي كانت تعرض على مسرح المدرسة الأرمنية. وقد لعب رابي جبرائيل ورابي أختير بنيامين وغيرهما دوراً كبيراً في تطوير المسرح الآشوري من خلال هذه المدرسة. وفي عام 1950، وبعد شراء المدرسة لبناية في منطقة ألماس وترميمها بالشكل الذي يتناسب مع متطلبات المدرسة، كان المسرح الرائع في باحة المدرسة من أهم معالمها والتي من خلاله عرضت الكثير من المسرحيات وتطورت بشكل ملف للنظر. وفي ادناه صور لبعض المسرحيات التي عرضت من قبل المدرسة:










 

==========================================================
كانت المدرسة من أبرز المدارس الأهلية في كركوك وموضع إهتمام المسؤولين التربويين بسبب تفوق طلابها. ففي الإمتحانات النهائية (البكالوريا) للصف السادس الآبتدائي خلال فصل الدراسي لعام 1970/1971 كان طلاب المدرسة قد إجتازوا الإمتحانات النهائية بنسبة نجاح 100% من بين جميع مدارس محافظة كركوك. ولا يفوتني أن أذكر بأن المدرسة أنجبت أدباء وشعراء وسياسين وشخصيات مرموقة ينشطون في أيامنا هذه ويلعبون دوراً كبيراً في الحياة السياسية والثقافية والإجتماعية والفنية للآشوريين سواء في أرض الوطن أم في المهجر. نطلب من ربنا يسوع المسيح الرحمة  لجميع المتوفيين الذين وضعوا الأسس المتينة للمدرسة طيلة خمسة عقود من الزمن وأن يمنح القوة والمثابر للذين لا يزال ينشطون ويعملون من أجل إرساء الأسس القومية لهذه الأمة.

وحتى لا أستهلك صفحات كثيرة من موقعنا العزيز "عنكاوة دوت كوم" ولمن يريد المزيد من المعلومات عن هذه
المدرسة الرائعة يمكن الولوج في الموقع أدناه:
http://www.assyriansofkirkuk.com/assyrian-school.html

=====================================================================

 

 آخر زيارة لمدينة كركوك مع الشخصية القومية المعروفة عمانوئيل قليتا كانت عام 2009، الصورة أمام داره في منطقة ألماس الذي كان خلف المدرسة الآثورية الأهلية وبجانب كنيسة مار كوركيس لكنيسة المشرق الآشورية وراعيها كان القس المعروف هينيدي البيلاتي "رحمه الله". 

12
شكراً أخي المثابر أيدي الشماس كوركيس بيت شليمون على أسناد الموضوع بملاحظاتك القيمة وتعزيزه بفيديو رائع فتح المجال لنا لمشاهدة بعض الأصدقاء الحاضرين في التجتمع. ليس فقط بالنسبة لشقيقة مثلث الرحمات قداسة مار دنخا الرابع التي درست في المدرسة بل أن معظم طلاب المدرسة وبعض مدرسيها كانوا من غير الكنيسة البروتستانتية ولكن، كما ذكرت فأن حبهم ودافعم القومي سواء لهم أو لأولياء أمورهم أنضموا إلى في هذه المدرسة الرائعة التي أنجبت آشوريين قوميين ومثقفين وأدباء. ولو أخذنا المدير الثاني الذي جاء بعد قاشا خندو وهو رابي كورش يعقوب شليمون، فهو الآخر كان آشورياً قومياً ومثقفاٌ وله مؤلفات في تاريخ الآشوريين منها كتابه "تاريخ الآشوريين منذ بداية القرن العشرين خاصة في فترة الحربين العالميتين" الذي يعتلي رفوف مكتبتي.. 
وشكري البليغ للأخ شاماشا عوديشو شاماسا يوخنا على توضيحاتك القيمة والصور الجميلة وأمل من كان طالباً أو مدرساً في هذه المدرسة أني يدلي بذكرياته وصوره حتى تصبح في يوما ما مجلد غني في توثيق مسألة التربية القومية لكي تستفاد منه الأجيال المعاصرة والقادمة... ألف شكر لكما.

 
رابي كورش شليمون مربي الأجيال، شيب رأسه هو ثمر من ثمرات تربيته للأجيال الآشورية

13
من أرشيف المدارس القومية الآشورية في العراق
-------------------------------------------------------------


مدرسة التقدم للطائفة الإنجيلية الآثورية والمعروفة بمدرسة قاشا خندو
======================================
أبرم شبيرا
أتاحت لنا فرصة "خليك في البيت" في زمن "كورونا"، فسحة جيدة من الوقت للبحث والتنقيب في المراجع المركونة على الرفوف العالية والعثور على بعض المواضيع التي قد تثير أهتمام القراء خاصة التي لم تنشر سابقا أو ليست معروفة لجيل هذا الزمن، ومنها موضوع مدرسة التقدم للطائفة الإنجيلية الآثورية في بغداد والتي كانت تعرف بمدرسة قاشا خندو.
تُكشف لنا بعض من صفحات التاريخ المعاصر لنشوء الفكر القومي الآشوري بأن الآشوريين المنتميين إلى الكنائس الإنجيلية البروتستانتية والكاثوليكية والأرثوذكسية الروسية والسريانية الأرثوذكسية كانوا من رواد الفكر القومي الآشوري وأبدعوا كثيرا في تأسيس الجمعيات والمنظمات القومية والأحزاب السياسية والمدارس التعليمية، ومنها مدرسة موضوعنا هذا "مدرسة التقدم" والتي أرتبطت بأسم القس خندو يونان ثاني مدير المدرسة. يذكر لنا الباحث حارث يوسف غنيمه في كتابه "البروتستانت والإنجيليون في العراق"، مطبعة الناشر المكتبي، بغداد، 1988، بأن الآثوريين الإنجيليين الذين فروا من منطقة أورميا وحلوا في العراق في سنة 1918، أستمروا الإقامة فيه في العقد الثاني من القرن العشرين وكونوا الطائفة الإنجيلية البروتستانتية الآثورية والتي تمتد جذورها إلى إرساليات مجلس الوكلاء الأمريكي للإرساليات الأجنبية وإلى مجلس الإرساليات المشيخية في الولايات المتحدة الأمريكية التي عملت في منطقة أورميا ونجحت في تحويل عدد من الآثوريين إلى البروتستانية. وكانت هذه الطائفة من بين الطوائف البروتستانتية الإنجيلية الثلاث، الطائفة البروتستانتية الوطنية وطائفة الأدفنست السبتيين المعترف بهم من قبل الحكومة العراقية.
ففي سنة 1918 وصل العراق المبشر الأمريكي مكداويل من الإرسالية  المشيخية بصفته مستخدما في مؤسسة الإسعاف للشرق الأوسط لمساعدة الآثوريين المنكوبين على إختلاف فرقهم بالأخص أبناء الطائفة الإنجيلية. ثم في عام 1921 وبتوجيه منه أفتتح الآثوريون الإنجيليون مدرسة لتعليم أولادهم اللغتين الآثورية والعربية بأسم مدرسة "التقدم الإبتدائية للبنين" في بغداد وأستقدموا لها معلمين من إرسالية إيران وقدموا لها بسخاء مساعادات مالية إضافة إلى المساعدات التي كانت تتلقاها الطائفة من أمريكا لمواصلة مسيرتها. وهي المدرسة التي  شدت من أزر كيان هذه الطائفة والتي كان لها في  بغداد كنيسة تعتبر من  أكبر كنائسها في العراق، وأول قس رعاها هو القس بيرا مزرا. وفي عام 1928 تسلم إدارة المدرسة القس خندو يونان (1888 – 1950) الذي في الحقيقة هو باني صرح وشهرة هذه المدرسة لهذا السبب عرفت بأسمه بين الآثوريين كـ "مدرسة قاشا خندو". ثم بعد وفاة قاشا خندو تسلم إدارة المدرسة والطائقة قس آخر وهو قاشا كورش يعقوب شليمون الذي كان له شخصية مرموقة لدى معظم الآشوريين في بغداد.
في عام 1924 عندما باشرت الإرسالية الإنجيلية أعمالها بكثافة في العراق توجهت أنظار الآثوريين إليها باعتبارها سندهم الديني، وبالفعل قدمت الإرسالية الى طائفتهم بالإضافة إلى الإرشادات الروحية مساعدات كثيرة ساعدت على تقدم أتباع هذه الطائفة عن غيرهم من أبناء الطوائف الآشورية. ففي عام 1928 شيدت الطائفة بناية على أرض مستأجرة في منطقة السنك ضمت مصلى وصفوفاً للمدرسة التي كان عدد طلابها 600 طالب وطالبة للدراسات الإبتدائية والمتوسطة والثانوية وفي تلك السنة تسلم قاشا خندو أدارتها إضافة إلى رئاسة الكنيسة. ثم في عام 1940 وفي زقاق ضيق مجاور لكنيسة القديس كريكور للأرمن الأرثوذكس في ساحة الطيران ببغداد وعلى أرض شاسعة شيد أبناء الطائفة وبهمة قاشا خندو وبمنحة سخية من الإرسالية المتحدة كنيسة وبناية خصصت لمدرسة التقدم التي ظلت تحت إدارة الطائفة إلى أن وضعت الحكومة العراقية يدها على جميع المدارس الأهلية في سنة 1975.
كما سبق وذكرنا بأن أبناء هذه الطائفة تطوروا من نواحي عديدة مقارنة مع بقية الطوائف الآشورية وتبوؤا مراكز مرموقة سواء على المستوى الآشوري أو على المستوى الرسمي حيث كان الكثير منهم موظفون وبدرجات عالية في بعض المؤسسات الحكومية والبنوك، وظهر بين ظهرانيها شخصيات معروفة منها العميد الطبيب روئيل شاويل كوركيس الذي كان مدير الشعبة الرابعة في مديرية الأمور الطبية العسكرية سنة 1985. ثم بعد تقاعده هاجر إلى الولايات المتحدة الآمريكية وأستقر في شيكاغو ومن هنا لا يزال يخدم الآشوريين من خلال العيادة الطبية التي يديرها، وهو من الشخصيات الآشورية المعروفة هناك سواء من خلال خدماته الطبية أو إنخراطه في النشاطات القومية والإجتماعية والخيرية حيث يعمل بدون كلل وملل وبنشاط شبابي مفعم بالحيوية رغم تعب السنين الطويلة البادية عليه. أنها فرصة لنا وعبر هذه السطور أن نطلب من ربنا أن يعطيه الصحة والعافية ويطيل من عمره. ومن شخصيات المعروف للآشوريين من هذه الطائفة أيضاً السيد يوئيل يعقوب سركيس المعروف بـ (أبو روني) رحمه الله، الذي توفي قبل سنوات في كندا. ونشير أيضا إلى شخصية معروفة من هذه الطائفة وهو السيد بنيامين بطرس توماس (أبو سامي) حالياً يعيش في أربيل فكلاهما هو وأبو روني كانا من الأعضاء النشطين في النادي الثقافي الآشوري في بغداد. ومن الشخصيات التي خدمة هذه الطائفة والمدرسة نذكر السادة شموئيل بابا إبراهيم و سركون أوشانا إبراهيم و بيرا بابا يوسف و أدور عزيز البازي و السيدة ألماس أغاسي ونينوس بولص فيليب و الفرد بطرس و دنخا خوشابا و وليم خمو. ومن المعروف عن هذه الطائفة الإنجيلية الآثورية بأنها لم تكن تختلف عن بقية الطوائف البروتستانتية الإنجيلية في العراق من حيث الإيمان غير تمسكها الشديد بلغتها القومية الآثورية والحفاظ على الثراث القومي الآشوري.
من هذا المنطلق القومي للطائفة، لم تكن لا الكنيسة للعبادة وممارسة طقوس الطائفة فقط،  ولا المدرسة للتدريس الطلاب الآشوريين من مختلف الطوائف فحسب، بل كانت مركزا ثقافيا وإجتماعية وفنياً ورياضيا وحتى قومياً سياسياً، حيث تشكلت فيها عدد من اللجان المختصة في هذه المجالات وعملت بنشاط كثيف وأثارت إهتمام ومشاركة أبناء الطوائف الآشورية الآخرى. وأتذكر منها اللجنة التي عرفت بأسم "جالش" التي كانت تقوم بنشاطات إجتماعية وفنية مختلفة وبسفرات عائلية جماعية والتي شاركتُ في أحداها في حدائق منطقة أبو غريب حيث في حينها، وأعتقد كان صيف عام 1966، وأستغربت إستغراباً شديدا، وأنا قادم من مدينة كركوك، من العدد الهائل للمشاركين في هذه السفر من مختلف الفئات العمرية وخاصة الشبابية، لا بل كان إستغرابي وإنبهاري أكثر بكثير من الفعاليات التي أقيمت في هذه السفرة ومنها إغاني قومية لم نكن نسمعها في حينها في المؤسسات الأخرى. ليس هذا فحسب بل كانت الكنيسة والمدرسة مركزا لإنبثاق مواهب خلاقة في الأدب والثقافة والفن وحتى في السياسة والفكر القومي الآشوري سواء من بين مدرسي المدرسة أو من إداربي الكنيسة ولجانها المختصة. ومما ساعد على أن تكون ساحة الكنيسة مركزاً لإستقطاب الآشوريين هو قربها من منطقة "كمب الكيلاني" أكبر تجمع سكني للآشوريين في بغداد والذي لم يكن يبعد عن الكنيسة إلا بعضة أمتار.
فأسماء أمثال رابي يوسب كانون، الذي كان مدرسا في المدرسة ومنها أكتسب لقب رابي، وأبو روني وأبو سامي الذين شاركوا في تأسيس النادي الرياضي الآشوري في بغداد ومن ثم محاولتهم لتأسيس النادي الثقافي الآشوري في الستينيات من القرن الماضي والذين لم يفحلوا فيها بسبب رفض السلطات الرسمية لطبهم في تأسيس هذا النادي. كما كانت لهم نشاطات قومية سياسية في تأسيس أحزاب سياسية آشورية ومنهم من تعرضهم للإعتقال من قبل السطات العراقية في الستينيات من القرن الماضي ومنهم رابي يوسب. وهناك نجوم لامعة في عالم الفن الآشوري سواء على المستوى الغناء أو المسرح أو الفن التشكيلي حيث أرتبطت أسماؤهم بشكل أو بآخر بالكنيسة والمدرسة، فكانت ساحة الكنيسة مسرحا لنشاطاتهم المبدعة، ومنهم سامي ياقو و آشور سركيس و ولتر عزيز و كوريل شمعون و إيبي عمانوئيل وتيدي نيقاديموس و رمزية نيقاديموس و يوسيفوس عمانوئيل، وعشرات منهم لا يخطر ببالي لذكر أسماؤهم. وعندما تأسس النادي الثقافي الآثوري عام 1970 في بغداد، أصبح هذا النادي كتوأم للكنيسة والمدرسة فأصبحت ساحة النادي أكثر رحبةً في تكثيف نشاطات هؤلاء المبدعين فزادت من أبداعاتهم كثافة وسعة وشعبية ولمعت أسماؤهم في السماء الفني والثقافي والأدبي عند معظم الآشوريين.
ثم بعد تأميم سلطات البعث لجميع المدارس الأهلية عام 1975 وتوسع أبواب الهجرة إلى الخارج تقلصت نشاطات رعية الكنيسة والمدرسة بحيث وصل ألأمر إلى إنتقال إدارة الكنيسة إلى قس مصري وإلى غير الآشوريين وبالتالي تقلص عدد أبناء الطائفة وهجر الكثيرين منهم إلى الخارج بحيث أصبح أمر الكنيسة والمدرسة بحكم المنسي خاصة بعد الحروب التي تورط فيها نظام البعث في العراق.
وأخيراً أود الذكر بأن من أحد الدوافع التي دفعني لكتاب هذه السطور هو مشكلة أو قلة أو ندرة التوثيق للمؤسسات والمدارس والأندية والجمعيات الآشورية، فللتوثيق أهمية كبرى في تحديد الهوية القومية للآشوريين وأثبات وجودهم كأمة نشطة وفاعلة ومتواصلة من الماضي السحيق إلى الحاضر ثم المستقل. وكما ذكرت في أعلاه بأن أكثر المعلومات مستلة من كتاب السيد حارث يوسف غنيمه ومن المؤكد بأن هناك بعض من أتباع الكنيسة الإنجيلية الآشورية ومن الذين شاركوا في إدرتها أو إدارسة المدرسة لهم معلومات كثيرة وذكريات جميلة، فأتمنى أن تكون هذه السطور حافزا لهم لبيان هذه المعلومات وتدوين ذكرياتهم ونشاطاتهم لتكتمل الصورة عن هذه المدرسة التي وأن تقلصت أو زالت من الوجود ولكن من المؤكد بقت وستبقى ليس في قلوبأبناء هذه الطائفة فقط بل في قلوب جميع الآشوريين.   


14
متى تتعلم أحزابنا  "الكلدانية السريانية الآشورية" من المنظمة الآثورية الديموقراطية (مطكستا)
=======================================
أبرم شبيرا
 التعلم سمة من سماة الإنسان المتحضر والساعي نحو التقدم والإزدهار خاصة عندما يكون التعلم من تجارب الغير وتحديدأ عندما يكون الإثنان على نفس المنحى والمنهج والهدف وبنفس الظروف. وهنا يستوجب التأكيد المشدد بأن التعلم ليس عيباً أو نقصاً على الإطلاق بل أنه في كثير من الأحيان يكون أكثر تأثيرا وفاعلية في سلوك الإنسان ووعيه من القراءة والدراسة. فالمثل يقول أسأل مجرب ولا تسأل الحكيم. ولكن من المؤسف، ليس على مستوى الأفراد، بل على مستوى الأمة كلها نرى بأن أحد جوانب إخفاق أو فشل حركتنا القومية من تحقيق الحد الإدنى من أهدافها هو عدم دراسة قادة حركتنا القومية للتاريخ والتعلم منه وبالتالي الإستفادة من تجاربها السابقة وتجاوز أسباب إخفاقها. هذا  الأمر هو الذي دفعنا لنؤكد مرة أخرى القول القائل بأن من يتعثر بنفس الحجر مرتين فهو جاهل. والأمثلة كثيرة في هذا السياق ولا مجال للتطرق إليها.
مربط الكلام في هذه السطور هو أحزابنا السياسية حيث يرى بعض زعماء هذه الأحزاب بأنه عيب، كل العيب، أن يتعلم من تجارب الغير، فالأمر بالنسبة لهم هو إهانة وتقليل من قدرتهم القيادية وعبقريتهم.  والأنكى من كل هذا هو المراوغة في نفس المكان إن لم يكن السير إلى الوراء وبالتالي تخلف عن مواجهة التحديات والتطورات الخطيرة التي تعصف بأمتنا سواء في الوطن أم في المهجر، وهي كلها نتاج التأثر العميق بسياسة الأحزاب العراقية وحتى العربية وبالاخص في ما يتعلق بزعامة هذه الأحزاب وعدم تداول مواقع القيادة بين أعضائها بشكل موضوعي وديموقراطي. فالمؤسف له هو أن تأثر معظم قادة أحزابنا "الكلدانية السريانية الآشورية" بالعقلية السياسية العراقية وحتى العربية في الإستمرار في القيادة حتى الموت هو تطبيق لمقولة القذافي في تفسيره لمفهوم الديموقراطية بقوله بأنها مفهوم عربي متكون من مقطين "ديمو" و "كراسي"، إي ديمومة الحاكم على الكرسي مدى الحياة.
هذه السطور جاءت بمناسبة زيارة ثلاثة أعضاء من قيادة مطكستا في بداية هذا الشهر (شباط 2020) لشمال الوطن واللقاء بقادة بعض أحزابنا السياسية وبغيرهم من التنظيمات القومية والرسمية. وكان يضم الوفد أعضاء في المكتب السياسي للمنظمة كل من المهندس السيد داوود داوود مسؤول مطكستا والسيد بشير سعدي مسؤول مكتب الثقافة والدراسات والسيد غبرييل (كابي) موشي مسؤول مكتب العلاقات الخارجية. أنا شبه متأكد أن لم أكن كامل التأكد بأن هذا الخبر مر، كما يقول المثل مر الكرام، ولم ينتج  عنه غير بعض السطور الروتينية الرسمية والتي لا تتجاوز أكثر من كلامات على ورق غير قادرة على النزول إلى الواقع الفعلي. هذه اللقاءات لمطكستا بأعضاء قيادتها الثلاثة لها مغزى كبير ودرس مهم لأحزابنا السياسية ليس من خلال الكلمات والسطور الفارغة التي أفرزتها اللقاءات بل من المغزى الكامن الذي يمكن إدراكه من خلال النظر إلى شخصية الأعضاء الثلاثة وموقعهم في القيادة. غير أن غطاء العقلية العراقية المسيطر على قادة أحزابنا جعلتهم أن لا يدركوا هذا المغزى إطلاقاً وأن يستفيدوا منه في وضع حزبهم على الطريق الديموقراطي القويم. إذن أين يكمن هذا المغزى الذي لم يدركه قادة أحزابنا السياسية "الكلدانية السريانية الآشورية" في العراق؟
وقبل الكشف عن هذا المغزى والإستنتاج المراد بيانه، نشير عبر سطور قليلة عن مؤتمر مطكستا  الثالث عشر (الأخير)  الذي عقد في بداية شهر شباط من عام 2019 في مدينة القامشلي. ففي هذا المؤتمر الذي حضره 60 مندوباً منتخباً، حسب بيان مطكستا بهذا الشأن، من فروع المنظمة وشارك فيه أيضاً مندبون من فروع المهجر عبر غرف خاصة من بعض الدول الأوربية. ففي هذا المؤتمر تم إختيار سبعة عشر مشاركا لعضوية الأمانة العامة، والتي قد تكون اللجنة المركزية بالمفهوم السياسي الدارج، والذين قاموا بدورهم إنتخاب أعضاء المكتب السياسي لولاية أمدها أربعة أعوام وفيه تم إنتخاب السيد المهندس داوود داوود مسؤولا عن المنظمة، أو السكرتير العام بالمفهوم السياسي الدارج، كما أنتخب السيد بشير سعدي والسيد كابي موشي لعضوية المكتب السياسي وتولوا المسؤوليات المذكورة أعلاه.
أن المغزى المقصود به كامن في مضمون الشخصيات القيادية الثلاث المذكورة التي عقدت هذه اللقاءات وموقعها الفعلي من قيادة مطكستا وتداول السلطة بشكل منطقي وعقلاني لضمان إستمرار القيادة نحو آماد أبعد، لا بل خلق قياديين جدد. للنظر أولاً في السيد بشير سعدي، فهو عضو مخضرم في مطكستا وعضو برلمان سابق أنتخب ديموقراطياً للبرلمان السوري من قبل أبناء شعبنا في التسعينيات، اعتقد كان في نهاية الثمانينيات، من القرن الماضي وكان سكرتيرا، أو مسؤولا لقيادة مطكستا الأسبق. أما السيد كابي موشي فقد كان السكرتير، او مسوؤل قيادة مطكستا السابق حتى المؤتمر المذكور أعلاه، وكلاهما تعرضا للإعتقال والتعذيب والتهديد ولكن لم يستكينوا إلى الراحة والبطلان والتخلي عن الساحة السياسية القومية بل أستمرا في العمل ضمن قيادة مطكستا وبتجارب مفعمة بالحيوية والصمود والإصرار على مواصلة النضال. أما السيد داوود داوود المسؤول الحالي لقيادة مطكستا، حسب معرفتي الشخصية، فأنه لم يكن على مستوى قيادة مطكستا في السنوات الماضية، وأن كان فهو حديث العهد في هذا الموقع القيادي في مقارنة مع السيدين بشير وكابي.
فعلى الرغم من الخبرة الطويلة والتجارب السياسية والحزبية المتفاعلة مع الواقع الوطني والقومي في سوريا لكلا السيدين بشير وكابي وموقعهما القيادي السالبق فأنه يظهر بأنهما تنحا خطوة واحدة ضمن حدود قيادة مطكستا في إنتخابات المؤتمر المذكور لكي يفسحوا المجال للسيد داوود داوود ليتولى مسؤولية القيادة. وقد يبدو من الناحية الشكلية بأن نوع من التراجع عن الموقع القيادي في المنظمة، ولكن الأمر غير ذلك إطلاقاً. فنحن أمة فقيرة بكل المعاني السياسية والتنظيمة خاصة إفتقارنا إلى مراكز أو معاهد لتدريس أو تدريب أو خلق كوادر قيادية تكون قادرة على تولي مسؤوليات هامة في أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية. من هنا تأتي أهمية إنتقال وتفاعل الخبرات بين المتمرسين على مستوى القيادة والأعضاء القياديين الجدد في التنظيم. وليست المرة الأولى التي نرى مثل هذا الإنتقال الديموقراطي في قيادة مطكستا بل سبق وأن حدث مثله في السابق.  أنا شخصياً لي أهتمام فكري وإلتزام قومي بأحزابنا السياسية القومية وأحاول دائماً متابعة أخبارهم ونشاطاتهم ولكن للحق أقول بأنني ولأول مرة، شخصياً على الأقل، أرى في مؤتمر عام لحزب أن لا يترشح المسؤول أو السكرتير العام القائم والسابق للحزب خاصة عندما يكونون من المخضرمين والمتمرسين وبعضهم لهم شخصية كرازماتية، لا يرشحون لموقع مسؤول الحزب أو لمنصب السكرتير العام بل يتركون المجال لغيرهم من رفاقهم القياديين لتولى هذا المنصب مع بقائهم إلى جانبهم لنقل خبراتهم وتجاربهم إليهم أثناء ممارسة العمل القيادي للحزب. وهذا ما شاهدناه في المؤتمر الثالث عشر لمطكستا عندما أنتخب المهندس داوود داوود لموقع المسؤول في المكتب السياسي مع بقاء كل من السيد سعدي بشير والسيد كابي موشي إلى جانب المسؤول الجديد وتوليهم مسؤوليات مهمة من خلال المكاتب التنفيذية لمطكستا. هذه الحالة نادرة جداً ولم أشاهدها في السابق عند أحزابنا السياسية القومية. لا بل على العكس من هذا فالتشبث بالكرسي في معظم أحزابنا السياسية أن لم تكن جميعها حالة عامة وسائدة، وحتى أن ترك هذا الكرسي، وهي حالة نادرة لا بل ستكون عجيبة وغريبة، فأنه أما أن يترك التنظيم وينزوي في زاوية النسيان ويأخذ تجاربه المديدة في التنظيم معه وكأنها ملك خاص له من دون أن يستفيد منها رفاقه في قيادة التنظيم، أو يبقى في التنظيم ولكن في موقع بعيد وغير مؤثر إطلاقاً وكأنه صورة معلقة على الحائط لتبقى كذكرى للأيام الخوالي.
لا أحد يستطيع أن يقول بأن طريق نضال أحزابنا السياسية القومية مفروش بالورود والرياحين، بل في الحقيقة والواقع هو طريق ملئه الأشواك والصعوبات والمهالك في ظل الظروف الحالية الماحقة التي تحيط بأمتنا في أرض الوطن. من هذا المنطلق يجب القول عندما ننتقد ونحاسب أحزابنا السياسية على إخفاقاتها وتراجعاتها يجب، لا بل يجب أن ينظر إليها من خلال هذه الظروف الماحقة والمأساة لتي تحيط بأمتنا والتي تخلق تحديات خطيرة أمام أحزابنا السياسية. ومن المؤكد بأن فاعلية وتأثيلار هذه التحديات هي أكثر بكثير من قدرات أحزابنا السياسية المحدودة في مختلف المجالات وحتى على مستوى القيادة التي نحن بصددها للمواجهة والتعامل مع هذه التحديات.  فإذا كان يصعب مواجهة التحديات الخارجية والتعامل معها فأن مواجهة التحديات الداخلية المتمثلة في تطوير النظام القيادي للحزب وضمان ديمومته بشكل أكثر فاعلية وقوة  أمر يمكن تحقيقة كخطو أولى وقوية لمواجهة التحديات الخارجية. فقيادة ضعيقة و "متزنجرة" لا تستطيع إطلاقاً مواجهة التحديات الخارجية في حين القيادة القوية والفاعلة والمستجدة بدماء جديدة تكون أكثر قدرة على المواجهة والتحدي. من هذا المنطق جاء موضوعنا هذا في تجديد دماء قيادة مطكستا.
حتى لا أعمم الحالة هذه على جميع أحزابنا السياسية وأكون مطلقاً ومن دون إستثناء، فللأمانة أشير إلى الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا). ففي مؤتمرها الأخير قبل ثلاث سنوات تقريباً أنتخب نواب للسكرتير العام لزوعا الذين أظهروا خلال السنوات القليلة الماضية نشاطاً محموماً وفاعلا تصل إلى حد ما إلى مستوى موقع القيادي الأول ولكن مع هذا نرى بأنها حركة خجولة ومترددة نوعا ما يستوجبها نوع من الشجاعة والإقدام أكثر فأكثر نحو خلق قياديين على مستوى عالي من القيادة قادرة على مواجهة التحديات بفعالية أكثر. وعلى طاولة قيادة زوعا العديد من المقترحات التي قدمناها لها بهذا الشأن كسبيل لخلق قيادات جديدة لتكون إلى جانب القيادات الحالية عناصر مهمة في ديمومة الحركة نحو آماد أبعد خاصة في هذه الظروف الماحقة التي تحيط بأمتنا سواء في الوطن أم في الشتات. ونأمل من قيادة زوعا إعادة النظر في تلك المقترحات وطرحها على مؤتمرها العام القادم وليس المقصد من ذلك إلا إهتمامنا وإحترامنا للحركة الديموقراطية الآشورية وتفعيل نشاطها أكثر فأكثر.
وأخيرأً، بعد مرور سنة على إنتخاب السيد داوود داوود لموقع المسؤول الأول عن مطكستا نتمى له دوام التقدم والنجاح والسعى نحو الإستفادة القصوى من خبرات رفاقه، أصدقائنا المديدين بشير سعدي وكابي موشي، ونحن ملئنا الثقة والإيمان بأنهما سوف لا يترددون في العمل مع المسؤول الجديد بكل نشاط وفاعلية وهمة كضمان لإستمرار المنظمة الآثورية الديموقراطية نحو مستقبل مبهر وأكثر أشراقا لطريق نضال أمتنا نحو تخفيف معاناة أمتنا وتحقيق أهدافها القومية المشروعة. 









زيارة لأرض الوطن; شمال شرقي سوريا في منتصف التسعينيات من القرن الماضي وأمام دير للكنيسة السريانية الآرثوذكسية: من اليمين بشير سعدي، أبرم شبيرا، سعيد لحدو وكابي موشي... تبقى هذه الصورة وغيرها كرمز لتقديرنا وتثميننا لنضال المنظمة الآثورية الديموقراطية... ومن خلالها نبعث تحياتنا الخالصة لهم.



15
ويستمر العروبوي بإختراعاته!!!:

الدولة العربية الإرامية الكلدانية (مملكة بابل الحديثة: 612- 539 ق.م.)!!!
========================================
من سخرية الإقدار أن ينظر إلينا مضطهدينا واعداءنا كأمة واحدة متوحدة لا يفرقها فارق ويمارسون سياستهم تجاه جميع أبناء أمتنا بالتساوي من دون تميير ديني أو طائفي أو عشائري أو قريوي في حين ننظر نحن إلى إنفسنا كملل وشلل وقرى وعشائر وتسميات متفرقة غير متوحدة  وتعمل لا بل تناضل أحزابنا ومنظماتنا على هذا المنوال التقسيمي وبالتالي نصل إلى لا شيء. .. هكذا كان الحال مع المستبد العثماني عندما لم يكن يفرق بين الأرمني والآشوري أو السرياني أو الكلدني فجميعهم بالنسبة إليه كانوا "روث كريه الرائحة" كما قال أحد قادة العثمانيين أثناء مذابح الأرمن عندما سأله أحد المبشرين لماذا تذبح الآشوريين بينما الفرمان هو ضد الأرمن، فقال "أنا لا أفرق بين الروث الرطب والروث الجاف فكلاهما ثورث كريه الرائحة!!!. وبعد قرن ونيف من الزمن يأتي داعش الإجرامي ليوحد جميع أبناء أمتنا تحت سطوة سيفه الغدار ويقتل هذا وذاك ويدمر هذه الكنيسة وتلك من دون أي تفرقة تذكر فيما إذا كانت كنيسة كلدانية أو سريانية أو آشورية فكلهم عنده ممهورين بـحرف (ن). وعندما يتجاوز "الجلاوزة" ويحتلوا أراضينا في موطن أبائنا وأجدادنا، ليس المهم بالنسبة لهم فيما إذا كانت أرض كلدانية أو سريانية أو آشورية بل المهم هو أنها أراض جاهزة على مائدتهم لبلعها وهضمها. وحتى "مهزلة" الكوتا المخصصة للمسيحيين ليست إلا وسيلة أخرى لإفتراس أبسط حقوق المسيحيين سواء أكانوا كلداناً أو سريانا أو أشوريين فالكل هدف لأذناب الذئاب الكبار للقيام بالمهمة نيابة عنهم. وأخيراً وليس آخراً، أليس القوانين المجحفة بحق كل المسيحيين في العراق ومنها أسلمة الأطفال وسيلة أخرى من وسائل الذي ينظر إلى شعبنا كوحدة واحدة قابلة لإمحاء وجوده القومي والكنسي من الأرض التي أرتوت بدماء أبنائهم وأجددهم. من هنا نقول بأن الوسيلة قد تختلف وتعدد سواء أكانت بالسيف أو بسلب الأراض أو بالقانون أو بالسلوكيات السياسية فإن جميعها تلتقي وتتفق في أعتبار كل المسيحيين من الكلدان والسريان والآشوريين لقمة واحدة لأفواهم النتنة. وها هنا يعود العروبوي محمد بهجت قبيسي ليبلع الكلدان في معدته العروبوية بعد أن بلع الآشوريين في كتابه الأكراد والنبي والذي سبق وأن تم تشريح مفاهيمه العروبوية في موضوع سابق لنا نشرهفي موقع عنكاوه، أنظر الرابط أدناه: 
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=962918.0

يهلوس العروبوي محمد بهجت فيخترع  "حكم عربي أرامي كلداني"، والأنكى من كل هذا فهو لا يكتفي بالمرجع الذي أعتمد عليه: أطلس التاريخ العربي الإسلامي لشوقي أبو خليل، بل يزيد في مد الحكم العربي الأرامي الكلداني إلى يثرب ويحرف الخريطة مؤكداً ذلك بقلمه عندما يشير إلى الخريطة الأصلية ويضيف عليها بقوله "مع زيادة للمؤلف (محمد بهجت قبيسي) في مد الحدود إلى يثرب" ويرسم الخريطة كما تشتهي عروبويته، حيث يقول وصل نبو نيد الملك العربي الأرامي الكلداني ويتخذ من دومة الجندل عاصمة له!!!! – عجيب غريب في هذه الهلوسة وتحريف التاريخ والأسماء والخرائط.  أنظر الخريطة في أدناه:

============================================

طبعاً... يتابع نفس غاية غيره من "البلاعين" لحقوق أمتنا عندما يشملهم جميعهم بوحدة واحدة من دون تفريق بين كلداني أو آشوري، فها هو لم يستثنى السريان من "الوحدة" في كتابه المليئ بالهلوس والدجل والأوهام. فهو من جهة أراد في هجومه على الأكراد تكحيل عيون السريان فيما يخص "أرض كردستان" فيقول في رده "مع ذلك بقى العرب الأراميون والعدنانيون (النصارى المتمثلين بالسريان) أصحاب هذه الأرض متمسكن بأرضهم ولو أن عمل الدول الكبرى بما فيها الدولة العثمانية قد أستعملوا الأكراد لضرب العرب السريان... وهذه حقيقة تاريخية نشير إليها للإعتراف بحق أناء عمومتنا العرب السريان ص 123). من النسخة الألكترونية للكتاب. لماذا السريان هم عرب عند هذا المخترع المهلوس هو بإعتقاده بأنهم من قبائل عربية مثل طي وتغلب (ص 89). صحيح هو أن بعض العرب منهم الغساسنة كانوا ينتمون إلى الكنيسة السريانية الآرذوكسية ولكن هذا المخترع في تزيفه لأصل السريان يأخذ الغساسنة الذين لم يبقى لهم وجود بعد ذوبانهم في البوتقة العربية الإسلامية ليعممهم على بقية السريان... لقد سبق وأن ذكرنا أن حبل الكذب قصير ولكن كلا وألف كلا فأن حبل الكذب عند الفيلسوف العروبوي محمد بهت قبيسي هو طويل جدا ولا يمكن ملاحقه وإلا سنضيع ساعات أن لم تكن أيام من عمرنا حتى نصل إلى نهاية هذا الحبل. فأكتفي بهذا القدر. والله يكون في عون أمتنا الكلدانية السريانية الآشورية.

 



16
عروبوي يخترع:
"الدولة العربية الآشورية" !!!
==================
جائزة نوبل للإختراع:
تشير سجلات لجنة جائزة نوبل بأنه منذ تأسيسها في عام 1902، نال اليهود ومن أصول يهودية على 148 جائزة في مختلف المجالات، أي بما يقارب 20% رغم أن عدد اليهود لا يزيد على 0.2% من سكان العالم. بينما العرب أو من أصول عربية الذين يشكلون 4% من سكان العالم  فقد نالوا على 8 جوائز فقط. هذا الإختلال الفاضح بين اليهود والعرب لا يقلل من نسبته الكبيرة في الجوائز إلا قيام لجنة جائزة نوبل بتأسيس جائزة للإختراع ومنحها للإستاذ الدكتور محمد بهجت قبيسي كسابقة تاريخية في تاريخ جوائز نوبل، لا بل كمزور ومزيف في تاريخ البشرية. فمن هو هذا الإستاذ:

محمد بهجت قبيسي:
 الدكتور محمد بهجب القبيسي، في بعض الإحيان يرد كـ (الكبيسي)، هو من مواليد دمشق عام 1940 أستاذ في جامعة دمشق، حاصل على دكتوراه في تاريخ اللغة وهو عضو اتحاد المؤرخين العرب بالقاهرة والمنسق العام لاتحاد الاثاريين العرب في سورية ورئيس مجلس ادارة مؤسسة شمال للدراسات اللغوية والتاريخية وعضو مجلس امناء مؤسسة القدس الدولية ومن مؤلفاته سلسلة التاريخ العربي وكتب القواميس الارامي والاجاريتي والكنعاني وعلم الدلالة ولغة مقارنة بين الآرامية ولهجة معلولا ونقش البرازيل الكنعاني ومؤلفات اخرى كثيرة. ولعل أكثر الكتب أثارة، الذي هو موضوعنا، هو كتاب "الأكراد والنبي – دراسة في تاريخ الأكراد وجغرافيتهم، الذي صدر بعدة طبعات وفي فترات مختلفة.

  كتاب الأكراد والنبي – دراسة في تاريخ الأكراد وجغرافيتهم:

في هذا الكتاب يبحث الإستاذ الكبير في التزوير والهلوسة، يبحث في أصول وتاريخ شعوب منطقة الشرق الأوسط بحيث لا يترك لا شاردة ولا واردة إلا وأن يجعل كل شعوب هذه المنطقة من دون أصل أو لغة أو تاريخ أو وطن سواء عن طريق جعلهم بدون تاريخ أو بدمجهم في الأمة العربية. بشكل عام يصب فيه جام عروبويته على الأكراد ويجعلهم بدون وطن أو تاريخ وحتى بدون أصل معروف، وهو الكتاب الذي أثار "غضب" وحفيظة بعض الأكراد فهاجموه بشدة وأعتبروا المؤلف من أشد العروبوين في تزيف التاريخ وأعتبروا الكذب والخداع والتدليس أساس هذا الكتاب. وكان في مقدمتهم الكاتب والمؤرخ والإستاذ والبروفيسور الكوردي محمد محمود المندلاوي.... ويالاها من سخرية الأقدار، متطرف كوردي ومزيف للتاريخ الذي بلع كل "الطوائف المسيحية من الكلدان والأرمن والأثوريين وجعلهم من أصل الكورد" في كتابه "تاريخ وحضارة الكورد" والذي تعرضنا له  في مقالتها تحت عنوان " كاتب وصحفي وباحث ومؤرخ وبروفيسور كوردي لا يجيد حتى " كذب مصفط " !!! الذي نشر في موقع عنكاوه، أنظر الرابط أدناه:
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=920253.0
هكذا تتصارع وتتقاتل الذئاب الجائعة من أجل لقمة من هنا وهناك حتى يملئون بطونهم، أو بعبارة أوضح، هكذا يتناطح المتعصبون "الحفاة" من أية حضارة إنسانية بناءة من أجل سرقة حضارات الشعوب الحضارية، خاصة الحضارة العريقة والمعروفة كالحضارة الآشورية الغنية التي أعطت للإنسانية كثير الكثير والتي أصبحت موضع أطماع  هؤلاء "الحفاة".

نموضح فاضح في التزيف والتحريف:
من إختراعات العروبوي محمد بهجت قبيسي هو إختراع عيد للعرب. فيقول: "سنحتفل بتاريخ 10 تشرين أول بالذكرى السنوية ألـ (4353) سنة على عيد العرب، فما دام هناك عيد للأكراد تاريخ 2630 سنة، وما دام هناك عيد للآشوريين (العرب!!!) تاريخ 3816 سنة فيجب أن يكون للعرب عيد أيضاً..." ... نكته عروبوية مضحكة ومبكية في عين الوقت أن يجعل للعرب عيد أقدم من عيد الآشوريين. أفهل أحد في هذا العالم سمع بهذا العيد أو أحتفل العرب به ،لا بل ونتسائل: أفهل المخترع محمد بهجت قبيسي نفسه يحتفل سنوياً بهذا العيد؟ أم هو ذكره لمجرد إضحاك الناس عليه. أما بالنسبة لموطن العرب فيحددها من منابع دجلة والفرات شمالاً، وحتى جبال زغروس شرق العراق شرقا، وبحر العرب جنوبا... فهو يرى بأن "كردستان" (العراقية والتركية والسورية) هي عربية منذ فجر التاريخ !!! وبالتالي  فهو نهم إلى درجة بلع الكثير من الشعوب التاريخية الحضارية في معدة العرب، مثل الأكديين والأموريين والآشوريين والأراميين والكلدانين والفينقيين وصولا إلى الأمازيغ في الغرب من القارة الأفريقية. وفق كل هذا وذاك يجب أن أشير إلى إختراعه المثير للإشمئزاز في تسميته لبعض المدن والشعوب والحضارات، ومنها أسم أربيل. فهو يقول أن أسم أربيل هو عربي أكادي مركب من (أرب + ئيل = أربيل)  ثم يبدا بأرجاع مكونات هذه التسمية إلى أصول عربية. ونحن نعرف وربما كل الناس في الشرق الأوسط بما فيهم تلاميذ المدارس الإبتدائية يعرفون بأن أسم أربيل هو آشوري قديم متكون من (أربا + ئيل) أي الإٌلهة الآربعة لأنها كانت في العهد الآشوري القديم مركزاً لعبادة أربعة آلهة.

إختراع "الدولة العربية الآشورية":
من دون البحث والتجوال في الكتاب المذكور عن خزعبلات وهلوسات المخترع العروبوي وهي كثيرة جداً، فإن الذي يهمنا من هذا الكتاب هو إختراعه المدهش  للـ "الدولة العربية الآشورية" القائم على قمة التزوير والتحريف والكذب ومن دون أي وازع أدبي أو إخلاقي حيث يشير إلى بعض المصادر التاريخية المهمة ثم يحرفها بالشكل الذي يجعل الأمبراطورية الآشورية العظيمة مجرد دولة عربية. في كتابه السالف الذكر يعرض خريطة هذه "الدولة العربية الآشورية" ويعتمد على مرجعين في هذا التزوير والتخريف، الأول، هو أشهر أطلس موجز لتاريخ العالم وهو:
The Times Concise Atlas of World History وعلى صفحة 20 حيث يشير هذا الأطلس إلى خريطة نمو الإمبراطورية الآشورية نحو الجنوب والشرق وحتى إلى مصر وفي عهد عدة ملوك آشوريون مشهورون، ومن دون أية إشارة أو حتى تلميح بسيط إلى العرب ولا يوجد أي شيء يدعم كذبة في "الدولة العربية الآشورية" وفي أدنا خريطة هذه الأطلس كما هي بدون تحريفات أو إضافات.

 

===========================================
أما المرجع الثاني الذي يعتمده وأشار إليه فهو: أطلس التاريخ العربي الإسلامي، من تأليف عروبوي آخر أسمه شوقي أبو خليل وعلى الصفحة 17 حيث يعرض خريطة الدولة الآشورية ولكن على الرغم من هلوسته في القول بأن "الآشوريين قبائل عربية هاجرت إلى شمال بلاد الرافدين..." إلا أنه يذكر في المربع الأعلى للخريطة "الدولة الآشورية – 1392 – 612 ق.م. من دون ذكر "عروبة الدولة الآشورية" كما مبين في الخريطة في أدناه من الأطلس المذكور (ص 17).

 

=================================================
غير أنه وبدون وازع أدبي وعلمي يأتي العروبوي المخترع قبيسي ليزيح هذا المربع ويضع مربعه التزويري القائل بـ "الدولة العربية الآشورية"، وأكثر من هذا فيصف الملك الآشوري العظيم بـ "العربي الآشوري"!!!! فهو جرئ جدا في تزويره للحقائق عندما يعرض المرجعين أعلاه ويحرفهما بما يتماشى مع أهوائه العروبوية. هناك تساؤل بسيط جداً، فلو كان الآشوريون قبائل عربية وكانت أمبراطوريتهم عربية أليس كان بالأحرى إعتزاز العرب بهذه الحضارة العظيمة واإلإشارة إليها في قوانينهم ودساتيرهم وفي مناهج تدريسهم. أو أليس كان للعرب فخراً وإعتزازاً بملوك هذه الدولة العظيمة وأن يتسموا هم وأولادهم بأسماء هؤلاء الملوك العظام كما فعل ويفعل الآشوريون اليوم. أفهل للمخترع العروبوي أولاد أو بنات لهم أسماء مثل آشور ونينوس وسنحاريب وشميران؟؟؟ وعمري لا وألف لا. أنظر الخريطة في أدناه وفيها شروحاته التزيفية.


 =========================================================

قيل أن حبل الكذب قصير ولكن كلا وألف كلا فأن حبل الكذب عند الفيلسوف العروبوي محمد بهت قبيسي هو طويل جدا ولا يمكن ملاحقته وإلا سنضيع ساعات أن لم تكن أيام من عمرنا حتى نصل إلى نهاية هذا الحبل.... لقد سبق وكتبنا عن الفيلسوف الكوردي الذي لا يعرف "الجذب المصفط" يظهر بأن هناك أيضاً فيلسوف عروبوي لا يعرف "التزوير المصفط".... الله يكون في عون الآشوريين من سراق حضارتهم.


17
زعل مع ميخائيل ممو عمره أكثره من أربعة عقود ونصف العقد
====================================
أبرم شبيرا
كان أستاذنا الكبير وكاتبنا المبدع ميخائيل ممو من مسؤولي تحرير مجلة "المثقف الآشوري" التي كان يصدرها النادي الثقافي الآشوري في بغداد في بداية السبعينيات من القرن الماضي وكنت في حينها طالباً في  السنة الأولى لكلية القانون والسياسة  وعضوا في النادي. حاولت في حينها أن أدخل عالم الكتابة والتأليف فطرأت لي فكرة كتابة موضوع في السياسة ونشره في مجلة المثقف الآشوري. وفعلاً كتبت موضوعا بعنوان "مفهوم الديموقراطية وتطبيقاتها الواقعية" معتمدا على بعض المصادر، أن لم يكن في معظمه "سرقة" من هذا الكتاب أو ذاك، الذي كان ضمن مناهج التدريس في الكلية. كان الموضوع طويلاً ومتكون من عدة صفحات ظاناً بأن إطالة الموضوع سيزيده علماً وهيبةً. قضيت عدة أيام أدقق فيه من جوانب عديدة حتى أضمن سلامة قبوله من قبل فطاحلة الفكر والآدب والثقافة الذين كانوا يديرون ويشرفون على المجلة، ثم بعد ذلك سلمته إلى هيئة تحرير المجلة واثقاً بأنه سينشر فيها. بعد بضعة أيام ألتقاني  أستاذنا الكبير ميخائيل ممو في النادي وفي يده الموضوع الذي كتبته وحالما كشفه لي وجدت أوراقي مدمية بدماء حمراء وكأنها خارجة من حرب ضروس خاسرة بحيث لم يخلو ولا سطر من التصحيحات بقلمه الأحمر وبدت كأنها لوحة سريالية لم أفهم منها شيئاً ولم أتقن أسلوب نقده للموضوع.  فبعد الإطلاع على جروح الموضوع ومناقشات وإرشادات الأستاذ لتلميذه ختمها أستاذنا الكبير بكلمة واحد قائلا "الموضوع غير صالح إطلاقاً لنشره في المجلة ولا تتعب حالك في تصحيحه" فكانت كلماته بالنسبة لي كضربة المعلم لتلميذ فاشل وفي قرار نفسي زعلت زعلاً مؤلماً دفنته في كوامني الداخلية، ولكن للحق أقول بأنه كان درسا مفيداً لي في الإستمرار والتواصل في الكتابة.
منذ تلك الفترة عرفت أستاذنا الكبير ميخائيل وأستمرت معرفتنا في العمل سوية في النادي الثقافي الآشوري لا بل كان سندا لي في بعض الأعمال الفكرية والثقافية وحتى الأكاديمية. ففي مرحلة الدراسات العليا والبدء بكتابة أطروحتي في الماجستير وجدت في كتابه المعنون (ماهو البحث وكيف تكتبه – 1968) الذي أهداني نسخة منه، وجدت فيه مرشداً ممتازا في البحث بمنهجية علمية في أطروحتي الجامعية. أستمرت علاقتنا وتواصلت حتى في المهجر حيث ألتقينا في الكثير من الأحيان بمناسبات ثقافية وإحتفالات قومية وكان آخرها لقائنا في الصيف الماضي في شيكاغو ولا أخفي وأقول بأنه في بعض الأحيان كان "يوخنا جوجانا" رفيقاً مسلياً لنا يزيد من متعة هذه اللقاءات ويفتح شهيتنا للحديث في المسائل القومية المشتركة ويشحن ذكرياتنا الماضية سواء في النادي الثقافي الآشوري أو في مناسبات أخرى جميلة مرة علينا خلال العقود الماضية.
عندما كتبت كتابي المعنون (النادي الثقافي الآشوري – مسيرة تحديات وإلإنجازات – 1970 – 1980) كتبته رغم شحة المصادر والمعلومات عن النادي وأنا في لندن وما ذكرت فيه هو مجرد جزء بسيط جداً من هذه التحديات والإنجازات، ولعل تعتبر صدور مجلة المثقف الآشوري جزء مهم ومثير من هذه التحديات والإنجازات والتي كان كتابنا الكبير ميخائيل بطلها التراجيدي فيها. الموارد المالية مصدر أساسي بل هي أكسير الحياة لصدور وإستمرار أية مجلة. كان الإشتراك السنوي للمجلة 250 فلسا، أي أقل من دولار أمريكي واحد، لكن المصدر الأساسي لتمويل المجلة كان الوارد الذي يأتي من حفلة رأس السنة والذي كان يقدر بحدود 1000 دينار عراقي وتستهلك المجلة بحدود 500-700 دينار منه لكل عدد. كانت أيضا وزارة الإعلام تمنح بعض الإعلانات لنشرها في المجلة لغرض مساعدتها مالياً، كما كان الحال مع غيرها من المجلات، غير أنه بعد فترة أنقطعت هذه المساعدات حيث وجدت السلطات الرسمية عدم جدوى من مساعدة المجلة طالما لا تتماشى مع سياسة حزب البعث. ثم كانت الكوادر الصحفية المتمرسة ورقابة المطبوعات والطباعة والنشر والتوزيع كلها تحديات صعبة ولكن تمكن النادي من تجاوزها وتحقيق إنجازات تعتبر تاريخية في سياقها الزمني والمكاني، وكان ميخائيل فارساً من فرسان هذه التحديات والإنجازات خاصة الأصعب منها والتي أنخرط ميخائيل فيها بشكل مباشر وواجه أصعب التحديات منها طباعة المجلة  ونشرها وعلاقة ذلك بالجهات الأمنية. وإليكم هذا الحدث من هذه التحديات والإنجازات:
كانت المجلة تطبع في مطبعة "تايمز" في منطقة السنك في بداية شارع الرشيد على النمط القديم في تصفيف الحروف الرصاصية، أما قسم اللغة الآشورية فكان إما يكتب باليد وبخط جميل ثم في السنوات اللاحقة تم طباعته في المطبعة. بعد الطباعة كان يتطلب أخذ الصفحات إلى محلات "الوراقيين" لربط الصفحات وتلزيمها وتكبيسها ليكتمل شكل المجلة. كان جميع هذه المحلات موجودة في الأزقة الضيقة المتفرعة من شارع الرشيد بحيث لم يكن بالإمكان دخول السيارات فيها، بل كانت تنقل المواد في عربات صغيرة تدفع باليد. وذات يوم وبعد الإنتهاء من طباعة صفحات المجلة بقسميها العربي والآشوري حملها ميخائيل في عربة صغير وبدأ يدفعها في شارع الرشيد نحو أحدى محلات الوراقيين، فما كان إلا أن هبت رياح قوية فتطايرت أوراق المجلة من العربة على رصيف شارع الرشيد ثم بدأ ميخائيل وهو في حالة مرتبكة ومحرجة بجمع الأوراق بين أرجل المارة لوضعها في العربة غير أنه أستبشر خيراً عندما وجد شخص آخر يساعده في جمع الأوراق فعرف نفسه بأنه من رجال الأمن وبعد إطلاعه على أوراق القسم الآشورية أتهم ميخائيل بأنه يوزع مناشير يهودية وباللغة العبرية غير أن ميخائيل بذل قصار جهده لإقناعه بأن اللغة هي آشورية لمجلة المثقف الآشوري المجازة من قبل وزارة الإعلام وليست عبرية. رجل الأمن لم يقتنع لأنه بالأساس لم يكن يعرف بأن هناك لغة آشورية أو مجلة بأسم المثقف الآشوري، فما كان منه إلا أن أتصل بمسؤوله في مديرية الأمن العامة ليبلغه عن رجل يوزع مناشير يهودية في شارع الرشيد، فبدأ سلسلة الإتصالات والتحقيقات مع الجهات المعنية للوصول إلى حقيقة هذه اللغة والمجلة حتى توصلوا إلى قناعة للإفراج عن ميخائيل وعن صفحات المجلة لترى النور فيما بعد وكل ذلك بفضل ميخائيل الذي لم يكن محرر المجلة وىا أداريها ولا مدققها ولا متابعها بل للحق أقول كان "حمالا" – مع الإعتذار لهذه الكلمة – للمثقف الآشوري حيث كان يحملها بين يديه وينقلها من مكان إلى مكان وفي كثير من الأحيان شاهدته شخصيا يحمل نسخ كثير من المجلة بيده وينقلها من سيارة "بيكاب" إلى داخل النادي. هذه رواية من روايات التحديات والإنجازات للنادي الثقافي الآشوري والتي كان ميخائيل وغيره العشرات من فرسان هذه المسيرة الطويلة التي أنجبت خيرة مثقفي وكتاب وسياسي أمتنا.
وأخيراً حتى أعطي للقارئ بعض من سيرة ميخائيل الذاتية أعيد نشر السطور التي كتبتها عن أدباء النادي الثقافي الآشوري في كتابي المذكور، (النادي الثقافي الآشوري – مسيرة تحديات وإنجازات – 1970 – 1980 – طبع في مطبعة ألفا غرافيك، شيكاغو، الولايات المتحدة الأمريكية، عام 1993. الفصل الخامس (ص 79 – 94) – عنوان أدباء النادي الثقافي الآشوري  ومنهم طبعاً ميخائيل، جاء فيه:
كان من الطبيعي جداً أن يعكس النادي هويته الثقافية في مجال الأدب وبشكل أكثر بروزا عن غيره من النشاطات الأخرى التي قام بها النادي طيلة عشر سنوات من مسيرته طالما أخذ على عاتقه مهمة إبراز الأدب الآشوري وإحيائه بشكل أكثر تطوراً وإنسجاما مع تطور المجتمع. فالمهرجانات الشعرية والآماسي الأدبية والحلقات اللغوية وإصدار النشرات والمجلات الأدبية تعني ضرورة وجود أدباء بالمستوى الرفيع لإنجاح مثل هذه النشاطات ... من هذا المنطلق، أصبح النادي مدرسة أدبية، أن صح التعبير، لخلق وصقل مواهب شابة وجديدة وساحة رحبة لكل الأدباء الآشوريين لإبراز نتجاتهم الأدبية وإبداعاتهم المتميزة... فأرتبطت أسماء الكثير من الأدباء الآشوريين بالنادي وبنشاطاته الأدبية. وإجلالا لكل الأدباء الذين ساهموا بنتاجاتهم الأدبية في نشاطات النادي وتفاعلوا معها كجبهة أدبية وثقافية واحدة من دون تمييز أحد عن الآخر، ادرجت بعضهم في الكتاب كأدباء الناي.
القد حاولنا، وأنا في بلد المهجر، أن اجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن أكبر عدد ممكن من أدباء النادي، فإضطررت أن نذكر بعضهم طبقاً للمعلومات المتوفرة عنهم وإعتبارهم كرموز لغيرهم من الأدباء الآشوريين من دون تفضيل أديب على آخر إطلاقا... وفي حينها ذكرت الأدباء الأجلاء كل من المرحوم إيشو القس عوديشو، المرحوم منصور روئيل زكريا (عضو فخري)، المرحوم زيا نمرود كانون، عوديشو ملكوم كيوركيس، المرحوم إختير بنيامين موشي (عضو فخري)، يوسف نمرود كانون، كوريال شمعون زيانو، أوراهم يلدا أوراهم، نينوس أندريوس يوسف (نيراري)، جورج أويا أرخيوام، وشملت الأسماء الأديب الكبير ميخائيل مروكل ممو، وهذه بعض السطور عنه التي توفرت لدينا في حينها:
•   ولد الأديب الآشوري ميخائيل مروكل ممو في عام 1947 (ماشاءالله بعدك شباب) في الحبانية وأنهى دراسته الإبتدائية والمتوسطة والثانوية فيها وتخرج عام1969 من معهد إعداد المعلمين فعمل منذ ذلك التاريخ في سلك التعليم مبتدئا بمدينة البصرة حتى أنتهى به المطاف في مدينة بغداد.
•   في مراحل دراسته أكتسب قابلية فذة في التعبير الأدبي والصحفي بإعتماده على النفس والمطالعة المستمرة مما أهله لدخول معترك الصحافة، فأشرف على تحرير صفحة الجامعة بجريدة الجنوب بين عامي 1966-1967 التي كانت تصدر في البصرة.
•   عمل بشكل دؤوب وفعال في بعض المؤسسات الثقافية والأندية الآشورية. فبعد إنتسابه إلى النادي الثقافي الآشوري عام 1971 عمل مع بقية زملاءه لإستحصال الموافقة الرسمية لإصدار مجلة المثقف الآشوري ثم كرس جلً جهده ووقته للعمل في تحرير ومتابعة صدور هذه المجلة، فعمل كسكرتير ثم كضو في هيئة تحريرها.
•   تولى في النادي مسؤوليات عديدة منها عضو في الهيئة الإدارية وفي لجنة التحرير والنشر كما كان من مؤسسي لجنة أصدقاء الأدب الآشوري، فشارك في الكثير من النشاطات الأدبية والمهرجانات الشعرية والمناظرات الثقافية، كما كتب ونشر العديد من القصص القصيرة والمقالات والبحوث الأخرى، وله كتب منشورة منها (ماهو البحث وكيف تكتبه – 1968) و (في رياض الشعر – 1976) كما له مخطوطات تنتظر النشر منها (موسم الرؤيا والفجر – شعر) و (بلا عنوان – مجموعة مقالات) و (في رياض الشعر والأدب – الجزء الثاني).
•   عمل خارج إطار النادي كسكرتير للهيئة المؤسسة لإتحاد الأدباء والكتاب للـ "الناطقين بالسريانية" ثم عضو في هيئته الإدارية كما عمل كسكرتير لنادي المجتمع الآشوري في منطقة الدورة ببغداد وشارك في الإعداد لبعض البرامج الثقافية لإذاعة وتلفزيون القسم "السرياني" في بغداد وكركوك.
•   وجد في المهجر درباً له، فواصل نشاطاته الأدبية والفكرية من هناك دون ملل وكلل.
==================================================
هذا جزء من مما عرفناه عن أديبنا ومفكرنا ميخائيل مروكل ممو.... أستعد وقم وأنهض يا صديقي العتيد لنلتقي هذه المرة ليس مع "يوخنا جوجانا" بل هناك حدث تاريخي مهم ينتظرك، فهئ نفسك وأمتطي فارسك لتنطلق نحو هذا الحدث الذي سيقام في وطننا العزيز بمناسبة نصف قرن على تأسيس النادي الثقافي الآشوري (أيلول 1970 – أيلول 2020) لتكون فارساً من فرسانه إلى جانب بقية فرسان النادي الثقافي الآشوري.
=================================================
صور مستلة من كتابي (النادي الثقافي الآشوري – مسيرة تحديات وإنجازات – 1970 - 1980)
في الصورة الثانية يظهر ميخائيل ممو الرابع من اليمين

 

18
لقاء زوعا و المجلس وبيت نهرين... ثم ماذا بعد؟
=============================

أبرم شبيرا
اللقاء الحزبي الثلاثي:
------------

بتاريخ 18 أيلول 2019 أستقبل المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري (المجلس) وفد من قيادة الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) في مقر المجلس في عنكاوه – أربيل، أنظر الرابط:
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=949777.0

ثم بتاريخ 23/10/2019 ألتقى وفد من حزب بيت نهرين الديموقراطي (ﮔبًا) بالحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) في مقرها في عنكاوه – أربيل، أنظر الرابط:
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=954389.0
 والإشارة هنا تقتضي بأنه كان هناك أيضا بعض اللقاءات بين هذه "الأحزاب" وغيرهم سواء بشكل ثناني أو أكثر  خلال الفترات السابقة، غير أننا سنقتصر على لقاءات هذه الأحزاب الثلاثة ذلك لأن:
•   شخصياً لي إهتمام خاص بأحزابنا السياسية سواء من حيث أهميتها في مجتمعنا، خاصة الأحزاب النشطة والفاعلة، أو بسبب خلفيتي الأكاديمية.
•   من النادر أن نجد لقاءات مثل هذا النوع خاصة بين مثل هذه الأحزاب السياسية، وسبب ذلك:
•    لهم ممثلين في برلمان إقليم كوردستان سواء بشكل مباشر أو من خلال قائمة إنتخابية، وبالتالي يمكن، على الأقل، إعتبارهم رسمياً أكثر جماهيرية في مجتمعنا.
•   وهنا يستوجب التأكيد بأن هذين اللقائين ليس بين  ممثلي القوائم الفائزة في برلمان الإقليم بل هما بين ثلاث أحزاب سياسية، وهو الأمر الواضح في تفاصيل اللقائين.

المشتركات والإختلافات:
--------------

هناك بين هذه الأحزاب الثلاثة بعض المشتركات والإختلافات:
أولا: المشتركات تتمثل في  إيمانهم بأن أبناء شعبنا من الكلدان والسريان والآشوريين يمثلون أمة واحدة وبمقومات مشتركة، وبالتالي أحتراماً لهذه التسميات الحضارية فهم يتبنون التسمية المركبة الموحدة لشعبنا "الكلدان السريان الآشوريون" في عملهم السياسي والقومي نحو ضمان حقوق شعبنا الموحدة والمشروعة في الوطن. ونجاحهم في الوصول إلى كراسي البرلمان يدل بأن التسمية المركبة مقبولة لدى غالبية أبناء شعبنا ودليل على رغبته في النظر إلى وحدته من خلال هذه التسمية المركبة الضامنة لتحقيق الحقوق القومية المشروعة الشاملة لكل تفرعات أو تسميات شعبنا في الوطن.  إضافة إلى ذلك فأن لكل منهم  مطلب رئيسي بخصوص ضمان كيان قومي لشعبنا سواء كحكم ذاتي أو إدارة محلية أو محافظة لسهل نينوى، زد على ذلك إهتمامهم بمسألة التجاوز على أراضي شعبنا وإن أختلفوا في حجمها ومضمونها.
ثانياً: أما بالنسبة للإختلافات فهي على الأكثر مبينة على المواقف السياسية وقد ترتبط بمرحلة زمنية معينة وربما آنية وقصيرة متعلقة بحادث أو موقف معين، لنأخذ مؤتمر بروكسل مثالا على ذلك. أي بعبارة أخرى يمكن القول أنها تدور في دائرة التكتيك. ومما لا شك فيه بان هناك إختلافات سواء من حيث طبيعة ونوعية الأحزاب الثلاثة المشار إليها أو من حيث توجهاتها وسياساتها أو خطابها السياسي، إلا أنه من الضروري التأكيد بأن بعض من هذه الإختلافات لم ترتقي بعد إلى مستوى الخلافات والتناقضات، بإستثناء قليل، وقد تكون إختلافات في التفاصيل وليس في المبدأ.
ما بين الإختلافات والخلافات
-----------------

الخلافات هي توجهات مرتبطة بالفكر والإيديولوجيا التي يؤمن بها الحزب بحيث تحدد طبيعته الفكرية والسياسية، أي بعبارة أخرى أنها تدور في دائرة الإستراتيجيا، ولها القابلية للإرتقاء إلى دائرة التناقضات. وبالنظر لكوننا أمة صغيرة وحديث العهد في السياسة وفيها تناقضات فكرية قليلة أو سطحية ليس لها أي نوع من العمق الفكري والأيديولوجي، بإستثناء المسائل الكنسية والطائفية، فإننا نؤكد، كما أكدنا في السابق، بأن معظم الإختلافات بين أحزابنا السياسية لا ترتقي إلى خلافات أيديولوجية وتناقضات فكرية، بل هي خلافات تكتيكية مرتبطة بموقف أو حدث معين. وحتى لو أخذنا منظمة كلدو آشور التابعة للحزب الشيوعي الكوردستاني نرى بأن توجهاتها فيما يخص حقوق شعبنا في الوطن تتمشى أو تتماثل أو هي تقريباً نفسها التي تتبناها أحزابنا السياسية ولا تحمل في وجهها خلافات. وبالمناسبة أن الحزب الشيوعي الكوردستاني، هو الحزب الوحيد بين جميع الأحزاب العراقية الذي له منظمة تخص شعبنا وتشارك في بعض النشاطات التي تقوم بها أحزابنا السياسية، لا بل كانت منظمة كلدو آشور عضواً في تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية، رحمه الله، وهذا ليس أمراً غريباً بالنسبة لحزب شيوعي أممي وأن لبس لباس الكوردستانية، فله توجهات وسياسات تجاه الأقليات القومية.
 هنا من الضروري أن نعرف معرفة جيدة وناضجة وفكرية وسياسية بأن  التراكمات، لنقل تراكم الإختلافات وإستمراريتها سوف تؤدي لا محال إلى تغييرات نوعية، أي بعبارة أخرى أن إستمرار الإختلافات وتواترها سوف تؤدي إلى تغييرات نوعية تظهر في الخلافات ومن ثم أستمرار وتواتر الخلافات لا محال سوف تؤدي إلى تناقضات. وبتراكم هذه التناقضات وتواترها ومن دون البحث وإيجاد حلول لها سوف يتأزم الوضع ويحط المجتمع على مسار التخلف والعجز عن مواكبة التطور المطلوب لكل مجتمع ، وهو الأمر الذي شاهدناه في وضعنا القومي والسياسي عبر سنوات طويلة ونشاهد بعض جوانب هذه التراكمات في هذا الأيام أيضا.   
وإذا كان أمر الإختلافات بين هذه الأحزاب الثلاث المشار إليها، حالة صحية طبيعية لا غبار عليها طالما بقت ضمن إطارها التكتيكي الآني المرتبط بحدث معين أو سياسة محدودة،  فإن المشكلة تبقى في الخلافات القائمة في تفاصيل هذه الإختلافات أو في شكلها أو حجمها أو طبيعتها السياسية والقانونية، والأمثلة في سياق الخلافات نجدها في شكل أو نوع الكيان القومي المطالب به، كالحكم الذاتي أو الاإدارة الذاتية أو محافظة في سهل نينوى ضمن دولة العراق أم ضمن الإقليم، وهنا نقول مع المثل القائل "الشيطان يكمن في التفاصيل". وهي التفاصيل التي يخشى عليها أن ترتقي إلى تناقضات صعبة الحلول، وهو الأمر الذي ظهرت بوادره في الماضي ونلمس بعضها في هذه الأيام.

أين يكمن مصدر الخلافات:
---------------

المصراحة بالحقيقة أمر ضروري لكل مجتمع يبنى عليها مسار تطوره خاصة في المسائل السياسية وبالتحديد في التحالفات والإتفاقيات الحزبية، وبعكس ذلك، أي إخفاء الحقيقة والتستر عليها أمر لا محال سيعيق أو يُفشل أي تقدم أو تطور أو الثبات في العلاقات السياسية والحزبية. من هنا يستوجب علينا ونحن نبحث عن هذه الحقيقة "الحزبية" لهذه الأحزاب الثلاث ونصارح بها، نبداً أولاً بـ :

حزب بيت نهرين الديموقراطي (ﮔبًا): وهو الحزب الذي تأسس في المهجر، في شيكاغو - الولايات المتحدة الأمريكية في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، الأمر الذي يظهر منه بأن حزب عتيد ومستمر منذ تلك الفترة، إلا أنه لم يكن حزباً بالمعنى الصحيح والعلمي لهذه الكلمة بل كان أكثر ما يكون هو منظمة نخبوية محصورة في بعض الشخصيات المعروفة في المجتمع الآشوري لم يلمس شعبنا، خاصة في الوطن، أي بوادر نافعة منه عدا بعض النشاطات الإجتماعية والإعلامية في المهجر. غير أنه منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي  وظهور بوادر لهامش ديمقراطي في الإقليم الكوردستاني ظهر له وجود ملموس في الإقليم وبمساندة ودعم من الحزب الديموقراطي الكوردستاني (البارتي). وقد يكون ذلك للأسباب، أما (اولا): لغرض توسيع المجال الديموقراطي في الساحة الآشورية وإظهار للعالم بأن السلطات المختصة في الإقليم، وهي في بداية عهدها الشبه المستقل، ضامنة لحقوق الأقليات. أو (ثانيا): لمزاحمة أو منافسة أو حتى محاربة الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) التي كانت الفاعل الرئيسي والوحيد على الساحة السياسية الآشورية وفازت بأربعة مقاعد من خمسة  في برلمان الإقليم في أول إنتخابات برلمانية عام 1992. غير أنه لم تكن المسافة الشاسعة والبعيد بين شيكاغو وأربيل فحسب بل أيضا بمدى الإرتباط بأرض الوطن والعمل ضمن شعبنا والإحساس بمعاناته وإحتياجاته  كلها عوامل جعلت من (ﮔبًا) أن يتكثف وجوده في الوطن وتنحصر قيادته شيئاً فشيئاً في شخصيات من أبناء مجتمعنا في الوطن وبالتالي بدأت بوادر التباعد، ولنقل الإنشقاقات في الحزب خاصة بين المهجر والوطن والإبتعاد عن قيادته العتيدة وظهور قيادات "وطنية" ولدت وعاشت وعملت على أرض الوطن، وبالتالي يمكن القول بأن الحزب أصبح عراقياً مائة بالمائة ولا صلة له بالمهجر إلا بفرع أو فرعين له (هكذا) أو ببعض الشخصيات أو الجمعيات في المناطق الأكثر تجمعاً لشعبنا في الولايات المتحدة الأمريكية. غير أنه إيفاءا برد الدين أو الوفاء للبارتي الذي ساند ودعم (ﮔبًا) تأصلت علاقات وثيقة بينهما إلى درجة ظهر كأن (ﮔبًا) يسير على نهج البارتي في سياسته الخاصة تجاه شعبنا، وما تحالفه مع بعض الكيانات المصنوعة من قبل البارتي وبالتالي الفوز بثلاث مقاعد في البرلمان الكوردستاني إلا دليل واضح من بين الكثير من الأدلة خلال السنوات القليلة الماضية.

الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا): بعيدا عن الإعتبارات الشخصية والفكرية فأن زوعا وبكل المقايس العلمية والموضوعية المعروفة في علم السياسة تعتبر حزباً سياسياً بكل المعنى الكلمة سواء من حيث كيفية تأسيسه أو هيكليته أو مؤتمراته أو جماهيريته وحتى من حيث إستقلايته الفكرية، أن صح التعبير. حيث أستطاع منذ فترة تأسيسه عام 1979 أن يعمل (مع)  وليس (لـلـ) الأحزاب العراقية ووفق مفهوم العمل مع وليس للـ، كأسلوب لإستقلالية العمل السياسي من جهة والتعاون والتحالف مع الأحزاب الأخرى من جهة أخرى ولكن من غير الخضوع لهم أو السير على خط سياستهم. وقد يمكن أعتبار تحالفه مع الأحزاب الأخرى ضمن "الجبهة الكوردستانية" في التسعينيات القرن الماضي غير مثال على نجاحه في هذا السياق وتحقيق بعض الإنجازات. فمن خلال متابعتي المستمرة والثاقبة لسياسة زوعا وعملها على الساحة السياسة نرى بأنها أحتفظت بإستقلالية قرارها بشكل مستمر غير أنه يظهر بأن صلابة إستقلاليتها، كمنهج إستراتيجي غير قابل للتنازل، جعلها أن تبتعد أو تغيب نوع ما عن منهج التكتيك في التحالف مع أحزاب شعبنا أو غيرها من الأحزاب، وبالأخص الأحزاب السياسية الفاعلة على ساحة الإقليم الكوردستاني، لأن هذا الإقليم، قبلنا تسميته أو رفضنا، رضينا بأحزابه أم لا، فأنه يشكل بالنسبة لشعبنا ولأحزابه السياسية الساحة الحقيقية والمثالية والموضوعية للعمل السياسي والقومي أكثر بكثير من غيره من المناطق العراقية الأخرى وأحزابها السياسية. لماذا أنعقدت الأحزاب الثلاثة المذكورة لقاءاتها في عنكاوه وليس في تل محمد أو دوره في بغداد أو في الناصرية أو البصرة؟ . أليس الإقليم هو آشور الذي نتغنى به ليل نهار؟ وحتى للذين ينفخون في قربة فارغة في تحرير آشور وهم قابعون في بيوتهم الدافئة في المهجر أليس من المفروض أن يعملوا من أرض آشور وإنتزاع حريته من الأحزاب المسيطرة عليه.
هنا نؤكد تأكيداً قاطعاً بأن إستقلالية زوعا أو أي حزب من أحزابنا السياسية وتمسكه بالفكر الإستراتيجي يجب أن لا يمنعه من أن يمارس السياسة التكتيكية التي حتما لا تتعارض مع إستراتيجيه في خدمة أبناء شعبنا في الوطن أو في تحالفه تكتيكياً مع الأحزاب السياسية الأخرى لأبناء شعبنا، وتجربة إنضمام زوعا إلى الجبهة الكوردستانية في بداية التسعينيات والتي كانت تضم أحزاب عراقية مختلفة من جوانب سياسية قومية ودينية وإجتماعية وثقافية قد تكون لزوعا نموذجا للعمل السياسي والجبهوي مع أحزابنا السياسية الأخرى، مثل (ﮔبًا) والمجلس، رغم جلوسهم تحت مظلة البارتي إلا أن هناك عوامل مشجعة ومشتركة من قومية ودينية وإجتماعية وثقافية تسهل الأمر أكثر بكثير من العمل مع الأحزاب الأخرى المختلفة عن زوعا من هذه الجوانب، خاصة عندما نلمس ونشاهد الكثير من نشاطات (ﮔبًا) والمجلس لها جوانب قومية تثير إهتمام أبناء شعبنا ويحسب لها حساب على الساحة السياسة القومية في الإقليم.   

المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري (المجلس):
لا نكشف سراً في القول بأن المجلس تأسس بمبادرة أو برعاية السيد سركيس أغاجان، وزير المالية الأسبق في مجلس وزراء الإقليم السابق وكادر متقدم في البارتي. ليس هناك في كل العالم وتحديدا في مجال الأحزاب السياسية أن يقوم كادر متقدم في حزب ما بتأسيس حزب أو تنظيم أو تكتل إلا أن يكون سائراً في دائرة الحزب الذي ينتمي إليه هذا الكادر المتقدم وقد يستخدمه كأداة لتحقيق بعض سياسات حزبه. ولو تابعنا المجلس خاصة في بداية تأسيسه نرى بأنه تأسس كتجمع أو تكتل أكثر بكثير من أن يكون مجلس منتظم أو حزب سياسي. ومؤتمراته لم تكن تعدو أكثر من مهرجانات خطابية. والأنكى من هذا وذاك هو مؤتمره الذي تحول فيه إلى حزب سياسي ثم إختفاء هذا الحزب والرجوع إلى المجلس، والذي كان يدل على ضحالة أو البساطة في فهم ثقافة التنظيمات السياسية والحزبية. وليس شك في الأمر بأن البارتي أسس المجلس كمنافس أو تحدي لزوعا، في الوقت الذي كان هناك (ﮔبًا) متواجد على الساحة السياسية لشعبنا في الإقليم يقوم تقريباً بنفس الدور، مما يعكس بأن هناك نوع من التيارات أو توجهات متباينة في البارتي نفسه وهذا أمر طبيعي في الكثير من الأحزاب السياسية التي تتواجد فيها تيارات وأجنحة مختلفة، وذلك بمسعى خلق أداة لتحقيق توجهات البارتي السياسية والفكرية تجاه شعبنا. فدخول المجلس و(ﮔبًا) بقوائم مستقلة في الإنتخابات البرلمانية الأخيرة لهو دليل قاطع على هذه التباينات والتوجهات تجاه شعبنا. ويظهر بأن تحالف (ﮔبًا) مع بعض الكيانات المصنوعة من قبل البارتي ضمنت لتحالفه ثلاث مقاعد في البرلمان الإقليمي في الوقت الذي حصل المجلس على كرسي واحد مما يعكس  قوة ونفوذ الجناح الأقرب لـ (ﮔبًا) في البارتي على الجناح الآخر الأقرب للمجلس.

الأهم في المشتركات وليس في الإختلافات:
على العموم الأمر الذي يهمنا هنا في هذه السطور ليس الإختلافات بين هذه التنظيمات الثلاث بل هو المشتركات القائمة بينهم لأنها هي أس الأساس للإنطلاق نحو تحالف أو توافق على مسائل قومية معينة ومنطقية وقابلة للتطبيق. السياسة لا تعرف المطلق لأن المطلق هو من عالم الخيال في حين السياسة هي واقع موضوعي لا بل ونسبي فيما يتعلق بنجاحها أو فشلها، أي بعبارة أخرى لها جوانبها الإيجابية والسلبية. في وقت سابق ذكرنا بأن التطور  ليس دائماً خطوات إلى الأمام بل التطور هو خطوتان إلى الأمام وخطوة إلى الوراء وقد تختلف عدد هذه الخطوات وطبقاً للظروف المحيطة بالمجتمع. ومن المؤسف له بأنه في كل تاريخ مجتمعنا ينظر معظم أفراده ألى الخطوات السلبية ويتجاهلون الخطوات الإيجابية، وهذا ما نشاهده في هذه الأيام التي تزخر بالتهم والتهجمات والكلام اللاذع والتحقير على حزب ما بمجرد أن خطى خطوة خاطئة أو تعثر في مسألة معينة ومن دون النظر، سواء بجهل أو قصد، إلى الخطوات الأخرى الإيجابية لهذا الحزب أو ذاك.
قادة التنظيمات الثلاث المذكورة يعرفون حق المعرفة بأن ثقة أبناء شعبنا بتنظيماته السياسية والقومية قد أنحسرت كثيرا، إن لم نقل فقدت ولم يعد تثير إهتمامهم مثلما كان في السابق. لعل السبب الرئسي في هذا الوضع قد يكمن في الظروف المأساوية الماحقة التي أحيط بها شعبنا لتضعه قبل كل شيء على مسار البحث عن لقمة العيش وضمان أمنه وسلامته ومستقبل أولاده. ولكن من جانب آخر يجب أن لا "نرش الحبر" في وجة الظروف المأساوية فحسب بل لتنظيماتنا القومية حصة من هذا "اللوم". لقد دلت التجارب السابقة: أولا: فشل وإخفاق جميع التحالفات والتفاهمات بينهم وإنفراط عقدة أي تقارب بينهم. ثانياً: غياب المسعى نحو لقاءات مثمرة بينهم أو تحالفات وسبب معظمها شخصية وتحزبية. ثالثاً: غياب العمل الجبهوي أو الجماعي على المسائل القومية حتى على تلك التي يؤمنون بها ويصرحون بها وبالتالي اللجوء إلى العمل الإنفرادي والتحزبي والذي لم يكن لخواتهه حصة أو ذرة ثقة في أبناء شعبنا، فاللهوت وراء الكراسي البرلمانية والمناصب الحكومية خير مثال على ذلك. وقد لا أكون مخطئاً في القول بأن شعبنا لم يعير أي إهتمام بلقاء التنظيمات الثلاث المذكورة، ولم نسمع أو نقرأ أي تعليق بخصوص اللقائين خاصة في الخبر الذي نشر وفيه تعابير عمومية وفقرات سياسية فضفاضة سئم شعبنا منها وملً من سماعها لأن بالنسبة له لا تعدو أن تكون غير "حجي جرايد" كما يقال. لا بل وحتى حجم صور اللقائين كان أكثر بكثير من سطور الخبر، وهي الحالة التي نشاهدها في معظم اللقاءات والإجتماعات التي تقوم بها تنظيماتنا القومية بنشر صور كثيرة، متشابهه ومتكررة، عن الحدث حتى ولو كان خبر هذا الحدث متكون من بضعة سطور، فهذا تعبير سيكولوجي لتضخيم الحدث وتعميق أهميته الذي يبقى محصوراً بين جدران القاعة أو الغرفة أو المكتب عاجز عن الخروج والولوج في عقول أبناء شعبنا.
وأخيرا:
مهما يكن، فالحياة، خاصة في مجال العمل السياسي والقومي ليس كله "عسل على الزبد" وليس كله خطوات إيجابية مطلقة أو سلبية مطلقة. فكما قلنا الإطلاق عالم من الخيال بعيد عن السياسة التي تجمع بين الخطوات الإيجابية والسلبية وعلينا نحن كقومية صغيرة تعصف بها الرياح الصفراء من كل جهة علينا التركيز والإهتمام بالخطوات الإيجابية في الوضع الراهن مهما كانت هذه الخطوات صغيرة وبسيطة لكن يمكن، لو كان قادة أحزابنا عقلاء ومنطقين، أن تأخذها كمنطلق لخطوات إيجابية أخرى قد تعيد ثقة أبناء شعبنا بأحزابه السياسية. من هذا المنطلق نرى بأن اللقائين بين التنظيمات الثلاث المذكورة خطوة شكلية بسيطة يمكن الإعتماد عليها للإنطلاق نحو خطوات أخرى وهذه المهمة يجب أن لا تنتهي بإنتهاء الإجتماع بل من الضروري أن يكون لها تواصل وإستمرار وبإجتماعات أخرى أكثر منطقية وبعيدة عن المجاملات والشكليات والصور والسعي لتحقيق المشتركات الممكنة بينهم وتجنب الركض وراء الأماني غير الممكنة في الوقت الراهن. لذا أقترح في هذا السياق عقد لقاء.. لقاء بين قادة التنظيمات الثلاث السيد يونادم كنا والسيد روميو حيكاري والسيد جميل زيتو حتى ولو كان على طاولة "ستكان جاي" لعل يتناثر من هذا اللقاء بعض ذرات الثقة يشم منها أبناء شعبنا رائحتها في بإمكانية تحقيق بعض الإنجازات حتى ولو كانت بسيطة، وقد يفتح مثل هذا اللقاء الباب مشرعاً أمام غيرهم من تنظيمات وأحزاب شعبنا للمشاركة في مثل هذه اللقاءات.
مهلاً ... مهلاً... قد يقول أحد القراء الكرام كيف لزوعا المستقل قومياً وتنظيمياً أن يعمل مع (ﮔبًا) والمجلس وهما جالسون تحت مظلة البارتي ولا يحاول العمل مع أحزابنا المستقلة الأخرى؟؟؟ فالجواب نجده في الواقع المعايش، فزوعا حاول العمل مع هذه الأحزاب المستقلة ولكن المصالح الشخصية كانت السيف البتار في القضاء على أي محاولة عمل معها ولا يمكن إزالة هذه المصالح إلا بإزالة الشخص المعني. أما العمل مع الأحزاب الأخرى فعامل الإختلاف أو الخلاف يكمن في المسائل السياسية والتي قد تخضع للمناقشة والأخذ والعطاء وقد تصل إلى نتيجة ما. من هنا رأينا بأن اللقاء الثلاثي المذكور قد يتبرعم ويعطي ثمار خاصة ولهم ممثلين في برلمان الإقليم.
     






19
الدستور العراقي والديموقراطية والدُب والقبقاب
=================================
أبرم شبيرا
الدب والقبقاب:
---------

الدبُ والقبقاب مثل عند الآشوريين يضرب للحالات المتناقضة التي لا يمكن أن تتفق أو تتطابق، كما هو الحال مع إرتداء الدبُ للقبقاب الذي يجعل أمر  مشي أو ركض الدب مستحيلاً.  ولا أدري فيما إذا أستخدم غير الآشوريين هذا المثل لتفسير الحالات المتناقضة وصعبة الإتفاق والتطابق.

المضمون اللغوي للدستور:
---------------

عندما تفتقر لغة قومية معينة مصطلح من المصطلحات، السياسية أو القانونية، وهو الأمر الذي يعنينا في هذه السطور، أو لا تمارس مضمونه فهذا يعني بأن هذه القومية ليس لها ممارسات على أرض الواقع لمضمون هذا المصطلح. فلو أخذنا نحن الآشوريين نرى بأن مصطلحات مثل (لويا) والذي يعني (رفيق في حزب) أو (لومادا) والذي يعني (مؤتمر) أو (أويوتا) ويعني (تحالف حزبي) وغيرها كثر، هي مصطلحات جديدة لم تكن موجودة أو بالأحرى لم تكن متداولة أو معروفة للناس سابقاً بل جاءت كنتيجة أو تولدت من جراء الممارسات السياسية والحزبية فشاع إستخدامها بين الناس خاصة الحزبيين منهم. ففي اللغة العربية لا نجد مصطلح "الدستور"، لأنه فعلاً لم يكن لمضمونه ممارسات على أرض الواقع، فهو في الأصل كلمة معربة من اللغة الفارسية ومركبة من "دست" والتي تنعي القاعدة أو الأساس و "ور" ويعني صاحب، لتعطي معنى صاحب القاعدة أو مرجع الأساس، وهي كلمة فعلا تعكس مضمونها المعروف في الدستور نفسه. وقد حاولت المجاميع العلمية واللغوية العربية إيجاد كلمة بدلا من الدستور المعربة من الفارسية فلم تجد كلمة واحدة لتعطي نفس المعنى فلجأت إلى كلمة مركبة مثل "القانون الأساسي" أو "القانون الأعلى". وهذا يعكس عن عجز اللغة العربية عن مواصلة ركب التطور الحضاري وإيجاد مصطلحات تعكس مضامينها. ولو حاولنا مقارنة اللغة العربية باللغة الإنكليزية نرى بأن هذه الأخيرة لها حيوية مفعمة بالتطور ومواكبة العصر في إيجاد مصطلحات لممارسات واقعية وأحداث جديدة ومستجدة، وأخرها كان ظهور كلمة (البريكست – Brexit) والتي خلقت من دمج الكلمتيين (British Exit) أي خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي، وبهذا أصبح هذا المصطلح (البريكست)  يستخدم في اللغة الإنكليزية لخروج أي عضو من منظمة منتمي إليها، فدخل هذا المصطلح قاموس اللغة الإنكليزية. والحال هكذا بالنسبة للدستور(Constitution) في اللغة الإنكليزية والمتأتي من فعل (Constitute) والذي  هو فعل يُعين أو ينصب أو ينشئ مؤسسة أو يسن او يشكل، وعلى هذا الأساس جاء مصطلح (Constitution )، أي الدستور.

دساتير بلدان العالم الثالث:
-----------------

بمراجعة سريعة لدساتير معظم دول الشرق الأوسط وخاصة الشمولية منها، يكشف المرء بأنها دساتير مثالية نوعا ما تضم مواد وفصول للحريات وحقوق الإنسان وتداول السلطة والانتخابات وبطرق سلمية وديموقراطية. لكنها في واقع الحال ومن حيث الممارسة هي بعيدة جدا عن هذه المفاهيم. فالعناوين هي ذاتها لكن التفاصيل متعارضة جدا وأمر تطبيقها على أرض الواقع متناقض تماماً معها. ولعلنا نتذكر الدستور العراقي المؤقت أو مشروع الدستور الدائم الذي تمت مناقشته أشهر طويلة بعد طرد النظام البعثي من الكويت، والذي احتوى في حينها على مواد أساسية تتعلق بحرية التعبير والمظاهرات والانتخابات وتداول السلطة وتشكيل الأحزاب والجمعيات، وهكذا الحال مع الدستور السوري والمصري واليمني وغيرها، حيث تركز جميعها على النظام الديمقراطي وعلى حرية الفرد وحقوق الإنسان وتداول السلطة بطرق سليمة وديموقراطية وضمان حقوق جميع المواطنين من دون أية تفرقة بين أبناء الشعب الواحد. ولكن من جهة أخرى نرى بأن هذه الدول هي من أقسى دول العالم في تعاملها مع مواطنيها، بل ارتكبت بعضها أبشع أنواع الجرائم بحقهم، ولم تمنعها تلك الدساتير من اقتراف كوارث مروعة بحق شعوبها، فواقع الحال في العراق يشهد على ذلك رغم تسطير الكلمات مثل الديموقراطية والحريات في الدستور.
الديموقراطية بين الفكر والممارسة
--------------------

طبعاً عندما نذكر الديموقراطية ليس بمفهومها الفلسفي والسياسي كما هو في الفكر السياسي أو المطبق في بريطانيا وبعض الدول الغربية وإنما أذكرها كمثال ليس من باب المقارنة والتشبيه بمفهوم الديموقراطية في بلدان الشرق الأوسط ومنها العراق، فهذا حرام، فشتان بين الأثنين، وإنما أعرضها لكي نفهم المعنى الحقيقي للديموقراطية وكيفية ممارستها ونحن نتغنى بها ليل نهار. ففي العراق وحتى في معظم الدول العربية، فالحكام الحاليين لم يرثوا من الماضي أية نوع من الديموقراطية أو أفكار وممارسات متعلقة بها، بل كل ما ورثوه هو الإستبداد والظلم والتعالي على الآخرين، وهي الأساليب التي ترسخت في عقولهم وأنعكست على ممارساتهم السياسية على أرض الواقع، ولا أجني على التاريخ عندما أقول بأنهم ورثوا الإستبداد السياسي والفكري من الدول الإسلامية التي قامت في المنطقة وتحديدا الدولة العثمانية التي لم تكتفي بظلمها ومحاولة إفناء المسيحيين فحسب بل تطاولت في غيها حتى على مسلميها من الشيعة. فالقصد بالديموقراطية هنا ليس حكم الأكثرية فحسب، بل هي نظام إجتماعي في المقام الأول ينظر إلى الآخرين بنظرة قبول المختلف وضمان حقوقه. ومثل هذه الديموقراطية ليست  وليدة اللحظة وتسطيرها على الأوراق والقوانين وكتابة الدستور بل هي نتاج تطور حضاري وفكري وعبر قرون طويلة وتواصل تدريجي تاريخي لمراحل تطور المجتمع نفسه، وهي المراحل التي لم تمر بها بلدان الشرق الأوسط وتحديداً العراق منها. فالظروف الموضوعية وحتى بعض المفاهيم الدينية لهذه البلدان خلقت عقلية مختلفة كلياً عن مفهوم الديموقراطية التي تُعرف وتمارس في هذا العصر، وتحديداً الظروف الجغرافية وطبيعة الإنتاج الزراعي والرعوي ثم الريعي لهذه البلدان، خاصة بعد إكتشاف النفط الذي يعتبر ملك الحكام سواء بشكل مباشر إو غير مباشر وعن طريق مؤسسات حكومية يهمنون عليها والتي لا يمكن التنازل عنها لأنها ممتلكات خاصة بهم. وهي الظروف التي درسها كارل ماركس في القرن التاسع عشر عندما طرح مفهوم الإستبداد الشرقي لفهم التطورات الحاصلة في هذه المجتمعات وطبيعة نظام الحكم فيها مؤكداً بأنه بسبب كون الثروة الوطنية للبلد ملكاً خاصاً للحكام فإن أمر التنازل عن السلطة لا يعني إلا تنازلا عن ملكهم الخاص، أي الثروة الوطنية. ثم جاء بعض المفكرين العرب لتلطيف هذا المفهوم وتأويله ثم تأطيره بمفهوم "الحاكم العادل المستبد" الذي يسود في بعض الأنظمة العربية والإسلامية، خاصة الأنظمة الملكية، والذي يبدو هو النظام الأصلح والأنفع للدول العربية وبعض الدول الإسلامية.
في دراسة نشرتها مجلة (الإكونومست – The Economist) بعددها الصادر في شهر حزيران 1997 تحت عنوان (الحكم العربي الأوتوقراطي (الفردي) إلى الأبد – Arab Autocracy For Ever) تطرقت إلى أنظمة الحكم في البلدان العربية التي تدعي بالديموقراطية حيث ذكرت بأن معدل بقاء الحاكم في الحكم هو 22 سنة ولا يوجود حاكم عربي سابق على قيد الحياة، (طبعاً بإستثناء لبنان، واخيرا بعد ما يسمى بـ "الربيع العربي" ظهرت أستثناءات في مصر وتونس). فالتاريخ السياسي للدول العربية، بإستثناء دول ذات النظم الملكية، لم يسجل موت حاكم عربي موتاً طبيعياً وهو في السلطة غير أنه قتل في إنقلاب عسكري أو نفي خارج البلد. وتُرجع الدراسة أسباب هذا الحكم الفردي غير الديموقراطي إلى عدة أسباب منها إفتقار هذه الدول إلى المؤسسات الديموقراطية الحقيقية، شكلاً وممارسة، وإلى إعتماد الدين الإسلامي مصدراً للتشريع والممارسات السياسية والذي يعتبر المصدر الحقيقي لشرعية الحكومة والنظام السياسي وقوانينه والذي لا يقبل النقاش والجدل. فالأنتخابات الشكلية التي تجري في هذه البلدان ما هي إلا غطاء للحكم الفردي والدكتاتوري في هذه البلدان. لقد دلت التجارب السابقة بأنه إذا رشح رئيس الدولة أو رئيس الوزراء نفسه للإنتخابات فالفوز له محتوما وبنسبة تزيد عن 95%، فإذا لم يكن الفوز له فمن المؤكد سيكون للحزب الحاكم الذي ينتمي إليه، وحتى إذا لم تكن الأصوات المقترعة لصالحه فأنه سيلجـأ إلى شتى الوسائل للوصول إلى كرسي الحكم. وهناك تجارب سابقة في هذا السياق. وتفسير معمر القذافي للديموقراطية في قوله بأنها مصطلح عربي يتكون من مقطعين (ديمو) و (كراسي) أي إستمرار جلوس الحاكم على كرسي الحكم مدى الحياة، وهو نموذج واضح لديموقراطية العرب وبعض الدول اإلإسلامية. وقد يأتي تعديل بعض فقرات دستور الدولة لضمان بقاء الحاكم في السلطة نموذج لديمومة كراسي الحكم، كما كان الحال مع تعديل دستور سوريا وباسل الأسد وتعديل دستور مصر وعبد الفتاح السيسي وتعديل دستور تركيا مع أردوكان.

هذا النوع من الحكم مستمد من الحقائق والوقائع للدول التي تدعي بالديموقراطية ودساتيرها لا تخلو من الإشارة إلى كون حكمها ديموقراطي ولكن في الحقيقة والواقع والممارسة هي أنظمة إستبدادية وبعيدة كل البعد عنها، والنظام السياسي في العراق مثال حي وصارخ على هذا التناقض لأن المحاصصة الطائفية ومفهوم "الديموقراطية التوافقية" وغياب المعارضة البناءة الفاعلة والإستبداد الفكري تجاه المختلف والتجني على حقوق الأقليات كلها عناصر متناقضة تماماً مع مفهوم الديموقراطية. ففي العراق برلمان قائم على أسس طائفية واضحة وتحصيص المناصب العليا كرئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء ورئيس البرلمان مخصصة طائفياً والحال أيضا مع المناصب الوزارية وحتى العسكرية لا بل وحتى الأحزاب السياسية والميليشيات  كلها تقوم على أسس طائفية لم تخصص أو تعين وفق الدستور بل وفق السياقات السياسية التي لها العلوية السياسية وفوق الدستور والقوانين وبعيدة عن العدالة الإجتماعية. إذن ضمن هذا النظام الطائفي المحجوز مراكزه المهمة لبعض الطوائف المهيمنة ما الذي تستطيع، على سبيل المثال الأقليات المسيحية ومنها شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري"، أن تفعل وتحقق ولو جزء ضئيل من طموحاتها رغم وجود كوتا مخصصة لهم والذي هو الآخر مخترق ومسلوب من قبل الكبار. فإذا كانت الغالبية العظمى، أكرر الغالبية العظمى وليس الجميع، في البرلمان لا يؤمنون ولا يعملون وفق الأسس الديموقراطية وينفون فعلياً وواقعياً الآخر المختلف فما الذي ننتظره من "ممثلي" شعبنا في البرلمان والمجالس الحكومية والمحلية أن يعملوا في هذه الأجواء المظلمة. يقال بأن الواعي بالأمور يكون محصناً من المفاجاة والحالات الطارئة فيكون متيقضاً تجاها للرد المناسب عليها. ولكن لا أدري هل أن "ممثلي" أمتنا في البرلمان غير واعين بالفكر الإستبدادي الذي يتعشش في عقول معظم أعضاء البرلمان ورجال الحكم في العراق، فنراهم يتفاجئون "ممثلي" شعبنا عندما تصدر السلطات تشريع مجحف بحق شعبنا أو تواجه طلباتهم بالرفض أو الإنكار من قبل هؤلاء؟؟؟
دستور جمهورية العراق لعام 2005
-----------------------

يذكر الدستور العراقي الدائم، الذي صوت عليه من قبل البرلمان العراقي في 15 تشرين الثاني  من  عام 2005 في الباب الأول (المبادئ الأساسية) على مايلي:
المادة (2):
اولاً ـ الاسـلام دين الدولــة الرسمي، وهـو مصدر أســاس للتشريع:
أ ـ لايجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت احكام الاسلام.
ب ـ لايجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية.
ج ـ لايجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الاساسية الواردة في هذا الدستور
ثانياً ـ يضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية الاسلامية لغالبية الشعب العراقي، كما و يضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الافراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية كالمسيحيين والآيزديين والصابئة والمندائيين.
ثم المادة (14) والتي تقول:
"العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الإقتصادي أو الإجتماعي".
هنا في هذه الفقرات فقط، وغيرها كثر، هي بالضبط كالدب والقبقاب. لأن أبسط مطلع محايد وموضوعي وعلمي في القانون الدستوري سيجد التناقض الصارخ بين هذه المواد والفقرات. لا أدري رغم ضحالة معرفتي بالقانون الدستوري كيف سيتساوى جميع أبناء الشعب العراقي، وهم على ديانات متعددة ومختلفة، إذا كان الإسلام دين الدولة الرسمي ولايمكن سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام في الوقت الذي نعرف بأن "ثوابت أحكام الإسلام" مفهوم مطاطي واسع خاضع لتفاسير رجال الدين الإسلامي في كبح أي قانون أو تشريع يخص غير المسلمين بحجة بأنه يتعارض مع أحكام الإسلام؟. وهناك ملاحظة تسترعي الإنتباه إليها تتمثل في علم دولة العراق الحالي. فمن المعروف بأن نظام البعث وضع على العلم العراقي ثلاثة نجوم تمثل أهدافه الثلاث في "الوحدة والحرية والإشتراكية" ثم أثناء إحتلال الكويت وحرب الخليج الأولى وضع بين النجوم دعاء "الله أكبر". وبعد سقوط النظام في عام 2003 وما لحقه من تطورات والبحث عن هوية جديد للنظام العراقي ورموزها، دارت نقاشات حادة بين القوى الفاعلة على الساحة السياسية عن إيجاد علم عراقي جديد يعكس الهوية الجديدة للنظام فلم يوفقوا أو يتفقوا على نوع وشكل العلم الجديد غير الإبقاء على العلم كما هو مع حذف النجوم الثلاث وأبقاء دعاء "الله أكبر" كرمز لإسلامية الدولة العراقية رغم أنهم كانوا يعرفون باليقين بأن صدام حسين كتبها على العلم العراقي رياءاً ونفاقاً داعياً إلى كونه دولة مسلمة تحارب الكفار والصليبيين، كما كانت تفعل الدولة الإسلامية أثناء الفتوحات ومحاربة أعدائها.

أن الخلط بين الدولة الحديثة والديموقراطية مع الدين أمر يستحيل التوافق والتطابق لأن مفهوم الدولة الحديثة يختلف كلياً عن الدين، فهما عالمان مختلفان: موضوعي واقعي سياسي و روحي إخلاقي إيماني. أن أكبر أنجاز تاريخي حققه الجماعات الإسلامية ومن ثم الأخوان المسلمين هو  تأثيرهم على صناع القرار السياسي ونجاحهم في تثبيت مفهوم "الإسلام دين ودولة”، في معظم دساتير الدول العربية التي تأسست منذ بداية القرن الماضي. والمفاهيم مثل "الإسلام دين الدولة الرسمي" و "الإسلام مصدر التشريع” وعدم جواز سن قوانين تتعارض مع أحكام الإسلام وغيرها هي نتائج مفهوم "الإسىلام دين ودولة". فعلى الرغم من أن هناك إختلاف وتعارض بين الفقهاء المسلمين في تفسير مفهوم "الإسلام دين ودولة" إلا أن الغلبة دئماً هي للذين يؤيدون ويبررون بالقرآن والسنة بأن الإسلام هو دين ودولة ولا يمكن الفصل بينها، وهذا ما نجده في معظم دساتير الدول العربية عندما يؤكدون على أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي وهوم مصدر كل التشريعات، ومنها طبعاً معظم دساتير العراق منذ تأسيسه كدولة وحتى اليوم.

ولو حاولنا طبقا لمناهج علم الإجتماع السياسي عقد مقارنة بين الدولة والدين نرى بأن الدولة هي كيان من صنع البشر أبتدعته المجتمعات الإنسانية لغرض تظيم أمور الناس وضبط نزاعاتهم وتحقيق مصالحهم وتمثيلهم، أي وظيفتها إجتماعية سياسية في ضمان الأمن وتوفير العيش اللائق وتحقيق المصلحة العامة وإشباع حاجات الناس المادية وحماية المجتمع وكيان الدولة. وطبقاً للفكر السياسي بأن الدولة هي موضوع إتفاق بين أفراد المجتمع يقوم على قاعدة التنازل المتبادل بينهم لتحقيق المصلحة العامة المشتركة، وهي القاعدة التي تقول بأن الدولة هي "عقد إجتماعي". أما الدين فهو مطلق وليس موضوع إتفاق وتراضي وتنازلات بين الناس بل هو من اليقينيات والمبادئ الإيمانية السماوية يسعى إلى خدمة مبدأ سامي ديني وإخلاقي يقوم على علاقة روحية إيمانية بين الإنسان وخالقه، وهي المسائل التي ليس للدولة دخلاً أو علاقة بها إلا بقدر مسؤوليتها في حماية حق الناس في ممارسة دينهم والتي هي حصراً من حقوق الفرد في الدولة الديموقراطية، في حين أن الدولة تقوم على علاقة بين الفرد والحاكم، بين الحاكم والمحكوم، ووفق قوانين موضوعية من صنع البشر وليست من مصادر مقدسة وإلهية كما هو الحال مع الدين. فعندما تقر الدولة في دستورها بأن الإسلام هو دين الدولة وأنه مصدر التشريعات وتعمل بموجبه فإن هذا يعني بأن جميع مواطنيها هم على الدين الإسلامي رغم إقرارها بحقوق الإخرين أو بديانتهم وهو الأمر الذي يضعها في تناقض صارخ. فمعظم علماء الإجتماعي السياسي يقرون بأن الدين ليس من مقومات الدولة الحديثة طالما لا توجد دولة معاصرة إلا وشعبها يدين بأديان متعددة ومختلفة، كما هو الحال في العراق.

الدولة الحديثة والمواطنة:
---------------

أسس الأساس للدولة الحديثة هو المواطنة، والتي هي رزمة من الحقوق والواجبات لكل أفراد المجتمع دون تفرقة أو تمييز. فبدون مواطنة حقيقة لا وجود للدولة بل الأصح لا وجود إستقرار فيها ولا أشباع حاجات ومتطلبات أفراد المجتمع المعروفة في هذا العصر، فلا مواطنة حقيقية إذا تمتع مجموعة معينة من الأفراد بإمتيازات خاصة وحقوق مختلفة عن الآخرين. وعندما تقر الدولة وتحصر نظامها السياسي بدين معين، فهذا يعني بأن المواطنة هي حصراً على مؤمني هذا الدين ويبقى غيرهم خارج إطار المواطنة، وهي الحالة التي تسود في العراق وتخلق شعوراً وإحساساً لغير المسلمين بأنهم محرومين من صفة المواطنة خاصة عندما تشرع قوانين مهينة لهم ولتراثهم وتقاليدهم ومعتقداتهم، وهناك قوانين في العراق بهذا الخصوص. ولكن حتى ربط الدولة بالدين الإسلامي في العراق لم يسعف هذا الربط كافة مسلمي شعب العراق، لأن الحقائق السائدة هي أن القوى والأحزاب الشيعية هي المهيمنة على الدولة، أي بعبارة أخرى إن الطوائف الإسلامية الأخرى، كالسنة، بقوا خارج أطار هذا الربط ومنافعه، فكيف الحالة مع غير المسلمين؟. لا بل وحتى بالنسبة للشيعة فقد تم حصر هذه المنافع بزمرة معينة بعيدة عن غالبية أبناء الشيعة في العراق، والحراك الشعبي الواسع في المحافظات الجنوبية والوسطى الشيعية لهو دليل على ذلك. أن التفسير النظري لهذه الحالة لها تطبيقات واضحة تتمثل في الخط البياني التنازلي للشعارات والممارسات الخاصة بالقوى الفاعلة والمهيمنة في الدولة. فبمجرد أن تستلم السلطة وتهمن على مفاصل الدولة تكون الوطنية والتحرر والإستقلال من شعاراتها البراقة ثم بعد رسوخ هيمنها يبدأ الخط البياني بالنزول نحو حزب أو طائفة ليكون الكل في الكل ثم سرعان ما يتقلص هذا الحزب أو الطائفة في زمرة معينة وقوية ثم في عشيرة أو نخبة وهكذا حتى إلى عائلة مهيمنة فعلاً على مقدرات الدولة لتصل إلى فرد يصبح دكتاتور الدولة، هكذا كان الحال مع البعث وفي عهد صدام حسين وهكذا هو الحال في العراق الحالي حيث لم يعد كل أبناء الشيعة مستفدين من سيطرة أحزاب وزمر شيعة على السلطة بل أنحصرت المنافع في فئة قليلة للتحول إلى دكتاتور للبلد، ونأمل من الحراك الشعبي، الذي غالبيته من أبناء الشيعة، أن يصد هذا المسار ويحوله نحو المواطنة الحقيقية لكل العراقيين ومن دون أي تمييز، ترى هل يستطيع هذا الحراك الشعبي أن ينزع القبقاب من الدب ويقلم أظافره؟؟   

ولو حاولنا تجنب واقع العراق المتعدد الديانات والحضارات والثقافات نحو الدول العربية التي جميع سكانها من المسلمين العرب، أي ليس لها تنوع ديني وأثني، نرى بأن دساتير هذه الدول تجمع بين الدولة والدين الإسلامي ولكن تحقق نوع من الإستقرار في المواطنة شكلا ومضموناً لأن دينها يتطابق مع دولتها وبالتالي تنتج وتحقق نسبة عالية من السعادة والرفاهية لشعبنا. ودولة الإمارات العربية المتحدة نموذج في هذا السياق، دولة لها وزارة السعادة ووزارة التسامح شكلتا لغرض سعادة ورفاهية شعبها رغم أن دستورها في المادة (7) تقر بأن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع، وهي القاعدة السمحاء لتشريع قوانين وأنظمة لصالح غير مواطنيها المقيمين فيها وتحقق أيضا السعادة والرفاهية لهم، وواقع الحال يشهد على ما نقوله.



20

"الكلدان السريان الآشوريون"
 هل ستنقرض أمتنا بأنقراض لغتنا القومية؟؟
===========================
أبرم شبيرا
مدخل أولي:
========
هذا الموضوع، وتحديدا، اللغة والقومية، أمر يتلطبه مجلدات ضخمة لأعطاء شيئاً من حقه الموضوعي والتاريخي لكونه مسألة حساسة في حياة أمتنا "الكلدنية السريانية الآشورية"، خاصة في هذا العصر الغادر الذي جعل عدد أبناء أمتنا في بلدان المهجر أكثر بكثير من عددهم في وطن الأم ليضيف بذلك أستثناءا آخر على الإستثناءات التي تكتنف وجود أمتنا طيلة تاريخها الغابر. قد يجادلني أحد القراء فيقول: لماذا هذا الإستثناء حصرا بأمتنا، فاللبنانيون عددهم أكثر من أربعة عشر مليون يعيشون في المهجر فهو أكثر بكثير من الموجودين في لبنان. هذا صحيح ولكن الإستثناء هنا هو أن لللبنانيين دولة ووطن بأسمهم، لبنان. أما نحن فشعبنا ليس له دولة أو وطن بأسمه. فإنصهار آلاف اللبنانيين وضياعهم في مجتمعات المهجر لا يعني ضياع وإختفاء الهوية اللبنانية طالما لبنان كأرض ووطن وإطار سياسي وقانوني لهم لا يختفي ولا يزول ولا ينقرض. والحال نفسه بالنسبة للبولونيين واليونانيين والإيطاليين وغيرهم من القوميات في الولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال لا الحصر. فإن إنصهار الملايين منهم في المجتمع الأمريكي وتلاشي لغتهم من ألسنتهم وبيوتهم لا يعني ضياع وتلاشي اللغة أو القومية البولونية واليونانية والإيطالية طالما لهم أرض ودولة بأسمهم تشكل الإطار والأساس القانوني والسياسي لإستمرار وحماية اللغة والقومية البولونية واليونانية والإيطالية. أما وضعنا، فالحال يختلف كلياً، فبسبب عدم وجود لنا مثل هذا الإطار القانوني والسياسي الرسمي بأسم أمتنا ومعروفاً فعلياً ورسمياً للعالم يجعل أمر ضياع وإنصهار بعضة مئات من أبناء أمتنا في مجمتعات المهجر مسألة حساسة وخطيرة في تقرير مصير وجودنا على الكرة الأرضية خاصة وأن وتائر الهجرة متصاعدة تصاعداً دراماتيكياً. وقد يبدو بأن طرح مسألة اللغة والقومية هو من المواضيع "الكلاسيكية" المتوارثة من عصر نهضة القوميات في القرنين الماضين وأصبح من مقتنيات الماضي في هذا العصر الذي أرتكن على كف عفريت يتحكم فيه التطور التكنولوجي الهائل في وسائل الإتصال والتواصل الإجتماعي المذهلة جاعلاً من هذا العالم الواسع بقومياتهم المختلفة والمتعددة مجردة بناية بعدة طوابق ونحن مجرد حجر صغير جداً في جدرانها لا أثر أو موقع أو تأثير على هذه الجدران، ولكن مع هذا فأن للغتنا القومية أهمية حاسمة وخطيرة في الأبقاء على هذا الحجر وإستمراره نحو الآفاق المستقبلية. 

عوامل في نشوء ووجود القومية:
================= 
لا أحد، من المختصيين أو غيرهم، يجرأ ويقول بأن اللغة ليست مكوناً أساسياً في وجود أية قومية، لا بل الكثير منهم يذهبون أبعد ويقولون بأن موت لغة أية قومية معناه موت هذه القومية وإنقراضها. فهل فعلاً اللغة لها أهمية قصوى في وجود الأمة وبقاءها وإستمرارها؟ فالجواب قطعاً وجزماً هو بـ "نعم". وبالمقابل، لا أحد من المختصيين أو غيرهم يجرأ ويقول بأن اللغة وحدها... أكرر وأقول وحدها... هي المقوم الوحيد للقومية، فبهذا المعنى نتسائل هل اللغة هي العامل أو المقوم الوحيد في وجود القومية؟ فالجواب قطعاً وجزماً هو بـ "لا". وبعبارة أخرى نقول بأن أهمية اللغة تأتي في كونها المقوم الأساسي وليس الوحيد في وجود القومية. لقد أستقر الفكر السياسي الكلاسيكي على عدد من المقومات في وجود القومية وتعريفها، منها اللغة والتاريخ والثقافة والتراث والأرض والأماني المشتركة وحتى الدين والإقتصاد، فتعددت وتنوعت هذه المقومات وتباينت أولوياتها عند المفكرين كل حسب معتقده السياسي والمصلحة العامة لقوميته، أو طبقاً لزمانها ومكانها. إلا أنهم جميعهم تقريباً يضعون اللغة في مقدمتها ويعطون لها أهمية قصوى في وجود القومية، خاصة فلاسفة الألمان، بإستثناء قليل يشذ عن هذه القاعدة بعض المفكرين الفرنسيين، والتي سنأتي على مناقشتهم في السطور القليلة الآتية. وبإختصار شديد، كما سبق وأن ذكرنا في أعلاه بأن هذا الموضوع أصبح من مقتنيات الماضي وقل تأثيره في عصر العولمة بسبب التطور الإنفجاري لتكنولوجيا المعلومات وقدرتها على إختراق التخوم والحواجز القومية وتصاعد عامل الإقتصاد نحو قمة جدول أوليات المصلحة العامة للدول متجاوزاً كل الحدود السياسية وكل الحواجز القومية والثقافات الوطنية. هذا الوضع الإنفجاري جعل بعض الدول، كالدول العربية والإسلامية، العاجزة عن ركوب موجة التطور الإنفجاري أن تخشى وترتعب من العولمة لأن حدودها القومية أصبحت عاجزة عن الصمود أمام هجمة تكنولوجيا المعلومات وأمام العولمة. فإذا كان ماركس ورفاقه قد أكدوا بأن من يملك وسائل الإنتاج هو من يملك أيضا وسائل الحكم والسلطة والتأثير، فإن في عصرنا هذا لم يعد لوسائل الإنتاج التقليدية ذلك التأثير الفعال والحاسم بل أصبحت تكنولوجيا المعلومات والتواصل الإجتماعي هي وسائل الإنتاج الفكري والإعلامي الأكثر فعالية في زمن العولمة والتحكم في شعوب العالم. فمن لا يملك مثل هذه الوسائل ولا هو بقادر على صناعتها أو ركوب موجتها التطورية فلا محال فهو خارج هذا الزمن ولا يجد في هذه الوسائل إلا بعبعاً جاثماً على لغته وقوميته ليبتلعها عاجلا أم آجلاً. فكيف ونحن "الكلدان السريان الآشوريون" قومية صغيرة لا حول لها ولا قوة من هذا التطور الهائل نحو العولمة وأمواج الموت تعصف بنا من كل صوب وحدب ولا أطار سياسي أو قانوني ثابت ومعروف يحمي لغتنا وقوميتنا من هذه الهجمة التكنولوجية الشرسة؟ أمر يستوجبه صفحات طويلة لإزالة مثل هذا الإستفهام ونتركه لفرصة أخرى حتى نبقى في إطار تساؤلنا حول أهمية اللغة في إقرار وجودنا القومي، ونبحثه وبإختصار شديد من خلال بعض المدارس المهمة التي عالجت أهمية اللغة لكل قومية.
 
المدرسة الألمانية:
------------
أبتداءاً أرتبطت هذه المدرسة بالفيلسوف الألماني يوهان غوتليب فيخته (1762 -1814) وإختصاراً (فيخته) الذي أكد وبقوة على عامل اللغة كعامل جوهري وأساسي في تكوين القوميات. فكل قومية بحسب تعريف فيخته لايمكن معرفتها إلا بلغتها، هكذا أكد بأن جميع اللذين يتكلمون اللغة الألمانية هم أبناء القومية الألمانية وأن اللغة والأمة أمران متلازمان لايمكن أن ينفصلا. وعلى أساس هذه الفكرة وغيرها التي تناولها وطورها غيره من فلاسفة الألمان نشأت النازية في ألمانية وأستخدمتها في سياسة إحتلال الدول التي تتكلم الألمانية بأعتبارها جزء من الأمة الألمانية. تناول بعض المفكرين العرب هذه المدرسة في دراساتهم عن القومية وفي مقدمتهم ساطع الحصري (أبو خلدون) 1879 – 1968 والمعروف بـ "فيلسوف القومية العربية، الذي شدد وبشكل قاطع على أهمية اللغة في تكوين القومية غير أنه رغم هذه الأهمية القصوى لللغة عند الحصري فأنه لم يهمل بقية المقومات في تشكيل القومية، منها التاريخ والعادات المشتركة والأرض ولكن مع هذا فهو أعتبر اللغة هي روح الأمة وحياتها وأنها عمودها الفقري وأهم مقوماتها وشخصيتها وإذا فقدت لغتها وبدأت تتكلم بلغة أخرى فأنها تكون قد فقدت حياتها وتلاشت من الوجود. ولكن من جهة أخرى يعطي الحصري للتاريخ أهمية أيضا بإعتباره شعور الأمة وذاكرتها فشخصيتها تعرف بواسطة تاريخها الخاص، فالأمة التي تنسى تاريخها الخاص تكون قد فقدت شعورها ووعيها وهذا الشعور والوعي لا يعود إليها إلا عندما تتذكر تاريخها. ويختصر كلامه في القول بأن اللغة هي بمثابة روح الأمة وحياتها والتاريخ هو بمثابة وعي الأمة وشعورها. وإذا أقتربنا أكثر من زمننا المعاصر نرى بأن حزب البعث العربي الإشتراكي قد تبنى فكر أبو خلدون في أيديولوجيته القومية وغيره من الأحزاب القومية العربية.
 
المدرسة الفرنسية:
-----------
أرتبطت هذه المدرسة بالمؤرخ والكاتب أرنست رينان (1823-1892) الذي دخل في نقاش حاد مع  فلاسفة الألمان، فرفض رفضاً قاطعاً في أعتبار اللغة أساسا لوجود وتعريف القومية. فقد قال بأن الأمم ليست وحدات لغوية بل وحدات روحية وأن المعيار الوحيد والأساسي لوجود الأمة هو مشيئة العيش المشترك بين الناس. فالقومية عنده تعتبر صفة عامة روحية في جوهرها وحالة عقلية تحدد القوميات، فهي الشيء الضروري الوحيد لوجود الأمة. فهذا المبدأ الروحي عند هذه المدرسة يقوم على ماضي بطولي وتجارب مشتركة تؤدي إلى تكوين إرادة مشتركة عامة. صحيح عند أصحاب هذه المدرسة بأن الشعور القومي قد ينشأ نتيجة لوحدة العنصر (الدم) والسلالة وتسهم فيه وحدة اللغة والدين إلى حد كبير وكذلك الحدود الجغرافية (الأرض) ولكن لا يعتبر أيا من هذه العوامل ضرورية أو كافية لوحدة وتكوين الأمة، فالعامل الحاسم هو وجود الشعور القومي مهما كان ضعيفاً، حسب هذه المدرسة.

هاتان المدرستان في عوامل تكوين القوميات هما الأهم والتي سادة وبشكل واسع في الفكر السياسي الكلاسيكي وقد ذكرناها من دون الرجوع إلى المراجع الخاصة بها وذلك سعياً للإختصار وعدم الإسهاب خاصة وهي مدارس تقليدية مضى عليها زمنا طويلاً لم يعد لها آثر فعال كما كانت في مرحلة نشؤء الفكر القومي في القرنين الماضيين. وهناك أيضا مدراس أخرى في هذا الموضوع والتي تعتمد على عوامل أخرى في تكوين القوميات منها المدرسة الشيوعية ورائدها جوزيف ستالين الذي أعتبر الإقتصاد العامل الأكثر أهمية في تكوين الأمم إضافة إلى مدارس فكرية أخرى تعتمد على الأرض والدين في هذه المسألة.

أوليات المقومات القومية في ضوء المصلحة العامة:
=============================
كل النظريات العلمية خاصة في العلوم الإنسانية أو الإجتماعية جاءت ضمن الظروف السياسية والإجتماعية والثقافية والتاريخية الخاصة لكل مجتمع من المجتمعات البشرية وبالتالي فإن تطبيقاتها العملية قد تتحقق لمجتمع معين وقد لا تنطبق على مجتمع آخر. ولكن من جهة أخرى لكون هذه النظريات نتاج الجهد والفكر الإنساني للبشر فإن في حدودها العامة وفي مناهج بحثها وفلسفتها العامة قد تنطبق في جوانب معينة منها على جميع أبناء البشر خاصة عندما تأول وتكيف مع الظروف الخاصة لكل مجتمع، أي فهمها ضمن ظرفها الزماني والمكاني. فنظريات المدرسة الألمانية لم تأتي إلا خدمة لمصالح الأمة الألمانية حيث  جاءت في خضم النزاع الفكري والثقافي وحتى العسكري الذي قام بين ألمانيا وفرنسا على إقليم الألزاس واللورين خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فالأقليم كان تابع لفرنسا ولكن معظم سكانه كان يتكلم اللغة الألمانية، فأعتمد ألمانيا على عنصر اللغة كأساس حاسم ومهم في طلبها لإسترجاع الإقليم وضمه إليها بإعتبار شعب هذا الإقليم جزء من الأمة الألمانية طالما يتكلم اللغة الألمانية. وعلى الطرف الآخر من الصراع أنبرت فرنسا لهذه الفكرة في إعتماد اللغة كأساس لقومية شعب الأقليم فتمسكت بمشية وإرادة شعب الإقليم في إنضمامه إلى فرنسا وليس إلى ألمانيا ومن خلال إستفتاء عام عبر الشعب عن هذه المشيئة لذلك أعتبرتها فرنساً مقوم أساسي في تقرير قومية شعب هذا الإقليم.

أما بالنسبة للعرب وفيلسوفها المعروف أبو خلدون فأنها أعتمدت كلياً على اللغة كمقوم أساسي وجوهري في تحديد وتعريف القومية العربية. ويأتي هذا التمسك باللغة وبأهميتها تمشياً مع الظروف السياسية والإجتماعية التي كانت سائدة في البلاد العربية، حيث أن هذا البلاد مقسم إلى دول مستقلة بحد ذاتها ولم يرى مفكر العرب إلا في اللغة كأساس جامع لشعوب هذه الدول والتي من المفروض أن تتوحد على أساس وحدة اللغة ووحدة الأمة في دولة واحدة. وهو الفكر الذي يتبناه معظم الأحزاب العربية القومية ومنها حزب البعث العربي الإشتراكي. على العموم يمكن التأكيد مرة أخرى في القول بأن الصالح والطالح في أية نظرية بهذا الخصوص يتقرر بمدى منفعتها لهذه القومية أو تلك. ففي عصرنا الحالي هناك قوميات ودول لا تعتمد على اللغة في تقرير وجودها بل على مقومات أخرى كالأرض والأماني أو المصالح المشتركة أو التاريخ، فالأرجنيتي يثور غضباً عندما ينعت بالقومية الإسبانية رغم أنه يتكلم اللغة الإسبانية لأن الأرض والتاريخ الجامع والمصالح المشتركة لكل قاطني أرض الأرجنتين جعلت منهم قومية واحد حسب فهمهم للقومية وتأطرت بإطارها السياسي والقانوني لدولة الأرجنتين. والحال لا يختلف مع غير الأرجنتين. على العموم فإن التطور السياسي وحتى العسكري المقرون بالتطور الفكري جعل الأمر يختلط بين القومية والدولة فوصل أمر الإختلاط والإرتباك حتى إلى منظمة الأمم المتحدة (United Nations) في الوقت الذي نعرفه بأن أعضاءها هم دول وليست أمم أو قوميات. لهذا السبب جعل المقارنة بينهما صعب التميز بين الأثنين لأن في الواقع الفعلي هناك عدد من القوميات يمتلكون لغة قومية خاصة بهم ويشكلون دولة واحدة، وسويسرا مثال تقليدي على ذلك. والعكس صحيح أيضا هناك قومية واحدة مع لغة قومية مشتركة ولكن لا يشكلون دولة واحدة، كما هو الحال مع الدول العربية.

أين لغتنا وقوميتنا من هذه النظريات؟
====================     
مع كل طلاب العلوم السياسية وأساتذتها المختصون في الفكر القومي السياسي، نتفق في القول بأن اللغة تشكل ركن أساسي ومقوم مهم جداً في تكوين القومية ولكن من جهة أخرى ليست اللغة وحدها فقط عامل في تكون الأمم بل إلى جانبها مقومات أخرى كالتاريخ والأرض والأماني المشتركة والعادات والتقاليد الموروثة من الأباء والأجداد، كما سبق الإشارة إليها. فمن الطبيعي إن فقدان أو إنقراض أي من هذه العوامل سوف يزعزع وجود القومية وقد يعرضها إلى الإنقراض فيما إذا أنقرض أكثرية هذه العوامل وخاصة المقوم الأساسي، أي اللغة يبدأ إنقراض الأمة وزوالها من الواقع. كما أن ضعفها أو تناسيها أو إهمالها وعدم ممارستها يضعف وضع الأمة ويضعها على طريق الزوال. فواقعنا الحالي المأساوي  يكشف ضعف تداول لغتنا القومية بين أبناءها خاصة الأجيال المعاصر وتحديدا في بلدان المهجر حيث الأكثرية من أبناء شعبنا يعيش في هذه البدان التي تكون لغة الأكثرية هي السائدة والمستخدمة في الحياة العامة خاصة في التعليم وفي وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي وحتى بين أفراد العائلة، مما يضع أمتنا على حافة الهاوية. كما وأن معظم محاولات تدريس لغتنا القومية لم تعطي إلا نتائج محدودة وسوف يتحكم في مصيرها تقادم الزمن وتطور المجتمع نحو العولمة. وحتى المحاولات الجادة في هذا السياق، كما هو الحال في المدارس السريانية في الوطن والمدارس الآشورية في أستراليا والتي يمكن تقيمها في عصرنا الحالي وبشكل إيجابي ومثمر إلا أنه من الصعب جداً أن نعطي لها تقييم خلال العقود القادمة غير القول بأنه إذا أفترضنا بأن لغتنا القومية سوف تنقرض أو تزول من ألسنة أبناءها خلال عقدين أو أكثر فإن هذه المدارس ستمد وتشحن لغتنا بأكسير الحياة لتدوم وتستمر لأكثر من عقدين وقد تدوم لنصف قرن أو أكثر ولكن لا ضمان ولا روية إيجابية من خلال واقعنا المأساوي من أختفاءها من ألسنة أبناء شعبنا في المستقبل البعيد وإنحسار وجودها في كتب متراصفة على رفوف المكتبات العالمية المختصة، أي بهذا المعنى بأن دور هذه المدارس سيكون في أطالة أمد حياة لغتنا القومية ولا نستطيع التخمين بمصير لغتنا القومية بعد نصف قرن أو أكثر.

ولو نظرنا بحيادية وموضوعية إلى هذا الوضع التشاؤمي للغتنا القومية والمصير المجهول والغامض نصل إلى حقيقة تنطق بواقع يقول بأنه لا يمكن لاي لغة من لغات الأقليات القومية أن تستمر وتدوم نحو آجال أبعد مالم تكون مأطرة ومصانة بإطار سياسي وقانوني، كما سبق والإشارة اليه. فالدولة أو أي كيان سياسي قانوني، لنقل حكم ذاتي، هي الحارس الضامن لللغة القومية. أي بعبارة أخرى، مالم تكون هذه اللغة مسنودة سياسياً ومقننة رسمياً لا حياة لها في المستقبل، وهناك أمثلة كثير في هذا السياق ولعل أشهرها دولة إسرائيل فشعبها كان يتكلم بلغات عديدة في المهجر ولم تترسخ لغتهم العبرية ولم تخرج من إطارها الديني إلى القومي إلا بعد قيام دولة إسرائيل، ولعل من المفيد أن نقارن، وليس التشبيه، حال لغتنا بهذا المثال الإستثنائي. فإذا كان هذا الحال ينطبق على مصير لغتنا القومية في الوطن، فإن الأمر في بلدان المهجر أسوء بكثير لأن كل الأجواء الديموقراطية المتوفرة التي تتيح للأقليات تطوير لغتها القومية والحفاظ عليها فإنها لا تستطيع الصمود ومقاومة غزو لغة الأكثرية والقضاء على لغة الأقلية، فنتيجة صراع اللغات هي التي تقرر مصير اللغات المتصارعة، ولا نتردد في القول بأن نتيجة صراع لغتنا القومية في بلدان المهجر مع لغة الأكثرية مصيرها محتوم.

ضمن هذا الواقع المأسوي الذي يهدد وجودنا القومي بسبب ضعف اللغة وتعرضها للإنقراض، نقول بأن اللغة كأحدى مقومات وجود الأمة هي مقوم أساسي ورئيسي وليس الوحيد، فهناك مقومات أخرى لوجودة الأمة ذكرناها في أعلاه. من هذا المنطق، فإذا كان الحفاظ على لغتنا القومية صعب وبالتالي مهددة بالضعف وربما الزوال النهائي في الآماد القادمة فأنه يستوجب ويفرض واجبنا القومي على ضرورة الحفاظ على بقية مقومات أمتنا من التاريخ والعادات والتقاليد وممارستها وإحياءها بشكل متواصل ونشرها بين أبناء أمتنا وترسيخ مضامينها القومية والتراثية لها، خاصة عندما تقترن بممارسات جماعية تاريخية وتراثية كإحتفالات الأول من نيسان ويوم الشهيد الآشوري وغيرهما كثر. هذا الأمر، أي فقدان عنصر من بين عدة عناصر مكونة لظاهرة معينة، ومنها مقومات وجود أمتنا،  يشبه كثيرا حالة الشخص الذي فقد أحد حواسه في جسمه، لنقل حاسة النظر، التي هي أكثر الحواس أهمية في حياة الإنسان، فأن بقية الحواس كالسمع والشم واللمس تزداد كثيرا وتصبح عناصر مهمة له تعوضه عن فقدان البصر ويعيش تقريبا حياة طبيعية، ولا ننسى بأن الكثير من المبدعين كانوا فاقدي البصر. من هذا المنطلق نقول بأن ضعف أو فقدان لغتنا القومية من الضروري أن ينعكس هذا الفقدان في تقوية المقومات الأخرى لأمتنا مثل التاريخ والتراث والعادات والتقاليد، وأمر ممارسة هذه المقومات أسهل بكثير من تدريس اللغة لأنه يمكن ممارستها بحرية سواء في الوطن أم المهجر بدون أن يكون لها إطار سياسي وقانوني لها ولا يتطلبها مستلزمات كثيرة ومعقدة كما يتطلبها تدريس اللغة. فبممارسة هذه المقومات وبشكل مستمر وإيجابي سيتعزز ويترسخ الوعي القومي لأمتنا بوجودها وبضرورة أستمرارها نحو المستقبل، وهو أقل القليل من التركة الذي نتركه كميراث للأجيال القادمة والتي من المحتمل، وإن كان بعيدا، أن تكون ظروفهم أحسن من ظروفنا الحالية فلعل تكون قادرة على السير خطوة نحو الأمام للحفاظ على مقومات وجودنا القومي بما فيها اللغة.





21
المنبر الحر / test
« في: 10:27 15/10/2019  »
صديقي العمر العزيز خوشابا سولاقا ... تحياتي وأشواقي...

إكراماً وأعتزازا بصداقتنا المديدة لنصف قرن ونيف أكتب إليك توضيحاً وتفسيراً بهذه السطور لما كتبته وأنت تعرف جيداً الترابط الفكري الذي يربط بيننها... صديقي العزيز... أنا أعرفك أكثر من أي شخص آخر بأنك آشوري مفكر وكاتب موضوعي مختبراً بتجارب سياسية وقومية عديدة ونادرا ما تمضي عليك شاردة أو واردة من دون أن تكون ملماً بها وعارفاً بكل تضاريسها الفكرية والثقافية، فمن هذا المنطلق أقول لك يا عزيزي:

أولا: موضوعياً وإلتزاما بالأصول الإخلاقية في الكتابة لا يمكن أن ننشر خبر أو موضوع مبتراً أو مجزءا فهكذا الحال مع رسالة مار أفرام إلى مار مارون. فالأمانة العلمية يستجب علينا ذكرها كما هي وكما كتبها مار أفرام ونحن نعرف كما يعرف غيرنا كثر بأن مار أفرام نفسه أشار إلى أصله الآشوري في قصائده وتراتيله العديدة، كما ذكرها الأخ العزيز كوريه حنه مشكورا في رده على الموضوع، رغم أنه لقبه غيرنا بأفرام السرياني ونحن كغيرنا يعرف جيداً معنى السرياني لفظاً ومضمونا، ولكن عندما يخاطب صاحبه في الإيمان المسيحي، مار مارون، لم يذكر تحية آشورية ولا سريانية ولا كلدانية بل ذكر تحية آرامية لأن اللغة التي كان يراسله كان تسمى الأرامية في حينها والتي لم يكن لها إطلاقاً أي مضمون قومي في تلك الفترة بل كانت لغة مكتسبة طابعاً دينياً لكونها عرفت كلغة يسوع المسيح. ثم يا أخي العزيز، لماذا نخشى ونرتعب من ذكر التسميات الحضارية لشعبنا سواء أكانت كلدانية أو سريانية أو آرامية أو آشورية أو سورايي فكلها تسميات أكتسبها شعبنا، حامل المقومات الأساسية الموحدة لوجودنا، عبر مراحل تاريخية مختلفة. فأنا إذا كنت متمسكاً بالتسمية الآشورية فهذا لا يعني إطلاقاً حرمان أخي الكلداني من التمسك بالتسمية الكلدانية ولا أن أنكر على أخي السرياني حقه في الإدعاء بسريانيته، فكلها صور جميلة ومبهرة لهذه الأمة ولكن بمضون واحد سواء أتفق معنا هذا أم لم يتفق ذاك. أما من يحاول أن يعزز ويروج لتسميته عبر تحقير وأهانة التسميات الأخرى فهذا ليس إلا هذيان وتخريف فحاله كحال من ينبطح على ظهره ويبصق في الهواء، فهو بهذا الأسلوب يوطئ ويحقر تسميته أكثر مما يحقر التسميات الأخرى. ، وبالتالي فصاحبها لا يستحق حتى كلمة واحدة للرد عليه.

ثانياً: الدافع القوي والحافز الشديد الذي جعلني أن أنشر رسالة مار أفرام إلى مار مارون هو موضوع الأرض وضرورة "الإستماتة" والتمسك بها كأساس لوجود الكنائس والمؤمنيين خاصة ونحن نقارنها مع الوضع المأساوي الحالي الذي يعيشه شعبنا في أرض الوطن من جراء تشريده نحو المجهول. صديقي العزيز، أنا وغيري كثر يعرفون حق المعرفة صمودك وتمسكك بأرض الوطن رغم كل مغريات بلدان المهجر التي لم تستطيع أن تهز موقفك وتضعف إيمانك بأرض الوطن وتغير إتجاهك ليكون على طريق المهجر. إنطلاقاً من هذا الفهم كنت أعتقد بأنك يا صديقي ستكون من أول القراء المرتاحين لهذا الموضوع خاصة وأنت تكتب كثيرا عن أهمية الأرض في الوجود القومي لشعبنا. ولكن للأسف الشديد كلمة واحدة (أرامي) أمحت قدسية الأرض وضرورة التمسك بها فلم تبين أي إهتمام بها كما هو الحال في معظم كتاباتك، فتجاهلت الأرض إكراماً لكلمة واحدة، أليس هذا تناقض الذي تتهمني به؟

ثالثاً: أما بخصوص ما ذكرته (نحن شخصياً لا نرى أية ضرورة تاريخية أو علمية لنشر مثل هكذا رسالة دينية بحتة التي تنسف التاريخ القومي الحقيقي للآشوريين بمجمله لصالح إيمان ديني طوباوي الذي كان السبب في دمار أمتنا الآشورية بمسخ وعيها القومي وتهويده بحسب ثقافة التوراة اليهودي والتي تتناقض مع مقالكم الذي نشرتموه قبل يومين بعنوان " أومتا وأومتانايوثا بين الوطن والمهجر .... إلخ ") أستغرب إستغرابا شديدا عن رسالة متكونة من بضعة أسطر أن تنسف تاريخنا القومي الآشوري المديد لقرون طويلة. أنه من المؤسف حقاً يا صديقي العزيز القول بأن معظم الكتابات التي تنشر من قبل أبناء شعبنا تفتقر إلى الموضوعية وإلى أعتماد منهجية مقارنة خاصة بين الماضي والحاضر وردك نموذج في هذا السياق. المنهجية في المقارنة أسلوب علمي أحاول دائماً أن أفهمه وأعتمده في كتاباتي. في زمن مار أفرام (لنقل مار أبرم .. حتى لا تزعل يا صديقي) ورسالة عمرها أكثر من 1500 سنة لا يجوز إطلاقاً أن ننظر إليها بمنظار قومي سياسي الذي نستخدمه في أيامنا هذه، بل يجب أن ينظر إليها في سياقها الزماني والمكاني الذي كان الأمور أو الأصح المناهج الدينية واللاهوتية والإيمان المسيحي هي التي كانت سائدة في التعامل بين البشر وبين أبناء شعبنا في تلك الفترة رغم أن موضوعية الأرض، كبنية تحتية، التي كان يعيش عليها شعبنا تنطق بأشوريتها، كما أشار إليها مار أفرام في قصائده فأن ظروف تلك الفترة، بسبب قوة الإيمان المسيحي لدى شعبنا لم تنعكس على شكل فكر قومي وسياسي في بنية فكرية كما هو الحال في هذه الإيام بل أنعكست في فكر ديني. من هنا تأتي أهمية وضرورة نشر مثل هذه الرسائل خاصة وأنها لها مقارنات مع الوضع الحالي وتحديداً بموضوع جوهري وأساسي هو الأرض والذي نسميه الوطن، لعل نتعض منها في حياتنا المعاصرة،.. ولم تبقى إلا كلمات أخيرة لأبعثها لك ولكل القراء الأعزاء مقرونة بالحب والإحترام والتقدير.

22
لا كنيسة ولا مؤمنين من دون أرض
من رسالة مار أفرام إلى مار مارون عمرها أكثر من 1500 سنة

===================================


أبرم شبيرا
بينما كنت أقرا كتاب "تاريخ الآشوريين منذ بداية القرن العشرين خاصة في فترة الحربين العالميتين"، لمؤلفه رابي كورش يعقوب شليمون، ترجمه من اللغة الآشورية الحديثة إلى العربية الإستاذ وليم ميخائيل وطبع في مطبعة نينوى في شيكاغو – الولايات المتحدة الأمريكية عام 1995، أثار إنتباهي الشديد الصفحة الأخير من الكتاب حيث كان قد أدرج فيه رسالة من مار أفرام (المولود في نصيبين عام 306 والمتوفي في الرها عام 373) إلى مار مارون (المتوفي عام 410)  يؤكد فيها على أهمية الأرض او الوطن وعلاقته بالمؤمنين والكنائس. ونظراً للأهمية القصوى لهذه الرسالة والذي يؤكد فيها مار أفرام، القديس الجامع لكل الكنائس الشرقية في هذه الرسالة للقديس مار مارون على أهمية الأرض، أو الوطن، في حياة المؤمنين والكنائس خاصة عندما نقارنها بعد أكثر من 1500 سنة مع وضعنا الحالي المأساوي في الوطن، فرضت علينا هذه المقارنة ضرورة تعميم فحوى هذه الرسالة عن أهمية الأرض للمؤمنين والكنائس، وفي أدناه نصها:
--------------------------------
رسالة عمرها 1500 سنة
من مار أفرام إلى مار مارون
من دون الأرض لا كنائس فهي التي تحتضن شعبنا
============================================
أبني الحبيب مار مارون القورشي
تحية آرامية بالمسيح وبعد.
من قلب الرها، ومن الجبل المقدس، حيث النساك والصوامع، حيث الصلوات لا تنقطع، متواصلة إلى ربنا وفادينا يسوع المسيح، من هذه الأرض الباقية لنا لنمارس فيها إيماننا في حرية، أكتب لك بمحبة مذكراً أياك بما حل بنا من جراء تهجيرنا من مدينتنا الحبيبة نصيبين العام 363 ... أن منطق القوة هو الذي غلب علينا، فنحن الذين نؤمن بالمحبة والتسامح وبتساوي البشر جميعهم، يحيط بنا جيران قد تملكهم السعي إلى السيطرة والقهر وحب الذات والأنانية.
وفي سبيل تجنب ما حل بنا أوصي تلاميذك، بأن الأرض التي نعيش عليها هي إيماننا، فمن دونها لا كنائس وبالتالي لا مؤمنين، فالأرض تحتضن شعبنا، والشعب يحفظ الإيمان والتراث، وبهذين الإيمان والتراث تستمر رسالتنا عبر الأجيال.
أنتهت الرسالة
====================================================
هوامش:
رابي كورش يعقوب شليمون: مؤلف الكتاب، ولد عام 1900 في أورمي وعايش سنوات المأساة والتهجير أثناء مذابح سيفو والهجرة التراجيدية من شمال إيران إلى بعقوبة ثم أستقراره في بغداد. ففي المجال القومي والتعليم كان أستاذا بارعاً وعمل كمدرس ومديراً لسنوات عديدة للمدرسة الآشورية الإنكليكانية في ساحة الطيران قرب منطقة كمب الكيلاني في بغداد، المدرسة التي أسسها قاشا خندو يونان والتي أنجبت خيرة مثقفي أمتنا في تلك الفترة.
وليم مخيائيل: مترجم الكتاب، ناشط قومي ومؤلف ومترجم، كتب العديد من المقالات في الشأن القومي كما ترجم العديد من الكتب، عرفته شخصيا كمثابر وحريص على تراث أمتنا وإهمامه الكبير بالشأن القومي وإنخراطه في العمل القومي السياسي. في وقت نشر كتابه هذا عام 1995 قام بإهدائه نسخة منه لي وبالمقابل ثمنت جهوده المثمرة والقيمة في نشر الوعي القومي والتاريخي لأمتنا.
مار مارون القورشي: مؤسس وشفيع وأب الكنيسة السريانية الإنطاكية المارونية،  لقب بـ "القورشي" لأنه كان من منطقة قورش في شمال سوريا والتي كانت موطن التنسك والرهبنة والصوامع.
نصيبين: في عام 363 أندحر الروم أمام الفرس فأحتلوا المدينة ودمروا مدرستها الشهيرة والتي كان مار أفرام يدرس فيها فأنتقلت إلى الرها أو أورهي – حاليا أورفه في جنوب شرقي تركيا، ليستمر مار أفرام التعليم فيها ومن هناك بعث رسالته إلى القديس مار مارون.

23
أومتا و أومتانايوتا بين الوطن والمهجر
كُنا نعيش في الوطن ... وفي المهجر أصبح الوطن يعيش فينا
==============================
أبرم شبيرا

منذ البدء نقول بأنه سيلاحظ القارئ اللبيب بأن هناك نوع من التكرار والإعادة في هذا الموضوع لأنه سبق وأن تطرقنا إلى جوانب معينه منه في السابق، وبالتالي سيتهمنا بأنه ليس لنا موضوع غير إجترار ما سبق وأن كتبناه. ولكن بدورنا نقول:
أولا: لا مندوحة من أعادة طرح أفكار ومواضيع عن مشكلة أو حالة معينة طالمة هذه المشكلة هي مستدامة ومتواصل في مجتمعنا من دون البحث أو إيجاد حلول لها. فالطرق المستمر على المشكلة القومية المستدامة لا ضرر فيه لأنه لربما ستتقوض أو ستضعف هذه المشكلة كما يضعف الحديد من الطرق المستمر.
ثانياً: من المؤسف بأن هناك بعض قادة أحزابنا السياسية ورؤساء منظماتنا القومية حالهم كحال بعض رجال الكنيسة في أيامنا هذه حين يخطبون أو يكرزون على مؤمني الكنيسة يتصورون حالهم كأنهم في حيكاري يوجهون وعضهم إلى ناس بسطاء كلهم أذان صاغية، فحاله يشبه حال الراعي الذي يقود الغنم متجاهلين بقصد أو بجهل بأن مؤمني الكنيسة في هذه الأيام غير مؤمني أيام حكاري (صاموت لاموت) في أيام لم يكن يتجرأ مؤمن أن يسأل القس أو يجادله. نعم هكذا حال بعض من قادة أحزابنا السياسية ورؤساء منظماتنا القومية فهم فلاسفة لا يخطئون لا بل مصانون من الخطأ وعيب عليهم أن يسمعوا الكلام المفيد من هذا المثقف أو ذاك المفكر لأن هم فوق الجميع علماً وثقافة وشخصية و... هكذا حالة تفرض علينا أن نعيد ونكرر بعض المفاهيم الفكرية والسياسية لعل ستزيل الشمع من أذانهم ويسمعوها ويتقوا بها. من هنا أقول لمن لا يؤمن بهذه الأسباب في إعادة بعض من الأفكار والطروحات السابقة أن لا يقرأ الموضوع ويتعب حاله.   

على العموم نعود لموضوعنا، المقصود بـ "أومتا" مجموع من الناس تجمعهم عوامل مشتركة من لغة وأرض وتاريخ وعادات وتقاليد، والكلمة الصحيحة لها بالعربية هو قوم أو شعب أو أمة (Nation)، أي بالمفهوم الفلسفي هم الحقيقة الموضوعية أو البنية التحتية، وهي ظاهرة  موجود في الواقع الفعلي منذ زمن بعيد ولكن غير مدركة أو منعكسه في عقل الإنسان كفكر أو أيديولوجيا، أي هي الموضوع. أما "أومتانايوتا" ويمكن تسميتها بالعربي بـ "القومية" وبالإنكليزية (Nationalism). ففي اللغة الإنلكيزية عندما تدخل  (ism) على أي مصطلح معبر عن الواقع أو الموضوع يعطي معنى فكري وأيديولوجي كما هو الحال مع ((Social و (Socialism) أو (Capital) و (Capitalism) أو(Liberal)  و (Liberalism) وهكذا مع بقية المصطلحات الفكرية والسياسية.

فالقومية (Nationalism)، المصطلح الذي يعنينا في هذا الموضوع، هي البنى الفكرية للحقيقة الموضوعية أي للقوم أو الأمة (Nation) وهي إنعكاس أو إدراك فكري وأيديولوجي في فكر الأنسان ويمكن تسميتها بـ "الذات" والتي تظهر وتنعكس وتتأطر في مؤسسات فوقية تشكل البنى الفوقية مثل الأحزاب السياسية والمؤسسات الإعلامية وجماعات الضغط ووسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي والتي يطلق عليها في علم الإجتماع السياسي بـ "الأجهزة الأيديولوجية". وهنا من الضروري أن نلاحظ بأن حديثنا عن البنية التحتية هو بصيغة المفرد في حين أشارتنا إلى البنى الفوقية هي بصيغة الجمع لأن الموضوع أو الواقع حقيقة واحدة وثابتة، أي الأرض أو الوطن أو القوم أو الشعب، في حين الأفكار والأيديولوجيا، أي البنى الفوقية، المنعكسة في الأجهزة الأيديولوجية هي متعددة وكثيرة، وهو الأمر الذي أفرز مفهوم التعددية في الحياة السياسية الذي هو ديدن الأنظمة السياسية الديموقراطية. في حين عندما تكون الأفكار والأيديولوجيا مأطرة بصيغة المفرد كقولنا بنية فوقية، أي هناك حزب واحد فقط أو تنظيم شامل يدعي بأنه ممثل الواقع والأمة كلها، فحينذاك نكون أزاء أنظمة سياسية دكتاتورية، من هذا المنطلق قلنا سابقا ونكرر قولنا بأنه مهما كان أي حزب من أحزابنا القومية (الكلدانية السريانية الآشورية) قوياً وجماهيرياً واسعاً لا يمكن أن يكون وحده ممثلاً للأمة ومعبر عن كل مصالحها العامة، ففي هذه الحالة نكون أزاء حزب ديكتاتوري أو أوليغاركي، أي حزب القلة.

على العموم فإن القومية ((Nationalism هي ظاهرة فكرية وسياسية لم تظهر إلا في عصر النهضة في أوروبا وإنعتاق الفكر والفلسفة من الدين والكنيسة منذ القرن السابع عشر وبما بعده. والعلاقة بين الموضوع والذات، أو تحول وإنتقال وإنعطاس الموضوع إلى الذات هو من المواضيع الفلسفية الذي حام حوله الكثير من المناقشات بين الكثير من الفلاسفة والمفكرين وكان الفيلسوف الألماني هيغل رائدا في هذا المجال ثم جاء كارل ماركس فطور مفهوم العلاقة بين الموضوع والذات من خلال إنتزاع مثالية هيغل منه، ولا نريد أن نخوض في هذا التناطح الفلسفي الطويل تجنبا لإطالة الموضوع، لكن ما نرغم القول هو بأن لكل ظاهرة إجتماعية، ومنها موضوعنا في القوم والقومية تقوم على علاقة جدلية تفاعلية بين الموضوع والذات، أي بين البنية التحتية والبنى الفوقية وأي خلل في هذه العلاقة يترتب عليها خلل في فهم وإدراك الظاهرة الإجتماعية.

أن الذي نرغب من هذه المقدمة هو الإشارة إلى أن جملة عوامل دولية وأقليمية ومحلية موضوعية وفكرية وحتى كنسية كانت قد أثرت تأثيراً عميقاً على قسم من أبناء شعبنا، وأقصد الآشوريين، أكثر من غيرهم من الكلدان والسريان، فأنتقل فيهم مفهوم (Nation)، أية الأمة أو القوم إلى (Nationalism) أي القومية بمفهومها الفكري. أي بعبارة أخرى، نشأت فيهم علاقة جدلية تفاعلية بين الموضوع (القوم أو الأمة) والذات أو الفكر، والتي تجسدت في عدد من الأحزاب السياسية والمنظمات القومية ووسائل الإعلام من جرائد ومجلات التي شكلت بمجملها الحركة القومية الآشورية (Assyrian National Movement) أو(Assyrian Nationalism) وهو الأمر، أي التحول من الموضوع إلى الذات، الذي جعل الوعي القومي في عموم شعبنا أن يتفاوت بين الآشوريين والكلدان والسريان وبالتالي طغيان التسمية الآشورية على الحركة القومية، من هذا المنطلق ستكون الإشارة في هذا الموضوع إلى الآشوريين أكثر من غيرهم خاصة ونحن بصدد كلمات أومتا و أومتانايوتا التي يتداولها الآشوريون ليل نهار في أفكارهم وأعماله السياسية القومية، ولكن هذا لا يعني إستثناء أبناء التسميات الأخرى لأمتنا من كلدانية وسريانية من بعض الجوانب لهذه الظاهرة.

ولو أمعنا  النظر في الحركة القومية الآشورية، وركزنا على الصفة "الآشورية" المستمدة من أسم آشور نرى بأن هذا الأخير يستمد صفته من عدة مصادر حير العلماء في تحديد أصله، فهو من جهة أسم الأبن الثاني لسام أبن نوح، كما هو آله قومي وديني، وهو أيضاً أسم لمدينة آشور المقدسة، والأهم من كل هذا وذاك هو أسم أرض أو موطن أو بلاد، أي آشور، وهو الأمر الذي يعنينا في هذه السطور. وعندما نتكلم عن أمتانايوتا أو الحركة القومية الآشورية فهذا يعني إننا نتكلم عن السياسة بكل معنى الكلمة، لأن كل الحركات القومية هي في التحليل الأخير حركات سياسية. والقصد من السياسة ليس حسب تعريفها الأكاديمي وطبقاً لمعايير علم السياسة الذي يدرس في الجامعات، وإنما المراد بالسياسة هنا هو مفهومها الفلسفي القائم على الواقع والحقيقية ومن ثم على الممارسة. حيث لا يمكن للسياسة أن تقوم لها قائمة ما لم تكن هناك ممارسة. أي السياسة ليست علم وأفكار فحسب وإنما هي فن وممارسة أيضا، لهذا قيل عن السياسة بأنها علم وفن، أو أفكار وعمل، وقيل أيضاَ وتأكد واقعياً بأن الأفكار أو الأيديولوجيا دائماً تسبق نشؤ الحركات القومية والأحزاب السياسية.
أن أكثر المفاهيم شيوعاً عن هذا المعنى للسياسة هو اثنان ، وبإختصار: الأول: هو فن الممكن، والثاني: هو ديموغرافيا على جغرافيا، وقد سبق أن فصلنا فيهما في مناسبة سابقة. ومن الملاحظ بأن كلا المفهومين مرتبطان بالأرض، فالممكن هو ما يقوم على الأرض وينطبق عليها ويمارس على الواقع المادي وليس في الخيال. والجغرافيا حصراً يعني هنا الأرض. والأرض بهذا المفهوم السياسي هو المكان الذي يعيش وينشط الإنسان فيه والذي يعرف بالوطن أو الموطن والذي يترتب على كل إنسان يعيش فيه مجموعة من الحقوق والواجبات التي تحدد صفة المواطنة.
فالآشوري الذي يعيش في العراق، مثلا، وينشط ويعمل فيه يشكل بالنسبة له، أي وطن العراق، البنية التحتية له. فالفرد الآشوري، على سبيل المثال لا الحصر، الذي يعيش ويعمل ويننشط في الولايات المتحدة الأمريكية وأكتسب جنسيتها، تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية وطنه من الناحية القانونية والفعلية والواقعية ويترتب عليه حزمة من الحقوق والواجبات والمسؤوليات تمنحه صفة المواطن الأمريكي. أما وطنه الأولي، سواء أكان العراق أو سوريا أو تركيا أو إيران، أو ما يعرف عند الآشوريين القوميين بـ "آشور" فيبقى هو، أي آشور، موطنه من الناحية الفكرية والوجدانية. وهكذا الحال مع الآشوري في إستراليا أو السويد وغيرها من بلدان المهجر.
وبنظرة بسيطة على حال الحركة القومية الآشورية في بلدان المهجر المتمثلة في الأحزاب السياسية والتنظيمات القومية نرى بأن "آشور" كأرض، أي كحقيقة موضوعية واقعية (الموضوع) أو بنية تحتية، هو جوهر وأساس فكرهم وأيديولوجيتهم في حين واقعياً هم يعيشون ويعملون وينشطون في موطنهم القانوني والفعلي أي بلدان المهجر، لنقل أميركا. أي بهذا المعنى نقول بأن الواقع او الموضوع او البنية التحية لهم هو آشور بعيد جدا عنهم، أي ليس هو البنية التحتية لأفكارهم وأيديولوجيتهم أو لبنيتهم الفكرية الفوقية طالما يعيشون وينشطون في المهجر.  بينما واقعهم الفعلي، أي البنية التحتية لهم هو المهجر والمجتمع الآشوري القائم فيه، ولكن نرى بأنهم ليل نهار يتغنون بـ "آشور". أي بهذا المعنى أن فكرهم وأيديولوجيتهم كبنية فوقية لا يتطابق مع البنية التحتية المتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية كأرض أو موطن أو مجتمع. أي بعبارة أخرى، هناك خلل في العلاقة بين البنية التحتية (أميركا كوطن وأرض) و البنى الفوقية المتثلة في فكرهم وأيديولوجيتهم المتأطر في أحزاب ومنظمات آشورية التي تأخذ من "آشور" البعيد جداً عنهم موضوعاً لفكرهم. أي هناك إغتراب في العمل القومي والسياسي في بلدان المهجر وهو الأمر الذي أدى في مجمله أن يكون مكتسباٌ طابعاً رومانسيا لا بل ونرجسياً أيضاً بعيداً عن العمل السياسي الحقيقي والمنتج الذي يتطلبه ممارسة واقعية يتطابق فيها البنية التحتية مع البنى الفوقية. هذه الحالة هي التي جعلت من العمل القومي الآشوري في بلدان المهجر أن يكون منسلخاً عن واقعه الذي يعيش فيه وبالتالي هو بعيداً عن تحقيق حتى الحد الإدنى من طموحات الآشوريين القومية، وهو الواقع الفعلي الذي ندركه في هذه الأيام من خلال إنحسار أو إنعدام النشاطات القومية السياسية وضمور أو تلاشي المؤسسات القومية والأحزاب السياسية الآشورية في بلدان الهجر.
فحتى تتناسب البنية الفوقية، أي الفكر والوعي القومي مع الواقع الموضوعي في المهجر، يجب على الأحزاب السياسية والمنظمات القومية الآشورية أن تستمد فكرها ووعها وبالتالي عملها من الواقع الآشوري في المهجر، الذي ملئه تناقضات وظواهر سلبية تتمثل سواء في العشائرية والطائفية أو التسيب أو اللامبالاة والأنانية وتهرب الكثير من المثقفين والأكادميين من تحمل مسؤوليات إجتماعية أو ثقافية أو عامة سواء في الأندية أوالمؤسسات وحتى في اللجان الكنسية، حينذاك تستقيم العلاقة بين البنية التحتية (الواقع في المهجر) وبين البنى الفوقية (أفكار وأحزاب ومنظمات) أي نكون أزاء توافق الأجهزة الأيديولوجية من واقع الحال المعايش في المهجر وهو الأمر المؤكد الذي سيساعد أحزابنا السياسية وحركتنا القومية في الوطن الأم "آشور". ولعل إنخراط أبناء شعبنا سواء بشكل مباشر أو عن طريق الأحزاب والمنظمات القومية في السياسة المحلية لبلدان المهجر والترشح لهياكل الدولة، سواء في الحكومات المحلية أو غيرها، هو السبيل الأمثل ليس لخدمة أبناء شعبنا في المهجر فحسب بل سيكون سند قوي لأبناء شعبنا الصامدين في أرض الوطن ولحركاتهم القومية وأحزابهم السياسية، فهذا هو الطريق القويم في خدمة "آشور" وليس النحيب على أطلال نينوى أو تشكيل منظمات تحلم في تحرير آشور من الإحتلال الكوردي. فالسوابق التاريخية لمثل هذه المنظمات أثبت وبشكل قاطع فشل كل جهودها في هذا السياق لأن صراخها كان في وادي عميق و بعيد جداً عن وديان جبار آشور ولم يعد يسمع حتى من قبل أصحاب هذه المنظمات، فكيف نتوقع من أبناء شعبنا في الوطن الهائمون على أمواج الظلم والإضطهاد والتهجير أن يسمعوا هكذا صراخات ويتوقعوا نتائج مثمرة من أحلام هذه المنظمات. السوابق التاريخية دروس لمن يريد الإستفادة منها في العصر الحالي ولكن للأسف الشديد كما قلنا سابقاً بأن معظم أن لم يكن جميع المنشغلين في السياسة القومية وفي قيادة أحزابنا السياسية والمنظمات، خاصة الغارقين في الإغتراب السياسي والقومي وإنفصام واقعهم عن فكرهم، أي إنفصام الذات (الفكر) عن الموضوع (الواقع) يحيطهم جهل مطبق في الكثير من الأمور الفكرية والسياسية ويعتقدون بأنه عيب عليهم أن يتعضوا من التجارب السابقة ويتعلموا منها غير مدركين بأن التجارب السابقة دروس وعير لمن يسير على  طريق النضال القومي ويحقق بعض الأهداف النافعة لأمتنا في الوطن.
==========================================
ملاحظة: على الرغم من إنشغالي الكثيف سواء بأمور وظيفية وضمان خبزنا اليومي أو بأخرى فكرية وكتابية إلا إنني أضطررت أن أبحث و أجدة فسحة من الوقت وأستخدمها لأكتب هذه السطور لأنه مع الأسف الشديد ما أراه على صفحات موقعنا العزيز عنكاوة دوت كوم أمر بائس وفقير وقلة الكتابة في شؤون أمتنا على الرغم من أن الموقع يقول هو (ملتقى أبناء شعبنا الكلداني الآشوري السرياني، وأبناء العراق كافة،) في مقارنة بما يكتب عن الأمور الأخرى. فاللوم طبعاً لا يقع على الموقع وربما ليس أيضا على مثقفين وكتاب شعبنا بل، كالعادة، نتهرب من هذا الواقع الأليم ونلقي اللوم ... كل اللوم على الزمن الظالم كما ألقوا أباؤنا وأجدادنا اللوم على هذا الزمن الظالم في فشل تحقيقهم الحد الأدنى من حقوقنا المشروعة في أرض الوطن.



   

24
ما بالكم خائفين هكذا؟ كيف لا ايمان لكم؟
(مرقس : 40:4)

==============================================
أبرم شبيرا
في بعض الأحيان ألجأ إلى الكتاب المقدس لإقتباس بعض العبر والأمثال والدروس التي ذكرها ربنا يسوع المسيح وأحاول إتخاذها كمنهج أو كدليل للبحث في موضوع يمس شعبنا الكلداني السرياني الآشوري سواء في الوطن أم في المهجر. وخلال الأيام القليلة الماضية، وأنا غائصاً في سطور إنجيل مرقس وجدت في الإصحاح الرابع صور واضحة عن حال شعبنا في هذه الأيام العصيبة. أصحاح يعبر عن صورة ناطقة عن الظروف العصيبة المأساوية التي عصرت وتعصر بشعبنا في الوطن وقادت الكثير منهم إلى هجره نحو المستقبل المجهول، صورة  وعن ظروف الضياع والتسيب والامبالاة في بلدان المهجر. ومن الملاحظ بأن الأطار العام الذي يأطر كل النتائج الناجمة من هذه الظروف المأساوية هو الخوف لا بل الرهبة أو ما يسمى بـ "الفوبيا من الضياع". فبسهولة يمكن تلمس لمسة اليد مثل هذا الخوف أو الخشية من ضياع أمتنا سواء في المأساة والفواجع والمتاهات المؤدية إلى هجرة الوطن وتركه أو من نتائج الضياع في مجتمعات المهجر التي هي بمثابة بوتقة الإنصهار، خاصة الحديث المرعب الذي في معظمه يدور عن إنقراض لغتنا القومية ومن ثم إنقراض أمتنا سواء في الوطن أم في المهجر.
ومن الملاحظ بأن هذه الظاهرة لا تقتصر على عامة الناس، بل على الكثير من المثقفين والسياسيين ولا أستثنى منهم رجال الكنيسة. قبل بضعة سنوات كنت في حديث مع أحد أساقفة فرع من فروع كنيستنا المشرقية، قلت له لو سهل أمر هجرة أبناء شعبنا للوطن وفتح باب الفيزا لهاجر الوطن أكثر من 80% من شعبنا إلى الخارج والباقي سيكون من أتباع الكنيسة المؤمنين ورجالاتها. فقال أنت غلطان يا أبرم!!! لأن بعد هذه النسبة الكبيرة المهاجرة سأسافر أنا أيضا وأترك الوطن طالما لم يبقى لي رعية غير جدران الكنيسة الفارغة. وهذا ما نشاهده في الكثير من المناطق التي هجرها شعبنا. لا بل والأكثر من هذا فسيف الهجرة ضرب حتى رجال الكنيسة الذين لهم رعية معقولة النسبة فتركوا كنيستهم وهاجروا إلى بلدان الشتات.
صحيح هو أن المأساة والفواجع التي حلت وتحل بشعبنا في الوطن هي من الأسباب الرئيسية التي تدفع أبناء شعبنا إلى المهجر وبالتالي الخوف والضياع كأمة تاريخية في متاهاة العصر الحديث، فحال هؤلاء يشبه حال تلاميذ يسوع المسيح عندما عصفت الرياح العاتية بسفينتهم وسيطر عليهم الخوف والرهبة فنهرهم اليسوع وقال لهم "ما بالكم خائفين هكذا؟ كيف لا إيمان لكم"، كما ورد في إصحاح مرقس المذكور. وفي ترجمات أخرى تذكر "مابالكُم خائفين هذا الخوف؟.. إلى الآن لا تؤمنون؟". ثم أنقذ يسوع اليسوع تلاميذه من الغرق وإبتلاع البحر لسيفنتهم. وهنا من الضروري التأكيد على المغزى المراد أخذه من هذا الإصحاح وإعتماده كمنهج ليس لإغراض روحية ودينة وكنسية، بل لهدف فهم بعض الوقائع الموضوعية في عالمنا الواقعي وإقتباس منهجه بما يمكن إقتباسه من هذا الإصحاح الرائع والنظر من خلاله إلى أمواج البحر الهائجة التي تلطم بأبناء شعبنا وتدفعه نحو الضياع والموت كأمة تاريخية. الإيمان ... ثم الإيمان، ليس بمفهومه الديني فحسب بل بمفهوم إيمان الرجل بنفسه وبجماعته ومن ثم بوطنه ليكون هذا الإيمان سبيلا بسيطاً وأولياً لخلاص الإنسان. فقلة الإيمان أو إنعدامه عن الإنسان يفقد وجوديته وكينونته وهويته الجمعية وحتى القومية. فهو العامل المعنوي الذي قد يدفع شعبنا على بداية طريق الخلاص وإنقاذه في نهاية المطاف من الضياع النهائي والكلي. أتذكر بعض الأقوال لأبينا السامي الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو وأخص بالذكر منها عندما ذكر قبل سنوات وقال صحيح أن شعبنا يهاجر الوطن بأعداد كبيرة ولكن هناك أيضا من أبناء شعبنا لا يزال باقي في الوطن ويرغب البقاء والصمود فيه رغم كل المأساة والمعاناة. فلو تسنى لنا مجازا الولوج في نفسية هؤلاء الصامدين على أرض الوطن لوجدنا فيهم نوع من الإيمان بضرورة الإلتصاق بتربة الوطن لا بل تأكيد نفسه كأنسان وتعزيز هويته المرتبطة بالأرض التي عاش عليها هو وأجداده العظام.
فحال أبناء شعبنا في الوطن يشبه حال تلاميذ يسوع المسيح وهم هائمين ضائعين بين أمواج البحر. فأمواج الظلم والإستبداد والقهر تعصف بسفينتهم وتعرضهم للضياع والموت في ظلمات البحر الهائج. ومما يزيد من سرعة هلاك ركاب السفينة وغرقها هو الشيطان المتمثل في جدالهم وخصامهم ونزاعاتهم وقلة، أو إنعدام الإيمان بقدرتهم على الخلاص من الضياع والغرق. ذلك الإيمان بأن مصيرهم لا محال هو واحد لا يفرق بين هذا أو ذاك. فالبحر غدار، كما كان داعش والقاعدة والتطرف الإسلامي الذي يضع كل أبناء شعبنا دون إستثناء طائفي أو تسموي أو عشائري أو إنتمائي تحت مقصلة التدمير والإفناء. فلا أحد من ركاب السفينة يتخلص من هذه المظالم عبر طائفته ولا عشيرته ولا بإرتمائه في أحضان الغير، بل الخلاص المتاح للجميع دون إستثناء هو الإيمان بأن التكاتف والتضامن والتعاون بينهم هو السبيل الممكن لقيادة السفينة نحو بر الأمان، ثم حين ذاك، أي بعد الخلاص، ليدخلوا الجميع في حوارات حضارية متمدنة لتجنب تجارب تعرض سفينتهم إلى نفس أمواج البحر القاتلة.
صحيح هو أن هناك عوامل كثيرة تحول دون تفاهم وتقارب بين من يمثل شعبنا أو قادتنا سواء على المستوى القومي أو الكنسي ولكن ليعرف الجميع بأن تحقيق مصلحة معينة لهذا الجزء من شعبنا أو ذاك أو حصول ممثله على كرسي في هياكل الدولة العراقية ليس هذا إلا وهما عن الخلاص لأن مصيره في التحليل الأخير هو كمصير غيره من ركاب السفينة المعرضة للغرق. الإيمان... ثم الإيمان بمصيرنا المشترك ثم العمل بقدر الإمكان لتحقيق ولو جزء قليل من مصلحة شعبنا هو السبيل المتاح للخلاص من هذه الأمواج العاتية والقاتلة. فالبحر بأمواجه الهائجة لا يرحم أحد إذا لم يرحم ركاب السفينة حالهم ويتكاتفوا بعضهم ببعض للوصول إلى بر الإيمان. صحيح هو من يقول بأن مثل هذا الإيمان لا يستطيع بشكل مباشر من إيقاف الهجرة أو تقليل منها ولا أن يضع حجر على حجر لإعادة بناء قرانا وكنائسنا ولا أن يقضي على الظلم والإستبداد المفروض على شعبنا في الوطن. ولكن لنقول بملئ الفهم بأنه لا يمكن للإنسان مهما كانت قوته وإمكانياته ومواقعه أن يحقق أي نتيجة مثمرة من عمله مالم يكون مؤمناً بهدف عمله. إذن، حتى يكون عمل أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية والكنسية أيضا منتجاً لنتائج مثمرة لا بد أن يكون هناك نوع من الإيمان بهذا العمل والهدف المراد تحقيقه. وهنا نعيد ونكرر القول بأن تحقيق نتيجة مثمرة من أعمال أي تنظيم من تنظيمات شعبنا هو وهم فيما أذا أعتبر نفسه بأنه ليس من ركاب السفينة الهائمة بين أمواج البحر القاتل. فالإيمان بوحدة المصير هو السبيل الوحيد لوصول إلى بر الإيمان ومن ثم بعد ذلك نبدأ بالتفكير في كيفية بناء قرانا وكنائسنا ومحاولة التخفيف من هجرة أبناء شعبنا إلى بلدن الشتات.
مهلاً... مهلاً... كيف الحال ونحن الذين نصبنا خيامنا في بلدان المهجر ونتكلم عن غرق السفينة وهلاك ركابها؟؟ فأمرغرق السفينة بركابها لا يهمنا طالمنا نحن على اليابسة نستمع بحياة سعيدة وبرفاهية بعيدين عن الأمواج القاتلة لداعش والتطرف الإسلامي. كما أن الفضاء السياسي الديموقراطي يوفر لنا مجالاً واسعاً للإجتماع والحديث الحماسي وبأقوى الكلمات والتصريحات عن خلاص الأمة لا بل  حتى عن "تحرير آشور المحتلة"!!!؟؟؟.. ولكن لنكن، أولهم أنا قبل غيري، يقينيين بكل قناعة وصدق وإيمان بأنه لا يمكن لأي كلداني أو سرياني أو آشوري أن يبقى كلدانياً أو سريانياً أو آشورياً ويفتخر وبإعتزاء بإنتماءه لهذه التسميات الحضارية الجملية إذا تعرض ركاب السفينة الكلدانية السريانية الآشورية إلى الغرق والموت... فالمصير واحد إينما كنا سواء في الوطن أم المهجر ولا يمكن إطلاقا الإحتماء تحت المظلة الديموقراطية المنصوبة في بلدان المهجر وأن تبقى كلدانياً أو سريانيا أو آشورياً إذا تعرضت سفينتنا القومية في الوطن إلى الغرق.  فالوطن هو التربة الصالحة وأبناء شعبنا هناك هم الجذور المتعمقة في هذه التربة وهم الأغصان الصلدة. أما نحن في المهجر فلسنا غير أغصان معرضة للكسر وأوراق مهلهة لا حياة لها إلا إذا أرتبط بالأغصان الصلدة وبالجذور المتعمة في تربة الأباء والأجداد. وعندما أقول مرتبطة يعني متصلة إتصالاً صميماً وموضوعية قابلة لتعزيز ومساعدة من هم صامدين في أرض الوطن وليس عن طريق الأوهام والخزعبلات والسباحة في فنجان قهوة. فلننتبه جميعاً بأن ما يصيب شعبنا في الوطن خاصة غرق سفينته في البحر القاتل سيصيب أبناء شعبنا في المهجر وستغرق هويته القومية وحتى الكنسية في أتون الضياعة والإنصهار في هذه البلدان مالم يعتبر نفسه أحد ركاب هذه السفينة القومية.
وأخيراً لم يبقى إلا أن أوكد، خاصة لأبناء شعبنا في المهجر، وأنا أولهم، بأن الإيمان بوحدة ومصير هذه الأمة وبكل تسمياتها الحضارية الجميلة لا يعني ترك بيته في المهجرة والعودة إلى الوطن للإستقرار فيه، بل الإبقاء بصلة بينهم وهم في المهجر وبين الوطن.. ولعل زيارة  إلى أرض الوطن  مرة واحدة في السنة قد يعزز هذه الصلة ويتلمس معاناة شعبنا هناك، وقد يستطيع أن يمد يد الخير والمساعدة والتضامن فلربما سيكون ذلك عاملاً مساعدا للتخفيف من الأمواج العاتية التي تعصف بسفينة أمتنا في أرض الوطن. ومن يريد التعلم عن هذه الصلة ليذهب ويتعلم من تجربة منظمة كشرو التي في كل عام تأخذ مجموعة كبيرة من الشباب والشابات لزيارة الوطن والتفاعل هناك مع أبناء شعبنا. وهنا قد يتحجج البعض بحجة عجز الحالة المادية وعدم إمكانية توفير تكاليف السفر إلى أرض الوطن. ولكن لنكن على يقين بأن معظم أبناء شعبنا أو أكثريته في المهجر يقومون سنوياً بسفرات سياحية إلى بلدان مختلفة ويصرفون مبالغ كبيرة، وهذا من حقهم ولا عتاب عليهم من توفير أجواء الراحة والإستجمام له ولعائلته، ولكن قد تكون التكاليف المالية لزيارة الوطن أقبل بكثير ولكن من ناحية أخرى ستوفر مثل هذه الزيارة لا الراحة والإستجمام فحسب وإنما أيضا الإعتزاء بالهوية القومية وبصلة الإرتباط بأرض الوطن، والأكثر من هذا فأن مثل هذه الزيارة ستشرعن كلدانيتك وسريانيتك وآشوريتك، أفلا تستحق هويتك بعض القروش التي تعتز بها ليل نهار امام الغير وتصرح بها جهاراً؟؟       
 
 



25
روحوا وحدوا كلمتكم ومطالبكم …ثم تعالوا
=========================
أبرم شبيرا

روحوا وحدوا كلمتكم ومطالبكم… ثم تعالوا – 1919
-----------------------------
في ربيع من عام 1919 بعث الآشوريون من مختلف الطوائف والمناطق والدول وفدا، أو بالأحرى وفود، إلى مؤتمر فرساي في فرنسا عقب إنتهاء الحرب الكونية الأولى وبداية تسويات الحدود الدولية وتقسيم أراضي الإمبراطورية العثمانية "الرجل المريض" وتوزيعها بين الدول المنتصرة، للمطالبة بحصة للآشوريين أو وطن من الأراضي التي سيتم تقسيمها. وكان الوفد يتضمن مار أبرم برصوم مطران الكنيسة السريانية الأرثوذكسية في الولايات المتحدة الأمريكية (فيما بعد بطريرك)، والقس يوئيل وردا من الجمعية الآشورية في الولايات المتحدة الأمريكية والدكتور إيشا ماليك يونان من الكنائس البروتستانية والسيد شمعون كنجا من روسيا، من المحتمل من الكنيسة الأرثوذكسية. وكانت كنيسة المشرق الآشورية، المنعوتة بـ "النسطورية"، قد بعثت السيدة سورما خانم، أخت البطريرك حينذاك لحضور المؤتمر كممثلة لأتباع هذه الكنيسة في العراق. وفي طريقها وقبل ذهابها إلى المؤتمر عرجت على لندن للإجتماع بالمسؤوليين البريطانيين حسب طلبهم فأستقبلت من قبلهم في لندن بحفاوة متمشدقين بشجاعتها وشخصيتها ومنحها بعض الأنواطة والألقاب الشرفية ثم ألتقت برئيس أساقفة كانتربيري وبالتالي حجزت في دير هناك لحين إنتهاء المؤتمر ومن ثم عودتها إلى العراق خالية الوفاض من دون أن تزور فرساي.

سعى أعضاء الوفود المذكورة أعلاه حضور المؤتمر بشكل إنفرادي وبمطاليب مختلفة وليس كوفد موحد، فلم يسمح لهم الدنو من عتبة قاعة المؤتمر غير أن يلتقي بهم السكرتير العام للمؤتمر. وفي نهاية اللقاء معهم قال لهم: روحوا وحدوا كلمتكم ومطالبكم ثم تعالوا، أي بعبارة أخرى كان كلام السكرتير العام للمؤتمر طرداً محترماً لهم. ثم ذهب بعضهم للقاء السيدة سورما خانم في لندن قبل مغادرتها والعودة إلى العراق فقالت لهم وبكل صراحة "ليس هناك من فائدة لحضور المؤتمر فقد أخذت الحكومة البريطانية كل شيء في يدها وقالوا سيعملون بما يستطيعون من أجل الآشوريين، لذا ليس لنا وفد لحضور مؤتمر فرساي، فالوفد البريطاني عمل شيئاً ما نيابة عنا والذي لا نعرف ماهو"!!!، والقصة المأساوية لخيانة بريطانيا ونتائجها معروفة للقارئ اللبيب ولا يستوجب إعادتها.
رحوا وحدوا كلمتكم ومطالبكم… ثم وتعالوا – 2016
----------------------------
بعد تقريبا قرن من الزمن، وتحديداً بعد 97 عاماً، ألتقى السيد مسعود البارزاني رئيس إقليم كوردستان حينذاك بعدد من ممثلي الأحزاب السياسية المسيحية. وأثناء الإجتماع حثهم السيد البارزاني وبشكل مشدد على حتمية توحيد المسيحيين كلمتهم قبل تحرير الموصل وضرورة الإتفاق المسبق بينهم قبل غوض معركة تحرير الموصل ومن ثم يتم النظر في مطلبهم بتحويل سهل نينوى إلى محافظة. أي بعبارة أخرى تكرر نفس التوجيه في: روحوا وحدوا كلمتكم ومطالبكم ثم تعالوا!! وفي حينها كتبنا موضوعاً في سياق هذا اللقاء.

بين عام 1919 وعام 2016 سبعة وتسعون عاما، سجل مكتظ بالمأساة والفواجع والمذابح والتشريد وحتى يومنا هذا، فلم يتعض قط زعماء أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية ولا زعماء كنائسنا شيئاً من التاريخ فأستمروا في التعثر بنفس الحجر، حجر التفرقة وعدم الإتفاق. والجاهل هو من يتعثر بنفس الحجر مرتين، وهذا ما قلناه في السابق. ولا شك إطلاقاً بان أسباب هذه المأساة والفواجع، كما هو معروف ترجع إلى خضوع أبناء أمتنا إلى أنظمة إستبدادية وطغاة عتات لم يكن فيها من مجال لمواجهة هذه التحديات الماحقة والخلاص منها ثم الوصول إلى وضع قد يخفف من نتائج هذه الأحوال المأساوية. هكذا فالكل من أبناء شعبنا وقادتنا القومية والكنسية يلقون اللوم... وكل اللوم على طغاة التاريخ أمثال مير بدر خان وسمكو الشيكاكي وبكر صدقي وحجي رمضان ورجال الحكم الذين أختصبوا السلطة في العراق وعلى حزب البعث والقاعدة والزرقاوي ودعاش وعلى كل المتطرفين الإسلاميين الذين أرتكبوا جرائم بحق شعبنا في وطنه التاريخي، ولكن من دون أن نبحث وبجدية وموضوعية عن الأسباب الداخلية المتعلقة بشعبنا التي هي تشكل أس الأساس في معظم هذه الأحوال المأساوية والماحقة... نعم نرى القشة في عيون غيرنا ولا نرى الخشبة في عيوننا. مجرد مثال في هذا السياق لأن القشة في عيون أعداء شعبنا كانت حزمات خشبية كبيرة جداً في مقارنة مع الخشبة في عيون شعبنا، ولكن مع هذا يستوجب بل واجب علينا أن نتطلع في هذه الخشبة ونحاول أخراجها من عيون شعبنا.

لو راجعنا حيثيات التاريخ المخجل في بعض جوانبه، نرى بأن جرائم مير بدرخان في منتصف القرن التاسع عشر لم تكن لتصل إلى حد ذبح الألاف من أبناء شعبنا وتشريدهم وتحطيم البنية التحتية للمجتمع في حيكاري، لو كانت العشائر الآشورية متوحدة. حيث أستطاع هذا المجرم من إقناع بعض العشائر الآشورية للوقوف على الحياد وبوعود مغرية كاذبة فأستطاع من التفرغ للتنكيل بالعشائر الآشورية خاصة عشائر تياري وتخوما التي أستشهد فيها ماليك إسماعيل من تياري العليا. ثم ما أن فرغ من جرائمه حتى أدار سيفه نحو العشائر الأخرى التي وقفت موقف الحياد وكمل جرائمه بالتنكيل بهم. والمشهد الدراماتيكي تكرر أثناء مذابح سيفو عشية الحرب الكونية الأولى والتي أرتكبت من قبل بعض مجرمي الدولة العثمانية. ففي الوقت الذي كانت السلطات العثمانية تصدر فرمانات بأن المسيحيين جميعهم محميين وسوف لا يتعرضون إلى الظلم والإضطهاد والتنكيل فيما إذا وقفوا على الحياد، صدق بعض قادة وزعماء أبناء شعبنا هذه البلاغات وتنحوا جانبا من ساحات الوغى ولكن في عين الوقت كان الولاة وحكام المقاطعات العثمانية وبعض زعماء الكورد يحصدون رؤس جميع المسيحيين من دون إستثناء أحد. لقد ذكرنا سابقا من مذكرات أحد المبشرين الغربين في المنطقة أثناء مذابح سيفو حين قال للقائد العثماني "لماذا تذبح الآشوريين في حين أن فرمان الباب العالي يخص الأرمن فقط" فقال القائد العثماني "أنا لا أفرق بين الروث – براز البقر – الجاف والروث الرطب فكلاهما روث ورائحتما كريه".

وقصة كوريال البازي وأبنه الوحيد وليم من مدينة دهوك أثناء مذابح سميل عام 1933 معروفة للكثير من القراء والذي كان مؤيدا وبشكل حماسي للحكومة العراقية حينذاك حيث أحتمى في منزله أكثر من 80 شخصاً ومن بينهم رجال دين وكان العلم العراقي يرفرف على سطح منزله كإشارة لتأييده "الوطني" للحكومة العراقية. غير أنه بمجرد أن بدأت عمليات القتل والذبح في سميل والمناطق المجاورة هاجمت قوات المجرم بكر صدقي منزله ونكلوا بجميع المحتمين في البيت ومن بينهم أبنه وليم، حتى قيل على لسان شهود عيان أن القس الذي كان من بينهم قد صلب بشكل مقلوب أمام باب المنزل وقطع عضوه الذكوري ووضع في فمه. وعلى الجانب السياسي دبً الخوف والخنوع في الكثير من المؤيدين للحكومة. فبينما كان مار شمعون إيشاي بطريرك كنيسة المشرق الآشورية في تلك الفترة يقدم طلباً تلو الطلب مناشداً الدول الكبرى والمنظمات الدولية لضمان حقوق الآشوريين في العراق، كان غيره يقدمون العرائض سواء للحكومة العراقية أم إلى عصبة الأمم يدينون زعماء الحركة الآشورية في تلك الفترة وينعتون البطريرك مار شمعون بالخائن وتكذيبه عن تمثيل الآشوريين مؤكدين في عرائضم بأن الحكومة العراقية رحيمة معهم وضامنة لسلامتهم وإستقرارهم. غير أنه بعد تصفية الحركة الآشورية ونفي البطريرك وعائلته خارج العراق وإسقاط الجنسية العراقية عنهم، لم تنسى الحكومة العراقية أفضال هؤلاء المتعاونين معها فشرعت قوانين وأنظمة وتعليمات وضعت جميع الآشوريين في العراق في أوطأ درجة بين الشعب العراقي وفرضت عليهم قوانين عقدت مسألة الحصول على الجنسية العراقية وحرموا من الكثير من الإمتيازات الوطنية ومن الحصول على وظائف حساسة سواء في القطاعين المدني و العسكري بأستثناء نفر قليل حيث تلئلت نجمة أو أكثر على أكتافهم خدمة للجيش الذي ذبح الآشوريين في سميل. هذه بعض القصص المأساوية ولا يستوجب ذكر أكثر منها.

هذه شذرات من التاريخ المأساوي لشعبنا ولا شك فيها إطلاقا بأن خضوع شعبنا إلى الأنظمة الإستبداية والطغاة كان سبباً واضحاً في معاناته المستديمة. ولكن من المؤكد لو... أعيد وأقول لو كان شعبنا متوحد ومتفق ولو على الحد الأدنى  لكانت درجات الإستبداد والظلم وهضم الحقوق قد خفت بعض الشي أو على الأقل حفظ شعبنا شيئاً من كرامته القومية أثناء هذه الحوادث وكسب أحترام الآخرين. ومما لا شك فيه بأنه حتى "لو كان شعبنا متوحد ومتفق" فأنه لم يكن بالمستطاع القضاء على الإستبداد والظلم ومنع قوع الجرائم الإنسانية التي أرتكبت بحقه بالتمام والكمال، ولكن كان من الممكن جداً أن يعطي هذا التوحد والإتفاق نوع من الثقة لدى أبناء شعبنا بقادته ويخفف ولو قليلا من معاناته المأساوية ويخلق نوع من الإستدامة في الصيرورة القومية والسياسية لشعبنا نحو المستقبل وتشكل سوابق تاريخية كان من الممكن أن تفيد الأجيال القادمة لكي لا تقع في نفس المستنقع.

هكذا كلما نتذكر جرائم مير بدرخان وطلعت باشا وسمكو الشيكاكي وبكر صدقي وحجي رمضان وخيانة الإنكليز ومأساة مذبحة سميل نبدأ برشح الحبر في وجوهم ونلقي كل اللوم... نعم كل اللوم عليهم ولا نتجرأ  النظر في المرآة لكي نكتشف عيوبنا. قال الغرباء رحوا وحدوا كلمتكم ومطالبكم ثم تعالوا حتى ننظر فيها ونتقصى مدى إمكانية تحقيق مطالبكم. وهذا الشرط في توحيد الكلمة والمطلب كأساس للجلوس معاً والإستماع إلى المطلب قد ينتهي بنتيجة إيجابية مفيدة للصالح العام لشعبنا أو قد يكون مجرد مجاملة ونفاق لإظهار الغير، أو الأصح السالب لحقوقنا القومية والوطنية،  بأنه ديموقراطي ومنفتح للمختلف ليبدأ بالقول بأن المسيحيين من الكلدان والسريان والآشوريين لا يساعدون أنفسهم فكيف نستطيع أن نساعدهم؟... لا نعرف ماذا يريدون وماذا يطلبون؟؟ وبالتالي فالتفاهم معهم صعب ولا يمكن الوصول إلى نتيجة. وعلى الجانب الآخر، فلو ... فلو كان زعماء أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية متوحدة في كلمتها ومطلبها لكان هذا الشرط غائباً وغير مطروق في الإجتماعات. لا بل لكان هذا التوحد في الكلمة والمطلب سلاحاً قويا في أيدي زعمائنا ومن الصعب على الإخرين مواجهته وبالتالي سيضطر إلى سماع كلمتهم ومطلبهم.

بالأمس القريب وليس بالماضي البعيد، نأخذ مثال طازج "فريش" في هذا السياق ولا نذهب بعيدا عن الأمثلة القديمة... بالأمس القريب عين رئيس وزراء إقليم كردستان أحد المسيحيين من أعضاء حزبه، أي الحزب الديموقراطي الكوردستاني (البارتي)، بمنصب وزير الموصلات، فإنهالت الإحتجاجات من قبل بعض أحزاب ومنظمات شعبنا في الإقليم على هذا التعيين على أساس أنه "سرقة" من سرقات السلطات في الإقليم لحقوقنا السياسية. ولكن هنا نتساءل مالذي جعل رئيس وزراء الإقليم أن يتمادى على حقوقنا وأن يختار هذا المسيحي من نفس حزبه ولم يختار مسيحي من أعضاء أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية؟؟ الجواب بسيط وواضح من خلال العبارة التي ذكرناها في صدر هذا الموضوع "روحوا وحدوا كلمتكم ومطالبكم .. ثم تعالوا ننظر فيها".. فلوا فرضنا أختار رئيس وزراء الإقليم فعلاً أحد الأعضاء من الأحزاب المسيحية لمنصب الوزير لإنهالت التهم والإهانات من بقية الأحزاب السياسية وزاد سعير الخلاف والإنشاق بينهم لا بل ينفتح قاموس التهم والإهانات وتبدأ قراءة آيات كونه هذا الحزب أو زعيمه عميل أو صنيع الحزب الذي ينتمي إليه رئيس وزراء الإقليم. والتاريخ القريب والمعاصر شاهد على ما أقوله. ولتجنب مثل هذه الأحوال السيئة، ولصعوبة أو رفض قبول ترشيح عضو في حزب معين من قبل الأحزاب الأخرى، فأقل الإيمان هو إمكانية الإتفاق على شخصية مستقلة محترمة في مجتمعنا ولها سمعة جيدة ويتمتع بوعي قومي وثقافي وحرفي ليتم ترشيحه لمنصب وزاري، حينذاك لا أعتقد بأن السيد رئيس وزراء الإقليم كان يتجرأ ويرفضه.
 
فلو فعلاً كان قد سمع وفود شعبنا عام 1919 كلام السكرتير العام لمؤتمر فرساي ونصحية السيد مسعود البارزاني عام 2016، وبين التاريخين عشرات من مثل هذا الكلام، وأستطاعوا توحيد خطابهم السياسي ومطلبهم، ولو في حده الأدنى، لربما كان الأمر مختلفاً بعض الشئ ولربما قد إستجابوا لمطلب ممثلي شعبنا أو ربما لا يستجيبوا، ولكن الأهم من هذا وذاك، والذي يعنينا ونحن بصدد هذا الموضوع في وحدة الخطاب السياسي، هو ظهور زعماء شعبنا كقوة متوحدة في مواجهة التحديات ومن ثم أنعكاس ذلك على تصاعد معنويات شعبنا في هذه الظروف الصعبة وبالتالي تزايد نسبة الثقة أو التقليل من إنحطاطها بين أبناء شعبنا تجاه أحزابنا السياسية. والأكثر من هذا هو إجبار المقابل على إحترامنا وضمان حقوقنا القومية بالشكل السليم ومنعه من التلاعب بطرق مختلفة قابلة وبسهولة لتبريرها وفرضها كواقع حتمي بحجة عدم وحدة المسيحيين وغياب وحدة الخطاب السياسي والمطلب القومي الموحد بين أحزابهم السياسية.

هنا نفترض حتى لو أمكن أن توحد أحزابنا السياسية خطابها ومطلبها وواجهة المقابل بهذا المطلب، وأن تطلب أن لا تتدخل السلطة والأحزاب المهيمنة في شأن تعيين وزير أو سلب كراسي الكوتا عن طريق صبيانهم، او لنقل بأن مساعي حصر التصويت للكوتا بالمسيحيين فقط قد طبق، أفهل سينجح الأمر ويحقق وحدة الخطاب السياسي النتائج المرجوة والهادفة لخدمة المصلحة العامة لشعبنا؟؟ وقبل الإجابة على مثل هذا التساؤل، نقول ونؤكد حقيقة واقعية وموضوعية وهي أن شعبنا هو شعب صغير وتناقضاته ليس فكرية أو أيديولوجية بل كل ما يفرق هذا الحزب عن ذاك هو إختلاف في المواقف وفي المسائل الشسخصية وليس أكثر، وفي بعض الأحيان قد يصل إلى الخلاف ثم الطلاق. مما لا شك فيه هناك أحزاب ومنظمات وكتل هي في الحقيقة أوجه أو صبيان مرتمة بشكل مباشر أو غير مباشر في أحضان أحزاب الغير خلقت بهدف سرقة كراسي الكوتا المسيحية وتمثيل المسحيين "رسمياً" والتحدث بأسمهم من منصة الكراسي البرلمانية التي سرقت علناً من حق شعبنا. هذه الأمور كلها عقدت مسألة الوصول إلى خطاب سياسي ومطلب موحد. لأن الأمر محسوم بالنسبة لصبيان أحزاب الغير فالخلاف بل التناقض مع ما يحملونه من أفكار الغير ومصالح الغير هي قائمة على تناقضات فكرية ودينية وقومية وحضارية وثقافية لايمك إطلاقاً الإتفاق معهم. أما بالنسبة للأحزاب والتنظيمات المتعاملة مع أحزاب الغير قد يكون الأمر أهون للوصول إلى وحدة المطلب فيما إذا تمكن أحزابنا القومية المستقلة من الأخذ والعطاء للوصول إلى القواسم المشتركة التي تفيد مصلحة الجميع المشتركة. ثم يبقى الأمر بين أحزابنا القومية المستقلة ومدى إمكانية التوصل إلى وحدة المطلب. أفهل هذا الأخير ممكن؟ من المؤسف أن نقول مرة أخرى الجواب هو كلا، لأن الأمر ليس في غياب وحدة الخطاب والمطلب القومي الموحد بينهم فحسب، الذي هو أحد أعراض المرض القاتل لشعبنا، بل العلة في سبب هذا المرض. فتخفيف أوجاع وأعراض المرض بالمهدئات لا يقضى على المرض بل ستعود هذه الأوجاع مرة أخرى طالما سبب المرض لازال قائماً والكامن علته في فايروس قابل للإنتعاش فيما إذا أتحيت له الظروف المناسبة أو تكيف ضد المهدئات والمضادات الحيوية. وهناك العشرات من محاولات الوصول إلى وحدة الخطاب السياسية عبر تحالفات وإتحادات وجبهات ولكن ما ان وقفت على ساحة العمل القومي حتى إنهارت. وخير مثال على ذلك هو "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية" رحمه الله.

لنقترب أكثر ونذكر مثال طازج "فريش" آخر وقريب علينا. في الفترة القليلة الماضية أتفق أحزابنا الثلاث، الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) والحزب الوطني الآشوري (أترنايا) وحزب أبناء النهرين (كيان)، باعتبارهم أحزاب قومية مستقلة، على توحيد كلمتهم ومنهاجهم للمشاركة كقائمة موحدة في إنتخابات برلمان إقليم كردستان الأخيرة، غير أن الكيان لم يكمل المشوار حيث أنفرط عقده مع الحزبين الآخرين وقرر عدم المشاركة في الإنتخابات بسبب عدم إستجابة السلطات الحكومية في الإقليم على مطلب حصر التصويت للكوتا المسيحية بالمسيحيين فقط. ولكن هذا السبب لا يخفي سبب آخر له خلفية تتعلق بالشخص الذي سيترأس القائمة الموحدة وهو السكرتير العام لزوعا الذي لم يكن مقبولا من قبل الكيان لأنه بالنتيجة وعلى الأغلب سيحصل على كرسي برلماني طالما هو رقم (1) في القائمة التي عرفت بقائمة الرافدين. ثم تكرر المشهد الدراماتيكي بين الحزبين الآخرين، زوعا وأترنايا، فعلى الرغم من حصول رئيس القائمة السيد يونادم كنا على أصوات أكثر بكثير من غيره ومن رئيس حزب أترنايا السيد عمانوئيل خوشابا المتحالف معه، إلا أن النظام الإنتخابي الفاسد لنظام سياسي فاسد أبعد يونادم وبالمقابل جلس عمانوئيل على كرسي البرلمان. ولما وجد السيد عمانوئيل حلاوة  الكرسي أحلى بكثير من حلاوة أتفاقه مع زوعا، لا بل أكثر وأكثر من حلاوة المصلحة القومية فحاول الإستمتاع بهذه الحلاوة وحده وعلى حساب مبدأ الإتفاق والمصلحة العامة لشعبنا وعلى سمعته السياسية في العراق، فأخذ يضرب يميناً وشمالاً من دون وازع وإحترام لا لمؤسساتنا القومية ولا الكنسية ولم يستثنى من هذا حتى أعلى مركز كنسي متمثل في غبطة الكاردينال مار لويس روفائيل الأول ساكو بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية في العراق والعالم وبالنتيجة أنقضى أستمتاعه بهذه الحلاوة فتم سحب الكرسي من تحته وذهب إلى السيد يونادم كنا. واليوم المدعو ريان الداعشي الذي يتكنى نفسه بالأسم الحضاري المقدس لشعبنا "الكلداني" لغرض إخفاء داعشيته ربما تعلم وقلد السيد عمانوئيل في سياق تهجمه على غبطة البطريرك.

لنمعن النظر وبدقة وعمق في هذه الحقائق الموضوعية لنرى بأن العلة الأساسية في عدم الإتفاق سواء بين أحزابنا السياسية وحتى القومية المستقلة منها والتي تعيننا في وحدة الخطاب السياسي والمطلب القومي الموحد نجد الكرسي بما يعنيه هذا الكرسي، ليس كخشب مصنوع للجلوس عليه فحسب، بل بما يفرزه من مغريات ومنافع ومواقع وسلطة وهيبة وكبرياء وربما تعالي وغرور أيضا، وهو الأساس أو الفايروس الذي يضرب ضربته القاصمة في وحدة شعبنا ويحول دون تحقيق مصلحته القومية والسياسية في العراق ولو في حدها الأدنى. ولو حاولنا أن نحشر أنفسنا أكثر فأكثر في دهاليز حزب من أحزابنا سنرى بأن فايروس الكرسي قد ضرب ضربته بين أعضاء هذا الحزب أو قيادته، فقصم ظهر بعضهم فتركوا الحزب لأنه لم يعطى لهم فسحة إمكانية الجلوس على هذا الكرسي اللعين أو أن أسمه لم يكن في صدر القائمة الإنتخابية. أقولها بكل صدق وبدون مجاملة أو رياء بأن كل الإنشاقات التي ضربت أحزابنا السياسية هي بسب هذا الكرسي وبسبب الشخص الجالس عليه وهناك العشرات من الأمثلة المعاشة في هذا المجال، والقارئ اللبيب تكفيه هذه الإشارة.

صحيح أن لشعبنا أعداء كثر سواء أكانوا من الطورانية التركية أو من التطرف الإسلامي والتعصب الكوردي والقومانيون العرب، لكن العدو رقم واحد الذي يقصم ظهر امتنا ويحول دو وحدتنا حتى في الحد الأدنى هو الكرسي. وبعبارة أخرى، نستطيع أن نقول بأن حتى العدو القريب المتمثل في إستبدادية رجال الحكم في العراق لم تستيطع أن تزيد من سعير الخلافات التي كانت قائمة بين أبناء شعبنا قبل عام 2003 بل في جوانب معينه كان الظلم والإستبداد سبباٌ لتضامن وتماسك شعبنا في مراحل عصيبة معينة، فرض تدريس القرآن في المدارس الرسمية وأحصاء عام 1977 أثناء حكم البعث في العراق، نماذج في هذا السياق. ولكن بعد عام 2003 وإنبعاث روائح الكراسي البرلمانية والحكومية حفزت الكوامن الداخلية لبعض أبناء شعبنا نحو السعي الحثيث للحصول على كرسي من الكراسي المخصصة له والأمر لم يقتصر على شعبنا في العراق وإنما هناك من قطع ألاف الأميال وائتلف مع هذا وذاك لكي يشارك في الإنتخابات ولعل تكون له حصة من هذه الكراسي. وهذا سبب في تعاظم  سعير الخلافات والتناقضات بين شعبنا وصلت إلى درجة يصعب إيجاد حل لها أو التفكير أو السعي لحلها أو التخفيف منها. إذن علة العلل هي في شعبنا وليس في غيرنا.

ولكن هل فعلا أنا أحلم في هذا الموضوع، أي إمكانية توحيد الخطاب السياسي والمطلب القومي؟؟؟ نعم هو تمنى بعيد المدى قد يصل إلى نوع من الحلم ولكن من يحقق الإحلام القومية غير أبطال القوميين... أفهل لنا أبطال من هذا النوع؟؟؟؟؟ ولكن أي نوع من الأبطال نتحدث عنهم؟ الواقع واضح جداً وملئياً بالتحديات الخطرة والمميتة ومواجهتها يتطلب تضحيات جسيمة ونحن لا نطلب من زعماء أحزابنا أن ينزلوا إلى ساحة الوغى ويواجهوا هذه التحديات بالسلاح وبتضحية الأرواح بل، حتى يكونوا أبطال حقيقين عليهم أن يواجهوا هذه التحديات بالتضحيات ونكران الذت والمثابرة الحقيقية والتسلح بالوعي القومي الصحيح بعيداً عن المنافع الشخصية والتحزبية، ولعل ترك الكراسي ونبذها والقضاء على الفايروس هو أولى التضحيات في هذا السياق وأولى المعارك في هذا الحرب. عندما عرضنا فكرة إستقالة ممثلي شعبنا في البرلمان وترك الكراسي، قال البعض بأن هناك أكثر من واحد يسعى للإنتفاع من هذه الكراسي فيقفز عليها ويستمتع بها... نعم هذا صحيح حيث سيخسر بعض من ممثلي شعبنا من ترك الكراسي ولكن بالمقابل وبالتاكيد سيحصلون أحتراماً أكثر ومكانة أرقى بين أبناء شعبنا مما كانوا ينتفعوا من الكراسي اللعينة. وفي حينها حتى لا نكون متشائمين كنُا قد طرحنا فكرة تأسييس المجلس الأعلى للكلدان والسريان والآشوريين وبالمقابل تأسيس المجلس الأعلى لبطاركة كنيسة المشرق في العراق... ومن المؤكد سيقول البعض أحلم يا أبرم بقدر ما تشاء فللأحلام لا حدود لها. 

قبل أن أختم هذه السطور أتذكر قول أحد المستشرقين والمختصين في تاريخ أمتنا حين قال "صحيح أن للآشوريين أعداء كثر ولكن لا يستطيعون أن يقضوا عليهم ولا أن يشكلوا خطورة حقيقة على حياتهم فيما إذا تخلص الآشوريون من نزاعات أبنائهم" حقاً قول صحيح ينطبق في إيامنا هذا...
وأخيرا نضم صوتنا إلى صوت بعض رجالنا الأفذاذ الخالدون:
•   إذا كنًا نريد التقدم... فلنتحد: معلم الفكر القومي الوحدوي  نعوم فائق: 
•   لتن خلاص إلا بخوياثا... لا خلاص لنا إلا بالوحدة: غبطة مثلث الرحمات البطريرك المبجل مار روفائيل بيداويد.
•   ونحن مع كل أبناء شعبنا الأبي والمخلص والمحب لأمته سواء أكنا كلدانا أو سريانا أو أشوريين نعلن اليوم كما أعلن غيرنا قبل سنوات ونقول لأحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية وحتى لكنائسنا المقدسة :
روحوا وحدوا كلمتكم ومطاليبكم ثم أجتمعوا مع غيركم وطالبوا بمطلبكم الموحد ليكون سبيلاً لتحقيقه، وإلا فلا.  لأن كل الجهود المضنية المبذولة منكم في سياق البحث والسعي للحصول على شذرة من شذات مصلحة أمتنا القومية أو الدينية تذهب هباء لأنها من دون وقود الوحدة والتضامن بينكم ولأنها كما سبق وأن ذكرنا هي مجرد حروب دونكيشوتية ضد طواحين الهواء.   

26
كيف نفهم تضامن ووحدة شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري"
وفق نظرية الأواني المستطرقة؟
===========================================
أبرم شبيرا
توطئة:
-----
في زمن ليس بالبعيد ضربت مثال نظرية الأواني المستطرقة على تضامن ووحدة شعبنا بتسمياته الثلاث الكلدان والسريان الآشوريون الحضارية الجميلة مع شرح مبسط ومختصر، فأثار ذلك إهتمام بعض الأصدقاء والقراء الأعزاء مما وجدت من المفيد ان نزيده شرحاً وتفصيلا عن هذا المثال وتطبيقاته على وضعنا القومي والسياسي في العراق خاصة وهناك الكثير لا يزال لا يفهم أهمية تضامن ووحدة جميع تقسيمات شعبنا  قصداً أو جهلاً في هذه المرحلة الحرجة والمميتة التي تهدد مصير وجود شعبنا في أرض أباءه وأجداده وبالتالي زواله من الوجود كقومية أو ككنيسة تاريخية عريقة.


تعريف بسيط للأواني المستطرقة:
---------------------

لنبدأ أولاً وبإختصار تعريف بسيط للأواني المستطرقة والتي هي مجموعة من الأوعية مختلفة الأحجام والأشكال وحتى الألوان وقد تكون دائرية الشكل أو مستطيلة أو حلزونية ولكن تتصل بقاعدة مشتركة، كما مبين في الصورة. فإذا صب سائل في أحدى من هذه الأوعية سوف يتوزع في جميعها وبنفس الإرتفاع. ومرجع هذا التوزيع المتساوي للسائل في جميع الأوعية هو كون الضغط الجوي المسلط مباشرة على جميع الأوعية متساوياً رغم إختلاف حجمها وشكلها. أي بهذا المعنى بأن إرتفاع السائل في جميع الأواني لا يعتمد إطلاقا على الحجم والشكل واللون، بل على الضغط المسلط عليها. وحتى إذا أضيف سائل إلى أحدى الأوعية فأن السائل سوف يصل إلى مستوى جديد متساوي في كل الأوعية حيث يكون مقدار الضغط والجاذبية ثابتين في كل أوعية الأواني المستطرقة. أي الضغط السائل المسلط على أي وعاء من أوعية الأواني سوف ينفذ بالكامل بنفس الشدة في بقية الأوعية. هذه النظرية الفيزيائية البسيطة كانت من ضمن المناهج التدريسية لمادة العلوم أو الفيزياء في معظم المدارس إبتداءا من المرحلة المتوسطة وحتى الإعدادية. فمن المؤكد بأن معظم ان لم يكن جميع القراء وتحديداً المثقفين والسياسين والمعنيين بالشأن القومي والكنسي من أبناء أمتنا قد أكملوا المرحلة الدراسية والمتوسطة والثانوية وألموا بهذه النظرية. وقد يكون ممكنا بأن بعضهم قد دخلوا الإمتحان وإجتازوا المادة وبنجاح، وأيضا قد يكون البعض الآخر قد فشلوا ورسبوا في هذه المادة أو لم يجتازوا المرحلة المتوسطة من الدراسة أو لم يدخلوا المدرسة قطعاً.

نظرة إلى أوضاع شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" من خلال النظرية:
--------------------------------------------------

كغيرها من النظريات في العلوم الطبيعة أستعار علماء علم السياسة هذه النظرية وأستخدموها في بحوثهم المتعلقة ببعض الشعوب التي تتعرض لعوامل وتأثيرات خارجية وداخية تحدد مصيرهم سلباً أو إيجابا. ونحن بدورنا نستعير هذه النطرية لفهم أوضاع شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" في العراق الذي يتعرض إلى ضغوط بالغة الخطورة وتحديات مميتة قد تهدد وجوده التاريخي في أرضه وتقلعه من جذوره وتقوده نحو المصير المجهول. ومن البداية أؤكد تأكيداً قاطعاً، ونحن بصدد هذا الموضوع، بأن إيمانا المطلق قائم على كون الكلدان والسريان والآشوريون قومية واحدة بغنى عن هذه التسمية أو تلك، ولكن هذا الإيمان مرتبط إرتباطا متيناً بشرط أن يعتز كل واحد منا بتسميته إيما أعتزار وأن لا يعظمها أو يمجدها عن طريق تحقير وإهانة أبناء التسميات الأخرى، كما يفعل البعض. أما من لا يومن بهذه النظرية فليس لنا إلا أن نشير إلى المثل القائل "الأواني الفارغة تحدث ضحة أكثر من الأواني الممتلئة" فكذلك نقول بأنه لا يحدث ضجة إلا العقول الفارغة لذلك يستوجب علينا أن لا نضيع وقتنا في المناقشة معهم لأنهم خارج حسابات أمتنا القومية والسياسية.

تطبيقات النظرية على واقعنا القومي:
-------------------------

طبقاً لهذه النظرية نقول بالرغم من تعدد تسميات شعبنا وإختلافه من حيث الحجم الديموغرافي والمدى الجغرافي والمعتقد الكنسي والطائفي ومن حيث العمق الثقافي والفكري والإقتصادي والخلفية السياسية في المسألة القومية، فأنه لا محال من التأكيد في كونه يشكل قومية واحدة ترتبط بقاعدة مشتركة شاملة لللغة والتاريخ والعادات والتقاليد والأرض وبالتالي فأن أي ضغط، فلنكن أكثر وضوحاً ونقول بأنه أي ظلم أو تعسف أو إضطهاد أو تهجير قسري على أي مجموعة من أبناء شعبنا تؤمن بتسمية معينة كمرجع أساسي لإنتماءها الجمعي، لنقل هنا الكلدانية، يترتب بالنتيجة المباشرة نفس الظلم أو التعسف أو الإضطهاد أو التهجير القسري على المجموعتين الآخرتين التي تؤمن بتسمية معينة كمرجع أساسي لإنتماءها الجمعي، أي السريانية والآشورية، كما هو الحال بالضبط مع الأوعية المختلفة للأواني المستطرقة. والحال نفسه على الجانب الإيجابي إيضاً، فأن أي تقدم وإزدهار ونجاح في العملية السياسية ونيل بعض الحقوق القومية وتحقيق بعض الإنجازات على مجمل المستويات الثقافية والفنية والإجتماعية والكنسية لا محال من تمتع المجموعتين الآخرتين بنفس الإمتيازات والحقوق والإنجازات، وهكذا الحالة بالنسبة لأبناء التسميتين السريانية والآشورية وتأثيراتهما على الكلدانية.
وهذا أمر مهم، أي المصير المشترك، هو عامل أساسي آخر يضاف إلى العوامل الأخرى التي تشكل المقومات الأساسية لوجودنا القومي في أرض الوطن. أما من يعتقد بأن أي من هذه التسميات الثلاثة تشكل وحدها وبمعزل عن التسميات الأخرى قومية مستقلة بحد ذاتها ولها مقومات خاصة بها فهو واهم ويسبح في بحار من الغيوم لأنه فعلاً، أما هو خارج أطار الحقيقة الموضوعية التي نعيشها أو كان من الراسبين في إمتحان الفيزياء ولم يستطيع أن يفهم نظرية الأواني المستطرقة أو هو بالأساس جاهل وغير متعلم ولم يجتاز حتى المرحلة الإبتدائية من الدراسة. أفليس جاهلا، أن لم نقل بأنه يدخل حيز الخيانة عندما يقول من يدعي بالآشورية بأن الأمر لا يعنيه عندما تسلب وتهان وتدمر بلدات مثل برطلة و بغديدة لأنها سريانية؟ أفليس جاهلاً إن لم نقل بأنه مساند وداعم لجرائم داعش من يدعي بالسريانية ويقول بأن أمر تهجير أهالي تلكيف وتسلقف وبطنايه لا يعينه بشيء لأنها بلدات كلدانية؟ والحال لا يختلف مع من يدعي بالكلدانية ويقول بأن تهجير أبناء شعبنا الآشوري من قرى منطقة الخابور في سوريا وتفريغها من أهلها هو كفر ويدعم جرائم داعش في السلب والنهب والقتل والتهجير؟ مثل هؤلاء يمثلون قمة الجهل في أبسط الأمور السياسية والقومية، أن لم نقل فعلاً بأنهم من أنصار داعش طالما يحققون نفس هدفها، لأنهم فعل يجهلون أو يتجاهلون بأن حجم السكان المتكون من الكلدان والسريان والآشوريين مع كثافتهم في مناطقهم التاريخية والحالية يشكلان عاملان أساسيان في المطالبة بأية حقوق قومية وسياسية، ولا يمكن إطلاقاً النجاح لأي مطالبة تقوم على تسمية واحدة من دون أن تشمل هذه التسميات الثلاثة معاً، ولا أن تحقق خطوة واحدة نحو الأمام. لنعرف جيداً وبعقول مفتوحة بأنه بسبب فرقتنا وإنقسامنا سهل أمر الذئاب الكبيرة لتشتيت وتفتيت وجودنا في أرض الوطن وبالتالي إفتراسنا وبسهولة، كما يفعل الذئب في القطيع المشتت. لا، والأنكى من هذا، أصبح أمر تشتتنا وإفتقارنا إلى وحدة خطابنا القومي السياسي حجة لدى الغير للنكوث وعدم الإستجابة لمطالب شعبنا... "روحوا توحدوا وتعالوا نناقش مطاليبكم" هكذا هو جواب بعض المتولين زمام الأمور في الوطن وحتى في الخارجية الأمريكية.

حقيقة وجودنا القومي الشامل بين الموضوع والذات:
----------------------------------

حقيقة وجودنا القومي الشامل لجميع التسميات الحضارية هي حقيقة واقعية وليست وهماً أو خيال، ويشكل الجانب الموضوعي لظاهرة وجودنا القومي والذي من المفترض أن ينعكس على الجانب الذاتي الفكري ويدركها أبناء شعبنا خاصة المعنيين بالشأن القومي والسياسي ويعملون بموجبها. ولكن هذا الإفتراض في الإنتقال من الحقيقة الواقعية إلى الفكر، أي وعي الموضوع في الذات الفكري وإنعكاسه فيه والعمل بموجبه يعتمد بالأساس على مدى سعة إدارك الفرد وثقافته ووعيه بهذا الواقع  وتوفر الأداة أو الوسائل اللازمة للعمل بهذه المعادلة وبإيمان عميق بين الموضوع والذات، بين الواقع والفكر ومن ثم تطبيقه على الواقع. ولما كان الحزب السياسي أو أي تنظيم قومي آخر هو طليعة العمل القومي فعلى أعضاءه أن يدركون كل الإدراك هذه المعادلة بين الموضوع والذات ويعملوا بموجبها لكي تكون على الأقل ضمانة بسيطة في المطالبة بالحقوق القومية لهذه "الأواني المستطرقة". من هناك نود التأكيد على أهمية الأحزاب السياسية أو التنظيمات القومية التي تعمل في نفس الحقل السياسي القومي ونقول بأنها هي المرآة الحقيقة للمجتمع ومدى تقدمه أو تأخره من جميع النواحي خاصة السياسية منها. وهكذا نقول بأن النظام السياسي والحزبي الناجح والفاعل في أي دولة يمثل نجاح الدولة وتقدم  شعبها. والعكس صحيح، فأي نظام سياسي وحزبي ضعيف وفاشل ويراوح في مكانه فهو إنعكاس لتأخر الدولة  ومجتمعها ومن جميع النواحي وليس حصراً بالسياسة. هناك حقيقة واقعية لا يمكن أنكارها وهي أن أي حركة شعبية أو مطالبة سياسية لا يمكن أن تنجح ما لم تكن لها قيادة تتمثل في تنظيم معين. فتاريخ الشعوب يثبت بأن كل الحركات والمظاهرات والإحتجاجات الشعبية والعفوية التي تفتقد إلى القيادة أو من يمثلها تنتهي بدون نتيجة وإلى فوضى وخراب وتدمير البنية الأساسية للبلد.
والحال هذه تنطبق بكل حذافيها على شعبنا، فلا يمكن أن تنجح مطالباته وإحتجاجاته من دون أن تكون له قيادة أو تنظيم يمثلها، ولكن مما يؤسف له فإن ضعف أحزابنا السياسية في العمل السياسي وفشل تحقيق بعض النتائج هو إنعكاس لضعف شعبنا في التضامن والوحدة. أذن أين الخلل في هذه العلاقة الطردية بين المجتمع والأحزاب في حركة شعبنا السياسية القومية؟ هناك مجموعة من العوامل الخارجية والداخلية المعيقة والمربكة لحركتنا السياسية والتي تشكل مصدر الخلل والفشل والتعثر. وقبل أن نرى القشة (العوامل الخارجية) في أعين الآخرين علينا أن نرى الخشبة (العوامل الداخلية) في أعيننا حتى ندرك حقيقتنا من دون مجاملة ورياء. صحيح أن القشة في أعين الآخرين هي مؤثرة جداً وتتمثل في نهب الذئاب الكبيرة لحقوقنا القومية والسياسية سواء بشكل مباشر أو عن طريق وكلاء لهم ينفذون من خلال "الكوتا المسيحية" ويغتصبون كراسيها والذي هو أمر تأكد خلال السنوات الماضية صعوبة أو إستحالة مواجهته ووضع الأمور على مسارها الصحيح. ولكن الخشبة في أعيننا التي هي أكثر قوة وتأثير في إعاقة المسيرة السياسية القومية لشعبنا يمكن التعامل معها فيما أذا توفرت الإرادة الحاسمة والإيمان العميق بمصلحة الأمة جمعاء. وبعبارة أخرى فيما إذا تمكنا من فهم نظرية الأواني المستطرقة والعمل بموجها. إذن ماهي هذه الخشبة الظالمة التي تشكل العدو رقم واحد لأمتنا في هذه المرحلة الحرجة.

العدو رقم (1):
--------- 

بغنى عن القشة في أعين الآخرين التي تشكل في سياق حركتنا القومية في الوطن عدو لهذه المسيرة وتهدد وجودنا، فأن الخشبة في أعيننا المتمثلة في العدو رقم (1) هو الكرسي. وقد يستغرب البعض في أعتبار الكرسي عدو رقم (1) ولكن الواقع ينفي هذا الإستغراب. فمن الملاحظ بأن معظم إن لم يكن جميع اللاهثين وراء هذا الكرسي البرلماني أو الحكومي، هم يتبنون تقريباً التسمية المركبة "الكلدان السريان الآشوريون" ولكن هم في إستحالة من التفاهم على الحد الأدني من مصلحة الأمة بسب النزاع على الكرسي. ومن المؤكد بأن وكلاء العامل الخارجي المتمثل في الذئاب الكبيرة يلعب دوراً كبيراً في شأن تقطيع أوصال أمتنا ورميها أمام أسيادهم، ولكن من جانب آخر نرى بأن هذا الكرسي اللعين يلعب دوره القذر حتى بين الأحزاب والكتل التي هي بعيدة بعض الشيء عن أحضان الذئاب المفترسة، لنقل بأنها نوعا ما مستقلة في قراراتها. لا بل والأكثر من هذا حيث يتجاوز الكرسي اللعين تأثيره حتى داخل الحزب الواحد ليقود أعضاءه نحو الخلاف أن لم يكن الصراع حول رأس القائمة الإنتخابية أثناء اللعبة المقيتة التي تسمى بالإنتخابات في العراق. بهذا نرى بأن الكرسي اللعين فتاك ويحرق الأخضر واليابس وبدون هوادة، والتجارب السابقة أثبت هذه الحقيقة المرة ولا يستطيع أحد أن ينكرها. وإذا حددنا العدو رقم (1) بالكرسي، إذن كيف نواجهه ونتحداه ونزيل أو نحد من شراسته؟ في الوقت الذي أثبت التجارب الواقعية بأن كل الدعوات نحو إصلاح نظام الكوتا المسيحية وتصقيل هذا الكرسي قد ذهبت أدراج الرياح،  وبقى الكرسي العنيد صامداً في مكانه مؤثراً على الجميع دون إستثناء. وحتى لو تم إصلاح هذا النظام فأن الروائح المزكية لأنفوف اللاهثين وراءه ستفتح شهيتهم ويسعى كل واحد منهم للحصول على أكبر حصة من الفتات المتساقطة من هذا الكرسي.

خيار الصفر:
-------

إذا تجاهلنا الواقع وركضنا خلف غير الممكن وتركنا الممكن فهذا بعينه هو قمة التخلف والجهل وبالنتيجة الفشل المطبق في التحليل الأخير. عندما قال لينين بأن السياسة هو فن الممكن كان القصد منها هو الإعتماد على الواقع وليس على الخيال والأماني، فالسياسة لا تتعامل إلا مع الواقع الموضوعي. وهذا الواقع الموضوعي لأمتنا خلال السنوات الطويلة المؤلمة يجب وثم يجب أن يؤخد بنظر الإعتبار وإلا سوف نغرق ونتلاشى في جمهورية إفلاطون المثالية. هذا الواقع أثبت بأن كل الخيارات التي أعتمدت سواء من قبل قادة أحزابنا السياسية أو رجال الكنيسة قد بائت بالفشل. فلا صرخات أبينا السامي الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو، بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية وقعت على آذان صاغية، ولا أحتجاجات وطلبات أحزابنا السياسية وجدت طريقاً سليماً لمرسليها غير سلة المهملات. ولا التسمية المفردة لأمتنا حققت خطوة واحدة غير سطور على ورق. ولا التنظيمات الهشة مثل "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية"، رحمه الله، قد عمل شيء غير إصدار تصريح أو تصاريح في الهواء الملوث. ولا مجلس الطوائف المسيحية في العراق المبنى على أسس هيكلية خاطئة وركيكة أستطاع إقناع مسيحي واحد في العراق بفائدته. وحتى التسمية المركبة الموحدة لم تخلص من العدو رقم واحد (الكرسي) إلا ونهش بها فتناثر أطرافها يميناً وشمالاً. إذن بهذا المعنى وصلت حركة مطالبتنا بحقوقنا القومية وبحماية وجودنا في الوطن إلى مرحلة الإفلاس بعد أستنفذت كل الخيارات ولم يبقى إلا خيار الصفر الذي لا قيمة له ولا وزن في العملية السياسية. وقد أكون متفائلا وإيجابيا عندما أوصلت حالتنا إلى خيار الصفر وليس إلى حالة تحت الصفر المروعة، وهي الحقيقة التي يخاف منها بعض المعنيين بالشأن القومي والكنسي ويتجنبون الإشارة إليها ومحاولة معالجتها. أستغرب جداً لدرجة الذهول والجنون عندما أسمع من قيادي في أحدى أحزابنا السياسية يقول بأن وضعنا بشكل عام بعد عام 2003 أحسن بكثير من قبل !!!!! كلام كأنما يصر ويؤكد بأن الأرض مسطحة وليست كروية وأن الشمس تدور حول الأرض وليس الأرض هي التي تدور حول الشمس. التراجع الفضيع لأحوالنا وعلى جميع المستويات خلال السنوات القليلة الماضية أوصلتنا إلى حالة تحت الصفر ومن يقول عكس هذا فلا محال فهو مصاب الهوس والهذيان.
إذن من هذا المنطلق فإن مهمتنا الأساسية وتحديداً الأحزاب والمنظمات والكنائس هو ليس البناء والذي هو امر مستحيل في مثل هذه الظروف لأنه لا نملك مقومات ومتطلبات البناء المثمر، بل مهمتنا يجب أن تكون بالدرجة الأولى محاولة إيقاف الإنهيار والحد من مهالكه. وقد يكون موضوع الهجرة مثالا على ذلك، فبدلا من ضرب الأخماس بالأسداس وطلب المستحيل من المهاجرين العودة إلى الوطن، يجب القضاء أو التخفيف من العوامل التي تسبب الهجرة في أرض الوطن. صحيح هو بأن هناك عوامل خارجية مؤثرة جدا، كفقدان الأمن والسلم، تدفع أبناء شعبنا لترك الوطن والتي يصعب التعامل معها أو التأثير فيها أو التخفيف منها، لكن هناك عوامل داخلية مرتبطة بطبيعة حراك تنظيمات شعبنا وأحزابه يمكن التعامل معها ودفعها نحو إقناع أبناء شعبنا في الصمود في الوطن. ولعل أهمها هو خلق الثقة في أبناء شعبنا من أن نتائج "نضال" أحزابنا السياسية ستكون مثمرة ومحققة لطموحات شعبنا في الوطن وأن مشاركتهم في النظام السياسي ستصب نتائجه في مصلحة الأمة، وأنا متأكد وغيري أيضا متأكد، لو جلس الأباء الأفاضل لفروع كنيسة المشرق في العراق وتباحوا ووصلوا ألى الحد الإنى من التفاهم والتقارب سيخلق نوع من الثقة في أبناء شعبنا ويقتنعوا بأن فروع كنيسة المشرق تعمل فعلاً بوصاية ربنا يسوع المسيح في وحدته. ولكن هيهات من هذا الإقناع لأنه يمكن التأكيد بأن غالبية شعبنا لا يومن بأن احزابنا تعمل لمصلحة الأمة بل تعمل لمصحلتها الخاصة والشخصية، خاصة من خلال الكرسي اللعين، اما بالنسبة لفروع كنيسة المشرق فانني أخشى أن أكشف المستور خوفاً من أتهامي بالكفر والزندة وأنا مسيحي مؤمن بسيط. 
من هذا المنطلق نقول بأن أية محالة للتحول من تحت الصفر إلى الصفر ومن ثم إلى أعلى لا يتم لها النجاح ما لم يتم القضاء على المسببات وخصوصاً العدو رقم واحد والتخلص منه والإبتعاد بأكثر ما يمكن من الروائح الكريهة التي تنبعث من النظام السياسي الفاسد والمتعفن في العراق ومن ثم أعادة تركيب مؤسساتنا القومية والكنسية بعيدة عن الأجواء الفاسدة لعل قد يستنشق شعبنا قليلا من الهواء النقي ويعيد فيه أمل البقاء في هذا الوطن. لقد وصلت حالتنا السياسية والقومية في الظروف المأساوية المميتة إلى درجة الإفلاس ولا أعتقد بأن المباشرة ببعض الحلول حتى لو كانت الكلفة كبيرة فأن نتائجها حتما سوف لا تكون أسوء مما هو عليه في الوضع الحالي لشعبنا. فالشخص المفلس عندما يدخل أية مقامرة فلا يخسر شيئاً ولكن إذا أستطاع إقناع الجالسين على طاولة المقامرة بالمشاركة معهم ربما قد يربح شيئاً. ولا نريد الإطالة أكثر لأن هذا الموضوع سبق وأن تطرقنا إليه ولكن مما يؤسف له بأن الكثير من المعنيين بالشأن القومي والكنسي آذانهم مليئة بالشمع اليابس وغير قابلة للسماع لكل ما يمس نرجسيتهم ويكون خارج أطار مصلحتهم الشخصية والتحزبية. 
وأخيرأ أكلل هذه الصفحات برسالة القديس بولس الأولى إلى أهل كورنثوس "لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْجَسَدَ هُوَ وَاحِدٌ وَلَهُ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَكُلُّ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا كَانَتْ كَثِيرَةً هِيَ جَسَدٌ وَاحِدٌ، كَذلِكَ الْمَسِيحُ أَيْضًا" (12:12).  فلو فعلاً تعمدنا بروح القدس فيجب عليها أن نؤمن بهذه الكلمات من الكتاب المقدس ونعمل بموجها حتى نكون فعلا مسيحيون أتقياء.

27
رسالة جواب من آشور بانيبال ملك العالم إلى حفيده أبرم شبيرا
===================================

============================================
أبرم شبيرا
حفيدي العزيز أبرم،
أستلمت رسالتك عبر التواصل الروحي والوجداني الذي يربط بيننا، وها أنا أكتب إليك رسالة جوابية رغم أنني تأخرت بعض الشيء لأنني كنت أعرف بأنك في زيارة إلى أرض الوطن وإنشغالك بالمشاركة مع أحفادي الآخرين في احتفالات الأول من نيسان رأس السنة البابلية الآشورية التي كانت معروفة لدينا بـ "أكيتو" . ولكن قبل أن أعرض مراقبتي ومشاهدتي لك ولبقية أحفادي المشاركين في هذه الأحتفالات ومن خلال هذا التواصل الروحي والوجداني أود أن أبين بعض الملاحظات على رسالتك التي كنت فيها متفائلاً وملئياً بالأمل المبني الكثير منه على ماضي حضارتنا وعظمتها من دون أن تبين ولو قليلاً  بعض السلبيات والظلاميات التي لا تزال تكبل عقول بعض أحفادي في زمنكم هذا. أول الأمر هو إنني أستغرب من البعض الذين ينسبون أنفسهم إلى هذه الحضارة العظيمة ولكن لا زالت صخرة كبيرة تجثم على عقولهم ولا يستطيعون فهم بعض الحقائق الواقعية التي تسود في مجتمعكم الحالي. والأنكى من هذا وذاك، ففي الوقت الذي كان يستوجب عليهم ملئ أفدانهم بالتفائل والفرح والمسرة من التواصل الذي أوصلت برسالتك الوجدانية بين الماضي السحيق والحاضر الحالي، بين عظمة حضارتنا وواقعكم المؤلم وأنا متواجد كملك للعالم في المتحف البريطاني، نرى بأنهم عاجزين كل العجز من زحزحة الصخرة من عقولهم والولوج ولو قليلا إلى نور الذي يربط الماضي بالحاضر بخيط من ضمير نظيف ووعي منفتح وسليم. وعلى العموم يا حفيدي العزيز تابع ما قاله ربكم يسوع المسيح "يا أبتاه، أغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون (لوقا 23 – 34).
لم تتطرق يا حفيدي العزيز أبرم إلى السلبيات والظلامايت التي تحيط بالمؤسسات سواء القومية أو الكنسية، فأحزابكم لا تزال تلهث وراء الكرسي اللعين ناسية بذلك مصلحة الأمة وتتناطح بعضها  بالبعض وتتزاحم مع غيرها من المخلصين من أجل نيل حضوة لدى هذه الجهة أو تلك. أما على مستوى المؤسسات الكنسية فالأمر أغرب بكثير من كله... كان لنا آله واحد معروف وهو آشور وكان له رمزاً ومن خلاله كان يتجسد في مؤسسة عظيمة واحدة هي الأمبراطورية الآشورية. وأنا أعرف أيضا بأن لكم في زمانكم آله واحد تجسد في شخصية المسيح الذي بعظمته بنى كنيسة واحدة على صخرة بطرس ولكن مما يؤسف له بأن أرى هذه الصخرة قد تكسرت إلى أحجار متناثرة هنا وهناك مخالفة بذلك وحدة المسيح في كنيسته الواحدة. نعم قبلت على مضض تعدد التسميات الثلاث (كلدان سريان آشوريون) المركبة لهذه الأمة الواحدة وفهمت قصدك من كونها مجرد منهاج او وسيلة لوحدة وتضامن أكثرية أبناء الأمة وبناء أكبر حشد جماهيري ضد السالبين لحقوقهم القومية وإنتزاعها منهم، وفهمت أيضاً قولك بأن لكل واحد الحق وكل الحق أن يعتز بالتسمية التي يشعر بأنه ينتمي إليها ولكن في نفس الوقت يجب لا بل يستوجب كل الواجب، أن يشعر أيضا بأن كل التسميات تعود لأمة واحدة وأن يعمل من أجل مصحلة هذه الأمة. ولكن يظهر بأنه لا يزال البعض غير قابل على فهم هذا الأسلوب المطلوب في هذه المرحلة من الزمن الظالم أو يتجاهله أو ينكره لأسباب من المؤكد هي في غير صالح هذه الأمة.
على العموم يا حفيدي، كل هذا لا يمحي ولا يعكر فرحتي العظيمة عندما شاهدتك بين عشرات الآلاف من أحفادي وأن تسير في المسيرة النيسانية في مدينتي العزيز نوهدرا التي تسمى اليوم بـ "دهوك" وتلوح بيدك سلاماً وتحية لبقية أحفادي الذين لم يشاركوا في المسيرة العظيمة.

أندهشت كثيرا وكانت فرحتي عظيمة في ذات اليوم من الأول من نيسان عندما أحتشد عشرات الألاف من أحفادي في هذه المسيرة التي وقف ربكم يسوع المسيح إلى جابهم وأشرق بنوره الساطع وبسماءه الزرقاء عليكم في يوم مشمس وبهيج رغم أن كل الأنواء الجوية كانت تقول بأنه سيكون يوماً ممطراً وعاصفا وستفيض الشوارع بالمياه وتغلق المدارس وبعض الدوائر الرسمية. غير أنه تبين بأن الأول من نيسان أنتصر فعلا ودحر كل توقعات الأنواء الجوية وأخمد عقول وتصورات المتشائمين والمترددين والحاقدين على نيسان الحياة وبهجته العامرة في قلوب كل أحفادي إينما كانوا في الوطن أم في المهجر.

==========================================================
وعندما بحثت بين آلاف الحشود من أحفادي في المسيرة النيسانية، لم أجد صاحبك والشخصية القومية المعروفة عمانوئيل قليتا الذي دأب على المشاركة في هذه المسيرة طيلة السنوات الماضية... فبعد تقصي وبحث جائني رد من الفضاء البعيد بأنه لإسباب صحية لم يستطيع المشاركة في المسيرة النيسانية، حينئذ رفعت ذراعي إلى إلهي آشور وطلبت نيابة عنكم من ربكم يسوع المسيح أن يشفيه ويعطيه الصحة والعافية حتى نراه في المسيرة النيسانية القادمة.

والأكثر من كل هذا وذاك، وأنت في المتحف التراث السرياني في عنكاوة، فمثلما أغرورقة عيونك بالدموع وأنت تشاهد إطفالي من المدارس السريانية في عنكاوه وهم ينشدون  بأسمي وبلغتي أناشيد وفعاليات بهذه المناسبة العظيمة كذلك أغرورقة عيوني وأنا في العالم الأخر وتذكرت حينذاك عندما قلت ذات يوما بأن البريق الذي يسطع من عيون أطفال المدارس السريانية يبنى عليه أمل بقاء وديمومة هذه الأمة ولغتها إلى أماد أبعد. فمن عالمي السرمدي أرفع يدي وأضعها على رؤوس أطفالي وأساتذتهم الذين برعوا في إدارتها وتنظيمها بالشكل الذي يليق بسمعة أمبراطوريتنا وأباركهم بقوة آلهي آشور وبعظمة آلهكم يسوع المسيح أن ينعموا دائماً بالقوة والنشاط رغم الظروف المميتة التي تحيط بهم، فهم أهلين فعلاً ليكون أحفادي وأبناء أمبراطوريتنا.


أما عن أحفادي في منظمة كشرو فالفرحة أكثر من فرحتين وأنا أشاهدهم مستمتعين بزيارة أرضي وبلداتي ويتسلقون جبالي وهم فرحين بأنتسابهم لهذه الأمبراطورية العظيمة، فصلواتي لهم بمزيد من التمسك بأرض آشور وبتكرار زيارتهم لها على الأقل في كل نيسان من السنة وأن ينشروا سعادتكم ووبهجتهم في أرض الغربة لتكون حافزا لغيرهم للشروع بالتخطيط والتهيئة لزيارة أرض نيسان في وطني الحبيب في السنة القادمة.

وفد من منظمة كشرو يزور منطقة صبنا وزيارة لإتحاد الطلبة والشبية الكلدو آشوري

==========================================
أقول لك يا حفيدي العزيز بأنه على جناح إلهي آشور وبرؤية وجدانية روحية طفت حول العالم لأمعن بنظرة فاحصة على أبناءي في مختلف بلدان العالم، نظرة لم تسرني كثيراً لأنني وجدت في معظم بلدان المهجر أحفادي مشتتين ولا تجمعهم منظمة أو حركة أو حتى نادي يعبرون فيهم عن هويتهم القومية ويجتمعون تحت سقف واحد، ولكن عندما رجعت إلى أرضي آشور وجدت أحفادي أكثر إهتماماً وشغفاً بالمسائل القومية والثقافية والسياسية رغم أنهم ليسوا جميعاً في توافق وإنسجام. ولكن وبينما أنا أطوف حول بعض من هذه المؤسسات والأندية وجدت أحفادي أكثر حضوراً في النادي الثقافي الآشوري في عنكاوه وأنت من بينهم في كثير من الأوقات مستمتعاً بهذا الحضور. ليس لأن أسمه يذكرك بالأيام الخوالي الجميلة للنادي الثقافي الآشوري في بغداد في السبعينيات من القرن المنصرم، بل لأنه وجدته تتوفر فيه كل المقومات المطلوبة لأي مؤسسة أو نادي من مبنى فسيح وخدمات ممتازة إجتماعية وترفيهية، والأكثر من كل هذا هو الحشد الكبير من أحفادي... نعم أحفادي فقط من غير الغرباء، يحضرون للنادي ويستمتعون بأوقات عائلية جميلة وممتعة وعلى أنغام وأغاني آشورية... نعم آشورية فقط. وعندما بحثت من خلال منظاري الروحي والوجداني في سجلات النادي وجدت بأن له إهتمامات ثقافية وفنية وقومية وأمعنت النظر أكثر في الصفحة التي تبين حضورك ومشاركتك في نشاطات ثقافية وقومية فلم يلبث إلا أن أشاطرك، كل المشاطرة، بالقول "لا خلاص لأمتنا إلا بالوحدة".
 

وأخيرا، أفليس من واجبي كملك للعالم أن أقتلع جوهرة واحدة من جواهر تاجي الملكي وأمنحها للقائمين على إدارة هذا النادي الممتاز ليكون نبراسها الساطع ونوراً يهتدي به السائرون في الظلام والتائهون في غابابات التهم والنفاق حتى يسترشدوا بالنور على الطريق الصحيح ليصلوا إلى مقر النادي ويشاهدوا صوري أنا آشور بانيبال ملك العالم ويستمتعو بأغاني التي تمجد لغي وتاريخي وحضارتي.   

أختم رسالتي هذه يا حفيدي العزيز، بالقول بأن إبتسامتي كانت أكبر من أبتسامتك وأنت على قمة أعلى قمم جبال آشور رافعاً ومقدما كتلة من الثلج البيضاء تعبيراً عن تحياتك ومحبتك لبقية أحفادي الذين غابوا كثيرا عن آشور.

       
==================================================

ربي وإلهي كم كنت عظيماً وكريماً عندما أنعمت علينا بأرض رائعة الجمال والخصوبة... ربي وإلهي... نتضرع إليك راكعين متوسلين أن تنعم بعظمتك على أبناء أرض آشور الصامدين هناك بالقوة والصبر والثبات في مسيرة الحفاظ على هذه الأرض، فلهم ألف وألف تحية وتبريكاتنا وإحترامنا لهم لا نهاية لها، فهم الذي أثبتوا ويثبوا بأنهم فعلاً هم أبناء آشور بانيبال ملك العالم.
=========================================================
   

28
ملحق بالرسالة إلى جدي آشور بانيبال ملك العالم من حفيدك أبرم شبيرا

=======================================
أبرم شبيرا
في هذا الملحق أود أن أبين بعض الملاحظات والتوضيحات التي يهم القراء والذين بينًوا أراءهم وكتبوا إنتقاداتهم على الموضوع سواء أتفقنا معهم أم لا، فبكلهم نعتز ونقدرهم إيما تقدير. فهذه الملاحظات تأتي في سياق توضيح المغزى من هذا الموضوع الذي لم يكن بالأمكان دمجها في متنه خشية على إطالته وإراحة قراءنا الأعزاء من قراءة المواضيع الطويلة.
أول هذه التوضيحات، هو عندما نكتب موضوعاً معيناً يخص أمتنا يجب أن نعرف من هو الجهة المخاطب إليه، أفهل هذه الجهة هي من أبناء أمتنا أم من غيرهم؟ فإذا كان المخاطب إليه هو من أبناء أمتنا حينئذ نرى في الموضوع نوع من الأحاسيس الفياضة وربما شيئا من المبالغة التي قد تصل حدود الأمال البعيدة والتمنيات المرغوبة. فالمغزى من كل هذا النوع من المواضيع هو أثارة مشاعر أبناء أمتنا وتحفيز كوامنهم الداخلية نحو إنماء وعيهم القومي بخصوص تاريخهم وتراثهم خاصة بالنسبة للشباب والجيل الجديد الذي أبتعد بعض الشيء عن تاريخهم وتراثهم في هذا الزمن الظالم الذي يهدد وجودنا سواء في أرض الوطن أم في بلدان المهجر. فمثل هذه المواضيع هي كأسلوب لتثبت وجودهم القومي والحفاظ عليه بقدر الإمكان. أما إذا كان المخاطب إليه من غير أبناء أمتنا، فيستوجب أن يكون الموضوع ملئياً بالحقائق الواقعية معتمدا الموضوعية في طرحه وبعيداً عن المبالغات والأحاسيس المرفهة لكي يكون مقبولا على العقلاء من غير أبناء امتنا ويفهموا واقعنا ومأساتنا، وهذا هو الأسلوب المتبع في كل كتاباتي الذي يصعب على البعض فهم المغزى المراد تحقيقه منها.
أما الملاحظة الأخرى فهي تتعلق بالحدث الإستثنائي الذي أقيم في المتحف البريطاني المخصص لآشور بانيبال ملك العالم والذي يعتبر ليس سابقة تاريخية لأمتنا بل للمتحف البريطاني أيضا، لا بل أيضا للعالم أجمع ومن خلال الجمهور الكبير الذي حضر هذا المعرض والفعاليات المثيرة لإنتباه والإعجاب التي أقيمت فيه من قبل أبناء أمتنا في المهجر. فمن المعروف عن المتحف البريطاني الضخم والمشهور بأن له أقسام تاريخية متعددة وأشهرها القسم الآشوري والمصري والإغريقي والروماني. فالملاحظة الجديرة بالإهتمام الكبير هي أن أصحاب هذه الآثار المصرية والأغريقية والرومانية لهم دول معروفة على الساحة الدولية وإمكانيات مؤثرة مادية وفكرية وثقافية وسياسة أيضا. أما أصحاب الآثار الآشورية فهم أقلية صغيرة مشتتة في مختلف زوايا العالم، فلا دولة لهم ولا إمكانيات مؤثرة مثلما يملكها بقية الدول المذكورة.غير أنهم بهذا الإفقار الشامل أستطاع أبناء أمتنا من أقامة فعاليات عظيمة أثناء المعرض وربطوا الحاضر بالماضي بجملة فعاليات تراثية وفنية وثقافية. فلم نسمع بأن قامت لا مصر ولا يونان ولا إيطاليا بمثل هذه الفعاليات رغم أنه كان في السنوات الماضية قد أقام المتحف البريطاني معارض خاصة بآثار هذه الدول. أفلا يستحق هؤلاء الذين ربطوا الحاضر بالماضي من خلال هذه الفعاليات كل إحترام وتقدير وأن نيشير إليهم ببعض السطور؟؟
أضافة إلى هذا الحدث، فأن هناك حدث تاريخي وتراثي آخر على وشك الوقوع تزامن تقريباً مع حدث المتحف البريطاني، وهو الإحتفال بالسنة البابلية الآشورية الجديد (أكيتو) في الأول من نيسان القادم. أهمية هذا الحدث تأتي من جانبين: أولهما أنه يشكل ركن من أركان وجودنا القومي التاريخي في أرض الوطن إلى جانب مقومات أمتنا من لغة وتاريخ وعادات وأرض وظاهرة من الظواهر الجلية والجماهيرية التي تؤكد لجيراننا بأننا الشعب الأصيل لهذه الأرض. فإذا كان البعض يعتقد بأن مسيرة الأول من نيسان والأحتفالات التي ترافقه لا تتناسب مع أرواح شهداءنا وهو "هرج ومرج" فهو مخطأ كلياً ولا يعدو هذا التبرير إلا تعبير عن عجزه من القيام بمثل هذه الإحتفالات أو المشاركة فيها. أما الجانب الآخر لإحتفالات الأول من نيسان فهو يقوم على الجهة المنظمة لها وتحديداً أقصد الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا). فإذا كان صحيحاً بان زوعا تراجعت سياسياً ورسميا عن الساحة السياسية، أي بعبارة أخرى تقلصت شرعيتها الرسمية والقانونية عبر فقدانها لبعض الكراسي البرلمانية التي كان يجلس عليها ممثليها في السابق وذلك بسبب جملة عوامل سياسية منبعثة من فساد النظام السياسي في العراق، فأنها لازالت تمتلك شرعية جماهيرية ثورية قادرة على حشد جماهيري واسع والذي يظهر جانب منه في المسيرة النسانية، فهو حقيقة سواء أتفقنا معه أم لا، فالأمر سيان ولا يغير من هذه الحقيقة شيئاً. الإشارة المشددة أستوجبت إلى هذه الإحتفالات النيسانية وضرورة حشد أكبر عدد من جماهير أمتنا كتحدي للواقع المأساوي الذي يحيط بأمتنا في الوطن وكمحاول لتثبيت وجودنا القومي والتاريخي في أرض الوطن، وأظهرنا أملنا في الموضوع ليكون فعلا الحشد الجماهيري كبيرا في هذه المسيرة رغم أن الأنواء الجوية تشير بأن في الأول من نيسان سيكون يوماً ممطراً، ولكن أتمنع المطر جماهيرنا من المشاركة في هذه المسيرة؟؟... لا و لا... لأن لجماهير المسيرة  ومنظميها تجربة في هذا السياق حيث في السنوات القليلة الماضية كان المطر شديداً أثناء المسيرة والإحتفالات ولكن الحشود الكبيرة أستمروا صعودا نحو نقطة النهاية في منطقة السد في ضواحي مدينة نوهدرا (دهوك حاليا) ولم تمنع المطر لا كبار السن ولا صغارهم من الإستمرار في المسيرة حتى النهاية.
 
===================================
الملاحظة الأخرى التي كان يستوجبها أكثر تفصيلا في الموضوع السابق هو الإشارة إلى منظمتين: منظمة كشرو الشبابية والإتحاد القومي الآشوري الأمريكي الذي تأسس عام 1933 عقب مذبحة سميل. والمغزى المهم من هذه الإشارة، التي يصعب على من لا يملك حتى الحد الأدني من الوعي القومي والسياسي فهمها، هو بيان أهمية هاتين المنظمتين في هذا العصر الظالم الذي يهدد وجودنا القومي خاصة وأن الكثير من أبناء شعبنا في الوطن لم يسمعوا عن هاتين المنظمتين ولا يدركون أهميتهما ضمن المساعي الهادفة إلى تثبيت وجودنا القومي في الوطن والحفاظ عليه من الضياع في بلدان المهجر. أليس من واجبنا أن نقدر ونحترم مساعي منظمة كشرو التي في كل عام تقريباً يشارك العشرات من أعضاءها وغيرهم في مسيرة العبور عبر الجسر "كشرو" الرابط بين المهجر والوطن للمشاركة في المسيرة النسانية رغم صعوبات التي يتحملوهنا منها مشقة السفر الطويل وألأعباء المالية والعائلية خاصة ونحن نعرف بأن معظمهم أما هم طلاب جامعات أو موظفين لهم إلتزاماتهم الوظيفية أو هم أصحاب عوائل وأطفال. وقد يظهر للبعض بأنني قد بالغت في أمر منظمة كشرو ولكن للحقيقة أقول من يحضر الندوات واللقاءات التي يعقدها ممثلو هذه المنظمة بعد عودتهم إلى بلدانهم في المهجر ويشرحوا فيها تفاصيل رحلتهم إلى أرض الوطن معززة بالصور والأفلام سيعرف بأنها فعلا من أعظم المنظمات القومية لدينا ويستوجبها التشجيع والدعم المستمرين. حينئذ، وأنا حاضر أحدى هذه الندوات، يدرك بأنهم يشكلون خميرة بقاء الأمة في المهجر وصيانتها من الضياع على الأقل إلى الأجل غير المنظور.
المنظمة الأخرى التي أستوجبها الإشارة هي الإتحاد الآشوري القومي الآشوري الأمريكي هو للتأكيد أهمية هذه المنظمة في هذا العصر المأساوي. وتأكيد هذه الأهمية ينطلق من أولا: في كون هذا الأتحاد المنظمة القومية التي ظلت قائمة منذ عام 1933 ولحد هذا اليوم. فديمومة وإستمرارة منظمة معينة هي مرآة لديمومة الأمة وإستمرارها، فالأمة لا تعرف من قبل الغير إلا عبر مثل هذه المنظمات القومية. وثانيا: في كل عام من نهاية شهر آب ينظم هذا الإتحاد "الكونفيشن" الذي يجتمع تحت سقفه الألاف من أبناء شعبنا ولبضعة أيام ملئها النشاطات الإجتماعية والثقافية والفنية والرياضية والترفيهية ولعل أعظمها بالنسبة لي شخصياُ ولغيري من الذين يحملون نفس توجهاتي وأفكاري هو الندوات واللقاءات التي تعقدها إتحادات طلبة وشباب الآشوريين الذين يأتون من مختلف البلدن ومنها الوطن بحيث من يحضرها فانه من المؤكد سيأخذ أنطباعاً بان الأمة لازال بخير في المهجر وأن هؤلاء الطلبة والشباب يشكلوا أعمدة لصرح هذه الأمة في المستقبل القادم. والشئ المثير للإنتهاء هو أن الرئيس الحالي لهذا الإتحاد السيد مارتن يومارن  كان بالأمس القريب من نشطاء منظمة كشرو وعبر من خلال جسر كشرو إلى أرض الوطن في السنوات القليلة السابقة وهذا ما يؤكد التواصل بين المنظمتين على نفس النهج والمسيرة. لم يبقى في الأخير إلا أن أشير إلى أمر شخصي، وهو تقريباً في كل عام أحضر الكونفينشن ليس بهدف الإستمتاع بالنشاطات التي يقوم بها خاصة الطلابية والشبابية فحسب وإنما قمة الإستمتاع تكون اللقاء ببعض الأصدقاء القدماء الذين فرقتنا سنوات طويلة ولكن الكونفنشن جمعنا مرة أخرى فكل هذه الإيجابيات للكونفشن تغطي السلبيات التي تظهر فيه والتي تكون عادة هدفاً للهجوم على الكونفشن والتقليل من أهمته من دون النظر إلى إيجابياته....  فألف شكر للإتحاد القومي الآشوري الأمريكي وعلى الكونفنشين.

هذه هي بعض السطور الملحقة بالموضوع السابق لعل تكون مدخلاً وافياً لفهم المغزى الحقيقي من كتابة الموضوع وبشكل جديد وبأسلوب فانتازي عبر رسالة روحية إلى ملكنا العظيم آشور بانيبال ملك العالم. فمن فهمها فالأف شكر له ومن لم يفهما أيضا له ألف شكر على قراءته للموضوع.

29
رسالة إلى جدي آشور بانيبال ملك العالم من حفيدك أبرم شبيرا:
====================================

بمناسبة إنبعاثه في المتحف البريطاني:
----------------------
 

جدي العزيز،
كتبكم في الماضي السحيق رسائلكم بالحفر على الحجر الصلد ,دونتم أعظم المأثورات الإنسانية في التاريخ وبأزاميل من الفولاذ وأرسلت جيوشك ورجال حاشيتك وعلماءك إلى أقاصي بلدان العالم حتى يجمعوا الألواح التي كتب عليها أجدادك السومريين والأكديين والبابليين معارف الدنيا وأخبارها ودونوا تراثهم وتاريخهم وملحماتهم وأساطيرهم، وبفضلك وعملك الجبار في إنشاء أول مكتبة في التاريخ وصل إلينا تراث أجدادنا كما وصل أيضاً إلى بقية شعوب العالم التي في هذا اليوم تنبهر بما أنجزتم من معطيات حضارية تعتبر أساس التطور الحضاري الذي تشهده الإنسانية في عصرنا هذا،  واليوم بإنبعاثك في المتحف البريطاني الضخم والمشهور والمعروف عالمياً يؤكد لك هذه الحقيقة. كم نحن فخورون بك يا جدي العظيم، بحضارتنا القديمة والتي وإن كان قد زال نظامها السياسي وإطارها القانوني من الوجود المادي قبل ما يزيد عن خمسة وعشرين قرناً فأنها لا تزال عامرة في قلوبنا وشامخة في روحنا وجارية في عروقنا وتسمتد منها الإنسانية جمعاء أسس تطور حضارات هذا اليوم.
بالأمس البعيد كتبتم يا جدي العظيم كآشوريين اسماً وروحاً وعملاً وفكراً وبناءاً، واليوم نحن كأحفادك نحاول أن نقتفي أثرك في ذلك وإن أختلف الأسلوب وأدواته، إلا إننا لا نزال نملك نفس الروح والفكر والهمة رغم الظروف القاسية التي تمر علينا. صحيح إننا لا نملك إمبراطورية ولا قصور ملكية ولا ملوك جبابرة ولا جيوش جراره، لا بل ولا حتى دويلة صغيرة نمارس فيها حقوقنا القومية، وهو الأمر الذي أتاح لللصوص والقراصنة سرقة جوانب من عظمتها وينسبونها إليهم. ولكن مهما تمادوا في غيهم ونهبهم لحضارتنا العظيمة فأنهم يضلون فاقدين إلى الأهم من كل هذه الأشياء، هو روحك وأسمك الذي لا يمكنهم إطلاقا سرقتهما. كن مطمئناً يا جدي مع كل هذا الإفقار المادي، بأننا ممتلئين ثقة وثبات لنؤكد لك بأن الدنيا تزول واسمك لا يزول أبد الدهر. ولا يهمك أبداً حتى أن كنًا أقلية أو قومية صغير في هذا الزمان وبالكاد بعض الناس يعرفون أو سمعوا عن الآشوريين، ولكن لنا إصرار مميت بأنه حتى لو بقى في هذا الزمان شخص واحد فقط من نسلك النبيل فأن أسمك سيبقى خالداً ولا يفنى، وهذا ما فعله أبناءك في المتحف البريطاني  قبل بضعة أسابيع. فبالرغم من بعدهم البعيد عن وطنهم آشور، فأنهم أستطاعوا ربط واقعنا وتراثنا ومآثرنا بواقعك وتراثك ومآثرك العظيمة ليؤكدوا للعالم أجمع الرابطة العضوية التي تربط آشوريي اليوم بآشوريي الأمس وليؤكدوا للعالم أجمع بأن أسمك وأبناءك وأحفادك وأنسالك خالدون وباقون مدى الدهر رغم قساوة واقعهم وظلمه عليهم طيلة قرون طويلة.


أحفادك يدمجون الحاضر بالماضي في المتحف البريطاني
===============================================
قد يتصور البعض من ضعفاء النفوس والمشوهين روحياً بأن مخاطبتك يا جدي بهذه الرسالة وأنت ساكناً في العالم الآخر الذي يبعد عنا قرون طويلة من الزمن هو نوع من الغرابة والهلوسة ولكن بسبب تخلخل عقولهم واهتزاز روحهم لا يعرفون بأنك تعيش في هذا العصر وتقيم بيننا وتشارك حياتنا ليل نهار وفي كل عمل نقوم به وفي كل كلمة ننطق بها أو في كل سطر نكتب مواضيعنا ونعبر عن أحاسيسنا وأفكارنا، فأنت نحن في الزمن الغابر ونحن أنت في الزمن الحاضر، وهؤلاء لا يعرفونك ولا يشاهدونك، لا بل ويتجاهلونك أو ينكرونك، لأنهم ليسوا لا فكراً ولا روحاً من أحفادك النبلاء الأصليين المنحدرين من صلب ظهرك القوي. لا تحزن أبداً أبداً يا جدي المبجل ولا تيأس من هؤلاء الذين كانوا حتى الأمس القريب من أقرب أقرباءك ومن أبناء حاشيتك الملكية، واليوم ينكرون أسمك لأن روحك طارت من أجسادهم وسكنتها أرواح شيطانية غريبة وقوى خارجية وأجنبية عنهم فرضتها ظروف الزمن القاسي الذي مروا بها، بحيث وصلوا إلى درجة ينكرون أسمك ويبعونه للسلطات المستبدة التي استولت على أراض مملكتك العظيمة بثمن بخس أو خوفاً وخنوعاً للحاكم الظالم. أنظر يا جدي العزيز ما الذي يقوله حفيدك الصحفي الثائر فريد نزها في عام 3319 في رده على أحد المتخاذلين الناكرين لأصله: " إذا كانت هذه الصفة (أي الآشوري) تشير الى الغير راضين بالاندماج في العربية والخضوع للحكومات الغاشمة وقد نالهم بسبب ذلك القتل والاضطهاد والسلب وكل أنواع المظالم والفظائع (ويقصد بها مذبحة سميل وما رافقها) ، فذلك شرف عظيم انفردوا به. وستردد الأجيال القادمة ذكر ذلك الاستشهاد وآثار تلك الفواجع التي أنزلها بهم أعداء الله والإنسانية ما بقي آدمي على وجه هذه البسيطة" هكذا يا جدي فبعد سنوات طويلة يعودوا احفادك ويبجلوا شهداءك في الثامن من آب من كل عام كما توقع حفيدك الثائر فريد نزها بأن الأجيال القادمة سترد ذكر هذا الإستشهاد في سميل.     

فهؤلاء موتى لا حياة لهم لأنهم لا يملكون الروح. إذن، أفهل يستحقون أن نعطي لهم أية أهمية وهم ناس لا وجود لهم في هذا العالم رغم إصرارهم لخدمة الحاكم المستبد واستمرارهم في التعبد للفلس الأحمر، فبالأمس القريب سوف تسمع يا جدي الكبير بأن مصير هؤلاء هو مزبلة التاريخ كمصير غيرهم الذين سبقوهم في الغدر والخيانة وإنكار الأصل، لا بل سيصبحون طعماً للوحوش المفترسة والطيور الكاسرة المدجنة من قبل الأنظمة الاستبدادية، لأن كلنا نعلم بأن الجسد بلا روح هو جثة هامدة لا يطول الزمن بها إلا وتفسد وتتحلل وتضمحل من الوجود. لهذا السبب فهم لا يستحقون أية عناية أو اهتمام ومن العار أن نعتبرهم آشوريين أو أن نشير إليهم بأنهم كانوا آشوريون في الماضي، فبهذه الطريقة يتحصن أسمك من قذارتهم وتتطهر روحك من تصرفاتهم المشينة.

أكرر القول يا جدي، بأنه رغم الأحوال السيئة البادية على مجمل أمور حياتنا القومية، بأن لا تيأس أبداً ولا تحزن علينا طالما أسمك يسري في عروقنا ويهمن على عقولنا، ولا تعتقد بأنني الوحيد من بين أحفادك يخاطبك لأول مرة وأكتب إليك بشكل مباشر، فهناك العشرات بل المئات والألوف من أحفادك الذين لا يكتفون بالكتابة إليك فقط وإنما يناضلون ليل نهار من أجل رفع أسمك عالياً واستمرار خلوده للأزمان البعيدة القادمة. لقد كان لك جيوشاً جرارة تهاب الدنيا منها ولك علمائك ومستشاريك يبهرون الطريق أمام حكمك العادل. أما نحن في هذا الزمان فلنا أيضا أحزاب سياسية ومنظمات قومية تحاول بكل إمكانياتها الشحيحة وظروفها الصعبة أن تناضل من أجل صيانة وجودك في أرضك التاريخية وفي تعزيز مقومات أحفادك الصامدين عليها وبمعنويات فولاذية لإعادة بناء ما دمره أحفاد هولاكو وجنكيز خان وغيرهما من المتوحشين من أمثال سمكو الشيكاكي وبكر صدقي وداعش المجرمة وأخواتها وأبناءها، لا بل وهناك آلاف من أحفاد أحفادك يجلسون على كراسي متكسرة وقديمة في مدارسهم السريانية في وطنك آشور ولكن في عيونهم بريق آمل يبنى عليه مستقبل الأمة.
وكما ترى يا جدي بروحك النيرة بأنه رغم تشرد أحفادك من أرضهم وإنتشارهم في أقاصي الدنيا، فإن هذا لن يلين الصلابة والثبات والإصرار التي ورثوها عنك والتي تتجسد في تنظيمات تحمل أسمك وتعظمه في كل نشاطاتها بحيث أصبح الروح المسير لهم ولوجودهم، فهنيئاً لك يا جدي بأن لك شخصيات فذة ومنظمات قومية في المهجر تناضل من أجل أن تستمر روحك تسري في أجساد أحفاد أحفادك، لا بل تصور يا جدي بأن لك منظمة عريقة فدرالية تسمى الاتحاد الآشوري الأمريكي القومي الذي في كل سنة من شهر آب، شهر الشهادة الآشورية، تقوم برفع أسمك عالياً وتجمع الألوف من أحفادك في مجلس واحد يبتهلون باسمك ويمجدون عظمتك. ألم أقل يا جدي سابقاً بأنك حياً خالدا تعيش بيننا ولا تموت حتى ولو ماتت الدنيا كلها. ليس هذا فحسب يا جدي العظيم، فهناك منظمة شبابية تعرف بأسم كشرو تعمل بكل جهد لربط احفادك الشباب بين بلدان الشتات وأرضك آشور وستراهم كل سنة في الأول من نيسان في مقدمة المسيرة الجماهيرية وستجدهم أيضا وهم يزورون القرى والقصبات والمدن التي كانت بالأمس جزء من أمبراطوريتك العظيمة.

 


أحفادك أعضاء كشرو من بلدان الشتات يلوحون لك يا جدي العظيم  وهم على الجسر سائرون نحو أرضك
=======================================================
أنظر يا جدي الخالد في الفيديوات أدناه إلى أحفادك وهم يزورون أرضك ومشاعرهم جياشه ودموعهم تروي أرضك التاريخية.
https://www.youtube.com/watch?v=jcjQTFqKLn0
https://www.youtube.com/watch?v=4SA5Low789U
=====================================
ولا شك إطلاقا بأنه أيضا ستكون روحك وأسمك في مقدمة المسيرة النيسانية التي سينظمها أحفادك في الحركة الديموقراطية الآشورية وستقوم أنت بروحك وأسمك بقيادة عشرات الآلاف من أحفادك القادمين من مختلف مناطق أمبراطوريتك ومن عدة بقاع العالم. ومن المؤكد بأن مسيرتك النيسانية في هذه السنة ستكون أعظم بكل ما سبقتها.
 
==========================================================



أنظر يا جدي المبجل إلى أحفاد أحفادك الذين رغم أنهم تركوا أرضك وأصبحوا بعيدين جداً عنها إلا أنها تعيش فيهم، فأشور هو آشور إينما كان في الوطن أم في المهجر، في الأرض والواقع أم في الفكر والقلب فهو سرمدي لا يزول أبدا حتى لو أبتعد إلى نهاية العالم. فمن أقصى مشرق العالم، أستراليا، إلى مغربه، الولايات المتحدة الأمريكية، يبقى جسرك الروحي رابطاً بينهما ليؤكد للعالم بأن الأمة الآشورية باقية مدى الدهر ولا تزول إطلاقاً.

صحيح ما قاله أبينا السامي الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو بطريرك كنيستنا الكلدانية الكاثوليكية بأن هناك الكثير من أبناء أمتنا هاجروا الوطن ولكن بالمقابل هناك من هو باقي وصامد في أرض الوطن رغم الظروف القاسية والمميتة التي تحيط بهم. وهذا واحد من بين الألاف منهم:












إلا يفرض الواجب علينا جميعاً خاصة نحن الذين نصبنا خيامنا في بلدان المهجر أن نركع أمام هؤلاء الصامدين في أرض الوطن ونقبل أياديهم كعرفان على صمودهم أمام الصعاب والمأساة التي تحيط بهم في أرض الوطن وهم يواجهون التحديات المميتة بإمكانيات شحيحة؟

وهنا من الضروري أن أقول يا جدي العظيم لا تيأس من الظاهرة التي قد تبدو غريبة عن زمانك بأننا في مجالات معينة نستخدم تسمية مركبة من "الكلدان السريان الآشوريون" لأمتنا فهي ليست إلا وسيلة أو طرح سياسي لضمان وحدة أبناء شعبنا وسلاحاً وحدوياً لإنتزاع حقوق أمتنا من الأنظمة المستبدة. فأبناء هذه التسمية المركبة هم أبناءك ومن صلب آرض آشور التي عاش فيها أجداد أجدادهم منذ ألاف السنين وبقوا صامدين فيها لحد يومنا هذا. فهذا الشعب العريق يجمع ويشمل كل التسميات التي أطلق عليه عبر قرون طويلة من الزمن وهو الأمر الذي لا يزعز إيماننا في كوننا جميعاً أبناء أمة واحدة وأن أختلف التسميات في هذا الزمن طالما الأركان الحقيقة والموضوعية التي تجمع جميع أبناء هذا الشعب هي واحدة ومشتركة ويسعى الكثير منهم لتحقيقها على أرض الواقع.
   
أنت تعرف يا جدي الجليل، بأن الجسم يموت ويزول، كما مت أنت وغيرك من أجدادنا العظماء، ولكن الروح تبقى خالدة لا تموت أبداً كما هي روحك خالدة بيننا. وصحيح أن جسم أو كيان أمتنا في هذا العصر قد وهن ونحل بسبب قسوة الزمن عليها، فالتضحيات التي قدمها أحفادك، لم تكن لمنفعة شخصية أو طمع مادي أو سعياً للشهرة  بل كانت من أجل أن تبقى روحك طاهرة  قادرة على ربط أحفادك بعضهم بالبعض في وحدة روحية، وهي الروح التي لا تهرم أو تشيخ ولا تعرف قيود للزمان والمكان ولا للحدود، والتي يمكن أن تسافر في كل أقاصي الدنيا وبدون جواز سفر أو الفيزا ويمكن أيضاً أن تتواجد أو تنشأ في أي وقت وفي أي مكان ومن دون حاجة إلى برنامج عمل أو منهاج سياسي أو تقويم زمني أو حتى قطعة أرض أو دولة. فمثل هذه الروح لا يستطيع أطغى طغاة العالم من سجنها ووضعها خلف القضبان أو تعليقها بحبال المشانق أو رميها بالرصاص لهذا السبب فهي دائمة فاعلة ومؤثرة ومدركة سواء أكان ذلك في وطننا التاريخي أم في المهجر. إلا ترى يا جدي العظيم رغم  أن نظام البعث علق أبطالنا يوسب ويوبرت ويوخنا على مشانق الإستشهاد الآشوري وغابوا عنًا جسدا ألا أنه فكريا وروحياً هم دائما وأبداً معنا نذكرهم بكل إجلال ووقار، فمن روحهم الطاهرة أنبعثت نسمات مضيئة لطريق الكثير من أبناءك السائرون على هدى أبطال أمتنا الخالدون.  وكما ترى يا جدي بأننا نكتب إليك بلغة أجنبية هي  غير لغتك أنت التي كانت تملئ الدنيا في الزمان الغابر، ورب سائل يسأل كيف يمكن فهمك لهذه الرسالة وأنت لا تجيد مثل هذه اللغات. فالجواب بسيط أيضاً ولا يحتاجه مشقة وعناء، فهو لأنني أكتب إليك بأبجدية روحية مستمدة من روحك التي تسري في وجداني وعقلي تجعل التفاهم بيننا سهلاً جداً. هذا ما لا يستطيع فهمه واستيعابه من لا يملك نسمات من روحك.

وفي الختام ليست لي نية على الإطلاق في أن أودعك، فلا وداع بيننا لأن حتى الموت لا يستطيع أن يبعدني عنك ولا أن يفنيني من روح آشوريتي التي استمدتها منك، فأنت معي سواء في الحياة أم في الموت طالما روحك خالدة، وهي التي ستخلد جميع أحفادك النبلاء وسيتعزز هذا الخلود أكثر فأكثر عندما تتجسد روحك على أرضك التاريخية، فهو أملنا الكبير الذي لا يهتز ولا يضمحل أو نيأس منه مهما طال الزمن حتى ولو انتظرنا ألف عام أخرى. إلى اللقاء يا جدي العظيم في رسالة أخرى قادمة، وتقبل تحيات جميع أحفادك النبلاء.

المخلص
حفيدك الوفـي أبرم شبيرا


30
الأستاذ الكريم الأخ ميخائيل ديشو المحترم،
أشكرك على قراءتك للموضوع وكتابة بعض الملاحظات التي يستوجبها التفصيل أكثر ولكن قبل هذا أود أن أوكد تأكيداً قاطعاً بأنه لا يمكن أن نحصل على نتائج مقبولة تفيد أمتنا ما لم نكون ملمين وملتصقين  بالواقع الفعلي لأمتنا وأحزابها السياسية ونفهم تفاصيله ومخرجاته وإلا فكل الجهود في هذا السياق هو مضيعة للوقت والجهود، من هذا المنطلق الواقعي أكتب هذه السطور:
•   بالنسبة لمشاركة بقية الأحزاب في المسيرة النيسانية التي تنظمها الحركة الديموقراطية الآشورية، أثبت التجرية والواقع بأن مثل هذه المشاركة كانت غير مثمرة وأخرجت نتائج سلبية كما كان الحال في مسيرة سابقة قبل بضعة سنوات التي شارك فيها معظم الأحزاب السياسية لأمتنا وتحديد أعضاء تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الأشورية (رحمه الله). حيث كان من المتفق بينهم أن ترفع كافة الأعلام الحزبية وأيضا الكدانية والسريانية والآشورية غير أن أعلام زوعا وشعاراتها كانت هي الطافية كلياً على السطح وكانت جماهيرها هي الطاغية على المسيرة وأكثر مشاركة وحركة ونشاطاً لا بل وهتافاً بحيث تبين بأن المسيرة كلها لزوعا. أضف إلى ذلك أنشد بعض المطربين القادمين من الخارج أغاني عن زوعا وبالتالي ظهر كأن هناك خروجاً عن المتفق عليه لمشاركة بقية الأحزاب في المسيرة، مما جعل هذا الوضع أن "يزعل" ممثلي بقية الأحزاب الحاضرين في المسيرة ويغادروها أحتجاجاً على هذه الوقائع التي كانت خارج إرادة زوعا. أنا كنت حاضر وشاهدا ومراقباً على ذلك وظهر بأن الجماهير المشاركة في المسيرة كانت أقل بكثير من المشاركات السابقة التي لم تشارك فيها بقية الأحزاب وكانت قاصرة على زوعا.
•   أما بالنسبة لموضوع أو طرح فكرة إيجاد مرجعية دينية عن طريق مقترح تأسيس مجلس أعلى لبطاركة كنائس المشرق أو مرجعية قومية عن طريق مقترح تأسيس مجلس اعلى للكلدان والسريان والآشوريين، فأنه مجرد إقتراح وأمنية وتحقيقها ليس بالأمر السهل لأسباب عديدة بعضها معروفة ولكن المشكلة هنا هو عجز فهم طبيعة كنائس المشرق في العراق فالمقصد لم يكن دينياً أو لاهوتياً أو إيمانياً بل كان مؤسساتياً، أي النظر إلى الكنيسة بكل معنى الكلمة كمؤسسة تاريخية تراثية عرقية تختلف كلياً عن الطائفة. فالمجلس المقترح يقتصر على الجانب المؤسساتي والإداري وليس على الإختلافات اللاهوتية بين فروع كنيسة المشرق والمرجعية المقترحة ليس دينة أو لاهوتية وأنما ستكون إدارية لتوحيد كلمة المسيحيين في العراق.
•   أما بقية الأمور التي ذكرتها فليس هناك خلاف إلا حول التسمية. التسمية أو ثلاث تسميات ليست هي التي تحدد كينونة الأمة بل هناك مقومات لكل أمة فإذا أشتركوا الأفراد بهذه المقومات فهم إذان أمة واحدة وأن طرحت تسميات ثلاثة فهي كما قلنا وأكدنا بأنها ليست تسمية لأمة معنية بل هي طرح سياسي ومنهجي موحد للمطالبة بحقوقها وتحديدا في العراق.

ألف شكر على ملاحظاتك.. مع التقدير.   

31
الأخ العزيز أخيقر يوخنا أبو سنحاريب المحترم... تحية خالصة
في ردك على ما كتبته:
تقول: بصراحة انت تكرر وتكرر اراءك السابقة...
أقول: نعم ثم نعم أكرر وأعيد لهذه الأراء والأفكار والطروحات لأن مأساة شعبنا تتكرر وتتكر والتصدي لها، ولو ببعض السطور، يجب أن يتكرر ويتكرر.
تقول: ، ان الحيتان الكبيرة للقوميات الاخرى تستطيع بظرف دقاءق ان تجد عملاء لها لاشغال المقاعد  المخصصة لكوتا شعبنا ،،، ولذلك فلا مبرر لاستقالتهم، فانهم على الاقل يحصلون على رواتب مخصصة لهم وذلك يفيد عواءلهم!!!
أقول: لهذا السبب نطرح فكرة إستقالتهم من كراسي البرلمان والطرح موجه لممثلي أحزابنا السياسية المخلصة والمستقلة وليس لوكلاء القوميات الأخرى لأنهم حتما لا يستجبون. في العراق لا توجد قوميات على المستوى السياسي، عدا في إقليم كوردستان، بل طوائف دينية مسيسة.... والأغرب يا عزيزي أخيقر أن تقر أن الجلوس على الكرسي مصدر رواتب يستفيد منه هو وعائلته، فهذا هو أحد مصادر الفساد السياسي في العراق، أي إستغلال المنصب لمنفعة شخصية فكيف تقر بذلك؟!
تقول: الكناءس التي يتوزع عليها شعبنا فشلت في قيام الوحدة فيما بينها  رغم الادعاءات بعكس ذلك ولذلك فكل كنيسة لها قيادة خاصة بها وبذلك العمل ايضا فانها لا تطبق  مبدا الوحدة بين كناءس المسيح فاذا كانت هي نفسها لا تستطيع  التوحد فلماذ ا نلوم الاحزاب السياسية ؟
أقول: لا أحد يتكلم عن الوحدة بين الكنائس بإستثناء المحاولة الفاشلة بين كنيسة المشرق الآشورية والكنيسة الشرقية القديمة رغم عدم وجود أي إختلاف في المعتقد والإيمان بينهما عدا الكرسي، بل كل حديثنا هو عن الجلوس مع البعض والتفاهم والوصول إلى خطاب ديني مسيحي موحد... ثم أستغرب عن حديثك عن التوحد بين الكنائس ومقارنتها مع الأحزاب السياسية. وحدة الكنائس صعب جداً أن لم يكن مستحيلا لأنها تقوم على إيمان روحي وتراث مؤسساتي عريق مرتبط بهوية الكنيسة نفسها والتنازل عنها لغرض التوحد أمر يهز هويتها أن لم نقل يغيرها. في حين الأحزاب السياسية تنظيمات تقوم على بعض الأفكار والسياقات السياسية أن لم نقل مصلحية تحزبية وهي وليدة عصرنا الحالي لذا فإن أمر التنازل عن بعضها يصبح أمر توحدها، لو تجردت من مصلحتها الضيقة، يصبح ممكناً جداً.
تقول: التسمية المركبة لم تنجح في هدفها السياسي فما المبرر لتواجدها اذا ؟
أقول: أستغرب إستغراباً شديداً يا أخي أبو سنحاريب وكأنك لم تسمع عن الأنتخابات في العراق سواء في المركز أم في الأقليم .. فكل الأحزاب التي تبنت التسمية المركبة نحجت ووصلت إلى البرلمان في حين فشلت الأحزاب التي تبنت التسمية المفردة. فهذا هو المعيار الوحيد المتوفر حاليا في معرفة مدى نجاح هذه التسمية أم لا، ولا يهم فيما إذا قبلنا بها أم لا، رغم كونها أسؤ الحلول لأنه لا يوجد أحسن منها في الوقت الراهن طالما التسميات المفردة التي نزلت إلى الساحة السياسية قد فشلت. وهذا، كما قلت، لا يحرم أي واحد من الكلدان أو السريان أو الآشوريين من الأعتزاء بإنتماءه والمجاهرة بها، فإذا كان لي ولك الحق في الإقرار بأشوريتنا فأنه يجب أن نقر بمثل هذا الحق للكلداني والسرياني، وضمن هذا الإقرار يجب أن نقر أيضاً بأننا أمة واحدة وبمقومات مشترك والتعاون والعمل للوصول إلى الحد الأدني من المصلحة القومية واجب مفروض علينا جميعاً.
تقول: ... تتحدث عن الأحزاب الآشورية...
أقول: عن أية أحزاب آشورية تتحدث يا أخي... أنظر الواقع ولو من خلال الإنترنيت ومواقع التواصل الإجتماعي، وأنت لاعب أساسي فاعل في هذه المواقع، أنظر إلى الحالة التي وصلت إليه أحزابنا الآشورية السياسية... أنظر كم واحد منهم وصل إلى المواقع البرلمانية والحكومية... أليس وكلاء الذئاب الكبيرة هم المسيطرون على هذه المواقع... ثم عن أي منافسة نزيهة تتكلم بين أحزاب شعبنا... هل هناك نزاهة في العراق وهو يقوم على نظام فاسد حتى النخاع، فالمشاركة في مثل هذا النظام لا محال بأن الفساد سيشري في أحزابنا السياسية، هذا هو الواقع الذي نستيطع أن ننظر إليه من بعيد ونفهمه أكثر من خلال زيارتنا المتكررة لأرض الوطن، فأمل أن تزوره حتى تلمس الواقع لمسة اليد وتعرف الحقائق. فخلال الأيام القليلة القادمة ستنظم الحركة الديموقراطية الآشورية مسيرة جماهيرية ضخمة في الوطن، لنرى كم من الأحزاب الآشورية الأخرى، لا تتنافس معها بنزاهة بل لنقول تتشارك معنا، ومن المؤكد سأكون أنا شاهد عيان على ذلك عندما أشارك في هذه المسيرة، أفهل سنراك مشاركاً أيضا في هذه المسيرة لتشهد ما أقوله؟؟
ولك الشكر والتقدير مع الإعتذار للإطالة....  أبرم شبيرا
 




32
على ضوء تصريح غبطة الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو حول المرجعية الدينية والقومية:
---------------------------------------------------------------------------------------
أين  العلة و رأس البلوة؟؟
أبرم شبيرا
أصبح موضوع الحديث عن مرجعية موحدة دينية أو قومية لشعبنا في العراق الشغل الشاغل لجميع التنظيمات والمؤسسات الدينية والقومية والسياسية لكونها خيط الوصول إلى وحدة الخطاب المسيحي والقومي الذي هو السبيل الأمثل للمطالبة الموحدة لحقوقنا الدينية والقومية في العراق. ولكن من الملاحظ بأن كل المحاولات المخلصة لم تصل إلى إية نتيجة على أرض الواقع، وصرخات أبينا السامي الكردينال البطريرك مار لويس روفائيل ساكو نموذج مخلص وواضح في هذا المجال والتي جميعها لا تقع إلا  على آذان طرشاء. أنظر الموقع الرسمي لبطريركية بابل للكدان:
https://saint-adday.com/?p=29226 
وكذلك موقع عنكاوه:
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,929169.0.html

إذن ما السبب وأين هو رأس البلوة لهذه الأزمة في عجزنا عن إيجاد مرجعة دينية وقومية موحدة؟ وبإختصار شديد، نجد رأس البلوة في ثلاث محاور،، وبعضها سبق وأن تطرقنا إليها في كثير من المناسبات ولكن يبدو بأنها أيضا وقعت على آذان طرشاء:
الأول:: عندما تكون الأمة غير موحدة ولا يستطيع أبناؤها أو من يمثلهم الوصول إلى الحد الأدنى من المصلحة المشتركة ويبقوا منقسمين، تكون هذه الأمة عرضة لسرقة حقوقها من قبل الغير ونهبها بشكل مباشر أو غير مباشر وعن طريق وكلاء لها، وهي بديهية تنطبق على واقعنا الحالي. فهناك أكثر من جانب، خاصة غير المباشر، وعن طريق وكلاء للذئاب الكبيرة لإبتلاع حقوق شعبنا في العراق. وموضوع "الكوتا المسيحية" المفتوحة لهؤلاء الذئاب صورة واضحة ومكشوفة لهذه السرقة. والأنكى من كل هذا وذاك هو أن هؤلاء الممثلين للكتل والأحزاب العراقية الكبيرة "غير المسيحية" الذين وصلوا إلى الكراسي البرلمانية عبر الكوتا المسيحية نراهم هم أكثر صراخاً وعويلاً عن ضرورة وحدة أبناء أمتنا أو وحدة وضمان ممثلي الكوتا المسيحية في البرلمان لتحقيق مصالح أمتنا، وهي في الحقيقة لا تعدو أكثر من غطاء لتبعيتهم لأجندة هذه الأحزاب الكبيرة. ولما كانت هذه الأحزاب وبشكل عام غير متفاهمة لا بل متصارعة للحصول على مواقع أكثر قوة في البرلمان العراقي فأنه من الطبيعي أن يكون وكلاءهم "المسيحيين" غير متفاهمين لا بل متصارعين من أجل نيل حظوة أكثر عند أسيادهم الكبار. فلا غرابة عندما تكون الذئاب حارس القطيع فالمصير واضح كما هو واضح في وضعنا الحالي في العراق فيما يخص الكوتا.
الثاني: لو لاحظنا بنظرة مقارنة بين وضع شعبنا في العراق قبل عام 2003 و بعده وحتى اليوم، نرى بأن تقسيمات شعبنا أستفحلت والصراع أحتدم أكثر فأكثر بينهم وتحديدا بعد عام 2003. والسبب الرئيسي هو البلوة الكبيرة التي أظهرت مغريات مفعمة ومحشوة بالمنافع الشخصية والتحزبية تمثلت في الكرسي اللعين الذين خصص للمسيحيين في البرلمان وفي حالات أخرى لكرسي وزاري أو عضو في مجلس محافظة. من هذا المنطلق وسعياً لحصول قطعة من الكعكة، إن لم يكن الطمع بكل الكعكة، نشأت أحزاب سياسية وتكتلات وتنظيمات عديدة  بعد عام 2003. ولضمان بعض من هذه التنظيمات حصة مقبولة من هذه الكعكة وجدت الارتماء في أحضان الذئاب الكبيرة سبيلا لذلك، أو بالأحرى وجدت الذئاب الكبيرة فرصة لقضم كرسي برلماني أو أكثر من حصة المسيحيين عن طريق خلق كيانات "مسيحية" لتقوم بمهمة القضم هذه وتزيد من حلاوتها في البرلمان العراقي. إذن رأس البلوة وعلة العلل هنا هو الكرسي اللعين الذي ينفث روائحه المغرية والمزكية لأنوف وكلاء الذئاب الكبيرة. فمن المؤكد عندما نتخلص من فايروس الكرسي فحتماً سيتعافى جسم الأمة من أعراض هذا الفايروس.  وهو الأمر الذي طرحناه، أي إستقالة البرلمانيين المسيحيين من البرلمان العراقي والكراسي الحكومة والإدارية الأخرى ورفض الكوتا. فعندما كان يجلس على هذه الكراسي أكثرية من أبناء شعبنا الخيرين قبل بضعة سنوات، ولكن اليوم وكلاء الذئاب المفترسة هم الذين يمثلون الأكثرية، لذلك لا نتعقد بأن مثل هذا الطرح سيكون مقبولا لديهم بل رفضه أمر محتوم لأن البقاء على هذه الكراسي أمر يخدم أسيادهم أكثر مما يخدم أبناء شعبنا. إذن يبدو بأن مثل هذا الطرح هو أمر متأخر لأن المتربعين على كراسي البرلمان يرون في موضوع إستقالتهم من البرلمان ضرب من الخيال أن لم يكون نوع من الجنون.
الثالث: الجهل: موضوع آخر سبق وأن تطرقنا إليه وأكدنا فيه بأن المقصود بالجهل ليس الإفتقار إلى الشهادات العلمية والثقافة العامة بل هو غياب المصلحة القومية وحتى الدينية المشتركة لأبناء شعبنا من فكر وممارسة تنظيمات شعبنا القومية والكنسية. والعلة في هذا الغياب هو طغيان المصلحة الخاصة والتحزبية على المصلحة العامة. وإليكم بعض النماذج:
-   الكوتا المسيحية: نجد بأن معظم الذين يؤمنون بهذه الكوتا بأنها السبيل الأمثل لتحقيق المصالح الخاصة والتحزبية خاصة بعد أن يتربع المرشح المسيحي على الكرسي البرلماني. ونحن نعرف، لا بل الواقع يفصح جلياً بأن نظام الكوتا فاشل وغير نافع لشعبنا لأنه شرع من قبل نظام رجاله أصلاً لا يؤمنون بالديموقراطية الحقة ولا يعترفون بالغير المختلف. والعلة هنا هي أن معظم أن لم يكون جميع المعنيين بالشأن القومي متمسكين بنظام الكوتا رغم ثبوت فساده وإستغلاله من قبل الذئاب الكبيرة. والأنكى من كل هذا نرى البعض يضرب الأخماس في الأسداس ساعياً لإصلاح الكوتا الميتة ويحاول بعث الحياة فيه عن طريق تعديله بحصر التصويت بالمسيحيين فحسب. وحتى ولم تم هذا الأمر، أي حصر الإقتراع بالمسيحيين فقط، كما حصل فيما يخص البرلمان المركزي فأنه يبقى أمره سيان لا محال من إستغلاله من قبل الغير وعن طريق المسيحيين أنفسهم. فالحقيقة الواقعية تقول بأن هناك مسيحيون أعضاء في الأحزاب غير المسيحية أو هم مؤيدون لهم فأنه من المؤكد سيصوتون للأحزاب المصنوعة من الذئاب الكبيرة أو المرتمية في أحضانها. أضافة إلى ذلك فإن الظروف الإقتصادية البائسة لبعض المسيحيين سيستجيبون لإغراءات الذئاب الكبيرة لعل منفعة تأتيهم من التصويت لهذه الذئاب. والأشمل من كل هذا هو أن الواقع الفعلي أثبت زيف الإنتخابات خاصة الأخيرة وحرق صناديق الأقتراح وهي كلها أمور من السهل جدا على الذئاب الكبيرة أن تزور نتائج التصويت على مرشحي الكوتا وتحولها إلى صالح وكلائها. إذن لا مهرب من نظام الكوتا إلا برفضه خاصة من قبل المعنيين الخيرين من مسؤولي شعبنا القوميين والكنسيين.
-   الإتفاقيات والتحالفات: لا شك فيه بأن الخيرين من أبناء شعبنا أدركوا بأن الإتفاق والتحالف على الحد الأدنى بين أحزابنا السياسية ومؤسساتنا الكنسية والقومية لتشكيل مرجعية مسيحية أو قومية هو السبيل الأمثل لتحقيق ما يمكن تحقيقه من المصلحة العام لشعبنا في العراق، كما بينًا في أعلاه. ولكن العلة هي أن جهل معظم إن لم يكن جميع المعنيين بالأمر في أسلوب التفاوض والتباحث أدى بالنتيجة إلى إستحالة تحقيق المرجعية المطلوبة أو التضامن أو الإتحاد. لنأخذ بعض الأمثلة الواقعية في هذا السياق:
-   قبل سنوات وبعد إنتقال قداسة البطريرك مار دنخا الرابع إلى الأخدار السماوية وقبيل إنتخاب بطريرك جديد لكنيسة المشرق الآشورية، فتح باب الحوار مع الشق الثاني للكنيسة، أي الكنيسة الشرقية القديمة وسادت أجواء إيجابية بحيث أصبح أمر وحدتهما قاب قوسين. غير أنه تم إفساد هذه الأجواء بعد أن أرسلت الكنيسة الشرقية القديمة شروطها المسبقة إلى كنيسة المشرق الآشورية كأساس ثابت لا جدال فيه للوحدة بينهما. وهو أمر يوضح الجهل المطبق في التباحث لتحقيق الوحدة بين الطرفين لأن الشروط المسبقة تكون دائماً وأبداً غير مقبولة من قبل الطرف الآخر وهذا ما حصل عندما أعلن بأن هذه الشروط المسبقة مرفوضة جملة وتفصيلها من قبل كنيسة المشرق الآشورية. فالشروط المسبقة هي بمثابة شروط مفروضة على الطرف الآخر وتعبير عن سطوة وقوة طرف على الطرف الآخر أي هي بمثابة ميزان غير متساوي بين القوي المنتصر والضعيف الخاضع وهو أمر لم يكن مقبولا إطلاقا من قبل كنيسة المشرق الآشورية فوصل الأمر إلى طريق مسدود بسد عالي من الجهل وعدم المعرفة بشروط التفاوض والتباحث بين الطرفين. والحال لا يختلف كثيرا عن مساعي البحث عن الوحدة أو التقارب بين الكنيستين الآشورية والكلدانية.
-   قبل سنوات تم تأسيس مجلس الطوائف المسيحية في العراق شمل كنائس كبيرة وراسخة القدم وبمؤمنين كثر وبهيكلية إكليرية تراتبية واضحة وفي قمتها البطريرك مع طوائف مسيحية صغيره وبمؤمنين بعضها لا يتعدى أصابع اليد ومن دون تراتبية إكليرية غير وجود قس على رأس المجموعة. وفي حينها كتبنا بشكل مفصل عن هذا المجلس وبينًا بأنه قائم على أسس خاطئة لأنه لا يمكن إطلاقا أن يكون مثل هذا المجلس ناجحاً والعضوية في تركيبته لم تحدد المسؤوليات والواجبات طبقا لحجم وإمكانية كل عضو في المجلس. لم يستطيع المؤسسون لهذا المجلس من التفريق بين الطائفة، كمجموعة من المؤمنيين والكنيسة كمؤسسة دينية حضارية تاريخية. فكان قرار غبطة الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، أكبر كنيسة في العراق ومن جوانب عديدة، قرارا صائبا عندما أنسحبت كنيسته من المجلس. والحال نفسه بالنسبة لما كان يسمى بـ "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية" الذي جمع بين أحزاب كبيرة وجماهيرية وعريقة كالحركة الديموقراطية الاِورية وأحزاب حديث العهد ولا يتعدى أعضاءها أصابع اليد ومن دون تحديد المسؤوليات والواجبات حسب حجم وقوة كل واحد من أعضاء التجمع الذي هو أساس كل تنظيم ناحج وإلا فمصيره الفشل كما هو الحال مع التجمع.
فلو أخذنا بعض الأمثل العالمية لوجدنا بأن سبب فشل عصبة الأمم التي تأسست بعد الحرب الكونية الأولى يعود بالدرجة الأولى شمولها للعضو القوي المسيطر مع العضو الضعيف الخاضع وعدم إعطاء وزن يليق بالقوى العظمى مما تعرضت العصبة إلى الإستغلال من قبل هذه القوى وبالتالي فشلت وأدى ذلك إلى حرب عالمية ثانية. بعكس منظمة الأمم المتحدة التي تعتبر كمنظمة عالمية أكثر نجاحاً وإستقرار وذلك لكونها أعطت للأعضاء الأقوياء مسؤوليات وحقوق مختلفة عن غيرهم من الأعضاء والذي تمثل في حق الفيتو للدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن. من هذا المنطلق كنًا في حينه أقترحنا تشكيل مجلس أعلى لبطاركة كنائس المشرق في العراق ليكون المرجعية المسيحية لكل الكنائس في العراق، ولكن أيضا وقع على آذان صماء. والحال أيضا مع مقترحنا في تشكيل مجلس أعلى للكلدان والسريان والاشوريين ليكون مرجعية قومية وسياسية، الذي كان بمثابة "في المشمش" حسب قول المصريين عند بعض المتشائمين.   
-   التسمية المركبة: أكثر البلاوي والعلل تأتي من سوء فهم التسمية المركبة "الكلدان السريان الآشوريون" لشعبنا في العراق. أولا: قبل كل شيء نؤكد تأكيداً قاطعاً بأنه صحيح القول بأنها ليست الحل الأمثل لتسمية أمتنا في هذه المرحلة ولكن بنفس التأكيد لا يوجد أحسن منها في المرحلة الراهنة لأن الظروف الحالية تفرض عليها هكذا حل طالما كل التسميات المفردة، الكلدان والسريان والآشوريون، لم تحصل قبول الأكثرية. ثانيا: التسمية المركبة تشمل كل التسميات الحضارية لشعبنا ولم تستثى أحد منها ولا تهمش أي واحد منهم، إذن فلماذا الرفض؟. ثالثاً: يخطاً جدا من يعتقد بأن هذه التسمية هي تسمية جديدة لأمة أو لأمة لا وجود لها أصلا. لقد سبق وأكدنا مراراً وتكراراً بأنها مجرد طرح سياسي ومنهجي وكسبيل لوحدة أساس الخطاب السياسي القومي للمطالبة والحصول على حقوقنا في الوطن طالما الأسس القومية مشتركة لكل التسميات، هذا من جانب، وفي نفس الوقت فلكل واحد من أبناء هذه التسميات الحق في الإعتزاز بتسميته المفردة وإعتبارها مرجع إنتماءه الجمعي ومن دون تحقير أو إهانة التسميات الأخرى من جانب آخر.
هذه بعض العلل والبلاوي التي أبتلينا بها وبسببها عجزنا عن الوصول إلى مرجعية موحدة دينية وقومية، وهي بمثابة كشف العل والمرض والمطلوب منًا جمعياً إيجاد الدواء الشافي لا المهدئات القصيرة الأجل، وهو العمل الواجب القيام به خاصة من قبل مؤسساتنا الكنسية والقومية المخلصة والمستقلة والبعيدة عن الإغراءات المادية والمناصب القاتلة لوحدتنا الكنسية والقومية. قد يكون وصف المرض والعلة سهلاً ولكن إيجاد الدواء صعبا. ولكن مع هذا لنشبه حال عجزنا عن إيجاد مرجعية دينية وقومية بمرض خطير، كالسرطان، الذي لا دواء له في الوقت الحالي غير المسكانات وإطالة الحياة ولكن من جانب آخر العلماء والأطباء لا يستكينون إلى الراحة بل يعملون ليل نهار لإيجاد الدواء لهذا المرض القاتل. والحال نفسه معنا يجب أن لايستكينوا نشطاء أمتنا المخلصين من الإستمرار في البحث وإيجاد الدواء المناسب لشفاء أمتنا من قلة المناعة في إيجاد المرجعية المطلوبة في هذا الزمان الظالم.



33
‏‎
الآشوريون ... بين الأمس واليوم
في المتحف البريطاني
==========================
أبرم شبيرا
بعد الحدث العظيم الذي أقيم في المتحف البريطاني خلال الأشهر القليلة الماضية عن المعرض التاريخي للملك الآشوري آشور بانيبال ملك العالم والذي أثار إهتمام عدد كبير جداً من زوار المتحف يعودوا أشوريو اليوم لتعزيز هذا الوجود التاريخي لأمتهم الآشورية وليؤكدوا الصلة القوية بين الأمس واليوم لتواصل تاريخهم العظيم مع حاضرهم بجملة نشاطات قام بها مجموعة من الآشوريين في لندن والقادمين من بعض البلدان خاصة من ألمانيا والسويد والولايات المتحدة الأمريكية. ففي الأيام الأخيرة من المعرض وتحديدا في 22/02/2019 نظمت مجموعة نشاطات فنية وعرض أزياء تراثية في قاعة المعرض في المتحف البريطاني والتي أثيرت إهتماما كبيراً ومنقطع النظير من قبل زوار المعرض. وفي تصريح للصديق الكركوكلي واللندني الناشط القومي عمانوئيل يعقوب، الحجر الأساس في هذه الفاعلية، يقول بهذا الخصوص على موقعه في الفيسبوك " وهو يقدم شكرخ الخاص للمشاركين في هذا الحدث العظيم قائلا" لا يسعني في هذه المناسبة والتي تكللت بالنجاح المنقطع النضير إلا أن أشكر هذه المجموعة الرائعة ... المشاركين في الحدث التاريخي الكبير من بريطانيا والشتات ... فلكم ترفع القبعات لأنكم بحق أديتم الواجب كآشوري مخلص خلال الثلاث الساعات الأولى للرقص التراثي الآشوري على أنعام الطبل والزرنا ضمن برنامج المتحف البريطاني لأشوريو اليوم والتي صفق لها كل من كان في المتحف... وفي ختام حديثه قدم الشكر والأمتنان للسيدة والناشطة القومية رابيتا يوليا، العزيزة على قلوب كل الآشوريين في لندن، والتي شاركت بملابس آشورية التي عرضىت أمام بوابة الملك آشور بانيبال ومشاركتها في تزويد معظم الراقصين بالملابس الآشورية التراثية (خومالا) للنساء والرجال... كما  قدم شكر خاصر للسيد نينب لاماسو الذي قام بالتنسيق مع المتحف البريطاني وتنظيمات شعبنا في ألمانيا والسويد والولايات المتحدة.

في الحقيقة، رغم إنشغالي المكثف بالكثير من القضايا وببعض الإستحقاقات الفكرية وخاصة وأنا أتهيأ للسفر إلى شمال وطني بيت نهرين بعد ساعات من كتابة هذه السطور، إلا أن هذا الموضوع أثار إهتمامي الكبير جداً وفعل فعله المؤثر لدرجة إندمجت إندماجا كاملاً مع الحدثين التاريخي والمعاصر... فألف شكر وشكر لكل الذين شاركوا في إحياء هذه المناسبة العظيمة... ولعل بعض الصور المنشورة على مواقع التواصل الإجتماعي تغنينا من الشرح المفصل خاصة هناك فيدوات معروفة على هذه المواقع لم يتسنى لنا عرضها هنا غير هذه الصور الجميلة والرائعة... جيبو... جيبو.. جيبو للجميع.
 

34
في شباط... تسطع نجوم شهداء أمتنا على طريق الحركة القومية الآشورية
=======================================
أبرم شبيرا
لا ندري أذ كانت مصادفة أن يستشهد عدد من شجعان ومناضلين من أبناء أمتنا في شهر شباط، أم هو قدر إلهي أم سخرية أقدار زمنية أم ذخرا لتواصل وديمومة أمتنا لألاف السنين، أم هو فعلاً شهادة لدعوات وصيام أجدادنا العظام (صوم نينوى المعروف بـ "باعوثا") للرب الواحد المعبود قبل الآف السنين عندما تعرضت  أسوار عاصمتهم العظيمة نينوى إلى فيضان نهر الخوصر في الموصل للدمار في عهد الملك العظيم سنحاريب الذي يصادف في هذه السنة (2019) في شهر شباط. (بخصوص القصة الحقيقية لصوم نينوى، أنظر موضوعنا على الرابط):
http://HTTP://WWW.ANKAWA.COM/FORUM/INDEX.PHP?TOPIC=158711.0
 ومما لا شك فيه هناك مئات الألاف من أبناء أمتنا أستشهدوا خلال تاريخها المأساوي الطويل وعبر أيام وشهور وسنين لا بل أيضا عبر عقود وقرون من الزمن وحتى يومنا هذا ولكن حواجز الزمن الظالم حجب عنا يوم وشهر تاريخ إستشهاد الكثير منهم، وهذا كان أحد الأسباب الرئيسية الذي أتخذ من السابع من آب لعام 1933 يوماً للشهيد الآشوري ليكون رمزا قوميا مقدسا لجميع شهداء أمتنا من دون إستثناء زمنياً ومكانياً. يقول ربنا يسوع المسيح في كتابه المقدس "الحق الحق أقول لكم إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت فهي تبقى وحدها، ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير" (يوحنا 12:24). هكذا كان حال شهداء أمتنا كحبة الحنطة سقطوا في أرض آشور وأصبحت دماؤهم تروي جذور أمة عريقة لتنبت شجرة الحركة القومية الآشورية. وبتواصل منابع الإستشهاد من قبل مناضلي أمتنا تواصلت الحركة القومية نحو آماد أبعد رغم الظروف المأساوية المميتة المحيطة بحاملي شعلة هذه الحركة.
عندما نتكلم عن الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) بأعتباراها أول حركة سياسية قومية تحمل مفاهيم قومية ووطنية معاصرة وأستطاعت أن تحقق بعض الإنجازات، ليس هذا الكلام مجرد مجاملة أو إطراء بل هو نابع بالأساس من الإيمان الذي يرى في دماء شهداء الحركة قوة وزخم لأن تكون الحركة بهذا المقام الرفيع. ففي الثالث من شباط عام 1985 عندما أعتلى الخالدون يوسف توما و يوبرت بنيامين و يوخنا إيشو منصات مشانق النظام البعثي البائد لم يكن هذا الإعتلاء إلا دفعة قوية وزخماً كبيراً لحركتنا القومية المعاصرة.
 
وفي الثاني عشر من شباط  أيضاً عام 1984 أرتوت أرض أشور بدماء الشهيدين جميل متي وشيبا هامي وهم في ساحة الوغى يدافعون عن أبناء شعبنا أمام الهجمات التترية التي قام بها نظام البعث البائد ضد القرى الآشورية. هكذا صدق الكاتب (أ.ج. لوك) عندما قال في كتابه المعنون (الموصول وأقلياتها): "إذا كان الآشورون قد فقدوا المكانة العظيمة التي كانوا يعتلوها في التاريخ فأنهم لم يفقوا قدرتهم على تقديم الشهداء" وفعلاً تواصل الآشوريون بتقديم المزيد من الشهداء بتواصل حركتهم القومية.
 
جميل متي وشيبا هامي كوكبان من شباط في سماء شهداء زوعا
=========================================
لقد سبق وأن تحدثنا وبالتفصيل عن مفهوم الإسشتهاد الآشوري وقلنا في حينها بأن الشهيد هو من يضحي بحياته من أجل المبادئ التي يؤمن بها ويناضل من أجلها، ولكن هذا المفهوم في الإستشهاد في أرض الوطن يختلف عن الإستشهاد في بلدان المهجر. فالتحديات المميتة التي يواجها مناضلوا أمتنا في الوطن وإصرارهم على مواصلة النضال تضع حياتهم على محك الإستشهاد. في حين في المهجر لا توجد مثل هذه التحديات الممتية ولا تقود مناضلي أمتنا إلى  وضع يستوجب التضحية بحياتهم بل هناك مستلزمات حياتية مهمة هي التي يقوم بها المناضل للتضحية بها ومن ثم التضحية بحياته. أي بعبارة أخرى يمكن القول بأن الإستشهاد في الوطن هو مباشر وعن طريق التضحية بالحياة في حين في المهجر هو غير مباشر وعن طريق التضحية بمستلزمات الحياة الضرورية، كالوقت والمال والراحة والعائلة والسعادة والحرمان من الملذات التي توفرها بلدان المهجر ومن ثم الموت في سبيل المبادئ التي يؤمن بها.
ووفق هذا المنطق في الإستشهاد في المهج، كان شهر شباط في عام 1930 سجلاً لإستشهاد معلم الفكر القومي الوحدوي الملفان المناضل نعوم فائق في الخامس منه بعد أن ضحى بكل ما كان يملكه في حياته البسيطة من ماله، وحتى راتب أبنته، ووقته وراحتة من أجل إستمرار نضاله الفكري وتواصل وسائله المختلفة خاصة المجلات والنشرات التي كان ينشرها فلم يتوانى عن نضاله حتى وهو على فراش الموت.

=======================================
يا شباط... هل عدة مرة أخرى لتأخذ منا المناضل الصنديد الجنرال أغا بطرس في الثاني منه عام 1932 في الوقت الذي كان يتهيأ للسفر إلى الوطن للإلتحاق بالحركة القومية الناهظة هناك. فبعد لحظات من مغادرته للقنصلية البريطانية في تولوز سعياً وراء الحصول على موافقة الحكومتين البريطانية والعراقية لمغادرة فرنسا ودخول العراق، وجد مطروحاً على رصيف الشارع ميتاً من دون أن يكون له أية أعراض مرض سابق مما أدى ذلك إلى أن توجه أصابع الإتهام إلى بريطانيا والحكومة العراقية للتخلص منه ومنعه من الإلتحاق بالحركة القومية الآشورية.


=================================
وماذا عن أمير الشهداء الخالد البطريرك مار بنيامين شمعون رمز شهادة الأمة والكنيسة؟ فمن المعروف بأنه أستشهد في الثالث من شهر آذار عام 1918 على يد المجرم إسماعيل أغا (سمكو)، وهو التاريخ الذي أرخه أبناء شعبنا في تلك الفترة الذي كان يتبع التقويم القديم (اليوليالي). وبحسابات التقويم الجديد (الغريغوري) الذي يختلف عن الأول بحدود ثلاثة عشر يوماً  فأن إستشهاده سيقع في شهر شباط ليعتلي قائمة شهداء شهر شباط بل شهداء كل تاريخ أمتنا.


==================================
هذا هو قدر المناضلين والشهداء يضحون بحياتهم أوبسنوات طوال من عمرهم من أجل شعبهم، فكم من السنوات الطويلة كرسها المناضلون للحركة القومية الآشورية من أجل تحقيق أهدافها؟ لا بل كم من الأرواح أزهقت دماء زكية من أجل إستمرار هذه الحركة وتسليمها إلى الإجيال المعاصرة... ليس في شباط فحسب بل في كل أشهر السنوات الطويلة من تاريخ الحركة القومية. أليس دماء الشهداء المطران توما أودو روفائيل خان ويوسف بيت هربوط وفريدون أتورايا وغيرهم كثير هي التي سقت كرمة الأمة ودفعت الحركة القومية الآشورية نحو الأمام لتستمر حتى هذا اليوم... ولماذا نذهب بعيداً؟؟؟ أليست دماء طلائع شهداء أمتنا يوسف توما و يوبرت بنيامين ويوخنا إيشو هي التي أنبتت براعم الحركة الديموقراطية الاشورية وجعلتها من أكثر الحركات القومية الفاعلة في تاريخ أمتنا المعاصر... فهيهات وهيهات وحذاري من تجاهل هذه الدماء والدماء التي سبقتها وإستغلالها من أجل منفعة شخصية أو جاه أو كرسي... فدماء الشهداء هي التي تغذي الحركة القومية وتجعلها تنمو وتتواصل نحو الأمام، وبالمقابل الكرسي هو الذي يحطم هذه الحركة ويحولها إلى زمرة نفعية معرضة لمحاكمة التاريخ لها عاجلا أم آجلا، .. قيل اللبيب من الإشارة يفهم ... ولكن ... وحسرتاه ... فإن  الملتصق بالكرسي هو عاجز عن فهم مثل هذه الإشارة!!   ونحن بدورنا ومن مكان بعيد واقعياً عن هذه الدماء ولكن قريب فكرياً ووجدانياً عنهم لا نستطيع أن نفعل شيء غير أنه على الأقل نذكرهم ببضعة سطور ونضع هذه الورود على مثواهم الذي دفن سواء فعلياً في أرض أشور أم فكرياً بعيداً عن أرض آشور.
 

=============================

35
بمناسبة رحيل عالمة الآثار الدكتورة لمياء الكيلاني:
----------------------------------

منذ متى صار "الآثوريون" يدعون بـ "الآشوريين" ؟
==============================
أبرم شبيرا

بتاريخ 18 كانون الثاني 2019 رحلت العالمة الآثارية الدكتورة لمياء الكيلاني في عمان عن عمر ناهز 88 سنة، وهي أستاذة جامعية وأكاديمية وعالمة في الآثار العراقية، خريجة كلية الإداب بجامعة بغداد عام 1957 وحاصلة على شهادة الدكتوراه في الآثار من جامعة كامبردج في بريطانيا عام 1966. وكانت أول أمرأة عراقية تعمل في حقل التنقيب عن الآثار وقضت فترة طويلة بالعمل المضني في متحف بغداد حتى أستقر بها المقام في بريطانيا. وبعد عام 2003 عادة إلى العراق لتعمل في المتحف العراقي المنهوب لتعيد ترتيبه وتنظيمه وتصنيف الأثار وإعدادها بشكل علمي منظم بعد ان تعرض إلى النهب والسرقة والتخريب. للمزيد عن سيرتها الذاتية والعلمية أنظر موقع وكيبيديا في نهاية الموضوع.
بيت القصيدة في هذه المناسبة المؤلمة برحيل أشهر عالمة آثار عراقية بعد رحيل تلميذها العالم الآثاري "الآشوري" دوني جورج"، الذي يدور حول تساؤل "منذ متى صار "الآثوريون" يدعون بـ الآشوريين"؟ يبدأ عندما نشر السيد موسى الشابندر سلسلة من مذكراته في جريدة "القدس" اللندنية بتاريخ 15-16 أيار 1993 وتحديدا الحلقة الرابعة التي تطرق فيها إلى القضية الآشورية في العراق وبالأخص حركة عام 1933 وما صاحبها من سياسات ومواقف رجال الحكم في العراق تجاه هذه القضية. والسيد موسى الشابندر،عاصر الحركة الآشورية لعام 1933 والنتائج المأساوية التي رافقتها، فكان ضمن الوفد العراقي الحكومي لدى عصبة الأمم في جنيف أثناء مناقشة حوادث مذبحة سميل ومعروفاً بمواقفه الإستبدادية تجاه الآشوريين حيث ساهم بمقالاته "الوطنية" التي نشرها في الأعوام 1928 – 1933 وبأسم مستعار "علوان أبو شرارة" في تصعيد شرارة الحقد والكراهية على الآشوريين  وفي تزييف تاريخهم وطموحاتهم الوطنية المشروعة. ففي مقالته المنشورة في جريدة "العالم العربي" في 15 آب 1930 وتحت عنوان "المستعمرون وحماية الأقليات" لم يرً في القضية الآشورية إلا "دولاب إستعماري".
وفي حينها كتبت رداً مطولاً وحاداً على مذكرات السيد موسى الشابندر ساعياً إلى تقويم الإنحراف الفكري والموقف الإستبدادي تجاه القضية الآشورية بشكل خاص وتجاه الآشوريين عموماً وتحت عنوان "المسألة الآشورية في مذكرات رجال الحكم والسياسة في العراق" والذي نشر في جريدة "القدس" اللندنية بعددها الصادر 12-13 حزيران عام 1993. أثار موضوع ردي على السيد موسى الشابندر العديد من الردود والملاحظات بين العديد من المثقفين والمفكرين العراقيين المقيمين في لندن، وفي حينها دخلنا في مناقشات وحوارات حول الموضوع المعني مع العديد من هؤلاء المثقفين والمفكرين المتنورين والأحرار خاصة عندما كنًا نلتقي في "كوفه غالري" الكائن في قلب مدينة لندن والعائد للدكتور الأستاذ المهندس المعماري محمد مكية، عميد كلية الهندسة الأسبق بجامعة بغداد الذي كان ملتقى المثقفين والمفكرين والأدباء. وكانت من بينهم الإستاذة الدكتورة لمياء الكيلاني الذي أثار موضوع ردي على السيد موسى الشابندر إهتمامها، فكتبت تعليقاً قصيرً عليه تحت عنوان "الآثوريون وليس الآشوريين"  ونشر في جريدة "القدس" اللندنية بتاريخ 15 تموز 1993، تقول فيه:
"لي تعليق قصير على مقالة الأستاذ أبرم شبيرا (جريدة "القدس" العربي عدد 12/06/1993) حول القضية الآشورية، ولجهلي المحدود لا أود أن أدخل في أصل الحركة والحوادث التاريخية لعام 1933، ولو إني أتفق مع الكاتب تحليله لتفكير وعقلية الطبقة الحاكمة ورأيها بالأقليات في العراق. وللأمانة التاريخية، أود أن أسأل الكاتب منذ متى صار الآثوريون يدعون بـ "الآشوريون" ؟ وهل يستطيع مع أدلة تاريخية مكتوبة أن يرجع تاريخ الآثوريين إلى الأقوام الآشورية التي حكمت العراق في الألف الأول قبل الميلاد... مع التقدير.
وإستجابة لتساؤل الدكتور لمياء الكيلاني عن كيفية تحول الآثوريين في العراق إلى الآشوريين والأدلة التاريخية المكتوبة، كتبتُ في جريدة "القدس" العربي (العدد 16 تموز 1993) السطور التالية:
زاملت في بداية السبعينيات طالباً عربياً فلسطينيا أثناء فترة الدراسة الجامعية في بغداد فكان عجبه عن كيفية تحول "الآشوريين" في العراق إلى "الآثوريين" أكثر بكثير من علامة الاستفهام التي أوردتها الأستاذة لمياء الكيلاني عن تحول "الآثوريين إلى "الآشوريين". ويمكن تخفيف حدة الإستفهام هذه وإزالتها بإجابة مبسطة للتساؤل المطروح ومن النواحي التالية:
1.   لغويا: في العراق دون غيره من بلدان الشام ولبنان وفلسطين وحتى مصر، ولأسباب تتعلق بعلم الأصواب الكلامية (Phonology) تحولت "الشين" إلى "الثاء" وبالتالي أصبح "الآشوريون" في العراق معروفين بـ "الآثوريين". في حين حافظ أهل الشام وبقية البلدان على التسمية الصحيحة للآشوريين دون أي تغيير. وقد يكون مفيداً أن نسوق أمثلة على ذلك من النتاجات الفكرية لكتاب ومفكري هذه البلدان ولكن لضيق المجال، نكتفي بالقول بأن "شامية" ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث العربي الإشتراكي كانت قد طغت على أيديولوجية تلاميذه في العراق عندما أعيد طبع كتابه "في سبيل البعث" لمرات عديدة من دون تحويل كلمة "الآشوريين" الواردة فيه إلى "الآثوريين" عندما تطرق لحركتهم (عام 1933) في منتصف الخمسينيات من هذا القرن (والقصد هو القرن العشرين).
ومن ناحية ثانية فإن تسمية "الآثوريين" عينها غريبة عن الآشوريين أنفسهم حيث كان الفرثيون أول من أستعملها عندما أحتلوا بلاد آشور وأجزاء أخرى من بلاد مابين النهرين. من جهة أخرى هناك تداخل وإحلال كبير بين حرفي "الشين" والتاء" في اللغة الآشورية المعاصرة وفي لهجاتها المتعددة، فهناك العديد من الكلمات تخضع لقاعدة الإحلال هذه ومنها "آشور" و "أتور" ويعني الإله آشور أو مدينة آشور أو مملكة آشور، وهكذا مع بيتا وبيشا – أي البيت، و كتيتا وكتيشا- أي الدجاجة، وتا و شا – أي تعال ..إلخ.  فعندما يُسأل أي آشوري من قبل عراقي عربي من أنت؟ فيقول أنا "أتورايا" ولتنسيبها في العربية يقول أنا "أتوري" ويعني "آشوري" وبسبب "التاء" المشددة الصعبة في اللهجة العراقية تحولت، حسب القواعد الفونولوجية، إلى "الثاء" اللينة فتحول بالتالي "الأتوري" إلى "الآثوري" في العراق. وهي قاعدة عامة وشاملة في الكثير من اللغات القومية واللجهات المحلية في إختلاف وتباين تسميات الشعوب والأقوام وبلدانها. فإذا كان العراقيون العرب يطلقون على الآشوريين "آثوريين فالفرس مثلا، يطلقون عليهم "آسوري" والأرمن "أسورينير" والأذربيجانيون "أسورليار" والأتراك "آسورلي" والروس "أسيريتس" والإنكليز "أسيرينز" والصينيون "ياصو" والسويديون "أسيريسكا" والكورد مثلهم مثل الفرس "آسوري".
2.   سياسيا: لأسباب سياسية تم تعميم وإشاعة إستعمال تسمية "الآثوريين" وإحلالها محل "الآشوريين" من قبل مفكري ومؤرخي النخبة الحاكمة في العراق ولأهداف تتعلق بقطع الصلة بين التسميتين وإستئصال الجذور التاريخية للآشوريين في العراق. وتواصلت هذه السياسة حتى أيامنا هذه. فهناك العشرات من الكتب والبحوث التي صدرت في العراق كلها تسعى لتحقيق هذه الأهداف عن طريق توسيع هوة التباين اللفطي البسيط بين التسميتين "الآشوريين" و"الآثوريين" وتضخيم الخلاف والتناقض بينهما وإعطاء الثانية دلالات وأبعاداً دينية طائفية لتعكس إنطباعاً عاماً لدى العراقيين في إختلافها عن التسمية الأولى في الوقت الذي يظهر للعيان بأن الفرق بين "الشين" الآشورية و "الثاء" الآثورية ضئيل جداً يكاد لا يذكر ولا يستحق عناء التساؤل والمناقشة.
3.   تاريخيا: قبل كل شيء من الضروري التأكيد بأن الآشوريين، وبالأخص المثقفين منهم، وهم المكتوون بنيران السياسات العنصرية والشوفينية طيلة تاريخهم الطويل، يدركون بأن نظرية الدم أو العنصر التي تميز الناس والأمم على أسس بايولوجية قد أصيبت بدرجة كبيرة من السخف والبطلان. لهذا فإن إرجاع الآشوريون تاريخهم المعاصر إلى الأقوام الآشورية التي حكمت في الألف الأول قبل الميلاد لا يستند إلا على عناصر حضارية وفكرية إنسانية. ويمكن إرضاء تساؤل الأستاذة لمياء الكيلاني عن الأدلة التاريخية المكتوبة عن التواصل التاريخي للآشوريين بالإشارة، دون الاسهاب في تفاصيلها، إلى العشرات الكتب والدراسات والبحوث العلمية التي كتبت بمختلف لغات العالم والبعض منها ترجم إلى العربية. ويقيناً بأن الكثير منها، وخاصة الإنكليزية متوفرة في مكتبة المتحف البريطاني، وأخص بالذكر منها "نينوى وبقاياها للعالم الآثاري هنري أوستن لايارد مكتشف مدينة نينوى. وكذلك كتاب "الآشوريون وجيرانهم" و "مهد البشرية" و"مدخل لدراسة تاريخ الكنيسة الآشورية" للكاتب الإنكليزي وليام وكرام الذي عاش مع الآشوريين في منطقتهم قرابة 15 عاماً.
أمل أن تكون هذه الملاحظات وافية للتصورات والأفكار والسياسيات التي أقيم طرحها عن الفرق الضئيل بين "ثاء" الآثورية و "شين "الآشورية" لتزيد من ترابط الآشوريين بأرض العراق وشعبه... أنتهى.
--------------
هذا الموضوع كتب قبل أكثر من ربع قرن من الزمن ومن المؤكد بأن هناك مراجع وبحوث ووثائق أكثر بكثير من المراجع التي ذكرتها كلها تؤكد وتعزز ما ذهبت إليه في موضوع الأدلة التاريخية والعلمية في كون الآثوريون هم أبناء وأحفاء الآشوريين القدماء.
وهنا في الختام أود أن أشير إلى ملاحظتين:
الأولى: يظهر للقارئ الكريم من خلال رد الدكتورة لمياء الكيلاني على موضوع ردي على مذكرات السيد موسى الشابندر  سمو أخلاقها ورفعة آدابها وعظمة علميتها في معالجة الموضوع وبسطور قليلة، وهي الحقيقة التي كان يعرفها الكثير من المثقفين العراقيين الأحرار والبعيدين عن موائد الأنظمة السياسية الإستبدادية التي تعاقبت على الحكم في العراق.
ثانيا: للدكتور لمياء الكيلاني عدة مؤلفات، ومن بينها كتاب "أول العرب – من القرن التاسع وحتى السادس قبل الميلاد" ألفته بالتشارك مع الأستاذ سالم الآلوسي ونشرته دار نابو في لندن 1999. وهو كتاب يتناول موضوعه بالكامل عن الآشوريين القدماء وعلاقتهم بالعرب وعن الحروب التي خاضها الآشوريون ضد العرب البدو الذين كانوا يغارون من الصحراء الغربية على المماليك الآشورية معززة بصورة المنحوتات المعروضة في المتحف البريطاني. وفي حينها كتبت تعليقا على الكتاب ونشر في بعض وسائل الإعلام. وهنا يستوجب التذكير، خاصة لأعضاء النادي الثقافي الآشوري في بغداد في السبعينيات من القرن الماضي عن الأستاذ سالم الألوسي الذي كان من أكثر الشخصيات المثقفة العراقية التي شاركت بنشاطات عديدة ثقافية وفكرية في النادي وكان من أكثر المعجبين بهذا النادي وبأعضاءه.
=================================
سيرة حياة الأستاذة الدكتورة لمياء الكيلاني كما نشر في موقع ويكيبيديا:
لمياء الكيلاني
من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة


لمياء بنت أحمد جمال الدين بن داود بن سلمان الكيلاني النقيب (1931-2019)، أثارية وأكاديمية عراقية ،حصلت عل شهادة البكالوريوس في الآثار من كلية الاداب جامعة بغداد عام 1957 بتفوق وعلى شهادة الدكتوراه في الاثار من جامعة كامبردج في بريطانيا عام 1966[1].
سيرتها
ولدت لمياء الكيلاني في عائلة تتحدر من القطب الصوفي الأشهر عبد القادر الجيلاني في بغداد، وأتمت دراستها الابتدائية والثانوية فيها، ودخلت كلية الآداب جامعة بغداد في قسم الآثار، وبعد تخرجها غادرت بغداد لحصولها على زمالة في جامعة كيمبردج في بريطانيا لدراسة الآثار لتعود إلى بغداد عام 1961 كأول امرأة عراقية درست الآثار في الجامعات الغربية. وعملت في المتحف العراقي الذي كان يديره في تلك الفترة الآثاري العراقي فرج بصمجي، الذي كلفها بعمل يحتاج إلى بذل الكثير من الجهد والصبر، فقد تكدست في المتحف العراقي آلاف الأختام الاسطوانية، وقد كلفت الكيلاني بفرزها وتبويبها وتصويرها فوتوغرافيا لغرض أرشفتها، مما ولد في نفسها عشقا سيتطور لاحقا إلى دراسة اكاديمية، بعد ذلك تولى إدارة المتحف أحد أشهر آثاريي العراق وهو طه باقر، الذي كان ذو عقلية متفتحة فيما يخص التعامل مع المرأة في حقل الآثار، وقد ابتدأت حينها أعمال التنقيب في موقع قرب بغداد مما وفر فرصة مناسبة للدكتورة لمياء الكيلاني للمشاركة، وبذلك كانت أول عراقية تشارك في أعمال التنقيب عن الآثار العراقية[2]، شاركت في اعمال تنقيب في محيط بغداد في تل الضباعي القريب من تل حرمل فكانت أول عراقية تشارك في اعمال التنقيب، ولقد حصلت على شهادة الماجستير من جامعة ادنبرة وكان موضوع اطروحتها (الأواني السومرية الفخارية الطقسية)، ثم اكملت رحلتها العلمية في جامعة لندن حيث حصلت على درجة الدكتوراة وكانت اطروحتها عن(الاختام الاسطوانية)، وعملت لسنوات في المتحف العراقي ودرست في العديد من الجامعات والفت وشاركت في تأليف عددا من الكتب، كما شاركت في مؤتمرات عديدة والقت العديد من المحاضرات عن آثار العراق في مختلف دول العالم
وفاتها
توفيت لمياء الكيلاني في عمّان يوم الجمعة الموافق 12 جمادى الأولى 1440 هـ / 18 يناير 2019 عن عمر يناهز 88 عاما.


36
مقبر من العصر الآشوري الحديث في قبل عاصمة الإقليم أربائيلو (حاليا أربيل)... لـــــــــــــــــــــــــــــلا ... فاتت على البروفسور أن يغير أسم المقبرة من العصر الآشوري إلى العصر الكوردي.

37
تثميناً لجهده ودورة الاعلامي في رفد المكتبات الكوردية والعربية بما هو جديد من المؤلفات فقد حصل الدكتور محمد محمود المندلاوي على كتاب شكر من رئيس أقليم كوردستان السيد ( مسعود البارزاني ) مع التمنيات بدوام التقدم والتطور.
===================================================
دار زهرة الرافدين للنشر والتوزيع
كتاب شكر من رئيس أقليم كوردستان السيد ( مسعود البارزاني ) الى الدكتور محمد محمود المندلاوي

 
==================================================
ملاحظة:
يمكن أن أخمن بأن الرئيس البارزاني لم يطلع على محتويات هذا الكتاب الذي صدر من مكتبه، لأنه من المحتمل لو كان قد أطلع عليه لكان قد منعه لأن فيه مضامين تجرج مشاعر الأقليات في المنطقة وتحديداً الآشوريين منهم.
الملحق الثالث:
الدكتور محمد المندلاوي في ضيافة معالي وزير الثقافة والشباب في أقليم كوردستان
------------------------------------------------



دار زهرة الرافدين للنشر والتوزيع
------------------------------------
في لقاء جمع بين معالي وزير الثقافة والشباب الاستاذ ( خالد دوسكي ) والدكتور محمد المندلاوي تم الحديث عن الواقع الثقافي في كوردستان وسبل العمل الهادف الذي يصب في خدمة المثقفين في الاقليم تم التأكيد على ضرورة التواصل مابين الاعلام الهادف والافكار الموضوعية والثقافية التي تسهم في رفد المقاتلين البيشمركه في دفاعهم المقدس ضد داعش الارهابي وثمن السيد الوزير الجهود الاعلامية التي يبذلها الدكتور المندلاوي من خلال جميع أصداراته سواء داخل الاقليم أو خارجه.
بدون تعليق؟؟
-------------------------------------------------------
رغم الإطلة في هذا الموضوع فإنني في خاتمته أرغب إعطاء نصيحة للبروفيسور بأن يضاعف طباعة نسخ الكتاب أكثر من 30,000 نسخة في طبعته القادمة لأن معظم الآشوريين والكلدان والمسيحيين وربما الكورد أيضا الذين يعتمدون المنطق والواقع في فهم التاريخ سيشترون نسخة من الكتاب بعد قراءة هذه السطور وسينفد أسرع بكثير من الطبعتين السابقتين ومن ثم قد يضطر البروفيسور المندلاوي إلى طبعة رابعة للكتاب.
==================

38
"الطوائف المسيحية من الكلدان والأرمن والأثوريين تنتمي إلى أصل الكورد":
------------------------------------------

كاتب وصحفي وباحث ومؤرخ وبروفيسور كوردي لا يجيد حتى " كذب مصفط " !!!
============================================
أبرم شبيرا
توطئة:
-----
من خلال الموقع الألكتروني لدار زهرة الرافدين للطباعة والنشر اأطلع بعض الآشوريون على ملخص كتاب ""تاريخ وحضارة الكورد" للدكتور محمد محمود المندلاوي ومعظمهم، أن لم يكن جميعهم، لم يقتنوا نسخة من الكتاب ولم يقرأوه بل تعرضوا له كرد فعل  لما ورد فيه إشكالات سلبية ومهينة بحق الآشوريين، وقد يكون بعضها ملاحظات وإنتقادات لاذعة ربما خرجت عن الأصول الأدبية المتبعة في نقد الكتب، مما أثار ذلك رد فعل قوي  معاكس وشديد التشنج من مؤلف الكتاب وهو الأخر خرج أكثر بكثير عن الأصول الأدبية المطلوبة  خاصة أنها جاءت من بروفسور يحمل شهادة الدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر الذي من المفترض أن يكون أكثر إتزانا أدبيا وثقافيا من غيره. وسنعرض هذا الرد في قسم الملاحق من هذا الموضوع. على العموم، يظهر بأنني كنت أكثر موفقية في الحصول على نسخة من الكتاب خلال الشهر الماضي ومن ثم كتابة هذه السطور. وبخصوص عنوان الموضوع، أرجو المعذرة من إستخدامي كلمة "كذب مصفط" وأعتقد العذر سيكون مقبولاً عندما يدرك القارئ اللبيب محتويات الكتاب وردة فعل المؤلف المهينة للآشوريين جمعاء وليس لمنتقدي الكتاب فحسب.
حكاية كذب مصفط:
--------------
كذب مصفط أو باللهجة العراقية (جذب مصفط) مقولة مستمدة من رواية تقول بأنه كان هناك بلدة يحكمها حاكم ساذج وبهلول يعيش فيها شقيقان أحدهما ملئه الكذب والشعوذة والبهلوه. فكان مقرب للحاكم يستمتع بأكاذيبه وينشرح كثيراً عند سماعها فيكافئه بالمال الذي كان مصدر رزق وسعادة هذا الكذاب. أما شقيقه الآخر فكان صادقاً وحليما ولطيفا ولكن كان فقيرا وعلى حافة الجوع فلم تشكل هذه الصفات النبيلة مصدراً لرزقه. فكر هذا الشقيق ملياً وقال لنفسه، طالما هذه الصفات النبيلة لا "توكل الخبر" فمن المستحسن أن أمارس الكذب والشعوذة كما يفعل شقيقي حتى يكون لي مصدر رزق وحياة سعيدة. فبدأ بإشاعة خبر مفاده بأنه شاهد خروف يطير في الهواء عاليا فأنتشر الخبر بين سكان البلدة مما أثار الكثير من البلبلة والذعر بينهم وبدأوا يتخوفون من أن خرفانهم ستطير ويتلاشى مصدر رزقهم وينهار إقتصاد البلدة. فلما سمع الحاكم هذا الخبر أستدعاه إلى ديوانه وأمر بجلده وسجنه على كذبه هذا. وصل هذا الخبر إلى الشقيق الكذاب فجاء إلى الحاكم متوسلا إليه طالباً إطلاق سراح شقيقه، فرد عليه الحاكم قائلا بأن شقيقه اثار البلبلة والإضطراب في البلدة وعرض أمنه وإستقراره الى الخطر من جراء كذبه الذي لا يصدقه أحد. فرد عليه الشقيق الكذاب قائلا: لا يا سيدي الحاكم، الخروف لم يكن له جناحين ولم يكن بقادر على الطيران، بل كان هناك نسرا كبيرا قد خطف الخروف وأخذه عالياً فتصور شقيقي بأن الخروف له جناحين ويطير. فقال الحاكم: هذا كلام معقول. ثم بعد أن أطلق الحاكم سراح السجين قال الشقيق الكذاب لشقيقه: يا أخي عندما تريد أن تكذب يجب أن يكون كذبك مصفط حتى يصدقك الناس.
بروفيسور "بتاع كلو":
-------------
أورد هذا المثل ليكون مدخلا لما كتبه الكاتب والصحفي والباحث والمؤرخ وحامل شهادة دكتوراه في تاريخ حديث ومعاصر، لا بل أيضاً بطل ومدرب دولي سابق في فنون الدفاع عن النفس وفن قتال الشوارع، البروفسور الدكتور محمد محمود المندلاوي مدير عام مؤسسة زهرة الرافدين للصحافة والنشر والتوزيع ورئيس تحرير مجلة زهرة الرافدين ورئيس تحرير جريدة الرياضي وعضو نقابة الصحفيين العراقيين وعضو الإتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق وعضو جمعية المؤرخين العراقية وعضو إتحاد المؤرخين العرب، حسب كنيته المنشورة من قبله، ولكن مع كل هذا المؤهلات العالية لم يذكر لنا من أية جامعة تخرج وفي أي جامعة أو أكاديمية أو مركز بحوث يُدرس أو يعمل فيه. يقول بأن له أكثر من 40 مؤلفاً في السياسة والأدب والتاريخ والإجتماع والدين و سيرة وبلوغرافيا لبعض الحكام، لا بل وحتى في  جرائم خطف النساء وفنون القتال المختلفة وفي الوقاية من سحر الأنس والجان وعشرات غيرها. ويمكن للقارئ الكريم الإطلاع عليها من خلال الموقع الأكلتروني لدار زهرة الرافدين للصحافة والتوزيع ليتأكد فعلاً بأن البروفيسور مندلاوي هو "بتاع كلو" كما يقول المصريون.
 كل هذه المؤهلات والمؤلفات لايهمنها ولا يخصنا غير كتابه المعنون "تاريخ وحضارة الكورد، الصادر من مؤسسة زهرة الرافدين للصحافة والنشر والإعلان، أربيل، الطبعة الأولى 2013 والذي يزعم البروفيسور المندلاوي عنه بأنه تم نفاذ هذا الكتاب بطبعته الأولى والثانية بكمية قدرها بـ 30,000 نسخة وأيضا تم الإنتهاء من طباعة الطبعة الثالثة ويطلب من القراء حجز نسختهم قبل نفاذها!!! عجبي كبير جداً على هذه الكمية الهائلة من الكتاب الذي طبع ونفذ ونحن نعرف الواقع الثقافي في المنطقة بأن معظم الكتب التي تطبع وتنشر لا يتجاوز عددها في أقصى حالاتها بضعة ألاف نسخة، أما طبع ونشر 30,000 نسخة من كتاب الدكتور المندلاوي، خاصة وهو كتاب موضوعه محدد وخاص بالكورد وقد لا يعنيه غيرهم، فهو أمر يسجل سابقة تاريخية في المنطقة وأقترح عليه أن يعرضه على مؤسسة غنيس للأرقام القياسية ليسجل في سجلاتها.
كتاب تاريخ وحضارة الكورد:
-------------------
كتاب موضوع البحث الذي هو بين أيدينا، هو "تاريخ وحضارة الكورد" في طبعته الأولى لعام 2013. في حين يشير البروفيسور في نبذة عن الكتاب على الموقع الألكتروني للدار المذكورة إلى أن الكتاب طبع سنة 2012!!!.



 

يقع الكتاب في 340 صحفة من القطع الكبير، وهنا لسنا بصدد التعمق في صفحاته والضياع في نفس المتاهات والتناقضات وظلامات التاريخ الغابر التي أحتواها الكتاب، فمثلا يقول البرفيسور المندلاوي بأن الكورد أمة عاشت منذ عصور موغلة في القدم بحدود أكثر من 3000 سنة (ص21)  في حين يذكر في مكان آخر بأن عمر تاريخ وحضارة الكورد هو 5000 سنة، كما هو مذكور في أدناه:
بينما في رده "المتشنج" على منتقدي الكتاب، والذي سنتأتي على ذكره فيما بعد، يقول بأن تاريخ الكورد يتجاوز 10,000 سنة. ليس هذا فحسب بل يدعي البروفسور بأن نفوس الكورد في العالم 60 مليون نسمة وهو رقم مبالغ فيه كثيرا ومتجاوز العدد المقدر من قبل الباحثين سواء من الكورد أو غيرهم والذي يقدر بين 25 – 30 مليون نسمة. غير أن الذي يهمنا هو مسح صفحات الكتاب التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالآشوريين خاصة وبالمسيحيين عامة في بلاد ما بين النهرين مع الإشارة إلى بعض المفاهيم التي أوردها المؤلف والتي أما هي لا تتطابق مع المنطق والتاريخ أو هي مشوه أو محوره نحو النهج الذي يخدم منهجه في خلق قرون أن لم نقل عصور وألفيات من السنين لشعوب وحضارات أخرى ومنها الحضارة الآشورية، ويلصقها بالكورد أو بأجدادهم أو بأصولهم العرقية. ففي هذا السياق يقول "من يقرأ التاريخ قراءة واقعية سيجد الحقيقة التي تؤكد أن الكورد أمة عظيمة وقد شهدوا إشراقة الحضارة الأولى للبشرية منذ عهد السومريين... وعرف عنهم الإرادة والإبداع... "(ص22). لهذا فالغرض من تأليفه لهذا الكتاب، كما يقول، هو "محاولة للكشف عن جوانب العطاء الحضاري للشعب الكوردي وإعطاء الصورة الواضحة عن عمقه التاريخي وتراثه الأصيل رغم المحاولات اليائسة التي قامت بها الأقوام المجاورة لهم السعي إلى تجريده من تراثه وماضيه وحاضره ومستقبله في محاولة طمس الشواهد التاريخية والمعالم الأثرية التي تؤكد الخصوصية الحضارية لشعب كوردستان" (ص22). ولا أدري عن أي معالم أثرية يتحث البروفيسور.. أفهل يعني الأثار الآشورية الهائلة والمنتشرة في جميع أرجاء شمال بيت نهرين والتي نسبت بعضها إلى الحضارة الكوردية؟؟ ومن يقرأ الكتاب سيجد أن عشرات الشعوب والقوميات والقبائل والحضارات والمدنيات كلها التي أستقرت في شمال بيت نهرين وشمال غربي إيران وجنوب شرقي تركيا وحتى أذربيجان وأرمينيا سواء لزمن قصير أو طويل والتي هي بمفهوم البروفيسور أرض الكورد، هي حسب زعمه من أصول كوردية، ولم يبقى له إلا أن يقول بأن العصفور الذي يطير من فوق شمال بيت نهرين هو من أصول كوردية!!.


الكورد والحضارة الآشورية:
----------------
وفي بحثه عن نسب الكورد يعرض المؤلف بعض الأراء والقصص والتي يطلق عليها بالنظريات والتي كتبت قبل سنوات بل قبل قرون طويلة ومن دون أي أساس علمي وتاريخي موثق ومن قبل أناس كانوا أقرب إلى مؤلفي الروايات وأساطير الدراويش وراوة القصص الخرافية وقراء الغيب من المؤرخين والذين يطلق عليهم بالنسابين الذين يبحثون في نسب وأصل الشعوب. وبشكل عام، يرفض البروفيسور أولا النظرية القائلة في كون الكورد والعرب من نسب واحد ويعتبر الأراء التي قيلت بهذا الشأن غير واقعية (ص30). ولكن حتى يحقق منهجه في تعظيم تاريخ وأصل الكورد يندفع وبشكل واضح نحو الخرافة التي تنسب الكورد إلى الآشوريين القدماء. فيشير إلى أحد النسابين الذي يرجع أصل الكورد إلى الآشوريين ويقول " تفرعت من آشور (Isor) – هكذا يكتبها -  بن سام، الراسخين في الكوردية وهم سكان كوردستان الأصليين أطلق عليهم لفظة الكورد نسبة إلى كورد بن أيران بن آشور بن سام بن نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ بن أليارد بن مهلائيل بن قينان بن آنوش بن شيت بن آدم" (ص28)... يا ساتر!!!... كيف أمكن هذا النساب، أو بالأحرى قارئ الغيب، التوصل إلى هكذا نسب طويل الذي دخدخ عقل البروفيسور وأعتمده  في زمن لم تكن وسائل البحث العلمي متاحة، خاصة وهو يذكر أسماء وشخصيات غريبة ولا أعتقد بأن العالم سمع عنهم. وعن الآشوريين يقول "عرفت منطقة إستقرارهم – أي الآشوريين– في شمال العراق بأسم آشور وهو الأسم المأخوذ من أسم الجد الأعلى للكورد (آشور بن سام بن نوح )!!!.. (ص32). ويواصل التعظيم ويقول "ومن خلال ذلك الرأي يمكن القول بأن أسم الآشوريين مشتق من أسم آشور- يا لها من إكتشاف عظيم للبروفيسور -  الذي ورد ذكره في نسب الكورد وهي دلالة واضحة وصريحة على قدم الشعب الكوردي وأصالته وعمقه التاريخي" (ص 33). لهذا السبب نرى بأن كتابه المذكور أتحف غلافه بصورة نحت لفارس آشوري وهو الملك الآشوري العظيم، آشور بانيبال ملك العالم. ولكي يتأكد البروفيسور بأنه على خطأ ومبالغ في هذا القول، أقترح عليه أن يزور المتحف البريطاني في لندن ليشاهد عظمة الآشوريين وملكهم العظيم وأنا أراهنه بأي شيء فيما إذا وجد أية إشارة إلى الكورد أو أصلهم في المنحوتات والسجلات والألواح الكثيرة المعروضة في المتحف والمدونة على صخور صلدة التي لا تقبل الشك والتحريف كما هو الحال مع تخريفات وخزعبلات وأقاويل قراء الغيب و مدبلجي الأساطير التي يعتمدها البروفيسور المندلاوي. فإذا كان الكورد فعلاً أحفاد آشور وينتسب أصلهم إلى الآشوريون القدماء، أليس من المفروض أن نرى الكورد في العصور القديمة والحديثة يفتخرون بهذا الأصل ويتسمون بأسماء الآشوريين العظماء، كآشور وسركون وسنحاريب وشميران وعشرات غيرهم، ويحتفلون بالمناسبات التراثية العريقة كالأول من نيسان وصوم نينوى وعيد مسردل وعشرات غيرها، كما فعل الآشوريون في الأيام الخوالي ويفعلون في هذه الأيام ويعتزون بها إيما إعتزاز كممارسات تاريخية تربطهم باجدادهم الآشوريين القدماء وتشكل الأسس التاريخية لهويتهم القومية وتؤكد أصالتهم على أرض بلاد النهرين.


أنا آشوربانيبال ملك العالم ملك آشور
====================================
العرق الآري للكورد والنازية:
-----------------
أنه من حق أي كوردي أن يفتخر بنسبه وأصله وعرقة كما يفعل البروفيسور المندلاوي حين ينسب الكورد إلى أصل هندو أوروبي ويميل بشكل واضح إلى أعتبار الكورد شعب آري. غير أنه نرى بأنه يخرج عن الإطار الإنساني في فهم أصل الشعوب ويقر بالنظرية العرقية في تحديد أصل ونسب الشعوب،  فيشيد بالأصل الآري للكورد ويعتبره عنصراً متفوقاً على غيره من الشعوب. فيقول: أن "نبوغ نطريات جديدة في عصرنا الحديث- أي نظريات جديدة في عصرنا الحديث يتحدث عنها البروفيسور  فكل هذه النظريات أصابها الكثير من التراجع والسخف والبطلان ولم يعد أحد يتجرأ على إعتمادها في تحديد أصل الشعوب – فيقول عن هذه النظريات بأنها " تشير إلى العرق الآري على أنه أرقى الأعراق البشرية وهذا يعطي الكورد تميزاً عرقيا آخر يضاف إلى سجله الحضاري وهويته القومية" (ص42). ثم يواصل ويقول "أن الحضارة الكوردية تأسست عبر مسيرة تاريخية طويلة تكونت بجهد وعرق ودم الكورد لتبرز إلى الوجود، أما الإلتقاء وفق الإستراتيجية الآرية فلأنهم يثبتون قدراتهم عندما يضعون في إتجاه المواجهة حيث تنمو في أعماقهم القوة سريعاً ويكون نتائجها مدهشا. أن بناء الحضارة الكوردية لم تكن إلا نتاج قومي خالص هدفه دائماً التقدم والتألق والتمييز، والمعروف عن الآري أنه يحاول أن يخضع الأعراق الأخرى التي تقل عنه مستوى ليبقى السيد المطاع والمهيمن كي يحافظ على دمه نقياً" (ص53). وهذه هي النازية والفاشية عينها التي دمرت بلدان عديدة وأبادة شعوب كثيرة، ولا أعتقد بأن عقلاء الكورد ومنهم رجال الحكم والسياسة في الاقليم يقبلون بمثل هذه المفاهيم في الفاشية أسلوباً لحياتهم وحكمهم. ومن الغريب والعجيب جدا هو أن الدكتور البروفيسور محمد محمود المندلاوي كما يظهر بأنه قومي كوردي متشدد ويحب قومته جدا ولكن ألا يدري بأن الكورد أكتوا بنيران هذه النظريات وذاقوا الأمرين التي كانت تعتمدها الفاشية الطورانية والأتاتوركية والبعثية والعنصرية العروبية؟ فكيف يمدحها ويعشقها وهو المكتوي بنيرانها؟ أفهل يسعى إلى تقليد الطورانية والأتاتوركية والبعثية في تعامله مع الآشوريين فيجعل من الشعب الكوردي عنصر متميز يفوق بقية الشعوب والأقوام؟؟.
ولم يكتفي البروفيسور بسرقة الإمبراطورية الآشورية وحضارتها العظيمة بل يتجاوز ذلك معتمداً على قول بعض النسابين !!!!  في أعتبار الإمبراطورية الساسانية والعيلامية هي من نتاج الكورد أيضاً إلا أن التاريخ (... اي تاريخ؟) قد ظلم الشعب الكوردي ونسبت المنجزات والمكتسبات التاريخية لهاتين الإمبراطوريتين إلى الفرس (ص37). في الحقيقة أصابتني الحيرة والشك والأسف من هذا الظلم الذي أصاب الكورد كما يقول البروفيسور، ولكن سعياً وراء إزالة هذه الحيرة والشك تصفحت كل الكتاب ألـ (340) صفحة فلم أجد أية نتاجات أو إختراعات للكورد غير إشارته إلى مخترع ألة المنجنيق وأسمه هينوان الذي كان كردياً (ص55). ومن باب الفضول بحثت في الموسوعات والقواميس المعروفة عن المنجنيق فوجدت بأنها "كلمة معربة من اللغة اليونانية واللاتينية (manganon)، ومعناها آلة الحرب ويعود أول ذكر لها إلى المؤرخ ديودورس الصقلي الذي وصف إختراعه في اليونان عام 399 ق.م. وأستخدم للمرة الأولى في التاريخ عام 397 ق.م. وذلك في حصار مدينة موتيا أثناء الحروب البونيقية اليونانية" (أنظر مثلا موسوعة وكيبيديا). أين موقع هينوان المخترع الكوردي من هذا، أهو ظلم آخر سرق اليونانيون أختراع المنجنيق من الكورد ونسب إليهم؟
الكورد وعلاقتهم بالمسيحيين والآشوريين المعاصرين:
------------------------------
أما بخصوص علاقة الكورد بالمسيحية، فيمكن أن نستخلص من الكتاب إتجاهين يذكرهما البروفسور: الأول يؤكد بأن الكورد أعتنقوا المسيحية قبل ظهور الإسلام وإنتشاره بينهم. والثاني يشير إلى أن الكورد أنتقلوا من الديانات القديمة (المانوية والزرادشتية) التي كانت سائدة بينهم إلى الإسلام مباشرة دون المرور بالمسيحية. يميل البروفيسور إلى الإتجاه الأول ليؤكد بأن قسم من الكورد أعتنق المسيحية وحتى اليهودية ولكن لم يعتنق غالبيتهم المسيحية رغم غالبية الأقوام المجاورة لهم كانوا يعتنقون الديانة المسيحية، أي أن الأكثرية أعتنقت الإسلام. والواقع عكس ما يقول البروفسور حيث عاش الكورد طيلة تاريخهم الإسلامي بين الأقوام المسلمة والمجاورة لهم. كل هذا، من إعتماد البروفيسور الإتجاه الأول هو بهدف وصول إلى مبتغاه ليقول: "أما بخصوص الطوائف المسيحية الموجودة في المناطق الكوردية من الكلدان والأرمن والآثوريين هي طوائف تنتمي إلى أصل الكورد ولكنهم أعتنقوا الديانة المسيحية ولا يمكن فصلهم عن القومية الكوردية والتجمعات السياسية في كوردستان" (ص64). وهذا ما يحاول البروفيسور تأكيده في الصفحات الأخيرة من الكتاب بقوله "في الواقع أن الكورد قد أمتزجوا في تاريخهم مع المسيحيين وجميع المؤشرات التاريخية القديمة تثبت لنا أن قسماً من الكورد كانوا يدينون بالديانة المسيحية سابقا..(ص 266) ... ويتابع "ويجب الإشارة إلى أنه قد حصل إنقسام بين الكورد أنفسهم فيمن فضل البقاء في المسيحية ومن أختار الدين الإسلامي... فكانت مدينة دفين الكورية تمثلها غالبية كوردية ولكن مع فارق إنقسامهم ما بين الديانتين الإسلامية والمسحية ولعل هذا السبب كان واحداً من أقوى الأسباب التي فرضت التشتت القومي بيت الكورد" (ص 277). غير أن هذا الأمر يختلف ويتناقض مع الحقائق التاريخية لواقع الكورد والمسيحيين منهم الكلدان والأرمن والآثوريين، وهذا ما سنبينه في السطور القليلة القادمة.
المندلاوي يفتخر بأنه مؤرخ كوردي نشط وواسع الإطلاع والمعرفة خاصة بتاريخ أمته الكوردية، وهذا حق طبيعي له بما يدعيه. من هذا المنطلق فهو من المؤكد  قد أطلع على نتاج أكبر مؤرخين كوردين في تاريخ الكورد، لأنه يشير إليهما في كتابه السالف الذكر، وهما الأمير الكوردي شرف الدين خان البدليسي أمير إمارة البدليس الكوردية في منطقة وان شمال شرقي إيران في القرن السادس عشر الميلادي، وتحديدا كتابه الضخم المعنون "شرفنامه" الذي كتبه في عام 1596 ميلادية بالفارسية، وليس بالكوردية، ربما لأن الكوردية لم تكن لغة كتابة أو بالأحرى لم يكن للكورد لغة قومية مشتركة بين القبائل الكوردية، وهذا هو أول كتاب يؤرخ لأمراء الكورد والإمارات التي أسسوها والذي ترجم إلى عدة لغات ومنها العربية من قبل محمد جميل الملا أحمد الروزبياني، 2007 - الطبعة الثالثة  الصادرة من دار المدى للثقافة والنشر (سورية، لبنان والعراق). والثاني هو محمد زكي أمين بك، الذي كان وزيراً في الوزارة العراقية التي في عهدها أرتكبت مذبحة سميل بحق الآشوريين عام 1933، وتحديداً كتابه الموسوعي  "خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من اقدم العصور التاريخية حتى الآن -  (“(1880-1958 الذي طبع في القاهرة عام 1931 باللغة الكوردية وترجم إلى العربية وعلق عليه محمد علي عوني. ويعتبر هذا الكتاب من قبل الباحثين بأنه ثاني أهم مرجع في تاريخ الكورد بعد كتاب البدليسي. ولو حاولنا مقارنة ما كتبه المندلاوي عن علاقة الكورد بالآشوريين بشكل خاص والمسيحيين بشكل عام بما كتبه هذان المؤرخان الكورديان الكبيران سوف نرى المنهج الإنتقائي الإنتهازي الذي أتبعه المندولاي لتحقيق غرضه من دمج الآشوريين والكلدان في البوتقة الكوردية ويلجأ إلى نفس الأسلوب الإستبدادي الذي كان يمارسه نظام البعث تجاه الآشوريين في العراق في محاولة دمجهم في بوتقة الأمة العربية من خلال سياسته الإستبدادية في "إعادة كتابة التاريخ". فحاله كحال مؤرخي حزب البعث الذين كانوا يرتعبون من التسمية الآشورية ويلجأون إلى التسمية الأثورية بأعتبار هذه الإخيرة تسمية طائفية كما يفعل المندلاوي وليس لها علاقة بالآشوريين القدماء. لماذا يتنكر المندلاوي لجده الأكبر شيخ مؤرخي الكورد الأمير شرف الدين خان البدليسي بنكران ما كتبه هذا المؤرخ الكبير عن الآشوريين؟ فهو قبل ما يزيد عن أربعة قرون أشار إلى الآشوريين بقوله "كان إنئذاك – في زمن السلاطين الشراكسة (1382 – 1516) -  جمع كبير من رعايا دزي – يقصد ديز Dez – وهي منطقة أحدى العشائر الآشورية المستقلة والشجاعة ديز او دزناية -  من النصارى المعروفين بأسم – آسوري – وهي لفظة فارسية للآشوري – ويترجمها المترجم إلى الآشوريين (ص216). وهنا يقوم مترجم هذا الكتاب النابغ في التاريخ والديانات بوضع هامش رقم (17) ليشرح معنى الآشوريين ليعبر عن جهله وكراهيته للآشوريين بقوله "يعني بهم – يقصد الآشوريين - النساطرة المعروفين إلى يومنا هذا بأسم الطائفة الآشورية. وهم كما يدعي كثير من المؤرخين أكراد أعتنقوا الديانة المسيحية على يد نسطوريوس، وليسوا من بقايا الشعب الآشوري التاريخي" (ص228). وتتمثل قمة غباء هذا المؤرخ الكوردي في جهله المطبق بتاريخ الآشوريين الذين أعتنقوا المسيحية قبل أن يولد نسطوريوس بما يقارب ثلاثة قرون. ثم يعاود البدليسي الحديث مرة أخرى عن "الطائفة الأسورية" – أي الآشورية في منطقة حيكاري المعروفين في تلك الأصقاع بأسم سبديافان (ص614) من دون أن يعطي المترجم معنى لكلمة (سبديافان) أو يترجمها. وقد حاولت وبجهد معرفة معنى (سبديافان) الموصوف بها الآشوريين فلم أصل إلى نتيجة غير أنه في البحث القيم الميداني الذي كتبه نائب القنصل الروسي في أورمي (R.I.Termen) عام 1906 عن العشائر الآشورية في منطقة وان وحيكاري والمترجم إلى الإنكليزية والمنشور في مجلة (ملثا –Meltha) مجلد 2، عدد 2 لسنة 1996 (ص11) التي كانت تصدر من قبل النادي القومي الآشوري للمثقفين في روسيا، حيث يشير نائب القنصل الروسي في تقريره إلى كتاب البدليسي وللآشوريين بقوله "أن أسم أسوري المشتق من آشوري (أسريان – Assyrians) كان قائماً منذ سنوات طويلة في الماضي فأشار إليه المؤرخ الكوردي شرف الدين في القرن السادس عشر الميلادي  بأنه كان هناك في منطقة ديز قبيلة مسيحية عديمة الضمير ومجردة من المبادئ الخلقية، ويكتبها بالإنكلزية (Unscrupulous) وقد تكون ترجمة (سبديافان) بهذا المعنى وأن المترجم لم يترجمها من الفارسية خشية من الإحراج لما لها من معاني غير أخلاقية وغير مقبولة أدبياً. ولو بحثنا في أسباب هذه الشتائم والسباب التي نعت بها الآشوريين من قبل البدليسي سوف لا نجدها إلا في الأحباط الذي كان يصيب بعض القبائل الكوردية من جراء أندحارها في المعارك التي دخلت مع الآشوريين. وما يعزز هذا القول هو ما ذكره البدليسي بقوله "من سوء الحظ أن صادف في هذه الأونة أن أختلفت الطائفة الآسورية= الآشورية مع الأمير عزد الدين شير حاكم حزو=حظو، فنشب بينهما النزاع، وحادت هذه الطائفة عن طريق الأدب وشقت عصا طاعته ونزعت ربقة متابعته. فنهض عزالدين شير لتأديبهم وإخضاعهم بجيشه، ونضهت – أي يقصد الطائفة الآسورية عن أنفسها... وتأهبت للحرب والقتال وأستعدت للنزال وأعلنت عن جلادتها وبسالتها. فقتل في المعركة حسن علي وأخوه" (ص615)، وحسن علي وأخوه حسين علي هم من أبناء أمراء الكورد. من كل ما تقدم لم  نرى من شيخ المؤرخين الكورد البدليسي، رغم أنه ينعت الآشوريين بالطائفة، وهو المفهوم أو المصطلح الذي كان سائدة بين المسلمين في نعت غيرهم في تلك الفترة، لم نرى أية إشارة إلى أن الآشوريين هم من أصول كوردية أو هم آثوريين، هذه إشارة تاريخية من غير آشوري (كوردي) يؤكد بأن التسمية الآشورية كانت سائدة بين الغرباء في تلك الفترة ومنذ القرن الساس عشر الميلادي ولم تكن من مخترعات الأنكليز في القرن التاسع عشر كما يدعي بعض المارقين.
أما بالنسبة لكتاب المؤرخ الكبير الآخر، محمد زكي أمين بك الذي يعتبر أستاذ المؤرخين الكورد،  فان ما ذكره بخصوص علاقة الكورد بالإسلام وبالدين المسيحي يتناقض تماماً مع مزاعم البروفيسور في أعتبار الطوائف الكلدانية والأثورية والأرمنية من أصول كوردية. حيث يؤكد هذا المؤرخ الكبير بأن الشعوب الآرية وطبعاً منها الكوردية،  التي كانت تعتنق الديانة الزاردشتية  والمجوسية لم تلتف إلى هذا الدين الجديد، ويقصد المسيحية، ولم يثير اهتمامها لا بل ولم تفهم مغزاه  لذلك لم تنتشر المسيحية بينهم ولم تحقق نجاحاً كبيرا فيهم فبقوا بشكل عام كشعوب وأمم وحكام ودول أو إمبراطوريات محافظين على عقيدتهم الدينية، أي الزارادشتية والمجوسية (ص121)، ومن هنا وإستناداً على الحقائق التاريخية لأديان الشعوب يمكن القول بأنه لا يمكن لأي شعب من شعوب العالم أن يؤمن إيماناً قوياً وصادقاً بدين معين ويقدم تضحيات جسيمة في سبيله ما لم تكن السمات القومية والحضارية وعادات وتقاليد ومعتقدات وظروف هذا الشعب متوافقة ومنسجمة ومتكاملة مع هذا الدين. والعكس صحيح أيضا، عندما يتردد شعب من شعوب العالم اعتناق دين معين أو يرفضه أو يحاربه ويضطهد المعتنقين له ويرميهم في أتون النار أو يقطع رؤوسهم، فهذا لا يعني إلا أن هذا الدين الجديد القادم هو في تعارض وتناقض مع معتقدات وتقاليد ومبادئ هذا الشعب، لا بل هو تهديداً خطيراً لدينهم القائم أو لحضارتهم أو لسلطة حكامهم وبالتالي يستوجبه المنع والتحريم والمقاومة بشتى الوسائل. وبنظرة مقارنة بين المسيحية والآشوريين من جهة والكورد والإسلام من جهة أخرى، نرى بأنه منذ البداية وفي السنوات الأولى للمسيحية، نرى بأن الآشوريين أندفعوا إندفاعاً قوياً وبإيمان عميلق نحو المسيحية  فأعتنقوا هذا الدين الجديد لا بل  وأزهقوا أرواحهم وسيلوا دمائهم من أجل نشر رسالة الإنجيل في أقاصي بعيدة من الكرة الأرضية لأنه كان هناك توافقاً وانسجاماً بين المبادئ والقيم التي جاءت بها المسيحية وبين الحضارة الآشورية التي ورثت حضارات سومر وأكد وبابل. كما وأن العوامل الروحية والمادية من سياسية واقتصادية للشعب الآشوري شكلت عوامل أساسية وفاعلة في اندفاع الآشوريين نحو المسيحية واعتناقها بكل صدق وإخلاص وتفاني في سبيل نشر رسالتها إلى الشعوب الأخرى.  فالقصص والملاحم الواردة في الكتاب المقدس والمقتبسة من حضارة بلاد ما بين النهرين والإشارات الواردة فيه بخصوص الآشوريين  جعل الاهتداء إلى المسيحية سهلاً على الآشوريين لأن الكثير من تعاليم الكنيسة في عهدها الأولي كانت مماثلة لمعتقدات ديانة الآشوريين.

على العكس من هذا نرى بأن المسيحية كدين وثقافة لم تكن تتوافق مع السمات القومية والفكرية والإجتماعية للكورد لأن المسيحية  كانت بالنسبة لهم ديانة أو معتقد أو مفاهيم تتناقض مع معتقداتهم أو طبيعة حياتهم الاجتماعية والفكرية والسياسية، لا بل وجدوا فيها، وفي أحيان كثيرة، خطورة تهدد معتقدهم وتعرض كيانهم إلى الفتن والتحريض والمقاومة والانهيار لأنها كانت تتعارض مع ديانتهم الزرادشتية والمجوسية. في حين على العكس من هذا نرى بأن الكورد أندفعوا وبشكل قوي وبإيمان عميق نحو الدين الإسلامي وقاتلوا في سبيله وقدموا شهداء من أجل نشر الرسالة الإسلامية، وصلاح الدين الأيوبي غير مثال على ذلك. كل هذا لأن هذا الدين كان يتوافق مع أسلوب حياة الكورد وثقافتهم وفكرهم فكانوا يجدون فيه قوة لهم. وهناك أشارات كثيرة من البروفيسور المندلاوي بهذا الشأن ومنها ما يقوله معتمدا على كتاب شرفنامه، بأنه "يعتز الكورد بالإسلام ويتحمسون له ويحترمون العادات والتقاليد الإسلامية إحتراماً شديداً ويجدون في هذا الدين التوحيدي مصدر قوة لهم ويعتبر الكورد أكثر الجماعات تمسكاً بالدين الإسلامي تفهماً وتفقها له" (ص264). من كل ما تقدم يمكن القول بأن ما يقول البروفيسور المندلاوي بخصوص "كوردية" الكلدان والأرمن والآثوريين" هي بدعة أن لم نقل إستنساخ لفكر حزب البعث تجاه الأقليات العراقية ليس أكثر ولا أقل. ويُرجع البروفيسور قوة وصلابة الكورد بدينهم الآسلامي إلى كون "الكورد معروف عنهم بين شعوب آسيا الصغرى يميلون كثيرا إلى الحرب والإغارة (ص58)، وهي الصفات التي وجدوها في الدين الإسلامي وفي فتوحاته ولم يجدها في الدين المسيحي. ثم يواصل البروفيسور قوله "وقد أشتهر الكورد كشعب متميز دافعوا عن الثغور الإسلامية ومنعوا الأقوام الأخرى من إقتحامها، وجاءت هذه الشهر لقوتهم البربرية (ص102). صحيح هو ما يذكره البروفيسور عن علاقة الكورد بالدين الإسلامي ويؤكد بأن قوة إيمانهم وتمسكهم به والذود في سبيله إضافة إلى تركيبتهم الإجتماعية العشائرية الصلدة كانا عاملان مهمان في أهمال الكورد إهتماهم بمسألة بناء كيان قومي سياسي لهم، ولقد فصلنا نحن كثيرا في هذا الموضوع تحت عنوان (الدولة الكوردية ... حقيقة أم يوتوبيا). أنظر الرابط أدناه:
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=149197.0
ولكن الغريب والعجيب في قول البروفيسور هو رغم أنه يلقي اللوم على قوة إيمان الكورد بالدين الإسلامي فأنه من جهة أخرى يقول "لو أعتنق الكورد الساكنين في مناطق كوردستان النصرانية لأصبح للكورد وطن ودولة ذات سيادة مثل بقية الأقوام الأخرى التي جاورتهم، إلا أن دخولهم في الإسلام وأستبسالهم بالذود عنه جعل النصارى يشعون بالخطر الحقيقي من قوة كيانهم الوحدوي (ص104). ولكن ألم يفكر البروفسور بالآشوريين الذين تحدث عنهم كثيرا  رغم إعتناقهم الدين المسيحي بأنهم لم يستطيعوا تشكيل كيانهم السياسي الخاص بهم وفق "نظرية" البروفيسور؟. ثم يواصل البروفسور موضوعه عن الكورد والدين الإسلامي فيرى بأنه كان النبي محمد عربي اللسان وبفضل الإسلام ونصرته في تنوير العرب ودمج القبائل العربية في أمة واحد وجعلهم، أي الإسلام، أمة واحدة متوحدة في حين على العكس من الكورد، يقول البروفيسور "لو بعث الله نبياً بلسان كوردي إلى الأمة الكوردية في نفس الحقبة الزمنية لتغير التاريخ كثيرا" (ص236). أي أنه يقصد بهذا لو كان النبي محمد كوردي اللسان لتوحدت القبائل الكوردية في أمة واحدة وتكون لها دولة قومية خاصة بها. ولكن الأمر الغريب والعجيب هو: إلا يعرف البروفسور بأنه في حقبة ظهور النبي كان هناك أمم مثل الفرس والترك والشركس وغيرها التي أعتنقت الدين الإسلامي ولكن أستطاعت تأسيس دولها الخاصة بهم. وكيف الحال مع أندنوسيا وماليزيا البعيدتان عن مركز إنبعاث الدين الإسلامي؟؟
على العموم يجب أن لا ننسى بأنه يجمع معظم المؤرخين على أن الكرد لم يكن معروفين للعالم كقوم لهم خصائص قومية متميزة إلا بعد اعتناقهم الإسلام ولم تبدأ بوادر هويتهم الكوردية بشكل واضح إلا بعد الفتوحات الإسلامية. فمنذ دخولهم الإسلام في العام العشرين للهجرة وفي عهد الخليفة عمر بن الخطاب شمل حالهم كحال بقية الشعوب الآرية حيث لم يؤسس العرب الفاتحون لبلدان هذه الشعوب مستوطنات سكانية، ربما بسبب اختلاف الطبيعة الجغرافية، بل تركوهم لحالهم محافظين على تقاليدهم وعاداتهم وخصائصهم القومية المتميزة طالما كانوا جنود أشداء في الدفاع عن الإسلام، وطالما كانوا مواطنون من الدرجة الأولى باعتبارهم جزء من أبناء الأمة الإسلامية ودولتها التي لم تكن تفرق بين العربي والأعجمي إلا بالتقوى. للتفصيل أنظر موضوعنا في الموقع الألكتروني المذكور في أعلاه.
خاتمة وإستنتاج:
----------
في رده المتشنج على منتقدي الكتاب يقول البروفسور بخصوص فهمه للتاريخ " أريدكم أن تفهموا جيداً بأن التاريخ أستطيع أن أوغل فيه قلمي وأحرث على صفحاته كيفما أشاء وبالشكل الذي اقتنع بحقيقته وصدقة ...فهو أي التاريخ لعبة لايتقن فن اللعب بأبجدياته ورموزة الا المتحرفين القادرين على أن يجعلوا منه طينة طيعة يكوروها ويشكلونها بالصورة التي يرونها هم لا غيرهم" هكذا  هو مفهوم البروفيسور للتاريخ  الذي ماهو إلا مهزلة خاضعة للأهواء والأمزجة ولعبة و طينة طيعة يشكلها كيف ما يشاء. من هذا المنطلق كتب البروفيسور كتابه حسب هواه ومزاجه لكي يخدم غرضه منه وبالتالي كان السمة الأساسية فيه المبالغة المفرطة والتناقضات الواضحة والتعمق في أصول وأعراق الشعوب القديمة وتكوير تاريخها كطينة في يده وبالشكل الذي يريده البروفيسور، ليس هذا إلا بهدف الوصول إلى تعزيز أصل الكورد وتجذيره في أعماق التاريخ بحيث تمادى في ذلك إلى سرقة أصول وأعراق وحضارات وتواريخ الشعوب الأخرى وإلصاقها بالكورد. وتظهر مبالغته المفرطة عندما يقول"لقد لعبت الهجرات المتعاقبة للأقوام الهندو-أوربية إلى أرض كوردا القديمة دوراً مهما في ترسيخ الكيان القومي للكورد على أرض كوردستان وأسهمت في خلق أعظم الإنجازات الحضارية وتأسيس أعظم الإمبراطوريات العسكرية التي عرفها الشرق القديم" !!!(ص38).
دعنا نعرض المزيد من هذه المبالغات المفرطة، خاصة والكثير من القراء لم يطلع على هذا الكتاب، الذي نفذ بسرعة رغم طبعه ثلاثون نسخة منه كما يقول البروفيسور. يبالغ وبشدة ويقول "للشعب الكوردي الذي يعد أقدم المجاميع البشرية التي عاشت على الأرض حضارة متميزة خاصة به على الرغم من أنه لم يحظ بالإهتمام الواسع والأسباب معروفة... فحضارته لم تكن مقتبسة من الأمم الأخرى بل كانت من ابداعاته والتي كانت تمارس مختلف الأنشطة والسلوكيات، وكان لها خصائص تميز حضارتها على أنها أصلية، لأنها تطورت عبر سلسلة من المراحل الحضارية المتصلة أي من الحياة البدائية (المراحل الأولى للخليقة) إلى أن أخذت شكلها وتبلورت عناصرها بكل ما تضمنت من مظاهر منها اللغة والدين والأخلاق والفنون بأنواعها والصناعة وكل ما تعلمه الإنسان الكوردي الأول ضمن إطار مجتمعه، (ص75) ... ويواصل فيقول "عندما نتكلم عن الجهد الإنساني للشعب الكوردي القديم نجده وافراً بالعطاء، والأثار التي تم الكشف عنها في مختلف المواقع الأثرية في المناطق التي تعد البيئة الحقيقية لاستيطان الكورد دلال على وجوده وتألقه الإجتماعي" (ص76). لا أدري عن أي مواقع أثرية يتكلم عنها البروفيسور، أهي تلك الأثار الآشورية المسروقة والمنسوبة إلى الكورد؟؟. ... ولكن نتسائل لماذا لم نسمع أو يسمع العالم عن الحضارة الكوردية؟ يجيب البروفسور ويرجع السبب إلى "طمس الحقائق التي مارستها الشعوب المجاورة للكورد حدت من إعطاء الصورة الواضحة للكشف لهذا الشعب بتركه دون وثائق ومستندات من أجل تهميش هويته الثقافية والحضاري (ص77). ثم يناقض البروفيسور نفسه ويقول "بالنظر لكون تاريخ الكورد طويل وعميق بتفاصيله شأنه شأن القوميات الأخرى فقد تنوع الإنسان الكوردي الأول بنشاطاته الفردية والإجتماعية حيث تركها على وثائق مدونة أو بقايا مادية .... وهنا يتبادر إلى الاذهان العديد من الأسئلة ومنها ... هل فعلاً تم التنقيب المباشر في بلاد كوردا القديمة وهل أسهمت كتابات المؤرخين والباحثين في إستكمال جوانب الشخصية الكوردية؟ وهل دونت الوثائق التاريخية التي تمثل الحقب والأدوار التي عاشها الكورد القدماء... وهل .. وهل (ص81-82) ... طبعاً في التحليل الأخير يلقي كل اللوم على الشعوب الأخرى التي هضمت الحضارة الكوردية ... ولكن ماذا بشأن الكتب والمراجع والناسبين الذين بحثوا ومجدوا تاريخ الكورد التي أشار إليها البروفيسور كثيرا وكثيرا؟؟؟ أليس هذا تناقض صارخ في سياق الكتاب والأفكار التي أوردها البروفيسور؟
 يذكر البروفسور بأنه كوردي قومي متحمس يحب قوميته الكوردية ويسعى جاهداً لخدمتها. ولكن خدمة ثقافة وتاريخ أبناء شعبه الكوردي يجب أن يقوم على الحقائق الواقعية وليس على الماضي السحقيق. وخدمة الشعب وثقافته يتم بالتعامل مع الواقع وليس مع الخيال والأماني النرجسية وسرقة تاريخ وحضارة الشعوب الأخرى. فالسياسة القومية لا تتعامل مع الخيال والأماني النرجسية والبحث في الأعراق والأنساب والأصول لتحقيق أمر واقعي أو هدف مبتغاة. لا أحد يستطيع أن ينكر بأن أقليم "كردستان" العراق ينعم، مقارنة مع بقية المناطق في العراق وحتى مع بعض الدول العربية والمجاروة، بنوع من الإستقرار والأمن وبهامش ديموقراطي وحرية الفكر والتعبير رغم كل الصعاب والتحديات من الدول أو الشعوب المجاورة. ولكن من جهة أخرى هناك بعض السياسيين والكتاب والمؤرخين الكورد، ومنهم البروفيسور المندلاوي، تأتي كتاباتهم وأفكارهم كمفسدة ومعكرة لهذا الواقع وذلك من خلال سرقة تاريخ وحضارة الشعوب الأخرى، خاصة الآشوريين منهم، وفبركة تاريخ طويل وعظيم ومبهر للكورد ومن خلال بنائه أو إرجاعه إلى أسس باطلة لا معنى علمي وموضوعي لها، لا بل وتتنافي مع أبسط أبجديات تاريخ المنطقة خاصة عندما يتم تضخيم وجود بعض القبائل والعشائر التي عاشت على هوامش بلاد آشور وإعتمادها كمصدر للأساس التاريخي لوجود الكوردي القومي في المنطقة. فبناء الحاضر على أسس تاريخية هزيلة لا تستقيم مع منطق التاريخ في البحث عن أصل الكورد، فهي مسألة لا تتماشي مع الوجود الفاعل للكورد في المنطقة. أتذكر بهذا الخصوص، إن لم تخونني الذاكرة، عن الواقع الكوردي وأصلهم التاريخي في المنطقة، مقابلة الزعيم الكردي ملا مصطفى البارزاني (رحمه الله) مع أحد مراسلي الأجانب عندما سأله فيما إذا كان أصل الكورد من الجن والشيطان، فأجابه بما فحواه: أنا لا يهمني ما هو أصل الكورد وإنما المهم هو الواقع الذي نعيشه نحن الكورد فيه وهو الذي يثبت وجودنا القومي وليس الأصل. كان البارزاني قد أصاب كبد الحقيقة، فما فائدة النبالة والعظمة لأصل الشعوب إذا كان واقعها لا يلبي أبسط متطلباته ويحقق طموحاته. ليس هذا فحسب، فلو كان البروفيسور المندلاوي يعيش فكرياً وحضارياً في الأقليم والسياسات المتبعة سواء من قبل رجال الحكم أم السياسة، لأدرك بأن هناك إعتراف رسمي وشعبي وحزبي من قبل معظم القوى الكوردية الرسمية والحزبية بالتسمية الآشورية وبالكلدان ومن دون أي إشارة إلى أن أصولهم كوردية.
الملاحق:
----------
أدرج في أدناه ثلاثة ملاحق، أولاها (النص الكامل) لرد البروفسور على منتقدي الكتاب والذي يظهر فيه المستوى غير اللائق في رده على منتقدي الكتاب وعلى الآشوريين بشكل عام، والثاني كتاب شكر من مكتب الرئيس مسعود البرزاني إلى الدكتور المندولاي، والثالث هو لقاء المندلاوي مع وزير الثقافة والشباب في إقليم كردستان. وهذه الملاحق مقتبسة بالكامل من الموقع الرسمي لدار زهرة الرافدين.
الملحق الأول:
دار زهرة الرافدين للنشر والتوزيع
الرد على تعليقات كتاب تاريخ وحضارة الكورد - دار زهرة الرافدين للنشر والتوزيع
===========================================
أريدكم أن تفهموا جيداً بأن التاريخ أستطيع أن أوغل فيه قلمي وأحرث على صفحاته كيفما أشاء وبالشكل الذي اقتنع بحقيقته وصدقة ...فهو أي التاريخ لعبة لايتقن فن اللعب بأبجدياته ورموزة الا المتحرفين القادرين على أن يجعلوا منه طينة طيعة يكوروها ويشكلونها بالصورة التي يرونها هم لا غيرهم من الذين لا ينظرون أبعد من انوفهم.
وعندما تكلمت عن امة الكورد فلأنهم شعب استحق ماكتبة قلمي بجدارة وموضوعية أما بخصوص ما وردني من كلمات لامسؤولة ولا معقولة ولا منطقية فأني أرى فيها ضمناً الطائفية والجهل والسفاهة والبلاهه وعدم أحترام الرأي والرأي الاخر. .
1- عندما وضعت كما تقولون صورة فارس أشوري على غلاف الكتاب فهذا يعني بأن هذا الفارس المسكين قاتل وقدم نفسة ضحية من أجلكم لم يكن يعلم بأن نهاية أحفادة كما نراه اليوم يهربون من أرضهم أمام بضعة مئات من الارهابيين وشبابهم يتسكعون في شوارع أوربا يلبسون البنطلونات الضيقة كالنساء ويسدلون شعورهم على أكتافهم كالنساء ويحفون حواجبهم كالنساء ويتمايلون في مشيتهم كالنساء ويتكلمون بصوت ناعم كالنساء .... بينما نجد الكورد رغم كل ما لاقوه من ظلم وعدوان وتهجير وقتل وتهميش الا انهم بقوا صامدين ثابتين مدافعين عن هويتهم القومية بدمائهم الطاهرة .
فهل قدمتم مثلما قدمه أجدادكم ؟؟؟ سوى الهرب الى بلاد الغرب والتسكع في شوارعها والنوم في مخيمات اللاجئين البائسة تنتظرون معونات الذل والهوان من الاوربيين فبئس ماتقولون وما تتبجحون به وما تتهمون به الكورد ليست سوى أقاويل باطلة كاذبة ملفقة لايصدقها الا الاغبياء. ونسيتم أنكم كنتم تعيشون في كوردستان أرض السلام والمحبة والامان تتمتعون بكامل حقوقكم وتشاركون الكورد في ظل حكومة وطنية بل وأصبحتم تملكون من الاموال ما لايملكة الكورد انفسهم فكل مسيحي في كوردستان يمتلك بيتين أو ثلاث أو حتى أربعة وله من السيارات بعدد تلك البيوت ويحصل على كامل مستحقاتة الوظيفية الى جانب أحترام دور عباداته وتقالدية وطقوسة وللأسف تقولون بأن الكورد يضطهدونكم والحقيقة أنكم تعيشون في ظل أعظم ديمقراطية لم يتسنى للمسيحين ان عاشوا في ظلها فقد كان الاشوري أو الكلداني أيام حكومة صدام البائدة يكتب في ورقة المعلومات الامنية ( مسيحي - عربي ) أما اليوم في كوردستان العطاء والامل والوحدة والسلام يرفع صوتة ويقول أنا أشوري أو كلداني ليس هذا فقط بل أصبح له علم وفضائيات ومدارس وأعلام وصحافة مستقلة وحتى جامعات كل هذا في ظل الحكومة الوطنية الكوردية التي نقلت الى العالم أجمع أنها حكومة تؤمن بتوفير الحريات لكل الشعوب والقوميات والطوائف والمذاهب والاديان أنها حكومة الامن والقانون والسلام.
ونرجع الى موضوع الغلاف من جديد فسوف يتضح من خلال الموضوع الذي سأنشرةعلى شكل حلقات ضمن نفس السياق من يقرأه سيفهم مغزاة ومن لا يفهمة فهذا شأنه, وأنا تقصدت بوضع هذا الفارس الاشوري وبأستطاعتي ان اضع صورة أخرى لفارس كوردي عاش على أرض كوردستان وسأعطيكم الدليل تباعاً لمن يتابع الموضوع.
2- أما بخصوص أن الكورد غجر فهذا غير صحيح ومعلومة كاذبة بل هي مفهوم بعثي شوفيني وسأثبت ذلك بالادلة القاطعة.
3- الكورد ليسوا مجرمين بل هم أصحاب حضارة وتاريخ عريق
4- أما بخصوص عمر الامة الكوردية فالجاهل وحدة من لايعرف ذلك بل من لايختص بالتاريخ أو يفهم تاريخ الشعوب القديمة ولايجوز التكهن او الاتهام الا بتقديم الوثائق والمستندات والادلة وأنا قدمت في كتابي كل تلك الوثائق والدلائل والمستندات التي تؤكد أن تاريخ الكورد موغل في القدم الى أكثر من 10000 سنة .
5- أما الذي وصفني بالجاهل فهو في حقيقتة يحمل عقل جحش لا يحسن سوى الرفس وأكل الخس ولا يعيش الا في نجس.
6- هناك من يتحاذق ويتباهى بأنه يملك بعض الثقافة والعلم وأقصد هنا ( علم التاريخ ) وهو في حقيقتة لا يشم الا رائحة قدمة النتنة ونصيحتي له أن يقرأ جيداً ويستفاد من عبر التاريخ ومفهوم الحياة .
7- الكورد ليسوا أولاد الافاعي بل هم أولاد الاصل والفصل والحضارة والتاريخ والنبل والشهامة والكرامة والضيافة واللياقة والنيافة والذوق والاصالة الممزوجة بعبق التاريخ .وأعجب كل العجب من الاغبياء السذج الذين يصورون الكورد بأنهم سرقوا حضارتهم بينما هم يتفرجون على داعش الارهابي يحطم أثارهم وكنائسهم وبيوتهم ويحرقون كتبهم ومخطوطاتهم وفي الحقيقة أبشر هؤلاء السذج بأن حتى هذا التاريخ الذي يفتخرون به قد ضيعوه ولم يبقى لهم سوى كان وأخواتها .
8- أما صنفي أيها الابله الاحمق فهو ما أملكة من رصيد علمي لاتحظى به أنت ولا أبوك ولا عشيرتك فأنا ( بروفيسور) وهذا صنفي بين البشر فما هو صنفك ؟ لست سوى من باقيا بعض الحجر أو حمار من صنف أندثر أو ربما من ظهر فاسق تنحدر.
9- أبشر ياهذا فالتاريخ لعبتي وأنا العب بالقلم كالفارس الذي تتراقص على أصابع يده قبضة السيف فأن زدت بكلمات السفاهة سأزيدك طعنا بكلمات الحضارة والذوق والفن والادب والتراث الذي أستقيتة وتربيت علية على سجية اجدادي وهذا كلة بعيدا عنكم كل البعد .
10- ستبقى كوردستان كما كانت أرض الحضارات والمبادئ والقيم والاصالة ... أرض الفرسان والشجعان وأبطال الارض أرض الحكماء والعلماء ... هي هكذا كوردستان جنة الله على الارض .
=============================================
تعليق:

هذا الرد لا يحتاجها أي رد لأن مضمونه واطئ جدا ولا يستوجب النزول إلى نفس المستوى  غير أن نقول ما هكذا يا بروفيسور تكافئ الآشوريين الذي ساندوا وشاركوا وضحوا كثيرا بأرواحهم من أجل الحركة القومية الكوردية ومقاومة ظلم وإستبداد الأنظمة العراقية التي لم تكن تفرق بين آشوري أو كوردي في ظلمها وعدوانها عليهم.


الملحق الثاني:
كتاب شكر من الرئيس مسعود البرازاني إلى الدكتور محمد محمود المندلاوي
========================================
[img width=800 height=1131]https://3.bp.blogspot.com/-Ij_gR7er

39
اخي العزبز وليد.. انا حصلت نسخة من الكتاب ‬من مكتبة اشور بانيبال التابعة لموسسة الانحاد الاشوري العالمي في شيكاغو.. في الحقيقة اسف لا ادري كيفية الحصول على هذا الكتاب غير المكتبة المذكورة وربما رابي عبدالله يمكن ان يرشدك كيفية الحصول على الكتاب مع الشكر لاهتمامك بالموضوع... تحياتي. ابرم شبير

40
الكلدان والآشوريون والسريان المعاصرون
وصراع التسمية - 3
===================================

أبرم شبيرا

عنوان هذا الموضوع هو لكتاب (الكلدان والآشوريون والسريان المعاصرون وصراع التسمية – تحليل سوسيولوجي) للإستاذ الأكاديمي الدكتور عبدالله مرقس رابي.
 
 
====================================================

في القسم الثاني من الموضوع تطرقنا إلى بعض الفصول من الكتاب، أنظر:
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=914703.0

وفي هذا القسم الثالث نتطرق إلى الفصول المتبقية مع خاتمة بسيطة توصلنا إليها من خلال مطالعتنا على الكتاب. بدءاً بالفصل الرابع: (أسباب صراع التسمية – ص 136) التي يراها رابي هي المؤدية إلى الصراع، وهو لُب الموضوع وجوهره. فيفصلها رابي ويصنفها إلى أحدى عشر عاملا وتبين له بأنها في جميعها، معتمدا على تجربته الشخصية، متداخلة ومرتبطة بعضها بالبعض. ففي العامل الأول (ما يكتبه الكتاب) يرى رابي بأن معظم المؤلفات والمقالات والكتب كلها تقريباٌ تفتقر إلى البحث العلمي الصحيح وفي غالبيتها أما هي كتابات متأثرة بالأيديولوجية السياسية والتي "تشمل المقالات والمؤلفات التي كتبت من قبل  المنتمين إلى الأحزاب السياسية للأثنيات الثلاث" (ص 139)، وهذا أمر طبيعي برأينا لا غبار عليه، لأن معظم أحزاب العالم  تحاول تطويع أو تسخير أو تفسير كل ما يمكن من أجل أيديولوجية الحزب ولكن الواقع الحالي لأحزابنا السياسية غير ذلك. فمن الملاحظ بأن معظمها، خاصة الرئيسية والفاعلية، هي خارج إطار صراع التسمية، أن صح القول، بعد أن أتفقوا تقريباً على وحدة التسمية المركبة في "الكلدان السريان الآشوريين" فهم على العكس مما يطرحه رابي، أي هم عامل وحدة وتفاهم حول التسمية، على الأقل في المرحلة السياسية الراهنة وكمنهج أو أسلوب للمطالبة المنطقية بحقوقنا القومية، فهم ليسوا عامل في صراع التسمية.

ومن الكتابات التي تشكل عامل من عوامل صراع حول التمسية يجدها رابي في إفتقادها إلى الموضوعية والمنهجية أو هي كتابات مشوه كتبت من قبل غير الإختصاصيين (ص 140)، وهي حالة سبق وأن أشرنا إليها في القسم الأول من هذا الموضوع عندما ذكرنا بأن معظم الإختصاصيين والأكاديميين يبتعدون عن تناول مواضيع مهمة وساخنة على ساحتنا القومية وليس بالآمر الغريب أن تترك الساحة، خاصة الساحة الإنترنيتية السهلة الوصول إليها وإستخدامها، من قبل غير المختصين والتي معظمها هي "كتابات الهواة" كما بصفها رابي، والشاهد على ذلك الردود التي وردت على القسمين الأول والثاني من هذا الموضوع والتي في معظمها لا علاقة لها بصلب الموضوع. ويستمر رابي بخصوص هذه الكتابات فيقول "ساهمت بدرجة كبيرة في تشويه المفاهيم المرتبطة بالتسمية وخلقت نوعا من العقدة، وثم كان لها الدور الكبير في خلق الصراع الفكري المحتدم بين الأثنيات الثلاث" (ص 145). غير أن برأينا تأثير هذه الكتابات ليس بتلك الخطورة التي يذكرها رابي فهي لم تكن أكثر من كتابات آنية التأثير ولا نعتقد بأنه كان لها دوراً كبيراً ومؤثراً في تأجيج الصراع ولم يأخذها شعبنا، خاصة المعنيين بالأمر، مأخذ الجدية والإيمان بها.

 الدور الحاسم والفاعل في تأجيج الصراع على التسمية أن لم يكن الوحيد أو الرئيسي هو الكنيسة أو  كتابات رجال الدين وتصريحاتهم التي يشير إليها رابي (ص 145). ونشاطر رابي في هذا العامل المهم والحاسم في تأجيج الصراع حول التسمية سواء أكانت بمضمونها الديني أو تلبيسها بعباءة قومية. لهذا السبب يخصص رابي (23) صحفة للإشارة إلى هذه الكتابات والتصريحات.  فبعد سرد طويل عن الكتب والمواضيع التي كتبها رجال الدين (بحدود 30 كتاب ومقالة)، يقول رابي "وهكذا يبدو الغموض وعدم الدقة جلياً في إستخدام رجال الدين من الأثنيات الثلاث الكلدانية والأشورية والسريانية للمصطلحات التسموية الأثنية، حيث التناقضات فيما بينهم جميعاً، بين من هم أكليروس الكنيسة الواحدة أو عند الكاتب الواحد نفسه، مما يدل على إسهام هؤلاء في تنمية عقدة التسمية واثارة الصراع بين المهتمين بالشؤون القومية والأحزاب السياسية" (ص 167). وجزماً نعتقد بأن إختلاف رجال الدين حول التسمية أو "الصراع" حولها ما هو في جوهره ومضمونه إختلاف لاهوتي وإيماني لفروع كنيسة المشرق وليس قومي.

 وهنا إذا كان رابي ينصف كنيسة المشرق الآشورية بإشارته إلى كونها أكثر فاعلية في إنماء الشعور القومي الآشوري، فأنه من جانب آخر يستوجب الإشارة أيضا إلى أن لهذا الشعور جانب وحدوي قومي، خاصة في تصريحات مثلث الرحمات مار دنخا الرابع بطريرك كنيسة المشرق الآشورية السابق، الذي كان يصرح دائماً بأن أبناء الطوائف الكلدانية والسريانية هم جزء من الأمة الآشورية، أي أن هناك منهج نحو الوحدة القومية ووحدة التسمية، سواء أتفقنا مع قداسته حول التسمية الآشورية أم لا. وعلى العكس من هذا نرى في بقية بطاركة فروع كنيسة المشرق، فكل واحد منهم يؤكد على تسميته المفردة من دون أية إشارة إلى الوحدة القومية لأبناء فروع كنيسة المشرق ووحدة التسمية، سواء أكانت كلدانية أو سريانية. أي بعبارة أخرى قد يجوز لنا القول بأن رجال الكنيستين الكلدانية والسريانية لعبوا دوراً أكثر فاعلية في تأجيج الصراع ليس حول التسمية، خاصة بعد أن ألبست كل تسمية لباس قومي، وإنما أيضا في تأكيد الإختلافات وتجنب الإشارة إلى المقومات المشتركة بين "الإثنيات" الثلاث التي تؤكد في التحليل الأخير كونهم قومية واحدة رغم إختلاف تسميتهم وطائفتهم.

ثم يجد رابي في "الإعتماد على كتابات المستشرقين" عاملاً آخر من عوامل المؤدية إلى صراع التسمية لأنها لم تكن دقيقة وعلمية وبالأخص منها القديمة وذلك لعدم معرفة هؤلاء القادمين من الغرب بطبيعة البلد وحياة الشعب... فأصبحوا إلى حد ما سببا في تشويه المفهوم القومي والأثني لسكان بلاد النهرين... فكانت كتاباتهم سبباً في نشوء عقدة التسمية (ص170). وهكذا يستمر رابي في تبيان العوامل المؤثرة منها "الرجوع إلى التاريخ والإشتقاقات اللغوية" ويسرد وبشكل مفرط نوع ما في الرجوع إلى ما كتبه البعض عن هذه الأثنيات الثلاث، وكذلك في "إستخدام المنطق القديم في التحليل. ويسرف بصفحات في تفسير المنطق القديم والذي بإعتقادنا أطاله كثيراً وأخذه بعيداً عن جوهر الموضوع ولم يكن لها علاقة مباشرة مع صلب موضوع الكتاب. ويواصل رابي ذكر هذه العوامل حتى يصل إلى "الإنشقاق الكنسي" (ص 205)، حيث لم نجد فيه ما هو جديد عن المعروف في تاريخ إنشقاق كنيسة المشرق لذا يخصص رابي (4) صفحات فقط لهذا الموضوع الذي في رأينا الجازم كان، إي إنشقاق الكنيسة، العامل الرئيسي والحاسم في إختلاف التسمية بين أبناء الشعب الواحد، فكان هو "رأس البلوه" كما يقال. عامل مهم كان يجب على رابي أن يفصل أكثر عن هذا الدور وتحت نفس العنوان "الإنشاق الكنسي" وليس في مكان آخر، كما فعل في الصفحات السابقة.

وعلى نفس المنوال في "الأيديولوجيات السياسية" يسرف رابي بشكل مفرط في ذكر العشرات من الأحزاب السياسية ومنها أحزاب شعبنا لبيان دورها في صراع التسمية (ص209). في حين من المعروف بأن معظم أحزابنا هي صغيرة وليس لها أي دور مؤثرة لا على الساحة القومية ولا على مسألة صراع التسمية. بعكس حزبين أو ثلاثة منهم والتي هي أحزاب رئيسية وفاعلة ولها دور مؤثر على الساحة السياسية القومية ومنه موضوع التسمية. ولكن، كما سبق الإشارة إليه، بأن هذه الأحزاب هي خارج عملية صراع التسمية خاصة بعد أن أتفقوا جميعاً على التسمية المركبة (الكلدان السريان الآشوريون). وحسنا فعل رابي عندما أشارة إلى تطور موقف هذه الأحزاب بخصوص التسمية من التسمية المفردة إلى التسمية المركبة حسب تطور الأوضاع السياسية لأبناء شعبنا في الوطن.

يرى رابي في اللغة عامل آخر من العوامل الأساسية في تشويه الهوية الأثنية بالنسبة للأثنيات الثلاث بإعتبارها أحدى المقومات الأساسية للأثنية ... (ص225). يؤكد رابي أن كل أثنية تطلق على لغتها نفس تسمية أثنيتها، هكذا الحال مع اللغة الآشورية بالنسبة للآشوريين والكلدانية بالنسبة للكدان والسريانية بالنسبة للسريان، ولكن بالمقابل يجب أن ندرك الدور الفاعل للكنيسة في تسمية اللغة حيث كل فرع من فروع كنيسة المشرق يطلق على لغته بنفس تسمية كنيسته والذي هو بالأساس المصدر الأساسي لكل أثنية في تسمية لغتها. وعلى العموم، ونحن نتحدث عن الموضوعية والمنهج العلمي الذي يتبعه رابي في دراسته هذه، فإن الضرورة تفرض علينا، مهما كانت أثنيتنا وإنتماؤنا الكنسي القول بأن "السريانية" هي التسمية الشاملة للجميع والمعترف بها دوليا وفي جميع البحوث والدراسات اللغوية، سواء قبلناها أم رفضناها، كما هي التسمية المعتمدة رسمياً سواء من قبل الحكومات أو من قبل أحزابنا السياسية النشطة والفاعلة على الساحة القومية، خاصة المشاركة في هياكل النظام العراقي. كما هناك الكثير من المؤسسات والأكاديميات ومدارس وجمعيات وإتحادات وبنفس التسمية السريانية. ومن الملاحظ بأن بعض "المتطرفين" من الآشوريين يصرون على أن الأسم الصحيح لهذه اللغة هو آشورية وليس سريانية، جاهلين أو متجاهلين المعنى الحقيقي للسريانية أو السرياني.

وهكذا إذا تجاهلنا التعليق على العوامل الأخرى التي يذكرها رابي من تداخل المفاهيم المرتبطة بالقومية والإعلام ونصل إلى عامل الترسبات التاريخية السابقة للحكومات والأمية الحضارية للعراقيين عن الأثنيات الثلاث نرى بأن رابي يتناقض مع الواقع الحالي للأعضاء البرلمانيين. إذ يقول "فعلى سبيل المثال العمل الإنفرادي لأعضاء البرلمان الممثلين للأثنيات الثلاث، وتناقض تصريحاتهم بشأن مسألة الحكم الذاتي ومسألة حماية أبناء الأثنيات الثلاث في سهل نينوى وإختلافهم في الميل نحو الحكومة المركزية أم حكومة الإقليم، كل هذه النتائج لعبت دورا مهما في تنمية عقدة التسمية وثم الصراع الفكري بينهم، لأنها جعلت الأحزاب والقادة ينشغلون بالمصالح الشخصية تأثراً بطبيعة النظام السياسي غير المتستقر، ومن الجانب الآخر فشلوا في توحيد خطابهم. فالإتفاق على الخطاب والمواقف الموحدة ستكون سبيلاً مساعداً بدرجة كبيرة على التخفيف من حدة الصراع حول التسمية" (ص 235). للحق أقول حاولت أن أفهم هذه الفقرة ومن جوانب عديدة لم أجد أية دلالة واضحة مباشرة أو غير مباشرة عن دور الممثلين البرلمانيين في عملية الصراع حول التسمية. صحيح هو ما ذكره رابي بالإختلافات والتناقضات التي بينهم ولكن لاعلاقة لها بالتسمية إطلاقا لأن جميعهم متفقين على التسمية المركبة "الكلدان السريان الآشوريون". وإذا تركنا عامل التفاوت في الوعي القومي بين الأثنيات الثلاث بدون تعليق، نرى في عامل التعصب والحقيقة بأن رابي يفرغ كل مخزونه الأكاديمي ومعارفه في هذا الحقل بشرح مفصل وصل إلى (10) صفحات لمجرد أن يبين تأثيره في عملية صراع التسمية، وهو أمر لم نجده ضروري في هذا الشرح المفصل الذي "أكل" صفحات طويلة من الكتاب.   

عامل مهم آخر يذكره رابي في صراع التسمية وهو (التفاوت في الوعي القومي بين الأثنيات الثلاث(  - ص 235 - مؤكداً بأن الآشوريين سبق الكلدان والسريان في مسألة الوعي القومي والتحفيز وإثارة المشاعر القومية، مع أشارة بسيطة إلى دور السريان والكلدان في هذه المسألة، في حين يجب ذكره بأن معظم إن لم يكن جميع رواد الفكر القومي والتوعية القومية كانوا من أتباع الكنائس السريانية والأرذثوكسية والكلدانية وأعلنوا قولاً وفعلاً إنتمائهم الصميمي إلى القومية الآشورية وبعضهم أستشهدوا في سبيلها. بعكس الكلدان والسريان اللذان لم يظهر مثل هذا الوعي فيهما إلا بشكل متأخر. ويرجع رابي سبب سبق الآشوريين في الوعي القومي إلى عدة عوامل منها ظهور الأحزاب القومية السياسية والإضطهادات التي تعرضوا إليها، ثم يرى رابي في التنشئة الإجتماعية للآشوريين عامل آخر في هذه المسألة خاصة تسمية أبنائهم بأسماء تاريخية وقومية وهي التنشئة التي غابت عن السريان والكلدان وكذلك كان الإعلام الآشوري عامل آخر في تنمية الشعور القومي الآشوري.  ودور رجال الدين الآشوريون كان له من الأهمية أكثر بكثير من رجال الدين الكلدان والسريان الذين أبتعدوا تقريباً عن هذه المسألة. هذا ناهيك عن طرح الآشوريين قضيتهم على المحافل الدولية. فكان على رابي بعد ذكر هذه العوامل أن يؤكد على طغيان التسمية الآشورية على السطح السياسي ليس لمجتمعنا بل على الساحة العراقية أيضا خاصة منذ الربع الأول من القرن الماضي، وأبتعاد الكلدان والسريان عن الآشوريين وتجنب التسمية نهائياً خاصة أثناء مذبحة سميل وما أعقبها من نتائج سياسية وقانونية وإجتماعية وديموغرافية على الآشوريين، وقد فصلنا في هذا الموضوع في كتابنا المعنون (عقدة الخوف من السياسة في المجتمع الآشوري – دراسة سوسيوسياسية في السلوك القومي الآشوري).

يعود رابي مرة أخرى ليفرغ جعبته الأكاديمية عند التفصيل في (التعصب والحقيقة – ص 240) كعامل مهم وكبير في تأجيج صراع التسمية وسبب أساسي لنشؤئها والذي هو الآخر مرتبط وناتج عن تفاعل العوامل السابقة. ولكن من الملاحظ بأن مثل هذا التعصب لم يكن فاعلاً أو ظاهرا على السطح إلا بعد عام 2003 وبداية تأسيس الكلدان والسريان لأحزابهم السياسية ومنظماتهم المختلفة، فأزدحمت الساحة السياسية لشعبنا بأحزاب متنافسة أو متناحرة وحتى بنشاطات غير دينية لفروع كنيسة المشرق من أجل الحصول على موقع أو مكسب من هنا أو هناك، أما التعصب قبل عام 2003، وإن كان، فهو طائفي أوعشائري أو قريوي ولم يكن قومي.

وفي الفصل الخامس (تداعيات صراع التسمية - ص249- ص273)، يرى رابي بأن "أهم وأبرز تلك النتائج والتداعيات والتي تم أستقراؤها هي الأخرى من الواقع السياسي للأحزاب السياسية والعلاقات القائمة بينهم من جهة ومع الأحزاب الأخرى والحكومة العراقية وإقليم كردستان من جهة أخرى، وما توصلت من تحليل نُشر في عهود سابقة والتركيز على ما نشر في السنوات العشرة الماضية من قبل المفكرين والمهتمين بالشؤون القومية" حيث يرى رابي هذه التداعليات في: أولا: مسألة تعاطي الحكومات مع الأثنيات، وثانيا: تشتت العمل السياسي، وثالثا: فقدان الثقة بالأحزاب، ورابعاً" الإحباط في نيل حقوق الأثنيات الثلاث، وخامساً: التأثير في العلاقة بين رجال الدين والعلمانيين، وسادساً: التأثير على الوحدة الكنسية بين الكنائس المشرقية، وسابعاً: تسمية اللغة، وثامناً: الجدال الفكري العقيم، وتاسعاً: التهميش، وعاشراً: الإضطهادات المتكررة والهجرة. فكل هذه النتائج أثرت بشكل مباشر على مجتمعنا لتخلق نوع من خيبة ألأمل في التفاهم والثبوت على تسمية موحدة، فإنتاب جميعهم الشعور بالتشاؤم والإحباط. وهنا من الضروري أن نذكر بأن مثل هذا الشعور لم يكن ظاهرا وفاعلاً إلا بعد عجز أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية وكنائسنا من الصمود أمام التحديات المميتة التي نتجت من جراء جرائم داعش الإرهابي وتحقيق الحد الإدنى من المطالب القومية خاصة بعد أن أعطت الحكومتين المركزية والإقليمية آذان صماء لهذه المطالب.

يرى رابي بأن الحكومات تعاملت مع "الأثنيات الثلاث" على أساسي ديني وعدم التعاطي معهم على أساس أثني أو قومي وأعتبرتهم كمسيحيين، وإذا كان وبحق يرجع رابي سبب ذلك إلى عدم إتفاق الأثنيات الثلاث على تسمية موحدة، ولكن من جهة أخرى يجب أن لا نرمي كل ذلك على عدم إتفاق الأثنيات الثلاث على تسمية قومية موحدة لأن بالأساس والجوهر هذه الحكومات لا تعترف بالجانب القومي لهذه الأثنيات حيث هناك مسائل مهمة ومصيرية مشتركة بين هذه الأثنيات لا علاقة لها بالتسمية ولكن الحكومات تتجاهلها ولم تعطي لها آذان صاغية، والأمثل كثيرة في هذا السياق. يعود رابي مرة أخرى ليؤكد بأن صراع التسمية كان سبب في التشتت السياسي، وهذا أمر لا يمكن أعتباره شاملاً ومطلقا حيث كما سبق وأن ذكرنا بأن الأحزاب الرئيسية والفاعلية متفقة على التسمية المركبة الموحدة، فإشارة رابي إلى بعض الأحزاب التي تتمسك تمسكاً مستميتاً بالتسمتها المفردة، هي أحزاب هامشية صغير التي لا دور فاعل لها على الساحة السياسية ولا في التشتت السياسي. أما بخصوص فقدان الثقة بالأحزاب السياسية فمرجعها الأول والأخير ليس التسمية وإنما عجزها عن تحقيق الحد الإدنى من المطالب القومية ولهوثها نحو المصالح الشخصية والخاصة.
يضع رابي الأصبع على جرح التسمية عندما يؤكد دور فروع كنيسة المشرق في تأجيج الصراع التسموي الناجم من خلال التمسك كل فرع بتسميته الكنسية والتي كان لها أثر أيضا في عدم الإتفاق على تسمية لغة هذا الشعب. في الحقيقة أستغرب من ربط رابي صراع التسمية بالإضطهات المتكررة والهجرة حيث يرى بأن عدم الوحدة في التسمية إدى إلى تشتت القوى والإمكانيات التي تمتعت بها هذه الأثنيات، لا أدري عن أية إمكانيات يتحدث رابي في مثل هذه التحديات المميتة والتي يشرحها بشكل مفصل من دون أن يكون لها تأثير على موضوع الكتاب في صراع التسمية، على العكس من هذا حيث كان لهذه الإضطهادات خاصة في المرحلة الداعشية نوع من التأثير أنعكس في تضامن الأحزاب، خاصة  الكبيرة والفاعلة وقيام بعض التحالفات، مثل تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية الذي نخرت المصالح التحزبية بجسمه وشلته، وفي تقارب فروع كنيسة المشرق أو الكنائس العراقية وتشكيل مجلس الطوائف المسيحية في العراق.
على الرغم من أن الفصل السادس (نحو معالجة سوسيولوجية توفيقية – ص 274 – ص 306) فيه الكثير من المفاهيم الفلسفية والسوسيولوجية عالج رابي بعض الوقائع بموجبها، فأنني وجدت من الصعب الدخول في تفاصيلها سواء عجزي عن فهمها أو تجنب إطالة الموضوع. حيث ورد في هذا الفصل الكثير من المفاهيم والأفكار التي تم التطرق إليها في الصفحات السابقة، لا بل بعضها تزيد شرحاً وتفصيلا وبعضها الآخر تؤكدها، وهي مسائل أتركها للقارئ اللبيب عند إقتناءه للكتاب وقراءته، فأكتفي بهذا القدر لإختم هذه الصفحات المطولة بخلاصة وإستنتاج:

خلاصة وإستنتاج:
عبدالله مرقس رابي، إستاذ أكاديمي يحمل شهادة الدكتوراه في فلسفة علم الإجتماع وكان أستاذا في الجامعات والمعاهد العراقية، وهو من أحد أبناء شعبنا الذي كرس معارفه في المهجر في دراسة أوضاع مجتمعنا السياسية والقومية والإجتماعية، في الوقت الذي هناك العشرات من أبناء شعبنا، خاصة في المهجر، الذين يحملون شهادات عليا وفي إختصاصات مهمة ويعيشون في أجواء ديموقراطية توفر كل مستلزمات حرية الفكر والبحث ولكن هم منزويون في زوايا بعيد عن أحوال شعبنا ويعملون في مجالات مختلفة، إن لم يكونوا عاطلين عن العمل ومعتمدين على المعونات الحكومية. صدقني عزيزي القارئ كنت أعرف صديق في أحد بلدان المهجر كان يحمل شهادة الدكتوراه في الاثار ولكن كان يعمل سائق تكسي، والآخر كان يحمل شهادة دكتوراه في الفلسفة وكان يعمل في محل بيع أشرطة الفيديو وغيرهم كثر، مع التأكيد المشدد بأن العمل ليس عيبا أبداً، بل الحسرة هي أن تكون مثل هذه الكفاءات الأكاديمية بعيدة عن أمتنا وبالتالي هي خسارة لها. وفق هذا الواقع، أليس من الحق والعدل أن نشكر رابي عبدالله ونثمن جهوده في الكتابة والبحث في شؤون هذه الأمة، علما بأنه ليس لي صلة قرابة به ولا مصلحة لي معه غير أنني أعرف بأنه كلداني وأنا آشوري ولكن ... نعم... ولكن... كلانا ننتمي صميمياً إلى أمة واحدة.

أما بخصوص الكتاب موضوع البحث، أؤكد مرة أخرى بأنه رغم علميته وأكاديميته فهو مسبه ومطول وعميق في مسائل قد تكون غير مفيدة في المرحلة التي تمر بها أمتنا خاصة فيما يتعلق برغبة أبناءها في المزيد من القراءة وتحديدا المطولة والمسبهة وفي صعوبة تخصيص الوقت الكافي للقراءة، لهذا كان من المفضل أن يتجنب رابي بعض الشروحات والمقدمات المطولة ويقتصد في صفحات الكتاب ليكون أسهل للقراءة والإستفادة منه. صحيح هناك بعض المفردات والمصطلحات التي ذكرها رابي لا نتفق معها مثل الإشارة إلى "الأثنيات الثلاث" عند التطرق إلى أمتنا، ولكن لو لاحظنا بين طيات الكتاب سنجد هناك أشارات مباشرة أو ضمنية بأن هذه الأثنيات الثلاث تشكل قومية واحدة رغم إختلاف التسمية بينهم فالمقومات المشتركة هي الأساس التي تؤكد بأننا أمة واحد. وأخيراً أعيد وأكد شكرنا وتقديرنا لرابي عبدالله على جهوده المضنية في سبيل هذه الأمة، ومن يعتقد بأن ما كتبه في هذه الصفحات هو ترويج للكتاب فأقول نعم وألف نعم لأن مثل هذا الجهد يستوجب الإشارة إليه ليكون سبيلا نحو أيدي أبناء شعبنا.
                                   

41
الكلدان والآشوريون والسريان المعاصرون
وصراع التسمية - 2

=============================================================
أبرم شبيرا
عنوان هذا الموضوع هو لكتاب (الكلدان والآشوريون والسريان المعاصرون وصراع التسمية – تحليل سوسيولوجي) للإستاذ الأكاديمي الدكتور عبدالله مرقس رابي.
 
====================================================
من حيث المضمون:
-------------
في القسم الأول تطرقنا إلى الكتاب من حيث الشكل، أنظر رابط:
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=913528.0

وقبل أن نتطرق إلى مضمون الكتاب، أود المباشرة أولاً بتقديم إعتذاري الشديد للقراء الأعزاء عن تأخري في نشر هذا القسم وذلك للأسباب: أولا: سفري إلى بغداد وضرورة اللقاء ببعض الأصدقاء الإعزاء هناك. ثانيا: تعرضي إلى وعكة صحية بسيطة. وكذلك أود الإشارة هنا بأنه بسبب غزارة موضوع الكتاب فقد وجدت بأن القسم الثاني الذي سيعالج مضمون الكتاب سيكون طويلاً وربما مرهقا وفي بعض الأحيان صعب الإستيعاب لذلك تركت بعض من الصفحات إلى القسم الثالث ليكون أسهل على القراء الأعزاء، علما بأن هنا في هذا القسم إشارات وتعليقات على بعض الأفكار التي طرحها رابي في الصفحات الأخرى اللاحقة من الكتاب والتي ستكون مفصلة أكثر في القسم الثالث.
من حيث المضمون:
-------------
في هذا القسم الثاني، من حيث المضمون، هو الأهم من حيث الأفكار والطروحات التي يطرحها رابي حول مسألة التسمية القومية لشعبنا، وسنحاول بقدر المستطاع المسك برأس الخط والتواصل به حتى خاتمته رغم الصعوبة التي وجدتها في الربط بين المفاهيم العلمية والمناهج الأكاديمية التي أستخدمها رابي وبشكل مفصل ومبالغ فيها بعض الشيء، وبين الوقائع القائمة في مجتمعنا خاصة موضوع البحث في مسألة مهمة كصراع التسمية.
مضمون الكتاب شائك ومعقد عولج وهو على صفيح ساخن يحتدم حوله الإختلافات والأراء، وعلى العموم في الكتاب جوانب إجابية كثيرة ويكفي طرح مثل هذا الموضوع الساخن أن يكون بادرة مثمرة يتطرق إلى جوهر إهتمام شعبنا متعلق بموضوع وحدتنا، على الأقل من الناحية الشكلية والتسموية، التي هي أحدى سبل نيل حقوقنا القومية في الوطن. هذه الإشارة الإيجابية لموضوع الكتاب الذي يتم تناوله ولأول مرة من قبل أستاذ في علم الإجتماع وبشكل منهجي وموضوعي نادراً ما نجد مثيلاً له، يجعلني أن لا أغوص في هذه الجوانب الإيجابية للكتاب ويتصوره البعض كأنه إطناب ومجاملة لزميل وصديق عزيز علينا، فأتركها  للمهتمين بالموضوع لكي يقتنوا نسخة منه ويطلعوا عليه، وسأكتفي ببعض الجوانب القائمة على النقد البناء وذلك تلبية لطلب رابي في هذه المسألة ومن وجهة نظري الشخصية حول الموضوع، معتقدا بأن أستاذنا رابي لو كان قد تجنبها لأكتملت الفائدة أكثر فأكثر لأبناء شعبنا المهتمين بهذا الموضوع الساخن، خاصة ونحن نعرف جيداً بأن الكثير من أبناء شعبنا لا يرغبون قراءة الكتب الكبيرة والضخمة ولا المواضيع الطويلة فكان من الأجدر أن يكون حجم الكتاب أقل مما هو عليه عن طريق التركيز والإقتصار على جوهر الموضوع من دون أن يكون له مداخل وتمهيدات كما هو في الفصل الأول (الإطار المفاهيمي) والفصل الثاني (التطور الحضاري في بلاد النهرين) اللذان أخذا صفحات كثيرة من الكتاب.
فلو لاحظنا الفصل الأول (الإطار المفاهيمي) نرى بأن معظم المفاهيم والمصطلحات التي ذُكرت هي كغيرها من المفاهيم ومصطلحات العلوم الإجتماعية تتعدد وتختلف وتتضارب حولها التفسيرات حتى يصعب الوصول إلى مرتكزات مشتركة خاصة عندما تترجم من اللغة الإنكليزية إلى العربية. فلا زال يصعب على العرب التفريق بين (Nation) و (Nationalism) فالأول هو حقيقة موضعية وواقعية تعني (قوم) أو مجموعة من الناس تجمعهم مقومات مشتركة، أي هي الموضوع، أما الثاني فهو حالة فكرية وذهنية وأيديولوجية للأول، أي هو الذات، وكلا الجانبين الموضوع والذات يشكلان جانبي الظاهرة الإجتماعية. وهكذا الحالة مع (Social) و(Socialism) أو(Capital) و(Capitalism) أو (Buda) و (Buddhism) والحال ينطبق أيضا على (Assyrian) و (Assyrianism) أو (Chaldean) و (Chaldeanism). ففي الإنكليزية عندما تدخل (ism) على الأسم يتحول من الحقيقة الى الفكر أي من الموضوع إلى الذات وينعكس في الوعي القومي الآشوري أو الكلداني أو السرياني المتمثل في الأحزاب والمنظمات القومية. هذا المفهوم في تحول الموضوع (الحقيقة الموضوعية) إلى الذات (الفكر والأيديولوجيا) هي مسألة فلسفية عويصة كان الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط (1724 – 1804) قد تطرق إليها. ثم جاء كارل ماركس (1818 – 1883) فطور هذا المفهوم في دراساته عن الطبقات الإجتماعية وتحديداً الطبقة العاملة وفي مسألة تحولها من الموضوع إلى الذات والتي تعرف أيضا التحول من (بالذات) إلى (للذات)، أي تحولها من الحقيقة الواقيعة إلى الحالة الفكرية والذهنية التي تتمثل في وعي العمال وحزبهم السياسي. هذا الموضوع مهم جداً في تطبيقه على الآشوريين والكلدان والسريان لتبيان حقيقة تحول الآشوريين من (الموضوع) إي (Assyrians) إلى الذات أي (ِAssyrianism) وبشكل مبكر قبل غيره من الكلدان والسريان. موضوع يستحق معالجة مفصلة، نتركها لفرصة أخرى. 
تداخل هذه المفاهيم مع بعضها والتفسيرات المختلفة حولها هي الحيرة التي ذكرها رابي في أستنتاجه في نهاية هذا الفصل مؤكداً بأنها "مفاهيم غير موحدة في الميدان العلمي وأنها متداخلة مع بعضها في معانيها ومقاييسها وتتباين في إستعمالاتها ومضامينها ومكانياً فليس لها وضوح تام" (ص49). لهذا كان يستوجب عدم تضمينها في الكتاب بهدف التقليل من صفحاته العديدة، أو على الأقل ذكر تلك التي لها علاقة مباشرة بموضوع الكتاب. بل كان من الأجدر الإشارة  وبشكل مفصل إلى بعض المفاهيم والمصطلحات التي تخص شعبنا بالصميم مثل (الأقلية) و (المكون المسيحي) و (الشعوب الأصلية)، وهي المفاهيم المتداولة في العراق ولها إنعكاسات سلبية في ثقافة وفكر الكثير من السياسيين والمثقفين العراقيين بشكل عام والكلدان والسريان والآشوريين بشكل خاص. فالأقلية (Minority) مفهوم أو مصلح سياسي قانوني دولي معترف به ومدرج في الكثير من المواثيق والمعاهدات الدولية والإقليمية، (أعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو أثنية وإلى  أقليات دينية ولغوية لعام 1992 – مثال على ذلك)، ولكن طبقاً للعقلية العربية ومنها عقلية سياسيي شعبنا فأنه أعطي لهذا المفهوم معاني في الدونية والإستخفاف والتحقير للمجموعة الأصغر من الشعب لهذا تجنبوا أستخدامه فأضطروا إلى اللجوء إلى مصطلحات أخرى مثل (المكون المسيحي)، وهو مصطلح أمره غريب وعجيب في العلوم الإجتماعية، فهذا المصطلح يصلح للعلوم الفيزيائية والكيميائية وليس للعلوم الإجتماعية خاصة العلوم السياسية وعلم الإجتماع السياسي، ولكن مع هذا فهو من أكثر المفاهيم المتداولة على الساحة السياسية العراقية لأنه نتاج الوضع السياسي الطائفي والمذهبي للنظام السياسي العراقي ولفكر وأيديولوجيا رجال الحكم والسياسة، وهو الأمر الذي يفضله رجال الدين المسيحي. من هذا المنطلق جاء مفهوم "الكوتا المسيحية". ولا ننسى أيضا عجز شعبنا من الوصول إلى التسمية القومية الموحدة كان سبباً آخر لتبني "الكوتا المسيحيه". (جفيان شر تعدد التسميات). أما مصطلح (الشعوب الأصلية  (Indigenous People - الذي يستخدم من قبل بعض مثقفي وكتاب شعبنا فهو الآخر لا ينطبق على شعب له حضارة وتاريخ ويعيش حياة حضرية كشعبنا بل بالآساس صدر القرار الأممي الخاص بالشعوب الأصلية للحفاظ على وضع وظروف الشعوب التي تعيش في بيئتها الطبيعية الأصلية كشعب الآمازون وهنود الحمر في الأمريكيتين الجنوبية والشمالية وشعب الأسكيمو في كندا والأوبرجين في أستراليا، وهو موضوع سبق وأن كتبنا عنه. فهناك قرارات وتوصيات دولية تخص حقوق الأقليات القومية والدينية فالأجدر بسياسي شعبنا أن يعتمدوا عليها بدلا من قرار الشعوب الأصلية. هذه المصطلحات السياسية القانونية كان يستوجب ذكرها في الكتاب وتحليلها ومدى إنطباقها على شعبنا في العراق ومدى إمكانية إستخدامها في تأطير التسمية القومية لشعبنا.
أما في الفصل الثاني (التطور الحضاري في بلاد النهرين) والذي يذكر رابي عشرين "حضارة" فأنه أدرج هذه الحضارات، بشكل مختصر دون التفاصيل، لتكون مدخل تاريخي لموضوع الكتاب، كما يقول ذلك رابي (ص 52). فإذا كان هذاصحيحاً من حيث المنهجية العلمية في البحوث والدراسات فإنها من جانب آخر وطبقاً للمستوى الثقافي والإهتمام التاريخي لأبناء شعبنا ومعرفتهم بالكثير عن هذه الحضارات فأنه برأيي الشخصي كان من الممكن تجنبها والإقتصاد في صفحات الكتاب الكثيرة، خاصة وأن الكثير من هذه الحضارات والشعوب التي ذكرت ليس لها علاقة بشكل أو بآخر بجوهر موضوع الكتاب. وفي خاتمة الفصل يذكر رابي "تأثير التواجد الحضاري واللغوي المتنوع على سكان بلاد النهرين وما علاقة هذا التنوع بالآشوريين والكلدان والسريان المعاصرين"، في حين أعتقد بأن تأثير هذه الحضارات التي كانت قائمة قبل عشرات القرون على الآشوريين والكلدان والسريان المعاصرين يصعب إدراكه، فالتأثيرات التي أثرت على هذه المجموعة لا يمكن أن يكون لها مفعول مباشر وعميق وذلك بسبب تقادم الزمن. بل أن أكثر التأثيرات تأتي من فترة الظروف التي مرت بها هذه المجموعة خلال خمسة أو ستة قرون ولا أكثر، خاصة في مرحلة الإنشقاق في كنيسة المشرق وتأثيرات البعثات التبشيرية الغربية في بلاد النهرين، وهذا ما يشير إليه رابي في الصفحات اللاحقة من الكتاب. وحتى مثل هذه التأثيرات لم تكن على التسميات الثلاث كأثنية التي نعرفها في هذه الأيام، بل كانت بالأساس على المسيحيين وأتباع كنيسة المشرق وبالتالي أصبح كل فرع من فروع كنيسة المشرق مصدراً للإنتماء الجمعي وتحديد الهوية أو التسمية من خلال الإطار المؤسساتي الكنسي خاصة في دولة إسلامية. أي بعبارة أخرى كانت تسميات طائفية أكثر من أي شيء آخر خاصة في الفترة العثمانية التي أطرتها بنظام "الميليت" وقننتها بتسميات طائفية، ونحن نعرف بأن كلمة (ميليت) التركية تعني شعب أو قومية وهو الأمر الذي زاد الطين بلة. كما يجب أن لا ننسى تأثيرات نشؤ الفكر القومي ومبدأ القوميات وحق تقرير المصير في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وبشكل مختلف ومتفاوت على كل مجموعة من المجموعات الكلدانية والسريانية والآشورية والتي برزت بشكل واضح في الفترات اللاحقة وأنعكس ذلك في حركة قومية أو أحزاب سياسية كما كان الحال مع الآشوريين. فتدخل الكنيسة في السياسة، كما كان تدخل كنيسة المشرق الآشورية وبطريركها، عاملاً مهماً ومؤثراً في تعزيز وطغيان الأسم الآشوري على الحركة القومية لشعبنا ونشوء أحزاب سياسية آشورية شاركت مع بقية القوى السياسية العراقية في العملية السياسية سواء قبل عام 2003 أو بعده، مما أثار هذا الظهور والفاعلية حفيظ التسميات الأخرى فحاولت مزاحمة التسمية الآشورية عن طريق تأسيس أحزاب سياسية كلدانية وسريانية.  فمثل هذه الأمور التي تخص بالأساس تسمية شعبنا كان من الأفضل ذكرها وبيان مدى تأثيرها على تعدد التسميات وبشكل أكثر تفصيلا مما سيذكره رابي في الصفحات اللاحقة.
وفي الفصل الثالث (حصيلة التنوع الحضاري واللغوي في بلاد النهرين – مناقشة وتحليل) يستطرد رابي وبشكل مطول عن الصراعات التي دارت رحاها في بلاد النهرين وكان "من نتائج هذه الحروب وعمليات الأسر والتهجير القسري وسيطرة  قوم على أقوام أخرى حصول الإنتشار  الحضاري وثم الإقتباس الحضاري، فيحدث التلاحق الحضاري بين الأقوام المتحاربة بينها، فلابد من نقل التراث وأمتزاجه لتعاقب الأقوام على السلطة ولكل من تلك الأقوام تراثها الحضاري المادي والإجتماعي والديني واللغوي والأساطير، فأمتزجت ببعضها البعض، وأثرت على الفرد، حيث بمرور الزمن تتبلور شخصية حضارية جديدة تختلف عن ما سبق، فكل حضارة تركت بصماتها بالأخرى" (ص 106). ولكن من الملاحظ بأن رابي أعتمد في جانب كبير على هذا التلاقح الحضاري على الأسرى الذين كان الآشوريون يجلبونهم إلى بلاد آشور والتي كانت بأرقام جاوزت مئات الألاف من الأسرى، وهي أرقام مبالغ فيها وغير واقعية خاصة عندما تُرحل عبر مسافات طويلة من دون وجود وسائل نقل قابلة لنقل مثل هذا العدد الهائل من البشر وإبقائهم على قيد الحياة وما يتطلب ذلك من مأوى ومأكل ومشرب.
وبهذه المناسبة يذكر رابي أثناء بحثه في الفصل الثالث عن (حصيلة التنوع الحضاري واللغوي في بلاد النهرين – الصراعات (الحروب) ص 86، معتمدا على الغالب على ما كتبه المؤرخ حبيب حنونا في كتابه (سفر الخروج الكلدان) السالف الذكر في القسم الأول، بأن كلا الملكين الآشوريين "أسرحدون (681-669 ق.م) وآشور بانيبال (668-626 ق.م) جاؤا بأعداد كبيرة من الأسرى إلى بلاد آشور. وقد بلغ بحسب الُرقم الأثرية المكتشفة في نينوى والمدن الآشورية الأخرى عدد الكلدان المهجرين أكثر من نصف مليون نسمة موثقة توثيقا رسمياً في المدونات، ما عدا تلك غير المدونة ويقدرها العلماء الآثاريون بثلاثة أرباع المليون ليكون مجموعهم مليون ونصف..."!!! (ص 92).. هذا الرقم المبالغ فيه نستشف من ذكر رابي له لكي يصل إلى القول بأن كلدان اليوم في شمال بلاد مابين النهرين هم من أصل الكلدانيين الذين هجروهم الآشوريون من بابل إلى بلاد آشور، وهذا ما سعى إليه المؤرخ حبيب حنونا ليؤكد هذه الفرضية. 
وبعكس هذا يؤكد الكثير من الأركيولوجين بأن الغرض من هذه الأرقام المبالغ فيها كان لخلق الرعب والهلع في نفوس الأعداء وإعتبار الآشوريين أول من أستخدم الحرب النفسية في مواجهة أعدائهم. غير أن هذه الفرضية التي وضعها رابي في التلاقح الحضاري كان تأثيرها على الأقوام التي كانت تعيش في مناطق جبلية وعرة ومنقطعة عن العالم الخارجي أقبل بكثير مقارنة مع الأقوام التي كانت تعيش في المناطق المنسبطة والمنفتحة على العالم الخارجي. فمثل هذا العامل الجغرافي لا يمكن تجاهل تأثيره على تمسك الآشوريين في المناطق الجبلية بتسميتهم القومية التاريخية، أو على الأقل أستطاعوا الحفاظ على تقاليدهم وتراثهم ومأثوراتهم، أكثر بكثير من أخوتهم في المناطق السهلية والمنبسطة،
يقول رابي "من الظواهر المهمة الناتجة عن الحروب قديماً، هي التغيير في التسميات. أشتمل هذا التغيير في تسمية الأقوام، فالأقوام التي خضعت إلى الأمبراطورية الأكدية سُميوا بالأكديين والذين خضعوا إلى الإمبراطورية الآشورية سُميوا بالآشوريين وهكذا بالنسبة إلى الكلدانيين لإنتمائهم إلى الدولة الكلدانية..." (ص108). ولكن هذه الفرضية تخالف الواقع والتاريخ ولا يمكن تعميمها، خاصة عندما تكون مقومات وجود الأثنية أو القومية مختلفة تماما عن مقومات الأثنية أو القومية التي تحكم الدولة. فهناك كثير من الأقوام والشعوب، واليهود نموذجا، التي خضعت للإمبراطورية الآشورية والكلدانية، ظلوا يهودا من دون أن يغيروا تسميتهم إلى الآشورية أو الكلدانية. وهكذا بالنسبة لبقية الأقوام الذين أحتفظوا بتسميتهم التاريخية من دون أن يُغيروها لتسمية الدولة التي خضعوا لها. ونفس الحال ينطبق على الآشوريين حيث بقوا طيلة قرون طويلة محتفظين بأثنيتهم وبكل مقوماتها من دون أن يغيروا تسميتهم إلى تسمية الأثنية أو القومية الحاكمة في الدول العديدة التي خضعوا إليها. كما أن حال اليوم كحال الأمس، فوجود الآشوريين أو الكلدان أو السريان في بلدان المهجر ظلوا محتفظين، وبدرجات متفاوتة، بتسميتهم التاريخية من دون أن يغيروها إلى الأمريكية أو الكندية أو الإسترالية. 
  وعلى العموم يرى رابي بأن اللغة كانت من أهم نتائج التلاقح الحضاري والتي تعد من المقومات الأساسية في التسمية الأثنية، كما هي أهم عامل أدى إلى نشؤء صراع التسمية (ص 116). هذا الأمر الذي يشير إليه رابي لا ينطبق بشكل مطلق على الكثير من الحالات، خاصة في الزمن المعاصر. فهناك العشرات من التسميات الأثنية أو القوميات لا تعد اللغة التي يتكلمون بها مقوم أساسي في تسميتهم الأثنية أو الوطنية أو القومية، والأمثلة عديدة: فعلى الرغم من أن الأمريكيين والكنديين والأستراليين والعشرات غيرهم يتكلمون الإنكليزية إلا أنهم ليسوا إنكليز بل أمريكيون وكنديون وأستراليون، وهكذا الحال مع عشرات شعوب الدول الفرنكوفونية الذين يتكلمون اللغة الفرنسية إلا أنهم ليسوا بفرنسيين، وأيضا بالنسبة لشعوب بلدان القارة الأمريكية الجنوبية الذين يتكلمون الإسبانية ولكن ليسوا بإسبان. كل هذا يوحي لنا بأن رابي يحاول تطويع وتعميم بعض الحقائق التاريخية وبعض المناهج العلمية للوصول إلى إستنتاجه في صراع التسمية بين الآشوريين والكلدان والسريان، وهو أمر ينافي البحث الموضوعي.
 قبل أن أختم هذا الفصل نرى رابي يعتمد على مصطلح الأثنية في تعريف الكلدان والسريان والآشوريين ويرى فيهم ثلاث أثنيات، وهذا ما يؤكده في معظم صفحات الكتاب. وهو أمر لا نتفق معه ولا يتجانس مع واقع هذه التسميات الثلاث لقومية واحدة. فمن المعروف بأن مصطح الأثنية (Ethnical) والذي تترجمه معظم القواميس إلى العرق و(Ethnology) إلى (علم الأعراق البشرية)، هو مصطلح قليل الإستخدام في العلوم الإجتماعية خاصة السياسية وفي العملية السياسية، حيث وأن أستخدم فهو يشير إلى المجموعة البشرية الصغيرة المتميزة بعرقها وثقافتها، على الأغلب بدائية، التي تعيش في كنف قومية كبيرة أو ضمن حدود دولة معينة وفي معظم الأحيان ليس لها طموحات قومية سياسية أو تسعى لتكوين دولة مستقلة خاصة بها، في حين أن الكدان والسريان والآشوريين، وأن كان الواقع الحالي قد فرض عليهم هذه التسميات، فهم قومية كاملة المقومات المعروفة في العلوم الإجتماعية، لهذا السبب فرق الإعلان الأممي لعام 1992 بين الأقليات القومية والأثنية .... لنا لقاء في القسم الثالث.

42
أستاذنا الفاضل الدكتور ليون برخو المحترم...
سألت وهذا هو جوابي:
 أن منتديات شعبنا ليست مؤسسات أكاديمية ومراكز بحوث علمية رصينة تحكمها قواعد وشروط البحث العلمي والنشر المعروفة علمياً، بل هي منتديات ومواقع ألكترونية لا تلتزم بمثل هذه القواعد والشروط . فلها شروطها الخاصة مرتبطة بطبيعة وقانونية المنتدى أو الموقع الألكتروني وبالتالي هي مفتوح لهذا "الشعب المسكين المغلوب على أمره" كما تفضلت. وأنا أؤكد لك بأن الغالبية العظمى لقراء هذه المواقع والمنتديات هي من هذا الشعب وليس من أكادميين وأختصاصين، وحال منتدياتنا ومواقعنا، صدقني، أحسن بكثير من "المؤسسات الأكاديمية والجامعات العراقية"  التي تمنح الكثير من شهادات "سوق مريدي" والتي تقدم بحوث ومنشورات قائمة على ما تفضلت به  (Predatory Publishing) في السرقة والنهب والسلب لمجهود الآخرين.
وإذا كان القصد الدكتور رابي عبدالله فهو على الأقل حامل لشهادة الدكتوراه وكان أستاذا في الجامعات العراقية ولا شك فيه أن توصف نتاجاته الفكرية بالعلمية والأكاديمية سواء ألتزمت بالقواعد والشروط المعروفة في البحث العلمي أم لم تلتزم، خاصة وهي معروضة على هذا الشعب المغلوب على أمره وليس على جامعة أو مركز بحوث أو لجنة مناقشة الرسائل الجامعية، وأنا أرى في كتابه السالف الذكر جوانب كثيرة من البحث والتقصي العلمي في ظاهرة من الظواهر الإجتماعية والقومية في مجتمعنا.
سألت أن أشرح مقومات أو شروط منهج النشر العلمي والأكاديمي، أقول: لي معرفة بسيطة جداً بهذا الموضوع لأني تركت هذا الحقل منذ نهاية عام 1979 بعد تخرجي من الجامعة ونيلي الماجستير وبدرجة إمتياز في العلوم السياسية من جامعة بغداد عن أطروحتي الموسومة (دور المثقفين في التحولات الإجتماعية) وكنت الأول على الجامعة في هذا الحقل ومنذ تلك الفترة وأنا أعمل مهنياً في حقل غير حقل خلفيتي الأكاديمية، وكل ما أتذكره من تلك الفترة عن القواعد والشروط المطلوبة للبحث والنشر العلمي هو أن يكون الموضوع جديد او غير مطروق أو متناول من جانب مختلف ويصل في نهاية البحث إلى إستنتاج معتمدا على مصادر علمية تخص الموضوع، خاصة عندما يكون الموضوع لأطروحة جامعية معترف بها ونوقشت من قبل أساتذة مختصون في نفس الحقل.
أما بخصوص دفع المال لنشر إنتاجه، فهذا أمر صعب عليً فهمه وقصده... ومع هذا لا أرى عيباً في أن يدفع المؤلف من جيبه لينشر إنتاجه الفكري، لأن شعبنا "كريم جداً" في مسألة دعم وإسناد المثقفين والكتاب...
وأخيراً أشكرك يا أستاذنا الفاضل على  ذكرك ما يقال عني وعن رابي عبدالله بأننا "شعلة" وهذا ألف مرة خيرُ من أن نلعن الظلام فقط.... وشكراً على مداخلتك.. مع تحياتي الحارة.

43
الأخ العزيز نذار عناي المحترم.
أشكرك على كونك أول من قرأء الموضوع وعلق عليه لا بل أثمن جداْ إقتنائك لنسخة من كتاب رابي عبدالله وقراءته. بخصوص الإسراف في الكتاب القصد منه هو الإسراف في صفحاته وليس في موضوعه ومضمونه. فلو كانت صفحات الفصل الأول والثاني والملحق رقم (1)  أقل بكثير لكان الجهد الفكري والفني والعبئ المالي على رابي أقل بكثير وكذلك يسهل الأمر على القارئ أن يركز على المواضيع الجوهرية للكتاب. أما إعطاء صفة لي كـ "سياسي"،  فللعلم يا أخي العزيز أنا لست بسياسي ولا أنتمي إلى أي حزب سياس غير حزب هذه الأمة التي يرى فيها وحدتها بجميع تسمياتها وطوائفها ومللها، لا بالقول بل بالفعل. وأنا أعرف رابي عبدالله منتمي إلى هذا الحزب وأنا "رفيق" له في نفس الحزب. أن كل ما في الأمر هو إنني أستخدم خلفيتي الأكاديمية في العلوم السياسية في الكتابة عن مواضيع سياسية وقومية منسجماً بذلك مع المنهج العلمي الأكاديمي الذي يستخدمه أستناذنا رابي في كتاباته المهمة.وهذه "الرفاقية" ليست مبنية على الإطناب والمديح بل على الجانب الآخر في بيان العثرات والنواقص المبني على النقد البناء المثمر، وهو الأمر المتفق عليه بيننا وهذا ما سنلاحظه في القسم الثاني من الموضوع.. شكرا مرة أخرى.
أبرم شبيرا

44
الكلدان والآشوريون والسريان المعاصرون
وصراع التسمية - 1
==============================
أبرم شبيرا
عنوان هذا الموضوع هو لكتاب (الكلدان والآشوريون والسريان المعاصرون وصراع التسمية – تحليل سوسيولوجي) للإستاذ الأكاديمي الدكتور عبدالله مرقس رابي.
 
===============================================================
أثناء مراسلاتنا الودية والفكرية بيننا سألني رابي فيما إذا حصلت وقرأت كتابه المنوه أعلاه، فقلت نعم حصلت عليه من مكتبة آشور بانيبال التابعة لمؤسسة الإتحاد الآشوري العالمي في شيكاغو وأثار إهتمامي الكبير به وأنني مزمع على أن أكتب بعض الملاحظات والتعليقات عليه. وفي أحدى رسائله قال رابي " ارجو ان تكون حر بأرائك عنه – أي الكتاب -  اذ يهمنى ما الذي وقعت به من اخطاء تحليلية اكثر من اي شيء". وفي مكان آخر قال رابي "نعم صديقي العزيز قبول النقد البناء مثلما تفضلتم به هو أساس تطوير الباحث اي كان نفسه فالعلم هو تراكمات للمعلومات المعرفية لدى الباحث يتلقاها من الجميع، والا اذا تقوقع الباحث او المفكر على نفسه ويرى فقط انه سيد الفكر فذلك باحث فاشل لا محال" وإنطلاقاً من هذه المبادئ وتلبية لطلب رابي كتبت هذه الصفحات وأمل أن تكون وافية للإيفاء بعهدي للدكتور. وقبل بيان أية ملاحظات أو تعليقات رغبت أن أوكد على حقيقتين:
الأولى:  أن الغالبية من شعبنا، وأقصد الكلدان، لها بنية ثقافية  أكثر بكثير من غيرهم من أبناء شعبنا. ولكن مما يؤسف له بأنه من النادر جداً أن لم يكن معدوما أستخدام هذه البنية الثقافية في الدراسات التي تخص المسائل القومية لشعبنا بل في معظمه تم تكريسه للدراسات الدينية والكنسية أو للمسائل الوطنية العراقية العامة. والسبب يعود وبالدرجة الأولى إلى ضعف أو أنعدام الوعي القومي بين الكلدان أو ظهوره متأخراً. ولكن مع كل هذا يشكل رابي عبدالله إستثناءاً خاصا في هذه الحالة حيث أتيحت له ظروف المهجر الإنكباب على الدراسات السوسيولوجية والسياسية التي تخص شعبنا بكل أقسامه وتفرعاته وأستخدم معارفه الأكاديمية والمنهجية في علم الإجتماع والإجتماع السياسي في تناول الكثير من المسائل القومية. وكتابه هذا هو نموذج جيد في هذا السياق.
الثانية: عادات سيئة تعلمناها من العرب خاصة العراقيين منهم، ومن هذه العادات قلة القراءة والإهتمام بالكتب والبحوث والدراسات، والأسوء من كل هذا نقلنا هذه العادات السيئة إلى بلدان المهجر المعروفة بشغف شعوبها في القراءة. فنحن بجميع أقسام شعبنا أبطال في الأنترنيت وتصفية الحسابات الشخصية وبعضها تسلك أسلوب الإهانة الشخصية، وبالتالي ينعدم تقريباً قراءة قارئ أو مثقف لكتاب معين يخص مسألة شعبنا ويعلق عليه أو ينتقده إنتقاداً علمياً موضوعيا. وعلى العموم هذه السطور تأتي في سياق سد ثغرة بسيطة في هذا المجال وبادرة أرجو أن تكون مدخلاً لغيرنا للولوج في هذا المجال الثقافي الذي نفتقر إليه.

 الكتاب ضخم، مقارنة بالكتب التي تخص شعبنا، وفيه مواضيع واسعة ومتعددة يصعب المسك برأس الخيط والبدء بالكتابة عنه في صفحات قليلة. ومن أجل الخروج من هذا المأزق سأحاول تقليل صفحات هذا الموضوع عن طريق تقسيمه إلى جزئين: في اول الأمر أتناول الكتاب من حيث الشكل ثم في القسم الثاني أتطرق إليه من حيث المضمون.

من حيث الشكل:
=========
 بدءأ بعنوان الكتاب المثير للإنتباه لكونه يتناول موضوع ساخن على الساحة القومية لشعبنا (الكلداني السرياني الآشوري)، وجدت في كلمة (صراع) كحطب مضافاً على سخونة الموضوع ليعطي إنطباعاً بأن هناك حرب وقتال بين أقسام شعبنا على التسمية في حين ما هو إلا إختلاف فكري وتاريخي أن لم نقل مصلحي وذاتي. وحتى هذا "الإختلاف" على التسمية لا يملك مقومات الإرتقاء إلى مستوى الصراع خاصة أثناء الإنتخابات البرلمانية في المركز او الإقليم حيث يتوحد الإختلاف تحت التسمية المركبة "الكلدان السريان الآشوريون" الذي فاز ويفوز بمعظم كراسي البرلمانين المركزي والإقليمي ليؤكد وحدة شعبنا، على الأقل من الناحية الرسمية، رغم إختلاف التسميات. فكان الأجدر برأيي ان تكون كلمة (مشكلة  التسمية أو مسألة التسمية أو الإختلاف في التسمية القومية) بدلا من الصراع. وحتى لو تسايرنا مع رابي في قبول كلمة (الصراع) فأنه كان يستوجب أن تكون العبارة (صراع التسميات) وليس (صراع التسمية) بصيغة المفرد، لأن الصراع يكون بين طرفين أو أكثر لا سيما هناك ثلاث تسميات لشعبنا المعاصر والصراع هو بينهم حول التسمية. صحيح هو أن رابي يشرح مفهوم الصراع في الفصل الرابع – أسباب صراع التسمية (ص 132) إلا أن كل التفسيرات والمضامين للصراع  التي يعطيها رابي تصل في خاتمة المطاف إلى مفهوم الحرب أو القتال بين مجموعتين أو أكثر.
الكتاب كما هو مذكور في عنوانه هو (تحليل سوسيولوجي) فكان من المفضل أن يكون (دراسة سوسيولوجية) لأن التحليل يعطي إنطباعاً كونه بحث معين وفي موضوع محدد ومركز  وبصفحات قد تكون قليلة. ولكن (الدراسة) لها دلالات واسعة ومتعددة وبتفاصيل مسبهة ومعتمدة على مصادر كثيرة، وهي الصفات التي نجدها في كتاب رابي. وإستكمالا لهذه الشكليات المطلوبة في نشر أي كتاب، كان من الضروري أن يُذكر أسم  ناشر الكتاب أو المطبعة وعنوانه وسبيل الإتصال به ليتسنى للمهتمين بالموضوع إقتناء نسخة منه. ولكن يظهر بأن رابي شخصياً تحمل عناء جميع الجوانب المالية والفكرية والفنية لطباعة الكتاب ونشره. ولكن مع هذا فللمهتمين بالموضوع يمكنهم الحصول على الكتاب سواء من مكتبة آشور بانيبال المذكورة في أعلاه أو من المركز الثقافي الآشوري في نوهدرا (حاليا دهوك) أو في بعض الأبرشيات لكنائسنا في المهجر أو الإتصال شخصيا بالدكتور عبدالله رابي.
الكتاب يقع في 360 صفحة من القطع المتوسط وبين دفتيه مقدمة مع ستة فصول بعدة أقسام ومباحث وأجزاء أضافة إلى ملحق رقم (1) – كان من الأجدر عدم ذكر رقم (1) في الكتاب لأنه الملحق الوحيد وليس هناك ملحق رقم (2). الملحق يتضمن جداول طويلة عن (المناطق البابلية والكلدانية التي شملها الترحيل الجماعي وإلى أين أستقرت). أستهلكت هذه الجداول (10) صفحات من الكتاب، وهي جميعها مستمدة من كتاب ( سفر الخروج الكلداني) للمؤرخ الأستاذ حبيب حنونا فكان من الأفضل الإكتفاء بذكر الكتاب والإشارة إليه وذلك إختصاراً لصفحات الكتاب. قبل سنوات كتبتُ بعض الملاحظات والأراء عن كتاب المؤرخ الأستاذ حبيب حنونا ويمكن الإطلاع عليها في موقع عنكاوه، الرابط:
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=770167.0
كما أعتمد رابي على مراجع عديدة ومتنوعة متبعاً أسلوبه الأكاديمي في البحث والدراسة الذي اعتاد عليه في فترة كونه أستاذا لعلم الإجتماع في الجامعات والمعاهد العراقية قبل مغادرته أرض الوطن إلى المهجر. يبدأ الفصل الأول بـ "الإطار المفاهيمي" شارحاً معنى كل من القومية والأثنية والعرق والأمة والشعب والهوية. أما في الفصل الثاني (التطور الحضاري في بلاد النهرين) فيسرد رابي عشرين حضارة أو شعب أو مجموعة بشرية بما فيهم الحضارات الآشورية والكلدانية والأرامية التي تعاقبت على حكم بلاد ما بين النهرين. وفي الفصل الثالث "حصيلة التنوع الحضاري في بلاد النهرين" يتناول رابي مواضيع متعددة منها مفهوم الحضارة، إلإنتشار الحضاري والتغير الإجتماعي، العوامل المؤدية إلى التغير الحضاري مبتدءاً أولا: بـ "الصراعات (الحروب)" ص 86 – هنا عند رابي مفهوم الصراع هو الحرب، يؤيد ما ذهبنا أعلاه في أعلاه بأعتبار الصراع يعطي معنى الحرب أو القتال -. وثانيا الإبداعات الفكرية، ثم ثالثا: قوة الإرتباط بين أفراد المجتمع ورابعاً: الهجرة، وخامساً: التجارة. ثم يبحث عن اللغة بأعتبارها أهم نتائج التلاقح الحضاري وبعد ذلك يتسائل عن كيفية حدوث عملية الإقتباس الحضاري.
أما الفصل الرابع (أسباب صراع التسمية) فيشمل مواضيع عديدة تشكل جوهر ومضمون الكتاب فيحصر أسباب هذا الصراع في، أولا: ما يكتبه الكُتاب، بما فيها 1- الكتابات المتأثرة بالأيديولوجيات السياسية، 2- تفتقد الكتابات إلى الموضوعية والمنهجية و 3- تشويه الكتابات من قبل غير الإختصاصيين - هنا يشذ رابي عن منهجه الأكاديمي في البحث حيث لا يجوز أعطاء النتيجة أو الصفة مقدما في العنوان (مثل تفتقد وتشويه) فهذه الصفات يجب أن تكون خلاصة وإستنتاج للموضوع وليس في المقدمة أو في العنوان). ثم يستمر رابي في البحث عن أسباب صراع التسمية فوجد في 4 –: كتابات رجال الدين وتصريحاتهم ثم في 5- الإعتماد على كتابات المستشرقين. ومن أسباب صراع التسمية يذكر في ثانيا: الرجوع إلى التاريخ والإشتقاقات اللغوية وكيفية تدوين التاريخ. وهكذا يستمر رابي في ذكر هذه الأسباب منها ثالثاً: إستخدام المنطق القديم في التحليل، ورابعاً: الإنشقاق الكنسي، وخامساً: الأيديولوجيات السياسية، وسادساً: اللغة وعلاقتها بالتسمية، وسابعاً: تداخل المفاهيم المرتبطة بالقومية، وثامناً: الإعلام، وتاسعاً: الترسبات التاريخية السابقة للحكومات والأمية الحضارية، وعاشراً: التفاوت في الوعي القومي بين الأثنيات الثلاث، وحادي عشر: التعصب والحقيقة.
وفي الفصل الخامس يستعرض رابي تداعيات صراع التسمية، ويحصرها في أولاً: مسألة تعاطي الحكومات مع الأقليات، وثانيا: تشتت العمل السياسي، وثالثا: فقدان الثقة بالأحزاب، ورابعاً: الإحباط في نيل حقوق الأثنيات الثلاث، وخامساً: التأثير في العلاقة بين رجال الدين والعلمانيين، وسادساً: التأثير في الوحدة الكنسية بين الكنائس المشرقية، وسابعاً: تسمية اللغة، وثامناً: الجدال الفكري العقيم – مرة أخرى يشذ رابي عن أسلوبه المنهجي الأكاديمي في وصف الجدال الفكري بالعقيم والذي يستوجب أن يكون من ضمن إستنتاجه في البحث عن الجدال الفكري -  ثم تاسعاً: التهميش، وينهي هذا الفصل بـ "الإضطهادات المتكررة والهجرة".
أما في الفصل السادس (نحو معالجة سوسيولوجية توفيقية) يسعى رابي إلى إيجاد هذه المعالجة في عدة محاور منها العرقي والجغرافي واللغوي والديني – كان المفضل أن يكون كنسي -  والإجتماعي ثم يتطرق إلى الشعور بالإنتماء الأثني ودوافع هذه الإنتماء وكيفية تكوين دافع الإنتماء إلى الجماعة الأثنية وعن كيفية حدوث التنشئة الإجتماعية عند الفرد لتُنمي دافع الإنتماء. ثم يختم الكتاب بالملحق رقم (1) والمصادر والهوامش.
يظهر بأنني أسرفت في بيان الجانب الشكلي للكتاب، وليس المغزى من هذا الإسراف إلا أعطاء صورة واضحة بقدر المستطاع عن الكتاب خاصة وأنه غير متوفر عند الكثير من القراء. ولنا موعد مع مضمون الكتاب في القسم الثاني.


45
أين مصحلة الآشوريين من إنعقاد مؤتمر الإتحاد الآشوري العالملي ألـ (29) في لبنان وبرعاية إيرانية؟
========================================================
أبرم شبيرا
خلفية تاريخية:
-------------
بالإستناد إلى بعض العوامل الذاتية (الفكرية) والموضوعية (السياسية)، نشأة فكرة تأسيس الإتحاد الآشوري العالمي -AUA (الإتحاد - خويادا)  في إيران في منتصف الستينيات من القرن الماضي ولكن بمنطق معقول وواع  جيدا أدرك أصحاب الفكرة بأنه لايمكن أن ينعقد مؤتمر تأسيس منظمة قومية سياسية عالمية إلا في دولة يكون نظامها السياسي ديموقراطي يوفر مناخاً واسعاً من الحرية ويسهل للوفود حضورهم ومشاركتهم في المؤتمر بكل حرية ومن دون قيود، خاصة مسألة الفيزا، أو تأثير أو تدخل من الدولة نفسها أو من القوى السياسية الفاعلة فيها وأن يتولى أمور تأسيس الإتحاد وقيادته شخصية أشورية مقيمة في المهجر لتكون بعيدة عن تأثيرات الدول الشرق أوسطية، منها موطن الآشوريين المعنية بالموضوع القومي الآشوري كالعراق وتركيا وإيران وسوريا التي يسود فيها أنظمة سياسية توليتارية خاصة وأن هذا التنظيم هو عالمي وليس قاصرا على دولة معينة. فوقع الإختيار على مار شمعون إيشاي بطريرك كنيسة المشرق (الآشورية) رحمه الله، المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية غير أنه بعد أن رفض تولي قيادة هذا التنظيم، وقع الإختيار على السيد ديمتري أغا بطرس وهو الأبن البكر للجنرال إغا بطرس إيليا المقيم في فرنسا الذي قبل الفكرة ومن ثم وجهت دعوات بأسمه لحضور مؤتمر التأسيس الذي أنعقد في شهر نيسان 10-13 من عام 1968 في مدينة باو الفرنسية الذي حضره مندبون من مختلف دول العالم ولكن كان غالبيتهم من الولايات المتحدة الأمريكية لأنهم كانوا يعروفون حق المعرفة قوة الولايات المتحدة الآمريكية وتأثيرها على الساحة الدولية من جهة، والحجم الديموغرافي الكبير للأشوريين في الولايات المتحدة إضافة إلى وجود منظمات آشورية نشطة في تلك الفترة من جهة أخرى.
 


مؤسسوا الأتحاد الآشوري العالمي في إجتماعهم التأسيسي في مدينة باو الفرنسية (نيسان 1968)
==================================================
وبعد وفاة السيد ديمتري توالى في معظم الأحوال إنتخاب السكرتير العام وغالبية الهيئة التنفيذية من الآشوريين الأمريكيين، ليس بسبب إمكانية هؤلاء التأثير على صانعي القرار السياسي الأمريكي لجلب إهتمامهم حول القضية الآشورية وإنما أيضا المساحة الواسعة من الحرية والديموقراطية التي كان يوفرها النظام السياسي الأمريكي للتحرك بنشاط مستقل بعيد عن التأثيرات الخارجية، سواء من الدولة نفسها أو من القوى السياسية الفاعلة على الساحة الأمريكية، ولا ننسى هنا بأن منظمة الأمم المتحدة وبعض وكالاتها المتخصصة قائمة في الولايات المتحدة التي كانت موضع إهتمام قادة الإتحاد لطرح القضية الآشورية عليها. فأصبح إنتخاب السكرتير العام وأكثرية المناصب التنفيذية الحساسة من الأشوريين الأمريكيين عرفاً ألتزم بها الإتحاد طيلة تاريخه السياسي بإستثناء قليل جداً تمثل في إنتخاب السيد دانيال كرسبي من السويد في السنوات الماضية ونحن نعرف بأن النظام السياسي في السويد لا يقل ديموقراطية عن النظام السياسي الأمريكي الذي كان يتيح للسكرتير العام حرية كاملة للتحرك والإتصال.
تحول خطير في الإجراءات:
---------------------
ولكن منذ العقد الأول من هذا القرن أنحرف الإتحاد إنحرافاً حاداً عن عرفه التاريخي السياسي المعروف في إنتخاب السكرتير العام وتمثل هذا الإنحراف في إختيار السيد يوناتن بت كليا سكرتيرا عاماً للإتحاد وهو من الآشوريين الإيرانيين المقيم في إيران ومن ثم التحول الخطير الأخر كان في نقل مقر الإتحاد من الولايات المتحدة إلى إيران في عام 2008. ولو بحثنا موضوعياً وبدون أية مجاملة نرى بأن إختيار السكرتير العام للإتحاد من خارج الدول الديموقراطية ومن دولة نظامها إسلامي ثيوقراطي توليتاريي يحكمه الملالي هو الأول من نوعه. هناك عاملين مهمين في هذا الإنحراف وهما:
الأول: كون السيد يوناتن عضو في مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان الإيراني) وممثل "للطائفة" الآشورية والكلدانية فيه، إختياراً مبنياً على أساس سيكون المركز الرسمي له كعضو في البرلمان الإيراني مؤثرا على المجريات السياسية للإتحاد.. عامل ذاتي شخصي.
ثانياً:  هيمنة الآشوريين من أصول إيرانية على الهيئة التنفيذية للإتحاد- عامل عشائري أو إقليمي.
والسيد يوناتن بت كوليا لا غبار على شخصيته وهدوءه وطيبة تعامله مع الآخرين إلا أن إختياره كسكرتير عام للإتحاد جاء مخالفاً وخارقاً للمسار الذي عرف عنه الإتحاد خاصة في هذه المرحلة السياسية الخطيرة التي تمر بها المنطقة بشكل عام وإيران بشكل خاص، والأسباب هي:
الأول: قلة خبرته في شأن الدول التي تشكل موطناً للإشوريين كالعراق وسوريا ولبنان وإفتقاره للغة هذه الدول، أي العربية، وربما لا يجيد بطلاقة الإنكليزية التي هي ضرورية لحضور المؤتمرات والمنظمات الدولية والتي عهد الإتحاد على حضورها وأكتسابه العضوية في بعضها، والأهم:
ثانيا: كونه عضو البرلمان الإيراني، فهذا يعني بأن نشاطه السياسي كسكرتير عام للإتحاد سيكون مقيداً بمسؤوليته البرلمانية وبالتالي كل نشاط سياسي يقوم به يجب أن يكون ضمن سياق النظام السياسي التوليتاري الثيوقراطي للجمهورية الإيرانية الإسلامية. ولو كان السيد يوناتن سكرتيرا عاما لحزب سياسي آشوري إيراني وليس لمنظمة آشورية عالمية تنطق بأسم الآشوريين في كافة أنحاء العالم لهان الأمر وأصبح حاله كحال بعض الأحزاب السياسية الآشورية في العراق، مثلا، التي تعمل على تمثيل الآشوريين عراقياً ضمن النظام السياسي في العراق وليس عالمياً.

من هذا المنطلق نرى نوع من الجمود أو الإنحدار في نشاط الإتحاد أو تقلص في مصداقيته المعهود بها في كونه تنظيم آشوري عالمي ومظلة فدرالية للتنظيمات القومية والأحزاب السياسية الآشورية بحيث وصل الإعتقاد بأن الإتحاد أصبح أداة طيعة في أيدي الملالي المتحكمة في النظام الإيراني، لا بل ظهر الكثير من الفتور والامبالاة والتنقالات والجمهود بين قادة أعضاء الإتحاد بحيث أصبح شبه غائب عن الساحة السياسية الآشورية. والأكثر من هذا وذاك فقد ظهرت كتابات من بعض قادة الإتحاد يشيرون إلى فقدان مصداقيته ومكانته بين الجمهور الآشوري. وحتى النشاطات الجماهيرية واللقاءات الرسمية المثيرة للإنتباه والفاعلة لبعض فروع الإتحاد، كفرعي أستراليا وأوربا، فأنها أنحصرت ضمن حدودها الإقليمي وبدت كأنها تصطدم بجاجز الوضع العام للإتحاد في عهد السيد يوناتن. وقد تجلى هذا التراجع قبل وخلال وبعد إنعقاد المؤتمر (29) للإتحاد في بيروت في شهر أيلول من هذا العام.

مؤتمرات الإتحاد الآشوري العالمي في إيران:
-------------------------
عقد الإتحاد مؤتمران في طهران، ألأول في عام  1971 (المؤتمر الرابع) والثاني في عام 2011 (المؤتمر 28)، وهنا أستطيع أن أجزم بأن الإتحاد أيضا عقد مؤتمر ثالث في إيران، ليساً جغرافيا، بل فكرياً ورعوياً وهو مؤتمر (29) الذي أنعقد في بيروت للفترة من 20 – 23 أيلول 2018 وبرعاية إيرانية، أو بالأحرى برعاية حزب الله الإرهابي ومؤيديه. وهنا من الظروري أن نتطرق إلى المصلحة الآشورية القومية من إنعقاد الإتحاد مؤتمراته الثلاث في إيران وفي فترات مختلفة، وهي دولة في جميع مراحلها غير ديموقراطية.

في عام 1971 أنعقد الإتحاد مؤتمره الرابع في طهران في مرحلة كانت دول منطقة الشرق الأوسط تغلي غلياناً سياسياً  خاصة العراق وإيران. فتداعيات الحرب الأيام الستة بين إسرائيل وبعض الدول العربية في عام 1967 والهزيمة الشنعاء التي لحقت بالجيوش العربية والدور الكبير الذي لعبته الولايات المتحدة في مساندة أسرائيل كان تأثيرها قوياً على العراق الذي كانت مواقفه عدائية ضد إسرائيل وأميركا في الوقت الذي كانت إيران أقوى حلفاء أميركا في المنطقة. ثم جاء إنقلاب البعث في العراق عام 1968 والحركة التصحيحية للبعث في سوريا عام 1970 التي شددت من قبضة حافظ الأسد على السطلة وتأثير ذلك على البعث في العراق في تسجيد الإنشقاق الحزبي بين سوريا والعراق. والأهم من كل هذا وذاك هو توقيع إتفاقية الحكم الذاتي للكورد في 11 أذار 1970 والدور الكبير الذي لعبه بعض الآشوريين والكلدان في الحركة الكوردية. فضمن كل هذه الظروف أستطاعت قيادة الإتحاد من ركوب موجة الأحداث وأن تدخل في موازين القوى الفاعلة على الساحة السياسية التي كانت الحرب الباردة بين الإتحاد السوفياتي وإلى جانبها العراق والولايات المتحدة وإلى جانبها اإيران أطارها الدولي العام.

 



صورة للمؤتمر الرابع للإتحاد الآشوري العالمي المنعقد في طهران 1971 ويظهر فيه السيد عباس هويدي رئيس وزراء إيران الأسبق وهو يلقي كلمته الإفتتاحية.

========================================================
من هذا المنطلق أستطاع الإتحاد أن يخرج ببعض النتائج ليس على المستوى الداخلي فحسب في إقرار قرارات مهمة بل أيضاً على المستوى الخارجي حيث أثير هذا المؤتمر إنتباه سلطة البعث في العراق فحاولت إدراج قادة الإتحاد إلى صفوفه عبر إصدار قرارات لصالح الآشوريين كقرار منح الحقوق الثقافية للناطقين بالسريانية من (الآثوريين والكلدان والسريان) لعام 1972 وإعفاء المشاركين في الحركة الآشورية لعام 1933 وإعادة الجنسية العراقية لهم ومن ثم مشاركتهم مع ماليك ياقو ماليك إسماعيل في زيارتهم للعراق والتباحث مع المسؤولين حول الحقوق القومية للآشوريين في العراق بحيث وصل الأمر إلى إعتبار أحمد حسن البكر رئيس الجمهورية شخصية عام 1972 وظهرت صورته على غلاف مجلة الإتحاد (الكوكب الآشوري). بعد رفض ماليك ياقو مشاريع البعث في العراق تجاه المسألة الآشورية وعاد إلى كندا خالي الوفاض، أنزلق بعض قادة الإتحاد نحو الإغراءات البعثية والتي كانت في مجملها مصالح شخصية خاصة مما ترك إنطباعاً سيئاً عن الإتحاد وأتهمه البعض بالعمالة والتعاون مع البعث ضد الكورد والتطلعات الآشورية في الوطن والمهجر.
 
أنعقد مؤتمر الإتحاد ألـ (28) في طهران للفترة من 4-10 تشرين الأول 2011 وفي ظروف سياسية مختلفة كلياً حيث سقط نظام البعث في العراق عام 2003 وسيطرت إيران على العراق من خلال القوى والأحزاب الشيعية التي هيمنة على السلطة وأصبح لها اليد الطولى من خلال سوريا لتصل إلى لبنان عبر حزب الله الذي كان دولة داخل دولة. ضمن هذه الظروف أنعقد المؤتمر الذي حضره عدد كبير من الشخصيات والجمهور ولم يخرج بقرارات تهم الآشوريين أكثر مما كانت دعاية إعلامية لسلطة الملالي في إيران. ثم جاء المؤتمر (29) للإتحاد لينعقد في بيروت – لبنان في يوم الخميس المصادف 20/09/2018 بعد غياب دام سبعة أعوام حيث كان يستوجب أن ينعقد المؤتمر كل سنتين حسب النظام الداخلي للإتحاد خاصة وأن السنوات السبعة الماضية كانت حبلة بالأحداث والتطورات الخطيرة من جراء تعرض شعبنا في العراق وسوريا لمأساة التشريد والخطف والقتل التي أرتكبتها الحركات الإسلامية المتطرفة وداعش الإجرامي ومن دون أن يتحرك الإتحاد أو يدعو سكرتيره العام لعقد مؤتمر عام يتناول هذه الأحداث الخطيرة. على العكس من هذا أصدر السكرتير العام بعض التصريحات والبيانات كلها تهجم على إسرائيل والولايات المتحدة التي لا تخدم إطلاقاً لا من قريب ولا من بعيد مصلحة الآشوريين حي كلها كانت تصب في مصلحة الملالي في إيران. جاء عام 2018 لينعقد مؤتمر (29) عقب قيام السيد يوناتن بت كوليا وبمعية عدد من أعضاء البرلمان الإيراني بزيارة رسمية إلى لبنان في شهر أيلول الماضي لتعزيز فكرة إنعقاد المؤتمر في بيروت بدلا من أن ينعقد في جورجيا. فبعد عدة لقاءات عقدها مع المسؤوليين اللبنانيين خاصة المناصريين لسياسة حزب الله والمؤيدين لإيران، أقر نهائياً بعقد المؤتمر في بيروت. ففي جلسة الإفتتاح ألقى السيد أحمد حسيني القائم بأعمال السفارة الإيرانية في لبنان رسالة حسن روحاني رئيس جمهورية إيران الإسلامية في الوقت الذي هو معروف بروتوكوليا بأن مثل هذه الكلمة الإفتتاحية يجب أن تكون من قبل ممثل حكومة الدولة المضيفة، أي لبنان، وليس من قبل دولة لا علاقة لها بالمؤتمر، على الأقل رسمياً. وبغنى عن محتويات رسالة رئيس جمهورية إيران الإسلامية التي أحتوت على كلام منمق ومعسل، فأنه يكفي أن يكون حضور القائم بأعمال السفارة الإيرانية وتلاوة رسالة رئيسه في يوم إفتتاح المؤتمر إشارة واضحة بأن المؤتمر كان برعاية إيرانية وهو الأمر الذي يشكل منعطاً سياسياً خطيراً ليس للإتحاد نفسه بل للآشوريين أيضا خاصة في بلدان المهجر وتحديداً في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول الديموقراطية في أوروبا وأستراليا، لكون إيران في مرحلة حرجة وصعبة وفي موقف دولي متهمة بدعم الإرهاب وتأجيج التوترات والصراعات في بعض الدول العربية والتدخل في شؤونها لزعزة الإستقرار والأمن فيها، وهو الموقف الذي ينعكس سلباً وبشكل مباشر على الآشوريين في العالم ويعطي إنطباعاً في كون الآشوريين ومنظمتهم العالمية، أي الإتحاد، إداة من أدوات إيران الإرهابية. وعقب إنتهاء المؤتمر صدر بيان عنه لم تكن محتوياته أكثر من الكلمات الروتينة والدعائية التي لا تغني ولا تسمن بشيء ولا تملك القدرة على تخطي خطوة واحدة نحو الواقع والتطبيق.

في الحقيقة ومن خلال مجريات هذا المؤتمر فأنه أعتبر مؤتمر غير شرعي كما وصفه الكثير من قادة الإتحاد الذين قاطعوه حيث لم يحضره غير 4 أعضاء من القيادة وإستشاري واحد ومعظمهم من أقرباء السكرتير العام مما خلق حالة من الفوضى والإرتباك في الإتحاد فتسربت أخبار عن فكرة إنعقاد مؤتمر إستثنائي بعد ستة أشهر لمعالجة الوضع الشاذ الذي تورط فيه الإتحاد خاصة خضوعه الكامل لإيران. ونأمل أن يحقق المؤتمرون النجاح الكامل ليعود الإتحاد إلى سابق عهده كمنظمة فدرالية آشورية مستقلة في قراراتها وسائرة مع الدول الديموقراطية التي تقر بحقوق الإنسان وحماية الأقليات وأن يثبت الإتحاد مصداقية عضويته في المنظمات الدولية التي تعني بحقوق الإنسان والأقليات، وأن يستطيع قادته قراءة الوضع السياسي الدولي لكي يكون للإتحاد مكان محترم فيه خاصة في هذه المرحلة التي أقل ما يقال عنها بأنها مأساوية وماحقة بحق شعبنا في أرض أباءه وأجداده.


46
الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) تحقق إنجازاً كبيرا في إنتخابات برلمان إقليم "كوردستان"
============================================================================
أبرم شبيرا
أثناء زيارتي الأخيرة لأرض الوطن في منتصف شهر أيلول الماضي أجرى السيد سامر إلياس سعيد مراسل موقع عنكاوه الألكتروني في نوهدرا ( حالياً دهوك) مقابلة معي عن الإنتخابات البرلمانية لإقليم "كوردستان" وجوابي على سؤاله حول مشاركة أحزابنا "الكلدانية السريانية الآشورية" في الإنتخابات أو مقاطعتها، جاء الحديث عن مشاركة زوعا في الإنتخابات رغم رفضها لقانون "الكوتا" لكونه مستغل من قبل الأحزاب السياسية الكوردية الكبيرة فقلت " إذا فازت الحركة الديموقراطية الآشورية بكرسي واحد ضمن هذه التجاذبات والإرهاصات سيكون ذلك إنجازاً كبيراً لها". للإطلاع أنظر الرابط:
. http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=903867.0
وفعلاً فازت زوعا ضمن قائمتها الرافدينية بكرسي واحد في البرلمان ممثلآً باالسيد فريد يعقوب إيليا، عضو اللجنة المركزية وبواقع 896 صوت. في حين حصدت قائمة تحالف الوحدة القومية المؤتلفة من الحزب العتيد بيت نهرين الديموقراطي وكيان شلاما والمجلس القومي الكلداني والإتحاد الكلداني بثلاثة كراسي ممثلة بالسيد روميو حزيران نيسان هكاري، رئيس القائمة والسكرتير العام لحزب بيت نهرين الديموقراطي وبواقع 3252 والسيد جنان جبار بويا بواقع 1599 والسيدة روبينا أويملك يعقوب بواقع 815 صوت. في حين حصل المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري (المجلس) بكرسي واحد ممثلاً بالسيدة كلارا عوديشو يعقوب بواقع 687 صوت.
ضمن هذه المقايس للأصوات  والكراسي كيف نستطيع أن نعتبر حصول كرسي واحد إنجازاً كبيرا لزوعا؟ في حين  حصل تحالف الوحدة القومية على ثلاثة كراسي من الخمسة المخصصة للكوتا ، ألا يعتبر هذا أنجازا أعظم بكثير؟  لا بل ألا يعتبر هذا تقدماً هائلاً لمكونات تحالف الوحدة القومية في الوقت الذي نعرفه بأن بعض من هذه المكونات قد دخلت الإنتخابات السابقة لعام 2013 ولم تحصل على كرسي واحد. وأفهل حصول زوعا على كرسي واحد، وحال المجلس كحال زوعا والذي هو الآخر حصل على كرسي واحد، نعتبره تراجعاً (50%) في الوقت الذي كان لكل منهما كرسيين في الدورة السابقة للبرلمان الكوردستاني؟ ولا ننسى هنا حزب أبناء النهرين "الفتي" الذي كان له كرسي واحد في الدورة السابقة ولم يحصل على أي كرسي في الدورة الحالية بسبب مقاطعته لها وإحتجاجه على قانون الكوتا لكونه معرض للسرقة من قبل الأحزاب الكوردية الكبيرة، فكيف نسيتطع أن نقيمه وفق معيار التقدم  والتراجع؟
 القول بأن تحالف الوحدة القومية بحصوله على ثلاثة كراسي  قد حقق إنجازاً عظيماً من جهة، وأن حصول زوعا على كرسي واحد وأيضا المجلس على كرسي واحد يعتبر تراجعاً كبيراً (من 2 إلى 1) لكليهما، يثير الكثير من التساؤلات المقرونة بعلامات التعجب فيما إذا نظرنا للأمر من الناحية الشكلية فقط وبمقايس الكراسي البرلمانية. فالمعروف عن زوعا بأنها أكبر حركة سياسية مستقلة في قراراتها في مجتمعنا "الكلداني السرياني الآشوري" سواء من حيث أعضاءها أو مؤتمراتها أو إتصالاتها بالقوى السياسية العراقية، وأكثرها فاعلية وقدرة على حشد جماهيري واسع ومنقطع النظير، ومسيرة الأول من نيسان دليل على ذلك. لا بل والأكثر من هذا كله فقد كانت في بداية نشوء بوادر من الهامش الديموقراطي في الإقليم، كان لها حصة الأسد من  الكوتا (4 من 5 كراسي) ومضمونة رسمياً وجماهيرياً على الرغم من وجود أحزاب سياسية عتيدة في تلك الفترة مثل حزب بيت نهرين الديموقراطي والحزب الوطني الآشوري اللذان لم يقتربا إطلاقاً من عتبة برلمان "كوردستان". واليوم نرى بأن زوعا بقائمته الرافدينية بالكاد يحصل على كرسي في برلمان إقليم كوردستان... فكيف نعتبر هذا أنجازاً كبيرا لها ضمن هذا التراجع الواضح على المستوى الرسمي وتحديدا على مستوى كراسي البرلمان؟ فالجواب لهذا التساؤل يفترض أن نقيس الأمور لا بالكراسي البرلمانية فحسب بل بالظروف الموضوعية المحيطة بمجتمعنا سواء في الإقليم أو المركز. فعندما ذكرنا في مقابلتنا المذكورة أعلاه بأنه سيكون أنجازاً كبيراً لزوعا بحصولها على كرسي واحد، كان هذا الإنجاز الكبير منظوراً إليه ضمن التجاذبات والإرهاصات التي تعلب دورها الحاسم في تقرير نتائج الإنتخابات والحصول على عدد الكراسي البرلمانية.  فاليوم غير الأمس. ففي بداية التسعينيات من القرن الماضي وفي أول دورة إنتخابية برلمانية للإقليم، كان المهيمن على الساحة الكوردستانية حزبان رئيسيان وهما الديموقراطي الكوردستاني (البارتي) والإتحاد الوطني الكوردستاني (يكتي) وخصصت لكل منهما 50 كرسياً في برلمان الإقليم. أما كراسي الكوتا "المسيحية" فقد فازت زوعا بـ 4 من مجموع 5 كراسي في مرحلة كانت تفرض على الأحزاب السياسية الكوردستانية نوع خاص من الظروف التي وفرت هامش من الديموقراطية لجميع القوى السياسية المختلفة. فضمن هذا الهامش الديموقراطي كانت زوعا بمثابة "كرة القبان" بين طرفي ميزان البارتي واليكتي خاصة وهي عضو في "الجبهة الكوردستانية" فاستطاعت أن تعمل "مع" وليس "لـ" – حسب مفهومنا في العمل مع الآخر و العمل للآخر – أي أن تعمل مع هذه الأحزاب وتحقق بعض الإنجازات التي في قياسها الزمني تعتبر تاريخية، كإقرار إنشاء المدارس السريانية بدءاً بالمرحلة الإبتدائية ثم الثانوية وإقرار الأعياد والمناسبات عطل رسمية للمسيحيين في الإقليم  وتخصيص منصب وزاري لأحد قياديي زوعا وغيرهم. وهنا أستذكر  اللقاء الشخصي مع الشهيد المناضل فرنسو الحريري، رحمه الله، في بيت أبنه الصديق فوزي الحريري في لندن قبل إستشهاده بفترة عندما ذكر وأشادة بسياسة زوعا في التعامل العقلاني مع الحزبين الكورديين وقدرة أعضاءها في البرلمان على النفوذ من خلال الممارسات السياسية وتحقيق بعض الإنجازات. 
غير أن الأمر أخلف كليا وتطور نحو الأسوء فيما يخص الممارسات الديموقراطية والعملية السياسية وتحديداً بعد سقوط النظام البعثي في العراق عام 2003 خاصة بالنسبة للعراقيين عموما والكلدان السريان الآشوريين خصوصاً. فكما هو واضح أنفلت الأمور والقيود والإعتبارات المعروفة في التعامل السياسي وظهرت أغراءات سياسية جاذبة تمثلت في الفرص المتاحة لإقتناء كراسي برلمانية أو مناصب وزارية فأصبحت مصدر الفساد والسرقة والنهب. فعلى ضوء هذه الظروف "الإنتهازية" تأسس العديد من الأحزاب السياسية ونشطت أحزاب أخرى بعد عودتها من المنفى وجميعها قامت على أسس طائفية مصلحية ساعياً ولاهثاً كل واحد  منهم ومنجذبا نحو هذه الإغراءات السياسية المصلحية. وشملت هذه الظروف الكلدان والسريان والآشوريين فقامت بينهم أحزاب ومنظمات  سياسية على نفس الأسس وعلى نفس الأسلوب بغية أن تحصل على قضمة من الكعكة الحلوة المذاق.
 ونفس الشيء أنطبق على الإقليم، فبعد أن كانت العملية السياسية بشكل عام والبرلمانية بشكل خاص تقوم على نظام الحزبين، البارتي واليكتي، نشأت أحزاب سياسية جديدة سواء عن طريق التأسيس أو الإنشقاق عن الحزب الآخر وأيضا بدأت الأحزاب المغمورة تنشط وتظهر على السطح السياسي. ضمن هذه الظروف في "التعددية" الحزبية  سعى وجاهد كل حزب سياسي  لحصول على مواقع برلمانية أو وزارية مزاحماً بذلك الحزبين الرئيسيين، البارتي واليكتي، فأصبح الجالسون على طاولة الكعكة كثر  ومعرضة للقضم من قبل العديد من الأحزاب السياسية الكوردية بعد أن كانت حصرا على الحزبين الرئيسيين. فحاول كل حزب أن يحصل على كرسي أو كراسي برلمانية إضافية، خاصة الحزبين الرئيسيين، وبشتى الوسائل  لضمان مواقعهم القديمة في الهيمنة على الهياكل السياسية في الإقليم، فوجدوا في الكلدان السريان الآشوريين الحلقة الأضعف التي يمكن بلعها وهضمها في الأجندة السياسية للحزب ليس بالطريق البعثية المباشرة في صهرهم في البوتقة القومية الكوردية بل بشكل غير مباشر عن طريق خلق كيانات سياسية، أحزاب أو كتل أو إئتلاف، كلدانية وسريانية وأشورية تسير في فلكها السياسي وتستطيع عن طريقها قضم أكبر عدد ممكن من كراسي الكوتا المخصصة لهم، خاصة بعد أن عجزت هذه الأحزاب الكوردية من قضم الأحزاب السياسية المستقلة وذات شعبية واسعة كزوعا فملت من إستقلالية قرارها والتشبث به فلجأت إلى أسلوب خلق كيانات وتحالفات يمكن أن تضيف كرسي أو أكثر إلى كراسي الحزب الكوردي خاصة البارتي حيث يكثر الكلدان والسريان والآشوريين في منطقته. هكذا يظهر بأن الأحزاب الكوردية، خاصة البارتي نحج في مهمته هذه وتجلى ذلك في تصريح بعض قيادييه على أن الكراسي التي فاز بها إئتلاف الوحدة القومية والمجلس هي أربعة كراسي مضافة إلى كراسي البارتي في البرلمان، وتحديدا بعد ظهور نتائج التصويت الخاص لقوات البيشمركة والعناصر الأمنية في الإقليم  وحصول تحالف الوحدة القومية على 3866 صوت وحصول قائمة المجلس الشعبي على 212 صور أما قائمة الرافدين (زوعا) فقد حصلت على 42 صوت، وهي أرقام تنطق بكل وضوح وصراحة علاقة هذه الكيانات الكلدانية السريانية الآشورية بالحزب البارتي على أساس عدد الأصوات التي نال كل واحد منها، والجميع يعرف بأن عدد أبناء الكلدان والسريان والآشوريين في  قوات البيشمركة والعناصر الأمنية لا يتجاوز بضعة مئات فقط.  نجح البارتي في سياسته الإحتوائية بحصوله على أربعة كراسي إضافية، في حين فشل حزب التغيير الكوردي، صاحب الخبرة القليلة في التعامل مع "الأقليات" الذي حاول تقليد البارتي عبر دفع قائمته المسماة "القائمة الديموقراطية المسيحية" للنزول إلى الإنتخابات ولكن لم تحصل على أي كرسي برلماني. هنا يستوجب علينا وقفة موضوعية وصريحة فيما يخص القائمتين: تحالف الوحدة القومية والمجلس الشعبي من حيث علاقتهما بالبارتي. فإذا كان كلاهما، يدوران في فلك البارتي كما هو سائد ومعروف، إذن لماذا نزلت كلتا القائمتين إلى ساحة الإنتخابات وهم تابعون لمصدر واحد؟ فمثل هذا الجواب يقوم على إحتمالية وجود جناحين في البارتي وكل كيان، تحالف الوحدة القومية والمجلس الشعبي، يمثل جناح معين. مجرد إحتمال لا غير.
وأخيراً لم يبقى إلا أن ننطلق وفق كل هذه الوقائع والحقائق سواء قبلناها أم رفضناها نحو القول:
1.   فازت قائمة تحالف الوحدة القومية برئاسة السيد روميو حزيران هيكاري بثلاثة كراسي أي تمثل رسمياً الأكثرية وبالتالي شئنا أم رفضنا فإنها حسب الإنتخابات، المعيار الرسمي الوحيد المتاح، تمثل الكلدان السريان الآشوريين إلى جانب بقية ممثلي القائمتين . ومن الضروري هنا الإشارة بأن على هذه الأكثرية يترتب أكثرية من الإلتزامات والواجبات والمسؤوليات ويضعها في موقف مسؤول ومهم بإعتبارها تمثل "الكتلة الأكبر" حسب القاموس العراقي، لا بل تشكل "ميلاد فجر برلماني جديد"، كما يقول الزميل الكاتب أوشانا نيسان المقرب لتحالف الوحدة القومية  في موضوعه المنشور في موقع عنكاوه، أنظر: http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=908425.0
ومن المؤكد بأن هذا الفجر الجديد البرلماني سيحمل أجندة قومية ملئها مواضيع وإستحقاقات ومطالبات وموقوفات في مقدمتها التجاوزات على أراضي وقرى الكلدان السريان الآشوريين وتصحيح نظام الكوتا بشكل يكون أفضل ولصالح الجميع ويفتح أفاق ديموقراطية صحيحة وإمحاء التهميش في بعض الجوانب السياسية في الإقليم، كلها مسؤوليات ستضع تحالف الوحدة القومية على محك التساؤل عن مدى إمكانية تحقيقها والحصول على مساندة من أصدقائه البرلمانيين الكورد.... أفهل يستطيع تحالف الوحدة القومية إلى جانب المجلس الشعبي تحقيق أماني شعبنا خلال هذه الدورة البرلمانية ليؤكد بأن التحالف والتضامن أو حتى "الدوران في فلك البارتي" خير لشعبنا...  أن الغد لناظره قريب.
2.   بالنسبة لزوعا فأمرهما محير لدرجة يصعب المسك برأس خيط سياستها فيما يخص الإنتخابات الكوردستانية. فقد جاهدت لا بل ناضلت ضد نظام الكوتا فرفضته سواء بالكتابات والبيانات والمواقف لا بل وشاركت مع غيرها من الأحزاب الرافضة لنظام الكوتا، كحزب أبناء النهرين، لأنه نظام فاسد ومستغل من قبل الأحزاب الكوردية الكبيرة فلم تتلقى لا زوعا ولا غيرها إستجابة مرضية من الجهات المعنية الرسمية على طلبها في حصر التصويت بالمسيحيين فقط. ولكن الحيرة هي في الجانب الآخر وهو مشاركتها في الإنتخابات وضمن نظام الكوتا العرجاء الذي رفضته وأحتجت ضده. في منتصف شهر أيلول الماضي زرت مقر زوعا في نوهدرا (حاليا دهوك) وألتقيت ببعض قادتها ومنهم المرشحان السيد كوركيس يعقوب (جوني) والسيد فريد يعقوب إيليا عضوا اللجنة المركزية فكل الأجوبة والأسباب عن مشاركتهم في الإنتخابات، وهم يرفضون ويحتجون على نظام الكوتا،لم تكن مقنعة إطلاقا ولا منطقية يعقلها من يفهم الأبجدية السياسية. على أية حال حققت زوعا نجاح بحصولها على كرسي واحد ضمن هذه الظروف الصعبة والماحقة، ضمن زوبعة هائلة محيطة بزوعا من كل الجهات فإستطاعت أن تفلت منها بكرسي واحد. وإذا حاولنا تحليل تراجعها من كرسيين إلى كرسي واحد خلال أربعة سنوات مضت فما هو إلا تراجع الظروف العامة بـ "المسيحيين" نحو الأسوء من جهة وإنحسار الظروف الخاصة بزوعا نحو الأسوء بكثير نتج عنها كبس الكرسيين في كرسي واحد. ولكن مع كل هذه الظروف العامة والخاصة نقول بأن رفض زوعا لنظام الكوتا ومن ثم المشاركة في الإنتخابات قد وضع نفسه في تناقض صارخ أدى إلى أن يفقد شيئاً من مصداقيته السياسية. ضمن فقدان هذه المصداقية أقول: صحيح أن زوعا كسبت كرسي في البرلمان الكوردستاني ولكن للحق أقول أيضا بأنها خسرت كرسي في قلوب جماهيرها "الكلدانية السريانية الآشورية".
3.   حزب بيت نهرين "الفتي" رفض نظام كوتا وخرج محتجاً ضده لكونه معرض للسرقة من قبل الأحزاب الكوردية الكبيرة فتناسق هذا الموقف تناسقاً جميلاً ومنطقياً مع موقفه في رفض المشاركة في الإنتخابات غير مكترث بخسارة  إمتيازات الكرسي في البرلمان السابق. وقد يقول قائلاً بأن حتى لو كان الحزب قد شارك في الإنتخابات البرلمانية فأنه ضمن الظروف الصعبة الماحقة كان يستحيل أن يحصل على أي كرسي في البرلمان. أي بهذا المعنى بأن قراءته لهذه الظروف كانت صحيحة لذلك لم يشارك في الإنتخابات. وللحق اقول بأن كل الأسباب والمبررات التي بينها الحزب أثناء لقائي مع عدد من قياديه في منتصف شهر أيلول الماضي في مقره في عنكاوه كانت منطقية ومقبولة قائمة على إدراك سياسي ناضج. من هذا المنطق أقول مرة أخرى إذا خسر الحزب كرسي برلماني فأنه من جهة أخرى أثبت مصداقيته وربح كرسي في قلوب جماهيريه "الكلدانية السريانية الآشورية".
4.   أما بخصوص المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري الذي شارك في الإنتخابات وفاز بكرسي واحد أقل بكرسي من الإنتخابات السابقة، فهناك أحجية أو حزورة حاولت حلها ولكن فشلت. الحزورة مأخوذة من إجتماع المجلس في مقره في أربيل في يوم 22/10/2018، فيقول المجلس بخصوص إنتخابات برلمان "كوردستان" (ناقش الإجتماع بعد إعلان المفوضية العليا المستقلة للإنتخابات والإستفاء ... بعد وكت.. في إقليم كوردستان لنتائج الإنتخابات لبرلمان إقليم كوردستان التي جرت بتاريخ 30/09/2018 والتي فاز المجلس الشعبي بمقعد واحد فيها.... ثم يتابع (وأكد، أي المجلس، على أن قائمة المجلس حصدت أكثرية الأصوات داخل شعبنا، وهذا يدل على مكانة وتأثير المجلس في صفوف أبناء شعبنا)... لا أدري كيف حصد المجلس أكثرية الأصوات ولكن فاز فقط بكرسي واحد؟... وماذا بشأن قائمة تحالف الوحدة القومية التي حصت أكثرية الأصواب وفازت بثلاثة مقاعد؟. حاولت أن أقرأ بين سطور بيان إجتماع المجلس فلم أتوصل إلا إلى نتيجة واحدة مفادها بأنه لا يعترف بعدة ألاف الأصوات التي حصل عليها قائمة تحالف الوحدة القومية  من جراء تصويت قوات البشمركة والعناصر الأمنية وأن الأكثرية التي حصدها المجلس هي داخل شعبنا، كما يقول... أليس كذلك؟
وأخير لم يبقى إلا أن أوكد... وأكد ... مئات المرات، بأنه لو كان عضو واحد أو العشرات من الأعضاء من "الكلدان السريان الآشوريين" في البرلمانين المركزي أو الإقليمي، سواء أكانوا من هذه الكتلة المستقلة أو تلك التابعة لغير الأحزاب فأنه يستحيل  تحقيق خطوة واحدة إلى الأمام لصالح من أنتخبوهم لأنهم جالسون مع أكثرية أعضاء البرلمان الذين لا يؤمنون لا قولاً ولا فعلاً بالحقوق المشروعة لشعبنا ولا يهمهم أية حقوق أو إستحقاقات غير السلطة والمال والجهاه. سأكون مخطئاً 100% فيما إذا برهن أي عضو برلماني "كلداني سرياني آشوري" بأن هناك تشريع لصالح شعبنا شرع وطبق بشكل سليم حينذاك سأطلب منهم إعتذاري الشديد.... لم يبقى إلا أن أقول مع المثل القائل: "ليس أحد أشد عمى من أولئك الذين لا يريدون أن يبصروا"... وأيضا، "ليس أحد أشد صمماً من أولئك الذين لا يريدون أن يسمعون" ونضيف أيضا ونقول"ليس أحد أشد جهلاً من أولئك الذين لا يردون أن يقرأوا"  اللبيت تكفيه هذه الإشارات!!.


47
إحتجاجات ضد قانون الكوتا "المسيحية" و مطاردة "ذيل الكلب"
====================================
أبرم شبيرا

قبل كل شيء أعتذر من القارئ العزيز من أستخدام  عبارة "ذيل الكلب" فهي  واردة ضمن المثل الإنكليزي القائل ((Chasing Dog Tail، أي مطاردة ذيل الكلب. وهو مثل يضرب للمحاولات العقيمة والفاشلة من تحقيق نتيجة معينه، كما هو الحال مع الكلب عندما يطارد ذيله ولا يستطيع الإمساك به. وإعتذاري الشديد نابعاً أساساً من: أولا: كون الكلب حيوان منبوذ ونجس في أكثر المجتمعات الشرقية خاصة العربية والإسلامية بعكس المجتمعات الغربية التي تكن للكلب إحترام شديد ومعزة خاصة ورعاية تصل مستواها إلى رعاية الأب للأبن لدرجة وصلت عند البعض في أعتباره فرد من أفراد العائلة لا بل وأكثر من هذا ففي بعض الأحيان أعتبر كوريث يورث مال صاحبه بعد وفاته. ثانيا: عندما يعجز الإنسان من تحقيق هدف معين  قد ينقاد إلى حالة من اليأس والقنوط مما يصبح في حالة يلجأ فيها إلى أساليب قد تكون غير معتادة وإلى معاني أو مصطلحات غير واردة في كثير من الأحيان. وهي الحالة التي أضطرتني إلى أن أستخدم عبارة "ذيل الكلب" بعد أن أصابنا الكثير من الإحباط من جراء فشل كل المحاولات الخاصة بتعديل قانون "الكوتا المسيحية" للإنتخابات العراقية، سواء في المركز أم الإقليم. وهنا أود التأكيد بشكل مشدد بأن إستخدام عبارة "ذيل الكلب" ليس إطلاقاً لغرض التقليل من أحترامنا للأشخاص المعنيين بالموضوع ولا في الإستخفاف بالجهود التي يبذلونها من أجل أمتنا "الكلدانية السريانية الآشورية" ولكن حسرتنا الكبيرة هي على هذه الجهود الضائعة التي يبذلونها وفي غير مكانها لأنها تظهر كحالة مطاردة ذيل الكلب من دون أية نتيجة ضمن نظام سياسي فاسد خلق قانون فاسد لا فائدة منه. لقد قيل الشجرة من ثمارها تعرف... وهكذا.. فساد قانون "الكوتا المسيحية" يعرف من فساد نظام الذي خلقه.

لقد سبق وأكدنا مراراً وتكرارا أن العيب ليس في قانون "الكوتا المسيحية" بل في النظام السياسي وفي عقلية رجال الحكم والسياسية في العراق الذين لا يؤمنون أصلاً بالغير والمختلف رغم بعض الكلمات المعسولة التي يطلقونها هنا وهناك وذلك للإستهلاك السياسي ولتغطية أفكارهم وممارساتهم الطائفية اللاديموقراطية واللاإنسانية التي تهمش شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" وتطمس تطلعاته القومية والوطنية المشروعة. هذا من جهة النظام، أما من جهة شعبنا فهناك العلة الكبيرة المتمثلة في وضعنا السياسي المتشتت التي تصبح ساحة مفتوحة للقوى الكبيرة والمتنفذة أن تعلب دورها كفيما تشاء وتسرق الكراسي المخصصة لأبناء شعبنا من خلال الولاءات التي تخلقها بين صفوف أبناء شعبنا الخاضعين أو الموالين لهذه القوى الكبيرة والأحزاب المتنفذة. هناك نقطة مهمة يجب أن ندركها وهي أن معظم الأحزاب في العالم تحاول بكل الطرق أن تجد لها مؤيدين ومناصرين خاصة في أوقات الإنتخابات والإستفتاءات العامة. ولكن من جهة أخرى يختلف هدف طبيعة هذا الأسلوب من حزب إلى أخر وحسب طبيعة الحزب نفسه. فالأحزاب الديموقراطية والمنفتحة والتي تتعامل وبشفافية شاملة نحو جميع المواطنين ومن دون أي إختلاف أو تفرقة أو تمييز يكون التأييد والمناصرة من  قبل غير المنتمين إلى الحزب فائدة لهم ومحققة لمصلحتهم عندما يفوز الحزب في الإنتخابات ويصل إلى السلطة. أما الأحزاب الطائفية المغلقة والتي تتعامل مع المواطنين بنظرة أو بأسلوب طائفي أو حزبي محدد بقومية معينة فأن حصولهم على المؤيدين والمناصرين لهم، سواء بطرق شرعية أو غير شرعية – كتزوير الإنتخابات مثلا –  أو سرقة كراسي الكوتا المسيحية لا يمكن أن يكون محققاً لمصحلة الغير والمختلف، وهو حال وضع الأحزاب العراقية الطائفية والشعوبية فيما يخص إحتواء أبناء شعبنا من خلال الممثلين الجالسين على كراسي الكوتا المسيحية.

من هذا المنطلق، مهما كانت طبيعة الكوتا المسيحية مفتوحة أو مغلقة للغير المختلف أو لغير المسيحي للتصويت كيفما يشاء وبما يحقق مصالحه فأنه من المحال تغيير هذه الحالة لأن إذا، مثلاً الشيعي أو الكوردي لا يصوت أو يمنع من التصويت لمرشح مسيحي ضمن قائمة الكوتا فأنه لا يغير من الأمر شيئاً طالما هناك ولاءات وخضوع من بعض أبناء شعبنا سائرين في طريق هذا الحزب أو ذاك. إذن من هنا نؤكد التأكيد مرة أخرى بأن التشتت السياسي وعدم قدرة أحزابنا السياسية وقوائمنا الإنتخابية على الإتفاق على الحد الإدنى من مصحلة أمتنا هو علة العلل في إستغلال الكوتا المسيحية وسرقة الكراسي لصالح هذا الحزب أو ذاك وبالتالي تصبح كل جهود مطالبة بتغيير قانون الكوتا المسيحية وحصر التصويت بالمسيحيين فقط أمر لا يحقق النتائج المرجوة طالما هناك من يخدم ويطيع الأحزاب غير المسيحية من أبناء شعبنا الموالين أو الخاضعين لهذه الأحزاب، خاصة عندما نعرف بأن شعبنا "الكلداني السرياني الآشوري، في العراق بمعظمه يمر بأزمات وفواجع ومأساة وتشريد خالقا وضعاً يسهل إستغلاله من قبل الغير ببعض المغريات المادية أو المعنوية للتصويت لهذا المرشح المسيحي أو ذاك السائر في فلك هذا الحزب "غير المسيحي" أو ذاك. وهذا حدث في الماضي حيث فاز بعض المرشحين من قوائم الكوتا المسيحية ليس فقط بفضل تصويت الغير من خارج المكون المسيحي بل بفضل أصوات أبناء شعبنا البسطاء الذين لعبت إنقسامات وصراعات أحزابنا السياسية وعدم الإتفاق على الحد الأدنى للمصلحة القومية مضافاً إليه الإغراءات المادية والمعنوية دورا في تقرير صوتهم لهذا الحزب أو ذاك من دون الإكتراث للمصلحة القومية الحقيقة أو للأحزاب "الشرعية" الممثلة لأمتنا في الإنتخابات. فالمصلحة الشخصية ضمن هذه الأجواء تلعب دورها الحاسم في التصويت لهذا الحزب أو ذاك.

فلو أخذنا الإحتجاج الأخير ضد الكوتا المسيحية أمام مبنى البرلمان الكوردستاني في أربيل في يوم الأثنين المصادف 30 تموز2018 وتقديم مذكرة إحتاج إلى رئاسة البرلمان من قبل ثلاثة أحزاب وهي الحركة الديموقراطية الآشورية وحزب أبناء النهرين والحزب الوطني الآشوري والذي نشره موقع عنكاوه الألكتروني مع بعض الصور للمتضاهرين، نرى بأنها تأتي في نفس السياق الذي ذكرناه في أعلاه فيما يخص علة العلل في الكوتا المسيحية والمتمثلة في التشتت السياسي لشعبنا خاصة في مثل هذه المناسبات أي الإنتخابات، فالإستنتاج المستخلص من مظاهرة الإحتجاج هو:
أولا: الأحتجاج منظم من قبل الأحزاب الثلاثة المذكورة فقط التي تطالب بحصر التصويت بالمكون المسيحي فقط. ولكن ماذا بشأن بقية الأحزاب والقوى الأخرى التي أعلنت قوائمها الإنتخابية ولم تشارك في هذا الإحتجاج؟ أفهل يعني هذا بأنها راضية عن قانون الكوتا المسيحية أم أنها سائرة في فلك هذا الحزب الكوردي أو ذاك. ففي كلا الحالتين هما تعبير ساطع عن التشتت في المواقف وتمزق مصلحة الأمة بين أحزابنا السياسية وقوائمها الإنتخابية من جهة، أو أن مرشحي هذه القوائم هم ممن يدورون في فلك الأحزاب السياسية الكوردية خاصة الحزب الديموقراطي الكوردستاني (البارتي). وللبرهان على ذلك فأن الفائزة من قائمة المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري بكرسي كركوك والفائز من قائمة إئتلاف الكلدان بكرسي أربيل في الإنتخابات العراقية الأخيرة كلاهما أعضاء أو موالين للبارتي. في حين الفائزان بكرسي الموصل وبغداد عن قائمة حركة بابليون هما من مناصري الحشد الشعبي.
ثانيا: من الواضح وضمنا بأن الأحزاب الثلاثة المذكورة هي أحزاب "أشورية" رغم أنها تتبنى التسمية الوحدوية الجامعة "كلدان سريان آشوريون"  في حين نرى بأن الأحزاب "الكلدانية" و "السريانية" لم تشارك في الإحتجاج، أفهل هذا يعني بأن الكلدان راضون عن قانون الكوتا المسيحية؟ ولما لا طالما مرشح إئتلاف الكلدان، العضوة في البارتي فازت بكرسي أربيل.

ثالثا: يظهر من الصور التي نشرها موقع عنكاوة للمحتجين ضد قانون الكوتا والمطالين بتعديله، يظهر بأن التظاهر ليس بذلك الحشد الكبير لا بل والأغرب هو عدم ملاحتنا مشاركة رؤساء وقادة الأحزاب الثلاثة المذكورة في المظاهرة، حسب الصور المنشورة. ولهذا الغياب إن كان حقيقة  فإن له مدلولات ونتائج سلبية على مصداقية هذه الأحزاب وقيادتها لتترك إنطباعاً أقل ما يقال عنها بأنها غير مكترثة وغير صادقة في هذا الأمر فهم يدفعون أبناء شعبنا نحو الواجهة وبالتالي القادة يحصدون النتيجة في حين هم الأشخاص أو الأحزاب المعنيين بهذا الأمر الذي كان يستوجب عليهم أن يكونوا في المقدمة، كما يفعلون ويتزاحمون أثناء مسيرة الأول من نيسان من كل عام.

هذه الأمور كلها تخلق حال، بل حالات من صور الخلافات بين أبناء شعبنا، على الأقل من الناحية السياسية، أضافة إلى تعدد الإنتماءات للجهات والأحزاب الأخرى والتي تؤدي بالنتيجة إلى إفتقارنا الشديد إلى أبسط قواعد التنسيق بين أحزابنا وقوائمها الإنتخابية والإتفاق على الحد الأدنى على المصلحة القومية والتي تشكل كلها علة العلل في مسألة الكوتا المسيحية. فقانون الكوتا المسيحية حتى لو تم تعديله وحصر التصويت بالمكون المسيحي فأن هذا سيكون غير مجدي طالما الإنتماءات والخضوع للغير هو العامل الأساسي في إفراغ الكوتا المسيحية من مضمونا. من هنا نقول بأن كل الإحتجاجات ضد الكوتا المسيحية لتعديله وحصر التصويت بالمكون المسيحي فقط لا تعدو أن تكون سوى "مطاردة ذيل الكلب" فالإحتجاجات يجب أن تنصب على مسألة تشتت شعبنا السياسي وإنقساماته، أي بعبارة أخرى يجب أن تكون هي الهدف المراد إصابته وليس تعديل القانون لغرض الوصول إلى الحد الأدنى من المصلحة القومية. وهنا ينبري السؤال المهم وهو، كيف يمكن أن يتم الإتفاق على الحد الأدنى مع بعض من تلك احزاب ومنظمات شعبنا والتي تدور في فلك الأحزاب الأخرى؟ أفهل ممكن مثل هذا الإتفاق وماهي نتيجته وهل تكفي الكراسي الخمسة لأرضاء هذا الطرف أو ذاك؟؟ ... أسئلة وأسئلة يصعب الإجابة عليها في سطور قليلة ونأمل أن تتحاح الفرصة لنا في المستقبل القريب للتطرق لهذا الموضوع. 

 


48
أحزابنا السياسية "الكلدانية السريانية الآشورية" ... كونوا أو لا تكونوا
To Be or Not to Be
“William Shakespeare”
==================================
أبرم شبيرا

بعد الإنتخابات البرلمانية في العراق التي تعد من أغرب الإنتخابات في التاريخ جاوزت إنتخابات أعتى دكتاتوريات العالم... وبعد ديموقراطية الحرائق في بغداد وتطاول لهيبها صناديق الإقتراع ... وبعد سرقة ونهب الكراسي المخصص لـ "الكوتا المسيحية" وفي وضح النهار وبأساليب "مشروعة" حسب شرعية النظام الفاسد في العراق وكوتته المخادعة التي كانت ولازالت طعماً سهلاً للذئاب الجائعة... بعد كل هذا وصل السكين إلى العظم و لا ندري كيف سيستمر أبناء شعبنا على هذا المنوال وحقهم الطبيعي يُسرق في التمثيل والتعبير عن صوتهم الحقيقي في الوقت الذي أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية سائرة في هذا الموكب المخادع والفاسد ويسجلون قوائمهم الإنتخابية ويدخلون ساحة الكذب والمخادعة والنهب والسرقة والدجل لانتخابات برلمان إقليم "كردستان" ومن دون أن يستفيدوا من دروس جريمة سرقة كراسي "الكوتا المسيحية" من قبل الذئاب الجائعة في مهزلة الإنتخابات البرلمانية التي جرت في الثاني عشر من شهر مايس 2018 وكأنهم لا يعرفون بأن المشهد نفسه في الإقليم سيتكرر في سرقة كراسي "الكوتا المسيحية" تحت غطاء الشرعية والقانون. لقد قامت الحيتان الكوردية الكبيرة بإرتداء قناع "الكوتا المسيحية" لتدخل البيت المسيحي وتسرق من أصحابها حقهم الشرعي والأصلي في التمثيل. صحيح هو أن عدد الكراسي المخصصة للكوتا المسيحية ليست بكثيرة وإحتمال سرقة كرسين أو ثلاثة وربما أكثر ليست بهدف زيادة مقاعد الحيتان الكبيرة فهي لا تغير موازين القوى في البرلمان بل الهدف منها هو مسخ الحقوق الشرعية للـ "المسحيين" في التمثيل السياسي وإبتلاعها بحجة تمثيل الأحزاب الكوردية لكل "الشعب الكوردستاني" من دون تمييز ديني أو قومي.

قلنا في السابق  ونكرر القول مراراً وتكراراً بأن الذي يتعثر بالحجر مرتين هو جاهل.  هكذا مرة أخرى تسير تسعة  قوائم لشعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" على نفس الطريق ومع أصحاب الضلال والفساد والسرقة لللعب معهم في ساحة إنتخابات برلمان "كوردستان" المزمع أجراءه في 30/09/2018 لنعودة مرة أخرى وننعتهم بالجهل والتخلف لأنهم سيتعثرون بنفس الحجر ومن دون أن يتعضوا من دروس الإنتخابات السابقة التي خرجوا منها بنتائج محبطة. ومن الملاحظ في الإنتخابات السابقة بأن الفأس وقع على رأس قوائمنا الإنتخابية ثم بدأوا بأحتجاجاتهم الورقية التي لا طائلة منها ولا هناك من يسمعها خاصة عندما نعرف بأن المتحكمين في الأرض والعباد مشغولون جداً بكيفية تقسيم كعكة نتائج الإنتخابات ولا وقت لهم أو ذرة إهتمام بصراخ أصحاب قوائم "الكوتا المسيحية" خاصة عندما نعرف بأن الكوتا مستثنين من النظر في موضوع تزوير الإنتخابات ومن إعادة فرز الأصوات لأنهم يؤمنون بأن التصويت للكوتا كان صحيحة 100%... يالها من عدالة وحكمة!!!

المنطق السياسي يقول بأن الحزب أو أي تنظيم يسعى للوصول إلى هياكل الحكم يمثل، او من المفترض أن يمثل، أرقى أشكال الوعي الجمعي أو القومي، ومثل هذا الوعي يشكل حصانة ضد المفاجئات خاصة في العملية السياسية كالإنتخابات مثلا. لقد تفاجئ، لا بل أنصدم، أصحاب قوائمنا الإنتخابية من سرقة كراسي الكوتا ومن النتائج المخزية لإنتخابات برلمان المركز غير مدركين أو جاهلين بطبيعة الكوتا ومن يقف خلفها من اللصوص مما يدل على أنهم كانوا غير متحصنين من هذه المفاجئات، أي بعبارة أخرى بأنهم كانوا غير واعين تماماً بالإحتمالات المتوقعة وهم يسيرون في غابة ملئها الوحوش المفترسة وبالتالي لم يكن يملكون وعياً سياسياً حقيقياً بالأمور التي تتحكم في العملية السياسية. هناك مثل يقول "ليس أشد أعمى من أولئك الذين لا يريدون أن يبصروا" وأيضا هناك قول : ليس أحد أشد صمماً من أولئك الذين لا يريدون أن يسمعوا". ألم يقل المثل "الوقاية خير من العلاج". إذن كان من المفترض لأصحاب قوائمنا الإنتخابية أن يمتلكوا وقاية من فايروس الكرسي قبل أن يبحثوا عن علاج علل الكوتا التي لا علاج لها إطلاقا طالما هي ثمرة من ثمرات شجرة النظام الفاسد. ألا يعرف أصحاب قوائمنا الإنتخابية بأن "النمر لا يستطيع أن  يغير رقطه" فالحال نفسه بالنسبة للمتحكمين في أمور الوطن فهم أيضا لا يستطيعون أن يغيروا عقليتهم وأهواءاتهم وشهواتهم في السلطة والتحكم وإبتلاع الصغير قبل الكبير؟ فما الذي يتوقعونه من إنتخابات برلمان إقليم "كوردستان"؟ غير نفس ما جرى في إنتخابات المركز أو أسوأ منها طالما "نفس الطاس ونفس الحمام" تتحكم في الإنتخابات القادمة.

هناك تسعة قوائم "مسيحية" نزلت إلى ساحة إنتخابات برلمان إقليم "كوردستان" ومن الواضح بأن ما يقرب نصف هذا العدد أن لم يكن أكثر سائر في قطار الأحزاب الكوردية في الوقت الذي يعرف أصحاب القوائم المسيحية "المستقلة" حق المعرفة أكثر مما نعرفه نحن بأن السرقة ستتم في وضح النهار وبـ "شرعية" القانون، إذن لماذ السكوت من قبل هذه القوائم "المستقلة" ولماذا يشاركون في هذه الإنتخابات المعرضة للسرقة"؟؟ السبب عن هذه المشاركة ليس الجهل والتخلف فحسب بل أيضاً غياب المصلحة القومية الشاملة من أجندتهم الحقيقية لأن المهم عندهم هو الحصول على كرسي حتى ولو كان كرسي واحد بدون أرجل والكراسي الباقية حصلت عليها ممثلي الحيتان الكبيرة، ونحن نعرف بأن لا كرسي واحد ولا حتى خمسة كراسي تستيطيع تحقيق الحد الأدنى من المصلحة القومية الشاملة لأمتنا، ولكن كرسي واحد يكفي لكي يكون مصدراً للإغناء والشهرة والأنانية والتحزبية أما غير هذا فبئس المصير. إذن فأن أصحاب القوائم الإنتخابية التي سجلت ستدخل الإنتخابات وسترى سرقة كراسي الكوتا ثم بعد ذلك ... نعم.. بعد ذلك تبدأ إحتجاجاتها الورقية التي حتما ستتطاير في الهواء من دون أي نتيجة... ألا تدركون هذا يا "ممثلي" أمتنا؟. هذه الصورة القاتمة لوضع حال أمتنا من حيث تمثيلها في برلمان إقليم "كوردستان" وستكون نسخة مطابقة للوضع الذي آلت إليه نتائج إنتخابات برلمان العراق الماضية. صورة واضحة بدون رتوش او ضلال وتكون مدركة حتى للأعمى والغبي. فأين موقع أصحاب قوائمنا الإنتخابية من هذه الحالة المزرية الذين لا يعرفون بأن إشتراكهم في الإنتخابات سيضيفون عليها شرعية المستبد والظالم والسارق لحقوق أمتنا في أرضها التاريخية...

هناك مقولة تقول "أشعل شمعة خير من لعنة الظلام" .. إذن قد يبدوا للبعض بأن موضوعي هذا وما قبله هو لعنة للظلام ولا فيه محاولة لإشعال شمعة تضيء طريق قوائمنا الإنتخابية... ولكن هذا غير صحيح إطلاقاً... طبعاً الحل لا يمكن من خلال الجلوس على كراسي البرلمان بل من خلال ترك هذه الكراسي الملوثة والجلوس على كراسي الأمة، ومن خلال الخروج في مظاهرات إحتجاجية ضد سرقة كراسي الكوتا المسيحية. وصحيح هو من يقول بأن إستقالة "ممثلي" أمتنا من الهيئات الحكومية سيفتح المجال أوسع لذيول الحيتان الكبيرة للسيطرة على كل كراسي الكوتا. ولكن الخروج في مظاهرات جماهيرية واسعة ستفعل فعلها في سحب "شرعية" وقانونية هذه الذيول من الجلوس على كراسي البرلمان وفي تمثيلها لجماهير أمتنا وستخلق لأحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية شرعية جماهيرية ستكون أقوى بكثير من "شرعية" ذيول الحيتان الكبيرة ومن المؤكد بأن هناك قوى سياسية تقدمية في الإقليم والمركز سيساندون حق أمتنا في التمثيل البرلماني والحكومي الصحيح وستكون قوة ضاغطة على لصوص الكوتا المسيحية لحين إيجاد أسلوب آخر غير الكوتا لتمثيل المسيحين في هيئات الحكم، فما هو السبيل لإيجاد أسلوب جديد في تمثيل المسيحيين؟؟؟ هذا الموضوع يتطلبه معالجة أخرى في المستقبل القريب وهو موضوع مطروح لقراءنا الأعزاء لتناول وطرح مقترحات لإيجاد  مثل هذا الحل ومن خارج الكوتا الحالية.
 
وأخيرا أقول:
كونوا: أبناء آشور بانيبال ونبوخذنصر والشهداء البطريرك مار بنيامين وفريدون آتورايا والمطران توما أودو والبرفسور يوسف بيت هربوط والمبدعين نعوم فائق وفريد نزها الأصلاء الذين رفضوا الظلم والإستبداد وتحدوا الجبروت من أجل هذه الأمة، كونوا رافضين لهذه السرقة عن طريق الخروج في مظاهرات جماهيرية واسعة وأنا واثق بان لأمتنا أحزاب، كالحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا)، قادرة على حشد جماهيري واسع لرفض هذه السرقة، هذه القدرة والإمكانية والخلفية التاريخ الناصعة لزوعا مع الأسف أصابت بفايروس الكرسي وضعفت مقاومتها لإغراءات الكرسي... فكونوا متحصنين ومستقوين بعظمة أمتنا في مقاومة هذا الفايروس والتخلص منه.
أو
لا تكونوا: من رُكاب قطار اللصوص وسارقي صوت أبناء أمتنا فأتركوهم لحالهم وإغسلوا أياديكم منهم وأرتموا في أحظان هذه الأمة لكي تنعموا بالدفئ والحنان وتستعيدوا عافيتكم وحصانتهم من الأجواء الملوثة ومن فايروس الكرسي. وهنا يجب أن تتذكروا بأن "أسوأ الفساد، هو فساد الأفضل". فأنتم الأفضل والأحسن فأبتعدوا عن الفساد حينذاك سنرفع قبعاتنا إحتراماً وتكبيراً لكم لأن تمثيل الأمة يتطلبه التضحية ووضع مصالح الأمة فوق جميع المصالح الأخرى.



49
الأخ العزيز وسام داود المحترم... بعد التحية

أشكرك جداً على التصحيح وأعتذر منك ومن جميع القرار على هذا الخطاْ وكذلك على بعض الأخطاء الإملائية حيث كتبت الموضوع وأنا تحت تأثير الإحباط والقنوط عن ممارسات أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية إضافة إلى ذلك فإني كتبت الموضوع من خلال وقت ضيق ومزدحم بالأفكار والأعمال والشؤون الخاصة... أرجو قبول أعتذاري.

وشكرا.. اخوك أبرم شبيرا 

50
نماذج في تخلف قادة أحزابنا "الكلدانية السريانية الآشورية" وقوائمنا الإنتخابية بشأن الكوتا والإنتخابات
=========================================================
أبرم شبيرا
توطئة:
------
في المقال السابق تناولنا موضوع تخلف وجهل قادة أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية وقوائمنا الإنتخابية للكثير من الأمور السياسية وخفاياها خاصة ما يتعلق بالإنتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة وكوتتها المخادعة، وأكدنا بأن المقصد من التخلف والجهل ليس عدم الحصول على شهادات علمية أو قلة المعرفة والثقافة العامة بل غياب المصلحة القومية في عملهم السياسي كنتيجة منطقية لغياب الوحدة أو التفاهم أو التنسيق بينهم المرتكز على الحد الإدنى لمصلحة أمتنا والذي أضمحل وتلاشي في أخاديد التحزبية والفردية واللهوث وراء الكرسي من دون أي إكتراث للنتائج السلبية التي قد تترتب على المصلحة القومية لكل أبناء شعبنا بمختلف تسمياته الحضارية. وحتى لا أكون جانيا على الحقيقة والمنطق، فهنا سأسرد بعض النماذج في هذا السياق.

الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) ....و "إلى الوراءءءء  درر": 4-3-2-1-0
----------------------------------------------
معظم أبناء شعبنا وبمختلف تسمياته الحضارية يقر بأن الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) حزب جماهيري وحدوي ناضل في ظروف صعبة وحقق بعض النتائج المفيدة لأمتنا، وهذا أمر لا يتطلبه المدح والإطناب  أو الإنكار والتكذيب فهو معروف للداني والقاصي وللقريب والبعيد. من هذا المنطلق الإيماني بالدور الكبير الذي لعبته زوعا  ومن رغبتنا الجامحة لأن تكون على المستوى الذي كان معروفاً عليها، لم أبخل جهداً او وقتا إلا وبذلته في تعضيدها ومساندتها وترسيخ صداقتي معها سواء على مستوى القيادة أو القاعدة بحيث وصلت لدرجة بأني مُنحت شرف "تهمة" عضو "مخفي" في قيادة زوعا خاصة في الأيام المظلمة لنظام البعث المقبور. وقد تجلى جهدي ووقتي المبذول لزوعا ليس بزيارتهم في مقراتهم في الوطن والدخول في مناقشات سياسية وقومية بناءة معهم وإنما أيضا في الكتابة لهم بمقترحات وأفكار بمسعى المساهمة في تعزيز وجودها وتحسين أسلوب عملها السياسي وإصحلاح هيكلها التنظيمي والإبقاء على ريادتها في الساحة القومية. ولكن مع الأسف الشديد معظم، إن لم نقل كلها، وجدت طريقها إلى سلة المهملات، أو تم ترحيلها إلى الإجتماعات أو المؤتمرات القادمة والتي تطايرت في الهواء خلال سنوات إنعقاد المؤتمرات أو الإجتماعاعات اللاحقة. من هذه المنطلقات المبدئية أتألم ألماً شديداً ويصيبني الكثير من الإحباط واليأس عندما أجد زوعا في تراجع مستمر خلال السنوات القليلة الماضية وحتى يومنا هذا، وهو الأمر الذي دفعني وأضطرني أن أكتب وأنشر في الإعلام الكثير من الإنتقادات البناءة لها ولبعض قادتها عسى ولعل قد يفيد هذا الأسلوب ويضع قادة زوعا في موقع مكشوف عن الإخطاء التي ارتكبها قيادتها بعد أن فشلت كل المحاولات السابقة. ولكن قبل ان نسبب أسباب تراجع زوعا، خاصة فيما يخص الإنتخابات الأخيرة علينا أن ننصفها بعدالة وموضوعية وأن نقيم الظروف التي مرت بها والعوامل المؤثرة في هذا التحول والتي يمكن تلخيصها بما يلي:

الأول: خارجياً قلنا سابقاً ونكررها هنا وبإختصار، أن التحديات التي واجهتها زوعا قبل عام 2003 هي غير التي بعد عام 2003. فإذا كانت زوعا قد استطاعت  النفوذ من خلال التحديات السابقة ومواجهتها عبر نضال قاسي وصعب أكسبها شرعية ثورية وشعبية واسعة وأجلسها على أكثرية الكراسي البرلمانية المخصصة لشعبنا، خاصة في الإقليم، فإن تحديات بعد 2003 التي ملئها الفساد ونظام قائم على المحاصصة والنهب والسرقة تكيفت زوعا مع هذا النظام وشاركته فلم تستطيع أن تحول شرعيتها الثورية إلى شرعية قانونية صلدة. فبعد أن كان مناضلوها ينامون في العراء وعلى الصخور ويأكلون حتى من لحوم الدببة والثعالب ولم تكن وسائل إنتقالهم أكثر من البغال والحمير، أصبح قادتها بعد عام 2003 تنام في بيوت مريحة وتأكل الطيبات وتنتقل بسيارات مدرعة مع عشرات المرافقين وتملىء جيوب بعضها بألاف الدولارات بعد أن كانت جيوبهم مخرومة لا تختزن فلساً واحد. فهذا الأمر في الإنتقال بين مرحليتن أصاب قادتها بالتخمة وبالتالي بفايروس الكرسي الذي أصبح، أي الكرسي، أول اولياتها خاصة في فترة الإنتخابات، بحيث لم تستطيع أن توازي أو تنسق شرعيتها الثورية مع شرعيتها القانونية وباالنتيجة طغت الآخيرة على الأولى ووضعتها في صفحات التاريخ.
الثاني: قبل عام 2003 كانت الساحة مفتوحة وفسيحة أمام زوعا فكانت اللاعب الأول والرئيسي تقريباً على الساحة القومية لأمتنا أكتسبت من خلال المعاناة وصعاب النضال القومي شرعية شعبية أهلتها لأن تنفذ من خلال الهامش الديموقراطي الذي توفر في إقليم "كردستان" وتفوز بأربعة مقاعد من خمسة مخصصة للكوتا "المسيحية" في برلمان الإقليم مع كرسي وزاري. غير أنه بعد عام 2003 وسقوط حاجز الخوف والرهبة أنفجرت النزعات الطائفية والشللية والمصلحية  في مجتمعنا وأنطلقت من جحورها ونزلت إلى الساحة السياسية على شكل أحزاب سياسية أو منظمات مطالبة بحصتها من كراسي البرلمان بعضها مدعومة أو مصنوعة من قبل الحيتان الكبيرة والمتنفذة. فلم يكن من السهل على زوعا مواجهة هذه النزعات ومن خلفها الحيتان الكبير بأسلحة بسيطة وبإمكانيات شحيحة وبدعم ضئيل أو غير موجود أصلا في صراع تمثل بين الإستقلالية في القرار وبين التبعية والخضوع، وبين التوجهات القومية من جهة والنزعات الطائفية والعشائرية من جهة أخرى، فوصلت المنازلة غير المتكافئة إلى نتائج تمثلت في إزاحة زوعا من كراسي البرلمان دورة بعد دورة حتى آلت الأمور إلى ما عليه في إنتخابات عام 2018.

على العموم أن الذي يهمنا هو إنغلاق صندوق دماغ بعض قادتها إنغلاقاً محكماً أدى ذلك إلى أن تصل الحالة بزوعا إلى  هذا التراجع خاصة فيما يخص دورات الإنتخابات وتحديدا الأخيرة منها.  فقد ذكرنا مراراً وتكراراً بأنه يجب على قادة زوعا أن تفكر ملياً عن الأسباب التي أدت إلى أن تخسر مقعد برلماني في كل دورة إنتخابية سواء في المركز أو الإقليم... فمن بين خمسة مقاعد مخصصة للمكون المسيحي حصلت على 4 مقاعد في الإقليم، ثم في الدورة الإنتخابية التالية حصلت على ثلاثة مقاعد من الكوتا ثم نزلت في الدورة الإنتخابية التالية إلى مقعدين، وشددنا التحذير بأن هذا الإنحدار سيستمر نحو مقعد واحد أو بدون مقعد مالم تبحث قيادة زوعا عن أسباب هذا التراجع وتبدأ بمعالجتها حتى لا تصل إلى الصفر. غير أن نتائج الإنتخابات الحالية لعام 2018 وحصول قائمة الرافدين على مقعد واحد، ولا نقول بأن زوعا حصل عليه بل كان من نصيب زعيم الحزب الوطني الآشوري المتحالف معها، مما يثبت بأن زوعا لم تكترث لمثل هذا الإنحدار الملفلف بجملة عوامل خارجية وداخية مؤثرة جداً على مسيرة زوعا حتى وصل الأمر بها إلى بدون مقعد برلماني. وقمة هذا التجاهل والإهمال والخطأ الفادح هو ترشح السكرتير العام لزوعا السيد يونادم يوسف كنا – رقم 1 لقائمة إئتلاف الرافدين – على محافظة بغداد في الوقت الذي كان معروفاً بان الحشد الشعبي حشد كل قواه لضمان وصول مرشح قائمة بابليون والإستيلاء على كرسي بغداد الذي حصل على 941 صوتاً فقط مقابل السيد يونادم الذي حصل6079 صوتا من دون أصوات الخارج التي تدل الدلائل بأن في معظمها صوتت لصالح إئتلاف الرافدين وتحديداً للسيد يونادم، مما يدل، وبلغة الأرقام، بأن السيد يونادم لا يزال يتمتع بشعبية كبيرة ولكن خسر كرسي بغداد لأن قائمة حركة بابليون في بغداد حصلت على 33172 في حين حصل إئتلاف الرافدين على 19422 فهذا هو الحكم الظالم وغير العادل لقانون الإنتخابات في العراق وكوتته المشؤومة، حيث كان لازماً على قيادة زوعا أداركه ومحاولة تجنبه بقدر الإمكان. واليوم بعد أن أثبت الإنتخابات الحالية لعام 2018 ما ذهبنا إليه فعلى زوعا أن تأخذ الآمور بجدية لو رغبت قيادتها إعادة أمجادها بإعادة النظر في إستراتيجية عملها التنظيمي والسياسي والقومي خاصة وأن الإنتخابات البرلمانية في إقليم "كرسدتان" قاب قوسين، وإلا ستضطر إلى أن تعلن كهولتها والإحالة على التقاعد وهو الأمر الذي لا نرغبه ولا يرغبه غيرنا من أبناء شعبنا المحبين لزوعا.

 حزب ... مجلس... شعبي كلداني سرياني آشوري
--------------------------------
للحق أقول بأنني شخصياً وغيري من المهتمين بالشؤون السياسية  لم يفهم "الخربطات" التي أقترفها المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري (مجلس) فيما يخص تحوله من مجلس إلى حزب. ففي 30/11/2017 صدر بيان تحت شعار (ضمان حقوقنا القومية ووحدة شعبنا التاريخية في وطن يسوده القانون والعدالة) أعلن فيه إنعقاد المؤتمر الثالث…. الثالث... لحزب المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري..... وكتبنا في حينه حول الموضوع بشكل مفصل عن هذه "الخربطات" للحزب وعن مؤتمره الثالث وهو لم يولد بعد ... ويعلن تأسيس هذا الحزب  في مؤتمره الثالث،  في الوقت الذي كان من المفروض أن يكون المؤتمر الثالث للمجلس. ثم ما لبث بعد فترة  طارت كلمة الحزب وعاد الأسم إلى المجلس مرة أخرى. طبعاً كان القصد من هذا "التحزب" للمجلس هو لغرض تسجيله في القوائم المؤهلة لدخول الإنتخابات لعام 2018 غير مدركين بان المجلس كان مسجل كقائمة إنتخابية لإنتخابات عام  2014 حيث كان المطلوب  فقط إعادة تسجيل المجلس مرة أخرى. كل هذا كان يدل بأن المؤتمرين كانوا يجهلون حتى الأبجدية السياسية والعمل السياسي المنطقي والمعقول.

على العموم ما يهمنا هو إنتخابات هذا العام ونتائجها التي لم يكن حالها أكثر من حال زوعا في خسارة كرسي برلماني بعد أن كان يجلس على كرسيين، خاصة والكل يعرف بأن المجلس قام بحملة دعائية كبيرة جداً لمرشحيه حيث خصصت قناة عشتار الفضائية شاشتها ليل نهار للدعاية لمرشحي المجلس وهي الحملة الدعائية الأكبر إتسعاعاً وإنتشاراً ليس مقارنة مع بقية قوائمنا الإنتخابية بل حتى بالنسبة للقوائم العراقية جميعاً، ولكن مع هذا تراجع المجلس من كرسين إلى كرسي.. لماذا؟؟ لأن القائمين على شؤونه كانوا يجهلون العوامل المتغيرة الي لعبت دورها الفاعل في تقليص الكرسين إلى كرسي واحد. الحقيقة تقال بأن المجلس خلال سنواته القليلة من تأسييه حقق نجاح في الحصولين على الكرسين في برلمان الإقليم والمركز في حين هناك أحزاب عمرها يقارب الأربعين عاماً ولم تحقق إي نجاح يذكر بهذا الشأن. ولا أحد يستطيع أن ينكر بأن هذا النجاح كان بفضل دعم وإسناد الحزب الديموقراطي الكردستاني خاصة عندما نعرف بأن الأب الروحي للمجلس هو السيد سركيس إغاجان القيادي البارز في حزب البارتي ووزير مالية الإقليم السابق. ولكن ألم يعرف قادة المجلس قبل إنتخابات 2018 بأن:

1.   الأزمة المالية تضرب الإقليم ولم يعد هناك "نثريات" تصرف للمجلس من قبل البارتي. فمرشيحي البارتي أولى بها لضمان وصولهم إلى البرلمان وكذلك ضمان الأكثرية بشكل مباشر وليس عن طريق ممثلي المجلس.
2.   الكورد بشكل عام والبارتي بشكل خاص يعانون نوع من الفرقة والإنقسامات والتي أثرت على الرأي العام الكوردي مما أستوجب على البارتي أن يقنن أصوات المقترعين ويخصصها لمرشحيه من دون أن يفرط بها لمرشحي المجلس تاركاً المجلس ليقرر مصيره بنفسه. وبأعتقاي الخاص، فإن حتى الكرسي اليتم الذي حصل عليه مرشح المجلس في كركوك  فهو غير بعيد عن العوامل المؤثرة الماضية التي لاتزال تتعشش في أخاديد مجتمعنا في المناطق المتنازع عليها خاصة في كركوك التي تثير التساؤلات عن 20197 صوت حصل عليها المجلس ومرشحها الفائز على 5458 صوت لأن كل الوقائع تشير بأنه لا وجود مسيحي في كركوك بهذا العدد.

أستيقظَ الكلدان على كرسي واحد:
------------------- 
منذ أن بدأت بوادر أكبر مؤسسة دينية في مجتمعنا، الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية، برئاسة غبطة البطريرك/الكاردينال مار لويس روفائيل ساكو بإعلان أهتمامها بالأمور السياسية الكلدانية القومية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر وعن طريق الرابطة الكلدانية، شغل الأمر الكثير من أبناء شعبنا بين رافض له بحجة فصل الكنيسة عن السياسة وعدم تدخلها فيها، وبين مؤيد لهذا الأمر المبني على أساس ضرورة تمثيل الكلدان بنسبة معقولة بإعتبارهم أكبر مجموعة مسيحية في العراق، لأن بالنسبة لهم الكلدان المعروفين بـ "المتأشورين" المتواجدين على كراسي البرلمان والوزارة لا يمثلون الكلدان!!. ثم جاءت صرخة أبينا البطريرك المعروفة’ بـ "أستقيظ يا كلداني" قبيل الإنتخابات لتضيف زخماً قوياً آخر على أهتمام الكنيسة بالأمور السياسية خاصة بالإنتخابات. هذا الأمر، أي تدخل أكبر مؤسسة في مجتمعنا، أثار أنتباهي شخصياً وتوقعت أن تكتسح الكنيسة الكلدانية ممثلة بالرابطة الكلدانية والتي نزلت إلى الساحة الإنتخابية بقائمة إئتلاف الكلدان كل كراسي المسيحيين إن لم نقل أغلبها خاصة عندما نعرف:
1.   بأن معظم أبرشيات الكنيسة الكلدانية سواء في الوطن أم في المهجر روجت بشكل أو بآخر لقائمة إئتلاف الكلدان وطالبت مؤمني الكنيسة بضرورة المشاركة في الإنتخابات ونحن جميعاً نعرف مدى قوة تأثير الكنيسة ورجالها على الكثير من أبناء شعبنا.
2.   للكلدان بنى إجتماعية  وجغرافية وديموغرافية وإقتصادية وعلمية قوية جداً في مقارنتها مع بقية أقسام مجتمعنا، غير أنه لم تنعكس هذه البنى في البنية الفوقية الفكرية لينشأ فكر قومي كلداني قوي قابل على نشوء حركة قومية كلدانية جامعة مبنية على بنى تحتية قوية وراسخة. والسبب الرئيسي في ذلك هو الخلفية التاريخية لتأثير الكاثوليكية وموقفها الكابح للفكر القومي والحركات القومية منذ نشوء هذا الفكر والحركات. وهو موضوع سبق وأن فصلنا فيه.

كل هذه العوامل لم تنفع صرخة البطريرك مار لويس روفائيل ساكو في إستيقاظ الكلدان ولم الشمل والإلتفاف حول قائمة إئتلاف الكلدان غير بكرسي واحد. ولا أدري إذا كان يصح لنا وفقاً للإنتماء الكنسي أن نقول مجازاً بأن الكلدان فازوا بأربعة مقاعد في الإنتخابات، أثنان من قائمة بابليون الحشدية (بغداد والموصل) وواحد من قائمة المجلس الكردستانية (كركوك) وواحد من قائمة إئتلاف الكلدان (أربيل) لأن جميعهم ينتمون للكنيسة الكلدانية حسب إعتقادي. كما يجب أن لا ننسى الوجود القوي والفاعل لأبرشية أربيل الكلدانية وتواجد كلداني كثيف في أربيل خاصة في عنكاوة قد يكون عامل مؤثر في فوز قائمة إئتلاف الكلدان بالكرسي البرلماني لأربيل.

إذن أين الخلل في عدم حصول إئتلاف الكلدان على غالبية المقاعد للكوتا المسيحية رغم صرخة مدوية من أعلى مرجع كلداني ورغم وجود بنى تحتية قوية للكدان سواء في الوطن أم المهجر؟ ويمكن إيجاز الخلل في الأسباب التالية:
1.   من المؤسف بأن قادة إئتلاف الكلدان ورعاتها من الرابطة الكلدانية والكنيسة الكلدانية تجاهلوا وأغفلوا الدروس والعبر للإنتخابات الماضية في كون القوائم التي تسمى بأسماء مفردة أو طائفية لم تنجح ولم تحقق أي نتائج بل كان الفوز دائماً للقوائم التي تبنت التسمية الوحدوية الشاملة لجميع أقسام أمتنا والتي تمثلت في "الكلدان السريان الاشوريين". وهذا الأمر ينطبق بكل حذافيره على بقية التسميات المفردة كالأشورية والسريانية التي لم تفلح ف الإنتخابات السابقة.
2.   لقد ثبت في الماضي والحاضر بأن غالبية شعبنا الكلداني سواء في الوطن أم في المهجر محب للوحدة القومية بين كافة طوائف وأقسام أمتنا وتمثل ذلك في مساندته وتصويته للقوائم التي تسمى بالتسمية الوحدوية. ولا أشك في القول بأن نجاح مرشحي زوعا والمجلس، المتبنيان للتسمية الوحدوية، والوصول إلى البرلمان في الإنتخابات السابقة كان بفعل أصوات الكلدان أكثر بكثير من أصوات الآشوريين والسريان. وحتى في الإنتخابات الحالية لولا تدخل الحشد الشعبي عبر قائمته بابليون وسرقة كرسين لكانا من حصة قائمة إئتلاف الرافدين أو قائمة المجلس.
3.   إئتلاف الكلدان ضم كيانين، هما الحزب الديموقراطي الكلداني والمجلس القومي الكلداني وليس بخاف على أحد من أبناء شعبنا بأن الحزب الديموقراطي الكلداني يعتبر من أفشل أحزابنا السياسية، إن كان فعلاً يستحق تسميته بالحزب، ولا يعود هذا الفشل إلى التخبط في عمله السياسي وعلاقة رئيسه المهزوزة  بالحزب الديموقراطي الكردستاني وبجلوسه على كرسي البرلمان الأسبق ممثلاً عن هذا الحزب ومن ثم طرده من الحزب، بل أن معظم فشله يعود إلى تقوقعه وعناده غير المنطقي بالكلدان وتسببه الكثير من الضرر لهم على المستوى السياسي والتمثيلي. أما بالنسبة للمجلس القومي الكلداني فأنه كان أكثر إنفتاحاً وقبولا للتسمية الوحدوية ومشاركته مع بقية الكيانات الوحدوية خاصة إنضمامه إلى ما كان يسمى بـ "تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية، النائم في سبات عميق. هذا التناقض الفاضح بين الكيانين لم يكن يجمعهما سوى التسمية الكلدانية وفايروس الكرسي الذي سعوا إليه في الماضي ولم يحصلوا فوجدوا في دعم وإسناد الكنيسة الكلدانية لهم فرصة سانحة للحصول على حصة من الكعكة البرلمانية. كل هذه العوامل التي غيبها المعنيون بإئتلاف الكلدان جعل أن يفقدوا مصداقيتهم وبالتالي أن يفقد شعبنا وتحديداً الكلدان ثقته بعناصر هذا الإئتلاف. ولكن مع هذا فالبعض يقول بأن فوز إئتلاف الكلدان بكرسي في البرلمان ولأول مرة هو إنجاز كبير. ولكن مثل هذا الأنجاز لا يوازي إطلاقاً ما يملكه الكلدان من قوة في البنى التحتية السالفة الذكر وتأثير الكنيسة على مؤمنيها مما يجعل مثل هذا الإنجاز لا شيء فيما إذا تمت المقارنة بين كرسي واحد وقوة البنى التحتية وتأثير الكنيسة.
4.   معظم أبناء شعبنا بمختلف تسمياته يعارض تدخل الكنيسة في السياسة، فهذا الأمر كان يجب على المعنيين في إئتلاف الكلدان أن يدركوه وأن تحاول الكنيسة الكلدانية الابتعاد عن السياسة بأي شكل من الأشكال وعدم دعم قائمة معنية سواء بشكل مباشر او عن طريق الرابطة الكلدانية أو الإبرشيات التابعة لها. خاصة عندما نعرف بأن للكلدان نخب ثقافية كبيرة وسياسية علمانية مؤثرة تلعب دوراً كبيرا لإبعاد الكنيسة عن السياسة. هذا الأمر أضر إئتلاف الكلدان أكثر مما أفاده وبالتالي لم يحصل إئتلاف الكلدان إلا على كرسي واحد فقط في الوقت الذي كان هناك عوامل، سبق وأن ذكرناها، لو أستخدمت بشكل عقلاني ومنطقي وواقعي لأكتسحت قائمة الكلدان الكوتا المسيحية سواء بغالبية الكراسي أو بأكثر من كرسي واحد.

بعد أن وقع الفأس على رأس حزب أبناء النهرين بدأ يتحرك:
---------------------------------
مهما قيل عن أسباب الخلاف والإنشقاق عن زوعا تبقى صغيرة جداً ومتلاشية أمام سببين:
 الأول: شخصي 100%، ويتمثل في موقف جميع أعضاء، قيادة وقاعدة، حزب أبناء النهرين من السكرتير العام لزوعا السيد يونادم كنا وبالنتيجة كل محاولات عودة المياه إلى مجاريها كانت مشروطة بإزاحة السيد يونادم وعدم قبوله في قيادة التنظيم وبالتالي أدت إلى الفشل. ثم أثناء فترة التحالفات لخوض الإنتخابات جاءت بادرة لتشكيل إئتلاف من زوعا والحزب الديموقراطي الآشوري (أترنايا) وحزب أبناء النهرين لدخول معترك الإنتخابات البرلمانية لا يجمعهم غير موقفهم من مؤتمر بروكسل. غير أن وجود السيد يونادم على رأس هذا الإئتلاف المزمع تشكيله، والذي كان منطقياً لكونه يمثل أكبر تنظيم سياسي في أمتنا وأكثر شعبية، أدى ذلك إلى عدم إنضمام الحزب للإئتلاف وقرر خوض الإنتخابات بقائمته الخاصة.
الثاني: فايروس الكرسي: يظهر بأن الحزب تلذلذ بالكرسي البرلماني الوحيد الذي فاز به عن أربيل في الإنتخابات البرلمانية السابقة لإقليم "كردستان" ويظهر أيضا بأنه أستقوى به ووجد في نفسه قوة كافية لخوض الإنتخابات لوحده من دون السيد يونادم الذي كان باعتقادهم لو أنضموا إلى الإئتلاف سيأكل كل الكعكة ولا تبقى لهم شيء. لكن فايروس الكرسي كان مفعوله أقوى بكثير من طموحات الحزب فقتله عبر نتائج غير مرضية له وخروجه من الإنتخابات كـ "الخروج من المولد بدون حمص".
ثالثا: قد يكون هناك سبب آخر مرتبط بالسببين أعلاه، وهو في الكثير من الأحيان كنًا نسمع من أعضاء الحزب بأن سبب خروجهم عن زوعا وتشكيلهم كيان أبناء النهرين هو لأن زوعا لم يستطيع تحقيق الكثير من المطالب الملحة والمطلوبة لأمتنا وأن مسعاهم لتأسيس الكيان هو السعي لتحقيق هذه المطالب التي فشل زوعا عن تحقيقها. ولكن خلال السنوات القليلة الماضية من تأسيس الميلت وحتى اليوم لم نعرف ما هي هذه المطالب وهل تم تحقيقها على أرض الواقع؟ صحيح هو أن تحقيق مثل هذه المطالب يتطلبها أدوات ووسائل لتحقيقها أو بالآحرى وجود في هياكل صنع القرار السياسي كالبرلمان لتحقيقها وهذا توفر للحزب عند جلوس ممثلها على كرسي برلمان إقليم "كردستان" ولكن ،على الأقل شخصيا، لا أعرف ما الذي تحقق من خلال الجلوس على هذا الكرسي ولم يستطيع زوعا تحقيقه غير البيانات الإستنكارية.

هناك بديهة بسيطة ومعروفة بأن لو أحزابنا السياسية توحدت فإن الموقف السياسي لأمتنا سيقوى عند المطالبة بحقوقها القومية. وعلى الجانب الآخر أيضا لو أنقسمت أو أنشقت أحزابنا السياسية وتم تشكيل حزب جديد وزادت عدد أحزابنا السياسية ستضعف أمتنا في المطالبة بحقوقها القومية وتحقيقها... هذه البديهية تنطبق بكل حذفيرها على المنشقين عن أحزابنا السياسية وتحديداً إنشقاق وخروج أبناء النهرين عن زوعا والذي سبب تشرذم وضعف في قوة الحزب الكبير في أمتنا وأقصد زوعا. وقد لا تجد قيادة زوعا ضعف في هذا الإنشقاق، كما سمعته من بعض قادتها، لكنه من الملاحظ بأن هذا الإنشقاق أنعكس على مستوى الجماهير وخلق فيهم نوع من الإحباط وفقان الثقة بالأحزاب السياسية وتدني شعبية زوعا. فتغييب مثل هذه البديهية البسيطة هي قمة الجهل والتخلف أو هي غلبة المصلحة الشخصية والتحزبية على المصلحة العامة، خاصة عند دخولهم للإنتخابات وهم متشرذمين وفاقدي قوة التأثير وبالتالي خروجهم بنتائج مخيبة لأمال أبناء أمتنا لتزيد بذلك فقدان ثقة أبناء أمتنا بهم وبالتالي تلاشي إهتمامهم بالأمور السياسية والذي تبين ذلك في قلة إهتمام غالبية أبناء شعبنا بالإنتخابات وبالتالي تعرض الكوتا المسيحية إلى القرصنة من قبل الحيتان الكبيرة.

قبل بضعة أيام نشر حزب أبناء نهرين رسالته المفتوحة إلى قيادة الحركة الديموقراطية الآشورية ... ومن خلالها إلى قواعدها ومؤازريها المحترمين ونشرها بتاريخ 31/05/2018 في موقع عنكاوه وقرأها الألاف من قراء الموقع. جميل جداً لهذه المبادرة ولكن نقول:
1.   لقد فقد قادة حزب أبناء النهرين المنطق في أسلوب نشر هذه الرسالة على موقع ألكتروني عام ومفتوح ويخص موضوع حزبي حساس متعلق بجهتين معنيتين بالموضوع. فالرسالة موجهة إلى قيادة زوعا ولكن أرسلت ونشرت في هذا الموقع وقرأها بضعة ألاف ويمكن أن يكونوا قد قرأوها قبل أن يقرأها قادة زوعا. كان من الأجدر والأصح أن ترسل الرسالة مباشرة إلى قيادة زوعا (سري وعاجل !!!) وأن لا تنشر في الموقع،. أو من جانب آخر كان الأصح منطقياً طالما نشرت في هذا الموقع أن تكون موجهة إلى قراء موقع عنكاوة الألكتروني وليس إلى قيادة زوعا. وهنا نقول بأنه من حق الذين أنتقدوا الحزب على نشر هذه الرسالة أن يتهموه بأن غرضها هو التبجح والتظاهر بأنه مبادر للسلم وعودة المياه إلى مجاريها.
2.   على الرغم من أسلوب الرسالة الفاقدة للمنطق فأن تثمينها وتقديرها لهذه المبادرة "السلمية" يجب أن تأخذ بنظر الإعتبار... ولكن ... نعم ولكن، مثل هذا التثمين اوالتقدير يتلاشى نهائياً أمام المبادرات المنطقية والواقعية التي عرضت في السابق على الجانبين في إعادة اللحمة التنظيمية لسابق عهدها، ولكن فشلت أو علقت لأسباب نحن شخصياً نحتفظ بها إحتراماً لكلا الطرفين.
3.   الرسالة جاءت بعد عدم فوز السيد يونادم في الإنتخابات، وهو الأمر الذي أشرنا إليه في أعلاه من أن الخلاف بين الطرفين كان ولا يزال شخصي. إضافة إلى ذلك فأن عدم فوز أي مرشح من قائمة حزب أبناء النهرين في الإنتخابات خلق رد فعل تمثل في رسالته المعنونه إلى قيادة زوعا والتي هي تعبير عن نوع من الخسارة وأريد منها، أي الرسالة، التعويض عن هذه الخسارة بمبادرة "سلمية". وقد أكون صادقاً لو قلت بأنه لو كان قد فاز أي مرشح من قائمة الحزب في الإنتخابات فإن إحتمال عدم نشر مثل هذه الرسالة كان وارداً جدا، حيث كان سيجد في هذا الفوز قوة أخرى لأثبات حقه في الوجود كحزب حقق أكثر مما حققه زوعا. فالرسالة التي جاءت بعد فرز الأصواب وخسارة حزب أبناء النهرين ما هي تعبير عن موقف ضعيف وخاسر. فقيادة حزب أبناء النهرين وأيضا قيادة زوعا يعرفان جيداً بأن هناك الكثير من المبادرات نحو عودة المياه إلى مجاريها الطبيعية ولم تأخذ بها في حينها فكان الأجدر بحزب أبناء النهرين أن يتصل بقيادة زوعا مباشرة لإعادة النظر في هذه المبادرات وإمكانية تحقيقها.   
   
الأحزاب المخضرمة:
 ------------
اقصد بالأحزاب المخضرمة تحديداً حزب بيت نهرين الديموقراطي (كبًا) والحزب الوطني الآشوري (أترنايا) إضافة إلى قائمة تجمع السريان (سرياني). أبتداً أقول بالنسبة لكبًا بأنه أكثر من أربعة قرون من عمره فهو يتخبط في إنشقاقات وتنقلات بين الوطن والمهجر وتحالفات غير مجدية وكذلك صعوبة  نفي تبعيته للحزب الديموقراطي الكردستاني وأخرها دخوله في تحالف إتحاد بيت نهرين الوطني الذي ضم تشكيلات هامشية تطعم التحالف بالبرلماني السيد جوزيف صلوا (قائمة الوركاء الديمقراطية للحزب الشيوعي العراق) واضعاً رهان فوزه في إنتخابات 2018 على الحصان الخاسر، مما ينم عن عدم فهمه لواقع أحزابنا السياسية ودور كل واحد منهم في الساحة السياسية القومية خاصة بعد أن نعرف بأن حزبه، الحزب الشيوعي العراق، قد تحالف مع أكبر كيان شيعي في العراق، تيار الصدر، ويظهر بأنه لم يكن للسيد جوزيف مكان في هذا التحالف ليسير مع قائمة السائرون.

 أربعة قرون من عمر كبًا ولم يفوز في أية إنتخابات برلمانية سواء في الإقليم أو المركز ولم يحقق إي إنجاز يذكر. لماذا؟ كان من المفروض على (كبًا) أن يسأل نفسه هذا السؤال ويبحث بنظرة موضوعية وذاتية وواقعية عن جواب شافي عن علامة الإستفهام هذه. أما بالنسبة لزميله في العمر (أترنايا) فعلى الرغم من أحباطاته في كل تحالفاته الإنتخابية وغياب أي إنجاز من سجله الحزبي فإن أمره في إنتخابات 2018 كان أكثر فطنة وذكاءاً وحقق له الحلم الذي كان بعيد المنال عندما فاز زعيمه السيد عمانوئيل خوشابا بكرسي برلماني، وتمثلت هذه الفطنة والذكاء في:
1.   وضع راهنه على الحصان الرابح ودخوله في تحالف مع أقوى حزب سياسي لأمتنا، وأقصد زوعا، وبالفعل حقق الفوز.
2.   رشح نفسه عن محافظة دهوك وفاز عن الكرسي المخصص لها، المحافظة التي هي بعيدة المنال عن أذرع الحشد الشعبي وتأثيراته وغيره من الحيتان الكبيرة.
3.   هناك تواجد كثيف لأبناء شعبنا في هذه المحافظة بما فيها القرى والقصبات، وأرجو أن لا يتهمني البعض بالعشائرية عندما أقول بأن هناك أعتبارات عشائرية قد تكون لعبت دورها في فوز السيد عمانوئيل.
4.   يبقى هناك سؤال قائم، وهو أن الخلفية التاريخية للعلاقة بين زوعا وأترنايا لم تكن على ما يرام منذ سنوات طويلة وأقل ما يقال عنها بأنها كان تتصف بالجفاء إن لم نقل العداء. وإذا أعتبرنا موقفهما من مؤتمر بروكسل سبباً لتحالفهم فأن هذا وهم وليس مستبعدا ان يتلاشى هذا التحالف بعد فوز زعيم أترنايا وإحتمالية ظهور نوع من المنافسة أو تضارب المصالح بينه وبين السيد يونادم كنا أو بين الحزب الوطني الآشوري و الحركة الديموقراطية الآشورية وإذا ذهبنا أبعد نقول بين قوات دويخ نوشا التابعة لأترنايا ووحدات حماية سهل نينوى التابعة لزوعا... ألله يستر؟ . أرجو أعتبار هذا نوع من التحذير من المخاطر الناجمة عن إفراط عقد التحالف فيكفينا المخاطر الخارجية التي تهدد وجودها في الوطن.

أما بالنسبة لقائمة تجمع السريان، الجديد العهد في الساحة السياسية وما يخص الإنتخابات البرلمانية، يظهر بانها كانت بعيد  عن واقع الحال لأبناء شعبنا السرياني وتوجهاته السياسية والقومية. فجهل أصحابها بهذا الواقع أوقعها في خسارة الإنتخابات. حيث كان يكفيها عدد قليلة من أبناء شعبنا في القصبتين "بيت خديده – الحمدانية" و "برطلة" السريانيتن التصويت لها وفوز احد مرشحيها بكرسي واحد ولكن يظهر بأنهم لم يقوموا بإداءـ "واجبهم البيتي" خاصة وأن أذرع الأخطبوط الحشدي كان واسع الإنتشار والنفود في سهل نينوى الذي حال دون أن يحققوا أية نتائج في بيتهم السرياني فأدى ذلك إلى سرقة كرسي الموصل منهم. هذا إضافة إلى ما سبق ذكره وهو أن غالبية شعبنا يرغب أن يرى بوادر للوحدة القومية وأثبتت السنوات القليلة الماضية بأن التسمية الموحدة مفضلة لدى غالبيتهم بعكس التسمية المفردة، كما سبق وذكرنا في أعلاه بالنسبة لبقية التسميات المفرة كالكلدانية والآشورية.

وأخيرأ:
-----
أكتفي بهذا القدر... مع إعتذاري لطول الموضوع الذي يستحق أكثر وأكثر من هذه الصفحات لأنه فعلاً موضوع هام ومؤلم في نفس الوقت. ومن المؤكد سيقول البعض لماذا أحشر أنفي في هذا الموضوع الذي يخص أبناء الوطن وأحزابهم السياسية وأنا قابع في خيمتي في المهجر... أقول وبملئ الفم... الموضوع يخص أمتي وأنا أبن هذه الأمة إينما كنت في الوطن او المهجر وبالتالي يهمني جداً مصلحة أمتي وإستقلالية قرار أحزابها السياسية التي هي في عين الوقت إستقلالية قرار أمتي فيما يخص شؤونها القومية والوطنية... وهنا للتذكير أقول مرة أخرى، الأمة التي لا يوجد فيها أحزاب سياسية مستقلة ونشطة ستكون  إرادة الأمة مرهونة وخاضعة لإدارة الأمم الأخرى... وأنا لا أريد إطلاقا أن تكون إرادة أمتي خاضعة لإرادة الغير، من هذا المنطلق أنتقد أحزابنا السياسية إنتقادرا موضوعياً وبدون مجاملة لهذا الصديق أو ذاك الحزب لأنني أومن وأمل بأن هذا الأسلوب هو الذي يصحح أخطاء أحزابنا ويقوي من إرادتها وبالتالي تقوى إرادة أمتنا وتصبح غير خاضعة لإرادات الأمم الأخرى.   

51
عزيزي عدنان ... شلامي ربا لك ولجميع الأصدقاء ... شلامي ربا معطر  على جزء من تعليقك على موضوعي  لأنه بالأساس كان في معظمه بيان رأيك عن تنظيم آخر وهو أبناء النهرين وهذا أمر يخصك من الجانب الذي ذكرته ولكن أيضاً يخصني من جانب آخر لأن موضوع أبناء النهرين وزوعا وفي كليهما لي أصدقاء أعزاء، يهمني جدا حيث بذلت الوقت الكثير من أجله وأنت وغيرك يعرف ذلك. على أية حالة مرة أخرى أقول أشكرك على تحفيزي لكتابة هذه السطور لأنني متهم إتهاماً كبيراً، وقد أكون مذنبا في نهاية المطاف، بأنني لا أرد على المعلقين على ما أكتبه. على العموم وبأختصار أود ذكر مايلي:
•   بالحقيقة وبكل الحقيقة لا أحبذ أن يطلق أو أوصف بأنني كاتب لأن هذا الوصف يحملني مسؤولية وأنا لست بصددها، صدقني أنني لست كذلك فأنا موظف في شركة أجنبية أعمل معها منذ 1980 ولحد اليوم وأقضي كل ساعات يومي في عملي وبالكاد أجد فرصة للكتابة أو أسرق أوقات منه أو من أوقات راحتي ونهاية الأسبوع لأقوم بواجبي في الكتابة عن الأمور التي أومن بها وبشكل مستقل بالتمام والكمال ساعياً حسب إيماني بهذه الأمة نحو الموضوعية في أقصى حدودها من دون مجاملة لهذا الطرف أو ذاك.
•   عزيزي، تتكلم عن الحقيقة... وهذا أمر جيد... ولكن يجب أن نذكر أيضاً بأنه ليس هناك لا شمولية ولا مطلق في ذكر الحقيقة لأنها قد يشوبها بعض الأمور والأراء الفكرية والشخصية، أي  ينظر إليها حسب فكر ومبدأ الشخص الذي يتعرض لهذه الحقيقة... ما ذكرته في هذا الموضوع لا أدعي فيه الكامل والمطلق ولكن الوقائع تؤكد ما ذهبت إليه وهناك حقائق أخرى مبنية على الوقائع لم أذكرها في المقالة وذلك تجنباً لإطالته إحتراماً لك ولغيرك الذي لا يرغب قراءة المواضيع الطويلة، وهذا الجانب الآخر من الحقيقة سيأتي في المقالة اللاحقة.
•   وأخير أود أن أقول لك يا أخي ولغيرك من أخوتي... بأنني أشعر بنوع من التصلب والتيبس في ساقيي لأنني لم أشارك في المسيرة النسانية لهذا العام وأفتقرت وبشدة السير جنباً إلى جنب مع أصدقاء أعزاء ... نعم أصدقاء أعزاء بعضهم أتفق معهم وبالبعض الآخر لا أتفق معهم ولكن في جميع الأحوال نقاشاتنا تكون ملئها الأحترام المتبادل وهذا الأمر هو الذي يجمل ويعسل الحديث وتبادل الأفكار وإكتساب المعرفة وتوسيع المدارك وترسيخ الصداقة.... شكراً مرة أخرى...
•   
أخوك أبرم شبيرا

52
بعد أن وقع الفأس على رأس أحزاب ومنظمات شعبنا الكلداني السرياني الآشوري
ما الفائدة من الإستنكار والرفض لنتائج الإنتخابات؟؟
=======================================
أبرم شبيرا
غياب مصلحة الأمة  في العمل السياسي هو الجهل والتخلف وليس قلة المعرفة والثقافة:
-------------------------------------------------
للحق أقول بأنني محط جدا ليس بسبب النتائج الهزيلة أن لم تكن الفاشلة لأحزابنا ومنظماتنا وقوائمنا الإنتخابية من جراء انتخابات هذا العام 2018، لأن النتائج كان معروفة سلفاً وهي صورة واضحة عن التشرذم الذي كان سائداً بين القوائم الإنتخابية، بل أن إحباطي هو عن مستوى الوعي الفكري والسياسي المتدني، إن لم يكن معدوما عند قادة هذه الإحزاب والمنظمات ورؤساء القوائم والكتل الإنتخابية التي دخلت لعبة الإنتخابات العراقية. عندما كتبنا قبل بضعة أشهر أو أكثر عن تخلف "الآشوريين" الناجم بالأساس من ضعف أو غياب الوعي القومي وتلاشي المصلحة القومية الشاملة في عملهم السياسي، أنهالت على رأسي الكثير من الإنتقادات والتهم منها بأنني كتبت هذا الموضوع بنوع من التعالي والتجني على قادة أحزابنا ومنظماتنا لأنهم لا يستحقون مثل هذا التجني وهم يعملون ليل نهار من أجل الأمة ويضحون ويناضلون في احلك الظروف وأصعبها في الوطن ونحن قابعون في بيوتنا الدافئة في المهجر. ولكن الفكر أو الرأي شيء والواقع شيء آخر قد يتوافق هذا الفكر أو الرأي مع الواقع أو يختلف ويتناقض معه. وها هو واقع نتائج الإنتخابات يثبت ما ذهبنا إليه من رأي في مسألة الكوتا المسيحية وفساد النظام وخروج ممثلين حقيقين لأمتنا بتتائج محبطة لا تخدم مصلحة أمتنا. وهنا يجب أن أشدد التأكيد بأن ذكري للجهل أو التخلف لا يعني فقدانهم للشهادات الأكاديمية ولا غياب الثقافة العامة عنهم بل جهلهم وتخلفهم هو من الناحية السياسية وأساليبها الهادفة إلى تحقيق مصلحة الأمة.. وبصراحة أقول كل من يعمل لمصلحته الخاصة أو لحزبه ولا يعمل لمصلحة الأمة الحقيقية فهو المعني بصفة الجهل والتخلف. ومثال على ذلك: 1+1=2... هي مسألة بسيطة جداً ومنطقية ومن لا يعرفها فهو نائم في سبات من الجهل والتخلف. وهكذا على نفس النمط أقول أن المصلحة القومية لا تتحقق إلا بوحدة وتفاهم معظم أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية ومن لا يعرف هذه الحقيقة ويعمل من أجلها فهو أيضا نائم في سبات من الجهل والتخلف. نزلت إلى ساحة الإنتخابات عدة قوائم لتمثيل المسيحيين فجاءت نتائجها لتعكس بالتمام والكمال عن تخلف وجهل أصحاب هذه القوائم. ألم يكن يدركون بأن من دون تفاهم ووحدة وتنسيق بينهم لا يمكن أن يحققوا المطلوب وأن باب الكوتا سيكون عرضة للسرقة والنهب وزيف التمثيل؟ الجواب واضح في النتائج المحبطة التي رفضوها. إذن من الملام الحشد الشعبي أو قائمة بابليون أم البارتي أم الذين لم يقترعوا أو .. أو، أم أصحاب قوائمنا الإنتخابية ؟ فعندما توحدون صفوفكم وتنسقون بين قوائمكم ولو في حده الأدني فنتائج  الإنتخابات ستكون مضمونة ومقبولة أو أفضل مما أفرزته الإنتخابات الأخيرة. قريباً شعبنا في إقليم "كوردستان" مقبل على إنتخابات برلمانية، أفهل سيتعض قادة أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية ويتعلموا بعض الدروس من الإنتخابات البرلمانية في المركز ويعوض بعض مما فقدوه؟... نعود لنقول: من يتعثر بحجر مرتين فهو جاهل، فنرجو منهم أن لا يتعثرون بنفس الحجر مرتين وإلا صفة الجهالة ستنطبق عليهم مرة أخرى.
الكوتا المسيحية أسلوب لمسخ تطلعات المسيحيين في العراق:
-----------------------------------------
لقد تعبنا وبح صوتنا وأنهكت قوانا الفكرية من التكرار في القول بأن نظام الكوتا أسلوب رجعي ومتخلف يعكس عن تخلف المجتمع بشكل عام الذي لا يقبل الغير والمختلف وبالتالي لا يخدم إطلاقا مصحلة الشعب أو الأمة التي يخصها الكوتا، والكوتا المسيحية هي التي تهمنا هنا. أما الحديث عن فساد النظام وطائفيته المقيتة (أنطر دستور العراق الذي لا مثيل له في تناقضاته الفاضحة بين طائفيته و محاولة إضافة نوع من التعددية والديموقراطية عليه – لنا مراجعة في هذا الموضوع في وقت آخر) فالحديث عنه بلا حرج. أقولها بصراحة لو كان قادة أحزابنا ومنظماتنا وكتلنا الإنتخابية يعرفون أبجدية نظام الكوتا لما اهتموا به وحاولوا إستخدامه للوصول إلى كراسي البرلمان بل لرفضوه جملة وتفصيلا وأكتسبوا مناعة ضد فايروس الكرسي.. فهذه الكوتا هي للمسيحيين، أي بمعنى آخر هناك خمسة كراسي محجوزة للمسيحيين وليس هناك إطلاقاً أشارة أو تحديد الإنتماء السياسي والفكري لهؤلاء المسيحيين، أي بهذا المعنى كل مسيحي عراقي سواء أكان مؤمن أو ملحد، شيوعي أو بعثي، حشدي أو كردي، شمالي إقليمي أو وسطي بغدادي، من زاخو أو من البصرة، منتمي إلى حزب سياسي (أ) أو لحزب سياسي (ب) فطالما هو مسيحي إذن حسب الكوتا له الحق في الترشيح.  ويعتبر البرلماني جوزيف صليوا المسيحي، الفائز في إنتخابات عام 2014، من قائمة الوركاء الديموقراطية التابعة للحزب الشيوعي العراقي والسيدان أسوان سالم صادق وبرهان الدين أسحق أبراهيم إلياس ضمن قائمة حركة بابليون التابعة للحشد الشعبي والسيدة ريحان حنا أيوب شكرو الفائزة ضمن قائمة المجلس الشعبي الكلداني الدائرة في فلك الحزب الديموقراطي الكوردستاني والفائزون في انتخابات 2018 نماذج واضحة في هذا السياق. أما أن يدافع هؤلاء الفائزون عن مصالح المسيحيين ويحققوا أهدافهم فهذا شأن مختلف مرتبطة بالجهة التي ينتمي إليها والتي أيضا لها أجندة خاصة بخصوص المسيحيين سواء أكانت أجندة حقيقية أو كاذبة تسعى إلى خدمة المسيحيين أو إبتلاع حقوقهم. ولكن مع كل هذا فأن النائب البرلماني في العراق سواء أكان مسيحي أم غير مسيحي فهو يمثل كل العراقيين وليس فئة معينة. لذلك هناك الكثير من علماء السياسة والسياسيون يرفضون نظام الكوتا في الإنتخابات لأنه سهل الإستغلال من قبل أحزاب الأغلبية لصالح أجندتها الخاصة، فمن هذا المنطلق فإن الكثير من دول العالم المتقدمة والديموقراطية لا تأخذ بنظام الكوتا سواء أكانت للنساء أو للإقليات.
أستغرب إستغراباً شديداً عندما أرى إحتجاج قادة احزابنا السياسية الخاسرون في الإنتخابات ورفضهم لنتائجها بسبب سرقة كراسي من حصة المسيحيين من قبل الحيتان الكبيرة.... عجيب ... غريب أمر هؤلاء في جهلهم للسياقات السياسية التي يسير عليها النظام السياسي الفاسد وقراصنته، وجهلهم الأكبر هو في طبيعة الكوتا المسيحية. أليس الفائزون الخمسة للكوتا المسيحية مسيحيون؟ أليس مرشحوا قائمة بابليون الفائزون مسيحيون؟ فهم سيجلسون على هذه الكراسي، شئنا أم أبينا، وسيمثلون قانونياً وشرعياً المسيحيين في العراق، إذن لماذا الإحتجاج والرفض؟ فالقانون تم تطبيقه بحذافيره !!. هناك إستغراب أكثر عن الجهل عندهم في الكثير من الأمور السياسية التي تتحكم بمصير العراق وبمصير أمتنا. فإذا كان من حقهم، على الأقل من الناحية القانونية، الإحتجاج والرفض لنتائج الإنتخابات فيما إذا شابهها التزوير والتلاعب بالنتائج، لكن هذا الحق سيان في نظام سياسي فاسد. لماذا؟ لأن نتائج الإنتخابات المخيبة لأمال بعض من أحزابنا السياسية هي نتيجة حتمية ومنطقية لطبيعة النظام السياسي الفاسد وللكوتا المسيحية كأداة لهذا الفساد. إذن الإحتجاج والرفض يجب أن ينصب على المصدر الفاسد الذي أخرج هذه النتائج، أي على النظام والكوتا وليس على النتائج فحسب، أي على المضمون وليس الشكل.   
 أقول أن مثل هذا الإستغراب يزول عندما ندرك بأن جهل وعدم معرفة هؤلاء القادة بنظام الكوتا البغيض يؤكد ما سبق وأن ذكرناه بالتخلف السياسي لقادة أحزابنا بهذا الشأن. أقولها صراحة من يشارك في أية لعبة كانت، ومنها اللعبة السياسية للإنتخابات العراقية أو في النظام السياسي فعليه أن يلتزم بقواعدها ويحترمها لأن مشاركته في هذه اللعبة هي موافقة صريحة وقبول واضح لقواعدها، وبالتالي لا يحق لكل من يشارك فيها أن ينتقدها ويرفضها طالما هو جزء منه، خاصة بعد خسارته وحرماته من المنافع التي كان يتوقع الحصول عليها من جراء إنتماءه إلى هذا النظام أو ذاك الحزب. وحتى إذا كان من حق الخاسر أن يرفض نتائج اللعبة ويدينها، كما هو رفضهم لحصول قائمة بابليون الحشدية على المقدمة، فإن هذا دليل على جهل مطبق لقادة أحزابنا بالطبيعة السلبية للكوتا المسيحية. فنتائج الإنتخابات السلبية هي ثمرة من ثمرات سلبية الكوتا المسيحية. فعندما يكون الأساس فاشل فأن البنيان سيكون فاشل أيضا أو عندما يكون المبدأ خطأ تكون التفاصيل خاطئة أيضا... مجازاً أقول للمحتجين على نتائج الإنتخابات والرافضين لها أن يشكروا بقية الأحزاب العراقية التي لم تصنع قائمة خاصة بها من المسيحيين، كما فعل الحزب الشيوعي العراقي سابقاً وعمل الحشد الشعبي حاليا، أو تدفع بأعضاءها المسيحيين إلى الإنتخابات وفازوا بجميع الكراسي وليس بأغلبيتها. والغريب العجيب هو دعوة بعض قادة أحزابنا إلى حصر الإقتراع على الكوتا المسيحية بالمسيحيين فقط كحل لحجب وأبعاد غير المسيحيين من التصويت على الكوتا المسيحية وهو أمر إن لم يكن مستحيلاً فهو شبه مستحيل لأنه يفتقر إلى المنطق والتطبيق، ليس لأنه يخالف المبادئ الأساسية للدستور وقانون الإنتخاب بل لأن مسألة التفريق أو التمييز بين المسيحي وغير المسيحي عند الإقتراع أمر في غاية الصعوبة أو الإستحالة خاصة عندما تكون الأسماء الشخصية مشتركة بين مسيحي وغير مسيحي (أنظر على سبيل المثال أسماء قائمة بابليون)،  أو تكون الهوية الشخصية خالية من تحديد الإنتماء الديني. وحتى لو أمكن، أي حصر الإقتراع بالمسيحيين فقط، فإن ذلك سيخضع لتأثير وإغراءات القوى الكبرى المتحكم في النظام الفاسد التي ستعلب دوراً كبيرا في التأثير على الناخبين المسيحيين طالما هناك بعض من أبناء شعبنا خاضع للتجاذبات السياسية التي يقف خلفها قوة السلطة والمال والمركز وهي الأمور التي تسهل مهمتها وتحقق أهدافها خاصة عندما يكون المكون المسيحي غير موحد ويفتقر إلى الإجماع على الحد الآدنى من المصلحة القومية.
إذن ما الحل؟
---------
التحديات التي تواجهها أمتنا في وطن الأم هي تحديات مميتة تضع أبناؤها في التحليل الأخير على مسار الفناء من أرض الوطن التاريخي. فمن هذا المنطلق يصعب جداً أن لم يكن مستحيلاً إيجاد حل لمواجهة هذه التحديات المأساوية. كثيراً ما شبهت أوضاع أمتنا في الوطن كالمرض المميت، سرطان أو ضعف المناعة، فعلى الرغم من المصير المحتوم للمصاب بهذه الأمراض إلا أن العلماء والأطباء يسعون بكل جهدهم العمل لإيجاد دواء شافي أو للتخفيف من حدتهما المميتة أو لإطالة عمر المريض.   والحال نفسه بالنسبة لأمتنا فمهما كان الوضع ميؤساً منه إلا أنه يستوجب على أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية والخييرين من أبناء أمتنا العمل والنضال بالطرق السليمة والمنطقية المبنية على أساس مصلحة الأمة قبل كل شيء لعل قد يجدون الحل المناسب وفي الوقت المناسب لمأساة أمتنا أو للتخفيف من حدتها كحل أولي ومبدئي للأوضاع المأساوية لأمتنا في الوطن. أقولها كما ذكرتها مراراً وتكراراً بأن مثل هذا الحل الأولي والمبدئي لا يمكن أن نجده إطلاقاً ضمن نظام فاسد وعبر أخاديده الظلماء ما لم يتحرروا منه ويعالجوا أنفسهم من فايروس الكرسي ثم البحث عن المفتاح الذي يفتح الباب نحو غرفة الجلوس على مائدة التفاوض والتفاهم بين أحزابنا السياسية ومنظماتنا القومية بروح ملئها المصلحة القومية العليا... ولكن... نعم ولكن "من يعلق الجرس في رقبة القط" حسب المثل المعروف .. اللبيب تكفيه هذه الأشارة.   


53
مقابلة مع أبرم شبيرا حول الكوتا "المسيحية" والإنتخابات
===============================
أبرم شبيرا
---------------------------------------------------------
أبرم 1:
بعيد عن المجاملات والألقاب مثل رابي والسيد والكاتب القومي... نبدأ مباشرة بالأسم ونقول أهلا وسهلا أبرم 2  وبينما نحن في أجواء مشحونة بالمناقشات والإجتماعات وضجيج الندوات التعريفية بالقوائم الإنتخابية لشعبنا "الكلداني السرياني الآشوري" أو شعبنا المسيحي حسب سياقات هذا الزمن الظالم ونتساءل أين أنت من كل هذه الجلجلة ولم نقرأ كلمة واحدة منك عن هذه الإنتخابات في الوقت الذي ترى بأن معظم أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية وشخصيات مستقلة وكتابنا ومواقعنا الألكترونية مشغولة بها ويسعى كل واحد منهم سواء بتحالفه مع الغير أو دخوله معترك الإنتخابات لوحده وبشكل مستقل من أجل الحصول على كرسي أو كراسي في البرلمان العراقي، ولكن قبل هذا وذاك نود أن نعرف رأيك بما يسمى بـ "الكوتا المسيحية"، فما الذي في جعبتك عن هذه الكوتا؟
أبرم 2:
الكوتا، التي تدخل لأول مرة كمصطلح سياسي وممارسة إنتخابية في تاريخ العراق السياسي وتحديدا ما يخص شعبنا، هو مقتبس من الكلمة الإنكليزية (Quota) والذي لا معنى له بالعربية إلا "حصة" وشاع أستخدامه في المجال الإقتصادي عند تحديد حصة دولة معينة في تعاملها الإقتصادي فيما يخص التصدير والتوريد لبضائعها مع دولة أخرى ضمانا للموازنة في التعامل التجاري بينهما. وشاع إستخدام الكوتا أكثر في عالم السياسة عن طريق تخصيص نسبة معينة أو عدد محدد من كراسي البرلمان أو المجالس البلدية لفئة معينة ومختلفة عن الأكثرية لضمان وصولها إلى هذه الهيئات، والأكثر شيوعا في هذا المجال هو الكوتا النسائية و كوتا الأقليات القومية والدينية وكذلك هناك أيضا كوتا لبعض المناطق لضمان تمثيلها في البرلمان. فالعديد من الدول في هذا العصر تأخذ بنظام الكوتا سواء بالنسبة للنساء أو الأقليات أو المناطق، وهناك فقهاء في القانون والسياسة بعضهم يعارضون نظام الكوتا والبعض الآخر يؤيده ولكل طرف حججه.  العراق واحد من الدولة التي تأخذ بنظام الكوتا فيما يخص النساء والأقليات والمحافظات. وهنا ما يعنينا هو الكوتا المخصصة لشعبنا "المسيحي" بخمسة مقاعد سواء في البرلمان المركزي أو البرلمان الإقليمي في "كردستان".
أبرم 1:
إذن يمكن القول بأن الكوتا المخصصة لشعبنا هو إمتياز جيد وضمان لحقوقنا السياسية في وصول أبناء شعبنا إلى هيئات صنع القرار السياسي في العراق وإسماع صوتهم بمسعى تحقيق مصالح شعبنا من خلال  وجودهم في هذه الهيئات الرسمية... أليس كذلك؟
أبرم 2:
قد يبدو من الناحية الشكلية بأن هذا صحيح ولكن من الناحية الفعلية هو عكس ذلك تماماً. ولبيان ذلك يجب أن نعرف طبيعة المجتمع والنظام السياسي القائم فيه، وطبقاً لذلك يجب أن ننظر إلى الكوتا من ناحتين: من الناحية الرسمية والشكلية، يظهر بأن الكوتا نظام إنساني وديموقراطي يتيح فرصة للأقليات للوصول إلى مراكز صنع القرار السياسي طالما غير ممكن لهم  من الوصول إلى هذه المراكز عن طريق الإنتخابات العامة المفتوحة للجميع دون أي تمييز. هنا يفرض السؤال نفسه وبقوة لنتساءل: لماذا لا يستطيع ممثلوا هؤلاء الأقليات من الوصول إلى مراكز صنع القرار السياسي عبر الإنتخابات العامة التي هي مفتوحة وبالتساوي لجميع المواطنين؟ الجواب واضح وضوح الشمس وهو لأنه أولا: عددهم قليل في مقارنة بالنسبة المطلوبة للفوز بالإنتخابات. وثانيا: الأغلبية من الشعب، وحديثنا هو عن العراق، لا يؤمن بحقوق هؤلاء الأقليات في الوصول إلى مراكز الحكم فلا يصوت لهم. فمن المؤكد لو ترشحوا ممثلي الأقليات وفقاً للأصول المتبعة في الإنتخابات الرسمية فسوف لا يحصلون إلا على عدد قليل من الأصوات ومن بعض من أبناء جلدتهم والتي من المؤكد لا تؤهلهم للحصول على مقعد واحد. إذن العقلية التي تتحكم في المجتمع والتي لا تقبل المختلف تكون هي سيدة الموقف في تقرير مصير وصول أو عدم وصول ممثلي الأقليات لمراكز صنع القرار السياسي. من هذا المنطق نقول بأن الكوتا من الناحية الفعلية هو نظام متخلف ورجعي وليس له نتائج فعلية في ضمان حقوق الأقليات السياسية والدستورية. تصور هناك دول عربية وإسلامية نسبة النساء المقترعات في الإنتخابات العامة أكثر بكثير من نسبة الرجال ولكن ولا أمرأة واحد من المرشحات فازت في الإنتخابات البرلمانية رغم أعطاء الحق لهم في التصويت، وهذا يدل على أن المجتمع متخلف ورجعي لا يقر بحق المرأة، والحال نفسه مع الكوتا "المسيحية" في الإنتخابات العراقية. فبدون الكوتا لا يمكن لممثلي الأقليات الوصول إلى البرلمان.
أبرم 1:
ولكن يا أبرم 2 المهم هو وصول ممثلي شعبنا إلى البرلمان، أليس هذا إنجاز جيد ووسيلة رسمية وقانونية لتحقيق مصالح شعبنا في العراق؟
أبرم 2:
صحيح هو إنجاز ولكن ليس لشعبنا بل للنظام السياسي في العراق والقوى الحاكمة والمسيطرة على مقدرات الوطن. فوجود الأقليات خاصة كشعبنا المسيحي في البرلمان والمؤسسات الحكومية هو كديكور يعطي إنطباع بأن النظام هو ديموقراطي تعددي ووطني ولكن في الحقيقة والجوهر هو نظام طائفي حتى العظم لا بل نظام يمثل قمة الفساد نال شهادات عالية عالمية في الفساد منحت له من قبل منظمات دولية معروفة وأعتبرت العراق من بين أسوء دول العالم من حيث رغبة العيش فيه. أفهل هذا صحيح أم غير صحيح؟؟؟ فمن يقول بأنه غير صحيح فهو منافق وجزء من هذا النظام المتعفن، لأن مشاطرة أو المشاركة في مثل هذا النظام هو كجزء فاسد ومتعن من الكل الفاسد والمتعفن. فكيف نسمح لأبناءنا وهم جزء من شعبنا أن تتلوث أسماؤهم بفساد وعفن النظام السياسي وشعبنا معروف للداني والقاصي، للمؤمن والتكفيري، بالإخلاص والنزاهة والتفاني لخدمة العراق طيله تاريخه المعروف.
أبرم 1:
إذن من هذا المنطلق في وصف النظام السياسي في العراق بالفساد والتعفن والطائفية والمحاصصة يستحيل على ممثلي شعبنا تحقيق حتى الحد الأنى من مصالح شعبنا، أليس كذلك؟
أبرم 2:
هذا صحيح 100%. فعندما نقول بأن الأغلبية العراقية خاصة القوى السياسية التي تمثل هذه الأغلبية والقابعة على كراسي البرلمان هي أصلا لا تؤمن بحقوقنا المشروعة في الوطن لا بل الأكثر من هذا فبعضهم لا يقر بوجودنا ويأمل في يوم ما أن يكون العراق خاليا من شعبنا الأصيل. فإذا كان داعش الإجرامي ظاهر على السطح في إمحاء وجودنا من الوطن فهناك في الكوامن الداخلية لبعض الجالسين على كراسي البرلمان والحكم نفس أفكار داعش ولا يتوانون أن ينقلوها إلى الفعل والواقع عندما تحين الفرصة المناسبة لهم وعندما يسقط القناع من وجوهم وتنكشف بواطنهم الداخلية عبر بعض القوانين المتخلفة والظالمة بحق شعبنا والتي ستصبح عاجلاً أم آجلا ممارسات سياسية في القضاء على وجود شعبنا في الوطن. يتكون البرلمان العراقي من 328 عضو مضافاً إليه 5 مقاعد مخصصة للمسيحيين و 4 لبقية الأقليات، وطالماً الديموقراطية هي الصغية المتبعة في أسلوب الحكم فطبقاً لذلك فالغلبة هي للعدد أي الأغلبية. إذن كل محاولات "ممثلي" شعبنا في البرلمان والسعي للحصول على بعض الإمتيازات لشعبنا سوف تذهب، وذهبت فعلاً، أدراج الرياح. اليس هذا فعلاً تضيع للوقت والجهود لأبناء أمتنا ونحن نعرف شخصياً بأن البعض من هؤلاء "ممثلي" أمتنا لهم كفاءات عالية ومخلصين للعمل المتفاني لشعبنا وللعراق عموماً. أليست هذه حروب دونكيشوتية ضد الشياطين كما وصفناها في السابق؟ قد يكون من الظلم مقارنة وضع العراق مع بريطانيا ولكن الضرورة تفرض نفسها هنا للتأكيد بأن الديموقراطية ليست في الكلمات والسطور والقوانيين والدساتير فحسب بل قبل كل شيء يجب أن تكون الديموقراطية في العقول وذهنية المتعاملين بالسياسة. فعلى سبيل المثال، قبل بضعة سنوات وأثناء الإنتخابات البريطانية العامة جاء بعض من أعضاءالحكومة المحلية في منطقة إيلينك – غرب لندن - التي تسكنها غالبية آشورية إلى النادي الآشوري وبينً لهم بأن لهم الحق في إستعمال لغتهم القومية (الآشورية) في التعليمات والإرشادات الخاصة بالإنتخابات وفعلاً تم طبع (فلاير – منشور) باللغتين الإنكليزية والآشورية. والحال نفسه بالنسبة لقضية إضطهاد الآشوريين المسيحيين في العراق، فأنها لا تطرح  وتناقش في البرلمان البريطاني من قبل أحزابنا وتنظيماتنا القومية، رغم مساعي الحركة الديموقراطية الآشورية بهذا الشأن، بل من قبل أعضاء في البرلمان البريطاني لا علاقة لهم بالآشوريين لا مصلحياً ولا قوميا بل يؤمنون أيما إيمان بحقوق الإنسان والأقليات. والحال أكثر وضوحاً بالنسبة لفوز خمسة أعضاء من أبناء شعبنا في البرلمان السويدي فهم لم يصلوا بموجب كوتا مخصصة لهم ولا بأصوات أبناء شعبنا هناك بل وصلوا للبرلمان بأصوات السويديين. 
أبرم 1:
أرجو يا عزيزي أبرم 2 عدم الإطالة في هذا الموضوع لأنه سبق وأن طرحته بشكل مفصل في مناسبات سابقة، ولكن الذي أريد أن أعرفه منك هو موضوع أختراق هذه الكوتا من قبل بعض القوى السياسية العراقية وإستغلالها لسرقة كرسي أو أكثر من حصة شعبنا، وهو الموضوع الذي أثير وأحتج عليه أكثر من مرة من قبل بعض أحزابنا السياسية؟
أبرم 2:
هذا صحيح فسرقة كراسي الكوتا من قبل بعض القوى السياسية العراقية هي ممارسة لا تخرج عن إطار الفساد السياسي المستشري بين هذه القوى بشكل خاص وبين أخاديد النظام السياسي في العراق بشكل عام. والملاحظ بأن أساليب سرقة كراسي الكوتا تتم بطريقتين:
الأولى: طرح مرشح "مسيحي" منتمي إلى أحدى الأحزاب العراقية سواء بشكل إنفرادي أو تشكيل قائمة على أعتبار أنها قائمة مسيحية هدفها قبل كل شيء هو تحقيق أجندة الحزب الذي ينتمون إليه وإن يظهرون شكلياً بأنهم يسعون إلى تحقيق مصلحة شعبنا، فواقع الإنتخابات السابقة يثبت هذه الحقيقة.
الثاني: التصويت بشكل مكثف من قبل أعضاء أو الموالين "للحزب غير المسيحي" للمرشح الدائر في فلك الحزب لضمان فوزه بكرسي في البرلمان. ففي الإنتخابات السابقة، وليس مستبعداً أن يحدث في الإنتخابات القادمة، فاز مرشح "مسيحي" بأصوات كثيرة جاءت من منطقة لا يسكنها المسيحيون ولم تأتي هذه الأصواب للمرشح "المسيحي" إيماناً بالديموقراطية وبحق المسيحيين في الوصول للبرلمان بل جاءت بأوامر من الحزب الذي ينتمون إليه أو يؤيدونه.
أبرم 1:
إذن ما الحل؟ هل تعتقد بأن محاولات بعض أحزابنا السياسية للحد من سرقة كراسي المسيحيين هي غير مجدية وليس لها آذان صاغية.
أبرم 2:
هذا صحيح لأن مسالة السيطرة أو الحد من سرقة كراسي المسيحيين صعبة جداً أن لم تكن مستحيلة طالما صفة المسيحي تنطبق على المرشح التابع للحزب غير المسيحي والحال نفسه بالنسبة للقائمة الإنتخابية المفبركة من قبل الحزب غير المسيحي طالما أعضاء القائمة مسيحيون. كما لا يمكن منع كردي أو شيعي، على سبيل المثال، من التصويت لمرشح مسيحي دائر في فلك حزب كردي أو حزب شيعي. لهذا السبب نقول بأن الكوتا المسيحية غارقة في بحر من فساد النظام السياسي في العراق ولا تعدو إلا كلمة منمقة يستفيد منها النظام نفسه وبعض "ممثلي" شعبنا في البرلمان الخارقين في نفس بحر الفساد أكثر بكثير مما يستفيد منها شعبنا في العراق.
أبرم 1:
هناك سبع قوائم مسيحية نزلت إلى ساحة الإنتخابات البرلمانية وبحدود 70 مرشحاً  في هذه القوائم وبعضهم في القوائم غير المسيحية تم غربلتهم من قبل المفوضية المستقلة للإنتخابات وثبت عدم شمولهم بإجراءات المسائلة والعدالة، فما رأيك بهذا؟
أبرم 2:
برأيي أن عدد القوائم والمرشحين كبير جداً في مقارنة بالكوتا المخصصة بخمسة مقاعد. والمشكلة ليس في هذا بل في التناقضات الكبيرة والواضح بين هذه القوائم والمرشحيين والتي تعكس وبوضوع التناقاضات والأزمات التي يمر شعبنا بها في العراق. هذا من جهة. من جهة أخرى نرى بأن الظاهر هو غياب الأسم الآشوري بشكل مستقل في القوائم الإنتخابية بعكس الحال مع الأسم الكلداني والسرياني، بإستثناء ما ورد في التسمية المركبة الموحدة (كلداني سرياني آشوري) ومن الملاحظ بأن هذه القوائم سواء من حيث الشكل أو من حيث المضمون تشكل أكثرية وتعكس في نفس الوقت صورة واضحة عن رغبة شعبنا في الوحدة سواء من حيث التسمية أو الفعل. وهناك غرابة بعض الشيء في الإئتلافات والتحالفات، فنرى الذي كان يؤمن ويعمل بالتسمية المركبة والموحدة (كلداني سرياني آشوري) يأتلف في قائمة مع المتمسك وبقوة بالتسمية المفردة. وهناك من كانوا بالأمس دائرون في دائرة التخوين والعمالة يأتلفون في قائمة واحدة. ولما الغرابة أليسوا عراقيون.؟؟؟.. فحالهم كحال الحزب الشيوعي العراقي، العلماني أو الملحد كما يرغب أن ينعته البعض، يأتلف في قائمة واحدة مع التيار الصدري الشيعي المتدين؟؟ ... أنه فايروس الكرسي الذي لا حدود له.   
أبرم 1:
من المنطلقات التي ذكرتها كلها في أعلاه يظهر بأنك لا تؤيد مشاركة أبناء شعبنا في التصويت للإنتخابات القادمة وأنك متشائم تعرض المشاكل المستعصية ومن دون حلول أو نتيجة؟
أبرم 2:
هذا غير صحيح إطلاقا. أولاً أنا أويد وأشجع أن يذهب أبناء شعبنا إلى صناديق الإقتراح ليس بهدف توصيل هذا المرشح أو ذاك إلى البرلمان لأنه من المؤكد لا يمكن أن يعمل شيء في عالم الفساد غير الفساد، بل الغرض من الإقتراع هو أن نعرف أي من القوائم أو المرشحين سوف يفوزون بأكثرية الأصوات حينذاك يستوجب علينا أن نطلق عليهم "ممثلي" أمتنا لأن الإنتخابات هي المعيار الوحيد المتاح، حتى وإن لم نتفق معها ومع كوتتها، فأنه لا خيار لنا غير أعتماد نتائجها في سياق معرف "ممثلي" أمتنا. من هذا المنطلق أضع كلمة ممثلي بين هلالين والقارئ اللبيب يفهمها، (وهي طايره). كما أن نتائج الإنتخابات ستفرز مؤشر وإتجاه أبناء شعبنا بخصوص توجهات وأفكار وسياسيات وبرامج القوائم والمرشحيين. فعلى سبيل المثال لا الحصر، إذا فازت قائمة الإئتلاف الكلداني بأكثر المقاعد فهذا معناه بأن أكثرية أبناء شعبنا يؤيد التسمية الكلدانية المفردة وتوجهات وأفكار الجهات التي تويدها مثل الرابطة الكلدانية والكنيسة الكلدنية الكاثوليكية فيسلتزم علينا أحترام رأي هذه الأغلبية. أما إذا فازت، على سبيل المثال لا الحصر، قائمة إئتلاف الرافدين أو قائمة حزب أبناء النهرين أو قائمة إتحاد بين النهرين الوطني، بأكثرية المقاعد فهذا يعني بأن أغلبية أبناء شعبنا يؤيدون توجهات وأفكار هذه القوائم الداعية إلى وحدة شعبنا المتمثلة في وحدة تسميته الوحدوية "الكلدانية السريانية الآشورية"، كما كان الحال في الإنتخابات السابقة نجاح هذه التوجهات الوحدوية وسقوط التوجهات الفردية. أما إذا فازت قائمة المجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري المسنودة من قبل الحزب الديموقراطي الكوردستاني بأكثرية المقاعد فهذا يعني بأن أكثرية أبناء شعبنا يؤيدون توجهات المجلس تجاه الكورد. فمن هذا المنطلق فالواجب يفرض علينا أحترام هذه الأكثرية، وهكذا الحال مع بقية القوائم والمرشحين.
أبرم 1:
وماذا بشأن التشاؤم والذي منه تنطلق في كثير من الأحيان إلى دعوة "ممثلي" أمتنا في البرلمان والهيئات الحكومية الأخرى إلى الإستقالة من جهة وأنك تؤيد أبناء شعبنا الذهاب إلى صناديق الإقتراع من جهة أخرى، أليس في هذا تناقض؟
أبرم 2:
هناك فرق كبير بين التشاؤم وعرض أو بيان حال الواقع بكل أمراضه ومأساته وتناقضاته ومشاكله. فعندنا نعرض واقعنا المأساوي، هو كما يكشف ويعلن الطبيب المرض للمريض، فهذا لا يعني التشاؤم واليأس المميت، بل هي حالة أولية للبحث والوصول إلى دواء أو حل ممكن وحتى أن كان هذا الحل أو العلاج صعب التحقيق، ولكن الأمل يبقى أكسير الحياة والتقدم والنجاح. فأملي كان ولا يزال هو أن يستقيل "ممثلي" أمتنا ويشكلون اللجنة العليا لشؤون المسيحيين "الكلدان السريان الآشوريون" ليكون الإطار الأمثل للعمل القومي وتوحيد الخطاب السياسي. فإستقالتهم سيبين للعالم بأننا لسنا جزء من نظام الفساد في العراق وأن لنا إستقلالية متمثلة في وحدة كياننا القومي ووحدة خطابنا السياسي، ومثل هذا الأمل لا يمكن أن يتحقق ما لم يتعافى هؤلاء ويتخلصون من فايروس الكرسي القاتل.
اما بخصوص التناقض الذي تقول عنه بين الإستقالة وتأييد أو تشجيع أبناء شعبنا للتصويت لكي يفوز البعض بكراسي برلمانية فإن مثل هذا التناقض سيزول عندما نعرف بأن الإستقالة يجب أن تتم وهم في الكراسي البرلمانية وليس في خارجها لأن عندما يكونون خارج البرلمان لا تتحق الإستقالة، أي بهذا المعنى لندع مرشحي شعبنا الوصول إلى البرلمان ومن ثم من هناك يعلنون إستقالتهم لأنه من المؤكد سيكون لهذه الإستقالة ردة فعل قوية داخلياً وخارجياً فلربما سيكون هناك من يسمع صراخنا ويتساءل عن سبب إستقالة "ممثلي" المسيحيين من البرلمان العراق والمنتخبين شرعاً وقانوناً من قبل الشعب المسيحي.
أبرم 1:
حتى نتجب الإطالة التي يملُ منها البعض وليس له الوقت الكافي لقراءة المواضيع الطويلة... فهل من كلمة أخيرة؟
أبرم 2:
لا أعتقد بأنه يختلف أحد في القول بأن وضعنا في الوطن مأساوي وتواجهنا تحديات خطيرة جدا وماحقة تهدد مصير وجودنا التاريخي في الوطن، ولا أعتقد بأن احد سيعارضني بأنه ثلاثة أرباع شعبنا ترك الوطن والباقي يعاني مأساة تراجيدية ولكن صامد... ولكن إلى متى؟ من هذا الواقع يجب أن تكون الممارسات السياسية لشعبنا بمستوى التحديات الماحقة التي يواجهها شعبنا. فإعاقة صدور مشروع قانون مجحف بحق أمتنا أو إسترجاع بضعة دونمات من أرض متجاوز عليها ما هي إلا محاربة الدايناصور بدبوس صغير لا تزيد من صمود شعبنا في أرض الوطن ولا يفكر المهاجر بالعودة... لنكن واقعين فالسياسة هي واقع أو كما قيل بأنها فن المكن... أفهل يدرك سياسيو أمتنا هذا الفن لكي تعاملوا معه ويحققوا النتائج؟؟؟ أمر مشكوك فيه طالما مرض الإنيميا السياسية يحجب نظرهم وعقولهم عن الإدراك الحقيقي لواقع أمتنا المأساوي في الوطن... فحدود هذا الإدراك، مع الأسف الشديد، لا يتجاوز الكرسي والجيب.
 


مفاتيح الحل لمأساة شعبنا في العراق
=============================
الصورة للفنان هارون نقلا عن جريدة الخليج الإماراتية 05/09/2015
-------------------------------------------
ملاحظة:
------
أتبعنا أسلوب جديد في طرح الموضوع كمحاولة للإبتعاد عن الرتابة في طرح الموضوع بالشكل المتعارف عليه فأرجو أن يستصيغه القارئ الكريم.

54
نصف قرن من زمن الإتحاد الآشوري العالمي (AUA) نيسان 1968 -  نيسان 2018
ܚܘܝܕܐ ܬܒ̣ܝܠܝܐ ܐܬܘܪܝܐ
=============================

الجزء الثاني
-----------
أبرم شبيرا

في الجزء الأول من هذا الموضوع تحدثنا عن مسيرة الأتحاد خلال نصف قرن مروراً بالمؤتمرات السنوية التي عقدها ثم باشرنا بالرجوع إلى البدايات الأولى لتأسيس الإتحاد منطلقاً من بعض العوامل الموضوعية السياسية الدولية والإقليمية والعوامل الفكرية القومية التي ساهمت في دفع نخبة من الشباب الآشوري المثقف في إيران للمبادرة نحو تأسيس منظمة آشورية عالمية فدرالية تكون ممثلاً للآشوريين على المستوى الدولي ,والذي أنعقد ف نيسان عام 1968 وأعلن فيه تاسيس الإتحاد الآشوري العام. ثم تطرقنا إلى أيديولوجيا الإتحاد والتي لخصناها في رباعية معروفة في وحدة تسمية الأمة ولغتها وقيادتها ومطالبتها في كيان خاص ومستقل للآشوريين في شمال بيت نهرين. والإتحاد خلال نصف قرن تمكن من تحقيق بعض الإنجاز على المستوى القومي والعالمي خاصة فيما يتعلق في تثبيت بعض الرموز القومية مثل الأول من نيسان كعيد قومي للآشوريين والعلم الآشوري وكذلك السابع من آب من كل سنة كيوم للشهداء الآشوريين والتي أصبحت من الرموز القومية في الممارسات السياسية لأبناء شعبنا في هذه الأيام كما عمل وبشكل فعال في تعميم ونشر الأسم الآشوري على المستوى العالمي والمنظمات الدولية. للإطلاع على الموضوع أنقر على العنوان التالي:
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=872527.0

هذا الجزء الثاني هو محاولة لتقيم الإتحاد من عدة نواحي كخلاصة وإستنتاج لما كتبناه في الجزء الأول:

•   كتبتُ هذا الموضوع ليس تأييداً أو مساند للإتحاد أو عمل الدعاية له أو معارضته بل الغرض الأساسي هو توثيق جزء ولو بسيط عن هذه المؤسسة القومية العتيدة. حيث هناك الألاف من الوثائق والكتب والبيانات والتصريحات والتقارير يصعب جداً حشرها في بعض السطور بل يتطلبها مجلدات ضخمة، وأن ما كتبناه هو معتمد على ما هو متوفر في مكتبتي الخاصة وما زوده لي بعض الأصدقاء الكرماء. أن مسألة التوثيق مهمة جداً في حياة الشعوب لأنها تسجيل لتاريخها وهويتها ووجودها هدفها الحد أو منع دخول الأمة في  عالم النسيان، فالتوثيق هو وسيلة  لمعرفة تواصلها وديمومتها عندما تكون متاحة ومعلومة للأجيال القادمة. من هنا أنشاد الإتحاد الآشوري العالمي بأن يهتم بمسألة التوثيق هذه وأن يقوم بجمع كل ما هو متوفر وضمها في مجلد خاص، وأنا متأكد بأن فرع الإتحاد في أستراليا قادر على القيام بهذه المهمة. لا بل أن تاريخ الإتحاد وفكره ونشاطه يصلح جداً أن يكون موضوع دراسة أكاديمية في العلوم السياسية لنيل شهادات عالية في الماجستير أو الدكتوراه وحبذا لو أنتبه طلابنا الأعزاء المهتمين بدراسة نشؤ وتطور الحركة القومية الآشورية لهذا الموضوع.
•   من حيث الإستنتاج أقول: أن من يعرف الأبجدية السياسية سوف يعرف وبسهولة بأنه منذ تأسيس الإتحاد قبل نصف قرن من حيث هيكليته الفدرالية وأهدافه القومية كان إستجابة صحيحة ومباشرة لوضع أمتنا في تلك الفترة ولا يزال بأن هذه الإستجابة، من حيث المبدأ،  سارية حتى يومنا ووسيلة علاجية للوضعنا الحالي. حيث لدينا العديد من الأحزاب السياسية والمنظمات الدولية وعلاقتهم بعضهم بالبعض فيما يخص التنسيق وتوحيد الخطاب السياسي والظهور على المسرح السياسي العالمي هي بعديدة كل البعد عن تحقيق الحد الأدني المطلوب لأن جميعها تدور في دائرة الفتور والنفي والتناقض يتطلبها منظمة فدرالية تكون كمظلة لهم في نطاق عملهم السياسي وفي مواجهة التحديات المشتركة. ومن الملاحظ بأن هناك أكثر من محاولة من قبل بعض من أبناء أمتنا نحو إنشاء منظمة عالمية أو برلمان آشوري أو حكومة في المنفى تكون ممثلة للأشورين في العالم خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية. غير أنه من المؤسف القول بأن مثل هذه المنظمة لا يمكن أن تقوم لها قيامة أو تكون فاعلة مالم تكون في إتساق وتفاهم وترابط مع القوى السياسية لأبناء شعبنا في الوطن نحو مسعى لتوحيد الخطاب السياسي القومي كسبيل للوصول إلى صناعي القرار السياسي في بلدان العالم. صحيح هو أن الإتحاد الآشوري العالم نجح في السنوات السابقة في إيصال الصوت الآشوري إلى المنظمات الدولية ولكن في السنوات الآخيرة لم نلاحظ أي وجود أو فاعلية له على أرض الوطن وبالتالي لم يعد له نشاط يذكر لا على مستوى الدولي ولا على مستوى حكومات دول المهجر. لهذا نرى بأنه لا وجود فعلي ولا نشاط محسوس لفروع الإتحاد في الولايات المتحدة الأمريكية وفي أوروبا والشرق الأوسط  وخاصة في العراق وسوريا، فهي أن لم تكن في خبر كان فهي مشلولة ولا وجود لها إلا على الورق. والإستثناء هنا يسجل لفرع أستراليا فهو الكيان الوحيد الناشط له وجود على الساحة السياسية القومية كما له أيضاً إمكانية حشد الجماهير في مناسبات قومية خاصة في إحتفالات الأول من نيسان، وله أيضا علاقة قوية مع الجهات الحكومية خاصة في ولاية ساوث نيو ويلز فحاكم هذه الولاية والمسؤولين السياسية فيها لهم حضور دائم ومشارك في النشاطات التي يقوم بها فرع أستراليا، فلهم تحياتنا الحارة ومزيدا من التقدم.
•   ولو نظرنا إلى فكر الإتحاد منذ تأسيسة وعلى رباعية أيديولوجيته نرى بأنها كانت في السنوات السابقة منطقية ومعقولة في النظر إلى الواقع المأساوي لأمتنا. واليوم أيضاّ أن هذه الأيديولوجية تضع الأصبع على الجرح المتمثل في تعدد التسميات بحث أصبحت التسميات الطائفية لها مدلولات قومية، ووصل تعدد اللهجات إلى درجة صارت كل لهجة لغة قومية. أما الإفتقار إلى منظمة فدرالية شاملة كمظلة لمعظم أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية فالحديث عنها بلا حرج. ولا ننسنى مطالبة الإتحاد بكيان مستقل أو وطن خاصة بالآشوريين في شمال بيت نهرين فهو الآخر يتمثل اليوم في مطالبة أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية على كيان أو حكم ذاتي أو محافظة في سهل نينوى... ولكن ... نعم ولكن... يظهر بأن هذه الأيديولوجية تكتسب نوع من الطوباوية والمثالية مقارنة مع واقعنا الحالي المأساوي بحيث يصعب جداً أن لم يكون تطبيقها مستحيلاً خاصة ما يتعلق بقبول التسمية الآشورية من قبل أبناء التسميات الآخرى.. ولكن مرة أخرى نقول بأن تمسك الإتحاد الآشوري العالمي بفكره وأيدولوجيته له دلالة مبدئية راسخة بكل الذي يؤمنون به، فهو واجب علينا، طبقاً لحرية الفكر والتفكير، أن نضعه موضع إحترام وتقدير.
•   لا شك فيه لم يكن طريق الإتحاد خلال نصف قرن من زمنه مفروش بالورود بل عانى الكثير من المطبات والأزمات والمعظلات والتحديات أعاقت في جوانب معينة مسيرته النصف القرنية فكانت هناك، كما نعتقد، عوامل سلبية أثرت على سمعة الإتحاد ومكانته كما كان أبتعاده عن الواقع المعاش في أرض الوطن عامل آخر في تراجع دوره ومكانته بين الآشوريين وتحديدا في الوطن الأم. فمثلاً كان عجز الإتحاد في إقناع الأحزاب السياسية والمنظمات القومية الآشورية من الإنضمام إليه سبباً دفعه لكي يشارك معهم في تحالفات وإتفاقيات وكأنه هو أيضا حزب سياسي كغيره من الأحزاب الآشورية وليس منظمة فدرالية شاملة لهذه الأحزاب والمنظمات، وبالتالي حاول الإتحاد الخروج من هذا المأزرق فلجاً إلى المناورة على هذه الأحزاب عن طريق تأسيس الذراع السياسي للإتحاد ليكون ممثلاً له في التجمعات والتحالفات السياسية الآشورية. غير أن هذه المحاولة لم يكتب لها النجاح بل ترتبت عليها نتائج سلبية تمثلت في نشؤ خلافات بين الذراع السياسي وقيادة الإتحاد مما إدى ذلك إلى الإنشقاق وخروج الكثير من أعضاء الذراع السياسي عن الإتحاد ولجوء بعضهم إلى تأسيس منظمات أو أحزاب أخرى. نقطة أخرى مؤثرة على الإتحاد كانت تتمثل ولا تزال في مركز السكرتير العام. حيث من الملاحظ بأنه تقريباً منذ تأسيس الإتحاد وحتى يومنا هذا كان السكرتير العام من الآشوريين الإيرانيين، أي بمعنى آخر كانوا قليلي المعرفة والإدارك بالواقع الآشوري والعراقي وجلهم لا يتكلمون العربية ولا يفهمون العقلية العربية أو العراقية التي تسير أمور الحكم في العراق. ولا نخفي القول بأنه في معظم إنتخابات السكرتير العام لعب الآشورين الإيرانيون دورا في تخصيص منصب السكرتير العام لأشوري من أصل إيران وحتى يومنا هذا. وهنا يجب التأكيد بأن هذه الإشارة ليست التقليل من شأن أخوتنا الآشوريين من إيران فهم معروفين بنشاطهم المحموم وبأساليبهم التنظيمية وبإلتزاماتهم القومية إلا أن ضرورة السياسة الواقعية تفرض علينا أن نفهم الواقع، أي العراق، الذي يعيش فيه الآشوريون والسياسات التي تحكمه كأسلوب ناجع للتعامل معه وتحقيق النتائج.
•    لعل، بإعتقادي وإعتقاد الكثير من أبناء شعبنا، بأن أكبر إنتكاسة أصابت الإتحاد هو زيارة بعض من أعضاء قيادته للعراق في الربع الأول من سبعينيات القرن الماضي والدخول في مفاوضات مع حكومة البعث وإقامة علاقات مع هذا الحزب الإستبدادي ومن ثم السماح لبعض الآشوريين الدائرين في فلك البعث حضور مؤتمرات الإتحاد كممثلين للآشوريين في العراق والتي لم تنتج عنها غير إساءات للإتحاد وفقدان الكثير من سمعته الطيبة بين الآشوريين القوميين. ولم تظهر قذارة هؤلاء العملاء للبعث إلا في المؤتمر العام للإتحاد في سيدني عام 1978 عندما حضر هؤلاء العملاء للمؤتمر ومعهم علب من الحلويات (بقلاوة ومن السما) محشية بسموم قاتلة فأدى ذلك إلى تسمم بعض الأعضاء وعوائلهم الذين تناولوها فكان هذا موضوع الصحافة الإسترالية بعد ثبوت السموم في هذه الحلويات في مختبرات رسمية. من هذا المنطلق أقول بأنه تقريباً أنتهى وجود الإتحاد في العراق وأصبح ناشطاً على المستوى الدولي والقاري وانحصر هذا النشاط فقط في فرع أستراليا.
•   وأخيرا، إذا كان الحال قد فرض علينا أن ننعت أيديولوجيا الإتحاد بنوع من الطوباوية فأن نقلها إلى أيديولوجية واقعية قابلة للتنفيذ يتتطلب من الإتحاد أن يفهم واقع أمتنا في الوقت الحالي ويتماشى معه ويدرك أهمية إستقلال أحزابنا السياسية وتنظيماتنا القومية إلى تلك الدرجة من الثقة المتبادلة بحيث يفسح لها المجال لكي تنظم إلى الإتحاد وتسعى إلى توحيد الخطاب القومي السياسي كهدف لتحقيق المصلحة القومية الشاملة لجميع مكونات شعبنا بغنى عن الإصرار على تسمية معينة. من هذا المنطلق وبإعتبار الإتحاد نموذج مثالي وممتاز ليكون مظلة لإحزابنا وتنظيماتنا خاصة على المستوى العالمي يستوجب على قيادته الإدراك بأنه منظمة فدرالية وليس حزب سياسي وأن يعيد ترتيب أوراقه القديمة بشكل تتلائم مع العصر الراهن ومن ثم يطلب من الأحزاب والمنظمات إلى عقد مؤتمر عام بهذا الشأن ولا يتصرف فيه كـ (Big Brother) بل أن يكون المنظم والمنسق ويعمل على وضع نظام داخلي جديد تتناوب فيه المسؤوليات بين هذه الأحزاب والمنظمات، حينئذ يشعر هؤلاء بأنهم جزء من الإتحاد الآشوري العالي فلعل نصل إلى خطاب سياسي قومي موحد للجميع أبناء شعبنا الكلداني السرياني الآشوري. وأنا أرى في قيادة فرع أستراليا أمكانية للقيام بهذه المهمة في إعادة الإتحاد إلى النشاط وفي بناء أسس جديد للمظلة القومية لهذه الأحزاب والتنظيمات.
•   وفي الأخير لم يبقى إلا أن أقول بأن للموضوع عدد كبير وهائل من الرسائل والوثائق والبيانات وتقارير المؤتمرات بحيث تشكل ضخامتها عنصرا صعباً في تبويبها وإستخدامها بشكل متناسق للكتابة عن هذا الموضوع مما قد يؤدي هذا إلى النقص والوقوع في بعض الأخطاء والإرتباكات فأرجو المعذرة من القارئ النبيل فيما إذا أخفقت في هذه المهمة. فهذه المصادر من وثائق وتقارير ومراسلات تجمعت لدي منذ فترة طويلة والفضل كله يعود للأصدقاء الدكتور عمانوئيل يوسف قمبر السكرتير العام الأسبق للإتحاد والمرحوم شموئيل وردا السكرتير السابق لفرع أستراليا والسيد هرمز شاهين نائب السكرتير العام للإتحاد والسيد ديفيد ديفيد سكرتير فرع أستراليا والسيد نينوس نيسان المسؤول الثقافي للإتحاد الذين لم يتوانوا في تزويدي بكل ما طلبته منهم، فواجب الأصول الأدبية والإخلاقية يستوجب أن أعبر عن كامل شكري وإمتناني لجميعهم.


 
   صورة للمجتمعين في المؤتمر الآشوري العالمي في نيسان عام 1968 الذي بموجبه تأسس الإتحاد الآشوري العالمي
-------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------


محضر الإجتماع باللغة الفرنسية وفيه فقرة تأسيس الإتحاد الآشوري العالمي

------------------------------------------------------------------ 

     صورة للمؤتمر الرابع في طهران 1971 وفيها يظهر رئيس وزراء إيران الأسبق أمير عباس هويدا يفتتح المؤتمر بتلاوة رسالة شاه إيران
---------------------------------------------------------------------------

55
نصف قرن من زمن الإتحاد الآشوري العالمي (AUA) نيسان 1968 -  نيسان 2018
ܚܘܝܕܐ ܬܒ̣ܝܠܝܐ ܐܬܘܪܝܐ
=============================

الجزء الأول
-----------
أبرم شبيرا
نصف قرن في سطور:
-------------
الإتحاد الآشوري العالمي (الإتحاد) وبالإنكليزية (Assyrian Universal Alliance) وإختصاراً (AUA) وبالسريانية/الآشورية (ܚܘܝܕܐ ܬܒ̣ܝܠܝܐ ܐܬܘܪܝܐ) تأسس في مدينة باو (Pau) جنوب غرب فرنسا على أثر أنعقاد المؤتمر الآشوري العالمي للفترة من 10 -13 نيسان  من عام 1968. وعقب إنتهاء الإجتماعات أعلن تأسيس الإتحاد الآشوري العالمي وأعتبر 10 نيسان يوماً لتأسيسه وهناك وثائق أخرى تذكر بأن يوم تأسيس الإتحاد هو في13 نيسان من نفس العام. كما أعلن فيه الأيديولوجية القومية الآشورية. وفي اليوم الأخير للإجتماع أنتخب المرحوم السيد فلاديمير الأبن البكر للجنرال أغا بطرس أول سكرتير عام للإتحاد. إضافة إلى ذلك أعلن في المؤتمر بأن تكون لندن – المملكة المتحدة مكان إنعقاد المؤتمر الثاني للإتحاد الذي أنعقد للفترة من 13-17 آب  من عام 1969 وفيه تم إقرار النظام الداخلي للإتحاد وإنتخاب أعضاء الهيئة التنفيذية وتشكيل ثلاثة فروع إقليمية للإتحاد: في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وآسيا ثم أضيف فيما بعد الفرع الإسترالي. كما تقرر أن ينعقد المؤتمر الثالث في مدينة كولون بألمانيا الغربية للفترة من 22-26 آب من عام 1970. أما المؤتمر الرابع فقد أنعقد في طهران عاصمة إيران للفترة من 23-27 آب عام 1971 والتي حضر إفتتاحه رئيس وزراء إيران الأسبق السيد أمير عباس هويدا، ثم توالت المؤتمرات السنوية: الخامس في جنيف – سويسرا 26-30 نيسان 1972، السادس في يونكر – الولايات المتحدة 25-30 نيسان ،1973، وكان من المقرر أن ينعقد المؤتمر السابع في لبنان إلا أنه لظروف سياسية تم إنعقاده في شيكاغو – الولايات المتحدة 17-23 أيلول 1974. الثامن في جنيف – سويسرا 29 تشرين الأول – 2 تشرين الثاني 1975. التاسع في ستوكهولم – السويد 4-9 تشرين الأول 1976. العاشر في لندن – المملكة المتحدة 3-8 تشرين الأول 1977. غير أنه من المؤسف له لم تتوفر لدينا معلومات أو وثائق عن المؤتمرات اللاحقة خاصة وأن الموقع الألكتروني للإتحاد تعرض للقرصنة وبالتالي إلى إغلاقه. زد إلى ذلك تعرض الإتحاد خلال السنوات اللاحقة إلى بعض المطبات والأزمات والتحديات مما جعل تواتر إنعقاد مؤتمراته السنوية غير منتظمة وبالتالي صعوبة متابعتها وأن ما توفر لدينا هو المؤتمر السادس عشر في لندن – المملكة المتحدة 17-24 آب 1985، الذي أعلن الإتحاد فيه إلتزامه الكامل في دعم وإسناد الحركة الديموقراطية الآشورية – زوعا، والسابع عشر في سيدني – أستراليا 22-27 نيسان 1989 والذي أصدر النظام الداخلي للإتحاد ذكر في المادة الثالثة (الأسم والتأسيس) بأن الإتحاد تأسس في 13 نيسان من عام   1968 ميلادية 6718 آشورية. أما المؤتمر التاسع عشر فقد عقد في موديستو – الولايات المتحدة 26-30 مايس 1994. وفي تقرير أعده فرع أستراليا للإتحاد بمناسبة الثامنة والأربعين لتأسيسه ذكر بأنه  بلغ مجموع المؤتمرات التي عقدها الأتحاد الآشوري العالمي  ثمانية وأربعون مؤتمراً عقدت في مختلف بلدان العالم التي يتواجد فيها ابناء شعبنا

الخلفية التاريخية:
----------
لم يأتي تأسيس الإتحاد من الفراغ أو بقرار نابع من ظروف ذاتية خاصة، بل كانت هناك جملة ظروف موضوعية سياسية وفكرية قومية ودولية وإقليمية شكلت عوامل مهمة في تأسيس الآتحاد.
العوامل الموضوعية السياسية:
-----------------
في السنوات الأولى  من ستينيات القرن الماضي عاش الآشوريون في وطنهم في الشرق الأوسط  في ظروف قاسية وعصيبة وواجهوا تحديات خطيرة هددت وجودهم وهويته القومية في موطنهم التاريخي والتي نشأت من حادثتين:
الأول: بروز العروبة والفكر القومي العربي المتشدد والذي تمثل في الناصرية أو الفكر الناصري في مصر ثم إنتشاره في سوريا والعراق وبروز الحركة القومية العربية على السطح السياسي بفعالية مؤثرة على الوجود القومي للقوميات والأديان الأخرى خاصة في عهد الأخوين عبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف وبالتالي سنوح الفرص لحزب البعث العربي للإستلاء على السلطة في كل من سوريا والعراق عام 1963.
الثاني: في بداية عام 1961 إندلعت الثورة الكوردية في شمال العراق الذي هو الموطن التاريخي للآشوريين وللمئات من القرى والقصبات والتي كانت تشكل المراكز المكثفة للوجود الآشوري. فنشأ على أثر ذلك صراع مسلح بين الكورد والحكومة المركزية العراقية أدى ذلك إلى تهجير ألاف من الآشوريين من قراهم وتعرض الكثير منها إلى النهب والسلب والتدمير.
العوامل  السياسية الدولية:
---------------
منذ وصول جمال عبد الناصر إلى السلطة في مصر في عام 1953 وما تلى ذلك من تصاعد النزعة القومية العربية وقيام إنقلاب تموز عام 1958 في العراق وما صاحب ذلك إضرابات كبيرة في لبنان وإقتراب الأسطول الخامس من السواحل الشرق للبحر الأبيض المتوسط وتصاعد حدة الحرب الباردة وإشتداد العداء بين العرب والإسرائيلين وبالتالي إغلاق مضايق تيران من قبل عبد الناصر ونشوب حرب الأيام الستة في عام 1967، كل هذه العوامل كانت قد أتاحت الفرصة للقوى العظمى خاصة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا أن يكون لها تأثيرا كبيراً في رسم سياسات جديدة للمنطقة. فكانت هذه الأوضاع موضوع دراسة ومراقبة وإهتمام لا بل قلل للأقليات القومية والدينية. ففي ظل هذه الظروف للمنطقة أستوجبت على الآشوريين القوميين البحث والدراسة لإيجاد كيان سياسي قومي عالمي يمثل الآشوريين ويكون له مكاناً في تطور هذه الأحداث لضمان حقوقهم في أوطانهم في الشرق الآوسط، فكان تأسيس الإتحاد الآشوري العالمي إستجابة لهذه التطورات ليكون ممثلاً للآشوريين.
العوامل الفكرية القومية:
--------------
 تفاعلت الظروف الموضوعية أعلاه مع نمو وتطور الوعي القومي السياسي بين الآشوريين خاصة الشباب منهم متأثرين بشكل أو بآخر برواد الفكر القومي الآشوري الوحدوي أمثال آشور بيت هربوت و نعوم فائق وفريد نزها وفريدون أتورايا، فكان للجمعية الثقافية للشباب الآشوري ((Assyrian Youth Cultural Society - AYCS – (الجمعية)  في طهران الدور الرائد في التحركة والمبادرة لطرح فكرة إيجاد قيادة موحدة للأشوريين في العالم. ولما كانت الحركة القومية الاشورية قد أرتبطت بمثلث الرحمات مار شمعون إيشاي بطريرك كنيسة المشرق الآشورية الأسبق، فقد وجدت الجمعية فيه الشخص المناسب لقيادة هذه المبادرة وتشكيل قيادة موحدة للآشوريين في العالم. وفعلا تم مفاتحته عن طريق جمعية الرحمة الآشورية في طهران برسالة مؤرخة في الخامس من شباط عام 6619 لتولي زمام هذه المهمة في زعامة القيادة الآشورية العالمية المزمع تأسيسها. وفي نفس الوقت بعثت الجمعية رسائل عديدة بخصوص نفس الموضوع إلى الجمعيات الآشورية، منها الإتحاد الأشوري الأمريكي القومي في الولايات المتحدة، وإلى شخصيات دينية وقومية معروفة وبارزة على السطح السياسي القومي في الولايات المتحدة وأوروبا. فكان رد البطريرك في رسالة من بضعة سطور يكتنفها الكثير من الغموض وعدم الوضوح وأكتفى بإعلام الجمعية بإستلام رسالتها من دون أن يبين رأيه بالموافقة أو الرفض مع تضمينه بعض الكلمات الخاصة بالتمني لهم بالنجاح والموفقة. غير أنه أثناء زيارته لطهران عام 1967 أعلن بشكل واضح عدم رغبته في التدخل في السياسية وتولي مسؤولية تشكيل قيادة آشورية عالمية منطلقاً من خلفيته التاريخية للحركة القومية الآشورية ومن المعاناة التي عانها من جراء قيادته لهذه الحركة. ثم وجدوا في فلاديمير الأبن البكر للجنرال الآشوري أغا بطرس الشخص المناسب لهذه المهمة فتم مفاتحته فوافق على تولية هذه المهمة.
العوامل السياسية الإقليمية:
---------------
يلاحظ القارئ الكريم بأن فكرة تأسيس الإتحاد الآشوري العالمي لم تنبعث من جهة سياسية بل من الجمعية الثقافية للشباب الآشوري في طهران ثم شارك معها جمعية الرحمة الآشورية في تنظيم وإرسال الدعوات للشخصيات الآشورية المعروفة لعقد المؤتمر الآشوري العالمي. والضرورة هنا تقضي الإشارة إلى دولة إيران التي لم يكن نظامها السياسي بتلك الدرجة من الديموقراطية والإنفتاح للغير ليسمح للآشورين المسيحيين من القيام بنشاط سياسي لو لم يكن مثل هذا النشاط موجهاً بالأساس إلى دول عربية كالعراق وسوريا ولبنان التي لم تكن في وفاق ووئام معهم بل كانت العلاقة معهم مرتبكة ومتوترة خاصة بالنسبة للعراق الذي كان يطالب الآشوريون بوطن لهم في القسم الشمالي منه. فالأمر أقتضى على أيران أن تساعد الآشوريين في مهمتهم السياسية هذه ليكونوا موضوع تأثير على الحكومة العراقية كما كان الحال بالنسبة للكورد. وتجلى بعض من هذه السياسة الإيرانية في المؤتمر العام السنوي الرابع للإتحاد في طهران عام 1971 الذي حضر إفتتاحه رئيس الوزراء الإيراني الأسبق أمير عباس هويدا وتلى فيه رسالة شاه إيران في التمني للإتحاد بالنجاح والموفقية في مهمته القومية.
أيديولوجيا الإتحاد:
----------- 
الإتحاد الآشوري العالمي تنظيم قومي فدرالي يتكون من عديد من المؤسسات والمنظمات والأحزاب السياسية الآشورية في مختلف أنحاء العالم ليكون كمظلة قومية لجميع هذه التنظيمات بهدف توحيد الخطاب السياسي الآشوري على مستوى العالم ومن دون أن تفقد هذه التنظيمات إستقلالها السياسي والتنظيمي. وعلى هذا الأساس ومنذ مؤتمره الأول في عام 1968 وضع مؤسسوا الإتحاد مبادئ فكرية وقومية تكون بمثابة أيديولوجيا قامت على أربعة أسس أصبحت معروفة في السياق العام للحركة القومية الآشورية وهي:
•   أسم واحد، وهو الآشوريون (أتورايه) لجميع مكونات الشعب الآشوري على أساس إعتبار بقية التسميات كالنسطورية والكلدانية والسريانية هي تسميات طائفية كنسية مشمولة جميعها بالتسمية الموحدة (الآشوريون – أتورايه).
•   قيادة آشورية واحدة على المستوى العالمي متمثلة في الإتحاد الآشوري العالمي ليكون هو التنظيم الموحد والقيادة الشاملة لجميع الآشوريين على المستوى الدولي.
•   لغة واحدة لجميع الآشورية ويتم ذلك بعد توحيد الأبجديتن من قبل المختصين في علم اللغات ليطلق عليها اللغة الآشورية.
•   إقامة  كيان قومي حر ومستقل للآشوريين في شمال بلاد ما بين النهرين.
وعلى العموم عرف الإتحاد منذ تأسيسه وحتى يومنا هذا برباعية أيديولوجيته والتي تتمثل في:
اسم واحد لأمة واحدة  - لغة واحدة لأمة واحدة – قيادة واحدة لأمة واحدة – وطن قومي واحد لأمة واحدة.
أنجازات الإتحاد الآشوري العالمي:
-------------------
اليوم قد نتساءل ويتساءل الكثير من القراء عن ماالذي أنجزه الإتحاد طيل نصف قرن من زمنه حيث بالكاد نسمع  في هذه الإيام عن نشاط للإتحاد أو أي إنجاز حققه للآشوريين، لا بل حتى لا نسمع عن أي إحتفال بمناسبة تأسيسه؟ سؤال وجيه ولكن يجب أن لا يكون سبباً لتجاهل الإنجازت التي حققها في السنوات الماضية والتي تشكل بعضها مرتكزات أساسية ورموز قومية للآشوريين أصبحت في هذه الأيام جزء من مستلزمات هويتهم القومية. فللإتحاد الفضل الأول والأخير في تثبيت الأول من نيسان رأس السنة الآشورية في مؤتمره الأول عام 1968، وهي مهمة لم تكن من السهل تثبيتها تاريخياً لولا الدراسة المعمقة التي قام بها رجال أفذاذ في الأريكيولوجيا (علم الأثار) وعلى رأسهم البرفسور الآشوري فرد تيمي الذي أغتاله النظام البعثي في العراق عن طريق تسميمه بمركبات الزئبق البطيئة التسمم لأنه رفض وأستهزأ بسياسة البعث في موضوع "إعادة كتابة التاريخ". ثم ثبت وأقر الأتحاد رموز قومية مهمة صارت لحد هذا اليوم جزء من الهوية الآشورية مثل العلم الآشوري المعروف وإقرار السابع من آب يوماً للشهيد الآشوري والتي تعتبر للأحزاب الآشورية والمنظمات القومية رموز يتناولونها في نشاطاتهم القومية.
وعلى المستوى القومي لعب الإتحاد دوراً كبيرا في تنمية الوعي القومي والسياسي للآشوريين خاصة بين الشباب حيث من المؤكد بأن معظم قادة ومؤسسي الأحزاب الآشورية كانوا متأثرين بشكل أو بآخر بفكر الإتحاد الآشوري العالمي وبشخصياته. فكانت مطبوعاته ومنها المجلات الآشورية تصل إلى العراق ويتناولها الآشوريون بشغف ونهم، خاصة في النادي الثقافي الآشوري في بغداد. ومن سخرية الإقدار كان الإتحاد يرسل المجلة بالبريد العادي إلى النادي وتمر عبر القنوات الأمنية والرقابية إلا أنها كانت تصل إلى النادي ليس إيماناً بحركة الصحافة بل بهدف التقصي والبحث ومراقبة قراء المجلة في النادي وردود فعل الأعضاء. وكانت زيارة السكرتير العام للإتحاد الأسبق السيد وليم يونان عام 1971 للنادي واللقاء بأعضاءه وإلقاء كلمته القومية الحماسية عاملاً مثيرا في عقلية الشباب الآشوري في تلك الفترة. زد على هذا، حيث قام أعضاء من قيادة الإتحاد في بداية السبعينيات من القرن الماضي بزيارة إلى شمال الوطن واللقاء بقيادة الحركة الكوردية وبـ "لجنة المسيحيين" التي كان يقودها الشهيد المقاتل هرمز أبن ماليك جكو للتباحث وضمان حقوق الآشوريين في تلك الظروف التي كانت تعصف بالمنطقة.
هذا على مستوى القومي، أما على مستوى الدولي، فإن الإتحاد سجل عدة سوابق تاريخية في تمثيل الآشوريين على المستوى الدولي. فمنذ تأسيس مؤسسة "منظمات غير الحكومية" عام 1968 التابعة لهيئة الأمم المتحدة، طرق الإتحاد الآشوري العالمي باب هذه المنظمة وقدم طلباً للإنظمام إليها غير أن الطلب لم يرفض بل تم تعليقه وذلك لأسباب سياسية لعب نظام البعث في العراق في تلك الفترة دوراً سلبياً كبيرا لعدم قبول طلب الإتحاد. فإذا كانت الأيادي الخبيثة للنظام البعثي في العراق قد وصلت إلى مؤسسة "منظمات غير الحكومية" وأعاق إنضمام الآشوريين إليها ممثلين بالإتحاد الآشوري العالمي، ألا أنه عجز عن منع إنضمام الإتحاد إلى منظمة "الشعوب والأمم غير الممثلة في هيئة الأمم المتحدة"، وإختصاراً تعرف بـ (UNPO). تأسست هذه المنظمة في شهر شباط من عام 1991 في بروكسيل/بلجيكا وهي منظمة عالمية تقبل فيها منظمات الشعوب والأمم التي تؤمن بالديموقراطية لتكون ممثلة للشعوب الأصلية والأقليات التي لا دولة لهم أو أن أراضيهم محتلة من قبل الغير هدفها الدفاع عن الحقوق السياسية والإجتماعية والثقافية وحماية وتطوير حقوقهم نحو تقرير مصيرهم. فبمجرد سماع قيادة الإتحاد في تلك الفترة بتأسيس هذه المنظمة سارعوا إلى تقديم طلب الإنظمام إليها بأسم الشعب الآشوري. فبتاريخ 07/06/1991 تم مناقشة طلبهم ومن ثم قبول الإتحاد عضوا فيها ممثلاً عن الشعب الآشوري. وعلى أثرها ترفرف العلم الآشوري إلى جانب أعلام الشعوب الأخرى في مقر المنظمة وأدرج آشور (Assyria) كموطن قومي للأشوريين مع لمحة عن الشعب الآشوري وتاريخه، والصور أدناه منقولة من الموقع الألكتروني للمنظمة. وبهذا يتم لأول مرة في تاريخ الآشوريين  قبولهم في منظمة دولية معروفة.



  Assyria




ولم يتوانى قيادة الإتحاد في تعميم  الأسم الاشوري وأبراز مكانة الشعب الآشوري على المستوى العالمي. فللفترة من 29 نيسان ولغاية 3 مايس عام 1997 أنعقد في قصر الأمم في جنيف/ سويسرا المؤتمر السنوى للجمعية العامة لمجموعة عمل الخبراء لللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الأقليات التابعة للجنة حقوق ا