عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - حسن العاصي

صفحات: [1]
1
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

قراءة في فساد القوى السياسية الفلسطينية..
حائط المبكى في القضية الفلسطينية


تعقدت كثيراً خيوط القضية الفلسطينية خلال الأعوام الماضية، ودخلت نفقاً قاتماً وخطيراً منذ العام 2005، حين قامت الولايات المتحدة الأمريكية بإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، والطلب من ممثله عفيف صافية مغادرة الأراضي  الأمريكية. ثم اعلان إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي في حينه عام 2006، بأن لا شريكاً فلسطينياً لإسرائيل الآن في أية مباحثات سلام قادمة.
بفضل الرعونة السياسية لبعض القيادات الفلسطينية، وصل الشعب الفلسطيني وقضيته العظيمة إلى مرحلة قد تقلب وتغرق المركب الذي يحمل مجمل الأحلام والأهداف الفلسطينية، وتضحيات الفلسطينيين منذ قرن من الزمن.
 نامت النواطير الفلسطينية عن كرومها وعنبها، واشتغلت بخلافتها فجاءت الذئاب والثعالب، وأكلت الكروم والعنب، ومن فيها، بعد أن انشغلت القيادة الفلسطينية، اختلفت وتخاصمت على من يحكم، لا على من يرسم.

واقعية الانهزام
لقد انشغلت الساحة الفلسطينية في الفترة الزمنية التاريخية ما بعد حرب العام 1973 في جدال سياسي حول قضايا مصيرية، مثل الاعتراف بالقرارين الدولي 242 و338 ومحاولة البحث عن حلول مباشرة للقضية الوطنية الفلسطينية، تكون حلولاً مرحلية، بديلاً عما هو تاريخي واستراتيجي في البرنامج الوطني لكفاح الشعب الفلسطيني.
فبرز في البيت الفلسطيني تيار تبنى ما أطلق عليه الواقعية في تحقيق أهداف الحركة الوطنية الفلسطينية، ونادى بإقامة سلطة وطنية فلسطينية على أي جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة يجري دحر الاحتلال الإسرائيلي عنها.
بعد نقاش فكري وسياسي عميق تحول إلى صراع بين مختلف قادة منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها امتد قرابة عام، تمكن التيار الواقعي من تعزيز مواقعه في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية وداخل أطر م ت ف، وتحول من تيار كان يمثل الأقلية إلى تيار الأغلبية.
ولاحقا نجح في تحويل أفكاره من الحيز النظري داخل غرف الاجتماعات وتحويلها إلى سياسة عامة لمنظمة التحرير، حين أقر المجلس الوطني الفلسطيني في العام 1974 برنامج "النقاط العشر”، والذي عرف في حينها “برنامج السلطة الوطنية الفلسطينية المستقلة"
منذ ذلك الوقت رفعت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية هذا البرنامج في مواجهة الاتهامات التي كانت توجهه لها بأنها قيادة متطرفة وغير واقعية. واستخدمت القيادة هذا التوجه الجديد في التدليل على مرونتهم وواقعيتهم، وعلى استعدادهم المساهمة في المساعي الهادفة إلى إيجاد حلول سياسية عادلة وواقعية للصراع مع إسرائيل.
لكن جميع الأحداث اللاحقة أكدت بوضوح، أن ما كان يتم التحضير له في مطبخ السياسة الفلسطينية والعربية، لم يكن سوى طبيخ حصى، لا مرق فيه ولا آدام.

خطة الحل المرحلي
في حينها اعتقدت معظم القيادات الفلسطينية أن الظروف والأوضاع الدولية مهيأة لانبعاث الكيان الفلسطيني الجديد، وقيام السلطة الوطنية على جزء من الأرض الفلسطينية. كان ذلك التحليل يخالف وجهة نظر الشعب الفلسطيني، ويعكس قصوراً فاضحاً في رؤية معظم القوى السياسية الفلسطينية، التي لم تتمكن من توظيف مقدرات وتضحيات الشعب الفلسطيني في معركة الحرية والاستقلال. بل أصرت تلك القوى على الدخول وإدخال القضية الفلسطينية برمتها في نفق حذر من نتائجه الكارثية العديد من المفكرين الفلسطينيين وبعض القوى الأخرى. زمن أبرز نتائج هذا النهج ـ إضافة إلى تقويض أهداف وأحلام الشعب الفلسطيني في بناء دولته المستقلة ـ أنه أدى إلى هزيمة سياسية فلسطينية انتقلت بالعدوى إلى العرب، وأحدثت هذا السقوط الأخلاقي، والانحدار في القيم والمواقف تجاه عدو الفلسطينيين وعدو العرب إسرائيل.
لقد أكدت الأحداث اللاحقة ومسار الأحداث في المنطقة والعالم، أن القوى الدولية المقررة، وبخاصة قطبي الحرب الباردة حينها الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية لم يكونا جادين في ايجاد حلول واقعية وعادلة لقضايا المنطقة وصراعاتها المستفحلة.
وإن كل منهما كان يسعى في تلك الفترة لتوظيف الصراع العربي الإسرائيلي لتعزيز نفوذه ومواقعه في المنطقة. كما أكدت أيضا أن ظروف وأوضاع أهل المنطقة أنفسهم لم تكن ناضجة للتوصل إلى أية حلول جدية لصراعاتهم العميقة.
واتضح أن خطة الحل المرحلي كما روج لها أصحابها من القوى الفلسطينية، لم تكن إلا أداة لكبح عنفوان الشعب الفلسطيني، ووقف جموح ثورته ونضاله لتحقيق أهدافه.

الخطة المشؤومة
في ربيع العام 1991 أطلق الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب مبادرة يدعو فيها أطراف الصراع الفلسطينيون والعرب وإسرائيل، إلى مغادرة ميادين القتال والحروب، واعتماد طريق السلام من خلال التفاوض المباشر لحل النزاعات المزمنة في المنطقة.
وهذا ما حصل، فقد التقى العرب في مدريد، ولاحقاً التقى وفد يمثل منظمة التحرير الفلسطينية سراً مع ممثلين عن الحكومة الإسرائيلية، وتوصلوا بعد مفاوضات عسيرة إلى اتفاق " إعلان مبادئ" حول ترتيبات حكومة ذاتية فلسطينية انتقالية، عرف هذا الاتفاق فيما بعد باتفاق أوسلو،
جوهر هذا الاتفاق بشكل أساسي هو إقامة سلطة حكومة ذاتية انتقالية فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، لفترة خمس سنوات، تؤدي إلى تسوية دائمة على اساس قراري مجلس الأمن رقم 242 ورقم 338.
وهكذا في أجواء احتفالية غير مسبوقة، تم التوقيع في أيلول العام 1993 على هذا الاتفاق الشهير بين الفلسطينيين وإسرائيل في العاصمة الأمريكية واشنطن برعاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، على أن تتم مناقشة قضايا الحل النهائي بعد ثلاث سنوات وهي القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود والمياه.
غير أن هذا الاتفاق أغفل وضع جداول زمنية محددة للانسحاب الإسرائيلي من الضفة وقطاع غزة، كذلك سقط من الاتفاق أية آلية دولية تلزم إسرائيل لتنفيذ استحقاقاتها من الاتفاق، أنتج هذا الأمر وضعاً غريباً، فقد أغرق الجانب الفلسطيني فيما يسمى معالجة التفاصيل قبل معالجة جوهر المشكلة، وكان الاتفاق ملزماً للفلسطينيين بينما تنصلت إسرائيل من التزاماتها، الأمر الذي كرس الاحتلال بدلاً عن إزالته.
طوال الأعوام الماضية ظلت القيادة الفلسطينية تلهث بسعار خلف جزرة الحل النهائي الذي لم يتحقق من بنوده شيء، بل على العكس تماماً، تنصلت إسرائيل من كافة التزاماتها من اتفاق أوسلو وكأنه لم يكن.
إن جزء من الشعب الفلسطيني الذي اعتقد أن تشكيل السلطة أنجاز لابد من حمايته والدفع به لتحقيق إنجازات أخرى، اكتشف أن هذا الاتفاق الذي أبرم مع إسرائيل لا يعبر عن أمنه ومصالحه ولا عن أهدافه الوطنية، بل على العكس، وجد المواطن الفلسطيني نفسه أنه يعاني من سلطتين، سلطات الاحتلال الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية التي ألزمتها إسرائيل بالتنسيق الأمني معها ضد كافة النشطاء والمناضلين الفلسطينيين الأمر الذي أدى إلى اغتيال عشرات من خيرة أبناء شعبنا الفلسطيني، واعتقال الآلاف منهم.

من الثورة للمؤسسة
لقد أعادت السلطة الفلسطينية إنتاج نظام التنفيع الذي ورثته من منظمة التحرير الفلسطينية، وبدلاً عن المضي في بناء مؤسسات لمختلف القطاعات واعتماد مبدأ الكفاءة والجدارة، أصبحت علاقات المنفعة والمصالح الشخصية والولاءات هي السياسة المعتمدة لهيكل السلطة، وأصبحت هذه الطريقة أداة قوية وفاعلة في الاستيعاب للمنتفعين والمتسلقين والانتهازيين، ووسيلة أيضاً لإقصاء الشرفاء والمناضلين وأصحاب الكفاءة.
إن القيادة الفلسطينية أخذت تعمل على كسب ولاء الناس من خلال الحصول على مورد اقتصادي، الأمر الذي أدى إلى تضخم شديد في القطاع الحكومي العام للسلطة حيث وصل عدد موظفي السلطة حوالي 170,000 موظف تعتمد رواتبهم بشكل أساسي على المعونات الدولية، المصيبة أن 44% منهم يتبعون الأجهزة الأمنية وبالتالي يستحوذون على حوالي نصف الميزانية، بينما يا للسخرية لا يتم صرف سوى واحد في المائة على قطاع الزراعة: ساهمت هذه السياسة في مأسسة الفساد وانتشاره، وهو ما كانت إسرائيل تريده من خلال إنشاء سلطة بعد أوسلو تكون منتفعة وضعيفة تتحكم فيها إسرائيل من خلال الموارد من الموارد المالية.
تم توزيع المناصب في هيئات وإدارات السلطة على المحسوبيات والمقربين، حتى المعارضة السياسية من مستقلين ويساريين وإسلاميين لم تستثني من هذه الامتيازات، فتم دمج الآلاف منهم في مؤسسات السلطة الفلسطينية، ومنحوا مناصب في القطاع الحكومي مقابل ولائهم السياسي، وبهذا لا تختلف قوى اليسار الفلسطيني عن قوى اليمين عن القوى الإسلامية، جميعهم تشاركوا السقوط والاستنفاع.

من جهة أخرى برزت في النظام السياسي الفلسطيني في الداخل ظاهرة زواج المصلحة بين رجال الأعمال ورجال السلطة وهو الشكل الأكثر انتشاراً للفساد، يستمد قوته من تمتع النخب بالحصانة السياسية والاجتماعية والقانونية، فامتلأت الحسابات المصرفية لآلاف الفاسدين، بالمال الفاسد.
كما أن استغلال المناصب لتحقيق مكاسب شخصية وعشائرية يشكل ظاهرة واضحة في مؤسسات السلطة، إبرام صفقات مشبوهة، استخدام موارد السلطة والوزارات للأغراض الشخصية، سرقة الممتلكات الوظيفية وإهدار المال العام، حتى أن إحدى عمليات التدقيق والرقابة في بداية الألفية أثبتت أن حوالي 40% من ميزانية السلطة قد أسيء استخدامها.
إسرائيل ليست بعيدة عن هذا الفساد، بل على العكس هي تساهم في تعزيز هذا الفساد في السلطة الفلسطينية وتحسن استغلاله فيما بعد، وتحاول إشغال الرأي العام بهذا الفساد كي تصرف أنظار العالم عن الآثار المدمرة التي تلحقها سياساتها العدوانية بالبنية الاقتصادية والتنمية الفلسطينية، وما تقوم به إسرائيل من تدمير ممنهج للاقتصاد الفلسطيني.

أكبر من كبوة
لقد أدى هذا الوضع الشاذ إلى جملة من التغيرات في بنية الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها التي انحدرت إلى مستويات غير مسبوقة من الضعف والهشاشة، وتراجع الشعارات والأهداف الثورية التي طالما تغنى بها الشعب الفلسطيني وميزته عن باقي شعوب الأرض، التي استحق احترامها وتقديرها ومساندتها نتيجة لكفاحه والتضحيات التي قدمها عموم الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده، وجعلته يحظى بكل تلك الهالة المقدسة التي كان يعتز بها.
لكن الفلسطيني ذاته أخذ يشعر بالغضب والحزن والإحباط الشديدين، بسبب ما وصلت إليه قضيته الوطنية التي أصبحت تهمة للمناضلين، ومطية للمتسلقين الانتهازيين من الفلسطينيين أنفسهم قبل غيرهم، كما تحولت القضية إلى ميدان للمزايدات لدى البعض، وفرصة لشتم وتحقير الشعب الفلسطيني وقيادته، وتعداد محاسن إسرائيل لدى البعض الآخر، وصولاً إلى المجاهرة من قبل بعض العرب بالعلاقات الطبيعية العلنية مع بني صهيون، بل والمفاخرة.
ثمة مفارقات عجيبة تحصل في خلفية المشهد السياسي المتعلق بالقضية الفلسطينية، ففي الوقت الذي يزداد حجم ومستوى التضامن الأوروبي والعالمي مع الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، نشهد تراجعاً عربياً ملحوظاً على المستويين الرسمي والشعبي في التضامن مع نضال الشعب الفلسطيني ودعم قضيته الوطنية، التي هي بالأساس قضية العرب الأولى وقضية عموم المسلمين.
فما الذي أوصل أهم قضية تحرر وطني في التاريخ إلى هذا المستوى البغيض الذي لا يسر أحداً ولا يدلل على عافية، ولماذا جنح بعض العرب إلى مستوى غير مسبوق من الحقد على الفلسطينيين. وهل نحن أمام واقع جديد في التعامل مع القضية الفلسطينية ، أم أنه برزت أولويات جديدة أمام الشعوب العربية، أم أنه انعكاس طبيعي لواقع الحال الفلسطيني والعربي الذي يشهد حالة متعاظمة من التردي والسقوط والانحدار على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية والأخلاقية، الأمر الذي جعل زيارة وزيرة العدل الإسرائيلية السابقة " تسيبي ليفني " سراً إلى إحدى عشرة دولة عربية لتطلب منهم عدم تقديم أية تبرعات مالية إضافية للسلطة الفلسطينية، يبدو خبراً طبيعياً حين تم تسريبه، وتعاملت الدول العربية معه بصمت وتجاهل بعد أن انصاعت الحكومات العربية إلى المطالب الإسرائيلية دون خجل، وهكذا وضع الأشقاء العرب قرارهم بدعم القدس العربية بمبلغ مليار دولار في سلة النفايات العربية، ولم يكلف الأمين العام للجامعة العربية نفسه عناء تكذيب هذا الخبر حفاظاً على ماء وجه العرب .

انتكاسة مبكرة
مما لا شك فيه أن هناك أسباب ومسببات عديدة ومختلفة وراء إيصال قضية سامية وعادلة كالقضية الفلسطينية إلى ما وصلت إليه. إلا أنه من الصحيح أيضاً أن كل تلك الأسباب والعوامل ما كانت لتكون مؤثرة وفاعلة لولا الدور السلبي للقيادة الفلسطينية ومواقفها المتخاذلة وسعيها وراء السلطة وامتيازاتها بدلاً من تعزيز ودعم فكرة النضال والكفاح ضد المغتصب.
 وبالرغم من أننا لسنا في وارد تقييم تجربة الثورة الفلسطينية هنا، إلا أن ما نشهده اليوم من إحباطات وانهيارات وانسدادات أمام القضية الوطنية الفلسطينية لم يكن وليد المتغيرات الأخيرة التي تشهدها المنطقة، إنما هو نتيجة طبيعية وكارثية لكل السياسات التي انتهجتها القيادة الفلسطينية، والخيارات التي اقدمت عليها منذ انطلاق العمل الفلسطيني المسلح في منتصف ستينيات القرن الماضي.
إن مجمل هذه السياسات أدت فيما أدت إلى تقزيم منظمة التحرير الفلسطينية، وإضعاف العامل الفلسطيني برمته، وتحويل قضية فلسطين الوطنية إلى حائط مبكى، وظهور قيادات فلسطينية ضعيفة، وبعضها مخترق من قبل العديد من أجهزة المخابرات وخاصة الأمريكية والإسرائيلية.
أنيطت بهذه القيادات مسؤولية الحل والربط فيما يتعلق بمستقبل الشعب الفلسطيني وقضيته، وهم المسؤولين مسؤولية مباشرة عن تقليص الحقوق الفلسطينية وضياعها، من خلال حجم التنازلات المرعب الذي قدمته هذه القيادة الفلسطينية للجانب الإسرائيلي، بدءًا من التنازلات التي قدمت للوصول إلى اتفاقية أوسلو الملعونة، وصولا إلى كافة التنازلات التي مازالت تقدمها القيادة الفلسطينية في سبيل محافظتها على مناصبها وامتيازاتها على حساب مصالح شعبنا الفلسطيني وتضحياته، هذه التنازلات جعلت إسرائيل تتنمرد على السلطة الفلسطينية بل وتتجرأ بكل وقاحة وتطلب ويا للعجب من القيادة الفلسطينية الضعيفة الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل !!
هذه القيادة الفلسطينية التي يستقوي بعضها على شعبه وعلى الفصائل الأخرى، بالأنظمة العربية التي كانت داعماً رئيسياً لنضال الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية مالياً وسياسيا، فأصبحت الثوابت الفلسطينية والعربية تجاه الصراع مع إسرائيل تُنتهك وتُحذف بمباركة عربية استعاضت بها القيادة الفلسطينية لغبائها، عن الغطاء الشعبي الفلسطيني لتمرير سياسات التنازل والاستسلام.
 تلك الأنظمة العربية مغلولة اليد أمام النفوذ الأمريكي والإسرائيلي. لا تريد سوى السلامة حتى لو كانت على حساب القضية الفلسطينية، لكنها تصبح شرطياً بعصا غليظة حين تستقوي بها القيادة الفلسطينية لكسر إرادة قوى المعارضة الفلسطينية الرافضة لكل سياسات السلطة التنازلية.
 هذا الاستقواء في الحقيقة -إضافة إلى عوامل أخرى- هو ما جعل الأنظمة العربية نفسها تستقوي على القضية الفلسطينية وعلى الفلسطينيين أنفسهم، وإلى إخضاعهم إلى التجاذبات المتنافرة في السياسة العربية.

أم الكوارث
لقد سقطت القيادة الفلسطينية في مستنقع الفساد والاستنفاع، وانكشفت عورتها أمام الجميع، وكل أوراق التوت والتين لا تستطيع ستر عورات قيادة هجينة، وليدة اتفاقيات مذلة، حولت جميع الحقوق الثابتة التاريخية للشعب الفلسطيني إلى" مشاكل قابلة للتفاوض" وحولت قضية وطن محتل ومغتصب إلى خلاف على تقاسم نفوذ فيما بينها، وتتبنى سياسة التنسيق الأمني مع أجهزة الأمن الإسرائيلية، هي العقلية ذاتها التي تطاولت بالكلام بداية على المناضلين والأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية عام 1988 أثناء الانتفاضة الفلسطينية الأولى تحت شعار "هجوم السلام الفلسطيني".
حيث تحول هذا الهجوم فيما بعد إلى تآمر لضرب الحركة الوطنية الفلسطينية، وقامت أجهزة أمن السلطة الفلسطينية المحترمة باعتقال قيادة وكوادر ونشطاء المقاومة الفلسطينية، وتعاونت مع قوات الاحتلال الإسرائيلي لاغتيال مناضلين.
إن السلطة الفلسطينية التي لا سلطة لها على نفسها اساساً، هي ليست أكثر من أداة وظيفية لدى الاحتلال الإسرائيلي، قد أصبحت حاجة إسرائيلية لضرب المشروع الوطني، فاتفاقيات أوسلو التي أنجبت السلطة أنهت الحكم العسكري الإسرائيلي، لكنها لم تُنه الاحتلال نفسه.
 وبينما انشغلت السلطة بإدارة الحياة اليومية، تحول الاحتلال إلى استعمار نظيف قليل التكلفة حيث تتولى أجهزة السلطة الفلسطينية كافة الملفات القذرة، تتابع إسرائيل مصادرة الأراضي وفرض الحقائق على الأرض.
لذلك لا بد من إسقاط هذه السلطة لإنهاء عبثية مسار التفاوض مع إسرائيل الذي اثبت عقمه، ولوضع إسرائيل أمام مسؤولياتها كاملة كسلطات احتلال تجاه الشعب الفلسطيني، وحتى تكف السلطة عن كونها غطاء لهذا الاحتلال.
ومن جهة أخرى وضع المجتمع الدولي والأطراف الراعية لعملية السلام أمام استحقاقاتهم الموضوعية في فشل مسار التسوية السياسية. هذا يجب أن يؤدي إلى اعتبار أن شعبنا الفلسطيني يرزح تحت الاحتلال ومن حقه مقاومة هذا الاحتلال وفق المواثيق الأممية.
إسقاط السلطة سوف يعيد الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية التي قزّمها رجال السلطة وجعلوها ظل عديم الفعالية تابع لهم، بعد أن قاموا بإفراغ المنظمة ومؤسساتها من دورها الوطني باعتبارها حاضنة المشروع الوطني الفلسطيني.
هذا من شأنه أن يسهم في تقوية الموقف الفلسطيني الذي أضعفه زج السلطة بالرقم الفلسطيني في مفارقات العرب السياسية، فانتقلت القضية الفلسطينية بقدسيتها من حالتها في الضمير والوجدان العربي والأممي إلى رقم ضعيف في الجامعة العربية.
هل يكفي الفلسطينيين اجتماعاً استثنائياً، أو مؤتمراً وطنياً للحوار لكي يخرجوا من هذا الاستعصاء العسير؟ لا أظن ذلك. فكل ما نسمع من خطب وشعارات ما هو غير حشو أفواه الفلسطينيين بالقش.
إن هذه القيادة الفلسطينية المتخم بعضها بالفساد السياسي والأمني والسلوكي والأخلاقي، والتي حولت القضية الفلسطينية إلى ممسحة لبعض الأنظمة العربية وسياساتهم وصفقاتهم، سوف يذكرها التاريخ على أنها قيادة متهمة ومدانة بهزيمة شعبها وقضيته الوطنية، في عالم لم تعد تعنيه كثيراً قضايا الضمير والحق والعدل، بل يلتفت إلى من يملك قوة الفعل والتأثير في مجريات التاريخ، والعرب ليسوا منهم.


2
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك

الأوروبيون لا يريدون طالبي اللجوء المسلمين

إذا كنت تريد اللجوء في أوروبا، فمن الأفضل ألا تكون مسلماً.
يدعمك الأوروبيين إذا كنت قد تعرضت للتعذيب في بلدك.
السويد أكثر البلدان الأوروبية ترحيباً باللاجئين، والتشيك الأسوأ.
الدنمارك: اللجوء فقط لأولئك الذين يشبهوننا أكثر.
الأصغر سناً والأكثر تعليماً هم الأوفر حظاً.

قضيتي اللاجئين والمهاجرين الراغبين في دخول دول الاتحاد الأوروبي، تشكل تحدياً أوروبياً مشتركاً.
فقد دفعت الاضطرابات والحروب في العديد من بؤر التوتر في العالم، الملايين من الناس للفرار. والكثير منهم يلجأون إلى دول الاتحاد الأوروبي. هذا الوضع خلق قدرا كبيرا من الضغط على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي وأنتج الشعور بانعدام الأمن لدى شرائح واسعة من الشعوب. بطبيعة الحال لا توجد حلول سهلة، لكن الأمر يتطلب التعاون الأوروبي للتعامل مع هذا التحدي.
في عام 2015 دخل 1.6 مليون من اللاجئين والمهاجرين الاقتصاديين إلى أوروبا. وليس هناك ما يشير إلى أن الهجرة ستنخفض فيما يتزايد الضغط على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي خاصة في دول مثل اليونان وإيطاليا.

دفع هذا الوضع العديد من دول الاتحاد الأوروبي بما في ذلك الدنمارك، إلى إدخال ضوابط مؤقتة على الحدود. إن التعاون الذي كان يتم بين دول الاتحاد الأوروبي وفقاً لاتفاقية شنغن حول الحدود المفتوحة متعثر والتكاليف الاقتصادية أصبحت باهظة. بالرغم من أن مصلحة الاتحاد الأوروبي وكذلك الدنمارك الحفاظ على الحدود المفتوحة. لذلك، يتم العمل على قواعد جديدة يمكن أن تخفف الضغط على الحدود الداخلية، وفي الوقت نفسه يتم تشديد الرقابة على الحدود الخارجية.
وجود هذا العدد غير المسبوق من اللاجئين في دول الاتحاد الأوروبي أحدث وضعاً تفاعلت فيه العديد من المعطيات، بحيث أصبح من أهم خصائص قبول اللجوء لدى الأوروبيون هو رفضهم للمسلمين.

دراسة حديثة ترصد مواقف الأوروبيين من اللاجئين
إن الأوروبيون الآن أكثر استعدادًا لقبول اللاجئين الذين يمكنهم المساهمة في المجتمع، أو المضطهدين أو غير المسلمين.
كما يريد الأوروبيون مساعدة ضحايا التعذيب واللاجئين السياسيين، لكنهم يقولون إنهم لا يفضلون طالبي اللجوء المسلمين.
هذه من أهم النتائج التي توصلت لها دراسة جديدة خصصت لدارسة مواقف الأوروبيين من الهجرة والاستعداد لقبول طالبي اللجوء، ونُشرت في مجلة العلمية الدنماركية "علم" videnskab
على وجه التحديد، تظهر النتائج أن ميل الأوروبيين لقبول طالب اللجوء هو، في المتوسط أقل بنسبة 10.7 نقطة مئوية إذا كان مقدم الطلب مسلمًا وليس مسيحيًا.
أحد المشرفين الثلاثة على هذه الدراسة هو البروفيسور السويسري "دومينيك هانجارتنر" Dominik Hangartner استاذ العلوم السياسية في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، المدير المشارك في هيئة تدريس مختبر سياسة الهجرة في جامعة "ستانفورد" Stanford University
 يقول "إذا قارنت وجهات نظر الأوروبيين بشأن مهاجر عاطل عن العمل مع مهاجر يعمل كمدرّس، فإن البطالة تعنيهم بدرجة أقل من موقفهم تجاه المهاجرين مما لو كان المهاجر مسلماً وليس مسيحياً".
"أنا معجب جدًا بالاستديو" هذه هي الطريقة التي عبر من خلالها "كيم مانيمار سونديرسكوف" Kim Manimar Sunderskov أستاذ العلوم السياسية في جامعة "آرهوس" Aarhus Universitet عن رأيه في المقالة العلمية.
لقد قرأ وأُعجب بالدراسة ولا يشك في جودة العمل الذي قام به الباحثون الثلاثة.

تفضيلات الأوروبيين لطالبي اللجوء
ثلاثة تفسيرات رئيسية لتقييم المهاجرين في الدراسة، طلب "هانجارتنر" وزملاؤه من 18000 أوروبي من 15 دولة مختلفة قبول أو رفض 180.000 ملف شخصي ملفق لطالبي اللجوء.
عندما حلل الباحثون الأرقام، اتضح أن هناك ثلاثة تفسيرات أساسية لحكم المستطلعين على طالبي اللجوء:
المساهمة الاجتماعية والاقتصادية، والأعباء، والاعتبارات الإنسانية
المواقف المعادية للمسلمين تتعلق بالإمكانيات الاجتماعية والاقتصادية بالوظائف السابقة للمتقدمين، ومهاراتهم اللغوية وكذلك أعمارهم، وبالتالي كم تبلغ المسافة بين أعمارهم إلى سن التقاعد المتوقع.
وقد تم التعبير عن الاعتبارات الإنسانية كتقييم لأساس المتقدمين للفرار.
 كان المشاركون في الدراسة أكثر استعدادًا لقبول المتقدمين الذين فروا بسبب الاضطهاد الديني أو العرقي أو الذين تعرضوا للتعذيب مقارنة بالمتقدمين المشاركين الذين تعرضوا للاضطهاد السياسي أو لم يتعرضوا للتعذيب.
البعد الثالث، المواقف المعادية للمسلمين، كان حول الموقف الديني للمتقدمين.
 هنا اتضح أنه قلل بشكل كبير من قبول المتقدمين إذا كانوا مسلمين، مقارنة بما إذا كانوا مسيحيين أو لا أدريين، أي أصحاب الرأي القائل بأنه ليس من الممكن التأكد من وجود الله.


يفضل الأوروبيون المهاجرين المسيحيين
أجرى الباحثون وراء الدراسة تحليلاً إحصائياً لاستجابات 18000 مستطلع.
 في ظل هذه العدد الكبير يمكنهم أن يعرفوا مدى اختلاف استعداد المجيبين لقبول طالب اللجوء فيما يتعلق بالخصائص التي تم فحصها، والتي يمكن أن تكون على سبيل المثال، الوظيفة والجنس والعمر وأساس الفرار والموقف الديني.
يتم حساب النتيجة في عدد النقاط المئوية لتحركات مميزة معينة من خلال رغبة المجيبين في منح طالب لجوء فيما يتعلق بفئة مرجعية.
لكل مجموعة من الخصائص، هناك فئة مرجعية ثابتة. إذا نظرنا على سبيل المثال، إلى وجهة نظر دينية فإن كلمة "مسيحي" هي الفئة المرجعية، بينما توضح الأرقام ما يعنيه إذا كان طالب اللجوء إما ملحدًا أو مسلمًا وليس مسيحيًا.
إذا كنت ملحدًا، فإن استعداد الأوروبيين لقبولك هو في المتوسط 3.7 نقطة مئوية أقل مما إذا كنت مسيحيًا.
إذا كنت مسلماً، فإن الاستعداد أقل بنسبة 10.7 نقطة مئوية في المتوسط.

لدى الأوروبيين تفضيلات مماثلة
يمكن أن يشير العدد الكبير لطالبي اللجوء الذين اتخذتهم دول مثل السويد وألمانيا إلى أن سكانها لديهم تفضيلات مختلفة لطالبي اللجوء عن السكان في البلدان التي اتخذت عددًا أقل بكثير. لكن البروفيسور "هانجارتنر" يوضح أن الأمر ليس كذلك. يقول: "لدى شعب ألمانيا والسويد نفس التفضيلات لأنواع طالبي اللجوء مثل بقية الأوروبيين. إنهم يحبون المتقدمين الذين يساهمون ماليا، وهربوا من التعذيب وليسوا مسلمين ".
وبشكل مثير للدهشة إلى حد ما، أظهرت الدراسة أن التفضيلات لأنواع معينة من طالبي اللجوء هي نفسها عبر البلدان ونوع المستجيبين وعمرهم.


اليسار أكثر خيرة تجاه المسلمين
في الدراسة، تمت ملاحظة اختلاف في مجال واحد فقط عن تفضيلات المجيبين: فالتزامهم السياسي له تأثير على موقفهم من المعتقدات الدينية لطالبي اللجوء.
في المتوسط ، كما ذكرنا، جذب هذا 10.7 نقطة مئوية في استعداد الأوروبيين لقبول المتقدم إذا كان أو كانت مسلمة مقارنة بالمسيحي. ولكن هنا يلاحظ أن الانتماء السياسي للمشاركين قد أحدث فرقا كبيرا:
فقد توافق اليساريون واليمينيون على كون أنه يحدث خرقاً لمعايير قبول اللجوء إن كنت مسلماً. وهم يرفضون طالبي اللجوء لهذا السبب فقط، بنفس المقدار الذي ابداه اليمينيون".
لكن تميز المجيبين اليساريين بموقفهم من طالبي اللجوء كونهم مسلمين مقارنة بكونهم مسيحيين قد انخفض بنسبة 6.7 نقطة مئوية. بينما بين المجيبين اليمينيين وصل إلى 14.3 نقطة مئوية.

طريقة الدراسة
تم إجراء الدراسة على أنها تجربة مسح مشترك مقترنة، حيث اضطر كل من 18000 مستجيب من 15 دولة أوروبية مختلفة إلى قبول أو رفض 10 طالبي لجوء وهميين.
وبالتالي، فإن المسح يغطي أكثر من 180.000 لمحة عن طالبي اللجوء.
وعلى وجه التحديد، تم منح كل مستجيب خمس مجموعات من ملفي المتقدمين.
من بين أمور أخرى، طلب منهم تقييم ما إذا كان يجب إعادة كل طالب لجوء أو منحه حق اللجوء.
يتألف كل ملف شخصي من تسعة أجزاء من المعلومات، بما في ذلك بلد منشأ مقدم الطلب والمهنة والجنس والعمر وأساس الهجرة والانتماء الديني.
بناءً على رفض المستجيبين وقبولهم للمتقدمين، تمكن الباحثون من حساب تأثير الخصائص المختلفة فيما يتعلق بفرصة قبولهم كمتقدمين لجوء من قبل المواطنين الأوروبيين.
قال "سونديرسكوف" في الحقيقة إنها دراسة مثيرة للإعجاب، تحتوي على العديد من النتائج المثيرة للاهتمام وتستند إلى أساس متين. وأشاد بشكل خاص بدقة الباحثين واختيارهم للطريقة. ولكن أيضا نهجهم تجاه هذه القضية الإشكالية في القارة الأوروبية.
وفيما توصلت الأبحاث الأخرى في المواقف تجاه المهاجرين إلى مواثق متباينة، لكنها في المجمل سلبية، تراوحت ما بين تردد المواطنين الأوروبيين إلى النفور. هذه الدراسة تؤكد جميع الأبحاث السابقة التي جرت خلال العقود القليلة المنصرمة، بالرغم من أنها تحاول إظهار حسن النية لدى بعض الأوروبيين تجاه طالبي اللجوء.

الطريق إلى المواقف الحقيقية
يذكر "سونديرسكوف" أن هناك سببًا للإشادة بالدراسة، وهو المنهج المستخدم الذي يجعل من الممكن الاقتراب جدًا من المواقف الحقيقية للمشاركين، على الرغم من أنه موضوع حساس للغاية.

عادة قد يكون من الصعب الكشف عن مواقف الناس الحقيقية تجاه طالبي اللجوء في استطلاع عام. على سبيل المثال، حُمل اليساريين على الكشف عن أي مواقف سلبية تجاه الهجرة. لذا إنني أظن أن هذه المشكلة تتجاوز هذه الدراسة إلى حد بعيد.
العقدة هي أنه من الأسهل جعل المستجيبين يرتبطون بصدق بمجموعة من خصائص طالبي اللجوء من الخصائص الفردية.
إذا تم سؤال الفرد في أوروبا على سبيل المثال هل يجب منح المسيحي حق اللجوء؟ وهل يمنح المسلم حق اللجوء؟ لا يحصل الإنسان السائل بالضرورة على إجابات صادقة.
إذا قلت أنه يجب أن يكون للمسيحي حق اللجوء، فمن الصعب بعد ذلك القول أنه لا يحق للمسلمين ذلك.
إن الخصائص المتعددة لملفات طالبي اللجوء تعني أن المجيبين يجيبون بصدق شديد. لذلك إن الإجابات نقترب كثيرا من وجهات نظرهم الحقيقية.

إن الأوروبيين مؤثرات اجتماعية
من بين العديد من نتائج الدراسة، هناك استنتاج مثير للاهتمام. اتضح أن الأوروبيين يقبلون أو يرفضون طالبي اللجوء على أساس تقييم يتعلق بتأثير اللاجئين على المجتمع، وبالتالي ليس على أساس تأثير اللاجئين على الأوضاع الشخصية للأوروبيين.

يجادل الباحثون بأن ما يسمونه الاعتبارات الأنانية أو الشخصية غير مهمة. وبدلاً من ذلك، أخذ المستجيبون الاعتبارات الاجتماعية والاقتصادية في الاعتبار. على سبيل المثال، يرفض الأوروبيون المتقدمين العاطلين عن العمل اللاجئين لأنهم يؤثرون على الاقتصاد الوطني، وليس لأننهم خائفون من فقدان وظائفهم.
بظني أن هذا الاستنتاج غير دقيق، لأنه يتعارض مع نتائج دراسات عديدة، توضح حذر الأوروبيين من إمكانية تأثير اللاجئين على وظائف العمل المتاحة. ربما في هذه الدراسة كانت الأسئلة المستخدمة عامة جدًا بحيث لا يمكن كشفها.
نظر الباحثون على سبيل المثال، إلى ما إذا كان الأشخاص ذوو التعليم العالي يرفضون طالبي اللجوء ذوي التعليم العالي إلى حد أكبر من طالبي اللجوء ذوي التعليم المنخفض، لكنهم وجدوا أن الأمر ليس كذلك
يُؤخذ هذا على أنه تعبير يفكر فيه الأوروبيون اجتماعيًا وليس أنانيًا - استنادًا إلى منطق مفاده أن المواطن المتعلم ذو الأنانية يجب أن يكون أكثر رفضًا لطالب متعلم بدرجة عالية من طالب لجوء منخفض التعليم، لأن هذا الأخير لا يشكل تهديدًا للوضع الوظيفي المتعلم.
ولكن ربما يفكر المواطنون في فئات أكثر دقة من التعليم العالي أو المتدني على سبيل المثال.
فإن كنت صحفياً أنانياً، لن ترفض بالضرورة الأطباء أو أساتذة العلوم السياسية أو المحامين، لأنك لا تخشى المنافسة المهنية من طبيب أو محامي أو أستاذ. يجب على الصحفي الأناني أن يرفض على وجه التحديد الصحافيين وليس الأشخاص ذوي التعليم العالي بشكل عام.
ومع أخذ ذلك في الاعتبار، لا أعتقد أن الدراسة يمكن لها أن تعلن لنا أن الأوروبيين مؤتمنين اجتماعيين حقاً.

أساس مشترك بين الشعوب
بحثت الدراسة أيضاً في النسبة التي سيقبلها المشاركون في الدراسة من طالبي اللجوء. وكانت النتيجة ملحوظة.
إن الفارق الصغير نسبيًا في نسبة المتقدمين الذين سيقبلهم مواطني الدول الأوروبية المختلفة مثير للاهتمام فيما يتعلق بالنقاش العام في المجتمعات الأوروبية.
في الدنمارك على سبيل المثال، ينشغل كثير من الناس في إخبار الدنماركيين عن مدى فظاعة قوانينهم وتعاملهم تجاه طالبي اللجوء. في بعض الأحيان يمكن للمتتبع الحصول على الانطباع بأننا نعيش في ألمانيا في ثلاثينيات القرن العشرين. لكن نتيجة الدراسة تؤكد أن الدنماركيين ليسوا أسوأ أو أفضل من بقية أوروبا.
أما بالنسبة لنسبة المهاجرين التي يبدو أن الأوروبيين على استعداد لقبولها، فإن الأرقام تشير إلى أن حوالي نصف جميع طالبي اللجوء يجب أن يحصلوا على اللجوء في حال تم سؤال الأوروبيين.
بالنسبة لي كباحث لدي انطباع واضح بأن الأمر ليس كذلك، وهذا ليس نقدًا للدراسة، ولكنه تحذير لما يمكن أن يتم توظيفه واستخدمه بالأرقام.

هنا يمكن لنا معرفة كيفية تأثير الخصائص المختلفة لطالبي اللجوء على متوسط استعداد الأوروبيين لقبولهم. جميع الأرقام هي تعبير عن تأثير الخصائص في النقاط المئوية.

الملحد (على عكس المسيحي) -3.7
مسلم (مقابل مسيحي) -10.7
التنظيف (مقابل العاطلين) 4.8
مزارع (مقابل العاطلين عن العمل) 5.6
محاسب (مقابل العاطلين) 8
مدرس (مقابل العاطلين) 9.2
طبيب (مقابل العاطلين) 13.4
38  سنة (مقابل 21 سنة) -0.7
62  سنة (مقابل 21 سنة) -6.7
اضطراب ما بعد الصدمة (على عكس عدم وجود صدمة) 1.3
ضحايا التعذيب (مقابل عدم التعرض) 11.2
فرد من العائلة على قيد الحياة فقط (على عكس وجود عائلة) 4
الإعاقة (مقابل عدم وجود) 2.6
هرب بسبب الاضطهاد الديني (على عكس الاضطهاد السياسي) 0.5
هرب بسبب الاضطهاد العرقي (على عكس الاضطهاد السياسي) 1
هربت بسبب الفرص الاقتصادية (على عكس الاضطهاد السياسي) -15
يتحدث لغة مكسورة (على عكس بطلاقة) -5.9
لا يتكلم اللغة على الإطلاق (على عكس الطلاقة) -11.7


هنا يمكن ملاحظة عدد طالبي اللجوء المتخيلين لكل 1000 نسمة الذين سيقبلهم سكان البلدان الأوروبية الخمسة عشر.
10,3 النمسا 
4,60 سويسرا
0,14 تشيك
3,5 دنمارك
5,9 ألمانيا 
1,2  اليونان
0,60  بريطانيا
0,30  إسبانيا
1,1 فرنسا
18  هنغاريا
1,40  إيطاليا
2,40  هولاندا
6  النروج
0,30  بولونيا
16,7  السويد

3
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك

جنرال الصمود.. الأسير الفلسطيني نائل البرغوثي

"أتمنّى الاستلقاء ساعة فقط تحت شمس قريتي كوبر وفوق عشب ربيعها" هذا ما قاله الأسير الفلسطيني نائل البرغوثي لوالدته أثناء إحدى زياراتها لقليلة إليه في أحد السجون الصهيونية. لأن والدة نائل اعتادت أن تقوم بزيارة والد نائل المعتقل في سجن آخر من سجون النازيين الإسرائيليين، فيما كانت شقيقة نائل الوحيدة هي من يقوم بزيارته حين تسمح لها سلطة السجون، وبدأت بهذه المهمة منذ أن كان عمرها 14 عاماً. وكان عمر البرغوثي شقيق نائل الأكبر أيضاً معتقلاً في سجن ثالث، وكانت زوجته تزوره.
توفي والد نائل في عام 2004 دون أن يرى ابنه، وتوفيت والدته عام 2005 دون أن ترى نائل وهو يحقق حلمه في معانقة شمس الحرية. استمرت حنان البرغوثي في زيارة شقيقها في السجن، إلى أن منعتها السلطات الصهيونية من الزيارة عام 2006.
الأسير الفلسطيني نائل البرغوثي جنرال الصمود، اعتقلته قوات الاحتلال الإسرائيلية في أبريل/نيسان عام 1978 من منزله في قرية تسمى "كوبر" تقع شرقي مدينة رام الله في الضفة الغربية، وكان عمره 19 عاماً، اتهمته إسرائيل بقتل أحد جنودها، وحكمت عليه بالسجن المؤبد إضافة إلى 18 عاماً. وبهذا يكون قد أمضى في زنازين الاحتلال الصهيوني 42 عاماً. وهو الآن في العقد السادس من العمر. ويعتبر أقدم سجين سياسي في العالم.

اعتقال بعمر مبكر
في 1972، كانت أولى محطات العمل الثوري الفعلي للبرغوثي، إذ انخرط مبكراً في التظاهرات، ونجح في إنشاء علاقات مع الشباب الثوار الذين يكبرونه سناً في جامعة بيرزيت. فمنذ أن كان صبياً صغيراً شارك جنرال الصمود الأسير نائل البرغوثي في مقاومة قوات الاحتلال والقهر الصهيونية، فكان يصعد إلى سطح منزل العائلة ويقوم برشق جنود وآليات الاحتلال بالحجارة عند مرورها. وعندما كبر كان يذهب إلى مدرسته في بلدة بيرزيت المجاورة مشياً على الأقدام، يقطع وادي القرية ويجمع الحجارة الصلبة داخل حقيبته المدرسية، حتى يرشق بها جنود لاحتلال، وكان يقول إن حجارة الوادي أقوى من أي حجارة أخرى، ولها صوت وتأثير أكبر.
كان نائل في صغره ـ ولا يزال ـ شعلة من النضال، يقود التظاهرات ودائماً ما يكون في الصفوف الأولى في مواجهة الاحتلال، حتى أطلق عليه المناضلين "أبو اللهب" نسبة إلى شخصيته القيادية الثورية، هو اللقب المؤقّت الذي لازم نائل منذ السبعينيات حتى بداية التسعينيات، وأُطلق عليه لشهرته في إشعال إطارات السيارات خلال المواجهات في مدينة بيرزيت،  وفي الأسر أطلق عليه رفاق الأسر لقب "أبو النور".
اعتقل أول مرة خلال إحدى المواجهات مع الاحتلال في الثامن عشر من ديسمبر عام 1977 وحُكم عليه بالسجن ثلاثة أشهر، وعقب الإفراج عنه بـ 14 يوماً، تم اعتقاله مرة أخرى بتهمة مقاومة الاحتلال. ثم اعتقل العدو شقيقه الأكبر عمر، وابن عمه فخري البرغوثي، وحُكم على ثلاثتهم بالسجن المؤبد بتهم قتل ضابط إسرائيلي شمال رام الله، وحرق مصنع زيوت داخل الأراضي المحتلة عام 1948، وتفجير مقهى في القدس المحتلة.
 داخل قاعة محاكمتهما، رفض الشقيقان وابن عمهما الاعتراف بشرعية محكمة العدو والإقرار بالذنب أو طلب الاستعطاف، فبدأ القاضي العسكري بالصراخ، وضرب بيديه على الطاولة وقال مؤبد، مؤبد، مؤبد.
على إثر صدور الحكم وقف الثلاثة وبدأوا في ترديد الأغنية الوطنية "ما بنتحول ما بنتحول يا وطني المحتل... هذي طريقنا واخترناها وعرة وبنتحمل" ثم أطلقت الحاجة فرحة البرغوثي والدة الأسرى الزغاريد فخراً بأبنائها.

خروج مؤقت
بعد أن قضى نائل 34 عاماً في السجون الإسرائيلية، أمضى آخر خمس سنوات منها دون أي زيارة من أحد أفراد عائلته، بعد وفاة والدته ووالده واعتقال شقيقه، ومنع شقيقته من الزيارة. نال البرغوثي حريته في عام 2011 في صفقة "شاليط" سميت كذلك على اسم الجندي الإسرائيلي الذي خطفته حركة حماس وبادلته ضمن صفقة مقابل إفراج إسرائيل عن 1148 أسيراً فلسطينياً من سجونها.
خرج الأسير نائل البرغوثي بعد الإفراج المؤقت عنه، فرضت قوات الاحتلال الصهيونية عليه الإقامة الجبرية في قريته، ومنع من الخروج من مدينة رام الله وقراها، وخلال هذه الفترة ظل أسيراً داخل بلدته كوبر شمال شرق رام الله، وحرم من زيارة أي بلدة أو مدينة في الضفة الغربية، وليجد والديه قد توفيا، وأن شقيقه عمر وابن شقيقه عاصم في المعتقل. أصر أن ينام على سرير والدته في منزل العائلة. ثم بعد شهر واحد من الإفراج عنه تزوج من الأسيرة المحررة "إيمان نافع" بناء على وصيه والدته، وعاشا سوياً لمدة 31 شهراً، قبل أن تقوم قوات الاحتلال باعتقاله مجدداً عام 2014 مع أكثر من 70 أسيراً محرراً، وتعيد له حكمه السابق في السجن المؤبد.
يقبع جنرال الصمود الأسير الفلسطيني نائل البرغوثي داخل زنزانة في سجن صهيوني، لا يزوره أحد سوى زوجته التي تحاول سلطات السجون منعها من الزيارة بذريعة أنها أسيرة سابقة، لذلك تضع العراقيل بهدف حرمانها من زيارة زوجها.

عاشق الحرية
إيمان نافع زوجة نائل تقول إنه منذ أن تزوجا كان نائل يخرج كل يوم من المنزل بعد صلاة الفجر، يذهب إلى الأرض فهي المقدسة بالنسبة إليه، يعتني بها ويزرعها، كان يعشق الأزهار التي تنمو في الجبال. قام بزرع أشجار البرتقال والليمون، ولم يتمكن من تذوق ثمارها.
لقد تحول نائل البرغوثي إلى أيقونة فلسطينية نضالية، تجسد صمود وإصرار الشعب الفلسطيني على انتزاع استقلاله وحريته وإقامة دولته. لم تتبدل قناعاته ولم يهتز إيمانه العميق بعدالة قضية شعبه وحقه في الحياة. بل استمر "أبو النور" كما يلقبه زملاءه الأسرى، في التبشير بالقيم النضالية، قيم التحرر من نير الاحتلال، قيم الحرية والإنسانية.

عائلة البرغوثي المناضلة
 ينتمي نائل البرغوثي إلى عائلة فلسطينية من قرية كوبر شمال رام الله قدمت الكثير من التضحيات. فالأسير المحرر "فخري البرغوثي" ابن عم نائل تم اعتقاله عام 1978 كان متزوجاً وزوجته حامل بابنه شادي، وعندما تم إطلاق سراحه بعد ربع قرن قضاها في السجون الإسرائيلية، كان قد تمّ اعتقال ابنه شادي وحكم عليه بالسجن 27 عاماً بتهمة مقاومة الاحتلال.
يقول فخري: كنت أتمنى أن يفرج عن ولدي فقد كان من الصعب عليّ أن أتركه مرتين، مرة عندما تم اعتقالي وكان جنيناً في بطن أمه، ومرة حين خرجت من المعتقل ولم أجده وهو في العشرينيات من عمره. ثم تم اعتقال ابنه الثاني "هادي البرغوثي" وخرج من المعتقل بعد خمس سنوات.
وكان فخري البرغوثي قد التقى بولديه هادي وشادي في الأسر بعد أكثر من 20 عاماً، حيث اللقاء أبكى الأسرى جميعاً.
عمر البرغوثي شقيق نائل هو أيضاً أسير سابق أمضى 26 عاماً في سجون الصهيونية النازية وتم الإفراج عنه عام 1985 ضمن صفقة تبادل، وتعرض بعد ذلك إلى اعتقالات كثيرة.
عاصف البرغوثي ابن عمر، حاول تنفيذ عملية من أجل عملية تبادل بهدف الإفراج عن عمه نائل، إلا أن العملية انكشفت واعتقل عاصف عام 2007 وحكمت عليه المحكمة الإسرائيلية 12 عاماً.
في عام 2018 اعتقلت قوات الاحتلال عاصف مرة أخرى بتهمة تنفيذ عملية إطلاق نار أدت إلى إصابة 10 إسرائيليين قرب مستعمرة "عوفرا" شرق رام الله. وبعد أسبوع قامت وحدة إسرائيلية خاصة باغتيال صالح البرغوثي شقيق عاصف بتهمة المشاركة في العملية.
ثم قامت قوات الاحتلال بهدم منزلي عاصف ومنزل والده. وحين بلغ خبر استشهاد صالح والدته قالت "إن استشهد صالح فهناك مليون صالح، وليس كل إنسان يكرّمه الله بالشهادة، ثم إن لكل منا عمر محدود (لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ(
وأبناء حنان البرغوثي الثلاثة عناد وعبد الله وعمر معتقلين في سجون الاحتلال. حنان شقيقة نائل الوحيدة تقول إنه أثناء إحدى زياراتها لنائل في المعتقل سمحت سلطات الاحتلال لأحد الأطفال الصغار بالدخول عند الأسرى، فضم نائل الطفل بحرارة، حينها أحسست كم كان يتمنى أن يحتضن طفلاً له، وعندما رآني أبكي، قال لي: لا تبكي يا أختي فإن كل أطفال فلسطين أبنائي.

وجع لا يبارح
ملف الأسرى الفلسطينيين الأبطال الصامدين القابعين في زنازين السجون الإسرائيلية، من أبرز الملفات المؤلمة في تاريخ الصراع مع العدو الصهيوني.
قضية الأسير نائل البرغوثي هي قضية نحو سبعة آلاف أسير فلسطيني يقبعون في سجون الاحتلال الإسرائيلي، بينهم أكثر من أربعمئة طفل وطفلة، أصغرهم الطفلة "ديما الواوي" ابنة الثانية عشرة، وسبعون أسيرة فلسطينية، أقدمهن "لينا الجربوني" من المناطق المحتلة عام 1948 والمعتقلة منذ أربعة عشر عاما.
من بين الأسرى ما يزيد على خمسمئة أسير يقضون أحكاما بالسجن المؤبد لمرة أو مرات عدة، وهناك أسرى تم اعتقالهم أطفالاً كبروا وهرموا في السجن. فهناك أربعين أسيراً قد مضى على اعتقالهم عشرون عاما، وسبعة عشر أسيراً مضى على اعتقالهم أكثر من خمسة وعشرين عاما، وسبعة أسرى مضى على اعتقالهم أكثر من ثلاثين عاما.
يوجد في المعتقلات الصهيونية سبعمئة معتقل إداري دون تهمة أو محاكمة، وستة نواب في المجـلس التشـريعي الفلسـطيني، ووزير سابق، وسبعة عشر صحافيا، ومئات من الأكاديميين والكفاءات العلمية والرياضيين.
ومما يدمي القلوب وجود قرابة ألف وسبعمئة أسير يعانون من أمراض مختلفة، بينهم مئة وثمانون أسيراً يعانون من أمراض خطيرة، وخمسة وعشرون أسيراً يعانون من مرض السرطان، بالإضافة إلى سبعين أسيراً يعانون من إعاقات جسدية ونفسية وحسية، بعضهم من فقد القدرة على الحركة، في ظل استمرار سياسة الإهمال الطبي المتعمد، الأمر الذي يفاقم من معاناتهم ويشكل خطرا على حياتهم. و30 اسيرا مدرجون على قائمة انتظار الموت. وهناك 73 أسيراً استشهدوا تحت التعذيب و75 استشهدوا نتيجة القتل العمد بعد اعتقالهم و67 استشهدوا نتيجة الاهمال الطبي.
إن إلقاء نظرة فقط على العام 2019 يكشف أرقام مرعبة عن حجم معاناة الأسرى نتيجة سياسات البطش والقمع التي تعتمدها قوات الاحتلال الفاشية، حيث استشهد العام الماضي 5 أسرى نتيجة التعذيب، ليبلغ عدد الأسرى الشهداء 222 شهيداً.
كما شهد العام الماضي قيام قوات الاحتلال باعتقال خمسة آلاف وخمسمائة معتقلاً إدارياً، بمعدل 14 حالة اعتقال يومياً. الاعتقالات شملت 1100 حالة لأسرى سابقين، واعتقال 790 طفلاً، واعتقال 152 لفلسطينيين يعانون أمراضاً مزمنة، واعتقال 120 امرأة وفتاة فلسطينية. هذه الجرائم كافة ارتكبها الاحتلال في عام 2019 فقط، فيما العالم غير المتحضر يعاني من ارتجاج دماغي، لأنه ينتصر لضحايا التمييز في مكان، ويتجاهل قتل وقهر الأبرياء في فلسطين المحتلة على يد قوات الفاشيين الجدد.

خارج الزمن
خلال فترة اعتقال نائل البرغوثي التي استمرت 42 عاماً، فقد والده ووالدته. وشقيقته ذات 12 عاماً كبرت وتزوجت وأنجبت وأصبحت جدة، ولديها ثلاثة أولاد معتقلين هم عناد وعبد الله وعمر. تقول شقيقته: كنت أحمل عمر بين ذراعي عندما كنّا نزور نائل، واليوم هو زميله في الأسر.
الحاجة فرحة البرغوثي والدة نائل لم تعرف الكلل أو الملل، وجابت غالبية سجون العدو لزيارة ابنَيها نائل وعمر، كما خاضت معظم الإضرابات خارج السجون تزامناً مع إضراب أبنائها في الداخل. قبل وفاتها بيوم واحد، انتظرها الشقيقان نائل وعمر ليسمعا صوت والدتهما في برنامج إذاعي عن الأسرى حيث قالت على الملأ "وصيتي لكم درهم شرف خير من بيت مال يا أحباب قلبي" وفي اليوم التالي توفيت بتاريخ 19/10/2005.
إن استمرار اعتقال نائل البرغوثي وزملاؤه الأسرى لمدة تزيد عن 40 عاماً، يعني أن هناك خللاً في المنظومة الدولية الإنسانية، وانهياراً في القيم الأخلاقية والحقوقية الأممية. وسقوط مرعب لشعارات الحرية والعدالة الإنسانية. سوف تظل شرعة حقوق الإنسان معتقلة ما دام البرغوثي والأسرى الفلسطينيين الآخرين معتقلين في زنازين الفاشية الصهيونية.
وما قيمة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بمواده الثلاثون، إن لم تستطع الجمعية العامة للأمم المتحدة والدول الموقعة عليه من صيانة وحماية الإعلان واحترام توقيعها عليه. وما نفع اللجان والمنظمات الحقوقية الرسمية والشعبية العربية والإقليمية والدولية، إذا لم تتمكن من الضغط على الاحتلال الصهيوني لإجباره على إطلاق سراح الاسرى الفلسطينيين من معتقلاته، وهم الذين اعتقلوا وسجنوا ظلما وعدواناً، في انتهاك واضح وخطير لكافة الأعراف الدولية التي تبيح مقاومة الاحتلال أياً كان اسمه وهيئته.
ليس كافياً أن نجعل للأسرى يوماً في العام، نكيل لهم المديح عبر الخطب والمهرجانات. ليس كافياً ـ على أهميته ـ الكتابة عن/حول الاسرى في الصحف والمجلات والتحدث عنهم في وسائل الإعلام الأخرى. ليس كافياً إطلاق المناشدات الأخلاقية، فعدونا لا يقيم للأخلاق وزناً، فمشروعه الصهيوني في الأساس قام على القتل والتهجير والتدمير.
على عاتق الجميع بلا استثناء تقع المسؤولية الأخلاقية لإطلاق حملة فلسطينية وعربية ودولية للضغط على الاحتلال وإلزامه بالإفراج عن الأسير البرغوثي، وبقية الأسرى الفلسطينيين من زنازين الصهاينة، وخاصة الأسرى القدامى والمرضى وكبار السن والأطفال والأسيرات الماجدات.



4
حسن العاصي
باحث وكاتب فلسطيني مقيم في الدنمارك


أن تكون عنصرياً ضدي لأنني فلسطيني

الاستعارة من الجانب المظلم للذاكرة الفلسطينية، تظهر أنها ليست المرة الأولى، التي يجري فيها توجيه الإساءة القصدية للشعب الفلسطيني من جهات لبنانية. في العام 1992 صدرت تصريحات عنصرية من النائب "نقولا فتوش" وصف فيها المبعدين الفلسطينيين أنهم "نفايات سامة". واليوم تظل علينا جريدة الجمهورية الكتائبية برسم يشبه الإنسان الفلسطيني في لبنان بكوفيته، بفيروس كورونا، وكلاهما بلاء أصاب لبنان في عامي 1975 و2020 على التوالي. وبين هذا وذاك العديد من مظاهر العنصرية ضد الفلسطينيين، يمكن لأي متتبع للوضع اللبناني أن يرصدها. ليس أقبحها مقطع الفيديو لثلاث شقيقات لبنانيات، تعترف أحداهن وتصرح أنها تحب شاب لديه مواصفات رائعة، لكن عيبه الوحيد أنه فلسطيني".! هذه العنصرية دفعت يوماً المرحوم "شفيق الحوت" لأن يقول "يحبون فلسطين، ويكرهون الفلسطينيين". فما هي الصورة التي يريد الشعبويين اليمينيين العنصريين الجدد في لبنان، أن يكون عليها؟
الخطاب العنصري البغيض من قبل جهات لبنانية ضد فلسطين والفلسطينيين متشعب. ويبدو أنه أصبح من ضرورات الحياة السياسية والحزبية اللبنانية. حين يبرز الخلاف بين الفرقاء هناك فلابد من أن يتم استحضار الموضوع الفلسطيني وتشعبات وجود في المخيمات على الأراضي اللبنانية. صار هذا الأمر من لزوم المتاجرة بالشعارات، وسلعة حاضرة في سوق المزايدات السياسية والوطنية. إن العنصرية التي مورست على الفلسطيني بشكل خاص في لبنان أكبر من يتم استيعابها في مقال كهذا.
في المشهد العربي، يتواصل مسلسل استغلال القضية الفلسطينية، من قبل معظم الأنظمة العربية، لا يكاد يمر يوم من دون أن نسمع تصريحاً أو خطاباً لقائد عربي هنا، أو زعيم سياسي هناك، يؤكد خلاله على عدالة القضية الفلسطينية، والمظلومية التي وقعت على الشعب الفلسطيني المضطهد، وأن إسرائيل التي تحاصر المسجد الأقصى، وتعمل على تهويد مدينة القدس هي العدو الأول للعرب الذين لا يدخرون جهداً ولا مالاً لنصرة ودعم هذه القضية.
لكننا جميعاً نعلم أن هذه الشعارات يتم استخدامها من قبل معظم الأنظمة العربية لدغدغة مشاعر شعوبها. إذ تم توظيف القضية الفلسطينية لتنال تلك الأنظمة الشرعية من شعوبها تارة، ولقمعها وتجويعها تارة أخرى بذريعة الاستعداد لمعركة تحرير فلسطين.  وتم استخدام القضية لتحقيق مكاسب سياسية وانتخابية من قبل بعض الأحزاب العربية، بل حتى لجني ثروات من قبل بعض تجار الفن الذين استخدموا رمزية القضية الفلسطينية لتسويق أعمالهم وانتشارها. لكن لا العرب حاربوا، ولا فلسطين عادت لأهلها، ولا الدول العربية تطورت وتقدمت وأنجزت، ولا الشعوب العربية استعادت حريتها وإنسانيتها من الأنظمة الاستبدادية.

الراهن العربي الكسيح
لكن هل الراهن العربي في الواقع قابل لنصرة الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية؟
الإجابة قطعاً لا، فالجسد العربي في حالة من الموت السريري، قلب العرب مريض ومرهق، ورأسها مصاب بالهرم، وأطرافها مشلولة.
إن قضية العرب الأولى- فلسطين- تحتاج إلى أمة حرة قادرة على التعبير وتقديم الدعم، تحتاج إلى أمة لا تلهث غالبيتها خلف رغيف الخبز، أمة قادرة أن تختار مستقبلها، أمة لا يقرر مصيرها حزب واحد ولا عشيرة واحدة ولا زعيم واحد.
تحرير فلسطين يحتاج جسد عربي معافى ومتحرر من الخوف والقمع والفساد والمرض والفقر والأمية ومن المحسوبيات والرشوة والشللية، جسد يتمتع بحرية الحركة والانتقال، يؤمن بالديمقراطية إيمان حقيقي، ويمارس تداول السلطة، ولا يعتقل معارضيه.
لقد جعلت معظم الأنظمة العربية من القضية الفلسطينية مطية لتحقيق مآربها الخاصة، وجرى استخدام القضية في الخطابات الديماغوجية التي تتشدق بها بعض النظم العربية بهدف استمالة الشعوب العربية والإسلامية إلى جانبها، بل إن بعض الدول العربية تحارب دولاً عربية أخرى بسيف القضية الفلسطينية التي أصبحت مادة للمزايدات بين أطراف عربية كثيرة.
وبما أن موضوعي اليوم هو هذا المستوى من الانحدار والسقوط الأخلاقي والفكري على مستوى القيم والمثل لليمين المتطرف في لبنان الذي أظهر وجهاً بشعاً، وفاض بقذارته. سوف أحاول مساعدته في التقرب من الكائن الفلسطيني الذي يجهله.

ماذا يعني أن أكون فلسطينياً
أيها العنصري البغيض: أن أكون فلسطينياً يعني أن أعشق وطناً أعرف اسمه ولم أراه. أن أكبر وأنا لا أعلم أين سوف أكون غداً، لأنني ممنوعاً من الاستقرار ومن التفكير في المستقبل، وعلي أن أحارب نيابة عن أمة الضاد، لأني القومي العربي الأول. وأن أحارب نيابة عن جميع المسلمين، فأنا حامي الأقصى الشريف وهو تكليف خصني به رب العزة،. ثم يجب أن أقاتل نيابة عن جمع الأحرار والشرفاء في العالم، فأنا الأخ والرفيق والمناضل الأممي الأول ضد الامبريالية العالمية، وضد الاستعمار وضد العولمة.
ثم أجدهم يشيدون بي في الخطابات والمهرجات والمؤتمرات والقاعات المغلقة، ويكيلون لي المديح وينظمون قوافي الشعر في وصفي، لكنني يا حسرة حافي القدمين، فأنا الضحية الأولى في كل الأزمات.
أن أكون فلسطينياً يعني أن أرضع من ثدي أمي مع حليبها الإحساس بالقهر والظلم، وكذلك أرضع التحدي والرجولة والإصرار، وأرضع مفردات السياسة ومصطلحات الفلسفة وأسماء الأسلحة.
 وحين أصبح مراهقاً يجب علي أن أقرأ الشعر وأحفظه ثم أكتب القصائد وأكون ملماً بأنواع وبحور الشعر وأسماء كبار الشعراء.
 وحين أصبح شاباً أُعتقل، ليس مهماً أين، قد أُعتقل عند الأعداء الطبيعيين، وقد أُعتقل عند الأشقاء العرب. وكذلك ليس مهماً التهمة فهي موجودة دوماً بانتظاري لأنني فلسطيني.
حين أكون فلسطينياً أيها الأرستقراطي الكريه، فهذا يعني أنني أحفظ أسماء الشهداء منذ ثورة فلسطين الكبرى عام 1936 حتى اليوم. وأن أعلم أعداد المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، وفي المعتقلات العربية.
أن أكون فلسطينياً، يعني أن أكون صاحب الكوفية الفلسطينية، التي حملت منذ قرن من الزمن معاني الشرف والنضال والإباء والتضحية. وأصبحت الكوفية الفلسطينية منذ العام 1936 رمزاً للهوية الوطنية الفلسطينية، وشعاراً يلتف حوله الأصدقاء والمناصرون والمتعاطفون معها في كل بقاع الأرض.
أن أكون فلسطينياً، فهذا يعني أن أعرف أماكن وأسماء السجون والمعتقلات في العالم، وأحفظ تاريخ الثورات في العالم وأسماء قادتها وأبرز منجزاتها، بداية من ثورة سبارتاكوس حتى ثورة الجوع والتغيير في لبنان.
أن أكون فلسطينياً يعني أن أصاب بمرض اسمه الحزن يصاحبني طوال حياتي، ويلتصق أنين الحجارة بصوتي، ويفترسني الخوف من المطارات العربية، وتربكني الموانئ، لأن أيام عمري تتساقط على هذه الأرصفة محطة تلو المحطة وأظل غريباً.
يعني أن يكون لدي ذاكرة قوية بالفطرة والاكتساب. فأنا أتذكر عدد حبات رمال البحر على شواطئ فلسطين، وأتذكر صوت كل مئذنة، وأعلم موقع كل جامع من صوت الآذان. أتذكر ضحكة كل طفل في مدينتي، أماكن أفران خبز الصاج. أن أظل متذكراً أن لا عصفور لي يرابط عند نافذتي، وأن أظل أتذكر أقنعة الجلادين، وطعم الوجع، وجدران المدينة، وأذكر لون الفجر، ورائحة الموت الممتزج بالبارود.
لأنني فلسطيني، أدركت مع الوقت أهمية الأرقام والأعداد في حياتي. تحول اسمي إلى رقم في جداول وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة، وتحول تاريخي كله إلى أرقام ومحطات، بدءًا من العهد الإغريقي مروراً بالانتداب البريطاني لغاية اللحظة,
 كل شيء في حياتي تحول إلى أرقام. موقع بيت جدي في فلسطين الذي يسكنه مهاجر يهودي من روسيا. كم يبلغ بالأرقام عدد أفراد أسرتي، المعتقلين والمنفيين والمفقودين والمقتولين. عدد الأيام التي أمضيتها في المعتقلات وفي المشافي وأمام أبواب أجهزة الأمن.
 عدد السنين التي عشتها في المخيم، رقم لجوئي في المنافي البعيدة. عدد المجازر والمذابح التي ارتكبها الآخرون بحق أهلي وشعبي. عدد وتواريخ المناسبات الوطنية، وعدد هزائم العرب.
وسوف يلهج لسانك بالشكر لمن اخترع الأرقام، إذ لولا وجود الأرقام لما كنت أصلا موجوداً.
يعني أنني عشت حالة من الحنين الدائم في جميع أحوالي، في صحوتي ويقظتي، إلا وتكون فلسطين حاضرة تعيش بي وأعيش بها ولا تفارقني لحظة.
هل ارغب أن تعرف أكثر عن الفلسطيني؟ حسنا سوف أخبرك.

تعرف على هذا الكائن
أن أكون فلسطينياً فهذا يعني أنه كان لي وطناً جميلاً مثل وطنك، وكان لنا بيارة وبيتاً دافئاً مثل بيتك، ولنا بستان جميل، ومكان عمل، وعائلة واقارب وأصدقاء وجيران، مثل عائلتك وجيرانك. لكن فجأة جاء أحد ما، لسبب ما، بمساعدة ودعم من جهات ما، ومنها جهات عربية شقيقة، وخيانة وتآمر ما، تم قتل نصف عائلتي، وطُرد الآخرين خارج وطني. بقي بعض الأفراد القلائل من عائلتي على قيد الحياة في وطنهم، لكنهم أصبحوا ضيوفاً ثقلاء في أرضهم.
أن أكون فلسطينياً هذا يعني أنني كنت اسير في شارع ما، في عاصمة ما، في دولة ما، ولم أكن أعلم هل سأعود إلى بيتي أم لا، خاصة إن كانت دولة عربية ما.
أنني كنت متواجداً في مطار ما، في دوله ما، غادر الجميع قاعة الوصول وخرجوا وكان أهاليهم في انتظارهم. إلا أنا بقيت في المطار لسبب ما لا أفهمه. ثم يتم اعتقالي أياماً أو أسابيعاً أو شهوراً أو أعواماً، دون أن يجرؤ أحد على السؤال عني. وقد يقتلونني داخل المعتقلات، دون أن يرتعش جفن السجان، فأنا فلسطيني. في أحسن الحالات، كان يتم احتجازي في المطار داخل غرفة قذرة، ثم يقومون بتسفيري في أقرب رحلة عائداً إلى حيث قدمت. طبعاً دون توضيح أو ذكر الأسباب، فأنت فلسطيني.
أن أكون فلسطينياً، هذا يعني أن تصبح كل الجهات رماحاً أمام عيني. أن تتدلى المشانق من أجل عنقي في معظم العواصم. أن ينمو الصقيع على شرفات المنافي التي تتقاذفني.
 أن أعود في يوم ما محمولاً فوق الأكف إلى عشب أمي. أن أرى والدي يموت في مكان ما، فوق فراش بارد، وكان لايزال يتحدث عن كروم العنب والزيتون في فلسطين، وعن أمله في العودة إليها يوماً ما.

أخيراً
لبنان الذي تغزّل بها الشاعر السوري الكبير نزار قباني. وبيروت النجمة والخيمة الأخيرة للشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، ليست لبنان بوجهها القبيح الذي أظهرته اليوم. من أساء إلى الفلسطينيين في لبنان عبر الرسم الكاريكاتيري، فقد أساء إلى لبنان أولاً وإلى العلاقات الأخوية المتميزة بين الشعبين الفلسطيني واللبناني.
هذا الانزلاق الصادم من صحيفة الجمهورية اللبنانية بنشرها الرسم الاستفزازي المهين، دون أي مبرر، تبعث برسالة تحمل رمزية دنيئة تنضح بالعنصرية والكراهية، وتستفز عموم الشعب الفلسطيني، في لبنان وخارجه. ويكشف حقداً دفيناً ضد الفلسطينيين عند أصحاب هذا التيار. الذين أذكرهم وكل الذين يتطاولون على الشعب الفلسطيني، أننا الشعب الوحيد في الكون الذي انهار كل شيء من حوله، انهارت مدننا وقرانا ومخيماتنا، انهارت مقابرنا وأفراح صغارنا، ولا زلنا نأمل أن ينبت الحطب زهراً. فكيف يموت قلبنا؟


5
حسن العاصي
باحث وكاتب فلسطيني مقي في الدنمارك

الأقفاص البشرية.. ما بعد كورونا

يبدو أن المقاييس على وشك الانقلاب، بعد أن تم سجن البشرية في المنازل بعملية تدجين حديثة، بذريعة اتقاء بطش السيد كورونا المنتشر في كافة المدن والقرى والميادين. الخطوة القادمة هي تحرير الحيوانات المعتقلة منذ عقود في أقفاصها الباردة بسجون تسمى "حدائق الحيوانات"، المنتشرة في مختلف أماكن المعمورة، لتفسح المجال والمكان أمام الإنسان، ليدخل تلك الزنازين/الأقفاص فور خروج "الحيوانات" منها، لتحل الحدائق الخاصة بالبشر وأجناسهم وما يشبههم، ثم تأتي الحيوانات التي استعادت حريتها و"حيوانيتها" الفطرية، لتزور القاطنين الجدد، وترمي لهم حبات الفستق، وقشر الموز، والأرغفة اليابسة. ثم تبتسم وهي تلتقط الصور التذكارية مع الإنسان القابع خلف القضبان.
هذه الصورة كانت عبارة عن رؤية سريالية طريفة، لمعت في ذهني حين اصطحبت صديقاً حلّ ضيفاً علي ذات يوم إلى حديقة الحيوانات الضخمة في المدينة التي أقيم فيها. أصوات الحيوانات في الأقفاص التي تحاصرنا جعلتني في مقاربة صامتة حول صوت الإنسان، والأدوات التي طورها عبر ملايين السنين بهدف الاتصال الاجتماعي، والتعبير بالكلام عن مخاوفه وحاجاته الأساسية. في تطور كان يفترض به أن يحقق التحولات التي تجعل حياة الإنسان أكثر رفاهية وأمنا. فيما كان صديقي في تلك اللحظات منشغلاً بتمثيل دور السائح، الذي يوزع الابتسامات يميناً وشمالاً، ويلتقط عشرات الصور.
لكن تلك الأفكار التي كانت مجرد هذيان فيما مضى، هي اليوم أقرب ما تكون إلى أن تصبح واقعاً حقيقيا، بعد أن خلت الشوارع والساحات والمتنزهات من البشر، وخلت مراكز التسوق من روادها المستهلكين، بعد أن كانت تشكو الاكتظاظ، نتيجة هوس الإنسان في التملك والشراء. وبعد أن تحولت كبرى العواصم إلى مدن أشباح لا وجود لمظاهر الحياة فيها، نتيجة العزل الطبي، والحجر الصحي التي فرضته الأنظمة السياسية على المواطنين، في محاولة لاستيعاب تقدم انتشار وباء "كورونا" والسيطرة عليه.

قرود بشرية
بالعودة إلى أصوات الحيوانات، نعم تمتلك تلك الحيوانات التي وضعها البشر في الأقفاص لغة، ورغم شيوع فكرة أن الإنسان حيواناً ناطقاً، إلا أنني أرى أن الإنسان حيواناً مثل باقي الحيوانات. فقط هو مختلف عن الأرنب، تماماً مثلما تختلف البطة عن الفيل، والجمل عن الذئب. لكن الإنسان قطعاً لا يتميز عن سائر الحيوانات بالنطق. ذلك أن جميع تلك الحيوانات هي مخلوقات ناطقة. وعجزنا عن فهم وإدراك ما تقوله لا يعني أنها غير ناطقة. فالذئب حين يعوي يقول شيئاً بفهمه باقي القطيع، مثل نقنقة الدجاج، وكذلك سائر الحيوانات.
مع مرور الوقت بعد تلك الزيارة أصبحت مقتنعاً أن النطق الذي كان يظن البعض، أنه شيئاً يتميز به ابن آدم على سواه من المخلوقات، مجرد ذريعة ابتدعها البشر لإظهار قبحهم في علاقتهم مع بقية المخلوقات من حيوانات وما شابه. بل أكثر من ذلك، فقد تحول "البشر" في العصر الحديث إلى نموذج هجين عن القردة، وبتنا لا نرى ولا نسمع ولا نتكلم. وابتكرنا قرداً رابعاً لا يشعر، وخامساً لا يرحم، وسادساً متوحشاً، وفي كل يوم نبتكر قرداً جديداً.
لقد فعل الإنسان كل ما يجعله يستحق هذا المصير العبثي. عبر توحشه وتغوله وأطماعه، وقسوته غير المبررة على مر العصور. نلتفت حولنا، فنجد أطفالاً يأكل الذباب عيونهم، يذهبون إلى المدارس نصف عراة ونصف جائعين. تتنافس على طفولتهم أسواق العمالة الرخيصة، وتتلقفهم ورشات وحقول الكبار، وهم في سن اللعب والتشكل. أطفال في دول فقيرة ونامية تراهم يشيخون في فترة المراهقة، تائهون ومهمشون في الأطراف، يبتلعهم ازدحام المدن في عصر العولمة و"الحداثة". ولا أحد يدرك معاناتهم، ولا نسمع صوتاً "بشرياً ينطق نصرة لطفولتهم التي لم يتعرفوا إليها.
التهميش أصبح ظاهرة عميقة ولافتة، بالغة التأثير في الحالة الدولية وقبيحة. هي ظاهرة لا تقتصر على المجتمعات التي تعاني من مشكلات اقتصادية وسياسية واجتماعية، بل تشمل أيضاً جميع المجتمعات والدول، سواء تلك الغنية أو الفقيرة، الدول التي تشهد صراعات أو الأخرى المستقرة نسبياً، الدول التي تحكمها أنظمة استبدادية أو تلك الأقل استبداداً. وهي ظاهرة تطال تداعياتها غالبية الدول، الإقليمية منها أو الدول الأوروبية، التي يفر إليها الناس من بلادهم نتيجة تعرضهم للتمييز والقهر والجوع.
ثم مكابدة مئات الملايين من البشر في مختلف بقاع الأرض، خاصة في الدول الفقيرة ودول الجنوب والدول النامية، لتبعات الجوع والفقر والفاقة وضنك الحياة، ونسب الأمية والبطالة المرتفعة، وضعف الرعاية الصحية والاجتماعية، وازدياد التفاوت الطبقي والحضري بين أبناء القطر الواحد، واتساع الفجوة باضطراد بين الأغنياء والفقراء. يزداد الأمر قبحاً حين تغيب في هذه الدول، الحريات العامة، ويجري إعدام الديمقراطية السياسية والاجتماعية. ويتحول القضاء والمؤسسات اللاهوتية إلى دور إفتاء للزعماء السياسيين، ويصبح الإعلام أداة كذب وتلفيق وتشويه وسلاحاً ناعماً فتاكاً وعصرياً. وتسود قوانين الطوارئ بذريعة الدفاع عن الإنسان والأوطان. ويبدو الوضع كارثياً بممارسة القمع والإرهاب واعتماد سياسة تكميم الأفواه. ويتم اغتيال الكلمة الحرة الجريئة، ويتحول المثقفون إلى بوق لتمجيد الأنظمة. ومع هذا الخراب لا نسمع نطقاً.

في الحالة العربية
أجيالاً كاملة في العالم العربي تعاني فراغاً مريراً. فراغاً في الأيديولوجيات، في القيم، في الفكر، في المعتقد، في الثقافة، في العلم، في تقاليد الحرية، وفي مختلف القطاعات. فراغاً نمى واتسع حتى احتل ضمائر العباد من الخواص والعوام. ولا أحد ينطق.
أمة تعيش حالة الهزيمة الشاملة. أوطان تُسرق وتُصادر من القوى العظمى في مرحلة الاستعمار وما بعده، وفي عصر العولمة وما بعدها. عجز عربي رسمي لم تعد تغطيه لا ورقة توت ولا إبرة صنوبر. غيبوبة غير مبررة من الأحزاب والقوى الشعبية العربية، التي تُكثر من إقامة المؤتمرات وإصدار البيانات، دون أية أفعال حقيقية لها ولا لمنظمات المجتمع المدني، ولا لعموم المثقفين، لتعرية الأنظمة ووضع الحقائق أمام أعينها، فيما المرجعيات السياسية العربية مصابة بتورم في المفاصل، وبعضها يعاني الموت السريري. والمؤسسة الدينية طوعتها المنظومة السياسية وأخضعتها لمصالحها، فتحول بعض رجال الدين من دعاة إلى متآمرين. ولا أحد ينطق.
في فلسطين، إذا لا زلتم تذكرونها، والتي كنتم تقولون عنها فيما مضى أنها قضيتكم المركزية، فيها شعب كامل يُذبح منذ قرن كامل، وتحاصرهم قبائل ابناء العمومة، وصمتكم سيد المشهد.
الخراب الذي اتسع في المشهد العربي، والحطام الذي يكبر في كل يوم، والأعمدة التي تتداعى، وتهوي معها جميع معاني الإنسانية، لا نجد معها من يجرؤ على مواجهة هذا السيل الجارف، ولا حتى على الأنين. فقد سلمنا جميعاً بأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، فهانت علينا أنفسنا، وهانت علينا انهياراتنا وهزائمنا، وبتنا لا نسأله رد القضاء، بل اللطف به.

البشرية لا تتعلم
منذ أن وجد الإنسان، وجد التوحش والجشع والشره، وجد الاضطهاد والاستبداد، وجد التسلط والتعسف. مع الإنسان نشأت الصراعات والحروب وعرف الكون العدوانية والجور والطغيان، وما زالوا خلّاناً أصدقاء أوفياء للإنسان المعاصر. ورغم أن الظلم والقهر وغياب العدالة كانوا ولا يزالوا سبباً لحدوث الثورات الاجتماعية عبر العصور، إلا أن البشرية لا تتعلم بسهولة.
ولما كان ذاك غير ذلك، فمن الجلي أن الإنسان لا يتميز عن الحيوان بالنطق.  لكن يا ترى هل يتميز عنه بالكتابة؟ سؤال وجيه. وهل نستطيع القول إن الإنسان حيوان يكتب؟ أنا شخصيا أعرف حيوانات كثيرة امتهنت الكتابة لاستبدال الفكر بشبيهه، واستبدال المنفعة بالمفسدة، والزلال بالآسن، والفصيح بالقبيح، وتحويل جميع القيم السامية إلى سلوكيات ساقطة.
في الأمس اثناء انتظاري لشراء الطعام من المكان الوحيد بالمدينة لبيع الدجاج المشوي، التقيت مصادفة بصديق لي ينتظر مثلي للحصول على بعض الدجاج لعائلته، وجدته شاحباً يطيل النظر في الدجاجات التي تدو داخل القفص الزجاجي بلونها الذهبي.
 حين سألته السبب، أجاب دون مقدمات وبدأ يفسر لي أسباب الاضطرابات الخيالية التي بدأ يعاني منها مؤخراً، وجعلته يتصور غضب ونقمة الفراريج على البشر، وهم يشاهدون الناس تُقبل على التهام كميات كبيرة من الطيور المسكينة دون شفقة أو رحمة.
بعد قليل لاحظت أن الهواجس قد استبدت بصديقي إلى درجة أنه أصبح يتخيل أن تلك الدجاجات التي ننتظر أخذها والعودة بها للمنزل لالتهامها، قد استعادت حياتها، وشقت عصا الطاعة، وغادرت القفص، وانهالت علينا جميعاً نقراً بمناقيرها الحادة، انتقاماً لما يفعله البشر بأبناء جلدتها منذ الأزل.
وعبثاً حاولت مع الصديق لإقناعه بهشاشة وسخافة هواجسه، وذكرته بصديق قديم لنا يعشق أكل الدجاج المشوي في كل مساء. ولو أن الدجاج كان حقاً قادراً على الانتقام، لكن هو خصمها الأول لا غيره. ورغم إنه لا يزال يفتك بدجاج الكون، فما زال حياً يرزق، ويأكل الدجاج كل ليلة.
غير أن صديقي المسكين كان مقتنعاً بفداحة الجرم الذي ارتكبته أسنانه بحق الدجاج الضعيف. لذلك أخبرني أنه قرر طلب المغفرة والتوبة عن أكل تلك الطيور، لعله يكّفر عن جرائمه السابقة بحق الدجاج.
 تركني وغادر مسرعاً دون دجاج مشوي. حصلت أنا على دجاجتي، وعدت لبيتي دون شعور بالندم.

نحتاج كثيراً من الخجل
قد تكون الفلسفة التي توصل لها صديقي مفادها أن الحيوانات مخلوقات أرقى من البشر. وبظني لن يجد صعوبة في تدعيم رأيه وموقفه بالحجج والبراهين. فالحيوانات عادة تدير ظهرها للطعام حين تشبع، بعكس الإنسان الذي يسعى نحو الاستحواذ على كل شيء.
ثم هل سمعتم يوماً عن حيوان يشترط فيك أن تكون ثرياً وتمتلك منزلاً فخماً ووظيفة مجزية ليكون زوجاً لك أو صديقاً؟ لا بالطبع، فهذه سمات البشر وأخلاقهم، فالحيوانات لا تبتغي سوى المحبة من قلب يبادلها الحب.
ودون أن يدري، أعادني صديقي إلى حيث كنت قد بدأت. فيبدو أن الانقلاب في المقاييس قادم لا محالة. ذلك أن "الحيوانات" بظني غير قادرة على تحمل كل هذا الإجحاف الذي يلحق بها نتيجة وحشية البشر. لذلك فإنها سوف تتمرد عاجلاً أم آجلاً، كي تنتقم لنفسها وتحقق العدالة، وتضع الإنسان في أقفاص باردة موحشة وتحشره فيها. ثم تأتي في أوقات فراغها كي تتفرج عليه وهي ترتدي النظارات الشمسية وتحمل الكاميرات، وتطلق ضحكات فرحة.
في هذه الفترة العصيبة من عمر البشرية، وهي تواجه عدواً مجهولاً أسموه "فيروس كورونا" يبدو أنه ليس مهماً الآن ـ من وجهة نظري ـ نقاش العديد من الأفكار والرؤى والتحليلات والتخمينات والنظريات التي اجتهد أصحابها في تقديم تفسير لما يحصل. بدءًا من نظريات المؤامرة، إلى نظريات صراع القوى العظمى، ونظرية الانتقام الإلهي، وسواهم.
 لكن باعتبار أن البشر ليسوا الوحيدون الذين يعيشون مع الحيوانات في هذا الكوكب الأزرق. حيث يضم كوكب الأرض نحو 8,7 مليون كائن حي، حيواني أو نباتي. منها 6,5 مليون كائن يعيشون على اليابسة، فيما يعيش في المياه 2,2 مليون كائن، بحسب دراسة أمريكية تم نشرها في صحيفة "بلوس بيولوجي" العلمية PLOS Biology Journa وهذه الكائنات تحتاج إلى الغذاء والهواء والماء، فإن ما جرى قد يكون سلاح الطبيعة، سلاح الأرض الأم في علاقتها المتأزمة مع الإنسان المتغول، في حربها مع البشرية التي عاثت في الأرض جنوناً وفجوراً.
الدرس المهم هنا أن كثيرون من الناس في هذا العالم هم أسوأ وأقبح من المخلوقات التي نتفرج عليها داخل أقفاصها. إذ أنهم حولوا باختلالهم وقسوتهم وجشعهم، أماكن كثيرة في هذا العالم إلى حدائق حيوان. فلازال الإنسان رغم مجتمعه المدني، أكثر توحشاً من أي حيوان.





6
حسن العاصي
باحث وكاتب فلسطيني مقيم في الدانمرك

الإغراق الإعلامي.. تصنيع الكذب والتضليل


ليس من المصادفة أن يتوافق ترتيب القوى الأكثر فاعلية مع ترتيب الدول الأقوى إعلامياً. فلم يعد الإعلام مجرد خطاب سياسي أو ثقافي، بل أصبح شريكاً رئيسياً في صناعة الأحداث العالمية. ويقوم بمتابعة تطورات هذه الأحداث والأفعال ويصحح اتجاهاتها.
بالرغم من أن العلاقة بين الحقيقة والإعلام هي علاقة جدلية تبادلية، إذ في الوقت الذي تسهم فيه الحقائق في صناعة إعلام بارز وناجح ومؤثر، فإن الإعلام يمكن بدوره أن يكشف الحقائق ويثبتها ويعززها وينشرها أو يغيرها، أو ينقلها من مكانها، أو يوظفها في سياقات غير حقيقية. إن للإعلام تلك المقدرة الكبيرة على تدوير الحقائق لتصب في مصلحة جهة أو دولة ما، من خلال التلاعب بالعقول. حتى تلك العقول المثقفة والنخبوية لا تنجو من التأثير العميق الذي يحدثه الإعلام الموجه على خيارات وأفكار ومواقف وقناعات الناس.
إن من يتوقع الحصول على الحقيقة من خلال وسائل الإعلام فإنه لا شك واهم، ذلك أن هدف وسائل الإعلام المتعددة هو إنتاج منظومات فكرية تقوم على صياغة أفكار ومفاهيم واذواق المتلقين، من خلال رسائل إعلامية وصور ورموز ومصطلحات تتكرر حتى تتحول إلى بديهيات ومسلمات في ذهن المتلقي، كي تسيطر على متطلباته من جانب، وتوظفها وتستثمرها من جانب آخر. ويمكن للإعلام أيضاً أن يكون صانعاً لنماذج بشرية ذات نفوذ مجتمعي، تقوم بالتأثير على الناس لخدمة مصالح سياسية لطرف او غيره. ووسائل الإعلام تقوم بهذا الدور بخبث شديد من خلال إظهار جزئيات وتفاصيل صغيرة بصورة مكثفة واختزالية وبسيطة في ذات الوقت، كي يسهل تسللها إلى وعي المتلقي، ومن ثم تصبح شيئاً مسلماً به موجود في العقل البشري، يصعب تفكيكه.

الناس تميل لمتابعة الأخبار الكاذبة
في دراسة أخرى أجراها البروفيسور الدنماركي "أندرياس بيركباك" Andreas Birkbak أستاذ الفلسفة في جامعة "آلبورغ" Aalborg Universitet في عام 2018
من أهم النتائج التي ذكرتها الدراسة أن معظم الناس نظراً لأن لديهم تصوراً معيناً عن قضية ما، فإنهم لا يميلون تمامًا للسماح للآراء الموضوعية بتصحيح المفاهيم، بل على العكس يقومون بمراجعة الحقائق لتتناسب مع مفاهيمهم الخاطئة. كما بينت الدراسة أن تحيز الناس لمواقف ما أو أشخاص ما أو لأي شيء يقودهم إلى تحريف المفاهيم والمواقف، بل إنهم يخلقون معلومات خاطئة، وتسوء الأمور حين يعتقد الناس أن عليهم نقل هذه المعلومات الخاطئة. فالقصص الكاذبة تنتقل بخصائص جديدة عبر وسائل الاتصال والتواصل وبين الجموع.

من جانب آخر فقد أجرى المعهد الأمريكي “ماساتشوستس” للتقنية Massachusetts Institute of Technology مؤخراً دراسة شملت حوالي 130 ألف خبراً كاذباً وإشاعة على موقع “تويتر”، وتوصلت الدراسة التي أشرف عليها باحثون متخصصون إلى أن الأخبار الزائفة تنتشر بصورة أسرع كثيراً من تلك الأخبار الحقيقية، وأن الناس يبحثون عنها وأن مستخدمي تويتر أعادوا تغريد الأخبار الكاذبة بصورة مبالغ فيها، وذلك يعود ربما إلى أن الأخبار الزائفة عادة ما تكون غير مألوفة.
اللافت في هذه الدراسة أن أكثر الأخبار الزائفة كانت حول قضايا سياسية بصورة كبيرة، ثم تلتها قضايا مرتبطة بالمال والأعمال ثانياً، ثم نلتها قضايا العلوم والترفيه، ثم الكوارث الطبيعية والإرهاب. وتوصلت الدراسة إلى أن الأخبار الزائفة والإشاعات تنتشر بصورة أسرع ست مرات من الأخبار الحقيقية. وأن نسبة المتابعين لهذه الأخبار الكاذبة أكثر بعشرة أضعاف من الذين يتابعون الأخبار الحقيقية.

الإعلام الأسود
تحول قطاع الإعلام إلى مشروع سياسي واقتصادي، وإلى صناعة للرأي العام بهدف تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وفكرية وتجارية. إن صناعة الكذب في الإعلام تزامنت مع ظهور الصحافة المطبوعة، وتطورت بتطور وسائل الإعلام. وهي صناعة على درجة عالية من الخطورة لاستهدافها العقل البشري.
إذ يمكن لوسيلة إعلامية أن تقنع المتلقين أن هناك مؤامرة كونية ضدهم من خلال البث المتكرر المدروس لبعض الفقرات والجمل الكاذبة والصور الملفقة. كما يمكن للإعلان أن يغير السلوك البشري من خلال التأثير على متطلباته ورغباته، وتبديل طرق إدراكه للوقائع والأشياء المحيطة به، من خلال وسائل متعددة تقوم بتوظيف علم النفس للتحكم بسلوك المستهلك وعاداته، وتوجيهه إلى ناحية دون أخرى.
إنه الإعلام الأسود الذي يستطيع تحويل إنسان مغمور إلى شخصية شهيرة جداً من خلال التدليس والكذب والبيانات الملفقة، وخلق وقائع مزيفة، وإيهام المتلقي بأن ما يراه أو يقرأه هو حقيقة. كما يستطيع تشويه صورة إنسان أو جهة ناجحة ومتميزة، عبر نشر الأكاذيب وإطلاق الإشاعات حولها.
الإعلام الأسود يقوم بحجب الحقائق واستبدالها بمواد يرغب بها المتلقي حتى لو كانت أشياء ساذجة. هو إعلام كيدي أيضاً يهدد الاستقرار المحلي والإقليمي في عالم تشهد صراعات متزايدة. الإعلام الأسود تستخدمه الدول، أيضاً عبر أدوات خبيثة، فعلى سبيل الذكر لا الحصر، لتحويل مباراة كرة قدم إلى ميدان لتنفيس غضب الناس واحتقانهم السياسي والاجتماعي نتيجة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في بلدان تحكمها أنظمة قمعية استبدادية. ومن خلال مثل هذه السياسات الإعلامية القذرة يتم قياس سلوك المواطنين من قبل الأجهزة الأمنية عبر دارات تلفزيونية، لكي تحدد أساليب التعامل الأمني معهم لاحقاً.

صناعة المصطلحات
المصطلحات التي تستخدمها الوسائل الإعلامية المختلفة، عبارة عن كلمة، أو جملة مركزة مصنوعة بدقة ويتم اختيارها بعناية فائقة، بهدف جعلها تعبير ومرادف ملاصق لقضية أو حدث محدد، في مكان جغرافي معين، وفي فترة زمنية محددة، ويستهدف قطاع ما وفئة ما. الغاية من هذا المصطلح الإعلامي هو تسليط الضوء على حقيقة ما، أو العكس إخفاءها. ويمكن لاستعمال مصطلح محدد من قبل وسيلة إعلامية أن يسعى لتغيير ميول ومواقف فئة ما أو شعب أو أمة. كما يمكن للمصطلح أن تكون له غايات أخرى مثل التأثير على صناع قرار لكسب مواقف دولية أو إقليمية.
يستطيع المصطلح عبر استخدامه في وسائل الإعلام أن يصنع صورة نمطية عن أحد أو شيء، أو التأثير على الوعي الجمعي، بهدف السيطرة على عقول الناس، ومحاولة سلب إرادتهم، وبالتالي صناعة رأي عام يتوافق مع مصالح من يصنع هذا المصطلح ومن يسوّقه.
فصناعة المصطلحات واحدة من الأدوات الهامة التي تستخدمها وسائل الإعلام لتسويق الافكار وتمرير المعلومات بطريقة تحقق أهداف جهة ما أو دولة ما. حيث يتلقى القارئ أو المستمع أو المشاهد مصطلح ما يوسم حدث محدد أو يتم وسم قضية معينة بمصطلح ما، يصبح هذا الوسم هوية لهذه القضية وشخوصها ومكانها وزمانها، وهكذا تصبح كافة القضايا المتشابهة والتي تتناولها وسائل الإعلام موضع مقاربة لدى المتلقي بالمصطلح السابق، ويظل الناس يتذكرون هذه الحوادث والقضايا كلما تم استخدام المصطلح من قبل وسائل الإعلام. هذا هو التأثير السياسي والاجتماعي الذي تخلفه صناعة المصطلحات في الغرف المغلقة لوسائل الإعلام، التي عادة ما تكون تخدم جهة أو دولة.
تسعى وسائل الإعلام من خلال استخدام وإعادة استخدام هذه المصطلحات إلى التأثر على عقل المتلقي لتوجيه اهتماماته نحو قضية معينة، أو لجعله يتقبل فكرة كان يرفضها سابقاً ولتبديل مواقف المتلقي وافكاره يجري ربط المصطلح بواقعة ما، تجعل الإنسان يتذكر الواقعة أو الحدث كلما تكرر المصطلح في وسيلة إعلامية.
مع التطور الهائل الذي حققته تقنيات وتكنولوجيا الاتصال والتواصل ونقل المعلومات، يصبح للمصطلح تأثيراً بالغاً في منطقة تشتعل بنيران متعددة المنشأ. وبالقدر الذي تتقاطع فيه المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية إقليمياً ودولياً، فإن المصطلحات المستخدمة في وسائل الإعلام تتوالد وتتكاثر وتتباين لمواكبة تطور الأحداث.
ولا يقتصر غزو المصطلحات الجوانب السياسية، بل يمتد ليشمل كافة مناحي الحياة. فقد ابتدعت وسائل الإعلام العربية مصطلح “المثلية” بدلاً عن فعل الشذوذ الجنسي، وظهر مصطلح “التحرش الجنسي” بدلاً عن الاغتصاب، وهي مصطلحات الغاية منها تشذيب السلوك وجعله أكثر قبولاً.

التضليل الإعلامي
يهدف إلى عكس الوقائع وقلب الحقائق، ويسعى إلى توجيه عقل المتلقي من خلال استهدافه بحرب نفسية لإحداث تأثير عليه، بواسطة الترويج لمعلومات لا ترتبط بالحدث، أو باستعمال وسائل الإعلام لمفردات ومصطلحات بعينها تؤدي في نهاية المطاف إلى إصدار أحكام ما في قضية ما، أو من خلال انتقائية متحيزة تنتهجها وسيلة إعلامية ما، فتختار أن تقدم شيء للمتلقي وإخفاء اشياء أخرى.
 إنها سياسة غسيل العقول وصناعة الكذب، وهي حرب في غاية الخطورة، حيث إنها تستهدف العقل البشري والتشويش على صحة قناعاته وأفكاره، ثم تأثر عليه لتغيير موقفه بدافع من وقائع وهمية لا وجود لها، وإقناع المتلقي على أنها حقائق، وهذا الفعل بدوره يمس حقيقة الواقع الحقيقي المعاش، ويبدأ التشكيك بشأنه، حتى يصبح في وعي المتلقي -فرداً كان أم جماعة- شيئاً غير موجود.
وعادة ما تلجأ الدول إلى التضليل الإعلامي خدمة لسياساتها تجاه دولة أخرى أو تجاه المعارضة السياسية الداخلية. هي صناعة الكذب ذاتها التي تجعل من “إسرائيل” دولة صديقة لبعض العرب، وتشيطن الفلسطينيين في بعض الوسائل الإعلامية العربية، وهو التضليل الإعلامي الذي يجعل وسائل إعلامية عربية أخرى تقدم تبريرات للحرب الصهيونية على قطاع غزة، بحجة أن إسرائيل فقط تقصف مواقع حركة حماس “الإرهابية”، فيما تعتبره وسائل إعلام غربية أنه “دفاع مشروع عن النفس"
صناعة الكذب التي تؤدي مفعول السم السياسي والفكري. صناعة التضليل الإعلامي هي أخطر قطاع صناعي على الإطلاق، لأنها تتعلق بكافة عناصر الواقع الذي نعيشه، وتزييف هذا الواقع، وإعادة صناعته بمؤثرات تخدم الدولة أو الجهة التي تقف خلفه، من خلال تضخيم التفاصيل التافهة والتقليل من شأن كل ما هو مهم مفاعل، في سياقات تربك عقل المتلقي، وتفصله عن واقعه البغيض الذي عادة ما يكون سبباً في حراك جماهيري مثلاً أو سبباً في احتجاجات ومطالبات حقوقية أو سياسية. إنها عملية لعب جماعي بالعقول وتزييف وعيها.

مثقفو ورجال دين ميديا
لم تستثني حمى الإعلام وصناعة التضليل حتى المثقفين الذين وظفهم الإعلام بهدف التبرير السياسي للسلطات المتنفذة في عدد من الدول، ذلك أن بعض المثقفين قد استخدموا مقدراتهم المعرفية كسلعة تجارية خاضعة لمقتضيات السوق الإعلامي من عرض وطلب. فهم جاهزون لأي تسويق إعلامي يقوم بتبييض وتجميل جهة ما، أو تشويه وتقبيح جهة أخرى. وهنا يتحول المثقف من صانع للأفكار والتنوير، إلى صانع أيديولوجيا براغماتية تقوم على خلط الأوراق وإرباك المتلقي باستخدام خطاب تبريري لا تحليلي. ولسوء حظ هذه الأمة أنه حتى بعض رجال الدين ليسوا خارج هذا التصنيف، فيما يجب أن يكون رجال الدين ينتمون إلى شريحة المثقفين الذين تناط بهم مهمة تغيير وتحديث المجتمعات البشرية، نجد أن عدداً ليس قليلاً من رجال الدين العرب قد انخرطوا في لعبة الإعلام وصناعة الكذب وتزييف الحقائق، من خلال إصدار الفتاوي وإطلاق الخطب التي تخدم جهة دون أخرى، وتشوه صورة طرف دون آخر، عبر الاقتصار فقط على إظهار التفسير الديني الضيق الخالي من الاجتهاد لأسباب تتعلق بمصالح جهات ودول، الأمر الذي يؤدي كما هو الحال إلى انسداد فكري ثقافي ديني معرفي في الواقع العربي، لأن الخطاب الديني في منطقتنا يقوم بتكييف فقهي لكافة الظواهر حتى الاستبدادية منها، وهذا ينسحب على مجمل القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية، فعلى سبيل الذكر لا الحصر إن الصراع الفلسطيني الصهيوني ليس صراعاً دينياً، فلا الفلسطينيين يهدفون إلى إدخال اليهود في الدين الإسلامي، ولا الصهاينة ينشدون تهويد الفلسطينيين، إنما هو صراع سياسي على الأرض من أجل الوجود.
إن تحول بعض المثقفين إلى أبواق دعائية لهذه الجهة أو تلك فإنهم بذلك يساهمون في تمزيق ما ظل من الأواصر التي تجمع بين أبناء البلد الواحد، وما بين مواطني البلدان العربية فيما بينهم. مثقفي الميديا يعملون على خلط الحابل بالنابل، وإرباك المتلقي وإحداث نوع من الفوضى التي تنتشر فيها ثقافة الاستغباء، وبناء ثقافة تقوم على الظن والانفعال وليس على الوعي المعرفي.
عندما ينجح الإعلام في تحويل المفكر والمثقف ورجل الدين إلى تجار، وتتحول الأفكار والمواقف والخطابات إلى سلع تشترى وتباع، فإن هؤلاء يتحولون إلى تجار جهل وشقاء واستبداد للأمة، ذلك لإسهامهم الخطير في تكريس الواقع المريض وإعادة إنتاجه بكامل علله.

إلى اين نمضي؟
يشهد عصرنا الحالي فورة في الإغراق المعلوماتي، بحيث أصبحنا نرزح تحت وطأة كميات مرعبة من الفبركات الإعلامية، والمعلومات المضللة، والأخبار الكاذبة، والبيانات المزيفة، والصور المركبة، وحملات دعائية تضخم التافه وتسطح المهم، حملات عدائية تشوه سمعة وصورة طرف معين وتنال من أخلاقه وذمته، فيديوهات يتم تصويرها في أستوديوهات متخصصة تبث للمتلقي على أنها في ميدان معركة أو مظاهرة أو حدث ما في مكان ما. كل هذا تطالعنا به وسائل الإعلام المتعددة من مطبوعات وإذاعات وفضائيات ومنصات تواصل اجتماعي وعبر مواقع الانترنت. إنها حروب إعلامية ناعمة لا تراق بها دماء، بل يجري غسل العقول من خلالها، بأدوات تبسط أذرعها وأدواتها بطرق مختلفة ومتعددة، تربك العقل والمشهد، وتزيف الواقع، وتحدث نوعاً من الفوضى الاجتماعية والسياسية والأمنية.
الأخبار الكاذبة خطر يهدد الوحدة المجتمعية، ويغذي العنف ويزيد من الانقسامات، ويقوض السلم الاجتماعي والتعايش بين جميع المكونات العرقية والاثنية والمذهبية. هذا دفع دول مثل الاتحاد الأوروبي لإصدار حزمة من القوانين في مواجهة التأثير المتزايد لشبكات التواصل الاجتماعي.
في منطقتنا العربية التي تعاني من احتقاناً شديداً واستعصاءً متعدداً في معظم قطاعات الحياة، وتعاني من ضغوط سياسية واقتصادية كبيرة، تبرز قوى وأطراف تحاول الهيمنة على مقدرات المنطقة، ولها مصالح في إضعاف العرب. هذه القوى تمتلك وسائل إعلامية خطرة موجهة لمخاطبة المتلقي العربي، تقوم سياستها الإعلامية على الكذب وتزوير الوقائع.
في الأسابيع الماضية ومع انتشار فيروس كورونا المستحد، وتأهب دول العالم لمواجهته، وتقليل حجم الخسائر التي يحدثها في جبهات متعددة، بشرية واقتصادية وسياسية واجتماعية وفلسفية، ظهر حجم الكارثة التي تجلت في هذا الطوفان المرعب من المعلومات والأخبار الكاذبة والصور الملفقة والفيديوهات المفبركة، التي يجري تداولها وانتقالها بين الناس، في معركة شقاء حقيقي للبشرية، اختلط فيها الحابل بالنابل، وأثارت رعباً غير مسبوق وسط البشرية.
بغياب استراتيجية عربية تتصدى لهذا الغول الإعلامي وتفضحه وتعريه، وعدم وجود مؤسسات إعلامية عربية تساهم في بناء الوعي الجمعي للمتلقي العربي ليكون قادراً على التمييز بين الغث والسمين، بين الحقيقي والمزيف، يمكن لك أيها القارئ العزيز أن تتخيل القادم.




7
مغالطات حول السيرة الفكرية

د. محمد الداهي
أستاذ جامعي وأكاديمي وناقد مغربي


نشر ممدوح فرج النابي مقالا في الجريدة الالكترونية "العرب" يوم الاثنين 23 فبراير 2020 بعنوان "الكتابة الفكرية كتابة شعرية تفضح الأسرار"، وبعد أن قرأته مؤخرا تبين لي أن المقال الصحفي يتضمن جملة من المغالطات المعرفية التي يجب تصويبها حرصا على تفادي "التلويث المعلوماتي Infopollution" بسبب انتشاره على شبكة الانترنيت، وخطورته على القراء المفترضين، وخاصة الناشئة التي لا تتوافر على المناعة الكافية لمقاومته والتصدي له.

1- عنوان الإثارة
يتضح -من العنوان بالبُنط العريض- أن صاحب المقال يقتحم مجالا لا يمتلك عدته النقدية أو الشعرية المناسبة. فهو يوكل إلى السيرة الفكرية (وليس الكتابة الفكرية كما يزعم، وشتان بين المجالين!) مهمة "فضح الأسرار". في حين إنها- كما أوضحت في كتابي "شعرية السيرة الذهنية محاولة تأصيل"- تنأى عن الخوض في الأمور الشخصية أو الحميمية للمترجم له، وتستقطب أساسا كل ما يتصل بمساره التعليمي وتكوينه الثقافي والعلمي إلى أن يحقق جزءا من مطامحه في الحياة. وقد يكتشف القارئ معلومات نادرة أو قد يصادف معلومات معروفة عنه بحكم تداولها وتناقلها بين الأجيال المتعاقبة (وخير مثال على ذلك هو التعريف بابن خلدون ورحلته غربا وشرقا).  وإجمالا، فالسيرة الذاتية الفكرية تهتم بالحياة الفكرية لصاحبها، وهذا ما نعاينه في كل الكتابات من هذا النوع، ويمكن -على سبيل المثال لا الحصر- أن نستشهد بقول طه حسين في حق السيرة الذاتية الفكرية لابن خلدون: "لم يقل لنا في ترجمته شيئا عن تربيته الحقيقية، بل التزم الصمت التام إزاء حداثته وحياته العائلية. على أنه عني بالإضافة إلى تعلمه، وفي الكتب التي درسها في مختلف العلوم التي كانت تدرس حينئذ في تونس"( ).

2- معلومات متقادمة ومجانبة للحقيقة
يعتمد صاحب المقال على معلومات متقادمة دون تحر أو حيطة ؛ وهذا ما جعله يقع فيما وقع فيه أهل الكهف من قبل. لا تراهن السيرة الذاتية الفكرية على "فضح الأسرار"؛ لأنها تعتمد عموما على معارف يتقاسمها الناس فيما بينهم. وليست مهمة السيرة الذاتية –كما يزعم بعض النقاد الأغمار والأغرار- مكاشفة العورات والبوح بالأسرار، ونقل الحقيقة كما هي. ففليب لوجون لا يعني بالميثاق السيرذاتي التعاقد مع الشيطان وتوقيع بنوده بالدم( ). وهذا يعني أن السارد لا يبرم مع القارئ عقدا موثقا وملزما، بل يتعهد بقول الحقيقة معتمدا جملة من القواعد التي تؤطرها الأنساق الثقافية والمواضعات الأدبية. قد يجاريه القارئ في مقاصده ومساعيه وقد يختلف معه مقترحا وضع عمله في خانة مغايرة (ما يسميه فليب لوجون بعقد القراءة). وأنبه إلى ضرورة التشديد على لفظ "التعهد" بدعوى أن كاتب السيرة الذاتية لا يزعم قول الحقيقة، بل يتعهد بقولها. وهو فعل لغوي يحتمل التصديق والجدية إن توافرت الشروط الضرورية على عكس التخييل الذاتيAutofiction  الذي يقوم على تعهد متصنع (أتعهد أمامكم بعدم قول الحقيقة، وهذا ما حذا بماري داريوسيك أن تعتبره جنسا لا يتوافر فيه معيارا الصدق والجدية)( ). وإن تعهد كاتب السيرة الذاتية بقول الحقيقة فليس هو الشخص الذي يتحدث في النص، بدعوى أن النص هو الذي ينتج السيرة الذاتية. يقول فليب لوجون للتدليل على صحة طرحه "ليست السيرة الذاتية نصا يحكيه شخص عن ذاته، بل هي نص يقوله -من خلاله- ؟؟؟"( ). وسبق له في كتابه "الميثاق؟؟ السيرذاتي 1975" أن شدد على ضرورة التمييز بين المشابهة والمطابقة. فإذ كان هناك من يرهن الكتابة السيرذاتية بوجود مشابهة بين الكاتب وقرينه (السارد/ الشخصية الرئيسة)، فإن همَّ فليب لوجون  انصب على إبراز بنود الميثاق السيرذاتي ومن ضمنها، تطابق المؤلف (الذي يحيل اسمه  على شخصية واقعية) والسارد؛ أي تطابق الهويات السردية للأطراف الثلاثة (الكاتب والسارد والشخصية الرئيسة).
علاوة على ذلك تعرضت الأيدولوجيا السيرذاتية إلى كثير من الانتقادات رغم أن أنصارها لم يكونوا سذاجا إلى درجة اعتبارها "نشرا للغسيل" أو "فضحا للأسرار، ومن بين الانتقادات الموجهة إليها صعوبة  قول الحقيقة بدعوى الرقابة التي يمارسها الكاتب على نفسه، واحترازه من إيذاء الآخرين، وتوجسه من المس بحياتهم الخاصة (مناطق الحساسية)، ولذا آثروا عليها الرواية والتخييل الذاتي لما يتيحانه من إمكانيات تعبيرية وطاقات تخييلية لقول الحقيقة دون خوف أو وجل. يقول جون بول سارتر -في هذا الصدد-: "لقد حان الوقت أخيرا لكي أقول الحقيقة، لكن لا يمكن أن  أقولها إلا في عمل تخييلي"( ).

3- مغالطة القراء
يقول صاحب المقال بلغة ركيكة ومُثبَّحة "وإن كان محمد الداهي خلط بين الأنواع التي تنتمي إلى هذا النوع وبين أخرى تندرج تحت نوع السيرة الذاتية، فأدرج "سبعون" ميخائيل نعيمة، و"رحلة جبلية رحلة صعبة لفدوى طوقان.. وهو أمر صعب، لا يمكن تقبله بسهولة؛ فمجمل هذه الأعمال تناول المسيرة الحياتية بإسهاب شديد، وهو ما لا تلتزم به السيرة الفكرية".
يبدو -من خلال هذا القول- أن صاحبنا ممدوح فرج النابي يهرف بما لا يعرف، ويصدر أحكاما على عواهنها، وينساق مع ريح أهوائه دون التحري في المصادر والمراجع التي ترد جزافا في كلامه. وقبل دحض مزاعمه ومغرباته أشير إلى أن السيرالذاتية الفكرية المذكورة أورتُدها على سبيل المثال لا الحصر كغيرها من الأمثلة عربية أكانت أم غربية، قديمة أكانت أم حديثة حرصا على استخلاص "النموذج البنائي"(Modèle structurel) الذي يمكن أن ينطبق على طبقة من النصوص تتقاسم السمات المشتركة، في حين لم يتطرق صاحب المقال بمكر أو جهل إلى الأعمال التي حللتها بصفتها عماد المتن المعتمد وقوامه، ومن ضمنها أذكر:  "المنقذ من الضلال" للغزالي، و"حي ابن يقظان" لابن طفيل، و"أنا" للعقاد، و"أوراق" لعبد الله العروي و"شارع الأميرات" لجبرا  إبراهيم جبرا. وأكتفي بمثالين دالين لتأكيد الخلط والالتباس الذي وقع فيهما صاحبنا من حيث لا يعلم.
أستشهد بداية بمقتطف من "سبعون"، يبين فيه ميخائيل نعيمة الأسباب التي جعلته يكتب في هذا اللون بالذات من الكتابة عن الذات، ويعلل أيضا ما حفزه على اعتماد "الحياة الفكرية" عوض        "الحياة الخاصة". ويتضح من خلال هذه المقدمة ومجريات الأحداث أن ميخائيل نعيمة ركز على ما يمت بصلة إلى مساره التعليمي من خلال ثلاث مراحل، وهي: من الطفولة حتى نهاية الدراسة في روسيا، ثم من هجرته إلى الولايات المتحدة الأمريكية إلى حين عودته منها، ثم منذ عودته إلى الفترة التي باشر فيها كتابة سيرته الذاتية الفكرية.
"أعطيهم [القراء] من زاد قلبي وفكري، إذا ما خيل إلي أن فيه زادا صالحا لقلوبهم وأفكارهم. أما حياتي" الخاصة": من أين أرتزق، وماذا آكل وأشرب وألبس، وكيف أنام وأقوم وأعمل. ومن هم أمي وأبي وإخواني وأخواتي، وأجدادي وأعمامي وعماتي، وأخوالي وخالاتي، وخلاني وأعدائي، وكيف عاملتهم وعاملوني، وماذا كان بينهم وبين نساء أحببتهن وأحببنني، وكيف ومتى حزنت وبكيت ومتى فرحت وضحكت. أما هذه الأمور كلها، وكثير من نوعها. فما ظننت يوما أن للناس أي نفع في معرفتها لذلك أهملتها الإهمال كله في كتاباتي.. لكن فضول قرائي -وهو فضول مغفور ومشكور- يأبى الاكتفاء بمشاركتي في حياتي الفكرية، إنهم يريدون أن يعرفوا التربة التي نبتت فيها هذه الأفكار، والأجواء التي فيها تبلورت، والأسس التي تقوم عليها، والعقبات التي واجهتها وذللتها، والتي واجهتها ولم تذللها بعد. وإلى أي حد تساير حياتي أفكاري. وإلى أي حد تغايرها"( ).
تميز فدوى طوقان -في سيرتها الذاتية الفكرية ( الجزء الأول)( )- بين "مغامراتها الصغيرة" التي تهم بداية اكتشافها الحياة الخارجية، ولا تستوعب إلا صفحات معدودات، و"مغامراتها الأدبية" التي تبين من خلالها كيف تورطت وانغمرت في عشق الشعر خصوصا وحب الأدب العربي عموما.  تدور "المغامرات الصغيرة" حول وقائع بعينها عاينتها الطفلة فدوى في قلب نابلس (معاينة تأسيس الحركة القومية العربية، شعورها بالتذمر من جراء سخرية الآخرين من شحوبها المرضي، امتعاضها من موت ابنة عمها "شهيرة" بسبب داء الروماتيزم، مصاحبة علياء وأمها إلى المزارات ومقامات الأولياء والدراويش) في حين تدور "المغامرات الفكرية" التي تتقاطع مع نمو الذات ومجريات التاريخ الفلسطيني المعاصر. وفي مقدمة المغامرات التي اكترثت بها بيان العوامل التي أسعفتها على نظم الشعر، وجعلتها تندفع بكل أحاسيسها إلى ولوج مملكة الأدب الفيحاء. أكرهها أخوها يوسف على ملازمة البيت والانقطاع عن الدراسة بسبب تورطها في شبهة الحب. وجاء الفرج على يد أخيها طوقان الذي عاد إلى نابلس من الجامعة الأمريكية لممارسة التعليم، فبدأ سطر جديد في حياتها، إذ شد أخوها من أزرها، وقوى عزيمتها، وحفزها على نظم الشعر وتحسينه، وشجعها على قراءة مؤلفات سلامة موسى وعباس محمود العقاد وإبراهيم المازني. وكبر فضولها بمرور الزمن لاكتشاف عالم الشعر الرحب وخاصة ما نظمه الشعراء المحدثون، إلى أن وجدت ضالتها في شعر التفعيلة الذي دشنته نازك الملائكة، لما يتيحه من إمكانات للتحرر من القيود العروضية. وعلاوة على مواكبة الشعر ونظمه وجدت في الرواية حصيلة معرفية ثرَّة، من فكر وشعر وفلسفة وتحليل نفسي. ومن يتابع المسار الفكري لفدوى طوقان يُفاجأ بقوة شخصيتها، ومتانة طموحها، وحصافة عصاميتها لتخطي الصعاب وصعود الجبال. فلم يمنعها الحرمان من الدراسة الأكاديمية على إدمان القراءة، وتنمية قدراتها الثقافية. "أنا أقرأ فأنا موجودة. ظللت قارئة شرهة. وقد نمى هذه الشراهة حرماني من الدراسة الأكاديمية. فالإنسان الطموح يظل ينطوي على مرارة مصدرها الفراغ الذي يتركه في النفس الحرمان المبكر من المدرسة. هناك يتحول إلى (دودة الكتب)"( ). ومن أجمل اللحظات الفكرية والثقافية في حياتها ما عاشته في انجلترا (وخاصة بين أروقة جامعة أكسفورد العريقة ومدرسة سوان) في ضيافة أخيها فاروق أواخر مارس من عام 1963. وقبل مجيئها إلى أكسفورد التي قضت فيها ما ينيف على عشرة أيام تلقت من أخيها رسائل في غاية الأهمية لأنها تكشف عن انشغالاته الثقافية وعن التكليفات والأبحاث التي ينبغي له أن ينجزها في مشواره الجامعي.

4- الذات بين الوجود والإيجاد
وعندما يتناول ممدوح النابي السيرة الذاتية الفكرية لبنسالم حميش "الذات بين الوجود والإيجاد"، يكتفي بنتف منها مما يبين قصر نظره أو اكتفاءه كعادته بقراءة ما يكتب عن الكتب عوض قراءتها وهذا أحد الأسباب التي أدت في نظر نزفيتان تودورف إلى تأزيم الأدب (الأدب في خطر) بسبب تهافت أشباه القراء عليه دون دراية بمشاقه ومصاعبه وفق المثل السائر (المية تكذب الغطاس). وبالمناسبة إن القارئ الحقيقي هو من يقرأ المعلومات في مظانها ويثير نقاشا حولها لفهم الوضع الإنساني عوض أن يتحول إلى قارئ مختزل أو حسر البصر أو مرمق أو تقنوي. فصاحبنا مر مرور الكرام على صفاحات الكتاب دون أن يفهم محتوياتها، ويضعها في سياقها الطبيعي، ويتعقبها بتأن وترو. فهو مثلا لم يستوعب مرامي بنسالم حميش من مساءلة المشروع السيرذاتي في المقدمة. أهو مع دعاة الإيديولوجيا السيرذاتية أم من مناهضيها؟ أ هو ممن يبجلون الذات أم ممن يستكرهونها أو يمقتونها سيرا على نهج بليز باسكال؟  أشار صاحبنا -في لمح البصر- إلى طفولة حميش دون أن يتوقف عند ميعة المراهقة والشباب وخاصة مرحلة النضج التي استأثرت بحصة الأسد في الكتاب، لأن بنسالم حميش كان يستعجل القلم للوصول إليها حرصا منه على بيان كيف أضحى علما يشار إليه بالبنان في الفلسفة والرواية والسجلات الأدبية. يكتفي صاحبنا-لنزقه وضعف عدته النقدية والشعرية- بتلخيص العمل بشكل مبتسر ومربك عوض أن يحلله بأدوات نقدية سعيا إلى مناقشة القضايا الآتية التي تناسب خصوصيته: لماذا غلب حميش الميتاتخييل على السرد؟ ولماذا لم يتوسع في "محكي الطفولة والمراهقة" وكرس معظم الكتاب لمرحلة النضج؟ ما الأسباب التي جعلته يؤثر "النرجسية السردية" بحسب لندا هتشون Linda Hutcheon؟ ويغلب في الآن نفسه الإحالية الذاتية (Autoréférentialité) على حبك قصة محتملة الوقوع؟ ولماذا باشر كتابة سيرته الذاتية الفكرية بعد إصدار ثلاث عشرة رواية لحد الآن؟
ومما يبين أن صاحبنا يعمم الأحكام دون تحرّ، ويقرأ الكتاب -إن قرأه فعلا- على عجل، أذكر على سبيل المثال لا الحصر: يقول إن حميش يدين للعروي بالتلمذة الجامعية في حين يغفل فضل محمد عزيز الحبابي وحسن المنيعي وعبد الكبير الخطيبي وماكسيم رودنسون عليه، ويدعي أن كل المعلمين الفرنسيين كانوا عنصريين واستعماريين في حين يشيد حميش بالدور الإيجابي لبعضهم. "أما في سنة البكالوريا اللاحقة فقد اكتشفت ميولي الفلسفي بفضل أستاذين فرنسييين كوكس ولومير، إذ  كانا  يقرآن على التلاميذ إنشاءاتي للتمثيل بها والاقتداء"( ).
ويقول في نهاية مقاله كلاما غريبا يبين سجيته وطبعه من جهة واستعلائيته من جهة ثانية (التحدث بصيغة الوجوب والإلزام). "تماثل الحاجة إلى كتابة السيرة الفكرية الحاجة إلى كتابة السيرة الذاتية لما فيها من نفع للدارس والباحث معا، لكن على الكتاب أن يخففوا من نبرة الأنا، والافتخار بتخطي الصعاب، فهذه أشياء لا حاجة للتنويه بها، بقدر ما يستخلصه القارئ بنفسه، وأيضا الابتعاد عن تلخيص كتبهم، وإنما الاكتفاء باستعراض دواعي الكتابة والمناهج المستخدمة، لأنها أفيد للقارئ". فهذا الكلام وغيره يحتاج -علاوة على إعادة الصياغة حتى يستقيم المعنى- إلى مراجعة جذرية لأن صاحبنا يخوض في أشياء بنوع من العبث واللامبالاة متوهما أن كل من يكتب على الانترنيت فهو كاتب أو ناقد معتمد، وأن كل ما ينشر أمر سائغ وعملة متداولة، ويتناسى أن هناك "مؤسسة أدبية رقمية" محترمة تحرص على تمييز الجيد من الرديء، وأن مئات من المبحرين يتابعون ما ينشر بروح نقدية، ويغربلونه لاستبعاد الحسافة عنه، والاقتصار على الثمر أو حب القمح الجيد.

5- السيرة الذاتية الروائية
يشير محمود النابي-في بداية مقاله- إلى السيرة الروائية دون أن يُعرِّف بها، أو يقدم مثالا عنها، أو يوحي على الأقل بأنه يتحرك في مجالها النقدي الذي يؤطرها. يورد هذا الكلام الفضفاض الذي تلتبس فيه المفاهيم: ("رواية السيرة الذاتية"، ثم يقول في الفقرة نفسها: "رواية السيرة" دون أن يعلم أنه ينتقل من نوع أدبي إلى آخر). من جهة أخرى، يطلق الأحكام جزافا. فكل الأعمال الأدبية تتخذ الخيال-بدرجات متفاوتة- قناعا ما دامت تنقل بالوساطة اللغوية، وكم ردد رولان بارث على مسامعنا أن "اللغة لا تنسخ الواقع". وكان حريا بمحمود النابي أن يعود إلى المصادر أو المراجع التي تعني بالتعريف بهذا النوع من الكتابة عن الذات؛ أي السيرة الذاتية الروائية. ومن ضمنها الكتاب الكلاسيكي (الميثاق السيرذاتي) لفليب لوجون الذي ميز بين الرواية والسيرة الذاتية باعتمادهما على ميثاقين متباينين (الميثاق الاستيهامي والميثاق السيرذاتي)، ومؤلفات فليب كاصباريني الذي تخصص في تمييز السيرة الذاتية عن الأنواع المتاخمة لها والملتبسة بها (وفي مقدمتها التخييل الذاتية والسيرة الذاتية التخيلية، والرواية السيرذاتية)، وأحيل صاحبنا  إلى الجدول التوضيحي( ) الذي أورده الباحث نفسه لإبراز مميزات الرواية السيرذاتية، ويمكن أن أجملها فيما يلي: الهوية الاسمية للكاتب/ السارد اختيارية (جزئية في غالب الأحيان، وتامة أحيانا)، تكون باقي عمليات تحديد الهوية ضرورية، تلتبس الهوية التعاقدية أو التخييلية (محتمل الوقوع) لاتسامها بمؤشرات متناقضة.
أكتفي بهذا القدر رغم أن المقال كله يحتاج إلى مساءلة ومراجعة لتضمنه معلومات مغلوطة وانطباعات متسرعة. وليس هدفي من إثارة هذا النقاش معه التنقيص من قيمته وصيته، بل أردت أن أدعوه إلى التحلي بمزيد من المسؤولية فيما ينشره حرصا على نقل المعلومات وتحليلها بأمانة ونزاهة. فهو بهذا الصنيع قد يجني على كثير من الطلبة الأبرياء الذي يحصدون كل ما يجدونه أمامهم، وينبهرون به دون التحري في صحته وملاءمته وجدواه.

 
________________________
________________________________________
[1]- طه حسين، فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، المجموعة الكاملة، العدد الثامن (علم الاجتماع)، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ترجمة محمد عبد الله عنان، ط2، 1975، ص14.
[2]- Philippe Lejeune, écrire sa vie, éd. Méconduit, 2015, p17.
[3]- للتفصيل عد إلى ما كتبته عن طرح ماري داريوسيك (Marie Darrieussecq) في كتابي: الحقيقة الملتبسة قراءة في أشكال الكتابة عن الذات، منشورات المدارس، الدار البيضاء، ط1، 2007، ص161.
[4]- Philippe Lejeune, écrire sa vie, op., cit, p17.
[5]- Interview accordée à Michel Contact, Nouvel Observateur, n°23 juin 1975.
[6]- ميخائيل نعية، سبعون حكاية عمر، ج1، مؤسسة نوفل، بيروت، ط5، 1977، ص ص9-10.
[7]- فدوى طوقان، رحلة جبلية رحلة صعبة، سيرة ذاتية، دار الشروق للنشر والتوزيع، ط2، 2005.
[8]- المصدر نفسه، ص153.
[9]- بنسالم حميش، الوجود والإيجاد، سيرة ذاتية، المركز الثقافي للكتاب، ط1، 2019، ص19.
[10]- Philippe Gasparini, Est-il je? Roman autobiographique et autofiction; éd. Seuil,2004, p27.


8
حسن العاصي
باحث وكاتب فلسطيني مقيم في الدنمارك


الأدوية الذاتية.. العلاج بالضحك

يصرف البشر الكثير من الأموال في سعيهم للحصول على قسط من السعادة، يبحثون عنها إما عن طريق صرف الآلاف في التسوق لحيازة السلع الثمينة من سيارات وساعات وعطور وأحذية وملابس، أو عبر السفر إلى جزر متناثرة أواسط المحيطات للاستمتاع بالأجواء الساحرة، أو التنقل بين أفخم الفنادق والمطاعم والأندية والحفلات. حيث يبلغ حجم تجارة العطور حالياً لوحدها في منطقة الشرق الأوسط ما قيمته 6.2 مليار دولار سنوياً، ومن المتوقع أن يصل إلى 8.5 مليار دولار في العام 2021.
ويبلغ حجم إنفاق الشعب المصري لوحده على المخدرات لتحسين "المزاج" 140 مليار جنيه سنوياً، بحسب الدراسة التي أجراها الدكتور عادل عامر، الخبير بالمعهد العربى الأوروبى للدراسات الاستراتيجية والسياسية بجامعة الدول العربية في العام 2018.
لكن الإنسان يهمل الآليات والأساليب التي خلقت معه بهدف تحقيق التوازن الداخلي، وضبط الإيقاع العقلي والنفسي. إن جسم الإنسان يحتوي على ما يشبه مصنع دواء صغير، ينتج أفضل الفيتامينات والأدوية اللازمة، وفي توقيت مناسب، إذا الإنسان كان قادراً على حث وتحفيز هذه الآليات كي تقوم بدورها المكلفة به. ومن أهم هذه الوسائل والأدوية هو الضحك.
عديدة هي الدراسات التي صدرت على التوالي خلال الأعوام الماضية، التي تؤكد على أهمية الضحك في معالجة الاكتئاب وتحسين المزاج والتخفيف من الأعراض الناجمة عن المعاناة، وكذلك أثر الضحك على تعزيز الصحة العقلية والنفسية للبشر، والأهم هو قدرة الضحك على تدعيم وتقوية جهاز المناعة لدى الإنسان. وأهميته في شفاء ما قد تعجز عنه بعض الأدوية.
الضحك أيضاً هو من أهم وسائل التواصل الإنساني الاجتماعي منذ الخليقة، وهو أحد أعمق أشكال التعبير الواضح والمباشر عن مشاعر الفرح. الضحك هو أحد أهم الأسرار التي تكمن خلف سعادة البشر، ويمنحهم المقدرة على اجتياز الصعاب.
إن بضع دقائق من الضحك يومياً بصورة مستمرة تقي الإنسان من الأمراض النفسية، وتعزز بنيته الجسدية والعقلية والنفسية، وتحول بينه وبين الكثير من الضغوط والمشاق والأمراض.

الضحكة الأولى
غالباً يضحك البشر بطريقة العدوى بسبب وجود شخص يضحك، فنشاركه الضحك دون أن ندرك لماذا نضحك. ويضحك الإنسان حين يتبادل بعض العبارات مع الأخرين ويكون مبتهجاً. وقد نضحك حين نكون متوترين وفي مواقف مخجلة نضحك لكي نداري خجلنا وندافع عن عجزنا وحيرتنا.
بحسب دراسات نشرها علماء "جامعة بورتسموث" البريطانية University of Portsmouth الذين عكفوا على دراسة خصائص الضحك بين الإنسان وبقية الرئيسيات، فإن الضحكة الأولى خرجت قبل ما بين ستة وعشرة ملايين سنة، حين ضحك الجد الأول المشترك بين الإنسان والقرود وأشباه القرود.
في حين كان الضحك رد فعل اجتماعي قبل مليونين سنة، ولم يكن مرتبط بالتفكير الواعي للإنسان، لكن كان له أثر هام جداً باعتباره وسيلة تواصل اجتماعي، مما أسهم في تماسك وانسجام الأفراد فيما بينهم، وعمل على إزالة الحدود والتقارب. أيضاً الضحك كان أداة سيطرة يمتلكها قواد المجموعات البشرية كي يمارسوا سلطتهم في الداخل، وضد من هو خارجها.
العلماء البريطانيون أجروا تجارب على ثلاثة أطفال، وثلاثة صغار لكل من قرود "الشمبانزي والغوريلا والأورانجغو والبونيو والسيامانج" حيث قاموا بدغدغة الجميع ثم مقارنة الأصوات الصادرة عنهم. النتيجة أن جميع الصغار استطاعوا الضحك على الأقل لمدة ثلاث ثوان. لكن اتضح أن ضحك أطفال البشر أكثر حيوية وانتظاماً وأعلى صوتاً وأعلى زفيراً.
ومن المعلوم أنه كي يستطيع الإنسان الكلام لا بد من أن يتحكم بعملية التنفس شهيقاً وزفيراً، وهي الخاصية التي لعبت دوراً في نشوء اللغة. لذلك يعتقد العلماء أن نشوء الضحك وتطوره قد يكون أدى إلى نشوء النطق وبالتالي اللغة المنطوقة، بحسب ما تذكره البروفيسورة البريطانية "مارينا روز" Marina Ross.

نظريات الضحك
أفضل الأدوية، وأحياناً يكون الدواء الوحيد. هكذا يصف البروفيسور الدنماركي "مورتن غرونبيك" Morten Grønbæk كبير الباحثين في المعهد الوطني للصحة العامة في الدنمارك Statens Institut for Folkesundhed، في دراسة بعنوان "الصحة النفسية تتطلب تركيزاً جديداً" ونشرت في العام 2016.
 وفي دراسة أخرى صدرت عن مركز التعاون الصحي في جامعة آرهوس في الدنمارك عام 2017 بعنوان "بعنوان "الرهانات التي تعزز العمر" CENTER FOR SUNDHEDSSAMARBEJDE VED AARHUS UNIVERSITET، ثبت أن الضحك يمكن أن يكون مخدراً للألم.
وهذا ما توصلت إليه نتائج دراسة جديدة صدرت من جامعة أكسفورد على ثلاث مجموعات من البشر، الأولى كان عليها أن تشاهد برنامج مسرحي فكاهي، والثانية تنظر إلى لعبة غولف مملة، والثالثة تنظر إلى برنامج تلفزيوني عن الطبيعة.
أظهرت نتائج التجربة أن أفراد المجموعة الأولى كانت قوة تحملهم للألم الذي تعرضوا له بعد الضحك تزيد بنسبة ثلاثين مرة عن أفراد بقية المجموعات. والاستنتاج المهم هنا أن الضحك القوي مسكن للآلام. الضحك إلى درجة القهقهة يجعل الدماغ يفرز هرمونات تعمل على تخفيف الألم، بل وتعالجه وتمنح الشعور بالصحة. حيث يستطيع الضحك مقاومة التوتر والضغوط النفسية من خلال زيادة نسبة هرمون إيندورفين Endorfin. كما يؤدي إلى إنتاج هرمون النمو في الدم HGH الذي يتسبب في انخفاض مستويات هرمونات التوتر في الجسم مثل الكورتيزول والأدرينالين. وتصبح مناعة الجسم أقوى.
بعض العلماء ربط بين الضحك وتطور الإنسان الحالي، مثل عالم بيولوجيا التطور البريطاني "روبين دونبار" RobinDunbar الذي اعتبر أن هرمون الإيندورفينير الذي ينتج عن الضحك، هو الذي ساهم في عملية تطور الإنسان القديم، حيث إن الضحك يحفز مشاعر الانتماء إلى الجماعة، والرغبة في العمل المشترك، والابتعاد عن الأنانية.
إن صحت هذه الفرضية فإنها ستوضح كيف تمكنت الجماعات البشرية القديمة المتوحدة قبل مليوني عام من البقاء والنمو والتطور والتحول إلى مجموعات اجتماعية أكبر، في حين أن "النياندرتال" انقرض لأنه عاش في مجموعات أصغر. إنسان النياندرتال هو نوع آخر من البشر عاش في أوروبا قبل 30 ألف سنة. وكان يعيش جنباً إلى جنب مع الإنسان الحالي قبل أن ينقرض، لكن جيناته بقيت في أجساد البشر كما يقول العلماء. والنياندرتال كان قد تزاوج سابقاً قبل عشرات ألاف السنين مع إنسان أفريقيا أصل البشر، وحمل بعض من جيناته. إذن الضحك أنقذ الإنسان من الاندثار كما يرى بعض العلماء.
باحثون آخرون توصلوا إلى أن الضحك له أهمية اجتماعية مهمة، كما يرى خبير الأعصاب البيولوجية البروفيسور الأمريكي "روبرت بروفين" Robert Provine الذي يقول إن 80 في المئة من الضحك لا يرتبط بالفكاهة، وإنما باللعب الاجتماعي. وكان روبرت يدرس الخلايا العصبية لمدة ثماني ساعات في اليوم في مختبر بدون نوافذ عندما قام بملاحظة شديدة من شأنها أن تغير حياته، وشكل العلوم الاجتماعية، حين قال: لقد سئمت من ذلك، وقرر دراسة الضحك بدلا من ذلك، وأسهم في خلق علم الفكاهة الحديث.

الفوائد العظيمة للضحك
تقوم كثير من المشافي في الدول الأوروبية والولايات المتحدة باستخدام مهرجين لتسلية وإضحاك الأطفال المرضى والكبار والترويح عنهم، وجعل الضحك جزءًا من العلاج. من جانب آخر فقد تم إثبات أن الضحك عبارة عن عملية رياضة لمعظم أعضاء جسم الإنسان ولعضلات الوجه والرئتين والمعدة والبطن والحجاب الحاجز. لذلك تم إنشاء أندية للضحك في كثير من الدول المتقدمة.
إن للضحك فوائد صحية ونفسية وعقلية واجتماعية عظيمة. كونوا كرماء على أنفسكم وغيركم وجودوا بالضحك كي تنعموا بالمغانم. الفوائد كما ذكرها العلماء والأطباء هي:
 يعزز مناعة الجسم ويقي من الأمراض، يحسن تدفق الدورة الدموية، يزيد من قوة عضلة القلب، يجعل الإنسان ينعم بحياة سعيدة، له مفعول مدهش للمحافظة على الحالة العقلية، يمنح الإنسان طاقة هائلة من الأمل والتفاؤل، يقوم بطرد الطاقة السلبية من داخل الإنسان ومن حوله، يعالج حالات الاكتئاب والضغوط الناجمة عن العمل أو الحياة، يخفض من هرمون التوتر الضار، يساعد الجسم على التخلص من السموم، يتسبب في إفراز هرمون إندورفين في الدماغ الذي يعمل كمسكن للألم، يساعد في زيادة الأكسجين الذي يصل إلى الرئتين، يعتبر قوة رادعة لزيادة الوزن، يقوي القدرة على الإخصاب من خلال أثره في خفض هرمون الكورتيزول في الدم، يساعد على هضم الطعام عبر اهتزاز عضلات المعدة، يعزز إنتاجية العمل.

معركة البشرية مع فيروس كورونا
اليوم في معركة البشرية ضد فيروس كورونا للانتصار عليه، تسعى الحكومات إلى تقليل الخسائر للحدود الدنيا. ورغم أن إحصائيات موقع "غلوبال فير بور" الأميركي Global Firepower تشير أن حجم الإنفاق العالمي العسكري في العام 2019 قد بلغ 1700 مليار دولار، إلا أن كل ما يمتلكه العالم من أسلحة، صرف للحصول عليها المبالغ الهائلة، فهي أصبحت عديمة الجدوى، أمام عدو غير تقليدي.
 في ضوء الإغراق المعلوماتي من كل صوب وحدب، علينا أن نعود للسلوكيات الموروثة، وللأسلحة الفطرية التي تمتلكها أجسادنا، ونعمل على تحفيزها وحثها لتسترجع مقدرتها على القيام بمهامها. يجب أن ندرب أنفسنا لامتلاك القدرة على تطوير هذه السلوكيات والأسلحة. إن أدمغتنا اشبه بماكينة تعمل باستمرار للمحافظة على الصحة، ومحاولة صد مسببات الأذية.
حين يتم تهديد أجسادنا من خطر قادم مثل فيروس كورونا، فإن الضحك والقهقهة تعمل على إطلاق الآليات الدفاعية. وحين تصطدم توقعاتنا بالواقع البغيض، وحين يبدو لنا أننا أخطأنا، نحتاج تماماً إلى الفكاهة والضحك للتقليل من أثر الفشل. فالضحك يكون حافزاً على توسيع المدارك والآفاق لتحليل الحقائق بصورة أفضل لمعرفتها، وهذا في الأصل ما كانت البشرية تسعى إليه لولا أن أدمغتنا تمنحنا الضحك كمثبط للألم، ومحفزاً للاستمرار.
دعونا ننشر عدوى الضحك إلى حدود القهقهة بدلاً من نشر المعلومات الخاطئة والأكاذيب، وبث الذعر والرعب غير المبرر. فإن كان الضحك محفزاً تسبب بوجود الإنسان القديم في مجموعات اجتماعية كبيرة قبل ملايين السنين، حيث كان هذا التجمع العامل الحاسم في الانتصار للبقاء على قيد الحياة والاستمرار، وهذا لم يفعله إنسان النياندرتال المنقرض. فإننا قادرون بواسطة الضحك تعزيز أدوات مقاومة الخطر والتغلب عليه والاستمرار.


9
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك


تثبيت الثابت في الواقع المتحول

إن تحرير فلسطين، هذا الشعار اللغوي الفخم، لم يكن في الحقيقة يوماً على جدول أعمال القادة العرب -باستثناءات قليلة-. ولم تكن يوماً فلسطين قضية العرب الأولى، إلا على الورق، في اجتماعات الغرف المغلقة، وفي الخطب النارية فقط. فلسطين التي تستغيث فلا تُغاث، والأقصى الذي يصرخ العون فما من سامع، والقدس التي تتوق للنجدة فلا مُلبي، والفلسطيني الصامد الصابر المعاند الثابت يترك اليوم وحيداً بلا عون ولا مدد من الأشقاء العرب. الاخوة الذين بات بعضهم يتبنى الرواية الصهيونية على حساب المصالح والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وبعضهم أصبح يعتبر فلسطين وشعبها وقضيتها عبئاً يجب التخلص منه.
تتعمد معظم الدول العربية تهميش القضية الفلسطينية، وتتجاهل حقيقة أن حالة الصراع الفلسطيني الصهيوني لا يمكن بترها وعزلها عن المحيط العربي والعمق الإقليمي، فكل العواصم العربية هي في قائمة المصالح والاستهداف الصهيوني.
يخرج علينا بعض العرب كخروج جهينة في ترتيب أولوياتهم، يقول لك هذا النظام أو ذاك "نحن أولاً" لتبرير عجزهم عن نصرة فلسطين. ثم اهتدوا إلى طريق الخلاص الذي يبعد فلسطين عنهم تماماً، فزجوا بشعوبهم في صراعات داخلية ومعارك جانبية فيما بينهم، أحدثت الفوضى وقسمت المقسوم وعمقت الحالة القطرية.
وفلسطين المحتلة على مرمى حجر من الجيوش والميلشيات العربية التي تتقاتل فيما بينها باسم فلسطين، وتقتل أبناءها وهي تهتف لفلسطين، تثير الصراعات الطائفية والعرقية والإثنية باسم فلسطين، يقتلون الفلسطيني ويعتقلونه، ويريدون رصف الدرب نحو القدس بجماجم الفلسطينيين، ويزاودون عليه أيضاً باسم فلسطين.

سعيد لم يهلك
في زمن الجاهلية عاش شقيقان أحدهما يدعى سعد والأخر سعيد، خرجا ذات يوم لقتال الأعداء، غلبت الحماسة على سعيد ومن معه فسبقوا سعد إلى القتال، لكنهم وجدوا أنفسهم محاصرين بفخ نصبه لهم الأعداء وأوقعوا بهم، مات سعيد ومن معه إلا واحداً فقط استطاع الفرار، وبينما هو يجري قابل سعد في الطريق، فقال له تلك الجملة الشهيرة التي صارت مثلًاً " انج سعد فقد هلك سعيد"، وبالفعل هرب سعد ونجا من الموت.
قيل إن أباهما خرج للبحث عنهما، فكان كلما مر به أحد لم يتبينه قال أسعدٌ أم سعيد، فمضى مثلاً للشيء غير الواضح. فلما بلغ أبوهما الحرم وجد معتمرا يطوف بالبيت وعليه ثياب ابنه سعيد فسأله فقص عليه قصته وهو يجهل أنه والد سعيد، فما كان من هذا الأخير إلا أن استل سيفه وقتله، فلما سئل أقتل في البيت الحرام؟! قال: سبق السيف العذل.
حال بعض العرب مع فلسطين وشعبها وقضيتها كحال سعد الهارب. ونحن نتابع تسابق بعض الأنظمة العربية على نقل علاقاتهم مع إسرائيل من مرحلة الزيارات السريّة والتطبيع المستتر إلى العلانية، والمشاركة في المحافل الدولية على الصعيد السياسي والاقتصادي والرياضي. ونرقب الزيارات التي قام بها مسؤولين حكوميين إسرائيليين إلى بعض العواصم العربية، تحضرنا قصة المثل العربي وتجعلنا نتساءل أسعدٌ أم سعيد، ذلك الذي استقبل في قصره "بنيامين نتنياهو" قاتل الأطفال الفلسطينيين، وذاك الذي يقف بخشوع بحضرة النشيد الوطني لمن يفترض أنهم أعداء الأمة، لذلك لم يشبّه لنا ويحق لنا وللشعوب العربية أن تسأل أسعدٌ هو أم سعيد!
الضلع الثاني من المثل العربي قولهم انج سعدٌ فقد هلك سعيد، يبدو أن معظم العرب مقتنعين كل الاقتناع أنهم "سعد" المعني بالمثل، وقد أدركوا أنهم هالكين لا محالة إن لم ينجوا بأنفسهم، فسارعوا إلى التوبة والتكفير عن ذنوب ارتكبوها خلال سبعين عاماً، بعد أن اكتشفوا أنهم قوماً ظالمون، وأن إسرائيل ضحية الفلسطينيين. وفات العرب أن سعيد الفلسطيني لم يهلك بعد، وأن سعدٌ العربي إن أراد النجاة عليه تدعيم وتقوية وإسناد شقيقه سعيد "الفلسطيني" للانتصار في معركة يخوضها نيابة عن سعدٌ ومسعودٌ وسعاد.
لكن يبدو أن سعداً لم يقرأ صفحات التاريخ، ولا يعلم شيئاً عن صلابة وبأس وثبات وصبر وجبروت الشعب الفلسطيني، وإن أراد سعداً أن يكون سعيداً وألا يكون شقياً فعليه قراءة الواقع جيداً ومنح نفسه فرصة مراجعة من تعجل التطبيع، وقديماً قالت العرب: السعيد من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ بنفسه.
سواء نجا سعدٌ أم لم ينج، فقد سبق السيف العذل، وفعل أهل "حارديم" ما فعلوا، وانتهكوا حرمة الأقصى مثلما انتهكوا حرمة كل شيء فوق البلاد المسماة فلسطين، واعتقلوا شعبها وشجرها، والعرب لم يحركوا ساكناً ولا أثاروا ضجيجاً.
سبق السيف العذل، ضلع المثلث الثالث يعبّر عنه سعدٌ المناصر المؤازر ويخبر سعدٌ المطبع المتصالح المتساوق، إني أخشى عليكم غضب ابن أبيه، ولا فكاك لكم من مصير كالحمم، لا تملكون من أمره وأمركم شيئاً ولا عذراً، حينها يصح السيف الذي سبق العذل، إلا إن عدتم. حينها لا تلوموا أحداً، فاللوم بعد التحذير بدعة.
ضربت العرب قبل سعدٌ وبعده أمثالاً كثيرة للأخرق والأرعن، وقالت في أخبار المغفلين والحمقى أن الجاهل يفعل بنفسه ما لا يفعله العدو بعدوه. واستدرك العقلاء من العرب أن لحكاية سعد الذي ظن أنه نجا تتمة، إذ قالوا أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض.
قالت العرب قديماً أن الخائف لا يحمل معه عقله. وللأشقاء العرب الخائفين نقول: لم ولن يكون الفلسطينيون الثور الأبيض، ولن يموت هذا الشعب الذي اختار طواعية أن يقاتل ويناضل نيابة عن الأمتين العربية والإسلامية، وأن يحافظ على مقدساتها، ويعتبر أن هذا مكرمة له وشرفاً ينفرد به دون الآخرين، الذين يتربص بهم العدو كما يتربص بالفلسطينيين، لعل العرب يستيقظون من غفلتهم ذات حين ويعلمون أن المرء بأخيه كما قال الأجداد.

كانت وستبقى
فلسطين كانت قبل 7500 عام قبل الميلاد في جبل القفرة جنوبي الناصرة وسفح الرمل قرب طبريا. فلسطين الكنعانية كانت في العام 3000 قبل الميلاد. وكانت تحت الاحتلال اليوناني عام 332 قبل الميلاد. فلسطين كانت تحت الاحتلال الروماني في منتصف القرن السابع الميلادي. فلسطين وصل إليها عمر بن العاص حاملاً معه رسالة الإسلام العام 643 ميلادي، وتحررت فلسطين من الروم على يد خالد بن الوليد في معركة اليرموك الشهيرة. كانت فلسطين أموية في العام 661. وعباسية في العام 750. ثم دخلها الطولونيون والقرامطة. ثم احتلها الصليبيون العام 1095. وخاض صلاح الدين الأيوبي معركة حطين الشهيرة، واسترد بيت المقدس العام 1187ميلادي. وصدّ سيف الدين قطز والظاهر بيبرس الغزو المغولي على فلسطين العام 1259 ميلادي في معركة عين جالوت بعهد الدولة المملوكية. فلسطين دخلها العثمانيون العام 1516 ميلادي، مكثوا فيها أربعة قرون وخرجوا وظلت فلسطين. وهزمت مدينة عكا الفلسطينية بأسوارها حملة نابليون بونابرت العام 1799 ميلادي. فلسطين دخلها الجيش البريطاني العام 1917 ميلادي وخرج منها العام 1948، حين احتلها الصهاينة وأعلنوا فوق أراضيها دولة لهم. كان قد سبق هذا الإعلان حوالي نصف قرن من التخطيط والتنظيم والتدبير، وسوف يخرجون كما خرج غيرهم.
فلسطين التي كانت محور التقاطعات والتجاذبات والصراعات تاريخيا، سوف تظل في قلب الأحداث التي تجري مستقبلاً. فلسطين كان اسمها وسوف يظل، ولا يمكن للمنطقة أن تستقر دون حل عادل وشامل وكامل للقضية الفلسطينية، يعيد للشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية المسروقة، وتمكينه من إقامة دولته المستقلة فوق أرضه وعاصمتها القدس الشريف.

راهن عربي غير مؤهل للدعم
تاريخ الصراع الفلسطيني الصهيوني أثبت أنه لا يمكن لنا مواجهة القوة الإسرائيلية بأسلوب ناعم يعتمد على قوة الحق وفضيلة الأخلاق، فالتاريخ يظهر بوضوح أن لا حقوق دون قوة تساندها. لقد وصل عجز السياسات الرسمية لمعظم الأنظمة العربية إلى مرحلة تتسابق فيها الدول العربية على الاعتراف بإسرائيل وتبادل الزيارات والوفود، وفتح قنصليات ومكاتب تجارية إسرائيلية في بعض العواصم العربية، واستقبال وفود رياضية وتجارية وثقافية إسرائيلية، وسواها من العلاقات التي كانت محرمة فيما مضى حين أعلن العرب لاءاتهم الثلاثة، لا صلح لا تفاوض لا اعتراف. ووصل إخفاق وانكسار العرب أقصاه في هذه المرحلة حيث لا وجود لأي استراتيجية عربية حول إسرائيل، لا استراتيجية مواجهة ولا استراتيجية سلام. والمرعب أن يشهد الوضع العربي انحداراً وسقوطاً وتراجعاً في الدعم لفلسطين. والذل أن يتآمر بعض الاشقاء العرب على فلسطين وقضيتها وشعبها. لقد جرى تقزيم المسألة الوطنية الفلسطينية على أنها قضية الفلسطينيين فقط، في وقت تواصل فيه إسرائيل إصدار القوانين العنصرية، ويستمر تهويد الأرض وطمس هويتها العربية، وما نخشاه هو أن تتحول فلسطين إلى أندلس جديدة فيما العرب يتفرجون، ونفقدها للأبد.
ندرك كفلسطينيين أن الواقع العربي مثقل بالأعباء والأمراض والإشكاليات والتعقيدات السياسية والاقتصادية والأمنية، ويواجه الصراعات الداخلية والتحديات الاستثنائية بفعل سياسات الاستبداد لمعظم هذه الأنظمة التي جعلت الشعوب العربية تلهث خلف لقمة العيش. هذه الأمة غير قادرة على اختيار حاضرها ومستقبلها، وهي عاجزة عن دعم القضية الفلسطينية، التي طالما جعلت منها معظم الأنظمة مطية لتحقيق المآرب على حساب مصالح الشعب الفلسطيني، وطالما رفعت هذه الأنظمة الشعارات المزيفة لتستميل شعوبها وتتاجر بالقضية الفلسطينية. لكن الأحداث تُظهر أن الشعب الفلسطيني هو من سيقوم بتخليص وتحرير الشعوب العربية من أنظمة القمع والبطش، ويُطلقها من معتقلاتها التي تسمى أوطاناً، بعد أن ينال حريته ويقيم دولته فوق أرضه.

العرب وفلسطين
يواجه الفلسطينيون الآن مرحلة شديدة الخطورة، حيث يتعرضون لأقذر المؤامرات وأفتكها وأكثرها سمية منذ قرن من الزمن، بهدف اغتيال القضية الوطنية الفلسطينية، وإماتة الحقوق الوطنية العادلة والمشروعة للشعب الفلسطيني، ووأد حلمه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. بالرغم من أن معظم الأنظمة العربية قد وظّفت القضية الفلسطينية لغايات لا ترتبط بفلسطين لكن معظمهم تخلى عنها الآن. وفي الوقت التي اكتشفت فيه معظم الشعوب العربية بعد أكثر من سبعين عاماً على ضياع فلسطين، أن لديها هموماً تشغلها عن نصرة فلسطين وأهلها، اكتشف الشعب الفلسطيني من حُسن قدره، أن مقدرات وقوة معظم العرب على دعم وعون قضيتهم ليست أكبر من قدرتهم ومن قوة الفلسطينيين على إسناد وغوث أنفسهم. كما اكتشفوا حجم كذب ورياء معظم الأنظمة العربية الذي تسبب في إزهاق أرواح آلاف الشهداء الفلسطينيين، وأن تدخّل العرب سابقاً لم يكن تأييداً للقضية بقدر ما كان بسبب دوافع ترتبط بالعرب أنفسهم، الذي لم يخجل معظمهم من إسقاط جدار العداء لإسرائيل علناً. لذلك فقد حان وقت توقف هذا النفاق، وتسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية. وهنا من المهم التأكيد على أن فلسطين التي سدّدت أثماناً باهظة للحفاظ على قضيتها، لن تتراجع ولن تنكسر ولن تتخلى ولن تفرط بالحقوق وبالوحدة، ولن ترهن قرارها لأية جهة مهما بلغت قيمة الفواتير.

انحدار مرعب
أخفقت معظم الأنظمة العربية الاستبدادية في تحقيق شعاراتها المرتبطة بالوحدة والاشتراكية والاستقلال الوطني والحريات، وعجزت عن إحداث أية تنمية وتطوير في البنى الرئيسية، ولم تتمكن من إحراز مهام التقدم الاجتماعي. لكن هذه الأنظمة حققت نجاحاً لافتاً في بناء المؤسسات والأجهزة الأمنية التي تخصصت وأبدعت في قمع وقهر المواطنين وسحقهم، وحلت كافة مؤسسات المجتمع المدني، وأغلقت أي إمكانية لتطور الوعي السياسي للناس، وقوّضت مفهوم المواطنة، وقضت على الحوار المجتمعي، وشجعت الولاءات العرقية والإثنية والعشائرية والمناطقية، ونشرت الفساد في مفاصل الدولة والمجتمع، وسمحت للمفسدين أن يسمنوا ويتغولوا، وقامت بإعلاء المصلحة الخاصة على حساب قيم المنفعة العامة.
أقدمت هذه الأنظمة وبطانتها على تسخير مؤسسات الدولة وخيرات الوطن لخدمة مصالحهم الخاصة ومصالح الاقرباء والموالين، وفككت الروابط الوطنية والاجتماعية والأخلاقية بين مكونات المجتمع، مما أدى إلى ظهور النزعات العرقية والطائفية والقبلية والمذهبية والعشائرية البغيضة، التي فتتت الأوطان وحولتها إلى إمارات وقبائل وطوائف.
الأخطر قيام هذه الأنظمة بتليين وتطويع معظم المثقفين والمفكرين وتدجينهم، ومن لم تتمكن منهم إما زجت بهم في السجون لسنوات طويلة، وإما أنهم تمكنوا من الهرب خارج أوطانهم إلى بلدان غربية حيث حريتهم، وإما أنهم تركوا الشأن الثقافي وانعزلوا عن الحياة العامة. لم تستثني هذه الأنظمة حتى رجال الدين والمشايخ الذين قام بعضهم بإجراء تعديلات على معتقداته لتتوافق مع خطاب المرحلة.
لقد تحولت الأوطان العربية بكل ما تحتويه من بشر وحجر وثروات إلى ملكية خاصة لبعض الحكام العرب، الذين طوعوا كل شيء وحولوه إلى أداة منفعية تخدم مصلحتهم التي أصبحت فوق الوطن والمجتمع والدولة. لذلك فإن مهام التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي التي رفعتها معظم الأنظمة العربية خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين لم يتحقق منها شيء، وأن كل الأحلام التي بنتها الشعوب العربية بعد الاستقلال الشكلي، في حياة تضمن كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية، قد جرى إجهاضها ووأدها مرتين في الحقيقة، مرة عن طريق الأنظمة العربية الاستبدادية التي قتلت واعتقلت كل شيء، ومرة أخرى تم هزيمة هذه الأحلام والتطلعات بواسطة الشعوب العربية نفسها التي رضيت أن تُصادر الأنظمة العربية حقها في أن تكون شعوباً حرة، وقبلت أن تكون مجرد قطيع خانع.

حضور إسرائيلي طبيعي
من أبرز سمات المرحلة الراهنة عربياً، غياب معظم الشعوب والأحزاب والقوى العربية غياباً فعلياً كاملاً عن المشهد السياسي والفعل المرتبط بفلسطين والقضية الفلسطينية، وحضور الأنظمة العربية الاستبدادية المنهزمة أمام إسرائيل، والمنتصرة على شعوبها. حضور الحكام العرب الذين يبدون ممانعة للاستجابة لأية مطالب من شعوبهم في تحقيق نوع من العدالة الاجتماعية والمساواة، وإحداث بعض التحولات التي تخترق جدار التسلط والقمع والتحكم وتفضي إلى مناخات ديمقراطية، لكنهم يُظهرون الليونة والقابلية والتأييد لإقامة علاقات طبيعية "للغاية" مع الكيان الصهيوني، وعلى حساب المصالح والحقوق الفلسطينية.
غاب الجميع وحضرت إسرائيل في أكثر من عاصمة عربية، وحضر النشيد الوطني الإسرائيلي المعروف باسم "هاتكفاه" ويعني الأمل، في داخل القصور الرئاسية والمدرجات الرياضية العربية.
تواصل إسرائيل نجاحها في اختراق العواصم العربية، في وقت تمعن فيه بقتل الفلسطينيين وتهويد القدس، وتعربد في سماء العواصم العربية، وتهدد وتتوعد هذا وذاك من دول المنطقة، ومعظم العرب لا قدرة لهم ولا بأس، لا يكترثون إلى ما يجري في فلسطين، وصناع السياسة العرب وأصحاب المعالي لا يعنيهم الأمر، كأن الاعتداءات الإسرائيلية تقع في جزيرة غرينلاند وليس في الأرض العربية وأجواءها.
وإسرائيل أصبحت تتأقلم سعيدة مع وضعها الجديد كعضو مقبول ومرحب به من معظم الدول العربية، لذلك هي تعمل على تجاهل القيادة الفلسطينية، وشطب العمل الفلسطيني من حساباتها، وتتغافل عن أي حلول لصراعها مع الفلسطينيين، طالما أن علاقاتها مع معظم الأنظمة العربية والإسلامية في أحسن حال.
تماماً كما أسقط معظم العرب من حساباتهم شرط إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني، والتوصل إلى حل عادل وشامل يفضي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس، كشرط مسبق لقيام تطبيع عربي وعلاقات مع الكيان الصهيوني.

تثبيت الثابت
أي مثقف أو مواطن أو مسؤول عربي أو إسلامي يرضى بتهويد القدس، ويوافق على التسليم بالأمر الواقع بوجود إسرائيل فوق كافة الأراضي الفلسطينية، دون قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس.
وأي زعيم عربي أو إسلامي يتساوق مع الأفكار والتبريرات الإسرائيلية التي تتجاهل الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني، بما في ذلك حقه في تقرير مصيره، وحق العودة للاجئين الفلسطينيين والتعويض عن ممتلكاتهم التي فقدوها. ويقبل التطبيع مع إسرائيل.
كل مفكر عربي أو إسلامي كان يدعو إلى الأفكار الليبرالية التحررية، وإلى الحداثة وقيم العدالة والاشتراكية، ولا يبدي اليوم تضامناً واضحاً معلناً مع الشعب الفلسطيني وقضيته وحقوقه الثابتة.
كل مثقف وكاتب وإعلامي وأديب يتصالح مع الإرهاب الإسرائيلي، ويداهن الاحتلال، ويتردد في الثوابت الوطنية، ويتقلّب في مواقفه من القضية الفلسطينية.
كل من يفرط بالحقوق الفلسطينية والعربية، ويبدد تضحيات من سبقونا من الشهداء والجرحى والمعتقلين، ويحاول مقايضة الحق بالباطل. وكل من يحرف معركة الأمة المركزية عن مسارها، وكل من يشتت جهد الأمة في صراعات جانبية ومعارك ثانوية.
كل زعيم أو مسؤول عربي أو إسلامي يتعامل مع فلسطين في العلن بالخطب الحماسية والتظاهرات الحاشدة والاعتصامات وحرق الأعلام والصور والإطارات، ويتعامل في السر بمزيج من المؤامرات والصفقات والتسويات والاتفاقيات والزيارات الودية والشراكات والعقود والمساعدات.
من تاجر بالقضية الفلسطينية من الأنظمة العربية ومن المعارضات، ومن اعتبر يوماً أن فلسطين أم القضايا ثم خذلها لحسابات ومصالح ترتبط به وحده، من الأحزاب والقوى العربية التي كثرت أقوالهم وانعدمت أفعالهم. من يحاول تبخيس وتجاهل نضالات شعب عظيم عرف كيف يحافظ على هويته، بالرغم من أن العالم كله وقف ضده وسعى إلى إلغائه.
من يتآمر على الشعب الفلسطيني وقضيته وقيادته من العرب والمسلمين. من يحاول تمرير صفقات مشبوهة لتصفية القضية الفلسطينية.
جميع هؤلاء معادون للشعب الفلسطيني، ويقفون ضد تطلعاته وحقوقه المشروعة، متآمرون مع العدو الوطني والقومي لفلسطين والعرب. خائنون للعهود والمواثيق مع فلسطين وأهلها ومع شعوبهم وأنفسهم، نكثوا شعاراتهم ونقضوا التزاماتهم، هم دون ضمير عربي أو إسلامي أو إنساني، لا مبادئ لهم ولا قيم، أصحاب شعارات زائفة، لا بصر لديهم ولا بصيرة، ويل لهم من شرب قد اقتراب.

نقول فهل نتعظ؟
من المعيب الفاضح أن يحتاج الشعب الفلسطيني وقيادته إلى كثير الجهد من أجل لفت أنظار الأشقاء العرب أنظمة وشعوباً إلى قضيتهم العظيمة بعد مرور حوالي سبعين عاماً على النكبة البغيضة، التي أسهمت بعض الخيانات العربية في إخراج مشاهدها بالكيفية المؤلمة التي تمت. الكارثة المبكية أنه أصبح لدينا عدداً غير قليل من العرب لا يعرفون شيئاً عن فلسطين وشعبها وقضيتها.
في ظل الظروف الراهنة عربياً والاستثنائية في الانحدار والتشرذم والسقوط الأخلاقي، والوداعة مع الاحتلال الإسرائيلي، والإذعان المهين للضغوط الأمريكية، هل نحتاج اليوم لرجل يشبه زياد بن أبيه "زياد بن عبيد الثقفي" الذي صاح في خطبة البتراء الشهيرة، حين ولاه معاوية بن أبي سفيان على البصرة التي كانت معقلاً للخارجين عن طاعة الخلافة الأموية، فصعد زياد على منبر المسجد وخطب في الناس قائلاً "إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله، لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف. وإني أقسم بالله لآخذن الولي بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والمطيع بالعاصي، والصحيح منكم في نفسه بالسقيم حتى يلقي الرجل منكم أخاه فيقول انج سعد فقد هلك سعيد، أو تستقيم لي قناتكم"، أم أن العرب اعتادت كثير القول دون أن يتعظ أحد؟

10
أدب / حان وقت السبات
« في: 21:16 26/02/2020  »
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك


حان وقت السبات

منتصبة فوق التل البعيد
وحيدة
زاهية كحبة البلح
تنتظر طيف القمر المبتور
تمدّ صهوتها
حين تبكي الريح
لتسحب يقظة الوارثين
من عمق السبات
كلّما عرجتُ بموسم الحصاد
أحصي أطراف الصور المخبّئة
أرى الشجر الفضي بلا ساقين
تقول لي
لبثتَ بي عاماً
وأقل قليلاً
وعليَّ عامين
ويزيد كثيراً
وتظلّ هي بلا حولٍ
تقبع كالأسئلة الهرمة
تحت الأغصان الحانية
تسامر ريح السنبلة
وتتعلّم الموت
كنّا نبكي سوياً
لنلامس الصبح البعيد
ما عاد لنا بكاء
لم تعد تبصرني
ابيضّت عينيها من الحزن
وكلّما سألتها
عن الحصان الخشبي
للطواحين القديمة
تقول
لا تسأل من رمى السراب
لظمأ التراب
سائلتها العودة
كي ينتظم وجه الندى
في سنديان المرايا
قالت يا ولدي
لا مهرب من الميعاد
يعود التراب إلى عمق البحر
حين تموت اليابسة
يحلّق البخار الكبريتي
من لحاء الأرض
فوهة الوقت تتّسع
تبتلع سر المسافة
كنتُ أبكي
وأمزّق كل المراكب
في صفحة البحر
نَهَضَتْ لأوّل مرة
من خلف الحكاية
مدّتْ بأوراق الحبق
تلامس بصدرها يقظتي
كي أنام
قالت تعالَ
قد حان وقت السباتْ

11
المنبر الحر / لماذا نحب المغرب؟
« في: 16:47 13/01/2020  »
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك

لماذا نحب المغرب؟

بحكم موقعه الجيوستراتيجي المتميّز كملتقى للحضارات بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، هُيّئ للمغرب القيام بأدوار تاريخية وحضارية وثقافية وعلمية مرموقة على امتداد العصور.
فمنذ الحضارة الآشولية في العصور الحجرية القديمة، مروراً بالفترة الفينيقية في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، حيث قام الفينيقيون ببناء مدن تجارية لهم على سواحل البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، بدءًا من أواسط القرن الثاني عشر قبل الميلاد، فقامت مدن فينيقية كثيرة أهمها أرواد وبيروت وجبيل وصيدا وصور على المتوسط، ومدن ليكسوس (العرائش)، موغادور (الصويرة)، سلا (قرب الرباط)، إلى قيام دولة الأدارسة الإسلامية العام 788م في المغرب بعد اعتناق المغاربة الإسلام، حيث قام الشريف مولاي ادريس ابن عبد الله. إلى دولة المرابطين، دولة الموحدين، دولة المرينيين، دولة الشرفاء السعديين، إلى قيام الدولة العلوية التي أسسها محمد بن الشريف الحسني 1638م، إلى مرحلة الاستعمار الفرنسي والإسباني، ثم مرحلة النضال والكفاح ضد قوات كلا الاستعمارين، ثم مرحلة الاستقلال في 2آذار 1956، صولاً إلى العصر الحديث، فإن المغرب ومنذ أن وًجد كان بوتقة تنصهر فيها الحضارات القديمة والحديثة، خصوصاً الامبراطوريات الفينيقية والرومانية القديمة، ثم مركزاً لالتقاء الحضارات الأفريقية والشرقية والأوروبية.
نحن نحب المغرب لأن الشعب المغربي منذ اعتناقه الدين الإسلامي، تحول إلى مبشر وداعية إلى وحدانية الله والرسالة المحمدية. والمغاربة اضطلعوا بهذا الدور وقاموا به على أكمل وجه، لا حباً في مكسب أو مغنم ولا طمعاً في زعامة، إنما إيماناً راسخاً أن ما يقومون به هو عمل شريف ورسالة نبيلة وعبادة لخدمة الدين وصونه وانتشاره وحمايته. ولذلك شهد المغرب نهضة دينية وعلمية أسهمت في إثراء الحركة العلمية بمطبوعات ومؤلفات لها وزنها العلمي في الميدان الديني والعلمي والثقافي. وكانت جامعة القرويين مقصداً لكل من يرغب في الحصول على العلم والمعرفة من ينابيعها.
ولأن الإسلام لم يكن ليصل ويستقر في بلدان غرب أفريقيا إلا عبر المغاربة أبناء الشمال الأفريقي عموماً والمغرب الأقصى على وجه الخصوص. فكما حمل طارق بن زياد مشعل الإسلام من يد عقبة بن نافع ووصل به إلى الضفة الأخرى من المتوسط. كذلك قام مغاربة شجعان بالتوغل في أدغال الصحراء وما وراءها إلى أن وصلوا أرض السودان الغربي.
بالرغم من تعدد المذاهب والقراءات والآراء داخل المنظومة الإسلامية والتي تعكس خصوصيات المناطق المختلفة، إلا أن هناك مبادئ وقيم مشتركة وعقائد عامة لكل المسلمين، ولكن لا شك أن الإسلام قد تأثر بالبيئة وخصوصيات الدول والمناطق التي دخلها.
لقد اختار المغاربة منذ أربعة عشر قرناً المذهب المالكي ﻤﺫﻫباً رسمياً للدولة المغربية، ﻤﻨﺫ عهد الأدارسة ل وترسيخ هذا المذهب في عهد المرابطين. ورغم معرفتهم ببقية المذاهب الأخرى، إلا أنهم استقروا على المذهب المالكي كونه يتسم بالمرونة في معالجة كثير من القضايا الشائكة والمستعصية، والسماحة والتيسير في أحكامه، والوسطية والاعتدال.
ولا زال التدين المغربي أو الإسلام في المغرب، الأكثر اعتدالا وتسامحا من غيره، قائم على الوسطية والتوازن، ورفض كافة أشكال التشدد والتطرف والعدوانية، وهو ما يعود إلى عدة عوامل من قبيل الموقع الجغرافي للمغرب وتراكماته التاريخية ولتنوعه العرقي.
وفي خطاب العرش العام 2003 ذكر جلالة الملك محمد السادس أن المغاربة "منذ أربعة عشر قرنا، ارتضى المغاربة الاسلام دينا لهم، لقيامهم على الوسطية والتسامح وتكريم الانسان والتعايش مع الغير، ونبذ العدوان والتطرف والزعامة باسم الدين".
لأن المغرب مرتبط بفلسطين وملتصق بالقدس الشريف بعمق وجداني منذ التاريخ القديم للعصر الحديث، فقد قام جلالة الملك الراحل محمد الخامس رحمه الله وأحسن مثواه الذي بزيارة مدينة القدس الشريف وصلى بالمسجد الأقصى. وتعمقت أواصر العلاقات الفلسطينية المغربية في عهد جلالة الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه الذي كان له دوراً محورياً في دعم القضية الفلسطينية وقضية القدس الشريف، وترأس لجنة القدس التي يرأسها حالياً جلالة الملك محمد السادس نصره الله ورعاه الذي وضع مدينة القدس الشريف والحفاظ عليها، وكذلك دعم القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني في مقدمة أولوياته.
لأن المملكة المغربية تتمتع بمصداقية وحضور قوي سياسياً واقتصادياً وثقافياً ودبلوماسياً ودينياً لدى الدول والشعوب العربية، وداخل القارة الأفريقية، خاصة مع دول غرب ووسط أفريقيا. والمملكة تراهن وتعي دورها الاستراتيجي في مد جسور التواصل مع بقية الدول الأفريقية، وتسعى لإقامة شراكات مع عمقها الأفريقي تحت شعار رابح- رابح، من خلال المشاريع التنموية الكبرى، وبرامج التنمية البشرية. فقد أصبح المغرب ثالث أكبر شريك ومستثمر في أفريقيا بعد الصين والإمارات العربية المتحدة.
لأن المملكة المغربية واحدة من أهم الدول العربية الأفريقية، وكأرض خصبة للخبرات والكفاءات والمواهب التي تسعى دول العالم إلى استيرادها وتوظيفها.
لأن المغرب من أكثر الدول أمنا وأماناً واستقراراً وتصالحاً وتسامحاً وتعايشاً بين مختلف مكوناته الاجتماعية والعرقية والثقافية، ومع الآخر.
لأن الشعب المغربي أكثر الشعوب قاطبة التي تشعر معه أنك في بلدك مهما كانت جنسيتك. فهو شعب ودود وكريم ومضياف ويغمرك بالمحبة ولطف المشاعر ودفئها. في المغرب أنت دوماً مرحب بك، فالكرم والضيافة هما أسلوب حياة عند المغاربة. شعب عريق مثقف ومطلع ومتعاون ومبدع.
لأن المغرب ورغم إمكانياته المحدودة فإنه يمد يد المساعدة للآخرين وللشعوب الأخرى عبر قنوات إنسانية متعددة، لعل واحدة من أبرزها هي الوكالة المغربية للتعاون الدولي، التي توفر آلاف المنح الدراسية سنوياً لطلبة من دول مختلفة نصفهم من القارة الأفريقية.
لأن المغرب بات من بلدان المقصد على نحو متزايد للاجئين والمهاجرين، فقد تحول من بلد مصدر للهجرة، إلى بلد يستقبل أيضاً لاجئين من 38 جنسية بلغ عدد المسجلين منهم في العام 2019 حسب أرقام المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين 8700 لاجئ، نصفهم من اللاجئين السوريين الهاربين من ويلات الحرب في وطنهم. إضافة إلى الآلاف من المهاجرين من بلدان عدة.
لأن المغرب العظيم أنجب عدد كبير من كبار الفلاسفة والمفكرين والعلماء في العصر الحديث لهم بصمات واضحة في مسيرة الفكر الإنساني أهمهم المفكر محمد عابد الجابري، عبد الله العروي، عبد الإله بلقيز، علي أومليل، المهدي المنجرة، طه عبد الرحمن، بنسالم حميش، رجاء ناجي مكاوي، محمد عزيز لحبابي، محمد بنسعيد العلوي، محمد وقيدي والعشرات سواهم.
وعدداً من الباحثين والأكاديميين والأدباء وشعراء والفقهاء وقادة ورجال دولة ورياضيين واقتصاديين وقانونيين ومؤرخون ولغويون وسواهم الكثير من المبدعين الذين لا يتسع الحيز هنا لذكرهم جميعاً. لكن لا يمكنني الحديث عن الأكاديميين والباحثين وأساتذة التعليم العالي في المغرب دون أن أذكر فضل أستاذي الكبير الدكتور محمد الداهي رئيس تكوين فنون وآداب متوسطية في مختبر الدكتوراه التابع لكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة محمد الخامس بالرباط.
لأن هناك علماء مغاربة أدهشوا العالم بإنجازات واكتشافات كان لها وقع كبير في مجالات بحثهم واشتغالهم. ومن أبرزهم الدكتور الفيزيائي رشيد اليزمي، وعالمة الفيزياء النووية الدكتورة كوثر حافظي، عالم الفضاء ومهندس الاتصالات كمال الودغيري، الدكتورة رجاء الشرقاوي عالمة الفيزياء النووية، عالم الأحياء الدكتور عدنان الرمال، عالمة الفلك المغربية مريم شديد وغيرهم.
لأنه يمكنك السفر وزيارة المغرب في كافة الفصول، في الربيع حيث الشمس تتألق في معظم أيام العام. في الربيع يستمتع الزائر للمغرب بدرجات حرارة ما بين 23 و26 درجة في مدينتي مراكش وأغادير. وفي الصيف بهجة السفر المنعش نحو سفوح إفران على ارتفاع 1650 متراً فوق سطح البحر. وفي فصل الشتاء المناخ معتدل على مدار العام وعلى طول الشواطئ الخلابة ة على ضفاف البحر المتوسط والمحيط. في فصل الشتاء بالمملكة المغربية يمكنك أن تستمتع بالتزلج على الجليد في مدينة إفران، وبنفس الوقت يمكنك الذهاب والسباحة في بحر أغادير. أما في الخريف فالليالي طوية وتنخفض فيه درجات الحرارة في المدن الداخلية عما هي خلال الصيف وبذلك يمكنكم التجول في المناطق الداخلية والاستمتاع بالثراء والتنوع الجغرافي والثقافي والبيئي.
لأن الطعام المغربي لذيذ وشهي وصحي ومتنوع، والحلوى المغربية الشهية والمعجنات التي غالباً ما يصاحبها الشاي المغربي بالنعناع وتقدم في المناسبات الخاصة وعند استقبال الضيوف. المطبخ المغربي يستحوذ على ترتيب الصدارة عربياً وأفريقياً، ويحتل المرتبة الثانية عالمياً بعد المطبخ الفرنسي. حيث ينتج المغرب مجموعة كبيرة من الفواكه والخضراوات المتوسطية وحتى بعض الاستوائية. وينتج أيضا كميات كبيرة من الأغنام والدواجن والماشية والأسماك التي تشكل قاعدة المطبخ، إضافة إلى استخدام مجموعة واسعة من التوابل.
لأن طارق بن زياد أشهر القادة العسكريين في التاريخ الإسلامي كان مغربياً. فهو الذي دخل الأندلس أول مرة، ونسبة إلى اسمه سُمي "جبل طارق" الشهير. وهو من أكثر الشخصيَّات الوطنيَّة إجلالًا في المغرب العربي، عند العرب والأمازيغ على حدٍ سواء.
لأن ابن رشد، واسمه أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الأندلسي، الذي كان واحدًا من أشهر الفلاسفة الأندلسيين في العصور الوسطى هو مغربي ولد في مدينة قرطبة الأندلسية في 14 نيسان/ أبريل 1126 وتوفي بمدينة مراكش المغربية في 10 كانون أول/ ديسمبر 1198.  ويُعتبر ابن رشد ظاهرة علمية متعددة التخصصات حيث كان طبيباً وفقيهاً وفيلسوفاً وفيزيائياً وفلكياً. ترجم فلسفة أرسطو وأفلاطون. وعلى عكس الرأي العام السائد حينذاك، اعتبر ابن رشد أن الفلسفة والدين كلاهما أدوات تمكن الإنسان من البحث ومعرفة السبيل للخلاص البشري.  وقام برد الاعتبار للفلسفة بعد أن أصابها الغزالي في كتابه تهافت الفلاسفة، ووضع هذا الجهد في كتابه تهافت التهافت.
ولأن العالم والمُخترع والفيلسوف والشاعر أبو القاسم عباس بن فرناس كان مغربياً أندلسياً، ولد في مدينة رندة عام 810م ونشأ وتوفي في مدينة قرطبة الأندلسية عام 887م واشتهر بمحاولته الطيران، كما برع في الفلسفة والكيمياء والفلك.
لأن مسلمة المجريطي، واسمه أبو القاسم مسلمة بن أحمد المجريطي وقيل سلمة بن أحمد، أحد أهم علماء الرياضيات والكيمياء والفلك في الأندلس كان مغربياً. ولد بمدينة مجريط التي تعرف اليوم بمدريد عام 950م وتوفي عام 1007 م، وكان يُلقب بإمام الرياضيين في الأندلس. كان أول من أجرى التجارب على أكسيد الزئبق الثاني، وأول من أشار إلى قانون بقاء المادة.
ولأن أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي، الذي كان واحداً من أهم وأعظم الجراحين الذين ظهروا في العالم الإسلامي كان مغربياً أندلسياً ولد في مدينة الزهراء عام 936م وعاش وتوفي في مدينة قرطبة عام 1013م. اخترع العديد من أدوات الجراحة، وكان أول من ابتكر واستخدم خيوط الجراحة الداخلية، وابتكر ملاقط الجراحة، وله إسهامات مهمة في جراحة الفك والأسنان. ويُعتبر الزهراوي طبيباً شاملاً ومن أكثر الأطباء إجادة للطب. له العديد المؤلفات التي ظلت مرجعاً علمياً أساسياً لدراسة الطب في القارة الأوروبية لغاية القرن السابع عشر.
لأن ابن حزم واسمه أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، الفيلسوف والفقيه والمؤرخ الأندلسي كان مغربياً. ولد في مدينة قرطبة عام 994 م وتوفي في مدينة نبيلا عام 1064 م. وهو أكبر علماء الإسلام تصنيفاً وتأليفاً بعد الطبري. كان ابن حزم ينادي بالتمسك بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة ورفض ما عدا ذلك في دين الله، ويعتبره الكثير من الباحثين أنه كان صاحب مشروع لإعادة تأسيس الفكر الإسلامي من فقه وأصول وفلسفة.
ولأن أبو عبيد البكري، واسمه أبو عبيد عبد الله بن أبي مصعب عبد العزيز بن عمر البكري، الجغرافي والموسوعي والأديب الأندلسي الذي ولد في مدينة ولبة قرب اشبيليا عام 1030 م وتوفي في مدينة قرطبة عام 1094 م كان مغربياً. وهو أكبر جغرافي أنجبته الأندلس التي كان ملوكها يتهادون كتبه.
لأن ابن الزرقالي واسمه أبو أسحاق إبراهيم بن يحيى التّجيبيّ النقّاش، الفلكي الأندلسي وأعظم راصدي الفلك في عصره كان مغربياً أندلسياً، ولد في مدينة طليطلة عام 1029 م وتوفي في مدينة اشبيليا عام 1087 م. ألهمت أعماله جيلًا من الفلكيين الإسلاميين في الأندلس، وانتشر تأثير هذه الأعمال إلى أوروبا بعد أن تُرجمت إلى العديد من اللغات الأوروبية، كما سُميت حفرة القمر أرزاشيل تيمنًا باسمه وتقديرًا له. استمدّ الزرقالي شهرته الواسعة من أعماله البارزة في مجال الفلك والجغرافيا، فهو أول من قاس طول البحر الأبيض المتوسط قياسًا دقيقًا. كما كان أوّل من حسب مسار ميل أوج الشمس بالنسبةِ للنجوم الثابتة. واخترع أنوعًا جديدًا من الأسطرلابات المعروف بالصفيحة الزرقالية والتي يشار اليه بعلم الفلك بأسطرلاب الزرقالي، وألّف جداولاً للكواكب تعرف بالجداول الطليطليّة.
ولأن الشريف الإدريسي، واسمه أبو عبد الله محمد بن محمد الإدريسي الهاشمي القرشي، مؤسس علم الجغرافيا كان مغربياً ولد في مدينة سبتة المغربية عام 1099 م وتوفي فيها عام 1165 م. استخدمت مصوراته وخرائطه في سائر كشوف عصر النهضة. قام بتحديد اتجاهات الأنهار والبحيرات والمرتفعات وحدود الدول. وبالإضافة إلى شهرته كعالم جغرافيا فقد كتب الشريف الإدريسي في التاريخ والأدب والشعر والفلسفة وعلم النبات.
لأن الفيلسوف والطبيب الألمعي الأندلسي الاشبيلي ابن زهر أبو مروان عبد الملك بن زهر، الذي ولد في اشبيليا عام 1094 م وتوفي فيها عام 1162 م كان مغربياً. وقد كان أستاذاً للفيلسوف ابن رشد. كان لأعماله الأثر الكبير والهام في تطور الطب الغربي لقرون عدة.  وهو مـن نوابغ الطب والأدب في الأندلس. ومن أعظم علماء الطفيليات.
ولأن ابن البيطار ضياء الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد، من أعظم علماء الصيدلة والنباتات الذين ظهروا في القرون الوسطى كان مغربياً أندلسياً. ولد في مدينة ملقا عام 1197 م وتوفي في مدينة دمشق عام 1248 م. تلقى علومه في اشبيليا، وترك مؤلفات عديدة مهمة أشهرها الموسوعة النباتية التي تضمنت وصف لأكثر من 1400 عقار منها 300 من صنعه. أثرى المعجم الطبي العربي الذي أصبح فيما بعد مرجعاً للطب الغربي.
لأن أبو العباس الاشبيلي واسمة أبي العباس شهاب الدين أحمد بن فرح الإشبيلي والمشهور بابن فرح، الفقيه والعالم الذي ولد في مدينة اشبيليا عام 1227 م وتوفي في مدينة دمشق عام 1300 م كان مغربياً أندلسياً. كان أستاذاً لابن البيطار. عالم مشهور بعلوم الحديث والفقه والنباتات وعلم العقاقير حتى صار المرجع في هذا المجال للعلماء في عهده، ودفعه شغف العلم والمعرفة إلى الأسفار والاتصال بشيوخه، وميله إلى تحري منابت الأعشاب وجمع أنواع النبات، إلى أن وصل مدينة دمشق التي توفي فيها.
ولأن الحسن المراكشي واسمه أبو علي الحسن بن علي بن عمر المراكشي عالم الفلك والرياضيات والجغرافيا كان مغربياً، ولد في القرن الثاني عشر ميلادي بمدينة مراكش التي توفي فيها عام 1262 م. اشتهر بصناعة الساعات الشمسية، وكان أشهر الموقتين في عصره. وضع خريطة جديدة للمغرب العربي، وصحح ما ورد من أخطاء بعض الجغرافيين القدامى، ولاسيما الخريطة التي رسمها بطليموس. وهو أول من وضع خطوط الطول ودوائر العرض على خريطة الكرة الأرضية.
لأن ابن زيدون واسمه أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن زيدون المخزومي، الشاعر والوزير الأندلسي الشهير كان مغربياً. ولد في مدينة قرطبة عام 1003 م وتوفي في مدينة اشبيليا عام 1071 م. من أبرز شعراء الأندلس المبدعين وأجملهم شعرًا وأدقهم وصفًا وأصفاهم خيالا، كما تميزت كتاباته النثرية بالجودة والبلاغة، وتعد رسائله من عيون الأدب العربي. وكان من الصفوة المرموقة في قرطبة. كان والده من فقهاء قرطبة.
لأن ابن الفرضي أبو الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف، الذي ولد في مدينة قرطبة عام 962 م وتوفي فيها عام 1012 م كان مغربياً أندلسياً. المؤرخ والجغرافي والحافظ والأديب. من مصنفاته تاريخ علماء الأندلس، والمؤتلف والمختلف في الحديث، والمتشابه في أسماء رواة الحديث وكناهم، وأخبار شعراء الأندلس.
ولأن الطبيب والفيلسوف والشاعر الأندلسي أبو عبد الله محمد بن الحسن بن الحسين القرطبي المعروف بابن الكتاني كان مغربياً. ولد في مدينة قرطبة عام 951 م وتوفي فيها عام 1029 م. كان باحثًاً إسلامياً معروفًا وفيلسوفًا وطبيبًا ومنجمًا ورسامًا وشاعرًا. وكتب كتبًا عن المنطق والاستدلال والاستنتاج.
ولأن ابن مسرة واسمه أبو عبد الله محمد بن مسرّة الجبلي، المفكر والمتصوف والفيلسوف الأندلسي كان مغربياً. ولد في مدينة قرطبة عام 883 م وتوفي فيها عام 931 م. وبالرغم من الطعن في أفكاره واتُهم أنه يقوم بتلقين تلاميذه بدعة الاعتزال، كما قيل إنه ينشر آراءً وأفكاراً إلحادية، إلا أنه كان فيلسوفاً زاهداً وصاحب طريقة صوفية. بل يُعتبر أول شخصية صوفية محورية في تاريخ التصوف الأندلسي.
ولأن ابن طفيل وهو أبو بكر محمد بن عبد الملك بن محمد، الفيلسوف والطبيب وعالم الفلك والرياضيات والأديب الأندلسي كان مغربياً. كان رجل دولة ومن أشهر المفكرين العرب. ولد بالقرب من مدينة غرناطة عام 1105 م وتوفي في مدينة مراكش عام 1185 م. تولى مناصب وزارية وكان معاصراً للفيلسوف ابن رشد. من أشهر أعماله قصة "حي بن يقظان" عمل فلسفي حاول عبره ابن طفيل التوفيق بين الدين والفلسفة، حظي هذا العمل باهتمام الغرب منذ القرن السابع عشر وتمت ترجمة القصة إلى لغات عديدة.
ولأن ابن باجة أبو بكر محمد بن يحيى بن الصائغ، الذي ولد في مدينة سرقسطة عام 1085 م وتوفي في مدينة فاس المغربية عام 1138، كان مغربياً ومن أبرز الفلاسفة المسلمين، اهتم بالطب والرياضيات والفلك والأدب والموسيقى، كان وزيراً وقاضياً في الدولة المرابطية. وكان ضليعاً بالفلسفة، حيث قاد ابن باجة مشروع العودة بالفلسفة إلى أصولها الأرسطية مبتعداً عن الأفلاطونية المحدثة. ومن أشهر تلاميذه ابن رشد.
 ولأن الإمام القرطبي واسمه محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فَرْح كنيته أبو عبد الله، كان مغربياً أندلسياً. ولد في مدينة قرطبة عام 1214 م وتوفي في مصر عام 1273 م. ويعتبر من كبار المفسرين وكان فقيهًا ومحدثًا ورعًا وزاهدًا متعبدًا، متواضعاً جريئاً في قول كلمته. صاحب أمانة علمية واجتهاد كثير المطالعة.
لأن أبو حيان الغرناطي وهو العلامة محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان كان مغربياً أندلسياً. ولد في غرناطة عام 1256 م وتوفي في مدينة القاهرة عام 1344 م. وكان أبو حيان أمة وحده، جامعاً للمعارف الإسلامية، ملماً باللغات الشرقية. شهر أعمال أبي حيان وأعظمها هو تفسيره الضخم البحر المحيط الذي يُعد قمة التفاسير التي عُنيت بالنحو، وليس له مثيل.
ولأن ابن الخطيب، الشاعر والأديب والمؤرخ الأندلسي كان مغربياً. ولد في مدينة لوجا عام 1313 م وتوفي في مدينة فاس المغربية عام 1374 م. واسمه محمد بن عبد الله بن سعيد بن عبد بن علي بن أحمد السّلماني الخطيب الشهير لسان الدين. كان علامة أندلسياً، شاعراً وفقيها ومؤرخاً وفيلسوفاً وطبيباً ورجل دولة. ترك حوالي 60 مؤلف بين مطبوع ومخطوط في الأدب والتاريخ والجغرافيا.
وجب الذكر
أنه لأسباب وعوامل دينية واقتصادية وسياسية فقد تحولت مراكز الإشعاع الحضاري العربي- الإسلامي تاريخياً من المدينة المنورة إلى دمشق ثم إلى بغداد ثم إلى الأندلس ثم إلى إسطنبول ثم إلى القاهرة ودمشق وبغداد. وفي العصر الحديث يمكننا بثقة القول إن هذه المراكز الإشعاعية الحضارية موجودة اليوم في دول المغرب العربي وخاصة في المملكة المغربية التي تشهد فيها الحركة الفكرية نمواً وتطوراً ملحوظاً، وتصاعداً في الإنتاج الفكري والإبداعي، في مناخات تشجع على ازدهار الفكر وتنشيط حركة الترجمة.
المغرب الذي يحتضن أول جامعة في التاريخ، ويضم نخبة من أبرز المفكرين والفلاسفة، ويقع في أهم بقعة جغرافية بالقارة الأفريقية، ويستقطب الملايين من السائحين سنوياً يفدون للتمتع بالمناخات الرائعة والمناظر الطبيعية الخلابة، وفيه شعب عريق عظيم، أنعم الله على هذا البلد بالأمن والأمان والقيادة الحكيمة لجلالة الملك محمد السادس حفظه الله.
لهذا ولغيره الكثير، نحن نحب المغرب.

12
أدب / للساقية صوت المتوجعين
« في: 11:11 05/01/2020  »


للساقية صوت المتوجعين



حسن العاصي



1
بين سكون الدم
وصخب الجراح
يصدح الأنين
خلف الأبواب المغلقة
يقولون
 أن للساقية صوت المتوجعين
وللتراب فاتحة القيامة
لا زلتُ عند زحام الغبار
أخالطُ في تراب المسافة
أجنحة الماء


2
تتقطع الساعة الرملية
الأرصفة تتوجس الرحيل
السفر بلا مواعيد
والمحطات بلا دلالة
فلا معنى لألوان الضوء
في عتمة الانتظار
ولا نهاية لقلق العيون
صاخبة وجوه العابرين
الكل راحل
إلى رقود طويل


3
يتعرى الشجر من الحياء
يعلو صوت الخطيئة
في الغابة
تهجع الأسماء لعشب الليل
يتثاءب الوقت
العتمة لا تنام
تشتهي لون الجدار
قالوا
كان هنا يوماً
بيوتاً بلا أبواب


4
يدسّ موقد المركب
رماد السفر
بين حمرة المغيب
والموال الغافي
في غياب الحقل
فيتقاطع البحر بالبحر
يكاد ثمر الطريق
أن يفيض نوراً
على جهة القنديل
ومزامير الريح تشدو
ظمأ الرحلة

5
تطاولت الأوراق
على الأغصان
كم مسافة الموسم؟
لا بديل
عن المواويل الهجينة
لنحاول تراباً آخر
ونخلع وجه الأبجدية
يكسر سواد المفردات
أضلع الألوان
يا أبي
متى يهلك البستان؟


6
وجهان للماء
البحر هذيان
فهل عاد موج الحكاية
من ضفاف الملح
كنّا نحمي هطول الفصول
حين تقاطعت أبعاد الوقت
أضحت الأوردة
أنهاراً متحجرة
متى يفيض الصبح
حكايا على ضفاف
الغيم الأخضر؟
متى نسقط في الغيبوبة؟


13
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك



الدبلوماسي المتمرس جمال الشوبكي السفير الفلسطيني في المملكة المغربية
في الذكرى الخامسة والخمسون لانطلاقة الثورة الفلسطينية

ـ يؤكد تمسك القيادة الفلسطينية بقرارات الشرعية الدولية في مواجهة الضغوط الأمريكية.
ـ الزعيم ياسر عرفات كلما واجه أزمة ترتبط بالقضية الوطنية الفلسطينية يلتجأ لجلالة الملك الراحل الحسن الثاني.
ـ جلالة الملك محمد السادس أكد على التزام المغرب ملكاً وحكومةً وشعباً بالقضية الوطنية الفلسطينية ودعمها في كافة المحافل.
ـ المغرب يمتلك أوضح موقف عربي وإسلامي فيما يتعلق بقضية القدس الشريف.

في بداية كل عام، يحتفل الشعب الفلسطيني بمختلف قواه السياسية والحزبية، وبجميع شرائحه الاجتماعية، ومعه أحرار وشرفاء ومناضلي العالم، بذكرى انطلاقة الثورة الفلسطينية المجيدة التي شكلت صفحة مشرّفة في تاريخ الشعب الفلسطيني. وفي هذا العام تمر هذه الذكرى والشعب الفلسطيني وقضيته يتعرضان لأخبث المؤامرات التي تستهدف الإنسان والأرض والهوية والدولة والحقوق والقدس واللاجئين، مؤامرة تسعى للنيل من الثوابت الوطنية الفلسطينية التي تعمدت بدماء الشهداء الطاهرة، وأوجاع الجرحى، ومكابدة الأسرى في السجون الإسرائيلية، وبدموع الأمهات الفلسطينيات الثكالى.
وأصل الحكاية يعود إلى شقة متواضعة بمدينة الكويت اجتمع فيها ستة مناضلين فلسطينيين أواخر العام 1957، وهم "ياسر عرفات، خليل الوزير، عادل عبد الكريم، عبد الله الدنان، يوسف عميرة، توفيق شديد" وتم خلال هذا اللقاء الإعلان عن ولادة "حركة التحرير الوطني الفلسطيني" التي سميت اختصاراً فيما بعد بحركة "فتح". وفي العام 1959 انضم للمؤسسين مناضلين آخرين أبرزهم "محمود عباس، صلاح خلف، خالد الحسن، عبد الفتاح حمود، كمال عدوان، محمد يوسف النجار". قررت الحركة البدء بالكفاح المسلح، ونفذت أول عملية لضرب شبكة المياه الإسرائيلية في 31.12.1964، ثم أعلنت الحركة عن انطلاقتها في الأول من كانون ثاني/ يناير من العام 1965، وبهذا تم اعتبار هذا التاريخ يوماً لولادة الثورة الفلسطينية المعاصرة.
لقد شكلت انطلاقة الثورة الفلسطينية المسلحة في العام 1965 منعطفاً مهماً في مسار حركة المقاومة الفلسطينية بعد النكبة التي ابتلي بها الشعب الفلسطيني العام 1948، حيث تمت إعادة الاعتبار للشخصية والهوية الوطنية الفلسطينية، ولفتت أنظار العالم أجمع إلى عدالة القضية الوطنية الفلسطينية، ومكانتها بين حركات التحرر في العالم، وكذلك جذب انتباه الرأي العام الدولي إلى المظلومية والجرائم التي ارتكبتها وترتكبها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني.
لأهمية هذه المناسبة توجهت للقاء مع أحد رموز هذه المسيرة النضالية للشعب الفلسطيني، لأسمع منه وأتناقش معه حول مآلات الوضع الفلسطيني بصورة رئيسية، وقضايا أخرى. إنه المناضل الفلسطيني والدبلوماسي القدير، والقيادي الحصيف الفطين والضليع، السفير الفلسطيني في المملكة المغربية جمال الشوبكي. استقبلني الرجل في مكتبه بمقر السفارة الفلسطينية بمدينة الرباط، وأبدى كل اهتمام وعناية للإجابة على أسئلتي، فكان هذا الحوار.

ـ سعادة السفير، ونحن على بعد أيام قليلة من الذكرى الخامسة والخمسون لانطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، كيف ترى حال القضية الفلسطينية اليوم بعد أكثر من نصف قرن على انطلاقة الثورة في ظل الظروف الدولية والإقليمية والعربية راهناً؟
يحي الشعب الفلسطيني وقيادته هذه الأيام الذكرى الخامسة والخمسون لانطلاقة الثورة الفلسطينية الخالدة. تمر هذه الذكرى العظيمة في فترة مصيرية وبالغة الخطورة على القضية الوطنية الفلسطينية. حيث تزداد وتيرة الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويتصاعد البطش والعنف المنظم والإرهاب الممنهج الذي تمارسه قوات جيش الاحتلال والمستوطنين بحق أبناء الشعب الفلسطيني بصورة يومية، ولا تتوقف محاولات الحكومة الإسرائيلية التي تهدف إلى تهويد المقدسات الإسلامية والمعالم المسيحية. وتتوغل الإدارة الأمريكية الحالية في الاعتداء المستمر على الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني، سواء كان من خلال تواصلها في تقديم الدعم اللامحدود للاحتلال الإسرائيلي، أو عبر الضغوط الكبيرة التي تمارسها على القيادة الفلسطينية للقبول بخطة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" التي تسمى صفقة القرن، وتسعى من خلالها الإدارة الأمريكية لتجاوز وشطب الحقوق الوطنية الفلسطينية التاريخية في أرضه وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف العاصمة الأبدية لدولة فلسطين. كما تهدف الخطة الأمريكية إلى إلغاء حق أكثر من ثمانية ملايين لاجئ فلسطيني مشتتين حول العالم، وحرمانهم من حقهم الطبيعي المصان بقرارات الشرعية الدولية، في العودة إلى ديارهم، والتعويض عما أصابهم من ضرر مادي ومعنوي. وتسعى الخطة الأمريكية إلى تثبيت الكيانات الاستيطانية وإضفاء الشرعية عليها، وهو ما يتناقض مع قرارات الشرعية الدولية التي أدانت الاستيطان الإسرائيلي واعتبرته غير شرعي وغير قانوني.
لقد صمدت القيادة الفلسطينية بصلابة في وجه كافة المؤامرات التي تسعى للنيل من حقوق شعبنا وثوابته الوطنية الراسخة في العقيدة الكفاحية. نعم ولقد قدم الشعب الفلسطيني وثورته المعاصرة عديد التضحيات الجسيمة، وسطروا بعزيمة وإصرار شديدين ملاحم بطولية كتبت في صفحات التاريخ.
إن الشعب الفلسطيني وقيادته سيواصلان النضال لتحقيق الحلم الذي استشهد من أجله عشرات الآلاف من الفلسطينيين، حلم الحرية والاستقلال، ولن يقبلا بأية حلول تنتقص من الحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة في إنهاء الاحتلال، وإقامة الدولة المستقلة ذات السيادة على كامل التراب الفلسطيني وعاصمتها القدس الشريف، وحل عادل لقضية اللاجئين وفق قرارات الشرعية الدولية.

ـ ما الجديد المتعلق بخطة السلام الأمريكية "صفقة القرن"؟
لم تتمكن الولايات المتحدة الأمريكية من فرض رؤيتها لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي، وسقط مشروعها الذي كان يسعى إلى تشريع الاحتلال، وتطبيع العلاقات بين إسرائيل والشعوب العربية، وبالرغم من اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل، ونقل مقر سفارتها إلى المدينة المقدسة، إلا أن الضغوط التي مارستها على كثير من الدول فشلت في إقناع تلك الدول لنقل سفاراتها إلى القدس، بل أن الخطوة واجهت رفضاً قاطعاً من الشعوب العربية والإسلامية، ومن الغالبية العظمى من دول العالم. هذه الخطوة التي أقدم عليها الرئيس الأمريكي لم تكن حتى إسرائيل تتوقعها كهدية، حيث لم يمتلك أي رئيس أمريكي آخر الجرأة والوقاحة التي امتلكها ترامب ليعلن فجأة اعترافه بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي. إن كافة التهديدات الأمريكية والضغوط الهائلة التي تمارسها على القيادة الفلسطينية فشلت في دفع الجانب الفلسطيني للتساوق مع الخطة الأمريكية. ورغم الوعيد تارة والإغراءات تارة أخرى التي تمثلت بتعهد قدمه ترامب عام 2017 أنه سيقدم رشوة مالية للفلسطينيين تبلغ قيمتها 10 مليار دولار تدفع من أرصدة غير أمريكية، لكن الموقف الفلسطيني لم يتغير، حيث رفضت القيادة الفلسطينية والرئيس محمود عباس كافة هذه العروض.
إن الولايات المتحدة بمواقفها الأخيرة من المستوطنات، تسعى لكسر الصورة النمطية للاستيطان في العقل الغربي وتحاول ان تحدث وضعاً يصبح فيه مواجهة الاستيطان عبثاً بلا طائل.
ورغم أن هناك جهات عربية عرضت على القيادة الفلسطينية عدم التسرع في رفض الخطة الأمريكية قبل الاطلاع على تفاصيلها، والبعض عرض علينا البدء بالتطبيع لتوفير مناخات سياسية تسهم في إنجاح عملية السلام، لكن القيادة الفلسطينية رفضت بصورة قاطعة هذه الإملاءات وقاومت الضغوط وتمسكت بالحقوق الوطنية الثابتة غير قابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، التي انطلقت الثورة الفلسطينية في الأصل للحفاظ على هذه الحقوق من الضياع، ولتحقيق حلم الأجداد والآباء في العودة إلى بيوتهم وقراهم ومدنهم التي اقتلعوا منها وتم تشريدهم كلاجئين في بقاع الأرض. ونحن على ثقة لو وافقت القيادة الفلسطينية على مجرد التفكير بتلك الاقتراحات، لكانت انهارت جبهة الرفض والممانعة للخطة الأمريكية، وكان الشعب الفلسطيني وقضيته الخاسر الوحيد.

ـ هل تعتقد أنه لا زال الإجماع العربي حول خطة السلام العربية قائماً؟
القيادة الفلسطينية تعتبر مبادرة السلام العربية التي أقرتها القمم العربية والإسلامية، وأصبحت جزءاً من قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1515، خطاً أحمر لا يمكن التنازل عنه أو تجاوزه. لقد حاولت الإدارة الأمريكية إعادة صياغة المبادرة العربية ودمجها مع خطة السلام الأمريكية التي تهدف إلى تصفية القضية الوطنية الفلسطينية، لكنها فشلت. والقيادة الفلسطينية رفضت المشاركة في كافة الورشات التي دعت إليها الإدارة الأمريكية أو "جاريد كوشنر" مستشار الرئيس الأمريكي، التي تتعلق ببحث الخطة الأمريكية المسماة "صفقة القرن". كما رفضت المشاركة في ورشة المنامة الاقتصادية التي كانت غايتها إطلاق المرحلة الأولى من خطة السلام التي وضعتها إدارة الرئيس الأمريكية دونالد ترامب بإشراف صهره كوشنر. وأكدت القيادة الفلسطينية حينها أن لا أحد يمتلك الحق ولا يستطيع إعادة صياغة المبادرة العربية نيابة عن القمم العربية والإسلامية.
كما أوضحت القيادة الفلسطينية أن السلام لن يكون بأي ثمن، والرئيس الفلسطيني محمود عباس كان قد كشف أن هدف هذه الصفقة التي ترعاها الإدارة الأمريكية هو تصفية القضية الوطنية الفلسطينية، عبر إقامة إمارة في غزة وتوسيعها، والتخطيط لفصلها عن الضفة الغربية، وكذلك تهويد القدس.
بصورة عامة نحن نعتقد أن الموقف العربي الرسمي ما زال متمسكاً بالمبادرة العربية كأساس لحل الصراع مع إسرائيل، وتمكين الشعب الفلسطيني وقيادته من تحقيق الاستقلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وحل مشكلة اللاجئين بصورة عادلة وفق قرارات الشرعية الدولية.  وأشير هنا إلى أنه أثناء سعي الإدارة الأمريكية المسعور لفرض خطتها، قام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز خلال الجلسة الافتتاحية للقمة العربية التاسعة والعشرون بتاريخ  15 أبريل/نيسان العام 2018 في مدينة الظهران السعودية بتسمية القمة بقمة القدس وقال "ليعلم القاصي والداني أن فلسطين وشعبها في وجدان العرب والمسلمين".
وأعلن خادم الحرمين الشريفين عن تبرع السعودية بمبلغ 150 مليون دولار لبرنامج دعم الأوقاف الإسلامية في القدس، وبمبلغ 50 مليون دولار لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا". وأكد أن قمة القدس تشدد على مركزية القضية الفلسطينية، وعلى بطلان وعدم شرعية القرار الأميركي بشأن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

ـ سعاد السفير هل تخبرنا كيف يمكن تقوية الموقف الفلسطيني لمواجهة كل هذه التحديات والمخاطر التي تواجه الشعب الفلسطيني وقيادته وقضيته الوطنية؟
في ظل هذه الأوضاع الدقيقة التي تحيط بالقضية الوطنية الفلسطينية، لا بديل أمام الفلسطينيين من كافة الانتماءات الحزبية والتيارات السياسية، إلا التوافق على استراتيجية سياسية وكفاحية واحدة موحّدة لكافة الجهود والامكانيات لتعزيز صمود الشعب الفلسطيني، وتنظيم وترشيد نضاله ودعم موقف القيادة الفلسطينية لمواجهة هذه الحملة غير المسبوقة التي تشنها إدارة الرئيس الأمريكي ترامب لتصفية القضية الفلسطينية من خلال تقطيع خيوطها واحتكارها والتصرف بها وفق مخططاتها المتوافقة مع الرؤية الإسرائيلية. لذلك لا بد من توافق فلسطيني ـ فلسطيني أولاً، ويتم وفق ما تمليه المصلحة الوطنية، على أساس التمييز بين المصالح والشعارات الفصائلية، وبين حسابات السياسة التي تقوم بناء على معطيات دولية وإقليمية، وعلى ميزان القوى الحالي، وما تحدثه مفاعيل الصراع الفلسطيني والعربي مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، ما ينتج عنه من تحديات تواجه القيادة الفلسطينية.
إن الانقسام الفلسطيني واحد من أهم أسباب ضعف الموقف الفلسطيني، كان أحد الأسباب التي تذرعت بها إسرائيل لعدم انخراطها بعملية سلام حقيقية مع الجانب الفلسطيني. وتسبب الانقسام بخسائر فادحة في البيت الفلسطيني، وأدى إلى الإساءة للتجربة النضالية الفلسطينية لدى العديد من الشعوب والأحزاب الداعمة للقضية الفلسطينية، وكان المستفيد الوحيد منه إسرائيل.
لذلك يجب إنهاء هذا الانقسام بشكل فعلي في أقرب أجل، وإنجاز المصالحة الفلسطينية، وأجراء الانتخابات التي تؤدي إلى تشكيل نظام سياسي فلسطيني جماعي قائم على الشراكة، يتبنى حل الدولتين على أساس قرارات الشرعية الدولية
يجب علينا اللجوء إلى كافة المحافل الدولية بدءاً من المحكمة الجنائية الدولية، ومحكمة العدل الدولية، ومجلس حقوق الإنسان، وسواها. والاستمرار بفعل المقاومة الشعبية وتطويرها على أكثر من صعيد.

ـ كيف ترى مستوى التضامن العربي والأممي مع القضية الوطنية الفلسطينية، هل هو في وضعية الانحسار والتراجع أم في مرحلة تطور وتصاعد؟
 في الحقيقة يوجد قراءتين لهذا الموضوع. هناك من يقر بتراجع مستوى التضامن العربي والدولي مع القضية الفلسطينية ولأسباب متعددة. وتوجد وجهة نظر أخرى مغايرة تعتقد أن الدعم والتأييد الذي تحظى به القضية الفلسطينية في ثبات وتصاعد، خاصة في دول أمريكا اللاتينية وبعض الدول الأوروبية.
فيما يتعلق بالموقف العربي فإن تراجع الاهتمام الرسمي والشعبي بالقضية الوطنية الفلسطينية في الأعوام الأخيرة يعود بصورة رئيسية إلى اشتعال المنطقة العربية بعدة أزمات في عدد من الدول العربية، منها أزمات اقتصادية، وأزمات سياسية، وصراعات تحولت إلى حروب أهلية. ورغم ذلك فإن الشعوب العربية ما زالت تعتبر أن فلسطين هي قضيتها المركزية، لذلك نجدها تعلن عن مواقفها الثابتة المؤيدة لفلسطين عبر المسيرات والمظاهرات والنزول إلى الشوارع حين تلمس خطراً يتهدد القضية الفلسطينية أو يتعلق بأحد مقدساتها الدينية.
بالنسبة للموقف الأوروبي فلا يمكن الحديث عن موقف واحد، لكن موقف الاتحاد الأوروبي بصفة لا زال مع حل الدولتين ومع قيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الأراضي المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس الغربية، وضد الاستيطان. لكن ما يجعل الموقف الأوروبي غير ثابت هو الضغوط الكبيرة التي تمارسها الولايات المتحدة على الدول الأوروبية بهدف دفعها للقبول بالمقترحات والخطط والرؤية الأمريكية للسلام. ثم هناك عوامل أخرى تجعل الموقف الأوروبي غير ثابت، منها صعود القوى والأحزاب اليمينية في العديد من الدول الأوروبية، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ودور اللوبي اليهودي في أوروبا، والتعريف الجديد لعداء السامية الذي تشهره إسرائيل واللوبي الصهيوني في وجه الفعاليات والشخصيات المؤيدة للحقوق الفلسطينية. كل هذا يؤثر سلباً في حركة التضامن مع فلسطين.
لذلك يجب أن نقوم بتشخيص الوضع والتحديات الحالية التي تواجه التضامن مع القضية الفلسطينية في أوروبا، على كافة المستويات السياسية والثقافية والمدنية، ووضع برنامج لتطوير مستوى الأداء، وزيادة مستوى الوعي بالقضية الفلسطينية في الشارع لبناء أوسع شبكة تضامن شعبي ومدني في القارة العجوز. خاصة في وقت يحاول فيه اللوبي الإسرائيلي هناك ترهيب المؤيدين للقضية الفلسطينية وتكميم أفواه المناصرين لحرية الشعب الفلسطيني.

ـ كيف تنظر سعادة السفير للعلاقات الفلسطينية المغربية وكيف تقيمها؟
ترتبط المغرب بعلاقات تاريخية قديمة جداً مع فلسطين. حيث كان للمغرب دوراً هاماً في دعم وإسناد القضية الفلسطينية وتأييد حقوق الشعب الفلسطيني، التي يعتبرها المغرب حقوقاً ثابتة لا يمكن التنازل عنها وأهمها حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وإقامة دولته المستقلة على الأرض الفلسطينية، وعاصمتها القدس الشريف، ويناصر المغرب ملكاً وحكومةً وشعباً حق الشعب الفلسطيني الثابت في مواجهة الاحتلال لنيل الاستقلال الوطني. فنحن نعتبر أن المملكة المغربية تمتلك أوضح موقف فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.
جلالة الملك الراحل، المغفور له بإذن الله الحسن الثاني، طيب الله ثراه قال "إن القدس الشريف يتبوأ المقام الرفيع من اهتمام المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لارتباط هذه المدينة بعقيدتهم الدينية ولما لها من مكانة مرموقة في تاريخهم السياسي والحضاري. وهذه المدينة التي هي مهبط الرسالات السماوية وملتقى الأديان، قد جعل الله للمسلمين مسجدها الأقصى قبلتهم الأولى وحرمهم الثالث". إن هذه الكلمات شكلت وما زالت محور الموقف المغربي من فلسطين والقضية الوطنية الفلسطينية، حيث طالما اعتبر المغرب قضية القدس الشريف قضية الأمة الإسلامية الأولى وجوهر مشكلة الشرق الأوسط ولب الصراع العربي-الإسرائيلي.
ولا أدل على متانة وعمق العلاقات الفلسطينية المغربية من قيام جلالة المغفور له الملك محمد الخامس بزيارة مدينة القدس والمسجد الأقصى والصلاة فيه العام 1960.  ومن ترأس جلالة الراحل المغفور له الملك الحسن الثاني لجنة القدس التي انبثقت عن منظمة المؤتمر الإسلامي منذ مارس 1979 إلى حين وفاته رحمه الله في عام 1999، وتم اختبار جلالة الملك محمد السادس رئيساً للجنة خلفا لوالده لمواصلة دور المغرب الثابت والهام في الدفاع عن فلسطين وعن أحد الأماكن المقدسة لدى المسلمين وباقي الديانات السماوية.
وأنا أذكر أن الزعيم الراحل ياسر عرفات أبو عمار كلما تعرض لأزمة وواجه ضيقاً وشدة كان يلتجأ إلى جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني الذي كان يضع فلسطين والقضية الفلسطينية في قلب اهتماماته، وهو من قال إن "المشكل الفلسطيني قائم بين العرب والإسرائيليين، ولكن مشكلة القدس هي فوق هذا وذاك. هي مشكلة جميع المسلمين والمسيحيين واليهود أينما وجدوا. قضية القدس هي قبل كل شيء قضية مليار ومائتي مليون مسلم في جميع أنحاء العالم". وللراحل الملك الحسن الثاني الفضل الكبير في تبني منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، وذلك في مؤتمر القمة العربية الثامن الذي انعقد في الرباط العاصمة المغربية في تشرين أول/أكتوبر العام 1974.
وعقب إعلان الرئيس الأمريكي ترامب قراره بنقل السفارة الأمريكية إلى مدينة القدس الشريف، واعترافه بالمدينة المقدسة عاصمة لدولة إسرائيل، شهدت العاصمة المغربية الرباط أكبر تظاهرة، حيث خرج مئات آلاف من الأشقاء المغاربة إلى الشوارع في مسيرة مليونية، حملوا خلالها صوراً لمدينة القدس والمسجد الأقصى، وشعارات "من أجل القدس ومع المقاومة، فلسطين قلب الأمة، وباب المغاربة يناديكم" واعتبروا قرار الرئيس الأمريكي قراراً طائشاً غير مسؤول، وطالبوا الدول العربية والإسلامية الرد بحزم ووضوح على القرار الأمريكي. ثم في جمعة الغضب على أثر صدور القرار، خرج عشرات آلاف من الأشقاء المغاربة في نحو ما يزيد عن سبعين مظاهرة احتجاجية، وتم تنظيم ما يزيد عن خمسين وثقة احتجاجية أمام المساجد بعد الانتهاء من صلاة الجمعة، ونظمت وقفة أمام القنصلية الأمريكية شارك فيها الأهل المغاربة بكثافة.
على المستوى الرسمي، كان هناك سلسلة من المواقف للحكومة المغربية وجلالة الملك محمد السادس حفظه الله منذ إعلان ترامب المشؤوم، كان آخرها الرسالة التي وجهها جلالته إلى العالم الإسلامي في إحتفالية تخليد الذكرى الخمسين لإنشاء منظمة التعاون الإسلامي في الرباط، حيث شدد الملك المغربي على  إستثنائية ومحورية قضية القدس، ورفض المغرب أي مساس بوضع المدينة القانوني والسياسي، وأهمية احترام الرمزية الدينية للقدس الشريف والحفاظ على هويتها الحضارية العريقة. وتضمنت رسالة جلالة الملك فقرة أكد فيها إلتزام المغرب ملكاً وحكومةً وشعباً بالقضية الفلسطينية ودعمها في كافة الميادين والمحافل وعلى مختلف الصعد وصولا لتحقيق الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة التي كفلتها الشرعية الدولية، وهو تلخيص لحقيقة الموقف المغربي المساند بشكل مطلق لشعبنا وقضيته العادلة.
ولا ننسى هنا أيضا أن وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي المغربي السيد ناصر بوريطة قام بمقابلة سفراء الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن بما فيها الولايات المتحدة الموجودين في الرباط، وذلك قبل إعلان ترامب بساعات قليله وبوجود السفير الفلسطيني، حيث قام الوزير بوريطة بتسليمهم رسالة من جلالة الملك محمد السادس طالبهم فيها الاضطلاع بمسؤولياتهم التامة للمحافظة على الوضع الحالي   لمدينة القدس، وتفادي كل ما من شأنه تأجيج الصراع في المنطقة، مشيرا إلى دعم المملكة المغربية الثابت وتضامنها المطلق مع الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، ومحذرا من تبعات قرار الرئيس الأمريكي وإدارته.
وأضاف السفير الفلسطيني بالقول:  الدعم المغربي لفلسطين متعدد الأوجه وعلى كافة المستويات وحين تقوم السفارة الفلسطينية بإحياء المناسبات الوطنية يشارك معها كبار الشخصيات السياسية والحكومية وكافة الأحزاب المغربية وحشود من المثقفين والمتضامنين والمواطنين المغاربة، وفي فعاليتنا الأخيرة حيث نظمنا مهرجانا سياسيا بمناسبة يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني في قاعة المكتبة الوطنية في الرباط، حضره السيد رئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني، وعدد من الأمناء العاميين للأحزاب، وبرلمانيين وقيادات وكوادر حزبية ونقابية مغربية.

حين سألت سعادة السفير عما تطلبه القيادة الفلسطينية من المغرب؟ أجاب:
أنا كسفير لدولة فلسطين في المملكة المغربية أشعر بأجواء المحبة الأخوية الدافئة من قبل الشعب المغربي الشقيق ومن الحكومة المغربية ومن قبل الأحزاب المغربية بجميع تياراتها الفكرية، ومن قبل منظمات المجتمع المدني والجمعيات والمؤسسات والهيئات الشعبية، وفي المقام الأول الرعاية الكريمة من قبل صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله. لذلك وقبل أي شيء أنا أتوجه بالشكر والتقدير والعرفان للملكة المغربية الشقيقة ملكاً وحكومةً وشعباً وأحزاباً لما يقدموه من دعم وتأييد كبيرين لفلسطين وللشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية. ونحن نثمن عالياً هذا الدور الهام للمغرب إقليمياً ودولياً. ونتمنى أن يكون للمغرب الشقيق دوراً في القارة الأفريقية من خلال علاقاته المتميزة مع دول القارة، كي تظل فلسطين وحقوق الشعب الفلسطيني ومصالحه حاضرة في أجندة تلك الدول، وأن يتواصل تضامنهم الرسمي والشعبي مع القضية الفلسطينية في المحافل الدولية، خاصة في ضوء الاستراتيجية الإسرائيلية لاختراق القارة الأفريقية والنفاذ إليها بقوة عبر تقديم المساعدات المالية واللوجستية لعدد من الدول الأفريقية الفقيرة.
كما نتمنى من الأحزاب المغربية التي ترتبط بعلاقات جيدة مع أحزاب أوروبية أن تضع القضية الفلسطينية وضرورة دعمها ضمن أجندتها أثناء اللقاءات التي تجريها مع تلك الأحزاب سواء بصورة ثنائية أو عبر المنتديات التي تشارك بها.
من جانبنا فإن السفارة الفلسطينية في المغرب تعمل وفق التوجيهات والتعليمات التي يصدرها الرئيس الفلسطيني محمود عباس ووزارة الخارجية، وهما يؤكدان بشكل متواصلة على أهمية المحافظة على العلاقات الاستثنائية مع المملكة المغربية الشقيقة وضرورة تطويرها وتعميقها.
والقيادة المغربية لا تدخر جهداً لتعزيز هذه العلاقة، وهنا أود أن أقول لك أن عدد الوفود الفلسطينية التي زارت المغرب هذا العام بلغت 45 وفداً، وهذا يعطيك مؤشراً واضحاً على عمق هذه العلاقات. وتم الإعلان عن تأسيس لجنة مشتركة على مستوى وزراء خارجية البلدين سوف تعقد لقاءات تشاورية بصفة دورية.
ـ سألت سعادة السفير عن علاقة السفارة بالجالية الفلسطينية في المغرب؟
الجالية الفلسطينية المتواجدة والمقيمة في المملكة المغربية، جالية صغيرة نسبياً، وعلاقتها مع السفارة الفلسطينية في الرباط هي علاقة جيدة جداً. لدينا عدد قليل من رجال الأعمال أيضاً.
الجالية الفلسطينية في المغرب أنها تشعر بدفء المشاعر والمحبة والتضامن التي يبديها الأشقاء المغاربة تجاه أشقائهم الفلسطينيون، لذلك فهم يندمجون في المجتمع المغربي بكل يسر دون أية مشقة، وذلك بسبب العلاقات الأخوية العميقة والمتينة بين الشعبين. وتحرص السفارة على توجيه الدعوات لأبناء الجالية لحضور الفعاليات والمشاركة في المناسبات التي تنظمها السفارة في المناسبات الوطنية والاجتماعية والدينية.

وحول علاقة السفارة الفلسطينية مع السفارات والسفراء العرب والأجانب في الرباط؟
ذكر سعادة السفير الشوبكي أن العلاقة مع السفراء الأشقاء العرب جيدة وقال نلتقي بصورة دورية، وأثناء حضور المناسبات الوطنية الخاصة بكل دولة عربية. تظل هذه العلاقة تعكس التعاون والتنسيق التي يربطنا بالأشقاء العرب. وفيما يرتبط بالعلاقة مع السفراء الأجانب، فهي جيدة مع معظمهم، وممتازة مع البعض الآخر، ومتحركة غير مستقرة مع عدد من الدول. من جانبنا تحرص السفارة على علاقات طيبة مع جميع البعثات الدبلوماسية المعتمدة في المملكة المغربية الشقيقة. وجميع هذه البعثات باتت تعلم مقدار التضامن والاحتضان الذي يبديه المغاربة عموماً بكافة أطيافهم السياسية والاجتماعية للشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، وهذا الأمر يشكل ما يشبه المعيار الذي ينظم ويؤثر في علاقات هذه البعثات مع مختلف المستويات الرسمية والحزبية المغربية.

ـ ماذا عن الإعلام المغربي وتغطيته لأخبار القضية الفلسطينية ونشاطات السفارة؟
أجاب السفير الشوبكي موضحاً أن هناك إعلام رسمي ووسائل إعلامية خاصة وأخرى حزبية في المملكة، إضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي. ويمكن لي القول إن هذا الإعلام داعم ومؤيد لنضال الشعب الفلسطيني لاستعادة حقوقه، وأن هناك رأي عام شعبي ورسمي في المملكة يناصر القضية الفلسطينية، ويعتبر أن مدينة القدس الشريف تعني المغاربة كقضية وطنية وعقائدية مغربية، وأن المدينة أحبتهم كما أحبوها، ولهم فيها حارة من أشهر حارات القدس وتجاور حائط البراق، وتعود نشأتها إلى العصر الأيوبي. فالإعلام المغربي على كافة مستوياته وأنواعه يتفاعل بصورة جادة ومسؤولة مع كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية وتطوراتها. كما يهتم بكافة النشاطات التي تقوم بها السفارة بصورة دورية، ويقوم بتغطية الفعاليات والنشاطات التي تقوم بها الأحزاب المغربية ومنظمات المجتمع المدني والتي ترتبط بفلسطين وقضيتها. لذلك نحن نقدر عالياً دور وسائل الإعلام في المغرب بهذا السياق.

ـ كيف ترى وتقيم العلاقة مع وكالة التعاون الدولي في المغرب؟
علاقتنا مع الوكالة وطيدة، وتشهد تطوراً ملحوظاً، ونحن نتوجه بالشكر الكبير المرفق بالتقدير للوكالة المغربية للتعاون الدولي ودورها المتميز والهام الذي تضطلع به في استقبال ومساعدة آلاف الطلاب من مختلف دول العالم لاستكمال دراستهم الجامعية والعليا في الجامعات والمعاهد ومختلف المؤسسات التعليمية في المملكة المغربية. ونتوجه بالتحية والشكر لمديرها العام سعادة السفير محمد مثقال لجهوده الكبيرة وإداراته الموفقة للوكالة. فيما يتعلق بفلسطين فإنها تحصل على 120 منحة دراسية سنوياً من قبل الوكالة للطلاب الفلسطينيين لاستكمال دراستهم في المغرب. نصفهم لدراسات الإجازة الجامعية والنصف الآخر للدراسات العليا. فالدراسة مجانية في المغرب، ويحصل الطلاب على منح نقدية دورية من الحكومة المغربية عبر وكالة التعاون. وتوفر لهم إقامات في السكن الجامعي في حدود الأماكن الشاغرة. ولا يجد الطلاب الفلسطينيين الذين يدرسون في المؤسسات التعليمية المغربية المختلفة أية صعوبات في المجتمع المغربي نتيجة محبة الشعب المغربي لأهل فلسطين، وتعلقهم الروحي والديني بمدينة القدس الشريف، مما يساعدهم على أن يصبحوا جزءًا من النسيج الاجتماعي المغربي خلال وقت قصير.

ـ في كلمته الأخيرة قال السفير الفلسطيني
في هذه الذكرى أدعو بصفتي دبلوماسي فلسطيني المجتمع الدولي لتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية تجاه شعبنا الفلسطيني، وأطالبه باتخاذ قرارات وإجراءات وخطوات عملية تحميه من الجرائم التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي، ورفع الضيم عنه المتواصل منذ حوالي ثلاثة أرباع القرن. وتمكينه من الحصول على حقوقه الوطنية التي أيدتها قرارات الشرعية الدولية.
بهذه المناسبة المجيدة أتقدم بالتحية والإجلال لأرواح شهداء الثورة الفلسطينية الذين أسهموا بدمائهم الطاهرة في استمرار وتواصل المسيرة الكفاحية للشعب الفلسطيني، ومضوا على مذبح الحرية والاستقلال. والتحية إلى مشاعل النصر ورياحين الثورة أسرانا البواسل في السجون الإسرائيلية، الذين نستمد منهم عزيمة النضال وثبات الصادقين. كما أتوجه بالتحيات لأبناء الشعب الفلسطيني في الوطن وفي المغرب وفي المنافي والشتات، على صمودهم وتمسكهم بحقهم المشروع في مقاومة الاحتلال وسياساته العدوانية.
إن الرصيد الاستراتيجي للفلسطينيين تحت الاحتلال هو وجود شعب على أرضه. هو يشكل نصف عدد السكان في فلسطين التاريخية. لولا هذا لانتهت القضية، لأن المشروع الصهيوني يريد الأرض دون السكان. لذلك أطالب بالالتفاف الفلسطيني القوي حول منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا الفلسطيني، تحت قيادة السيد الرئيس محمود عباس، والوقوف خلفه وتقديم الدعم لمواقفه الرافضة لصفقة القرن.
كما إنني وبهذه المناسبة أتوجه بالشكر العظيم والامتنان لجلالة الملك محمد السادس لدعمه المتواصل للقضية الفلسطينية، ولإشرافه بصفة شخصية على كل ما يتعلق بفلسطين وبيت المقدس. ونشكر الحكومة المغربية وجميع الأحزاب لما يبدونه من مناصرة ودعم لنا، والشكر والتحية للشعب المغربي الشقيق العظيم الذي يظل وفياً لفلسطين وشعبها وقضيتها وقدسها.

نبذة عن السفير الفلسطيني في الرباط
جمال عبد اللطيف الشوبكي
سفير دولة فلسطين لدى المملكة المغربية
حاصل على دبلوم دراسات إقليمية من جامعة القدس عام 1997.
حاصل على بكالوريوس جغرافيا من جامعة بيروت العربية عام 1975.
سفير دولة فلسطين فوق العادة ومفوضاً لدى جمهورية مصر العربية من عام 2014 إلى غاية عام 2017. ومندوب دولة فلسطين الدائم لدى جامعة الدول العربية خلال ذات الفترة.
سفير دولة فلسطين فوق العادة ومفوضاً لدى المملكة العربية السعودية من عام 2006 إلى غاية عام 2013.
مندوب دولة فلسطين الدائم لدى منظمة التعاون الإسلامي خلال الفترة من عام 2006 لغاية عام 2013.
رئيس لجنة الانتخابات المحلية في دولة فلسطين خلال الفترة من عام 2004 لغاية عام 2006.
وزير الحكم المحلي خلال الفترة من عام 2003 لغاية عام 2005.
عضو المجلس الفلسطيني التشريعي الأول ورئيس اللجنة الاقتصادية.
عضو المجلس الثوري لحركة فتح.
عضو المجلس الوطني الفلسطيني.
يمتلك تاريخاً نضالياً مشرفاً، وأمضى سنوات عديدة في سجون الاحتلال الإسرائيلي.
رجل دبلوماسي باقتدار، حكيم ولبق ومطلع ومثقف.
يتحدث إضافة إلى اللغة العربية، كلاً من اللغة الإنجليزية والعبرية بطلاقة.
متزوج ولديه ثلاث أولاد وبنت واحدة.



14
المنبر الحر / في الشرق المرعب
« في: 09:55 08/12/2019  »
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك


في الشرق المرعب

في الشرق، يطبق القهر على حياة البشر. الأوطان أصبحت قهراً يجثم فوق صدور العباد. الحق مقهور، والفرح مقهور. الأعشاب مقهورة وكذلك القبور. وكلما كثر القهر تكبر الأوطان، وقهر بعد قهر تتسع الخيبات، وتتدحرج الأحلام خلف غبار الموت، مثل أشباح صامتة تنوح على جثث بلا عيون.
قهر يتواتر كما أزقة الخراب في مدن الرعب. قهر فاحش. أباطرة فاجرون افترشوا أرائك الحكم ديباجاً وحريراً، ووسائداً من المخمل والريش. ورعية افترشت بساط الشقاء والضنك، وأسندت ظهرها إلى أحجار اليأس والحرمان. رعية وشعوباً فقدت أكثر من ثلاثة أرباع عافيتها، ونزفت أحلامها التي حوّلها الحكام إلى طائرات ورقية يلهون بها مع أطفالهم. شعوب أدركت بعد ثلاثة أرباع القرن من الأمنيات الكبيرة والتطلعات الواسعة أن أحلامها كانت وهماً، وأن كل ما حدث قد جرى رغماً عنها، وأن كل ما يجري الآن وما سوف يكون، سيحدث أمام ناظريها، ولا شيء يحول اللحظة بينها وما يجري تمريره حتى لو استعانت بعمالقة الأساطير ومَرَدَة الخرافات.
في قصور الشرق مجون وفسق وعري، وفي الطرقات نساء نائحات. في ليلهِ تترنّح رؤوس القوم ويعلو ضجيجها، وفي الصباح تُغمد السيوف وتذوب اللغة. شرق فيه أمة قتلت ضميرها، قتلت كل شيء، وباعت كل شيء. حكّام يصولون ويجولون في الميادين مزهوين بالنياشين، يجزون أعناق العباد، لكنهم في حضرة أسيادهم يموؤون كالقطط في العراء.
لا شيء يقطع هذا القهر، لا شيء. ولا يبدو ما يبشّر. العتمة الضبابية تغلق الأفق وتمتص تفاصيل الأشياء. وهدير عربات جنود جيش الاحتلال تعلو في القرى والمدن الفلسطينة. نحيب الأمهات الثكلى في فلسطين وسورية والعراق واليمن وليبيا. عويل الأطفال الذين يتفتّح وجعهم الصامت على العتمة القتيلة والعفن المتكدّس في العواصم. لا شيء يقطع القهر سوى أصوات القهر الخالد في الشرق، وعتمة الزنازين وسواد أقبية السجون والمعتقلات، التي أصبحت أكثر من المدارس والمكتبات والحدائق، في شرق يمتلك القابلية لكل عهر ولكل قبح، سوى العافية.
قهر ينبت شوكاً مراً على أطراف كل لحظة. قهر يُظهر لحظة الهشاشة الثابتة في لوعة المواطن المحكوم بوجود غير محقق وحرية منشودة مرتفعة الثمن، كثيراً مرتفعة. قهر يقطعه صوت الإنسان الحر وابتسامته، ذاك الصعلوك في زمن البؤس. زمن تقارير الأمن وأحذية البوليس، وخنق عفوية البشر. قهر عماده مواطن عربي محتشد بالخوف والرعب من كل شيء، محتقن بالتيه والضياع والأمنيات والتطلعات. مواطن يقف في منتصف الدرب بين ألم اللحظة وأمل صغير لم يُقبل بعد، يحاول استنبات غصناً أخضر لنفسه من ذاك الحطام، يرويه بقلة الحيلة حيناً وبعض التمرد والرجاء أحياناً. مواطن يقهره الجوع والفقر والمرض والحاجة وذل الاستدانة، يقهره الخضوع والخنوع لأنظمة العهر، يقهره ضنك الحياة في العمل وفي الشارع، بل وفي الموت أيضاً.
قهر يقتحمنا بصراخ الصغار يتعلقون باللحم المشرّح لأمهات صُلبن في العواصم. أطفال آخرون يقاومون نيابة عن أمة الخمر والأمر، منهم من لامس أعناق قلوبنا، تمنى ورحل. قهر تأججه دموع صبية سمراء سالت حزناً على حمامات السلام التي ذبحها قاتل الأطفال. وسمراء أخرى كانت تهوى قطاف اللوز، لكن في زمن الذل اغتالتها رصاصة جندي مريض فمضت مثل طيف يراوغ حسرتنا. قهر يتلبّس صوت شاب يغني للوطن في مدينة عربية، بصق أحشاؤه حين نظر في عروبته مرة. قهر فاجر ينتشر مثل الفطر السام، في كل متر واحد في الشرق. لا تخطئه في ملامح فتاة جامعية، وفي خطوات معلمة، وفي ثوب ممرضة، وفي صوت أستاذ جامعي، في وجه الشهداء، في سائق تكسي، في شجر الزيتون، في النخل والزهر.
هذا الزمن ليس لهم. زمن القحط في الشرق. الأرض التي تأكل لحم أبناءها كلما كانوا على موعد مع فجر مُبَشِّر. طيورها تلد الضفادع وغيومها متخشبة تسقط الحشرات من ثناياها. أرض تنبت شوكاً حنظلاً على أطراف كل لحظة. يجوع فيها الصغار، والموت يتجول في شوارعها. أرض ضاقت بقبورها. قهر ينتشر ويتسع ويتفشّى كبقعة زيت فوق بياض الأمة المتشحة بلون الموت. الأمة التي قتلت أبناءها وأغلقت دروب الأعياد، أغلقت كل شيء.
نطوف في ممالك الشرق لا نرى سوى ركام الخشب والتراب، وطين أحمر. سوى أصوات متيبسة، وأمة تائهة ترتعش كشاة مذبوحة، تعوي في البرميل الفارغ كالطرائد الشاردة.
تبدّدت الأوهام، وكذبت الخرافات، وحان وقت الساعة الصفراء. لم يبقى سوى الأنقاض والخراب، هذه هي اللحظة رغم الخديعة والهلاك. كل ما هو أمامنا ليس أوطان، فمن يمسك إبليس العاري في كل العواصم.
ما سر هذا الخواء، وهذه العتمة في الطرقات؟ لم نعد ندري أين انتصبنا وأين انكسرنا، لأن دروبنا سقطت في غيبوبتها. بتنا نفتش عن حزن يشبهنا، وعن جزيرة شمالية لا موت فيها لشاعر تجرأ على السلطان، ولا تُنصب فيها المشانق لأعناق العشاق.
لكن ما زال لنا فوق تراب المشرق عصفورين صغيرين. طفولة بجذور تأبى الرحيل، وأحلاماً عنيدة جعلوها جراحاً تتواتر. فما زل في خطانا سفر، وفي وجعنا وعد.

 نحتاج رؤىً غير كسيحة، وأبجدية ترمم القلوب، وحروفاً لا ترتعش، فوق سطور لا تعرف الكلل. نحتاج غيماً كثيراً، وكثير من الغيث ينهمر خلاصاً قبل الجنون. فأية تفاحة أكلنا لنحصد كل هذا الحرام؟








15
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

محنة العقل العربي بين الاستبداد السياسي وسطوة التراث

مأزق العقل العربي وأزمته، وإشكاليات التراث العميقة مع الفكر العربي، كانا العنوانان الأهم والابرز خلال القرن العشرين، من خلال حوار الفكر ونفسه، وعبر التجاذب والتنافر بين عدة تيارات فكرية تأطرت في اتجاهين رئيسيين، هما السلفية والأصالة في مواجهة المعاصرة والحداثة، والتراث والشيخوخة بمواجهة التجديد والتنوير، ودعاة التعدد والمشاركة والتسامح في وجه الأفكار والسياسات التي تدعو للكراهية والمركزية والإقصاء. تم تلخيص محنة العقل العربي بثنائيات أسست لحالة جدل وسجال لم تنتهي بعد، ودفعت رواد ومفكري ومثقفي هذه التيارات إلى ميدان معركة تسببت-ولا زالت- بشقاء الأمة.
بالرغم من كافة مظاهر الحداثة في العالم العربي، إلا أنها تخفي انحداراً وسقوطاً فكرياً وثقافياً واقتصادياً مرعباً. لأن التقنيات التي يستخدمها المواطن العربي، هي أداه وظيفية منفصلة تماماً عن عقل المستخدم، لذلك هذا التفاعل لم يؤسس لتقدم حقيقي ولا لإبداع ذاتي، وتحول الوطن العربي إلى أقوام مستهلكة لإنتاج الآخر. السؤال الكبير الذي ينبثق هنا والذي طالما نردده، لماذا تقدم الآخرون وتخلف العرب؟
ما زال الفكر العربي الحديث غارق في مستنقع أزمته، بالرغم من المحاولات الجادة البحثية والنقدية والتأصيلية التي قام بها عدد من المفكرين العرب، لعل أبرزهم من وجهة نظري المشروع التحديثي النقدي الذي قاده المفكر المغربي "محمد عابد الجابري"، الذي حاول إعادة الاعتبار والمكانة للعقل العربي بعد أن هيمنت عليه الأيديولوجيات في القرن العشرين.

أزمة العقل النقدي العربي
إن التخلف والتصلب والتثاقل في البنى الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والسياسية في العالم العربي، واللبس والاختلاط الواقع في العديد من المفاهيم أبرزها قضايا بناء الدولة والحريات العامة ومفاهيم المواطنة والديمقراطية والمشاركة في الحكم والتعددية، إضافة إلى سيادة الأنظمة الأبوية والعشائرية بفكر بدائي، والنزعة الاستبدادية الجائرة والقمع والظلم، وغياب النقد وعدم وضوح الرؤى المستقبلية، وعدم وجود مشاريع جيو استراتيجية، وإشكالية الإصلاح والتغيير والتحديث والتنمية المستدامة، جميعها-إضافة إلى عوامل أخرى- أدت إلى فشل مشروع النهوض العربي، وشكلت سداً منيعاً أمام دخول العرب إلى عصر الحداثة والتقدم حتى لو من الأبواب الجانبية.
لا بد من تفكيك الموروث العربي والإسلامي ودراسته وتحليله ثم نقده، وبهذا فقط نستطيع إعادة قراءة هذا التراث بصورة نقدية مختلفة، لا بطريقة استعراضية، لفهم ومعرفة دور هذا الموروث ومكانته في العقل والفكر العربيين.
أستاذ الفلسفة والفكر العربي الإسلامي المفكر المغربي الدكتور "محمد عابد الجابري" قاد مشروع تحليل وتأويل وتفسير التراث الإسلامي لتبيان مقدرته المعرفية في توفير نوافذ الانفتاح على الآخر، وإعادة قراءة وتحديد مفاهيم التاريخ والأيديولوجيا والهوية والاختلاف، وذلك بواسطة الأدوات النقدية للمشروع الغربي، أي قيام المشروع الفكري المغربي المعاصر بقراءة ومقاربة ماضيه وحاضره عبر المذاهب النقدية الغربية.
المؤرخ والروائي المغربي المفكر الدكتور "عبد الله العروي" يعتبر أن المرجعية الفكرية الوحيدة للبلدان غير الغربية هي فقط الفترة الممتدة من عصر النهضة التي انبثقت بإيطاليا في القرن الرابع عشر إلى الثورة الصناعية في أواسط القرن الثامن عشر، ودعا العروي إلى التسليم للفكر في سياقه وصيرورته التاريخية، والإيمان بحقيقة الأحداث التاريخية وتسلسلها. وفصل العروي بين الأصالة والتراث وخصوصية المجتمعات، واعتبر أن الاصالة تتسم بالسكون والثبات، فإن الخصوصية متحركة ومتغيرة على الدوام.
لكن الجابري الذي يختلف مع رؤية العروي، انتقد هذا المفهوم وتعامل مع التراث بصورة تجعله قريباً وتحاور معه لإخراجه بإطار معاصر. وقام بتحديد ثلاث اتجاهات فكرية للمقاربة وهي قضايا الواقع الراهن على المستويات الفكرية والاجتماعية والسياسية، وثانياً التراث، وثالثاً الفكر العالمي المعاصر، ويعتبر الجابري هذه السياقات حقولاً معرفية. وأن جمود العقل في العصر الإسلامي كان نتيجة غياب العقلانية اليونانية التي تعتبر من وجهة نظره العنصر الثالث للعقل العربي، وهو أمر يتعارض مع المقاربة الدينية التي تنظر للعقل البشري على أنه عاجز عن إدراك علوم الغيب، وأن حصول الإنسان على معارف يتدبر بها شؤون الحياة لا تأتي إلا من مصدر وحيد هو الحقيقة العليا.
يميز الجابري في نظام "العرفان" بين الموقف الفردي والفكري الرافض للعالم والذي ينشد العلاقة مع الله، وبين العرفان كفلسفة للخليقة من المهد إلى اللحد. والعرفان كرؤية ميثولوجية رفدت البيان العربي بلا معقول عقلي أدى إلى أن يستقيل العقل العربي. وتساءل في تناول نقد العقل العربي عن إمكانية قيام نهضة بغير ناهض.
في القرنين الخامس والسادس الهجريين سعى عدد من المفكرين الإسلاميين العرفانيون مثل "ابن عربي" إلى تأسيس البيان العربي الإسلامي على العرفان، وبذلك مهدوا الطريق أمام تجميد العقل العربي، وصار المتصوف يهزم الفيلسوف. فيما فعل "ابن رشد" العكس في المغرب حيث بنى البيان على البرهان. وهذا ما نلمسه في الواقع الثقافي العربي الراهن، إذ لا وجود ولا أثر ومكانة للفلسفة، بينما ما زال التصوف الأكثر حضوراً. واقع يؤكد عقلانية ابن رشد وصوفية ابن سينا.

العقل العربي وسؤال الدين
معضلة العقل العربي في علاقته المربكة الملتبسة مع الدين والسياسة التي جثمت فوقه عبر قرون، وابتعاد هذا العقل عن النقد والتحليل والتفكيك، لا زالت أهم المعوقات لقيام مشروع إصلاحي نهضوي تحديثي يمتلك إمكانيات لدفع الأمة نحو التقدم والتطور.
اتسمت العلاقة ما بين العقل العربي والسلطة السياسية بالخشونة والنفور غالباً، لكن هذه القسوة من جانب السلطة السياسية في علاقتها الحذرة مع العقل العربي، لم تصل إلى درجة تعرقل الحركة الفكرية إلا بمقدار قيام الفكر بتوجيه النقد المباشر والواضح للأنظمة السياسية، أو حين -بصورة أقل- يتم توجيه النقد للمؤسسة الدينية بثوبها المتحالف مع السلطة السياسية الحاكمة.
في بداية القرن التاسع عشر بدأ احتكاك العقل العربي بصورة مباشرة مع الفكر والثقافة الغربيتين، لكن حذر الدولة العثمانية من الأفكار القادمة من أوروبا، ونتيجة الريبة التي كانت تبديها تجاه المثقفين العرب -على قلتهم- حيث كانت تجري محاولات تتريك الثقافة والفكر في الأقاليم التابعة للدولة العثمانية، كانا عاملان أعاقا أي تطور للفكر العربي. لكن في النصف الأول من القرن العشرين أمكن للعقل العربي أن يكون حركياً وأن يكون منتجاً، حيث نشطت حركة الترجمة، وتوسعت عمليات التأليف، وظهرت نخبة من المفكرين والمثقفين العرب، اشتغلت بموضوع الأدب والتراث والقومية العربية. ونجحت تجربة "عباس محمود العقاد" وغيره من الرواد في مصر بالبحث والتحليل العقلي وفي تنشيط وتحفيز الأدوات العقلية دون أن يفقد العقل مكانته أمام الدين، ودون أن تُمس قداسة الدين.
الفكر العربي المعاصر أدرك الشرط الموضوعي لعلاقته مع المؤسستين السياسية والدينية، وتمكن من قراءة واقع المرحلة، فكان نقده للخطاب الديني والسياسي متوازن وعقلاني دونما شطط، وهكذا تعايش العقل العربي مع المؤسستين بمناخ ليبرالي استمر لغاية نهاية اربعينيات القرن العشرين. إن العقل الأوروبي الذي أحدث النهضة تحلل من قيد الدين وهدم سلطة الكنيسة، بينما الفكر العربي في تلك المرحلة لم يكن مشككاً، وتعامل مع الفقه باحترام كونه جزء من التكوين الفكري العقلاني العربي.
بعد القرآن الكريم والحديث الشريف، تم اعتماد العقل في الاجتهاد الفقهي، من قبل المؤسسة الدينية التقليدية في فجر الإسلام قبل أن يتم تسييسها. إن العقل العربي حين أقبل على الفلسفة الإغريقية كانت غايته ردم الفجوة الفكرية بين الدين والعقل، وحين احتك بالفكر الأوروبي الحديث كان هدفه هو وصل الجسور بين الدين والعلوم الحديثة. وهكذا فإن مشروع "ابن رشد" الفلسفي كانت غايته إثبات عدم التعارض بين الشريعة والتفكير والتحليل والتأمل. ومشروع "ابن خلدون" كان هدفه تحليل وتفكيك البنية الاجتماعية ومقاربتها.
لكن حين شرع الغرب في بناء مشروعه، كان الاجتهاد الديني في الحالة العربية قد أغلق نوافذه على نفسه وانكفأ بعد خمسة قرون من تطور الحركة الفكرية والتقدم. لقد ظن فكر المؤسسة الدينية أن لا فكر جديد ولا اجتهاد جديد ولا استنباط جديد يمكن لها أن تُقدم عليه بعد اجتهاد السلف والأجداد. توقف الاجتهاد في العقل العربي رافقه تغيرات وتحولات سياسية واجتماعية، جعلت من المؤسسة الدينية التي تم تسييسها تضيق على العقل العربي وتحاصر الفكر وتمنع النقد.
تحالفت السلطتين الدينية والسياسية لقمع العقل العربي، الذي غالباً ما كان يتراجع وينعزل طلباً للسلامة مما أوصله لحالة التصلب والجمود الفكري. وهكذا بينما كان العقل الأوروبي يحقق تطوره ويحطم القيود التي تحول بينه وبين العلوم والمعارف، كان العقل العربي في حالة من الخمول والخوف والتردد، واكتفى بالنقل والنسخ والتقليد والتكرار للموروث ولفكر السف الصالح. كان الفكر العربي منشغلاً في إذكاء روح التنافس بين الفكر ونفسه، وكان العقل العربي غارقاً في شرح وتفسير وتحليل وتفكيك المفكّك والمفسر. أي كان العقل والفكر العربيين يعيدان إنتاج نفسهما دون تحقيق أي تطور ولا تقدم، دون أي تغيير ولا تبديل، دون أي نقد أو اجتهاد. أي كانا يراوحان مكانهما فأصيبا بالوهن والضعف والتصلب.
منذ منتصف القرن العشرين واجه العقل العربي قمع السلطة السياسية الوليدة، وعانى من استبداد الأنظمة العربية التي تحررت حديثاً بعد طي صفحة الاستعمار، حيث سعت هذه السلطات إلى السيطرة على العقل العربي وقولبته، وقامت بصياغة مفاهيم الفكر بعيداً عن شرط تطوره وهو شرط الحرية. لقد نصبت الأنظمة العربية نفسها وصية على العقل العربي وتحكمت بروافد تغذيته. ضيقت عليه وطوعته لإخضاعه وإخضاع الفكر والأفراد لإرادتها ورؤيتها. أحاطته بالأجهزة الأمنية التي تعد له عدد مرات الشهيق، وأرهقته بضنك الحياة والبحث عن لقمة العيش التي تضمن حياة شبه كريمة.
في الألفية الثالثة، عصر الثورة المعلوماتية والجيل الرابع من التقنيات الحديثة، تقوم في المشهد العربي تحالفات بين المؤسستين السياسية والدينية التقليدية ضد العقل العربي، وضد حريته وحقوقه في البحث والتحليل والنقد والمقاربات والإنتاج والإبداع والتواصل مع الآخر. حان الأوان لإزالة كافة القيود المفروضة على العقل والفكر، وعلى المفكرين والمثقفين، وتلك التي تعترض عملية الإنتاج الفكري والإبداع الثقافي، إن أردنا الاستيقاظ من غيبوبتنا التي طالت.

سؤال الحرية
لا يمكن تحليل العقل الإسلامي ونقده دون قراءة وتقييم شامل لكافة مكونات الموروث في الفكر الإسلامي منذ نشأته وتطوره إلى غاية دخول العقل العربي فترة الانحدار التي تواصلت حتى القرن التاسع عشر. لذلك فإن محاولة قراءة وتفكيك وتحليل بنية العقل العربي تحرّض على إثارة أسئلة إشكالية أبرزها سؤال الحرية الذي يُعتبر المكون الأهم في قيام أية نهضة وتقدم. في الحالة العربية ما زال سؤال الحرية معلقاً دون توفر أي من شروطه المرتبطة بالحرية الفكرية واستقلال العقل العربي وتطويره وتحديثه كي يصبح عقلاً نقدياً يواجه الاستبداد واللاعقلانية والايديولوجيات الثابتة.
بالرغم من أن الإسلام قد كرّم العقل ودعا إلى استخدام العقل في القرآن الكريم، إلا أن الفكر الإسلامي بأبعاده ومفاعيله اللاهوتية مكث فوق الوعي الاجتماعي قروناً عديدة أدت إلى تراجع وانحسار دور العقل، فانفصلت الثقافة العربية عن السؤال والنقد.
مع أن علم المنطق والفلسفة قد تطورا في منتصف القرن الثامن الميلادي، واستمر هذا التقدم لغاية القرن الحادي عشر، حيث تميزت تلك الفترة انتعاشاً للفكر العقلاني العربي الذي دخل في مواجهة العقل والفلسفة الاغريقية لأول مرة.
إلا أن الفلسفة بثوبها العربي خسرت رهانها ومعركتها التاريخية في مواجهة الجهل والاستبداد والأفكار الظلامية، فعلت أصوات التكفير بدلاً عن التفكير، وشاعت الأساطير والخزعبلات وانكمشت الحقائق. تم اغتيال حرية التفكير فتوقف كل شيء مكانه وتحجر، وأصيب العقل العربي بالضمور، ثم تراجع الفكر العربي فتراجعت الأمة كاملة. لأن الفلسفة في بنيتها ومكانتها ضد الخنوع والإذعان والأوهام.
إن الحرية باعتبارها أهم وأول شرط لتحقق الذات، هي أبرز مبادئ الديمقراطية بصيغتها المعاصرة، وهي أصل الصراع في أن حرية اختيار الأفراد لنظامهم السياسي والاجتماعي، في أن يكونوا أحراراً أو عبيداً. إن الوصاية على الدين وعلى الفكر الإسلامي لدى بعض المفكرين لضبط الحرية كما هو حاصل في الراهن العربي، هو أمر يتعارض مع استخدام العقل والفكر النقدي، ويعيق النهوض والتطور، إذ لم يكن الدين يوماً يتعارض مع سعي البشر نحو تحقيق الحقوق الوضعية التي تضمن حياة كريمة للناس وترفع عنها المظالم.
لقد فشلت جهود الرواد من عصر النهضة التي بذلت لتأسيس مشروع عربي على أسس حديثة بسبب غياب العقل النقدي. ولم تتمكن النهضة من تشكيل أدواتها العقلية الخاصة، ولا هي قامت بمقاربات موضوعية مبنية على فهم سليم لتجربة العقل الغربي الذي كان قد تجاوز تراثه وتحرر من قيوده. عانى مشروع النهضة من السلطة القمعية التي كانت بمثابة معول يهدم كل بناء في اتجاه حداثي تنويري، ولذلك فإن هذا الفشل إنما يعود إلى أسباب موضوعية أسهمت في تغييب العقل النقدي، لا إلى قصور في بنية الفكر العربي.
كان رواد النهضة ينادون بالحرية ويدعون إلى سلطة العقل، ولذلك ظل سؤال الحرية كسيحاً لأنه لم يتم تحقق شرط استقلالية العقل الذي بقي خاضعاً لسلطة الأيديولوجيا السلفية، وبهذا تم خلع الفاعلية النقدية عن العقل العربي. مع غياب النقد أضاع المشروع النهضوي أحد أهم أسلحته وأدواته التي تمكنه من تحليل ومقاربة الواقع بعلمية، وأن يوظف النقد الذاتي ونقد الآخر، وكذلك النقد الفكري في عملية تحديث وتطوير الوعي الجمعي. لكن الموروث المتخشب بفهمه والمؤطر غيبياً سيطر على العقل الاجتماعي وأنتج ثقافة صوفية تمددت على حساب انحسار حركة العقل، مما أدى إلى زوال هامش الحرية. لهذا تماماً فشل المشروع النهضوي لأنه عجز عن إحداث أي تقدم علمي يدفع للنهوض والتطور، كما أخفق في الانعتاق من السيطرة التامة للموروث الذي فرض سطوته ولا زال. إن كافة الأمم التي حققت الازدهار تمكنت من ذلك بفعل طي صفحة الماضي وتجاوز القيود التي تكبل العقل والفكر.

من تفلسف قد تمنطق
كما قال العالم الفقيه المحدث "ابن الصلاح الشهرزوري" ذات واقعة أن "من تفلسف قد تمنطق، ومن تمنطق فقد تزندق" وأعادها بعده شيخ الإسلام "ابن تيمية" في العصر العباسي حين نشطت حركة ترجمة كتب الفلسفة اليونانية. وأعتقد أن تاريخ الفلسفة وتأويل المصطلح المقترن بالمنطق والفهم الخاطئ قد تسببوا بالربط الذهني لدى البشر بين الفلسفة والكفر والعصيان وبين المنطق والإلحاد، وهو في الحقيقة موروث ثقافي لا صلة له بالمعرفة. ما وقع تاريخياً من جدال وإشكاليات إنما يعود بظني إلى الاختلاط واللبس بين الوحي والوعي والعلاقة بينهما في اتصالهما وانفصالهما. بلا شك أن الوحي قضية سماوية الهية، بينما الوعي شأن وضعي للإنسان فيه حرية الاختيار والقرار، أن ينفصل أو يتصل.
لقد وفدت الفلسفة اليونانية لبلاد العرب والإسلام في عصر خلفاء بني أمية في القرن الأول الهجري، لكنها لم تنتشر لأن السلف كانوا يتحفظون عليها. وسميت علوم الأوائل، أي الفلسفة والمنطق. وفي العصر العباسي نشطت حركة الترجمة وازدهرت، فتم نقل الفلسفة اليونانية للعربية ابتداء من عهد الخليفة المهدي حتى وصلت إلى قمتها في عصر الخليفة المأمون. واعتمد المسلمون الأوائل على فلسفة أرسطو وأفلاطون بصورة خاصة، ثم مزجوها بالعقائد الدينية فتشكل خليط فكري جديد.
من أهم أساب انتشار الفلسفة في تلك الحقبة من التاريخ الإسلامي كانت سعة الأفق الفكري لدى الخلفاء العباسيين الأوائل، وشيوع ثقافة التسامح الديني والانفتاح على غير المسلمين، وهذا أتاح قيام مناظرات حوارية فكرية صقلت وتطورت القدرات العقلية للمسلمين، مما شكل دافعاً مهماً في إسهامهم بالحركة العلمية والفكرية والثقافية التي وصلت ذروتها في ذاك العصر.
لكن هناك تيارات فكرية إسلامية دعت إلى الأخذ فقط بعلوم العرب وإسقاط أي علوم أخرى وما تشتمل عليه من علوم رياضية وطبيعية وفلك وموسيقى وغيرها. الإمام "أبو حامد الغزالي" اتخذ موقفاً وسطياً واعتبر أن ليس كل علوم الأوائل ضارة، فهناك الرياضة وعلم المنطق مثلاً وهما علمان لا يتعارضان مع فلسفة العقيدة الدينية.
كان "الغزالي" كفيلسوف يتمتع بالجرأة والذكاء في مواجهة التيارات الفكرية بعصره، وقام بنقد تطرف بعض الفرق بدافع إخلاصه للإسلام. وقد اتبع في فلسفته منهجاً عقلياً يعتمد الشك والحدس الذهني. ثم تحول من الفلسفة إلى التصوف لكنه لم يهمش العقل في تصوفه، وظل العقل عنده حجة على غلاة الصوفية، فهو يؤمن أنه لا يمكن أن ينكشف للصوفي ما لا يمكن للعقل إدراكه، فالعقل هو المعيار في صدق وحقائق المعارف، أما الغيبيات فلا بد من التسليم بها ولها.
مع ذلك فإن بعض الفرق الإسلامية لم تكن راضية عن دخول أي فكر أو علوم دخيلة على الإسلام، فالعلوم عندهم هي فقط العلوم المتوارثة عن النبي "محمد ﷺ" وباستثناء ذلك فهو ليس علماً، وإنما معرفة لا تستحق التحصيل، بل أنها قد تكون معرفة ضارة تدفع بحاملها إلى الاستهانة بالدين.
إن كان "الغزالي" حاول بعقلانية التصدي لإسراف بعض الفرق المتطرفة في الإسلام التي كانت ترفض مطلقاً الفلسفة اليونانية، حتى أنه لم يستخدم مصطلح منطق كعنوان لأي من مؤلفاته الكثيرة لعدم إثارة حفيظة هذه الفرق، إلا أن المحافظين اعتبروا دراسة الفلسفة ضرباً من الزندقة، وقيل في هذا الشأن أن من تمنطق فقد تزندق. وما زال الموقف الشائع عند أئمة الفقه أن منهج البراهين التي تعود إلى فلسفة "أرسطو" خطراً على الفكر الإسلامي والعقيدة. الفقيه "الشهرزوري" اعتبر أن الفلسفة "سفه وانحلال، ومادة حيرة وضلال، وتثير الزيغ والزندقة" واعتبر المنطق مدخلاً للفلسفة ومدخل الضلال ضلال.

انحسار الفكر الفلسفي
حين تم نقل الفلسفة اليونانية وعلم المنطق على اعتبارهما تمثلان النظرة العقلانية، استخدمتا كأداة في مواجهة التيار الفكري الإسلامي اللا عقلي الذي كان سائداً، ثم انشق العقلانيين على أنفسهم، فخرج منهم فقهاء هاجموا الفلسفة، وتركوا خلفهم المعتزلة وحدهم في الميدان الذين حافظوا على منهج العقل، وبعضهم تحولوا إلى أشاعرة الذين تركوا للإيمان الصرف قسطاً وللعقل قسطاً آخر.
الإشكالية تكمن في انحسار الفلسفة والتيار العقلاني في الفكر العربي الإسلامي وتحجيم دور العقل الذي دخل إلى منطقة مظلمة، وتبدلت الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وضاق العقل كثيراً بحيث أصبح ينظر لكل فكر فلسفي على أنه كفر، ثم انحاز العقل للطوائف والمذاهب منذ القرن الحادي عشر. بعد ذلك توقف التفكير العقلاني وتوقف النقد، وتوقف كل إنتاج فكري وفلسفي جديد، ولم يتجدد أي عنصر من مكونات الفكر العربي والإسلامي، واكتفى الفكر بالنقل الذي توسع واشتد وأصبح ذا سلطة واسعة مؤثرة في بنية الفكر العربي لقرون مديدة، حيث كان الفكر العربي يعيد إنتاج نفسه دون أي تطور وإبداع وتحديث.
يعتبر الدكتور "محمد أركون" صاحب مشروع تجديد الفكر العربي أن الصوفية هي تمرين فردي للتواصل بين المؤمن وخالقه، بصورة مستقلة عن الشعائر والفرائض والعبادات التي تؤديها الجماعة. ويرى أن سلطة العقل لا تعني مطلقاً تجاوز سلطة النص بقدر ماهي قراءة ومقاربة مختلفة في ضوء المعارف والعلوم الحديثة.
إن العلوم لم تكن منفصلة عن الفلسفة عند الإغريق ولا عند العرب في القرون الوسطى، حيث أكد الفيلسوف والطبيب "ابن سينا" على ارتباط الطب بالفلسفة في كتاب "الشفاء" مثلما اعتبر الكيميائي "جابر ابن حيان" الذي وضع الأسس العلمية للكيمياء الحديثة والمعاصرة، أن الكيمياء مرتبطة بالفلسفة. كما أن القرآن الكريم قد شجع وحث على العلم وتحصيل المعرفة. حتى أن المسلمين نمت لديهم مختلف العلوم وازدهرت لدرجة أن الغرب قد بدأ ينقل هذه العلوم عن العرب والمسلمين. لكن هذا الازدهار في الحركة المعرفية العلمية توقف لأسباب ترتبط بالتغيرات السياسية والاجتماعية التي حدثت بداية من القرن الثاني عشر ميلادي، ولا تعود إلى سلطة الضبط والهيمنة اللاهوتية.
وهكذا تراجع البحث العلمي ليخلو الميدان للخطاب التعبوي الأيديولوجي، الذي كلما اشتد وأصبح أقوى كلما تقلصت مكانة العقل والفكر العلمي النقدي في البنية العربية. هذا التراجع أضحى مرعباً في القرنين الأخيرين، حيث اعتمد العرب والمسلمون التصلب الأيديولوجي لمقاومة الحملات الصليبية، ثم ظهرت حركة سلفية إصلاحية في القرن التاسع عشر لكنها فشلت، لأن القطيعة مع العقل العلمي كانت قد ترسخت في الفكر العربي، ثم ظهرت الأيديولوجية القومية في القرن العشرين التي أعاقت في نضالها التحرري كل محاولة لدراسة العلوم التي ظلت ولا زالت الأقل تحليلاً من كافة جوانب التراث الإسلامي.

معركة شقاء
وهكذا استمر العقل العربي مشتتاً بين التراث والحداثة، وفي كل مرة يتم فيها محاولة إعادة قراءة التراث وفق العقل الاستبدادي يتواصل إعادة إنتاج التخلف. ورغم أن العقل العربي قد صدم بالحداثة عبر احتكاكه مع العقل الغربي في القرن التاسع عشر، إلا أن تحديث الفكر العربي ظل حبيس أطر ومفاهيم أيديولوجية، ولم يتجدد بذاته كممارسة نظرية عقلانية، لأن المثقفين العرب الذين رفعوا لواء النهضة لم ينعتقوا من قيد الأيديولوجيا، ولم يتمكنوا من صياغة فكر نقدي لهويتنا ولعلاقتنا مع الآخر. ومكث العقل العربي في صندوق الأنثروبولوجيا مما شكل حائلاً دونه والتجديد والإبداع.
بعض رواد مشروع النهضة العربية وظفوا الدين لصالح السلطة السياسة، والبعض جعل السياسة في خدمة الدين، لذلك فشل هذا المنهج في تحقيق أي إصلاح في البنية الفكرية العربية. وكانت الفلسفة مادية برهانية تقوم على الحجة والأدلة في المغرب العربي، فيما كانت الفلسفة في المشرق مثالية لاهوتية تقوم على التأمل.
نظريات ومذاهب وأفكار وفدت على المنطقة العربية من كل صوب وحدب، عبر روافد متعددة ومتنوعة ومتشابكة، دون أي تأصيل ومن غير تهيئة البيئة العربية لهذه النظريات، ولا الاشتغال على الفكر وتعديله ليكون متوافقاً مع الحالة العربية. مثل النظرية الماركسية التي نقلها اليساريون العرب، فكانت محنة العقل اليساري العربي حالة من الفصام الفكري، حيث تجد يساريين وأحزاباً يسارية لكن من دون فكر ماركسي.
العقل العربي تجاذبته المفاهيم والنظريات والأفكار المعاصرة منها والموروثة، وعانى من السلطة الدينية المتشددة، ومن الاستبداد السياسي، ومورس عليه التهميش والتضييق والإلغاء والقولبة والقهر والاعتقال بل والقتل. تمت مصادرة حقوقه في التفكير الحر المستقل وفي التحليل والنقد والإنتاج دون قيد.
إننا نحتاج عقل جديد ورؤية أخرى وقراءة هادئة ومقاربة مختلفة لتاريخنا العربي والإسلامي ولتراثنا الثري. العقل العربي يحتاج أدوات مغايرة للبحث والتحليل والدراسة. إن العقل العربي ليس عقلاً قاصراً ولا فاشلاً ولا عاجزاً بل يحتاج إلى معلمين وملهمين ونماذج متميزة عما هو سائد. ولا يحتاج العقل العربي إلى مزيد من الكراهية والطائفية والمذهبية والعرقية التي فتكت به.



مراجع:
-محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ط1، 1988.
-عبد الرحمن بدوي، التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، دراسات لكبار المستشرقين، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة ط1، 1940.
- محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، بيروت، مركز الانماء القومي، ط1، 1986.
-عبد الإله بلقزيز، التفكير في التكفير. نحو استراتيجيّة مواجهةٍ ثقافية، مجلة المستقبل العربي العدد 433 في آذار/ مارس 2015.


16
أدب / نئد قرينة النهار
« في: 12:32 31/10/2019  »
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك


نئد قرينة النهار

1
لا يقوى ريش القلوب
على أرجوحة الانكسار
قد مللنا السقوط
بين أشواط الريح
أضعنا ملامح الأجنحة
محموم دربنا بالحزن
وعلى أطراف بساتيننا النائية
يذبل ورد الصباح
أمهِلونا بيدراً
بين الرمل والريح
فقط أعطونا
ملاذاً للاندحار



2
يستل الجرح المدية
من عمق النداء
يقطع صوت الألم
الهزيع الأول
من مسافة الصراخ
قد يشبه الوجد
صمت المكلوم
أو صِياحه
قد تتربص المرايا
بالذئاب
وتتحجر أجنحة السكون
لكننا
في سعي الصبح
الذي لا يهدأ
نرتشف كل ليلة
كأس الضوء وننام



3
يزاحم القمح صفرة الشحوب
إذ ما نضج الوعد
وتشظّت أورق الأفق
يتقاطر حزن الغرباء
في البيادر الشمالية
نقف فوق الأرصفة المهجورة
ونهوي
مثل دموع الحقائب
فوق ضجيج المناديل
تتوالد المراكب
والرحيل حريق
يغتال سَكينة المكان
والوقت يمتشق ظلالنا
ثم يموت



4
بلا عقارب
يسير الوقت المرتعش
فوق وجه الغبار
قوافل الريح
تعانق القناديل الحزينة
في فوضى الوصول
تسقط قامة الضوء
يستنهض الفراش
ألوان التحليق
لكن الشقاء الكامن
بين ركام الجسر
يتوالد حجارة صمّاء
تطوف حولها
دروب التعرج
ما زلنا في حيرتنا
نئد قرينة النهار





17
أدب / نستنهض ريح الخلاص
« في: 17:25 22/10/2019  »
حسن العاصي
باحث وكاتب فلسطيني مقيم في الدنمارك


نستنهض ريح الخلاص


1
مبتورة ساقية الندى
الماء يحتجب
خلف النافورة المنكسرة
والجرار فارغة
فمن يرأب شرخ الشمس
وظمأ المروج
اشربْ إن شئت
ناصية الدرب
لا تتعجل السفر
وانتظرْ
أن يلتحف الغيم
في عريه
سخاء الماء


2
تنسل طيور التراب
من فرار الأرض
تبحث عن سكنْ
في الجبل العريض
عن كهف عصي
على ريح العصف
مفتاح الرحلة
متخم بالصدأ
وأفاع الليل
تخاتل أكمام العتمة
لا تلتفتْ
حاذر من الدرب الهش
ومن خداع الوقت
أوقدْ حصاد المُنى
حين تَرى الهديل
مصلوب
في عقارب الرؤيا


3
يلقي الوسن ضفائره
على أكتاف المساء
يغفو ليل الصغار
يفرد رجلاه
فوق فراش الجدّات
في المروج النائية
تعوي ذئاب الغابة
جوعاً
والحكاية لم تزل
كما هي
تستحضر من الوهن
عزم الوعود
ومازال الراوي
في عمق قاع السراب


4
تتعب الأحلام من أجنحتها
تكف عن التحليق
تعدو
وضوء الدروب خطاها
تنكفئ على وجهها
يعمّ السواد
فراغ أجوف حزين
تتمعّن مرايا النور
بأخاديد الشدّة
تولد من رحم الاحتراق
لحظة شروع
في مستهل التَوَجُّس


5
يحتسي الليل
حكايا السحر
من طاس الخرافة
بخُّور العتمة
يملئ رئة الليل
يشقّ الفراغ
ما تيسر من كوة للشهيق
ملعونة تلك الجرار
حد الزيف
تحت أقدام الغابة
يشرب الملح البحر
تتناثر أشلاء الليل
دهشة
وتنفرج أسارير التراب
لا زلنا نخطو
فوق المجامر
نستنهض ريح الخلاص









18
أدب / خلف النوافذ المنسية
« في: 17:23 08/10/2019  »



خلف النوافذ المنسية

حسن العاصي



1
قبل أن تدنو غابة الغرباء
بما فيه أطراف القصيدة
يحمل المسافرين جدران المنفى
يهرولون مثل مهور البراري
في سهول المحال
لا يلتفت لهم مدى
وقرب سعف الحزن الشهي
يترجلون
عن زمام الأحلام


2
لا مساحة للعربة ولا دروب
تتبعثر أرجوحة الوقت
ركّاب الحقول أطياف هاربة
تغفو على أكف النهر
الشمس البكر
وتموت آخر البذور العقيمة
قبل أن يلامس الموسم
ثوب النهار


3
منذ موت الغيم
لم يلامس الماء
عروق التراب
ينتصب رخام الموت
فوق قيظ القوم
الصغار أهلكهم الظمأ
ماتت جذوة النار
والعصافير نفقت فوق العوسج
صرخت النسوة
لا يضر الميت ألم
انطفأت قناديل القرية
قد حنث الليل
بالقسم القديم
منذ أن توسّدت الوعود
ظل الرؤى العقيمة
انكسر الفجر
تلاشى صوت الرجال
وهم يغادرون
خلف السواد


4
في البحر القريب
سكنتْ غابة الصفصاف
غثاء الموج
يعبث بضفاف الأغصان
منذ كان البستان طفلاً
يلهو
مثل حصان من خشب
ويغفو قليلاً كالصغار
فوق جسر المتعبين
كان المطر يعبر حافياً
مثل الريح الباردة
مازال الأفق المحتار
ينادي الجهات
ومازالت الأشجار
تزقزق للعصافير


5
نادته
من خلف ستارة الانكسار
خُذْ نصيبك
من سرو الملامح
قال
سأظل لك شيئاً
من وعد كامن
قالت
لا تزال في انتظاري
أحزان الغروب
قال لها بحسرة
يبتر الرحيل سهم الخطى
إن كان القوس مسافة غياب
وهي تبكي تمتمت
ما كان للصبح
ذاك الضوء الرمادي
ما زالت خلف النوافذ المنسية
تنتظره..



6
سجينٌ هذا الليل
لا شبيه لسواده
في قفص آخر
فيه عناقيد الضياء
بغير دالية
وريش المغيب سقط
من جناح الأصيل
يستدير خيل المراكب الغرقى
ليعود طحلباً أسود
يلملم سور الليل
عند نهاية الضوء
إشراقة زهر
..
ـ في هذا الليل
تضيق مسافة الحديقة
على نكهة البنفسج

19
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك


محنة العقل العربي بين الاستبداد السياسي وسطوة التراث

مأزق العقل العربي وأزمته، وإشكاليات التراث العميقة مع الفكر العربي، كانا العنوانان الأهم والابرز خلال القرن العشرين، من خلال حوار الفكر ونفسه، وعبر التجاذب والتنافر بين عدة تيارات فكرية تأطرت في اتجاهين رئيسيين، هما السلفية والأصالة في مواجهة المعاصرة والحداثة، والتراث والشيخوخة بمواجهة التجديد والتنوير، ودعاة التعدد والمشاركة والتسامح في وجه الأفكار والسياسات التي تدعو للكراهية والمركزية والإقصاء. تم تلخيص محنة العقل العربي بثنائيات أسست لحالة جدل وسجال لم تنتهي بعد، ودفعت رواد ومفكري ومثقفي هذه التيارات إلى ميدان معركة تسببت-ولا زالت- بشقاء الأمة.
بالرغم من كافة مظاهر الحداثة في العالم العربي، إلا أنها تخفي انحداراً وسقوطاً فكرياً وثقافياً واقتصادياً مرعباً. لأن التقنيات التي يستخدمها المواطن العربي، هي أداه وظيفية منفصلة تماماً عن عقل المستخدم، لذلك هذا التفاعل لم يؤسس لتقدم حقيقي ولا لإبداع ذاتي، وتحول الوطن العربي إلى أقوام مستهلكة لإنتاج الآخر. السؤال الكبير الذي ينبثق هنا والذي طالما نردده، لماذا تقدم الآخرون وتخلف العرب؟
ما زال الفكر العربي الحديث غارق في مستنقع أزمته، بالرغم من المحاولات الجادة البحثية والنقدية والتأصيلية التي قام بها عدد من المفكرين العرب، لعل أبرزهم من وجهة نظري المشروع التحديثي النقدي الذي قاده المفكر المغربي "محمد عابد الجابري"، الذي حاول إعادة الاعتبار والمكانة للعقل العربي بعد أن هيمنت عليه الأيديولوجيات في القرن العشرين.

أزمة العقل النقدي العربي
إن التخلف والتصلب والتثاقل في البنى الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والسياسية في العالم العربي، واللبس والاختلاط الواقع في العديد من المفاهيم أبرزها قضايا بناء الدولة والحريات العامة ومفاهيم المواطنة والديمقراطية والمشاركة في الحكم والتعددية، إضافة إلى سيادة الأنظمة الأبوية والعشائرية بفكر بدائي، والنزعة الاستبدادية الجائرة والقمع والظلم، وغياب النقد وعدم وضوح الرؤى المستقبلية، وعدم وجود مشاريع جيو استراتيجية، وإشكالية الإصلاح والتغيير والتحديث والتنمية المستدامة، جميعها-إضافة إلى عوامل أخرى- أدت إلى فشل مشروع النهوض العربي، وشكلت سداً منيعاً أمام دخول العرب إلى عصر الحداثة والتقدم حتى لو من الأبواب الجانبية.
لا بد من تفكيك الموروث العربي والإسلامي ودراسته وتحليله ثم نقده، وبهذا فقط نستطيع إعادة قراءة هذا التراث بصورة نقدية مختلفة، لا بطريقة استعراضية، لفهم ومعرفة دور هذا الموروث ومكانته في العقل والفكر العربيين.
أستاذ الفلسفة والفكر العربي الإسلامي المفكر المغربي الدكتور "محمد عابد الجابري" قاد مشروع تحليل وتأويل وتفسير التراث الإسلامي لتبيان مقدرته المعرفية في توفير نوافذ الانفتاح على الآخر، وإعادة قراءة وتحديد مفاهيم التاريخ والأيديولوجيا والهوية والاختلاف، وذلك بواسطة الأدوات النقدية للمشروع الغربي، أي قيام المشروع الفكري المغربي المعاصر بقراءة ومقاربة ماضيه وحاضره عبر المذاهب النقدية الغربية.
المؤرخ والروائي المغربي المفكر الدكتور "عبد الله العروي" يعتبر أن المرجعية الفكرية الوحيدة للبلدان غير الغربية هي فقط الفترة الممتدة من عصر النهضة التي انبثقت بإيطاليا في القرن الرابع عشر إلى الثورة الصناعية في أواسط القرن الثامن عشر، ودعا العروي إلى التسليم للفكر في سياقه وصيرورته التاريخية، والإيمان بحقيقة الأحداث التاريخية وتسلسلها. وفصل العروي بين الأصالة والتراث وخصوصية المجتمعات، واعتبر أن الاصالة تتسم بالسكون والثبات، فإن الخصوصية متحركة ومتغيرة على الدوام.
لكن الجابري الذي يختلف مع رؤية العروي، انتقد هذا المفهوم وتعامل مع التراث بصورة تجعله قريباً وتحاور معه لإخراجه بإطار معاصر. وقام بتحديد ثلاث اتجاهات فكرية للمقاربة وهي قضايا الواقع الراهن على المستويات الفكرية والاجتماعية والسياسية، وثانياً التراث، وثالثاً الفكر العالمي المعاصر، ويعتبر الجابري هذه السياقات حقولاً معرفية. وأن جمود العقل في العصر الإسلامي كان نتيجة غياب العقلانية اليونانية التي تعتبر من وجهة نظره العنصر الثالث للعقل العربي، وهو أمر يتعارض مع المقاربة الدينية التي تنظر للعقل البشري على أنه عاجز عن إدراك علوم الغيب، وأن حصول الإنسان على معارف يتدبر بها شؤون الحياة لا تأتي إلا من مصدر وحيد هو الحقيقة العليا.
يميز الجابري في نظام "العرفان" بين الموقف الفردي والفكري الرافض للعالم والذي ينشد العلاقة مع الله، وبين العرفان كفلسفة للخليقة من المهد إلى اللحد. والعرفان كرؤية ميثولوجية رفدت البيان العربي بلا معقول عقلي أدى إلى أن يستقيل العقل العربي. وتساءل في تناول نقد العقل العربي عن إمكانية قيام نهضة بغير ناهض.
في القرنين الخامس والسادس الهجريين سعى عدد من المفكرين الإسلاميين العرفانيون مثل "ابن عربي" إلى تأسيس البيان العربي الإسلامي على العرفان، وبذلك مهدوا الطريق أمام تجميد العقل العربي، وصار المتصوف يهزم الفيلسوف. فيما فعل "ابن رشد" العكس في المغرب حيث بنى البيان على البرهان. وهذا ما نلمسه في الواقع الثقافي العربي الراهن، إذ لا وجود ولا أثر ومكانة للفلسفة، بينما ما زال التصوف الأكثر حضوراً. واقع يؤكد عقلانية ابن رشد وصوفية ابن سينا.

العقل العربي وسؤال الدين
معضلة العقل العربي في علاقته المربكة الملتبسة مع الدين والسياسة التي جثمت فوقه عبر قرون، وابتعاد هذا العقل عن النقد والتحليل والتفكيك، لا زالت أهم المعوقات لقيام مشروع إصلاحي نهضوي تحديثي يمتلك إمكانيات لدفع الأمة نحو التقدم والتطور.
اتسمت العلاقة ما بين العقل العربي والسلطة السياسية بالخشونة والنفور غالباً، لكن هذه القسوة من جانب السلطة السياسية في علاقتها الحذرة مع العقل العربي، لم تصل إلى درجة تعرقل الحركة الفكرية إلا بمقدار قيام الفكر بتوجيه النقد المباشر والواضح للأنظمة السياسية، أو حين -بصورة أقل- يتم توجيه النقد للمؤسسة الدينية بثوبها المتحالف مع السلطة السياسية الحاكمة.
في بداية القرن التاسع عشر بدأ احتكاك العقل العربي بصورة مباشرة مع الفكر والثقافة الغربيتين، لكن حذر الدولة العثمانية من الأفكار القادمة من أوروبا، ونتيجة الريبة التي كانت تبديها تجاه المثقفين العرب -على قلتهم- حيث كانت تجري محاولات تتريك الثقافة والفكر في الأقاليم التابعة للدولة العثمانية، كانا عاملان أعاقا أي تطور للفكر العربي. لكن في النصف الأول من القرن العشرين أمكن للعقل العربي أن يكون حركياً وأن يكون منتجاً، حيث نشطت حركة الترجمة، وتوسعت عمليات التأليف، وظهرت نخبة من المفكرين والمثقفين العرب، اشتغلت بموضوع الأدب والتراث والقومية العربية. ونجحت تجربة "عباس محمود العقاد" وغيره من الرواد في مصر بالبحث والتحليل العقلي وفي تنشيط وتحفيز الأدوات العقلية دون أن يفقد العقل مكانته أمام الدين، ودون أن تُمس قداسة الدين.
الفكر العربي المعاصر أدرك الشرط الموضوعي لعلاقته مع المؤسستين السياسية والدينية، وتمكن من قراءة واقع المرحلة، فكان نقده للخطاب الديني والسياسي متوازن وعقلاني دونما شطط، وهكذا تعايش العقل العربي مع المؤسستين بمناخ ليبرالي استمر لغاية نهاية اربعينيات القرن العشرين. إن العقل الأوروبي الذي أحدث النهضة تحلل من قيد الدين وهدم سلطة الكنيسة، بينما الفكر العربي في تلك المرحلة لم يكن مشككاً، وتعامل مع الفقه باحترام كونه جزء من التكوين الفكري العقلاني العربي.
بعد القرآن الكريم والحديث الشريف، تم اعتماد العقل في الاجتهاد الفقهي، من قبل المؤسسة الدينية التقليدية في فجر الإسلام قبل أن يتم تسييسها. إن العقل العربي حين أقبل على الفلسفة الإغريقية كانت غايته ردم الفجوة الفكرية بين الدين والعقل، وحين احتك بالفكر الأوروبي الحديث كان هدفه هو وصل الجسور بين الدين والعلوم الحديثة. وهكذا فإن مشروع "ابن رشد" الفلسفي كانت غايته إثبات عدم التعارض بين الشريعة والتفكير والتحليل والتأمل. ومشروع "ابن خلدون" كان هدفه تحليل وتفكيك البنية الاجتماعية ومقاربتها.
لكن حين شرع الغرب في بناء مشروعه، كان الاجتهاد الديني في الحالة العربية قد أغلق نوافذه على نفسه وانكفأ بعد خمسة قرون من تطور الحركة الفكرية والتقدم. لقد ظن فكر المؤسسة الدينية أن لا فكر جديد ولا اجتهاد جديد ولا استنباط جديد يمكن لها أن تُقدم عليه بعد اجتهاد السلف والأجداد. توقف الاجتهاد في العقل العربي رافقه تغيرات وتحولات سياسية واجتماعية، جعلت من المؤسسة الدينية التي تم تسييسها تضيق على العقل العربي وتحاصر الفكر وتمنع النقد.
تحالفت السلطتين الدينية والسياسية لقمع العقل العربي، الذي غالباً ما كان يتراجع وينعزل طلباً للسلامة مما أوصله لحالة التصلب والجمود الفكري. وهكذا بينما كان العقل الأوروبي يحقق تطوره ويحطم القيود التي تحول بينه وبين العلوم والمعارف، كان العقل العربي في حالة من الخمول والخوف والتردد، واكتفى بالنقل والنسخ والتقليد والتكرار للموروث ولفكر السف الصالح. كان الفكر العربي منشغلاً في إذكاء روح التنافس بين الفكر ونفسه، وكان العقل العربي غارقاً في شرح وتفسير وتحليل وتفكيك المفكّك والمفسر. أي كان العقل والفكر العربيين يعيدان إنتاج نفسهما دون تحقيق أي تطور ولا تقدم، دون أي تغيير ولا تبديل، دون أي نقد أو اجتهاد. أي كانا يراوحان مكانهما فأصيبا بالوهن والضعف والتصلب.
منذ منتصف القرن العشرين واجه العقل العربي قمع السلطة السياسية الوليدة، وعانى من استبداد الأنظمة العربية التي تحررت حديثاً بعد طي صفحة الاستعمار، حيث سعت هذه السلطات إلى السيطرة على العقل العربي وقولبته، وقامت بصياغة مفاهيم الفكر بعيداً عن شرط تطوره وهو شرط الحرية. لقد نصبت الأنظمة العربية نفسها وصية على العقل العربي وتحكمت بروافد تغذيته. ضيقت عليه وطوعته لإخضاعه وإخضاع الفكر والأفراد لإرادتها ورؤيتها. أحاطته بالأجهزة الأمنية التي تعد له عدد مرات الشهيق، وأرهقته بضنك الحياة والبحث عن لقمة العيش التي تضمن حياة شبه كريمة.
في الألفية الثالثة، عصر الثورة المعلوماتية والجيل الرابع من التقنيات الحديثة، تقوم في المشهد العربي تحالفات بين المؤسستين السياسية والدينية التقليدية ضد العقل العربي، وضد حريته وحقوقه في البحث والتحليل والنقد والمقاربات والإنتاج والإبداع والتواصل مع الآخر. حان الأوان لإزالة كافة القيود المفروضة على العقل والفكر، وعلى المفكرين والمثقفين، وتلك التي تعترض عملية الإنتاج الفكري والإبداع الثقافي، إن أردنا الاستيقاظ من غيبوبتنا التي طالت.

سؤال الحرية
لا يمكن تحليل العقل الإسلامي ونقده دون قراءة وتقييم شامل لكافة مكونات الموروث في الفكر الإسلامي منذ نشأته وتطوره إلى غاية دخول العقل العربي فترة الانحدار التي تواصلت حتى القرن التاسع عشر. لذلك فإن محاولة قراءة وتفكيك وتحليل بنية العقل العربي تحرّض على إثارة أسئلة إشكالية أبرزها سؤال الحرية الذي يُعتبر المكون الأهم في قيام أية نهضة وتقدم. في الحالة العربية ما زال سؤال الحرية معلقاً دون توفر أي من شروطه المرتبطة بالحرية الفكرية واستقلال العقل العربي وتطويره وتحديثه كي يصبح عقلاً نقدياً يواجه الاستبداد واللاعقلانية والايديولوجيات الثابتة.
بالرغم من أن الإسلام قد كرّم العقل ودعا إلى استخدام العقل في القرآن الكريم، إلا أن الفكر الإسلامي بأبعاده ومفاعيله اللاهوتية مكث فوق الوعي الاجتماعي قروناً عديدة أدت إلى تراجع وانحسار دور العقل، فانفصلت الثقافة العربية عن السؤال والنقد.
مع أن علم المنطق والفلسفة قد تطورا في منتصف القرن الثامن الميلادي، واستمر هذا التقدم لغاية القرن الحادي عشر، حيث تميزت تلك الفترة انتعاشاً للفكر العقلاني العربي الذي دخل في مواجهة العقل والفلسفة الاغريقية لأول مرة.
إلا أن الفلسفة بثوبها العربي خسرت رهانها ومعركتها التاريخية في مواجهة الجهل والاستبداد والأفكار الظلامية، فعلت أصوات التكفير بدلاً عن التفكير، وشاعت الأساطير والخزعبلات وانكمشت الحقائق. تم اغتيال حرية التفكير فتوقف كل شيء مكانه وتحجر، وأصيب العقل العربي بالضمور، ثم تراجع الفكر العربي فتراجعت الأمة كاملة. لأن الفلسفة في بنيتها ومكانتها ضد الخنوع والإذعان والأوهام.
إن الحرية باعتبارها أهم وأول شرط لتحقق الذات، هي أبرز مبادئ الديمقراطية بصيغتها المعاصرة، وهي أصل الصراع في أن حرية اختيار الأفراد لنظامهم السياسي والاجتماعي، في أن يكونوا أحراراً أو عبيداً. إن الوصاية على الدين وعلى الفكر الإسلامي لدى بعض المفكرين لضبط الحرية كما هو حاصل في الراهن العربي، هو أمر يتعارض مع استخدام العقل والفكر النقدي، ويعيق النهوض والتطور، إذ لم يكن الدين يوماً يتعارض مع سعي البشر نحو تحقيق الحقوق الوضعية التي تضمن حياة كريمة للناس وترفع عنها المظالم.
لقد فشلت جهود الرواد من عصر النهضة التي بذلت لتأسيس مشروع عربي على أسس حديثة بسبب غياب العقل النقدي. ولم تتمكن النهضة من تشكيل أدواتها العقلية الخاصة، ولا هي قامت بمقاربات موضوعية مبنية على فهم سليم لتجربة العقل الغربي الذي كان قد تجاوز تراثه وتحرر من قيوده. عانى مشروع النهضة من السلطة القمعية التي كانت بمثابة معول يهدم كل بناء في اتجاه حداثي تنويري، ولذلك فإن هذا الفشل إنما يعود إلى أسباب موضوعية أسهمت في تغييب العقل النقدي، لا إلى قصور في بنية الفكر العربي.
كان رواد النهضة ينادون بالحرية ويدعون إلى سلطة العقل، ولذلك ظل سؤال الحرية كسيحاً لأنه لم يتم تحقق شرط استقلالية العقل الذي بقي خاضعاً لسلطة الأيديولوجيا السلفية، وبهذا تم خلع الفاعلية النقدية عن العقل العربي. مع غياب النقد أضاع المشروع النهضوي أحد أهم أسلحته وأدواته التي تمكنه من تحليل ومقاربة الواقع بعلمية، وأن يوظف النقد الذاتي ونقد الآخر، وكذلك النقد الفكري في عملية تحديث وتطوير الوعي الجمعي. لكن الموروث المتخشب بفهمه والمؤطر غيبياً سيطر على العقل الاجتماعي وأنتج ثقافة صوفية تمددت على حساب انحسار حركة العقل، مما أدى إلى زوال هامش الحرية. لهذا تماماً فشل المشروع النهضوي لأنه عجز عن إحداث أي تقدم علمي يدفع للنهوض والتطور، كما أخفق في الانعتاق من السيطرة التامة للموروث الذي فرض سطوته ولا زال. إن كافة الأمم التي حققت الازدهار تمكنت من ذلك بفعل طي صفحة الماضي وتجاوز القيود التي تكبل العقل والفكر.

من تفلسف قد تمنطق
كما قال العالم الفقيه المحدث "ابن الصلاح الشهرزوري" ذات واقعة أن "من تفلسف قد تمنطق، ومن تمنطق فقد تزندق" وأعادها بعده شيخ الإسلام "ابن تيمية" في العصر العباسي حين نشطت حركة ترجمة كتب الفلسفة اليونانية. وأعتقد أن تاريخ الفلسفة وتأويل المصطلح المقترن بالمنطق والفهم الخاطئ قد تسببوا بالربط الذهني لدى البشر بين الفلسفة والكفر والعصيان وبين المنطق والإلحاد، وهو في الحقيقة موروث ثقافي لا صلة له بالمعرفة. ما وقع تاريخياً من جدال وإشكاليات إنما يعود بظني إلى الاختلاط واللبس بين الوحي والوعي والعلاقة بينهما في اتصالهما وانفصالهما. بلا شك أن الوحي قضية سماوية الهية، بينما الوعي شأن وضعي للإنسان فيه حرية الاختيار والقرار، أن ينفصل أو يتصل.
لقد وفدت الفلسفة اليونانية لبلاد العرب والإسلام في عصر خلفاء بني أمية في القرن الأول الهجري، لكنها لم تنتشر لأن السلف كانوا يتحفظون عليها. وسميت علوم الأوائل، أي الفلسفة والمنطق. وفي العصر العباسي نشطت حركة الترجمة وازدهرت، فتم نقل الفلسفة اليونانية للعربية ابتداء من عهد الخليفة المهدي حتى وصلت إلى قمتها في عصر الخليفة المأمون. واعتمد المسلمون الأوائل على فلسفة أرسطو وأفلاطون بصورة خاصة، ثم مزجوها بالعقائد الدينية فتشكل خليط فكري جديد.
من أهم أساب انتشار الفلسفة في تلك الحقبة من التاريخ الإسلامي كانت سعة الأفق الفكري لدى الخلفاء العباسيين الأوائل، وشيوع ثقافة التسامح الديني والانفتاح على غير المسلمين، وهذا أتاح قيام مناظرات حوارية فكرية صقلت وتطورت القدرات العقلية للمسلمين، مما شكل دافعاً مهماً في إسهامهم بالحركة العلمية والفكرية والثقافية التي وصلت ذروتها في ذاك العصر.
لكن هناك تيارات فكرية إسلامية دعت إلى الأخذ فقط بعلوم العرب وإسقاط أي علوم أخرى وما تشتمل عليه من علوم رياضية وطبيعية وفلك وموسيقى وغيرها. الإمام "أبو حامد الغزالي" اتخذ موقفاً وسطياً واعتبر أن ليس كل علوم الأوائل ضارة، فهناك الرياضة وعلم المنطق مثلاً وهما علمان لا يتعارضان مع فلسفة العقيدة الدينية.
كان "الغزالي" كفيلسوف يتمتع بالجرأة والذكاء في مواجهة التيارات الفكرية بعصره، وقام بنقد تطرف بعض الفرق بدافع إخلاصه للإسلام. وقد اتبع في فلسفته منهجاً عقلياً يعتمد الشك والحدس الذهني. ثم تحول من الفلسفة إلى التصوف لكنه لم يهمش العقل في تصوفه، وظل العقل عنده حجة على غلاة الصوفية، فهو يؤمن أنه لا يمكن أن ينكشف للصوفي ما لا يمكن للعقل إدراكه، فالعقل هو المعيار في صدق وحقائق المعارف، أما الغيبيات فلا بد من التسليم بها ولها.
مع ذلك فإن بعض الفرق الإسلامية لم تكن راضية عن دخول أي فكر أو علوم دخيلة على الإسلام، فالعلوم عندهم هي فقط العلوم المتوارثة عن النبي "محمد ﷺ" وباستثناء ذلك فهو ليس علماً، وإنما معرفة لا تستحق التحصيل، بل أنها قد تكون معرفة ضارة تدفع بحاملها إلى الاستهانة بالدين.
إن كان "الغزالي" حاول بعقلانية التصدي لإسراف بعض الفرق المتطرفة في الإسلام التي كانت ترفض مطلقاً الفلسفة اليونانية، حتى أنه لم يستخدم مصطلح منطق كعنوان لأي من مؤلفاته الكثيرة لعدم إثارة حفيظة هذه الفرق، إلا أن المحافظين اعتبروا دراسة الفلسفة ضرباً من الزندقة، وقيل في هذا الشأن أن من تمنطق فقد تزندق. وما زال الموقف الشائع عند أئمة الفقه أن منهج البراهين التي تعود إلى فلسفة "أرسطو" خطراً على الفكر الإسلامي والعقيدة. الفقيه "الشهرزوري" اعتبر أن الفلسفة "سفه وانحلال، ومادة حيرة وضلال، وتثير الزيغ والزندقة" واعتبر المنطق مدخلاً للفلسفة ومدخل الضلال ضلال.

انحسار الفكر الفلسفي
حين تم نقل الفلسفة اليونانية وعلم المنطق على اعتبارهما تمثلان النظرة العقلانية، استخدمتا كأداة في مواجهة التيار الفكري الإسلامي اللا عقلي الذي كان سائداً، ثم انشق العقلانيين على أنفسهم، فخرج منهم فقهاء هاجموا الفلسفة، وتركوا خلفهم المعتزلة وحدهم في الميدان الذين حافظوا على منهج العقل، وبعضهم تحولوا إلى أشاعرة الذين تركوا للإيمان الصرف قسطاً وللعقل قسطاً آخر.
الإشكالية تكمن في انحسار الفلسفة والتيار العقلاني في الفكر العربي الإسلامي وتحجيم دور العقل الذي دخل إلى منطقة مظلمة، وتبدلت الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وضاق العقل كثيراً بحيث أصبح ينظر لكل فكر فلسفي على أنه كفر، ثم انحاز العقل للطوائف والمذاهب منذ القرن الحادي عشر. بعد ذلك توقف التفكير العقلاني وتوقف النقد، وتوقف كل إنتاج فكري وفلسفي جديد، ولم يتجدد أي عنصر من مكونات الفكر العربي والإسلامي، واكتفى الفكر بالنقل الذي توسع واشتد وأصبح ذا سلطة واسعة مؤثرة في بنية الفكر العربي لقرون مديدة، حيث كان الفكر العربي يعيد إنتاج نفسه دون أي تطور وإبداع وتحديث.
يعتبر الدكتور "محمد أركون" صاحب مشروع تجديد الفكر العربي أن الصوفية هي تمرين فردي للتواصل بين المؤمن وخالقه، بصورة مستقلة عن الشعائر والفرائض والعبادات التي تؤديها الجماعة. ويرى أن سلطة العقل لا تعني مطلقاً تجاوز سلطة النص بقدر ماهي قراءة ومقاربة مختلفة في ضوء المعارف والعلوم الحديثة.
إن العلوم لم تكن منفصلة عن الفلسفة عند الإغريق ولا عند العرب في القرون الوسطى، حيث أكد الفيلسوف والطبيب "ابن سينا" على ارتباط الطب بالفلسفة في كتاب "الشفاء" مثلما اعتبر الكيميائي "جابر ابن حيان" الذي وضع الأسس العلمية للكيمياء الحديثة والمعاصرة، أن الكيمياء مرتبطة بالفلسفة. كما أن القرآن الكريم قد شجع وحث على العلم وتحصيل المعرفة. حتى أن المسلمين نمت لديهم مختلف العلوم وازدهرت لدرجة أن الغرب قد بدأ ينقل هذه العلوم عن العرب والمسلمين. لكن هذا الازدهار في الحركة المعرفية العلمية توقف لأسباب ترتبط بالتغيرات السياسية والاجتماعية التي حدثت بداية من القرن الثاني عشر ميلادي، ولا تعود إلى سلطة الضبط والهيمنة اللاهوتية.
وهكذا تراجع البحث العلمي ليخلو الميدان للخطاب التعبوي الأيديولوجي، الذي كلما اشتد وأصبح أقوى كلما تقلصت مكانة العقل والفكر العلمي النقدي في البنية العربية. هذا التراجع أضحى مرعباً في القرنين الأخيرين، حيث اعتمد العرب والمسلمون التصلب الأيديولوجي لمقاومة الحملات الصليبية، ثم ظهرت حركة سلفية إصلاحية في القرن التاسع عشر لكنها فشلت، لأن القطيعة مع العقل العلمي كانت قد ترسخت في الفكر العربي، ثم ظهرت الأيديولوجية القومية في القرن العشرين التي أعاقت في نضالها التحرري كل محاولة لدراسة العلوم التي ظلت ولا زالت الأقل تحليلاً من كافة جوانب التراث الإسلامي.

معركة شقاء
وهكذا استمر العقل العربي مشتتاً بين التراث والحداثة، وفي كل مرة يتم فيها محاولة إعادة قراءة التراث وفق العقل الاستبدادي يتواصل إعادة إنتاج التخلف. ورغم أن العقل العربي قد صدم بالحداثة عبر احتكاكه مع العقل الغربي في القرن التاسع عشر، إلا أن تحديث الفكر العربي ظل حبيس أطر ومفاهيم أيديولوجية، ولم يتجدد بذاته كممارسة نظرية عقلانية، لأن المثقفين العرب الذين رفعوا لواء النهضة لم ينعتقوا من قيد الأيديولوجيا، ولم يتمكنوا من صياغة فكر نقدي لهويتنا ولعلاقتنا مع الآخر. ومكث العقل العربي في صندوق الأنثروبولوجيا مما شكل حائلاً دونه والتجديد والإبداع.
بعض رواد مشروع النهضة العربية وظفوا الدين لصالح السلطة السياسة، والبعض جعل السياسة في خدمة الدين، لذلك فشل هذا المنهج في تحقيق أي إصلاح في البنية الفكرية العربية. وكانت الفلسفة مادية برهانية تقوم على الحجة والأدلة في المغرب العربي، فيما كانت الفلسفة في المشرق مثالية لاهوتية تقوم على التأمل.
نظريات ومذاهب وأفكار وفدت على المنطقة العربية من كل صوب وحدب، عبر روافد متعددة ومتنوعة ومتشابكة، دون أي تأصيل ومن غير تهيئة البيئة العربية لهذه النظريات، ولا الاشتغال على الفكر وتعديله ليكون متوافقاً مع الحالة العربية. مثل النظرية الماركسية التي نقلها اليساريون العرب، فكانت محنة العقل اليساري العربي حالة من الفصام الفكري، حيث تجد يساريين وأحزاباً يسارية لكن من دون فكر ماركسي.
العقل العربي تجاذبته المفاهيم والنظريات والأفكار المعاصرة منها والموروثة، وعانى من السلطة الدينية المتشددة، ومن الاستبداد السياسي، ومورس عليه التهميش والتضييق والإلغاء والقولبة والقهر والاعتقال بل والقتل. تمت مصادرة حقوقه في التفكير الحر المستقل وفي التحليل والنقد والإنتاج دون قيد.
إننا نحتاج عقل جديد ورؤية أخرى وقراءة هادئة ومقاربة مختلفة لتاريخنا العربي والإسلامي ولتراثنا الثري. العقل العربي يحتاج أدوات مغايرة للبحث والتحليل والدراسة. إن العقل العربي ليس عقلاً قاصراً ولا فاشلاً ولا عاجزاً بل يحتاج إلى معلمين وملهمين ونماذج متميزة عما هو سائد. ولا يحتاج العقل العربي إلى مزيد من الكراهية والطائفية والمذهبية والعرقية التي فتكت به.



مراجع:
-محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ط1، 1988.
-عبد الرحمن بدوي، التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، دراسات لكبار المستشرقين، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة ط1، 1940.
- محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح، بيروت، مركز الانماء القومي، ط1، 1986.
-عبد الإله بلقزيز، التفكير في التكفير. نحو استراتيجيّة مواجهةٍ ثقافية، مجلة المستقبل العربي العدد 433 في آذار/ مارس 2015.












20
أدب / قبل أن يشيخ الليل
« في: 12:21 21/09/2019  »


قبل أن يشيخ الليل



حسن العاصي




1
يعتصر الرعد
أكمام السحاب
يستبيح الضباب
حرمة التراب
تعلن الفصول
موت المطر
تهلّل المآذن العتيقة
والجسد النحيل
يختفي بين قبور الصغار


2
انقلب القَدَرْ
ذات قسوة
الذئاب تتذمر
والقطيع انتهى رقوده
إنها الصكوك العسيرة
بلا أبواب
تعانق في سفر الطريق
نهاية الحكاية


3
تلوك المنافي
مرارة الرحيل
في صخب العربة
المتعبة
أرصفة الغياب
وجوه تتكرر
تلفظنا غرباء
كل المحطات

4
يرسم الحالمون
مساءًا أبيض
يعبروا بذور القصيدة
ليحرروا وجه الفجر
ذات قيد
باغتني الصباح
نسيت أن أنام


5
أن تتثاءب العصافير
فوق الأغصان البعيدة
لم يكن سوى
آخر مشهد
من تفاصيل الأرق
بعد منتصف النعاس
أن يجتاز طيف النافذة
برهان المطر
ويسجد الليل
فوق الغيوم المتقاطعة
فهذا لأن القصيدة
ستهب الصبح
صور الأحلام


6
لمحتُ جهة أسوار البستان

قرب الدرب العاري

عجوز تعاني المخاض

تحتمي بحطب الكروم

والعرّاف يصرخ

من يرث

خيل العربات المتخمة

والأسماء تهرب

من العشب الغزير

قالت أُقْصُصْ لنا

الشتاء الحزين

قبل أن نسمع مطر الحكاية

رقدت المرأة

تحت شجرة التوت الوحيدة

تنتظر لحظة الولادة



7
بلا ملامح

يمتص سواد المدينة

سكون الظلال

يمتد السرو فوق سور الحكاية

ويعانق الركام العروق الممتدة

حد الصراخ

تضيق مساحة القوس

وينمو الخراب

على الوتر



8
لا شيء في بساتين التين

من قتل العصافير؟

لا نهار يمخر ضفاف الريح

من شرخ خد الضوء

مرايا تخطو؟

على شفير الغياب

أشاح الماء العاري سكونه

ليغرس الحزن

على أعتاب البعيد

وجه النافذة



9
ما من شيء يتواتر

إلّا مواسم الأحلام

تتخاطر في كتاب الغيم

عروق المطر

أضاع الموسم مسار القوافل

على أطراف الحقول

وهي تمضي غجرية الطريق

دون وداع

قالت

أسرعوا في القطاف

قبل أن يشيخ الليل

21
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك


الماركسية بثوبها العربي.. ديالكتيك التفسير لا التغيير
مادية النصوص


القضية الهامة الكبرى التي حظيت -ولا تزال- تحظى باهتمام المفكرين الذين يسعون لتحليل الأسباب والدوافع التي تقف خلف التحولات الكونية الكبرى خلال العقود الماضية، خاصة منذ ثمانينيات القرن العشرين، ومحاولة تلمس الإجابة على السؤال الكبير: ما هي الأحداث التي وقعت في العالم وأدت إلى هذا الطوفان العظيم من الخراب، وقدوم موجات متواترة من القتل والحروب والتدمير واستباحة كافة القيم الوضعية الإنسانية، وهذا الكم المرعب من الانتهاكات التي تُرتكب بحق الافراد والشعوب والدول؟ كيف ولماذا انهارت الدول الشيوعية؟ وماذا يعني الهرم الذي أصاب النظرية الماركسية، فيما الرأسمالية أثبتت قدرتها على التطور والتجدد؟
أسئلة مشروعة تستدرج الإجابة أسئلة أخرى أبرزها أين أصبحت النظرية الماركسية النصية الأصلية التقليدية؟ أين النظريات الماركسية الحديثة التي ظهرت خلال نصف القرن المنصرم؟ ولماذا لم يتمكن اليسار العربي من ابتكار وعي نقدي يتوافق مع المستجدات التي أحدثتها التحولات الكونية خلال الثلاثين عاماً الماضية؟ ولم يتمكن من تحديث أدواته ولا خطابه، وعجز عن الإجابة على تحديات المرحلة؟
لقد شهد العالم تغيرات نوعية كبرى في بداية تسعينيات القرن العشرين، أعقبت انهيار الشيوعية وانتهاء مرحلة الحرب الباردة، تلتها تطورات عديدة متلاحقة أحدثت نوعاً من الاصطفاف الفكري والسياسي وإعادة صياغة التحالفات لجميع القوى الكبرى الفاعلة والإقليمية وحتى القوى الهامشية غير الفاعلة.
لا شك أن أبرز هذه التطورات هو انحسار شديد في حجم ودور القوى اليسارية، وصعود الإمبراطورية الاستعمارية الأمريكية وتفردها بقيادة العالم، بحيث تمكنت القوى المحافظة اليمينية الصهيونية الجديدة أن تفرض رؤيتها على الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس "جورج بوش" الابن، التي تتلخص بضرورة التخلي عن السياسة الأمريكية الخارجية المتطهرة التي صممها وقادها الرئيس الأمريكي الأسبق "جيمي كارتر"، والبدء بتصدير الديمقراطية الأمريكية إلى دول العالم بالقوة والقسوة كما فعلت سابقاً بريطانيا العظمى في عهد "جورج الثالث"، وفعلته ألمانيا في عهد "بسمارك".

غرام النظرية
إن التحولات العالمية الكبرى التي حدثت خلال الثلاثين عاماً المنصرمة، كانت أشبه بطوفان قوي جرف في طريقه سدوداً كانت تبدو عصية. من الطبيعي إذن القيام بإعادة التفكير في كثير من المسلمات والبديهيات السابقة. لكن اليسار العربي المغرم العذري بالنظرية الماركسية دون الاهتمام لرؤية عناصرها تتحرك في أرض الواقع لم يرى تلك المتغيرات، وظل يحمل خطاباً يتضمن افكاراً بادت ومصطلحات تجاوزتها سيرورة الحياة. بهذا الموقف تحول عدد كبير من اليساريين العرب إلى خانة الرجعية لأنهم دافعوا عن نظريات فلسفية ونماذج سياسية انهارت تماماً، وتسببت للعالم ولنا حزناً وألماً واضطراباً، ولأن اليسار قدم نفسه باعتباره مشروعاً لتغيير الواقع العربي المثقل بالأزمات، مشروعاً يتضمن تحقيق الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية، ويضمن الحريات العامة للناس ويخلصهم من كافة أشكال وقيود القهر والقمع، ويحقق المساواة الجنسية والعرقية.
خلاصة القول هنا أن الماركسيين العرب كانوا مثاليين وليسوا ماديين كما يدعون، ولهذا فشلوا في تبديل الواقع العربي الذي يفيض قهراً واستبداداً وجوعاً وموتاً. فشل اليسار العربي وانهزم وسقط ليس فقط لأسباب تتعلق بعجزه عن إحداث أية تحولات اجتماعية وسياسية حقيقية في البيئة العربية، لكن أيضاً لأسباب تعود أساساً لإخفاقهم في فهم واستيعاب الماركسية، وعدم مقدرتهم على إدراك جوهر وعمق فلسفتها التي تقوم على قراءة الواقع لتغييره، وليس أداة لقراءة النصوص.

ثورية النظرية
منذ ظهورها في منتصف القرن التاسع عشر ولغاية نهاية القرن العشرين، لم يشهد العالم ولادة نظرية ثورية أهم من النظرية الماركسية. والأفكار الماركسية ذاتها تبلورت تدريجياً في سجالها مع الفلسفات الأخرى، ونقد فلسفة هيغل المثالية. وهكذا صاغ ماركس مفهومه حول المادية الجدلية. ثم تحولت الماركسية إلى أيديولوجيا في الاتحاد السوفيتي السابق، حيث تعرضت للنقد من قبل تيارات يسارية أهمها تيار "فرانكفورت" الذي رفض مركزية لينين في كتاب "ما العمل". هذا التيار الذي أسسه الفيلسوفان الألمانيان "ماكس هوركهايمر" و "تيودور أدورنو" أعرض عن قانون الصراع الطبقي، وقدموا المهمشين من السود والمهاجرين كبديل عن الطبقة العاملة.
إن انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفيتي وتفكك منظومة المعسكر الاشتراكي وفرط عقد دوله لم يكن بسبب عدوان خارجي ولا بسبب المؤامرة الخبيثة للإمبريالية، ولا حتى لمبررات التنافس في حرب النجوم التي أدت إلى إفلاس الاتحاد السوفيتي، بل انهارت الشيوعية نتيجة شيخوختها وللجمود الفكري والتصلب العقائدي الذي أنهكها. إن الشيوعية كأيديولوجية ظلت عبارة عن منظومة من الأفكار الأصولية والمحافظة جداً، فبقيت كما هي مثلما أنتجها فلاسفة القرن التاسع عشر، دون أي تطوير أو تحديث على الفكر ليتوافق مع مستجدات الحياة ذاتها. لقد رفض قادة الدول الشيوعية إجراء أي تجديد على الفكر الماركسي والشيوعي، واعتبروا أن أي تحديث أيديولوجي على المستوى النظري الفلسفي أو الفكري يعتبر تغييراُ في النظرية، وأي تغيير هو هرطقة وانحرافاً وبدعة. استمر التيار الشيوعي الأصولي السلفي بمقاومة ووأد كافة المحاولات لتجديد النظرية الماركسية، إلى أن تحجر الفكر وتصلب، وتورمت مفاصل الدولة الشيوعية مما أعاقها عن مواكبة تطورات العصر، فتخلفت وعجزت عن اللحاق بتطور الدول الغربية الرأسمالية.
النظام الاشتراكي أصابه التّيبس والجفاف الفكري الذي أدى إلى ركود اقتصادي ثم كساد مرعب أنتج تخلف تقني وتكنولوجي، كانت نتيجته العوز الاجتماعي والإفلاس السياسي، فأصبح هذا النظام عاجزاً عن تلبية احتياجات الشعوب، وفقد أسباب تماسكه وبقائه فسقط وانهارت دوله. ويجب ألا ننسى الأسباب الأخرى، وأهمها تحول دول المنظومة الاشتراكية إلى دولاً ديكتاتورية قائمة على الكبت والحكم القسري والقهري وإلغاء الحريات العامة. هذا الوضع نظرت له النخب في تلك الدول على أنه مخاض ينذر بوصول النظام الاشتراكي إلى نهايته السياسية والأخلاقية، ويؤسس لولادة نظام جديد مختلف كلياً، وهذا ما حصل.

امتحان الماركسية
لقد واجهت الماركسية امتحانات كبرى منذ ظهورها، كما تعرض اليساريون لتحديات مهمة وواجهوا أسئلة مفصلية، لم يتمكنوا من مقاربتها بعمق ولا التصدي لها ولا تقديم إجابات عنها. على سبيل الذكر فقد تعامل الماركسيين مع أزمة الكساد التي أصابت الاقتصاد العالمي في بداية الثلاثينيات من القرن العشرين، بخطاب نظري يؤكد حتمية تواصل تعرض الرأسمالية للأزمات المالية وهي تتضخم في مسار ينتهي باندثار وهزيمة الامبريالية. لكن ما حصل لا حقاً أن الامبريالية انتصرت وانكسرت الماركسية.
ثم امتحنت الماركسية والماركسيين في الفترة التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الثانية، ولم يسمع لهم صوت، بل أن النظريات الغربية الرأسمالية هي التي تقدمت بمقاربات كان أبرزها نظريات "الاقتصاد الكلي" و "النظرية العامة في تشغيل العمالة والفائدة والمال" لعالم الاقتصاد البريطاني "جون ماينارد كينز"، وكذلك لنظريات عالم الاقتصاد الأمريكي "بول سامويلسون" صاحب كتاب "أسس التحليل الاقتصادي". وحين توسعت القاعدة الصناعية في دول العالم الثالث لبلورة وتطوير الطبقة العاملة صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير، وهذا كان مطلباً ماركسياً وشرطاً للقيام بالثورة، فتمت هذه العملية بواسطة دول ومؤسسات ومراكز رأسمالية غربية، وليس من قبل الأحزاب الماركسية ولا من الدول الشيوعية. حتى التجربة الاقتصادية الناجحة للصين قد تحققت بفضل اقتصاد السوق وليس بسبب قوانين الاقتصاد الماركسي المخطط.
ثم بدأت الماركسية بالانكماش والتخثر أيديولوجياً وفكرياً واقتصادياً وسياسياً، وتضخمت الرأسمالية وأصبحت عابرة للقارات، وتدريجياً بدأ العالم في الدخول إلى عصر العولمة. انتصرت الرأسمالية وسقطت الماركسية والشيوعية دولاً وأنظمة وتلقت النظرية قذيفة استهدفت رأسها فبدا جسدها مترنحاً. تحولت الرأسمالية من كونها إنتاجية إلى مركزية مالية أي تحولت من رأسمالية مادية إنتاجية إلى رأسمالية مالية تضخمت وتغولت وانتصرت على الرأسمال، وانهزم الطرف الإنتاجي أمام الجانب التمويلي. وبفعل العولمة خسر الوطني المحلي أمام العالمي. كل هذا حدث فيما اليساريين العرب يراقبون المشهد في حالة ذهول، ووقف المفكرين اليساريين العرب عاجزين عن تقديم إجابات واضحة تفسر هذه التحولات الهائلة في النظام الكوني، بل أن البعض منهم أصر على صواب نظرية "التطور لا رأسمالي" التي ابتدعها "ميخائيل سوسلوف" أحد زعماء الحزب الشيوعي السوفيتي. وقد قادت هذه النظرية التي تم طرحها لأسباب سياسية تتعلق ببعض الدول في العالم الثالث، وليس لأسباب نظرية وعلمية، قادت إلى رأسمالية واضحة في بعض الأنظمة العربية، وكانت طريقا للسلطة بهدف الوصول للثروة.

كش ملك
لقد تغيرت بنية المجتمعات العربية منذ ستينيات القرن العشرين، كان أبرزها الهجرة العشوائية للأرياف نحو المدن، فخسر الريف اليد الفلاحية وتدهورت الزراعة، وبذات الوقت لم تكسب الصناعة في المدينة، حيث أن القادمين غير مؤهلين للانخراط في سوق العمل المديني. ولم تبذل الأنظمة جهداً كافياً ولا رصدت ميزانيات ولا كان لديها برامج بالأساس لصهر القادمين سكانياً ودمجهم وتأهيلهم حرفياً. وكل ما حصل هو استيطان سكاني جعل من محيط المدن العربية الكبرى أحزمة بشرية ريفية من الفقر والحرمان والبؤس. تطورت المدينة وأبناءها حضارياً بصورة نسبية عبر زيادة الإنتاج وارتفاع مستوى التعليم وتطور قطاع المواصلات، وبقي الريف للأجداد وزيارات الأعياد، فيما ضواحي المدن قطنتها مجموعات سكانية ذات عصبيات مذهبية وطائفية وقبلية، تحتكم هذه الضواحي لعلاقات اقتصادية بسيطة، لذلك فإن علاقتهم مع اقتصاد المدينة لم يتخذ شكل اجتماعي وسياسي بل مذهبي وإثني. وهذا ما يفسر تحول الصراع الطبقي في بعض المدن العربية إلى صراع بين الأديان والمذاهب.
في مواجهة هذه التحولات التي أحدثت إشكاليات فكرية واجتماعية شائكة ومعقدة، كان اليسار العربي كمن يعطس في سوق الحدادين، لا يسمعهم أحد ليقول لهم يرحمكم الله. جلس اليساريين العرب يراقبون ما يجري كأنهم ينتظرون خلاصاً غيبياً أوحلاً دون السعي له، وهذا منتهى العقل الاتكالي البليد.
في الحالة العربية تتحول الأفكار الدينية والانتماءات المذهبية والطائفية إلى نماذج مقنعة للشعوب العربية، أكثر كثيراً من الأفكار اليسارية ونماذجها الفاشلة. والبائس في الأمر هنا أن كثيراً من قادة حركة اليسار العربي من الأثرياء الذين لا يقبلون إلا ارتداء الثياب الغربية المستوردة، فيما الكوادر اليسارية المزهوة بالنظرية فإنهم ينتمون إلى الطبقات المتوسطة ويعرفون عدوهم الطبقي، لكنهم يفضلون النضال المكتبي عبر رقعة الشطرنج على نضال الشارع وسط الجماهير، وبهذا فهم يقدمون الخدمات الكريمة للتيارات المذهبية والطائفية لتتمدد وتفرض رؤيتها، لذلك يتوه الجميع ويبتعدون عن المعركة الاجتماعية السياسية، متأملين أن يُصاب الأثرياء بوباء يقضي عليهم. هذا يشبه تماماً قتل الملك فوق الرقعة بلعبة الشطرنج داخل غرفة مكيّفة.

رحلة السقوط
شهدت بداية تسعينيات القرن العشرين اختتام آخر حلقة من مسلسل انهيار الماركسية مع سقوط الاتحاد السوفيتي وتفكك دول المنظومة الشرقية. هذا المسلسل كان قد بدأ منذ وقت مبكر، وربما منذ الصراع النظري الفكري بين قادة الحزب البلشفي. خلاف "لينين" مع "تروتسكي" حول نظرية الثورة الدائمة، وبين الأخير و "ستالين" حول قضايا متعددة. لقد ذكر المؤرخ الروسي "سوخانوف" أن ستالين كان عبارة عن بقعة رمادية باهتة في الثورة البلشفية، فيما قام تروتسكي بقيادة الانتفاضة المسلحة العام 1917، وعقب انتصار الثورة قاد الجيش الأحمر. بعد انتهاء الحرب الأهلية الروسية عام 1921 كانت البيروقراطية تشبه وحشاً بأنياب غليظة، حيث كان يوجد في الجسم الحكومي 5,9 مليون موظف في حين لم يتجاوز عدد العمال 1,3 مليون عامل. فمنذ البداية لم يكن الحزب البلشفي طليعة للطبقة العاملة، وبعد وفاة لينين حوّلت بعض التيارات داخل الحزب البلشفي، الحزب ذاته إلى أداة سياسية بيروقراطية للدولة السوفياتية.
مع انهيار الدول الشيوعية سقط اليسار العربي إلى قاع الإفلاس والتفكك وصدرت له شهادة الوفاة الرسمية. أما بداية الانحدار فتعود إلى الخلاف حول الموقف الذي اتخذته معظم الأحزاب الشيوعية العربية من القرار رقم 181 المتعلق بتقسيم فلسطين العام 1947 ومعارضة بعض القيادات والكوادر اليسارية لتأييد وموافقة الاتحاد السوفيتي عليه. في العام 1956 عقد الحزب الشيوعي السوفيتي مؤتمره العام العشرين الذي ثبت زعامة "خروشوف"، وشهد خلافات فكرية عميقة، وتم فيه انتقاد سياسة "ستالين" القمعية التي كانت تشجع عبادة الفرد والأعمال الانتقامية.
ألقت نتائج المؤتمر ظلالها على الحركة اليسارية العربية فانقسموا. ثم انشطروا مرة أخرى خلافياً إلى تيارين أحدهما سوفيتي والآخر صيني على أثر الخلافات الأيديولوجية والقومية والإقليمية والاقتصادية بين الصين والاتحاد السوفيتي، وقيام الأخير بوقف المساعدات الاقتصادية والفنية عن الصين العام 1961. فأصبح اليسار العربي مشتتاً إلى تيارات واتجاهات نظرية تروتسكية وماوية وصينية وسوفيتية وماركسية ولينينية وستالينية، ثم إن تحلل وتهتك النموذج السوفيتي أخلاقياً عمق هذا الخلاف والتشرذم، حيث وضعت أحداث المجر عام 1956 والقضاء على الحركة الإصلاحية في بولونيا العام 1956 ثم ضرب حركة بودابست عام 1958 وضعت الاتحاد السوفيتي في دائرة التساؤل عن ثوريته واشتراكيته وعدالته.
الظروف التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي أدت إلى نكوص فكري لدى كثير من اليساريين العرب، فارتدوا إلى حضن الطائفة والقبيلة والمذهب. كما أن انهيار النموذج الشيوعي في المركز تسبب في ظهور تيار يساري صخري أصولي تشبثت بالماضي بكل ما فيه ورفض الحاضر، وقامت بعض الأحزاب الشيوعية العربية بتغيير اسمها، وتبخرت من الأدبيات اليسارية مصطلحات نظرية عديدة تجاوزتها الحياة ذاتها، وتم تعديل الخطاب اليساري فصارت العدالة الاجتماعية مطلباً يسارياً بدلاً عن اشتراكية النظرية، وهو مطلب ينادي به اليمين أيضاً.
اليسار العربي لم يدرك أن الماركسية هي أولاً وقبل كل شيء منهج لقراءة وتحليل العلاقات الاجتماعية وليس أسلوباً لقراءة النصوص والكتب، لذلك فشل هذا اليسار وعجز عن بناء نموذج ماركسي واحد، رغم أنه كتيار أسهم في تثقيف شرائح من الناس، ورفع من مستوى الوعي الاجتماعي في العديد من المجتمعات العربية، وأدخل إلى ثقافتنا بعض الأفكار التنويرية.

 جدران ثقافية
الأيديولوجيات التي سادت العالم في القرن العشرين، وكانت واحدة من أبرز سماته، انتقلت دوغمائياً بصورة تقليدية بليدة للمنطقة العربية، وأحدثت انقساماً في الشعوب ثقافياً فتحول الناس إلى ملل وشيع وجماعات ومذاهب وطوائف وقبائل، بحيث أصبح تجاوز هذه الجدران التي ارتفعت بين الناس، معضلة حقيقية وأمراً في غاية الصعوبة والتعقيد.
جل هذه الأفكار انتقلت للقرن الحادي والعشرين عبر بقايا الأحزاب والتيارات السياسية والحزبية، ورغم فشلها الذريع وانحسارها ومقتلها، إلا أن هذه الأفكار والرؤى تصر على أن تظل جثة دون أن توارى التراب.
سقط المثقفون العرب وخاصة اليساريين منهم في قوالب نظرية "أوغست كونت" الوضعية التبسيطية في قراءتهم لحراك الجماهير العربية التي خرجت إلى الشوارع تطالب بحرياتها المصادرة وحقوقها في الحياة الكريمة ضمن دولة القانون والمواطنة، فأنكر المثقفين العرب اليساريين هذه الحقوق التي طالما نادوا بتحقيقها سابقاً وفاضت أدبيات أحزابهم بشعارات تتحدث عن حقوق العمال والفلاحين والمضطهدين. وقفوا في وجه الجماهير التي كانوا يدّعون أنهم يمثلون مصالحهم، ودافعوا عن أنظمة الاستبداد وعن الطغاة العرب. وإن كان لفشل الحراك العربي في إنجاز التغيير المطلوب من أسباب متعددة، فإن من بين هذه الأسباب ما يعود إلى الأسوار الأيديولوجية التي تعود إلى أنماط فكرية بادت، وإلى أدوات لقراءة الواقع لم تعد صالحة لقراءة إعلان عن إقامة حفل موسيقي، ونظريات وخطابات تحللت وتم امتحان عجزها وإخفاقها عبر تجارب شعوب ودول كانت قائمة في يوم ما.
هذا الفهم التبسيطي للواقع، والقراءة الخاطئة للتغيرات أشبه بفلسفة "كونت" الوضعية التي تتجاهل التنوع والتعدد الفكري والفلسفي والاجتماعي والاقتصادي عبر تاريخ البشرية. فالعالم عند "كونت" منقسم إلى كتلتين لا ثالث لهما، الأول تيار تفدمي وضعي، والآخر رجعي لاهوتي. ومن هذه الفلسفة توالدت افكاراً ونظريات كثيرة وضعت كل ما هو أصيل وديني ومحافظ في التصنيف الرجعي، وكل ما هو لا ديني وتنويري وحداثي اعتبر تقدمياً. فكانت التيارات اليسارية بطبيعة الحال ومنها اليسار العربي ضمن معسكر الأفكار اللا دينية، فقام اليسار باحتكار صفة التقدمية واتهم كافة خصومه الفكريين والسياسيين بالرجعية، ثم توالت مصطلحات الإقصاء التي يطلقها اليسار على من لا يتوافقون معه على أفكاره "التقدمية"، فانتشرت مصطلحات التخلف والظلامية والانهزامية وذيول الاستعمار والأصولية الخ.
قسّم هذا التصنيف الحاد والقطعي الوضعي المثقفين العرب إلى تيار تقدمي يمتلك الحقيقة والأجوبة، وتيار رجعي لا بد من التخلص منه لكي تتقدم الأمة.

نموذج قميء
ثم بعد صعود البرجوازية العسكرية التي حكمت معظم الدول العربية في النصف الثاني من القرن العشرين، قامت هذه الأنظمة بمصادرة التقدمية من اليساريين وأقصتهم من المشهد وهمشتهم، وأبعدت اليمين "الرجعي" ثم زجت به في السجون، واستفردت البرجوازية بالسلطة وهيمنت على الدول والشعوب وعلى مقدرات الأوطان، هيمنت على كل شيء. وفشلت هذه الأنظمة في إنجاز أية مهام وأهداف "تقدمية" بل عجزت عن بناء دولة واستعاضت عنها بإنشاء مزارع خاصة للحكام وأولادهم وبطانتهم، كما أخفقت في توفير لقمة العيش الكريم للمواطن العربي. لقد سقطت هذه الأنظمة سياسياً وفكرياً وأخلاقياً، ومع ذلك تتواصل الكارثة بقيام المعارضين لهذه الأنظمة من تيارات يسارية "تقدمية" وأخرى يمينية وطنية أو إسلامية "رجعية" بإقصاء بعضهم البعض، وبهذا تجد الأنظمة العربية الفاشلة في اختلافهما ما يبرر بقاءها ويمنحها شرعية مزيفة تبنيها فوق رقاب العباد المضطهدين.
قدمت الرجعية العربية نموذجاً بدائياً قميئاً للحكم يشبه الحكم اللاهوتي للكنيسة في العصور الوسطى، وهكذا بدت هذه الأنظمة وكأنها تعيش خارج التاريخ. كما ظهر أصحاب الأفكار التقدمية بصورة مقيتة برفضهم تراث الشعوب العربية وسعيهم للبتر الكامل مع الماضي، وتعاملوا بعنجهية وفوقية واستكبار مع الجماهير، وأطلقوا مواقف قاطعة محددة ونهائية من كل ما يرتبط بالواقع العربي، وعاشوا في أبراج ذهنية فاضلة منفصلين عن واقعهم وعن الجماهير وما يحيط بها من تحولات اجتماعية، فكانت النتيجة قطيعة تامة بين التقدميين والرجعيين، والانفصال بينهما وبين والجماهير. الكارثة الكبرى هي انحياز اليساريين والتقدميين إلى جانب الأنظمة القهرية الاستبدادية الساقطة ضداً "بالرجعيين" يا للعجب. اختلطت الأوراق والمواقف والرؤى والتحالفات ولم يعد المواطن العربي يعلم من هو التقدمي فعلاً ومن هو الرجعي!

استبدال الوظائف
هناك نخبة يسارية كلاسيكية من الحرس القديم ما زالت متشبثة بأصول النظرية الماركسية، لا تمتلك المقدرة على رؤية المتغيرات الكونية التي حصلت خلال الثلاثين عاماً الأخيرة، متشددة في مواقفها وخطابها وتقود جمهوراً ريفياً محافظاً.  وتيار حداثي الهوى، لائكي في نظرته للعالم، لديه مشروع وحيد هو إقصاء الإسلام السياسي عن المشهد في الدول العربية، وهو هنا في رفضه للآخر يسقط في قعر التطرف والتشدد الذي يدعي أنه يحارب الإسلام السياسي لأجلهما. وتيار يساري تمكنت الأنظمة من احتوائه عبر منح قيادته بعض المكاسب المالية والوظيفية. وتيار ثالث فقد هويته النظرية ويشعر بالتيه، فهو عاجز عن إعادة ارتداء ثوبه الفكري الذي رماه يعد سقوط الشيوعية لعلمه أن الله وحده يحيي العظام وهي رميم، ولا هو قادر على معايشة عصره وتحديث فكره وأدوات تحليله وخطابه، وهو أشقى التيارات في المشهد.
وكما فعل معظم السياسيين العرب الفاشلين الذين عجزوا عن إدارة شأن عام واحد بنجاح، ويخلو سجلهم من أية إنجازات، تحولوا إلى مثقفين مبتذلين سفهاء، قالوا فظهرت أفكارهم سطحية وخطابهم زائف وآراؤهم هزيلة لا تمتلك القدرة على الإقناع والمحاججة ولا على المواجهة. وهكذا فإن معظم المثقفين اليساريين الكلاسيكيين، وهم أكثر الأفراد الذين أصابهم الانكسار والإحباط، فتحولوا إلى رجال سياسة رديئين بثوب ثقافي. والبعض من المثقفين اليساريين تجده قد تحول إلى داعية لتسويق الأفكار والنظريات، بينما في حقيقة الأمر أن دور هؤلاء المثقفين هو ابتداع الأفكار وإنتاج المعرفة، وممارسة النقد التنويري وتشكيل وعي ديناميكي لدى الجماهير لتغيير واقعها.

ما ينشده
المواطن العربي المثقل بالقهر وضنك الحياة والذي لم يعد يؤمن باليسار ولا باليمين ولا بالوسط، وكل ما يحتاجه اليوم هو إطلاق الإنسان من معتقله الذي رسمت قضبانه أنظمة استبدادية، وتحرير عقله من قيود الجهل والخرافة، وتوفر المناخات الديمقراطية وتفعيل العقل وضمان حرية الفكر واستقلالية التفكير، وتشجيع الإنسان على التعلم واكتساب المعرفة وتنمية قدراته الخلاقة، وحثه على التجريب والتنقيب والبحث والابتكار والاستنباط. والأهم من كل هذا توفير فرص التعليم والعمل وضمان حقه في العلاج وإبداء الرأي وتوفير لقمة العيش التي تضمن الحياة الكريمة.




22
أدب / ضاق الشرق بالحياة
« في: 18:35 15/08/2019  »
ضاق الشرق بالحياة


حسن العاصي

1
وحدهم المنتظرين بحزنهم
يزدهون بوردة الفرح
وهم على قاب مخاض الشقاء
لتهبّ أبجديات النزوح
من خاصرة الجروح
وينكفئ شعاع الأمل
في انحناءة قزحية



2
تمرُّ بي
فراشات البحر
تحلّق نحو الغيمات المهاجرة
جهة غصن الضوء
لتمطر في درب الرحيل
لون الصبح



3
تمضي الخطى
نحو دائرة الغفوة الأخيرة
تخلع بعض دروبها
لتستريح
تدخل عتمة العمر
تصلح قدميها
وتمضي


4
يحاصر البحر موج التراب
ألتحف حيرتي
وأغفو على صدى الحزن
أغمض أرق حزني
لأنعتق من الخطايا
موجة حزينة


5
في دروب العمر
يموت وجه الأحلام
نكفنها بحرير القلوب
تبكيها عصافير الصباح
على الشرفات المطفأة
تحضنها خميلة الوادي
لتغفو حزينة


6
تعدو مرايا الوجع
في مواسم الخطايا
تبكي ساحات المدينة
صخب العمر
مثل شفق تُحار له
الضحكات الحزينة
تنحني سنابل الدهشة
وتُغلق على موجة الحقل
واحة الشقاء



7
ذات ركود
أوصد الوجع خيوط الحلم
يترجّل التعب
من صهوة الوقت
يقطف أشلاء السكون
بغيمة بين وهْمَين
ليهتدي المطر
إلى ساقية الصباح



8
ضاق الشرق بفسحة الحياة
تغازل جهاته ضفاف الموت
ألا يدل الدم على القاتل
ويستدل على القتلى بالقبور
على جناح الندى
أسرجنا غيث الموتى
ليغفو في أحضان الأرض
ونختم سحابة الغدير
من الشمس إلى المطر


23
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك


اليسار حين يصبح يمينياً.. الرجعية الناعمة

فيما مضى، كان اعتناق الأفكار الماركسية أو الانتماء إلى اليسار فكراً أو تحزباً، يعني ببساطة الاقتناع والتصديق أن نظرية الاشتراكية العلمية هي المنظور الصائب الوحيد لتحليل حركة المجتمع، ودراسة التاريخ الإنساني، وفهم قوانين الصراع الطبقي لتغيير العالم نحو الأفضل. وأن انتهاء الامبريالية وإقامة مجتمع العدالة الاجتماعي قضية حتمية. كانت الماركسية تعني رفض منطق اقتصاد السوق الحر. وتعني النضال ضد الامبريالية والرجعية والصهيونية، ومواجهة الطغاة والديكتاتوريات وكافة أشكال الاستبداد والتعسف. تعني الوقوف مع الفقراء والمهمشين والدفاع عن مصالحهم.  والإيمان بالجدلية المادية ومنهجها. تبني الأفكار التنويرية الحداثية ورفض التخلف الفكري والطائفي والقبلي، أي التقدمية في مواجهة الرجعية. والدعوة لاستعمال العقل ومحاربة الخرافة. وبهذا أصبح كل من يلتزم بالفكر التنويري تقدمياً، والتقدمي لا بد أن يكون يسارياً حتى لو لم ينتمي لصفوف الكادحين، بصرف النظر عن الحزب الذي ينتمي له، شيوعيا أو اشتراكيا أو عماليا. وبهذا المعيار الأيديولوجي فإن صاحب الأفكار الرجعية والمتخلفة الذي يقف في وجه الحداثة، ومن ويدافع عن الاستبداد يكون يمينياً، حتى لو انتمى لطبقة العمال والفلاحين والكادحين.
هكذا كان حال اليسار قبل عقود من الزمن. لذلك يبدو سؤالي في نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، عن ماهية اليسار ومن هم اليساريين، منطقياً ومشروعاً في سياق فهم وتحليل التناقضات والصراعات التي تجري في المنطقة العربية، والتحولات التي تسعى بعض القوى الوطنية والإقليمية والدولية إلى إحداثها، وما رافقها من اشتباهات والتباسات. أبرز هذه المستجدات التي أفرزتها الأحداث الجارية في العالم العربي منذ سنوات خلت، هو التحالفات الجديدة بين بعض القوى اليسارية مع القوى اليمينية، اجتماع وتلاقي مصالح اليسار واليمين، سقوط الصراع الفكري التناحري، وسقوط كافة قيم النظرية الماركسية التقليدية في قعر الانحراف والتشويه، عبر مواقف وآراء وتحالفات لأحزاب وتيارات يسارية مع اليمين الرجعي، وتلاقي مصالح اليسار التقليدي مع الطغاة وأنظمة الاستبداد العربي. هذا الأمر يضعنا أمام إشكاليات فكرية ونظرية غير مسبوقة في الحقيقة.
يسار ويمين
مصطلحان نظريان يعبران عن الانتماءات الأيديولوجية والفكرية والسياسية. أصلهما يعود إلى جلوس ممثلي الشعب في المجلس الوطني الفرنسي بصورة تدريجية على يسار رئيس المجلس أثناء مناقشة مستقبل البلاد العام 1789 بما فيها تحديد وضع الملك "لويس" السادس عشر، وكانوا يرغبون في تقليص صلاحيات الملك. فيما جلس ممثلي الاقطاع والنبلاء ورجال الكنيسة الذين يؤيدون بقاء الملك بكامل صلاحياته على يمين الرئيس. لذلك سمي الجالسون على اليسار تقدميون، والجالسون على اليمين محافظون، ومن هنا انبثقت تدريجياً وتبلورت فكرة أن كل من يريد ويطالب بمنح قدراً أكبر من الحريات للمجتمع هو يساري وتقدمي. وكل من يعارض التغيير ويريد الحفاظ على تقاليد المجتمع السائدة هو يميني محافظ.
يعكس التميز بين اليسار واليمين اختلافات أيديولوجية عميقة، هناك مفردات وافكاراً ذات طابع يساري مثل حقوق العمال والتقدم والإصلاح وإلغاء الفوارق الطبقية والتغيير الاجتماعي والسياسي والنضال الأممي. وهناك أفكار ارتبطت باليمين مثل التقاليد والقومية والاقتصاد الحر ورفض تغيير النظام السياسي والاجتماعي. ويطلق مصطلحا اليسار واليمين على تجمعات أو أحزاب أو أفراد ترتبط فيما بينها بمواقف ورؤى وأفكار وأيديولوجيات متشابهة، وما بينهما تقع القوى الوسطية التي تؤمن بالإصلاحات التدريجية للنظام.
أصبح هذان المصطلحان من أشهر المفردات في عالم الفكر والسياسة والاقتصاد، ويكفي ذكر أحدهما لتوصيف واختصار الافكار والمعتقدات والتوجهات للأفراد والجماعات والأحزاب والدول. ارتبط اليمين بحرية اقتصاد السوق وحرية الملكية والنشاط التجاري الذي يتيح النمو السريع للثروات. حين ظهرت الأفكار الماركسية والاشتراكية التصق اسم اليسار بها، على اعتبار أن الماركسية تدعو إلى إلغاء تدريجي للملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وإلى إعادة توزيع الثروة الوطنية لتحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية. ثم ظهرت مصطلحات جديدة ترتبط بالطيف الأيديولوجي والفكري نتيجة التشدد والتعصب الأيديولوجي والفكري وبسبب اختلاط وامتزاج الأفكار فتشكل أقصى اليسار، اليسار الراديكالي الثوري، اليسار التقدمي، يسار الوسط، واليمين ويمين الوسط وأقصى اليمين المتشدد، وعلى قمة هرم التصنيف اليساري يوجد الشيوعية، وفي قمة اليمين يوجد الفاشية والنازية.
فإن كنت من ممن يدعو إلى الحفاظ على قيم المجتمع التقليدية، ولا تمانع في وجود حكومة قوية واسعة السلطات، وكنت تدافع عن الحرية الاقتصادية الواسعة والضرائب الأقل فأنت يميني. وإن كنت مثلاً مع حرية السوق وتحديد سلطات الحكومة تصبح وسط اليمين، وإذا اعترضت أكثر تصبح وسطي.
أما إن كنت مع توسيع الحريات العامة، وإلغاء التفاوت الاقتصادي والاجتماعي، وسيطرة الدولة على الإنتاج تكون يسارياً. وإن كنت مع توسيع الحريات وتوزيع الحكم فأنت وسط اليسار، وإن طالبت بحريات أكثر تصبح اقصى اليسار. وإن كنت تنشد الوسطية بين دور الحكومة والقطاع الخاص فأنت وسطي تختار الطريق الثالث لا رأسمالي ولا اشتراكي.
حين نسمع في وسائل الإعلام مصلح يساري يطلق على أحد فهذا لا يعني بالضرورة أنه ماركسي، لكنه فرد يحمل أفكاراً سياسية أو ثقافية من الطيف اليساري عموماً. وإن قالوا فلاناً يمينياً فلا يجب أن يعني هذا أنه مع قيام دولة دينية ولكن مواقفه عادة تكون على يمين الطيف.
خلال فترة النصف الثاني من القرن العشرين تقلصت الفوارق بين الأفكار والبرامج اليسارية واليمينية، وضاقت الفجوة بسبب التحولات التي لمست البنية الاقتصادية والاجتماعية للدول الأوروبية وأدت إلى اتساع كبير في الطبقة الوسطى، وانعكاس هذا التحول على الخارطة السياسية. فنلاحظ إن كافة الدول الديمقراطية الغربية التي تتمتع باستقرار سياسي واقتصادي تحكمها غالباً قوى يسار الوسط أو يمين الوسط، ونادراً ما وصلت الأحزاب اليسارية المتشددة مثلاً إلى قمة السلطة، لكن السنوات الأخيرة شهدت صعود واضح لليمين المتطرف الذي وصل أو كاد للسلطة بمفرده أو عبر تحالف مع قوى يمين الوسط.

مشروعية السؤال
من البديهي طرح الأسئلة التي وثبت أمام العقل تطرق بابه بشدة، ولا زالت الأسئلة ذاتها دون إجابة برغم مرور ثلاثين عاماً على انهيار المعسكر الاشتراكي. وحتى لا نتوه كما تاه تحليل الرفاق عن المذهب، وتاه تفسير ورؤية اليساريين العرب وكل من كان يدعي أنه ينتمي للشعب والجماهير المضطهدة. فالمعركة في جوهرها ببساطة كانت ولا زالت بين الأثرياء والفقراء، بين المتجبرين والمضطهدين، بين من يملك كل شيء ومن لا يملك شيئاً. أسئلة تتمحور حول القضية الكبرى الهامة. كيف تمكنت الرأسمالية من امتلاك القدرة على الاستمرار، وماهي مكونات قوة الرأسمالية التي جعلتها تستمر وتتواصل كنظام اجتماعي وسياسي واقتصادي؟ لماذا انهارت رأسمالية الدولة في الاتحاد السوفيتي ودول المعسكر الاشتراكي؟ ما سر قوة حيوية الرأسمالية التي أتاحت لها تجديد وتحديث نفسها وأدواتها؟ هذه الأسئلة البديهية ورغم كافة المبررات التي ساقتها الحركة اليسارية إلا أنها عجزت عن تقديم تفسير علمي وإجابة واضحة لما حصل.
ليس هذا فقط. بل اثناء وبعد الأزمة المالية العالمية التي ضربت النظام المصرفي الكوني برمته في العام 2008 فقد التيار النيو ليبرالي توازنه الفكري وأضل الماركسيين الجدد رشدهم، ولم يستطيع الطرفان تقديم لا تفسير حقيقي ولا أفكاراً بديلة ولا معالجات للأزمة التي تضرر منها عشرات الملايين من المهمشين والفقراء حول العالم، أما فيما يتعلق بالماركسيين الأصوليين فقد أصابهم البكم والدوار ولم يتمكنوا من فهم ما جرى. أكثر من ذلك فإن كافة الأفكار والنظريات الاقتصادية التي تم نقاشها واعتمادها للخروج من الأزمة، هي نظريات غربية رأسمالية، ولم يرى أحد من المفكرين ضرورة ذكر كارل ماركس ونظريته الاقتصادية.
فيما يتعلق بحركة اليسار العربية فقد أصيبت بالجمود العقائدي والفكري، في منطقة عربية شهدت -وما تزال- تطورات وتغيرات نوعية وعميقة. لقد ارتبط تاريخ اليسار العربي بالأزمات منذ قبل الإعلان عن قيام "إسرائيل الصهيونية" والموقف من قرار تقسيم فلسطين الأممي رقم 181 الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المتحدة العام 1947 وموافقة الاتحاد السوفيتي عليه، ورفضه من قبل الشيوعيين الفلسطينيين والعرب. تكررت الأزمات حول الموقف من الرئيس المصري الراحل "جمال عبد الناصر"، والاختلافات بالموقف من الوحدة التي تمت بين سورية ومصر في العام 1958. ثم أزمة الموقف من قضية القومية العربية. وكذلك الخلاف بالرؤية الاستراتيجية في التيار اليساري العربي حول الثورة الفلسطينية المسلحة. أزمات متعددة حول قضايا عربية ودولية مهمة، وحول قضايا داخلية فكرية ونظرية وحزبية وسياسية متعددة ومتنوعة وشائكة، أدت إلى مسلسل من الانقسامات والانشقاقات أضعفت حركة اليسار العربية.

انسحال ثقافي
 شكلت الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن العشرين الفترة الذهبية للحركة اليسارية العالمية والعربية على المستويين الفكري والسياسي، حيث تميز اليسار العربي بأنه تيار يضم المثقفين والمناضلين. لكن هذه المكانة تراجعت كثيراً في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، وأصيبت بضربة قاضية في بداية التسعينيات مع انهيار المعسكر الاشتراكي.
مع انحسار دور اليسار العربي وانعدام فاعليته، اهتزت صورة المثقف بصورة عامة، وتراجع حضور المثقف اليساري في المشهد العام، وتعرضت صورته للانكسار في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحالي، وفقد المثقف اليساري بريقه وجاذبيته وقدرته على الفعل والتأثير، وذلك بسبب المستجدات السياسية دولياً والتحولات الكونية الكبرى التي هزت العالم، وأدت إلى انهيار دراماتيكي لدول المعسكر الاشتراكي، وانتصار الامبريالية على الشيوعية، وصعود تراجيدي للولايات المتحدة على قمة العالم.
هذه الأحداث والمتغيرات التي أصابت العالم والمنطقة العربية كانت مفاجئة لمعظم اليساريين العرب، حيث سار التاريخ كما لا يشتهون ولا يتوقعون ولا ينتظرون. وحصل عكس ما كان يبشّر به اليسار العربي من سقوط حتمي للرأسمالية وهزيمة الامبريالية والرجعيات العربية. اليسار العربي الذي أصابته صدمة التحولات المتسارعة -حينها- شعر بالخيبة الشديدة، وأن أفكاره قد خذلته ولم تتمكن من تحقيق تطلعاته. وصار مثل مغني ضرير ينشد لجمهور من الصم بعد أن انفض الناس عنه.
ليس المثقف اليساري وحده من تجاوزته الأحداث وأدوات العصر وعزلته، بل المثقفين عموماً غادروا مواقعهم الريادية وأصبحوا في الصفوف الخلفية، ويبدو أن المقام الجديد طاب لهم. فيما بعض المثقفين العرب تم توظيفهم من قبل الأنظمة كزينة سياسية. إن التطور السريع الهائل في وسائل الاتصالات وتقنيات المعلومات بطش بدور المثقف، ولم تعد المجتمعات تحتاج نبوءة المثقف وتوقعاته وقراءته للواقع. وحلّ التقدم العلمي في علوم الطب والجينات والفضاء والرياضيات والاقتصاد والفنون، مكان النظريات الفلسفية اليسارية التي كانت تسعى لإقامة عالم يتسم بالعدل والسعادة. وكما يتضح فإن الصناعات الدقيقة والابتكارات العلمية والأبحاث في قطاع تطوير الالكترونيات وتطبيقاتها، واقتصاد البيانات والمعلومات، هو ما يلائم العصر الحديث أكثر من الأفكار والنظريات الفلسفية والإنسانية، خاصة الحالمة منها والتي لا تمتلك أية فرصة للحياة. فيما ظل اليساريون ولا زالوا يناقشون أشكال الصراع الطبقي في كراريسهم المدرسية.

نكوص لليسار والمثقفين العرب
على رغم أن اليسار لم يكن كتلة موحدة على المستوى الفكري، إلا أن يسار اليوم عبارة عن حالة غير قابلة للتصنيف، فهو أصبح ذا تركيبة عجائبية غير متجانسة. إذ أن هناك تيارات متعددة منها التيار الماركسي اللينيني، التروتسكي، اليسار الراديكالي، اليسار الجديد، إلا أن هذه التيارات والجماعات اليسارية كانت تجمعها مفاهيم ترتبط بتحقيق العدالة الاجتماعية للبشر، وإعلاء قيم العدالة والمساواة، واحترام الحريات العامة، والإيمان بالديمقراطية وكافة المثل الإنسانية التي تحققت بفضل نضال البشرية ضد الاستغلال والظلم والجهل.
لكن أين اليساريين العرب اليوم من هذه المبادئ التي جسدت المعنى الحقيقي والفعلي للفكر اليساري؟
 في الحقيقة لا نجد إلا بقايا من المضامين الفكرية والأخلاقية اليسارية لدى من يطلقون على أنفسهم اليوم قوى اليسار العربي. فمعظم اليساريين في العالم العربي ابتعدوا بشكل واضج عن جذورهم الفكرية والنظرية. وظهر في ربع القرن الأخير تيار يساري أطلق على نفسه اليسار الجديد، هذا التيار يتبنى مفاهيم مختلطة ملتبسة وأفكار مبهمة ومعايير نظرية مزدوجة في الموقف والرؤية. وتمكن هذا اليسار بثوبه الجديد من صياغة تحالفات جديدة، وبناء علاقات مع قوى كانت تاريخياً في الموقع المعادي، وهذا يشكل نكوصاً فكرياً ونظرياً وإنسانياً وأخلاقياً لليسار العربي. حيث أن القيم والمثل والمبادئ التقليدية للتيار اليساري العربي أصبحت مذبذبة وباهتة واتخذت شكلاً هلامياً وضبابياً، وفقد هذا اليسار هويته التي كانت تميزه عن القوى الرجعية التي يصيغ معها الآن تحالفات خرجت عن أي سياق علمي وفكري وعقلاني.
اختلط في المنطقة العربية اليسار مع اليمين، الحداثة مع الفكر المحافظ، القليل من العلم والفكر مع كثير الكثير من الجهل والخرافة. امتزج الفكر المعرفي مع الانتماء القبلي والطائفي، اختلطت العلوم والفلسفة بالفكر المتشدد والتطرف. الثراء الفاحش مع الفقر والجوع، غاب التسامح والتعايش وحضر القتل والاقصاء بقوة. فيما معظم القوى اليسارية العربية تقوم بقراءة الواقع بثوب يساري ونظارة يمينية. وتنظر للمتغيرات في العالم العربي على أنها مؤامرة غربية، وتتخذ موقفاً مسانداً للطغاة العرب، وتدعم الأنظمة الاستبدادية، وتقف في وجه تطلعات الشعوب وحقوقها.
 وبذلك أسقط هذا اليسار كافة المفاهيم والمعايير التي كان يؤمن بها، وكانت لهم مرشداً في تفسير التحولات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات البشرية. وتجاهل اليساريون العرب قوانين المادية الديالكتيكية والتاريخية، وقفزوا عن فكرة الصراع الطبقي، وتغاضوا عن الأسباب التي تقف خلف تطور المجتمع والإنسان، وتنكروا لتاريخ من النضال لأجل تحقيق العدل والمساواة ورفع الظلم عن الإنسان، بل تنكروا لأنفسهم في سبيل الحصول على بعض المكاسب السياسية أو الاقتصادية أو الشخصية من قوى وأنظمة كانت مصنفة تقليدياً في قاموس اليسار وفي المرجعيات الثورية، على أنها قوى رجعية وامبريالية.
اليسار العربي الذي عانى التهميش والاقصاء كثيراً من قبل الأنظمة العربية، وذاق اليساريين العرب حنظل الأمرين من قهر وقمع واعتقالات، هذا اليسار ذاته يقيم اليوم تحالفات سياسية مقدسة مع بعض تلك الأنظمة الطاغية وصلت لدرجة التبعية المقيتة. وصار اليسار العربي يجري تنسيقاً إعلامياً وسياسياً علنياً مع قوى رجعية وأنظمة طاغية، دون أن يتسبب ذلك بأي حرج للقوى "الثورية" التي تراجعت أولوياتها السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية، واختلطت شعارات اليسار مع مواقف اليمين، وتماهى خطابه أيضاً مع الخطاب الديني الطائفي لغوياً وتأويلاً وشعاراً، ومواقفاً متواطئة مع القوى والأنظمة المعادية للشعوب ومصالحها، ومعادية للحريات العامة والخاصة.
الصمت المريب المخجل من قبل معظم اليساريين العرب على الفجور الذي أبدته أنظمة الموت العربية، وحيال التحولات في المنطقة العربية، وعدم اتخاذ موقف واضح وجلي لا لبس فيه من المستجدات والتحديات التي تواجهها الشعوب العربية التي كانت في مركز اهتمام اليسار، بدا أن اليسار العربي كمن أضل دربه وفقد هويته وأضاع رأسه، فظهر بصورة مسخية مشوهة. فبدلاً من أن يقوم بدعم ومساندة الجماهير العربية وتأييد مطالبها، وقيادة الحراك الشعبي لوضعه في مسار ديمقراطي يؤدي إلى إنهاء الأنظمة الشمولية ذات الحزب الواحد والزعيم الواحد والفكر الواحد، والانتقال إلى النظام التعددي الديمقراطي، كمقدمة لبناء الدولة الوطنية الحديثة، فقد آثر اليسار أن ينصاع للسلطة السياسية الرسمية، ويُحجم عن دوره ويتنصل من مسؤوليته مما جعله خارج السياق التاريخي والاجتماعي والأخلاقي.

أهل الكهف
كما أسلفت فقد أحدث سقوط الشيوعية في الاتحاد السوفيتي إلى انقسام اليسار العربي بصورة غرائبية. تيار منهم تحالف مع الحركات الإسلامية بذريعة مناهضة الامبريالية والمشروع الاستعماري في المنطقة، ورويداً رويداً فقد هذا التيار ملامحه الفكرية والسياسية، وتماهى مع الإسلام السياسي بصورة تامة دون تحفظ. وتيار يساري عربي أخر كان معادياً بشدة بالأصل لكافة التيارات الإسلامية فتحالف مع التيارات الليبرالية الجديدة وانتقل من الماركسية إلى الليبرالية وأصبح متقلباً بأهوائه الفكرية، وبعض اليساريين أصبحوا ذيولاً للرأسمالية في يعض الدول العربية. ومع كل هذه الشقلبات لليسار العربي ظل يردد ويزعم أنه يسار ماركسي دون خجل. هذا اليسار الذي فقد فاعليته السياسية ثم فاعليته الفكرية ثم تأثيره الاجتماعي، وعانى من جفاف فكري وتصلب نظري حال دون أن يُقدم على مقاربات نقدية تُخرجه من مأزقه التاريخي.
هذا العطب الفكري الذي عانى منه اليسار العربي تسبب في تشويه هويته الأيديولوجية وملامحه النظرية، حيث فشل كمشروع عدالة اجتماعية، ولم يتمكن من التماسك إثناء وبعد التحولات الكبرى، وأخفق مرتين، مرة في مقاربته الخاطئة والقاصرة للنظرية في الواقع العربي، ومرة حين تاه وتشقلب بعد تفكك المركز ونشوء الحركات الإسلامية في المنطقة، وعدم تمكنه من إقامة علاقات وتحالفات مع هذه القوى الصاعدة بصورة لا تسيء لتاريخه، وخاصة قوى اليسار الفلسطيني واللبناني. هذه العلاقات تتناقض نظرياً مع ما يمثله مشروع اليسار ثقافياً واجتماعياً. لذلك اندثرت تجارب يسارية عديدة في العالم العربي دون عودة.
لم يسهم اليسار العربي في نقد الخطاب الديني بصورة راديكالية، باستثناء كتابات القلة من المثقفين اليساريين مثل "صادق جلال العظم". من الغريب أن يكون المفكرين العرب في العصور الإسلامية أكثر جرأة ووضوح في نقد الخطاب الديني من التيار الماركسي العربي في القرنين العشرين والحادي والعشرين.
لقد غابت ومسحت الفواصل والحدود بين التيار الماركسي العربي والتيارات الليبرالية والقومية والإسلامية واختلطت أفكارهما وامتزجت رؤيتهما وتماهت خطاباتهما.  كانت الشعارات الفكرية والسياسية التي رفعها الماركسيون العرب وكتبوا عنها في القرن العشرين -ولم يتحقق منها شيئاً- تنضح بمصطلحات التحرر والحرية والتقدم والديمقراطية والاشتراكية، حقوق العمال والمرأة وحكم القانون.. الخ. بينما انتشرت في الثقافة العربية خلال القرن الحادي والعشرين مفردات الجهاد وأهل الذمة والردة وبلاد الكفر ودار الإسلام.. الخ.
كان العرب يقرأون للكواكبي والأفغاني وطه حسين وخليل السكاكيني، أصبحوا لا يقرأون سوى كتب الغيبيات وخطب رجال الدين الذين أصبحوا أبطال المشهد الثقافي – أنا لا أعترض على هذا ولست ضد الدين- لكنني أدعو إلى تفعيل العقل النقدي لدى المثقفين، وعدم انصراف عامة الناس إلى ثقافة تفسير الأحلام والتنجيم ومطبخ أم فلان، حتى لا ينتشر الجهل أكثر ويتأصل في العقل العربي وينتصر على العقل والعلم.
في هذه البيئة المشوهة غير الصحية في المجتمعات العربية، كان اليسار العربي غائياً مغيباً نائماً مثل أصحاب أهل الكهف، ولو رفع رأسه قليلاً لرأى الخراب مجسداً في أكثر من مثال. ليس اليسار فقط، بل كافة التيارات القومية والليبرالية والعلمانية والديمقراطية والتقدمية العربية كانت غائبة في هذا المشهد القتالي. ضاعت الحدود واختلطت المفاهيم والمصالح والأهداف بين كافة القوى، وفقد اليسار هويته النظرية ولم يعد هناك فرقاً بينه وبين الليبرالي واليميني إلا في الشعارات. إن اليسار الذي يتحالف مع قوى رجعية ومع أنظمة استبدادية ليس يساراً حقيقياً. واليسار الذي لا يكون مستقلاً ويرضى أن يكون ذيلاً لهذا وذاك ليس يساراً. واليسار الذي يقف في وجه الجماهير ومطالبها في تحصيل حقوقها التاريخية يساراً مزيفاً. اليسار الذي يدافع عن الطغاة وعن الديكتاتوريات هو يسار منافق منحرف انتهازي. واليسار الذي يتماهى مع مجتمعه ويمتنع عن نقد الخرافة والأفكار الجاهلة لأسباب منفعية يكون يساراً مضللاً مخادعاً مداهناً. اليسار الذي لا يُحدث أي تأثير ولا يكون له فعل في رفع الوعي لدى الجماهير ونشر المعرفة وتحديث وتنوير المجتمع ليس يساراً صادقاً.

لا لون ولا نكهة
اليسار العربي تحول إلى حالة هلامية غير متماسكة ولا متجانسة ولا متصالحة، لا لون له ولا طعم ولا رائحة. يسار تعرض للتآكل لأنه غير محصن فكرياً، وأصابته الشيخوخة قبل أن يشتد عوده، ثم وهن وتلاشى فعله، وهو الآن يتحلل قبل أن يندثر تماماً.
والأمة العربية تمر بلحظات فارقة لا تجدي فيها الأحلام الثورية ولا الاختفاء خلف الشعارات والخطابات، على أمل أن يتغير الواقع وحده. هذا لن يحصل ما لم تتسلح النخبة العربية بالشجاعة للبدء في التغيير، وإزالة السدود الفكرية والسياسية والمذهبية والطائفية بين الناس لكي تعبر الأفكار ويختار الناس منها ما يمكنهم على بناء مستقبلهم.
الجماهير العربية التي كانت دوماً وقوداً للثورات والنضال ضد المستعمر، ينتظرون أن تقوم النخب والمثقفين باجتراح الحلول للإشكاليات حتى تحظى بالاحترام لمرة واحدة في عصر لا يعترف بأية بطولة ومجد وحسب ونسب سوى مجد التقدم العلمي والازدهار والعقل والتنمية.



24
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك


حكاية وطن..
الجزائر الفلسطينية وفلسطين الجزائرية



بعد عشرين عاماً على اندلاع الثورة الجزائرية المباركة التي انطلقت في 1/11/1954 وأشعل شرارتها أبطال جبهة التحرير الوطني الجزائرية ضد المستعمر الفرنسي البغيض، وقف الزعيم الراحل "ياسر عرفات" في قاعة المؤتمرات التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وألقى خطاباً تاريخياً مستلهماً الدروس النضالية من التجربة الكفاحية للشعب الجزائري البطل وثورته العظيمة.
إذ أن الدبلوماسية الجزائرية نشطت في سبعينيات القرن العشرين بقيادة الرئيس "عبد العزيز بوتفليقة" الذي كان يشغل منصب وزير خارجة الجزائر آنذاك، وساهمت بفعالية في قيام الأمم المتحدة بدعوة الزعيم الفلسطيني الراحل "ياسر عرفات" لإلقاء خطابه الشهير الذي قال فيه " لقد جئتكم بغصن الزيتون مع بندقية الثائر، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي … الحرب تدفع من فلسطين والسلم يبدأ من فلسطين". وكانت هذه سابقة تاريخية لم تشهدها قاعات المنظمة الدولية من قبل، أن تدعو رئيس حركة تحرر وطني ليقف ويخاطب العالم من منبرها.
كان هذا الحدث في 13/11/1974 خلال انعقاد الدورة التاسعة والعشرين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. وبعد تسعة أيام من خطاب "أبو عمار" في 22/11/1974 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم "3236" المتعلق بالحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، وفي اليوم ذاته أصدرت الجمعية العامة أيضا القرار رقم 3237 ومنحت فيه منظمة التحرير الفلسطينية صفة المراقب في الجمعية العامة.
كانت الدبلوماسية الجزائرية قد استغلت عدة عوامل كانت قائمة في تلك الفترة أحسنت توظيفها لخدمة القضية الفلسطينية وقد نجحت بذلك نجاحاً باهراً. من تلك العوامل ما صدر عن مؤتمر القمة العربي السابع الذي انعقد في العاصمة المغربية الرباط بتاريخ 26-30/10/1974، والذي اعتبر منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. ثم القرارات التي كانت قد صدرت عن حركة عدم الانحياز، ومنظمة المؤتمر الإسلامي القاضية منح "م ت ف" العضوية الكاملة في المنظمتين. ولا شك أن نمو حركة التحرر الوطني الفلسطينية وتصاعد نضالها ضد إسرائيل، وكذلك اتساع رقعة الدول التي اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية والمؤيدة لكفاح الشعب الفلسطيني لتحقيق أهدافه الوطنية، قد ساهما في نجاح الدبلوماسية الجزائرية على تحقيق هذا الاختراق التاريخي لصالح القضية الفلسطينية.

الثورة العظيمة
احتلت القوات الفرنسية البغيضة الجزائر العام 1830 ومارست بحق الشعب الجزائري أقسى أعمال الظلم والاضطهاد، وقامت بتأسيس المحاكم العسكرية ونصبت المشانق للثوار. استمر نضال الشعب الجزائري ضد المستعمر وتصاعد حتى بلغ أوجه في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر العام 1954 لتنطلق الثورة الجزائرية الكبرى، التي استمرت سبع سنوات ونصف من الكفاح الدامي البطولي، وتنتهي بانتصار الثوار والمجاهدين على القوات العسكرية الفرنسية، انتصار الحق على الباطل، والإرادة الحرة على عنجهيات المستعمر، ولم يكن الثمن رخيصاً، بل ثمناً باهظاً، حيث قدم الشعب الجزائري مليون ونصف المليون شهيد على مذبح التحرر والاستقلال.
إن الثورة الجزائرية العظيمة، تتبوأ مكانة مهمة ومتميزة على المستوى العالمي والتاريخي إلى جانب الثورة الأمريكية العام 1776 والثورة الفرنسية العام 1789 وكذلك الثورة البلشفية في روسيا العام 1917 والثورة الإيرانية العام 1979 والثورة المصرية العام 1952.
من الصفحات المضيئة في تاريخ الثورة الجزائرية العظيمة أنها تمكنت من إسقاط سبعة حكومات فرنسية " حكومة مونديس فرانس، وفي موللي، ثم بورجي مونوري، ثم أدكار فور، حكومة فيليكس كايار، حكومة موللي الثانية، وفليملان" بل أنها استطاعت تقويض أركان الجمهورية الفرنسية الرابعة، وألحقت الهزيمة بقوات الجيش الفرنسي المدججة بأحدث أنواع الأسلحة بعد أن أذاقته الذل على يد مناضلي الثورة.
لذلك لقد ألهمت الثورة الجزائرية كافة أحرار العالم وساهمت في تحرير دول القارة السمراء، مما جعل الزعيم الثوري الإفريقي "إميلكال كابرال" يطلق عبارته الشهيرة "إذا كانت مكة قبلة المسلمين، والفاتيكان قبلة المسيحيين، فإن الجزائر قبلة الثوار"، بهذه الكلمات لخص الزعيم الغيني صدى ومفاعيل الثوة الجزائرية التي شُدت لها الأنظار في خمسينيات القرن العشرين، وكانت المثال لجميع حركات التحرر الوطني في العالم لتحقق حريتها.
لقد شكلت الثورة الجزائرية قدوة للكثير من شعوب العالم الخاضعة تحت نير الاستعمار، وخاصة شعوب القارة الإفريقية، حيث فتحت ذراعيها أمام قادة وكوادر حركات التحرر الإفريقية وقدمت لهم التدريب والمساعدات. وقد كانت الجزائر الحاضن الثوري للعديد من أبرز القادة الأفارقة الذين خاضوا معارك التحرر في بلدانهم بدءًا بالزعيم "نيلسون مانديلا ورفيقه ديسموند توتو، توتو وجوشوان نكومو وروبيرت موغابي في زيمبابوي وسامورا ماشل في الموزمبيق وباتريس لومومبا في الكونغو واميلكال كابرال في غينيا وسام أنجوما في ناميبيا".

الجزائر وفلسطين علاقات تعمدت بدماء طاهرة
منذ القدم ارتبطت الجزائر والشعب الجزائري بفلسطين وأرضها المباركة ارتباطاً روحياً عميقاً، حيث في الوعي الجمعي الجزائري تتجذر فتوى الجزائري الإمام الإصلاحي الثوري العلامة " عبد الحميد بن باديس" الذي اعتبر أن من يحج إلى مكة لا يكتمل حجه إلا بالصلاة في المسجد الأقصى، وأضاف أن القدس مثل مكة الدفاع عنها فرض على كل مسلم.
فمنذ دخول الإسلام إليها، ارتبطت الجزائر وبلدان المغرب العربي بفلسطين تاريخياً، حيث توجد مدينة القدس، وإليها كان الجزائريون يشدون الرحال لإتمام العبادات. كما شارك الجزائريون والمغاربة عموماً في الدفاع عن بيت المقدس في جيش "نور الدين زنكي" ومن بعد في جيش "صلاح الدين الأيوبي" في حروبهم ضد الصليبيين لتحرير بيت المقدس. وقد استشهد الكثير منهم في تلك المعارك ودفنوا في القدس التي رووا أرضها بدمائهم الطاهرة.
في العهد الفاطمي قدم كثير من المغاربة والجزائريين إلى مدينة القدس – وكانوا محاربين في الجيش الفاطمي- وقاموا ببناء "حارة المغاربة" في الجهة الجنوبية من القدس بالقرب من الحرم القدسي، وأقاموا فيها، وبعد تحرير المدينة رفض العديد منهم العودة إلى ديارهم وفضلوا البقاء في المدينة المقدسة.
في العصر الحديث ومنذ وقت مبكر، حتى قبل اندلاع الثورة الجزائرية المباركة استحوذت فلسطين وقضيتها وشعبها على اهتمام الشعب الجزائري، حيث ورد في العديد من الدراسات أن أحد قادة الحركة الوطنية الجزائرية وهو "مصالي الحاج" كان قد التقى في بدايات الثلاثينيات من القرن العشرين بقادة العمل الفلسطيني، من بينهم الشيخ "أمين الحسيني" و "أحمد حلمي باشا" رئيس حكومة فلسطين لبحث تقديم الدعم لهم، وكان ذلك في العام 1931.
لم يتأخر الجزائريين ولا المغاربة عن نصرة فلسطين وأهلها وقضيتها ومدها بالسلاح والمقاتلين والمال، ونظموا حملات تعبئة وتضامن وجمع أموال لدعم الثوار الفلسطينيين، إن كان في ثورة العام 1936 أو في حرب العام 1948. وتم تأسيس "الهيئة الجزائرية لمساعدة فلسطين العربية".
الجزائريين اشتركوا بفعالية في القتال ضد الاستعمار البريطاني في فلسطين خلال الثورة الكبرى العام 1936. كما أرسلت "الهيئة العليا لإغاثة فلسطين" التي شكلها علماء الدين والوطنيين الأحرار حوالي مئات المجاهدين إلى فلسطين في العام 1948، إضافة إلى مساهمة الجزائريين المقيمين أصلاً في القدس بعشرات المعارك ضد الصهاينة.
وبعد أن نالت استقلالها قامت الجزائر بافتتاح مكتب لحركة التحرر الوطني الفلسطيني "فتح" ترأسه الشهيد "خليل الوزير" حيث كان هذا المكتب نافذة الحركة نحو حركات التحرر العالمية. وأخذ الشباب الفلسطيني يتوافد على الجزائر إما للتدريب العسكري، وإما للدراسة في المعاهد والجامعات الجزائرية، حيث تمكنوا من الالتقاء بوفود من دول أخرى للتعريف بالقضية الفلسطينية وأهدافها. ودفعت الجزائر بقوة لإنشاء "منظمة التحرير الفلسطينية" في القمة العربية التي عقدت في القاهرة العام 1964. ومنذ ذلك التاريخ لم تفارق القضية الفلسطينية أجندة الدبلوماسية الجزائرية، ولم توفر الجزائر جهدا يذكر في دعم الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية لا سياسياً ولا مالياً ولا دبلوماسياً ولا عسكريا بدون أي تردد. بل أن الزعيم "هواري بو مدين" قال في اختتام مؤتمر الاتحاد العام لطلبة فلسطين الذي انعقد في الجزائر العام    1974 "عندما انعقد مؤتمر القمة العربية الأخير في الجزائر، وضعنا كشرط أساسي لأي عمل عربي موحد في المستقبل هو الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني".
قد يختلف الجزائريون فيما بينهم على قضايا متعددة سياسية أو فكرية، لكنهم يجمعون على حب فلسطين والشعب الفلسطيني، ومتفقون على دعم قضيته الوطنية حتى ينال حقوقه ويبني دولته وعاصمتها القدس الشريف التي يحملها الجزائريين في قلوبهم وفي وجدانهم الوطني والديني والإنساني أينما رحلوا وأين اقاموا. تماماً كما يتفقون على الثورة الجزائرية ورموزها ووحدة الجزائر، والتي هي من ضمن جملة الخطوط الحمر التي لا تحتمل النقاش في الشارع الجزائري. وصل حب فلسطين بالجزائريين أن قاموا بتشجيع الفريق الفلسطيني لكرة القدم خلال مباراة جمعته مع المنتخب الجزائري في العام 2016، وأي شعب حر ومحب لفلسطين يفعل هذا سوى الجزائريين؟
وهذا التضامن مع الفريق الفلسطيني ليس تشجيعاً عاطفياً عابراً، بل هو انحياز لفلسطين التي تأصل اسمها وقضيتها وقدسية أرضها في عمق الوجدان الجزائري، ليس فقط بسبب روابط العروبة والدم والعقيدة وغيرها فحسب، إنما أيضاً بسبب المظلومية التي وقعت على الجزائريين من الاستعمار الكريه، وهذا ما يحصل مع الشعب الفلسطيني. بهذا السياق وضمن الوعي الجمعي لا يمكن للجزائري أن يقبل فكرة التطبيع مع إسرائيل، وأن هذا الأمر وجهة نظر سياسية. بل أن الموقف الشعبي يكبح اية محاولة لدى بعض النخب لتطبيع ثقافي أو تجاري مع الكيان الصهيوني بحجة الحداثة، كما يحصل في العديد من الدول العربية.
لا تجد في الجزائر من يضع القضية المركزية فلسطين محل اختلاف، لا من السلطات الحاكمة ولا من المعارضة السياسية. فلسطين حاضرة بقوة في قلب الطالب الجزائري والمرأة الجزائرية، حتى الأطفال يتعلمون حب فلسطين والأقصى من ذويهم الذين يخبروهم أن لهم في تلك المدينة المقدسة المحتلة "حي المغاربة" وهو وقف تاريخي ونضالي للجزائريين.

دروس الثورة الجزائرية للثورة الفلسطينية
صنع الاشقاء الجزائريون واحدة من أعظم الثورات في العالم استمرت حوالي ثمانية أعوام، نال على أثرها الشعب الجزائري استقلاله وحريته، وانتصر على الاستعمار الاستيطاني الفرنسي الذي امتد نحو مائة وثلاثين عاماً، حاول خلالها المستعمر طمس الهوية القومية للجزائر وتشويه عمقها الثقافي والإسلامي، بهدف تكريس التبعية السياسية والاقتصادية. تماماً كما فعل ويفعل الصهاينة بحق الشعب الفلسطيني البطل.
انتصرت الثورة الجزائرية ووضعت حداً ونهايةً لواحدة من أبرز وأخطر تجارب الاستعمار، جسّد خلالها الشعب الجزائري نموذجاً للفداء والتضحية، ومثلت ثورته نقطة تحول كبيرة وفصلاً جديداً في تاريخ مقاومة الشعوب لجلاديها.
انتصرت الثورة الجزائرية المباركة على الرغم من التباين الكبير في ميزان القوى والإمكانيات والعدة والعتاد، نحن نتحدث هنا عن الفرق بين فرنسا الدولة المستعمرة ذات التاريخ الكولونيالي والمقدرات الكبيرة، وبين الجزائر التي لم تكن تمتلك إلا شعباً عظيماً لديه إرادة فولاذية، شعباً لا يقبل الهوان والظلم.
نجح الشعب الجزائري وثورته الميمونة في انتزاع الاستقلال، نتيجة الانضباط الشديد فيما يتعلق بالاختلافات الداخلية في البيت الجزائري، وسعت قيادة الثورة إلى تعزيز وحدة الصف الوطني وصولاً إلى الانتصار. ولم تنفجر الصراعات الداخلية فيما بين أجنحة الثورة رغم أنه جرت عمليات اغتيال وتصفية رفاق الدرب، ورغم جميع محاولات التآمر الداخلية والخارجية، إلا أن الثورة لم تنحرف عن هدفها الأساسي، ولم تغرق في التناقضات الثانوية وبالتالي لم تعرف مرحلة الاحتراق الذاتي. بقيت جميع فوهات البنادق موجهة نحو العدو الرئيسي وهو الاستعمار الفرنسي الكريه، وهذا أول وأهم درس استراتيجي يمكن نقله من التجربة الثورية الجزائرية لشقيقتها الفلسطينية.
الدرس الثاني هو أهمية وحدة الموقف والهدف. فقد تشكلت جبهة التحرير الوطني الجزائرية في بداية العام 1955 من أبرز الأحزاب الوطنية "جمعية العلماء برئاسة الشيخ محمد البشير الابراهيمي، وجماعة مصالي الحاج، وحزب البيان برئاسة فرحات عباس، واللجنة المركزية المنشقة، وثلاثة من قادة جيش التحرير الناشىء في الجزائر وهم أحمد بن بلة، ومحمد خيضر، وحسين آيت أحمد".
هؤلاء جميعاً وقعوا على اللائحة الداخلية لجبهة التحرير الوطني والتزموا بنهج المقاومة بقيادة جيس التحرير.
ثالث الدروس الثورية التي يمكن نقلها للتجربة الفلسطينية متعلق بإدارة المفاوضات. لقد أقدمت الثورة الجزائرية على العملية التفاوضية من موقع القوة التي فرضها المجاهدين بصلابتهم في أرض المعارك، ولم تقدم الثورة على المفاوضات نتيجة ضعفها وهزيمتها، لأن العمل السياسي لا يعني بحال التفريط بالثوابت الثورية، ولا يمكن لهذا الحراك السياسي أن يتجاوز الخطوط التي حددتها الثورة.
لذلك لم تقدم الثورة الجزائرية على تنازلات استراتيجية تفرط بتضحيات الشهداء، بل رفضت فكرة توقف القتال ثم التفاوض كما اقترحت فرنسا حينذاك، بل استمرت في القتال والتفاوض كمسارين متوازيين حتى انتصرت واعترفت فرنسا باستقلال الجزائر.
اختارت الثورة الجزائرية إطلاق شرارتها الأولى في ظل ظروف مواتية، حيث كانت فرنسا ذاتها تلوك مرارة هزيمتها من ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، وكانت أيضاً متورطة في حرب الهند الصينية، وكانت مصر عبد الناصر في ثورة ألهمت الشعوب العربية وأنعشت آمالهم القومية. وقد انحازت الثورة الجزائرية في صراعها ضد الاستعمار الفرنسي إلى عمقها العربي والقومي، وتمسكت بهويتها الإسلامية، ولم تنغلق على ذاتها.  انفتاح وانحياز للعمق القومي، إضافة إلى اختيار التوقيت الأمثل لبدء معركة ضد العدو، إضافة إلى وحدة الصف والهدف ووضوح الرؤية، هي أهم الاستخلاصات التي يمكن أن تشكل نقاطاً مضيئة لكل قارئ فلسطيني للثورة الجزائرية، بهدف الاستفادة والتعلم والأخذ بأسباب انتصارها، كل هذا مع إدراك السياقات التاريخية سياسياً وعسكرياً واجتماعياً وثقافياً للثورة الفلسطينية، ومحاولة استلهام روح الثورة الجزائرية لتجاوز حالة الإخفاق والاستعصاء التي تعيشها حركة المقاومة الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة، في ظل انقسام وطني، وتشتت الجهود والمقدرات، واستنزاف الطاقات الفلسطينية، مما أدى إلى وضع شائك معقد وخطير تعيشه الساحة الفلسطينية.
أخيراً وليس آخراً، فإن الشعب الجزائري الشقيق الذي وافق على التنازل طواعية عن العديد من حقوقه في سبيل حماية الوطن خلال الثلاث عقود الماضية بعد العشرية السوداء، هذا الشعب ذاته تحرك سلمياً ورفع صوته مطالباً بإجراء إصلاحات جذرية في بنية النظام حفاظاً على الوطن أيضاً، إذ أثبت الشعب الجزائري سلميته ووعيه وحضاريته حين أعلن التصاقه بوطنه وحرصه على وحدته وإصراره على تحقيق مطالبه دون اللجوء إلى أية وسيلة عنفية، وهذا ما يشكل نموذجاً لتصحيح مسار الحراك الجماهيري في الدول العربية، ويمنح الشعب الفلسطيني فرصة لرفع صوته ضد الفاسدين والمنتفعين والمتكلسين والانتهازيين في كافة مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية ودوائر السلطة الوطنية.

الجزائر تعتب على الأشقاء
يقول بعض المثقفين والسياسيين الجزائريين بعتب ومحبة، أن القيادة الفلسطينية تعلم جيداً أدق التفاصيل التي مرت بها الثورة الجزائرية، على الصعيدين العسكري والسياسي، وتجربة الثوار الكبيرة في التمرس بفن إدارة المفاوضات، حيث رفض المجاهدين الجزائريين أكثر من مرة طلب القوات الاستعمارية الفرنسية بدء مفاوضات بين الجانبين مع وقف القتال، خاصة في العام 1957 وفي العام 1959، وأصرت قيادة الثورة على إجراء مفاوضات مع استمرار القتال. لذلك لا تستطيع الجزائر حكومةً وشعباً أن تنظر بعين الرضى لسياسة المفاوضات مع العدو الصهيوني، التي اتخذتها القيادة الفلسطينية كخيار استراتيجي، ويؤلمها كثيراً ويغضبها ما يسمى "التنسيق الأمني" بين الجانب الفلسطيني والجانب الإسرائيلي، وهو أمر لا يمكن أن تسامح به الجزائر، ولا أن تفهم المبررات التي تقدم لها من قبل القيادة الفلسطينية.
الجزائر التي تعتبر القضية الفلسطينية قضية وطنية قدمت لأجلها كل غالٍ ونفيس، يحزنها كثيراً الحال الذي وصلت إليه هذه القضية، وحال الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية من انقسامات وتشرذم وضعف، أصابهم في مقتل. الأمر الذي يفسر ربما الفتور الملحوظ الذي أصاب العلاقات الجزائرية الفلسطينية خلال الأعوام الأخيرة، الأمر الذي يضع تحدياً أمام الدبلوماسية الفلسطينية لترميم جدران هذه العلاقة، ويضاعف المسؤوليات التي تضطلع بها السفارة الفلسطينية في الجزائر.
إن النهوض الثوري للشعب الفلسطيني ما زال إمكانية متاحة، فهو شعب قدم وما زال الكثير من التضحيات، ويمتلك خبرة نضالية في مواجهة المستبد الصهيوني. وحتى يتمكن الفلسطينيين من تحقيق أحلامهم في الحرية والتخلص من قبضة المحتل وبناء الدولة المستقلة، عليهم أن يحسنوا توظيف طاقاتهم البشرية والمادية والمعنوية، وكذلك الاستعانة بكل ما تمتلكه الأمة العربية ومن شأنه أن يعزز الصمود الفلسطيني. على الفلسطينيين أن يستلهموا الدروس والعبر من تجربة الثورة الجزائرية، بهدف تحويل حلم بناء الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف إلى واقع.
الشعب الجزائري صنع ثورته الميمونة التي أدت إلى قيام وبناء دولة الجزائر الحديثة كما نعرفها. دولة لها ثقلها ووزنها المغاربي والعربي والإفريقي والإقليمي والعالمي.
توحد الجزائريون خلف ثورتهم وقيادتهم فكتب لهم النجاح. آمنوا بمشروعهم النهضوي دون تغريب فبنوا دولتهم. وهذا ما نأمل أن يفعله الفلسطينيين.







25




حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمرك

تقدم الحكومة المغربية كل عام أماكن تعليمية مع أو بدون منحة في المؤسسات العامة للتعليم العالي والمهني لآلاف الطلاب العرب والأفارقة ومن دول أخرى مختلفة، بدافع تعزيز وتطوير العلاقات بين المملكة المغربية والدول الشقيقة والصديقة. ولهذا الهدف تأسست الوكالة المغربية للتعاون الدولي (AMCI) في العام 1986 كواحدة من أهم الأدوات الديناميكية المرنة والفعّالة التي يعتمدها المغرب الشقيق في تنفيذ سياساته المتعلقة بالتعاون الخارجي للمملكة. وتدير الوكالة أعمالها وأنشطتها بالتعاون والتنسيق الوثيق مع وزارة الشؤون الخارجية والتعاون المغربية، كما تقوم الوكالة بعقد شراكات مع جميع الوزارات والمؤسسات الحكومية المغربية وكافة إدارات القطاع العام. وتدير الوكالة وتشرف على تطوير وتوسيع وتعميق جميع علاقات المملكة المغربية الثقافية والعلمية والتقنية والاقتصادية مع دول العالم، وخاصة التعاون بين الجنوب جنوب، وتتابع الوكالة كافة المشاريع ذات الطابع العلمي والاقتصادي والأعمال الإنسانية التي يتكفل بها المغرب تجاه دول أخرى.

تقدم الوكالة المغربية للتعاون الدولي آلاف المنح الدراسية سنوياً يستفيد منها طلاب من دول أفريقية وعربية ومن دول أخرى، حيث يستحوذ الطلبة الأفارقة على حوالي 60 في المائة من المنح، بينما يذهب ما نسبته 35 في المائة للطلاب العرب، وخمسة في المائة لطلاب من جنسيات مختلفة، وتخصص الوكالة سنوياً مئات المقاعد الدراسية للطلاب الفلسطينيين للدراسة في الجامعات والمعاهد المغربية. ويدرس حوالي 30 ألف طالب أجنبي في المؤسسات التعليمية المغربية من حوالي 70 دولة. وتوفر الوكالة حوالي ألف سرير لفائدة الطلاب الأجانب من خلال الحي الجامعي الدولي الذي تضطلع الوكالة المغربية للتعاون الدولي بإدارته، بالإضافة إلى ما يوفره المكتب الوطني للأعمال الجامعية الاجتماعية والثقافية من أسرة بمختلف الأحياء الجامعية.

وترتبط السفارة الفلسطينية في الرباط بعلاقات وطيدة مع الوكالة المغربية للتعاون الدولي، وشهدت هذه العلاقات تطوراً هاماً وملحوظاً، نتج عنه زيادة في عدد المنح المقدمة من المغرب للطلاب الفلسطينيين خلال تولي الدبلوماسي اللامع جمال الشوبكي مهامه سفيراً لدولة فلسطين في المغرب، حيث يدرس أكثر من 500 طالب فلسطيني في الجامعات والمعاهد المغربية في مختلف التخصصات. ومن المعروف أن عدداً من كبار المسؤولين والوزراء الفلسطينيين كانوا قد أكملوا دراساتهم العليا في المغرب الشقيق. وفي العام الماضي التقى السفير الشوبكي مع السفير محمد مثقال المدير العام للوكالة المغربية للتعاون، وفي حينها تناول اللقاء أهمية وسبل تعزيز وتطوير مستوى التعاون الثنائي في قطاعات التكوين وتبادل الخبرات بين الوكالة المغربية للتعاون الدولي والوكالة الفلسطينية للتعاون، وزيادة مستوى التنسيق في مجالات الطب والزراعة والبحث العلمي. وكذلك القيام بتنفيذ برامج مشتركة بين الوكالتين في القارة السمراء.

وتستقبل السفارة الفلسطينية في الرباط عبر بعثتها التعليمية ومسؤولها السابق الأستاذ محمد قديح والحالي الأستاذ قاسم الطلاب والطالبات الفلسطينيين منذ لحظة وصولهم إلى المغرب، وتتابع معهم التفاصيل المتعلقة باستكمال إجراءات تسجيلهم في الجامعات المغربية، وكذلك كافة القضايا الإدارية الأخرى من سكن وإقامة ونقل وتبديل.. الخ.

يلقى الطلاب الأجانب الذين يدرسون في المغرب الاهتمام والرعاية التامة من قبل الوكالة المغربية للتعاون الدولي، ويجد الطلاب الفلسطينيين في المغرب كرم الضيافة وحفاوة الاستقبال وطيب اللقاء الذي يتصف به الأشقاء المغاربة، وما عرف عنهم حبهم لفلسطين وشعبها وتعلقهم الروحي والديني التاريخي بمدينة القدس. وكذلك الدور الهام والمتواصل لأمير المؤمنين جلالة محمد السادس رئيس لجنة القدس في رعاية المدينة المشرفة وأهلها، وكان جلالته قد أمر بتخصيص منحة مالية لمدينة القدس خلال الشهور القليلة الماضية، وأمر بإرسال معماريين وصناع تقليديين مغاربة مهرة، لصيانة الأصالة المعمارية للمدينة وصيانة ترثها الحضاري والروحي. وهي مكرمة ملكية سامية لترميم بعض الأجزاء داخل المسجد الأقصى وفي محيطه، دعماً لصمود المقدسيين، ودفاعاً عن الوضع التاريخي لهذه المدينة، وتأكيداً على رمزيتها الدينية وهويتها الحضارية كمدينة للتعايش والتسامح بين جميع الأديان السماوية.

للوكالة المغربية للتعاون الدولي الشكر الكبير والامتنان والتقدير للدور الكبير المهم الذي تقوم به في استقبال ودعم ومساعدة الطلاب من مختلف دول العالم، وتوفر لهم كافة المستلزمات والظروف المناسبة لاستكمال دراساتهم في مختلف المؤسسات التعليمية المغربية. ولمديرها العام السفير الخلوق محمد مثقال كل الاحترام لجهوده العظيمة المهمة وإدارته الناجحة للوكالة.

للمغرب الشقيق كل الحب والوفاء لهذا العطاء المتواصل لفلسطين وشعبها وطلابها. ولأمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس أدامه الله ورعاه أسمى آيات التقدير والعرفان لمواقفه العربية والأفريقية والإسلامية المشرفة.


26
أدب / أبحثُ في رثاء الصمت
« في: 17:13 17/07/2019  »

حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك


أبحثُ في رثاء الصمت


1
تتلوى البيوت
حين يراودها قنديل الريح
من يمحو حكايا الوجوه
عن الجدار
يسائلنا الرثاء
من خيبة
هل عبرتم مرة
حزن المدينة؟
هل أوجعكم الموت سهواً؟
أي جنون حمل السفينة
تطفو فوق العصافير


2
يسيل غيم الوضوء
من صدر السماء
يتأهب الموتى للصلاة
كان التراب فاتحة الجثامين
الركعة الأولى
نامت الجدران قرب لوحة الأنبياء
مدّوا في السجود
مزيداً من الإيمان
نفثوا حزنهم
فوق الشموع الأخيرة
وعادوا إلى السر المعلّق
ينتظرون قيام الليل


3
تأخرت الأبواب المغلقة
وذهبت حقائب الرحيل
يخلع الانتظار من الضجر
لون العصافير
ويرسم القلق زورق السفر
على وسائد الغموض
كان اللقاء على الأبواب
تفتقد الشمس ضباب الشروق
ومفتاح الأسفار يحتضر
نتأمل مطلع القادم
الأحلام أجمل ما في العشاق



4
تلفحنا الملامح الرمادية
فنشتهي المساحات البيضاء
يختطف لون الألواح
وجع اللحظة
كأننا نولد من يقين مُحرّمْ
كم يتشابه قمح الأحلام
لكن خبز المسافات
مرايا أخرى
فكم عمر العثرات ؟
لا أحد في أعباء الغفلة
يفصل بين ضفتي الجنون


5
أبحث في رثاء الصمت
عن صدفة تنتظر
أرمّم أجنحة الجسور
وأغسل زمني ومواسمي
بالمرآة الغائبة
أكتب آخر الأسماء
بماء العيون المنكسرة
سألتها كيف نشفي الذاكرة
وتصحو الدهشة ؟
قالت
إني أشد حقلي
كي أسمعك
لملمْ فتات الوهم
واقطف من قلبك
المواعيد الفائتة
قلت لها
كم يحتاج الفراش إلى زهر
لتغفر الفصول ذنب المطر
قالت
قبل أن يغلق المصير الدائرة
هذا أعمق سر لا يعرفه أحد




6
نخلع من مواسمنا وجه الفراغ
لا جنون آخر
لتأخذنا الطفولة أحجية
هائمة في مساحة العري
مازلنا صغاراً
نشبه الوقت الراكد
على بساط الإيمان
إن أردنا لا نكبر
لدينا ما يكفي من ساقية الصباح
ذات صحراء وأدت ضلال الغيوم
نقشنا أسماء المدينة
في رسائل الغائبين
ورمينا من وجع الجدران
نافذة الرحيل



27
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك


الأسيرات الفلسطينيات
حرائر فلسطين.. شموخ وعزيمة لا تلين

   
رفعت المرأة الفلسطينية اسم فلسطين عالياً، وتواجدت بفعالية في كافة الثورات والانتفاضات والتحركات الجماهيرية وفي كل مفاصل الحركة الوطنية الفلسطينية تاريخياً، وكانت في مقدمة الصفوف، واجهت رصاص وسياط الجلادين الصهاينة أعداء الحياة والإنسانية. فمنذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة في ستينيات القرن العشرين، ساهمت المرأة الفلسطينية في مختلف المراحل النضالية، وشاركت الرجل الفلسطيني جنباً إلى جنب وعلى قدم المساواة في الدفاع عن الأرض التي احتلها المغتصب الصهيوني. شاركت في العمليات الفدائية، وساعدت في نقل الأسلحة وتخزينها، واندفعت المرأة الفلسطينية وحملت السلاح وناضلت بجانب المقاتلين في الذود عن وطنها وكرامتها ومقدساتها. تقاسمت مع الرجل كل شيء، وشاركته حب فلسطين وعشقها الذي نمى وترعرع مع شذى التراب الطاهر. حملت الحجر وشاركت في كل الانتفاضات الوطنية ضد الاحتلال. زرعت الأرض مع الرجل وحصدتها وحدها حين يغيب شهيداً أو أسيراً. لم تتواني المرأة الفلسطينية في بذل الغالي والنفيس من أجل تحقيق أهداف شعبها في الحرية والانعتاق من الاحتلال الصهيوني البغيض. قدمت حليها لشراء الأسلحة الذي حملته لتواجه المحتل. أسهمت بفعالية في تنظيم المظاهرات والمسيرات ضد سياسات الاحتلال الغاشمة. وانغمست المرأة والفتاة الفلسطينية في الانتفاضة الفلسطينية الأولى العام 1987 وكان لها دور محوري في تهيئة مناخات الانتفاضة ونجاحها، حيث أسهمن في تكوين الأطر النسائية في مختلف القطاعات. ودعمت المرأة الفلسطينية الانتفاضة الثانية العام 2000 فكان منهن الشهيدة والجريحة والأسيرة. ولم تتوانى حرائر فلسطين عن حماية المقدسات، فكن الحراس الأشداء المنتشرين في ساحات المسجد الأقصى، ورابطن على أبوابه لصونها ومنع جنود الاحتلال الصهيوني من تهويد وتقسيم الأقصى. وشاركن بقوة في انتفاضة القدس العام 2015 حيث تميزت هذه الانتفاضة بالعمليات الفردية التي قامت بها فتيات وشبان بمقتبل العمر، وسقط منهن العديدات شهيدات برصاص قوات الاحتلال، وجرح وأسر منهن العشرات، وهو ما يدلل على أن دور المرأة الفلسطينية في النضال الوطني لا حدود له في سبيل تحرير الوطن.

حرائر فلسطين
تقبع العشرات من حرائر فلسطين في سجون العدو الصهيوني، يتكدسن في زنازين قاتمة لا يدخلها ضوء ولا شعاع شمس، ضمن معتقلات كالقبور، صامدات خلف القضبان الحديدية، يقضين فترات اعتقالهن التي تستمر سنين طويلة وصلت خمسة عشر عاماً أمضتها عميدة الأسيرات الفلسطينيات في سجون الاحتلال الأسيرة "لينا الجربوني" بتهمة المقاومة. تذوب أعمار هؤلاء الأسيرات في الانتظار خلف زجاج الزيارة الغليظ الذي يحول دون لمس أيادي الأهل والأحبة والأبناء. يعانين في معتقلات وسجون النازيين الجدد أقسى أساليب التعذيب الجسدي والنفسي والاجتماعي التي يبتكرها السجانون الصهاينة. لكن رغم الظروف الكارثية التي تعيش بظلها الأسيرات الفلسطينيات، إلا إنهن صامدات بإرادة وعزيمة قوية صلبة لم يستطع السجان النيل منها ببشاعة تصرفاته. ولم تتمكن الأوضاع الصحية والمعيشية بالغة السوء التي تعاني منها حرائر فلسطين، ولا الإجراءات الاستفزازية والممارسات التعسفية بحقهن من كسر إرادتهن، مما أربك إدارة السجون الإسرائيلية وجعلها عاجزة أمام هذا الصمود الأسطوري للأسيرات الفلسطينيات.

معاناة متواصلة
تتعرض الأسيرات الفلسطينيات في سجون ومعتقلات الاحتلال الصهيوني إلى أسوأ وأقبح وأقذر أساليب التعذيب السادية الوحشية المخطط لها من قبل إدارة السجون الإسرائيلية وأكثرها دموية. ولا يميز السجان الصهيوني في التعذيب بين الأسرى رجلاً كان أم امرأة، لا من الناحية الجسدية ولا النفسية، فهو يتبع ذات أساليب التعذيب المهينة والشائنة مع الأسيرات والأسرى.
إضافة إلى التعذيب الجسدي الذي تتعرض له الأسيرات بصفة متواصلة مثل الضرب والركل واستعمال العنف في أثناء التحقيق، وعدم السماح لهن بالنوم وحرمانهن من الرعاية الطبية وسوء نوعية الطعام المقدم لهن، فإنهن يعانين من التعذيب النفسي بمنع الزيارات عنهن وتحريم التواصل مع ذويهن عبر الرسائل للأسيرات التي يمنع السجان عنهن الزيارة. كما تقوم إدارة السجون الإسرائيلية بحرمان الأسيرات والأسرى من الاحتفال بالمناسبات الدينية أو الوطنية، ويمنعهم حتى من مجرد إظهار مشاعر الفرحة بالعيد.
كما يقوم الجنود بمهاجمة السجون بشكل مفاجئ وهم مدججين بأسلحتهم ويرتدون ثياب القتال، وذلك بهدف إرهاب الأسيرات وتعنيفهن وتفتيش زنازينهن بصورة يتم خلالها إتلاف الأشياء الشخصية للأسيرات ومصادرة الكثير منها. وتقوم إدارة السجون الصهيونية بحظر تواصل الأسرى والأسيرات مع عالمهم خارج السجون، بمنع الزيارات عنهن بذريعة أسباب أمنية، أو بعزل الأسيرات داخل الزنازين الانفرادية لشهور طويلة، الأمر الذي يترك أثراً مؤلماً لدي السجينات نتيجة بتر علاقتهن مع محيطهن الداخلي والخارجي. وتتيح إدارة السجون الزيارة لبعض الأسيرات مرة واحدة شهرياً في بعض الأحيان، وفي معظم الأحيان مرة واحدة كل ستة أشهر للأخريات، وغالباً ما يمنعون الزيارات منعاً باتاً.
تزداد المعاناة وتكون أشد ألماً وأقسى توجعاً عند الأسيرة الأم التي تُحرم من لمس الأبناء والأهل، وإن سُمح لها بتلقي زيارة فعادة ما تكون خلف جدار زجاجي سميك لا ترى أحداً من عائلتها عبره بوضوح، تتحدث معهم عبر سماعات يقوم السجّان بالتشويش عليها ومراقبتها، فترى الأسيرة الأم الأبناء فلذات أكبادها يكبرون بعيداً عن حضنها وحنانها الذي يفتقدونه، ولا تستطيع حتى تقبيلهم.
 
الدعم والمساندة
تحتاج الأسيرات الفتيات والأمهات إلى من يساعدهن على مواجهة القلق والخشية من المستقبل، كونهن يعانين الأمرين، عذابات السجن ووجعه الجسدي والنفسي، والتصدي للضغوط المرعبة التي تحاول إدارة السجون الصهيونية فرضها على الأسيرات للنيل من إرادة المقاومة لديهن، وتعاني الأسيرات مرة أخرى بعد إطلاق السراح من صعوبة الاندماج والعودة للحياة الطبيعية والزواج وإنشاء أسرة، فهن يحتجن مننا جميعاً إلى اليد التي تساعدهن لتخطي فترة ما بعد الإفراج عنهن، وإلى من يعيد إحياء الأمل في نفوسهن، ويحمل لهن بشارة تحرير الوطن من رجس الاحتلال، وهذا أقل القليل الذي يمكن تقديمه للأسيرات الفلسطينيات بعد التحرر من قضبان السجن، فهن يحتجن الحاضنة الاجتماعية والإنسانية التي تساعدهن على استعادة كرامتهن وتشعرهن أنهن محل احترام وتقدير المجتمع الذي يكن لهن كل تعظيم وتبجيل وتوقير لتضحياتهن في سبيل عزة الوطن وكرامته. كما تحتاج الأسيرات المحررات جميع أشكال الدعم المعنوي والاجتماعي والاقتصادي لإعادة انخراطهن المجتمعي ومعالجة الآثار السيئة المتولدة عن سنوات الاعتقال.

توثيق قضايا الأسيرات
يتفنن السجانون الصهاينة في أساليب القمع والقهر والتعذيب والتنكيل بالأسيرات الفلسطينيات وتفتيشهن دون احترام لأي خصوصية للمرأة، ويقوم الجنود بمداهمة الزنازين ليلاً أثناء النوم. ويطبقون سياسة الإهمال الطبي المتعمد بحق الأسيرات اللواتي يعانين أوضاعاً صحية بالغة السوء وخطيرة، داخل معتقلات لا تراعي الحد الأدنى من متطلبات الحياة البشرية، وضمن ظروف معيشية غير إنسانية ومأساوية. فإسرائيل تقوم باعتقال الآلاف من الأسرى والأسيرات الفلسطينيون في زنازين تشبه تماماً القبور تحت الأرض، لا تدخلها الشمس، ورائحة العفونة والرطوبة في هذه السجون تصل إلى عشرات الأمتار وتزكم الأنوف، بخلاف ما تدعيه السلطات الإسرائيلية أنها تحترم القوانين الدولية والشرائع الإنسانية في السجون التي تعتقل فيها الأسرى الفلسطينيون.
والطعام الذي يقدم للأسيرات ممتلئ بالحشرات، وظروف الاعتقال تصيب الأسيرات بالعديد من الأمراض الجلدية والباطنية، والرعاية الطبية منعدمة، ولا تقدم إدارة السجون سوى "الأسبرين" دواءًا لمختلف الأمراض، كما وتتسلل الحشرات والجرذان ليلاً إلى زنازين الأسيرات، مما يفاقم الوضع الصحي والبيئي للاعتقال.
من الأهمية أن تقوم بعض الجهات والمنظمات والهيئات الفلسطينية والدولية بتوثيق قضايا الأسيرات ومعاناتهن وما يتعرضن له من عسف وظلم وتعذيب من قبل قوات الاحتلال الصهيوني وإدارة السجون، وتوثيق الانتهاكات الحقوقية والإنسانية التي تتعرض لها الأسيرات الفلسطينيات التي بلغت منحى خطيراً خلال الأعوام الأخيرة، وكذلك رصد وتسجيل شهادات الأسيرات المحررات حول أوضاع السجون والاعتقال، وحال الأسيرات وأوضاعهن، بهدف فضح سياسات الاحتلال البغيض وكشف ممارسات إدارة السجون البشعة بحق الأسيرات، وتقديم ملفات قضايا الأسيرات والانتهاكات إلى المحاكم الدولية.

المرأة الجبارة
كانت ولا زالت المرأة الفلسطينية تشكل نموذجاً نضالياً لكافة نساء العالم، تقدمت الصفوف في كافة المراحل وفي جميع المعارك الوطنية التي خاضها الشعب الفلسطيني لنيل حريته. لهذا استشهد وجرح منهن الآلاف، ولا زالت العشرات من حرائر فلسطين في السجون الإسرائيلية، تنزف جراحهن قهراً وألماً في المعتقلات الإسرائيلية. لقد قامت قوات الاحتلال الصهيونية باعتقال عشرات الآلاف من النساء والفتيات الفلسطينيات خلال مسيرة الثورة الفلسطينية المعاصرة. ولا يزال العشرات منهن يقبعن داخل الزنازين، بينهن أسيرات قاصرات تقل أعمارهن عن 18 عاماً، وبينهن معتقلات جريحات أصيبن أثناء اعتقالهن برصاص قوات الاحتلال، وفيهن أسيرات متزوجات ولديهن أطفال وكذلك أسيرات أمهات، يتعرضن جميعهن بشكل يومي للضرب والإهانة والتنكيل والسب والشتم من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي.
إن حفلة التضييق والضرب للأسيرات تبدأ منذ لحظة وصولهن إلى مراكز التحقيق، حيث يتعرضن للضرب والشبح لساعات طويلة، يتواصل التعذيب والإرهاب بعد انتهاء فترة التحقيق وانتقالهن إلى أقبية التوقيف حيث تسعى سلطات السجون إلى ابتداع كافة الطرق لإذلال الأسيرات ومحاولة المس بكرامتهن، ويتعرضن لسياسة "دق الشبابيك" صباحاً ومساء حيث يتم تفتيش زنازينهن ذات الأرضية الاسمنتية الباردة جداً في الشتاء وسيئة التهوية، ولكن حرائر فلسطين يواجهن بطش السجان الصهيوني بكل عزيمة وإيمان، ويقاومن جبروته وعنجهيته بمزيد من التصميم على الصمود والنضال لانتزاع حريتهن وحرية وطنهن وشعبهن.

درب الأحرار
تتعرض الأسيرات الفلسطينيات في السجون الإسرائيلية للتعذيب والإهانة والاضطهاد، والتهجم عليهن بالشتائم والألفاظ البذيئة ويحرمن من كافة حقوقهن، ويجري تهديدهن بالاغتصاب، وتصدر المحاكم العسكرية الإسرائيلية بحقهن أحكاماً مرتفعة، ويقوم السجانون بحرمانهن من الطعام والشراب والنوم وتكتيف الأيادي للخلف على الكرسي لساعات طويلة، والتعليق من اليدين أو القدمين، ومنعهن من استخدام المراحيض والاستحمام لفترات طويلة. حتى إن تم نقل الأسيرة إلى مركز طبي لمعالجتها- وهذا نادراً ما يحصل- بعد أن يشتد المرض عليها، تقوم الطواقم الطبية الصهيونية بالاعتداء على الأسيرات بالضرب والشتائم والبصاق وتوجيه الإهانات لهن من قبل الأطباء والممرضين الإسرائيليين ومحاولة إذلالهن وتحقيرهن، مما يتعارض مع أخلاقيات المهنة، مثلما حصل مؤخراً مع الأسيرة المقدسية "إسراء جعابيص" كما روت شقيقتها في اتصال مسجل.
إن خلف تلك القضبان الحديدية الكريهة حكايات وقصص وآهات وآلام ودموع ووجع عميق، وخلف كل قصة تفاصيل مؤلمة وهموم واسعة، موت بطيء تتقاسمه الأسيرات الفلسطينيات في معتقلات الصهاينة النازيين الذين يساومون الأسيرات حتى على تبديل ملابسهن كعقاب قوي رادع في مقابل التوقيع على اعترافات. ويعانين يومياً عذابات فوق طاقة احتمال أقوى الرجال، هناك الأسيرات الأمهات اللواتي يتحرقن شوقاً لمعانقة الأبناء والأهل دون قضبان ولا زجاج ولا جدران. في تلك الزنازين المعتمة الضيقة والباردة تقبع الأسيرات الفلسطينيات بكل شموخ وإباء يتحدين يومياً سياسات إدارة السجون وممارسات الجنود الصهاينة التي تحاول كسر أرادة المقاومة فيهن والنيل من كرامتهن.
هؤلاء الاسيرات ومعهن الأسرى الفلسطينيون هم أسرى حرية وليسوا سجناء جنائيين، ويجب أن تنطبق عليهم اتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بمعاملة الأسرى والجرحى، ومنها عدم محاكمتهم أمام محاكم عسكرية. هن نجمات فلسطين، منابع العطاء لذلك يحظين باحترام وتقدير وتبجيل أبناء مجتمعهن الذين ينظرون لهن نظرة الإجلال والإكبار. هؤلاء هن حرائر فلسطين، شقائق الرجال،  الأسيرات الصامدات الحالمات بمستقبل يتمكن فيه من العيش بحرية وكرامة مع عائلاتهن في وطن حر دون وجود سجون ولا احتلال.


28
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك


غسان كنفاني أية قوة امتلكت..
لهذا اغتالتك إسرائيل

"كان والدي رجلاً طيباً. يشتري لي ما أرغب به. ما زلت أحبه رغم أنه مات. حين أكبر سوف أصبح مثل أبي، وأحارب كي أعود إلى فلسطين، أرض أبي التي حدثني كثيراً عنها وعن أم سعد. رغم أنني وجدت صعوبة في تعلم اللغة العربية، إلا أنه أصبح بمقدوري الآن قراءة جميع ما كتب عن والدي. أحب أنه كان والدي، فهو كان كثير الذكاء، والناس أحبوه. سوف أساعد أمي وأختي من أجل أن لا يحزنا كثيراً، لكننا لن ننساه أبداً"
هذا ما كتبه فايز ابن الشهيد غسان كنفاني عن والده، وكان بعمر العشر سنين حين رحل غسان كنفاني المتعدد المواهب بإتقان، الذي يجيد النضال في جبهات متعددة، ابتدأها بالعمل الصحفي، ليتحول إلى مختلف أنواع الأدب، ويصبح مناضلاً ثورياً، وقائداً سياسياً فيما بعد.

غسان الإنسان
كان غسان ملتصقاً بفلسطين بصورة استثنائية فوهبها حياته. غسان الذي آمن بأن الشعب الفلسطيني يفضل الموت واقفاً على أن يخسر قضيته، وأن هذا الشعب سوف يستمر بالنضال حتى ينتصر، وأنه لن ينهزم أبداً.
كان غسان محبوباً من جميع القوى الفلسطينية، وكان يمتلك قاعدة جماهيرية واسعة، هاجر من فلسطين مع عائلته العام 1948 ولجأ إلى لبنان ودمشق التي درس فيها، وانقطع عن دراسته وسافر إلى الكويت للعمل، ثم عاد مرة أخرى إلى لبنان بعد انضمامه لحركة القوميين العرب.
وهناك في بيروت التقى مع "أنى هوفمن" الفتاة الدانمركية الجميلة التي ستصبح زوجته بعد أسابيع قليلة من اللقاء الذي جمعهما في بيروت، وكانت آني ابنة عامل نجار ومناضل مناهض للنازية. كانت قد التقت لأول مرة في حياتها مع فلسطينيين في العام 1960 اثناء مؤتمر طلابي في يوغسلافيا، حينها سمعت عن فلسطين الكثير، وقررت في العام التالي زيارة مخيمات اللجوء الفلسطينية في سورية ولبنان، وهناك تعرفت بغسان كنفاني الذي كان صحفياً شاباً يعمل في صحيفة الحرية. وأنجبا خلال الخمس سنوات بعد زواجهما طفلين هما "فايز" الذي اسماه غسان على اسم جده و"ليلى".
وفي مناسبات متعددة ذكرت أني أن غسان كنفاني كان فخوراً جداً كونه فلسطينياً، وكان يتمتع بمواهب متعددة، وكان إنساناً رائعاً يتمتع بحس المرح، وله قدرة لافتة على التعامل مع الآخرين، أيضاً كان يمتلك قلماً نقدياً لاذعاً في المقالات السياسية والاجتماعية، وكان غزير الإنتاج الكتابي والإبداعي كأنه نبع متدفق، وكان غسان زوجاً محباً وأباً صالحاً.
اغتيل غسان وهو بعمر الشباب والعطاء، ورغم ذلك ترك خلفه ثمانية عشر مؤلفاً بين الرواية والقصة والمسرحية، ومئات المقالات في صحف متعددة، حتى أنه كان يكتب تحت أسماء مستعارة، مثل "أبو متى" و"أبو فايز" و"فارس".
بعد عدة أسابيع من لقاءه وآني قال لها "هل تتزوجيني؟ أنا رجل فقير بلا مال ولا وطن، وأعمل في السياسة، وحياتي خطرة وأنا مهدد ومصاب بالسكري"

النكبة الكبرى
حين احتلت فلسطين من قبل الصهيونية في العام 1948 واقتلع أهلها وتشردوا في بقاع الأرض، كان غسان كنفاني طفلاً بعمر 12 عاماً، فخرج مع عائلته وأصبحوا جميعاً لاجئين في لبنان. قبل خروجهم أخبره والده أن الجيوش العربية سوف تدخل إلى فلسطين وسوف يتم طرد الصهاينة الدخلاء من أرض فلسطين، وأنهم سوف يعودون بعد ذلك. لكن ما حصل في الحقيقة التي التقطها غسان مبكراً أن لا الجيوش العربية تمكنت من استعادة قرية فلسطينية محتلة واحدة، ولا أحد من الشعب الفلسطيني الذي خرج من وطنه تمكن من العودة. وفي رواية "أرض البرتقال الحزين" يصف غسان وجع اللحظة، وألم الفاجعة، والقهر الذي أبكى أباه، وولدت المرارة التي ستشكل هوية كتاباته من تاريخ النكبة لغاية انطلاق المقاومة الفلسطينية المعاصرة.
عمل غسان كنفاني مدرساً في مدارس وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين وهو شاب صغير، كي يساعد والده على إعالة العائلة. في عمله كأستاذ يكتشف غسان عوالم الأطفال اللاجئين، الذين لم يتمكنوا من رسم أنواع معينة من الفاكهة لعدم وجودها في مخيم اللاجئين، ولأن الصغار لم يروها من قبل لأن الآباء لا يمتلكون ثمنها. وعرف أن الأطفال يخرجون من المدرسة في فترة ما بعد الظهر ليحملوا صندوقاً خشبياً فوق رؤوسهم، لبيع الكعك للمارة في الطرقات أو المقاهي أو أمام أبواب السينما، يظلون هكذا حتى ساعات الليل مقابل قروش قليلة يساعدون الأهالي.
كان هؤلاء الفلسطينيون الفقراء هم الذين قاوموا وقاتلوا من أجل ألا يتم احتلال فلسطين من الصهاينة، ومن أجل ألا تسقط فلسطين ويسقطون معها. وهاهم اليوم لاجئين في مخيمات التشرد، يصارعون ويكافحون لأجل البقاء على قيد الاستمرار.

أدب غسان كنفاني
إن الثقافة هي انعكاس للسمات الرئيسية التي تشكل وجدان وضمير الأمم، والتي تعكس أصالتها وقيمها وموروثها الفكري والعلمي والشعبي، وتشمل العقائد والفنون والآداب والأخلاق والقانون والعلوم والمعارف، وتمثل بصمة تميز أمة عن سواها. وبهذا فإن الأدب بكافة أنواع ما هو سوى انعكاساً للواقع وتفاعلاته وأحداثه، حيث أن الأدب شكل من اشكال الوعي الاجتماعي الذي يمكن اعتباره وثيقة تاريخية لحقبة ما.
بهذا المعنى إن الأدب الفلسطيني شكل دوراً توثيقياً للتاريخ الفلسطيني، خاصة الرواية التي عايشت مختلف المراحل التي مر بها الشعب الفلسطيني منذ بداية القرن العشرين، مروراً بالنكبة الكبرى عام 1948، وفترة ما بعد نكسة حزيران عام 1967، وما تلاها من أحداث، وصولاً للفترة الحالية. كما أن الرواية الفلسطينية قد عالجت كثير من القضايا الاجتماعية والوطنية والسياسية والإنسانية للشعب الفلسطيني، وأجرت مقاربات جادة مبدعة لفاجعة تشريد هذا الشعب وتهجيره ولجوئه، ومقاومته وتضحياته وهويته. حتى يصح أن نقول إن الرواية هي فلسطين، وهو ما يمكن للقارئ أن يلاحظه بوضوح في روايات غسان كنفاني، الذي اعتبر- وهو الأديب والمناضل- في كتابه "أدب المقاومة" أنه لا يمكن للكاتب والأديب والروائي أن يكتب عن فلسطين وعن المقاومة دون أن يكون جزءًا منها. وهذا يعني ببساطة أن الأدب الفلسطيني وفن الرواية مرتبطان بشكل وثيق بالتاريخ الفلسطيني، وبتاريخ الوجع والقهر والتشرد والمقاومة، منذ النكبة لغاية يومنا هذا. لكن الأدب أيضاً مرتبط بالمبدع المنتج للأدب، وبشخصيته وموقفه وأدواته، ومقدرته على قراءة الواقع واستشراف القادم. غسان كنفاني كان واحداً من أهم المبدعين الفلسطينيين الذين تمكنوا من هذه المقاربة التي أتاحت لنا أن نرى فلسطين بتفاصيلها وأصالتها وشموخها من خلال النوافذ التي شرّعها لنا غسان كنفاني، وكأننا نشاهد فلسطين للمرة الأولى، ونشاهد معها أنفسنا وآباءنا وأجدادنا.
الأدب الذي انتجه غسان كنفاني يؤرخ فترة مهمة من تاريخ الفلسطيني، ورحلة اللجوء والمنافي، رحلة التشرد والقهر، رحلة المعتقلات، والمقاومة، الذي كان غسان جزءًا منها ومشاركا فيها كلاجئ وأديب ومثقف ومقاوم صاحب رؤية وفكر وانتماء. فكتب روايتين ولم يكن عمره قد تجاوز 23 عاماً، هما "أرض البرتقال الحزين" و"رجال في الشمس".
في روايات غسان كنفاني ترى اللاجئ الفلسطيني قد خرج من إطار الأرقام الذي وضعته داخله الأمم المتحدة وهيئاتها الإنسانية، وعبر من الأوراق ليتحول إلى إنسان يحمل جرحه ومعاناته ووطنه أينما اتجه. رصدت روايات غسان تفاصل حياة الفلسطيني بكافة شرائحه، وانحاز إلى الفقراء والمضطهدين والبسطاء اختياراً واعياً فكرياً وأيديولوجياً وسياسياً. ولم يراوده الشك لحظة في قراره أن يكون ذاك المثقف العضوي المشتبك مع قضايا شعبه ووطنه.
هذا ما نستطيع أن نلمسه في جميع روايات غسان. ففي رواية "أم أسعد" يذكر غسان أن على المثقفين والمناضلين التعلم من الجماهير وتعليمها. بهذا هو يحدد موقعه الطبقي والنضالي. وفي رواية "أرض البرتقال الحزين" يصف رحلة اللجوء الموجعة إلى لبنان، التي حولت الفلسطيني -شأنها في ذلك شأن رحلة لجوء الفلسطيني إلى دول أخرى- من إنسان طبيعي يعيش في بيته ووطنه، إلى لاجئ بلا بيت وبلا وطن. ربما هذا قد يكون واحداً من أبرز سمات أدب غسان كنفاني، الذي جعلته بصورة أو بأخرى أدب التاريخ الفلسطيني.

الانحياز للفكر الثوري
شهدت خمسينيات القرن الماضي حالة ضياع للشعب الفلسطيني، الذي عاش في مخيمات اللجوء، يعاني الإحباط وتداعيات الهزيمة. في ظل هذه الأجواء سافر غسان كنفاني إلى الكويت للعمل. ومن هناك بدأت صفحة جديدة في حياته، إذ انضم لحركة القوميين العرب وبدأ نشاطه السياسي، وبدأ يكتب في الصحف عن فلسطين والنكبة، وعن أحوال اللاجئين. وفي تلك الفترة كتب روايته "رجال في الشمس" التي رصدت حالة الفقر والضياع والطحن والتهشيم للإنسان الفلسطيني، الذي تم اجتثاثه من بيته، وتركه وحده يواجه المحق وضنك الحياة.
وفي تلك المرحلة أيضاً تبلورت أفكار غسان كنفاني وحدد خياره الأيديولوجي، حيث اتجه نحو الماركسية والفكر اليساري الثوري. كما شكلت المرحلة نقطة انعطاف ليس فقط سياسياً وفكرياً ونضالياً، إنما إبداعياً أيضاً، حيث انتقل أدب غسان من حالة توصيف النكبة ورحلة اللجوء والتشرد التي اتسمت بالإحباط، إلى حالة من رفض الواقع والتمرد عليه بهدف تغييره.
شكلت هزيمة عام 1967 بداية حقبة جديدة من حياة الشعب الفلسطيني، حيث سيصبح التمرد والتحدي وانطلاقة الفعل الوطني التحرري الفلسطيني، سمات هذه المرحلة التي كانت بداية العمل الثوري. أسس غسان صحيفة "الحرية" ثم أنشأ مجلة "الهدف" التي كانت الصحيفة التي تتبع للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بزعامة الدكتور جورج حبش، وظل غسان رئيس تحرير الهدف حتى استشهاده العام 1972، وكانت فترة العطاء بالنسبة لغسان الذي توزع جهده بين الكتابة في الهدف، والكتابة في الصحف اللبنانية، وبين الاجتماعات الحزبية واللقاءات السياسية، والكتابة الإبداعية.

لا تنتظروا أحداً
عبر غسان كنفاني عن حالة الوعي التي تبلورت لدى طليعة الشعب الفلسطيني بعد هزيمة 1967، وعن أهمية وضرورة استنهاض القوى لأجل بلورة فعل مقاوم يغير الواقع، في رواية "ورقة من غزة". ثم اتسمت كتاباته لاحقاً بالتمرد والحس الثوري، وقدرة غسان الفائقة على التقاط اللحظات والمنعطفات التاريخية في حياة الشعب الفلسطيني، وإعادة صياغتها، وتنقيتها من خطاب النفاق العربي الرسمي، الذي اثبت عجز الأنظمة العربية عن تحرير فلسطين، بل تسببت بضياع ما بقي منها.
في العام 1969 كان غسان عضواً في المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الفصيل الفلسطيني اليساري، وناطقاً رسمياً باسمها، ورئيس تحرير مجلة الهدف. شهدت تلك الفترة سيطرة الفصائل الفلسطينية على منظمة التحرير الفلسطينية، وانطلاق الكفاح المسلح ضد العدو الصهيوني، وتحالف المقاومة الفلسطينية مع القوى التقدمية اللبنانية. وفي هذه الأجواء الثورية كتب غسان رواية "عائد إلى حيفا" في لحظة مهمة من حياته الثورية والأدبية. حيث أدرك غسان أن الصراع مع العدو هو صراع الوجود، صراع على الأرض والهوية والوطن. لذلك آمن غسان بالكفاح المسلح وبكافة أشكال النضال الوطني، وبذلك يكون قد امتلك الوضوح والرؤية والموقف والصلابة والجرأة التي لم يمتلكها كاتب سواه.
في رواية "أم سعد" يجدد غسان انتماءه للشعب وبهذا يقترن الفعل الثوري بالبعد الطبقي، وينتقد عقول المثقفين، ويعتبر أن الجماهير الفلسطينية في المخيمات هم الناس الفقراء الذين يدفعون ثمن النكبة والتشرد، وهم أصحاب المصلحة الحقيقية للعمل الثوري، لأنهم الأكثر تضرراً. فكانت أم سعد صرخة غسان وصوته وتعبيراً عن موقفه الثوري والأيديولوجي. وبعد أن استوعب الدرس ودفع ثمنه غالياً بات على الفلسطيني أن يقاتل وحده الآن دون أن ينتظر قدوم الجيوش العربية.

أي قوة امتلكت يا غسان
في تعليقها على عملية اغتيال غسان كنفاني قالت "غولدا مائير" التي كانت رئيسة الوزراء الصهيونية حينها " تخلصنا اليوم من لواء فكري مسلح، كان يشكل خطراً على إسرائيل أكثر مما يشكله ألف فدائي مسلح". وغاب عن هذه المرأة الفاشية أن إرث غسان الأدبي وقيمه الثورية وكتاباته وافكاره ما زال الفلسطينيين يتناقلونها وهي كانت ولا زالت تشكل مصدر إلهام للأجيال الفلسطينية.
غسان كنفاني، الأديب المبدع، المثقف العضوي، المناضل الثوري، القائد المنظر، الشاب الوسيم، الأب والزوج الإنسان، الجذري الأممي، الخطيب والمتحدث، السياسي والروائي والحزبي المؤدلج، الذي كان يجيد التحدث بالإنجليزية بطلاقة. غسان صديق الفقراء ونصير المضطهدين، غسان الموثق لتاريخ فلسطين والمحلل لأحداثه، غسان المحرض الثوري. غسان كنفاني الإنسان الاستثنائي، الذي أرعب الصهاينة بالقوة التي يمتلكها. غسان تحول شهيداً وهو بعمر 36 عاماً، حين أقدمت أيادي الغدر الصهيونية "الموساد" على اغتياله بعبوة ناسفة فجرت سيارته، مع ابنة أخته لميس في بيروت بتاريخ 8/7/1972.






29
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك


أسوار الأبارتهايد.. مفارقات فلسطينية جنوب أفريقية

شهدت الفترة الممتدة من منتصف السبعينيات لغاية منتصف الثمانينيات من القرن العشرين أحداثاً هامة تركت أثراً بليغاً على القضية الفلسطينية، ما تزال تداعياتها مستمرة إلى وقتنا الحاضر. من أبرز هذه الأحداث أنه في فترة لم تكن جراح خروجهم من الأردن العام 1971 قد شفيت تماماً. تم زج الفلسطينيين في الحرب الأهلية اللبنانية، بعد أن أقدمت ميليشيا الكتائب اللبنانية بإطلاق النار على حافلة كانت تقل فلسطينيين اثناء عودتهم إلى مخيم تل الزعتر، من مهرجان سياسي في مخيم شاتيلا، في العام 1975 مما أدى إلى استشهاد 27 فلسطينياً من ركاب الحافلة، في حادثة عرفت باسم "بوسطة عين الرمانة" التي شكلت شرارة اندلاع الحرب الأهلية التي استمرت خمسة عشر عاماً.  في العام 1977 زار الرئيس المصري الراحل أنور السادات مدينة القدس المحتلة. وفي العام 1978 وقعت مصر وإسرائيل معاهدة السلام الشهيرة التي عرفت باسم "اتفاقيات كامب ديفيد". اشتعلت شرارة الحرب العراقية- الإيرانية في العام 1980 واستمرت لمدة ثماني سنوات، انشغل العرب خلالها بهذه الحرب الدموية التي استنفذت مقدرات الدولتين، وكان الخاسر منها إضافة إلى شعبي البلدين هو القضية الفلسطينية. ثم أقدمت إسرائيل على تنفيذ عدوانها الوحشي على الأراضي اللبنانية في العام 1982، وبعد حصار مدينة بيروت من قبل الجيش الإسرائيلي الذي استمر لمدة ثلاثة أشهر، قاوم خلالها المقاتلون الفلسطينيون هذا العدوان ببسالة لا مثيل لها، وانتهى باتفاقية بين منظمة التحرير الفلسطينية والمبعوث الأمريكي "فيليب حبيب" قضت بخروج القوات الفلسطينية من لبنان إلى دول عربية أخرى، فكانت تونس واليمن ثالث المنافي للمقاومة الفلسطينية بعد الأردن ولبنان.
 في العام 1983 أعلن عدد من قيادة وكوادر وأعضاء حركة فتح الانشقاق عن الحركة وتأسيس ما بات يعرف لاحقاً "فتح الانتفاضة" بزعامة كل من العقيد أبو موسى، وقدري، وأبو صالح. في عمان عقد المجلس الوطني الفلسطيني دورته السابعة عشرة العام 1984 وكان من أبرز قراراته إعلان برنامج الجبهة الوطنية العريضة، التي ستقوم في إطار منظمة التحرير الفلسطينية لحماية وحدتها وصيانة خطها الوطني، بالتصدي لنهج الانحراف والاستسلام. وكذلك رفض قيام قيادة فلسطينية بديلة، وعدم إقامة مؤسسات موازية لمؤسسات منظمة التحرير.
نجحت القيادة الفلسطينية رغم كل العراقيل، في بدء حوار وطني الفلسطيني بدءاً من يوم 14/4/1987 في مدينة الجزائر بين الفصائل الأساسية.  تكللت جولات الحوار بعقد الدورة الثامنة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر 20/4/1987 التي خرجت منها منظمة التحرير الفلسطينية موحدة وقوية ومتفقة على برنامج سياسي وتنظيمي واضح.

ما قبل اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى
بخسارتها لقاعدتها العسكرية الرئيسية في بيروت وبقية الأراضي اللبنانية، وفقدان مؤسساتها المدنية والمالية والخدماتية، ضعفت مكانة منظمة التحرير الفلسطينية، وتقلص حجم تأثيرها شعبياً وعلى الساحة الدولية. لكن هذا الأمر شكل تحدياً لفصائل المنظمة بهدف توجيه جهدهم واهتمامهم نحو الداخل الفلسطيني، في مدن الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس. على اعتبار أن هذه المناطق المحتلة هي الركيزة الرئيسية للنضال ضد العدو الصهيوني، وهي كذلك العمق الجغرافي والخزان البشري. هذا أسهم بتزايد واتساع وتطوير الأنشطة الجماهيرية والثقافية والنقابية والطلابية، مما شكل التربة الثرية لاندلاع الانتفاضة الوطنية الفلسطينية الكبرى أواخر عام 1987 التي شكلت أحد أهم معالم النضال الوطني الفلسطيني.
كان هذا يتم في ظل أجواء ضاعفت إسرائيل خلالها في بناء المستوطنات، وتصاعدت حدة تهجير السكان الفلسطينيين من منازلهم، ومصادرة أراضيهم، ومنعهم من الزراعة، مما أجبر عدداً منهم للعمل لدى الإسرائيليين بأجور قليلة ومعاملة تتسم بالتمييز العنصري. كما عانى الفلسطينيين من صعوبات شديدة في التنقل والحركة بين القرى والمدن، حيث كانت القوات الإسرائيلية تحاصرهم، وتمنع عليهم السفر إلا من خلال تصاريح تمنحها لهم بشكل مسبق. إلى جانب ما كان المواطنين الفلسطينيين يتعرضون له من تفتيش مذل على الحواجز وفي المعابر. وكانت إسرائيل تخصم من أجورهم 20 بالمائة بذريعة تحسين الخدمات في الضفة والقطاع، لكن تلك الأموال كانت ترسل إلى الخزينة العامة الإسرائيلية.

الانتفاضة المجيدة
في مساء يوم الثامن من كانون الأول/ديسمبر العام 1987 أقدم المستوطن الصهيوني المتطرف "هرتسل بوكبزا" على قتل أربعة عمال فلسطينيين دهساً بشاحنته، كانوا يقفون على حاجز "بيت حانون" الإسرائيلي. وهم الشهيدين طالب أبو زيد 46 عاماً، وعلي إسماعيل 25 عاماً، من مخيم المغازي وسط قطاع غزة. والشهيدين عصام حمودة 29 عاماً، وشعبان نبهان 26 عاماً من جباليا البلد شمال قطاع غزة.
في الصباح التالي عم الغضب الجماهيري مخيمات جباليا والمغازي أثناء مراسم تشييع الشهداء، وانطلقت عدة مظاهرات عفوية وساخطة، تحولت سريعاً إلى مواجهات عنيفة مع قوات الاحتلال الإسرائيلي، أدت إلى استشهاد الشاب "حاتم السيسي" فكان أول شهداء الانتفاضة المجيدة.
انتقلت المواجهات الشعبية إلى مخيم بلاطة في مدينة نابلس وإلى بقية المخيمات والقرى والبلدات والمدن الفلسطينية. شارك فيها الجميع من كل بيت وحارة وحي بالحجارة والأغنية والقلم واللوحة. في اليوم الثاني للانتفاضة استشهد الشاب "ابراهم العكليك" وعمره 17 عاماً. ثم استشهدت الشابة "سهيلة الكعبي" بعمر 19 عاماً. ثم استشهد الطفل "علي مساعد" بعمر 12 عاماً. لتشتعل فلسطين بأكملها تحت اقدام قوات الاحتلال، في مواجهات استخدم فيها الشباب الفلسطيني الحجارة ضد الجنود الصهاينة، وقتل خلالها مئات الفلسطينيين، وجرح واعتقل الآلاف. بحسب بيانات مؤسسة رعاية أسر الشهداء والأسرى، فقد استشهد في الانتفاضة الأولى 1550 فلسطينياً، وتم اعتقال 10 آلاف، وبلغ عدد الجرحى حوالي 70 ألف جريح، يعاني 40 بالمائة إعاقات دائمة، 65 بالمائة شلل أو بتر أحد الأطراف. وهناك 40 سجيناً فلسطينياً استشهدوا داخل السجون الإسرائيلية نتيجة التعذيب خلال فترة الانتفاضة.
الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي اندلع لهيبها في التاسع من كانون الأول/ديسمبر 1987 واستحوذت على إعجاب وتعاطف وتضامن الشعوب والدول في كافة الأرجاء، وتسببت في صدمة للعقل الغربي الذي كان يتبنى الرواية الإسرائيلية التي كشف زيفها أطفال انتفاضة الحجارة. تكسرت صورة إسرائيل "الوديعة" عبر وسئل الإعلام ومحطات التلفزة، وهي تنقل مشاهد قيام الجنود الصهاينة بتكسير عظام المتظاهرين الفلسطينيين بالهراوات والأحجار، تنفيذاً لأوامر "اسحق رابين" رئيس الوزراء الإسرائيلي حينذاك، بعد أن فوجئ بصدى الانتفاضة وشدتها. حيث أنه للمرة الاولى منذ مرور أربعين عاما على الصراع العربي الاسرائيلي، دخل السكان الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة- حوالي مليون ونصف شخص- في مواجهة مباشرة مع إسرائيل. أفضت هذه الانتفاضة التي استمرت ست سنوات إلى قيام منظمة التحرير الفلسطينية بالتوقيع على اتفاقيات أوسلو في العام 1993.

سحر الانتفاضة
الانتفاضة الفلسطينية الأولى أبهرت العالم باتساعها وشموليتها ومستواها التنظيمي العالي، ونالت تضامن دول وأحزاب وقوى وشخصيات وشعوب متعددة في العالم. من أبرز ما يميز تلك الانتفاضة كونها حركة مقاومة جماهيرية شعبية غير مسلحة، شاركت فيها كافة شرائح المجتمع الفلسطيني. وبأنها كانت ذات مستوى مرتفع من الانضباطية. كما تمتعت بمقدرة هائلة على التواصل والديمومة لمدة ست سنوات رغم آلة البطش والقمع التي جابهت فيها إسرائيل جماهير الانتفاضة. ومشاركة واسعة من المرأة الفلسطينية في مجريات الانتفاضة، مما أحدث قيماً اجتماعية جديدة في المجتمع الفلسطيني المحافظ. ومن مكامن قوتها هو وجود قيادة وطنية موحدة تألفت من ممثلين عن كافة الفصائل والقوى واللجان الشعبية الفلسطينية. كان لهذه القيادة رؤية سياسية وأهداف واحدة، هي وقف الاحتلال وإنهاء الاستيطان، وبناء دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس.
قامت القيادة الموحدة بتشكيل لجان شعبية متعددة ومتخصصة، ابتداء بلجان القوى الضاربة، انتهاء بلجان الزراعة، مروراً بلجان التجار والتعليم والمرأة والتموين وسواها. لعبت تلك اللجان دوراً محورياً باعتبارها الأداة التنظيمية الأساسية التي استخدمتها القيادة الموحدة للتواصل مع الجماهير. تعاظمت قوة هذه اللجان مع تصاعد الانتفاضة، وكانت واحدة من أهم ما أنجزته قيادة الانتفاضة، لأنها عكست قوة وصلابة التنظيم الداخلي للانتفاضة.
لقد تمكنت القيادة الموحدة من تجميع وتحشيد وتوحيد كافة القوى الفلسطينية، ثم بدأت في مرحلة ثانية من استثمار المواجهات الشعبية والهبات الجماهيرية العفوية، وتوظيفها لخلف حالة من النضال المنظم المبرمج، والصراع الشامل المفتوح ضد قوات الاحتلال، من أجل تحقيق أهداف الانتفاضة. واستطاعت من مد جسور التواصل المستمر مع القيادة الفلسطينية خارج فلسطين.
من أهم الدروس المستخلصة من تجربة انتفاضة الحجارة أنها ابتعدت عن مغريات الحلول البسيطة والإنجازات السريعة، وأدركت أن طريق المواجهة مع دولة العدوان شاقة ومكلفة وتحتاج صبراً وجلادة. ثم أن قيادة الانتفاضة تجنبت بوعي الدعوات لرفع السلاح وممارسة الكفاح المسلح ضد قوات الجيش الإسرائيلي، واعتمدت سياسة العنف المحدود باستخدام الحجارة والزجاجات الحارقة. وركزت على النفس الطويل الذي يضمن استمرار زخم المواجهات مع الاحتلال، وبنفس الوقت لا يرهق الجماهير أكثر مما تحتمل. كما أنها وضعت استراتيجية فك العلاقة مع مؤسسات الاحتلال، من خلال استقالة العاملين في الإدارات المدنية، ورفض دفع الضرائب، والدخول في عصيان مدني شعبي تدريجي.

مقاربة ضرورية
خاضت الجبهة الديمقراطية الموحدة في جنوب أفريقيا نضالاً جماهيرياً واسعاً وتصاعدياً ضد نظام الفصل العنصري، أدى في النهاية إلى إنهاء هذا النظام. وقد ضمت الجبهة حوالي أربعمائة منظمة وجماعة قادت النضال الجماهيري في مواجهة العدوانية المتزايدة للنظام، والتي أدت في النهاية إلى إسقاطه. في الحالة الفلسطينية كانت القيادة الموحدة للانتفاضة هي التي قادت النضال الجماهيري.
فيما كان حزب المؤتمر الوطني الأفريقي هو القوة السياسية الرئيسية المناهضة لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، كانت منظمة التحرير الفلسطينية هي التي تقود نضال الشعب الفلسطيني. قيادة حزب المؤتمر كانت إما في المعتقلات أو في المنافي، وهذا ينطبق إلى حد كبير على قيادة الشعب الفلسطيني. قبل سقوطه بحوالي عشرة أعوام تغّول نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا كثيراً وزاد من الأفعال العنصرية والعدوانية. تماماً مثلما فعلت إسرائيل. واجه المؤتمر أزمات في الركود الجماهيري، وتغير الحال بداية من الانتفاضة الطلابية عام 1976 ومن ثم ظهور "حركة الوعي الأسود" في عام 1979. وهذا يشبه الأزمة التي عانت منها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بعد الخروج من بيروت والانشقاق الذي حصل في حركة فتح.
شكلت الانتفاضة الفلسطينية قيادتها الموحدة والمؤلفة من ممثلي عن كافة الفصائل والقوى والأطر الفلسطينية، وفتحت قنوات اتصال مع القيادة الفلسطينية في الخارج. في تجربة جنوب أفريقيا قادت "الجبهة الديمقراطية الموحدة" نضال الجماهير، وأقامت علاقات تنسيقية مع حزب المؤتمر، لكنها كانت مستقلة تماماً بقراراتها وإدارتها للصراع.
اعتمد المؤتمر الوطني وسيلة الكفاح المسلح شكلاً رئيسياً لنضاله ضد حكومة الفصل العنصري حتى بداية الثمانينيات. تأثير هذا الشكل النضالي كان محدوداً جداً بسبب الخلل الكبير في ميزان القوى بين الطرفين، لكن المؤتمر خاض كفاحاً مسلحاً بهدف لفت أنظار العالم وشد أزر الجماهير. في مرحلة لاحقة تراجع العمل العسكري وأصبح النضال السياسي والجماهيري هو الشكل الرئيسي. وهذا ما فعلته قيادة الانتفاضة الفلسطينية في تجنب العمل العسكري واعتماد النضال الجماهيري المتنوع.
ترك المؤتمر الوطني وقيادته في الخارج قيادة المعركة لقيادة الجبهة الديمقراطية الموحدة في الداخل، واكتفى بتنسيق المواقف والتشاور معها، دون أن يغضبه ذلك أو أن يقلل من شأن القيادة في الخارج، بل كان الجميع حريصاً على توحيد النضال وتوحيد الأهداف في القضاء على نظام الفصل العنصري وإقامة دولة مدنية ديمقراطية يتساوى فيها جميع المواطنين.
في الحالة الفلسطينية تدخلت القيادة الفلسطينية في الخارج بقرارات وتوجهات القيادة الموحدة للانتفاضة، بل وصل الأمر إلى إفساد بعضهم بالمال.
ويجب أن نعلم أن العلاقة التي ربطت المؤتمر الوطني الأفريقي مع الحزب الشيوعي ومع قوى ومنظمات أخرى في جنوب أفريقيا، لم تكن خالية من الخلافات والصراعات التي وصلت حد الاقتتال الداخلي، لكن تمكن الجميع في النهاية من الاتفاق والتوحد في خضم النضال الذي أجبر نظام الأبارتهايد أخيراً على الموافقة في الدخول بمفاوضات على أساس نيل الحرية.
فلسطينياً، لم تتمكن الفصائل والقوى الفلسطينية من تحقيق الوحدة بين كافة الأطر، إلا في فترات محددة، وانتهت بخلافات سياسية أدت إلى إتعاب الانتفاضة لاحقاً، وإضعاف الموقف الفلسطيني المفاوض.
كان من أبرز أسباب نجاح المؤتمر الوطني في معركته هو ارتباط قيادته العميق مع قيادة الجبهة الديمقراطية الموحدة في داخل جنوب أفريقيا، ومع كافة القوى والحركات الجماهيرية التي شكلت أحد عوامل قوة المؤتمر، وكانت بمثابة أداة كابحة وضاغطة على القيادة حتى تظل في تناغم وانسجام مع النضال الشعبي. حتى أثناء المفاوضات مع النظام العنصري لم يتوقف الحراك الجماهيري لممارسة مزيد من الضغط لإجباره على الاستجابة للمطالب الشعبية.
بينما في الحالة الفلسطينية قامت القيادة الفلسطينية بالتسلل من خلف ظهر الجماهير، وعقدت صفقة مع الكيان الصهيوني العنصري، من دون علم قوى الانتفاضة، ودون التنسيق مع قيادتها.

تجربتان بنتائج مختلفة
تتشابه كثيراً التجربة الفلسطينية النضالية مع تجربة جنوب أفريقيا. إن الشعب الفلسطيني بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وشعب جنوب أفريقيا بقيادة المؤتمر الوطني الأفريقي، هما شعبين خاضا معركة تحرر وطني ضد أنظمة عنصرية كولونيالية استيطانية، أنظمة فصل عنصري متوحشة وبدائية. وتتشابه كلا التجربتين في كثير من مراحل تطور أدوات النضال والمقاومة وطبيعة ومستوى التنظيم، والمخاطر التي واجهت كلا الشعبين، والعلاقة بين الداخل والخارج أيضاً لديهما.
لكن للأسف فإن نتائج التجربتين كانت متناقضة. في تجربة المؤتمر الوطني الأفريقي تم الانتصار على نظام الأبارتهايد هناك، والقضاء نهائياً على العنصرية، واستعادت الجماهير حقوقها الطبيعية التي تم انتهاكها طوال عقود. فيما فشلت منظمة التحرير الفلسطينية في تحقيق أي إنجاز للشعب الفلسطيني، وعجزت عن التحرر من نظام الفصل العنصري الاستيطاني الكولونيالي في فلسطين.
نعم ليس من الإنصاف المقاربة بين التجربتين، لكنها مهمة جداً لإعادة قراءة كلا التجربتين بهدف استيعاب العبر. رغم أن التجربة النضالية التحررية للشعبين الفلسطيني وفي جنوب أفريقيا تتشاركان في كونهما ضد استعمار فصل عنصري وكولونيالي، إلا أن هناك تباينات سياسية وجغرافية واقتصادية وتاريخية بين التجربتين، إضافة إلى اختلاف العوامل الدولية في الحالتين، وتميزت كل منهما بسمات خاصة بها.
من الناحية الاقتصادية شكل العمال السود الذين كانوا يديرون عجلة اقتصاد النظام العنصري في جنوب أفريقيا، قوة ضغط هائلة بعد تنظيمهم من خلال الإضرابات، لدرجة سببت شللاً للاقتصاد. فيما لا يقوم الاقتصاد الإسرائيلي على قوة العمال الفلسطينيين بصورة مهمة، وحتى العمال الذين أضربوا خلال الانتفاضة، جلبت إسرائيل عمالاً أجانب مكانهم. إضافة إلى عامل آخر مهم لم يكن في صالح الفلسطينيين، وهو العامل الدولي، حيث تزامنت الانتفاضة مع مرحلة بدأ فيها الاتحاد السوفيتي الداعم لحركات التحرر، في الانهيار اقتصادياً وسياسياً، مما أخل بالتوازن ومكن الولايات المتحدة من الاستمرار في الانحياز والدعم التام المريح لإسرائيل. لكن النظام العنصري في جنوب أفريقيا لم يكن طبعاً بأهمية إسرائيل بالنسبة لأمريكا. وهي اصلاً لم تعد بحاجة له لدعمه، خاصة بعد انهيار النظام الاشتراكي، لذلك لم تمانع الولايات المتحدة من التوصل إلى تسوية بين نظام جنوب أفريقيا ونيلسون مانديلا.
في المشهد الفلسطيني فإن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية قامت بتبديل برنامجها ومواقفها السياسية أكثر من مرة، وتراجعت عن شعاراتها التي بدأت معها المسيرة الثورية، حتى وصلت إلى التوقيع على اتفاقية أوسلو. لم يكن لديها برنامج واضح محدد بأهداف لا شبهة فيها. ولم تتسم علاقتها مع قيادة الانتفاضة في الداخل بالتنسيق والتكامل، بقدر ما اتسمت بفرض رؤية وقرارات الخارج على الداخل. ثم قامت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في الخارج بالالتفاف على حركة الوفد الفلسطيني المفاوض من داخل فلسطين، الذي كان يرأسه المناضل الدكتور حيدر عبد الشافي، وكان هذا الوفد يجري مباحثات في واشنطن استمرت لمدة عامين تقريباً. استقال الدكتور حيدر من الوفد في نيسان عام 1993 بسبب إصراره على رفض أية تسوية لا تنص على إزالة المستوطنات الإسرائيلية. وبدلاً من أن تقوم قيادة منظمة التحرير الفلسطينية باستثمار هذا الصمود في موقف المفاوض الفلسطيني، الذي كان مدعوماً بإرادة جماهيرية شعبية على الأرض مؤيدة له، قامت القيادة الفلسطينية بفتح قناة تفاوضية خلفية تمخضت عن اتفاق أوسلو البغيض.

السؤال المعضلة
في الراهن الفلسطيني، دخلت القضية الوطنية الفلسطينية مرحلة الانسداد السياسي الحاد. كان وصول الرئيس الأمريكي الحالي "دونالد ترامب" إلى البيت الأبيض قد أربك القيادة الفلسطينية، وأسهم في تعميق أزمتها السياسية من خلال تبني الإدارة الأمريكية لمشروع يفضي إلى حل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، سمي "صفقة القرن" وفق تسوية يتم فيها حذف ملفي القدس وحق العودة من مفاوضات الحل النهائي. وتشويه فكرة حل الدولتين ومسخها بحيث تكون الضفة الغربية من مسؤولية الاحتلال الإسرائيلي. وتحسين الوضع الاقتصادي الفلسطيني. ثم قامت الولايات المتحدة بنقل سفارتها من تل أبيب إلى مدينة القدس. كل هذه الأحداث لاقت رفضاً فلسطينياً رسمياً وشعبياً. هذا دفع أمريكا إلى وضع ضغوط اقتصادية وسياسية ودبلوماسية شديدة على القيادة الفلسطينية، وعلى الرئيس محمود عباس الذي أعلن قطع العلاقات مع الولايات المتحدة.
إن صفقة القرن في حال انتظار حدوث تطورات في منطقة الشرق الأوسط كي تصبح قادرة على التحقق، منها الموقف الأمريكي من الملف النووي الإيراني، ومن مسار التسوية في سوريا، ومدى قدرة الإدارة على حشد موقف عربي مؤيد للصفقة، ومدى قدرة الفلسطينيين على الصمود، والوضع الإسرائيلي الانتخابي الداخلي حول إمكانية بقاء نتنياهو من عدمها.
إن الوضع السياسي الفلسطيني يعاني من حالة استعصاء سياسية شديدة. القيادة الفلسطينية ترفض-للآن- التنازل مسبقاً، ولم تقبل الاعتراف ببقاء الاحتلال في الضفة، ولم توافق على دولة فلسطينية دون حدود أو بحدود مؤقتة. وترفض أي حلول لا تؤدي إلى كيان سياسي سيادي يسمى دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس. وهذا هو جوهر الانسداد الذي تسبب في رفع الحالة الجماهيرية الفلسطينية، وأسهم في زيادة الأزمات.
هناك انسداد آخر داخلي يتسبب به الانقسام الوطني، ويتعلق بالمصالحة مع حركة حماس. مصالحة لم تكتمل رغم كافة الوساطات والتدخلات الفلسطينية والمصرية والعربية والغربية. وهذه الجهود لم تتمكن من إنهاء هذا الانقسام البغيض، ومن إخراج قطاع غزة من حالته القائمة، ووضع الغزاويين القاسي. فشلت الوساطات لأنها تصطدم بأمر جوهري ورئيسي هو مبدأ ازدواجية السلطة. هذا يعني أن تقوم السلطة الفلسطينية بتوفير الخدمات للسكان في القطاع، فيما تقوم حركة حماس بمد نفوذها الأمني. وهذا نموذج لا يمكن أن يخلق وضعاً طبيعياً في أي بقعة في العالم.
أعود للسؤال الكبير، الهام، المعضلة. إن تمكنت الانتفاضة الأولى المجيدة من إخراج قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من أزمتها، وأفرجت كربها الشديد، فمن ينتشل القيادة الفلسطينية الآن من محنتها الحالية، في ظل أوضاع تعاني فيها كافة الفصائل الفلسطينية من أزمات بنيوية وقيادية وبرنامجية وجماهيرية ومالية، ضعفت معها قدرة هذه الفصائل والقوى، التي فقدت هويتها الأيديولوجية، على استنهاض حركة الجماهير الفلسطينية لمواجهة عدو صهيوني استعماري استيطاني اجتثاثي. هذا الوهن والعجز الفصائلي الذي وصل مرحلة التخاذل كان سبباً مهماً في قيام القيادة الفلسطينية على عملية إلحاق منظمة التحرير الفلسطينية بسلطة أوسلو بدلاً أن يتم العكس، وكان هذا بداية خراب البيت الفلسطيني.

الخيار الثالث مفقود
فشلت الانتفاضة الفلسطينية الأولى في تحرير الشعب الفلسطيني من الاحتلال الاستيطاني لأسباب سالفة الذكر. جاءت الانتفاضة الفلسطينية الثانية في العام 2000، وقدمت فرصة تاريخية للقيادة الفلسطينية في معالجة النتائج الكارثية لاتفاق أوسلو، لكن عسكرة الانتفاضة، وغياب استراتيجية موحدة، أدى إلى نتائج كارثية.
سعت حركة حماس لأن تقدم بديلاً إسلامياً عن حركة التحرر الوطني الفلسطيني وتوجهاتها، من خلال رفضهم لاتفاقية أوسلو وسياسية قيادة المنظمة. لكن الحركة أخفقت في تشكيل مشروع وطني فلسطيني جامع للجماهير الفلسطينية وقواها وفصائلها. وبظني أن واحداً من أهم أسباب هذا الفشل هو عدم إدراك قيادة حركة حماس أن مركزية المشروع الوطني الفلسطيني المتمثل في منظمة التحرير الفلسطينية، قضية لا تخص حركة فتح وحدها، بل هي حركة وطنية تحررية ثورية لكافة الشعب الفلسطيني.
بعد مرور ربع قرن على اتفاقية أوسلو ونهج المفاوضات الكارثي على شعبنا الفلسطيني، وأحد عشر عاماً على الانقسام الدامي، وفشل جميع جهود الجهود لتوحيد البيت الفلسطيني، وفي ضوء عجز ونكوص الفصائل الفلسطينية الأخرى التي تعاني من أزمات متعددة، لم يستطيع الشارع الفلسطيني من بلورة تيار نضالي وطني ثالث يعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية وللمشروع الوطني الفلسطيني التحرري، ويجعل الاحتلال يدفع ثمناً باهظاً.
إن الشعب الفلسطيني يمتلك خبرة تاريخية في ابتداع وابتكار أساليب واشكال متجددة دوماً للنضال والمقاومة. ورغم كل ما تقوم به إسرائيل من بناء الجدران المرتفعة، وإنشاء الطرق الالتفافية لتحويل المناطق الفلسطينية إلى كانتونات متفرقة، إلا أن الجماهير الفلسطينية تجد دوماً طرقاً للتواصل فيما بينها لمواجهة عدوها.
في هذه المرحلة بالغة الخطورة على القضية الفلسطينية، حيث اعترفت الإدارة الأمريكية بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتسعى لفرض حلول تقوض الحقوق الوطنية والسياسية للشعب الفلسطيني. وتمارس كل من الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدول الغربية ضغوطاً غير مسبوقة على القيادة الفلسطينية، ووصلت العنجهية الصهيونية إلى ما وصلت إليه من استهتار بالقيادة الفلسطينية وبشعبنا وتضحياته، وبلغ تآمر بعض الأنظمة العربية على القضية الفلسطينية مرحلة الجزار الشريك، وأمام سقوط أوهام نهج المفاوضات السياسية، فقد حان الوقت للشعب الفلسطيني صاحب المصلحة الأساسية في الحرية لأن يقول كلمته، وأن يحدد خياراته والانطلاق في معركة جماهيرية لإسقاط نظام الأبارتهايد الكولونيالي الصهيوني العنصري في فلسطين.


30
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك


الأطفال المنسيون.. الأسرى الفلسطينيون

بخلاف جميع دول العالم التي وقعت اتفاقية حقوق الطفل التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة العام 1989، حيث نصت المادة الأولى منها على "يعتبر الإنسان طفلاً ما لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره"، ينص الأمر العسكري رقم "132" الصادر عن سلطات الاحتلال الإسرائيلي في العام 1967 على أن الطفل الفلسطيني هو شخص دون سن السادسة عشرة، بالرغم من أن القانون الجزائي الإسرائيلي يعرّف الطفل لإسرائيلي بأنه شخص دون سن الثامنة عشرة. كما ويسمح هذا الأمر لسلطات الاحتلال باعتقال أطفال فلسطينيين في سن الثانية عشرة، بموجب الاعتقال الإداري لمدة ستة أشهر من دون تهم محددة.
يقبع حوالي سبعة آلاف أسير فلسطيني داخل الزنازين في السجون الإسرائيلية، من بينهم أربعمائة طفلاً محكوماً عليه أو موقوف. جميع الأطفال الفلسطينيون الأسرى يعانون تماماً ما يعانيه الأسرى الكبار من ضرب وتعذيب وممارسات وحشية تنتهك حقوقهم الإنسانية، مثل الشبح المتواصل من خلال تعليق الطفل الأسير من يديه أو قدميه، وإجباره على الوقوف لساعات طويلة، وحرمانه من النوم والطعام، وتغطيس الأطفال بالماء المثلج ثم بالماء الحار جداً، وكذلك صعقهم بالكهرباء والتحرش الجنسي بهم وتهديدهم بالاغتصاب.
معظم الأطفال الفلسطينيين يتم اعتقالهم من قبل سلطات الاحتلال وفق شريعة الغاب، من قبل الجنود الإسرائيليين في الحواجز ونقاط التفتيش العسكرية المنتشرة في الشوارع، أو يجري إلقاء القبض عليهم من البيوت وانتزاعهم من وسط ذويهم. حيث يتم تعصيب عيونهم وتقييد يديهم ثم يتم وضعهم في مركبة عسكرية ويتعرضون للركل والشتائم من قبل جنود الاحتلال الإسرائيلي. وفي مراكز الاعتقال يجري تعذيبهم وانتزاع اعترافات منهم، والضغط عليهم للتوقيع على أوراق بلغة عبرية لا يفهمها الأطفال، وهذه الأوراق يتم اعتمادها من قبل المحاكم العسكرية الإسرائيلية، ويعتبرها القضاة دليل إدانة ضد الصغار.
يتم وضع الأطفال الفلسطينيون الأسرى في عدد من السجون الإسرائيلية التي لا تتوفر على أدنى الشروط الإنسانية، بسبب الازدحام وتسرب ماء الأمطار وانتشار الروائح الكريهة، وشيوع الأمراض ونقص الطعام وسوء نوعيته، ويعانون من انعدام النظافة ووجود الحشرات المختلفة، ويتعرضون للضرب والتعذيب، ويحرمون من العناية الطبية ومن الحق في التعليم.

ضمير الأمة الغائب
لا شك أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تعتمد سياسة محددة وواضحة ومخطط لها تهدف إلى إرهاب الأطفال الفلسطينيون، ويتضح ذلك من خلال الأرقام المتزايدة في أعداد الأطفال التي يتم إلقاء القبض عليهم، ومن الأحكام العالية التي تصدرها المحاكم العسكرية الإسرائيلية بحقهم، إذ يجري إصدار أحكام تصل من عشرة إلى عشرون عاماً على كل طفل فلسطيني تثبت عليه تهمة رشق الجنود الإسرائيليون بالحجارة. كما تم توثيق حالات عديدة من قبل منظمات حقوقية فلسطينية ودولية حول قيام الجنود الإسرائيليين بخطف أطفال فلسطينيون أعمارهم دون سن الثانية عشر، وهذا الأمر بالغ الخطورة لأنه يشير إلى استهداف الجيل الفلسطيني الصغير من قبل القوات الأمنية الإسرائيلية، في محاولة لكسر إرادة الشعب الفلسطيني، واحتواء الغضب الثوري للشباب.
إن الأسرى الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية بما فيهم الأسرى الأطفال هم ضمير الأمة الغائب المنسي، يتجاهلهم العالم الحر الغربي الذي يخوض الحروب ويقتل الشعوب لأجل تحقيق أمن ورفاهية مواطنيه، فيما يتحول إلى كائن أبكم وأصم تجاه العدوانية الغاشمة من قبل إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني، ولا يحرك ساكناً لوقف الانتهاكات المرعبة التي تمارسها الأجهزة الأمنية الصهيونية بحق المعتقلين والأسرى بصورة عامة والأطفال منهم بصفة خاصة.
إن الأثر الذي تخلفه صدمة الاعتقال وفترة السجن المريرة على الأطفال الفلسطينيين بالغ السوء وواضح المعالم على واقعهم ومستقبلهم، ذلك أنهم يعانون أكثر مما يعانيه الأسرى الكبار، بسبب طفولتهم وعدم امتلاكهم خبرات الحياة لمواجهة العدو، وضعف منظومة الدفاع ونقص أنماط التكيف في مواجهة الضغوط والألم الذي يحدثه تعذيبهم على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي.
لذلك يعاني غالبية الأطفال الأسرى من القلق والاكتئاب والغضب السريع وآلام متنوعة في الجسم بعد الإفراج عنهم، كما أنهم يجدون صعوبة في التوافق والتكيف الاجتماعي مع أسرهم ومحيطهم نتيجة تجربة الاعتقال البغيضة التي تعرضوا لها وجعلت في حياتهم وضعاً قبيحاً لا يطاق.

المعركة الحقيقية
على الجميع في القيادة الفلسطينية، وخاصة وزارة الخارجية وهيئة شؤون الأسرى أن يعي ويدرك عمق مسؤوليته الوطنية في التحرك لاستصدار قرارات محددة من الهيئات الدولية وأهمها الجمعية العامة للأمم المتحدة ومن محكمة العدل الدولية، للضغط على إسرائيل للإفراج عن الأسرى الأطفال فوراً، واتباع الإجراءات القانونية لملاحقة ومحاسبة مجرمي الحرب الصهاينة. وعلى كافة القوى الفلسطينية وضع خطة عمل استراتيجية وطنية للقيام بأوسع حملة تضامن دولية مع الأسرى الفلسطينيين وخاصة الأطفال، وكشف الانتهاكات التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحقهم.
ولا نغفل دور مؤسسات المجتمع المدني ومسؤوليتها في توثيق الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال الأسرى داخل السجون الإسرائيلية، تمهيداً لتقديم هذه الملفات إلى محكمة الجنايات الدولية، مرفقة بالشهادات والصور، لمحاكمة النازيين الجدد.
إن الأطفال الفلسطينيين يتعرضون لسياسة التمييز العنصري منذ ولادتهم، وما إن يصبحوا شباباً يافعين حتى يصبحوا ملاحقين من قبل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية التي ترى فيهم خطراً يهدد الكيان الصهيوني الغاصب. على كافة القوى والأحزاب والفصائل والمنظمات والجمعيات والمؤسسات والشخصيات الفلسطينية أن تدرك إن من أهم المعارك التي عليهم خوضها، هي حرية هؤلاء الأطفال الأسرى لمساعدتهم على استعادة طفولتهم المسروقة، وتمكينهم من العيش بحياة طبيعية أسوة ببقية أطفال العالم.



31
أدب / ننهي احتضار الحلم
« في: 19:35 27/06/2019  »


ننهي احتضار الحلم

حسن العاصي


1
يسقط الطريق في أقدامنا
ويستيقظ الشجر
في غفلة من الصمت
تمتد أغصان التعب
قسطاً من عتمة الغياب
استعصت علينا الثمار
وأنهكتنا النهايات
قولوا لنا
كيف يضيع العمر في الرحيل


2
يلد الانتظار لهفة الحزن
على نوافذ الصبايا
قالت لي
بلا أمل تسافر أشرعتك
نسيت ترتيب الغياب
قبل عصافير الموسم
قلت
لم يعد في الرحيل
لون الحقل
قالت سأزرع في الستائر
أضلاع لقلوب الغائبين



3
لو أن اللحم الحي
خارج الرصاصة
لو نتحسّس جسد الجدران
أمهِلونا أملاً بالظمأ
حتى لا تذبل الساقية
فلا أسماء في سور الاتجاهات
والماء تاه في سراب الليل
مهلاً..
لقد أغلقنا نوفذ الجنون
في المنام
انتظرونا قليلاً
ننهي احتضار الحلم



4
انتهى العرض
أيقظتنا التفاصيل الخاثرة
كنّا ننتظر
طفولتنا أن تكبر
نخشى أن نضيع
في أوراق الفتور
وتداهمنا دهشة الألوان
ذات لوح صامت
انزوينا في ارتباك الثوب
كانت الجدة
أجمل من نهايات البياض



5
مثل بحيرة راكدة
تستلقي لوحة الطين
فوق أنفاس القصيدة
لو أن النوافذ المغلقة
تحتمل اليقظة
لو يعبث الصخب
بمساحة الإطار
أقتلع قلبي وذنوبي
أعود إلى الحلم
كي أراود الغصن في المنام
يفيض على الورق
جمال المعنى
دوماً
يصل العنقود متأخراً




6
يصدح عصفور الوداع
سفر الدروب
رأيتها دون ملامح
تشاطر الفصول
لون القطوف
تجني صور الدالية
أين أضعتها؟
نسيت ارتداء الذنوب
لكني أذكر الصمت المرتبك
حين أجهزنا على الصخب
بالموت الهادئ
قالت لم نأكل زادنا
والفخار طفح أغلال
صاحت قبل أن تمد يدها
بكوكب يطير
من يغفر للعربة
ازدحام التوابيت

32
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمارك


أعشاش التطرف الأيديولوجي والإرهاب الفكري الافتراضية..
الدانمرك نموذجاً

لغاية منتصف القرن العشرين كان التدين سموحاً يسيراً معتدلاً في العالم العربي، وكانت دول الإقليم إضافة إلى الدول العربية تجتهد لبناء مؤسسات الدولة الحديثة وفق أسس ومعايير مدنية. وشهدت تلك المرحلة انتشار التعليم بصورة نسبية، وقيام الدول العربية إرسال البعثات التعليمية إلى أوروبا. تم تأسيس الجمعيات السياسية والثقافية والعلمية والأدبية في عدد من العواصم والمدن العربية، وتوسعت حركة الطباعة والصحف والنشر. انتشرت المساجد والأندية والأحزاب السياسية، فكانت الدعوة للدين تتم عبر الموعظة الحسنة من قبل الأسرة والمجتمع، والمساجد أماكن للعبادة والعلم والتعليم، ورجال الدين كانوا يسهمون في النشاط والحراك الثقافي والسياسي. لقد كانت المنطقة العربية في ذاك الوقت تشبه بقية العالم.
في الربع الأخير من القرن العشرين ظهرت جماعات وحركات الإسلام السياسي التي رفضت ما أسمته "التغريب"، وعبّرت عن رغبتها في العودة إلى أمجاد الماضي. بعد وصول البرجوازية العسكرية إلى سدة الحكم في معظم الدول العربية وتحولها إلى أنظمة استبداد وقهر للشعوب، توسعت الحركات الإسلامية وقدمت نفسها كبديل بشعارات ملتبسة. ومع قرب انتهاء القرن العشرين أصبحت هذه القوى الإسلامية تمتلك امتداداً ونفوذاً فيما اصطلح على تسميته "الصحوة الإسلامية" حتى أصبحت الأقوى تنظيمياً بعد فشل المشروعين القومي واليساري.

فشل المشروع السياسي الإسلامي
لكن المشروع الإسلامي السياسي فشل أيضاً كبديل لأنه أخفق في إحداث مقاربات مختلفة للتراث، وفشل في قراءة الراهن العربي، ولأنه مشروع يتبنى الفكر الإقصائي ولا يقبل التعدد والمشاركة، فشعاره الشهير إما أن تكون معي أو إنك ضدي، وهذه أصبحت قاعدة فلسفة فكر الإسلام السياسي خاصة لدى الجماعات المتشددة.
أثبتت التجربة التاريخية في معظم الدول العربية أن قوى الإسلام السياسي تعاني من محدودية شعاراتهم، فهم لا يمتلكون سوى شعار وحيد يتلخص بأن الإسلام هو الحل، دون أن تتمكن هذه الجماعات من تقديم وشرح رؤية واضحة في أدبياتهم حول كيفية إخراج الأمة العربية من هذا الانسداد السياسي والفشل الاقتصادي والتمزق الاجتماعي والإخفاق العلمي الحضاري، التي كان نتيجة عقود من التسلط والاستبداد والتخبط والعشوائية والفساد الإداري والمالي في معظم الدول العربية.
لقد عجز الإسلام السياسي عن تطوير مشروع سياسي يخاطب عقول الناس، ولا يتوجه نحو غرائزهم وعواطفهم الدينية، ويكون موجهاً لجميع المواطنين وليس فقط لمناصريهم، خطاب يتبنى مشاريع تنموية لتطوير كافة قطاعات المجتمع والدولة وليس خطاباً للتعبئة والدعاية، خطاب وشعارات تدعوا إلى التسامح والمحبة والتعايش بين الأعراق والأديان والمذاهب والطوائف، ولا يدعوا إلى الكراهية والإقصاء والتناحر والصراعات الإثنية.
لم تهتم جماعات الإسلام السياسي لا بمحاربة فساد الأنظمة ولا عملت على تكريس مفهوم المواطنة وحقوق الإنسان وبناء الدولة المدنية التي يتساوى فيها جميع المواطنين بالواجبات والحقوق. كل ما فعلته هذه الجماعات هي محاولتهم تغيير أنماط المجتمعات العربية والتركيز على الهوية، وأهملوا كافة القطاعات الأخرى، فوجدوا أنفسهم يعومون في بركة مغلقة أدت إلى تداعيات أمنية خطيرة وانهيارات اقتصادية، كان المواطن العربي هو أول ضحاياها.
من أبرز الأسباب التي تقف خلف الفشل السياسي لهذه الجماعات يظهر غياب الخبرة في العمل السياسي وإدارة شؤون المجتمع، فلا تكفي الشعارات وحدها لإدارة الدول. ثم بروز حالة الغرور والاستعلاء والعنجهية التي طبعت تفكير ورؤية وسلوك ومواقف قادة هذه الجماعات ومعظم كوادرها، والاستخفاف بالآخرين واستصغارهم، حيث اعتقدوا بغباء أنهم يمتلكون الحقائق المطلقة وحدهم. أيضاً من الأسباب هو نكث هؤلاء لعهودهم وشعاراتهم التي قطعوها على أنفسهم ووعدوا بها الجماهير.
ولكل من يشير إلى التجربة التركية الناجحة أقول إن تركيا دولة علمانية مدنية بدستورها وقوانينها ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية، وإن حكمها حزب سياسي ذو توجه إسلامي. علينا أن نعلم أن من أهم أسباب نجاح النموذج التركي هو إدراكهم المبكر أن إدارة الدولة شأن دنيوي تركه الله للعقل والتدبير البشري يديره بحسب الأزمنة والأمكنة. لكن ما يحث عليه الدين في شؤون الحكم هو إقامة العدل والشورى، وهي وإن كانت أمراً ثابتاً إلا أنها تتغير من عصر لآخر.

تحولات دينية خطيرة
هذا الفشل والسقوط للإسلام السياسي في الواقع الحقيقي الراهن عربياً، جعلها تلجأ إلى الإنترنت، حيث قامت جميع المنظمات وجماعات الإسلام المتشدد بتوظيف العالم الافتراضي بصورة واسعة ومعقدة، إن كان لغايات دعائية وتعبوية وتواصلية، أو لأهداف تنظيمية تشمل تحريك وإعادة هيكلة المجموعات كافة بسرعة قياسية. ثم تم تطوير هذه التكنولوجيا لتتحول إلى تقنيات قتالية تضمن سرعة وفاعلية التمويل للوجستي لهذه المنظمات. أيضاً تعتبر هذه المنصات في العالم الافتراضي خزاناً لرفد المجموعات المتطرفة بنهر لا ينضب من المقاتلين الجدد على امتداد الجغرافية الكونية، ويمكن اعتبارها كذلك أعشاش وأوكار لتبييض الأعضاء والمنتسبين الجدد وللمتعاطفين مع هذه الأفكار المتشددة والذين لا يرغبون في الانتساب الحزبي أو في مشاركة قتالية حقيقية. هذا التوظيف لمنجزات الثورة الرقمية في الغرب من قبل مجموعات سياسية ودينية متطرفة يضعنا أمام سؤال وتحدي كبير وهام حول حقيقة وطبيعة ونوعية وشكل التحولات والتغيرات التي تحدث في الدين الإسلامي وفي علاقة الدين بالمؤمنين.
إننا نعتقد أن منابع ومرجعيات الدين الإسلامي كنصوص وممارسات، أخذت تتحول من العالم الواقعي إلى العالم الافتراضي، لذلك نستطيع القول إنه أصبح لدينا ليس فقط إسلام النصوص أو إسلام التاريخ، بل صار لدنيا أيضاً إسلام افتراضي يديره ويشرف على خطابه إسلاميون متشددون متطرفون لا يقبلون بأي نقد ولا أية ملاحظة ولا يرتضون وجود أية فكر مخالف. لذلك فقد أضحى الدين الوسطي المعتدل بكافة مقدساته وعباداته مقيداً بأيديولوجية عصبية حزبية متزمتة ينشرها رجال دين يتسلحون بفكر متصلب لا يقبل المرونة ولا السيولة ويرفض الحوار مع الآخر، قاموا بتحويل منصات التواصل الاجتماعي وبقية التطبيقات الذكية إلى ميدان قتال لخوض صراعات وحروب، بل وصل الأمر حد قيام هذه المجموعات المتطرفة في إحداث مقابر افتراضية للمجاهدين المسلمين الذين قضوا في المعارك القتالية.
المفارقة المرعبة هنا أن جميع هؤلاء الإسلاميون المتشددون قد عانوا الويلات والأمرين من استبداد بعض الأنظمة العربية، حيث جرى اقصاءهم وتهميشهم وعدم السماح لهم بالمشاركة السياسية ولا العمل العلني، وقامت هذه الأنظمة بزج هؤلاء الإسلاميون في السجون والمعتقلات لسنوات عديدة، وحين انتقل البعض منهم إلى دول غربية ديمقراطية وفرت لهم القوانين في مكانهم الجديد بعض الحرية ليقولوا ما يشاؤون، أصبحوا يمارسون الإقصاء والقمع الفكري الذي كانوا يعانون منه، وهذا دليل دامغ وبيان جازم وبرهان حاسم وحجة قاطعة على النفاق الفكري والاجتماعي والثقافي الذي تمارسه هذه الفئات والجماعات والفرق، في استخدامها الدين والتدين والشعارات الإسلامية لتحقيق مآرب سياسية ومنفعية لا علاقة لها بالإسلام والعبادات.

الدانمرك نموذجاً
كان الدفاع عن المسلمين ومصالحهم في الدانمرك مبرر تشكلها وتأسيسها، أصبح تكفير غالبية المسلمين هو معتقدها، وصار خطاب التطرف ما يميزها، ورفض وإقصاء كل من يختلف معها وسيلتها للاستمرار. إنها جماعات ومنظمات وأحزاب الإسلام السياسي المتطرف الذين باتوا يشكلون ظاهرة خطيرة تتفاقم وتستخدم خطاب الغلو والتشدد.
 "تعاونوا على البر والتقوى" و"أنت تسأل ونحن نستفيد" هذه العناوين ليست لكتب أو لبرامج تلفزيونية، بل هما اسمان لمجموعتين في برنامج التواصل والمحادثة الشهير "واتساب". المجموعتين تضمان رجال دين وأئمة متشددين وأعضاء متطرفون سلفيون معظمهم يقطنون في الدانمرك وبهما منتسبون من السويد وألمانيا واسبانيا وإيطاليا وبريطانيا والمغرب ومصر وموريتانيا ولبنان وسورية والسعودية واليمن، ويدير هاتين المجموعتين ويشرف عليمها بصورة رئيسية المتطرف الإسلامي السوري المقيم في الدانمرك المقاتل السابق في صفوف حركة الإخوان المسلمين قبل أن ينفصل عنهم ويعمل "لحسابه الخاص" "م. ا" المكنى الشيخ أبو بشار، وكذلك الشيخ المغربي "م. خ" الداعية المؤسس.
لقد تمكنت هذه المنظمات والجماعات الإسلامية المتشددة من دس أفكارها في العديد من المجتمعات العربية والغربية، واستطاعت التأثير على شريحة واسعة من الشباب في الدانمرك. فقد أسهم العالم الافتراضي ومنصات التواصل الاجتماعي في إجراء مقاربات افتراضية وتبادلها عبر شبكة الانترنت، وهو من أفضل الأسلحة التي تلجأ لها المجموعات المتطرفة، التي تقوم بتحويل العالم الافتراضي إلى منصات ومنابر لترويج أفكارها المتشددة في هذه المواقع، أو عبر التطبيقات الذكية الأخرى، وتحويل شبكة الانترنت برمتها إلى مجموعة من المنتديات الفكرية والأيديولوجية المتفرقة. يمتلك الدعاة والمشايخ والأئمة المتعصبون الكلمة الفصل في هذه المجموعات، حيث يقومون بطرح أفكارهم المتطرفة وتصوراتهم ومقارباتهم التي في مجملها تتضمن العنف والتشدد والمغالاة والشطط الفكري، ونشر الثقافة المذهبية والتشجيع على تبنى الخطاب العنصري لدى الشباب المسلم، ومحاربة الأفكار المعتدلة، وإقصاء المخالفين في الرأي.
كثير من الدراسات الاجتماعية والأمنية توصلت إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات الذكية الأخرى مثل برامج المحادثة، كان لها الدور الأكبر في التأثير على آلاف الشباب المسلم من مختلف البلدان، وخاصة في الدول الغربية ومنها الدانمرك، والزج بهم في محارق الإرهاب عبر خطاب الكراهية التي تتبناه هذه المجموعات، وبواسطة الأفكار المغلقة التي تخاطب عواطف الشباب وحماسهم ووجدانهم الديني، ولا تخاطب عقولهم. ولهذا السبب أقدمت عدة دول غربية قبل حوالي الشهرين على الإعلان عن ضرورة عقد قمة أوروبية تجمع القادة السياسيين ورؤساء شركات التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، بهدف التصدي ووقف استخدام المجموعات المتطرفة لهذه المنصات كوسيلة لترويج الفكر المتطرف والتشدد الديني كما تفعل المجموعتين سابقتا الذكر.
ومن أبرز المخاطر التي تترتب على نشاط وخطاب هذه المجموعات الإسلامية المتشددة هو ظهور خطاب يميني متشدد في الشارع الدنماركي كرد فعل على أفكار وشعارات الحركات الإسلامية التي يعتبرها اليمين الغربي تهديد للثقافة الغربية والدولة المدنية. إن الفكر الذي تروج له بعض المجموعات الإسلامية المتزمتة أدى إلى انتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا في الدنمارك ودول الغرب عامة، ومنح الأحزاب اليمينية الدنماركية والأوروبية ذريعة للهجوم على المسلمين والمهاجرين، وتوظيف خوف المواطنين الغربيين المتزايد من الوفدين من دول إسلامية في العملية الانتخابية.

سياسي لا ديني
إن الخطاب الذي تحاول جماعات الإسلام السياسي فرضه وتقديمه كخطاب بديل عن خطاب النهضة والديمقراطية ودولة المواطنة والتنوير وحرية الرأي، في الواقع هو خطاب سياسي بامتياز يرتدي عباءة دينية مذهبية طائفية بغيضة. ومحاولة هذه المنظمات والمجموعات الدينية والدعاة المتشددين إظهار أنهم لا يبتغون سوى نشر الدين ومرضاة الخالق، لهو تدليس على الله قبل كل شيء وتضليل للعباد لأنهم أصحاب مشروع سياسي واضح المعالم، فهم يدعون إلى التغيير عبر النموذج السلفي المتشدد فقط من خلال تبني الأيديولوجية المتطرفة، وذلك خدمة لمصالح وأهداف جهات محددة، ولم تحاول معظم هذه الحركات خاصة الراديكالية منها أن تتبنى أفكاراً موضوعية وواقعية لتخليص الإنسان العربي من ظلم وقهر أنظمة الاستبداد العربية، ولم تنادي بالديمقراطية ولا بدولة المواطنة ولا تهتم بالنهضة الاقتصادية، ويخلو خطابها من مضامين حداثية، ذلك أن أهداف هذه الحركات والجماعات وكل اهتمامها لا يتعدى تحقيق مشروعها السياسي الديني المتمثل في إعادة إقامة دولة الخلافة الإسلامية حتى في المجتمعات الغربية، ورفض كافة الأفكار الأخرى وجميع الصيغ والأشكال لمشاريع دول وطنية أو قومية  أو ديمقراطية حديثة، إذ عكس الداعي أبو بشار هذه الفكرة بأوضح معانيها حين ذكر أن كافة الأفكار البعثية والناصرية والقومية والعلمانية واليسارية والليبرالية مكانها "تحت الأقدام".
هذا الأمر يؤكد أن هذه الجماعات توظف الدين والشعارات الإسلامية كي تحول التناقض والصراع الاجتماعي الاقتصادي إلى تناحر ديني مذهبي طائفي، وإفراغه من مضامينه الموضوعية الطبقية الاجتماعية المنطقية التي يكابدها الفرد العربي بصفة يومية، ودفعه نحو مربع الانشغال الديني الغيبي، وهي هنا تقدم خدمة للغرب الاستعماري ولرأس المال المالي العالمي الذي لا يتناقض خطابه مع خطاب هذه الجماعات حقيقة.

تسطيح ملتبس
يتسلح أصحاب الفكر الإسلامي المتشدد بحجة أن العلمانية كفكر ودولة وشعار وتطبيق وممارسة قد ظهرت ونشأت في القارة الأوروبية لأسباب تتعلق بالحروب الدينية والصراعات بين الأفكار التنويرية والكنيسة، ويرى هؤلاء أن هذا لا ينطبق على المجتمعات الإسلامية. لكن هذا التفسير والتسطيح والتبسيط الملتبس يتجاهل حقيقة أن كلا المؤسستين السياسية والدينية تسعيان للاستحواذ على السلطة. إن الوصول للحكم كان الحقيقة الوحيدة تاريخياً في كافة الامبراطوريات والدول التي قامت، وأن الاستئثار بالسلطة وإقصاء الآخرين، وسيادة العقل الاحتكاري الذي يقوم على الفكر الواحد والزعيم الواحد هو السبب الرئيسي في ظهور الاستبداد السياسي والقهر الاجتماعي، وكذلك السبب في انهيار هذه الدول والامبراطوريات.
 لقد ارتبط على الدوام الاستبداد الديني بالاستبداد السياسي. كما أن نفوذ وقوة وسلطة رجال الدين في الإسلام لم تكن أبداً أقل شأناً ولا أخف حدّة ولا أبسط سلطة من نفوذ رجال الدين في الكنيسة، كما أن الأقصاء الديني واضطهاد الملل وقتل المخالفين وحرق الفلاسفة والعلماء والقمع الفكري في التاريخ الإسلامي لم يكن أقل منه في التاريخ المسيحي.

ليس الإسلام سبباً
إن أزمة الدول العربية والإسلامية التي دفعت هؤلاء المتطرفين إلى القدوم لدول الاتحاد الأوروبي ومنها الدانمرك، ليست أزمة ناتجة عن الثقافة السياسية الإسلامية، لكنها أعراض فاجعة لمعظم الدول ذات الاقتصاديات الناشئة والتي يعيش فيها الجهل والتخلف والأمية والبطالة والفقر مع التدين الشعبي وبعض مظاهر التطور والحداثة. إن الإسلام ليس سبباً للبؤس والشقاء الذي تعيشه معظم الشعوب العربية، ولا علاقة للإسلام بالمحن المتعددة التي يعاني منها العرب والمسلمون، لكن الكارثة المرعبة في فكر وسلوك الأحزاب وقوى الإسلام السياسي المتطرف الذين يقدمون قراءات سلفية متشددة، وكأن التاريخ والتراث عبارة عن صناديق كرتونية مرصوفة فوق الرفوف، وكل ما علينا هو تنظيفها من غبار السنين قبل استخدامها.
وفيما تكيفت معظم الأنظمة العربية مع المتغيرات الدولية وأظهرت قدرة على احتواء ظاهرة الإسلام السياسي، وضبطها كحركة معارضة، بل أن بعض هذه الأنظمة نافست الحركات الإسلامية على رعاية الدين والتدين، مما بلور واحداً من عدة أسباب أدت إلى أفشال كافة مشاريع الجماعات الإسلامية، حيث أخفق الإسلام السياسي فكراً وممارسة وخطاباً في تقديم الحلول التي اتهم التيار القومي واليساري بعجزهم عن تحقيقها. عجز هو الآخر وفشل مشروعه، فانتقل بعض أعضاء هذه المنظمات إلى تشكيل مجموعات مذهبية قبلية طائفية، وتحول جهاد هذه الجماعات من أجل مجتمعها وناسها كما في السابق، إلى جهاد في أبناء مجتمعهم ذاته وتهجيره وتكفيره، كما تفعل المجموعات المتشددة في الدانمرك وأوروبا، فيما عاد قسم منهم إلى أحضان التيارات السلفية التي بقيت تراوح في مكانها، وتجمد خطابها وتوقف اجتهادها منذ مئتي عام.
هذه المجموعات لم تستطيع تجاوز النصوص التي وضعتها المؤسسة السلفية الأولى، ولم تتمكن من تطوير فكرها ولا تجديده، واقتصر نشاطها على طباعة كتيبات مواعظ وتفاسير مقتبسة من كتب الفقهاء، وعجزت حتى عن تقديم فلسفة جديدة سياسية لمفهوم الدولة الإسلامية التي تسعى لإقامتها.
على الرغم من أن الحركات الإسلامية قد ملأت فراغاً أحدثه فشل المشروعين القومي واليساري وتراجع دورهما وانحسار مكانتهما وسط الجماهير، إلا أن الإسلاميون رفعوا شعارات لا يتشارك معهم بها أحد.
إذا كان الإسلام السياسي ظهر نتيجة تطور تاريخي يرتبط بصورة شائكة بتزايد نفوذ الدولة المستبدة التي مارست الإقصاء والتهميش للجماعات الإسلامية، فإن السؤال الكبير سوف يظل عن دور الدين في الحياة العامة. ولهذا فإن الإجابة على هذا السؤال سوف تحدد مستقبل حركات الإسلام السياسي المرتبط بطريقة جدلية بالقضايا الكبيرة التي تعني الدول العربية والإسلامية وشعوبهما.

تحرك أمني أوروبي
في ظل عصر المعلوماتية أصبحت الشبكة العنكبوتية أحد أهم أسلحة الإرهاب الفكري الرقمي، حيث خدمت هذه الشبكة الجماعات المتطرفة لبث سمومها وحقدها وأفكارها المتصلبة، بحيث بلغ عدد هذه المواقع التي تروح الأيديولوجية المتشددة حوالي 4500 موقع في لألمانيا وحدها، وبضع مئات في الدانمرك.
لقد بدأت في الأعوام القليلة المنصرمة أجهزة الاستخبارات الغربية في العديد من الدول الأوروبية تركيزها على مراقبة حركات وجماعات الإسلام السياسي، ومكافحة الفكر الإسلامي المتشدد، حيث أن دول القارة تقع في مرمى نيران المتطرفين والمتشددين الإسلاميين، وأصبحت ظاهرة الإرهاب تحظى بأولوية لدى هذه الأجهزة الأمنية، خاصة بعد سلسلة الهجمات التي تعرضت لها بعض المدن الأوروبية. وأوضحت دراسة صدرت عن مكتب حماية الدستور في ألمانيا العام 2014 وهو جهاز استخباراتي أنه سوف تظل جماعات الإسلام السياسي تحت المراقبة، حتى تلك التي لا تمارس العنف، وأن السبيل الوحيد لمكافحة التشدد والتطرف والإرهاب عابر القارات هو تنسيق وتوحيد الجهود الأمنية داخل دول الاتحاد الأوروبي وخارجه. كما تُجري الحكومة الفرنسية مشاورات مع رجال دين مسلمين حول استحداث قوانين جديدة لمكافحة التطرف الفكري في صفوف بعض المسلمين المقيمين بفرنسا.
كما تواجه بريطانيا المزيد من التهديدات حيث تتزايد المخاوف الأمنية من نشاط المجموعات المتطرفة، وفي تقرير أصدرته مؤسسة "بوليس اكستغينغ" العام 2017 بعنوان "حرب الانترنت الجديدة" يتضح حجم الخطر الذي تشكله هذه الجماعات في الفضاء الالكتروني. وأشار التقرير أن بريطانيا في المرتبة الخامسة من حيث نشاط ونشر المحتويات والأفكار المتشددة في الأنترنت.
ومن المعلوم أن دول الاتحاد الأوروبي تستفيد من البيانات والمعلومات التي تحصل عليها من بريطانيا، وفق اتفاق "العيون الخمس" لتبادل المعلومات بين بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا ونيوزيلاندا.
وفي تقارير أوروبية أخرى تمت الإشارة إلى أن حوالي ثلثي الهجمات الإرهابية "76 في المئة" نفذها أفراد كانوا ضمن مجموعات تروج للفكر المتطرف عبر الانترنت. ولهذا السبب قامت الشرطة الأوروبية "يوروبول" بإنشاء مشروع "افحص الانترنت" لتبادل المعلومات حول نشاط الجماعات المتطرفة لمواجهة الفكر المتشدد التي تؤدي إلى أعمال إرهابية.
إن مواجهة خطر نفوذ التشدد والتطرف والغلو والكراهية والعنصرية في شبكة الإنترنت، من قبل كافة العقلاء والمنظمات المدنية والمؤسسات الرسمية، والذي أصبح يكتسح أفكار الشباب بواسطة خطاب دعائي ولغة تحريضية مقيتة وأساليب تدغدغ وجدانهم الديني، بات شأناً ملحاً ليس في الدانمرك وحدها، ولا في الغرب، بل في العالم أجمع، خاصة في منصات التواصل الاجتماعي.

 

33
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك


أن تختلف معي..
مؤسسة سيدة الأرض نموذجاً

تعرضت مؤسسة سيدة الأرض الفلسطينية والقائمين عليها وفي مقدمتهم الدكتور كمال الحسيني لانتقادات واسعة تجاوزت أعراف وتقاليد الاختلاف، وصلت حد التهجم الشخصي المباشر لرئيس المؤسسة والعاملين فيها، واستخدمت بحفلة الشتم والقذف أقذع الألفاظ وأفحش السباب وألصقت بهم أقبح العبارات، وقيل بالمؤسسة وبالحسيني ما لم يقله الإمام مالك بالخمر. جاء ذلك عقب قيام المؤسسة بتكريم الفنانة المصرية "إلهام شاهين" بتاريخ 13.6.2019 في القاهرة، بمناسبة مرور اثنا عشر عاماً على تأسيس المؤسسة وتعزيزاً لدورها في نشر الفنون والثقافة. وفي حفل أقيم بهذه المناسبة بعنوان "يبقى الفن رسالة إنسانية وطنية. وتبقى القدس عنوان الضمير العالمي. والقاهرة ضمير الأمة العربية" تم منح الفنانة شاهين درع المؤسسة، ومنحها لقب "سفيرة سيدة الأرض" وهو ما أثار حفيظة وضغينة وحساسية ومشاعر وغضب بعض الفلسطينيين، الذين أظهروا الكثير من السخط تجاه ما اعتبروه اختياراً غير صائب من مؤسسة سيدة الأرض، واستنكروا أن تقوم المؤسسة بتكريم فنانة مثيرة للجدل مثل إلهام شاهين، التي تنقسم الآراء حولها فلسطينياً وعربياً بين مؤيد تماماً ورافض بالمطلق. وأضاف الذين هاجموا المؤسسة والمشرفين عليها أن هناك الآلاف من النساء الفلسطينيات أمهات الشهداء والأسرى لم يحظوا بهذا الشرف العظيم الذي منحته المؤسسة لشاهين، لكنهم تجاهلوا التكريم التي قامت به المؤسسة في نهاية العام 2018 حين تم تكريم خنساء فلسطين أم الشهداء "أم ناصر" ومنحها لقب سيدة الأرض، وهي المرأة الوحيدة التي نالت هذا اللقب. وتناسوا تكريم الكثير من الشهداء الفلسطينيين وأسرهم من قبل المؤسسة، بل تقصدوا التجاهل والتغاضي عن مسيرة المؤسسة الزاخرة بالعطاء.
جاء تكريم الفنانة شاهين في سياق حفل نظمته مؤسسة سيدة الأرض لإطلاق مبادرة "فنانين العرب والعالم لأجل القدس" والغريب في الأمر أن معظم وسائل الإعلام قد تجاهلت المبادرة، وسلطت الضوء على التكريم فقط دون ذكر كلمة واحدة عن المبادرة المهمة التي تسعى لاستقطاب عدد من الفنانين العرب والعالميين من أجل نصرة قضية القدس، وقد استجاب فعلاً عدد منهم للمبادرة، وذلك إيماناً من سيدة الأرض بدور الفنانين الهام والمؤثر في قطاعات واسعة من المجتمع. ثم قامت المؤسسة في اليوم التالي بتكريم الفنان المصري محمد صبحي، ولم يأت أحد على ذكر هذا الحدث، وهو ما يشير إلى تجاهل متعمد يؤكد أن دوافع الذين قادوا حملة التشهير ضد مؤسسة سيدة الأرض لم تكن كما يدعون، بل هي مجرد ذريعة للإساءة للمؤسسة والعاملين فيها والنيل من شخصهم.
إرباك متعمد
تقوم مؤسسة سيدة الأرض بصفة دورية وكتقليد في كل عام باختيار فنان عربي لتكريمه ومنحه لقب "سفير سيدة الأرض" أي أن يكون هذا الفنان الذي تم اختياره سفيراً للمؤسسة في المحافل العربية والدولية وفي الملتقيات والندوات التي تقام، بصفته شخصية عامة، وهذا تماماً ما حصل مع إلهام شاهين، إذ اختارتها المؤسسة أن تكون سفيراً لها. لكن بعض الأصوات التي ارتفع صخبها، وكذلك بعض الأقلام التي أشهرت رماحها، لم تكن بريئة تماماً. حيث تم تزييف الحقائق وقيل أن المؤسسة منحت الفنانة شاهين لقب سيدة الأرض، وهو ما نفاه القائمين على المؤسسة نفياً قاطعاً، لكن البعض الذي حركتهم الضغائن والغيرة التي أثقلت صدورهم أخرجوا سيلاً من الحقد والغل فاض وسال حتى وصل حدوداً مست حرمة القائمين على المؤسسة، وتطاولت على سمعتهم وشرفهم ومكانتهم، بل تمت الإساءة إلى رجال مخلصين أوفياء للوطن، وكذلك تم توجيه إهانة لهم ولعائلاتهم. وزاد الأمر سوءًا حين نشرت وسائل التواصل الاجتماعي صوراً لشاهين وهي تتوشح علم السودان على أنه علم فلسطين، فوصل الهجوم عليها وعلى المؤسسة التي كرمتها مستويات قياسية.
بغض النظر إن اتفقت أو اختلفت مع أسماء الفنانين العرب التي تقوم مؤسسة سيدة الأرض باختيارهم لتكريمهم وتقوم به بصفة دورية كل عام، فإن هذا لا يعني أنك على صواب، ولا يمنحك الحق إلا في نقد الفكر والمعتقد وانتقاد الفكرة والثقافة وتحليل الرؤية ومقاربة المبادئ والمواقف بطريقة علمية وموضوعية تخلو من الشخصنة ومن الإسقاطات المزاجية، حيث لا مبرر أخلاقي ومنطقي يفسر هذا التهجم والتعرض لكوادر المؤسسة ومسؤولها، ويعلل الإهانات والشتائم والازدراء التي وجهت لسيدة الأرض وللدكتور الحسيني.

فلسفة الاختلاف
أن تختلف معي فهذا حقك، أو أن لا أروق لك فهذا شأنك. لك كل الحق أن تكون مختلفاً عني في المظهر والجوهر، في الفكر والموقف والرؤية، في الذوق والاهتمامات، وكذلك الأمر في سائر شؤون الحياة. لكن اختلافك عني ومعي لا يجعلك على صواب، ويجعل مني مخطئاً. حقك في اختيارك الاختلاف لا يعطيك الحق أبداً أن تشتمني وتقدح وتذم وتفبرك الأحداث وتزور الوقائع وتنتقص مني. بل أن اختلافنا يجب أن يوفر فرصة كي يستفيد كلانا هن هذا الاختلاف لاكتشاف أشياء لم نكن نعلمها، ولاكتساب خبرات جديدة، ولرؤية الأمور بطريقة مختلفة.
‏ قديماً قال الفيلسوف اليوناني "سقراط" موجهاً كلامه لرجل جميل المظهر وقف يتبختر متباهياً بثوبه ويتفاخر بهندامه ومظهره، فقال له جملته الشهيرة "تكلم حتى أراك".
اليوم تعاني مجتمعاتنا العربية من انقلاب في المفاهيم وانسحال أخلاقي مريع، أصبحت معه الكلمة غير مسؤولة، والمواقف تمليها الحسابات الشخصية والتحالفات غير المبدئية، والاصطفاف شللي، واختلط الحابل بالنابل، الصالح والطالح، والشغول بالكسول.
إن المشكلة لم تكن يوماً في الاختلاف، لكن في إدارة هذا الاختلاف. ليس عيباً ولا شيئاَ غير عادياً أن يختلف معك الآخرون، لكن أن تتم شخصنة هذه الاختلافات ثم يقوم البعض بشتمك وعائلتك ويتم التشكيك في انتماءك ونبل غايتك، فهذا فعل قبيح لا يمكن أن يصدر عن إنسان عاقل ومسؤول. فالاختلاف أزلي كما هو الاجتهاد أزلي، وكذلك المبادرة والابتكار. ومن يرغب في إغلاق باب الاجتهاد والمبادرة، يرتكب خطيئة اصطناع الوفاق والاجماع المزيف اللذان لا وجود لهما.
الاختلاف جعل من بعض المبدعين والعلماء والمفكرين والأدباء والفلاسفة متميزون حيث برز كل منهم في قطاعه، فيما الآخرون الذين فضلوا السلامة والتوافق مع الأداء الجمعي طواهم النسيان. فحين ينام الكسالى المتكيفون ملء الجفون، نجد أن النشطاء يسهرون ويتدبرون ويخططون ليوم عمل شاق قادم.

ماذا بعد
أن تختلف عني ومعي فهذا شيء، والعدل والصدق والموضوعية والنزاهة في قول الأشياء وتوصيفها أمر آخر مختلف تماماً. فربما تكون فيلسوفاً متبحراً في المعارف، أو نابغة في العلوم، وقد تكون منافساً وخصماً شرساً معانداً، لكنك حين لا تكون صادقاً شريفاً ومستقيماً، وحين تفتري وتكذب وتفبرك، ولا تجد سوى الشتم والسب وسيلة لتعلن اختلافك، حينها تفقد احترامك وقيمتك ولا تصون كرامتك لأنك تقول المنكر وتدافع عنه. إن تعارض المصالح والكراهية والتعصب الأعمى والمواقف المسبقة سمات تجعل من بعض الأفراد لا يرون سوى الافتراء والنفي والاستعداء ويظنون أنهم يقبضون على الحقيقة.
من حقك ان اختلفت مع سياسة مؤسسة سيدة الأرض أو مع القائمين عليها أو مع بعضهم، أن تعلن وجهة نظرك وتدافع عن رؤيتك، لكن بشرط أن تكون موضوعياً حكيماً في إدارة اختلافك، وأن تقدم المصالح العامة على المنافع الشخصية، ودون كذب وافتراء وتزوير، دون توجيه شتائم وإهانات لأحد، دون التشكيك بانتماء ووطنية أحد.
فإن شكلت النجاحات التي حققتها مؤسسة سيدة الأرض عبر مسيرة اثنا عشر عاماً ضيقاً لبعض الفاشلين الهامدين، فإنه من الظلم والحمق جلد المؤسسة واستجرارها كي تتحمل جريرة إفلاس الأخرين.
إن الجانب الأكثر لؤماً ومكراً في طمس الصدق والإنصاف والموضوعية هو أن تقوم في إقصاء وإزالة الأسباب والمعطيات وإنكار العوامل والتغاضي عنها، وتسليط الضوء والتركيز فقط عن النتائج. علينا جميعاً أن نتعلم آداب الاختلاف وسلوكياته، وأن نصدر أحكامنا بمعايير موضوعية ونزاهة تسمو فوق رغباتنا وهوانا لربما يرتفع منسوب إنسانيتنا قليلاً.
 

34
أدب / أوردة لقلوب الجائعين
« في: 09:41 09/06/2019  »

أوردة لقلوب الجائعين

حسن العاصي



1
في منتصف الرحيل
خطىً تتنهّد
والدروب المرتجفة
تئن في نهوض
إلى الأرصفة الخشنة
في ملتقى السواقي
أجعل قلبي لك مركباً
يراودني شغب الأراجيح
أشرّع أسئلة الماء
قبل أن أعتكف المكان



2
ألا يكفيك
نومك على بساط القصب
يا مذاق الجنون المحلّى
صبحك سرمدي
وأنا هرمت
قالت ألا تعلم
لا يأتي شغف الإبحار
إلّا من رصيف الأرق



3
لم أعد أسمعك
الفضاء يكتسي السكون
من شفة الجدول
تأخر نور المساء
متى تعود؟
مازال الشفق يعانق
وجه الغياب
كيف تركتك
تبدّد أقنية الهمس؟
ارتبك الرحيل
فاعتزلت المسافة


4
تموت الفصول
فوق الرصيف العاقر
زهرة الثلج تحتسي
أوردة البياض
تعزف القصيدة
احتضار المدينة
نحمل نعش التقاسيم
خطيئة الميلاد
كأن في جنون الصقيع
يسيل شمع الذنوب
على عتبات الخطايا



5
تغسل الحقائب الباردة
زهرة الطفولة
خيوط الفراغ
تلملم رفات الوقت
وتكتب وجع الأمد
على أوردة الرمل
سور المدينة لم يمت
لكنه منذ ضباب وحسرة
أصبح لوحة صبّار
الوجوه الصغيرة رحلت منذ ندم
لكنهم يبكوها الآن
فلنحاول غياب آخر



6
الأرض تحب الصلاة
وتعب التراب ينزف
بحر السفر
رأيت في غابة الخبز
ساقية تجري
تحمل ترياق الصبح
يوغل القمح في السكون
حتى ينثر ماء الضباب
جوع المكان
للإيمان ملامح أخرى
يرتدي العشب المرتبك
أطراف الغيبوبة
يصرخ الطين
ازرعوا في أخاديد حقلي
أوردة لقلوب الجائعين


35
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك


المونوفيجن الفكري.. أزمة العقل العربي

إحدى أبرز إشكاليات العقل العربي تكمن في وضعية الانسداد التام والاستعصاء التي لم تمكنه من التطور وإدراك المعاصرة والحداثة، نتيجة عجزه المزمن عن إجراء تغيير في ثقافته الموروثة منذ قرون خلت. ثقافة تجعل معتنقيها مؤمنين أنهم أخير الناس، أصحاب الرُشد والأخلاق والحق، لذلك فإن الثواب والخير يعود لهم، وإن الرذيلة والضلالة والبؤس للأخرين الأقل مكانة. إن هذا القصور الاستدلالي حول التنوع الفكري والتعدد الثقافي، جعل العقل العربي غير فطن للتطور الهائل الذي قطعته العلوم وأنهت معه عصور التقسيم جيو-ثقافي للأمم بسبب الجغرافيا، ولم يلاحظ النتائج الكارثية التي أحدثتها الصراعات والحروب والكراهية بين البشر لأسباب ترتبط بالاختلافات الثقافية، ولهذا فإن العقل العربي ظل مكبلاً غير طليق ولم يدرك منظومة القيم الإنسانية التي شكلت أساس قيام العالم الحديث.
التطور التقني الذي حققته العلوم في قطاع الاتصالات قد أسقط الجدران الجغرافية والدينية والعرقية، فبدأت تتأسس ثقافة جديدة مكونة من قيم العدالة والمساواة والحريات العامة، تحترم الفردية والخصوصية، ثقافة بلا هويات دينية أو مذهبية أو قومية، وتتجنب كافة مفاعيلها وإفرازاتها الاجتماعية والفكرية، بل تعتمد التفاعل الإنساني والهوية الأممية.
علاقة العقل العربي بالعلم مركبة وشائكة وطفولية وغالباً تبدو استعلائية تكشف عمق الجهل والتخلف، حيث تسود أفكار أن العرب سبّاقون في كل مضمار، ولديهم كل شيء خصهم الله فيه دون سواهم، في مجتمعات يسيطر عليها الفكر الغيبي والموروث الثقافي الذي يعكس سعة الفجوة العلمية والحضارية بيننا وبين الأمم التي حققت التقدم.
تفشّي الخرافات وتأصلها في عمق العقل العربي والإرث الذي يعتبره مقدساً حال دون تمكن الأدمغة العربية من أن تجد لها مكاناً في نادي الاكتشافات العلمية. كيف يتطور العقل العربي ومازال الكثيرين يؤمنون بالقدرة الخارقة لبول البعير على الشفاء من مختلف الأمراض، ويعتقدون بالسحر والحجب وإقامة الطقوس الدينية. ما زالت علاقة العقل العربي مع الآخرين ومع الحضارة العالمية، مختلطة وملتبسة يطغى عليها التوحش والسلوك الصحراوي القبلي، بالرغم من امتلاك العرب أحدث السلع التي ينتجها العلم.

فلسفة الاقصاء
الاقصاء تربوياً هو أسلوب للعقاب يتضمن إلغاء التعزيز الإيجابي لفرد أو جماعة، لفترة محددة أو بصورة نهائية. وفي اللغة فإنه الإبعاد والغاية البعيدة. والاقصاء اجتماعياً ويعرف أيضاً باسم التهميش هو الحرمان الاجتماعي والإبعاد إلى حافة المجتمع، وهو مصطلح يستخدم على نطاق واسع في أوروبا في مختلف الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويتم تعريفه على أنه منع الأفراد بشكل منهجي من الوصول لكافة أو بعض الحقوق والفرص والموارد المجتمعية أسوة بالآخرين.
يقول الكاتب الأمريكي "فرانك هربرت" لم يخلق الناس سواسية، وهذا أصل فساد المجتمع. ويظهر الاقصاء والتهميش في قلب كافة قضايا الصراع الاجتماعي باختلاف تسمياتها ومظاهرها وتمثلاتها.
إن العقل الاقصائي هو الذي لا يرى سوى ذاته، لا يعترف بغيره، ويتخذ مواقفه بناء على حساباته وحده، لا يهتم بالآخرين ولا يراهم. الاقصائية هي منظومة من الأفكار والسلوكيات تم تصميمها لتخدم مصالح من تمثلهم، وتعمل على إزاحة الآخرين وحرمانهم دون أي اعتبار. ولهذه الأسباب فإن العقل الاقصائي عامل طارد لكافة الجهود الجمعية، عقل ينفي حق الآخرين في الوجود، وحق الأفكار في أن يتم نقدها، وحق الممارسات في أن تخطئ أو تصيب، ولهذا فإن الاقصاء هو الشريان الخفي الذي يغذي كافة الأفكار المتطرفة والأعمال العنيفة. وبهذا يكون التشدد والتعصب هما انعكاس للأفكار الاقصائية التي تبررهما. العقل الاقصائي يمكن أن يكون عقلاً دينياً أو سياسياً أو اجتماعياً أو عرقياً، كما قد تجد العقل الاقصائي في التيار اليساري أو اليميني أو القومي أو الليبرالي لا فرق بين عباءة وأخرى، فالاقصاء منتشر كالفطر السام.
الثقافة الاقصائية هي السبب الرئيسي خلف هذا النكوص الأخلاقي والعجز الحضاري، والاخفاق الحداثي والهزائم التي تصيب الأمتين العربية والإسلامية. العقل الاقصائي تسبب في حالة انسداد فكري واستعصاء علمي وجمود حضاري، تسبب في أسر الأمة بسجون تاريخها، فيما الأمم جميعاً كسرت قيدها وانطلقت نحو التقدم والازدهار.
لا يمكن إجراء مقاربة للعقل الاقصائي في الحالة العربية دون الإلمام بكافة الأبعاد الفكرية والثقافية والاجتماعية والتاريخية لهذه الظاهرة، لأننا كما نعلم فإن الواقع لا يمكن أن يتشكل بمعزل عن الأفكار السائدة، كما أن الفكر ذاته لا يمكن فصل منبته عن واقعه. تبدو الحقائق في سياقها التاريخي تشير إلى أن الفكر العربي بصورة عامة كان ولايزال-بمعظمه- فكراً اقصائياً بمختلف مراحل التاريخ، حيث كان فكراً حاملاً ومحملاً ايديولوجيات تدفع بطبيعتها للاقصاء، ولأنه لم يكن يقبل بوجود فكر آخر، لم يتاح لفكرين أن يتعايشا في تاريخ الفكر العربي، إذ أن وجود فكر وايديولوجية ما كان ليكون إلا بزوال الفكر الآخر، وهذا يظهر في صراع الحنابلة والمعتزلة في التاريخ الإسلامي على سبيل الذكر، هذا يعني ببساطة أن التعددية الفكرية والتنوع الثقافي صفات غائبة في تاريخ الفكر العربي.
وذلك يعود لأسباب منها أن الدولة الإسلامية العربية ثم الدولة السلطانية، فالدولة الشمولية الحديثة لم تسمح بالتعددية الفكرية لأنه ينتج عنها تنوع سياسي رأت فيه الدولة العربية الاستبدادية خطراً عليها، فلم يعرف التاريخ العربي الدولة الجامعة، دوماُ كانت الدولة قديما وحديثاً إما لهذه الفئة أو لتلك. من جهة مختلفة فإن غياب التعددية السياسية أنتج غياب التعدد الفكري، وهيمنة الفكر الأحادي والسياسة الأحادية، والحزب الواحد والزعيم الأوحد، وهكذا في دائرة مغلقة تسببت بالبؤس والشقاء للأمة العربية.
خضع العقل والفكر العربيان تاريخياً لهيمنة نمط محدد وحيد، كان ولا يزال الخروج عنه بمثابة خروج عن الجماعة يستوجب العقاب لإعادة الطاعة، لذلك نمى العقل العربي على أحادية فكرية وفلسفية وثقافية ودينية لا ثانية لها، وهنا تماماً تكمن بذور الاقصاء بوصفه سلاحاً استعمل من قبل فئات محددة للحفاظ على مصالحها التي سوف تكون مهددة فيما لو سادت التعددية بدلاً عن الأحادية.


كل فكر وعقل أحادي هو بالضرورة اقصائي في تكوينه وتمثله ومفاعيله، تنتج الأزمة حين لا يواكب الفكر التغيرات التي تحدث في البنية الاجتماعية، وبهذا حين نكون أمام بعض التعدد والتنوع الاجتماعي والعرقي والمذهبي في البلدان العربية، ويظل الفكر أحادياً، تكف قضية الاقصاء عن كونها قضية فكرية ونظرية، لتتحول وتصبح إشكالية اجتماعية حياتية تتسبب بإلحاق الضرر بكل من هو خارج المركز، وتعيق الاستفادة من مقدرات الآخرين المبعدين المهمشين المقصيين، وتؤدي بهم للانكفاء لشعورهم بالوصاية عليهم من قبل المركز، وهذا يكبح تطور المجتمع وتقدمه.

المونوفيجن العقلي
كما المونوفيجن البصري الذي يصيب عيون بعض الكبار في السن من الناس ويسميه الأطباء قصور البصر الشيخوخي، هناك مونوفيحن يصيب العقل البشري دون تحديد العمر، وهو الأحادية في النظرة وفي التفكير والرؤية، وغياب سعة الإدراك لتقبل التعدد والتنوع في الأفكار والآراء ورفض الاختلاف، وهو مرض خطير يحدث تفاعلات غير توافقية تكون نتيجتها ظهور التشدد والتطرف والتعصب والعنصرية ورفض الآخر والجمود الفكري. وهي باتت أكثر ما يعيق تقدم المجتمعات، خاصة التطرف الديني والسياسي والاجتماعي. ولم يقتصر المونوفيجن على الأفكار والايديولوجيات، بل امتد وطال العلاقات البشرية وتسبب في عدم التوافق الإنساني، وهو أشد حالات أحادية الرؤية خطراً على الأفراد والمجتمعات.
يرتبط العقل الاقصائي بنزعة عدوانية مترسبة عبر السيرورة التاريخية. وبقدر ما تكون الأفكار اقصائية وتمييزية بقدر ما تظهر تسلطها وعنفها. ويظهر التطرف الديني أعمق أشكال أحادية الرؤية وأشدها استعصاء على التغيير. فالتراتبية الاجتماعية والصراع الطبقي وتدني المستوى الاقتصادي والفقر والجهل، وكذلك الاستبداد السياسي وغياب الحريات العامة، هي أيضاً أهم أسباب التشدد والاقصاء.
التطرف الديني لا يمكن فصله في الحقيقة عن التطرف الفكري والاجتماعي، ولا يرتبط بالجنس أو العرق أو المذهب. لأن الرؤية الاقصائية واحدة نابعة من موروث متأصل في الثقافة البدائية للبشر، نظرة ميتافيزيقية تكشف ضحالة العمق المعرفي في منظومة الوعي الاجتماعي. وفكر موحش ينزع لمصادرة حقوق الآخرين المخالفين، لا يرى تحقيق ذاته إلا بنفي الآخر وعدم الاعتراف به. هو العقل المركب المبني على عدم التسليم أنه بالنسبة للأخرين أيضاً هو أخر مختلف. تتحول هذه الأفكار والسلوكيات وتصبح ثقافة تأخذ أبعاداً دينية أو عرقية أو مذهبية أو اجتماعية، ثم مع الوقت تتحول إلى هوية.

المخيال العربي والاقليات
المقاربات الثقافية العربية لقضية الأقليات العرقية والدينية والثقافية أخفقت كونها معالجات مبنية على الأولويات العربية، ولأن غالبية السياسيين والمثقفين العرب يقرأون الواقع العربي بتنوعه وتعدده بصورة سطحية عابرة، لا تصل إلى عمق البنية الثقافية والاجتماعية للأقليات. حيث تعامل العقل العربي- غالباً- بصورة دوغمائية واستعلائية مع المجموعات العرقية والإثنية، منطلقاً من مركزية الثقافة العربية وهامشية وتبعية الثقافات الأخرى.
يسقط المثقف العربي من حيث لا يعلم في العنصرية حين يهاجم مركزية الثقافة والفلسفة الغربيتين، وبذات الوقت يتبنى مركزية ثقافته ضد الآخر الموجود تاريخياً، وهو بهذا يضع أولى اللبنات في جدار الإقصاء القاتل كونه يعتمد أحادية الثقافة. يجب الاعتراف أن العديد من المفكرين والمثقفين العرب ومنهم الدكتور محمد عابد الجابري، مؤمنين بأن ما يسمى الثقافة العربية هي نتيجة إسهامات شعوب الوطن العربي الإسلامي منذ عصر التدوين. وبالتالي فكل ثقافات الوطن العربي هي ثقافات متفرعة من الثقافة الأم وهي الثقافة العربية، وهذا رأي فيه القول الكثير لأنه يتنكر لثقافة الأقليات ومساهماتهم في الإنتاج الثقافي والحضاري للمنطقة.
إن المخيال الثقافي المعرفي الاجتماعي التاريخي العربي الذي يعتمد الرموز السياسية والدينية والفكرية والفلسفية والعلمية كمعيار لتميزه عن الآخرين وتفوق العقل والثقافة العربية، هو تماماً ما يسترشد به العقل السياسي العربي في بناء علاقته الفوقية مع الأقليات. وتصبح هذه المخيلة وأدواتها فعلاً طارداً للآخر وليس جامعاً وموحداً على مستوى البنية والدلالات. فالرموز والقيم في المخيلة العربية قد لا تعني أبناء الأقليات بشيء بالضرورة، كما أن رموز وقيم ومخيلة الأقليات لا تشكل اهتمام معرفي بالنسبة للعرب، ومن هنا تنبع الأزمة.

الاقصاء الديني
 التكفير كمنظومة ورؤية نظرية وسلوكية لا يتعلق فقط بالحركات الدينية، بل امتدت عصبيات هذا التشدد إلى كافة المشارب الفكرية والفلسفية والثقافية والاجتماعية، وأصبح يمارسها الجميع من علمانيين ويساريين وقوميين وليبراليين، حيث سقط الجميع في قعر الإقصاء وإلغاء غيرهم والاستعلاء عليه، وتجريده من حقوقه البديهية، وحرمانه من مصادر المنفعة العامة أسوة بغيره، بل ربما قتله أيضاً. وبهذا فإن التكفير والاقصاء باتا أزمتان إشكاليتان للكثير من المجتمعات البشرية. وهي ظاهرة تستوجب البحث في جذورها وتحليلها لفهمها، وعدم الاكتفاء بالقراءات السطحية.
 تعود المنابت الأولى لهذا الفكر في التاريخ الإسلامي إلى بروز تيار الخوارج كحركة احتجاجية على الواقع السياسي، ظهرت في نهاية عهد الخليفة عثمان بن عفان ثالث الخلفاء الراشدين وبداية عهد الخليفة الرابع علي بن ابي طالب "رضي الله عنهما"، في النصف الأول من القرن الأول الهجري. وقد خرجوا عن جماعة المسلمين أثناء عودة أمير المؤمنين "علي ابن أبي طالب" من صفين إلى الكوفة بعد التحكيم الذي حصل في القصة الشهيرة.  وكان الخوارج يتصفون بأنهم أكثر الفرق الإسلامية دفاعاً عن مواقفهم وتعصباً لمعتقدهم وآراءهم. كانوا يدعون بالبراءة والرفض للخلفاء ولحكام بني أمية، وتمسكوا بالاختيار والبيعة في الحكم. قامت الحركة بصياغة خطاب ديني سياسي، اعتمد على مفهومهم للحاكمية "إن الحكم إلا لله" لتبرير الأفعال الشنيعة.
تراجعت تيارات الإباضية والنجدات والأزارفة وسواها من فرق الخوارج، وظل العقل الاقصائي المذهبي والسياسي حاضراً بقوة في التاريخ الإسلامي والعربي.
نشوء حركات التكفير والهجرة في بعض البلدان العربية يؤكد ما سبق في أن أسباب ظهور هذه الحركات هو الاحتجاج على الواقع السياسي المأزوم، ثم نتيجة الاستبداد الفكري والسياسي وغياب الحريات الأساسية والاقصاء في العالم العربي، تشددت هذه الحركات في أفكارها وسلوكها للتعبير عن نفسها بشكل عنفي، بعد أن عانت من القهر والطرد المنظم.
لعل واحداً من أسوأ صفات الفكر الديني المتشدد الاقصائي هو الإساءة التي يتسبب بها للإسلام ذاته قبل كل شيء، نتيجة للقراءات والاجتهادات والتفسيرات الخاطئة لأصحاب هذا الفكر. فهذا الفكر لا يقدم أية مقاربات للأزمات التي تعاني منها الأمة، بل يدفع لترسيخ الانشقاقات والانقسامات والاصطفاف والطرد بذرائع دينية لا تقبل النقاش. وعليه فإن الاقصاء الديني هو أخطر أشكال الاقصاء لأنه يعتمد النصوص المقدسة ويداعب مشاعر الناس، ويعمل على إيقاظ العصبية المذهبية لديهم، ويقوم بشيطنة الآخر المختلف، ويجعل من كراهيته ومحاربته وطرده فعلاً صالحاً يُؤجر الفرد عليه. وهي ثقافة تشكل المخزون الفكري للتطرف والعنف والتهجم على أتباع المذاهب المخالفة، قائمة على التفرد بالحقيقة والرأي وتهويل النزعات الاختلافية.
لا يمكن مواجهة هذا الفكر دون بناء مجتمعات مدنية حديثة قائمة على مبادئ احترام الحقوق الرئيسية للمواطنين وحرياتهم العامة، مجتمعات قادرة على صناعة إنسان منتج فاعل ويسهم في بناء حضارة أمته عبر العقل والتفكير الابداع والعمل والإنتاج والتميز، وليس بواسطة التكفير والاقصاء.

الاقصاء الثقافي
الاقصائية صفة ملاصقة للفكر في الثقافة العربية الحافل تاريخها بقمع الحريات، وممارسة الاضطهاد والترهيب والتعذيب لكل من خرج عن الأيديولوجية وخالف الضوابط الدينية والعرفية. حيث ذاق الفلاسفة والمفكرين والمثقفين الذين أخرجوا عقلهم من الصندوق الأمرين في التاريخ العربي والإنساني. فمنذ أن تحولت الرسالة السمحة التي جاء بها الإسلام من كونها حامل للمحبة والتعايش الإنساني، إلى مركّب معقد للساعين الوصول للسلطة السياسية، أصبحت الحقائق مكونات يحتكرها أتباع طائفة دون الأخرى، وبدأت معها الانقسامات التي سببتها ثقافة الاقصاء التي لا زالت أنيابها حادة ممتدة في بنية الفكر العربي والإسلامي غالباً بذرائع متعددة.
اتسعت دوائر هذا الفكر في الراهن العربي، فأصبح المثقفين جماعات وطوائف متناحرة، والمؤسسات والأطر السياسية والثقافية والحزبية والدينية تحولت إلى مراكز استقطابية، وظهر المتشددين المتزمتين في شتى الميادين. هذا خلق صراعاً بين التيارات واصطداماً غير توافقياً بين الأفكار، أدى إلى اقصاء البعض غير المنسجم. هذا الحال أربك المشهد الثقافي برمته.
سياسة عدم وجود تكافئ الفرص، والمحسوبية والتهليل، ومحاربة كل عمل وفعل إبداعي يعتمد إعلاء سلطة العقل، ينتج عنه الاقصاء للفكر الحقيقي وأصحابه. تطور حركة الفكر العربي تتطلب الانعتاق من قيود ثقافة الاقصاء التي تكبل العقل العربي. إن الفكر التنويري الحداثي الغربي لم يكن يوماُ كتلة واحدة صماء، بل هو تعبير عن اتجاهات فكرية متعددة ومشارب فلسفية متنوعة بلغت مستوى عال من الرقي، لم تكن تصله لو اعتمدت الفكر الأحادي.

الاقصاء في الإسلام
تكاد أن تصبح ثقافة الاقصاء ورفض الآخر وعدم قبول رأيه، هوية للإنسان العربي الذي يستعدي كل من يختلف معه في الفكر. فالاقصاء احتل حيزاً واسعاً من الثقافة العربية البدوية، كان العرب تتقاتل لاختلافات غير هامة، وتتصارع القبائل لأسباب تافهة لفرض رأيها، حتى بات القتل والغزو أمراً عادياً وضرورياً في الثقافة البدوية. قتل العرب بعضهم بعضاً لعدم التوافق في الموقف وللتعارض في التفسير، ولتصرفات عادية لا تروق لبعضهم، ولأي قول أو سلوك تعتبره عقليتهم البدوية الاقصائية أنه إهانة لهم ومساس بكرامتهم وانتقاص من كبريائهم، فكان السيف والقتال لا العقل والحوار هو السبيل الوحيد لحسم الخلافات. حتى أن شهر صفر سمي بهذا الاسم لثلاث روايات أحدهما أنه يعود إلى أصفار مكة من أهلها لخروجهم والقبائل الأخرى للغزو. كما جاء في الجزء الرابع من كتاب لسان العرب لابن منظور. -قيل أيضاً أنه بسبب نهاية فصل الشتاء واصفرار أوراق الشجر، وقيل إنه إشارة إلى خلو مكة بعد موسم الحج.
جميعنا سمعنا بالحرب الشهيرة "داحس والغبراء" التي استمرت لأربعين عاماً متواصلة بين فخذين من قبيلة "غطفان" النجدية، هما "عبس" و"ذيبان" والسبب لم يكن سوى نزاع يتعلق بسباق خيل بين فرسين يسميا "داحس" التي امتلكها "قيس بن زهير" و"الغبراء" لصاحبها "حذيفة بن بدر". وهي واقعة تاريخية تعكس العقلية الخشبية الاستكبارية القاصرة عن لغة الحوار والعاجزة عن مواجهة عصبيتها. فقد كان العرب لا يؤمنون بالفكر ولا يعترفون بالثقافة، بل بصلة القربى والحسب والنسب، فحين يهب العربي لنجدة العربي فإنما بسبب الانتماء العائلي أو القبلي أو الطائفي والمذهبي، لا بسبب الوقوف مع الحق وقوة وحصافة الرأي وحكمة الموقف.
حتى بعد اعتناق الإسلام لم يطلّق العرب العقلية البدوية ولم يخرجوا من قعر الاقصاء والتعصب. كل ما حصل أنهم انتقلوا إلى نمط آخر من الاقصاء والتكفير لمن يختلف معهم في الفكر والرؤية. وهكذا كان يتم نفي أي جماعة أو أي فرد من القبيلة يكون له/م تفسير وقراءة مغايرة عما هو سائد. بحيث يتم طردهم للصحراء كي يموتوا وحدهم، اجتناباً لتمزق القبيلة. وقد يعود المخالف لحماية القبيلة إن أعلن توبته، وإلا قد يقتل لموقفه.
تبدو الثقافة التي تسببت في أزمة العقل العربي المعاصر تُغذيها موروثات تلك الحقبة البدائية، فما زال العرب يعتقدون أنهم أفضل الأمم، وكأنهم أصيبوا بالعماء جميعاً، لا أحد منهم قادر على رؤية هذا الخراب والبؤس الذي يعيشون في وسطه. ولا زال العربي المسلم غير قادر على التعامل مع الآخر المختلف إلا بوصفه عدواً أو في أفضل الأحوال غير صديق. واستمر في رفض الأفكار الأخرى التي ينظر لها على أنها طريقة لإضعاف الإسلام وهدمه. بل أن هناك بعض التيارات والجماعات الإسلامية تعتبر أن الاختلاف لا يجوز في الإسلام، وهو أمر باطل شرعاً وعقلا!
إن أصحاب هذا النهج الفكري يقدمون الإسلام على أنه دين فاشي لا يحترم العقائد الأخرى، بينما الإسلام غير ذلك تماماً. هذه الأفكار هي التي أنتجت التشدد والتطرف ثم العنف والإرهاب.
هذه العقلية التي نحصد بعضاً من حنظلها اليوم، تسببت بالمصائب التي ابتليت بها الأقوام المتعاقبة التي عانت الأمرين من حكم وفكر وأسلوب بعض الحكام المسلمين، الذين عملوا على اضطهاد وتعذيب واقصاء وقتل كل من يخالفهم في الرأي أو العقيدة حتى من أبناء المسلمين أنفسهم.
الخليفة "المتوكل" سجن رئيس بيت الحكمة في بغداد الفيلسوف "أبي يوسف إسحاق الكندي" ثم طرده وحرق مكتبته، لأنه اعتبر أن العقل جوهر التقرب إلى الله وعارضه حينها رجال الدين. وفي عصر "المنصور" اضطُهد "أبي بكر الرازي" أشهر علماء المسلمين، وأول من ابتكر خيوط الجراحة، ومكتشف الدورة الدموية، هاجمه رجال الدين المتعصبين لمواقفه واتهموه في دينه حسداً منه لمكانته، فطرد من عمله وأتلفت مخطوطات هذا الفيلسوف وتم ضربه بكتبه على رأسه حتى أصابه العمى. ما فعله السلطان "المنصور بن أبي يعقوب" سلطان الموحدين، مع الفيلسوف والعالم "ابن رشد" لا يقل بشاعة، حيث أحرقت كتبه ورمي بالإلحاد ثم تم نفيه إلى المغرب. العالم والفيلسوف الصوفي "محي الدين بن عربي" تم اضطهاده واتهامه بالزندقة فعاش بقية أيامه وحيداً في خوف. "أبي نصر الفارابي" أشهر فلاسفة المسلمين، في سعيه لبحث العلاقة بين الفلسفة اليونانية وعقائد الشريعة الإسلامية، تم اعتباره أكثر العلماء كفراً وزندقة. أيضاً لاقى الإمام "أبي حنيفة النعمان" الاضطهاد والتعذيب على يد الخليفة "المنصور" لاختلافه في فهم الإسلام، ثم تم جلده وضربه على رأسه حتى الورم، وهو شيخ عجوز في السبعين من عمره. وسواهم الكثير من العلماء المسلمين الذين تم تعذيبهم وقتلهم لأسباب ترتبط بالموقف والرأي.
هكذا تعامل الخلفاء والسلاطين المسلمين من كافة الأعراق، عثمانيين أو مماليك أو سلاجقة أو عرباً، مع رعيتهم بعقلية اقصائية متشددة تقمع كل صوت يغرد خارج السرب، وتضرب رأس كل من يفكر خارج الصندوق، بذريعة أنهم حماة الإسلام. وما الحال التي وصلنا لها في الراهن العربي المعاصر إلا فصل جديد من تاريخ العقل الاقصائي العربي بكافة تمثلاته.

خاتمة
العقل الاقصائي يناقض مكونات الحياة ذاتها في تعددها وتنوعها وثراءها. ولا يرى الوقائع إلا من طرفه المطلق الأوحد. نحتاج إلى العقل التشاوري الاجتهادي التحليلي التشاركي التسامحي بديلاً عن العقل الاحتكاري الطارد للتعايش الجالب للبؤس.
في الحالة العربية الشقية فلا اعتراف بلغة الحوار، ولا رحمة لأي مخالف في الفكر والتفسير، بل التطويع والإخضاع للفكر النقدي المتمرد، والإدانة لكل من يرتفع صوت عقله، والقمع والسجن لكل من لا يستجيب، والإرهاب والقتل لكل من يحاول تغيير الثابت. فنحن أمة لا تقبل الاختلاف، لا اختلاف الدين، ولا الهوية، ولا الرأي، ولا المذهب، ولا الطائفة. وثقافتنا هي ثقافة هدم لا ثقافة بناء، ثقافة قتل لا ثقافة حياة، ثقافة تفريق لا ثقافة توحيد، ثقافة طاردة نافية لا ثقافة جاذبة. وما زلنا نشتم الغرب العنصري الذي يحاول تسميم ثقافتنا بالتنوير والحداثة.
لن يتمكن العقل العربي من التقدم ما لم يتخلص من التميز المزيف عن سواه. سوف تظل المفاهيم المتنوعة معكوسة في العقل العربي ما لم يغير من ثقافته الموروثة ويتبنى ثقافة جديدة إنسانية، تتمكن من بناء مجتمعات حضارية متطورة، وتقضي على كافة مظاهر التخلف الاجتماعي والظلم والفقر والأمية والجهل والاستبداد المهيمن على البشر.
نحتاج إلى الكثير من المرونة الفكرية، والتمرس المعرفي، والسلاسة التواصلية، والتوازن والموضوعية، وكثير الكثير من الإنسانية.


36
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك


حدائق الحيوان البشرية.. حين تغيب الإنسانية

كشفت صورة التقطت ببروكسل ونشرت عام 1958 وهزت ضمير البشرية، الوجه الذميم للغرب الاستعماري العنصري. الصورة كانت لطفلة من أصول أفريقية بعمر ثمانية أعوام، تم وضعها مع أطفال مثلها من أصحاب البشرة السوداء في أقفاص تسمى حدائق الحيوان البشرية. كما أصابت كلمات "ونستون تشرشل" الزعيم البريطاني التي نشرت العام 1992 الرأي العام الأوروبي والعالمي بالصدمة، حيث جاء في مفكرته التي كتبها حين كان وزيراً للداخلية أن "النمو الشاذ المتزايد لطبقات ضعاف العقول يشكل خطراً قومياً وعرقياً على أوروبا، ويجب وقف هذا الرافد الذي يغذي نهر الجنون".
لقد مضت عقود على مكافحة العنصرية في الولايات المتحدة وأوروبا، وعلى الرغم من صدور التشريعات والقوانين ضد التمييز العنصري، فما زلنا لليوم نرى الصدامات والحوادث والاعتداءات العنصرية في العديد من المدن الغربية. إذ أن للعنصرية جذوراً عميقة دفينة في النفوس وفي الوعي الغربي بصورة لا يمكن السيطرة عليها بشكل تام في بعض الأحيان، رغم التقدم الديمقراطي والعلمي والحضاري للغرب.
في الولايات المتحدة تشتعل حرب عنصرية بطريقة إرهابية ضد الأمريكان من أصول أفريقية، وضد القادمين من دول أمريكا اللاتينية بصورة أقل، مما يدفع للتساؤل عن أسباب تواصل سياسة التمييز العنصري في الولايات المتحدة. يجري استهداف وتهميش السود بصورة رئيسية في جميع القطاعات، ونسبة البطالة لديهم ضعف نسبتها بين البيض، ودخلهم المالي أقل بنسبة الثلث، ونسبة الفقر في أوساطهم أكثر بثلاث مرات من البيض، ونسبة الاعتقالات بينهم أكثر بأربع مرات.
إن العنصرية والكراهية والاعتداءات ضد السود في أمريكا، وضد اللاجئين والأجانب في أوروبا وضد الأعراق الأخرى غير الأوروبية، يعد انقلاباً على الديمقراطية، وارتداداً عن قيم العدالة والمساواة، ونكوصاً حضارياً وإنسانياً للمجتمعات الغربية. ورغم كل ما أنجزه الغرب من تقدم علمي وتطور في مختلف الأصعدة، لكن ما يجري من اختلالات اجتماعية وإشكاليات اقتصادية وتناحر طبقي، لا ينفصل عن الطبيعة البغيضة للرأسمالية ولا عن مجمل السياسات البرغماتية التي تتبعها.

سياسة العنصرية
العنصرية قد تكون قانونية ومحمية بالدستور، حيث يتم تحديد العلاقة وشكلها بين فئات مجتمعية معينة بالدولة من خلال الدين أو العرق أو الطائفة. نجد في بعض الدول تشريع قوانين الاختلاف المتعلقة بالحقوق والواجبات. ويجري ذكر الدين والمذهب على بطاقات الهوية الشخصية للأفراد لغايات عنصرية وفرض نمط مختلف من التعامل. كما توجد عنصرية فكرية وثقافية ترتبط بالعادات والتقاليد والأعراف في المجتمع، وهذا يظهر حين يقوم المجتمع بنبذ مجموعة من المواطنين، أو شريحة اجتماعية أو طائفة من الناس تختلف بثقافتها عن الأغلبية. وقد يكون الدافع للعنصرية أسباب فردية وشخصية، حيث يقوم فرد ما بكراهية فئة أو جماعة ما، ويبدي التصرف العنصري العدائي تجاه هذه الجماعة بناء على أسباب تتعلق به شخصياً، أو لدوافع ترتبط به.
المادة العشرون من اتفاقية حقوق الإنسان الدولية التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة العام 1966 تنص على "حظر أية دعاية للحرب، وتحظر أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف". ونجد نصوصاً مشابهة في دساتير جميع الدول التي تعاقب على الكراهية والعنصرية والتحريض الديني والعرقي إن تم داخل أراضيها، ومع ذلك نجد بعض الدول تقوم ببث الكراهية وتصنع الخوف من الآخر، وتنشر التفرقة وإثارة التناحر والصراعات، في دول أخرى لغايات ما، وخلق الفوضى والعبث، ثم تساعد على ظهور متطرفين ينشرون القتل والحرق، وفي توقيت مناسب تتدخل هذه الدول لإعادة ترتيب أوضاع المنطقة وحل النزاعات، بشكل يحقق لها سيطرتها ومصالحها.
الدول الغربية ذاتها التي تؤمن بحق مواطنيها في العيش بحرية وكرامة وعدالة اجتماعية، وتجتهد لتوفير الرفاهية لشعوبها، حتى لو كانت على حساب الشعوب الأخرى -الأقل أهمية ومنفعة- تقوم في سعيها للسيطرة على مقدرات الأمم ومن ضمنها الأمة العربية، على استحداث وسائل استعمارية حديثة غير تقليدية، حيث تقوم بتوظيف التكنولوجيا المتطورة وثورة البيانات في تطوير هذه الأدوات. لقد أسهمت التقنيات بإيجاد الحروب التي تستعمل القوة الناعمة كسلاح فتاك يستهدف العقول، عبر نشر الشائعات وبث الأكاذيب وتلفيق الوقائع، ضمن خطط ممنهجة مرسومة بدقة موجهة إلى شرائح اجتماعية محددة، لإشعال الفتن وإثارة النعرات الطائفية والعرقية والمذهبية، بهدف إشغال الناس عن أزماتهم وحجب رؤية ما يحدث بهدف السيطرة عليهم. ولكي تتمكن الدول الغربية وبالتعاون مع بعض الأنظمة العربية المستبدة من إحكام السيطرة على الشعوب، يقومون بتغذية الخطاب الديني والسياسي والطائفي والعرقي المتشدد لتتسع دوائر الكراهية.

أضلاع العنصرية
في بداية التسعينيات من القرن العشرين، مع انتهاء الحرب الباردة، عاد الاستعمار الغربي للمنطقة العربية مرة أخرى عبر تصدير السلع والبضائع، ثم لاحقاً عبر الاستهداف الثقافي. وفي الوقت الذي كانت فيه الدول الأوروبية تسعى جاهدة لتنفيذ سياسات الاندماج التدريجي، وتحقيق نوع من المساواة، قامت الحرب العرقية الدينية في يوغسلافيا، ثم انعطفت أوروبا من توجهها نحو دول الجنوب في شمال أفريقيا، ودول الضفة الأخرى من المتوسط، التي كانت سياسة معتمدة من قبل الاتحاد الأوروبي، وتوجهت نحو دول الشرق الأوروبي، وبدأت في سياسة إسقاط الحدود فيما بين بلدان القارة. وأخذت معها تتوافر الظروف لعودة العنصرية على شكل اصطفاف سياسي واقتصادي وثقافي.
 أبرز هذه الظروف هو التكتل فيما بين الدول الأوروبية على حساب التقارب مع الضفة الأخرى المتوسطية. لم يخصص الاتحاد الأوروبي سوى خمس مليارات يورو لتطوير وتنفيذ اتفاق برشلونة لتطوير العلاقة مع دول المتوسط، بينما صرفت أوروبا عشرات المليارات لإدماج دول أوروبا الشرقية، وذلك بسبب الفهم الضيق والنظرة الفوقية العنصرية لدول الاتحاد الأوروبي.
فتح الحدود بين دول أوروبا الغربية المتطورة ودول شرق أوروبا أحدث تفاعلاً سلبياً في المجتمع الأوروبي أدى إلى تصاعد العنصرية وتمدد الأفكار اليمينية المتشددة، التي لم تعد تقتصر على خطاب بعض الأحزاب الأوروبية العنصرية في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا، بل أصبح للعنصرية أبعاداً اجتماعية واقتصادية، حيث ثارت حفيظة العديد من المواطنين الغربيين على الأيادي العاملة الرخيصة القادمة من دول أوروبا الشرقية التي تسببت بفقدان الكثير من الناس لوظائفهم، وهو ما أحدث تنافساً وصراعاً وتناحراً وأجواءً من الكراهية، استغلتها الأحزاب اليمينية ووظفتها في خطاباتها الانتخابية لبث الكراهية وتحقيق نسب مرتفعة من الأصوات. وتصاعدت الحملات التي تحذر من خطر الأجانب والمهاجرين الذين يهددون قيم وهوية أوروبا، ويزاحمون أبناءها على أرزاقهم، وهو الخطاب المغذي الفعلي والحقيقي للعنصرية. إن التغيرات التي تحصل في الدول الأوروبية تعود أساساً إلى التحولات البنيوية الاقتصادية والاجتماعية في تلك الدول ذاتها، فيما لا ذنب للمهاجرين واللاجئين فيها، ومن يزاحم وظائفهم هي العمالة الرخيصة القادمة من شرق أوروبا، ومن ينافس منتجاتهم وأسواقهم هم الأمريكان والصينيين.
صعود الصين كقوة اقتصادية قادرة على المنافسة، أحدث خللاً بميزان التجارة العالمي الذي كان دوماً يصب في المصلحة الأمريكية، فأصبحت الصين تزاحم أمريكا في أوروبا وأفريقيا، وهو ما اثار مشاعر الكراهية ضدهم في الغرب الذي مازال ينظر للصين باستعلاء وفوقية عنصرية.
وحتى تكتمل اضلاع المثلث التي وقفت عليه العنصرية وأظهرت أنيابها، لا بد من التذكير بالأفكار والنظريات العنصرية التي أعقبت انهيار المعسكر الاشتراكي، حيث أصبح الإسلام العدو الأيديولوجي الجديد للغرب، وخرجت علينا نظريات نهاية التاريخ وصراع الحضارات التي أشعلت حروباً وخلقت ظروفاً جديدة صار معها العربي والمسلم يثيران الريبة والخوف في الغرب، بدأت بعدها حملات الكراهية ضد المسلمين والمهاجرين، توجت بتشريع حزمة من القوانين للتضييق على الحريات، وقيام اليمين المتشدد باستثمار هذه المستجدات للإمعان في تشويه صورة الإسلام والمسلمين والعرب والمهاجرين واللاجئين في الذهنية الغربية عبر وسائل الإعلام.

العنصرية الطاغية
ما الذي جعل العنصرية والكراهية تفرض حضورها الشنيع القوي، في حين كان الاعتقاد السائد أنها دُفنت مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، وأن العالم قد أقبل على مرحلة تتسم بالسلام والإنسانية.
ما حصل هو أن العنصرية لم تندثر في حقيقة الأمر، لكنها تراجعت بدءًا من خمسينيات القرن العشرين في أوروبا، على الصعيدين الثقافي والقانوني بفعل التشريعات والدساتير الحديثة التي تعتمد العدالة والمساواة، وظلت العنصرية تبدي ممانعة في الولايات المتحدة حتى بداية السبعينيات. وفي الوقت الذي حقق فيه الأمريكيون من أصل أفريقي تقدماً اقتصادياً وثقافياً نسبياً في الولايات المتحدة، تبين أن في الدول الأوروبية يوجد سقف لتطور الأعراق غير الأوروبية، حيث لا يمكن تصور وصول رئيس وزراء أو رئيس دولة أوروبية من أصل أجنبي غير أبيض.
العنصرية كانت واحدة من سمات فترة ما بعد انتهاء الحرب الباردة. مرحلة انهيار الشيوعية، وسقوط الحدود الجغرافية في أوروبا، وبروز قوى دولية وإقليمية جديدة، ثم أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، وما تبعها من حروب واضطرابات وصراعات في أكثر من بقعة في العالم.
العنصرية والكراهية الغربية بسبب اللون والعرق والدين ونوع الجنس باقية وتفرض وجودها في كثير من المناسبات. وعلى سبيل المقاربة فإن السلطات الفرنسية تنظر للفرنسيين السود من "جزر الأنتيل" و"غوادلوب" كأجانب حتى اليوم بسبب لون بشرتهم، بالرغم من كونهم فرنسيين منذ حوالي أربعة قرون. وهذا يؤكد أنه على الرغم من مرور ثلاث أرباع القرن على انتهاء الحرب العالمية الثانية، والقضاء على الأفكار والأحزاب النازية والفاشية، وكتابة دساتير حديثة، لم يكن كافياً للقضاء على الفكر والسلوك العنصري وعلى ثقافة الكراهية في عدد من الدول الأوروبية. وهذا يفسر في أحد أوجه إشكالية إخفاق سياسات الاندماج الأوروبية، وانتكاس قضية المواطنة، مما جعل الأجانب واللاجئين وخاصة الأبناء الذين ولدوا في أوروبا، يشعرون بحالة مريعة من التهميش والإقصاء والتمييز العنصري.
تطل العنصرية والكراهية برأسها القبيح حيث أصبحت ظاهرة كونية بمسميات متعددة، وصل الأمر إلى مرحلة المجاهرة بصلافة عن نظريات حول تقسيم العالم إلى قسمين، الشمال ويتكون من العرق الأبيض النافع الراقي حضارياً، والجنوب البائس الأدنى عرقياً، وتمت صياغة هذه الأفكار بنظريات عن صراع الحضارات، وابتداع الحروب لأسباب عنصرية. لم تعد خافية على أحد، تلك النظرة العدائية المرعبة للأجانب في الدول الغربية، نظرة كراهية مركبة تتعدد في مستوياتها وتتدرج على أساس الوضع الاجتماعي والدين والعرق واللون ونوع الجنس. وسقطت جميع القيم الأخلاقية والدعوات للاندماج وتقريب المسافات، أمام الخطاب الإعلامي اليميني المتشدد الذي يرفع شعار "الآخرون هم سعير جهنم".
كافة القوانين والتشريعات والعقوبات التي أصدرتها الدول الغربية ضمن سعيها لمواجهة العنصرية والعقاب لمرتكبها، وجميع حملات التوعية المجتمعية للأفراد للتنبيه من مخاطرها، وابتداع أساليب متعددة لمعالجتها، واستحداث وسائل مختلفة للتبليغ عن العنصرية وتحصيل حقوق الضحايا، إلا أن هذا لم يمنع من اتساع وتمدد الكراهية والعنصرية التي اشتعل فتيل لهيبها بصورة مرعبة خلال الأعوام الماضية.
اللافت أن العنصرية والكراهية لم تعد فقط فكراً وثقافةً للأحزاب والجماعات اليمينية المتشددة، بل أصبحت أيضاً خطاباً انتخابياً للعديد من الأحزاب الأوروبية التي تروّج شعارات معادية للأجانب لحصد الأصوات. وهذا ما تؤكده الانتخابات التي حصلت في العديد من البلدان الأوروبية خلال الأعوام المنصرمة.

جرائم الكراهية
وهي الجرائم التي يتم ارتكابها على أساس ديني أو عرقي أو جنسي أو لغوي أو على أساس الجنسية أو المظهر الجسدي، أو الإعاقة أو الانتماء لحزب أو جماعة أو طبقة اجتماعية، أو على أساس لون البشرة أو نوع العمل. ويمكن للجريمة أن تأخذ شكل الاعتداء الجسدي أو اللفظي. وقد زادت هذه الجرائم التي يقوم بارتكابها متشددون وعنصريون في دول أوروبية ضد العرب والمسلمين واللاجئين بنسبة أربعمائة في المئة خلال الثلاث أعوام الماضية
في فرنسا معقل الحرية والعدالة والمساواة، تتنامى خطابات العداء للمسلمين بصورة مرعبة، خاصة بعد الهجمات الإرهابية التي ضربت العاصمة بعض المدن الفرنسية في الأعوام الماضية. انتشرت عبارات "أيها العرب اخرجوا من بلادنا" و"العرب القذرون". كما دعت زعيمة اليمين المتطرف "ماري لوبان" إلى إعادة تفعيل عقوبة الإعدام لمواجهة ما أسمته الأصولية الإسلامية. وتزايدت الهجمات ضد أفراد الجالية المسلمة هناك، وتكرر مشهد حرق المصاحف والاعتداء على الجوامع في أكثر من مدينة فرنسية.
في بريطانيا أصدرت مؤسسة حقوقية تدعى "تل ماما" تقريراً في العام 2017 تضمن تزايد مقلق في معدل حوادث الكراهية والاعتداء على المسلمين واللاجئين في عدة مدن بريطانية. وكشف التقرير الذي أعدته المؤسسة بعد دراسة استمرت ثلاث أعوام عن 1084 جريمة كراهية تضمنت اعتداءات وهجوم عنيف وتهجم على المساجد، إضافة إلى مئات الإساءات عبر شبكة الانترنت.
في اسكتلندا وقعت هجمات بدوافع عنصرية على المسلمين والعرب عقب كل عمل إرهابي كانت تتعرض له بعض المدن الأوروبية. تم تسجيل 67 جريمة كراهية خلال العام الماضي، أبرزها حريق متعمد لمركز ثقافي إسلامي، والاعتداء على صاحب متجر، وتوجيه الإساءات عبر الانترنت إلى الوزير في الحكومة الأسكتلندية حمزة يوسف.
في الولايات المتحدة معظم جرائم الكراهية تتوجه نحو الأمريكيين من أصل أفريقي، ونحو اليهود والمثليين على التوالي، إلا أن الجالية العربية تحصل على نصيبها من حملات الكراهية، وقد تصاعدت نسبة هذه الجرائم خلال الأعوام الماضية. وبحسب الإحصاءات التي يصدرها مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي فقد بلغت نسبة جرائم الكراهية ضد العرب حوالي 16 في المائة من إجمالي الجرائم التي يكون سببها الرئيسي الدين والعنصرية والكراهية.
في ألمانيا شهدت بعض مقاطعاتها احتجاجات واسعة ضد الإسلام وضد اللاجئين، خاصة تلك التي نظمتها حركة "بيديغا" اليمينية المتشددة، وقد تخلل إحدى تلك المظاهرات قتل مهاجر أريتيري.

الكراهية الغربية
ظاهرة تمدد الفكر اليميني المتشدد والقومي العنصري في أوروبا والولايات المتحدة وأستراليا، أصبحت عبئاً مقلقاً في تلك المجتمعات تستوجب مواجهتها. حيث لأسباب دينية وعرقية ومنفعية، تتصاعد في العديد من الدول الغربية خطابات وحملات الكراهية ضد الإسلام والمسلمين و العرب وضد اللاجئين والمهاجرين وضد الغجر مواطني دول شرق أوروبا الفقيرة.
بولاية "ميتشغان" في الولايات المتحدة الأمريكية قام قس في الكنيسة المعمدانية يدعى "تيري جونز" بحرق القرآن الكريم في العام 2010 تزامناً مع الذكرى التاسعة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول على الولايات المتحدة. تضمنت أقواله في المحكمة أن المصحف يشجع على الأعمال الإرهابية، وأصر على تمسكه بحقه في التعبير وفقاً للدستور الأمريكي. وقام أيضاً عدداً من الأمريكيين المتطرفين بحرق نسخ من كتاب القرآن الكريم أو تمزيقها للتعبير عن كراهيتهم للإسلام.
في مدينة "فينليس" الفرنسية طالب رئيس بلديتها "روبرت تشادون" بحظر الإسلام في فرنسا. واعتبر أن الحل الوحيد لمشاكل فرنسا هو حظر الدين الإسلامي.
الاب الروحي للحركة الجديدة المعادية للعرب والمسلمين في الولايات المتحدة "ديفيد هورويتز" يقود حملة كراهية شديدة لتشويه صورة العرب والسود في أمريكا. حيث يعتبر أنه لا يوجد مكان أكثر عنصرية من مجتمع السود. يقول إن في الشرق الأوسط يوجد الشر ويوجد اليمين. ويهاجم في خطاباته اليسار الراديكالي الذي لا يقل خطورة -برأيه-عن الفكر الإسلامي المتشدد.
الضيفة الأساسية في محطة "فوكس نيوز" الأمريكية من أصل لبناني "بريجيت غابريل" واحدة من أشد أعداء العرب والمسلمين في الولايات المتحدة. تتبنى خطاب وحملة كراهية متشددة حاقد على الإسلام بسبب التعصب الديني. هي ابنة أسرة مارونية من قضاء مرجعيون واسمها الحقيقي "نور سمعان" رحلت إلى إسرائيل ثم غادرت إلى أمريكا حيث أنشأت منظمة "افعل من أجل أمريكا" المناهضة للإسلام. قالت ذات مرة أن بإمكانها نسف 1400 عام من التاريخ الإسلامي خلال بضع دقائق.
رئيس ومؤسس حزب الجبهة الوطنية الفرنسية المتطرف "جان ماري لوبان" قاد عبر مسيرته السياسية-ولا زال- حملات كراهية عنصرية متشددة ضد العرب والإسلام لأسباب دينية وعرقية. ذكر مرة أنه يفضل رؤية الأبقار على رؤية العرب لذلك اشترى بيتاً في الريف. وفي تصريح عنصري آخر له قال إنه كان سوف يمارس التعذيب في الجزائر لو طُلب منه ذلك. ابنته " مارين لوبن" التي تترأس الحزب منذ العام 2011 بعد أن قامت بتنحية والدها، لا تقل عنصرية وتعصباً وتشدداً وكراهية للعرب والإسلام واللاجئين من والدها.
ومن أقصى المشرق ظهر علينا رئيس الوزراء الأسترالي السابق "توني أبوت" في مقال نشرته صحيفة "ديلي تلغراف" البريطانية، دعا فيه الدول الغربية لأن تعلن تفوق الثقافة الغربية على الثقافة الإسلامية، لأن الثقافات غير متساوية بحسب ما يرى. وأضاف أن الفكر الإسلامي لم يعرف يوماً حالة من الإصلاح.
رئيس الوزراء الإيطالي السابق "سليفيو بيرلسكوني" الذي تلاحقه العدالة بتهم الفساد، اعتبر أن الحضارة الإسلامية دونية وأن الحضارة الغربية تتفوق عليها. وكذلك فعل رئيس وزراء المجر الذي أطلق تحذيراً أن اللاجئين المسلمين يهددون الهوية المسيحية لأوروبا.
 تتصاعد حملات الكراهية ضد الإسلام والعرب وضد اللاجئين بصورة عامة، أثناء التحضير وخلال الحملات الانتخابية، ويجري التشديد على التعارض القائم بين الثقافة الغربية المتطورة وبين الثقافة الإسلامية، وثقافة اللاجئين البدائية. الرئيس الأمريكي الحالي "دونالد ترامب" اعتبر اثناء حملته الانتخابية، أن الإسلام في أمريكا مشكلة ويجب التخلص منها. وصل الأمر به أن اتهم الرئيس السابق "باراك أوباما" بأنه ليس أمريكياً لأنه من أصول مسلمة. وما زال للآن يهدد ويتوعد بإغلاق الحدود أمام المسلمين، وفي وجه رعايا بعض الدول لأسباب عنصرية متشددة تتعلق بالكراهية.
 المترشح الرئاسي الجمهوري "بن كارسون" الطبيب المتقاعد من أصول أفريقية، ذكر أن أي مسلم لا يصلح أن يكون رئيساً للولايات المتحدة، واعتبر ذلك لا ينسجم مع الدستور الأمريكي، على الرغم من علمانية الدستور هناك. وشبّه كارسون اللاجئين السوريين الهاربين من الحرب بأنهم "كلاب مسعورة". فيما يعتبر الجنرال "روبرت ديز" صاحب كتاب "الأمم المرنة" أن محاولة استرضاء المسلمين من خلال وصف الإسلام بأنه دين محب للسلام هو أمر غير حكيم.
في ألمانيا طالب "زيغمار غابرييل" نائب المستشارة الألمانية وقف تمويل المساجد من الخارج، واعتبر أن العديد من اللاجئين ومن المسلمين هم إرهابيين محتملين. فيما ذكر رئيس قائمة الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني في البرلمان أن المساجد في أوروبا تنشر الفكر الوهابي.
أثارت هذه التصريحات العدائية وسواها التي تحض على الكراهية، بعض ردود الفعل الغربية المعارضة، لكن ظاهرة العداء للإسلام والعرب واللاجئين تتنامى بصورة مرضية، لم تعد تنفع بكبحها، التصريحات الإيجابية الخجولة والمتواضعة من بعض الشخصيات والأطراف الأوروبية. لكن غير المفهوم والكارثي هو حالة الصمت والتجاهل واللامبالاة التي تبديها الدول العربية والاسلامية تجاه هذه الظاهرة، وكأنها لا تعنيهم بشيء، بل أحياناً يجري التعتيم على هذه الظاهرة من قبل بعض وسائل الإعلام العربية، لأسباب تعتبرها بعض الأنظمة العربية مصالح عليا!
الانتحار الجماعي
لقد شهد القرن الواحد والعشرين انتشاراً واسعاً لظاهرة الكراهية والعنصرية والعقل الإقصائي بسبب تصاعد العنف السياسي والفكري والعقائدي والمذهبي والاجتماعي، وبسبب تمدد التطرف والأفكار المتشددة، مقابل تراجع قيم التسامح والتعايش، وانحسار الأفكار التي تدعو إلى التعايش والعفو وقبول الآخر. إن كان جوهر الديمقراطية المعاصرة هو الإيمان بقيم التسامح والتعايش وقبول الآخر المختلف. فإن تصنيع الكراهية والخشية من الآخر أحد أبرز أدوات الجيل الرابع للتكنولوجيا والثورة المعلوماتية، وذلك عبر استخدام آليات ناعمة من خلال التحكم والتوجيه بوسائل الإعلام المتنوعة، والسيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي، واختراق منظمات المجتمع المدني.
إن الحياة بطبيعتها تتطلب التعدد والتكامل والتنوع بكافة أطيافه، وهذا يتعارض من منطق الكراهية والعنصرية والإقصاء، جميعنا كبشر متساوون في كل شيء، نتوق كلنا للحقيقة -وهي نسبية بذاتها- لكن هذا الشغف لا يعني أن أحداً أو جماعة أو عرقاً يمتلك الحقيقة، فهي مقسمة بيننا، لذا كل منّا يدركها برؤيته، وهذه الرؤى جميعها تشكل الحقائق النسبية في سيرورة تاريخية. أن يدعي أحد ما أو جماعة أو عرق أو أمة ما أنها تمتلك الفلسفة والحقيقة والعقل، فهذا القول يناقض منطق التاريخ بل منطق الحياة ذاتها، ومن هنا تبدأ بذرة الاستعلاء والاقصاء والكراهية والعنصرية، لأن من يؤمن بأنه الأفضل وأنه يمتلك العقل والحقيقة يفترض أن من لا يؤمن بما آمن به فهو معاد ويجب إبعاده وتهميشه. بهذا فإن الكراهية والعنصرية كامنة في كل فكر أحادي.
حيث تجنح الممارسات الديمقراطية عن درب الحرية، تتحول إلى عشب يقتات به وحوش الكراهية. وإن أعرض الفكر عن إنسانيته وأخلاقه، يصبح ناراً تلتهم الشرق والغرب. وما لم يجري مواجهة الكراهية ومعالجة مسبباتها ودوافعها، والتصدي بحزم لكافة الأفكار والجرائم العنصرية، وترشيد الخطاب الديني والسياسي، فإن البشرية سوف تنحدر إلى مستويات متدنية وبدائية. إن البديل الطبيعي لصناعة التعايش والحياة هو الانتحار الجماعي.



37
أدب / يداهمنا وجه الفراغ
« في: 17:52 10/05/2019  »


يداهمنا وجه الفراغ



حسن العاصي




       1
رياحين المساء

تناجي غفوة الخريف

تزهر السكينة في كف الشهقة

كأن تعاريج الصمت

تولد على مهل

من رماد العمر



          2
رحلت في يقظة الامتداد

جلست مع السبات

أبحث عن مقعد يشبهنا

العربة شاغرة

والأماكن مرايا خاسرة

أدوّن سفري مع درب الريح

كي أقطف الجدار



          3
نتمايل بين حلمين

والظلال القاتمة

كأننا اجتمعنا عيون متشققة

خذ سفري وأخاديد الرحلة

خذ زمني ولهاث الخريف

نرسم المسافات

كي لا تتسع الدروب

خذ حقيبتي

قد هيأت لك يدي للسفر


              4
وحدنا في سكون العناوين

نحمل طقوس المغفرة

وظمأ الفصول

أنت هناك

تنتصبين على باب حروفي

تطالعين الوجوه العابرة

وأنا هنا في نكهة الأمسيات

أخلع وجه الطريق

أقف على مسافة الجنون

بسلام


                5
لا شيء يحلّق في درب الحزن

أشتم فيك مطر يشبهني

حين يضيق الكلام

تتوه الجدران

هربنا من يتم الدروب

لاحتمال الألوان

تدلّت المساحات المكتومة

كَتبَ الرواة

هنا ماء الضياع



         
           6
أوثقوا ضفائر الصبّار

جمعوا مفردات موتنا

وطن على ورق

ونشيد يتلاشى خذلاناً

نرحل إلى نعش الانتظار

يداهمنا وجه الفراغ

نريق وهجنا

شمساً للصلاة

فتكبر فصول المساء

هناك



         7
تزفر أورقة الشمس

في درب الريح

أطلنا لوعة المسافة

ما انزلقنا لصقيع الألوان

لم تمت زهرة البحر فينا

مازالت حكاية في أقلامنا

ومازال للخطى

قصائد حد الاشتهاء

ترانا في رتابة الحقل

نسلك نوبات الشعر

لنكتشف سر الحماقة

38
أدب / حول قصيدة النثر
« في: 06:17 25/04/2019  »


حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

حول قصيدة النثر

 

لم يشهد تاريخ الأدب العربي حالة من عدم التوافق بين الكاتب والناقد والمتلقي، كما أحدثت قصيدة النثر التي تسببت في انقسام المهتمين بالأدب والشعر إلى من تحمس للتجربة وأيدها، وآخرون اتخذوا منها موقفاً عدائياً.

أظن أنه السؤال الشائك، بقدر ما يبدو عليه أنه السؤال البديهي، إنما السؤال عن قصيدة النثر يثير العديد من التساؤلات عن هذا الكائن المختلط والمتناقض، الذي يتطلب الكثير من التدقيق في أشكال الشعر المتجذرة في اللغة. قصيدة النثر لا تجعلنا نتساءل عن ماهية الشعر فقط، بل تدعونا للتفكير بمكانة الشعر في اللغة. إنه السؤال المثير المربك. ربما لو تفحصنا التاريخ وأجدنا القراءة، لتكشفت لنا خبايا ربما البعض منا يجهلها، وما نجنيه من قراءة التاريخ يجعل مقاربتنا للحاضر، موضوعية أكثر وعلمية ومنهجية دون مواقف مسبقة.

لقد شهد أواخر القرن التاسع عشر تطوراً هائلاً للمجتمعات البشرية، نتيجة الثورة الصناعية والمكننة التي بدأت في القرن الثامن عشر، مما أسهم بصورة فعالة في نمو مختلف القطاعات. وشأنها شأن المكونات الأخرى، تفاعلت الثقافة مع تلك المتغيرات التاريخية، فكان من الطبيعي إحداث صيغ وأدوات معرفية تنتج الوعي والفكر والأدب أيضاً، كانعكاس للتطور في أنواع الأدب، بسياقات غير معهودة، فظهرت الرواية والمسرح والقصة، ثم قصيدة النثر التي استقبلت بالتشنج الانفعالي من قبل المتلقي العربي ومن جانب النقاد، وهذا يعود في جانب منه إلى أسباب تتعلق بالموروث الثقافي، حيث اعتمد في معظمه على قصيدة الشعر الموزونة بشطرين. فإن كان التوتر له ما يبرره وجدانياً عند المتلقي الذي لم يعتد هذا النمط من الشعر، إلا أن الاضطراب والاختلاط الذي أصاب النقاد، هو موقف مستهجن ثقافياً ومعرفياً بظني، ذلك أنه لا يمكن فصل الثقافة والأدب عن سيرورة الحياة وما يمسها من تطور وحراك دائمين.

من جانب آخر، ظهرت قصيدة النثر في ذروة الجدال بين المهتمين حول قصيدة التفعيلة وتصنيفها ودلالاتها، فبدا الأمر وكأن قصيدة النثر تعرب عن ذاتها على أنها الشكل الحديث والبديل للقصيدة، فتسببت في إحداث جدال وعراك ثقافي لم ينتهي للساعة.

ليس الصدمة فقط من أضرم النار في قش الكلاسيكيين، بل هناك جوانب أخرى لهذا الأجيج الجدلي الملتهب حول قصيدة النثر، منها ما يتعلق بالمقاربات الدينية التي أقدم عليها بعض الشعراء، ولاقت استهجاناً من أوساط ثقافية ودينية واجتماعية متعددة في أكثر من بلد عربي، حيث اتهمت قصيدة النثر في كونها تسيئ للدين، مما جعلها هدفاً لأكثر من جهة خشية تطورها ومقدرتها المس بالموروث المقدس. كما لا يمكن إغفال العامل الفكري والأيديولوجي في خلفية مشهد الجدال والتناحر بين المؤيدين لقصيدة النثر، وهم في معظمهم من الليبراليين والحداثيين الذين يسعون نحو تطور المجتمع وبنيته الثقافية وأدواته الأدبية، وبين الرافضين لها وهم غالباً من أصحاب الأفكار الكلاسيكية التقليدية والمذهب السلفي.

تطالعنا كتب التاريخ عن فن المقامات الذي مزج ما بين الشعر والنثر، ومن أشهر رواده "بديع الزمان الهمداني" وهو نمط يتضمن إيقاع لا يصل الشعر من حيث الوزن والقافية. في الحديث عن قصيدة النثر، لا يمكن تجاهل تأثير الشعر الصوفي الذي ظهر نثراً مع نشوء الإسلام ثم تطور مع ابن العربي وابن الفارض، قبل أن يصل إلى صيغته المعاصرة. ولا بد من المرور على نوع أخر من الشعر هو الرومانسي، الذي ظهر في بدايات القرن العشرين ومن أهم رواده جبران خليل جبران. ثم في خطوة نضوج الشعر النثري الرومنسي، ظهرت مجموعة أبوللو المصرية في بداية ثلاثينيات القرن العشرين، التي دشنت مرحلة ولادة قصيدة النثر التي تبلورت عند جماعة شعر السورية التي ضمت أدونيس وأنسي الحاج وسواهما، حيث بدأت قصيدة النثر تفرض نفسها كنوع أدبي جديد.

قصيدة النثر ليست نبتاً من كوكب آخر، ولا هي دخيلاً غير مألوف في الشعر العربي، بل هي نتاج تطور طبيعي لمكونات الثقافة وبنيتها وهويتها وأدواتها وآلياتها، تطور اخترق جدار الجمود والسكينة في الشعر العربي، وأحدث اهتزاز في ركود القصيدة الموروثة. تماماً كما اقتحم المسرح بعض العواصم العربية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كفن جديد قادم من الغرب، وشق طريقه الوعرة ثم تطور بصورته الحالية، نتيجة إصرار الرواد على اقتحام عالم جديد وغريب على الذائقة العربية التي اعتادت التبجيل والثناء على الشعراء، في عوالم تعتبر الشعر هو الفن الأرقى. إلا أن المسرح لم يناله ما نال قصيدة النثر من تقريع وتبكيت، بالرغم من أنها شكلت ثورة في اللغة والتراكيب وأوجدت فضاءات جديدة لتحليق المفردة.

 

 

قصيدة النثر هي أعمق لحظة في اللاشعور المتدفق، هي الصياغة الترويضية لأصدق حالة انفعالية بين الوعي واللا إدراك، هي التعبير الشعوري للأرق حين نضع الأنا في مواجهة العدم، وهي القناة التي تدفق باختلاجات الكاتب وتسكب في حوض المتلقي. وبهذا فإن قصيدة النثر هي صورة فوق البنفسجية للانفعالات في تعبيرها اللغوي الذي يقوم على رجّ اللغة للنفاذ من الممرات نحو دلالات جديدة تتيح للقلق وللمشاعر والأفكار والصور الرائجة أن تتحول من حالة الركود، إلى وضع لا انتظام فيه ولا ركود للأنساق، كما هو حال الفكر والمعرفة، إذ أن الرؤى والأفكار والمواقف في القصيدة النثرية تتحول إلى نمط متخيل، تساعد على ولوج كينونة مجهولة للشاعر.

الشعر بصفة عامة، وتحديداً قصيدة النثر تعتبر حاملاً للقلق الإبداعي، أكثر من الأصناف الأدبية الأخرى، لذلك تحتاج قصيدة النثر إلى أداة لرفع هذه الكم الكثير من المشاعر والاضطرابات، وهذا ما يؤديه الإيقاع الشعري من خلال كونه ينظم التنبيهات في النص بين سكون وسكون، هو حركة اللغة ومفرداتها. قصيدة النثر تعوم خارج البحور التي وضعها أبو خليل الفراهيدي، التي فرضت بنية إيقاعية سمعية وبصرية.

إن قيام القصيدة النثرية بخرق القوانين وتهشيم المقدس هو ما استثار حمية المدافعين عن القصيدة الموزونة، وهي النقطة الشائكة التي لا زالت موضع جدل بين المهتمين. هذه الإشكالية استغلها كثير من المتطفلين على الشعر الذين تسلقوا هذا الصنف الأدبي عبر نتاجهم، بذريعة أن لا قوانين هنا ولا ضوابط.

لا أفهم سبباً موضوعياً للتوتر الذي يبديه بعض شعراء قصيدة الوزن تجاه قصيدة النثر، بالرغم من إني لم أسمع مرة أحد شعراء قصيدة النثر يعتبر أن المتنبي مثلاً ليس بشاعر، ولم يرفض أحداً قصائد امرؤ القيس أو أبي تمام، لذلك لا يمكن أن تلمع صورة قصيدة الوزن على نفي قصيدة النثر.
قصيدة النثر تمردت على التراكيب اللغوية الساكنة، لتفرض صياغتها في بنى تعبيرية حديثة، لإنشاء ضجيج في الراسخ، وهنا تظهر قدرة القصيدة النثرية على استنباط لغة لها وحدها. قصيدة تبنى فيها الصورة الشعرية وتصاغ لغوياً ويتم تحميلها المعنى عبر وحدة المتناقضات التي هي أساس القصيدة النثرية، مثل قصائد محمد الماغوط " على سبيل الذكر.

وقصيدة النثر تقوم بتشظي التراكيب المألوفة، وعلى التوتر الانفعالي الذي ينقل الشحنات عبرها للمتلقي، تراعي التكثيف المرتكز على رؤية شاملة عميقة للظواهر، تمكنه من امتلاك رؤيا شفافة واضحة للأحداث، عبر إيقاع يتولد من داخل القصيدة.

إن الشعر هو الشعر مهما اختلفت الأدوات والأنماط والقوالب والأجناس، والأوزان الخليلية ليست مقدسة، وقصيدة النثر ليست بديلاً عن أي صنف أدبي آخر، وهي لا تدعي ذلك، ولا ترفض الأجناس الأخرى، فيما ترفضها قصيدة الوزن. والقصيدة النثرية شأنها شأن الأنواع الأدبية الأخرى، علق بها الكثير من المتطفلين الذين استسهلوا كتابة القصيدة النثرية، لذلك كما نقرأ رواية جيدة وأخرى سيئة، وشعراً موزوناً جميلاً وآخر قبيحاً، فإننا نرى نصاً بديعاً لقصيدة النثر، وآخر مذموماً.

في عالم يتجه نحو التطور والتغير والتحديث بسرعة مرعبة، لم تعد تجدي معها الأعراف الأدبية التقليدية السائدة، التي تظهر على أنها قاصرة وعاجزة عن تحقيق الشعرية المعاصرة، فلا بد من بروز أنماط أكثر رحابة في التعبير عن الحالة الشعرية بكسر طوق الأوزان وقفص القوافي، والخروج على ما هو مألوف وتقليدي في اللغة والشعر والصياغة والإيقاع والصورة والتأثير، فكانت قصيدة النثر التطور الطبيعي للشعر في عالم معاصر، بل أنها شكلت ثورة على الساكن والهامد في اللغة والشعر، وبظني هي من أرفع وأفخم وأعمق أشكال الكتابة الشعرية

39
المنبر الحر / حول قصيدة النثر
« في: 23:20 20/04/2019  »
.                              حول قصيدة النثر

حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك


لم يشهد تاريخ الأدب العربي حالة من عدم التوافق بين الكاتب والناقد والمتلقي، كما أحدثت قصيدة النثر التي تسببت في انقسام المهتمين بالأدب والشعر إلى من تحمس للتجربة وأيدها، وآخرون اتخذوا منها موقفاً عدائياً.

أظن أنه السؤال الشائك، بقدر ما يبدو عليه أنه السؤال البديهي، إنما السؤال عن قصيدة النثر يثير العديد من التساؤلات عن هذا الكائن المختلط والمتناقض، الذي يتطلب الكثير من التدقيق في أشكال الشعر المتجذرة في اللغة. قصيدة النثر لا تجعلنا نتساءل عن ماهية الشعر فقط، بل تدعونا للتفكير بمكانة الشعر في اللغة. إنه السؤال المثير المربك. ربما لو تفحصنا التاريخ وأجدنا القراءة، لتكشفت لنا خبايا ربما البعض منا يجهلها، وما نجنيه من قراءة التاريخ يجعل مقاربتنا للحاضر، موضوعية أكثر وعلمية ومنهجية دون مواقف مسبقة.

لقد شهد أواخر القرن التاسع عشر تطوراً هائلاً للمجتمعات البشرية، نتيجة الثورة الصناعية والمكننة التي بدأت في القرن الثامن عشر، مما أسهم بصورة فعالة في نمو مختلف القطاعات. وشأنها شأن المكونات الأخرى، تفاعلت الثقافة مع تلك المتغيرات التاريخية، فكان من الطبيعي إحداث صيغ وأدوات معرفية تنتج الوعي والفكر والأدب أيضاً، كانعكاس للتطور في أنواع الأدب، بسياقات غير معهودة، فظهرت الرواية والمسرح والقصة، ثم قصيدة النثر التي استقبلت بالتشنج الانفعالي من قبل المتلقي العربي ومن جانب النقاد، وهذا يعود في جانب منه إلى أسباب تتعلق بالموروث الثقافي، حيث اعتمد في معظمه على قصيدة الشعر الموزونة بشطرين. فإن كان التوتر له ما يبرره وجدانياً عند المتلقي الذي لم يعتد هذا النمط من الشعر، إلا أن الاضطراب والاختلاط الذي أصاب النقاد، هو موقف مستهجن ثقافياً ومعرفياً بظني، ذلك أنه لا يمكن فصل الثقافة والأدب عن سيرورة الحياة وما يمسها من تطور وحراك دائمين.

من جانب آخر، ظهرت قصيدة النثر في ذروة الجدال بين المهتمين حول قصيدة التفعيلة وتصنيفها ودلالاتها، فبدا الأمر وكأن قصيدة النثر تعرب عن ذاتها على أنها الشكل الحديث والبديل للقصيدة، فتسببت في إحداث جدال وعراك ثقافي لم ينتهي للساعة.

ليس الصدمة فقط من أضرم النار في قش الكلاسيكيين، بل هناك جوانب أخرى لهذا الأجيج الجدلي الملتهب حول قصيدة النثر، منها ما يتعلق بالمقاربات الدينية التي أقدم عليها بعض الشعراء، ولاقت استهجاناً من أوساط ثقافية ودينية واجتماعية متعددة في أكثر من بلد عربي، حيث اتهمت قصيدة النثر في كونها تسيئ للدين، مما جعلها هدفاً لأكثر من جهة خشية تطورها ومقدرتها المس بالموروث المقدس. كما لا يمكن إغفال العامل الفكري والأيديولوجي في خلفية مشهد الجدال والتناحر بين المؤيدين لقصيدة النثر، وهم في معظمهم من الليبراليين والحداثيين الذين يسعون نحو تطور المجتمع وبنيته الثقافية وأدواته الأدبية، وبين الرافضين لها وهم غالباً من أصحاب الأفكار الكلاسيكية التقليدية والمذهب السلفي.

تطالعنا كتب التاريخ عن فن المقامات الذي مزج ما بين الشعر والنثر، ومن أشهر رواده "بديع الزمان الهمداني" وهو نمط يتضمن إيقاع لا يصل الشعر من حيث الوزن والقافية. في الحديث عن قصيدة النثر، لا يمكن تجاهل تأثير الشعر الصوفي الذي ظهر نثراً مع نشوء الإسلام ثم تطور مع ابن العربي وابن الفارض، قبل أن يصل إلى صيغته المعاصرة. ولا بد من المرور على نوع أخر من الشعر هو الرومانسي، الذي ظهر في بدايات القرن العشرين ومن أهم رواده جبران خليل جبران. ثم في خطوة نضوج الشعر النثري الرومنسي، ظهرت مجموعة أبوللو المصرية في بداية ثلاثينيات القرن العشرين، التي دشنت مرحلة ولادة قصيدة النثر التي تبلورت عند جماعة شعر السورية التي ضمت أدونيس وأنسي الحاج وسواهما، حيث بدأت قصيدة النثر تفرض نفسها كنوع أدبي جديد.

قصيدة النثر ليست نبتاً من كوكب آخر، ولا هي دخيلاً غير مألوف في الشعر العربي، بل هي نتاج تطور طبيعي لمكونات الثقافة وبنيتها وهويتها وأدواتها وآلياتها، تطور اخترق جدار الجمود والسكينة في الشعر العربي، وأحدث اهتزاز في ركود القصيدة الموروثة. تماماً كما اقتحم المسرح بعض العواصم العربية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كفن جديد قادم من الغرب، وشق طريقه الوعرة ثم تطور بصورته الحالية، نتيجة إصرار الرواد على اقتحام عالم جديد وغريب على الذائقة العربية التي اعتادت التبجيل والثناء على الشعراء، في عوالم تعتبر الشعر هو الفن الأرقى. إلا أن المسرح لم يناله ما نال قصيدة النثر من تقريع وتبكيت، بالرغم من أنها شكلت ثورة في اللغة والتراكيب وأوجدت فضاءات جديدة لتحليق المفردة.

 

 

قصيدة النثر هي أعمق لحظة في اللاشعور المتدفق، هي الصياغة الترويضية لأصدق حالة انفعالية بين الوعي واللا إدراك، هي التعبير الشعوري للأرق حين نضع الأنا في مواجهة العدم، وهي القناة التي تدفق باختلاجات الكاتب وتسكب في حوض المتلقي. وبهذا فإن قصيدة النثر هي صورة فوق البنفسجية للانفعالات في تعبيرها اللغوي الذي يقوم على رجّ اللغة للنفاذ من الممرات نحو دلالات جديدة تتيح للقلق وللمشاعر والأفكار والصور الرائجة أن تتحول من حالة الركود، إلى وضع لا انتظام فيه ولا ركود للأنساق، كما هو حال الفكر والمعرفة، إذ أن الرؤى والأفكار والمواقف في القصيدة النثرية تتحول إلى نمط متخيل، تساعد على ولوج كينونة مجهولة للشاعر.

الشعر بصفة عامة، وتحديداً قصيدة النثر تعتبر حاملاً للقلق الإبداعي، أكثر من الأصناف الأدبية الأخرى، لذلك تحتاج قصيدة النثر إلى أداة لرفع هذه الكم الكثير من المشاعر والاضطرابات، وهذا ما يؤديه الإيقاع الشعري من خلال كونه ينظم التنبيهات في النص بين سكون وسكون، هو حركة اللغة ومفرداتها. قصيدة النثر تعوم خارج البحور التي وضعها أبو خليل الفراهيدي، التي فرضت بنية إيقاعية سمعية وبصرية.

إن قيام القصيدة النثرية بخرق القوانين وتهشيم المقدس هو ما استثار حمية المدافعين عن القصيدة الموزونة، وهي النقطة الشائكة التي لا زالت موضع جدل بين المهتمين. هذه الإشكالية استغلها كثير من المتطفلين على الشعر الذين تسلقوا هذا الصنف الأدبي عبر نتاجهم، بذريعة أن لا قوانين هنا ولا ضوابط.

لا أفهم سبباً موضوعياً للتوتر الذي يبديه بعض شعراء قصيدة الوزن تجاه قصيدة النثر، بالرغم من إني لم أسمع مرة أحد شعراء قصيدة النثر يعتبر أن المتنبي مثلاً ليس بشاعر، ولم يرفض أحداً قصائد امرؤ القيس أو أبي تمام، لذلك لا يمكن أن تلمع صورة قصيدة الوزن على نفي قصيدة النثر.
قصيدة النثر تمردت على التراكيب اللغوية الساكنة، لتفرض صياغتها في بنى تعبيرية حديثة، لإنشاء ضجيج في الراسخ، وهنا تظهر قدرة القصيدة النثرية على استنباط لغة لها وحدها. قصيدة تبنى فيها الصورة الشعرية وتصاغ لغوياً ويتم تحميلها المعنى عبر وحدة المتناقضات التي هي أساس القصيدة النثرية، مثل قصائد محمد الماغوط " على سبيل الذكر.

وقصيدة النثر تقوم بتشظي التراكيب المألوفة، وعلى التوتر الانفعالي الذي ينقل الشحنات عبرها للمتلقي، تراعي التكثيف المرتكز على رؤية شاملة عميقة للظواهر، تمكنه من امتلاك رؤيا شفافة واضحة للأحداث، عبر إيقاع يتولد من داخل القصيدة.

إن الشعر هو الشعر مهما اختلفت الأدوات والأنماط والقوالب والأجناس، والأوزان الخليلية ليست مقدسة، وقصيدة النثر ليست بديلاً عن أي صنف أدبي آخر، وهي لا تدعي ذلك، ولا ترفض الأجناس الأخرى، فيما ترفضها قصيدة الوزن. والقصيدة النثرية شأنها شأن الأنواع الأدبية الأخرى، علق بها الكثير من المتطفلين الذين استسهلوا كتابة القصيدة النثرية، لذلك كما نقرأ رواية جيدة وأخرى سيئة، وشعراً موزوناً جميلاً وآخر قبيحاً، فإننا نرى نصاً بديعاً لقصيدة النثر، وآخر مذموماً.

في عالم يتجه نحو التطور والتغير والتحديث بسرعة مرعبة، لم تعد تجدي معها الأعراف الأدبية التقليدية السائدة، التي تظهر على أنها قاصرة وعاجزة عن تحقيق الشعرية المعاصرة، فلا بد من بروز أنماط أكثر رحابة في التعبير عن الحالة الشعرية بكسر طوق الأوزان وقفص القوافي، والخروج على ما هو مألوف وتقليدي في اللغة والشعر والصياغة والإيقاع والصورة والتأثير، فكانت قصيدة النثر التطور الطبيعي للشعر في عالم معاصر، بل أنها شكلت ثورة على الساكن والهامد في اللغة والشعر، وبظني هي من أرفع وأفخم وأعمق أشكال الكتابة الشعرية

 



40
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

أوطان خارج التاريخ.. جدران الكراهية

تعكس الأحداث التي تجري في المنطقة العربية وضعاً كارثياً، خاصة حالة الصراع الديني والمذهبي والعرقي، كما تعبّر عن تحولات خطيرة تحدث في مختلف القطاعات في البلدان العربية، خاصة في الجانب السياسي والاجتماعي. فعلى الرغم من أن الصراعات المذهبية والفكر التكفيري يعود إلى عصور قديمة، إلا أن تزايد أعمال العنف وتصاعد خطاب الكراهية، وسياسات التحريض والإقصاء في الأعوام الأخيرة، ينذر بقدوم ما هو أقبح، ويفرض توقفاً أمام هذه الظاهرة لتحليلها وفهمها ومقاربتها.
هذا يدلل في جانب منه، على أن التعايش العرقي والديني والاجتماعي في العالم العربي بين أبناء البلد الواحد كان هشاَ وضعيفاً، وأن العلاقة التي حكمت الغالبية مع الأقليات العرقية والدينية كانت نسقاً مضغوطاً بأنظمة مستبدة تفتقد العدالة، اتبعت سياسات الإخضاع مما أحدث فجوات اجتماعية بين المواطنين. وفي تفاعلات تاريخية محددة، ظهر أثر هذه السياسات بصورة دموية مريعة من القتل والتطهير العرقي، وانتهاك المحرمات، أدت إلى حدوث حروباً أهلية. كل ذلك تم بدفع وشحن سياسي وإعلامي، ودعم مادي ولوجستي وتوفير الغطاء من قبل أنظمة عربية ديكتاتورية، وأحزاب وجماعات عنصرية متشددة. وهو ما يفسر كل هذه الحملات من الكراهية والتحريض الديني والقومي والمذهبي عبر وسائل الإعلام، وعبر خطابات القادة السياسيين والنخب الفكرية والثقافية، ومن قبل رجال الدين.

كثير ومرعب
تغيب الإحصائيات المتعلقة بمستوى الكراهية في العالم العربي، كما تغيب البيانات حول كل شيء، إلا ما يتعلق منها بالأجهزة الأمنية التي تحرص على معرفة كمية الأوكسجين التي يستهلكها كل مواطن يومياً. لا يوجد إحصاءات في منطقة لا تتعامل-للآن- بجدية ومسؤولية مع قضايا مثل الكراهية ولا مع إحصاء الظواهر الاجتماعية عموماً.
لكن لا يخفى على أحد هذا الكم المرعب من التطرف والتشدد والتعصب الأيديولوجي الديني والمذهبي والعرقي المنتشر في المنطقة العربية، الذي أنتجته السياسات البليدة للأنظمة العربية المستبدة التي همشت المواطنين وأقصتهم عن المشاركة، وأكرهتهم على الخضوع لإملاءاتها. ووظفت أدواتها من الأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام في نشر خطاب الكراهية، ورفض الأخرين بناء على معايير عرقية ودينية ومذهبية، بهدف إحداث شقاق وفتنة وتناحر تتحكم به الأنظمة وتستعمله في تحقيق مأربها. أباحت بعض الأنظمة العربية الاعتداء على معتقدات بعض الشرائح الاجتماعية أو الجماعات الدينية أو الطائفية أو الأقليات العرقية، وهذا يعني أن هناك شعوباً كاملة تشربت أفكار التكفير والإقصاء للآخرين، وتعتبر الإساءة والظلم والتنكيل وإطلاق الشتائم بحق كل المخالفين، بل وقتلهم، هو أمر طبيعي لا يجب أن يثير الاستهجان.

ظاهرة تاريخية
استفحال ظاهرة الكراهية في العالم العربي تدعو إلى الانغماس في فلسفتها وتفكيك مكوناتها، وتحليل هذه الإشكالية بتأنٍ من دون استخفاف ولا استسهال، وهي مهمة النخبة من المفكرين والمثقفين.
ظاهرة الكراهية لها جذورها التاريخية في عمق تربة التاريخ البشري. فلم تبدأ حملات الكراهية في العالم العربي، بين أبناء الأمة الواحدة أو القطر الواحد مع تطور التكنولوجيا وظهور وسائل التواصل الاجتماعي، كما يظن البعض، بل كل ما فعلته هذه الوسائل أنها أسقطت اقنعة الطهارة والقدسية والمثالية عن كافة الوجوه التي استعرض بها أصحابها الشرف والمروءة والمحبة. وكشفت وسائل التواصل عن أقبح مكنونات الشخصية العربية، وأبانت العديد من الظواهر السلبية المقيتة التي استوطنت الجسد العربي كالخلايا السرطانية. أخطر هذه الظواهر هو خطاب الكراهية الذي يتمدد في المنطقة العربية وينتشر مما سيتسبب بكارثة لم يعهد العرب لها مثيلاً، إن لم يتم وقف شامل وكامل لهذا الخطاب بكافة مستوياته، وكذلك معالجة مسبباته.
ما يحدث من اقتتال طائفي واصطفاف مذهبي وفرز مناطقي في الكثير من الدول العربية، ما هو إلا نتيجة طبيعية للشحن العنصري المتواصل ولحملات الكراهية والتحريض على العنف ضد الآخر، يقوم بها أفراد وجماعات ودول ترى أنها وحدها تمتلك الحقائق، وعلى الآخرين الانصياع لها والانقياد لرؤيتها دون نقاش.

سيكولوجيا الكراهية
إن مصدر كافة الشرور غير المرئي هو العقلية المعقدة المركبة لبعض الأفراد الذين يبدون في غاية الوداعة، وهو أيضاً كامن في السياسات المتبعة من بعض الأنظمة والجهات القهرية القميئة، التي تظن نفسها تحارب الإرهاب، بينما هي في حقيقة الأمر تغذيه وتسمنه. هذه العقول تمتلك وسائل وأدوات تنشأ عنها انفعالات ذهنية مفرطة تفوق مقدرة أصحابها على التصريف، فتتحول رويداً رويداً من مشاعر ناعمة وأفكار ضبابية، إلى أفكار صلبة وأيديولوجية حجرية، ثم سلوكاً عدوانياً متطرفاً.
حتى الوازع الأخلاقي والديني والمجتمعي عند هؤلاء يبدو أنه في حالة من السبات غير النشط. ويعتبر علماء النفس أن الوازع عند الأفراد ما لم يكن نشطاً اثناء مرحلة التحضير والاستعداد، فإنه يفشل في التأثير على قرار الفعل وتنفيذه. فربما تصادف إنساناً قد تلقى تربية أخلاقية من عائلته ومجتمعه، ويمتلك تفهماً ووعياً للقيم الأخلاقية وللمعايير التي تحكم ثقافة المجتمع، وتجد أنه يظهر الحنان والمودة لمن حوله، ومع ذلك قد يمارس هذا الإنسان التعذيب الشنيع والقهر على إنسان آخر، وقد يكون قاتلاً للأطفال دون التخلي عن صفاته الأخلاقية.
إن التنشيط المتكرر ذهنياً والمتواصل لفكرة إقصاء الآخرين أو العدائية نحوهم، من قبل بعض الناس تجاه البعض الآخر في محيطهم الاجتماعي، قد يؤدي إلى سلوك متهور مفرط في شدته. ربما هذا ما يفسر استعداد بعض الأفراد الذين تعرضوا إلى الإقصاء لسنوات طويلة للقتل أكثر من سواهم من الناس الطبيعيين. وهو بالطبع ما يفسر أيضاً لجوء الناس الذين اعتادوا على ثقافة العنف إلى القتل لأسباب تبدو سطحية.
إن وقوف المجتمع وهيئاته لمراقبة العنف بكافة مستوياته وتنوعه دون تدخل، بل في قبول العنف والموافقة عليه في بعض الأحيان، هو الذي يخلق الظروف الملائمة للقتلة.
إن الشبكات الذهنية والسلوكية والأخلاقية التي تربط المخلوقات البشرية فيما بينهم، هي في الواقع شبكات اجتماعية تستلهم ضوابطها من التزامنا بالمعايير التي تنص على أن ما يجعل كوننا بشراً هو ما نقول وما نفعل، فأدوارنا هي ما يحدد هويتنا.

منابت الكراهية
إن استعباد الإنسان للإنسان والحروب التي قامت، والانتهاكات التي ترتكب بصفة يومية بحق الشعوب والفقراء والمظلومين، هي نبت مسخ شرير بذرته الكراهية.
من أهم مصادر ثقافة الكراهية هو الاختلاف العرقي والمذهبي والفكري والقبلي والعقائدي والأيديولوجي. وأحياناً يشكل تضارب المصالح والسعي نحو الحصول على المنافع من مال وجاه، مصدراً وسبباً للكراهية. الغيرة والحسد سببان كافيان للكراهية، وكذلك هو غياب تكافؤ الفرص بين الناس. سيادة الاحتكار للمصالح والمكاسب والخيرات والامتيازات لفئة معينة من الناس يؤجج الكراهية. وفرض فكر واحد وموقف واحد ورؤية واحدة للأمور يجلب الكراهية. وكذلك حال قيام فئة باستغلال فئة اجتماعية أو عرقية أو دينية أخرى. الشعور بالاستعلاء والتجبر والظلم من قبل فئة تجاه فئة أخرى تشعر بالدونية والانحطاط وعدم المنفعة يفجر الكراهية. الصراع الطبقي والتباين الكبير في مستويات المعيشة بين الفقراء والأثرياء يكون سبباً للكراهية. كذلك انعدام العدالة الاجتماعية، والتي تظهر آثارها الكارثية في غياب البنية التحتية في الأماكن المهمشة. الاستبداد والطغيان إن كان من قبل الأنظمة أو إن صدر من أفراداً عاديين يعمق الإحساس بالكراهية والبغض. وفي العموم فإن كافة الأسباب التي تقف خلف الحروب والثورات يكون الكره أحد أهم الدوافع والأسباب.

فلسفة الكراهية
بلا شك أن أفكار البشر ومعتقداتهم وقناعاتهم وثقافتهم مسؤولين مسؤولية رئيسية مباشرة -وليست وحيدة-عن الطريقة التي تتكون فيها مشاعرهم وتنمو وتتبلور، حتى تشكل الأفعال التي يرتكبها الأفراد. وهكذا فإن الأفكار والأيديولوجيات التي تنطلق من مصالح معينة تجاه تحقيق غايات محددة، فإن أنجح الوسائل وأكثرها نجاعة هي التي تستخدم الكتلة الجمعية "الجماهير". إذ أن الدول والأحزاب والجماعات تلجأ إلى سلاح التضليل الإعلامي والتهييج الجماهيري والتحشيد الشعبي، وتتحكم بهذه الكتل وتسيطر عليها وتدفعها باتجاهات تختارها بدقة، ثم يصبح التطابق الثقافي والفكري سيد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بين الخاضع والمستبد، بين الديكتاتور والقطيع. هذا تماماً ما حصل مع جميع الطغاة الذين أوصلوا شعوبهم لمرحلة إلغاء التمايز، بحيث يتم توزيع نسخة واحدة من الوعي للجميع، وهي بطبيعة الحال نسخة عقل الحاكم، وبهذا حين يصعد الحاكم إلى المنبر، فإنه ينطق بما يجول بعقل الجماهير. تماماً هذا ما فعله الزعيم النازي "أدولف هتلر" حين خاطب الألمان قائلاً إن من حميد بركات الله كره الأعداء، ولم يجد هذا القول أي غرابة لدى الجماهير الألمانية المحتشدة وهي تصفق له. وهذا ما أقدم عليه جميع الطغاة الاستبداديين وهم يجرون شعوبهم نحو المهالك.
الوجه الآخر لفلسفة الكراهية نجدها في المنافع والمصالح وفي دهاليز السياسة. عدائية استحكمت علاقة العربي بالعربي وعلاقته مع الآخر، وهي علاقة اتخذت دوماً سياق النبذ والصراع والتناحر والتعارض والتناقض والرفض والاقتتال. حروب وصراعات تحت راية الجهاد ضد الغربي الاستعماري الصليبي الكافر مرة، وباسم المذهب والخروج عن الملة واحتكار التفسير والاجتهاد ونقاء العقيدة مرة أخرى.
الطائفة ليست هوية دينية، لأن لكل دين أتباع، والطوائف ظهرت بسبب الصراعات على السلطة، لذلك فإن الحروب الطائفية الحالية هي حروب سياسية سببها التنازع على السلطة، وليس الصراع على الدين.
كل التناحر والصراعات والحروب التي أصابت المنطقة العربية وجوارها، دينية كانت أم مذهبية أم استعمارية أو عرقية، خرج منها كلا الطرفين المنتصر والمهزوم وهما محملان بالكثير من الكراهية في كل مرة. لم يذعن الخاسر لإملاءات الفائز، ولم يسامح ولم يعفو ولم يغفر ولم يستكين، بل تزايدت كراهيته وغضبه وتشددت أفكاره وتطرفت أفعاله. ومن كان النصر حليفه لم يتمكن من وضع حداً لكراهيته، بل تأصل الجشع في نفسه، وسعى نحو مزيد من الاستحواذ الذي استوجب جيوشاً متناحرة مرة أخرى.
ضمن هذه الزاوية الحادة يمكن قراءة الحروب الصليبية على المنطقة وما خلّفته من كراهية في المنطقة، وضمنها أيضاً يمكن أن نفهم الموقف من الصراع مع الكيان الصهيوني الذي أحدث واقعاً جديداً في المنطقة العربية، كانت نتائجه كارثية على الشعب الفلسطيني. هنا يمكن إسقاط كل الماضي أو نفيه أمام أحكام الحاضر والراهن العربي، حتى لا تصاب الأمة بالجمود والشلل والتقوقع في التاريخ، لكن لا يمكن بحال إسقاط ما فعلته الصهيونية من حرب إبادة ضد الفلسطينيين. يمكن التحرر من عقدة الاستعمار والانطلاق نحو المستقبل، لكن لا يمكن قراءة الحالة الفلسطينية إلا عبر الذاكرة وبواسطة استفتاء رأي التاريخ في النكبات والمآسي والمذابح التي عانى منها الفلسطينيين، وذاقوا الويلات وحنظل التشرد واللجوء، بسبب قيام الصهيونية طردهم من بلادهم.

شقاء الأمة
لعل أهم وأبسط الأسئلة في هذا السياق هي البحث عن الأسباب التي تكمن خلف شعورنا بالكراهية تجاه الآخرين. لماذا نكره؟ هل الكراهية موقف عقلي وفكري؟ كيف يتم توريث تعاليم الكراهية؟
إن من أسباب شقاء هذه الأمة أنها لم تتوقف يوماً كي تجري مراجعة لمنظومتها الفكرية، ومقاربة ونقد مذاهبها الفلسفية وخطابها الديني، بصورة علمية وحقيقية وشاملة، عبر حوار مع الذات ومع الآخر، وبين النخب الفكرية والثقافية، بكل هدوء ومسؤولية وموضوعية، بعيداً عن التشنج الفكري والتشدد الأيديولوجي والمواقف المسبقة. هذا لم يحصل، بل استهلك العرب وقتهم في البحث عما يفرقهم لا عما يوحدهم، حتى بتنا نسمع صحيات التكفير المتبادل بين المذاهب، ورُفعت شعارات البغض والغل بين الأعراق التي تعايشت بسلام عبر قرون مضت. وصلت سموم الكراهية إلى أبناء البلد الواحد وأفراد الدين والعرق والمذهب الواحد، فتحولت عموم المنطقة إلى ساحة اقتتال واسعة.
أين تكمن الينابيع التي روت بذرة الكراهية وقامت برعايتها كي تتحول إلى شجرة باسقة، التي أثمرت كل هذا الخراب والبؤس والشقاء الذي تحصده الشعوب العربية؟ الإجابة ببساطة تكمن في التاريخ والراهن العربي المثقل بالاستبداد والبؤس.
لا يمكن لفكر يؤمن بالكراهية أن يصلح للتعايش بين الناس، ولا يمكن لإنسان مشبع بالعدائية تجاه الآخرين أن يكون نزيهاً وعادلاً في مقاربته للأشياء.
الكراهية لا تُخلق مع الإنسان، بل يتم اكتسابها من البيئة الاجتماعية، وبفعل الظروف والثقافة السائدة، هي مثل أي بذرة يتم زرعها في تربة مناسبة بأي مكان، وتحمل قابلية النمو والتصلب بحسب الظروف المناخية واهتمام المزارع. ولا بد للكراهية من أسباب، لكن هذه الأسباب لم تكن يوماً أسباباً أخلاقية أو إنسانية، لكن الناس تُقدم على الكراهية بفعل هيمنة الأوهام والقناعات والأفكار والموروث على عقولهم، وهذه الأوهام تتسم بالعدائية والجنوح نحو فرض السيطرة على الآخرين والرغبة في امتلاكهم، وإخضاعهم وتدميرهم أو تحييدهم بصورة تامة.
اللافت أن علاقة العرب فيما بينهم تتسم بكثير من الكراهية في معظم الأحيان، والحقيقة لا يمكن ملاحظة هذه الظاهرة عند شعوب وأمم أخرى بهذا التشنج، حتى العرب المقيمين في الغرب غير مستثنيين من هذا التصنيف. وكراهية الشعوب العربية نحو الآخر تتجه دوماً نحو الغرب، الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، ولا يشعرون بالكراهية مع بلدان أخرى تختلف معهم في العقيدة والدين مثل اليابان أو كوريا أو الصين والهند. وهذا له ما يبرره لأن الممارسات التي قام بها الاستعمار بدء بالفرس والرومان مروراً بالصليبيين إلى الاستعمار الغربي، تركت خلفها الكثير من الذكريات المقيتة، حيث حاولوا عبر القرون إبادة الحضارة العربية وطمس اللغة والهوية. ثم ما تفعله الولايات المتحدة من تقديم دعمها الكامل غير المشروط لإسرائيل العدو الرئيسي للشعوب العربية، وسرقة خيرات الأمة وثبيت الديكتاتوريات العربية.

صناعة الكراهية
تقوم بعض الأطراف والجماعات بإشعال نار الفتنة وتأجيج الكراهية بين الدول أو بين الجماعات العرقية أو المذهبية أو الطائفية والقبلية، أو بين القوى والأحزاب السياسية، بشكل مدروس ومخطط له بعناية فائقة. ويؤشر هذا التحشيد للبغضاء المقيتة على أزمات فكرية سياسية واقتصادية واجتماعية مؤجلة الاستحقاقات.
إن الإرهاب كأيديولوجية وسلوك عدائي متطرف، يعود في الأصل إلى منظومة البيئة الاجتماعية والثقافية والفكرية التي نما فيها وترعرع المتطرفون. إن الأشخاص الإرهابيون والقتلة والكارهون والساخطون والعنصريون والمتشددون، هم أفراد أسوياء -معظمهم- ومواطنين عاديين، غير مصابين بأمراض عقلية أو نفسية، وربما لا يعانون مشاكل اجتماعية ولا أزمات اقتصادية، لكنهم متخمين بالكراهية تماماً، معبئين بالحقد والعدائية، يمتلكون شعوراً عميقاً بالقهر والظلم والتهميش، ويظهرون قدراً كبيراً من الاشمئزاز والاستعلاء نحو الآخرين.
هؤلاء الأشخاص الإرهابيون أو الممتلئون بالحقد والغضب المتشدد، يعتقدون أنهم أفضل وأهم من بقية الأفراد، لكن الآخرون ينظرون لهم على أنهم غير أسوياء، لذلك قد يكون غالباً الإرهاب هو انعكاس لحالة الفشل والغضب. أيضاً فإن جميع المواقف والسياسات والرؤى إن صدرت من أفراد أو من جماعات أو من دول، إن ذهبت إلى المبالغة القصوى في تقدير الخطأ والصواب، فإنها تقع في المحظور الفكري وتؤسس لثقافة الكراهية والإرهاب. وقد تصل هذه السلوكيات إلى مرحلة تلتبس فيها الرغبات الكامنة بالاستعلاء والتميز والمكبوتة، بذرائع مكافحة التطرف والقضاء على التشدد ونشر السلم الاجتماعي، فتصبح عملية مواجهة الإرهاب هي إرهاباً بذاتها.
صناعة الكراهية تعتمد القولية والتزوير والافتراء والاختلاق والخلط، وما أن يدخل رأس الكراهية من باب أي مجتمع حتى يمزقه ويحوله من كيان متماسك، إلى فرق وطوائف وقبائل تتناحر باسم الدين والقومية والوطنية والأيديولوجية.
يقوم المصنعون للكراهية بتلفيق الاتهامات للآخرين المستهدفين وتزييف تاريخهم. وفي العديد من الدول يُنظر إلى الأقليات على أنهم مواطنون غير موثوقين، ثم يجري تهميشهم وهو ما يخلق أجواء العدائية. ولا يضيّع هؤلاء المصنعون فرصة لكي يستغلون الشائعات ويعملون على تأويل الأقوال وإخراجها عن سياقها الأصلي، وتحميلها معان وتحريفها بما يغذي الكراهية ويحرض على العنف. ويصيغون الشعارات والخطابات التي تدعو للحذر من الآخر وتشويه صورته، وإحداث حالة انفعالية ضده تعتمد على الخلط والإرباك والتهييج. نجد دوماً من يستفيد من خطاب الكراهية، يغذي هؤلاء البغض والتحريض، ويستغلون التوترات الدينية والمذهبية والفكرية والسياسية لتحقيق أهدافهم التي تعتمد على إقصاء الآخرين.

التصدي للمحرقة
مواجهة صناعة الكراهية يتم عبر معالجة قضية أوقات الفراغ لدى الشباب، وإشغالهم بأنشطة إيجابية تعود بالمنفعة عليهم وعلى المجتمع، وتحصينهم ثقافياً وتدريبهم على ممارسة النقد الفكري، وتشجيعهم على العمل التطوعي، وتلقينهم قيم التسامح والعفو وقبول الاختلاف مع الآخرين، وتعزيز الانتماء للوطن في نفوسهم، وتقوية الشعور بالمسؤولية فيهم. كما يجب توفير فرص العمل المناسبة للشباب، وتخفيض نسب التسرب من المدارس، ومعالجة قضايا البطالة والفقر، وتحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة كسبيل
لا غنى عنه لمواجهة الإرهاب والعنف والأيديولوجية المتطرفة.
بلا شك، إن الحد من سيل الكراهية الجارف في المنطقة العربية وجوارها، يتطلب خططاً طارئة لمواجهة الموروث القبلي البغيض. وتعزيز قيم التضامن والاحترام والتوافق المجتمعي، ونبذ العقلية الأنانية والانتهازية والمنافقة. والقيام بإصلاحات سياسية اقتصادية واجتماعية شاملة، يشارك فيها الأفراد والهيئات والاتحادات والنقابات والمؤسسات والدولة، لتحقيق تعايش سلمي مجتمعي متكافئ ومساواة وعدالة، تُخرج الناس من بدائيتهم، وتُظهر أجمل وأنبل ما في نفوسهم.
الحل يتطلب مواجهة الاستبداد السياسي لبعض الأنظمة العربية، وبناء دولة القانون والمواطنة التي تضمن العدالة والحرية والمسائلة لجميع مكونات المجتمع، وتأسيس ثقافة ووعي مختلفين يرتكزان على استعمال العقل والعلم، والإيمان بالحوار والتعايش السلمي بين الجميع، وتجاوز الماضي التعيس، قبل قدوم المحرقة العظيمة.

وحدهم العرب مسؤولين
حتى الاستعمار الغربي ذاته سقط في الحروب والتناحر فيما بين دوله في فترات تاريخية ماضية، وخاضت دول أوروبية حروباً دينية وعالمية فيما بينها، ذهب ضحيتها ملايين البشر، وخلّفت الخراب والهلاك، واستطاعت أوروبا تجاوز كل هذه المآسي، فيما عجزنا نحن عن فعل ذلك.
في الفترات التي نقل الغرب عنا أمهات كتب العلوم والفلسفة والفلك والطب والكيمياء، وتطور وازدهر بعلومه واختراعاته، وأضاف إلى الحضارة الإنسانية منجزات متعددة، اكتفى العرب بالتوقف والنظر والرثاء والهجاء والنواح واللطم. نعم الاستعمار غير نزيه ولا بريء، لكن السؤال الكبير هنا هو لماذا نجح الغرب اصلاً في استعمارنا؟ ولماذا كانت الفاتورة باهظة جداً؟ ولماذا وكيف تمكنت أمم أخرى عانت كما عانينا من شر وسوء وفساد الاستعمار، من القفز فوق الماضي الهالك وجعله خلفها، ومضت في درب النهوض والتطور، فيما العرب لا زالوا عالقين وتائهين في دهاليز التاريخ، مكبلين بأغلال الحسب والنسب، مقيدين بأفكار ومفاهيم لم تعد تصلح حتى لتسمين العجول.
مازال البعض منا يكرر ويصرخ أننا ما زلنا ضحايا للمؤامرة الغربية والغزو الثقافي، لكن وجود الكيان الصهيوني جاثماً فوق أرض فلسطين منذ عقود طويلة يؤكد بصورة قطعية حالة العجز والهوان الرسمي العربي. لهذا فالعرب هم وحدهم المسؤولين عن سقوط ثقافتهم وانحسار دورهم.
لقد عجز العرب عن النهوض، وانهزموا من الداخل بجهلهم لا بعلم وتقدم الأخرين فقط. إن أسباب ازدهار الثقافة الغربية ليس العرق ولا الدين، لا الطائفة ولا القبيلة، إنما التفوق العلمي والإنجازات التقنية والرقي الحضاري.



41
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

قلاع الاستبداد ومطارق الفساد
 تصنيع الرعب واختلاس العقول

اختلف كتّاب ومؤرخي سيرة الحزب النازي الألماني حول المقولة، منهم من اعتبرها فقرة وردت في نص المسرحية التي كتبها الشاعر الألماني النازي "هانس يوهست" وعرضت في مدينة برلين بالذكرى الرابعة والأربعين لميلاد زعيم النازية "أدولف هتلر". منهم من نسبها إلى قائد سلاح الجو الألماني الشهير "هيرمان غورنغ" أحد أبرز مساعدي هتلر. وبعضهم يدعي أن من قالها هو وزير الدعاية النازي المعروف "جوزيف غوبلز". بل أحياناً ينسب هذا القول إلى هتلر ذاته.
إنها العبارة الشهيرة "عندما أسمع بكلمة مثقف أتحسس مسدسي".
لن نكترث بشأن من قالها، الأهم هنا أن هذه المقولة تعكس أيديولوجية تسلطية، لا تعترف بغير القوة الجائرة لتمد سطوتها وتبسط هيمنتها. هي تعبير عن التزمت والتشدد الفكري، والإسهاب في المغالاة الأيديولوجية التي قد تكون جذورها دينية أو عرقية أو مذهبية أو فكرية.
لا يمكن فصل هذه الفقرة أياً كان قائلها، باعتبارها تهديداً واضحاً ومباشراً ضد كل من يختلف عنه فكرياً ومع أيديولوجيته، عما يجري في أماكن كثيرة بهذا العالم، خاصة في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط. بالرغم من مرور ثلاث أرباع القرن على هزيمة النازية عسكرياً في الحرب العالمية الثانية، وتصفية قياداتها جسدياً في محاكمات "نورنبرغ" الشهيرة، لا تزال بعض الأنظمة العربية والشرق أوسطية تعتمد المقولة النازية. بل امتدت هذه الثقافة البغيضة إلى بعض الأحزاب والقوى والجماعات التي تستهدف الثقافة ورموزها. الفارق الوحيد أن غوبلز كان يمتشق مسدساً حول خصره، فيما القتلة الجدد لا يتورعون عن استعمال أشنع الأساليب في تصفية المفكرين والمثقفين المخالفين.
قائل تلك العبارة أدرك أن المثقف الذي يخالفه المعتقد، ويرى أن العنصرية والفاشية والدكتاتورية أعداء للقيم الإنسانية ومبادئ حقوق الإنسان، يشكل خطراً يستوجب التصفية. لا يزال هذا التهديد والعنف والتدجين قائماً ومتواصلاً ضد المثقف، وضد كل من يعارض سياسات بعض الأنظمة العربية، ولم يكن المسدس سوى إشارة إلى المعنى الأوسع للوعيد والترهيب الذي تعتمده السلطة السياسية كوسيلة لمعاقبة المواطنين المخالفين ودلالة على الاضطهاد والاعتقال والتعذيب والقتل. وإن كانت النازية تحرق وتطلق النار على رؤوس الناس، فإن ما يحصل في عصر النكوص الحضاري الحالي، لا يقل بشاعة بل إنه أكثر دموية وقبحاً.

دولة القمع
تمارس كثيراً من الدول العربية، ودولاً في منطقة الشرق الأوسط، وأماكن أخرى في العالم، قدراً ما من القمع والقهر على الأفراد، وتبدو الشعوب الشرقية وكأنها تمتلك قابلية مرنة للخنوع، إذ أن معظم هذه الشعوب لا ترفض جرعات بحدود معينة من البطش والاستعباد من قبل الأنظمة القائمة، بل أكثر من ذلك، هناك أفراداً وجماعات تقبل سياسة الإخضاع من قبل الدولة وتقوم بتبريرها. الكارثة حين نعلم أن هذا القبول بالقمع لا يرتبط بمستوى التعليم المرتفع أو التخلف العلمي للمجتمع، أو الإخفاق الاقتصادي أو الفشل السياسي للسلطة، ولا حتى بالتطور العلمي، لأن هناك دولاً تمتلك نظاماً تعليمياً يشهد له ومع ذلك خضع الناس فيها للبربرية العنصرية الفاشية مثلما حصل في ألمانيا. أيضاً هناك العديد من الأنظمة الدكتاتورية القهرية استطاعت تأسيس دولاً متطورة ومتقدمة. لعل الأمر يتصل بالتجربة والذاكرة التاريخية لتلك الشعوب التي لا تمانع درجة ما من الاستبداد.

خبايا دولة الاستبداد
تلجأ الأنظمة القهرية في سعيها لبناء قلاع القمع إلى إيجاد القائد الرمز الذي تدور حوله فظاعة الاستبداد وتخشاه الجماهير، ثم تبدأ بفبركة حكايات عن حصافة وحكمة ورجاحة عقل الزعيم الألمعي الشجاع، وخدماته المبجلة للوطن، وتضحياته المشهود لها في سبيل رفعة الشعب وعزته. ويصبح الشغل الشاغل لوسائل الإعلام الحكومية والخاصة تغطية أخبار القائد الاستثنائي، ودوره التاريخي في خدمة الإنسانية. وتخصص الصحف مساحات للتمجيد بشجاعة الزعيم العظيم المقدام الذي يخشاه الأعداء ويقدره الحلفاء.
هكذا كان الحال منذ فراعنة ما قبل التاريخ ولغاية العصر الحديث. والحالات الاستثنائية القليلة التي فشلت فيها الدولة عن إيجاد رمز للقمع، أو حين تصاب صورة القائد المستبد بالشرخ لسبب من الأسباب، يلجأ النظام حينها إلى ممارسة القمع العشوائي دون أية ضوابط، في معركة ليس مع المخالفين فقط، بل مع الشعب كله، ومن هنا تبدأ مرحلة انهيار هذا النظام المتوحش وأدواته.
ثم يعمد النظام إلى ترسيخ فكرة الربط بين الحريات العامة والأمن العام، فيجري إلصاق وهم أن الحرية تعني دوماً الفوضى والخراب في عقول المواطنين، وأن من يطالبون بالحريات السياسية والفكرية هم أناس يتسببون بعدم انضباط المجتمع، وهذا يؤدي إلى أن تفقد الدولة سيطرتها على مقاليد الأمور، وبالتالي تصبح عاجزة عن توفير الأمن والأمان للناس. هذا الربط الخبيث تعتمده دول القهر عنواناً لتبرير تصرفاتها الأمنية الوحشية بحق البشر. هنا قلاع الاستبداد تستلهم في سلوكها القاعدة المقررة التي تُظهر أن الناس يمكن أن يتنازلوا عن بعض من حرياتهم العامة إذا لمسوا أن أمنهم مهدداً.
ليس فقط في الدول النامية تنجح هذه الوصفة السحرية، بل حتى في الدول المتطورة يميل الناس إلى تصديق كذب السلطة والموافقة على خيارات قهرية استبدادية ضد دولة أو جماعة أخرى، بالرغم من معرفة الناس أن هذه السلطة ذاتها التي يقبلون بعنفها قد تنقلب عليهم وحشاً ضارياً في أية لحظة. وهذا شأن تراه في دول ديمقراطية كما هو في أنظمة دكتاتورية. حين تريد السلطة -أي سلطة- تكبيل الحريات -أو بعضها- لا بد أن تُشعر مواطنيها أن أمنهم صار موضع تهديد، كي يغض الناس النظر عن طغيان السلطة الشائن.
ماذا بعد من الخبايا في جعبة قلاع الاستبداد؟ حسنا هناك الكثير بعد. إذ أن السلطة تعتمد مبدأ ربط الزعيم القائد بالدولة ويصبح كلاهما شيء واحد، وتقوم وسائل الإعلام ومناهج التعليم والمهرجانات الخطابية والمناسبات الوطنية على فكرة أن لا فرق بين الرئيس والوطن. ثم تصبح بطانة الحاكم كل واحد منهم دولة، ويتحول موظفي الدولة كل واحد منهم إلى سلطة في موقعه، فترى أن كل من يمتلك سلطة ما في نظام قمعي ما هو دولة بذاته. فمن ينتقد الموظف من الناس يعتبر انتقاده فعلاً ينتقص من النظام. ومن ينتقد صاحب سلطة في النظام يتحول إلى مخرب للدولة، ومن ينتقد أحد رموز الدولة يصبح خائناً للوطن. هكذا حال الأنظمة الشمولية الدكتاتورية التي تعمل على إحكام سطوتها على كل شيء، بحيث يصبح صعباً على المواطن والمراقب التمييز بين بطانة الحاكم وبين مؤسسات الدولة، وبين الحاكم نفسه وبين الوطن. لأن القائد الزعيم وبطانته الحاكمة المتسلطة تقوم باستثمار كافة مؤسسات الدولة لخدمة مصالحهم الخاصة.
ثم تقوم بطانة الحاكم ورموز السلطة في التحكم بالمفاصل الرئيسية المهمة للدولة، ويتغلغلون في الهيئات التنفيذية وينتشرون في كافة الدوائر الحكومية، ومع الوقت ما تلبث أن تتشكل الدولة العميقة التي تهيمن على الدولة الحقيقية وتفرض عليها رؤيتها.

استلاب العقول
تلجأ الأنظمة الجائرة إلى محاصرة وعي المواطنين واعتقال عقولهم في صناديق تحدد شكلها ومساحتها الأجهزة الأمنية عادة، بمشاركة واضعو خطط اغتصاب السلطة من بطانة الحاكم. لا تترك دول القمع للناس أية مساحة للتفكير والتحليل الحر في سياق الأخبار والمعلومات التي يتم تداولها حتى لا تتشكل لديهم قناعات أو مواقف أو رؤى تخالف الموقف الرسمي للدولة. ممنوع على الناس قبول أية رواية حول أي شيء أو أي حدث في الدولة أو خارجها، سوى رواية النظام الذي يكون حريصاً على أن يحدد طريقة نظر المواطنين للأحداث.
هذا الأسلوب الاستلابي لا يرتبط فقط بالأحداث السياسية والأمنية، بل على الذاكرة أيضاً والتاريخ، الذي ترويه الدولة القمعية بما يتناسب مع الرواية الرسمية حتى يكون منسجماً مع معطيات الحاضر. لأن المخالفين في الواقع الراهن الذي يعتبرهم النظام أعداء للوطن، يحرص أن يظهروا كأنهم أحفاد للأعداء التاريخيين.
الفاجعة أنه حتى في الدول القهرية التي لا تقيم وزنا للدين، تقوم السلطة بتحديد المعايير التي تحدد نظرة وطريقة تعامل المواطنين مع الدين والأخلاق. وهي هنا لا تهتم بالعبادات والطقوس الدينية، بقدر اهتمامها على الأثر الهام الذي يخلفه الدين على البشر اجتماعياً وسياسياً. لذا فالسلطة تسعى إلى إحداث موالين دينيين يحمدون ويشكرون فضلها على العباد، وينشرون روايتها الدينية ورؤيتها وفهمها الديني، الذي يكون انعكاساً وامتداداً للرواية السياسية للسلطة.
في سعي أنظمة القمع لتبديد المفاهيم والتصورات والقيم والمعايير لدى المواطنين، وإعادة خلق مفاهيم جديدة تافهة وسطحية، ومعايير مركبة تصبح أحكاماً مع الوقت. تحرص هذه الأنظمة على إيجاد حلفاء وأعداء دوماً، إن كان على مستوى الدول والأحزاب والجماعات والمنظمات، أو إن كان على صعيد الأفراد مواطنين كانوا أم رعايا دول أخرى من مفكرين ومثقفين ومشتغلين بالشأن العام. يتم التركيز تعبوياً وإعلامياً ونفسياً على حكاية المواطن الصالح الشريف، المواطن الغيور المخلص. ويتم رسم وتحديد ملامح وصورة هذا المواطن البار المهذب من قبل خبراء نفسانيون بكل عناية وحرص. في كل أنظمة القهر تكون صورة المواطن المستقيم هو الذي يهتم فقط بقضايا حياته الشخصية والعائلية والمعيشية، لا يهتم بأمور الشأن العام إلا إذا طلبت الدولة منه المشاركة في عمل ما. مواطن يبدي أقصى درجات التعاون مع أدوات النظام في كافة المواقع، وخاصة مع الأجهزة الأمنية التي تشجعه أن يكون عيناً يقظة على مصلحة الوطن. يكون مواطناً مدركاً أن بلاده مهددة دوماً من قبل الأعداء الداخليين والخارجيين، وأن وطنه يتعرض لمؤامرات تحيكها أطراف لا تريد الخير له، ولا بد له من أن يتبنى الحكاية الرسمية حول كل شيء، ولا يتابع إلا الإعلام الرسمي.
في مقابل هذا الصورة يوجد مواطن آخر، هو المواطن الشرير، الخبيث، الخائن، الفاسق، المخرب. ويقصد بذلك الوصف كل المواطنين العاديين الذين يحبون وطنهم، ولم يعتادوا على التطبيل والتزمير لرجال السلطة، لذلك فهم ببساطة استعصوا على النظام الذي لم يتمكن من تفتيت قناعاتهم، ولم يهز انتماءهم، ولم يستطيع قولبة أفكارهم.

دولة القتل
تعتمد الدولة الاستبدادية لفرض سطوتها على المواطنين أدوات متنوعة مركبة وشائكة، منها ترسيخ صورتها في أذهان الناس على أنها دولة قوية وصلبة ومتماسكة، دولة قادرة على حماية الأفراد والمؤسسات والوطن، وتوفير الأمان للجميع، لذلك على الناس أن تغفر للسلطة أخطائها وزلاتها مهما كانت، وأن تقبلها وتجد لها مبرراً أيضاً. لذلك يتعامل النظام مع رجال الدولة مهما صغر شأنهم باعتبارهم أفراداً أكثر أهمية من كافة المواطنين مهما كانت صفتهم الأكاديمية أو الاجتماعية.
الموظفين الحكوميين يوفرون لك الخدمات، لذلك عليك أن تقبل أنهم في مرتبة أعلى منك، ويجب ألا ترفض حصولهم على الرشوة وقيامهم باختلاس المال العام. الشرطي والعسكري ورجل الأمن هم أفراد من المجتمع، لكنهم يوفرون له الحماية ويسهرون على أمنه، لذلك عليك وعلى المجتمع أن يتعاون معهم وتخبرهم بما يقوله المخالفون. ليس هذا فحسب، بل يجب أن تتقبل أن هؤلاء الساهرين على أمنك سوف يحظون بامتيازات لن تحصل عليها أنت والآخرين، ثم بالضرورة يجب عليك أن تكون مقتنعاً أنهم يستحقون هذه الامتيازات، وأنه مطلوب منك تبريرها أمام من يعترض عليها.
عليك التسليم أن الدولة لا يمكن إخضاعها للنقد أو المحاسبة. لأن الدولة والنظام والسلطة والقانون يصبحون مع الوقت شيئاً واحداً في قلاع القهر. الدولة هي من يضع القوانين وتطلب من المواطنين احترامها وتنفيذها، وإن خالف أحد الأفراد هذه القوانين فإنه يتعرض للعقاب، أما إذا خالفت الدولة ذاتها هذه القوانين عبر أحد رجالها أو موظفيها، فإنها تقوم بذلك لضرورات الأمن والمصلحة العامة.
لا يقتصر الأمر على تبرير وتحليل الفساد المالي والإداري والرشوة والاختلاس واعتبار ذلك لزوم منفعة الوطن. بل أن الطغيان قد يصل إلى درجة القتل. هو قتل تقوم به الدول القمعية بذريعة أداء الواجب، والحفاظ على البلاد ودرء المخاطر عنها. لذلك نرى أن دول الاستبداد تقتل عدداً من البشر داخل حدودها وخارجها، أكثر كثيراً بما لا يقاس من عدد الناس الذين تقتلهم الجماعات والمنظمات الإرهابية، التي تدعي هذه الدول محاربتها.
إن ماكينة القتل ترتكز على دجل وشعوذة تجعل من اللباس الرسمي الذي يرتديه رجل الدولة إن كان عسكرياً أو شرطياً أو رجل أمن ومخابرات، بمثابة مطية للقتل. حين يقوم المواطن بارتكاب جريمة قتل فهذا فعل يستوجب المحاسبة، لكن حين تقتل الدولة القهرية عبر أحد رجالها أو أجهزتها فهي فقط تقوم بواجبها. حين يرتدي رجل الدولة زيه الرسمي لا تكون تصرفاته تحتكم للقانون، لأن إشاراته وأقواله وأفعاله هي قانوناً بذاته في أنظمة القمع.
يحظى أصحاب الثياب الرسمية داخل قلاع الاستبداد بما يشبه الحصانة الدائمة لعدم تعرضهم للمحاسبة أو المسائلة مهما فعلوا، أصابوا أم أخطأوا. وعلى الدوام هناك أعذاراً ومسوغات لتصرفاتهم تبرر ما يقومون به. هذه الصورة النمطية عن رجل الأمن ورجل السلطة يتم طبعها في عقول الناس بالدول الجائرة، إلى حدود أن البشر لم تعد تشعر بالإهانة إذا تعرضت لتصرفات أو لأفعال مشينة من قبل أصحاب الملابس الرسمية، بينما تنفعل غضباً فيما لو تعرضت لنفس الموقف من أناس عاديين. إن رغبت في رؤية الوجه الحقيقي لدولة القمع ولرجالها وأدواتها وأجهزتها الأمنية القهرية، ما عليك سوى أن تخلع الزي الرسمي عنهم، أن ترفع منهم صفة رجل الدولة، وسوف ترى أنهم ودولتهم لا يختلفون بشيء عن أية عصابة أو ما فيا أو جماعة إرهابية.

صناعة الخوف
تعمل الدكتاتوريات العسكرية أو المدنية على أحد مبادئ الفيلسوف الإيطالي المولود في عصر النهضة "نيكولو مكيافيلي" الذي حدد القاعدة الماسية "من الأفضل أن يخشاك الناس على أن يحبوك، إن لم يكن بمقدورك تحقيق كليهما". لذلك فهي تقوم بصناعة هذا الخشية التي تجعل الشعوب في حالة من الخوف الدائم. هذا يتحقق عبر وسائل متعددة منها إيجاد واستدعاء أعداء للدولة من الداخل والخارج. حين يخاف الناس يكونون مستعدين لقبول قرارات تمس حرياتهم الشخصية، وأحياناً تمس حياتهم واحتياجاتهم الأساسية إن أقنعتهم السلطة بقدوم خطر يتوعدهم. وهكذا تقوم هذه الأنظمة بتمرير أخطر وأهم قراراتها وقوانينها مستغلة خوف الناس من أعداء قامت هي بصناعتهم، بهدف خلق تهديد مرعب وغير مفهوم.
تستحدث دول القهر شبكات خاصة للقمع والاعتقال والتعذيب والقتل خارج الإطار القانوني، بعيداً عن المؤسسات الرسمية. حيث يكلف النظام أحد أجهزته الأمنية بتأسيس شبكة سرية من المعتقلات، يتم فيها بصورة غير شرعية سجن العديد من الناس الذين يتعرضون لأبشع أنواع التعذيب الوحشي، وغالباً ما يتم قتلهم بعد الحصول على معلومات منهم، ويتم في هذه السجون تنفيذ حملات إعدام جماعي لمخالفين.
وكأن كافة الأجهزة الأمنية القمعية التي تتبع دول الاستبداد لا تكفي لنشر الرعب في نفوس المواطنين، حتى تقوم هذه الدول بتأسيس جماعات شبه عسكرية ومسلحة، تناط بها مهمة ترويع البشر، ويتم تكليفها بأعمال الاغتيالات وتصفية المعارضين، تعمل بظل حصانة قانونية من الملاحقة. ثم تقوم السلطة بإنشاء جهاز أمني سري -قد تختلف التسمية من بلد لآخر- دوره أن يجعل الجميع يشعرون أنهم مراقبون. يقوم بمهام التجسس على هواتف وتحركات وأفعال المواطنين وحتى كلامهم، بذريعة الحفاظ على الأمن القومي للبلاد.
ثم تقوم هذه الأنظمة باختراق كافة الأحزاب السياسية والجمعيات والمنظمات والهيئات والنقابات والاتحادات والأندية، تخترق كل شيء حتى جماعات رعاية الحيوان. تخترق المقاهي والحارات الشعبية ودور العبادة والمؤسسات التعليمية. الغاية أن يعلم جميع المواطنين أن كل شاردة وواردة في الدولة تحت سيطرة أجهزتها الأمنية.
تكلف دولة الاستعباد أحد أهم أجهزتها الأمنية لوضع قوائم تتضمن أسماء المشتبه بهم، من مخالفين ومعارضين وكل من وجّه انتقاداً واحداً بلحظة حمية ضد النظام. إن دخل أحدهم القائمة فلن يخرج منها مطلقاً. ولا تتفاجأ إن علمت أن هذه القوائم تضم أسماء مثقفين ومفكرين وأكاديميين بارزين. غالباً يتم منع هؤلاء الأشخاص من السفر، ويحرص النظام القمعي أن يبقيهم في حال من التوتر الدائم باعتبارهم مرشحين للاعتقال في أية لحظة.
ولكي تتمكن دول الاستبداد من إحكام الهيمنة على الناس وتصنيع الرعب، لا بد لها من السيطرة على عقول المواطنين والتحكم بها، وهذا لن يتم إلا من خلال بسط سطوتها على وسائل الإعلام وفرض روايتها الرسمية الوحيدة. إن الحقائق هي أكثر ما تخشاه أنظمة الاستبداد، لذلك لا حقيقة سوى تلك التي تصدر عن النظام. حتى الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام معرضون دوماً للاعتقال إن كانت لديهم قصة غير تلك التي يرويها النظام. حتى في دول تحظى بهامش من الديمقراطية تلجأ الدولة إلى تشريع قوانين تقيد عمل الصحافة والإعلام بذريعة ضرورات الأمن القومي.
من جانب آخر تستهدف دول القهر الرموز والشخصيات العامة المخالفة، من أكاديميين ومفكرين وفنانين ورياضيين ورؤساء أحزاب ورجال دين. والرسالة هنا جعل الأفراد يدركون أن الجميع مهدد وعرضة للاعتقال، وأن لا أحد فوق سقف مصلحة السلطة.
الأقبح من هذا هو قيام هذه الدول إلصاق تهم الخيانة والعمالة والتجسس والتخابر بكل من يخالفها ويعارض سياساتها ومواقفها ورؤيتها. الناس لا يمكن أن تتعاطف مع خائن، لذلك تبدو التهمة بمثابة الحكم بالإعدام على من تلصق به، من المعارضين السياسيين والنشطاء وسواهم.
هل تكتفي دول الطغيان بكل ما سلف؟ قطعا لا. فهي لا زالت تبتدع وتبتكر أساليباً جديدة لصناعة الخوف وتصنيع الرعب في أنظمة لا تخجل من التبجح وهي تتحدث عن سيادة القانون. لكن أليست الدولة هي من يضع القوانين؟ نعم إنها هي. وتُصيغها كما تشاء، وتخترقها كما تشاء، وتحاكم المواطنين بذات القوانين. رغم كل ذلك فإن هذه الأنظمة الجائرة تلجأ إلى إعلان حالة الطوارئ، بهدف تمرير سياساتها وأية إجراءات تتخذها، وتجعل منها وضعاً مُستداماً قد يستمر لعقود.

الاستثناء العربي
في وقت تتطور فيه الأمم وتزدهر، وتنعم بالديمقراطية وتُصان حريات الشعوب العامة، ما زالت النخبة العربية من مفكرين ومثقفين منشغلين بالنقاش الذي تسبب للأمة العربية بالشقاء، لأنه جدال بين الفكر وذاته. فيما الاستبداد ينحسر في بقاع الأرض، يتمدد في أرض الخمر والأمر. الكارثة أن هذه الأمة العربية ابتليت ببعض من النخب التي لا زالت جادة في نقاش قضية حاجتنا إلى الديمقراطية، بينما الآخرون من المثقفون يتلذذون بنقاش شكلي وسطحي حول إن كان الإصلاح سوف يتحقق من داخل الدول العربية أم بفعل تدخل خارجي؟ هل يحتاج العرب إلى إصلاح الخطاب الديني أم لا؟ هل ينبغي القيام بإصلاح، أم أن الراهن العربي يحتاج تغييراً جذرياً وثورات تقلب كل شيء فوق رؤوس الأنظمة القائمة؟ هل يكون الإصلاح والتغيير جماهيرياً أم بواسطة النخب؟ من أين نبدأ في الإصلاح، من أسفل الهرم أم من رأسه؟
هكذا يتواصل النقاش وتضيع الأسئلة، ولا أحد يتصدى للمقاربات العقلانية الموضوعية العلمية المنهجية، التي تؤسس لتحول ديمقراطي في العالم العربي، ينهي عقوداً من الاستبداد.
هذا الوضع يؤشر على ما يبدو إلى حالة من التعوّد أو التآلف غير الواعي يُظهرها الناس نحو الاستبداد والقهر بكافة أنواعه ومستوياته. وهذا ما يثير السؤال الكبير: متى يحين الوقت لبتر هذا الطغيان؟ بعبارة مختلفة، هل ما زلنا نحتاج درجات محددة من القمع في بلداننا؟ هل ما يروّج له بعض المثقفين الزنادقة من أن الشعوب العربية ما زالت غير مهيئة للمفاهيم الديمقراطية صحيحاً؟ حسناً. إن تمكنت الشعوب العربية من الثورة على أنظمة الاستبداد السياسي، من يجرؤ على مس الاستبداد الديني والعقائدي والفكري، وكذلك الاستبداد الثقافي والاجتماعي الذي تمارسه جهات متعددة؟ كيف يكون الإصلاح والتغيير ولدينا بعض المثقفين الذين يدعون للديمقراطية دون الحرية، ولدينا معارضين يختزلون النظام الديمقراطي فقط في التداول السلمي للسلطة، أو في التعددية السياسية والحزبية؟
ما من أدنى شك أن غالبية الدول العربية تعتمد نموذجاً غير ديمقراطي للحكم، وأن الاستبداد هو النمط السائد في تلك الدول، على الرغم من انحسار الطغيان في عدد من مناطق العالم. هذا الاستثناء العربي البغيض يشكل انسداداً أمام موجة التحولات نحو الديمقراطية التي اكتسحت كثير من دول العالم خلال ربع قرن الأخير، في كل من أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، رغم التنوع العرقي والإثني والثقافي في تلك الدول، ومنها دولاً أفريقية كانت لفترة قصيرة نسبياً تُوصف بالبدائية. لكن يا سبحان الله صمدت الأنظمة العربية العتيدة أمام كافة محاولات التغيير والتحول والإصلاح، وبقيت مقاومة لجميع الدعوات والحراك الذي ينادي بالديمقراطية والحرية. كل ما فعلته أنظمة الاستبداد العربية أنها لجأت إلى سلاح المناورة والانحناء للعاصفة وللكذب، وأشهرت سلاح الإرهاب والحفاظ على الأمن القومي، وسلامة المجتمع، حماية الأقليات العرقية، ألصقت تهم الخيانة بالمطالبين بالتغيير، أشهرت كافة أسلحتها الدينية والقومية والثقافية والاجتماعية والأمنية والإعلامية كي لا يحدث أي تحول ديمقراطي، وكي تمنع أي تغيير من الاقتراب نحو قلاع الاستبداد.
نعم نجحت -للآن- معظم الأنظمة العربية في اتقاء "شر" الإصلاح الديمقراطي، لكنني أعتقد أن شرط التغيير قائم، وإمكانية التحول هي في المرحلة الأخيرة من التبلور والنضوج. المنطقة العربية ليست استثناء في السيرورة التاريخية، وليست ذات مكونات ثابتة، ولا هي تمتلك الحصانة الفطرية المقاومة للتغيير، ولا هي كما يحلو لبعض المفكرين المتوهمين تجمعات غريزية وبدائية، لا تاريخية ولا تطورية.
إن الدول العربية عبارة عن مجتمعات شبه منغلقة ومحافظة. من أبرز سماتها الركود حد التكلس، فهي لا تتوفر على ديناميكية فكرية أو ثقافية، والعلاقة بين حركة الفكر وحركة المجتمع مصابة بالخلل. كما أن الفلسفة بثوبها العربي لم يشتغل عليها أحد، ولم تتفاعل افكارنا و-فلسفتنا- مع أفكار وفلسفة الآخرين من خارج المنطقة العربية والإسلامية، لذلك تأخرت خطانا ولم نتمكن من اللحاق بقافلة الحضارة العالمية، ووجدنا أنفسنا في عزلة استمرت عقوداً طويلة مريرة.

احتارت بهم السبل
محير أمر العرب الانتقائيون الذين يقبلون استيراد رؤوس الأموال للاستثمار في بلدانهم، ويستوردون التكنولوجيا الحديثة، السلاح، السيارات، الأدوية، الملابس والأحذية والعطور، يستوردون كل شيء حتى الأغذية، لكنهم يرفضون دخول الأفكار والمعارف والعلوم والفلسفة والنظريات إلى أوطانهم.
في المشهد العربي الراهن يتعايش بغرائبية جنباً إلى جنب كل من التخلف والتقدم، الجهل والعلم، الفوضى والنظام، التراث والمعاصرة. هذه هي سمات المرحلة الانتقالية، وهو مؤشر على اقتراب التحول، ودليل على أن القديم قد بدأ فعلاً في التغير، لكن الجديد القادم ليس متبلوراً تماماً بعد، ولا يمتلك كامل الجهوزية ليحل مكان القديم. مما يعني أن درب التطور والتقدم العربي سيكون طريقاً طويلاً وشاقاً وبطيئاً ومكلفاً.


42
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

طوفان الوباء.. صناعة الكراهية والشقاء

كصناعة السيارات والطائرات والملابس والعطور، يتم تصنيع الرأي العام والذوق العام. مثلما الثقافة صناعة والسياحة والرفاهية والازدهار صناعة. كذلك هي الكراهية.
صناعة الكراهية التي تتقنها طغمة من الديكتاتوريات والأنظمة الفاسدة والنخب الفكرية والسياسية والثقافية والدينية الكاسدة. يقومون بنشر السموم والأكاذيب، وبث الأحقاد بصورة يتم فيها التحريض وبناء منظومة الكراهية والعداء الاجتماعية على أساس قومي وعرقي وطائفي ومذهبي أو قبلي أو مناطقي. هذه الصناعة تجد لها أسواقاً تروّجها في الكثير من البلدان، وخاصة في العالم العربي المثقل بالأزمات المركبة. وهي صناعة تحظى برعاية وغطاء من بعض الأنظمة العربية المستبدة، ومن دول إقليمية تمتلك مشاريعاً جيوستراتيجية تقوم على مبدأ الانقسام في الصف العربي، وبث الكراهية والتفرقة بين الشعوب العربية وإحداث صراعات وتناحر بينها، كي تتمكن تلك الدول من تحقيق أهدافها. في ظل حالة الجهل التي ما زالت تحكم واقع كثير من المجتمعات العربية، تصبح الكراهية ناراً تستعر تحرق المجتمع وتفكك ترابطه وتثير النعرات والحروب الأهلية، تنهي أي تفاهم وتناغم مجتمعي، وتحدث الرغبة في الانتقام وتنشر ثقافة تبرير العدائية والعنف والاعتداء على الآخرين.

الكراهية في المعنى والاصطلاح
في اللغة إن الكراهية هي القبُح وأثارة الاشمئزاز والبُغض حول شيء ما. أن يكره الإنسان شيئاً هذا يعني مقتَه ولم يحبّه وأبغضه ونفَر منه. الكراهية هي أيضاً الحقد والغضب والشعور بالضغينة تجاد شخص ما. وفي الأفعال القولية التي تصدر عن دولة أو جماعة أو أفراداً وتدعو صراحة إلى الكراهية يطلق عليها "خطاب الكراهية". في حين أن كافة الجرائم التي تحركها الكراهية وتدفع مرتكبيها لفعل جرمي بسبب الكراهية أياً كانت، تسمى "جرائم الكراهية". هذه الجرائم قد ترتكب ضد أفراد أو جماعات، لأسباب الكراهية المتعلقة بالدين أو العرق أو اللغة أو الجنس أو الإعاقة العقلية أو البدنية.
تتنوع جرائم الكراهية ما بين ممارسة العنف ضد الآخر، وظهورها في صورة المضايقات والتهديدات والتسلط في المدرسة أو أماكن العمل. كما يمكن أن تأخذ الكراهية شكل لوحة أو كتاب أو نص أو ملصق أو أغنية أو فيلم، أو أي إنتاج آخر ينطوي على عناصر مهينة وتهديدية. جرائم الكراهية لا تستهدف فقط الأفراد أو الجماعات، إنما المباني العامة والخاصة أيضاً، وكذلك دور العبادة وممتلكات الأقليات.
رغم أن عدداً من الدول أصبحت دساتيرها وقوانينها العامة تتضمن تعريفات للكراهية وجرائمها، والعقوبات التي تفرض على مرتكبيها، إلا أن الكثير من الدول الأخرى، خاصة العربية، لا تزال جرائم الكراهية فيها أحد أكثر المواد القانونية إثارة للجدل والاجتهاد بين مكونات المجتمع. ونظراً للتقاطع والاختلاط الذي يقع فيه البعض بين حرية التعبير كأحد أهم الحقوق الشخصية للفرد وبين خطاب الكراهية، تحافظ الدول الديمقراطية على توازن يحمي جميع شرائح المجتمع.
كما أن جرائم الكراهية تسافر خارج الحدود، من خلال منع الفرد أو الجماعة المستهدفة من السفر، أو العودة للوطن. كل ذلك يشير بوضوح أن الشعور بالكراهية بين الناس يعتبر تهديد خطير على المجتمع برمته.

صناعة الكراهية
أهد أهم الأسلحة المستخدمة في الحروب النفسية، وأهم أدوات نظام تفكيك البنى والتماسك الاجتماعي. إن الحروب العسكرية تستهدف حياة البشر وممتلكاتهم المادية، فيما الحروب النفسية تستهدف السلوك الاجتماعي، من خلال التأثير على أفكارهم وحالتهم المعنوية. وتصنع الكراهية عبر نشر الأكاذيب وتزوير الحقائق، واختلاق الأحداث، والتلاعب بالعقول، والافتراء على الآخرين، وتزيين الباطل. وهذا يؤدي إلى توفير البيئة التي ترعى الكراهية والمعاداة ليشتد عود الضغائن، ثم تتحول الكراهية إلى أفكار وعقائد قبل أن تصبح سلوكاً عدوانياً متطرفاً. الكراهية وتغذيتها تشكل الحاضنة الملائمة للعنف والإرهاب. وللكراهية أوجه متعددة، منها ما هو اجتماعي أو ثقافي أو كراهية دينية وهي الأخطر لأن أثرها يظهر سريعاً ويفتت المجتمعات، بينما تتسبب الأزمات السياسية بكراهية اجتماعية. تظهر هذه الكراهية في الشعارات والمواقف والخطابات السياسية والدينية المتشددة التي تكون غالباً المصدر الرئيسي لنشر ثقافة الكراهية.
في صناعة الكراهية نجد نماذج ومستويات مختلفة، منها يتعلق بإشعال الصراعات والحروب بين الدول والشعوب فيما بينها، ومنها ما يرتبط بصناعة الكراهية داخل الأمة الواحدة بيد بعض الأبناء، أو داخل البلد الواحد، أو العرق الواحد، أو الدين الواحد. فقد عمدت بعض الدول الغربية الاستعمارية على تلطيخ صورة الإنسان العربي عبر وسائل الإعلام لدى شعوبها مما أحدث ما يعرف بظاهرة الإسلاموفوبيا. ثم بعد الأحداث الدامية المرعبة التي شهدتها المنطقة العربية خلال العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، تعززت صورة العربي المتطرف القاتل في وسائل الإعلام الغربية. وهناك صناعة الكراهية داخل البلد الواحد والدين الواحد بهدف إثارة العصبيات المذهبية والقبلية، لإشعال الفتن والصراعات التي قد تصل إلى حروب أهلية.
أبرز أدوات صناعة الكراهية هي نشر الكذب والافتراءات، والتلاعب بالعقول، تزوير الحقائق، وتزييف البيانات. وهي سلاح يفتك ببنية المجتمعات ينتمي للجيل الرابع، ولا يكلف الدول مالاَ وجهداً كثيراً
لا تنمو الكراهية إلا في المجتمعات غير المستقرة، والتي تعاني من انقسامات عرقية وطائفية ومذهبية، وتغيب عنها ثقافة التنوع وقبول الآخر، ويقاسي فيها الناس من غياب الأطر والضوابط السياسية والقانونية المنظمة. ويمكن لقضية الأقليات العرقية والدينية أن تشكل مدخلاً للتوظيف السياسي لدى بعض الدول، وأن يثير كراهية كيانات ضد كيانات أخرى. كما أن للمحسوبيات والمنفعة الخاصة، والتهميش والإقصاء الذي تمارسه البطانة أن يولد الكراهية والعنف.
 
خطاب الكراهية
انتشر في الأعوام الماضية خطاب الكراهية والبغض في كثير من الأماكن حول العالم، خاصة في المنطقة العربية التي شاع في كثير من بلدانها مصطلح المجتمعات المنغلقة على الأنا الجمعية، بامتداد المناطق والطوائف والقبائل والأعراق والمذاهب والأيديولوجيات. إن التطور التكنولوجي وفي وسائل الإعلام المتنوعة أسهم بصورة كبيرة في تفشي ظاهرة وخطاب الكراهية في منصات التواصل الاجتماعي، حيث يتم استقطاب شرائح وأعداد متزايدة للانضمام إلى جيوش الكراهية العصرية، متسلحين بالحقد والأفكار العنصرية والألفاظ الشوفينية، لخوض معارك الاقتتال الاجتماعي والمذهبي والعرقي في الفضاء الالكتروني الواسع. تستغل هذه الأطراف حرية التعبير التي تصونها القوانين الدولية للاعتداء على كل شيء، حتى الأديان والخالق لم يسلم من شر هؤلاء.
جميع وسائل الإعلام تتحمل مسؤولية رئيسية في بث خطاب الكراهية بصورة متواصلة على مدار الساعة للمشاهدين والمستمعين والقرّاء. تزايد الإعلام المتخصص بالبغض والكراهية، في ظل غياب شبه تام للإعلام المهني الذي يقوي الروابط الوطنية للمكونات الشعبية، ويواجه الإعلاميين الثرثارين الذين يهتكون النسيج الاجتماعي عبر التحريض الأعمى على العنف والإقصاء.
في البلدان العربية حيث تتشابك المعايير وتمتزج المصطلحات وتفتقد الضوابط، اختلط النقد بالشتم، وتصاعدت وتيرة السباب والقذف في الخطابات التي تجد استحساناً لدى شرائح اجتماعية واسعة، حيث تلهب الخطابات الشوفينية المتشددة مشاعرهم وحماسهم. هذه الحدة تعود في أحد أسبابها إلى التناحر والصراع السياسي والأيديولوجي والديني بين مختلف القوى والأحزاب والدول، يصبح معه إعلام الكراهية سلاحاً لكسب الحرب.
كافة الأطراف التي تدعم وتمول وتغذي وسائل الإعلام القائمة على نشر الكراهية، غايتهم هي تخدير الشعوب وتغييب وعيها، وإشغالها عن حالة الشقاء والبؤس التي توسم الوضع العربي الراهن. الهدف هنا هو إبقاء الشعوب العربية أحجار شطرنج وبيادق تتقاتل دون أن تغادر الرقعة، ويظل اللاعبين الرئيسيين متحكمين بمصير المنطقة.

حروب الكراهية
أقبح الحروب هي التي تقوم على الكراهية، وأكثرها وحشية هي التي ترتكب باسم الدين، وقد شهدت البشرية عدد منها. لعل ما يعنيني هنا هي المجازر والمذابح التي ارتكبتها الصهيونية وإسرائيل عبر العصابات الإرهابية، بدءًا من عصابة "هاشومير" التي تأسست عام 1909 مروراً بعصابة الهاغاناه عام 1921 وفرق "المالباخ" عام 1936 وشتيرن والأرغون وسواها، بحق الشعب الفلسطيني. ويؤكد التاريخ أن اليهود ارتكبوا في فلسطين حملات مكثفة ومخططة من العنف والإرهاب والكراهية، ذهب ضحيتها الآلاف من الأبرياء النساء والأطفال، وما زالت مستمرة حتى اللحظة.
في القارة الأمريكية التي وصلها المستكشف الإسباني "كريستوفر كولومبس" ارتكب المسيحيون الأوروبيون البيض جرائم إبادة وحشية بحق السكان الأصليين، حيث اعتبرت القوى الأوروبية المستعمرة أن سكان البلاد عبارة عن كائنات منحطة بالوراثة، وأقل منزلة من الإنجليز والإسبان وبقية الأوروبيين. هذه النظرة المشبعة بالكراهية والعنصرية والاستعلاء شكلت بداية حروب الإبادة التي جردت السكان الأصليين من إنسانيتهم وارتكاب المذابح الوحشية ضدهم.
هنا تماماً يُكشف زيف قيام أمريكا على قيم العدالة والمساواة والحرية، فهي دولة بنيت بواسطة أبشع أنواع الإرهاب، عن طريق إبادة عشرات ملايين من الهنود الحمر، ولا زال الإرهاب الأمريكي يصول ويجول في أماكن متعددة من العالم يبحث عن هنوداَ جدد. هنا تلتقي الولايات المتحدة مع إسرائيل التي قامت على إبادة الشعب الفلسطيني، وتواصل ارتكاب المذابح وسرقة أراضي الفلسطينيين. ويذكر قادة الكيان الصهيوني ذات المبررات والذرائع التي ساقها المهاجرون الانجليز الذين سرقوا أراضي السكان الأصليين لأمريكا واستباحوا خيراتهم وأبادوهم.
في وثيقة تضمنت شهادة سجلها كشاهد عيان المطران الإسباني "بارتولومي دي لاس كازاس" تتعلق بجرائم إبادة ارتكبها المسيحيون الأوروبيون بحق الهنود الحمر جاء فيها "كانوا يدخلون على القرى فلا يتركون طفلا ولا حاملا ولا امرأة تلد إلا ويبقرون بطونهم ويقطعون أوصالهم كما يقطعون الخراف في الحظيرة، وكانوا يراهنون على من يشق رجلا بطعنة سكين، أو يقطع رأسه أو يدلق أحشاءه بضربة سيف، كانوا ينزعون الرضع من أمهاتهم ويمسكونهم من أقدامهم ويربطون رؤوسهم بالصخور، أو يلقون بهم في الأنهار ضاحكين ساخرين". ألم تكرر إسرائيل الصهيونية هذه الجرائم بحق الفلسطينيين؟ نعم لقد فعلت.
في البوسنة والهرسك ارتكبت القوات الصربية لأسباب دينية وعرقية تتعلق بالكراهية، مجزرة ذهب ضحيتها أكثر من ثمانية آلاف مسلم بوسني مدني في العام 1995. تعتبر هذه المذبحة من أفظع المجازر التي ارتكبت في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. وقد حصلت على مرأى من جنود الفرقة الهولندية التابعة لقوات حفظ السلام الأممية.
الحروب الصليبية في القرون الوسطى، التي خاضتها الدول الأوروبية المسيحية ضد المشرق الإسلامي، لدوافع الكراهية الدينية، هي نموذج آخر على خطورة خطاب الكراهية. إذ قامت الحروب بعد أن ناشد البابا "أوربان الثاني" رجال الدين في الكنائس الأوروبية وأمراء أوروبا بشن حرب على المسلمين، بهدف تخليص الأرض المقدسة من سيطرتهم حتى يرضى المسيح لأن يوم القيامة قد اقترب.
أكثر الحروب الدينية بسبب الكراهية شراسة، هي الحرب التي استعرت نارها بين الكاثوليك والبروتستانت في ألمانيا خلال القرن السابع عشر واستمرت لمدة ثلاثين عاماً. أبيد في هذه الحرب التي أعلنتها الكنيسة الكاثوليكية وأسمتها الحرب المقدسة، حوالي أربعون بالمائة من البروتستانت الأوروبيون. وانتهت هذه الحرب بأوبئة ومجاعات وتدمير شامل، وتغيرت معها خارطة أوروبا السياسية والدينية.
بالرغم من شيوع واقعة إعدام الأرمن في إسطنبول من قبل السلطات التركية في العام 1915، فيما يعرف بمذابح الأرمن، فإن الكثيرين لا يعلمون شيئاً عن مذابح الأرمن ضد الأتراك. لقد ذكر الدكتور "أحمد الشرقاوي" في كتابه الذي صدر العام 2016 ويحمل عنوان "مذابح الأرمن ضد الأتراك" وتضمن العديد من الوثائق العثمانية والروسية والأمريكية أن عدد ضحايا المذابح التي ارتكبها الأرمن بلغ حوالي نصف مليون ضحية من المسلمين المدنيين الأتراك. حيث كان الصراع بين الأتراك والأرمن قد بلغ ذروته خلال الحرب العالمية الأولى، وكانت تركيا ضعيفة وتعاني من التدخل الأوروبي ومن الاحتلال الروسي في مناطق الشرق العثماني.

بذور الكراهية
منشطات ومحفزات الكراهية تبدأ من العائلة التي لا تراعي تربية الأبناء على احترام الآخر المختلف. وهناك المجتمعات المنغلقة على ذاتها والتي يسود فيها نمط ثقافي واجتماعي واحد، وتجهل حقيقة الآخرين، تكون عادة فريسة سهلة للتحريض والكراهية. وهي مجتمعات لا تقبل الجديد وتتصادم معه وترفض الاندماج معه. ولا يمكن إغفال المسؤولية التي تضطلع بها المؤسسات التعليمية في تحديد مناهج تعليمية تراعي التنوع والتعدد في مكونات المجتمع، ولا تعتمد على رأي الأغلبية فقط. والمؤسسة الدينية مسؤولة أيضاً عن هذا التدهور الأخلاقي، لأن الخطاب الديني يستدر العواطف لدى الجمهور، فإن كان متشدداً يعمل على إثارة الفوضى والفتنة والتحريض والكراهية والقتل.
التهميش والإقصاء الذي تقوم به العديد من الأنظمة الاستبدادية بشكل ممنهج، ضد أفراد وفئات في المجتمع، يشكل المناخ المناسب لتنامي خطاب الكراهية لدى المهمشين وضدهم. وتركيز وسائل الإعلام على رؤية واحدة للأمور يزيد من تسعير وحدة خطاب الكراهية. كما أن الصورة النمطية عن فئة محددة أو بلد معين، والأحكام المسبقة ضدهم نتيجة شيوع أفكار عنهم في البنية الاجتماعية وغياب المعلومات الصحيحة، يسهم في نشر الكراهية. المسؤولية هنا تقع على كاهل الدولة بكافة هيئاتها، ووسائل الإعلام، ومناهج التعليم، والمؤسسة الدينية، والناس أنفسهم الذين ينحازون لمواقف ويؤمنون بأفكار دون التفكير بها وتمحيصها.
الموروث الاجتماعي والديني والثقافي والحضاري يعتبر قيمة معرفية مهمة للأمم والشعوب، لكن القصور في الفهم السليم للتراث، والمقاربات الخاطئة له، ومحاولة النقل الميكانيكي للتجارب الماضية، يسهم في توريث الكراهية كما تورّث العقارات. أمر آخر يسهم في اتساع رقعة الكراهية، هو الصمت وموقف اللامبالاة التي تبديها جهات رسمية وأناس عاديين حول الكراهية، والتغاضي عن خطاب وجرائم الكراهية التي يتم ارتكابها بحق الآخرين، وتستثير مشاعرهم الدينية أو القومية، وتمنحهم الإحساس بالدونية والانتقاص من كرامتهم وإنسانيتهم.

توظيف تبريري للكراهية
فشلت الأنظمة العربية في إنجاز مهام ما بعد التحرر السياسي الشكلي من الاستعمار. لم تتمكن من بناء دول مدنية، ولا تحررت من التبعية الاقتصادية والسياسية، ولا استطاعت تحقيق تنمية مستدامة. وبالتالي أخفقت بصورة مريعة على كافة المستويات، وبقيت بعيدة جداً عن الحداثة والعصرنة، وظلت شعارات النهوض العربي تتردد منذ قرنين من الزمن دون نجاح يذكر. بينما الأمم والشعوب الأخرى حققت قفزات في تطورها الاقتصادي والحضاري، أبرزها اليابان، الهند، كوريا، تايوان، سنغافورة، هونغ كونغ، تركيا. يعود هذا الفشل في أحد جوانبه لخطاب الكراهية العربي الموجه للغرب الاستعماري، كراهية حضارته ومعاداتها باعتبارها حضارة صليبية معادية للعرب وللمسلمين. هذا الموقف الضرير الذي يضع كل ما يتعلق بالغرب في سلة الكراهية، امتد ما يقارب قرن من الزمان، حتى طغت على خطاباتنا الفكرية والسياسية والدينية والثقافية.
وفي هذا تتشارك القوى السياسية القومية العربية مع التيار اليساري والجماعات الدينية بموقف واحد يعتمد الكراهية للغرب. ويتم تعبئة الرأي العام أن الغرب هو العدو الدائم والأبدي للعرب، الغرب المتآمر على الشعوب العربية، المتربص بهم كي ينقض عليهم حين تسنح له الفرصة، الغرب الذي أعاق الإصلاح والنهضة العربية، الغرب الذي يمنع الوحدة والتكامل بين الدول العربية، ويهيمن على مقدراتها.
نعم الغرب الاستعماري هو وحش امبريالي، يسعى لفرض سطوته على العالم والتهام موارد الأمم وإقحام العالم في حروب، ويسعى لإضعافنا ولتذويب الهوية العربية وتغريبها. ولكن ماهي مسؤولية الدول والشعوب العربية تجاه هذا التحدي؟ الإجابة ببساطة أن معظم الأنظمة العربية قد أجادت توظيف خطاب الكراهية ضد الغرب لتبرير إخفاقها وفشلها الذريع المتكرر في تحقيق ما تصبو له الشعوب العربية، من ديمقراطية وعدالة اجتماعية ومساواة وتطور اقتصادي وحياة كريمة. لذلك اعتمد خطاب هذه الأنظمة على الخلط واللبس القصدي، بين الغرب الاستعماري والغرب الحضاري الحداثي المتطور، وعلى إثارة الريبة والشك والبغض تجاه الآخر المتفوق.
خطاب الكراهية هذا نحو الغرب هو الذي حال بين العرب وبين الإفادة من العلم والعلوم الغربية، ومن العوامل التي أدت إلى تقدمه، وأسباب قدرته على تحقيق الإنجازات الحضارية والعلمية والمعرفية والتقنية، وكيف تمكن هذا الغرب من بناء نظام سياسي وإداري وحقوقي ناجح ومتطور. لم يتمكن العرب من الاستفادة من هذا الثراء الغربي كما فعلت شعوب وأمم أخرى عانت أكثر منا من الاستعباد الاستعماري.
إن الدول التي تمكنت من تحقيق استقلالها السياسي من الغرب المستعمر، وتمكنت من التطور وتحقيق التنمية كانت واعية ومدركة أهمية التفريق بين الاستعمار الغربي بوجهه الدميم، وبين الغرب الحداثة والتطور.
لا يمكن للعرب تحقيق تقدم ونهوض وحداثة إلا بالاستفادة من عوامل التقدم الغربي، والتعاطي الإيجابي مع حضارته، ونقل معارفه وعلومه وتقنياته ونظمه وحتى لغته. وعلينا الكف عن النواح واللطم، والانشغال بابتكار مفردات جديدة والتباري بالشعارات المدوية التي تملأ عقول الشباب بالغضب والكراهية ضد كل الغرب دون تمييز. يجب الانطلاق نحو صناعة نماذج عربية للتنمية والتفوق والحداثة، والدخول إلى الأسواق العالمية للمنافسة بصناعات علمية وتقنية، ومنتجات عربية تتجاوز صناعة تغليف التمور.
اليابان التي انهزمت أمام قوات الحلفاء في نهاية الحرب العالمية الثانية 1945 تغلبت على المستعمر بصناعاتها المتطورة حتى باتت تخشاها أمريكا. وهكذا فعلت الهند وكوريا وعدد آخر من الدول، إذ حولت مشاعر الكراهية ضد المستعمر إلى قوة جر هائلة نحو التقدم العلمي والحضاري. بينما ظلت الدول العربية في الخندق الأول يجترون انكسارهم وخيبتهم، ولا يتوقفون عن ترديد "نحن خير أمة أخرجت للناس".
إن امتلاك أسباب الحداثة الحقيقية يستوجب الخروج من حالة الفصام الأيديولوجي في الحالة العربية، التي أسقطت الأمة بين أطراف تتوسل الغرب وتتذيله، وبين أطراف عربية أخرى تلعن الغرب وترفع كفيها للسماء للدعاء عليه وعلى حضارته بالدمار والهلاك.

ما يمكن فعله مع الكراهية
المسؤولية يتقاسمها الجميع، لا أحد بريء هنا وخالٍ من العيوب. الدولة والهيئات والمجتمع ووسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية والمؤسسات الدينية والعائلة والأفراد. كل هؤلاء يتحملون واجب التوعية وغرس مفاهيم احترام الآخرين المختلفين، وترسيخ القيم الإنسانية والأخلاقية والحب والتواصل الإيجابي والتعايش.
في القطاع التعليمي تبرز ضرورة تطوير المناهج الدراسية لكافة المراحل وتحديثها، والتوقف عن نمط التعليم الذي يعتمد على التلقين واستبداله بأشكال عصرية تراعي التفكير الحر واستخدام العقل والإصغاء وقبول الرأي الآخر، والحث على التفكير الإبداعي وتشجيع الطلاب على ممارسة النقد البناء، وفتح نوافذ التعدد والتنوع الثقافي أمامهم. كذلك إعادة تأهيل المدرسين والمعلمين وإكسابهم الخبرات والمعارف اللازمة للقيام بواجبهم التعليمي على أفضل وجه.
دور وسائل الإعلام الخطير، كون الكثيرون من الناس يعتمدون في تشكيل فهمهم للعالم ورؤيتهم للأمور، على ما يصلهم من معلومات وبيانات ورؤى عبر الخطابات الإعلامية، وبذلك يكون للإعلام الدور الرئيسي في إحداث الانطباعات وبلورة القناعات وتكوين الوعي المعرفي لدى المتلقي. لذلك لا بد أن يكون هدف الرسائل الإعلامية بث ثقافة التسامح والحوار والتعايش بين جميع مكونات المجتمع، ونبذ الكراهية والعنف والتشدد والعنصرية والإرهاب.
إضافة إلى التوعية، تظهر المساءلة القانونية كضرورة هامة لإغلاق الدائرة على خطاب الكراهية. إن التعريفات المحددة المرتبطة بخطاب الكراهية واعتباره جريمة، ووضع النصوص والمواد الدستورية وتشريع القوانين الملائمة، وتفعليها وتطبيق العقوبات على المخالفين يسهم بصورة فعالة في إيقاف هذا الانحدار الأخلاقي.
دعم وتنشيط وتفعيل منظمات المجتمع المدني والأندية والنقابات والاتحادات والمنظمات الجماهيرية الأخرى، كي تتمكن من القيام بدور توعوي وتنموي وتثقيفي مجتمعي هام، وخاصة في أوساط الشباب واستغلال طاقاتهم الخلاقة المبدعة، وتوظيفها بما يحقق التنمية والتطور والسلام، وتزويدهم بالفكر والمعرفة التي تؤمن بالتعايش والحوار، وترفض التشدد والكراهية.
من المهم تشجيع الباحثين والمؤسسات المعنية بهدف القيام بأبحاث ودراسات اجتماعية وفكرية علمية لرصد أفكار وخطاب وسلوك الكراهية، وتحليل الظاهرة ومقاربتها وإصدار توصيات محددة تتحول إلى خطط عمل، بهدف محاصرة الكراهية والحيلولة دون استفحالها.
مواجهة خطاب الكراهية لا تتوقف عند حدود نقده، بل تتطلب أيضاً صياغة خطاب بديل طافح بالمحبة والتآخي والتضامن. الخطاب الديني خاصة يحتاج إعادة صياغة. والنقد الموجه للخطاب الديني المتشدد ليس حرباً على الدين ذاته ولا على المؤسسة الدينية ورجالها، بل هو نقد للكراهية وللقيم التي يتضمنها، والتحذير من العواقب الكارثية الناتجة عنه. هو نقد للفهم الديني الخاطئ لدي العديد من الناس، ونقد للاجتهاد غير الصائب لدى بعض الأئمة، نقد للتفسير الذي يقوم به بشر قد يصيبون وقد يخطئون، وهؤلاء البشر لديهم رؤيتهم وقناعاتهم ومواقفهم ووجهات نظرهم تجاه العديد من القضايا، وحين يتم نقد خطابهم وتفسيرهم فإنما ننتقدهم وننتقد تفكيرهم ولا ننتقد الدين.

الطوفان العظيم
شحن العقول العربية المتعاقبة بثقافة الكراهية منذ عقود طويلة وبصورة متواترة، أفرز هذا الحال الكارثي في المشهد العربي، وأنجب أجيالاً تؤمن بالفكر المتشدد والسلوك المتطرف. ونشرت ثقافة الموت والتدمير بدلاً عن قيم الحياة والبناء والعطاء. وحولت المنطقة العربية إلى ما يشبه المسلخ الكبير، حيث يتناوب فيه الجزار والضحية الأدوار.

النخبة العربية مطالبة إجراء حوار وطني لهذا الانسداد الأخلاقي في الخطاب السياسي والديني الطائفي العنصري، ووضع استراتيجية شاملة لاستئصال داء الكراهية القميء. الإعلام الذي يروّج للكراهية يقوم بتغذية منابع التطرف والإرهاب، ويخلق الوحوش التي سوف تنهش كبد الأمة. نحتاج إلى ابتكار أساليب للوقاية من هذا الوباء، وترشيد الرسالة الإعلامية، ومراجعة الخطاب الديني، وإلى ملئ الفراغ للشباب، وتصحيح المفاهيم غير الصائبة، واعتماد لغة العقل لا العاطفة، وبناء جسور من الحب والإخاء. بخلاف ذلك سنكون مقبلون على موجات متواترة من الكراهية تؤدي إلى طوفان عظيم لن يسلم منه أحد.


43
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك


السطوة الأمريكية على القوة الذكية
عالم للأثرياء

نزعة السيطرة على العالم، والاعتقاد أنهم وحدهم المهيئين لقيادة العالم، كانت وما زالت في العقيدة الأمريكية منذ الاستقلال. ظهرت هذه النزعة بوضوح بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية التي خرجت منها الولايات المتحدة منتصرة، فيما بقية الأطراف إما مهزومة أو منهكة اقتصاديا وعسكرياً واجتماعيا وسياسياً.
هذا الاعتقاد تدعمه القوة، فالولايات المتحدة أول من صنع أسلحة الدمار الشامل، وأول من استخدم السلاح النووي ضد اليابان، وأكثر دولة تمتلك انتشاراً للأساطيل الحربية في البحار والمحيطات، والقواعد العسكرية الثابتة في أرجاء المعمورة. أمريكا تمكنت من إنشاء صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية. وأصبح دولارها العملة العالمية، وسيطرت أمريكا على الاقتصاد العالمي. أنشأت الأمم المتحدة مع الحلفاء، وأصبحت المنظمة أداة لتنفيذ السياسات الأمريكية بغطاء قانوني دولي. تغولت أمريكا أكثر بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وزوال القطبية الثنائية. أظهرت الولايات المتحدة أنيابها وتصرفت بغطرسة منفرة مع دول العالم. وحاولت أن تفرض على الجميع ثقافتها وأسلوبها. حيث بدأت مرحلة جديدة، انقسم العالم فيها بين رافض للنظام العالمي الجديد وبين مرحب به، ومنهم حاول الاستفادة من آليات العولمة وتقنياتها الحديثة بما تتضمنه من وسائل اتصال ومعلوماتية دون القبول بمضامين العولمة، لكنهم سقطوا في التبعية.
من رفض النظام الجديد رأوا في العولمة استغلالاً اقتصادياً من أمريكا والغرب، كما اعتبروا أنها عولمة علمانية تتنكر للأديان وتهدد الهوية الثقافية للشعوب المستضعفة، وهي أيضاً بمثابة غزو قومي ثقافي اقتصادي. ومن قبل بالعولمة كان من النخب الثقافية التي تأثرت بالأفكار الليبرالية ونمط الحياة الغربي.
لكن كيف تمكنت الولايات المتحدة من فرض رؤيتها على هذا العالم الشاسع؟ ربما علينا أن نعلم ماهي مصادر القوة التي تمتلكها هذه الإمبراطورية، وتمكنها من قيادة الدول الأخرى، والهيمنة على العالم.

قوة أمريكا الاقتصادية
سوف تظل الولايات المتحدة الأمريكية القوة الأعظم التي تقود العالم خلال الفترة المنظورة القادمة دون منازع. فقد بلغ الناتج المحلي الأمريكي وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي لعام 2018 نحو 20,4 تريليون دولار، وتجاوز حجم اقتصادها 25,1 في المئة من حجم الاقتصاد العالمي. فيما بلغ الناتج المحلي الصيني نحو 14 تريليون دولار، وبلغت مشاركتها في الاقتصاد العالمي ما نسبته 16,4 في المئة. وجاءت اليابان في المرتبة الثالثة بناتج محلي إجمالي بلغ 5,1 تريليون دولار. ألمانيا في المركز الرابع بناتج محلي بلغ 4,2 تريليون دولار. فيما احتلت بريطانيا الترتيب الخامس بناتج محلي إجمالي بلغ 2,94 تريليون دولار. سادساً حلت فرنسا بناتج بلغ 2,93 تريليون دولار. سابعاً الهند بقيمة 2,85 تريليون دولار. إيطاليا حلت ثامناً بقيمة 2,18 تريليون دولار. البرازيل تاسعاً بقيمة 2,14 تريليون دولار. وعاشراً حلت كندا بقيمة 1,8 تريليون دولار.
تبلغ قيمة إجمالي الاقتصاد العالمي حوالي 79,98 تريليون دولار. تمتلك الولايات المتحدة نحو25,1 في المئة منه، فيما تمتلك الصين نسبة 16,4 في المئة. أي أن أمريكا والصين تمتلكان حوالي 42 في المئة من الاقتصاد العالمي. ويبلغ حجم اقتصاد أكبر عشر دول 73 في المئة من الاقتصاد العالمي، أي حوالي 58,54 تريليون دولار. وأكثر من 150 دولة يبلغ حجم اقتصادها ما نسبته فقط 26,8 في المئة، أي ما قيمته 21,4 تريليون دولار.
بحسب تقارير هيئة الإحصاء الأمريكية فقد بلغ متوسط دخل الفرد في الولايات المتحدة في العام 2018 حوالي 59 ألف دولار سنوياً. بينما ذكر المكتب الوطني للإحصاء في الصين أن دخل الفرد بلغ 4033 دولار سنوياً في العام 2018. وحتى لو أجرينا تعديلاً على القوة الشرائية بين البلدين، ومراعاة التضخم الاقتصادي يظل المتوسط السنوي للأمريكي أعلى من نظيره الصيني بفارق كبير. وتتربع الولايات المتحدة على العرش العالمي بثروة مقدارها 72 تريليون دولار. بينما تمتلك الصين 22 تريليون دولار.
ثم أن الاقتصاد الأمريكي قائم على ريادة الأعمال والابتكار والخلق، وليس اقتصاداً قائماً على الاستنساخ والنقل مثل الاقتصاد الصيني، بينما نلاحظ ابتكارية أقل في الاقتصاد الياباني والأوروبي. وما زالت أمريكا تفرض هيمنتها على ست قطاعات اقتصادية مهمة وهي " الأسلحة، التكنولوجيا، الطاقة، الدواء، الغذاء، النقل". إضافة إلى امتلاكها لعدة علامات تجارية رائدة والمنتشرة حول العالم مثل "كوكاكولا، ما كدونالدز، مايكروسوفت، فيسبوك، غوغل، آبل، جنرال موتورز، شركة بوينغ" وسواها التي تدر عشرات المليارات سنوياً على الاقتصاد الأمريكي. ولا ننسى كون الدولار العملة الأساسية للتجارة العالمية، والعملة الاحتياطية لعدد كبير من الدول.

الهيمنة السياسية
تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية شبكة معقدة جداً ومتشابكة من العلاقات تجعلها ذات هيمنة ونفوذ سياسي في العديد من دول العالم، وهذا السطوة لا تعتمد فقط على القوة العسكرية للولايات المتحدة، بل على مصادر أخرى للقوة مثل وسائل الإعلام التي تمتلكها المؤسسات الأمريكية من صحف وتلفزيون وسينما وانترنت وكتب، وامتلاكها لأشهر الصحف والمجلات العالمية، وألمع الصحفيين والممثلين وأشهر البرامج التلفزيونية والتي يتابعها مئات الملايين في العالم. وتبلغ قيمة صناعة نشر الكتاب في أمريكا حوالي 31 مليار دولار سنوياً، وهي ميزانية دولة بحالها.
للولايات المتحدة نفوذاً مهماً داخل المؤسسات الاقتصادية والسياسية الدولية التي تتحكم بها، ومنها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وهما يشكلان أبرز معالم السياسة الاقتصادية العالمية. ثم أن الولايات المتحدة أحد الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، وأهم عضو في حلف الناتو. وتمتلك الأسطول الحربي الأضخم الذي يجول في المحيطات ويصول. كما أنها تمتلك مقدرة عجيبة لخلق تحالفات وتفاهمات سياسية واقتصادية بالترغيب أو الترهيب، ولديها إمكانية النفاذ إلى ميزانيات بعض الدول، من خلال المساعدات المالية، وترتبط بشبكة العديد من منظمات المجتمع المدني المنشرة في العالم. يكفي أن تدخلها في مناطق كثيرة في العالم يواجه بالصمت من قبل الكثير من الدول، واعتراض خجول من قليل الدول، وهذا بحد ذاته مؤشر بليغ على النفوذ الأمريكي.
هذا لا يعني أن الولايات المتحدة تمتلك مقدرة وقوة خرافية لا يمكن مقاومتها، ذلك أن أمريكا تواجه بعض الممانعات والتحديات من قبل الصين وروسيا وبعض الدول في أمريكا اللاتينية، لكنها إشكاليات يمكن لأمريكا السيطرة عليها بأقل قدر من الأضرار.
ثم التفوق الأمريكي الظاهر في التعليم العالي، فهي تمتلك حوالي 30 جامعة من ضمن أفضل 100 جامعة في العالم، وتمتلك 6 جامعات من بين أفضل 10 جامعات عالمية. وتتصدر القائمة في الإنفاق على الأبحاث والتطوير بالنسبة للدخل القومي حيث بلغت النسبة 2.82 في العام 2018 حسب شركة "فيسول كابيتال ليست" بملغ مقداره 563 مليار دولار سنوياً. فيما الصين بالمرتبة الثانية حيث تنفق ما مجموعه 377 مليار دولار سنوياً، وينفق الاتحاد الأوروبي 346 مليار دولار، واليابان 155 مليار دولار، ثم كوريا الجنوبية 74 مليار دولار.
ولا أظن أن على الولايات المتحدة القلق- لغاية الآن- من محاولات الصين المتواصلة الفكاك عن هذه السطوة الأمريكية، على الأقل في قارة آسيا مرحلياً، بهدف تحدي الاقتصاد الأمريكي في المستقبل. لكن من الآن ولفترة غير قصيرة من الزمن ستظل الولايات المتحدة في موقعها كأكبر قوة عسكرية واقتصادية مهيمنة على العالم، رغم صعود قوى أخرى مثل الصين والاتحاد الأوروبي، وتصاعد نفوذ إقليمي لروسيا بسبب امتلاكها موارد الطاقة.

أمركة العالم
رغم مرور أكثر من مائة عام على خطاب الرئيس الأمريكي "ودرو ويلسون" الذي ألقاه في العام 1916 بمناسبة بداية ولايته الرئاسية الثانية، حيث ينسب إليه مقولة "أن عَلَمَ أمريكا ليس علَمهَا وحدها، بل هو عَلَم الإنسانية جمعاء" إلا أن هذه النبوءة لم تتحقق، ولم يصبح علم الولايات المتحدة علماً للإنسانية، بل أصبح علماً للشر وقتل الشعوب والغطرسة ونهب خيرات الدول. صار وجهاً قبيحاً للعنصرية والتمييز لم تنجح أفلام هوليود في تجميله.
العولمة التي حاولت الولايات المتحدة من خلالها أمركة العالم، هي مشروع استعماري تحدثت أدواته مع تطور الرأسمالية وتركز رأس المال المالي، ترافق مع القفزات الهائلة التي حققها العلم في مجال التقنيات ووسائل الاتصال والتواصل التي تسببت في ثورة المعلوماتية. حاولت الولايات المتحدة نشر وتعميم نظامها وثقافتها وأسلوبها على بقية الدول. لكن هل تمتلك أمريكا حقاً نموذجاً مثالياً يقتدى به لبقية الشعوب؟ الجواب قطعاً لا، على الرغم من قوة أمريكا الاقتصادية والعسكرية. فالولايات المتحدة لم تتمكن للآن من تحقيق الوحدة والاندماج بين مكوناتها الداخلية، وتفتقد إلى جبهة داخلية متماسكة حتى لو ظهر للآخرين أن الأمر غير ذلك. فما تزال العنصرية والتمييز ضد السود والأعراق الأخرى تطل برأسها من قبة المواطن الأبيض. وغالبية المواطنين الأمريكيين يريدون انتخاب الرئيس مباشرة من الشعب بدون المجمع الانتخابي. ثم إن خروج تظاهرات تطالب باستقلال ولاية كاليفورنيا، الولاية الأغنى والأكبر في أمريكا، هو من الأمور التي تعتبر خطوة متقدمة للأطراف التي تطالب بالإصلاح الأمريكي وستنعكس حتماً على النظام السياسي في البلاد. وهناك انقسامات أيديولوجية في الخطاب السياسي الأمريكي حتى داخل الحزب الواحد.
 شكل انتخاب "ترامب" صدمة للعديدين الذين ينظرون له على أنه الرئيس الأمريكي العنصري والمعادي للأديان والأجانب والكاره للنساء، ليضاعف من الإشكاليات الأمريكية الداخلية. وتعتبر مسألة حرية امتلاك المواطنين الأسلحة واحدة من أكثر القضايا التي يختلف حولها الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة الأمريكية الجمهوريين والديمقراطيين، وتستخدم هذه القضية في المزايدات الانتخابية. وبحسب بيانات موقع هيئة الإذاعة البريطانية فقد وقعت في العام 2016 ما مجموعه 14249 جريمة قتل في الولايات المتحدة، من بينها 9675 بواسطة الأسلحة النارية. ناهيك عن مشاكل القطاع الصحي والتعليمي والضريبي.
هيمنة الولايات المتحدة على العالم ما هي إلا فورة في المسار التاريخي للبشرية، فرضتها القوة العسكرية والاقتصادية والإعلامية لأمريكا، لكن من الواضح أن التاريخ لم ينتهي كما توقع "فوكوياما" ومازال لديه ما يقوله. كما أن الرأسمالية الجديدة بمسميات العولمة وسواها لا تبدو أنها نماذج مؤهلة ليعتنقها الآخرون. إن ممانعة نظام العولمة ورفضه حدث ليس فقط من جانب دول الجنوب الفقير، بل من معظم الدول الغربية الذين أدركوا أن جوهر سياسة العولمة هو تحقيق المصالح الأمريكية، حتى لو تم ذلك على حساب مصالح وحياة مئات الملايين من الشعوب في الشرق والجنوب.

نظام عالمي للأغنياء
العولمة باعتبارها مرحلة من مراحل تطور الرأسمالية، قد ساهم فيها الألمان واليابانيون بمدخراتهم المالية الهائلة، وشاركت فيها الشركات العملاقة متعددة الجنسية، وإن بدا مركز القرار في الولايات المتحدة.
إن المجتمع الأمريكي قائم على الانتقاء والاختيار ولا يستند على تاريخ وذاكرة حضارية، فالولايات المتحدة مكونة من مهاجرين اختاروا قصدياً أن تكون أمريكا مكاناً للعيش. هذا الوضع الفريد يعبر عن خصوصية أمريكا الذي لا يشعر المواطن فيها بأي تناقض بين الوطنية والقومية ونظام العولمة. بينما العولمة شكلت صدمة حضارية للمجتمعات البشرية التي لها تاريخ وذاكرة يشكلان عناصر مهمة في تكوينها الاجتماعي وهويتها الثقافية. فيما الشعوب الأخرى تشعر أن العولمة تسلبها هويتها، يشعر الأمريكيون أن هويتهم الحضارية تكمن في العولمة وليس في الهوية القومية، باعتبارهم كيانات سياسية مجزأة.
إن مقتل العولمة يكمن تماماً في نقطة قوتها، التي ترتكز على مبدأ إلغاء الحدود وحرية التجارة، وفي سعيها إلى إلغاء الهويات الثقافية للشعوب التي تمتلك تاريخياً ثقافيا حضارياً. فلن تقبل هذه الأمم المفهوم الجديد للهوية التي تحاول العولمة فرضه وتعميمه قسراً.
هذه العولمة بدت للكثيرين كارثة لا تبقي ولا تذر، حتى بالنسبة للغرب الذي رأى فيها هيمنة من جانب واحد، تجد من يتبناها. إن المدافعون عن نظام العولمة غالباً ما يخلطون بين التطورات العلمية في مجال تقنيات الاتصال والتواصل والثورة المعلوماتية وتطور وسائل الإعلام، وبين العولمة بأبعادها وأهدافها.
عندما حاولت دول الجنوب طرح مشروع النظام الإعلامي الجديد في منظمة اليونسكو، بهدف كسر احتكار دول الشمال لوسائل الإعلام، رفض الغرب المشروع، وانسحبت أمريكا من المنظمة ورفضت دفع حصتها المالية السنوية.
فشلت العولمة في ردم الفجوة الاقتصادية والثقافية بين دول الشمال والجنوب، والنتيجة استمرار الهيمنة الغربية وتعرض الهوية القومية للشعوب الأخرى لخطر التذويب.
في الوقت الذي تمتلك فيه الدول الغربية آليات انتشار العولمة فإنها تستثمرها لتحقيق أقصى الأرباح، فيما الدول النامية التي لا تنتمي لعصر التكنولوجيا فإنها تعيش داخل قلاع من الفقر والأمية والجوع والمرض والعنف والتخلف.
هذا الواقع الراهن باعتباره امتداداً لماضي الرأسمالية البغيضة، يدلل على مقدار الشقاء الذي تعيش وسطه البشرية في ظل العولمة الدكتاتورية والهيمنة الأمريكية. عولمة تتيح للشركات العملاقة عابرة القارات وللقوى المهيمنة على هذا العالم، أن تدوس على جماجم الفقراء، وتعبرهم عبئاً سكانياً ثقيلاً. إن الخلل القائم حالياً في التوازن الاقتصادي والاجتماعي والحياتي بين دول الشمال ودول الجنوب والشرق، وبحسب التقارير السنوية الصادرة عن هيئات الأمم المتحدة، ومنظمات غير حكومية، يشير تماماً وبوضوح إلى حجم البؤس الإنساني.

ماذا عن العرب
في واقع راهن بائس، وصورة شقية عن المستقبل، وبضوء استمرار السطوة الأمريكية عبر العولمة وسواها، والتي تعني ببساطة أمركة وبسط الحلم الأمريكي على العالم، يظهر أن كافة المبررات الأخلاقية التي تسوقها أمريكا والغرب عن حقوق الإنسان والحريات العامة ومبادئ العدالة، ما هي سوى أطماع بثروات الدول الناهضة تختفي بثوب أخلاقي.
ضمن هذا المشهد ماذا بمقدور العرب أن يفعلوا؟ هل يملك العرب أن يرفضوا نظاماً جديداً للعالم يهيمن فيه قطب واحد تدور في فلكه الدول الغربية، ويحققون مصالحهم على حساب الأمم الأخرى؟ وهل تستطيع الدول العربية التملص من سطوة الشركات الضخمة متعددة الجنسيات التي تسعى نحو مراكمة أرباحها من جيوب فقراء الدول النامية؟ وماذا يفعل العرب في نظام يقبل القوي والثري ويقتل الفقير والضعيف؟ وماهي خطط العرب تجاه نظام يستخدم ببراعة فائقة وسائل الاتصال والإعلام والتقنيات الحديثة والبيانات، لشطب الهوية الثقافية والقومية للشعوب، وفرض ثقافة واحدة عليهم؟
من حق العرب الاستفادة من الإنتاج العلمي والحضاري لبقية الأمم والشعوب، كما سبق وأن استفادت أمم أخرى من إنجاز الحضارة العربية سابقاً، وهذا أمر لا جدال فيه. فجميع التقنيات الحديثة هي إنتاج الجهد الإنساني ومن حق البشرية أن تنتفع بها، بما يضمن رفاه واستقرار وأمن المجتمعات.
أن ترتبط بعلاقة مع آليات وأدوات نظام العولمة وتتعامل معها شيء، وأن تقبل مضامين العولمة كأنها قدراً عليك التسليم به شيء آخر تماماً -بظني-. لأن الأول إنتاج فكري وعلمي يسهم في تطور البشرية. أما الثاني هو يقوم على الإلغاء والإقصاء والهيمنة. إنه بمثابة غزو واعتداء امبريالي بوجه معاصر.
ومما لا شك فيه أن الأمة العربية مستهدفة في هويتها واقتصادها وأمنها وتاريخها من قبل النظام الحديث، شأنها في ذلك بقية الأمم النامية. حيث تشير التجربة الاستعمارية التاريخية إلى النتائج الكارثية التي يخلفها إخضاع دول فقيرة من قبل دول عظمى.
هذا النموذج البائس الذي يحاول الغرب فرضه علينا فشل في معالجة مشكلة البطالة وانتشار المخدرات والتلوث البيئي وغيرها في معقل العولمة. نموذج يفرض شمولية كونية وقبعة موحدة، ويحاول توحيد المظهر العالمي، إلا أنه نموذج بائس حضارياً لأنه يعتمد هيمنة القوي على الضعيف، ويلغي الحوار والتواصل الإنساني. ويقدم عالماً ينقسم إلى قسمين، ثري جداً وفقير جداً. يلغي خصوصية الدول والأمم الوطنية والقومية، وتعطيل هوياتها الثقافية، ويحاول أن تسود اللغة الإنجليزية وتتهمش اللغات القومية.

القومية والإنسانية
المفكر البريطاني الأمريكي الذي توفي في العام 2018 عن 102 عاماً "برنارد لويس" وارتبط اسمه بالمصائب التي حلت بعالمنا العربي من الاحتلال الأمريكي للعراق مروراً بالحراك الشعبي العربي الذي ابتدأ ياسميناً وجنح حنظلاً، قال عن الشعوب العربية في كتابه "الإيمان والسلطة" الذي صدر في العام 2012 "إما أن نأتي لهم بالحرية، أو نتركهم يدمروننا" وإليه نسبت الخرائط التي كشفت عنها قبل بضعة أعوام وسائل إعلام غربية تظهر فيها دول كبرى في الشرق الأوسط بما في ذلك دولاً عربية، وقد أصبحت ثلاثين جزءًا.
انحاز لويس لإسرائيل والغرب بحكم تنشئته اليهودية، ودعا دوماً للتدخل الغربي لفرض الحرية والديمقراطية على الشعوب العربية والإسلامية. وكانت أفكاره سنداً نظرياً لتيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة. وتعتبر نظرية الفوضى الخلاقة لكوندوليزا رايس وزيرة الخارجية السابقة أحد تجليات هذا الفكر.
 لويس هذا أول من اشتق مصطلح "الأصولية الإسلامية" وأول من ذكر فكرة "صراع الحضارات" عام 1957 قبل "صامويل هنتنغتون". كما روّج هذا المفكر لانتهاء عصر القوميات، فوضع اللبنة الأساسية في المخطط الغربي لغزو المنطقة العربية وسرقة خيراتها ونهب ثرواتها، ثم تقسيمها إلى دويلات طائفية، باسم الديمقراطية تارة، ومحاربة الإرهاب تارة أخرى.
لكنني أعتقد أن القوميات باقية، وسوف تظل ذات شخصية حية ومكونات واضحة لا تزول. إن الافراد ينتمون لقومياتهم طواعية ومستعدون للتضحية من أجلها. ولا يصح وضع القومية في مواجهة الإنسانية التي وجدت قبل وجود القومية، فالإنسانية تخلص القومية من تعصبها وانعزالها. من المهم لأنصار القومية عدم رفض النظام الجديد بالمطلق، وأظن أن على عاتقهم تهيئة المناخات الفكرية لإطلاق حوارات نظرية وإجراء مقاربات فكرية مع دعاة العولمة في الغرب. إن رفض بعض التيارات السياسية والفكرية للتعامل مع آليات وأدوات النظام الجديد بشكل تام، خاصة من قبل القوى الدينية المتشددة التي تدعي دفاعها عن الخصوصية العربية، لا يمكن إلا أن يؤدي إلى مزيد من تدهور الوضع العربي، بينما خصوصية الثقافة العربية تعتمد التراث والحداثة، وترفض الانكفاء والتقوقع، كما ترفض الانصهار في بوتقة الحداثة والعولمة.
نحتاج عربياً إلى ثقافة متنورة لا ترفض الحوار والتواصل مع الآخر، ولا تنعزل عن المشهد الفكري ومواجهة الآراء والمواقف المختلفة بحجة التمسك بالهوية. لا يجب نكران أهمية التواصل الحضاري والتفاعل الثقافي مع الغرب. والخشية من استلاب هويتنا لضعف شخصيتنا القومية، لا ينبغي أن يقودنا إلى رفض وإنكار الآخر، بل على العكس يجب أن يحرض مقدراتنا ويجعلنا ندفع لتشكيل تيار يسعى لإعادة رسم استراتيجيات عربية وفق معايير العصر الحديث، لتكون قادرة على مواجهة تغول رأس المال المالي الغربي، وحتى نتمكن من توظيف التقنيات الحديثة في خدمة الإنسان العربي وتطور مجتمعه، وليس العكس.

تقتات بضعف الآخر
الإمبراطورية العظيمة في العصر الحديث، كيف امتلكت كل هذه القوة؟ بالطبع على حساب قوت الشعوب النامية وسرقة ثروتها. تتمحور العقيدة الأمريكية في أحد جوانبها حول أن تكون أمريكا مملكة كونية، مثل كائن حي ينمو باستمرار ولا يموت. يتغذى اقتصادها على اقتصاديات دول العالم النامي وثرواته، ويقوم بالقضاء على أي اقتصاد يعرض المصالح الأمريكية للخطر. مملكة تعتمد الأساليب المخابراتية الأمنية لإرغام الآخرين على فعل ما تريد، تؤمن بالعنف وتغتال الديمقراطية وإرادة الشعوب، تغتال رموز النهضة والتنمية في أي بلد ناهض. تثير النزعات العرقية والدينية والمذهبية والطائفية، تقوم بتدمير الدول التي تحاول بناء اقتصاد قوي بعيد عنها، وتجند وسائل الإعلام لتجميل افعالها الشنيعة وتبريرها. ترعى الانقلابات العسكرية وتؤسس جيوش المرتزقة لإسقاط حكومات.
لعل نظرة سريعة على الدراسات العديدة التي تجريها دورياً مراكز أبحاث غربية حول الحريات وحقوق الإنسان والاستبداد، تؤكد دون أي ريب أننا نعيش في عالم قميء ومرعب، لم تستطيع كافة القفزات العلمية والاكتشافات المهمة والتكنولوجيا الحديثة أن تجمل وجهه الدميم. بل يبدو أن العالم متجه نحو الانقسام إلى طرفين، أحدهما ثري، قوي، معافى، ديمقراطي، ينعم بالعلم والمعرفة. والآخر فقير، معدوم، ضعيف، مريض، مستبد، يغرق بالجهل.
لقد أجرت مؤسسة "بيرتيلسمان" الألمانية دراسة شارك إعدادها 250 خبيراً من جامعات ومراكز بحثية في جميع أنحا العالم. تمت دراسة حالة الديمقراطية والوضع الاقتصادي وأداء مؤسسات الدولة وأجهزتها في 129 دولة نامية في العالم بين الفترة الممتدة من بداية العام 2015 لغاية نهاية العام 2017. أهم ما فيها أن هناك 69 دولة غير ديمقراطية في العالم، ووجود 50 دولة تقيد الحريات السياسية، منهم 49 دولة استبدادية. وكشفت تقرير مجلة "الإيكونوميست" عن مؤشرها السنوي للديمقراطية والاستبداد لعام 2018، ويأتي ترتيب الدول العربية في تصنيف الدول أكثر استبداد رغم ما تردده الأنظمة بأنها تطبق الديمقراطية وأنها دول ترعي حقوق الإنسان وتتبع النظام المؤسسي حيث جاء ترتيب الدول العربية متذيل القائمة العالمية.
وفيما يتعلق بمؤشرات الاستعباد العالمي فإن التقرير المنشور في موقعهم على الانترنت لعام 2017 فإن من بين أكثر 10 دول استعباداً للبشر، توجد 4 دول عربية. وفي تقرير عن مؤشر الديمقراطية في العالم أنجزته مؤسسة "فريدوم هاوس" الأمريكية، فإن من بين أكثر 10 دول قمعاً للحريات في العالم يوجد 5 دول عربية.
خلال الثلاثين عاماً الأخيرة، تغير وجه العالم كما لم يتغير في ثلاثة قرون. في هذا العالم المتغير المتحول المتغول، متى تفهم رؤوس الأنظمة العربية القائمة أن عليها أن تبدل من أدواتها قبل أن تبتلعهم الموجة الرابعة من الرأسمالية.


44
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك


تراجيديا الثقافة العربية ولغز المثقف المزيف

منذ الخليقة برزت متطلبات الفرد واحتياجاته، وتبلورت تدريجياً بتعاقب الحضارات، ثم تعددت واتسعت وتزايدت باضطراد مع نشوء الحياة المدنية، ثم تفرعت هذه الاحتياجات وتشابكت وامتدت إلى كافة القطاعات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والأخلاقية، فظهرت المنفعة الشخصية وارتباطها بمصالح العائلة والقبيلة والطائفة والدولة، وأصبحت المصلحة عاملاً جوهرياً في حركة البشر وعلاقاتهم فيما بينهم من جهة، وفيما بينهم والمؤسسة والسلطة من جهة أخرى.
تطورت هذه البنية تاريخياً واتخذت أبعاداً شاملة، بحيث أصبح الأفراد والجماعات في صراع لتحقيق المكاسب والحفاظ على المصالح، ثم دخلت الدولة كمؤسسة طرفاً في الصراع مع الدول الأخرى لصيانة حقوق أفراد المجتمع. وظهر داخل هذه المؤسسة الجمعية صراعاً خفياً بداية يهدف إلى تحقيق مصالح خاصة وليست عامة، ما لبثت أن برزت هذه الصراعات للعلن حين تطور المجتمع وبدأ بعملية الإنتاج التي أوجدت ثروات مالية في المجتمع، مما أثار لعاب مجموعة من الأفراد الذين تتفوق لديهم مصالحهم الشخصية والأنانية وحب الذات على القيم الأخلاقية، وبات هؤلاء الناس يشكلون مرضاً اجتماعياً وسياسياً خطيراً على المجتمع والدولة.
إنهم الانتهازيون الوصوليون الكسبة الذين حولوا بمكرهم وجشعهم الذي لا يتوقف، المجتمع وهيئاته إلى مصدر نفعي مصلحي، يتغولون إن لم تردعهم الضوابط الأخلاقية والدينية والقانونية. الانتهازية ظاهرة خطيرة في المجتمعات، تقوض تماسك الناس، وتجعلهم يفقدون القدرة على التمييز بين الحقيقة والأصيل، والزيف والخداع والادعاء، وتؤدي الانتهازية إلى تمييع المعايير وتغييب الضوابط وتسطيح المعايير، مما يجعل المجتمعات تنزلق إلى قاع لا أخلاقي.

الانتهازية مصطلح ومعنى
في قواميس اللغة فإن الشخص الانتهازي هو من يقوم باقتناص الفرص، ويستغل أي وسيلة لتحقيق المنفعة الشخصية، ويقوم باستغلال كل ظروف ممكن بطريقة غير أخلاقية لجلب المصلحة الخاصة. الانتهاز هو الاغتنام والمبادرة إلى اقتناص الفرص لجني العوائد الشخصية.
في المصطلح السياسي، الانتهازية هي السلوك الواعي الأناني الذي يهدف تحقيق المصالح، وعدم الالتفات إلى المبادئ والعواقب التي ستعود على الآخرين. إن الأفعال الانتهازية هي تصرفات نفعية بدوافع المصلحة الذاتية.
في البعد الاجتماعي فالانتهازية كظاهرة تعني أن يقدم الفرد على مواقف وتصرفات اجتماعية أو فكرية أو سياسية غير مقتنع بها، بهدف الحصول على المكاسب أو الحفاظ على مصالح محددة ذات طبيعة شخصية أو عائلية.
الانتهازيون أولئك الأفراد الذين يكونون عادة قرب أصحاب النفوذ والشهرة والسلطة والمال، يتسلقون رقاب العباد كي ينالوا ما يصبون له. عادة هم خبراء في فنون الرياء والمداهنة والتملق، لا مبدأ لهم ولا عقيدة ولا أفكار ينحازون لها، كل ما يسعون إليه هو توظيف كل ما يمكنهم لتحقيق المكاسب الشخصية بأقل الجهود والتكاليف، وما إن تتحقق مصالحهم حتى يختفون وسط الازدحام، ويبحثون عن منافع أخرى في أماكن أخرى.
تجد الانتهازيون في كل مكان، ينتشرون ويتكاثرون كالفطر السام ينتهكون القيم الاجتماعية والأخلاق الإنسانية. إنهم وباء معدي قد ينتقل للآخرين بالمخالطة، حيث إن الانتهازية تفتك بالثقة الفطرية بين أفراد المجتمع، وتجعل الناس في حالة من الحذر والتشكيك الدائمين في نية الآخرين. في القديم كانت العلاقات الإنسانية بين البشر تدوم حتى يواري الصديق صديقه التراب ويبكيه، فيما أضحينا أشباه بشر تزدحم فينا العربة، ويبدأ سفرنا بإلقاء التحية والسلام ثم التملق فالرياء ثم المغادرة بلا وداع.
الإنسان الانتهازي ذكي وحاذق يتقن التلون والخداع، يتخلى عن مواقفه بسرعة في سبيل المصلحة، فهو إنسان متعدد المواقف والأفكار، يتنكر لماضيه ولحاضره، وان اضطر حتى ينكر نفسه ليتمكن من الوصول لمبتغاه، بالرغم من ذلك هو إنسان شقي وتائه ويؤمن بالميكافيلية التي تبرر الوسائل للوصول إلى الغايات.
الفرد الانتهازي هو من يسقط في قاع الأنانية حتى ينسى أخلاقه وإنسانيته، فلا يدع فرصة إلا والتقطها بحذق واستخدمها ووظفها بمكر مستعملاً كافة مهاراته الدنيئة، لإشباع غروره ونزواته وأطماعه. الانتهازي شخص يتميز بالغدر والخيانة والتقلب وعدم الثبات، منافق كاذب أفّاك دجّال.

انتهاز الفرص والانتهازية
إقدام الإنسان على انتهاز الفرص ليس رذيلة بحد ذاته، إن كانت الغاية الوصول إلى منفعة شخصية أو عامة، بشرط ألا تكون على حساب استغلال الآخرين أو استغفالهم، ودون أن تتسبب بأية مضرة لهم، والأهم أن تتحقق المصلحة دون تنازل عن القيم والأخلاق، ودون الإساءة للمجتمع، وبدون خرق القانون العام. إن اصطياد الفرص حق لجميع الأفراد، على أن يراعي التنافس الشريف بين البشر، من غير اللجوء إلى الاحتيال والخداع، وكافة أشكال المكر والإضرار بالآخرين.
لكن الانتهازية هي صفة مذمومة ونقيصة أخلاقية ومفسدة اجتماعية. إن الإنسان الانتهازي هو ذاك الشخص الذي يتحرك ويضع الخطط في العتمة، خشية أن يلاحظه الآخرون ويكتشفون تصرفاته الدنيئة وعيوبه وغاياته القبيحة، فهو يرمي رماحه من خلف السور ويختفي بسبب طبعه الجبان، لتصيب رماح غدره الأبرياء. الانتهازي فرد لديه شعور بالنقص والدونية، فاشل لم يعرف النجاح يوماً، محبط لا يمتلك مقدرة المضي، ليس لديه كفاءة تمكنه من تحقيق غاياته بطرق اعتيادية شريفة، لذلك هو يتبع أساليب الطعن والحقد والذم والتعريض، يسلك درب النقاصة لإشباع طمعه ورغباته وجشعه، يستخدم المكر والخداع والدهاء وسيلة كي يصل إلى أهدافه، يرتدي ثوب الطيبة والعفة، ويُظهر الترفع والنزاهة، ويلجأ إلى التملق والتزلف والرياء كي يحصل على مراده، يحيك الدسائس بدهاء للانقضاض، وبمجرد تمكنه من تحقيق مصالحه، يرمي ثوب الشرف ويتحول إلى وحشٍ وغد يطعن وينهش دون رأفة.
الانتهازية آفة اجتماعية ووباء إنساني وداء عضال ينتشر مثل بقعة الزيت، ينمو ويتسع ويتعذر اجتثاثه إن وجد بيئة تحتضنه وتبرره، ثم يتضخم هذا الداء ليبدأ النهش والنخر في مفاصل المجتمع، ولا يتوقف حتى يحطم وثاق القيم والأخلاق للأفراد، ويهتك بنية وتماسك المجتمع، مما يسهل خرابه ودماره.

الانتهازية السياسية
على الدوام شكلت العلاقة مع السلطة السياسية إبحار في ثقافة جلب المنفعة لأصحابها، من نفوذ أو جاه أو مال أو منصب أو رفاهية، مما يحدث مناخاً لنمو الانتهازية التي تفتك بالمجتمعات. وإذ كان النفوذ في معظم البلاد العربية هو نفوذ الأجهزة الأمنية وأدواتها، فإن أي ارتباط بها من أي نوع ما هو إلا عمالة مدفوعة الأجر، غايتها ترميم وتجميل وجه السلطة القبيح.
المثقفين يستمدون سطوتهم من الفكر والأيديولوجيا والثقافة، والمثقفين اليساريين تحديداً، لم يعرف عنهم يوماً سعيهم خلف إغراء المال، فهم أصحاب مبادئ سامية وأهداف كبرى وقيم إنسانية، فهذه كانت ضريبة الثقافة الملتزمة بقضايا الإنسان والعدالة الاجتماعية والحريات، وابتعد هؤلاء اليساريون المثقفون فيما مضى عن كل رفاهية قد تفسد انتمائهم، لكن القيم والمبادئ لا تطعم خبزاً ولا تكسي ثوباً.
فكيف تقاطعت مواقف المثقفين اليساريين الليبراليين مع أشباه المثقفين والمشتغلين بالحقل الثقافي في الكثير من الأحداث التي شهدتها المنطقة العربية خلال العقدين الأخيرين؟ كيف تحالف المثقف الحداثي مع المثقف الرجعي؟ وتحالف المبدئي مع الوصولي؟
إذا كان أشباه المثقفين الانتهازيين يسعون خلف المكاسب والمنافع، فما هي الأسباب التي تدفع المثقفين الذين ادعوا انحيازهم للحق وللجماهير طوال العقود المنصرمة، لكي تلتقي مواقفهم مع أجراء الثقافة الذي يشكلون بطانة السلطة العربية؟
هل هو صراع الأيديولوجيات الذي تسبب في تحالف المثقفين الثوريين العلمانيين، مع المثقفين الانتهازيين المتلونين، وبالتالي توحّد الطرفين في جبهة واحدة لمحاربة الفكر الديني، ودعم الأنظمة التي تواجه هذا الفكر بأساليب أكثر وحشية، من تلك التي يقدم عليها من يدعي أنه يخوض معركته ضدهم وضد أفكارهم الظلامية، لكن هذه الأنظمة وفي سياق هذه "الحرب" استقطبت معظم المثقفين اليساريين والليبراليين والقوميين الفاشلين الانتهازيين، الذين تنكروا لماضيهم ولمصالح الجماهير، وأنكروا الشعارات التي رفعوها والأهداف التي كانوا يناضلون لتحقيقها.

 لغز المثقف العربي
أظهرت الألفية الثالثة أن معظم المثقفين المناضلين العرب الذين غصت بهم شوارع المدن العربية في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، وهم يهتفون بشعارات العدل والحرية والمساواة، وضد الرجعيات والديكتاتوريات العربية، ليسوا أفضل حالاً من أولئك الذين يمتهنون الأديان ويتاجرون بعذابات الناس، فالثقافة عند بعض اليساريين والقوميين والليبراليين مهنة للترزق وكسب العيش، فهم لا يتورعون عن عرض مواقفهم وأفكارهم سلعاً في الأسواق الإعلامية، ولا يترددون في انخراطهم بالتجاذبات السياسية والطائفية والمذهبية والإقليمية، لمصلحة من يملأ جيوبهم بالمال ويضاعف رصيدهم في البنوك، وهم يعلمون علم اليقين أنهم بفعلهم هذا يساندون القوى التي خرجت من التاريخ، ويقفون في وجه المظلوم والمعتدى عليه والمقهور، إلى جانب الأنظمة الفاسدة والمستبدة.
أثبتت المتغيرات الدولية والإقليمية أن غالبية المثقفين العرب لا يمتلكون وعياً تاريخياً، يمكنهم من قراءة الراهن العربي، وإجراء مقاربات علمية تحليلية تستنهض المقدرات الكامنة التي من شأنها أن تكون مبشرة، في حال توظيفها لترميم الخراب وإعادة الانخراط بالإصلاح البنيوي العربي.
 في هذا الشقاء انقسم المثقفين بين من انتقل من جادة اليسار الثوري إلى اليمين الرجعي، فهو الانتهازي الوصولي الذي وضع مصالحه الذاتية فوق مصالح الجماهير. ومن آثر الصمت والانكفاء نتيجة الشعور بالعجز والاغتراب، وهو فعل مدان في التحولات الكبرى وجريرة لن يغفرها التاريخ. والقلة اليسيرة من المثقفين اختارت مقاومة الشقاء والتخلف، ومواجهة بعض الأنظمة التي تسببت بفعل سياساتها، في كل هذه الانهيارات التي يلاحظها المراقب في كل مفصل من جسد العالم العربي.
لم يعد من مهام المثقفين العرب خض جذع المجتمعات، وتحريك المفاصل المتكلسة، عبر أفكارهم التنويرية، ولا من مهامهم الآن الالتحام مع القضايا المطلبية للفقراء، والأهداف المصيرية للناس، ولا الدفاع عن المضطهدين والمظلومين، عبر إعلان المواقف والنضال لتحقيقها، ولم تعد تعني كثيراً المثقفين اليساريين قضية مواجهة الرجعيات والديكتاتوريات في العالم العربي، ولا التصدي للاستبداد الذي تتخذه معظم الأنظمة العربية سياسية معتمدة في علاقتها مع المواطنين.
لقد ولّى الزمن الذي كان فيه المثقفين المناضلين العرب يشكلون الضمير الحي اليقظ، الذي يعكس واقع وهوية المجتمعات، حين لم يكن المثقفين فيه يخشون من الاصطدام بالسلطتين السياسية والدينية، وبكل من يكرس ثقافة التجهيل. عصر مضى كان فيه المثقفين ينحتون الحجر بهدف تطوير المجتمعات العربية وترسيخ مفاهيم تدعو لاستخدام العقل لا إغفاله، والقضاء على النظام الأبوي ومجتمع القبيلة والطائفة، وترسيخ قيم ومفاهيم الحداثة، وبناء دولة المؤسسات والمواطنة.
أضحى الكثير من المثقفين العرب اليساريين شركاء لبعض الأنظمة العربية في محاربة الأفكار التنويرية الليبرالية، وشركاء في فرض سيطرة السلطات السياسية على الناس، وشركاء في تطويع وتليين الأفراد وقيادتهم وتوجيههم مثل القطعان الأنيسة، وهو ما يعزز الاستبداد الذي تشهره تلك الأنظمة، مما يطيل عمرها وعمره.

الانتهازي المثقف
عادة ما يكون المثقفين الانتهازيين أناساً على قدر من الذكاء، يتميزون بمرونة مطواعة فريدة. براغماتيين لا وجود للمبادئ في حساباتهم. يلعبون في الساحة الثقافية والسياسية بمهارة وحرفة. لا يصعب عليهم تقمص أي دور. يتلونون ويتقلبون في المواقف والرؤى والاصطفافات والمذاهب والأيديولوجيات. يمتطون أقلامهم للوصول إلى المكاسب الشخصية. يوظفون أفكارهم وثقافتهم ومهاراتهم اللغوية في مخاطبة الجماهير، وإثارة مشاعرهم وحماسهم وتوجيههم لغايات محددة.
المثقفون الانتهازيون يخططون ويتحركون وفق رؤية واضحة الملامح، استناداً إلى أيديولوجية محددة، وبالطبع هم أكثر فئة لديها إمكانية تزييف الوقائع وتزوير الحقائق، ودورهم جداً خطير من خلال خداع الناس وتضليل المؤسسة السياسية، لأنهم يفترون على الحقيقة ويشوشون الواقع، ويخلطون الحقيقة مع الوهم لأجل المصالح الشخصية.
يعبثون بمصالح المجتمع والوطن في سبيل المنفعة الذاتية. لأجل ذلك لا يتورعون عن التقلب، فمرة نراهم يساريين ومرة يمينيين، مرة ليبراليين ومرة سلفيين، مرة واقعيين وأخرى مثاليين، المهم هو تحقيق الفائدة. هم مجردون من أية مبادئ أو عقائد أو أفكار أو مذاهب أو أخلاق، يتصفون بالغدر والخيانة، وسرعان ما ينقلبون على فريقهم إن انتهت مصلحتهم. ولا تتفاجأ إن أخبرتك أن الانتهازيون -خاصة المثقفون منهم- غالباُ ما يكونون شخصيات مرموقة ذائعة الصيت، بعضهم يمتلك سلطة ونفوذاً تجعل الآخرين يتقربون منهم ويتملقون، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج الانتهازية مرة أخرى.

المثقف الجوكر
إن مواقف معظم المثقفين العرب صعدت وهبطت وتبدلت يميناً ويساراً عبر العقود الماضية، فنجد بعض المثقفين من دعموا هذا الزعيم أو ذاك وساندوه ومدحوه، ثم قاموا بالهجوم عليه في فترة مختلفة، ومنهم من تبنى الأيديولوجية الدينية أو اليسارية ثم انقلب عليها، وآخرون كانوا من أشد دعاة التنوير والديمقراطية والدفاع عن حقوق البشر، فأصبحوا يدافعون عن الديكتاتوريات العربية ويبررون استبدادها.
إنهم المثقفون الذين يؤدون دور "الجوكر" المشهور في لعبة الورق، فهو يصلح لكل الأوضاع ويتكيف مع الظروف، وهذا حال بعض المثقفين العرب الزئبقيين الحربائيين، الذين يمتلكون المقدرة على لعب دور الجوكر في الحياة السياسية والثقافية، وينتقلون بين مذهب وآخر، بين أيديولوجيا وأخرى، بين فلسفة وفلسفة، بين موقف ونقيضه. تراه مرة تقدمياً ومرة أخرى رجعياً. يدافع مرة عن مصالح الناس، ومرة يجّمل وجه الأنظمة. اللافت أن تحول المثقفين غالباً يحصل من أصحاب الأفكار اليسارية الليبرالية نحو الأفكار اليمينية المحافظة، ولم نشهد إلا نادراً تحول مثقف يميني نحو اليسار. هم هكذا لا أصالة لهم ولا يقفون على أرض صلبة، يتحولون ويدورون كيفما دارت الريح.
غالباً يكون المثقف الجوكر يعاني من عقد متعددة مركبة، يعمل على اصطناع الرصانة والشرف، وحين يشعر بالعجز الذاتي وفقدان الحيلة والمبرر، أو إن فقد جدوى الأسلوب، تراه يستخرج كل عقده وينقلب على الآخرين، يرميهم بالشتائم بصورة هستيرية، تصل نوبة الغضب لديه إلى ذروتها فيكيل السباب للأشخاص والمجتمع ويتوعدهم بالويل.
ولأن المثقف الانتهازي لا مبدأ له ولا معيار، لذلك يلجأ دوماً إلى نشر الثقافة التبريرية في الوسط الذي يعمل ويتحرك فيه، حتى يتاح له تبرير وتفسير سلوكه الوصولي.
إن كان الفرد الانتهازي عبارة عن إمّعة خاوية بعقل فارغ، همه إشباع غرائزه على حساب الرأي والفكر والموقف، لا يرى في أي مشهد سوى مصالحه، ولا يرضى عن تحقيقها بديلاً. إلا أن الأمر يصبح خطراً إن كان الانتهازي سياسياً، ومأساوياً إن كان مثقفاً، وكارثة إن كان رجل دين، حيث تصبح الانتهازية تدريجياً مكوناً ليس غريباً عن ثقافة المجتمع.
المثقفون الانتهازيون كانوا دوماً السبب خلف الانتكاسات التي أصابت الثقافة والمشهد الثقافي العربي، وهم أبطال الخراب الذي طال المجتمعات العربية، وشركاء في الهزائم التي منيت بها الأمة العربية، لأنهم لم يكونوا يوماً ينتمون للشعب، بل عملوا على تفتيت مواقف الناس وتمييعها ونشر البلبلة والتبرير، وخداع الجماهير وخيانة مصالحهم وحقوقهم، وتضييع الأهداف وخلط الأصلي بالمزيف، وتزوير الواقع وممارسة الكذب والنفاق، في مجتمعات عربية ما زالت تتفشى فيها الأمية والجهل، ويختلط على عامة الناس المقياس والمعيار.
الفاجعة حين ترى الكثير من المثقفين الانتهازيين وهم يدعون الوطنية والانتماء، ويتبجحون بالشعارات القومية ومصالح الأمة، ويتظاهرون بالوقار والحصافة والرأي السديد، ويبدون الحرص على مصالح الوطن والدولة والشعب، فيما هم أصحاب قلوب خاوية وعقول بائرة، منحرفين سريعي الانزلاق، يرمون بكل شيء في مقابل تحقيق مصالحهم. والأمر المثير أن يصل العبث درجة تدفع ببعض هؤلاء المرضى إلى كيل الاتهامات للمثقف النزيه الشريف صاحب المبادئ، وذلك بغية إحداث أجواء مائعة غائمة، وتعكير نقاء الماء ليتمكنوا من التمويه والتخفي في وسط غير واضح، ومن ثم التصيد لاقتناص المنفعة.
من سمات المثقف الجوكر الكذب ثم الكذب، على نفسه وعلى المجتمع، بحيث لم يعد يعرف سواه. وكلكم تعلمون أن الكذب رأس الخطايا وبدايتها، لذلك فإن جميع المظاهر المقيتة التي يُظهرها المثقف الانتهازي بصفة عامة إنما هي بسبب كذبه ونفاقه وغدره الذي يعتبره ذكاء وفطنة ونباهة منه، فيما هو إنسان يقوم بوضع المفاهيم الأخلاقية والقيم الإنسانية رأساً على عقب، حيث يصبح الحق باطلاً والزيف فخراً، وهنا يكمن جوهر الخطر الحقيقي لهؤلاء.

الشرق المفجوع
هناك مثل غربي يقول "من لا يكون ليبرالياً في العشرينيات من عمره يكون بلا قلب، والذي لا يصبح محافظاً في الأربعينيات يكون بلا عقل". إن الاستنتاج المصلحي من فحوى هذا المثال لا يحتاج إلى كثير من التفسير، فهو يشير إلى أن الإنسان يكون مقداماً مندفعاً صاحب مبادئ ومواقف كبرى وأحلام شاسعة، لكن إن ظل يتمسك بالأفكار الكبرى واندفاع الشباب، يكون عديم الحكمة.
هذا في الغرب حيث المجتمعات حققت الكثير في طريق الديمقراطية، ماذا عن الشرق المفجوع بالقهر والاستبداد، حين يتعمد بعض المثقفين أن يلجأ لصياغة مواقفه بلغة مواربة تحتمل التأويل والتفسير على أكثر من معنى، وبذلك يتمكنون من التملص إن تم إخضاعهم لمحاسبة أو مسائلة، أو توظيف المعنى لمصلحة تحقيق مآرب محددة، ذلك لأنهم لا يستطيعون التصريح تماماُ بأفكارهم كما هي، لأن الضوابط التي حددتها السلطة السياسية أو الدينية أو المجتمعية لا تتيح للمثقفين حرية أن يقولوا ما يؤمنون به ويكتبون ما يعتقدون. الأمر السيء هنا أنه قد تنشأ نتيجة هذه الأوضاع، شريحة من الانتهازيين تقدم على هذا الخطاب غير الواضح، وبالتالي تسهم في خلق حالة من عدم احترام الفكر لذاته، وأجواء ثقافية غير صحية تعزز الرأي الواحد وتقمع الموقف المستقل.
لقد شهدت تسعينيات القرن العشرين مراجعات فكرية هامة لعدد من المفكرين العرب، الذين أجروا مقاربات ومراجعات تناولت مفهوم المثقف ونقده وأصالة دوره، وأهم هؤلاء المفكرين "إدوارد سعيد، عبد الرحمن منيف، محمد عابد الجابري، عبد الإله بلقزيز، علي أومليل". وبالرغم من إيماني بأن عصر المثقف الأسطورة، المثقف الخارق القائد قد ولى بغير عودة، إلا أن الموضوعية في مقاربة الانتهازية الثقافية والأمانة المهنية، تفرض الذكر أن هناك القلة القليلة من المثقفين والمفكرين والنقّاد، الصابرين الأوفياء لأنفسهم وأوطانهم، المثقفين الملتصقين بالجماهير والمدافعين عن مصالحهم وحقوقهم، وما زالوا ملتزمين بقضايا الأمة وأهمها القضية الفلسطينية، وهم يستحقون منا كل احترام وتقدير.
ومن أبرز مهام هؤلاء المثقفين الملتزمين التصدي للمثقفين المزيفين، والتنبيه للمخاطر المترتبة عن أفعالهم التي تهدد بتفكيك البنية الثقافية والاجتماعية للأمة العربية. وبظني أن المثقف الحقيقي مطالب بالوضوح والشفافية في أفكاره ومواقفه وانحيازه، ورفض المواقف الملتبسة والتعابير الملتوية.

ماذا نحتاج
منذ القدم كان المثقف صوت المجتمع الصادق وضميره اليقظ، والكثيرون منهم سددوا أثماناً فادحة لمواقفهم بدءاً من سقراط الذي أعدم بسبب أفكاره، عبوراً بقتل الشاعر الشهير الضرير "بشار بن برد العقيلي" بيتين من الشعر، وسواهم المئات من المثقفين عبر العصور بسبب انشغالهم في قضايا واقعهم.
مثلما أسهم المثقفين التنويريين الغربيين في نهضة أوروبا، وكما فعل روّاد عصر النهضة العربية في القرن التاسع عشر بمقاربات التجديد الديني، فإن الراهن العربي بكافة أبعاده السياسية والاقتصادية والثقافية، يفرض تحديات جسيمة، وأسئلة مركبة كبيرة ومعقدة، تتطلب مقاربات وإجابات علمية من عقول متخصصة ومتسلحة بالمعرفة والوعي والبحث العلمي، وهذا دور ومهمة المفكرين والمثقفين العرب الأصليين.


















45
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

الإمبريالية الجديدة.. ما بعد العولمة ما بعد الحداثة


تتردد كثيراً في السنوات الأخيرة على لسان بعض المفكرين الغربيين، مصطلحات "ما بعد" ما بعد الرأسمالية، ما بعد الاستعمار، ما بعد الامبريالية، ما بعد العولمة، ما بعد الحداثة، ما بعد التاريخ. إن العولمة التي سعت من خلالها مراكز رؤوس الأموال الضخمة والشركات العملاقة، أن تجعل العالم أمريكياً، بحسب ما قال مرة الرئيس الأمريكي الشهير "فرانكلين روزفلت" الذي وصل إلى البيت الأبيض العام 1933 ومكث فيه 12 عاماً، في أصعب مرحلة واجهتها الولايات المتحدة، حيث شهدت الكساد الاقتصادي العظيم حينها، قبل أن يتمكن روزفلت من إحداث الإصلاحات الاقتصادية الكبيرة، هذا الرجل قال ذات مرة إن قدر العالم في النهاية هو أن يتأمرك.
السؤال الكبير: هل تمكنت العولمة من حذف الحدود والهويات وبناء عالم بلا جدران؟ الإجابة بظني نجدها في الارتدادات على ثقافة العولمة، من خلال عودة الشعوب في كثير من الأماكن، إلى جذورها القومية للدفاع عن مصالحها، فانفجرت الصراعات الإثنية والقومية والمذهبية والطائفية، التي أصبحت سمة العصر.
إذن حين يتحدثون عن مرحلة ما بعد العولمة، فهذا لا يعني أن العولمة كنظام عالمي قد أكملت وظيفتها وتطورت، بل على العكس إن ما يجري في العالم يؤكد أن العولمة شأنها شأن كافة مراحل الرأسمالية، ما هي إلا وسيلة لسرقة خيرات الدول النامية، حتى لو اضطر الغرب إلى استعمال القوة المفرطة، باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان حيناً، وصيانة حقوق الأقليات حيناً، أو الدفاع عن الحلفاء ومحاربة الإرهاب أحياناً أخرى.

بذرة الرأسمالية
في الحقبة التاريخية الممتدة ما بين انهيار الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس، وحتى القرن السادس عشر، كان الإقطاع يفرض سيطرته على ما يقارب من 95 في المئة من الأراضي في أوروبا والصين واليابان والهند. إن الرأسمالية نمت في أحشاء الإقطاع بوقت مبكر من ظهورها، حيث يذكر التاريخ انتفاضات متعددة قام بها المزارعين والعبيد ضد الإقطاع. كما يمكن آنذاك ملاحظة نشوء مراكز الإنتاج اليدوي في المدن الإقطاعية مترامية الأطراف، وكانت تضم جمعيات الحرفيين من نسّاجين وحدادين وصناع الأحذية والسيوف وسواهم، مما كان سبباً من أسباب تطور الرأسمالية لاحقاً. ترافق ذلك النشاط مع نمو مضطرد في عدد التجار واتساع رقعة تجارتهم وتنوعها.
الجشع وحب المال والرغبة في مراكمة الثروات، دفع التجار إلى بناء مدن قريبة من وسائل النقل النهرية والبحرية، مما أسهم في اتساع الأسواق الوطنية ثم العالمية، وفي زيادة الإنتاج، ونشوء شريحة من التجار الأثرياء الرأسماليين، وتراكم رأس المال بين أيدي هؤلاء أضعف الإقطاع، ولذلك كان الانتقال من شكل الإنتاج الإقطاعي مثيراً، حيث أصبح المنتج هو التاجر الرأسمالي، وانتقل الحرفيين تدريجياً إلى شريحة الأثرياء، مما أدى إلى توسيع وزيادة الإنتاج، وقاموا بتوظيف أموالهم لمضاعفة الأرباح، وبذلك يكون كبار التجار قد دفعوا مسيرة الاتجاه الرأسمالي خطوات للأمام نحو التشكل.
لأن النظام الإقطاعي كان يدافع عن بقاءه واستمراره ضد التطورات التي تحصل، كان للتاريخ رأي مختلف، حيث قامت الثورات البرجوازية ضد النظام الإقطاعي الذي كان يعيق نموها وتطورها، فأصحاب الرأسمال لم يستسلموا للقيود التي كانت الإقطاعية تفرضها على الأسواق المحلية، لأن التجار كانوا يتطلعون إلى الأسواق الخارجية. فتمت تصفية الإقطاع عبر ثورات رغم مقاومته العنيدة.
وهنا نشأ النظام الرأسمالي القائم على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والأرض. فمنذ نشأتها كنظام عالمي، والرأسمالية تسعى لأن تُخضع الكون لمتطلبات نموها، فعمدت إلى تكييف واقع الدول النامية كي تتلاءم مع شروط حركة الرأسمالية المتغيرة، وأزماتها المختلفة، بما يضمن استمراها وتضخمها. وبدأت مرحلة جديدة من الاستغلال ضحيتها هذه المرة الطبقة العاملة التي توسعت نتيجة الهجرة من الريف للمدينة، بعد أن فقد المزارعين الصغار مصدر رزقهم، فتحولوا إلى عمال في مصانع المدينة، حيث يراكم الصناعيين رأس المال، نتيجة الاستغلال البشع الذي يتعرض له العمال. الرأسمالية نفسها التي أوجدت الطبقة العاملة وجعلتها حطباً للموقد، جلبت الطبقة التي ستثور عليها لاحقاً مطالبة بحقوقها الاقتصادية والسياسية.

قبل الثورة الصناعية
شهدت فترة نهاية القرن الخامس عشر اكتشافات جغرافية يسّرت تشكل سوق عالمية، وأسهمت في نشوء الرأسمالية فيما بعد، فقد تمكن عدد من البحارة مثل "كولومبوس، كريستوفر، فاسكودي جاما" من الوصول إلى الهند، واكتشاف العالم الجديد الذي سمي القارة الأمريكية. وكان التجار الإسبان والبرتغال، الذين عانوا من الهيمنة والسيطرة التجارية التي كانت تفرضها الإمبراطورية العثمانية، قد مولوا الرحلات التي قام بها البحارة وأدت إلى هذه الاكتشافات، ثم اندفع التجار عبر أساطيل لا تتوقف إلى عرض البحار والمحيطات، وتمكن الأوروبيين من نهب خيرات المناطق المكتشفة من الذهب والفضة، وأقاموا فيها محطات تجارية، واستطاع المستوطنين البيض من فرض سيطرتهم على تلك البقاع الجغرافية بواسطة القوة والقمع للسكان المحليين، وعبر عمليات القرصنة وقتل الناس.
هكذا بدأ رأس المال التجاري الأوروبي بالسيطرة على أسواق العالم ابتداء من القرن السادس عشر الذي شهد ولادة نظام جديد في الإمبراطورية البريطانية، حيث تم تأسيس مشاريع ضخمة مثل "شركة الهند الشرقية، شركة هدسون باي، شركة البحر الجنوبي، بنك إنجلترا" وتم إنشاء العديد من الشركات المساهمة، وكان للتجار حصة مالية في الشركات الجديدة، وهكذا كانت الحركة التجارية البريطانية وانفتاحها على الأسواق الجديدة بمثابة المقدمة لظهور طبقة الرأسماليين التجاريين.
واستطاعت هذه الشركات الاحتكارية تكديس الأرباح الضخمة من خلال تجارتها، وما كونته من مراكز تجارية لم تستثني شيء من نشاطها، فعمدت على سرقة خيرات تلك البلدان، وتاجرت حتى بالبشر، الذين كان يتم اصطيادهم من أفريقيا وبيعهم لأصحاب مزارع السكر والتبغ في شمال وجنوب أمريكا وفي أوروبا. أرست تلك الشركات نمط الإنتاج الكولونيالي الذي حقق فوائض مالية للقارة الأوروبية. هذه العائدات المالية الضخمة تحققت عبر إسالة الدم والسرقة والنخاسة والخداع الذي مارسته الرأسمالية التجارية على الشعوب.

بعد الثورة الصناعية
ظهور الآلات، واختراع آلة الغزل، والتطور الهام في صناعة الأقمشة الذي ساهم فيه الإنجليزي "إدموند كارترايت" باختراعه للآلة الكهربائية لصناعة الخيوط. ثم تطورت صناعة الحديد، وتم في بداية القرن الثامن عشر البدء باستخراج المعادن بواسطة فحم الكوك بدلاً من الفحم النباتي الذي كان مستخدماً من قبل، وفي خمسينيات القرن التاسع عشر تم تطوير صناعة الصلب الذي أصبح في جوهر كافة الصناعات والأدوات والسفن والمباني. كذلك ساهم اختراع المحرك البخاري وتطويره في سبعينيات القرن الثامن عشر في اكتمال دائرة الثورة الصناعية.
الثورة الصناعية والتطور الكبير في المكننة أسهما في النمو الهائل الذي تحقق في الإنتاج الصناعي، فبدأ البحث خارج الحدود القومية للدول الرأسمالية، عن أسواق جديدة لهذه السلع الفائضة.
شهدت تلك المرحلة التفاوت الواضح غير المتكافئ بين الدول الرأسمالية الصناعية وبين المستعمرات، فبينما أسهمت الثورة الصناعية في التطور الهائل لوسائل الإنتاج، ومراكمة رأس المال في أوروبا، ظلت المستعمرات في أفريقيا وآسيا وجنوب أمريكا على حالها من التخلف والفقر، ولم تتوفر فيها ظروف نشوء الصناعة والتطور الاقتصادي، نتيجة توفر فائض من السلع والبضائع الغربية الرخيصة التي نافست الإنتاج المحلي وقضت عليه، ثم تحولت هذه الدول إلى مُصدر للمواد الخام، ومستورد للمنتجات المصنعة غربياً. وبذلك تم دمج الدول التي كان اقتصادها بسيطاً لكنها مكتفية ذاتياً بالاقتصاد الرأسمالي العالمي، فتحولت إلى سوق كبيرة للمنتجات الصناعية الغربية.

الاستعمار والامبريالية
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر شهد العالم مركزية الإنتاج وبالتالي تركز رأس المال الاستعماري، وتغولت الشركات الصناعية الضخمة، فابتعلت المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وانتهى عصر المنافسة، وظهرت قوة رأس المال المالي المستخدم في الصناعة، الذي تسيطر عليه البنوك التي تحالفت مع المؤسسات الصناعية الهائلة. ما حصل أنه بدأت هذه القوة المالية تبحث عن استثمارات لها خارج الحدود الوطنية تحقق لها عوائد أعلى من الداخل، بعد أن احتدم التنافس في الدول الرأسمالية الصناعية. فشهدت الفترة الممتدة من الربع الأخير للقرن التاسع عشر إلى بداية الحرب العالمية الأولى، تنافساً محموماً بين الدول الصناعية الرأسمالية لتصدير رأس المال، فالتحقت المؤسسات الأمريكية والفرنسية والألمانية بالأسواق التنافسية وكسرت الاحتكار البريطاني.
وتميزت هذه المرحلة بالصراع والتنافس الطاحن بين المراكز الرأسمالية الاحتكارية، بهدف اقتسام مناطق العالم. وأخذ رأس المال يبحث عن أماكن جديدة للاستثمار في إنتاج المواد الخام. هذا الصراع بين القوى الاستعمارية على المصالح وبهدف مراكمة رأس المال، والحفاظ على الاستثمارات الخارجية، أدى إلى نشوب الحرب العالمية الأولى.

الحرب العالمية الثانية
بروز ألمانيا النازية وسعيها للسيطرة على مزيد من الأسواق العالمية بقوة السلاح، يعكس في أحد جوانبه طبيعة الأزمة العميقة التي أصابت النظام العالمي الرأسمالي، والتناقض المتصاعد بين القوى الاحتكارية. وهو ما أشعل فتيل الحرب العالمية الثانية، التي أعقبها ظهور وتطور حركات التحرر الوطني في كل من آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، واستطاعت أن تُخرج الاستعمار وتحقق الاستقلال السياسي الشكلي، وانتهى عصر الاستعمار العسكري في المستعمرات وبدأ استعمار اقتصادي جديد، من خلال تحالف الامبريالية مع أصحاب رؤوس الأموال الزراعية والتجارية المحليين.
أدركت الرأسمالية العالمية التي تقدمت الولايات المتحدة لقيادتها بعد الحرب العالمية الثانية، أنها تحتاج إلى أنماطاً جديدة للاستغلال، وإعادة إنتاج علاقات الهيمنة، وفقاً للمتغيرات التي حدثت في العالم، هذه الأنماط هي ما جسّد مرحلة الامبريالية. اعتمدت الامبريالية الجديدة إلى إحداث علاقات خاصة مع مستعمراتها السابقة، واستخدمت المعونات الاقتصادية والقروض كسلاح لإعادة إنتاج السيطرة، ثم أقامت علاقات مع كبار الملاك والتجار والوجهاء، وكبار الموظفين والعسكريين الذين أصبحوا عبيداً للإمبريالية لاحقاً. ثم أقدمت الرأسمالية العالمية على استعمال القوة العسكرية لوقف نمو بعض البلدان النامية، والعمل على تفكيكها حتى تظل خاضعة، وقدمت المعونات البوليسية للأنظمة الديكتاتورية لقمع المعارضين لها، وأقامت قواعد عسكرية في بعض تلك البلدان. في المحصلة بقيت هذه الدول أسواقاً استهلاكية للبضائع الغربية، وقطاعاً مربحاً للاستثمارات، وتعززت تبعية الأنظمة الحاكمة للهيمنة الامبريالية.

العولمة الرأسمالية
شهد العالم مرحلة جديدة بدءًا من ثمانينيات القرن العشرين، من أهم معالمها التركز الشديد في رأس المال المالي، وزيادة هائلة في اتساع نشاط الشركات عابرة للقارات متعددة الجنسيات، وانهيار جدار برلين، وسقوط المعسكر الاشتراكي في بداية التسعينيات، وتداعي منظومة التحرر القومي، والانسحال المريع للبنية الأيديولوجية والفكرية للأحزاب الاشتراكية والليبرالية، والتطور الهائل الذي حققته تكنولوجيا الاتصالات والثورة الرقمية. هذه المتغيرات أوجدت واقعاً تاريخياً أخلّ بتوازنات المصالح والقوة التي كانت سائدة طوال الفترة التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الثانية. وأدى إلى مرحلة أحادية القطبية أو العولمة، التي مكّنت الولايات المتحدة من تسيّد المشهد السياسي والاقتصادي والثقافي العالمي، على اعتبارها الطرف المنتصر الذي يمتلك الحق في تحديد نمط العلاقات الدولية وفق مفاهيم الليبرالية الجديدة.
تحررت الرأسمالية العالمية من قيود الانتشار والتوسع بسبب التطور النوعي الضخم في التقنيات وثورة المعلومات، وبسبب قيام التكتلات الاقتصادية العالمية العملاقة، فكان لابد من أن يترافق مع هذه المتغيرات الهامة، تطوير النظم المعرفية والسياسية والاقتصادية، التي من شأنها تعزيز سيطرة هذا النظام العالمي الجديد أحادي القطبية.
عالم جديد تفرض فيه قوة وحيدة شروطها ونمطها ورؤيتها على الجميع باسم العولمة، التي لم يتصدى لها أحد، خاصة في الدول النامية المنهزمة التابعة، التي أطاعت التوجه الجديد حفاظاً على مصالحها، واستجابت للعولمة عبر تحرير التجارة، وإعادة هيكلة الاقتصاد، وتبني نظام الخصخصة، والتكيف مع المتغيرات.
هذه العولمة ظهرت نتيجة ظروف دولية وإقليمية، وتطوراً في السيرورة التاريخية. إن العولمة هي بمثابة امتداد تاريخي وسياسي واقتصادي لتطور الرأسمالية التي لم تكف عن النمو منذ كانت جنيناً في القرن الخامس عشر، ثم ولدت في القرن الثامن عشر، ثم تحولت الرأسمالية إلى شكلها الامبريالي في نهاية القرن التاسع عشر.
لقد بلغ النظام الرأسمالي العالمي الامبريالي في مرحلة العولمة طوراً، يسعى فيه باستخدام القوة، لإعادة شعوب العالم إلى القواعد التي كانت تحكم الفترة الأولى لنشوء الرأسمالية، القواعد التدميرية التي كانت قائمة على أساس المنافسة الموحشة، التي تضمن سيطرة الأقوى على مقدرات الدول ومصير الشعوب. فالهيمنة هي التي تشكل محور نشاط المراكز الرأسمالية بثوب العولمة في الفترة المعاصرة. ويتم ضمان استمرار السيطرة واتساعها إما عبر استعمال القوة العسكرية، أو من خلال الأنظمة التابعة والخاضعة لنفوذ الغرب.
هذه هي طبيعة الرأسمالية في طور ما بعد الامبريالية. فما تحاول خلقه الامبريالية ليس نظاماً جديداً للكون، بل إن ما يجري هو امتداد طبيعي وتواصل تاريخي لتطور الرأسمالية التي تقوم بالأساس على التوسع والانتشار ومراكمة رأس المال، وتستفيد الرأسمالية الامبريالية- بثوبها الأمريكي السافر بشكل خاص، والأوروبي المحتشم بدرجة أقل- من المتغيرات الدولية لتفرض مزيداً من استبدادها المتوحش على الدول الأخرى، والضحايا الرئيسيين هنا هم الدول النامية وشعوبها.

قوم لا يحتاجون الديمقراطية
الكارثة الكبرى تراها جلية واضحة في العالم العربي، الذي لا يزال يصر أن يكون منطقة خالية من الديمقراطية ومن العولمة، حيث تبحث معظم الأنظمة العربية عن المبررات لتفسير غياب الديمقراطية وعدم حاجتهم إليها.
في مفارقة مبكية يتذرع بعض العرب بالصين التي حققت نمواً في غياب نظام ديمقراطي، نعم هذا صحيح لأن الصين طبقت سياسة رأسمالية الدولة بدلاً عن رأسمالية السوق، وهي الاستثناء الوحيد.
 لكن العرب لم يتبعوا لا النظام الصيني، ولا النظام الديمقراطي، ولا الاشتراكي، ولا الليبرالي، ولا الوسطي، ولا نظام السوق الحر. لم يتبعوا أي نظام ولا أي نظرية، وليست لديهم أية خطط استراتيجية لا اقتصادية ولا سياسية ولا أمنية ولا قومية. كل ما تفعله معظم الأنظمة العربية هو مواصلة السياسات الاستبدادية لإخضاع شعوبها، واستمرار السياسات الاقتصادية الفاشلة، التي لم تثمر إلا خراباً وخواء، ولم تستطع معظم الأنظمة العربية تحقيق نتائج واضحة على صعيد التنمية المستدامة. وهذا ليس موقفاً نظرياً، بل معطيات تستند إلى الأرقام التي لا يمكن نفيها.
حسب تقارير منظمة العمل الدولية في جنيف، التي صدرت في النصف الأول من العام 2018، فإن نسبة العاطلين عن العمل من الشباب العرب بلغت 30 في المئة، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف المتوسط العام لبطالة الشباب في العالم. أما المعدل العام للبطالة العربية فهو ضعف المعدل العام العالمي.
 وفيما يتعلق بحجم الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية في العام 2017 فقد بلغ حسب تقدير صندوق النقد الدولي 2.65 تريليون دولار، وهو ما يمثل 2.5 في المئة من الناتج العالمي، لكن أكثر من نصف هذا الناتج يأتي من دول الخليج نتيجة بيع النفط. فيما على سبيل المقاربة بلغ حجم الناتج المحلي الأمريكي 20.4 تريليون دولار، وهو ما يمثل حوالي ربع الناتج العالمي. ومفيد أن نذكر هنا أن عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية قد بلغ في العام 2017 حوالي 327 مليون مواطن. فيما يبلغ عدد السكان العرب 407 مليون مواطن.
فيما يتعلق بالأمية فقد أكدت تقارير المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم "الألسكو" في العام 2018 أن معدل الأمية في الدول العربية لا يزال مرتفعاً مقارنة مع دول العالم النامي، حيث بلغ 26 في المئة، يصل عند الإناث حوالي 50 في المئة، وترتفع هذه النسبة عند الإناث في بعض دول المنطقة إلى أكثر من 60 في المئة. فيما يبلغ المعدل العالمي 13.6.
وحسب إحصاءات منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة "فاو" العام 2017 فإن 40 مليون عربي يعانون من نقص التغذية، وأن نحو مائة مليون عربي يعيشون تحت خط الفقر. إن أكثر من 13.6 في المئة من السكان العرب لا يجدون ما يأكلونه.
على الأبحاث العلمية تصرف الدول العربية مجتمعة معدل 0.4 في المئة من ناتجها المحلي على البحوث، فيما تصرف إسرائيل 2.6 في المئة من ناتجها على الأبحاث غير العسكرية. بينما تصل النسبة في الدول الغربية إلى 4-5 في المئة. ورغم أن العرب يشكلون حوالي من 5 في المئة من سكان العالم، إلا أن مساهمتهم في نشر الأبحاث العلمية لا يتجاوز 0.02 في المئة من النشر العالمي.

نكوص حضاري
يبدو المشهد وكأن الولايات المتحدة وبعض الغرب الأوروبي مقبلون على مرحلة ما بعد الديمقراطية الليبرالية، أو ما بعد العولمة والحداثة التي سادت المجتمع الغربي طوال العقود الماضية. مرحلة تنتشر فيها الشعبوية والاتجاهات غير الليبرالية، ويعلو صوت الأفكار اليمينية العنصرية المتشددة.
هل هذا الاستنتاج صحيحاً، أم متسرعاً؟ هل الأفكار اليمينية أصبحت تشكل القاعدة، أم إنها ما زالت استثناءات رغم حجمها وخطورتها؟  في الواقع أنه على الرغم من كون الديمقراطية لا زالت تنمو في العديد من الأماكن في هذا الكوكب خاصة في القارة الافريقية وأمريكا الجنوبية، وفي دول جنوب شرق آسيا، إلا أن الاستبداد ما زال يبسط مخالبه على أعناق الشعوب في أماكن عديدة.
هناك القليل من الديكتاتوريات في العالم تحولت إلى نظام انتخابي ديمقراطي خلال العقدين أو الثلاثة عقود الأخيرة، حيث الآن هناك 69 دولة غير ديمقراطية من أصل 192 دولة.
إن السياسات الحمائية الانعزالية التي تحاول إدارة الرئيس الأمريكي "ترامب" اتباعها لحماية وظائف الأمريكيين، لا تبدو أنها إجراءات واقعية بقدر ما هي خطاب ديماغوجي، إذ أن العولمة لا تعتمد فقط حرية التجارة، بل أيضاً -وهذا الأهم- على التكنولوجيا الحديثة التي مكنت شركة "أوبر" أن تصبح أكبر شركات التاكسي في العالم، رغم أنها لا تمتلك سيارة واحدة، وجعلت من شركة "أمازون" أكبر شركة للتسوق، وهي لا تمتلك متجراً واحداً.
هل نحن على أبواب مرحلة ما بعد العولمة، أم دخل العالم مرحلة من الفوضى عديمة الملامح، أم أن الأمر لا يعدو كونه إننا ما زلنا نتأقلم مع العولمة وما أفضت إليه من نتائج تظهر في جانب منها على أنها مبشرة لخدمة الإنسان المعاصر، وفي جانبها الآخر تظهر أنها مدمرة في قدرتها على النهب والقتل والإخضاع، وجعل الإنسان المعاصر يعود إلى فطرته البدائية الموحشة، في إشارة بائنة للنكوص الحضاري.







46
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك


القوة الخشنة للثقافة.. الخاصية الفلسطينية

لا يمكن مقاربة إشكاليات فهم وتحليل علاقة الهوية بالتحديات المصيرية للأمم، دون تحديد أية هوية ثقافية قادرة على تجاوز هذا الانحدار الفكري والسياسي، والنكوص التاريخي والسقوط الشامل، ومن غير توضيح الاختلاط والإبهام الثقافي والمعرفي، وكيف تتمكن الثقافة من بناء أدواتها لتجاوز المأزق الراهن وإنهاء الانسداد.
في الخاصية الفلسطينية، تظهر الثقافة بمضامينها المتعددة والمتشابكة، بمقدمة جبهة المواجهة ضد المستعمر الغربي والصهيوني، الذي سعى -وما زال- إلى اجتثاث الشعب الفلسطيني من أرضه، وطمس هويته وتزييف تاريخه وتبديد ثقافته. لهذا خاضت الثقافة مواجهاتها بأسلحة الفكر والأدب والفن الذي كان المثقفين أبرز حوامل مكوناته.
التشتت هو سمة الحالة الفلسطينية بعد النكبة الكبرى، وهو ما لم يسهم في إنتاج فكري ثقافي معرفي تراكمي ضمن بيئة مترابطة موحدة.
غاب المشروع الثقافي الشامل فلسطينيا، شأن غيابه عربياً، ولم تتمكن القوى السياسية الفلسطينية من التمييز بين الإنتاج المعرفي والإبداعي، وبين العمل السياسي والحزبي، فلم تتبلور حركة ثقافية منفصلة عن الواجهة السياسية، وبذلك فقدت الثقافة مهمتها في إحداث دافع لتقدم المجتمع، وخسر المثقف الفلسطيني دوره الموضوعي في خضم الأولويات السياسية. فتداخلت السياسة بالحزبية بالثقافة، وسقط المشروع السياسي في إيجاد مقاربات ثقافية، وأصبح بعض المثقفين رجال سياسة، فلم يربح أي منهما. خسرت السياسة فكر المثقف، وخسرت الثقافة محرضها الأبرز. وفقد المثقف مكانته وملامحه
بطبيعة الحال لم يعد -بظني- للمثقف الطليعي العضوي المشتبك الدور الطليعي والمؤثر، لقد انتهب مرحلة غسان كنفاني وناجي العلي وكمال ناصر وسواهم. وهذا ما ينطبق على النخب الثقافية العربية، والفلسطينية إلى حد ما، حيث تسَلَطَ السياسي الفلسطيني الحزبي على المشهد الثقافي، فالفصائل الفلسطينية استخدمت المثقف في السياق الأيديولوجي والخطاب الحزبي، ثم في فترة الكساد الثوري أصبح المثقف الفلسطيني سلعة فائضة عن الحاجة. تماماً كما تم تدجين وتطويع المثقف والمفكر العربي الذي همشته الأنظمة العربية وقوضت مكامن قوته.
حين تغيب الثقافة تحضر السياسة والانتماءات الحزبية، ويحضر التنافس والتناحر، وهذا ما فعلته الفصائل الفلسطينية. وفي انصراف المثقفين الحقيقيين يمتلئ الميدان بالمدّعين والجهلاء، وحين تختفي الشعارات والأهداف والمهام الكبرى ينشغل الفكر بنفسه وتنقسم الثقافة على ذاتها في معركة تتسبب بشقاء الجميع.

تلازم الثقافي والسياسي
يمكننا القول إن المشروع الثقافي الفلسطيني قد تلازم مع بدء المشروع الوطني التحرري الفلسطيني في ستينيات القرن العشرين. كان أشبه بشجرة قزحية تمتد أغصانها وتتشعب وتتلون، فتضمنت الثقافة الفلسطينية الأدبيات والأفكار القومية العربية البعثية والناصرية، والأفكار الليبرالية واليسارية، وكذلك أدبيات الموروث العربي الإسلامي والمسيحي. وخلال ستة عقود الماضية تأثرت الثقافة الفلسطينية بكافة العوامل التي حكمت المشروع الوطني السياسي، نهوضاً وركوداً ونكوصاً، فكان العامل السياسي عنصراً محدداً ومقرراً لفرض مناخات ثقافية تتسق مع طبيعة المرحلة، لذلك لا يمكن التحدث هنا عن مشروع ثقافي واحد.
إن المشروع الثقافي الفلسطيني الذي انطلق مع العمل الوطني التحرري الفلسطيني ضد العدو الصهيوني، وترافق مع إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية، كان مشروعاً ثقافياً وطنياً شاملاً، تمكن من احتواء الكتاب والمفكرين والمثقفين والمبدعين والصحفيين والأدباء والسينمائيين والمسرحيين والتشكيليين والفنانين الفلسطينيين، وتأطيرهم باتحادات وهيئات ومراكز أبحاث ودراسات ونشر، رعت الثقافة والمثقفين، واجتهد الجميع في إطار المشروع الثقافي السياسي الوطني التحرري الأخلاقي العادل، بهدف تحقيق أحلام الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه في التحرير والعودة وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. وفي هذا المشروع الثقافي الفلسطيني تلازم الثقافي والسياسي جنباً إلى جنب في وحدة جدلية تكاملية ميزّت الحالة الفلسطينية عن مثيلاتها عربياً.
بعد خروج قوات الثورة الفلسطينية من بيروت العام 1982 أصيب المشروع الثقافي الفلسطيني بانتكاسة، وبدأت مرحلة جديدة في المشروع الوطني الفلسطيني، حيث تم فيها إضعاف منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها بما في ذلك الاتحادات والهيئات الثقافية الجامعة. وفي بداية التسعينيات من القرن العشرين دخل المشروع الوطني السياسي الفلسطيني مرحلة جديدة عنوانها الأبرز اتفاقية أوسلو، وبدأت معها تتفكك روافع الثقافة الوطنية الفلسطينية وتتقوض أعمدتها التي ترتكز أساساً على الإنسان والأرض وقيم الحرية والاستقلال، وأصيب المشروع الثقافي الفلسطيني بخلل وعلل بنيوية وتم تهميشه وتحجيم دوره التاريخي، مما أدى إلى حالة بغيضة من التمزق والانقسام والضعف والتخندق بين المثقفين الفلسطينيين وبين السياسيين، وبينهم وبين أنفسهم من جهة أخرى.

ثقافة المرحلة
ولنا أن نتساءل ماذا بقي لنا من المشروع الثقافي الوطني الفلسطيني، بعد الانزياح والاخفاقات التي أصابت المشروع الوطني التحرري الفلسطيني خلال العقود الماضية؟
لقد ظهرت ثقافة أصولية إسلامية تستمد أفكارها من الماضي، وفشلت في مقارباتها التي أجرتها، لأن الماضي زمن قد ولى، ولا يمكن معالجة إشكاليات الحاضر والإجابة على أسئلته الكبيرة بأيديولوجية وأدوات اندثرت. ثقافة أصولية ملأت الفراغ الذي أحدثه تهميش مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية ومن ضمنها الهيئات والاتحادات الثقافية، وتراجع المشروع الوطني السياسي من جهة أخرى. إلى جانبها يوجد ثقافة ليبرالية خجولة منزوية ونخبوية. وثقافة ما بعد اتفاقيات أوسلو التي جنحت للسلم مع الصهاينة، وروجّت لثقافة السلام معلنة انتهاء ثقافة المقاومة العنيفة، وإن تبنت ثقافة المقاومة الشعبية بين حين وآخر، أو فرضت عليها من الشارع الفلسطيني، إلا أنها في مجملها ثقافة تراهن على قدرة المفاوض الفلسطيني، وليس على بندقيته ولا على حجره. وهناك ثقافة الانقسام والتفرد والتحكم والتسلط في بعض الأوساط السياسية والثقافية. أيضاً ظهور ثقافة العنف المجتمعي، اللفظي والجسدي والرمزي واللغوي. وجود ثقافة مُعولمة غريبة عن واقعنا تسعى لإعادة بناء خطاب ثقافي جديد.  وثقافة شعبية تستمد قوتها وحيويتها وتجددها من التصاقها بالناس أنفسهم وقدرتها على التعبير عن واقعهم ومعاناتهم وتطلعاتهم. ثقافة ترفض الاحتلال وتواجه طغيانه بأدواتها البسيطة. ثقافة فلسطينية تتعدد أوجهها ما بين المناطق التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، ووجه ثقافي لقطاع غزة، وثقافة فلسطينية في مدينة القدس ومناطق الجليل الأعلى، التي تجاهد وتصارع ثقافة التهويد ومحاولات تفكيك هويتهم العربية من قبل إسرائيل. ثقافة فلسطينية في الشتات متنوعة ومتعددة ومتشابكة مع محيطها ومتأثرة بالثقافة الإنسانية.

تحديات فلسطينية
تظهر التحديات التي تواجه الثقافة الفلسطينية جلية في ظل ظروف غير طبيعية تحيط بالمثقف وبمجمل الشعب الفلسطيني منذ قرن من الزمن. لعل أهم هذه التحديات الحفاظ على الهوية الفلسطينية العربية الوطنية للإنسان والأرض والمكان، وصيانة ملامح هذه الهوية في وجه المخطط الصهيوني الذي يرمي إلى تبديدها وتفتيتها وتغييرها وتهويدها. وكذلك تعزيز اللغة العربية وحمايتها، وتعميق الانتماء الوطني في مواجهة الولاءات الحزبية والدينية والمناطقية، وتوطيد أواصر التلاحم الاجتماعي بين أبناء شعبنا الفلسطيني، وإعلاء قيم التكاتف والتعاضد ونشر ثقافة التضامن، وكذلك الحرص على احترام الآخر وحقه في الاختلاف، وتحقيق مبدأ التنوع من أجل تحقيق تناغم وحدوي عبر الالتفاف حول القيم التراثية الوطنية الأصيلة باعتبارها قاسماً مشتركاً لكافة الفلسطينيين. ومن التحديات التي تواجهها الثقافة الفلسطينية أيضاً قدرتها على مواجهة المشكلات الناجمة عن التطرف والغلو بكافة أوجهه الدينية والاجتماعية والفكرية، والعنصرية والتمييز، ومعالجة القضايا التعليمية والتربوية. ودور المثقفين في بناء مشروع ثقافي فلسطيني. وكذلك دعم وترشيد دور وسائل الإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي في الحفاظ على الثقافة الوطنية الأصيلة من الذوبان. كما أن من أبرز التحديات وضع خطة للإنتاج الثقافي الفلسطيني المستدام، وهي قضية في غاية الأهمية لتطوير الثقافة وتنشيطها ورفع مستوى حيويتها وأدائها، بما يكفل قيامها بواجبها ومسؤولياتها وتحقيق الأهداف المناطة بها في مواجهة ومقاربة الإشكاليات التي ما زالت تعترض درب النهوض الفلسطيني. ولابد من الاهتمام بالعلاقات مع الآخرين، وتعزيز الحوار مع كافة شرائح المجتمع الفلسطيني، وكافة القوى والأحزاب والمجموعات، وكافة التيارات السياسية الفكرية والأيديولوجية والفلسفية، وتعزيز التواصل مع الثقافة العربية، والانفتاح على الثقافات العالمية وعدم الانكفاء والانغلاق، والعمل على استكشاف آفاق للتعاون المشترك مع مكونات ثقافة الآخر الإنسانية للاستفادة منها في بناء مشروعنا الوطني والنهضوي.

 مآلات ثقافية عربية
إن كانت الثقافة العربية والمثقفين العرب قد تعرضوا عبر عقود طويلة إلى تدجين وتطويع وتهميش من قبل الأنظمة السياسية التي استحوذت على كل شيء ووضعته في خدمة مصالحها وبطانتها. فإن الثقافة الفلسطينية أيضاً والمثقفين الفلسطينيين قد نالوا نصيبهم من هذه السياسات. وإن قدر لنا المقاربة سنجد أن الثقافة العربية ابتليت بعلل متعددة وعلق بها من الدرن ما يكفي لتشويه ملامحها، فتحولت من كونها ثقافة عربية إسلامية مسيحية قومية وحدوية يسهم فيها الأقليات من سكان المنطقة، إلى ثقافة قبلية عشائرية طائفية إثنية، متشددة تقوم على القطرية والحلقية والتعصب والتشدد والتطرف والعنصرية، ثقافة مبنية على الكراهية والإقصاء والاستحواذ والإنكار.
غاب التنوع الذي كان يثري الثقافة العربية، وأصبحت إما ثقافة استبدادية قمعية قهرية تمارسها معظم الأنظمة العربية ضد شعوبها. ثقافة تشجع الانفكاك من العنصر القومي العروبي الوحدوي، الابتعاد عن كل ما يجمعها مع عناصر الثقافة والهوية العربية، والانسحاب إلى الداخل نحو ثقافة قطرية ضيقة لكل بلد عربي لوحده. وإما ثقافة دينية متشددة ومتطرفة في مفاهيمها وخطابها وسلوكها، ثقافة تعتمد الإقصاء وعدم قبول الآخر، ثقافة سلفية مفتونة بالتاريخ ومنشغلة بالتراث، تحاول إحياء الماضي وهو رميم. وإما ثقافة انتقائية ومنفعية مصلحية لا مبادئ لدى أصحابها ولا قيم أخلاقية، يسعون خلف مصالحهم الشخصية الضيقة، ويلهثون لتحقيق العز والجاه أو المنصب أو الثروة، أو حتى كف شر السلطات السياسية والأمنية عنهم. ثقافة وصولية انتهازية التف حولها الزنادقة الجدد والمنافقين كما يلتف الذباب على قطعة حلوى. وانتشرت ثقافة القتل والحرق والتدمير وقطع الرقاب، وبناء مزيد من السجون، وفرض قوانين الطوارئ أو ما يشبهها. ثقافة عدم الانتماء والهروب من الأوطان. ظهور ثقافة الاستهلاك واجتياحها كافة مناحي الحياة، حيث غيرت المفاهيم لدى الإنسان العربي وبدّلت سلوكه واتجاهاته وثقافته العامة، وأصبحت الشعوب العربية عبيداً للأسواق والمكننة والتقنيات التكنولوجية.

دور مفقود
في ضوء ما تشهده المنطقة العربية من انزلاق خطير، إننا نتساءل عن دور المثقفين والمفكرين العرب في قضايا أمتهم المصيرية، وفي المقدمة منها القضية الفلسطينية. وما الذي يعيق توحيد جهودهم في مختلف مواقعهم وبلدانهم، وجمع كلمتهم لتوحيد موقف الشارع العربي وتصحيح اتجاهه، وتحريض الوعي الجمعي للشعوب العربية لاتخاذ مواقف مبدئية جادة وواضحة وقطعية من أم القضايا العربية فلسطين.
المثقفون وحدهم القادرون على إحداث هذه الرابطة الواسعة التي ينخرط فيها كافة شرائح المجتمعات العربية كل بتخصصه واهتمامه، لمواجهة هذا السقوط السياسي والفكري والثقافي والوطني المريع، والتصدي لما يسمى صفقة القرن التي تعتبر الأسوأ والأخطر على القضية الفلسطينية بعد فشل مشروعي مدريد وأوسلو. هذا المشروع الأمريكي الجديد لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، يشكل كارثة في ظل الوضع الفلسطيني الداخلي الذي يعاني الانقسام السياسي، ووضع عربي مفتت وإقليمي ودولي أكثر سوءًا. مما يستوجب التصدي له ولتداعياته وأبعاده السياسية والاقتصادية والأمنية.
وعلى سبيل الذكر لا الحصر، ألا يجدر بالمثقفين والمفكرين العرب الوقوف إلى جانب القدس العاصمة الأبدية لدولة فلسطين، ودعم هوية هذه المدينة العربية المقدسة، ومؤازرة المقدسيين والدفاع عن حقوقهم في مدينتهم التي ضمنتها القوانين الدولية، وحماية تراثها الحضاري والإنساني وصون مقدساتها، وتنظيم حملات تضامنية حقيقية وفعلية ومستدامة مع الثقافة الفلسطينية المهددة، والضغط ما أمكن على الأنظمة العربية لتقوم بالحد الأدنى من واجبها في إسناد صمود القدس وأهلها بوسائل وأدوات متاحة لهم؟.
في هذا السياق فإن إقدام دولة الكويت الشقيقة على إطلاق اسم مدينة القدس عاصمة أبدية لفلسطين على الدورة الثالثة والأربعون لمعرض الكويت للكتاب، يشكل نموذجاً يحتذى.

استهداف وجودي
أسهم المفكرون والمثقفون الفلسطينيون بصورة لافتة في النهضة الثقافية والتعليمية في معظم الدول العربية، وقدمت أسماء فلسطينية عديدة خدمات جليلة لتطوير المشهد الثقافي والعلمي والفكري العربي، وهم كانوا ولا زالوا بمثابة رسل محبة وتآخي مع الأشقاء العرب، ولا يمكن إنكار الأثر الثقافي والعلمي والأخلاقي الذي تركوه في الدول العربية، الذي يجب توظيفه لتعميق روح التضامن والتآزر والأخوة ووحدة المصير.
فلسطين التي تعتبر منجماً ثقافياً وطنياً عربياً وتراثاً أثرياً ودينياً وإنسانياً، تستحق من المثقفين العرب ومن سواهم كل الاهتمام والدعم والمساندة، لتعزيز صمودها وثبات شعبها في وجه عمليات الاغتيال الممنهجة التي يتعرض له على يد الاحتلال الإسرائيلي، وبواسطة وكلاءها في الولايات المتحدة، حيث لأول مرة تقيم القومية اليهودية الصهيونية في البيت الأبيض بواسطة زوج ابنة الرئيس الأمريكي "كوشنير". ولأول مرة تتبنى إدارة أمريكية البرنامج السياسي الصهيوني كاملاً دون اعتراض.
لقد استهدفت إسرائيل الثقافة الفلسطينية والمثقفين الفلسطينيين منذ إنشاءها، وسعت للتخلص منهم وتحييد دورهم وتغييبهم، ودفن الثقافة الفلسطينية وحصارها ومنع تواصلها مع محيطها العربي، وكتمها عن الساحة الدولية. لذلك كان المثقفين والمفكرين الفلسطينيين على رأس قائمة الاستهداف الإسرائيلي، لإدراك الاحتلال أن هؤلاء يشكلون بثقافتهم ودورهم خطراً كبيراً، فقامت الأيادي الصهيونية السوداء باغتيال الشهداء: غسان كنفاني، وائل زعيتر، كمال ناصر، عز الدين القلق، ماجد أبو شرار، عبد الوهاب كيالي، حنا مقبل، ناجي العلي، وسواهم من شهداء الكلمة والثقافة والفكر، ومحاولة اغتيال الكاتب بسام أبو شريف، والمفكر أنيس صائغ وغيرهم.

ضمير الأمة المنفصل
تستمر المؤامرات والمخططات الإسرائيلية الساعية للقضاء على الحضارة التاريخية العريقة العربية الفلسطينية فوق أرض فلسطين، واستبدالها بأخرى غريبة وتزييف التاريخ والجغرافيا. وهنا يتضح دور المثقفين الهام جداً بنشر وتعزيز ثقافة المقاومة الشعبية في كل مدينة وقرية فلسطينية، والتصدي لفكرة الوطن البديل، وتحشيد الطاقات والجهود الفلسطينية في داخل فلسطين وخارجها، واستعادة الوحدة الوطنية وانتخاب قيادة فلسطينية تمثل جميع الفلسطينيين. 
اللافت إن الشارع الفلسطيني والعربي كان وما زال أسرع من المثقفين العرب في إعلان مواقفهم من قضايا الساعة، وكان الناس يتقدمون المثقفين والمفكرين في النزول إلى الشوارع لإبداء تضامنهم مع القضية الفلسطينية في المحطات التي صادفتها.
إن المثقفين هم صوت وضمير الأمة وأداتها الاستراتيجية، هم المعبرون عن الهوية والتاريخ والذاكرة، هم المحرك الرئيسي للشعوب وأهم فاعل ومبادر في مختلف القضايا. المثقفين الفلسطينيين وعدد من المثقفين العرب انخرطوا مبكراً في العمل الوطني النضالي الفلسطيني، وكانت لهم بصمات واضحة ومؤثرة في تاريخ القضية، وتمكنوا من وضع فلسطين في المكانة المرموقة التي تستحقها على الخارطة السياسية والثقافية العربية والعالمية.
على كاهل المثقفين العرب مهام أخرى منها مسؤولية المساهمة مع المثقفين والأدباء والمفكرين الفلسطينيين في فضح وتعرية الرواية الصهيونية التاريخية المزيفة، التي توظف منظومة إعلامية ضخمة وتساندها وسائل إعلام أمريكية وغربية، بهدف طمس الرواية الفلسطينية لأصحاب الأرض الحقيقيين، وتزوير تاريخهم وفبركة وقائع غير موجودة إلا في أذهان وأحلام الصهاينة، وبث الأكاذيب والادعاءات الباطلة، والتشكيك بالهوية العربية الفلسطينية للأماكن التاريخية والأثرية والدينية.
ومنها أيضاً ترجمة الأعمال الأدبية الفلسطينية إلى لغات عالمية متعددة، خاصة تلك التي تظهر حق الفلسطيني بأرضه، والتي تستند إلى وقائع تاريخية مثبتة، لمخاطبة الرأي العام العالمي والغربي، وتوضيح الحقائق وكشف الادعاءات الإسرائيلية بما لا يملكون، وحتى لا نظل كمن يحدث نفسه.

القوة الخشنة
الثقافة واحدة من أهم الأدوات المؤثرة للحفاظ على وجودنا ومقاومة الاحتلال الصهيوني الذي يسعى لتذويب الهوية الوطنية الفلسطينية والانتقال إلى مرحلة إنهائها.
فإن كانت ثقافة أي شعب تشكل عنصراً هاماً من هويته، فإن للثقافة الفلسطينية المحاصرة، شأنها شأن فلسطين ذاتها المحاصرة من الكيان الصهيوني ومن العرب، دوراً مضاعفاً في الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية من جهة، والحفاظ على مستوى إدراك الشعوب العربية بالقضية الفلسطينية وعدالتها والتفافهم حولها.
وللثقافة قدرة هامة على المقاومة التي نؤكد أن استمراها تواصلها وتعزيزها ضرورة قصوى تفرضها السياسات العدوانية العنصرية الإقصائية التي يتبعها العدو الصهيوني، الذي يهدد وجود الإنسان الفلسطيني فوق أرضه وثقافته وتاريخه وإرثه، ويحاصر كل شيء فوق الأرض في محاولة لاستحداث واقع جديد بقوة البطش والقتل والتاريخ المزيف. ويجهد هذا العدو إلى تحويل صراعه الوجودي والسياسي والوطني مع الشعب الفلسطيني إلى عناوين إنسانية هنا وهناك، بهدف تحجيم وتقزيم القضية الفلسطينية ثم شطبها، مما يستدعي استنفار الطاقات الكامنة في الشعب الفلسطيني وأمته العربية لمواجهة هذه المرحلة الخطيرة للغاية، وهنا تبرز الثقافة كأهم رافع لاستنهاض مقدرات الأمة.
من يطلع على الظروف البائسة التي يعيشه في كنفها الإنسان الفلسطيني الصابر والمحاصر والثابت في الأراضي الفلسطينية المحتلة، يدرك طبيعة مشقة الحياة والتوجع الذي يكابده الفلسطيني فوق أرضه وفي وطنه نتيجة الاحتلال. لذلك فإن الثقافة باعتبارها قوة ناعمة تتحول إلى قوة خشنة في النموذج الفلسطيني، وتصبح قوة ترعب العدو فلا بد من تحويلها إلى فعل مقاوم. ونشر وتطوير أدوات ثقافة المقاومة، والمقاومة الثقافية أيضاً للتصدي لثقافة الهيمنة والاحتلال. إن المقاومة الثقافية التي نشدد عليها هنا لدعم صمود الشعب الفلسطيني، واستمرارها وتواصلها، وعدم الانصياع للضغوط الصهيونية والغربية، هي ضرورة وطنية وواجباً قومياً وليست ترفاً ثقافياً كما يتصورها البعض، وليست نضالاً نخبوياً ناعماً.

أمام مفترق
في الظروف الراهنة بالغة التعقيد على قضيتنا الوطنية، علينا أن نسعى نحو ثقافة ترتقي بالإنسان الفلسطيني أينما تواجد. ثقافة قادرة على التصالح مع ذاتها ومع ماضيها وحاضرها ومع الآخر، وتتضمن إمكانية بناء مستقبلها. نحتاج إلى ثقافة واعية ومتجذرة تدرك مصالح وأهداف شعبنا الوطنية والسياسية. ثقافة تمتلك المقدرة على مواكبة التطورات التكنولوجية والثورة العلمية والمعرفية والمعلوماتية. الثقافة التي تراعي التعددية والتنافس لتحقيق الريادة والأهداف الوطنية والتنموية. فالثقافة الفلسطينية اليوم أمام مفترق حقيقي ومثقلة بإشكاليات حقيقية وموضوعية متعددة وشائكة، وتحتاج إلى التجدد لتكون قادرة على التواصل مع كافة المتغيرات التاريخية. يجب التوقف عن النظر إلى الثقافة على أنها فعلاً تجميلياً، أو عمراناً سياحياً، بل علينا أن ندرك أن الثقافة هي المحرك الحقيقي لكافة الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وهي الحامي والحامل الأبرز للحقوق الثابتة والأهداف الوطنية الفلسطينية.



 


47
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك


في تجاهل العرب لفلسطين
يا سعد.. سعيد لم يهلك بعد

إن تحرير فلسطين، هذا الشعار اللغوي الفخم، لم يكن في الحقيقة يوماً على جدول أعمال القادة العرب -باستثناءات قليلة-. ولم تكن يوماً فلسطين قضية العرب الأولى، إلا على الورق، في اجتماعات الغرف المغلقة، وفي الخطب النارية فقط. فلسطين التي تستغيث فلا تُغاث، والأقصى الذي يصرخ العون فما من سامع، والقدس التي تتوق للنجدة فلا مُلبي، والفلسطيني الصامد الصابر المعاند الثابت يترك اليوم وحيداً بلا عون ولا مدد من الأشقاء العرب. الاخوة الذين بات بعضهم يتبنى الرواية الصهيونية على حساب المصالح والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وبعضهم أصبح يعتبر فلسطين وشعبها وقضيتها عبئاً يجب التخلص منه.
تتعمد معظم الدول العربية تهميش القضية الفلسطينية، وتتجاهل حقيقة أن حالة الصراع الفلسطيني الصهيوني لا يمكن بترها وعزلها عن المحيط العربي والعمق الإقليمي، فكل العواصم العربية هي في قائمة المصالح والاستهداف الصهيوني.
يخرج علينا بعض العرب كخروج جهينة في ترتيب أولوياتهم، يقول لك هذا النظام أو ذاك "نحن أولاً" لتبرير عجزهم عن نصرة فلسطين. ثم اهتدوا إلى طريق الخلاص الذي يبعد فلسطين عنهم تماماً، فزجوا بشعوبهم في صراعات داخلية ومعارك جانبية فيما بينهم، أحدثت الفوضى وقسمت المقسوم وعمقت الحالة القطرية.
وفلسطين المحتلة على مرمى حجر من الجيوش والميلشيات العربية التي تتقاتل فيما بينها باسم فلسطين، وتقتل أبناءها وهي تهتف لفلسطين، تثير الصراعات الطائفية والعرقية والإثنية باسم فلسطين، يقتلون الفلسطيني ويعتقلونه، ويريدون رصف الدرب نحو القدس بجماجم الفلسطينيين، ويزاودون عليه أيضاً باسم فلسطين.

سعيد لم يهلك
في زمن الجاهلية عاش شقيقان أحدهما يدعى سعد والأخر سعيد، خرجا ذات يوم لقتال الأعداء، غلبت الحماسة على سعيد ومن معه فسبقوا سعد إلى القتال، لكنهم وجدوا أنفسهم محاصرين بفخ نصبه لهم الأعداء وأوقعوا بهم، مات سعيد ومن معه إلا واحداً فقط استطاع الفرار، وبينما هو يجري قابل سعد في الطريق، فقال له تلك الجملة الشهيرة التي صارت مثلًاً " انج سعد فقد هلك سعيد"، وبالفعل هرب سعد ونجا من الموت.
قيل إن أباهما خرج للبحث عنهما، فكان كلما مر به أحد لم يتبينه قال أسعدٌ أم سعيد، فمضى مثلاً للشيء غير الواضح. فلما بلغ أبوهما الحرم وجد معتمرا يطوف بالبيت وعليه ثياب ابنه سعيد فسأله فقص عليه قصته وهو يجهل أنه والد سعيد، فما كان من هذا الأخير إلا أن استل سيفه وقتله، فلما سئل أقتل في البيت الحرام؟! قال: سبق السيف العذل.
حال بعض العرب مع فلسطين وشعبها وقضيتها كحال سعد الهارب. ونحن نتابع تسابق بعض الأنظمة العربية على نقل علاقاتهم مع إسرائيل من مرحلة الزيارات السريّة والتطبيع المستتر إلى العلانية، والمشاركة في المحافل الدولية على الصعيد السياسي والاقتصادي والرياضي. ونرقب الزيارات التي قام بها مسؤولين حكوميين إسرائيليين إلى بعض العواصم العربية، تحضرنا قصة المثل العربي وتجعلنا نتساءل أسعدٌ أم سعيد، ذلك الذي استقبل في قصره "بنيامين نتنياهو" قاتل الأطفال الفلسطينيين، وذاك الذي يقف بخشوع بحضرة النشيد الوطني لمن يفترض أنهم أعداء الأمة، لذلك لم يشبّه لنا ويحق لنا وللشعوب العربية أن تسأل أسعدٌ هو أم سعيد!
الضلع الثاني من المثل العربي قولهم انج سعدٌ فقد هلك سعيد، يبدو أن معظم العرب مقتنعين كل الاقتناع أنهم "سعد" المعني بالمثل، وقد أدركوا أنهم هالكين لا محالة إن لم ينجوا بأنفسهم، فسارعوا إلى التوبة والتكفير عن ذنوب ارتكبوها خلال سبعين عاماً، بعد أن اكتشفوا أنهم قوماً ظالمون، وأن إسرائيل ضحية الفلسطينيين. وفات العرب أن سعيد الفلسطيني لم يهلك بعد، وأن سعدٌ العربي إن أراد النجاة عليه تدعيم وتقوية وإسناد شقيقه سعيد "الفلسطيني" للانتصار في معركة يخوضها نيابة عن سعدٌ ومسعودٌ وسعاد.
لكن يبدو أن سعداً لم يقرأ صفحات التاريخ، ولا يعلم شيئاً عن صلابة وبأس وثبات وصبر وجبروت الشعب الفلسطيني، وإن أراد سعداً أن يكون سعيداً وألا يكون شقياً فعليه قراءة الواقع جيداً ومنح نفسه فرصة مراجعة من تعجل التطبيع، وقديماً قالت العرب: السعيد من اتعظ بغيره، والشقي من اتعظ بنفسه.
سواء نجا سعدٌ أم لم ينج، فقد سبق السيف العذل، وفعل أهل "حارديم" ما فعلوا، وانتهكوا حرمة الأقصى مثلما انتهكوا حرمة كل شيء فوق البلاد المسماة فلسطين، واعتقلوا شعبها وشجرها، والعرب لم يحركوا ساكناً ولا أثاروا ضجيجاً.
سبق السيف العذل، ضلع المثلث الثالث يعبّر عنه سعدٌ المناصر المؤازر ويخبر سعدٌ المطبع المتصالح المتساوق، إني أخشى عليكم غضب ابن أبيه، ولا فكاك لكم من مصير كالحمم، لا تملكون من أمره وأمركم شيئاً ولا عذراً، حينها يصح السيف الذي سبق العذل، إلا إن عدتم. حينها لا تلوموا أحداً، فاللوم بعد التحذير بدعة.
ضربت العرب قبل سعدٌ وبعده أمثالاً كثيرة للأخرق والأرعن، وقالت في أخبار المغفلين والحمقى أن الجاهل يفعل بنفسه ما لا يفعله العدو بعدوه. واستدرك العقلاء من العرب أن لحكاية سعد الذي ظن أنه نجا تتمة، إذ قالوا أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض.
قالت العرب قديماً أن الخائف لا يحمل معه عقله. وللأشقاء العرب الخائفين نقول: لم ولن يكون الفلسطينيون الثور الأبيض، ولن يموت هذا الشعب الذي اختار طواعية أن يقاتل ويناضل نيابة عن الأمتين العربية والإسلامية، وأن يحافظ على مقدساتها، ويعتبر أن هذا مكرمة له وشرفاً ينفرد به دون الآخرين، الذين يتربص بهم العدو كما يتربص بالفلسطينيين، لعل العرب يستيقظون من غفلتهم ذات حين ويعلمون أن المرء بأخيه كما قال الأجداد.

كانت وستبقى
فلسطين كانت قبل 7500 عام قبل الميلاد في جبل القفرة جنوبي الناصرة وسفح الرمل قرب طبريا. فلسطين الكنعانية كانت في العام 3000 قبل الميلاد. وكانت تحت الاحتلال اليوناني عام 332 قبل الميلاد. فلسطين كانت تحت الاحتلال الروماني في منتصف القرن السابع الميلادي. فلسطين وصل إليها عمر بن العاص حاملاً معه رسالة الإسلام العام 643 ميلادي، وتحررت فلسطين من الروم على يد خالد بن الوليد في معركة اليرموك الشهيرة. كانت فلسطين أموية في العام 661. وعباسية في العام 750. ثم دخلها الطولونيون والقرامطة. ثم احتلها الصليبيون العام 1095. وخاض صلاح الدين الأيوبي معركة حطين الشهيرة، واسترد بيت المقدس العام 1187ميلادي. وصدّ سيف الدين قطز والظاهر بيبرس الغزو المغولي على فلسطين العام 1259 ميلادي في معركة عين جالوت بعهد الدولة المملوكية. فلسطين دخلها العثمانيون العام 1516 ميلادي، مكثوا فيها أربعة قرون وخرجوا وظلت فلسطين. وهزمت مدينة عكا الفلسطينية بأسوارها حملة نابليون بونابرت العام 1799 ميلادي. فلسطين دخلها الجيش البريطاني العام 1917 ميلادي وخرج منها العام 1948، حين احتلها الصهاينة وأعلنوا فوق أراضيها دولة لهم. كان قد سبق هذا الإعلان حوالي نصف قرن من التخطيط والتنظيم والتدبير، وسوف يخرجون كما خرج غيرهم.
فلسطين التي كانت محور التقاطعات والتجاذبات والصراعات تاريخيا، سوف تظل في قلب الأحداث التي تجري مستقبلاً. فلسطين كان اسمها وسوف يظل، ولا يمكن للمنطقة أن تستقر دون حل عادل وشامل وكامل للقضية الفلسطينية، يعيد للشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية المسروقة، وتمكينه من إقامة دولته المستقلة فوق أرضه وعاصمتها القدس الشريف.

راهن عربي غير مؤهل للدعم
تاريخ الصراع الفلسطيني الصهيوني أثبت أنه لا يمكن لنا مواجهة القوة الإسرائيلية بأسلوب ناعم يعتمد على قوة الحق وفضيلة الأخلاق، فالتاريخ يظهر بوضوح أن لا حقوق دون قوة تساندها. لقد وصل عجز السياسات الرسمية لمعظم الأنظمة العربية إلى مرحلة تتسابق فيها الدول العربية على الاعتراف بإسرائيل وتبادل الزيارات والوفود، وفتح قنصليات ومكاتب تجارية إسرائيلية في بعض العواصم العربية، واستقبال وفود رياضية وتجارية وثقافية إسرائيلية، وسواها من العلاقات التي كانت محرمة فيما مضى حين أعلن العرب لاءاتهم الثلاثة، لا صلح لا تفاوض لا اعتراف. ووصل إخفاق وانكسار العرب أقصاه في هذه المرحلة حيث لا وجود لأي استراتيجية عربية حول إسرائيل، لا استراتيجية مواجهة ولا استراتيجية سلام. والمرعب أن يشهد الوضع العربي انحداراً وسقوطاً وتراجعاً في الدعم لفلسطين. والذل أن يتآمر بعض الاشقاء العرب على فلسطين وقضيتها وشعبها. لقد جرى تقزيم المسألة الوطنية الفلسطينية على أنها قضية الفلسطينيين فقط، في وقت تواصل فيه إسرائيل إصدار القوانين العنصرية، ويستمر تهويد الأرض وطمس هويتها العربية، وما نخشاه هو أن تتحول فلسطين إلى أندلس جديدة فيما العرب يتفرجون، ونفقدها للأبد.
ندرك كفلسطينيين أن الواقع العربي مثقل بالأعباء والأمراض والإشكاليات والتعقيدات السياسية والاقتصادية والأمنية، ويواجه الصراعات الداخلية والتحديات الاستثنائية بفعل سياسات الاستبداد لمعظم هذه الأنظمة التي جعلت الشعوب العربية تلهث خلف لقمة العيش. هذه الأمة غير قادرة على اختيار حاضرها ومستقبلها، وهي عاجزة عن دعم القضية الفلسطينية، التي طالما جعلت منها معظم الأنظمة مطية لتحقيق المآرب على حساب مصالح الشعب الفلسطيني، وطالما رفعت هذه الأنظمة الشعارات المزيفة لتستميل شعوبها وتتاجر بالقضية الفلسطينية. لكن الأحداث تُظهر أن الشعب الفلسطيني هو من سيقوم بتخليص وتحرير الشعوب العربية من أنظمة القمع والبطش، ويُطلقها من معتقلاتها التي تسمى أوطاناً، بعد أن ينال حريته ويقيم دولته فوق أرضه.

العرب وفلسطين
يواجه الفلسطينيون الآن مرحلة شديدة الخطورة، حيث يتعرضون لأقذر المؤامرات وأفتكها وأكثرها سمية منذ قرن من الزمن، بهدف اغتيال القضية الوطنية الفلسطينية، وإماتة الحقوق الوطنية العادلة والمشروعة للشعب الفلسطيني، ووأد حلمه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. بالرغم من أن معظم الأنظمة العربية قد وظّفت القضية الفلسطينية لغايات لا ترتبط بفلسطين لكن معظمهم تخلى عنها الآن. وفي الوقت التي اكتشفت فيه معظم الشعوب العربية بعد أكثر من سبعين عاماً على ضياع فلسطين، أن لديها هموماً تشغلها عن نصرة فلسطين وأهلها، اكتشف الشعب الفلسطيني من حُسن قدره، أن مقدرات وقوة معظم العرب على دعم وعون قضيتهم ليست أكبر من قدرتهم ومن قوة الفلسطينيين على إسناد وغوث أنفسهم. كما اكتشفوا حجم كذب ورياء معظم الأنظمة العربية الذي تسبب في إزهاق أرواح آلاف الشهداء الفلسطينيين، وأن تدخّل العرب سابقاً لم يكن تأييداً للقضية بقدر ما كان بسبب دوافع ترتبط بالعرب أنفسهم، الذي لم يخجل معظمهم من إسقاط جدار العداء لإسرائيل علناً. لذلك فقد حان وقت توقف هذا النفاق، وتسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية. وهنا من المهم التأكيد على أن فلسطين التي سدّدت أثماناً باهظة للحفاظ على قضيتها، لن تتراجع ولن تنكسر ولن تتخلى ولن تفرط بالحقوق وبالوحدة، ولن ترهن قرارها لأية جهة مهما بلغت قيمة الفواتير.

انحدار مرعب
أخفقت معظم الأنظمة العربية الاستبدادية في تحقيق شعاراتها المرتبطة بالوحدة والاشتراكية والاستقلال الوطني والحريات، وعجزت عن إحداث أية تنمية وتطوير في البنى الرئيسية، ولم تتمكن من إحراز مهام التقدم الاجتماعي. لكن هذه الأنظمة حققت نجاحاً لافتاً في بناء المؤسسات والأجهزة الأمنية التي تخصصت وأبدعت في قمع وقهر المواطنين وسحقهم، وحلت كافة مؤسسات المجتمع المدني، وأغلقت أي إمكانية لتطور الوعي السياسي للناس، وقوّضت مفهوم المواطنة، وقضت على الحوار المجتمعي، وشجعت الولاءات العرقية والإثنية والعشائرية والمناطقية، ونشرت الفساد في مفاصل الدولة والمجتمع، وسمحت للمفسدين أن يسمنوا ويتغولوا، وقامت بإعلاء المصلحة الخاصة على حساب قيم المنفعة العامة.
أقدمت هذه الأنظمة وبطانتها على تسخير مؤسسات الدولة وخيرات الوطن لخدمة مصالحهم الخاصة ومصالح الاقرباء والموالين، وفككت الروابط الوطنية والاجتماعية والأخلاقية بين مكونات المجتمع، مما أدى إلى ظهور النزعات العرقية والطائفية والقبلية والمذهبية والعشائرية البغيضة، التي فتتت الأوطان وحولتها إلى إمارات وقبائل وطوائف.
الأخطر قيام هذه الأنظمة بتليين وتطويع معظم المثقفين والمفكرين وتدجينهم، ومن لم تتمكن منهم إما زجت بهم في السجون لسنوات طويلة، وإما أنهم تمكنوا من الهرب خارج أوطانهم إلى بلدان غربية حيث حريتهم، وإما أنهم تركوا الشأن الثقافي وانعزلوا عن الحياة العامة. لم تستثني هذه الأنظمة حتى رجال الدين والمشايخ الذين قام بعضهم بإجراء تعديلات على معتقداته لتتوافق مع خطاب المرحلة.
لقد تحولت الأوطان العربية بكل ما تحتويه من بشر وحجر وثروات إلى ملكية خاصة لبعض الحكام العرب، الذين طوعوا كل شيء وحولوه إلى أداة منفعية تخدم مصلحتهم التي أصبحت فوق الوطن والمجتمع والدولة. لذلك فإن مهام التحرر الوطني والتقدم الاجتماعي التي رفعتها معظم الأنظمة العربية خلال خمسينيات وستينيات القرن العشرين لم يتحقق منها شيء، وأن كل الأحلام التي بنتها الشعوب العربية بعد الاستقلال الشكلي، في حياة تضمن كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية، قد جرى إجهاضها ووأدها مرتين في الحقيقة، مرة عن طريق الأنظمة العربية الاستبدادية التي قتلت واعتقلت كل شيء، ومرة أخرى تم هزيمة هذه الأحلام والتطلعات بواسطة الشعوب العربية نفسها التي رضيت أن تُصادر الأنظمة العربية حقها في أن تكون شعوباً حرة، وقبلت أن تكون مجرد قطيع خانع.

حضور إسرائيلي طبيعي
من أبرز سمات المرحلة الراهنة عربياً، غياب معظم الشعوب والأحزاب والقوى العربية غياباً فعلياً كاملاً عن المشهد السياسي والفعل المرتبط بفلسطين والقضية الفلسطينية، وحضور الأنظمة العربية الاستبدادية المنهزمة أمام إسرائيل، والمنتصرة على شعوبها. حضور الحكام العرب الذين يبدون ممانعة للاستجابة لأية مطالب من شعوبهم في تحقيق نوع من العدالة الاجتماعية والمساواة، وإحداث بعض التحولات التي تخترق جدار التسلط والقمع والتحكم وتفضي إلى مناخات ديمقراطية، لكنهم يُظهرون الليونة والقابلية والتأييد لإقامة علاقات طبيعية "للغاية" مع الكيان الصهيوني، وعلى حساب المصالح والحقوق الفلسطينية.
غاب الجميع وحضرت إسرائيل في أكثر من عاصمة عربية، وحضر النشيد الوطني الإسرائيلي المعروف باسم "هاتكفاه" ويعني الأمل، في داخل القصور الرئاسية والمدرجات الرياضية العربية.
 تواصل إسرائيل نجاحها في اختراق العواصم العربية، في وقت تمعن فيه بقتل الفلسطينيين وتهويد القدس، وتعربد في سماء العواصم العربية، وتهدد وتتوعد هذا وذاك من دول المنطقة، ومعظم العرب لا قدرة لهم ولا بأس، لا يكترثون إلى ما يجري في فلسطين، وصناع السياسة العرب وأصحاب المعالي لا يعنيهم الأمر، كأن الاعتداءات الإسرائيلية تقع في جزيرة غرينلاند وليس في الأرض العربية وأجواءها.
وإسرائيل أصبحت تتأقلم سعيدة مع وضعها الجديد كعضو مقبول ومرحب به من معظم الدول العربية، لذلك هي تعمل على تجاهل  القيادة الفلسطينية، وشطب العمل الفلسطيني من حساباتها، وتتغافل عن أي حلول لصراعها مع الفلسطينيين، طالما أن علاقاتها مع معظم الأنظمة العربية والإسلامية في أحسن حال.
 تماماً كما أسقط معظم العرب من حساباتهم شرط إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني، والتوصل إلى حل عادل وشامل يفضي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس، كشرط مسبق لقيام تطبيع عربي وعلاقات مع الكيان الصهيوني.
 
تثبيت الثابت
أي مثقف أو مواطن أو مسؤول عربي أو إسلامي يرضى بتهويد القدس، ويوافق على التسليم بالأمر الواقع بوجود إسرائيل فوق كافة الأراضي الفلسطينية، دون قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس.
وأي زعيم عربي أو إسلامي يتساوق مع الأفكار والتبريرات الإسرائيلية التي تتجاهل الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني، بما في ذلك حقه في تقرير مصيره، وحق العودة للاجئين الفلسطينيين والتعويض عن ممتلكاتهم التي فقدوها. ويقبل التطبيع مع إسرائيل.
كل مفكر عربي أو إسلامي كان يدعو إلى الأفكار الليبرالية التحررية، وإلى الحداثة وقيم العدالة والاشتراكية، ولا يبدي اليوم تضامناً واضحاً معلناً مع الشعب الفلسطيني وقضيته وحقوقه الثابتة.
كل مثقف وكاتب وإعلامي وأديب يتصالح مع الإرهاب الإسرائيلي، ويداهن الاحتلال، ويتردد في الثوابت الوطنية، ويتقلّب في مواقفه من القضية الفلسطينية.
كل من يفرط بالحقوق الفلسطينية والعربية، ويبدد تضحيات من سبقونا من الشهداء والجرحى والمعتقلين، ويحاول مقايضة الحق بالباطل. وكل من يحرف معركة الأمة المركزية عن مسارها، وكل من يشتت جهد الأمة في صراعات جانبية ومعارك ثانوية.
كل زعيم أو مسؤول عربي أو إسلامي يتعامل مع فلسطين في العلن بالخطب الحماسية والتظاهرات الحاشدة والاعتصامات وحرق الأعلام والصور والإطارات، ويتعامل في السر بمزيج من المؤامرات والصفقات والتسويات والاتفاقيات والزيارات الودية والشراكات والعقود والمساعدات.
من تاجر بالقضية الفلسطينية من الأنظمة العربية ومن المعارضات، ومن اعتبر يوماً أن فلسطين أم القضايا ثم خذلها لحسابات ومصالح ترتبط به وحده، من الأحزاب والقوى العربية التي كثرت أقوالهم وانعدمت أفعالهم. من يحاول تبخيس وتجاهل نضالات شعب عظيم عرف كيف يحافظ على هويته، بالرغم من أن العالم كله وقف ضده وسعى إلى إلغائه.
من يتآمر على الشعب الفلسطيني وقضيته وقيادته من العرب والمسلمين. من يحاول تمرير صفقات مشبوهة لتصفية القضية الفلسطينية.
جميع هؤلاء معادون للشعب الفلسطيني، ويقفون ضد تطلعاته وحقوقه المشروعة، متآمرون مع العدو الوطني والقومي لفلسطين والعرب. خائنون للعهود والمواثيق مع فلسطين وأهلها ومع شعوبهم وأنفسهم، نكثوا شعاراتهم ونقضوا التزاماتهم، هم دون ضمير عربي أو إسلامي أو إنساني، لا مبادئ لهم ولا قيم، أصحاب شعارات زائفة، لا بصر لديهم ولا بصيرة، ويل لهم من شرب قد اقتراب.

نقول فهل نتعظ؟
من المعيب الفاضح أن يحتاج الشعب الفلسطيني وقيادته إلى كثير الجهد من أجل لفت أنظار الأشقاء العرب أنظمة وشعوباً إلى قضيتهم العظيمة بعد مرور حوالي سبعين عاماً على النكبة البغيضة، التي أسهمت بعض الخيانات العربية في إخراج مشاهدها بالكيفية المؤلمة التي تمت. الكارثة المبكية أنه أصبح لدينا عدداً غير قليل من العرب لا يعرفون شيئاً عن فلسطين وشعبها وقضيتها.
في ظل الظروف الراهنة عربياً والاستثنائية في الانحدار والتشرذم والسقوط الأخلاقي، والوداعة مع الاحتلال الإسرائيلي، والإذعان المهين للضغوط الأمريكية، هل نحتاج اليوم لرجل يشبه زياد بن أبيه "زياد بن عبيد الثقفي" الذي صاح في خطبة البتراء الشهيرة، حين ولاه معاوية بن أبي سفيان على البصرة التي كانت معقلاً للخارجين عن طاعة الخلافة الأموية، فصعد زياد على منبر المسجد وخطب في الناس قائلاً "إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله، لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف. وإني أقسم بالله لآخذن الولي بالمولى، والمقيم بالظاعن، والمقبل بالمدبر، والمطيع بالعاصي، والصحيح منكم في نفسه بالسقيم حتى يلقي الرجل منكم أخاه فيقول انج سعد فقد هلك سعيد، أو تستقيم لي قناتكم"، أم أن العرب اعتادت كثير القول دون أن يتعظ أحد؟


48
أدب / ننتظر ولادة الماء
« في: 16:20 03/01/2019  »
ننتظر ولادة الماء

حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك


1
غيابكِ يلد
ساعات قاحلة
تطوف في أواني زجاجية
وأمنيات تطفو
على الفراغ بكسل
كما أنتِ
تسافر الفصول
في بطافات الدهشة
ويسمو الشوق
مثل ساقية تبتسم
لخزائن المطر
لا نهاية فيكِ لورد البساتين
مثلما يراقص الثمر
إيقاع المسافر
أحلّق إليكِ
في كل الاتجاهات
أنا وأنتِ نغرد بلا أسماء
فتسقط فاكهة الجسد
تربكني المسافات العنيدة
بيني وبينكِ
يستدرجني وجهي لتفاصيل الوجد
لكن
لا شيء في ملامحكِ يشبهني


2
أحرقنا كثيراً من الصور
قبل العودة
وتأملنا اللوحة الأخيرة
قبل كتابة العهد الأول
كان الخريف غزيراً
يقطف بساط الزهر
مثل مطر غاضب
ينقر وجه الزجاج
والعمر الهزيل صور
تؤسس لوحشة الخيبات
كم هروباً لم نتعب
مازال في الغياب
لحظات نستدرجها
لعبور جسر الذاكرة


3
كبرنا
بعد أن عبرنا عتمة العمر
كومض النور
شيئاً من الفوضى
وأشياء من القلق
أحببنا الصراخ بين السطور
وعشقنا وطناً هربنا منه
حملنا معنا كتباً
وتعلقنا ببعضها
مثل صغير يشد ثوب أمه
كَتَبنا من رحلوا
نحن هناك
وقبل أن تلفظنا شهقة الحجر
نهيئ للموت أسباب الحياة


4
أحلامنا غيوم حبلى
واليقظة عشب جاف
ونحن كطيور المطر
ننتظر ولادة الماء
ماء عينيكِ يقشّر
بلابل النهار الراكد
ويبلّل مجرى الضوء
خبئيني في ثوب الليل
حكاية للموسم المرتبك



5
يلتقط رماد الوقت
بكاء الحروف
يزحف الهشيم
على شفق الحكاية
والكلمات تتشح بالسواد
يجثو الوعد
أمام التوابيت الصغيرة
لا تأتوا اليوم
ولا غداً
تيقّنوا من التشييع
قبل الميقات


6
وحيدة كانت
في قاع الجرة العتيقة
فوق ظهرها
عمر المحتضرين
قالت كيف تتحاشى الصارية
ريح النهر وعزلة الحياة
قال الراعي
الغيث الغيث
قد انقلبت الأرض
والعشب وطَأً الماء

49
حسن العاصي
كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك


في فقه التشريع.. تضامن أم تطبيع؟
الحج إلى رام الله

يشتد الجدل واللغط في أوساط المثقفين والسياسيين كلما قام أحدهم بزيارة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، وينشغل هؤلاء في تصنيف الزيارة وتحديد إطارها ومقاربة معانيها، وينقسم المتجادلون إلى فريقين، أحدهما يضع هذه الزيارات خاصة إن كانت من قبل مؤسسات وهيئات فلسطينية في خانة التضامن مع أهلنا في فلسطين ودعم صمودهم، والأخر يعتبر هذه الزيارات تطبيعاً مع العدو الصهيوني. هذا الحوار بين الفكر والموقف ونفسه سبّب الشقاء للشعب الفلسطيني، ولم يسفر عن التوصل إلى أية نتيجة بين المتحاورين، بالرغم من أن الذرائع والمبررات التي يسوقها الطرفين تبدو منطقية وأخلاقية إلى حد بعيد.

نقاش هادئ
يجب التأكيد بداية على أن إطلاق التهم على كل من يزور الأراضي الفلسطينية المحتلة لا يفيد أحداً أياً كان الرأي والرؤية والموقف لكل منا حول السفر إلى فلسطين. ومن المؤكد أيضاً أن هذه الخطوة هي أمر إشكالي ويزيد من تعقيداتها أن معظم المؤيدين والرافضين يتخذون موقفاً متشدداً إقصائياً ضد الآخر.
 هل هي تطبيعاً أم تضامناً؟ البعض يعتبرها تطبيعاً لأنها تستوجب موافقة إسرائيلية، والأخرون ينظرون للأمر على أنه تضامن مع محاصر، وزيارة مريض في مشفى يقع ضمن سلطة احتلالية. ولأن الزيارات لم تتوقف وسوف تستمر وتتواصل، سيكون من المهم والأجدى أن يتم نقاشها بهدوء وموضوعية، وتبيان محاسن ومساوئ هذه الزيارة.
إن قيام المثقفين والأدباء العرب إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، وزيارة المؤسسات الثقافية والعلمية والأكاديمية الفلسطينية، وتنظيم الفعاليات تحت العلم الفلسطيني، هو بمثابة زيارة الشقيق للشقيق والتعرف عن قرب على كتابه ومثقفيه وأدبائه وشعرائه، وكل ما يثار من لغط حول هذه الزيارات يدخل في باب العنتريات والبطولات الهلامية التي أفضت إلى هزائم لحقت بالشعب الفلسطيني طوال أكثر من سبعين عاماً.
إن الإنسان الفلسطيني المحاصر في فلسطين والصامد الثابت على أرضها، المتلهف أن يقوم الأشقاء العرب بكسر الحواجز التي تضيق عليه، هو وحده من يمتلك حق إصدار الأحكام في الوطنية من عدمها، وتثبيت شبهة التطبيع أو نفيها.
لا أحداً يمتلك حق إلصاق تهمة التطبيع مع الكيان الصهيوني، إلا الشعب الفلسطيني نفسه داخل فلسطين. إن هذه المرحلة الخطيرة تشهد صراعاً وجودياً بين الفلسطيني صاحب الأرض وبين المحتل القادم من أماكن مختلفة، صراع على هوية البشر وهوية المكان. وفيما يقوم الآخر بعمل منظم ومنتظم لتغيير هوية المكان، يبدو الفلسطينيين والعرب متشرذمين ومفتتين وعاجزين عن مواجهة هذا التحدي.

ظروف استثنائية
حين تتعرض القضية الوطنية الفلسطينية برمتها إلى تقويض دعائمها كما يحصل في هذه المرحلة بهدف إنهائها، وحين يتعرض عموم الشعب الفلسطيني إلى مؤامرة قذرة من الولايات المتحدة والغرب وبعض العرب، فإن المهمة الأولى والرئيسية للمثقفين والسياسيين ولجميع الشرفاء من أبناء الأمتين العربية والإسلامية هي إظهار التضامن مع الفلسطينيين أينما تواجدوا، خاصة في مناطق فلسطين المحتلة، ودعم صمودهم وتمسكهم بأرضهم ودفاعهم عن حقوقهم. يجب إعادة الاعتبار لقيم التعاضد والتآزر والتكاتف بين أبناء شعبنا، وهذا يتطلب إنهاء الانقسام في البيت الفلسطيني بصورة طارئة، وتوحيد كافة الطاقات والجهود لمواجهة المخاطر المترتبة عن المشاريع والخطط التصفوية التي تتم في الغرف السوداء بهدف القضاء على الحلم الفلسطيني.
إن مواجهة تحديات المرحلة لا يتطلب التمترس خلف الماضي الثوري الرومانسي، بل يجب تحويل هذا الماضي إلى أداة عمل ورافعة بهدف إعادة تشكيل الراهن الفلسطيني. وأية محاولة لإحياء القتيل هي شبيهة بالدعوة للخروج من التاريخ، ورفض الواقع بصورة عبثية للهروب إلى الأمام، وإدارة الظهر عن الواقع بكافة تحدياته. إن أصحاب هذه الرؤية يسعون للخلاص عبر الدعوة للماضي، بسبب عجز هذه القوى وفكرها عن التصدي للمهام التي تتولد من الراهن، وعدم مقدرتهم الإجابة على أسئلة الحاضر ومفاعيله بكل تعقيداته.
فمن البلاهة وقصر النظر الظن أنه بالإمكان لوي عنق التاريخ لإجباره على أن يكون كما نرغب ونتمنى، وإرغامه على الإنجاب، من دون أن يكون التاريخ في تلك اللحظة التاريخية في حالة حمل حقيقي وليس حملاً كاذباً.

فقه المقاطعة
إن كانت زيارة قطاع غزة وهي أرض فلسطينية محتلة ومحاصرة من قبل العدو الصهيوني فعلاً تضامنياً، فكيف تصبح زيارة الأرض الفلسطينية المحتلة والمحاصرة في مناطق الضفة فعلاً تطبيعياً مع إسرائيل؟
إن كان هناك توافق على الأهمية القصوى لاستمرار وصول قوافل وحملات التضامن الدولية مع قطاع غزة من أجل رفع الحصار الإسرائيلي والعربي والدولي عنها مرة واحدة وإلى الأبد. لكن مهلاً، أليست الضفة الغربية هي أيضاً محاصرة ومستباحة من قبل الكيان الصهيوني، وفي أمس الحاجة إلى حملات تضامنية داعمة لرفع الحصار عنها هي الأخرى؟ إذن كيف يعتبر القومجيون واليساريون أن الذهاب إلى قطاع غزة فعلاً تضامنياً وواجباً دينياً ومسؤولية أخلاقية وإنسانية وموقفاً قومياً يكاد يرقى إلى نيل الشهادة، بينما السفر إلى مدن الضفة الغربية المحاصرة والتي تحتاج هي أيضاً التضامن، يعتبر فعلاً تطبيعياً يثير الحساسية خاصة عند من يرتفع صراخهم وتنعدم أفعالهم.
إن كان سبب غضب بائعو الوهم أن قطاع غزة يتعرض للقصف الصهيوني الوحشي وتتم محاصرته لأن حركة حماس اتخذت خطاً مغايرا عن المسار الذي خطته السلطة الفلسطينية في الضفة، الأمر الذي استوجب التعاضد معها والتآزر مع أهلنا الصابرين في غزة، وهذا شأن يُحترم لأن الاختلاف حق مصان للآخرين ويثري البيت الفلسطيني ويغنيه ويقويه، بشرط أن يكون الوطن فوق كل الاختلافات. لكن أيها المثقفون الجذريون، ألم يتم قصف مناطق الضفة الغربية بذات الوحشية ومن قبل ذات العدو في فترات ماضية، ألم تشهد – وما زالت- ارتكاب العديد من المجازر والأعمال الوحشية من قبل الجيش الإسرائيلي، الذي ما زال للآن يستبيح كافة مدن وقرى الضفة الغربية ويهدم البيوت ويقتل الشباب والنساء والأطفال. إذن لماذا كان وما زال السفر إلى الضفة الغربية بالنسبة لكم عملاً شائناً وموقفاً انهزامياً وشبهة تطبيعية تستوجب الدرء؟ هذا لا يعني بأي حال الانتقاص من حق أهلنا في غزة علينا وعلى العالم الحر في مواصلة التضامن والضغط على الاحتلال لرفع الحصار عنها بشكل نهائي، لكن هذا يستوجب أيضاً التأكيد على أهمية أن نمتلك معياراً واحداً ومكيالاً واحداً لمفهوم التضامن الذي يفرض علينا واجباً تعاضدياً مع أهلنا في مدن الضفة الغربية المحاصرة.

القدس في السياسي والديني
إن القدس هي المدينة الوحيدة في الكون التي تتمتع بالقدسية عند أتباع جميع الديانات السماوية، وهي مدينة مفتوحة على السماء ومحط أنظار العالم. وبالرغم من أنها كانت عاصمة الثقافة العربية في العام 2009 إلا أنها لم تحظى بمكانتها التي تستحق من قبل المثقفين العرب وهيئاتهم، لا رسمياً ولا شعبياً. القدس التي قاومت أربعاً وعشرين محاولة لتدميرها على مر التاريخ، سوف تظل صامدة ومقاومة، وعلى جميع المثقفين والشرفاء من الأمتين العربية والإسلامية أن يقاوموا معها كافة محاولات تغيير هويتها.
سياسيا فإن الموقف من زيارة الأراضي الفلسطينية المحتلة يتباين بين دولة وأخرى، فعلى سبيل الذكر إن الحكومة التركية تشجع وتدعو المسلمين الأتراك لزيارة الحرم القدسي، وتعمل على إعادة إحياء التقليد القديم الذي يقضي بزيارة الأقصى للمعتمرين بعد زيارة مكة والمدينة. وفي هذا السياق قام رئيس مؤسسة الشؤون الدينية التركية "مهمت غورماز" قام بزيارة إلى مدينة القدس في العام 2015 وألقى خطبة الجمعة من على منبر المسجد الأقصى بمناسبة ذكرى الإسراء والمعراج.
السلطة الفلسطينية تشدد على ضرورة التواصل مع مدينة القدس وتدعو المسلمين من خارج فلسطين وغيرهم إلى زيارتها وهي تحت حراب الاحتلال بهدف دعم صمود وثبات المقدسيين والتأكيد على عروبة المدينة المقدسة.
الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني المحتل بزعامة الشيخ رائد صلاح، وحركة حماس، لهما موقف مختلف حيث ترفضان مبدأ الزيارة وتعتبرانها تطبيعاً مع الاحتلال الإسرائيلي، وكانت الحركتان قد رفضتا زيارة العديد من الشخصيات الإسلامية للمدينة، مثلما حصل مع زيارة مفتي مصر السابق الشيخ "علي جمعة" وزيارة الداعية الصوفي اليمني المقيم في السعودية "الحبيب الجفري".
فيما يرتبط بالموقف الديني، فإن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي يرأسه الشيخ القرضاوي، كان قد أصدر فتوى بتحريم الزيارة لغير الفلسطينيين لمدينة القدس في ظل الاحتلال. منظمة التعاون الإسلامي وعلى لسان أمينها العام "إياد مدني" خلال زيارته لمدينة القدس العام 2015 دعت المسلمين إلى زيارة مدينة القدس التي أعلنت عاصمة الثقافة العربية.
الحكومة الأردنية المشرفة على الأوقاف الإسلامية في مدينة القدس أكدت على لسان وزير أوقافها "هايل داود" على أهمية زيارة المدينة المقدسة، وقال: إن كان لك أسيراً لدى سلطات الاحتلال الإسرائيلي، فهل تمتنع عن زيارته لأن ذلك يتطلب إذناً من آسره؟ وأكد أن الأردن تبذل أقصى جهودها للتيسير على من أراد زيارة المسجد الأقصى ودعم المقدسيين.
هذا الجدل والنقاش الدائر منذ زمن حول زيارة الأراضي الفلسطينية المحتلة والمسجد الأقصى، لم يتم حسمه بعد، ولا يبدو أنه سوف يحسم في الأجل القريب، وكل فريق يسوق لك الحجج الأخلاقية المقنعة لإثبات وجهة نظره.
حتى المقدسيين أنفسهم الذين يواجهون يومياً سياسة التهويد لمقدساتهم منقسمون حول جدوى هذه الزيارات، فمنهم من يرفضها وهناك من يرحب بها. فقد أظهر المقدسيون امتعاضاً من زيارة وزير الخارجية المصري السابق "أحمد ماهر" للمسجد الأقصى وقاموا بطرده أثناء الانتفاضة الفلسطينية الثانية، فيما لاقت زيارة المسؤول التركي الصدى الإيجابي والترحيب من المقدسيين الذين احتشدوا للسلام عليه.

توريط أم
يتعامل بعض المثقفين العرب مع الدعوات التي تصلهم من مؤسسات وهيئات واتحادات فلسطينية مقرها في رام الله لزيارة الأراضي الفلسطينية المحتلة، على أنها توريط في التطبيع. إن من يعتبر السفر إلى مناطق الضفة الغربية تطبيعاً مع إسرائيل، إما أن يكون صاحب رؤية مشوشة وبالتالي هو يدعم بحسن نية المخطط الإسرائيلي الذي يسعى إلى أن يكون الفلسطيني في فلسطين معزولاً ومسجوناً ومحاصراً، وأن تظل المؤسسات والهيئات الفلسطينية في حال من انعدام التواصل مع الداخل والخارج. وإما أن يكون أداة توظيفية في مشروع لضرب الوحدة الفلسطينية، أو أن يكون منحازاً للموقف المتشدد الرافض لوجود قوات الاحتلال على الأرض الفلسطينية، أو أن يكون له موقف ضد السلطة الفلسطينية لأسباب سياسية أو عقائدية أو تكتيكية، لكنها بالضرورة ليست أسباباً وطنية.
إن المثقف الحقيقي لا يحتاج إلى مؤسسات واتحاد