عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - فاضل ناصر كركوكلي

صفحات: [1]
1
           

                                          فاضل ناصر كركوكلي

رياحُ الليل المقرور

في شعره ألمسدل

ستطغى على الآفاق يوما ً

وسوف تجلسُ في ركن ٍ ما ...

متعبا ً وصامتا ً ...

تنتظرُ الرحلة َ الأخيره

للخيول الداكنه ...!

- الشاعر التركي ( أحمد حمدي تان بنار)

 

 اُقيم في صالة الفن في مدينة ـ  فينرشبوري ـ السويديه معرض الفنان العراقي ـ عبدالكريم سعدون ـ تحت عنوان ـ رقصة ُ الضوء ـ في ( 18 ) نوفمبر من هذا العام وسوف يستمر هذا المعرض حتى العاشر من شهر ديسمبر الحالي ...

لقد حقق الفنان ـ عبدالكريم سعدون ـ حضورا  إستثنائيا ، ومن سنوات عديده ، بمعارضه الكثيره في مختلف عواصم العالم ومدنه وكتبت عن تجربته الفنيه أقلام عديده وفي مختلف الصحف والمجلات المحليه والعربيه والعالميه ... هذه التجربه التي تمتاز بالمثابرة والصدق في تجاوز تكرار الذات نحو معطى تشكيلي عراقي ذو خصوصية نابعة من اصالة التعامل مع المنجز الحضاري بشقيه .. تكريس الرؤيا الفنيه للزمن الرافديني وإعادة صياغة الموروث الشعبي وثيماته الروحيه المطلقه ضمن إطار التحديث الذي بدأ مع قسم من الرواد الأوائل وفناني الجيل السبعيني من القرن المنصرم ، فلاغرابة إذن أن تحمل لوحات الفنان كل هذا الارث من التجريب والدراسه وبتقنيات ومواد مختلفه كالأكريل والزيت والمائي وبمختلف أنواع التعبير كالتصميم والكرافيك والكاريكاتور والنحت بمادة الورق المعالجة بمواد وتقنيات عديده قاربت روح السيراميك والموزائيك وصلابتها في أعمال نحتية بارزه ونافره كانت ، ولازالت ، من الممكن أن تقدم مشروعا فنيا ذرائعيا تزيّن تجاعيد مدننا الغارقه بدخان القنابل بملامح الفن الاصيل ...

يستدعي الفنان ـ عبدالكريم سعدون ـ الكثير من الأسئله عن صميم التعبير الفني وإشكالاته المتعددة ، ناهيك عن الأطر أو أنساق المنحى التشكيلي التي يعالجها في لوحاته ، ولعل هذا الاستدعاء ناتجٌ عن معايير التقويم في لغة التكوين الفني ومفرداته التي تتناول المكان كحدث موغل في سياق الزمن وفضاءاته التي تقارب حضور القصيدة الشعريه وتخومها ، وبصراحه ، كان هذا الحضور طاغيا الى درجة تفجرت فيه أجنة ُ التكوين المادي لانبعاث المكان من الذاكرة كرموز لمحاور طقس بدائي معيّن تتوحد وتتكرر بصورة فنية معينه وباستمرار في حوامل اللاوعي وأنماطه المتعددة بحيث تقارب وبوضوح التميمة السحريه والتعازيم في أبعاد اللوحة وفضاءاتها بالإضافة الى استحضار أشدّ المواضع عتمة من أديم المكان وميراثه الجمالي ليحيلها الى الاشراقة الآتيه في سياق الشهقة الاولى في براءة الطفوله ودهشتها التي تجاورت في لوحاته مع إرهاصات الألم وأعماقه أمام عالم منهار ...

هذا الخطاب الفني عند الفنان يُحيل المشاهد فورا الى التساؤل بأن ثمة بنية داخليه مشتركه في تأسيس اللوحة وتكوينها وذلك بتأطير الإستعارة والإيحاء والرمز في كينونة العمل الفني والتي تنبثق بغتة ً وبتلقائيه فريده تعكس التضاد اللوني كومضات نابضه بالجذل في أبعاد اللوحة التي تأسست أصلا ً على الرتم اللوني المتعدد والجرئ والذي يتشكل من أعماق الفراغ ومن داخل الصياغه اللونية نفسها ومن تراكمها الذي يصلُ حتى حدود الرهافة وشفافيتها في وعي الفنان لأدواته الفنيه ولإخضاعها للوصول الى عالمه الخاص الذي يتموضعُ دوما بين أشكال ترسبت في لقىً وأوابد سحيقه وخاطفه في عمق الماضي كمفردة رمزيه ودلاليه كالختم ودوائر الخرز والاحجار والأقراط الملونه وبين أشكال ٍ تأنسنت وانبعثت من تلافيف ألوان النماء في مهرجان طقوس التوحّدِ مع بذرة التكوين الأولى في ملحمةِ الخصب والموات ...
والغريب بأن كل هذا المنجز الفني الحيوي على صعيد مستويات التشكيل البصري واللوني
يتمُ عبر البناء الذاتي للوحات الفنان وبدون إقحام للمفردة التقريريه والسرديه وبشكل حركي
ينحو نحو المستقبل بحيث يبدو وكأن الفنان نفسه خاضعٌ لعملية النفي والضّد ، أو بعبارة أخرى ، وكأن لوحاته بقوانيها الخاصه ، قد تمركزت ، في فترة الانجاز بالذات ، خارج إرادة الفنان الذي أبدعها ، فالفنان هنا يتأرجح بين الحضور والغياب بصورة محيرة لفتت إنتباه المراقبين ، بذائقاتهم المختلفه ، في عملية الإستقراء ، هذه الى درجة لم تعد في مقدورهم مغادرة صالة العرض بسهوله ... !
هذا الإحساس الشعري لعالم سحري وغامض غموض نبض الالوان الصارخه وتوحدها مع نسيج الموسيقى وإنسيابه إنتقل مباشرة ، ومن أول وهلة ، الى المتلقي …
لقد إجتاز الفنان برهافته وصدق مشاعره في هذا المعرض تلك المسافة بين التفعيل والتفاعل والتحديث والحداثه في مفرداتٍ إنسانيه غاية في البساطة والعمق والتي أضمرت في أحشائها أجوائنا المحليه وروحها المضطربه ، والباحثه دوما عن التجدد الخلاق والمتسائلة أبدا عن معاني الخير والشر في أساطيرها وملاحمها منذ بدء الخليقه وحتى أيامنا القاتمه هذه ، وأعني بها أجوائنا في … جنوب العراق …

إن الفنان ـ عبدالكريم سعدون ـ ينتمي الى جيل عرف بدقه كيف يبحث ويستنبط ، لا بل عرف كيف يستنتج بدون أن يبحث ـ حسب بيكاسو ـ …لأن الإيحاء الفني هنا يتجاوز البحث ويتقدمه لأنه دوما مقرون بعفوية الفنان وتلقائيته وبمصادر ثقافته المتنوعه ، فهذا الانتماء الى جيل أبرزَ ـ العزاوي ـ وـ الناصري ـ و ـ الجميعي ـ إحتاج الى فترة نقاهة بعد أن أنشبت المصادرة والقمع والتهميش أنيابها في لحمته وهويته الفنيه … وعلى الرغم من كل ماحدث ، ويحدث الآن ، من الدمار والحرائق والموت المجاني وانتهاك كرامة الانسان العراقي بأقسى وأعنفِ صورة في تأريخنا كأفراد وتأريخنا كوطن وبإسم أحقر الوسائل لتمزيق أوصالنا ووشائجنا كشعب موحّد إبتلى بالطائفيه البغيضه والعنصريه والإحتلال ومصادرة أبسط مقومات الحياة لأبسط مقومات التعايش تحت الشمس والتي إنعكست بجلاء في لوحات ـ عبدالكريم سعدون ـ السابقه من خلال شفاه مزمومه ومُطبقه على ألم ٍ وخوف مريع ، ومن خلال حدقات أطفال ، بأعمار أحجار سومر وبابل ، مفتوحة على أحلام ٍ مجهضه وعلى هلع مريب يستشرف الآتي كنبؤة كهنة معبد ـ أور ـ …

هذه الآلام العظيمه التي كانت تنهض من جحيم بوابة العالم السفلى نحو ومضات الفرح من خلل مساحةٍ لونيه مشرقه تتنفس في صميم عَتمة اللوحة في معارض الفنان السابقه تتحركُ
الآن هذه المساحة في معرضه الحالي لتغطي كامل أبعاد اللوحة بغبطةٍ وتفاؤل مزدهر ، لا بل بسخريه مريره وبإبتسامات شموخ وبراءة تسحق تماما ً التعابير المؤلمة التي كانت تطال أنماط البشر المهزومين في رهانات عصرنا …

إن الإنطباع الأولي أمام لوحاته الحاليه يحمل دفق الحياة بكامل رونقها وألقها وقوتها الجارفه والمهيمنه وبكامل ثقتها على غلبة ماهو خير وأزلي على زوال الشرور المستحدثه فيها على الصعيدين الذاتي والموضوعي ، الفردي والكوني معا ، وبالرغم من حضور هذه الصيرورة الحتميه في مجمل لوحات الفنان فإن في تواتر الألوان المتدفقه بالحياة وإيقاعاتها المتضادة يكمن إيقاعٌ غامض يحمل روح الرمز والإيحاء يشفّ ويتلاشى تحت وابل الألوان المشرقه تارة ً ويتشكل كائنا اسطوريا في منتهى الصغر مع شخوص اللوحة طوراً ، فهو يتمحور في أغلب اللوحات كخيل ضامر وداكن في ضباب اللون ثم يبرز كحشرة لادغه أو كدمية لطفل سعيد أو كحيوان هدّه الجوع والعطش ، وفي كل الحالات يتجدد مع تجدد تحولات اللوحات وخصبها اللوني المتعدد مما أضفى ، بدون أدنى شك ، على اللوحات ثراءً لتضادات الرموز والمعاني ...

إن خصبَ لوحات الفنان ـ عبدالكريم سعدون ـ في جديده يحتاج حتما ً لوقفه أطول وأشمل ، لأن هذا الخصب يتلامح مع خصب ميراثه المعرفي والفني في تجدده الدائم ...

أما كان ـ ديموزي ـ إلها ً عراقيا ً ... ؟؟

 

fazilkalali@hotmail.com

 


صفحات: [1]