عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - هاتـف بشبـوش

صفحات: [1]
1
أدب / ستة ًوثمانين ربيعا شيوعيا
« في: 19:17 01/04/2020  »


ستة ًوثمانين ربيعا شيوعيا
..........

يوهانس ، شيوعيُّ دنماركي
بادَرني منشرحاً ..
نحنُ إذنْ..
في مملكةِ الربيعْ
هذا الذي قد تبقّـّى يارفيقي!!!!


فلنرتدي، تشيرتَ جيفارا
آآآآآآآآه..
ما أبهى أنْ يكونَ قميصُكَ ، أيقونة قديسْ
ما أشهى أنْ نعبرَ الساحةَ
وندخلَ بارَ عمّالٍ ، وباعةِ شارعْ
آآآآآآه ..
ماأعذبهُ الخمرْ ..
خمرُ كورونا ...
 لا كورونا الكوفيدِ وضيقِ النفس ْ
.......
......
لكني يارفيقي ، تنقصُني المرايا
لترتيبِ وسامتي  ، كي أنالَ قبولَ عينيها 
ولا أقولُ لها تجرّدي  ، من البُرنس القطني
بل تكفيني ، سُحابةَ القميصِ الأحمرِ
ولو ضاقتْ بنا الدنيا
نستعيرُ عنواناً
منَ البراحِ الريفيِّ ، القصيّا
فانتظرني هناك يوهانس..
عند الشارعِ الممهّدِ بالرملْ ، بين النهرِ وفلاحاتٍ مرحاتْ
هناك بيتنا ، سجننا ، أطفالنا الموعودون
ما أبهى الحياة !!!
   
كورونا.. اشارة لفيروس كورونا وخمر كورونا المميّز
هاتف بشبوش /شاعر وناقد عراقي


2


الشيوعي دالتون ترمبو Dalton Trumbo.....
الشيوعي الهوليودي (دالتون ترمبو Dalton Trumbo) أشهر كاتب سيناريو أمريكي في بداية القرن العشرين ، فهو الذي كتب سيناريو أشهر فلم في العالم حتى الآن ، ألا وهو ( سبارتكوس) ومن منا لايعرف هذا الفلم وممثله الشهير ( كيرك دوغلاص) . لكن مشكلة ( دالتون ترمبو) أنه كان شيوعيا وسط منتجين همهم الوحيد الجنس والمال في مملكة هوليوود ، فحاربوه وأعتقلوه عام 1950. لكنه نال شرف هذه الأحقية ورد له إعتباره بعد موته بأعوام حيث مثلت شخصيته وحياته بفلم درامي رومانسيٍ جميل للغاية بعنوان ( ترمبو Trumbo) من إنتاج 2015.
في الفيلم نجد( دالتون ترمبو) وصديقه المقرب الكاتب الشيوعي ( آرلين هارد) وأصدقاءهم الشيوعيين يحاربون من قبل المتنفذين في هوليوود والمنتجين والممثلين من أمثال( دونالد ريغان) الذي أصبح رئيسا للولايات المتحدة وهو أشد الآعداء للشيوعيين في هوليوود ، ثم الممثلة والصحفية الأولى الشهيرة في هوليوود ( هيدا هوبر) التي ترتدي قبعة مائلة على الرأس تعطيها مظهرا برجوازيا أنيقا . ثم ممثل الكابوي الشهير (جون واين) الذي إعتلى المنصة التي أعدت لعزل القائمة السوداء لعشرة شيوعيين من أعظم مبدعي هوليوود أنذاك وقال مستهزءاً من شيوعيي هوليوود (إذا اردت ان تكن شيوعيا فكن.. ولكن عليك ان ترحل الى روسيا وترى باليه بولشفي ) . وحصلت مشادة كلامية بينه وبين (دالتون ترمبو) حيث اتهم جون واين ترمبو بكرهه لأمريكا فقال له ترمبو أنا كنت مراسلا حربيا مدافعا عن بلدي وأنت ماذا كنت في الحرب فخرج (جون واين) يجر أذيال خيبته من الخجل .
الفلم تناول الحقبة التأريخية البشعة لهوليوود و سياسة أمريكا في محاربة الشيوعية في الاربعينيات وماتلتها من عقود مشؤومة حتى إرتعبت أمريكا من سيطرة الشيوعيين على هوليوود والإذاعة .
يُقدم للمحاكمة جميع الشيوعيين في هوليوود وعلى رأسهم ترمبو وصديقه الكاتب الكبير (آرلين هارد) وكان مصابا بالسرطان ، الذي اعطى إجابة أخرست الحاضرين وقال ( انني بحاجة الى طبيبي اذا كان بوسعه ازالة ضميرنا جراحيا) ، في رده على قاضي التحقيق الذي أراد منه الاعتراف بإنتمائه للحزب الشيوعي وإحتقاره للكونغرس الأمريكي حيث أنذاك قدم الرفاق الشيوعييون كتيباً بسيطا للكونغرس يتضمن تعديلا للدستور الأمريكي  .أما ترمبو حين حكم عليه القاضي بالسجن قال ( هذا هو معسكر الإعتقال الأمريكي ) .
يّطرّد من هوليوود ويسجن عشرة من الرفاق الشيوعييون بعد حفل توديع لهم أقامه الفنان الثري المعروف والليبرالي (إدي روبنسون) في بيته حيث كان هذا البيت مقرا لإجتماعات الشيوعيين . هذا الفنان الشاب يبيع أغلى لوحاته التي جمعها لكبار الفنانين ومنها لوحة (فان كوخ) ولوحة (مونيه) ويعطي أموالهما الى الشيوعيين للدفاع عن أنفسهم أمام المحاكم ، وبهذا يكون قد ضرب أعظم مثلا للتضحية والدفاع عن اصدقائه الشيوعيين . وفي السجن يبقى ترمبو على حبه لزوجته وأطفاله عابقا فيكتب لهم ( لكم خالص حب السجين رقم 3267) وبهذا يكون قد حذا حذو الشاعر الشيوعي التركي ناظم حكمت ورسائله الى زوجته من خلف القضبان . في السجن يلتقي ترمبو بالقاضي الذي حاكمه وأدخله القباء وبيده مكنسة ينظف بها مرافق السجن ، فيقول له القاضي هانحن كلانا سجناء ، لكنّ ترمبو يقول له أنت تختلف عني ، لأنك مجرم سرق أموال الشعب و لم تدفع الضرائب المستحقة عليك . 
يخرج ترمبو من السجن على شرط أن لايكتب مرة أخرى . ويحارب من وسائل الأعلام وحتى من جيرانه الذي ارسل له قصاصة ورقية كاتبا فيها إرحل من هنا أيها الخائن. لكنه ضاق ذرعا من المعيشة فهو متزوج ولديه عائلة فالتجأ الى الكتابة بإسم مستعار وظل لعشرة أعوام يكتب ونال العديد من الجوائز الأكاديمية عن أفلامه السينمائية الشهيرة بأسماء اصدقائه الليبراليين المستعارين ومنها جائزة فلم (الشجاع) حيث كتب قصته بإسم صديقه ( روبرت ريتش) واستلم الجائزة شخص آخر فغضبت الصحفية هيدا هوبر لأنها تريد أن تعرف من هو روبرت ريتش . وفاز فيلمه أيضا (عطلة رومانية) بطولة الجميلة ( أودري هيبورن) والشهير (كيركوري بيك) المحايد سياسياً والذي أعلن رفضه لأحكام السجن بحق الشيوعيين في هوليوود ومثل الفلم دون أن يعرف أن كاتب السيناريو الحقيقي هو الشيوعي ( دالتون ترمبو)  . 
أهم جانبٍ في الفيلم والذي أعطاه رونقا باهراً وهو الجزء الأساسي من الفيلم  يظهر الممثل الشهير ( كيرك دوغلاص ) الذي له علاقة طيبة مع الشيوعيين ، لينقذ ترمبو وكان كيرك دوغلاص في ذلك الوقت أراد تمثيل شخصية ( سبارتكوس) بطل ثورة العبيد على الرومان . ولم يجد كيرك دوغلاص في هوليوود أفضل من الشيوعي ( ترمبو) لتأليف سيناريو فلم سبارتكوس الذي هو أساسا كتب روايته شيوعي بارز في أمريكا . لاقى كيرك عداءاً كبيراً من الممثلين في هوليود ومن الصحفية هيدا هوبر حتى قالت لكيرك لم أرك سافلا لهذه الدرجة بحيث تعمل مع الشيوعي ترمبو فقال لها بل أنا سافل منذ زمن ياهيدا وأنت لاتعرفين ، فتركها غاضبة في مكانها . أصر كيرك دوغلاص على ترمبو في أن يقوم  بكتابة السيناريو بإسمه الصريح بعد إعطائه الضمانة بعدم مطاردة السلطات الامريكية وهوليوود له ، وبالفعل نجح كيرك وكتب ترمبو السيناريو بإسمه ومثل مع كيرك دوغلاس في الفيلم الممثل الآسود الشهير الذي عرفناه في تمثيله لشخصية الشيوعي الأفريقي الثائر ( بياترس لومومبا) الذي أغتالته المخابرات الامريكية . عُرض الفلم وحاز على أعظم أرباحٍ في شباك التذاكر وفاز بجائزة الاوسكار لعام 1961 وأعلنت الصحفية الشهيرة هيدا هوبرز بنفسها عن نجاح الفلم في الصحف وتراجعت عن موقفها السلبي بشأن ترمبو وشيوعيته لثقله الكبير في هوليوود ككاتب حفر اسمه في تأريخ هوليوود رغما عنهم وعن مناكافاتهم له وهذا ما أعطاه نجاحاً آخراً .
حضر فلم سبارتكوس الرئيس الامريكي جون كنيدي وأشاد بجمالية الفلم ومتعته وغاياته وبهذا رُفع اسم ترمبو من القائمة السوداء ومن لجنة أنشطة ألغير مخلصين لآمريكا وهذه اول مرة يكتب بها ترمبو بإسمه الصريح بعد كتابته لعشرة سنوات باسم مستعار ومنها إنطلق يكتب ويكتب ، وكل هذا الفضل لكيرك دوغلاص نصير الشيوعيين . فكم هو عظيم كيرك دوغلاص وكم هما سخيفان جون واين ودونالد ريغان . كيرك دوغلاص كان ممثلا مشهورا وله العديد من الأصدقاء من الساسة الامريكيين إذ انه لم يدخل مجال السياسة كما الممثل دونالد ريغان فظل ممثلا يحترم الحرية ويناضل ضد الاستعباد من خلال افلامه فقط ، فنجح في أن يكون نصيرا لترمبو ورفعهِ من حضر الكتابة ، وهذه القصة شبيهه بما حصل لعبد الرحمن الآبنودي الشاعر المصري الشهير والذي كان شيوعيا أنذاك وأعتقل من قبل سلطة جمال عبد الناصر المعادي للشيوعيين ، وقد أخرجه من السجن المطرب عبد الحليم حافظ الذي كان صديقا معروفا لجمال عبد الناصر والمشير عبد الحكيم فاطلق سراحه وبدأ يكتب أشهر ألاغاني لعبد الحليم حافظ ومنها انطلق عبد الرحمن الابنودي الى عالم شعر الغناء والحب .
وينتهي الفلم بكلمة لترمبو في حفل جائزة الأوسكار التي منحت له ويتحدث بها عن حبه لأمريكا وعن آلامه مع عائلته ورفاقه وفقدان وظائفهم أنذاك من جراء العداء للشيوعية في هوليوود وفي عموم أمريكا .
ينقل لنا الفلم أيضا في نهايته كيف انّ هوليوود ردت اعتبار هذا الكاتب الشهير واعتبرته من أعظم كتاب السيناريو في ذلك الزمن العصيب فمثلت له هذا الفلم بعنوان ( (Trumbo في العام 2015  . وهكذا هي الشيوعية تبقى خفاقة ببيرقها العالي حتى وان خفت لونها لكنها تظهر قسرا في التاريخ وتفرض نفسها لما لها من قابلية على البقاء والبقاء مثلما نرى اليوم الحزب الشيوعي الصيني الذي أذهل العالم بعلمه وازدهاره بعد خفوت سماء الشيوعية في أنحاء العالم  .
وفي خلاصة القول هناك نتيجة مفادها ، انه لايمكن أن نجد حزبا شيوعيا على أرض أمريكا لأنها على مر أعوامها حاربت الشيوعية بشراسة فكانت تخيّر الشيوعيين أما بالنفي من أمريكا أو القتل ولايهمها مهما كانت شخصية الشيوعي ، وأشرس هذه الحملات هي المكارثية نسبة الى السيناتور مكارثي الذي اشتهر بمحاربته للشيوعيين وساعدته الصحفية هيدا هوبر في الكشف عن أسماء الشيوعيين في هوليوود . ومن المشاهير ورموز أمريكا مَن طالتهم هذه الجريمة الشيوعي ( شارلي شابلن ) الممثل الكوميدي المعروف ، فنفته الى بلده ألاصلي بريطانيا مع زوجته وبقي هناك عشرة أعوام . (جون لينون )المغني والشاعر الشيوعي مؤسس فرقة البيتلز قتلته المخابرات الأمريكية بمسدس وبسبب هذه الجريمة نحت الفنان السويدي صديق جون لينون المسدس المعقوف تخليدا لجون لينون ورمزا للسلام .
وأخيرا كمعلومة سينمائية لابد منها : فلم ُّميلودرامي بمشاهد رومانسية ، فلمُّ وثائقي ضم العديد من الشخصيات الكبيرة في هوليوود من مخرجين كبار ومنتجين جشعين . الفلم من تمثيل (برايان كرانستون) بدور (دالتون ترمبو) ، صحفية هوليوود الأولى (هيدا هوبر) مثلت شخصيتها الممثلة المعروفة (هيلين ميرين) التي مثلت دور زوجة الروائي الشهير ليون تولستوي في فيلمٍ عظيم عن حياته . الجميلة (دايانا لاني) مثلت دور زوجة دالتون ترمبو( كليو) والتي كانت بمثابة المؤازر له في كل أوقاته العصيبة حتى ماتت عن عمر ناهز الثالثة والتسعين ( 2006) بينما زوجها ترمبو مات في السبعين من عمره في عام 1974 . أما شخصية الممثل العظيم كيرك دوغلاص الذي توفى قبل شهر من الآن عن عمر 104 أعوام أعطيت لشخصية شابة شبيهه له للغاية وقد أجاد دوره بإتقانٍ مذهل أعطى للفلم روعته لأن ذكرى سبارتكوس باقية في اذهان كل صانعي ومحبي السينما في هوليوود والعالم حتى هذا اليوم  .

هاتف بشبوش/شاعر وناقد عراقي

3


غرائبُ تضحيات عمالقة الشيوعيين .....
السفير التشيلي في المكسيك كان يجلس على كرسيه ، فاقتحم رجلُّ من كولومبيا هذه السفارة طالبا اللجوء قائلاً للسفير ، أنا سياسي هارب من بلدي والشرطة تلاحقني حتى في المكسيك اذ انهم وضعوا صوري في شوارع العاصمة المكسيكية . فما كان من السفير التشيلي الا أن يكون موافقا وقال لهذا الرجل ، سأنقذك واتحمل مسؤولية هذه المخاطرة فأعطاه السفير جوازه الدبلوماسي التشيلي ، وحجز له تذكرة الى فرنسا وطار بها الى هناك وتخلّص هذا الرجل من الموت المحقق وظل يعيش بقية حياته في الأمان حتى مماته . ولكن من هو السفير التشيلي ومن هو الرجل طالب اللجوء ؟؟؟. السفير هو بابلو نيرودا الشاعر الشيوعي العالمي المعروف والذي كان اسمه أنذاك ريكاردو نفثالي حتى أصبح شاعرا معروفا في العالم فأصبح اسمه بابلو نيرودا حتى مماته مع الرئيس الشيوعي التشيلي سيلفادور الليندي بعد إنقلاب بينشويت ألاسود المدعوم من قبل أمريكا . ومن هو طالب اللجوء ؟؟؟ أنه ذلك الرجل الكولومبي الذي اصبح فيما بعد أعوامٍ وأعوام من هذه الحادثة أشهر روائي في العالم أنه الروائي غابرييل غارسيا ماركيز صاحب أجمل رواية (ألحب في زمن الكوليرا). هذه إحدى روائع التضحيات لهؤلاء ألابطال الشيوعيين الذين حفروا اسمائهم في التأريخ النضالي من أجل ألإنسانية .
هاتف بشبوش/شاعر وناقد عراقي

4
أدب / كنتُ في العراق
« في: 18:09 28/02/2020  »



كنتُ في العراق

هاتف بشبوش
شاعر وناقد عراقي


ذوي القربى ، يسرقونَ مالكَ وروحك
صورّ للعمائمِ والأولياءِ ، تملأُ الباحاتِ والأزقة
فكانَ لزاماً عليّ...
أنْ انظرَ للسماءِ
الى كلبٍ سائبٍ يمرّ ، ومجنونٍ بهلواني
أو أّطأطيءُ رأسي للأرضِ
وأتمعنُ في كومةِ مزبلةْ!!!!
أو أحدقُ في تصريفٍ صحيٍ مفتوحٍ ، وما أكثرهُ
أو أعاينُ في حذائي.. وحذائي.. وحذائي
كي لا أرى ، وجوهاً ممسوخة ً قتلتنا !!!!!




5
حال العرب (8)  ...الموعظة البشعة


 في أحد الحروب الإنكشارية التركية ضد الروس ، جاع المسلمون بعد خسارتهم في الحرب فقرروا بعد إجتماع أن يأكلوا النساء جميعهن لعدم الحاجة لهن في الحرب ومآثرها . لكن شيخاً مؤمنا وواعضا أشارعليهم أن يتحلوا بالصبر ويرحموا نساءهم فيأكلوهن لحمة بعد لحمة دون قتلهن وذلك بأن يقطعوا ردفهن الأيسر في بداية الأمر لكثرة مافي العجيزة من لحمٍ طري فيأكلوا منه . وإذا لم يكتفوا بذلك فليقطعوا الردف الآيمن وهكذا يقطعوا جزءا جزءا حتى يفرجها الرب الرحيم وبهذا يكونوا قد إحتفظوا بنسائهم وأشبعوا بطونهم . أما ماحصل للعراقيين اليوم فالجوع أبو الكفار، فراحوا يأكلون بعضهم بعضاً بالقتل الشنيع من أجل البقاء للطائفة والدين والعرق . أما النساء فأكلوها بزواج المتعة وما ملكت حتى شهدنا ظاهرة العانسات اليوم بشكل لم يسبقه مثيل على مر الأزمنة والعصور .
هاتف بشبوش/شاعروناقدعراقي

6



دفتر ملاحظات (2) .. The Note Book

إيلي تداوي أحد الجنود المصابين ( لون هاموند) بينما حبيبها ( نوح) غافياً مضمداً بالقرب منه على بعد سريرين دون أن تعرفه وهذه أحدى سخريات الحروب وغرائبها التي تعطي بعدا آخراً عن الحب الأليم إذا ما عاند وأصر على الفراق حتى لوعملنا المستحيل ( وأمر مايلقى المحب من الهوى /قرب الحبيب وما اليه وصالُ) . تنشغل إيلي في تطبيب الجندي الجريح الذي يراها جميلة فسلبت لبه وعقله وهو مريض لايقوى على شيء ، هكذا هو الجندي في سوح المعارك والمشافي ، أول مايفكر به إمرأة تحنو عليه فتأخذه الى عوالم الرومانس والهدأة حيث المراح والحدائق والشوارع وصالات الرقص ، فيدعوها للرقص ضاحكا باكياً وهو في هذا الحال بين الجنان المتمثل بوجه إيلي الملائكي والجحيم المتمثل بدنو الموت . فتقول له كممرضة يتوجب عليها مداراة الجريح بشتى الوسائل فتقول له حسنا كازناوفا سنرقص حتى نمل حين تشفى وهذا وعدا مني فنم الآن واسترح كي تحلم برقصنا الجميل . الجندي هذا يشفى من جروحه فيظهر من أنه يعيش نفس المدينة التي تعيشها إيلي وهو من عائلة ثرية وهو طيب للغاية ووسيم يليق بإيلي كزوج فيحصل النصيب في الحب وإعلان الخطوبة في حفل مهيبٍ لأثرياء البلدة فتنطوي صفحة نوح بالنسبة لإيلي فهي اليوم في عالم جديد ربما قد مات فيه ( نوح) في الحرب كما لاحت لها كل المعطيات ومجريات الأحداث بعد سبع سنواتٍ فراق .  لكنّ نوح يعود من الحرب بعد إنتهائها ويرمم القصر فيظهر بمظهرٍ لائقٍ بأميرات مثلما وعد حبيبته إيلي على أمل أن يلقاها ذات يوم فيكون الحلم المنشود قد تحقق وهذا جل مايفكر به ، يبجث عنها في كل مكان حتى يصيبه اليأس ، يحاول أن يجد حبيبة أخرى ليعشقها ويفشل مرارا . وفي يوم بينما يتجول في المدينة بعينين كما عيني الزرازير التي لاتغمض لها عين في البحث عن إيلي بين السابلة وإذا به يلمحها مع خطيبها الجديد ( لون هاموند) وهم في وضع العناق والتقبيل وهنا ينزل الألم وتحل الطعنة المميتة الأخيرة في القلب ويتيقن نوح انّ كل شيء إنتهى والى الأبد . وهنا نستطيع القول من انّ الحب سيلُّ جارف يخرج من مجراه ليدخل مجرىً آخراً وفجيعة أخرى لاتطاق .
بعد الخيبة التي رآها عن حبيبته ، يعود للقصر وينظر الى الباحة حيث الهجيع العاشق مع إيلي والى كل زاوية ومرسمٍ لها تركته في بلاط القصر فتعصره الصبابة والوجد وعندها يصمم أن يعرض القصر للبيع في الصحف ليرحل من هذه المدينة التي أصبحت له مصدرا لتنازع الروح العاشقة . إيلي تقرأ الصحيفة فترى صورة حبيبها والقصر الذي تركت به مضاجعتها الأولى مع الحبيب الأول فتتفجر من جديد طاقتهاالوالهة فتذهب الى بلدته وسط عناد أمها في نسيان هذا المزبلة على حد قولها ، تذهب اليه بعد السكر الشديد ففي السكر بعض الحلول ، تقف في سيارتها الباذخة الخضراء أمام القصر فرأته مثلما وصفه لها بلونٍ أبيض ومثلما طلبت أيام حبهما قبل زمانٍ طويلٍ مضى . تقف باكية صارخة بإسمه فيظهر لها من أعلى شرفة القصر فبدى وسيما بلحيةٍ طويلة بعد ان كبر قليلا ، فتبدأ بشتمه وبكونه جبانا خائنا كاذبا بينما هو كمن أراد البكاء بدمعٍ ظل حسيرا بين مقلتيه . ينزل اليها لغرض شرح ماحصل لكنها تنهره ، تضربه على صدره بضربات النساء الخفيفة المعاتبة المؤنبة وكأنه هو الذي أراد الفراق . يدخلها القصر يريها ماذا أنجز ومافعله من أجلها من المرسم الى شرفة البحر ثم ترى الباحة التي ضاجعها فوقها لأول مرة ، فتقول باكية لماذا رحلت ولماذا لم تكتب لي ، فيقول لها عن رسائلة العديدة كل يوم فتنذهل وتستمر بالنحيب فتعرف الأمر من أنّ أمها هي التي من وراء هذا الإشكال . يحاول أن يمسكها مداعبا فتبعده بدلال وتقول له أنا الآن بحكم المتزوجة فلايحق لك لمسي فدعني أصلح الأمر . تذهب الى أمها لتخبرها عما فعلت من خطأ فادح وهنا تتأكد أمها من حبها الذي لارجعة فيه ، تأخذها في جولة في سيارتها الإرستقراطية وفي الطريق تريها عاملاً بسيطا في تصليح الشوارع كبيرا في السن ، وتقول لها انظري لهذا الفقير الحال ، ذات يوم كان حبي الأول وكان وسيما كما حبيبك الآن وكنت طائرة معه في حلمي المنشود أنذاك ، لكنني فضلت عليه الثري أباك الآن ، صحيح انني لم أحب أباك لكنه وفر لي كل شيء فماذا كان حالك لوكان زوجي هذا العجوز المعدم الذي ترينه يمسك مسحاته للحفر ، وهنا تصمم إيلي وتريد العيش على غرار مارلين مونرو حين قالت ( لاأريد أن أكون ثرية ، أريد أن أكون رائعة ) . فلاتجد الأم سبيلا في الإقناع وتقول لها خذي طريقك في الحب فهو الأسمى فأنت الرابحة وأنا الخاسرة . فتذهب إيلي مرة أخرى الى حبيبها فيتخذون زورقا ليريها بحيرة النوارس ويقول لها انها طيور تهاجر ثم تعود مرة أخرى كما عودتك لي .  البحيرة كأنها لوحة رسام وهنا يتفتح الحب من جديد وأكثر وسط تناثر أوراق الخريف الملوّنة بزخرفة الإخراج السينمائي لإظهار جمالات الحب بأبعاده التي تسير بنا الى عالم الخيال مع الموسيقى الضاربة في القلوب للمغني الشهير أد شيران Ed sheeran مع المطر الرذاذ الذي يعطي مشهدا ضبابيا بلون السماء (حب الموسيقى يقود دوما الى موسيقى الحب ..  جاك بريفر ) ، فيكون الحب هو الطاغي وليس غيره على تلك البحيرة الجنائنية التي أبدع فيها مصور الفلم بحيث ينحسر المشهد بين اللغة والصورة في أبهى أشكاله . تنتهي جولة البحيرة وفصل الحب هذا ، فتذهب إيلي الى خطيبها فتشرح له ماحصل ، لكن خطيبها رجل في غاية النبل فيقول لها : صحيح انني احبك ، لكنني لا اريد أن اقنعك أن تحبينني فاذهبي الى حبيبك الأول وهذا عين الصواب فيما تفعليه . يقبّلان بعضهما قبلة الثقافة المتأصلة لدى هذه الشعوب وسط القرارات المصيرية في إختيار الزوج والحبيب الأبدي .
وفي النهاية لايصح الا الحب فيكون الزواج السرمدي بعد سبع سنواتٍ فراق فيكلّل بدزينة من البنين والبنات حتى آخر مشوار العمر الثمانيني في المشفى وهي مصابة بالزهايمر بينما هو يريد أن يغذي ذهنها بزق الذكريات لعلها تشفى من فقدان ذاكرتها فيقرأ لها من دفتر ملاحظاته عن حبهما الفنتازي وكيف قضوا أجمل الأيام بحقيقة لاتصدق . وقد مثلت دور إيلي العجوز الممثلة التي أجادت دورها بإتقان (Gena Rowlands ). ثم في لحظة استعادة الذاكرة لثواني تقول له هل تعتقد أن حبنا يصنع المعجزات ، فيقول نعم فهاهو أعادك لي بكل ذاكرتك ، وفي هذه اللحظة تعيش السعادة والنرفانا الحقيقية بكل صورها الماضية والحاضرة في الأوان ، وتغفو على كتفه إغفاءتها الأخيرة وتقول له ليلة سعيدة ، ثم تموت من شدة فرحها بين ذراعيه بينما هو يقول لها سألقاك بعد قليل . فيتمدد بالقرب من جسدها العجوز والساحر بنفس الوقت والذي لازال دافئاً ليناً ويموت هو الآخر متلاصقا معها بعد إن ردّد في أذنيها ماقاله الشاعر الشهير والت وايتمان (لانفقد شيئا في هذه الحياة  لاتقلقي ، الجسد ، الشيخوخة ، البرودة ، يبقى لهيب العناق تحت الرماد ، فيمكن اشعاله من جديد) . وفي النهاية أستطيع القول من أنّ الحب أعطى الكثير من صرح العشاق والمحبين في هذا العالم ليلى والمجنون ، شيرين وفرهاد ، رانجا وهير ، روميو وجوليت ، فنستطيع أن نضيف لهم ما صنعته السينما العالمية لعاشقين إسمهما إيلي ونوح .

هاتف بشبوش/شاعر وناقد سينمائي/الدنمارك



7


نبيل تومي ، عائمُّ في الأقبية ...
في آلقوش الآشورية حطت دمى الألعاب بأزيائها للطفولة الزكية للروائي نبيل تومي ثم شربت صباها النزق من مياه الحبانية العذبة ، حتى إكتست جلدا وصبراً في بغداد حيث هناك آلام السياسة وحب الوطن ، فحكم عليه بالإعدام مرتين لإنتمائه السياسي ، تشرد في المنافي حتى أصبح سندياناً عراقيا في السويد ، شارك في أربعين معرضا عالمياً ونال الجائزة الأولى في معرض الدول الإسكندنافية لعام 1991 ، ومن ثم العوم في بحر الكتابة والسرد مثلما نقرؤه في روايته ( العائم)  مدار قرائتنا هذه . الرواية إكتملت مسودتها في العام 1989 حتى بزغ نورها في هذا العصر الذي لايزال دامياً في شفقه .
نبيل تومي يمتلك علاقة الكاتب الأصيل والحقيقي بشخصياته الملتبسة والمعقدة ومن الصعب أن تجد في هذا الإرتباط اسقاطات شخصية ذاتية ، بل يتحاور مع النفس ليجد الحلول النهائية لمستوى الإدراك لدى شخصياته حتى نهاية مشاويرها في الحياة النضالية والعامة رغم مانعرفه انّ أي عمل إبداعي هو ذاتي ونتاج الروح المبدعة بالضرورة. كما أنه إستطاع أن يبرز بشكل جلي نسبة الوطنية واليسارية في دمائهم عند التحليل وكأنه يشتغل على الجين والكروموسوم لدى كل منهم إعتمادا على حب التضحية التي ساقتهم الى قبورهم والى هناك في أعالي السماء أو عند النجوم ، لكي نراهم ونحس بهم بشكلٍ سرمدي فيكونوا دليلنا الى جنات فردوسهم العادل وهم يبصقوا من الأعالي على جلاديهم وقاتليهم .
في رواية (العائم) نجد نبيل تومي إتسم بالتوهج والإيجاز والمجانية وكان بعيدا لحد ما عن (الغراموفاميا) فيما يعرف بهوس الكتابة السطحي ، وبهذه المسميات إستطاع أن يزرع في نفوسنا ذلك الشعور حين يتغلغل في الصدور فيمطر مرجانا وزبرجداَ كلماتياً منفرداً . انه الروائي الذي يكتب عن الإنسان هذه الكلمة التي ترن بكبرياء ، عن الهوية الوطنية العالمية على غرار هوية (نيلسن مانديلا) التي لم يكتسبها هذا الثائر لكونه مسيحي ، بل لكونه السجين والموثوق الكوني الذي حمل هموم المنكسرين . الهوية الوطنية هي أنني أستطيع ان اتماهى مع الحب الحقيقي لإمرأة مهما كان عرقها ، الهوية هي أنني أؤمن من أنّ التقبيل له أداء واحد في كل العالم ، أدافع عن انسانيتي أكثر من طائفتي ، أؤمن من أنني سيد نفسي ولا سيد فوقي ، أصرخ بوجه الطغاة الذين لايتورعون في زج الطفولة في السجون كما صرخة الشاعر الفرنسي ( لويس أراغون) حين قال (إني لأعجب من القتلة كيف لا يلقون أسلحتهم أمام الطفولة) .
. الرواية تتحدث عن بلدٍ أصبح فيه الطغيان يخلقُ طغيان ، سجان يسجنُ سجان ، أما المثقف فهو دائما يحلمُ في قانون إخدم نفسك بنفسك ، مثقفُّ يقول الى ربه بعد الجزع واليأس ، ربي أنا لاأريد ملائكة في جنتك تحرسني أو تقدم لي ما لذ وطاب ، أنا أريد تناولَ كأسي بنفسي على طاولة البار دون خدمٍ يدورون حولي .
نبيل تومي يكتب عن تلك الأيام التي إحتوت كل عصارة أخلاق العراقيين في ذلك الزمن والتأريخ المخمليين والعلاقات المنسجمة بين المرأة والرجل بشكلها الحميمي الصادح رغم قساوة الجلواز التي ساقت الشرفاء والأبرياء الى منحرهم الظالم لا لشيء الاّ لكونهم عشقوا أوطانهم حد الفداء والتضحية مثلما فعلتها أم المناضل الشهيد (محمد الخضري) وهي تدافع عن إبنها أمام القاضي بعد الحكم عليه فتقول له( على الله ومايخالف ... تنكضي وتصبح سوالف) فسجنها سنتين بعد إن اعتبر هذا الكلام تهديداً للنظام الحاكم .
موسومية الرواية (العائم) وكإنها توحي لذلك السجين الذي عام ونجا من بحر الدم النازف والعبيط بفعل أداة التعذيب وبعثرة الجسد . ولذلك تجعلنا أن نكون في كامل تعضيدنا مع كل الشخصيات التي طعنت من وراء الظهر ، المغدورة في أوان الفعل وهي دائما على حق مهما كانت الأسباب حتى لو جردناها من النوايا التي أدت الى غدرها ، ولذلك تجتمع الكثير من العناصر الحيوية وغير الحيوية في نصرتها . ينصرها ويبكيها ذويها أو حبيبها أولاً وقبل كل شئ ثم تأتي المتعلقات الأخرى، الرصيف يشتاق لغيابها لكونها واحدة من السابلة الذين مروا فوقه وتركوا آثار أقدامهم وذكراهم وأحزانهم وهي لاتعرف الى أين المسير في حلكة الدروب العسيرة  ، علما أن الحياة مهما طالت أو قصرت فهي نسبية دائما لأنّ جميع بني البشر هم لاحقون ببعضهم البعض إعتمادا على ماقاله عمر الخيام ( وكم تساوى راحلُ في الثرى غدا / وراحلُ منذ آلاف السنين ) وهكذا هو مسرح الحياة ، الذي لانعرف من خلاله بشكل أكيد السؤال الذي يقول : لماذا جئنا اليك أيتها ألأرض وماهو هدفنا إذا كنا راحلين حتما ؟.
العالم يحكمه العنف والقوة ورأس المال ، ولتذهب القيم التي مات من أجلها الكثيرون ممن أرادوا بناء الإنسان على أحسن وجه فمادام صاحب رأس المال هو الذي يسن القانون لصالحه فلسوف تبقى الطبقات المعدمة هي الخاسرة على الدوام في ظل عالم دنيء صرخ بوجهه ذات يوم الروائي الشهير (ليون تولستوي) الذي وزع ثروته على المسحوقين مما أدى الى نشوب صراع دائم بينه وبين زوجته حتى مماته .
رواية (العائم) رغم مألوفية احداثها الاّ أننا نستطيع العودة اليها أكثر من مرة وبنفس البهجة والاستمتاع .انها نقطة الإرتكاز لاصلاح الاحوال المجرمة  لدى حكامنا . أراها جذلى لما فيها من الأمكنة والزمان والناستالوجيا والحديث عن الطبيعة البسيطة وانزياحات تنقلنا الى عوالم الأمس الساحر ومامدى تأثير تلك الشخصيات العالقة في الأفق لكنّ الموت المارد نتيجة التعذيب الماحق جعلها تتغيب عنا وتتوارى في التراب والى الأبد . بل وكأنهم أرادوا إيصال لغة الموت وحب الفداء كما الهنود حين يعتبرون الموتى فقط هم الشجعان لأنهم يذهبون الى السماء .
الصرح الروائي للعائم يذكرني بما كتبه الفرنسي (فولتير) في روايته الشهيرة ( كانديد) عن الثمن الذي يدفعه العامل في معامل السكر في أوربا ، وكيف يعاقب قانونياً بقطع ساقه إذا مادعست قطعة سكر ، أما نحن وفي سجوننا فيمزق المرء الى اِشلاء إذا دعسَ دون قصدٍ شعارا من شعارات البعث في لافتةٍ بائسة . ومهما يكن من أمر فأوربا مضت قدما في تخطي الظلم وأصبحت في مدارات الحرية بعد إن زبِلت كل حقير على هامش الذاكرة ، أما نحن فلا زلنا على نفس المسرح وكواليسه وما يُخطط به من الخافيات لدمارنا  .
تناول الفيض الروائي قضية الدفاع عن الشغيلة بإطارها العام لكن الروائي نبيل تماهى بشكل كبير مع ماحصل من قهر على الأنتلجنسيا ( Intellegentia )هم الطبقة الإجتماعية التي تساهم في عمل فكري معقد يهدف الى تشكيل المجتمع باقتصاده وسياسته ، وهذه تشمل معلمي المدارس والأكاديميين والأطباء والفنانين وغيرهم ممن يطلق عليهم بالنخبة المثقفة الذين لهم دورا مهما في تعزيز حركات المجتمع المتخلفة وهذه ظهرت في باديء الأمر في بولندا وقد استعير المصطلح من الفيلسوف الشهير (هيغل ) في القرن التاسع عشر .  ولذلك نرى السبك الروائي عبارة عن تجميع ماكتبه السجناء المثقفون عن حياتهم فيما يسمى أدب السجون وصاحب فكرة تاليف الكتاب هو كل من بطل الرواية (أبرم) مدرس الفيزياء الذي قطعت أصابع يديه وقدميه ويساعده في ذلك صديقه( محسن) و(الهام) خطيبة المهندس (المهزوز) والرفيقة (مريم) زوجة الشهيد صديق ( أبرم) .
في مكنونات الروي السينمائي نجد هناك رسالة بسيطة في علم النفس وبواطنه ومايتلقاه المسجون السياسي من تفتيت لرأسه ومايحمله من حب للوطن والحبيب ، يُحطم وهو أمام سجان أخطبوط مارد يمتلك الأذرع العديدة في الضرب واللكم حتى يغدو السجين منشلاً مصابا بالرهاب وأحيانا يمر وقت موتهِ عليه مراراً ومراراً دون أنْ ينتبه .
رواية بمختصرها عن السجناء الذين نالوا أقسى أنواع التعذيب وتتفاوت نسبة التحمل والصمود بينهم فمنهم من أستشهد وتعوّق ومنهم قد خارت قواه والتي نراها في الشخصية المحورية في الرواية التي تكاد تطغي على بطل الرواية (أبرم) وهو السجين الملقب بـ(المهزوز) الذي لم يتحمل التعذيب فسقط من أول هراوةٍ من الجلاد وظل هو الوحيد المدلل بين سجانيه وبقي يكذب على رفاقه من أنه البطل الصامد لكن حبل الكذب لايدوم كما يقول إبراهام لنكولن (تستطيع أن تخدع كل الناس بعض الوقت ، أو بعض الناس كل الوقت ، ولكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت) .  فالكذب لم يستمر مع (المهزوز) حتى إنكشف أمره بالتخاذل في أسرع وقت بينما كان يحسب له الف حساب من كونه المثقف الشجاع والمثل الأعلى في التضحية وهذا الرجل ( المهزوز ) خطيب( إلهام) يكون سببا في موت رفاقه لإعترافه عليهم ومن ضمنهم صديقه زوج المناضلة ( مريم) وهذا الأخير هو الذي أطلق عليه تسمية (المهزوز) فلقب في السجن بهذا الإسم المخزي و عند خروجه من السجن سليم معافى لايشكو من شيء أصيب بمرض نفسي أدى به الى الإنهيار لكنه ظل يتردد على المقاهي التي كانت ملتقى للرفاق سابقا لعله يشرح لهم وضعه وحالته النفسية التي تكاد تفتك به لكنه يواجه الجفاء وعدم القبول أحترازا منهم لكونه أصبح عميلا للسلطة فبقي على اسمه المهزوز في السجن وخارجه . فيشرح لنا الروائي بسرد حزينٍ وشيق عن حالة هذا المهزوز بعد الإفراج عنه والذي أصبح لايبغي منالاً غيرالإستمرار بالحياة والزواج من خطيبته فهي الدواء المشافي لكل علته لكنه لم يفلح أيضا نتيجة اللعنة ومحاسبة الضمير الديستويفسكي التي حلت به من جراء تخاذله وضعفه بينما رفاقه قدموا أعظم البطولات واستشهدوا أمام مرآى عينيه ، وأصبح في حالٍ قلقٍ كمن قتلَ قتيلاً وعليه إخفاء جثته ، فظلّ يعاني من عذاباته وإقترابه من الموت المذل . انه الآن بحاجة الى خطيبته والى ذلك العون العاطفي الذي قال عنه أتيل تايمور (حب المرأة في الرجل أن يكون في حاجة الى أم ترعاه) .
يتحدث الروائي عن الحب حيث تتزاحم أحلام الصبايا بالمناكب الرقيقة وكيف لها أن لاتتزاحم وهي ترى حبيبها من يوصفها بتلك النسائم العذبة ، وكيف لها أن لاتزدحم وهي ترى المعشوق العارف بالورود والأشجار والزنابق وأين تكمن الأفياء والشموس كي يسلطها عليها في وقت أعراسها بأحلى الفساتين وأغلى قلائد الأعناق .
يستمر الروائي بسرده البانورامي عن هذا الحب بين المهزوز وخطيبته التي لاتعرف ماهو مرض خطيبها بعد خروجه من السجن معافى على عكس صديقه أبرم الذي خرج معوقا من آثار التعذيب . يتذكر المهزوز تلك الايام الخوالي حول الحب الندي في أول أيامه والذي نراه يشعشع بينه وبين حبيبته ( إلهام) على غرار ما كنا أيام الصبا وكيف نحمل في دواخلنا الكثير من الكلام لنمطره عليها زخا مطريا ثقيلا ولكنها حالما تقف بجوارنا بكل إنوثتها وجمالها تضيع جميع ما حملناه من كلمات شفافة براقة ولم يبق غير الخجل والذهول من سحرها . حب يوضح لنا كيف انَ القلب احيانا يستحيل الى جنح فراشة غض ، بينما الآخرون حجارة جلمود ، فأين هذا من ذاك ، فحتما حين يخفق القلب يشتهي أن يتخذ مكانا شمسيا بغية الدفء مع الشعور بالشوق الى ضمة حبيب أو قبضة يدٍ حانية فيكتمل المشهد الرومانسي الحالم بغد افضل . لكننا مرغمين لاطائعين على سوء الحظ حين يسقط فوقنا بكل ظلامه فتنكشف الهوة القبيحة للجحيم وتنكمش أجسادنا مثل القنافذ الخائفة . وتظل المرأة زهرة في أعالي الكستناء ومبارك له من يستطيع قطافها بطريقة ترضيها وتجعل منها أميرة فوق حصان يصهل بالحب والإبداع والجمال . وبين هذا وذاك تصطدم المرأة كما (إلهام) دون دراية منها وبعد فوات الآوان والمضي في حلاوة الحب الحقيقي ، فتجد نفسها وكإنها أمام مقولة جيفارا العظيم  ( لا تعشقي ثوريا ، سينساك ويفكر في العمال الكادحين ، سيحدثك في ليالي الرومانسية عن الأرض والخبز والسلام ) .
إلهام حين كان خطيبها في السجن كانت تنظر له وكأنه على خطى ناظم حكمت حين كان مسجونا ويبعث لزوجته (منور) عن الصمود والتحدي فيكتب لها ( كوني على ثقة يا حبيبتي أنهم عبثاً سينظرون في عيني ناظم الزرقاوين ، وإذا ما حاولت يد غجري تعس شبيهة بعنكبوت أسود أن تضع الأنشوطة في عنقي لكنهم لن يتوصلوا إلى اقتلاع رأس الإنسان بالسهولة التي يقتلعون بها رأساً من اللفت ) . لكن المهزوز تبين متخاذلا ضعيفا لايقوى على تحمل التعذيب فخرج من السجن ذليلاً محطما بائساً ومنتحراً في نهاية مشواره المؤلم .
خطيبة المهزوز تعرف أخيرا عن طريق ( أبرم) وهو يروي قصة المهزوز وتخاذله أمامها وأمام رفاقه دون أن يعرف من إنها خطيبته ، فتنكشف لها حقائق خطيبها المزيف مدعي البطولة لكنه في الحقيقة جبان تافه مما يؤدي بها الى الهلاك العصبي والخيبة والأسف نتيجة ضياع حلمها المنشود ، وأخيرا تستفيق فتعلن البراءة منه وفسخها للخطوبة وترسل له رسالة تأنيب وتنكيل وتشرح له عن زيفه وبطولاته الخاوية التي كان يقصها عليها . المهزوز يقرأ الرسالة فتضيق الحياة بعينيه لأن آخر الآمال الجميلة في حياته قد انتهى ، فتخمد حواسه وتنهزم رغبته عند المرض ، فيبدأ برسم مخطط لحياته المأساوية القادمة حتى ينتهي به الأمر منتحراً بتناوله أقراصا من الحبوب تؤدي الى موته ، وهنا نجد البكائية القدرية التي جسدها ( المهزوز) في أنه حتى في تدمير الذات هناك لذة بل هناك متعة هائلة . وبهذا تسدل الستارة على رجلٍ كان المفروض له أن يكون مناضلا حقيقيا لكن التعذيب والحق يقال في مسألة تحمله يختلف من شخص لآخر فهنا الجسد هو الذي يقرر وليس الفكر ومايحمله المرء من قابلية للتحمل والصمود .
في الأخير يجد كل من أبرم ومحسن قصاصات ورقية للمهزوز عن مذكراته كان يكتبها بعنوان ( كتابات من دفاتر ناقصة) ، فيقرؤون معاناته في أيامه الأخيرة فيقول في أحد سطوره ( أهكذا أظل أصارع بالضرورة مع كياني طوال الوقت ودون جدوى ، متى أهدأ ومتى أستكين ، تشملني الوحدة المهينة وكل الاشياء تعلن رفضها لي ، وأتعجب كيف ستكون النهاية ) ثم يردف مرةأخرى ( لم لا اذهب الى العالم السرمدي ، عله يكون أفضل وأجمل من عالمي القذر هذا) . إنفعالات نفسية هائلة إستطاع الروائي نبيل أن ينقلها وكأنه الطبيب النفسي العارف بمجاهيل الأمور ، أو أنه كما ذلك الشخص الذ قال عنه لينين العظيم ( من يفكر بوضوح يعبّر بوضوح) . إرهاصات تفتك بضمير صاحبها تدريجياً حتى تقذف به الى هاوية الخلاص التي عندها يكون المستقر والراحة التامة ، لواعج مدمرة كتبها الروائي بقدرة مذهلة على الوصف الميتا سردي والدراما التي تنم عن كونه عاش الأقبية وجدرانها وتحاورمع سجانيها ، بل كان بطلها. وكيف لا فهو المحكوم مرتين بقطع العنق علاوة على مالاقاه من حنظل الترهيب وآهات مظفر النواب حين يشدو(ستبقى ياوطني ناقلة للنفط / مدهّنة بسخام الأحزان / وأعلام الدول الكبرى / ونموت مذلة ) .
تنتقل بنا الكاميراالروائية الى أبرم ، حيث يشعر بألم كبير بعد قراءة مذكرات المهزوز ومعاناته وعقابه لنفسه بالإنتحار ، ثم يعرف من انّ خطيبة المهزوز هي ( إلهام) التي كانت جالسة ذات يوم بإسم ( سمر) وهو يروي على رفاقه قصة المهزوز في السجن فيعترف أبرم بحجم المأساة التي مرت على المهزوز ، ويؤازره بذلك صديقه محسن ،  فتأسفوا على رجلٍ ضاعت سيرته الحقيقية المناضلة تحت وطأة الألم المخيف ، وإنهم ربما ساهموا في قضية إنتحاره دون درايةٍ منهم بمكانة وعفة هذا الرجل المهزوز ومعاناته ، وهنا نستطيع القول ، كإن الواحدَ فينا أصبح ظالماً ولكن على قدره وحجمه وهذه مأساة أخرى خفيّة تتغلغلُ في النفوس عنوةً .
يموت (أبرم) من المرض وهو في ساحة المدرسة وفي أحضان صديقه محسن أثناء بدء التغيير الجديد وسقوط الديكتاتورية والثورة المسلحة وحصاد ماكان من ألم وتضحيات سار عليها الرفيق أبرم ورفاقه العظام ، وهنا يعطينا الروائي نبيل رسالة مفادها انّ موت الأبطال لاينهي الفكر والأبستيمولوجي في رؤوس الجمع المتبقي كما قالها يوما الروائي الجيكي فرانس كافكا ( أنك وحدك من يحمل الفكرة في رأسه ولا أحدُّ سواك ) وإعتمادا على معنى هذه المقولة الشهيرة بني له تمثالا ضخما في براغ يزوره ملايين السواح على مدار السنة . فبموت ( أبرم) بقيت على دربه ملايين الشجعان فهم كما الأثل الأخضر بموجه الذهبي تحت شموس الأوطان .
أخيرا أقول أطنان من الحب لما قدمه لنا نبيل تومي من روائع تستفيق لها الأنفس النائمة ، عرّفنا بوحوش وتماسيح السلطة المنفلتة ، التي تريد إبتلاع الوطن ، الذين جاءوا لنا من تسلّل ومع ذلك أرادوا إلقاء هدفهم في مرمانا .  رواية حالمة تستيقظ لها الضمائر الحية التي ربما تغفل في فترة ما عن جادة الصواب فتستنير بها الذاكرة المتناسية ، تستطيب بها الروح لمافيها من الحقائق الوجدانية والرغائبية ، أو التي تمارس في الخفاء عند فناءات الأقبية المتعفنة بالدم ولم يصدقها البعض وهذه كلها شكلت الملهاة والملحمة الحقيقية لجوهر العائم .
في النهاية ليس لدي ما أقوله سوى أنني وجدتُ الروائي نبيل تومي في القلب الصديع للروائي العراقي محسن الرملي في روايته البديعة ( الفتيت المبعثر) الحائزة على جائزة أركنسا الأمريكية لعام 2002 والتي يقول فيها ( حين يكون الوطن خوفا، جوعا، وحاجة ، ويحاصرنا ترهيب الطغاة ، وحين تُلبس الحروب أكاليلَ عرسٍ لشبابها ، سنجد أرضنا وأوطاننا تضيق علينا كقبرٍ مظلم تخنقنا تحت رمالها ) .  وبين كل هذا المسلخ البشري أرى نبيل تومي ولسان حاله يردد بما قاله أحدهم (التفاؤل هو الغضب الذي نقول فيه .. كل شيء بخير .. في حين هو أنّ كل شيء سيء ) . ويبقى نبيل تومي مناضلاً رجلاً في مركز الكون وليس على حافة الكنبة  ، في بيته السويدي حيث الصقيع لم يجعل منه متكاسلاً باردا ، بل هو المدير المفوض للإنتخابات في أفريقيا ، هو المقارع الذي إستطاع أن يمد يديه في عمق الهواء ليشعر بحجم وجوده السارتري كي لايسقط من زجاج القطار ، فأنتج لنا رائعته الروائية هذه ، ليبقى حياً في صالة إنعاش الخلود  .

هاتف بشبوش/شاعر وناقد عراقي /دنمارك

8


نبيل تومي ، عائمُّ في الأقبية ...
في آلقوش الآشورية حطت دمى الألعاب بأزيائها للطفولة الزكية للروائي نبيل تومي ثم شربت صباها النزق من مياه الحبانية العذبة ، حتى إكتست جلدا وصبراً في بغداد حيث هناك آلام السياسة وحب الوطن ، فحكم عليه بالإعدام مرتين لإنتمائه السياسي ، تشرد في المنافي حتى أصبح سندياناً عراقيا في السويد ، شارك في أربعين معرضا عالمياً ونال الجائزة الأولى في معرض الدول الإسكندنافية لعام 1991 ، ومن ثم العوم في بحر الكتابة والسرد مثلما نقرؤه في روايته ( العائم)  مدار قرائتنا هذه . الرواية إكتملت مسودتها في العام 1989 حتى بزغ نورها في هذا العصر الذي لايزال دامياً في شفقه .
نبيل تومي يمتلك علاقة الكاتب الأصيل والحقيقي بشخصياته الملتبسة والمعقدة ومن الصعب أن تجد في هذا الإرتباط اسقاطات شخصية ذاتية ، بل يتحاور مع النفس ليجد الحلول النهائية لمستوى الإدراك لدى شخصياته حتى نهاية مشاويرها في الحياة النضالية والعامة رغم مانعرفه انّ أي عمل إبداعي هو ذاتي ونتاج الروح المبدعة بالضرورة. كما أنه إستطاع أن يبرز بشكل جلي نسبة الوطنية واليسارية في دمائهم عند التحليل وكأنه يشتغل على الجين والكروموسوم لدى كل منهم إعتمادا على حب التضحية التي ساقتهم الى قبورهم والى هناك في أعالي السماء أو عند النجوم ، لكي نراهم ونحس بهم بشكلٍ سرمدي فيكونوا دليلنا الى جنات فردوسهم العادل وهم يبصقوا من الأعالي على جلاديهم وقاتليهم .
في رواية (العائم) نجد نبيل تومي إتسم بالتوهج والإيجاز والمجانية وكان بعيدا لحد ما عن (الغراموفاميا) فيما يعرف بهوس الكتابة السطحي ، وبهذه المسميات إستطاع أن يزرع في نفوسنا ذلك الشعور حين يتغلغل في الصدور فيمطر مرجانا وزبرجداَ كلماتياً منفرداً . انه الروائي الذي يكتب عن الإنسان هذه الكلمة التي ترن بكبرياء ، عن الهوية الوطنية العالمية على غرار هوية (نيلسن مانديلا) التي لم يكتسبها هذا الثائر لكونه مسيحي ، بل لكونه السجين والموثوق الكوني الذي حمل هموم المنكسرين . الهوية الوطنية هي أنني أستطيع ان اتماهى مع الحب الحقيقي لإمرأة مهما كان عرقها ، الهوية هي أنني أؤمن من أنّ التقبيل له أداء واحد في كل العالم ، أدافع عن انسانيتي أكثر من طائفتي ، أؤمن من أنني سيد نفسي ولا سيد فوقي ، أصرخ بوجه الطغاة الذين لايتورعون في زج الطفولة في السجون كما صرخة الشاعر الفرنسي ( لويس أراغون) حين قال (إني لأعجب من القتلة كيف لا يلقون أسلحتهم أمام الطفولة) .
. الرواية تتحدث عن بلدٍ أصبح فيه الطغيان يخلقُ طغيان ، سجان يسجنُ سجان ، أما المثقف فهو دائما يحلمُ في قانون إخدم نفسك بنفسك ، مثقفُّ يقول الى ربه بعد الجزع واليأس ، ربي أنا لاأريد ملائكة في جنتك تحرسني أو تقدم لي ما لذ وطاب ، أنا أريد تناولَ كأسي بنفسي على طاولة البار دون خدمٍ يدورون حولي .
نبيل تومي يكتب عن تلك الأيام التي إحتوت كل عصارة أخلاق العراقيين في ذلك الزمن والتأريخ المخمليين والعلاقات المنسجمة بين المرأة والرجل بشكلها الحميمي الصادح رغم قساوة الجلواز التي ساقت الشرفاء والأبرياء الى منحرهم الظالم لا لشيء الاّ لكونهم عشقوا أوطانهم حد الفداء والتضحية مثلما فعلتها أم المناضل الشهيد (محمد الخضري) وهي تدافع عن إبنها أمام القاضي بعد الحكم عليه فتقول له( على الله ومايخالف ... تنكضي وتصبح سوالف) فسجنها سنتين بعد إن اعتبر هذا الكلام تهديداً للنظام الحاكم .
موسومية الرواية (العائم) وكإنها توحي لذلك السجين الذي عام ونجا من بحر الدم النازف والعبيط بفعل أداة التعذيب وبعثرة الجسد . ولذلك تجعلنا أن نكون في كامل تعضيدنا مع كل الشخصيات التي طعنت من وراء الظهر ، المغدورة في أوان الفعل وهي دائما على حق مهما كانت الأسباب حتى لو جردناها من النوايا التي أدت الى غدرها ، ولذلك تجتمع الكثير من العناصر الحيوية وغير الحيوية في نصرتها . ينصرها ويبكيها ذويها أو حبيبها أولاً وقبل كل شئ ثم تأتي المتعلقات الأخرى، الرصيف يشتاق لغيابها لكونها واحدة من السابلة الذين مروا فوقه وتركوا آثار أقدامهم وذكراهم وأحزانهم وهي لاتعرف الى أين المسير في حلكة الدروب العسيرة  ، علما أن الحياة مهما طالت أو قصرت فهي نسبية دائما لأنّ جميع بني البشر هم لاحقون ببعضهم البعض إعتمادا على ماقاله عمر الخيام ( وكم تساوى راحلُ في الثرى غدا / وراحلُ منذ آلاف السنين ) وهكذا هو مسرح الحياة ، الذي لانعرف من خلاله بشكل أكيد السؤال الذي يقول : لماذا جئنا اليك أيتها ألأرض وماهو هدفنا إذا كنا راحلين حتما ؟.
العالم يحكمه العنف والقوة ورأس المال ، ولتذهب القيم التي مات من أجلها الكثيرون ممن أرادوا بناء الإنسان على أحسن وجه فمادام صاحب رأس المال هو الذي يسن القانون لصالحه فلسوف تبقى الطبقات المعدمة هي الخاسرة على الدوام في ظل عالم دنيء صرخ بوجهه ذات يوم الروائي الشهير (ليون تولستوي) الذي وزع ثروته على المسحوقين مما أدى الى نشوب صراع دائم بينه وبين زوجته حتى مماته .
رواية (العائم) رغم مألوفية احداثها الاّ أننا نستطيع العودة اليها أكثر من مرة وبنفس البهجة والاستمتاع .انها نقطة الإرتكاز لاصلاح الاحوال المجرمة  لدى حكامنا . أراها جذلى لما فيها من الأمكنة والزمان والناستالوجيا والحديث عن الطبيعة البسيطة وانزياحات تنقلنا الى عوالم الأمس الساحر ومامدى تأثير تلك الشخصيات العالقة في الأفق لكنّ الموت المارد نتيجة التعذيب الماحق جعلها تتغيب عنا وتتوارى في التراب والى الأبد . بل وكأنهم أرادوا إيصال لغة الموت وحب الفداء كما الهنود حين يعتبرون الموتى فقط هم الشجعان لأنهم يذهبون الى السماء .
الصرح الروائي للعائم يذكرني بما كتبه الفرنسي (فولتير) في روايته الشهيرة ( كانديد) عن الثمن الذي يدفعه العامل في معامل السكر في أوربا ، وكيف يعاقب قانونياً بقطع ساقه إذا مادعست قطعة سكر ، أما نحن وفي سجوننا فيمزق المرء الى اِشلاء إذا دعسَ دون قصدٍ شعارا من شعارات البعث في لافتةٍ بائسة . ومهما يكن من أمر فأوربا مضت قدما في تخطي الظلم وأصبحت في مدارات الحرية بعد إن زبِلت كل حقير على هامش الذاكرة ، أما نحن فلا زلنا على نفس المسرح وكواليسه وما يُخطط به من الخافيات لدمارنا  .
تناول الفيض الروائي قضية الدفاع عن الشغيلة بإطارها العام لكن الروائي نبيل تماهى بشكل كبير مع ماحصل من قهر على الأنتلجنسيا ( Intellegentia )هم الطبقة الإجتماعية التي تساهم في عمل فكري معقد يهدف الى تشكيل المجتمع باقتصاده وسياسته ، وهذه تشمل معلمي المدارس والأكاديميين والأطباء والفنانين وغيرهم ممن يطلق عليهم بالنخبة المثقفة الذين لهم دورا مهما في تعزيز حركات المجتمع المتخلفة وهذه ظهرت في باديء الأمر في بولندا وقد استعير المصطلح من الفيلسوف الشهير (هيغل ) في القرن التاسع عشر .  ولذلك نرى السبك الروائي عبارة عن تجميع ماكتبه السجناء المثقفون عن حياتهم فيما يسمى أدب السجون وصاحب فكرة تاليف الكتاب هو كل من بطل الرواية (أبرم) مدرس الفيزياء الذي قطعت أصابع يديه وقدميه ويساعده في ذلك صديقه( محسن) و(الهام) خطيبة المهندس (المهزوز) والرفيقة (مريم) زوجة الشهيد صديق ( أبرم) .
في مكنونات الروي السينمائي نجد هناك رسالة بسيطة في علم النفس وبواطنه ومايتلقاه المسجون السياسي من تفتيت لرأسه ومايحمله من حب للوطن والحبيب ، يُحطم وهو أمام سجان أخطبوط مارد يمتلك الأذرع العديدة في الضرب واللكم حتى يغدو السجين منشلاً مصابا بالرهاب وأحيانا يمر وقت موتهِ عليه مراراً ومراراً دون أنْ ينتبه .
رواية بمختصرها عن السجناء الذين نالوا أقسى أنواع التعذيب وتتفاوت نسبة التحمل والصمود بينهم فمنهم من أستشهد وتعوّق ومنهم قد خارت قواه والتي نراها في الشخصية المحورية في الرواية التي تكاد تطغي على بطل الرواية (أبرم) وهو السجين الملقب بـ(المهزوز) الذي لم يتحمل التعذيب فسقط من أول هراوةٍ من الجلاد وظل هو الوحيد المدلل بين سجانيه وبقي يكذب على رفاقه من أنه البطل الصامد لكن حبل الكذب لايدوم كما يقول إبراهام لنكولن (تستطيع أن تخدع كل الناس بعض الوقت ، أو بعض الناس كل الوقت ، ولكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت) .  فالكذب لم يستمر مع (المهزوز) حتى إنكشف أمره بالتخاذل في أسرع وقت بينما كان يحسب له الف حساب من كونه المثقف الشجاع والمثل الأعلى في التضحية وهذا الرجل ( المهزوز ) خطيب( إلهام) يكون سببا في موت رفاقه لإعترافه عليهم ومن ضمنهم صديقه زوج المناضلة ( مريم) وهذا الأخير هو الذي أطلق عليه تسمية (المهزوز) فلقب في السجن بهذا الإسم المخزي و عند خروجه من السجن سليم معافى لايشكو من شيء أصيب بمرض نفسي أدى به الى الإنهيار لكنه ظل يتردد على المقاهي التي كانت ملتقى للرفاق سابقا لعله يشرح لهم وضعه وحالته النفسية التي تكاد تفتك به لكنه يواجه الجفاء وعدم القبول أحترازا منهم لكونه أصبح عميلا للسلطة فبقي على اسمه المهزوز في السجن وخارجه . فيشرح لنا الروائي بسرد حزينٍ وشيق عن حالة هذا المهزوز بعد الإفراج عنه والذي أصبح لايبغي منالاً غيرالإستمرار بالحياة والزواج من خطيبته فهي الدواء المشافي لكل علته لكنه لم يفلح أيضا نتيجة اللعنة ومحاسبة الضمير الديستويفسكي التي حلت به من جراء تخاذله وضعفه بينما رفاقه قدموا أعظم البطولات واستشهدوا أمام مرآى عينيه ، وأصبح في حالٍ قلقٍ كمن قتلَ قتيلاً وعليه إخفاء جثته ، فظلّ يعاني من عذاباته وإقترابه من الموت المذل . انه الآن بحاجة الى خطيبته والى ذلك العون العاطفي الذي قال عنه أتيل تايمور (حب المرأة في الرجل أن يكون في حاجة الى أم ترعاه) .
يتحدث الروائي عن الحب حيث تتزاحم أحلام الصبايا بالمناكب الرقيقة وكيف لها أن لاتتزاحم وهي ترى حبيبها من يوصفها بتلك النسائم العذبة ، وكيف لها أن لاتزدحم وهي ترى المعشوق العارف بالورود والأشجار والزنابق وأين تكمن الأفياء والشموس كي يسلطها عليها في وقت أعراسها بأحلى الفساتين وأغلى قلائد الأعناق .
يستمر الروائي بسرده البانورامي عن هذا الحب بين المهزوز وخطيبته التي لاتعرف ماهو مرض خطيبها بعد خروجه من السجن معافى على عكس صديقه أبرم الذي خرج معوقا من آثار التعذيب . يتذكر المهزوز تلك الايام الخوالي حول الحب الندي في أول أيامه والذي نراه يشعشع بينه وبين حبيبته ( إلهام) على غرار ما كنا أيام الصبا وكيف نحمل في دواخلنا الكثير من الكلام لنمطره عليها زخا مطريا ثقيلا ولكنها حالما تقف بجوارنا بكل إنوثتها وجمالها تضيع جميع ما حملناه من كلمات شفافة براقة ولم يبق غير الخجل والذهول من سحرها . حب يوضح لنا كيف انَ القلب احيانا يستحيل الى جنح فراشة غض ، بينما الآخرون حجارة جلمود ، فأين هذا من ذاك ، فحتما حين يخفق القلب يشتهي أن يتخذ مكانا شمسيا بغية الدفء مع الشعور بالشوق الى ضمة حبيب أو قبضة يدٍ حانية فيكتمل المشهد الرومانسي الحالم بغد افضل . لكننا مرغمين لاطائعين على سوء الحظ حين يسقط فوقنا بكل ظلامه فتنكشف الهوة القبيحة للجحيم وتنكمش أجسادنا مثل القنافذ الخائفة . وتظل المرأة زهرة في أعالي الكستناء ومبارك له من يستطيع قطافها بطريقة ترضيها وتجعل منها أميرة فوق حصان يصهل بالحب والإبداع والجمال . وبين هذا وذاك تصطدم المرأة كما (إلهام) دون دراية منها وبعد فوات الآوان والمضي في حلاوة الحب الحقيقي ، فتجد نفسها وكإنها أمام مقولة جيفارا العظيم  ( لا تعشقي ثوريا ، سينساك ويفكر في العمال الكادحين ، سيحدثك في ليالي الرومانسية عن الأرض والخبز والسلام ) .
إلهام حين كان خطيبها في السجن كانت تنظر له وكأنه على خطى ناظم حكمت حين كان مسجونا ويبعث لزوجته (منور) عن الصمود والتحدي فيكتب لها ( كوني على ثقة يا حبيبتي أنهم عبثاً سينظرون في عيني ناظم الزرقاوين ، وإذا ما حاولت يد غجري تعس شبيهة بعنكبوت أسود أن تضع الأنشوطة في عنقي لكنهم لن يتوصلوا إلى اقتلاع رأس الإنسان بالسهولة التي يقتلعون بها رأساً من اللفت ) . لكن المهزوز تبين متخاذلا ضعيفا لايقوى على تحمل التعذيب فخرج من السجن ذليلاً محطما بائساً ومنتحراً في نهاية مشواره المؤلم .
خطيبة المهزوز تعرف أخيرا عن طريق ( أبرم) وهو يروي قصة المهزوز وتخاذله أمامها وأمام رفاقه دون أن يعرف من إنها خطيبته ، فتنكشف لها حقائق خطيبها المزيف مدعي البطولة لكنه في الحقيقة جبان تافه مما يؤدي بها الى الهلاك العصبي والخيبة والأسف نتيجة ضياع حلمها المنشود ، وأخيرا تستفيق فتعلن البراءة منه وفسخها للخطوبة وترسل له رسالة تأنيب وتنكيل وتشرح له عن زيفه وبطولاته الخاوية التي كان يقصها عليها . المهزوز يقرأ الرسالة فتضيق الحياة بعينيه لأن آخر الآمال الجميلة في حياته قد انتهى ، فتخمد حواسه وتنهزم رغبته عند المرض ، فيبدأ برسم مخطط لحياته المأساوية القادمة حتى ينتهي به الأمر منتحراً بتناوله أقراصا من الحبوب تؤدي الى موته ، وهنا نجد البكائية القدرية التي جسدها ( المهزوز) في أنه حتى في تدمير الذات هناك لذة بل هناك متعة هائلة . وبهذا تسدل الستارة على رجلٍ كان المفروض له أن يكون مناضلا حقيقيا لكن التعذيب والحق يقال في مسألة تحمله يختلف من شخص لآخر فهنا الجسد هو الذي يقرر وليس الفكر ومايحمله المرء من قابلية للتحمل والصمود .
في الأخير يجد كل من أبرم ومحسن قصاصات ورقية للمهزوز عن مذكراته كان يكتبها بعنوان ( كتابات من دفاتر ناقصة) ، فيقرؤون معاناته في أيامه الأخيرة فيقول في أحد سطوره ( أهكذا أظل أصارع بالضرورة مع كياني طوال الوقت ودون جدوى ، متى أهدأ ومتى أستكين ، تشملني الوحدة المهينة وكل الاشياء تعلن رفضها لي ، وأتعجب كيف ستكون النهاية ) ثم يردف مرةأخرى ( لم لا اذهب الى العالم السرمدي ، عله يكون أفضل وأجمل من عالمي القذر هذا) . إنفعالات نفسية هائلة إستطاع الروائي نبيل أن ينقلها وكأنه الطبيب النفسي العارف بمجاهيل الأمور ، أو أنه كما ذلك الشخص الذ قال عنه لينين العظيم ( من يفكر بوضوح يعبّر بوضوح) . إرهاصات تفتك بضمير صاحبها تدريجياً حتى تقذف به الى هاوية الخلاص التي عندها يكون المستقر والراحة التامة ، لواعج مدمرة كتبها الروائي بقدرة مذهلة على الوصف الميتا سردي والدراما التي تنم عن كونه عاش الأقبية وجدرانها وتحاورمع سجانيها ، بل كان بطلها. وكيف لا فهو المحكوم مرتين بقطع العنق علاوة على مالاقاه من حنظل الترهيب وآهات مظفر النواب حين يشدو(ستبقى ياوطني ناقلة للنفط / مدهّنة بسخام الأحزان / وأعلام الدول الكبرى / ونموت مذلة ) .
تنتقل بنا الكاميراالروائية الى أبرم ، حيث يشعر بألم كبير بعد قراءة مذكرات المهزوز ومعاناته وعقابه لنفسه بالإنتحار ، ثم يعرف من انّ خطيبة المهزوز هي ( إلهام) التي كانت جالسة ذات يوم بإسم ( سمر) وهو يروي على رفاقه قصة المهزوز في السجن فيعترف أبرم بحجم المأساة التي مرت على المهزوز ، ويؤازره بذلك صديقه محسن ،  فتأسفوا على رجلٍ ضاعت سيرته الحقيقية المناضلة تحت وطأة الألم المخيف ، وإنهم ربما ساهموا في قضية إنتحاره دون درايةٍ منهم بمكانة وعفة هذا الرجل المهزوز ومعاناته ، وهنا نستطيع القول ، كإن الواحدَ فينا أصبح ظالماً ولكن على قدره وحجمه وهذه مأساة أخرى خفيّة تتغلغلُ في النفوس عنوةً .
يموت (أبرم) من المرض وهو في ساحة المدرسة وفي أحضان صديقه محسن أثناء بدء التغيير الجديد وسقوط الديكتاتورية والثورة المسلحة وحصاد ماكان من ألم وتضحيات سار عليها الرفيق أبرم ورفاقه العظام ، وهنا يعطينا الروائي نبيل رسالة مفادها انّ موت الأبطال لاينهي الفكر والأبستيمولوجي في رؤوس الجمع المتبقي كما قالها يوما الروائي الجيكي فرانس كافكا ( أنك وحدك من يحمل الفكرة في رأسه ولا أحدُّ سواك ) وإعتمادا على معنى هذه المقولة الشهيرة بني له تمثالا ضخما في براغ يزوره ملايين السواح على مدار السنة . فبموت ( أبرم) بقيت على دربه ملايين الشجعان فهم كما الأثل الأخضر بموجه الذهبي تحت شموس الأوطان .
أخيرا أقول أطنان من الحب لما قدمه لنا نبيل تومي من روائع تستفيق لها الأنفس النائمة ، عرّفنا بوحوش وتماسيح السلطة المنفلتة ، التي تريد إبتلاع الوطن ، الذين جاءوا لنا من تسلّل ومع ذلك أرادوا إلقاء هدفهم في مرمانا .  رواية حالمة تستيقظ لها الضمائر الحية التي ربما تغفل في فترة ما عن جادة الصواب فتستنير بها الذاكرة المتناسية ، تستطيب بها الروح لمافيها من الحقائق الوجدانية والرغائبية ، أو التي تمارس في الخفاء عند فناءات الأقبية المتعفنة بالدم ولم يصدقها البعض وهذه كلها شكلت الملهاة والملحمة الحقيقية لجوهر العائم .
في النهاية ليس لدي ما أقوله سوى أنني وجدتُ الروائي نبيل تومي في القلب الصديع للروائي العراقي محسن الرملي في روايته البديعة ( الفتيت المبعثر) الحائزة على جائزة أركنسا الأمريكية لعام 2002 والتي يقول فيها ( حين يكون الوطن خوفا، جوعا، وحاجة ، ويحاصرنا ترهيب الطغاة ، وحين تُلبس الحروب أكاليلَ عرسٍ لشبابها ، سنجد أرضنا وأوطاننا تضيق علينا كقبرٍ مظلم تخنقنا تحت رمالها ) .  وبين كل هذا المسلخ البشري أرى نبيل تومي ولسان حاله يردد بما قاله أحدهم (التفاؤل هو الغضب الذي نقول فيه .. كل شيء بخير .. في حين هو أنّ كل شيء سيء ) . ويبقى نبيل تومي مناضلاً رجلاً في مركز الكون وليس على حافة الكنبة  ، في بيته السويدي حيث الصقيع لم يجعل منه متكاسلاً باردا ، بل هو المدير المفوض للإنتخابات في أفريقيا ، هو المقارع الذي إستطاع أن يمد يديه في عمق الهواء ليشعر بحجم وجوده السارتري كي لايسقط من زجاج القطار ، فأنتج لنا رائعته الروائية هذه ، ليبقى حياً في صالة إنعاش الخلود  .

هاتف بشبوش/شاعر وناقد عراقي /دنمارك

9
أدب / شيوعيُّ على الشفقِ
« في: 16:09 22/04/2019  »


شيوعيُّ على الشفقِ


هاتف بشبوش

في العيد الخامس والثمانين لميلاد الحزب الشيوعي العراقي

رأيتُ ...
طلوعكَ الحزبي ّاللازَ ـ وَردْ
منشوراً
على الشفقِ الأحمرِ
ولونُ وثاقِكَ السلسليّ
كما الشفقِ الأبيضِ
وكلاهما...
يزفانِ عروسَ الغيمِ ، بلا قمرِ
فناديتَ الشوقَ المعلّبَ ، بزهَرِ الكولونيا
لو تجنحَ في الظلام اليكْ
لكنّ الحبّ ممنوع ُّ
والبابَ مغلقة ً عليكْ
وهذا البوليسُ يحاصرني
ربما ركلةُّ تقذفني
 خارجَ الوطنِ!!!
ربما هراوة تحومُ حواليكْ
أو ربما ..روحُكَ
في هشاشةِ الظلامِ ، لاترجو شهوةَ مغفرةْ
والحارسُ الوضيعُ
يفهمُ مايدورُ في شفتيكْ
لكنّ التمادي سلسبيلُّ يطعنُ خاصريكْ
أنت يا أنتَ
ياغريبِ الظلّ
يازناراً حول ضمائرهم
ياوردَ الشهداءِ
ياشكلَ السماءِ
ياموطيء الموجْ!!!
وحدهُ وجهُكَ اليابسِ
لايخافُ السؤالْ
عند منعرجِ الهُزالْ
حتى تلتهبُ الأناتُ
كما الإفقِ المغني ، في بيّارةِ الليمونِ
والكرمةِ العالية .
ويمضي بكً الزمنُ القرمزيّ
حتى يملّ الشرطيّ
فيصرخُ يائساً سيدي :
هذا شيوعيُّ معلٌقٌ على الغسقِ!!
متكيءُّ..
على الهواءِ
على الماءِ
على زيتونةٍ سوداءِ
على تمرةٍ
لايطيبُ لها السقوطُ من العِثقِ
فالنخيلُ عيدْ...
وأنتَ ..
وماتريدُ
وماتريدْ
من الضوءِ الخفيفِ ، حين يأتي
 في الحظّ الضئيلِ ، كما الخناجرِ والسكاكينْ
وأنتَ
وماتريدُ
وماتريدْ
غير رزنامةٍ للرفاقِ تركتها مخفية ً
في الدولابِ عاماً وعامينْ
والمواعيدُ حمقاءُ ...حمقاءُ
والحضورُ مشقة ٌ
وأحزانُ الناسِ ماعادتْ
تذكرُ ، لهجة الغائبين !!!!
وأنتّ
وماتريدُ
وماتريدْ
غير نافذةٍ تطلُ على دارتها
كي تلقي مطرَك الرذاذَ ،  في خريفِ القولِ :
لاتتركيني
أنا الشيوعيّ الحبيب والطبيبْ
المعلّم
الخليلُ
 والشغيلُ ..
البكاوتيُّ البطرُ
أنا البدرُ التعيسْ
العشريني
الخمسيني
أوربما نسيتُ عمري
في المرافيء العديدةِ
في الزنابقِ
في المشانقِ
فاعذريني ..
وبحقّ رائحةِ الصندلِ في رادئِكِ
إسمعيني
أو مرّي بذاكرتي
حين كنا
في طيّ أغنيتينِ وأغنية
صليبي
وبلادي
وأنتِ بينهما ..
مزاجيَ الجميلُ في خليّتي ، وخلايا دمي
أو حين أنامُ شيوعياً ...ملء الردى ..ملء الردى




10


ريتا عودة ، حين يكونُ الحبُّ شعراً وحواساً(2)

.........

عندما
يأحذني الشوق
الى الطيور
أحط
على كتف حبيبي

(الجنس يخفض التوتر بينما الحب يستفزه .........وودي آلن )......
القصيد أعلاه إختصر معاني اللهفة للوصال التي هي بمثابة البوصلة التي نحتكم اليها في الإستثناءات ، هي علامات أول الحب ،  حيث نرى الشاعرة وهي تصف لنا وبنوايا الصفاء الخالص تلك الحبيبة التي تريد السير نحو الهدفية التي يجب أن تستقر في مستقرها الصحيح ، هي المرأة المسيحية التي تحلّت بالشجاعة الفائقة وتزوجت من رجل مسلم وبقيت مخلصة له على مدى أربعين عام وحتى هذا اليوم .  ولذلك نراها واضحة بهذا الشأن بدون أي لفٍ أو دوران في السطور أدناه :

الى قلب الرجل وقراراته :
لم يمتلك قلبي
الاّ من أتاني من البحر
انا كل النساء
فلاتبحثْ عن أجزاء مني
في غيري

كل عام يحتفل الدنماركيون ولمدة إسبوع كامل بأعظم كاتب عالمي دنماركي( يوهانس أندرسون) ، مخترع حورية البحر ، المرأة بذيل سمكة ، تلك التي انتظرت حبيبها أن يعود من الإبحار ولم يعد فقذفت بنفسها في لجة البحر تبحث عنه أياما وشهورا حتى تحولت الى امرأة بذيل سمكة وظلت في عمق المياة سابحة حتى اليوم في البحث عن حبيبها ، هكذا تقول هذه القصة العظيمة حتى تحولت هذه الحورية اليوم لمزار ملايين السواح من مختلف بلدان العالم . 
تستمر الشاعرة بفيضها الدافيء وتدلو بثيمة أخرى( عن العشق) :

لماذا حين عاهدتني
أنْ تصير لي ، الصوتَ والصدى
طارت سنونوات من صدري
واتسع المدى

تأريخ الجنسانية كتبه الفرنسي الشهير ميشيل فوكو بالرغم من العديد ممن تناولوا هذا الموضوع الذي يهز أعماقنا فيما نسميه العشق . نرى الشاعرة خصصت هذا الديوان لهذه المفردات التي تخص الجنسانية الوجدانية بتعابيرها الشعرية الهائلة ولذلك جاءت النصوص أدناه مشوبة بهذه العاطفة الجنسانية ( عن العشق ، العاشق ، لي في العراق ، شلال الحب ، عيد الحب ، اعتراف عشقي  ، كن رفيقي ، أحبك بالثلاثة  ، عيد الحب ، فارس من زمن الحب  ، حب استثنائي ، عن العشق ، عاشق ريتا ) وغيرها من المترادفات . لنقرأ ماذا تقول في نصها (العاشق )  :

هذا الوقتُ علمتُ
أنك عاشقُّ وان الشوقَ
في قلبك حق
حافظ العهد والود
لإمرأتك
السابرة معك احتراقاً
واحترافاً وحَبَقاً

العاشق هو ذلك المتماهي الذي ينظر لحبيبته وهي على جادةِ الطريقِ مدبرةَ ويبقى ينظر حتى لايستطيع أن يراها في الجانبِ الآخرِ من هذا الوجود ، مثلما نرى ريتا في خيالها البعيد الذي ينقلها الى أبعد مديات النظر فتبوح لنا في فلقتها الرائعة (لي في العراق نخلة) :

لي في العراق نخلة
كلما إعتصرني الشوقُ اليه
تهاجر طيوري
لتجد فيه المأوى

مايفعله بنا الحب حين نطير كما الفراشات فبدون أي دراية تروح هذه الكائنات الرقيقة تمضغ ماتشتهيه من عسل الزهور ، دون أن تهتم لمايحصل حين يلتصق جناحها الرهيف بالعسل فيكونُ لها تابوتا عسليا أو مأوىً أبدياً يليق بحبها السكري .
تنقلنا ايضا البانوراما الشاعرية لريتا الى مديات الطيران والتحليق في أعالي سماوات عشقها فتقول في (عيد الحب) :


كل سنة
وأنتَ الحب
يانبي العشق
ياجنوني
يابرتقالاً وكرز
حنيني
يابحرأ
أنا حوريته
ياطائراً
أنا
جناحا حريته

في رواية فتوّة بولاق لنجيب محفوظ التي مثلت الى فلم مبهر يظهر فيه نورالشريف بدور محروس الذي يُجن بسبب حبه لـ(حميدة) مما يؤدي به الى قتلها بعد ان رآها تخونه مع صديقه بيومي ، فنرى محروس وسط جمهرة من الأطفال وهم يصرخون بوجهه ساخرين لاهين  (حميدة تحب بيومي .. وهو يقول لالالالا ... حميدة تحب محروس).. هكذا هو الحب خبل وخبل بالنسبة لنا وتدمير للعلاقات الأخلاقية والإجتماعية. ومن دوامة هذا الخبل القاتل ينطلق (جان جاك غولدمان) فيقول ( عندما نحب ، فنحنُ على خطأ ، نحن حمقى، نحنُ صُمّ) .
وهكذا تتحفنا الشاعرة بمسميات الأيروتيك التي أبرعت بها وأصدرت أحكامها الأخلاقية من خلال الومضات التي كتبت بعصارة القلب وكما يقول الفيلسوف ابن عربي ( لولا الهوى ماهوى من هوى) . ومن هذه الأيروتيكيات الأخرى( عاشق ريتا ) :

كل الجميلات انا
لذا عني لن يتوب
عاشق ريتا أتى
حلماً من الجنوب
أخبرتني النساء انهُ كالإسود
يهوى إرباك الغزالات
وصيد شتى القلوب

(يمكن أن يكون الأيروتيك فن لطهو حبنا بمهارة ..سوني لابو تانسي) مثلما طبخت ريتا لنا
ومضاتها القصيرة مثل (الحب كالعمر كالموت لايأتي الا مرة ). أو ومضة السنونو التي تقول فيها( أكون لك سنونوة /عندما لاتكون لي القفص) . ثم ومضة عصفورة ( لأنني عصفورة /لاأسكن القصور) .
تنتهي الشاعرة من ذاكرة الحب التي تسردها بوجع يهز نياط القلب أحيانا وتارة يبدو كالنسائم الغربية التي تنعش نفوسنا ، لتدخل الى ماورائيات أحزاننا كعرب وماحل بنا من مصائب من جراء أنظمة جائرة ساهمت في دمار البشر والأخلاق الإجتماعية والبنى التحتية . وأول من تضرر من ذلك هي المرأة التي عذبت على طول مسار التأريخ تحت مسميات عديدة وأكثر الأحيان من كونها ناقصة دين وعقل مما أدى الى الحط من مكانتها الإجتماعية كما في نص ( صليب الصمت ) :

يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــع في الجــــــــــــــــــــــــــزء الثانـــــــــــــــــــــــــــالث

هاتف بشبوش/شاعروناقدعراقي/الدنمارك


11
أدب / نصــوصُّ قصيرة (19)
« في: 17:18 26/10/2018  »

نصــوصُّ قصيرة (19)
 
الغرابُ يظلّ غراباً
حتى لو حطّ  ، فوق قبابَ عليٍ والحسين
والحمارُ يبقى حماراً
حتى لو زارَ الصحنَ الكاظمي ، وكلّ أماكنّ القديسين
**
لكلّ مسلمٍ غبيٍ
يناديني زيفاً ، بالقول المأثور :ياأخي!!!
أقولُ لهُ :
لاتحاول صياغة علاقتكَ معي
لوسمحت!!!
**
من أين لنا بترسانةِ الأكاذيب
التي يحملها السياسيون
ومن أين لنا بارقامِ الإبتسامات
التي يحملها عمالُ الفنادقِ للتملّق
والجاهزةِ للإستخدام في كلّ ظرف
**
تسعةُّ وخمسونَ عاما مرّتْ
على هذا الكلب وابنِ كلبْ
تسعةُّ وخمسونَ عاما مَرَقتْ
بين الموتِ والحبّ
**
كثيرُّ من الضوءِ
يخلقُ العمى 

هــاتف بشبوش/شاعر وناقد عراقي/دنمارك


12
أدب / البصرةُ والسيّد مجرم
« في: 17:32 04/10/2018  »

البصرةُ والسيّد مجرم 

هاتف بشبوش

أما زلتم تعشقونَ الحِطّة َ  والخسّة
بينما الإشمئزازُ منكم ، توقظهُ الحاجتة ُ فينا
لخنقِ أرواحكم ، في حضيضِ أجسادكمْ
أما زلتم ترتدونَ السراويلَ بالمقلوب
ثم تغتسلونَ ، من جنابة هذا الإثم !!!
أما زالَ السيد مجرم ، على أراجيحِ السلطة
عالياً بحقدِ زبيدة ، ونازلاً ، بنوايا المأمون
أما زالَ الليلُ
أما زالت الحياةُ على خافقــِها
بين جحيمِ الضحى ..
وماتدعونه ، بإيقاعٍ لعناقِ الفردوسْ
والموعودونَ..
غافلون..
وما أكثرهم ..
يتوسلونَ الغرانيق
بربيعها المشتولِ في الصيفِ القابعِ
في غرفٍ
تحرسُها آلهةُ البردِ في ديسمبر
**
تلك هي مخادعكم ياسيد مجرم
فهل يتطلبُ الأمرُ
أن تصلبَ في الميدان سعاد العلي *
**
سلامُّ لصيفِ البصرةِ
وماتجمهرَ في شناشيلكِ القديمةِ
وفي ميادينكَ السعدِ ، الميناء ، الجمهورية
خمسة ميل
وكلّ الأحياء التي تتلو في مآذنها
حيّ على الماء ..حيّ على الفلاّح
وعلى النفطِ المسروقِ
من أوكارِ ذبابِ الساسةِ التابعين
بينما الشبيبةُ ينشدونَ
مع كل آهةٍ تطلقها الحناجرُ:
أما تعبَ القيظُ
أما شبعَ ، خَلفُ السيد مجرم ، موزاً وأصابع صَوص
أما زال السيد مجرم .........؟؟؟
أما زال ..... أمازال

* زبيدة : زوجة هارون الرشيد
سعاد العلي ...الناشطة المدنية التي اغتيلت في البصرة

شاعر وناقد من العراق

13
أدب / نساء ( 23)
« في: 19:29 26/08/2018  »
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/ دنمارك)


نساء ( 23)


1-
عواطفُ إمرأة

بالأمسِ أحسستُ ..بعواطفِ إمرأةٍ ذات حسنٍ عظيم ..وهي تشتكي للطبيب المداويا..في أن يقص من رموشِ عينيها الطويلين الساحرين.. لأنهما يحتكان بعدسات نظارتها...(لله في خلقهِ عجائبُ الجمال)..مما دعى الطبيبُ أنْ يجيبها مازحاً..أنتِ مريضةُّ غبيةُّ.. يا أنتِ.... أنتِ..وعواطفكْ...فقلتُ مردداً وحالي المفتون .....

منْ يا ترى يغني قبيلَ الصبحِ
عن عينيها
وعن أترفِ ما ترتديهِ ، لهذا الشتاءِ الثقيلْ
وعمّا ما تحتَ الخصرِ بشبرٍ أو أقلْ
أو تنهيدةٍ تحتي ، يرضى بها الربُ الرحيم
وما يتلوها بنشوتها التي ستهتزّ بها
حتى عواطفِ أسفلِها الشهرزادي
بينما أنا ، عابرُ الحبّ ، سأغدو ، شهريارُها الضعيف

2-

حين تضحكينَ بأحلى رَصعتيكِ
يفزُّ شبقُّي وإنتعاظي عند الشروق
أمّا في آناء الليلِ ، وفوق حريركِ الأبيض
تتحول ضحكتكْ
الى رغبةٍ في التحريضِ على إغتصابكِ النبيلْ
دون شبعٍ وارتواءٍ ، حتى آذانِ الديَكة..........

3-

أيتها ...العواطف
التي تحتَ معطفي..وأنا في هذا الصقيع
أنتِ الحب ...وأنتِ ...أنتِ الحقْ

4-

أكلّما أرى كفلاً ميريامياً ناتئاً
أتجاهلُ....
بقية َأجزاءِ اللآلىء المثيرة
****ميريامياً .... ميريام فارس المطربة اللبنانية ذات الطيــــــــــ......... الفَريد والمَهيب ...

5-

بعد توسلهِ ورجائهِ الخائبِ في الماسينجرْ
لإهداءِ صورةٍ فوقَ فراشها الوثيرْ
قالتْ:
يا حبيبي أنصحكْ...
أنْ تنظرَ فيكتوريا أزارينكا**


**فيكتوريا ....لاعبة تنس شهيرة



14

عهدُ التميمي ، ربيعٌ فلسطينيٌّ بعيد

 
هاتف بشبوش



أوراقُ الزّيتون
تلك التي حمّلتْ دمعَكِ ندىً مدافاً
بأريجِ عزيمتك
أوراقُ الزيّتون ...وأناقةُ الربّ
من جعلا ماءَ عينيكِ حبيساً
كي نشاهدَ عن كثبٍ ، إصراركِ يا تميمية
ضفائرُ الصغيرات
والزنبقاتُ السوداءُ في عيون الدرويش محمود **
نراها ، قد عاينتْ صلبانَ غضبها الربيعيةِ
ولم تنثنِ .....
بل كانت برعماً صغيراً منذهلا
حين يرى الجسمَ العضلي لشمشون
لكنّ المرّةِ هذي ..
استحال تأريخاً ، يرويهِ كفكِ الأيمن
عند صفعهِ ، لخدٍ صهيونيٍ تمادى
في أنْ يكسرَ أزهارَ الشمسِ
على جانبي قنطرةِ القدس
.....
.....
كفّكِ يا بنتَ بني تميم
حين يمسكُ المشطَ الضئيل
كي يعطي درساً في التجميل
لشعركِ الرولي المتناثرِ والكثيف
هو ذاتهُ ...
سيضربُ الناقوسَ للشّرارةِ والكفاح
هو ذاته ...
سيضعُ السبابة ، على شفاهكِ العنبِية الشقراء
ويصرخُ ...
أنا عهدُ فلسطين ...
في السّجن وأمّي ..
ما كنتُ أحرسُها ، وما كانتْ تهدهدني
بل شطبوا ميعادَ مدرستي
قمري
وشمسي
وغيّروا لي طعامي وشربي
وحتى أوقات تزويقي و مرآتي..
ولو أنّي في العادةِ أكتفي
بتلوينِ أصابعي ....
فأنا النشيطةُ ...الناشطةُ
رفضتُ طفولتي ..
وكبرتُ سريعاً...سريعا
وركضتُ نحو كهولتي
فيا ليتني أبقى على صدرِ المراح !!!
كي أحفرَ بالفأسِ أنوثتي
وأحملُ قرطاساً ..
أو أتعلّمُ... كيفَ أرفعُ بندقية


**عهد التميمي : الطّفلة الفلسطينيّة ذات السّابعة عشر التي سُجنت في 18/12/2017 في سجن شارون و أُطلق سراحها في 17/07/2018.


15
أدب / اليومَ تسكرُ سيسيليا
« في: 09:05 05/08/2018  »
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/ دنمارك)

اليومَ تسكرُ سيسيليا


(بمناسبة تحريم سُكر الشوارعِ في بغداد قبل يومين)

حين ألقى البارُ موسيقاه
وتغلغلَ في القلوبِ عَذلُّ وهوىً ومراميا
وبانَت في العيون ، كلُّ طاقاتِ الحميميّةِ و الإشتهاء
أخبرتهُ جنيةُ النبيذِ الأحمرِ ، بُعيدَ إحتسائها عديدَ الكؤوس :
أنا لستُ من جيلٍ يستاكُ بمسواك
أنا من جيلِ الفرشاه ، والتاتو ، وأقلامِ شفا
أنا من جيلِ سيكارتي في فمي  ، وزجاجتي في يدي
أنا من جيل العناقِ في الهواءِ الطلق
وأردافي بناعمِ أملسها عند السواحلِ، يقيها شرُّ حاسدٍ إذا حسَدْ
أنا الميّاسةُ ، الكيّاسةُ ، المطواحةُ في الليلِ ، على أنغامِ الليدي وسيلين
وجسمي ، أمنحهُ كهبةٍ أو عطايا  ، لعابرِ عشقٍ  أو حبيبٍ شريكِ ، لافرقْ
..................
....................
والحقُ يُقال :
من المّعيبِ هنا في كوبنهاكن ، أنْ تستفردَ بإمرأةٍ سَكرى
لكنهُ البدويّ اللص ، فتجاوزَ حدودَ لياقتهِ ، عند كناري الزيق
وما امتدتْ يداهُ باحثتينِ عن المشتهى ... وما إنتهى
حتى أعلنتْ إحداهنّ حذارَها ، في أنْ لايقربَ ساحةَ سيسيليا**
لأنها اليومَ لم تنويَ الحبّ ، ولا الغزلَ الثقيلَ ولا الخفيف
بل جاءتْ هنا....
بقرارةِ النفسِ الطليقةِ ، البهيجةِ ، كي تغني.... وكي تسكرْ ..وتسكرْ
26/5/2018



16
أدب / بنــادقُ الــربّ.
« في: 18:00 26/07/2018  »



بنــادقُ الــربّ.

هاتف بشبوش
 شاعر و ناقد (عراق/ دنمارك)


بقيدِهم ..
يدقّ العراقيونَ حزناً وحرارة ً لاهبة
وبروحٍ رياضيةٍ
تتصدى المراهَقة ُالمسلوبة ُ من جسمِ علي*
لبنادقَ الرب ، ورصاصَها الحي
تذكّرُ العالمَ ، بمافعلته ُرماحُ الأديان
إبتداءً....
من أبي وثخة الفاتيكان البولوني
الذي أتخمَ بطنَهُ الممتدةُ للسماء
عند تفكيك اليوغسلاف
الى من إتخذَ السفلسَ دستوراً
في مكة َ والحجاز
وحتى مدن الله المختارةِ ، بشمشونِها الآخرِ
وهو يرى القدسَ تبنى
بعروةِ الجيكولوالأمريكي
فلا غرابة اليوم...
في عراقَ القصيرِ المتكرّش
أنْ يتماثلَ أولادُ إبنِ آوى
وإيرانُ العمامةِ والصولَجان
فكلّها ..
كلّها ..
فوهاتُّ لبنادق حرب الأديان
كلّها ترتدي قمبازاً دموياً مخيفاً
تعفي سارقَ الدولارِ
وتلهثُ بإصرارٍ كي تلقي القبضَ
على العاطلِ سارقِ الرغيفِ العراقي جان فالجان *
مَن أرادَ العزفَ الروحيّ على الصليب
فحلمنا ياعراق ....منفى!!!
ووجودنا خراب !!!
وترابكَ النقيّ بأيدينا.... نفطُّ ُّسراب !!!
وكل ماتقدّس في الضريحِ وفي المساجدِ
لهُ طعم ُ دماءٍ ووجهُ نارْ
وراحاتُ كفوفٍ ، لم تتعلّم عند رفعِها للدعاءِ
غيرَ لقاءِ البنادقِ ... بالبنادقْ

* علي قاسم راضي ..الشاب الرياضي حامي الهدف الذي إستشهد في انتفاضة مدينة السماوة قبل يومين
جان فالجان ..الفقير العاطل سارق الرغيف في رائعة فيكتور هيجو  (البؤساء)


17
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق / دنمارك)


حسين رشيد في روشيرو (3)

 


قصّ وسرد رباعي في كلّ شيء و قصدية هائلة من قبل القاصّ العميق الخيال . سجينُ يساق للإعدام لهروبه من الجيش وكان تسلسله الرابع في طابور النحر حيث نالت الطلقة الرابعة من رأسه فترك زوجة وأربعة أطفال وآخرهم في الشّهر الرابع . أنا شخصيّا شهدت إعدام أصدقائي الهاربين من الجيش وأجبرونا أن نشاهد إعدامهم لغرض تخويفنا من أننا سوف نلقى نفس المصير لو فكرنا في الهروب ، وكان يوما قميئاً وجهماً للغاية حيث أنّ أغلب الجنود تقيأت ليلاً كاملاً من هول الموقف في إعدام أصدقائهم أمامهم دون أن يفعلوا شيئاً يُذكر في ردع هذا الإعدام .
تنتقل بنا الكاميرا السردية للقاصّ حسين إلى القصص التي تُحدّثنا عن ظاهرة قميئة جاءت مع الاحتلال أيضا وهي التديّن والحمدلة والبسملة والحوقلة لدى العراقي بعد أن كان يهوى الخمر والثقافة والطرب في البيوت والمراح والتي أعطت العراق رونقه الخاصّ. فيكتب القاصّ حسين بهذا الخصوص قصّة (إستثناء) التي يسبر فيها عن غور الطفولة ونزقها في كسر زجاج بيت الجيران أو العبث بحدائق البيوت ثمّ العبث في مرحلة من المراحل بعز العرب وذلك بفتح العين . ثمّ في كسر القبلة في الفنادق الفاخرة التي أصبحت مصلى لهذا الزّمن الرّديء . ثمّ ينزاح بنا القاصّ حيث الرّجل الحزين الباكي وهو في العقد الخامس صاعداً في سيارة أجرة ليكمل حزنه مع مذياع السيارة وباسم الكربلائي حتّى يصعد فتًى من الطراز البريكي الحنين ، متخنث لكنّه يُلقّب ( السيد) وهذه صفة تدلّ على الانتماء للنبي وهؤلاء لهم كراماتهم الخاصة من قبل المجتمع وهذا الفتى كان يستمع لفيروز من الموبايل خاصّته فقال له الرجل الخمسيني الباكي اللاطم ( واصل مولانا واصل... يقصد الأجرة). شعوب كلها دجل في دجل وملق رخيص. بينما في تونس استأجرتُ تاكسياً أنا وجميلتي وإذا بالسائقِ شيخاً بعمر التسعين وهو يستمع إلى أغاني محمد عبد الوهاب ثمّ بعدها عبد الحليم حافظ ممّا جعلني منشرحا فرحا مزهواً . ثمّ عرفت بعدها أنّ كل سائقي العربات يستمعون إلى الطّرب الجميل . بينما في السماوة وكل مناطق الجنوب العراقي ترى السائق يجلب لك كل أمراض الكآبة والقلق والخوف لأنّه لا يعرف سوى كاسيتات البكاء في الحسينيات والشيخ الفالي وسيد جاسم وهلم جرا من مزبلة الذائقة ، وحين تقول له أسمِعني أغنية من فضلك ، يقول لك هل تريد أن تقطع رزقنا ، وكأنّك كفرتَ بنعمة الله وما الرزق إلاّ من عند الله ، فمن أين أتيتم بهكذا ثقافة انحدرت بنا إلى الحضيض يالصوص المال والذوق وكل ما هو بعيد عن الحداثة والإنسانية.يستمرّ القاصّ في التشكيك والسّؤال عما يتعلّق بالتزلف الديني في قصّته ( الرب) ورائعة صيام :

عن الصّائمين الذين كانوا يحمّلون أوزار صيامهم على صديقهم الذي معهم في الوظيفة ، فيطلبون منه أن ينوب عن عملهم وكأنهم صائمون له ، وبين الفينة والأخرى يخيفونه بفناء الدنيا وأنّه سيلقى النّار والجحيم ، حتّى قال لهم ذات يوم في إشارة مهمّة للغاية في طعن نواياهم وصدقهم، أنا سأصوم السنة المقبلة لكن شريطة أن تصوما سوية وتفطران سوية إشارة إلى السنة والشيعة وفرقتهم في هذا الدين مشتِت الإنسان والأبدان والعقول مثلما قال سبينوزا العظيم ( لقد دهشت مراراً من رؤية أناس يفتخرون بإيمانهم بالدين المسيحي . أي يؤمنون بالحبّ والسّعادة والسّلام والعفّة والإخلاص لجميع النّاس، ويتنازعون مع ذلك بخبث شديد ويظهرون أشدّ أنواع الحقد، بحيث يظهر إيمانهم في عدائهم لا في ممارسة الفضيلة).
حتّى بيت الدعارة عبارة عن وطن لا فرق فيه بين مسيحي وأعجمي وبين الضيف والعاهرة والكل متحابون ولا فرق سوى في دفع العضو اللايكل في فروجهنّ ودفع المال اعتمادا على القول الشّهير ( الجود من الموجود) ، بينما هؤلاء الأصدقاء في الوظيفة يحملهم الحقد على زميلهم لكونه غير مؤمنٍ بما يؤمنون . ولذلك قال ابن خلدون (من أنّ العرب لا يقبلون الحضارة وإنّهم أشدّ الشّعوب الرافضة للتعايش السّلمي مع الآخرين بل وحتّى مع أنفسهم ) .وهذا ما نراه في طبيعة هذا التباين الفكري لدى هؤلاء الأصدقاء المتعصبين لديانتهم .. شعوب جاهلة وأوادمٌ جهلة كما يقول أبو العلاء المعري (ولما رأيتُ الجهل في الناس فاشياً/ تجاهلتُ حتّى قيل أنّي جاهلُ) . ولذلك القاصّ حسين لم يستطع السّكوت أمام هؤلاء القوم لخوفه على ذاته وعلى أمّته من أن يكون الجهل مرضاً معدياً لا شفاء منه . شعوبٌ أصابها داء العضال بالصّمم والسّكوت بحيث أنّها لا تعرف كيف تسأل ، كيف تشكك ، وحتّى عبدة الأوثان هم أكثر فهما ووعياً بحيث قال أحدهم ساخراً من صنمه   ( أربٌ يبولُ الثعلبان برأسه / لقد ذلّ من بالت عليه الثعالبُ ) .
ويستمرّ تسليط الضّوء القصصي إلى مشهد آخر من رعب الأديان في قصة ( عذاب ) :

(الجحيم هي تصور البشر نتيجة تفكيرهم بالموت وبما وراءه، ثمّ صار وسيلة مضمونة ومفيدة للسّيطرة على البشر من خلال الأديان ، ولذلك صار هو الموضوع الأثير للدّعاة والمبشرين والأنبياء والوعاظ ....... نقلا عن الروائي برهان شاوي).
فكرة رائعة يسردها حسين على غرار فكرة صكوك الغفران لمارتن لوثر عن النار والجنة وعذابات الجحيم وأولئك الصائمين المصلين الذين يتحدثون عن أنّهم لم يخالفوا الربّ ولذلك فجزائهم الجنّة خالدين فيها ، بينما صديقهم يستمع إليهم ويقول لهم من أنّ الربّ سوف يصدر عفوا عن كلّ الذين كفروا ولم يصوموا أو يذكروا الربّ ففي هذه الحالة سوف تفرح جميع الطوائف والأديان والملل وتبقى فئة قليلة من المعارضة ترفض هذا القرار وهم المصلون والمؤمنون ولكن في النتيجة سيضطرّ الربّ أن يفتح أبواب النار والجحيم من جديد ويرمي بها المعارضون الذي عصوا أمر الربّ . ما أحلاك يا حسين رشيد في مرماك وأنت تذكي نار العقل في محاكمة الجهلة والأغبياء الذين ملئوا الدنيا باللصوصية والسرقة . ما أحلاك يا حسين وأنت ترمي سهامك التي تقول من أنّ الإيمان لم يعد إلاّ تصديقاً أعمى وأوهام تجعل من العقلاء بهائم متعصبين بلا سراج دون التمييز بين الخطأ والصواب .
بين لعبة الحياة والموت هناك دائما داينمو يشعل فينا حمى الآيروتيك والجنس والإغواء ، ولذلك أنا أعطيت لنفسي فرصة في التنقل بين أزقة القاص حسين فتارة أرى الموت ومذياع الفاتحة في زقاقٍ ما وتارة يذهب بي الخيال إلى ما وراء الشبابيك المغلقة لزقاقٍ آخرٍ وبيوته وماذا يفعل الرجال والنساء في داخل بيوتهم من نكاحٍ وتأوهات وآلام في الإيلاج ولجمِ صراخٍ ناجم عن لذّة عارمةٍ . رسائل عديدة في مجموعة روشيرو تحدّثنا عن هذا الموضوع البورنوي الممتع وعلى وجه الخصوص اليوم في عراق البورنو وأفلامه الإباحية التي دخلت بيوتنا إجباراً فأصبح بمقدور العراقي أن يراها عن طريق الموبايل حتّى وهو في التواليت مثلما نقرأ في مشاهد ( دنيوية) وهي الأخرى محاولة تجريب بكتابة القصّة القصيرة جدّا بطريقة المتوالية القصصية:

قصّة تبحث عن غواية النساء وما هي العواقب من جراء غوايتها اعتمادا على قول الشهير أنطوان تشيخوف (إنّ عدد من تدمّرهم النّساء يفوق عدد من تقضي عليهم الأمراض، لئيمات محبات للمال بلا رحمة ولا عقل. منذ بدء التاريخ والرجال لا ينقطعون عن البكاء بسببهنّ، ليس من العبث أن ترتبط النساء بالشيطان في كلّ الأساطير والقصص والأغاني).

قصّة ( دنيوية) تتحدّث عن العاهرة التي كانت تغنّي بأغنية البعث (على خط النار يبن أمي ...على خط النار) ، فهي تقول (على خط الع.... يبن أمي على خط الع .....) ممّا حدا بأحدهم أن يطلبها للمضاجعة لكنّها تمانعت وبشدّة وفي يوم من الأيام أبناء الزقاق طلبوا منها أن ترفع أفخاذها كي يلهو معها جماعيا لكنّها أعجبت بالشّخص نفسه وراحت تجعله صديقاً لابنها الصغير كي يدخل البيت على راحته ولذلك قال توفيق الحكيم (المرأة لا تستطيع آن تخلص لمبدأ لكنّها تستطيع أن تخلص لرجل) . هذه المرأة لها زوج ديوث يخافها كثيرا حتّى جاء أبوها ذات يوم وقال له كنت أعتقد أنّك ستمنعها من عمل الخطيئة لكنّك تبدو جبانا ، فقال له: أنا زوجها ، لكنّك أبوها منذ أربعين عام . ديوث أسوأ من ديوث ..أقرع يعيبُ أقرع ..ويا مُعيبُ..لا تـُعيب ..ضع عيبكَ في عجيزتك .
لاتكاد أمة من الأمم تخلو من حكايات الجنس وما أكثرها لدينا في الف ليلة وليلة ، ولذلك مرّة أخرى نرى حسين مع السّرد البورنوي (فلمسيسوس) :

الإله شفا فقد عضوه كلعنة وغاص في المياه حتّى كبر فقالوا للإلهة الكبيرة( ديفي) أن تستقبله في فرجها ففعلت وأنجبت (فلميسيوس) الذي أصابته اللعنة وهنا كما حال الفراعنة والملكة (زيوس) وكيف مات زوجها وقطّع أوصالا وظلت تبحث عن أشلاءه التي وجدتها جميعا عدا عضوه فعملت تمثالا كبيرا للأير للعبادة وظلّ يُعبد لحقبة زمنية طويلة . اليوم هناك أمم تعبد الأير باعتباره إله الإخصاب ولازالت في اليابان والهند حيث تُقدّم له النّذور والطّعام والمال كما يحصل في ممارسة تقاليدنا عند زيارة الأولياء والقدّيسين ، وهناك تمثال كبير له في الدنمارك في منتصف السوق الكبير وجميع الجالية المسلمة يوميا تمرّ من خلاله فهو الطريق الدائم الذي لا يمكن تجاوزه .



سطور أخيرة بحقّ القاصّ حسين :

حسين رشيد كاتب زرع وحصد وأعطى ثماره من قوّة السّرد وصاحب السرد وإطلالة الكلمات من قاصّ له اسمه المعروف في الصّحافة . من يقرأ حسين رشيد في روشيرو سيجد من أنّه ليس حياً بقدر ما يرحل بل هو حيّ بقدر ما لا يرحل أيّ بقدر ما يولد ، والإبداع لديه مثلما الموت والميلاد اللّذين يشكّلان قناعين لوجه واحد هو وجه الإنسان المتحرّر والثّوري الذي يقف بتحدّ وشموخ أمام قدره المغترِب أو الوجودي. حسين وجدته متمرّدا على الخطأ باحثاً لنهره الدّفين عن مكانٍ مناسب لينبع فيه فيكتشف نفسه. حسين رشيد كان مبدعا يمرّ بحرب عصابات داخلية في النّفس على الأعراف والمصالح الذاتية وعلى الأفكار الإنسانية المبتذلة من أجل الذّكاء المبدع.
حسين رشيد حين يكتب يعطي المدلولات الحقيقية عن شخصيات قصصه، ومن الواقع الفعلي خصوصا حينما تعامل مع عاهرة الحيّ وكيف طلبوا منها أن تريهم أفخاذها. يقال أنّ الشّاعر الروسي آفانسييف في سؤاله عن آنا كارنينا لصديقه ليف تولستوي وفي وقتها لم ينهي القصّة بل كان في دور النّهاية لها فأجابه تولستوي العظيم (آنا كارنينا بالنّسبة لي مضجرة، داعرة وتثير نفوري لقد تعبتُ منها) . هذا هو السّرد الممتع الذي يصف الواقعية الحقيقية في التّعامل بين السارد وشخوصه الروائية أو القصصية والتي رأيناها لدى القاصّ حسين رشيد الذي أبدع في هذا المجال وكان موفّقا إلى حد كبير .
في الأخير أعلن نهاية دراستي لمجموعةٍ استمتعت بها وما علينا سوى أن نعتني بجدائل روشيرو بشكلها الجميل وننضد العناقيد العنبية السردية ثمّ نرشّ عليها رذاذ الماء كي تظهر بمظهرها البرّاق الذي يليق بعيون ومدارك القارئ الذي يؤشر ويقول أنّ هذا الإبداع يعود إلى القاصّ حسين رشيد الذي سجل اسمه بوضوح في عالم القصّ القصير.


18
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)



حسين خلف..وداعٌ شيوعيٌّ مبكّرٌ

 
الصّباحُ .....
إستيقظَ اليومَ ياهاجري وأولئكَ
الذين نراهمُ رائعين
و من نراهمُ كما الرعبِ والأشباحْ
إستيقظَ الصباحْ...
وأنتَ هنا يا حسين ، هذا ما تراهُ العيون
فكم هو عظيمٌ أن نظلّ نمشي ...ونمشي...ونمشي
حتى نربحَ اليوبيلَ الذهبي للديمومةِ والبقاء
.................
.............
إستيقظَ الصّباحُ... وأنا أرى لوسانجي
وعشيقها الهندي الجميلِ
وأنا أرى..
العديدَ من الثملينَ من سَكرة اللّيلِ ، في البار الآيرلندي
يرفعونَ أذرعهم مع الريحِ لتشكيلِ التايتانك
وأنا أرى...
إحداهنّ تضعُ المطرقة َوالمنجلَ كقلادةٍ
يتفاخرُ بها العنقُ الأبيضُ فوق مَرمرهِ
................
.................
يمكنكَ الآن يا حسين ، أنْ ترتاحَ كما الأزاهير
ولأنّكَ قد ضمنتَ المغادرة من ها هنا
فغادرْ ...غادرْ من فضلكَ يا حسين
فأنتَ بعد الآنَ ...
لن تحتاجَ إلى فوقيةِ الأرضِ وحَشرِها
أو إلى الحلمِ النقي بلا سمومٍ و لا ليثيوم***
حيث الموتُ البطيء بفعلِ الخونة


***الليثيوم ...مادة كيماوية قاتلة أعطوها للمناضل حسين وهو في سجون البعث



19
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)


حسين رشيد في روشيرو(2)

 

بعد رؤيا الإسكافي للصور وحسرته على أخيه نرى حسين يسرد لنا حكاية من الواقع الفعلي لعراق اليوم والغد القريب فيكتب ( تصاوير) بمعانيها الأخرى :
بوح يختصر لنا عهدين مورس فيهما الضّحك على ذقون العراقيين وكيف كانت صور الرئيس القائد المجرم أصبحت مزارا في اللّيل وفي النّهار.
ذلك الحال اليوم مع حكم العمائم حين ذاق ذرعا أحدهم من القمامة التي بجانب دكانه حيث يرمي جميع من في الحيّ مزابله فراح بدهاء عظيم يضع صورا لأحد السادة القديسين في منتصف القمامة حتّى جاءت البلدية وعملت منها مزارا رائجا مما أدّى إلى ازدهار صاحب الدكان في رزقه وضحكه على النّاس بحجّة صورة السيد وبركاته . وهل أنّ السيد هذا كما زهرة اللوتس التي تزهر في الوحل والطين، حقّا لقد هزلت وبان هزالها، أتذكّر كنت جنديا حقيرا في القادسية و في منتصف الليل جاء ضابط أمن الوحدة وهو يعرفني جيّدا وقتها من أنّني شيوعي من خلال إدارتي في قلم الأمن فأمرني في أمرٍ غريب وهو أن أحرس صورة الرئيس فقط ولماذا أحرسها وممّن يخاف عليها ، من الريح مثلا ونحن في صحراء الربّ في ثكنة عسكرية لا تدخلها غير الكلاب السائبة،ليس لشيء وإنّما أراد استفزازي وإخافتي .
صدام حسين انتهى مفعوله وستنتهي مفعولية الحكومة الثيوقراطية الدينية في عراق التخلف ولا تنفعها أقوى مقوّمات العقاقير العشائرية والعرفية والدينية لأنّ الأكسباير سيفقد صلاحيته ويتوجّب رميه لأنّه     لا ينفع لأيّ ذكورةٍ قوّادةٍ في ماخور أو عمائميةٍ في صومعةٍ أو جامع . هذه المفعولية كتب عنها القاصّ حسين في ( أكسباير) لتندرج ضمن البوح الآيروتيكي للمجموعة :

هنا الحديث عن عقار المناطحة الجنسية ( الفياغرا) وهذا الدواء الفحولي دخل مع الاحتلال فكانت ثقافة العراقي تنحصر في عمره الجنسي ومتى ما شعر بالخمود ترك الأمور على غاربها دون أن يعرف أنّ هناك من المنشطات تستطيع دفع الدم في عضوه حتّى ينتصب مثل السيف. موضوعة تتعلّق أيضا بين الفناء والبقاء حيث يتّخذ القاصّ حكاية رجل يتناول قرص فياغرا لغرض تحريك ما تحت سرواله ، فبدلاً من أن يقضي اللّيل مضاجعة وانتشاءً مع زوجه راح يقضيه منتظراً إنتعاضه ساعة بعد ساعة مع كلّ حبةٍ يتناولها ، لكنّها لا تنفع في تحريك الميت منذ زمنٍ وزمن ، فلا يصلح العقار والدواء ما أتعبهُ العمر.
مادام القاص حسين يعيش في زمن الاحتلال فلا يستطيع أن يخرج من هذه الدوامة الكارهة للمحتلّ الأجنبي والمحلّي الذي غيّر طوبوغرافية الثقافة العراقية السومرية والمدنية العاشقة للخمر بدلاً من ماء الورد الرذاذي في أيام عاشوراء والزيارات المكوكية لطوابير النّاس التي يراها القاصّ حسين على مدار السّاعة في كلّ مناسبةٍ وأخرى فكتب لنا قصّة ( أدغار) :

الفنتازية المخيالية للقاصّ حسين تجعل منه أن يرى (أدغار ألن بو) السكير والشاعر الأمريكي الشهير شاخصاً يلعن الأمريكان في شوارع العراق شاتما غاضبا على احتلالهم . حسين لا يصدّق نفسه لكنّه في لحظة ما يسحب كتابا من درج دولابه كاد أن يسقط من يده فيتفاجأ حين يراه كتابا لأدغار ألن بو من إهداء الصديق كريم غريب إلى حسين رشيد .
أدغار ألن بو .. كان يُطرد من الحانة يوميا بركلة من النادل ترميه خارج البار لعدم دفعه تكاليف ما يعبّه في جوفه من خمر ، فهل يُطرَد أو يُلعن الأمريكي بركلة من شيخ الجامع في العراق لعدم دفعه تكاليف الاحتلال والدّمار . فلماذا نحن نتكفّل كلّ هذا الألم أمام احتلال ، طلبتْ منه زمرة معيّنة أن يحتلّ بلدنا فحصل هذا الدّمار الهائل ، وأعتقدُ لدينا آلافا من أمثال أدغار سكيرون يطالبون برحيل هذا الاحتلال . أنا شخصيا مشكلتي ليست فقط مع حكام أمريكا بل مع الشعب الأمريكي لأنّه هو المسؤول الأول والأخير على انتخاب حكومات قاتلة على مرّ هذه العصور. الشعب الأمريكي واعيا ومتعلما حين ينتخب حكومات قاتلة وعنيفة أمّا شعبنا العراقي بسيط للغاية فينتخب حكّامًا جهلة ورجعيّين لكنّهم ذوي خبرة في اللّصوصية والقتل . الشّعب الأمريكي متغطرس ومصاب بمرض الغرور والهيمنة ، يفرح ويهزج للحروب كما في رواية الجميل علي بدر   ( الركض وراء الذئاب ) والذي أوضح لنا مدى سعادة هذا الشّعب وزيادة متوسّط دخله في أوقات الحروب وقتل البشر . وأمّا الشّعب العراقي فجرتْ عليه أعظم حملة إستغباء من قبل لصوص السياسة بحجّة الرّجاء ودعاء كميل وما شابه مثلما نقرأ في رائعة       ( ربي) :

كل مصائبنا من الإله الحقيقي أو الافتراضي لأنه عونٌ للسياسيّين وسفلة هذا الكون ناهبي قوتنا وثرواتنا. حيث بعد أن يُنتخب يقول هذا من فضل ربي وليس من فضل ممّن انتخبوه وأوصلوه في غفلة من الزّمن (لا تركنن إلى الزّمان فربما خدَعت مخيلتهُ الفؤادَ الغافلا / فالدهر كالدولاب يخفضُ عاليا من غير قصدٍ ويرفعُ سافلا... محمود سامي البارودي) .
بعد أن يصل البرلماني إلى مبتغاه في التجارة والربح نراه يقضيها بين الجوامع والحسينيات ناسياً ما يترتّب عليه (إذا أردنا أن نفهم الإسلام يجب أن نفهمه على أنّ النبي محمد كان تاجرا، أبو بكر كان تاجرا ، عمر ثمّ عثمان تجّارٌ كبار ، ومن هذا المنطلق علينا أن نفهم بما يدور.....أدونيس) . هذه هي الحياة في بلدان التخلف والسّجون العبثية بلا طائل والتي يدخلها من كان معتزاً بشاعريته وكرامته وحياته المألوفة البعيدة عن مغرياتها كما في القريحة التالية للقاص حسين ( إليه) :

مجموعة بريئة من الشعراء يدخلون السجن البعثي يقول لهم المحقق مستغرباً : لماذا لا تصلّون مثلما الآخرين ، فيقولون : نحن لا نصلّي ، فيقول الجلواز فلماذا أنتم هنا إذن : فيُطلق سراحهم وفي قاعة الإنتظار للرحيل ، أحد السجناء ينسى فيقوم يصلي فرضاً قربة إلى الله لأنه أنقذهم من الموت ولكنه سرعان ما يَلمح الجلواز ينظر إليه فيترك الصلاة . فهنا إشارة إلى عدم الخوف من الله بل الخوف من البشر والجلاد أو أنّ الصّلاة هي صرخة الضّعيف كما قالها ماركس . وهنا مع هذا السّجين رغم عدم إيمانه لكنّه شكرَ الربّ في لحظة ضعفٍ معتقدا من أنّ الربّ هو من أخرجه من السّجن . شعوب خائفة على الدوام فكيف نريد لها أن تنهض إذا كانت بهذا المستوى المتدنّي العجيب غريب . ثمّ يستمرّ حسين مع الحرب والقتل والدّمار في ثلاث قصص      ( شنكالي ..مقطع ..رصاصة) :

حيث يقوم أحدهم بجمع الخوذ في الحرب الأولى ثمّ البساطيل في الثانية والثالثة جمع أشلاء أصدقاءه حتى قال لأمّه بفنية وتقنية بارعة وإنزياحية مؤلمة من قبل القاص حسين : أنّ الوطن يسرقنا يا أمّي . أمّهُ التي تموت حرقةً وحزناً حين ظنت أنّ الجنازة القادمة في الحرب العراقية الإيرانية لإبنها . ما أقساك أيّها الوطن الثّقيل على قلوب أمّهاتنا.
ثمّ في قصّة (رصاصة) وكيف كان القناصّ يقضي عليهم واحدا تلو الآخر وهو يريد أن ينقذ أصدقاءه وفاءا وحبّا بهم وشجاعة لكنّه هو الآخر تنحشر في لحمه طلقة الربّ . نعم طلقة الأديان التي تتقاتل على موروثية السلطة بين علي وعمر . فلا غبار أن يكون القتل بدم بارد كما في فلم (إطلاقة الربّ) للمثل الشهير ( لي فان كليف ) في ستينات القرن المنصرم وكيف تتخذ الكنيسة كذريعة في تطبيق العدالة فيتمّ القصاص قتلاً بقتل في دوامةٍ لا تنتهي من الدمّ والعنف والرّصاص.
ويستمرّ سرد المجموعة عن خراب الوطن في رائعة حسين أدناه        ( جسد...خيط ) وهي من ضمن قصص ثلاثية الشّكل السردي ، الجديد في القصّة القصيرة جدّا والذي يعد محاولة تجريب جريئة بهذا الجنس القصصي وأشكاله المثلثة :

جثة مقطوعة الرّأس لكنها منتفخة فينقلوها إلى المشفى وكانت قد خيطت من البطن .. يفتحوها فيجدوا الرأس داخل البطن الذي تسبب في انتفاخها ، فأي حقدٍ وانتقام لدى هذا المسلم الذي ارتكب هذه الجريمة . ويأتيك أحدهم ويقول هذا ليس مسلما بل متطرفاً خارج عن الدّين ويزيد علينا ويقول بل كافرا لا يعرف الله . بينما الكافر هو أرقى سموا وأخلاقا كما في الفيلم البديع( الميل الأخضر) The Green Mile للروائي (ستيفن كينج) ومن إنتاج 1999 وإخراج (فرانك داريونت) حيث نرى أعظم محاورة في تأريخ السينما العالمية بين (توم هانكس) والسجين الأسود والهائل في الضخامة (ميكائيل كلارك دنكان) الذي أراد الإنتحار بطريقة أخرى فيطلب من مأمور السجن ( توم هانكس) أن ينهي حياته بإعدامه بالكرسي الكهربائي فيجيبه توم هانكس ( في يوم محاسبتي عندما اقف أمام الله ويسألني لماذا قتلت واحدا من عبادي الصالحين وقتها ماذا سأقول ، هذا عملي .. إنّه عملي ... يجيبه( ميكائيل كلارك) ستقول عطفاً منك ففعلتها ، وأعرفُ أنك قلق ، لكنني متعب يا سيدي ، متعب من كوني وحيدا مثل عصفور في المطر،  تعبت من وحشتي بلا رفيق ولا صديق ، في الغالب تعبت من البشر ، كونهم قبيحون مع بعضهم ، تعبت من كل الآلام التي أشعر بها، إنّها كل يوم في هذا العالم ، إنّها مثل قطع الزّجاج في رأسي طوال الوقت ....هل تفهمني ) .
هذه هي حياة الكفرة والملحدين في ساعات الضيق ، لهي أرقى بكثير من مجرمي البعث والعِمامة وزيف الأديان ، حيث يُعدم سجناؤنا في تلك الأيام السوداء بالجملة ويؤخذ ثمن الطلقة من جيب أهاليهم( وهل تتوقّع من ذئبٍ أن يدفن فريسته) ، أمّا في حرب القادسية فالعراقي كان كما الأرنب يُقتل غير مأسوفٍ عليه كما في قصّة ( أربعة) :


يُتبــع فــي الجزء الثالث

20
أدب / نساء (22)
« في: 18:49 14/06/2018  »
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)


نساء (22)

الفارقُ بيني وبينكِ ... كبيرٌ يا لطيفتي
فأنتِ تبحثينَ عن ذريعةٍ للحبّ
وأنا السّفيهُ..
أبحثُ عن غرفةٍ وسرير
................
بنتُ الحيّ في بلدي
يمكنُ.. أنْ تلفلفَ جيدَها المُهفهفِ ، السَمينِ.. والنحيفْ
من الرأسِ حتى الكاحلينْ .. بخمارٍ أسودِ
هذا صحيحٌ ياأنتْ!!
لكنّها..... لا تستطيعُ
أنْ تغطي أحلامَ نهديها.. إذا ما انتفضا!!
..............
حين تضحكينَ بأحلى رصعتيكِ
يفزّ شبقي و انتعاضي عند الشّروق
أمّا في آناء اللّيلِ
و فوق حريركِ الأبيضِ
تتحوّل ضحكتكْ
إلى رغبةٍ في التّحريضِ ، على اغتصابكِ النّبيلِ
دون شبعٍ و ارتواءٍ
حتّى آذانِ الديكة
.....................

أنا الشرقيّ
في ليلة عرسي
تصرخُ بي تُفاحتي
كُلني
.................
طفليَ المندهش
من روضةِ لوحةٍ فنيّةٍ
و عند النّظرِ
إلى خلفيتها البيضاء
ظلّ الطّريق
و لم يعرفْ
من أيّ البوابتين
سيدخلُ روضتها


21



أنا صائــمٌ و حسـبي

  هاتف بشبوش
 شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)


أنا صائمٌ وحسبي ، عن كلّ أشكالِ الحبّ :
الخفقانُ ، الزوغانُ ، الهزار الخفيف ، الجنانُ والجحيم
العناقُ ، التّقبيلُ ، الدّموع ، الخصام ، الهدايا ، التّأنق
المثولُ أمامَ المرايا
نسيانُ الزّمن ، عند التّسكعِ في الشّوارعِ يداً بيدْ
التربيتُ على العجيزةِ ، لحظةَ إشتهاءٍ ، وغرورٍ أمامَ الأنام
الجلوسُ على المساطب ، بعدَ تعبٍ نشوانٍ جميلْ
الثّرثرةُ الشّهية ، التّعطيرْ ، التّنهيدْ ... فالوصالُ على الوثيرْ
.........................
.........................
فيارَبّ الجائعين والصائمين والنواسكِ ..أما تغفر لي سوءتي ؟؟؟؟؟؟
فلقد ........
أفطرَتني ، هذه الثّقافةُ العاريةُ المنطرحةُ ، تحتَ سمائكَ
وفوق عشبكَ الدنماركي ، ذي الموجِ الذهبي الأشهبِ
وتركتْ نهديها الأبيضينِ .....
يسبحانِ في نسائمِ الرّيح ، وفي القيظ ِالشّمسي اللاّهبِ ، لنيلِ فيتامين العوافي
في يومكَ الرمضاني ، المولَعِ بالكفرِ ، وزندقةِ الأجسادْ

06/06/2018

22
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)



حسين رشيد في روشيرو (1)

 
في شهربان ، سالت الريالةُ الطفوليّةُ في أفياء بساتينها ، حتّى حبتْ وازدهرتْ وأعطتْ لنا القاصّ اليساري حسين رشيد الذي يخبرنا عن مآثر الموت ثمّ الحياة التي على خافقها شعلة منكّسة على الدّوام فيها من العثرات التي لابدّ لنا أن نضعها أمام محكمة العقل لكي نعرف ماذا نحن فاعلين ، العثرات النّاجمة من نظامٍ حاكمٍ أو صديقٍ أو حبيب حاول الطّعن بنا مرّات ومرّات .
حسين رشيد عضو إتّحاد الأدباء والكُتّاب العراقيّين، عملَ مسؤولاً للصّفحة الثّقافية في جريدة طريق الشعب ومحرّرا في ملحق الطريق الثّقافي، يعمل حاليّا كصحفي مسؤول لقسم التّحقيقات في صحيفة المدى، ويكتب عموده (فارزة) في يومي الإثنين والخميس،عضو اللّجان التّحضيريّة لملتقى الرواية الأولى في مهرجان المربد لأكثر من دورة ، له مجموعة قصص قصيرة معدّة للطّبع وهذا الكتاب موضوع بحثنا في هذه القراءة ( روشيرو) قصص قصيرة جدّا .
حسين رشيد يكتب عن الحبّ بكونه طاقة ... إنس .. ولع ... عادة ... الحبّ همس ... معشر.. هيام ... وئام ... الحبّ نظرة كما حصل للصّحفي مع ( هدى) في أحدى قصص المجموعة . لايمكن أن نتوقّف لو أردنا أن نتكلّم عن الحبّ .. فهو الكلمة الضاربة من الأزل نحو الأبديّة ،منذ التفاحة وسقوطها حتّى النّزق الذي كان يرفل به أحدنا وهو في الجامعة أو الزّقاق مع الجميلات اللاتي شكّلن لنا الحلم الغائب ، في خضم تعاليم حياتية صعبة للغاية ، أحيانا تحشرنا في منعطف خطير لانعرف ما هو التّصرف حيالها ، هل نستمرّ في الحبّ ؟ هل نطويه ، أم ماذا ؟حلول كلّها على الطّاولة وعلينا أن نجد الخيار ولكنّنا لانجده كعراقيّين وُلدنا تحت الأسوار وعلى الأسوار نموت .
من جانب آخر نرى حسين رشيد يتناول الحبّ بكونه خاضع للآيروتيك الريتسوسي و الذي يجب أن يكون كما في قصّة الإسكافي التي سنمرّ عليها لاحقا وممارسة الجنس بين الطرفين لا ذلك الحبّ العذري الذي يخلق الجنون كما حدث لديفداس الهندي . لو تصوّرنا شعوب الأرض متصوّفة ناسكة في الحبّ رجالا ونساء سنراها مخبولة كما قيس أو أنّها تحتاج إلى ربٍّ خاصّ لهذا الموضوع إسمه ربّ المجانين وهذا ضرب من الخيال ، ولمَ هذا الاعتقاد بأنّ الجنس نوع من الإثم والتّدنيس؟ فمن أين جاءت أمّهاتنا وآباءنا ثمّ نحن ؟ ألم نأتي من هزّة الجماع العظيمة التي مورست تحت مؤسّسة الزواج الشّرعي ؟ أو الزّواج الرّسمي الذي سُنّ من أجل تعقيم الجنس ليس إلاّ؟.
حسين رشيد كتب الألم العراقي الموروث ، الألم الذي يدخل بيوتنا وأنفسنا دون أن ندرك ونخطّط ، الألم الذي يصفه علي الوردي لدى طالبٍ عراقي كان يدرس في أمريكا حين يدخل ليستحمّ تسمعه جارته الأمريكيّة وهو يبكي فتطفق تبكي معه بدمعٍ هطول حتّى أخبرت المعنيّين لإيجاد حلاً له ودراسة حالته الباكية هذه ، ولما جاءوا إليه ، إستغرب الأمر وأنكر أنّه كان يبكي ، حتّى تبيّن أنّه حين يدخل ليستحمّ كان يغنّي مواويلاً وأغاني عراقيّة حزينة تقطع نياط القلب ، هذا هو العراقي بحقيقته الدامعة وبما فيه من عُنفٍ دفين .
حسين رشيد يكتب عن العراقي و مناجاته للربّ دون الفهم العميق بل المناجاة السطحيّة العالقة في أطراف العقول ، حيث نرى على سبيل المثال حين يصل العراقي إلى أوربا وحالما يشبعُ حرية وطعاما ونقوداً نراه يصيبه النّكوص بل يتحوّل إلى رجعيٍ أصيل . فبدلا أن يكون أكثر مدنية وحضارة وديمقراطية ، نراه يلجأ إلى الأكليروس ، ويجبر عائلته على إرتداء الحجاب قسرا وأما خلاف ذلك ، يلجأ إلى القتل إذا أجبرته الظّروف وحصلت هذه الحالة في أكثر من مرّة ومرّات .
في هذه المجموعة أقرأ جنون وحكمة حسين رشيد وهو يسلك النّهار بفانوس ديوجين ، يضرب مع الحبّ مجاديف العشق في الأنهر الهادرة من فيض عصفوريته التي كرهت ( إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب) التي حاولت أمريكا عدوّة الشّعوب فرضها على بني البشر بحجّة العولمة لكنّها اليوم وجدت نفسها ليست الدّولة العظمى الوحيدة بعد أن رمّم الرّوس والصّين وكوريا الشمالية والكثير من شرفاء العالم ما يتطلّبه العصر من قوّة للتّوازن الدّولي .
تبدأ المجموعة بالقصّة التي تحمل موسومية الكتاب ( روشيرو) الإسم الذي يمتدّ كرمزٍ بابليّ إلى ما قبل ستة آلاف عام والذي بنى وأشاد وعمّر ، فيعطينا الفرق الشّاسع في خراب اليوم ودماره في الميزوبوتاميا ذاتها، ثمّ قصّة (شقتان) التي أبدع فيها حسين في وصف لعبة الحياة والموت تلك التي تتكرّر في كلّ ثانية على وجه الفسيحة المترامية .
اللّعبة التي ترتبط وشائجها بالجنس الذي يسلب إرادتنا وعقولنا وذاكرتنا في لحظة الذّروة والأورجازم ، قصّة تتحدّث عن شخص أراد الإنتحار نتيجة اليأس من أيّام الحصار حيث باع كلّ ما في شقّته لتسديد الدّين ولم ينفع فيلجأ لفكرة الموت والخلاص فيعلّق رقبته بحبلٍ تدلّى من السّقف بينما هو يقف على كرسي، وفي لحظة الإنعتاق من الحياة تلوح له من النّافذة فتاة عارية في الشقّة الثانية المقابلة لشقّته فينسى الموت وهو معلّقا بالحبل فيبدأ بممارسة العادّة السريّة وفي لحظة القذف يتهاوى الكرسي . إبداع وخيال عظيم من قبل القاصّ حسين وهو يصف التّرابط العضوي بين الموت والحياة في لحظات المكاشفة الصّريحة في حكم الجنس علينا والذي يعني بالنّتيجة الحياة لطالما نحن ولدنا من سلطان الشّهوة والجنس والمضاجعة، أمّا الموت فكتب عنه بما لايحصى من الأدباء لكنّني سأكتفي بما قاله قبل فترة وجيزة الشّاعر الكبير يحيى السماوي :

لـيـس تـشـاؤمـاً :
أحـيـانـاً يُـخَـيَّـلُ إلـيَّ
أنَّ الـمـوتَ هـو الـدّواءُ الـوحـيـد
لـلـشّــفـاءِ مـن شـقـاء الـحـيـاة

موضوعة الجنس لدى العراقي هي الشّاغل حتّى في نكاته وفوازيره نظرا لحرمانه الطّويل من المرأة، ولذلك هناك قولا لأحد الكُتّاب الشّهيرين ينطبق كليّا على العراقي والشّرقي بشكلٍ عامّ ( الرّجال يحملون قلوبهم في أعضائهم الجنسيّة أمّا النّساء يحملن أعضاءهنّ الجنسيّة في قلوبهنّ) وأمّا أنا فأقول من أنّ الرّجل العراقي ، مشروعُ حربٍ واستمناء والمرأة العراقيّة مشروعُ ترملٍ ..وتثكّل ..وهجرٍ .. وفقد ..كما في القصّة ( هدى) وكيف خسرتْ من بدأت تحبّه توًّا:
سردٌ يتحدّث عن الموت والحبّ أيضا ، حيث يموت صحفيّ نتيجة الإرهاب و الذي كان يكتب عمودا يوميّا في صحيفةٍ كانت تقتنيها (هدى) من أحد الباعة فتلفت نظر الصّحفي ويحبّها من طرفٍ واحد. وذات يوم كعادتها اشترت الصحيفة وبحثت عن عمودها اليومي فترى مقالا بعنوان (هدى) المرأة المكافحة التي كانت تعمل في كشكٍ بسيط لتعيل عائلتها ونفسها كطالبة جامعيّة وكان هذا آخر مقالٍ له قبل موته، قصّة قصيرة اختصرت لنا كلّ معاني موت الحبّ الذي يأتي على حين غرّة في أوقات الحرب التي تخلق لنا آلافًا من القصص الخيالية التي لا يصدّقها العقل البشري وما أكثرها التي تناولها الفنّ السابع في أكثر من دراما مبكية . قصّة تقول لنا من أنّ الموت والحياة هما بمثابة اللّعبة الأبدية التي يتعاقب بها العدم والوجود كما نقرأ أدناه في ( اللعبة):
هنا أقرأ حسين رشيد الفلسفي أكثر منه أديبا قاصّا، سرد يتناول تبادل الأدوار والمتناقضات فيما بينها كاللّيل والنّهار والشّمس والقمر والرّيح والنّار، لعبة نشاهدها في السّرد الذي يقترب من التّشكيك بمدى قدرة الربّ الجزئية والكليّة التي تنتهي بالمطاف إلى عجزه وروتينية وجوده التي تؤدّي به إلى الإنتحار والخلاص من ذاته وجبروته أو موته النيتشوي ( نحن من وجد الله ..ونحن قتلناه...نيتشه) أو موته من وحدته القاتلة كما هو حال الجبابرة والعظماء الذين حالهم ربّما أسوأ بكثير من حال الإسكافي الذي نجده في الرّائعة الآيروتيكية للقاص حسين ( الثامن) :
لولا جمالكِ وحبّكِ والسّرير... ما تخاصم الأميرُ و الفقير ، هذه الحقيقة تجسّدت في الفيلم الباذخ (عشيق الليدي شاترلي) للرّوائي الإنكليزي (ديفيد هربرت لورانس) والذي كتبها عام 1928 وكانت صارخة بالجنس بحيث لم تلائم روح العصر المحافظ آنذاك ممّا جعلها عرضة للكثير من الانتقادات، في الفيلم يتخاصم الإقطاعي المليونير زوج السيدة الجميلة شاترلي مع الحوذي والفلاّح الذي يعمل في بستانه لأنّ زوجة المليونير تحبّ الحوذي والفلاّح حدّ التّضحيّة والخبل ولم يهدأ لها فرجٌ ولا نهدٌ ولا فمٌ تشبعه قبلاً ولا قلبًا ذاق من الحبّ مراره واعتصر ، حتّى طلّقت زوجها وتزوّجته وأنجبت له إبنها ثمرة عشقٍ عاصف تضمخ بالنّكاح والإيلاج و الضّميم و الشّميم العظيمين أمّا هنا في قصّة ( الثامن) نرى إبنة الدّلال والثّراء تعشق الفقير لله الإسكافي المثقّف الذي رمته الحياة بعد أن أكمل جامعته في عراق النّهب والسّلب فلم يجد في هذا الوطن القاحل غير مهنة الإسكافي المهينة في شعوبنا حسب القول الشّائع   ( قيّم الركاع من ديرة عفك) تُغريه فتاة الخدر وتدعوه إلى منزلها بحجّة مرضها فماذا يفعل كما يقول دي موسيه ( جميع الرّجال كذّابون ، متقلّبون ، ثرثارون ، بؤساء أو شهوانيّون ، أمّا بعض النّساء فمحتالات ، فضوليّات ، منحرفات ، لكن ثمّة في العالم شيء مقدّس وسامٍ هو الإتّحاد بين إثنين من هذه الكائنات النّاقصة أو المروّعة جدًّا) ، وفي منزلها وبعد أن يرتوي تنهيدًا وتمسيدًا وإيلاجًا وغنجًا وهسيسًا وإمتصاصا وحبّا ، يرى صورا مترفة معلّقة في جدران البيت فيتذكّر أخاه والموت الذي غيبهُ في سجون الإجرام ويحزن ويتألّم ولكنّه يكرّر عملية الحبّ ويضاجع بقوّة وبلهفة أكثر ويلتذ ويئنّ ويخدر وينام تحت التّنهيد وفوقه وبجانبه مرار ومرارا، لا أعرف أنا كاتب المقال لماذا كلّما مرّ بالإنسان مشهد من الموت يذهب في أقرب فرصة لمضاجعة زوجته أو حبيبته أو أيّ امرأة لعبور اللّيل ، هل هي عمليّة تحدٍّ للموت والإصرار على البقاء أم أنّ النّساء فراشٌ رومانسي وثير و الرّجال ساحاتُ وغىً غبراء ؟.

يُتبــــــــــــع فــــي الجـــــــــــزء الثـــــــانــــي


23
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)


حال العرب والمسلمين (3) ... في إحتقار الكلب


كنت أراقب من باب الفضول فتاةً مهفهفةً معطرةً بعطر الله الفرنسي ، وهي تنتظر في موقفِ باصٍ وتحتضن كلبا صغيرا جميلا مرتديا بزةَ كلبية أنيقة ..وفي الحال نزل شابٌّ من الباص سعيدا مسروراّ متوجها لجميلته ..هاي ...هاي ..نوه ...نوه ...نوه..موجها سلامه الى الكلب متناسياً هيهفاءهِ التي أبدع في صلصالها الخالقُ صنعاً وهيبة وإثارة...ثم راحَ يقبلُ الكلب ...هاشا باشا ..ماصا .. شاما ..حتى إختلطت ريالة الكلب بريالته ... وهذه الحالة أوشكت بي على القيء ، لكوني عربيا جلفاً وفضاً خشناً لا يمتلك هذه الثقافة في حب الحيوان . وفي المشهد الأخير ...وبينما تقف حسناءه التي يكاد كل جزءٍ من أجزائها يصرخ باللهفةِ للجنس و الإستعداد لمطارحة الغرام و الإسترخاء على أسرّة الغزل ، قالت له من باب المزاح والمرح .. لقد نسيتني ورحت تقبل الكلب..فأنشأ معتذراً يقبلها وأنا لازلتُ رائياً فضولياً يقولُ للنفس : 
هنا التقبيل.. وما أدراك ماالتقبيل.. وهذا الرضاب الزنجبيل ..الذي يختلط بين أفواه الثلاثة معاً.. الحبيب الجميل والحبيبة الأحلى ذات الوجه الشفيق ، وكلبها الرشيق . فساءلتُ عقيرتي .. فتىً يحمل كل هذا الحب لكلب .. فما هو حب الدلوعة (برجيت باردو) التي لو شمّرت عن فخذها الذهبي ونهديها الطافحين فتكادُ تختنقُ الفتيانُ من شدة الشبق أيام زمان في سينما الشعب في السماوة ، هذه البرجيت تركت التمثيل وحب الناس لها ومعجبيها كي تتفرغ للحيوان .
رحم الله (الجاحظ )الذي أعتبرّ ملحداً وكافراً لعدة أسبابٍ ومنها حبه ومديحه للكلاب وسط تعاليم إسلامية تحط من شأن الكلب الذي نجدهُ عدوانيا شرسا وأليفاً في نفس الوقت لكنه لدى الأعراب فقط ، في البادية وضواحي المدن وهؤلاء مصنفين من ضمن الكفرة كما تقول الآية القرآنية (الأعرابُ أشد كفراً ونفاقاً).





24
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)



حميد الحريزي ومحطات مظلوم (3)



 

في ايلول 1967 وصلت حالة التوتر الى اشدها بين تياري قيادة الحزب الشيوعي ، فاعلن رسميا الانشقاق الى (( القيادة المركزية )) بقيادة عزيز الحاج ومن تبعه و (( اللجنة المركزية)) بقيادة عزيز محمد ومن والاه ، وقد كان رفاق (( مظلوم)) ومن ظمنهم (( ابو سلام)) ضمن تشكيلات القيادة المركزية كما هو حال اغلب تنظيمات بغداد المركز ، التي تبنت طريق الكفاح المسلح لاسقاط النظام وكان معهم حين ذاك مظفر النواب ، في حين كانت ((اللجنة المركزية )) بين بين ، وقد بدأ كل من الطرفيين يشن هجوما اعلاميا ودعائيا ضد الطرف الآخر ، وقد فشل الجناح المسلح و تم القبض على عزيز الحاج وتنتهي هذه الصفحة من نضال الحزب عبر الثورة المسلحة والعنف الثوري مما تسبب المزيد من المرارة لمظلوم الذي اعتزل الطرفين رغم ميوله الى جماعة القيادة المركزية ، وقد سلم بندقيته التي كان يحتفظ بها منذ حركة (( حسن سريع)) الى رفيقه (( ابو سلام )) فهو يعتبرها ملكا للحزب .
يموت مظلوم ( غضبان) في العام 1973 في بداية الجبهة الوطنية وقد أوصى مظلوم قبل مماته أن لاتوضع جنازته فوق السيارة مثل الحيوانات والآثاث حيث انه في البلدان المتحضرة توضع الجنازة في داخل السيارة مع باقة من الورود دون البكاء بل قراءة حسنات الرجل وماهي أخلاقه بين أصحابه وأصدقائه كما اوصى ان لايقام له مجلس فاتحة ، وانه لم يترك سوى دراجته ومنجله و((مسحاته)) وعدد من الكتب ، وهو لادائن ولا مدين لأحد .
يموت مظلوم ويبقى ولده كفاح . وكأنه يتوارث النضال في العمل الحزبي حتى السبعينيات والجبهة الوطنية . كفاح هذا كان اسمه مطشر فتغير الى كفاح وهنا علامة دالة من الروائي الى رمز الثورية . كفاح يرسل بزمالة عن طريق الحزب الشيوعي وهو شاب يافع الى الإتحاد السوفيتي فيكمل الدكتوراه في الأدب في جامعة باتريس لو مومبا ثم يعود لوطنه ليصبح استاذاً مميزاً في الادب والنقد العربي في السبعينيات . ونظرا لثقافته العالية وفطنته واتقانه للغة العربية والروسية والانكليزية مما أثار حفيظة وكلاء الامن في الكلية ، مما جعلهم يعرضون عليه الإنتماء لحزب البعث مع اغراءات كبيرة في تسنم مناصب مهمة كعمادة الكلية ، او رئاسة الجامعة أو الوزارة لكنه يرفض. وفي يوم باشرت في الكلية استاذة جديدة انها الدكتورة(( احلام سلام الريان ))، السمراء ذات الهيبة والجمال والعمق المعرفي ، وكان كفاح دليلها في التعرف على اقسام الكلية واساتذتها وطلبتها ، مما جعلها تستانسه كثيرا بعد ان عرفته من انه الشاعر المجدد المبدع           (( كفاح)) حيث كانت تتابع شعره باعجاب كبير قبل معرفته ولقاءها به. وهذه الحالة المشابهة حصلت لبدر شاكر السياب حيث كانت الطالبات معه في معهد اعداد المعلمين يقرأن أشعاره دون معرفتهن من انه هو الشخص المقصود معهنّ في المعهد فهو لايستطيع البوح بشخصيته أنذاك لقبح منظره مما حدا به أن يقول بحرقة وألم شديدين ( ياليتني كنتُ ديواني ...لأنتقل من حضنٍ الى ثاني ) .
كفاح وأحلام يتحابان ويتزوجان بعد غرام جميل . لكن أجهزة الأمن تلاحقهم وتضايقهم فيضطرالى الهروب بينما تختطف زوجته أحلام ولايعرف مصيرها بعد ذلك والى الأبد لأنها غيبت في سجون البعث .
بعدها تتمركز عصبة من الشيوعيين من جماعة القيادة المركزية في العراق تمهيدا لخوض الكفاح المسلح انطلاقا من الاهوار لإسقاط النظام القائم وكانت بقيادة المهندس (( خالد احمد زكي)) ابن بغداد .
ثم تنقلنا الرواية في جزئها الثالث الى نضال الحزب الشيوعي في الأهوار ونضالها ضد البعث وكيف نرى إجرام البعثيين أمثال الساقط البعثي حاشوش الذي جاء للأهوار مع أبيه ((ألحرامي فدعوس )) القاتل والهارب من عشيرته... ((الرفيق حاشوش)) يتمنطق مسدسه متنكبا رشاشته قاصدا دارعشيقته ((مريوده))مستعرضا عضلاته بما منّ عليه الحزب من النعمة والجاه ولابد له ان يتأهل فليس هناك أحسن من ((سعيده)) بنت سرحان تصلح زوجة له ، وقد رتب الأمر مع عشيقته ((مريودة)) زوجة والد ((سعيده)) لإقناعها بذلك فيكون تردده على دارهم وعلاقته مع مريوده لا تثير التساؤل كما قال لها.
سعيدة كان لها حبيبا شيوعيا طيبا( ناطور) تنتظرالزواج به عن قريب لكنه جندي في القادسية و في الخطوط الأمامية من القتال بين القوات العراقية والقوات الإيرانية وبعد مكرمة القائد وإعفائه من عقوبة الإعدام لانتمائه للحزب الشيوعي فإكتفوا بنقله الى الخطوط الأمامية كي يموت وبهذا يكونوا قد نفذوا بحقه حكم الأعدام بطريقة أخرى خبيثة وبالفعل يؤتى به ذات يوم ملفوفا بالعلم العراقي ميتا في الخطوط الأمامية بعد ان كانت سعيدة كل يوم تذهب الى القديس يوشع كي يرد لها حبيبها من جيش القادسية لكنه لم ينفعها بشيء مثلما لم يفعل كلُ القديسين مع الكثيرين أمثال ( ناطور) محبوب سعيدة . هذا هودأب القديسين لاينفعوا بشيء البتة والاّ فعلوا شيئا بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقرار القدس حيث أن الفعل هذا أكثر شراً من إبرهة الحبشي الذي رُمي بحجارةٍ من سجيل قبل الإسلام . فهل من أحد يعود بنا الى زمان المعجزات ، أم انّ هناك في الأمر ريب..
وتبقى سعيدة خائفة من مريودة البعثية زوجة أبيها سرحان التي تفعل الرذيلة مع الرفيق حاشوش في إتحاد النساء. سعيدة تخاف من أبيها أيضا لأنها تعتقد من انه هو الآخر متواطيء مع حاشوش مثلما تسمع عن أخبار الشيخ روضان الذي لفلف زوجته بحصيرة وأضرم النار عليها واحترقت حتى الموت لأنها لم تعطه الجنس الذي يريده من بين زوجاته الأربع . وهذه القضية تناولها بشكلٍ آخر الفيلم الأيراني (رجم ثريا) إنتاج 1986 من تمثيل نخبة من الممثلين المعارضين للنظام والذي يحكي قصة رجم (السيدة ثريا مونتشهري) وهي قصة حقيقية حدثت في إحدى قرى الريف الإيراني حيث أن زوج بطلة الفلم يتفق مع رجل الدين المسؤول في القرية بصفقة دنيئة فيسوقها الى الرجم حتى تموت ليس لشيء الاّ لأنها ذاقت به ذرعا وقرفا من أخلاقه الدينية المزيفة مما دبر لها مكيدة الزنا التي يعاقِب عليها الدين بالرجم بينما هي العفيفة الطاهرة فرجمت من قبل أهالي القرية حتى ماتت تلك الميتة التي تهز الضمائر الحية والميتة على حد سواء لكنها لم تهز ضمير زوجها الديني القميء .
فقدت ((سعيده)) قدرتها على الكلام بشكل نهائي بسبب مطاردة البعثي حاشوس لها ومقتل حبيبها ، تضحك ضحكا هستيريا دون سبب ظاهر، تسب تلعن .. تضرب خدودها تبكي بكاءا مرا ثم تسقط . وصل بها الأمر الي التجديف والتطاول على بعض الأسماء المقدسة ومنهم سيد يوشع لأنها عرفت جيدا من أنه الكثير من الأولياء لا يهشون ولا يبشون .
((سرحان)) يهرب من الجيش الشعبي الذي زجته به زوجته البعثية كي يخلو لها الجو مع عشيقها حاشوش ويبدأ بالنضال في الأهوار ضد البعثيين مع رفاقه الآخرين وسعيدة تفوق من جنونها بعد أن يهرب بها ابوها بعيدا عن حاشوش وزوجته وتتعلم السلاح والمعارك وتصبح من إحدى المناضلات الشيوعيات العنيدات ضد البعث .
ثم تبدأ الحملة الإيمانية للبعث التي أطلقها المجرم صدام وخلال هذه الفترة حاشوش زهد في أن يكثر من الصلاة والسجود والركوع وقراءة القرآن والأدعية ويتنبأ بمصائر الناس... أطلق لحيته وحلق شاربه مرتديا خواتمه مع مسبحته السوداء و بسرعة مذهلة بانت على جبهته آثارالسجود والورع وأطلق عليه لقب ( السيد نعمة) والناس الأغبياء يزورونه من كل صوب وحدب لغرض الشفاء فهو نعمة وهدية من رب السماء لسكان الأهوار وكذلك الحال بالنسبة لمريودة عاهرة إتحاد النساء هي الأخرى أصبحت قارئة جيدة للإمام الحسين وأصبح إسمها ( الملّة فاطمة ) وضاع بذلك تأريخها الشائن والمجرم وسط خزعبلات الدين وغباء النساء العراقيات لحد اللعنة.
تنتقل بنا البانوراما الروائية في أحد فصولها الى سقوط الصنم الصدامي على يد المحتل الأمريكي وتفتح الزنزانات على أيدي الناس الغاضبة ويخرج منها المعتقلين منذ اعوام وأعوام في أقبية البعث المجرم ، يخرج منها رجل إسمه كفاح( أشيب فارع القامة ، تبدو عليه علامات الهيبة رغم ملابسه الممزقة ، شعره الابيض يجلل كتفيه ، خال جميل يضيء وجنته اليسرى ، يسير حافي القدمين دون هدى لا يعرف إلى أين يذهب ، ولكنه ظل يردد لازمته كما كان في زنزانته الإنفرادية قبل ((24)) عاما (هل هدم الدرج ؟؟ هل هدم الدرج ؟؟ من هدم الدرج..؟؟؟هل هدم الدرج ؟؟...) هنا إشارة الى ماقبل 24 عام حيث أخفى كفاح كتبه الماركسية تحت الدرج وبنى عليها بالإسمنت خوفا من ملاحقة الأمن البعثي . أحد السابلة يقف مذهولا وهو لا يدري بماذا يجيب هذا الرجل الشبح ، تركه ومضى ، وهو يهز يده مستهزئا ، قائلا (وهل بقي شيء لم يهدم ، ألا ترى ما يجري في البلاد أيها المجنون...؟؟؟) ..
اذن كفاح المناضل الشيوعي ابن الشيوعي مظلوم وزوج الشيوعية الشهيدة أحلام الريان هو الآن مخبولا يجوب الشوارع التي تزدحم بمجنزرات الدبابات الأمريكية التي ناضل ضدها كفاح سنين وسنين . ونظرا لثقافته ظل أصحاب الثقافة يرافقونه معهم الى المقاهي في المتنبي ويدير النقاش باسلوب العارف لا المجنون فتارة يتذكر نيرودا ولوركا وماهو الفرق بين نيرودا هذا الذي عاش حياته بينما لوركا قتل .
تذكر أشياء بينما العراقيين يتشرذمون بين الشيوعي الأخير سعدي يوسف الذي يكيل الشتائم حتى لأهله في البصرة وكل العراقيين .
لرواية تتطرق عن سوء التطبيق للفكر الشيوعي الذي أدى بمايكوفسكي أن ينتحر بعدما رآى الكثير من التناقض بين الفكر وتطبيقه . ففظل الموت إنتحارا وخلاصا من عالم بات لايُطاق .
يسأل كفاح وهو يجادل المثقفين بأسئلة فلسفية عن ناظم حكمت سليل الإرستقراطية التركية العريقة وحبيبته منور. فهنا مواساة للنفس اذ انّ السياسة والثقافة تقتل صاحبها او على الاقل تحطمه فيقول كونفوسيوش من انّ الناس الجهلة أطول عمرا من المثقفين وهذا مانلاحظه اليوم في حياتنا العامة فالمثقف يتمنى لو كان انسانا عاديا كما حال أغلب الرعاع العراقيين ولذلك كفاح حين يتذكر ناظم حكمت فأنه يعرف من انّ ناظم قد ضحى بالكثير وهو ذلك الشاعر العقائدي الشيوعي الذي رُدّ له الإعتبار في تركيا بعد عقود وعقود من موته وأقيم له نصبا تذكاريا بعد ذلك. كفاح كان دائم السؤال عن حبيبته أحلام على طريقة ناظم حكمت الذي كان يقول :

لم اتمكن يا حبيبتي
أن أشتري لك باقة من البنفسج الأصهب
وكان الرفاق جياعاً
فأكلنا بثمنه خبزاً أسمر

كفاح المجنون أصبح مَضربا لكل من يقول خذ الحكمة من أفواه المجانين فنراه يردد في المقاهي مع أصدقائه(لا ادري لماذا رحم بلدي عقيم ، لايلد الفلاسفة ؟؟ لماذا اليونان ولاّدة للفلاسفة ؟؟هل لأنّ نفوسنا أدمنت على تلقي الإجابات ولا تجيد السؤال والتساؤل) .
نعم لأننا نقتل الفلاسفة بعد ان نطلق عليهم كلمة زناديق وعلى سبيل المثال لا الحصر إبن رشد واحد من أبرز و أكبر و أشهر فلاسفة الإسلام ، حتى تم إختيارهُ لتولي منصب القضاء في "أشبيليه" و هو أكبر و أهم منصب في إسبانيا حينها . تم تكريمهُ أوروبياً و تم تدريس كتبهُ في أغلب جامعات أوروبا. تعرض "إبن رشد" لإشرس و أشد حمله تكفيريه، حيث إتهمهُ الفقهاء و رجال الدين بالكفر و الزندقه       و الإلحاد، و تم ترحيلهُ الى مراكش قبل أن يتوفى هناك بسبب الكآبه و الإهمال و عدم الرعايه الصحيه .
ينتهي كفاح بقصته الحزينة يجوب الشوارع مجنونا حكيما حكاءاً في المقاهي بكل أنواع المعرفة التي يحملها عن ظهر قلب أيام زمان حتى تنحره يد الإرهاب التكفيري وهو الذي أفلت من يد الطاغية والبعث المجرم . كفاح لم يمت مرة واحدة بل مات مرتين عن طريق الخيانة العظمى إذ انّ أحدهم من يدعي الوطنية سرق إبداعه وهو اليوم في شارع المتنبي بإعتباره شاعرا فحلاً وبهذا مات كفاح للمرة الثانية بهذا العمل القبيح . وقبل أيام نشر الروائي الجميل سلام ابراهيم عن الخيانات الحزبية عن صديقه الشيوعي (حسين السلمان) الذي قتل زوجته الشيوعية(منى) من أهالي الحلة في بلغاريا وقام بتقطيعا ووضعها في بانيو الشقة بالإتفاق مع السفارة العراقية أنذاك مقابل تعيينه في أكاديمية الفنون الجميلة التي يعمل بها حتى الان منذ ذلك الزمن البعثي دون محاسبة أو قصاص .
يموت كفاح و تنطوي صفحته ليلحق بفردوس حبيبته (أحلام) لكنه يظل هادرا بوسامته وأناقته مع الفرات ومع كل الذين ماتوا واستشهدوا في سبيل الأوطان.
أما (السيد نعمة) و عاهرته (الملة فاطمة) البعثيون سابقا تمادوا في النصب والإحتيال حتى أصبحوا من ذوي الشأن في الخارج على إعتبار أنهم قارعوا الديكتاتورية الصدامية وقد شاهدهم أهالي الأهوار ومنهم المناضلة سعيدة وأبوها في التلفزيون من ضمن فريق مجلس الحكم عند سقوط الصنم وبداية الإحتلال الأمريكي والحاكم المدني برايمر ومجلسه السيء الصيت وبهذا يعيد التأريخ نفسه مع قدوم شلّة من الساقطين خلعواالزيتوني البعثي وارتدوا العمّة وأطالوا اللحى وحملوا المسبحة وهذه الثلاث هي أدوات النصب والإحتيال بينما الشعب مغفل تنطلي عليه هذه الممارسات لكونه من أكثر الشعوب تخلفا وتراجعا .



كلمة بحق الروائي حميد :

أراد حميد عن كل ماذكر أعلاه أن يعطينا الإنطباع الحقيقي للقادة العراقيين على مستوى حكام دولة أو وزراء أو مدراء عاميين وماهي صفاتهم الحقيقية على غرار تلك الحكاية التي تتخذ كموعظة من المفروض أن يهتدى بها ومفادها : ( إتفق رجل مع زوجه في إختبار ابنهم الذي لايزال صغير السن ، فوضعوا قرآنا في أحد الآركان وفي الركن الثاني نقودا والثالث زجاجة خمر ، لكي يروا إبنهم حين يدخل ماذا يأخذ ... فقالت الزوجة بم تفسر اذا أخذ القرآن قال الزوج سيكون عالم /واذا اخذ النقود قال سيكون تاجر / واذا أخذ زجاجة الخمر قال سيكون فاسق/ فدخل الطفل واذا به يأخذهم كلهم / فقالت بم تفسر ذلك/ قال زوجها سيصبح زعيما عربيا .
وفي النهاية أستطيع القول من أنّ حميد مازال قادراً على إدهاشي فهذا يعني انه يكتب في الجانب الصحيح ، لأن الإدهاش القادم من أي مبدع يتطلب الكثير من العناء الإبداعي و المعرفة الخالصة في إثارة هورمون الإدهاش .
يبقى حميد الروائي وسط هذه الدوّارة الغبية لشعبٍ لم يسمح لنفسه أن يكون متحضرا بل يفتخر لجهله وتمسكه بحب الأولياء الذين هم مصدر هذا التراجع الرهيب في العقلية والتفكير ، فأستطيع أن أستنتج من رسائل الروائي حميد بما قاله الفرنسي الشهير بودلير في نصه ( الكلب والقنينة) حيث يعطي بودلير كلبه عطرا جميلاً ويرفضه فيقول له أنت كما البشر لايعجبهم الاّ الروائح النتنة . ومع كل هذا وذاك لو سئل حميد مع أي جانب تقف ؟؟ لأجاب كما أجاب فيدريكو غارثيا لوركا حين قيل له في مندلع التمرد الفرانكوي في أسبانيا : مع أيّ جانبٍ تقفُ ؟أجاب لوركا عليه الصلاة والسلام :الشاعرُ مع الخاسر ! .


25
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)


أزمة الكسكس المغربي اللذيذ



بربّكَ ..هل مررتَ بأزمةٍ كسكسيةٍ ذات َيومٍ يا صديقي ...ضحكَ عاليا جذلاً باكيا.. أقصد طعام الكسكس المغربي الذي يؤكل كل يوم جمعةٍ كتقليدٍ معتاد ...فلا تذهب بعيداً في خيالك الشرقي المريض .... عندها أجابني جذلاً أكثر ...أنا على طول مراهقتي كنتُ جائعاً وأحلم بهذا الذي ... ماذا أسميته ياهاتف ....فأنا لا علم لي بشكلهِ ونكهته ... مابك ياصديقي قلت لك الكُسكس ...... ها ها ... الكسكسي ... إعذرني ياهاتف..فو الذي نفسي بيده .. ما رأيته في حياتي !!!!!!حتى تزوجتُ.. فقدمتهُ لي زوجتي على طبقٍ من أفخاذها اللامعة الطازجة ...وأنا في عمر الأربعين .. عندها قضمته بأسناني ولعقته لعقا عظيما بلسانيً وشممتهُ بشهيقي ملء رئتي ..كي أعوّض مافاتني من مجاعة السنين والذل.... فقلتُ لزوجتي ما إسم هذا اللذيذ يا حبيبتي؟
فقالت : الكسكس ، الكسكس يا حبيبي ..ومنذ ذلك الزمن السحري  يا هاتف .. عرفته... وأصبح لا يفارقُ مطبخي و ولائمي . يعني أنتَ     يا صديقي كنت جائعا شرهاً لأربعةٍ وعشرين عام.. منذ مراهقتك في السادسة عشر حتى الأربعين !!!! ...اغرب عن وجهي.. فأنت لا تصلح أن تكون بشراً ذا شهوةٍ و غريزة .. بل ملائكياً ..أو من جنس ملوك الجان ....أو داعشياً مغتصباً وقاتلاً ...أو مفتياً سلفياً أعوراً و عميلا .


26
أدب / معها.. في الواحدِ من آيار
« في: 20:11 08/05/2018  »
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)


معها.. في الواحدِ من آيار


أسفي أيها العامل لأنني سأحتفلُ بطريقتي المجنونة ِفي آيارك هذا العام ، بعد يوم غد .
.............
في جزائرِ الواحدِ من آيار
أراك َباذخاً محتفلاً...
بطريقةِ خلعها للقرطِ الفضي المدوَّر
ثم حزام الخاصرِ فالإكسسوار
فمشبكها الشعري ، تناثر بعدهُ الأشقر ُالمشدود على المتون
و فستانٍ نزَعتهُ برجاءِ أصابعكْ
ثم جميلِ بوكسرها الداخلي
وآخرها السوتيان المغرورِ
بلونِ كلسونها الآمرِ ....
بالإبقاءِ على جوربٍ أسودٍ
أتاح لفخذها الرستمي
أنْ يزهو فخراً ، بعطرها اللاكوست
وبكَ انتْ ..انت َوحدك ، ثم وحدكْ
من ْكان ينتظر ، مشهداً ترفياً آخراً
حتى قَالَتْ باسمةً ، خلاعيةَ الليل : مارأيك؟؟؟
..........
........
وربي !!!
أجملَ من لوحاتَ إيغون شيلي
وألذّ من الجيلاتين المشمشي
فوق البوابةِ التاسعةِ ، لكيم باسنجر


البوكسر ..سروال داخلي Boxer b
الرستمي ....الممثلة المصرية هند رستم
كيم باسنجر ..الممثلة الأمريكية المثيرة في فيلم التاسعة والنصف


27
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)


حميد الحريزي ومحطات مظلوم (2)


 


في زورتي الأخيرة الى العراق أنا كاتب المقال رأيت من ان العراق تحول الى عبارة عن ماخور كبير يتميز بزواج المتعة والنقاب الذي يعطي انطباع حول الدعارة الغير مرخصة في ظل نظام ثيوقراطي ديني تكاد تكون فيه بيوتات العاهرات صفرا مع إزدياد الجريمة الجنسية، بينما يؤكد علي الوردي على أنه من الضروري أن تتوفر بيوت الدعارة بشكل علني وأمام الأعين وعرضة للفحص الطبي بدلا من التكتم والأمراض الناجمة عن الجنس الهمجي. أكثر الروايات العالمية والأفلام العربية تحدثت عن البغي والغواني مثلما رأيناها في فلم محمود ياسين ونجلاء فتحي والحب العارم بين الطرفين الذي ينتهي تحت مسميات النظرة الدونية للغواني التي جعلت محمود ياسين يبتعد عن نجلاء فتحي رغما عنه في فيلم ( وتمضي الأحزان) وهم في ذروة العشق الحقيقي مما يؤدي بالنتيجة الى موت نجلاء فتحي كمدا وحرقة وعشقا وشوقا لحبيبها الضائع بين أجنحة التقاليد المميتة .
غادة الكاميليا قتلها حبها لشاب أغرمت به وأغرم بها وهي فتاة ماخور بعد ان أصيبت بالسل الرئوي وهي في عمر الشباب نتيجة حكم العشيرة والبيرواقراطية الطاغية أنذاك والتفرقة بين المحبوب الثري والمعشوقة الفقيرة والعكس صحيح .
ينتهي فصل العشق الغنودي ويظل مظلوم تأخذه الحسرات التي تحاكي العقل حول العدل والمساواة لكن دون وعي تام ولاحرية فهو لازال لايعرف غير اللبلبي والفلاحة (اذا لم نستطع التنسيق بين العدل والحرية فقدنا كل شيء ......البيركامو) .
يبدأ مظلوم يدافع عن بوادر المعرفة والتحرر حينما يمنع أهله من تزويج أخته الصغيرة السن كصة بكصة رغماً عنها فتصوّرّ أهله وذويه انّ اللبلبي والباقلاء جعلته مثقفا هكذا لو كان يبيع الذهب لأصبح في مجلس النواب . وللأسف الريف لازال يعيش تحت التخلف في أكثر مناطق العراق .
يتعرف مظلوم أبو كفاح في النجف على المدرس استاذ منير الشيوعي والذي كان يساعده في كل شاردة وواردة ويصبح من أصدقائه المقربين . استاذ ((منير)) الشيوعي يختفي بعد التظاهرات في النجف . حتى تمر الأيام ويصبح مظلوم معروفا في شوارع المدينة ومن قبل الطلاب وعامة الناس من خلال عربته الجوالة على طول النهار حتى يأتي يوم يقوم به أحد أبناء عمومته بقتل شخصا في الريف على حصة الماء في مزارعهم فيتوجب عليه أن يختفي عن الأنظار خوفا من قتله ثأرا بالقتيل . وقد وصلت هذه القضية الى استاذ منير الذي قام بمساعدته في إخراجه من النجف الى بغداد كي ينجو من الثأر ويغادر مظلوم الى بغداد ويترك ابنه كفاح وابنته وزوجته وهنا بدأ نضاله الشيوعي الحقيقي في بغداد .
وفي بغداد يلتقي مظلوم بمنير والذي يتبين فيما بعد من انه سلام عادل الذي سيصبح سكرتير الحزب الشيوعي العراقي في العام 1956 . في بغداد يتغير اسم مظلوم الى غضبان حتى لا يستدل عليه من قبل عشيرته .
(وفي بغداد يعمل في مطبعة الحزب و التعرف على معنى ومضمون ((الشيوعية )) من خلال بعض المطبوعات في المطبعة التي يجلبها له اسطه جمال...تعرّف على أسماء ماركس وانجلس ولينين وستالين وفهد ووووو. ديكتاتورية البرولتاريا، الرأسمالية ، الاشتراكية، الأدب الواقعي ، الرواية القصة ، والشعر الثوري وووو،السريالية ، والرومانسية ، والشعر العمودي والشعر الحر ) .
يصبح مظلوم واحدا من المناضلين الكبار في الحزب الذين لهم مشاركات فعالة لما في ثقافته وشخصيته ومعرفته بشخصيات مجتمعية لها وزن كبير ومنهم الدكتور (فريد وزوجته) اللذين اشتغل في بيتهم وفي مزارعهم وكان الدكتور يعتز بشخص مظلوم وتفانيه بعد ان يعلم بشيوعيته السرية وهذا الدكتور من الرجال الطيبين العارفين بأمور السياسة والبلد لكنه شخصية مستقلة تحترم الشيوعيين مما دعاه أن يطرح فكرة لم شمل عائلة مظلوم في بغداد مع زوجته ويتم له ذلك في أن يهبه بيتا كاملا مؤثثا لاينقصه سوى مجيء زوجته .
بالفعل تأتي زوجة مظلوم وتعيش معه في بغداد في فصل حب مدني جديد يختلف عن الريف . وهذا البيت ظنه مظلوم إيجارا وحتى الإيجار لايستطيع دفع تكاليفه ولكن فيما بعد تبين انه هدية من الدكتور فريد مسجلة عقاريا بإسم مظلوم فما أكرم هذا الرجل الذي يعادل ألف معمم ومرجع فلن يفعلها مثله من رجال الدين على الأطلاق لا اليوم ولا غدا . لكنها الشهامة اليسارية وحب الشيوعية والإشتراكية لديه التي حتمت عليه في مساعدة مظلوم في بيت يأوي به عائلته . وفي هذا البيت يبدأ فصل الحب من جديد وفي عمر الشيخوخة بين مظلوم وزوجه ولم لا فالشيوعيين هم أهل الحب كما رسمه لنا المؤلف        ( نيكولاس سباركس) في رائعته التي مثلت في فيلم رومانسي جميل ( دفتر ملاحظات ) ثمثيل الممثلة الكندية( راشل مكدامس) والممثل الكندي أيضا (رايان كوسلن) وهؤلاء قد قدر لي أنا كاتب المقال أن أرى بيوتهم وأزقتهم الطفولية حيث ولدوا في مقاطعة لندن أونتاريو عند زيارة أخي في كندا قبل أشهر . هذا الفلم يحكي الحب في مراحله الأولى حيث المراهقة النزقة حتى عمر الشيخوخة الذي ينتهي بموت الحبيبين سوية متعانقين وهم على فراش الحب الحريري عجوزين طاعنين في السن . وهكذا كان مظلوم يحب زوجه في هذا البيت الأخير الذي شهد موته ونهاية نضاله البطولي .
وفي ذلك الوقت صدر قانون الاصلاح الزراعي الذي انتصر لمظلومية الفلاح العراقي ومما اثار استغراب مظلوم مدى تذمر وسخط القوى الدينية الحوزوية من صدور هذا القانون . في الوقت الذي يفترض فيهم مساندة الفقيراقتداءا بالامام علي عليه السلام وانتصاره للفقراء وهو القائل (( لوكان الفقررجلا لقتلته)). وكذلك الحال بالنسبة لصدور قانون الاحوال الشخصية والداعي للمساواة بين الرجل والمرأة واعطاء المرأة حقوقها المشروعة ، مما دعاهم الى تاسيس ما اسموه ب (( جماعة العلماء )) وكان لها دور تحريضي كبير ضد الشيوعيين وضد الثورة وضد عبد الكريم قاسم ، مستندين الى فتوى (( الشيوعية كفر والحاد ).
ادات وتقاليد دينية مقرفة يتبعها شيوخنا وأكثر مراجعنا في الزواج من القاصرات منذ تلك العهود الغابرة والمتخلفة. واليوم قرر مجلس النواب من هذا العام 2017 قانونا يسمح للزواج من القاصرات . وحتى الإمام الخميني في كتابه تحرير الوسيلة أقرّ الزواج من الرضيعة حيث تتم مفاخذتها فقط حتى تكبر وتصبح قادرة على تحمل الولوج. فأي شعوب هذه وأي حكومات . كازانوفا العاشق الإيطالي الشهير في عصر النهضة أو عصر الولادة الجديدة أو مايسمى يالرينايسانس Renaissance هذا العاشق عشق أكثر من سبعة آلاف إمرأة وآخرها فتاة لما التقى أمها لكي يعقد عليها تبين انها عشيقته قبل عشرين عام وهذه التي عشقها الآن هي إبنته. كازانوفا في فترة من حياته التي عاشها قبل أربعمئة عام إتهمه القضاء بالجرم لكونه مارس الجنس مع فتاة قاصر . بينما رعاع العراق في القرن الحادي والعشرين يريدون تشريع قانون الزواج بالقاصر . فأي حكومة ٍهذه التي تريد إرجاعنا الى ماقبل ألف وأربعمئة عام ؟ إنها حكومة أولاد قراد الخيل .
إنها سلطة الأكليروس التي تقف مع الظالم بكل الأحوال مثلما كان يحصل في إيطاليا وكيف وقفت سلطة الكنيسة مع موسوليني الذي أغرق إيطاليا بالقتل والدمار .
في العام 1963 يتم تصفية قيادات الحزب برصاص الحرس القومي المسعور أو الموت تحت التعذيب ، فاشتشهد العديد من الأبطال ، سلام عادل( استاذ منير) ، ابو العيس ، عبد القادر اسماعيل ، حسن عوينه ، جمال الحيدري وووو. فتنتهي صفحة نضالية يبقى صداها حتى اليوم لكنها تشكل المحطة الحزينة لمظلوم لوجعه على رفيق دربه وصديقه الذي ساعده في تدبير أمور حياته الرفيق الخالد سلام عادل ( استاذ منير) الذي تقطع أوصاله ويسحق بالحادلة فأي حقدٍ هذا الذي حمله جلاوزة البعث .
يختفي مظلوم عن الأنظار قليلا ويبتعد عن الحزب وبعدها يلتقي العريف (( حسن سريع)) مرة أخرى حيث جمعته به علاقة صداقة ورفقة حميمة حينما كان يعمل في المطبعة ، وكان لهم آراء واحلام وتطلعات مشتركة ، وقد نشأت وتطورت بينهما علاقات عائلية على مستوى الأسرتين آنذاك ، فيجد له حسن سريع عملا في البساتين في بغداد وبعض حدائق البيوت .
كان امر اعادة الصلة بقيادة الحزب هو جل مايشغل مظلوم أبو كفاح أو شمران حاليا، بينما كانت ((غزاله)) الشغالة في نفس الدارالتي يشتغل بها مظلوم ، سمراء مربوعة ، تفيض ملاحة ولطفا وعذوبة ، تستلطف مظلوم ، وغالبا ما ترهف السمع له وهو يدندن بصوته العذب احد أغانيه الريفية المثيرة للطرب والشجن . مظلوم كان يقول الشعر ويغنيه فأصبح محبوبا بين أقرانه ، فالغناء هذا فن يبهج النفس التي تؤديه كما يبهج المستمعين ، الغناء تلحين الشعرالموزون بتقطيع الأصوات على نسب منتظمة فتكوّن نغمة ثم تتشكل تلك النغمات بعضها الى بعض على نسب متقاربة فيلذ سماعها ومن المغنين الأوائل زرياب الموصلي .
كانت((غزاله)) تختلق الاعذار لتكون بالقرب منه في حديقة الدار، ، بينما وهو العليم بما تريده هذه الغزالة ولكن يردد مع نفسه (( خايبه آني وين وانتِ وين )) ...لكنه الحب وعالم النساء المثير مهما حاولت النفس التواقة الإبتعاد عنه (انّ من الاغراءات الكبيرة ان تكون معشوقا ، واذا كانت الروح سخية فمن السهل إغرائها... راسين). . لكن مظلوم يشكر حسن رعايتها له ، متابعا مشيتها المتبخترة وهي تجر عجيزتها الرجراجة المشتهاة ، وضفيرتها التي تنساب على ظهرها . منذ ذلك الوقت و الفلاّحة العراقية لاترتدي الحجاب فهذا يعني من ان العراق رغم كل الظروف الطغيانية لكنه أكثر تحضرا وتمدنا من اليوم وساسة اليوم الذين أرجعواالعراق الى قرون وقرون . حتى الجوع لم يثني هذه الفلاحة غزالة في أن تكون حاسرة الرأس ، لم يثنها في أن تقول لمظلوم من انّ عبد الكريم قاسم قد شاهدوه في القمر . انه الجوع الذي يحرك هذه الفتاة اتجاه عبد الكريم قاسم لأن عبد الكريم هو الوحيد الذي بنى مساكنا للفقراء في مدينة الثورة بعد ان كانت بيوتهم أكواخا وواحدة من هؤلاء بيتا لهذه الفتاة وعائلتها ولذلك كان القمر جميلا بالنسبة لهذه الجائعة الفقيرة التي تبحث عن رغيف الخبز لعائلتها...ولذلك يقول الشاعر :

القمر جميل
لكن رغيف الخبز أجمل ...
ومافائدة القمر الجميل ورومانسيته بالنسبة لجان فالجان بطل البؤساء في رائعة فيكتور هيجو ، الذي اعتقل خمسة وعشرين عام من اجل رغيف الخبز ، حيث الأنظمة الدينية أنذاك وسلطة الكنيسة التي تسن قوانينها ضد الضعيف وتترك عصابات السرقة المنظمة ومافياتها .
افائدة القمرالجميل اذا ما أطلّ فوق ديار شارع الألف طفل حافي في حي الشعب أيام البعث ولا أدري ان كان موجودا حتى الآن .فاعتقد من انّ الحالة الوحيدة التي يكون فيها رغيف الخبز والقمر سيان في الجمال هو ماحصل بالنسبة لغزالة أو لأولئك الجياع في مدينة الثورة الذين تراءى لهم وجه عبدالكريم قاسم في القمر .
يتفق الرفاق على القيام بإنقلاب عسكري في عام 1964 بقيادة العريف حسن سريع ومعهم مظلوم ويبدأ الأنقلاب من معسكرالرشيد وبعض الفصائل في بغداد وشارك فيها العديد من الضباط وضباط الصف. لكن الإنقلاب يفشل ويلقى القبض على المشاركين في الإنقلاب وتقام لهم محاكمة صورية يعدم فيها أكثر الإنقلابيين بينما مظلوم يستطيع الهرب عبر النهر ويخفي بندقيته .
يتقدم حسن سريع قبل رفاقه اُثناء الأعدام وهو يهتف (( يحيا الحزب يحيا الشعب)) (( السجن الي مرتبه والقيد الي خلخال / والمشنقة ياشعب مرجوحة الأبطال )) وتعلق جثته على عامود الكهرباء في مدينة الثورة لعدة أيام لترهيب الناس..تحزن النساء في مدينة الثورة وترتدي الأسود على مقتل حسن سريع ورفاقه . ثم تشن حملة ضد المثقفين والثقافة في ظل الفاشية ، حيث يبصق المجرم الملازم ((غازي عبد الصمد بوجه عالم الفيزياء ورئيس جامعة بغداد الدكتور عبد الجبار عبدالله)).



يُتبــــع فــي الجزء الثالـــث



28
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)


حميد الحريزي ومحطات مظلوم(1)


 

حميد الروائي والشاعر اليمامي المتطلّع إلى عالمٍ حرّ إستطاع أن ينتبذ مكانًا في صحن قلبي وقريحتي للمرّة الثّانية ، أن يدخل في ذائقتي وأنا أمرّ في جميع الأمكنة التي شكلّت له حزنا عميقا بقي معلّقا في الذّاكرة حتّى اليوم ممّا حدا به أن يفرغ هذا الوجع النّاجم عن مجتمع مورستْ به شتّى أشكال القسوة والتّعذيب والتّشريد والجهل والإستغلال ، وسطّرها قلمه في روايته الثلاثية (( محطات مظلوم.. العربانة / كفاح/ البياض الدامي ) .
حميد يُعتبر من المحدثين الذين استهوتهم مقولة رامبو من أنّنا لابدّ أن نكون محدّثين بصورة مطلقة في كلّ شيء . رامبو ساهم في نصرة العمّال والطبقات المسحوقة حين شارك في كومونة باريس . وها هو حميد يُساهم بشكل كبير في نصرة العمّال والذين ظُلموا في الحياة عن طريق شاعريته وإبداعه في مجالاتٍ شتّى .
في عام 1953 أطلق حميد الحريزي بكاءه الأوّل في النجف الأشرف ليشقّ درب الأدب الموجع عبر الطفولة المشخابية الريفية ليصبح شاعرا وناقدا يشار له بالبنان، يمتلك العديد من المجاميع القصصية والشعرية والدراسات التي تنتظر الطبع ،عضو الإتّحاد العام للادباء والكتّاب في العراق ثمّ رئيس تحرير مجلة الحرية ، ناشرا شهيرا في أغلب الصّحف العراقية والأجنبية .
أستنير بما يكتبه الروائي حميد ، ينفتح ذهني وتكبر قريحتي وأصول وأجول بين الأسطر التي تحمل كلّ المعاني الإنسانيّة من شاعرٍ وروائي أمضى أكثر من نصف عمره في الأدب والنّضال ومقارعة الطّغاة بالكلمة وبالكلمة فقط ، إنّها طلقته وسهمه صوب الجائرين اليوم وغدا وأمس.. صوب أمريكا التي قال عنها ذات يوم محمود درويش:( أمريكا هي الطاعون والطاعون هو أمريكا).
يُذكّرني حميد بكلّ رجال الفكر اليساري ، الذين بقوا كما الساموراي الأخير ، أولئك الرّجال الذين حفروا أسماءهم وعناوينهم في سجل التأريخ عبر الأزمنة الغادية والآتية ، وعبر شجرة الحياة الخضراء لا عبر النظريات الدينية الرّمادية لأولئك الذين قتلوا بها الشّعب العراقي و أغرقوا العراق بالخزعبلات حتّى بتنا لا نعرف من هو الولي ومن هو السرسري ، حتّى بتنا نُغنّي ( يا روحي جذاب الوكت موذولة الأحباب) فلذا حتما ستكون هناك شموسا أبدية لوارف أغصان حميد الحريزي .
رواية ( محطات مظلوم) تتحدّث عن نضال الحزب الشيوعي العراقي وما مرّ به من نكسات لو تَمّ تجاوزها بشكل أفضل لكان العراق في مصاف الدّول الكبرى مع طرح مضاد لشيوعيي اليوم وهذا رأيه مهما يكن من أمر وخصوصا في مسألة إشتراك الحزب الشيوعي في مجلس حكم برايمر بزعامة أمريكا وإحتسابه على الطائفة الشيعية . استخدم الروائي حميد هنا في سرده أسلوب الفلاش باك ، فيظهر في بداية الرواية (كفاح) مطلقُ السراح من سجنٍ إقتحمه العراقيون أثناء دخول الإحتلال الأمريكي فيرى ما لا يصدّقه عقله الذي مضى في أقبية البعث أربعة وعشرين عاما . عقله الذي ظلّ يُقارع أمريكا عدوّة الشّعوب التي أتت بالبعث في عام 1963 ، حيث دعّمتْ إدارةُ كندي انقلاباً ضدّ حكومة العراق التي كان يرأسُها اللواء عبد الكريم قاسم ، الذي أطاحَ بالنظام الملَكي العراقي الموالي للغرب السي . آي . أي ، فقامت حكومة حزب البعث الجديدة في تطهير البلد من المشتبَه في أنّهم يساريّون وشيوعيّون. وفي حمّام الدّم البعثيّ استخدمتْ الحكومة قوائم بالمشتبَهِ بهم من شيوعيّين ويساريّين آخرين ، قدّمتْها السي . آي . أي ، لاغتيالٍ منظّمٍ لأعداد لا تُحصى من النّخبة العراقيّة المثقّفة.
لضّحايا يضمّون مئات من الأطبّاء والأساتذة والتقنيّين والمحامين، إضافةً إلى شخصيّاتٍ عسكرية وسياسيّة ، وملاحقة آخرين من ضمنهم والد كفاح المسمّى مظلوم بطل روايتنا هذه الذي كان مناضلا شيوعيا في عام 1963 كما سنبيّن لاحقًا . وها هو كفاح الشيوعي الحقيقي اليوم يرى أمريكا بمدرّعاتها في شوارع بغداد ويا للكارثة والمأساة والحيف ، فيا ترى من جاءوا به الآن فوق ظهور دبّاباتهم . أمريكا تلك التي جاء منها مصطلح المكارثية على لسان السيناتور الأمريكي جوزيف مكارثي للحدّ من الأنشطة الشيوعيّة قتلاً ونفيًا وبشتّى الوسائل ومن الشيوعيّين الذين طالهم القتل جون لينون مؤلّف فرقة البيتلز للموسيقى والغناء أمّا النّفي فطال العظيم شارلي شابلن بينما السّجن طال أعظم سيناريست في القرن العشرين             ( Trumbo ترمومبو)مؤلّف سبارتكوس.
أبطال الرواية هم ( مظلوم ) أبو مطشر أو أبو كفاح لاحقا وهو فلاّح بسيط في خمسينيات القرن المنصرم يترك الرّيف نازحاً منه نتيجة ظلم الإقطاع ويصبح بائعا للبلبي في النجف ويذوق ويلات الجوع والبطالة وقهر البلطجية ، فتنزح معه الكثير من العوائل نتيجة ظلم الإقطاعي فكان الفلاّح يحزن حتّى على كلبه الذي يتركه هناك لكنّه لا يذرف دمعةَ حزنٍ واحدة على عائلة إقطاعي لما في الكلب من وفاءٍ عظيم . ويصوّر لنا الرّوائي حميد من أنّ كلاب الرّيف تختلف كثيرا في وفائها من كلاب المدينة. ولم لا فالكلب أصبح مضربا للأمثال في العديد من القصص والحكايات منذ قديم الزّمان حتّى هذا اليوم . ففي مطارٍ كولومبي يموت كلب بسبب الإشتياق لصاحبه الذي نسيه هناك وظلّ شهرا كاملاً يبحث عن صاحبه حتّى باءت محاولاته بالفشل وكان يأخذ الطّعام من عمال المطار الذين عرفوا قصّته بفقدان صاحبه ثمّ انقطع عن الطّعام فجأة حتّى هزلَ عوده ومرض ويُعرض على الأطباء فاكتشفوا من أنّه ُمصاب بالإكتئاب والمرض النفسي من جراء فقدانه لصاحبه حتّى مات منزويًا في زاوية من زوايا المطار .
ملعونة هي الإقطاعية وملعونة كلّ أشكال الإضطهاد كما في أمريكا وإستغلال الزنوج من قبل الإقطاعيّين حيث كان هناك قانون في أميركا يسمّى قانون العشرين زنجي أي أنّ كلّ أبيض إذا كان لديه عشرين زنجي يعفى من الخدمة الإلزامية في أميركا ( فيلم...ولاية جونز الحرة Free State of Jones ) إنتاج 2016 تمثيل الشاب )ماثيو ماكانوكلي( والسمراء )كوكومباثا( ومن إخراج )كاري روز(. ولذلك نجد الإقطاعي الأمريكي يملك العديد من الزنوج لحصاد القطن بينما الفقراء الآخرون من البيض يذهبون إلى الحرب لتأدية الخدمة الإلزامية رغما عنهم فيقتلون هناك أو يطالهم العوق .
في عام 1952 تنشب التظاهرات في النجف وعموم العراق ممّا يؤدّي إلى تفتيش عربة اللبلبي لمظلوم بإعتبارها تحتوي على مناشير ثمّ يُسجن وتأتي (غنودة) لتخرجه من السّجن لما لها من علاقات مع الضباط وغيرهم ولم لا فهي زوجة الثري حجي (معيوف) وفرجها المصدق . غنودة هذه إمرأة جميلة وثرية تكره زوجها ذو الكرش المتدلّي . تستدرج مظلوم إلى بيتها بعد أن تعجب بشهامته ووسامته رغم قلّة ثقافته وريفيته وأثناء ممارسة الجنس والتنهيد مع مظلوم تذكر اسم (شياع) على لسانها وبحرقة عالية فأدى بها ذلك أن تعترف لمظلوم المتعكّر مزاجه من ذكر( شياع) من أنّه كان شابا تقدمياً طيبا يتردّد على بيت الغجر الذي تعمل به غنودة وكان يعطيها قيمتها كإمرأة حتّى أحبّته حدّ الجنون ثمّ يأتي أحد الشيوخ الذي كان يحبّ غنودة ويغدق عليها الأموال فأصابته الغيرة من هذا الرّجل ممّا أدّى به أن يفرغ برأسه رصاصات البندقيه فيرديه قتيلا . قصّة شياع هذه أنا شخصيّا مررتُ بها حين كنّا أيام زمان لا يمكن لنا أن نحقّق صبواتنا إلاّ في المبغى ، فكنّا أنا وصديق لي شاعر توفّاه الأجل ، قد عرض علينا عمّه الذي يكبرنا سنّا بكثير في أن نذهب معه إلى غجر السماوة وبالفعل ذهبنا وهناك تعتعتْ أدمغتنا بحليب السباع وأنتشينا ورقصنا فإذا بإحداهنّ مالتْ عليّ بلطفها وغنجها ودلالها لي والأخرى على صاحبي ... وأنا بدوري أصبحت بطلاً أصول وأجول في خديها وصدرها مع غنائنا سوية وعلى حين غرّة لم أرى غير أنّ عمّ صاحبي الذي أضافنا يشبعنا لكما وضربا وصفعات أنا وابن أخيه صديقي ..حتّى طردنا من الحفل .
ي الصباح وجدنا وجوهنا متورّمة زرقاء من شدّة الضّرب ..التقينا به صباحا فقال لنا          ( سرسرية جئت بكم ضيوفي وخسرت عليكم مالي ..وبعدها تسرقون حبيبتي ) فتبيّن أنّ إحدى الغجريات كانت صاحبته وعشيقته.
غنودة وفي لحظات البوح وبينما هي في أحضان مظلوم كانت تذرف دموعها بحرقة وألم شديدين لنقرأ موجز ألمها:

(غنودة الغجرية بعد مقتل حبيبها شياع تركت الغجر وجاءت تعيش في المدينة مع معيوف صاحب المتجر والقواد فأصبحت زوجته ومحضيته تحيي حفلاته وسهراته مع كبار المسؤولين والتجارالذين يظهرون في اللّيل ويتوارون في النّهار.. الباشا ، والمرجع وأفندية ولباس عربي و عمائم وكشايد ووو... أذلاء تتحكّم بهم غرائزهم، متهتكين شواذ خلاف ما يتظاهرون به من الرفعة والعفّة والوقار خلال النّهار. ولم يكتفوا بذلك بل هم شواذ حيث يرافقون صبيانا لممارسة الجنس معهم وعلى فراش غنودة دون حياء ).
يخرج مظلوم من السجن وتدعوه غنودة إلى الغرام مرّة أخرى حيث سبق له قبل السجن أن مارس الجنس معها وأشبعها ولوجا وتنهيدا وتفخيذا حتى ارتوت. ذاق من الطعام لذيذه ومن العصائر ما ينعش القلب والسمك وكؤوس الويسكي المخفّف بالعصائر ، إنّه عالم الخمرة المنعش الذي لو حلّ في الأبدان لأطربها وطار بها إلى الفراديس ولم لا فذات يوم وأنا أقرأُ عن دون بريندون ، مخترعُ الشمبانيا/عرفتُ أنّه كان يتذوّقُ النّجومَ حين يشربُها/وحينما يجلسُ في البارِ /كان ينادي النادلَ: ويقول هاتني المزيدَ من النّجوم .
مظلوم لم يصدّق بهذه النّعمة التي حلّت به مع هذه الحورية المسمّاة غنودة بعد أن كان لا يعرف غير التّمر الزاهدي واللّبن ؟ وكيف له أن يصدّق فالعالم الشرقي كلّه في سبات مشغول في عملية التكثيف الجنسي( الإستمناء) والإعداد له في الغرف المظلمة ، شعوب لايمكن لها أن تعرف الجنس إلاّ بعد عمر الثلاثين حيث الزواج بينما تضيع سنين المراهقة هدرا بين الخيلاء والأحلام التي يتوجّب الاستحمام بعدها بما يسمّى بالجنابة . شعوب لديها الجنس محرّم إلاّ لغرض الإنجاب وكأنّه جريمة تستحقّ العقاب من الربّ والضّمير بينما يقول ألكسندر دوماس ( الحبّ الجسدي ، هذه الخلاصة الحيوية للإنفعالات هي الأكثر عفّة في الروح) الحبّ هو ذلك الأمر الذي لايمكننا الشفاء منه . ولذلك ترى المسلم مريضا معقّدا حتّى يتزوّج فيفرغ كلّ لعناته و صبابته العطشة في وعائها العطش هو الآخر في ليلةٍ واحدة، ويظلّ عطشاً شهوانيا حتّى في شيخوخته طالما طحنته سنين الكبت والحرمان وهو مراهقا غرّا غرير .
استطاع الروائي حميد أن يعطينا معاني الحبّ بأشكاله المختلفة ، الحبّ المؤقّت بحميميته المثيرة أوالأبدي المعروف بالرّباط المقدّس . المؤقّت هو العلاقات العابرة لأجل الجنس والغريزة أو كما يحصل في بيوتات الغجر العراقيّة أو المواخير بشكل عامّ حيث تحبّ أحدى الفتيات فتًى شجاعا في كلّ شيء في تعامله معها واحترامه وشغفه بها كأنثى بمشاعر وقلب لا تلك التي يُدنس اسمها تحت المسميّات الأخرى مثلما حصل لغارسيا ماركيز الذي أدّى به إلى أن يؤلّف روايته الأخيرة ( ذاكرة غانياتي الحزينات) وكيف نرى شقاوته ومغامراته وخصوصا مع خادمته داميانا الوفية التي يولجها من الخلف بعد أن يرفع ثوبها فتصرخ آي آي ياسيدي فهذا للإخراج . فالحبّ الذي وقع بين شياع التقدمي المثقف وغنودة الغجرية حبّا خالصا لا يعرف الحدود لكنّه انتهى بنهاية مأساوية.
وصف لنا الروائي حميد الجنس وما هي التنهيدات من جراء ذلك فكان بارعا حقّا. حيث كان يشرح لنا ما يقوله سيغموند فرويد عن الآيروس . و رغم ذلك فإنّ المرأة لا يمكن لها أن تفضل الركون في سوق الهوى مهما كانت الديانة التي تحملها لأنّ كرامتها هي التي تُحدّد ذلك وليس الدّين. فلا يمكن لها أن تبيع الجسد مقابل حفنة دولارات لو أنّ العامل الإقتصادي الذي أشار له ماركس يسعف هذه المرأة في أن تذود عن هكذا فعلٍ شنيع . ومع هذه وتلك فأنّ البغي موجود منذ معبد إيزيس إلى معبد اللاّة والعزة ، إلى هذا اليوم حيث أبسطُ مواخير بلدان الشّرق المتمثلة في حيّ الطرب في البصرة والكمالية في بغداد وما أكثرها في مصر العروبة نتيجة الظلم الواقع على المرأة بسبب الصّراع الطبقي .
يلتقي مظلوم بغنودة لقاءاَ إنتشائياً مثيرا تصرخ فيه الرّغبة قُبلاً وتمسيدا وتعشيق أعضاء في الليل منير العاشقين حيث سراج الخدر الحقيقي للحياة الجنسية بين طرفي الرغبة والتي تـأتي جزء منها على شكل خيالات وفي الجزء الآخر تستلهم من نماذج أدبية وأساطير أو من مشهاهد أفلامٍ ظلّت تضرب في الذاكرة الجنسانية . وماذا يفعل مظلوم الكادح الفقير اتّجاه غنودة وأفعالها ( الشيطان تكفيه عشر ساعات ليخدع رجلا، والمرأة تكفيها ساعة واحدة لتخدع عشرة شياطين ) فلابدّ أن يستجيب مظلوم لهذا الإغراء الغنودي وما أحلى الإصابة بالعشق في هذا العمر الشبابي الوقور الذي جعل من مظلوم أن يحس بهذه الرغبة في العيش التي تولد فيه ثانية وثالثة وفي كل مرة يدركُ فيها طعم الرعشة وسعادة الدخول فيها ولمس كوامن بضاضتها على مهلٍ وخفة عاليتين ، إنّه الربيع فعليك أن تردّد الدنيا ربيع فلا خريف ، إنّها الحسناء التي تجلس قبالتك فعليك أن تغنّي ( أنا وأنت وبس / أنا وأنت / ولاحد ثالثنا /أنا وانت وبس) . إنّه العذاب الجميل فعليك أن تشجو بلسان العندليب عبد الحليم حافظ (موعود معايا بالعذاب / موعود يا قلبي) إنه الذوبان مع لحمها الطريّ المعافى . فعلام إذن يرتعد مظلوم . فلابدّ له أن يلتحق بنسائم الحبّ حيث قفص الترافة والجنس اللّذيذ المحرّم ، فلا تفكيرٌ ينفع ولا وجوم .


يتبـــــــــــــــــــــع في الجــــــــــــزء الثـــاني


29
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/ دنمارك)


زكية المرموق ، حين ترتدي فساتين القصائد(3)



   

كانت أروقتي محشوة

بمنشورات
ضد اليقين
بوصايا بوذا
بشظايا ضحكة طفل نازح
بكف غريق
وبتعاويذ جدتي....

في مجتمعاتنا البدوية لايقتل الرجل زوجته بمجرد الشك بل حتى يتقين بعد متابعات وتلصص على زوجته فيروح شاهرا طلقته فيرديها قتيلة . هذا يعني ان الشك لايقتل بل اليقين هو القاتل . ولذلك يقينيات القتلة المتطرفين اليوم والإستعانة بالنصوص المقدسة هي اليقينيات القادمة من رب اليقين لامن بوذا الرجل الصالح الذي تعيش أمته بسلام وطمأنينة بينما يُقتلُ ضحكنا وفرحنا كل يوم كما في النص الآتي ( ضحكات بلشفية) :


انا انتِ ياسيمون ديبوفوار
انا انتِ
الا في شيء صغير جدا
شيء ارهف من شعرة دمية
واصلب من خيط عنكبوت
انا رماد ينطفئ على مهل
انا شهرزاد
لا وسادة لي ولا نهار
ولك انتِ تشرق الشمس
ومن عينيكِ يشرب سارتر
رتابة الليل
دون ان يقتله.
فلم تشرد بي انوثتي في ظلي
ياسيمون
هاقد رحلتِ دون ان ترحلي
لي ضحكاتك البلشفية
عطركِ اليساري
وكؤوسك المحمومة
ولك مني سيف شهريار
ليل مستطيل
لغة شاحبة
وحلم لا سوابق له.
ياسيمون
الرصاصة في الجيب الايمن
فلم يكبر الثقب في الجيب الأيسر



سيمون دي بوفوار تلك المرأة الحديدية التي قالت ذات يوم( أود لو أتقيأ قلبي) تعبيرا للإستنكار لكل مايفعله الرجل من شناعات بحق المرأة ، الرجال التافهين وما أكثرهم ضآلة أولئك الجهلة الذين يرون انفسهم أشباه آلهة أمام أية إمرأة . أولئك الذين يعتبرون الآيروتيكا سلطة جنسية بلاتخوم ، بورنوغرافيا دون حدود أمام المرأة التي تريد الحب بشكله الحنون والمرسوم من قبل طرفي الرغبة والإشتهاء والقبول . فهل من حلول هناك ، أعتقد أننا أمام نص متشائم نوعا ما ( ليس هناك حل أملس) ...


انا لست من نساء العزيز
كي أقطع أصابعي
ثم ألبس عينيك
لكني كلما رأيتك لبست قصائدي
وأتيت فارعة إليك...
افتح نافذتك
إني أشعر بالبرد...



ثيمة تدلنا على نص انثوي بإمتياز صادر من نعومة الأجساد التي لاتحاكي غير أملس الشفاه الصادية والتي لايدخل في مرسومها الفموي أية لغةٍ للعنف غير لغة التقبيل والإمتصاص وتذوق الرضاب .. نص يحاكي انطولوجيا الغرام والغزل الذي نقرؤه منهجيا خارج المألوف ، نص يتحدى ويؤمن بالحب العابر للتقليد البالي ولكن على طريقة أحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري . أشتهيك وأحلم بك واهيم في وادٍ أخضر تعشوشب به روحي النابعة منك وإليك.. ولكن لاتفرض عليّ ما لأ أؤمن به و لايدركه عقلي ولايشعر به قلبي ولاتستأنس به عيناي ولايرتعش له جسدي ولاتصُعق له روحي وعواطفي حتى وان كنت جميلا ساحرا كما يوسف فأنا لستُ زليخا.. ورغم ذلك تعال ، ستراني ألبس الحرير على مقدمك ...واقتني الزمرد والعقيق كي تراني بشكل آخر يليق بإثارتك وغوايتك ، وان شحّت اللقيا ، ذات بردٍ وزمهرير ....سأدخل من نافذة الأضطرار كي أشفى بحمى الإقتراب ، كي أغتذي بلطفك ومداعبتك كما النحلة حين تغتذي بأزهارها ، كي أحصل على قبلةٍ تجلسني فورا على الأرض لشدة طيبها وضوعها ، أو أنالُ عناقاً وضميما يشعراني أنني جميلة بكبريائي وجسدي الطري المهفهف الذي يثيرُ فيك لظى الشوق لي.. ولي فقط . وإذا إفترقنا على مضضٍ ستظل العيون ساهية تدور حواليك كما في نص ( بكل هشاشتي أناديك) …


بين عينيك وعيني
تتذابح القبائل
فكيف أصلك دون أن أمشي على جثتي
و دون أن أطعم رفاتي للعبور؟
......
أقتحم شرودي
واناديك بكل هشاشتي
أنا التي أوحيت لداليدا أن تغني
Je suis malade
......
نعم أنا مريضة جدا
مريضة حد الضجر
مريضة بك
بنا
مريضة لأني أنا
لأنك أنت
مريضة لأننا رهن الوقت
والوقت رقم كاسد في كفي…
......
دمي غابة غيوم
فاترك قوارضك أيها الليل
واقترب مني دون معول
قلبي عشب بري
يموت إن زرع خارج ملحه…
....
أيها الليل
شرفتك هاوية
لكن القصائد عصافير


اذن هوالمساء والليل جامع الأحبة ولذا يتوجب ان ترخي الستائر سدولها خوفا من ضوء القمرالفاضح في أن يكشف عما يدور فوق السرير الأسطوري لما فيه من تنهيدات وحب خالد تضرم فيه النار أثناء إتحاد طرفي الرغبة ثم تنطفيء ليعلن اللقاء عن السعادة الحقيقية و(النرفانا) التي يتوجب إعادتها في لقاء آخر وآخروهكذا دواليك حتى العمر المتفاخر في بقايانا كأطلالٍ ذاق من الحب وماشبع . فما الذي يحصل لو هجرتني قسرا أيها الحبيب كما الموت أو إختيارا كالملل او خيانة ً او أمورا خارج نطاق مداركنا . ليس لي غير أن ارسل لك عبر أثير الهجر والفراق أغنية داليدا
 ( أنا مريضة) .. ألم أعد أحلم.. لم أعد أدخن / لم يعد لي كذلك حكاية /أنا وحيدة بدونك /أنا لست جميلة بدونك /انا أشبه بيتيمة في دار للأيتام /و كل السفن تحمل رايتك/أسكب دمي في جسدك/ أنا مريضة كليا مريضة/ محاصرة بمتراس/ هل تسمع ......أنا مريضة .
في النهاية وقبل أن تسكت الشهرزاد التي بداخلي أنا كاتب المقال أقول من انّ الشاعرة زكية المرموق استطاعت أن ترسم الحب بشتى أصنافه ثم قدمته لنا بهذه الجمالات المقروءة التي تجبرنا أن نزف التحايا لها بعدد ذرات الرمل التي مشى عليها عنترة بن شداد وهو يمضي في الصحراء من أجل الحب فحسب ومهر إبنةِ عمه عبلة . ماءُّ قراح للمرموقة زكية عند عطشها وتوقها الى قطرةِ ماءٍ أو رشفة حب ، بينما هي غائبة عن العالم في لحظات البوح لتدوين نصوصها وآلامها .
وتبقى النساءُ على شاكلة الشاعرة زكية المرموق كما الزهور ، مهما إختلفتْ أسماءها ،لاتهبنا غير العبير والمسك والشذى .
مهما انتهت الدهور ستستمر المرموقة زكية على أنها أيكيّة الشعر تغني وتنشد الألم كما طائر الأيك الوفي الحنون الجميل المهفهف والمترف الحزين ، وما علينا غير أن نطرب لصوتها الشعري المتناغم مع رائعة إبراهيم ناجي ( ياحبيباً زرتُ يوماً أيكهُ ) .


30
أدب / خمريات ( نصوص قصيرة 18)
« في: 20:10 29/03/2018  »
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)


خمريات ( نصوص قصيرة 18)



أرفع أنخابي للميلاد الرابع والثمانين للحزب الشيوعي العراقي.. وهل أشرب شاياً مثلا لهذه المناسبة العظيمة ...

1.
في ذلكَ الزّمنِ الجميل
كان أحدهم يقول :
أنا شربتُ العرقَ بالحذاء
حينها لم نكن نفهمُ المعنى

**********

اليومَ وفي الفيسبوك
عرضَ أحدهم .....
قارورة َ خمرٍ على شكل حذاء
فقلتُ يا سبحانكَ ربّي !!!!!!!!

أما يعلمُ محمود الحسن  *
بأنّ الرّشفةُ الأولى من الخمرِ
لا تذهبُ إلى المعدّة
بل.....
إلى الجبينِ ، كي تغيّر العالمَ

3.
تزوّد من التّقوى
لكنّكَ لا تدري في نهايةِ الأمرِ
سترى من يحكمُ العالمَ
هو الخمرُ، وعارضاتُ الأزياءِ
و الساتانُ الرفيعِ لكلسونِ ميلانيا وماري إيفانكا **....

4.
هدّئي طفلكِ
فلسوفَ يأتي على بركةِ الله طاغيةٌ
يزقُّ في ثدييك خمراً
كي يتعلّمَ أطفالنا أخلاقَ السّكارى
قبل زيفِ صلاتهم

5.
أنا السّكيرُ العراقي
الذي سيشهدُ أنّ الخمرَ رجسٌ
من عملِ القاضي أبي قرعةِ محمود الحسن

*محمود الحسن : عضو البرلمان العراقي الذي شرّع قانون تحريم الخمر
**ميلانيا وماري إيفانكا .....إبنة الرئيس الأمريكي المعتوه دونالد ترامب و زوجته




31
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)


زكية المرموق ، حين ترتدي فساتين القصائد (2)

 

هذا الزمن ميت منذ فترة ليست بالقصيرة، حيث المنحى في تفضيل الراقصات وعارضات الجسد على الثقافة والأدب . عهد حركات التحرر لم نعد نسمع به كما كان سابقا ، لقد تحطم على يد الآلة التكنولوجية المتوحشة والمتفوقة بشكل كبير على كل البطولات التي تظهر ، وإذا ما ظهر شخص يعيد تلك الأمجاد التحررية يختفي فجأة وعلى حين غرةٍ كما حصل مع الرجل الثوري الفنزويلي ( تشافيز ) لقد غيبه الموت وهو في بداية قمة الثورة والتحرر . الشعوب العربية كل همها هو الإتصال ببوابات السماء علّها تجد طريقا للخلاص ، متصورة أنها تستطيع تحقيق الانتصار بالاعتماد على القوة الخارقة للرب ، لكنها نسيت أنها كمن يحارب بالسيف جيشا عرمرما متسلح بأحدث ما وصلته التكنولوجيا في حرب النجوم ، بحيث أن الطرف المدجج بالتسليح لا يقتل حامل السيف ، بل يظل يسخر منه مقهقها دون قتله . هذا هو العالم الجديد ولفترة طويلة سوف لا يشهد رجالا على غرار من رفعوا رايات السلام حتى بلغوا النصر من أمثال مانديلا ، لومومبا ، عدا مايفعله زعيم زيمبابوي بين فترة وأخرى وآخرها حين سخر من الرئيس الأمريكي اوباما الذي كان سعيدا بتشريع قانون زواج المثليين الرسمي وفي الكنيسة ، فرد عليه العجوز ( موكابي) ساخراً ، تعال هنا وإقبل زواجي منك كي نفعلها عمليا . هذا هو العالم الجديد البعيد عن كل لحظات الرومانسية التي كان يجسدها الجميل الهندي الراحل شامي كابور في (مومباي هماري مومباي) ، أنه عالم الدم المتخثر ومامن غسيل يستطيع إزالته من شوارع الإسفلت كما يحصل في عراق القتل والذبح . انه العالم الذي يجبرناأن نكتب ولانعرض كتبنا للبيع في شارع المتنبي الاّ في حالات التضور جوعاً بل نقتني منه كي ندين بلا هوادة ولا توقف عهر هذا الزمن المتردي كما فعلت زكية حين أصابها داء الكتابة والإنفصام عن العالم الخارجي لحظة البوح الذي نقرؤه أدناه :

أن تصاب بالكتابة
هو الخروج منك إليك
حالة انفصام بينك وبين الأشياء٠٠٠
هي ٠٠٠
صوت الناي إلى الروح٠٠٠
استمالة الماء للريح٠٠
مغازلة المرايا للصور
وكلام الصور للجدران
هي٠٠٠
ضوء هارب من النسبي إلى المطلق٠٠
حدبث الصوت للصدى٠
الكتابة٠٠
هي تعويض الحياة بالقافية...
حالة عشق بين الغموض والتأويل٠٠٠
خلوة بين المعنى واللامعنى٠٠٠
قلق المكان من الدهر٠
أن تكتب يعني
أن تطوع غيمة عصية
وعذراء
حتى تخضر حروفك
ويرقص المطر٠


الشعر هو ذلك الجنس الادبي الذي يرتكز الى فهم جدلي برّاق للاممية والتراث الايجابي ، هو العصارة الكلماتية التي تخرج من عمق زكية المرموق وتشكل أواصرها القوية مع الجماهير ، هو التجربة الذاتية لزكية بكونها عضوا فعالا لا ينفصل عن التجارب الموضوعية للحشود العامة . الشعر هو ذلك الضرب الفني الذي له القدرة على عكس الواقع والخيال في آن واحد . هو ذلك الممر الخرافي الطويل العريض الذي تمرق فيه زكية المرموق بوشاحٍ أبيض وكأنها تفتح لنفسها فيه آفاقا مستقبلية رومانسية عن طريق جمالية التوظيف .هو التشكيل البوحي اللامنهجي الذي يستنهض تواريخ الشعوب بما يمور فيها من صخب واهتزازات وصراعات ولواعج الشاعر الذي عاش مع ازمة حبٍ او غوايةٍ عاصفةٍ طارت به الى سحاب الكمد والجنون . لنحدق في عيون زكية المرموق والحب والآيروتيك الذي تراه بعينيها لابعيني غيرها في ( حب دون دسم ) :

اريده حبا لايت
ينام ساعات قليلة
يلعب الكولف مع الفراش
يدخن الكتب
لا يخفي الهالات السوداء
بنظارات صينية الحلم
يرفع قصيدة في وجه الخمير السود
يعري انا كارنينا بسيجارة
كلما صاح قمر
حي على القبل
حافيا يمشي على جسدي
غاندي ولا يتعثر
يغسل قيسا من درن الأعراف
والأزقة من الملل
يخطف قلبي كقرصان
اريده حبا يعشق الغابة
لايهوى القنص
لا يلوح بعصاه
كلما سقط نهد في الكأس
وكلما غنى ساق
في ترحالٍ قصير

حب لايت ، هذه العبارة والحق يقال إنفردت بها الشاعرة المبدعة زكية ، حب لايرفع لها نسبة كل ما يؤدي بها الى تهالك الجسد فهي أساسا متعبة قهراً وألماً على ماتراه بيئياً ومجتمعياً . هذا الحب ليس سوى في قلب الشاعر ، الشاعرة أو الشاعر يعشقون على سليقتهم وحينما تكون النساء بفساتينها البيضاء و بضوئها الأخضر الملوّح والحالم ، هاهنا أنا فيمكنكَ المجئ ياحبيبي . حينما تكون النساء على الشبابيك واقفة تلوّح أنني أختلسُ النظر اليك ، حينما تكون النساء بأشد الحاجة الى فتح الزيق المشاكس عنوة ً وتحدي ، حينما تكون النساء بأحر من الجمرالى اللقاء المرتقب ، لقاء الوصال الخطير الذي يشعل النار في الجسدين بلا خجلٍ بعد بلاءٍ وعنا. اما إذا سقطت الغضاضة في الكأس ، هذا يعني ان خمر الحب والغرام قد وصل سويداء الكبد ولضى العين الشاردة في رؤياها الى جمالاتها السكرى عبر زجاج الكأس . أما إذا غنى خلخالها فلتسكت أجمل اللحون ، لتسكتُ أحلى الأناشيد في الغابة الأجم بكل كناريها وعصافيرها ، لتصمت كل الأصوات النشاز في أرض أوطاننا التي لا تعرف غير حصاد الذل والخنوع والطاعة للمولى . هذه هي الحياة التي وصفتها زكية والتي انبثقت من السواد . أي انّ الشقاء والحزن لدى بني البشر منذ قابيل وهابيل ونوح ونشوء الخليقة وما جاء من خزعبلات وأساطير هو الأصل وماتلاه فهو فروع منه مثلما نقرأ الآتي :
صدق الغراب
وكذب الفراش
أصل الألوان سواد
وما تبقى
زاوية نظر

حرص الإنسان أن يعطي لكل لون معناه ، اللون الأحمر من بداعته خُلِقَ الود والهيام فعلى اللطيف أن يلطف . والأصفر من نكهته صنعت الغيرة والآلام وعلى الرئيف أن يرحم . والأبيضُ عفة ، بل نكهةُّ وغرام ، وعلى الشريف أن يعطف . كل هذه الألوان شكلت لنا الجمال القزحي في الأيام المشمسة الماطرة . في كوستاريكا شيدوا مكانا خرافيا يحتوي جميع الورود بألوانها القادمة من الأزل وأطلقوا عليها بالحديقة الجوراسية ، ولكن مهما فعل الإنسان من جمال للطبيعة وبنى وعمّر نراه يتراجع القهقري ويصيبه النكوص من جراء الصراع الطبقي الدائم لأجل المصالح ، أي ان السوداوية ترجع من جديد بألوانها السائدة منذ الأزل والتي لاتفارق أي أمة من الأمم ...وعلى وجه التحديد الأمة العربية التي هي أكثر الأمم تقلبا وهيجانا وتغييرا في الموازين مثلما شعرة معاوية التي قصمت ظهرالإسلام ومفاهيمه وظل مشوها حتى اليوم . لنرى الشاعرة زكية التي إتخذت هذه الشعرة للتورية العالية في نصها أدناه ( شعرة معاوية) لغرض التعبير فيما تريده بشكلٍ آخر يصب في المعنى الذي نقول عنه في قلب الشاعر وياما في السواهي دواهي :


هو لازوردي الطعم
حب صاخب لا يخشع للندى
ولا يعيد الفصول
يلبس سروال جينز لا منتمي
قميصا مفتوح الحلم
وقبعة جيفارية الاهواء
ندخن معا صخب الصعاليك
ونصطاد أفكارا شاذة
ونحن نرقص في كأس الطانغو
نشعل شعرة معاوية
نطهو عليها عشاء الفقراء
قبل أن تغسلنا الكوكاكولا
من رائحة الجنوب
أو تضعنا في المزاد العلني
تحالفات بكيتية
هاربة في الريح٠


شعرة واهنة اذا ماقطعت فانها تنهي كل شيء بين تأريخ مضى وتأريخ لازال مشتعلاً في الحروب رغم مايتخلله من حب صارخ يجسد لنا مدى الحيوية والنزق للشباب الطافح بين الخشب الداكن في البارات والموبيليا الثقيلة ، فتية وفتيات يزدهون بالساتان والمخمل ، يرتدون الجينز المهترئ تضامنا مع الفقير ، يجعلون من الستائر والشراشف زيا حديثاً وموضة ، يسألون عن نوع النبيذ ، وعن اللازورد المختفي في تركيز كحوله ، والزبد الذي يفيض على جنبي الكأس ، وهناك من يسال النادلة ببسالة الشجعان ، عن ولاّعةٍ كي يشعل بها شعرة رجلٍ أيقظ الفتنة بين الأخوة المتسامرين ، أو يحرق بها لحية رجل خبيثٍ كان يقود الفتنة في الليل بإحدى زوجات النبي . شعرة أخذت شططا كبيرا من التأريخ منذ ذلك الوقت الذي صالت به البداوة وأحرقت الأخضر ثم اليابس ، حتى عولمة هذا العصر بشهرة الكوكا كولا ، لكي يندثر الفقيرالصاعد من الجنوب في مهب الريح القادمة من شياطين هذا الكون الإمبريالي وإستغلالهم لمقدرات هذا الحب الذي من شأنه أن يرفع راية الجمال ، حب يجعلنا نتمسك بالشكوك لا باليقينيات والنصوص التي من شأنها أن تذبحنا ونحن متفاخرون بالرب دون أن نفهم المعنى . لنقرأ الشاعرة وما تقوله عن اليقين :



يتبــــــــــع في الجــــــــــــزء الثالـــــــــث



32
أدب / لوليتا البربريةُّ
« في: 20:36 16/03/2018  »
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)

لوليتا البربريةُّ


في التّاسعِ من آيار
قالتْ لي البربريّة ُ الصّغيرةُ:
سأهديكَ......
أربعةً  وثلاثينَ تُفّاحةً معفّرة ً
بلونِ روضةِ أسفلي
وبلونِ كلّ ما يحتويه ِ
فوقَ خاصري
أنا تُفّاحةُ البساتينِ
لا تُفّاحةٌ في السّوقِ فتشترى
أو يلهو بها آتٍ وعابرِ
أنا تُفّاحةُ البساتين
اقطفني وحدكْ...
و ذُقني
ثمّ كُلْني
و لا تقلْ
أنّني بعدُ لوليتا

*******

إذن يا صغيرتي :
علَيّ أنْ أزوّرَ تأريخَ وسامتي
ألوّنَ أرشيفَ ذوائبي
أصقّلُ وجهيَ المهدودَ من ضمئي
و تذمُّري
لكنّني .....
كما ذلك الدّون الوقورِ
إذا ما أراد إخصابكِ ، سيفعلها ليلاً
بأربعةٍ و عشرينَ قيراطٍ
أو عند الغبشِ النديّ الأبلجِ




33
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)

زكية المرموق،حين ترتدي فساتين القصائد (1).

زكية المرموق شاعرة تعطّرت أوّل نسيمات روحها بعذوبة بحر المغرب ثمّ اصطفاها القدر وإمكانية الإبداع أن تغتسل بماء دجلة والفرات حيث زارت العراق في مهرجان المربد وكان لها صدى هناك . زكية المرموق استطاعت أن تقسّم شطري الحبّ إلى شطرين، حبّ النّاس وحبّ امرأة نعشقها حدّ الجنون أو رجل تعشقه المرأة حدّ الهيام والخبل . شاعرة ومترجمة إلى الفرنسية صدر لها حتّى الآن أربعة دواوين ( أخرج إلى النهار،المشي على الماء وأكثر،كل غياب وأنت قريب،سيلفي مع ظل بعيد ) وخمسة أخرى قيد الطبع . شاركت في العديد من المهرجات الدولية في العراق،الأردن،تونس،مصر،الجزائر .
زكية المرموق هي الزكية تصرّفا وروحا وهي المرموقة شعرا وأدبا خالصا . زكية استطاعت أن تشقّ طريقها في حبّ الحياة والشّعر بنجاح دون الإنصات إلى أعاصير الرّيح المخادعة،الحياة بالنّسبة لها هي الأذرع التي تشكّل هيئة طيران الحبيبين أمام عباب البحر كما في فيلم تايتانك لكي يرسمان السرمدية للعشق الإنساني، فلا المال ولا ما يدّخره المرء من نفائس يمثّلان الحياة . هي من أولئك الذين ناموا على جهة اليسار وتركوا اليمين إلى أراذل الجشعين . لا تجامل لو أرادت العثور على البصيرة والتّنوير لنيل الحقيقة،هي الشّخصية الهادرة والضاربة في النّثر الجميل،هي الفنار والمنار والبوصلة للكثير من محبّيها،لما فيها من قابلية استقطاب شعريّة تحسد عليها . زكية كامرأة شاعرة لو مسكت الإبرة لاستطاعت أن تخيط ثوب العرس فحسب وتترك الكفن للمختصّين (( الإبرة الواحدة تخيط ثوب العرس والكفن ... رسول حمزاتوف)) .
زكية المرموق مع كونها شاعرة فهي الأمّ الحنون وهذا يعني لها من القلب الذي بمستطاعه أن يكون فنتازياً مخيالاً باذخا وفي نفس الوقت رؤوفاَ ومسامحاً كما يقول الممثّل الشّهير كريستيان بيل (العالم ليس مثل أمّك ..تغضب عليها وتصرخ في النّهار وفي نهاية اليوم تناديك للعشاء،العالم سيتركك تموت جوعا) .
زكية قدمت عروضا نثرية متجاوزة فيها خلطة من المواعظ والحكم والواقعية والاستعارة والفاكهة الشعرية و أطياب المنى والسلوى وحلاوة الحرف والفنتازيا التي لابدّ منها لكلّ شعر. زكية رسمت الجمال الشعري الأبدي الذي ظلّ ينظر إلى نفسه في مرآة مثلما تنظر هي كإمرأة في لحظات التزويق والتجميل والمانكير والدلال عند الهيام بالذات أو عند التّحديق في جمالات الجسد والإنصات لما تقوله الأنا العليا حوله،أو عند التعطير بالديور أو أيّ ضوعٍ فرنسي. علاوة على ذلك هي ترفع أعلام الحيف والقهر للبائسين والجياع في العديد من نصوصها متمنية لهم وطناً يحملهم على أكفّ الراح، لنقرأها بهذا الخصوص في نصّ(علبة كبريت مبللة)...

على كرسيٍ أحادي اللغة
كان الوطن يجلس وحيدا
يعاقر أمسه
مع بيانو يعاني من حول في الصوت
من إفراط في الإفرازات العاطفية
يجهش بخيانة المخرج
يحدث النازحين من وراء الزجاج
دون أن يكلمهم.
بينما تعد العاشقة سعفها وسادة
للشيوعي العائد من أرصفة اليأس
لكن البذلة لم تكن على مقاس الضوء
ولا المنجل يتكلم لغة الفلاح
والمطرقة أفلتت من زند العامل
أيتها الكأس
لك أن تدفني الطلاء الأحمر
في يتم الصورة
ولك أن تعدي العواصف على شفاه
القادمين
ولي رتابة قاعة الانتظار
وعلبة كبريت مبللة .

حينما يكون الشّاعر صريحا يكون أكثر سطوعا وبهاءً،يكون قد أطلق العنان لكلّ الكلمات البوحية التي سوف تتوالى من دماغه،على سبيل المثال ( عاشقة،شيوعي،منجل،مطرقة) كلها كلما تترادفية نابعة من وطنية الشاعرة وانتمائها، حتى لو كان الانتماء لمجرّد أن تقوله في الكلام السردي فأنا لا أعرف بالضبط ما هو انتماء الشاعرة زكية ولم أسألها يوما ولكنّني أدرك علاقتها بحبّ النّاس والحياة وتراب المغرب من خلال ما تقوله في بوحها الشاعري الطاغي أنوثة ًوغنجاً مترفاً عكس ما نراه في من يحاول أن يطمس الحقائق فنراه يستبدل الجمال بالقبح ولكنّ هذا حتما لن يستمر بل سيزول عاجلا أم آجلاً،وهناك من لا يستطيع التّصريح بحقيقته الكاملة فيقول أنا علماني أو يساري،وهناك من يتزلّف ليشوه الجمال،مثلما قرأنا الطبعة الأخيرة من ديوان محمود درويش،حيث رفع الناشر كلمة الشيوعية من أعظم بيت قاله شاعر عربي الا وهو محمود درويش بحق الشيوعية حيث يقول البيت الأصلي لمحمود من قصيدته المعروفة والشهيرة ( بطاقة هوية..)
أنا من قرية عزلاء منسية/ شوارعها بلا أسماء/ وكل رجالها في الحقل والمحجر/ يحبون الشيوعية / فهل تغضب /سجل أنا عربي .....
الناشر المتزلّف رفع هاتين الكلمتين ( يحبون الشيوعية) الذي أربك القصيدة وجعلها عرجاء من دون مضمونها الأصيل الذي يعطينا انتماء الشاعر محمود درويش وعقيدته مثلما تدلنا نصوص زكية المرموق على إنتمائها الحقيقي للحب والوطن والأسرة والصديق والروتين ودوامة الرتابة القاتلة رغم ما فيها من الدواخل التي لو اتقدت لأصبحت كشعلة حب المجوس الأبدية،لكنها للأسف ولشدة اليأس أحيانا نراها كما عود الثقاب المبلل الذي لا ينفع في المطبخ لطهي طعام العرائس والأفراح ولا في إشعال الحرائق لغرض الدمار والتخريب .
زكية من يراها بقامتها الفارعة الشقراء يخيّل إليه من أنها تعيش حياة مترفة ناعمة تنتمي الى ربات الخدور لكننا حين نقرأ ما تحت السطور نرى نقيضا لذلك تماما ...
كأس
وطاولة
وأنا لا شيء
وسط الأشياء
أحتسي الحزن
والعطش
وأبيع غدي على الرصيف
كي أصير لا أحدا

صيرورة محيرة بلا مستقبل يلوح في الأفق مثلما نشتهيه،بلا تقدّم حاصل وسط هذه المتغيرات في الحياة التي لم ترضخ لمطالبنا، فترانا على الدوام لا نشرب غير الحنظل والأسى ونحن جالسون بثرثرتنا حول الطاولة التي أصابها الأنين من كثرة شكوانا ونحن في المقاهي المشرفة على أرصفة السابلة التي نتماها فيها ونضيع بين الحشود كحال سائر البشر الذين لو أطلعنا عليهم لولينا إدبارا أو بكينا دما بدل الحسرات التي تتفصد في الحناجر.  وبين هذا وذاك نراها وسط التيه والضبابية التي لا تؤدي إلى برّ الأمان،بل إلى حياة معقدة تسوء أكثر وأكثر في عالم يتجه نحو الصراع الكوني الذي ربما يؤدي إلى الفناء والعدمية وحرب عالمية أخرى من أجل المصالح الجيو سياسية . وفي خضم هذا الهلاك نرى الشاعرة زكية غير بعيدة عن هذا الصراع فهي التي تحسّ وتتألّم وما من دواء غير الكتابة والبوح فهما المتنفس الوحيد و إلاّ فهي غرقى لا محال كما نرى أدناه في الشذرة الزجاجية :


امتلأ البحرُ بالزجاج
وليس بيدي غير سفينةٍ
من ورق

الكاتب الروسي ليف تولستوي قال في بداية روايته "آنا كارنينا ": ("كل العوائل السعيدة متشابهة في سعادتها،بينما العوائل الحزينة كل منها حزينة بطريقتها"،وللناس حكايات وكل حكاية هي عالم بحاله) . أما حكاية زكية المرموق فهي تتلاءم قولا وفعلا على حالة العراقي الذي يعيش وسط شظايا المفخخات التي هي بمثابة الزجاج لدى توصيف الشاعرة ( امتلأ البحر بالزجاج ) وليس للعراقي أيّ درع يقيه من الموت سوى صدره العاري ضدّ الرّصاص فهو ميت لا محال وإذا نجا فهي مشيئة الصدف والعجب العجاب . وتظلّ الشاعرة في دروبها المغلقة أو المطلة على هاوية الأحزان وكلما فتحتْ بابا ترى بابا آخراً يتوجب فتحها . لنشاهد زكية وهي في زمنها الموصد .... زمن اللاّحب :

لماذا كلما فتحت كتابا عن الحب
تطل علي ياكامي مستهزئا
أعلم أن هذا زمن اللاحب
وأني الغربية في اللوحة
لكن دعني أحلم قليلا
.......
البحر الآن لم تعد تحرسه الشمس
ولا النوارس
ماذا تريد منّي يا ألبير؟
هل أبيع كتبي في شارع المتنبي؟
هنا لا أحد يشتري الكتب اليوم
يفضلون المهرجانات الراقصة أكثر
ليأكلوا صدر هيفاء البلاستيكي
ومؤخرة لوبيز السحرية
مع كأس من الكبت الأحمر٠
سأرمي كتاب دوستويوفسكي
الجريمة والعقاب
فكل الجرائم لا يطالها العقاب الآن
من يقتل من؟
لا أحد يدري ٠٠٠
من يقتل من؟
لم لا نرحل إلى كوبا
ننتظر هناك في الجبال جيفارا
هو خبير في تنقية السوس من القطيع
ولنتصل بغاندي بقدميه النحيلتين
وسواعد شامي كابور
سيُغسل البحر من آثار الدم
وكل هذا الإعصار

نصّ ثقافي بامتياز فيه الكثير من الشخصيات التي هزت الضمائر في وقتها وعلى اختلاف أعمالهم وشهرتهم ( البيركامو،ديستويفسكي،جيفارا،غاندي ) ثمّ عالم التمثيل وصدر الدلوعة هيفاء وهبي وعجيزة لوبيز،الصدر العاري أو المحصّن قد أخذ الكثير من إبداع الرسام العالمي إيغون شيلي . أما العجيزة فغالبا ما تحرص النساء في الاهتمام بعجيزاتهنّ لما فيها من وقعٍ عظيم في الإثارة وتناسق الجمال مثلما عجيزة المغنية ميريام فارس أو الممثلة جنيفر لوبيز والتي يطلق عليها بالعجيزة الكمثرى وهناك مسميات أخرى للعجيزة حسب أشكالها ووقعها الموسيقي أثناء سير المرأة وحركة أقدامها وهذا ما نراه جليّا في المهرجان السنوي العجيب للعجيزات العارية تماما في البرازيل حيث تعرض آلاف النسوة عجيزاتهنّ في الشّوارع بلا كلسونٍ ولا حتّى ورقة توت سوى التلوين الذي يعطيها أديماً إلهياً يجبر الرّقاب المليونية الناظرة من الرّصيف أن تلتفت صاغرة ً فاغرة ً فاها ... حتّى صرختُ أنا كاتب المقال ...يا ربّ الخلق هات لنا صبرا ...أعطنا مصلاً ضدّ اندفاع الشّهوة والغريزة ..فهات ...هات ...يا ربّ جنيفر لوبيز .

يتبـــــــــــــــــــــــــــــع في الجـــــــــــــــــــــــــزء الثانــــــــــــــــــــــــــــــــــي

34
أدب / نساء (21)
« في: 08:38 04/03/2018  »
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)


نساء (21)


1-

في مقصفِ الطورو
لاح َلطولهِ المائةِ والسبعين
أن يكون قبالة السمراء المئويةِ والتسعين سنت
فاضطرّ ان يرفعَ هامتهُ للحديث
فمن ذَا الذي سوّى شفتيها الوارمتين بلا أبرٍ ولا لمسِ طبيبْ!!!!!!!
ياأنتِ...ياأنتِ
لماذا الجمالُ الصارخُ هذا
لا يحظى بأميرٍ باذخٍ
أو ثريٍ من الثريا؟؟؟؟؟؟
ضحِكتْ عالياً عاليا
ثم نُفثتْ شهدها الذي ترذرذ
كماء الورد
تفووووووووو على كل ثريٍ جشعٍ
.....................
....................
إرقص ....إرقص
فاليومَ رقصٌ...وخمرٌ

2-

دون خجلٍ أمام الخلق
صرختُ أحبّكِ ...أحبّك..يا بنت الثلاثين
بينما تمسكين آلة التصوير
لتؤطّري وسامتي الخمسينية

3-

أؤمنُ بالربّ لسببٍ واحد:
إنّها الطريقة الوحيدة
في أنْ ألتقي بعد الموتِ
مَن أحببتها ذات يوم !!!!!!!!!

4-

في الساعةِ الواحدة بعد الحبْ
لا أعرفُ
لماذا تُحبّينَ الجانبَ الأيمن ، من السّرير؟
هل لأنّكِ تعرفينني جيّداً ، أحبُّ الشيوعيةَ واليسار !!!!!!

5-

طفلي المندهش
من روضةِ لوحةٍ فنيةٍ
وعند النظر إلى خلفيتها البيضاء
ظلّ الطّريق
ولمْ يعرفْ....من أيّ البوابتين
سيدخلَ روضتها....


35
أدب / حامد فاضل وبلدة في علبة(3)
« في: 19:25 28/02/2018  »
هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)


حامد فاضل وبلدة في علبة(3)


 

الرواية تحدثنا عن السينما وكيف كانت السماوة أنذاك حيث تمتلك صالتين للعرض شتوية وصيفية تعرض فيها اجمل افلام الزمن الجميل ، شارلي شابلن ، عنترة بن شداد العبسي ثم افلام الكاو بوي حيث الفتية كانوا يمثلون الادوار ومسدساتهم من عظام فكوك الخراف .
بينما اليوم يتحسر السماويون على صالة سينما بسيطة لرؤيا ما يدور في العالم من أفلام وثقافة عالمية ناطقة ومصورة .
تدور بنا الكاميرا الروائية الى مقهى النقائض.. ( مقهى عبود ، الرجل العجوز القادم من الحلة هو وزوجته زهرة الحلاوية ، زهرة لم يبق الدهر لها من شذى ، لا تّرى عادة وحدها دون كلبها فوزي، الكلب القزم، فهو إما يتبعها وهي تدب في دروب القشلة أو يسبقها نحو المقهى.
اليوم يعتبر الكلب من المقتنيات الضرورية في عالم الغرب لدى المرأة والرجل على حد سواء أما نحن فمنذ ذلك الوقت يعتبر الكلب من المحرمات نظرا لنجاسته ولذلك نجده عند الأعراب فقط الذين هم أساسا مصنفون مع الكفر في الأعراف والتقاليد الاجتماعية والدينية . فلو قورنت زهرة الحلاوية وهي تسير مع كلبها الأبيض فوزي وبين ( هانا) الدنماركية التي تسير ايضا مع كلبها (بوب) لوجدنا شتان فرق ، فزهرة ينظر لها المجتمع بالمستوى الدوني أما ( هانا) فهي تقف أمام متجر لبيع السجاد بكامل أناقتها فتطلب من صاحب الدكان أن يجد لها سجادة بلون كلبها المرقط وهذه حصلت أمامي أنا كاتب المقال مما دعاني أن اكتب نصا بعنوان ( سجادة بلون الكلب) لأن الموضوع أذهلني لما فيه من احترام للكلب هذا الحيوان المحتقر في بلادي وفي عموم الشرق قاطبة.
مقهى النقائض عامرة بمن يرتادوها من الخمارة والأدباء والسياسيين والعربجية ، وهناك صانع الوشم حسين كسكين ، الوشم هذا يعتبر سابقا للشقاوات فمنهم من يرسم العقرب ومنهم من يكتب ابتعد عني أمتار وهكذا. لكن الوشم اليوم فهو عالم (التاتوو) في الغرب والذي يعتبر من الكماليات الغالية في أجرها ، يعملوه للجمالية والإثارة والإغراء رجالا ونساء . فمنهنّ من توشم في منطقة الفرج أو العجيزة او على الصدر والزيق فيبدو في غاية العجب .

الحب وعالم المرأة في الرواية :

الجزء الجميل في أغلب الروايات هو الحب والتراجيديا أو الكوميديا التي تتمخض من خلاله. لابد لأي روائي أن يذكر هذه العلاقة القلبية والجسدية في روايته ، أجمل الروايات العالمية بدون هذه العلاقة تكاد تكون خافتة ينقصها شيء فلا يمكن أن تكتمل جماليات السرد بدون المرور على الجانب الروحي والكشف عن سر المكامن الحقيقية لتواجد الرجل في عالم المرأة وبالعكس . فنرى حامد فاضل كيف يصف بطل الرواية حين تلتقيه إحدى بنات الجيران في زقاقه وعلى الطريقة الرومانسية الهندية القديمة فتدس في يده ورقة مكتوب فيها تعابير الحب والإعجاب بينما هو يقف في ناصية الشارع كجنتلمان أو فتىً غراّ غرير . وفي مرة أخرى يأخذ عهدا من فتاته في أن تعطيه قبلة ، فلو نتصور ماذا تعني القبلة في ذلك الزمن الحرماني والمكبوت فإنها مثل الصاعقة تسري في البدن فتجلس المراهق على الفور . لكن فتاته تريد منه مصروفه اليومي الذي يعطيه له والده مقابل القبلة ، فيصادف أنه في ذلك اليوم يريد ان يرى بهذا المصروف فلم سبارتكوس الذي شاهد إعلانه عن طريق حامل الإعلانات الجوال في المدينة قاسم الأحدب . سبارتكوس هذا الفلم له قصة تاريخية في كيفية إخراجه وانتاجه وكتابته . فكان الممثل القدير كيرك دوغلاس الذي لازال يعيش حتى اليوم لعمره الذي قارب المائة واثنين عام ، قد تعاقد مع الكاتب الشيوعي أنذاك ( ترومبو )Trumbo الخارج من السجن توا والممنوع من الكتابة فكان يكتب باسم مزور لخوفه من البطش أنذاك فكانت أمريكا أسوا بلدان العالم في التعامل مع الشيوعيين ، فإما تنفيهم أو تقتلهم في الحال مثلما قتلت العظيم جون لينون مؤسس فرقة البيتلز للموسيقى والغناء . لكن كيرك دوغلاس أصر على ترومبو أن يكتب سيناريو فلم سبارتكوس باسمه وهذا ما تم بالفعل . وفي عام 2015 تم أعادة الاعتبار لترومبو بعد مماته بسنين طوال كأعظم كاتب سيناريو للقرن العشرين في أمريكا وتم الاحتفاء به ومثلت حياته بفلمٍ حمل اسمه .
ولذلك سبارتكوس هذا الفلم الجميل أدى ببطل روايتنا هذه أن يفضل رؤياه في السينما بمصروفه اليومي على قبلة الفتاة حبيبته التي تتزوج فيما بعد في الكويت ولم يرها بعد ذلك طيلة حياته . نرى هنا حتى في طفولتنا البريئة نريد ان نبادل القبل بالنقود بينما شعوب الأرض المتحضرة تقبّل بعضها في الشوارع العامة المكتظة بالسكان حتى نستطيع أنْ نرى القُبلَ الطّويلة و العناقَ الشّديد و الضمّ الخفيف و لعقَ اللّسانِ المثير ، إنّهم يفعلونها أكثر حميميّة في الشّوارعِ المكتظّة بعابري السّبيل أ و الحاسدين مثلي أنا .
فيظل الفتى المسكين بطل الرواية هنا بحسرته على القبلة التي لم ينلها من حبيبته ويبقى كذاك الذي ينشدُ قهرا دفيناً :


في ذلك الوطنِ القاحلِ
عليكَ يا صاحبي
أنْ تُضاجعَ العجولَ و الحميرَ
إنْ لمْ تُضاجعْ إحداهنّ
من اللّواتي
يمرقنَ في حياتكَ كالرّمح
أو من اللّواتي
أحببتهنّ بشدّة عنيفة !!!

ـــــــــــــــــــــــــــــ
فوتو غراف آخر من علبة حامد يحدثنا عن القطارات القادمة من البصرة وبغداد حيث تلتقي في السماوة وهناك تتم معاكسة البنات من قبل الشبان ثم التخيّل والمباصرة والإستمناء . وهنا استوقفتني كلمة الإستمناء لما فيها من تعذيب نفسي على الشرقي المكبوت والمحروم من أبسط لذائذ المرأة والجنس والحب بشكل عام . هذا الجنس الذي خلقه الرب لكي نتناسل أو نشبع غريزة لا تهدأ حتى في شيخوختها ولذلك راح الغرب ينفتحون على إباحية الجنس كي يبقى العقل حرا مبدعا وبالفعل وصلوا الى ما يريدوه من تطور. أما نحن فبقينا أسيرين تحت قيد هذه الشهوة واستمنائها التي لاتفارق معظم شباب الشرق فأستطيع القول على لسان أحدهم بهذا الشأن :

زمان...
لمّا كُنتُ في العشرين
كُلّما دخلتُ لأستحمّ
و أقفلتُ البابَ بالرتاجِ
يصدحُ اللا يكلّ ما بينَ السّاقيْنِ
و ينفلتْ
قيامًا و احمرارًا لذكراها...
المرأة في بلادي عصيّة المنال و لذا يستوجبُ الأمرُ الإتيان بإبليس كيْ يستمني الفتى المسكين من هذه الشعوب الضاربة في الكبت على شفاهٍ و أثداءٍ و سيقانٍ لا مرئيّة .
أما فريدريكو فلليني المخرج الإيطالي الشهير الذي عاصر في مراهقته فترة إيطاليا المحافظة في مجال العلاقة بين المرأة والرجل في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن المنصرم، فيقول كنا نتعرّى وننظر في المرآة الى أجسادنا كي نستمني على أنفسنا.
أما صديقي الذي قضى شوطا كبيرا في الحرمان الجنسي إسوة بأغلب رجال الشرق فكان لا يفكر الاّ بأسفله حتى قال ذات يوم:

لكثرةِ حرماني جنسيًّا في السماوة
أصبحتُ لا أطيقُ مِنْ جمالاتِ هذا الكونِ
غير عضو امرأة وقبر


كلمة أخيرة بحق الرواية والروائي حامد فاضل:

ما لاحظته من خلال الرواية من أنها بدأت صفحاتها الأولى برائحة الحرب والجوع وانتهت صفحاتها الأخيرة بالحرب والجوع أيضا هذا يعني من انّ الروائي حامد أراد إيصال رسالة مفادها أن السماوة سليلة الوركاء تعكس الواقع العراقي بشكل عام لهذا البلد الذي لم يستقر حتى الآن فمنذ القدم جوع وهلاك ، انتكاسات وانتصارات في معارك الزمن السحيق للسومريين والبابليين والعباسيين والأمويين ثم العصملية والإنكليز وبطولات للرجال على غرار شعلان ابو الجون قائد ثورة العشرين التي انتهت آخر معاركها على جسر السوير في السماوة.
ولكن لو اردنا المفاضلة بين هذا العصر الحالي المدمر لبني جنسه والدهور السحيقة الماضية فانّ الأخيرة أفضل بكثير . على الأقل كان هناك مجلس الآلهة السماوي وما يعرف ( الأنانوكي) في الأساطير السومرية الذي رعى شؤون شعب سومر ومنحه المعارف والعلوم والمهن والتعاليم كلها .
وما استوقفني كثيرا في الرواية هو السرد الخلاّب الحزين والمبكي الذي اختزل اهم رسالة أراد لها الروائي حامد أن تصل الى القارئ عن طبيعة العراق الدموية والعنيفة من خلال مدينة السماوة .
فلنقرأ هذه الأسطر في الصفحات الأخيرة من الرواية على لسان أحد المشايخ والذي يقول:
(اربعة قرون من الوجوه ، الأقنعة ، العمائم ، السدارات ، الطرابيش ، السراويل ، الخوذ ، الأجساد ، الجلود ، الجلد ، الخنق ، الجوع ، العري ، الاغتراب ، الوباء ، الفيضان ، القتل ، الموت ، هذا يعني أن الأنسان أخطر وحش على هذه الأرض ، أتدري أن الأنسان المقتدر على تدجين الوحوش يعجز عن تدجين النفس الأمارة بالسوء . )
من خلال هذا السرد أستطيع أن أنقل للقارئ من انّه حتى عندما جاء الإسلام يُفترض أن يكون رحيما ناهياً لكل أشكال العنف والقتل لكنه للأسف أهواء السلطة ومغرياتها جعل أول تطهيرعرقي ومذهبي في تأريخ الجزيرة العربية كان على يهود بني قريضة وقينقاع فتم قتلهم بشكل جماعي فكانت أول مقبرة جماعية في ذلك الزمن . وحتى بالنسبة للمسيح وانطلاقا من المقولة الشائعة ( لا يجتمع دينان في أرض العرب) تم تصفيتهم أو تهجيرهم القسري ولذلك لم نرى أي مسيحي في أرض الحجاز . تأريخ حافل بالمقابر الجماعية كان آخرها في بادية السماوة حيث المقبرة الجماعية للكرد التي اكتشفت بعد سقوط البعث .
أما الجانب ألاخر فأن حامد كان محدثا واضحا مع ما هو جديد يتوافق وروح العصر انطلاقاً من موسومية الرواية وإنتاجه سردا مختلفا على أكثر من مستوى ، ثم تبنيه المقولة التي مفادها( الإبداع ليس نقل حرفي لما هو موجود في الطبيعة بل يجب الإتيان بما هو خارج المألوف) وهذه هي الحداثة التي جعلت من تنقلات حامد المختلفة في أكثر من محور أن تكون جنسا أدبيا مستقلا يختلف كثيرا عما يكتبه الآخرون .


36
أدب / نصوص قصيـــرة(17)
« في: 20:01 20/02/2018  »
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)


نصوص قصيـــرة(17)



دونالد ترامب ، الصليبي ، المثليّ
الأبيضُ الأشهبُ السفيه
الأمريكي ، مُجيرُ الحروبِ والفتن ......
نحنُ المطرْ ... ومظلّة ُالمطرْ..... والقدسُ لنا ..
وأمّا أنتم .... أوراق تواليتٍ بيضاء
يمسحُ بها الرئيسُ الإفريقي المُعتزل موكابي
عجيزتهُ السوداءَ كلّ يوم

**********

لو سألوني :
ما هو الفرق بين عالمِ الغربِ الإباحي
والعالمِ الإسلامي العفيف ؟؟؟؟؟
لقلتُ بوضوحٍ..
إنّه شيوعُ العادةِ السرية!!!!!
البرلمانُ على مهازلهِ

**********

خطاباتٌ
لا يهمّها أنْ تلقي تحيةَ عورتها
من تحتَ عباءةِ سليمٍ أو معاقْ***
أو من ساسةٍ ، تزوِّقُ اللصّ
فيبدو بألقابٍ كثيرة

** سليم هو صحيح الجسم ، وتأتي أيضا بمعنى اللصّ سليم الجبوري رئيس البرلمان العراقي

**********

الأدرنيُ المجرم ُ، المؤمنُ باللهِ ، من صامَ وصلّى
قبل أن يقتلَ اليساري ” ناهض حتر”
قال:
تحت سمائي
الحياة بذاتها تطلبُ السماحَ منّي
كي تتنفّس!!!!!!!

**********

أخي الكردي
إن عاثَ في عفرينَ أصوليّ بإجرامهْ
أو تفاخرَ أمريكيّ بسوءِ أوزارهْ
فلا تُهلهل لمنتصرٍ و لا تغضبْ لمن قاسى
بل تعالَ معي
لنحزنْ على القتلى
و ننعي حظّ زعيمنا كاوه


37
أدب / حامد فاضل وبلدة في علبة (2).
« في: 18:38 15/02/2018  »
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)

حامد فاضل وبلدة في علبة (2).

 

العلبة تتكلم عن مدير مدرسة أيام كان الحليب ودهن السمك يوزع على الطلاب في زمن عبد الكريم قاسم . كان المدير هذا يطلق على كل طالب لا يعجبه بالزنديق وكان في يوم رفعة العلم يردد بأعلى صوته عاش الزعيم عبد الكريم قاسم والطلاب يرددون وراءه النشيد أيضا بأعلى أصواتهم . . وفي يوم مقتل الزعيم وفي 8 شباط 1963 جاء المدير نفسه ليأمرنا بإنزال صورة عبد الكريم وتمزيقها ناعتا الزعيم بالزنديق. فهل هناك أكثر من هذا التلون والإنتهازية التي لا تستحي من نفسها . لكنّ الخوف والبطش من الأنظمة الجائرة هو الذي يخلق هكذا رجال بهذا المستوى المتدني .
كلمة الزنديق لم تأتِ اعتباطاً على لسان الآخرين وانما لها تأريخ خاص . وما أخطر الزنادقة على الرسول (ص) ، حيث دخل في مجادلات مفحمة معهم ولم يتوصل الى جرّهم نحو جادة الصواب فقتلوا أغلبهم في الحروب ..فيذكر الكاتب والشاعر العراقي جمال جمعة في كتابه (ديوان الزنادقة ) من انّ زنادقة قريش كانوا ثمانية وكلهم قتلوا ومنهم ابو سفيان بن حرب وهو الزنديق الوحيد الذي عاش وأسلم . ثم النظر بن الحارث وهو طبيب ورجل علم درس في بلاد فارس وأمهُ خالة النبي وقد نزل بخصوصه في القرآن الكريم ( إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ) حتى قتله علي بن ابي طالب في يوم بدر. ثم أبو جهل صاحب القول الشهير ( وعشرون ناقة مني تحمل دنان الخمر) فقتل هو الآخر مثلما رأيناه في الفيلم الشهير (الرسالة) لمصطفى العقاد. أما عبد الله بن المقفع توفّي مقتولًا على يد سفيان بن معاوية والي البصرة من قِبل الخليفة المنصور، فقيل إنّه أعدّ تنورًا وبدأ بتقطيع أعضائه عضوًا، عضوًا ويلقيه في التَّنور بسبب زندقته .
ولذلك استمرت كلمة الزنديق حتى يومنا هذا فأطلقها هذا المدير على الرئيس الشجاع عبد الكريم قاسم الذي يذكرنا بتأريخ الانعطافة المهمة من الملكية الى الجمهورية ، وهذا التحول مرّت به غالبية الشعوب الغربية لأن الملكيات كانت باطشة تتوارث السلطة بين العائلة نفسها ، فكان أول اول شخص اعلن النظام الجمهوري في فرنسا هو( جان جاك روسو) فلقبّ بالقديس العلماني .
رواية بلدة في علبة أستطيع القول عنها من أنها تعتمد على البانوراما المتنقلة وكأن هناك كاميرا محمولة تدور بنا زمكانيا فتعطينا كل انطباعاتها حول مدينة بحالها بكل أمكنتها وماحل بهذا الأمكنة تسايرا مع التأريخ وعامل الزمن وتطور البنى التحتية . كما وانّ اللعبة التي استخدمها حامد كانت في غاية الذكاء، فهو لا يستطيع أن يروي لنا كل ما حصل في تلك الأزمنة في هذه البقعة السومرية وهذه من المستحيلات أو تتطلب جهدا كبيرا عاليا ، فراح يعتمد على أسلوب الليغو ( لعبة الليغو) أو على الإختيارات العشوائية حين يمد يده في العلبة فيختار صورة تاريخية لا على التعيين فيتفحص فيها فيراها ذلك الزمن والتأريخ المذهل بكل شخصياته وأبطاله وشعوبه بل وحتى الطبيعة ببساتينها وأشجارها السنديانية السادرة مع الابدية أو مياه أنهارها التي تفيض فتشكل الخطر الحقيقي على المدن ويا ليتها بقيت هكذا لأن نهري دجلة والفرات اليوم عبارة عن سواقي كبيرة وليست أنهراً كما سابق هديرها .
يعتمد الروائي أيضا على اليد الليغوية وهي تختار تأريخا عن مدارس السماوة وشخصيات السماوة الذين لا يخطرون على بال أحد فيما فعلوه أنذاك وظلوا في الذاكرة بعد موتهم في المنافي أو في أرض سومر ومنهم كاظم السماوي الشاعر الذي مات غريبا في السويد وهذا الرجل كان مديرا للإذاعة والتلفزيون في زمن عبد الكريم قاسم وهو الذي أذاع خبر محاولة اغتيال الزعيم وطمأن الشعب على سلامته ونجاته بعد تعرضه الى اطلاق نار في منطقة راس القرية .
خوص سماوية لها صدى في الذكرى أمثال محمد حسين الشيخ كاظم ونعيم مسير مدرس اللغة الإنكليزية وأنور طالب وابراهيم عنيد وغيرهم . وكل هؤلاء كان لهم دورا نضاليا بارزا في الحركة الشيوعية أنذاك. وهناك من الذين سجنوا في متصرفية الديوانية في عام 1958 طلابا دون السن القانونية فكانوا يهربون من السجن ليلا بطريقة ذكية ليذهبوا الى السينما فيعودوا فجرا مما أضحك مدير الشرطة بحق لهذا الحدث الغريب فأمر بأطلاق سراحهم بعد المشاورة مع رؤساء عشائرهم. فهنا تشير لنا الحياة بالتناقضات الرهيبة التي تحصل في سجون العالم فكم هي حالات الهروب من السجون والقلاع المحصنة التي ترويها لنا الأفلام العربية والعالمية فهي لا حصر ولا عد لها ومنها فيلم الهروب من الشاوشنك الذي مثله كلنت إيستوود بنسخته القديمة ثم مورغان فريمان بنسخته الجديدة وسلسلة افلام الغرب الأمريكي وكيف كانت شبابيك السجون تقلع عن طريق ربطها بحبال متينة الى الأحصنة التي تحطم الشباك بقوتها الحصانية فيهرب السجناء.
أحاديث العلبة الفوتوغرافية عن الحمّال عبد المصارع الذي كان يرفع الأعمدة الحديدية للجسر المعلق حين تم إنشاءه من قبل بريطانيا في الخمسينيات والمهندس الإنكليزي الذي كان يقول له (كود...كود... تعني جيد) فتصور عبد المصارع الأمي من انه يقول له (كوّاد) مما أدى الى غضبه واستهجانه. فهل عبد المصارع هذا يشبه شمشون اليهودي واسطورته في القوة العضلية حيث كان يحطم أعمدة المعبد فيقول (علّي وعلى أعدائي)
وهناك حمال أقوى من عبد المصارع كان يترك أزرار دشداشته مفتوحة فيظهر شعر صدره فأعجبت به أحد الغجريات وغنت له الأغنية المعروفة ( منين أجيب ازرار للزيجة هدل) . وهذه الحكاية تشبه الى حد ما لفلم (وكالة البلح) وصراع التجار الجشع و(نادية الجندي) الفتاة المثيرة التي تعشق( محمود ياسين ) الشهير بشعر صدره الكث والذي هو الآخر يفتح أزرار قميصه في تلك الأيام الرومانسية للسينما المصرية التي لن تتكرر .
الزمن الهادر ينطلق بنا الى الخمارات في تلك البلدة التي احتوت على كحوليين أصبحوا صرحا في الذاكرة فمن منا لا يعرف الضحاك علوان بشيشي وياسين ملوكي . معظم الخمارات في العراق يديرها مسيحيون وايزيديون بينما شاربيها أغلبهم مسلمون معربدون الى أقصى غايات العربدة فكان منهم من يشتم الحكومة علنا أثناء سكرته ومنهم كاتب العرائض ومردان سائق السيارة وآخر مثقف يتذكر قول الرصافي ( لا يخدعنك هتاف القوم بالوطن ....فالقوم في السر غير القوم في العلنِ ) وهذه تنطبق الى حد كبير على سياسينا في سلطة اليوم الذين منعوا الخمور والخمارات لكنهم سراق محترفون. منذ ذلك الوقت والخمارات موجودة لما لها من أصالة عريقة وإله خاص منذ آلاف السنين يعرف بالإله ديونيسيس، وحتى سقراط كان يعصر نبيذ العنب لامرأته بأقدامه، وأما العراق فكان البلد الأول في صناعة الخمور وتعاطيها في كل الأزمنة والدهور ابتداءً من الخمار الأول كلكامش وسكرتهِ في حانة سيدوري ، الى الأخطل الكبير في العصر الأموي الذي قال :

إذا ما زياد علّني ثم علّني ثلاثَ زجاجاتٍ لهنّ هديرُ
خرجتُ أجرُ الذيل زهواً كأني عليكَ أميرَ المؤمنين أميرُ

الرواية تتطرق الى أرض كلكامش وأوروك( السماوة) التي ذاع صيتها في كل أمصار الكون فكان رجالها وملوكها يبحثون عن أكسير الحياة .. هي اليوم ذاتها يصل إسمها الى بقاع الارض عن طريق الأديب الشيخ عبد الحميد السماوي الذي رد بنص قصير على الطلاسم لرائعة إيليا ابو ماضي والتي تتحدث عن كيفية مجيئنا الى الحياة ومن خلقنا وعن الخلود ومعنى الحياة والوجود وعن الرب والفلسفة اللاأدرية وزعيمها (هيوم) والتي مفادها من انه( لو رمينا قطعا من الفحم الحجري في النار فقسما منه يشتعل أي يحيا مرة أخرى والقسم الآخر لا يشتعل بل يظل ميتاً ... بمختصر مفيد يجيب هيوم من انه لا يعرف هل يعيش بعد مماته مرة أخرى كما هو حال هذا الفحم أم لا؟ ..فالجواب كان لا أدرياً !) . لكنّ عبد الحميد أجاب بقصيدته من أنه يدري من أين أتى . وكل هذه جدليات مغلقة لا تأتي بنتيجة حتمية منتصرة ولكن يبقى الإنسان باحثا عن الحقيقة التي لم نحصل عليها حتى الآن ، فهل يلقى الأنسان جوابا لهذا في قادم الأزمان ؟ .
البانوراما الليغوية تدور بنا الى حيث التقاليد العراقية في عاشوراء والمواكب التي كانت عبارة عن تظاهرة سياسية ضد الطغاة فكان الشعراء يكتبون بهذا الشأن ومنهم الشاعر السماوي عبد الحسين الخطيب وأشعاره التي ظلت محفورة في الذاكرة وفي ديوانه ( نداء الجراح ) يذكر لنا موكب عزاء الجمهور في عجد موسكو الذي كان يديره الشيوعيون أنذاك . ورغم هذه التقاليد الدينية كانت بعض النساء تسير حاسرة الرأس وأكثر انفتاحاً ودلالا وغنجاً ليس كما اليوم حيث يرجع العراق القهقري رغم ان العالم أكثر تطورا وحضارة فيما يخص المرأة .
ثم تحكي لنا أجناس الفوتوغراف الساكنة في علبتها كما المومياء من انّ العراق أول من أنشأ السكك لنقل المسافرين عن طريق رصف الحجارة على الارض كي تمر عليها العربات التي تجرها الخيول في زمن السومريين وما تلاهم . ولكن للأسف تمر الدهور فاذا بهذه السكك تحمل القطارات التي تستعمل في أكبر جريمة شهدها التأريخ العراقي وهي الجريمة الشهيرة في محاولة قتل خمسمئة سجين شيوعي في القطار القادم من بغداد بعد حركة العريف في الجيش العراقي حسن سريع الذي أعدم لمحاولته الانقلابية في عام 1963 ضد مجرمي البعث ، ولكن يد القدر وبطولة سائق القطار عباس المفرجي أنقذ هؤلاء المناضلين في السماوة وتم اطلاق سراحهم في عمل بطولي وشجاع من قبل أهالي السماوة وعشائرها التي هبت لإنقاذهم من موت محقق .
قصة أخرى تسردها لنا لعبة الليغو عن الصدفة العجيبة لثلاث كازينوهات في السماوة على شاطئ الفرات والتي سميت بنفس الاسم ، مقهى علي سلمان وعلي خضير وعلي كديرة . الصدفة التي لها مدلولاتها وكيف أصبحت مثار جدل علمي في خلق الكون وكيف حصل الإنبجاس والانفجار الكوني عن طريق الصدفة. وهنا أود أن أشير لحكايات الصدف الحقيقية التي لا يمكن تصديقها ولكنها حصلت بالفعل.. حدث ذات يوم تصادم بين سيارة تكسي وماتور سيكل في أحد شوارع كندا وفي الساعة الثانية ظهرا من يوم الاثنين مما أدى الى موت سائق الماتور سايكل ونجاة سائق التاكسي وزبونه الذي كان جالسا بقربه . الماتور أخذه شقيق السائق المتوفى ورماه في كراج البيت وأقسم أن لا يقود ماتورا في حياته . لكن بعد عشر سنوات ألح القدر على هذا الشقيق أن يخرج بالماتور نفسه ويقوده فيصطدم ويموت بنفس المكان واليوم والزمن ونفس سيارة التاكسي التي قتلت أخاه ونفس سائقها ونفس الزبون الجالس بقربه.


يُتبــــع فـــي الجزء الثالـــث.....

38
أدب / عروسة ُ البحر
« في: 21:51 11/02/2018  »
عروسة ُ البحر

هاتف بشبوش

*إلى عبد الحسين كحّوش
عروسة ُ البحر....
التي خلَقتـها قدَريةُ الحبْ
كهبةٍ على مقاسِكَ ، حين يشتدّ البلوغُ فيك
أو ربما عروسةُ الشّمسِ ..
مَن أطلّتْ على ولادتكْ ، في العامَ خمسين
إنّها اليوم َخَجلى ... و خَجلى ....
من الطّفولة ِ ، ومذاقِ خبزها حيث كنتَ عاملاً
في زقاق دارتكَ البسيطِ في كلّ شيء
كلّ شيء ...

إلاّ .. من كفاحك و عفافكْ ، عند مغانمِ الحياة
و ما تساورَ منها في المُرتجى
وكلّ ما تعاظمَ في ناظريكَ ولم تشتهيهْ
*
عروسة ُ البحرِ ...
تلّوِحُ ، بنصفها السمكيّ حزناً و يأساً
لأنّها خذلتكْ ....
لدى قباءِ أبي غريب ، و ظلامهِ البعثي
وأنتَ لمّا تزل هندسياً شيوعيّا ..
كان من المفروضِ لزاماً...
أن تعتني بتسريحةٍ لشَعركَ الصبيّ أمامَ المرايا
بدلاً ... أنْ ينتهي أمركَ في سجنٍ ....وأنتَ تراقبُ المنايا
*
فيا من جعلَ التابوتَ سريراً
وليلَ التّعذيبِ تقويماً
و نهاراتِ ما خلفَ القضبانِ مواويلا
و يا من جعلَ الدّهرَ الآتي أزاهيراً ، قصصاً ، وتراجيديا
لماذا هطلتَ من خارج أسوارِ الوطن
وتركتَ الرّخاءَ البوهيمي ، وأهواءَ بني البشر؟؟؟؟؟
كي ترى نفسكَ مُضايقاً ومُلاحقاَ ومن ثمّ معتقلاً وشهيدا
وهل كنتَ بهذا الاستعداد العجيب للشّهادةِ و الفدا ؟؟؟؟؟
فيا لحشرجةِ الحيفِ لدى الرزيقةِ ، و يونس ، و المنى
وما توارثَ في علاءِ إلى العُلى
وكاتبِ القصيدِ... أنا
وأولئكْ ، كأبي عمارِ توفيق ، ومن رفعوا الصّديقَ نبراساً وآآآه.....
ثمّ آه .....على ذلكَ اليوم الذي...
رسمَ المُشتهى ...في عيونكَ... و المُنتهى
اليومَ ....الذي حشروكَ فيهِ و وصفي وروار ، شهيدنا الصّغيرُ
الصّغيرُ .. الصّغيرُ ... و الوسيمُ .. الوسيمْ
فيا رُبّة الشّفاعةِ الرّحيمة...
هل من سبيلٍ أن تشقّ الأمّهاتُ غبارَ الثّرى ؟؟؟؟
كما فعلَتها عشتارُ يوما ، للمندثِر تموز الهوى
أم أنّنا ...
نقرأ الأساطيرَ مثلما الأفيون، كي ننسى هولَ مصائرِنا ؟؟؟؟

*عبد الحسين كحّوش ، شهيدٌ شُيوعيّ
*عروسة البحر : إمرأة خرافية بذيل سمكة ابتكرها الكاتب الدنماركي الشّهير عالميا يوهانس أندرسن وهي اليوم مزارا لملايين السّواح حيث تنتصب تمثالاً في ميناء كوبنهاكن تنتظر حبيبها الذي غاب في عباب البحر ولمْ يعُدْ ...

39
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)


عبد الحسين كحّوش ، شهيدٌ شُيوعيّ


عروسة ُ البحر....
التي خلَقتـها قدَريةُ الحبْ
كهبةٍ على مقاسِكَ ، حين يشتدّ البلوغُ فيك
أو ربما عروسةُ الشّمسِ ..
مَن أطلّتْ على ولادتكْ ، في العامَ خمسين
إنّها اليوم َخَجلى ... و خَجلى ....
من الطّفولة ِ ، ومذاقِ خبزها حيث كنتَ عاملاً
في زقاق دارتكَ البسيطِ في كلّ شيء
كلّ شيء ...
إلاّ .. من كفاحك و عفافكْ ، عند مغانمِ الحياة
و ما تساورَ منها في المُرتجى
وكلّ ما تعاظمَ في ناظريكَ ولم تشتهيهْ

*******

عروسة ُ البحرِ ...
تلّوِحُ ، بنصفها السمكيّ حزناً و يأساً
لأنّها خذلتكْ ....
لدى قباءِ أبي غريب ، و ظلامهِ البعثي
وأنتَ لمّا تزل هندسياً شيوعيّا ..
كان من المفروضِ لزاماً...
أن تعتني بتسريحةٍ لشَعركَ الصبيّ أمامَ المرايا
بدلاً ... أنْ ينتهي أمركَ في سجنٍ ....وأنتَ تراقبُ المنايا

*******

فيا من جعلَ التابوتَ سريراً
وليلَ التّعذيبِ تقويماً
و نهاراتِ ما خلفَ القضبانِ مواويلا
و يا من جعلَ الدّهرَ الآتي أزاهيراً ، قصصاً ، وتراجيديا
لماذا هطلتَ من خارج أسوارِ الوطن
وتركتَ الرّخاءَ البوهيمي ، وأهواءَ بني البشر؟؟؟؟؟
كي ترى نفسكَ مُضايقاً ومُلاحقاَ ومن ثمّ معتقلاً وشهيدا
وهل كنتَ بهذا الاستعداد العجيب للشّهادةِ و الفدا ؟؟؟؟؟
فيا لحشرجةِ الحيفِ لدى الرزيقةِ ، و يونس ، و المنى
وما توارثَ في علاءِ إلى العُلى
وكاتبِ القصيدِ... أنا
وأولئكْ ، كأبي عمارِ توفيق ، ومن رفعوا الصّديقَ نبراساً وآآآه.....
ثمّ آه .....على ذلكَ اليوم الذي...
رسمَ المُشتهى ...في عيونكَ... و المُنتهى
اليومَ ....الذي حشروكَ فيهِ و وصفي وروار ، شهيدنا الصّغيرُ
الصّغيرُ .. الصّغيرُ ... و الوسيمُ .. الوسيمْ
فيا رُبّة الشّفاعةِ الرّحيمة...
هل من سبيلٍ أن تشقّ الأمّهاتُ غبارَ الثّرى ؟؟؟؟
كما فعلَتها عشتارُ يوما ، للمندثِر تموز الهوى
أم أنّنا ...
نقرأ الأساطيرَ مثلما الأفيون، كي ننسى هولَ مصائرِنا ؟؟؟؟



*عروسة البحر : إمرأة خرافية بذيل سمكة ابتكرها الكاتب الدنماركي الشّهير عالميا يوهانس أندرسن وهي اليوم مزارا لملايين السّواح حيث تنتصب تمثالاً في ميناء كوبنهاكن تنتظر حبيبها الذي غاب في عباب البحر ولمْ يعُدْ ...



40
أدب / نينا ريسي .... عطرها المفضّل
« في: 21:44 05/02/2018  »
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)


نينا ريسي .... عطرها المفضّل

حين تدسّ ذراعيك حول خاصرها
و حوضك يرصّ عجيزة المساءات الناتئة
و رأسك حانيًا على كتفها المُترف
و كلّ ارتعاشات اللّيل تُهدهد لهفتك
عندها فقط.......
و في الفندق المناريِّ الباذخِ
تشعرُ.....
أنّ رائحة البصل العالقة في يديها
تماهتْ و عطرها المفضّل.....
الذي أهديته أُصبوحة لثمٍ و همسٍ
عطرها الزهريّ الخفيف
على صباحات الخدود التلمسانيّة
إنّه عطر النينا ريسي Nina Ricci

21/01/2018
تونس


41
أدب / حامد فاضل وبلدة في علبة (1)
« في: 19:35 29/01/2018  »
حامد فاضل وبلدة في علبة (1)

هاتف بشبوش
شاعر و ناقد ( عراق/دنمارك)

يومَ مساءٍ سماوي او ربما صباحي ، غرّدت بلابل السماوة ترحيبا بقدوم حامد فاضل الى كوكب الشمس، صارخاً باكياً دون أن يدري أنه سوف يدخل عالم الادب.. درب الآلام والأوجاع والهموم، التي تتناثر من دون استئذان، أو ترخيص.. حامد فاضل روائي وبكالوريوس لغة إنكليزية. ترجم من الانكليزية والألمانية. ينشر منذ عام 1975، وعمل مراسلا صحفيا في أكثر من وكالة منها وكالة رويترز للأنباء.. عضو اتحاد الأدباء العراقيين والعرب. أصدر العديد من الكتب القصصية.. منها حكايات بيدبا 1994، المفعاة ، ألف صباحٍ وصباح ، كما انه ألّف وأخرج أكثر من مسرحية ونال العديد من الجوائز، وروايته هذه التي في متناول قراءتي (بلدة في علبة) .
حامد فاضل عرفناه بعد تجربةٍ لها الخصوصية، التي حملت اسمه في كل شيء وأولها اختياره لعناوين إبداعاته الغرائبية التي جعلت من الآخرين أن يتلصصوا عليه فيسرقوا جزءاً من إبداعه وبالذات في موضوعة الرواية هذه ( بلدة في علبة ) والتي تناول فيها الروائي تأريخ مدينة السماوة باسلوب لم يطرق بابه أي من الأدباء ابتداءً من سماوية الرواية.
مواضيع المدن شيقة للغاية وخصوصا تلك التي يتخذها الكاتب كبانوراما وأحداث تاريخية متسلسلة لأحداث مرّت بها المدينة المعنية على مر السنين، أحداث درامية لشخوص المدينة وأمكنتها وما حلّ بهذه الشخوص طيلة سنوات عديدة حيث الانتقال من جيل الى جيل، ومن خلال الأجيال وسيرة المدينة، نستطيع التعرف عن تأريخ حقب زمانية عديدة مر بها البلد التي تنتمي اليه تلك المدينة وما حلّ على شعوبها وشخوصها سواء في الدمار، او العمران، او العلاقات الاجتماعية والسياسية وعلاقة المرأة بالرجل وماهية النساء وأوضاعهن في تلك الحقب المتناثرة في الدهور.
كل هذه التفاصيل والمتعلقات نعرفها عن طريق مساحة جغرافية بسيطة والمسماة بمدينة السماوة سليلة الوركاء التي اتخذها الروائي حامد فاضل ودرس أغلب تأريخها من خلال العلبة الصغيرة التي احتوت على العديد من الصور الفوتوغرافية لشخصيات المدينة وأماكنها وتأريخها . هذا يعني من انّ الروائي استطاع أن يشرح لنا ماذا تعني تلك الصور الفوتوغرافية أنذاك . فهي بالضبط مثلما نقف على صورة معلقة في معرض للرسوم ويبدأ صاحبها بالتوضيح لنا ونحن بدورنا نعقب أو نضيف ونستفهم ما يدور في بواطن تلك اللوحة والتي بدورها من الممكن أن تتحول الى قصيدة شعرية أو رواية وهذا ما نراه اليوم للعديد من الشعراء الذين يتخذون اللوحة كأساس للبوح في صنع بعض قصائدهم.
كما أنني أود أن اضيف من خلال زيارتي الى متحف اللوفر في باريس وإذا ما تسنى للآخرين زيارته فلسوف يرى آلاف من الصور المائية والزيتية والفوتوغراف لأعظم فناني التأريخ، سيراها كلها محصورة هنا في هذه البقعة الصغيرة من الأبنية الباريسية الهائلة ، كلها في المتحف مع آلاف الزائرين الذين يستمعون بشغف الى مفسري هذه اللوحات لما تحويه من تأريخ يضم عشرات، أو مئات السنين، وماهي طبيعة هذه السنين ومن كان يحكمها وماحلّ بها من مرض، أو جوع، أو حروب، أو كوارث طبيعية.. القصد من ذلك هو أنّ كل هذا التأريخ المعلوماتي الهائل محصورا في اللوفر مثلما حصر المبدع الرائع حامد فاضل تأريخ مدينة السماوة في هذ العلبة المتحفية الصغيرة وما حوته من صور الآباء والأجداد ومَن ساكنهم او جاورهم أو حكمهم ومتى وكيف.
حامد فاضل درس الاحداث المنتقاة بأجمعها في هذه العلبة الصغيرة التي يحتفظ بها آبائنا وأجدادنا كألبوم صور، وهذه العلبة تحتوي على صور مضى عليها الكثير من السنين تكاد تصل الى نصف قرن وبنى عليها حكاياته الدرامية والكوميدية فاستطاع أن يعطينا رواية متحركة نشطة غير جامدة بكل شخوصها الذين شكلوا تأريخا مهما لمدينة السماوة. ولكن للأسف هذه العلبة لا تحتوي على صورة واحدة لامرأة سماوية وهذا ليس سببه الكاتب او الروائي وانما الشعوب والمجتمعات التي تعتبر المرأة خطيئة تمشي على قدمين فلا يمكن أن تكون ضمن هذا التأريخ وهي حاسرة الرأس حتى ولو كانت عبارة عن صورة فوتوغرافية بسيطة لا تغري ولا تثير الغرائز ولكننا نتعرف على المرأة في الرواية من خلال الرجل وليست شخصية مستقلة بذاتها ومنها المرأة ( طماطة) بشكلها الخرافي والمشعوذ. فالرجل هو الذي يقود حركة التأريخ في تلك الشعوب البائسة حتى اليوم والتي لم تنتج لنا امرأة يمكن لها أن تقود بقية النساء نحو مستقبل زاهر عدا تلك المرأة الحديدية في زمن عبد الكريم قاسم الوزيرة نزيهة الدليمي وهذه فلتة من فلتات التأريخ .
بلدة في علبة هي تطور نوعي لدى الكاتب واسلوب جديد لم يتطرق له بقية الادباء من ناحية الاسم والإيحاء الفني والمعنى المجازي والمختصر المضغوط الذي أجاد به الكاتب والروائي حامد فاضل كما وانه اعتمد على الذكرى العالقة في الذهنية وما هذه الذكرى ليست سوى بلاءً أو داءً يصاب به المرء ولا يمكنه الشفاء منه وكأنه داء عضال اسمه داء الذكرى.
هناك الكثير من الروايات العالمية التي اقتنصها الفن السابع، او التلفزيون لكي يعمل منها أفلاماً ممتعة للغاية عن المدن وما حلّ بها لأصدقاء البلدة منذ طفولتهم ومراهقتهم البريئة حتى كبروا وتلوثوا بل أصبحوا مجرمين. هناك مسلسل عراقي ( الذئب وعيون المدينة) شغلنا كثيرا في الثمانينات والذي أوضح لنا ماحلّ في مدينة بغداد نتيجة الصراع الدائر بين عائلتين ثريتين وما نتيجة هذا الصراع على بقية الناس الفقراء وما يتعلق بهم اجتماعياً ومدنياً. المسلسل من تمثيل عمالقة الفن العراقي بدري حسون فريد وخليل شوقي.
هناك الفلم الجميل والموسوم.. حدث في تكساس.. ( مدينة تكساس الأمريكية ) للمثل البارع روبرت دي نيرو، والذي يتناول تأريخ مجموعة من الاصدقاء منذ براءتهم ولهوهم الزاهي حتى انسحاقهم تحت ماكنة الحياة الرأسمالية وما تتطلبها من معيشة ومغريات تجعل منهم أن يكونوا مجرمين حتى موتهم جميعا بالتوالي بمأساوية مبكية للغاية. فلم لروبرت ميتشوم أيضا يحكي عن تأريخ مدينة يدخلها الجيش النازي وفيها امرأة متزوجة تعشق احد الضباط النازيين فتشاء الأقدار أن يُكتشف سرها فتفضح ويُحلق رأسها من قبل نساء المدينة بطريقة مدمرة للغاية تجعل من المُشاهد ان يقف مترحما على هذه المرأة العاشقة او الزانية بنظر البعض. فيأتي رجل الكنيسة وينتشلها من العار، ومن ثم زوجها بطل الفلم روبرت ميتشوم يقوم بإنقاذها والهروب بها من المدينة التي أصبحت لا تطاق عليها وعلى زوجها من القيل والقال وأحاديث الزور والثرثرة والشائعات.
أما افلام الكاوبوي فما أكثرها التي تتناول هكذا مدن تعرّض ابطالها الى الحيف والظلم فيعود ذلك البطل لينتقم ممن جعلوا منه هاربا مشردا من مدينته ألام التي تربى وترعرع فيها.. المدن رمز الناستولوجيا، رمز الطفولة، والعائلة والذكريات العالقة منذ الصغر، فأكثر ما يتذكره المرء هو مدينته لأن الحنين الى الوطن دائما يأتي من خلال حب المدينة والبقعة الارضية التي رضع فيها المرء وحبا ثم أصبح متسربلاً لا يفقه من الحياة غير الاعتماد على ذويه في كل شاردة وواردة مادياً ومعنوياً حتى يكبر عوده ويصبح رجلا يقارع هموم الحياة التي لا تطاق وخصوصا في أوطاننا.
الرواية بطلها الأنا ربما هو الروائي حامد نفسه لكن القصة ليست من السيرة الذاتية وانما يتخللها حضور الروائي حامد في كثير من المشاهد لأنه عاش في السماوة لأكثر من ستين عام مع تأريخها المكتوب صورياً في هذه العلبة الخشبية الصغيرة وما تحتويه من صور فوتوغرافية قام بتصويرها مصورون سماويون عديدون وفي حقب زمنية مختلفة، وعاش فيها أيضا مع تأريخها المكتوب في أقراص الليزر حيث التكنلوجيا اليوم. واذا اردنا ان نمعن النظر في تطور التكنلوجيا فالسويد اليوم تحتفظ بأقراص ليزرية لتأريخ البشرية وما حصل لها من حروب ودمار وكوارث طبيعية أو بلاءات من صنع الإنسان نفسه وتقوم بتخبأتها في أنفاق عميقة لا تتأثر بأسلحة الدمار لهذا العصر وهذه الأنفاق يحرسها بشكل دائمي رجل وامرأة فيما لو تعرضت البشرية لدمار شامل فهؤلاء ينقلوا للبشر القادم مأساة الإنسان والإنسانية.
من خلال العلبة نتعرف على صورة لسور السماوة التراثي وصورتين لأقدم حكائين في السماوة وهما الناصح والغياث حيث نفهم من الناصح ان هذه السماوة شيدت من قبل فارس واحد وهو كلكامش ثم انشطرت الى بلدات حتى ابتدأت الحروب والمنازعات فانتهت كحضارة سومرية بعد ان كانت أثرا بعد عين .
الرواية لم تخلو من قصص الخرافة التي مرت بها البلدة من خلال شخصية المرأة (طماطة) وهي تقص لوالدة بطل الرواية خرافات من صنع خيالها العجيب ، ولم لا فقصص الخيال أصبحت اليوم في متناول الجميع ولكن بشكلها العلمي المبرمج والمؤنس كما في مؤلفات الروائية الإنكليزية (جي كي رولينغ) التي كتبت سلسلة هاري بوتر بأجزائه السبع والتي أصبح لها فيما بعد مهرجان عالمي باسم مهرجان هاري بوتر . ولكن الفارق هنا من انّ طماطة أمية لاتجد من يحتضنها فهي ولدت أساسا في بيئة معدومة من كل المحفزات فهي رمز المرأة المتخلفة في شعوبنا والتي تأتيها الأفكار نتيجة الظلم الواقع عليها فتروح تهذي بحكايات ما أنزل الله بها من سلطان . أما مؤلفة هاري بوتر فهي رمز التعليم والحضارة والحرية نحو آفاق واسعة حلمت بها المرأة وحققتها لنفسها كما نراها اليوم وهي ترفل بالسعادة في أوطانها . لنرى ماذا تقص طماطة لأم بطل الرواية من الخرافات عن السعلاة :

(كنت قد تهيأت لأندس تحت اللحاف في تلك الليلة الباردة حين سمعت طرقا على الباب كالرعد في أيام الثريا . تساءلتُ من أنت وأنا أرتجف ، فأجابت : صديقة / لا تخافي يا طماطة إفتحي الباب ... اصطكت اسناني وانا ارى وجهها مغطى بشعر كشعر المعزى وأنفها يزفر الجيفة ، ثدياها يتدليان كبطيختين على بطنها) .. ثم تردف طماطة قائلة لأم بطل القصة/ أتدرين من كانت تلك المرأة ؟ السعلاة يا اختي السعلاة ... أقسم لك يأ اختي ببيت الله الحرام انّ السعلاة قالت لي:
(لا تخافي يا طماطة أريد أن اكون صديقتك ) حتى اصبحتا صديقتين تتبادلان الزيارات والهدايا.

منذ ذلك الوقت وشعوبنا تكذب على بعضها وهي تحلف حول السعلاة ببيت الله وكأن هذا البيت علكة في فمها تديره بين الفكين كيفما تشاء .
السعلاة هذه او السعلوّة التي ياما حكت لي عنها جدتي علياء رحمها الله فتقول من أن السعلوة تقدم الطعام الدسم لمن يأتيها كي يمتلئ ويسمن ثم تنقض عليه ليلاً فتأكله . أعتقد من ان الغاية منها هو زرع الخوف في قلوبنا كي لا نخرج من بيوتنا متى شئنا فنظل قابعين تحت ظل حمايتهم .



يُتبــــــــــــــــــــــــع في الجـــــــــــــــزء الثانــــــــــــــــــــــي


42
أدب / إلى الخضراء تونس
« في: 18:23 25/01/2018  »
   هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)



إلى الخضراء تونس


سأحملُ.. حقيبة الشوق إلى خضراء أبي القاسم
و لذا...
لا أعدّ الخفقان و لا الوجيب و لا الدّقائق و الثّواني
لأنّني سأكون حفيد الشّعر و الحبّ
سأحترق جمرا من نارها أوّلا.. و ثانيا.. و ثالثا
أمّا رابعها.. فأكيدُ من نار البوعزيزي
أو من لهيب كلّ من سار على درب ( إذا الشّعب يوما أراد الحياة)
فلا بدّ أن يستجيب قلبي لندائها الصّارخ في مطار قرطاج
بينما أنا..
على مشارف الإنتظار مُتعبا ملهوفا لنيل قبلة
كُنّا قد تعاهدنا عليها سلفا
قبلةٌ.. أمام الربّ و الملأ.. وكلّ سابلة الفضول

(تونس/ قرطاج)
06/01/2018


43
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)

جواد غلوم و إناقةُ القصيد (3)


 

كل هذا التماهي من قبل الشاعر جواد مع الدعوة الى صنع الجمال والقضية الإنسانية لجيفارا في محاربة الطغيان الاّ أنه لا يستطيع أن يمنع نفسه من الحزن الذي يعتصر في فؤاده على غياب زوجه ، ذلك الحب الأبدي الذي عاصره حتى إختفى جسديا تاركا إياه الى أعاصير الدمع و ألم النشوغ والروح الدائرة في فضاء وفناءات بيته وزواياه وكراسيه وملاءاته ومراياه ، كل هذه شكلت أرقاً في رأس الشاعر فراح ينشد من شدة جزعه نصاً انبثق وهو في مزارها الأربعيني وقبله كتب نصا أيضا في مماتها ، وهذه عادة متبعة وتقليد سائد في زيارة الموتى وغالبا ما تكون مخصصة للبكاء والحديث مع الذي أضحى ساكناً تحت التراب بعد إن كان سراجا يرفلُ بالنعم .
أرى جواد ينفرد في علاقته مع المرأة لما ما مر به من تراجيديا ، ففي الغالب الموت يسرق الرجل قبل زوجته نظرا لمتوسط عمر المرأة اذا ما قورن مع الرجل . ولكن مع جواد فهو الذي هال التراب على زوجه و ودعها وهنا تكمن الخصوصية . حب جواد للمرأة يتجلى بكونها القصيدة الأزلية فنراه يخلّد زوجه فيدخلها ضمن السياق الرثائي الحزين عن دفن الزوجة وفراقها . لنرى جواد غلوم وما الذي أصاب منه وجعا في قريحته (زيارة لها في الليلةِ الأربعين):

مذ زرتُها في رمسِها
كفِّي دنتْ من ورْدِها المرميّ أعلى القبرِ
ظلّ العطرُ معطاءً يزاحمُ ثرثراتِ الأمسِ
خوفَ الموت ؛ وهي تحكي قصةً مبتورةً من شهرزادْ
وتقول لي عند المزاحْ
هلا خطوتَ إليَّ
تعالَ ؛ يرهقني البعاد
ماذا أصابك يا جواد ؟

(القلب الانساني لا يستطيع احتواء إلا كمية محددة من اليأس ، فعندما تكون الإسفنجة مشبعة يمكن ان يمر البحر عليها دون ان تدخل دمعة أخرى..... فيكتور هيجو ) ......
أرى جواد هنا وهو في أشد حزنه عاشقا حقيقيا رغم الشيب العالق في السنين والرأس على حد سواء ، حزينا راثيا على من أنهت أشواطا كثيرة من حياتها معه في العسر واليسر . أراه كما العاشق فارتر في رائعة غوتا ( آلام فارتر) حين يقف على قبر حبيبته و يهيل التراب عليها ويبكي بحرقة لعدم تصديقه بسرعة زوال حبيبته من الوجود وبلا عودة .
الخوف من الموت هذه المفردة التي لابد أن يمر عليها أي شاعر لكونها المشترك الوحيد لكل من يدب على الأرض من ملوكها وعبيدها وحيواناتها بأجناسها الشتى . الموت أقوى كلمة في الوجود لأنها تعني ما تقول وكأنّ لها فم يصرخ دائما ورائنا أن تعالوا أو أنا من يلحق بكم شئتم أم أبيتم . سنرى الموت في الحوار الدائر بين جواد وزوجه عند شاهدة قبرها :

انا في انتظارك ان تزور ملامحي
انت المُلِمُّ بخافقي
أنت الشغاف يلفّ أوردة الفؤاد
خوفي بانك قد علقْتَ بغادةٍ
أسميتها كذبا سعاد

الموت ينادي على جواد على هيئة زيارة عرضت عليه من زوجه المتوفاة وكأنها حالة يأس من الشاعر ومن الحياة التي لا تستحق أن نستمر بها بعد موت رفيقة الدرب الطويل ، ومهما يكن من أمر فهو الموت المنادي خلفنا أن تعالوا برضانا أم رغما عنا . وعند هذا الخوف من العدمية الصارخة بجواد نراه يذهب بإنزياحية جميلة للغاية وكأنها التشبث بالحياة ، كأنها صرخة الخلود المسروقة من يدي كلكامش ، فيبدأ جواد وكأنه يسمع صوتها المعاتب والعذول وهي تشكو من سعادته نتيجة معاشرته لإحداهن التي أسماها سعاد . تضاد إنزياحي جميل عصرَ قلب الشاعر المحزون فأعطاه كل هذه الإرهاصات الناجمة عن فقد الحبيبة التي لا يمكن أن تصلح له بعدها أيٍ من النساء بديلةٍ عنها أو هو الآخر لا يصلح لذي خلةٍ بعدها ، بل ستكون الكذبة التي اسمها سعاد .
هو الخبل إذن في الحب الذي يصبح مرضا مزمنا لا يمكن الشفاء منه مع صعوبة أن يتقبل المرء فكرة غياب حبيبته الفجائي الى رواق العدمية دون أن تكون هناك فرصة أخرى للقياها.
ثم تستمر الأوبرا الحزينة أو السيمفونية التي تحكي وجعا قاهرا فنقرأ :

يا فارع الطول المحلّى بالنجاد
يا حبّ أيامي اذا شحّ الوداد
يا وقع أغنيةٍ تجيء بمسمعي " فات المعاد "
اللحن سدّد طلقةً لفراقِـنا
بعثَ الدخان مع الرماد
حتى بقينا في البعاد

يقول( فيكتور هيجو) من أنّ الحب هو تحية الملائكة للكواكب ، فهل هذه الثيمة عبارة عن غزل من الزوجة التي تعيش في العالم السفلي فجاءت كي تلقي تحية ملائكة الموت الى حبيبها جواد ، لكن ما من مناجاة غير فوات الأوان والصدى الميت واللحن الجنائزي الذي هو الطلقة الأخيرة التي تصيبنا حتما وما من حذر .
يستمر جواد في الرثاء فيبوح :

ماذا جنينا يا جواد ؟
حرَثاً وبذْراً ثمّ ريَّاً
دون ان نجني الحصاد
ربما جواد هنا يتذكر آخر مجرفة من التراب تهال عليها كي تتوارى في التراب والى الابد فاضطر أن ينحني حزنا وألما عليها .
ماذا يجني المرء من كل هذه الحياة التي تذهب به نحو العدم ، لاشيء غير عالم ينتصر فيه النكد والباطل على السعادة و الحق في أغلب ألأوقات وكأن المرء يولد في أروقة الموت . مهما زرعنا من الحصانة ضد الموت ولو سقينا عطش الموت أنهراً وبذرنا الأرض نثارا عظيما فأننا ذاهبون نحوه بطريقة لا يعرفها ذوي العلم ولا الجهلة ولا المنجمون غير مفاهيمٍ لا يدركها حتى العقل . فلماذا لم تكن الحياة وفية فتبقينا على الحب الأبدي كما الآخرة التي تصورها الأديان . فهل الحياة فعلا كما يوصفها جبران خليل جبران (الحياة إمرأة فاسقة ولكنها جميلة ومن يرى فسقها يكره جمالها) فلماذا كان جبران غاضبا على الحياة ، هل لأنها بدون مواثيق ولا أعراف ولا تقليد يتوجب تقديسه . هذه هي الحياة إذن بنظر جبران خليل فهي الموت بوجههِ الآخر ..........لنقرأ الإعتراف الإفتراضي الأخير وما تقوله شهرزاد بحق شهريارها الوفي المخلص :

أبداً عرفتك لا تعادي أو تحابي أو تميل
يوما ينقِّيك البياضْ
وتارةً تلجُ السواد
فلْتعترفْ
هي موبقات العهر شدّتني اليك
وكذا نقاء الطهر أومأ لي عليك
يا مَن حببتكَ أنت وقّافاً على أرض الحياد
وتارةً زاغٍ بعينك نحو مرمطة النساء
متأرجحاً بين الوفاء وبين غدْرِ الاشتهاء
مرة أخرى يقف جواد على القبر ويبدأ المحاورة مع الفقيدة الراقدة تحت طيات التراب ولكن هذه المرة جواد يسجل إعتزازه بنفسه الطاهرة النقية بلسان حال زوجه، ولم لا فهو المناضل اليساري الذي كان مضربا للأمثال في الستينيات والسبعينيات والى اليوم من ناحية الوفاء والحب والإصرار. بيدَ انّ البيتين الأخيرين كان فيهما الشاعر جواد في غاية الصراحة لأنهما شكلا الحقيقة التي نعيشها بكوننا بشر نزيغ أو نخطأ (وتارةً زاغٍ بعينك نحو مرمطة النساء/ متأرجحاً بين الوفاء وبين غدْرِ الاشتهاء) .
ويبقى الشاعر جواد من القلة اليساريين الذين بقوا على العهد حزانى من السياسةِ والحب وشقاء الحياة على طريقة محمود درويش حين يقول ( لم يعد في قلبي مكانا لرصاصة جديدة ) فلقد اكتفى جواد من الألم ولم يبق في العمرِ شيئاً يستحق غير الشِعر والأدب فهما الحصانة و الإكسير والأنتي بايوتيك .



44
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)


جواد غلوم و إناقةُ القصيد (2)

 

مالك تمشي وئيدا مثل سلحفاة هرمة ؟؟
حرائقك خلّفت رمادا وافراً
تضبّعتَ حتى خنقتَ أجمل بطاريقَك
لاتخنقْ رقابَنا الحانية عليك
أتوسّل اليك ، لم يبقَ الاّ الزغب ليّنة العريكة
لم يلد الاّ الخديج المثلوم العمر
حتّام لا ترفقُ بأنجالِـك وأحفادك
يا ذا الوطن المتبختر بالكآبة
المحمّل بالزوائد الدوديّة
سحقتَ بنيكَ نحن العالقون بأبوّتك
يا من تمشي عَرَجا
وتركْتني عاريا الاّ من الحبّ المخبول فيَّ


هناك من يفكر أن يكون ضبعا أو سمكة قرش تأكل ولاتؤكل في زمنٍ يكون النكوص فيه قد أخذ منحىً مؤلماً ، بحيث أنّ الأمهات لم تنجب غير السحالي واليقطينات والسلاحف وكل ما هو مشوه على غرار( إيتي) ذلك المخلوق الفضائي المرعب في شكله والطيب في روحه وأخلاقه الذي شاهدناه في عالم السينما والخيال العلمي .
حينما نقرأ للشاعر جواد نجد أنّ كلاً من الحلم والطوباوية من الممكن أنْ يكونا واقعا حقيقيا ، ومن السهل في كثيرمن الأحوال أن يطغي جانب الخير على جانب الشر في السريرة الإنسانية على الرغم من انها على مر العصور خلقت لنا الكثير من مصاصي الدماء على غرار فرانكشتاين ودراكولا وصدام وداعش وغيرهم من الرموز الشريرة التي جسدها الفن السابع أيام المخرج العالمي الشهير هتشكوك وأفلام الممثل البارع كلاوس كنيسكي في الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم .
كل هذه التداعيات بين الوطن والحب والبوح الذي يخرج على شاكلة الشحن والتفريغ تبعا لما تمتليء به قريحة الشاعر المهمومة ، خلقت لنا جواد غلوم شاعرا محبا للثورة والثوار كما في النص الآتي ( سيكارُ هافانا بفم البهلوان) :

رغبتُ ، في لحظة زهوٍ وخيلاء
أن اشفط شهيقاً من سيجار" كوهيبا " النفيس (*)
وان أغادرُ مرارة المكدودين في" طريق التبغ " (*)
أشْتمُ "ارسكين كالدويل " وزبانيته المسحوقين
أعيش في أحراش" بوليفيا "
أبحر في الكاريبي
لكني ضحكت على نفسي
واستعدْتُ توازني
يوم رأيت الديكتاتور الأهوج
ينفخ أوداجه على شاشة التلفاز
ويتشبه بتيجان العظماء أسياده
يومها اختنقتُ بالقهقهات
بكل ما أُوتيَ فمي من قوة
صرختُ بوجههِ:
ما أنت سوى لوثةٍ
طفحتْ يوما ما مع زبَد البحر
نشرتْ زفْرتَها في شميمٍ بلادي الطاهرة
أيّها الذيلُ المسموم
أسيادُك قطعوا إبرتك اللاسعة
لن تكونَ " تشي " الوسيم المبهج
مادامتْ رعيتُك تعلكُ التراب
تمضغُ الحصى
لأنك رعديدٌ تخافُ عواءَ الذئاب

نص ساخرُّ جميل ليس في شكل القصيد وبنائه فقط وإنما في التنوع الذي نقرؤه من حيث اللمسات الثورية التي تبدو واضحة من السرد الذي يعلن الشاعر فيه هويته وبدون تردد من أنه ذلك الأممي الذي يسير على حب الناس والوطن وحلمه الأبدي في بناء مجتمع حر وسعيد . أضف الى ذلك خبرة الشاعر في تحديد مايريد قوله يأيجاز عند إيصال المعلومة الى القارئ بسلاسة بارعة بحيث تشد القارئ في الإستمرار في قراءة النص حتى السطر الأخير . نص فيه من التشعبات الكثيرة التي جعلته عبارة عن سلسلة لايمكن فصل إحدى حلقاتها عن الأخرى . أنه النص الجيفاري ، انه السيكار الكوبي الذي يخص فمَ الثائر مالئ الدنيا وشاغلها ( أرنستو تشي جيفارا) الثائر الذي أضحى فارس أحلام الثوريين ، هناك فارس أحلام الفتيات وهناك من يحلم بإمرأة أبدية تقف على التل وتؤشر له أنْ تعال ، لكن هنا و في هذا النص الجميل يقف جيفارا شامخا حياً من جديد كفارس أحلام ، يعطينا دفق الحياة . يعلمنا كيف نشهق و نرسم صورة أمام السرمدية ونحن بهذا السيكار . حلمُّ مميز للغاية ، أنه خارج أسوار المألوف ، أنه الحلم الذي يصولُ بنا كي ندخل حلبة الشهادة في سبيل الوطن والأوطان .
يبوح الشاعر جواد بعظمة الثائر جيفارا تلك التي خلّفها وراءه ، حتى في سيكاره ، وكأنّ الدخان النافث منها يتكلّم حول ما يكده الفقراء في حدائق أمريكا القذرة وهنا ينقلنا الشاعر للإستفادة والتعريج على الروائي الأمريكي الشهير (أرسكال كوريل) وروايته  ( طريق التبغ) و الحديث عن الفلاحين الفقراء وسرقة أتعابهم هناك . ثم الإطلاع على نوع التبغ الأجود في كوبا ( كوهيبا) ، ذلك النوع الذي تصنعه العذراوات اللاتي بقي البطل كاسترو حتى مماته يدافع عن شرفهن من الغول الأمريكي الذي يريد أنْ يتغلغل في السوق الكوبي بحجة الإستثمار ، لكن كاسترو وقف صارخا وأمام حشر من النساء الكوبيات والمزارعات وقال لهن ( أنّ أمريكا تريد مني أن أجعل الأمريكي يأتي هنا ويستأنس بكنّ ويلهو مقابل حفنة من الدولارات ، فهل انتنّ صاغرات لهكذا دعوات ) جميع العذراوات صرخن بالضد من أمريكا ، ونحن معك ياكسترو، يا ابانا الصامد . ثم يكرر كاسترو للعذراوات ( يقولون لي أنني كاتم على أنفاسكنّ ، من تريد ومن يريد الخروج من كوبا فليخرج ، وبالفعل خرج بعض الكوبيين ولكنّ قساوة أمريكا أرجعتهم الى وطن كاسترو بعد سنين من الغربة والمحنة القاسية) .
الشاعر الثوري جواد غلوم ينغرز فيه إحساس المرارة والطريق الشائك الذي يسترجع مهازل الطغاة وأحلامهم المريضة كما صدام الجرذ الذي أراد أن يقلّد الثائر بسيكاره الكوبي ، فأين الثرى من الثريا ، وقد أثبتت الأيام أنّ الجرذ مات ذليلا في جحر الجرذان وتحت بسطال العسكر الأمريكي . بينما سيكار الممثل الشهير كلنت ايستوود كانت حلما لنا أن نقلدها بأفواههنا ، تلك السيكار التي اشتهر بها بعد فيلمه الممتع ( الطيب والخبيث والشرير )وكيف كان يديرها في فمه من الفك الآيسر الى الأيمن وبالعكس وبالسرعة التي تثير في الطرف المقابل شيئا من الإستنكار لما تحمله هذه الحركة من استهزاء بحق المبارِز الآخر . فبقيت هذه السيكارة وصورتها بفم كلنت إيستوود حتى اليوم في أذهاننا وناظرينا وفي الجرائد والمجلات والإعلانات والتلفاز كفاصل للإستراحة ، لكنّ المشهد التمثيلي هذا سينتهي بقادم الأيام والأزمان ، ولم يبقَ غير السيكار الجيفاري عبر العصور حقيقيا مترعاً بالواقع لابالخيال والتمثيل .

ولاتأنسُ التّوسّدَ على الأحراش
لاتحسنُ ارتداءَ بزَّةِ الثائرين
مهما ترعْتَ من حثالة هافانا
وشممْت خمرَها الممزوج بالسيجار
هكذا أنت تريد أيها البهلوان
تنكّرت بِطلّةِ الرفاقِ المؤجّجين
بالآمال العريضة
ثابتي الخطى
المُتطلِّعين للعدل
لكنك لاترضى سوى أن تصنعَ العذراواتُ
سيجارَك من أناملهن الرقيقة
ويبرمْنهُ في أفخاذهنّ حتى تنتشي
وتهدأ سريرتك جذلا

أعلاه ثيمة فيها من المديح بحق الثائر البوليفي وماكان يفعله هناك من تدخين للسيكار بين الأشجار البوليفية والجبال ومن هناك يبعث برسائله الى الأدباء والفنانين وعلى رأسهم برتراند راسل والمغني الشيوعي الشهيد جون لينون لتحشيدهم للوقوف بجانب قضيته العادلة. تلك القضية التي مثلت ْبفيلم درامي عام 1908 وبجزأين من تمثيل الرائع شبيه جيفارا (بنسيو ديل تورو ) .
في هذا الفلم سمعنا أجمل الأغاني بحق الثورة والثوار ومنها بصوت المغنية الفرنسية الشهيرة ناتالي كاردون . الأحراش هنا اشارة الى النضال الثوري الذي قضاه جيفارا في بوليفيا وغاباتها التي كانت بمثابة دروع ضد الرصاص تحمي جيفاراورفاقه وبالفعل ظل يقارع الطغاة والأمبريالية حتى رسم طريق دربه الأبدي المعروف اليوم لدى العالم أجمع .
ثم ينهي الشاعر جواد نصه في قول الممتعات حول وطنه :


وأنت ترى مدينتك تتضوّرُ جوعا
لكنها تغني :
" دگ راسك بگاع الحبسْ---- لاتنحني تحبّ الچفّ
أيـــام المـزَبّـــن گِضــن---- دگـضنْ يأيـام الـلفّ
والدنيه غرشَةْ وصم تتنْ ---- وتدور بينه وتلْتف " (*)

شذرة فيها من الأصالة الرائعة والعادات العراقية الإجتماعية المتأصلة حيث يتكئ الشاعر جواد غلوم على ماهو أكثر ضيما وقهرا ومرارة في الحلم العراقي فيذكرنا برائعة مظفر النواب عندما كان سجينا فيكتب الأبيات العامية أعلاه عن الفاقة والعوز والشريحة الإجتماعية التي كانت تدخن اردأ انواع السكائر( المزبن،  اللف) ثم التتن( التبغ) والناركيلة والأجواء العراقية في ممارسة تلك الطقوس الدخانية أنذاك .


يتبــــــــع في الـــــــــــجزء الثالــــــث


45



جــواد غلوم و إنــــاقةُ القصيـــــــــد (1)  .


  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)



 

أراني مغتبطًا وجذلاً وأنا أقرأ لشاعرٍ أمضى شوطا كبيرا في لغةِ البوح وآلام السّياسة والحياة التي تضيقُ وتثقُل بنا في معظم الأحيان حتّى نشعر أنّ أجسادنا لا تستطيع حمل ثيابنا .
شاعرٌ يكمن وراء الجمالات والخصوصيات التي تُجبرنا على أنْ نلتفتَ ونقرأ جواد غلوم الكامن وراء فطحلته.
 هذا الجواد لم يجزع من يساريته رغم كلّ ما أصاب الشيوعيّة من انكساراتٍ في عالمٍ باتَ خطراً للغاية من جرّاء استفراد الإمبريالية العالمية .
شاعر ازداد ألقًا بعد تخطّي الخامسة والستين وازداد حزنًا بعد مصابه الأخير في موت الحبيبة والزّوجة رفيقة الحبّ الطّويل التي أعطته مصل الاستمرار في النّضال والإصرار والتّحدّي ثمّ ودّعته  و إلى الأبد باكيا متوجّعا على إثرها ذارفا الدّمع فوق قبرها عند صحراء النّجف حيث رقدتْ هناك كما سنبيّن لاحقا.
في عام 1949 هبّ النّسيم النجفي ليبشر ذوي الشّأن بقدوم بشارة ذكوريّة التي أطلقتْ بُكاءها الأوّل قبل أنْ تُسمّى جواد غلوم ،نشأ هناك بكلّ شقائهِ وأفراحه ثمّ استقرّ في بغداد الكاظمية حتّى حصل على البكالوريوس في الآداب قسم اللّغة العربيّة ثمّ عرفناه مُدرّسا في السبعينيات، صحفياً وناشرا في طريق الشّعب والفكر الجديد والتآخي، ثمّ هاجر إلى ليبيا نتيجة التعسف الصدامي وعاد إلى العراق بعد سقوط الصنم .
صدرت له ثلاث مجموعات شعريّة: حبال لأرجوحة متعبة ثمّ حكاية الميمك الحزين و حبّ امتناع لامتناع ثمّ كتاب (مذكّرات مثقف عراقي أوان الحصار).
الشّاعر جواد محبٌّ وفيّ للمرأة على الدّوام ولذلك حينما نقرأ له نتعرّف على كلّ المشوّقات التي تدخلنا في العوالم غير المألوفة،عالم اللّمسات النّاعمة التي تُؤطّر أعناق النّساء وعيونهنّ الصّادحات بالإثارة والحبّ والحنان معا ، وكلّ ما يتعلّق مع فنّ التّجميل الذي بإمكانه أن يُغيّر من شكل المرء سواء إن كان رجلا أم امرأة ، ولذلك راح يتصوّر في مخيّلته الواسعة من أنّ المرأة هي القصيدة أو القصيدة هي المرأة فراح يضيف إليهما كلّ ما يراه مُثيرا في صالونات التّجميل ليس للمظهر الكاذب الذي يخفي وراءه عكس ما نراه بل مثلما نزيّن طفلاً لغرض التّباهي بالاهتمام الحقيقيّ من قبلنا اتّجاه الطّفولة . أو مثلما جوني ديب الممثّل الوسيم الذي عمل في أحد أفلامه ( يد أدوارد المقصية Edward Scissorhands 1990) مشذبا لشعور النّساء وخصوصا العجائز فيجعلها تبدو وكأنّها تخطّت عامل الزّمن عكسيّا وسرقت من سنين العمر فرجعت نظِرة جذّابة تليقُ بغرامٍ جديد. لنقرأ الشّاعر في نصّه البديع (في صالون تجميل القصيدة ) :

صديقي الشّاعر الذي أحبّ
أراك تلفّعتَ بإزارك الأبيض
كمّمتَ فمَك وشحذتَ مشرط قلمك
أصقلتَ مراياك بوَرَقِ القلب
نشرتَ الإضاءة في صالة ذكرياتك
ها أنت تجهز لتزفّ قصيدتك إلينا
تُلبسها وشاحها الليلكيّ الغارق بالعطر
وتصفّف شَعرها الناعم الأملس
معذرةً وأنا القارئ المشوّق لطلّتها
أتوسّل إليك وأنا تلميذك المطيع
لا تلقم القصيدة كلماتٍ مترهّلة
لئلاّ تصاب بالتخمة

جمالية عنوان النصّ جاذبة للنّاقد والقارئ على حدّ سواء الموسوميّة الجميلة كانت المدخل والباب إلى الجنّة التّالية  إذا كانت الباب هكذا في مستوى إبهارها، حتما ستكون الدّواخل في غاية الرّوعة. المدخل له من الأهميّة للنّواظر المارقة مثلما لطلّة النّساء في وجوههنّ ، صبوحات أم مسائيات أم حالكات مكفهرات. الباب كان من الأساسيات لدى أحد الفلاسفة اليونانيين وهو الشّهير ( أفلاطون ) كان يضع في مدخل الجامعة لوحة تقول ( لا تقترب يا مَن ليس لك علماً في الرياضيات ).
أنثوية النصّ التي تتلاءم والبوح المتتالي الذي رأيناه في أجواء القصيدة بأكملها بحيث أدخلها جواد في صالون التّجميل ومن تدخل لا يمكنها أن تخرج كما كانت بل تظهر في شكلها الآخر التي أراد لها الشّاعر جواد أن تكون.
في بداية القصيدة نجد هناك مخاطبة رائعة للصّديق الأحبّ على قلب الشّاعر ، فلكلّ امرئ صديقٌ يذكره للتّأريخ، الشّاعر خلدون جاويد صديقا وفياً حينما كتب نصّا عزائياً يواسي به جواد غلوم بعنوان (مواساة الشاعر جواد غلوم ) الشّاعر عبد الفتاح المطلبي وصف صديقا له بالغادر في نصّه ( ظننتك لي أخاً) وهناك صديق سارق وصفه الشّاعر يحيى السماوي وهناك من يقول (ينبغي مدّ أيدينا للصّديق دون طيّ الأصابع ...ديوجين).
الصّداقة لا تُبنى على رؤية الأشخاص أنفسهم بانتظام            و حسب بل إنّها الالتزام والوعود والثقة المتبادلة مع شخص قادر على أن يفرح بسعادة الآخر، وهناك من يقول من أنّ الصّداقة هي الشّكل الأخلاقي من الآيروتيك، كثيرة هي الأمثلة عن الصّديق بكلّ تجلياته.
يستمرّ الشّاعر في وصف القصيدة التي لابدّ لها أن تخرج من صالون البوح كما العرائس وأن تتزيّن بالأنامل الخبيرة في فنّ تجميل القصيدة أو تجميل النّساء لأنّ الأنامل هي الأساس في صبّ البوح من الدّماغ (من أطراف أصابعي ينساب نهر) وهي الأساس في وضع اللّمسات الخفيفة في وجوه وأجساد النّساء. وهنا الشّاعر يريد أن تحتوي القصيدة الحقيقيّة كلّ المعاني التي يتوجّب أن تكون في الشّاعر الحقيقيّ الذي يئنّ مع النّاس ويفرح معها لأنّها هي الهويّة الرئيسيّة التي من خلالها التعرّف على الشّاعر و رسالته . قد تكون القصيدة متخمة بالخزعبلات أو الكلام الفارغ الذي يشي عن عدم القدرة في بثّ روحٍ جميلةٍ في جسد القصيدة الرّشيق بحيث تتلاءم و روح العصر السّريع . لنقرأ ماذا يقول جواد أدناه بهذا الخصوص من نفس النصّ:

ليكن جسد القصيدة رشيقا
أهيفَ القامة ، خاليا من النّحول
مشذّباً من البدانة
خذْ من دهان الكلمات أكثرَه ليونةً ونضارة
ضع زِنّاراً من حروفٍ مزركشةٍ على خِصرها
اقصصْ من شَعرها الهائج ما كثّ وتجعّـدَ
أنثرْهُ أمام مرآةٍ كوافير متقنة النّصاعة

هنا أرى جواد قد وصف الجمالات التي زيّنها فأعطتنا العلاقة التبادليّة بين اللّوحة والشّاعر  بين دافنشي و الموناليزا ، بين إيغون شيلي وكلّ أعماله العارية، بين جواد سليم ونصب الحريّة،  بين جواد غلوم وصالون القصيد لأنّه الشّاعر و الرّجل الذي يحترم المرأة  وهذا النّوع من الرّجال غالبا ما تراه هماما مقداما لأنّ المرأة في حياته هي المحرضة على التّفاني بشتّى أنواعه ... ولذلك نرى جواد كان متماهيا للغاية من خلال هوية أشعاره وبوحه الجليّ دون أيّ مواربة أو تورية تحجبه عنّا أو تجعله غامضا بعيدا عن فهمنا الحقيقي:

إيّاك أن تفرط في زرق إبرِ " البوتوكس"
لئلاّ تَـثقل شفتاها، وتتعثّر في النطق
خوفي أن تنتـفخَ طلعتها وتـلثـغ
فتكون مثار استهزاء القارئ
أزلْ ما علق من دمامل الكلمات الناشزة
استأصلْ بقايا الثالول بحِبْرٍ حارق
لترشق امام من يهواها
ويشتهي الانصات لنغماتِ حروفها
يتطلّعُ لرشاقتها كعاشقٍ في أوّلِ لقائهِ بأنثاه
يراها مثل منحوتةٍ جميلة تأسرُ ناظريه
تتمشّى في أوصالهِ مثل نشوةٍ
لا تدري أين تحطّ
تتلاعبُ غنَجا وقفزا في خيال جامح
وتستقرّ اخيرا في ارجوحةٍ عائمة بين القلب والعين

يقول أوسكار وايلد من أنّ الحياة لها روائعها مثل الشّعر والنّحت والرّسم. و لذلك أراد جواد من خلال إدخال القصيدة صالون التّجميل كي يغرز فيها الحياة ومن ثمّ يستمتع بمظاهرها الخلابة والمبهرة و روائعها التي تتجسّد بمعانيها الإنسانية.
جواد ألبسَ القصيدة ( المرأة ) فستان العرس وأصرّ على تجميلها في الصّالون الذي هو بمثابة التّنقيح للقصيدة قبل اعتمادها بشكلها النّهائي لكنّه يخاف على القصيدة من داء القلاب مثلما يخاف على شفتي المرأة من جرعة زائدة للبوتوكس ،حقّا يجب أن تكون القصيدة هكذا لأنّها مؤنثة وصدق من أطلق عليها بالقصيدة ( أنثى) لا تعبيرا ذكوريّا و إلاّ كنّا أصبنا بالدّوار من شكلها المُتخم ذي الكرش ،هنا دعوة من الشّاعر من أنّنا نقرأ بعض قصائد اليوم التي تسدّ النّفس فنراها بدون أيّ شكل أو معنى نستطيع من خلاله أن نقرأ ما يفيدنا كي نُغيّر من هذا العالم المتردّي.
مستوى جودة بعض القصائد يثير القيء على شاكلة ( وقفت على البابِ راكضةً / تبكي ضاحكة بعينيها المغلقتين والمفتوحتين من الضياء ) .. لا أعرف كيف واقفة وراكضة وكيف تبكي و تضحك لكنّ الشّاعر الواهن سيقول لك من أنّها معنى مجازي ورمزي مكثّف لكنّني أقول إنّما هذا يدلّ على ضعف القوّة الشعريّة والبصيرة والخيال والبوح في آنٍ واحد.
نحن في عالم محطّم وقبيح يتوجّب علينا تلميعه حتّى القصيدة التي نتفوّه بها يجب علينا ترميمها كي نستطيع أن نقف بها أثناء تقديمنا لها في المهرجانات  فيجب أن تكون بمستوى المرأة     ( القصيدة ) الخارجة من صالون جواد غلوم كي تستقرّ في القلب والعين ومصدر السّمع وفي قضيّة الوطن الأساسيّة التي لا يمكن أن تغيب عن شمس أيّ شاعر وطنيّ و حقيقي على شاكلة جواد غلوم الذي أنهى ردحا كبيرا من حياته في حبّ الوطن واليسار ، فلنقرأ ماذا قال بخصوص ذلك في نصّه (قبلاتٌ بشفاهٍ ريّا لوطنٍ بلا وجه) :


يتبــــــــــــع في الجـــــزء الثانـــــــي

هــاتف بشبوش/عراق/دنمارك


46
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)


عبد الحسين الشيخ موسى الخطيب ونداء الجراح(3).

 

عبد الحسين حتّى في سفره يتطلّع إلى الجمال و هذا ديدن الشّاعر أنّى حطّ وارتحل فهو باحث دائمي عمّا يدور في فلك النّساء ولذلك قال عن العذراوات الكرديات العفيفات اللّواتي صادفهنّ وهو في كفري أبياتا تدفئ كوامن العاشقين كما في أدناه (من عذارى الجاف ....1949 كفري) :

خطرت تعطو بأبراد الدلال تخجلُ البان بقدٍ واعتدال
خطرت اي والذي أرسلها فتنة تفتن آلاف الرجال
بقوام ضعفه في خصره عاجزُ عن حملِ أردافٍ ثقال
أبهجني الشّاعر عبد الحسين هنا في غزليّاته ... فأدب الغزل و الآيروتيك أدب رفيع، قديم قِدَم اكتشاف الإنسان لقيمته الإنسانية ، حفلتْ به الكتب السماوية قبل الكتب الأرضية .. إنّه وجه من وجوه فلسفة الجمال والإثارة .. الآيروتيك ليس الخلاعة أو " الستربتيز " ... إنّه صلاة الجسد في أسمى تجليّاته وتماهيه . ولذلك جاء البيت الأخير من الشذرة أعلاه ليذكّرني ببيت غزل شعبي ( من تمشي جنهه اثنين جاسمهه الحزام .... مثل اليعد ليرات يانكل الجدام ) .
ثمّ في مجالٍ آخر يغضّ الشّاعر نظره عن إحداهنّ لما فيها من الغريزة الفياضة المكبوتة والتي تريد أن تغري بها الآخرين لكنّها لا تنفع رجلا شاعرا عفيفا كما عبد الحسين، لنتمعّن فيما قاله عبد الحسين وهو يغضّ الطّرف عن جميلة من الجميلات الحسان في نصّ ( إحداهنّ ) :

تبالهتُ عن نهدك الثائرِ وأغضيتُ عن طرفك الفاترِ
و شاغلتُ نفسي بخوض الضنون مخافة مبسمك الماكرِ
تحديت كل جمال خليع وارعدت من صدرك الفاجرِ

هذه المرأة لم تتصرّف اعتباطا في نظر المنظرين والفلاسفة الفرويديّين وغيرهم من الذين كتبوا عن أسرار النّساء والغرائز الجنسية وثورة الجسد وما يتطلّبه لإشباع غروره وجماله .
الإغراء هو البحث عن الحبّ وحين يكون في أشدّ إغرائه كما في القصيدة أعلاه فهذه تعني البحث عن الجنسانية.
الرّوتين والملل يحكم ديمومة الجنسانية وأكثر الأمراض النفسية تأتي نتيجة خفوت هذه الجنسانية التي يغوي بها الربّ عباده حتّى في الحياة الأخرى حيث الحديث عن الحوريات ولكن إذا ما كانت الجنسانية في مراحلها العظيمة وعلى طول خطّ الحبّ الدائر بين طرفي المعادلة الجنسية فهذا هو ضرب من الخيال و إذا حصلت فيحسد عليها الطرفين ويتوجّب عليهم القيام بالاحتفال الذهبيّ لزواجهم أو عشقهم على مروره خمسين عام كما يفعل الغربيّون. ورغم ذلك هناك من يقول من أنّ المشاعر والأحاسيس هي الغالبة في كلاّ الأحوال والمنتصرة على التّعامل الإغرائي والإثارة بين طرفي المعادلة الجنسانية) ثمّ هناك من النّساء في الغرب تقول لحبيبها             ( مشاعري و قلبي وأحاسيسي وجسدي لك دائما).. و إذا حصل وضاجعت أحدهم فلا ضير في ذلك من قبلها باعتبار أنّ مابين أفخاذها لها، وهذه الحالة ضئيلة جدّا بين أوساطهم لكنّها موجودة.
في القصيدة أعلاه أيضا نرى أنّ الشّاعر يدعو للتصوّف الوقتي أو الحيادية عن إغرائها وبسط جسدها المثير، أي أنّه عفّ عنها في تلك اللّحظة التشاكسية الإغرائية. هناك مثل شائع يقول (أعطِ المجرّب واترك المحتام ) إنّ المحتام هنا أقصد العازب مثلا الذي لم يدخل تجربة اللّذة والانتشاء ،أمّا المجرّب المفطوم فهو الأكثر اشتياقا للحبّ والجنس الغريزي لأنّه قد ذاقها واكتوى بنارها وهو العارف بعذابها أكثر من العازب فعلى المرء إن أراد التصوّف أن يمرّ بالتّجربة أوّلاً ثمّ يُقرّر ما هو الفرق في التمتّع بجسدها الجميل أو من عدمه، حتى رابعة العدوية المتصوّفة التي مثلت شخصيتها بفيلمٍ ممتع الفاتنة (نبيلة عبيد) ، فهي مرّت بتجارب الجنس والحبّ الكثيرة واهتزّت بالجماع تحت جسد الرّجل لكنّها في النّهاية قرّرت العشق الالهي والتصوّف. وهنا نرى الشّاعر عبد الحسين لم يكن محتاما أبدا بل كان متزوّجا مجرّبا فهو حين عفّ عنها كان مثالا للشّجاعة والرّجولة التي قلّ نظيرها لا كما أولئك الشّبقون الرّاكعون إلى سيقانِ النّساء أكثر من الدّخول إلى قلوبهنّ، فأولئك قد خبا الإنسان في دواخلهم و مات .أو أنّه ليس كما ذلك الأمير السعوديّ القذر المولـعٌ بحبوبِ الكابتاغون كيْ تكون لهُ القدرة الهائلة مع زيجاتهِ الأربع و محظياتهِ التّسعةِ والتّسعين كيْ يمارسَ الجنس الدّائم بإحليلٍ قائـم . ومع هذه وتلك نرى الشاعر عد الحسين لا يمكنه أن يبتعد عن جمالات المرأة التي خلقها الربّ له فهي ضرورة حتميّة في كلّ مسارب حياته الشقائية أو المترنحة فأعطانا نصّه الجميل بحقها ( سكرة ) :
كم سكرنا على القبل سكرة تذهب الخجل
وأدرنا كؤوسنا من رضابٍ هو العسل
هي تملي لي ثغرها من لماها بلا ملل
وأنا أحتسي به ذاك جامي فلا تسل

يتوجّب على المرء أن يجرّب كيف يكتوي بنار الحبّ، يتوجّب عليه أن يذوق الجنس الغريزي ويصعق بكهرباء أوّل قبلة من حبيب عرفه وأعطاه شفتيه كبراعم ناعمة ولذيذة الطعم، عليه أن يجرّب كيف يتعرّى  أمام الحبيب في أوّل عرسٍ له لكي يعرف قيمة الجمال الحقيقي لجسده و يعرف ما هي النّعومة التي خلقها الربّ الرحيم لدى النّساء وما هو هذا التّوحيد بين الطرفين أثناء هزة الجماع الحقيقيّة التي هي بمثابة صلاة يؤدّيها الطّرفان للمعبود الخالق في لحظة غياب حقيقيّ نحو السّعادة الكبيرة و الأورجازم .

الميلاد والموت لدى الشاعر عبد الحسين الخطيب.

من خلال الحبّ وُلدنا ومن خلاله ترعرعنا و وصلنا إلى ما نحن فيه وكتبنا أشعارنا في الأوان أو بعد حين، وها هو الشّاعر عبد الحسين المحبّ والعاشق للمرأة أو لفلذة أكباده يكتب لنا نصّا ناجما عن الحبّ بوجهه الأبويّ أو عن التّماهي في ولادة ابنه علي عبد الحسين الذي أصبح هو الآخر شاعرا معروفا في الأوساط الأدبية والذي قام بمهمة طباعة ديوان أبيه هذا الذي بين أيدينا( نداء الجراح) ، فهذا الشاعر الابن ...من ذاك الأبِ اللّغوي الصّادح بالشّعر، لنقرأ نص( تأريخ ولادة علي ..1951) :



أعطاني الله ونعم العطاء فالحمد لله على ما أفاء
في يوم عيد المصطفى أحمد شعشع في بيتي بدر السماء
لله من يوم جميل به نلت على رغم العدا ما أشاء

الولادة فيها الكثير من المعاني فهي تعني علاقتنا بالمرأة لأنّها الأخت والحبيبة والزوجة والأمّ التي قال عنها الشّاعر عبد الحسين في ديوانه هذا ( و اسمكِ يا أماه لحن بديع / الصخرُ من رقته يطربُ ) الولادة هي يوم جديد وزيادة نسل عكس الموت الذي يمضي بنا إلى نهاية حتوفنا وتناقص أعدادنا وانقراضنا ..الميلاد هو ديمومة البقاء والأمل الذي يعطينا جرعة زائدة من مصل الشجاعة ضدّ الموت، ولذلك نجد الشّاعر بهذا الخصوص ومن باب الوجدانيات يكتب نصّا إلى صديقه الدكتور عبد الكريم عبد المطلب 1990 في مستشفى اليرموك حيث الشاعر عبد الحسين يرقد هناك مريضا ويشكو إليه بألم وحرقة، وهذا النصّ هو بمثابة الخوف من الموت الذي أرّق جميع الأدباء والعلماء والمبدعين لنرى الشّاعر أدناه ماذا يقول بخصوص مرضه :
 
يابن الأكارم لم أشعر بفائدةٍ وقد ذويت ولم أشعر تحسينِ
هلا تداركني ياخير مقتدرٍ على العلاج وباسم الله تشفيني
فلا أذوق الكرى والسهدُ يقتلني ولاسميرُّ سوى الآهات تشجيني
طوراً أئنُ وطوراً أصطبر خجلاً وصار جسمي نهباٍ للسكاكينِ

ثمّ يستمرّ الشّاعر فنفهم أنّه مات بمرضٍ عضال:

دائي خبيثثٌ ولا أرجو الشفاء له إلاّ إذا شاء ربي ذاك أو رحما
الموت حق وحتم لا مرد له مصير كل امريْ ان جد او قدما

مرض العضال هذا الرّهيب الذي أصاب ملايين البشر وشكّل قصصا حملت التراجيديا المبكية ذات الصدى الحزين ، وفي يوم وأنا أنظر لشاشة التلفزيون و إذا بي أرى لقاءا تلفزيونيا مع الممثل وكاتب الأغنية الشهير ( باتريك سويزي ) الذي رأيناه في مسلسل جميل للغاية عن العبيد واليانكي والعنصرية آنذاك، باتريك وهو في عمر الخامسة والخمسين ذلك الشاب الوسيم الذي هدّه مرض سرطان البنكرياس فتحوّل الى هيكل عظمي وكأنّه في عمر التّسعين وفي وقتها كان يعد الأيام لموته المحتوم وبالفعل بعدها مات بأيام تلك الميتة التي شكّلت منعطفاً تراجيدياً في عالم نجوم السينما.
الشّاعر عبد الحسين هو الآخر له لقاء ولكنّه ليس لقاءاً تلفزيونيا ، بل مع ربّه الرّحيم فيناجيه وهو على فراش المرض كي يرحل إلى رواق الموت هادئا راضيا شاكراً على طريقة عمر الخيام... فيقول :

أجرني وانْ اغرقتني الذنوب وضيعتُ فيها طريق المصير
أجرني دعوتك انّ الدعاء هو الاعتراف بذنبٍ كبير
دعوتك يامن لديكَ الدعاء يجابُ وانْ كان جرمي خطير
ثمّ يوصي أن تكتب الأبيات التالية على قبره:

وها أنا ذا راحلُ مثلهم ويخلدُ في ألأرضِ سر المماة
فمابين سرّين عمري انقضى وثالثُّ سرٍ سابقى كذات

الموت هو حلم العدالة السرمدي، يموت المرء لكن النّوع يبقى فما من خلود وهذه متتالية أزلية لا تنتهي إلاّ بانتهاء الأكوان .. ويبقى بياض الكفن مثلما قال الشاعر المصري اليساري الراحل أمل دنقل هو البياض الوحيد الذي تتوحّد به سائرُ البشر، يموت المرء مهما يملك ومهما كانت سلطته فالحياة (إمرأة تستحمّ بدموع عشّاقها وتتعطّر بدماء قتلاها ...جبران خليل جبران) .
الحياة قاسية في جميع تفاصيلها لكنّنا نناضل في سبيل أن نعيشها حتّى آخر رمق وهذا هو السرّ الكامن الذي ليس له جواب .

كلمة أخيرة بحق الشاعر.

الشّاعر عبد الحسين الخطيب بالنسبة لي بمثابة ذكرى عظيمة أعلّقها في عنقي...شرف لي أن أكون بهذه المستوى فيحقّ لي أن أكتب عنه .
أنا فخور بهذا الشّاعر الفنار والسراج بالنّسبة لي ، فهو الذي وصل الأسماع في كرمه و أخلاقه أولا ثمّ إبداعه ثانياً .... هو الذي كان يجود أبدا عن الشغيلة والمعدمين بأشعاره التي رسمت خطاها وظلّت مدوية حتّى اليوم. عبد الحسين مثل والت وايتمان الشاعر الأمريكي الذي لا يصمت أمام الحواجز التي تحول بين حبّ الإنسان ورفيقه وبين الزّوج والزّوجة والمدنية، بالمدينة والميلاد بالمولود....هو الذي تغنّى بجمال الطبيعة و أفيائها          و ورودها والماء الذي يسقيها فهي كتاب الفنّ الخالد وقاموس الحبّ وقصيدة الوجود الأزلية، هو الذي صبّ اهتمامه الكبير في مديح علي والحسين       ( عليهما السلام ) من خلال الردات الحسينيّة الثورية التي شغلت السلطة الغاشمة في ذلك الزّمان السبعيني، هو الذي كان وفيّا لإخوانه المبدعين أو من عامّة النّاس حيث كتب لهم نصوصا لكي يبقوا معه في صفحات التّأريخ أمثال الشّاعر السيد شاكر البدري، عبد الواحد كاظم ،سعد صالح جريو، الشيخ عبد الحميد السماوي و غيرهم من السادة الأشراف.
وفي النّهاية أرى من أنّ الشاعر عبد الحسين الخطيب كما عرفته في تلك الأيام ولكثرة علاقاته الطيبة مع الآخرين وسماحته كأنّه يرفع شعار            (البيركامو) الكاتب الفرنسي الشهير (لا تمشي ورائي أنا لستُ قائدا و لا تمشي أمامي أنا لست تابعاً ، امشي بجانبي و كُنْ صديقي ).


47
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)


عبد الحسين الشيخ موسى الخطيب ونداء الجراح(2).

 

الشاعر عبد الحسين كان عابراً للقومية والمذهبية إلى عالم الوجدانيات ولم لا فالشاعر الحقيقي هو ذلك الذي يضحك مع الناس ويحزن معهم كما الشاعر الإسباني لوركا الشبح الذي وقف بوجه الدكتاتور الإسباني (فرانكو) حتى أُعدِم ولم ينثني عن طريقه الذي أصرّ على المضيّ قدمًا في سبيله. فماذا قال لنا عبد الحسين في بعض صرخاته الوطنية الممزوجة بالوجدانيات في نص (أنا إنسان) 1952 :


أنا لا أعرف معنى لنظام الطبقات ليس في الشعب سواد و سراة و ذوات
كلّنا أنداد في الحق بأسباب الحياة إنّ من أوجد هذا الفرق مغرور وغاشم
يستطيب السلب والنهب ليبتز المغانم
أنا إنسانيتي تكفر بالمستعمرين وبمن يمتص منهوما جهود الكادحين
أنا من يستعبد الناس عدو لي مبين كلّ شعب ليكن بالذات في قطره حاكم
ليسود الأمن في الأرض وتجتث المظالم

أرى عبد الحسين الخطيب هنا عظيما بعظمة عقله وجنونه الإبداعي وحكمته وهو ضارب في النهر مجاديف العشق ، وهو يسلك النهار بفانوس ديوجين ، كلّ ما سطره من فيض عصفوريته الطائرة الحرة الكريمة التي كرهت مبدأ ( إذا كانت القوة هي الحق فيتوجب عليّ أن لا أكون ضعيفا) وهذا الشعار الذي حاولت أمريكا أن تفرضه سابقا على الأمم لكنها اليوم لم تستطع بفضل بعض من شرفاء العالم الذين عرفوا اللعبة في إدارة هذا الكون الذي وصل إلى أعلى مراحل الدمار.
ثمّ نجد الشاعر عبد الحسين معترفاً بتغيير الزمن وسيطرة التكنولوجيا بدلا من السيف والسلاح التقليدي فهو شاعر يؤمن بالديالكتيك فيقول بهذا الصدد من قصيدته ( حماية الأطفال) 1953:

فلا يجديك سيفك يا بن أمّي و لا عدو الجياد الصافنات
و لا الرمح الطويل و لا التغني بأيام الجدود الماضيات
تغنّ بأن تشاد بكل ربعٍ مدارس للبنين وللبنات
الشاعر هنا يوجه رسالة إلى العرب كي يسايروا التقدم الحاصل لدى الغرب و إلاّ سيكون مصير شعوبنا الانقراض مثلما الهنود الحمر الذين قاتلوا أعداءهم بالريشة والنبال بينما عدوهم يحصد بهم بالرشاش والمدفع.
مهما يكن من أمر فالشاعر عبد الحسين ينبذ العنف فهو صاحب راية السلام إذ لا نفع من السيف غير القتل وإزهاق النفس البريئة. حتّى يستمرّ في نفس النصّ فيعطينا انطباعا آخراً و انزياحاً جميلا عن حماية أطفالنا وبناء مجتمعاتنا بصورة أفضل :

و إن حماية الأطفال فرض كفرض الصوم أمست والصلاة
و أنفعُ حاجة وأجل أمر وأقدس من جميع الواجبات
وأنبلُ خدمةُّ تسدي لنحمي بها أطفال دجلة والفرات

في الفيلم الهندي الممتع ( الطفل الضائع ) ثمثيل سلمان خان والحسناء كارينا كابور نرى في الحدود الباكستانية الهندية قطارا تغفو فيه امرأة قليلا فتتسلّل طفلتها من حضنها وتنزل من القطار فتعبر من الحدود الباكستانية التي توقف فيها القطار إلى الحدود الهندية، تصحو الأمّ من غفوتها فلم تجد أبنتها وتحاول بشتى السبل أن تقنع شرطة الحدود عن عبور ابنتها فلم تفلح ولم تعثر على طفلتها نتيجة القوانين الحدودية القاهرة للبشر وتظل الأمّ في حسرتها المميتة على فلذة كبدها التي ضاعت منها دون أيّ اهتمام من قبل سلطات الحدود. فلابدّ من العناية بالطفل و شرعنة قوانين تحمي هذه البراءة التي لا حول لها و لا قوّة و لا نذهب إلى القوانين الجائرة بحقّهم كما في العراق اليوم و شرعنة قانون التفخيذ و زواج القاصرات. .
الشاعر عبد الحسين كما معظم الشعراء لابدّ لهم في صفحة من الحياة أن يتحدّثوا عن الوجود والخلق وتلك الأسئلة التي حيّرت العلماء والأدباء فهناك من وقف في صف الإلحاد وهناك من آمن مثلما دارون و زوجته كلّ منهما اتّخذ طريقاً خاصّا به بين الإلحاد والإيمان بعد وفاة ابنتهما وهي في عمر الزهور ..فلنقرأ الشاعر عبد الحسين وهو يبوح أدناه في ثيمة (حكمة الوجود) 1952:
 
سوف لن تلق غير رأيٍ سديدٍ انّ للكون خالقا ومسيّرْ
أدركتهُ العقولُ جيلا فجيلا ببراهين أفلجت كل منكرْ
منذ أن كان آدم و تتالت بعده الرّسلُ بين هادٍ ومنذرْ

نعود إلى الأطفال مرّة أخرى وما يتوجّب علينا في تربيتهم. في إحدى المدارس الغربية طلبتِ المعلمةُ من الأطفال أن يوجِّهوا رسائل إلى الله في الكريسماس، يسألونه عن أحلامهم و أمنياتهم، أو يوجِّهون إليه أسئلةً يخفقُ الآباء والمعلِّمون في الإجابة عنها ، فكانت إحدى الرسائل من الطفل (جين) تقول :

عزيزي الله..

بدلاً من أن تجعل الناس يموتون، ثم تضطر لصناعة بشر جديدين، لماذا لا
حتفظ وحسب بهؤلاء الذين صنعتَهم بالفعل؟ ...
ثم الطفل ( لاكي) ...
عزيزي الله ....
هل أنت فعلاً غير مرئي، أم أن هذه حيلة أو لعبة؟ .....





الآيروتيك في قصائد الشاعر عبد الحسين:

عبد الحسين هو الشاعر الذي ساهم في إنشاء مجتمع تسعى إليه المرأة بكلّ ما تشتهيه من عدالة ومساواة، حيث يتبيّن هذا الشيء واضحا وجليّا لمن يقرأ ديوان الشاعر دون أيّ لبس أو مراوغة.
المرأة عالم كوني سهل وصعب في نفس الوقت، فهو سهل لو كنت تترفّق في الإقدام على معرفتها وصعب للغاية إن كنت مفترسا لا تريد غير الجسد والفراش الوثير ، بل من نعم المرأة علينا هي الرومانسية و جسدها البض والترافة التي لا يمكننا الإحساس بها إلاّ من نعومة أجسادهنّ لكن كيف لنا أن نعرف السبيل اليهن و ما هي التداعيات ؟؟ عندها يمكننا اللّثم على مهل من فردوسها الخلاب و يوتوبياها التي أرغمت الشّاعر عبد الحسين الخطيب في أن يقول فيهن الغزل والتشبيب الآتي :

وقد فتن الأوائل بالخصور الناحلات والقدود المائسات
وبالردف الثقيل وبالخدود النواضر كالورود الزاهيات

أبيات فيها رائحة (ريتسوس) الأب الشرعي للآيروتيك ، غزل لم أتوقّعه من رجل عاش في ذلك الزمن الذي شهد الحروب و الإنقسامات والتظاهرات. المرأة هدية السّماء ولو لم تكن كذلك ما وجدنا هذا الكمّ الهائل من الغزليات والوصف المثير لجسدها على مرّ العصور، فذاك يوصف النّهدين وشاعرنا عبد الحسين يوصف الأرداف وآخرُ يوصف ما تحت الدواهي. لنذهب أدناه إلى الشّاعر عبد الحسين وعن العيون التي قتلننا ثمّ لم يحيين قتلانا في نصّ( جراح العيون) 1949:

جراحات أشفار السيوف تطببت وجرح عيون الغيد تالله قاتل ُ
لها نظرات تذهل السيف حدة وسطوتها لاماسطتها الجحافلُ
(العيون الكواحل سبوني .... آه آه ... آه آه .. من حبايبي ...آه آه يا رفاقي ساعدوني ) هذا ما كان يطربنا من فائزة أحمد في سالف الأزمان. أمّا العندليب الأسمر عبد الحليم يقول ( العيون السود رموشهم ليل ). فلا يخلو شاعر أو مطرب من ذكر العيون. ولذلك الشاعر عبد الحسين يعطينا انطباعاً من أنّ العراقي منذ ذلك الوقت عاطفيّ يميل إلى الحبّ لا العنف، يميل إلى عشق النساء و طلب الحياة لا كما اليوم و كثرة الدواعش وحبّ النظر إلى السيف لا للعيون وسحرها. اليوم لا يمكنك حتّى أن تستجدي الرحمة بشقيها الغزلي والإنساني بينما في ذلك الزّمن النّاعم كان يقول لها عبد الحسيين في فلقته الرائعة ( رحماكِ) 1953 :

رحماكِ لا تشكي ولا تغضبي والعتب لا يّجدي فلا تعتبي
فليست الشكوى سوى جذوةٍ من نار قلبٍ بالهوى مُلهبِ
تقذفها آهاتٍ مفجوعةٍ أيتمها الدهرُ بحبِّ صبي

هنا رومانسية العراق في ذلك الزّمن العربي الفيّاض بالحبّ، إذ يقول محمد عبد الوهاب ( مضناكَ ) .... في رائعة أغنيته ( مضناكَ جفاهُ مرقدهُ.... وبكاهُ و رحّم عودهُ) ..
يذهب بنا الشاعر من تلك الإنزياحية الهادئة في أغلب قصائده حتّى يدخلنا في بياض عفافها ونيتها الخالصة في أن تكون تلك المرأة الاستثناء، تلك المرأة التي تكون له بمثابة الحكمة المجنونة. فيضطرّ أن يقول في نصّه المتمني (لولا تحكم اهلها ) :

عذراءُ قد سرق اللصوصُ عفافها من كل نذلٍ بالوعود مفرط
خدعت بمعسول الكلام فأسلمت ذاك العفاف لمجرمٍ متسلط
لولا تحكم أهلها بزواجها تالله في بحر الزنا لم تسقط
أنا حين أطلق موضوعي لم أصرّ على أيّ من وجهات النظر الصحيحة أو الخاطئة ... فما أنا إلاّ شاعر وسط هذا الكم الهائل من الشعراء يريد التغيير لشعوبنا التي ينخر بها المرض الاجتماعي والسياسي والأخلاقي الذي يؤدّي بالنتيجة إلى ظلم المرأة. فمنذ العهد الجاهليّ وما قبله كانت المرأة في رأيي أفضل حالا ممّا هي عليه الآن ، حتّى جاءت القيود التي تكبّلها بالحرام والحلال ممّا جعلها تعيش تحت قيود الرّجل شاءتْ أمْ أبتْ وأوّل الغيث الذي لابدّ لها أن تخضع له هو الزواج الرسمي والذي يكون مرسوما في معظم الأحيان من قبل الأهل وهذا هو الدّمار بعينه ومن ثمّ يكون زواجا كاثوليكيا رغما عنها حتّى يفكّ عنها الرّجل قيدها وأسرها من سلطته البغيضة .
ولذا كتب عبد الحسين النصّ أعلاه وكان نصّا فيه من الدّعوة لمؤاساة النساء وما يلاقين من ظلم على أيدي رجال بلا ضمير، فهو نصّ على غرار ما كان يكتبه نزار قباني عن المرأة في العديد من قصائده ومنها (قصيدة حبلى). فهنا الشاعر عبد الحسين يُعلنُ صرخته ضدّ هذا الزّواج الذي فيه دمار للمرأة وجعلها تنجرف لحبائل الخطيئة .
الشاعر عبد الحسين فيه من الحبّ العظيم الذي جعله يكتب بشكل فاتن عن النّساء. قصصُ الحبّ أغنتْ السينما بالكثير من السّحر عن نساءٍ تركن بصمتهنّ المثالية حدّ التضحيّة والفداء في هذا المجال الرّوحي، فهناك غادة الكاميليا وهناك هيلين و الليدي شاترلي وليلى وسعاد تلك البنت الفياضة بالحبّ التي خنقها أخوها في حيّ العصافير في السماوة في التسعينيات بتهمة الشرف. وغيرهنّ من اللّواتي حدّثنا التأريخ عن آلامهنّ وأوجاعهنّ من اكتواء الحبّ. ولذلك فلا غرابة أن نجد عبد الحسين يكتب بهذا الخصوص نصوصاً عفيفة تحز في سويداء الحشا ( هو الحبّ) 1949 :



بليت بداء يسأم النصح أهله يحز سويداء القلوب وبقرحُ
هو الحب فارحم من بنيرانه اكتوى وداوي فؤاداّ كلما طاب يجرحُ
أجبني بما ترتاح أنت لوقعه فأني فيما ترتضيه لمفلحُ

الحبّ هذا الذي جاء من الأزل صوب الأبديّة العراقية كان ولم يزل عنوان العراقي الأصيل حتّى اصطدم بجدار العنف البعثي ثمّ الداعشيّ فتغيّرت أحوال العراقي إلى الانحطاط. كما و إنّني أرى حقيقة الحبّ في قبضة اليد لا في قبضة الرّيح، الحقيقة هي أنّني أمارس حرّيتي دون أدنى ضغط من التقليد الاجتماعي أو الأكاديمي والمنهجي ، الحقيقة تتجلّى حين تتصرّف ضدّ العقل الجمعي وأن تكون كما أنت و لا عليك بالآخرين لأنّك لو كنت من الملائكة فستكرهك الشياطين، الحقيقة التي قالها روميو لجوليت ( أنّ نجوم السماء أخذت بريقها من عينيك ) لو قال العكس لأصبح القول تقليدي بعيدا عن الإبداع الحقيقي و لا يعني شيء على الإطلاق ولذلك أنا وجدتُ الشاعر عبد الحسين يكتب الهموم الحقيقيّة في الحبّ والبعيدة كلّ البعد عن النرجسيّة وأشكالها المختلفة .


يتبـــــــــــــــع في الجـــــــــزء الثالــــث...


48
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)

عبد الحسين الشيخ موسى الخطيب و نِداء الجراح....

 

في يومٍ بهيّ وشهرٍ زاهدٍ وسنةٍ ملفعة بغيوم اللّغة الرّصينة، أمطرتِ السّماء في مدينة السماوة كلمات موزونة فراهيدية مقفاة ذات معنى ، وبإيقاعٍ موسيقي ومعنوي مذهل تجمّعتْ كلّها وأنجبتْ لنا في عام 1924 الشّاعر عبد الحسين الخطيب ومن منّا لا يعرف هذا العلم البارز وسيظلّ هكذا اليوم وغدا وبعد أجيالٍ لما تركه لنا رحمهُ الله من مُنجز عظيم في عالم الشّعر الوجداني والسياسي والحسيني و ما تغزّل بالنّساء والمفاتن التي تستيقظ لها أعين الرّجال فتستثار لمجرّد النّظر إلى الرّقاب المرمريّة والوجوه ذات النّبع النّوراني والصّدور الخافيات العارمات خلف العباءةِ السّوداء.
الشّاعر عبد الحسين زرع وحصد ثمّ أعطى ثماره فما علينا سوى أنْ ننضد العناقيد العنبية لشعره بشكلها الجميل ثمّ نرشّ عليها رذاذ الماء كي تظهر بمظهرها البرّاق النّظيف الذي يليق بأفواه النّساء المعطّرات بوصفه كما نرى لاحقا في ديوانه مدار بحثنا هذا ( نداء الجراح ) الذي اشتملَ على أكثر من ثلاث مائة صفحةٍ من القطع الكبير.
أرى في هذا الدّيوان الكثير من الأشياء اجتمعت بقوّة النصّ وصاحب النصّ وإطلالة الكلمات من شاعر له اسمه المعروف في السماوة والعائلة التي اتّخذتْ من الأدب مهنة وحرفة وذائقة.
عبد الحسين هو ذلك الرّجل الذي يدخل سويداء القلب بلا استئذان كما عرفناه.
 عبد الحسين الخطيب كحال أغلب الشّعراء الوطنيّين الذين ناضلوا ضدّ الطغيان وجرّبوا السّجون تراه في صراع دائم بين أن ينسى وبين أن يتذكّر تلك العذابات التي نالها جسده وعقله في السّجون حيث عُنْفُ الجلادين أو في الشّوارع حيث رؤيا الظّلم عن كُثب لفقر النّاس وما تفعله الزّمرُ الموالية للأنظمة الرجعية والقومية الشوفينية بشعوبها ولذلك قال ميلان كونديرا (إنّ صراع الإنسان ضدّ السّلطة هو صراع الذّاكرة ضدّ النّسيان).
 كتب عبد الحسين الخطيب في ديوانه هذا كثيرا عن جراحات العراق والأمة العربية وعن عبد الكريم قاسم في أكثر من نصّ وعن آيار العمال وعن فلسطين وثورة تموز وحرب حزيران 1967 وحرب تشرين الأول 1973 ، فكلّها شروحات وطنيّة خالصة تتغنّى بالذود عن الأرض وعن الوطن. ولذلك نرى ثاني قصيدة في الدّيوان مهداة إلى ثورة تموز 1958( فلا بدّ للّيل من آخر) التي يقول فيها :

أطلّي على شعبك الثّائرِ كإطلالة القمر الزاهرِ
مدي الظلالَ بخير الرؤى تحومُ على الفلك الدائرِ
و أرخي عنان المنى الحالمات لتختال في الموكب الظافرِ
أيا ابنة تموز والذكريات نشاوى تراقصُ في الخاطرِ

إلى أن يقول:

يرف التحرّر في وجنتيك ويومض من وجهك السّاحرِ
وأقوى من الموت والمعتدين  بحنكة ربّانكِ الماهر ِ

ويقول في ذكرى تقسيم فلسطين 1948 نصّا بعنوان ( الحياة كفاح):

تقدّم لنطرد عن أرضنا قراصنة من أذل الأممْ
تقدّم وطهّر ثرى القدس من جراثيمٍ تنفثُ حقداً وسمْ
تقدّم سلمت إلى تل أبيب لنرفع قهرا عليها العلم ْ
تقدّم لعزٍ يهان ومجدٍ  يداس وحقّ لنا يخترمْ




حتّى ينتهي فيقول:

فدعها وجرّد حسام الجهاد وإلاّ تعضّ بنان النّدم
وعهدي بأنّك يوم النّزال  تصول وتثبتُ طودا أشمْ

هذه النّصوص كانت تُكتب في زمن الأغاني واللّحن الذي يُثير الحماس في نفوس الغيارى فكانت الإذاعات تدوّي بتلك الأغنيّة الفلسطينية الشّهيرة بعنوان (الثائر) من كلمات محمد حسيب القاضي وتلحين وجيه بدر خان (حين يصيح البروقي ما في عوقي ...كلاشنكوفي يسابقني يطير من شوقي... لو ميت طيارة من فوقي .. لو ميت دبابة قدامي .. بجعل درع من صدري واحمي رفيقي... بإيديّ أشد من ليلي خيط شروقي) . فكان بالفعل صوت الرّصاص هو نغم جميل بالنّسبة للثّائرين عكس ما نراه اليوم ومُجرمي الدواعش الذين جعلوا من مسار الرّصاص يتوجّه لشعوبهم وإخوانهم وأهاليهم فبالتّأكيد هنا سيكون الدويّ قبيحا ملعونا ونذير شؤم . وكم هي نتاجات الفنّ السّابع التي أتحفتنا بالكثير من الأفلام حول تحرّر الشّعوب وخلاصها من الاحتلال والاستعمار وكم هي الجيوش بجحافلها التي كانت تتغنّى بالأغاني الثوريّة الحربيّة التي تُلهبُ الجندي ومنها فيلم إنقاذ الجندي رايان ثمثيل توم هانكس، وفيلم عن حياة الرئيس جوزيف بروز تيتو وكيفية نضاله العسكري في تحرير يوغسلافيا تمثيل الراحل( ريتشارد بريتون) ،والحرب الأهليّة في إسبانيا التي غطّى أحداثها آنذاك أرنست همنغواي.
كلّ هذا النّوع من الكتابة والبوح تعطينا انطباعا حتميّا بوطنيّة الشّاعر عبد الحسين وحُبّه لشعبه وناسه وهذا يغيض السّلطة الغاشمة آنذاك ممّا أدّى إلى تعرّضه إلى السّجن في العمارة سنة 1963 فكتب نصّا من هناك تجاوز على ثلاثة عشر صفحة (قصّة ثورة مدينة) :

و يدُ الصّراع المذهبي تسومها سوء العذابَ
قامت فحامت حولها شبهات شكٍّ وارتيابِ
وأتتْ بغير أوانها فتجنّبت سبل الصّوابِ
كم من بريءٍ أودعته السّجن من غير ارتكابِ
كم حرمةٍ هتكت بعين  تسلّطٍ ويد استلابِ

ثمّ يُكمّل فيبوح :

وا ضيعتاه وهل لعهد الظّلم ذلك من إيّابِ
سحقته أقدام الجموع  فصار من بعض التّرابِ

يبدو أنّ الشّاعر هنا كان سجينًا في أيّام الحرس البعثي القومي وشباط الأسود ، هذا يعني أنّ موجة اليسار شملته في ذلك الوقت وهذا واضحا جليّا في أكثر قصائده . وحتّى الصّراع الطائفي كان في ذلك الوقت يُمارس ولكنّه في الأقبية والسّجون واليوم فوق الأرض وعلنًا وأمام أنظار العالم أجمع بل شمل الصّراع المذهبيّ أوطان المسلمين كلّها كما الحرب الدائرة اليوم بين السُنّة والشّيعة وبلا هوادة وآخرها الحرب الوشيكة بين إيران والسعودية.
كلّ ذلك الألم أعلاه يجعلنا نفهم الشّاعر عبد الحسين مِنْ أنّه هو ذلك المُحبّ للطّبقة العاملة وفقراء النّاس وهذا ديدن أيّ شاعر حقيقي سواء إن كان في الصين أو نيويورك أو موسكو أو في أبسط قرية من قرى الجنوب العراقي المتهالك اليوم . لذلك رأيناه وهو يدافع عن العمّال وفقراء النّاس وهو في سجن نقرة السلمان سنة 1964 حيثُ نقل إليها ربما من سجن العمارة كما نقرأ أدناه من نصّ ( آيار أهديك التحيّة) :

آيار يا أنهار من كدّ ومن عرقٍ وطاقاتٍ وأتعابٍ نقية
فاضت لتغمر كل أرضٍ أرهفت لنداك خير السمع بالنعم السخية
ولتكسح العقبات رغم شراسة الأطماع عن درب الزحوف الثوروية
آيار يا بأس الشغيلة حطّم الأصفاد دكّ معاقل السلب الوبيّة
يا قصّة إلإنسان يسعى لانتزاع  الحقّ بالدّم خطّها والعبقرية

الجوع هو أعلى مراحل التّرهيب .. الجوع في الغالبِ ينهض على شكل ثورةٍ أو تخريب، الجوع هو الذي يجعل من المرء كئيباً مريضا على الدّوام ، وهارباً من البؤسِ والملل إلى النّوم على الطرقات كما هو حال أغلب المتسولين، وحين يفرغُ الييت من الرّغيف.. يرفعُ الجوع راية الشرّ والمنازعة ضدّ الطغيان ممّا يُؤدّي إلى امتلاء السّجون بالوطنيّين والشّرفاء كما حصل للشّاعر عبد الحسين وسجنه لأنّه كان من دعاة الحقّ. لكن نقرة السلمان كسجن وصحراء مخيفة.. أصبحتْ على عكس ما أراده الحاكم، حيث تعلّمَ الجميع كلّ يوم درسا في العقل والعقلانية وفي البحث عن إمكانيّة الموائمة بين الحقّ والحبّ،بين الحقّ والجمال، بين الحريّة والصّدق، بين العمق والصّفاء، بين السّجن والنّضال. ولذلك لابدّ للطبقة العاملة أنْ ترفع لواء الكفاح بوجه الطّغاة لأنّها تعمل بعرقها وكدّها على طول النّهار فيتوجّب أن ينصفها الآخرون في العيش الرّغيد أسوة بالبرجوازية والطبقات الأخرى التي تحاول سرقة إنتاج العامل. ولذلك في تلك الأزمنة رفعت الطبقة العاملة عيدها العالمي الذي جاء نتيجة جراحاتها ونداءاتها لفئات المجتمع التي أصابها الحيف في جميع مرافئ الحياة. فاعتمادا على هذا رفع المناضل عبد الحسين صرخته في نصّه الذي حمل موسومية الديوان ( نداء الجراح 1967) :

سأصبرُ مهما ابتلاني الزّمانُ وأصمدُ مهما دهتني المحن
ومهما تمادى عدوّي الجبان بغدره لن يعتريني  الوهن
سأسقيه كأس الردى والهوان وأغسل بالدم عار الوطن

ثمّ يستمرّ في نفس النصّ :

تنزّ جراحي الدما و الصديد وتجأر بالثأرِ في كلّ حين
وتهتفُ بي كّل يومٍ جديد بأن لا أهون ولا أستكين
وليس لها من علاجٍ مفيد سوى أن أُطوّح بالمعتدين

مهمّة الشّاعر هو البوح والحلم في التّغيير والاستمرار حتّى تحقيق الأماني لكنّه ليس شرطا أن يكون هو الجندي أو المحارب أو المعماري الذي يساهم في عمليّة التّغيير مباشرة. لكن المهمّة الأساسيّة لدى الشّاعر هي عدم اليأس بل هو الإصرار والتّحدّي والموت وقوفًا. هذا النصّ كُتب في زمن شعراء المقاومة الفلسطينية الحقيقيّة لا المقاومة اليوم التي تغيّرت فيها المفاهيم ، وأيّام شعراء الفكر الحقيقيّ والحبّ الخالص للوطن الذي نجده أدناه في كلمات الشّاعر الفلسطيني توفيق زياد على سبيل المثال لا الحصر :


فلتسمع :
سنجوع و نعرى، قطعا نتقطّع، لكن لا نركع
للقوّة للفانتوم للمدفع
 لن يخضع منّا حتّى طفل يرضع

أمّا عبد الحسين كان صادقًا هو الآخر في كلّ ما يقوله في هذا الصّدد مثلما نتمعّن في الشّذرة الآتية من نصّه (اليأس لا ينمو هنا) :

هيهات لو يسقى الدما فاليأس لا ينمو هنا
هيهات ينبتُ في الحمى لا تنثروه بأرضنا
أرض العروبة لا تظام مهد الحضارة والسلام
لينيرها فجر الهنا فاليأس  لا ينمو هنا

لا لليأس أو الاستسلام فهذه عبارة لنيل الحياة والمضي بها تحت ظلّ الكرامة فهي عبارة أمميّة ولكن علينا التصرّف حيالها بذكاء. فكان الزّنجيّ تهان كرامته كلّ ثانيّة تحت طغيان الرّجل الأبيض لكنّ الإصرار وعدم اليأس هو الذي جعل الشّمس تُشرقُ من جديد في سماء الأمّة السّوداء فتنال الحريّة حتّى أصبح لها رئيسا زنجيًّا يحكم أمريكا اسمه أوباما. فيتوجّب على الشّعوب أنْ تتسلّح بالفطنة والدّهاء لأنّ زمن حركات التّحرّر انتهى واليوم يحكمنا عالم القوّة الذئبيّة التي خلقتها أمريكا عدوّة الشّعوب. ولذلك نرى اليوم كوريا الشمالية و روسيا و الصّين قد خطوا خطوات مُذهلة في مجال القوّة ممّا أدّى إلى ردع أمريكا واستفرادها بالشّعوب الفقيرة. هنا رفعت الشّعوب مبدأ عدم اليأس حتّى نالت حرّيتها واستطاعتْ أن تقفَ من جديدٍ بصرختها المدويّة التي أخرستْ الإمبرياليّة العالميّة.



49
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)
فيلم عصابة من نيويورك.

عصابة من نيويورك فيلم أمريكي من إنتاج عام 2002 ومن تمثيل الشاب بطل تايتنك ( ليوناردو دي كابريو) و(دانيال داي لويس) والقديرة( كاميرون دياز) من إخراج (مارتين سكروسيز) . تدور أحداث الفلم في مدينة نيويورك عام 1861 خلال الحرب الأهلية بين السكان الأصليين في امريكا والآيرلنديين . في هذا الفلم نرى كيف أنّ المهاجرين كانوا أسرابا أسرابا وقطعانا يتجهون الى بلد يدعى أمريكا. في ذلك الوقت كانت أمريكا بلد المهاجرين من كل صوب وحدب من آيرلندا من اسبانيا من امريكا اللاتينية ناهيك عن الهجرة القسرية للزنوج والمتاجرة بالعبيد وقتلهم بأبشع الطرق. نرى كيف أنّ هذه القطعان عندما تستكين في امريكا بلد الجرائم تتقاتل قطعانا أو فرادا بشكل مثير للقرف بالسكاكين بالخناجر بالسيوف بالفؤوس التي تنزل على الجسد فتوّلد الألم الذي لايحتمل والرعب الذي لايطاق في مشاهده ، عكس البندقية او المسدس الذي يجلب الموت الفوري والمريح للنفس البشرية ، قتال رهيب في حرب أهلية حصدت الملايين ولذلك أصبح معروفا عن تأريخ أمريكا في القتل والقتل ثم القتل لبني جنسها وخصوصا الهنود الحمر حيث إجتمع الكونغرس الأمريكي أنذاك حول مصير الهنود الحمر ( الإبادة أم التوعية للهنود الحمر وضمّهم للمدنية والحضارة ) فكان القرار بالإجماع هو إبادتهم أفضل من توعيتهم وحصل الذي حصل في أكبر جريمة يندى لها جبين أمريكا والإنسانية الأخرس في قتل أكثر من أربعة ملايين هندي أحمر حتى إنقرضوا ولم يبق منهم غير إسم (جيرانيمو) بطلهم التأريخي المعروف والذي إستخدمت أمريكا إسمه إكراما له ولقومه ولما فعلوا بهم تكفيرا عن ذنوب أمريكا بحقهم ، في عملية قتل إبن لادن التي أطلقوا عليها عملية( جيرانيمو) في الباكستان ومن ثم رمي جثته في البحر.
هذا مانقله التأريخ لنا عن هذه البقعة الأمريكية وقتالها الشرس الذي أعطى هويتها العنيفة حتى اليوم إنها بلد الجينات القاتلة لبني البشر والتي لاتعرف الهوادة على الإطلاق ، شعوب لاتعرف الرحمة همها الوحيد كيف تشعل الفتن في بقية البلدان المغلوب على أمرها كي تحصد ماوراء ذلك . لو نقرأالآوديسة والإلياذة عن قتال البشر أنذاك فأنه يثير الدوار لكنه أشرف وأنبل بكثير من حروب أمريكا وقتالها مع بعضها ، كم من الأبطال ماتوا وسجل التأريخ ملاحمهم ، هيلين وزيوس ، أنطونيوس وكليوباترة ، كلهم أبطال أعطوا للإنسانية معاني كثيرة لكن أبطال أمريكا لم يعطونا غير الإنحطاط . وماتجلبه أمريكا على البلدان من الصعب أنْ ينتهي في القريب العاجل كما يحصل اليوم في العراق نتيجة أمريكا وخبثها وعدم مصداقيتها ، دويُّ واحد من القنابل يحصد المئات ، حزام واحد يمزق مالايحصى من الأجساد وهناك من أطلِق عليهم قتلى سبايكر في العراق تلك الفاجعة الأليمة التي تمت ولم يُعرف حتى الآن مرتكبيها فإنها ذهبت أدراج الريح في تلك البقعة التكريتية الصدامية المجرمة.
في بداية الفلم نشهد معركة عنيفة بين فريق المهاجرين الى أمريكا وفريق سكان امريكا الأصليين والمعركة تنشب على المصالح والنفوذ كما نراهم اليوم وجرائمهم في جميع أنحاء العالم والهيمنة الأمريكية المعروفة التي بنيت على جماجم البشرية والناس الضعفاء . في المعركة الدامية والمرعبة يموت فيها البطل والنبيل الذي قام بدوره الممثل القدير والآيرلندي الأصل ( ليام نيسون )، يقتله جزار البلدة المجرم الذي لايشبع من الدماء ( الجزار كناية لمن يتعود على مرآى الدم يوميا) ، وكان دائما يتكلّم عن أمريكا ومدى حبه لها بكونها موطنه وترابه الأصلي ، يجعله حبه هذا شوفينيا قذرا ومجرما كما هو حال كل قادة أمريكا يستثنى منهم ( إبراهام لنكولن) . يُقتل ( البطل النبيل) بصورة بشعة وأمام إبنه الصغير ( ليوناردو دي كابريو) ، هذا الطفل ينشأ في وسط الدم والعنف وقطع الرؤوس بشكل مريع . الطفل يظل يتذكر مقتل أبيه حتى يكبر فيقوم بمحاولة الإنتقام والثأر لأبيه والقصاص من قاتليه فردا فردا .  يتعرف ليوناردو على فتاة نزقة( كاميرون دياز) ، تمتهن السرقة والإحتيال ، تقوم بسرقته ثم يقوم بملاحقتها حتى يحصل على قلبها وتنشأ بينهم علاقة حب وطيدة .
ليوناردو لايقر له قرار حتى ينتقم من قتلة أبيه وخصوصا هذا الجزار المجرم الذي لايستطيع نسيانه فهو الذي قطع رأس أبيه دون رحمة . ويبدأ ببعض المجرمين الذين يتذكرهم من الصورة التي رسمت في رأسه أيام واقعة قتل أبيه ويقوم بقتلهم واحدا تلو الآخر . يراه قاتل أبيه المجرم الجزار في أثناء شجار وسط حي في مدينة نيويولرك دبر عن قصد من قبل ليوناردو لكي يعطي صورة للجزار من أنه الشجاع والقوي المدافع عنه حيث تعرّض الجزار لعملية إعتداء مما حدا بليوناردو أن يفتعل هذا الشجار لكي يظهر بطولته ، فيعجب به الجزار ويطلب منه الإنضمام الى مجموعته ، وهذا ما أراده ليوناردو ، لكي يقوم بتصفية حسابه منه عن قرب وعن كثب ، فينظم اليه والى مجموعته القذرة القاتلة ويصبح حارسه الشخصي . يقوم أحد الواشين وهم من أصدقاء ليوناردو بأخبار المجرم الجزار بأن ليوناردو هو إبن القس الذي قتله قبل عشرين عام وجاء لينتقم منه وليس لحمايته . وهذا الواشي يقوم بهذه الوشاية لأن حبيبة ليوناردو فضلته عليه ، فتقتله الغيرة من ذلك فيقوم بالوشاية ، ولكن بعد حين من الزمن يقوم الجزار بقتل هذا الواشي ، هذا هو الزمن كم يحتوي من الخونة الأراذل الذي يخونون أعز أبطالهم أو اصدقائهم أو أقربائهم لكن الزمن كفيل وحده في أن يأخذ في قصاصه العادل من الجبناء والمتخاذلين كما حصل لصديق ليوناردو الخائن الذي قتل في اقرب فرصة من قبل الجزار المجرم نفسه . لم يسلم أحد في هذه المدينة من هذا الجزار الا ّوأصابته شروره . وحين يعلم بأن ليوناردو هو إبن القس ، يقوم في احد إحتفالات المدينة بوضع حبيبة ليوناردو على الحائط ويقوم بتصويب السكاكين عليها ، بلعبةٍ عنيفةٍ كانت شهيرة أنذاك ، لكي يستفز ليوناردو ، وفي كل سكينة يتصور ليوناردو أن حبيبته سوف يشق بلعومها أو تأتي أحدهما في قلبها و عينيها و وجهها الجميل ، وهذه اللعبة تشبه الى حد ما لعبة النبلة وكيف ترمى الريشة بنصلها الى قرصٍ دائري وإذا أصاب الرامي قلب القرص فهذا يعني حقق أعلى درجة من التصويب ، ولكن بلعبة هذا المجرم الجزار وضع رأس الفتاة ( كاميرون دياز) بدلا من القرص الدائري ، فأي وحشيةٍ هذي . وإستمر هذا المجرم بلعبته وسط حشرٍكبير من الناس وما من أحد يستطيع إيقافه حتى ليوناردو تمالك نفسه حتى تنتهي اللعبة بشق الأنفس تلك اللعبة التي  لايمكن لنا السيطرة على أنفسنا كمشاهدين من شدة هول اللعبة الخطيرة في عدم المبالاة بأرواح الناس والروح الإجرامية التي يمتلكها هذا الجزار الذي هو رمز لكل مجرم سياسي أمريكي أنذاك كان يدعي حبه الشوفيني لأمريكا القذرة التي بنوها على جماجم الآخرين .
تبدأ أمريكا في ذلك الوقت بالشروع في قيام نظام ديمقراطي إنتخابي .  ويبدأ الناس بالترشيح للانتخابات ويبدأ الناخبين بالأدلاء بأصواتهم و يفوز أحدهم وهو صديق ليوناردو . لكن الجزار لم تعجبه نتائج الإنتخابات ولا هذا النظام الجديد فيقوم بضرب الرجل المنتخب والفائز بالإنتخابات بفأس في ظهره فيرديه قتيلا في الحال ويقول له سحقا لديمقراطيتكم . مما يؤدي هذا الى نشوب حرب أهلية حصدت الملايين في ذلك الوقت بين مؤيدي الديمقراطية وضدها ، بين الشوفينيين والعنصريين وبين المعتدلين من المهاجرين حتى انّ الأرض لم نعد نستطع أن نراها ، غير أنها عبارة عن سجادة من القتلى والأجساد البشرية النافقة . ومن شدة القتال الدائر في تلك البقعة من الأرض الترابية تهيج عاصفة بيضاء بحيث لايمكن لأحد أن يرى من حوله ولا من قربه من المقاتلين في ساحة الوغى وكأن قيام الساعة قد حل بهؤلاء المتمردين والمصرّين على القتل والموت وتقطيع الأجساد اللحمية الطرية للبشر . وفي نهاية المطاف يلتقي كل من ليوناردو والجزار في قتال شرس ، قتال كان ينتظره ليوناردو منذ سنين طويلة منذ طفولته حيث موت أبيه على يد الجزار وحتى اليوم الذي هو يوم الملحمة الكبرى يوم الثأر العظيم يوم الإنتقام الرهيب يوم القصاص العادل بحق مجرم جزار أهلك الكثيرين وقتل الأقرباء والأصدقاء ، قتال يحصل فيه الكر والفر والطعن والضرب والجروح الدامية والموت الزؤام مابين قاب قوسين وأدنى من كل منهما ، قتال وسط التراب وغباره الذي يعمي البصيرة التي تريد أن تنتقم بشتى السبل حتى ترتاح وتستكين . في النهاية يستطيع أن يتغلب الخير على الشر بفوز ليوناردو وبموت الجزار الذي بموته تطوي أمريكا صفحة سوداء واحدة من صفحاتها السود الكثيرة التي لاتعد ولاتحصى حتى يومنا هذا وهي في أوج ديمقراطيتها التي خلقتها لشعوبها أما العالم فله الموت والدمار إعتمادا على مؤسس إقتصادهم الرأسمالي القذر آدم سميث الذي قال لهم  ( كل شيء لك ولاشي لغيرك) عكس نظرية الإقتصاد الإشتراكي لماركس والتي تقول ( لاشيء لك وكل شيْ لغيرك) . وأثناء إحتضار الجزار يستمر في أن لايخفي إجرامه وكرهه للديمقراطية وشوفينيته في حب أمريكاالمبطن بالديماغوجية التي يستخدمها لمصالحه الذاتية وتسويف إجرامه وقتله للآخرين كما يحصل اليوم لأحفاده رؤساء أمريكا المجرمين جميعهم دون إستثناء . يموت ويقول (الحمد لله أنني مت في سبيل أمريكا) كما يفعلها اليوم الكثيرون من الأمريكيين في عدوانهم على الشعوب الفقيرة . ومثلهم الكثيرون من المجرمين الدواعش الذين يدعون الموت في سبيل الله . هكذا هي امريكا في كل وقت وزمان لها فصل من الجريمة المنظمة بحق شعوب الكرة الأرضية جمعاء ومن يريد أن يعرف تأريخ أمريكا الإجرامي ليقرأ الموسوعي والناقد الكبير حسين سرمك في حلقاته العديدة عن أمريكا وجرائمها وماترتكبه بحق الشعوب .








50



يحيى السماوي وأزاهيرِ حديقتهِ الكلماتية ( 3)

   هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)
 

ما أروع الشاعر فهو قنينة عطر ، هذه الكلمة لوحدها صاغها الروائي الألماني( باتريك زوسكيند) ... وعمل منها رواية بإسم ( العطر) و مُثّلتْ إلى فيلم عظيم من تمثيل (داستين هوفمان) وقد حقّق الكثير من الواردات في شبّاك التّذاكر حيث تشرح لنا الرواية ما أهمية العطر و ما مدى ملاءمته لكل إمرأة وإغرائها وما يعطيه لنا كرجال من خدرٍ روحي يجعلنا هائمين في ضوع الطيوب ، أمراءًا أو أحفاداً للصعاليك الذين مرّ عليهم الشّاعر يحيى في ماسيته الآتية ( أحفاد عروة بن الورد) :

بـسـطـاءٌ
كـثـيـابِ أبـي ذرٍّ الـغـفـاري
خـفـافٌ
كـحـصـان عـروةَ بـن الـورد
راسـخـون كـالـجـبـال
يـكـرهـون الإسـتـغـلالَ
كـراهـةَ الـشـجـرةِ لـلـفـأس
يُـحـبُّـون الـعـدالـة
حـبَّ الـعـشـبِ لـلـربـيـع

هكذا هو يحيى واحدٌ من أحفاد عروة بن الورد ، وهنا الشاعر يرمز بالأحفاد إلى الشيوعيين و اليساريين و الإشتراكيين ومُحبّي العدالة والمساواة . يحيى يحبّ الناس جميعا فما بالنا بالأصدقاء ، حيث كرّس في ديوانه هذا وحده أكثر من خمسِ نصوصٍ مهداة إلى الأصدقاء ومن ضمنها نصّ مُهدى إلى صديقه هاتف بشبوش صاحب المقال هذا لنقرأ جزءاً منه :

نصّ ثلاثة حروف ( ب..ر..ح)
إلى صديقي الشاعر هاتف بشبوش / استكمالاً لحديثٍ غير عابر

أعـطـانـا الله
حـرفَ "ب" واسـعـاً
كـسـفـيـنةِ نـوح ..
أعـطـتـنـا الـرحـمـةُ
حـرفَ "ر" رشـيـقـاً
كـهـلالِ الـعـيـد ..
وأعـطـتـنـا الـحـريـةُ
حـرفَ "ح" حـمـيـمـاً
كـجـنـاح حـمـامـة ..
الـسـاسـةُ الـتـجّـارُ اسـتـولـوا عـلـيـهـا
فـكـتـبـوهـا "ربـح” ..
الـظـلامـيـون اخـتـطـفـوهـا
فـكـتـبـوهـا "حـرب” ..
أنـا
كـتـبـتـهـا "حِـبـر” ..
وحـبـيـبـتـي
كـتـبـتـهـا "بـحـر”
لـذا
آمـنـتُ بـحـبـيـبـتـي
وكـفـرتُ بـالـسـاسـةِ الـتـجّـار والـظـلامـيـيـن

الراء من تفصل بين الحب و الحرب .. فالحرب ضحايا وموت.. والحب حياة وخصب ..الحب هالة وطمأنينة ونومٍ على فراش وثير.. والحرب نكوص وانكسار و إنذار ونوم على الرمال والملاءات القذرة.
نص يتحدث عن السّاسة السرّاق و الذين يدعون الدين والمتاجرة به والكذب على البسطاء من عامة الناس (المنحطون هم بحاجه مستمرة إلى الكذب .. لأنه في ذلك سر بقائهم ..نيتشه ) .
هؤلاء من يدعون انهم حماة الدين وناشروه شهدوا مع بصمتهم وعارهم من انهم أعظم عصابة للسرقة أنجبها العراق والعالم الإسلامي والغربي ، يدعون التقوى بينما الثائر الراحل فيديل كاسترو البعيد عن الدين والتدين أسس كوبا الحديثة وامّم كل الامتيازات الإقطاعية ومن ضمنها مقاطعة ابيه ، أهدى له صدام حسين سيارتين مرسيدس في موديلهما الأخير بعد مؤتمر هافانا لعدم الانحياز ولم يستخدمهما وبيعت في المزاد العلني و أضيفت للمالية العامة .
قبل أربعمائةِ عام كتب الفرنسى الكبير موليير مسرحية اسمها تارتوف، رسم فيها شخصية رجل دين فاسد يسمى (تارتوف)، يسعى إلى إشباع شهواته الإنسانية الرخيصة وهو يتظاهر بالتقوى وقد ثارت الكنيسة الكاثوليكية آنذاك بشدة ضد موليير ومنعت المسرحية من العرض خمسة أعوام كاملة وبرغم المنع فقد تحولت مسرحية تارتوف إلى واحدة من كلاسيكيات المسرح حتى صارت كلمة تارتوف فى اللغتين الإنجليزية والفرنسية تستعمل للإشارة إلى رجل الدين المنافق . فمتى يجتهد الشعب العراقي ويعلن صرخته فيأتينا برمز لسرقة قوتنا ومالنا من قبل رجال الدين هؤلاء الذين إتخذوا الرموز المتوفاة منذ قرون كشماعة يعلقون عليها كل فتاواهم والذين اتخذهم الشاعر يحيى من انهم سبب تلاحم الوطن بكل أطيافه وأنا أرى عكس ذلك.... لنر بخصوص هذا في جداريته (تماثيل وجداريات ) :

ولـلـعـراق:
جـِداريـةً
من صـلـواتِ مـوسى الـكـاظم
وتـسـابـيـحِ
عـبـد الـقـادر الكـيـلاني!

لا أدري لماذا أجدُ نفسي لستُ متفقاً مع هذا القول ويبقى مجرد رأي قابل للنقض ، و أنا أنطلق من أنّ العراق في حرب وقتال وضغينة وحقد من جراء هكذا رموز منذ أكثر من قرون واليوم وعلى مستوى عالم عربي و ما نراه من حرب طائفية قتلت الكثيرين و ما يزال الحبل على الجرار . ولكنّي أعتقد من أنّ الشاعر يحيى أراد من خلال النصّ أن يزرع بذور التلاحم بين الأطراف المتحاربة        و المتضاغنة . وحتّى هذه لا تنفع لأن كلا الطرفين جاهلٌ يدّعي الأفضلية فهم حتّى اليوم في قتال مرير كما الصومال المستمرّ في القتل بلا هوادة منذ أكثر من ثلاثين عاماً ولنفس السّبب . فالشاعر يحيى ينطلق من كونه الشاعر الرّهيف الذي لا شأن له فيما يتّخذه ساسة الصدفة اليوم لهذه الرموز الدينية كوسيلة لتمشية مآربهم في قتل وتجهيل الناس ودفنهم في مقابر جماعية . لنتمعن الروح الخفيفة للشاعر يحيى في ( ريشة):

أنْ أكـونَ ريـشـةً
فـي جـنـاحِ عـصـفـور
يـلـقـطُ قـمـحَ الـمـحـبـةِ
خـيـرٌ لـيْ
مـن أنْ أكـون
جـنـاحـاً عـلـى سَـعـةِ الأفـق
لـنـسـرٍ لا يـتـوانـى
عـن
نـهـش الـجـثـث

في النهاية أستطيع القول من انّ هذه هي حقيقية الشاعر يحيى السماوي أعلاه بين عصفوريتها الرقيقة واحتقارها للنسرية الوحشية . تلك الحقيقة التي رَسمت لنا من خلال الديوان أنّ الإنسان محكوم بجبرية الكاتب الفرنسي الوجودي (البيركامو) وهي مثلثة الجنس والجوع والوضع الاجتماعي( ماركس و فرويد  و بافلوف) .
الشاعر يحيى في ديوانه هذا كتب عن الرغبة ( الجنسانية) التي ولدتني .... ولدت الفلسفة المتمثلة بماركس و آدم سميث، ولدت الفنّ المتمثلة في بتهوفن و موتسارت ، ولدت الغناء المتمثل بمادونا أو فرقة البيتلز وجون لينون أو عبد الحليم حافظ و داخل حسن وكاظم الساهر .. الرغبة هي الديمومة في الحياة وعدم الانقراض .. الرغبة هي الابتعاد عن الذات قليلا للذهاب إلى الإتحاد بين نصفي المعادلة الجنسية ثمّ الرّجوع إلى الذّات مرّة أخرى وهكذا دواليك حتى تستمرّ الحياة بلا توقّف . الرغبة هي التي مات دونها مجنون ليلى ثمّ ليلاه في حبّهما العذري القاتل . الرغبة هي (النساء اللواتي يتقاسمن رغباتنا ، يضاعفن عذاباتنا ، ويزدن مصروفاتنا ثلاثة أضعاف ...أوسكار وايلد).
الشاعر في ديوانه هذا كتب عن الجوع وعن الرجال الأبطال الذين دافعوا عن الفقراء و أوّلهم أبو ذر الغفاري ثمّ أعطانا درسا في الاجتماعيات من أنّنا علينا أن لا نتألّم حين يدقّ القدر بابنا بل أن نتحلّى بالهدوء الرواقي قدر مستطاعنا حتّى لو جرفتنا عواطفنا.
يحيى السماوي استطاع من خلال ديوانه النثري هذا أن ينتج نصوصا بمستويات عالية وهو بهذا قد وصل إلى ذروة الحداثة مع اجتياز بعض التابوات . كما و أنّه استطاع أن يحقّق ما قاله           ( فريدريك شليغل ) ......في أنّه بإمكان الشاعر أن يجعل من كلّ قصيدة جنساً أدبياً مستقلاً بذاته ................و هذا ما وجدته في القابلية المذهلة لدى صديقي الشاعر الكبير يحيى السماوي في تحقيق هذا الغرض و بمهارة و فنية فائقتين.


51
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)


يحيى السماوي وأزاهيرِ حديقتهِ الكلماتية (2)


هـي
عـاقـلـةٌ حـدَّ الـجـنـون
وأنـا
مجـنـونٌ حـدَّ الـحـكـمـة
ـــــــــــــــــــــــــــــ

هذا البوح قد أختصر الدهشة التي تصدم القارئ والرائي . هذا البوح هو بمثابة البوصلة التي نحتكم اليها في الإستثناءات ، بوح فيه من التأويل والوضوح الكبيرين ، تنزاح فيه النفس الشاعرة لعالم آخر لغرض الراحة والإستراحة ، لغرض أن تعيش النفس الشاعرة لحظات الإنغمار والهيام في شيء يسعدها ويريحها عما هي فيه بحكمة العشق الإلهية وقواعدها الأربعين التي رسمتها (إليف شافاق) الروائية التركية الشهيرة . ثم يستمر الشاعر برسم الحِكَم التي تتجاوز العشق الأربعين ..لنقرأ بعضها:

مـا دمـنـا قـد أوقـدنـا نـارَ الـخـصـام
فـلـيـرحـلْ كـلٌّ مـنـا فـي حـالِ ســبـيـلـه
أنـا: نـحوكِ..
وأنـتِ: نـحـوي!
....
كـلُّ قُـبـلـةٍ مـنـكِ
ســأجـزيـكِ
بـعـشـر أمـثـالـهـا
مـنـي
ــــــــــــــــــــ

رواية لوليتا للروسي نابوكوف أختيرت من اعظم الروايات في القرن العشرين ، ومن أفضل 100 رواية على مر العصور . لايكاد روائي أو أديب على مختلف أجناسهم لايتطرق الى هذه البنت المغناجة التي تثير شهوة الموتى لا لإظهار شيطنة البنت وانما عن سلطان إله الحب ومايمليه علينا دون دراية منا لو وقعنا فيه وألهمنا بشذى ياسمينه وعطر خباياه ونشوى خدره المثير الذي يطير بنا الى جنات الرب الشهوانية التي لم يعطها لملائكته . ولذلك اسم لوليتا أصبح في الثقافات العالمية يطلق على كل فتاة تنضج جنسيا قبل الأوان ، أصبح رمزاً لكل رجل يذهب نحوها وتذهب نحوه كما بينها لنا الشاعر يحيى أعلاه . فتبعا للجاذبية الجنسية تنشأ هذه العلاقة التأرجحية بين نحوها ونحوه . ولذلك لاغرابة ان يحدثنا الشاعر يحيى الخبير في وصف جمال النساء وإغوائهن فيقول :

أيـتـهـا الـمُـقَـيَّـدةُ بـسـلاسِـل نـبـضـي ..
الـمـحـكـومـةُ بـحـبِّـي الـمـؤبَّـد ..
مـا أضْـيَـقَ زنـزانـةَ الـدُّنـيـا
لـولا
نـافـذةُ الـحـب !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ما اضيق الحب لولا فسحة اللقاء وما أضيق اللقاء لولا فسحة الشميم والقُبل . ويستمر الشاعر أدناه لكي يخبرنا عن لواعج الآيروتيك الخبيئة في ثنايا أرواحنا :

أطـفـئـي نـاري بـجـمـرِكِ
لأحـرقَـكِ بـمـائـي
.....
الـمـاءُ الـذي اسـتـحـمَّ بـهِ جـسـدُكِ
سـقـيـتُ بـه الـشـوكَ
فـأضـحـى زهـورا
ــــــــــــــــــــ

عشقتْ بلقيس نزار قباني لأنها كانت تراه الوحيد الذي استطاع ان يُظهر مفاتن النساء .. وبالشكل الماجن ، رضينا أم أبينا فالنساء مصدر الجمال لا الرجال ، و إلاّ هل رأينا عرضَ أزياءٍ للرجال وحتى ان وجد فسيكون مقرفا ممجوجا . بلقيس عشقت نزار وهي العارفة بأنه الشاعر الذي بدأ ديوانه  بـ  ( سمراء صبي نهدك الأسمر في دنيا فمي ) هذا يعني انها كانت تستأنس له في اشعاره فمابالنا في الفراش الوثير حيث الغزل السري والخفي والذي لايعلم به سوى الفنان الجميل رب الخلق . رحم الله نزار ماجنا وانسانا ومحبا وفيا . وها هو يحيى السماوي هو الآخر يدخلنا في متاهات اللظى والجمر الذي يكوينا نتيجة الإثارة التي تتحلى بها النساء . يرسم لنا الشاعر يحيى حواره أثناء الجنسانية ومايتطلبه الأمر في تلك اللحظات الخدرية ( إطفئي ناري بجمرك) . فالجنسانية في غاية الأهمية لديمومة العلاقة بين الطرفين والحفاظ عليها من الإنهيار وخصوصا في الشعور المتبادل والعاطفة التي تندفع بنا أحيانا الى الإلتصاق الجسدي أو الإبتعاد تبعا للانجذاب والإثارة بين الطرفين وللنار بدواخلنا والتي يتوجب أطفاؤها بوصالنا وسماع هسيسنا وتعشيق ساقينا مثلما نرى في الفلقة الآيروتيكية الرائعة :

كـذلـك قـلـبـي
فـيـه غـرفـتـانِ واسـعـتـان
لـكـنـه
لا يـتَّـسِـعُ إلآ لـحـبـيـبـةٍ
واحـدة !
........
سـاقـايَ لـيـسـتـا شــفـتـيـن
فـلـمـاذا
تُـطـبـقـان عـلـى زهـورِ رُكـبَـتـيـكِ ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إذن هي العملية الروحية المأمورة من قبل ربة الخصب في أن تنطبق الساقان بهذا الوصف الجنسي الجميل من قبل الشاعر يحيى . الجنس رمز لربات الخدور اللواتي لايمكننا الحياد عنهن تحت أي ظرف . ولذلك في الدنمارك وفي المركز التسوقي الرئيسي لمدينتي ألتي أقطنها (أودنسا) الذي هو كما السوق المسقوف في السماوة أو أي سوق مزدحم في بلدان الشرق نجد انّ أعضاء الرجل والمرأة نحتت على هيئة تمثال كبير من الحجر و ما من أحدٍ ينظر اليه عدا السائحين القادمين من بلادٍ أخرى . فلماذا لاينظرون اليه ؟... لأن الجنس مباحُّ هنا ... و المرء حريصُّ على ما منع . إذن هو الجنس ثم الجنس من يحركنا سواء ان كنا ملوكا أو عبيدا ولذلك في لقاء مع الراقصة المصرية الشهيرة (فيفي عبده) كانت تقول من انها رقصت وبفضل الله الى جميع الملوك والرؤساء العرب والأجانب ..هذا هو الجنس سيد المتع والإستمتاع ، يدخلُ بيوت الملوك والسلاطين كفنٍ راقصٍ مثير وهذا ماتؤكده العجائب التالية للشاعر يحيى :

لا تـعـجـبـي لـو تـدَحْـرَجَ فـمـي
مـن سـفـوحِ نـهـديـكِ
الـى وادي الـسُّـرَّة
فـالـتـزلُّـجِ عـلـى الـمـرايـا
خـطـيـر
ـــــــــــــــــــــ

من إمتصاص رضابها الى العنق المعطر الى البطن الصقيلة حتى أسفل السرّة بشبرٍ أو أقلّ يمرح العاشق قبلا ومصا ولعقا وتمسيدا وأصواتا غرائبية خافتة لاينطقها الاّ في تلك اللحظات التي تنطبق بها الأفخاذ على أفخاذها البلوطية اللامعة فيتم الإستمتاع المهيب الذي يشترك به الملوك والصعاليك على حد سواء .
في نهاية ما اريد إيصاله للقاريء عن جمالات يحيى عن الآيروتيك والجنس من انّ القلوب هي التي تسيرنا أكثر من العقل في أغلب الأحيان وهذا ماحصل لشخصيات مثيرة للجدل عبر التأريخ......ففي فيلم (المجالد ..(gladiator) الحائز على أكثر من جائزة أوسكار للممثل النيوزيلندي  ( راسل كرو) بدور البطل (ماكسيموس) وكيف نراه يثأر لموت زوجته حيث ينازل الملك الروماني الشاب الأرعن والذي مثل دوره الوسيم           ( جاكوين فانكس) فيرديه قتيلا وسط الحاشية الكبيرة للملك دون أن يخاف أو يتردد في تحقيق مايصبو اليه .....فأين العقل هنا ؟...... نداء القلب هو الذي طغى فأوعز للمجالد البطل أن يحقق العدالة مهما كان ثمنها. الكونت دي مونت كريستو في رائعة الكسندر ديوماس وكيف ثأر لحبيبته (مارسيدس) بعد أكثر من عشرين عاما قضاها في السجن حتى يخرج وينتقم من المجرمين ليحقق عدالة الرب والأرض بنفسه دون الإتكال على القانون..... فأين العقل هنا ؟ .
بهذا ننتهي من الرحلة العظيمة بعربة الغزل الخفيف والثقيل للشاعر يحيى والتي طافت بنا الى أجساد النساء وأرواحهن وطيوبهن حتى نصل الى ضفاف أخرى من الديوان تتجسد فيها رؤى الإنسان وصراعاته والوطن وما ألمّ به من الساسة التجار واللصوص . فلنقرأ أول جولتنا في أدناه ومايفخر به الشاعر يحيى من الإعتداد بنفسه الكريمة وفضائلها في روعته ( أنا و هو) :

هـو ضـخـمٌ
مـثـلُ حـاويـةِ قِـمـامـة
وأنـا ضـئـيـلٌ
مـثـلُ قِـنِّـيـنـةِ عـطـر
........
هـو قـويٌّ
مـثـلُ بَـغـلٍ جَـبَـلـيٍّ
وأنـا ضـعـيـفٌ
مـثـلُ عـصـفــورٍ بـريّ


يتبــــــــــــع في الجــــــــــــــــزء الثــــــــالث


52
أدب / نساء 18
« في: 17:40 18/09/2017  »


نساء 18


هاتف بشبوش
 شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)


حين تضحكين بأعلى رصعتيك
يفزّ شبقي و انتعاضي عند الشروق
أمّا في آناء الليل
و فوق حريرك الأبيض
تتحوّل ضحكتك
إلى رغبة في التحريض على اغتصابك النبيل
دون شبع و ارتواء
حتّى آذان الديكة

*****

أيّتها العواطف التي تحت معطفي
و أنا في هذا الصّقيع
أنتِ الحبّ
و أنتِ.. أنتِ الحقّ

*****

أنا الشرقيّ
في ليلة عرسي
تصرخُ بي تفاحتي
كُلني

*****

طفلي المندهش
من روضة لوحة فنيّة
و عند النّظر
إلى خلفيتها البيضاء
ظلّ الطّريق
و لم يعرف
من أيّ البوابتين
سيدخل روضتها


53


   هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)


يحيى السماوي وأزاهيرِ حديقتهِ الكلماتية ( 1)

 

للمرة الثالثة يبهرني الشاعرُّ الجوراسي يحيى السماوي الذي إستطاع أن يزرع حدائقه الكلماتية من مختلف أنواع الزهور ليصنع لنا ديوانه الأخير الذي في متناول دراستنا هذه (حديقة من زهور الكلمات) .
للمرة الثالثة أجد نفسي مرغما للكتابة عن الشاعر العملاق يحيى السماوي والغوص في إبداعه الذي يحفر في ذاكرة الطرق الممتدة في جميع أرجائنا ، أنه تمثال حي يزوره مئات المعجبين انه الكلمة الضاربة في اللغة وفي الصورة وفي المخيال العجيب غريب ، بنى مجده من أساسٍ صادق فلا يمكن له أن يذهب مع الريح وإذا ذهب فهو (كلارك كيبل) و (فيفيان لي )أولئك اللذين عثرا على حبهما الحقيقي الصاعد صوب الخلود .
يحيى السماوي شاعر له صدىً نستطيع سماعه لما فيه من روح مداعبة متواصلة مع الحدث مع الثورية الواضحة في مانقرؤه عنه وحبه لوطنه بشكل فائض يجعله محبوبا في وسطه الأدبي والإجتماعي وضمن مجايليه من الشعراء والكتاب. هو يمسك بالذاكرة التي تجعل منه لايغيب أبدا عن كل مايمتّ بصلة للتراب الآدمي العراقي المترابط مع بقية الأنفس البشرية في هذا العالم العربي وواقعه المؤلم .
يحيى السماوي هو الشاعر الذي عرَفتهُ وخبرتهُ إذا ماكلّف بمهمةٍ من صديق وخصوصا في مجال الأدب لايستطيع الإعتذار إلآ على مضض أو أمر جلل ، ولذلك أتذكر وأنا أرجو منه التنقيح لدراسة معينة وهذا غالبا مايحصل أجده وانا على دراية تامة من إعيائه لكنه لايستطيع قولها من أنه متعب يتوجب عليه الإعتذار وهذه الشخصية قلما نجدها وان وجدت فهي بنسبٍ ضئيلة.
الشاعر يحيى السماوي في ديوانه النثري هذا ( حديقة من زهور الكلمات ) كان متوجسا حذرا في إختيار المفردة فهو من كتاب الشعر العمودي الثوري الطموح لنيل المطالب بالكفاح لا بالتمني . الشاعر يحيى محبُّ ومؤازرُّ للمرأة التي لاتغيب عن باله فهي صانعة الراحة والجمال ولها نتزين في أعراسنا ونلبس المودرن في لقاءاتنا ونتعطر كي نبدو أمامها من أننا نستطيع أن نغريها فتغوينا ، هي المتلازمة التي لايمكن الفكاك منها حتى آخر مشاوير العمر إذ أنها هي التي غالبا ما تدفن حبيبها حيث انّ الطبيعة ورب الخلق أكرماها بهذه الخصلة ، إذ أنّ متوسط العمر للنساء أكبر بكثير من متوسط العمر للرجال ، المرأة كانت لوحة فنية عارية للرسام العالمي( إيغون شيلي) ولذلك قال أحدهم : حينما رأيت المرأة عارية لأول مرة قلتُ هذا محظُ خطأ ...... أما الشاعر يحيى يكاد لايخلو ديوانُّ له من ذكر هذا الجنس اللطيف والتغزل به وجدانيا او آيروتيكيا خفيفا لنرى الشاعر ومايعزفه من حب بهذا الخصوص في نصّه ( خذي الحكمة من النهر) :

خـذي الـحـكـمـةَ مـن الـنـهـر
فـلا تـلـتـفـتـي الـى الـوراءِ
حـيـن تـسـيـريـن..
ثم يستمر الشاعر في فلقته الأخرى(نـهـرٌ بـثـلاثِ ضِـفـاف) :

يـومُـهـا أمـسـي..
وغـدي يـومُهـا..
.............
مُـذ أنـقـذتْـنـي مـنـي وأطـفـأتْـنـي بـنـارهـا
ونـحـن
قـوسٌ وسـهـمٌ..
مـحـراثٌ وتـنُّـورٌ..
ومـحـرابٌ وصـلاة!؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإنسان يولد مع ثلاث غرائز رئيسية وحسب الأولوية : حماية النفس ثم الأكل ثم الجنس . لكنّ الإنسان يحوّل هذه الغرائز الى كماليات فيتناولها بالمعكوس .أي يعطي الأولية الى الجنس ثم الأكل ثم حماية النفس . لكنها سرعان ماترجع الى حالها الطبيعي رغما عنه ، يعني لو أنّ رجلا ما ، كان يمارس الجنس مع حبيبته وكان في قمة ذروته وشب حريق في منزله فأنه سرعان مايسلتَ لذته منها حتى لوكانت أنجلينا جولي أو صوفيا لورين أو ليلى علوي ليحمي وينقذ نفسه فقط من الموت .أما إذا انقذ حبيبته معه فهذا هو نبلُ فائض منه وفداء . ولذلك قال لها الشاعر يحيى السماوي لكي تحمي نفسك من غدر الحياة كوني كما النهر وأنا معك اليوم وغدا وفي السرّاء والضرّاء . أما حين يتحدث الشاعر يحيى عن الحب فهو يعني الجنس فالحب والجنس وجهان لغريزة واحدة ، ومايقوله يحيى أعلاه ( قوس وسهم ، محراث وتنور ، محراب وصلاة ) . وربي .. لم أقرأ أجمل من هذا الوصف المحتشم للأعضاء الجنسية للرجل والمرأة . لنرى مايقوله عن الجنسانية أيضا في نص( كنزُّ لايفنى) :

نهـرُهـا الذي ذرفْـتُـهُ دمـعـةً دمـعـةً
ذاتَ فـراق
شـربـتُـهُ قُـبـلـةً قُـبـلـةً
ذاتَ لـقـاء!
ــــــــــــــــــــــ
(هل تعرف مصدر قوتنا الحقيقية ؟ من القبلة ، القبلة وحدها ؟ وعندما نعرف كيف نعطي ونتخلى عن شفاهنا يمكن ان نصبح ملكات .... موباسان) ......
الشاعر يحيى كان رومانسيا هيّاما حين يشرب دمعها قبلة قبلة ، مثلما شربه عاشق الجميلة (كيم باسنجر) في فيلم التاسعة والنصف حيث يضع أنواع المربيات فوق فرجها ثم يبدأ بشرب الحب امتصاصا وقبلاً ولعقاً في مشاهد آيروتيكية عظيمة وفي غاية الإثارة التي تهيج لها النفس الميتة : أيعقل انّ الجنسانية يتوجب عليها أن تكون بمثل هذا الإنبهار الذي لم نألفه كعرب أو ربما الثقافة الجنسية لدينا في أدنى مستوياتها حيث يتطلب الأمر من العربي أن يرفع ثوبها فيولجه هناك ثم هزة أو هزتين فيكون الجماع وانتهى الأمر بحيوانية ساذجة تفتقر لكل مكامن الحب الإنسانية والوجدانية . تفتقر للثقافة الجنسية التي يتوجب معرفتها في كيفية التمتع بحلاوتها التي لاتفنى . يتوجب أن نعرف من انّ القبل التي يشربها الشاعر يحيى هي مفتاح الجنس أو هي البداية العلوية للإنتشاء الذي ينزل بنا الى الأسفل حيث جنائن النساء وماخلقه الرب من جمال كان يصيبنا بالصاعقة أول أيام بلوغنا الجنسي ، لكن اليوم أقل صعقة نتيجة تقادم العمر .
العشق هذا الذي لايكاد عصر من العصور يخلو منه في قصصه الخيالية وماذا يفعل بالعاشقين إبتداءً من العاشق ديفداس الهندي أوقصة حبٍ مجوسية ، الى عشيق الليدي شاترلي ، الى العاشق الشاب الوسيم مجيد المجنون في السماوة الذي سحرته النساء فأصبح مخبولا حتى مماته حيث غادر الكون قبل عامين رحمه الله .
العشق أحيانا يكون روحانياً وصوفياً وأكثر تعبداً حيث يمكنه التحليق عالياً حتى الإستحمام بهالة الرب كما نقرأ رائعة السماوي أدناه :





هي
عـشـقـتـنـي نِـكـايـةً بـالـشـيـطـان
وأنـا
عـشـقـتـهـا تـقـرُّبـاً الـى الـلـه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المرأة جوهرةُ الله في هذا الكوكب ، لكنها اكثرُ إغراءٍ حين يدخلُ الشيطان جسدها .....الأمورة الفرنسية بريجيت باردو التي كانت لو شمرت أفخاذها مع جاك نيكلسن في فيلم إغرائي مثير للغاية لكانت ناحية الظوالم وقضاء عفك وإسكافيها القيّم ترفعان الراية الجنسانية دون خجل وتجعلان من النساء بمثابة الرب الذي يُعبد كما فعلها المخرج الإيطالي (روجيه فاديم) في أجمل أفلامه حيث صور لنا المرأة إلهاً يتوجب عبادته . ولذلك نرى الشاعر يحيى يعشقها تقربا الى الخالق ، وهذه الموضوعة قد كتبتُ عنها أنا صاحب المقال في الشذرة أدناه :

أؤمن بالرب لسببٍ واحد:
إنها الطريقة الوحيدة
في أنْ ألتقي بعد الموتِ
مَن أحببتها ذات يوم !!!!!!!!!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هي الرب إذن تحييني وتميتني وهي التي تحيي عظامي ولحمي من الكسل فتثيرني بشوط من الرياضة الجنسية التي تجعل مني يقظا نشيطا مزهوا بعد إنتهائي من وطرها الجميل والممتع . ولذلك نجد مايشير اليه يحيى عن الحب والعلاقة الجدلية التي لاتنتهي بينه وبينها في إطار الإرجوحة الغيمية الآتية :

حـيـن تـدَحْـرَجْـتُ مـن قـعـرِ بـئـرِي
الـى قِـمَّـةِ سـمـائِـهـا الـخـامـسـة
عـدتُ طـفـلا أرجـوحـتُـهُ غـيـمـةٌ
ودُمـيـتُـهُ الـقـمـر
.......

هـيَ
تـأبـى أنْ أكـونَ عـبـدَهـا
وأنـا
أأبـى أنْ تـكـونَ جـاريـتـي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحية للشمس المجدولة بسمائها ، وألف تحية لكل تويجات العمر الرجولية التي تركع وتسجد لما هو جميل ومبهر في أجسادهن الناعمات اللزجات ، والتي تجعل منا إرجوحة تنتقل بين أسفلهنّ وشفاههن صعودا ونزولا حسب الإشتهاء ونزوة اللحظة العارمة . وتحية للشاعر يحيى حين يتفق مع ( الفريد دي موسيه ) الذي قال (أمشي بشكل افضل عندما أكون معها يداً بيد ) وهذه تؤيد الحكمة الرائعة أعلاه التي نسجها لنا يحيى بين صيرورة العبد والجارية والتي جعلت منه مجنونا بحبها كما في هي العاقلة و أناي المجنونة :

يتبـــــــــــــــــــــع في الجــــــــــــــزء الثانــــــــي


54
هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)

جدارةُ الحياةِ أنتَ يا جيفارا

فوق النهر الهاجرِ لبحرهِ الكاريبي ، في هافانا
وعند هدأةِ باكورةِ الصباحِ وغدوته
الذي جعلَ مني رومانسياً جليساً
على مصطبة الطريقِ ذات اللون البني الداكن
والتي إتخذتْ لها ركناً يتجاورُ لحديقةِ ألعابٍ للأطفال
أجادتْ بها الثورة لأولئكَ البراعم

**********

وأنا منبهرٌ بين ظلي ودهشتي
أرى بدائعَ الخلقِ في كاسترو ووفاءهِ
في أنْ يجعلَ التلّ الماثل أمامي
مزاراً جيفارياً بين الحرائشِ تلك الشبيهةِ بالتي كانتْ
 تنبعثُ منها الرسائلُ السرية
الى برتراند راسل وسارتر ، وكل تهافتِ الستينينَ
ورموزهم في الثقافةِ ...و الثورةِ ....و الثوار

**********

وأنا شاخصٌ كذاكرةٍ تلملمُ خيوطَ الحيف
على موت لومومبا ، وانتهاكِ الجدائل ِالأفريقيةِ
لجميلة بوحيرد ، وكل الأنفاسِ التي سجلتْ أرقامها
بلوحِ القدر الثوري
وكلّ الزائرينَ القادمينَ بعيونٍ أسيّةٍ ..وأخرى
ترى جدارة الحياة ، تلمعُ تحت الشمسِ أو بدونها
هو ذاك إذن ......بيتُ الإسطورةِ !!!!!!!!
فاحسستُ انّ بصري يستطيع الإمتداد
مع الصوت الهادرِ من أطفال كوبا ......الأحلى
من الغناء في مساءاتِ المطرِ الكوبي الهاطلِ
دون إنذارٍ أو حذر .
ولذا ......إرتأتِ النفسُ انْ تقتني عربة
على هيئة دراجةٍ هوائيةٍ يقودها.... اليخاندرو البدين الطيب
اليخاندرو ....جعلَ الطريقَ إيثاراً من السحر والتأريخ
ومعاكسةِ الفتيات المدلعاتِ نتيجة القيظ الهافاني اللاهب
اللواتي يمرقنّ كمشهدٍ آيروتيكيٍ خلاّبٍ لرُبات الخصب

**********

حين وصلتُ ، ودخلتُ الحلمَ المتحفي الجيفاري البسيط
أدركتُ بسالة هذه النساءِ في صورةٍ بَسْماءٍ لتمارا
وكيف كانت تطلقُ البارودَ الثوري من البندقية
المركونةِ في الصندوق الزجاجي ، بمعيةِ ملاءاتٍ
كان يرتديها الجسدُ الصاعدُ نحو الأفق البوليفي
الذي عانقهُ ذات يومٍ مضى ، سيمون بوليفار

**********

وبعد ان شبعتْ النفسُ نظراً وهتافا صامتا
وهواجساً لاتصدق انها هنا ، بعد كل ذاك الحلم الدفين
بين أحابيل الزمن ورهابِ الطغاة...
عرفتُ أنّ الثّورية......جينٌ لن ينقرض
مادام هناك ديناصوراً في بيتِ صهيون
أو في وول ستريت

(القصيدة كُتبتْ إثر زيارة بيت الثائر جيفارا في هفانا قبل أيّام)

55
هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/دنمارك)

صادق الزعيري حين يكتبُ على الأرض (الجزء الثالث)
مظفر النواب و رائعته الشهيرة.. في طهران وقفتُ أمام الغول /  و كان كبيرُ الجلادين / يسألني: من أنت؟ /خجلتُ أقول له:  "قاومتُ الاستعمار فشرّدني وطني" . و رغم ذلك لم يستطيعوا النّيل منه و إجباره على أن يترك ما في دماغهِ من مُثلٍ تربّى  و شاب عليها مثلما الدّليل الذي جاء على لسان صادق ( لن تستطيعوا) :

لئن قلعتم أظفري
و طالما أرسلتم كلابكم في أثري
و تدلفوني في الزنازين
التي ليس لها من آخرِ
و ترسلوني ربما حتى إلى المقابرِ
لكنّكم لن تستطيعوا أبداً
مصادرة مشاعري....

شدّوا وثاقي و امنعوا عني الدفاترَ و السّجائر/ وضعوا التّرابَ على فمي/ فالشّعر ماء العين ملحُ الخبز /يكتبُ بالأظافر و المحاجرِ   و الخناجر / سأقولها تحت القيد / في عنف السّلاسل .
هذا ما قاله محمود درويش مدافعاً عن مشاعره و فكره و وطنه الذي عاش و مات من أجله رحمه الله.
ثمّ الفيلم العالمي (الممر) من تمثيل الممثل الرّاحل (جيمس ماسون)    و الذي تناول حياة كاتب يساري شهير و كيف تمّ تهريبه من قبل رفاقه عبر الحدود الإيطالية ثمّ إلقاء القبض على من هرّبه،فقاموا بتعذيبه فلم يفشِ بمكان الكاتب فقاموا بتقطيع أصابعه بعد أن وثقوها على الطّاولة . قطّعوها بطريقة بشعة للغاية حيث حزّتها السّكين حتّى تناثر الدّم العبيط فكانت صرخته المدوية  ( قتتتتتتتتتلة) .
نظرا لما قرأناه أعلاه يظلّ الشّاعر لا يقرّ له قرار و لا يستريح حتّى يرى الطّغاة يتهاوون حيث يقول في نصّه الآتي ( لن و لم ):

لن أبهجَ حتى يسقط
آخرُ طاغٍ في التأريخ
لن أفرحَ حتى أمسح آخر دمعٍ
في أجفان النّاس المحزونين
لن أضحك حتّى تطفئ
أحزانُ البشرية

حتّى يسقط آخر قس على آخر جدار من آخر كنيسة . الإنسان منذ أوّل نشأة له يتصارع . قابيل قتل أخاه هابيل .
مؤامرة قريش في محاولة قتل نبيّهم محمد (ص) و هو على فراشه .
يوليوس قيصر في مسرحيّة شكسبير صرخ و هو يحتضر:
حتّى أنت يا بروتس،شكوى يردّدها من تآمرَ عليه الأقربون .
النبيّ نوح و كيف أنّ أحد أبنائه لم يرضخ له بل تآمر عليه و هذا ما رأيناه في دراما خلاّبة ينقلها لنا الفيلم الهوليودي ( نوح  .. Noah) فيلم ملحمي ديني مع الدراما و الفنتازية السّاحرة إنتاج 2014 من إخراج دارين أرنوفسكي و كتابة أرنوفسكي و آري هاندل، بطولة البارع راسل كرو بدور نوح ثم أنتوني هوبكنز و أيما واتسون  و جينيفر كونلي .... فالتّأريخ عبارة عن دمع و بكاء و غياب الضّحك لكثرة ما تحمله الحياة من قسوةٍ و أسى. و لذلك الشاعر يقول:   ( لن أضحك حتّى تطفئ أحزانُ البشرية ) . الحزن يؤدي إلى القلق الذي هو أعظم شيء في الوجود على زعم علي أبن أبي طالب   و هذا بدوره يؤدي إلى الهلاك و الموت الذي يُخيف البشريّة بشكل عامّ و لذلك راح الشّاعر صادق يتخيّل خاتمته على يد( لبنى) التي هي على أغلب الظنّ زوجته كما سنبيّن لاحقا. إذن هي المرأة التي تكون حاضرة في قلب أيّ شاعر. و قبل هذه الخاتمة التي أرادها صادق أن تكون بين يديها أتحفنا عنها (المرأة ) في شذرة    ( حيثما تكونين ) :

حيثما تكون شفاهي تكونُ القُبل
حيثما تكونين أنت أكون أنا

هنا  عودة ثانيّة من قبل الشاعر إلى المرأة و احترامها، فهي عنصر الجمال، والجمال شيء رهيب و مخيف، الجمال هو الشطآن تتقارب هو الأضداد تتّحد هو رهيب لأنّه لا يُحدّد،هو الذي مَلئهُ الربّ بالألغاز و الأسرار و ما أكثر الألغاز التي تضني الإنسان في هذا العالم حيث تتركه ميتا راجعا إلى العدم الذي جاء منه و هذا الذي يُخيف الإنسان  و يُخيف الشّاعر أيضا بشكلٍ آخر لأنّ الشّاعر حين يموت تبقى أعماله سابحة في فضاء التّأريخ . و لهذا كتب لنا الشّاعر صادق نصّاً لرثاء النّفس قبل أوانها و رحيلها و هو يخاطب المرأة ذاتها في ( هذي خاتمتي يا لبنى):

إني أسأل يا لبنى؟
تُرى من يبكيني عند أفولي
كان العصفورُ صديقي
و الوردةُ جارتي الصغرى
و النهرُ يلوح لي ....
إنّما الآن أرحلُ وحدي
أجرجرُ عرباتِ خريفي صوب
الضفة الأخرى من هذا العالم
سيرقنُ قيدي في مشفى ما
و سأنسى بعد ثلاثةِ أيام
من فاتحتي

ثمّ يقول في نهاية القصيد وصيّته الأخيرة في شاهدة القبر التي يضعها أهله (هذا قبر الشاعر المدعو زعيري/لم يُمتع من رغد الدّنيا أبداً) . ثمّ يرجو في نهاية فصلهِ الدّامع فيقول :

أدعو أن لا تبكيني النّسوة ُ جهرا إلاّ ّلبنى

إذن هي ذمّة ودَين ألقاهما الشّاعر صادق على (لبنى) لما فيها من حبٍّ و مكانة عظيمتيْن في قلبه،و ذمّة خاصّة ربّما أراد من بكائها أن يرطب شفتيه العطشى للمرّة الأخيرة بدمعها النّازل على جسمهِ المسجّى     و هو ميتٍ بلا شعور،هكذا هم الشّعراء مجانين على الدّوام . ذمّة طاهرة خالصة ردّدها الشّاعر صادق ثمّ أعقبها بذمّة أخرى في عناقيده الموسومة بنصّ ( ذمّة):
ماذا تملك
لا أملكُ غير الكلمات
.....
في جيبي قلم
في المكتب طرس
ودمي صارَ الحبرُ مرارا
إنّي أموتُ وقوفاً
مرّاتٍ
مرّات ....
هذه المرّات يليق بها صوت المطرب الرخيم قحطان العطار الذي فرّ هاربا من جحيم صدام و استقرّ في الدنمارك مع آلة العود حين يصدح بأغنيّته   ( مرات أفرح من صحيح /مرات أحزن من صحيح / مرات أذب روحي على بابك /مرات أسلّيهه بغيابك /مرات بفراشي طريح ) .
لكن صادق لا ينطرح بل يظلّ واقفا مرات و مرات عند الموت البطيء الذي يعيشه أغلب العراقيّين،يظلّ واقفا كما الممثلّ الإيطالي ( فرانكو نيرو) في فيلمه الشّهير ( كيوما ) حين ينظر للعجوز التي تنصحه بأن يعتني بنفسه و يحذر من الموت المحدّق به فيقول لها و هو شاخصٌ فوق حصانه  (الرّجل الحرّ لا يموت أبداً..... ..The man free never die ) ثمّ يطلق لحصانه العنان و يغيبُ مع الرّيح الصرصر .
الوقوف الذي ينشده صادق يجعل من المرء شجاعا كراراً لا يفرّ و لا ينحني أمام الظلم و الاضطهاد لأن الخنوع العامّ هو الذي يصنع الطّغاة كما في نصّ ( متفرقات):

المشانقُ لا تنصبُ
إلاّ إذا كانتْ الرّقابُ متدلية
.........
عجبتُ لشعبِ يمنحُ السّوط َ..... للطغاة
و بعدها يبكي من الجَلد

مثل أولئك الذين وقفوا في طابور الجلاد الذي ذهب يشحذ السّيف لكثرة ما حزّ به من رقاب و لما عاد وجدهم ينتظرون برقابهم المتدليّة دون الهرب الذي كان متاحاً لهم . و ها هو شعبنا يذبح اليوم بطريقة همجيّة لا مثيل لها في التّأريخ القديم و الحديث . يضحك على شعبنا من قبل رجال الدّين الذين يصوّرون للنّاس من أنّ الدّين عبارة عن تسبيح و حمدلة و بسملة بينما هو أخلاق  و تصرّف قبل كلّ شيء مثلما قالها صادق:

الدّين ليس مسبحة
الدّين أخلاق

الدّين المسيّس في كلّ بقاع الأرض هو يعني التّدليس و الإتيان بما لا يصدّقه العقل من خرافات و أساطير و قصص يصدّقها البسطاء من النّاس لما في رجل الدّين من قوة الحيلة و حبك ما يقوله أمام الفقراء  و لذلك شهدت أوربا قبل قرون مضت العصر الذهبيّ للكنيسة و سلطتها التي كانت تسطّر أكاذيبها كما يروي لنا كتاب سير الشهداء القديسين و قصّة ذاك القديس الذي قام بمعجزات و استشهد في سبيل إيمانه حيثُ قطعوا رأسه فإذا هو ينهض فيتناول رأسه من الأرض ويعانقه بحنان ثمّ يسير مدة طويلة حاملا رأسه بيديه حانيا عليه ملاطفا له . هذه واحدة من سخريات الكنيسة أيّام زهوها و سلطتها . لكن مهمّة الأدباء و الرّجال الوطنيين هي فضح هكذا أحاديث سمجة. و لذلك أنجب التّأريخ أمثال مايكوفسكي السّاخر الرّهيب من رجال الدّين، تولستوي الذي أوصى قبل موته بعدم قراءة الجنازة على جثمانه . نيتشه الألماني المجنون الذي قال ( لقد قتلنا الله ) ،أمّا على مستوى العرب فلدينا أبو العلاء المعري     و المتنبي و الجواهري و آخرهم يحيى السماوي و غيرهم من الذين فضحوا المؤسسة الدينية المسيسة لما فيها من كذبٍ و أحابيل .
و لذلك نرى صادق على غرار ما ذكرناهم أعلاه راح يفضح الذين يريدون المضيّ بنا إلى قعر الجهل و التّخلّف لأغراض تخدم مصالحهم  و عيشهم الرّغيد . فأتحفنا في نهاية الدّيوان عن هذا الموضوع، النّهاية التي جاءت رائعة للغاية وعلى سليقتها دون التّخطيط لها من قبل الشّاعر حيث انتهت مع بلاد الرافدين و كأنّ الشّاعر بدأ بالوطن  و انتهى بالوطن،بدأ بهواء الوطن و أرض الوطن وترابه و انتهى بمائه، فكانت نهاية الدّيوان سمفونية حزينة قادمة من أزل ماء الرافدين صعودا إلى الأبدية اللاّمنتهية حيث تلويحة صادق الزعيري ( سلامٌ على الرافدين  ) :

سلامٌ على الذين صباحاً مساءاً
يسبحون بالملكوت
سلامٌ على الذين يبيعون البلاد
و هم جالسونَ على التخوت
سلام على موسادهم
سلام على  CIA
سلامٌ على سافاكهم
و لنا من الله الرحموت
سلامٌ على الذين ينامون بأرصفة الموت
لا ماء و لا قوت

هكذ انتهى الوطن بين رجال دين أفاكين يريدون تكفير فئة كبيرة من المجتمع كما أطلقها قبل أيام أحد رجال الدين الكبار على غرار معاوية الذي قال لأتباعه لقد قتل علي بن أبي طالب و هو يصلّي صلاة الفجر، فاستغرب النّاس و قالوا.. وهل عليّ يُصلّي !!!!!! لأنّ إعلام معاوية كان يروج بأنّ علي كافر . و هذا ما يفعله رجال الدّين في العراق من أنّ المثقّف و العلمانيّ مُلحد و كافر بينما انتهى الوطن بين مخابرات إسرائيلية و أمريكية و إيرانية .
أمّا الفقير لا يلتحف غير الرّصيف و الوطنيّة مثلما أطلقها محمود درويش في مقولته البديعة ( الوطن للأغنيّاء و الوطنيّة للفقراء ).

كلمة بحقّ الشّاعر :

أشعار صادق عبارة عن أحكام قيّمة ،فرضيات، إستيهام، تلازم إبداعي بعيد عن التّنظير، ترجمة الوعي الطبقيّ و الاجتماعي  و العشق البادي  و الغادي بشكل فنّي مبهر . في نصوصه نرى البوح الإعترافي و التأمّلي، الصّراخي، الموقفي، و الإشتهائي .
التفريغ البوحي و الواقعي لدى صادق هو أحادي التوجه كما المياه الهادرة في البحار و الأنهار . كما و ان المهمة السياسية  و الاجتماعية في شعر صادق هي التنديد بالاضطهاد و الاحتكار و الكبت و الاستغلال ثمّ الوفاء لقضيّة الشّعب أو المجتمع أو الطبقة.
صادق يكتب على سليقته لا كما بعض الشّعراء الذين يصوّرون لنا أنفسهم و إبداعهم من أنّهم يكتبون بتلك الدقة المتناهية مثل السّاعات السويسرية و خصوصا في مجال اللّغة التي يجعلون منها تطغي على إبداعهم.
صادق بالرّغم من كونه مدرّس اللّغة العربيّة و المتمكّن في تطويع الكلمة لكنّه أراد الانتصار لشعره على لغته و هذا هو وربي الشّاعرية بحقّ لأنّه لو انتصرت اللّغة على الشّعر في بوحه لكنّا أطلقنا عليه اللذغوي صادق أكثر ممّا نطلق عليه شاعراً فحلاً . كما و إنّ اللّغة منهجيّة و تعليم لكن الشّعر موهبة ولذلك راح صادق يكتب بتلك السّلاسة التي تعجب القارئ العادي و اللّغوي على حدٍّ سواء.
الكلمة بالنّسبة لصادق ذات أبعاد و أغوار تكشف أنواع مستويات الإدراك   و التّخمين لذات الواقعة و الحدث و تشكّل لنا الحكمة و الموعظة            و التسلية معا و هي على صلة دائمة بالنّظام الفكري لأشعاره و لا يمكن لنا أن نفسّر ما يقوله سطحيّا لأنّها.... خلاصة زعيرية محضة...... عن رأيهِ فيما يدور عن الحياة .





56




صادق الزعيري حين يكتبُ على الأرض ( الجزء الثاني)

هاتف بشبوش

يظل القلب يحب ويتماهى في الحب لأرضه أو لحبيبته و لا يعرف متى يتوقف كما نقرأ أدناه من نفس النصوص القصيرة :

سيدي القلب
الى أي زمنٍ
تظلّ تحب
ــــــــــــــــــــــــــــ
الشاعر صادق هنا عاشق في حالة نفاذ الصبر وإمتحان الإنتظار ، ولكن أي نوع من العشق هذه المرة ، هو عشق الناس والنضال في سبيل نيل الجميع لحياتهم الحرة الكريمة في المأكل والملبس ولذة الإشتراك في كل شيء حتى تحقيق الإشتراكية التي ينشدها الشاعر في أبياته المطرية الهاطلة :

أيتها الغمامة البيضاء
إذا لم تمطري على الجميع
غادري سمائي فورا
ــــــــــــــــــــــــــــ
في الفيلم العالمي الشهير يوم الحساب من تمثيل الممثل الذي دخل عالم السياسة وأصبح حاكماعلى ولاية كالفورنيا والذي يدعى (آرنولد شواردزيغر) . الفيلم في أحد أجزائه تدور فكرته في كوكب المريخ حيث يمتلك الهواء أحد الرأسماليين الجشعين فيقوم بالتحكم بأرواح الناس عن طريق بث الهواء لهم أو قطعه وحبس أنفاسهم ، وبهذه الطريقة تتجلى لنا معاني الإحتكار وكره الناس بأبشعِ صوره . بينما الحب الذي ينشده صادق هو تلك الغاية التي لايدركها الا الذين عافوا الدنيا وغنائمها وهذه نراها واضحة في قلب الشاعر صادق لافي قلوب الملوك والطغاة كماهارون الرشيد الذي قال(أمطري أينما شئت فسوف يأتيني خراجك) . حب الناس هو العقيدة التي يتزيّن بها الشاعر صادق ولذلك راح يرثي صديقه الدكتور ناجي كاشي الغرائبي المسرحي والشاعر المنكوب لما في رحيله من تراجيديا أحزنت الكثيرين ولما في قلب الشاعر صادق من حبٍ عظيم لهذا المسرحي . لنر الشاعر بخصوص هذه الفجيعة في نص( ياناجي...لماذا لم تخبرنا عن رحيلك) :

ياناجي ...نحنُ المفجوعينَ بخطفكَ
سنجيء اليكَ واحداً بعد واحد
قلْ لي
هل في الأرضِ متسعُّ
أم ترانا نموت بدون قبور
.................
أنت شهيدُ
سيقيمُ المغدورُ صديقك
كاظم وروار وليمة موتك
.....................
ياناجي ..أحزاني ذات خمسة نجوم
آلامي بحجم البحرِ الميت
آه
من دكتاتورية هذا الموت
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حين يأتي الموت على حين فجأة فهو جميل ، لأن الميت لايدري ولايشعر بما خلفه ، أي سيصبح عدماً بعد ماجاء من العدم ، ولكن حين يكون الموت قرارا كما اتخذه الروائي الشهير همنغواي حين وضع البندقية في حلقه فهو صعب للغاية ، وحين أتخذه يسنين وهو يودع امه منتحرا فهو الأصعب أيضا ، وآنا كارنينا في رائعة تولستوي التي أتخذت من سكة القطار خلاصا أبديا فهو الأصعب مرات ومرات ، ولكن موت غادة الكاميليا بطلة الكسندر ديوماس التي نخر بها المرض نخرا عشقياً مميتا ، فكان الموت لها راحما وخلاصا من كل عذابات الحب وإرهاصاته . ويبقى المرء معذبا على الدوام في التعبير الهوميروسي أما التعبير الديني فالإنسان من بلاء الى بلاء ، وبين هذا وذاك يبقى المرء في شقائه ضعيفاً وما من معين .
الحياة تمضي بنا دون ان نعرف حتى اذا عرفنا نجد انفسنا كما الناي الذي يطرب ويقسّم اللحن ويُبكي الآخرين و يريح النفس الحزينة والعليلة . لكن من يعرفه عند الإنكسار والتحطيم والهلاك والموت ؟... هكذا نحن بني البشر المتمارد حين تجف أوصالنا بعد ان كانت تدق ، نموت مجهولين وسط زحمة هذا الموت المليوني الذي لاحصر له ولاعد ... فمن اين جئنا والى اين نمضي ... وماذا كنا نفعل هنا في هذه الارض اذا كنا سنرحل غير مأسوفٍ علينا عدا من قلة قليلة ضئيلة تنحصر في العائلة والصديق ان وجدوا . أما موت ناجي كاشي فينتظر وليمته التي ستقام له من قبل صديقه الشيوعي الشهيد كاظم وروار المذكور في بيت القصيد أعلاه الذي شبع موتا منذ أكثر من ثلاثين عاما وهو يدافع عن وطنه في شمال العراق والذي بصق في وجه جلاده قبل موته فكان تحديا صارخا وشجاعا أصبح مثلا يضرب في قوّة الشهادة والصمود .
ناجي كاشي كتب عنه الكثيرون ومنهم أنا صاحب المقال الذي قال بحقه :

ياسيّد الصداقةِ المؤججِ بطهرِ دماه
لقد بنيتَ مزاركَ فينا
يا أيها المسرحي المُحب
شيّدنا أمارةَ الدمعِ في المنفى
قربَ كنائسهِ القديمة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشاعر صادق بكى على صديقه ناجي كاشي بكاءً توثيقياً كي يبقَى إسمه مسافراً في محطات التأريخ . موت ناجي خلق البكاء بين محبيه وناسه لمافيه من الإبداع وحب الآخرين ، بكينا عليه وهذا ديدن العراقيين في البكاءِ منذ سومر وبابل ، فلاغرابة أن نرىَ الدمع يترقرق من عيني صادق في نصه الموسوم ( البكاء بين يدي الوطن) :

بإسم الله
نذبحُ يوميا هذا الوطن
الواقفَ كالنخلة
والخانعَ كالإسفلت
........
وطني إمراة تصرخُ
في صوتٍ عال
قدامَ العالم
لا أستثني احدا
الكلّ يرومُ مضاجعتي
..................
وطني..... هل صارَ شجيرة موز
الكلّ يبغي تسلقها
...........
وطني ....قميصهُ
قُدّ
من قُبُلٍ ومن دُّبرٍ
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(كل جراحةٍ فلها دواءٌ ... وسوء الخلق ليس له دواءُ....... علي بن أبي طالب)
بنى لينين الإتحاد السوفيتي من العدم ورحل ووجدوا في جيبة ستة روبلات فقط . هزم ستالين النازية ورحل بلا بيت وبقيت إبنتة (سفتلانا) تعيش في بيوت الإيجار بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي.
جوهر الموضوع هو أن هؤلاء لم يتربوا فكريا ومعرفيا وثقافيا واجتماعيا على فكرة أخلاق الغنيمة كما سياسيونا الذين تعلّموا من أسلافهم فيما مضى في تقاسم الغنائم . حتى النساء كانت توزع على المحاربين بإعتبارها غنائم ولذلك اليوم ماحصل من سبي للأيزيديات من قبل داعش لهو الفكرة ذاتها التي تبنوها من الفكر السلفي الذي في أدمغتهم. بينما عنتر بن شداد العبسي الأبي الجاهل كان يقول          ( يسألكِ من شهدَ الوقيعة إنني ...أخشى الوغى وأعفّ عند المغنمِ ) . إذن هي ألأخلاق التي تردع المرء وتعلّمه في أن يحيد عن السرقة مهما كانت بينما اليوم في عراقنا السليب وكما قال الشاعر صادق اصبح مثل شجيرة موز حتى القرود تتسلّقها كي تحصل على موزها المجاني . فما الذي قدمه المسلم المؤمن لبلاده غير القتل والجهل والتخريب . فهل هذا وطنُّ أم مبغى؟ .
الشاعر صادق شبه الوطن مثل إمرأةٍ تصرخ والكل يريد مضاجعتها وهذه تشبه ما أخبرتنا به رواية الإخوة كارامازوف الشهيرة وما حصل (ليزافيتا سمردياشا) البنت المعتوهة الخرساء التي تجوب الشوارع و التي يجدونها حبلى فتولد وهي تصرخ وتموت ووليدها بالقرب منها ولم يعرف أحد من إغتصب هذه المجنونة المسكينة فتذهب ضحية المجتمع وتصرّف الرجال البشعين .
يستمر الشاعر في الحديث عن الوطن القتيل وعما حصل من إنفجار في شارع المتنبي من قبل أعداءالكلمة في نصه المدور والمفتوح (المتنبي يقتل ثانية):
( في سوق الوراقين يغتالون الكلَمَ الطيب حتى لانرث لسان ابن السكيت البغدادي ...حتى لانولد من رحمِ أفكار ابن الرشد ..حتى نصلب مراتٍ اخرى فوق صليب الحلاج ..حتى يصدأ سيف حسين بن علي ...)
ثم يقول :

أسألُ كم قاتلُّ في هذا الزمن الأردأ
يطعنُ فكراً مغدوراً
انّ الحرفَ لايقتلُ سهواً في وطني
ـــــــــــــــــــــــــ
لا ليس سهوا يُقطع لسان إبن السكيت من قبل الخليفة المتوكل في قصة شهيرة نظرا لدفاعه عن الحسن والحسين وهم أطفال ومفاضلته لهم على أبناء المتوكل في جلسة سكرٍ جمعت الخليفة المتوكل مع صديقه الحميم اللغوي ابن السكيت . ثم المجرم صلاح الدين الأيوبي وحرقه لكل كتب الفاطميين عند إفتتاحه مصر وسقوط الدولة الفاطمية . بل عزلَ الرجال عن النساء لكي لايتناسلوا. ولهذا لم نجد اليوم من نسل الفاطميين في مصر بعد إن كانوا أمة بحالها ، فأينها هذه الأمة .....هل تبخرت ؟ .
يستمر الشاعر في بوحه الشعري وهذه المرة يصف لنا الشعر نفسه وكيف يتأتى له دون أن يطرق بابه بل يأتيه على حين غرّة . لنقرأ بصدد ذلك أدناه من نص ( إنه لص) :

الشعرُ لايخجلُ مني
يضاجعُ ورقي دون إستئذان
يأمرُ قلمي أن يكتبه
......
...
حتى ان أغلقت الأبوابَ لامهربَ منه
يكسرُ نافذة الفكرة
ويدلق محبرتي قسرا فوق سرير الطرس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشعر بشكل عام هو الرغبة في حياة بلاموت وبما انه ليس أكيداً من أنّ هناك حياة اخرى ، فالشعر أخبرنا بأنها حياة رائعة .في الشعر نستطيع انْ نجد كيف انّ اللغة واللسان هما عضوان فعالان . أنه كلام الشاعر النابع من نهر خياله والذي يصب في محكمة العقل أنه الأسمى من الآيديولوجية أنه الإنفعال المنبعث من الروح القلقة أنه الجنون الإبداعي و الباكي حرقة ًوألماَ على المصير المفقود والضائع لبني الإنسان . في الشعر نتساءل ولم نتوقف عن السؤال حتى لو لم نحصل على إجاباتنا ولأن البوح ينبع كالنهر فانه لايتوقف عند مصب بل سيظل جاريا متحركا بأمواجه العاتية ولذلك الشاعر صادق يستمر في التساؤل دون توقف مثلما نقرؤهُ في الفلقة الرائعة أدناه التي كان فيها مسؤولاً وليس ساءلاً في نص ( سؤال):

سألتني ...في المطار
ياتُرى من أين جئت؟
إنني أقرأ في عينيكَ حزن الإنتظار
......
هل أقولُ إنني من بلدٍ يُجلدُ فيه
المرءُ في وضح النهار
حسنا ....سأجيبك أنتِ ياسائلة َ العينين
إنني اُصلبُ مراتٍ على لوح المنافي
ومراتٍ على لوح الجدار......

يتبع في الجزء الثالث...

57


إحسان أبو شگاگ حين يومضُ في الحجر( الجزء الثالث )


 

هاتف بشبوش، شاعر و ناقد،  عراق/ دنمارك





دخل لصّ بيت العجوزيْن
لم يجد غير بصيص شمعة، أبريقا،أدوات طبخ بالية..
الفراش حصيرة من الخوص
فهمّ بالخروج مسرعا..
قال له العجوز:
تريّث قليلا
سأخرج معك لنستعيدَ من المُتخمين
ما سرقوه من بستان الوطن!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
مثلما تصرّف يومًا ذلك المحارب الفقير الذي اتّفق مع حبيبته ( جيسيكا)   و التي لا تملكُ شيئا هي الأخرى على سرقة أباها اليهودي المرابي        ( شايلوك) في رائعة شكسبير تاجر البندقية لكيْ يستعيدوا ما سرقه هذا البخيل المجرم و قد مُثّلتْ هذه الرّائعة في فيلم جميل( 2004) من قبل الممثل البارع ( آل باشينو) و (جيرمي آيرونز) و الشّاب ( جوزيف فاينس) عشيق جيسيكا .
و نتيجة هذا الفقر و اللّصوصية تدفع النّساء الجزء الأكبر من المعاناة        و البقاء على هامش الحياة تُنشد الخلاصَ في أقربِ فرصةٍ لها كما في هذه الآبيات الومضة البديعة من بوح ( هذيان) :

تجلس مع هذيان اللّيل
تعلن عن صراخها الصامت
قاربت الثلاثين مختنقة بعفة الحياء:
الخوف من زوجة الأب ..
تنتظر قدوم الفارس راكبًا حصان الحلم!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إنّه الحلم الذي يصفه لنا ديستويفسكي في أغنيّة المروج التي تغنيها الفلاحة الروسية في القرن التاسع عشر و التي ترجو فيها من أبيها أنْ لا يُزوّجها إلى عجوز كبير السنّ بل من قرينها. و هناك أغنيّة عراقيّة من الفلكور العراقي تقترب من هذا الفلكلور الروسي و أيضا على لسان حال امرأة عراقيّة و التي تقول ( أنا الحديثة أنا بنت الدلال .. أنا زوجوني أنا شايب جبير) .
العنوسة و ما أكثرها في العراق حيث وصلت إلى أرقام خياليّة نتيجة ما فعلته الحروب التي جعلتْ من الشّباب يبتعدون عن مؤسّسة الزّواج . العنوسة مُخيفة لما فيها من نتائج مؤلمة على المرأة كما في فيلم        ( المتشرّدthe homesman)  من تمثيل المشاكس (توم لي جونز)         و الحسناء ( هيلاري سوانك) و الستينيّة العمر الجميلة ( ميريل ستريب) حيث نرى راهبة الكنيسة تقوم بارتكاب الزنا بعد أنْ أفنتْ كلّ عمرها تخدم الربّ وبيت الربّ مُحتفظة بعفتها و طهارتها لكنّها في نهاية المطاف و بعد أنْ بلغت الشّهوة فرجها طلبتْ من خادمها القميء الكثّ اللّحية             و المتّسخ، بلْ توسّلت إليه أنْ يفتحَ بكارتها كيْ تعرف ما معنى الجنس   و طعمه و لذّته . و بعد أنْ جرّبته و عرفتْ معنى الانتشاء الحقيقيّ و الخدر العظيم و الرّعشة التي تخلق السّعادة في لحظات ولوجه الدافئ في عضوها و الذوبان في إلتحام الجسديْنِ بروحٍ واحدةٍ، نامتْ قليلاً من أثر الاسترخاء الجنسيّ الجميل بعد انتهاء شوطه، ثم انسلّتْ من فراش خادمها لتنتحرَ شنقًا في اللّيل الحالكِ ثأرًا من نفسها لكرامتها التي أُهينت بهذه الطّريقة المُذلّة .
و يستمرّ بوح الكاتب في تضحيّة المرأة و ما تُكابده من ألمٍ في ثيّمة       ( مرابٍ):

في وَضَحِ النهار خيَّم الظلام
على أجواء البيت!
الشفاه ترتعش
خوفا من ضجيج الحياة ..
مسمار الظلم تدقه يد لا ترتجف!
دخل البيت محمرَّ الوجه تخنقه عبرة الألم
أمتزج الحزن مع الصمت..
نظرات الأطفال هادئة..
دنت منه
لمسات يدها تمسِّد شعره
ماذا قال لك المرابي؟
اجمعي أشياء البيت
فنحن سنغادر!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و بين هذه و تلك و كلّ المآسي التي قرأناها ينعطفُ إحسان انعطافة أخرى من أنّ هناك من الرّجال الأشدّاء و هناك من الحبّ الجميل الذي لا يمكنُ أنْ يخلو من قلوب الآخرين حيث نقرأ أدناه عن سكّيرٍ طيّب لا ذاك السكّير الذي قرأناه في الثيّمة أعلاه و الذي وسوسَ له صدره في طرد امرأته في منتصف الظّلام . لنقرأ النصّ للسّكران الذي نشمّ فيه رائحةَ الإنسانيّة الحقيقيّة المنشودة ( سكّير):

استفاق من نشوته..
تذكر موعدا مهما..
دخل الزقاق متمايلا..
سقط أرضا
صار المشهد كوميديا أمام أنظار المارة..
وسط الزحام ناولها ظرفا و اختفى!
سألها الواقفون: أتعرفين هذا الرجل؟
أجابت: نعم كنت في انتظاره منذ أول أمس..
كفيل أيتامي!
ـــــــــــــــــــــــــــــ
مثل ذلك الشيخ الذي أرادَ تبرّعات لترميم الجامع فلمّا أنهى خطبته حول هذا الشّأن و تبرّع المُتبرّعون من المصلّين و جمع المال وجده لا يكفي لبناء عشرة بالمئة من الجامع، فخرج مهمومًا منكسرًا فإذا بسكّيرٍ ببابِ الجامع ينتظرُ الشّيخ ،و قال له السكّير أنا أريدُ التّوبة على يدك فخُذْ منّي هذه المليون دينار تبرّعًا منّي وغدًا انتظرني لأجلبَ لكَ عشرة ملايين أخرى لكيْ أرى الجامع مرمّمًا كاملاً .. فقال له الشّيخ أرجوكَ لا تتُبْ الآن يا أخَ العرب الطيّب الكريم قبل أنْ ننهي ترميم الجامع، ابقَ على سكرك    و مجونكَ حتّى نُنهي ترميم بيت الله على مالِ خمّارٍ طيّبٍ مثلكَ.
 الله الله ما أحلى روحك المعطاء أيّها الماجن المُحبّ للصّهباء المُشعشعة كما قالها يومًا أحد شعراء العرب القدامى ( إذا صدمتني الكـأسُ أبدتْ محاسني ...و لمْ يخشَ ندماني أذاتي و لا بخلي) .
بعد السّكر و نهنهة اللّقاء و الخلاّن و النّدماء سيكون الحب حاضرا إذ أنّ جلسات الخمر هي عبارة عن لقاء مع الشّعر،لقاء مع الثّقافة،مع السّعادة الحقيقيّة القصيرة حيث الضّحك و المرح و الغناء، فالشّاعر والكاتب لا يمكن أنْ يتغذّى بدون الحبّ، فالحبّ هو الوجبة الرئيسيّة التي تُعطي الكاتب القوّة و الفيتامين البوحي الإبداعي، فبدونه يضمحل و يصيبه الهزال        و النّضوب و لذلك الكاتب إحسان توقّف عند منعطف الحبّ و جاد لنا برائعته             ( يا أمّ قاسم) :

يا أمّ قاسم:
لماذا ارتعبتِ حين سقطتُ مُضرّجاً بشوقي؟
إنني أشكر ُالحجر الذي شجّ رأسي
فاتحاً لكِ الطريق نحو غدي..
لماذا ارتعبتِ؟
لم أجدْ بساطاً أحمرَ أجملَ من دمي
أفرشهُ لقدميك!
ــــــــــــــــــــ
(أنا المتيمُّ و العليلُ و هواكِ سهمٌ صادني)...مهما تخفّيتَ أيها الصّادي   فلابدّ لكَ أنْ تُجهر علانيّة ..مهما تكتّمتَ و انزويتَ في عشقكَ لابدّ لكَ أنْ تتباهى أو تبوح لأحدٍ ما منْ أنّك تُحبّ حدّ الوجع أو أنّك لازلتَ على طريق الصّراط المؤدّي إلى الجحيم أو إلى الجنّة فكلاهما سيّان جنّتها أو نارها فهي التي تستأهل كلّ الفداء . و حينما يسألوكَ عنها تجيبهم على طريقة نزار قباني ( لا تسألوني ما اسمه حبيبي ...أخشى عليكم ضوعة الطيوبِ...و الله لو بحتُ بأيّ حرفٍ..تكدّس اللّيلكُ في الدّروبِ) . الشّاعر إحسان استطاع أن يصف إحسان العاشق في تضحيّته وفداءه لأمّ قاسم ( زوجته التي لا زالتْ على درب الوفاء ) و كيف لا يُمانع في أنْ يفرش الدّرب التي تمشي عليها أقدامها دمًا أحمرًا قانيًا، فهو هنا يعلنُ صراحةً من أنّ الحياة بدون أمّ قاسم لا تساوي شروى نقير و إذا ما تطلّب الأمر الدّفاع عنها في الملمّات أو كحرّة عراقيّة من حرائر العراق من رجس الأجنبيّ و المحتلّ فلا بدّ له أنْ يكون جنديّا محاربًا لكيْ يُعطي دمه فداءً   و حبّا . فهنا كان إحسان آيروتيكيّا محضًا، لأنّ الآيروتيك تصمد أمام كلّ شيء كما و أنّها تعني قبول الحياة حتّى الموت .
ثمّ ينتقل الكاتب من حبّ الحبيبة و الزّوجة أو الأمّ إلى حبّ الوطن . الكاتب لا يمكن له أن يتخلّف عن حبّ الأرض التي نشأ و ترعرع فيها فراح إحسان يحزن على أرضه و شعبه في ( اعتذار) :

آخرَ النهارِ الشّمسُ لَمْلمتْ أذيالَها مرتبكةً
و انحنتْ على بساطِ البحارِ الزرقِ..
اعتذرتْ لكلِ طفلٍ فقد َوالدهُ
و لكلِّ أرملةٍ
و لحبال الحناجر التي تقطعتْ من الصراخِ!
أشارتْ إلى العراقِ برايةٍ السلامِ
لعلهُ يخلو من رائحةِ البارود!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قبل سنين أنا صاحبُ المقال أوجزتُ يومًا عراقيّا في الزّمن المُفخّخ         و العنيف فقلتٌ في مقطعٍ من قصيدةٍ طويلةٍ :

دمٌ في صباح التمنّي
حديثٌ عن الأشلاء
برابرةٌ يلوكون بعد التشظّي خطاياهمْ
كلّ سيل الرّصاص و تحت السّراويل
مزاليجٌ تشيرُ إلى الجنةِ
و لحمُ شواء
ــــــــــــــــــــــــ

سطورٌ بحقّ الشّاعر 

تحيّة لإحسان لما قدّمه لنا من روائعٍ تستفيق لها النّفوس النّائمة، تستيقظُ لها الضّمائر الحيّة التي ربّما تغفل في فترة ما عن جادة الصّواب،تستنيرُ بها النّفوس الحالكة لدى حواء و آدم، تستطيب لها الرّوح لما فيها من الحقائق الوجدانيّة و الرغائبيّة التي نعيشها يوميّا، الحقائق التي تُمارسُ في الخفاء وخلف الكواليس، ولهذا لمْ يُصدّقها البعض أو يبقى متحيّرًا إزاءها، و هذه كلّها شكّلتْ بانوراما حقيقية لكلّ ما قرأناه عن إبداع إحسان أبو شكاك.
كما و إنّني أستطيعُ القول من أنّ الحياة لابدّ لنا أنْ نُبدع فيها في مجال الحبّ أو السياسة أو قضيّة ما حسّاسة يتوجّب أنْ نضعها في طاولة النّقاش . و أنا كشاعر استطعتُ أنْ أدركَ معاني الثيّمات الرّاقصة الرّشيقة التي أطلّ بها الشّاعر إحسان علينا و استطاع أنْ يثيرَ فينا المُتعة و الرّغبة في التّحديق لأفخاذ حروفه الجميلة اللاّمعة التي لابدّ للعيونِ أنْ تنظرَ إليها بشغفٍ و إثارةٍ و سعادةٍ دون مللٍ .
 استطعتُ أنْ أعرفَ أنّ لدى إحسان من الإبداع و النّبوغ الذي جاءه متأخّرًا أو كان دفينًا لأسبابٍ نجهلها على الأقلّ في الوقت الحاضر مثلما قرأنا في الانطولوجيا الأدبيّة للنّابغة الذبياني الذي كتب القصيدة التي يُعدها البعض من المعلّقات (يا دار مية بِالعلياء فالسندِ .....أَقوت و طال عليها سالف الأَمدِ) و هو الشّاعر الجاهلي الشّهير الذي لُقّب بهذا اللّقب لأنّه نبغَ في الشّعر و أبدع فيه دفعةً واحدةً و هو في سنّ متأخّرة و في الخمسينيّات من عمره.
و هذا ينطبقُ على الشّاعر إحسان الذي هو الآخر كتب نصوصه النثريّة الدّاخلة في القصّة و الخارجة من الشّعر في الخمسينيات من عمره فنستطيعُ أنْ نُطلقَ عليه " النّابغة أبو شكاك " على سبيل المثال. و هذه ليست بعيدة المنال لو استمرّ الشّاعر في المثابرة وسهرَ اللّيالي و طلبَ العلى و مضى قدما في عالم البوح الإبداعي .


58
أدب / الموجة ُ الزرقاء
« في: 11:13 12/07/2017  »
هاتف بشبوش، شاعر و ناقد (عراق/ دنمارك)

الموجة ُ الزرقاء

 
 
(إلى صديقي الشاعر و الروائي زيد الشهيد)
 
أتعرفُ يا زيد
ماذا يعني حين تستعيرُ لوليتا دمعتيْنِ
من النادباتِ على رحيل أمواجهنّ
أتعرفُ أنّ أزرقَ الموجِ
أوحى إلى يوهانس الدنماركي*
أنْ يكتشف عروسَ البحر ، التي ظلّت حتّى اليومَ مزارًا
للملوكِ و عابري السّبيل ، ممّن أصابهم سهمُ العشقِ مقتلاً
أتعرفُ يا زيد
أنّ جارةَ الوادي بالأمسِ تبكي على يوسفِ الفهد **
و هو... على نقّالة المشفى مُصابًا بالعشقِ داءًا وهجرًا
أتعرفُ يا زيد
أنّ السيرة القيسيةِ في حبّ ليلى و أليكترا
أخبرتنا... أنّ العشقَ داء عضال ، لا نُشفى منه
حتّى وصالنا المخضّبِ ، بطيبِ أنفاسهنّ ،
و ما ينزلُ أسفلَ الخاصريْن
فعلينا يا صديقي
أنْ نطب نفسًا ، في هذا العمرِ الماركيزي الضّئيل فوق البحرِ
أنْ نتّخذ القرارَ فرارًا ...و فرارًا.... و فرارًا
كي لا نغرقَ بالموج الأزرقِ ، حين تلهينا لوليتا
بفستانٍ يتضايقُ عند الزّيقِ المترفِ ، بقلادةٍ ذهبيّة
تليقُ بناعمِ الثّدييْن
 


 -------------------------------------
 
*  يوهانس: الكاتب الدنماركي الشهير عالميا ( يوهانس أندرسن) مخترع عروس البحر
** يوسف الفهد:  عابد الفهد الممثل البارع في مسلسل ياجارة الوادي


59
  هاتف بشبوش، شاعر و ناقد،  عراق/ دنمارك

إحسان أبو شگاگ حين يومضُ في الحجر ¬¬(الجزء الثاني)

( لا نـَصيب بإغراء امرأة بالقول لها : أنتِ حسنة : يتوجّب الذهاب في الأقلّ حدّ القول : أنتِ فريدةُ النّوع في العالم و هذا أقلّ شيء تقبلهُ منك.....فرديناند سيلين ) .
رغم ما تقدّم أعلاه نجدُ المرأة الشرقيّة تسعى في كلّ السُبل لإرضاء زوجها لأنّه المسؤول الأوّل و الأخير عن استقرارها إقتصاديا و هو الذي يؤمّن لها المستقبل دون خوفٍ من المجهول.
العامل الإقتصادي هو العصبُ الرئيسي للعلاقة بين الإثنين و هذا ما قاله ماركس و بقي ساري المفعول حتّى اليوم حيث أنّني عشتُ في الغرب  و وجدتُ المرأة هنا تختلفُ إختلافًا كليّا عن المرأة الشرقيّة من ناحية العامل الاقتصادي فرأيتها قويّة و هي التي تحدّد مصير علاقتها مع الرجل لكونها مستقلّة استقلالاً تامّا فرحم الله ماركس على ما كتبه لنا من إبداع و فلسفة بحقّ المرأة و الاقتصاد الذي تتمتّع به و كيف لا ... فزوجته جيني تلك المرأة الحديديّة التي تعلّم منها و تعلّمت منه الكثير الكثير باحترام متبادل . أمّا المرأة الشرقيّة و خصوصًا في بلاد المغرب العربيّ تستخدمُ التّعاويذ و السّحر في سبيل النّيل من قلب الرّجل و بشتّى السّبل         كما تغارُ عليه من ضرّتها فيشتدّ التّنافس على هذا المخلوق الذي هو في كلّ الأحوال لا يرتفع عنها شأنًا لو كانت هناك أنظمة عادلة تضمنُ حقوق المرأة الإقتصادية . لنقرأ الكاتب في ما نقله لنا في نصّه الموسوم ( خشخاش) :

تنكّرت ببرقع المكر
لتضرب ضرّتها
تنقّلت بين الدراويش..
تبحث في مسبحة السّحر عن علاج ضدّ عسر المودّة
اعتقدتْ أنّها تجدُ العلّة في بعض الخرز..
أو ربّما تستهلك مفتاحًا يسترجع اللّطف و المؤانسة التي فقدتها.
قالتْ لها عرّافة هرمة :  إعطيني خلخالا و قرطيْنِ..
سأجعله يركعُ تحت قدميك و لمّا عادت..
جاء ملك الموت و أنجز أمرا.
ـــــــــــــــــــــــــ

نصّ واضحٌ لا لبسَ فيه لبيان ما تعاني منه المرأة الضّرة في شعوب يحقّ للرّجل فيها أنْ يتزوّج ما يشاء من النّساء و في أيّ وقتٍ حتّى لوْ سحقَ مشاعر و أحاسيس امرأته الأولى و هذا كلّه لأنّ هناك مؤسّسة دينيّة تشريعيّة تكفّلتْ له بالحقّ في أنْ يتزوّج و ما ملكتْ أيمانه و لتذهب المرأة إلى الجحيم هي و أحاسيسها و مشاعرها، بينما يقول فرديناند سيلين:  ( لا نصيبَ بإغراء امرأة بالقول لها : أنتِ حسنة : يتوجّب الذهاب في الأقلّ حدّ القول : أنتِ فريدة النّوع في العالم و هذا أقلّ شيء تقبلهُ منكَ ) .
في النصّ أعلاه يتطرّق الكاتب عن خيبة الأمل التي تتلقّاها المرأة بعد كلّ ما فعلته لأجل زوجها و الشعوذات التي فعلتها لضمان حبّه لها لكنّها عادتْ و وجدتْ الأمور على غير ما تشتهي حيث وجدته ميتًا و قد انتقل إلى عالمِ العدمِ الذي جاء منه . و بهذا ينقل لنا الكاتب مفهوميْن بهذا الخصوص، الأوّل عن الشعوذة و الدّجالين و المنجّمين و كذبهم و ضحكهم على عقول النّاس البسيطة وثانيًّا عن الموت و مفهومه هنا لدى إحسان الذي نستطيع من خلاله أنْ نُردّد مقولة علي الوردي الشهيرة ( جاءتْ     و حياضُ الموت مُترعةٌ ... و جادتْ بوصلٍ حيث لا ينفعُ الوصلُ )  . و يستمرّ الشّاعر في التّوضيح لنا منْ أنّ الرّجل هو صمام الأمان للمرأة في شعوبنا الشرقيّة ، أمّا في الشّعوب التي مضتْ قدمًا في تقدّمِ المرأة فهناك اختلافٌ كبيرٌ جدّا . إذْ أنّ هذه الشّعوب اليوم لا تتكلّم عن مساواة المرأة بلْ عن مساواة الرّجل لو أردنا الغوص في هذا المفهوم و خصوصًا في ممارسة الجنس، لأنّ الأمر أصبح بيدها فهي التي تقرّر المضاجعة من عدمها و إلاّ اعتبرته إغتصابًا يحقّ العقاب عليه ( و حين تغلق المرأة باب قلبها على ما تريد،فإنّ كلّ قوى الكون لا تستطيعُ أنْ تعيدَ فتحه.... أيمن العتوم) .
الرّجل هو الرّمز في شعوبنا للسّلطة و احتكارها و الغطرسة التي يتصرّف بها وديكتاتوريته في البيت أو في مركزه الوظيفي السّلطوي . لنتبيّن ما نقوله في سطور احسان ( إجتماع) :

إكتمَلَ النِّصَابُ،الإجتِمَاعُ على وَشَك..
بِانتِظارِا لسَّيِّدِ المُبجَّلِ، قالَ مُستَشارُهُ : إنتَظِرُوا ..
هو فِي الحَمّامِ،لدَيهِ مهِمَّة.
مَا هِي؟
مُعالجَةُ مَا تَحتَ خَطِّ الفَقرْ !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إهانةٌ بأناقةٍ من قبل الكاتب لرموز السّلطة الذين أوغلوا في تماديهم في ممارسة الجريمة بحقّ شعوبهم. أين هو الحاكم؟ ... هو في الحمّام مع الزرنيخ لإزالة ما تبقّى من وساخته و قذارته الجسمانيّة و يا ليتهُ أزال من وساخةِ دماغه و عقله التي استطاع أن يؤذي بها شعبهُ و ناسهُ . هو في الحمّام كيْ يستعدّ ليلةٍ حمراء يقضيها مع نعومة عاهراتٍ بينما الشّعب يجوعُ و ليس لديه ما يسدّ رُمقه فكيف له أنْ يشتري (الكابتون) كيْ ينتعظَ ما بداخل سرواله كما حاكمه السّافل و الهوائي مثل أغلب حكّام بني سعود و الخليج ثمّ حكّام العراق في آخرِ زمنٍ .
و يبقى الفقيرُ المعدمُ هو الضحيّة في كلّ الأحوال حيثُ تأتيه التّهم و هو نائمٌ لا يدري ماذا يفعل رغم كونه العفيف لكنّه العنيد و المصرّ على أنْ يبقى في أخلاقه مهما كلّفه الثّمن و هذه طبيعة الغالبيّة السّاحقة من الفقراء إذْ ما قورنوا بالثريّ الأرستقراطي الذي لا يمكن له أنْ يكون بمستوى الرقّة و الحنان على الآخرين مثلما فقير الحال . و هذه المقارنة قبل ثلاثة أيّام و على القناة الدنماركية ( تيفيتوTV2  ) حيث نقلوا و على الهواء مباشرة في لقائهم مع العديد من النّاس من أنّ الفقير المُعدم له من القلب الأرقّ من قلب الثريّ المُترف بالرّغم من عدم تواجد فقيرٍ في الدنمارك بالمعنى المألوف . لنرى إحسان بهذا الخصوص و ومضة              ( مقهى ) :

برغمِ إهمَالهِ للباسِهِ ! دخلَ المقهى..
شُعلةٌ مِنَ النَّظراتِ سُدِّدتْ إليهِ .
جلسَ، تَحسَّسَ تَحته شيئاً ما !
قالَ له صاحبُ المقهى : أخرجْ !
لماذا؟
الرُّوادُ يَرونَ ذلكْ .
إذنْ أعطِهم هذه الساعة . وجدتُها هُنا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(ريتشارد غير) الممثل العالمي الشهير و الوسيم الحائز على جائزة الأوسكار في فيلمه الشهير ( مملكة الموت ) الذي أجرتْ معه أكثرَ من قناةٍ عربيّة لقاءً تلفزيونيّ خاصّ، في يوم قرّر أنْ يلبسَ ملابسَ رثّة ليقلّد المدمنين على المخدّرات و الخمر لكثرة ما يتأسّى لحالهم . و بالفعل جلس في إحدى ناصيات شوارع نيويورك وقلّدهم و اكتشف الكثير من الأمور التي تتعلّق بالأخلاق و الإنسانيّة و تحسّس مدى الاحتقار           و الأسى من الآخرين بحقّه. و ظلّ على الحال لمدّة شهرٍ ،وحين انتهى من هذا العمل أوصى أنْ يعطي من ماله كلّ شهرٍ مبلغًا خاصّا للمدمنين طيلة حياتهم . هذه هي الأخلاق التي تتمثّل في عقليّة الإنسان          و جوهره لا في مظهره و ملبسه .
و ينطلقُ الكاتبُ في الحديث عن المظهر و تجديده أو حتّى الإكسسوارات و المسابح في مجتمعاتنا الدينيّة التي تنظرُ إلى المسبحة من أنّها رمزًا للدّين ،و التي أصبحتْ اليوم مصدرًا للمتاجرة بالدّين وكسبِ المالِ على حساب الفقير المُعدم ، لننظر ما قاله إحسان في الشّذرة الرائعة أدناه :

تَشاورَ المُرابونَ ..
كتبوا إقراراً بتبدِيل لونِ المسبحةِ و الخَواتمِ..
مِن البُنّي إلى الأسوَدِ ..
فازداد الطّينَ بلّة!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كلّما إزدادتْ صبغةُ اللّون الأسود لعمائمهم كلّما دلّ ذلك على كثرة عملِ الشّر و اللّصوصيّة و الشّعوذة و الضّحك على ذقون الآخرين و تعبئتهم في المساجد و بيوت الله نحو التّخلّف و القهرِ لكي يبقوا هم المسيطرون      و عامّة النّاس في الصفّ الخلفيّ يُعانون الأمرين . و لكن للأسف هناك بعضُ الشّرفاء حين ينتهي بهم الأمر إلى هاوية الحياة نتيجة العوز الماديّ و الفقر نراهم يلجؤون إلى بيوت الله متسوّلين لعدم وجود ضمانٍ اجتماعيّ كبقيّة البلدان المتحضرة فيظلّون تحت رحمة النّاس التي لا ترحمُ في أغلبِ الأحيانِ ، و قد تطرّق الكاتب إحسان إلى ذلك في نصّ ( محارب)  :

سَاقتهُ الحربُ إليهَا قَهراً..
انتهتْ بِبترِ سَاقِهِ ..
كابدَ شِدَّةَ العوزِ،ينتقِلُ مِن عَمرٍ إلى زَيد..
ما بينه و بين الملاذ، ألسنةٌ و مواعِيد..
اتّخذ من المسجد مأوىً !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا ما حصلَ مع أبطالٍ كثيرين على مستوى قادةٍ عرب عرفهم التأريخ في حروبهم و صولاتهم الشّجاعة و منهم صاحب المقولة الشّهيرة :       ( البحر من أمامكم و الموت من ورائكم ) إنّه القائد طارق ابن زياد الذي انتهى به الأمر متسوّلاً كناسًّا في الجامع الأمويّ في دمشق حتّى مماته بعد خلافاته مع أحد خلفاء المسلمين آنذاك و الدّسائس التي حيكتْ له . هذه هي واحدة من خيبات العرب و المسلمين الذين وصلوا إلى الدّرك الأسفل من العار و التّخلف و المُضيّ نحو الدّمار الشّامل في مؤسسات الحياة الأخلاقية و الاجتماعية على كلّ مستويات الدولة التي يعيث بها المجرمون فسادًا لمْ نشهدْ له مثيلاً على مرّ التّأريخ . لنقرأ واحدة من الخيبات التي سطّرها لنا الرّائع إحسان في فلقته البديعة الآتية ( خيبة) :

انتهى به الأمر إلى باب المسجد..
لم يقاوم عواصف بيوت أبنائه..
حاول ترويض ما تبقى من أسنانه على كسرات الخبز..
اندهش المؤذن عند دخوله
زرع قبلة على جبينه
ألست أنت من شيّد هذا المسجد؟
نعم شيّدت مسجدا
لكني لم أشيّد بيتا!
ـــــــــــــــــــــــــ

مثلما قالها ديستويفسكي قبل أكثر من مئة و خمسين عامًا في الإخوة كرامازوف ( أتعجّب لأمرهم يبنون الكنائس و يهدمون الدولة، ليست هذه عقيدة فحسب بلْ هو تطرّف ! إنّ البابا كريجوري السّابع ما كان له أن يحلم بشيء من هذا القبيل) ، مثلما يفعلونها اليوم في أكثر بلدان الشّرق في كثرة بناء المساجد التي أدّت بالنتيجة إلى قلّة البيوت          و المساكن التي تؤوي الفقراء بينما في السويد اليوم و قبل شهر من كتابة هذا المقال قاموا بهدم الكثير من الكنائس لقلة ارتيادها من قبل الناس و أقاموا في مكانها مساكنًا وبيوتًا شُيّدتْ للعديد من المواطنين . إنّها الدولة المدنيّة الحقيقيّة لا الكهنوتية الكاذبة أو الحقيقيّة التي هي في كلّ الأحوال دولة فاشلة في احترامها للإنسان و الحبّ و العلاقة الجنسيّة بين الرّجل و المرأة. إنّها الدولة المدنيّة التي تتكفلّ بالحريات لأبناء شعوبها بكلّ تفاصيلها لا حكامنا و إعدامهم حتّى لمعنى كلمة الحرية و هذا ما سوف نقرؤه في الحروف التالية من نصّ (  قدر) :

أوصدوا كلّ الدروب..
انتظروا صول موكبه..
أزاح الستار عن جدارية..
صفقوا !
همس في إذن مستشاره الثقافي:
ماذا يعني هذا الرسم؟
رمزا للحرية سيدي!
لماذا هي داخل الزجاجة؟
لارتكابها جنحة المطالبة بالحرية!
ــــــــــــــــــــــــــــــ

اليوم و نحن في القرن الجنسيّ الحادي و العشرين الذي قالتْ عنه رئيسة وزراء الفلبين من أنّ الجنس حضارةُ الشعوبِ و عقلها . بينما نرى النّظام الديني المقيت في السّودان يرجمُ امرأة صحفيّة مثقّفة و يجلدها أمام حشرٍ من الناس لأنّها طالبتْ بالحريّة للمرأة في مقالٍ صحفيّ. لمْ يبق لأبناء هذه الشّعوب سوى الهروب من الأوطان و البحث عن عالمٍ آخر يضمن لهم الحياة الحرّة الكريمة كما في البوح الجميل للشاعر ( غيبة):



هرب من الأكاذيب التي حوله إلى عالم الاشتهاء
ألهمه الحنين إلى رؤى الطفولة..
لملم خيوطا من بقايا البَكَر ..
صنع طيّارة ورقية تطير و تعلو فوق الناظرين
لاطف السماء بصمته و لا طفته بزرقتها
التي ترصد هذا المشهد أبنتهُ..
قالت: أبي هل تتأمل نشوة الماضي؟
قال: لا،بل أهرب من أمّة محكوم بها
تُطعِمُ ذهبا و تأكل بارودا !
ـــــــــــــــــــــــــ
قبل أيّام رسم الفنّان العراقيّ عبد الأمير طعمه لوحة رائعة بعنوان (وسط دخان البترول ) تنتمي للمدرسة الواقعيّة حيث يظهر فيها عاملان فقيران مُعدمان يدفعان عربةً لحمل أغراض الناس و كأنّهما عاطليْنِ عن العمل وسط دخانٍ كثيفٍ من آبار البترول يكادُ يعمي أبصارهما من التلوث،و هذه رسالةٌ مهمّة منْ أنّ البترول منذ اكتشافه لمْ يحصل العراقيّين منه سوى الفقر و الدّمار و الاختناق من نار الحروب و القتل و تذهب خيراته إلى دول الجوار و العالم الباطل البعيد عن الحقيقة و القريب من الجريمة في عالمٍ باتَ واضحًا فيه إذا لمْ تكن قويّا متوحّشًا تُسْحق من قبل الآخرين غير مأسوفٍ عليك. و فوق كلّ هذا هناك السّارقون في بلدٍ لمْ يشهد مثل هذه اللصوصيّة على مرّ تأريخ العراق الحديث و القديم . و يدحض كلامنا هذا ما نراه في النصّ الآتي ( لص):
يُتبع في الجزء الثالــث
هاتف بشبوش، عراق/ دنمارك

60


إحسان أبو شگاگ حين يومضُ في الحجر ( الجزء الأول)

 هاتف بشبوش
شاعر و ناقد،  عراق/ دنمارك

 
(الحبّ هو الفرصة الأخيرة التي تستحقّ التشبّث بها في هذه الأرض...لويس أراغون).......

إحسان عبد الحسين أبو شگاگ حطّ من كوكب الأمومة في هذه الأرض في عام 1956 حيثُ تنفّس النّفس الأولى في السماوة ، ثمّ حبا و لهى و شابَ  و لاقى من الأهوال حتّى استطاع أنْ يُمارس موهبة الكتابةِ خفيةً  و بشكلٍ شخصيّ دون الإعلان عن هذه الموهبة بسبب أوضاع البلد من حروب و دمار و بوليسيات في زمن البعث، كلّها انعكستْ على الواقع العراقيّ المُعاش فلمْ يستطع الاستمرار ، و بعد سقوط النّظام تفجّرتْ لديه موهبةُ الشّعر من جديدٍ، و هو في عمر الخمسينيات حتّى أثمرتْ بكتابه قيد دراستنا:
" ومضات من حجر...نصوص نثرية "  و هي نصوصٌ متأرجحة بين الشّعر و القصّة القصيرة جدّا .
إحسان الشّاعر المُحترف الذي يصدحُ من بقاع الجنوب العراقيّ ، المعطاء الذي لا يبخل قدر إمكانه في الحديث عن الحريّة و هموم النّاس ، بوقفته الرّشيقة و الأنيقة في ملبسها الشّعري قد سطّر لنا ما الذي يجبُ أنْ يُقال في حقّ الوطن و المرأة و الحبّ.     
إحسان الشاعر الثريّ مالاً ، هو من القلّة القلائل ، من طبقة الأثرياء الذين ناصروا الفقراء ، والقضيّة الأدبيّة التي بالأساس هي دربُ الألم، فهو على طريقة نبلاء القرون الوسطى حيثُ كانت الفصاحة تقتصر عليهم في التّعليم ، بينما الفقراء لا يحقّ لهمْ التعلّم و الفصاحة ، مع الفارق أنّ إحسان مناصرًا للفقراء بلْ يريدهم أنْ يكونوا في الصفّ الأوّل من التّعليم .
أحببتُ الأسلوب الذي يكتب به  إحسان و الانزياحات و التوريات الخفيفة التي تناولها ممّا زاد في كتاباته جمالاً و ألقًا و شكلاً و مضمونًا .
إحسان في كتابه مدار دراستنا هذه ( ومضاتٌ من حجر) يكتبُ المكثّف الواضح الذي لا يثقلُ على القارئ في فكّ رموز شفرات المعنى و أنا شخصيًّا أميلُ إلى حبّ الشّعر الواضح الذي يعطيني مساحةً من الطّرب أثناء قراءة النّصوص عكس الشّعر الغامض الذي يُثير في نفسيّتي الغثيان و الضّجر. الشعرُ  أكثرُ جمالاً حين يكون واضحًا ، ثمّ إنّ الغموض يعني عدم إمكانية المعني أنْ يكتبَ شعرًا ، لأنّه لوْ كتبَ الوضوح فإنّه سيجدُ نفسه منزلِقًا في الكلام اليوميّ و أبجديات الشّارع و المقهى ، يعني هذا أنّ الكثير منّا كان يتصوّر أنّ بإمكانه أنْ يكتبَ نُصوصًا واضحةً على غرار نزار قباني أو الماغوط لكنْ هذا النّوع من الكتابة صعبٌ للغاية فهو ينتمي إلى عوالم البساطة السحريّة لكنّه في غاية التّعقيد و أصعبُ بكثيرٍ من الشّعر الغامض المقيت، فالكتابة الواضحة تتطلّب مهارةً عاليةً خصوصا في قصيدة النّثر ، لأنّها تعتمدُ على فكرة معينة موجزة و عليه فإنّ الكاتب فيها لا يمكنُ أن يكون كذّابًا على عكس ما هو عليه في بقيّة الأجناس الأدبيّة التي منَ الممكن أنْ يكذب فيها الأديب مثلما في القصيدة العمودية التي أصبح الكثير من كتابها نسّاجون كذابون لأنّهم يعتمدون على شكل القصيدة و ليس المعنى و الجوهر و الهدف و الغاية ( مثل العاهرة التي نراها جميلة في تزويقها لكنّها من الدّاخل مشوّهة و مبعثرة)،لذلك أنا أؤيّد فكرة أن يكون الشّعر واضحًا لأنّ مهمّة الشّعر هي الالتصاق بعامّة النّاس .
أنا أستطيعُ أنْ أكتبَ يوميّا عشرة نصوصٍ غامضة و أدّعي أنّها القصيدة القصيدة... فهل منْ مبارز ؟؟؟؟؟؟... حتّى أدونيس تحوّل إلى كتابة النصّ الواضح بعدما شبِعنا من نُصوصه التي تسدّ النّفس . أمّا سعدي يوسف فهو منذ البدء واضحًا سلسًا، ثمّ محمود درويش، و كلّ شعراء المقاومة الفلسطينيّة الذين تغنّينا بأشعارهم المُطربة للنّفس. فألفُ تحيّةٍ لإحسان ، لنهجه هذا الأسلوب السحريّ الواضح و الجليّ ؛ كما النّهار لكنّه المتينُ شعرًا و فصاحةً و لغةً يستطيع صاحبها الإفتخار بها .
الشّاعر إحسان في ( ومضات من حجر) استطاع أنْ ينقلَ لنا حقائق كنّا نجهلها أو نسمعُ عنها دون أنْ نُصدّقها نظرًا لهولها و فداحتها ، لكنّنا قرأناها عن تجربة واقعيّة لشخص مرّ بكلّ ما حدث هناك و تألّمَ جسده و انقبضتْ روحه بأنينٍ واضح من خلال النّصوص البديعة .
الشّاعر إحسان حينَ يحلمُ فهو كحال الأدباء الآخرين فما باليد من حيلةٍ غير الحلم لأنّ الواقعَ مريرًا لا يُطاق و لذلك تتحقّق الكثير من الصّعاب في أحلامنا فإذا ما إستفقنا نجدُ أنفسنا تكدّرنا منْ جديدٍ ثمّ نحلمُ و نستفيقُ و هكذا دواليك و هذه بحدّ ذاتها دواءً شافيًا للعللِ و الأمراض التي تُصيبنا و لوْ لفترةٍ وجيزةٍ  .
الحلمُ هو الملاذُ الوحيد لكلّ من استعصى عليه الوصال من حبيبٍ فارقه ذاتَ يومٍ مضى، الحلمُ يصيرُ على أشكالٍ عدّة، ربّما على هيئةِ أطنانٍ من القُبلِ لكثرة ما عاشهُ الحبيب من جفاءٍ و هو يتمنّى لقاءها على فراشٍ وثيرٍ ، الحلم هو اللّقاء الوحيد مع من أحبّه دون رؤيا النّاس لي و حسدهم و عذلهم، الحلم هو المضاجعةُ المثلى التي تجعلني في خدرٍ لا نهائي من الانتشاء ، هو الجنسُ الذي أحلمُ أن أمارسَهُ بكلّ قوّتي على غرارِ أفلام البورنو التي تزرعُ السّعادة في الآخرين من الذين عجزوا أنْ يُؤدّوا الحبّ و المضاجعة بالعذوبة    و رقّة الأحاسيس مع الإفتخار بالقوّة الرّجوليّة التي يُراد لها أنْ تكون بمستوى إرضاء الرّغبات . لكنّ إحسان لهُ نظرةً أخرى في الحلم علاوةً على ما قلناه كحال محمّد الماغوط الذي يقول (أيّها النّساجون. ..أريدُ كفنًا واسعا لأحلامي). لنقرأ الكاتب إحسان في أوّل ثيّمةٍ له من هذا المنجز عن الأحلام بعنوان ( ابن آوى) :

أكل ابن آوى لحمَ البطِّ ..
و ترك لنا الريش
الذي صنعنا منه وسادة ..
لكنّ شبحه ظلّ يطارد أحلامنا !
ــــــــــــــــــــــــ
الثيمة أعلاه تناغي القرّاء الذين لاقوا الكثير من الظّلم على أيدي المجرمين الذين لمْ يُبقوا لهم شيئا غير الخوف من بطشهم بعد أنْ أكلوا الغث             و السّمين . و يستمرّ الكاتب، و لمْ يتوقّف عن قول الحقّ في مناصرة الضّعيف لنرى ما يقوله أدناه في نصّ ( تفّاحة):

قشّر المشرّعُ الرجيمُ تفاحة اللّذةِ ..
قضمَ منها ثلاثة أرباعٍ و نصفا ..
طلبوا منه القشور..
ضحك و بقيَ ممسكًا بالسّكين
محدّقًا بما تبقّى من التّفاحة !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

برنادشو سألوه يومًا عن الظّلم و التّوزيع غير العادل للثّروات بينما ينظرُ إلى صلعته و لحيته الكثّة فقال : ( غزارةٌ في الإنتاجِ و سوءٌ في التّوزيعِ ) .
يستمرّ الكاتب في مؤازرة الفقراء في شذرته البديعة أدناه ( غفلة)  :

الرّجل الذي فوّضَ أولاده و اتمنهم على أملاكه
استيقظ من شدّة الجوع ..
لمْ يسعفه دفء الموقد ليهدأ جرحه ..
لقد تعلّم مع الوطن كيف يريح خدّيه براحتَيْ كفّيه
ــــــــــــــــــــــــــــــــ

مع هذه النّغمة والسيمفونيّة الجائعة التي خطّها المبدع إحسان حول فقراء الكون الذين و هُمْ في غفلةٍ منهم إستطاع ويستطيعُ الجشعون أنْ يجعلوا منهم جياعًا طالما الجهل متفشٍ بين هذه الطبقة المسحوقة على الدّوام في الكثير من الدّول على غرار الصومال و العراق و اليمن وسوريا بينما الجشعون و على رأسهم الإمبرياليّة العالميّة و سماسرةَ الخليج هم الآداة القمعيّة بيدها و التي لمْ تزل تنفّذ كلّ الخططِ المجرمة التي تُحاك في دوائرِ مخابرات الدّول الكبرى على غرار أمريكا عدوّة الشعوب و أذنابها التي ناصبتْ العداء للطبقات المسحوقة بلْ تنظرُ إليهم كنوعٍ منَ المسخ ، هكذا هو دأبُ المُستغِلّين ضدّ المُستغَلين  .
هؤلاء الجشعون لا يتورّعون منْ أنْ يفعلوا أيّ شيء بحقّ الإنسان ، لا يعرفون لغة النّدم بلْ التّمادي في الإجرام و همْ يقظونَ ، لعلّهم يتعلّمون منْ السّكارى الثّملين في لحظة التّفكير بارتكاب الخطيئة ، فيتراجعون عن الفعل الشّنيع ، مثلما وصفهم الكاتب أدناه  في نصّه ( حثالة الخمر) :
ترنيمة اللّيل أوحتْ لشارب الخمر أنْ يرميها و ابنتها خلف أسوار المواويل الثكلى ..
العيون خائفةٌ !
تنتظر رؤية ديك الفجر معلنًا عن الصّباح المرتجى
عسى أن يشفع له ندمه فيتخلّص من ثقل جبل الخطيئة !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شاربُ الخمر في أغلب الظنّ لا يمكنه أنْ يفعل الرّديئة مهما ثملَ أو سكر لأنّه يخاف من غضب إله الخمر ديونيسيس ، بلْ هو ذو القلبِ الطيّب المعطاء ولذلك تراجع إحسان في نهاية النصّ و اعترف كلّ الاعتراف بأنّ هناك من الأمل أنْ لا يفعلها عند مطلع الفجر حيث الرّجاء صانعُ المعجزات .و مع ذلك يبقى الرّجل في شعوبنا الشرقيّة هو صاحبُ الكلمة في البيت و في كلّ أمور الحياة لأنّ المجتمعات هناك هي مجتمعاتٌ رجوليّة بحتة . حتّى في الحبّ الذي يستمرّ فترات طويلة نرى هناك ما يتحكّم به الرّجل لأنّ السّلطة تجري في عقله الباطن لنقرأ مايخبرنا الكاتب في نص( حبّ) : 

بَعدَ ثلاثِينَ عاماً مِنْ زواجِهِما
كلَّمَها بِنبرةٍ سَاخِرة :
سَأبحَثُ عَن امرأةٍ غَيركِ !
قالَتْ : يا رَبيعَ الحَياة
فِي البَحرِ يَنامُ القمر!
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
المرأة هي الشّجن و كلّ ما فيه من جمالِ الرّوعة و الطلّة و النّغمة التي تحكي قصصًا وجدائل النّساء الجميلات الحنونات و الثكالى و ما أكثرهنّ في هذا الكون المأساويّ بحقّ.
( المرأة لو تعرضّت لإغراء رجلٍ فعليه أنْ يجتاز الجبال لكيْ ينال قلبها ، أمّا المرأة إذا أرادتْ إغراء رجل لا يتطلّب الأمر سوى إجتياز حاجز ورقي ....مثل صيني) .
العلاقة بين الرّجل و المرأة في بداية الأمر و حتّى في مشوارها المتقدّم لا يمكنُ لها أنْ تكون بدروبٍ مبلّطة ، بلْ أغلب الطّرق شائكة ، و حتّى يصلان إلى برّ الحبّ تراهما ينسجان الخيالات حول الدّخول في قلبَيْ الآخر و مهما يكنْ منْ أمرٍ فإنّ الرّجل تستهويه حتّى شمّة واحدة من عطرها لكنّها تظلّ الكتاب الذي يجبُ أن يتوغّل في قراءته أكثرَ منْ مرّةٍ بلْ عشراتُ المرّات ،      و الرّجل الشّجاع ليس ذاك الذي يغوي أكثر من امرأة بل هو الذي يستطيع أنْ يغوي المرأة نفسها أكثر منْ مرّة . و لذلك حينما يمازحها حول تركها و الرّكون إلى حبّ امرأة أخرى فإنّه يأتي من باب الهزار و الحبّ الحقيقيّ ، و إنْ حصلَ الجدّ فهذا يعني أنّك أطلقت عليها رصاصةَ الرّحمة التي لا يُمكن أنْ تغفرها لكَ ، لأنّ الرّجل حين يبحثُ عن امرأةٍ أخرى غير سيّدته فهذا يعني أنّه يقول لها إنّكِ أصبحتِ غير جميلة و غير جديرة بي و هنا مأساةُ المرأة الحقيقيّة في عالم حبيبها أو زوجها، و لذلك هناك بعض رجالات الدّين المنفتحين قدّموا طرحًا رائعًا حول قضيّة زواج الرّجل على امرأته أو خيانتها دون أن تدري و ما هو الأفضل لها في هذيْن الأمريْن المريريْن عليها ، فيقول رجل الدّين هذا منْ أنّ خيانة الزّوجة دون أنْ تدري هي الأفضل من أنْ يتزوّج عليها مرّة أو أكثر لأنّه حين يتزوّج عليها بدرايتها و بما تكفّلُ له الشّريعة الإسلاميّة .. هذا يعني قولاً صريحًا من قبله أنّها أصبحتْ قبيحة و لمْ تعد بذاك المستوى من الإغراء  و الأنوثة و هذا بحدّ ذاته يعني أنّه قد أصابها مقتلاً .

يتبع في الجزء الثاني


61
محمد حياوي..في خان الشابندر (1)......

(هناك حرف واحد يفرّق بين كلمتي الحب والحرب
وهذه كانت طبيعة عشتار ربة الحب والحرب...
من  شذرات الذهب في الحب والمحب.. ترجمة شاكر لعيبي)...

محمد حياوي كاتب وروائي وصحفي عراقي من مدينة الناصرية، مقيم في هولندا منذ العام 1996، ماجستير في البنية المعمارية للحرف اللاتيني. محرر للسينما في جريدة Telegraaf الهولندية. يعمل أستاذاً لمادّة الغرافيك والصحافة الجديدة في معهد غرافيك ليزيوم أمسترادم. أصدر ستة أعمال أدبية حتّى الآن والقادم أكثر، من ضمنها "ثغور الماء" رواية ـ  1983". "غرفة مضاءة لفاطمة" قصص 1986طواف مُتَّصِل" رواية ـ 1989 عن دار الشؤون الثقافية ببغداد. ثم رواية "خان الشّابندر" 2016 عن دار الآداب للنشر والتوزيع في بيروت، والتي هي موضوع بحثنا في هذه القراءة.
يتناول محمد حياوي في روايته الأخيرة "خان الشّابندر" وقائع تاريخ العراق ما بعد السقوط مؤطراً بآيروتيك ممتع عن حال المرأة العراقية التي يصل بها الحال إلى أن تتحول لبائعة هوى نتيجة ظلم ذوي القربى من الدرجة الأولى، كأن يكون الأب كما سنبين لاحقا وهذه هي بحد ذاتها تشكل الألم الحقيقي الذي يزرعه أراذل الرجال الذين لم نسمع عنهم الاّ ماندر لأنهم من الشواذ والمأبونين. ينقل لنا الكاتب ما يحدث في الأمكنة العراقية الشهيرة والأصيلة في العراق لما فيها من أصالة البناء والنفس العراقية الأبية التواقة للنبل والكرم، ومن هذه الأمكنة (خان الشّابندر) في منطقة الحيدر خانة العريقة، الذي اتُخذ إسماً للرواية قيد دراستنا هذه. ومن لا يعرف هذه الرقعة الجغرافية البغدادية، التي كتب عنها الكثيرون وسكنها الطلاب والدارسون في الجامعات والقادمون من بقية المدن العراقية لما فيه من أحياء شعبية بسيطة، وقد كان في قديم الزمان بمثابة بورصة للفضة تُحدد فيه الأسعار بشكل يومي وتجلب سبائك المعدن الثمين بواسطة السفن حتّى شريعة القشلة ومن هناك يحملونها على ظهور الحمير حتى الخان، وهذا مانقله أحد شخصيات الرواية (مجر) العجوز الصوفي الغامض.
إستطاع الكاتب أن يجسد الحب بشقيه، الوقتي الحميمي والدائمي المتعارف عليه كالزواج. الحب الوقتي الذي ينشأ في ماخور أو بيت للدعارة حيث تعجب أحدى الفتيات بفتىً شهم يعرف كيف يحترم الفتاة حتى لوكانت بائعة جسد من أجل القوت. استطاع الكاتب أن يصف الغرام والغزل والجنس العفيف دون الإيغال والتعمق في ممارسة الجنس كما فعلها برهان الشاوي الذي تخطى كل التابوات وإستطاع أن يعطينا واقع حال للمارسة الجنسية والجنس الذي هو بطبعه لايعرف الأخلاق، فلكل روائي وجهة نظر في هذه الزاوية  الحساسة.
محمد حياوي إستطاع في هذه الرواية التي تجاوزت المائة وسبعين صفحة أن يروي المأساة الحقيقية للمناضلين الذين عشقوا دروب السياسة والنضال من أجل الوطن في زمن البعث المجرم. الكاتب ينقل لنا حالة المثققف المغترب الذي يعود لوطنه بعد فراق مرير وما يشاهده هناك من غرائبيات لا تصدق أو ما سيجده مقارنة لمايعيشه في بلدان الغرب الديمقراطية التي تحترم الإنسان وتحفظ له حقوقه. الرسالة الأخرى التي أراد إيصالها لنا هي ما يفعله المجرمون اليوم والملتحون بإسم الدين وممارساتهم الإجرامية علاوة على الزنى الذي يرتكبوه بمسميات اخرى كالمتعة مع إحدى العاهرات في الماخور الكائن في خان الشابندر كما سنبين لاحقا.
ملخص الرواية يدور حول شخصا مغترب (علي) أبعدته المنافي نتيجة الظروف القاهرة للعراق، ثم يعود بعد السقوط ولا بد لكل طائر أن يرجع الى عشه ولو بعد حين أو لفترة من الزمن. هذا الشخص صحفي لديه مهمة بحث اجتماعي عن اماكن الغواني والمواخير العراقية ومايدور في فلكها من أسرار وخبايا ومآسي ألمّت بنساء العراق والسبب الذي جعلهن يتخذنَ هذا الطريق غير اللائق بهنّ كنساء، أن المرأة لا يمكن ان تبيع جسدها بسهولة مهما كانت، سواء في العراق، أو الواقواق أو البورما، مهما كان دينها  سنتويسي، هندوسي، عابدة الفرج، عابدة الشيطان، بوذية، مسلمة، مجوسية.. الخ، لا يمكن لها أن تجلس وتنادي أنا اريدُ أن أجلس عند تقاطع أربعِة طرقٍ وأنادي تعالوا فهنا من تبيع  نفسها مقابل رغيف العيش. لكن رغم ذلك فأن البغي يتواجد منذ نشوء التاريخ وحتى الآن نتيجة الظلم الواقع على المرأة.
بطل الرواية (علي) يريد أن يعرف خبايا هؤلاء النساء، مثلما فعلوها يوما وفي زمن القادسية اللعينة، حيث إزداد البغي بشكل كبير، فقامت فرقة اجتماعية بعمل بحث حول نساء حي الطرب في البصرة والكمالية، وغجر الديوانية والسماوة وبعض المحافظات الأخرى التي تتواجد فيها مثل هؤلاء الغواني. بالمناسبة هذه الأماكن لايتوفر منها في بعض مناطق العراق الأخرى لأسباب تتحكم بها الحكومات السابقة، أي لا يمكننا أن نجد مواخيراً في الرمادي أو تكريت وغيرها، لكننا نستطيع إيجادها في العديد من مناطق الجنوب. هذه الفرقة التي عملت بحثا إجتماعيا حول الغواني وجدت العديد منهن وبنسبة لا بأس بها إتخذنَ هذه المهنة نتيجة الحاجة الماسة الى الجنس وجئن الى مناطق غريبة عن محافظاتهن ليمارسن الجنس بطلاقة وحرية كسراً للكبت والحرمان الذي تعاني منه المرأة العراقية والرجل العراقي على حد سواء، وهذه في أغلب دول الشرق المتخلف، إذا ما استثنينا المغرب وتونس لما فيهما من تأثير واضح في ثقافة الغرب وتقاليده. ثم وجدت هذه الفرقة من أنّ النسبة الأخرى العالية جدا من النساء يبعنّ أجسادهنّ من اجل المال نتيجة الظروف القاهرة التي جعلتهن يهربنّ من أهلهن ولا يستطعن الرجوع اليهم مرة أخرى، وهو ما سنبينه لاحقا في شرحنا عن بعض الغواني في الماخور الذي هو بصدد دراستنا في خان الشابندر بعد سقوط الصنم والصراع الطائفي على مناطق النفوذ والأحياء.
الكثيرون أيام الصبا والمراهقة التي لاتطاق، قد دخل هذه المواخير وهي بنظر الكثيرين بيوت لا أثر للانسانية فيها، لكنها وحين تدخل اليها تجد المحبة والعطف والحنان من المرأة التي تترائى لك على أنها وقحة وذات لسان سليط، وهذا ما أكده لنا الروائي الكولومبي الشهير غابرييل غارسيا ماركيز في روايته (ذاكرة غانياتي الحزينات)، وانا اقول انهن ملائكة الرحمة، حيث يعوضنّ لنا الحب الذي نفتقده بالجنس ساعة إشتهائنا. فكم من جنود القادسية اللعينة زاروا حي الطرب (حي تعرِض فيه النساء أجسادهن مقابل المال) لغرض تفريغ شحناتهم الجنسية التي ليست لها مصب أنذاك سوى الرذيلة بمعناها اللغوي فقط،  فيذهب هذا الجندي إلى هناك لأن الزواج صعب للغاية، علاوة على عدم وجود اختلاط بالعنصر النسوي، فيلجأ الرجل لممارسة الجنس لتحقيق غروره وحاجته التي طفح بها الكيل وبلغ سيلُ مائهِ خارج صفن الخصيتين، وقد كتبت ذات يوم  أنا صاحب المقال عن بعض المواخير في العراق بشذرةٍ بهذا الخصوص.....
أيامَ زمانٍ
كان هناك، ماخورُ واحد في السماوة (الكاولية)
لهُ الفضلُ الكبيرُ
على إطفاءِ شبقِ فتيانِ المدينة
ومثلهُ كان في البصرةِ، حي الطربْ
لهُ الفضلُ الكبيرُ
على إطفاءِ شيطنةِ جنودِ القادسيةِ اللعينة
ــــــــــــــــــــــــــــ
الماخور كتب عنه زيد الشهيد في روايته (أفراس الأعوام)، وفيه الكثير من التأريخ العراقي وكبار الشخصيات العراقية قد مر على هذا الدرب لما في العراق من كبت وعدم إختلاط المرأة بالرجل فيلجأ الرجل بالذهاب الى هذه الأماكن المكتظة بالنساء أو الملاهي وما أكثرها أيام زمان، حيث تكون بيوت الدعارة أحيانا رحمة على المكبوتين ممن لم يعرفوا معنى الأفخاذ البلوطية، لمن أحرقتهم نار الكبت، لمن لم تذق آلة إخصابهم طيب حرثها. حتى أنّ البعض يذهب اليها لغرض تحقيق الصبوات قبل الزواج لجهل الأغلبية الكبيرة من الشباب للعملية الجنسية، فخوفا من الحياء نرى الرجال يرتادون هذه المواخير لتحقيق الرجولة في ليلة العرس.. كما نقرا في الثيمة أدناه لصاحب المقال أيضا:
آآآآآآهٍ
من صباي في بلدي
إذ كنا.. مرغمينَ على نكاحِ البغي
لدخولِ التجربة... قبلَ الزواج!!!!!!!
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
 واليوم قي ظل نظام ثيوقراطي ديني تكاد تكون المواخير صفرا مع إزدياد الجريمة الجنسية، حيث أكد علي الوردي الباحث الإجتماعي العراقي على أنه من الضروري أن تتواجد المواخير بشكل علني وأمام الأعين وعرضة للفحص الطبي بدلا من السرية وأمراضها وجرائمها. روائع القصص العالمية والأفلام العربية تحدثت عن المواخير ومنها فلم "أبي فوق الشجرة" لعبد الحليم حافظ ونادية لطفي وقصة الحب العاصف التي نشأت بين الطرفين. لكن نظرة المجتمع الدونية والقاسية جدا على هذا النوع من نساء المواخير جعلت عبد الحليم يبتعد عنها رغما عنه وينتهي الحب بينهما ويموت.
غادة الكاميليا قتلها الحب وهي فتاة ماخور، وحتى اللواتي لم يرتدن المواخير لكنهن نساء جنسيات مثيرات قتلهن الحب والأغراء كما مدام بوفاري بطلة الرواية التي خطها لنا الفرنسي العظيم جوستاف فلوبير.
علي بطل روايتنا هذه (خان الشابندر) يتعرف في الماخور على (أم صبيح ...القوادة) ومن ثم الى (ضوية) التي بدورها تعرفه إلى (هند) الفتاة مدرسة الجغرافية. ضوية يعجبها هذا القادم المجهول الذي لم يتردد أمثاله عليهنّ، فهو كما يبدو مثقفا رزينا واثقا يمشي الهوينا. تنجذب اليه ضوية لكنه يقول لها أنا لم أجيء هنا بحثا عن الجنس، أنا أردت فقط أن اٍسألك بعض الأسئلة، لكنها تميل عليه بغنج وإغراء متمرّس وتستدرجه كي يقع بحبائلها فتحصل على المال الذي تبحث من أجله وقيمته ( 25) الف دينار عراقي أعطاها بعد ذلك بيد أم صبيح القوادة وهذه عادة عراقية متبعة حيث القوادة تعمل كمحاسب وكمدير لإدارة الماخور. في النهاية يستطيع الحصول منها على معلومات عن السبب لمجيئها هنا ولماذا تعمل كغانية. فطفقت تحكي بلهجة عامية دارجة نقلها الروائي  كماهي بحذافيرها مبتعداعن فصيح الكلام، لكنني أوجز ماقالته ضوية عن حالها:
(كل ما في القصة أن أباها نام معها وهي في عمر الرابعة عشر، أتاها في الليل وهي نائمة ورفع ثوبها، وأولجه فيها، وكانت لا تعرف شيئا، وكان يشخر فوقها وهي مرعوبة ولما انتهى منها، إنتزعه ثم إنسل الى سريره بجانب أمها النائمة التي لا تدري ماذا حصل لابنتها المسكينة من أبيها هذا الوحش الكاسر الدنيء الحقير).

يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع في الجزء الثانــــــــــــــــــــــــــــــي
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=559522
http://m3arej.com/article/73310
هــاتف بشبوش/عراق/دنمارك

62

نســـــــــــــــاء (16)...


هــاتف بشبــوش

أيامُ زمانٍ
كان هناك , ماخوراً واحداً في السماوة
لهُ الفضلُ الكبيرُ
على إطفاءِ شبقِ فتيانِ المدينة
ومثلهُ كان في البصرةِ ، حي الطربْ
لهُ الفضلُ الكبيرُ
على إطفاءِ شيطناتِ جنودِ القادسيةْ

++++

أتذكرُ أولَ قبلةٍ , في مراهقتي
كانتْ وقوفاً
وقد ضرَبتني صاعقة ُ
أجلَستني على الفور

++++

متى تنتهي ظاهرةُ الغواني
من شوارعِ هذا العالمِ الفاسدِ
ولو أني في أغلبِ الأحيان
أطلقُ عليهنّ : ملائكةُ الرحمةِ
 
++++

في تايلند
نرى نساءاً
نعرفُ من خلالِ نظراتهن
لهنَ الرغبة في الحب
دون الحاجةِ لقول ذلك

++++

اليومَ
وعلى الساحلِ الدنماركي
رأيتُ عشرةَ في العشرينِ عرايا
سوى أثداءاً
مغطاةً
بغشاوةِ عينيّ

عراق/دنمارك



63

لؤي عمران ...كي لايعود دكتاتورُّ ثانية ً( 3).........


في أبي غريب يتعرّف لؤي على مجموعة من السجناء ومنهم كما نقرأ في سطور الرواية  أدناه :
(اقتربتُ من الشباك حاولتُ أنْ أجمع شتاتي وأحاول التّعرف عليه و هو يشيرُ لنفسه وبصوتٍ عالي يقول....ألم تتعرّف عليّ بعدْ أنا جارك لطالما التقينا عند بوابة مدرسة الرشيد أنا محمد السيد جاسم أبو الباجلة اشبيك ما عرفتني...اهتزّ جسدي وتجمّع شتاتي على غيرعادته حيث لم يتجمّع منذ زمن. إنّه محمد الجار الذي اختفى ولا يعلم عنه أهله شيئا ذلك الشاب اليافع ذو الستة عشر ربيعا الذي اعتقلوه لانتمائه لمنظمة العمل الإسلامية.... لمْ أر سيد محمد و رفاقه إلاّ بعد ثلاثة وعشرين عاما ولم أتعرّف عليه للوهلة الأولى عندما التقينا في عام 2003 ).

في الحجر يُعذّبُ بسام ( لؤي) من جديد وهو محكوم بخمسة عشر عام ، ثم تأتيه أمّه لزيارته لكنّه في وضعٍ مؤلمٍ من التّعذيب ...فيطلبون منه المساومة بين رؤيا أمه أو العمل معهم كوكيلِ أمنٍ     و رفض لأنّه المناضل الحقيقيّ الذي لا تلويه الأعاصير. فتذهبُ أمّه ولمْ يرها وما عليها سوى أنْ تذهب للكاظم وتطلب الدّعاء لابنها وهذا دأبُ شعوبنا البسيطة وصدق ماركس حين قال           ( الدّين هو صرخةُ المظلومِ ).
في رواية لؤي نرى المتناقضات في طبيعة المجتمع العراقيّ والمجتمع الشرقيّ بشكلٍ عامّ حيث نرى من أنّ لؤي يُسجن لكونِه شيوعيّ وهذه بحدّ ذاتها تعني الكثير وخصوصا في مجال الدّين والتديّن، و هو في سجن أبي غريب و حين يزوره والديْهِ (أمّه وأبوه) ثمّ يعودان من زيارته يذهبان إلى الإمام موسى الكاظم لغرض طلب الرّجاء والدّعاء لابنهم كي يحفظه الربّ من الشّرور والأشرار، متناقضاتٌ عجيبةٌ غريبةٌ في داخل الأسرة نفسها لدى شعوبنا فنرى الأب متديّن لكن الابن ليس كذلك،فلا يستطيع أحدٌ أن يفهم هذه اللّخبطة الفكريّة حتّى كبار المثقفين. لكنّها ليست صعبة على رجال حكماء غيّروا منْ مصير شعوبهم في سير التقاليد و الاعتقادات على سبيل المثال (بوذا)  قال بصدد ذلك (  الكهنة والشيوخ ورجال الدين بمختلف تسمياتهم همْ أعداء الحقيقة وسلاحهم الوحيد هو اتّهام الباحثين عن الحريّة بالزّندقة).
قضيّة زيارة الأولياء هذه التي تطرّق لها الرّوائي لؤي لمْ تأتِ اعتباطا وإنّما أراد منها أنْ تكون رسالة معيّنة، لما لها من أثرٍ في نفسِ أبويه اللذين يحبّهما حبّا عميقا حيث نقرأ إهداء الرواية في الصفحة الأولى إلى أبيه، وهذه غريزة لا تحتسب ضمن المجهود الفردي والسّعي للحبّ و ما عدا  ذلك فهو من الشواذ غير الطبيعية . ولذلك أستطيع التنويه في هذا المجال وأقول (إنّ صرخات المستغيثين تنطلقُ سريعة و لكنّ الاستجابة لها تأتي متأخرّة.......التّأريخ في زجاجة ...رواية سويدية ) ودليلنا على ذلك إطلاق سراح لؤي بعد سنين طويلة و طويلة،هذا إذا كان إطلاق سراحه نتيجة الدعاء والرجاء من قبل أبويه وليس نتيجة السياسة التي تلعب بنا كلعبة الأفعى والسلّم... وأحيانا يدبّ الجهل في الإنسان إلى حدّ الموت نتيجة الأميّة وعدم المعرفة الأكاديمية التي يجبُ أن تُعرض إلى الآخرين لغرضِ منعهم من الانجراف لوهمِ القدسيّّة المطلقة لوليٍّ منْ الأولياء بحيثُ نتّخذه طبيبا مداويا و شافيّا كما حصل لصديق لي من أهالي الحمزة الشرقي حينما كان مريضا ويتناول الدواء الذي وصفه له الطبيب لكن هذا قد ضاق ذرعا من الدواء فذهب إلى أحد الأولياء الصالحين و رمى الدّواء في شبّاكه وقال للوليّ (أنا جئتك هنا و أريدُ الشّفاء منك فأنت الطبيب الشافي والمداوي و لا غيرك) و رحل مطمئنا متأكّدا من شفائه على بركات رحمة الوليّ ...وفي الليل جاءني خبره من أمّه ...لقد مات صديقك .
في الرواية نشهد بعض المفارقات التي تحصلُ في السّجن والتي تشير إلى غباء السّجان والعاملين هناك ، حيث أنّ أحد السّجناء يقرأ من مكتبة السّجن كتابا لأجاثا كريستي ولأنّ لونه يميل إلى الحمرة عوقب عليه من أحد العرفاء الجهلة وهذا العريف ينطبقُ عليه ما قاله لينين ( إذا سقط المرء أصبح شرطيا)  وأنا أضيفُ شرطيّا غبيّاً..لأنّ شرطة اليوم في الغرب على مستوى عالي من الثقافة والمعرفة، بينما (لؤي) كان يقرأ شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف وهي الرواية الخطيرة والممنوعة آنذاك قد هرّبتها أحد الزوجات لزوجها السّجين لكنْ لونها ليس أحمرا فلمْ يُعاقب عليها السّجين الشيوعيّ لؤي  .
يبقى لؤي في أبي غريب حتّى يأتي العفو العامّ في زمنِ فاضل البراك الذي كان مدير الأمن العامّة الذي أعدمه صدام حسين فيما بعد وبهذا يتحقّق ما قالته الطالبة الألمانية التي أشرنا إليها أعلاه (صوفيا شول ) التي قالت للمحقّق أنت اليوم تعاقبنا وغدا يأتي منْ يعاقبك فعلى الباغي تدور الدوائرُ .
يُنقل بسام مع بقيّة رفاقه السجناء من أبي غريب إلى الأمن العامة حيث يجد هناك عائلته و أبيه مع بقية العوائل لاستلام أبنائهم المفرج عنهم مع بعض المحاضرة لتخويفهم فيما لو تكلّموا بما لا يُرضي السّلطة آنذاك ، وبهذا يُصبح لؤي حرّا طليقا ليعيش الحياة مرّة أخرى ليلاقي عراقا مُدمّرا مُحطّما منْ جميع النّواحي لنقرأ ما تقوله الرّواية :
(خرجنا هذه المرة عيوننا غير معصوبة والأيدي غير مكبلة وسارت سيارة الكوستر باتجاه مدينة السماوة ،لم نكن لنصدق حتى حطت السيارة رحالها في شارع الإستقلال (باتا)،عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل. الشارع موحش وفارغ إلا من أولئك الذين يرتدون الزيتوني وكأنهم في إنذار، فكان سهلاً أن نلاحظ أنّ الحرب قد تركت بصماتها على المدينة وأنّ هناك صورا لشباب قد غادروا الحياة في الحرب المعتوهة التي افتعلها الدكتاتور).

أستطيع القول أن لؤي كان بديعا وأكثر بهجة ونضارة ومؤازرة لكلّ ما هو شفّاف يتعلّق بالحبّ لأمّه ولوطنه أو الحبّ الأزلي الذي من شأنه أن يجعلنا سعداء هانئين وهذه هي الحياة التي يجبُ أنْ تعاش في حلّها و ترحالها والتي قرأناها منطلقة من قلم لؤي نفسه لحبّ الوطن ورجاله الميامين الذين استشهدوا و بقي الرّصيف يشتاقُ إليهم لكونهم من السابلة الذين مرّوا فوقه وتركوا آثار أقدامهم وذكراهم وأحزانهم وبكاء ذويهم عليهم . مع العلم أنّ الحياة مهما طالتْ أو قصُرتْ فهي نسبيّة دائما لأنّ جميع بني البشر هم لاحقون بعضهُمْ البعض مثلما قالها عمر الخيام ( وكم تساوى راحلٌ في الثرى غدا و راحلٌ منذ آلاف السّنين ) ،هكذا هو مسرح الحياة،مهما طالت فترة بقائنا في هذه الأرض التي لا نعرفُ لماذا جئنا إليها إذا كنّا راحلين وإلى أين تسير بنا في دروبها الحالكة والهالكة  (قل لي إلى أين المسير...في ظلمة الدّرب العسير...طالت لياليه بنا...و العمر لو تدري قصير).
 ثم إنّ الحياة على خافقها شعلة منكّسة على الدّوام،فيها من العثرات التي لا بدّ لنا أن نحاكمها، العثرات الناجمة عن نظامٍ حاكمٍ أو صديقٍ أو حبيبٍ حاول الطّعن بنا مرّات ومرّات.
وفي النهاية يبقى المثقّف التقدميّ على غرارِ لؤي ورفاقه الآخرين شموسٌ ساطعةٌ مستمرّة تخيفُ الطغاة ورجال السّلطة ( أتحسّس مسدسي عند سماعي كلمة مثقّف ....جوزيف جوبلز .. وزير أعلام هتلر) ، هذا الرّجل قتل أطفاله الستّة وكانوا جميعهم يحملون حرف الهاء تيمّنا بهتلر ثمّ انتحر هو و زوجته لكيْ لا يُهانان من قِبلِ الرّوس ولكيْ يبقى حتّى مماته مناصرا للجريمة والمجرم هتلر ، وهذا النوع من الرّجال همْ من المثقفين المتملّقين والمصفّقين والمؤازرين لرؤسائهم حتّى في الجريمة وقتل شعوبهم وما أكثرهم وهؤلاء هم الأخطر على الشعوب ( لينين)، ومن أمثال هؤلاء عبد الرزاق عبد الواحد المجرم الذي مات وهو يشكُر ولي نعمته صدام ، ثمّ وزير الإعلام العراقي المجرم محمد الصحاف  .
السّجن مهما كان هو تحطيمٌ للنّفس خصوصا لسجناء الرّأي، لأنّهم الأكثرُ عناداً و إصرارا على الحبّ. همْ دائما على غرار ريتسوس الشيوعي الذي سُجن مرارا ولم يتوقّف عن نضاله في سبيل الحريّة والتّحرّر ، بلْ أكثر من ذلك راح يكتبُ لنا أجمل أشعاره  الآيروتيك والحبّ الذي ظلّ عابقا بنكهتهِ الريتسوسية التي تُرجمتْ إلى كافّة لغات العالم .
ورغم مرارة الحياة التي تكبّدها وعاشها الشيوعيّ في السّجون و ما لاقاهُ منْ أهوالٍ لكنّه اليوم يُحسدُ على سُمعته ونزاهته وأخلاقه في كافّة مجالات الحياة ، وأنا كاتب المقال و في وقتِ كتابتي لهذه القراءة ، كنتُ أتحدث مع إحداهنّ في الماسنجر فقالت لي عن طريفةٍ أضحكتني كثيرا وقد حدثت قبل يومين فقلتُ حمدا لله أنّ الشيوعيّ هكذا تكون له هذه السّمعة التي نقلتها لي(سميّة)الفتاة الأربعينية الرائعة في هذه الحكاية أدناه :
( شيوعيّ من السماوة أراد أن يؤنب أخته لفعلها بعض المشاكسة فصار عصبيا،بينما صديقتا أخته تنظرانَ إليهما فيما يتشاكسان فقالت احداهما خطية سندس سوف يضربها أخوها، لنفعل شيئا ونوقفهما فقالت الأخرى..سميّة.....لا لا لا لا عيني سعاد لا تخافي سوف لن يضربها... لأنّ أخاها هذا شيوعيّ ... والشّيوعيون لا يَضرِبون.... بل يُضرَبون) .
وفي النّهاية أعلنُ صرختي مع لؤي ورفاقه الشيوعيّين الذين نالوا الحريّة أو الذين استشهدوا فأقول ما قاله ُالشيخ جمال الدين الأفغاني ( ملعونٌ في دين الرحمن ..من يبني سجناً .. من يرفعُ رايات الطغيان ..ملعونٌ في كلّ الأديان ..من يهدرُ حقّ الإنسان ..حتّى لو صلّى أو زكّى ..       أو عاش العمر مع القرآن ) .

هـــاتف بشبــوش /عراق / دنمارك



64


لؤي عمران ...كي لايعود دكتاتورُّ ثانية ً( 2).........



(في منتصف سبعينيات القرن الماضي قام الحزب الشيوعي العراقي بتجميد منظماته المهنية بناءً على  ضغوط من حليف الجبهة الوطنية القومية التقدمية ) الكلش وطنية وتقدمية ( في وقتها حزب البعث العربي الاشتراكي. فقد تم تجميد اتحاد الطلبة و رابطة المرأة و كذلك منظمة الشبيبة، ولذا كان على المنتسبين لهذه المنظمات أن يكونوا خارج العمل التنظيمي).
(لقد كان النظام يخطط للانقضاض على معارضيه و تأسيس أكبر دكتاتورية في الشرق الأوسط. و بالفعل وفي العام نفسه تمت مهاجمة مقرات الحزب الشيوعي واعتقال عناصره فقد غادر العراق من غادر وقد أعدم من أعدم وأعتقل من أعتقل).

(من جانبه قام الحزب الحاكم بإصدار قوانين تحرم التنظيمات غير البعثية في القوات المسلحة    و أصدرت قوانين أخرى تحكم بالإعدام على أيّ عسكري في كافّة صنوف القوات المسلحة يثبت عليه انتماؤه أو تعاونه مع أي تنظيم غير بعثي. ولم يحرك الحزب الشيوعي ساكنا،ًبل جمّد عمل أعضائه الذين يساقون إلى الخدمة العسكرية، فكانت هذه الخطوة تمثل طعنة رمح قاتلة في جسد ذلك التحالف الهش أساسا).

لوْ نظرنا إلى ما حصل لاستطعنا أنْ نر بكلّ وضوحٍ ما قاله ماركس (إيّاكم والتّنازل النظريّ     و المساومة على المبادئ) فما الذي حدا بقيادات الحزب الشيوعيّ العراقيّ آنذاك بالتّنازل هكذا وبشكلٍ محيّرٍ لا يقبله العقلُ السليم؟ ممّا أدى إلى تجرؤ النظام الجائر في توجيه الضّربة القاصمة للحزب والشيوعيّة آنذاك التي كانت بالأساس قد مرّت بمراحلٍ قاسيّة وعداءاتٍ كثيرة منْ قبل الحكّام ، أوّلها وليس آخرها التي شهد عليها الشاعر الشهير معروف الرّصافي حيث أنّه في ثلاثينات القرن الماضي،عبّر رئيس الوزراء حكمت سليمان عن خوفه من كلمة (الفقراء) ومعناها،لأنّه يشمّ منها رائحة الشيوعيّة،ردّه الشاعر الكبير معروف الرّصافي في خطبة في المجلس النيابي، الذي كان عضوا فيه عن لواء الدليم:
(سادتي،أنا شيوعيّ، لقد جاء في القرآن الحكيم (وفي أموالهم حقّ للسّائل والمحروم،      الذاريات: 19) فالضّمير هنا يعودُ إلى الأغنياء. فسألتكم بالله: هل إنّ الشيوعيّة غير هذا؟) .
لؤي كان طالبا غرّا آنذاك فيعتقل مع مجموعة هي الأخرى معروفة في السماوة أوْ في نطاق آخر.
في التعذيب يفقدُ الوعْي مرارا ويصحوا منْ جديد على تعذيبٍ آخر منْ قبلِ مُجرمين ساديّين أوْغلوا في القتل وفقدان الضّمير(أفٍّ لها من عيشةٍ ... ما بيْن وغْدٍ أو لقيطٍ ....الجواهري).
الذي يحصُل في العراق هو أنّنا مثلما نعيشُ في العصور الوسطى التي لم يكنْ فيها الضّمير موجوداً أساسا حتّى جاء شكسبير مُعلم الرّقص وهو أوّل من اكتشف الضّمير ، لو تخيّلنا العراق بهذه الصورة يعني أنّنا نعيشُ حالة الماقبل خمسمائة سنة التي كان يعيش بها شكسبير قبل اكتشافه للضّمير، حتّى و إنْ كُنّا نعيشُ هذا التّخلّف الوسطوي يُفترض أنْ يكون لؤي عمران الصبيّ الطّالب في الكليّة في خضم حياةِ الرّقص والفنّ والشّعر واللّهو مع النّساء وقِصصِ الحبّ الرومانسية الشكسبيرية آنذاك بدلا من السّجن والتّعذيب والتّنقل بيْن أيدي الجلاّدين حتّى يرى في السّجن الكثير من الأطفال والصّبية الذين لم تتجاوز أعمارُهُم الستّة عشر كما هو (محمد السيد جاسم بائع  الباقلاء الفقير والمُعدم ) ولذلك قال لويس أراغون (إنـّـني لأعـجــبُ مـن الـقتــلــةِ كيف لا يلقون أسلحتهم أمام الطّفولــة...!!؟) .
هنا لؤي يُجسّد نضال الحركة الطلابيّة كما الطالب الألماني الذي أُعدم هو وأخته الطالبة هي الأخرى ( صوفيا شول) بالمقصلة من قبل نازيّة هتلر في عام 1943 ،وهي مناضلة الحركة الطلابية،وقفتْ في المحكمة وقالتْ للقاضي الذي حكم عليها ودون خوفٍ(اليوم نحنُ نقفُ هنا     و غدا أنت ستقفُ مكاننا) و بالفعل أُعدِم كلّ من شارك في إعدام هؤلاء الصّبية الطّلاب بعد القضاء على النازية .
أحدُ المعتقلين البريئين مع بسام ( لؤي) وهو إبراهيم ، يُعذّب تعذيبا وحشيّا ، وهو ليس له علاقة بأيّ حزب سياسيّ ، كلّ ما في الأمر أنّ جاراً له كان ماشيا بجانب بيته فسمع من الشّباك المُطلّ على الشّارع أنّ في بيته من ينصتُ إلى إذاعة إيران ولأنّه يعرفه متديّنا فكتب عنه تقريراً إلى أسياده و عندما هاجموا بيته وجدوا قصائدا وكاسيتات للشّعر تدينُ النظام ومنها قصائد حسينية .
ثمّ السّجين موسى محي حمادي ، رجلٌ في الستين من عمره يعملُ في مكتبة السماوة العامّة وهو من أهالي كربلاء يشي به أحد المصريين يُكنى أبو منى كان ساكنا معه في أحد فنادق السماوة، حيث يظهر في التلفاز السيد الخميني الذي كان يطلب من العرب أن يُغيّروا سياستهم النفطية، فكانت جريمة موسى محي أنّه قال ( السيد الخميني) أمام هذا المصري الذي يعمل وكيل أمنٍ . فما هذا البلد المرعب الذي يأتيه رجلٌ أجنبي من مصر فيتجسّس على أبنائه؟.
( تتطرّق الرواية إلى بداية الحرب العراقية الإيرانية و اعتقال التجار لرفعهم أسعار الدولار. ولكثرة السجناء ينقل كل من لؤي ومحمد ( محمد مشل هو الآخر من أهالي السماوة)  من أمن السماوة إلى الخناق ، ويوضعون في غرفة كانت ولزمن طويل تستخدم كمراحيض. ثم يسجن كلّ من توفيق وطالب وجبار . توفيق رياضي على مستوى من الممكن أن يؤهله للوصول إلى المنتخب العراقي). طالب فنان رسام ثم جبار كان في تشيكسلفاكيا وعاد إلى البلد وكان شاعراُ حيث قال في السجن :

" حبيبتي من زمنٍ فارقَتُ مدينتي فكلُّ شيءٍ سَأم
وفي رسالات الهوى بيننا سألتها تأتين؟ قالت :نعمْ
الآن أصبحت ملاكا و لي مطرقةٌ ومنجلٌ والقلم"

الكثير من المناضلين وعلى رأسهم لوركا كان ينادي حبيبته من السجن ، لومومبا يخاطب زوجته قبل الموت ويقول لها (لا الوحشية،و لا القسوة ولا التعذيب ستجعلني أطلب الرحمة)  .
ثم يقول....زوجتي العزيزة (أنا أكتبُ هذه الكلمات ولا أعرفُ ما إذا كانت سوف تصلُ إليكم، وأنا ما أزالُ على قيد الحياة عند قرائتها ).
إذن هو العشقُ الممزوج بيْن حبّ الأوطان و امرأة هناك في المدن أو الأمصار الأخرى وتحت الشّمس تستكينُ لها روحُ السّجين. هذا العشقُ الذي يجعلنا نقول (ألا بالله يا رجال إذا حلّ عشقٌ بالفتى كيف يصنعُ....يداري هواهُ ويصبرُ في كلّ الأمور ويخضعُ)... هكذا هي تعاليمُ الحياة الحرّة الكريمة لوْ أراد إنشادها لؤي وهو في السّجن ، تعاليمٌ صعبةٌ للغايةِ .. أحيانا تحشُرنا في منعطفٍ خطيرٍ لا نعرفُ ما هو التّصرف حيالها.. هلْ نستمرّ في الحبّ .. هلْ نطويه ..أم ماذا؟ حلولٌ كلها على طاولةِ العقل وحبّ عينيْها أو ظفائرها التي تتمايلُ في مخيلة السّجين وعلينا الخيار ...والخيار لابدّ أنْ يكون كما فعله لؤي في المضيّ قدما في الصّمود والصّبر والعناد      و إغاظة السّجان و الجلاوزة المجرمين مع الإبقاء على حبّها ، بلْ نستمد قوانا الجسديّة وصمودنا منْ خلال عينيها وبريقهما. لنر أدناه كيف هي المرأة ( الأمّ) وحنوّها على بطل الرواية ( لؤي) حين تريد رؤيته ولمْ يتحقّق لها ذلك :
(ظلام وخوف، آلاف الخنافس تهاجمنا ليلاً، كان عددنا ستة معتقلين. كان المكان مراحيض سابقة قذرة، القمل كثير، أكثر من أن نسيطر عليه. لم نر شيئا،ًعزلة كاملة. أنا ذو التاسعة عشرة ربيعا أصغرهم سنّا.أصرّ طالب ( سجين مع لؤي)على كسر العزلة محاولاً الاطلاع على شيء ما، فحفر ثقبا قطره أقل من سنتمتر،لنطل من خلاله على العالم.فرأى بطل القصة                         ( لؤي) أمّه من خلال الثقب وهي تأتي بالطعام له لكن مفوض الشرطة طردها وظل يشتمهم ويحلف باسم القائد الضرورة .. ثم يردف لؤي ويقول ...ذهبتْ أمّي مسرعة،خرجت من ذلك المكان. لا أعلم ما الذي حصل بعد ذلك، إلاّ بعد سنة و نصف عند زيارتها الأولى).

ومن الخناق في السماوة ينقلون إلى الأمن العامة وهناك يرون العديد من السجناء الأيزيديين والشيوعيين وحزب الدّعوة وغيرهم وسط سيّاط الجلاّدين والمُجرمين الذين  يشتمون الخميني ولينين ثم يساقون إلى محكمة الثورة ، وهناك يُحكم على كل من لؤي عمران و جبار خضير عباس ،محمد عبد الأمير مشل ، فاضل هاني طاهر ، بالسّجن خمسة عشر عاما مع مصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة، ثم ينقلون بعدها إلى سجن أبي غريب حيث سجنهم الدائم  بلا شمس ولا بصيص أملٍ .

يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــع في الجزء الثالــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــث.....

هاتف بشبــــــــــــــــوش/عراق/دنمارك

65

لؤي عمران ...كي لايعود دكتاتورُّ ثانية ً...

   
لؤي عمران  كاتب وروائي من مواليد 1961 دبلوم في علوم الكومبيوتر ، له عدة كتابات في مجال السياسة والنقد الأدبي ينشر في العديد من الصحف العراقية . لؤي عمران الإنسان والكاتب إستطاع أن يخلّد لؤي عمران السجين الشيوعي في ثمانينات القرن المنصرم ، عن طريق أرشفة مأساة حقيقية أبطالها مازالوا على قيد الحياة والبعض الآخر نال وسام الشهادة الحقيقية وهو يناضل ضد الطغيان البعثي . لؤي أثبت انه لديه القدرة على تحويل التراجيديا النضالية الفعلية التي حصلت خلف القضبان والأقبية الى تراجيديا ورقية كي لايندثر ماحصل من ظلم بحق مناضلين ماديين يساريين وآخرين ضمن المعتقدات المثالية ، كي يعرف القاريء من أن هناك حقبة زمنية باغية عَذبت وقتلت وذوبت بالتيزاب العديد من الشباب مّن كانوا بعمر الزهور وهناك من بقواعلى قيد الحياة كي ينقلوا لنا ماحصل هناك في السجون من تحطيم للنفس الإنسانية ومن هؤلاء الذين بقوا هو كاتب الرواية هذه التي في متناول دراستنا (كي لايعود دكتاتورُّ ثانية ) لؤي عمران( بسام عمران في الرواية) المناضل الشيوعي الشاب أنذاك وطالب الكلية الذي أفنى ردحا من عمره كاد أن يطيح به لولا لعبة القدر التي أبقته حيا بيننا ...
كي لايعود دكتاتور ثانية رواية السيرة الذاتية التي تتناول حياة الروائي نفسه ، وإسم الرواية جاء على غرار كي لاننسى . تتحدث الرواية بشكل أساسي عن نضال الحركة الشيوعية في العراق وما قدمته من تضحيات يعجز أن يوصفها العقل البشري . رواية تتناول أحداث تأريخ لشباب عراقيين في عمر الزهور ساقهم العارُ البعثي الى السجون وظلام الأقبية . رواية لشاب صغير السن بدلا من ان يقضي عمره في الدراسة ، أو بين الفتيات حاله حال ملايين الشباب في هذا العالم المترامي المتحضر الذي نراه اليوم بعد إنقطاعنا عنه نتيجة الحكومات المتعاقبة التي لاتسمح لنا برؤيا العالم الآخر من خلال الفضائيات المتنوعة ، ولم نعرف ماهي أسراره ، لكننا اليوم أمسكنا بالحرية نوعا ما وعرفنا العالم وماذا ينبغي أن تكون الحياة لشاب في عمر لؤي عمران أنذاك ، ينبغي ان تكون مثلما يقضيها أي صبيٍ في مرقص بسيطٍ في تلك الدول المنعمة التي تسيطرعلينا بإستعمارها القبيح بشتى أنواعه ، ينبغي أن يكون لؤي( بسام عمران) موسيقيا ، رياضيا ، فنانا ، حرفيا أو ذو شهادة يستطيع من خلالها نيل الحياة الحرة الكريمة ، ينبغي أن يكون مدلّعاً من إحداهن وفارس أحلامها ويقضي الوقت بالمواعيد المترفة والمشعشعة تحت أضواء المقاصف ، مع الصبية الآخرين من مجايليه كي يقضوا أوقاتهم معربدين مطربين نزقين فرحين ما امتد الليل حتى إنجلائه وبزوغ الشمس المشرقة . او على أقل تقدير ضمن بلدٍ عراقي يستطيع أن يعيش التقليد البسيط لشعوبنا الفقيرة والقاحلة في كل أنواع الترف والأنس ، فيعيش على طيوب إحداهن وهي تنشد له ( آنة أرد الوك اللؤي ..مالوك أنا الغيرة ..مجفلني برد الصبح ..وتلجلج الليرة ..ياريل باول زغرنة ..إلعبنه طفيرة) .أو أن يعيش متنقلاً بين المكتبات الثقافية والمقاهي المختلطة و المسارح والسينما وأضواءها متأبطاً ذراع إحداهن وهو متفاخراً مزهواً برجولته مكتفياً جنسياً وحباً وشميماً من الجنس اللطيف الذي حرمنا منه طيلة مراهقتنا القاتلة والصادية . ألمفروض أن يعيش لؤي عالمه المتخيّل وفق تخيلاته الشخصية التي ترسم له الحقيقة ولاغيرها ، أن يكون نفسه بكل معنى الكلمة لكي يكون حرا لايعيش تحت تأثير إنقباضات الآخرين أو أهواء أناس ذهبت من قلوبهم الرحمة وأصبحوا في عداد الوحوش الكاسرة . المفروض أن يعيش لؤي في عالم البذخ والتدخين وسكر الليالي الحمراء الذي رسمته قوى الأمبريالية العالمية البغيضة لنفسها ولشعوبها لكنها علينا كالأسود والنمور التي تنهش في لحمنا وتتركنا عظام على الطرق المهجورة للديدان والحشرات كما نرى في الكثير من بلدان المجاعة والفقر مثل الصومال واليمن حيث يتقاتل أبناءهم فيما بينهم على تأريخ زائف جلّه يشير الى التخلّف والرجعية التي إنتهت حتى من قاموس المصطلحات الحديثة .  فبدلا من هذه الحياة التي هي من حق أي كائن بشري ، يدخل لؤي السجن وأقبيته المخيفة ومسمياته التي يتطرق لها في السرد ، كمثل المسلخ  ، النظارة  ، جوّه الدرج ، كلها مصطلحات مرعبة من صنع القتلة والسفاحين . بدلا من ذلك راح لؤي يودع قسرا إخوته وأخواته الذين شاطرهم المنزل والأبوين ليعيش الحياة المشتركة مع رفاقه في السجن والذين أصبحوا فيما بعد هم العائلة وهم موطن الأسرار . لؤي دخل المعترك السياسي والألم يعصر قلبه على أخيه الشهيد زهير عمران الذي أعدمه البعثيون منذ بداية الثمانينات .
من خلال السرد والروي نرى كيف أنّ لؤي كان في يفاعته حالما بالوطن الحر والشعب السعيد ، حالما بصرخة ماركس ( ياعمال العالم إتحدوا) . وفي هذا العمر يكون الحلم هو الحقيقة الوحيدة التي لاتستنفد في العقل الباطن . فهل تنتهي الأحلام تلك التي تبقى في الذاكرة مهما إبتعدنا عنها زمكانياً (الذاكرة هي التي تملكنا ونحن لانملكها... المخرج الإيطالي الشهير فدريكو فلليني ) . ولذلك لؤي حتى بعد سنين عديدة لم يستطع أن يخرج من هذه الذاكرة والأحلام فراح يسطرها لنا بحرقة وألم شديدين لما تركت في نفسه من حفرٍ بالغ لايمكنه الإندمال ، سطرها هنا وفي روايته المؤلمة هذه قيد دراستنا . علاوة على ذلك ندرك من أنّ الإنسان يواصل حياته مادام هناك أحباء يعرفوه ويهتموا به . لؤي يسجن بسبب الدفاع عن الجياع وقول الصدق لأن( قول الصدق في زمن الخديعة ثورة ..جورج أوريل )  .
السجن كتب عنه الكثيرون من الأبطال والكتاب والشعراء وكلُّ منهم يراه من زاويته الخاصة به ومدى الأهوال التي رآها هناك من تعذيب وتحطيم للذات البشرية ولذلك كتب محمود درويش شاعر المقاومة الفلسطيني نصا جميلا بعنوان ( السجن) الذي يقول فيه  :
تغيرّ عنوان بيتي
و موعد أكلي
و مقدار تبغي تغيرّ
و لون ثيابي، ووجهي، و شكلي
و حتى القمر
عزيز عليّ هنا
صار أحلى و أكبر......
ــــــــــــــــــــــ   
كي لايعود دكتاتور ثانية رواية خالصة عن التعذيب ومايحصل لسجين سياسي إذا ماوقع بين جلادي البعث ، عقب فشل الجبهة الوطنية التي أطاح بها البعثيون وأنقلبوا عن مواعيدهم ومواثيقهم وحصل الذي حصل من آلام على الشيوعيين ودمار صفوف الحزب الشيوعي ، والشعب العراقي بشكلٍ عام ، لنر ماذا تقوله الرواية بخصوص ذلك ادناه :
 (في منتصف سبعينيات القرن الماضي قام الحزب الشيوعي العراقي بتجميد منظماته المهنية بناءً على ضغوط من حليف الجبهة الوطنية القومية التقدمية )الكلش وطنية وتقدمية( في وقتها حزب البعث العربي الاشتراكي. فقد تم تجميد اتحاد الطلبة ورابطة المرأة و كذلك منظمة الشبيبة، ولذا كان على المنتسبين لهذه المنظمات أن يكونوا خارج العمل التنظيمي).
(لقد كان النظام يخطط للانقضاض على معارضيه وتأسيس أكبر دكتاتورية في الشرق الأوسط. وبالفعل وفي العام نفسه تمت مهاجمة مقرات الحزب الشيوعي واعتقال عناصره فقد غادر العراق من غادر وقد أعدم من أعدم وأعتقل من أعتقل).

(من جانبه قام الحزب الحاكم بإصدار قوانين تحرم التنظيمات غيرالبعثية في القوات المسلحة وأصدرت قوانين أخرى تحكم بالإعدام على أي عسكري في كافة صنوف القوات المسلحة يثبت عليه انتماؤه أو تعاونه مع أي تنظيم غير بعثي. ولم يحرك الحزب الشيوعي ساكنا،ً بل جمد عمل أعضائه الذين يساقون إلى الخدمة العسكرية، فكانت هذه الخطوة تمثل طعنة رمح قاتلة في جسد ذلك التحالف الهش أساسا).ً

لو نظرنا الى ماحصل لاستطعنا ان نر بكل وضوح ماقاله ماركس (إياكم والتنازل النظري والمساومة على المبادئ) . فما الذي حدا بقيادات الحزب الشيوعي العراقي أنذاك بالتنازل هكذا وبشكل محيّر لايقبله العقل السليم . مما أدى ذلك الى تجروء النظام الجائر في توجيه الضربة القاصمة للحزب والشيوعية أنذاك التي كانت بالأساس قد مرّت بمراحل قاسية وعداءات كثيرة من قبل الحكام ، أولها وليس آخرها التي شهد عليها الشاعر الشهير معروف الرصافي حيث  أنه في ثلاثينات القرن الماضي ، عبّر رئيس الوزراء حكمت سليمان عن خوفه من كلمة (الفقراء) ومعناها، لأنه يشمّ منها رائحة الشيوعية، ردّه الشاعر الكبير معروف الرصافي في خطبة في المجلس النيابي، الذي كان عضوا فيه عن لواء الدليم:
(سادتي، أنا شيوعي. لقد جاء في القرآن الحكيم (وفي أموالهم حقّ للسائل والمحروم، الذاريات: 19) فالضمير هنا يعود إلى الأغنياء. فسألتكم بالله: هل انّ الشيوعية غير هذا؟) .
لؤي كاه طالبا غرا أنذاك فيعتقل مع مجموعة هي الأخرى معروفة في السماوة أو في نطاق آخر . في التعذيب يفقد الوعي مرارا ويصحوا من جديد على تعذيب آخر من قبل مجرمين ساديين اوغلوا في القتل وفقدان الضمير( أفٍ لها من عيشةٍ ... مابين وغدٍ او لقيط ....الجواهري).
الذي يحصل في العراق هو أننا مثلما نعيش في العصور الوسطى التي لم يكن فيها الضمير موجوداً اساسا حتى جاء شكسبير معلم الرقص وهو أول من إكتشف الضمير ، لو تخيلنا العراق بهذه الصورة يعني أننا نعيش حالة الماقبل خمسمئة سنة التي كان يعيش بها شكسبير قبل إكتشافه للضمير. حتى وإن كنا نعيش هذا التخلف الوسطوي يفترض أن يكون لؤي عمران الصبي الطالب في الكلية في خضم حياة الرقص والفن والشعر واللهو مع النساء وقصص الحب الرومانسية الشكسبيرية أنذاك بدلا من السجن والتعذيب والتنقل بين أيدي الجلاّدين حتى يرى في السجن الكثير من الأطفال والصبية الذين لم تتجاوز أعمارهم الستة عشر كما هو (محمد السيد جاسم بائع الباقلاء الفقير والمعدم ) ولذلك قال لويس أراغون (إنــني لأعـجــب مـن الـقتــلــة كيف لا يلقون أسلحتهم أمام الطفولــة..!!؟) .
هنا لؤي يجسد نضال الحركة الطلابية كما الطالب الألماني الذي اعدم هو وأخته الطالبة هي الأخرى ( صوفيا شول) بالمقصلة من قبل نازية هتلر في عام 1943 ، وهي مناضلة الحركة الطلابية ، وقفت في المحكمة وقالت للقاضي الذي حكم عليها ودون خوف ، اليوم نحن نقف هنا وغدا انت ستقف مكاننا وبالفعل إعدم كل من شارك في إعدام هؤلاء الصبية الطلاب بعد القضاء على النازية  .
احد المعتقلين البريئين مع بسام( لؤي) وهو ابراهيم ، يعذب تعذيبا وحشيا ، وهو ليس له علاقة بأي حزب سياسي ، كل ما في الأمر أنّ جاراً له كان ماشيا بجانب بيته فسمع من الشباك المطل على الشارع أنّ في بيته من ينصت إلى إذاعة إيران ولأنه يعرفه متدينا فكتب عنه تقريراً إلى أسياده وعندما هاجموا بيته وجدوا قصائد و كاسيتات للشعرتدين النظام ومنها قصائدَ حسينية .
ثم السجين موسى محي حمادي ، رجل في الستين من عمره يعمل في مكتبة السماوة العامة وهو من أهالي كربلاء يشي به أحد المصريين يكنى ابو منى كان ساكنا معه في أحد فنادق السماوة ، حيث يظهر في التلفاز السيد الخميني الذي كان يطلب من العرب أن يغيروا سياستهم النفطية ، فكانت جريمة موسى محي أنه قال ( السيد الخميني) أمام هذا المصري الذي يعمل وكيل أمن . فما هذا البلد المرعب الذي يأتيه رجل أجنبي من مصر فيتجسس على أبنائه .
( تتطرق الرواية الى بداية الحرب العراقية الإيرانية وإعتقال التجار لرفعهم أسعار الدولار . ولكثرة السجناء ينقل كل من لؤي ومحمد ( محمد مشل هو الآخر من أهالي السماوة)  من امن السماوة الى الخناق ، ويوضعون في غرفة كانت ولزمن طويل تستخدم كمراحيض. ثم يسجن كل من توفيق وطالب وجبار . توفيق رياضي على مستوى من الممكن أن يؤهله للوصول الى المنتخب العراقي ). طالب فنان رسام ثم جبار كان في تشيكسلفاكيا وعاد الى البلد وكان شاعراُ حيث قال في السجن :

" حبيبتي من زمنٍ فارقَتْ مدينتي فكلُّ شيءٍ سَأمَ
وفي رسالات الهوى بيننا سألتها تأتين؟ قالت :نعمْ
الآن أصبحت ملاكا ولي مطرقة ومنجلٌ والقلمْ "
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكثير من المناضلين وعلى رأسهم لوركا كان ينادي حبيبته من السجن ، لومومبا يخاطب زوجته قبل الموت ويقول لها ( لا الوحشية، ولا القسوة ولا التعذيب ستجعلني أطلب الرحمة)  .
ثم يقول.... زوجتي العزيزة(أنا أكتب هذه الكلمات ولا أعرف ما إذا كانت سوف تصل إليكم، وأنا ما أزال على قيد الحياة عند قرائتها) .
إذن هو العشق الممزوج بين حب الأوطان وإمرأة هناك في المدن  أو الأمصار الأخرى وتحت الشمس تستكين لها روح السجين . هذا العشق الذي يجعلنا نقول (الا بالله يارجال إذا حلّ عشقُ بالفتى كيف يصنعُ....يداري هواه ويصبرُ في كل الأمور ويخضعُ)... هكذا هي تعاليم الحياة الحرة الكريمة لو أراد إنشادها لؤي وهو في السجن ، تعاليمُّ صعبة للغاية .. أحيانا تحشرنا في منعطف خطير لانعرف ما هو التصرف حيالها .. هل نستمر في الحب .. هل نطويه ..أم ماذا ... حلول كلها على طاولةِ العقل وحب عينيها أو ظفائرها التي تتمايلُ في مخيلة السجين وعلينا الخيار ...والخيار لابد أن يكون كما فعله لؤي في المضي قدما في الصمود والصبر والعناد وإغاضة السجان والجلاوزة المجرمين مع الإبقاء على حبها ، بل نستمد قوانا الجسدية وصمودنا من خلال عينيها وبريقهما . لنر أدناه كيف هي المرأة ( الأم) وحنوها على بطل الرواية ( لؤي) حين تريد رؤياه ولم يتحقق لها ذلك :
 (ظلام وخوف ، آلاف الخنافس تهاجمنا ليلاً، كان عددنا ستة معتقلين. كان المكان مراحيض سابقة قذرة، القمل كثير، أكثر من أن نسيطر عليه. لم نر شيئا،ً عزلة كاملة. أنا ذو التاسعة عشرة ربيعا أصغرهم سنا.ً أصرّ طالب ( سجين مع لؤي)على كسر العزلة محاولاً الاطلاع على شيء ما ، فحفر ثقبا قطره أقل من سنتمتر، لنطل من خلاله على العالم. فرأى بطل القصة( لؤي) أمه من خلال الثقب وهي تأتي بالطعام له لكن مفوض الشرطة طردها وظل يشتمهم ويحلف بأسم القائد الضرورة .. ثم يردف لؤي ويقول ... ذهبت أمي مسرعة، خرجت من ذلك المكان. لا أعلم ماالذي حصل بعد ذلك، إلا بعد سنة ونصف عند زيارتها الأولى.).

ومن الخناق في السماوة ينقلون الى الأمن العامة وهناك يرون العديد من السجناء اليزيديين والشيوعيين وحزب الدعوة وغيرهم وسط سياط الجلادين والمجرمين الذين  يشتمون الخميني ولينين ثم يساقون الى محكمة الثورة ، وهناك يحكم على كل من لؤي عمران و جبار خضير عباس ، محمد عبد الامير مشل ، فاضل هاني طاهر ، بالسجن خمسة عشر عاما مع مصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة . ثم ينقلون بعدها الى أبي غريب حيث سجنهم الدائمي بلاشمس ولابصيص أمل .
في أبي غريب يتعرف لؤي على مجموعة من السجناء ومنهم كما نقرأ في سطور الرواية  ادناه :
 (إقتربت من الشبك حاولت أن اجمع شتاتي وأحاول التعرف عليه وهويشير لنفسه وبصوت عالي يقول....ألم تتعرف علي بعد أنا جارك لطالماالتقينا عند بوابة مدرسة الرشيد أنا محمد السيد جاسم أبو الباجلة اشبيك ما عرفتني... اهتز جسدي وتجمع شتاتي على غير عادته حيث لم يتجمع منذ زمن. إنه محمد الجار الذي اختفى ولا يعلم عنه أهله شيئا ذلك الشاب اليافع ذو الستة عشر ربيعا الذي اعتقلوه لانتمائه لمنظمة العمل الإسلامية.... لم أرَ سيد محمد و رفاقه إلا بعد ثلاثة و عشرين عاما ولم أتعرف عليه للوهلة الأولى عندما التقينا في عام 2003 ).

في الحجر يعذب بسام( لؤي)  من جديد وهو محكوم بخمسة عشر عام ، ثم تأتيه امه لزيارته لكنه في وضع مؤلم من التعذيب ...فيطلبوا منه المساومة بين رؤيا أمه أو العمل معهم كوكيل أمن ورفض لأنه المناضل الحقيقي الذي لاتلويه الأعاصير . فتذهب أمه ولم يرها وماعليها سوى أن تذهب للكاظم وتطلب الدعاء لإبنها وهذا دأب شعوبنا البسيطة وصدق ماركس حين قال ( أن الدين هو صرخة المظلوم ) .
99999999999999999999999
في رواية لؤي نرى المتناقضات في طبيعة المجتمع العراقي والمجتمع الشرقي بشكل عام حيث نرى من أنّ لؤي يسجن لكونه شيوعي وهذه بحد ذاتها تعني الكثير وخصوصا في مجال الدين والتدين ، وهو في سجن أبي غريب وحين يزوراه أمه وأبوه ثم يعودا من زيارته يذهبان الى الإمام موسى الكاظم لغرض طلب الرجاء والدعاء لإبنهم كي يحفظه الرب من الشرور والأشرار ، متناقضات عجيبة غريبة في داخل الإسرة نفسها لدى شعوبنا فنرى الأب متدين لكن الإبن ليس كذلك ، فلا يستطيع أحد أن يفهم هذه اللخبطة الفكرية حتى كبار المثقفين ، لكنها ليست صعبة على رجال حكماء غيروا من مصير شعوبهم في سير التقاليد والإعتقاد على سبيل المثال (بوذا) قال بصدد ذلك (  الكهنة والشيوخ ورجال الدين بمختلف تسمياتهم هم أعداء الحقيقة وسلاحهم الوحيد هو إتهام الباحثين عن الحرية بالزندقة).
قضية زيارة الأولياء هذه التي تطرق لها الروائي لؤي لم تأتِ إعتباطا وإنما أراد منها ن تكون رسالة معينة ، لما لها من أثر في نفس أبويه اللذين يحبهما حبا عميقا حيث نقرأ إهداء الرواية في الصفحة الأولى الى أبيه ، وهذه غريزية لاتحتسب ضمن المجهود الفردي والسعي للحب وماعدا ذلك فهو من الشواذ الغير طبيعية . ولذلك أستطيع التنويه في هذا المجال وأقول (إنّ صرخات المستغيثين تنطلق سريعة ولكن الإستجابة لها تأتي متأخرة.......التأريخ في زجاجة ...رواية سويدية ) ودليلنا على ذلك إطلاق سراح لؤي بعد سنين طويلة وطويلة ، هذا إذا كان إطلاق سراحه نتيجة الدعاء والرجاء من قبل أبويه وليس نتيجة السياسة التي تلعب بنا كلعبة الأفعى والسلّم...وأحيانا يدب الجهل في الإنسان الى حد الموت نتيجة الأمية وعدم المعرفة الأكاديمية التي يجب ان تعرض الى الآخرين لغرض منعهم من الإنجراف الى وهم القدسية المطلقة لولي من الأولياء بحيث نتخذه طبيبا مداويا ومشافيا كما حصل لصديق لي من أهالي الحمزة الشرقي حينما كان مريضا ويتناول الدواء الذي وصفه له الطبيب لكنه ذاق ذرعا من الدواء فذهب الى أحد الأولياء الصالحين ورمى الدواء في شبّاكه وقال للولي أنا جئتك هنا وأريد الشفاء منك فأنت الطبيب المشافي والمداوي ولاغيرك . ورحل مطمئنا متأكدا من شفاءه على بركات رحمة الولي ...وفي الليل جائني خبره من أمه ...لقد مات صديقك .
في الرواية نشهد بعض المفارقات التي تحصل في السجن والتي تشير الى غباء السجان والعاملين هناك ، حيث انّ أحد السجناء يقرا من مكتبة السجن كتاب لأجاثا كريستي ولأن لونه يميل الى الحمرة عوقب عليه من احد العرفاء الجهلة وهذا العريف ينطبق عليه ماقاله لينين ( إذا سقط المرء اصبح شرطيا..وأنا أضيف شرطيا غبياً..لأن شرطة اليوم في الغرب على مستوى عالي من الثقافة والمعرفة ) ، بينما (لؤي) كان يقرأ شرق المتوسط لعبدالرحمن منيف وهي الرواية الخطيرة والممنوعة أنذاك قد هربتها احد الزوجات لزوجها السجين لكن لونها ليس أحمرا فلم يعاقب عليها السجين الشيوعي لؤي  .
يبقى لؤي في أبي غريب حتى يأتي العفو العام في زمن فاضل البراك الذي كان مدير الأمن العامة الذي أعدمه صدام حسين فيما بعد وبهذا يتحقق ماقالته الطالبة الألمانية التي أشرنا اليها أعلاه(صوفيا شول ) التي قالت للمحقق أنت اليوم تعاقبنا وغدا يأتي من يعاقبك ، وعلى الباغي تدور الدوائر .
يُنقل بسام مع بقية رفاقه السجناء من ابي غريب الى الأمن العامة حيث يجد هناك عائلته وابيه مع بقية العوائل لإستلام أبنائهم المفرج عنهم مع بعض المحاضرة لتخويفهم فيما لو تكلّموا يما لايرضي السلطة أنذاك . وبهذا يصبح لؤي حرا طليقا ليعيش الحياة مرة أخرى ليلاقي عراقا مدمرا محطما من جميع النواحي لنقرأ ماتقوله الرواية :
(خرجنا هذه المرة عيوننا غير معصوبة والأيدي غير مكبلة وسارت سيارة الكوستر باتجاه مدينة السماوة، لم نكن لنصدق حتى حطت السيارة رحالها في شارع الإستقلال (باتا)، عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل. الشارع موحش وفارغ إلا من أولئك الذين يرتدون الزيتوني وكأنهم في إنذار، فكان سهلاً أن نلاحظ أن الحرب قد تركت بصماتها على المدينة وأن هناك صوراً لشباب قد غادروا الحياة في الحرب المعتوهة التي افتعلها الدكتاتور).

أستطيع القول أن لؤي كان بديعا وأكثر بهجة ونضارة ومؤازرة لكل ماهو شفاف يتعلق بالحب لأمه ولوطنه أو الحب الأزلي الذي من شأنه أن يجعلنا سعداء هانئين وهذه هي الحياة التي يجب أن تعاش في حلّها وترحالها والتي قرأناها منطلقة من قلم لؤي نفسه لحب الوطن ورجاله الميامين الذين إستشهدوا و بقي الرصيف يشتاق اليهم لكونهم من السابلة الذين مروا فوقه وتركوا آثار أقدامهم وذكراهم وأحزانهم وبكاء ذويهم عليهم . مع العلم أن الحياة مهما طالت أو قصرت فهي نسبية دائما لأن جميع بني البشر هم لاحقون ببعضهم البعض مثلما ماقالها عمر الخيام ( وكم تساوى راحلُ في الثرى غدا وراحلُ منذ آلاف السنين ) ، وهكذا هو مسرح الحياة ، مهما طالت فترة بقائنا في هذه الأرض التي لانعرف لماذا جئنا اليها إذا كنا راحلين والى أين تسير بنا في دروبها الحالكة والهالكة  (قل لي الى أين المسير ...في ظلمة الدرب العسير ...طالت لياليه بنا ... والعمر لوتدري قصير) . ثم انّ الحياة على خافقها شعلة منكّسة على الدوام ، فيها من العثرات التي لابد لنا أن نحاكمها ، العثرات الناجمة عن نظام حاكم أو صديق أو حبيب حاول الطعن بنا مرات ومرات .
وفي النهاية يبقى المثقف التقدمي على غرار لؤي ورفاقه الآخرين شموس ساطعة مستمرة تخيف الطغاة ورجال السلطة ( أتحسس مسدسي عند سماعي كلمة مثقف ....جوزيف جوبلز .. وزير أعلام هتلر) ، هذا الرجل قتل أطفاله الستة وكانوا جميعهم يحملون حرف الهاء تيمنا بهتلر ثم انتحر هو وزوجته لكي لايهانون من قبل الروس ولكي يبقى حتى مماته مناصرا للجريمة والمجرم هتلر ، وهذا النوع من الرجال هم من المثقفين المتملقين والمصفقين والمؤازرين لرؤسائهم حتى في الجريمة وقتل شعوبهم وما أكثرهم وهؤلاء هم الأخطر على الشعوب ( لينين) ، ومن أمثال هؤلاء عبد الرزاق عبد الواحد المجرم الذي مات وهو يشكر ولي نعمته صدام ، ثم وزير الإعلام العراقي المجرم محمد الصحاف  .
السجن مهما كان هو تحطيم للنفس خصوصا لسجناء الرأي ، لأنهم الأكثرعناداً واصراراً على الحب . هم دائما على غرار ريتسوس الشيوعي الذي سجن مرارا ولم يتوقف عن نضاله في سبيل الحرية والتحرر ، بل أكثر من ذلك راح يكتب لنا أجمل اشعاره الآيروتيك والحب الذي ظل عابقا بنكهتهِ الريتسوسية التي ترجمت الى كافة لغات العالم . 
ورغم مرارة الحياة التي تكبدها وعاشها الشيوعي في السجون ومالاقاه من أهوال لكنه اليوم يحسد على سمعته ونزاهته وأخلاقه في كافة مجالات الحياة ، وأنا كاتب المقال و في وقت كتابتي لهذه القراءة ، كنت أتحدث مع إحداهنّ في الماسنجر فقالت لي عن طريفةٍ أضحكتني كثيرا وقد حدثت قبل يومين فقلت حمدا لله أنّ الشيوعي هكذا تكون له هذه السمعة التي نقلتها لي( سميّة) الفتاة الأربعينية الرائعة في هذه الحكاية أدناه :
( شيوعي من السماوة أراد ان يؤنب أخته لفعلها بعض المشاكسة فصار عصبيا ، بينما صديقتا أخته تنظرانَ اليهما فيما يتشاكسان فقالت أحداهما خطية سندس سوف يظربها أخوها ،  لنفعل شيئا ونوقفهما فقالت الأخرى..سميّة.....لالالالا عيني سعاد لاتخافي سوف لن يضربها ... لأنّ أخاها هذا شيوعي ... والشيوعيون لايَضرِبون.... بل يُضرَبون) .
وفي النهاية أعلنُ صرختي مع لؤي ورفاقه الشيوعيين الذين نالوا الحرية او الذين إستشهدوا فأقول ماقاله ُالشيخ جمال الدين الأفغاني ( ملعونُّ في دين الرحمن ..من يبني سجناً .. من يرفعُ رايات الطغيان ..ملعونُّ في كل الأديان ..من يهدرُ حق الإنسان ..حتى لو صلّى أو زكى ..أو عاش العمر مع القرآن ) .

هـــاتف بشبــوش/عراق/دنمارك

66
أدب / نصوص قصيرة (15)
« في: 17:15 11/04/2017  »


نصوص قصيرة (15)



هــاتف بشبــوش


أتساءل:
أنا أم رب المسلمين
أكثر وجعا وقهرا على الشهيد المغربي محسن فكري
المثروم في عربة المزابل
.................
القرآنُ ، التوراة ، الأنجيل 
كتبُ..
إذا حملها السياسي بيديهِ
فأنها...
بمثابةِ أقوى سلاجٍ حربي
لقتلِ شعوبِ الأرضْ
.......................
ليلة أمس حلمتُ بهتلرَ
وهو يقرأ قصيدةً عن الحسين (ع)
أمام الملايين ، التي تصفقُ لهُ
عجبتُ لأمرهِ
لكنني تركتهُ ومضيت
دونَ أنْ أبصِقَ في وجهه!!!!!!!!!
........
إذا أمطرتِ السماءُ حرية ً
وضعّ العبيدُ مظلات
...................
أحياناً
نحنُ نعرفُ أنها هاوية
لكننا نسيرُ نحوها
وليس لدينا الرغبة َ
في الإبتعادِ عنها
.................

حينما نفقدُ شخصاً عزيزاً
نحزنُ أولاً
نبكي بكاءاً خفيفاً صامتاً
ثم ينهارُ السدّ فجأةً
لان الجاحدين فرحون على الدوام

عراق/دنمارك



67
أنمار رحمة الله ....وإسألهم عن القرية(3) ....

الهتــر.......

قصّة تحكي عن رجل طيّب أو مخبول فقد صوابه في زمنٍ لا ينفعُ أن يكون ساذجا وسط هذا القتل الرّهيب الذي لا يضاهيه قتلٌ و تدمير بين بشرٍ لا يعرفون الرّحمة في عالم إسلاميّ بات مُقرفاً للغاية .
أنا أرى نتيجة تجوالي و ترحالي لمختلف الشّعوب وأجناسها توصلت إلى نتيجة مفادها أنّ أسوأ إنسان في مختلف الميادين هو الإنسان المُسلم لأن بقيّة الشّعوب قد تخطّت الكثير من المقولات  السبعينيّة الشّهيرة على سبيل المثال ( إن لم تكن ذئبا أكلتك الذّئاب ) الإنسان قد وصل إلى السوبرمان ( الإنسان الأعلى ) الذي كان ينادي به ( نيتشه) الكاتب، حيث أنّ هذه الكلمات  اندثرت وسط تطوّر الشّعوب ونيلها الحريّة والديمقراطيّة فارتقتْ إلى المستويات العليا وحتّى الألماني الشّهير . بينما المُسلم أصبح أكثرُ افتراسا وحقدا و فتكا لبني جلدته وبدون أدنى رحمة وليس له سوى أن يدّعي بحضارته العريقة الزائفة بينما الحريّة نالها الفرد قبل الحضارة (ليستْ حُريّة الفرد من الحضارة فهذه الحريّة كانتْ في أقصى درجاتها قبل نشوء الحضارة....فرويد) .
يُصوّر لنا أنمار من أنّ الإنسان الطيّب ذو الأخلاق الحميدة أو الهتر لا يستطيعُ مجاراة الحياة وسط بشرٍ تذأّبتْ و تأسّدتْ على بعضها البعض فلا مكان للطيّبين المسالمين بل يستحقّون الموت كي لا يكونون عبرة في الأخلاق الحميدة وخصوصا أولئك المثقّفين وأصحاب المؤلّفات ومُحبّي الكتب كما يبيّن القاصّ أنمار حيث يُقتل الهتر وسط الكتب أو يُخنق .وهنا لابدّ لي أنْ أتوقّّف في حادثة شهيرة تعرّض لها "إبن رشد" عندما أصدر رجال الدّين فتواهُم بحرق جميع كتبهُ،خوفاً من تدريسها لما تحتويه من مفاسد و كُفر و فُجور و هرطقة وبالفعل زحف النّاس و أحرقوا كتبهُ جميعها حتّى أصبحتْ رماداً .. حينها بكى أحد تلامذتهُ بحرقةٍ شديدة .. فقال لهُ إبن رشد :
( يا بُنيّ لو كُنت تبكي على الكُتب المُحترقة فأعلمْ أن للأفكار أجنحة وهي تطيرُ بها إلى أصحابها،لكن لو كُنت تبكي على حال العرب والمُسلمين فأعلمْ أنّ بحار العالم لنْ تكفي بكتاب ضخم حتّى الموت) . أيضا أنا أرى هنا منْ أنّ القاصّ أنمار يقتربُ من تلك المسرحيّة التي تتناولُ الملك الفرنسي لويس السّادس عشر الذي قتل أخاه الطيّب ، لنقرأ ماذا قال أنمار أدناه حين يقتلُ أحد الأصدقاء صديقه الهتر :
(عذراً فأنا لم أقتلكَ إلاّ بدافع أنْ أريحك وأريح نفسي من همِّك وثقل طيبتك وسذاجتك. بعد تجرّع شراب الصبر في سنوات صحبتك،وأكوام من النصائح التي لم تفلح يوماً معك،صارحتك بأنْ لا عيش في قريتنا لأمثالك،وأردتُ إقناعك بغلقِ سدود حزمك أمام طوفان محبتك الهائج،ورسمتُ لك خريطة حياتك،إذ خططتها بالحيلة ولوّنتُها بقليل من الغدر،وحدَّدتُ لك فيها اتجاهات المجاملات والنّفاق والتَّصنّع.لكنّك أبيتَ وعاندتَ فذقْ ما طبختهُ أنتَ،وتلذَّذ بما عصرْتَه من ثمار صدقك أنت) .

يتجلّى هنا ما قاله الملك لويس السادس عشر الفرنسي حين قتل أخاه نتيجة لطيبته وسذاجته وكان الملك مُتعطّشا للدّماء وقتل الكثيرين حتّى أخيه الطيب لم يسلمْ منه فقبل أنْ يقتلهُ قال له :  ( أخي الطيّب والمُحبّ والسّاذج أنت لا تصلحُ للأرض بل للجنّة والعالم السّفلي أو بالقرب من ربّك الرّحيم ..أمّا أنا فقد قطعتُ شوطا كبيرا مع الدّم ولا مجال هنا للنّكوص والعودة من جديد إلى الأخلاق والأخذ بنصائحك والكفّ عن الدّم ... ولذلك سأرسلُك سريعا إلى جنان الخلد فأنت تصلحُ هناك وليْس هنا ..فقتله دون أدنى رحمة أو أسف ) .. هذا ما يطرحهُ لنا القاصّ البارع أنمار في سرده أعلاه قبل أنْ ينتقل بنا إلى القسم الثّاني من المجموعة والذي ينحى منحى آخراً و بُعدا آخراً في التفكير و تكونُ أحداثها في المدينة أكثرُ منها في القرية حيثُ الصّراع على النفوذ يكونُ أكثرُ بشاعة و جشعا. لنر ذلك في القصّة الأولى من القسم الثاني وقصّة التّوأم :

قصة التّوأم .........

تتناولُ الصّراع الفكري بين البشر حتى لو كانوا إخوة حتّى لو كانوا توأمين أو كما ( الإخوة كارامازوف) للكاتب الروسي دوستويفسكي التي تناولها العديد من أدباء العالم وكتبوا على غرارها وأنتجتْ السينما العالمية الكثير من الأفلام حول موضوع الأخوّة والصّراع الدائر بينهم وهناك فيلما عربيا جميلا من تمثيل عمالقة الفنّ المصري ( نور الشريف ، حسين فهمي ، محمود عبد العزيز) حيث يتناولُ الفيلم الصّراع على المال الموروث من أبيهم الرّجل الدّيني الكذّاب الذي كان يُتاجرُ بالمخدّرات لكنّه أمام الناس الحاجّ والورع والمُحترم .قصّة يتناولها أنمار بشكل مُثير ، حيث يتصارعُ الأخوان التوأمين برأسٍين وجسم واحد وشرج واحد وقضيب واحد على تفاصيل صغيرة ثم أخيرا على حُبّ فتاة واحدة كما حصل بين قابيل وهابيل . اليدُ اليمنى تنحازُ إلى الرّأس الأيمن و اليدُ اليُسرى إلى الرّأس الأيسر . إنّهما يختلفان حتّى في تشجيع فريقين لكرة القدم ثمّ في الانتخاب حيث يأمرُ المسؤول عن الانتخاب بالسّماح لأصبع واحد منهما للانتخاب لأنّ كُلّ إصبع يريدُ أن ينتخب الحزب الذي يفضّله . وأخيرا يتشاجران على نزاعٍ كبير وهو حُبّ فتاة ممّا يضطرّ أحدهما ضرب الآخر على رأسه فيرديه قتيلا ، ولذلك أطلقوا على النّزاع من أجل المرأة بالمنازعات الكبرى كما حصل للشاعر الروسي بوشكين الذي تنازل مع أحد النبلاء وجها لوجه من أجل امرأة وقُتل بوشكين على أثرها بضربة سيف .
الأخُ التّوأمُ حين يقتلُ أخاه يتألمُ ويندمُ ويلات ساعة مندم ، حيثُ يجدُ نفسه وحيدا في عزلته وما من أنيس لقضاء الوقت القاتل . هذا هو طبعُ البشر الذي يميلُ إلى الصّراع الدّائم والدامي على مرّ العصور . فهنا نجدُ من أنّ القاصّ أنمار يتناولُ مسألة الصّراع الذي أورثه البشر منذُ الأزل سواء إنْ كان صراعا طبقيّا أو فكريّا أو صراع المنازعات الكبرى، بحيث أنّ الإنسان لو نظر لنفسه في المرايا لخجل من نفسه أو تحوّل إلى إنسان متمادي في حُبّ ذاته ونرجسيته . لنرى أنمار ماذا قال في قصّته أدناه بعنوان المرايا حول ذلك :

المرايا.....

القصّة تتحدّثُ عن شابّ جميل مُثقف يضيقُ ذرعا بقرف حياة المدينة وأهلها وتلوّثها وتصرّفها الجشع في أمور الحياة ، فيذهبُ هذا الشاب الجميل إلى مرآة الماء ليرى نفسه ويتذكّر الطفولة النقية الصافية صفاء الماء الذي رمى فيه الحصى ذات يوم . بينما هو ينظرُ إلى الماء تقفز موجة محمّلة بحصاته فيأخذها ويصعدُ فوق تلّ يُطلّ على مدينته ويرميها بالحصى كتعبير عن احتقاره لقيم كهذه و تقاليد لا ترتقي إلى الإنسانية بشيء ..رميُ الحصى التي يتطرّق لها أنمار هي عادةٌ تقليديّة لدى شعوبنا لطرد الشرّ خُصوصا السّبع حجرات التي تستخدمُها أمّهاتنا في غالب الأحيان.
المرآة تُستخدم للكثير من التفاسير لكنّي سأذكرُ طرفة مُضحكة مُبكية لصديق لي عديم الثقة بنفسه وشكله ، إذ أنّه كان يقف أمام المرآة ويقول لنفسه (شني ربّ العالمين مطلعك إكمال بالخلقة ، يلله ما يخالف.. أنت ليس لديك موعداً مع إحداهن فلا داعٍ للقلق ) . الموعدُ كلمةٌ جميلةٌ تُطلقُ على المواقيت الغرامية ومدى احترامنا لموعد غزليّ مع فتاةٍ قد أخذتْ من تفكيرنا الكثير و أدخلتنا في السّعادة و الانتشاء أو الهمّ على حدّ سواء ، الموعد تلك الكلمة الرائعة التي اشتقّتْ منها الأغنية الجميلة للعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ تلك الأغنية التي آنستنا أيام الرومانس والصبا الحزين ، تلك التي إسمها ( موعود) . لكن هذه الكلمة نفسها ( موعود) عذّبتْ وحطّمتْ راحة البال لشعبنا العراقيّ وأقلقت القاصّ أنمار لأيّام وأيّام ولازال حتّى اليوم لكثرة مواعيده ....ليس مع فتاةٍ شقراء أو سمراء أو نحيفة أو طويلة فارعة ، بلْ لكثرة مواعيده الدّقيقة والتي لم تخطأ أبدا وهي المواعيد التي تجمعه مع انقطاع التيار الكهربائي في الصيف اللاّهب وما ينجمُ عقب ذلك من قلق وعدم راحة وضياع الأمن والأمان نتيجة الظّلام من انقطاع التيار الكهربائيّ ، لنقرأ ما قاله أنمار في قصة ( موعد) :

موعـــــــــــــد.....

هنا أنمار يُصوّر لنا بأنّ الأمن والأمان يتعلقّ بالعتمة والظّلام ومنهما تأتي الجريمة والفوضى والدّروب الوعرة . وأنا أرى القاصّ أنمار قدْ ضاق ذرعا من كثرة انقطاع التيار الكهربائي في العراق صيفا وشتاءا وبشكل يُثير الاشمئزاز والقرف والتّمرّد على حالة أصبحتْ لا تُطاق . ولذلك راح يُوظّف حالة واقعية كهذه لدى عائلة عراقيّة حيث الأب وفي لحظات الظّلام الدّامس نتيجة انقطاع التيار الكهربائيّ يُعلّم أبناءه في أنْ يتعرّف أحدهمْ على الآخر من الصّوت ، وهنا أنمار يتطرّقُ إلى حالة تستوجبُ الجدل و إلاّ كيف لنا أن نعرف في التلفون مثلا من أنّ الذي نتكلّمُ معه فلان ابن فلان دون أن نراه بلحمه ودمه . و بالفعل يُصوّرُ لنا القاصّ عن طلب أبناء الأب كلٌّ و حسب طلبه فيتعرّف عليهم بالصّوت لنقرأ ذلك أدناه:
(أبي المعلّمة طالبتني بنشرة مدرسية أنا و صديقاتي). فعرفها الأب من أنها فلانة فأجابها:(لك هذا يا نور عيني).الابن الأكبر استغل الفرصة مطالباً بحصته :(أبي أين ما وعدتني به حين أنجح في امتحاني؟.لقد وعدتني بساعة يدوية تزين معصمي). فأذعن الأب موفياً بوعده مع اعتذار.الزوجة وهي تهوّد رضيعها نبهت زوجها:( عزيزي غداً بلا شك سوف نعيد ترتيب الحاجيات مع قليل من الخضروات،وعلبة حليب للرضيع). فردّ ربّ الأسرة بالقبول، وأنّه سيذهب غداً إلى التسوق كما رغبتْ.الأصوات تتدفق صوب أذني ربّ الأسرة.الرضيع استمر باكياً مطالباً بحصته (الحليب). البنت تغنّي نشيداً خافت حفظته مؤخراً، الولد يحلم بساعته الجديدة. الزوجة تتأفف لطول فترة انقطاع الضوء وكآبة العتمة ) .

وعلى حين غرّة تحدُث جريمة في البيت إذ يدخلُ المجرمون مستغلّين الظّلام في البيت ويقتلون أربعة من العائلة.فيصفُ القاصّ لنا كيف الأب ينظرُ إلى الحائط  حيث تعلّقت صور أبناءه الأربعة الراحلين نتيجة الجريمة أو نتيجة تفجير حلّ بهم وحلّ الظّلام عليهم ودمّر كلّ شيء كما يحصلُ في عراق اليوم بشكل لا يوصف و لا يُصدّق . هذا هو الظّلام الذي يُوظفه الأدباء بشكل منقطع النّظير في تعبيراتهم الرّمزيّة ، وهذا هو أنمار القاصّ الجميل  يُوظّف الظّلام على حالة عراقيّة مازلنا نعيشُها حتّى اليوم وفي كلّ الفصول ولم تنتهي بل حتّى النهاية لنا معها ومع أنمار قصّة رائعة تستوجب قراءتها والتّعرف عليها كما أدناه :
قصّة نهاية.....
 ( إطار سيارة المسؤول يتفاخر حين يهرول على الطريق تخافه إشارات المرور والأرصفة،والإسفلت والحصى والتراب. بعد مدّة ليست بالطويلة. وجدوه مرمياً في ساحة أنقاض، بعد أن تمّ استبداله بإطار جديد. قرّر الانتقام، حين تبرّع بحرق نفسه منتحراً، في مظاهرة قام بها ثلّةٌ من الجياع).

القصّة نابعة من ثورات الجياع في الفترة الأخيرة على غرار البوعزيزي الذي أحرق نفسه منتحرا بعد إن ذاق ذرعا بتصرّف المسؤولين ومنعه من العيش بكرامة وسط الشوارع فأعلن احتجاجه بهذه الطريقة الانتحارية كي ينتقم منهم بشكل آخر وهذا ما كان بمستطاعه فعله ضدّ المُتجبّرين . ومن ثمّ حرق الإطارات في شوارع تونس تعبيرا عن التضامن معه في أحدث احتجاج لهذا القرن الذي نعيشه ضدّ البرجوازية والرّجعيّة والقيم العنيفة ضدّ الفقراء وجياع الشّعوب.
هذه القصة والإطارات أستطيع تناولها من جانب آخر حصل لي أنا كاتب المقال إذ أنا الآخر كنت مسؤولا ،وفي يوم جاءني حارس البوابة يخبرني عن تحطيم إطارات سيارتي الأربع،حيث فعلتها بالسكين من كنتُ أحبّها. هنا وفي هذه القصّة أدناه هو موتُ الإطارات الفعلي على يد إحداهنّ من الجنس اللطيف التي كانت وقتها عبارة عن ثورة أيضا، لكنّها الثورة العارمة في الحبّ، فكتبتُ النصّ أدناه :


في السماوةِ
أيامَ حبّها الأطهرِ من أشرفِ عمائمهم
جاءني حارسُ البوّابةِ
يخبرني عمّا ألمّ بسيارتي اليابانيةِ
ذات الدفع الأحادي
وكيفَ فعلتها مليكة ُالقلبِ
وحطّمتْ إطاراتها الأربعِ بالسكين
في لحظةِ عنفوان .
ـــــــــــــــــــــــــ

وبهذا ننتهي من المجموعة التي تقول للعالم بإعتباره قرية صغيرة اليوم ( وإسألوهم عن القرية ) تعني ( وإسألوهم عن العالم) هذا العالم الذي أصبح قبيحا بفعل قوى الظلام والإرهاب والأمبريالية الجشعة . ننتهي من المجموعة المطرية والفنية لأنمار التي هي عبارة عن قطعة من الواقع المعاش مرّة و الفنتازية مرّة أخرى، أنمار مازال قادرا على إدهاشنا هذا يعني أنّه يسردُ في الجانب الصّحيح ، لأنّ الإدهاش يتطلّبُ المعرفة الخالصة في إثارة هرمون الإدهاش و يحتاج الكثير من العناء الإبداعي . أنمار إستطاع أن يُجسّد ما قاله أفلاطون قبل 2400 سنة حين قال: (الإنسانُ يحتاجُ إلى تعليم جيّد وطبع جيّد،لكي يُصبح الأقدس والأكثر تمدناً من بين كلّ الحيوانات،ولكنْ إذا ما لم يتثقّف، أو تثقّف بثقافة خاطئة،سيكونُ الأكثر وحشيّة وهمجيّة من جميع الحيوانات)

هــاتف بشبــوش/ عراق/دنمارك

68
أدب / لوليتا البربريةُّ
« في: 18:04 31/03/2017  »

لوليتا البربريةُّ

في التاسعِ من آيار
قالتْ لي البربرية ُ الصغيرةُ:
سأهديكَ......
أربعة ً وثلاثينَ تفاحة ً معفرة ً
بلونِ روضةِ أسفلي
وبلون ِ كل مايحتويه ِ
فوقَ خاصري
أنا تفاحة ُالبساتين ِ
لا تفاحةُ في السوقِ فتشترى
أو يلهو بها آتٍ وعابرِ
أنا تفاحةُ البساتين
إقطفني وحدكْ...
وذقني
ثم كُلْني
ولاتقلْ
أنني بعدُ لوليتا
........................
.........................
إذن ياصغيرتي :
علّيّ أنْ أزوّرَ تأريخَ وسامتي
ألوّنّ أرشيفَ ذوائبي
أصقلُ وجهيَ المهدودَ من ضمأي
وتذمُري
لكنني .....
كما ذلك الدون الوقورِ
إذا ما اراد إخصابكِ ، سيفعلها ليلاً
بأربعةٍ وعشرينَ قيراطٍ
أو عند الغبشِ الندي الأبلجِ

هاتف بشبوش/عراق/دنمارك








69
أدب / نساءٌ وكذبٌ جميل (11)...
« في: 16:48 16/02/2017  »


نساءٌ وكذبٌ جميل (11)...



هــاتف بشبوش


........
كيف لهُ أنْ يتذوّقَ
تلكَ الأفخاذَ الأسبانيةِ خلفَ المقودْ
لسيارةِ البورش ....
المكشوفةِ للصيفِ ، و على سماءِ عينيهِ الزائغتين
قالَ هاي ....قالتْ هاي
بينما صديقهُ النزقُ ، الكذابُ العجيبُ ، يتلو عليهنّ
أعظمَ كذبةٍ ، لكي يستميل قلوبهنّ فقال :
نحن تجارٌ عراقيون ، وعلى إنتظارِ
عشرينَ باخرةٍ محملةٍ بالرز التايلندي
سترسو اليومَ في ميناءِ تورملينوس
............
............
واو ...واو ...قالت إحداهنّ
ذات الشعرِ الروللي المجنونْ
بينما الأخرى ذات القرطِ المدورِ والطويلْ
تعلك ُ علكتها و أنغامِ موسيقى البورشِ المهيبةِ
..........
.........
فكان الذي كانَ من خمرٍ وأنسٍ......... وكانْ
وأصبح اليومَ في جميلِ الزمانِ والمكان ...... والإمكانْ

عراق/دنمارك/14/2/2017

70
أدب / نســــاء (9)...
« في: 18:45 19/01/2017  »


نســــاء (9)...


هــاتف بشبــوش


لاأعرفُ
لماذا تحبينَ الجانبَ الأيمن من السرير؟
هل لأنكِ تعرفينني جيداً ، أحبُ الشيوعية َواليسار !!!!!!
.....

صديقيَ الذي لايفكرُ،الاّ بأسفلهِ
قالَ لي:
لكثرةِ حرماني جنسياً في السماوةِ
أصبحتُ لاأطيق، من جمالاتِ هذا الكون
غيرَعِضوِ إمرأةٍ وقبرْ
......

أعترفُ الآنَ
انّ ربلةَ ساقكِ بعمرها الثلاثيني
لها صوتُّ مدوّي
وصَدركِ المتقنُ بعنايةٍ على الدوام
لهُ من الخبرةِ ...... لاتضاهى
......

مادمتَ تُحبْ
سترقصَ حول النارِ
كما الهنودِ الحمرِ
......
 
وأنتِ على جادة الطريق مدبرةَ
سأظل أنظر اليكِ
حتى لا أستطيع أن أراكِ في الجانبِ الآخرِ
من هذا الوجود

عراق/دنمارك


71

بُرهان شاوي،و أعماقُ الرّغبة في ( متاهة العميان ) ..(3)............



(الحبُّ دون أبديّة يُسمّى قلقا...... والأبديّةُ بدون الحُبّ تُسمّى جحيما ...   غوستاف تيبون) .

تمدّدي على بطنكِ بجذعك الأعلى على السّرير..و ليأتكِ هو من الخلف..!
ارتعبتُ أنا وصرخت:
يا خالة أنا بنت باكر..!
لا تخافي..سيُدخله فيك من الخلف
ربّما لا يُصدّقني أحد إذا ما قلتُ بأنّ الأمّ فتحت ساقيّ وأنا مُستلقية على بطني..وفتحت آليتي مؤخرتي ودهّنت دُبُري بالزّيت..ثم نزعت ثوب ابنها الذي صار عارياً..داعبت عضوه ماسحة إيّاه بالزّيت أيضا فانتعظ ..خفتُ حينما رأيتُ قضيبه المنتصب..كان كبيراً..وفكّرتُ أنُه سيُؤذيني بهذا الحجم..قرّبتهُ منّي..ومسكت هي بقضيبه..ووضعته على فتحة دُبري..وأمرته أن يدفعه فيّ..!.. لحظتها أحسستُ بأنّ شيئاً ما يخترقني..شيئاً ساخنا..وحادّاً كنصل حادّ..دخل بسرعة ربما بمساعدة الزّيت..شعرتُ بالاختناق..صرختُ بها: أنا أختنقُ..فكانت تصرخُ بي بأن أتحمّل إلى أن ينتهي..كنت أبكي من الألم..فكانت تصرخُ بي بأن أصمت وإلاّ ستدعه يزيلُ بكارتي..!! فوضعتُ أصابعي بفمي وعضضتُ عليها..وبعده..إيلاج و إخراج ..أحسستُ بشيء دافئ غمر داخلي..بينما كنتُ أسمعُ لهاثه الغريب.. وابتعد عنّي.. وسمعتها تقول لي : البسي بسرعة......
واستمرّ الحال هكذا لمدّة سنة فتفهمُ الطفلة حواء الجدي من خلال إشارات الأعمى الأطرش أنّ الأمّ كانت تمارس معه الجنس.. يا للهول .
حواء الجدي هذه تبقى مُشوّهة نفسيّا اتّجاه الجنس حتّى كبرت ولم تستطع العيش مع زوجين وانتهت علاقتها بالطلاق نظرا لما لاقته من حيف وظلم على يد امرأة ملعونة.
تنقلنا الرواية إلى أستاذة في جامعة دمشق ( حواء البوسني) التي كانت مُولّعة بالروائية فرجينيا وولف التي كان يغتصبها أخوها على مدار سنين وسنين والتي نتعرّف عليها من خلال الدكتور آدم كارثة الشهير في المتاهات السابقة . حواء البوسني هذه تكتبُ رواية متاهة العميان أيضا،لكنّنا نرى مأساتها هي الأخرى أكثر حزنا عن سابقاتها من الحواءات لكونها تعرّضت إلى ما يسمّى (الزنا بالمحارم) وهذه أبشعُ أنواع الخسّة والسّقوط كما نقرأ أدناه من اعترافاتها  :
(حينما كنتُ في السابعة من عمري دعاني أخي الكبير،أخذني إلى غرفته،أغلق الباب وهدّدني إن صرختُ فسيقتلني،وعراني من ثيابي،أخذني إلى سريره،ألقاني هناك،وتعرّى هو كليّا،وأخذ يداعب فرجي بقضيبه،دون أن يدخل فيّ،وأخيرا قذف عليّ،كنتُ أظنّه حينها بال عليّ،بعدها قام هو بمسح السائل منّي وألبسني ثيابي).
(وحينما صرتُ في العاشرة والزّغب ينمو على فرجي تطوّرت ممارسته معي فأخذ يعصر صدري،ويمصُّ حلمتيّ وأنا أخذتُ أشعرُ بخدر لذيذ فيما بعد،وأخذ يحاول أن يُولّج قضيبه فيّ لكنّه كان حذرا من أن يُزيل بكارتي،لذلك أخذ يقلّب جسدي ويُدخله فيّ من الخلف،كنتُ أتوجع لكنّه كان يكتمُ أنفاسي بكفّه ثمّ أخذ يستخدمُ الدّهون والزيوت فصار الإيلاج سهلا وصار شبه دائم،وكان يُنهي شهوته فيّ . إلى أن شاهدتنا أختي الكبرى،فقام يعتدي عليها هي الأخرى ويمارس معها الجنس ليضمن كتمانها السرّ) .
الروائي بُرهان يذهب بنا إلى منعطفٍ خطير لرجل دين مُؤمن مصاب بالايدز ( آدم رحمة الله) لشذوذه الجنسي،ويا لبراعة الروائي بُرهان في اختيار هذا الاسم المتناقض لرجل قميء للغاية،ربّما لتعرية الحقيقة بكاملها لرجال هكذا مُقنّعين بمختلف الأقنعة،أو لربّما يكون رحمة على طليقته لما يتركهُ من مالٍ كثير لها ولطفلتيه تكفيراً عن ظُلمه وأذيّتهُ لها . آدم رحمة الله هذا متزوّج من ( حواء الكتبي) التي هي الأخرى تكتبُ رواية متاهة العميان،حواء الكتبي لها حبيباً ملحداً وهو الوحيد الذي اعترفت به كان صادقا معها وهو آدم أبو الهيل تتّهمُهُ بالإلحاد لكونه تحدّث صريحا معها من أنّ الأنبياء نزلوا في الشرق الأوسط فقط،ولم تعرف أيّا من القارات الأخرى بأيّ نبيّ( لا أدري أنا كاتبُ المقال لماذا يكونُ الملحدُ طيّبُ القلب وصادقٌ وأمينٌ ومُحبٌّ للآخرين .. على الأقلّ في مُجمل شخصيّات الرواية الشاذين و إلاّ كيف عرّج الروائي على موضوع هكذا). هذه الحواء فيها من الألم الكبير نتيجة تعامل زوجها الديني الفاسق لها باحتقار شديد..... لنر الهول أدناه مع الاشمئزاز الحقيقي من رجل الدّين هذا المصاب بالإيدز (آدم نقمة عفوا رحمة الله) :
تتزوّجُ حواء الكتبي من رجل دين مُزيف ( آدم رحمة الله) لا يُمارسُ معها الجنس سوى مرّة  أو مرّتين ومن الغريب أنّها أنجبت منه طفلتين،حتّى حصلت القطيعة بينهما تماما بل طلب منها أن تنام لوحدها . يحتقرها على الدّوام فتطلبُ منه الطلاق تتوسّلُ به لكنّه لا يقبل،وفي يوم تدخلُ إلى البيت بغتة ً فتسمعُ أصوات في غرفتها، (ريّحني، تعبتُ،خلّصني ) وكانت ترى رجلا أكثرُ فتوة من زوجها ويعاملهُ كمنيوكا وعاهرة،فتكشّفت لها كلّ أسرار زوجها الورع التقيّ المتديّن،فما كان عليها إلاّ أن تطلب منه الطلاق،وهو في أضعف حاله بعد أن كان أسدا هصورا عليها يعاملها بتعاليم الدّين وبالضّرب و الاحتقار فطلّقها في الحال ولكن توسّل إليها أن تسكت وقال لها أنا هكذا منذ الصغر . ثم بعد فترة من الزّمن يعود إليها ويعطيها أربعة مئة ألف دولار لطفلتيه ولها مائتي ألف دولار،وقال لها أنا مريض وسوف أذهب لأعالج في فيينا،فيموت هناك ويتبيّن أنّه مصاب بالإيدز،ويترك لها شقة بمليون يورو ونصف مليون يورو،يتبيّن أنّ هذا رحمة الله المنيوك هو من رجالات السلطة الحالية اليوم وكلّ هذه الأموال من سرقة الشعب وقوته .. وفي أيّامه الأخيرة أراد أن يُكفّر عن ذنوبه فترك هذه الأموال لطليقته وطفلتيه،،ومات رحمة الله دون رحمةٍ من ربّ العلى .
الروائي بُرهان ذكيٌّ جدّا عندما ذكر هذه الفقرة عن نقل أموال هذا المنيوك إلى امرأته،أراد أن يضرب لنا مثلا أن ّالأموال لدى هؤلاء المناويك حضراً،أمّا الشّرفاء يقبعون في صوامعهم هالكين مُفلسين . أضف إلى ذلك أنّه من الحيف الكبير أنْ نرى هؤلاء المناويك المتديّنون يتطبّبون في فيينا مدينة سيغموند فرويد وهي مدينة الأحلام التي عاش فيها موزار وبتهوفن،شوبيرت،شتراوس وعشرات الموسيقيين ولذلك قالوا عنها ليالي الإنس في فيينا،كما عاشت هناك الإمبراطورة الجميلة ( سيسي) .
الرّواية تدورُ بنا حيثُ براعة الرّوائي في إعطائنا الجنس ومُحرّماته بجرعات لكي لا نُصدم مع هول الحدث ،حيثُ نرى الجنس في الفُصول الأولى مع الحبيب،ثمّ مع زميل في الجامعة،ثمّ مع الأخوات،ثمّ مع ابن أعمى،ثمّ مع صبيّ صديق ابن حواء الصّائغ،وهذه الحواء زوجة آدم الولهان التي كانت مُتوفّاة في رواية متاهة آدم،لكنّها تظهرُ حيّة هُنا وتكتبُ رواية باسم متاهة العميان . فتروي لنا عن لذّة أخرى تختلفُ عن المألوف إذ أنّها تُمارس الجنس مع صديق ابنها المفقود منذ سنين ( آدم زباتو) الطّفل الذي كبر وأصبح فاتنا وسيما شهيّا وجرفته الصُّدفة لكي يكون خليل حواء الصائغ ويُعطيها من اللّذة التي لم تألفها مع زوجها على مدار سنين وسنين  لنذهب إلى ما ترويه لنا من الشّبق المُريع ...
(و فجأة..رأيته..سحبني من ذراعي وأخذني بين أحضانه والتهم شفتي..بينما يده تسافر في جسدي ..وتهبط تحت ثوبي لتدخل تحت سروالي ..وبين فخذي..ولم انتبه إلى أنّني كنت مبتلة ورطبة..فجأة أدارني إلى الجدار..ونصب جسدي مثلما يشاء،مدّ ذراعيّ لتستندا على الجدار..وباعد ما بين ساقيّ..وبسرعة سحب سروالي إلى الأسفل..واخترقني ..لم أشعر في حياتي بلذة شيطانية ..جهنمية كتلك التي شعرتها في تلك اللحظة..كان يدفعه فيّ و كأنّه ينتقم منّي..وتفجّرت ينابيعه وشلاّلاته في أعماقي..ملأ رحمي بحليبه الساخن المتدفق..! كان يتلفظ بكلمات أعرفها..لحظتها لم أنتبه..لكنّي كنتُ أفهم ما يقول..كان يصرخ بي : ياقحبتي..أيّتها العاهرة المثقّفة..سأجعلك تعبدين أيري..لا يشفيك سوى أيري..!! وأدركت أنّه كان يتحدث بالإسبانية..!. ووجدتُ نفسي في أنهارُ من اللذة)  .
فمن خلال الهمس الجنسي والأصوات بين حواء الصائغ وآدم زباتو تعرفُ من أنّه أسباني،آدم زباتو هذا الذي يحمل إسم الثائر المكسيكي العظيم ( زاباتا) والذي جُسّدت حياته إلى فيلمٍ رائعٍ من تمثيل الراحل مارلون براندو .  فتعرف بعد ذلك من أنّه صديق ابنها،فيقصُّ عليها من أنّ ابنها خُطف على يد فرقة المهدي والأربعة رجال .
تنتهي الرواية ونعرف من خلالها من أنّ جميع المثقفين يقتلون وكأنّ الأمر مُدبّرٌ لكي تبقى بلدان هكذا يحكمها المتخلّفون. حواء الكرخي الكاتبة تُقتل،آدم المطرود مهندس وكاتب يُقتل،حواء الفارسي الموظفة تهربُ من القتل الطائفيّ وفنانّين وأدباء آخرين،حواء البوسني الأستاذة الجامعية تُقتل في شقّتها على يد ضابط المخابرات السوري( آدم الحمصي)  وهذا صديق أيضا إلى حواء الكرخي القتيلة وحواء الساري التي يتعرّف عليها في الدنمارك باعتباره مُعارضا للنظام،لكنّها تجده في سوريا،وتشُكُّ فيه من أنّه هو الذي قام بتفجير المطعم بحقيبة جلديّة سوداء وضعها ثمّ غادر ، وهكذا ينسجُ لنا الرّوائي حبكة تُعطينا دليلا على تلك البلدان التي لا تعرفُ فيها من هو الضحيّة ومن هو الجلاّد، يختلطُ الحابلُ بالنّابل نتيجة وُجود أوغاد أوغلوا في قتل الفرد العربيّ ومازالوا حتّى اليوم. أمّا آدم الشّبيبي فحصّتُهُ الهروب بجلده من البطش بزواجه من الجزائريّة الصوفية حواء الزياني و ما أكثر الهاربين من أوطاننا فحدّث و لا حرج .
كلمة أخيرة لا بد منها ...
أستطيعُ الاستنتاج من أنّ الرواية تتحدّثُ عن الجنس بشكله الآخر وليس الجنس الرّخيص لغرض الإثارة والترويج التّجاري،بل تتناولُ الجنس النّاجم عن اضطهاد النّساء حتّى و هُنّ فتيات في عُمر السابعة أو الرابعة عشر واغتصابهن من إخوانهنّ أو جيرانهنّ و ما شابه في غرائب لم نسمع منها أبدا ولا أعرفُ كيف استطاع الروائي بُرهان شاوي انتزاع كلّ هذه الاعترافات الطوعيّة من هؤلاء النسوة اللواتي شكلنّ بطلات متاهاته،و ما هي الثقة المُطلقة التي أعطتها أولئك النّسوة لبرهان،إنّ هذا وحده يحتاجُ التّمحيص والتّدقيق لهذا الكاتب الفطحل بامتياز . كما وأنّنا نجد أنّ مُعظم بطلات الرواية في غاية من الأسى والحزن لأنهنّ لم يحصلن على الحبّ الحقيقيّ والأبديّ بل على كلّ ما هو رديء من الرّجل العنيف و اللاّ أخلاقي والذي جعل منهنّ مشوّهات قلقات غير مُستقرات وفي حالة هيجان على الدّوام حتى آخر مشاوير حياتهنّ التي اتّسمت بالظّلم والكرب (الحبّ دون أبديّة يُسمى قلقا...... والأبديّة بدون الحبّ تُسمّى جحيما ...   غوستاف تيبون) .
الرّسالة الأخرى في الرواية من أنّ التطرف يُولّد التّطرف،فهذه حواء الساري وبيئتها الإخوانجية المتطرفة انتهت في بحثها عن الحبّ الدائم والأبديّ لكنّها لم تستطع . ولا نعرف إن كانت ستحصلُ على حبّها الأبديّ في المتاهات القادمة. وهذه مثل تلك المرأة التي أعرفها شخصيّا في الجنوب العراقيّ و التي انتهت إلى الكفر بعد التّطرف في التّقوى والصلاة الدائمة،فكانت تُصلي بمناسبة وبدون مناسبة،انتهت وهي في عمر الخامسة والأربعين أن تكفر أثناء الصلاة،أن تكفر وهي تطبخ،وهي تكلّم الآخرين،وهذا ناجمٌ عن مرض الإسراف في الشّيء يُولّد النّقيض  .
ثمّ يتطرّقُ الرّوائي إلى موضوع في غاية الأهميّة عن الإنسان وأفعاله الرديئة اتّجاه نفسه وبني جنسه،فتأخذُه العزّة بالنّصر والزّهو في القتل والدّمار بينما هو عبارة عن حاضنة للخراء تتمشّى على الأرض،ويروحُ الرّوائي يجمعُ ويطرحُ كمّا من الخراء على سطح الكرة الأرضيّة منذُ بدء الخليقة حتّى اليوم،ليتبيّن أنّنا نسبحُ في كوكب خراء .
تنتهي الرّواية بمشهدٍ لآدم أبو التنك العاجز جنسيّا والذي بدأ يخجلُ من زوجته التي عرفت بعجزه ومرضه والتي هي الأخرى تبيّن اسمها حواء المجنون وهي ليست بكرا كما ادّعت له. فكلٌّ يشكو بلواه للآخر في مشهد حزينٍ للغاية يُثير فينا الأسى على شعوب هكذا ابتُليت بأمراضها التي لا تنتهي،ولم يكن أمام آدم أبو التنك سوى أن يتوجّه إلى غرفة النّوم ليواجه الموقف الزّوجي العصيب،سطرٌ يدُلُّ على أنّ المستقبل العراقيّ عاجزٌ وما من شفاء،ويا لروعة الروائي الذي استطاع أن يقدّم لنا رواية جنسيّة بكل فُصولها،لكنّه استطاع ببراعةٍ كبيرة أن يُخبرنا عن المستقبل العراقيّ العاجز بوصفٍ جنسيٍ محضٍ أيضاً . فالطريقُ مسدودٌ في هذا الوطن الذي أصبح بُؤرة للأمراض و السّراق .
 وتنتهي الرواية وكأنّنا نواجه سدّاً منيعا لا يُمكنُ لنا هدمهُ أو تجاوزهُ إلاّ بمعجزة إلهية وزمنُ المعجزات قد ولّى وانتهى إذا كان موجوداً أصلاً  .
هــاتف بشبــوش/عراق/دنمارك

72


برهان شاوي، وأعماقُ الرغبةِ  في( متاهة العميان...(1)...

هــاتف بشبــوش




حين إنتهى من إغتصابي ... كنتُ عارية الجسد..ومحجبة الرأس( ياللهول عارية تماما .. لكنها محجبة).. وقبل أن يخرجْ طلب مني أن ألتزم بالإسلام وأقرأ القرآن....... حواء الساري

للمرة الرابعة أجد نفسي منساقا لهذا الذي يشار له بالبنان اليوم ( برهان شاوي) لصوته المذاع في بلدان الشتات وبلداننا العربية وآخرها الجزائر . أجد نفسي مبهورا بمصير أناي ، وأنا الآخرين ، المصير الأعمى الذي تدور رحاه في هذه الحياة التي يرسمها لنا الجنس والرغبة واعماقها وماتفعله بنا يوميا وعلى مدار الثواني ، وعلاقة حواء وآدم المثيرة للجدل منذ الأزل حتى وصلت دونالد ترامب الرئيس الأمريكي الجديد الذي ساقه قدره الأعمى وهو يتكلم عن حوائه التي يصفها بأنها تجري وراء المال ، أو هي لعبة من الممكن أن تتحارش بها وتدخل يدك في أعضائها ، فمن يستطيع أن يتصور مايفعله هذا الملياردير ورئيس أقوى دولة في العالم مع حوائه( عارضة الأزياء الصارخة الجمال) وماذا تفعله حواءه مع آدمها الملقب بدونالد ترامب إذا ما اراد مضاجعتها وهو في هذا العمر ، هل يأخذ حبة فياغرا كما فعلها آدم الذهبي مع حواء الجدي في رائعة برهان شاوي قيد دراستنا هذه ( متاهة العميان) ، كلنا عميان وتقودنا بعصاها هذه الرغبة الكامنة في أعماقنا التي نمارسها بطريقتها المخجلة والعفيفة ولو أنني لم أستطع أن أتخيل هناك ممارسة عفيفة لهذه الرغبة ، أغلبها رغبة  وقحة لاتستحي أبدا ، أغلبها بعد إنتهاء الأداء تنبعث منها رائحة السمك لكننا نمضي قدما في عمائنا وراء هذه الرغبة اللامتناهية ، أغلبنا يلهث وراء حواءه وحواء تلهث وراء آدمها ، لالشيئ الاّ لحتميةِ تعشيق أعضائنا التي خلقها الرب ، والاّ لماذا خلقها الله أساسا ، هذا ماتقوله لنا رواية متاهة العميان في حواراتها الشيقة والمثقفة أيما ثقافة  .
أبطال الرواية بشكل عام هم آدم أبو التنك الشيوعي العاجز جنسيا نتيجة التعذيب  الكهربائي أيام البعث المجرم ، وآدم الشبيبي الكاتب والأديب الذي كان يحب حواء الكرخي التي قتلت في ظروف غامضة على أيدي رجال السلطة الجدد أم ماقبلهم في سوريا . ثم حواء فارسي( أو حواء المجنون) التي يتصارعون عليها لغرض الزواج ، وكل واحد منهم يتمناها لصديقه ، وبالنتيجة يتزوجها العاجز جنسيا آدم ابو التنك بعد نصيحة صديقه آدم الشبيبي له بذلك ، فبالرغم من ان الرواية تصرخ بالجنس الفاضح الاّ أننا نجد هناك عجز جنسي في أحد فصولها ، فلابد هناك من مأرب يدخلنا به المبدع برهان شاوي كما سنبين لاحقا .
الرواية تتطرق الى حال الحواءات بشكل حصري ومايصيبهن من تحطيم نفسي وبدني من جرّاء أفعال الآدميين وبالأخص الغارقين في الدين ، ولم لا.. فأن عالم الحواءات هو عالَم يعني يوسف وزليخا ، عالَم يعني النبي محمد (ص) وخديجة ، عيسى ومريم ، الإمام الحسين وزينب . عالم يعني عرض الأزياء ، يعني الرقص والغناء .. يعني مفاهيم الجنس في نهاية المطاف بشتى صوره العذري والخليع ، الجنس المتعلّق بإضطهاد المرأة الذي تناوله الروائي برهان و الجنس الرخيص الذي من شأنه أن يحط من كرامتها ، ولذلك الروائي تناول أدق التفاصيل الجنسية أثناء الأداء المقدس للطقس الجنسي ومايصدره الطرفان من أصوات وهسيس وهمس وراء كواليسهم التي لايعلم بها سوى الرب الكائن في اللازمكان .
الروائي برهان تناول مختلف الأوضاع الجنسية التي يختارها الرجل فتكون هي مجبره عليها لوهنها كإمرأة ووهنها أثناء تلك اللحظات التي تكون فيها هي غائبة عن الوعي تماما تحت تأثير الخدر الرهيب ، فعلى سبيل المثال نجد أثناء الوصف البارع من قبل الروائي لعملية جنسية ما لإحدى الحواءات ( ورفعها بكلتا يديه ووضعها على السرير ، أو أدارها وأولجها من الخلف ) كلها أداءات رجولية عنيفة خشنة لم تأتِ على إنسياقها الناعم مثلما جاءت في الكتاب الهندي ( الكاماسوترا....تأليف مالايانجا....ترجمة الرحالة الإنكليزي الذي ترجم الف ليلة وليلة ..ريتشارد بيرتون) .) الذي يجعل المرأة في زهوها وبهائها لا في إذلالها والنيل منها .. ولذلك أنا أرى من أنّ برهان شاوي لم يخدش الحياء في معظم متاهاته التي تناولت الجنس والمرأة كما يعتقد البعض لتناوله تلك التفاصيل الصغيرة الناجمة عن الأداء الرجولي الأناني والمقصود في إحتقارها من رجال مقنعين بأكثر من قناع وأولهم قناع الدين الذي يتطلب منهم أن يطبقوا( وإهجروهن وإضربوهن في المضاجع ) على الواقع الفعلي وهذا مايجعلها ذليلة ضعيفة مهانة على الدوام والرجل متفاخرا مزهواً بمساعدة الله الذي أعطاه هذا الحق بدون أدنى شك وبدون  لف أودوران في هذا النص المقدس أعلاه الذي يبرز لنا دونية المرأة مع سبق الإصرار .
في الرواية نجد الكثير من الحواءات الحقيقيات اللواتي إستطاع برهان شاوي من خلالهنّ أن يعرف ماهي الحقائق الجنسية وأوضاعها المختلفة ، الودودة والعنيفة ، أو على طريقة الإغتصاب ، أو الولوج في العجيزة أو في الثلاث ثقوب أو الفرج ثم اللعق والإمتصاص ، والتي من شأنها أن تؤدي الى إسعاد الحواء أو التي من شأنها أن تؤدي الى إنسحاق الحواء ودمارها نفسيا ، حتى يندهش القاريء لمدى قدرة الروائي برهان على هذه السيطرة العجيبة في عدم الإنزلاق في الخطأ والنسيان ، وكيفية التحكم في حواءاته وآدميينه الكثيرين . ومن هذه الحواءات ( حواء الكرخي ، حواء الفارسي( حواءالمجنون)  ، حواء الزاهد ،  حواء الساري ، حواء الجزائري ، حواء الجدي ، حواء الكتبي ، حواء المعلم ، حواء البوسني  ، حواء بياعة الخواتم ، حواء الصائغ ، حواء المؤمن ، حواء تلمساني حواء الغريب ، حواء السواد  ، حواء هبة السماء .
برهان شاوي هذا الرجل الذي إستطاع أن يقولَ مالم يقله أي أديب عراقي على مدى سنين أو قرون على ما أظن ، فليس لي خبرة مؤكدة بما قاله الأولون بهذا الشرح الغرائبي عن الرغبة والجنس  وأعماقنا التي دوخت ( فرويد)  . برهان هذا السوبرمان الذي حلّق في أبعد سماء ثم عاد لنا عن ماهو مخفي بين حواء وآدم وهم في جنتهم الأولية قبل ان يُطردوا من قبل الرب لخطاياهم الرغائبية وآثامهم وتصرفهم الأعمى في أكل ثمار المنع التي تسببت في كل هذه الإنطولوجيا التي نسمع عنها . إذن نحن كحواءات وآدميون عميان مثلما قالها برهان شاوي منذ ذلك الوقت حتى اليوم ونحن على مشارف حرب عالمية ثالثة في عالمٍ أعمى دمرته المصالح ، عالم يشهد أكبر منازلة تأريخية إنتخابية على مدى عصور وعصور ، بين حواء كلينتون وآدم ترامب . إذن الروائي برهان لم ينطق عن الهوى( لكنه النبي الأعزل ) ... فكم نبياً أعزلاً دفنهم هذا التأريخ الأغبر دون الإستفادة الحقيقية من دررهم وجواهرهم على غرار (سبينوزا ..ماركس .. نيتشة ، هيجل .. وآخرين ) .
برهان أكمل حتى الآن سبعة من المتاهات التي تعطينا إنطباعا كاملا من أنّ حواء هي من المنازعات الكبرى وانّ الحديث عن الجنس فيما وراء الكواليس لابد أن يأخذ الحيّز الكبير في مناقشاتنا لأنه من الأسباب الرئيسية التي أدت الى خلقنا وإعادة تكرار خلقنا الى مليارات المرات ، لولا الجنس لما قتل هابيل أخاه قابيل وقصة النزاع على أختهما في بداية الخلق ، هذا يعني من أن الجنس أصدر قراره  بالحكم موتاً على هابيل  . لولا الجنس لما كان ميلادي وميلاد غيري والآ كيف بُذرنا في أرحام أمهاتنا . لولا الجنس لما كان هناك الحديث أساسا في كل شاردة وواردة عن حقوق المرأة ، حيث كانت المرأة مهانة على الدوام في أغلب العصور التأريخية إذا استثينا المجتمعات الأمومية في فترة قصيرة من فترات التأريخ ، حتى وصلت اليه المرأة الى ماهو عليه اليوم في بلدان الغرب ولو بشكل متفاوت ، وهذا مانراه في رواية برهان شاوي ( متاهة العميان) وكيف تناول قضية المرأة المضطهدة والمغلوب على أمرها من خلال( حواء الساري )العربية المسلمة المولودة في الدنمارك من أبويين مسلمين وما رأته من إزدواجية فضيعة لدى الرجل المسلم والمتدين على وجه التحديد . حيث ترى أباها يوميا يضرب أمها ثم يصالحها لكون الأم قد تعودت على السادية حتى أصبح الضرب هو متعتها الأساسية لكي تحصل على مبتغاها من الجنس فهي تعرف أن زوجها لايقترب منها ولايعطيها حقها من الجنس خصوصا حينما بدأ يميل الى إمرأة دنماركية ثم يتزوجها لعطش المسلم الى الجنس الأشقر ، وعلى مرآى منها وهو الرجل الديني الورع الإخوانجي ، يالكذبهم أولاد قراد الخيل . يتزوج الدنماركية بحجة أنها دخلت الإسلام معتبراًهذا مكسب كبير ، بينما الأوربية حين تغيّر دينها فهو بمثابة موضة جديدة ، حيث انّ القسم الآخر منهنّ تغير دينها الى البوذية وهكذا ، مثل تلك المرأة التي تزوجها خمسة من الشيعة في مدينتي التي أسكنها في الدنمارك (كارينا نيلسن ) ، أكلما طلّقها أحدهم تزوجها الثاني بالمتعة وهكذا حتى أكملت الخمسة الذين شكلوا طابورا جنسياً مقرفاً ، فأنتبهت لحالها وانتفضت عليهم وقالت ..هل هذا دين الله أم دينُ نيكٍ وقضبان . فخلعت حجابها ورجعت الى دنماركيتها النظيفة بعد انْ عرفت وساخة هذا الدين ورجاله .
كانت الزوجة أم حواء الساري تختلق المشاكل لكي يضربها زوجها ثم يعود يصالحها بنيكةٍ راقية فيهدأ بركانها الهائج . وهذه تنطبق على حكاية عراقية ظريفة ( أحدهم رأى أباه حينما أصبح شيخا هرما ، يناكف أمه ويضربها ويتشاجر معها ولم يتصالح معها الاّ بعد فترةٍ طويلة وليس كما أيام زمان في شبابه وقوته الجنسية ، فقال له ابنه ، أبتي .. في أيام زمان كنتَ حين تتشاجر مع أمي تتصالح معها في نفس اليوم ، فما هذا التغيير ،  فقال له أبوه ، بني... الذي كان يصالحنا قد مات ... يعني أن قضيبه قد مات نتيجة تقدم العمر ...شعوب أغلب رجالها في البلاد والمهجر لاتحركهم أحاسيسهم الإنسانية لرأب الصدع ، بل تحركهم أسافلهم على فروج النساء وماعدا ذلك فهو من الأخطاء التي تمس رجولتهم وكبرياءهم الزائف ) .
حواء الساري المسلمة الدنماركية ضربت كل القيم الدينية عرض الحائط بعد إن ذاقت الأمرّين من أبويها وراحت تعطي لنفسها التحرر في كل شيئ أولها إشباع الرغبة حتى بلغ عدد من مارست معهم لايعد ولايحصى خلال سبع سنوات . لقد حوّلها الألم والقرف من المسلمين وكذبهم ونفاقهم ومن أبيها وامها الى حواء أخرى منتقمة من حالها ومن مسلميها حتى ذات يوم قالت لإمها ( إذا كنتم مؤمنون لماذا أنتم بكل هذه القساوة) .
لنقرأ الوجع الذي ألمّ بحواء الساري نتيجة خيانة الرجل المسلم لها والنيل من كرامتها وهي تعترف الى آدم الشبيبي بحزنٍ عميق ، ذات ليلة ليلاء وهي ثملة بالنبيذ بينما هذا الآدمي الشبيبي المثقف للأسف هو الآخر يريد النيل من جسدها الفتان الساحر بطريقة الثعالب كما نبين لاحقا  :
(لقد تعرضتُ لحالة تحرش جنسي من صديق لأبي متدين مثلهُ كان يحتضنني برفق ويجلسني في حجره..وكنت أحس بعضوه منتعظاً..لكني لم أكن أفهم ذلك..كان يلمسني من فوق الثياب.وذات مرة مسكني وقبلني من شفتي قبلة حاره.. كنت قد دخلت سن العاشرة حينها)..
ثم تستمر بالألم) :
( تزوجت رجلا مسلما مع الأسف لم يترك لي فرصة أن أحبه..لم يقل لي أية كلمة رقيقة ولم يبد حناناً...كان يمارس دور الأب أو المرشد الروحي..يعاملني وكأني طفلة صغيرة..لا تفهم شيئاً.. كان بخيلاً ماديا وعاطفياً..وجنسياً..إلى أن أكتشفت مصادفة أنه مولع بأفلام البورنو..كان يسهر الليل كله في المكتب يشاهد أفلام جنسية ويمارس العادة السرية على الأفلام في المكتب بينما أنا كنت أصل إلى حد البكاء أحياناً بسبب هجرهِ لجسدي الذي تفجّر بالرغبة دون إرادة مني ).
ثم تستمر في بوح وجعها بعد طلاقها عن رجل هو الآخر مسلم لبناني تعرفت عليه في إحدى المناسبات الدينية فتركها بعد إن شبع بها نيكاً ووعيداً بالزواج ورماها على الطريق جريحة منكسرة . ثم سوري متدين أيضا... فتقول أنني كنت أقرأ القرآن قبل مجيئه كي أقنع نفسي بأنه لن يحصل أي شيء يؤذيني)..!!.
(كان رجلاً قويا ملفوف الجسم بالعضلات..وكان بطلاً للملاكمة..لذلك لم أستطع الافلات من ذراعية..ألقاني على السرير..ورفع ثوبي وسحب سروالي..قاومت.. صرخت به بأن علينا أن ننتظر إلى أن نتزوج لكنه لم يكن يسمعني.. كان كالوحش المحروم جنسيا فأطبق على فمي بكفه وأولجه فيّ.. وبعدماانتهى. انتبهت لنفسي وذلي وضعفي وسقوطي وابتذالي من قبل الرجال ، جلستُ أصرخ وأعيط..أحسست أنني ضائعة..كنت عارية الجسد..ومحجبة الرأس( ياللهول عارية تماما لكنها محجبة).. وقبل أن يخرج طلب مني أن ألتزم بالإسلام وأقرأالقرآن وأن أكون متدينة مثل أهلي..أحسست بأن كراهية العالم كلها تجمعت في داخلي ضده وضد الدين والمتدينين) .
حواء الساري هذه تشبه إمرأة أعرفها انا شخصيا في مدينتي الدنماركية (أودنسا) توفاها الأجل قبل سنين( علياء) وهي مسلمة من الجنوب العراقي، تلك الفتاة ذات الحسن العظيم ، أصيبت بمرضٍ عضال ، لكنها ظلّت تسبح بالبوركيني في مسبح مدينتنا وكانت تفتنُ كلّ من يراها ، تلك الفتاة أصرّت انْ لا تأخذ الموروث السماوي والوضعي المتخلّف لطائفتها معها الى الموت , لقد كرهته واحتقرته في حياتها فأوصت أن لاتدفن بطريقة المسلمين ، فأرادت في وصيتها هذه أن تبعد الموروث عنها حتى في مماتها ، ولقد نفذت الجهات الدنماركية المختصة وصيتها مثلما أرادت . علياء ماتت ورحلت الى العميق شجاعة بعيدة عن كل العيون ، لكن بقي وجهها المضئ وعيناها الجوّالتان اللتان تسبحان في أروقة ومسبح المدينة .
برهان شاوي يقدم لنا الجنس بطبيعته الأضطرارية أو التي جُبلَ عليها الإنسان ، الجنس الإتحادي الذي يؤدي بكلا الجنسين الى غاية الكمال ، حيث أنّ الجنس هو الذهاب من الذات الى الإتحاد ، ثم الإشباع ثم الرجوع الى الذات ، وهكذا عملية تبادل بين الإتحاد والذات الى مالانهاية ، فالجنس بالنتيجة في رأي برهان شاوي :
( هو الدليل على طبيعة الإنسان الناقصة والتي لايتم اكتمالها الاّ بالأتحاد بين الذكر والأنثى وعلى المرء أن يجرب كيف ينزف ويتألق بنار الحب ومنابع اللذة مع الركون الى الطهرانية التي لايمكن أن نعرفها الاّ من خلال ممارسة الجنس ) :
   
يتبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع في الجــــــــــــــــــــــزء الثانــــــــــــــــــــــــي


/عراق/دنمارك


73
أدب / نصــوص قصيـرة(14)
« في: 19:39 05/12/2016  »
نصــوص قصيـرة(14)

هل بالإمكانِ توافقِ
 ظاهرِ المسلم مع باطنه؟؟؟؟؟

.....................................

في أسبانيا
يستطيعون ، أنْ يصنعوا قهوتهم من ماءِالتواليت
لشدّة نظافته!!!!
أما نحنُ ، من شدّةِ أوساخِ عقولنا وأزقتنا ومائنا
مازلنا ندعي
أننا شعوبُ النظافةِ من الإيمان!!!!!!

......................

يسألني
عن مدى علاقتي بالأطفال؟
حسنا:
ذات يوم كنتُ طفلاً
إسمه ُزرياب!!!!!

........


لاأخشى القبر
بل أخشى الشيخوخة والألم
قبل الموت

................


شئُّ جميلُّ , مخففُّ للآلم
ذاك الذي يسمى: الإيمانَ بالمواساة

............

أعلنُ دهشتي وارتباكي
حين يسألني أحدهم عن السعادة


هــاتف بشبــوش/عراق/دنمارك/30/11/2016

74
أدب / نســــاء (9)
« في: 19:00 23/11/2016  »

نســــاء (9)

في الساعةِ الواحدةِ بعد الحبْ
لا أعرفُ
لماذا تتخذينَ الجانبَ الأيمن ، من السرير
هل لأنك تعرفينني جيداً ، أحبُ الشيوعيةَ  واليسار؟؟؟
........................
صديقيَ الذي لايفكرُ ، الاّ بأسفلهِ
قالَ لي:
لكثرةِ حرماني جنسياً في السماوةِ
أصبحتُ لا أطيق ، من جمالاتِ هذا الكون
غيرَ عِضوِ إمرأةٍ وقبرْ
................
أعترفُ الآنَ
انّ ربلةَ ساقكِ ، بعمرها الثلاثيني
لها صوتُّ مدوّي
وصَدركِ المتقنُ ، بعنايةٍ على الدوام
لهُ من الخبرةِ ...... لاتضاهى
...........................
مادمتَ تُحبْ
سترقصَ حول النارِ
كما الهنودِ الحمرِ
......................
في السماوةِ
قربَ القديسِ أبي الحبيباتَ
ياما...وياما ... وياياما
نذرنا الشميمَ والضميم ، لعقَ اللسان ، وعصيرَ الثديين ْ
أنا... وسامية ُالجمالِ
منْ  كانتْ ، هادئة الطباعِ
مثلُ قديَسةٍ هندوسّية....
19/11/2016
هــاتف بشبوش/عراق/دنمارك

75


أيــــاد أحمـد هاشـــم ، حين يكون الخوف ضميرَ المتكلّم(2)......


هــاتف بشبـــوش


لن تخدعونا ثانية
الشسع المتبقي من حثيث السير
الأكبرُ من وجوهكم
سيؤمن الوصول
والأطرافُ البالية
قادرة على سحق الجراد المنتشر
فالمسارات تعرف ُأقدامنا
وما تبقى من ضئيل اللعاب
قادر على غسل لحاكم
كل اللغات أفقه من تأويلكم
والمعبرون الذين أوهموا الملك
يإطالة عمره
يحزمون أمتعتهم الان
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(الديمقراطية مفهوم يوناني غربي ..الإسلام عشائري يتماشى مع رأي رؤساء القبيلة يعني إضحوكة ...أدونيس) ......
الشعوب لا يمكن لها أن تنخدع أكثر من مرة تحت ذريعة الدين ورجاله ، وهنا في هذه الثيمة الشاعر شديد اللهجة لأنه قد ذاق الأمرين منهم ، ولذلك فهو يبصق عليهم لكي يغسل لحاهم من الآثام ( وماتبقى من ضئيل اللعاب، قادر على غسل لحاكم) ، هي بصقة لكنها في غاية الأدب ، انها بصقة مهذبة من شاعر لا يريد النزول الى مستواهم الدنيء كما نراهم عبر شاشات التلفزة أثناء اللقاءات الصحفية حيث يتشاتمون بأقذع السباب وخصوصاً تطاولهم على بعض النساء من صنفهم أيضاً ، لكنهن يختلفنّ عنهم بإنتماءات الأحزاب . كان الشاعر أياد بارعاً في هذه الأبيات الصارخة التي وجهت الإهانة الرصينة لسفلة تمادوا في خراب العراق . ويستمر الشاعر في هذا المنوال ليعلن من انّ الخوف الذي يلجم الكثيرين من الناس ويجعلهم قابعين في أماكنهم لا يقولون الحقيقة ، الخوف هذا نفسه أصبح هو الضمير ، هو الذي يتكلّم بلسان حال الفقراء ، لنسبر غور الشاعر بهذا الخصوص في النص الذي إتخذ موسومية الديوان نفسه ( الخوف ضمير المتكلم) :
 
أزِفَتْ بقاياك
ما عاد في معصمي بيعة
كي تكون على مقربةٍ مني
ولأنني ابتكرُ الشمس
لن أدعكَ تنعمُ بظلّي
شظاياك لن تحسم الصولة
والقطار الذي عاد متعثراً
جاء يسأل عنك
قبضة الرماد في عيون الفقراء
صار يغسلها الدمع
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الخوف ينهض كي يتقمص دور الشجاعة ، يا للهول ، وما أروع الشاعر هنا على هذه المخيلة ، وكيف جاءت الفكرة له بهذه الفلسفة التي تحرك المياه الراكدة في مستنقعها ، كيف إستطاع أن يجعل من الخوف نهضة ، مظاهرة ، تهديداً ووعيداً (لن أدعكَ تنعمُ بظلّي) . حتى الرماد الذي أذريتموه في عيون الفقراء بين الحين والحين غسله دمع بكائهم على حالهم المتردي نتيجة أفعالكم القذرة وما من ندمٍ على ذلك لأن الحال سيتغير حتما بقلعِكم في الزمان القريب .
يستمر الشاعر في بوح الآلام بحق الوطن السليب من زمرة جاءت عن طريق الصدفة اللعينة وقذارة أمريكا ، لنتمعن ذلك في ثيمته أدناه من نص ( نافذة الفتح ) :
 
أنا ووطنُّ هاوٍ نمتحنُ غرائزنا
نجمعُ الإختلاف في زجاجة الخلاف
ــــــــــــــــــــ
في الوطن الذي نخرته الخلافات العميقة والسطحية لما في شخصيات هذا البلد من ضحالة وقلة إدراك ، الجميع مختلفون على حب الوطن ، لكنهم متفقون على حب الطائفة والحزب والقومية والعرقية .
 
الى أن يقول في نفس النص :
 
الخريف المتعثر يصحب أوراق الأزاهير
الى المزبلة
مصادر الاحتراق متعددة الطرائق
الى باحة الخوف يأخذني ظلي
أتوسدُ دكة شحاذٍ
لم يحفل بالحساء الأخير
ــــــــــــــــــــ
 
موسم الخريف يدخل في التعبير الرمزي لأغلب الكتاب بإعتباره موسم الموت وبنفس الوقت هو ميلاد جديد لورقة أخرى ، وهناك أحياناً نرى بقاء ورقةٍ ما في الغصن ترفض النزول ، فهنا نستطيع أن نقول أنها تتحدى الموت , ترفض الخنوع لهذه الطريقة القسرية للموسم في إخراجها من الحياة بالقوّة والإجبار ، فمن منّا لا يحب الحياة . وهناك نظرة أخرى رائعة حول الخريف وأوراقه المتساقطة (الورقة التي لم تسقط في الخريف خائنة بنظر أخواتها ، وفيّة بنظر الشجرة ، متمردة بعيون الفصول ، وهكذا فالكل ينظر من زاويته .... مكسيم غوركي) . لكنّ خريف صديقنا الشاعر يتماثل له وهو في أوربا ورؤياه لكيفية إزاحة الأوراق بعد تنظيف الشوارع الى المزابل بعد إن كانت رائعة جميلة تزيّن الشجر والأغصان ، مثل موتانا في العراق بعد انْ يحصدهم الموت التفخيخي الشنيع ، الموت المجاني الذي يحصد أطفالنا الذين بعمر الزهور ، الموت الذي ينفي شيوخنا ونساءنا الجميلات ، حتى يُكنَسوا الى سلة مزابل الموتى ، فأي وطنٍ هذا وأي موت . وما بيد الشاعر أياد سوى الركون من فداحة الموقف في دكة فقيرٍ لم يستطع أن يوفر قوت يومه في بلدٍ ثري ، الشاعر أياد يلوذ بالفقير بإعتباره أطهر من سياسيٍ سارقٍ ومارقٍ حقير .
ما زلنا مع الشاعر وهو دفّاقٌ في حزنه وألمه على الوطن السليب ، لا يستطيع الإكتفاء بل يريد قول المزيد والمزيد كي ترتاح سريرته فيهدأ من كارثة حلّت بهذا الوطن إسمها المتزلفون والمتوضئون وما شابه . لندخل للشاعر عبر بوابة بوحه الأليم (مبتعدُّ عن أناملي ):
 
المتوضئون بفائض الأقاويل
المحتمون بالغرائب
واهبو القرابين
المتزلفون للآلهة
المتصارعون المتسيدون
المتسلقون على ماتبقى من أضلاعنا
معلنوا الكراهة
الحماة المجعجعون
سارقو القوت والهواء
سنبتكر أسماءً لأيامنا
...
...
من يغسل شوارعنا وهي تبكي معنا
فالأسماء توحدت بالمصير
ـــــــــــــــــــــــــ
 
كل ما جاء من السماء هو فكر جامد لأنه غير قابل للمطاطية والجدل ، بل سترجم أو تقتل لو حاولت النقاش به كما حصل للكثيرين ممن رفعوا أصواتهم ضد الكنيسة ، أو ماحصل مع الكاتب اليساري الأردني ( ناهض حتر) قبل يومين الذي قتل على يد المتطرفين الإسلاميين لرسمه بعض الرسوم الكاريكاتيرية التي قالوا عنها انها تسيء للآلهة . كل ماهو يأتي من البشر فهو فكر حر قابل للتغيير ومن الممكن أن نضعه أمام محكمة العقل . حينما ندخل مجتمعاً ونرى تفشي الجهل وبدون أن نسأل نعرف أنّ الدين متفشٍ لديهم وهو السائد ، وكلما ندخل مجتمعاً متحضراً وفيه المرأة بزيها الجميل الذي يبهج النفس ، وفيه دورٌ كبيرٌ للموسيقى والسينما والثقافة ، هذا يعني هناك فكر حر يطغي على الجامد  وعلى كل من يعتقد بالأقاويل والشعوذة المقدسة .
الشاعر أياد أحمد أجاد بشكل مثير جدا في رسم الملحمة الإنسانية التي مرّت بالكثير من الويلات بإعتباره جزءاً من الإنطولوجيا الرئيسية للأنسان بشكلٍ عام في هذا الكون الفسيح ، وبشكلٍ خاص في أرض العراق التي ينتمي إليها ، فراح يتحفنا برائعته البوحية (توهمتُ أني بريء):
 
لا اُكثرُمن الصلاة
لكنّ جبيني تملؤه الأوسمة
كل المارة تركوا بصماتهم عليه
وجهي متعدد الألوان
أحتاجُ الى تغيير لوني في كل مدينة
وأبقي على جانبٍ من جبهتي
مفتوحاً للضرورة
 
الى أن يقول في نهاية النص :
 
كم أنا مغرمُّ بإشعال الفتيل من أجلِ تمرة
طالما توهمتُ أني بريء
ـــــــــــــــــــــــ
(غاية الأخلاق أن يستحي المرء من نفسه أولاً.....فولتير)......
 
في بداية الثيمة ، نرى الشاعر أياد يعلن براءته الواضحة بلا لبس من هؤلاء المصلّين السرّاق في السلطة البرلمانية والتشريعية والقضائية ومن كل ما ينتمي اليهم من فداحة التصرف والأقاويل ، لكنه يفتخربنفسه من أنه النظيف من العلامة السوداء الجبينية التي أصبحت سائدة اليوم بين أولئك عديمي الأخلاق ، للدلالة على مكرهم وخبثهم . ثم ينتقل الشاعر في هذا النص الى الذاكرة حاله حال الكثيرين من الشعراء الذين لا يستطيعون العيش من دون غذاء الذاكرة ، بل هو يعيش عليها وهي التي تشكل الديمومة البوحية له ( كل المارة تركوا بصماتهم عليه) . الإنسان معذّب على الدوام ، ومنذ أنْ زرعت الذاكرة بذورها في رأسه ، أصبح لا يطيق ما يفعله من آلام بحقه وحق الآخرين ، لكنه يستمر في صنع الأذى ويؤرخ له في ذاكرته ويجعلها أيقونة كما الطوطمية ، فحين نتصور كم من الأعباء على عمر الكرة الأرضية خزنت في هذه الذاكرة اللعينة ، سواء في التأريخ عبر رواته أو عن طريق الإنسان نفسه الذي يعيش حقبة زمنية معينة وينتهي بالحتمية العدمية التي سيلقاها سواء أن طال عمره أم قصر ، والكارثة الأكبر هناك تصور لعذاب آخر بعد العدمية الرهيبة التي بالإنتظار ، فما دمنا أحياءً فإنّ حملنا ثقيل ويتأرجح بين الماسوشية حينا والسادية حيناً آخراً كما نقرؤها في أغلب الملاحم المؤلمة ، وهنا الشاعر أياد في آخر ثيمته يرسم لنا هذه الملحمة لكونه يعيش في خضمّها أو هو مشعلها كإنسان مجرّد من العلاقات الجانبية الآخرى ( كم أنا مغرمُّ بإشعال الفتيل من أجلِ تمرة/ طالما توهمتُ أني بريء) ، وما اكثرها الفتن والحروب التي يشعلها بنو البشر وأحيانا تكون ثأرية وإصرارية من جانب واحدٍ لا لشيء الاّ لأنه يعتبر نفسه مظلوماً بريئاً فلابد له أن يأخذ ثأره لكي يشفي الغليل المتعطش للدمار والقتل، وهذا ما حصل للشاعر المهلهل من بني تغلب ( الزير سالم) في حرب البسوس التي إشتعلت نتيجة ً لقتل ناقة ، فاستمر المهلهل بحروبه على قبيلة بني بكر لأكثر من أربعين عام دون أن يتوقف لكي يأخذ ثأر أخيه كليب الذي قتل على يد جسّاس . فنشأت تلك الملحمة المأساوية المعروفة اليوم لدى القاصي والداني . وفي خضم هذه الملحمة ، وبالرغم من كل ذلك القتل والذبح ، كان هناك البعد الإنساني المتمثل بالصداقة ورموزها التي تشكل رمزا وبعدا تأريخيا لايمكن أن ينسى ، فالعلاقة الصداقية الحميمة بين المهلهل وشخصية محارب آخر يسمى إمرؤ القيس بن أبان ، كانت مثالاً يحتذى به في ذلك الوقت الغابر ، لما يرسمه لنا من عتاب ولوم ومناكفة وسجال وإختلاف عما تخلّفه الحرب وهكذا دواليك . وهنا يقف شاعرنا الجميل أياد في أيامه هذه وفي القرن الحادي والعشرين وما تخلفه الحرب الدائرة في العراق ، ليعاتب الصداقة والصديق في نصه الموسوم (عسى أن تعود صديقا):
 
سأرفعُ سبابتي
بوجهكَ مكتفياً
لأمنحك عظمة الإعتذار
عسى ان تعود صديقاً
البلابل
علمتني أن فمي خلقَ لنغمةٍ اخرى
إقترافي حبكَ
كان صنع السماء
مشيئة البحر
أاعيدُ الذي ضيعتْ راحتاي؟
ـــــــــــــــــــــــ
هذا النوع من النصوص هو شكوى ، هو رثاء بشكلهِ الآخر ، رثاء ساخر ، نص يعلن القطيعة لكنه يريد التصالح لكونه متسامحا لا حاقداً كما الآخرين ، نص يتكلم بلغة الحمام والعصافير ، عكس ما يتكلمه الآخرون بلغة النمور ، أما حبي لكَ وتمشدقي بصداقتك لاضعفاً مني ولا بطرا ، لكن الحب هو هبة الرب ، هو إنبعاث الآلهة ، حيثيات القدر ، ربما يضيع هذا الحب ولربما يرسو في الميناء بعد التيه في لجة البحر السرمدية . ثم يعود الشاعر في آخر ثيمته الرائعة وكأنه يناغي محمود عبد الرحيم الشاعر الشيوعي الفلسطيني ، الذي أنشد بيتا ظل هادرا عبر الأزمنة ، بيتا للتضحية وإعلان الشهادة في سبيل الوطن حين يقول  ( سألقي بروحي على راحتي / والقي بها في مهاوي الردى/ فأما حياة تسر الصديق / وإما ممات يغيض العدا). لكن الشاعر أياد ربما أراد القول ، أنه يأسف لما ضاع من العمر الذي كان بقبضةِ راحتيه .
في النهاية ومهما كان المحارب منهمكا في أداء واجبه ، ساهراً لكي يؤدي المهام ببطولة تذكر ، ساعياً إلى أن يجعل القضية الوطنية والوطن وحب الأرض في الركن الأول من الحياة ، لكنه في ساعات التعب المضني لابد له أن يجد إستراحة المحارب عند نهديها ، أو بالقرب من أذيال فساتينها ، او مع طعمها الشهدي ، مثلما كان يفعل أنطونيوس مع كيليوباترا حينما يهده التعب من الحرب ومن التفكير في مصير الملكة والمملكة ، كان يلجأ الى أحضان كيليوباترا التي هي الأخرى مهدودة من المآل نفسه حتى إنتهت قصتهم بالتراجيديا المعروفة ومقتلهم في ذات الأوان . لذلك نجد أياد في هذا الديوان الذي كّرسَهُ للسياسة وحب الوطن ، لكنه لم يستطع أن يعيش من دون إمرأةٍ لعبور الليل الحالك ، فراح ينتشي بشكواها العسلي في النص الإنثوي أدناه ( حين يشكو العسل) :

حين يشكو العسل
من رفيف النحل
وهو يأخذ قيلولته في فمها
لا أشعر وشفتاي بمعنى القبلة الأخيرة
أقدم قلبي إعتذاراً لعينيكِ
حين يحبو الغزل
 
فعلاً انّنا نحبو عند بداية الغزل ، يبدأ وكأننا نتعلّم السير حين كنّا  صغاراً حتى ننطلق وبعدها لن نحتاج للإتكاء على الآخرين ، فالغزل فوق سرير الحب يبدأُ بالشميم ، ثم اللمس الخفيف والتمسيد ، ثم القبلة التي ستكون هي مفتاح الحب الذي استطيع من خلالها انْ أعرف ماهو طعم الرضاب ، ماهي طبيعة الجنة التي سوف أدخلها لاحقاً من جراء الصدمة التي تعتريني أو الصاعقة التي تضربني وتشلّني في الحال ...القبلة في الأفلام الهندية غالية الثمن بحيث أنها لا يمكن تمثيلها لعظمتها....القبلة القبلة وما ادراك ما القبلة إذا قُلبت الضمة الى كسرة ، فهي عمود الحب وبداية العبادة الإلهية عند تأدية طقوس الحب الناري . هكذا هو أياد شاعرنا عندما يعلمه جفنه ُمعنى الغزل ، يمضي مردداً هاتها هاتها...هاتي هاتها .
أخيراً أستطيع القول ونحن وسط مجتمع أكثر مثقفيه اليوم بأخلاق مزدوجة لا نعرف هل هو علماني أم متدين أم بين بين تبعاً لمجريات الواقع (الفلاسفة والمبدعون أعدادهم قليلة مثل الجوكر مع سائر أوراق اللعب). كما وأنني رأيت لما قرأته عن المبدع أياد وما يريده بشكل نسبي ، من أننا يجب أن نعمل على تغيير الكثير من المفاهيم ، ومنها أن نجعل التديّن قضية فردية وكل إنسان حر بنفسه وتصرفه ، وأن نبتعد عن الإسلام التأويلي المدمر لشعوبنا ،( وأن لا نتصرف كالمنافق الذي يخفي حيله بينما يجهر بالقرآن ... حفيظ ...شاعر إيراني في القرن الرابع عشر) . 
 
/عراق/دنمارك
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 


أيــــاد أحمـد هاشـــم ، حين يكون الخوف ضميرَ المتكلّم (1)
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,825576.0.html
 



76

إيــــاد أحمـد هاشـــم ، حين يكون الخوف ضمير المتكلّم (1)....


إياد أحمد شاعرُّ من العراق كُتبتْ في أشعاره العديد من الدراسات الجامعية ، شارك في مهرجان الجواهري ومهرجان بغداد ومهرجانات المربد ، وله مشاركات عربية في الكويت ، ومهرجان الحرية للشعر العربي في تونس . أياد قبل أن يكون شاعرا حصل على شهادة دبلوم المعهد العالي للاتصالات . أحد ألأعضاء المؤسسين لمنتدى الأدباء الشباب في  بغداد . صدر له ديوان ياحدود الغريب عن دار الينابيع في العام 2010 .
إياد أحمد شاعرُّ لايكتب سوى النوعية التي يستطيع من خلالها أن يجد ماتستطيب له نفسه والآخرون من قرائه ، سوى النوعية التي يحس بها قلبه القابع في جهة التقدمية ، ولايميل الى ما يجعله منداحا الى السفسطة العابرة . فكل مايكتبه عبارة عن بوح حقيقي شيق ينضح بالإنسانية ومالاقته من عذابات على أيدي المتجبرين الذين يفضحهم باستمرار ، ومالاقاه هو في الماضي القريب . إياد شاعرُّ فيّاض ، مجرّب ، غزير بشعره الرصين ويستطيع الوصول الى قلب القارئ بفكرته المراد إيصالها ونشرها سريعا ، وهذه بحد ذاتها فن من فنون الشعر يتحلّى بها الشاعر الذكي . أياد يمتلك القدرة على خلق العلاقة الحميمية بينه وبين المتلقي وهذه هي جزءُّ هامُّ من أركان الكتابة والاّ قد يفقد القارئ الإستمتاع بما يصبو اليه من الشعر ومفاهيمه . الشاعر أياد قد عاش الخوف حاله حال الملايين من العراقيين الذين عاشوا معاني هذه المفردة في جمهورية الرعب كما أطلق عليها ( د.إبراهيم كبة ) ، ولذلك جاء ديوانه البديع( الخوف ضمير المتكلم)  لكي يشرح لنا مايدور هناك في ذلك المكان العراقي في حقبتيه الصدامية ومابعدها على ايدي المتأسلمين الأفاقين . في هذا الديوان تناولتُ الشذرات الواضحة التي لالبس فيها ، وتركت كل ماهو كثيف غامض لأنني لا أميل الى الرمزية العالية التي يفتخر بها بعض الشعراء ظناً منهم انها تؤسس الى الشعر الراقي ، بالعكس انها تؤسس الى الكذب والضحك على ذقون القراء ، والتي تنم عن ضعف كبير لدى الشاعر فيروح يكتب بغموض لعدم قدرته على صنع الشعر الجميل الذي كان يقوله كبار الشعراء أمثال ناظم حكمت وبابلو نيرودا وسعدي يوسف ومحمد الماغوط ثم آخرهم أدونيس في الآونة الأخيرة بدأ يميل الى كتابة القصيدة الواضحة بعدما شبعنا من دواوينه التي لاترحم في الرمزية التي لاتضر ولاتنفع . كما وأنني لاأميل الى النقد التنظيري ، حيث يتناول الناقد في نقده بعض المصطلحات التزويقية البعيدة كل البعد عن المعنى الذي يريد إيصاله لنا الشاعر او الروائي ثم يضيف لها تشكيلة أخرى سمجة تعودنا عليها وأصبحت كنشيد الأطفال ( الفعولن ، مفاعيلن ) أو ( التركيبية + التكعيبية) أو ( السيموطيقيا - البنيوية ) أو تشكل المتقارب= فاعلن، وغيرها من الشخبطات التي تصيب القارئ  بالدوار ، لذلك يكون النقد هزيلا أقرب الى القيء الذي لايفيدنا بشيء يذكر غير انه حبرٌ على ورق . إرحمونا أيها الأدباء يرحمكم من في السماء .ديوان ( الخوف ضمير المتكلم) شارك في عدة معارض دولية وقد نفدت النسخ جميعها ، شارك في معرض القاهرة الدولي للكتاب ، معرض الرياض الدولي ، معرض الشارقة الدولي ثم معرض بيروت الشهر القادم .
أياد هاشم شاعر ينتمي الى الوطن الذي عاش فيه أكثر طفولته وصباه حتى خرج مؤخرا الى بلاد الغرب بعد انْ طفح الكيل به من نظام الملالي وكذبهم ومن هناك راح يتحفنا بأجمل أشعاره بعد انْ ذاق الحرية وطعمها التي باتت تظهر في معظم كتاباته الأخيرة ، حيث يبوح الشاعر بلعنة أصابع الإنتخاب في تلك البلاد الجائعة والشهيّة والمصرّة على أن تأكل أبناءها بعد إن وصل بها المآل الى التردي والإنحطاط ، لنرَ ذلك في نص( وشاية الغروب) :
 
كالثريا
تلك البلاد تأكل أبناءها
الأرض التي لم تحتمل أقدام الشعراء
حملت العربات المفخخة
ملعونون كالأصابع الملونة
هل ستهبط بنا في المرة القادمة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
الشاعر أياد ربما كان سراجاً متخفياً وراء أكمة الغروب ، مثلما قالها الشاعر المصري الراحل عبد الرحمن الأبنودي بصوت العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ (عدّى النهار ..والمغربية جايّة بتتخفى ورا ظهر الشجر) ، لكنه يصف لنا الوشاية جاءت من الغروب ، وكأننا تحت سراج بارجة عالية فضحتنا وكشفتنا على عرانا ، مثل ذلك الضوء في  الفيلم الجميل ( خطر) الذي كشف روبرت دي نيرو( سارق البنوك الخطير) الذي كان متخفيا في ركن دامس بينما كان آل باشينو يتربص به ، وفي هذه اللحظة الضوئية التي مرّت كالبرق والتي جعلت روبرت دي نيرو تحت مرآى آل باشينو فأرداه الأخيرُ قتيلا .  حينما يشي الغروب هذا يعني أن ميلاد الشمس في الصباحات القادمة سيكون عسيرا مهما فعلنا المستحيل . الغروب هو الواشي ، الظلاميون هم من باعوا الوطن ، باعوه في الليل الحالك ، فكيف لنا أن نر نرى الشمس من جديد ، حتما سيكون هناك ميلاد صعب . ثم ينتقل بنا الشاعر فيقول كالثريا ذلك الوطن الذي بات مرعبا رغم خلاصنا من الخوف القديم على يد جلاوزة البعث . الثقافة أصبحت في طي الخراب وجاءت بديلها القنابل والعربات المفخخة ، هذا ماجلبه لنا الإنتخاب في ظل مجتمع إعرابي لايعرف السين من الجيم ، أعراب وعشائر دخلت في خضم التجربة الديمقراطية (تبدا الحرية حين ينتهي الجهل وانّ منح الحرية لجاهل كمنح سلاح لمجنون... فكتور هيجو) . أصبحنا ملعونين مثلما قالها أياد كما أصابعنا التي تضمخت بالنفسجي أثناء إنتخاب أسوأ طغمة حاكمة على مر تأريخ العراق الحديث والقديم  ، وللأسف ورغم كل الفساد الحاصل والمواثيق التي تشهد على فسادهم ، فإننا سنشهد إنتصارهم وإنتخابهم مرة أخرى ، ستأتينا الأنتخابات بأولئك أولاد الكلبة الذين لو نظرنا اليهم سنرى أبيضهم منقوعاً بالنجاسة ، وهذه هي الطامة الكبرى . يقولون العشرات قبلكَ سقطوا في الهاوية فلماذا لاتتعظ وتتجنب هذه الهاوية الملعونة ، انه الشعب المغلوب على أمره وتخديره بأكاذيب الدين التي إنكشفت وماعادت تنفع في ظل عالم مدني متحضر ولو انّ هذا الأمر صعبُّ للغاية لأن الناس البسطاء باتوا يصدقون الأكاذيب(الكذبة قد تصبح حقيقة إذا تم تكرارها بما يكفي...... لينين)  . ثم يستمر الشاعر في نفس النص ويحكي لنا قصة شعبٍ أصابه داء التفرقة والفرقة كما تقوله لنا هذه الثيمة أدناه :
 
متفرقون كالعناقيد في كرمة
مجتمعون كحبات العنب
يتسابقون الى المعصرة
كالفراشات
عند إكتشاف الضوء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مطلع هذه الثيمة ليس غريبا علينا إذ أننا نعرف ماهي الصبغة الملاصقة للعراقي مع الأسف وشعبه على مر الأزمنة السحيقة حتى اليوم ، التفرقة والشقاق ، وهذه طالما اثقلت الكثير من الكتاب لما فيها من اللعنة التي حلت بالعراقيين ، وهناك من لايميل الى هذه الصبغة بكونها تسيء الى هكذا شعب عريق ، ولكن جميع الحقائق تشير الى هذه الناحية المؤلمة للأسف . العراقي يتسابق الى مذبحهِ على أتفه الأسباب ، بل هو الذي يخلق لنفسه المسلخة كي ياكل أبناءه ، العشائرية المتخلفة التي حصدت الكثير من الأرواح ، المناكفات بين الأصدقاء أوالأخوة أنفسهم على غرار الرواية العالمية الشهيرة ( الأخوة الأعداء ) لكزانتزاكيس . العراقي أصبح لايستطيع العيش بدون القتل أو التزاحم على مطحنة الحياة ، كما الفراشات البريئة التي تتجه نحو الضوء ، يعني نحو عصرها دون دراية منها ، وهنا الشاعر كان ذكيا ودقيقا في الوصف ، إستخدم للفراشات المعصرة ولم يستخدم كلمة مرادفه مرادفة كالقتل أو ذاهبة الى منحرها ، بل إستخدم الكلمة المناسبة على الفراشات ، وهي انّ اغلب الفراشات تموت معصورة تحت الأرجل أو بأيدينا . ولذلك نرى العراقي سباقا للذهاب الى مطحنة الحياة دون أن يفكر بالعواقب التي تأتي من جراء ذلك ، فتظهر بين الحينة والأخرى العديد من المفاهيم التي تؤدي الى التناحر ، خصوصا تلك التي تفسر في أكثر من تأويل وتأويل كما نقرأ في الشذرة الرائعة أدناه من نص (بين غائلتين):
 
لم يستطع السير مثلنا
نحن الذين نحب الآرض
انه يحفظ شيئاً من كتابٍ مقدس
إختلف الكثيرون على تأويله
كم تذكرت أشياء في الدساتير
تقاسمنا الموت والخبز على تأويلها
الأسماء الكبيرة والأسماك الكبيرة
وجهان لعملة زائفة
ــــــــــــــــــــــــــ
(لايوجد شاعر على الاطلاق في التأريخ العربي يؤمن بإسلام السلطة والشرع ... أدونيس).....
 
ما أروع الشاعر هنا ، إذ انه يوجه ضربة للسياسيين المتأسلمين الذين هم على رأس السلطة اليوم ، الذين سرقوا البلاد ، حطموا الثقافة العراقية ، تمشدقوا زيفا بالمقدسات التي تؤول الى الكثير من التفاسير التي من شأنها خلق التناحر والقتال ، خلقُ كلامٍ ملغوم بل مفخخات وعبوات تنسف الثقافة والبشر على حد سواء كما حصل في أوربا قبل خمسمئة عام حيث كانت الجثث تنقل بالعربات والقسم الآخر تأكله الكلاب السائبة . فاليوم مقدسنا يؤول من قبل الأفاقين ، حتى بات البعض يؤمن من انّ السيارة المفخخة قد فخخت في عمق السماء وارسلت كي تقتل الأوغاد والكفرة والمرتدين وهم على سطح الآرض ، انها أشبه بالتأويلات حول الصحون الطائرة التي يشاع عنها من انها قادمة من كواكب أخرى حيث هناك البشر الأفضل في التقنية والتكنولوجيا والعلم . ولهذا لابد أن يوضع المقدس رجالا وكلماتٍ تحت طاولة العقل وتحاكم محكمة عادلة لغرض التفسير الصائب ووضع النقاط على الحروف من قبل أولي الأمر والمثقفين والنخبة الرائدة كي ننقذ البلد من الدمار ومن الإمبرياليه العالمية التي باتت تستغل هذا التأويل بأبشع الصور وتحت شعارها المندثر والذي ولد من جديد في هذه الأيام ( فرّق تسد) نتيجة لكثرة الجهلة من الحكام والكومبرادورية الذين هم على رأس السلطة في العراق والذين مهدوا لهذا الإحتلال البغيض . فكان الشاعر اياد هاشم في غاية الفطنة والدهاء ، حين يقول ( نحن الذين نحب الأرض) ، هنا إشارة واضحة من أننا كمدنيين نحب الحياة ولاشأن لنا بما وراء العدم ، إشارة واضحة من انه لابد للشعوب أن ترتكن الى القوانين الوضعية والدساتير المدنية التي يضعها الإنسان نفسه ، وهي أفضل بكثير من المقدس الذي يؤول الى الدمار والقتل أو الى إلحاق الضرر بالآخرين كما حصل للشاعر أياد نفسه الذي فر هاربا نتيجة الظلم من هكذا افعال . ثم يستمر الشاعر في نفس النص كما مدوّن أدناه :
 
بين غائلتين
وانتظار الميل الذي انهى مهمته
من المكحلة للمرة العاشرة
لم يكترث الواعظ لصراخنا
ريثما يحضر شهود آخرون
راحت الشمس تخبره
بخراب الفصول وهو يمسك بعصاه
متمتما بتعويذته القديمة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
( الحاكم كاالنهر العظيم تستمد منه الانهار الصغار فاذا كان عذبا عذبت واذا كان مالحا ملحت .. افلاطون) .......
الشاعر أياد يهجو طغاة اليوم ومافعلوه بنا ، حيث الوطن قد فقد عذريته على أيدي المحتل وعملائه ، ومازالوا يقولون انّ الشرف العراقي مازال مصانا ، لا لشيء سوى الحفاظ على مناصبهم وسرقاتهم التي باتت معروفة للقاصي والداني ، وهنا الشاعر يقترب مما قاله مظفر النواب في السبعينيات بحق الطغاة وحكام العرب ( أدخلتم كل زناة الليل الى حجرتها وتنافختم شرفا .. أولاد القحبة هل تسكت مغتصبة )  . انهم مازالوا يصرّون على تعويذة قديمة أكل الزمن عليها كثيرا ، بدلا من التطلع الى القادم وبناء مستقبل زاهر . انهم حماة الماضي البليد ، الماضي الذي أصبح في طي النسيان لكثرة مافيه من الدجل والغباء الذي لايمكن له أن يعيش مع الحداثة التي يمر بها العالم الذي أصبح عبارة عن غرفة صغيرة يلتقي فيها الكثيرون من كافة أمصار هذا الكون لطرح أفكارهم وعلومهم عكس ماكان أيامَ زمانٍ مضى ، حيث لو أراد المرء نقل معلومةٍ ما في غاية الأهمية القصوى ، عليه أن يمتطي البعير كي يصل بعد أشهرٍ أو سنين ، حيث يتطرّق الشاعر هنا في نصه أدناه( للقلم مهمة أخرى)  لما نقوله بهذا الخصوص أو ماشابه :
 
قال لي قلمي
وهو يغادر صوب الرصاص
انّ شفتي كافيتان  لإسقاط الأصنام
فلديه مهمة اخرى
رغم الضجيج من حوله
راح يؤرخ للحقيقة زمنا قادما
الصمت في بلادي صار يتكلم
وبلاحجة لأحد ان يقول انا ....الآن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
للقلم وقعُ أقوى من الرصاص ، للقلم فم ينطق به حتى يستطيع أن يدافع عن كل ماهو ينتمي الى الحقيقة ، وللفم صرخة مدوية يستطيع إيصالها الى السماوات السبع ، مثلما صرخها يوما الجواهري حينما قالها (أخي جعفرأتعلمُ أم كنتَ لاتعلم ...بأنّ جراح الضحايا فم) ، فظلّ هذا الفم يصرخ بأعلى صوته حتى اليوم مناديا بحق أولئك الذين سقطوا في وثبة الجسر 1948 ومن ضمنهم أخوه جعفر . وحتى حين تصمت البلاد فأنّ شفاه القلم لايمكن لها السكوت عن إدلاء ماتريده ، القلم هو المحرك الأساس لكل نهضات الشعوب ، هو الذي يعطي الزخم للكادحين والفقراء على أن يقوموا من أماكنهم كي ينالوا من الحرية الأكبر والحقوق الأوسع في مجال حقوق الإنسان . ولذلك صرخ القلم ملايين المرات في هذا الزمن الطويل العريض ، صرخ القلم وهو بين أيدي الشجعان والأبطال الذين ضحوا بالغالي والنفيس ، صرخ القلم بما نقرؤه في بطون الكتب ، وما اكثرها تلك التي حدثتنا عن أنكيدو ،  سبارتكوس ، آخيليس ، هرقل ، ماشستي ، ثم في الأزمنة الحديثة هناك العديد من الأبطال الذين نقلوا على ظهر القلم . حدثنا القلم عن كيفية سقوط رموز الطغاة ، مثلما سقطت الصنمية الفرانكويه في أسبانيا ثم الصنمية الصدامية في بغداد .
يستمر الشاعر في نفس النص ليعلن عن أحزان الوطن المبتلى بسياسيين كذابين سرقوا قوت الشعب وثقافته ، لنقرأماذا يقول لنا في الآتي :
 
انّ الصناديق لاتكفي لأحزاننا
صناديقهم لاتكفي لما أخذوه من خبزنا
في بلادنا
الصناديق لاتكفي دائما
قال لي
وهو يشرب كأساً
أكلنا الدم والميتة ولحم الأنسان
وذبحنا أبناءنا على نصب الأحزاب
لكي يرضى الرب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
ما أروع الشاعر هنا حين يتمرد كتمرد الممثل الجميل( ماثيوماسيدو) في بطولة الفلم العالمي ( مقاطعة جونز الحرة free state of jones ) ، دراما رائعة تجسد الواقع الأمريكي قبل أكثر من مئة عام والتمييز العنصري ضد الزنوج ، حيث يهرب جونز من الخدمة الإلزامية التي يعتبرها ليست حربه ، لما فيها دعما للأثرياء السراق الذين يقبعون في بيوتهم بينما الفقراء يموتون في الحرب ، وهناك يبدأ بثورته ضد البرجوازية البشعة . اليوم العراق يمر بهذه المرحلة من السراق والخونة والذين يدعون النسك بينما هم يشربون الخمر ، كما هو صديق الشاعر أياد الناسك والمتدين لكنه يسمح لنفسه أن يشرب الخمر فيقول له سراً أثناء سكره : نسرق ونقتل أبناءنا كي يرضى الرب.  هؤلاء لم يحترموا الدين فكيف لهم أن يحترموا إصول الخمر ، فالخمارون الأصليون صادقون ، والخمرة لها أخلاقها الحميدة و لها إحترامها من قبل ندمائها ولايمكن لهم أن يبوحوا بالأسرار أثناء جلوسهم  ( ولا أبوح بشيٍء كنت أكتمهُ /عند الجلوس إذا مادارت الكأسُ ) . الشاعر أياد يسخر من الإنتخابات لكونها لم تجلب لنا غير الجهلة والمارقين وسارقي قوتنا ، ولذلك في بوحه المؤلم أدناه يؤكد على ذلك ، بأن الشعب سوف يشد العزم لكي لاينخدع مرة أخرى فينتخب هؤلاء اللصوص كما نشمّ في رائعته ( إطلالة الرقيم) :

يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع في الجــــــــــــــــــــــــــــــزء الثانــــــــــــــــــــــــــي

هــاتف بشبوش/عراق/دنمارك/7/11/2006

 
 

77
نساءُّ وصديقُّ عراقيُّ هولندي.......

في مرقصِ دافنشي أكرمت علينا الصدفة أنا وصديقي القادم من هولندا في أن تجمعنا وفتاتين ناعمتين من هذا الكون الجميل أحيانا ، بالرغم من بؤسهِ في أغلب تفاصيله . الأجواء رومانسية خالصة إرتقت بنا الى الإنتشاء القسري المذهل بفضل السعادة الغير متوقعة والسابحة مع عطرهنّ المنبعث من زيق صدورهنّ وأعناقهنّ العارية والذي صعد الى أنساغ رؤوسنا مع الأنس الشديد الذي لن نألفه كعراقيين قادمين من بلد الحرمان الإنثوي . بعد كأسين من خمرة أبي مرة محمود الحسن لم يتحمل صديقي هذا المشهد الجميل مع الدلال والإثارة التي تنطلق من إبتسامة إحداهن أو رشفةٍ هادئةٍ تزيد إحمرار شفتي الأخرى المغتبطة بنا في تلك اللحظة التي رسمتها آلهة الصدفة ، أو هزّةٍ بسيطةٍ لأكتافهنّ وهنّ جالسات على الأريكة التي تليق بأكفالهنّ اللدنات . وعلى حين غرةٍ ، خلع صديقي حذاءه وطفق يضرب رأسه ( طاك ، طاك، طاك ، طاك) . الذهول المفاجيء أصاب فتاتي الصدفة الحنونات بغنجهنّ المترّف  ، وأنا فزغتُ من مشهدٍ صادمٍ شلّني في الحال . لكن صديقي العراقي الهولندي ضحك عاليا باكيا جذلاّ ثم قال متشاعراً : (أين أنا الآن... من حمار البستان ) . ثم أكمل قصته حيث كانوا أيام زمان في عراق القحط الجنسي أربعة كما جلستنا هذه : أنا وهو وفتاتي الصدفة الجميلتين في مرقصِ دافنشي . لكن الفرق أنذاك كانوا أربعة أصدقاء أيضا في إحدى بساتين الحمزة الشرقي تعاضدوا في نيك حمار( ياللهول) . هو يراقب المشهد خوفا من مرور الغريب ، وآخر باشر في لذته وولوجه ، وآخرُ يصنعُ نشوته في تقبيل فم الحمار ، وآخر ينتظر دوره التالي في الولوج على مضض .  وهم بهذا المشهد المخزي لاحت لهم زوجة مدير المدرسة التي يتعلّمون فيها إصول الدين الإسلامي ، وهي تحدق مرعوبة لهول المشهد . المسكين من كان في ذروته نزع خنجره من فرج مطيته ذليلا خائباً خجلاً ، حتى فروا هاربين في مشهدٍ لن ينسىاه حتى ونحن في هذا اليوم الجميل في مرقصِ دافنشي وفتاتي الصدفة الجميلتين . صديقي الهولندي مازال في جذله ، نادى على النادل الذي أحضر زجاجة ويسكي والتي إنتهت في جوفه وجوف الجميلتين لأنني غالبا ما أحب البيرة والنبيذ . إنتهى اللقاء الفردوسي بدفع مئة وخمسين يورو دفعتها الجميلتان ، مما دعى صاحبي أن يقول بلهجة خالصةٍ بأهل البساتين ( وجمالة يدفعن الحساب ) مالاً حلالا ً وليس سحتا كمالِ سياسوا عراق اليوم . شكرا لكم ، تعانقنا عناق الصدر بالصدر ،إذ أنّ صديقي تحسّس لطراوة نهديها الطافحين كما أخبرني متلذذاً ، والأخرى صافحتني باسمةً وهي تعصر كفي ،  باي باي ،  بكى صاحبي الهولندي على أمل اللقاء ثانية .

هــاتف بشبوش/ عراق/ أوكرانيا


78

جمال حكمت و أنسامه العذبة(2)......................

جمال من النوع الذي لايمكن له أن ينسى مامرّ به شخصيا أو ماسمعه عن القصص التي حلّت بالكثير من العراقيين نتيجة ظلم البعثيين على مدى أربعة عقود ، جمال لايسمح له ضميره أن يصمت فراح يصرخ بكلماته هنا فينقل لنا ماحلّ بإمرأة لربما كانت جارة له ، تلك الأم التي يسجن إبنها وتظل تنتظره ولم يعد حتى مماتها ، لنقرأ السرد التراجيدي في قصة ( أم الزين) :
الغوص والتمحيص في هكذا نوع من السرد هو في غاية الشفافية  في غاية البحث عن الحقيقة والواقع المعاش لدى العراقيين أثناء حكم البعث المجرم ، كما وانني أرى القاص جمال وفياً في هذا السرد ومناضلا يحاول إحياء الذين إستشهدوا وضحوا بالغالي والنفيس في سبيل إعلاء كلمة الحق ومقارعة الظلم فراح يحكي لنا عن إمرأة مناضلة كما هي الحال بالعديد من المناضلات العراقيات اللواتي قدمنَ فلذات أكبادهن في سبيل الوطن وهن يزغردن ويبتسمن ، أو انني أرى جمال شاهدا على هذه الحالة التي مرت بها أم الزين أو هي أحد أقربائه ولذلك يأتي السرد واضحا ناضحاً الأنين والألم والصرخة التي تجعل القارئ يحس بحشرجةٍ في البلعوم أثناء التحديق على كلماتها أو ما ألم بهذه المرأة التي انتظرت  وانتظرت ولم تحصد غير قبضة الريح ، لكنها صمدت شامخة لا تلويها أعاصير الألم وفقدان الأحبة ، انها تنذر لحمها ودمها الى الوطن الغالي وبدلا من البكاء نحيبا وعويلا بكت جذلى وهذه هي التي شكلت عنصر الألم في هذا السرد الجميل  .
القصة وسمت ( بأم الزين) للدلالة على زين الرجال كما يقال وبالفعل الذي يجود بالنفس فهو الأرقى هو الإنسان الأسمى والأعلى . أم الزين في عقدها الثمانين ولازالت تبكي حرقة وألماً على إبنها السجين منذ خمسة وعشرين عام ، تتأمل إطلاق سراحه ، وفي يوم يائسٍ ينذر بالرحيل والوداع ، دخلت الى غرفته والى سريره وبدأت تدندن باغنيته التي كان يغنيها أيام كان حياً يرزق ( لو موت لو سعادة يابو علي .. واحنة دربنة معروف ) ، حضنت فراشه حتى بدأ صوتها يخفت ففارقت روحها الدنيا ولم يعرف أحد في تلك الأثناء هل لاقت ابنها في تلك اللحظات وهي تحتضر ، هل كانت حزينة أم فرحة  .
(وصلت السرير ، أخذت تتلمس لحافه الأحمر ..صارت تغني ...ثم فتر صوتها ولم يعد يفهم ، رقدت على سريره وابتسمت ، انزلقت يدها ببطئ من فوق صدرها ماسكةً بها الورقة التي احتفظت بها منذ سنين ..اصفر لونها وتآكلت حروفها ولم يبق منها من كلمات سوى أسمه ( بشير) .
الشهداء هم الذين شيدوا التأ ريخ ورفعوا اسمه عاليا بدمائهم وأنفاسهم . انها القاب تستحق المناصرة والتخليد والكتابة عنها لكي تبقى شعلتهم خالدة بين ظهرانينا  .يستمر جمال في إعلاء كلمة الحرية والنضال في سبيل منالها ، ولم لا فهي الكلمة التي لم تختفي من قواميس هذا العالم منذ نشوء التأريخ حتى اليوم ، وما المعارك الطاحنة في بلداننا العربية هي خير مثال على السعي في سبيل الحصول عليها ، رغما انّ الحرب طائفية وعنصرية خالصة ، لكنها بداية النهاية لهكذا تطرف ديني ولابد للشعوب أن تنال الحرية المنشودة . ولذلك راح جمال ينشدنا مرة أخرى عن الحرية في قصته أدناه ( ساحة التحرير) :
سرد ثوري يرجعنا الى أيام كنا شبابا لانهابُ البعث و تعذيبهم الذي كان أقوى من تحمل الجسد ، بوح فيه الكثير من الإصرار والروح المعنوية التي ماعادت تسكت على الذل والهوان ، قص يمتزج بين الواقع والخيال  بين الحلم واليقظة .  بينما يحلم القاص وهو في سرير النوم  من انّ هناك ساحة إسمها التحرير يتجمع فيها آلالاف المظلومين من جور النظام الفاسد حاليا وساسته السراق الذين إستغلوا الحرية أسوأ إستغلالٍ يذكر على مر العصور مما أدى بهم أن يرسوا بشعبنا الى هذا المآل المتردي((تبدأ الحرية حين ينتهي الجهل لأن منح الحرية لجاهل كمنحِ سلاحٍ لمجنون....فيكتور هيجو) . يحلم القاص جمال في التغيير المرفوعةِ أعلامهِ في خارج مكان منامه وسريره ، فكأني أرى انّ الحلم بمثابة ماوراء الكواليس وساحة التحرير هي التمثيل الحقيقي للحلم الذي كان يراود القاص في ذات الوقت . سرد جميل كمن ينظر من أعالي الشرفة بعيون زرقاء اليمامة مستكشفا الأحداث على مصراعيها ، قصة تحكي واقعنا المعاش توا ، قصة يجري في شوارعها وأزقتها دمُّ حار لم يبرد حتى يصل خط النهاية . سرد فيه الكثير من مآسي البشرية وهي تمضي في طريق الحرية الشائك الذي يتطلب التضحية والفداء بالنفس وما أكثر الأبطال والشهداء ، كما قرأنا عنهم في رائعة شولوخوف ( الدون الهاديء) ، لو فكرنا بهم قليلاً سيصيبنا الغثيان والدوار الذي نقرؤه في رائعة القاص جمال ( غثيان) :
جمال هنا يتحدث عن الملل أو الغثيان تلك الكلمات التي حيرت الكثير من الأدباء ، هي موضوعة تستحق الدراسة ، الملل حطم الكثير من الكتاب والبشر العاديين ، الملل هو قاتل الحب . لماذا يموت الحب بين عاشقين على سبيل المثال بينما كانوا في شدة إحتراقهم ، لماذا حينما يتم الوصل بين الحبيبين يدب الملل بعد حين ممايؤدي الى قتل الحب إذا لم يجدوا وسيلة يستطيعوا بها قتل هذا الملل . في بداية السرد يختار جمال سطراً جميلاً عن العقل الباطن( هو مخزن الاختبارات المترسبة بفعل القمع النفسي ) .  العقل الباطن يتحكم في المرء من كثرة مايمر به من ضجر ، العقل الباطن هو كثرة مايختزن في الذاكرة التي تؤدي الى الألم او الى السعادة او التتفكير في شئ ما . يعني على سبيل المثال لو انّني سألت أحدهم عن مسلك طريقٍ ما يؤدي الى المدرسة التي سجلتُ بها حديثا فوصف لي المسلك في أول يوم ثم اليوم الثاني ايضا وأنا إتخذت المسلك ذاته ، ثم تعودتُ أن أذهب وحدي في هذا المسلك ، فإنني سوف لن أحتاج أن أسأله مرة اخرى عن المسلك لأنه إختزن في العقل الباطن فلاداعٍ لأنْ أسأله مرة أخرى عن المسلك . العقل الباطن هو من جعل شعوبنا في هذا النكوص من الجهل لأن الجهل لديها منذ سالف الأزمنة وقد استقر في العقل الباطن  فمن الصعوبة أن تتخطى هذه الشعوب هذا الجهل الذي ينخر في رأسها الا بزلزال فكري جمعي كبير . العقل الباطن الذي قاد القاص جمال في أن يوسم قصته بالغثيان دون شعور أو دون أختيار وتمحيص في إيجاد عنوان للقصة او حتى فكرتها هذا يعني ان جمال يكتب على سليقته التي تركت النفس وعقلها الباطن في أن تجبر أصابعه على أن تخط هذه القصة التي تحمل الكثير من المعاني ، ومن أحد المعاني على سبيل المثال لا الحصر انّ الملل هو الذي يقتل الملوك من الضجر .  ولذلك نجد كلمة غثيان في السطر الأخير من القصة ، القصة التي مختصرها تحكي عن (آدم) الشخص الذي يحاول أن يشترك في موقع أعلن مسابقة لمن يشترك في قصة أو موضوع أدبي أو شيء آخر ، وظلّت الساعات الأخيرة لأنتهاء المشاركة ، ويظل مابين عقله الباطن وما إحتواه من أفكار خزينة يحاول تدوينها لغرض المشاركة ومابين إبداعه المنفلت أحيانا والملجم أحيانا ، فيصيبه نوع من الملل والغثيان وهذه تحصل لدى الكثير من الكتاب والأدباء ، إذ انه في لحظة ما تراه يترك كل شئ منزعجا مضطربا متخما بالملل وتكرار شيئيات يومه المعتاد ، كما نقرأ في السطر الأخير من القصة التي تفسر لنا ماأراده القاص جمال أن يقوله بالتحديد :
( إنتهى من الكتابة للتو ولن تبقَ الاّ دقيقة واحدة لنهاية المسابقة ، سحب سهمه الألكتروني وأطلقه على كلمة إرسال وذهبت الرسالة ولن يتذكر مما كتب سوى كلمة ( غثيان) ..لايدري وضعها عنوانا لقصته أو مقالته ).

  مما يعطينا إنطباعاً ان ّ آدم بطل القصة أصابه الغثيان والملل في لحظة ما ومن أمرٍ يشغله ولايعرف على وجه التحديد ماهو . القاص جمال إعتمادا على ماقلناه أعلاه يطلق لروحه العنان وينزوي مع النفس العليلة المكدرة الضامئة الحزينة الصادية الملولة المصابة بالغثيان فيكتب لنا رائعته ( أنا ونفسي) :
 وماذا بقي لدى العراقيين غير أن يكتبوا عن موتهم في انفجارٍ ما أو تفخيخ وزع الأشلاء بالتساوي بين أطفالنا ونسائنا . هنا جمال يكتب قصة قصيرة جدا ، محتواها يدور مابعد الموت ، تتحدث عن شخص يتصور نفسه يموت في الإنفجار ، ولايعرف هل هو في حلم أم في حقيقة خالصة  . لشدة الخوف من هذا الفقد الرهيب لدى العراقيين ، من هذا الموت الذي أصبح مابين قاب قوسين أو أدنى من العراقيين جميعا . ولذلك أراد جمال في قصته هذه أن ينقل رسالة لنا مفادها عن الموت تلك الكلمة المرعبة . الموت هو العدم والحياة هي الوجود ، الموت هو أكثر شئ في الوجود أرهق الأدباء والفلاسفة منذ فجرالتأريخ حتى اليوم ، الموت هو الحد الفاصل الذي أتعب كلكامش في فكرة الأبدية والقصة المعروفة في بحثه عن عشبة الخلود ، الموت في بعض أحيانه هو الذي يجعل منا لانستطيع أن نودع أحبتنا وليس بمستطاعنا أن نمتلك فترة قصيرة ولو لهنيهة كي نعتذر من الآخرين ، لأنّ الموت اذا ما أراد النزول فأنه ينزل بدون أستئذان ، انه الذي يسقط علينا كالصاعقة  ، فاذا أردنا توظيفه في الأدب علينا أن نكون في غاية من الدراية والحيثيات والمفاهيم التي تتطلب منا مهارة عالية فهناك الكثير من الروائع الأدبية التي وظفت الحكمة من الموت في خدمة الإنسانية , ومنها آنا كارنينا , للحب وقت وللموت وقت , الحب في زمن الكوليرا , رائعة تايتانك . رغم كل هذا الشرود النفسي ، يقف جمال حكمت متذكرا جذوره التي لامفرمنها فهي كالظل الملاصق فيرحل صوب بلاده فيكتب لنا بوحه الجميل ( بلادي) :
(العراق كلما ابتعدنا عنه كلما أقتربنا منه أكثر ...... الشاعر العراقي سركون بولص ) .....
كنا نتصور اننا سوف ننسى ما أصابنا من نكبات بعد فراقه ، لكننا واهمين فهاهي اللعنة تلاحقنا اينما حللنا ، ربما سنشيخ في الدنمارك أوهولندا لكننا سنسكن في نفس الأزقة العراقية  ، شارع النهر في بغداد , أم زقاق موسكو في السماوة .
ما إن قرأت العنوان فألفيتُ نفسي هناك في العراق وجذوري النابتة والقابعة في أعماق تراب العراق وغرينه وتربته الخصبة ختى تذكرت طفولتي وصباي ، مهما فعلت لايمكني ان أنسى تلك الوشائج الاّ اذا كنت مصابا بالزهايمر . الإنسان السوي هو دائما يعيش  بدوامة الذكرى ، ولذلك تجدنا أقلعنا من وطننا منذ سنين لكننا مازلنا نبكي على أوتاره وأغانيه ونسائمه التي باتت لنا مثل الدواء الشافي لجميع أمراضنا ، قصة فيها التنقلات الجميلة والمترابطة مع بعضها فيها الوفاء للاصدقاء و فيها الزيارات المكوكية لأحبتنا وناسنا على إختلاف مشاربهم  فيها  لحية ماركس وهي التعبير الجميل الذي يعطينا الصورة الجلية للعراق أيام زمان وكيف كان يعج بالشيوعيين والماركسيين ، فيها ما ابتلي العراق من الحرب في زمن الطاغية اللعين صدام وماتسببه من دمار في جميع نواحي الحياة  فيها الطفولة التي كانت تعبث مع الجمال الطفولي البريء وكيف كنا نشرب الحليب صافيا حيث كنت انا أحد أبطال هذه الفنتازيا مع أصدقائي الكثيرين ،  فكنا نجثو ونضع أصابعنا على أثر البعير الذي يمر في شوارعنا ونتخيل اننا نشرب الحليب صافيا من أطراف أصابعنا . انها البراءة التي لايمكن لها أن تتلوث مهما دار الزمن انها تلك الطفولة التي لايمكن انْ يعيشها العراقي الحالي الذي نشأ على القتل والنصب ، فيها الطفولة التي كانت تنتظر أفلام الغرب الأمريكي ( الكاوبوي)  وتلك الأفلام التي كانت تعبث بنا على هواها وكنا فرحين بأبطالها امثال جولياناجيما وكيرك دوكلاص وكاري كوبر وبرت لانكستر ، وقد تناول هذا الموضوع الروائي زيد الشهيد وكيف كان يصف صوت الطلقات النارية ( كيو ، كيو ، كيو ) هذا الصوت كان يأخذنا الى ذروة النشوة والفرح الطفولي . انها الطفولة التي تكلم عنها هيراقليطس الفيلسوف الشهير قبل الميلاد حيث كان يؤسس لرياض الأطفال في ذلك الوقت ، الطفولة التي قال عنها أحد الكبار ( اذا سمح العالم بتعذيب طفل ساسحب أعترافي به) . انها قصة فيها من التوليفة الرائعة والتي اشتبكت سوية لتعطينا ابداع متنامي صاعد نستطيع ان نقول عليه مذهل ، نستطيع أن نحس من خلاله اننا في منتصف بلادنا ، في المركز الرئيسي لعصب العراق الذي أصبح اليوم تحت دخان الإرهاب والمجرمين من الدواعش والبعثيين كما نقرأ في السطور أدناه من قصة (  أحلام تحت سحابة سوداء ....) :
قصة تدور عن العراق و أطفاله ، الأطفال بشكل عام غنّى عنهم الكثيرون من الفنانين ومنها الاغنية الشهيرة لجعفر حسن ( يطفال كل العالم ياحلوين .. يطفال شيلي الثائرة وفلسطين ) . الطفل هو الذي نرى فيه أحلامنا التي نريدها كما الطفلة نبراس مدار قصتنا ، اسم جميل إختاره القاص جمال عن قصدية عالية  ، نبراس جمعها نباريس وهي المصباح او السراج  . نبراس تحلم أن تكبر تحلم ان يتحقق لها ماتريد أن تحب أن تكون محبوبة أن يكون لها شعرا طويلا  تحلم أن تكون كما بقية النساء الكبيرات ، ان يكون لها فارس أحلام ،  لكنها وللاسف ولدت في العراق بلد الدمار والحرب بلد التفخيخ والقتل الرخيص والحياة المهانة على الدوام ، انها نبراس الصغيرة الجميلة ( أجمل الاطفال ذاك الذي لم يكبر بعد ... ناظم حكمت ). فبدلا من أن تظل شعلة السراج مشتعلة كما نار المجوس الابدية ، جاءتها يد الإرهاب ، حيث حصل إنفجار في الحي التي تسكن فيه نبراس ومات الكثير من الأطفال ، فأنطفأ السراج ( نبراس)  ومات الحلم والى الأبد  ، هذه هي يوميات بغداد وماعلينا سوى أن نبكي حظ قتلانا .
في النهاية أستطيع القول :
جمال إستطاع أن يكتب بما أراده الحلم الذي كان يراوده منذ سنين ، ذلك الحلم الذي طار به الى شوارع هولندا كي ينسى ألماً بات يخاف أن تزداد شروخه فلم يعد بالإمكان دوائه وشفائه . إستطاع جمال أن يفرغ خزين القلب ذاك الذي على وشك أن يكون قيحا ولات ساعة مندمِ على عدم الخلاص منه . جمال إستطاع أن يطاوع الكلمة التي بإمكانها الوصول الى مسمع القارئ ، الى عقل القاريء ، إستطاع أن يختار الإسلوب الأحب الى المتلقي ، ذاك الإسلوب الدائر بين الشفافية والوضوح مع الخيال والفنتازيا التي لابد أن يفرضها في كتاباته لكي تكون ضمن فضاءات الأدب وأجناسه والاّ ستكون كحكاية عادية لايمكن لها أن تحتسب على القصة والسرد . جمال كتب الألم والفجيعة والموت والحب ، إستطاع أن يعطينا توليفة كبيرة عن مجريات الحياة العراقية ومايلفها من مآسي وخفايا ، ثم أضاف لها بعض ما رآه في هولندا بلد الديمقراطية والجمال والسعادة التي يفتقر لها العراقي سواء ان كان فقيرا معدما أو ثريا إرستقراطيا لايهمه سوى نفسه ، أو سياسيا دنيئاً حقيرا باع وطنه بفخذ دجاجة .  في النهاية أستطيع التصريح من انّ جمال المهندس وجمال القاص...... لايحرّك آنية الزرع دون معرفة .

هــاتف بشبــوش/عراق/دنمارك


79


جمال حكمت و أنسامهِ العذبة (1)..................

جمال حكمت قاص عراقي ولد في بغداد ، مقيم في هولندا منذ عام  ( 1998 )  أضناه القدر كثيرا ، تعثر في الحياة مرارا وخسر الكثير لكنه ذلك المتفوق الذي لايحسب لخساراته أيما إعتبار ، في كل سقطة قاتلة ينهض فيها مقتدرا لاتلويه أعاصير السلطة الغاشمة أنذاك حيث كان يساريا مفعما بالحيوية والنشاط أيام النضال ضد البعث المجرم ، الحروب سرقت من راحته الكثيرإذ انه كان جنديا في الحروب الهمجية لصدام وهذا أضفى على إبداعه شيئاً مميزاً بخصوص ذلك .  جمال حكمت متفوق في مجال السرد القصصي ، والحكائي ، متجاوز في المخيال البذخي وحتى حركات شخصياته لها الكثير من النشاط والفعالية والتعامل مع الأشياء ، بوحه يأتي على سليقته وسجيته وقلما ندر أن نجد هناك من الإرباك في السرد القصصي لمجمل ماورد في مجموعته هذه قيد الدراسة فكان موفقا في ذلك الى حد ما .
 القصص والمسرحيات لها سوق رائجة في زمان مضى ، يكفي أن يسمع المرء إسم شولوخوف أو غوتة او تولستوي حتى يتسارع لأقتنائها ، أو يتسارع لرؤياها في صالات السينما فيما إذا تحولت الى سيناريو سينمائي ولذلك جمال حكمت يتطلّع الى أن يكون إسما بارزا من أسماء السرد والقص ، حاله حال آلاف الكتاب الذين يحلمون هذا الحلم الجميل في الوصول الى عالم الشهرة ولم لا فمن طلب العلى سهر الليالي .
الحب بالنسبة اليه لايأتي بالتعلم ولا بالقراءة ولا بالجهد والمثابرة ، الحب تصرف ، الحب هو صرخة من الأعماق ، يسري في العروق الطرية ولاينتهي حتى تجف ، الحب لديه يبدأ من أول قبلةٍ تهز الكيان كالصاعقة ويعرف عندها الحبيب أنه عثر على الزوجة والحبيبة التي يريدها، أو لربما يأتي عندما لايستطيع المرء أن يلمس طرف من أطراف قميصها ، فيظل مشتعلاً حتى يقع في شراك الحب رغما عنه ، ولذلك نراه يفصح عن هذا الحب بشكل عذب رقراق كما في القصة البديعة أدناه ( أنسام عذبة) :
(الرومانسية تعني التجلّي الحر لإنطباعاتي الشخصية وتصوري من النماذج المنسوجة عن المدارس واشمئزازي من الوصفات الأكاديمية ...ديلاكروا) ..........
القاص جمال حكمت مهندس زراعي قبل أن يدخل عالم الأدب الموجع ، ولذلك كان بارعا في وصف الطبيعة المتلائمة مع الأنسام التي تداعب أوصال كل حبيب أذاق من ألم الفرقة مالايطاق ، وصف الأنساغ المتصاعدة لحقول القمح وكأنها جاءت تنذره إنّ الحبيبة جاءت هنا باعثة عن الأزهار التي هي ترمز في كل الأحوال الى الحياة . لنر السرد الرومانسي البديع أدناه بخصوص ذلك :
(سبقني قلبي لتلبية ندائها..نهضتُ من مكاني وأخذت طريق الحقول مجانبا حقل القمح ورأيت سنابل القمح مثقلة بغلالها تموج بأعوادها متراقصة بهدوء تدافع الراياح الخفيفة ، رافعة فروعها الى الأعلى متباهية بسنابلها الذهبية ، متحدية حقل الذرة المجاور لها على الضفة الأخرى للجدول الصغير الفاصل بين الحقلين) .
 جاءت حبيبته هنا شاردة من القتل والموت الذي هناك في بلدنا ، لاحياة في بلدٍ تعبث فيه أيادي الأوغاد ، حتى النسيم هناك ملوث بدخان البنادق والدبابات والعجلات التي تثير الدوار حين صعودها . تأتي الحبيبة التي ظلّت هناك فترة من الزمن تأتي الى هولندا لتجد حبيبها الذي فارقته منذ سنين . هناك غربة وهنا غربة أيضا ويلتقي الغريبان( الحبيب والحبيبة) في أرض غريبة وكأن حياة العراقيين أصبحت كلها عبارة عن منفى . الحبيب يهرب من الوطن نتيجة الأوضاع المتردية في زمن البعث ثم تلحقه الحبيبة نتيجة الطائفية الوليدة اليوم على أرض بلدنا  فيلتقيان وكأنهما مطرودان من الأرض التي يجب أن تحملهم على كفوف الراح يجب أن يكونا مدثرين تحت لحاف الوطن وحنينه ، ولكن الريح تأتي بما لاتشتهي السفن . أضف الى ذلك إنّ القصة أعطتنا رسالة مفادها إنّ الحبيبين هما رمز السلام والمحبة والتآلف ، فهنا القاص جمال أعطانا التعبير المجازي بأنّ العراق كان بلد السلام والحب وحينما خرج الحبيبان ( كل واحد منهم عبارة عن نسيمٍ عذبٍ فواح) لم يبقَ في العراق سوى الخراب والموت ولامكان للوئام والسلام .
 قصة ( أنسام عذبة)  ذات توليفة لها طابع سلس وفيها من السرد المغاير عن القصص الأخرى للقاص ، سرد رقراق يليق بموسومية عنوانها ، سرد يجعلنا وكأننا نتفس الهواء الطلق ، سرد أدخلني الى جنةٍ بسيطةٍ إسمها جنة جمال القصصية المهفهفة ، فكنت مترنحا متمايلا بين فسيفسائها ولما أنتهيت نفضت يدي وكأن قشة القمح عالقة في يدي .
جمال ورغم كل ما مر به من أهوال في بلد الدمار والبلاء ، راح يؤنسنا ويعطينا الدفق الحقيقي لعدم اليأس ، فراح يصور لنا أقدامنا الطويلة وروحنا الطائرة التي نستطيع بمعونتها أن ننتقل الى العالم الفسيح كما اللقلق ، عالم المنافي الذي ليس لدينا غيره ومافي اليد من حيلةٍ تذكر كي ننجو بها بأنفسنا من الضياع والقهر ، لنقرأ جمال في سرده البديع أدناه بخصوص ذلك وقصة ( طائر اللقلق )  :
يقولون إن الإنسان يأتي من هوة ظلامية وينتهي في هو ظلامية بل الأكثر حلكة وظلام ، يعني إنّ الفترة التي يعيشها الإنسان بين هوتين ظلاميتين ( بطن الأم ـ القبر) هي عبارة عن سراج ، عبارة عن فراغ هائل ، بداية هذا الفراغ هو القماط هو البكاء العفوي لأول صرخة للأنسان  بشكل عام وفي التفسير الميثولوجي للتراجيديا الإنسانية ( الإنسان مقهورُّ على الدوام)  . فكيف حال العراقي وما لاقاه من أهوال ، منذ الطفولة ونحن قصيرون في كل شئ ، قصيرون في قاماتنا  وفي عقولنا  وفي بصيرتنا وفي أيادينا التي لاتستطيع أن تصل الى رفوف المكاتب كي تختار كتابا جميلا عن الحب ، لاتستطيع انْ تصل الى مجاهيل فتاة أحببناها في الصغر ، لاتستطيع أن تمسد شعرها الليلي ، لاتستطيع أن تمسك ذراعها في شارع عام ، لاتستطيع أن تعانق أو تضم حبيبا لها ، بالمختصر أيادي معطوبة لاتنفع في كل شئ ، حتى في الكتابة ، كنا أيام زمان خائفين من رجالات الأمن ، لربما تنفع ُفي الصفعات واللكمات وهذه رمز العنف لا الحب . ولذلك القاص جمال أراد أن يعوض ذلك لكي يقنع نفسه المثقلة بالعدميات ، من انه موجود ، انه جمال حكمت إبنُ بلاد الرافدين ، فراح يفتخر بساقيه الطويلتين ، كما الطاووس الذي يمشي متبخترا زاهيا بنفسه ، أراد جمال أن يسد النقص الحاصل في تشويهنا وتكويننا من قبل الرب الذي خلق العراقيين على هذا المنوال المشوه ، وحتى هنا وجد جمال نفسه في إنتكاسة رهيبة جدا ، نكوص ما منه مهرب أبدا ، وجد نفسه يستطيع الهروب بها من الوطن ، الهروب بها على حدود الدول الغريبة والمنافي التي ليست لها حدود ، إنه الهروب الى الأمام ، الهروب الى قمة البركان التي لانعرف متى تنفجر وتدمر كل ما بنيناه في المنافي التي وصلناها بساقينا الطويلتين . فمن لجمال كي يعينه على كل هذه الإرهاصات وهذا السهد والسهر الذي يؤرقه . هذا هو حال الأدب ، هو المهنة التي لايرتقيها غير المعذبين على الدوام ، الذين يفكرون بعقلٍ حر خالي من أي قيد ، الذين يحلمون بأعالي الحرية ، ولذلك راح القاص جمال يبوح لنا بسرده الجميل أدناه وقصة ( رائحة الحرية)  :
(لاتمنح الحرية لمن كان وغدا ......لينين) ......
الحرية تلك الكلمة التي مات على منحرها الكثيرون من أشراف روما الى أبطال هذا العالم الشاسع الذين غيبتهم أيادي الغدر في السجون والحروب . لوركا ومقولته الشهيرة وهو يكتب الى حبيبته بينما هو في السجن وقبيل إعدامه بوابل من الرصاص من قبل جلاوزة فرانكو ، ( كيف لي أن أكون جديرا بحبك .. إذا لم أكن حرا) الحرية التي أصبحت اشهر كلمة على وجه التأريخ لكثرة ما اعطت الإنسانية في سبيل نيلها الكثير من الضحايا ، سفكت في سبيلها انهار من الدماء ، أعدمت بالمقصلة الشهيرة الفرنسية مدام رولان ، الحرية تلك الكلمة التي أصبحت لاترى الاّ في الآحلام للكثير ممن سلبت منهم أجسادهم ، وعلى رأسهم الزنوج الذين أعطوا الكثير على طريق هذا المذبح الرهيب ، كما رأينا تضحياتهم في فلم ( الماندينغو) تمثيل جيمس ماسون ، وآخرها فلم ( إثنى عشر من العبودية) تمثيل براد باث والشاب الزنجي ( ..)  حتى وصلوا الى ماهم عليه الآن حيث أصبح أوباما الرجل الزنجي رئيس أمريكا  أكبر دولة عنصرية في العالم . الحركة اليسارية العالمية أعطت الكثير من شواهدها في هذا المجال . الحرية المنشودة في السجون والقصص التي قرأناها في هذا المجال ومنها قصة الكونت مونت كريستو الذي حُكم بالمؤبد في جزيرة نائية ثم تحقق له أن ينال حريته بغرابة تذهل العقول كما رسمها لنا الروائي الشهير( الكسندر دوماس)  . الحرية تلك التي أصبحت تراود الملايين في أحلامهم ، مثلما الحلم هذا الذي نقرؤه في رائعة جمال حكمت عن البلد المستباح ونصب الحرية لجواد سليم الذي إختفى وأصبح مرميا خارج الذاكرة ، وسط بلد ضاع في الدمار والهلاك والقتل والتشريد  ،حيث يصور لنا جمال في سرده الجميل عن هذا الإختفاء بشكل مبهر لما فيه الكثير من المعاني :   
(رحت أبحث في زجاجة الخمر عن خمرة أزيد بها كاسي كي احتفل بالنصر وانتشي ودرت بها فوق كاسي وكانت فارغة اخذت ارج بها علها تقطر لي فرحا جديدا لكن ذلك لن يجدي دفعت الزجاجة بقوة على يميني سقطت على الكمبيوتر فانطفا واختفت صورة النصب ) .
(صحت يا الهي من سرق النصب لقد اختفى النصب من امام عيني وعاد الليل يخنقني ابحث في جنح الظلام عن وطن فما عادت له صورة ) .
وبالفعل يرى جمال صورا تختلف عما كانت تدور في خلده وفي عالم لابد للمرء أن يثمل فيه كي يرى العالم المستباح بوضوح ، لأن مايراه عبارة عن صور تمليها الغشاوة والضبابية  فأطلق عليها كما نقرأ في بديع خياله أدناه ( صور متشابكة)  :
قصة تحمل الكثير من التنقلات التي تتأتى نتيجة الظرف القاسي الذي يعيشه أي مغترب ، تختلط عليه الأمور في جميع مسارب الحياة ، فهو هنا في هولندا مع شعوب تختلف إختلافا جذريا عن ماكان عليه هو في العراق وتلك التقاليد الجامدة  ، فتتوضح له نتيجة ذلك رؤيا متشابكة ، ممزوجة بالفلاش باك الذي يحمله الى الذاكرة السحيقة بإعتباره إنسان قادم من الأزل ولذلك راح يسرد لنا عن التأريخ الشائن وما كان يحمله من مآسي وآلآم ، فيتكلم عن عمرو بن العاص وعورته والحادثة الشهيرة في معركة صفين  ثم عن تأريخ المسيحية الشائن وهيباتشيا ، رواية فكتور هيجو وجان فالجان ، ثم ينتقل حديثا فيتذكر ، غناء فيروز ، عبد الحليم  ، شعر مظفر النواب ، حب عاطفي ، وحب الأطفال وصورهم المعلقة في الحائط  . ثم يذهب الى التلفاز فيجد هذه الأمة لاهمّ لها غير الموت والقتل وصناعة أديان جديدة ، يرى هذا العالم غارق في الدمار ، لنقرأ مايصفه لنا القاص جمال بهذا الخصوص :
( مال به الأمر يبحث في القنوات العالمية ، يظهر على الشاشة صور حطام خلفته هزّة أرضية، وفيضانات خلفها تسونامي ، وضحايا من الأطفال حضنتهم أمهاتهم ، ورجال اتوا غرقا ، كانوا يحاولون إنقاذ أولادهم أو ماتبقى من عرش بيوتهم ، وربما سبحوا نحو كسرة خبز سقطت من جيب ( جان فالجان) طفت فوق سطح الماء وجرفتها السيول )  .
إستوقفني كثيرا السطر أعلاه لبراعة جمال في هذا الوصف الذي يخص جان فالجان بطل قصة البؤساء لفكتور هيجو ، الذي يسجن أكثر من عشرين عام على قطعة خبزٍ سرقها، فما أقبح ذلك القضاء وقتذاك إذ يسجن جان فالجان الطيب المسكين ويترك سرّاق الملايين مطلقي السراح كما ساسة العراق اليوم  . فيقول جمال في وصفه أعلاه ..كيف هذه الناس تسبح كي تحصل على كسرة خبز تسقط من جان فالجان فتذكرت ذلك المثل العراقي حول فقراء بلداننا وحالهم المبكي الفجيع ( يطلبُ من الحافي نعالاّ) أو (يطلبُ من العاري قطعة قماش لستر عريه) . ثم أخيرا تنتهي القصة بنهاية رائعة نهاية كونية ذات بعد إنساني عالي جدا مع المرأة التي تجمع التبرعات من كل فئات العالم في هولندا الى مصابي السرطان ثم الإرتياح الأخير مع الزوجة التي تزيل نصف الهم في هذه الغربة اللعينة مع الإستعانة بكأس الخمر مزيل الآلام  والهموم .

هــاتف بشبــوش/ عراق/دنمارك

80


عبد الكريم العامري وعنبر سعيد(1)......


هـاتف بشبـــوش

عبد الكريم العامري شاعر وروائي وكاتب مسرحي من البصرة الفيحاء ، عضو إتحاد الكتاب العراقيين والعرب ، عضو في العديد من النقابات والجمعيات الثقافية والفنية ، مؤسس ورئيس تحرير مجلة بصرياتا ، مدير شبكة أخبار العراق . صدرت له العديد من الكتب والدواوين ومنها ( لاأحد قبل الأوان ...شعر) ، ( مخابيء...شعر)  ، ( الطريق الى الملح ...رواية) ، ( عنبر سعيد...رواية) ، ( جسدي مشاع ...شعر ) ، ( مجموعة من المسرحيات) . ثم هناك له من الكتب تحت الطبع ومنها ( رواية غزو....تتحدث عن الغزو الأمريكي)  ، ( مسرحية كاروك ..مترجمة للغة الإنكليزية) ، ( مسرحية قيد دار .. مثلت من قبل الممثل د. مجيد الجبوري واخراج د. حميد صابر) ،( مسرحية دعوة للمحبة (للاطفال) اخراج د. كريم عبود) ،( مسرحية جعبان اخراج د. حازم عبد المجيد )، ثم قدمت له العديد من المسرحيات في بلدان عربية مختلفة .
عبد الكريم العامري حينما يبدأ بالشّروع في الكتابة ينطلق ضدّ التيار ، يُعجبه أن يكون أكثر قوّة كي يستطيع أن يواجه أعتى أمواج البشر وأعاصيره العاتية ، ينطلق كي يرفع البيرق الذي رسم ألوانَه ، وخطّ ما يحتويه من معاني واتّخذه علماً يستطيع أن يكون رمزا له و لهدايته في الطّرق الوعرة التي تُصادفه أينما حلّ و ارتحل ، و لذلك في روايته قيد دراستنا هذه والموسومة ( عنبر سعيد) نراه قد استعان بقديس الإبداع جون كوكتو و جعل مقولته الرائعة في أوّل سطر من الرواية( ما يلومك الناس عليه اعمل على تنميته، فذلك هو أنت)، وهذه أروع من عاضدها و جسّدها لنا الممثل القدير والشّهير ( جاك نيكلسون) حين يقول (لا تضيّع وقتك لتُثبت لهم أنّك ناجح ...قل لهم إنّك فاشل فسيصدّقوك فورا .. ثم عش حياتك مثلما تريد بطريقتك و أسلوبك ...هذا هو النجاح الحقيقي) .
 عبد الكريم العامري يكتب بالواقعية الشديدة و ما تراه عينه أو ربّما هو أحد شواهد هذه الرّواية التي بين أيدينا ، ينقل لنا طبائع البشر كما هي بلا رتوش خصوصا تلك التي تتعلّقُ بالجانب الاجتماعي المرّ و ما يجلبه لنا من كوارث و ويلات لو سكتنا عنه و لم نفضح الجانب السّلبي منه. فعلينا أن نفضح المستور حتى لو كلّفنا ذلك الكثير والكثير أو لم ترض علينا الناس فإرضاء الناس جميعهم غاية لا تُدرك ، و لذلك يتوجّب علينا أن نُؤشّر على مكامن الخطأ مثلما أشار لنا الروائي عبد الكريم حول الشخصية الدينية المزيفة المتمثلة بالشيخ ( مقطوف)        و أفعاله الشريرة و هوسه الجنسي الفضيع كما سنبيّن لاحقا.
عبد الكريم العامري يكتب بدون تورية ، إنّه لا يخشى ما يأتي من الجاهل الذي يُصرّ على بقاءه في عتمته و ظلمته و كأنّه يريد الظّلم كقدرية أبديّة، أو ذلك الجاهل الذي يعطيه الجلاّد أحيانا فرصة للهرب حينما يذهب يحدّ سيفه ، لكنه ما يزال مُسمّرا في مكانه متّكلاً على الباري منتظراً حزّ رقبته، فهذا نوع من أنواع الجهل و من الضّروري فضحه أو توجيهه على المسلك الصّحيح كما كان يفعلها جميل صدقي الزهاوي أو علي الوردي ، اللذان ذاقا الكثير من جرّاء العمل في هذا الدّرب العسير .
رواية (عنبر سعيد ) رواية قصيرة لا تتجاوز عدد صفحاتها الإثنين و السبعين صفحة تحكي قصّة رجل صاحب عربة يجرّها حمار( عربجي) ،اسمه (عنبر سعيد) هذا الذي تشهد عينه الكثير من الأحداث، ثم شيخ المدينة الدجّال الديني و زير النساء (الشيخ مقطوف)، ثم الفتاة الغضة الطرية التي يغرّر بها الشيخ (مقطوف) فيطئها مرارا و تكرارا بعد تنويمها دينيا و جنسياً تحت شهوات إكليله القائم على الدوام . عنبر سعيد يفرّ من المدينة التي وُلد بها نتيجة الخيانة و الغدر ظُلما و بُهتاناً، يُتّهمُ بعلاقة مع فتاة أرادها أن تكون زوجته، ينصبُ لهما الفخاخ من رجال الدين الذين اجتمعوا وتعاضدوا على رجمهما. عنبر سعيد يستطيع الهروب لكن الفتاة تُرجمُ حتّى الموت، فتظلّ ذكرى أليمة لا تفارقه حتى موته. يهربُ عنبر من المدينة صوب مدينة أخرى حيث لا يعرفه أحد ممّن نصب له هذا الفخاخ الذي هو على غرار فخاخ الفلم الإيراني البديع (رجم ُثريا....The Stoning of Soraya إنتاج عام 2008)،حيث تُرجم (ثريا) الجميلة ، الفتاة الطاهرة البريئة بالحجارة حتى الموت بعد أن يشي بها طليقها لكي يتخلّص من دفع نفقات الزواج في اتّفاقه مع شيخ المدينة الدّجال هو الآخر ، تُرجمُ الفتاة العفيفة بلا رحمة ، حتى ابنها الطفل الصغير غرّزوا به نار الحقد على أمّه فقام بضربها بالحجارة إسوة بالآخرين ، فأيّ عالمٍ إسلاميٍ هذا وأيّ دين؟
(عنبر سعيد) ، عنبر تعني الرائحة الزكية ثم سعيد من السعادة، بينما شخصية عنبر أمام الناس كما رواها لنا الروائي عبد الكريم، سكّير مُعربد، نتن الرائحة، وسخ على الدّوام نظرا لعدم توفّر وسائل الرّاحة و النظافة لشدّة فقره وحاله المُعدم ، كما و أنّه ينام في زريبة حماره الذي يُحبّه كثيراً فيطلق عليه (أخوه) . و لذلك اسمُ (عنبر سعيد) و طبقا لهذه المواصفات يفترض أن يكون ( نتانة حزين بدلاً من عنبر سعيد)، لكنّ الروائي أراد أن ينقل لنا طبيعة البشر السّائدة          و السّاديّة بذات الوقت، طبيعة البشر التي تنظرُ إلى مظهر الإنسان لا جوهره، تنظر إلى شكليّات المرء لا أخلاقه الحميدة و لا إلى تلك المآل التي جعلت منه فقيرا مُعدما وسخا و سكّيرا .        و لذلك الروائي عبد الكريم أطلق هذه التّسمية على بطل روايته كرسالة يريد إيصالها لنا ، من أنّ أخلاق عنبر سعيد تنطبقُ كلياًّ على مسمّاه إذا ما قورن بالشيخ ( مقطوف) الفاسق و الكذّاب الذي يحمل كل معاني الوساخة و القذارة الحقيقيّة ، لأن ّ وساخة العقل هي أكثر خطرا على الشعوب من وساخة البدن، أو ربّما بطل الرواية ( عنبر سعيد) هو اسمه الحقيقي ، فهذه تُضيف للرّواية بُعدا خلاّبا آخراً وحقيقة لا يُمكن تصديقها إلاّ من شفاه الروائي عبد الكريم العامري نفسه باعتباره الشّاهد و المُتعايش ربّما مع أحداث بطل الرواية .
عنبر سعيد يتعرّف في فندقٍ بسيط على شخص فيكون صديقه الأحبّ إلى قلبه، لكنهما متناقضان تماما، عنبر خمّار مُعربد ، و صديقه زاهدٌ دينيّ ، لنرَ ما تقوله الرّواية بصدد ذلك :
( تحدّثا معاً عن شؤونٍ كثيرةٍ ولم يسمع أبداً منه كلمةً في السياسةِ، كما أنّه لم يتذمّر من الشراب الذي يأتي بهِ عنبر إلى الغرفةِ، قال مرةً إلى عنبر:
–أنت َتشربُ كثيراً .
ردّ عليه عنبر ضاحكاً :
–وأنت َتصلّي كثيراً !)

في إحدى جولات رجالات الأمن السرّي يُلقى القبض على صديق عنبر و يُعدم هناك في تلك الأقبية المظلمة وهو لا يعرف الشيوعية من الشيعية، فيحزن عنبر عليه حزنا شديدا ، فيا لغرابة الموقف عن الصداقة العراقية سابقا ، حيث لا فرق بين سكّيرٍ ودينيٍّ إلاّ بالأخلاق ، بينما اليوم حدّث و لا حرج في ظلّ الحكومة الدينية المتدنيّة، إذ يقولون بإمكانك اليوم أن تحمل رمانة يدوية وأنت ماراً على الكثير من سيطرات الجيش العديدة ، وإيّاك إيّاك أن تحمل علبة بيرة .
عنبر سعيد يبدأ بالتّفكير بالموت بعد فراق صديقه وهو الذي كان بعيدا عن هذا المآل العدميّ كما نقرأ في الرواية :
(إنّنا مخلوقون كي نموت ! لم تكن تشغله تفاصيل الموت، فالموت و إن تعدّدت أسبابه هو واحد. مفردة واحدة : الموت، وهي تعني الخلاص و اللاعودة . في هذه المرة تغيّرت تركيبة عنبر سعيد، فموت صديقه فتح أمامه الطريق لتساؤلات عديدة . هكذا وجد نفسه محشوراً بتفاصيل الموت؛ كيف مات. متى . أين … ؟)  ثمّ الحديث عن المقابر :
(أليست المقابر مُدُناً مثل تلك التي تجمعنا؟ و كما في المدنِ تستطيع أن تحدّد غنيّها من فقيرها من المنزل الذي يسكن فيه فهنا أيضاً تستطيع أن تُحدّد : هذا قبر لغنيّ و ذاك لفقير ! حتّى في المقابر ثمّة فاصلة بين الاثنين) .
الموت ذلك المارد الذي لو دنى من الشّخص في لحظته المحتومة يجعل منه مراجعاً لكلّ حساباته الخاطئة التي فعلها دون ضمير ، دون حبّه للناس و إخلاصه ، بل حبّه للمال واللّذة على غرار شيخنا ( مقطوف) . هناك الكثير من الشّواهد على الموت حين اقترب من العظماء فتغيرت وجهات نظرهم في لحظة خاطفة ، وكأنّ شريط الزّمان العمري للشخص يُختزل في ثواني معدودة بينما هو قضى من العمر عتيّا على سبيل المثال ، أو عمراً وسطيّا أو قليلا ، كلّها تختزل في لحظات الأسف والنّدم على عُمرٍ ولّى دون مراجعة الأخلاق والضمير ، تختزل في لحظات يرجو فيها المرء المحتضر من الموت أن يُغيّر قراره وما من مُجيب. و حينما يأتي الموت يأتي وكأنه فعل لا إراديّ و لا يمكن إيقافه، كما حركة أعضائنا اللاّإرادية التي لا يمكنها التوقف سوى بجفاف أوصالنا و عروقنا، و لذلك نرى في النّزع الأخير للكثير من الشخصيات التي ألهمت التأريخ ، أو الشخصيات التي انهمكت في عملٍ ما لإرضاء نفسها وغرورها فقط دون الحساب للبشر الآخر و ما يضرّه من جراء عمله هذا ، نراهم سطّروا تراجيديا لا يمكن أن نصدقّها لهول أخطائهم التي ارتكبوها ، على سبيل المثال لا الحصر كما نقرأ أدناه:
(ستيف جوبز) أيقونة الكمبيوترات و الذي قضى جل عمره بالركض وراء المال حتى تحقّق له ذلك الثراء العالمي ، أصيب بمرض سرطان البنكرياس و قبيل الرمق الأخير قال:
(إن سرير المرض هو السرير الأغلى في عالمنا، لن تجد أبدا من يرضى أن تُعطيه مرضا و ينام بدلا عنك مهما أكرمته و كافأته ماليا، ربما تجد من يقود لك سيارتك أو يُعينك على كسب المال أو يوفّر طعامك لكنك محال أن تلقى من يمرض عوضا عنك. كثيرا ما تستطيع أن تعثر على أشياء فقدتها في غفلة ما لكن شيئا واحدا لا تستطيع استرجاعه أبدا و هي الحياة و البقاء حتى في أحلك الظروف. حتى المؤمنون بالنعيم و الجنان يطمحون إلى الخلود في الدار الأخرى ....نقلا عن الشاعر والكاتب الجميل جواد غلوم).
عنبر سعيد يسكر في حانة سلمان، تلك الحانة التي غالبا ما يحصل فيها العراك و تُؤدّي بالنتيجة إلى تهشيم كل الزجاجيات و ما فيها من آثاث بسيطة فيضطرّ سلمان إلى ترميمها من جديد،هذا هو حال شعوبنا المريضة، ففي كل شعوب العالم المتحضرة ، أجمل مكان يرتاده المرء ، رجال أو نساء هو البار أو المرقص حيث تتوفر أشهى أنواع المشروبات الكحولية ، لكي يقضي المرء بعضا من وقته سعيدا بفعل نشوة الخمر ، رجال و نساء يرقصون ،يُغنّون ، يقبّلون بعضهم بعضا ، يمارسون الجنس في أماكن البار المعزولة ، يتعانقون ، يهتفون بأغاني الوطن أو الحب ، هذا هو بار العالم المتحضر ، وهذا هو فعل الخمر الجميل إذا ما دبّ دبيبه ، في المرقص أو البار ، هذا هو البار الحقيقي لا حانة سلمان التي يرتادها عنبر سعيد ، حيث نرى بعد الكأسين أو الثلاثة تتحوّل الحانة لساحة حلبة للقتال والضرب وتهشيم الزجاجيات       و الموبيليا. ثقافة دخول البار هي ثقافة خالصة يتوجّب على المرء تعلّمها منذ الشباب الأول ، ثقافة البار لا يمكن أن تكتمل إلاّ بدخول الرجل والمرأة سوية إلى حيث الرقص و المتعة بالانتشاء ، المرأة هي التي تجلب السعادة للرجل ، هي التي تهذب المكان ، فكنا حين نجلس في نادي الجامعة مثلا أيام كنا طلابا ومعنا عدد من الطالبات لا أحد يستطيع أن يتطاول ويسيء إلى الجلسة لأنّ الجميع يرجو أن يكون ذا سمة جيدة في نظر إحداهنّ . ولذلك في الغرب تجد المرأة في البار على الدوام بينما في شعوبنا ، المرأة لو رأت سكرانا في الشارع تبتعد عنه أمتارا وأمتار لضنها السلبي والكامن في العقل الباطن اتّجاه السكير و شارب الخمر . ثقافة الخمر تتطلّب المعرفة الكاملة في حبّ الآخرين واحترام المكان ، و لذلك في يومٍ و أنا في بارٍ دنماركي دخل عربي في غاية البذاءة و الجهل  إلى بارٍ جميل في موسيقاه ونساءه بسيقانهنّ و وجوهنَ الصادحة بأضواء الليل المشعشع ، هذا العربي بعد لحظات كسّر زجاجة البيرة ، وشهرها على الآخرين ، مما أدى إلى هروب جميع الحسناوات و الرجال بعد ثواني . الدنمركيون تصوّروا أنّ وحشا قد دخل ، أنّ مجرما حلّ عن طريق الخطأ هنا ، هم حينما يأتون إلى البار يتحدثون بلغة الحمام ، بينما هذا العربي الأرعن جاء ليتكلم بلغة الأسود، فجاءت الشرطة و كبّلته، و من وقتها حُرم هذا الجاهل الغبي من دخول جميع البارات لمدة ثلاث سنوات.
عنبر سعيد بطل روايتنا ، لم يمتلك نقودا ليدفع ما يعبهُ من عرقٍ ،وغالبا ما يحذّره سلمان صاحب الحانة من ذلك ، لكنه في أغلب الأحيان ينام في البار بعد شجارٍ مع أحدهم كما حصل مع (حمزة سكراب) ، وبالرغم من ذلك صاحب الحانة سلمان يُبدي حُبّاً مميزا لعنبر سعيد لشيء لم يعرفه ، غير أنّه اعتبره طيّب القلب و هناك خفايا خلف شخصيته ، و أمّا هذه المشاكل التي تحصل له تأتي رغما عنه و من دون رغبته .
عنبر سعيد ينام في الخرِبة التي يربط بها حماره الذي يُحبّه و يُفضّله على البشر الآخرين      و يعتبره أخوه كما ذكرنا أعلاه وهذه تنقلني إلى ( دينو) النادل في بار أبي مازن في السّماوة أيام زمان ، فكان دينو له صديق مقرب يحبه كثيرا يدعى (جميل حولي) الكليم العين ، وهذا المسكين كان سكيراَ من الطراز الأول ، فكان دينو يقول  ( ثلاثة في السّماوة أغبياء ..أنا وجميل والحمار) . يموت حمار عنبر ، و تنبعث رائحة من مكان الخربة ، فيظن الناس أنّ عنبر قد مات وهذه هي رائحته النتنة التي لم يرأف لها قلب إنسان كي يكرمه بالدفن تبعا للمقولة السائدة (إكرام الميت هو دفنه) وهنا أراد الروائي عبد الكريم الإشارة إلى طبع البشر السيّئ في بعض الأحيان لعدم اكتراثه بموت رجل سكّير ، في حين في بلدان الغرب يقيمون مهرجانا خاصا للاحتفال بالمدمنين على الكحول والمخدرات ، حيث يجتمعون في ساحة كبيرة ويتم تقديم كافة الدعم لهم من أدوية وطعام و فرق موسيقية تعزف لهم أجمل الأغاني ، وما يتطلبه هذا الأمر  من أشياءٍ أخرى .

عراق/دنمارك

81


عبد الكريم هداد ، جنوباً ، حيثً المدينة والأناشيد (2)....

من أحزان المنفى يتصوّر المرء نفسه بعد كل هذه الحرية و هذا الطيران الذي طار به كي يتخلّص من أنظمة جائرة في بلده وحطّ الرّحال في منفاه الصّقيعي ، يجد المنفي نفسه مثل الكناري الذي أكله القطّ ، متأرجحاً بين أداني العالم و أقاصيه ،لم يكن هنا كأيّ نسمة عليلة تحرّك ستائره، وكأنّه في صندوقٍ مغلقٍ بالرّصاص. ولذلك راح عبد الكريم يعاني ويقول صامتاً ( لقد أرهقني الوله ) . على من هو مرهق ، وعلاّم هذا الوله ، على تلك المدينة التي جعل لها أوّل سطرٍ في الديوان لما قاله أبو الطيب المتنبي عنها ( تركنا من وراء العيس نجدا..... ونكبنا السماوة والعراقا) .
مدينة السماوة , مدينة البوح و الظل و الحزن , وشهوات الحرية التي تجسّدت في الكثير ينمّ من غادروها إلى المنافي ، السماوة بالنسبة إليه هي مثل ذلك الذي ينظر إلى حبيبته وهي مدبرة في الطريق ، يظلّ ينظر إليها حتى لا يستطيع أنْ يرَها ، هي تتلاشى لكنّها باقية و لكن في الجانب الآخر من هذا الكون الشاسع، فيبقى مع الصمت وفضاء الإلتباس ، ثم يستمرّ في نفس النص :
يأخذ بيدي
كما يودعه الفرات
ملامساً غاباتِ القصبِ
ورماد حكايات الطين المفخورْ
قريبا من فضاء الزقورةِ
من المطر
وبيت ابي
من مدار النورْ
جنوباً..
هي تلك المدينة
هي تلك الأناشيد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(لاشيء يحدث بعد الآن ولن تكون ثمّة استقبالية وأنّ الزمن الذي فارقه السرور لعدم استقدام المستقبل عمد إلى استقدام الماضي .....شوبنهاور) .

مالذي يفعله الشاعر وهو في لحظات الإنكماش والإنزواء مع الذاكرة التي تولد في لحظات يكون فيها المرء لم يستطع أنْ يعدّ خساراته التي لا تحصى ، الخسارات في البعد النفسي وليس شيء آخرّ ، لأنَ الذي يؤرّق الشاعر هو ما تركه هناك في تلك الزقورة التي يذكرها في أكثر من مرة ، الزقورة هي محطة السماوة القديمة  ، هي ملتقى القطار الصاعد إلى البصرة والقطار النازل إلى بغداد ، هي بالنسبة إليه الرابط بين الجنوب والوسط والعاصمة بغداد الأحبّ إلى قلبه ، هي المكان الذي يدوّي به صوت القطار محذّرا بالوداع ، و في نفس الوقت هي المكان الذي يصدحُ بلقاء الأحبةِ بعد فراق طويل ، هي الذاكرة التي تذهب وتجيء مع عربات القطارات المدويّة في ذلك الزمن الجميل الذي بقي عالقا في مخيلة الشاعر عبد الكريم ، هي المكان الذي يذكّره بالريل و حمد ، هي وهي وهي لماّ تزل تعني الكثير . أما سيقان القصب الواهنة هي الأخرى تبدو له الآن على هيئة أعمدة من نور ، لا يمكن كسرها ، إنها اليوم المنار والنور الذي يهتدي به الشاعر نحو شيئيات الماضي الذي تماثله بشكلٍ أقوى في المستقبل الواعد بأحلام باتت مستحيلة، إنها أحلام عصيّة المنال لكن الشاعر يُحاول جاهدا أن يدانيها بالقرب من نفسه العليلة لا أكثر . إنها خارج مقومات الإرادة ولذلك راح الشاعر يستشهد لنا بنصه البديع أدناه عن خارجيات ما يأمله كمُحبّ قد أضناه الخجل والأغاني الحزينة المتعلّقة في مصائر الإنسان  ( تفاصيل خارج التقويم العادي)......
أشهدُ
أن الشهرَ الثالثَ عشرَ
يؤرخُ الموتَ
وحكاية الخبز الحزين
يؤرخُ خجلَ الشهداءِفي دقيقة الصمتِ
والأغنية ُ
تفقدُ هاجسها
في الحروبِ الخاطئة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أراد الشاعر أن يخبرنا عن الموت وما يحلّ بنا نتيجة هذا الغول القاتل لأفراحنا وأتراحنا ، وعن الأيام العجاف التي يشحّ بها الخبز وتكثر المجاعة والتضحية بالنفس التي تؤسّس إلى تسمية الشهداء في الحروب الخاطئة التي لا طائل منها غير القتل لأجل القتل والإنتقام، فيقف هنا عبد الكريم الرائع فيقول حتى الشهداء يخجلون من  دقيقة الصمت الشهيرة التي تعبر عن مدى تخليدنا للشهيد ، عن الأسى والحزن العميقين . حتى الأغاني ليس لها طعم يذكر ،بل إنها سوف تندثر في وقتها كما اندثرت عشرات الأغاني في زمن القادسية اللعينة والحروب العبثية التي    لا طائل منها ، بينما الأغاني التي تشدّ العزم في الدفاع عن الوطن أثناء الحروب الصحيحة تبقى على مرّ العصور . وهذه نراها لدى الرّوس فهم من سطر أجمل الأغاني في تلك الحروب ضدّ النازية وتحرير أوربا وشعوب العالم من الفاشية وإجرام هتلر .
أما الشهر الثالث عشر ربما أراد به الشاعر أن يقول لنا أنّ زمن الحروب العبثية هي خارج التقويم ، لا تحسب من تأريخ الشعوب و حضاراتها لأنه زمنُ خارج مدرات الحياة السعيدة وخارج أطر ما ينبغي أن نعيشه في الزمن الصحيح و المكان الصّحيح. زمن لايعرف أن يرسم لنا غير وجوه الموتى الشهداء الذين أغاضوا الأحياء الصامتين والشياطين الخرساء ، شهداء يصعدون إلى الأعالي وآخرون ماضون برتابة الحياة والركوع للسلطان والطاغية . ولذلك لم يكتفِ عبد الكريم بكلامه وحديثه عن الشهداء الحقيقيين في الحروب العادلة ولو اني لاأتفق مع أيّ حرب ، لأنها في النتيجة لا تجلب غير الدّمار والثكالى النادبات الصائحات ، لنر ماقاله مرّة أخرى بخصوص الشهداء في نصّه ( الصعود العالي حيث مغارة الغزلان) ...
قاماتهم
رشيقةُ الكبرياء
عالية
وعلى اكتافهم
يتركُ التأريخُ قبلاته.
مبكراً
زرعوا وردات الجوري
في نعاس صورهم المفقودة
يشبهون وطنهم الأسمر
حلوين
مثلهُ
يتنزهون في تحيات الألفة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد كلّ ممات لا بدّ للحياة أن تعوّض عن أعداد قتلاها ، أن تعوّض عن أيامها السوداء التي      لا تعزف غير الأنين والألم و هدهدة الأمّ النائحة . لا بدّ لها أن تعزف لحنا آخرا ، هذه هي الحياة حينما تنتمي إلى الجذور بنظر عبد الكريم كما في أزهار ورد الجوري الأصيلة ، أما المقلّدة فهي سريعة النمو لكنها باهتة في ريعانها وألوانها . هذه هي الحياة التي نعيشها ، مرة تقودنا إلى هاوية الظلام ومرّة أخرى تصعد بنا إلى النجوم كما في الشذرة البديعة أدناه  ( إرتسامات لظل الِقمرٍ بغدادي) ....


وأعودُ..
خافتَ الظلّ!
للكأس الذي يهامسُ الليلَ
بإرتسامات وجهكِ
وأنتِ القادمة
من خارطةِ الوجد البعيد
ياقمري ، ياعشب الروح
ورائحة العيد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
إنها تلك الأيام التي كانت تجري مثل الأنهار على سجيتها، خالدة شامخة، تجري وتجري المياه   و لا تتوقف لكنها في النتيجة تنتهي عند المصب فما من قادم ٍمن نبع ،إلاّ و يكون لهُ مصبا يستقر فيه فتنتهي رحلته تراجيديّاً أو رومانسياً. ولذلك راح عبد الكريم يصوّر لنا و هو أمام مثول الكأس ، تلك الحبيبة القمرية التي تنتهي عند روحه . حتما ستأتي لأنها مثل العيد الذي يأتي رغما عنّا في كلّ عام وعام وعلى امتداد الأزمنة السادرة التي لا تتوقّف عند حدّ، ولذلك هناك قول مأثور من الشعر العامي ( إلك جانت يحلو الطول جيات ...شعجب تبخل علينة بجية العيد) بإعتبار انّ العيد هو يوم اللقاءات ، يوم لم الشمل ، يوم التعارف ، يوم الزيارات بين الأقارب و الأحبة ، يوم التصافي والنقاء فلامجال فيه غير أن يكون للحب والحبيب ( إحنة إلمن معيدين ...غير عله مودك.... ....مايحله هذا العيد إلاّ بوجودك.... كاظم إسماعيل كاطع) ،و من منّا لا يذكر الأغنية الشهيرة بحنجرة كوكب الشرق أم كلثوم ( ياليلة العيد آنستينا) .
لوعات نابعة بصدق و بكل ما تتريد الإختراق نحو ما هو أفضل لبني البشر في كل شئ و أوّلهم هو الحب،بدون الحب لا يمكن للإنسان والشعوب أن تبني حضاراتها ،ولذلك ظهر هذا الحبّ على شكل عيد عالمي إسمه  ( فالانتاين). كلّ الأشياء زائلة سوى الحب، الحب لربما هو حب الطبيعة،حب العمل،حب الفكر،،حب الوطن و هكذا دواليك، لكن مغزى ما كتبه الشاعر عبد الكريم هنا هو الحب العاطفي الخالص لمن نحبها ، لمن تنتظر فارس أحلامها ، هذا هو الحب الذي يأخذ منّا شططا حتى يرمينا في غياهب العذاب أو يعطينا ما نشتهي و نستطيب ، وهذا يأتي حسب ما يرسمه القدر أحيانا وما لدينا من سلطانٍ عليه .
يستمرّ الشاعر مع روحه وهمسها في الحب الحقيقي الخالص لها في فلقته الرائعة أدناه         (و تهمِسُ روحي ) :


وتهمِسُ لكِ روحي
مرتين
مرةً أحبكِ
وأخرى( ياعين )
لكِ أن تعبثي
بقلبي
وتغلقي ممراتِ الصيفِ
وحريق التين
ــــــــــــــــــــــــــــــ

( ليست لديّ أي قناعات رائجة بإستثناء إيماني بقداسة القلب وبصدق الخيال ....جون كيتس) .
الثيمة الجميلة أعلاه هي لعبة اللواعج التي تشبه البندول برنينه صاعدا أو نازلا، اللعبة التي لا يمكن الخلاص منها، كلاهما ( الحب وحريق التين ) يمسك بطرفي الحبل و يشدّد أنّ على الروح التي باتت تعتصر من ألم الجوى و ما من معين. هكذا كان حالنا أيّام زمن الرومانسية المفقودة هذه الأيام فتارة يصيب السهم منّا مأخذا و تارة يصيب الهدف، أيّامُّ رغم مراراتها لكنها كوّنت لنا العصب الرئيسي لتلك الذكريات الجميلة سواءً في السياسة أم في الهوائيات التي تتطاير مع كل نسمةِ حبٍ جعلتنا نتأرق في الليالي الحالكة أو جعلتنا في دوخة من أمرنا في النهارات العراقية لأجل فتاةٍ دخلت القلب عنوة حتى حفرت فيه إسمها الذي لا يمحى حتى شعارٍ آخر  .

كلمة عن الشاعر...

عبد الكريم هداد، ألق دائم، شعرية صارخة، صوت يتحدّى، يحترم القصيدة التي تخدم الجمال ، يخاطب قلوب الناس كما جان جاك روسو ، حنجرة قادمة من السماوة إلى أروقة هذا العالم الذي بات غرفة صغيرة ينشد بها كلّ ما يريده عن اليسار أو عن ما يحتويه دماغه من الروائع التي   لا يمكن لها أن تبقَ مخزونة فتؤلم، لا بدّ لها أن تنطلق كي تتخذ صرختها فيموت الصمت.
عبد الكريم نشيط متحرك عبر السنوات، يستثير فينا ذكريات الماضي والطفولة التي لا تضاهى . حينما يرحل الحب عنه فإنه يعود حتما في سحابة أخرى ، عبد الكريم لا يعلّق خيباته على تفاصيل الآخرين ، يرضى لنفسه أن يكون مقتولا في الحب دون أن يغيض الآخرين ،من الممكن أنْ أتصور العتمة و الضباب حين أقرأ لعبد الكريم الشاعر، لما عاشه من حقائق هو بطلها، هذا الضباب لا يبرح أن يطول فيرجع منقشعاً لأن عبد الكريم لا ينتمي إلى عالم الغشاوة هو ينتمي إلى حيث يات الجدل المستمر. في فساد الزمن نرى عبد الكريم يوغل في صميم العبث الشوبنهاوري بل إلى أعلى مستويات الضيق فيه لما مرّ به من ملمات هذا الزمن و غدر الأحبة الذين ما كان يحتسب لهم أن يملؤوا صفحاته بالسواد.
 عبد الكريم يفتتن بإغراء الروح على غرار (غوته ) الألماني الشهير حين يقول ( أيتها اللحظة الجميلة لا تذهبي) . عبد الكريم يبقى شاعر الحب ، على نهج حب ماركس لزوجته جيني ، يبقى شاعر الفقراء والمعدمين وضدّ قاعدة آدم سميث القبيحة في الإقتصاد الرأسمالي ( كل شيء لنفسك ولا شيء للآخرين ) ، حيث نرى عبد الكريم يجسد عكس ذلك من طبعهِ وفكره الإشتراكي.... هو يذوب ...ينصهر...يتماهى..... فيقول ( كل شيْ للآخرين ولاشيء لنفسك)   .

هــاتف بشبوش/عراق/دنمارك

82
عبد الكريم هداد ، جنوباً ، حيثً المدينة والأناشيد(1) ....

عبد الكريم هداد شاعر عراقي يساري منذ يفاعته ،مقيم في السويد منذ العام 1990 ،أصدرت له حتى الآن أكثر من عشرة كتب، ومنها طفل لم يرمِ حجراً ( دارالمنفى ) . السويد 1995، آخر حزن – شعر شعبي عراقي السويد - 1999، حيث لا ينبت النخيل - شعر – دارالمدى، اعتمدت قصيدته ( سفينة نوح ) سيناريو لفلم تسجيلي عن اللاجئين القادمين الى السويد عام 1990، لحساب قناة التلفزيون الأولى – استوكهولم . ثم ديوانه قيد دراستنا هذه  ( جنوبا هي تلك المدينة .. تلك الأناشيد.) .
عبد الكريم شاعر يردع النكبات التي تذهب وتجيء كي تجعله في محط الإختبار ، ورغم كل ذلك يبقى صلبا ساخرا ، يحتفظ بالحزن داخل صندوقه الخاص ، كثيرا ما يسخر من هذه الإختبارات التي ينجح بها في كل مرة منتصرا هازءاً ، لكن هذه الملمات التي تتلازم وعبدالكريم هي التي جعلت منه شاعرا فحلا يحسب له ألف حساب ، هي التي أطّرته وزججت روائعه و رفعتها على جدران المنافي البعيدة التي لم تزل ترافقه و تحفر في أحشائه ورأسه .
لكل شاعر و مناضل حزنه الخاص ، لكنّ عبد الكريم له حزن مظفرالنواب( لا مو حزن لكن حزين)  . الشاعر عبد الكريم هداد واحدُّ من أؤلئك الأبرار الذين وقفوا شامخين ضد إعصار الحزن القاتل ، الحزن الذي أراد من خلاله أن يكتب لنا رسالة مفادها من أنْه لابد للمرء أن يحزن لأنّ الحزن من صفات الأقوياء كحزن ( وليم والاس) الثائر الإستكتلندي في فيلم القلب الشجاع في رائعة الممثل الشهير(ميل جبسن)، الذي ظلّ حزينا لكثرةِ ما لاقاه من غدرٍ وخيانة حتى إعدامه على يد عمّه الملك وهو يصرخ بالحرية حتى الموت . ولذلك نرى عبد الكريم إتّخذ من الحزن كصندوقٍ يؤطّر به ديوانه ( جنوبا هي تلك المدينة .. تلك الأناشيد) فجعله أوّل النصوص . لنرَ ماقلناه بصدد عبد الكريم وحزنه في ثيمته الرائعة أدناه ( صندوق الحزن)
 :
ليس لي من السخرية
ما تكفي
كي أردعَ هذيان اللعنة
هاهو الشتاء يطرقُ بابي
و صيف السماوة
بعيدُّ
بعيدُّ
هو وطني
صندوق الحزن
يؤطّرني على حائطِ الغربة
ـــــــــــــــــــــــــ

هناك أماكن لا يستطيع أن ْيطئها الأديب جسديا و لكنها ترتسم له في المخيلة الشاعرية، فتكوّن أماكناً لها الأثر الكبير في الخيال الإبداعي، هذا يعني في بعض الأحيان أنّه لا يهمنا الغايات           و الأهداف بقدر ما يهمّنا الإثارة في الطّرق المؤدّية إلى الرّايات المنشودة و قبل وصولها، كما حصل مع كفافي وقصيدته الخالدة إيثاكا .
 ها هو عبد الكريم يفكّر في ردع اللعنات التي تأتي لأيّ كائن في لحظات الشرود الذهني حيث يفكّر في الوطن الأمّ العراق ( السماوة) ، ذلك الشّرود المتأتّي في ليالي الشتاء الصقيعية في البلدان الإسكندنافية التي لا يمكن للمرء أن يؤرّخ فيها لمطر أو ثلج على سبيل المثال لكثرة الأيام الماطرة والثلجية التي تستمر كثيرا وكثيرا بشكلٍ يثير الملل والجزع لدى القادم من بلاد الشرق اللاهب . ولذلك نرى الشاعر عبد الكريم مؤرّقاً في منفاه حاله حال أيّ مناضلٍ غادر الوطن قسرا نتيجة الظلم والقهر . لنقرأ ما هو الضياع في نفسيّة الشاعر من خلال نصّ ( أرخبيل منفاكْ) .....
في صدفةِ اللقاء
ماذا تترك لي
أمام بابِ الحنين؟؟؟
وقد أثقل قميصي ترابُ الطريق
حينما...
ضيعتُ منفاي
في أرخبيل منفاك
ــــــــــــــــــــــــــــ
عبد الكريم يرجع بي إلى أيّام الصبا النزق الجميل الذي كان يلفع بخدودنا و نحن ناعمي الجوانح و التصرف و الملبس و في كل شئ، يعود بي إلى عالم المرح الخفيف بلا مسؤولية تُذكر ، حيث يدخل محمد البيت على سبيل المثال و يخرج منه وهو أبو جاسم ،يعود بي عبد الكريم إلى الحضن الدافئ، عالم أمومي بحت مجرد من أيّ علاقة أخرى ، لنر حنين الشاعر الجليّ الذي لا يحتاج إلى أي تفسير وهو يتذكر الأمومة في نصه البديع ( نشيد الله) :
هي أمي
كما الأمهات
أرضعتني العراٌق الأحدْ
وحين عصفَ الدمار
تركتُها
من دونِ ولدْ
ــــــــــــــــ

الأم كتب عنها الكثيرون ، وغنّى لها الكثيرون ، ومنهم الشاعر الشعبي الجميل كاظم إسماعيل كاطع حين يقول ( لو تلم كل الكون ..وتجيبه يمي ...مابدلنّه بخيط ... من شيلة أمي ) . أغنية فائزة أحمد الرائعة ( ست الحبايب) والتي غناها من بعدها أشهر المطربين ، أغنية رياض أحمد التي يقول فيها (أمي أرضعتني من فراتِ حليبها .... دللول...دللول يالولد يبني ) ، أما رائعة محمود درويش فهي الطاغية حتى اليوم ( أنا لا أريد من بلادي التي عذبتني ...غير منديل أمي).  يستمرّ الشاعر في نصّه معاتبا النفس لأنّه قد ترك أمه هناك حيث الدّمار الذي حلّ بالبلد ، تركها هناك باكية على فلذة كبدها و أنيسها و روحها وكلّ أشيائها . عبد الكريم على غرار مظفر النواب حين قال ( إيهٍ لهذا العمر من الفنادق لن يستريح ).
هناك أشياء لا يمكن لنا أن نغفل عنها برمشة عين، ففي السفر نرى الأشياء على حقائقها، أشياء صادمة تراها أمام ناظريك، وأشياء تجعل منك كإنّك تغطّ في النعاس حتى يموت الحلم عند إستيقاظك فلا مفرّ عندها للخضوع و الاستسلام لقادمات الفجيعة، ولذلك لم يبقَ من العمر المزيد كي يذهب عبد الكريم الشاعر بعيدا إلى منافي أخرى من جرّاء ماحصل له من ملمّة ما ، الزمن لم يعد ذلك الزمن الذي يعطيه القوة الكافية على تحمل وعثاء السفر ثم الغربة التي هي الأخرى    لا تطاق في عمر بات يبغي الإستقرار ، عمر بات ليس بمقدوره أن يعشق منافٍ أخرى ، لنر الشاعر في بوحه ِ الجميل حول ذلك (لم يبقَ من الوقت الكثير ) :
لم يبقَ من الوقت الكثير
كي أعاند الدنيا
بما عاندتني
وقد رشفتُ التيه مرغما
و ما من خطى تكفي لأختار
ما يؤنسني ..أو
أحزم حقيبتي
مرة خرى بعيداً
ــــــــــــــــــــــــــ

(العفوية في النثر هي الأحب إليّ في الشعر ...محمود درويش ) .........
الأدباء في حالة عفوية شاملة في هذه الحياة القاسية في أغلب تفاصيلها , في جنون مدويّ عند كتابة بوحهم الغريب و العجيب، فوضى في ترتيب أشيائهم ، قلق دائم وإرتباك في إختيار قراراتهم، عدم الإستقرار، غيبوبة وغياب حتى لو كان هناك أثر للأقدام لأنّ الريح سوف تلغي كل أثر عن تلك الدروب و الأروقة التي تسجّل ذكرياتهم وما فعلوه هنا و هناك ، لكنّ الذكرى عنيدة فهي كما العنقاء باقية على مرّ العصور ، تنبثق من الرّماد ، الذكرى هي روح الإنسان على هذه الأرض ، هي الدليل المعنوي على بقاء الإنسان بين الأحبة رغم الغياب الجسدي والمادي . الذاكرة هي التي زحفت بعبد الكريم إلى التأريخ السحيق حيث ملوك سومر ، حيث شواهد الوطن،  حيث الزقورة والأصدقاء واحتساءه النبيذ هناك برفقتهم . فلا مكان هنا اليوم لكسر الأحزان التي لايمكن لها أن تعيد سبك نفسها مرة أخرى فهي كما الزجاج ، لنقرأ شاعرنا الجميل في فلقته أدناه من نفس النص :
حيث الملك السومري
قاسمَ الخبزَ
والنبيذ
مع الناس
ونام مرتاح البال
قرب الزقورة العالية
ثم يستمر فيقول:
و لم يبقَ
من الوقت الكثير
كي أكسرَ زجاجَ الحزنِ الأسود

ـــــــــــــــــــــــــــــ
( نحن لا نملك ذكرياتنا ..ذكرياتنا هي التي تملكنا.... المخرج الإيطالي الشهير فيدركو فلليني)
ذاكرة البشر يقولون عنها واهية تضمحل بعد حين ، لكنها تبدع أيّما إبداع عند الحاجة وعند الحسرات التي تخرج مع الآه ، ولذلك تأخذنا الذاكرة بصفتنا كبشر بشكلٍ عام لا بذواتنا وأسمائنا على وجه الخصوص ، ترجعنا ذاكرة عبد الكريم إالى النبيذ السومري ، إالى نبيذ سيدوري التي كرع من حانتها كلكامش وهو في طريقه إلى دلمون ، النبيذ الذي تغنى به أغلب الشعراء لأنه مبعث ُّ للسعادة والإستئناس لما فيه من قابلية على إفراز هرمون الفرح والإنشراح، لما في ديونيسيس إله الخمر من الرحمة والعطف على صدور المعدّمين .
الذاكرة هي التي إستطاعت أن تحرّك في الشاعر عبد الكريم كلّ هذا الشّدو الحزين، كلّ هذه الغضاضة والأحلام والصّبا الذي إنزلق من بين أصابعه كما السمكة الصغيرة،هذا يعني لا بدّ له في الخطوة التالية أن يقبض جيدا على أصابعه كي ما تنزلق السعادة منه كما إنزلاق الزئبق،    و لذلك الشاعرعبد الكريم وأثناء ارهاصٍ شديد تصوّر نفسه عائدا إلى تلك الدّيار التي أصبحت في غياهب المنال فراح يكسر الحزن ( كي أكسّر زجاج الحزن الأسود ) قبل إنفلات الأمر منه . تعبير رائع حيث لا يمكن لنا إعادة سبك الزجاج إذا ما انكسر، لذلك الشاعر ولّى وجهته صوب الجنوب .. إلى السماوة ..إلى الأناشيد... كي ترتاح النفس الصادية من عذابات المنفى كما نقرأ أدناه تلك الأحاسيس الواخزة في النص الحزين ، النص الباكي على أطلالٍ لا يمكن لها أن ترمّم ذاتها من جديد و ترجعُ مثلما كانت عليه ، لأنّها خراب أينما حلّ في هذا الوجود ، النص الذي حمل موسومية الديوان (جنوبا هي تلك المدينة ..هي تلك الأناشيد) حيث يقول :
لقد أرهقني الوله
الأخف من تلك البلاد
وتلك المدينة العارية
بازدام الشموس
و الصباحات المستيقظة
من دون ساعة التنبيه .

ثم يستمر الشاعر في نفس النص فيقول :

لقد إحتسى الحزنُ فرحي
في أولفنجانٍللقهوة
فرحاً...
لم يأتِ به البختُ
بين كفي ساحر
ولم يصلِّ
لأجلهِ الكاهن
على عتبة المعبدِ القديم
وانت في منفاك
وحدك المأسور
ــــــــــــــــــــــــــــــ
يتبـــــــــــــــــــــع في الجـــــــزء الثأنـــــــــــــــــــــــــاني

هـــاتف بشبـوش/عراق/دنمارك

83


عامر موسى الشيخ في الخامسِ والعشرين(2)


هـــاتف بشبــوش


في ذلك الزمن المرير لم نكن نفهم ماجد لماذا يرتدي هذا الزي ولا هو ربما ، لكن الأحداث تتوالى ، فتجعل منا قادرين على فهم حقيقة هذا الشاب المثير للجدل بالأمس وغدا واليوم ، فنفهم أن الأمر بإرتداء هكذا زي هو الهروب من خوف قد جثم على صدر ماجد دون أن يستطيع البوح به لأحد من أصدقائه ، وتلك هي الطامة الكبرى ، ماجد لايستطيع التفوه أمام الآخرين بما حلّ به وبعائلته فراح ينشد الحرية  بطريقة أخرى عن طريق صرخة الملابس قبل أن يختنق من التعسف والأضطهاد والخوف من رجالات الأمن ، وهذا أضعف الأيمان لدى الشاب الوسيم ماجد .
الكبت هو أساس أمراضنا وعللنا كما ورد في خطابات كل من شوبنهاور وفرويد اللذين عاشا في نفس الفترة الزمنية وتطابقت افكارهم في بعض المجالات فيما يخص غريزة الموت والكبت  والرغبة واللذة . ولذلك تفجرت كل هذه الطاقة لدى ماجد في أول عبثية له فجاءت على هذا الشكل الهيبي ، أي ان ّ ماجد إنقاد الى العبث الذي تبناه شوبنهاور الفيلسوف الشهير الذي له الأصداء الكثيرة في الأدب والفكر ، والذي ساهم في الفلسفة النسبية لماركس ونيتشة وفرويد.
هذا التصرف في نيل الحرية جعل ماجد باقيا على قيد الحياة حتى الآن ، باقيا فنانا بارعا ويجسد الآن فضح النظام البعثي المجرم في اكثر من عمل مسرحي كي يشفي غليله مما أصابه من حيف وضيم وهذا بحد ذاته ذكاء كبير من قبله في هذا الباب ، والذي جعل منه أن يتجاوز مرحلة خطيرة عاشها بين ملاحقة رجال الأمن له ، كادت أن تطيح به هو الآخر فيلحق أشقاءه على درب الشهادة لاسامح الله  .
يستمر بطل الرواية ماجد في روايته وبوحه المؤلم فيتذكر أخاه وصفي الذي هو الآخر وسيم ( على فكرة هذه العائلة كلها ذات وجوه وسيمة ، الرب أعطاهم هذه الخصلة ) ، يستمر ماجد في بوحه فيوصلنا الى حفل زفاف أخيه الأكبرالشيوعي الطيب الذكر ( محمد ) في عام 1983 في الخامس والعشرين من أيلول ، وفي هذا اليوم يدخل خفية الشيوعي الهارب من بطش النظام البعثي ( وصفي) ، هذا الشاب رغم الخطورة التي يتعرض لها لكنه لم يثنه ذلك من حضور حفل زفاف أخيه ( محمد) ، فكانت هذه مفاجأة كبيرة لماجد بينما هو يرفع صحون الحلاوة . ثم يغادر وصفي حفل الزفاف وبعد ساعات يُداهَم البيت من قبل رجال الأمن حيث انهم عرفوا بقدومه عن طريق المخبرين السريين أنذاك وما أكثرهم .
ينقلنا ماجد الذي إتخذ دور شهرزاد في القص الجميل هذا ، الى العيد وكيف كان يأخذ مصروف أخوته الصغار وحين يعلم اخوه الكبير المرحوم ( قاسم) فيوبخه على ذلك فيقول ماجد :
(وهما يبكيان بدموع مخلوطة بما جادت به الانوف تتخللها شهقات وكلمات غير مفهومة تندب ضياع العيديات في غياهب جيبي) ..
 تلك كانت أياما جميلة رغم مايشوبها من أحزان متوالية ، هذا هو الطفل العراقي عبر الأزمنة والأنظمة الجائرة في حين انّ الطفل الدنماركي هو الأساس بالدرجة الأولى من ناحية الرعاية الإجتماعية ، يُصرف له راتب شهري منذ ميلاده حتى موته ومهما إختلفت الظروف  .
تنقلنا الكاميرا الروائية الى ماجد وبوحه وهو في الجيش وحرب الخليج وماهي العقوبة التي تلحق بالجندي لو انه غادر الثكنة العسكرية هاربا :
(كان النظام يهيّئ الخلفيات العسكرية لهذا الأمر.... آمراً جنديا مغلوبا على أمره بإطلاق رصاصة على الهارب يتم دفع سعرها من أهله )..


عامر موسى الشيخ في الخامسِ والعشرين(2) ........
بعد الخسارة الفادحة للجيش العراقي يبدأ الجنود بالهرب من ثكناتهم في البصرة وما جاورها بين العبدلي وأم قصر ، حيث يهرب ماجد وأصدقاؤه من وحدتهم بعد رؤيا الموت المحقق أمامهم لو بقوا هناك في ثكناتهم ، أضف الى ذلك الى عدم وجود قناعة لدى الجندي العراقي في القتال ، حيث يشعر الجندي بأنه يدافع عن نظام بعثي قمعي يترأسه صدام وعائلته ، تلك العائلة التي أوصلت العراق الى هذا المآل المتردي الذي لازلنا ندفع ثمنه حتى اليوم .
الكاميرا البانورامية تدور الى ذكريات مؤلمة على لسان شهرزادي يبوح به ماجد حيث حرب الخليج وخسارة الجيش العراقي أمام قوات التحالف وهروب جنوده وضباطه بحالة لم تشهد لها جيوش العالم المنهزمة مثيلا على مر التأريخ . جنود فزعون أضناهم الجوع والخوف تاركون ثكناتهم المميتة فيسلكون الطرق الصحراوية التي تؤدي هي الأخرى الى الموت في حال الضياع وفقدان البوصلة ، رتب عسكرية لجنرلات ومارشالات رميت على الطرق في أضخم إهانة للجيش العراقي . جنود سبعة بقيادة ماجد الجندي الذي يكون لهم دليلاً في تلك الطرق المقفرة الموحشة ، ولو إنه يرفض أن يكون قائدهم لما في القيادة من أعباء كثيرة وانطلاقا من قول البيركامو الكاتب الفرنسي الشهير (لاتمشِ ورائي انا لستُ قائدا ولاتمشِ امامي أنا لستُ تابعاً امشِ بجانبي وكن صديقي) . الجنود بصحبة ماجد يهربون خوفا من موت محقق في ساحات الوغى الرهيبة ، ورغم كل ذلك أمامهم فرق الأعدام التي نصبها الأوغاد لكل من يترك ثكنته ، يعني الموت أمامهم والموت وراءهم فأين المفر ، وما عليهم سوى الإستمرار . يستمرون قاطعين الطرق حيث حريق الآبار النفطية مستمر بسحبه الكثيفة ، ينشطر رفاق الهروب السبعة الى فريقين ، ثلاثة منهم يسلكون الجانب الأيمن قاصدين أم قصر حيث المنفذ إلى البصرة من ثم الناصرية حتى السماوة ومن هناك إلى الديوانية حيث أهل رفاق ماجد وروار. في وصف رائع من قبل الروائي عامرحيثُ يضيف لمحةالتراجيديا والبؤس وكل معاني الحزن على هؤلاء الجنود الضائعين في لجة الصحراء القيضية اللاهبة فيقول :
(هم ليسوا يعقوب بن إسحاق الكندي أو أبا نصر الفارابي  ولا أبا علي بن سينا رواد الفلسفة المشائية عند العرب المتأثرين بمدرسة أرسطو المشائية الساعية لنثر التعاليم وسط اثينا وصولا إلى ملعبها ، لا مطلقا ، هم تائهون , ضائعون ، يريدون الوصول إلى ملعب الميناء حتى يشعروا بأنهم وصلوا إلى مدينة فيها حياة ليقولوا : نحن مازلنا نمارس التنفس في هذه الحياة ، اللا حياة )...
إصرار ماجد على الوصول الى إيثاكاه ( سماوته) كان يأتيه من ذكراه الى إخوته الذين غيبهم نظام بعثي قمعي ، فلابد له إذا ما وصل أن يسحق ببسطاله النتن تلك الرؤوس التي تسببت بغياب إخوته الشيوعيين ( كاظم ، ووصفي ) ، هي إرهاصات تأتي من المقولة الشائعة التي تتردد في هكذا مواقف عصيبة( يوم المظلوم على الظالم أشد ) ، أو إنطلاقاً من مقولة شوبنهاور( الإنسان الغاضِب يلعب دور الغضب والطَـَموح يلعب دور الطُـُموح ، وسط عالم مخيب للآمال حيث الرغبات التي لاتشبِع) .
ماجد وهو في عمق مخاضه وخلاصه من الدكتاتور والعسكرتارية أثناء هروبه من ساحات الوغى  مع الخوف الفظيع من إمكانية عودة الدكتاتور من جديد ، لما في الحالة الضبابية عن العراق ومصيره ، نرى ماجد يتمتع بذاكرة قويه وحنين الى إخوته الذين إنتقلوا الى العالم اللامرئي نتيجة الظلم والسياسة اللعينة فاستشهدوا ، وها هواليوم يتذكرهم ويريد أن ينال من مجرميهم بشتى الوسائل وهذا بحد ذاته هو الكبوت الرهيب الذي أصيب به اغلب العراقيين الشرفاء نتيجة الضغط النفسي من جراء سياسات هوجاء. ، لكننا نرى ماجد يتحرك بفعل ماقاله شوبنهاور ( إن الإنسان سليم العقل هو بالتحديد ذاك الذي لايحتاج الى النسيان ) ، وهذه حقيقة فرويدية ( الصحة الحقيقية للعقل تكمن في كمال الذاكرة ) ، ولذلك ماجد إستخدم الذاكرة كصنارة أراد بها صيد أولئك من تسببوا في قلقه وعدم راحته وقتل أخوته . هذه الحالة تسمى الفلاش باك أي الرجوع الى الخلف عن طريق الذاكرة ، حصلت مع سلفستر ستالون في الفلم الشهير رامبو حين يسرّح من الجيش ويجد نفسه عاطلاً عن العمل فيتذكر مافعله هناك ويلعن كل من تسبب في تشويهه من الداخل فيقوم بالإنتقام تعبيراً عن حقده وعطالته ، رغم ان الفلم يظهر البطولة الأمريكية بشكلها الإنساني المغاير لقباحتها الحقيقية .
ماجد يصل السماوة بعد إن يتذكر كل شخوصها بدكاكينها وطرقها الشائعة وأصدقائه ، فيصرخ مع نفسه من شدة فرحه حين الوصول ( أنا حي في السماوة) ، يعني هو موجود ، مازال يفكر في هذا الكون الظالم والمرير رغم كل المستحيلات التي مرت به وأصبحت طي الماضي ، وعليه أن يستعد لمرارات اخرى في هذا الوطن المبتلى حيث تبدأ الإنتفاضة عام 1991.
(انها نهاية الحرب ، مع بداية لحرب أخرى ، انها الانتفاضة ، انه الهروب الجماعي إلى ذات الصحراء ، الى المخيمات المشيدة في الارطاوية ورفحاء ، الجنود الاسرى عادوا ، الاهل هربوا ، الحرس الجمهوري قمع الجنوب ، قمع الناس ، الباقون ، اما شَيبة ، او قتلى في المقابر الجماعية) ...)

مع كل هذه الآلام يتذكر ماجد تلك الضحكات العالية لأخيه ( كاظم...يوسف عرب) في تلك الأيام السبعينية ، وكأنها لازالت تدور في البيت مع كل الهواء الداخل في رئتيه ، ضحكات غير آبهة بالخطر المحدق به ، ضحكات كانت تفزع لها أمه فتذهب لتتأكد إذا كان الزقاق يخلو من رجال الأمن . كاظم المناضل الشيوعي يهرب الى الناصرية وهناك يكمل الدراسة الأعدادية حيث ينام في سيارة رف روسية عاطلة ويعمل كي يقيت نفسه ، ثم يدخل الجامعة التكنلوجيه التي يتركها بعد مطاردته من قبل الأمن الى الكاظميه حيث أكثر الشيوعيين المطاردين هناك ( جمال وناس ، جودي ، زهير عمران ، خالد ديبس ، محمد وروار ، باقر ملك) . بعد هذه يترك بغداد ولم يره أحد سوى أنه قال لماجد مودعا إياه :( سيأتي اليوم الذي تعرف فيه لماذا انا على هذا الطريق ، يا ماجد ان المسيحي يمكن ان يصبح مسلما ولكن المسلم لا يمكن ان يتحول مسيحيا ، يا ماجد اريدك ان تكون كذلك ، قالها ، ورحل).
ينقلنا البوح الشهرزادي على لسان ماجد الى ( وصفي) الأخ الأصغر من كاظم وأكبر من ماجد ، كان هو الآخر مناضلا منذ إن كان عمره سبعة عشر ربيعا ، يدخل الادارة والأقتصاد 1981ويبدأ نشاطه مع الكثير من الطلاب ( محمد جعاز، موفق صبحي ، ناجح صدام ، طلال محسن ، ناجي الصفار وسامي الجبلاوي وغيرهم) .النشاط السري لوصفي في بغداد ولقاؤه مع الشهيد عبد الحسين كحوش ، وبصفته حلقة الوصل بين أهله وكاظم أخيه في الشمال الذي كان يقاتل مع الأنصار الشيوعيين هو الذي قاده الى حبل المشنقة وهو في عمر الثالثة والعشرين . الأنصار كلمة أطلقها ايضا اليوناني الشهير ( كزانتزاكيس) في روايته المسيح يصلب من جديد على الثوار الذين كانوا يقاتلون الظلم في أعالي الجبال .
في قرية (سويلة مش) في السليمانية كان كاظم( يوسف عرب) قائدا لمجموعة من الأنصار تقاتل ضد عصابات البعث ، وفي نفس الوقت كان وصفي في بغداد يخطط لإغتيال صدام حسين مع الشهيد عبد الحسين كحوش .
يُلقى القبض على كاظم ( يوسف عرب)في سويلة مش بعد أن يحاصر هو ومجموعته ، يعذب ، يُقطع لسانه فيبصق بوجه الجلاد ليكون البصاق مضمخا بالدم  تقلعُ عينه الأولى ثم الأخرى وهو يبصق مرة أخرى بوجه مجرميه حتى أمطروه بوابل من الرصاص فيموت ضاحكاً باسماً مستهزئاً صارخا بهم (إننا لانرهب الموت /ولكن ياجميع الأصدقاء / ياجميع الشرفاء/إرفعوا أصواتكم من أجل شعبي/إننا نطلب من أعمالكم /صيحة حبٍ ورصاصة ....سعدي يوسف) .
يموت كاظم فتنتهي صفحة النضال المدوية في الخامس والعشرين من أيلول لكن صفحة الذكريات باقية عبر الأجيال لاتمحى مهما مرت الأعاصير ، يموت كاظم وفي نفس اليوم تشاء الأقدار أن يتم عرس الآخ الأكبر ( محمد)  في العام  1983وكأنّ الحياة تقول بلسان حالها : ( أنا لن أتوقف... هناك موت وهنا ميلاد )، والموت نهاية بيولوجية فحسب ..... لكن الحياة تستحق التخصيب والتخليد ، فيا أيها الأوغاد إن أردتم إطفاءنا فنحن باقون . يدفن كاظم في سفوح الجبال ، على يد إمرأة كردية وهي أم لصديق كاظم ( آراس) الذي صعد هو الآخر الى سماء الشهادة ، فتدفنهم سوية وتترك مسافة لقبرها لو ماتت في قادم الأيام ، فيكون كاظم مطمئنا هانئا في نومه الأبدي بين الأم وإبنها ، ما أروع هذه البطولة وما أعظم هذه الأم التي حفظت هذه النهاية البطولية بدفنها الكريم . يموت كاظم وهو يحاكي الإنسان في عشقه واحتراقه ، يموت الميتة الجميلة التي تليق بجمال وجهه وزرقة عينيه ، يموت ثائراً ويسقطُ واقفا باسما هادئاً كهدوء بطل الفلم السوفيتي( الحرية تلك الكلمة الحلوة) . ومن يزور قبر الشهيد كاظم اليوم سيراه يصرخ بالورد وبدع الورد وجمال الورد . و سيرى ماقاله الكاتب الإنكليزي الشهير شكسبير مُجَسدا بشكلٍ جلي (الهدوء المقدس الوحيد هو هدوء الموتى ) . فمابالنا إذ نرى هدوء الموت لثائرٍ تصرخُ عيناه بزرقة السماء ، ألا وهو ( يوسف عرب)  .
 وصفي وروار كان يتخذ بيتا مقرا له في مدينة الثورة مع رفيقة قد إستشهد زوجها على أيدي رجال الأمن ثم بعد ذلك في بيت أم نصير في اليرموك ، المرأة الشجاعة التي أحبته مثل إبنها ، لكن أصابع الخيانة قد أوقعت بوصفي عن طريق إمرأة أخرى كانت معه في درب النضال السري :
(المرأة التي اسمها (نادية) الشقراء زوجة الرفيق قد قطعت موعدا مع وصفي عند الساعة السابعة صباحا امام مستشفى اليرموك غدا من أجل التهيؤ للقيام بالهجمة ، حيث سيمّرُ صدام من ساحة التحرير عابرا جسر الجمهورية ليصل إلى القصر الجمهوري  ، وقبل التحويلة التي في بداية شارع الزيتون  ستتم عملية تفجير العبوة الناسفة على رتل صدام حسين عند مدخل العلاوي) ...

لكنّ هذا لن يتم إذ تشي به الفتاة الشقراء مثلما وشت بعبد الحسين كحوش وفتاة أخرى إسمها وصال ، ففي السيارة حيث تواعد معها للقيام بإنجاز مهمة الأغتيال يطوّق من قبل رجال الأمن ويلقى القبض عليه ويرحل الى الشعبة الخامسة وهناك يلاقي البطل الشهيد عبد الحسين كحوش ، وأثناء التعذيب الرهيب يُطلب منه أن يعترف كي يُخفف الحكم عليه كي يعيش الحياة بما فيها من مغريات لكونه صغير السن ، لكنه يرفض وكأنه يتذكر ذلك الشخص (الذي حُكم عليه  بالجلوس على أسفين فقال للقضاة ، سوف اُخترق ولكن هذه مجرد حادثة وسوف نواصل نقاشنا في الأبدية .... الشاعرالأرجنتيني الشهير بورخيس ). يعذب ويضرب ويركل و تقلع أظافره يسيل الدم من جسده العشريني ، جسده الطري والمعافى ، أمام سجانيه المتعطشين للدماء كما قالها يوما أحد النازيين ( الدم عصيرُ مميز) ، وآخرُّ يقول ( إنّ الحياة نفسها لايمكنها أن تتنفس بدون أذني)  فما أقبحكم أيها الأوغاد ، أيها المصاصون . وفي لعبة محكمة قذرة ، يجهّز وصفي الشقي القوي البهي ليعدم في ليلة عيده الواحد والثلاثين من آذار في العام 1984 في القباء المخيف بعد وقفة بطولية صامدة أكبر بكثير من عمره البالغ أنذاك الثالثة والعشرين ، يستشهد الفتى الصغير والجميل وصفي ومعه حاصل العالم الذي لايُطاق ، يموت لينشد أغنية المناضل المعذب ، يموت وكأنني أتخيله يُردد على شفتيه ( أتطلّع بسعادة الى موتي )، وما بوسعي سوى أن أقول على هذا الموت الفتي والتراجيدي الهادر لوصفي الوسيم ( يازمان...... غريب يازمان).
تشاء الأقدار أن يكون عامر موسى كاتب الرواية في مصر لأغراض الدراسة في عام 2016 فيسمع بخبر إستشهاد الأخ الثالث لماجد وروار وهو المقدم اليساري( علي وروار) يستشهد وهو يقارع أيضا كما ( كاظم ووصفي) فلول البعث الدواعش بعد إن إرتدوا أقنعة الدين .
كلمة أخيــــرة:
أستطيع القول انّ الروائي عامر إستطاع أن يرسم لنا فنتازيا ذات قدرية عظيمة في سرده الروائي ، تلك القدرية التي لها شأن عظيم بين موت الأخوين وأعراس تخصهم بالصميم ، حيث يتزامن موت المناضل كاظم ووار مع عرس أخيه محمد في الخامس والعشرين من أيلول . ويتزامن موت المناضل وصفي وروار مع عيد الحزب الشيوعي الذي جاد بنفسه من أجله ، حيث يعدم في ليلة الواحد والثلاثين من آذار . فهذه بحد ذاتها رسالة الى الطغاة من ان ّالحياة تستمر مع الحب ، مع الأفراح والتناسل مهما نشرتم الذعر والموت .
هناك رسالة أخرى في الرواية مفادها : إذا أردت أنْ تقتل مخاوفك عليك بتدوينها ، فكان الخوف بالنسبة لماجد سجنا رهيبا قيّد كل حركاته وإبداعه ، لكن اليوم , ومانقرؤه في هذه الرواية  فهو إعلان من ماجد من انّ تلك المخاوف الجاثمة على الصدر قد أطلق عليها رصاصة الرحمة لحظة كتابتها والى الأبد رغم إنها جاءت متأخرة .
كما وإنني أرى من خلال مارسمه لنا الروائي الجميل عامر حول مصير الإخوة الثلاثة ( كاظم  ، وصفي ، علي ) إنهم ماتوا واستشهدوا جميعا في أرضٍ غريبة ، بقعة بعيدة عن ديارهم وميلاد صرخاتهم الأولى ( السماوة) ، ماتوا ناضحين تلك الغربة الأليمة والفراق العظيم ، ماتوا لكنهم أصبحوا أكثر حياة ً بعد مماتهم  ، ماتوا وكأنهم يجسدون ما أراده الثائر البوليفي ( جيفارا) حين يقول :
(لايهمني أين ومتى سأموت بقدر مايهمني أن يبقَ الثوار يملؤون العالم ضجيجا كي لاينام العالم بثقله على أجساد الفقراء والبائسين المظلومين) ).

عراق/دنمارك

84
عامر موسى الشيخ في الخامسِ والعشرين ........

عامر موسى شاعر وأعلامي وروائي شاب في غاية الذكاء والفطنة التي جعلت بمستطاعه أن يكون مراسلاً صحفيا في فضائية الحرية وفضائية العراقية فكان لبقاً وحاذقا غير منزلقٍ في أية شاردة أو واردة . عامر من الجيل الألفيني ، بدأ محاولاته الشعرية منذ عام 2000 وهو اليوم شاعرُّ متميزُّ بشهادة الناقد جابر حسين ، ثم كتب سلسلة مقالات إجتماعية عن الهامش الثقافي أثمرت عن كتابه الموسوم ( مشكينو سماوي) ، ثم روايته موضوعة دراستنا هذه ( الخامس والعشرون ) . عامر يكتب الوجع العراقي بلارتوش وبلاتورية . ينطلق في روايته هذه من أنّ الإبداع الإنساني الذي يأتي من المخيال الخلاّق هو السائد في أغلب الأحيان وأما الطبيعةِ بدون ذلك الإبداع فهي صماء لانفقه منها شيئا .
عامر موسى في هذه الرواية المثيرة يعطينا سمفونية حزينة للغاية عن أغاني الخلق المتنوعة ، الأغاني التي تختلف في تلحينها ومعانيها وأهدافها، وكل أغنية تتحدث عن ألم يخص إنساناً قد أدى دوره في هذا الكون الشاسع بأكمل وجه ثم تعرض لأبشع أنواع القهر والتعذيب والتشريد على أيدي بني جلدته من الجلاوزة والمجرمين فجاءت الأغاني التي لحن نغماتها عامر بهذه الدراما المذهلة مع ما ألمّ بشخوص الرواية اليساريين الذين تحولوا الى أبطال في تضحياتهم وقصصهم الغريبة العجيبة كما سنبين لاحقا .
الروائي عامر في روايته ( الخامس والعشرون) مدار دراستنا هذه إشتغل على موضوعة أساسية في غاية الأهمية ومن دون دراية منه أو دراية ، على ذلك التفحص الذي كان يشتغل عليه الروائي الشهير نجيب محفوظ في أغلب رواياته ، ومنها يوم موت الزعيم ، حيث إشتغل بشكل عظيم على ذلك التفحص الخلاق بين السلطة والتاريخ والإنسان الفرد ، الإنسان المعذب على الدوام ، وفي الإنطولوجيا الدينية يقول عنه ( الإنسان المبتلى) . ولذلك نرى الذات الإنسانية لايمكن لها القرار والطمأنينة حتى تنال حقوقها ، وبالنتيجة هو صراع من أجل البقاء شئنا أم أبينا ، صراع كان إخوياً في بدء الخليقة ، فلقبوا يالأخوة الأعداء ، ثم تطور الصراع مع إزدياد عدد البشر وتطور آلته فتحول الى صراع قبلي ثم تحول اليوم الى صراع دول وأمم وأديان وهكذا دواليك ، فنشأ نتيجة هذا الصراع الكثير من الآلآم التي وصلت الينا عن طريق ماكتبه المبدعون على مختلف العصور كما قرأناها في الألياذة والأوديسة لهوميروس . لكن أروع مانقرؤه هو ماينقل لنا عن تراجيديا فردية ، دراما بطلها أشخاص معينون ، والاّ ستكون واهية ضعيفة خالية من التشويق . كما وإن آلام الإنسان يشترك بها العديد من الناس ، لكن الذي يصل الينا هو أسماء محدودة فقط ، يعني الذي يموت في الحروب آلاف بل الملايين ، لكننا نسمع عن أبطالها فقط ، وبقية الخلق تنتهي وكأنها مثلما القول الدارج ( بولُّ في نهر) ، هذه هي الحياة بكل تجلياتها وماعلينا سوى الرضوخ اليها بماهي . ولذلك راح عامر ينقل لنا هذه الدراما الحزينة بشكلها الذي نقرؤه إعتمادا على ماذكرناه أعلاه ، هناك العديد من الثوريين الذين ضحوا بالغالي والنفيس لكننا نقرأ في رواية ( الخامس والعشرون) عن ابطال معينين ومن خلالهم نستطيع أن نعرف تأريخ تلك الحقبة الزمنية التي عاشوها وضحوا بأنفسهم في سبيل تحقيق العدالة التي نشدوها أنذاك ، فنقرأ هنا في هذه الرواية عن أبطال شيوعيين سجلوا انفسهم في صفحات التأريخ  ( كاظم ، وصفي ، علي) وماكان من عامر سوى أن يكون هوميروس زمانه ، وماجد هو الآخر راوي زمانه .
الروائي عامر موسى إستطاع أن يرسم النسبية في أخلاقيات البشر ، ولايميل الى فلسفة المطلق كما لدى المثاليين والأصولية الدينية التي تمتلك مفاتيح اليقين ، والتي هي سبب معاناة البشر في تعامله اليومي على الساحة الإجتماعية و السياسية على حد سواء ، عامر يكتب عن الموت والميلاد بأعتبارهما وجهين لحياة واحدة ، فهناك موت في الأقبية والسجون وهناك أعراس لأناسٍ لها إرتباط وثيق لمن هم في السجون والمعتقلات ، يعني بعد كل موت هناك ميلاد ، فلايمكن للطاغية أن يمسك بزمام كل مايريده من مطلقياته لأن الحياة شئنا أم أبينا هي مبنية على النسبية لا المطلقية التي تؤدي الى التناحر المستمر  ، بأعتبار إن كل الأطراف المتناحرة تمسك بعصا المطلق فكيف لنا التوافق حينها ، وهذا مايحصل في شعوب الصومال وتناحرها العشائري المستمر حتى اليوم دون إيجاد حل يرضي الأطراف المتناحرة ، لأن كل طرف يدعي إنتماءه المطلق لنسب الرسول الأعظم فيتوجب أن تكون السلطة والحاكمية له وليس لغيره وتلك هي الطامة الكبرى التي حلت بهذه الشعوب الغبية .
تتميز شخوص عامر الروائية بعدم الأنانية والشهوانية في غمرة هذا الوجود المغرور الذي يبدو في أكثر احواله ضد البشر الذي يعاني الأمرين وما من حلٍ ماثل أمامه سوى التضحية بالنفس تلك التي هي اقصى غاية الجود .
هناك قوة خفية تحرك الأشياء ومن دون هذه القوة لأصبحت الأشياء في مكانها ، الحجر يتجه نحو الأرض ، النبات نحو الماء ، الحيوان نحو الطعام ، ثم الإنسان نحو الحرية ، ومايحركه هو  تلك القوة الخفية التي تشبه قوة إنعتاق السهم من القوس . ولذلك نرى في السرد الروائي لعامر هناك الكثير مما يتعلق بحرية الإنسان كفرد وثوري أو إنتمائي مجتمعي .
الرواية عبارة عن عمل حكائي متواصل كان بطله شخصية شابة بلحمها ودمها من أهالي السماوة ، ذلك اليساري الوسيم ( ماجد وروار) من مواليد تلك السنين الستينية التي ذاقت بها الحركة الوطنية العراقية اليسارية من أهوال وتعذيب وقتل وتشريد الى المنافي على أيدي جلاوزة البعث والحرس القومي.
الرواية تتناول تأريخ عائلة( الوسيم ماجد وروار) لما ألم بها من أهوال موجعة مبكية ، علاوة على تحمّل الأبوين إرهاب رجالات الأمن في ذلك الزمن الأغبر ، حيث تتم مداهمتهم في البيت الكائن غربي السماوة بين الفينة والأخرى. ولذلك يصلح لها أن تكون عملا درامياً مذهلا كما هذا الذي نقرؤه على لسان ماجد وروار والذي نقله لنا على الورق الصقيل الروائي الشاب  عامر موسى الشيخ .
الوسيم ماجد وروار وهو في ريعان الصبا يفقد إثنين من إخوته إستشهدا على أيدي جلاوزة البعث ( وصفي وكاظم ) كما سنبين لاحقا ، ثم قاسم الخفيف الظل الذي لم نتوقع موته ، ربما هو الآخر مات كمدا بعد أن أصيب بالسكري نتيجة ارهاصِ أيامٍ مريرة لاتحتمل على إخوة إستشهدوا فيلاقي هو أهوال حسرته على شبابهم الذي لم يأخذ حقه في هذه الحياة التي لابد لنا أن نعيشها بكل تفاصيلها القبيحة والجميلة . ثم يلحقهم هذه الأيام من عام 2016 المقدم اليساري (علي وروار) الذي إستشهد وهو يدافع عن أرض الوطن ضد بعث الدواعش وغلاة الدين .
ولذلك هذا الشاب الوسيم ( ماجد وروار) أصبح رجلا متلازما مع الألم أينما حلّ وإرتحل منذ ذلك الوقت حتى اليوم ، هو وعائلته وأبوه الذي وافاه الأجل مبكراً محترقا بنار غيضه وعذاباته بعد إن ذاق الويل من الجلاوزة . ثم الأم المناضلة التي أعطت الكثير والكثير ولم تجنِ غير الحسرة والبكاء والنحيب ، حقا هي المرأة التي ينطبق عليها القول السائد ( إمرأة ثكلى) . ورغم كل الألم البادي على محيّا الوسيم ماجد نتيجة هذا الفقد المهول لإخوته الأربعة ، لكننا نراه الشاب المعطاء الضحوك المؤنس لكل من يرافقه ويتخذه صديقا فيجد فيه كل الإخلاص والإخوّة .
تنقلنا البانوراما الروائية في أحد فصولها الى تأريخ الحركة اليسارية في العراق ثم نزولا الى ما أصاب الجيش العراقي من إنكسار وهزيمة في حرب الخليج الأولى 1991 كما سنقرأ لاحقا .
تناولت الرواية في فصولها الأولى عن أخلاق اهالي السماوة الثورية منذ ذلك الوقت العصيب ، حيث نرى كيف أوقفوا قطار الموت الصاعد وهو ينقل خيرة العناصر الثورية اليسارية أنذاك تمهيدا لنقلهم الى نقرة السلمان ..(ومن ضمنهم الشاعر مظفر النواب ، عريان السيد خلف ، الكاتب الكوردي محمد جميل والكاتب ابو سرحان وغيرهم من الأكاديميين والأطباء والحقوقيين والمثقفين ، إعتقلوا بسبب انتمائهم إلى الحزب الشيوعي العراقي ).
(سائق القطار عبد عباس المفرجي قد علم بأن القطار معبأ بالمعتقلين وعرف ذلك لحظة توقفه في محطة المحمودية ، هذا التوقف غير من كيانه وفكرته التي زرعتها السلطة بأنه يحمل حيوانات وماشية ) ...
ولذلك سائق القطار سارع كثيرا في إيصال هؤلاء الثوريين الى السماوة كي ينقذهم من الموت المحقق نتيجة الجوع والحر اللاهب ، وصل القطار السماوة فهبت العشائر وكل الرجال والنساء وتم إنقاذ كل هؤلاء الشرفاء بعد إعطائهم الطعام والشراب ونجوا من موت محقق قد رسمته لهم السلطة الغاشمة أنذاك .
في السبعينيات والثمانينيات أصبح ماجد فتىً مقداما ، ليتحمل تبعات نضال أشقائه  ضد السلطة البعثية ، أحدهم التحق بالأنصار ( كاظم وروار..الملقب ثوريا بيوسف عرب ) والثاني ذاب في شوارع بغداد ( وصفي وروار) وفيها كان طالبا في كلية الأدارة والأقتصاد ويناضل بسرية تامة حيث تقطعت أوصال الحزب بعد ضرب الجبهة الوطنية . ولذلك ظل ماجد نتيجة متابعة رجالات الأمن له ولعائلته وإخوته ملازما الى الآه والألم ، لكنه فتىَ فنان موهوب يستطيع تقمص أي شخصية في سبيل التماهي والتمويه على شخصيته الفعلية التي تحب إخوته وطريق نضالهم ، ظل ماجد يتأفف من الدواخل دون أن يقول للآخرين ( إنّ الآه أمرُّ عسير ..هي الماضي الذي ينهيك وأنت في حاضرك) . ولذلك ماجد راح ينطلق بعكس مقولة باولو كويلو(اذا كنت تعتقد انّ المغامرة خطرة /فجرب الروتين فهو قاتل) ، فيقرر ماجد الخروج من الروتين الى فضاء المغامرة ، ولهذا كان بين الفينة والأخرى يخرج بزي الهيب هوب وألوانه البراقة وقبعته والأساور وغيرها من الرتوش التي تجلب الأنظار ويقف في أشهر شارع في السماوة حيث تمرق الجميلات للتحرش بهذا الفتى الوسيم . فيقول ماجد على لسان حاله :
( كانت تلك اللحظة بالنسبة لي لحظة مغايرة لأني اصبحت حديث كل اثنين منفردين ، اكلك شفت ماجد شلابس اليوم ، خرب عرضة والله دالغة ،  بس هو فنان وحلو  بكيفه). ثم يستمر ماجد فيقول :
(مشهد إستفز حتى تلك الفتاة الجميلة التي تركت أمها وعبرت لي من جانب مدرسة المعرفة أمام مصور الجماهير أو ساحة الساعة حيث أقف  لتقول لي ...... انت شني عود تسوي روحك حلو ) رشقتني بهذه الجملة ثم انصرفت ، وأنا أدرت وجهي مبتسما دون أن أُشعرها بأني إبتسمت).

هنا ماجد قام بدور تمثيلي بارع لأنه يمتلك هذه القدرة لكونه ممثلاً وفنانا ، والتمثيل حسب ماتقوله بطون الكتب هو غريزة وجدت قبل السينما والمسرح وقبل ظهور المدنية فهي وجدت في العصور الأولى للفراعنة حيث تتجلى في رقصهم المقدس حول الموتى وفي حفلاتهم الدينية التي يقدمون فيها الضحايا للآلهة أو يقومون فيها بأساليب السحر والشعوذة لأستدرار رضا وبركة آلهتهم التي يخشون منها البطش والإنتقام. ولذلك راح ماجد بما تمليه غريزته التمثيلية يمثل هذا المظهر الهيبهوبي الغريب الذي أصبح له باب رحمة فيما بعد ، حيث أنه برفقة عدد من الأصدقاء في اليوم التالي القي القبض عليهم لسكرهم الشديد ، لكن رجال البوليس عرفوه في اليوم الماضي وهم في دوريتهم في الشوارع حيث كان واقفا بزيه الغريب ، وسألوه فيما إذا كان هو الشخص المقصود بالأمس واجاب بنعم ، فضحك المسؤول الأمني لجرأته وأخرجوه بعد إن أخذت الوساوس تلعب في رأسه ، إذ أنه ظن بأنهم القوا القبض عليه نتيجة لكونه أخاً لشقيقين شيوعيين هاربين من وجه البوليس القمعي .  هذا الشخص ذو التصرف الهيبهوبي يطلق عليه في بلداننا (إبن شارع )، لكن الغالبية العظمى لاتعرف إنّ هذه التسمية( إبن الشارع) جاءتنا من الكاتبة( فرانسوا ساغان )الفرنسية الشهيرة في روايتها بعد شهر أوسنة لما لها من مدلولات عظيمة تخص الشأن الإجتماعي .
ماجد في ذلك الوقت أراد أن يصرخ صامتاً ، أن يحاور نفسه المتأرجحة فيقول ( كن انتَ التغييرالذي تنشده في العالم) ولذلك إستطاع أن يتجرأ ويرتدي زيا غربيا في نظر البعض وبأنه تصرف لايليق بالواقع الثقافي ولا الإجتماعي ولا حتى الأعراف ، بينما الحالة النفسية لماجد  دون أن يدري أو يدرك تماما كانت تنشد الحرية في كل شيء ، لكن نتيجة الظروف القاهرة من إرهاب السلطة ظهرت المناشدة للحرية لدى ماجد في الملبس فقط ، لكون التعبير عن الرأي في فكرة ما أنذاك كان يطيح بصاحبه ويرميه في غياهب السجون والموت . كان ماجد يريد أن يصرخ بالديمقراطية دون الشعور الحقيقي بذلك ، ولكن الإرهاص والقيد والخوف الذي بداخل ماجد والذي لايعرفه أي شخص أنذاك سواه هو وعائلته المضطهدة من مطاردة وإرهاب السلطة البعثية نتيجة الأشقاء الشيوعيين لماجد ، فراح ماجد يريّح النفس الصادية بهكذا تصرف وكان هو أحوج اليه . الفنان فريدريكو فلليني والمخرج الإيطالي الشهير كان ينقل لنا في مذكراته عن إيطاليا في الأربعينيات والخمسينيات عن كيفية السطوع بملابس تشبه بألوانها الستائر والشراشف لتكون من أزياء المودرن التي يغتر بها الشباب أمام الفتيات تعبيرا عن النزوح من التقليدي الممل . ولذلك راح ماجد  يتقمص هذه الشخصية العجيبة الغريبة في ملبسه دون أن يدري من إنّ ( برجستون) الكاتب الشهير والمنظّر في نشر الديمقرطية أنذاك كان يقول :
(إستطعنا أن ننشر تعاليم الديمقراطية عن طريق الديسكوات والمراقص والبارات والأزياء الصارخة في غرابتها ، أكثر بكثير من الكتب والتنظيرات والملصقات والتعاليم المكتوبة و المقروءة ) . ولذلك كانت نفسية ماجد وتركيبته الثقافية وتربية عائلته والبيئة والمحيط الذي عاش فيه جعلت منه يعبر عن الديمقراطية بأشكال أخرى ، بشكلها الذي دعا اليه برجستون ، روحية ماجد القلقة نتيجة الخوف المتلازم له والذي اصبح مزمنا له أينما حل وارتحل ، والقلق الذي يفتك بماجد بين الآونة والأخرى( على قلقِ كأن الريح تحتي ....المتنبي) ، والإضطراب الناجم عن ملاحقة البعثيين له ولعائلته جعلت نفسيته تنشد الديمقراطية والحرية وعدم الإلتزام بالزي الرسمي والتقليدي السائد أنذاك ، أنه يصرخ صامتاً بزيه ، أنا أتطلّعُ الى الديمقراطية ياعالم فهل من مجيب .

يتبــــــــــــــــــــــــــــع في الجــــــــــزء الثانــــــــــــــــــــــــــــــــــي

هــاتف بشبوش/ عراق/ دنمارك

85
أدب / نســـــاء
« في: 07:00 09/08/2016  »



نســـــــــــاء


هاتف بشبوش


صديقيَ الذي لايفكرُ الاّ بأسفلهِ
قال لي:
مانفعُ التسريحةِ الرائعة
والحذاء اللامعِ
والجينز المودرن
حين لاتنفعنا حتى الفياغرا

...


في ذلك الوطن القاحل
عليك ياصاحبي :
أنْ تضاجعَ العجولَ والحمير
إنْ لم تضاجعْ إحداهنَ
من اللواتي
يمرقنَ في حياتكَ كالرمح
أو من اللواتي
أحببتهنّ بشدةٍ عنيفة!!!

...

الحب الروحي
هو كل مانمارسهُ من الخصرِ الى الأعلى
أما الحب الجسدي .....
...

الحبُ ، دخانُّ يتصاعد
من أبخرة التنهيد

...

هناك الكثيرُ من الفتيات
يبحثنَ عن الحب الحقيقي
في أماكن خاطئةٍ ورجالٍ خاطئين

عراق/دنمارك


86
برهــان شاوي في إستراحة مفيســــــــتو(1).....

للمرة الثالثة يستفزني مايكتبه الروائي برهان شاوي ، فما بمستطاعي أن أضطهد قلمي وأوقفه عن بوحه المتشارد لكي يكتب عن هذه القامة الروائية العملاقة التي بدأت تأخذ حجمها في هذه الأيام على المستوى العراقي والعربي ولابد لها أن لاتتوقف عند هذه الحدود بل ستتعداها الى العالمية في وقتٍ قريبٍ لامحال .
رواية (إسترحة مفيستو).. هي موضوعة دراستنا هذه ..الرواية كتبت بأسلوب سينمائي بحت ، وقص وسرد بوحي عالمي تجاوز القص العربي والعراقي كثيرا ، حتى شخوص الرواية وأماكنها وأكشنة بعض المشاهد ، والبوليسية وصبغة الرعب والجرميّة التي تحتويها ،  توحي بأنها عالمية السرد ، وهذه هي التي جعلت من برهان يرتقي سلّم العالمية .
برهان شاوي في إستراحة مفيستو سجل رقما قياسيا في كتابة الرواية من ناحية الوقت أو العامل الزمني وما تتطلبه الرواية من عناية فائقة ومتابعة وتنقيح ، إنه أنتج ( إستراحة مفيستو) بشهرواحدٍ فقط (21/2/2016....21/3/2016) ، ربما كان يكتب على مدار نصف نهار ثم يستريح النصف الآخر . أكثر الروايات العالمية الشهيرة أخذت من كاتبها سنين عديدة ، جوستاف فلوبير كتب رواية مدام بوفاري على  مدار خمس عشرة سنة ، البؤساء أخذت من الروائي هوغو أكثر من خمس سنين ، الدون الهادئ لشولوخوف هي الأخرى أخذت وقتا كبيرا ، وغيرها . يعجز المرء على هذه القابلية التي تحلى بها برهان شاوي . اكثر الروائيين العالميين في الزمن الرومانسي والكلاسيكي يكتب رواياته وينشرها في الصحف على شكل حلقات ولذلك نرى أكثر الروايات الشهيرة أخذت من الكتاب سنين وسنين حتى أنجزت وأصبحت في متناول القارئ ككتاب . ولكننا أمام روائي عراقي وفي القرن الواحد والعشرين يسترسل ويكتب ويكمل الرواية في ظرف ثلاثين يوماً ، حقا أنه الروائي الثر الذي يملك من الخيال العجيب الغريب ، وللاسف لايوجد هناك إعلام حر غير منحاز كي ينصف هذه القامة التي أعطت الكثير ولايزال الدرب عسيرا. الروائية الإنكليزية(جوان رولينج موراي)التي كتبت هاري بوتر، فرنسية يهودية معدمة الحال حتى أصبحت من ضمن قائمة أثرياء العالم ، الإعلام اليهودي جعل لها مهرجانا سنويا خاصا باسم مهرجان هاري بوتر ، أين نحن من ذاك . 
ورغم ماتقدم أعلاه نحنُ بانتظار تحويل متاهات برهان شاوي الست الى عمل تلفزيوني درامي وهذا هو الإنجاز الكبير .
في إستراحة مفيستو مرة أخرى يتحفنا الروائي برهان في الدخول الى عالم المرأة الجميل والمثير وشاغل الدنيا ، وجالب المتاعب ، والممتع في الحب والجنس ، إنه الروائي الذي يعرف جيدا أنّ الدخول الى القص بلا إمرأة هو بمثابة الدخول الى صحراء قاحلة بلا قطرة ماء . قص وسرد إمتلأ بالحواءات الجميلات ، تلك تحب ويقلقها الحبيب ، وتلك يُختطف زوجها ، وتلك أم ، وتلك منتقمة من زوجها الخائن ، وهكذا نجد الحواءات ، حواء الدلو ، حواء المسافر، حواء الصوفي ، حواء المحدبة ، حواء النمرود ، حواء الأعمى ، حواء الأبيض ، حواء الأسود ، حواء الدلو المدفون ، وأغلبهنّ يُختطف أزواجهن بسبب المال الذي هو اللعنة الرئيسة على صاحبها  في هذه الرواية ، كما سنبين لاحقا . كما وأنّ محور الراواية الرئيسي الذي يجعلنا مشدودين على مسار السرد هو عثور آدم المسكين في مقبرة على حقيبة جلدية مليئة بستمئة الف دولار ، وبالقرب منها جثة ممدة ممقطوعة الرأس مما يجعل آدم المسكين دائم البحث عن شخصية الجثة المجنى عليها ، ويتبين أيضا وهذا هو المهم في جشع البشرية في عالم رأسمالي قذر ، من أنّ الأشخاص الذين يختطفون ، يقتلون في سبيل الحصول على المال الكثير من شركات التأمين  .   
في استراحة مفيستو تناول الروائي برهان شاوي بشكل فنتازي ، خيالي ، غامض نوعا ما ، لشخصية آدم المسكين الذي تلح عليه الظروف المادية ليستقرض نقودا من أبشع رجل مُرابٍ في المدينة التي يعيش فيها ، لكي يدفن أبويه . غريب أمر الإنسان حينما تتكالب عليه الظروف فإنه  يستعين بالشيطان ، ولم لا ففي هذا الزمن الرديء هناك من القادة الذين تفاعلوا مع هذه المقولة ( في سبيل مصلحة بلادنا نتحالف مع أيٍ كان حتى مع الشيطان) .
في الرواية يموت أبَوَا آدم المسكين بطل الرواية ولم يمتلك نقودا لدفنهم مما يضطر أن يستدين من هابيل السفاح الذي لايرحم أحداً في حال عدم إسترداد الدَين ، فمصيره الموت لامحال ، مثلما حصل في مسرحية ( تاجر البندقية) وكيف كان اليهودي المرابي شايلوك الذي أعطى مالاً الى (أنطونيو) التاجر الذي تغرق مراكبه واشترط عليه حين لم يُرجع ماعليه من ديون وينتهي الوقت المحدد لتسديد الدين ، عليه أن يستقطع اللحم الطري من جسمه المعافى  .
بالرغم من عالمية السرد ، الاّ أننا نجد انفسنا وسط حكايات من صلب واقعنا العراقي المعاش ، وفزوراته المترفة ، فعلى سبيل المثال ، هناك الكثير من العراقيين لايمتلكون نقوداً لمراسيم دفن ذويهم ، ومن هذه إنطلقت الكثير من الحكايا المضحكة في هذا المجال ، في السماوة كان هناك رجلُّ خفيف الظل ممراح طحنته السنين طحناً حتى جعلته فقيراً مدقعاً ، هذا الرجل يدعى (حولي) ماتت أمه ولم يمتلك نقودا لدفنها ، صعد الى أعلى السطح مناجيا ربه قائلاً( يارب تصور انت حولي وأنا الله) ، ماذا تفعل حين تموت أمك ولم تمتلك نقودا لدفنها . نزل حولي الى باحة البيت مهموما منكسرا جذلاً على فقره المدقع ، فاذا بأحدهم من أثرياء السماوة  يطرق الباب ويعطيه عشرة دنانير ، فقال له حولي، هل أتيت وحدك لتعطيني هذه النقود أم الله أرسلك لي ، قال له الله أرسلني فأتيت لأنك فقير وبحاجة الى المال لدفنِ أمك ، فرفع جميل رأسه الى الله وقال له (هذه أول مرةٍ في حياتك تفعل معي خيرا يارب ). 
يبدأ آدم المسكين بالخوف من تهديدات هابيل السفاح لعدم قدرته على تسديد الدين ، فيضطر أن يترك البيت خوفا من مجيء هابيل السفاح ولايعرف مالذي يحصل ، يهرب الى فندق يسمى ( إستراحة مفيستو) ، مفيستو كلمة من أسماء الشيطان ، ( لا أدري لماذا كلمات الرب والشيطان لها الكثير من المعاني والكلمات الآخرى المترادفة ) . يهرب الى الفندق وهنا تحصل المشاهد البوليسية المرعبة والمخيفة والتي يرسمها برهان بشكل مذهل لايقل إبداعا عن السيناريوهات التي نشاهدها عن طريق الأفلام العالمية ، بل تتفوقها كثيرا. هناك يلتقي بمدير الفندق آدم الآدم ، ثم الصحفي آدم الضائع ثم الكثير من العاملين والعاملات الذين يتشابهون كثيرا مع بعضهم ، أي كل واحد منهم عبارة عن نسخة من الآخر ، إنه فندق ألأشباح أو القادمين من الموت والمقابر ، إنه فندق تسيّرهُ الأشباح الموتى  أو إنه على غرار ذلك المكان في براغ حين تدخله عبارة عن مرايا كثيرة ، فترى نفسك فيها وقد إستنسخت الى أكثر من نفسك بمراتٍ عديدة ، لربما الرسالة التي يريد إيصالها لنا الروائي برهان ، هي أنّ البشر هو هو ، ولكن في غالب الأحيان يتحول الى طبعِ مجاراة القرود في التصرف ، فلانستطيع التمييز بين الوجوه المتعددة للقردة وتصرفاتها المخزية . أو إننا وسط سجن كبير وسجّانوه كلهم جلاوزة مجرمون قتلة وسفاحون غير إنهم يختلفون في إسلوب تعاملهم مع السجين ، فنرى ذاك السجان يحب الركل وآخر يحب الصفع وآخر يستهويه اللكم وأخرُ يفضل الضرب بالسوط وآخرُّ يتلذذ بالإغتصاب وهلم جراّ ، لكنّ الفعل واحد هو السادية التي يملكها هذا الجلاد أو الجلواز ، فلا مناص أن يكونوا بالنسبة للسجين كلهم متشابهين ومن نسخةٍ واحدةٍ لاتختلف سوى بالتصرف ونوع الإجرام .
آدم المسكين حينما يموت أبَواهُ يتعرف على جارته الخمسينية العمر التي  يصغرها سنا( حواء الدلو) ، وهي صديقة لوالدته لكنها مثيرة وجميلة ، يستطيب لها قلبه وجوانحه ويشتهيها بعد كسر حاجز الخوف والحياء . من المثير جدا والمغري في العراق وشعوب الشرق أن يقع رجل في حب إمرأة تكبره سنا و على مستوى عالٍ من الجمال المكتنز واللحم البض ، يطلق على هذه المرأة كتسمية جنسية خالصة وخاصة في العراق ( الأيجة) . كما وأننا رأينا هذا الحب القاتل والمدمر في الفيلم المصري الرائع والخالد من ذلك الزمن الرومانسي الجميل والذي لايتكرر( أبي فوق الشجرة) من تمثيل الراحل عبد الحليم حافظ والممثلة الحسناء  ( نادية لطفي ) ، وكيف كان الفارق العمري بين الإثنين وماحل بعبد الحليم من جراء حب إمرأة مكتنزة تكبره في السن . أما عالميا فهو الحب الذي شاهدناه في الفيلم الدرامي الأكثر من رائع ( القارئ) من تمثل حسناء تايتنك ( كيت وينسلت) التي تعشق طفلاً يصغرها بأكثر من ثلاثين عاما ، الفلم كان يصرخ بالحب والجنس والتنهيد المثير الذي تفوح منه رائحة الصبا والإنوثة الأربعينية الشبقة في آنٍ واحد .
حواء الدلو تشفق على آدم المسكين فتقوم بمساعدته في إحضار الطعام . هو من النوع الإنطوائي ، لكنها تستدرجه ، تحب فيه الغموض ، الشهامة ، الشباب ، سحنة وجهه ، عضلاته ، لكنه من النوع الخجول ، النساء تحب الرجال الذين يتركون فيهنّ شيئا من الجنس ، النساء يستهويهنّ الرجل الذي يتجرأ وله القابلية على التقبيل أو ممارسة الجنس معها في أحلك الظروف ، لايمكن للمرأة بعد مضي السنوات أن تتذكر الرجل إذا لم يمارس معها الطقس الجنسي الذي تحبه وتشتهيه ، الجنس هو الدليل الأكثر موضوعية للتذكر في عالم النسيان . ولذلك في يوم خاص يحصل الذي يحصل في ممارسة جنسية خجلة بين آدم المسكين وحواء الدلو إرتاح لها الطرفان وارتاحت شهوتهما وهدأت أعضاؤهما وكبر الحب بينهما ، حتى غدا أسفينا في حياتهما الباقية ،  نتيجة إستذواق عسيلةّ كل منهما الآخر  .
يهرب آدم المسكين من هابيل السفاح ويذهب الى فندق ( إستراحة مفيستو) مدير الفندق ينصحه بالذهاب الى المقبرة القريبة  لعدم توفر السكن الشاغر  . ينذهل لما يسمع ، لكنه يذهب مرغما وهناك يجد حقيبة مليئة بالدولارات وجثة ممدة مقطوعة الرأس بالقرب منها ، يرتعب لما يرى إنّ الجثة تشبه مدير الفندق آدم الآدم ، ويجد أيضا مجموعة من الهويات الشخصية المتشابهة . يأخذ الحقيبة ومنها يسدد دينه لهابيل السفاح ، فيتخلّص من موت محقق كان سيأتيه لو أنه أخلّ بالعهد والصفقة التي عقدها مع هابيل السفاح  . يتبين فيما بعد أنّ مدير الفندق( آدم الآدم) هو الذي رتب هذه المكيدة لآدم المسكين ، أي أنه تخلّص من ورطة الصفقة مع هابيل السفاح فيجد نفسه في ورطةِ صفقة أخرى أكثر خطورة على حياته . هذه هي الحياة التي يتكلم عنها برهان ، عبارة عن صفقات مميتة مقلقة مشبوهة على الدوام  .
في جانب من الرواية حيث يُستغل آدم المسكين فيجد نفسه يعمل صحفيا مرغما على ذلك بدلاً من الصحفي الرئيسي في الرواية آدم الضائع ، يستغل آدم المسكين لوسامته وثقافته العالية لغرض الإيقاع بالنساء اللواتي يُختطف أزواجهنّ ولايُعرف مصائرهم . يلتقي آدم المسكين بحواء المسافر ابنة الثلاثين ربيعا فيجدها تشبه أمه ولديها ابنان قابيل وهابيل ، وهذان يشبهان آدم المسكين ، فيتبين أثناء السرد اللاحق إنها أمه وهذان إخواه المتوفيان في الطفولة  ، لكنها تأتي من القبر لزيارة ولدها آدم المسكين ، أنه شيء من الحديث عن الأرواح التي  تأتي لزيارة أماكنها بين الحين والحين . هنا الروائي يقترب من القص العالمي لأفلام الرعب ، أو أفلام الخيال العلمي التي تتحدث عن قدوم أحدهم من الماضي الى الحاضر أو ذهاب أحدهم من الماضي والحاضر الى المستقبل ، حيث يروي لنا القادم من الماضي عن حيثيات الحياة أنذاك ، أو يروي لنا القادم من المستقبل عن تطور الزمن وماوصل اليه العلم . هكذا يجعلنا برهان في أجواء ممتعة للغاية بين الخيال والحقيقة والواقع ، فنجد حواء المسافر توضح لآدم المسكين في حوارية صحفية معها عما جرى لزوجها المخطوف وعن ظلم الحياة وتفاهة الإنسان فتقول :

يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــع في الجـــــــــــــــــــــــــــــــــــزء الثأنــــــــــــــــــــــــي

هــــاتف بشبــوش/عراق/دنمارك

87

خلدون جاويد ، حينما يكتبُ عن الساسةِ المنائكةِ(3) ......


إسلامكم مذابحٌ محارقٌ مسالخُّ
مساجدٌ تصّدرُالسيوفْ
إسلامُنا جنائنُّ مؤتلقةْ
إسلامُكم "جنائزٌ معلقة "
إسلامُنا "انشودة المطرْ"
إسلامُكم سياسي
إسلامُ تمييزٍوتفريقٍ وتكفيرْ
إسلامُنا عبّادُ شمسٍ وقمرْ
إسلامكم خناجري
إسلامنا : الوردة ـ الانسانْ
إسلامنا حنانْ
إسلامكم حقدٌ وغدرُ البعضِ للبعضْ
إسلامنا تضامنٌ بين شعوب الارضْ
يُوحّدُ القلوبَ بالسلامْ
إسلامكم ثأرٌ وقتلٌ وانتقامْ
وفي الختامْ
تقبلوا قصيدة ًجديرة ً بكمْ
عنوانها :
تفٍ على اسلامكمْ
تفٍ على اسلامكمْ
تفٍ على اسلامكمْ
ــــــــــــــــــــــــــــــ
الدين يعطي أحكاماً عامة حول السرقة والكذب والقتل والنفاق والخمر وماشابه ، لكنه لايعلّم الأخلاق , او لايعلّم على كيفية صنعِ قرار الأخلاق . وتوضيحاً لمانقول ، كان هناك فيلسوف ياباني قد زار العرب وتعايش معهم ووجد بما يذهله ومما لايصدقه عن الإسلام والمتأسلمين فقال (العرب متدينون جدا لكنهم فاسدون جدا) . فكيف إذا دخل رجل الدين الى السياسة فماذا يفعل في حيله وتعاويذه ، سوف يستغل كل الصغائر والكبائر في شعوذته في سبيل  الضحك على فقراء شعبنا  ، مثلما قالت العظيمة أنديرا غاندي (لايوجد سياسي هندي يمكن ان يجرؤ ويقول للناس انّ الأبقار حيوانات يمكنُ أكلها  ) ، فكيف إذا كان السياسي العراقي متدينا حد اللعنة من كوعيه الى خصيتيه ، من ثدييها الى آخر شعرةٍ في إستها ، فماذا ننتظر منه أن يفعل غير الإستمرار في أكاذيبه وخزعبلاته .
فلابد أن ياتي الزمن الشجاع بحيث تقول الأفواه ماتريده وتحبه بدون أي خوف او مواربة ، مثلما البحر الذي في أكثر أوقاته ، هادئ نائم لكنه في الهدير العنيف , يكون تسونامي أو تورنادو يلتهم أمصاراً ومدناً بكامل ماتحتويه من شاهقات أو ناصيات .
زيف ، وعمائم , وسرقات بإسم هذا الدين ، وبإسم آل النبي . فلابد للجموع الغفيرة والفقيرة أن تنهض من جديد وتعلن ثورتها ، كما في السطورِ أدناه ( ياثورة الفقراء):
أنري المسارَ برايةٍ حمراءٍ
وتفجّري ياثورة الفقراءِ
ثوري على اصنامِهم بل دمّري
تيجانهم سيري على الاشلاءِ
فالشمس قد طـُويتْ بسحر جمالِها
بخـُرَيْقةٍ لعمامةٍ نكراءِ
مات الضياء بموطني وتكوّمتْ
أشلاؤه في آلةٍ حدباءِ
عمّ السوادُ على ثياب أحبّتي
وهمَتْ عليها أدمعُ الشهداءِ
عمّ التظاهرُ في البلاد ،وقد رمى
طوفانهُ بدواعشِ الخضراءِ
عمّ التفجّرُ . والتحجّرُ طوّحتْ
في الوحلِ منه عمائمُ العملاءِ
سلميةُّ  وتهابُها حربيةُّ
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(لا احد يستطيع ركوب ظهرك الاذ  إلآ إذا إنحنيت ... مارتن لوثر كنغ)..
لابد لجموع الفقراء أن تنهض ولاتيأس ، وهذه الثورة ، يراها الشاعر لابد أن تكون على أيدي أصحاب الرايات الحمراء ، الرايات التي تحترم كل طوائف المجتمع وأعراقه وأديانه ، إنها الراية التي قلما أن تخطئ ، انها الراية التي نستطيع ان نراها في أدبيات علي  بن ابي طالب وابي ذر الغفاري والقرامطة ،  لنقرأ ماذا قال الشاعر خلدون بصدد ذلك من قريحتهِ الفيّاضة (ألراية ُالحمراءُ تخفقُ في الطريقْ)....

ألرايةُ الحمراءُ تخفقُ في الطريقْ ...
ياطغاةْ
وطني الحياةْ
شعبي جماهيرُ النسورْ
وأنتمُ الامواتُ يادَرَنَ العصورْ .
ألراية الحمراءُ تخفقُ في الطريقْ
والشمسُ فوق الرايةِ
وتلألؤ الأكوانِ  فوق يدِ الفقيرْ
سيثور فلاحٌ وعاملْ
مِن أجل موطنِنا الأسيرْ
لأجل أيتام العراق
لأجلهنّ
أراملاً، وثواكلاً.
فلتحذروا
صمتَ اللـّحودِ إذا تثورْ
وترقبوا
بركانَ احجارِ القبورْ
ماعاشَ شعبٌ لا يثورْ
ـــــــــــــــــــــــ
خلدون جاويد هو (الشيوعي الذي يعلم كيف تموت النخلة السوداء على الصخرة الصماء وفي الليلة الظلماء ..لاكما المسلم العادي حينما يعجز عن معرفة شئ ما فيقول ( الله أعلم )..... مازن لطيف نقلا عن هادي العلوي) . فماذا ننتظر من شاعرٍ أفنى عمره في سبيلِ أحمرِ الرايةِ . إنه الشيوعي الخلدوني الذي لا يستطيع أن يهادن .
اليوم نرى هناك بعضا من التحالفات بين القوى الحمراء والقوى المتأسلمة وهذه من أخطر التحالفات التي تؤدي بالنتيجة الى ركوب الموجة من قبل هؤلاء الدجالين . فلابد لأصحاب الراية الحمراء عدم الإنجرار وراء مثل هذه التحالفات كما حصل في الجبهة الوطنية في السبعينيات التي أدت الى دمار العراق لعقود ( اياكم والتنازل النظري والمساومة على المبادئ ...ماركس).
رغم كل ذلك البوح أعلاه في السياسة والوطنية وخوف الشاعر خلدون على العراق ، وتماهيه مع أحداث الساعة ، الأ أننا نجده في بعض الاحيان يلتفت الى النفس العليلة ، الحزينة المتشاكية ، لما ألمّ به في الفترة الأخيرة من وضعٍ صعبٍ وحالة لاتطاق جعلته جليسا لفترة ليست بالقصيرة ،  إنه جسدُّ من لحمٍ ودم ، لاخشبُّ مرميُّ بين السماء والطارق . وهذا هو دأب الشعراء الكبار ، فقبله أصابتْ مثل هذه الملمات الكثيرينَ من الشعراء ، فأطلقوا لأنفسهم العنان في البوح التشاؤمي الحزين أو ما أشبه بالرثاء على النفس الجليسة والتي باتت تواقة للنهوض من جديد والمضي في تكملة الحياة التي مهما قلنا عنها تافهة ، لكننا بالنتيجة نريد أن نحياها بكامل شططها وعذاباتها وآلامها ، نريد أن نعيشها حتى آخر مايتبقى في الأوصال والعروق من وشائج تنبض بالحياة( عش اللحظة الأبيقورية كما يقولون) .  لنتمعن الشاعر بهذا الصدد أدناه في شذرات مقتطفة من مدادهِ الموجع والحزين (لن يأتي اليومَ إليّ أحَدْ ).
لن يأتي اليومَ إليّ أحَدْ
صديقتي الدانماركية
لن تطلّ  من شباكِ الغيمة
لترمي منديلاًمن شمسٍ خضراء ! .
ولدي الصغير
نكثَ كعادتِهِ بالوعدِ
اعتذَرْ
ولدي الكبير
منشغلٌ ، لاهثْ
بالاطفال وبالزوجةِ
إبنتاي
تحتفلان اليوم
بعيدا عن زاويتي الحزنى
.........
لن يأتي اليوم اليّ أحدْ ...
فضاء الصالة اجردْ
جدرانٌ بيضاء
ووجهي المَرَضي ابيَض
............
اليوم مطرْ،
وفي الامس مطرْ،
وطيلة الاسبوع مطرْ،
مطر الى يوم القيامة.
.......................
وأنا شيخُّ مشلولٌ
معزولٌ سائرَ أيامي
وتلك هي الايام المشطوبة
من خارطة العالم
وانا الآخرُ مشطوبٌ
............................
وهذا يعني
أني مطمور !.
أشهد أنْ لا مَيْتٌ الاّيْ .
لامِن قبْلي ولا من بعدي
لا أحدٌ ذاقَ الموتَ سوايْ
وإيايْ
اذا ما نمتُ اليومَ بأنْ استيقظ
ثانيةً ! .
إيايْ ...
.....................

هناك فارق كبير بين ان تريد الموت او لاتخشىاه.....
الإنسان يخافُ الولوج في رواق الشيخوخة المؤدي الى الموت ، ولذلك الشاعر يكره تلك الفكرة العنصرية من قبل الغد القادم ، ان كل خطوة تقادم تعني المستقبل وهي نفسها تعني المضي قدما في الشيخوخة والكبر ، تعني وداعا للأمس واللحظات الآنية المقلقة التي تسبب التوتر لقلب الشاعر في أغلب الأحيان , ولذا هناك الكثير من الأدباء الذين أرقتهم هذه الفكرة ، ومنهم همنغواي الذي كان في ذروة حبه للجميلة الصحفية مارثا كيلهورن ، راح يتصور نفسه وهو في عمر السبعين ، يتصور نفسه بأنه أصبح عالة على المجتمع دون أي إنتاج ، أنه المستهلِك في كل شيء ، بعد إن كان نشيطا فاعلا في هذا المجتمع الذي أعطاه الكثير من حياته ،اي أنه أعطى انطباعه عن المستقبل وجعله بمثابة الغمامة التي لايستطيع ان يرى من خلالها الأشياء المنظورة بوضوح . .ولذلك كان يفكر في أن يضع حدا لحياته ، التي انتهت بالإنتحار بطلقةٍ في الحلق وهوفي عمر الثامنة والخمسين . ،.وهناك الكثير من الأدباء ممن لهم النظرة التشاؤمية تجاه الحياة والوجود ، لكن شاعرنا الكبير خلدون جاويد يسبح في فضاءاته ، يرسم لنا التأويلات واحدة تلو الأخرى ، كما هو حال الرسام التشكيلي او السوريالي ، الذي تجول أصابعه في المساحات الشاسعة من اللوحة فيعطينا من التخيلات الكثيرة التي تجعل منه محبا للحياة بشكل آخر ، تجعل منه أن يكون خادما مطواعاً لشعبه ووطنه الجريح ، متفائلا لا متشائما في أصعب ظروفه وهذه هي الشجاعة الحقيقية التي يقدمها خلدون للآخرين بغية الإستفادة منها في منهج الحياة الرسمي والأكاديمي .
الذكريات هي الأثر الذي يبقى من الإنسان ، الذكريات هي التي ترسِم على ألواح التأريخ وشائجَ  من فضةٍ أو ذهبٍ مصفى ، هي التي تدلناعلى عذابات الإنسان وسيرته الذاتية التي تنطلي بين الويلات والحروب والكوارث الطبيعية . أغلب مافي الذاكرة نجده موسوما بالوجع والألم ، ذاكرة دائما تحلم في عبور الإنسان الى الأمان ، الى الفرح الأزلي والسعادة ، الى سماء يعيش تحتها الآدميون بسلام دائم . ولذلك الشاعر خلدون راح يتذكر بحزنٍ فائقٍ في هذا النص الباكي أعلاه، يتذكر الأحبة الأعز على قلبه ، وهذا هو حال البشرية جمعاء ، يتذكر الآبن ، الإبنة ، الأم ، الزوجة ، الصديق ، كلهم لديهم تحت آباطهم أعذارهم في هذا الزمن الرديء ، الزمن السريع ، الزمن الذي جعل من الأنسان آلة ، الزمن الذي قلّت به المشاعر نوعا ما ، لاكما ايام زمان والروح الرومانسية الكلاسيكية التي تخلق جوا منعما بالرفاه والحب بين الأخوّة والأبوّة والبنوّة ، هذه هي العولمة التي قضت على كل شيء جميل . فيحق للشاعر أن يكتب مافي القلب من لواعج تؤثر فيه عند الصمت وعند التحدث مع الحيطان التي تشكل في زمنٍ معين صداقة لابد منها مع الروح البشرية الوحيدة المنعزلة ، كما حال شاعرنا الكبير خلدون جاويد في ظرفه العصيب هذا   . 
الشاعر في سطور ........
الشاعر خلدون جاويد , لاتستعصي عليه المعاني الصعبة في الشعر والسرد , بل يتعداها ايضا الى الإيقاع الساحر , الصارخ والمنذر , الصاعد والنازل , انه الشاعر الذي يمتد العراق بدمه كامتداده ديموغرافياً على الارض ،  استطاع ان يصور لنا الذوات المتناقضة وكيف تتصارع مثل الكلاب والقطط ، الكتابة لديه كالسنارة ، إذا ماعُلقت ، فأنها تعطينا الغرائبيات في ثقلها ونوعيتها التهكمية الصارخة التي لاتعرف الصمت  .
الحياة الحقيقية بنظرالمبدع الكبير خلدون هي غائبة ، أو هي في مكانٍ آخر غير هذا الذي نعيشهُ بالتأكيد ، ولذلك نجد الشاعر خلدون قد أعطى لروحه المساحة الشاسعة من الرؤيا والخيال التوّاق لفضح هيبة العالم الرذيلة والزائفة , وما تحمله هذه الهيبة في طياتها من جرائم وأحابيل و خبث وانتزاع لحقوق الإنسان , والقتل على الهوية الذي وصلته البشرية العربية المتوحشة والمتعطشة للدماء هذه الايام . الرؤيا والمعرفة هي التي تجعل الشاعر خلدون لا يقر له قرار ، الثقافة الواسعة هي التي تجعله في حالة تفريغ وشحن دائميين . وفي النهاية أستطيع القول انّ الشاعر خلدون جاويد يؤمن بماقاله فيلسوف الوجودية الفرنسي ( جان بول سارتر) (أنّ من واجب المثقف إزعاج السلطة الطاغية )....دون الميل الى فوضوية التصرف ، أضف الى ذلك إنه الشاعر الذي يسير وفق ماقاله قبله الشاعر الآيروتيكي الجميل ريتسوس حيث قولته (لا أحد يستطيع ان يسلبنا غناءنا ، سنستمر في الغناء ، العالم جميل ، نحن نؤكد ، جميل ، جميل... وسنستمر في الغناء).
إنتهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــى

هــاتف بشبوش/ دنمارك/2/7/2016

88
أدب / للأطلالِ بريقُّ آخرُّ
« في: 18:29 20/06/2016  »


للأطلالِ بريقُّ آخرُّ


هاتف بشبوش

ثقّلي خطوَكِ
هانحنُ ، قد وصلنا حيثُ كان ماركسُ
يرتعُ بلحيتهِ الشهيرةِ
حيث كان الليلُ تأريخاً آخراً
والحلمُ الماضي...
يحفرُ ، في سيقانِ الأزاهيرِ
عمرنا الذي ولّى  ، بين فرحٍ مزدهرٍ
وحزنٍ على أطلالنا ، التي لم تنتهي حتى اليومَ .
ثقِلي خطوَكِ
كي أشعرَ ، بأنّ هناك شيئاَ مفقوداً
بغيابِ الرايةِ الحمراءْ
عن الكثيرِ من هالاتِ العجائزِ والشيوخِ
.....
.....
فيادار روزا
أنني تاءهُّ بين مفازاتِ الحبّ
والثوريةِ التي ضاعتْ ، بين لحى السرّاقِ
وشعبُّ أغاضَ جيفارا.
لكنّ حمائمَ الساحاتِ
يطرنَ بي الى سحبِ السماءِ الجيكيةِ
حتى أهطلَ دمعاً جذلاً، يضمُ بين رذاذهِ
شيئاً من الماضي الأبلجِ
الذي كان يُنعشُ قلبَ صباي

 براغ/ 2015



 

89
أدب / شمسُ أودنســــــــــا
« في: 19:42 09/05/2016  »
شمسُ أودنســــــــــا

في بلادي
حينما تنتقلُ الشمسُ حولَ النافذةِ
لابد لنا أنْ نسترَ عُرينا
بأغلاقِ الستائر جيداً.
بينما في أودنسا ، وفي الحدائقَ العامةِ
تتعرّى الشقراواتُ في اليوم الشمسيّ
فوق العشبِ وموجهِ الذهبي
ينطرحنَ بأوضاعٍ تثيرُ االشهوةَ
في نفوسِ ، الربِ والملائكةِ المخصيين
تتعرّى الآردافُ
الآكتافُ
الأعناقُ
الاثداءُ
أما الافخاذُ....
فمن شدّة الصدمةِ
لايمكن ُللمرْءِ أنْ يخبرنا
عن لونها الفضي
...........
..........
يتعرّى الجيدُ الآشقرُ الرصين
لا لإغراءٍ أو لغايةٍ في نفوسٍ حواءْ
بل ....لنيلِ الصحةِ والفايتامينْ
هذا ماقالهُ لي
الرجلُ الصالحُ بنيامين  .
بنيامين إختفى ، هامساً في إذني:
ليس لديكَ ياصاحبي
سوى أن تتحسّر  ،على عمركَ الذي ولىّ
بين شوطٍ  ، لروزخونٍ غبي ، وآخرٍ للطغاه

هــاتف بشبــوش/عراق/دنمارك

90
المنبر الحر / القارئ ....The Reader..(2)
« في: 16:14 30/04/2016  »

القارئ ....The Reader..(2)

في يوم عيد ميلاد( مايكل) وفي إحتفال المدرسة والطلاب بهذه المناسبة ، يغادر مايكل الإحتفال ويذهب سريعا الى حبيبته ، لكنها كانت في حالٍ حزين ، تناكفوا مع بعضهم ، تصفعه هي ، يتألم فيقول لها , أنا جئتكِ وتركت أصدقائي المحتفلين بيوم ميلادي، فبدلا من ذلك تقومين بصفعي ومناكفتي ، لماذا أنا الذي ينفذ دائما ، لماذا أنا الذي يسمع دائما صاغراً ومطيعاً ، فتقول له مثل لهجة الأم الآمرة الناهية ، هو كذلك الحال يجب أن تستمر عليه  . بعد هنيهة تعد له الحمّام ، وتخلع ملابسه ، تغسله من مفرق رأسه وصدره ومرورا بعضوه بالصابون والشامبو وبقطعة قماش خشنة بكفها ، حتى أصبح ذهبيا ناصعا ، كما طفولتنا الناصعة أيام زمان ونحن خارجون من طشت الغسيل الذي تعدهُ لنا إمهاتنا . بينما تجففُ له جسده بالمنشفة كانت في أقصى غايات الحزن وكأن شيئاً ما سوف يحصل في علاقتهما. تضاجعه هذه المرة بطريقة أخرى، يتعريان ، تقوم بالجلوس على خرطومه الصبياني ، يخترقها بقوة عظيمة ، حتى تبكي ولانعرف لماذا تبكي ، من النشوة العارمة ، من السعادة حين تفوق العقل ، من عضوه الذي دخل فيها كالأسفين ، من رائحة الطفولة التي فوقها تهتز بضاضة ونعومة ، فتبين فيما بعد ، إن هذه المضاجعة هي الأخيرة ، إن هذا اللقاء ، هو اللقاء الأخير والى الأبد ، إن هذه اللحظات الضاحكة الباسمة الملتهبة جمرا ونارا من اللذةِ والتأوه سوف تستحيل الى رماد القهر ، الى ذكريات تعذب الطرفين ، الى قصة حبٍ فريدة لايمكن لها أن تنسى على مر تأريخهما ، بل إنها سوف تؤرّخ ويتناولها الأجيال جيلاً بعد جيل ، وبالفعل ها نحنُ في القرن الواحد والعشرين نشهد على هذه القصة الحزينة والمفجعة بكل تفاصيلها ، هذه اللحظات الجنسية والحب الصارخ سوف تجعل من هذا الطفل في يوم ما إنسانا كاملاً يحملُ من الإنسانية الفياضة التي لايمتلكها فتىَ شجاعا مثله . ينتهي الحب والشوط الجنسي ويسحب خرطومه من جوفها الذي لايزال دافئاً ، ويظل فوقها قليلاً بينما هي في غاية الأسئ ورأسها الى السقف ، وكأنها تناغي شيئاً مبهما لانعرفه . بينما هو فوقها تطلبُ منه أن يغتسل مرة أخرى ويذهب الى أصدقائه وحفل ميلاده  .
يذهب وفي الشارع تدور الكاميرة حيث الطفل نشيطا قوياً سعيدأ وكأنه فرّغ كل سموم أطفال هذا الكون من خصيتيه ، وكأنه خلع كل أحزان أطفال العالم البائسين ، أنه خارج من بيتٍ كله عطف أمومي و حب وجنس لايوصف، بل الجنس اللذيذ بشكله الآخر الذي نراه مبهراً ساحرا . ينطلق في الشارع ويشق الأسفلت بساقيه سريعا حتى يصل الى حفل ميلاده ويرمي نفسه في حوض السباحةِ مع الأصدقاء النزقين .
في اليوم التالي جاء الى شقتها بسعادةٍ غامرةٍ  للقائها المعتاد ، وبشبق بادٍ على محياه وهو يطوي الدرب فرحا غامراً ، وبإنتعاظٍ منتظرٍ بعد حينٍ من الوقت ، يدخل شقتها فلم يرَ غير الذكرى السابحة في هواء شقتها وغير التأوه الجنسي الذي تركته هنا وهناك وذابت كالثلج ، غير الزوايا التي عرف بها الحب والجنس سيان ،غير يديها الحانيتين وهي تغسل له جسده الأبيض الجميل ، غير الحزن الأبدي الذي سيبقى في وصاله مادام حياً ، لقد رحلتْ والى الأبد . حزمت أمتعتها وخرجت من البيت ، فتبين فيما بعد إنها متهمة في قضيةِ قتلٍ لليهود أيام الحرب العالمية الثانية  1943، حيث كانت تعمل حارسة في أحد  سجون النازية ( سجن شفيتز) .
يفترقان لفترة طويلةٍ ، ثم تنقلنا الكاميرا حيث هو في كلية القانون 1956 وقد نبت عوده وشاب وأصبح مدخناً شرهاً، وفي الحلقات التدريسية لممارسة  مهنة المحاماة ، يأخذوهم الى أحد المحاكمات الخاصة ، فتبين أن هذه المحاكمة لستةِ نساءٍ ألمانيات كنّ حارسات في عام 1943 في (سجن  شفيتز)وتسببن في قتل 300 إمرأة يهودية حرقاً ، وأثناء مناداة القاضي باسمائهن يسمع بإسم ( هانا شميت) فكانت هي إحدى المتهمات في هذه القضية ، فعرف حينها لماذا تركته وغادرت ذلك اليوم الأخير وأوصته أن يعتني بنفسه ،  وكانت هذه آخر كلماتها اليه بعد المضاجعة الأخيرة الممتعة التي لاتفارقه أبدا , والتي لايزال طعمها في الروح والجسد وفي قوة الإنتصاب .
بعد أكثر من عشرين عام الدولة الألمانية تريد أن تحاكم نساء على جريمة إرتكبت في ذلك الوقت ، وقد إكتشفت هذه القضية عن طريق إمرأة كاتبة يهودية كانت محتجزة في 1943 مع امها حينما كانت طفلة ونجت هي وامها بأعجوبة . وفي المحكمة تتعرف الكاتبة على النساء الست الحارسات في سجن ( شفيتز) ، ومن ضمنهن ( هانا شميت) . القضية هذه يدور محورها حول الحارسات الستةِ حيث كانت كل واحدة منهن تقوم بإختيار عشرة نساء كيف ما إتفق وإرسالهن من السجن الفرعي الى السجن الرئيسي ( شفيتز) لغرض إعدامهن ، ولغرض تخفيف الزخم الحاصل من كثرة المساجين في السجن الفرعي هذا ،  ويتم إرسالهن على هيئة طوابير تسمى طوابير الموت ، وهكذا بين فترة واخرى يتم إرسال النساء اليهوديات الى الإعدام عن طريق الحارسات .
يتم الحكم عليها( هانا شميدت) بالمؤبد ، بينما بقية الحارسات باربعة سنين ، وذلك لخجلها أن تقول أنني أميةُّ ، حينما وجه لها القاضي تهمة كتابة التقرير بخصوص النساء اليهوديات والحريق الناشب في السجن والذي ماتت فيه السجينات دون إخراجهنّ منه وهو يحترق ، مما أدى الى قتل ثلاثمئة سجينة يهودية عدا أم وطفلتها التي كبرت وكتبت هذه الرواية المروّعة ، تحملت الموضوع برمته على كاهلها ، أنه الكبرياء أحيانا الذي يؤدي بالمرء الى هذه التهلكة  .
مايكل يذرف دموع القهر أثناء إصدار الحكم وهو العارف بأنها لاتقرأ ولاتكتب ، كلمة منه بحقها لأنقذها من ذلك. فلم محير يجعلنا نقف مع الجلاد مثلما حصل في رواية مجنون سونيا لديستويفسكي والشاب الذي قتل العجوز في سبيل المال  . ولذلك كنت أنا صاحب المقال أتعاطف مع ( كيت ) وأريد أن يطلق صراحها رغم ماحصل من جرم بحقها ، لأن الذنب هو نتيجة الجهل الحاصل عندها ولذلك الراواية جعلت بطلة القصة لاتقرأ ولاتكتب ، إشارة إلى أن الجهل هو الذي أدى بهذه المرأة أن ترتكب هذه الجرائم . تنتهي هي في السجن بينما مايكل يتزوج ويرزق بطفلة جميلة ثم ينفصل عن زوجته لعدم حصول التوافق العاطفي بينهما ، والمرض النفسي الذي أصابه ، وحبه الكبير الى ( هانا شميت) الذي لايستطيع نسيانه حتى مماته ( ماالحب الاّ للحبيب الأولِ) . وهي في السجن يقوم بأرسال كاسيتات لها مسجلة بقرائته لأجمل الروايات العالمية ، وهناك في السجن تتعلم القراءة والكتابة عن طريق هذه الكاسيتات والروايات التي يبعثها اليها ، وتتعلم كيف ترسل له الرسائل . حتى أكملت العشرين عام وصدر أمر إطلاق صراحها . مأمور السجن يبعث اليه بكونه الوحيد الذي تعرفه ، يأتي اليها قبل يوم من إطلاق سراحها ، فتراه بعد كل هذه الفرقة القسرية الطويلة ، وتقول له بحزن عميق ، لقد كبرت يافتى ، هو يبدو على محياه يحملُ كل أحزان العالم ، تسأله وهي في هذا العمر الذي تجاوز الستين : ألم أعد أنفع أن تقرأ لي ونتبادل الحب والجنس كما أيامنا الخوالي ؟ يهز رأسه حزناً بدموع حسيرة ، لكنه يقول لها ، لقد جهزتُ لك منزلا بسيطا تستطيعين أن تكملي بقية حياتك فيه . يغادرها على أمل اللقاء بها غدا وهي مطلق سراحها . في الليلة ماقبل إطلاق سراحها ، وضعت الكتب التي كانت تقرؤها تحت أرجلها ووضعت حبل المشنقة على رقبتها ، وكأن هذه الكتب والأشرطة لم تعد تنفعها بشئ ، هي الوسيط بين موتها وحياتها ، وتركل الكتب بأرجلها لتبقى معلقة في الحبل . صباحا جاء لزيارتها ليجد غرفتها في السجن خالية من حبيبة العمر الجميلة الناصعة والأم الحنون ، يبكي بحرقة الأطفال ولايدري أن يبكي على أم حنون أم على حبيبة ، أم على جنسٍ لذيذٍ لم يذقه طيلة حياته حتى مع زوجته التي طلّقها فيما بعد وظلّ وحيداً هيّاما بذكرى (هانا شميت) . لم يبق منها شئ سوى وصيتها له ، وهي علبة معدنية صغيرة ، كانت تجمع فيها مالها طيلة هذه السنوات ، توصيه فيها أن يعطيها الى السجينة الناجية الوحيدة مع الأعتذار منها . يذهب الى اليهودية الناجية الوحيدة هذه ويخبرها بالموضوع ، ترفض أن تأخذ المال ، بل أخذت العلبة المعدنية منه كذكرى ، ويطلب منها الأذن في إقامة جمعية خيرية يهودية لمحو الأمية ، بهذا المال ،  وبأسم ( هانا شميت ) وتوافق على ذلك . في نهاية الفلم يظهر هو وإبنته أمام شاهدة قبرها ليخبرها بحقيقة هذه المرأة الحنونة العظيمة ، حبه الأول والأخير ومعلمته في كيفية إختيار الأوضاع الجنسية التي ظلّت تسري في بدنه حتى مشواره الأخير ، لكنّ مخالب القدر جعلها ضحية النازية ومجرميها .

هــاتف بشبوش/عراق/دنمارك


91

القارئ..... The Reader(1)......

القارئ ، فلم من تمثيل حسناء تايتانك ( كيت وينسلت) , والممثل الشاب (ديفيد كروس) الذي أدى دور الطفل ذو الخامسة عشر ، بمشاهد الجنس الفاضحة والأداء التعجيزي مع إمرأة بعمر أمه ( كيت وينسلت) . ثم الممثل الكبير (رالف فيانيس) بدور مايكل حين يكبر ويصبح محاميا ، الفلم من إخراج (ستيفن دالدري). في الفيلم نجد كل ماتصنعه السينما موجودا بشكلٍ جلي ، رومانسية ، دراما ، حب ، جنس ، إنسانية ، أدب ، شعر ، حرب ، سجون ، نازية ومحرقة اليهود. فلم نرى من خلاله كيف تلك النظرة الخاطئة لبعض أدبائنا حينما أرادوا الأعفاء عن المجرم عبد الرزاق عبد الواحد ، وتلك النظرة الفاشلة لحثالات شيوخنا وجهلتنا حينما رفعوا شعار عفا الله عما سلف ، بعد سقوط النظام ، لألاف المجرمين البعثيين ، شيوخنا الذين جعلوا أنفسهم قضاة ، كان المفروض عليهم أن يدعموا القضاء كي يأخذ طريقه في محاكمة المجرمين كي نرى البريء منهم أو المذنب ، مثلما تفعل وفعلت هذه الشعوب المتحضرة ، وهانحنُ نرى كيف القضاء الألماني بعد عشرين عام أحضر ستةِ نساء الى قاعات القضاء وأصدر حكمه العادل بحقهن لمساهمتهن في إرتكاب جريمة بشعة ، جريمة أصبحت في طي النسيان ، لكن العدل هو العدل ، كما سنرى في فيلم القارئ  .   
كيت وينسلت لعبت دور ( هانا شميت) ، وهي جابية باص في المانيا وفي عمر الثالثة والأربعين ، في عام 1958 وفي بلدة نيوشايت الألمانية ( تتعرف على شاب صغير (ديفيد كروس) وهو بعمر الخامسة عشر ، أي بعمر إبنها ، تصادفه مصابا بحمى ، جالساً قرب بيتها ، تعطفُ عليه ثم تنظف له وجهه وحلقه من قيئه الذي غطى الأرض ، ثم تصطحبه الى بيته وتوصيه بالإعتناء بنفسه . يعود الصبي اليها بعد ثلاثة أشهر وبعد شفاءه من مرض الحمى( القرمزية)  ، يدخل عليها جالبا أصيص من الورد شاكرا لها صنيعها ، يضعه على أحد أدراج شقتها ، يراها غير مكترثة لحاله ، أراد الخروج بعد إن شكرها مرة أخرى ، طلبت منه الإنتظار،  بينما هي ترتدي جوربها للخروج الى عملها، هو ينظر بشغفٍ من فتحة الباب الى ساقيها الأبيضين ، يحدقُ بشهوةِ فتىً قد نبتت له زغيبات العانةِ  تواً ، يحدقُ بشهوة فتىَ ينتعظ لمجرد النظر ، بشهوةِ فتىً ينتصب قضيبه لمجرد سماعه كلامها العطوف ، بشهوةِ فتىً ينتصب عضوه لمجرد ملامسةِ عضوه لشاورٍ دافئ ، ينتصب عضوه لمجرد نظره اليهِ أمام المرآة ، حيث يحدثُ النفس عن هذا الشئ الغريب الكائن بين فخذيه والذي بدأ يبحثُ عن أنثاه . بينما هو ينظر اليها ،  تشعرُ به بلحظٍةٍ خاطفةٍ ، فيشيح بوجهه حياءا ، يهمّان بالخروج ثم يذهبان كل في طريقه .  في زورته الثانية اليها بينما هي تكوي ملابسها ، نظرت اليه بنظرة جنس مكبوت ثم طلبت منه أن يملأ دلوها بالفحم ، ملأ لها دلائين فإتسخ وجهه بالسواد جراء ذلك ، فتراه بهذا المنظر الطفولي الجميل ، فتطلق ضحكتها المفاجئة عليه ،  وتدخله الى الحمام لكي تغسله ، مثلما تغسلَ طفلها الصغير ، ومثلما غسلتنا أمهاتنا أيام الطفولةِ في طشتٍ بسيط . مايكل الطفل البريء الذي لايزال لايعرف ماهو اللهيب الذي يشتعل في  بدنه نتيجة قربه منها والنظر اليها ، يقوم بخلع ملابسه أمامها بإستحياء ، تبتعد عنه قليلاً  ، لكنها هذه المرة هي التي  تنظر اليه من فتحة باب الحمام خلسةً ، تنظر الى خرطومه الطفولي المتدلي والى جسده الطاهر البتول . ينتهي من إستحمامه فتأتيه بالمنشفة وتضعها على ظهره بينما هي عارية تماما وجاهزة للإختراق ، تلاصق جسدها به من الخلف تمسك عضوه فتراه منتصبا قوياً صلباً ، فتقول له : أها ..إذن هذا من جاء بك الى هنا ، بينما تمسك عضوه بخفة يدها الناعمة ، يختنق من النشوة العارمة التي يذوقها لأول مرةٍ على يد إمرأة أربعينية بعمر أمه وفي منتهى الجمال ، إنها الممثلة الباهرة ( كيت وينسليت ).
هذه المرأة ستكون له أولَ حبه ، لكنه لم يدرِ أنها ستكون آخر حبه أيضاً والى الأبد كما سنبين لاحقا. هو الآن مغسولا نظيفا ، جاهزا للركوب والإختراق بقضيبه الذي سوف يذوق عسيلتها لأول مرة ، لأول مرةٍ يمارس الحب دون معرفةٍ ولاخبرةٍ ، فهو إبن الخامسة عشر ، لكنها الحياة وماتحمله من مفارقات عجيبة غريبة بقصصها التي لاتصدق لما فيها من الغرابة والخيال . تقبّله هي أول قبلةٍ تعليميةٍ لغرض تدريبه على ممارسة ألذ متعةٍ في الحياة ، طفلُّ في عمر الزهور وبقضيبٍ منتصب ينالُ قبلته الأولى من سيدةٍ يشهدُ لها الناظر بجمالها الأخاذ وهي في عمر الأمومة الأربعينية . هو الآخر يشرئب بعنقه كي يعطيها قبلته الأولى ، قبلةُّ من طفلٍ ملهوف ٍ مشغوفٍ منتشيٍ ، لكن القبلة تأتي على عجلٍ لكونه لايفهم بعدُ ، في فن التقبيل والمص  ، فتقول له وهي في غمرة خدرها :  كن بطيئاً ، كن بطيئاً ، هو يأخذ الدرس الأول ويقبلها ببطئٍ جميل ، تسحبه الى الفراش، وكأنها تسحب وليدها الصغير ولكن بطريقةٍ تجعل النفسَ في أقصى غايات البهجة والسعادة والخدر والإنتشاء الجنسي الذي لم يحصل سوى في هكذا علاقة غريبة بين طفلٍ وإمرأة أربعينية . تضطجع هي على ظهرها براحةٍ تامةٍ  كأنّ أسفلها بيضةٍ تخاف عليها من الكسر ، ترفع ساقيها بينما هو يجثو بالطريقة المعتادة للولوج والإختراق ، تضطجع على ظهرها ثم تفرج ساقيها أكثر لتسهّل له الولوج في أستها، بينما هو فوقها بجسده النظيف ، هو لم يعرف كيف يتصرف حيال ذلك ، تقوم بإدخال عضوه في داخلها ، هو يدفعه بقوة ، لكنها تعلمه على الخفة والنعومة ، فيبطئ ثم يبطئ ، يدخله ثم يخرجه ، فيقول لها : أهكذا يتم الأمر ، تجيبه بإيمائتها الرقيقةِ الصامتة بنعم ، والنشوة تخنق كلماتها الصادرة من شفتيها المحمرتين ، يدخله ويخرجه وهكذا، حتى تنتهي أعظم مضاجعة من مراهقٍ طازجٍ في أول ذروته وأول أورجازمه الذي جعلها تطير في السحاب من النشوة العظيمة . وبهذا تكون قد علمته الدرس الثاني في الجنس . يخرج منها ويطلقُ ساقيه للريح والى أهله وهو طفلاً خفيفا مغمورا بالسعادة التي لاتوصف ، إنها السعادة التي لاتحصل الاّ في الحلم المستحيل ، والإستثناءات التي تجمع الطفولة والشيخوخة في جنسٍ لذيذٍ لايصدق .
يتضاجعان للمرة الثالثة دون أن يعرفا إسميهما ، فيسألها فتقول ( هانا شميت) وهوبدوره يقول  (مايكل) . في أحد المشاهد الجنسية وهم عراة تسأله عن دراسته ، فتطلب منه أن يقرأ لها ، بصوت عالٍ ، يأتيها بالكتب ويطلب منها أن تقرأ ، لكنها تصر على إنها تفضل أن يقرأ لها ، فتبين انها لاتقرأ ولاتكتب ولكن الخجل يمنعها أن تقول له إنها أمية حتى هذا اليوم ، امية تحب الأدب والقراءة بل تأسف لكونها بهذا القدر من الجهل في القراءة ،  هو لم يستخف بها ، بل ترك الأمر وكأنها إمرأة متعلمة لكي لايخدش مشاعرها النبيبلة ، هو هذا الحب الحقيقي وإن كان بين طفلٍ وإمرأة اربعينية  . تشترط عليه ، أن يقوم في كل مرةٍ بالقراءة لها قبل ممارسة
الحب والجنس ، وهو لايعرف أن يقول لا ، كل مايريده من إمرأةٍ في غاية الجمال هو الحب والجنس ، فتصبح هي الآمرة في كل شئ ، مثلما ألأم التي تحب إبنها ، لكنها الآن هي الأم وهي الحبيبة ومدرار الجن