عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


الرسائل - عبد الحسين شعبان

صفحات: [1] 2 3
1
 

بكين - تل أبيب - واشنطن ... ما الجديد؟
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

   في ظرف ملتبس وملبّد بالغيوم بين بكين وواشنطن، عُثر على السفير الصيني في تل أبيب دو وي ميتاً في منزله بمدينة هيرتسليا الساحلية (شمالي تل أبيب)، وعلى الرغم من إعلان السلطات "الإسرائيلية" أن سبب وفاة السفير الصيني (58) عاماً ناجم عن سكتة قلبية تعرّض لها وهو في سريره، إذ لا توجد أي علامات عنف على جثته، إلّا أن الغموض والشك ظلاّ يلفّان القضية، خصوصاً ما ارتبط بها من ذيول وتداعيات سبقت الوفاة بنحو يومين، فقد كان دو وي قد نشر مقالة في صحيفة جيروزاليم بوست ردّ فيها على تصريحات وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، الذي وصف الاستثمار الصيني في " إسرائيل" بأنه خطر وأن بكين تحاول شراء " إسرائيل"، وجدّد اتهامه لبكين بشأن إخفاء معلومات عن انتشار فايروس كورونا، وذلك خلال زيارته الأخيرة إلى " إسرائيل" مايو / أيار/2020. وجاء في مقالة دو وي : إن الاتهامات الأمريكية لبكين بالتستر على المعلومات عن فايروس كورونا المستجد باطلة بالمطلق، ثم كيف يمكن القول أن الصين تريد شراء " إسرائيل"؟
   وكان دو وي  الحاصل على درجة الماجستير في القانون قد التحق بالدبلوماسية الصينية في وزارة الخارجية منذ العام 1989 وتسلّم أقساماً عديدة لعلاقات بلاده  مع الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية السابقة ، وقد شغل منصب سفير الصين في أوكرانيا منذ العام 2016 حتى تعيينه سفيراً لبلاده في " إسرائيل" وذلك  في أوج اجتياح جائحة كورونا (يناير/كانون الثاني /2020).
   وجاء هذا الأخذ والرد بين بومبيو ودو وي  في ظل علاقات متردّية بين بكين وواشنطن التي  شهدت خلال العامين الماضيين منافسة محمومة  وصفها البعض بأنها حرب محتمة للسيطرة على المستقبل في جميع الصعد الاقتصادية والتجارية والصناعية والتكنولوجية، ناهيك عن ضرائب فرضتها واشنطن على البضائع الصينية، ردّت عليها بكين بالمثل، وما زاد الطين بلّة، كما يُقال، الاتهامات المتبادلة بشأن جائحة كورونا رافقها أقوال متناقضة لمنظمة الصحة العالمية، WHO وليس ذلك بعيداً عن نظريات المؤامرة الرائجة عن حروب بيولوجية جرثومية وتسرّبات مقصودة أو غير مقصودة، فضلاً عن مطالبة واشنطن بكين دفع تعويضات وهكذا.
    وخارج دائرة الصراع الخفي والمعلن واستخدام أنواع القوة الناعمة والحرب النفسية وأشكال الدعاية السوداء، فإن مردودها لم يقتصر على البلدين، بل امتدّ إلى جميع البلدان في العالم شأنها شأن أية قضية اليوم في ظل العولمة والثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي.
*****
   وفي هذا الخضم فثمة ما يلفت النظر لما يجري بهدوء  بين بكين وتل أبيب سواء من فوق الطاولة أو من تحتها ، خصوصاً في ظلّ أجواء الريبة والحذر المخيّمة على علاقات بكين - واشنطن، حيث تعززت حظوظ بكين في تل أبيب، وهو ما أثار قلق واشنطن، بل وغضبها، وهي الحليف الاستراتيجي لـ "إسرائيل"، ولهذا السبب جاء تصريح بومبيو من تل أبيب والرد الصيني منها أيضا.
   فما هو موقفنا كعرب وكدعاة تحرر وتقدم من الحميمية  الصينية - الإسرائيلية المتصاعدة ؟ وكيف ينبغي أن تكون مقاربتنا وتعاطينا مع هذا الموضوع؟ وما هي انعكاساته السلبية المباشرة وغير المباشرة على النضال الفلسطيني والعربي  والصراع الدائر في المنطقة بين الصهيونية والمشروع الاستعماري الاستيطاني الإجلائي العنصري من جهة وبين جبهة القوى التحررية والتقدمية من جهة أخرى ؟ جدير بالذكر أن "إسرائيل" تمادت في نهجها الاستيطاني التوسعي مستفيدة من توسع علاقاتها الدولية على حساب حقوق ومطالب الشعب العربي الفلسطيني العادلة والمشروعة وفي مقدمتها حقه في  تقرير المصير والعودة وإقامة الدولة وعاصمتها " القدس الشريف".
   ومع صعود " التنين الأصفر" توسمنا كعرب خيراً به ، خصوصاً بعد اختلال موازين القوى الدولية على أمل انحيازه لقضايانا بعد أن سادت أجواء القنوط والتشاؤم،  عقب غياب الاتحاد السوفييتي وانحلال الكتلة الاشتراكية والنكوص الرسمي العربي، لتشكل معادلاً قوياً أمام دعم واشنطن لـ"إسرائيل"، وربما كان البعض يعوّل على بكين أن تلعب دوراً قريباً من دور الاتحاد السوفيتي السابق إن لم يكن أفضل منه، وذلك لكسر شوكة الولايات المتحدة من جهة، ومن جهة ثانية أنها دولة غير مستعمِرَة ، فما بالك لو حظيت بالفوز في خطة التنمية المستدامة 2030 وأصبحت الدولة الأولى في العالم ، خصوصاً وكانت قد أعلنت بثقة عن مشروع بناء طريق الحرير الجديد " طريق الحرير والحزام" الذي سيغيّر وجه العالم.  وكان العديد منا يحلم أن يسمح له العمر بأن يستقل القطار المتوجه من بكين إلى لندن وبالعكس في رحلة تاريخية عظيمة.
    وقد لمست مثل هذه الأطروحات خلال زيارتنا في إطار مؤتمر للحوار العربي - الصيني إلتأم في العام 2010 ساهمت فيه نخبة من المفكرين والمثقفين والمسؤولين السياسيين السابقين العرب والصينيين في بكين بدعوة من المعهد الصيني للدراسات الدولية ، الذي يسهم في رسم السياسات الخارجية للصين وله خبرة واطلاع كبير على أوضاع المنطقة وظروف الصراع في الشرق الأوسط . وكان جواب المستشرقين والخبراء الصينيين رداً على مناشداتنا واستفساراتنا يكاد يكون موحدا إن لم يكن واحداً: الصين ليست " دولة عظمى"، بل هي "دولة نامية"، وما يزال لدينا أكثر من 150 مليون إنسان دون خط الفقر.
   وانعكست خشية واشنطن وقلقها من تطور العلاقات "الإسرائيلية" - الصينية على الداخل "الإسرائيلي"، حيث عبّر عدد من الخبراء "الإسرائيليين " عن مخاوفه ومحاذيره هو الآخر، على الرغم من المكاسب التي يمكن أن تجنيها تل أبيب من العلاقة مع بكين ، إذْ ينبغي الحفاظ على العلاقة الاستراتيجية مع واشنطن وعدم خسارتها بأي شكل من الأشكال ، ولذلك ينبغي إطلاعها على تفاصيل الصفقات والتنسيق  بين تل أبيب وبكين، علماً بأن الإدارة الأمريكية عبّرت عن غضبها الشديد من تعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية والتعاون الأمني والعسكري بين الصين و"إسرائيل"، مثلما أعربت عن انزعاجها من ارتفاع عدد الزيارات المتبادلة بين مسؤولي البلدين، خصوصاً وقد تم مؤخراً شحن كمامات ومعدّات طبية خاصة بفايروس كورونا من جانب الصين إلى الكيان الصهيوني.
*****
   جدير بالذكر أن الاستثمارات الصينية في " إسرائيل" تعود إلى العام 2015، علماً بأنه في العام 2000 قام الرئيس الصيني شي جين بينغ  بزيارة لـ "إسرائيل" ثم قام إيهود أولمرت رئيس وزراء "إسرائيل" الأسبق بزيارة إلى بكين في العام 2007، وأبرمت العديد من الاتفاقيات العسكرية والاقتصادية، وكان ذلك بعد أن رفع العرب الحرج عن مثل هذه العلاقات مع تل أبيب وبدأ الأمر تدريجياً منذ اتفاقيات  كامب ديفيد 1978-1979 واتفاق أوسلو العام 1993، علماً بأن "إسرائيل" اعترفت بالصين في العام 1950، لكن الصين ظلّت تنظر إليها كدولة حليفة للإمبريالية، وعلى العكس من ذلك ساندت مصر ضد العدوان الثلاثي الأنكلو فرنسي "الإسرائيلي"، واتخذت مواقف مؤيدة للحقوق العربية في مؤتمر باندونغ لعدم الانحياز العام 1955 واعترفت في العام 1965 بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل وحيد وشرعي للشعب العربي الفلسطيني وافتتحت مكتباً لها، ووقفت إلى جانب العرب ضد العدوان الإسرائيلي العام 1967.
    لكن التقارب "الإسرائيلي" - الصيني العملي بدأ في العام 1971 حين صوتت "إسرائيل" لصالح قبول الصين في الأمم المتحدة، وفي عقد الثمانينات شهدت العلاقات خطوات تمهيدية لإقامة التمثيل الدبلوماسي، لاسيّما بعد لقاء شمعون بيريز مع نظيره الصيني تشيان تشي تشن (أيلول/سبتمبر/ 1988) في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وكانت التسعينات مرحلة للتطبيع الكامل فأقيمت العلاقات الدبلوماسية في شهر كانون الثاني (يناير) 1992 وبذلك حصلت "إسرائيل" على اعتراف أكبر دولة في العالم من حيث عدد النفوس بعد أن بدأت علاقاتها تعود بالتدرّج مع الدول الاشتراكية السابقة (منذ منتصف الثمانينات) واستعادت " إسرائيل" علاقاتها مع عدد كبير من الدول الأفريقية التي تم قطعها إثر عدوان العام 1967 وحرب العام 1973، وحصل ذلك في ظل التراجع العربي ومن ثم تمزّق الحدّ الأدنى من التضامن العربي، خصوصاً بعد غزو القوات العراقية للكويت (2 أغسطس/أب/1990).
   وهكذا بدأت تتعمّق العلاقات الصينية - "الإسرائيلية"  في مجالات علمية وتكنولوجية واقتصادية وعسكرية وأمنية وتجارية، حيث تبرعت الصين ببرنامجيات حديثة وتقنيات الكومبيوتر إلى " إسرائيل" وتطمح إلى الاستفادة من تطوير وتجهيز الطائرات المسيّرة التي تستخدم في الرصد والمتابعة والمراقبة والتصوير. ولا يعني هذا أن الصين تهمل العلاقة مع العرب، حيث كانت زيارة الملك عبدالله في أيلول(سبتمبر)  العام 2013 فتحاً كبيراً في هذه العلاقات، وبدأت زيارات عربية عديدة مصرية وعراقية ، لكنها لم تستكمل أو لم تكن بمستوى العلاقات مع تل أبيب، ولقيت معارضة أمريكية، وهو ما بحاجة إلى منظور استراتيجي متوازن للعلاقات العربية مع الدول الكبرى.
   جدير بالذكر أن العلاقات العربية - الصينية بدأت أولى خطواتها الفعلية بعد نجاح الثورة الصينية في العام 1949، لاسيّما بلقاء الرئيس المصري جمال عبد الناصر مع الرئيس الصيني شوان لاي في مؤتمر باندونغ، وقد أقيمت العلاقات الدبلوماسية الرسمية في 30 مايو (أيار) 1956، أما العلاقات الدبلوماسية  السورية - الصينية فقد بدأت في 1 أغسطس (آب) 1956 وتطورت بوتيرة عالية . وكانت  العلاقات العراقية - الصينية قد بدأت باعتراف الصين يوم 16/7/1958 بالنظام الجمهوري في العراق وبعدها بيوم واحد اعترف العراق بجمهورية الصين الشعبية ، وكانت الصين من بين الدول الأولى التي دعمت الثورة الجزائرية واعترفت بالحكومة المؤقتة بعد إعلانها في سبتمبر 1958 حيث أقيمت لاحقاً العلاقات الدبلوماسية الجزائرية - الصينية، كما وقفت الصين إلى جانب الثورة في الجنوب اليمني، علماً بأن العلاقات الدبلوماسية اليمنية - الصينية أقيمت في 24 سبتمبر (أيلول) 1956 مع الشطر الشمالي (جمهورية اليمن العربية) وبعد تحرر الجنوب تأسست العلاقات بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وجمهورية الصين الشعبية في يوم 1 يناير(كانون الثاني) 1968 .
   وحسبما يبدو إن الصين تريد عن طريق علاقتها مع " إسرائيل" اختراق منطقة النفوذ الأمريكي من خلال أسواق تعويضية ، خصوصاً حين استخدمت واشنطن العقوبات ضدها بفرض رسوم جمركية ثقيلة على البضائع والمنتجات الصينية للحيلولة دون انتشارها في السوق الأمريكية . وعن طريقها تريد بيع الروبوت " الإنسان الآلي"، إضافة إلى بعض تكنولوجيا الفضاء والأقمار الصناعية وتوظيفها في قضايا التجسس.
*****
   علينا أن ندرك أن مرحلة  الآيديولوجيا في الصين قد انتهت ، على الرغم من أن الحزب الشيوعي الصيني ما يزال حاكماً ومهيمناً، بل مستأثراً بحق العمل السياسي والنقابي والمهني ، وقد عقد مؤتمره الأخير في آب /أغسطس 2019، إلا أن العقل الصيني التجاري بالتلاقح مع التراث الفلسفي والثقافي غلب على الفكر الشيوعي، خصوصاً بإحياء تراث لاوتسه وكونفوشيوس وغيرهما، لاسيّما العودة الحميمة إلى الثقافة والتاريخ الصيني القديم، باعتباره ذخيرة فكرية وإنسانية محفّزة لأوضاع الحاضر، بعد أن شهدت الصين قطيعة أبستمولوجية (معرفية) معه  خلال الثورة الثقافية، وعاد الاعتزاز بالتراث والتاريخ الصيني كونه إثراءً للحاضر واستشرافاً للمستقبل، بعد أن تم تطليق مرحلة التزمت الآيديولوجي وأمراض اليسارية الطفولية، واستبدالها بمرحلة الانفتاح الاقتصادي والانتشار التجاري، والحديث بلغة المصالح وليس بلغة العقائد.
   وإذا كان جيلنا  برومانسيته العالية ما زال يتذكّر الشعارات الصينية "الثورية"   التي كانت تطلقها بكين مثل " كل شيء ينبت من فوهة البندقية" و" الامبرالية نمر من ورق"  والتي تأثر فيها العديد من تجارب الكفاح المسلح والحركات التحررية العربية والعالمثالثية، إلّا  أن علينا الإقرار بأن تلك المرحلة قد طويت تماماً لم وتبقَ إلّا في كتب التاريخ وذاكرتنا المتعبة ، فلم تعد القيادات الصينية ترتدي طواقم الملابس الخشنة والموحّدة والصالحة لكل المناسبات باعتبارها دليل "ثورية" مفرطة وطفولية يسارية ومساواة شكلية ، فإنها اليوم في ظلّ ثقافة السوق والعرض والطلب والمنافسة الاقتصادية والتمدد التجاري ومنطق المصالح الذي يتقدم على كل شيء، أخذت تضاهي الغرب وأنظمته الرأسمالية بآخر صيحات الموضة العالمية وبحبوحة العيش والبذخ المفرط .
   وإذا كان الماضي قد أصبح خلفنا بما فيه من مراهقة سياسية، فعلينا أن ندرك اليوم أن العالم لا يُدار بالعقائد والعواطف والتمنيّات، بل وفقاً للمصالح والمنافع والمنافسة ، وهو ما ينبغي أن يكون ماثلاً أمامنا، فالسياسة كانت وما تزال وستبقى " صراع واتفاق مصالح" في أبسط تعريفاتها، أي علينا الاستفادة من دروس الماضي، فلم يعد ثمة مكان لذلك ، حيث  تغيّر العالم كثيراً وتشابكت علاقاته وتداخلت مصالحه وانشطرت محاوره وتشكّلت كتل جديدة، فالماضي مضى ولا يمكن استعادته.
   وعلينا كعرب أن نعي ذلك ونتفهم الواقع ومستجداته وتبعاته، فلم تعد الصين تعتبر "إسرائيل" " قوة احتلال" و"سلطة اغتصاب" وقاعدة متقدمةً للامبريالية كما كانت تصفها، وإن كانت ما تزال تعتبرها تحتل أراضي عربية ، إلّا أنها  سعت لبناء استراتيجيات معها مستفيدة من ضعف حالنا وتشتت مواقفنا وغياب الحد الأدنى من التضامن بيننا، ومثل ذلك لم يكن ليحصل لو كنّا موحدّي الكلمة والموقف والآداء، توافقاً وتعاوناً وتنسيقاً، فقد كان استخدام سلاح النفط بُعيد حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973 فعّالاً ومؤثراً، وما تزال أصداؤه حتى الآن، حيث أعلن الحظر النفطي لدفع الدول الغربية على إجبار "إسرائيل" على الانسحاب  من الأراضي العربية التي احتلتها العام 1967، وقد أحدثت تلك الصدمة، إضافة إلى انهيار سوق الأوراق المالية 1973-1974 أزمة كبيرة على المستوى الكوني، لاسيّما حالة الكساد والانكماش الاقتصادي التي أصابت العالم.
   لقد كان استخدام سلاح النفط حينها أقرب إلى تطبيق الولايات المتحدة لـ مبدأ مونرو Monroe Doctrine  الذي اتبعته واشنطن منذ العام 1823 ضد التدخل الأوروبي في نصف الكرة الغربي باعتباره استعماراً أوروبياً في الأمريكيتين وعملاً عدائياً يتطلّب رداً أمريكياً، فما أحوج العرب لـ مونرو عربي وإن كان بالحد الأدنى ضمن توازن القوى في العلاقات الدولية الراهنة وفي إطار دبلوماسية حيوية تتمتع بقدر من الصلابة المبدأية، مثلما تمتاز بمرونة عملانية، لاسيّما باحترام المصالح ووضعها في منظومة الاستراتيجيات العامة لكل دولة وعلى المستوى العربي، مثلما يمكن توسيعه بالتعاون مع الدول الإسلامية. فمتى يتحقق ذلك؟ وماذا علينا  أن نفعل لتحقيقه؟ وتلك أسئلة للحاضر والمستقبل، ينبغي أن تبقى نصب العين دائماً.




2
يوم الأسرة و«قناع 19»


عبد الحسين شعبان

تحتفل البشرية في شهر مايو (أيار) من كل عام باليوم العالمي للأسرة، الذي قرّرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1993 ، ويتلخّص الهدف من هذا الاحتفال في رفع الوعي بأهمية الأسرة باعتبارها اللبنة الأولى للمجتمع الإنساني، ناهيك عن أن التنمية المستدامة لا تستقيم  دون مشاركتها بما يحقق الرفاه والسلام والأمن والتقدم، فهي " الملاذ الآمن" و"المأوى الدافئ" والمتكأ الذي يمكن الاستناد إليه، بما تمثّله من اطمئنان ومودة ورحمة وتآلف وتآزر.
ولعلّ من المصادفات السيئة هذا العام أن تمرّ هذه الذكرى والغالبية الساحقة من العوائل محجورة ومنطوية على نفسها في حالة قلق ورعب، بسبب اجتياح وباء كورونا  العالم، حيث راح ضحيته حتى كتابة هذه السطور أكثر من 300 ألف إنسان ، وإصابة ما يزيد عن 3 ملايين، وما زالت الأجواء المكفهرة والكئيبة مخيّمة، ناهيك عمّا ستتركه من انكماش على الاقتصاد العالمي، والقيود التي ستفرضها على حركة الأشخاص والأنشطة الاقتصادية في الدول الكبرى، فضلاً عن التراجع الخطير في قطاع السياحة العالمي، الأمر الذي يحتاج إلى معالجات وتدابير عاجلة وجريئة وتعاون دولي ضروري وفعّال، ليس لاحتواء الجائحة وإنقاذ أرواح الملايين من البشر، بل لحماية الفئات الأكثر فقراً والأكثر حاجة من الأسر من تأثيرات الدمار الاقتصادي وانعكاساته اللاحقة، من تعصّب وتطرّف وعنف وإرهاب.
وإذا كانت السنوات السابقة مناسبة لمراجعة نقدية لما تحقق وما لم يتحقق في إطار منظومة التشريعات الدولية لحقوق الإنسان ، وخصوصاً حقوق المرأة والطفل وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة وغيرها، فإن هذا اليوم يمرّ ثقيلاً وحزيناً هذا العام، لاسيّما بمراجعة الملفات الأساسية التي تخصّ دور الأسرة في المجتمع وقضايا الصحة والمساواة الفعلية بين الرجل والمرأة، إضافة إلى التنمية والتكامل والتضامن والتكافل الاجتماعي بين الأجيال، والتوازن في العمل والإدارة والقيادة والأجور، وفي مواجهة سياسات الفقر والإقصاء الاجتماعي والتهميش والهجرة واللجوء، بما يضع مسؤوليات وتحدّيات جديدة أمام المجتمع الدولي، حكومات وهيئات مدنية وقوى سياسية ومراكز أبحاث علمية ومؤسسات دينية، وفي كل دولة أيضاً لتوفير الفرص والإمكانات، بما يعزّز مواجهة الأمراض كالجهل والأمية والأوبئة التي اجتاحت البشرية في السنوات الأخيرة ، وآخرها وباء كورونا.
والاحتفال بيوم الأسرة، ولاسيّما في تنفيذ أهداف التنمية المستدامة 2030، يأتي هذا العام والعديد من بلداننا العربية تستمر في معاناتها الشديدة، حيث تعيش ملايين الأسر العربية أوضاعاً في غاية السوء في ظلّ استمرار النزاعات والحروب الأهلية وأعمال العنف والإرهاب والتداخلات الخارجية من جهة، كما هي سوريا واليمن وليبيا ، فضلاً عن استشراء النعرات الطائفية والمذهبية والدينية والإثنية بسبب نهج التعصّب ووليده التطرّف، كما هي في العراق ولبنان وذلك بسبب نظام المحاصصة  ، كما تستمر معاناة الفلسطينيين بسبب استمرار الاحتلال  "الإسرائيلي" وهدر حقوق الشعب العربي الفلسطيني الجماعية والفردية.
وعموماً تعاني المرأة في منطقتنا بشكل خاص والأسرة بشكل عام من العنف بأشكاله المختلفة، بما فيه العنف الأسري، الذي ارتفعت وتيرته خلال فترة الحجر الصحي، الأمر الذي يتطلّب تغليظ العقوبات التي تعالجها القوانين النافذة أو سن قوانين جديدة لحماية المرأة من العنف الأسري ومن جميع أشكال العنف والتمييز، تلك التي اعتمدها المجتمع الدولي باتفاقية العام 1979.
ولعلّ هذه مناسبة للتذكير بأن القوانين بقدر ما هي انعكاس للواقع، فإنها في الوقت نفسه يمكن أن تلعب دوراً تغييرياً مثلما هو دور رادع في الآن ذاته، لاسيّما إذا صاحبها حملة إعلامية وتثقيفية لرفع درجة الوعي الحقوقي والقانوني، لتعميق التوجهات الإيجابية التي تعلي من شأن المرأة  ومكانة الأسرة، بإشاعة قيم المحبة والسلام والتسامح واحترام الآخر وقبول التنوّع والتعددية وحق الاختلاف والتعبير والحق في الخصوصية والشراكة في الآن، حيث تتميّز  مجتمعاتنا وثقافتنا بحق إنساني متفوّق لا يوجد في اللوائح الدولية وهو " البر بالوالدين" .
 وإذا كانت حقوق الأسرة قد ورد ذكرها في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، وخصوصاً في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، فإن الواقع الراهن يعكس الهوة السحيقة بين ما تقرّر وبين التنفيذ، فإن هناك حقوقاً أساسية مثل الحق في الصحة والحق في العمل والحق في التعليم والحق في السكن والحق في الضمان الاجتماعي، ما تزال غائبة أو ناقصة ومبتورة في العديد من البلدان، حيث تعيش ملايين الأسر دون توفير الحدّ الأدنى من هذه الحقوق، التي  لا يمكن تنشئة الجيل الجديد تنشئة سليمة وعقلانية وحرّة بغيابها، وهو ما يضاعف مسؤوليات الحكومات والمجتمعات في تأمينها، ناهيك عن مسؤوليات الدول الأكثر غنًى إزاء البلدان الفقيرة.
وإذا جاء الاحتفال بيوم الأسرة هذا العام حزيناً بسبب اجتياح وباء كورونا فإن ارتفاع ضحايا العنف الأسري الجسدي والمعنوي جعله أكثر حزناً، وهو ما دفع ناشطات في فرنسا لإطلاق حملة قناع 19 تأكيداً للترابط بين كورونا والعنف الأسري.
drhussainshaban21@gmail.com




3
هيروشيما : الذاكرة والاستعبار
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

   يوم زرتُ مدينة هيروشيما هتفت من أعماقي: يا الله إنها " مدينة الألم والجمال"، ففي يوم واحد ذهب ضحية تلك الشراسة الساديّة نحو 70 ألف إنسان ومثلهم فيما بعد، على الرغم من وصول الحرب العالمية الثانية (1939-1945) إلى نهاياتها، لكن الرئيس الأمريكي هاري ترومان قرر إلقاء قنبلة ذرية  على هيروشيما ومن بعدها على ناكازاكي اليابانيتين، لتجريب ذلك السلاح الفتّاك واكتشاف تأثيراته التدميرية.
   شعرتُ حينها بمرارة لا حدود لها وأنا أتنقّل مذهولاً في متحف المدينة وأشاهد صوراً وأفلاماً وثائقية وأستمع إلى أصوات الرعب في تلك الفاجعة المجنونة، والتي ما تزال آثارها السلبية قائمة حتى اليوم، ولكن بقدر ما تُعتصر القلوب لمشاهدة وسماع قصص العذاب الفظيع، فإن النفوس تتفتّح حين تبعد قليلاً عن تلك الأجواء الكئيبة والمكفهرّة، لتطالعك أشجار الكرز المورقة، بأزاهيرها المضيئة في الربيع الذي صادف زيارتنا للمدينة، لترى مشاهد آخّاذة حين يتفيأ اليابانيون تحت ظلال تلك الأشجار ويتنشقون رائحتها الزكية، لتزيدهم تأمّلاً وهدوءًا نفسياً فوق ما هم عليه، وهكذا ترى الوجه الآخر لتلك المدينة الفضية الضاحكة العذبة والمتغنّجة، جامعة كل مفاتن الجمال: النور والنظارة والبحيرات والخلجان .
   استعدتُ ذلك بمناسبة مرور75 عاماً على انتهاء الحرب، حيث شهد العالم أهوالاً لا حدود لها راح ضحيتها أكثر من 60 مليون إنسان، وتدمير الممتلكات والمرافق الحيوية والخسائر المادية الهائلة، تلك التي ليس من السهل نسيانها، إذْ لا بدّ أن تبقى في دائرة الضوء، للاستفادة من دروسها وعِبرِها، وهو ما حدا بالجمعية العامة للأمم المتحدة، الإعلان عن أن يومي 8 و9 مايو (أيار) هو يوم للاستعبار، وذلك بالقرار رقم 5922 الذي اتخذته في 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2004، محاولة استخلاص الايجابي من هذا الحدث التاريخي الذي هيّأ لتأسيس الأمم المتحدة، والتي وضعت هدف " حماية السلم والأمن الدوليين" في صدارة أهدافها، مؤكدة في ديباجة ميثاقها إلى : إنقاذ الأجيال المقبلة من الويلات والحروب، مهيبة بالدول الأعضاء أن تأخذ بعضها البعض بالتسامح وأن تبذل الجهود لتسوية نزاعاتها وحلّ خلافاتها بالوسائل السلمية.
   وحين نتوقّف اليوم دولاً وشعوباً ومنظمات للسلم والتضامن وحقوق الإنسان وحتى الأفراد، للاحتفال بهذه الذكرى الأليمة ، فالأمر يتطلّب إعمال التفكير بصورة جماعية بمآلات البشرية ونتائج الحروب لصيانة السلام العالمي وتعزيز التعاون الدولي وتنمية روح المصالحة على المستويات العالمية والإقليمية والوطنية، فضلاً عن تعميق القيم الإنسانية المشتركة والمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والحرّيات الأساسية، لاسيّما الاعتراف بالآخر والإقرار بالتنوّع والتعددية وقبول حق الاختلاف.
   ليس القصد من الاحتفال بذكرى الحرب استعادة المشاهد الحربية أو النجاحات التي حققها هذا الجيش أو ذاك أو تمجيد هذا النظام أو ذاك، بل لتعلّم الدرس جيداً، " فحوار سنة أفضل من حرب ساعة"، علماً بأن حروب ونزاعات ما بعد الحرب العالمية الثانية كانت بالمئات وقد جرت بالوكالة وتركت  هي الأخرى آثاراً مؤلمة، لاسيّما في فترة الحرب الباردة (1947-1989) والصراع الآيديولوجي والحرب  الإعلامية والدعائية والنفسية  بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، والتي استخدمت فيها جميع وسائل القوة الناعمة الأكثر إيلاماً وخبثاً من الحروب الفعلية، وهو ما استمر بعد انهيار الكتلة الاشتراكية مثل الحصارات الدولية واستخدام العقوبات الاقتصادية وخنق بعض المجتمعات من داخلها ، لكي تسقط مثل التفاحة الناضجة بالأحضان، والعقوبات سلاح سبق للولايات المتحدة أن استخدمته ضد البلدان الاشتراكية والعديد من البلدان العربية والعالمثالثية .
   لعلّ في الاستذكار فرصة للتأمّل أيضاً، في الأضرار الفادحة التي حلّت بالبشرية والكوارث اللاحقة التي أعقبتها والتي دفع أكثر من جيل ثمنها باهظاً، فانتشار فايروس كورونا اليوم لا بدّ أن يدفع العالم إلى إعادة حساباته، حيث أصبح الجميع دولاً وشعوباً، أغنياء وفقراء، مؤمنون وغير مؤمنين مستهدفاً، فقد تزهق الروح بأية لحظة، الأمر وضع البشرية كلّها في حالة حزن وذهول وعدم طمأنينة وتحدٍّ، وهو ما يحتاج إلى تعاون دولي على جميع الصُعد ، فبدلاً من الانشغال بتطوير وتصنيع الأسلحة وتخصيص الميزانيات الهائلة لها، ينبغي توجيهها للصحة والتعليم والبحث العلمي وعلوم الفضاء، فضلاً عن الاستفادة المتكافئة للبشر جميعاً من نتائج الثورة الصناعية بطورها الرابع والذكاء الاصطناعي، والعمل على إطفاء الحروب وردم بؤر النزاع، والعمل على تنمية العلاقات بروح الإخاء والتعاون والسلام والتسامح لتوفير الاستقرار والأمن وضمان المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة.
   إن ما يجمع البشر هو الكثير الذي علينا تعظيمه ، أما ما يفرّقهم فهو القليل الذي ينبغي تقليصه، لاسيّما لمواجهة العدو المشترك للإنسانية جمعاء وهو الأمراض والأوبئة، والفقر والجهل، هذا الثلاثي المرعب، لكي تنعم البشرية بالعدل والسلام والاستقرار وصولاً إلى إزالة أسباب اندلاع الحروب والنزاعات ووضع حدٍّ للاستغلال واحترام الحقوق والحرّيات، والتوجّه صوب التنمية، وتلكم إحدى أمنيات البشرية على مرّ التاريخ.


4
التطبيع والقدس - مداخلتان بجوهر واحد
عبد الحسين شعبان
بوابة الهدف خاص - 20/5/2020
•   شارك  الدكتور عبد الحسين شعبان  المفكر العراقي ونائب رئيس جامعة اللّاعنف خلال الأيام الماضية بملتقيين افتراضيين لمناسبة الذكرى المؤلمة للنكبة ومرور 72 عاماً على تأسيس دولة الكيان الصهيوني ، وألقى في الملتقيين مداخلتين الأولى بعنوان: التطبيع وذيوله والثانية بعنوان : القدس الشريف..المدينة المفتوحة ، وفيما يلي ننشر نص المداخلتين :
المداخلة الأولى : في التطبيع وذيوله

   في اللغة نقول"تفعيل"وعلى غراره تأتي كلمة "تطبيع "وهذا الأخير لا يأتي دفعة واحدة أو عبر خطوة سريعة أو عابرة ؛بل هو مسار طويل وصولًا لغاية أو هدف يتوخى تغيير الواقع بالتراكم التدرجي البطيء، لكسر الحاجز النفسي مع العدو، ويتم ذلك بأشكال مختلفة: ثقافية واقتصادية وتجارية وعلمية وسياحية ودينية وأمنية، وسياسية ودبلوماسية وهذه الأخيرة تتم حين تستوفي الشروط الأخرى مقاصدها .
   قد يبدأ التطبيع مع العدو الصهيوني بخطوة واحدة لكنها قد تصل إلى الألف ميل ،مع الاعتذار لـ ماوتسي تونغ على استخدامنا هذا، والهدف هو جعل غير الممكن " ممكناً والمرفوض " مقبولاً" أو حتى " مرغوبًا " و " مجزياً" ؛ وبالتالي جعل الوجود الصهيوني في فلسطين أمراً طبيعياً، وهو ما يستوجب قطع دابره قبل أن يستفحل وتصعب مواجهته ، بحكم تواتر الاستعمال والتكرار والاعتياد ، من خلال تغلغل ناعم وهادئ وحتى غير معلن ، بل و ضبابي في بعض الأحيان يتغلف بأشكال غامضة ومبهمة وبريئة، لكنه سيحدث تشوشًا مؤثرًا في النفوس والعقول والمصالح .
   وهذا سيعني شئنا أم أبينا قبول الرواية الإسرائيلية عن فلسطين المحتلة والتي فشلت في تقديمها للعالم منذ وعد بلفور العام 1917 ؛ الذي وضعه مؤتمر سان ريمو العام 1920 موضع التنفيذ عبر عصبة الأمم وفِي إطار اتفاقية سايكس بيكو لعام 1916 التي قسمت البلاد العربية؛ ووضعت تحت الانتداب البريطاني العام 1922، وشجعت بريطانيا الحركة الصهيونية على تنفيذ مخططها بـ استعمار الأرض واحتلال السوق واحتكار العمل وتشجيع الهجرة اليهودية ترافقاً مع وعد بلفور 1917 فضلاً عن تسهيل مهمة الحصول على الأسلحة وتكديسها، والهدف من ذلك التسليم باحتلال فلسطين والتخلي عن الحقوق التأريخية الثابتة وغير القابلة للتصرف، ولاسّيما حق تقرير المصير .
   وبتقديري أن محاولات التطبيع الجديدة تتطلب جهدًا جماعياً متنوعًا عربيًا وإسلاميًا رسمياً وشعبياً للحيلولة دونه قبل فوات الآوان، وقبل أن تستكمل خطواتها وشبكاتها بالتغلغل لدرجة يصعب وقفها حينذاك،ويقتضي هذا التحرك بالضرورة مواصلة الجهود الفكرية والحقوقية على جميع الصعد لفضح الطابع العنصري للصهيونية باعتبارها " شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري " حسب قرار الأمم المتحدة لعام 1975 والذي ألغي في غفلة من الزمن حين وصلت الاختلافات العربية أوجها في مطلع التسعينات.

المداخلة الثانية: القدس الشريف ... المدينة المفتوحة*

تتجاوز القدس إشكاليات الصراع العربي الصهيوني ، بل والشرق الأوسط، لتغدو مشكلة دولية كبرى، لا يمكن حل قضية الشرق الأوسط وأساسها الصراع العربي – الإسرائيلي دون حل عادل وسليم لمشكلتها.
وبهذا المعنى فالقدس إحدى إشكاليات العالم المعاصر والنزاع الدولي المستديم، إذ تشكل القضية الأكثر عاطفة والأرسخ رمزية والأعمق تجذراً في الوجدان الديني والقومي والإنساني. إنها بقول آخر مشكلة فريدة، لمدينة فريدة ، وتاريخ فريد. فقد ارتبطت بديانات مقدسة ثلاث. وكانت عبر تاريخها مسرحاً لحروب واحتلالات وحصار لأكثر من 38 قرناً من الزمان، حيث عانت 20 مرة من الحصار وتم التناوب على حكمها 25 مرة وتم تدميرها 17 مرة.
تشكل القدس جزءًا من الموروث الروحي للبشرية، ولها مكانة فريدة ومتميزة روحياً للديانات السماوية الثلاث، ولذلك فإن محاولة  "تهويد"المدينة وفرض نمط واحد من الديانة عليها أو شكل من الإدارة بالإكراه ومصادرة حقوق السكان، إنما هي محاولة لإلغاء طابعها المتميز وإقصاء التعايش بين أديانها وتكويناتها المختلفة وإحلال الاحتكار بدلاً من التسامح الذي اتسم به تاريخها القديم والحديث.
ولهذا فإن محاولة الكيان الصهيوني الاستيلاء عليها وضمّها قسراً، بل واعتبارها "عاصمة أبدية موحدة" إنما هو استهتار بحقوق الشعب العربي الفلسطيني التاريخية واستخفاف بالقانون الدولي الذي يحرّم الاحتلال والضم والإلحاق بالقوة، فضلاً عن الاستيطان، ويعتبر ذلك في عداد الجرائم الدولية الخطيرة ضد الإنسانية.
ولعلّ إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تأييده لتلك الخطوة ونقل سفارة واشنطن إلى القدس المحتلة ، إنما هو تجاوز سافر وصارخ لقراري مجلس الأمن الدولي الأول  رقم 476 الصادر في 30 حزيران (يونيو) 1980 والثاني رقم 478 الصادر في 20 آب (أغسطس) من العام نفسه، وبقية القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة التي تشجب محاولة "إسرائيل" تغيير معالم مدينة القدس وتركيبها الجغرافي بوصفها "قوة احتلال" لا يجوز لها ذلك مطلقاً، وثانياً بطلان "القانون  الأساسي" بشأن ضم القدس الذي اتخذه الكنيسيت لما له من تداعيات على السلم والأمن من جهة، ومن جهة  ثانية لمخالفته الصريحة لقواعد القانون الدولي واتفاقيات جنيف الصادرة في العام 1949، ولاسيّما الاتفاقية الرابعة الخاصة بحماية المدنيين ، ويقرر مجلس الأمن اعتبار الاجراءات الإسرائيلية باطلة أصلاً ويجب إلغاؤها. وهو ما ينبغي التمسك به والعمل بموجبه على جميع الصعد، ولاسيّما في المحافل الدولية.








5
عبد الحسين شعبان
نائب رئيس جامعة اللّاعنف
والمفكر العراقي


•   لا ينبغي نسيان برنارد لويس وهنري كيسنجر وإيغال ألون وعوديد نيون ومشاريع التقسيم.
•   مع قيام " إسرائيل" بدأ مشروع الحداثة الجنينية في العالم العربي بالتدهور والتراجع والانتكاس.
•   من باب المندب إلى بنغازي ومروراً بالخليج وبغداد ودمشق وبيروت الهدف واحد والعدو واحد والمواجهة واحدة .
•   المواطنة الحاضنة للتنوّع والإقرار بالتعددية وحق الاختلاف كفيلة بتحقيق ما تصبو إليه مجتمعاتنا من حرية ومساواة وعدالة وشراكة.

القاهرة – الدوحة
محمد حربي

حذّر الدكتور عبد الحسين شعبان ، المفكر العراقي ونائب رئيس جامعة اللّاعنف من المخاطر التي تهدد الدول العربية بسبب عوامل التغلغل الخارجي ومحاولات زرع الفتن والانقسامات خاصة في ظل مخططات التقسيم وما بلوره عوديد ينون مستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون  في "وثيقة كيفونيم" مطلع العقد التاسع من القرن الماضي .
وقال شعبان لمناسبة الذكرى الـ 72 لتأسيس دولة "إسرائيل" 15 مايو (أيار) 1948، إن مشاريع التقسيم أصبحت متوالية وعلى وجه التحديد بعد العام 1982 وكانت وثيقة كيفونيم بعنوان "استراتيجية إسر ائيل في الثمانينات" التي نظرت إلى العالم العربي باعتباره "برج من ورق" واضعة نصب عينها الحيلولة دون حدوث أي تقارب بين الدول العربية وبعضها البعض، ولا حتى وحدة وطنية داخل البد الواحد، مع تسريع الخطوات في المشروع الصهيوني الاستيطاني الاحتلالي التوسعي الذي تقرر في مؤتمر بال (بازل – سويسرا)1897 لتأسيس الدولة اليهودية وفقا لعرّاب الحركة  الصهيونية وكتابه " دولة اليهود" تيودور هيرتزل، وكانت الخطوة الأولى على هذا الصعيد اتفاقية سايكس – بيكو لتقسيم البلاد العربية 1916 وأعقبها وعد بلفور العام 1917.
وقد نشرت صحيفة الوطن القطرية  بعددها الصادر في يوم الخميس 14 مايو (ايار) 2020 المصادف 21 رمضان 1441 ، فقرات من الحوار الموسّع والشامل الذي أجراه مع د.شعبان الصحافي المصري محمد حربي، وفيما يلي نص الحوار مع مقدمته والأسئلة والأجوبة.
*****

-   جريدة الوطن القطرية(القاهرة)
أوجّه إلى سيادتكم باقة أسئلة متداخلة ومتّصلة وأرجو الإجابة عليما بما تملكون من خبرة ومعرفة، فضلاً عن رؤية استشرافية للمستقبل، كما أرجو أن تسلطوا الضوء على المخاطر التي تهدد الأمة العربية ومستقبلها.
*****
 إلى أي مدى هناك علاقة بين مخططات تفتيت الدول العربية ؟  ما يجري في اليمن وليبيا وقبل ذلك في العراق وما يُراد له لسوريا، هل هي من بين أحلام " إسرائيل" الكبرى وفقاً لما جاء في وثيقة عوديد نيون؟ وهل في ذلك امتداد لـ " نظرية الفوضى الخلاقة" لكونداليزا رايس ؟ أين موقع "إسرائيل" من هذه المعادلة وتداخلاتها وذيولها؟

د. شعبان

   يمكنني القول أن الحداثة الجنينية انتكست  وتعثّرت في ثلاث دول لها منزلة كبيرة في العالم العربي، لا ينهض إلّا بنهوضها، وهي مصر وسوريا والعراق تلك التي شهدتها في مرحلة ما قبل الثورات والانقلابات العسكرية، حيث تعثرت مشاريع التنمية والإصلاح والدمقرطة ، وذلك لأسباب داخلية وأخرى خارجية، فالأولى سببها شحّ الحريات واحتكار العمل السياسي والنقابي وسياسات التسلّط وعدم الاعتراف بالتنوّع والإقرار بالتعدّدية وحق الاختلاف، ناهيك عن صعود العسكرتاريا والهجرة من الريف إلى المدينة والترييف الذي حصل لمدن وحواضر عريقة، الأمر الذي أدى إلى تغييرات سسيولوجية وسيكولوجية عميقة في مجتمعاتنا ، والثانية محاولات القوى الخارجية الاستعمارية فرض الاستتباع عليها والتحكم بمصائرها سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وثقافياً، وزاد الأمر بعد قيام " إسرائيل" وشنها عدوانات متكررة على الأمة العربية.
   وقد أدّت تلك السياسات إلى نكوص في مبادئ المواطنة الحاضنة للتنوّع وقادت إلى عوامل الاحتراب والنزاع الداخلي، وقد لعبت القوى الخارجية على هذا الوتر الحساس، باستغلال عوامل الضعف الداخلية، وكانت مشاريع التقسيم مروراً بالتفتيت والتجزئة تتجدّد مع تجدّد عوامل الافتراق والصراع الداخلية والعربية - العربية، لاسيّما وثمة خطوط حمراء تم وضعها لمنع أي تقارب بين سوريا والعراق، وبين مصر والسودان وبين الجزائر والمغرب وغيرها.
   برنارد لويس والتقسيم المنتظر
   ولعلّ من أبرز هذه المشاريع هو مشروع المؤرخ بر نارد لويس (1916-2018) الذي رسم خريطة العالم العربي مقسمة إلى 41 كياناً وسمي " مشروع تقسيم الشرق الأوسط" الذي بدا العمل عليه في العام 1979، كما ذهب هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق ومستشار الأمن القومي إلى القول في العام 1975 " علينا أن نقيم دويلة وراء كل بئر نفطي في العالم العربي"، لأنه يرى في التقسيم ومشاريع الدولة الأقوى بين دول تمثّل "أقليات" في الشرق الأوسط لتصبح " الدولة المدلّلة والمهيمنة" الأكثر تقدماً علمياً وتكنولوجياً وتمدناً في محيطها " المعادي" الذي سيضطر ليعترف لها بالتسيّد.
   وكشف إيغال آلون في العام 1982 عن الأهداف الاستعمارية الاستيطانية للعدوان "الإسرائيلي" في 5 يونيو (حزيران) 1967 الهادفة إلى تقسيم العالم العربي والتوسع على حسابه حين قال: واجبنا استيطان " اسرائيل" الكبرى... وأن من يشك في هذا يضع علامة استفهام حول " العقيدة الصهيونية" وقد بلور المحافظون الجدد في الولايات المتحدة لاحقاً هذه الآراء باستراتيجيتهم حول الشرق الأوسط وعلى أساسها نفّذوا غزو أفغانستان العام 2001 واحتلال العراق العام 2003، حيث دمّروا الدولة العراقية وفتحوا الباب على مصراعيه لاندلاع الصراع الطائفي  وانفلات العنف واستشراء الإرهاب الذي لم يتوقف عند حدود العراق.
   وهكذا امتد الصراع إلى سوريا واليمن واستمر وجوده المعتّق في لبنان، بل تعدى ذلك إلى بعض دول الخليج ودول الإقليم مثل إيران وتركيا والباكستان وأفغانستان وفي شذرات منه إلى الهند، مثلما وصلت  بعض شظاياه إلى المغرب العربي، ولاسيّما حين وضعت ليبيا في المختبر الإمبريالي لمركّبات التقسيم، الأمر الذي أصبح تهديداً واضحاً وخطيراً للأمن العربي ولاستقرار مجمل دول الإقليم.
   خطة عوديد ينون: وثيقة كيفونيم
   أعود إلى الخطة التفصيلية لعوديد ينون Odid Yinon التي قدّمها إلى مؤتمر " قسم المعلومات/ الإعلام للمنظمة الصهيونية العالمية" والتي أطلق عليها "وثيقة كيفونيم"  وقد قام بترجمتها إلى اللغة العربية يهودي غير صهيوني، حيث تم تسريبها خلال العدوان "الإسرائيلي" على لبنان واحتلال العاصمة بيروت (حزيران/يونيو/1982). ويعود اسمها إلى اسم المجلة التي نشرتها وهي " مجلة كيفونيم" وتعني " اتجاهات " في عددها الصادر في فبراير/شباط/1982 تحت عنوان "استراتيجية إسرائيل للثمانينات"، والمجلة هي لسان حال المنظمة الصهيونية العالمية في القدس.
   لقد تجدّد الاهتمام بمخططات التقسيم بعد احتلال العراق وكانت معاهد الدراسات والأبحاث الغربية قد اشتغلت عليه عقوداً من الزمن، وللأسف فإن النخب السياسية الحاكمة وغير الحاكمة أحياناً لم تدرك مخاطر النهج السياسي والاجتماعي الذي سارت عليه ولاسيّما بتشجيع عوامل الفرقة الداخلية، إضافة إلى سياسات التسلط وضعف المواطنة والشعور بالانتماء لهوية موحدة وهدر الحقوق والحريات، مما شجّع عوامل الاحتراب الديني والطائفي والإثني، خصوصاً في ظلّ غياب مبادئ المواطنة المتكافئة، وعدم المساواة واستمرار التمييز وضعف مبادئ الشراكة والمشاركة، وهي العناصر الأساسية للمواطنة الحيوية.
   والأمر يمتد إلى فلسطين أيضاً، فمنذ العام 2007 وغزّة محاصرة على نحو شامل ويستمر تغذية عوامل الاحتراب بين  حماس وفتح  ويشمل ذلك جميع مؤسسات السلطات الوطنية الفلسطينية وم.ت .ف، ومثل هذا الأمر كان في صلب وثيقة " كيفونيم " التي قررت أن الأردن " المملكة الأردنية الهاشمية " هي فلسطين الشرقية، وعلى الفلسطينيين أن يقيموا دولتهم فيها ولتحقيق ذلك لا بدّ من ترحيلهم إليها مع إعادة توزيع السكان المقصود بذلك المستوطنين (المستعمرين) في فلسطين المحتلة ليكونوا بأمن من المخاطر، وكان قانون الجنسية : الإسرائيلية" و" الدولة اليهودية النقية" التجسيد العملي لهذه الأفكار والتي تبلورت في العام 2018، وهي باختصار ليست سوى ترانسفير فلسطيني جديد،  لإخلاء فلسطين من بقايا أهلها الأصليين الذين يزيد عددهم حالياً عن 20% من السكان ليحلّ محلّهم مستوطنون يأتون من أصقاع الدنيا ليطردوا أصحابها الحقيقيين والتاريخيين ويحرموا من "حق العودة" وليمنعوا من رؤية " القدس" إلى الأبد، طالما قررت الكنيست وبدعم من واشنطن أنها " عاصمة أبدية موحدة لإسرائيل".
   برج من ورق
   ويتلخص مشروع عوديد ينون في أن العالم العربي هو " برج من ورق" أقامته بريطانيا وفرنسا، وأسست كيانات على أساسه، وهي قضية مركزية اشتغلت عليها الحركة الصهيونية، لمنع قيام أي تقارب عربي- عربي وأي وحدة وطنية داخلية على مستوى كل بلد عربي، فضلاً عن التقدم بخطوات في مشروعهم الاستيطاني الاحتلالي التوسعي الذي تقرر في مؤتمر بال- بازل _سويسرا) 1897 لتأسيس الدولة اليهودية وفقاً لعرّاب الحركة الصهيونية وكتابه "دولة اليهود" ثيودور هيرتزل 1896، وكانت الخطوة الأولى على هذا الصعيد اتفاقية سايكس- بيكو لتقسيم البلاد العربية 1916 وبعدها الحصول وعد بلفور العام 1917 "بتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين" ومن ثم قرارات مؤتمر سان ريمو 1920 بوضع العديد من البلدان العربية تحت الانتداب، حيث تم وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني 1922، وهكذا أدخلت عصبة الأمم في صلب المشروع الصهيوني ومن بعدها الأمم المتحدة بإصدارها القرار رقم 181 لعام 1947 القاضي بتقسيم فلسطين ، بمساندة الدول الكبرى واعترافها بالكيان الصهيوني عند قيامه في 15 مايو/أيار /1948.
   اليمن -  البئر العميقة
    وبخصوص اليمن فقد أحبط مشروع الوحدة الحاكمة بين الشطرين والذي ظلّ هدفاً للقوى الوطنية اليمنية في الشمال والجنوب حيث تحرر الأخير من ربقة الاستعمار البريطاني بانتصار ثورة ردفان العام 1967 بقيادة "الجبهة القومية" وهي تنظيم تمتد أصوله إلى حركة القوميين العرب، التي تحوّلت إلى تحالف واسع ضم ثلاث قوى أساسية هي: القوميون العرب،التشكيلات البعثية والتشكيلات الشيوعية واليسارية تحت اسم  " الحزب الاشتراكي اليمني" وقد تحققت الوحدة في العام 1990، ولكنها حسبما يبدو لم تكن على أسس متينة وديمقراطية، وكانت تجربتها في السنوات الأربع التي تلتها هشة وضعيفة، وبدلاً من زيادة لحمة التقارب وإزالة العقبات التي منعت ذلك، فإن عوامل الاختلاف والاحتقان كانت مثل النار تحت الرماد، وسرعان ما ارتفعت وتيرة الصراع وزادت حدته، لاسيّما في ظلّ سياسات التمييز التي اتبعها الحكم تدريجياً وأدى ذلك إلى تركيز السلطات وتعتّق موقع الرئاسة دون منازع أو تداولية أو تناوبية، ناهيك عن سوء الأوضاع وغياب الحد الأدنى من العدالة والحقوق.
   وقاد ذلك إلى حراك شعبي اضطر فيه الرئيس علي عبدالله صالح وبضغط سعودي إلى التنازل عن الحكم ، لكن ذلك لم يطفئ نار الصراع الذي زاد استفحالاً فسرعان ما اندلع القتال بتشجيع عوامل إقليمية جديدة دخلت على الخط مثل دعم إيران للقوى التي سيطرت على السلطة " أنصار الله - الحوثيون" مقابل دعم دول الخليج للقوى الأخرى المخلوعة التي سميّ "بالشرعية"، واشتعلت عوامل الاحترب داخلياً وليس بمعزل عن التداخلات الدولية والإقليمية سواء قبيل "عاصفة الحزم" أو بُعيدها، والحرب ما تزال مستمرة منذ نحو 5 سنوات (منذ العام 2015) واليمن بئر عميقة لا يمكن إدراك ومعرفة كنهها وعمقها ومفاجآتها . واليوم توزعت إلى مناطق نفوذ، وزاد الأمر من المشكلة الجنوبية التي تداخلت فيها عوامل الصراع الإقليمي حتى بين الحلفاء، ناهيك عن مطالبها الخاصة والمشروعة.
   وبغض النظر عن ادعاءات كل فريق، فلا بدّ من الركون إلى حلّ سلمي وبالمفاوضات، فحوار سنة أفضل من ساعة حرب، وبالحوار والتفاهم ووضع المصالح الوطنية العليا يمكن التوصل إلى حلول بمساعدة الأمم المتحدة وقراراتها وبدعم من المجتمع الدولي ، لأن بقاء الكارثة مستمرة يعني تدمير هذا البلد العربي العريق بتراثه وحضاراته وامتداداته العربية، خصوصاً وأن تفشي وباء كورونا وتدهور الأوضاع الصحية والمعاشية بسبب الحصار ينذر بكارثة إنسانية حقيقية وهي كارثة مهددة بالانفجار والتمدد خارج الحدود.
   ليبيا والتقسيم الفعلي
    وأعود إلى ليبيا، فقد حكمتها قيادة فردية خارج دائرة التصنيف العلمي أحياناً حسب مواصفات الباحث في العلوم القانونية والسياسية، لمدة زادت على 41 عاماً، وحاول نظام القذافي قطع خط التطور التدرجي الذي كانت عليه ليبيا قبل الفاتح من سبتمبر/أيلول/1969 واختفت مظاهر الدولة بالتدرج أو بقت هيكلياتها قائمة ، لكنها فارغة وخاوية، وحلّت محلها الأوامرية التسلطية والارتياحات الشخصية والانقلابات المزاجية وغياب المؤسسات بحجة "الشرعية الثورية" حيث تم ازدراء «الشرعية الدستورية» لتأسيس مشروعية جديدة وفقاً لسياقات الكتاب الأخضر.
   وساهم الحراك الشعبي الذي انطلق من بنغازي في إحداث تصدّع في المؤسسة الحاكمة وأدى ذلك إلى الإطاحة بها، وذلك عبر تدخلات وقصف من جانب دول حلف الأطلسي، لتدخل ليبيا مرحلة الفوضى والتصدّع والانحلال، حيث برزت النزعات التقسيمية وأعيد مشاريع قيل أن الزمن عفا عليها ومنها أعني المشروع الثلاثي الانشطاري أو التفتيتي الذي كان أساساً مشروعاً فيدرالياً في العهد الملكي مع اختلاف أغراض ذلك العهد عن العهد ما بعد الإطاحة بالقذافي.
   واليوم وبعد معاناة استمرت نحو 9 سنوات ترى البلاد في حالة حرب بتداخل إقليمي تركي وعربي متنوّع الأغراض، وكل اتخذ موقعه ومبرراته في دعم هذا الفريق أو ذاك وفي تمويله وتسليحه والدفاع عنه، وليس بعيداً عن ذلك المشاريع القديمة الإيطالية والأمريكية والفرنسية المتداخلة مع العوامل الإقليمية، وحتى اليوم فليبيا تعاني من التشظي وتعطيل التنمية  وغياب الاستقرار وتبديد المال العام ونهب النفط وتسخير كل شيء من جانب كل طرف للقضاء على الطرف الآخر.
   وإذا كانت ثمة عوامل خارجية مساعدة على استزراع الخلافات وتغذية الخصومات وإثارة النعرات وتشجيع الاستقطابات ، فإن خدر النخبة السياسية والفكرية والثقافية وعدم شعورها بالمسؤولية الوطنية إزاء المخاطر التي قادتها مصالحها ونزاعاتها إلى استمرار هذا النزيف والذي لو بقي لحين، فإنه سيصبح واقعاً وهكذا تسهم هي من حيث تريد أو لا تريد وبوعي أو عدم وعي ولكن بخمول للضمير في تشطير ليبيا بالخرائط القائمة على الدم والتي ستحسم بعضها ساحات القتال.
   سوريا: التفاحة الأثيرة
   وتبقى سوريا جرحاً فاغراً، وبغض النظر عن التقاطعات السياسية والمواقف المسبقة، فإنني أتحدث عن العودة إلى " منطقة الضمير" وهي منطقة واضحة في الحق وطاهرة في الهدف، خصوصاً حين يختلط الحق بالباطل والأخضر باليابس والأبيض بالأسود والسياسة بالقانون والمصالح بالقيم، وكي لا نضيع في التفاصيل الصغيرة والتناحر والتكاسب، لا بدّ من التذكير إلى أن هذا البلد المتمدن والمتحضر والذي رفد الحضارة البشرية منذ آلاف السنين ، يعاني من حصار دولي جائر وهو جزء من حرب إبادة ناعمة وطويلة الأمد، مع أن الحرب الخشنة التمزيقية والمتداخلة إقليمية ودولياً ما تزال مستمرة وكان الكونغرس الأمريكي قد اقترح قانوناً في العام 2016 وعُرف باسم " قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين" ونصّ على فرض عقوبات اقتصادية ومالية وعلمية وتكنولوجية على سوريا. وصوّت عليه 86 من مجلس الشيوخ الأمريكي مقابل 8 رفضوا، علماً بأنه يسيطر عليه الجمهوريون، وقد وقع الرئيس  دونالد ترامب على القانون الذي يبدو أنه سيدخل حيّز التنفيذ في يونيو/حزيران/ القادم 2020 وإذا ما طبقت هذه العقوبات بالكامل ستكون أقرب إلى الحرب الإبادية التي شهدها العراق منذ العام 1991 ولغاية العام 2003 حيث جرى تمزيق نسيجه الاجتماعي ووحدته الكيانية وإضعاف قدرته على المواجهة ، فسقط مثل التفاحة الناضجة بالأحضان.
   وإذا كانت واشنطن قد استثنت روسياً سابقاً من عقوباتها، وركّزت على إيران، فإن هذا القانون سيضع المؤسسات الروسية عرضة للعقوبات ابتداء من الجيش الروسي إلى صناعة الأسلحة وصناعة الطاقة.
   وعلى من يريد لسوريا الخير بغض النظر عن توجهاته وخلفياته السياسية ورأيه بالنظام أو معارضيه، لا بدّ أن يضع التجربة العراقية نصب عينيه ، تلك التي حوّلت العراق إلى معسكر لاجئين، فضلاً عن لاجئين في أصقاع الدنيا بعد حروب ودمار وحصار ثم احتلال.
   ولا بدّ من العودة إلى طاولة الحوار والبحث عن سبل وقف نزيف ومعاناة الشعب السوري الذي تحمل ما لا يُحتمل، سواء عبر جنيف أو سوتشي  لتهيئة سبل انتقال سلمي لعملية سياسية تدرجية تأخذ بنظر الاعتبار الهوية السورية العامة الوطنية والموحدة والشاملة، مع احترام الخصوصيات القومية والدينية ومراعاة ذلك دستورياً والإقرار بحقوقها السياسية والإدارية وبما يتناسب مع شرعة حقوق الإنسان الدولية، ومثل هذا الأمر يمكن أن تكون على قاعدته بناء أسس ثقة جديدة ووطيدة وبضمانات دولية ووفقاً للقرارات الدولية التي توافق عليها الأطراف المختلفة.
   إن الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها سوريا وانهيار سعر الليرة أمام الدولار يكمن في جزء كبير منها في تأثيرات الحصار الأمريكي والغربي والإقليمي الجائر، فضلاً عن مخلفات العنف والإرهاب الذي كان نتاج عملية تعصب ووليده التطرّف والذي ساهم في تمزيق النسيج السوري وإثارة النزعات الدينية والطائفية والمذهبية، تلك التي خطط لها برنارد لويس وعوديد في مشروعيهما لتقسيم سوريا إلى 6 دويلات: كيانية سنية في دمشق وكيانية سنية أخرى في حلب، وكيانية في الساحل والجبل علوية وكيانية كردية في القامشلي وعفرين، إضافة إلى كيانية درزية تتصل بالكيانية الدرزية اللبنانية، إضافة إلى كيانية حاجزة بين سوريا والعراق: تضم دير الزور وأجزاء من محافظة الأنبار ليكتمل مشروع تعويم الدولة وتحويلها إلى كيانات متناحرة وضعيفة، ولاسيّما بغياب جيشها "الجائزة الكبرى" التي ظلّت إسرائيل تحلم بها.
   وإذا كانت الأيادي الخارجية قوية ومؤثرة في ما يحصل في عالمنا العربي، فإن العوامل الداخلية وضيق الصدر وقصر النفس وضبابية الرؤية وتقديم المصالح الذاتية الأنانية على مصلحة الوطن والأمة، هي عوامل لا يقل تأثيرها عن العوامل الخارجية، إن لم يزد، علماً بأن التغلغل الخارجي ومحاولة زرع الفتن وتشجيع عوامل الانقسام ما كان له أن يحدث لولا النفوس الضعيفة والمصالح الضيقة وضعف المواطنة والانكفاء على تغليب الهويّات الفرعية على حساب الهويّة الجامعة التي عليها احترام جميع الهويّات وتلبية حقوقها على أساس المساواة  ومبادئ الشراكة والمشاركة.


6
سولجنيتسين وهلسنكي والأيديولوجيا
عبد الحسين شعبان
مفهوم «حقوق الإنسان» أصبح له رنين عالٍ، ومسألة حساسة تحاول كل دولة أو جماعة أن تُظهر مدى الالتزام بها.

ترافق نفي المنشق السوفييتي ألكسندر سولجنيتسين الكاتب والروائي والمسرحي والمؤرخ عام 1974، مع انعقاد مؤتمر هلسنكي للأمن والتعاون الأوروبي عام 1975، خصوصاً باحتدام الجدل حول مفهوم حقوق الإنسان في إطار الصراع المتفاقم بين الشرق الاشتراكي، والغرب الرأسمالي.
وقد استخدم الغرب كل ما لديه من طاقات وإمكانات مادية ومعنوية، في صراعه مع الشرق لإظهار جانبه المظلم، لاسيما ما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان المدنية والسياسية، وهو كلام حق يُراد به باطل، في ظل حملة دعائية كبرى استخدمت فيها الحرب النفسية والقوة الناعمة، وأساليب التضليل والخداع.
وكان لرواية أرخبيل جولاج دور كبير في تلك الحملة التي كشفت على نحو مثير ومؤلم ما كان يجري في معسكرات الاعتقال والأعمال القسرية للسجناء، وكان سولجنيتسين نفسه قد قضى فيها 8 سنوات، وقد أطلق سراحه إثر خطاب ألقاه الزعيم السوفييتي نيكيتا خروشوف في 1956 ندد فيه بالمجازر التي ارتُكبت في الحقبة الستالينية، علماً بأن سولجنيتسين مُنِح جائزة نوبل للآداب عام 1970.
ويعتبر مؤتمر هلسنكي الذي حضرته 33 دولة أوروبية، إضافة إلى الولايات المتحدة وكندا، محطة مهمة للصراع الأيديولوجي، الذي اكتسب سحراً خاصاً في ما سُمي سياسة الوفاق و«نظرية بناء الجسور» التي عبر عنها الرئيس جونسون بقوله: «إنها جسور ستعبرها بشكل دائم كميات كبيرة من البضائع والأفكار والزائرين والسياح»، فقد أدرك الغرب نقاط ضعف الاتحاد السوفييتي على الرغم من جبروته وقدراته الحربية، بسبب شح الحريات ونظامه الشمولي، وقد سبق لجون بول سارتر أن قال عن الدول الاشتراكية: «إنها قلاع متينة هكذا تبدو من الخارج، لكنها هشة وخاوية من الداخل».
وإذا كان الاختلاف بين الشرق والغرب حول مفهوم حقوق الإنسان ناجماً عن خلفية فلسفية، فإن الغرب نجح في ما وفره من حزمة حقوق مدنية وسياسية في أوطانه، لشن هجوم ضد المنظومة الاشتراكية التي انشغلت بالحقوق الجماعية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لكنه عزل الكتلة الاشتراكية عن العالم في إطار ما سمي ب«الستار الحديدي»، وهو ما حاول الغرب توظيفه عبر المنشق سولجنيتسين الذي أسهم في تلك الحملة من داخل روسيا ومن خارجها فيما بعد، في ظرف بدأت فيه رقعة الحقوق والحريات تتسع، والمطالبة بها تكبر وتتعاظم، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وفي ظل الحرب الباردة والصراع الأيديولوجي الجديد الذي امتد من عام 1947 لغاية 1989.
جدير بالذكر أن مفهوم «حقوق الإنسان» أصبح ذا رنين عالٍ، ومسألة حساسة تحاول كل دولة أو جماعة أن تظهر مدى الالتزام بها، والأمر لا يقتصر على الشرق؛ بل إن الغرب ذاته يعاني انتهاكات صارخة وسافرة للحقوق والحريات، ويمارس أنواعاً مختلفة من وسائل التدخل في حق أمم وشعوب أخرى؛ بل ويحيك المؤامرات ضدها.
وبالعودة إلى مفهوم الحقوق فيمكن القول إنها بدأت تتطور منذ قرنين ونيف من الزمن، وقد لعبت الثورة الفرنسية 1789 دوراً كبيراً في تعزيزه، لاسيما «بإعلان حقوق الإنسان والمواطن» الذي يعتبر وثيقة أساسية لتأكيد الحقوق الفردية والجماعية، وذلك تأثراً بالفكر التنويري ونظريات الحقوق الطبيعية، والعقد الاجتماعي التي جاء بها جون لوك، وجان جاك روسو، وفولتير، ومونتسكيو، وقد نصت المادة 4 من الإعلان أن «كل الناس أحرار، والحرية هي إباحة كل عمل لا يضر أحداً، وبناء عليه، لا حد لحقوق الإنسان الواحد غير حقوق الإنسان الثاني، ووضع هذه الحدود منوط بالقانون دون سواه».
ولكن مفهوم حقوق الإنسان لم يبلغ أوجه إلا بعد نحو قرنين من الزمن، حيث تجلى في إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948.
وإذا كان الغرب قد أثار ضجة كبرى بسبب طرد المنشق سولجنيتسين عام 1974، بعد انتقاله للعيش في سويسرا، ثم للولايات المتحدة، فإنه نُسي تماماً بعد انهيار الكتلة الاشتراكية، وعاش في عزلة كبيرة واضطر للعودة إلى موسكو عام 1994، وعلى الرغم من أن الرئيس فلاديمير بوتين منحه جائزة الدولة للغة، فإنه تم إهماله في روسيا أيضاً، حتى إن وفاته عام 2008 لم تُثر أي اهتمام يذكر، لا في الغرب ولا في بلاده، فالصراع لم يعد أيديولوجياً بين موسكو وواشنطن، بقدر ما هو صراع مصالح ونفوذ في إطار منظومة الاستغلال العالمي.
drhussainshaban21@gmail.com



7
الدهشة الأولى والرعشة الأخيرة
إلى وجدان نعمان ماهر الكنعاني
عبد الحسين شعبان
أكاديمي وأديب عراقي
يمضي الإنسان حياته كلّها في البحث عن الآخر، لأنه لا يكون ولا يتبيّن إلّا من خلاله والعالم الذي يحيط به، ولعلّ ذلك إحساساً فطرياً، ولكنه بفعل الحاجة والاعتياد يتحوّل إلى وعي ذاتي، لأن الوحدة لوعة وقصاص.
تذكّرت ذلك في ظل مشاعر متناقضة، فأنا أقضي فترة حجر صحي لا يعلم إلّا الله إلى متى ستطول، وصادف فيها يوم عيد ميلادي، وهو يوم إطلالة الربيع من كل عام حيث يبدأ به. إنه يوم 21 آذار (مارس)، ورغم أنني تلقيت عدداً من الاتصالات والرسائل من الأهل والصديقات والأصدقاء، ومعها باقات ورود عبر الانترنيت، أي على الكومبيوتر، فإنني كنت أشعر بحزن مضاعف، فقبل أيام جاءني خبر رحيل الصديقة وجدان المهندسة المعمارية المبدعة والمثقفة بامتياز والفنانة بجدارة، وكنت قد اعتدت أن أتلقى منها كل عام بطاقة تهنئة خاصة ولها طعم خاص.وقبل عامين (2018) قضت عدة أسابيع في بيروت واحتفلنا بعيد الربيع كما تسمّيه، وهو "عيد نوروز" كما يطلق عليه الكرد والفرس، وفي العهد الملكي كنّا نسمّيه "عيد الشجرة".
*****
" الولادة والموت تجربتان في الوحدة" كما يقول الشاعر المكسيكي أكتوفيو باث الحائز على جائزة نوبل للآداب العام 1990، فنحن نولد مستوحدين ونموت مستوحدين... ولا شيء يفوق الولادة ... خطورة .. سوى الوقوع الآخر في غياهب المجهول، أي الموت..."
تمضي الحياة بين الولادة والموت فحتى طريق الزهور والعطر قد يوصل إلى الوحشة، فهل الموت يعني العودة إلى هناك.. إلى حياة ما قبل الولادة أم تراه حياة ثانية بعد الحياة الأولى؟ وهل في الحياة الثانية يتوقف التناقض ويُكفّ السكون مثلما تكف الحركة ويتوقّف الليل والنهار والزوال وكيف يتم تبادل الموت والولادة؟ وهل الموت ولادة جديدة ؟ أم أنه نوع من الامتناع عن الكينونة والوجود؟ وهل ذلك إحساس بالزمن وبثقل الأيام أم تفكّر وعودة إلى العقل؟ فتلك حتى الآن من الحتميات والمطلقات التي لا سبيل لردّها.
الولادة والموت يمشيان إلى جوارنا، ويتلاصقان مع بيوتنا وجيراننا، يفاجئانا بأصدقائنا وأحبتنا في الدهشة الأولى والرعشة الأولى، هكذا نصلي للقادمين مثلما نصلّي للغائبين ونقرأ مع محمود درويش " سورة العابد" فلا نستطيع أن نشف من الذاكرة التي تظلّ محفورة كوشم اليد... كنت دائماً أريد أن أصرخ قف أيها  الزمن ما أجملك؟ لكن الزمن يمضي دون اكتراث، مخاتلاً وماكراً.
لا يستفيق الإنسان مما يشغله إلّا تحت هول " الصدمة المباشرة"، حين يختطف القدر عزيزة أو عزيز أو ترحل غالية أو غالي، فترانا نهرع لارتداء ثوب "الحكمة" و"رداء" الواقع، لنتخلى عن "المكابرة" و"الحماقة" ولكن سرعان ما ننسى مفارقات الحياة والموت، فنسخر منهما.
مع وجدان وحين اشتدّ عليها المرض كنت أردّد عن بُعدٍ مع نفسي ما كان يقوله المتنبي، لكي لا يزيد ألمها، على الرغم من عشقها للحياة.
كفى بك داءً أن ترى الموت شافياً
            وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا
فالكائن الحي غير قابل على تغيير نواميس الحياة، "وكل نفس ذائقة الموت ... وما الحياة الدنيا إلّا متاع الغرور" كما ورد في القرآن الكريم (سورة آل عمران – الاية 185) وفناء الإنسان أو زواله " ضرورة لكل الكائنات الحيّة"، وتلك حكمة الزمن الخرساء.
حين تمتلئ قلوبنا بالحب يندغم الخلق أو ينصهر الكون ليكون أكثر كمالاً أو اكتمالاً في العلاقة مع الاخر وهذا الآخر في الغالب انجذاب دائم بين المرأة بالنسبة للرجل أو الرجل بالنسبة للمرأة : نقيضها ومكمّلها والمختلف بشكل عام ، أي المتباين أو المتمايز ديناً أو عرقاً أو لوناً أو جنساً أو انحداراً أو أصلاً.
ولعلّ ذلك لا يمكن تشيئته أو تهميشه،فهو سمة إنسانية وقاعدة لا غنى عنها وإن كان ثمة استثناءات، فالحب انتقاء واختيار حر لقدرنا واكتشاف مباغت للجزء الأكثر سرّية في كينونتنا، وحسب اندريه بريتون الشاعر والرسام والروائي والطبيب النفسي والفيلسوف الفرنسي في كتابه " الحب المجنون". ثمة عاملين يعيقان ذلك  وهما: النهي الاجتماعي والتعاليم الدينية .وأندريه بريتون هو صاحب المدرسة السوريالية "ما وراء الواقع" و" البيان السوريالي" حيث دعا إلى "إطلاق حرية التعبير" و"إطلاق مكنونات اللّاوعي" وكان قد تأثر بالفيلسوف الألماني لودفيغ فيورباخ ولاسيّما بكتابه " جوهر المسيحية"، أي (نقدها) مثل ماركس وإنجلز وفاغنر ونيتشه، وقد اختلف بريتون مع الكاتب السوفييتي إيليا اهرنبرغ في "المؤتمر العالمي للمثقفين من أجل السلام" وهو المؤتمر الذي انبثقت عنه لجنة مقرها باريس وقد سبق لي أن نوّهت في أكثر من مناسبة أن الجواهري حضر هذا المؤتمر حينها، وذلك قبل تأسيس مجلس السلم العالمي 1950.
وجواباً على بريتون نتساءل هل: الحب مخالفة للسائد وللأعراف والتقاليد والقوانين والدين، في حين كلّها تدعو إلى الحب والسلام والتسامح، لكن الواقع شيء آخر، حين يُنظر إلى الحب باعتباره انقلاباً على المألوف وقطيعة مع الاستكانة ومدعاة للمعصية وخروجاً على الطراز القائم. وهو الأمر الذي يلقى معارضة واختلافاً، لاسيّما في المجتمعات الأكثر تخلّفاً تحت حجج عديدة ومزاعم شتى.
دعونا نتأمل معنى الحب وجوهره، فهو اكتفاء ذاتي وهو رديف للحق والشعر والجمال والعدل والتسامح والسلام وتطهّر روحي وعطاء عاطفي لا محدود، إنه فعل مقاومة للسائد والروتيني والنمطي، وهو لا يشرّع بقانون ولا يلغى، وإنّما يعبّر عن جدلية الوحدة والتواصل والتفاعل وإعادة التكوين، فالآخر هو أنت ، وإن كان غيرك جسمانياً حسب ابن عربي ووفقاً لجبران خليل جبران: من تحب ليس نصفك الآخر هو أنت كلّك في مكان آخر في نفس الوقت. وبقدر ما تكون الجدلية قطيعة مع السائد ، فهي تواصل وخلق جديد له، بالقصيدة والسيرة والسردية والميثولوجيا والتضحية وقبل كل شيء بالحب.
الحب ضوء يقذفه الخالق في جوفك فيأتي ليبدد الظلمة ويشيع البهجة، إنه يتغلغل فيك وتسمع صوته بكل عذوبة ورقة وألم أحياناً، وهكذا تشعر بالخشوع وكأنك تصلّي، ولعلك تصلّي فعلاً، فالصلاة حاضرة يومياً بالحب، وبدونه تكون مجرد حركات طقسية غير ذا قيمة.
ولا يمكن للمحبّ أن يمتلك في لحظة معينة الكفاية الذاتية، لكن المحبوب يبقى باعثه وضرورته ورعشة الذكرى لديه. إنه انعكاس ضوء وبزوغ فجر ودعاء مؤمن . وهو ضد النفاق والسأم. وهو قلق وتوتّر وتطلّع نحو المطلق، ولا يكتمل الإنسان ليصبح إنساناً بدونه وتجدّده وقانونه الأساسي عدم الارتواء، فكلما ازددت منه يصرخ هل من مزيد؟ مثل الثقافة والمعرفة، إنه ممارسة بالعين والفم والأنف واللسان والأذن واليدين وقبل ذلك بالإحساس؛ وهو دائماً إلى صف الشجاعة والجنون، فما قيمة الحياة دون شيء منهما؟ وما قيمة الحياة دون الحب بالطبع؟
نعيش وراء الزمن بلا أعمار وقد لا نعي عمرنا الحقيقي إلّا في أوقات استثنائية، ولم أشعر أنني أصبحت كهلاً وشيخاً إلّا حين فارقت والدتي نجاة شعبان الحياة العام 2007، وكنت قد افترقت عنها لأكثر من 20 عاماً قهرياً، ويوم تمكّنت من "استعادتها" فرّت من بين يدّي أو من بين أصابعي، اختفت، طارت، ذابت، حين رأيتها مثل شعاع مرّ بسرعة خاطفة مثل الضوء كأنه شهاب، ويوم أنزلت إلى قبرها تصوّرتها حمامة أليفة ترقد جوار الجواهري ومصطفى جمال الدين في مقبرة الغرباء بالسيدة زينب في دمشق.
ردّدت يومها مع غوته
"على جميع القمم
إنه الصمت
على قمم جميع الأشجار
بالكاد تشعر
بنسمة،
العصافير الصغيرة صمتت في الغابة
صبراً، فلن ترتاح أنت أيضاً
لن ترتاح"
واستعدت مع نفسي قصيدة الجواهري المهداة إلى صلاح خالص 1984 والتي نشرتها في كتاب " الجواهري في العيون من أشعاره" العام 1986، دمشق، (دار طلاس) والذي قدّم له الجواهري حيث يقول فيها:
 فالمــوت يــدرك كــل ذي رمـــــق
                                          كالنـــوم  يــدرك كـــل مـن نعســــا
جهـــمٌ  يقيــم علــى  مدراجنـــــا
                                         و علــى صــدى أنفاســــنا حرســـــا
 تعيــا ازاهيـــر الربـــى  إذا  نطقـــت
                                       بعبيـــر بســــمتـها  إذا  عبســــــا   
نعم إنه الذئب الذي ترصّدني، وأحياناً لا يفترسك هذا الذئب أنت ولكنه يصيبك بالصميم مستبداً بلا رحمة أو مروءة، غشوماً قاسياً متوحشاً يتبعنا كظلنا ويستمر لغزه المحيّر غير قابل للحل منذ الأزل " كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام" (سورة الرحمن، الاية 27) .
يقول الشريف الرضي:
ما أخطأتك النائبات / إذا أصابت من تحبّ.
الحب شيء يخفق في الصدر تعيشه بكل شيء وقد يدفعك أحياناً للقيام بأشياء تبدو غير عقلانية، لأن قلب الإنسان هو ما تحكّم بسلوكه وليس العقل وحده، وبين القلب والعقل ثمة توافق وتعارض في بعض الأحيان.
وقد وجدت في رواية خريف البطريك شبهاً بكتاب ماركس " الثامن عشر من برومير- لويس بونابرت" الذي كتبه في العام 1852 بعد ثورات العام 1848 وهو أشبه بقصيدة نثرية طويلة وكنت قد تخيّلت أن رواية خريف البطريك هي وجه آخر لرواية "السيد الرئيس" للروائي الغواتيمالي ميشيل (ميغيل) أستورياس التي كتبها العام 1946 وكأنها كتبت خصيصاً للعالم العربي.
ولعلّ غلاظ القلوب عقولهم في مكان آخر، فحسب ماركيز في "خريف البطريك": السلطة تعويض عن الحب، لكن الحب على العكس من ذلك، إنه تعويض عن جميع الحرمانات والعذابات، لأن الحب والتسلّط لا يتعايشان، والسلطة والحب يبدوان كنقيضين لا ينسجمان. وإذا كان ماركيز قد اشتهر في عالمنا العربي بروايته " مئة عام من العزلة" التي قال عنها الشاعر التشيلي بابلو نيرودا أنها أفضل ما كُتب بالاسبانية بعد رواية دون كيشوت لـ "سيرفانتس"، لكن رواية خريف البطريك كُتبت بموسيقى عالية وبلغة شعرية جذابة ومدهشة وأجدها من أهم أعمال ماركيز حتى إنه كان يفضلها على جميع أعماله الأخرى وإن كانت أعمال الكاتب وكتاباته  مثل أبنائه، وقد حصل ماركيز على جائزة نوبل العام 1982 على روايته " مئة عام من العزلة".
هناك فرق بين الحب والعلاقة والحب والعاطفة، فالحب شعلة تشتعل في روح الإنسان وتتوقّد بفعل يد سماوية وهو فضيلة عليا، يملؤها الشعور بالتسامي لدرجة تصبح معها تلك العاطفة ، قيمة بحد ذاتها، أنها تتويج للقيم الإنسانية العليا.
ونستحضر هنا كيف كتبت العاشقة "بيتينا" إلى غوته  55 رسالة ورد فيها 50 مرّة كلمة "روح" و119 مرّة كلمة "قلب"، ومثل الصوفيين : الوله والعشق يجسّدان مرحلة الكينونة الأولى، إذ لا يمكن تعليم درس العشق برسائل الفلسفة وعلم الكلام والمنطق، لأنه ليست للعشق أبجدية وكل سعي إلى بيان العشق وإيضاحه وتفسيره لا طائل من ورائه حسب جلال الدين الرومي.
ومن يمتلك سلطة الجمال فإن روحه نظيفة وفمه معطراً وقلبه نقياً وعينه مفتوحة على الحق ولا بد أن يكون غيابه حارقاً ، وأقول في الختام  وجدان اشتياقاً فقد أعطيتِ معنىً أكثر سمواً للصداقة والقيم والنبل الإنساني والطهارة.




8

قفْ على براها وجب أرباضها
         وسلْ المصطاف والمرتبعا
أعلى الحسن ازدهاء وقعتْ
         أم عليها الحسن زهواً وقعا

وسل الخلاق هل في وسعه
          فوق ما أبدعه أن يبدعا

مرّت الأسراب تترى ..مقطع
         من نشيد الصيف يتلو المقطعا

يا لصيفٍ ممتعٍ لو لم يكنْ
         غيره كان الفصول الأربعا
ممطرٌ آنا.. وريان الضحى
         مزهرٌ آنا.. وذاوٍ سرِعا

   وفي مقهى سلوفانسكي دوم علقت فاتنة من اللواتي يعشقهن الجواهري بالشاعر مظفر النواب.. وهنا انتبه الجواهري للحكاية فسأل النواب.. بأي لغة تتكلّم معها؟ فأجاب النواب: بفرشاة الرسم، وبالمناسبة فالنواب رسّام وله إذن موسيقية مثلما تحمل مفردته نغماً، وبعد يومين اقتحم الجواهري خلوة النواب مداعباً إياه بمملّحة شهيرة كانت بعنوان "فاتنةً ورسّام" مهداة إلى "محمد المصباح" الذي عُرف في الحال " مظفر النواب"
وقال " محمد المصباح " يوماً
         لفاتنة من الغيد الحسان
من " الجيك" لست أدري
         بهن المحصّنات من الزواني
هلّمي أرسمنك غداً.. فقالت
         غداة غد وفي المقهى الفلاني
فقال بمرسمي حيث استتمت
         من الرسم المعاني والمباني
فقالت لا ومن أعطاك ذهناً
         وعلّمك التفنّن في البيان
أداة الرسم تحملها سلاحاً...
         بين فخذيك مشحون السنان
ولكن كل ما تبغيه منّي
         خفوت الضوء في ضنك المكان

   وفي دمشق التقى الجواهري النواب لأكثر من مرّة، لكن لقاءً مميّزاً كان بينهما قد حصل في طرابلس (ليبيا) بعد سنوات طويلة (1988) من لقاء براغ المميّز، وظلّت العلاقة حميمة وتمتاز بالمودّة والإعجاب وفي كتابي " الجواهري جدل الشعر والحياة"،  كنت قد سألت الجواهري عن إبداع عدد من الشعراء العراقيين والعرب بمن فيهم مظفر النوّاب، فقال مقيّماً إبداع النواب بما يفيد أنه يعتبر من أبرز الشعراء الشعبيين المجدّدين، ناهيك عن إعجابه بنضاليته وشجاعته، فضلاً عن روحه الإنسانية ونبل أخلاقه، وظلّت العلاقة الحميمة قائمة على الرغم من شحّ اللقاءات لاختلاف حياة المبدعين وطريقة تعبير كل منهما عن ذلك في حياتهما الخاصة.   
*****
   وإذا كانت لهجة التعبير  الشعرية لدى مظفر النواب جنوبية، إلّا أنه شاعر بغدادي المولد والجذور والبيئة والثقافة وهو لم يسكن جنوب العراق ولم يتعرّف على لهجة أهله إلّا في أواسط الخمسينات ، حين ذهب إلى زيارة الأهوار في سفرة دامت لأسبوع واحد، وبمرافقة صلاح خالص وابراهيم كبّة ويوسف العاني فأسرته المنطقة وأهلها وأغانيها وطبيعتها ولهجتها، فقد كانت زيارته الأولى إلى العمارة عن طريق الكحلاء حيث عشائر "ألبو محمد" و"الشموس"، سبباً في تعلّقه باللهجة الجنوبية كما أشار في أكثر من مناسبة وزاد أنه وقع في عشقها، وفي حديث له مع كاظم غيلان (دوّنه في كتابه عن مظفر النواب - الظاهرة الاستثنائية ، دار مكتبة عدنان ، بغداد، 2015) عن كيفية تمكّنه من اللهجة يقول:
   "إنها مثل امرأة منحتني هي نفسها ومكنتني منها... المرأة لا تستطيع أن تعشقك دون أن تمكّنك منها.. العامية سلسة مطواعة لا تستعصي على النحت والاشتقاق منها.. الصورة عنها أجمل وأكثر وضوحاً..."
   ويقول مظفر النواب أنهم اكتشفوا غناء غير الذي  يغنّى بالإذاعة على حد تعبير حسين الهنداوي ، فلأول مرّة يسمع ويطرب للمحمداوي الذي كان يجيده جويسم، حتى أنه ظل في سهراته الخاصة يؤديه بطريقة مؤثرة .
   ومن أغاني الهور شعر بالغنى الروحي لعالم جديد لم يألفه من قبل، بأبعاده  وأحزانه وأشجانه ومعاناته وأفراحه، وهكذا ميّز "عامية المدينة " عن " عامية الأهوار" التي انحاز إليها لما تمتلكه من صور ورهافة وفضاء وألوان. حيث يقول " الهور ليس مجرد مكان، إنما هو زمن وروح أيضاً، وهكذا أخذ الصوت يتفجّر في داخله من منولوج جوّاني إلى وسيلة تعبير برّانية، وكأنه الموازي الخارجي للقصب والبردي والطيور والماء والمجاذيف والفضاء الواسع والغناء الحميم. وكانت رحلته الثانية في العام 1958 حيث نظّم اتحاد الأدباء عدة زيارات إلى الأهوار وقام هو بتغطية صحفية عنها بما تحمل من جمال سومري وقرمطي .
   لقد وقع النواب في عشق اللهجة العامية الجنوبية من أول نظرة كما يقال، فبعد أسبوع من المعايشة قرّر الاقتران بها ، خصوصاً وكان قد تعلّق بها، فالأهوار هذا الفضاء المائي الشاسع يعطيه مثل هذه الصور المائية المتحرّكة المزدانة بالطيور بأنواعها والأسماك والحيوانات المتعددة والمدى اللّامحدود، وقد وجد في ذلك ضالته وخميرة أولية لإبداعه، لاسيّما والبيئة تمثّل رؤية تشكيلية متكاملة بذائقتها الجمالية ومفردات لغتها كما يقول محمد مبارك، وبذلك أحدث انعطافة موازية لما في الشعر الشعبي لما أحدثه رواد الحداثة الشعرية في الشعر الفصيح (محمد مبارك- الوعي الشعري، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 2003) وما زاد في عشق مظفر اللكنة الجنوبية ولهجتها الجذابة  هو اللقاء بعدد من المغنين مثل "غرير" و"جوسيم" و"سيد فالح" حيث اكتشف الثراء في الأصوات والأجواء والعوالم الجميلة. والهور بالنسبة لمظفر النواب " جسد  ولغة من ماء" بكل ما فيها من أسرار وخبايا وجمال، إنها روح وثقافة مبللّة بالماء، ولعلّ الماء يعني الحياة و"جعلنا من الماء كل شيء حي"  كما  في القرآن (سورة الأنبياء ، الآية 30)
*****
   وإذا كان مظفر النواب قد أحدث مثل هذا التأثير والامتداد على صعيد العالم العربي من أقصاه حتى أقصاه ومن المحيط إلى الخليج كما يقال، لاسيّما بعد اغترابه منذ العام 1969، إلّا أنه لم يلق مثل هذا من جانب اليسار العراقي الرسمي وهو الذي يمثل بيئته الأولى ومنطلقه الأول، بل كان التعامل معه سلبياً ، سواء بالإهمال من جهة  أو بمحاولة الانتقاص منه من جهة ثانية، على الصعيدين الشخصي والإبداعي، فتارة بزعم نضوب وسيلته الإبداعية بعد أن تحوّل إلى الفصحى، وتارة أخرى لمؤاخذات سياسية ، لاسيّما في أواسط السبعينات  وقد يكون جزء منها "إرضاءً" لحزب البعث "الحليف"، خصوصاً وأنه انحاز إلى القيادة المركزية في الصراع الداخلي، ولم تكتب أي دراسة أو بحث أو نقد جاد لإبداعه طيلة سنوات السبعينات والثمانينات، في حين كان الاهتمام  العربي به يزداد ويتّسع من جانب حركة المقاومة الفلسطينية أو من جانب المثقفين العرب بشكل عام، حيث أصبح مظفر النواب ظاهرة وتظاهرة شعرية أينما حلّ وحيثما رحل يحتشد لسماعه  الآلاف من الشابات والشبان المتعطش للتغيير، وكانت الأمسيات التي تسجل على كاسيتات بمثابة منشور سري مبشر بالعشق والثورة والجمال يتناقله المعجبون به وبشعره.
   لقد وضع  مظفر النواب مسافة بينه وبين العمل الحزبي والسياسي الروتيني اليومي، لكنه لم يتوانَ من النقد الفكري والثقافي للمواقف والتوجهات ضمن اجتهادات وقناعات ظلّ متمسكاً بها، وعبّر عنها في العديد من القصائد، وإذا كانت مرحلة المنفى الأولى أقرب إلى المباشرة كما عكست " وتريات ليلية" فإن المرحلة الثانية امتازت بالرمزية وغير المباشرة واتسمت بمسحة صوفية وظهرت تلك واضحة في مجموعته " المساورة أمام الباب الثاني".
   ولعلّ المواقف السلبية من جانب اليسار العراقي الرسمي، إزاء مظفر النواب، ألحقت ضرراً باليسار نفسه، ودلّت على قصر نظر العديد من الإدارات الحزبية، لاسيّما بتعاطيها مع شؤون الثقافة والمثقفين وهي مواقف ظلّت مستمرة في ما يتعلّق بالسياسة الثقافية والمثقفين والمبدعين، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر المواقف من كل من الروائي ذو النون أيوب والشاعر بدر شاكر السياب والكاتب والأكاديمي صلاح خالص وعشرات الأسماء الكبيرة، من ضمنهم مؤخراً الشاعر سعدي يوسف، بل إن قسماً غير قليل منهم تعرّضوا للتنكيل وجرت محاولات لحجب نصوصهم عن النشر، ناهيك عن المحاربة بالأرزاق والأمثلة عديدة لا يتّسع المجال لذكرها.
وباستعارة مجازيّة من تجارب كونية يسارية أم يمينية يمكننا القول أن أسماء الحكّام الظالمين والمتسلطين من السياسيين وغيرهم لا تجد مكانها الإيجابي من التاريخ، في حين أن أسماء المبدعين تبقى تتلألأ على امتداده، مثل بيتهوفن وكانط وفولتير ومونتسكيو وروسو وشكسبير وغوته وموزارت وباخ وتولستوي وتشيخوف ورامبو وسواهم، في الوقت الذي لا أحد يتذكّر من كان رئيس وزراء أو ملكاً أو وزير خارجية هذا البلد أو ذاك وهم من مجايلي هؤلاء المبدعين.
ومَنْ أنفع وأهم وأكثر تعبيراً عن تطلعات الناس وهمومهم شارلي شابلن وتشايكوفسكي وكافكا وفيليني وفرانك سيناترا وسارتر والبير كامو وكولن ولسون وأراغون وغرامشي وأدونيس ومحمود درويش وأنستاس الكرملي وفيروز وسعدالله ونوس وأم كلثوم وعلي عيد الرازق ومحمد عبده أم وزراء داخلية أم دفاع أم مسؤولين أمنيين، عاصروا أولئك المبدعين؟ ومن أقرب إلى الشيوعية روزا لكسمبورغ وبريخيت وبيكاسو وجوليا كوري أم ستالين ودرجنسكي وبيريه وجدانوف وسواهم؟
ويمكننا القول أيهما أهم علي الوردي والجواهري وعبد الجبار عبدالله ومحمد مهدي المخزومي وعلي جواد الطاهر وغائب طعمه فرمان وبدر شاكر السياب ويوسف العاني وناهدة الرماح وزينب (فخرية عبد الكريم) ولميعة عباس عمارة وأبو كَاطع (شمران الياسري) ومظفر النواب وكاظم السماوي وسعدي يوسف أم عقل بيروقراطي متسلط وفكر متحجر يؤثّم ويحرّم ويجرّم في إطار منظومته التعسفية ولا أرغب في التسميات ، ففي المعنى تكمن الدلالة.
   وإذا كان خروج بعض المثقفين من الأحزاب الشمولية يضيق أمامهم فرص النشر والانتشار، إلّا أن خروج بعضهم الآخر من أمثال مظفر النواب فيه خسارة للأحزاب ذاتها، لا يمكن تعويضها بآلاف المنتسبين، وذلك درس لا غنى عنه للمشتغلين في عالم السياسة بلحاظ علاقته بعالم الثقافة والإبداع، ناهيك عن "وصايا" الرفيق فهد التي طالما يتم ترديدها بطريقة أقرب إلى التعاويذ والأدعية ، خصوصاً حين تتحوّل إلى مجرّد نصوص صمّاء وعظية وذات سمة نمطية أقرب إلى المحفوظات، لاسيّما بإهمالها عند التطبيق، بل العمل بالضد منها وأنقلها هنا للاستذكار والفائدة " أيها الرفيق كن تقدمياً... في نظرتك نحو العلم والفن والأدب والثقافة، ودافع عنها باعتبارها ملك شعبنا.. وملك الإنسانية التقدمية.. واحترام العلماء والفنانين والأدباء دون الالتفات إلى قومياتهم وأجناسهم...".
    وباستثناء ما نشره كاظم غيلان من دراسة أولية في "مجلة الثقافة" التي كان يرأسها صلاح خالص والموسومة "مع قصائد مظفر النواب خارج ديوان  الريل وحمد" ، آب (أغسطس) 1975 يكاد يكون مظفر النواب قد اختفى من الصحافة الشيوعية الرسمية، واستمرّ الأمر حتى حين انتقلت هذه الصحافة إلى المعارضة في أواخر السبعينات وإن ظلّ جمهور اليسار العراقي بشكل عام متشبثاً بمظفر النواب، ويتابع أخباره ونشاطاته ويتناقل قصائده ويدونها ويوزّعها فيما بينه، بل ويتبادل قصصاً أقرب إلى المتخيّل عنها مثل المشاركة في الثورة الإرتيرية  مروراً بالثورة الظفارية إلى الكفاح المسلح في فلسطين، ولعلّ ذلك نابع من التسريبات عن زياراته لحركات التحرر الوطني حينها وفي مواقعها المتقدمة، ولكن حين أصبح مظفر النواب منارة شامخة في الوسط الثقافي العربي، بدأت المؤسسة الحزبية الرسمية هي التي تتقّرب منه وتجامله حد "التملّق" في مسعى لتعزيز مكانتها.
   وكنت قد سمعت الكثير من الحكايا من مظفر النواب شخصياً، كما أعرف تفاصيل عن مواقف البعض للنيل منه، وحين أتعرّض إلى هذا الموضوع، فليس الهدف منه نكأ الجراح، بل لأخذ الدروس والعبر ،"فذكّر إن نفعت الذكرى" ( القرآن، سورة الأعلى 87 ، الآية 9).
    وأتذكّر أن شريط كاسيت وصلني كان فيه النواب يهجو الوضع السياسي في العراق في أواسط السبعينات بما فيه مواقفنا، ولم أعثر على تلك القصيدة التي وردت فيه طيلة الفترة الماضية حتى وجدتها لدى حسين الهنداوي في مقالته "فتى العراق مظفر النواب" والقصيدة بعنوان " سالوفة أبو سرهيد"  وهي ستة سوالف كما يقول وقد نشرت حينها في " جبل شاخ رش" في كردستان أوائل نيسان (ابريل) 1974 كما يذكر:
   أسولفلك
   أسولفلك
   وسوالف ليل
   وحصيني نفط
   وأحزاب إجاهه الموت
   طرك الله وكراسي بالوزارة
   ولبست النفنوف
   خل يكعد فهد ويشوف
   يغاتي بغيبتك كام الشكنك والبتل والزبل والخريط
   وانته تكلي لو خيط الفجر بيّن
   إلزموا الخيط ولتعوفوه
   لكن كلّي وين الخيط ؟
   وين الخيط؟
   وقد اطّلعت على دراسة ثانية للصديق حسين الهنداوي الذي كان على ملاك القيادة المركزية (الجناح الشيوعي الآخر) نشرها في "مجلة أصوات" في باريس التي كان يرأس تحريرها. وأود أن أشير إلى أن من الكتب المهمة الأولى التي أرّخت لمظفر النواب هو ما نشره باقر ياسين في دمشق العام 1988 وقد تحاورت معه بشأنه مطولاً عدّة مرات والموسوم "مظفر النواب حياته وشعره"، كما جرت محاولات لجمع قصائده ونشرها وأحياناً دون موافقة منه ، حيث كانت تُجمع من بعض الكاسيتات لأماسي كان النواب يعقدها في دمشق أو السلميّة أو طرابلس أو بيروت أو أوروبا أو أمريكا وكندا، لكنها كما قال لأكثر من مرة لا تعبّر عنه ولا تمثله، علماً بأن ما صدر عنه هو ديوان "الريل وحمد"  العام 1969 الذي صمم غلافه الفنان ضياء العزاوي  و"وتريات ليلية" طبع في الجزائر في أواخر السبعينات والطبعة الثالثة العام 1983، و"حجّام" و" المساورة أمام الباب الثاني "...
   وقد بذلتُ مع دار الكنوز الأدبية  التي كان صاحبها عبد الرحمن النعيمي (سعيد سيف) ورفاقه محاولة جادة لطبع "الأعمال الكاملة"، وذلك بالاتفاق مع مظفر النواب، وتعهدت الدار بإخراجها بأحسن حلّة وتدقيقها والحصول على موافقته الخطية قبل طبعها، لكن ذلك لم يتحقق لأسباب موضوعية وذاتية، ومنها عودة أصحابها إلى البحرين بعد الانفراج الذي حصل فيها العام 2000، وعدم استكمال جميع أعماله الموزعة في كاستيات عديدة.
   وكان عبد الرحمن النعيمي أميناً عاماً للجبهة الشعبية في البحرين وسبق له أن التقى مظفر في عدن وظفار في السبعينات، ومعه رفيقه عبد النبي العكري (حسين موسى) وظلّت علاقة الجبهة، وفيما بعد جمعية العمل الوطني "وعد" التي انبثقت عنها، بمظفر متينة ووثيقة وقد منحه "منتدى عبد الرحمن النعيمي الفكري"  في العام 2016 وساماً ودرعاً خاصاً ، علماً بان المنتدى تأسس بعد رحيل النعيمي، وبسبب ظروف مظفر الصحية تسلمته نيابة عنه، وكنت قد تعرّفت على النعيمي في عدن أيضاً خلال وجودي لإلقاء محاضرة عن " ديمقراطية التعليم والإصلاح الجامعي " في العام 1974، وقد دوّنت في سردية موسّعة علاقتي التاريخية به في كتاب أصدرته عنه بعد رحيله والموسوم " عبد الرحمن النعيمي – الرائي والمرئي وما بينهما، دار الكنوز الأدبية، بيروت، 2016".
   تجدر الإشارة إلى أن دراستين مهمتين كانتا قد صدرتا عن الشاعر الأولى في العام 1996 والموسومة "مظفر النواب شاعر المعارضة السياسية" لـ عبد القادر الحسني وهاني الخير، والثانية لـ حسين سرمك حسن التي هي بعنوان" الثورة النوابية" العام 2010 وقد أشرت إليها في مقالتي عن مظفر النواب المنشورة في صحيفة الاقتصادية (السعودية) بتاريخ 13/5/2011 بعنوان "بعد سنوات من التمرد.. مظفر النواب يعود إلى بغداد".
   وقبل أن أختتم هذا المقطع أود أن أشير إلى أن مظفر النواب من مواليد 1934، وهناك من يقول 1932 استناداً إلى الطبيبة التشيكية فلاستا كالالوفا التي عاشت في العراق منذ أوسط العشرينات وغادرته في العام 1932، وأستند في هذا التاريخ إلى الرواية التي أصدرتها ايلونا بورسكا عنها وهي بعنوان " طبيبة في بيت البرزنجي" وقام بترجمتها حسين العامل في أواخر التسعينات ونشرتها دار المدى في دمشق العام 2000،  وحسب ما يذكر مظفر النواب أنها هي التي ولّدته وهذا يعني أنه ولد في مطلع العام 1932، وقد دققت ذلك بتنبيه من الصديق عصام الحافظ الزند.
   وإذا كانت حياة مظفر النواب التي تقارب التسعة عقود من الزمان مليئة بالحيوية والمغامرة والترحال والشموخ والأحلام والمعاكسة للتيار السائد، فإنه اليوم يعاني منذ عقد من الزمان تقريباً من مرض الباركنسون وحيداً في خلوة أقرب إلى خلوة رابعة العدوية ولقائها بمعشوقها الخالق وهي عودة إلى رحم الأشياء ، وكما يقول : عودة إلى الهور والعصفور وأعواد القصب ..
أسمع خلوة العصفور/ جنه ريش ونقطة نور 
   ولم تنفع قطع غربته بزيارة عابرة إلى الوطن في العام 2011 بدعوة من جلال الطالباني رئيس الجمهورية حينها، إلّا أنه فضّل البقاء معتّقاً في منفاه، وكان مكتب رئيس الوزراء نوري المالكي قد بذل عدّة محاولات للتواصل معه وأجرى عدّة اتصالات معي ، وكذلك السفارة العراقية في بيروت، لكنه ظلّ معتكفاً في صومعته لائذاً بعزلته المجيدة، خصوصاً بعد التدهور الشديد في صحته، وهذا ما دفعني لعدم اللقاء به لكي أحتفظ بصورته المتألقة في ذهني لاعتبارات نفسية وعاطفية، وهو ما اتبعته أيضاً مع الجواهري وأديب الجادر ومحمود البياتي وكوثر الواعظ وصالح دكّله ومحمد بحر العلوم ومحمد حسين فضل الله وغيرهم من أصدقاء وشخصيات عامة، علماً بأنني كنت دائم السؤال من محيطهم عن أوضاعهم الصحية ومتابعاً لأخبارهم.
*****
   أشعر أحياناً وربما معي كثيرون أننا حين نستمع إلى مظفر النواب فإن الكلمات لا تخرج من فمه، بل يتحدث بفؤاده، وهكذا يطغى عنده حب اللغة لدرجة العشق والتولّه، وهو الذي يجمع بين جوانحه عفوية طفل ودهشته وتلقائيته وصدقه ومشاكسته وتمرده، مثلما يجمع تجربة شيخ مجرب وحكيم خبِر الحياة ودروبها الوعرة، ونتعجب كيف استطاع أن يوائم بين النقيضين، بساطة الطفل وحكمة الحكيم.
   وكان مظفر النواب حريصاً على جودة ما ينتج حتى لتبدو متوافقة مع قيم الجمال والخير والحرية، وتلك باقة أحلامه، وهو لا يكتفي بالعابر أو العيش في اللحظة الراهنة، بل إن عقله يعيش في المستقبل، باستعارة من الروائي الروسي مكسيم غوركي حين وصف  أحد ثوريّ عصره بقوله: أن نصف عقله يعيش في المستقبل، وبقدر ما كان مظفر باستمرار مع الناس، لكنه كان يميّز نفسه عنهم، إنه يشبه المجموع، لكنه ليس على شاكلة أي واحد منهم.
   ولعلّ ما يكتبه هو أقرب إلى صيحة انبهار، لأنه يرى ما لا يراه الإنسان العادي، وكثيراً ما يتوقف وتسترعي انتباهه وتشغل تفكيره قضايا يمرّ عليها البشر العاديون دون أن تلفت انتباههم ، فعينه وذاكرته البصرية كانت شديدة الملاحظة، حيث صوّر الهور بكل ما فيه واستمع إلى أنغامه من لهجة أهله ، فمظفر  راصد وقارئ ومصوّر وموسيقي يحسّ بالأشياء ويشمّها ويسمع نبضها، ويقوم بتفكيك الظواهر وإعادة تركيبها لاستجلاء قدراتها وإظهار دلالاتها، بالمألوف واللاّمألوف، وهو لا يستسهل كتابة قصيدته لساعة أو ساعتين ، وأحياناً تطول بيده حياكتها لأشهر أو حتى لسنوات، فلم ينجز قصيدته للريل وحمد دون عملية هضم وتمثّل للحالة الجديدة التي دخلها منذ زيارته الأولى للأهوار، حتى نضجت عنده القصيدة على نار هادئة دامت أكثر من سنتين، أي منذ العام 1956 إلى العام 1958، فخرجت من التنّور طازجة شهية، وهذا هو الفرق بين الشاعر الجيد والشاعر الرديء، وكذلك الكاتب الجيد والكاتب الرديء لأن البحث عن الجودة ينبغي أن يبقي الكاتب والشاعر والمبدع بشكل عام ضنيناً بنفسه واسمه وقلمه وريشته وصوته وأداته، لذلك يبقى على قلق  كما يقول المتنبي :
فما حاولت في أرض مقاماً      ولا أزمعت عن أرض زوالا
على قلق كأن الريح تحتي       أوجهها جنوباً أو شمالاً

   ولذلك بقي مظفر النواب كثير التردّد في النشر لأنه يعيد ويصقل ويحسّن ويضيف ويحذف ساعياً للرقي والجودة، وكل شاعر جيد أو مبدع جيد بشكل عام هو قارئ جيد، يجيد الإصغاء بكل حواسه، ناهيك عن ضرورة أن يكون خياله خصباً، فلا شاعر أو مبدع بدون خيال أو حتى يوتوبيا، ففي كل فلسفة هناك شيئاً في اليوتوبيا، والمبدع لا يصبح مبدعاً إلّا بالقارئ، حيث ينمو ويتطور ويتجدّد معه، ولذلك تراه غير قابل على نفسه ولا قناعة له بما ينتج لأنه يريد الأفضل والأحسن والأبهى، خصوصاً إذا ما قرأ نصوصه بعين الناقد، لاسيّما إذا اختلى بنفسه.
   ومظفر النواب لم يتوقف ولم ينضب حبر قلمه طيلة ما يزيد عن ستة عقود من الزمان، لأن قلمه سيصاب بالصدأ لو استكان لما أنجز، فالكسل والرضا عن النفس هو عدو الشاعر بشكل خاص والكاتب بشكل عام.
   ثمة خيط رفيع بين العبقرية والجنون، ولعلّ هذا ينطبق على الشعر والموسيقى والفنون بشكل عام أكثر من غيرها، لذلك يقال أحياناً جنون الشاعر أو عبقريته، شيطانه أو رحمانه ، بمعنى الإلهام والإيحاء الذي يأتيه من مصادر غامضة، وكنت قد سألت الجواهري عن "اللحظة الإبداعية" وكيف ينزل عليه أو يفاجئه الإلهام؟ فقال: شيئاً ما يوشوشني ويهمس في أذني فأستجيب إليه، ولاسيّما حينما يستحثه على الخطى ويحفّزه ويستفزه ليأتي بطلعته البهية وصوته الجميل ورشاقة حركته.
   هناك قوة خفية وشحنة جاذبة مع شيء من الشجن والتوجّع والتحدّي في لغة مظفر النواب فهي لغة مركبة كيمياوياً، فقد تنفجر في المواجهة وقد تتحوّل إلى سمفونية بهارموني في المحسوسات والصوفيات، حيث يختفي الصخب والضوضاء الذي تحدثه قصيدة التحدي والمباشرة، فلكل حرف صوت وإذا اجتمعت الحروف تشكلت كلمات وجمل ومعان ودلالات، فما بالك حين تكتسب مسحة موسيقية، وهكذا هو شعر مظفر، إنه يضع حواسك كلّها في حالة تأهب، لاسيّما الأذن والعين، فشعر مظفر مغنّى ومطرّب ومسموع على طريقة القدامى.
    وقد سألته مرّة من تفضّل أن يغني شعرك، فذكر المطربين الياس خضر وسعدون جابر، وسألته عن آخرين، فلم يحبّذ ذلك، وكان أحد المطربين قد استمات في الحصول على موافقة لنص يغنيه، فلم يستجب له مظفر النواب، مع أنه يحمل صوتاً جميلاً، وقال لي: إن طبقات صوته لا تتناسب مع قصائدي، وهناك علاقة بين دلالات الحروف والنقطة والفارزة والوقوف والانطلاق والسكون والصعود، وكلها تشعر بها مع روح مظفر حين يتلو قصيدته، فجذوة الشعر في قصائده مبثوثة في خلاياه، وكل ما يلزمها شرارة صغيرة ليشتعل السهل كله على حد تعبير ماوتسي تونغ، وتلك بصمة مظفر وتميّزه.
   وإذا كنّا نقول لا يمكن تعريف الشعر ، فهو عصي على أي وصف، لأنه لغة متفردة داخل اللغة المألوفة على حد تعبير الكاتبة سلام خياط في كتابها القيّم والمتميّز "إقرأ" -صناعة الكتابة وأسرار اللغة ، دار رياض الريس، بيروت- لندن، 1999، وهو الوصف ذاته الذي تقتبسه من إسحاق الموصلي بشأن النغم إذ أنه  من الأشياء التي تحيط بها المعرفة ولا يدركها الوصف.
   لقد رسم مظفر النواب الحزن لوحات وألواناً لدرجة فاض به الكيل وهو يعشّق  الحزن بالحزن ويعتّق الدنان بخمرته السلسة، ويعجن الحروف ويدوف الكلمات منقّعة  بقطراتها الصافية النقية وورودها المتفتحة الزكية.

چنّه خدّك مر على الزعرور
وشال الفي وحطة بوسط حجري
والحواجب چنهه مطرت گبل ساعة
ورسمت النوم عله صدري
والصبح كلش
والبساتين عرگانه مسچ ودموع
احچي بكل حرير الله التعرفه وياك
وتگلي خشن
خشن حزن الليل
صيحة ريل راجع من وليف بعيد كلش
مثل الفراگين كلش
حزن ينطخ بحزن
(قصيدة ذيب حزن الليل)
*****

   تحية للنواب الذي أهدانا الحب والجمال والإبداع والتجديد والتمرّد.
   وتحية ثانية لأنه جمعنا وظل يتلألأ في ضمائرنا   
   وتحية لمركز كلاويز لمبادرته الريادية الثقافية - الإنسانية
   
وستبقى حيرة الشاعر المبدع وجودية مستمرة
الهدى بالحيرة
والحيرة حركة
والحركة حياة
حسب ابن عربي





*الأصل في هذه المادة الكلمة المفتاحية التي ألقاها الدكتور عبد الحسين شعبان في احتفالية "مظفر النواب يتلألأ في ضمائرنا"، في مدينة السليمانية ( فندق الميلينيوم) في 22/2/2020.وقد نشرت في جريدة الزمان (العراقية- بغداد/لندن) على حلقتين الأولى يوم الخميس 23/4/2020 والثانية يوم الأحد 26/4/2020.

9
مظفر النواب يتلألأ في ضمائرنا*
عبد الحسين شعبان
أكاديمي وأديب

   أن تحتفل مدينة السليمانية الكردية وكردستان العراق عموماً بالشاعر العربي الكبير مظفر النواب، فهذا حدث مهم، بل بالغ الأهمية، وهو يدلّل على عمق الترابط الوثيق  بين العرب والكرد، وخصوصاً بين المثقفين، وهو تأكيد جديد على أن العلاقة العربية- الكردية، ببعدها الثقافي والإنساني تحكمها أهداف مشتركة وتستند إلى قيم مشتركة وجامعة أيضاً، وهي قيم الحرّية والجمال والمساواة والشراكة والعدل والسلام والتسامح .
   ولعلّه منذ وقت مبكر عبّر اليسار العراقي وعلى نحو أثير ومتميّز منذ أواسط الثلاثينات عن صميمية تلك العلاقة حين رفع شعار " على صخرة الأخوة العربية - الكردية تتحطّم مؤامرات الاستعمار والرجعية"، وأظنّه الشعار الأكثر مضاءً وواقعية حتى الآن في العيش المشترك والاعتراف المتبادل بحق تقرير المصير واحترام الخصوصيات والهويّات الفرعية في إطار الهويّة العامة .
   وتتأتّى أهمية حدث الاحتفاء بمظفر النواب من محاولة إنعاش الذاكرة المشتركة لنا جميعاً كمثقفين عرباً وكرداً ومن سائر المجموعات الثقافية المتعدّدة المشارب والألوان المختلفة والمؤتلفة في آن، لاسيّما بالسعي لتعظيم الجوامع وتقليص الفوارق، خصوصاً وإن محاولات عديدة أريد لها فصم عرى العلاقة الوثيقة لأسباب موضوعية أو ذاتية، خارجية أو داخلية، لكن تلك العلاقة التي تعمّدت بروح المحبة والتآخي ظلّت متّقدة ولم تخبُ أو تنطفئ بالرغم من عاديات الزمن.
   وحسناً فعل "مركز كلاويژ" حين اختار عنواناً للمناسبة له أكثر من رمزية ألا وهو " مظفر النواب يتلألأ في ضمائرنا". إنه باختصار يريد القول إن النواب يحتلّ جزءًا حيويّاً من وجداننا وذاكرتنا الثقافية المشتركة ، لما يمثّله من رحلة إبداعية ونضالية وإنسانية، ناهيك عن صدقية جمالية شفيفة ورائعة.
   ما أحوجنا اليوم، ولاسيّما في الوسط الثقافي لتجسيد ذلك عملياً، فشاعر كبير بقامة مظفر النواب مثّل بروحيته الإيجابية وانفتاحه ورؤيته الإنسانية، هذا التفاعل والتواصل والترابط العضوي في العلاقة بين المثقفين العرب والكرد، مثلما مثّل شاعر كردستان الكبير شيركو بيكه س ذلك بإعلائه روح التآخي والتواصل الثقافي الكردي - العربي، وعبّر كلاهما عن نبض الروح  الإبداعية وجمالها الإنساني الباهر، فالأدب بعامة والشعر بخاصة يمكنه أن يجسّد تلك الحقيقة بسطوع وصميمية وبراءة وعمق وامتداد .
*****
   أحياناً حين تلتقي مبدعاً كبيراً كنتَ قد تعرّفت عليه من خلال نصّه أو منجزه الثقافي، فتقول مع نفسك: يا ليتني لم ألتقِ به، كي تبقى صورة منجزه مشرقة أنيقة جميلة، فثمة تناقض كبير، بل وصارخ أحياناً بين السلوك اليومي والاجتماعي وبين التحضّر والتخلّف وبين المعرفة والثقافة، وخلافاً لذلك حين تلتقي مبدعاً آخر وتكون قد قرأت له أو اطّلعت على منجزه الإبداعي، تتمنّى ألّا تفارقه، بل تزداد محبة له، لأن ثمة انسجام بين ما يقول وما يفعل، فالصورة الفائقة المبهرة لشخصه التي بناها من خلال ما كتبه أو صرّح عنه أو قام به ومن خلال أفعاله ومواقفه ظلّت منسجمة ومتّسقة   على نحو مشرق ورائع بين القول والعمل، فليس ثمّة هوّة بين الإثنين.
   ومبدعنا المحتفى به " مظفر النواب"، من الصنف الثاني، الذي ما إن تتعرّف عليه حتى تنجذب إليه، وقد أتاحت لي الفرصة لفترة خمسة عقود ونيّف من الزمان أن أقترب من مظفر النواب، فأزداد تعلّقاً وإعجاباً به ومودّة ومحبة له، فهو من طينة من تحلو لك رفقته، حيث تأنس بصحبته وتكتشف يوماً بعد آخر الكثير من الخصال والسجايا الإنسانية الفريدة والأخلاقية النبيلة التي تمثّل قيماً عليا يسعى البشر لتجسيدها أو تمثّلها.
   ولم أعرف مبدعاً كبيراً كان يُحكِمُ الصلة على نحو فائق بين الأقوال والأفعال وبين الإبداع والسلوك والأخلاق والسياسة والثورة والجمال والصلابة المبدأية والمرونة العملية والكبرياء والتواضع وحب الحياة والزهد بها مثل مظفر النواب،  ولعلّ ذلك ميزان ذهبي من العدل ظلّ مرافقاً له طيلة مسيرته الإبداعية والنضالية وعلى المستويين الشخصي والعام حيث كان رقيب نفسه باستمرار، وظلّ كلّ متاعه من هذه الدنيا الفانية، حزمة قصائد ورسوم وكأس نبيذ وذاكرة خصبة وضمير يقظ لم يخدر أبداً، وكان برفقة ذلك أيضاً محبّة الناس واحترامهم له لشعورهم  بنقاء سريرته وطهريّته وترفّعه عن الصغائر، وهو ما صنع مجده ورفعته وعلو كعبه، فأضحى أقرب إلى "القديس" بتعابير المؤمنين و"المعبود" بتعبير العاشقين.
   وخلال مسيرته حافظ النواب على صوته الخاص وإيقاعه المتميّز ونبرته الشائقة، وسط ضوضاء هائلة، وحسب الروائي الغواتيمالي أستورياس الحائز على جائزة نوبل في الآداب العام 1967 "الإنسان إله بسبب من صوته"، فالصوت يذهب إلى الإذن مباشرة، ومنها إلى الدماغ، ومن هذا الأخير إلى القلب، فيعطي الإحساس، وهكذا هي الموسيقى تذهب إلى القلب والروح، وذلك هو صوت مظفر النواب الشديد الإحساس والتأثير الحسّي، لاسيّما وهو يسعى للمحسوس من الأشياء، حيث  تمتزج أوتار صوته بالروح، فيخرج مليئاً ونافذاً، والحسيّة هي ما مثّله الفيلسوف الانثربولوجي الألماني لودفيغ فيورباخ.
   وإذا كان مظفر النواب قد انشغل بالحريّة باعتبارها القيمة العليا في الحياة، فثمّة عشق صوفي يتماهى مع حيرته وقلقه الإنساني، "فالمكان زمان سائل والزمان مكان متجمد" حسب ابن عربي، وهكذا كانت غربته في المكان والزمان تنتقل معه وتعيش فيه وتسافر إليه:
 
"هل في الدور من عشق لهذا المبتلى ترياق
نقطة في العشق تكفي
فلا تكثر عليك الحبر والأوراق"
( من قصيدة قل لأهل الحي)
   أية شيفرة سرّية خاصة تلك التي تحتويها لغة مظفر النواب ومفرداته الإبداعية الباذخة:

" لا تسل عنّي لماذا جنّتي في النار
جنّتي في النار
فالهوى أسرار
والذي بغضي على جمر الغضا أسرار
يا الذي تطفي الهوى بالصبر لا باللّه
كيف النار تطفي النار؟
يا غريب الدار
إنها أقدار
كل ما في الكون مقدار وأيام له
إلّا الهوى
ما يومه يوم...ولا مقداره مقدار
(من قصيدة المساورة أمام الباب الثاني )









   في سهله الممتنع ثمّة صور غير مألوفة في الشعر الشعبي العراقي من قبل، ولنلاحظ هذه الصورة :
" آنه يعجبني أدوّر عالكَمر بالغيم ..
 ما أحبّ الكَمر كلّش كَمر
(من قصيدة الشناشيل)
*****
   حين نشر النواب قصيدة " الريل وحمد" في العام 1959 وكانت بمبادرة من علي الشوك وتلقفها بالتقييم والترحيب والإعجاب عدد من مجايليه منهم : سعدي يوسف وبلند الحيدري والفريد سمعان ورشدي العامل وعبد الرزاق عبد الواحد، برز على الفور بصفته شاعراً جديداً يملك كل شروط الحداثة ومواصفات التجديد، وجاءت الإشارة بقدر غموضها ورمزيتها، واضحة جليّة، فقد كان أمام النقاد نوع من الأدب الجديد المكتوب بالعامية العراقية أو باللهجة الشعبية الجنوبية الحميمة، فهو لا يشبه حسين قسّام والحاج زاير والملّا عبود الكرخي، على الرغم من إعجابه بهم ، وخصوصاً الحاج زاير، ولم يسع لتقليدهم، بل عمل للخروج على التقليد مثلما سبقه إلى ذلك نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وبلند الحيدري وعبد الوهاب البياتي في قصيدة الفصحى الجديدة التي تمرّدت على القوالب.
   وحجزت قصائد " يا ريحان" و"حسن الشموس" و " حجّام البريس" و"زرازير البراري" و" ابن ديرتنه  حمد" و " حِنْ وآنه حَنْ" و"روحي" و" البنفسج" مكاناً خاصاً لمظفر النواب في صدارة الشعر الشعبي العراقي، إضافة إلى قصائد أخرى، وفي منفاه ارتقى مظفر إلى المكانة التي يستحقها في سلّم قصيدة الفصحى الحديثة التجديدية، بحكم الفضاء الذي تمتّع به والبيئة التي عاش فيها وقد انحسرت في نتاجه الإبداعي القصيدة الشعبية بشكل عام إلّا باستثناءات محدودة، وهكذا توزّعت قصائده حيث احتلّت المرحلة العراقية 1959-1969 القصائد العامية، ومن أهم انجازاتها مجموعتين هما " الريل وحمد" و"حجّام" ، أما المرحلة العربية أي من العام 1969 وعلى مدى نحو 50 عاماً فقد عرفت قصائد الفصحى وضمتها مجموعات أساسية هي " وتريات ليلية" و"أربع قصائد" و"المساورة أمام الباب الثاني"، إضافة إلى عشرات القصائد غير المنشورة والمسجلة على أشرطة كاسيت.
   وامتازت قصيدة النواب باللغة الآسرة والمفردة الحيّة، بل إن بعضها استخدم لأول مرّة، لاسيّما برمزيتها وبُعدها عن المباشرة، حيث كان يفيض عليها من روحه، فتصبح كائناً حياً تشبه عطاءه وتمرّده وصدقه ، ففي قصيدة "الريل وحمد" يقول :
"أرد أشري جنجل
وألبس الليل خزامة
وأرسم بدمع الضحج
نجمة
وهوه
وشامه
ويا حلوة بين النجم
طبّاكَة لحزامه
وهودر هواهم
ولك
حدر السنابل كَطه
كضبة دفو، يا نهد
لملمك ... برد الصبح
ويرجفنّك فراكين الهوه ... يا سرح
يا ريل....
لا.. لا تفزّزهن
تهيّج الجرح
خلهن يهودرن..
حدر الحراير كَطه"
*****
   لقد اكتشف النواب المدى الذي تحمله المفردة العامية فدفع به إلى القصوى ووظفه برياديّة بحيث أصبح مفتاحه كما يقول إلى "الفضاء  الإبداعي الأوسع"، بما تملكه تلك المفردة من رمزية وطاقة حسيّة ولنلاحظ الاستخدام غير المألوف مثل:
افيش.. شمني ..
بشهيك الروح،
شكَة طلع
فُوج بحنين الصدر ،
طوفان دك ورصع
ليش آنه وانته بعطش؟
موش احنه نبعه ونبع
(من قصيدة فوك التبرزل)
وكلمة "أفيّش" تدلّ على رائحة الشّم ذات البعد الحسّي وكأنها رائحة محسوسة، أي أنها مبهرة وذات تأثير على المتلقي.
أطرن هورها امصكك
واصيحهن عليك اجروح
يجحلن چالمطبجات الزرگ
صلهن يشوغ الروح
واجيك اشراع ...ماهو اشراع
عريانه سفينة نوح
اصيح اشّاه ... مابياش
يبني جحلت يبني
ويجيني امن الرضاع الحيل
موش امك واندهلك...
أشيلن حملك امگابل أنگلنه
وأشيلك شيل
أكابر... وانه اطر الهور
وأعدل ظهري للشمات
چني امگابل ويه الريل
أصدن لليصد ليه ابشماته
وفوگ اشيلن بيرغ الدفنه
عمد للسيل
كلها اولا شماتة عدو...
يتشمشم خبر موتك وراي ابليل
يازين الذي ابطرواك
دلتنه الچبيره اتگوم للخطار...
(من قصيدة حسن الشموس)

   وهكذا يستخدم مظفر النواب مفردة حسّية مثل كلمة "اشّاه" التي هي دليل على البرد ويمكن أن تُقال في لحظة تأثر أو مفاجأة. كما يستخدم عبارة "أحّاه" - التي هي دليل على الألم أو تعبير عن الحزن أحياناً، حتى أن النسوة اللواتي يلطمن على فقدان أحبتهن يردّدن أحّاه.. أحّاه بما فيها في المناسبات الحسينية، وبالتعبير العامي فكلمة "أحّاه" هي أقرب إلى كلمة "آخ"،  وهي تقال حين يعتصر الإنسان الألم للفراق أو للصدمة أو لما يحصل له من ضغط يتعرض فيه للأذى والألم فيصرخ "آخ".
" أحاه، شوسع جرحك ما يسدّه الثار يصويحب
 وحكَ الدم ودمك حار
من بعدك ، مناجل غيظ ايحصدن نار
شيل بيارغ الدم فوكَ يلساعي
صويحب من يموت المنجل يداعي
(من قصيدة مضايف هيل )
   ويهمّني أن أشير إلى أن قصيدة مضايف هيل "جرح صويحب" كان قد لحّنها الفنان سامي كمال وحين قام بتأديتها (التمهيدية) في سهرة خاصة في منزل شقيقتي سلمى شعبان في العام 1984 في دمشق، أعجب الجواهري بكلماتها وآدائها الفني وردّد "يا صويحب..." مع آهات خرجت منه في حين كان يداعب حبّات مسبحته، واحدة واحدة، واثنتان اثنتان، ويشرد قليلاً، وكأنه يستذكر قصيدته " أخي جعفر"، وهو ما دعا طارق الدليمي الذي كان يجلس بجانبه إلى استعادة القصيدة المذكورة وكأنه يريد أن يرسم أحداثها إلى صديقنا داوود التلحمي رئيس تحرير مجلة الحرية الفلسطينية (الجبهة الديمقراطية)،  والتي يقول في مطلعها:
أتَعْلَمُ أمْ أنتَ لا تَعْلَمُ      بأنَّ جِراحَ الضحايا فمُ
فَمٌّ ليس كالمَدعي قولةً      وليس كآخَرَ يَسترحِم
يصيحُ على المُدْقِعينَ الجياع   أريقوا دماءكُمُ تُطعَموا
ويهْتِفُ بالنَّفَر المُهطِعين      أهينِوا لِئامكمُ تُكْرمَوا
أتعلَمُ أنَّ رِقابَ الطُغاة      أثقَلَها الغُنْمُ والمأثَم
وأنّ بطونَ العُتاةِ التي      مِن السُحتِ تَهضِمُ ما تهضم

إلى أن يقول
 أخي " جعفراً " يا رُواء الربيع      إلى عَفِنٍ باردٍ يُسلَم
ويا زَهرةً من رياض الخُلود      تَغوَّلها عاصفٌ مُرزِم

   وكان الجواهري قد نظم هذه القصيدة في العام 1948 التي تعتبر بحق ملحمة شعرية بنحو مئة بيت، إثر استشهاد شقيقه جعفر في المظاهرات الاحتجاجية الشعبية التي سمّيت فيما بعد "وثبة كانون" ضد " معاهدة بورتسموث" (جبر- بيفن)، وألقاها في محيط جامع الحيدر خانة ببغداد بمناسبة مرور سبعة أيام على استشهاد شقيقه.
   أما "إش" فهي تعني طلب الصمت أو الرغبة في السكون والهدوء، وأحياناً تصدر بلغة الأمر أي "صه"، ولنلاحظ استخدامه الأولي:
إش، لا توعّي المزنة
وتسودن حنيني بعذرك
أنه كربت بور الفلا
وطشيت صبري وصبرك
وسكيت ، وضميت الشمس لليل
عود انتظرك
تاليها ريحان وملح
جا هذا كَدري وكَدرك؟
(من قصيدة أيام المزبّن )

*****
   الغربة والحزن  مترابطان في شعر النواب على نحو عضوي، حيث يُعتبر النواب الشاعر الأكثر اغتراباً، فقد مضى على منفاه 51 عاماً، وأقصد بذلك المنفى البيولوجي، وقبل ذلك اغترابه الروحي وليس المكاني " Alianation"  وربما كان الأطول لأنه  يمثل جلّ عمره الإبداعي، أي منذ أن وعى على الحياة وانخرط في التعبير عن جمالياتها وإنسانيتها، وقد عاش مظفر في المنفى حسيّاً وتآلف معه وأصبح واحداً من أهل بيته وصار صديقاً ورفيقاً له ينتقل معه ويلازمه مثل ظلّه في البلدان والمدن والمرافئ والمطارات والقطارات والحدود والجوازات، وترك المنفى بصمته عليه، تلك  التي زادته حزناً فـالمنفى كالحب "يسافر في كل قطار أركبه في كل العربات... أمامي".
تعبتُ ومن دوخة رأسي في الدنيا .. أبكي
لا تكسرني الريحُ
فماذا يكسرني بعد الريح ِ.. وأبكي
القصّة ُ بلّلها الليلُ ،
وليسَ هناكَ مَنْ يحكيها ،
فلنذهب فالريحُ ستحكي
المأخورُ يضيءُ وجوه الزانين
فلا تخجل يا حزني أنْ تصبحَ زاني
يا قلبي
يا بنَ الشكّ
أرحني من أحزاني
تعبتُ ولمْ أصلِ المنفى
المنفى يمشي في قلبي ،
في خطواتي .. في أيّامي ،
يسافرُ في كلّ قطار ٍ أركبهُ ،
في كلّ العرباتٍ أراهُ
حتّى في نومي
يمشي كالطرقاتِ أمامي

وكما يقول عن الحزن :
مو حزن لكن حزين
مثل ما تنقطع جوّا المطر
شدّة ياسمين
مو حزن لكن حزين
مثل صندوق العرس ينباع خردة عشق من تمضي السنين
مو حزن لكن حزين
مثل بلبل كَعد متأخر
لكَه البستان كلها بلاي تين
مو حزن لكن حزين
لكن أحبك من كنت يا أسمر جنين

   سألت الجواهري يوماً وهو الذي لم يكفّ  يتحدّث عن المنفى والسبع العجاف (سنوات غربته الأولى 1961-1968) وماذا كان في المنفى يا أبا فرات: أهو زمهرير الغربة أم فردوس الحرية؟ وبعد أن سحب نفساً عميقاً وطويلاً من سيجارته أجابني : الإثنان معاً.. إي والله، أي والله. وصدقَ بذلك، فمن عاش المنفى واغترب يعرف ما الذي يقصده الجواهري وماذا قصد مظفر النواب؟
   قدّر لي أن ألتقي مظفر النواب مرّة واحدة بعد خروجه إلى العلن بُعيد انقلاب 17 تموز (يوليو) 1968، وخصوصاً بعد تسوية قضية هروبه من سجن الحلّة وإسقاط الأحكام التي صدرت بحقه بعد اعتقاله في إيران وتسليمه إلى الحكومة العراقية، حيث حوكم وصدر حكم بإعدامه ، ثم خُفِّض الحكم إلى المؤبّد، وكانت التنظيمات الشيوعية قد نظّمت عملية هروب جماعية من سجن الحلّة في خريف العام 1967، حيث تم حفر نفق طويل بحدود 20 متراً بملاعق الطعام وأدوات بسيطة للغاية، كما روى لي ذلك حسين سلطان في السبعينات، وقد كنت باستمرار أطالبه بتدوين ذلك وتوثيقه، وبالفعل أنجز جزءًا منه وقام خالد حسين سلطان بنشره لاحقاً.
   وكان من بين الهاربين مظفر النواب، علماً بأنه تم اعتقال قسماً منهم ونجح الآخرون في الإفلات بعد أن قضوا بضعة أيام في الريف. وقد رويت كيف نظّمنا سفرة طلابية (حيث كنت في الصف المنتهي في الكلية) لإنقاذ سعدون الهاشمي ورفيقه من سدّة الهندية إلى بغداد، كما جاء في مقالة لي عن سنان الشبيبي والموسومة:  سنان محمد رضا الشبيبي والبنك المركزي- قضية رأي عام المنشورة في  صحيفة الخليج (الإماراتية)  بتاريخ 31/10/2012، جدير بالذكر الإشارة إلى أن سعدون الهاشمي هو شقيق سامي الهاشمي الذي استشهد غدراً في أيلول (سبتمبر)1968 في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية.
   وكنتُ قبل أن ألتقي مظفر أحفظ الكثير من قصائده، ولاسيّما تلك المهرّبة من سجن نقرة السلمان وسجن الحلة فيما بعد، واستمعت إلى الكثير من التفاصيل عنه من عدد غير قليل من الأصدقاء منهم مهدي عدنان الشديدي والمحامي هاشم صاحب والمحامي محمد أمين الأسدي وابراهيم الحريري وصاحب الحكيم وآخرين.
   وكان اللقاء الثاني الذي وثّق الصداقة في براغ العام 1970، ثم تواصلت اللقاءات بعدها في دمشق  حيث تعمّقت علاقتي به  وكنت ألتقيه على نحو مستمر تقريباً، سواء في منزل طارق الدليمي أو في منزلي أو في مقهى الهافانا الذي كنّا نرتاده أحياناً، أو في حانة " قصر البلّور" في "باب توما" لعدّة مرات رفقة طارق الدليمي وآخرين. وحين غادرت دمشق لم تكتمل زيارتي لها إلّا حين ألتقي مظفر النواب، وكان غالباً ما يأتيني بصحبة الشاعر رياض النعماني أو حامد العاني قبل لجوئه إلى هولندا أو شفيق الياسري (هاشم) أو باقر ياسين الذي استضافنا عدة مرات في مزرعته خارج دمشق.
   والتقينا أكثر من مرّة مع بعض الأدباء والمثقفين السوريين، منهم صادق جلال العظم وممدوح عدوان وزوجته إلهام وحميد مرعي وأبيّة حمزة ومنى الأتاسي وعمر أميرلاي وهيثم حقي ومحمد ملص وزوجته انتصار ملص. وأتذكّر إن في إحدى اللقاءات وكان بدعوة من الصديقة رُلى فيصل ركبي دار الحوار والجدل حول علاقة  الشعر بالفلسفة والمسرح والرسم بخاصة والفن التشكيلي بعامة والسينما والتلفزيون والإعلام بشكل عام، باستعراض تجارب المتنبي والمعرّي والجواهري وبعض الأعمال المعاصرة ، إضافة إلى الرواد في الحركة التجديدية الحديثة مثل بدر ونازك والحيدري والبياتي وسعيد عقل وأدونيس ومحمد الماغوط ، ودور مجلة الآداب ف ي الخمسينات والستينات. وكان مسك الختام حين أسمعنا مظفر الشعر مغنّى، وهكذا امتزجت علاقة الصوت والعين والأذن والروح والقلب والعقل، وللأسف لم نتمكن من تسجيل تلك السهرة الثقافية الفكرية بامتياز، وهو ما سبق أن حصل مرّة مع الجواهري حين حاولنا تسجيل كاسيت له ، لكن آلة التسجيل لم تكن على ما يرام.
 كما التقيت به أكثر من مرة في الثمانينات في طرابلس . وقد أخبرني الصديق عاطف أبو بكر كيف حاول أن يطفئ النيران بينه وبين " أبو نضال" (صبري البنّا)، وقد عقد بينهما أكثر من اجتماع في طرابلس أواخر الثمانينات، وبذل جهداً كبيراً لفضّ الاشتباك، وكان حريصاً ألّا يتعرّض عاطف أبو بكر ومن معه للأذى أو للانتقام.
   وفي التسعينات حين انتقلت إلى لندن، لم يكن مظفر النواب يزورها إلّا ويشرّفني بزيارة خاصة وكانت أول زيارة له بدعوة من النادي العربي ورئيسه ضياء الفلكي الذي نظّم له أمسية عامة لم تشهد لها لندن مثيلاً، وقد طلب مني في حينها اللقاء بـ صلاح عمر العلي وحصل اللقاء على نحو حميم، وعاد بعد عدّة سنوات ونظّم له أمسية ثانية، وأتذكر أن مشعان الجبوري قدم من اسطنبول أو مدينة تركية أخرى لحضور الأمسية، ولم تكن ثمة تذاكر وقد اتصل بي، فأمنّت له تذكرة خاصة، وحين استعيد تلك التفاصيل فلأنني أريد إظهار الاهتمام العام بمظفر النواب ومحبة الناس له، خارج دائرة الاصطفافات والاستقطابات التقليدية.
    وكنت أعتبر كل زيارة له فرصة مناسبة ومهمة للتواصل الشخصي من جهة ومن جهة أخرى لتنظيم أمسية محدودة له مع نخبة عربية كنت أدعوها إلى منزلي، وفي لندن كان رفيق دربه الفنان سعدي الحديثي، وغالباً ما كانت ترافقه المهندسة المعمارية ميسون الدملوجي،  والموسيقي أحمد المختار. وحين أصدرت كتابي عن الروائي والصحافي شمران الياسري "أبو كاطع" الموسوم" على ضفاف السخرية الحزينة"، لندن، 1998 (دار الكتاب العربي) أهديته إلى مظفر النواب وجاء فيه " إلى مظفر النواب ... وضاعت زهرة الصبّار".
وأود أن أشير إلى أن مظفر النواب استمرّ بحمل جواز سفر ليبي لغاية العام 2007، وكان حين يرغب بزيارة بيروت يطلب منّي توجيه دعوة خاصة له كما تقتضي القوانين اللبنانية للحصول على فيزا، عبر تقديم سند الملكية والإقامة وتعهّد باستضافته وتحمل كل ما يتعلق بالتبعات القانونية، وذلك بعد انتقالي إلى بيروت، وكانت  آخر زيارة خاصة له بالترتيب المشار إليه ، قبل حصوله على جواز سفر، بوجود والدتي نجاة حمود شعبان التي سرّت بلقائه وشجعتها على قراءة ما كانت تردّده من أقوال وتعتبرها شعراً.
   أتذكّر لقاءنا في أواخر العام 1970 وكنتُ قد وصلتُ لتوّي إلى براغ للدراسة العليا، وحينها كنت لا أزال في كورس اللغة، وصادف أنني كنت أتهيأ  للسفر إلى القاهرة لحضور مؤتمر دولي بمناسبة ميلاد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر (بعد وفاته)، ضمتنا جلسة في مطعم " أوفليكو" المكان الذي زاره نابليون واحتسى فيه "البيرة السوداء" (أوائل القرن التاسع عشر ) والطريف أن الساعة التي تزيّن واجهة المطعم قد أوقفت عقاربها وظلّت هكذا لتحمل توقيت احتلال نابليون للعاصمة التشيكية. وهناك صدح صوت النواب وشاركه فيه جعفر ياسين، وكان يقرأ النواب البيت الأول أو المقطع الأول ليجيبه ياسين بصوته الشجي بالمقطع الثاني.
    وفي براغ التقى المبدعان الكبيران الجواهري والنواب خلال تلك الزيارة الأثيرة. وفي مقهى سلوفانسكي دوم الشهير الذي كان مقرّاً للجواهري يرتاده كل يوم تقريباً، واللقاء غير التعارف، فقد كان التعارف قد حصل من قبل، حين كان الجواهري رئيساً لاتحاد الأدباء في العام 1959، وكان مظفر النواب عضواً فيه منذ التأسيس، ويتردّد على نادي اتحاد الأدباء لحضور بعض الأماسي والمناسبات، لكن اللقاء بمعناه الصميمي والخاص وعلى انفراد وحرّية ومحبة كان في براغ حسبما أعرف.
   حين أبدى مظفر النواب إعجابه ببراغ ،التي زارها لأول مرّة، وبجمالها ونسائها وأجوائها، كان الجواهري مفتوناً بها ومتولهاً بحبها، فتلك المدينة التي كلّما ازددتَ معرفةً بها وبخباياها وزواياها وخفاياها ازددتَ عشقاً لها وتعلقاً بها، وكان الجواهري قد  نظم لها في العام 1973 قصيدته الشهيرة الموسومة " آهات" التي يقول فيها:

10
المنبر الحر / ثقافة وحداثة
« في: 19:10 23/04/2020  »
ثقافة وحداثة
عبد الحسين شعبان

الثقافة فضاء رحب للتعاطي مع الحقول الأخرى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدينية والصحية والنفسية والبيئية وغيرها.
ليس تعالياً على الواقع حين يُقال إن مفهوم الوطن يتأسس على الثقافة، فهي الوعاء الذي يستوعب الهوية ويجسدها على نحو حي وواعٍ بتعبيرها عن الشعور بالانتماء، فحين يولد الإنسان فإن أجواء ثقافية فطرية يتربى فيها، وهذه عصارة تطور تاريخي ولغات وأديان وتقاليد وسلوك وفنون وميثولوجيات، وبالطبع فتلك ليست معطى ساكناً أو سرمدياً؛ بل هي مفتوحة وخاضعة للتغيير، حتى لو بقيت الأصول قائمة، فإن العديد من عناصرها ستتطور وتكون عرضة هي الأخرى لتغييرات جديدة، حذفاً أو إضافة، لاسيما علاقاتها مع الثقافات الأخرى تأصيلاً أو استعارة، تأثراً وتأثيراً، حتى وإن لم تأت دفعة واحدة، لكن عملية تراكم وتطور تدرجي طويل الأمد ستطالها، خصوصاً بالتأثيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على مستوى كل بلد أو على المستوى العالمي.
في عام 1992 قال الروائي الإسباني انطونيو جالا وفي حفل عشاء في مدريد على شرف مائدة وزيرة الثقافة السورية حينها نجاح العطار، هناك سيدة وخادمتان، أما السيدة فهي «الثقافة» في حين أن الخادمتين هما السياسة والاقتصاد، لكن الخادمتين استطاعتا أن تسرقا مكان «السيدة» وتجلسا محلها، ومهمتنا كمثقفين هي: إعادة السيدة إلى مكانها الطبيعي والخادمتين إلى عملهما الاعتيادي.
هناك من يغالي في هذه النظرة بجعل الثقافة نقيضاً للسياسة والاقتصاد أو عدواً لهما، في حين هناك من يرى أنها بالتوازي معهما يمكن أن تسهم في إعلاء شأن الاقتصاد وتعزيز العلاقات التجارية بين الأمم والشعوب، كما لعبت مثل هذا الدور منذ الحضارات الأولى لوادي الرافدين ووادي النيل والحضارتين الصينية والهندية وما بعدها، وإذا كان الحديث اليوم عن طريق الحرير الجديد «الحزام والطريق» فإنه تأكيد لدور العلاقات الثقافية في تعزيز العلاقات التجارية والسياسية السلمية، والتي بدونها لا يمكن أن تنتعش الثقافة أو التجارة أو السياسة.
وإذا كانت ثمة حساسيات ومنافسات في الكثير من الأحيان بين السلطتين السياسية والعسكرية والسلطة الثقافية، فلأن هذه الأخيرة لها قوة معنوية نافذة، لأنها
تمثل قوة المعرفة، أو «سلطة المعرفة» على حد تعبير الفيلسوف البريطاني فرانسيس بيكون، وإذا ما حظيت هذه السلطة باعتراف المجتمع بما فيها السلطتان السياسية والعسكرية اللتان بحاجة إليها؛ بل لا يمكنهما الاستغناء عنها، مثلما هي سلطة المال والاقتصاد، لأن هذه السلطات ستبدو عارية ودون غطاء مقنع وإنساني، وحين يتحقق مثل هذا التوافق يمكن للثقافة أن تنجز مهمتها الإبداعية مثلما للسلطات الأخرى أن تؤدي وظيفتها على أحسن وجه وبالتكامل.
ولهذه الأسباب سعى الطغاة والمتسلطون للهيمنة على الثقافة وتوظيفها لصالح سياساتهم الأنانية الضيقة، سواء باستخدام المثقفين في تزيين إجراءاتهم وتجميل سلوكهم أو «أدلجة» نهجهم، ناهيك عن حرق البخور لهم وإضفاء
نوع من «القدسية» فوق البشرية عليهم، وكان إدوارد سعيد قد أثار جدلاً كبيراً لم ينقطع بالأساس حول معنى ودور المثقف ووظيفته الإبداعية وذلك في كتابه «صور المثقف».
الثقافة بهذا المعنى مثل الحب؛ بل مثل فعل الحياة لا يمكن تجزئتها أو اقتطاع قسم منها، وهي بكل حقولها علوم وتكنولوجيا وعمران ورواية وقصة وشعر ومقالة ونقد ورسم ونحت ومسرح وسينما وموسيقى وغناء وكل أنواع الكتابة والإبداع، هي فضاء رحب للتعاطي مع الحقول الأخرى الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدينية والصحية والنفسية والبيئية وغيرها.
لقد شكلت الستينات من القرن الماضي وعياً ثقافياً جديداً وعبّرت عن روح جديدة ولغة جديدة، في المضمون أولاً، ثم في الشكل، مثلما اقترنت التسعينات بحداثة جديدة وغير مشهودة من قبل، خصوصاً بالتخلص من الكثير من الأوهام الإيديولوجية وما ارتبط بها من أنظمة ومؤسسات ويقينيات، في إطار حساسية إنسانية جديدة ورؤية إبداعية مغايرة، بالارتباط مع نتائج الثورة العلمية- التقنية والثورة الصناعية في طورها الرابع، والذكاء الاصطناعي والطفرة الرقمية «الديجيتل» وتكنولوجيا الاتصالات والمواصلات والإعلام.
إذا كان التجديد سمة بشرية للعصور المختلفة، فإن الحداثة هي السمة الأكثر حضوراً لعصرنا الذي شهد لحظات انعطاف «ثورية» تاريخية هائلة وفائقة السرعة على صعيد العلم والتكنولوجيا بتوفر الشروط الداخلية والخارجية، والعوامل الموضوعية والذاتية، في إطار سلسلة من التراكمات والتحولات التي قادت إلى تغييرات نوعية، لأن الحداثة عملية كونية تاريخية مرتبطة بنضوج شروط وعيها وليست بشكلها فحسب، وبالتالي فهي ليست فضيلة أو رذيلة بقدر ما هي استكمال لفهم جديد للعالم وفاء للعصر المتميز الذي نعيش فيه.
يمكن القول إن الثقافة تعني خير الناس، وهي صيرورة حياتنا بكل معنى الكلمة لأنها تمثل عاداتنا وتقاليدنا وأفكارنا وتراثنا وآدابنا وأمزجتنا وسلوكنا وطريقة مأكلنا ومشربنا وملبسنا وعمارتنا وأساطيرنا وتفسير لكل ما نحن عليه.
drhussainshaban21@gmail.com


11
«كورونا» وقلم أينشتاين
عبد الحسين شعبان
استعدت حكاية «قلم أينشتاين» في ظلّ التداعيات الخطرة التي سببّها وباء كورونا «كوفيد 19»؛ وذلك لسببين: الأول، الاستنفار العلمي لاكتشاف لقاح أو دواء للوباء؛ والثاني، ما تردّد لدى أوساط متدينة في مجتمعاتنا من أعمال جهل وخرافات للاستهانة بالوباء، تحت عناوين دينية، لا علاقة لها بالدين من قريب أو بعيد.
يشهد العالم أزمة من أخطر الأزمات الكونية التي عرفتها البشرية، ولاسيّما بعد الحرب العالمية الثانية، وقد شملت جميع مناحي الحياة لدرجة استحالة إيقافها عند حدود أو مطارات أو موانئ أو حواجز برّية أو نهرية أو بحرّية، وكذلك تعذّر إيقافها بجهد خاص لدولة مهما كبُرت أو امتلكت من وسائل، الأمر الذي يتطلب عملاً جماعياً دولياً وتعاوناً علمياً وتكنولوجياً وتفاهماً سياسياً واقتصادياً، وقبل كلّ شيء إرادة حقيقية لوضع حد للجائحة تمهيداً لإيجاد حلول ومعالجات للقضاء عليها.
ويعتبر «كوفيد -19» أشدّ خطراً وأسرع انتشاراً من جميع الأمراض والأوبئة التي سبقته مثل مرض نقص المناعة «الإيدز» وإنفلونزا «الطيور» و«الخنازير» وقبل ذلك «جنون البقر» وغيرها من الأمراض التي اجتاحت البشرية في السنوات الأخيرة، في حين هيمن كورونا على كل شيء في حياتنا وتحوّل إلى هاجس مقلق للجنس البشري بسبب انتقاله المرعب متخطياً سرعة الضوء والصوت بالتعبيرات المجازية وغير المجازية، فمن الصين وطريق الحرير القديم إلى إيران ومنها إلى إيطاليا مروراً بالمنطقة العربية ووصولاً إلى أوروبا إحدى أهم محطاته، ومنها انطلق إلى القارة الأمريكية وأستراليا ونيوزيلندا.
ولعل هنري كيسنجر على حق حين يقول: إن كورونا سيغيّر النظام العالمي، والأمر لا يتعلق بالأضرار الصحية، وهي ليست قليلة ولا يستهان بها، لكن الأضرار التي تتعلق بالاقتصاد ستستمر لأجيال. ومعنى ذلك أن الجميع أصبح في دائرة الاستهداف على نحو عشوائي ومدمّر، وقد يؤدي ذلك إلى ضعضعة أركان بعض الدول العظمى بما فيها الولايات المتحدة، بسبب تداعياته الاقتصادية والمالية والتجارية والصناعية والزراعية والبيئية والقانونية والتربوية والتعليمية والثقافية والدينية وغيرها.
فلم تعد الحدود حاجزاً، فالوباء لا يفرق بين نظام وآخر وبين غني وفقير ومؤمن وغير مؤمن وأسود وأبيض، فبطشه وقسوته تطال الجميع، الأمر الذي يتطلّب تعاوناً دولياً لإطلاق مشاريع تتجاوز الإيديولوجيات والأديان والقوميات، وتأخذ مصالح البشر، شعوباً وأفراداً بنظر الاعتبار، لأن ليس بإمكان دولة مهما عظمت أن تتقي شرور الوباء بحكم كون العالم «قرية صغيرة» متواصلة ومتّصلة لدرجة التشابك.
وهكذا يصبح التعاون الدولي في المجالات كافة «فرض عين وليس فرض كفاية»؛ بل ضرورة من ضرورات مرحلة ما بعد كورونا، بتجاوز جميع أنواع الانغلاق والتعصّب والتطرّف والكراهية للآخر، لأن تعزيز القدرة العالمية على المواجهة تعني رفع درجة القدرة على الوقاية أولاً، ثم المعالجة، وأخيراً الرعاية والحماية اللّاحقة.
ويتطلّب ذلك تطوير مناهج البحث العلمي للأغراض السلمية والتخلّي عن الميزانيات الضخمة المخصصة للتصنيع العسكري والأغراض الحربية، وتوجيهها للصحة والتنمية والتعليم والبيئة وعلوم الفضاء وكل ما له علاقة بتحسين حياة الناس ورفاههم وضمان حد أدنى من العدالة الاجتماعية، على صعيد كل بلد وعلى صعيد نظام العلاقات الدولية، بما فيه نظام إدارة المجتمع الدولي وتطوير الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها.
وكشفت الأزمة هشاشة العديد من الأنظمة السياسية التي لم تُولِ اهتماماً كافياً بالإنسان وحقوقه بما فيها «الحق في الصحة» الذي هو حق أساس بغض النظر عن الفوارق الطبقية والتفاوت الاجتماعي، مثلما أظهرت أهمية وضرورة «التدخل الإيجابي» للدولة ومساهماتها في تأمين الرعاية الصحية والضمان الصحي للجميع، حتى إن أنظمة تعاني شحّ الحريات كانت أكثر جاهزية وانضباطاً وقدرة على مواجهة الأزمة، بل إن بعضها أرسل دعماً لدول أكثر تقدماً، وتلك إحدى المفارقات التي أكدت أهمية التعاون الدولي لحماية الإنسان لأنه «مقياس كل شيء» على حد تعبير الفيلسوف الإغريقي بروتوجوراس.
وبالعودة إلى قلم أينشتاين، فقد أهداه إلى أحد تلامذته النابغين وأصبح هذا رئيساً لجامعة بغداد (1958-1963) وظلّ يحتفظ بالقلم الثمين الذي خصّصه للتوقيع على شهادات الخريجين، لكنه فقده يوم اعتقل وأهين إثر انقلاب دموي (8 فبراير/‏شباط 1963)، واضطرّ بعدها إلى الهجرة إلى الولايات المتحدة ليتوفى فيها العام 1969، إنه عبدالجبار عبد الله عالم الفيزياء النووية.
ما أحوجنا إلى قلم أينشتاين، بمعنى إلى العلم وإعلاء شأن العلماء لتحقيق مستلزمات النهضة في مواجهة المرض والجهل والتخلف، ففي ذلك يكمن سرّ الجواب على سؤال شكيب أرسلان (مفكر لبناني) «لما تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم؟».
drshaban21@hotmail.com


12
من دفتر الاختفاء القسري
عبد الحسين شعبان
قلّة من الذين اختفوا قسرياً عُرف مصيرهم، فقد ظلّ المرتكبون حريصين على إخفاء كل أثر لهم.
إن خبر اختفاء الناشر والإعلامي مازن لطيف، صاحب دار ميزوبوتيميا، والإعلامي والكاتب توفيق التميمي في بغداد، يعيد إلى الأذهان ملف الاختفاء القسري الذي ظل يتضخم باستمرار، حيث يعاني 88 بلداً منه، وامتد خلال العقود الأربعة الماضية إلى معظم القارات والبلدان، منها العراق ولبنان وسوريا وليبيا والجزائر والمغرب وإيران وتشيلي والأرجنتين والعديد من دول أمريكا اللاتينية وبعض دول آسيا وإفريقيا، ولم تسلم منه بلدان متقدمة مثل فرنسا، ولعل جيلي يتذكر حادث الاختفاء القسري للمهدي بن بركة من مقهى ليب في باريس.
وأستطيع القول: إن قلّة من الذين اختفوا قسرياً عُرف مصيرهم، فقد ظلّ المرتكبون حريصين على إخفاء كل أثر لهم، وباستعادة أسماء لامعة اختفت قسرياً منذ سنوات طويلة نذكر المهدي بن بركة 1965، موسى الصدر 1978، صفاء الحافظ وصباح الدرة وعايدة ياسين 1980، عزيز السيد جاسم 1991، عز الدين بحر العلوم وعدد من عائلته وعائلة آل الحكيم 1991، شبلي العيسمي 2011، والاستثناء في ذلك هو معرفة مصير منصور الكيخيا الذي اختفى منذ عام 1993 في القاهرة، حين كنّا في اجتماع للمنظمة العربية لحقوق الإنسان، ومنها نُقل إلى طرابلس بصورة سرّية حسبما انكشفت القصة لاحقاً، ومكث في معتقل سرّي لغاية عام 1997 وتوفي بعدها.
الكيخيا لم يُدفن حينها، وإنما استبقي في ثلاجة (برّاد) لغاية عام 2011، وكُشفت ملابسات اختفائه بعد أن أدلى عبدالله السنوسي مدير المخابرات السابق باعترافاته. وقامت الدولة - الثورة بتكريمه في حفل مهيب (ديسمبر / كانون الأول عام 2012)، ووجه حينها رئيس الوزراء علي زيدان ورئيس المؤتمر الوطني محمد المقريف دعوة إلى كاتب السطور لحضور الاحتفال الرسمي الذي أقيم تكريماً له، وسبق لي أن أصدرت كتاباً عنه (1998)، بعنوان «الاختفاء القسري في القانون الدولي - الكيخيا نموذجاً».
وفي كل عام بين ديسمبر / كانون الأول وشباط / فبراير، وما بعده أستعيد ظاهرة الاختفاء القسري وملابسات العديد من الحالات التي اشتغلت عليها، من زاوية حقوقية وفلسفية واجتماعية وأخلاقية وقانونية، فالمرتكبون في السابق والحاضر يراهنون على النسيان وذبول الذاكرة، ولا سيما بمرور الزمن، فتضعف المطالبة بتبيين مصير المختفين قسرياً، وتتلاشى القضية تدريجياً، بل ويصبح الأمر مجرد ذكرى، ولهذا فهم يعمدون على التعتيم، ويثيرون غباراً من الشك لإبعاد الموضوع عن دائرة الضوء وإبقائه في دائرة الظلّ، ولعلهم يأملون أن تتآكل القضية مع مرور الأيام، وذلك في إطار دورة الزمن وازدحام الأحداث.
وكنتُ أتساءل مع نفسي عند كل حالة اختفاء قسري، لماذا تمارس سلطة رسمية أو جهات تابعة لها أو بمعرفتها مهمات أبعد ما تكون عن وظائف الدولة، وكأنها أقرب إلى مهمات «عصابة»، فتخفي أثر مواطنة أو مواطن أعزل، وتضيّع سبل الاهتداء إليه، أو الاستدلال على مكانه، ومن ثم معرفة مصيره، وبإمكانها إلقاء القبض عليه، وتقديمه إلى القضاء إذا كان «متهماً» بارتكاب «جريمة» ما، أو اقترف مخالفة ما، عوضاً عن إخفائه قسرياً في جنح الظلام، علماً بأنه لا يملك إلا الامتثال للإجراءات القانونية.
ويسأل الرأي العام: لماذا تستبدل الدولة بوظيفتها، وهي حفظ وتنظيم حياة الناس وضمان أمنهم وممتلكاتهم وتطبيق النظام العام، وظيفة جماعة خارجة على القانون، في حين أن مسؤولياتها تأمين التطبيق السليم للقانون على الجميع؟ وهل تستطيع الدولة أن تتذرع بعدم معرفتها؟ وهل بإمكان المسؤولين فيها إعفاء أنفسهم من المساءلة؟ وأين هي التحقيقات اللازمة؟ فتلك أسئلة برسم الدولة والقانون والقضاء.
إن ارتكاب جريمة «الاختفاء القسري» تعني انتهاك قواعد الشرعة الدولية لحقوق الإنسان في أكثر من محور، سواء لحقوقه الفردية أو لحقوقه الجماعية المنصوص عليها في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، ويمكننا مقاربة ذلك من خلال:
1- حق الحياة والحرية والأمان الشخصي.
2- الحق في ظروف احتجاز إنسانية، أي عدم التعرّض للتعذيب أو المعاملة القاسية أو الحاطّة من الكرامة.
3- الحق في الاعتراف بالإنسان شخصية قانونية، فالاختفاء القسري يحجب عن الإنسان الحق في إعلان شخصيته، لأنه مجهول المصير والمكان.
4- الحق في محاكمة عادلة.
5- الحق في حياة أسرية طبيعية.
وكانت الأمم المتحدة قد أولت قضية الاختفاء القسري اهتماماً متزايداً، ففي عام 1979 أصدرت قراراً بعنوان «الأشخاص المختفون» وفي عام 1980 أنشئ الفريق العامل المعني بمتابعة حالات الاختفاء القسري، وفي عام 1992 أصدرت إعلاناً أطلقت عليه «إعلان بشأن حماية الأشخاص من الاختفاء القسري أو غير الطوعي»، معتبرة ذلك جريمة مستمرة باستمرار مرتكبيها في التكتم على مصير الضحايا، وهي جريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، ولا يستفيد مرتكبوها من أي قانون عفو خاص. واعتمدت اتفاقية دولية في عام 2006 نصت على منع الجريمة والتحقيق في معاقبتها تماشياً مع قرارها رقم 39 الصادر في عام 1994، والذي عبّرت فيه عن قلق المجتمع الدولي إزاء استمرار هذه الظاهرة.




13
بيان لجنة السلام العربي حول دعوة امين عام الجامعه العربيه لوقف الحرب في سوريا واليمن وليبيا


23 مارس 2020/العواصم العربيه

اطلعت اللجنة على بيان معالي الأمين العام أ. أحمد أبو الغيط في الذكرى الماسية لتأسيس الجامعة وهي إذ تشيد بما احتواه وخاصة دعوته للوقف الشامل للحروب العربية الثلاث في اليمن وسوريا وليبيا التي تنعدم فيها أي مصلحة عربية قُطرية أو قومية ، كما يتضح من فجائع هذه الحروب العبثية وما ألحقته من تدمير وتجويع وتشريد وتفكيك للدولة الوطنية في الدول الثلاث ،وتدمير ما أنجز فيها على مدى عدة عقود، وشُرّع لأول مرة بأن تصبح قوى معادية لمصالح الأمة العربية وقضيتها المركزية "فلسطين "، طرفاً مباشراً في هذه الحروب واستحواذها على قراري الحرب والسلم .
وبهذا الصدد تعبر اللجنة عن تثمينها لبيان الأمين العام الذي عبّر عما يجيش في ضمير كل عربي ،سواء في تشديده على أهمية الأمن القومي العربي الذي لايتجزأ ،والذي لن تقوم له قائمة إلا في ظل علاقات عربية صحية ،ومناخات سلمية ونبذ اللجوء إلى استخدام القوة بين الأشقاء لحل الخلافات البينية العربية والاستعانة بالأجنبي .
إن اللجنة تؤيد مطالبة الأمين العام بإسكات المدافع التي توجهُ إلى صدور وبيوت ومزارع ومصانع ومدارس ومساجد وكنائس وجامعات أشقاء ،وليس نحو الأعداء المتربصين بنا .
لقد أُهدرت موارد ثمينة كان الأجدر بها أن تُوجه إلى التنمية والقضاءِ على الأمية والفقر والتخلف الذي يعشعشِ في كل الدول العربية وعلى رأسها تلك المنخرطة في صراعات لاطائل منها. إن القوى الخارجية عندما تساعد هذا الطرف العربي أو ذاك في حربه ضد جاره وشقيقه ،فهي تخدم مصالحها في المقام الأول وتوظف سلاحنا وعقولنا ومواردنا لخدمة أهدافها الخبيثة والشريرة.لقد عانى اليمنيون والسوريون والليبيون طوال سنوات الصراع التي يبدو أن نهايتها ليست قريبة . وفي هذا الجو المسموم لن تقوم للأمن العربي قائمة ،وستزداد جامعة الدول العربية ضعفا والعمل العربي المشترك تشرذما.
ولكي يُفَعِّل الأمين العام مبادرته يحدو باللجنة الأمل أن تقوم الجامعة بما يلي:

1- أن تضع الأمانة العامة على جدول أعمال القمة العربية القادمة في الجزائر بنداً لإنهاء هذه الحروب، وكذلك دعوة الحكومه السورية الى إشغال مقعدها في الجامعة العربية وبكافة مؤسساتها.وأن ينبثق عن القمه لجنة رئاسية بالاضافة الى الامين العام ،للعمل على وقف الحرب في الاقطار الثلاث ،والزام الأطراف المتنازعه الجلوس على مائدة الحوار والتوافق.

2- أن تدعو الجامعة وقبل انعقاد القمه العربية القادمة إلى حوارات في مقر الجامعة تضم ممثلي كل الدول الثلاث الرسميين وغير الرسميين وبحضور شخصيات عربية فكرية وسياسية وازنة غير منحازة، ليناقشوا بحرية وشفافية ومن منطلق المصلحتين الوطنية والعربية، مشكلاتهم وخلافاتهم وسبل إيجاد حلولٍ لها بعيدا عن أي مؤثرات خارجية. بحيث تكون خلاصة تلك الحورات دليلاً يعين القمهة على تحديد الاتجاهات التي ستقود الى تحقيق المصالحات الشاملة في الاقطار الثلاثة .وبذلك تستعيد الجامعة دورها وثقة الجماهير العربية بها ،وتؤسس اللبنة الأولى للأمن القومي العربي .

والله ومصلحة الامه العربيه من وراء القصد

الموقعون :
1) الإمام الصادق المهدي- رئيس المنتدى العالمي للوسطية، رئيس وزراء السودان السابق- السودان.
2) الدكتور عبد السلام المجالي - رئيس جمعية الشؤون الدولية، رئيس وزراء الأردن السابق- الأردن.
3) المهندس سمير حباشنة- رئيس الجمعية الأردنية للعوم والثقافة، وزير الداخلية الأسبق- الأردن/منسق المجموعة .
4) السيد عباس زكي- عضو اللجنة المركزية لحركة فتح – فلسطين.
5) المهندس فلح حسن النقيب – وزير الداخلية السبق – العراق .
6) السيد رفيق عبد السلام بوشلاكة وزير خارجية تونس الأسبق ورئيس الدراسات الأستراتيجية و الدبلوماسية.
7) السيد نبيل ابن عبد الله / وزير سابق / المغرب .
8) الدكتور عدنان السيد حسين- رئيس الجامعة اللبنانية سابقاً - وزير سابق – لبنان.
9) المهندس مروان الفاعوري- الأمين العام للمنتدى العالمي للوسطية- الأردن.
10) الدكتور أكرم عبد اللطيف - عضو المجلس الوطني – فلسطين .
11) الشيخ قصي اللويس – رئيس مجلس القبائل السورية .
12) الدكتور عبد الحسين شعبان - كاتب ومفكر – العراق
13) د.عاطف مغاوري / كاتب ومفكر – مصر .
14) د.محي الدين المصري..مفكر وكاتب مندوب الاردن الدائم/مساعد مدير عام المنظمه العربيه للتربيه والثقافه والعلوم سابقاً.
15) السيد محمد عبد السلام العباني – رئيس المؤتمر الوطني الجامع الليبي .
16) السيد سيف المسكري- مندوب عُمان في مجلس التعاون الخليجي بالرياض سابقاً- عُمان.
17) الأستاذ صالح قوجيل / عضو المجلس الوطني – الجزائر
18) الدكتور محمد طلابي- كاتب ومفكر – المغرب. الدكتور حلمي الحديدي رئيس منظمة تضامن الشعوب الأفروآسيوية.
(19 السيد حسين فضلي - اليمن - سفير سابق .
(20 السيد محمد عمر بحاح - اليمن -سفير سابق.
(21 السيد علي محسن حميد - اليمن- سفير سابق .
(22 السيد محمد شفيق صرصار - رئيس الهيئة المستقلة للانتخابات سابقا- تونس



14
 

هل «الوطنية» من إرث الحرب الباردة؟

عبد الحسين شعبان
في حركة الاحتجاج العربية بطورها الثاني في الجزائر والعراق ولبنان والسودان برز صراع خفي ومعلن بين مجموعتين كلاهما يتشبّث بالوطنية، وهو امتداد لصراع قديم في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. وبغض النظر عن الاتهامات المتبادلة بالولاء الإقليمي أو الدولي، فالوطنية ستكون ناقصة ومبتورة، بل مشوّهة إذا كانت بلا حرّيات ولا حقوق، وكذلك إذا كانت تتحرّك تلبية لمصالح إقليمية أو دولية أو توظف بعيداً عن المصالح العليا للبلاد.
لقد كان صراع «الوطنية» عنواناً حاداً أيام الحرب الباردة، حين كانت الحكومات والمعارضات تتأرجح أحياناً بين معسكرين متناحرين يحاول أحدهما إلغاء الآخر، فاليساري لا يجد ضيراً في ولائه الأممي، والناصري والبعثي يجدان في ولائهما «القومي» الأساس في هوّيتهما العربيّة، في حين يتشكل ولاء الإسلامي بالانتماء إلى «الأمة الإسلامية»؛ وهكذا تكون الأممية والقومية والإسلامية عابرة للحدود الوطنية وأحياناً بتعارض مع المعيار الوطني.
إن صراع الماضي يستجد حاضراً بأشكال مختلفة، فأصحاب الولاء الإقليمي يتهمون أصحاب الولاء «الدولي»، ويغمزون التحرك للمطالبة بالحقوق والحريات باعتباره استجابة لإشارة أجنبية، والعكس الصحيح أيضاً، حين يصبح الولاء الدولي «مبرّراً» والولاء الإقليمي اتهاماً، ولعلّ مثل هذه النظرة الإسقاطية هي امتداد لإرث الحرب الباردة، فما قيمة الوطنية دون حقوق وحريّات؟ وما قيمة الحقوق والحريات حين يكون الوطن مرتهناً للأجنبي؟
وتتوزع الاتهامات بين من يحاول التقليل من قيمة الحقوق والحريات بزعم التهديد الخارجي، ولا يعني ذلك سوى الاستكانة والرضوخ والقبول بحكم الاستبداد، كما إن الاستهانة بضغط الخارج ومحاولات إملاء الإرادة والاستسلام، إنما تعرّض البلاد والحرّيات والحقوق ذاتها إلى مخاطر تتعلّق بالوجود، فهناك ترابط وثيق ومحكم بين الحقوق والحريات الذي بهما يمكن مجابهة التحدّي الخارجي وحماية الاستقلال وتحقيق التنمية المستدامة، إذْ إنّ شحّ الحقوق والحريّات يؤدي إلى إضعاف إمكانية المقاومة والتصدي للخطر الخارجي أياً كان مصدره إقليمياً أم دولياً، وتلك معادلة أثبتت التجارب التاريخية أهمية الحفاظ على توازنها ودقتها، وأي اختلال في موازينها يؤدي إلى اختلال في معيار الوطنية ذاتها.
وعلى الرغم من مضي أكثر من ثلاثة عقود على انتهاء الحرب الباردة والصراع الإيديولوجي بين الشرق والغرب إلّا أن الكثير من بقاياهما ما يزال يهيمن على المشهد السياسي الراهن وإن اتخذ أبعاداً جديدة، في حين أن الدرس الأول في الوطنية يعلّم أن لا إفراط ولا تفريط، ولا بدّ من مراعاة المصالح العليا في إطار التطور الكوني، وشرط ذلك الحقوق والحرّيات، فالعالم العربي ليس جزيرة معزولة، وإنما هو أرخبيل مفتوح على كل الاتجاهات، ولابدّ أن يتفاعل مع العالم والإقليم في إطار من التوازن وحماية المصالح وتبادل المنافع.
استعدتُ ذلك في براغ حين إلقائي محاضرة بدعوة من النادي الثقافي العراقي ارتباطاً بالتطورات التي يشهدها العالم العربي، فقد ظل الاعتقاد السائد أن مجتمعاتنا أصيبت بالشيخوخة والسبات العميق، وأن الروح الوطنية فيها خبت أو انطفأت، وأن الأنظمة الشمولية التي تحكّمت بمصائرها تمكّنت من تدجينها، وإذا بها تفاجئ الجميع، حين خرج المارد من القمقم، بشعارات بسيطة لكنها عميقة: «نريد وطناً» وحرّية وكرامة وعدالة، وتلك كانت شعارات الموجة الثانية للتغيير على المستوى العالمي التي شهدتها أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينات من القرن الماضي.
وكانت الموجة الأولى قد بدأت بالتحوّل الديمقراطي في أوروبا الغربية، حيث شهدت السبعينات الانعطاف نحو الديمقراطية في اليونان بعد الإطاحة بحكم الجنرالات وفي البرتغال بإسقاط دكتاتورية سالازار وفي إسبانيا بعد وفاة فرانكو.
ولم يكن لحركة التغيير العربية في طورها الأول الذي بدأ في تونس ومصر وامتدّ إلى عدد من البلدان العربية (2011)، رمز قيادي أو زعيم مخلد أو قائد ملهم وفوق حدود النقد، مثلما لم يكن لها نصوص مقدسة، ولم تقم على يقينيات أو سلفيات أو وعود، فقد كانت عابرة للإيديولوجيات والاصطفافات القومية والدينية والطائفية، وتجاوزت الأحزاب الكلاسيكية ولغتها الخشبية، من خلال فعل ثوري وطني جديد ونمط مختلف من التفكير والممارسة، لاسيّما بتعمّق الوعي الثقافي والإصرار على سلمية حركتها، وهكذا بدأت تنمو في جوف المجتمع اتجاهات جديدة ترفض الوصاية والأبوية والانصياع الإيديولوجي والتاريخي بعناوينه المختلفة، فقد كان يكفي شرارة واحدة ليندلع اللهب في السهل كلّه حسب ماوتسي تونج.
ودون تفاؤل مفرط أو تشاؤم محبط، بتضخيم الذاتي على الموضوعي أو بالعكس، فإن ثمة أوضاعاً استثنائية تحتاج إلى معالجات استثنائية، وتلك تتطلّب قراءة ونقداً للواقع، لاسيّما بعد فشل المشاريع الكبرى الاشتراكية والقومية والإسلامية، وذلك من خلال توجّه وطني ذي هويّة جامعة.
drhussainshaban21@gmail.com



15
السرّ الأكثر علانية
العراق يتجه إلى المجهول
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
بعد فشله (للمرّة الثالثة) في إقناع البرلمان بتمرير حكومته، انسحب رئيس الوزراء المكلّف محمد توفيق علاوي بانتهاء المدّة الدستورية، محمّلاً جهات سياسية، لم يفصح عنها، المسؤولية في عرقلة مهمته، متهمها بأنها غارقة في الفساد والمتاجرة بالطائفية والعرقية وأنها  كانت تتفاوض للحصول على "مصالح ضيقة" على حساب قضية الوطن ومصلحته، رافضاً " الاستمرار بالمنصب على حساب معاناة الشعب". ولعلّ ذلك كان خيبة أمل بالنسبة لعلاوي الذي اصطدم بجدار حديدي أساسه نظام المحاصصة الطائفي - الإثني الذي جاء به والذي لم يستطع تجاوزه على خطى سلفه عادل عبد المهدي الذي اضطر للاستقالة.
وبينما كان أعضاء البرلمان مجتمعين للتصويت على حكومة علاوي، كانت أصوات المتظاهرين تعلو في ساحة التحرير تندّد بالسلطة وأحزابها وترفض حكومة المكلف علاوي، وتطالب بمحاسبة المسؤولين عن قتل المئات منهم وجرح الآلاف، ووضع حد لنظام الفساد والتقاسم الوظيفي وإجراء انتخابات مبكرة واعتماد المعايير التي حدّدتها لاختيار رئيس وأعضاء مجلس الوزراء من المستقلّين وغير المحسوبين على أحزاب السلطة المشاركين في الحكم منذ العام 2003، فضلاً عن تمتعهم بالنزاهة والكفاءة والوطنية .
وهكذا يستمرّ المشهد السياسي العراقي في تعقيداته وإشكالياته التي أصبحت معتّقة ومزمنة، تلك التي زادتها انقسامات الكتل الشيعية وصراعاتها الداخلية وتجاذباتها في الموقف من حكومة محمد توفيق علاوي، التي اتسمت باتساع حجم التباعد والتنافر فيما بينها، وخصوصاً بين كتلة "دولة القانون" برئاسة نوري المالكي وكتلة "سائرون" برئاسة مقتدى الصدر، وذلك لرفض المالكي ترشيح علاوي في حين كان الصدر وبدعم من هادي العامري رئيس "كتلة الفتح" من يقف خلف ترشيحه ، وهو الأمر الذي سبقه أيضاً التوافق بينهما على ترشيح عادل عبد المهدي، ويعود اليوم إلى الواجهة مطالبة كتلة سائرون بحقها في ترشيح رئيس الوزراء باعتبارها الكتلة الأكبر، استناداً إلى تفسير المحكمة الاتحادية ، بعد فشل مرشحها المشترك علاوي بالاتفاق مع كتلة الفتح برئاسة العامري.
ولعل مثل هذا الصراع الشيعي - الشيعي المعلن والمستتر،  يؤكد على تفتت ما سمّي بالبيت الشيعي الذي احتكر سلطة الحكم لستة عشر عاماً، وذلك سينعكس مجدّداً على المرشح الجديد، حيث ستقف الكتل الشيعية واحدة بمواجهة الأخرى عند اختيار المرشح الجديد، لاسيّما الخلاف بين كتلتي سائرون ودولة القانون، مما قد يؤدي إلى إفشال أي مرشح جديد وبذلك يمكن لتجربة علاوي أن تتكرّر بحيث يتم تعطيل الإتيان برئيس وزراء جديد  ليدخل العراق في دوامة الفراغ الدستوري، وهو ما أشار إليه رئيس الوزراء المستقيل عبد المهدي في رسالته المؤرخة في 19 فبراير (شباط) الماضي والموجهة إلى رئيس الجمهورية برهم صالح ورئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي، وعاد وكرره بعد فشل مهمة علاوي بإعلان "غيابه طوعياً" كرئيس لمجلس الوزراء، علماً بأن وزارته قد تحوّلت إلى وزارة تصريف أعمال منذ قبول استقالته من جانب البرلمان في 1 ديسمبر (كانون الأول) 2019.
لقد تجمّعت قوى عديدة من خارج البرلمان ومن داخله للإطاحة بعلاوي ، فإضافة  إلى كتلة دولة القانون، هناك "التحالف الكردستاني" وبخاصة رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزاني، و"تحالف القوى العراقية" برئاسة محمد الحلبوسي و"القائمة العراقية" برئاسة إياد علاوي، إضافة إلى معارضة شديدة من جانب حركة الاحتجاج. وهكذا وبانسحاب رئيس الوزراء المكلّف بات من الضروري البحث عن رئيس وزراء جديد، طبقاً للسياقات الدستورية، على الرغم من استمرار الأزمة الطاحنة التي تلفّ البلاد من أقصاها إلى أقصاها منذ اندلاع حركة الاحتجاج التي لم يسبق لها مثيل تلك التي اندلعت في الفاتح من أكتوبر (تشرين الأول) العام 2019، وتوسّعت وتجددت في 25 من الشهر ذاته وهي ما تزال مستمرة حتى الآن على الرغم من انتشار الفايروس القاتل كورونا إلّا أن المتظاهرين رددوا بتحدٍّ :" كورونا لا يخيفنا والسياسيون هم الفايروس الحقيقي"، علماً بأن الجدل والصراع أخذا بعداً دستورياً أيضاً بشأن الجهة الرسمية التي يمكن أن تحلّ محلّ رئيس الوزراء.
إن استقالة عادل عبد المهدي وانسحاب محمد علاوي أعاد الكرة مرّة أخرى إلى ملعب رئيس الجمهورية والكتل الشيعية لاختيار مرشح جديد لرئاسة الوزارة يتم تكليفه من جانب رئيس الجمهورية، وهو الأمر الذي سيعيد التجاذبات والاحتكاكات مجدداً  بينها من جهة وبين الكتل الأخرى فيما إذا كانت الشخصية المرشحة مقبولة أو غير مقبولة من طرفها، فضلاً عن موقف حركة الاحتجاج الشعبية ورؤيتها من جهة أخرى، خصوصاً وأنها وضعت معايير لم يتم اعتمادها من جانب الكتل التي رشحت علاوي، الأمر الذي أدى إلى رفضه شعبياً، بغض النظر عن صراعات القوى السياسية التي حجبت الثقة عنه في البرلمان، وكل يغني على ليلاه، بمعنى مصالحه الخاصة ويقدّم بذلك مبرراته وأسبابه.
وحسب المادة 81 من الدستور يمكن لرئيس الجمهورية أن يتولى مهمات رئيس الوزراء إذا شغر المنصب لأي سبب كان، لكن ثمة من له تفسير آخر لمثل هذا النص، لاسيّما بوجود نائبين لرئيس الوزراء يمكنهما القيام بمهماته وممارسة صلاحياته، الأمر الذي يستبعد تحقّق شروط المادة المذكورة، لكن مثل هذا الرأي يفنّده قبول مجلس النواب (البرلمان) استقالة وزارة عادل عبد المهدي  في 1 ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، وتكليف رئيس الجمهورية لمحمد توفيق علّاوي بتشكيل وزارة جديدة، وحتى لو استدرك رئيس الوزراء عن استقالته، فإن مجلس النواب كان قد وافق عليها وأصبح قراره نافذاً.
وفي ظلّ الانقسامات الحادة والتشظي الواسع والاستقطابات الجديدة، فإن مهمة تكليف رئيس وزراء جديد وحصول الأخير على ثقة البرلمان من جهة، وثقة حركة الاحتجاج من جهة ثانية، تبدو صعبة جداً وإن لم تكن مستحيلة، حتى وإن كان الهدف هو تشكيل حكومة انتقالية تضع في صلب برنامجها خيار إجراء انتخابات مبكرة على أن يكون حدّها الأقصى نهاية السنة الحالية (2020)، غير أن مشكلات جدّية وعقبات عديدة تواجه هذه المهمة، منها قانون الانتخابات الذي لم يكتمل بعد لكي يصادق عليه رئيس الجمهورية، وستطرح من هذه المهلة مدّة الـ 15 يوماً التي حدّدها الدستور لتكليف رئيس الجمهورية لرئيس وزراء جديد، وهذا الأخير سيأخذ فترة 30 يوماً ليتقدّم بوزارته إلى البرلمان لنيل الثقة، وكلّ هذه الأمور ستحتسب على موعد إجراء الانتخابات والتي قد تؤدي إلى تأخيرها، علماً بأن حركة الاحتجاج تعلن بكل صراحة ووضوح أنها مستمرة لاستعادة الوطن والكرامة والعدالة.
ويحاول رئيس الجمهورية عقد اجتماعات مع رؤساء الكتل، ولاسيما مع القيادات الشيعية، حيث التقى مع رئيس "تيار الحكمة" عمار الحكيم ورئيس "كتلة ائتلاف دولة القانون" نوري المالكي ورئيس "تحالف الفتح" هادي العامري ورئيس "ائتلاف النصر" حيدر العبادي ، وقد تردّد بعض أسماء مرشحة هي :
1- مصطفى الكاظمي - مدير المخابرات الحالي
2- محمد شياع السوداني - وزير الشؤون الاجتماعية السابق
3- علي الشكري- وزير التخطيط السابق
4- حيدر العبادي - رئيس الوزراء الأسبق،
وهناك أسماء أخرى مثل عدنان الزرفي محافظ النجف السابق ونعيم السهيل مستشار الرئاسة سابقاً وأسعد العيداني محافظ البصرة السابق، كما تردّد إمكانية إعادة تكليف عادل عبد المهدي مجدداً لرئاسة الوزراء. وكان تحالف "سائرون" بقيادة مقتدى الصدر قد وضعت شروطاً أساسية لدعم أي مرشح لرئاسة الوزراء خلفاً لرئيس الوزراء المكلّف محمد علاوي، وأولها موافقة المرجعية الدينية، تلك التي كانت كلمتها نافذة في السابق والحاضر ، سواء في اختيار علاوي أم عبد الهادي أم العبادي أم المالكي، وهو ما يحملها البعض مسؤولية هذا الخيار ، على الرغم من أنها تحاول كما تقول عدم زج نفسها بشكل مباشر في مثل هذا الاختيار الصعب، دون إغفال الدور الإيراني المتغلغل والنفوذ الأميركي الذي يحسب له حساب أيضاً.
والجدير بالذكر أن المادة 76 تعطي الحق لرئيس الجمهورية في ترشيح من يراه مناسباً بعد فشل المكلّف الذي رشحته الكتل السياسية، علماً بأن التوافق بين المجموعات الشيعية أصبح صعباً جداً ، خصوصاً بعد انقسامها بين مؤيد ومعارض لمحمد توفيق علاوي، الذي تمت الإطاحة به بالتعاون بين كتل شيعية وكتل من خارج دائرة ما يسمى بالبيت الشيعي من الكتل الكردية والسنية حسب المصطلحات السائدة.
ويبدو أن "كتائب حزب الله" الموالية لإيران هي من يؤيد ترشيح عادل عبد المهدي، لاسيّما بعد مهاجمة ناطق باسمها " أبو علي العسكري" مصطفى الكاظمي رئيس جهاز المخابرات، الذي يتردد اسمه باعتباره بديلاً لعلاوي، وقد سبق لها أن دعت إلى إجلاء القوات الأمريكية من العراق وقامت بأنشطة عسكرية ضد السفارة الأمريكية في بغداد، علماً بأن البرلمان العراقي صوّت لصالح سحب جميع القوات الأجنبية من العراق في ظلّ معارضة وغياب كردي وسنّي .وتعتبر "الكتائب" ترشيح الكاظمي لشغل منصب رئيس الوزراء بمثابة "إعلان حرب على الشعب العراقي الذي سيحرق ما تبقى من أمن العراق" وقد ردّ بيان صادر من رئاسة المخابرات على اتهامات كتائب حزب الله العراقي معتبراً إياها باطلة وهدفها إيذاء العراق.
وإذا كانت القوى الكردية لا تمانع من ترشيح عادل عبد المهدي مجدداً، كما جاء ذلك على لسان قباد الطالباني  نائب رئيس وزراء إقليم كردستان، فإن الكتلة السنّية " تحالف القوى العراقية" (برئاسة رئيس البرلمان محمد الحلبوسي) لا تريد استنساخ تجربة ثانية له أو لمحمد علاوي، وتفضل شخصية مقبولة للمضي معها، كما جاء على لسان محمد الكربولي.
وكان عادل عبد المهدي الذي أعلن عن غيابه الطوعي قد قال في رسالته التي سبقت الإشارة إليها أنه " لن يلبي أي دعوة لإجراء لقاءات أو مباحثات اجتماعية رسمية محلية أو أجنبية، داعياً إلى حل البرلمان قبل 60 يوماً من تاريخ إجراء الانتخابات المبكرة " إلا أنه أوضح قائلاً  إن ذلك " لا يعني عدم احتمال اللجوء لاحقاً إلى إعلان خلو المنصب وفق المادة 81 من الدستور، إذا لم تصل القوى السياسية والسلطات التشريعية والتنفيذية إلى سياقات تخرج البلاد من أزمتها الراهنة وفق المادة 76 من الدستور".وسواءً تم الاتفاق بين الكتل المتصارعة على مرشح أو لم يتم الاتفاق عليه فإن مهمته حتى وإن كانت انتقالية ومؤقتة لكنها ستكون مضنية ، خصوصاً بالضغوط التي سيتعرض لها من جانب القوى المتنافرة والتي قد تفشل مهمته مرة أخرى ، حتى وإن تم اختياره كمرشح تسوية .
وفي حين تتصارع الكتل والقوى الطائفية والإثنية على المواقع والمناصب بشراهة وأنانية وعدم شعور بالمسؤولية  في السر والعلن غير آبهة بمطالب القوى الشعبية واحتجاجاتها وغير مكترثة بالدماء التي سالت فإن البلاد تنحدر يوماً بعد آخر إلى المجهول، لاسيّما باستمرار أزمة الحكم المستفحلة منذ 17 عاماً.




16
مقدمة الطبعة الثانية
 لكتاب الهوية والمواطنة

الحاجة إلى الإصغاء واحترام الخصوصيات


عبد الحسين شعبان

انشغلت بموضوع “الهويّة والمواطنة” منذ أكثر من ثلاث عقود من الزمان ، ارتباطاً بالتغييرات الكبيرة التي شهدتها بلدان أوروبا الشرقية بانتهاء عهد ” الحرب الباردة” بشكلها السابق والصراع الأيديولوجي بين النظامين المتصارعين “الرأسمالي والاشتراكي”، لاسيّما بانفجار موضوع الهويّات على نحو لم يسبق له مثيل، الأمر الذي غيّر الكثير من المسلّمات والفرضيات، فاستوجب إعادة النظر بعدد من القناعات والاستنتاجات، سواءً على الصعيد الفردي أم على الصعيد المجتمعي، للصلة الوثيقة بين العام والخاص، والوطني والفردي والشامل والفرعي.
ولم تكن ظاهرة “انبعاث” الهويّات لدرجة التذرر أحياناً، ناجمة عن إرادة مسبقة أو رغبة في التفلت من الكيانات السابقة فحسب، بل انعكاساً لواقع جديد وتعبيراً عن تمظهرات مستحدثة موضوعياً وذاتياً، بتداخلات خارجية واستقطابات داخلية، خصوصاً وقد رافقها أعمال عنف ونزاع وحرب بعد جدل وصراع، استعرت آواره بفعل صعود عوامل التعصّب ووليده التطرّف وهذا الأخير إذا ما تحوّل إلى سلوك سيقود إلى العنف، والعنف حين يضرب عشوائياً يصبح إرهاباً منفلتاً من عقاله باستهداف المجتمع والدولة معاً، وهدفه إضعاف ثقة الفرد بالدولة وإحداث نوع من الرعب والفزع  في المجتمع بما فيه إضعاف ثقته بالدولة، ناهيك عن أنه يصبح إرهاباً دولياً عابراً للقارات والحدود والبلدان.
وقد حاولت معالجة موضوع “الهويّة والمواطنة” من زوايا مختلفة، سواء هويّة الجماعة الثقافية أم هويّة الفرد الثقافية آخذاً بنظر الاعتبار التحوّلات والتغييرات التي شهدتها هويّة الجماعة أو الفرد كجزء من صيرورة تاريخية دينامية متعدّدة ومتنوّعة ومفتوحة وقابلة للإضافة والحذف بما يتناسب مع درجة التطور في كل مجتمع وكل مجموعة بشرية وكل فرد، بلحاظ القواعد القانونية العامة في الدولة العصرية، تلك التي تتيح الإمكانات لمواطنة سليمة ومتكافئة.
وفي إطار الهويّة، وفي لبّها تتفاعل عوامل عديدة قومية ودينية ولغوية وسلالية واجتماعية وثقافية وتاريخية وغيرها، مرّة بمعناها التشاركي وأخرى بمعناها التنازعي، وتارة بمعناها العام الجامع والمشترك وثانية بمعناها الفرعي الخاص والمتميز، والأخيرة غالباً ما تكون دفاعية ضد التسيّد أو الهيمنة أو رفض الاستتباع وقد تندفع مرغمة على الانعزال، سواء على المستوى الفردي أم على المستوى الجماعي، مثلما تأخذ تلك التجاذبات مكانها في البحث عن تكافؤ الفرص لمواطنة متساوية ومتكافئة .
هويات متعددة
وهناك تداخل وتفاعل لدرجة الاندغام أحياناً بين هويّات متعدّدة لدى كل فرد ولدى كل مجموعة بشرية، وتلك هي ما يميّزها عن غيرها، لاسيّما لشعورها بالانتماء، مثلما تميّز الفرد عن غيره، والأمر يعود إلى القناعة الخاصة من جهة والشعور الذي يجمع من ينتمون إلى هذه المجموعة، أو لدى الفرد الواحد من جهة أخرى، بحيث يقر أن هذه السمات هي التي تعبّر عن هويّته الغالبة أو أن هذه المجموعة تشعر أن هذه المواصفات هي التي تمثل شعورها الخاص بالتميّز أو التمايز عن غيرها من المجموعات الإنسانية.وكان صدور الطبعة الأولى من كتابي ” الهويّة والمواطنة – البدائل الملتبسة والحداثة المتعثّرة ”  يناير /كانون الثاني 2017 وقبلها  كتابي المعنون “جدل الهويّات في العراق- الدولة والمواطنة” في العام 2010 وقبله كتابي الموسوم ” من هو العراقي؟- إشكالية الجنسية واللاّجنسية في القانونين العراقي والدولي، في العام 2002 فرصة جديدة لتوسيع دوائر الحوار والجدل والنقاش الذي احتدم على المستوى العالمي، ناهيك عن انعكاساته عربياً.ومثل تلك الفرصة كانت مناسبة لإجراء مقارنات ومناظرات مع تجارب شتى أوروبية وأمريكية لاتينية وآسيوية وأفريقية، لاستخلاص المشتركات من جهة ولتأشير المختلفات من جهة أخرى، لاسيّما فيما يتعلق بهويتنا، خصوصاً حين ينصرف التفكير  إلى أسئلة قديمة – جديدة، وربما راهنة ومستقبلية من قبيل :  كيف يمكن أن نحصّن هويتنا الوطنية ونوازن بين ما هو فردي وعام وفرعي وشامل بحيث نبني ثقافة وطنية قائمة على المشتركات الإنسانية أساسها جدلية الوحدة والتنوّع في آن، والمرتكزة على كونية القيم وخصوصية الأداء والممارسة ؟ وأخيراً كيف السبيل للتواؤم مع قيم الحداثة دون القطيعة مع التراث؟وإذا كان ذلك يتعلق بالهويّة فما هي الأولويات التي تطرح نفسها بخصوص المواطنة  التي تتمايز وتختلف عن الوطنية أو الجنسية؟ والمواطنة مسألة سلوكية تعني كل فرد من أفراد المجتمع وهي تتألف من اتحاد مواطنين، وكل مواطن له حقوق وعليه واجبات، وهذا الفهم يختلف عن “الرعايا” أو “التابعين” ، أي أن الأخيرين ملحقين في حين أن الأول يعتبر مصدر السلطة إذا ما جمعنا المواطنين إلى بعضهم وهو ما يتم التعبير عنه بالصياغات الدستورية ” الشعب مصدر السلطات”.والمواطن أي مواطن معني بثلاث قضايا: علاقته بالدولة كيف تؤطر، ثم مشاركته في اتخاذ القرار، أي وفق أي صيغة دستورية، وأخيراً مسؤوليته كعضو فاعل في المجتمع ودوره في المشاركة الحيوية، باعتبار أن كل ما يدور في الدولة والمجتمع أمور تعنيه. وتتكوّن هويّة المواطنين من السمات المشتركة والجامعة خارج دائرة الأيديولوجيات والأديان والطوائف، وهي هويّة غير إستنتاجية وغير دوغماتية أو أيديولوجية، بل عفوية تلقائية صميمية ، من خلال المشتركات والقيم التي يجتمع المواطنون عليها، وبالطبع فاللغة ركن أساس من أركانها والذاكرة المشتركة والتاريخ المشترك والدين والعادات والتقاليد والآداب والفنون التي نشأوا عليها.
وتلتصق صفة المدنية بالمواطنة وهو ما جاء في لسان العرب فالوطن هو المشترك ومكان الإقامة ، سواء ولد فيه الإنسان أم لم يولد، والمواطنة أساسها المعايشة والمشاركة في هذا الوطن، أي المشاركة في العيش معاً، والتي يترتب عليها مسؤوليات اجتماعية وثقافية تتجاوز مسألة الأرض، لأنها تشمل العلاقات ونمط العيش والتفكير والحقوق، ناهيك عن شكل من أشكال الارتباط في إدارة الشؤون العامة ، وتحتاج هذه إلى برامج عمل ثقافية وتربوية وتعليمية لتحديد مكوّناتها وأسسها مثل: العلاقة بالمكان، العلاقة بالأشخاص الذين يسكنون هذا المكان ، العلاقة بمن يحكم هذا المكان ويدير الشؤون العامة فيه.وتختلف تلك المواصفات من بلد لآخر، ففي البلدان المتعددّة الثقافات تتداخل الهويّات العامة الجامعة والمشتركة ، مع الهويّات الخاصة والفرعية، وتحتاج بقدر الإقرار بالهويّة الجامعة، إلى اعتراف باستقلالية الهويّات الفرعية ، وفقاً لقاعدة حقوقية تربط بين ثقافة المجال العام المشترك والمتكوّن من مجموع الثقافات، ليس بمعنى حاصل جمع هذه الثقافات وإنما بمشتركاتها الإنسانية وبين ثقافة المجال الخاص مع الأخذ بعين الاعتبار التطوّر التاريخي والتأثيرات المتبادلة بين الثقافات، دون نسيان بعض جوانب التأثير في الثقافة السائدة وانعكاساتها لاعتبارات أخرى، فضلاً عن القيم المشتركة.
جدل الهويات
ولكي يكون الأمر في إطار جدل الهويّات وليس صراعها، أي تقليص الفوارق وتعظيم الجوامع، فلا بدّ من إيجاد نوع من التطامن القائم على المصالح المشتركة المشروعة في بوتقة جامعة، وهي ما يطلق عليه الصديق المفكر انطوان مسرّة ” المواطنة البراغماتية” وذلك تجنباً لصراع الأيديولوجيات في كتابه ” الثقافة المواطنية في المجتمع التعددي”   ونزاع الهويّات وتناحر المصالح، ويضرب مثلاً للبنان الذي يقول إن ” الحاجة تنقل صلابة النسيج الاجتماعي الحي إلى المجال العام”.
وإذا كانت الذاكرة الجماعية المشتركة  خزين لتفاعل الهوّية فهي حكماً تحتاج إلى  مناهج تربوية وتعليمية مشتركة تأخذ بنظر الاعتبار المشتركات مجنّبة التاريخ من الاسقاطات الأيديولوجية عليه، تلك التي تحول دون إكسابه الطابع العلمي والموضوعية المطلوبة.
والمواطنة التي تقوم على مرتكزات أساسية قوامها: الحرية والمساواة والعدالة، ولاسيّما الاجتماعية والشراكة والمشاركة في الوطن،  لا يمكن أن تعتمد على التلقين أو تمرّ من قنوات أيديولوجية أو تخضع لتقسيمات دينية أو طائفية، بل تحتاج إلى ممارسة حقوقية وحوار مستمر قطاعي ومجتمعي وقواعد قانونية تحمي المواطن الفرد مثلما تحمي حقوق المجموعات الثقافية وهوّياتها الفرعية ذات الخصوصية التي ينبغي احترامها.وإذا كانت الهويّة الوطنية قد لعبت دوراً جامعاً في فترة ما بعد الاستعمار، فقد كان هذا الدور عفوياً للشعور بالاستلاب من جهة، والرغبة والإرادة في الانعتاق من جهة أخرى، ولذلك أدارت المجاميع الثقافية حواراً فيما بينها على نحو تلقائي صميمي أساسه الدفاع عن الوجود بما فيه إذكاء وتعزيز الانتماء الوطني والشراكة بين أبناء الوطن الواحد، فضلاً عن الشعور بالاندماج والتفكير المشترك بالجامع والموحّد دون نسيان التمايزات والخصوصيات، وحسبنا هنا أن نستذكر المواجهة المتّسمة بالوحدة الوطنية ضد الاحتلال البريطاني في العراق  وضد الاحتلال الفرنسي في سوريا ولبنان.
ولعل أكبر التحديات التي تواجه الهوّية اليوم هو تحويلها إلى واقع حال، لاسيّما في ظل الانقسامات الطائفية والإثنية، التي دفعت بالهويّات الفرعية دينية أم إثنية أم لغوية أم سلالية إلى محاولة التفلّت بسبب ما لحقها من تسلط وتهميش في فترة ما بعد الاستقلال، دون التغافل عن العوامل الخارجية التي حاولت العزف على هذا الوتر، بهدف إضعاف الهوّية الوطنية في كل بلد عربي وعلى المستوى القومي.
وبالطبع فإن الممارسة الخاطئة والضارة والنظرة الأيديولوجية المتعالية والمسبقة لفكرة المواطنة هي التي عقّدت المشهد السياسي ووضعت عقبات أمام بناء ثقافة وطنية جامعة وهويّة صلبة ومتماسكة وشاملة تقوم على احترام الخصوصيات والهويّات الفرعية، والأمر لا يتعلق ببلداننا وهوّيتنا وثقافتنا ذات البعد العربي الإسلامي وإنما يتصل بالعالم أجمع، خصوصاً في أوروبا الشرقية بعد انهيار الأنظمة الشمولية، لدرجة إن بعضها خاض حروباً دموية وتشظى إلى عدد من الكيانات والدول أو الدويلات تحت عنوان ” انبعاث الهويّات”، الذي امتد إلى بلدان آسيا وأفريقيا وبعض دول أمريكا اللاتينية، ليس هذا فحسب بل إنه شمل أوروبا الغربية أيضاً . الأمر الذي يحتاج إلى إعادة النظر ببعض التقديرات التي اقتربت من الأوهام التي رافقتنا طيلة عقود من الزمان بشأن إمكانية حلّ جدل أو صراع الهوّيات بطرق آيديولوجية اعتقدنا أنها الطرق الناجعة، وإذا بالتجربة التاريخية تظهر العكس بارتفاع حدّة الصراع والجدل لدرجة أنه أصبح دموياً في بعض بلدان ” أوروبا الشرقية” وإن ظلّ في بلدان “أوروبا الغربية” سلمياً وقانونياً ودستورياً، لكنه قد  يذهب أبعد من ذلك  وهناك أمثلة كثيرة منها  اسكتلندا وكاتالونيا والباسك والكيبك وبلجيكا وغيرها.وحتى المفاهيم الحديثة التي جرى الاعتقاد أنها العلاج الشافي لمسألة انبعاث هوّية عصرية جديدة، أساسها الديمقراطية، فإن هذه القيم لوحدها غير جديرة ببناء هويّة موحّدة، وإنما تحتاج إلى استنهاض القيم التاريخية والثقافية المشتركة والذاكرة الجماعية العابرة للآيديولوجيات والطوائف والقوميات والإثنيات واللغات، سواء على المستوى الجمعي أو على المستوى الفردي، فللفرد مثلما للمجموعة أكثر من هوّية، كأن يكون عربياً أم كردياً، مسلماً أم مسيحياً، عراقياً أم سورياً، لكنه جزء من هوّية أوسع عربية أو حتى إسلامية مثلاً.
وهكذا تكون الهويّة مركّبة فردية أم جماعية وإن ارتبطت بوطن، فلأنها تحمل جنسيته كجزء من دولة ترتبط بالمواطنة كعلاقة مزدوجة مع محيطها دون استصغار أي من العناصر الأخرى، لكنه لبناء المشتركات تحتاج إلى الإقرار بوجودها ومراعاة تطورها التاريخي، وبالتالي وضعها في سياق يخدم المشترك الإنساني أولاً، ومرة أخرى نقول إن الهويّة جماعية أم فردية تخضع لهذه الاعتبارات، أي أنها مجمعنة أم مفردنة هي غير سرمدية أو نهائية أو كاملة، بل هي مفتوحة وتتطور مع تطور الزمن وغير نهائية، لأنها قابلة للإضافة والحذف.
وتلعب التربية دوراً مهماً في تعزيز الجانب التشاركي أو التنازعي في الهويّة والشعور بالانتماء  لمواطنة موحدة ، والأمر يشمل حتى البلدان المتقدمة فمثلاً في  سويسرا تقرّ الدولة أربع لغات رسمية هي: الألمانية والفرنسية والإيطالية والرومانشية ، حيث تعترف بـ الحق في التعلّم في المدارس بأي من هذه اللغات وبهذا المعنى لم تعد مشكلة نزاعية قانوناً وواقعاً. أما بلجيكا وإن كانت دولة ديمقراطية وفيدرالية أيضاً مثل سويسرا، لكن السلم المجتمعي لم يتحقق إلّا في العام 1957 بعد إقرار الحق في تعلّم أي من اللغتين السائدتين، والمقصود بذلك لغة الوالونيين والفلامنيين حيث أقرّت الدولة ميثاقاً مدرسياً للتربية، ومع ذلك فإن العوامل النزاعية ثقافيا ولغوياً ومصلحياً ما تزال تفعل فعلها الذي قد يصل إلى الانفصال، ولذلك لا يكفي القول بأن الحل في الديمقراطية وحدها، لأن العيش المشترك والشعور بالسمات العامة المشتركة هو الأساس الذي لا غنى عنه لتشكيل الهوّية من جهة ولبناء مواطنة متكافئة وقائمة على أسس دستورية، وهو ما يحتاج إلى إرادة سياسية توافقية وتنشئة تربوية على المواطنة المتساوية، ناهيك عن شرعية الإنجاز أيضاً من خلال التنمية وحسن الأداء والتعامل والمهم التطامن بين الهويّات.ولبناء مواطنة حيوية على أساس هويّة موحدة، فالأمر يحتاج إلى مناعة وطنية باستذكار ما هو سلبي في علاقات المجموعات الثقافية ليكون عبرة، والبناء على ما هو إيجابي ليكون أفقاً، لكي لا يندفع من يشعر بالغبن والتهميش والإقصاء إلى الرفض والتمرد والرغبة في الانقسام، وهذا الأمر يتطلب منجزاً مشتركاً ومعرفة متبادلة بخصوصيات كل فريق ومراعاتها، لما فيها من حساسيات، ناهيك عن المجال العام المشترك الداعم للوحدة والتضامن ومجابهة التحديات الخارجية، كما يحتاج إلى شجاعة وتصميم وإرادة سياسية والتزام قيمي وحضاري يقوم على المشتركات الإنسانية والتشاركية المسؤولة على مستوى الفرد والمجتمع والدولة.وأساس كل ذلك هو العيش المشترك والضمانات الحقوقية والالتزامات القانونية، أي عدم التمييز ونبذ أي شكل للاستعلاء بزعم “الأكثرية والأقلية”  أو ” الأكبر والأصغر” أو “القوي والضعيف” أو ” الأعلى والأدنى” وهو ما حاولنا تسليط الضوء عليه لمعالجته وفقاً لقواعد دستورية للدولة العصرية، بتأكيد التخلي عن أي شكل من أشكال الإرغام والإكراه والعنف ضد الآخر والإقرار بالتعددية والحوار والتوافق على حل المشكلات بالسلم والتفاهم وعدم اللجوء إلى السلاح، وذلك وفق عقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة المواطنة والحقوق .
حركة الاحتجاج
وقد أكّدت حركة الاحتجاج الواسعة في العديد من البلدان العربية وآخرها في العراق ولبنان أن المواطنة لا تستوي مع المحاصصة ، مثلما لا تستقيم الهويّة العامة الجامعة بالمحاصصة أيضاً، فالمواطنة والهويّة موجودتان أساساً في المجال العام المشترك للحياة اليومية في الأحياء والشوارع والجامعات وأماكن العمل والمرافق العامة والخدمات في الصحة والتعليم والإدارة والبيئة والبلدية وكل ما يشكّل مشتركاً للجميع، ففي تلك المجلات المدخل الحيوي الجامع للمواطنين وللهوّيات المختلفة المؤتلفة والمندرجة في إطار مواطنة متكافئة، وهو ليس شأن الدولة فحسب، بل شأن المجتمع أيضاً وقواه المحرّكة، ويمكن أن يسهم به المجتمع المدني، فالشأن العام بحاجة إلى تربية أيضاً، أي الشعور بالمسؤولية والمشاركة في كل ما حولنا، من احترام القواعد الناظمة للعلاقات إلى معالجة المشكلات بالحوار والســـلم، إلى وضع  الخطط والبرامج لحياة نوعية أفضل.
ونحتاج إلى الإصغاء لبعضنا البعض وإتقان فن الحوار والمصارحة وإدارة التنوّع الثقافي باحترام الخصوصيات، بما يعزز المسؤولية الجماعية، وينمّي الفردانية والتميّز دون نسيان المشتركات الإنسانية والمسؤوليات التي تترتّب على الفرد وحقوقه إزاء الجماعة والمجتمع ، وتلك تحتاج إلى بناء من التنشئة الأولى، لاسيّما إذا توفرت مؤسسات لرعاية مثل هذا الحوار، وهو حوار بين أتباع الثقافات المختلفة، سواء: قوميات ، أديان ، لغات، وحوار في الحياة العامة، مثلما يحتاج إلى رياضة نفسية لتقبّل الآخر وأفكاره وحقه في الاختلاف. والحوار يمكن أن يتخذ بعداً ثقافياً وآخر حقوقياً وقانونياً وثالثاً سياسياً واجتماعياً ويحتاج إلى إدارة فاعلة وناجحة لإدارته.
نأمل أن تكون هذه الطبعة الثانية مناسبة جديدة أكثر اتساعاً لحوار مفتوح متعدد الجوانب فكرياً وثقافياً وسياسياً وبروح الشعور بالمسؤولية على المستوى الفردي والجماعي حول إشكاليات الهوّية والمواطنة من أجل فهم أكثر عمقاً وشمولاً وصميمية بالرغم من أوضاعنا العربية المعقّدة والمتشابكة والتحديات التي تواجه مجتمعاتنا خارجياً وداخلياً للانطلاق نحو أفق جديد في إطار مشروعنا النهضوي العربي.
{ بيروت ، 26 كانون الأول (يناير) 2019
مقدمة الطبعة الثـــانية لكتاب الهوية والمواطنة – البدائل الملتبسة والحداثة المتعثرة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2020.




17

يناقش الكتاب اشكاليات فكرية وسياسية واجتماعية متعلقة بالهوية والمواطنة
عن «مركز دراسات الوحدة العربية»، صدرت أخيراً الطبعة الثانية من كتاب «الهوية والمواطنة: البدائل الملتبسة والحداثة المتعثرة» للباحث عبد الحسين شعبان. يتناول المؤلّف قضية الهوية والمواطنة، في الثقافة والفكر وفي دراسات السياسة والقانون والإجتماع، سيما بعيد الجدل الذي ارتفعت وتيرته على ما يزيد عن ربع قرن، عند نشوء مجتمعات متعددة التكوينات والهويات أو في إطار احتدام المصالح الدولية والإقليمية. لعلّ انهيار الأنظمة الشمولية خاصة في اوروبا الشرقية، وأثره الكبير على تأجج الصراع على الهويات، أسهما في تعرّض الكيانات الكبرى للتصدّع والتآكل. إذ أصبح الإقرار بالتعددية والتنوع الثقافي والقومي والديني واحترام حقوق الهويات الفرعية وخصوصياتها «مسألة كونية». وانسحب الأمر على الدول العربية التي فشلت في تحقيق الديمقراطية والعدالة والمساواة، وتعرّضت للتمزّق والتشظّي بفضل صعود الهويات الفرعية داخلها. كذلك، يناقش الكتاب الذي يمتد على عشرة فصول، إشكاليات فكرية وسياسية واجتماعية متعلقة بالهوية والمواطنة، ويبحث في أسباب تعثّر الحداثة في الوطن العربي، من خلال الإضاءة على المفاهيم والشعارات والأهداف والغايات والوسائل ومقاربتها من زاوية حقوقية في إطاره التطور الفقهي الدستوري، مع الإستشهاد ببعض التجارب العربية والعالمية.
 جريدة الأخبار (اللبنانية) 5/3/2020

18
د. شعبان: في العراق، لا بدّ من اعتماد آليات توحيد
ديمقراطية الأسلوب واجتماعية المضمون


** الملك فيصل الأول دعا إلى تقديم أولوية الانتماء إلى الوطن بدلاً من الطائفة والعرق
أخبارنا ــ وصف الأستاذ الدكتور أسعد عبد الرحمن، المفكر والباحث العراقي الأستاذ الدكتور عبد الحسين شعبان بــ "الصديق الأثير" المنتمي إلى الجيل الثاني من المجدّدين العراقيين الذي تعكس كتبه وأبحاثه ومقالاته المتنوعة انشغالات خاصة جدا في قضايا الحداثة والديمقراطية والإصلاح والمجتمع المدني مع اهتمامات فكرية لافتة لتطوير الفهم المتجدد خاصة لقضايا حقوق الانسان ونشر ثقافة هذا الفكر، كما وصفه بالخبير الذي لا يمكن تجاهله في ساحة الفكر العربية، إذ توزعت تجربته على حقول المعرفة والفكر والرصد والتأريخ والتعقيب على المألات العربية عموما والعراقية خصوصا.
   وأضاف د. أسعد: أنه رغم انتماء د. شعبان إلى عالم التقدمية واليسار، إلا اننا اخترنا ان يكون حديثه هذا المرة عن الطائفة الشيعية -ليس من منطلق طائفي طبعا وقطعا لانه/ لأننا أصلا لا يؤمن/ نؤمن بالطائفية-؛ إنما بحكم خبرته العميقة باهلنا من هذه الطائفة وتحديدا في العراق الشقيق ودورهم المجتمعي والسياسي، لذا أحببنا أن يكون لدينا المعلومات الموثوقة في مثل هذا الشان الخطير، في الوقت الذي يريد منا اعدائنا ان ننقسم ما بين شيعي وسني وهذا ليس في الحسبان والوارد الا عند الدهماء.
   جاء ذلك خلال تقديم د. أسعد الدافئ للمحاضر، بحكم معرفته الطويلة بمسيرة حياته وتزاملهما سويا في سنوات النضال في بيروت، مع بدء المحاضرة التي نظمتها "مؤسسة فلسطين الدولية" و"المدارس العصرية" مساء الاثنين، وقارب فيها د. عبد الحسين شعبان "الشيعة والشيعة السياسية من ناحية سوسيوثقافية"، وسط حضور نوعي وتفاعل واسع مع مثقفين.
   وقال د. شعبان ينسب بعض مؤرخي الشيعة تأسيس مذهبهم الى الرسول محمد (ص) باعتباره البذرة الأولى في الإسلام، ولعلهم في ذلك لا يختلفون عن المذاهب الأخرى التي هي كذلك تنسب نفسها الى النبي محمد (ص) مثل المذهب الحنفي أو المالكي أو الشافعي أو الحنبلي أو غيره من المذاهب الإسلامية. وعليه، فإن الشيعة هم فرقة إسلامية نشأت على مراحل، وإن الإمامية أو الإثنا عشرية وهو ما يطلق عليهم أحياناً، ظهرت في فترة متأخرة.

   كما أوضح أن الشيعة كمفهوم عام جماعة إلتفّت حول الإمام علي بن أبي طالب، وتحولت لاحقاً من فريق يدعو الى ” أحقيته” في الخلافة، الى تنظيم سرّي، وخصوصاً خلال فترة الحكم الأموي يسعى الى قلب نظام الحكم والثورة عليه، واتخذ العمل السياسي الشيعي خلال فترة الحكم الأموي أشكالاً مختلفة من الحزب السري "تنظيم محمد ابن الحنفية” الى الثورة المسلحة ” حركة التوابين” بقيادة سليمان بن الصرد الخزاعي والمختار ابن ابي عبدالله الثقفي وزيد بن علي بن الحسين إلى "المعارضة الصامتة” التي تمثل قطاعات واسعة.
   وقد استندت الدعوة الشيعية التي تقول أنها تنتمي لآل البيت الى فكرة جوهرية ثار الحسين من أجلها ودفع حياته ثمناً لها، وهي رفض الظلم وإقامة العدل. وأشار شعبان أن الحركة الشيعية أثارت منذ تأسيسها الأول اشكالات كثيرة بخصوص موقفها من السلطة، وفيما بعد بسبب ما تعرّضت له من ملاحقة واضطهادات، واضطرت إلى العمل السري في فترتي الحكم الأموي أو في الحكم العباسي، مما دفع البعض للاعتقاد أنها "حركة باطنية "، وأن الشيعة لا يمكنهم الظهور على السطح، خصوصاً وأن "مبدأ التقية"، كما يقال، يحكمهم. والتقية حسب التفسير الشيعي هي تجنّب الأذى في حالة التعرّض إلى ضغوط شديدة لا يحتملها الانسان وتقديم تنازلات ممكنة أو اخفاء إظهار الرأي بحبّ الإمام علي وآل البيت أو الانتماء اليهم، وهو ما كان يحصل في الزمن الغابر عندما كانوا يجبرون على شتم آل البيت والإمام علي تحديداً، فهناك من أجاز من أوساطهم أن يفعلوا ذلك تجنّباً للأذى ودفعاً للمكاره.
   واوضح د. شعبان أنه عندما تأسست الدولة العراقية المعاصرة في 23 آب (اغسطس) 1921 بعد الاحتلال البريطاني للعراق 1914 -1918، سعت بريطانيا لحكم العراق مباشرة، ثم عبر الانتداب، واضطرت الى قيام ” حكم أهلي” وتأسيس الدولة العراقية خصوصاً بعد اندلاع ثورة العشرين 1920، وورثت الدولة الاحتقان الطائفي والنزاعات المذهبية من فترة الحكم العثماني، خصوصاً وقد تكرّس بسياسة بريطانيا المعروفة ” فرّق تسد” وبعد عزوف رجال الدين الشيعة من المشاركة في ادارة الدولة واستمرار موقفهم الرافض للتشكيلات التي اقامها البريطانيون.
   وكان العراق وفقاً لاتفاقية سايكس بيكو 1916 من حصة بريطانيا، وحتى قبل هذه الاتفاقية كانت هناك محاولات لتقاسم المناطق وإخضاع العراق إلى الإمبراطورية البريطانية.
   وحول جامعة النجف أو ما يطلق عليه الحوزة العلمية أضاف شعبان أنها تعتبر أقدم جامعة في العالم مضى على وجودها أكثر من ألف عام، وأسست قبل جامعة بولونيا في ايطاليا وحتى قبل جامعة الأزهر بنحو مائة عام تقريبا، لافتا بذات السياق إلى الجدل والحوار المستمر في هذه الجامعة التي تتمتع بدينامكية خاصة، وإلى مفارقة اتجاه الكثيرين من الذين درسوا في جامعة النجف، علوم الدين، إلى اتجاهات معاكسة فيما بعد مثل: العلامة الكبير حسين مروة حيث درس في النجف من عام 1924 إلى عام 1938، وكان والده قد أرسله من لبنان إلى النجف وعمره لم يكن يتجاوز 14 عاما. درس مرّوة 14 عاماً في مدينة النجف ثم كتب عام 1938 مقالا بعنوان ” أنا وعمامتي” في مجلة الهاتف التي يصدرها القاص جعفر الخليلي، قال فيه لقد رميت العمامة، وبدأ يتحدث كيف تعرف على ماركس في النجف أي من خلال بحث وجده واقتنع بالرأي الآخر.
   وأوضح د. شعبان أن العراق المتنوع قومياً يضم أيضا تنوّعاً دينياً. فإضافة الى المسلمين، بطائفتيهم الرئيسيتين الشيعة والسنّة، هناك "أقليات" دينية متعايشة، خصوصاً المسيحيين بطوائفهم، وصابئة، ويزيديين، وأرمن وغيرهم. والجميع يؤلفون نسيج الوحدة الوطنية العراقية بفسيفسائها وتمايز ألوانها، واضاف: لقد عانت الدولة العراقية منذ تأسيسها من أزمة حادة، استفحلت مع مرور الأيام بوجود "حكم أقلي" وابتعاد القاعدة الاجتماعية الواسعة عن المشاركة في إدارة الشؤون العامة، وبالتالي تقليص دائرة الحكم، حتى إن دستور العام 1925 "القانون الأساسي" الذي بدا متقدماً حين صدوره، أهمل بالتدرج وتقلّصت هوامش الحريّات، وخصوصاً حرية التعبير، وازداد النفوذ الأجنبي.
   ومنذ ثورة 14 تموز (يوليو) ولغاية الاحتلال العام 2003، حُكم العراق من قبل أنظمة شمولية ارتفعت فيها وتيرة العنف مع مرور الأيام، خصوصاً في ظل ادّعاء الأفضليات والزعم باحتكار الحقيقة، موضحا أنه إذا كان التنوّع من خلال التعايش والوحدة الوطنية دليل قوة، إلاّ أنه لم يكن كذلك في منظور بيرسي كوكس – مس بيل بعد قيام ثورة العشرين (1920). فلم يكن ذلك من وجهة نظرهم ومصالحهم، سوى نوعاً من التناقض والصراع، الذي ينبغي أن يُحل لمصلحة بريطانيا بإحداث التعارض بين القاعدة العريضة وقمة الهرم التي كانت تضيق باستمرار، ومنوها إلى محاولة الملك فيصل الأول تشخيص هذا الوضع قبل ما يزيد على بضعة عقود من الزمان وبعد خبرة في الحكم دامت نحو 12 عاماً حين دعا في مذكرته الشهيرة، التي وجهها قبل وفاته بفترة قصيرة (1932) إلى تقديم أولوية الانتماء إلى الوطن بدلاً من الطائفة والعرق، بسبب نهج لم يعتمد المساواة بين المواطنين أساساً للحكم، وخصوصاً فيما يتعلق بقانون الجنسية رقم 42 العام 1924، الذي قسّم العراقيين إلى فئة أ و فئة ب فيما يتعلق بشهادة الجنسية العراقية، وعلى أساسه والقوانين اللاحقة جرى تهجير عشرات الآلاف من المواطنين العراقيين بحجة التبعية الإيرانية وإنسابهم إلى الفئة (ب)، في حين أن الفئة ( أ ) نسبت إلى التبعية العثمانية وبالتالي إلى التبعية العراقية (بالتأسيس).
   واوضح د. شعبان أن الدولة بعد الاحتلال الأمريكي وبموجب صيغة بول بريمر- زلماي خليل زاده، نغروبونتي توزّعت على ثلاث كيانيات سمّيت "مكوّنات"، هي الشيعة والسنّة والكرد، وفقاً لهذا النظام تمت المحاصصات الطائفية والإثنية وسارت على هذا الطريق من الناحية العملية منذ العام 2003 ولحدّ الآن، ويبدو إنها أصبحت مرتهنة إليه وأسيرة له، بل إن شرنقة تكاد تلف هذه الصيغة على نحو شديد لا يستطيع أحد الفكاك منها.
   ولفت د. شعبان أن من مظاهر الأزمة الراهنة هو: غياب الحد الأدنى من التوافق الوطني حول الوحدة الوطنية قاد إلى رؤية متناقضة للجماعات السياسية والطائفية، وهذه الرؤية تزداد تعقيداً بفعل اشتباك المصالح وتضاربها وبحكم التداخلات الإقليمية والدولية، يضاف إلى ذلك سعي أمراء الطوائف في الحصول على المزيد من الامتيازات لشحن أبناء طوائفهم ضد الآخر بزعم الخطر القادم. فالشيعية السياسية، وخصوصاً الجماعات المسلّحة، سواء في السابق أو في الوقت الحاضر عادة ما تطمح إلى دور أكبر، كما لفت إلى استناد نشاط هذه المجموعات الشيعية، السياسي والعسكري، إلى 3 ركائز أساسية:
الركيزة الأولى – هي التحالف مع إيران والترحيب بالدور الإيراني الذي تقوم به في العراق، سواء في مواجهة داعش أو في دعم العمليات السياسية، أو في "الدفاع عن المذهب"، حتى التدخل العسكري في سوريا، هو بالدرجة الأساس دفاع عن المقامات المقدسة، وخصوصاً في السيدة زينب.
   أما الركيزة الثانية – فهي وقوفها بقوة ضد عودة القديم إلى قدمه، أي الحؤول دون محاولات عودة أتباع النظام السابق، وهو الأمر الذي يجعل من موضوع المصالحة الوطنية مجرد شعار ترويجي، ليس للتطبيق بحكم المخاوف المزروعة والمستمرة بين الأطراف المختلفة، وخصوصاً باستمرار قانون المساءلة والعدالة الذي هو امتداد لقانون اجتثاث البعث الذي أصدره بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق العام 2003، (وقد صوّت البرلمان العراقي على قانون جديد تحت عنوان "قانون حظر حزب البعث" في 3 آب /أغسطس/ 2016).
   وأما الركيزة الثالثة فهي الوقوف ضد الخطر الوهابي، الذي يجري أحياناً تهويله لدرجة كبيرة. وهذه الركائز الاستراتيجية الثلاث تعمل عليها قوى الشيعية السياسية وإيران بصورة متداخلة ومتكاملة، وهي ضمن برنامج تدرّجي وبعيد المدى، له ركن سياسي وآخر مذهبي، يتعلق بالمصالح والصراعات الإقليمية، إضافة إلى ركن اقتصادي وتجاري ومالي، كما لفت إلى تخويف السنّية السياسية المشاركة في العملية السياسية أو غير المشاركة أبناء المناطق الغربية والسنّة العرب عموماً من:
1 –"الخطر الشيعي"، وخصوصاً محاولات انفراد الشيعية السياسية بالحكم وتهميشها الطائفة السنية، بحجة الأغلبية .
2 – التدخل الإيراني وما تطلق عليه "التمدّد الصفوي" بهدف التعبئة ضد الخصوم السياسيين والنفوذ الإيراني بوجه عام، سواء كان الأمر بصورة مباشرة أو غير مباشرة، والى ارتكازها في مشروعها السياسي على:
أ – اعتبار دول الخليج وتركيا حليفاً للسنيّة السياسية، مقابل تحالف إيران مع الشيعية السياسية، وذلك بهدف إحداث توازن نوعي في ميزان القوى الداخلي.
ب – عادت بعض المجموعات من السنية السياسية بمن فيها قوى ورؤساء عشائر وشخصيات إلى التعويل أكثر من قبل على واشنطن والتقرّب منها مباشرة أو عبر دول الخليج وتركيا، بهدف كسبها للوقوف ضد النفوذ الإيراني من جهة ومن جهة ثانية ضد حلفاء إيران من الشيعية السياسية الحاكمة.
وتساءل د. شعبان في ختام المحاضرة بعد أن وضعت الأزمة العراقية الأخيرة، الدولة ومستقبلها على بساط البحث، فهل سيتعرّض العراق للتفتيت؟ ثم ما هي السيناريوهات؟ وإذا كان هذا السيناريو محتملاً بفعل استفحال الأزمة العراقية وعدم وجود حلول جذرية لإعادة لحمة الدولة باستمرار الطائفية السياسية التي تمثّل جوهر الأزمة، فالدراسات المستقبلية تضع سيناريوهين آخرين لأزمة الدولة، أولهما: سيناريو استمرار الحال على ما هو عليه أو تفاقمه، الأمر الذي يمكن أن يقود إلى احتمالات أخرى، وثانيهما: سيناريو التوحيد، وخصوصاً إذا ما توافرت إرادة سياسية موحدة وظرف موضوعي وذاتي مناسب. ما الذي يمكن أن يحصل؟ وأي السيناريوهات المستقبلية سيكون أقرب إلى الواقع؟
   مؤكدا أنه سيكون على عاتق الطبقة الوسطى، وخصوصاً المثقفين والأكاديميين والمفكرين ومؤسسات المجتمع المدني، دور مهم على صعيد التوحيد والتغيير، ويحتاج الأمر إلى جهود فكرية وثقافية وسياسية لتشكيل قوة ضغط لإعادة النظر بالدستور واعتماد قواعد اللامركزية الإدارية على صعيد الأقاليم الفيدرالية أو المحافظات على نحو صحيح ومن دون صفقات سياسية بوصفها نظاماً لتوزيع الثروة والسلطة، كما لا بدّ من اعتماد آليات توحيد ديمقراطية الأسلوب واجتماعية المضمون.
هذا، وشهدت الأمسية –التي ناهزت الساعة ونصف – حضوراً لافتا ومشاركة واسعة من الجمهور.

 الأربعاء 4/3/2020

19
المنبر الحر / العنف الراديكالي
« في: 21:09 04/03/2020  »
 


العنف الراديكالي
عبد الحسين شعبان
لم تعرف البشرية، عنفاً كالذي شهده العالم منذ القرن العشرين ولغاية الآن، فقد زاد عدد ضحاياه في الحرب العالمية الأولى على 20 مليون إنسان وتعدى عددهم ال 60 مليون إنسان في الحرب العالمية الثانية، وكانت جريمة قصف هيروشيما وناكازاكي بالقنابل الذرية، إحدى أبرز جرائم العصر، وهو ما يدعو إلى القول إن العنف أصبح أشد بأساً وأوسع انتشاراً وأكثر إيلاماً، ويمكن أن نطلق عليه «العنف الراديكالي».
وبررت أنظمة كثيرة محافظة أم تقدمية، رأسمالية أم اشتراكية مثل هذا العنف، لاعتبارات أيديولوجية أو قومية أو دينية، وحاولت «شرعنته»، وإضفاء عدالة على ممارسته، وإلا كيف يمكن تفسير اللجوء إلى التطهير العرقي أو الديني وتعريض أتباع أعراق وأديان إلى عمليات إبادة جماعية واستخدام أسلحة محرمة دولياً، بما فيها الأسلحة الكيمياوية والإقدام على عمليات قتل جماعي ضد أي اشتباه بالمعارضة أو لفرض نمط تفكير بالعنف على السكان بالضد من الطبيعة البشرية، أو قتل قبائل لقبائل أخرى لدرجة الإبادة بزعم تفوقها.
كل ذلك لم يكن عنفاً اعتيادياً؛ بل تجاوز حدود المألوف؛ إذ لم يكن ردة فعل إزاء سلوك معين أو موقف محدد؛ بل ارتقى ليكون خطة منهجية مبرمجة لإزالة مجموعة من الوجود أو إلغاء دورها وتصفية تأثيراتها في إطار تحضير مسبق، ومثل هذا العنف ينطوي على نزعات أيديولوجية وعرقية ودينية وطائفية وسياسية واجتماعية استعلائية تزعم امتلاك الحقيقة وتدعي أفضلية التفوق؛ بحيث تسعى الجهة التي تلجأ إليه إلى إكسابه «المشروعية»، كجزء مبرر لنظامها أو توجهها، سواء أكانت في السلطة أم خارجها، مثل تنظيمي «داعش» و«القاعدة» وأخواتهما الإرهابية.
ولعل المسوغ الأيديولوجي بسبب العرق أو السلالة أو الدين أو المذهب أو اللغة أو اللون أو الجنس أو الأصل الاجتماعي هو الذي يقف وراء تصنيف الناس إلى فئات مختلفة، فمنهم من هو أعلى جدير بالحياة والتسيد، وآخرون من هم أدنى وقد لا يستحقون العيش، ولذلك فإن الحرب على الآخرين ذات «وجاهة» و«مقبولية»، مثلما تذهب إلى ذلك الأيديولوجيات العنصرية التي تفترض الأفضلية البيولوجية والتفوق العرقي أو الديني أو غيره، بتهيئة إعلامية ديماغوجية ومنهجية استعلائية ضد الآخر.
ومثل هذا العنف الراديكالي لا يقتصر على الصراعات الداخلية فحسب؛ بل إن «أبلسة» أمم وشعوب ودول وأديان وجدت طريقها إلى بعض التيارات الشعبوية في الغرب؛ حيث ترتفع وتيرة الكراهية للأجانب بشكل عام والمسلمين بشكل خاص، وقد استخدمت الولايات المتحدة ذلك في حربها على أفغانستان عام 2001، وكذلك في احتلالها العراق عام 2003، باعتبارهما دولتين مارقتين، وأن دينهما يحض على العنف والإرهاب.
وهكذا يتم استخدام العنف بتوظيف «القانون الدولي» أو «القوانين الداخلية» لإضفاء الشرعية على الاستهداف الجماعي لمجاميع ثقافية بشرية.
وعلى الرغم من وجود أسباب عدة لممارسة العنف بعضها اجتماعي وآخر نفسي أو عنصري أو ديني، لكن تلك الأسباب وحدها غير كافية لتفسير هذه الظاهرة، فثمة منظومة أيديولوجية تربط بين الغاية والوسيلة، فالوسيلة جزء من الغاية ولا يمكن فصلها عنها، أما حسب المهاتما غاندي، فالوسيلة إلى الغاية مثل البذرة إلى الشجرة، الأمر الذي يستوجب البحث عن جوهر ظاهرة العنف ودوافعها، لاسيما بتفكيك مضمونها وشبكة علاقاتها للتصدي لها وصولاً إلى مطمح اللاعنف، سواء على المستوى الإنساني الخاص، أو على المستوى الدولي العام، وبما يحكم علاقات الأفراد وسلوكهم وعلاقات الدول وقوانينها.
وفي الظروف غير الاعتيادية وانهيار سلطة القانون، فثمة حقل جديد لاحتواء ظواهر العنف ومنع الانتقام والثأر وتحقيق قدر من العدالة وهو ما يُطلق عليه «العدالة الانتقالية» التي هدفها الوصول إلى الحقيقة والمساءلة، دون كيد أو حقد، وذلك بجبر الضرر ورد الاعتبار للضحايا وتعويضهم مادياً ومعنوياً وإصلاح النظام القانوني، والهدف هو الوصول إلى المصالحة المجتمعية والتطهر من حالة العنف والعودة إلى السوية الإنسانية.
وإذا كان العنف قديماً قِدَم البشرية وهو القاعدة وليس الاستثناء، إلا أنه اكتسب بُعداً أكثر وحشية وهدماً وهلاكاً في عهد الحداثة وتطور وسائله، خصوصاً بعد أن تجاوز العنف الراديكالي «إنسانية الإنسان» لدرجة التوحش، علماً بأن الاضطرار إلى الدفاع عن النفس ورد العنف لا يندرج ضمن قاعدة ممارسة العنف؛ بل هو الاستثناء أيضاً، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، في دفع ظلم أو لدفاع عن مظلوم أو في مقاومة احتلال أو صد عدوان، وذلك في مواجهة العنف الهادف للتسيد والتفوق وإذلال الآخر والقائم على الاستعلاء والكراهية دون أي اكتراث للجانب الإنساني والحقوقي والقانوني.
وينطلق المرتكبون في ممارستهم للعنف من نزعات أيديولوجية مركزية شديدة الصرامة أو ما فوقها، أوجدتهم وصيرتهم على نحو لا إنساني وغير مكترث بممارسة العنف، لا باعتباره عملاً مشيناً أو غير مشروع أو لا إنساني؛ بل بصفته عملاً عادلاً ينبع من شرعية معتقدهم.
drhussainshaban21@gmail.com



20
التربية على الدولة المدنية
عبد الحسين شعبان
لم يكن المسرحي والكاتب الألماني برتولت بريخت واهماً أو حتى حالماً حين قال: «أيها الجائع تناول كتاباً، فالكتاب سلاح»، وهل يشبع الكتاب البطون الخاوية؟ لكن بريخت برؤية استراتيجية للمستقبل يُدرك الترابط الوثيق بين الثقافة والتنمية والمواطنة؛ بل إنه يجعل من هذه الثلاثية محوراً مركزياً وعقلانياً للتقدم، فلا تقدم حقيقياً دون التعليم، وفي التعليم تكمن فلسفة الدولة التربوية للنهوض بالمجتمع، وحسب أفلاطون وأرسطو وابن خلدون، فالإنسان مدني بطبعه، وبالتالي ما يحكم علاقاته وسلوكه وتربيته هو مدني أيضاً.
وبدعوة من مؤسسة هانز سايدل الألمانية والمعهد العربي للديمقراطية، التأم مؤخراً في تونس، مؤتمر فكري شارك فيه خبراء ومفكرون وتربويون عرب وأجانب لمناقشة تجارب تاريخية في البلدان العربية والأوروبية، في ما يتعلق بمدنية الدولة، ارتباطاً باليوم العالمي للتعليم (24 يناير/‏كانون الثاني) الذي قررته الجمعية العامة للأمم المتحدة، احتفاء بدوره في صنع السلام والتعايش والتنمية، إضافة إلى كونه حقاً من حقوق الإنسان وصالحاً عاماً ومسؤولية عامة.
وتضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 26 منه، الدعوة إلى التعليم الابتدائي المجاني والإلزامي. وكانت اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، قد نصت على ضرورة توفير التعليم العام للجميع، كما ذهب إعلان مبادئ التسامح الصادر عن المؤتمر العام لليونيسكو 1995 إلى تأكيد مناهضة التمييز في مجال التربية (الديباجة)، وأكّد في المادة 4 على أن «التعليم هو أنجع الوسائل لمنع اللاتسامح، وهو ضرورة ملحة، ويحتاج الأمر إلى أساليب منهجية وعقلانية لتعليم التسامح (التربية عليه) من خلال سياسات وبرامج، وهدفه مقاومة تأثير العوامل المؤدية إلى الخوف من الآخرين واستبعادهم، وتربية النشء على تنمية قدراتهم»؛ أي نبذ التعصب والتطرف.
وتقتضي التربية على الثقافة المدنية، محاربة التعصب ووليده التطرف، وإذا ما انتقل هذا الأخير إلى التنفيذ وأصبح سلوكاً سيتحول إلى عنف، وحين يضرب هذا العنف عشوائياً يصير إرهاباً، ولعل غياب التعليم وتفشي الأمية يجعل البيئة مهيأة لتفقيس بيض العنف والإرهاب، وستكون الأرقام صادمة إذا ما عرفنا أن 258 مليون طفل وشاب لا يزالون اليوم غير ملتحقين بالمدارس، وهناك 617 مليون طفل ومراهق يعانون الأمية «الأبجدية»، فما بالك بالأمية المعرفية والتكنولوجية، ومن ضمنهم ما يزيد على 70 مليون أمي عربي «أبجدي»، وهؤلاء الأكثر عرضة للتأثيرات الماضوية، تارة باسم الدين وتارة أخرى باسم التقاليد، ناهيك عن كوابح عديدة اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية ودينية، ومذهبية وإثنية وعنصرية وغير ذلك.
وبالعودة إلى حكمة بريخيت، فقد أثبتت التجربة أن التعليم والتربية السليمة هما طريق التنمية للخلاص من الفقر وتقليص الفوارق الاجتماعية، وتطويق عوامل وأسباب التمييز والتعصب والحروب والنزاعات والعنف والهجرة، وأساساً للعيش المشترك والاعتراف بالآخر وبحقوقه وبالسلام وقيمه.
وتزداد الحاجة إلى التربية والتعليم على جميع المستويات خصوصاً في البلدان النامية ومنها بلداننا العربية لأهمية تأمين الحق وتعميم المعرفة وجعل الثقافة في متناول الجميع، ومثلما هي حق إنساني فهي حق قانوني، وقد ورد ذلك في العهدين الدوليين الأول الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والثاني الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛ الصادرين عام 1966 واللذين دخلا حيز التنفيذ عام 1976، علماً بأن 82% من دساتير العالم تحفظ الحق في التعليم، وأن 55% منها تمكّن المواطن من اللجوء إلى القضاء في حالة انتهاك هذا الحق.
وقد جرت في السنوات الثلاثين الأخيرة عمليات خصخصة للتعليم لقيت معارضة من جانب أوساط غير قليلة من الطبقات الكادحة ومحدودي الدخل، خصوصاً أنها جعلت العديد من أبنائها خارج العملية التعليمية بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وأجور الدراسة.
وعلى الرغم من أن بعض البلدان العربية حققت بعض النجاحات، فإنها تحتاج إلى مزيد من التخصيصات المالية، ناهيك عن الارتقاء بالعملية التربوية لتنسجم مع روح العصر، بحيث يكون التعليم شاملاً ومدنياً ووفق منهج موحد وعصري.
ولكي تكون العملية التربوية مدنية لا بد من الوعي بأهميتها وإقرار ذلك قانوناً للوصول إلى أهدافها، واتخاذ طائفة من التدابير والإجراءات لضمان تأمين الحق للجميع (للإناث ولسكان الريف والبادية وللفئات الضعيفة ولذوي الاحتياجات الخاصة)، فالتربية هي المدماك الأساسي لكل تقدم وتنمية ومواطنة، وتلك من أسس الدولة المدنية، خصوصاً في ظل بيئة مناسبة لتأكيد قيم السلام والتسامح والمساواة، وإقرار التعددية والتنوع والاعتراف بالآخر.
drshaban21@hotmail.com


21
طارق الدليمي: "الصديق اللّدود"
كلّمــا اختلفـت معه ازددت محبّة لــه
عبد الحسين شعبان
كاتب وأديب عربي

I
" الصديق اللدود" ، عبارة كنت أذيّل بها رسائلي له حين تتباعد بنا السبل والمدن والقارات، وعندما كنت أزوره في منطقة الجسر الأبيض " بداية حي العفيف" في طريق المهاجرين بدمشق، ولا أجده أترك له ورقة أكتب عليها " صديقك اللّدود" ، وهي الإشارة التي كانت بيننا، أو كلمة السرّ التي تجمعنا، في حين كان هو يردّد "صديق الخلاف" وهو ما كتبه إلى لجنة حفل التكريم الذي أقيم لي بمناسبة منحي  "وسام أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي" (القاهرة ، 20 آذار/مارس 2003).
يقول طارق الدليمي" ... وفقط من هذا المنظور الملموس، بدأت رحلة علاقتنا الإنسانية التي أخذت صفة (أصدقاء الخلاف).ومرّت هذه الأواصر بأجواء مفعمة بالتباين ومكتظّة بأنواع السجالات التي لا ترحم بالمعنى السياسي المجرّد، والذي يحتفظ علناً بقدراته على الإغناء والعطاء". ويضيف: "... وكان شعبان لديه الطاقة الخاصة على المبادرة ضمن عقله الأكاديمي الجديد المنصهر في بوتقة الحياة الثريّة والمندغم مع المنظومة الفكرية التي رعاها مبكّراً وبشجاعة تثير الإعجاب. (من كتاب عبد الحسين شعبان - صورة قلمية : الحق والحرف والإنسان، إصدار البرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان، القاهرة، 2004).
لم أجد أمتع وأجمل من الحوار مع طارق الدليمي، وبقيت أفتقد إلى ذلك حين تحرمنا الظروف من التواصل المباشر، على الرغم من التواصل الوجداني وعبر الانفعال الإنساني لكل ما نكتب أو نقرأ، فالجلسة معه لها نكهة خاصة وطقوس أكثر خصوصية وفضاء شديد الرحابة، فكل شيء لدى الدليمي ينبض بالحيوية والسؤال، خصوصاً حين تكون معه  بضيافة  على كأس عرق أو قدح نبيذ، حيث كان يتفنّن أبا زياد في صنع المازات اللذيذة شرقيها وغربيّها، وعنده تعرّفت على الأرضي شوكي " الأنغنار" أو "الخرشوف"، و"الزيتون المكلّس" الذي لم أعرفه من قبل.
كانت شقته الصغيرة الجميلة مفتوحة لاستقبال الأحبّة في كل الفصول:  في الشتاء  والخريف حيث تجد الدفء يملأ المكان، وفي الصيف والربيع وبدايات الخريف أيضاً كان  سطح شقته العامر هو المكان المناسب لأماسي الدليمي بنسماتها العذبة ، حيث يلتقي أدباء ومفكرون ومثقفون وسياسيون من شتى الألوان والأجناس: رجالاً ونساءً، عراقيون وسوريون وعرب، خليجيون ومن شمال أفريقيا في "منتدى ثقافي فكري جامع ومنبر مفتوح ومتنوّع تتعدّد فيه الرؤى والاختيارات"، وبقدر ما كانت همومه عراقية متميّزة كانت أجندته العربية مزدحمة باستمرار ، حتى أن السطح يمتلئ أحياناً بمتناظرين ، مختلفين ومتّفقين، والمهم أن يكون الحوار جاداً ومسؤولاً، حتى وإن اتّسم بالحدّة العراقية المألوفة.
II
شلّة طارق الدليمي التي كانت مستمرّة ومكانها محفوظاً، حتى وإن غابت لأسابيع أو أشهر تتكوّن من : مظفر النواب وقيس السامرائي وهادي العلوي وكاظم السماوي وجمعة الحلفي  وسعدي يوسف وعدنان المفتي ومحمد عبد الطائي وعبد الحسين شعبان وآخرين.
ويتردّد عليها كثيرون منهم: جواد الأسدي ومنذر حلمي وماجد عبد الرضا وعبد اللّطيف الراوي وفوزي الراوي وعلي كريم  وعادل مراد ومحمود عثمان ومحمود شمسه وهاشم شفيق ومحمد الحبوبي ومخلص خليل وشاكر السماوي وعزيز السماوي ورياض النعماني وعوني القلمجي وعامر بدر حسون ووائل الهلالي (حكمت) وشفيق الياسري (هاشم) وناهدة الرماح وزينب ولطيف صالح وشوقية وحميد البصري ووليد جمعة وجليل حيدر وعبد الكريم كاصد وأحمد المهنا وعبد المنعم الأعسم وسامي كمال وكمال السيد وكوكب حمزة وعلي عبد العال وأبو أيوب وساهرة القرغولي وقيس الزبيدي وفاضل الربيعي ورشاد الشيخ راضي وصاحب الحكيم ومحمد جواد فارس ورحيمة السلطاني وعبد الرزاق العاني وعلي الصرّاف ونبيل حيدري، وقسم كبير من هؤلاء أعضاء في " رابطة الكتاب والصحفيين والفنانين الديمقراطيين العراقيين" التي تأسست بعد هجرة اليساريين والشيوعيين أواخر العام 1979 وغيرهم، ومن كان قادماً من كردستان أو ذاهباً إليها يجد في شقّة طارق الدليمي الصغيرة الدافئة الأنيسة الأليفة ملاذاً في إحدى الأماسي.
وكان طارق الدليمي يستمع إلى القادمين ويحاورهم لمعرفة المزيد عن الأوضاع والساحات، لتبدأ جلسة حوار مفتوحة في موضوعات شتّى ونستمع أحياناً إلى قراءات شعرية أو عرض لمشهد مسرحي أو  اقتراح لمشروع ثقافي، أو رؤية سياسية جديدة  أو فكرة عن تحالف أو اتحاد أو انشقاق أو تكتّل... كل ذلك كان يجري بحميمية وإخلاص، حتى وإن كان الطريق الذي يتم اختياره والتوقيت والزمان خاطئاً، لكن منزل طارق الدليمي يجعل الكثيرين يبوحون بما يحتفظون به من أسرار، أو هكذا يتصوّرون حين يحاولون إخفاءها،وبعد  حوارات ونقاشات بعضها أقرب إلى الاستنطاقات يبدأون بالحديث والبوح حتى وإن ترددّوا في بداية الأمر ، بفعل الأجواء الثقافية والفكرية الجادة والحميمية، فالأسرار للتنظيم فقط، لاسيّما ما هو ضروري، أما في الفكر والسياسة فكل شيء ينبغي أن يكون علانية وواضحاً ومفهوماً، بل وينبغي أن يكون منطقياً ومقنعاً وليس ثمة أسرار في ذلك .
كان بعض متشدّدي الأحزاب المعارِضة الموجودة في دمشق يعتبرون تلك الجلسات خطراً عليهم ويحذّرون "أتباعهم" من الاقتراب منها، خصوصاً إذا ما تعرّضت لبيروقراطيتهم وكشفت بعض المخبوء أو المستور الذي لم يُسلّط عليه الضوء الكافي، ولاسيّما إذا كان جوهرياً وخارج دائرة الاصطفافات المُسبقة، ووصلت أخبار هذا المنتدى الثقافي - الفكري إلى أوساط غير قليلة، حتى ممن تم تحذيره  فيزداد فضوله، فيغامر ويخادع  ليجد فرصة لدعوته أو يلصق نفسه بأحد المدعويين في خميس أحد الأسابيع،  فعلى الأقل يحظى بسهرة أو أمسية واحدة ليكتشف ذلك السر الدفين في محبّة أصدقاء كثر لطارق الدليمي، حتى وإن اختلفوا أو تخاصموا معه، لكن الرغبة في التواصل تبقى قائمة لديهم وتلمّست ذلك مع العديد منهم.
وعلى المستوى الشخصي لم يحصل أن حدث بيننا خصام طيلة نحو ستة عقود من الزمان عرفته فيها، حتى حين كانت تتأزم المواقف سياسياً وتتباعد التوجّهات، فأتجنب زيارته لأسبوعين أو أكثر، لكنه كان يتصل ويتواصل  لنتناسى ما يحصل أحياناً من حدّة الخلاف، وفي أكثر الأحيان كنت أنا المبادر فيفتح طارق الدليمي صدره وقلبه وعقله وضميره وبيته ليستقبلني بالأحضان.
III
حين تعرّفنا على بعضنا كان الاختلاف هو الجامع، وتلك فرادة في الصداقة بحد ذاتها، وكان اللقاء على منصّة الجدل ساخناً والسجال شديداً، حيث كان طارق الدليمي قد بدأ حياته في حزب البعث أواخر الخمسينات، وهو من الشخصيات العروبية الشديدة الاعتزاز بآرومته، إضافة إلى ثقافته الموسوعية وعقله الناقد، وأستطيع القول إنه مثقف رؤيوي بامتياز وصاحب مواقف متميّزة حتى وإن كانت خاطئة، وكان شجاعاً وغير هيّاب، جريئاً لا يخشى في الحق لومة لائم.
وبقدر ما كان مؤمناً بالأمة العربية ورسالتها الحضارية وبالهويّة الثقافية للقومية العربية في كل تحولاته وتقلّباته الفكرية، فقد كان في الوقت نفسه شديد الإيمان بالبعد الاجتماعي لقضية التغيير، لاسيّما وإن قضية الحرّية والعدالة جوهرا النهضة هما مسألتان كونيتان وأمميّتان، ولذلك ظلّ مع كوكبة لامعة من البعثيين يبحثون عن طريق آخر، ربما طريق ثالث، فالتغيير بالنسبة لهم وعلى حد تعبير المفكر ياسين الحافظ: "حفرٌ في العمق وليس نقراً في السطح"، لكن ذلك لم يشفِ غليله، فقد كان قلقه المعرفي وثقافته المتنوّعة وقراءاته الفلسفية مائزة ورائزة على أقرانه، بما فيها لغته الإنكليزية التي كان يقرأ بها، وكان يعتقد إن الجانب الاجتماعي لا بدّ أن يُضاف ويُستكمل ويتعمّق إلى الفكر العروبي.
وهكذا تململت تلك الثلّة المتميّزة من الشباب البعثي، فاختارت الطريق الوسط بين الحركة الشيوعية والحركة القومية بتأسيس "حركة الكادحين العرب" ومن أبرز رموزها عبد الاله البياتي وحبيب الدوري ومحمد الزيدي وطارق الدليمي ومحمد حسين رؤوف ووثاب السعدي ودرع ظاهر السعد ومزهر المرسومي وصادق الكبيسي وسعيد جواد الرهيمي وقيس السامرائي وهناء الشيباني (التي استشهدت بعد التحاقها في المقاومة الفلسطينية / أواخر العام 1969)، ثم اتخذ هؤلاء خطوة أخرى بالاتجاه نحو اليسار فأطلقوا على حركتهم اسم "المنظمة العمالية" التي دخلت انتخابات الطلبة ضمن قائمة اتحاد الطلبة في ربيع العام 1967 وفاز بعضهم ضمن تشكيلات الاتحاد، وقد انضموا إلى "حزب القيادة المركزية" بعد انشقاقه عن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في 17 أيلول (سبتمبر) 1967، خصوصاً وإن الاتجاه "اليساري" الذي اختطته القيادة المركزية، إضافة إلى التوجّه الجيفاري الذي عبّرت عنه باختيارها الكفاح المسلح، داعب مخيلتهم حتى قبل تأسيسها، الأمر الذي وجدوا مكانهم الطبيعي فيها مع بعض الاختلافات بشأن العروبة وجوهرها التقدمي، والتمييز بينها وبين الاتجاهات القومية المتعصّبة .
وكان طارق الدليمي قد سبقهم إلى ذلك، حين كان بصلة خاصة داخل التنظيم الحزبي منذ العام 1964، ومع حسين جواد الكمر تحديداً ، على الرغم من اعتراضاته على خط آب (أغسطس) العام 1964، الذي عُرف بالخط اليميني- الذيلي- التصفوي، كما اصطلح عليه ورفضته غالبية القواعد الحزبية، ويوم حدث الانشقاق كان طارق الدليمي في المواقع الأولى الذي دعمته، وكان قد أحيط علماً بتوجّهات لجنة منطقة بغداد التي كان على صلة بها وبالعديد من أعضائها، وقد عمل مع القيادة المركزية بخط خاص، وكانت له آراؤه الخاصة، ويومها كان طارق الدليمي طالباً في الصف الخامس في الكلية الطبية، وقبل أن ينتقل إلى الصف السادس، تم اعتقاله وبعد خروجه من المعتقل التحق بحركة الكفاح المسلح، ثم بدأت رحلته في الغربة التي منعته من إكمال السنة المتبقية له، سواء في دمشق أم عدن أم القاهرة، وشخصياً كنت وما أزال أعتبره أمهر طبيب، على الرغم من أنه لم يحصل على الشهادة النهائية، وكنتُ أثق بتشخيصاته وألتزم بنصائحه الطبية. وعلى الرغم من مضي أكثر من 5 عقود على تركه مقعد الدراسة ، لكنه ما يزال يقرأ وبنهم الكثير من المصادر والمجلات الطبية ، مثلما يقرأ القضايا الفكرية والأعمال الأدبية بطريقة منهجية تثير الإعجاب.
IV
حين كان طارق الدليمي بعثياً كنت شيوعياً، ويوم التحق بالقيادة المركزية، كنت على ملاك اللجنة المركزية، وكانت السجالات مستمرة  بيننا بصورة  مباشرة وغير مباشرة، إضافة إلى كوكبة من الوجوه والشخصيات الطلابية والثقافية والمنشغلة بقضايا الأدب  في مقاهي بغداد وحاناتها وكلّياتها وأروقتها الجامعية، ونتنقل أحيانا وفي اليوم الواحد لعدّة مقاهٍ: من البلدية إلى عارف آغا، ثم إلى البرلمان والشابندر والبرازيلية والمربعة ، وفي المساء نمرّ على مقهى ليالي السمر ومقهى المعقّدين، ثم نفترق لنتوزّع على الحانات التي نختارها: آسيا، بلقيس، كاردينيا، الجندي المجهول، الشاطئ الجميل، رومانس،  فندق سميراميس، وأحياناً سرجون وحسب شلّة الأصدقاء، وكان ذلك يحدث مرّة على الأقل كل عشرة أيام أو أسبوعين، ولكن النقاش يستمر هو ذاته ،وأتذكّر في إحدى المرّات والقصة بطلها سلام مسافر، احتدم النقاش حول أحقية القيادة المركزية أم اللجنة المركزية وأيهما أفضل عزيز الحاج أم عزيز محمد؟
ولا أدري كيف انتبه سلام مسافر إلى أن المتحاورين حملوا اسم عزيز، وهم كل من:  عزيز حسون عذاب وعزيز السماوي وعزيز خيّون وعزيز السيد جاسم، فما كان منه إلّا أن يقول: قفوا عن أي عزيز تتحدّثون : فكل عزيز (كذا)، وضحكنا جميعاً وكأن قالباً من الثلج وزّع على المتحاورين أو المتلقّين في يوم قائظ وشديد الحرارة، وهي النكتة التي بقينا نردّدها ونقولها تورية أحياناً " كل عزيز - كذا" واستعدتها مؤخراً مع سلام مسافر خلال زيارتي لموسكو، وكانت دعابة مثل تلك كافية لتحسم النقاش ودّياً، بدلاً من الاختصام .
V
في الذكرى الأولى لعدوان 5 حزيران (يونيو) 1967 قرّرت الأحزاب والقوى السياسية والنقابات الخروج بتظاهرات بالمناسبة ، ولم يتم الاتفاق بيننا وبين القيادة المركزية، فذهبت أنا إلى تظاهرة اللجنة المركزية بالاتفاق مع البعث اليساري (الجناح السوري) وذهب طارق الدليمي إلى تظاهرة القيادة المركزية ، وقد انطلقت بعد تظاهرتنا بساعة أو أكثر، وسارت متساوقة مع تظاهرة للحركة الاشتراكية العربية واتحاد نقابات العمال (هاشم علي محسن)، وحين انتهت تظاهرتنا  في الباب الشرقي (ساحة التحرير) وكانت قد انطلقت من ساحة الأمين بدأت تظاهرة القيادة المركزية من ساحة الميدان، وعدت لأشاهد تظاهرة القيادة المركزية وشعاراتها  لكي أرى حجم المتظاهرين وهتافاتهم التي كانت تردّد: "باسم القيادة ننادي يسقط الحكم العسكري"  و"يا فاشي شيل إيدك كل الشعب ميرديك".
وكنت قد ركبت الباص المتوجّه من الباب الشرقي عبر شارع الرشيد لأصل بالقرب من الشورجة، حيث كانت التظاهرة قد تجاوزت سوق الصفافير، وحين نزلت من الباص  وجدت طارق الدليمي يسير بالقرب من نرجس الصفار في التظاهرة وسلّمت عليهما وكان معي ثلاثة أصدقاء قدموا من النجف والتقيت بهم بالصدفة في الباص، وجاءوا في زيارة خاصة  إلى بغداد، وحين عرفوا وجهتي انضموا إليّ، خصوصاً وكان اثنان منهما يعتبران على ملاك الحركة الشيوعية وهما السيد علي الخرسان والسيد باسم كمونة، وهما ينتسبان إلى عائلتين دينيتين  مثل عائلتي، والعوائل الثلاثة لها حق الخدمة في حضرة الإمام علي منذ قرون بفرامين سلطانية من الدولة العثمانية.
وحين دوهمت تظاهرة القيادة المركزية وتفرّقنا ذات اليمين وذات الشمال، ولحظتها كنتُ أسير برفقة طارق الدليمي، لكننا قطعنا حديثنا إثر ظهور بوادر هجوم على التظاهرة، فقفز الدليمي إلى جهة اليمين وقفزت أنا نحو الشمال، وحسبما ما يبدو كان مرصوداً وربّما هناك من شاهده يودع مسدسه عند نرجس الصفار، فتجمّع حوله نحو خمسة رجال أمن وحاولوا سحبه إلى السيارة المتوقفة قرب مقهى البرازيلية، لكنه حاول مقاومتهم رافضاً ذلك، فانهالوا عليه ضرباً وأدموه، حتى سقط أرضاً فحملوه بقوة وهو يرفس مقاوماً الصعود  إلى السيارة.
 وقد أطلقتُ العنان لساقيّ كي تسابق الريح بالاتجاه الآخر، بعد أن خاطبني الصديق عبدالرزاق سلمان (السعدي) بقوله: اركض لكي لا يلقى القبض علينا، وبدوري نبّهت الخرسان وكمونة، بذات العبارة التي كلّمني بها السعدي، ودخلنا في الأزقة المتفرّعة حتى وصلت إلى شارع الجمهورية، وانتقلت إلى الرصيف الآخر، وبقيت أراقب خروج الصديقين الخرسان وكمونة، ولكنهما لم يخرجا وقلت مع نفسي لعلّهما استمرّا في نقاشهما أو تعبا من الركض ففضّلا المسير ببطء ، وسيتصلان بي في مساء اليوم ذاته أو في اليوم التالي، لكنهما لم يتّصلا وقلت مع نفسي ربما لم يسمح لهما الوقت للاتصال فعادا إلى النجف .
 وحين زرت النجف  بعد أكثر من شهرين لانجاز معاملة نقل النفوس التي ظلّت معلّقة، علمت من الصديق الثالث (محسن الشرع) أنهم دوهموا من شخص يحمل رشاشة وضعها في صدورهم، وكان اثنان آخران يحملان مسدساً حيث تم تفتيشهم، وقد أخلي سبيله بعد أن أعطاهم هويته وكان حينها معلّماً، أما هما فقد اقتيدا إلى جهة مجهولة، وفي المساء جيء بهما إلى فندق قصر النيل حيث كانا قد استأجراً غرفتين وتم تفتيش حقائبهما، ثم نقلا إلى سجن الفضيلية، وهناك إلتقيا بطارق الدليمي وتعرّفا عليه وعرفا منه أنه صديقي وعرّفاه بنفسيهما باعتبارهما من أصدقائي، ومن المفارقة أنهما حين اعتقلا احتسب أحدهما على ملاك القيادة المركزية والآخر على ملاك اللجنة المركزية، حتى أنهما افترقا في المعتقل، وتلك واحدة من أجواء الصراعات غير العقلانية التي عشناها.
وحين عرفت بمعلومة اعتقالهما وبأن النجف عرفت القصة التي شاعت فيها وكيف التقيتهما في الباص واصطحبتهما معي إلى التظّاهرة، قرّرت العودة أدراجي وتركت المعاملة التي ظلّت معلّقة حتى عودتي من الدراسة في نهاية العام 1977 والتي لم تنجز إلّا في مطلع العام 1978، حيث كان والدي قد أضاع أولوياتها، ولم يطلق سراح طارق الدليمي بعد 17 تموز (يوليو) 1968 مباشرة حتى حين تم إطلاق سراح المعتقلين والسجناء ، وقد تأخّر بضعة أسابيع قياساً لأقرانه، وحين صدر الأمر بإطلاق سراحه وجاء شقيقه خالد لكفالته، وتم ترتيب الإجراءات القانونية، نقل إلى مديرية الأمن العام ، وبعد أن تكفّله شقيقه، أسرعا الخطى لمغادرة المبنى وفي الممر العريض فوجئا بأحد مسؤولي الأمن ينادي من خلفهما بصوت عال: طارق.. طارق ، وحاول أن يتجاهله بحجة أنه لم يسمع صوته، لكن هذا الأخير صرخ  بأعلى صوته : أبو زياد.. أبو زياد ، فاضطرّ الدليمي التوقّف ملتفتاً إلى الخلف، حتى فاجأه ضابط الأمن بالقول: لدينا 6 طوابق تحت الأرض أتعلم ذلك؟ فلا  تعد إلينا وإلّا سيكون مصيرك أسوداً، وردّد على مسامعه: أقولها لك محذّراً أتفهم ذلك "ستة طوابق" وهو ما كنّا نتندّر به وغالباً ما كان يغمز طارق بعينيه وبإشارة من يده " ستة طوابق" .
حاول طارق الدليمي العودة إلى الكلية، وكنتُ قد تخرجت حينها، لكن أسر "الجملة الثورية" من جهة والخشية من الاعتقال مجدّداً من جهة أخرى، لاسيّما وأنه كان معروفاً وناشطاً ، هما وراء تغيير مسار حياته، علماً بأن القيادة المركزية استمرت في رفع شعار إسقاط السلطة مندّدة بالانقلاب المشبوه، وهو ما دفعه للتفتيش على مكان آمن لممارسة عمله فاختار منطقة الأهوار، وحاول التوجه إلى الريف تحضيراً لبدء عملية كفاح مسلح من تلك البؤر الثورية، وبقي هناك لبضعة أسابيع حتى وصلته التعليمات بضرورة السفر إلى الخارج، فتوجّه إلى دمشق، التي ظلّت قاعدته الأساسية مهما تغيّرت الاختيارات من القاهرة إلى عدن ثم إلى صوفيا، لكن الشام هي التي حظيت بعشق طارق الدليمي فاختارها إقامة "عشاً" له ، مثلما اختار "قدس" اسماً لابنته.
وأتذكّر أن الدكتورة سعاد شعبان التي كانت زميلة له  وإن التحقت بالكلية الطبية في بغداد بعده، سألتني عنه حين التقيتها وزوجها الدكتور محمد موسى خلال زيارتي إلى بريطانيا في أواسط السبعينات، حيث كانت تدرس في ليدز، وكذلك الدكتور ناهض شعبان الذي استفسر عنه وكان يعرفه أيضاً ويتابع نشاطه وإن سبقه في التخرّج.
في العام 1973 زرت دمشق للقاء العائلة (الوالد والوالدة وأختي سميرة وأخي حيدر)، وكنت حينها قد بدأت دراسة الدكتوراه في براغ،  والتقيت به وكان قد تغيّر وقد أخذت منه الغربة الكثير ، فبدا أكبر سناً وأكثر معاناة وأشدّ مزاجاً، وبدأ الشيب يتسلّل إلى مفرقيه، وفي دمشق نسج علاقات واسعة مع ابراهيم علاوي ومظفر النواب والحركة الكردية والبعث السوري والحركة الاشتراكية في إطار ما سمّي بالتجمّع الوطني العراقي الذي تأسس لاحقاً، لكنه ظلّ ناقداً ومبادراً وغير متلقٍ، لأن عقله مؤسس على النقد : نقد الفكر ونقد السياسات ونقد السائد واليومي من الظواهر والممارسات. كما توسّعت علاقاته مع المقاومة الفلسطينية ، وخصوصاً "الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين" بحكم صلاته مع قيس السامرائي صديقه الحميم والذي ظلّ على علاقة وطيدة به واستمرّت حتى الآن.
VI
وبعد هجرة الكثير من اليساريين العراقيين في أواخر العام 1978 وبداية العام 1979 أسّس طارق الدليمي مع مجموعة من الشيوعيين السابقين تنظيماً باسم " حركة الطليعة الديمقراطية"، وأصدروا جريدة شهرية كانت مقروءة في حينها واحتوت على أخبار مهمة، وكان من بين الذين تعاونوا معه سليم مطر وأبو علي درعا وإياد السعيدي، وآخرين التقاهم في دمشق منهم وهاب شعبان الذي نطلق عليه " الشيخ" وصادق الحسني البغدادي الذي كنّا نسميه " الحجّة" والإثنان كانا شيوعيين سابقين وظلّا متعاطفين مع الحركة الشيوعية وناقدين لسياساتها، وعرفت منهما أنهما كانا يزوّدان جريدة "الطليعة " التي يصدرها بأخبار ومعلومات عن الأوضاع في العراق ، وزارا دمشق أكثر من مرّة، حيث التقيت بهما حين وصلت دمشق في العام 1980، قادماً من بغداد، كما كان الرافد الفلسطيني مصدراً آخر لبعض الأخبار الطازجة، وسافر أكثر من سفرة إلى ليبيا  في زيراة "معلنة" وغير معلنة في إطار العلاقات مع المعارضة العراقية، لكنه بعد حين لم يواصل العمل في هذا الإطار الذي بدى عبئاً عليه فقرّر تركه.
وحين بدأت الحرب العراقية - الإيرانية تفاوتت المواقف بيننا أيضاً باختلاف مراحل الحرب ومواقع القوات العسكرية وأهدافها، وإذا كانت الحرب عدوانية وهجومية من النظام العراقي 1980-1982، فإنها بعد معركة المحمّرة " خرمشهر " وانسحاب الجيش العراقي إلى الأراضي العراقية ، واختراق القوات الإيرانية للأراضي العراقية والتبشير بالمشروع الحربي والسياسي الإيراني الذي يقوم على تصدير الثورة، أصبحت عدوانية توسعية من جانب إيران ووطنية دفاعية من جانب العراق (1982-1988) حتى تم وقفها بعد عام على صدور قرار مجلس الأمن 598 في العام 1987، علماً بأنها في جميع المراحل لم تخدم سوى الإمبريالية والصهيونية، حيث تم تدمير طاقات البلدين الجارين وتحطيم قدراتهما الدفاعية وهدر أموالهما ، فضلاً عن خسارة نحو مليون إنسان في حرب عبثية لم يكن لها مبرّر على الإطلاق، وكان يمكن حلّ الخلافات بصورة سلمية وبالمفاوضات وطبقاً للقانون الدولي  وليس عبر الحرب والنزاع المسلح.
وإذا كانت اتفاقية 6 آذار (مارس)1975 المعروفة باسم " اتفاقية الجزائر" مجحفة ومذلّة بشأن العراق، وهي التي وقعها صدام حسين نائب الرئيس العراقي حينها مع شاه إيران محمد رضا بهلوي لكن الحرب ليست الوسيلة المناسبة لاستعادة الحقوق التي تنازل عنها ذات النظام في شط العرب بموجب ما سمّي بخط الثالويك، وهو خط وهمي يقع في أعمق نقطة في وسط مجرى النهر وحتى البحر، ناهيك عن التنازل عن أراضي عراقية في اليابسة.
وفي الوقت الذي كنّا ندين غزو القوات العراقية لإيران، إلّا أن تورّط صدام حسين  في مثل تلك الحرب قاد إلى الاعتقاد أن بالإمكان الإطاحة به ، الأمر الذي كانت تراهن عليه قوى كثيرة، بل أن بعضها اعتبره " آيلاً إلى السقوط" وما على المشروع البديل إلّا أن يحضّر نفسه في محاولة لتضخيم الذات واستصغار شأن الخصم، وحاول طارق الدليمي في المرحلة الأخيرة من الحرب التنسيق  مع اللواء حسن النقيب ومصطفى جمال الدين وشخصيات أخرى، لم تكن بعيدة عن التوجّه السوري، حيث تمت دعوتنا ماجد عبد الرضا وكاتب السطور للتوقيع على بيان مشترك، لكننا لم نتّفق على الصيغة والتوجّه وبعض الأسماء، وهو الأمر الذي اختلفنا حوله بشأن غزو القوات العراقية للكويت، وربما كانت مواقفنا متطابقة إلى حدود كبيرة خلال فترة الحصار الدولي الجائر المفروض على العراق.

VII
وحين انتقلت إلى لندن زارني طارق الدليمي وحلّ ضيفاً عليّ بعد أن وجّهت له دعوة خاصة، وناقشنا مواقف المعارضة العراقية، وكان موقفه متحفظاً على عدد من الشخصيات التي بدأت تظهر على السطح وبعضها في إطار " لجنة العمل المشترك" في لندن، بل إنه وضع علامات استفهام على بعضها تلك التي انخرطت بالمعارضة بعد غزو الكويت أو عشية ذلك، بما فيها بيان الشخصيات العراقية الـ28 الذي صدر العام 1989 ووقّعه من طرف الحزب الشيوعي عزيز محمد ورحيم عجينة وعبدالرزاق الصافي، وشخصيات أخرى مثل هاني الفكيكي وأحمد الجلبي ومحمد بحر العلوم وليث كبّة وجلال الطالباني وعدنان المفتي ومحمود عثمان ورشاد الشيخ راضي وآخرين.
وأتذكّر أن طارق الدليمي حاصرني بالأسئلة وأمطرني بالتساؤلات حول البيان الذي صدر لنا في العام 1981 مع "جهة عراقية" لم ترغب بالإعلان عن نفسها، وكنت حينها مسؤولاً عن علاقات الحزب العامة خلال وجودي في دمشق، لكنني حلفت له بأغلظ الأيمان بأنني لم أكن حينها أعرف تلك الجهة، وبالمناسبة فقد امتنعت  من إيصال البيان إلى القوى السياسية العراقية والعربية والأجنبية، ولأنني لم أحصل على إجابة كافية عن "الجهة المجهولة" التي لا تريد أن تفصح عن نفسها وعن هويّتها، ففي ذلك إحراج لم أرتضه لنفسي، فضلاً عن ذلك عدم تقدير لمسؤوليتي، وعدم احترام للحزب الذي كنت أمثّله.
 وحاول الدليمي أن يقلّب الأمور معي كثيراً، لكنه تأكّد من عدم معرفتي للجهة الموقّعة على البيان، وأنني لا أخفي اسمها، علماً بأن حدسنا الأوّلي كان ثمة مجموعة من داخل النظام كانت تحاول مدّ الجسور مع الحزب، ولهذا السبب لم ترغب أن تعلن عن نفسها وتلك واحدة من الإحراجات غير القليلة التي فتحت علينا التباسات وتقوّلات كنّا في غنى عنها ، الأمر الذي زاد في موقفنا ارتباكاً، خصوصاً بعد تجميد عضوية الحزب في "جوقد" (الجبهة الوطنية والقومية الديمقراطية) التي مثلنا الحزب فيها  عبد الرزاق الصافي وكاتب السطور وحضرنا اجتماعين بعد انعقادها كانت عاصفة، حيث تم تجميدنا وتلك قصة أخرى. واتّضح لي بعد حين أن تلك الجهة التي حاولت لبس "طاقية الإخفاء" تعمل مع أجهزة دولية جاء دورها بعد غزو القوات العراقية للكويت العام 1990.
وقد سألني بخصوص تشكيل " الجبهة الوطنية الديمقراطية" (جود) التي تأسست في كردستان بعد أسبوعين من تشكيل جوقد، بسبب استبعاد الحزب الديمقراطي الكردستاني من جوقد لموقف ضاغط من الاتحاد الوطني الكردستاني وجلال الطالباني تحديداً، علماً بأن الجبهتين لا تختلفان عن بعضهما كثيراً، باستثناء الحساسيات السياسية والارتياحات الشخصية وبعض المواقف المسبقة، وكان رأينا الذي أبلغناه في لقائنا مع عبدالله الأحمر (الأمين العام المساعد لحزب البعث) ، زكي خيري وعبد الحسين شعبان، قد اشتمل على ثلاث مقترحات يكون الأخذ بأي منها تسوية للخلاف ونزعاً للفتيل ودرءًا للأزمة التي عصفت بالمعارضة في حينها: الأول- توحيد الجبهتين وإنهاء المشكلة، الثاني- ضم الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي) إلى جوقد وحلّ جود لأن الحزبين الأساسيين المتبقين هما الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي الكردستاني أعضاء في جوقد أساساً وكانت وجهات نظرهما منذ البداية ضم " البارتي" وإضافة حزب الباسوك إلى جوقد لتكوين أوسع إطار للمعارضة ، والثالث – تشكيل لجنة تنسيق بين الجبهتين ، والهدف هو إنهاء الخلاف المحتدم في صفوف المعارضة، وتطبيع العلاقات بين أطرافها ، خصوصاً الخصومة التاريخية بين " حدك" و"أوك".
وكان رأي طارق الدليمي ما دام هناك " صقور" في الفريقين فلن يتحقق ذلك، وهو ما حصل فعلاً حيث انفجر الخلاف وتحوّل إلى صراع حاد وجرت مناقلات من جانب بعض الأطراف وساد جو من الكراهية والبغضاء والإساءات ، لم يكن له مبرّر على الإطلاق.
VIII
لم يكن مفاجئاً لطارق الدليمي حين اتخذت قراراً مع ثلّة من الرفاق بالعمل على تأسيس منبر شيوعي من داخل الحزب لفتح حوار ونقاش حول سياسة الحزب بشكل عام والحرب العراقية- الإيرانية بشكل خاص، وذلك بالتعاون مع عدد من الرفاق والأصدقاء وبعض الوجوه الثقافية التي كانت تدعم توجهنا، ووقّع عدد كبير منها ( 75 مثقفاً بينهم طارق الدليمي) على مذكرة احتجاجية بشأن السياسة الثقافية، وفي مقدمة الشخصيات التي شاركت في تأسيس حركة المنبر: نوري عبد الرزاق ومهدي الحافظ وخالد السلام وماجد عبد الرضا وآخرين. وكانت ثمة اختلافات بعضها نظري يتعلق بالماركسية وطريقة التعاطي معها بهدف تجديدها انطلاقا من الواقع وبما ينسجم مع ظروف العراق وأوضاع العالم العربي ، وبعضها عملي يتعلق بشكل خاص بالموقف من الحرب العراقية- الإيرانية حيث اعتبرنا موقف " إدارة الحزب" ممالئاً للحركة الكردية ولإيران. وكذلك في الموقف من التحالفات التي رأينا فيها خفّة وتسرعاً، إضافة إلى اعتراضاتنا على عملية " عسكرة الحزب" و"الحرب بالطليعة" تحت عنوان "الكفاح المسلح"، ناهيك عن تحفظاتنا إزاء عمل الداخل والخسائر التي منينا بها، والاندساسات التي أصبحت شائعة، فضلاً عن الصراعات الداخلية والتغوّل على الرفاق بأساليب "غير رفاقية" وهو ما كان طارق الدليمي لديه معلومات واسعة عنه. وحين أصدرنا صحيفة "المنبر" وكنت مشرفاً على تحريرها وطبعها كان الدليمي متعاطفاً معنا على الرغم من بعض تحفظاته إزاء بعض مواقفنا، لكنه كان يقدّر إعلاننا عن توجهاتنا .
وكان طارق الدليمي يعرف الكثير من آرائي ووجهات نظري بخصوص العديد من القضايا الفكرية والسياسية، وكان موقفي من الحرب العراقية- الإيرانية أخذ يزداد تباعداً عن القيادة الرسمية على الرغم من أنني ممثلها في الشام، وكان ذلك واضحاً منذ إصدار كتابي "النزاع العراقي- الإيراني : ملاحظات وآراء  في ضوء القانون الدولي" والذي كتب مقدمته الرفيق باقر ابراهيم (1981) الذي تعرّف عليه الدليمي في وقت لاحق (أواخر الثمانينات).
وكم كان منفعلاً حين عرف بقصة  ثابت حبيب العاني " أبو حسان" الذي كان ينزّهه عن مثل تلك الاتهامات الرخيصة ويردّها إلى الأجواء غير الصحية والتسلطيّة التي كانت تبحث عن كبش فداء لسياسة التحالف السابقة والخاطئة، وكان يقول ذلك أمام زائريه  من الشيوعيين وأحياناً يستأذن منّي كي لا أنزعج  أو يتعامل معي من باب " الميانة"، لأنني لم أكن أحبّذ أو أرتضي مثل تلك المداخلات أو التراشقات، لكنه بلا شك كان ينطلق من حرص واجتهاد، مثلما كانت لديه معلومات مثيرة ونادرة ودقيقة في الكثير من الأحيان، وكانت مواقفه حادة ، خصوصاً فيما يتعلّق بكرامته الشخصية و"شرفه الثوري"، ففي إحدى المرات، وفي أوائل التسعينات وأمام عدد من الموجودين في مقهى فندق الشام استشاط غضباً من "أحدهم" فقال له لقد نقلتم رحيلكم من الـ KGB إلى CIA والآن تحاولون النيل من مواقفي، وقد حدث ذلك بعد تصريحات بشأن تبرير العلاقة مع القوى الخارجية تحت عنوان "العامل الدولي". وكم أبدى ارتياحه حين نشرنا في "المنبر" مقالة كتبها  مهدي الحافظ دفاعاً عن "أبو حسّان"  وكشفنا فيها تلك التهم الكيدية التي استخدمت في الصراع الحزبي الداخلي، وكنتُ قد رويت ذلك في مكان آخر لأكثر من مرّة.
وحين علم أنني قبلت حضور مؤتمر فيينا 1992 للمعارضة العراقية دخلنا في نقاش طويل، بشأن توجهات المعارضة والاختراقات التي تتعرّض لها، وكان رأيه صائباً وقد لمست ذلك بنفسي، فمناهضة الدكتاتورية لا تفترض الارتماء في أحضان الضفة الأخرى، فذلك دليل عجز وقصور نظر، وقد كان هادي العلوي الذي زرناه يردّد " لعلّ صوتاً واحداً شجاعاً أغلبية"، وهو ما ذكره مرّة أخرى خلال زيارتي الثانية له مع الصديق رياض النعماني.
وحينها كنّا قد توقفنا عن إصدار المنبر واعتبرنا تحركنا استنفذ أغراضه وكان العلوي قد سألني: هل يعني هذا العودة إلى " الجماعة" أو باتفاق معهم؟  وهل ثمة ترتيب ما؟ فقلت له : لقد استنفذ الصراع أغراضه وثمة ظرف جديد علينا التحرّك لتجميع القوى بمختلف اتجاهاتها، فبلادنا أمام خطر داهم ، وبالنسبة لي فإنني كنت منذ زمن أفكّر في اتخاذ موقف مستقل خارج إطار الكليشيهات والقيود التي ليس لي القدرة على تحمّلها، فقد ضقت ذرعاً بسياسات لم أنسجم معها وبممارسات كنت أرفضها، ولهذا سأبقى خارج إطار أي تنظيم وخارج أي إطار، وقد وجهنا رفاقنا لاختيار كل منهم الموقف الذي يريده، بما فيه العودة إلى الحزب، فالطريق مفتوح أمامهم وعليهم أن يختاروا  ما يريدونه ويرتضونه، وذلك في رسالة كتبتها لهم بالاتفاق مع نوري عبد الرزاق في 27 كانون الأول (ديسمبر) 1990 وبعد الاتصال بمهدي الحافظ، وكان آخر عدد للمنبر قد صدر في وقتها ( قبل شهرين من ذلك، واحتوى نتائج الاجتماع الموسع لحركة المنبر الذي عقدناه بعد غزو الكويت).
وللعلم لم يكن العلوي ميّالاً لموقفنا وتوجهاتنا وكان أقرب إلى إدارة الحزب، بل اجتهد في نقدنا، لكنه كان يحترم أشخاصنا وخياراتنا، منذ إعلان تحركنا في البيان الذي أصدرناه حول الحرب العراقية- الإيرانية في العام 1986 ووقعه ستة رفاق هم: نوري عبد الرزاق ومهدي الحافظ وأحمد كريم وخالد السلام وماجد عبد الرضا وعبد الحسين شعبان، وقبله التقييم الذي أصدرناه في العام 1984 "من وحي اليوبيل الذهبي للحزب الشيوعي - حديث صريح في الهموم والآمال لمجموعة من قادة  وكوادر الحزب" وظلّت العلاقة مع العلوي قائمة بزيارات متكررة من جانبنا ماجد عبد الرضا ومحمد جواد فارس وكاتب السطور .
ومن القضايا التي أذكرها لأول مرّة أن عمود "نقطة ضوء" في صحيفة المنبر كان في الغالب حوارات بيني وبين طارق الدليمي ، أذكر على سبيل المثال لا الحصر بعض العناوين منها: الثورة الاجتماعية والجغرافية السياسية (العدد 4) و" التحالفات وضياع الرؤيا" (العدد5) و"الرهانات الخاسرة والموقف المسؤول" (العدد 6) و"المشروع والصراع" (العدد 9).

IX
   من الشخصيات التي أحبتها والدتي نجاة شعبان هو طارق الدليمي وذلك خلال الأشهر التي أقامت فيها مع أختي سميرة وعائلتها في دمشق انتظاراً لكي أُكمل أمر إقامتها معي في لندن بعد أن تركت العراق بليل بهيم، حيث تعرضت للاعتقال والاستجواب عدة مرّات، وعلى مدى عقدين من الزمان، وكان طارق الدليمي يزورها باستمرار ويهتم بها ، وكانت بكل اتصال معي تشيد به ومن تعليقاتها الطريفة: إنه صاحب معشر حلو وابن خير ويعرف كل شيء عنّا وكأنه عاش معنا طوال حياته، وبالطبع كانت علاقته بالعائلة قوية جداً بأختي سلمى وأخي حيدر وكل ما يتعلق بالأقارب والأصدقاء القريبين، فإنه يعتبرهم عائلته أيضاً، مثلما هي علاقتي بوالدته وخصوصاً خلال زيارتها إلى دمشق وشقيقه خالد.
لم أر الجواهري الكبير يوماً بمزاج وردي مثلما رأيته عند جلوس طارق الدليمي إلى جانبه، فثمة شيء من الكيمياء حصلت بين الرجلين، خصوصاً والجلسة كانت في منزل شقيقتي سلمى، حيث دعوت الجواهري وعائلته وبحضور شقيقته نبيهة (أم كاظم ولواء وصفاء ورواء الجصاني) وصادق الجواهري وعائلته وجمال الجواهري ، إضافة إلى الفنان سامي كمال والشاعر الشعبي جمعة الحلفي وزوجته (أم زينا)، إضافة إلى المثقف الفلسطيني اليساري داوود التلحمي رئيس تحرير مجلة الحرية وطارق الدليمي .
وحين دارت " الأكؤس من صغرى ومن كبرى "، كان الجواهري يضحك من القلب ما أن يهمس طارق الدليمي في إذنه، وكلّما كان الفنان سامي كمال يتحفنا بألحانه ويشنّف أسماعنا بطربه، كانت الابتسامة تكبر على فم الجواهري، وبين وصلة وأخرى كان جمعة الحلفي يسمعنا "المحمّداوي" في حين كانت أم زينا تبهجنا بصوتها العذب والأغاني الشعبية، وشيء ما بالفارسية التي كانت تعرفها. وظلّ الجواهري يسأل عن الدليمي باستمرار، علماً بأن الأخير كان من محبّي الجواهري في الشعر والمتابعين له، وإنه يحتفظ بجميع دواوينه في مكتبته العامرة.
وبالعودة إلى العنوان، أختتم هذه السردية  بما كتبه طارق الدليمي إلى لجنة التكريم في الحفل الذي أقيم لي في العام 2003 في القاهرة عن صديق الخلاف المعتّق  "... ولكن الذي لم يكن مفاجئاً هو أننا سرعان ما نلتقي في فواصل أخرى، أكثر حميمية وأعمق إنسانياً وأهم حياتياً ، وبذلك يصحّ القول أن شعبان الذي يجمع بين برودة العقل وحساباته المنطقية المزعجة، كان يحمل بين جنبيه قلباً دافئاً ينبض بهموم الناس (وأهل) القضية كيفما كانت أو ستكون. ومن هذه الشرفة كانت عزيمته لا تلين وإصراره على الحوار للوصول إلى النتائج الحاسمة ..."
ويضيف الدليمي :"  فالسياسي لدى شعبان لم يكُن يتناقض مع القانوني وأكاد أصرّ أن هذه الحالة الجدلية الخاصة كانت تستفزه شخصياً قبل أن تثير حفيظة الآخرين ولم نتحمّل نحن أصدقاؤه هفواته الصغيرة، وذلك ليس بسبب المحبّة الاجتماعية والاحترام الشخصي، ولكن أيضا لمعرفتنا الجادة إن الطاقة الذاتية للمراجعة والمحاكمة الداخلية لا بدّ أن تصاحبها احتواءات إنسانية ذات هدف إنساني... لا يمكن قطعاً الحديث بالتفاصيل عن المحطّات العديدة التي كنّا سوية فيها ونحن ننتظر قاطرات متغيّرة ومغايرة ". 
لعلّ خاتمته متناظرة مع خاتمتي في حديثي عن صديقي اللدود المثقف الرؤيوي الذي كان يتحسّس بروحه وقلبه وعقله في آن، فقد كنّا لا نتوقف عند الأشياء الصغيرة والاختلافات العابرة والملاحظات الظرفية، لأننا كنّا مدفوعين بثراء التفاصيل وعمق الصداقة وأفق المعرفة المفتوح، وهناك قول أثير " فالصديق إنسان هو أنت إلّا أنه بالشخص غيرك"
كان طارق الدليمي أنيساً ، ظريفاً، خفيف الظلّ، لمّاحاً، صاحب قلم جميل وجملة رشيقة وفكر أنيق، ويحمل من المواصفات الشخصية خصالاً تكاد تكون نادرة، لاسيّما إذا اجتمعت بشخص واحد ، فهو شجاع بلا حدود ولكن دون ادعاء، وكريم على نحو تلقائي دون تكلّف، وصاحب رأي في كل الأوقات أخطأ أم أصاب، وكان طيب القلب وإنساني النزعة ومحبٌ للخير ومتفان ومخلص للصديق رغم حدة مزاجه أحياناً، كما كان صاحب مروءة "وعلى شرف قدر الناس تكون المروءة" حسب الإمام علي ، فهو لا يقبل بظلم أحد أو إهانته أو استضعافه وقد يكون مستعداً للدخول في معركة دفاعاً عن شخص لا يعرفه، لمجرد أنه يشعر بأن إجحافاً ما أصابه أو غبناً ما لحقه أو تعرّض لإساءة.
طارق الدليمي وهو على مشارف الثمانين، كل متاعه من هذه الدنيا ، بضعة كتب وحفنة أصدقاء وضمير حي ومروءة لا تنقطع.



22
 


«الصفقة» من منظور الداخل «الإسرائيلي»

 
عبد الحسين شعبان
تحوّلت دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المرشّحين «الإسرائيليين» المتنافسين لتولي رئاسة الوزارة بنيامين نتنياهو وبيني غانتس، لإطلاعهما على خطته المقترحة للسلام «الإسرائيلي»- الفلسطيني، والتي عُرفت ب «صفقة القرن»، إلى جدال وسجال وصراع سياسي داخل «إسرائيل» أيضاً، وإنْ كان مثل ذلك التجاذب يختلف عمّا هو عليه عربياً وإسلامياً، لكنه لم يمنع من الاختلاف حول توظيفها داخلياً، حيث اعتبر ما يُعرف باليسار «الإسرائيلي» الدعوة بمثابة «مؤامرة» مزدوجة من جانب ترامب ونتنياهو لإنقاذ بعضهما من «المحاكمة» المنتظرة لكليهما، لافتاً النظر إلى الخفايا المريبة لتلك العملية، وهي عكس نظرة اليمين «الإسرائيلي» الذي يرى في الدعوة «فرصة تاريخية ينبغي استغلالها وعدم تفويتها».
وجاءت خطة ترامب لتصب في سلسلة خطواته لاستكمال صفقة القرن الحادي والعشرين بعد أن كانت صفقة القرن العشرين قد بدأت ب«اتفاقية سايكس - بيكو» عام 1916 ووليدها «وعد بلفور» عام 1917، لكن الصفقة الجديدة كان من المفترض إعلانها كاملة قبل نحو عام، وتأجّلت بسبب الأزمة السياسية «الإسرائيلية» والجولات الانتخابية التي لم تثمر إعادة تكليف نتنياهو لتشكيل الحكومة، علماً بأن الرئيس الأمريكي قدّم مفرداتها على شكل جرعات:
الأولى - اعترافه بالقدس عاصمة أبدية ل «إسرائيل» وقيامه بنقل السفارة الأمريكية إليها.
والثانية - إهداؤه الجولان السوري المحتل إلى «إسرائيل» بحجة الاعتراف ب «سياسة الأمر الواقع».
والثالثة - إعلانه أحقية «إسرائيل» و«أمنها» في ضم غور الأردن وشمال البحر الميت.
أما الرابعة فقد كانت التتويج العملي للجرعات الثلاث والخاصة بإعلان «يهودية الدولة» وفرضية «السلام» الاستسلامية.
ولعلّ جميع هذه الخطوات مخالفة بشكل صريح وسافر لقرارات ما يسمّى ب «الشرعية الدولية» وميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي المعاصر.
ويأتي التوقيت الحالي لإعلان المرحلة الأخيرة من صفقة القرن خدمة لنتنياهو، الذي يحاول المناورة، حيث سيحمل الصفقة إلى المجتمع «الإسرائيلي» ليقول له «إننا على أعتاب مرحلة جديدة»، الأمر الذي يستوجب طيّ صفحة المحاكمة، وإعادة انتخابه ليستمر في رئاسة الحكومة التي تمنحه «حصانة» من المحاكمة.
لقد بدّدت الصفقة آخر ما تبقى من إمكانية إعلان دولة فلسطينية وفقاً لما يطلق عليه ب «الشرعية الدولية»، سواء للقرار 181 لعام 1947 أو قرارات مجلس الأمن الدولي 242 لعام 1967 و338 لعام 1973 وقرارات الجمعية العامة الخاصة بحق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني، ومع ذلك وبسبب الرفض العربي والإسلامي وتعاطف جزء لا يستهان به من المجتمع الدولي، فإن «إسرائيل» تحاول كسب الوقت من خلال سيناريوهات عديدة:
أولها- أنها حالياً لا تقوى على اتخاذ أي إجراء عملي قبل موعد الانتخابات الجديدة (آذار/‏مارس/‏2020)، لكنها ستحاول إضعاف الموقف العربي والفلسطيني الرافضين للصفقة ومفرداتها، والظهور دولياً بمظهر الحرص على مناقشة «خطة واشنطن» مع السلطة الفلسطينية تحديداً بشأن الخطوات التي يمكن اتخاذها بعد الانتخابات، حتى وإنْ اتّسم الموقف الفلسطيني بالرفض القاطع، لكن ترامب لوّح بأن ورثة الرئيس الفلسطيني محمود عباس يمكن أن يتقبلوا هذه الخطة، وتلك رسالة مهمة لا بدّ من التوقّف عندها.
وثانيها - محاولتها اتخاذ خطوات تمهيدية مع إبقاء باب المفاوضات مفتوحاً بالدعوة لاقتناص الفرصة لاتباع استراتيجية شاملة من منظورها للحل، بعيداً عن مطلب «حلّ الدولتين»، وهو الموقف الذي تبنّته واشنطن نظرياً.
وثالثها- ضمّها بخطة آحادية للأراضي المقترحة في «الصفقة» لتكون «أمراً واقعاً» بعد رفض الفلسطينيين، واعتبار تلك فرصة جديدة لفرض شروطها وإعلاء سقف مطالبها.
وتصبّ هذه السيناريوهات في تقسيم المتبقّي من الأراضي الفلسطينية وسيطرة «إسرائيل» تماماً على المداخل والمخارج للكيان الفلسطيني «الموعود»، بحيث تحبس الشعب الفلسطيني في سجن صغير وتخضعه لحصار شامل للرضوخ، وتمنع أي محاولة لقيام دولة فلسطينية حتى وإن كانت منزوعة السلاح في حدود ال 11% من أراضي فلسطين التاريخية، وذلك من خلال زحف هادئ لضمّ معلن وفعلي قبل الضم الشامل، وستضغط على الأردن لضعضعة العلاقة الأخوية الأردنية - الفلسطينية والتلويح بالوطن البديل مستفيدة من عامل الوقت باعتبار تلك الإجراءات (معركة بين حربين ) حسب صحيفة «هآرتس».
drhussainshaban21@gmail.com

نشرت في صحيفة الخليج (الإماراتية) الأربعاء 12/2/2020


23

"قفص الدجاج "و " القوة الناعمة"! !
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
   شهد العالم العربي مؤخراً حركة احتجاج واسعة سلمية ومدنية من حيث التوجه والأهداف والممارسة، وعبثاً حاولت جهات مختلفة جرّها إلى العنف، وظلّت متمسّكة بسلميتها التي هي أساس شرعيتها، وهكذا تمكنت من الإطاحة بالرئيس السوداني عمر حسن البشير  واضطرّ الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الإقلاع عن الترشح لدورة خامسة كما استجاب لها رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري بتقديم استقالته، وأُجبرت حكومة عادل عبد المهدي على تقديم استقالتها.
   وفي كل التجارب التاريخية فإن حركات التغيير تفجّر معها جميع التناقضات الإيجابية والسلبية، سواء أحدثت التغيير المنشود أم لم تحدثه ، الأمر الذي يثير صراعات جديدة في المستقبل، علماً بأن التغييرات لا تتحقّق دفعة واحدة ولا تأتي ناجزة أو كاملة أو نهائية، بل متدرجة وتراكمية، وستواجهها عند كل منعطف تدافعاً ومطاولة بين من يريد إبقاء القديم على قدمه، وبين قوى التغيير ذاتها التي سينفجر الصراع داخلها أيضاً، بحكم تعارض المصالح ومحاولة كل فريق الاستحواذ على أكبر قدر من النفوذ والامتيازات للهيمنة.
   ومن دون تفاؤل مُفرط أو تشاؤم مُحبط، لابدّ من الإشارة إلى أن حركات التغيير ليست هندسة منجزة أو رسماً بيانياً جاهزاً أو خريطة طريق ذات خطوط مستقيمة، كما أنها ليست وصفة سحرية لأمراضنا الاجتماعية دون  منغصات أو أخطاء أو حتى خطايا، إنها مثل كل عمل بشري معرّضة للنقد والمراجعة والتقصير، لاسيّما إذا لجأت إلى العنف أو مارسته كرد فعل على ما تمارسه السلطات بحقها.
   ويمكن القول إن حركة التغيير هي جزء من قانون التطور التاريخي ، الذي لن يحدث دون تراكمات، وهي حتى وإن بدت مفاجئة، إلّا أنّ ثمة أسباباً موضوعية وذاتية ضرورية لاندلاعها، وباستعادة مفهوم الانتفاضة في " الأدب الماركسي"، فهي ظاهرة خصوصية في كل مجتمع مع ما يمكن أن تفعله القوانين العامة، إذْ لا توجد صيغة جاهزة يمكن اقتباسها أو تقليدها أو نسخها، لأنها تختلف من مجتمع إلى آخر باختلاف درجة تطوره التاريخي بطبقاته وأديانه وقومياته ولغاته وهوّياته الثقافية المتعددة.
 وإنْ كانت ثمة سمات عامة ومشتركة بينها، تلك التي تجلت في حركة الاحتجاج الأخيرة من أن غالبية "قياداتها" والمشاركين فيها هم من الشباب المتأثّر بالعولمة حيث لعب الإعلام والحداثة دورهما في تفجير طاقاته، ولاسيّما مواقع التواصل الاجتماعي، كما أنّ أبرز شعاراتها انصبّ على الكرامة وتحسين الأوضاع المعيشية ومحاربة الفساد، وإن عمقها الحقيقي هو الطبقة الوسطى.
   لقد حار البعض في تفسير انطلاق حركة الاحتجاج وبهذا الحجم والاتساع والامتداد، فلم تسعفه الدعاوى الآيديولوجية من عدم وجود حامل اجتماعي أو قيادة معلومة للحركة محاولاً قياسها بمسطرة قديمة، لم تعد تصلح لعصر العولمة، واستسهل البعض الآخر اتهامها بالخضوع لتعليمات قوى مريبة وتدخلات خارجية، وهي موجودة بالفعل، بل وحاضرة عند كل متغيّر، تستطيع أن تحشر نفسها فيه سريعاً، لكن هؤلاء ينسون أو يتناسون الشعور بالتمييز وغياب المواطنة المتساوية وازدراء الكرامة الإنسانية التي ظلّت السلطات تمارسه لسنوات بحق المحكومين.
   وثمة خصائص مشتركة في حركة الاحتجاج الجديدة، وهي علنيتها وعمومية شعاراتها وتشبّثها بهويّتها الوطنية واستخدامها لشبكة التواصل الاجتماعي، فلم يكن لها "عرّاب واحد " أو " أب قائد" أو "زعيم ملهم"، ولا حتى وجود"حزب ثوري" يقودها، وليس هناك "نظرية ثورية" كمرشد للعمل كما يقال عادة بالنسبة للثورات، فقد رفضت الشابات والشبان "قفص الدجاج" الذي وُضعوا فيه لسنوات تحت تأثير تخديرات الآيديولوجيا الغيبية وغير الغيبية وادعاء امتلاك الحقيقة والزعم بالأفضلية وتقديم ذريعة الأمن على الكرامة، وكل هذه العوامل قادت إلى نضوج "اللحظة الثورية" بارتفاع نبض الوعي الوطني واليقظة الإنسانية والتشبث بفكرة المواطنة، مع ميزة مذهلة هي قدرة الشابات والشبان على التمسك بسلمية الحركة ولا عنفيتها بصورة واقعية فائقة، بحيث أصبحت حركة احتجاجهم "قوة ناعمة" جبارة وعقلانية حتى وإنْ كانت تذكّر بعصر المداخن إبان الثورة الصناعية.
   لعل قول غرامشي "القديم يحتضر والجديد لم يولد بعد" ، هو ما ينطبق على  تجارب التغيير جميعها تلك التي عانت وتعاني من طول الانتظار وعسر الولادة وأحياناً عدم اكتمال المولود  بسبب ثقل الماضي وامتداداته وتأثيرات القوى المخلوعة أو التي يُراد خلعها، لكن التغيير إذا ما بدأ فلا يمكن وقف قطاره حتى وإن انحرف أو تعثّر أو تأخر أو تلكأ بفعل القوى المضادة، وهو ما توضحه التجربة التاريخية بحكم وجود بيئة مشجعة له داخلياً وخارجياً، فضلاً عن مشاركة وازنة من المرأة ودور متميّز لمؤسسات المجتمع المدني والتساوق مع روح العصر، وحتى لو كان الطريق وعراً ومنعرجاته كثيرة، فإن بقاء الأوضاع على ما هي عليه أصبح مستحيلاً مثلما هي العودة إلى الماضي،  والأمر له علاقة بإحياء الهوية الثقافية والمعرفية لدى المحتجين الذين شعارهم بشكل عام " نريد وطناً".



24
     
س 7- ماذا عن اللحظة الثورية؟ وكيف يتم اختيارها ؟ 
ج 7- لعلّ الأمر يتطلّب قراءة الوضع السياسي على نحو صحيح دون مبالغات بسبب التفاؤل المُفرط أو التشاؤم المُحبط، لا بتضخيم الذاتي على حساب الموضوعي، سواءً بالرهان على المغامرات وصولاً  إلى الانتحار أحياناً، ولا بتقزيمه بحيث يقود  إلى العجز والقنوط، وتضييع الفرص بانتظار أخرى، وكثيراً ما ضاعت انتفاضات بسبب حرق المراحل أو عدم إقتناص اللحظة الثورية على نحو صحيح.
ومن أصعب الأمور هو إتخاذ القرار ببدء الانتفاضة لأن ذلك يتطلّب حساب توازن القوى واختيار التوقيت المناسب والتدرّج في رفع الشعارات، وكل ما يتطلب الشروع بتهيئة مستلزمات انطلاقتها وبالتالي الحفاظ على جذوتها حتى تحقيق أهدافها والوصول  إلى النتائج المطلوبة، خصوصاً ما حددته من أهداف، ولعل ذلك ما يمكن أن نطلق عليه " التنبؤ الثوري"، وهو يحتاج  إلى معرفة بالظروف والمحيط  والقوى المتصارعة ومعسكر الحلفاء وقيادة لإدارة خطط العمل والتاكتيكات، ومن ثم كيفية التدرّج في طرح المطالب بعد تحديد الأهداف، والتقدّم بجسّ نبض العدو أو الخصم، وزج الجمهور لإقتحام معسكره وصولاً  إلى تحقيق الهدف بالإصلاح أو التغيير حسب أهداف الانتفاضة ذاتها.
وهذا الأمر يعتمد على مدى تصدّع معسكر الخصم أو العدو، وانهيار بعض أركانه، أو انتقال بعضها  إلى المعسكر الآخر أو تحييد بعض قطاعاته أو تمردّها أو حتى تركها مواقع العمل مع النظام. وإذا كان قرار البدء بالانتفاضة قد يؤدي  إلى مغامرة أو انتحار، لاسيّما إنْ لم يكن مدروساً، فإن أخطر ما يحصل للانتفاضة بعد انطلاقتها هو التردد وعدم الحسم، ولا يعني ذلك سوى موتها وتعريض مصيرها للدمار. ذلك ما أقصده من الانتفاضة بمعناها الكلاسيكي، خصوصاً حين تكون منظمة ويقف خلفها أو يقودها حزب ثوري، لكن الانتفاضات العفوية الراهنة والتي هي دون قيادة محددة عليها أن تدرك الشروط والقوانين الموضوعية لحركية الانتفاضة وأن تطبقها على ظروفها الخاصة خشية تبددها وإجهاضها، خصوصاً إذا استمرت لفترة طويلة دون أن تحقق أهدافها أو أن تتقدم على هذا الطريق، إذا أن أي مراوحة سيعني تقهقرها التدريجي .
ويحدد لينين لنجاح الانتفاضة الاعتماد على الطبقة الطليعية أولاً، وعلى الإنعطاف الحاسم في تاريخ الثورة الصاعدة ثانياً، وعلى تصدع معسكر الأعداء ثالثاً، حيث يبلغ نشاط الصفوف المتقدمة من الشعب ذروته، وفي الوقت نفسه تبلغ التردّدات في صفوف الأعداء وفي صفوف الأصدقاء الضعفاء، الحائرين، غير الحازمين، أشدّها، وهو بذلك يحاول تمييزها عن الفكرة البلانكية التي تقوم على مؤامرة أو مجموعة في حزب، وهو ما كتبه عن فن الانتفاضة، وفي رسالة لينين  إلى اللجنة المركزية لحزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي (البلشفي) التي كان قد كتبها في ليلة 13/14 أيلول (سبتمبر) 1917 ونشرت لأول مرة في العام 1921 في مجلة بروليتاريسكايا ريفولوتسيا (الثورة البروليتارية) العدد 2، 1921. 
أما ماوتسي تونغ فيقول: إن الثورة ليست مأدبة ولا كتابة مقالات ولا رسم صورة ولا تطريز ثوب، فلا يمكن أن تكون بمثل تلك اللباقة والوداعة والرّقة، أو ذلك الهدوء والأدب والتسامح وضبط النفس. إن الثورة انتفاضة وعمل عنيف تلجأ إليه إحدى الطبقات للاطاحة بطبقات أخرى.                                                                                                                 
ويذهب أميليو لوسو للحديث عن الإنتفاضة باعتبارها فناً كالحرب وباقي الفنون تخضع لبعض القواعد التي يؤدي إهمالها  إلى هلاك الحزب الذي يرتكب خطأ عدم التقيّد بها. ويضيف في شرحه أنها معادلات متشابهة (الانتفاضة والحرب) وحيث يتوقف القانون، فإن الغلبة للصراع السياسي.
   والانتفاضة المنظّمة أو العفوية بعد تطوّرها ليست قراراً إرادوياً، أو خريطة جغرافية أو ديموغرافية كما يتصوّر البعض بحيث يتم تحديد أبعادها ومسافاتها وتضاريسها سلفاً، ووضع محطّات لاستمرارها وتحديد مسارها، بقدر ما تعكس الواقع وما يزخر به التغيير من مستجدات وتطوّرات وتفاصيل واحتمالات، يمكن التكيّف معها لوضع الخطط والبرامج المناسبة للمواجهة، وتجاوز المعوّقات التي تعترض طريقها، والتناقضات التي تستوجب إيجاد حلول مناسبة لها، للاستمرار بالانتفاضة وصولاً للتغيير المنشود. وفي ذلك مقاربة لمفهوم الانتفاضة بمعناها الكلاسيكي، خصوصاً وجود قيادات معلومة لها ومخطِطة لإندلاعها.
لعلّ بعضنا استعاد صورة الانتفاضة كما تم تحديدها في الأدب الماركسي، خصوصاً الصورة النمطية السائدة و"النموذجية" التي كانت دائمة الالتصاق بثورة اكتوبر الاشتراكية العام 1917 وقيادة لينين، وهي الصورة ذاتها التي استعدناها في انتفاضة أواخر العام 1987 وأوائل العام 1988 الفلسطينية، التي عُرفت باسم انتفاضة الحجارة، لدرجة أن بعضنا استعمل تلك التعاليم باعتبارها "مدوّنة" قانونية أقرب  إلى مسطرة يقيس بها بالأفتار، مدى انطباقها أو عدم انطباقها على الانتفاضة الأكتوبرية الشهيرة، وذلك ضمن وصفة نظرية أقرب  إلى الوصفات العلاجية.
ولعلّي أشرت في حينها  إلى أن بمجرد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية هرع بعض الماركسيين العرب للتأكيد على الأخذ بالتعاليم اللينينية... محاولين اقتباس بعض العبارات والجمل بخصوص الانتفاضة المسلّحة وشروطها، وإذا كانت دراسة التعاليم اللينينة والعبقرية  الفذّة للينين ضرورية ومهمة، ولكن ينبغي أخذ الظروف المختلفة كلياً بنظر الاعتبار، والاستفادة من التعاليم العامة لا للاستنساخ والتقليد ، لاسيّما وأن الانتفاضات الحالية سلمية ومدنية واقرب إلى العفوية، وتلك بعض حقائقها الجديدة.
وكنتُ قد واجهت ذلك عند إلقائي محاضرة  في دمشق في العام 1988 ومحاضرة في براغ بدعوة من السفير الفلسطيني سميح عبد الفتاح، خلال زيارتي مطلع العام 1989، حول "مفهوم الانتفاضة"، وكانت المحاضرتان بعنوان "انتفاضة الحجارة بين السياسي والآيديولوجي".
وقبل ذلك عند حديثنا عن الثورات التاريخية الكبرى، عدنا  إلى الثورة الفرنسية البرجوازية، وإلى انتفاضة باريس العمّالية العام 1871 (الكومونة الحمراء الشهيرة) وتوقفنا كثيراً عند ثورة اكتوبر، ووصلنا  إلى الثورة الإيرانية الدينية الإسلامية، العام 1979، تلك الثورات التي تركت تأثيراتها على النطاق العالمي واستمرت تفعل فعلها في العقول والنفوس. 
ومثل هذا الأمر يجري استعادته أو القياس عليه اليوم بخصوص الانتفاضات التي اندلعت في العديد من البلدان العربية في ظروف مختلفة وتطورات هائلة، لاسيّما في عصر العولمة ، وأهم ما فيها أنها سلمية ولا عنفيّة، فضلاً عن شموليتها.

س 8- وماذا عن الخصوصية التونسية؟

ج 8- لقد تسنّى لي زيارة مكان "الحدث والحادث" الذي أشعل حركة الاحتجاج الشعبي في الوطن العربي، تلك التي بدأت بإضرام الشاب التونسي محمد البوعزيزي النار في جسده، صباح يوم الجمعة 17 كانون الأول (ديسمبر) 2010، فقد عزّت عليه نفسه إثر صفعة تلقّاها من الشرطية فادية حمدي، وسط حشد شعبي في مدينة سيدي بو زيد، لاعتراضه على منعها ومصادرتها  مصدر الرزق الوحيد له ولتسعة أفواه من أسرته.
   كان ردّ البوعزيزي على كرامته المجروحة إنهاء حياته احتجاجاً، لاسيّما وأن فرص حصوله على عيش كريم باءت بالفشل بسبب استشراء سوء الإدارة وفساد السلطة في جسد الدولة وجميع مرافقها، ناهيك عن شحّ الحريات المزمن. أحضر الشاب المتعلّم وبائع الخضار عدّته وتقدّم خطوات من مبنى المحافظة الذي لم يبعد سوى بضعة أمتار عن مكان وقوف عربات باعة الخضار، وبعد أن عبر الشارع ليكون أمام باب المبنى مباشرة، صبّ الزيت على نفسه وأشعل عود الثقاب، فتوهّج جسده، ولم يدر بخلده لحظتها، أن روحه الصاعدة إلى السماء، ستكون قرباناً للثورة، التي ستبدأ من تونس وتنتقل منها  إلى العالم العربي بأسره.
كان الأمر خاطفاً ومُتقناً، ففارق الحياة وسط حيرة ودهشة المجتمع البوزيدي بشكل خاص والمجتمع التونسي بشكل عام، بما فيهم ردود فعل السلطة التونسية ومؤسسة الرئاسة التي تعاملت بإرتباك واضح مع الحدث، لاسيما بعد أن انتشر الخبر مثل النار في الهشيم وشاع بسرعة خاطفة مثل البرق وتناقلته وكالات الأنباء العالمية ومحطات التلفاز، وخصوصاً بعد أن بدأت الوسائل المحلية بنشره وإذاعته، مما دفع وسائل الاتصالات الحديثة بما فيها التويتر والفيسبوك واليوتيوب والانترنت من تفعيل الأمر والمساهمة في توسيع رقعة انتشاره. وحسب ماوتسي تونغ " تكفي شرارة واحدة ليندلع اللهب ويشعل السهل كلّه" فهل هذا هو الحدث الذي كان وراء اندلاع حركة الاحتجاج التونسية ؟
كل شيء قبل انتحار البوعزيزي بدا هادئاً، بل واعتيادياً، لكن النار كانت تضطرم تحت الرماد كما يُقال، فما أن حرّكتها ريح شديدة، حتى اشتعلت، ملتهمة كل ما حولها من أوهام القوة وجبروت الاستبداد والرفاه الزائف. ومن يرقب مسيرة تونس في السنوات العشرين ونيّف الأخيرة، ولاسيّما منذ استلام زين العابدين بن علي الرئاسة سيلحظ النقيضين: هدوء ظاهري ومستوى معيشي لا بأس به وسلطة أقرب إلى الحداثة وحقوق للمرأة مكفولة دستورياً في أحسن مستوى قانوني في الوطن العربي، وهي إنجازات تُحسب بشكل أساسي للرئيس الحبيب بورقيبة الذي قاد تونس منذ الاستقلال حتى أواخر الثمانينيات رسمياً، ولكن من جهة أخرى كان البوليس السرّي بالمرصاد لكل من يتفوّه بكلمة ضد الرئيس وحاشيته أو يعارض النظام، كما كان القمع وشحّ الحريات والفساد المالي والإداري مستشرياً لدرجة مريعة، ناهيك عن تمركز السلطة والمؤسسات السياسية والأمنية جميعها بيد رئيس الدولة، الذي أصبح تدريجياً حاكماً متسلّطاً لا يتورّع عن القيام بأي شيء بما فيه ما يتعارض مع القيم الإنسانية   المنصوص عليها في الشرائع والمواثيق الدولية، فضلاً عن مخالفته لدستور البلاد ذاته.
   ولعل تلك السمات تكرّست تدريجياً في بنية الدولة التونسية، التي لم تعرف منذ الاستقلال التداول السلمي للسلطة أو إجراء انتخابات حرّة ونزيهة أو الاحتكام  إلى قواعد الديمقراطية المعروفة، مثل سيادة القانون وفصل السلطات واستقلال القضاء والمساءلة والشفافية، ناهيكم عن الحريات ولاسيما حرية التعبير والحق في التنظيم والحق في المشاركة.
   إن خصوصية الوضع التونسي تتطلب منّا الاعتراف بأن النهج التفرّدي للرئيس الحبيب بو رقيبة ونظامه من بعده، وضع تونس على طريق الدولة الحديثة، باتبّاع سياسة اجتماعية متوازنة وإحداث نوع من النمو الاقتصادي وتحديد ملكية الأراضي الزراعية للحد من نفوذ الإقطاع، كما ساهم في دعم القطاع العام، ولاسيما في الحقول الثقيلة مثل: الفوسفات والبتروكيمياويات، وساند الصناعة الوطنية، ولعل ذلك يعود  إلى كره بورقيبة لدولة " الأغنياء" حيث لا توجد في تونس تقاليد التفاوت الطبقي والاجتماعي الحاد مثل الهند ومصر والمغرب، حيث يولد الفقير فقيراً وينشأ فقيراً. وعلى خلاف سلفه قام الرئيس بن علي بتسمين فئات جديدة من محدثي النعمة الذين تحكّموا بالاقتصاد التونسي، وخصوصاً من أقارب زوجته ليلى، في قطاعات الاتصالات والسياحة والمقاولات، ناهيك عن العقود والصفقات الاستثمارية مع الخارج.
وإذا كان الفساد المالي والإداري وسوء استخدام السلطة سبباً في الثورة، فإن من المفيد ذكر مفارقة تتعلق بمستوى المعيشة الذي يعدّ لا بأس به في تونس قياساً بدول أخرى، ولعلّ هذا المستوى كان وراء اندلاع الثورة أيضاً، فعلى عكس الاعتقاد السائد بأن الجوع وحده هو سبب الثورة، فإن الثورة في تونس، لم تكن ثورة جياع، حيث يوجد  نحو مليون وثلاثة أرباع المليون يستخدمون الانترنيت في بلد تعداد سكانه عشرة ملايين، ونحو 70  إلى 80 ألف تونسي يتخرجون من الجامعات سنوياً ، ولعل هذا الاستثمار البشري في قطاع التعليم والصحة والبيئة والزراعة والسياحة والرياضة، كان الأوفر حظاً .
   وبخصوص الوضع المعاشي في تونس الذي جرت الإشارة إليه، فقد لاحظت وأنا في طريقي من العاصمة  إلى سفاقس (تبعد نحو 300 كيلومتر) وصولاً  إلى سيدي بوزيد، (التي تبعد عن سفاقس ما يزيد عن 100 كيلومتر) غابات شاسعة من أشجار الزيتون كنت أمرّ عليها، وبدت لي مثل "بحر بلا ضفاف"، وهذا ما يتعلق بالزراعة والأراضي الزراعية، أما المناطق الحضرية بما فيها الأحياء الشعبية فلا يمكن مقارنتها ببلدان غنية مثل ليبيا والجزائر والعراق مثلاً، التي تزيد وارداتها عشرات المرات على واردات تونس، لكن مستوى معيشة سكانها كان أخفض بكثير منها، فما بالك بدول فقيرة. وإذا كانت المقارنة مع البلدان النفطية أو دول اليُسر، لصالح تونس فبالتأكيد ستكون المقارنة مع بلدان العُسر بجانبها أيضاً، الأمر الذي بحاجة  إلى التفكير في مآل الثورة والفئات التي قادتها والشباب الذين كانوا المحرّك الأساسي لها.
ويبدو أن ثورة تونس التي كانت بطاقتها الحمراء جاهزة لا تشبه غيرها من الثورات، فهي ثورة تنمية إذا جاز التعبير، وليس هناك مظاهر جوع أو فقر مدقع، ولم تشر التقارير الدولية  إلى ذلك، فضلاً عن وجود متعلمين وخريجي جامعات، وإنْ كانوا يعانون من البطالة وشحّ فرص العمل في السنوات الأخيرة، الاّ أن في ذلك سبباً مختلفاً للتغيير، ولم يعد النظام الذي حقق نوعاً من النمو الاقتصادي ووفّر وفرض خدمات صحية وتعليمية وهياكل ارتكازية وبنية تحتية، على مقاس ما هو مطلوب، وقديماً قيل "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان"، فالكرامة والحرية أساسان للتطور الإنساني، وقيمة عليا لبني البشر، لا يمكن دونهما السير في دروب التنمية وتأمين احترام حقوق الانسان.
كانت صورة تونس تبدو للناظر من بعيد: دولة مستقرّة وشعباً "مستكيناً" و"راضياً"، وإذا كان ثمة هوامش سياسية ومدنية وبعض الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وبعض مظاهر الاحتجاج والاعتراض المحدودة، لكن النار تحت الرماد كما يقال، حتى أن الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك سليل أمّة لها الفضل في إصدار أول إعلان لحقوق الإنسان في العالم لم يتورّع من وصف تونس على قدر من مجافاة الحقيقة لنظام بوليسي بقوله: بأنها تؤمّن الحقوق الإنسانية الأساسية، المتعلقة بالغذاء والسكن والعمل، وذلك في ردّه على حقوقيين تونسيين.
وفعل الرئيس الفرنسي ساركوزي مثل الرئيس شيراك حين ظلّ متردداً في الموقف من انتفاضة الياسمين بسبب المصالح، حيث كان صوته باهتاً في مطالبة بن علي وقف المجازر وإنْ حاول الاستدارة سريعاً بعد الانتفاضة الليبية، التي ردّ عليها نظام القذافي بمطالبته لاسترداد المبالغ التي غطّت حملته الانتخابية العام 2007، كما بقيت واشنطن حائرة بين دعم نظام حسني مبارك المستقر وبين تأييد حركة الانتفاضة "الغامضة" و"المقلقة" لها بسبب من خشيتها، من الموقف من "إسرائيل" و"اتفاقيات كامب ديفيد"، وتضاربت تصريحات العديد ممن يطلقون على أنفسهم قادة العالم الحر بشأن التغييرات، مثلما فقد الكثير من القوى توازنه لانهيار أنظمة دكتاتورية دموية، بحجة الخوف من "التدخل الخارجي"، وهي وإنْ كانت خشية في مكانها باستعادة تجربة العراق ومأساته، لكن ذلك لا يعني السكوت عن عمليات القتل والإبادة، وتبرير الدفاع عن أنظمة متسلطة.
لقد كان شاغل الغرب مسألتين أساسيتين هما:
الأولى-  هواجس سنوات ما بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) التي شجعت على التغيير، ولم يعد بالامكان التراجع عنه أو اتخاذ موقف سلبي إزاءه، خصوصاً وقد بدأت بيئة دولية تتشكل داعمة للتغيير.
والثاني-  مصالحه الاستراتيجية والحيوية في المنطقة التي يريد الحفاظ عليها وعدم الذهاب  إلى "المجهول"  بما فيها حماية " إسرائيل" الأمر الذي دفعه  إلى التردّد في البداية، سواءً بدعواته  إلى ضبط النفس أو عدم الاستخدام المفرط للقوة، لكنه عاد ورحّب بالتغيير ولمّح  إلى الالتزام بدعمه، بل وحاول مدّ الجسور معه بأشكال مختلفة معلنة ومستترة بغض النظر عن من سيتولى الأمر، لأنهم يراهنون على الحصان الرابح، سواءً حكم الأخوان أم غيرهم من الليبراليين، علماً بأن موقف الاتحاد الاوروبي ومؤسساته كان أكثر وضوحاً، خصوصاً مواقف البرلمان الأوروبي.
إن أية ثورة لا تشبه غيرها، ولا يشبه أي شعب آخر، وإنْ كان هناك مشتركات بين الشعوب والمجتمعات، إلاّ أن لكل خصوصيته، التي لا بدّ من أخذها بنظر الاعتبار عند الحديث عن التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
ولعل هذه المسألة تكاد تكون مطروحة وعلى نحو شديد في موجة الاحتجاجات الثانية، في العراق أم لبنان أم غيرها،  فإذا كان ثمة تأثيرات وتفاعلات وانعكاسات بين التجارب المختلفة، الناجح والفاشل، إلاّ أن لكل تجربة نكهتها الخاصة ومذاقها المختلف، وذلك بحكم التطور التاريخي واصطفافات القوى والطبقات الاجتماعية والدينية والإثنية وتنوّع الفاعليات والأنشطة السياسية والفكرية، ناهيك عن تراكم العديد من المشكلات المختلفة.
ويمكن القول إن الجامع للحراكات الشعبية وأسبابها يتلخّص في اختلال وسوء علاقة الحاكم بالمحكوم، حيث تمّ تغييب أية فسحة للمحكومين لاختيار الحاكم واستبداله على نحو دوري حر ونزيه، الأمر الذي سبب ترهّل وهرم الأنظمة والتي فقدت حيويتها وفاعليتها السياسية والاجتماعية وتآكلت شرعيتها، مما راكم الشعور بالاستلاب والغبن وفقدان الحقوق، بل والتجاوز على أبسطها.
إن أي عملية تقليد أو استنساخ لنموذج ما دون الأخذ بالاعتبار خصوصية كل تجربة سيكون تشويهاً للأصل والفرع، كما لو تمّ زرع بذرة في بيئة غير ملائمة فسيؤدي ذلك لعدم نموها بشكل صحيح، وحتى لو نمت فسيكون لأجل قصير ومن بعد ذلك تذوي وتموت. ولعل ذلك ينذر بمستقبل محفوف بالمخاطر، مما يؤدي لضياع الزمن والجهد والموارد دون طائل أو جدوى تذكر.
   حاولت الثورات الاشتراكية السير على هدي الثورة الروسية الأكتوبرية، وقامت بتقليد التجربة، لكنها بعد حين وصلت  إلى طريق مسدود، لأنها استنسخت التجربة الأصل بكل التحدّيات والمشكلات التي تواجهها مما انعكس سلباً على التجارب الفرعية الأخرى، كما حاولت بلدان ما أطلق عليها محور "التحرر الوطني" إعادة استنساخ أو تقليد التجارب الاشتراكية، لكنها سرعان ما انهارت عندما انهار النموذج الأصل، الأمر الذي لا بدّ من أخذه بنظر الاعتبار، وقد حاولت بعض البلدان العربية تقليد نموذج الثورة المصرية الناصرية وتجربتها السياسية، لكنها في واقع الحال كانت عبارة عن تشويه لتجربة لها خصوصيتها ولها مشكلاتها وتحدياتها، وإذا كانت لم تفقس بيضة التجارب الأولى، فما بالك بالتجارب اللاحقة "الصغيرة" أو الأقل جاذبية وتأثيراً.
   إن قراءة التجارب العالمية والعربية واستلهام دروسها وعِبَرها بانفتاح وشفافية  أمر ضروري لتحصين التجارب الخاصة بعيداً عن الانغلاق والتقوقع من جهة، وفي الوقت نفسه دون تقليد أعمى أو استنساخ مشوّه، والأمر يتطلّب عقد جديد في كل مجتمع بين القوى والفاعليات المؤثرة، لتنظيم العلاقة أيضاً بين الحاكم بالمحكوم، ومن جهة أخرى يقتضي وضع قواعد قيمية قد يكون بعضها ما فوق دستوري، وقد يندرج بعضها الآخر ضمن بنود الدستور الذي يؤكد على احترام هذه القيم والقواعد دون لبس أو غموض، وهي قواعد لا يمكن استبدالها أو اللعب بها، باسم الأغلبية أو المظلومية أو قرارات البرلمان أو غير ذلك، لأن أي إخلال بها سيمسّ النظام الديمقراطي ومحتواه ويؤثر على سير عمله ومستقبله، ولهذا تضع بعض الدساتير مواد جامدة لا يمكن تغييرها أو استبدالها بسهولة إلاّ ضمن ضوابط معقدة وفترات زمنية قد تطول وتوافقات  تكاد تقترب من الإجماع أحياناً، لكي لا تلجأ إحدى القوى  إلى العبث بالدستور أو استخدامه لتحقيق أغراضها الآيديولوجية أو توجهها الفكري أو الديني أو الطائفي أو الفئوي، أو التغوّل على الآخرين.
وبقدر احترام الخصوصيات والتمسك بها، فالأمر يحتاج  إلى الاطّلاع على التجارب ودراستها، بل علينا دراسة تجاربنا السابقة ذاتها الفاشل منها والناجح، وأعتقد أن الجيل الحالي من الشباب عليه معرفة تجارب التاريخ، لاستكمال تصوراته حول العقد الاجتماعي الجديد في كل مجتمع، ناهيك عن طبيعة التغيير والتحوّل الديمقراطي المنشود.



س 9 - أين موقع فلسطين من المتغيرات التي تحدثت عنها ارتباطاً بما يسمى " صفقة القرن"؟
ج- 9 مقاربتان يمكن الولوج منهما لمناقشة القضية الفلسطينية "جوهر الصراع العربي الإسرائيلي "، الأولى تتعلق بالمعنى والدلالة والثانية تتعلق بالعلّة والمعلول، فقد واجه العالم العربي  ثلاث صدمات أساسية خلال القرن الماضي وانعكست هذه على الوعي العربي الجمعي، إضافة إلى الوعي الفردي على كل إنسان من جهة أخرى.
   أولها - صدمة الاستعمار من التي امتدّت منذ بدايات القرن العشرين وحتى الخمسينات، سواء بشكل مباشر أم غير مباشر وما زالت تأثيراتها قائمة بأشكال مختلفة. وقد بدأت إثر انحلال الدولة العثمانية وتقسيم البلاد العربية باتفاقيات سايكس بيكو العام 1916 وبداية مسلسل التجزئة ارتباطاً بوعد بلفور العام 1917 ومروراً بوضع البلدان العربية تحت الانتداب البريطاني والفرنسي وصولاً إلى صفقة القرن  .
    وثانيها- صدمة هزيمة 5 يونيو (حزيران) العام 1967 التي ما يزال العالم العربي يعاني من تأثيراتها في ما يتعلّق بمواجهة المشروع الصهيوني، وقبل ذلك صدور قرار التقسيم رقم 181 من الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي تم بموجبه إقامة "إسرائيل" العام 1948، والتي شكّلت بؤرة مستديمة للعدوان والحرب المستمرة، كان من نتائجها  مقايضة التنمية بالعسكرة والإصلاح والتطور الديمقراطي التدرّجي بالأنظمة الشمولية وبهيمنة ضباط الجيش على مقاليد السلطة وقطع خط التطور التدرجي الذي بدأ في عدد من البلاد العربية، لاسيّما في مصر والعراق وسوريا وغيرها.
وثالثها- صدمة محاولة التغيير، التي تأخّر وصولها مقارنة بعملية التحوّل الديمقراطي التي شهدتها بعض دول أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية والتي توّجت بهدم جدار برلين في العام 1989 وانهيار الأنظمة الشمولية، علماً بأنها ترافقت مع شعور أخذ يتولّد باحتمال استشراء الفوضى وتهديد الدولة الوطنية ونكوص القضية الفلسطينية، وهو ما شهده عدد من البلدان العربية، خصوصاً سوريا وليبيا واليمن ولبنان،  وأن اعتقاداً أولياً ساد بأن موجة ما سمّي بالربيع العربي لم تضع في حسابها مركزية القضية الفلسطينية والصراع مع العدو الصهيوني ، إذْ لم يتم معارضة اتفاقيات كامب ديفيد والصلح المنفرد ، فهل مثل هذا الاعتقاد صحيح ؟
نجيب على ذلك بأن ثمة صحة في نصف الاستنتاج الأول، فإن النصف الثاني يجيب ويكمّل الاستنتاج الأول، فقد واجهت حركات الاحتجاج مسائل ملحة كيانياً تتعلق بالحرية والكرامة ومحاربة الفساد واحترام حقوق الإنسان، ولعله لا يمكن الحديث عن مجابهة مع العدو، دون توفر الحد الأدنى من الحريات التي غابت عن عالمنا العربي بفضل أنظمة الاستبداد والدكتاتورية، فالحرية هي المدخل لأي مجابهة وأي تغيير، وحتى حق الحياة لا يمكن الدفاع عنه دون توفّر الحد الأدنى من حرية التعبير، ناهيك عن حق الاعتقاد وحق التنظيم وحق المشاركة وهي أركان أساسية وهياكل ارتكازية للحريات والحقوق الأخرى.
إن رد الفعل الصهيوني إزاء التغييرات الحاصلة في البلدان العربية يفضح مدى تخوّف "إسرائيل" من موضوع الاستراتيجية العربية إزاء الاتفاقيات المبرمة معها أو إزاء أفق الصراع، وإذا كان هذا الموقف من تونس البعيدة عن دائرة الصراع، وهذا البلد الصغير بسكانه وإمكاناته، لاسيما العسكرية، فما بالك عندما حصل التغيير في مصر؟.
وقد فتحت عملية التغيير أفقاً جديداً في بداياتها تجلى في إعادة اللحمة الوطنية الفلسطينية، بالاتفاق بين حماس وفتح، وإن كان اتفاقاً قلقاً والذي رفضته إسرائيل رفضاً قاطعاً، بل أن الولايات المتحدة اشترطت لإعادة عملية بناء السلام،التخلي عن الاتفاق من جانب السلطة الوطنية الفلسطينية مع حماس.
كما كانت التحركات الشعبية العربية، أردنياً ولبنانياً وسورياً بمناسبة يوم النكبة وذكرى النكسة، ومحاولة الاقتراب من الحدود "الإسرائيلية" لإلفات نظر العالم حول حق العودة، ردّاً على ارتكابات "إسرائيل" واستمرار احتلالها للأراضي العربية، إلاّ مثالاً على تجاوز المطالب الشعبية، للاتفاقات الرسمية بين البلدان العربية و"إسرائيل" ورفض للتطبيع معها على جميع المستويات.
لقد استنفرت الحراكات الشعبية حالة الجمود التي وصلت إليها أوضاع الصراع العربي الاسرائيلي، خصوصاً بعد أن أصبحت جميع الطرق غير سالكة ولم تجد نفعاً اتفاقيات أوسلو لاحقاً أو واي ريفر أو أي  خريطة طريق، فقد وصلت جميعها  إلى طريق مسدود.
ويمكنني القول أن أي تغيير ديمقراطي أو تحوّل نحو الديمقراطية، سيؤدي بالضرورة  لصالح قضية الشعب الفلسطيني وسيصبّ فيها وليس العكس، وهذا بحد ذاته يتطلب إعادة النظر في الاستراتيجيات الجيوبوليتيكية لعموم دول المنطقة، الأمر الذي سيعني إعادة صعود القضية المركزية  إلى الواجهة، في تحدي صفقة القرن الأمريكية الصهيونية وجميع المتواطئين معها.



25
مجلة الهدف (الفلسطينية) في حوار شامل مع الدكتور عبد الحسين شعبان‬


س1 - كيف تنظر إلى أزمة الفكر العربي انطلاقاً من الواقع المأزوم واستعصاءاته، إلا إذا استثنينا الحراكات الشعبية ذات الأبعاد الإيجابية؟

ج1- يعاني الفكر العربي من الركود والإتكالية والتعويلية، وهو فكر غير منتج لأنه فقد الكثير من عناصره الحيوية، لاسيّما في ظلّ شحّ الحريات وقلّة المبادرة ونضوب الإبداع والابتكار والهوّة الشاسعة التي تفصل بين مجتمعاتنا والتقدم العلمي والتكنولوجي الذي يشهده العالم، خصوصاً في ظلّ ثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الإعلام والمعلومات والطفرة الرقمية الديجيتل ، والذكاء الاصطناعي الذي تشهده الثورة الصناعية الرابعة.
للأسف ما زلنا نجتر الماضي  بتقليد واستكانة دون أي اعتبار لمواكبة روح العصر وما يحدث فيه من متغيرات سريعة وخارقة، وفي السنوات الخمسين الأخيرة أحرز العالم تقدماً يفوق كل ما أنجبته البشرية في تاريخها من تقدم. وإذا كان هذا من باب النقد الذاتي، فإن ما نحتاج إليه هو قراءة الواقع في ضوء الصورة التي تبدو معتمة، ولا بدّ من الانفتاح على العالم دون القطيعة مع التراث، بقدر ما يمكن استلهام ما هو مفيد منه في استشراف الحداثة وما بعدها، إذ أننا لا نعيش في جزيرة معزولة، بل إننا جزء من عالم متداخل ومتراكب ومتشابك، وإن كانت لنا خصوصيتنا إلّا أننا جزء في عالم متصل ومتواصل ومتفاعل.
وإذا كانت الحراكات الشعبية تبدو مثل الريح الخفيفة التي تسبق المطر، وهي أمر منعش ومحفّز للآمال والأحلام، خصوصاً الزخم الشبابي الواعد، لكن ثمة أزمات عديدة يعاني منها الواقع العربي وتكاد تعصف بكيانيته الوجودية وعلينا تشخيصها ليمكن بالتالي التصدي لها ، بالاعتراف بوجود أزمة عميقة  ولا بدّ من تحديد معالمها وعناصرها ليمكن بالتالي وضع الحلول والمعالجات لها.    

أولها- غياب الهويّة الجامعة والمشتركة، تلك التي كانت تؤلف ركناً أساسياً من أركان المشاريع السياسية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي ، وقد انعكس هذا الغياب على الافتقاد للحد الأدنى من التعاون والتنسيق بين البلدان العربية، إذا لم نقل إن هناك خصومات ونزاعات أصبحت معتّقة ومزمنة بينها، ومن مخرجات هذا الوضع انحسار المشاريع ذات الأبعاد الوحدوية والنظرة الشاملة للصراع في المنطقة، خصوصاً باعتبار القضية الفلسطينية جوهر هذا الصراع ذات البعد التحرري والاجتماعي في آن.
وثانيها- الانقسامات الطائفية والمذهبية والإثنية التي اجتاحت العديد من البلدان العربية وقادت إلى احترابات سياسية ومجتمعية وصراعات ونزاعات بينها، الأمر الذي أدى إلى ضعف الوحدة الوطنية وهشاشة الهويّة الجامعة على الصعيد الوطني، لاسيّما بصعود هويّات فرعية على حساب المشترك الإنساني والهويّة الوطنية .
وثالثها - تلكؤ خطط التنمية وتعثّرها لدرجة التعطيل أحياناً، والعودة بها القهقري، خذ أمثلة عديدة: مصر وسوريا والعراق والجزائر وليبيا والسودان واليمن، وهي دول كانت قد خطت خطوات أولى باتجاه التنمية، وحققت نمواً اقتصادياً واجتماعياً في مجالات مختلفة، لكن أوضاعها الداخلية الهشّة وشح الحريات، ومن ثم الضغوط الخارجية جعلتها تتراجع عن العديد من طموحاتها التي عاشتها في  سنوات الستينات وكانت واعدة.
ورابعها- الحروب التي عاشتها منطقتنا، ابتداء من الحرب العراقية- الإيرانية 1980-1988 التي لم يكن لها مبرّر على الإطلاق والتي لم تخدم سوى الإمبريالية والصهيونية، ثم غزو الكويت في العام 1990 وما رافقه من حرب لتحريرها وتدمير العراق في الآن العام 1991، وظلّ العراق ينزف لنحو 12 عاماً تحت وطأة حصار دولي جائر، وأعقب ذلك احتلال غاشم في العام 2003 ما تزال تأثيراته قائمة إلى اليوم ، لاسيّما بصيغة المحاصصة الطائفية - الإثنية ونظام الزبائنية السياسية الذي قام على تقاسم المغانم.
ولا ننسى هنا العدوان "الإسرائيلي" المتكرّر على الأمة العربية، ففي العام 1982 اجتاحت "إسرائيل" لبنان وصولاً للعاصمة بيروت، وفي العام 2006 شنت هجوماً واسعاً عليه تحت مسمّى "الثواب العادل"، وأعقبت ذلك بثلاثة حروب على قطاع غزة المحاصر منذ العام 2007 هي: عملية "الرصاص المنصهر"، "أواخر العام 2008،  و"عملية عمود السحاب" العام 2012 و"عملية الجرف الصامد" العام 2014، وما تزال تعمل على توسيع مستوطناتها كما تسعى لضم جزء من غور الأردن، مدعومة من واشنطن التي " اعترفت" بالقدس الشريف عاصمة لها ونقلت سفارتها إليها، مثلما "أهدتها" الجولان السوري المحتل إقراراً بـ "الأمر الواقع"، أي " الاحتلال الواقعي" في مخالفة غير مسبوقة لما يُعرف بالقانون الدولي المعاصر وميثاق الأمم المتحدة وقراراتها.
وخامسها -  النزاعات الأهلية وتمزّق نسيج الوحدات الوطنية، تلك التي تُغذّى خارجياً من جانب القوى الامبريالية والصهيونية، الأمر الذي يقود إلى التفتيت والتشظي وقد يصل إلى التقسيم، وسبق لـ كيسنجر أن قال في أواسط السبعينات: علينا إقامة " إمارة" وراء كل بئر نفط، أي تحويل العالم العربي إلى " أقليات" وتعويم الجوامع بين العرب، والمقصود بذلك  ترذيل "العروبة" و"تنغيل" أي علاقة جامعة للعرب بما فيها لغة الضاد، وهو ما يمكن  "إسرائيل" كي ما تكون "الأقلية" الأكثر تقدماً من ناحية العلوم والتكنولوجيا ، لاسيّما بدعم واشنطن بشكل خاص والغرب بشكل عام.

س2- ماذا عن الموجة الثانية للحراك الشعبي وأين مواقع الأحزاب السياسية، فكيف تنظر إلى ذلك؟

ج 2- ثمة إرهاصات أولية على صعيد الواقع العربي والدولي علينا قراءتها بعقل منفتح ومرونة حركية ضرورية لمواصلة الكفاح لتحقيق ذات الأهداف، ولكن بوسائل جديدة تستجيب للتطوّر الكوني، فقد أظهرت الحراكات الشعبية بعض الحقائق الجديدة التي لا بدّ من دراستها والتعرف على ملامحها الأساسية منها: ضمور دور الدعاة الحزبيين الأيديولوجيين، العقائديين، الذين بشّروا الناس بالجنة، أو بعالم يحقق الوحدة العربية أو تحرير فلسطين (الآن وليس غداً)، أو ينجز حلم الاشتراكية والعدالة الاجتماعية الأخّاذ، حيث ظلّ الصراع بين القوميين والشيوعيين، ومع الإسلاميين في ما بعد، لا على الحاضر، بل على المستقبل، وأحياناً ليس في "مملكة الأرض"، بل على قيم السماء.
هكذا ظلّت الأمور تجريدية أحياناً، فالصراع على القيم والمثل والأهداف البعيدة، تلك التي ينبغي أن تتحوّل إلى خطط وبرامج، وهذه الأخيرة  إلى أعمال وأفعال وحتى لو كانت الأهداف خيّرة ونبيلة، فينبغي اختيار الوسائل العادلة والمشروعة للوصول إليها، فالوسيلة إلى الغاية هي مثل البذرة إلى الشجرة حسب تعبير رائد المقاومة المدنية المهاتما غاندي، إذ لا غايات شريفة دون وسائل شريفة، لأن الوسيلة ملموسة ومعلومة وراهنية، في حين أن الغايات متخيلة أحياناً وبعيدة وغير منظورة. وهذا ما ينبغي فهمه والتعامل على أساسه، ولعلّه أكبر الأسئلة التي تواجه عملية التغيير، علماً بأن كلام الأمس غير كلام اليوم.
 علينا الاعتراف على نحو شجاع أن الرومانسية القديمة لم تعد كافية لإشعال حماسة الشابات والشبان، بما فيها الوعود والآمال الكبيرة والشعارات البرّاقة، البعيدة المنال؛ لقد حلّت محلّها الواقعية السياسية، بلا شعارات كبرى ولا وعود أقرب إلى السراب. لقد انتظمت الملايين بشعارات مبسّطة: الحرية ، الكرامة ، محاربة الفساد والعدالة الاجتماعية. فسدّت الجماهير التي تذكّر بعصر المداخن باستعارة من كارل ماركس، الساحات والشوارع، بل زلزلت الأرض تحت أقدام الحكام، في حين فقد المثقف الأيديولوجي صوته، وهو يبرّر خطاب الحاكم بالقمع السياسي أو بالقمع الفكري وبحرق البخور بالدعاية والتزويق بحجج ومزاعم شتى، أو المعارض الذي كان بعيداً أو غائباً أو مخادعاً، أو الأغلبية الصامتة المغلوب على أمرها، كلهم كانوا بعيدين عن ساحة المشاركة الفاعلة،  وإنْ التحقوا بعد حين وسط جو من الدهشة والارتباك والريبة أحياناً..
لقد حوّلت المتغيّرات الجديدة عدداً من المعارك الوهمية الصغرى، حول أفضليات هذه المجموعة أو تلك، باعتمادها أفضليات جديدة، هي أفضليات الجماهير المبادرة وجيل الشباب المتقدّم على بعض النخب التي استنفذت أغراضها ولأول مرة في الوطن العربي، تظهر على السطح ومن القاع حراكات شعبية سلمية ومدينة سداها ولحمتها الشباب، الجميل، الحالم بقدر واقعيته وبرغماتيته ناقضاً مفاهيم ومسلّمات سادت، كمقولة أن الثورة لا يمكن لها أن تتحقّق ما لم تتوفّر لها قيادة مُلهمة أو أن تكون تحت إشراف وتنظيم "حزب قائد" أو "طليعة"، أو أن التغيير لن يتحقق في ظل أنظمة استبدادية ودكتاتورية عاتية دون تدخل الجيش، أو أن قوى الداخل ليس بإمكانها انجاز التغيير دون التعويل على الخارج ومساعداته، وما سمّي تلطيفاً " العامل الدولي" الذي أوصل بلداً مثل العراق، بعد حصار دولي جائر إلى الاحتلال البغيض.
وأثبت جيل الشباب أنه الأقدر على تحقيق خياراته كما يريد هو لا كما يُراد له، فقد أخطأ من ظنّ أن الشارع العربي قد أصابته الشيخوخة، فدخل في سبات عميق، أو أن الحكومات الشمولية دجّنت الشعوب بعوامل الجوع والخوف فضمنت خضوعها اللّامحدود بمكان أو زمان، وها هو يخرج من قمقمه ليخترق الميادين والساحات، مُحطّماً حواجز الخوف، ومنتصراً على جوعه وقهره في أولى خطواته نحو الوجود والكرامة.
لم يكن للانتفاضتين التونسية والمصرية رمز قائد أو زعيم مخلّد أو ملهم مخلّص، يصبح لاحقاً "معبوداً" ومقدساً، وفوق حدود النقد. ولم يكن للانتفاضتين أيضاً نصوصاً مقدسة أو مقولات سرمدية؛ فقد كانتا تواجهان الواقع المعقّد بشعارات واضحة ورمزية وواقعية في آن واحد. ومثلما كانتا ضد الصنمية، فإنهما كانتا ضد النصوصية، أي أنهما ضد المسلّمات واليقينيات والقدسيات والسلفيات المشوّهة والوعود الزائفة، وعابرتان للطوائف والطبقات الاجتماعية والمجموعات القبلية والعشائرية، واضحتان في مطالبهما، وحاسمتان برفضهما للمساومة وأنصاف الحلول، ومؤكدتان إخلاصهما ونزاهتهما والتزامهما بمطالب شعبيهما.
لقد وضعت حركة الاحتجاج الشعبية في موجتها الأولى، ولاسيّما في تونس ومصر، وفي موجتها الثانية: الجزائر والسودان والعراق ولبنان سؤالاً محرجاً أمام أحزاب المعارضة والأحزاب الكلاسيكية: أين دورها وما هو موقعها من  الخريطة السياسية الجديدة؟!  تلك التي ظلّت تلوك خطابها ولغتها الخشبية عقوداً من الزمان، سواءً أكانت شيوعية أم قومية أم إسلامية، حتى دون مراجعة أو نقد على الرغم من كل المتغيّرات؟ هكذا قدّمت الجماهير الغاضبة الفعل الثوري الواقعي الحسّي، على حساب الأيديولوجيات والوعود والخطابات الاجتماعية والثقافية، التي سمعتها كثيراً.
حقاً لقد أفرزت حركة الاحتجاج نمطاً جديداً من التفكير والممارسة متقدّماً وشجاعاً، مثلما ساهمت في تعميق الوعي الثقافي الجديد المتفاعل مع الوعي العالمي. لقد بدأ الشباب بكل حيويته وطاقاته ومبادراته، وعلى الجميع اليوم الاستماع إليه والوقوف خلفه، قبل أن يتم الالتفاف عليه أو سرقة منجزاته أو اللعب بمستقبله.
إن انفجار الغضب العفوي الجماهيري كان في أحد وجوهه مقاومة للتوجه النيوليبرالي، المتمثّل في أصحاب السلطة وأصحاب الثروة المدعوم من قوى دولية متنفّذة،لاسيّما بانتقال الخوف من الناس إلى الأنظمة وهو عامل جديد . لقد مضى على احتجاجات الجزائر السلمية نحو 60 أسبوعاً ونحو أربعة أشهر على الاحتجاجات العراقية ومثلها انفجر الشارع في لبنان، أما في السودان ، فقد حسم الجيش الأمر بتسوية بين المدنيين والعسكريين ، ولعلّ واحداً من المظاهر الجديدة هو التوجه السلمي - اللّاعنفي المدني لحركة الاحتجاج، تلك التي تذكر بالانتفاضة الفلسطينية أواخر العام 1987 والتي عُرفت باسم "انتفاضة الحجارة" والتي حققت انعطافاً عالمياً لصالح القضية الفلسطينية لولا المتغيرات العربية والدولية واندفاع القيادة الفلسطينية الرسمية نحو اتفاقيات أوسلو 1993.

س 3-  وماذا عن الجيل الجديد وهل هناك كما تقول عقل جديد؟

لقد برز جيل جديد من الشباب أخذ على عاتقه مسؤولية قيادة الحراكات الشعبية الميدانية بعيداً عن التنظير، مبتدعاً أساليب كفاحية جديدة، وغير مألوفة، سبّبت الذهول والحيرة والتردّد للنخب الفكرية والسياسية القائمة في السلطة والمعارضة، لاسيّما في الأيام الأولى. وقد انطلق الجيل الثوري الجديد من فضاء مجتمعي، بعيداً عن الآيديولوجيا وتفريعاتها الشمولية والدينية، مثلما كانت سمته وطنية عامة دون فئوية أو تعصب أو تطرف أو غلو ، دون أن يعني أن ثمة محاولات اختراق خارجية، لاسيّما من جانب القوى الكبرى، وخصوصاً الولايات المتحدة التي تحاول الاستفادة من أي متغيّر في الخريطة السياسية وتوظيفه لصالحها، سواء باستدراج بعض المجاميع تحت عناوين برّاقة مثل "حقوق الإنسان" و"الديمقراطية"  و"حرية التعبير" وغيرها.
ولكن يمكنني القول أن الحدث التونسي والحدث المصري كانا صناعة محلية بكل امتياز، وأن تأثيراتهما بلا أدنى شك كانت عربية وإقليمية وقد تكون كونية أيضاً، وهو ما يمكن قراءته لاحقاً، فالكثير من الثورات المحلية، كان لها إشعاع كوني بغض النظر عن تقييماتنا، خذ مثلاً: الثورة الفرنسية العام 1789 والثورة البلشفية العام 1917 والثورة الإيرانية العام 1979 وانتفاضات أوروبا الشرقية في أواخر الثمانينيات وغيرها، أي أن دلالاتها يمكن أن تتجاوز حدودها إلى بلدان وشعوب أخرى (خصوصاً أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، إضافة  إلى العالم العربي) ، وقد انتشرت عدواها لتصل  إلى العالم كلّه وهو ما ينطبق على الحدثين التونسي والمصري.

س4- أين إذاً مفهوم الوطنية؟

لعلّ مفهوم "الوطنية" لدى جيل الشباب يختلف عمّا يفهمه ويريده الحكام باعتباره "شرط خنوع" مثلما يختلف مفهوم "الخارج" الذي يريد توظيف حركة الاحتجاج الشعبي لصالحه ولخدمة مشاريعه الاستعمارية الدولية أو لنفوذه الإقليمي ، وثمة مفارقات على هذا الصعيد، فالحكام الذين شاخوا وهم في السلطة، حاولوا تصوير الاحتجاج بأنه "صناعة خارجية" ولخدمة الأهداف المشبوهة المعادية للأمة، في حين إن الجيل الجديد  كان يربط الوطنية بالحقوق، ويرى فيهما تلازماً لا انفصام فيه، إنما (الوطنية والحقوق) عنده يقومان على مساءلة رجل السلطة والحاكم باعتبارهم خادم الشعب وليس العكس.
لقد تبنّى الجيل الجديد النقيض، فلم يعد يهمّه التشدّق والسفسطات الأيديولوجية والتعويذات الدينية، وذلك بسبب سياسات الاستبداد الطويلة الأمد، واحتكارات العوائل الحاكمة لجميع مرافق السياسة والإدارة والاقتصاد والثقافة والإعلام في الدولة، لذلك وجد نفسه في القيم المغايرة، التي تقوم على الحرية والمساواة والشراكة والعدل، أي الحق في المواطنة المتكافئة.
وإذا كانت الحرب الباردة السابقة قد انتهت بانهيار الكتلة الاشتراكية، وتحوّل الصراع الأيديولوجي  إلى شكل جديد، متخذاً من "الإسلام" عدوًّا ينبغي القضاء عليه، حسبما برّرت القوى الغربية المتنفّذة، وخصوصاً الولايات المتحدة، سواءً اتّخذ ذلك شكل مكافحة "الإرهاب الدولي" أو لم يتخذ، فإن ما يسمّى بـ"المجتمع الدولي" على كل عيوبه ومساوئه يضطر أحياناً للانحياز إلى القيم الإنسانية "المعلنة" شكلياً أو فعلياً بحكم وجود مؤسسات ومساءلات داخلية في البلدان المتطورة، على الرغم من محاولات الهيمنة والتوظيف في ظل العولمة، بوجهيها المتناقضين المتوحش والإيجابي، الأول: الخاص بعولمة الإرهاب والقمع واستلاب حقوق الشعوب، والثاني: عولمة الثقافة وعولمة حقوق الإنسان، وعولمة ثقافة المساواة من خلال تكنولوجيا المعلومات والإعلام والاتصالات وكل ما يتعلق بالثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي، حتى وإن تم وضع عراقيل أمام شعوب البلدان النامية لتحجيم الاستفادة منها والإبقاء عليها مورداً أساسياً للمواد الخام وسوقاً للبضائع والسلع المصنوعة في إطار الاستغلال والنهب الإمبريالي.


س 5- أثمة معالم أخرى لحركة التغيير التي تؤشر لها ؟

ج 5- نعم وهي معالم متميزة ومهمة منها أنها لم تكن ذكورية، أي لم تقتصر على الذكور فحسب، بل ساهمت فيها النساء إلى حدود كبيرة، وكان لهنّ دور بارز في القيادة والإدارة والحضور والمشاركة، ولعل ذلك يمثل رسالة جديدة حداثية لبدء عهد جديد انتقلت فيه النساء من الصفوف الخلفية المساندة للحركات الشعبية إلى واجهات الحدث، ليتصدّرن المنابر والقيادات، سافرات أو محجبات، مسيحيات أو قبطيات، لا فرق بينهن؛ فقد وحدّهن حب الوطن، وكنّ جميعهن يردّدن الشعارات ذاتها المطالبة بالتغيير والكرامة الإنسانية والعدالة ومحاربة الفساد في وطن يتسع للجميع.
ومن المعالم الجديدة علانية وشفافية حركة الاحتجاج في التخطيط والتنظيم والإعلام والتنفيذ وكل شيء كان يمرّ عبر وسائل التواصل الاجتماعي وهكذا كشفت حركات الاحتجاج الأخيرة اختفاء صورة الثوري القديمة، فلم يعد يأتي بسترته المتّسخة وقميصه الرث، متنكّراً بأزياء أخرى شعبية أو فلاحية، أو واضعاً لفائف الرأس دليلاً على الثورية أو التديّن أو العمل السري. جاء الثوري الجديد بكل أناقته، ومعه جوقة البروفسورات وأساتذة الجامعات والإعلاميين والمحامين والأدباء والفنانين والكتّاب والقضاة والشغيلة بكل فروعها، أي شغيلة اليد والفكر. لم يفكر قبل مجيئه بتلقّي التعليمات من الأوكار السرّية، أو من خريجي السجون، أو المقيمين في الجوامع والمساجد والكنائس أو من مقار الأحزاب التقليدية وبياناتها الروتينية النمطية، فهؤلاء كلهم هم من اتّبعوه هذه المرّة، لأنه كان يعرف قضيته أكثر من غيره، ولديه القدرة للتضحية من أجلها، دون "وصاية" أو "أبوية" أو ادّعاء احتكار المعرفة والحقيقة.
 لقد أثبتت قوة الشباب أنها العامل الأساسي في رسم  الخريطة المستقبلية للعالم العربي والشرق الأوسط، سواء حققت حركات الاحتجاج أهدافها أو أخفقت وانتكست وتراجعت، فثمة منعرجات وإلتواءات وتضاريس وعرة تقف بوجه حركة التغيير وتعوقها من تحقيق أهدافها، لأن القوى التقليدية  ما تزال مؤثرة وتمسك بالعديد من المفاصل المهمة في الدولة العميقة والمال والأجهزة الأمنية والعلاقة مع القوى الخارجية، لكن العالم العربي ما قبل الاحتجاج شيء وما بعده أصبح شيئاً آخر.
وإذا كانت الكتب الدينية أو القومية أو الكتاب الأحمر أو مقولات  لينين وجمال عبد الناصر وكاسترو وجيفارا محفّزاً للثوار سابقاً، فإن عود الجيل الجديد قد اشتدّ في غرف الانترنيت وعلى صفحات الفيسبوك ومقاهي المهمّشين وعلى الأرصفة، وأثبت جدارة لا حدود لها، على عكس الانطباع السائد الذي كان يتّهمه بالميوعة واللّامبالاة وقلّة الشعور بالمسؤولية؛ فهو أبدى استعداداً للموت أكثر بكثير مما أبدته أجيال سابقة. علينا أن نقرأ الجديد ونتعلم منه دون أن ننسى أهدافنا الأساسية، وعلى حدّ تعبير فيكتور هوغو  " إنه لثناء باطل أن يقال عن رجل إن اعتقاده السياسي لم يتغيّر منذ أربعين عاماً، فهذا يعني ان حياته كانت خالية من التجارب اليومية والتفكير والتعمق الفكري في الأحداث. انه كمثل الثناء على الماء لركوده وعلى الشجرة لموتها ".
يقول نيتشه على المرء أن يغيّر أفكاره مثلما تنزع الحية جلدها، وعلينا حسب انجلز اعادة النظر بستراتيجيتنا عند كل اكتشاف لسلاح حربي. أما التشبث بالمواقف أو ادعاء امتلاك الحقيقة، فهذا رأي من لا يريد التفاعل مع الحياة وهو دليل عجز وتقهقر!

س6- أين موقع حركات الاحتجاج الحالية من  فن الانتفاضة ؟

ج 6- مثل الحياة والحب قد تبدو حركة الاحتجاج عصيّة على الفهم لأول وهلة، فهي لا تأتي دفعة واحدة، كما أنها لا تحضر كاملة ونهائية، ولكن مظاهرها تتضّح وتتكشّف مع مرور الأيام وبالتدريج، ولعلّ الزمن كفيل بكشف أسرارها وتسليط الضوء على خفاياها وخباياها، لاسيّما في مراحلها المختلفة، بما فيها من عوامل قوة ونقاط ضعف، بالتقدّم والتراجع، بالنجاح والإخفاق، خصوصاً بتحديد مصيرها، وبالاقتراب من تحقيق أهدافها.
وبغض النظر عن التسميات والتوصيفات، فبعضهم يطلق عليها: ثورة والآخر انتفاضة والثالث حركة احتجاج والرابع تمرّد والخامس هبّة ، ولكن ذلك كلّه وخارج الخلفيات السياسية، هو فعل رفض وإن اتخذ أبعاداً مختلفة فالانتفاضة من نفض، أي أزال شيئاً ما، غباراً كان قد علق بالثوب مثلاً، ويشير معناها إلى حركة وتغيير، أي خلق جديد يولد من القديم. ويقال نفض المكان أو نفض الطريق أي نظّفه من اللصوص، كما يفيد مصطلح " الإنتفاضة" في معنى الخصوبة، فمثلاً نقول نفض الكرم، أي تفتّحت عناقيده، ويقال نفضت المرأة، أي كثر أولادها، وتستخدم الكلمة بالقول: نفض عنه الكسل أو الهمّ، أي أزاله، وانتفض تأتي أحياناً، إنتصب أو وقف، أي تحرك الكامن ليبدّد الساكن، أو أن الكامن أصبح ظاهراً، لدرجة وصل ما انقطع ولم يقطع ما وصل.
ولعلّ مبعث النقاش حول المصطلح ودلالاته تعود إلى نقاشات عتيقة حول معنى الثورة والفارق بينها وبين الانقلاب العسكري، وهو الجدل الذي أثير منذ الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، فقد قصدنا بالثورة التغيير الجذري، وبالانقلاب العسكري التغيير الفوقي، وهو خلاف يتعلق بتوصيف الحالة من جانب المؤيدين أو المعارضين. وكان المفكر ياسين الحافظ قد طرح في كتابه "بعض قضايا الثورة العربية" معياراً للثورة يتلخّص في أن يكون الشعب ناقماً على الحكم وأن يكون الحكم عاجزاً عن الاستمرار، والثورة هي التحرك الجذري في جوف المجتمع، وهي الحرث العميق في أسس الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ونقل المجتمع من مرحلة  إلى أخرى ودفن طبقة منه تجاوزها التطور وتخطّاها التاريخ، وذلك استناداً  إلى كتاب لينين "الدولة والثورة"، أما الانقلاب العسكري فهو التحرك الخادع على سطح المجتمع، والنبش الخفيف على قشرة الحياة الاقتصادية والسياسية، مع بقاء أسس المجتمع القديم .
وبتقديري إن اختلاف المصطلح اليوم وإن كان له دلالات، لكنني أنظر إليه من خلال مسار عام ويعتمد ذلك على السير خطوة خطوة وعلى نحو حثيث نحو هدف التغيير، فالاحتجاج والانتفاضة والثورة ، تستهدف إجراء تغيير حقيقي فيما يتعلق بعلاقة الحاكم بالمحكوم، ولاسيّما في الانتقال  إلى الدولة القانونية وتداولية السلطة سلمياً وإشاعة الحريات وتحقيق الكرامة الإنسانية ومكافحة الفساد. وكل ثورة أو انتفاضة بدأت بتحرك شعبي واحتجاج جماهيري، ثم تطورت مطالبها، لاسيّما بعد امتناع السلطات الحاكمة عن تلبيتها أو لجأت الأخيرة  إلى حلول غير سياسية، سواءً أمنية أو عسكرية أو حتى اقتصادية، الأمر الذي عمّق من مطالب المحكومين ورفع سقفها وقاد فعلياً إلى الافتراق، خصوصاً بعد أن عجزت السلطات الحاكمة الإسراع في إنجاز إصلاحات ضرورية.
   الانتفاضة أو حركة التغيير، سواءً كانت منظّمة أم عفوية، سياسة بامتياز وهي تكثيف لكل ما سبقها من سياسات واحتجاجات ونضالات،  إلى أن وصلت ذروتها من خلال تراكم كمّي طويل الأمد وتصاعد بالفعل الثوري، حتى وإن خبا أو اختفى عن الأنظار، لكن قانون الطبيعة كما هو قانون التاريخ كانا يفعلان فعلهما، حيث تؤدي التراكمات الكميّة  إلى تغييرات نوعية في لحظة معينة وعندها يحدث الانفجار.
    وإذا كانت الانتفاضة المنظّمة أي المخطط لها أو العفوية بعد اندلاعها، تتطلب كفالة الإعداد السليم وبرنامجاً طويل الأمد مع برامج فرعية أولية ومؤقتة، وتاكتيكات مناسبة وغير تقليدية، فلا بدّ أيضاً من توفّر ظروف موضوعية وذاتية للانطلاق أو بيئة حاضنة بعد الانطلاق، ومن ثم الإمساك بخيطها الصاعد حتى تحقيق أهدافها، سواءً تحقيق مطالب محدّدة أم إصلاح النظام السياسي أم استبداله أم تغييره بنقيضه.
   وحول سلمية وعنفية الانتفاضة، فقد دار حوار بين لينين وبليخانوف، لاسيّما إزاء الإنتفاضة الروسية العام 1905 والتي فشلت، ففي حين اعتبر بليخانوف أن حمل السلاح كان بمثابة خطأ أطفال، لذلك كان ينبغي التخلّي عنه، ردّ عليه لينين مرجّحاً الانتفاضة المسلحة، بأن الخطأ لم يكن في استخدام السلاح وإنما في عدم استخدامه ببراعة كافية، ولا بدّ إذاً من تحسين استخدامه وليس العكس، وفي وقت لاحق دافع لينين عن الخيار المسلح، باعتبار الانتفاضة فنّاً، وانتقد خصوم الفكرة وتشويهات بعض الاشتراكيين باتهام الماركسية بالبلانكية (تيار ثوري مغامر في الماركسية قاده المفكر الفرنسي أوغست بلانكي)، مثلما فعل برنشتين زعيم الانتهازية كما يسميه، معتبراً أن توافر شروط الانتفاضة ورفض اعتبارها فناً (أي خوضها حتى النهاية) بمثابة خيانة للماركسية، بمثابة خيانة للثورة.             
     




26
الهند وإدارة التنوع الثقافي
عبد الحسين شعبان
اعتبرت أوساط هندية عديدة إصدار البرلمان قانوناً جديداً للمواطنة في 4 ديسمبر/كانون الأول 2019، تجاوزاً صارخاً لتنوع الهند وتراثها الحضاري المعقد وأسس الديمقراطية الهندية المكفولة بالدستور الصادر عام 1950، والتي تصلب عودها على مدى زاد على سبعة عقود من الزمان منذ أن نالت استقلالها عام 1947. وبموجب القانون الجديد يُسمح للحكومة بمنح الجنسية الهندية لمجاميع ثقافية مهاجرة من ثلاثة بلدان هي باكستان وبنجلادش وأفغانستان، وتم حصر ذلك بالهندوس والسيخ والبوذيين والجينز والفرس والمسيحيين، واستثناء المسلمين منه.
وركز القانون على الأفراد الذين تعرضوا للاضطهاد الديني أو الخوف من تعرضهم له في بلدانهم الأصلية، وقرر تخفيض مدة الحصول على الجنسية من 11 سنة إقامة إلى 5 سنوات، وكان ذلك تنفيذاً لوعد حزب «بهارتيا جاناتا» الحاكم في بيانه الانتخابي عام 2014 بتوفير «ملاذ آمن» للهندوس المضطهدين في دول الجوار.
وإذا كنا حتى وقت قريب نعتبر الهند من البلدان النامية التي استطاعت إدارة التنوع الثقافي على نحو «ناجح»، من خلال دستور يُقر مبادئ المساواة والمواطنة المتكافئة، فضلاً عن ممارسة سليمة جرى تطبيقها بما يوفر فرصاً مناسبة لمختلف المجموعات الثقافية العرقية والدينية والطائفية واللغوية والسلالية وغيرها، فإن مثل هذا الاعتقاد يواجه اليوم تحدياً كبيراً وقد يتعرض للتصدع إذا ما جرى الإصرار على إمرار القانون، خصوصاً أنه يولد شعوراً لدى المسلمين بشكل عام، فضلاً عن آراء حقوقية ومدنية بشأن تمييزية القانون الجديد في ظل احتدام «هوياتي» مجتمعي أصاب مبدأ المواطنة في الصميم، وهي المسألة التي ظلت الهند تتمسك بها على الرغم من كل الظروف التي واجهتها والتجاذبات الطائفية والدينية والإثنية التي تعرضت لها، ناهيك عن أعمال العنف والإرهاب التي صاحبتها.
وكنت قد عبرت في وقت سابق عن إعجابي بما أوردته سفيرة الهند في المغرب خيا باتاشاريا، بشأن فكرة التعايش الهندية، وذلك خلال ندوة شاركت فيها حين قالت: «إن لسان حال المواطن في بلدي يقول: أنا هندي، لا أذهب إلى المسجد أو الجامع أو الكنيسة أو المعبد، وإذا أردت أن تراني، فستجدني في جميع هذه الأماكن»، بمعنى أنني مواطن بغض النظر عن الدين أو الطائفة أو اللغة أو العرق، وهو ما سارت عليه الهند في إدارة التنوع والتعايش الذي وضع لبناته الأولى المهاتما غاندي؛ بل دفع حياته ثمناً لقناعاته، حيث تم اغتياله على يد متطرف هندوسي في 30 يناير/كانون الثاني 1948.
ما حصل في الهند مؤخراً من أعمال عنف منفلت من عقاله ويمكن أن يتوسع، أثار ردود فعل عديدة وقلقاً واسعاً متنامياً، فاندلعت تظاهرات احتجاجية تندّد به قابلتها السلطات الحاكمة بالقمع فسقط عشرات القتلى والجرحى فيها، وهو ما دفع 1000 عالم وباحث هندي إلى توقيع عريضة احتجاج ضد القانون؛ لأنه يضفي الشرعية على التمييز الديني حسبما ورد فيها.
جدير بالذكر أن المسلمين يؤلفون نحو 20% من سكان الهند، بمعنى أنهم يشكلون ما يزيد على 230 مليون نسمة، وهم جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي، الأمر الذي يثير قلقاً مشروعاً حول امتداد أعمال العنف والعنف المضاد، وهو ما يمكن أن يترك تأثيره في العلاقات الاجتماعية في الهند ومع جيرانها، وخصوصاً باكستان التي تتنازع وإياها على مصير كشمير منذ سبعة عقود من الزمن، والتي شهدت احتداماً كبيراً في الأشهر الأخيرة، وسيزداد الأمر تعقيداً في علاقتها مع البلدان العربية والمسلمة التي تمتلك علاقات وثيقة وقوية اقتصادية وتجارية واجتماعية وثقافية مع العديد منها.
ولم تنفع تأكيدات رئيس الحكومة مودي من أن القانون لا يستهدف المسلمين، لكن الإفساح في المجال لهجرة قد تصل بالملايين من غير المسلمين سيؤدي إلى تغيير التركيبة السكانية والواقع الديموغرافي، وهو ما يعتبره المسلمون تهديداً حقيقياً؛ بل استهدافاً مباشراً لهم، وما يؤكد ذلك مضي الحكومة في مشروعها الذي تعتبره «يتماشى مع روح القيم الإنسانية في الهند، وأنه لن يؤثر في المجتمع الإسلامي في الهند».
drhussainshaban21@gmail.com


27
«إسرائيل» وقفص الاتهام
عبد الحسين شعبان
أعلنت المحكمة الجنائية الدولية أنها تنوي فتح تحقيق شامل يخص جرائم الحرب «الإسرائيلية» في الأراضي الفلسطينية المحتلة، جاء ذلك في بيان أصدره مكتب فاتو بنسودا مدعي عام المحكمة، الذي أثار ردود فعل «إسرائيلية» رسمية وغير رسمية غاضبة لدرجة الهستيريا؛ وذلك لأسباب عدة؛ منها:
الأول: إن هذا الإعلان يعني أن الفحص التمهيدي لجرائم الحرب قد يقود إلى مثل هذا الإقرار، الأمر الذي يتطلّب الانتقال إلى التحقيق بخصوص الجرائم المرتكبة.
الثاني: إن اتخاذ الادعاء العام مثل هذا القرار؛ يعني وجود أساس قوي تولّد لديه؛ من خلال معطيات بأن جرائم حرب فعلية قد ارتكبت؛ وهو ما يدعم الدعاوى الفلسطينية والعربية بشأن الجرائم المستمرة التي أصبحت حقيقة، وليست اتهاماً فحسب.
الثالث: فقدان «إسرائيل» أدوات المواجهة القضائية عدا لجوئها إلى أساليب ابتزاز سياسي؛ عبر حليفها الأمريكي، الذي سبق له أن أعلن أنه لن يسمح بإدانة «إسرائيل» أو حتى وضعها في موضع الاتهام، سواء عبر «المحكمة الجنائية الدولية» في لاهاي أم غيرها من المؤسسات الدولية.
وقد لجأت «إسرائيل» إلى إثارة زوبعة من التشكيك بأن المحكمة مُسيّسة، واعتبرت صدور بيان المدعي العام «يوماً أسود للحقيقة والعدالة»، وقد شارك على رأس الحملة بنيامين نتنياهو الذي كال الاتهامات للمحكمة وقضاتها، وطلب أحد أعضاء المجلس الوزاري المصغّر الوزير بتسلئيل سموتريتيش إمهال السلطة الفلسطينية 48 ساعة؛ لسحب دعواها فوراً وإلّا فعلى «إسرائيل» أن تهدم كل يوم قرية فلسطينية مقابل ذلك حتى ترضخ.
جدير بالذكر أن واشنطن و«تل أبيب» انضمّتا إلى المحكمة الجنائية الدولية (نظام روما الذي تأسس عام 1998) قبل إغلاق باب الانضمام عام 2000 بسويعات، وانسحبتا منها بعد دخولها حيّز التنفيذ عام 2002. وكانت واشنطن قد باشرت ضغوطها؛ حيث سحبت تأشيرة دخول المدعية العامة بنسودا إلى الولايات المتحدة.
واستمرت التحقيقات الأولية نحو 5 سنوات على إقامة الدعوى، ولا شك أن الوصول إلى قرار يقضي بالتحقيق في الجرائم التي ارتكبتها «إسرائيل» جاء بعد جهود دبلوماسية مضنية، يعود جزء منها إلى الدبلوماسية الفلسطينية المدعومة عربياً، والآخر لجهود مؤسسات حقوق الإنسان التي عملت بمهنية ومسؤولية ومعرفة بدعم عربي ودولي.
وبالطبع فجلب «إسرائيل» إلى قفص الاتهام ليس من السهولة بمكان؛ بل ثمة عقبات سياسية وقانونية وعملية تقف بوجهه؛ حيث تنشط الدبلوماسية «الإسرائيلية» المضادة بوسائلها الخشنة والناعمة، وبدعم كامل من واشنطن، في محاولة لإثارة موضوع الولاية الجغرافية؛ حيث يتم التشكيك بمقومات دولة فلسطين، وبالتالي هل من حقها تقديم مثل هذا الملف إلى المحكمة بالنظر إلى أنها «أراضي دولة تحت الاحتلال»؟ وهو ما دعا المدعية العامة لإحالة الملف إلى الدائرة التمهيدية للمحكمة من باب الاستدراك القانوني؛ لكي لا تُثار بوجهها إشكاليات قضائية.
ولكن مثل وجهة النظر هذه كان يفترض أن تكون محسومة لمجرد قبول الدعوى من دولة فلسطين، استناداً إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 2012 الذي اعترف بالمركز القانوني لدولة فلسطين، حتى وإن كانت دولة غير عضو في الأمم المتحدة؛ لكنها تمتلك مقوّمات الدولة؛ وهي منضمّة إلى عشرات المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة.
ويشترط أن يكون رد الدائرة التمهيدية خلال أربعة أشهر (120 يوماً)، ويمكن تمديده إلى شهرين (60 يوماً)، ويكون المجموع 6 أشهر (180 يوماً)؛ لكن ماذا لو كان ردّ الدائرة التمهيدية سلبياً؟ ففي ذلك الوقت يفترض أن تطعن دولة فلسطين بالقرار؛ حيث لا توجد أي محدّدات زمنية أو سقف محدّد لاتخاذ القرار بالطعن، وقد يستمر الأمر لشهور أو حتى لأعوام وسيكون ذلك تسويفاً للحق العادل والمشروع وللاتهام المدعوم بالوثائق والحقائق لارتكاب «إسرائيل» جرائم حرب.
وفي حال الرد الإيجابي يفترض بالمدعي العام المباشرة فوراً بالتحقيق؛ بهدف مساءلة المرتكبين، وتحقيق العدالة وتعويض الضحايا وإنصافهم، ولا بدّ من إبقاء هذا الملف مفتوحاً؛ إذْ لا يمكن مقايضة العدالة بأي حلول أخرى؛ لكي لا يفلت الجناة من العقاب.
ولا شكّ أن وتيرة المطالبة بالتحقيق في جرائم الحرب «الإسرائيلية» قد ارتفعت في السنوات العشر ونيّف الأخيرة على الصعيد الدولي؛ ارتباطاً مع نهج «إسرائيل» العنصري وعدوانها المتكرر، وهو ما عكسه تقرير القاضي الجنوب إفريقي من أصل يهودي غولدستون، والصحفي السويدي بوستروم، حتى أن الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر صرّح خلال زيارته لقطاع غزة بعد العدوان عليها عام 2009 وبعد حصارها الدامي منذ عام 2007، إن الفلسطينيين في القطاع يعاملون «معاملة الحيوانات»، في إشارة إلى الوضع اللّاإنساني الذي يعيشه السكان الأبرياء العزل خلافاً لاتفاقات جنيف لعام 1949 وملحقيها، وفي ذلك إدانة مباشرة ل«إسرائيل».
drhussainshaban21@gmail.com



28
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في ذكرى تأسيسها الـ52
في الأنا والآخر يكتمل النقد المزدوج
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

" النقد أفضل أداة تنموية وتطويرية اكتشفها الإنسان"
عمانوئيل كانط


شعبان مع الدكتور جورج حبش

I
   تركت صدمة هزيمة 5 حزيران (يونيو) العام 1967 تأثيراً عميقاً على الجيل الستيني العربي بشكل خاص، والأمة العربية بشكل عام، وجاءت هذه الصدمة استكمالاً لصدمة إقامة الكيان الصهيوني في 15 أيار (مايو) 1948 إثر قرار التقسيم رقم 181 الذي صدر في 29 تشرين الثاني (نوفمبر)  1947  عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ، مبدّدة الكثير من الآمال وكاسرة العديد من الأحلام التي انتظرها العرب لتحرير فلسطين، فإذا بها تلحق بهم هزيمة أخرى  أشدّ إيلاماً من سابقاتها.
   وهكذا ثار الجدل والنقاش مجدداً حول وجود " إسرائيل" ودورها العدواني المحوري في كبح جماح تطوّر الدول والشعوب العربية، ناهيك عن مشروعها التوسعي الاستيطاني الإجلائي، وامتدّ الحوار والسجال إلى السبل الناجعة لمواجهة المشروع الصهيوني الاستعماري، خصوصاً وأن منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف) التي تأسست في 28 أيار (مايو) 1964 لم تكن بصيغتها القائمة آنذاك، الإطار المناسب لمواجهة التحدّيات الكبرى، وبتعبير حركة القوميين العرب في حينها " أنها ليست البديل الثوري" المنشود.
   كما أن انطلاقة حركة التحرير الوطني الفلسطيني " فتح"- العاصفة في الأول من كانون الثاني (يناير) 1965، لم تستطع تغطية كامل الساحة الفلسطينية بجميع تياراتها الفكرية  وألوانها السياسية وتوجهاتها الاجتماعية، مع ما كان يتبلور من تيار يساري فلسطيني جديد خارج إطار الحركة الشيوعية الفلسطينية التي كان بعضها منضوياً تحت لواء الحزب الشيوعي "الإسرائيلي" "راكاح"، وبعضها الآخر كان يعمل ضمن تنظيمات الحزب الشيوعي الأردني، مثلما كان لغزّة تنظيم شيوعي خاص كجزء من الحركة الشيوعية المصرية.
II

   اليسار الفلسطيني الجديد لغة ومضموناً وتوجّهاً  وممارسة بدأ ينضج في إطار "حركة القوميين العرب" ووليدها "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، وخصوصاً في الساحتين اللبنانية والسورية، إضافة إلى فلسطينيي الشتات، علماً بأن الحركة تأسست على مراحل منذ العام 1948، حتى استقرّ الأمر على تسميتها في العام 1956، وكانت نواة التأسيس في الجامعة الأمريكية ، وضمّت كل من د. جورج حبش ود. وديع حداد (فلسطين) وهاني الهندي (سوريا) ود. أحمد الخطيب (الكويت) وحامد الجبوري (العراق) وغيرهم، ثم أصبح من قادتها: باسل الكبيسي (العراق) ومحسن ابراهيم (لبنان) وعبد الفتاح اسماعيل (اليمن) وآخرين.
   وتطوّرت  الحركة بتطوّر شعاراتها، فبعد أن كانت تصدر مجلة باسم " الثأر" وتتبنّى شعارات: وحدة ، تحرّر، ثأر، أخذت الشعارات الاشتراكية ترتفع في صفوفها، وكان لصدور صحيفة "الرأي" ، ثم مجلة " الحرية" دوراً كبيراً في الحوار الفكري الدائر داخل صفوفها وفي المجتمعات العربية، وخصوصاً مع التيارات الماركسية أو القريبة منها، وازداد رصيد الفكرة وزناً بعد حزمة القرارات الاشتراكية التي أصدرتها قيادة الرئيس جمال  عبد الناصر " الجمهورية العربية المتحدة" في العام 1961.
   وبعد شهر من هزيمة العام 1967 ناقشت الحركة في تموز/يوليو " مقدّمات ونتائج الهزيمة" وأصدرت تقريراً بعنوان " الثورة العربية أمام معركة المصير" ، لكن التطوّر الجذري حصل في صفوفها بعد مؤتمر شباط (فبراير) العام 1969 الذي تبنّى خط انصهار تنظيم الحركة على الساحة الفلسطينية ضمن إطار "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" التي تشكّلت في 11 كانون الأول (ديسمبر) العام  1967، وكان ذلك بداية استقلالية الساحات النضالية لخصوصية ظروفها وأوضاعها، مثلما هي خصوصية " القضية الفلسطينية".
 
شعبان مع نايف حواتمة
   وأستطيع القول أن "مجلة الحرية" التي ابتاعت حركة القوميين العرب امتيازها العام 1959 وأصبحت بعد العام 1967 ناطقة باسم الجبهة الشعبية، لعبت دوراً كبيراً في بلورة وعي عربي جديد ورؤية فلسطينية يسارية جديدة، حاولت المزج بين التيار العروبي والتيار الاشتراكي، وإنْ أصبح توجّهها أقرب إلى التيار الماركسي أو تيار اليسار الجديد بعد العام 1969، لاسيّما بعد الانشطار الذي حصل في صفوف الجبهة الشعبية، حيث كانت أقرب إلى "الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين" برئاسة نايف حواتمة، وأكثر التحاماً فيما بعد مع "منظمة العمل الشيوعي" برئاسة محسن ابراهيم.
أما الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين فقد أصدرت مجلة يسارية مرموقة هي الأخرى باسم " الهدف" وترأس تحريرها الروائي الفلسطيني المبدع غسان كنفاني الذي استشهد في بيروت في 8 تموز (يوليو ) العام 1972 ، وكنت قد التقيت به في صيف العام 1970 عن طريق الحزب الشيوعي اللبناني وتعرفت على شعراء المقاومة من كتاباته: محمود درويش وسميح القاسم ، إضافة إلى روايته الشهيرة " رجال في الشمس". وبادر في ذلك اللقاء اليتيم إلى إهدائي روايته " أم سعد"  وهو من الكتب التي أعتزّ بها، وبقي معي في براغ، وحين عودتي حملته في حقيبتي اليدوية، ولم أضعه في حقائبي مع حاجياتي وكتبي التي شحنتها إلى بغداد، وقد تمّت مصادرتها لاحقاً مع مكتبتي وثلاث مخطوطات، كنت قد أعددتها للطبع من قبل الأجهزة الأمنية العراقية.

شعبان مع تيسير قبعة
وكان سبب لقائي بكنفاني هو شرح طبيعة تعقيدات الوضع السياسي في العراق والهجوم الذي تعرّض له اليسار والقوميون والناصريون ، إضافة إلى السؤال عن تيسير قبّعة الذي كنّا قد نظّمنا حملة لإطلاق سراحه في أواخر العام 1967 وبداية العام 1968. استقبلني غسّان كنفاني بابتسامة عريضة في مقرّ المجلة في كورنيش المزرعة على ما أتذكر، وطلب من المصوّر تصويري لأرشيف المجلة، وخلال حديثي معه كان أحد الصحفيين يدوّن بعض ما أقوله. لا أتذكّر إنْ كان قد نشر شيئاً بعد مقابلتي أو لم ينشر، لكنه على ما أذكر جيداً، كان يتمنّى أن تنصبّ جهود الوطنيين واليساريين لمواجهة العدوان الصهيوني والمخططات الامبريالية. وقد ذكّرني الأخ صلاح صلاح، الذي تمتد صداقتنا لعقود من الزمان، أنه سمع أول مرة عنّي من غسّان كنفاني، وقبل أن يلتقيني، وهو ما تناوله بشيء من التفصيل في كلمته عند تكريمي في بيروت العام 2006.
كم كانت خسارة الجبهة الشعبية كبيرة لفقدان غسان كنفاني وهو في ربيع عمره وفي أوج عطائه، فلم يتجاوز السادسة والثلاثين (36 عاماً)، خصوصاً وقد استكمل أدواته الفنية، ونضجت تجربته، وكانت تلك واحدة من الصدمات التي صُعقت بها، وما يزيد ألمي هو محاولة اغتيال العقل الفلسطيني والمثقف الفلسطيني والإبداع الفلسطيني، فالفلسطينيون لم يقدّموا مناضلين ومقاومين كبار فحسب، بل مبدعين كبار مثل غسّان كنفاني، ومحمود درويش وإدوارد سعيد وإميل حبيبي وإميل توما وغيرهم.
واستمرت علاقتي بمجلة الهدف بعد استشهاد كنفاني حيث تولّى رئاسة التحرير بسّام أبو شريف، الذي كنت قد تعرفّت عليه في المؤتمر العاشر لاتحاد الطلاب العالمي (مطلع العام 1971)، ثم التقيته كثيراً، وإذا بطرد ملغوم يُرسل إليه لينفجر بوجهه بتاريخ 25 تموز (يوليو) 1972، فيأخذ إحدى عينيه وأربعة من أصابعه، ويفقد جزءًا من سمعه، وبقيت بعض شظاياه "تطرّز" صدره، ولا يزال يحملها إلى الآن. وكانت براغ محطة أساسية لعلاجه، إضافة إلى تردّده عليها بصفته نائباً لرئيس اتحاد الصحفيين العالمي. وقد وقع حادث التفجير بعد أسبوعين من اغتيال غسان كنفاني. وقد أعقب بسام أبو شريف في رئاسة تحرير مجلة الهدف صابر محي الدين الذي توفي باكراً وكان عضواً في المكتب السياسي.
   وكنت قد تعرّفت على قيادات مرموقة من الجبهة الشعبية مثل: تيسير قبعة  وشريف الحسيني وصادق الشافعي وعبد الرحيم الملوح وصلاح صلاح وليلى خالد وأبو أحمد فؤاد وأسعد عبد الرحمن ولاحقاً أبو علي مصطفى وفيما بعد جورج حبش وآخرين ويمكن مراجعة ما كتبته عن علاقاتي مع الجبهة الشعبية وقياداتها من خلال مقالتي عن جورج حبش الموسومة "جورج حبش: الاستثناء في التفاصيل أيضاً" والمنشورة في صحيفة السفير اللبنانية بتاريخ 1 شباط (فبراير) 2008، ومقالتي عن تيسير قبعة تحت عنوان : "تيسير قـبّعة -غيمة فضيّة في فضاء الذاكرة " المنشورة في صحيفة الزمان (العراقية) على حلقتين بتاريخ 29/6/ و2/7/2016.
 
شعبان مع تيسير قبعة
III
   لا أذيع سرّاً إذا قلت أن اليسار الجديد، الفلسطيني والعربي، بحيويته وجرأته وخروجه عن نمط تفكير اليسار التقليدي، ترافق مع صعود التيار الجيفاري الذي اعتبر الكفاح المسلح ركناً أساسياً من أركان التوجه الاستراتيجي رابطاً ذلك التكتيك برفع شعارات "حرب التحرير الشعبية الطويلة الأمد"، وكانت الساحة السياسية اللبنانية الفضاء الأكثر حرّية للسجال الفكري والحوار الثقافي حول أهداف حركة المقاومة الفلسطينية والحلول المطروحة، لاسيّما بعد هزيمة 5 حزيران (يونيو)، التي كان من نتائجها إجراء  الحزب الشيوعي اللبناني مراجعة متقدّمة حينها لتاريخه وهويته بما فيها موقفه من القضية الفلسطينية (1968- المؤتمر الثاني وما بعده )، وربما كانت مثل هذه المحاولة تقترب من رؤية الحزب الشيوعي السوداني الذي تميّز في موقفه من القضية الفلسطينية عن مواقف الحركة الشيوعية العربية، وهو ما وجد صداه في مطبوعات الحزب بما فيها "مجلة الطريق" اللبنانية حيث بادر محمد دكروب إلى فتح ملف الأدب الستيني ، ولاسيّما أدب المقاومة الفلسطيني، كما انجذبت إليه "مجلة الطليعة" المصرية التي كان يرأس تحريرها "لطفي الخولي". وكان نتاج هذا التوجه إقدام الأحزاب الشيوعية العربية: اللبناني والعراقي والسوري والأردني العام 1970 على تأسيس "منظمة الأنصار" .
 
شعبان مع أحمد جبريل وطلال ناجي
   كانت الهزيمة أقرب إلى زلزال كبير هزّ كيان الأمة العربية كلّها، وشخصياً كنت واحداً ممن أصابني هذا الزلزال بالصميم وأثّر في إنضاج وعيي، وخصوصاً بعد انطلاق حركة المقاومة الفلسطينية التي أقمنا علاقات وطيدة معها، بل إننا أحياناً كنّا نشعر وإيّاها رافدين لمسار واحد.   وأعترف أن اللغة التي استعملتها المقاومة شدّتني كثيراً، وكذلك أسلوب النقد الذي مارسته ضد اليسار الماركسي التقليدي، أي "يسارنا"، كان جديداً وجاذباً، وأثار لدينا تساؤلات عديدة ودخلنا في حوارات متنوّعة سبق وأن تحدّثت عنها في مناسبات مختلفة، ولاسيّما في كتابي "تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف ، الدار العربية للعلوم، بيروت، 2009"،  سواءً اتفقنا مع بعضه أو اختلفنا مع بعضه الآخر، مثلما كان لدينا انتقادات لليسار الجديد ذاته، بما فيها انسياقاته وراء شعارات وممارسات امتازت بالجملة الثورية، التي حاول الإقلاع عنها لاحقاً.
   وفي حين كانت المقاومة تمثّل  العديد من تطلّعاتنا في نقد السائد من السياسات الماركسية التقليدية، لاسيّما تلك التي تنظر بقدسية إلى "المركز الأممي" وتحاول الدفاع حتى عن أخطائه، أو تبريرها بطريقة فجّة أحياناً، إلّا أنها أخذت تتراجع عن تلك التوجهات منذ أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات، وخصوصاً حين بدأت علاقات قياداتها تتوثّق مع موسكو، ناهيك عن محاولة استرضائها بتقديم بعض الامتيازات لها مثل قيادات الأحزاب الشيوعية، في الوقت الذي أخذ بعضنا ينتقل  رويداً رويداً من مرحلة  اليقين إلى التململ ثم فيما بعد  إلى مرحلة الأسئلة والشك والنقد  وصولاً إلى المراجعة الشاملة والمطالبة بتعديل المسار، تلك التي اكتملت مع زيادة وعينا ونضج أدواتنا في التعبير واتّساع رؤيتنا النقدية.
   لقد أخضع الزلزال الحزيراني كل شيء للنقد: الأنظمة التي أسميناها "تقدمية" وحرصنا على دعمها مع نقد ملطّف أحياناً (مصر وسوريا)، إذْ سرعان ما ارتفعت وتيرة النقد لها وللأخطاء العديدة التي وقعت فيها، وكذلك لـ المنظومة الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي، حيث بدأ نقدنا لها يرتفع بشكل أسئلة تفسح في المجال لأسئلة جديدة وغير معهودة، انطلاقاً من نقد سياسات أحزابنا الشيوعية العربية التي طفت المشاكل على سطحها.
IV
   بدأت علاقتي بالجبهة الشعبية في بغداد حين افتتحت مكتباً لها ، وكان المسؤول عنها  الرفيق أبو وائل ، كما كانت صلتي مستمرة بالرفيقين إيهاب وغسان وكان يوسف سرّية الواسطة الأولى للعلاقة، حيث كان اللقاء الأول  في مكتبه الهندسي في ساحة الخلّاني. وأتذكّر أن الدعوة وجهت إلينا لزيارة عمان ودمشق ، لكن تأجيل الموعد كان بسبب اندلاع بعض الاشتباكات في عمان ، ثم تقرّر سفرنا في تموز (يوليو) العام 1970، وحين حضرنا إلى مكتب الشعبية لغرض تسهيل مهمة سفرنا غير المعلنة وبهوّيات المقاومة، كان هناك من اعتقل قبل يوم واحد على الحدود، فأقلعنا عن الفكرة.
   وكان موقف الجبهة الشعبية متضامناً معنا في احتجاجنا على نتائج الانتخابات الطلابية في العراق (العام 1969) وقد عبّر عنه عضو قيادة الاتحاد العام لطلبة فلسطين، الذي حضر إلى بغداد ضمن وفد برئاسة فتح .
   وخلال وجودي في الشام  في الثمانينات وعلى مدى نحو أربع سنوات كتبت مقالات ودراسات عديدة  أسبوعياً لمجلة الهدف، مثلما ألقيت محاضرات  في دمشق وبيروت حول القضية الفلسطينية بدعوة من الجبهة والمنظمات الفلسطينية الأخرى، لاسيّما وأنني عملت على تأسيس "اللجنة العربية لدعم قرار الأمم المتحدة 3379 " الذي ساوى الصهيونية بالعنصرية، وكنت أمينها العام.
   وحتى حين غادرت دمشق إلى أوروبا في أواخر الثمانينات فقد بقيت على علاقة صداقية وودية مع الجبهة الشعبية ومجلة الهدف والدكتور جورج حبش الذي كنت أنسق معه بعض المواقف منها:
   1-  دعوة المفكر السوفييتي المعادي للصهيونية يفيسيف  وتكريمه ، لكن العدو كان أسرع منّا فقد وجد مقتولاً بالقرب من ضواحي موسكو العام 1990، بعد أن تعرّض لحملة تنكيل وإساءة من جانب أوساط صهيونية أخذ نفوذها يتسع .
   2- نسّقت معه في الدور الذي يمكن القيام به في مؤتمر ديربن العام 2001، وهو المؤتمر الذي دمغ الممارسات الإسرائيلية بالعنصرية، وصوت لصالح هذا القرار نحو 3000 منظمة حقوقية دولية.
   3- تابعت بتكليف منه إمكانية الحصول على المخطوطة التي قمت بترجمتها ونشرها في مجلة الهدف على خمس حلقات في العام 1985 والتي أصدرتها لاحقاً بكراس بعنوان: "مذكرات صهيوني" دار الصمود العربي ، بيروت ، 1986 والتي تكشف علاقة الصهيونية بالنازية عبر إيغون ردليخ أحد قياديي المنظمة الصهيونية مكابي هاكير المعتقل في معسكر أوستفيم النازي (بولونيا) منذ العام 1940 والذي تم إعدامه في العام 1944 رغم تعاونه الوثيق مع النازية، وقد كانت مجلة تريبونا (المنبر) قد نشرت أربع مقالات عن تلك المذكرات الموسومة " عندما تحدث في يومياته " بقلم ييرجي بوهاتكا الذي اتضح أنه اسم مستعار.
   حين أكتب اليوم عن الذكرى  الـ 52 لانطلاقة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بطلب من مجلة الهدف "العزيزة" أستعيد مع نفسي عطر تلك الأيام  وشذاها ، خصوصاً وأن روحي ما تزال ترفل ووجداني ما زال ينبض بكل ما هو خيّر ونبيل وإنساني في حركة المقاومة الفلسطينية رغم كل المآسي والشوائب التي اعترتها وفي ذلك جزء من تاريخي الشخصي الذي أشعر باعتزاز شديد لانتمائي لتلك القيم الأصيلة والمثل الصادقة .
   ولأن الزمن رديء على حد تعبير القائد ياسر عرفات "أبو عمار" فإن الوفاء الشخصي والنضالي هو الذي يدعوني لإعلان استمرار وقوفي في ذات الخندق الفكري لثقافة المقاومة ، مستذكراً باعتزاز أيضاً دعمها للحركة الشيوعية العراقية في محنتها أواخر السبعينات وكامل الثمانينات حين تعرّضت للملاحقة والتنكيل.



29
قانون قيصر " الأمريكي"
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

   أخيراً وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على "قانون قيصر" القاضي بإنزال عقوبات شديدة بسوريا ، وقالت وزارة الخارجية الأمريكية: إن القانون يتماشى مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم   2254 الصادر في 18 ديسمبر(كانون الأول) 2015  الهادف إلى تحقيق عملية الانتقال السياسي وإنهاء النزاع في سوريا، وقد أُدرج هذا القانون كجزء من  "قانون الدفاع الوطني للسنة المالية 2020".
   وجاء في مشروع القانون "أن الجهود الدولية لم تكن كافية لحماية المدنيين"،  لكنه فصّل في معاقبة الدول والشركات التي تتعامل مع الحكومة السورية، بمعنى استهدافه لحلفاء سوريا أيضاً مثل روسيا وإيران وحزب الله ، خصوصاً في قطاع الطيران والنقل والاتصالات والطاقة والصناعة والتجارة والبنك المركزي وغيرها. وهذا يعني  "ثني المستثمرين الأجانب من التعامل مع الحكومة السورية" وعدم مكافأة نظامها، بسبب انتهاكاته لحقوق الإنسان، فضلاً عن الزعم بـ "حماية المدنيين". وبالطبع فهذا يؤدي إلى  وضع عقبات جديدة لمنع دمشق من إعادة إعمار ما خلّفته الحرب التي دامت ثماني سنوات وما تزال مستمرة  وهي حرب شاركت فيها جهات دولية وإقليمية متعدّدة ولأغراض مختلفة ومتعارضة .
    ولا بدّ من ملاحظة أن  صدور القانون يأتي عقب تمكّن سوريا من طرد داعش والقوى الإرهابية التي احتلت نحو ثلث أراضي البلاد وإلحاق هزيمة بها مثلما حصل في العراق الذي تم تطهير أراضيه من الوجود العسكري لداعش، فضلاً عن أن الفصول الأخيرة من المعارك الدامية الدائرة في الشمال السوري في طريقها إلى الحسم، حتى وإن كانت الصورة معقّدة ، خصوصاً وأن خطة ما سمّي بـ "الملاذ الآمن" أثارت خلافات واسعة، بين الولايات المتحدة التي وضعت يدها على منابع النفط السورية بالضد من قواعد القانون الدولي، وبين تركيا الطامعة التاريخية بالمنطقة بحجة مكافحة الإرهاب وتعقّب حزب العمال الكردستاني PKK، لاسيّما بعد حدوث تصدعات في العديد من الجبهات، ناهيك عن إعادة الاصطفافات لبعض القوى الكردية التي اقتربت من الحكومة السورية، في ظل الهجوم التركي الذي زاد من تعقيد المشهد دولياً وإقليمياً، بالانسحاب الأمريكي وبالتداخل الروسي.
   إن مشروع "قانون قيصر" هو نسخة سورية للطبعة العراقية التي سمّيت "قانون تحرير العراق" العام 1998 ، والذي استند فيه إلى "منطقة الملاذ الآمن"، بالقرار الذي اتخذته واشنطن ولندن وباريس العام 1991، بالترافق مع تشديد الحصار على العراق والذي امتد 12 عاماً تمهيداً لإطاحة نظامه واحتلال البلاد بالكامل وتركها لفوضى عارمة ما تزال تأثيراتها قائمة ومستمرة حتى الآن، بفرض نظام للمحاصصة الطائفية - الإثنية الذي يقوم على الزبائنية السياسية وتقاسم المغانم، حيث استعر التعصّب ووليده التطرّف واندلع العنف على نحو لا مثيل له ، وهذا الأخير حين أخذ يضرب عشوائياً تحوّل إلى إرهاب منفلت من عقاله، وقد لعب تنظيم القاعدة ومن بعده داعش مثلما تلعب جبهة النصرة " هيئة تحرير الشام" وأخواتها دوراً محورياً في إذكاء نار النزاع الداخلي المدعوم خارجياً من القوى التي لا تريد الخير والود للشعبين العراقي والسوري، مهما كانت مسمّياتها وصفاتها وادعاءاتها.
   وإذا كان عنوان " حماية المدنيين" كلاماً حقيقياً فإن ما يقف خلفه باطل، والتجربة خير دليل على ذلك، والمدنيون هم كل السكان، لاسيّما الذين كانوا ضحية النزاع المسلح طبقاً لاتفاقيات جنيف لعام 1949 وملحقيها، فقد كانت التنمية والخدمات الصحية والتعليمية والبيئية والبلدية وكل ما يتعلق بحياة الناس هي الضحية ، فضلاً عن نصف مليون قتيل وما يزيد عليهم من جرحى ومعوّقين، إضافة إلى نحو 10 ملايين بين نازح ولاجئ، وهؤلاء هم بامتياز ضحايا اندلاع الحرب واشتداد وطأة النزاع والتدخل الخارجي.
   فهذا القانون يبحث في إجراءات لا علاقة لها بحماية المدنيين لاعتبارات إنسانية، بل يتناول إجراءات أخرى كما جرى ذكرها ، ناهيك عن مسائل تتعلق بحجب الملكية والفوائد المترتبة عليها ومنع دخول سوريين أو حلفائهم إلى الولايات المتحدة، وإنزال عقوبات جزائية على أي شخص أو منظمة غير حكومية.
   جدير بالذكر أن اسم " قيصر" هو اسم مستعار وقد يكون وهمياً قيل أنه مصور سوري وثّق جرائم عديدة في سورية عبر صور هرّبها إلى فرنسا حين كان يعمل في الشرطة العسكرية، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة وأدلى بشهادة أمام الكونغرس العام 2014 وعرض بعض هذه الصور في متحف الهولوكست في واشنطن، ومثل هذه الادعاءات والشهادات تم استخدامها كذريعة لشن الحرب على العراق فقد وظّفتها واشنطن وحلفائها  بحجة  وجود أسلحة دمار شامل فيه وعلاقته بالإرهاب الدولي، وكان ذلك عبارة عن  اختراع نسجته مخيلة "صقور الحرب" وهو الأمر الذي انكشف بطريقة أقرب إلى الفضيحة الدولية بعد احتلال العراق باعتراف الرئيس جورج دبليو بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، ناهيك عن خديعة إقامة نظام ديمقراطي.

30
المنبر الحر / جريمة ساحة الوثبة
« في: 17:04 03/01/2020  »
 

جريمة ساحة الوثبة
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

لم تنزلق حركة الاحتجاج السلمية الشعبية التي انطلقت في الفاتح من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إلى العنف كرد فعل ثأري أو انتقامي أو كيدي لما قامت به السلطات الحاكمة والجماعات المسلحة ضدها، فقد بدأت سلمية وحافظت على سلميتها، وذلك أحد مصادر شرعيتها وقوتها الأساسية، ناهيك عن كفالة الدستور لها كحق من حقوقها التي تضمنه الشرعة الدولية لحقوق الإنسان.
وسيكون التذرّع بفساد الطبقة الحاكمة ولجوئها إلى القمع والعنف المنفلت من عقاله، باللجوء إلى العنف المضاد غير مبرر لها وتحت أي عنوان أو حجة ، لأن الحركة تدرك أن مثل تلك التصرفات السلبية ستخرجها عن سلميتها التي حافظت عليها، إذْ لا يمكن فصل الوسيلة عن الغاية، ومهما كانت الغاية شريفة وعادلة ، فلا بدّ للوسيلة أن تكون كذلك، ولا غاية مشروعة بوسيلة غير مشروعة، وحسب رائد المقاومة السلمية – اللّاعنفية المهاتما غاندي، فإن الوسيلة إلى الغاية مثل البذرة إلى الشجرة، وهما يرتبطان عضوياً لدرجة لا يمكن فصلهما.
وإذا كنّا نعرف الوسيلة وهي راهنة ومحدّدة ومعلومة ، فإن الغاية بعيدة وغير ملموسة، بل متخيّلة أحياناً، الأمر الذي ينبغي أن تكون الوسيلة جزءًا لا يتجزأ من الغاية ذاتها، وكل تعارض بينهما يعني الخروج على مشروعية الغاية ، وبالنسبة للوضع العراقي سيكون اللجوء إلى العنف خروجاً على أهداف الحركة الاحتجاجية السلمية، باتباع وسائل غير مشروعة، فما بالك إذا كانت جريمة أو انتهاكاً سافراً لحق الحياة والقتل خارج القضاء، إضافة إلى أعمال تخريب وحرق .
ما حصل في ساحة الوثبة ببغداد بإلقاء القبض على أحد الذين، قيل أنه أطلق الرصاص على المتظاهرين،  وقتله والتمثيل بجثته في مشهد لا إنساني يثير التقزّز والاشمئزاز، ومهما كانت المبررات والدوافع فإنها جريمة مدانة ومستنكرة وهي سابقة خطيرة لا ينبغي التقليل من شأنها، وهو ما أدركه المحتجون الذين ازدادوا يقظة إزاء أي محاولة لجرّهم إلى العنف بإعلانهم سلمية الحركة بالمطلق وتمسكهم بشعاراتها .
ولعلّ اللجوء إلى العنف سيلحق ضرراً بالغاً بحركة الاحتجاج ويفقدها أحد أهم أسلحتها المشروعة؛ وأعني بذلك الوسائل المدنية السلمية التي استخدمتها بنجاح في بلورة مطالبها العادلة، سواء بجانبها المطلبي الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، فيما يتعلّق بفرص العمل والخدمات وتحسين ظروف العيش، أو في جانبها السياسي المتعلق بإجراء إصلاحات دستورية وقانونية بعد أن وصلت العملية السياسية إلى طريق مسدود وبعد فشل الطبقة السياسية التي حكمت البلاد لنحو 16 عاماً والتي قامت على أساس نظام المحاصصة الطائفي- الإثني المستند إلى "الزبائنية السياسية" وتوزيع المغانم والامتيازات، تلك التي تكرّست منذ الاحتلال الأمريكي للعراق في العام 2003 والذي وضع نواته  بول بريمر  في صيغة مجلس الحكم الانتقالي، وامتدّ إلى الدستور الذي أعدّ مسوداته نوح فيلدمان وبمساعدة لاحقة من بيتر غالبرايت وهو دستور يقوم على المكوّنات، التي لا تعني سوى نظام المحاصصة الطائفية- الإثنية.
لا يمكن بأي حال تبرير جريمة ساحة الوثبة بزعم أن السلطة الحاكمة ارتكبت جرائم لا حدود لها، بقتل أكثر من 500 مواطناً وجرح أكثرمن20 ألف عراقي، ناهيك عن استمرار استشراء الفساد المالي والإداري والتغوّل على الدولة عبر مرجعيات ما دونها وما قبلها، لكنها أصبحت ما فوقها، إضافة إلى تفشي ظواهر التعصّب والتطرّف والعنف والإرهاب.
وحين يتم تناول ظاهرة العنف والقتل خارج القضاء، فلا يمكن تبريرها من أي أتت والجريمة تبقى جريمة ، ولعلّ استدراج الحركة الاحتجاجية إلى دائرة العنف سيكون المقتل الأول لها، وسيعطي المبرّر لأعداء التغيير للانقضاض عليها، بل والقيام بالمزيد من أعمال القتل وسفك الدماء والانتهاك بهدف تسويد صفحة الحركة الاحتجاجية وتشويه سمعتها وإلصاق التهم بها.
أدركُ حقيقة أن الحركة الاحتجاجية في جوهرها وفي عمق مطالبها سلمية ومشروعة، الأمر الذي سيكون إدانة هذه الجريمة ونبذ اللجوء إلى العنف إبرازاً لوعي الحركة بمسؤولياتها الوطنية من جهة ، حتى وإن كانت محدودة جداً وفردية جداً، إذْ لا ينبغي لبعض حالات الجزع والقنوط  أن تدفع الحركة باتجاه لا يخدم توجهها السلمي- اللّاعنفي، كوسيلة لإحداث التغيير المنشود في موازين القوى ، حتى وإن كانت مناورات الطبقة السياسية والقوى الإقليمية والدولية الداعمة لها تريد تدوير الزوايا والالتفاف على عملية التغيير الحقيقي التي يطالب بها المحتجون.
إن إدانة اللجوء إلى العنف هدفه الأول إعادة التثقيف بأهمية المقاومة المدنية السلمية اللّاعنفية، التي هي الطريق الصائب للدفاع عن الحقوق والمطالب، فضلاً عن أن استمرارها سيجبر الطبقة الحاكمة التفكير  إن آجلاً أو عاجلاً أكثر من مرّة من استخدامه ضده المحتجين الذين  سيحظون بتعاطف ودعم دولي، وسيزيد من تعميق وعي المجتمع بأهمية الاحتجاج السلمي وهو جزء من الشعور بالمسؤولية إزاء مستقبل العراق.



31
 


الكرد واللغة العربية

 
عبد الحسين شعبان
على الرغم من المشهد المأساوي الحزين الذي يعيشه العراق منذ الفاتح من أكتوبر / تشرين الأول الماضي، حيث جابهت السلطات الحكومية حركة الاحتجاج السلمية الشعبية بالحديد والنار، فثمة جوانب مبشّرة، خصوصاً في ما يتعلق باستعادة الوعي الوطني ويقظة الهويّة الوطنية العراقية العابرة للطوائف والإثنيات، ولا سيما ارتفاع نبرة العيش المشترك والمصير الموحد. والأمر لا يقتصر على ساحات الاحتجاج التي شملت، إضافة إلى بغداد، تسع محافظات عراقية هي: الحلّة والديوانية وكربلاء والنجف والسماوة والكوت والناصرية والعمارة والبصرة، فقد امتد الأمر ليشمل تضامن عدد من المثقفين الكرد مع أشقائهم المثقفين العرب، إضافة إلى تضامن سكان المناطق الغربية مع وسط وجنوب العراق.
وإذا كان ثمة تساؤل مشروع أساسه: كيف السبيل لاستعادة العلاقات الإيجابية العربية - الكردية في العراق؟ فلعلّ الشعار الذي أطلقه اليسار العراقي في ثلاثينات القرن الماضي «على صخرة الاتحاد العربي - الكردي تتحطّم مؤامرات الاستعمار والرجعية»، هو الأحوج والأكثر إلحاحاً هذه الأيام، ولا سيّما في الفضاء الثقافي الذي تشكل اللغة جوهره وروحه، بعد شروخ حصلت في تلك العلاقات بسبب الأنظمة الديكتاتورية والقمعية وممارساتها الشوفينية والعنصرية، فضلاً عن محاولات الاختراق والتداخلات الخارجية الإقليمية والدولية، تلك التي لا تضمر للعراق وأهله عرباً وكرداً ومن سائر القوميات أي ود وخير.
وقد جاء احتفال جامعة السليمانية باليوم العالمي للغة العربية في ال 18 ديسمبر / كانون الأول، والذي تقرر بعد صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3190 في عام 1973 (الدورة الثامنة والعشرون)، والذي بموجبه تم الاعتراف باللغة العربية لغة رسمية من لغات الأمم المتحدة، ليؤكد أهمية تعزيز العلاقات الثقافية والإنسانية بين العرب والكرد. علماً بأن منظمة اليونسكو «منظمة الثقافة والعلم والتربية» التابعة للأمم المتحدة تحتفل منذ عام 2012 بيوم اللغة العربية بعد صدور قرارها رقم 190 أكتوبر / تشرين الأول 2013.
وعلى الرغم من المحاولات المُغرِضة لإبعاد الكرد عن اللغة العربية وآدابها وتدريسها، بغض النظر عن مبرّراتها، فإنها ألحقت ضرراً بليغاً بالثقافة الكردية ومنعت الكرد من التواصل مع أشقائهم العرب، ولا سيما الجيل الجديد، فضلاً عمّا ستتركه من عزلة عليهم في علاقتهم مع عرب العراق من جهة، ومع امتدادهم العربي من المحيط إلى الخليج من جهة أخرى، وهو ما أدركته، مؤخراً، العديد من الأوساط الثقافية والأكاديمية والسياسية، ولعلّ مبادرة منتدى الفكر العربي ومؤسسه الأمير الحسن بن طلال تصبّ في هذا التوجه، خصوصاً في إيجاد آلية مستمرة للحوار العربي - الكردي.
إن اللغة العربية لغة عالمية يتحدث بها أكثر من 430 مليون نسمة وهؤلاء يتوزعون على أقطار الوطن العربي، ويمتد تأثيرها إلى بلدان مجاورة وبعيدة، لأنها لغة القرآن، وهي لغة حيّة وقابلة للتجديد، بما فيها من مترادفات وطباق وجناس ومجاز وسجع وتشبيه وفنون وبلاغة وفصاحة وغيرها، وهي من اللغات الأربع الأكثر استخداماً للإنترنت، والأكثر انتشاراً ونمواً، وفوق ذلك، فالعربية لها أهمية خاصة لدى المسلمين، لأن الصلاة لا تتم إلا بها، وهي في الوقت نفسه لغة شعائرية في عدد من الكنائس المسيحية في العديد من البلدان العربية.
وإذا كانت الصين تحتفل بيوم اللغة الصينية تخليداً لذكرى مؤسس أبجديتها سانج جيه، وروسيا اعتمدت يوم ميلاد شاعرها ألكساندر بوشكين يوماً للغة الروسية تكريماً له، أما بريطانيا، فإنها تعتبر عيد ميلاد وليم شكسبير يوماً للغة الإنجليزية، وكثيراً ما يردّد التشيك أن «جدهم» الروحي اللغوي كومنيسكي، فهل يحق لنا نحن العرب أن نحتفل بيوم ميلاد الشاعر المتنبي، ليكون يوماً للغة العربية حسب المفكر السوري جورج جبور؟
إن احتفال جامعة السليمانية بيوم اللغة العربية يشكل أهمية خاصة للشعب الكردي في عدّة محاور، منها أن الكثير ممن كتبوا في اللغة العربية كانوا من الكرد، بمن فيهم الشعراء أحمد شوقي، وجميل صدقي الزهاوي، ومعروف الرصافي، فلم تمنعهم أصولهم الكردية من الكتابة الإبداعية باللغة العربية، كما أسهم علماء الكرد في كتابة التاريخ، وإثرائه باللغتين العربية والكردية، وهناك علماء كرد يشكّلون تراثاً ضخماً باللغة العربية مثلما ساهموا في بناء الحضارة العربية، ولذلك فإن العودة إلى تعلّم اللغة العربية وإعادة تدريسها لغة أساسية ثانية، إضافة إلى الكردية، فيه منفعة ومصلحة الكرد قبل العرب، لأنها لغة عالمية، وهو ما تم وضعه في عدد من البرامج الأكاديمية الجامعية، مؤخراً، وهو الأمر الذي يساعد في تعزيز التعاون والتبادل الثقافي من جهة والعيش المشترك من جهة أخرى.
جدير بالذكر أن الاحتفال جرى في قاعة البروفيسور عز الدين مصطفى رسول إحدى أهم الشخصيات الكردية التي كتبت باللغة العربية، وكان تحت شعار «الكرد يحتفلون باللغة العربية صوناً للتعايش».
drhussainshaban21@gmail.com


32
الضاد تتآكل في صيغتها البليغة ومستواها الحضاري

عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي



أدباء ومثقفون بحثوا واقع اللغة العربية في يومها
العالمي..وطرحوا العديد من التوصيات في ندوة اليوم


صحيفة اليوم

عقدت جريدة اليوم (السعودية) ندوة لمناسبة اليوم العالمي للغة العربية، شارك فيها عدد من المفكرين والباحثين والمختصين وقد وجهت لهم عدة أسئلة وفي ما يلي أجوبة الدكتور عبد الحسين شعبان في مشاركته في تلك الندوة.

س 1- ما أبرز التحديات التي تواجه اللغة العربية وتقف حاجزاً بينها وبين الجيل الجديد؟
ج1 – دعني في البداية أبيّن أهمية الاحتفال بيوم اللغة العربية 18 ديسمبر (كانون الأول) من كل عام ، وقد تقرّر الاحتفال بهذا اليوم  بعد إصدار الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 3190 في العام 1973(الدورة الثامنة والعشرون) والذي بموجبه اعترف باللغة العربية كلغة رسمية من لغات العمل في الأمم المتحدة. وقد مهّد لهذا القرار التاريخي كل من المملكة العربية السعودية والمملكة المغربية خلال انعقاد الدورة 190 للمجلس التنفيذي لمنظمة الثقافة والعلم والتربية التابعة للأمم المتحدة (اليونسكو)، وفي اكتوبر (تشرين الأول)2012 احتفلت اليونسكو للمرّة الأولى بهذا اليوم واعتمد كيوم عالمي في 23 اكتوبر (تشرين الأول) 2013.
وتعد اللغة العربية من أقدم اللغات السامية وهي إحدى أكثر اللغات انتشاراً في العالم، ويتحدث فيها نحو 430 مليون نسمة وهؤلاء يتوزعون على ما يسمى بـ " الوطن العربي"، إضافة إلى بلدان مجاورة ، وهي لغة القرآن التي يتم الصلاة بها، كما أنها لغة حيّة وقابلة للإضافة والتجديد بما فيها من مترادفات وتضادات وطباق وجناس ومجاز وسجع وتشبيه، إضافة إلى فنون البلاغة والفصاحة وغيرها، علماً بأنها من اللغات الأربع الأكثر استخداماً في الانترنيت والأكثر انتشاراً ونمواً.
التحدي الأول الذي تواجهه اللغة العربية هو الاعتراف الدولي بمكانتها والتداول بها وقدرتها على التساوق مع التطورات الدولية، أما التحدي الثاني فهو  استعداد أبنائها والناطقين بها، ولاسيّما الجهات المعنية من أصحاب القرار لاعتبارها جزءًا أساسياً من هويّة العرب، الأمر الذي يتطلب اعتمادها في المخاطبات والفاعليات الرسمية الدولية، أي كلغة عمل بما يحتاج إلى توفير ترجمات وإعداد لوائح وفهارس ومدوّنات.
وبعد كل ذلك فاللغة العربية مثل اللغات الحية خاضعة للسيرورة التاريخية وتتطور بتطور الزمن، لاسيّما في إثرائها وتخصيبها واستعيابها للحمولات الثقافية الإنسانية، وكذلك في التخلص من الشوائب والنتؤات التي لحقت بها. وهذا يحتاج إلى ترصين الوعي بأهميتها وقدرتها الإبداعية ، من جانب الناطقين بها وعدم النظر اليها بالمقارنة مع اللغات الأخرى بصورة أدنى.

س 2- ما الجدوى أو المنفعة الحقيقية للاحتفال باليوم العالمي باللغة العربية؟
ج2- الجدوى تكمن في الدلالة المعرفية والعلمية من جهة وفي المكانة التي تحتلها اللغة العربية من جهة أخرى، ولعلّها مناسبة لتأكيد أهمية اعتماد اللغة وتطويرها وجعلها أكثر مرونة وحيوية للتواصل بين أبنائها والناطقين بها من جهة، ومن جهة أخرى عنصر تفاعل وتفاهم وتعاون مع الآخر، وهي أداة سلمية ومدنية للعلاقة الإنسانية.

س3 – ما مدى تأثر اللغة العربية بتداخل اللهجات الشعبية مثل: المصرية والعراقية والمغربية والخليجية والسورية؟
ج3 - يبرز بين الحين والآخر اتجاه يدعو إلى تكييف اللغة العربية لتصبح أكثر استعمالاً وقرباً بين النطق والكتابة، وذلك من خلال اللهجات التي تستخدم حسب المناطق، وأعتقد أن هذا التوجه خطراً وقد واجه معارضة شديدة، فهو يضعف الشعور بالانتماء لأمة واحدة، فضلاً عن ذلك فإنه سيضعف المشتركات التي تقوم عليها اللغة باعتبارها عنصر تقارب وتواصل بين أولاد العمومة والهويّة الموحّدة ، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين وقد لعب المسيحيون دوراً كبيراً في الحفاظ على اللغة العربية وتطويرها، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر دورهم في سوريا ولبنان والعراق ومصر وغيرها.


س4 – كيف تقيمون واقع اللغة العربية في الواقع العربي؟
ج4- الواقع ليس بمستوى الطموح، وثمة نواقص وثغرات وعيوب ومثالب لا بدّ من التخلّص منها، فثمة من ينظر باحتقار إلى لغته العربية ويعتقد إن الحديث باللّغات  الأخرى، لاسيّما الإنكليزية أو الفرنسية ، هو دليل تمدّن ورقي ، في حين أن جمالية اللغة العربية واتساع معانيها وعمق دلالاتها تؤكد غناها وقدرتها على التعبير، ناهيك عن اتساق مضامينها مع وسائلها.
وكلّما كان الواقع العربي يمتاز بالقوة والمنعة والقدرة على تحقيق التقارب بين دوله وشعوبه والسير في دروب التنمية المستدامة بجميع حقولها، كلّما استطاع أن يؤكد دور اللغة العربية.
ونلاحظ اليوم بالرغم من التصدّع والتشظي، إلا أن الاهتمام باللغة العربية يزداد عالمياً، وهناك توجه ، بل واندفاع عالمي لتعلّم اللغة العربية، نظراً لأهمية العالم العربي الاستراتيجية والجيو سياسية والاقتصادية ناهيك عن دور العرب الثقافي والتاريخي وفي بناء  الحضارة البشرية.

س5 – ما أسباب ضعف اللغة العربية من ناحية الشباب؟
ج 5- هناك أسباب موضوعية وأخرى ذاتية لا تشجع الشباب العربي على الاهتمام باللغة العربية، منها ضعف الواقع العربي كما أشرنا، ومنها تقليد بعض الجامعات والمدارس العليا، الجامعات والمدارس الغربية من خلال المناهج التعليمية ولغة التدريس، الأمر الذي يؤدي إلى عزوف الشباب عنها، وكذلك عدم اهتمام المدارس الحكومية باللغة وطرق تدريسها وتأهيل المعلمين والمدرسين للقيام بهذه المهمة من جهة أخرى بطريقة محبّبة للطلبة، لا تؤدي إلى نفورهم.
وبالطبع فإن الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي والثورة العلمية- التكنولوجية والطفرة الرقمية " الديجيتل" والذكاء الاصطناعي، وغيرها تحتاج إلى أن يتكيّف العرب معها ويستخدمونها بطريقة تساعد على تعزيز اللغة العربية ومكانتها.

س 6- هل تعاني اللغة العربية من أزمة؟
ج 6- الأزمة خاصة وعامة ، وخصوصيتها ناجمة عن عدم الاهتمام العربي بها وتفضيل اللغات الأخرى عليها، وعامة بمعنى أنها تحتاج إلى أدوات لرفع شأنها وإعلاء مكانتها ، لاسيّما وهي جزء حيوي وأساسي من الهوّية، والمعالجة تحتاج إلى الاعتراف بالأزمة والعمل على تجسير الفجوة وردم الهوّة بحيث تكون اللغة العربية في المكانة الأولى التي تستحقها، خصوصاً لأبنائها  والناطقين بها وتتوفر لها الوسائل والأساليب التي تعزز من هذا الدور. وهذا يحتاج إلى توافق بين الإرادة السياسية من جهة وبين المناهج التربوية والتعليمية والثقافية والإعلامية ومؤسسات المجتمع المدني، لكي تقوم بهذه المهمة.

س 7- هناك معايير اجتماعية متداولة أن الحديث باللغات الأجنبية دلالة على التحضير.. كيف تعلقون على ذلك؟
ج 7- تعلّم اللغات الأجنبية دليل تمدّن وتواصل وتفاعل مع العالم، وهو وسيلة سلمية للتفاهم والتعاون بين الأمم والشعوب والبلدان، لكن ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب لغتنا الأصلية، وهي لغة جميلة ومعبّرة، ولعلّ إهمال اللغة العربية والاهتمام بلغات أخرى سيؤدي إلى الاغتراب والتعالي على المجتمع، فكيف يمكن المشاركة في عملية التنمية والبناء، إذا كان ابن البلد مغترباً حتى وإن كان في وطنه.

س8- ما التوصيات أو المقترحات أو المبادرات التي يمكن توجيهها للجهات ذات العلاقة من أجل التمسك والارتقاء باللغة العربية؟
ج8- من التوصيات والمقترحات الأساسية هي ضرورة الاعتناء بجودة الصياغة اللغوية ودقة التعبير والابتعاد عن التنميط والزخرفة اللفظية، وينبغي أن تكون اللغة المستخدمة مطواعة تستجيب لمتطلبات العصر ومستجداته، بعيداً عن الجمود والتحجر، بحيث يتم التعبير عن النبض الحقيقي للحياة وترجمة سلوك ومواقف الحراك الاجتماعي ، لاسيّما بتقبّل الجديد من المفردات والاشتقاقات، فاللغة فكر في الوقت نفسه ولعلّ تطوير هذا الفكر ضرورة لا غنى عنها.
وكان مؤتمر فكر 17 قد انعقد في الظهران مؤخراً وعبّر في أحد محاوره عن أهمية اللغة ودورها في  تهيئة المستلزمات لتجديد الفكر العربي الطموح للتواصل مع العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي.
ويمكن للغة أن تكون أداة اقتصادية ، بل أحد الأسس لتطوير العلاقات الاقتصادية ، وسبق لها أن ساهمت بمثل هذا الدور عن طريق القبائل العربية وكانت رافعة مهمة لنشر اللغة العربية وتعلّم اللغات الأخرى، بل إنها كانت في صلب العمليات التجارية، لاسيّما في طريق الحرير وما بعده.
مثلما يمكن أن تكون أداة في التبادل الثقافي والأدبي والفني وكل ما يتعلق بالعمل الإبداعي كما هي في السابق.
ويمكنها اليوم ، وهذا ضرورة وليس ترفاً، أن تصبح لغة الحوسبة وعالم الكومبيوتر ، بتدفق المعلوماتية بغزارتها المعرفية وتنوّعها، فالعالم بين أيدينا ويمكن أن نحوّله إلى عالم رحب ويتّسع للجميع بتبادل وتفاعل من خلال لغتنا العربية مع اللغات الأخرى.
لذلك لا بدّ من مواجهة محاولات تحقير العرب من خلال الاستنكاف من لغتهم، ومثل هذه التحديات الاستعلائية العنصرية التي تريد فرض الهيمنة تدرك إدراكاً عميقاً الترابط الوثيق والمحكم بين اللغة والهوية وبين اللغة والدين، وهي تعلم علم اليقين كيف أن اللغة العربية ساهمت في رفد العالم بالعلوم من هندسة ورياضيات وفيزياء وطب، فضلاً عن أنها كانت لغة الفلسفة والعقل والفكر والحضارة ، وهذا ما ينبغي أن ندركه كعرب ونتصدى له بحيث تتضافر جهود العلماء والمفكرين والباحثين العرب والحريصين على اللغة العربية للحفاظ على روحها وتطويرها وتحسينها بحيث تصبح أرقى وأجمل سواء في مستوى التخاطب العادي أو على المستوى العام، علماً بأنها لغة مفتوحة وقابلة للإضافة وغير مغلقة أو جامدة، بل هي تتفاعل وتتلاقح مع لغات أخرى، ولا بدّ من اعتماد اللغة الفصحى كأساس مشترك بين العرب.
ولكي ينهض العرب فلا بدّ من عدد من الإجراءات السياسية والميدانية والتربوية والإعلامية من خلال كوادر متخصصة وسياسة تعليمية عصرية، وتنقية اللغة العربية من الشوائب العامية ووضع تحديدات للألفاظ الأجنبية وتوظيف ما هو علمي منها بطريقة منهجية بحيث يتم استيعابها، إضافة إلى تفعيل مجاميع اللغات العربية والعمل على تقاربها والتنسيق والتعاون فيما بينها، بعيداً عن دائرة الصراعات السياسية القطرية في كل بلد.
في الختام يمكن القول أن اللغة العربية هي أهم رابط وأقواه تاريخياً يشدّ العرب ويجمعهم إلى بعضهم وهي السجل الذي يختزن تاريخهم وذاكرة الأجيال ويحتفظ بأسسه الثقافية التي تشكل محور الهوّية .




33
 

الأديان وحقوق الإنسان
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
   تنظر الغالبية الساحقة من الناشطين في ميدان حقوق الإنسان إلى الأديان باعتبارها نقيضاً لحقوق الإنسان، وهو الموقف ذاته الذي تتخذه الأوساط الدينية بشكل عام إزاء منظومة حقوق الإنسان، باعتبارها خارج دائرة الإيمان. ويرتفع الجدل حول "أحقية" كل فريق منهما وادعاءاته، في حين تُهمل المشتركات الإنسانية الجامعة لبني البشر، تلك التي تشكل عموداً محورياً للأديان أساسه الإنسان، الأمر الذي يقتضي البحث عن الجوامع المقرّبة وليس الفوارق المُباعدة.
   في الدين حقوق للإنسان ، مثلما في حقوق الإنسان قيمٌ دينية ، وفي الكثير من الأحيان تستمد الحركة الحقوقية الإنسانية قوتها من المنابع الدينية المتأصلة فيها، وهو الأمر الذي ينبغي للعاملين في ميدان حقوق الإنسان إدراكه، لأنه يكسبهم قوة مهمة وأساسية ، بل وحليفاً جديداً إلى جانب الشرعة الدولية، مثلما يُكسب الأديان ذاتها بُعداً أكثر إنسانية وتقدّماً ومدنية.
   علينا أن نتذكر أن العديد من المعارك الكونية المتعلّقة بالحرّية والكرامة قادتها شخصيات من منابع دينية مثل المهاتما غاندي في الهند رائد المقاومة المدنية - اللّاعنفية والذي اغتيل في 30 يناير (كانون الثاني) 1948، وعبد الغفار خان  الذي شارك في المقاومة السلمية عبر سلاح " الصبر والاستقامة"  وأوسكار روميرو من السلفادور أحد أبرز روّاد لاهوت التحرير الذي اغتيل في العام 1980، ومارتن لوثر كينغ في الولايات المتحدة،  القس الذي قاد حركة الحقوق المدنية من أجل المساواة، والذي اغتيل في 4 أبريل (نيسان) 1968. وكان العديد من قادة حركة التحرّر الوطني ضد الاستعمار من رجال الدين المسلمين والمسيحيين وغيرهم من المؤمنين، ناشطين من أجل التحرّر والاستقلال والعدالة، وغالباً ما يقومون بذلك لإيمانهم الديني الذي يمنحهم قوة أخلاقية وروحية وشرعية شعبية.
   لم أجد غضاضة في التلاقي بين حقوق الأديان وحقوق الإنسان، بل أعتبر ذلك أمراً طبيعياً وواجباً على  الطرفين تنميته بما يعزّز الكرامة الإنسانية المتأصلة في البشر، فالأديان عموماً تدعو إلى المحبة بين البشر واحترام حقوقهم بغض النظر عن اختلافاتهم، بما يعني توفير المستلزمات الضرورية لحماية منظومة الحقوق الإنسانية التي تسلّم بها الأديان، فأين تكمن الإشكالية إذاً؟
   الإشكالية في استخدام الدين أحياناً لقمع الأصوات الشجاعة المطالبة بالتغيير، بل يتم تبرير القمع وانتهاك الحقوق ممالأة للحكام، وفي أحيان أخرى لخدمة مصالح خارجية، بما يلحق الضرر بحقوق الأديان والإنسان، سواء في الترويج للتعصّب ووليده التطرّف ونتاجهما العنف والإرهاب، مثلما يخطأ بعض نشطاء حقوق الإنسان  حين يعتبرون مثل هذا السلوك يمثّل الدين أو يعبّر عنه، فيكون رد فعلهم معاداة الدين في حين ينبغي عليهم مواصلة الكفاح ضد التعصّب والخرافة والتفسيرات الماضوية للدين بما فيها إضفاء صفة القداسة على ما يطلق عليه "رجال الدين".
   وهكذا يبالغ بعض دعاة حقوق الإنسان في مجتمعاتنا العربية والمسلمة بالعلمانية ويضعونها نقيضاً للدين، وبالمقابل يستخدمها بعض المتدينين بصفتها رديفة للإلحاد، ويستند الفريق الأول إلى أن "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" لم يتضمن أي إشارة إلى الله، وينسون إن ذلك وضِعَ لتقبّل الناس هذا الإعلان على اختلاف دياناتهم بمن فيهم الذين بدون دين سماوي أو أرضي. ومثل هذا الأمر يقود إلى إبعاد أوساط واسعة مؤمنة بالله عن حقوق الإنسان والمشتركات الكثيرة التي تجمع المتدينين بالعلمانيين ، لاسيّما كونهم بشرٌ مثلهم ولهم نفس الحقوق والواجبات والتطلّعات، حتى وإن كانت هناك بعض الجوانب الاختلافية العقائدية.
   ويخطأ بعض الناشطين في حركات حقوق الإنسان حين يبعدون المتديّنين عن التواصل مع هذا الحقل المهم، مثلما يخطأ بعض المتدينين حين يعتبرون هذا الحقل خاص بالعلمانيين، ولذلك لا بدّ من تجسير العلاقة، بما يعزز الثقافة الحقوقية في الأوساط الدينية والمدنية ، لكي لا تتسع الفجوة بين المجموعتين، فالدين هو وجهة نظر كونية تتضمن القيم المتأصلة في الإنسان بما فيها حياة الإنسان ونظام الكون وتطلعات المستقبل، إذْ أنّ خسارة حقوق الإنسان للأديان ستكون كبيرة جداً لما فيها من قوة روحية ومعنوية مؤثرة تستحوذ على عقول مليارات البشر، مثلما تكون حقوق الإنسان ضرورة لا غنى عنها لحماية المتدينين من الانتهاكات أيضاً لأسباب دينية أو مذهبية أو طائفية ، وذلك عبر الدعوة لنظام يحترم حقوق الجميع ويؤكد على مبادئ المساواة والحق في تأدية الطقوس والشعائر الدينية بحرية.
   وعلينا إدراك أن القوة الدينية التي لا ترتبط بالتزامات حقوق الإنسان تتحوّل إلى قوة شيطانية عمياء خطرة ومدمّرة مثلما هو "داعش" والجماعات الإرهابية، بغض النظر عن مسمياتها وشعاراتها،   فالبشر خلقوا من خالق واحد وهم سواسية عند الله، ويتمتعون بحقوق مشتركة ومتماثلة وهو ما تؤكده الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ولعلّ ذلك ما كان مثار حوار معمّق بدعوة من " منتدى التنمية والثقافة والحوار" و" حوار الأديان الدانيماركي- العربي" في أيانابا (قبرص) بحضور وازن لشخصيات فكرية وثقافية وحقوقية.
drhussainshaban21@gmail.com


34
علاقة الفكر بالمجتمع
عبد الحسين شعبان
شكّل مؤتمر «فكر 17» الذي انعقد في الظهران مؤخراً تظاهرة حقيقية لمراجعة تيارات الفكر العربي والمفاهيم السائدة، وذلك في ضوء التحوّلات العميقة التي يشهدها عالمنا وازدياد حجم المعرفة العلمية المختلفة ونتائج ثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا الإعلام، الأمر الذي يطرح على المثقفين العرب أسئلة ملحّة راهنة ومستقبلية تتعلق بموقع الإنسان العربي من هذه التحوّلات وأي فكر عربي جديد يحتاج، خصوصاً أن الفكر هو انعكاس للواقع الاجتماعي والاقتصادي ودرجة تطور المجتمع.
وكان ثمة محاور اقترحتها مؤسسة الفكر العربي للنقاش والحوار تتعلق بالسياسات التربوية ودور العلوم الاجتماعية والإنسانية والثورة الصناعية الرابعة والمفهوم الجديد للتنمية والاقتصاد الرقمي، ومفاهيم الدولة والمواطنة والمشاركة وثقافة التسامح ودور الثقافة والمثقفين في بلورة رؤى وتصورات جديدة يمكن أن تشكل ملامح أولية لفكر عربي جديد، إضافة إلى الدور الذي يمكن أن تلعبه مؤسسات المجتمع الأهلي في تجديد الفكر العربي.
وإذا كان ثمة مجتمع أهلي فإنه يختلط بغيره من المفاهيم، فهو غير المجتمع المدني، الذي نطلق عليه أحياناً اسم «القطاع الثالث» (أي بين القطاعين العام والخاص)، أو القطاع غير الهادف إلى الربح، أو المعفى من الضرائب أو «القطاع المستقل» أو المنظمات التطوّعية، ويقصد به أحياناً المؤسسات الخيرية وهذه التسميات جميعها تصف شيئاً واحداً، هو وجود مؤسسات غير حكومية مستقلة عن أجهزة الدولة، وإنْ كانت مختلفة ومتنوّعة في أهدافها ووسائلها.
وفي المجتمع الأهلي تنشأ العلاقات بصورة تقليدية ومتوارثة في الكثير من الأحيان عبر العائلة أو العشيرة أو الدين أو الطائفة أو القومية أو المنطقة الجغرافية أو غير ذلك. أما في المجتمع المدني فهي غير متوارثة، أي أن الانتساب إليها حرٌّ ووفقاً لخيارات الإنسان، وتخضع لمبدأ الانتخاب والتداول. وبهذا المعنى تختلف مؤسسات المجتمع المدني عن هيئات المجتمع الأهلي، ففي حين أن الأولى مفتوحة وحداثية، فإن الثانية محصورة بالعشيرة أو الطائفة أو المنطقة، أو غيرها ولا تقبل الانتساب إليها من خارج الدائرة الضيقة. وبهذا المعنى فإن مؤسسات المجتمع المدني تمتاز بالتنوّع والاختلاف والتعدّدية داخلها، أما الثانية فهي هيئات فئوية خاصة أي مقتصرة على مجموعة محدّدة بحكم رابطتها الخاصة ولا تسمح بالانضمام إليها إلّا لمن هم من نفس الصنف.
وهكذا تختلف هيئات المجتمع المدني عن هيئات المجتمع الأهلي من حيث الأهداف والوسائل:
أولها- أنها لا تستهدف الوصول إلى السلطة ولا تنخرط في الصراع الإيديولوجي والسياسي الدائر في المجتمع وأنها تضع مسافة واحدة بينها وبين السلطات من جهة وبينها وبين المعارضات من جهة أخرى، وهدفها دعم خطط ومشاريع التنمية والسعي للمشاركة في اتخاذ القرار وفي تنفيذه ومراقبة حسن الأداء للجهات الحكومية.
وثانيها- اقتراح مشاريع قوانين ولوائح وأنظمة وتقديمها إلى الجهات التشريعية والحكومات، ومناقشة ما يصدر عنها، سواء في إعدادها أو بعد صدورها.
وثالثها- الإسهام في بناء مواطنة سليمة ومتكافئة ودون تمييز لأي سبب كان من خلال نشر وتعميم قيم التسامح والسلام واللّاعنف والمساواة والعدالة والمشاركة والتعايش وقبول الآخر.
ورابعها- العمل على بناء قدرات الأفراد وتأهيلهم وتنمية مهاراتهم وتدريبهم ليساهموا مع مجتمعاتهم وفي مؤسساتهم المهنية والاجتماعية والنقابية للدفاع عن مصالح منتسبيها وعن مصالح المجتمع ككل، انطلاقاً من الشعور بالمسؤولية وتنمية روح الحوار والتفكير الحر والحق في التعبير.
وخامسها- تشجيع الجهود التطوّعية والمبادرات الفردية والجماعية، بما يعزّز التضامن والتكافل والتعاون والتساند بين جميع الفاعليات.
باختصار فإن المفروض في هيئات المجتمع المدني أن تصبح «قوة اقتراح» وشريكاً ومكمّلاً للدولة، وهذا يحتاج إلى توفر شروط وأسس قانونية واقتصادية - اجتماعية وثقافية واستقلالية مالية لكي تقوم بدورها، وذلك في إطار تلازم بين الدولة والمجتمع والمواطن والسوق، ولا يمكن تصوّر دولة دون مجتمع، كما لا يمكن تصوّر مجتمع دون دولة، أي قوانين وأنظمة ومؤسسات لحفظ النظام والأمن العام وحماية أرواح وممتلكات المواطنين، ويفترض أن تسعى الدولة لتوفير مستلزمات العيش الكريم لمواطنيها وتهيئة الفرص المتكافئة أمامهم للتطوّر والمنافسة الحرة.
لقد أصبح وجود هيئات مجتمع مدني اليوم عاملاً أساسياً من عوامل نجاح التنمية المستدامة، في المجالات المختلفة، إذْ لا يمكن للدولة القيام بمهماتها دون مساعدة ومساندة ودعم منها. وهكذا فإن وجود هيئات للمجتمع المدني العربي، وهو أمر قائم، وتوسيع دورها الفعلي يفتحان الباب لشراكة جديدة في الحياة العامة لتفعيل وتجديد الفكر العربي ومنظوراته إزاء قضية التنمية الإنسانية الشاملة والمستدامة، إذْ لا يمكن إحداث تغيير فكري حقيقي دون مساهمة جادة من جانب المجتمع المدني، وذلك جزء من مسار كوني لا يمكن لأي مجتمع أن يعفي نفسه منه، وهنا يكمن التوازن والتكامل بين الدولة والمجتمع، فوجود هيئات للمجتمع المدني نشيطة وفاعلة وشريكة، يعني وجود دولة قوية ومواطنة حيوية ومتكافئة وفكر منفتح يتقبل الاختلاف.
drhussainshaban21@gmail.com



35
الكوموتراجيديا العراقية
بين
 فقه الواقع وفقه الضرورة

عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي

I
لم يهدأ غضب الشارع العراقي المُطالِب بالإصلاح والتغيير، والذي اندلع على نحو لم يسبق له مثيل في الفاتح من اكتوبر (تشرين الأول) 2019، على الرغم من الإجراءات التي أقدم عليها البرلمان العراقي في جلستين عدّتا الأطول في تاريخه (19 نوفمبر/تشرين الثاني/2019) ولعلّهما الأسرع في مناقشة وحسم القضايا المعروضة للنقاش وأساسها اتخاذ قرارات وتشريع قوانين حاولت توجيه رسالة إلى حركة الاحتجاج العارمة التي شهدتها الساحة العراقية.
   وبدلاً من امتصاص النقمة، فإن تلك والإجراءات التي بدأت بتجريد امتيازات كبار المسؤولين بمن فيهم الرئاسات الثلاث (رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ورئاسة مجلس النواب) ، جاءت لتصبّ الزيت على النار وترفع من درجة حرارة المشهد السياسي وسخونة حركة الاحتجاج، لأنها لم تستجب للمطالب الأساسية، التي ارتفع سقفها مع تطور حركة الاحتجاج، فالمتظاهرون الذين احتشدوا في ساحة التحرير في بغداد وحواليها في الشوارع والساحات والفروع المؤدية إليها وملأوا الميادين في 9 محافظات هي: الحلة وكربلاء والنجف والسماوة والديوانية والفرات الأوسط والكوت والعمارة والناصرية والبصرة، تطوّرت مطالبهم بالتدرّج والتراكم، خصوصاً حين تم مواجهتها بالعنف واستخدام الرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع  والخطف والاعتقال.
 وإذا كانت المطالب الأولية تركّز على القضايا الاقتصادية والاجتماعية مثل : الحصول على فرص عمل ومحاربة الفساد والمُفسدين وتحسين الخدمات ، فإنها اتخذت بُعداً سياسياً جذرياً مثل استقالة الوزارة وحلّ  البرلمان وتعديل الدستور أو سنّ دستور جديد وإجراء انتخابات مبكرة وتشريع قانون انتخابي جديد واستبدال مفوضية الانتخابات بأخرى "مستقلة"، فضلاً عن وضع حدّ للتلاعب بالهيئات المستقلة " غير المستقلة"، ، ومثل تلك المطالب هي حصيلة تجربة مُرّة مع الطبقة السياسية عمرها نحو 16عاماً، وهي تعكس  انعدام الثقة بنظام المحاصصة الطائفي- الإثني القائم على الزبائنية السياسية وتقاسم المغانم والتواطؤ بين أطراف العملية السياسية.
   وقد أضيف إلى هذه المطالب المتراكمة والذي تعتّق بعضها منذ احتلال العراق العام 2003 مطالب جديدة ألا وهي محاسبة المسؤولين عن ارتكاب جرائم القتل بحق أكثر من 300 شهيد وما يزيد على 16 ألف جريح، وهو الأمر الذي حصل بوضح النهار وبدم بارد، وكان وزير الدفاع نجاح الشمري قد اتّهم طرفاً ثالثاً القيام بذلك، وهو ما سبق أن أسمته الحكومة العراقية بـ " المندسين"، وكان لبغداد "العاصمة" الحصة الأكبر من القتلى والجرحى والمصابين ، إضافة إلى أعمال الخطف بمن فيهم لمحامين وأطباء، فضلاً عن  اعتقالات طالت نحو 2000 شخص، ما زال بعضهم لم يطلق سراحه .
   ومما يبعث على الكوموتراجيديا أن قانون الامتيازات الذي تم إلغاؤه كان قد شرّع في العام 2005، وظلّت المطالبات بإلغائه تتصاعد، لكن السلطة الحاكمة والطبقة السياسية المستفيدة لم تعطها الآذان الصاغية، وبقي معمولاً به طيلة 14 عاماً إلى أن اندلعت حركة الاحتجاج فاضطرّت لإلغائه وسط سخرية عراقية لاذعة، لاسيّما بالعزلة المريرة التي تعيشها الطبقة السياسية، حيث تعمّقت الهوّة بينها وبين الناس على نحو شاسع وشديد بعد تدفّق شلالات الدم.
II
   لم تكن حركة الاحتجاج التشرينية مفاجأة أو دون مقدمات، بل كانت امتداداً لأزمة الحكم المستفحلة منذ العام 2003، والمتمثّلة بنظام المحاصصة والتقاسم الوظيفي حسبما سمّي بـ " المكوّنات" التي وردت في الدستور، والذي يوجد بموازاته مرجعيات ما قبل الدولة وما دونها لتنافسه أو تعلو عليه أحياناً، ناهيك عن الفساد المالي والإداري والسياسي الذي أصبح يزكّم الأنوف، واستشراء ظواهر  العنف والإرهاب الذي فقّس بيضه فأنجب تنظيم القاعدة وربيبه تنظيم داعش، وبسبب حلّ الجيش والقوات الأمنية بمختلف صنوفها وتشكيل جيش وقوات أمن وشرطة وفقاً لنظام المحاصصة، ثم دمج  عدد من الميليشيات فيه، فضلاً عن عدم كفاءة وقلّة خبرة وضعف الشعور بالمسؤولية في العديد من مفاصله، تمكّن تنظيم داعش من احتلال الموصل في 10 حزيران (يونيو) 2014 والسيطرة لاحقاً على محافظتي صلاح الدين والأنبار وأجزاء من محافظة كركوك وديالى وصولاً إلى مشارف بغداد ، وقد احتاج طرده من المناطق التي احتلّها ثلاث سنوات ونصف السنة، ليتمكّن العراق بمساعدة قوات التحالف الدولي وإيران من هزيمة التنظيم عسكرياً في أواخر العام 2017، وإنْ كان حضوره الفكري والسياسي ما يزال مستمراً.
   وإذا كانت القوى المشاركة بالعملية السياسية قد أُخذت على حين غرّة بحركة الاحتجاج، فإنها بعد مرور 50 يوماً على اندلاعها استجمعت قواها لتعلن وثيقة مكوّنة من 40 فقرة عُرفت باسم " وثيقة الجادرية" حين اجتمعت 12 كتلة وحزباً سياسياً حاكماً ومشاركاً فعّالاً في العملية السياسية، وأمهلت رئيس الوزراء عادل عبد المهدي 45 يوماً لتنفيذ ما وعد به من إصلاحات (إلى نهاية العام 2019)، وقد تم الاجتماع في منزل السيد عمار الحكيم (تيّار الحكمة)، وعلى الرغم من أنه جاء لدعم عبد المهدي، إلّا أنه حاول أن يغازل حركة الاحتجاج حين حذّر من أن القوى المجتمعة  قد تلجأ إلى سحب الثقة من رئيس الوزراء في حال لم تكن هناك جدّية في تنفيذ الإصلاحات، بما فيها إجراء تعديل وزاري شامل أو الذهاب إلى انتخابات مبكرة، في حين يطالب المتظاهرون بتشكيل حكومة جديدة.
   وكان جواب حركة الاحتجاج على الفور ومنذ اللحظة الأولى لصدور وثيقة الجادرية هو الرفض، مما اضطرّ ثلاث كتل حزبية مشاركة فيها إلى التراجع عنها وهي ائتلاف النصر برئاسة حيدر العبادي (رئيس الوزراء السابق) الذي اشترط حين وضع توقيعه على الوثيقة بإقالة حكومة عادل عبد المهدي وائتلاف الوطنية برئاسة إياد علاوي رئيس الوزراء الأسبق، والانقاذ والتنمية برئاسة أسامة النجيفي رئيس البرلمان الأسبق.
أما بخصوص موقف الكرد وإقليم كردستان فقد نظروا بارتياب وسلبية إلى بعض مطالب الحراك الشعبي، لاسيّما تعديل الدستور ،خصوصاً وأنهم يجدون في رئيس الوزراء الحالي أكثر مرونة إزاء مطالبهم من سلفيه حيدر العبادي، الذي وقف ضد استفتاء الإقليم (25 سبتمبر 2017) ونوري المالكي الذي ساءت علاقته بالكرد منذ العام 2010، أي بعد تولّيه رئاسة الوزراء لولاية ثانية.
   وعلى الرغم من مرور أسابيع على حركة الاحتجاج إلّا أن الطبقة السياسية الحاكمة وأحزابها لم تدرك حقيقة ما يجري على الأرض، وكأنها تعيش على كوكب آخر، وقد يكون رهانها أن باستطاعتها ومع مرور الوقت وزحف فصل الشتاء حيث البرد القارص في الساحات، تجويف الحركة وتسويف مطالبها بالوعود حتى إجهاضها، علماً بأن حركة الاحتجاج التشرينية تختلف عمّا سبقها ، وهي أقرب إلى استفتاء شعبي بفشل العملية السياسية، التي لا بدّ من استبدالها وتغييرها لأنها وصلت إلى طريق مسدود ولذلك فإن أي تفكير بإصلاحات فوقية أو تجميلية، ستكون غير مجدية، لأن الشارع يعتبرها مجرد ترقيعات لا تمسّ جوهر النظام السياسي ما بعد الاحتلال، بل إنها ستدخل العراق في أزمة جديدة، بدلاً من إخراجه من أزمته، ذلك أن الأزمة الراهنة هي أزمة استثنائية بكل معنى الكلمة، ومثل هذا الوضع الاستثنائي يتطلّب حلولاً استثنائية.
وعلى الرغم من اعتراف رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والكيانات والأحزاب المشاركة في العملية السياسية بعمق الأزمة، لكن الحلول التي يتم وضعها لا ترتقي إلى "فقه الضرورة"، بل ما تزال تتشبث بفقه الواقع حفاظاً على مواقعها وإلّا كانت قد استجابت للمطالبات الشعبية باستقالة الحكومة، وقد حاول رئيس الوزراء أن يرمي الكرة في ملعب القوى الأساسية التي جاءت به إلى السلطة حين أبدى استعداده لتقديم استقالته، لكنه اشترط إيجاد بديل عنه لكي لا تقع البلاد في حالة فراغ دستوري وهو يعرف أن هذه القوى ليس من السهولة بمكان أن تتّفق على رئيس وزراء جديد.
 وتعالج المادة 64 من الدستور مسأللة الفراغ الدستوري بما يأتي "  أولاً:- يُحلّ مجلس النواب، بالأغلبية المطلقة لعدد أعضائه، بناءً على طلبٍ من ثلث أعضائه، أو طلبٍ من رئيس مجلس الوزراء وبموافقة رئيس الجمهورية، ولا يجوز حلّ المجلس في أثناء مدة استجواب رئيس مجلس الوزراء. ثانياً:- يدعو رئيس الجمهورية، عند حل مجلس النواب، إلى انتخاباتٍ عامة في البلاد خلال مدةٍ أقصاها ستون يوماً من تاريخ الحل، ويعد مجلس الوزراء في هذه الحالة مُستقيلاً، ويواصل تصريف الأمور اليومية."
وتلك هي مطالب المحتجين إذا أريد نزع فتيل الأزمة التي قد تتطور باتجاهات أخرى، وذلك استجابة لـ "فقه الضرورة "الذي ينبغي الاحتكام إليه.
     وإذا كانت حركة الاحتجاج عامة وشاملة في 10 محافظات غالبية سكانها من العرب الشيعة، فإن خشية حكومة الإقليم من التغيير، ولاسيّما في الدستور ، هو الذي  منع الشارع الكردي من التواصل مع الشارع العربي، وإنْ كان متعاطفاً معه، علماً بأن هموم المواطن الكردي لا تختلف عن هموم المواطن العربي في العراق، باستثناء طموحه بكيانيّة خاصة متميّزة  عن حكومة بغداد، رغم الحاجة إليها مالياً وتجارياً واقتصادياً وعمقاً استراتيجياً في إطار الدولة العراقية.
كما إن العرب السنّة  في محافظة الموصل شمال العراق ومحافظتي صلاح الدين والأنبار، إضافة إلى جزء مهم من محافظة ديالى وكركوك، هم أيضاً متعاطفون مع المواطن العربي في وسط وجنوب العراق، بل إن مطالب الحراك الشعبي تمثل جزءًا مهماً من مطالبه مثل إلغاء التمييز الطائفي ورفض الهيمنة الإقليمية لإيران، لكن ظروفه الخاصة تحول دون مشاركته بفاعلية كبيرة في الحراك الشعبي، لأسباب تتعلّق بما تعرّض له منذ الاحتلال العام 2003 ولحد الآن، ولاسيّما في مواجهة احتجاجاته  أواخر العام 2012 وبداية العام 2013 وخلال هيمنة داعش وما بعدها، وكذلك وجود نحو مليوني نازح خارج مناطق سكناهم وبلداتهم ومدنهم وفي ظروف قاسية ، وهو ما ينبغي أخذه بنظر الاعتبار .

III
   ستسجل الذاكرة العراقية المستقبلية إن حركة الاحتجاج التشرينية هي واحدة من المحطات المهمة في تاريخ العراق، تُضاف إلى ما سبقتها من محطات، سواءً حققت أهدافها أم لم تحققها، بتراجعها أو انتكاسها أو إجهاضها لأسباب موضوعية أو ذاتية، داخلية أو خارجية، لاسيّما في ظل عدم تبلور قيادة واضحة ومعلومة، فضلاً عن رموز لها، ناهيك عن عدم وجود برنامج سياسي واقعي ممكن التطبيق ومتفق عليه، وأحياناً تختلط الرغبات بالإمكانات والإرادات، لكنها بلا أدنى شك ستترك بصمة متميّزة ولا يمكن محوها من الذاكرة العراقية، لما مثلته من جرأة غير معهودة وحيوية نادرة وتصاعد وتلقائية بحيث زعزعت منظومة الحكم وخلخلت أركانه وأربكت القوى الإقليمية والدولية، ولاسيّما بتجاوزها الانقسامات الطائفية والمذهبية وبفعل التضامن والتطامن الداخلي الذي عاشته منذ اندلاعها.
   وسيكون عراق ما قبل تشرين الأول( أكتوبر) هو غير ما بعده، ومرّة ثانية أقول دون أوهام أو إسقاط الرغبات على الواقع، بأن ما حصل سيترك أثره القريب أو البعيد على مستقبل العراق بكل تضاريسه ومنعرجاته، بمعنى سيكون محطّة توقف ومراجعة وتغيير لمسارات واتجاهات، لأنه لم يعد ممكناً الاستمرار بما هو قائم، حتى وإن لم تحقق الحركة أهدافها.
   إن الأحداث الكبرى حتى وإنْ أخفقت أو انكسرت، لكنها ستؤثر على ما بعدها، ومثل هذا حصل في تاريخ العراق المعاصر، فقد غيّرت ثورة 14 تموز (يوليو) 1958 وجه العراق ونظام حكمه من ملكي إلى جمهوري، وكانت نتاج تراكم كمّي لعدد الوثبات والانتفاضات التي سبقتها، وأصبح عراق ما بعدها يختلف كلياً عن عراق ما قبلها، حتى وإن حصل نكوص عن مسار الثورة وارتداد عن أهدافها.
    ويمكن القول إن عراق ما قبل 11 آذار (مارس) 1970 هو غير عراق ما قبله بالنسبة للقضية الكردية والاعتراف بحقوق الشعب الكردي، ولاسيّما بالحكم الذاتي وإقرار ذلك دستورياً، ولم يعد ممكناً حتى حين حدث التراجع عن مضمونه وجوهره العودة إلى الماضي، لأن حقوق الشعب الكردي أصبحت أمراً واقعاً وملموساً ، وهو ما تجسّد لاحقاً في إقرار " النظام الفيدرالي".
   وعراق ما بعد الاحتلال وقيام عملية سياسية هو غيره عن عراق ما قبله في ظل نظام شمولي واحدي إطلاقي، وأصبح بحكم الأمر الواقع تعددياً متنوّعاً بموجب الدستور رغم احتوى الأخير على العديد من المثالب والثغرات والعيوب والألغام الكثيرة، ولم يعد النظام مركزياً، بل أصبح لا مركزياً، وتحوّلت الدولة من دولة بسيطة إلى دولة مركبة.
   وبتقديري إن عراق ما بعد حركة الاحتجاج التشرينية سيكون مختلفاً عما قبلها، لاسيّما وإن العملية السياسية أثبتت فشلها الذريع على جميع الصُعد،  وقد جاءت الحركة تتويجاً لاحتجاجات العام 2011 في بغداد والعديد من المدن العراقية ونهاية العام 2012 وبداية العام 2013 في المناطق الغربية واحتجاجات العام 2015 وما بعدها، فضلاً عن خلفية وطنية لاحتجاجات من نوع آخر تجسّدت في مقاومة الاحتلال الأمريكي- البريطاني للعراق العام 2003، وإجباره على الانسحاب في نهاية العام 2011.
IV
   لقد امتازت الحركة الاحتجاجية بالسلمية والوطنية العابرة للطائفية وعبّرت عن الهويّة العراقية الجامعة، وبدأت في أكثر المناطق شعوراً بالخذلان والخيبة، حيث حاولت الأحزاب الإسلامية الشيعية الحاكمة فرض سطوتها باستغلال الدين والشحن الطائفي، وأكدت فقدان الثقة بالعملية السياسية ككل، وضعضعت آخر ما تبقى من " شرعية الحكم والحاكم"، لاسيّما بعد أن اضطر الأخير إلى اللجوء إلى القمع العلني والمكشوف.
ربما يحتاج الأمر إلى وقت وتراكم وآداء حسن وقيادات جديدة تنبثق من داخل حركة الاحتجاج ورؤية تشارك فيها النقابات والاتحادات وهيئات المجتمع المدني ، لكن استمرار الوضع على ما هو عليه سيكون عسيراً ، لاسيّما بانسداد الآفاق.
   ولكي يكون البديل مقبولاً، لا بدّ أن يحظى برضا الناس من جهة، ويستجيب لتوازن القوى من جهة ثانية، سواء تمكنت الحركة من فرض مطالبها بقوة الشارع، أم تأجل الأمر إلى حين، ولكن التفكير بعقلانية وتدرّج في تحقيق المطالب مسألة في غاية الأهمية ، وقد تحتاج المسألة على تعقيداتها وصعوباتها إلى عقد مؤتمر وطني جامع تشارك فيه جميع القوى دون عزل أو إلغاء أو تهميش لمعالجة الوضع بصورة عاجلة ، ولاسيّما بتشخيص مشكلات الحكم المزمنة والمعتقة وتحديد سقوف زمنية لذلك، تبدأ مما هو ممكن وواقعي وراهن، ثم في إطار خطط متوسطة وطويلة المدى، فالأوضاع الاستثنائية التي يعاني منها العراق تتطلب حلولاً ومعالجات استثنائية جريئة للخروج من الأزمة، استجابة لفقه الضرورة .
   وحتى الآن فإن حركة الاحتجاج استخدمت جميع وسائل القوة الناعمة السلمية واللّاعنفية، وتمكنت ببراعة من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وجرّت معها أوساطاً شعبية واسعة، إذ لا يوجد قطاع مهم من القطاعات الحقوقية أو الأكاديمية أو التربوية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الإعلامية أو الطبية أو الخدمية وحتى بعض القطاعات الدينية إلّا وشاركت فيها.
 ولعلّ ذلك واحد من أسباب قوة حركة الاحتجاج ومنعتها وإلهامها، فقد وصلت أوضاع البلاد إلى حدود لا يمكن تحمّلها. وإذا ما كانت هناك محاولات اندساس أو تسلل أو تغلغل، أو اختراق داخلي أو خارجي فإن هدفها هو حرفها عن مسارها وشقّها وتشتيتها، سواء كان من السلطة أم بعض أطرافها أم من جهات أجنبية حيث نشطت بعض السفارات، لكل مثل ذلك لن يؤثر على المشهد العام، إذ لا توجد حركة بمثل هذا الإتساع لا يحدث فيها اختراق هنا أو هناك، لكن توجهها العام ظل محافظاً على رباطة جأشه، والهدف هو جرّها إلى دائرة العنف، لاسيّما حين تستخدم قوى مجهولة السلاح ضدها، وما تزال الحكومة تتذرع بعدم معرفتها وتحديد هوّيتها، وفي حين يسقط الضحايا يلوذ المرتكبون بالفرار، وتلك إحدى أوجه السخرية السوداء.
   وفي الأوضاع الاستثنائية والمراحل الانتقالية يكون "للضرورة أحكامها" ، لاسيّما في الانتقال من طور إلى طور، حيث تكون الحاجة ماسّة لإطفاء النيران ومنع الفوضى والحفاظ على الدولة اولاً وقبل كل شيء، وهذا يتطلب الاستجابة إلى المطالب الشعبية لوقف حمام الدم ونزع الفتيل.
   وأكّدت حركة الاحتجاج أن الأحزاب الإسلامية التي قادت العملية السياسية وبمشاركة قوى أخرى ، كانت فاشلة ولم يكن لديها برنامج محدّد، ناهيك عن الحد الأدنى من الشعور بالمسؤولية إزاء الوطن والمواطن والمواطنة، وهو أمر يعكس مدى السخط في المناطق التي زعمت أنها تمثّلها أو تنطق باسمها، واتّضح ذلك قبل حركة الاحتجاج بعملية مقاطعة الانتخابات أو ضعف المشاركة فيها، تلك التي لم تبلغ في أحسن الأحوال أكثر من  20% من عموم السكان، ناهيك عن فضائح التزوير التي يتهم فيها هذا الفريق ذاك وبالعكس، بحيث إذا استجمعت جميع الاتهامات من كل الفرقاء ستتوصل إلى قناعة بأن الانتخابات يشوبها عنصر التزوير وأن الشكوك التي لدى المواطن العادي، إنما أساسها نابع مما راقبه ولاحظه من "تدوير الزوايا" وتغيير بعض الوجوه في إطار كتل ومجموعات تسلّطت عليه وقصّرت في خدمته كجزء من مسؤولياتها المكلّفة بها دستورياً ، ولذلك يطالب بإصلاح النظام الانتخابي و تعديل الدستور " القانون الأعلى" كي لا يعيد  ذات الكتل والقوى والوجوه التي تحكّمت به.
V
   ويبقى هناك سؤال يلحّ على الباحث، ويتألف من شقين الأول-هل ستستمر  حركة الاحتجاج بذات الزخم والمدى والإصرار على المضي في الطريق السلمي وعدم سماحها  اللعب بمسارها ؟ والثاني- هل ستضطر الحركة إلى اللجوء إلى العنف كرد للعنف السطلوي؟ ودون تكهنات مسبقة ولكن برؤية استشرافية متواضعة ودراسات مقارنة من العديد من التجارب والوقائع التاريخية فيمكن القول: أنه لا يمكن للنظام والحكومة الحالية الاستمرار إلى ما لا نهاية في إراقة الدماء وفي الاستخفاف بحياة المواطنين، وذلك سيكون تفريطاً بلا حدود بالمصالح الوطنية العليا، لاسيّما إذا ما استمرّت حركة الاحتجاج ، بذات الفاعلية والتحدّي وإذا تشبّث النظام بمواقعه، فهذا سيعني المزيد من حمام الدم والمزيد من الضحايا، ناهيك عن تعطل التنمية ومصالح الناس، وحينها سيكون من واجب المجتمع الدولي والأمم المتحدة تحديداً ومجلس الأمن الدولي بشكل أكثر خصوصية "التدخل الإنساني" لوضع حد لذلك، ومن رسم خريطة طريق جديدة لمرحلة انتقالية، يمكن تحديد ملامحها عبر مؤتمر وطني عراقي.
   ولكي يكون التغيير استحقاقاً ناجزاً فلا بدّ من توفر واتساق العاملين الموضوعي والذاتي ليتم التحقّق، ونحن هنا نحتاج إلى ملموسية في الشعارات التي يمكن بلورتها لكي لا تبقى عمومية أو حتى عائمة، فضلاً عن إمكانية تطبيقها. وقد يتطلب الأمر أيضاً انبثاق جهة أو هيئة أو مجموعة تمثل الحراك من داخل الميدان، لكي يكون هناك من يعبّر عنها لاختيار اللحظة الثورية، بطرح بعض المطالب الممكنة التحقيق والواقعية، حتى لا تضيع الهبّة الشعبية ويتبدد الحراك وتتشتّت الجهود.
   وحين نقول إن من الصعوبة بمكان استمرار العملية السياسية على ما هي عليها، فإن ذلك ينطلق من معايير تتعلّق بالشرعيّة، فأساس أي شرعيّة هو رضا الناس وهذه أصبحت مفقودة، ثم هناك شرعية الإنجاز وهذه غائبة تماماً، أما شرعية صندوق الاقتراع فهي أمرٌ مشكوك فيه بسبب المقاطعة والتزوير، فضلاً عن انخفاض مستوى المعيشة والفشل في إنجاز متطلبات الحد الأدنى للحياة الكريمة، ناهيك عن فقدان الأمن والأمان ، وتبديد أموال البلد لحسابات خاصة.
   يُضاف إلى ذلك استخدام العنف وسقوط مئات القتلى وآلاف الجرحى،وهو أمر يسقط الشرعية عن الحاكم، خصوصاً وإن التظاهرات كانت سلمية ومدنية، وإن صاحبها بعض ردود فعل، لكن مهمة الدولة هي حماية أرواح وممتلكات المواطنين وحفظ النظام والأمن العام وفقاً لحق التظاهر السلمي القانوني والمشروع وحق التعبير عن الرأي.
   ومن واجبات أي دولة ووظائفها هي حماية سيادة البلد التي ما تزال مجروحة، فالعراق يقع بين قطبين أساسيين متصارعين أحدهما إقليمي وهو إيران ولها نفوذ واسع، في حين أن القطب الثاني  ممثل بالولايات المتحدة،والنفوذ الدولي بشكل عام، حيث توجد عدّة قواعد عسكرية أمريكية في العراق ويدخلها ويخرج منها المسؤولون الأمريكان دون أي اعتبار للسيادة العراقية، مثلما كانت زيارة مفاجئة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب العام الماضي، ولنائب الرئيس الحالي مايك بنس الذي زار "قاعدة عين الأسد" في محافظة الأنبار غرب العراق (23 تشرين الثاني/نوفمبر/2019) واتصل تلفونياً بعادل عبد المهدي، في حين أعلن رئيس الجمهورية برهم صالح أنه لم يكن على علم بالزيارة، وقد أكمل بنس مهمته بزيارة رئيس إقليم كردستان في إربيل نجيرفان البارزاني مثلما التقى برئيس وزارة الإقليم مسرور البارزاني.
وتتوزع ولاءات أو علاقات القوى السياسية بين هذين القطبين المتناحرين حتى وإن تضمنت مصالحهما بعض التوافقات في السابق والحاضر، وإن كانت امتدادات القطب الإقليمي أكثر عمقاً وأطول ذراعاً بسبب الحدود المباشرة من جهة ولوجود جماعات ذات أبعاد آيديولوجية ومذهبية تعمل معه، وهذه ما تزال قوية ومؤثرة وقد حكمت البلاد منذ العام 2003 ولحد الآن، وبشكل خاص بعد العام 2005، الأمر الذي عوّم السيادة الوطنية وأضعف من الوحدة الوطنية،لاسيّما باستقواء هذه بالحليف الإقليمي تارة وبالمرجعية الدينية للسيد علي السيستاني تارة أخرى، وإن نأت الأخيرة عنها بعد انتخابات العام 2010.
   أما القطب الأمريكي وإن كان مؤثراً، لكنه بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق في نهاية العام 2011 انحسر، والسبب هو فشل السياسة الأمريكية وإخفاق الجماعات المحسوبة عليها، بل هناك معارضة لاتفاقية الإطار الاستراتيجي التي ما تزال نافذة، على الرغم من أنه لم يتم الاستفتاء عليها كما نصت هي بالذات، وهو أمر لا يجعلها تتمتع بالشرعية.
والنفوذ الإقليمي يتجاوز إيران أحياناً حيث هناك  نفوذاً تركياً أيضاً وتوجد عدّة قواعد تركية في الأراضي العراقية، وترفض تركيا مغادرتها بحجة مكافحة الجماعات الإرهابية والمقصود بذلك حزب العمال الكردستاني PKK  ، إضافة إلى امتدادات خليجية بحكم علاقات مع قوى داخلية، لكن تأثيرها ما يزال محدوداً.
   وقد تكون هناك امتدادات غير مباشرة "إسرائيلية" ، لكنها غير منظورة، وما قامت به داعش من إعلان "الدولة الإسلامية" هو الوجه الآخر المتناظر مع ما أعلنته "إسرائيل" من إعلان "الدولة اليهودية النقية" ، خصوصاً من حيث التوقيت والتوجه. وبالطبع فإن إضعاف أي بلد من البلدان التي تعتبر " إسرائيل" كياناً غاضباً لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، سيكون في مصلحتها تفتيته وإضعاف وحدته الوطنية، سواء بشكل مباشر أو بالواسطة.
VI
وأختم إلى القول حسب الدراسات المستقبلية ، فهناك ثلاث سيناريوهات محتملة إزاء الأزمة الراهنة وهي تتراوح بين فقه الواقع وفقه الضرورة:
الأول- بقاء  الوضع  على ما هو عليه حتى لو سال المزيد من الدم، حيث يمكن احتواء أو إجهاض حركة الاحتجاج، أي "إبقاء القديم على قدمه" وهو احتمال وارد مع بعض الإصلاحات الشكلية.
الثاني- تدهور الوضع باتجاه أكثر شمولية بحكم الثقافة السائدة، بل حتى التراجع عما هو قائم ، بزعم تقوية مركز السلطة ومنع انفلات الوضع واتهام الحركة الاحتجاجية بالتخابر مع قوى خارجية أمريكية و"إسرائيلية" وبعض الدول العربية الخليجية
الثالث-  تغيير الوضع جزئياً أو كلياً وهذا يعتمد على توازن القوى وعلى استمرار حركة الاحتجاج في عنفوانها، إضافة إلى التضامن العربي والدولي الذي يمكن أن تحظى به، وذلك من خلال خطوات عديدة منها تشكيل حكومة جديدة تستجيب لبعض مطالب الحركة الاحتجاجية وتعديل أو إلغاء الدستور في إطار سقف زمني محدّد وإنْ كانت هناك صعوبات عديدة تواجه ذلك، لاسيّما "الثلث المعطّل" وفقاً لنظام المكوّنات الذي تضمنه الدستور في المقدمة (مرتان)و5 مواد أخرى في المواد 9 و12 و49 و125 و142 حيث يمكن لثلاث محافظات أن تبطل أي استفتاء جديد على الدستور،(علماً بأن دستور جامد)، وهو حسب التسريبات التي سبق وأن أثرناها في وقت سابق في كتابنا " العراق- الدولة والدستور: من الاحتلال إلى الاحتلال، دار المحروسة، القاهرة ، 2005 " ، بشأن المسوّدات المتعددة التي تم التصويت عليها يمكن بالاستفتاء إسقاط موافقة 15 محافظة.
علماً بأن المواد 140 ولغاية 144 أضيفت إلى الدستور بعد الاستفتاء عليه ولم نطّلع عليها الّا بعد طبعه واعتماده والتعامل به من جانب مجلس النواب لاحقاً.
   ومن الاصلاحات الملحّة والمطلوبة تعديل أو سن قانون جديد للانتخابات، علماً بأن هذه المسألة مطروحة على مجلس النواب الحالي وكذلك تغيير الهيئة المستقلة المشرفة على الانتخابات، إضافة إلى حزمة من القوانين المطروحة عليه والتي تضمنها دعوة الاصلاح بما فيها إحالة مسؤولين إلى القضاء متهمين بالفساد.
   إن البدء بعملية التغيير تحتاج إلى مسار طويل وربما أيضاً معقد، ولكن قطاره إذا ما بدأ بالسير حتى وإن كان بطيئاً فإن سكته صحيحة ومختلفة عن السكّة السابقة، وهو بداية لاصلاحات أخرى ضرورية وأساسية تتعلق بتحسين الوضع المعيشي والخدمات الصحية والتعليمية وإيجاد فرص عمل وحل مشكلات الكهرباء والماء الصافي وبناء وحدات سكنية ملائمة، ناهيك عن وضع أسس لاستعادة هيبة الدولة ومرجعيتها التي ينبغي أن تكون فوق جميع المرجعيات بما يعزز المواطنة ومبادئ المساواة والعدالة والشراكة ويضع ضوابط صارمة لوقف التمييز والشحن الطائفي، وقد تحتاج هذه السلّة من الاصلاحات لعامين أو ثلاثة أعوام على الأقل، لتهتدي إلى طريق التنمية المستدامة بكل جوانبها.

ملاحظة: للمزيد من المعلومات يمكن مراجعة الدراسات التالية:
1- حركة الاحتجاج التشرينية وإعادة قراءة المشهد العراقي- المنظور والمستور وما بينهما (مجلة الشروق (الإماراتية) العدد رقم (1436-1448) تاريخ 14-20/10/2019).
2- العراق : أزمة تلو أزمة - ستة عشر عاماً من تركة بريمر.. ( مجلة الشروق (الإماراتية) العدد 1439-1451 تاريخ 4-10 /11/2019).
3- الحراك يعيد رسم الخريطة السياسية  -الأوضاع الاستثنائية في العراق تتطلب حلولاً استثنائية  (مجلة الشروق (الإماراتية ) العدد 1440-1452 تاريخ 11-17 /11/2019)





36
لبنان.. الوجه الآخر!
عبد الحسين شعبان
من يراقب الوضع السياسي في لبنان، فضلاً عن مواقع التواصل الاجتماعي قبل اندلاع حركة الاحتجاج السلمية الشعبية العابرة للطوائف في ال 17 من أكتوبر / تشرين الأول الماضي يصاب بالإحباط والقنوط لدرجة اليأس أحياناً، ولكن الواقع على الرغم من ارتفاع حدّة الصراع واشتداد حرارة السجال واندلاع الحرائق وتراكم النفايات وتلوّث البيئة وأزمات الخبز والبنزين والدولار وشحّ الكهرباء والماء، لا يعكس كامل الصورة، فثمة إيجابيات ربما غير موجودة في مجتمعات أخرى، خصوصاً فسحة العيش المشترك واحترام العقائد وحرّية الأديان والحق في ممارسة الطقوس والشعائر، وذلك تحت عناوين التنوّع والتعدّدية والحق في الاختلاف، وعلى الرغم من كل شيء فالمجتمع اللبناني يزخر بالفاعليات الفنية والأدبية والثقافية على امتداد أيام السنة.
ولهذه الأسباب ليس عبثاً أن تصدر الأمم المتحدة قراراً من الجمعية العامة في ال 16 من سبتمبر / أيلول الماضي 2019 بإنشاء «أكاديمية الإنسان للتلاقي والحوار» في لبنان، وكان الرئيس ميشال عون قد طرح مبادرته تلك منذ عام 2017، وظل يبشّر بها ويدعو إليها خلال السنتين المنصرمتين، سواء في لقاءاته مع رؤساء دول أم في إطار فاعليات دولية وعربية ومناسبات لبنانية.
وقد أبصرت الفكرة النور فعلاً حين حازت تأييد 165 دولة ولم يتحفّظ عليها سوى واشنطن، ولم يعارضها إلا "تل أبيب"، الأولى بزعم «الأعباء المالية» التي يمكن أن تتكلفها الأمم المتحدة وقضايا إدارية أخرى، أما الثانية، فبادعاء أن لبنان لا يحترم قيم السلام والتسامح والتعايش، لكن المجتمع الدولي قرر أن يكون لبنان «مركزاً دائماً للحوار بين مختلف الحضارات والديانات والأعراق».
وحين قرأت خبر تأسيس الأكاديمية في الصحافة قفز إلى ذهني أكاديميات عريقة سبقتها مثل «أكاديمية لاهاي للقانون الدولي»، و«أكاديمية السلام في كوستاريكا»، و«أكاديمية السلام الدولية في نيويورك»، و«الأكاديمية الدولية لمكافحة الفساد»، و«أكاديمية حقوق الإنسان» وهي أكاديميات تركت بصمات واضحة في الحقول التي عملت فيها، وينتظر أن تلعب «أكاديمية الإنسان» دوراً مهماً في المنطقة، وعلى الصعيد العالمي، فلبنان كان سبّاقاً في عدد من المجالات المتميّزة منها: تأسيس جامعة للّاعنف وحقوق الإنسان في عام 2009، وهو البلد العربي الوحيد الذي يحتفل باليوم العالمي للّاعنف، وهو يوم عيد ميلاد المهاتما غاندي في الثاني من أكتوبر / تشرين الأول باعتباره عيداً وطنياً، وهو البلد العربي الأول الذي قرر تعميم مادة اللّاعنف على جميع المراحل الدراسية، وقام بنصب تمثال اللّاعنف الدولي «المسدس المعقوف» في «منطقة الزيتونة باي» في بيروت.
وكما ورد في دستور اليونسكو «إن الحروب تولد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تبنى حصون السلام»، وهكذا فالأكاديمية هي نتاج تراكم حضاري وثقافي وانفتاح معرفي وعلمي لاستيعاب المجموعات الثقافية، وقد انعقد على أرضه مؤخراً «اللقاء المشرقي» الذي جسّد التوجّه للتلاقي والحوار والتفاهم والتعاون والعمل المشترك.
وإذا كان لبنان وطناً ورسالة، حسب البابا يوحنا بولس الثاني، فإن الرسالة تتضمّن بُعداً ثقافياً وحضارياً للحوار والتواصل والتفاعل الديني والإثني واللغوي، وأساسه المشترك الإنساني الذي يلتقي تحت سقفه البشر بغض النظر عن دينهم وعرقهم ولونهم وجنسهم ولغتهم وأصلهم الاجتماعي لتعزيز رسالة التسامح والسلام والعيش المشترك.
وهذا سيعني نبذ التعصّب وربيبه التطرّف ووليدهما العنف الذي إذا ما ضرب عشوائياً فسيصبح إرهاباً. وتلك هي البؤرة الحقيقية للعنصرية والاستعلاء وثقافة الكراهية، ولا سيّما عدم الاعتراف بالتنوّع والتعددية ورفض الآخر.
ولعل تلك الأسباب كانت وراء سعي لبنان ليكون فضاءً للتلاقي والحوار، فهو يدرك الحاجة إلى التربية على قيم السلام والعيش معاً، باحترام حرّية المعتقد والرأي والتعبير وحق الاختلاف، وعلى الرغم من السلبيات والثغرات والعيوب ومحاولات الاستقواء بالخارج أحياناً أو إملاء الإرادة لهذه القوة السياسية أو تلك، فإن هناك عوامل إيجابية موضوعياً وذاتياً، يمكن فحصها لمعرفة حيثيات المجتمع اللبناني، فهو مجتمع منفتح وتعدّدي ومتنوّع تعيش فيه أديان وطوائف مختلفة ويختزن هذا البلد حضارات وثقافات متنوّعة عاشت على أرضه.
وينتظر أن تتحوّل فكرة الأكاديمية إلى واقع، بموافقة 10 دول «مؤسِّسة»، وستشكل هذه الدول مجلس أمناء مع لبنان الذي سيضع هيكلية الأكاديمية، وحتى الآن أبدت 4 دول موافقتها لتكون من الدول المؤسسة، عربية وآسيوية وأوروبية. وستتخذ الأكاديمية طابعاً تعليمياً جامعياً دولياً، وستكون فرصة انفتاح حقيقي بين أتباع الحضارات والديانات والثقافات المختلفة والتعرّف إلى الآخر، وينتظر أن توقع الدول عليها وأن تدخل حيّز التنفيذ قبل حفل الاحتفال بالذكرى ال 75 لتأسيس الأمم المتحدة (أيلول / سبتمبر 2020) وسيكون الانضمام إليها مفتوحاً، فالعالم أحوج ما يكون إلى نبذ خطاب الكراهية والحقد والثأر والانتقام ومحاولات فرض الاستتباع والهيمنة مثلما هو بحاجة إلى تأكيد احترام حقوق الإنسان وحق الشعوب في التنمية وتقرير المصير.
وتأتي أهمية انطلاق المبادرة من لبنان، لأنه خبر الحروب والنزاعات، فمشاعر المحبة والتلاقي التي جسدتها المرأة لدرء الانزلاق إلى حافة العنف في عين الرمانة - الشياح عند خطوط التماس التي اندلعت منها الحرب الأهلية تمثل لبنان في وجهه الآخر.
drhussainshaban21@gmail.com




37
موريتانيا وتحديات التداول السلمي للسلطة
عبد الحسين شعبان
كان يوم الأول من أغسطس /‏ آب الماضي مميزاً في موريتانيا، فللمرة الأولى منذ استقلالها في ال 28 من نوفمبر /‏ تشرين الثاني 1960 يتم فيها تداول السلطة سلمياً، وفي أجواء احتفالية تسلّم الرئيس محمد وِلْد الشيخ الغزواني مقاليد الأمور من سلفه الرئيس المنتخب محمد ولِدْ عبد العزيز. وعلى الرغم من التنافس الحاد الذي شهدته الانتخابات، فإن الهدوء الذي أعقبها كان الإشارة الأولى إلى أجواء القبول بالنتائج للممارسة الديمقراطية، وهو إحدى الظواهر الإيجابية الجديدة في الحياة السياسية الموريتانية، حيث كانت المراحل السابقة تتسم بردود أفعال حادة، وتتجه إلى الانقلابات العسكرية، خصوصاً حين يتم التضييق على المعارضة.
جاء وِلْد الغزواني من خلفية عسكرية، وتدرّج في العمل الوظيفي وصولاً إلى المواقع العليا، وهو وإنْ أسهم في وضع حدّ للحكم المترهّل للرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع، إلا أن المهمات التي تولاها كانت تنفيذية، سواء في فترة حكم العقيد ولِدْ محمد فال مدير الأمن الوطني لنحو عقدين من الزمان، والذي تولى السلطة لنحو عام واحد، أو في فترة الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبدالله، ولاحقاً في فترة حكم صديقه الحميم محمد ولد عبد العزيز التي دامت عشر سنوات، والذي درس معه في كلية مكناس العسكرية بالمغرب.
كان الخطاب الأول الذي ألقاه الرئيس الغزواني تطمينياً وموحداً وجامعاً لجهة تركيزه على ثلاثة أبعاد لعملية التحوّل الديمقراطي في إطار برنامج وطني عام وشامل، وهي: المواطنة والتنمية والإدارة الرشيدة، وذلك ضمن تأكيده على تعزيز الوحدة الوطنية والتعايش السلمي المجتمعي لجميع التكوينات.
فما إن انتهت الانتخابات حتى كانت البيئة السياسية أكثر انسجاماً، ولغة الحوار أوفر حظاً، واتّضح ذلك من الترحيب بالرئيس الجديد، الذي يحمل في إرثه جوانب إيجابية قويّة:
أولها: تربيته الدينية ومكانة عائلته التي تتبع الطريقة الصوفية ذات الأبعاد الزهدية التواضعية والتي يمتد إشعاعها الروحي إلى قرون عديدة من الزمان، وهو ما أكسبه ثقافة وحكمة، فضلاً عن حبّ قيم العمل والتواصل مع الآخر، وهو ما ساعده على التفاعل مع المعارضة التي انفتحت عليه هي الأخرى، وكأن في هذا التفاعل يُراد إلى تأسيس عقد اجتماعي في المرحلة الانتقالية الجديدة تمنحه تفويضاً يعمل على ضوئه، مثلما حصل على تأييد ودعم المجتمع الدولي لتنفيذ برنامجه الحكومي وإحداث التنمية المنشودة والمواطنة الحيوية والإدارة الرشيدة، خصوصاً بتوسيع دائرة الحريات وفضاء الحوار.
ثانيها: تكوينه العسكري وقيادته للجيش في فترة عصيبة وسعيه لعصرنته وتحديثه وتسليحه، إضافة إلى نجاحه في مواجهة للإرهاب والتصدي للجماعات الإرهابية، وطردها خارج البلاد، على الرغم من الحدود الشاسعة التي تمتلكها موريتانيا.
وقد تمتع وِلْد الغزواني بطول نفس ومرونة عالية في التعاطي مع القوى والحركات السياسية والانفتاح على الآخر ولقاءاته مع قيادات المعارضة، وخصوصاً إعلانه «أن زمن المواجهات قد ولّى»، وأن «بابه سيبقى مفتوحاً للتشاور».
لكن ثمة تحديات عديدة تواجهها موريتانيا والرئيس وِلْد الغزواني، ولعلّ أهمها يتلخّص بالفساد المالي والإداري الذي استشرى في البلاد على نحو شديد، وهو الأمر الذي يحتاج إلى جهود كبيرة وحثيثة لمكافحته ومحاسبة الفاسدين، ولا سيما الرؤوس الكبيرة والقوى المتنفذة، وذلك يتطلب إرساء المؤسسات من خلال تعزيز دور الدولة والإدارة، وإعلاء شأن «حكم القانون»، وجعله المرجعية الأساسية التي تعلو على جميع المرجعيات، حيث ينبغي أن يخضع له الحاكم والمحكوم، فالقانون وفقاً لمونتسكيو هو «مثل الموت لا ينبغي أن يستثني أحداً».
أما التحدي الآخر، فيتعلق بتعزيز الحرّيات واحترام حقوق الإنسان، وذلك من خلال تطوير منظومة القضاء وأجهزة إنفاذ القانون وإصلاح الأجهزة الأمنية.
وعلى الجبهة الاقتصادية والاجتماعية، لا بد من إيجاد فرص عمل للعاطلين والحد من ظاهرة البطالة، وتشجيع القطاع الخاص، وإعادة النظر في أنظمة التعليم والتربية وتحسين الخدمات الصحية والشروع بإقامة مشاريع أساسية، وهذا يحتاج إلى بنية تحتية متطورة تستطيع مواكبة المتغيّرات الدولية، خصوصاً إمكانية استثمار حقول الغاز، حيث يمكن أن تكون موريتانيا أغنى الدول الإفريقية، بل من أغنى الدول العربية، إذ يوجد فيها الذهب واليورانيوم ومعادن أخرى.
وبعد كل ذلك فهناك مثل يقول: إن موريتانيا يمكن أن تُدار بالحكمة، وليس بالثروة وحدها، والحكمة ثروة كبرى لا تضاهى.
drhussainshaban21@gmail.com



38
المنتدى الأكاديمي الدولي (التأسيسي) للحوار العربي - الكردي
بالتعاون بين جامعتي كويسنجق وبغداد
الندوة السنوية
إربيل- 28-29 /4/2019


" المثقف ومسألة التعايش المشترك"
(الحوار العربي - الكردي عراقياً)



الحوار العربي - الكردي : وقفة مراجعة
ماذا يريد الكرد من العرب؟ وماذا يريد العرب من الكرد؟

د.عبد الحسين شعبان*

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أكاديمي ومفكر عربي من العراق، له عدد من الكتب في قضايا الفكر والقانون والسياسة والأديان والأدب والثقافة والنقد. أستاذ القانون الدولي وحالياً نائب رئيس جامعة اللّاعنف وحقوق الإنسان في جامعة أونور(بيروت) .حائز على وسام أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي، القاهرة، 2003.

   حين تندرج مسألة الحوار العربي- الكردي في برنامج عمل جامعتي بغداد وكويسنجق، فهذا يعني وجود ضرورة وحاجة لبحث هذا الموضوع في إطار أكاديمي ، خصوصاً حين يتصدّره عنوان آخر يتسم بفكرة أكثر عمومية هي" المثقف ومسألة التعايش".
   وكان سمو الأمير الحسن بن طلال مؤسس " منتدى الفكر العربي" وراعيه أطلق دعوة لحوار عربي - كردي ضم مثقفين وأكاديميين وناشطين من المجتمع المدني من العرب والكرد في حلقة نقاشية في عمان العام الماضي (1 آذار /مارس/2018)، وأعقبها بمبادرة لحوار أعمدة الأمة الأربعة، وقصد بذلك العرب والكرد والفرس والترك، تلك التي التأمت في عمان  22/7/2018 .
   وعلى هامش ذلك كان هناك مبادرات عديدة منها في تونس حيث انعقدت دورة لحوار مثقفي الأمم الأربعة 23 – 25 كانون الأول (ديسمبر) 2016 ( بدعوة من المعهد العربي للديمقراطية ) وفي بيروت لتأسيس منتدى التكامل الإقليمي بعد لقاءات ومشاورات .
   وكان هدف جميع تلك المبادرات والأنشطة  تبادل وجهات النظر واستمزاج الآراء لتكوين تصوّر عام بما يساعد التقارب والتفاهم والتعاون وصولاً إلى " تعظيم الجوامع" وتعزيزها و"تقليص الفوارق" واحترامها، وخصوصاً لتجسير الفجوة بين أصحاب القرار والسياسيين والمعنيين بالشأن العام بمختلف مواقعهم من جهة، والمثقفين والأكاديميين والمفكرين من جهة أخرى.
   إن الحاجة للتغيير والتنمية الحقيقة الشاملة  تكمن في الحوار الجاد والمسؤول وتذليل المصاعب والعقبات التي تعترض طريقه ، فالحوار ليس اختياراً فحسب بل هو ضرورة لا غنى عنها للتفاهم وصولاً إلى التعاون لما فيه مصلحة جميع الأطراف، خصوصاً حين يتم حلّ الإشكالات والمشكلات بروح إيجابية وسلمية، لأن بقاءها واستمرارها سيؤدي إلى التباعد والاحتراب، بما يمكن أن يؤثر سلباً أو إيجاباً على دول الإقليم وعلى العلاقة التاريخية التي تربط شعوبه.
   لم نجتمع هنا كفريقين يعرض كل منهما رأيه، لكي يتشبث به في إطار منافسة أو مناكفة، وإنما نجتمع كمثقفين تجمعنا هموم مشتركة، وهذا ما افترضه ، دون أن يعني ذلك عدم وجود اختلاف بيننا حول التاريخ والحاضر وحول المستقبل، وهذا أمر طبيعي لا بدّ من الإقرار به، لأننا من مناشئ مختلفة ونحمل أفكاراً متنوّعة ولدينا تقديرات متباينة  للمشاكل والحلول المطروحة أيضاً، وهو ما ينبغي الإقرار به واحترامه، مع تأكيد المشتركات الإنسانية الجامعة، وهي الأساس في العلاقات العربية - الكردية ، وينبغي أن تكون كذلك في علاقات دول الإقليم مع بعضها.
   إن شعوب المنطقة جميعها تتطلّع إلى تحقيق مصيرها في تنمية مستدامة قوامها التحرّر والحرّية والمساواة والعدالة والشراكة والمشاركة، ولن يتحقق ذلك دون علاقات سليمة أساسها الأخوة وحسن الجوار والمنافع المتبادلة والمصالح المشتركة، وقد كان شعار اليسار العراقي منذ الثلاثينات " على صخرة الأخوة العربية- الكردية تتحطم مؤامرات الاستعمار والرجعية".
   وإذا كانت الأمة العربية قد عانت من التقسيم الذي استهدف تفتيتها وتوزيعها على دول، بل وضع حواجز أمام اتحادها ووحدتها، فإن الأمة الكردية، هي الأخرى تعرّضت للتجزئة، حيث يتوزع الكرد على أربعة بلدان هي: تركيا وإيران والعراق وسوريا. وكلا الأمّتين  العربية والكردية ، تعرضتا إلى مؤامرة سرّية نفذتها الدول الإمبريالية خلال الحرب العالمية الأولى، حيث تم توقيع اتفاقية سايكس - بيكو من وراء ظهر الأمتّين، العام 1916 بين بريطانيا وفرنسا، وكانت في البداية قد انضمت إليها روسيا، لكنها أعلنت خروجها منها، معلنة رفضها الاتفاقيات السرّية بعد الثورة البلشفية العام 1917. وكانت تلك الاتفاقية التفافاً على الوعود التي أطلقها الحلفاء حين اندلعت ثورة الشريف حسين العام 1916، بمنح العرب الاستقلال وتأسيس دولة عربية موحّدة ، مثلما كانت اتفاقية لوزان العام 1923 قد سوّفت اتفاقية سيفر العام 1920 التي اعترفت بجزء من حقوق الكرد.
   وإذا كان حق تقرير المصير كمبدأ قانوني وسياسي معترفاً به من جانب ميثاق الأمم المتحدة وتقرّه الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، فإنه يبقى هدفاً للأمتين العريقتين ، ويعتمد تطبيقه في كل بلد على علاقة الأطراف والقوى السياسية ودرجة التفاهم والتعاون فيما بينها وصولاً لتحقيق الأهداف المشتركة، بل والمصائر المشتركة، مع الأخذ بنظر الاعتبار  التحدّيات والمخاطر التي تواجه المنطقة من جانب أعدائها والمتربصين بها وفي مقدمتهم "إسرائيل"، التي تستغل الخلافات والمواقف المتعارضة أحياناً بين العرب والكرد لتزيد من تأجيج الصراع وبث روح الكراهية والاحتراب، خصوصاً في ظروف ضعف الثقة والتقاطعات الحاصلة في المواقف، وهو ما ينبغي أن يوضع  في أية استراتيجية خاصة للوصول إلى الأهداف المشتركة.
   وأستطيع القول أن اللجوء إلى العنف والوسائل العسكرية والحربية والمسلحة لإيجاد حلول للمشكلة الكردية فشلت جميعها، سواء من جانب الحكومات التي حاولت هضم حقوق الكرد العادلة والمشروعة والقضاء على الحركة الكردية، أم من جانب الحركة الكردية التي هي الأخرى لجأت إلى السلاح والعنف، حتى وإن كان الأمر اضطراراً، وهو ما تحاول بعض الأطراف الإقليمية والدولية دفعها إليه بزعم أنه الطريق الأقصر لنيل حقوقها، لكن العنف والوسائل العسكرية لم توصل جميع الأطراف لنيل غاياتها بقدر ما ساهمت في تعقيد المواقف، خصوصاً وأن تداخلات القوى الخارجية كانت لها بالمرصاد، وقد وجد أعداء الأمتين العربية والكردية فرصاً مناسبة لإضعافها  واستغلال الصراع بما يحرفه عن وجهته الأساسية.
   ولهذا السبب ولأسباب أخرى موضوعية، ولاسيّما ما يربط العرب والكرد من ديانة وتاريخ وجغرافيا  وتواصل حضاري واجتماعي وثقافي وأسري، ناهيك عن المصالح المشتركة والجامعة بينهما منذ مئات السنين، والتي لم تشهد حروباً أو تطاحنات حادة منذ الفتح الإسلامي وحتى قيام الدولة العراقية الحديثة العام 1921، لا بدّ من اعتماد الحوار وسيلة أساسية لحلول دائمة وراسخة وعادلة على أساس " حق تقرير المصير" والبحث عن صيغ مناسبة لتطبيقه على صعيد قانوني ودستوري وانسجاماً مع التطور الدولي.
   جدير بالذكر أن مثل هذه الدعوة التي كانت الريادة فيها للحركة الشيوعية منذ العام 1935 وفي الكونفرنس الثاني للحزب الشيوعي العام 1956 تبلورت فكرة " الاستقلال الذاتي" في إطار بحث مشروع عن الهويّة والوحدة القومية وصولاً إلى " الحكم الذاتي" في مطلع الستينات، بحيث أصبح شعار " الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان" شعاراً واسعاً، فالفيدرالية في مطلع التسعينات، حيث بدأت تقتنع بها أطرافاً عديدة من الحركة السياسية العراقية، ومنذ العام 1992 تبنّت المعارضة في الخارج فكرة الفيدرالية تطويراً لفكرة "الحكم الذاتي" وهو ما تم إقراره في الدستور الدائم العام 2005 (بعد الاحتلال).
   وكان أول دستور عراقي يعترف بشراكة العرب والأكراد هو دستور العام 1958. أما دستور العام 1970 فقد كان أكثر تطوّراً منه حين اعترف بوجود قوميتين رئيسيتين في العراق، وذلك بعد بيان 11 آذار (مارس) العام 1970 وعلى أساسه صيغ قانون الحكم الذاتي العام  1974، ولكن للأسف فقد اندلع القتال واستمر لنحو عام ولم يتوقف حتى توقيع اتفاقية الجزائر في 6 آذار (مارس) العام 1975 بين نائب الرئيس العراقي صدام حسين وشاه إيران محمد رضا بهلوي، حيث استمر بعدها مسلسل القمع والاضطهاد وارتفعت وتيرته خلال الحرب العراقية - الإيرانية العام 1980- 1988، كما شهدت حملات تهجير واسعة شملت عشرات الألوف من الكرد الفيلية ومما يسمى "بالتبعية الإيرانية".
   وكان قصف مدينة حلبجة بالسلاح الكيمياوي وغاز الخردل 16-17 /آذار /مارس 1988 ، حيث أصيب نحو 5 آلاف مواطن كردي فقد الكثير منهم حياته في الحال، قد استدعى من الحركة الحقوقية الدولية الإدانة رغم ضبابية الموقف، الأمر الذي انعقد على إثره مؤتمر باريس العام 1989 الذي طالب بوضع حدٍّ لاستخدام الأسلحة الكيمياوية المحرّمة دولياً، ثم أصبح "نزع أسلحة العراق" للدمار الشامل مادة مكررة في القرارات الدولية لمجلس الأمن ونظام العقوبات الذي اتُبع  منذ غزو الكويت في 2 آب/أغسطس العام 1992 ولغاية احتلال العراق العام 2003 .
   ولعلّ من تداعيات مغامرة غزو الكويت  صدور قرار مجلس  الدولي رقم 688 في 5 /نيسان/ أبريل 1991، الذي أكّد احترام حقوق الإنسان والحقوق السياسية لجميع المواطنين ووقف القمع الذي تتعرّض له المنطقة الكردية وبقية مناطق العراق،  وذلك بالترافق مع مشاهد الهجرة الجماعية للكرد  إلى الحدود باتجاه تركيا وإيران بعد هزيمة القوات العراقية وانسحابها من الكويت، حيث توجّهت بعض هذه القوات، ولاسيّما بعد اجتماع خيمة صفوان  لقمع الهبّة الشعبية التي اندلعت في كردستان والتي أشعل شرارتها الأولى  محافظات الجنوب والفرات الأوسط.
   ويشكّل هذا التاريخ عودة القضية الكردية ثانية إلى الأروقة الدولية منذ الالتفاف على معاهدة سيفر الصادرة في العام 1920، والتي اعترفت بجزء من حقوق الشعب الكردي، بإبرام معاهدة لوزان العام 1923، وهكذا بدأ مسلسل جديد للقضية الكردية ولعلاقة العرب بالأكراد.
   وأتذكّر أننا نظّمنا حواراً بذات الصفة التي نجتمع فيها اليوم " الحوار العربي- الكردي" في إطار المنظمة العربية لحقوق الإنسان في لندن العام 1992 وبكل تواضع كان "العبد الفقير" يتولى رئاستها وهو من دعا إلى ذلك، وعلى ما أعتقد كان ذلك أول حوار عربي - كردي قد حصل على صعيد النخب الفكرية والثقافية حين اجتمع 50 مثقفاً عربياً وكردياً  ليناقشوا بعض إشكاليات العلاقة بعقل منفتح وأجواء حرّة: المواطنة ، الحكم الذاتي، الفيدرالية ، الكونفدرالية، حق تقرير المصير، مستقبل قيام دولة أو أكثر، ما هي الالتزامات المتبادلة والحلول المطروحة والعقبات والكوابح؟
   وكان من المفترض عقد دورة ثانية، لكن اندلاع القتال الكردي - الكردي الذي استمر نحو 4 سنوات (1994-1998) حال دون ذلك، وما إن توقف القتال حتى استضافت القاهرة مثل هذا الحوار العام 1998، حضره شخصيات مصرية مرموقة مثل أحمد حمروش ومحمد فايق وسعد الدين ابراهيم وحلمي شعراوي ومحمد السيد سعيد، وكذلك شخصيات كردية وازنة مثل جلال الطالباني وفؤاد معصوم وسامي عبد الرحمن وهوشيار زيباري ومحسن دزئي ومحمود عثمان  ولطيف رشيد وعدنان المفتي وعادل مراد وعمر بوتاني وعزيز محمد وبهاء الدين نوري وعبد الخالق زنكنة ويوسف حنا القس  لكن الحضور العربي العراقي كان ضعيفاً، وهو أقرب إلى الحضور البروتوكولي ، ولم يشارك كرد سوريا وإيران وتركيا، كما لم تكن هناك مشاركة عربية أخرى، وهي الملاحظة التي أعيدها الآن أيضاً.
   وكان من المفترض انعقاد دورة ثالثة موسّعة  للحوار العربي - الكردي في العام 2001 بحضور نحو 150 شخصية عربية وكردية تمثل فاعليات وأنشطة فكرية وثقافية وحقوقية وسياسية متنوّعة، لكنّ بعض الخلافات والملابسات حالت دون ذلك، ثم جرت محاولات لاحقة لعقد بعض اللقاءات ذات الطابع السياسي في كل من السليمانية وإربيل ومن بينها انعقاد مؤتمر في النجف العام 2013 ، لكنها جميعها لم ترتقي إلى مأسسة الحوار ووضع مرجعيات له .
   وقد نشأت لاحقاً جمعيات للصداقة العربية - الكردية ونظمت لقاءات وفعاليات عامة، ولكن إشكالية العلاقة والتباساتها ظلّت قائمة وتحتاج إلى ديناميكية وحيوية يمكن للمثقفين أن يسهموا فيها لاجتراح حلول ومعالجات أساسها بناء جسور الثقة والتفاهم.
   أعتقد أننا بحاجة إلى حوار معرفي وثقافي وفكري على جميع المستويات بحيث يمكن أن يبلور رؤية جديدة تنطلق من الصراحة والكاشفة والنقد والنقد الذاتي، خصوصاً بقبول الآخر والاعتراف بحقوقه بما فيها الحق في الاختلاف. ويحتاج مثل هذا الحوار إلى توسيع ليضم فاعلين سياسيين من العرب والكرد وشخصيات وازنة من المثقفين العرب، كما يمكن أن يأخذ صيغة مؤسسية وفقاً لآلية يعتمدها وينفّذها في إطار برنامج للتعاون مع مؤسسات أخرى شقيقة وصديقة، يمكن الاستفادة منها من جانب جميع الأطراف، للقناعة بأهمية المشتركات الإنسانية، لاسيّما بعد أن أصاب التصدّع بعض جوانب العلاقات العربية- الكردية، بعد الاستفتاء الكردي في 25 أيلول /سبتمبر الماضي 2017، وللرغبة في إدامة التواصل والتفاعل والتفاهم والتعاون لتجاوز بعض العقبات والعثرات التي واجهت التجربة الفتية، والتي تحتاج إلى تنازلات متقابلة وحلول وطنية مدعومة عربية، وحوار دائم ومستمر لنزع الفتيل والبحث عن سبل للحلول السلمية بما يعزز وحدة العراق أرضاً وشعباً، وبما يلبي في الوقت نفسه حقوق الكرد وطموحهم المشروع في تقرير المصير، بما يتناسب مع المصالح المشتركة والظروف الملموسة والأوضاع السائدة في دول الإقليم.
   إن الهدف هو فتح قناة مستديمة للتواصل بحيث يكون مثل هذا الحوار مجساً من مجسّات العلاقة يمكن توسيعه وتطويره  للتعرف الفعلي والمباشر: ماذا يريد العرب من الكرد ؟ وماذا يريد الكرد من العرب؟ الأمر الذي قد يذهب لوضع تفاصيل تتعلق بالثقافة والأدب والفن والتراث والتاريخ واللغة بما يقوي لحمة العلاقة ويعزز التفاعل، ويسهم في إيجاد الحلول السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية للمشكلات القائمة، بل إيجاد فرص جديدة لبحث مستجدّات في هذه العلاقة التي لا يمكن إلّا أن تكون متكافئة وعلى أساس الاحترام المتبادل للخصوصيات في إطار الهوّية  العامة الجامعة لعراق موحد وذو سيادة ويتّجه صوب التنمية.
   ولعلّ من واجب الدولة ، أي دولة تريد سلوك سبيل التطوّر الديمقراطي الحر والحقيقي، أن ترعى الهوّيات الفرعية وتمنحها القدر الكافي من التعبير عن نفسها بما تمثّله من طاقة وحيوية وحق مشروع وعادل في التعبير عن نفسها بالشكل الذي تريده وينسجم مع المصالح المشتركة .
   إن العلاقة العربية - الكردية التاريخية لكي تنمو وتتطور لا بدّ لها من تجاوز بعض الإشكالات القائمة ولكي تستمر العلاقة وتأخذ مساراً صحيحاً ينبغي أن تقوم على أساس التكامل والتفاعل والتواصل  والترابط، وليس الترابح والهيمنة والانفكاك والتفلّت، لأن ذلك سيلحق ضرراً بالعرب والكرد، خصوصاً وأن المشتركات الجامعة تمثل المحتوى الأساسي لمضمون العلاقة ومستقبلها . ولا بدّ من إدراك حقيقة إن أي احتراب بينهما ينعكس على الوضع الإقليمي كما دلّت التجربة التاريخية، ولاسيّما إن المستفيد هو أعداء الأمتّين  الصديقتين .
   وإذا كان الحوار "فرض عين وليس فرض كفاية" كما يُقال بين الجهات والجماعات السياسية المشاركة في الحكم وخارجه وبين الحكومة الاتحادية بشكل خاص وبين حكومة إقليم كردستان، فإنه اليوم وبعد تجارب عديدة يصبح أكثر راهنية ويمكن للمجتمع المدني أن يكون شريكاً فاعلاً فيه ومكمّلاً في اتخاذ القرار.
   وقد يحتاج الأمر إلى وجود مؤسسة بحثية رصينة ودراسات اختصاصية معمّقة أو  تأسيس معهد عربي - كردي متخصص ويمكن توسيعه إلى معهد للدراسات الشرقية، لاسيّما للشعوب المجاورة بحيث يدرس علاقاتها مع بعضها ، حاجة ملحة هدفها تنشيط حركة التواصل والنشر والترجمة والاطلاع على آداب وفنون وثقافات كل طرف بما لدى الطرف الآخر، إضافة إلى التحدّيات والمخاوف التي تواجه الهوّية المشتركة لهم والهويّة الخاصة لكل منهم على انفراد
   وبخصوص العرب والكرد فإن وقفة مراجعة ضرورية لتنقية الأجواء وهو ما يحتاجه الطرفان، خصوصاً في ظلّ محاولات تستهدف كليهما وقد سبق لي أن طرحت ذلك من خلال :
•   محاولة عزل الكرد عن المحيط العربي، وإضعاف ما هو مشترك وإيجابي في العلاقات وتقديم ما هو خلافي وإشكالي.
•   اعتبار العرب والعروبة مسؤولين عمّا حدث للكرد من اضطهاد وعسف شوفيني، وتحميل العرب والعروبة ارتكابات النظام السابق وآثامه.
•   اتهام الكرد بالانفصالية والعداء للعرب لمطالبتهم بحق تقرير المصير وإقامة كيانية خاصة مستقلة، وتحميلهم مسؤولية ما حدث وما يحدث بعد الاحتلال. ومثلما ينبغي التمييز بين عروبة الحكّام المستبدين وعروبة العرب، فإن ضيق أفق بعض النخب الكردية الانعزالية لا ينبغي أن يتحمّله المثقفون الكرد.
•   تقديم ما هو طارئ ومؤقت وآني من قضايا شائكة ومعقدة، على حساب ما هو استراتيجي وثابت وبعيد المدى.
•   عدم اكتراث بعض عرب العراق بمسألة كرد إيران وكرد تركيا وكرد سوريا وحقوقهم المشروعة.
•   عدم اكتراث بعض كرد العراق أو غيرهم من الكرد بحساسية العلاقة مع "إسرائيل" المنتهِكة لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، ولاسيّما حقه في تقرير المصير.
ولكي تتعزّز الثقة بين الطرفين فلا بدّ للمثقفين العرب تبديد مخاوف الكرد وذلك من خلال تعزيز وتوطيد العلاقة والتفاهم والمشترك الإنساني، والاعتراف بحقوقهم لا باعتبارها منّة أو هبة أو هديّة، بقدر كونها إقراراً بواقع أليم، فضلاً عن مبادئ المساواة والعدالة والشراكة والمواطنة المتكافئة التي هي الأساس الذي ينبغي أن يقوم عليه بناء الدولة ، مثلما ينبغي أن تقوم عليه العلاقات بين الشركاء.
كما لا بدّ  للمثقفين الكرد تبديد مخاوف العرب بتأكيد اعتبارهم جزءًا من العراق في إطار حق تقرير المصير الذي اختاروه عبر النظام الفيدرالي، علماً بأن  لا سعادة للعرب من دون الكرد، ولا سعادة للكرد من دون العرب في العراق، لأن مصيرهما مشترك وذلك قدر الجغرافيا، سواء أكان نقمة  أم نعمة.




39
عن أي رؤية حقوقية نهضوية نتحدث؟
عبد الحسين شعبان
في اجتماع المكتب الدائم لاتحاد الحقوقيين العرب انطلق حوار فكري جاد ومسؤول لبلورة رؤية حقوقية عربية نهضوية جديدة لمواجهة ما سمّي ب «صفقة القرن» وحماية «الأمن القومي العربي».
والحديث عن رؤية جديدة هو موضوع قلق أكثر منه طمأنينة، وهو سؤال شك وليس سؤال يقين، وفي الوقت نفسه تعبير عن رغبة وليس عن إرادة بالضرورة، وبهذا المعنى تبقى المسألة تدور في إطار أزمة وتحدٍّ أكثر مما هي تعبير عن ثقة وأمان، وإلّا فما معنى رؤية جديدة؟ وما علاقتها بالهوية والمواطنة؟
وهنا يمكن استعراض مقاربتين متداخلتين:
الأولى: تتعلّق بمعنى الرؤية ودلالتها، والثانية: بمدى التحقق والإنجاز، أهي مبدّدة وضائعة ولا بدّ من استعادتها، أم هي موجودة وغائرة ولا بد من الكشف عنها بإرادة لاستكمالها؟ ودائماً ما نقول هناك علاقة عضوية بين العلّة والمعلول، مثلما هي بين السبب والنتيجة، ويتعلق الأمر بالخصوصية بقدر ارتباطه بالكونية، فهل هناك مفهوم دقيق لتلك الرؤية النهضوية العربية الحقوقية والإنسانية في آن؟ وما النظرة المتسقة بالوعي الحقوقي في إطار التحرك الجامع. والموضوع محمول بدلالاته المختلفة من حيث علاقته بالكينونة الثقافية الحقوقية والحداثية ودوائرها المختلفة.
وقد واجه الحقوقيون العرب، كشريحة حيوية من المجتمعات العربية، صدمات داخلية وخارجية عديدة أهمها: صدمة الاستعمار، وكانت تلك فترة الإرهاص والتأسيس، من سايكس - بيكو إلى وعد بلفور إلى محطة الانتدابات، ولا تزال تأثيراتها قائمة إلى اليوم. وصدمة قرار التقسيم عام (1947)، وصولاً إلى قيام دولة «إسرائيل» (1948)، ثم صدمة هزيمة 5 يونيو /‏ حزيران 1967، وهذه جميعها بقدر ما هي صدمات خارجية كان لها أسباب داخلية عميقة.
أما صدمات الداخل، فهي تتعلّق بتشكيلات ما بعد الاستقلالات، وقيام الدول الوطنية، والأمر له علاقة بشحّ الحريات والتسلط، فضلاً عن قيام نمط جديد من الحكومات، ولا سيما بعد قيام الانقلابات العسكرية، ومع ذلك ظلّت الشعوب موحّدة والموقف الحقوقي موحداً إلى حد ما.
وفي الكثير من الأحيان اتجهت الحركة الحقوقية العربية إلى تغليب السياسة على المهنية، ونشأت صراعات بين أطرافها امتداداً للصراعات السياسية والحزبية، بما فيها ضعف الدفاع عن فكرة المواطنة الموحدة والجامعة وقصور فكرة التضامن، تارة بحجة الصراع العربي - «الإسرائيلي» وأخرى لأن العدو يدق على الأبواب
وقدّر لي أن أستجمع بعض ما تبقى من شجاعتي لأقول لرئيس عربي: إن المواجهة الواقعية هي بالمواطنة، فالمواطنة هي القوة الحقيقية، فما بالك حين تكون مقترنة بالمعرفة، وحسب الفيلسوف البريطاني فرانسيس بيكون «المعرفة قوة»، وهي «سلطة» في الآن ذاته.
والمعيار الحقيقي هو حكم القانون، وحسب مونتسكيو «القانون مثل الموت ينبغي أن ينطبق على الجميع»، أي لا استثناء فيه، ولا فرق بين الحاكم والمحكوم بالخضوع له.
وشهدت الحركة الحقوقية صراعات داخلية وأحياناً على مستوى نظرة هذا الفريق السياسي أو ذاك في هذه الدولة العربية أو تلك، كما شهدت صراعات عربية - عربية انعكاساً للأوضاع العربية، وهذه أضعفت من مهنيتها.
وبتقديري أن الخلل يعود إلى النقص في الثقافة الحقوقية والوعي القانوني، وإلى عدم الإقرار بالتنوع والتعددية وعدم المساواة في الحقوق والواجبات، فضلاً عن شح الحريات، ولا سيما حرية التعبير. وفي فترة لاحقة غلّبت بعض المنظمات الحقوقية المهني على السياسي، وإن كان السياسي أكثر تأثيراً.
آن الأوان لرد الاعتبار والتوازن والتفاعل بين ما هو مهني وما هو سياسي، وبين ما هو تكتيكي وما هو استراتيجي، مثلما بين ما هو ظرفي وما هو بعيد المدى، وبين ما هو وطني وسياسي كجزء من المشاركة في العمل العام، وأي اختلال في أي جانب منه سيقود إلى اختلال المعادلة، ويضعف بالتالي من دور الحركة الحقوقية ذات البعد الإنساني، سواء بوظيفة التضامن من جهة، وهي وظيفة أساسية، أو الدفاع عن مصالح الأمة العربية من خلال مشروعها النهضوي التجديدي لمواجهة التحديات الخارجية.
والخطوة الأولى بتعزيز المواطنة الفاعلة من خلال الربط بينها وبين النضال لتحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي والتوجه صوب التنمية المستدامة في إطار منهج يقوم على رضا الناس وخياراتهم الديمقراطية، وبالحد الأدنى من العدالة الاجتماعية، وذلك بالتقارب والتنسيق والتعاون وصولاً للاتحاد بين البلدان العربية ككتلة تجمعها مصالح مشتركة، بما يعزز الانبعاث الحضاري لتاريخ عريق يربط بين الحداثة والقدامة، ومثل هذا التوجه كان مطروحاً للنقاش في عمان لبلورة الرؤية الحقوقية العربية النهضوية لمواجهة صفقة القرن، وفي إطار تجديد هيكليات «اتحاد الحقوقيين العرب».
drshaban21@hotmail.com


40
الحراك يعيد رسم الخريطة السياسية 
الأوضاع الاستثنائية في العراق تتطلب حلولاً استثنائية

عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
   بارتفاع عدد الضحايا في العراق الذي زاد على اثني عشر ألف إنسان بين قتيل وجريح تبدو الخريطة السياسية أكثر وعورة وتضاريسها أشدّ قسوة، لاسيّما بانعدام الثقة بالحكومة، فلم تعد تكفي الوعود بالإصلاحات أو بمحاربة الفساد، بل أصبح الطريق إلى تهدئة الأوضاع يتطلّب الاستجابة إلى مطالب، بل حقوق، المتظاهرين وحركة الاحتجاج الواسعة، التي لم يشهد العراق مثيلاً لها، وهي أقرب إلى استفتاء على "عدم شرعية" استمرار العملية السياسية التي بدأت بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في العام 2003، والتي قامت على أساس نظام المحاصصة الطائفي- الإثني المستند إلى الزبائنية السياسية وتقاسم المغانم .
   ولم يعد ممكناً ردم الهوّة بين الحكومة والشارع العراقي، إلّا بإجراء تغييرات جوهرية، تلك التي يعبّر عنها المتظاهرون بـ استقالة الحكومة وتعديل الدستور وإلغاء قانون الانتخابات وحلّ الهيئات المستقلة " غير المستقلة"، وهي أمور ممكنة وآنية، ويمكن أن تمهّد لتغييرات أوسع وأشمل، وإن كان هناك عقبات وكوابح أمامها على صعيد القوى السياسية الداخلية، أو على صعيد النفوذ الإقليمي والدولي المؤثر في العراق على نحو كبير.
   أما فيما يتعلق بتحسين مستوى المعيشة والخدمات الصحية والتعليمية وإيجاد فرص عمل ومحاسبة الفاسدين وإلغاء الطائفية السياسية ووضع حدّ لنظام المحاصصة، فتلك أمور تحتاج إلى وقت وتراكم وتدرّج،  وتلك مسألة واقعية في علم السياسة التي هي في المحصلة فن الممكنات وتوازن القوى واتساق بين ما هو موضوعي بما هو ذاتي.
   وقد انقسمت القوى والكتل السياسية حول مسألة  التغيير إلى مجموعات، فجاءت مواقفها متضاربة ، بل شديدة الاختلاف، وبدأت المعركة كأنها "كسر عظم" كما يُقال .
   المجموعة الأولى- تتمثل بالشارع العراقي، وهذه تتألف من فئة الشباب وفيهم متعلمين وخريجين، لكنهم عاطلون على العمل على الرغم من المعارف والمهارات التي اكتسبوها ، ناهيك عن اطلاعهم على ما يجري في العالم عبر الانترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي ، فالعالم أصبح أصغر من "قرية صغيرة" بفعل الثورة العلمية - التقنية الرابعة وتكنولوجيا الإعلام والمعلومات والاتصالات والمواصلات، ولاسيّما في ظلّ الطفرة الرقمية " الديجيتل" وهذه كلّها من نتاج العولمة. فلم يعد الشباب من الجيل الجديد والذي تتراوح أعماره بين 18-25 عاماً يقبل بما هو سائد لأنه أكثر ميلاً وتطلعاً للالتحام بالعالم في فضاء من الحرية والتواصل الإنساني.
   المجموعة الثانية- القوى المؤيدة للتغيير، وهذه الأخيرة كان الحراك الشعبي مفاجئاً لها، بل إنه اضطرّها بعد المواقف السلبية والتشكيكية عشية بدئه إلى المشاركة فيه لاحقاً، ومن هؤلاء كتلة سائرون التي تضم تيار الصدر برئاسة السيد مقتدى والحزب الشيوعي العراقي. وحسناً فعلت هذه المجموعة بالالتحام بحركة الاحتجاج، علماً بأن مطالب المتظاهرين تمثل بعض مطالبهم بالذات، لذلك كان انحيازهم إيجابياً، لاسيّما وأن غالبية المشاركين في الحراك هم من الفقراء والمعدمين .
   المجموعة الثالثة- الحركة الكردية وإقليم كردستان، وهؤلاء بشكل عام لم ينحازوا للحراك، بل وقفوا منه موقفاً سلبياً، خشية أن يؤثر على المكاسب التي حصلوا عليها، تلك التي حاول عادل عبد المهدي طمأنتهم بشأنها، بعد تشدد سلفيه نوري المالكي وحيدر العبادي، خصوصاً عشية استفتاء إقليم كردستان بشأن الاستقلال (سبتمبر/أيلول/2017) وما ترتب عليه من إجراءات زادت من مشاكل الإقليم مع السلطة الاتحادية.
   المجموعة الرابعة- الرافضة للتغيير، وخصوصاً تلك التي تعتبر المطالبة بالتغيير "مؤامرة خارجية" مشبوهة مدعومة من الولايات المتحدة و"إسرائيل" وبعض الدول العربية، كما ذهب إلى ذلك قيس الخزعلي رئيس "عصائب أهل الحق"، علماً بأنه وفصائل مسلحة من الحشد الشعبي مثل كتائب حزب الله وسرايا النجباء وسرايا الخرساني وكتائب التيار الرسالي وسرايا الجهاد والبناء أعلنت مواقفها الرافضة للحراك الشعبي، وهذه جميعها مقرّبة من إيران ، وكانت هذه الأخيرة قد اتخذت موقفاً سلبياً من الحركة الاحتجاجية التي اتهمتها هي الأخرى بأنها من تأثير واشنطن وتل أبيب.
   المجموعة الخامسة- قوى دينية من " الشيعية السياسية" ساهمت في العملية السياسية منذ البداية وتتحمل قسطاً كبيراً وأساسياً من المسؤولية،  بل إنها من القوى التي استفادت منها على الصعيدين الحزبي والشخصي، وبسبب المنافسة السياسية ووصول الأوضاع إلى طريق مسدود، اندفعت لمعارضة حكومة عادل عبد المهدي، التي تعتقد أنها أحق منه بها، ولذلك وقفت إلى جانب إقالة الوزارة ، لكنها ظلّت تقدّم خطوة وتؤخر أخرى ، مثل حزب الدعوة مجموعة المالكي أو " كتلة النصر" جماعة العبادي وتيار الحكمة ( السيد عمار الحكيم)، الذي أبدى تحفظاً منذ البداية حول تركيبة الحكومة، وقرّر بلورة موقف يميّز بين الموالاة والمعارضة، وفضل هو بالذات أن يعتبر نفسه في المعارضة على أن يحتسب من تيار الموالاة.
    المجموعة السادسة- الأحزاب والكتل "السياسية السنّية"، وهذه وإن كانت غير منخرطة في الحراك الشعبي، لكنها لا تستطيع أن تقف ضده، إذْ أن غالبية المطالب هي مطالبها، مثل إلغاء الهيمنة الطائفية ووضع حد للنفوذ الإيراني، وهي ذاتها مطالب القائمة الوطنية " العراقية" برئاسة علاوي الذي طلب في بدء الحراك إطلاق صلاحيات عادل عبد المهدي، لكنه مع تطور الأحداث، اقترب موقفه من مطالب الحراك الشعبي.
   لقد دفع الحراك الشعبي أوساطا واسعة  بعضها في الخارج، للتحرك ، فأصدر العديد من التجمعات والشخصيات نداءات وبيانات ومقالات، لتحريض المتظاهرين، مع أن هؤلاء لا يحتاجون إلى تحريض، لأنهم في قلب الحدث وفي عمق المأساة، فتخطّى فيها جميع الأحزاب والحركات والقوى السياسية على أنواعها ، طائفية أو غير طائفية، مشاركة بالعملية السياسية أم خارجها، في الداخل والخارج، فالجمهور المحرّض بما فيه الكفاية والمسحوق حتى العظم والمهان والمذل والمستغفل يعرف ما يريد، وقد شعر بعمق الهوّة بينه وبينها ، فهتف ضدها، بل أحرق بعض مقارها.
   إن ما يحتاجه الجمهور هو بلورة خطوات عملية لتحقيق أهدافه الآنية، وهنا يمكن للنقابات والجمعيات والاتحادات المهنية أن تلعب مثل هذا الدور، وعندئذ يمكن  مواصلة الضغط على الحكومة لإجبارها على التنازل، بل فرض برنامج واقعي وتدرّجي وممكن التحقيق عليها، يلزم ما بعدها.
   إن الخريطة السياسية العراقية بما فيها من نتؤات ومنعرجات وصعود ونزول مرشحة لتغييرات واصطفافات  وانتقالات يفرضها تطوّر المشهد السياسي، فعلى الرغم من استمرار حركة الاحتجاج الواسعة في بغداد ومحافظات وسط جنوب العراق، ما تزال الحكومة العراقية هي الأخرى مستمرة في تشبثها بمواقفها، وكأن هذا الأمر لا يعنيها، وإنْ كان رئيس الوزراء عادل عبد المهدي اعترف بتشخيص حركة الاحتجاج  للأخطاء المتراكمة منذ العام 2003 ولحد الآن، لكنه رفض تقديم استقالة الحكومة ما لم يتم تحضير بديل، لأن ذلك قد يؤدي إلى فراغ على حد تعبيره، وربما يأخذ العراق إلى المجهول.
   ومع أنه أقرّ بأحقية التظاهرات السلمية، لكنه انتقد التظاهرات من قناة أن " البعض يتخذها درعاً بشرياً للتخريب" منبهاً إلى " أن القوات العراقية إلى الآن في وضع دفاعي وليس هجومياً، وهي لا تستخدم الرصاص"، وقد اعتبر المتظاهرون ذلك بمثابة تهديد مبطّن باستخدام المزيد من القوة. وما تزال لغة الحكومة باردة، بل إنها غير مكترثة بالبشر الذين سقطوا ضحايا العنف، وإلّا لماذا هذا الإصرار على الاستمرار؟ ، وأية قيمة لدستور أو آيديولوجيا أو مبادئ أو حتى أديان أو طوائف إزاء الدماء التي سالت والتي لا يقابلها أي شيء على الإطلاق؟، "فالإنسان هو مقياس كل شيء"، على حد تعبير الفيلسوف الإغريقي بروتوغوراس .
   صحيح أن الفراغ الدستوري غير يسبب نوعاً من الفوضى لكن الدستور يعالج  مسألة الفراغ في المادة 64 ، لذلك إن التشبث بالدستور ليس سوى ذريعة غير مبررة ، علماً بأن  الدستور تم وضعه على الرف في العديد من المرات، ناهيك عن كونه أس المشاكل، وقد احتوى على الكثير من الألغام، وهو امتداد للدستور المؤقت للمرحلة الانتقالية الذي صاغه نوح فيلدمان اليهودي الأمريكي المتعاطف مع الصهيونية و"إسرائيل" (2004)، وقبل ذلك هو ما جاء به بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق الذي وضع أسس النظام الطائفي - الإثني في صيغة مجلس الحكم الانتقالي (2003)، وهو الأمر الذي صيغ بعنوان "المكوّنات" في الدستور الدائم (2005) التي وردت عدة مرّات في الدستور.
   وتتحمل القوى التي حكمت العراق بعد الإطاحة بالدكتاتورية مسؤولية ما وصلت إليه البلاد،  ممثلة بالتيار الإسلامي، وخصوصاً حزب الدعوة، حيث توالى على دست الحكم أربع دورات (الأخيرة لم تكتمل) منذ العام 2005 ففي الأولى والثانية حكم نوري المالكي وفي الثالثة حيدر العبادي وكلاهما من حزب الدعوة ، أما في الدورة الرابعة فقد تم اختيار عادل عبد المهدي، الذي كان مع المجلس الإسلامي الأعلى، وظلّ قريباً من التيارات الإسلامية، حيث تم اختياره باتفاق بين كتلتي سائرون برئاسة مقتدى الصدر والفتح برئاسة هادي العامري وقيل بترشيح أو تأييد ومباركة من السيد علي السيستاني الشخصية الشيعية المتنفذة في النجف، وكذلك بتوافق إيراني- أمريكي.
   لا أحد يستطيع أن يتكهّن كيف ستنتهي حركة الاحتجاج، لكن المؤكد أن عراق ما قبل الفاتح من اكتوبر (تشرين الأول) 2019 ، هو ليس ما بعده ، فثمة تغييرات ستحصل في الخريطة السياسية ، بل ستزداد التصدعات في تضاريسها بعد انتهاء حركة الاحتجاج، سواء حققت كامل مطالبها أو جزءً منها، لكن خط التغيير سيأتي، سواء بقيت الحكومة الحالية أم لم تبقَ، فالمؤكد أن العالم كلّه ظلّ يتطلّع إلى حركة الاحتجاج السلمية، وكانت الأمم المتحدة قد أدانت عبر " المفوضية العليا لحقوق الإنسان" "قطع الانترنيت والكهرباء واستخدام الرصاص الحي والمطاطي والغازات المسيلة للدموع من قبل قوات الأمن تجاه المتظاهرين"  داعية هذه  القوات إلى "حماية المتظاهرين".
   إن أحد مؤشرات شرعية الحكم هو رضا الناس وقبولهم ، وكان العديد من دول الاتحاد الأوروبي، والتحالف الغربي  الذي تشكل لمواجهة داعش (2014) بما فيه الولايات المتحدة حليفة العراق رسمياً في إطار " معاهدة التحالف الاستراتيجي" قد شجبت استخدام القوة وقتل وخطف المحتجين، ودعت إلى التفاعل بين القادة السياسيين والمواطنين العراقيين المطالبين بالإصلاح، ففي ذلك وحده يمكن تفعيل المطالب لشعبية ووضعها موضع التطبيق، وهو ما ينبغي أن تدركه الحكومة العراقية، لا أن تستمر في تشبثها بجوانب "شكلانية" ، فمثل هذه الأوضاع الاستثنائية تتطلب حلولاً استثنائية.



41
طارق  يوسف اسماعيل
يفيض بالتاريخ وينتشي بالوطنية

مقدمة بقلم : عبد الحسين شعبان*

I
   استعدت وأنا أقرأ السردية الممتعة التي كتبها الدكتور طارق يوسف اسماعيل والموسومة "من زوايا الذاكرة ؛على هامش ثورة 14 تموز عام 1958"، كتابه الأثير عن "الحزب الشيوعي العراقي" The Rise and Fall of the  Communist Party of Iraq: Evolution and Transformation  الذي صدر عن جامعة كامبريدج ، العام 2008، بل كتاباته عن الحركة الشيوعية العربية، فهو من الأكاديميين الذين لهم باع طويل في البحث العلمي والذي خصّص مساحة كبيرة منه لليسار العربي بشكل عام.
   ومن أبرز مؤلفاته على هذا الصعيد كتابه عن الحركة الشيوعية المصرية The Communist Movement in Egypt, 1920-1988,    الذي صدر عن جامعة سيراكيوز للإعلام ، العام 1990، والحزب الشيوعي السوداني The Sudanese Communist Party: Ideology and Party Politics  الصادر  في لندن عن Routledge العام 2012 ، والحركة الشيوعية في العالم العربي The Communist Movement in the Arab World  الصادر عن  Routledge العام 2004، والحركة الشيوعية في سوريا ولبنان The Communist Movement in Syria and Lebanon الصادر عن جامعة فلوريدا العام 1998، وغيرها من الكتب التي لها علاقة بالسياسة والحكم في الشرق الأوسط المعاصر، بما فيها كتابه عن "الاستمرارية والتغيير في الشرق الأوسط المعاصر"، الصادر العام 2012 Government and Politics of the Contemporary Middle East: Continuity and Change وآخر إنتاجه العلمي Iraq in the twenty- first century: Regime Change and the Making of a Failed State , Routledge,2015  والذي عالج فيه آثار الاحتلال الأمريكي للعراق وتحويله إلى دولة فاشلة.
   وصديقنا الأكاديمي والمفكّر طارق يوسف اسماعيل وإنْ كتب عن اليسار ، وحتى لو تعاطف معه، فلم يكن يوماً من الأيام قد عمل في صفوفه أو جزء منه، لكنه كتب بعقل المؤرخ ولغة الباحث السسيولوجي والخبير والمختص  بعلوم السياسة والعلاقات الدولية، وهكذا بحث في شؤون وشجون اليسار العراقي والعربي من منظور منفتح ودون إسقاطات أو رغبات إرادوية، ولعلّ كتابه " من زوايا الذاكرة - على هامش ثورة 14 تموز 1958"  الذي سيكون بيد القارئ العراقي والعربي، وإن كان تعبيراً عن تجربة شخصية وحياتية، وخلجات روح وطنية توّاقة إلى الحقيقة، فإنه في الوقت نفسه جزء من التاريخ السسيولوجي لمجتمعاتنا وصراعات قواه السياسية وتياراته الفكرية والدينية وتنوّع قومياته وإثنياته ولغاته، وذلك لأن تاريخ اليسار العراقي والحركة الشيوعية بشكل خاص هو جزء لا يتجزأ من تاريخ الدولة العراقية، التي لا يمكن الحديث عنها وعن المجتمع العراقي دون المجيء على ذكرهما.
    وبهذا المعنى فإن أي بحث عن اليسار سيقود بالضرورة إلى أروقة الدولة ومؤسساتها وقوانينها وطبيعة نظامها السياسي وممارساتها، تلك التي سيكون مواقفه منها في الصميم  من تكويناتها،  مثلما سيكون موقف الدولة من اليسار بمؤشراته السلبية أو الإيجابية جزء من معايير الحكم عليها، خصوصاً وإن اليسار بشقه الماركسي وعلى مدى تاريخ الدولة العراقية، لم يعرف العمل العلني الشرعي والقانوني إلّا باستثناءات  محدودة جداً، وتعرّض لتصفيات وتشويهات كثيرة ومتنوّعة دون نسيان أخطائه وعيوبه بالطبع.
   إن الصورة التي ترسمها زوايا ذاكرة اسماعيل الخصبة والطريّة تظهر على نحو جلي وواضح، دور اليسار العراقي في صعوده ونزوله وتمدّده وانحساره ونجاحاته وإخفاقاته على مدى تاريخه، ويجب أن لا ننسى أن مدرسة اليسار العراقي كانت قد خرّجت أو أثّرت في طواقم من المثقفين العضويين بتعبير المفكر الماركسي الإيطالي انطونيو غرامشي، ممن كان لهم دور كبير في أربعينات وخمسينات القرن الماضي وجلّهم من أصدقاء طارق اسماعيل الذين ترد أسماؤهم في متن الكتاب، لاسيّما مساهمتهم  في الحركة الشعبية والمنظمات المهنية المدنية والسلمية وأنشطتها المختلفة، تلك التي انضوت تحت لواء  جبهة الاتحاد الوطني التي انعقدت في 7 آذار (مارس) العام 1957 ، والتي كان سكرتيرها وكاتب بيانها التأسيسي ابراهيم كبّه الذي ارتبط مع اسماعيل بصداقة خاصة، سواء حين كان وزيراً، أو بعد ذلك في إطار عمل جامعي وأكاديمي يوم عمل طارق اسماعيل استاذاً زائراً في جامعة بغداد،  وكان تأسيس جبهة الاتحاد الوطني قد مهّد لمجموعة الضباط الأحرار للقيام بالثورة في 14 تموز (يوليو) 1958 بعد أن تأكدت من تأييد القوى الوطنية المتحالفة في دعمها وبالتنسيق معها.
II
   تضيء زوايا ذاكرة طارق اسماعيل، الثورة العراقية منذ اللحظة الأولى لذلك الصباح التموزي المتميّز، حين اصطحبه صديقه الملازم عبد الكريم جاسم إلى دار الإذاعة ليتعرّف على العقيد عبد السلام محمد عارف، وليبدأ رحلة متميّزة وأثيرة من العمل الوظيفي بالقرب من الزعيم عبد الكريم قاسم بعد أن كان قد تخرّج من دار المعلمين العالية عشية الثورة واستلم شهادته من الملك فيصل الثاني، الذي كان أول الضحايا صبيحة الثورة، وتلك إحدى مفارقات التاريخ.
   وشهدت الثورة أحداثاً جساماً منذ لحظاتها الأولى، لاسيّما بتصفية العائلة المالكة وما رافق ذلك من أعمال عنف طالت بعض رموز العهد الملكي، مثلما حصل للأمير عبد الإله الذي تم سحله، ثم علّقت جثته في منطقة الكرخ قرب جسر الشهداء، وبعدها تم تقطيع أوصاله في مشهد سادي شديد الوحشية ولا مثيل له، وجثة نوري السعيد  التي حصل لها ما حصل للأمير عبد الإله، وذلك بعد يومين من انتصار الثورة (16 تموز/يوليو/1958).
   وتركت تلك الأحداث تأثيراتها السلبية على مسار الثورة وتطوّرها والصراعات داخلها، كما أتتها رياح التأثير من خارجها إقليمياً وعربياً ودولياً. وللأسف فإن الثورة دشّنت  باكورة أعمالها بالدم، وهو المشهد الذي غطّى على الكثير من منجزاتها وشوّش عليها، ووضعها في حالة دفاع عن النفس، وضاع العديد من المكتسبات في ظلّ ضبابية المشهد وغياب الوحدة الوطنية وتفكك جبهة الاتحاد الوطني .
   وبغض النظر عن دموية المشهد واندلاع الصراع الداخلي المحموم  فإن الثورة  حققت عدداً من المكاسب التاريخية منها الانسحاب من حلف بغداد الاستعماري والمعاهدات غير المتكافئة مع بريطانيا والولايات المتحدة وتحرير العملة العراقية من نظام الكتلة الاسترلينية وإطلاق الحريات في الأشهر الأولى من عمرها، وإصدار قانون الأحوال الشخصية رقم 88 العام 1959، الذي كان خطوة متقدمة لمساواة المرأة بالرجل، وغيرها من الإجراءات التقدمية المهمة، وفيما بعد خطت الثورة خطوات وطنية كبرى مثل تحرير الثروة النفطية من الاحتكارات بإصدار قانون رقم 80 لعام 1961.
   ولعلّ تلك الخطوات هي التي دفعت القوى الإمبريالية للإطاحة بنظام قاسم والعمل على تقويض الوحدة الوطنية، خصوصاً بالصراع بين الشيوعيين والقوميين،  وكان أحد أوجهه ما حصل في الموصل وكركوك من ارتكابات، وينقل لنا مؤلف الكتاب بعض المشاهد الحيّة من داخل منصة الحكم كما يقال، منها حركة العقيد عبد الوهاب الشوّاف وملابساتها، بما فيها ضيق صدر الزعيم عبد الكريم قاسم من الشيوعيين، وخصوصاً بعد مسيرة الأول من أيار (مايو) 1959 " المليونية" التي رفع بها الحزب شعار "المشاركة بالحكم" بالضغط على قاسم من الشارع، وكانت تلك إحدى مؤشرات تدهور العلاقة بين الطرفين، وانتهاء ما سمّي بفترة "المدّ الثوري" التي استمرّت من آذار (مارس) ولغاية تموز(يوليو)1959.
   ولم ينسَ طارق وهو يتناول بعض منجزات الثورة أن يستعيد تلك الثنائية التي تكاد تكون متلازمة سلباً أو إيجاباً بين اليسار الماركسي واليسار القومي، فكل حديث عن اليسار  يتفرّع حتى دون رغبة في ذلك إلى شق ماركسي وآخر قومي، وإن اتسمت علاقتهما بحساسية خاصة شابها في معظم الأحيان منافسة مشروعة وغير مشروعة، أخذت بُعداً إقصائياً وإلغائياً وتهميشياً، ولاسيّما بعد ثورة 14 تموز(يوليو) 1958، وقد حاول أن يتوقف عند العديد من محطاتها المعلومة وغير المعلومة، وأن يستذكر أحداثها بما لها وما عليها، بحلوها ومرّها، محاولاً أن ينظر إليها بعد تلكم السنون بشيء من الموضوعية والإنصاف والتجرّد.
   وكانت تلك الثنائية العجيبة بين اليساريين تسير في طريق شاق ومرهق ووعر، انتقل من التحالف إلى الاقتتال، ثم إلى التحالف والاحتراب مرّة أخرى، ومن الصداقة والتضامن والعمل المشترك إلى التشكيك والاتهام والتخوين، ومن التقارب في الأهداف إلى التباعد في الوسائل، ومن المُشتركات إلى المُختلفات، وهو الأمر الذي كانت خسارته فادحة على الإثنين وعلى الدولة والمجتمع في العراق الذي دفع ثمنه باهظاً.
III
   وللأسف فإن العزل السياسي اتخذ أشكالاً مختلفة في العراق، ففي العهد  الملكي كانت القوانين ذات العقوبات الغليظة قد خصّت الشيوعيين بالتأثيم ومنه إلى التحريم والتجريم، لاسيّما  بعد قيام حلف بغداد العام 1955، ولكن في العهد الجمهوري الأول وحين هيمن الحزب الشيوعي على الشارع، ولاسيّما  بعد حركة الشواف (آذار/مارس/1959) اتخذ من الإرهاب الفكري وسيلة ضد خصومه القوميين والبعثيين  (حلفاء الأمس) الذين رموا كل بيضهم في سلّة جمال عبد الناصر الذي صعّد من عدائه لنظام عبد الكريم قاسم، مثلما حاولت القوى الإمبريالية وحلفائها العمل بكل ما تسنى لها لإعادة حصان تموز (يوليو) الجامح إلى "الحظيرة ".
   وحين وصل حزب البعث العربي الإشتراكي إلى السلطة بعد الانقلاب الدموي في 8 شباط (فبراير) 1963، انتقم من الحزب الشيوعي ، بل أصدر بياناً برقم 13 من مجلس قيادة الثورة (المجلس الوطني) شرّع فيه إبادتهم، وشهدت مقرات الحرس القومي ودوائر الأمن ومراكز الاعتقال حملات غير مألوفة من حيث الحجم وأساليب التعذيب والتفلّت من القوانين، ناهيك عن انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان وتراجع عن منجزات الثورة.
   أما في العهد الجمهوري الثالث (العارفي) فقد احتكر التنظيم الوحيد "الاتحاد الاشتراكي العربي" حق العمل الحزبي القانوني والشرعي، وتم تحريم العمل السياسي للشيوعيين والبعثيين والحركة الكردية .
   وبعد انقلاب 17 تموز (يوليو) 1968 (الجمهورية الرابعة) ومجيء حزب البعث مجدداً إلى السلطة، شهدت البلاد انفراجاً نسبياً والتأمت بعض التحالفات المؤقتة والقلقة، حسبما بيّنت التجربة بين حزب البعث والحركة الكردية (1970) وبينه وبين الحزب الشيوعي (1973)، لكنها سرعان ما تهاوت، وكان العمل شبه العلني مجرد اتفاقات فوقية لم ينظمه قانوناً للأحزاب.
   وظل حزب البعث يتحكم بمقاليد الأمور ويقبض على جميع السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وفقاً لصيغة "مجلس قيادة الثورة" المقرّة دستورياً، وكانت القوى التي تحالفت معه قد ارتضت به قائداً للدولة والمجتمع والسلطة السياسية ولصيغة تحالفاتها، فاستدار بالبلاد سريعاً نحو احتكار العمل السياسي والنقابي والمهني وتحريمه على الجميع،  واتخذ قرارات  بالقضاء على خصومه، حيث أصدر قراراً من مجلس قيادة الثورة  بتحريم حزب الدعوة (العميل) كما ورد في النص في 31 آذار/مارس 1980، مثلما اتخذ قراراً (داخلياً) بتحديد العام 1980 موعداً للقضاء على الحزب الشيوعي ، وامتدت إجراءاته  التعسفية تلك إلى داخل حزب البعث نفسه فأطاحت ببعض قياداته في مجزرة قاعة الخلد الشهيرة العام 1979.
   وللأسف فإن حكومات ما بعد الاحتلال استمرت، في منهج تحريم العمل السياسي على الخصوم ، حيث اعتمد قرار الحاكم المدني الأمريكي للعراق بول بريمر بتحريم حزب البعث بالقرار رقم 1  في 16 أيار (مايو) 2003 القاضي باجتثاث البعث، والذي استمر لحين صدور قانون المساءلة والعدالة وهو قانون أقره البرلمان العراقي في 12 كانون الثاني (يناير) 2008 بديلا لقانون اجتثاث البعث، ويتضمن إجراءات أقل صرامة تجاه أعضاء المراتب الدنيا من الحزب.
   ولم تستفد القوى السياسية جميعها من الدرس التاريخي والتجربة  المريرة التي عاشتها. وكلما جاء عهد حتى انتقم من سابقه، وهكذا استمرّت دورة العزل السياسي وتلك التركة الثقيلة في  العهود المتعاقبة والمستمرة حتى تاريخنا هذا .
   ولعلّ هذه الفقرة الاستدلالية لها علاقة بمذكرات طارق يوسف اسماعيل، فما أن يأتي بحادثة تخص أحد الفريقين اليساريين إلّا ويكون الفريق الثاني حاضراً فيها اتفاقاً وإن كان قليلاً واختلافاً في الغالب، ولاسيّما عقب ثورة 14 تموز/يوليو 1958 التي يعتبر المؤلف أحد شهودها والحاضرين فيها، بل ويمكن اعتبار ما يرويه من مؤرخيها .
   وعلى الرغم من صغر سنّه وبداية تجربته الإدارية، لاسيّما بالقرب من الموقع الأول في الدولة، إلّا أنه لعب دوراً مهماً فيها حتى وإن كان موقع تنفيذي، لكنه كان قريباً من صاحب القرار ومؤثراً فيه، مع أنه لا يدعي ولا يزعم ذلك تواضعاً، لكن بعض تلميحات أو إشارات يأتي عليها بسرعة ، إلّا أن  دلالاتها كبيرة  بالنسبة لكاتب السطور وأظنّها ستكون للقارئ والمتابع حين نستعيد عفوية تلك الأيام وبساطتها وحميمية أطرافها،  مؤسسات وقوى وأفراداً، وهو ما سيكتشفه قارئ هذه المذكرات الشائقة.
IV
   كنتُ  أتابع ما يكتب طارق اسماعيل قبل أن ألتقيه، وكان قد درس في النجف في متوسطة الخورنق، أما الثانوية فقد أنهاها في الحلة، مثلما عاش مع عائلته في أبي صخير الذي كان عمي د. عبد الأمير شعبان طبيباً فيها، وكنا نقضي بعض أوقات العطل وأيام الأعياد عنده، علماً بان والد طارق عمل في سلك الشرطة وتولّى مناصب عديدة معظمها في الفرات الأوسط في الكوفة وسدّة الهندية والسماوة والرميثة، إضافة إلى أبي صخير.
   وكان والده قد تخرّج من مدرسة الصنائع، وكما يقول عنه طارق كان قريباً من الحركة الوطنية، حيث كان يتعاطف مع حزب الإخاء الوطني وجماعة الأهالي لاحقاً، ثم اقترب من " الحزب الوطني الديمقراطي" وإنْ احتسب على الشيوعيين بعد الثورة، لكنه لم يمارس العمل السياسي ولم ينخرط مع أي مجموعة سياسية، ومع ذلك أحيل على التقاعد بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963، وكان طارق متأثراً بجدّه اسماعيل الضابط في الجيش العثماني مثلما تأثر بوالدته الكردية التي يتحدث عنها بإعجاب كبير، وبقدر اعتزازه بنسبه الحسيني الذي تعود أصوله إلى اليمن، فهو " مشبّك العروق" حسب تعبير الجواهري الكبير عن نفسه لتداخله مع سلالات وأقوام عديدة، ومن هنا ينبع شعوره الإنساني، باحترام الخصوصيات والهويّات الفرعية، الدينية والإثنية واللغوية.
   ومثلما كنت أتابع طارق، فهو الآخر كان يتابع ما أكتب، ووجد كل منّا "شراكة" مع الآخر كما عبّر عن ذلك في مقدمة هذا الكتاب، لاسيّما في بعض الاستنتاجات والآراء، خصوصاً وأن الخلفية الأكاديمية والوطنية العراقية هي التي تجمعنا، وخلال لقاءاتي العديدة مع طارق في لندن والقاهرة وأنقرة وبيروت وغيرها، وفي مؤتمرات متعدّدة لجامعات ومنتديات فكرية مختلفة، إضافة إلى الرابطة الدولية للدراسات العراقية التي عمل على تأسيسها، كنت في كل لقاء أسمع منه بعض ما اختزن في زوايا ذاكرته من علاقة مع قائد الثورة الزعيم عبد الكريم قاسم الذي عمل بصحبته ، إضافة إلى علاقاته مع العديد من قياداتها والزعامات السياسية والفكرية والثقافية، دون أن ننسى أنه عمل في العديد من الصحف وفي الإذاعة وفي الإعلام ، وما كان مشوّقاً حقاً، هو بعض الصور التي حفّزته أسئلتي على استحضارها، في لقاء الجامعة الأمريكية في القاهرة في العام 2015.
   وكنت في كلّ مرّة أحثّه وأطالبه، بل ألحّ عليه بتدوين مذكراته، وهو ما حصل بعد تردّد وعناء، وحين أكمل كتابتها وأرسلها إليّ لكتابة مقدمة لها، وبعد الانتهاء من قراءتي لها وجدتها غنيّة وشائقة، بل أكثر عمقاً وثراءً مما كنت أتوقّعه، فضلاً عن موضوعيتها، ولعلّ طول المران وكثر المراس على العمل الأكاديمي جعلته أكثر عدالة واعتدالاً، خصوصاً وهو ينطلق من وطنية صافية وروح إنسانية نقية، وتلك إحدى صفاته الشخصية والعامة، ناهيك عن تسامحه ومرحه، وطارق اسماعيل ليس من النوع الذي يحبّ الظهور والمباهاة ، بل هو شديد الحرص على تقديم أهم وأكبر الأشياء بطريقة مبسّطة، فالأشياء البسيطة هي الأكثر تميّزاً وطبيعية  .
   وبعد أن التهمت عيوني حروفه الفضّية شعرت بكل بساطة بأنني أمام إنسان كبير بسجاياه الشخصية ودماثة أخلاقه وغزارة علمه، فالإنسان حين يكون كبيراً يزداد تواضعاً، وذلك هو علو الشأن الحقيقي وارتفاع الكعب دون شعور بالتبجّح وادعاء الأفضليات وامتلاك الحقيقة، فقد  قرأت نبرة طارق اسماعيل القوية لكنها دون صخب أو ضجيج، الواثقة دون تكبّر، فهو لم يرفع صوته أو ينسب أمراً إليه، بل حاول أن ينقل ما رآه وشاهده وسمعه وعاشه، حين كان قريباً من موقع الثورة الأول، وكأني به أستذكر جلال الدين الرومي الذي يقول " اخفض صوتك ، فالزهر ينبته المطر ، لا الرعد".
   لقد حاول طارق أن يستذكر بعض ما حدث ومن موقع الرائي والمشاهد والشاهد وأحياناً من موقع المشارك، واكتفى في أحيان أخرى بلغة المؤرخ وتدقيق الباحث ومسؤولية الساعي للوصول إلى الحقيقة، خارج دائرة الآيديولوجيا والانحيازات الجاهزة والأحكام المسبقة، ويقول في مقدمته التي وزعها على ثلاثة أقسام :
   الأول- تمهيدي يستعرض فيه كيف راودته فكرة كتابة ما يسمّيه بـ "الإرهاصات"؛    والثاني- يتناول فيه بألم أوضاع العراق بعد الاحتلال ويطلق عليه "العزيز الذي مات"، وهو الأمر الذي خبا بعد أن كان الحلم حاضراً في الإتيان بنظام يضع حدّاً للدكتاتورية والاستبداد، ويعيد للعراق وجهه المشرق كأحد شعوب الأرض المتميزة التي علّمت البشرية أولى حروف الأبجدية وعلوم القانون والفلك والطب وغيرها من دُرر الحضارة الإنسانية، وإذا به ينجرف نحو الطائفية البغيضة ونظام يقوم على الزبائنية والمغانم في إطار محاصصة مذهبية - إثنية وفي ظل احترابات خارج دائرة المواطنة ومرجعيات فوق مرجعية الدولة.
   والثالث - استعاد فيه الحديث عن أوراق ضائعة وعنونه: "أيامي في بغداد"، وحاول فيه أن يجيب لماذا هذه الخواطر؟ ويسميها "خواطر" بعد أن أسماها "إرهاصات"، حيث يقول " وكنت قد تجنّبت الولوج في عالم السياسة خوفاً من أن اختصاصي الدقيق سيدفعني إلى تحليل سلوك البشر ومحاولة فهم مكنونات صانعي القرار، فضلاً عن فهم التراث والثقافة التي تتحرك فيها تلك الكائنات، فوجدتني أشعر بالحيرة وأنا أحاول أن أكون منصفاً وعلمياً" وهي حيرة الباحث الموضوعي، ولعلّه حسب ابن عربي :
الهدى بالحيرة
والحيرة حركة
والحركة حياة
   لم توهن غربة طارق اسماعيل، التي زادت على نصف قرن ، من روحه الوطنية الوثّابة وتعلقه بكل ما له صلة بالعراق،  وكان أحياناً وعند منتصف الليل يتصل بي ليسأل عن خبر سمعه، أو ليتأكد عن حدث  ما،  أو ليدقق معلومة، أو ليسأل عن كتاب أو بحث أو ليلفت نظري إلى قضية ما أو مسألة مهمة، وسرعان ما يدرك "أنني كائن صباحي" وليس "كائناً مسائياً" أو " ليلياً"، فيستدرك ليغلق السماعة سريعاً، وليكتب لي ما يريد، فأجيبه قدر معرفتي ومستطاعي في اليوم التالي، وهكذا كانت الصلة والعلاقة خلال ربع القرن الماضي.
   وإذا كانت المذكرات قد احتوت على زفرات من الإنفعالات  والهموم التي ترك لقلمه أن يضعها على الورق، فهي ليست سوى آلام وعذابات لرجل ظلّ قلبه على وطنه في أحلك الظروف ولم يتوانَ رغم كل شيء من تقديم ما يستطيع له، وهو في الغربة، بغض النظر عن مواقفه وآرائه، وكم كان مفيداً لو استفادت الحكومات المتعاقبة من الكفاءات العراقية، خارج دائرة التصنيف المسبق الصنع الذي كان "الجميع" ضحاياه، وتنقّل بين نعيمه وجحيمه، وآن الأوان لإدراك هذه الحقيقة، وكل تجربة بنقدها، لأنه دون النقد لا تقويم حقيقي ولا معالجة للعيوب والمثالب والأخطاء، فما بالك إذا كان بعضها خطايا وآثام .
V
   حين نشر طارق كتابه عن الحزب الشيوعي العراقي أبديت له بعض الملاحظات الانتقادية  وتقبّلها برحابة وسعة صدر، خصوصاً ما يتعلّق ببعض خلافات الحركة الشيوعية من داخلها، لاسيّما سنوات السبعينات والثمانينات والموقف من الحرب العراقية - الإيرانية، وحركة المنبر الاحتجاجية، واستعاد بعضها بشغف بعد إصدار كتابي " عامر عبدالله - النار ومرارة الأمل" - 2013  وقام بعدها بإجراء مقابلات معي ودوّن ذلك في مقالة مهمة له باللغة الانكليزية ، اقتبستها لأعيد نشرها في كتاب يصدر لي عن بعض قضايا الخلاف في الحركة الشيوعية.
   وطارق اسماعيل وإن لم ينتم يوماً إلى الحركة الشيوعية، لكنه يكّن لليسار احتراماً خاصاً، لأنه يراه يمثل القوى الأكثر مدنية وتحضراً وثقافة وحبّاً للحياة والجمال والعمران ومناهضة الاستغلال والدعوة للمساواة والعدالة الاجتماعية، خصوصاً وإن القسم الأكبر من صداقاته القديمة كانت مع مفكرين وأكاديميين ومثقفين يساريين وتزخر المذكرات بأسماء عديدة مثل بلند الحيدري  وبدر شاكر السياب ويوسف العاني وخالد الجادر وابراهيم جلال  وفؤاد التكرلي وسليم الفخري وابراهيم كبه وحسين مردان، لكن ذلك الموقف الشديد الاحترام لليسار العراقي، لم ينسه بعض أخطائه، بل حاول أن يذكّر بها، ولعلّ الخطأ الأكبر عنده هو موقف الحزب الشيوعي من الاحتلال الأمريكي والتعاون مع مجلس الحكم الانتقالي، وحسب رأيه إن ذلك أضعف الحزب الشيوعي، فما الذي سيتبقى من الماركسية؟
   ويكتب باعتزاز عن تاريخ الحزب الشيوعي الذي يقول عنه إنه شق طريقه في  النشاط الطليعي خلال القرن العشرين كلّه، ودعا إلى دولة عصرية مستقلة واتخذ مواقف سياسية رصينة وطرح قضايا اجتماعية واقتصادية جذرية وقدّم حلولاً ومعالجات مهمة، وقاد تحركات شعبية كبرى وعبّأ الجماهير للدفاع عن حقوقها ، لكن موقفه من دعوة بول بريمر الانضمام إلى مجلس الحكم الانتقالي عصفت بتلك التجربة والدور الطليعي الذي قام به.
   وبالعودة إلى تقييمه الإيجابي للفكر اليساري الماركسي ولعمل الحركة الشيوعية فإن كتابه يعدّ مرجعاً للحركة الشيوعية، بل لا غنى عنه، وقد استعرض فيه تاريخ الحركة منذ التأسيس وحتى السنوات الأخيرة، ما قبل الاحتلال وما بعده. وقد استكمل ذلك بمقطع مهم عن حركة المنبر ، نشره في مجلة المستقبل العربي ، العدد 439، أيلول  ( سبتمبر)، 2015 تحت عنوان "حركة المنبر الشيوعية: بين التبشير والتنوير!"
وكنت  قد عرّفت بهذه المقالة بالقول" أعتقد أن ما كتبه د. طارق اسماعيل سيسدّ فراغاً في تاريخ الحركة الشيوعية العراقية المدوّن وغير المدوّن ولحقبة مهمة من تاريخ العراق، وتأتي هذه الدراسة، بعد نحو ثلاثة عقود من الزمان على انطلاقة المنبر، وبعد نحو ربع قرن على توقف عملها، لتكشف بالوثائق تفاصيل حركة المنبر وتسلّط الضوء على منطلقاتها ومطبوعاتها، كجزء من تاريخ الحزب الشيوعي، وذلك خدمة للحقيقة والتاريخ."
   وقبل أن أنهي هذه الفقرة وأنا أعرّف بالكتاب والمذكرات وبالمؤلف أنقل ما ذكره ثلاثة من الخبراء بشأن كتاب طارق اسماعيل عن الحزب الشيوعي :
   تقريض كلين رانكوالا - كلية ترنتي - كامبرج
   دوّن طارق اسماعيل تأريخ قيّم للفكر السياسي التقدمي العلماني للسنوات المئة الماضية، من خلال التحليل المنسجم والدقيق والمحايد، كيف أن حزباً جماهيرياً بمثله العليا وبالتصاقه بآمال وتطلعات الجماهير ، قد تفسّخ تحت ثقل الاضطهاد والظلم والسياسة الدولية وحماقات قادته.
   واطلعنا اسماعيل على التركة الفكرية الهامة والحيّة في ضمير الشعب العراقي ، تعي جيداً بأن السياسة هي ليست ببساطة الخيار بين طغيان صدام حسن والاحتلال الأمريكي.

   تقريض جارلس تريب- جامعة لندن
   إنه عمل يعج بالحراك والتفاصيل عن صعود وسقوط الحزب الشيوعي العراقي. لقد لامس البروفسور اسماعيل النضالات  والصراعات الفكرية التي واجهت العراقيين الذين أصرّوا على تغيير الظروف الاجتماعية المتردية لمواطنيهم وعلى تخليص بلدهم من السيطرة الخارجية ، لتأسيس حكم ديمقراطي اشتراكي.
   أظهر هذا العمل إلى العلن المعارك الأيديولوجية والفكرية للحزب الشيوعي العراقي، من خلال سلسلة من المقابلات مع عدد من الذين عايشوا النضال ومن مذكرات آخرين فضلاً عن أدبيات ووثائق الحزب ومصادر صحفية .
   أظهر هذا البحث ، المأزق الذي وصل إليه الحزب الشيوعي العراقي، بحيث لم يكن بإمكانه أن يتساوق لا مع قوة دولة عدوانية ولا مع الكفاءة التعبوية لمناصريه مما أجبره على المساومة التي هدّدت كيانه ووجوده.

تقريض أريك ديفز- جامعة روتجرس
   إنه أول دراسة باللغة الإنكليزية عن الحزب الشيوعي العراقي، الذي هو واحد من أكثر الأحزاب السياسية قوة وشهرة في العالم العربي . باعتماد مصادر عديدة ومقابلات مكثفة لعراقيين ذوو خبرة عميقة في معرفة الحزب، فإن البروفسور اسماعيل أظهر لنا كيف أن الحزب قد جذب أعضاء كان اهتمامهم بالماركسية أقلّ من تأكيدهم على العدالة الاجتماعية وعلى معاداة الطائفية.
   لقد أظهرت هذه الدراسة أن موقف الحزب الشيوعي العراقي من المناطقية والطائفية، جعلت منه الحزب الجماهيري الوطني الحقيقي الوحيد بين الأحزاب الجماهيرية الأخرى. كما أنه بيّنت أن الحزب الشيوعي العراقي قد استمر في نهجه بالتعاون فيما بين كل العراقيين من مختلف الانتماءات الإثنية في نظام ما بعد البعث.
   وأود هنا أن أعرّج على ما دوّنه القيادي الشيوعي العراقي السابق حسقيل قوجمان بشأن انطباعاته عن كتاب طارق اسماعيل، الذي يعتبره أفضل كتاب يعبّر عن تاريخ الحزب الشيوعي تعبيراً صادقاً، ويشدّد على كونه أروع ما كُتب ويدعو لترجمته للغة العربية (موقع الحوار المتمدن، 24 أيلول/سبتمبر/2009)، وكنت قد ذهبت بذات الاتجاه حين اعتبرت كتاب طارق اسماعيل من أهم الكتب عن تاريخ الحركة الشيوعية .
   ولا بدّ هنا من الإشارة إلى أن تاريخ الحزب ليس من السهولة كتابته أو اختزاله أو حصره بمرجعية واحدة ووحيدة فهو متنوّع ومتشعّب وعويص، علماً بأن المؤتمر الثاني للحزب (العام 1970) قرر تكليف لجنة لهذا الغرض، لكن هذه المهمة لم يتم انجازها وهو ما يذهب إليه عبد الرزاق الصافي، على الرغم من تكليف رسمي لـ عزيز السباهي لاحقاً وتوفير المستلزمات الضرورية لقيامه بهذه المهمة، لكن ما أنجزه حتى وإن كان يمثّل الجناح الرسمي، لكنه كان يمثّل  في الوقت نفسه وجهة نظر خاصة، وسرعان ما وردت عليه ردود فعل وملاحظات  حادّة وشهد شدّاً وجذباً، حتى أن أحد إدارييّ الحزب السابقين كتب كتاباً تضمن قراءة نقدية لكتاب السباهي، وعنوان الكتاب الأول "عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي" وصدر عن مجلة الثقافة الجديدة، العام 2002، أما الكتاب الثاني فقد حمل عنوان " قراءة في كتاب عزيز السباهي" وصدر في العام 2007 وهو من تأليف جاسم الحلوائي.
   وبتقديري إن ثلاث جهات حاولت كتابة تاريخ الحزب ولكل أغراضه:
   أولها - حزبية من داخل الحزب أو كانت قد عملت في صفوفه ومن هذه الكتابات كتابي سعاد خيري وزكي خيري وهما " فهد والنهج الماركسي - اللينيني في قضايا الثورة ، بغداد 1972". أما الكتاب الثاني فهو " دراسات في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، دمشق، 1984"، وكتابات ابراهيم علّاوي (نجم محمود) ، وخصوصاً كتابيه " الصراع في الحزب الشيوعي العراقي وقضايا الخلاف في الحركة الشيوعية" و" الخلاف السوفيتي - الصيني وأثره على الحزب الشيوعي العراقي"، وهناك كتابات أخرى لبعض إداري الحزب السابقين ويمكن الإشارة هنا إلى كتاب نصف قرن من النضال الوطني والطبقي الصادر عن منشورات الحزب الشيوعي ، القيادة المركزية ، العام 1984.
   وثانيها- مؤلفات أكاديمية من خارج الحزب، بما فيها بعض أطاريح الماجستير والدكتوراه وأهمها كتاب حنّا بطاطو عن العراق  وهو يتألف من 3 أجزاء، وقام بترجمته عفيف الرزّاز، خصوصاً الجزء الثاني الموسوم " الحزب الشيوعي" ط2 ، 1996 والجزء الثالث المعنون " الشيوعيون والبعثيون والضباط الأحرار"، ط2 ، 1999،  وصدر عن مؤسسة الأبحاث العربية، وقد خصص جزءًا مهما منها لتاريخ الحركة الشيوعية وأجزاء اتصالات بعدد من إداري الحزب السابقين، كما اطلع على وثائق الأمن العام والتحقيقات الجنائية السابقة.
   وثالثها- ما كتبه بعض المعادين للحزب الشيوعي والشيوعية أو المرتدين عليه، وأهم الكتب في هذا الميدان كتاب سمير عبد الكريم، وهو اسم وهمي وصدر لدار نشر وهمية، ويبدو أن أجهزة المخابرات العراقية هي من قامت بترويجه مع مجموعة كراريس أخرى في أواخر السبعينات والثمانينات وما بعدها. وكتاب مالك سيف " للتاريخ لسان" الذي صدر في العام 1983، وورد في مقدمته أنه ذكريات وقضايا بالحزب الشيوعي منذ تأسيسه حتى تاريخ صدوره .
   ويأتي كتاب طارق يوسف اسماعيل ليسدّ نقصاً كبيراً في المكتبة العراقية بشكل عام واليسارية بشكل خاص لما احتوى عليه من معلومات وتدقيقات وما قام به من جهد بإجراء مقابلات حيّة، فضلاً عن موضوعيته، حيث استند إلى المواقف المختلفة من مصادرها الأصلية وعلى لسان أصحابها، لذلك يستحق مثل هذا الاهتمام الكبير، علماً بأن طبعته الجديدة ستتضمن إضافات ومعالجات ووثائق لبعض قضايا الخلاف لم يتم التطرّق إليها في الطبعة الأولى كما وردت الإشارة إليه، وهو ما يعدّه للطبعة العربية حالياً.
VI
   كان طارق اسماعيل تلميذاً نجيباً لعلي الوردي وعلي جواد الطاهر، اللذان كانا من أوائل الذين أثرّوا في مشواره الأكاديمي الطويل والعويص والمتشابك، وحاول بما اكتسبه من معارف وعلوم لاحقة أن يتبع منهجاً وضعياً تاريخياً في تناول الأحداث الاجتماعية، بما يعطيها دلالات أكثر حيوية، بل يجعلها أكثر اقتراباً  من نبض الحياة ذاتها، ومثل هذا المنهج استخدمه في علوم السياسة والعلاقات الدولية، التي درّس فيها في العديد من الجامعات العربية والأجنبية، في الولايات المتحدة وكندا والجامعة الأمريكية في بيروت والقاهرة وجامعة بغداد كأستاذ زائر.
   ووفاء منه لذكرى علي الوردي فقد بادر في إطار الجمعية الدولية لدراسات الشرق الأوسط والرابطة الدولية للدراسات العراقية المعاصرة وبالتعاون مع الجامعة الأمريكية في بيروت AUB إلى تنظيم مؤتمر للاحتفال بمنجز الوردي بمناسبة مرور 100 عام على ميلاده حضره عشرات من الباحثين والأكاديميين (25-26 فبراير/شباط 2014).
   ولعلّ مذكّراته التي حاولتُ تأطير الحديث عن بعض زواياها فكرياً والانطلاق منها لمناقشة بعض أوضاع العراق، تحمل الكثير من القصص والحكايات والأحداث، ولذلك سأكتفي بهذا القدر وأترك للقارئ فرصة الاستمتاع بها، بل والاندهاش بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معاني، وسيكتشف عالماً غنياً ومثيراً في آن، وسيكون الأمر أكثر دهشة وانبهاراً للجيل الجديد الذي لم يعش تلك الفترة الخصبة من تاريخ العراق بما فيها صراعاتها بكل ما لها وما عليها . ولعلّه حتى أخطاء ونواقص تلك الأيام على حجمها وضخامتها، إلّا أنها كانت صميمية تعبّر عن اجتهادات ومواقف لقوى وتيارات أخطأت في اختيار الطريق الصحيحة.
   "فعراق اليوم ليس هو عراق الأمس الذي عشته" كما يقول طارق، وهو على حق، وأهله اليوم ليسوا أولئك الذين عرفتهم وعشت بينهم، كما يذكر في خاتمة مذكراته، ويقول "أجزم بأن ما كان يُدعى "عراقاً" لم يعد موجوداً، فقد حاول الغزو الأمريكي ومن جاء معه " اختطاف الوطن" وتعريضه للقضم والتفتيت واغتيلت صورة العراق موطن الثقافة وأساس الجذور الأولى للبشرية، خصوصاً حين عمّ الحقد وتفشت الكراهية وسادت الطائفية وانتشر الكثير من مظاهر التعصّب والتطرّف والعنف مصحوبة بالكذب والدجل ..."
    بذلك يختتم طارق مذكراته  التي أرادها لأحفاده بهذه اللغة المؤلمة، حيث يرى "تجار السياسة " وهم يتصدّرون المشهد العام، علماً بأن  للتجارة أخلاقها ومقاييسها وقوانينها وأصولها ووسائلها المعروفة ، لكن ذلك لم يكن يأساً منه، بل تعبيراً عن واقع مأساوي " لأن من أفجع ما تبصره العيون / وجوه أولادي حين يعلمون" كما  ورد من نفثة حزن من الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد في قصيدته  "الزائر الأخير".
   كتب طارق بقلب حار فاستحضر التاريخ ليعطينا العبرة والدلالة، ففاض فيه، ولأن التحقّق والامتلاء مصدره ذاتي وعفوي، فقد طفح بالوطنية ، وتلك في كل الأحوال "إرهاصات" و"خواطر" أكاديمي وعالم اجتماع وتاريخ وسياسة وأخلاق، هي كل رأسماله، إضافة إلى صداقاته في رحلته الشائكة فـ" ليس من رحلة أشقّ من العودة إلى العقل" حسب الشاعر والكاتب المسرحي الألماني برتولت بريخت .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* مفكر وباحث عربي من العراق، له عدد من الكتب في قضايا الفكر والقانون والسياسة والأديان والأدب والثقافة والنقد. أستاذ القانون الدولي وحالياً نائب رئيس جامعة اللّاعنف وحقوق الإنسان في جامعة أونور(بيروت) .حائز على وسام أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي، القاهرة، 2003.
(الناشر)


42
اللحظة العراقية - اللبنانية
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
ما يحصل في العراق ولبنان، هو سابقة جديدة حيث تعجّ الساحات بالمتظاهرين السلميين العزّل إلّا من "سلاح"  العَلَمْ الوطني والتواصل الاجتماعي والضمير الإنساني، ولم يكن بينهم وجهاً معروفاً إلّا استثناءً أو مجاملة أو لالتقاط صورة "تذكارية"، وهكذا انزوى  وتوارى عن الأنظار، بل غاب واختفى كلياً، القسم الأكبر والأعظم من السياسيين، إمّا خجلاً لما صنعوه لهذا الجيل أو خوفاً وخشية من ردود الفعل.
كيف يمكن أن يجتمع هؤلاء الذين لم يجتمعوا سابقاً إلّا ما ندر ؟ وما الذي وحّد  هؤلاء البشر المتراصين في الساحات المكتّظة؟ فهل تحرّكت الملايين بفعل إشارة خارجية وبالريموت كونترول كما يذهب البعض أم طفح بها الكيل ففاضت مشاعرها حرصاً على الوطن والكرامة والحقوق؟
وعلى الرغم من محاولات الاندساس أو الاختراق أو الاستغلال والتوظيف، وهو أمر لا تخلو منه أية حركة احتجاجية واسعة، فما بالك بالملايين، إلّا أن الوطن كان المظلّة التي تفيأ في ظلّها هؤلاء الشابات والشبان، باستعادة الوطنية العراقية واللبنانية، تلك التي تتّسم بالعفوية والبساطة والبعيدة عن الأيديولوجيا، لتكون قاسماً مشتركاً أعظم  لهذه الجموع التي واصلت الليل بالنهار دون كلل أو ملل.
وثمّة سبب آخر هو شعور الشابات والشبان بالاغتراب وتبدّد الوطن،  ومثل هذا الشعور ناجم عن جشع الطبقة السياسية الحاكمة وهي طبقة غريبة عنهم، بعد أن أخذت أحاسيسها تتبلّد بالتدرّج وضميرها يصاب بالخمول، حتى إزاء الدماء الساخنة التي سالت، لدرجة أنها انفصلت كلياً عن آمال وطموحات المحرومين والجياع والعاطلين، وزاد عليها في العراق ما تركه الاحتلال من نظام محاصصة طائفي وإثني، ناهيك عن النفوذ الإقليمي المؤثر بصورة مباشرة. أما في لبنان فكان على الدوام يخضع لحسابات القوى الإقليمية والدولية التي ترسم له خريطة طريقه، بالدم تارة وبالقسمة الضيزى في أحيان كثيرة، ولا زال يدفع الثمن من دمه ولحمه وهجرة شبابه وشاباته.
وكشفت الأزمة الراهنة (اكتوبر/تشرين الأول 2019) أن الطبقة السياسية المتنفّذة بغض النظر عن خلافاتها، اتّحدت فيما بينها وتضامنت مع بعضها البعض  للحفاظ على ما هو قائم وتأمين مصالحها برغم تعارض أهدافها، بما فيه إفلات الجناة من العقاب ومن المساءلة عن الفساد المالي والإداري والصفقات والسمسرات، دون أي إحساس بالمصالح الوطنية العليا، أو حتى كلمة اعتذار عمّا حصل.
لم يشهد البلدان مجاعة في تاريخهما المعاصر، لكن الجوع هذه المّرة عضّ الجميع، وخصوصاً فئة الشباب الأكثر حيوية والأشدّ تطلّعاً للمستقبل، فوجدوا فيه ذلاً سعوا لوقفه وهم يعرفون كيف امتلأت مصارف بلدان عديدة من ودائع سياسيي بلدانهم، حيث تتقاسم الوظائف العليا فيه بيوتاً بعينها، سواء باسم الدين أو الطائفة أو بغيرها، فأصبحت تتحكّم بمصائر هذين البلدين وتهيمن عليهما، في حين تظلّ الغالبية الساحقة من الشابات والشبان تعاني من البطالة وشظف العيش وفقدان الأمل.
إن الذين خرجوا للاحتجاج هم خارج نطاق الآيديولوجيا وخارج نطاق السياسة وخارج نطاق الأحزاب، لذلك صبّوا جام غضبهم على السياسيين " كلّن يعني كلّن باللبنانية" و"كلهم حرامية بالعراقية"، حتى وإن كان في الأمر شيء من التعميم والإجحاف، لكن للجيل الجديد لغة أخرى ورؤية مختلفة، لأنه جيل ولد من رحم اليأس والفقر والحروب والطائفية والنزاعات الأهلية، جيل لم تعد تهمّه الشعارات البرّاقة، إنه يريد وطناً يؤمّن له حقوقه الإنسانية وكرامته الوطنية والشخصية، لاسيّما بتوفير حدٍّ أدنى من العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، فذلك طموحه.
سئم الجيل الجديد الاصطفافات الطائفية والانقسامات المذهبية والإثنية والتوجّهات الدينية والأيديولوجية، ووجد هويته الحقيقية في الوطنية والمواطنة والمشترك الإنساني، على الرغم من أن السياسيين أرادوا "حبسه" في أطر ضيّقة، فلم يكن هذا الجيل مسيحياً أو مسلماً ولا شيعياً أو سنياً أو غير ذلك من التسميات، فمن أقصى مدن الشمال اللبنانية (طرابلس) وإلى أقصى مدن الجنوب (صور) كان هناك صوت واحد على لسان الجميع " كلّنا للوطن " ومن (بغداد) إلى (البصرة) ومحافظات الوسط والجنوب، وبالتعاطف من سكان المناطق الغربية والشمالية، فضلاً عن أن نحو 3 ملايين نازح ما زالوا خارج سكناهم، الذين لم يشفوا بعد من داعش وما ارتكبه بحقهم، كان الصوت واحداً "موطني ..موطني"، وحتى المواطن الكردي في إقليم كردستان فإن همومه لا تختلف عن هموم المواطن العربي في العراق، باستثناء طموحه في كيانية خاصة به.
أدرك هذا الجيل أن دستوراً يقوم على المحاصصة الدينية والطائفية ويعتمد على الزبائنية السياسية وتقاسم الغنائم ليس بإمكانه أن يحقق له الحياة الحرّة الكريمة، فلم يبق أمامه سوى الانتفاض لتغيير قواعد اللعبة ، لذلك جاءت مطالباته عابرة للطوائف والفئويات، وداعية لنبذ وتحريم الطائفية بوضع قواعد جديدة لدولة جديدة أساسها إحترام المواطن وتلبية احتياجاته الأساسية دون تمييز.
فهل سيُصغى إلى لحظة الحقيقة اللبنانية- العراقية ؟

drhussainshaban21@gmail.com


43
والمجموعة الرابعة- "الأنظمة التسلطية أو الاستبدادية" وعددها 52 دولة ونسبتها إلى  مجموع بلدان العالم 31.1%، وجاء ترتيب البلدان العربية بين المجموعتين الثالثة والرابعة.
إن تصنيف تونس ضمن المجموعة الثانية، إلى صف بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، وهي بلدان ديمقراطية عريقة يعني أنها تسير بالاتجاه الصحيح في طريق التحوّل الديمقراطي الذي يحتاج إلى المزيد من حكم القانون واستقلال القضاء وفصل السلطات وحماية الحقوق والحريات العامة والخاصة وتأمين مستلزمات عيش كريم وضمان اجتماعي وسلم مجتمعي وتوافق بين القوى والتيارات السياسية الأساسية على قواعد اللعبة الديمقراطية وتجنيب البلاد أي منزلقات من شأنها أن تؤدي إلى تصدعها ، وقد أدركت الحركة السياسية برمتها بما فيها القوى الإسلامية وأقصد بذلك حزب النهضة وزعيمه الشيخ راشد الغنوشي أن ليس بإمكان قوة لوحدها أن تتحكم بمصائر البلاد أو أن تحصد نتائج الثورة ، الأمر الذي يستوجب التفاهم والتعاون والتنسيق بينها بالاستفادة من تجربة "الأخوان المسلمون" في مصر، وقد أبدت الفاعليات والأنشطة السياسية، ولاسيّما المجتمع المدني نضجاً كبيراً ووعياً متقدماً حين تشبثت بالحوار ونزعت فتيل الأزمة التي اندلعت حينها وكادت أن تؤدي بالتجربة إلى المجهول، ولهذا استحق المجتمع المدني جائزة نوبل العام 2015  وهي تمنح لأول مرة لجهات مدنية وليس لأشخاص وقد كانت المنظمات الأربعة التي ساهمت في تهيئة مناخ الحوار هي الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين بتونس .
إن استعادة الوعي العربي في ظل العوامل المؤثرة الداخلية والخارجية في المشهد العربي الراهن تحتاج إلى التوقف عند الإصلاح  الذي لم يعد مجرد فكرة تثير اختلافات حول المعنى المضمون أو حول الآليات والوسائل حسب ، بل أصبح قبل ذلك كلّه حاجة ماسّة وضرورة ملّحة داخلية قبل أن تكون خارجية ، لذلك اقتضى الأمر التسريع به وتوفير المستلزمات لنجاحه، خصوصاً وأن أوضاعنا العربية في الكثير من البلدان وصلت إلى حالة من انسداد الأفق ، ولهذا أخذ بعضهم يفكّر "بعمليات قيصرية " قد لا تكون نتائجها مضمونة أو محمودة العواقب.
وعشية ما سمّي بالربيع العربي شاعت بعض المصطلحات من قبيل " الإصلاح القسري والإصلاح الطوعي " أو "الإصلاح بالقوة والإصلاح باللين "، و"الإصلاح المذموم والإصلاح المحمود"  و"الإصلاح المنضبط والإصلاح المنفلت" لدرجة أن الإصلاح أصبح هاجساً ضاغطاً على السلطات والمعارضات، والأمر استمر حتى في البلدان التي شهدت تغييرات في قمة السلطة، فبدلاً من التنافر والاحتراب والصدام بين (السلطة و المعارضة والفعاليات الاجتماعية والمدنية)، أصبح من العقلانية والموضوعية والحكمة، حشد الطاقات لإحداث نوع من التراكم والتطوّر التدرّجي الطويل الأمد لتحقيق الإصلاح والتحوّل الديمقراطي ، بدلاً من الصراع ووصول الفرقاء إلى طريق اللّاعودة المفضي  إلى المزيد من التوترات والاحتقانات الداخلية .
      يمكن القول واستنتاجاً مما حصل في أفغانستان والعراق وتعرضهما للاحتلال، إنْ لم يأتِ التغيير تدرّجياً " تراكمياً " وضمن مسار وإنفتاح، فإنه قد يأتي عاصفاً ومدّوياً ويترك انعكاساته السلبية الخطيرة على أوضاع الحاضر وكذلك على أوضاع المستقبل، ناهيكم عن كونه يعطّل ويُبعد الاصلاح الحقيقي المنشود.
      ولا بدّ هنا من الإشارة  إلى أننا عندما نتحدث عن الإصلاح الديمقراطي ، فلا نقصد بذلك الحكومات وحدها، لأنها مهما حاولت وسعت، على الرغم من أنها المسؤولة الأساسية، إلاّ أنها لا يمكن أن تتصدىّ لهذه المهمة الطويلة والمعقدة بمفردها فقط. الحكومات بحاجة  إلى شراكات حقيقية من مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب والمنظمات السياسية والنقابية والمهنية، للاضطلاع بدورها في عملية الإصلاح الديمقراطي، وهي مسؤولة أيضاً عن نجاح أو إخفاق عملية الإصلاح وإنْ كانت بدرجات أدنى .
ولأن الإصلاح شاملاً، فإنه تعبير في اللحظة التاريخية عن مسار كوني وسياق عالمي وتاريخي، لا يمكن عزل هذا البلد أو تلك الدولة عنه ، أنه ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، وخصوصاً في ظل العولمة وثورة الإتصالات  والمواصلات وتكنولوجيا المعلومات والإعلام وتحوّل العالم  إلى " قرية كونية " والتفاعل والتداخل والتشابك بين أجزائه المختلفة، فلم يعد بإمكان بلد ما أن يعيش في عزلة أو خلف "ستار حديدي" أو يمنع مواطنيه من التأثر بما يجري في العالم، فالتلفزيون والكومبيوتر والانترنت وتكنولوجيا المعلومات، أصبحت وسائل تدخل البيوت دون أي استئذان أو ترخيص  وتؤثر في العقول والاتجاهات والأنظمة والمجتمعات على نحو عاصف . 
ولهذا السبب أيضاً لا يمكن اليوم التعكًز على بعض القضايا الوطنية وبحجة السيادة أو عدم التدخل بالشؤون الداخلية، للتضحية بقضية الإصلاح أو مقايضة الديمقراطية والتنمية، لأن ذلك سيؤدي  إلى تدابير وتسويغ وجود واستمرار النُظم المستبدّة والمعادية للديمقراطية والإصلاح، مثلما لا ينبغي بحجة الإصلاح إرتهان الإرادة الوطنية وإخضاع المصالح الوطنية والقومية للقوى الخارجية وللمشاريع الأجنبية، أي قبول منطق الإستتباع والهيمنة والتعويل عليه لإنجاز مشروع الإصلاح الديمقراطي.
      إن المعادلة الصحيحة، التي على الحكام العرب أن يدركوا مخاطرها وأن يتعلّموا دروسها جيداً، مثلما على القوى المعارضة أن تعي انعكاساتها الخطيرة على قضية الإصلاح، لكي لا تتورّط  بالغرق فيها  و"ساعة لا ينفع الندم"، أقول إن المعادلة التي ينبغي على السلطات الحاكمة والمعارضات السياسية وقوى المجتمع المدني أن تعمل بها هي: أن الشروع بالإصلاح واعتماد التحوّل الديمقراطي والتوّجه نحو التنمية يضعف فرص التدخل الخارجي، ويحول دون إعطاء مبرّرات للقوى الأجنبية لمدّ نفوذها وتغلغلها، والعكس صحيح أيضاً.
فكلّما تنكّرت القوى الحاكمة لاستحقاق الإصلاح والديمقراطية أو سعت المعارضات السياسية للاحتماء بالخارج والتعويل عليه بحجة العجز أو الجزع من مواصلة النضال لتحقيق الإصلاح الديمقراطي وانسداد فرص تطوير الأوضاع السياسية من الداخل ، كلّما كان التداخل الجراحي الخارجي خطيراً، وتذهب بل تتبدّد معه خطط الإصلاح والآمال ، خصوصاً ما يجلب التدخّل الخارجي من سوءات وإشكالات، سواءً كان حصارات دولية أم ضغوط تقترب من الحرب أم شن حروب واحتلالات.
ولعل النموذجين الأفغاني والعراقي يشيران على نحو شديد  إلى حقيقة صارخة هي الأخرى، تكمن في أن رفض الإصلاح والديمقراطية داخلياً، قاد  إلى احتلالات وفرض إرادات خارجية، وإنْ كان ذلك تحت حجج وذرائع متناقضة، ولكن وفي كلي الحالين كانت الديمقراطية والإصلاح والتقدم الاجتماعي والتنمية ومصائر الشعوب ومستقبلها هي الضحية.
صحيح أن للقوى الخارجية مصالحها وخططها ، لكن "بعضهم" كان يعطيها مبررات ومسوّغات إضافية للتدخل وإملاء الإرادة.
إن الإصلاح الديمقراطي في العالم العربي، يتطلب الإقرار بالمساواة بين المواطنين وبمبادئ المواطنة الكاملة، الأساسان في الدولة العصرية ، وهذان الأمران يتطلبان إقرار واعتماد التعدّدية الفكرية والتنوع السياسي والقومي والديني في مجتمعاتنا، وضمان الحرّيات للأفراد والجماعات وبخاصة حرية التعبير وحرية التنظيم السياسي والنقابي والمهني وحرية الاعتقاد وتوسيع دائرة المشاركة السياسية باعتبارها حقاً أساسياً ، يضمن حق توّلي المناصب العليا والوظائف العامة دون تمييز بسبب الدين أو العرق أو اللغة أو الإتجاه السياسي أو الانحدار الاجتماعي أو الجنس أو المعتقد أو لأي سبب آخر ، وبهذا المعنى فإن الإصلاح الديمقراطي يقتضي تأمين حقوق النساء ومساواتهن مع الرجال طبقاً للمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان   والشرعة الدولية وكذلك الاتفاقيات الدولية الخاصة بالمرأة .
     ولا يمكن هنا التذرّع بالخصوصية للتملّص من الاستحقاقات الدولية والآليات العالمية للإصلاح مثلما لا ينبغي التجاوز على الخصوصيات وعدم احترامها بحجة " العولمة"  والكونية ، وإنما يمكن الاستفادة منها في رفد التيار العالمي من خلال خصوصياتنا ، وليس التحلل من إلتزاماتنا بالمعايير الدولية .
وتتطلب حيثيات الإصلاح نبذ العنف من الحياة السياسية والركون  إلى الوسائل السلمية واعتماد لغة وفقه الحوار والتعايش والاعتراف بالآخر، كما يتطلب الإصلاح الديمقراطي إجراء انتخابات دورية لاختيار الشعب لممثليه .
      أربع مخاوف أساسية تسلّلت إلى الواجهة  في النظر إلى مسألة الإصلاح
الأولى -  القلق من حضور القوى الدينية والسلفية
الثانية-  الخوف من الفوضى
الثالثة-  محاولات الاستغلال الخارجي
الرابعة- الخشية من انتعاش الجماعات الإرهابية وانفلات الإرهاب.
وهذه المخاوف الثلاث برزت خلال ما أطلق عليه " الربيع العربي" حيث  ارتفع قلق وهاجس بعض الجهات والجماعات من حضور القوى الدينية أو الجماعات السلفية، إما  لاعتبارات  آيديولوجية  أو  دينية بصبغة طائفية أو لأسباب سياسية أو اجتماعية.
لكن هذا القلق لم يكن الهاجس الوحيد لدى هذه القوى التي بقيت متخوّفة أو متردّدة أو حتى مرتابة من التغيير لهذا السبب،  بل كان الخوف من الفوضى موازياً للخوف من القوى الإسلامية، لاسيّما بعد تجربة "الفوضى الخلاقة" التي ضربت أفغانستان ومن ثم العراق ، بعد احتلالهما العام 2001 و2003، على التوالي.
 يضاف  إلى ذلك، الخوف الكبير والقلق العميق من محاولات الاستغلال الخارجي،  لحركة التغيير، سواءً من خلال توجيهها أم التأثير عليها، بل إن أصحاب نظرية المؤامرة كانوا يقدّمون هذا الهاجس على الهواجس الأخرى التي تعتبر مكمّلة أساساً، لهذا البرزخ الذي يمكن أن يكبر، مستندين  إلى الكثير من الأمثلة والأدلّة، ولعل أكثرها إثارة بالنسبة للعالم العربي ما حصل في العراق نتيجة الاحتلال، واليوم فإن الحالة الليبية مثال صارخ على الاستهداف الخارجي، خصوصاً وان التدخل العسكري لحلف الناتو زاد المشهد  الليبي تعقيداً وعنفاً .
وتبرّر بعض الحكومات القوى السياسية خشيتها من عملية التغيير ووقوفها ضد ما سمّي " الربيع العربي" بزعم أن مثل هذا التغيير غير المنضبط سيقود إلى تسلل القوى الإرهابية، ويضرب مثلاً بتنظيم القاعدة وداعش وجبهة النصرة " جبهة أحرار الشام" وأخواتهم حيث أعقبت محاولات التغيير نشاطاً غير مسبوق للقوى الإرهابية في العراق وسوريا وليبيا واليمن وغيرها.
التغيير أصبح حقيقة لا يمكن نكرانها أو تجاهلها، على الرغم مما أصابه من نكوص وعُسر وانحراف، ناهيك عن محاولة توظيفه لأهداف أنانية ضيقة، على مستوى الداخل والخارج، لكن التغيير في الوقت نفسه مسار طويل ومعقد وفيه الكثير من التعرجات والانحناءات لأنه واقع لا يمكن إغفاله حتى ولو بعد حين وسيتم عبر التراكم والتواصل وتلك سنّة من سنن التطور.

أما حقائق التغيير فهي
الحقيقة الأولى - هو أن التغيير قد بدأ ولا يمكن وقف قطاره حتى وأن تعثّر أو تأخّر، فلم يعد ممكناً العودة  إلى الوراء، مهما كانت المبررات، فالإصلاح والدمقرطة والحريات ومكافحة الفساد وتلبية الحقوق الإنسانية، أصبحت استحقاقاً ليس بوسع أي مجتمع التنصل عنه.
   الحقيقة الثانية - توفّر البيئة المناسبة داخلياً وخارجياً، موضوعياً وذاتياً، فالتغيير هو فعل داخلي بامتياز وإن كانت البيئة الدولية مشجّعة، وسواءً كانت بصدقية أو بتوظيف سياسي، لكن السياسة حسب ابن خلدون هي صناعة الخير العام.. وهي أمانة وتفويض ولا مجرى لها الاّ بين تضاريس المحاسبة والتوضيح، فليس لأحد الحق في امتلاك أركانها، باسم استخلاف إلهي أو ما شابه، وإلاّ فستبقى دواوين التاريخ مفتوحة على أخبار قوى التسلط والتحكّم المناقضة لشرائع النقل والعقل، وهو ما تستهدفه التغييرات التي تطمح إليها الشعوب وحركتها الاحتجاجية.
الحقيقة الثالثة إمكانية التغيير بالسلم وباللّاعنف، وحتى إن لم تستجب بعض الحكومات للإرادات الشعبية، فإن الشباب سيعيد الكرّة بعد الأخرى حتى يحصل التغيير، سواءً حصل من جانبها مرغمة أو مضطرة أو بتخطيّها وانزياحها.
لقد أدركت بعض النخب الحيّة أن طريق العنف لن يقود  إلى تحقيق الأهداف المرجوّة، وسعت على الرغم من عوامل الكبح والمعوّقات  إلى المبادرة الجسورة، بالدعوة  إلى نشر ثقافة اللاعنف، والإستعاضة عن "القوة الخشنة" في حل الخلاف بـ "القوة الناعمة" استناداً  إلى المقاومة اللاعنفية، التي تعني المقاومة السلمية المدنية، سبيلاً لا غنى عنه للوصول  إلى طريق التنمية المنشود.
الحقيقة الرابعة- إنكسار حاجز الخوف الذي هو سمة للمحكومين، وسيفاً مسلطاً على رقابهم، لاسيّما في ظل الأنظمة الاستبدادية، فإن مجرد كسر الحلقة الأولى منه يمكن كسر الحلقات الأخرى تباعاً وعلى جناح السرعة، بل إنه يمكن أن ينتقل  إلى الحكام أنفسهم.
الحقيقة الخامسة- قيادة الشباب لحركة التغيير، وإذا كان الشباب في السابق هو الذي يفجّر الانتفاضات وهو وقودها على الدوام، فالأمر قد تغيّر في موجة التغيير الحالية، فقد أصبح هو من يخطط ويقود وينفّذ، بطريقة حضارية ومدنية راقية، متقدماً على الكيانات  القائمة بما فيها المعارضات التقليدية وغير التقليدية.
الحقيقة السادسة - تتعلق بالاقتراب من الوحدة الوطنية، التي طالما تخوّفت وأخافت الأنظمة السياسية القائمة من تبديدها وتعرّض البلاد  إلى التمزّق والتشتت والتشظي وإذا كان التمسك بالهويات الفرعية مفهوماً بسبب محاولات إحتوائها أو تغييبها في ظل أنظمة شمولية وتسلطية ومركزية صارمة، الاّ أن بروزها لم يكن عامل انقسام بقدر تعبير عن واقع حال في إطار الوحدة الوطنية والهوية الجامعة ولم يبرز من خلال جميع التحركات الشعبية شعارات تقسيمية، بقدر ما أظهرت التمسك بالوحدة الوطنية، فقد تجاوزت حركة التغيير الانقسامات المجتمعية والاختلافات والآيديولوجيات الدينية والطائفية، وأنجزت ما لم تنجزه الحكومات والمعارضات بسرعة مذهلة نجحت في تحقيق أهدافها أم لم تنجح.
الحقيقة السابعة- مشاركة المرأة على نحو لم يسبق له مثيل، ومثل هذه المشاركة أعطت بعداً اجتماعياً جديداً لعملية التغيير، ولعل مطالبة المرأة بحقوقها سيكون من صلب التوجّهات الجديدة للبلدان التي شهدت انتفاضات شعبية، وهذا دون شك سيحفّز القوى التقليدية باسم الدين أو الموروث والعادات والتقاليد التي تحاول منعها من التقدم وتضع العصي في عجلة مساواتها الكاملة ومشاركتها المتساوية.
الحقيقة الثامنة- خلقت الانتفاضات تغييراً في مزاج الجماهير، لاسيما شعور الناس بالثقة والطمأنينة، على الرغم من ارتفاع موجة المجابهة العنفية والمسلحة في بعض البلدان، ولعل هذا المزاج الجديد يمكنه أن يؤثر على نفسيتها إيجابياً، ناهيكم عن قدرتها في التمتع بحريتها وفي التعبير عن مطامحها المكبوتة لعقود من السنين.
الحقيقة التاسعة – كشفت قدرات المجتمع المدني على الرغم من محدوديتها، إلّا أنها ساهمت في إحداث نوع من التراكم في بعض البلدان، حيث لعب المشاركون فيها دوراً غير قليل في الانتفاضات الشعبية، ولا يمنع ذلك أن يكون الحراك عفوياً، لكن الكثيرين من منتسبي المجتمع المدني ساهموا فيه.
الحقيقة العاشرة – الميل  إلى التحديث على الرغم من الكوابح التي وقفت أمام مجتمعاتنا لدخول عالم الحداثة، ولكن هناك بعض الترابط بين الحداثة والمدنية والعقلانية والعلمانية، وتلك مواصفات الدولة العصرية التي كان الشباب يسعون للوصول إليها متغالبة للعقبات التقليدية، العشائرية والطائفية والدينية.

   6- يبدو أن العرب قياساً إلى غيرهم من جيرانهم الطبيعيين كالأتراك والإيرانيين، يفتقدون  إلى مشروع حضاري جامع، يتطلعون من خلاله للمستقبل، فلماذا برأيكم عجز الأمة العربية عن الإجابة عن سؤال التقدم ؟

   هناك أسباب داخلية وأخرى خارجية منعت الأمة العربية من مواكبة النهوض العالمي أسوة بأمم المنطقة الأخرى، ولاسيّما الأمة التركية والأمة الفارسية، وإن كانتا هما الأخريتان تواجهان مشاكل غير قليلة، لكن نخبهما تمتاز عن نخبنا باللقاء عند قاعدة عريضة أساسها المشروع الوطني أو القومي (الدولة - الأمة)، في حين أن المشروع النهضوي العربي ما يزال غائباً ، ويعود الأمر بالدرجة الأولى إلى عامل التجزئة، الذي عانت منه الأمة العربية التي حكمها العثمانيون ما يزيد عن أربعة قرون من الزمان، ثم وقعت غالبية بلدانها تحت السيطرة الاستعمارية  البريطانية والفرنسية .
   وبدلاً من تحرّر العرب وحصولهم على استقلالهم وحقهم في تقرير مصيرهم بما فيه إقامة كيانيتهم الموحدة التي يمكن أن ترتقي إلى دولة كبرى في المنطقة، فقد نكث الحلفاء بوعودهم ، بل قاموا في السر بإبرام اتفاقية سايكس - بيكو العام (1916) بين بريطانيا وفرنسا، والتي قطّعت أوصال البلاد العربية واستهدفت المشروع الوحدوي العربي في بداياته الجنينية الأولى لبناء دولة عربية موحّدة، خصوصاً بربط ذلك بوعد بلفور الذي صدر في  2 نوفمبر 1917 عن  آرثر بلفور وزير خارجية بريطانيا آنذاك تصريحاً ودعا فيه إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.
   وهذه الأسباب كانت وراء كسر الحلم العربي في إحدى حلقاته المركزية في القرن الماضي، ويُراد من صفقة القرن الجديدة، الاستمرار في المخطط الاستعماري الجديد، لتصفية القضية الفلسطينية والإمعان في المزيد من إضعاف الدول الوطنية وتفتيتها.
   وكان لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الدور الأساسي في تنفيذ هذا المخطط خطوة خطوة، حيث ابتدأت بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بها عاصمة لدولة "إسرائيل" ثم شرعت بتقديم "الجولان السورية" هبة إلى "إسرائيل" دون أي اعتبار لقواعد القانون الدولي، التي لا تعطي المحتل الحق في منح أو إلحاق الأراضي والحصول على مكاسب سياسية.
   وتسعى واشنطن وتل أبيب لضم المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية إلى إسرائيل وهكذا يتم بالتدرج إمحاء أثر فلسطين، بما تمثّله من ثقل حضاري وتاريخي ورمزية دينية عربية: مسيحية وإسلامية ويهودية.
   وإذا كان القرن الماضي قد شهد زرع كيان غريب في قلبه ليشكّل حاجزاً بين قسمه الآسيوي وقسمه الأفريقي وبين مشرقه ومغربه، للحفاظ على مصالح الامبريالية العالمية  واستمرار وجودها في المنطقة، فإن القرن الحالي يُراد منه المضي في المشروع الكولونيالي التوسعي الإجلائي ، لاسيّما بإشغال شعوب المنطقة بحروب ونزاعات طائفية وإثنية من شأنها إبعادها عن مهماتها الأساسية في  التحرّر والإستقلال والوحدة والتنمية والتقدم والحياة المدنية الحرّة. وقد أصاب ادوارد سعيد، كبد الحقيقة حين قال: إن أكثر الأيام إيلاماً وإظلاماً في تاريخنا الفلسطيني والعربي هو يوم وعد بلفور، لأنه كان يدرك تداعياته  وأبعاده على مستقبل المنطقة وارتباطه العضوي بالمشروع الصهيوني الذي تأسس وفقاً له.
   بتقديري إن استعادة الوعي بأهمية مشروع عربي نهضوي جديد يحتاج من تفاهمات واتفاقات بين النخب الفكرية والسياسية ، ولاسيّما من الطبقة الوسطى، وذلك يتطلب تجسير الفجوة بين صاحب القرار والمثقف، بحيث يكون الأخير شريكاً فاعلاً في اتخاذ القرار وتنفيذه، وأن يكون الصراع سلمياً والحوار مدنياً وحضارياً وأن يتم نبذ استخدام السلاح وتحريم اللجوء إلى العنف وسيلة لحل النزاعات ، وقد سبق أن نوقش مشروع نهضوي عربي على مدى عقدين ونيف من الزمان في إطار مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي لمركز دراسات الوحدة العربية ، إذْ لا مناص للقوى الحيّة الحاملة لعملية التغيير، ولاسيّما من الطبقة الوسطى من النهوض لمواجهة التحدّيات المشتركة للعالم العربي ككل ، خصوصاً في مجالات التنمية الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والأمن القومي .
ولعلّ الوحدة العربية بمنظورها الجديد يمكن أن تكون ديمقراطية الاسلوب بالضرورة، أي ألاّ تفرض فرضاً وإنما ينبغي أن تقترن برضا شعبي ومن خلال الاختيار الحر الديمقراطي وعبر صندوق الاقتراع أو الاستفتاء، بحيث تكون وحدة شعبية وليست فوقية أو انقلابية أو احتلالية أقرب  إلى الضم والإلحاق.
 أما صيغة الوحدة العربية فقد تكون أقرب  إلى الدولة الفيدرالية (الاتحادية) وقد فشلت حتى الآن جميع التجارب الاندماجية التي حسبما يبدو أن شروطها غير ناضجة، ويمكن أن يكون مدخل الوحدة تدريجياً واقتصادياً طويل الأمد يعتمد على وسائل وأساليب تعددية ومتنوعة وهو لا يشترط انضمام جميع الأقطار العربية اليه مرّة واحدة، بل يمكن لمن لديه جهوزية لذلك وتوفرت الشروط المناسبة لانضمامه.
أما مضمون الوحدة فهي مطلب للمجتمعات وليس حكراً على طبقة واحدة، لكنه دون أدنى شك ينبغي أن يصب في مبادئ العدالة الاجتماعية باعتباره أحد أركان المشروع النهضوي العربي الجديد، ولعل نقيض التخلف والنمو القاصر في ظل العولمة هو التنمية المستدامة المستقلة باعتبارها ركناً من أركان المشروع النهضوي.
وإذا كانت التنمية قد فشلت في تحقيق التقدم في مرحلة ما بعد الاستقلال، وظل الاقتصاد العربي بجميع أقطاره يعاني من التخلف والتبعية في بلدان اليُسر وفي بلدان العُسر. وازداد الاعتماد على النفط ومشتقاته، الأمر الذي عمّق الطبيعة الريعية للاقتصاد العربي، الذي يقوم على المضاربات العقارية والمالية وتراجعت القطاعات المنتجة الزراعية والصناعية، وقد إزدادت المجتمعات العربية فقراً على الرغم من زيادة مردوداتها.
والتنمية المستقلة حسب المشروع النهضوي العربي لا تقوم على فرضيته الأولى "الاكتفاء الذاتي"، و"الانقطاع عن العالم" ، أو فرضية الثانية أي "الاندماج في السوق العالمي"، بل تعني الاعتماد على القوى الذاتية للمجتمع في المقام الأول، وفي مقدمة ذلك القدرات البشرية والمدخّرات الطبيعية، والتعامل الصحيح مع العولمة. وأهم مبادئ التنمية المستقلة هي تحرير القرار التنموي من السيطرة الأجنبية وإعتماد مفهوم واسع للرفاه الإنساني كهدف للتنمية، يتجاوز المكوّنات المادية  إلى المكوّنات المعنوية للتنعّم الإنساني مثل الحرية والمعرفة والجمال، والاعتماد على المعرفة وإنشاء نسق مؤسسي للتكامل العربي والانفتاح الايجابي على العالم المعاصر.
أما نقيض الاستغلال الطبقي والاجتماعي فهو العدالة الاجتماعية وهي بحد ذاتها قيمة إنسانية كبرى في عالمنا المعاصر وهدف من أهداف النهضة العربية المعاصرة فليس لمجتمع أن ينهض من دون أن تكون العدالة أساساً للنظام الاجتماعي فيه.
والعدالة الاجتماعية تعني تكافؤ الفرص وإلغاء استغلال الإنسان  للإنسان والتوزيع العادل للثروة وبنية ملائمة لملكية وسائل الانتاج بإعادة الاعتبار للدولة في الميدان الاقتصادي وخلق قطاع عام قوي وقادر على قيادة عملية التقدم والتحديث مع مشاركة القطاع الخاص الوطني في النشاط الاقتصادي وآليات تجسد فكرة العدالة في الواقع العربي تتعلق بالانتاج والأجور والأسعار بما يحدّ من الاستقطاب الطبقي فيه، إضافة  إلى السياسات الضريبية والتأمينات الاجتماعية ضد البطالة وغيرها.
ولعلّ الانبعاث والتجدد الحضاري هو مرتكز أساس للانعتاق من التأخر الحضاري والتخلف التاريخي الذي عاشه العالم العربي.
ولكي يصار  إلى آليات المشروع النهضوي العربي فلا بدّ من أخذه ككل كامل ولا يمكن تأجيل أو استبعاد أو انتقاء بعض عناصره لكن ذلك لا يعني إمكانية تحققه دفعة واحدة، بل يمكن أن يتخذ سلسلة مسارات مختلفة ومتفاوتة .
كما لا بدّ أن يستند  إلى قاعدة عريضة من قوى لها مصلحة في التغيير، خصوصاً بتوفير كتلة تاريخية تشارك فيها القوى التغييرية والمنظمات المدنية، لاسيّما ذات الأجندات الوطنية، ومثل هذا البناء يحتاج إلى تراكم طويل الأمد ويتسم بالانفتاح والنقد والنقد الذاتي للتجارب التاريخية ولاستشراف أفاق المستقبل.
ولعل هذه العناصر الستة: الوحدة العربية والديمقراطية والتنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية والاستقلال الوطني والقومي والتجدد الحضاري، التي بلورها بواقعية واستشراف مسقبلي المشروع النهضوي العربي، إنما هي قراءة استخلاصية للكفاح العربي منذ عصر النهضة العربية  في القرنين الماضيين وإلى الآن. وهي قراءة ضدّية، بمعنى أن نقضيها يستولد من داخلها، فنقيض الاحتلال هو التحرر وهذا يستوجب  التحرر من الهيمنة الأجنبية الدولية والإقليمية، وذلك بتحقيق الاستقلال الوطني والقومي، الذي هو الرد التاريخي على الاستعمار والاحتلال والهيممنة الأجنبية.
ونقيض نظم الاستبداد وعدم المشاركة هو الديمقراطية التي يمكن أن تشكل الخيط الناظم لمفردات وعناصر المشروع النهضوي العربي، بل أنها السبيل الذي لا غنى عنه لمشاركة الناس في صنع مستقبلهم وتقرير مصيرهم، والديمقراطية لم تعد ترفاً فكرياً أو خياراً يمكن تأجيله أو الاستعاضة عنه، بل هي ضرورة لإطلاق طاقات المجتمع وقاعدة تبنى عليها الدولة الحديثة ويستقر عليها المجتمع الحديث. وقد كان أحد أسباب إخفاق المشاريع النهضوية العربية السابقة هو عدم إيلائه الديمقراطية ما تستحقه باعتبارها شرطاً لا غنى عنها لتحقيق النهضة ورافعة أساسية من روافعها، وهذه تتطلب تحقيق الحريات ولاسيما حرية الرأي والتعبير وحق التنظيم الحزبي والنقابي والاجتماعي وحق الاعتقاد وحق المشاركة، ناهيكم عن تأكيد مبادئ حكم القانون والمساواة  لاسيما بين الرجال والنساء والمواطنة في إطار نظام تعددي وتمثيلي وتداول سلمي للسلطة في إطار دستور يعتمد على فصل السلطات ويعتبر الشعب مصدرها جميعاً، مع كفالة الشفافية والرقابة والمساءلة.
ونقيض التشظي والتشتت والتجزئة هو الوحدة العربية التي أصبح المجزأ فيها قابلاً للتجزئة في كيانات كانتونية أو دوقيات  ما هو دون الدولة، وإذا كان المشروع الوحدوي العربي قد فشل تاريخياً، فلا يعني ذلك أن الوحدة لم تعد ضرورة وجودية، خصوصاً وأن ما يجمع العرب على الرغم من اختلاف أقطارهم وكياناتهم وطبقاتهم، هو كثير من اللغة  إلى القيم الحضارية والدينية والموروث التاريخي فضلاً عن المصالح المشتركة. أما نقيض التجمّد التراثي في الداخل والتشويه في الخارج، فهو في التجدد الحضاري، ولن يكون ذلك ممكناً دون ضمان عدالة اجتماعية نقيضاً للاستغلال والظلم بكل صوره ومستوياته.

7- تؤمنون كما نعرف بدور المجتمع المدني في تغيير الواقع العربي، وترون في "الدولة المدنية" مخرجاً للصراع السياسي والأيديولوجي، فهل من إضاءة؟


أعتقد أن الدولة الحديثة لا يمكنها أن تنهض دون معادلة تربط ما بين الحكومة من جهة والمجتمع المدني من جهة ثانية والقطاع الخاص من جهة ثالثة، والأمر يتطلب توازناً وتناسقاً بين هذه القطاعات الثلاث، وبقدر ما تكون الحكومة مسؤولة عن تنفيذ السياسات العامة والخطط التنموية فإن المجتمع المدني يمكن أن يكون رديفاً للدولة ومكمّلا ومتمّماً للإستراتيجية  المقررة بصفته قوة رصد ورقابة من جهة ، ومن جهة أخرى "قوة اقتراح" لا يمكن للدولة أن تحقّق برامجها دونها ودون مشاركة القطاع الخاص أيضاً.
وإذا ما أريد حقاً أن تنهض الدولة فعليها إشراك مؤسسات المجتمع المدني في اتخاذ القرار من جهة وفي تنفيذه من جهة أخرى.ولكي يلعب المجتمع المدني مثل هذا الدور فعليه هو الآخر أن يقدّم نقداً ذاتياً لبعض توجهاته ويتمتع بالاستقلالية بما فيها المالية، بحيث لا يكون جزءًا من أجندات خارجية ، وأن لا ينخرط بالصراع الأيديولوجي والسياسي وأن يضع مسافة واحدة بينه وبين السلطات والمعارضات، فهو ليس ضد حكومة بعينها أو مع معارضة بذاتها ، وإنما يقف مهنياً باستمرار مؤيداً لكل ما هو إيجابي ومنتقداً لكل ما هو سلبي، ومشاركاً في عملية التنمية وفي تقديم المقترحات ورصد الانتهاكات، وهو إذْ ينحاز إلى الضحايا فلا علاقة له بأفكارهم أو معتقداتهم أو اتجاهاتهم الفكرية والسياسية.
ولكي تكون الدولة بأركانها الثلاثة "مدنية"، فلا بدّ من إشباع كل حقل بصلاحياته ، خصوصاً حين يتم إعلاء مرجعيتها على جميع المرجعيات الأخرى ، سواء أكانت دينية أم سياسية أم حزبية أم مذهبية أم إثنية أم لغوية أم سلالية أم مناطقية أم جهوية أم غير ذلك، لاسيّما إذا وضعت مسافة بينها وبين هذه المرجعيات الفرعية، أو بين الهويّة الوطنية العامة وبين الهويّات الفرعية ذات الصفة الخصوصية التي ينبغي تأمين احترامها وضمان حقها في التعبير عن نفسها بطريقة حرّة في إطار مبادئ المساواة والمواطنة المتكافئة.
   ولعلّ مصطلح " مدنيّة الدولة" بسبب حداثته في بلادنا، فإنه يثير إلتباساً وإشكالاً غير قليل، ولذلك احتدم الجدل واشتدّ النقاش حوله منذ ثلاثة عقود ونيّف من الزمان، واتّسع نطاقه إبان ما سمّي موجة "الربيع العربي" في مطلع العام 2011 ولحدّ الآن، وقد شهد شدّاً وجذباً وتأييداً وتنديداً، تبعاً للمرجعيات الفكرية والآيديولوجية للجماعات المختلفة، التي يرى فيه بعضها "مدنّساً"، في حين يعتبره البعض الآخر "مقدّساً".
   جدير بالذكر أن الدستور التونسي الذي أبرم في العام 2014 كان سبّاقاً بتبنّي فكرة "الدولة المدنية"، حيث نصّت ديباجته والمادة الثانية منه على أن تونس "دولة مدنية تقوم على المواطنة وإرادة الشعب وعلويّة القوانين" واعتبر الدستور مثل هذا النص " جامداً" أي لا يمكن تعديله، وأرى أن في ذلك إبداع تونسي واجتهاد عربي، فلا  هي "دولة دينية" ، ولا هي "دولة علمانية" لما لهذين المفهومين من حساسية شديدة، لاسيّما حين ينصرف الذهن إما إلى التزمت والتشدد أو إلى الإلحاد والانحلال، سواء عن حسن نيّة وسذاجة أم عن سوء قصد كجزء من الصراع الآيديولوجي.
    وجاء في ديباجة الدستور التونسي " الدولة مدنية والسيادة فيها للشعب"... أما الفصل الثاني  فقد نص على" تونس دولة مدنية، تقوم على المواطنة، وإرادة الشعب، وعلويّة القانون ولا  يجوز تعديل هذا الفصل".
   ومثلما يواجه مصطلح " الدولة الدينّية" ردود فعل حادّة تصل أحياناً إلى درجة التعرّض للدين، من جانب جمهور واسع وقوى متعدّدة يسارية ويمينية، اشتراكية وقومية وليبرالية، فإن مصطلح " الدولة العلمانية" الآخر يثير حساسية شديدة ورفضاً واسعاً من أوساط دينية وشعبية، يصل أحياناً إلى اتهام دعاته بالمروق أو الكفر والإلحاد، الأمر الذي يضع فكرة  " الدولة المدنيّة" بين مصطلحين متناقضين لدرجة التناحر الأول- الدولة الدينّية والثاني - الدولة العلمانية.
   المصطلحان " الدولة الدينّية" و" الدولة العلمانية" يثيران أسئلة أخرى مشتبكة مع عديد القضايا التي يواجهها الفكر العربي- الإسلامي من جهة، والممارسة العملية من جهة أخرى، خصوصاً ما يتعلّق بمدى انطباقه على واقع الحال بغض النظر عن التسميات والتوصيفات.
   ومع ذلك فالمفهوم الذي يتم الترويج له تأييداً أو تنديداً لفكرة " الدولة المدنية"  لا زال لم يجد البيئة الحاضنة له على المستوى العربي والإسلامي، وهو ما يحتاج إلى عملية "تعريب" أو "تبيئة" أو "توطين"، باعتباره جزءًا من التطور الدستوري على الصعيد العالمي مع عدم نسيان الخصوصية الدينية والثقافية، التي لا يمكن تجاوزها وإلّا ستكون في مواجهة مع واقع الحال، مثلما لا يمكن إغلاق الأبواب والنوافذ أمام رياح التغيير الكوني الذي يشمل كل شيء، بما فيه أسس قيام الدولة ووظائفها، ولاسيّما تطوّر الفكر الدستوري والقانوني. ولا تعني إدارة الظهر تلك سوى التقوقع وضيق الأفق والإنعزال، بما يمنع بلداننا الاستفادة من التطور الأكاديمي والمعرفي  والثقافي - الإنساني. ولذلك وجدت في الاجتهاد التونسي إضافة نظرية وعملية إلى الفقه الدستوري العالمي بشأن مدنية الدولة.
   وبهذا المعنى فالدولة المدنيّة تعني اتحاد أفراد يعيشون في مجتمع يخضع لنظام من القوانين مع وجود قضاء يطبّق هذه القوانين، ويُرسي مبادئ العدل في إطار عقد اجتماعي تتوافق فيه إرادات المجتمع، وكان أرسطو وابن سينا وابن خلدون وجون لوك ومونتسكيو قد تحدّثوا منذ عهود بعيدة عن ذلك، خصوصاً حين قالوا: الإنسان مدنّي بطبعه، لذلك فإن القواعد التي تنظم حياته وعلاقته بالآخر مدنيّة، ووجود "دولة مدنيّة" يعني أيضاً وجود مجتمع مدني، ومنظمات مستقلة تدافع عن قطاعات متعددة منه وتعبّر عن مصالحه.
   الدولة المدنية يمكن أن تكون صمّام أمان للجميع، لاسيّما حين تضع مسافة واحدة من جميع الفرقاء، لاسيّما إذا أخذت بنظر الاعتبار الثقافة السائدة في مجتمعنا ، وهي بالأساس ثقافة عربية - إسلامية، فضلاً عن تلاقحها مع الفقه القانوني الدستوري العالمي في تطوّره باستلهام قيم العصر وسماته الأساسية، مع مراعاة خصوصية مجتمعاتنا.


8- طرح بعض كبار المفكرين العرب المعاصرين، كالمرحوم محمد عابد الجابري حل "الكتلة التاريخية"، فهل ثمّة عوامل مساعدة فعلاً وعلامات في الأفق العربي تشير إلى إمكانية نهضة هذه الكتلة؟

سبق لي أن ناقشت المفكر محمد عابد الجابري بشأن أطروحاته الرئيسية ، لاسيّما في كتابيه، الأول، "بنية العقل العربي" والثاني، " نقد العقل العربي" ، وجئت على ذلك مرة أخرى في حوار أجراه معي خضير ميري ونشر في كتابي " تحطيم المرايا- في الماركسية والاختلاف"، وحين نعود إلى مشروعه اليوم بشأن العقل العربي فإننا نرى أنه يقوم على ثلاث محددات أساسية  هي: القبيلة والغنيمة والعقيدة .
القبيلة تقوم على "العصبية" حسب ابن خلدون. أما الغنيمة فهي أقرب إلى مفهوم "الخراج" أو "الريع" وليس على أساس العلاقات الإنتاجية، والمقصود بالخراج هو "الجباية" ودائماً ما يفرضه الغالب على المغلوب على شكل أتاوات أو ضرائب دائمة أو مؤقتة من القبيلة أو الإمارة أو الدولة ، أما " الريع" فهو الدخل النقدي أو العيني الذي يحصل عليه الشخص من ممتلكات أو هبات من  صاحب السلطة بصفة منتظمة تمكنه القدرة من العيش دون الحاجة إلى عمل إنتاجي . وكانت الغنيمة سابقاً تعني العطاء الذي يعيش منه أهل الدولة ومن تعلّق بهم وما ينتج عن هذا من ثقافة ريعية وعقلية ريعية وفكر ريعي.
أما العقيدة فالمقصود بها الاعتقاد والتمذهب، بحيث تكون قادرة على تحريك الجماعات والأفراد على نحو متعصّب وهي ترتبط ارتباطاً عضوياً بالفعل السياسي والاجتماعي للفرق والطوائف والجماعات المختلفة.
   فما علاقة ذلك بـ "الكتلة التاريخية" الذي يذكر الجابري أنها أقرب إلى ما دعا إليه أو استخدمه المفكر الشيوعي الإيطالي أنطونيو غرامشي، لاسيّما في فترة هيمنة الفاشية الإيطالية المتحالفة مع النازية الألمانية على الحكم وانسداد آفاق بديل ثوري طبقي عمالي، وقد رأينا أن بعض المفكرين والسياسيين اليساريين يستخدمون هذا المفهوم في مجتمع يخلو من الطبقات أو مجتمع ما زالت الطبقات فيه جنينية أو هشّة.
   وإن كان البعض يقصد منه "التحالفات السياسية" التي تضم "تيارات" مختلفة، وهو المفهوم القريب من استخدامات الجابري، فذلك لا علاقة له بمفهوم الكتلة التاريخية الذي قصده غرامشي ، وكنت قد جئت على ذلك فيما كتبته عن خير الدين حسيب في المقالة المنشورة في مجلة المستقبل العربي والموسومة : خير الدّين حسيب- الرياضة النّفسية والمثقف الكوني و"الكتلة التاريخية" ، مجلة المستقبل العربي، العدد 454، كانون الأول (ديسمبر) 2016 ، علماً بأن التقارب بين التيارات المذكورة فيه من الصعوبات والعقبات والتعقيدات الشيء الكثير لدرجة يكاد يكون تحقيق مثل هذه الكتلة السياسية تاريخياً عسير المنال ، لأن ثمة فوارق وتباعدات وضعف وعي بين التيارات، إذْ أن تحقيق مثل تلك الكتلة ليس تمنياً أو رغبة أو مجرد اجتماعات يحضرها ممثلون عن التيارات المختلفة أو أجزاء منها لنطلق عليه "الكتلة التاريخية".
كان محمد عابد الجابري قد كتب دراسة عن " الكتلة التاريخية ... بأي معنى؟" دعا فيها إلى " الكتلة التاريخية"  وقصد من ذلك "كتلة تجمع فئات عريضة من المجتمع حول أهداف واضحة تتعلّق أولاً بالتحرر من هيمنة الاستعمار والإمبريالية وثانياً بعلاقات اجتماعية متوازنة يحكمها التوزيع العادل للثروة" وبالطبع فهذا المفهوم لا علاقة له بمفهوم غرامشي، الذي طرح مفهوم الكتلة التاريخية في إطار ثقافي فكري أخلاقي محدّد وهو إطار "بناء الهيمنة المضادة" للهيمنة البرجوازية في فترة صعود الفاشية.
ولعلّها مناسبة أن أشير إلى أهمية مشروع الجابري، الذي سلّط الضوء على التراث ومشكلاته وقدم قراءة جديدة ومفتوحة له، فقد حرّك الكثير من المياه الراكدة، وأعتقد أن فحص بنيان العقل العربي في ضوء المناهج البنيوية، إنما يقع في حقل الأبستمولوجيا النظرية وهو حقل دراسي مفتوح، ولا يمكن عدّه مشروعاً واقعياً أو معالجة جذرية. انه منهج قراءة ليس إلّا.
   وليس للمناهج التي من هذا النوع نصيب كبير من الصواب والخطأ، وبالتالي فان هناك مساحات فكرية في الخطاب العربي المعاصر تمارس نوعاً من القراءات على خطاب غربي أو مناهج أو أطروحات تفيد عمل نظريات المعرفة، أو مجالات علوم إنسانية تتوالد فيها المفاهيم وتتناسل، وهو ما أشرت إليه في كتابي تحطيم المرايا : في الماركسية والاختلاف.


44
الاتجاه الثالث- "النقدي"، الاجتهادي ، وإن كان محدوداً، وهو الذي قرأ الماركسية بعقل منهجي- نقدي، خارج دائرة الماركسية "المسلكية - الذرائعية" و"الطقوسية - المدرسية"،  بعيداً عن الجمود والانزياح في آن.
   ويمكن القول إن هناك صلة خفيّة بين الجامدين أو الانعزاليين وبين المتحلّلين أو الانزياحيين، وهي ابتعادهم عن جوهر المادية الديالكتيكية، وتحويل الماركسية إلى مجرد عنوان شكلي دون محتوى أو مضمون. وقد كان ماركس يؤمن بالحركة والتطوّر، وهو بالتالي يؤمن بأن الفكر نتاج الحركة، وأن فهم العالم يعني فهم التغيير، والتفسير هو تغيير ما نفهم أو ما نقع عليه... ولا يوجد فهم نهائي إلاّ على المستوى الإجرائي. إننا نثبت المعارف قليلاً في حافظة علمية لكي نقوم بتجاوزها وبالتالي فإن " الوعي" هو غير الفهم، فالوعي علاقة مباشرة بالمعرفة، بينما الفهم هو علاقة مباشرة بالوعي لأن الفهم هو تقليب الوعي، بينما هذا الأخير هو صلة لا بد منها لكل معرفة ، والتجربة هي مظهر من مظاهر التلاقي بين الوعي والفهم، لأن غالباً ما نعي أموراً كثيرة دون أن يتوفر لنا أوان فهمها.
لا يمكن اختزال الماركسية بماركس مع أنه كان الحلقة الذهبية الأولى فيها بما ابتدعه من منهج ودليل عمل ، لكن أحكامه وتعليماته تصلح لعصره، فضلاً عن أن الكثير منها تجاوزها الزمن أو لم يثبت صحتها ، وعلينا إن كنّا أوفياء للمنهج المادي الديالكتيكي أن نستنبط الأحكام والتعاليم منه  عند دراسة واقعنا وظروفنا التي نحن أكثر معرفة بها ، وبهذا المعنى دائماً ما كنت أردّد " إنني أنتسب إلى المنهج وليس إلى الشخص مع إعجابي الشديد بشخص ماركس ودوره التاريخي كفيلسوف اجتماعي ومفكر اقتصادي ومؤسس للحركة الشيوعية".
إن هذا يفسر غياب أو انحسار الفلسفة في العالم المعاصر، وذلك لأن المعلوماتية المتطوّرة قد تقود إلى " أمّية " بالفهم، وهي مقولة تكرّرت لدى بعض الباحثين، لكنهم بما حملوه من ملامح فكره نافذة وومضة نافذة وذكية بقدر ما تكون المعرفة متاحة، فإن الفهم يصبح نادراً وغير مسموح به كثيراً.
إن الوضعية النقدية هي طموح نظري نحو تحقيق الفهم الماركسي لوعي العالم ووعي المعرفة، لا من خلال ما هو سائد، بل من خلال ما هو نقيض له، أو مخالف له، أو معارض داخله. وتُعنى الماركسية بفهم العالم دون الإسراف بتصديق الوعي أو الإنحباس داخله، لأن الوعي يمكن أن يكون "زائفاً " أو "مغشوشاً"، وهو غالباً ما يحمل مخلّفات الآيديولوجية السائدة، وهذه الأخيرة تقابل مفهوم النسق أو البُنيات اللّاشعورية عند ميشيل  فوكو!
لقد أطلق ألتوسير رسالته " ضد استغلال الإنسان للإنسان" ودعا إلى تحقيق المساواة وإطلاق الحرّيات بما فيها حرّية الإبداع والجمال عبر القراءة الماركسية الحرّة والمتحرّرة لماركس من "ماركسيته"، وهذا الأمر قريب مما أفكر به شخصياً عندما استخدم الماركسية كمزيج للنقد والنقد الضدي، حيث تتمّ عملية كشف للواقع بكل عيوبه ومثالبه، بهدف تقويمه وإعادة بنائه وفق منظومة فكرية لحمتها وسداها تحقيق المساواة وقيم الجمال والحق، وهي ضرورية للحقوق المدنية والسياسية، وهي جزء من المنظومة الكونية والتي ما زالت ملتقى للبشرية باتجاه خير الإنسان وسعادته.
وأعتقدُ أن هذا جوهر كل فلسفة، سواءً كانت مادية أم مثالية، وجوهر كل دين وجوهر كل نظرية هو السعي "لإسعاد البشر"  وظلّ هذا هاجس البشرية منذ بدء الخليقة حتى الآن، وهو يتطور بتطور حاجات الإنسان المادية والروحية.
3-  كانت الحركة الديمقراطية والحقوقية العربية ، التي أنت أحد روّادها المعروفين، تحلم بتغيير ديمقراطي كبير يعيد الوطن العربي إلى سكة التاريخ، فكيف ترى هذا الحلم بعد سنوات من الربيع العربي؟

   الأحلام تتوالد ولا تنتهي، لأن مجرد جفاف الحلم أو ذبوله، في ذهن الإنسان يعني شعوره بالقنوط والإحباط، وربما اليأس. كنت ولا أزال منذ نحو 4 عقود من الزمان أشعر بالتشاؤم، لأن كل ما حولنا مدعاة له، والتشاؤم هو غير اليأس، فالأخير يعني الاستسلام والخنوع، والسعادة في النضال من أجل أحلامنا المتجدّدة، أما التشاؤم فهو إدراك الواقع والعمل على مقاومته من أجل تغييره. 
   كنت وصديقي الروائي العراقي والإعلامي الساخر شمران الياسري " أبو كاطع" نتبارى في تشاؤمنا، وأحياناً أبدو " متشائلاً"، بنحت من الروائي الفلسطيني أميل حبيبي وروايته الشهيرة " سعيد أبي النحس المتشائل"، لكنه سرعان ما أعود إلى تشاؤمي، وأعترف إنه كان أكثر تشاؤماً منّي، بل أكثر ثباتاً في تشاؤمه. لكن ثمة  آمال كانت تراودني أحياناً، وهي تأتي خفيفة سريعة منعشة مثل الريح التي تسبق المطر.
   وعلى الرغم من أن الأجواء السياسية كانت محتدمة في العديد من البلدان العربية عشية الألفية الثالثة وبُعيدها، فكانت "تكفي شرارة واحدة ليندلع اللهب ويشتعل السهل كلّه" حسب ماوتسي تونغ فحتى وإن بدا كل شيء هادئاً واعتيادياً، لكن النار كانت تضطرم تحت الرماد، فما إن حرّكتها ريح شديدة حتى اشتعلت ملتهمة كل ما وحولها من أوهام القوة وجبروت الاستبداد، وقد أخذ الشباب العربي زمام المبادرة من أيدي الجميع، لأنه شعر بأن لا حلّ لمشاكله ومشاكل البلاد ككل، فضلاً عن خلاصها وانعتاقها، مثلما هو خلاصه وانعتاقه، إلاّ إذا قام بنفسه بإنجاز عملية التغيير، لهذا ظلّت جميع الأنشطة والفاعليات القائمة تلهث وراءه، لاسيّما بعد أن وصل به التشاؤم واليأس في تحسين الأوضاع العامة حدّاً لا يطاق في سلطات هرمة ومترهّلة وبيروقراطيات مستحكمة وتفرّد واستبداد وفساد وهدر لحقوق الإنسان.
ومع انفتاح العالم بعضه على بعض وارتفاع استخدام التقنيات الحديثة في العالم العربي بدأ ينشأ شكل جديد من المعارضة والاحتجاج، لاسيّما عبر الوسائل الالكترونية، وأصبح انتقال المعلومة وبالتالي إعادة صياغة المعرفة تراكمياً، وهو ما التقطه الشباب على نحو حيوي، بل وتم توظيفه لإحداث واقع جديد بعد رفض الواقع القديم.
هكذا كانت الثورة تتّسع بسرعة خارقة جغرافياً لتصل  إلى فئات واسعة في الأحياء والمناطق والبلدات القصيّة والنائية، مثلما هي في مراكز المدن والحواضر، حيث ينفتح الشباب ويتعايش، في ظل خيال جديد غير مألوف من قبل، ولعلّ مثل هذا الخيال بفضل  العولمة أصبح كونياً، وبمستطاع الفرد الاطلاع على ما يجري في العالم، فلا حدود ولا قيود لذلك، الأمر الذي زاد في اشتعال حركة الاحتجاج لتذهب متجاوزة حدود الجغرافيا، لاسيّما في ظل وعي جماهيري شبابي ورغبة في التغيير والتخلّص من واقع بائس، الأمر الذي يوحي بميلاد ملامح مستقبل جديد، خصوصاً إذا ما أُحسن قراءة ما حدث في ضوء تعزيز مشروع نهضوي عربي جديد كاستحقاق كوني تأخر نحو ربع قرن عن المسار العالمي.
لقد انكسر حاجز "الصمت" وتبدّد عامل "الخوف" وبدت الأنظمة المنيعة والقويّة، هشّة ومنخورة من الداخل، فمن كان منّا يتصور أن يبتدئ نهاره في تونس أو مصر أو ليبيا دون أن تقع عيناه على صورة بن علي أو حسني مبارك أو معمّر القذافي، سواءً عبر التلفاز أم في صحيفة أم إعلان أم ملصق في الشارع أم غير ذلك. وإذا بهم يرحلون في غضون أيام معدودات، ليس كما يغادر البشر العاديون، مواقعهم الوظيفية أو أماكن عملهم ورزقهم، بل غادر "القادة" مكرهين، مع إشارات بالأصابع والأيادي والصوت والصورة  إلى الفناء، أحدهما  إلى المنفى دون عودة، والآخر نُقل محمولاً  إلى قفص الاتهام في حال يُرثى لها والثالث قُتل بطريقة بشعة.
كلمة واحدة هي التي أطاحت بهم "إرحل"، والأمر شمل لاحقاً استقالة ثم مقتل الرئيس اليمني علي عبد الله صالح في ظل اندلاع صراع مفتوح ما يزال مستمراً داخلياً وإقليمياً ودولياً، واليوم فإن ما يحصل في الجزائر من انتفاضة شعبية  هدفها الأول كان إجبار الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على عدم الترشّح كخطوة أولى لتحقيق أهدافها على الرغم من تشبث العسكريين بمواقعهم ، وفي السودان كان هدف الهبّة الشعبية الأول إرغام الرئيس عمر حسن البشير على الرحيل بعد أن حكم البلاد 30 عاماً، وما يزال الصراع مفتوحاً بين بقايا العسكر وبين المدنيين على مستقبل الجزائر ومستقبل السودان.
هكذا انهارت الكيانات القائمة على نحو مريع وكأنها بنيان من ورق وأن كل ما بناه الرؤساء من أجهزة أمنية وأتباع وأشياع وأطيان وأقيان، ضاع مرّة واحدة وإلى الأبد، وبدا كل من حولهم يتبرأ منهم ويفكّ ارتباطه بهم ويتخلّى عنهم، كمن يريد النجاة بنفسه من سفينة تفشّى فيها داء الطاعون، فالكل يريد أن يغادر السفينة، إلّا ربانها بقي متمسكاً حتى اللحظة الأخيرة، فهلك هو ومن بقي معه.
صادف أنني كنت في براغ حين اندلعت حركة الاحتجاج وعشت وكتبت عن بعض تفاصيلها، وكيف تحوّل مسرح ليتارينا ماجيكا ( الفانوس السحري) بين لحظة وأخرى إلى "صانع قرار"، حيث كان يجتمع فيه قادة المعارضة وأعضاء المجتمع المدني، كما تحوّلت بعض المقاهي ودور النشر ومقرّات بعض مؤسسات المجتمع المدني قرب "ميدان التحرير" في القاهرة إلى مركز قرار أيضاً، وكذلك المقاهي المؤدية  إلى "شارع الحبيب بورقيبة" في تونس، وقد قمت بزيارة هذه الأماكن وحاورت العديد من النشطاء الذين ساهموا في قيادة حركة التغيير في سيدي بوزيد وصفاقس والقصرين والمهدية وتونس العاصمة، إضافة إلى القاهرة في ميدان التحرير وواقعة الجمل والاسكندرية وغيرها، وهو ما أدرجته في كتابي " الشعب يريد... تأملات فكرية في الربيع العربي"،الذي صدر عن دار أطلس ، بيروت العام 2012، خصوصاً وقد أرفقته بمقابلات متميزة مع الصديق الكاتب والباحث الدكتور خالد شوكات، الذي شارك في العملية السياسية نائباً ثم وزيراً وقيادياً بارزاً في حركة نداء تونس.
لم يكن أحد يتجرأ في الثمانينات على معارضة الرئيس محمد حسني مبارك أو المطالبة بتنحيته، لكن حراكاً تدريجياً راكم الكثير من المطالب بجرأة وشجاعة قادته العديد من مؤسسات المجتمع المدني ومعها حركات سياسية ظلّت متردّدة، ثم انخرطت لتحصد النتائج لصالحها بحكم تنظيمها ، وخصوصاً " الأخوان المسلمون".
وأتذكّر كيف شاع خبر مفاجأة الشاب أحمد عبدالله رزّه، لأسامة الباز مستشار الرئيس في العام 1996 ومطالبته برفض توريث الرئيس، فقد كانت تلك خطوة جريئة وشجاعة وفي وقت مبكر. وحين تأسست حركة كفاية في 21 شباط (فبراير) العام 2005 رفعت أولى شعاراتها بمناسبة ذكرى إضراب الطلاب " لا للتوريث"، وتجرأ المفكر محمد السيد سعيد بطرح رأيه بنظام الحكم وإنسداد الآفاق وقضية التوريث علناً وأمام رئيس الجمهورية في لقاء روتيني كان يجريه حسني مبارك سنوياً مع المثقفين.
وفي العام 2008 ساهم إضراب عمال المحلّة الكبرى في 6 نيسان (أبريل) من كسر جدارية ضخمة تمثل رمزياً الرئيس مبارك، وارتفعت أصوات المعارضة والمجتمع المدني ضد التوريث، بل أن تحالفاً كان قد أنشأ لرفض التوريث.
لم يكن للانتفاضتين التونسية والمصرية رمز قائد أو زعيم مخلّد أو ملهم مخلّص، يصبح لاحقاً "معبوداً" و"مقدساً"، و"فوق حدود النقد". ولم يكن لهما أيضاً نصوص مقدسة أو مقولات خالدة؛ فقد كانتا تواجهان الواقع المعقّد بشعارات واضحة ورمزية وواقعية في آن واحد. ومثلما كانتا ضد الصنمية، فإنهما كانتا ضد النصوصية، أي أنهما ضد المسلّمات واليقينيات والقدسيات والسلفيات المشوّهة والوعود الزائفة، وكانتا عابرتين للطوائف والطبقات الاجتماعية والمجموعات القبلية والعشائرية، واضحتين في مطالبهما، وحاسمتين برفضهما للمساومة وأنصاف الحلول، ومؤكدتين إخلاصهما ونزاهتهما والتزامهما بمطالب شعبيهما.
وقد انطلق الجيل الثوري الجديد من فضاء مجتمعي، بعيداً عن الآيديولوجيا وتفريعاتها الشمولية والدينية، مثلما كانت سمته وطنية عامة دون فئوية أو تعصب أو تطرف أو غلو.


4- أنت من كبار دعاة اللّاعنف والتسامح في المجال العربي، لكن هذا المجال فيما يبدو عصيّ على الخطاب اللّاعنفي، فهو اليوم من أكثر مناطق العالم عنفاً.. ما تفسيرك لهذه الحالة؟

ثمة أسباب لتفشي ظاهرة العنف وعدم التسامح في مجتمعاتنا، قسم منها يعود لأوضاعنا الداخلية، لاسيّما ضعف الدولة وغياب حكم القانون وشحّ الحريات وانعدام مبادئ المساواة والعدالة والشراكة في إطار المواطنة المتكافئة الأساس في الدولة القانونية المدنية العصرية، إضافة إلى ظواهر الأمية والتخلف والتفاوت في توزيع الثروة، والهوّة السحيقة بين المحرومين والمتخومين، كلّ ذلك يولّد أسباباً للعنف، إضافة إلى ما تغذّيه من عوامل أخرى مثل التمييز الديني أو الإثني أو اللغوي أو السلالي والمناطقي أو الجهوي وغير ذلك.
ويعود القسم الآخر لانتشار ظاهرة العنف إلى تداخلات الخارج، خصوصاً محاولات فرض الهيمنة والاستتباع من جانب القوى المتنفذة في العلاقات الدولية لنهب ثروات الشعوب والأمم والبلدان الصغيرة والضعيفة، الأمر الذي ينتج عنفاً في الداخل وأحياناً موجهاً للخارج، ومن دون معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والإثنية والدينية والتربوية والنفسية للعنف، وإعادة النظر بنظام العلاقات الدولية، ليكون أكثر عدالة ومساواة، لا يمكن لجم العنف أو الإرهاب، علماً بأن الأول يستهدف الضحية بذاتها ولذاتها، لأنه يعرفها، في حين يضرب الإرهاب عشوائياً بهدف خلق حالة رعب في المجتمع وإضعاف ثقة الدولة بنفسها وثقة المواطن بالدولة.
ستكون مخاطر العنف كبيرة وتزداد بالتراكم مع مرور الأيام لتصبح هناك بؤراً عنفية مستديمة، حيث يفقس بيض العنف وينتشر فايروس الإرهاب ولا يمكن القضاء على العنف بالعنف، مثلما لا يمكن مواجهة الإرهاب بالإرهاب، وإنما يحتاج الأمر إلى معالجات طويلة الأمد وخطط استراتيجية بعيدة المدى ومتدرّجة في الآن، علماً بأن الجانب الأمني والعسكري لا يمكنه وحده إنهاء ظواهر العنف والإرهاب، والأمن ينبغي أن يكون مترافقاً مع الكرامة، ولا أمن دون كرامة المواطن، وكرامة المواطن وتحقيق المواطنة السليمة مرتبطة كذلك بالأمن، خصوصاً الأمن السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري والثقافي والديني وغير ذلك من مفردات الأمن الإنساني بمختلف جوانبه وفروعه وحيث جاء في القرآن الكريم "سورة قريش " الآية 4 " الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف" .
المسألة تحتاج إلى كفاح فكري طويل الأمد بحيث يتم حشد جميع الجهود للقضاء على ظواهر العنف والإرهاب، أولاً وقبل كل شيء تحتاج المجابهة إلى إرادة سياسية موحّدة، وثانياً إلى مساهمة جادة من المجتمع المدني وثالثاً إلى خطة إعلامية وتربوية في المجالات المختلفة للتصدّي لظاهرتي العنف والإرهاب، في إطار منهج حديث وعصري. ورابعاً احترام الحقوق والحريات، إذْ أن التجاوز عليها بحجّة الأمن يؤدي إلى تدهور حال حقوق الإنسان، التي ستكون تربة صالحة لأعمال العنف والإرهاب.
   ولكي يتم تطويق ظاهرتي التعصب والتطرف والقضاء عليهما،  لكي لا يتحولا بالسلوك إلى عنف وهذا الأخير قد يصبح إرهاباً، فلا بدّ من خطاب جديد، وقبل ذلك لا بدّ من فكر جديد، لكي يتم تجديد الخطاب  على أساسه، والأمر يحتاج إلى وضع معالجات طويلة الأمد تقوم على عدد من الدوائر والجبهات:
   الأولى - الجبهة الفكرية والحقوقية، باعتماد  مبادىء المواطنة والمساواة.
   والثانية - الجبهة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتلك التي تستوجب توفير ظروف مناسبة للعيش الكريم، وفرص عمل متكافئة، ودون تمييز لأي سبب كان وتهيئة فرص تعليم وضمان صحي واجتماعي، الأمر الذي سيقطع الطريق على الفكر التعصّبي المتطرّف والإرهابي.
   الثالثة - الجبهة التربوية والدينية، والأمر يتطلّب تنقية المناهج الدراسية والتربوية عن كل ما من شأنه ازدراء الآخر أو تحقيره، لأن ذلك سيؤدي إلى إشاعة مناخ من الكراهية والأحقاد والكيدية، فالجميع بشر ومتساوون في الكرامة الإنسانية، وحسب قول الفاروق عمر: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا" أو قول الإمام علي لعامله في مصر مالك بن الأشتر النخعي: "لا تكن عليهم (أي على الناس) سبعاً ضارياً لتأكلهم، فالناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق".
   ويحتاج الأمر إلى عمل طويل الأمد، ودون هوادة لإصلاح المجال الديني بما ينسجم مع سمة العصر والتطوّر وإدماج المناهج والمدارس الدينية مع المناهج والمدارس التي تعتمدها الدولة بهدف توحيدها وإشاعة الثقافة المدنية فيها، وجعل الدين في خدمة المجتمع مُيسّراً، وذلك بالعيش المشترك لأتباع الأديان في إطار دولة تقوم على المساواة وتحترم الجميع وتأخذ بمبادىء الكفاءة والإخلاص للوطن، في تولّي الوظائف العامة.
   الرابعة - هي الجبهة القانونية والقضائية، ولا بدّ من تأكيد مبادىء احترام القانون وعدم التجاوز عليه لأي سبب كان، وحسب مونتسكيو فـ"القانون مثل الموت الذي لا يستثني أحداً"، أي أنه ينطبق على الجميع.
   الخامسة - الجبهة الإعلامية والمدنية، وهنا ينبغي أن يلعب الإعلام دوراً مهماً ومعه المجتمع المدني في نشر ثقافة التسامح واللاّعنف والسلام المجتمعي واحترام الهويّات والخصوصيات التي هي جزء من تاريخنا بكل ما فيه من مشتركات، لا سيّما بتأكيد احترام الآخر.
   السادسة - الجبهة الأمنية، وهي جبهة مهمّة وأساسية، وبقدر ما هي جبهة وقائية فهي جبهة حمائية ولا بد أن تكون جبهة رعائية، وإذا كان تحقيق الأمن مسألة جوهرية وأساسية لأي تقدم وتنمية، وهو الذي اعتبره سيجموند فرويد عالم النفس النمساوي، موازياً للكرامة، بل يتفوق عليها أحياناً، خصوصاً في ظل الحروب والنزاعات الأهلية وانفلات الفوضى، إذ لا كرامة مع غياب الأمن، مثلما لا أمن حقيقي دون كرامة.
   إذا كان التسامح قيمة حضارية وواقعية على المستوى الكوني، فهناك رافعات أساسية لتجسيده، لكي يستطيع العالم الخروج من غلواء التعصّب والتطرّف والإقصاء والتهميش والعنف والإرهاب. ولن يتحقق ذلك بدون توفير تربة خصبة لبذر بذوره، وتعميق الوعي الحقوقي والأخلاقي والقانوني والاجتماعي بأهميته، من خلال الإقرار بالتنوّع والتعددية وقبول حق الاختلاف والمغايرة والتعايش واحترام الآخر، سواءً كان ذلك على المستوى الفردي أو الجماعي أو على مستوى الحكومات والدول.
   وبقراءة الوضع الراهن فهناك أربعة مواقف أو اتجاهات فكرية عربية من مسألة التسامح:
   الاتجاه الأول-الذي نطلق عليه "الرافض" فهو يرفض كل حديث عن التسامح على النطاق الديني أو الفكري أو السياسي أو الثقافي أو الاجتماعي، الداخلي أو الخارجي (الدولي) بحجة امتلاكه للحقيقة والأفضليات، أما المختلف والآخر فإنه لا يمثّل سوى النقيض، وعلى المستوى العالمي فإنه يمثل الكفر والإستكبار.
   الاتجاه الثاني- هو الإصلاحي وهو تعبير عن تيار إصلاحي (توافقي) يتقبّل بعض أفكار التسامح بانتقائية بهدف مواكبة التطور الدولي، لكنه يظل مشدوداً للفكر التقليدي السائد، وإنْ كان يسعى للتواصل مع الآخر بحذر شديد، وربما بريبة أيضاً.
الاتجاه الثالث- الذي نسمّيه الاتجاه التغريبي، فهو يؤيد فكرة التسامح ويحاول تعميمها على كل شيء، وهو يدعو إلى قطع الصلة بالتراث والتاريخ واعتبار التسامح قيمة حداثية لا علاقة لها بالإسلام، بل يضع في اعتباره كون التسامح نقيضاً للإسلام الذي يحضّ على "العنف" و"الإرهاب" حسب فهم خاطئ لبعض الاتجاهات الإسلاموية أو الإسلامية وموقفها من الحداثة، دون تمييز بين الإسلام وبين بعض الاتجاهات السياسية.
الإتجاه الرابع- الذي نعتبره قيمياً وهو تعبير عن التيار المؤيد للتسامح، والذي ينظر إليه كقيمة عليا، لاسيما بربطه بحقوق الانسان، دون التعامل معه على نحو مبتذل فيما يتعلق بالصراع العربي- الاسرائيلي والتنكر لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، فالتسامح لا يعني التهاون إزاء حقوق الانسان أو قيم العدالة أو تبريرها تحت أية حجة أو ذريعة.
5- كنتم منحازون غالباً لمشاريع دمقرطة الأنظمة في الوطن العربي، لكن بعض تجارب التحول الديمقراطي من بغداد إلى تونس لم تجلب للناس سوى الفساد والطائفية وعدم الاستقرار، حتى عاد غالبيتهم يترحم على زمن الطغاة، فهل ترون مخرجاً لهذا المأزق؟

للأسف فشلت خطط الإصلاح والتحوّل الديمقراطي في العالم العربي باستثناءات محدودة، ويمكن القول أن التجربة التونسية على الرغم من المصاعب التي واجهتها والتحديات التي اعترضت طريقها والأوضاع الاقتصادية والمعاشية التي تمرّ بها، إلّا أنها نجحت حتى الآن في حماية الوحدة الوطنية وتطويق ظواهر العنف والإرهاب، وتمكنت من وضع دستور بتوجهات ديمقراطية يعتبر الأفضل من بين الدساتير العربية التي تم تقنينها في السنوات الأخيرة. وكانت مجلة الإيكونوميست البريطانية قد نشرت تقريراً نهاية العام 2018 عن مؤشرات الديمقراطية قسّمت فيه البلدان إلى أربع مجموعات:
   المجموعة الأولى- الأنظمة الديمقراطية الكاملة وتشمل 19 دولة تتربّع على رأسها  الدول الاسكندينافية، وفي مقدمتها النرويج والسويد، إضافة إلى  استراليا والأرغواي وتبلغ نسبة هذه الدول إلى  دول العالم 11.4%.
   أما المجموعة الثانية - فأطلق عليها التقرير "الديمقراطية المنقوصة" أو "المتصدّعة"، وضمّت 57 دولة، وبلغت نسبتها إلى  مجموع دول العالم 34.1، وقد صُنّفت الولايات المتحدة من المجموعة الثانية، وكذلك فرنسا وإيطاليا والهند و"إسرائيل"، وكانت تونس من الدولة العربية الوحيدة، ضمن هذا التصنيف.
   المجموعة الثالثة- "الأنظمة الهجينة" وشملت 39 دولة ونسبتها إلى  دول العالم 23.4%، وهي دول  لا يمكن إطلاق وصف الديمقراطية أو الاستبدادية عليها، وإنما هي احتوت على عناصر من هذه وأخرى من تلك، تبعاً لمؤشرات الديمقراطية التي حدّدها التقرير.

45
الدكتور عبد الحسين شعبان :
ما زال الفكر العربي يعاني من الركود وعدم الحيوية

حاوره : د.خالد شوكات

1- اشتغلت لعقود على نقد الفكر العربي المعاصر بمدارسه المتعددة، في سياق نزعتك النقدية والتجديدية، فكيف تقيّمون حال هذا الفكر الآن؟

ج1 - للأسف ما يزال ما نطلق عليه " الفكر العربي" بمدارسه المختلفة يعاني من الركود وعدم الحيوية، بل إنه غالباً ما يلجأ إلى الماضي لاجترار بعض الأحكام، تلك التي حتى لو كانت صالحة لزمانها، فإنها لا تصلح لزماننا، "والأحكام تتغيّر بتغيّر الأزمان" وتلك قاعدة فقهية معروفة. وحسب الإمام علي بن أبي طالب " لا تعلمّوا أولادكم عاداتكم لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم"، وهكذا فإن للضرورة أحكام.
   الإتكالية والتعويلية وعدم القدرة على الخلق والتجديد جعلت التيارات الفكرية المعاصرة في العالم العربي بكل تفريعاتها ومدارسها، سواءً أكانت قومية أم ماركسية أم إسلامية، أسيرة للماضي وتعيش عليه، وذلك ما زاد من تخلّفها وعدم مواكبتها روح العصر.
   والماضوية تعطّل الحوار وتلجم المتحاورين، خصوصاً حين يستعينون باقتباسات تعود إلى قرون من السنين، فما بالك إذا كانت من القرآن أو السنّة النبوية أو من أقوال ميشيل عفلق أو جمال عبد الناصر أو من ماركس أو لينين، عندها يتوقّف النقاش، طالما وصل إلى المناطق المحرّمة، وكأن ما قيل في السابق أصبح " مقدّساً"، وهكذا يتغالب المتحاورون بعضهم على بعض أو يتشاطرون باختيار الاقتباسات ليستدلوا على قربهم من "النظرية" أو "الفكرة" أو "الآيديولوجيا" أو " التعاليم" التي ينتسبون إليها ويزعمون أنهم يحافظون على نقاوتها ضد تشويهات الأعداء أو الخصوم حتى وإن كانوا من الفريق الواحد.
   الفكر العربي المعاصر بحاجة إلى التخلّص من ثقل الماضي دون القطيعة مع التراث، بل استلهامه، ولكن دون الغرق فيه، فالماضي أصبح ماضياً ولا يمكن استعادته، في حين يمكن الاستفادة من دروسه وعبره، مثلما يحتاج إلى قراءة الواقع في ضوء التقدّم العلمي والتكنولوجي، لاسيّما في ظل العولمة وثورة الاتصالات والمواصلات وتكنولوجيا المعلومات والإعلام والطفرة الرقمية "الديجيتل"، ولا بدّ من نفض غبار الزمن وفتح النوافذ والأبواب لاستقبال هواء الحريّة، بمعنى "التحرّر" من عقد الماضي وإشكالاته الذي يتم استعادته في الكثير من الأحيان في عودة "سلفية" ضد منطق الحياة ذاتها، وضد منطق التطور والتغيير الذي لا غنى عنها.

2- أطروحاتك في نقد "الماركسية" والماركسيين ، خصوصاً كتابك "تحطيم المرايا"، كانت من الناحية الفكرية والعلمية في غاية الأهمية، فهل تلمسون لذلك أثراً في أداء اليسار العربي الراهن؟

ج 2- أثار كتاب "تحطيم المرايا - في الماركسية والاختلاف" الذي صدر عن الدار العربية للعلوم (ناشرون) ، بيروت، 2009 ، اهتماماً غير اعتيادي، فقد نظّمت له ندوة كبرى في بيروت وندوتان في القاهرة (في حزب التجمع - مجلة نقد وأدب) وفي مركز آفاق للدراسات الاشتراكية،(صلاح عدلي- الحزب الشيوعي المصري لاحقاً) وفي بغداد التأمت ندوة كبيرة في جامعة النهرين- مركز الدراسات الاستراتيجية، ساهم فيها سبعة من أساتذة الجامعة، وأخرى في مدينة العمارة، وفي تونس بادر "مركز الجاحظ" بتنظيم ندوة مهمة عنه، وكان من المؤمل أن تنعقد حوله مائدة مستديرة في دمشق وحلقة نقاشية في صنعاء، لكن بعض التطورات السياسية حالت دون ذلك، وكُتب عنه عدداً من الدراسات والأبحاث وغطّت الصحافة المكتوبة والمقروءة والمسموعة أخباراً ونقاشات عنه، وقام مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية بجمع نحو 40 مساهمة عنه تضمنت أسئلة وحوارات وآراء نقدية وطلب مني كتابة مقدمة لها، وضمّها في كتاب مع مقدّمة مطوّلة،  وصدر بعنوان  "الحبر الأسود والحبر الأحمر - من ماركس إلى الماركسية " الذي أثار  هو الآخر جدالات كثيرة.
   أعتقد أن اليسار العربي بشكل عام واليسار في كل أنحاء العالم أدرك أنه ليس بإمكانه اليوم الاستمرار في نفس أطروحاته السابقة، وما عليه إلّا إجراء مراجعة جادة ومسؤولة، وقراءة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتاريخية ذات الخصوصية، ليس عبر مسطرة الآيديولوجيا، بل انطلاقاً من الواقع بكل تشابكاته وتعقيداته، والسعي لتغييره وتطويره بما يستجيب لسمة العصر، خصوصاً وقد فشلت جميع التجارب الاشتراكية  بقضّها وقضيضها، وقادت إلى أنظمة تسلطية وبيروقراطية حزبية أوصلت البلاد إلى طريق مسدود، ناهيك عن انسداد آفاق التنمية، وشهدت التجربة الاشتراكية المطبّقة في عدد من البلدان التي حكمتها شحّ الحرّيات وتجاهل التنوّع وعدم الإقرار بالتعدّدية، إضافة إلى اختناقات اقتصادية ، والأهم من ذلك معارضة واسعة من السكان وبشكل خاص من العمال في الكثير من الأحيان، والتي زعمت تلك التجارب أنها تمثلهم باعتبار الحزب هو "الطليعة" أو يعبّر عنهم.
   وكان فشل "تجارب الأصل" قاد إلى إخفاق "تجارب الفرع" التي حاولت تقليد التجربة الاشتراكية، باقتباس النموذج ذاته: حزب واحد تدور حوله جبهة وطنية شكلية وأجهزة مخابرات تكاد تكون مطلقة الصلاحية وإعلام ديماغوجي وبيروقراطية حزبية متعالية يقف على رأسها اللجنة المركزية فالمكتب السياسي فالأمين العام الذي تنسب إليه جميع الفضائل : البطل، المفكّر، الفيلسوف، الأديب، القائد، الزعيم.
   ومع ذلك فإن هذه القراءة لم تكن واحدة، فبعض أجنحة اليسار انكفأت على نفسها، والأخرى تخلّت عن منطلقاتها بزعم التغيير، وهناك توجه ثالث حاول الاجتهاد من خلال النقد مع التمسك بقيم العدالة الاجتماعية التي انطلق منها، ولكن مع الأخذ بنظر الاعتبار الواقع الجديد والتغييرات الكبيرة في ميزان القوى على المستوى الدولي.
   ويمكن القول إن اليسار العربي تتجاذبه ثلاث اتجاهات:
   الاتجاه الأول -  "المتجمّد" الانعزالي والذي اتّسم بالجمود العقائدي ورفض قراءة التحوّلات الجارية على النطاق العالمي، بما فيها من تأثيرات للعولمة واعتبر كل ذلك مجرد انحرافات وتشويهات، ولذلك ظلّ متمسّكاً بالماضي ويعيش على الذكرى، فانكمش وتقلّص إلى حدّ التجمّد والتكلّس، وظلّ يردّد بعض المقولات التي عفا عليها الزمن ولم يقدّم أي مساهمة جدّية لفهم التغييرات الجديدة والسبيل لمواجهة التحديّات.
   الاتجاه الثاني - "السائل"  المعولم، الذي وجد في انهيار جدار برلين في نوفمبر (تشرين الثاني) 1989 وسقوط الأنظمة الاشتراكية وتحلل الاتحاد السوفييتي، فرصة لاستبدال ولائه من موسكو إلى واشنطن، خصوصاً وبعضه كان الأكثر "تبعية" للسوفييت لدرجة أنه لم يتورّع من إخضاع مصائر حزبه وشعبه لمصلحة "الأممية" كما كان يبرّر، وإذا به ينقلب رأساً على عقب، فتحت عنوان " المتغيرات الدولية" و" العامل الدولي" يستدير نحو " معسكر العدو" ويصطف مع الولايات المتحدة، بل ويبرر مشاريعها العدوانية وخططها الحربية.
   وشارك بعض "المتمركسين" في المشروع الأمريكي الذي أطلق عليه "مشروع تحرير العراق" بزعم وجود أسلحة دمار شامل وعلاقة نظامه الدكتاتوري بالإرهاب الدولي، والسعي لاستبداله بنظام ديمقراطي، واتّضح عقم تلك المزاعم وخطلها وتحمّل الشعب العراقي تبعات الحصار الدولي، ونتائج " الفوضى الخلاقة" فيما بعد، فضلاً عن تفشي ظواهر العنف والإرهاب في المجتمع العراقي على نحو لم يسبق له مثيل.

46
التطرّف والعنف: سوريا تحت المجهر
عبد الحسين شعبان
أكاديمي ومفكر عراقي

   لعلّ من المفارقة أن تعقد اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الاسكوا) بالتعاون مع جامعة نيويورك ومركز التعاون الدولي اجتماعها التشاوري على مستوى الخبراء بخصوص " التطرّف العنيف في سوريا ومنع انتشاره"، ويكون الهجوم التركي على الأراضي السورية قد بدأ تحت عنوان " نبع السلام" بزعم " القضاء على الإرهاب"، وهو الأمر الذي أثار  جدلاً واسعاً ونقاشاً عميقاً حول آثاره الراهنة والمستقبلية  وتأثيراته السوريّة والإقليمية والدولية، ارتباطاً مع عنوان الاجتماع ذاته.
   وكان العديد من المنظمات التابعة للأمم المتحدة قد اشتغل على برامج ومشاريع وأجندات لسوريا، وحمل بعضها أبعاداً إنسانية تتعلّق باللاجئين والنازحين وغيرهم، وذلك منذ اندلاع الأزمة والاستعصاء الذي وصلت إليه. ومن هذه المنظمات وضعت الإسكوا في العام 2012 " الأجندة الوطنية لمستقبل سوريا"،  وذلك من خلال حوارات ونقاشات في  إطار تشاركي بين الخبراء السوريين والأطراف المعنيين لاقتراح سياسات بديلة لمرحلة ما بعد الأزمة، والهدف هو رسم وصياغة مفردات مشروع يتعلّق بالتنمية المستدامة، انطلاقاً من واقع الحال وتطوراته بعد الأزمة.
   وإذا كانت حركة الاحتجاج في العام 2011 قد بدأت سلمية ومدنية، لكنه تم عسكرتها على نحو سريع ، الأمر الذي دفع بالصراع إلى مديات شاسعة  وعنفية ومنفلتة، لاسيّما بتداخلات إقليمية ودولية من خارج الحدود وضمن أهداف خاصة.
   وتسعى اجتماعات الخبراء إلى تحليل الاتجاهات التي يمكن لسوريا تبنيّها في المستقبل، لاسيّما معالجة الجوانب المتعلقة بالتنمية ما بعد النزاع، والتي تتركز حول إعادة البناء وتقليص الأضرار المادية ومعالجة الآثار الاجتماعية والاقتصادية للنزاع الذي يستمر منذ أكثر من ثماني سنوات.
   إن التحدّيات التي تواجه عملية إعادة البناء لا بدّ لها من بحث الفرص المتاحة أو الممكنة  بالترابط مع الإمكانات المتوفرة، ولعلّ أولى الأولويات تتركّز في بناء السلام وتعزيز مؤسسات الدولة و"حكم القانون"، وبدون ذلك لن تنجح الجهود في الوصول إلى الأهداف المرجوّة، وقد انصبّت نقاشات الخبراء في الأسكوا على عدد من القضايا الأساسية منها:
1- إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية .
2- إعادة بناء المؤسسات وفقاً لمبادئ الحوكمة الديمقراطية.
3- إعادة بناء النسيج الاجتماعي وتحقيق المصالحة.
   وهذه تشمل عدداً من القطاعات أهمها: النوع الاجتماعي والمجتمع المدني وحقوق الإنسان والبيئة والاستدامة، من خلال إحراز نجاحات في التنمية وترميم البنية التحتية وتعزيزها، إضافة إلى تحديث نظم الحكم والإدارة والقضاء وأجهزة إنفاذ القانون وفقاً للمبادئ العصرية.
   ومنذ العام 2017  عمل برنامج الاسكوا على مناقشة " الإطار الاستراتيجي لبدائل السياسات" بتقديم رؤى وتصورات  وأفكار يجري تحديثها بشكل دوري لتستجيب للتطورات التي تحدث بحيث يتم تكييفها للسيناريوهات المحتملة التي تنطلق من الواقع، وذلك عبر استشراف مستقبلي جديد لسوريا 2030 من خلال محاور أساسية للقطاعات المختلفة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدستورية والقانونية والقضائية والتربوية والتعليمية والبيئية والبلدية والمجتمع المدني وغيرها.
   وفي العادة فإن اجتماعات المنظمات الدولية غالباً ما تنعقد وفقاً لقواعد Chatham  House  وكان التركيز في الاجتماع المشار إليه حول العنف والتطرّف، واستند في ذلك على دور داعش والشبكات الإرهابية الأخرى، وحسب تقديرات الأسكوا فإنه رغم هزيمته العسكرية، لكنه ما يزال يملك نحو 11.000(أحد عشر ألف) مقاتل محتجزين ونحو 75.000 (خمسة وسبعون ألف) نازح من عوائل داعش في مخيّم الهول شمال شرقي سوريا، وهو الذي هدّدت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بإطلاقهم أو عدم إمكانية حراستهم لحظة الاجتياح التركي لشرقي الفرات، والذي يمكن أن ينتقل تأثيرهم على دول الجوار بما فيها العراق بشكل خاص.
   ومثل هذا الأمر يجعل من مسؤولية دول المنطقة والمجتمع الدولي والقوى الدولية الكبرى التفكير الجدي بإعادة تأهيلهم ودمجهم وتوطينهم، ويشكل ذلك تحدّياً كبيراً في إطار مواجهة الإرهاب، سواء للمجموعات الإرهابية المحلية أو للمقاتلين الأجانب وهم من بلدان أوروبية وغربية مختلفة، إضافة إلى مقاتلين من بلدان عربية ومسلمة.
   إن مواجهة الإرهاب المتجسّد في التوحش والقتل العشوائي بالجملة يقتضي أولاً وقبل كل شيء الوقوف عند دوافعه، فلا إرهاب دون تعصب ديني أو طائفي أو مذهبي أو قومي أو سياسي أو اجتماعي أو غير ذلك، وإذا ما انتقل التعصّب من التفكير إلى التنفيذ سيصبح تطرّفاً، وكل متطرّف هو متعصّب بالضرورة، والعكس ليس صحيحاً.
   وإذا ما أصبح التطرّف سلوكاً صار عنفاً، خصوصاً باستهداف الضحية بذاتها ولذاتها والتوجه للقضاء عليها أو لإسكاتها ، أما إذا ضرب العنف عشوائياً، فإنه سيصبح إرهاباً، هدفه إضعاف ثقة الفرد والمجتمع بالدولة بزعزعة الأمن وضعضعة النظام العام وإحداث رعب وهلع وخوف في المجتمع، وقد يكون الهدف الأبعد هو إسقاط الدولة من خلال الفوضى وهي بالنسبة للإرهابيين وداعش وأخواتها " الفوضى أفضل من دولة لا تحكم باسم الله"، ولحين أن  تتحقق تلك اللحظة، فإن إدارة التوحش تعمل لبناء شروط دولة الخلافة بتفكيك الدولة القائمة.
   وإذا كان ثمة انتهاكات أو ثغرات ونواقص في السياسات الداخلية، فإن التدخلات الخارجية كان لها تأثير كبير على تشجيع وتمويل وإدامة العنف والإرهاب، خصوصاً باستغلال التطرّف والتعصّب المجتمعي وحاجات الناس وظروفهم المعاشية، ناهيك عن الأمية والتخلّف، وكل تدخل خارجي، ولاسيّما عسكري أو إدامة للنزاعات المسلحة الداخلية أو فرض عقوبات اقتصادية تمس صميم الناس، جلب معه التطرّف، والتطرّف يقود إلى تطرف مضاد، يبدأ سلبياً: الموقف من الأجنبي وصولاً إلى استخدام العنف ضده أو ضد المتعاونين معه الذين يطلق عليهم " المرتزقة" أو "الطابور أو الرتل الخامس"، وقد تناولت قواعد القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي المعاصر مسألة التعامل مع المدنيين، وهو ما ذهبت إليه اتفاقيات لاهاي لعام 1899 و1907 واتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وملحقيها بروتوكولي جنيف لعام 1977 الأول - الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة، والثاني- الخاص بحماية ضحايا المنازعات المسلحة  غير الدولية.
   وبالطبع، فثمة عقبات ستعترض سوريا حتى لو تمت هزيمة داعش، علماً بأن الهزيمة العسكرية لا تعني بالضرورة انتهاء داعش أو خطرها، لأن الأمر أبعد من ذلك حيث يقتضي تفكيك الشبكة الإرهابية وتجفيف منابعها وردم روافدها وقطع شريان التمويل لها، من خلال كفاح فكري طويل الأمد وسن قوانين وأنظمة  جديدة تحول دون انتشار التنظيمات الإرهابية، لاسيّما بتغليظ العقوبات وإصلاح منظومة القضاء والأنظمة الأمنية وأجهزة إنفاذ القانون ، وتحسين الأوضاع الاقتصادية وإيجاد فرص عمل للعاطلين والقضاء على الأمية ووضع حد للتخلف وتوفير الحد الأدنى للعيش الكريم، فضلاً عن إعادة النظر بنظام التعليم والتربية، بما يؤدي إلى تنقيته من كل ما يتعارض مع اللوائح الدولية لحقوق الإنسان، إضافة إلى بذل جهد كبير لإصلاح المجال الديني ، فكراً وثقافة وخطاباً، دون نسيان أهمية الجبهة الأمنية والاستخبارية من خلال نظام شامل للوقاية والحماية والرعاية.
   وإذا كان المجتمع السوري متماسكاً تاريخياً وهو مجتمع متنوّع وتعدّدي ومتعايش دينياً وقومياً ومجتمعياً ، لكن ذلك لا ينفي وجود ثغرات وعيوب ومثالب تتعلق أساساً بعدد من القضايا الإشكالية مثل الاعتراف بالآخر وإقرار التنوّع والتعددية واحترام منظومة الحقوق والحريات الأساسية ، مثلما لا ينبغي إهمال أن موجة الإرهاب ما بعد احتلال العراق، كان لها تأثير كبير في استنفار جميع التناقضات والنتوءات المجتمعية ، لاسيّما إذا ارتبطت بسياسات خاطئة وقصيرة النظر وبتشجيع ودعم من قوى خارجية وفقاً لأجندتها السياسية.
   وكان الإرهاب بعد العام 2011 ولغاية العام 2014 قد وجد قاعدة حاضنة له في سوريا بتشجيع من قوى دولية وإقليمية يهمّها تعميم الفوضى وقضم الدولة بالتدرّج وعلى مراحل، أما بعد احتلال الموصل العام 2014 وقبلها احتلال الرقة، فقد أصبح لداعش نفوذ كبير حيث جرت محاولات لإعلان "الدولة الإسلامية" وعاصمتها الرقة، بل إن المنظمات الإرهابية بدأت تنتشر على نحو واسع بتطبيق قوانينها على أجزاء غير قليلة من سوريا والعراق.
   إن انشغال المجتمع الدولي اليوم بمشروع التطرّف والعنف في سوريا، فلأنه أخذ يدرك أكثر من أي وقت مضى الدور المحوري لهذا البلد العريق من جهة، وما يمكن أن يتركه وجود الإرهاب من تأثيرات على المجتمع الدولي من جهة أخرى، وما يجلبه من تداخلات إقليمية، لاسيّما من جانب إيران وتركيا، ناهيك عن دور روسي متعاظم واختراق أمريكي من جانب آخر ، فضلاً عن موقف أوروبي متمايز ومغاير، وهو الأمر الذي لا بدّ من إعادة  بحثه استناداً إلى عدد من المستجدات منها :الاجتياح التركي الجديد والخارطة السياسية السورية بتضاريسها ومنعرجاتها المختلفة وتفاهم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مع الحكومة السورية، فضلاً عما ستؤول إليه لجنة إعداد الدستور ومصير اتفاقيات أستانة وجنيف، ناهيك عن مستقبل " المنطقة الآمنة"؟.





47
المنبر الحر / اتفاق سوتشي
« في: 16:16 31/10/2019  »
اتفاق سوتشي
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي
أسفرت مباحثات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نظيره التركي رجب طيب إردوغان في سوتشي عن اتفاق من 10 نقاط أهمها تسيير دوريات مشتركة على تخوم " المنطقة الآمنة" للحدود السورية التركية كما نصّ الاتفاق على بدء تسيير دوريات للشرطة العسكرية الروسية والقوات السورية النظامية على الجانب السوري من الحدود، على أن تكون مهمتها الأساسية سحب القوات الكردية والأسلحة من المنطقة المحاذية للعمليات التركية " نبع السلام" ، لتبدأ بعدها موسكو وانقرة المحافظة على الوضع في المنطقة الحدودية .
وبموجب الاتفاق يلتزم الجانبان " وحدة سوريا وسيادتها" مع "تلبية متطلبات الأمن الوطني التركي" ، وذلك بالتأكيد على "اتفاق أضنة" وأن تكون موسكو الضامن الأساسي لتطبيقه، مع التأكيد على أن الهدف الأساسي يتمثّل في "إخلاء سوريا من الوجود العسكري الأجنبي". واستمرت المباحثات التي كان مقرراً لها نحو ساعتين ، لستة ساعات، الأمر الذي يعكس صعوبة التوصل إلى اتفاق، فضلاً عن الملفات المعقدة والصعبة التي تم بحثها، وهي تتلخص في 3 ملفات أساسية:
أولها- الموقف من إنشاء المنطقة الآمنة.
وثانيها- مساعي موسكو لفتح قناة حوار مباشرة بين أنقرة ودمشق.
وثالثها – الموقف من إبقاء الولايات المتحدة جزءًا من قواتها في مناطق شرق الفرات السورية لحماية المنشآت النفطية.
ووصف الرئيسان بوتين وإردوغان الاتفاق في مؤتمر صحفي مشترك عقب توقيعهما بأنه "اتفاق مصيري" ومهم للغاية، وذلك بعد أن تم تلاوته بالروسية والتركية من قبل وزيري خارجية البلدين. وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، إن موسكو سوف تحتاج إلى معدات قتالية وتقنيات عسكرية لتنفيذ الاتفاق، وذلك في إشارة إلى احتمال إقلاع موسكو عن توجهها السابق القاضي بتقليص وجودها العسكري في سوريا، أما وزير الدفاع الروسي شويغو فقال أن أمام الولايات المتحدة ساعات محدودة للوفاء بالتزاماتها للانسحاب من سوريا.
وتحاول موسكو "إملاء الفراغ" بعد انسحاب واشنطن ، في رسائل مزدوجة ، أولها – التحذير من الفراغ الذي قد يستغله الإرهابيون، وثانيها- توفير شروط مطلوبة للأمن والسلام على الحدود ومنع الإرهابيين الاستفادة من التطورات الجديدة.
وثالثها – تطمينية للأكراد بالتأكيد على أهمية تعزيز الحوار بين دمشق وبينهم لأنهم جزء من الدولة السورية والنسيج الوطني السوري ويجب أن تراعى حقوقهم ومصالحهم، ورابعها- بخصوص استمرار عمل " اللجنة الدستورية" التي يفترض أن تعقد اجتماعاتها في جنيف.
أما إردوغان فكانت رسائله هي أن بلاده  ملتزمة بمبدأ وحدة وسلامة الأراضي السورية، وذلك بتأكيده " وليس لدينا أي أطماع في أراضي الغير" وإن الهدف هو "دحر الإرهابيين" و"إعادة اللاجئين السوريين" وأنه خطط لإعادة نحو مليون لاجئ سوري إلى " المنطقة الآمنة".
وتزامن إعلان "اتفاق سوتشي" اقتراح وزيرة الدفاع الألمانية أنغريت كرامب كارنباور لإنشاء منطقة آمنة في سوريا برعاية دولية لحماية المدنيين وضمان استمرار التصدي لتنظيم "داعش" الإرهابي، وقالت أنها اتفقت مع المستشارة أنجيلا ميركل على عرض الاتفاق على دول حلف شمالي الأطلسي خلال اجتماعه في بروكسل.
ويتضمن الاقتراح الألماني مشاركة فرنسا وبريطانيا، إضافة إلى تركيا وروسيا في " قوة دولية" للانتشار في شمالي سوريا، وهو الأمر الذي اعتبر إرباكاً لحلفاء حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي الحاكم الذي تنتمي إليه وزيرة الدفاع، وبدا وزير الخارجية الألماني  هايكو ماس متفاجئاً لأنه اعتبر عملية نبع السلام التركية "غزواً" وإنها تتعارض مع قواعد القانون الدولي.
وحتى الآن  فمن الصعب التكهن بما ستؤول إليه العلاقات السورية – التركية وما إذا كان الحوار المباشر الذي يقترحه الروس سيفضي إلى النتائج المطلوبة، خصوصاً وإن العديد من القضايا العقدية ما تزال قائمة منها ما يتعلق بالمنطقة الآمنة ومنها ما يتعلق بمصير الأكراد وحقوقهم القومية السياسية والدستورية والموقف من حزب العمل الكردستاني PKK ومسألة الإشراف على المناطق النفطية بشمال سوريا، وكل ذلك يتطلب التزامات من الأطراف الأساسية، سواء أكانت روسيا أم تركيا أم الولايات المتحدة أم الاتحاد الأوروبي أم الكرد أم دمشق ، إضافة إلى الأمم المتحدة وقراراتها وكانت اتهامات سورية حكومية قد وجهت إلى إردوغان شخصياً بسرقة  المعامل والنفط والقمح وأنه اليوم يريد سرقة الأرض.
وقد رافق قمة بوتين – إردوغان إشارات اقتصادية مهمة، حيث تم الاتفاق على استخدام "الروبل" الروسي و"الليرة" التركية في التعامل الاقتصادي بين البلدين بدلاً من العملات الأجنبية، وخصوصاً الدولار، وتم بحث آلية مالية لتشبيك النظام المصرفي في البلدين ، كما اتفق البلدان على بناء محطة الطاقة النووية بمساعدة روسية واستمرار التعاون بشأن مشروع السيل التركي للغاز، وفي المجال العسكري استمرار التعاون بخصوص " صواريخ إس 400"، ويبقى الموضوع الأساسي هو الإرهاب والمقصود تركياً " حزب العمال الكردستاني" وسورياً وروسياً جميع المجاميع الإرهابية ، بما فيها داعش وجبهة النصرة " جبهة تحرير الشام" وأخواتها، وهو أمر مختلف عليه فيما يتعلق بإدلب ووجود الجماعات الإرهابية والمسلحة.




48
المنبر الحر / نبوءة فوكوياما
« في: 14:01 29/10/2019  »
نبوءة فوكوياما

بقلم عبد الحسين شعبان

في فبراير (شباط) 1989 ألقى فرانسيس فوكوياما المفكر الأمريكي من أصل ياباني، كلمة في جامعة شيكاغو بخصوص "العلاقات الدولية" تم نشرها في صيف 1989 في مجلة The National Interest، وكانت بعنوان "نهاية التاريخ" كما نشرت في مجلة Times Magazine التي تصدر في نيويورك.
كان يومها في السادسة والثلاثين من عمره، ويعمل في مؤسسة راند Rand المقرّبة من CIA بصفة "خبير في السياسة الخارجية السوفيتية"، لكن تلك المقالة سرت مثل النار في الهشيم، فنوقشت في بريطانيا وفرنسا، وترجمت إلى لغات عديدة، وذلك لثلاثة أسباب مهمة:
أولها- إعلان ميخائيل غورباتشوف الزعيم السوفييتي قبل نحو شهرين من أن الاتحاد السوفييتي سيكفّ عن التدخل في شؤون أوروبا الشرقية، وذلك في خطابه في الأمم المتحدة (7 ديسمبر/ كانون الأول 1988):
وثانيها- إن العام ذاته 1989 صادف انهيار الكتلة الاشتراكية بعد الإطاحة بأنظمة أوروبا الشرقية، حيث شهد العالم الثورة المخملية في تشيكوسلوفاكيا وأعقبها هدم جدار برلين في 9 نوفمبر (تشرين الثاني) في العام ذاته، وقبلها تغييرات للأنظمة في بولونيا وهنغاريا، ثم صوّت الاتحاد السوفييتي على حلّ نفسه في 26 ديسمبر/كانون الأول /1991.
وثالثها- إن فوكوياما أخذ يتدرّج في المناصب، حيث انتقل إلى نائب مدير تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأمريكية، وسرعان ما تحوّلت مقالته إلى كتاب مقابل 600 ألف دولار، وتم نشره بعنوان "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" في 1992 ونشرته دار Free Press، ولذلك اكتسبت مقالته وفيما بعد كتابه أهمية كبيرة، باعتباره قريباً من أصحاب القرار ومؤثراً في اتخاذ القرار.
يقرّر فوكوياما في كتاب "مستقبلنا ما بعد الإنسانية أن التاريخ لا يمكن أن تكون له نهاية ما دام أن العلم مستمر في تحقيق تقدّم سريع ومذهل
واليوم وبعد مضي ثلاثة عقود من الزمان على ترويج أطروحته الشهيرة تلك، وبعد بلوغه السادسة والستين من عمره، فهل كانت الضجة التي رافقت مقالته وكتابه تستحق كل ذلك، أم إن ذلك جزء من الدعاية والصراع الأيديولوجي ضد الشيوعية حينها وما بعد الحرب الباردة، خصوصاً التحضير لاختراع عدو جديد هو "الإسلام" وشيطنة الآخر، لدرجة أن عقد التسعينيات كلّه، شهد مثل تلك الحملة الديماغوجية، والتي تُوّجت بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) الإرهابية التي حصلت في الولايات المتحدة العام 2001، بغزو أفغانستان في العام ذاته واحتلال العراق بعده في العام 2003؟
ولنا أن نتساءل أيضاً بعد أن خفت بريق نظرية فوكوياما عقب عقد ونيّف من الزمان، حيث كانت تتصدر فيه الواجهات: هل كانت تستحق كل ذلك العناء والانشغال العالمي بها؟ وبعد ذلك ما الذي تبقى اليوم من أطروحته التي بشرنا بها بنهاية التاريخ؟ ثم هل الرهان على اليقين الليبرالي "المنتصر" كفيل باجتراح المعجزات؟ أم ثمة حقائق أخرى أخذت تنتصب أمامنا، وهي بحاجة إلى إعادة النظر في الكثير من "المسلّمات" التي افترضها بشأن "حتمية تاريخية" لنمط آحادي لحضارة "سائدة" هي الغربية - الليبرالية (المسيحية - اليهودية) على حساب الحضارات الأخرى، بما فيها الحضارات التاريخية مثل الحضارة الصينية والهندية واليونانية والعربية - الإسلامية وغيرها؟
ولعلّ مراجعة الأطروحات التي تقول بظفر الليبرالية التي بدأها فرانسيس فوكوياما وإن تزعزع تشبثه بها بعد أحداث 11 سبتمبر، تكشف لنا هزال تلك الفرضيات الحتمية والافتراضيات التنظيرية، التي حاول تقسيم العالم بموجبها إلى قسمين: "عالم التاريخ" و"عالم ما بعد التاريخ"، وإذا ما أريد الخروج من عالم التاريخ ودخول عالم الما بعد تاريخي، فلا بدّ من نزع الهويّة الخاصة واللحاق بعالم ما بعد التاريخ، وهذا الأخير هو عالم الدول الصناعية المتقدمة، ويواجه العالم الجديد بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وانتهاء الحرب الباردة، مشكلات أساسية، وهي النفط والإرهاب الدولي واللاجئون.
وإذا كان فحص نظرية فوكوياما خارجياً يثبت خطلها، فإن فحصها داخلياً قاد إلى ممثل هذا الاستنتاج، حيث اضطرّ هو نفسه إلى تعديل أطروحته أو نقضها بسبب حالة الاستعصاء، بعد أن أثبت "التاريخ" أنه ماكر وخداع على حد تعبير هيغل، فقد أكدت الوقائع إخفاق، بل عدم قدرة تلك الفرضيات على تجاوز الواقع المعقّد، وهكذا أخذ فوكوياما يرجّح الجانب القانوني والمؤسساتي في بناء الدول على حساب حتميته التاريخية، ولذلك اعتبر أن جهود الديمقراطية الليبرالية في بناء المؤسسات كانت متواضعة جداً، وأنه إذا كان هناك شيء واحد تغيّر في تفكيره بشأن كل هذا، فهو بالضبط هذا السؤال حول صعوبة خلق المؤسسات.
وفي كتابه الانتقالي "مستقبلنا ما بعد الإنسانية: تبعات ثورة التكنولوجيا الحيوية" يقرّر أن التاريخ لا يمكن أن تكون له نهاية ما دام أن العلم مستمر في تحقيق تقدّم سريع ومذهل، حيث أشار ردًّا على صحيفة الهيرالدتربيون: إن أيسر طريقة لفهم أطروحته الجديدة هي إدراك الجانب السياسي للتكنولوجيا. وإذا كانت التكنولوجيا والمعلومات قد أضفت قدراً كبيراً من التأثير على الديمقراطية السياسية والليبرالية، فإن التكنولوجيا الحيوية من الممكن أن توفّر مجموعة أدوات للسيطرة والهيمنة في السلوك الاجتماعي.
وذهب فوكوياما إلى اعتبار الأدوية الجينية التي يتم إنتاجها لحقن إثر التفاعلات المناعية لكل مريض على حدة تحقق تقدماً واعداً في المستقبل، وقال إن العالم سيشهد خلال عشر سنوات قادمة ظهور العديد من الأدوية المختلفة التي من خلالها يتم تحسين الذاكرة وزيادة الذكاء.
وهكذا، يعود فوكوياما إلى تأكيد حقيقة قيام الديمقراطية التي تطورت ببطء شديد وتراكم طويل الأمد، منذ أن كانت إرهاصاً جنينياً، حتى أصبحت قويّة العود في بعض البلدان، وإن يجري تهديدها باستمرار، وما الموجة الشعبوية العارمة التي صاحبت صعود دونالد ترامب إلى قمة السلطة في الولايات المتحدة إلا تعبير عن ذلك والأمر يشمل أوروبا التي اكتسحت فيها الشعبوية بلداناً عديدة مثل فرنسا ممثلة "بالجبهة الوطنية" برئاسة مارلين لوبان وإيطاليا، حيث ظهرت حركة الـ 5 نجوم، وفي ألمانيا كان صعود "البديل الديمقراطي" ملفتاً، مثلماً فاز الشعبويون في هولندا والدانيمارك والنمسا والمجر والتشيك وبولونيا وغيرها.
إن صعود الموجة الإسلاموية التكفيرية ارتبط إلى حدود غير قليلة بموجة شعبوية دينية اتخذت من الإسلاملوجيا ضدية في مواجهة الإسلامفوبيا
وإذا كان ذلك ما عانته خارطة الديمقراطية في الغرب من تحديات وعرة وتضاريس معقّدة. ففي منطقتنا العربية، كان الأمر أشدّ سوءًا في ظلّ انقسامات مجتمعية عديدة ما دون الدولة وما قبلها، بل إن بعضها يهدد وجود الدولة واستمرارها، ويمكن القول إن "التجارب" الديمقراطية ما تزال محدودة وهلامية وهشّة، وليست أكثر من توجّهات في العديد من البلدان، التي واجهتها من معوّقات أساسية وعقبات عديدة هي: الحروب الأهلية والنزاعات الطائفية والمذهبية والتوتّرات الإثنية والقومية والعنف المجتمعي والإرهاب الدولي والحروب الإقليمية وشحّ الثقافة الديمقراطية، خصوصاً في ظلّ التفاوت الاجتماعي وعدم عدالة توزيع الثروة، إضافة إلى تفشّي الأمية وانتشار الجهل وعقبات أخرى، مثل العشائرية والجهوية وغيرها.
جدير بالذكر أن صعود الموجة الإسلاموية التكفيرية ارتبط إلى حدود غير قليلة بموجة شعبوية دينية اتخذت من الإسلاملوجيا (أي استخدام التعاليم الإسلامية ضد الإسلام) ضدية في مواجهة الإسلامفوبيا (الرهاب من الإسلام في الغرب) وذلك في إطار نزوع متطرف يستند إلى تعصّب، وسرعان ما يتحوّل التطرّف إلى سلوك، فيؤدي إلى العنف وهذا الأخير يمكن أن يصبح إرهاباً إذا ضرب عشوائياً، ولذلك لاحظنا الانتشار السريع والواسع للتنظيمات الإرهابية مثل القاعدة وداعش وجبهة النصرة وأخواتهم، تلك التي وجدت أن فيروس الإرهاب سريع الانتشار، وبيضه يمكن أن يفقس إذا ما كانت هناك بيئة صالحة لذلك.
ولا أدري أين نضع مقولات فوكوياما اليوم بعد العقود الثلاثة الماضية، ولاسيّما بعد التحديات العديدة التي واجهتها الديمقراطية، في عرينها الأصلي، إضافة إلى الديمقراطيات الناشئة في أوروبا الشرقية وبعض دول أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا؟ وأين يمكن أن نضع دولة مثل الصين، حيث ما يزال يحكمها حزب واحد، مهّد رئيسه شي جين بينغ للبقاء في منصبه إلى أجل غير مسمى، وكذلك دولة كبرى مثل روسيا التي استبدل فيها الرئيس فلاديمير بوتين مناصبه، ليمدّد إدارته لسلطة بلاده ليبقى هو على رأسها؟
وهكذا نرى أن الشعبوية التي شهدتها انتخابات الاتحاد الأوروبي مؤخراً ليست ردّة فعل عاطفية وفورة انتخابية إزاء واقع مأزوم، وإن كانت تستغل ذلك، ولكنّها تهديد حقيقي للديمقراطية الليبرالية، خصوصاً بجنوحها لتقديم تفسيرات لمفهوم الشعب في محاولة لنفي التنوّع والتعدّدية الثقافية، ومحاولة فرض نوع من التجانس عليه، الأمر الذي يعني فرض شكلٍ من أشكال الوحدة الإجبارية التي تقترب من الإكراه، فهل تحققت "نبوءة" فوكوياما أم أنها لم تكن أكثر هرطقة أيديولوجية جانبت الواقع واستنفذت أغراضها بعد محاولة فرض الهيمنة وإملاء الإرادة والتحكم بمسار العلاقات الدولية؟



49
المنفى فضاء رحب لمقاومة العزلة والشيخوخة والفداحة

عبد الحسين شعبان

أستكشف الضوء في أكثر الأمكنة ظلاماً من خلال الأدب
العرب بحاجة إلى تلازم التنمية والديمقراطية
أنا مزيج من مدن وأنهار وصداقات
حاوره : هشام الطرشي
منذ أن اقترحنا عليه إجراء حوار مع موقع "الصحيفة"، غصنا في جرد المواضيع والتيمات ذات الراهنية والتي من المهم استحضارها في لقائنا به، وفي كل مرة نحدد فيها موضوعا نجد أنفسنا أمام تساؤلات فلسفية لمحاورِنا تفتح أمامنا أبوابا وتفريعات وزوايا معالجة تحتاج إلى الكثير من التدقيق والمراجعة والتصويب.
إن الضبط والتدقيق في المفاهيم وأبعادها لا يعادله إلا ذلك الانفتاح الفكري والفلسفي على القيم الإنسانية وقدرة محاورنا على لجمها وتطويعها خدمة للإنسانية باختلاف روافدها ومساراتها، فالدكتور عبد الحسين شعبان، موسوعي الثقافة ومتنوع الانشغالات ومنتج أفكار وصاحب مبادرات، نجفي المنشأ ويساري الفكر وكوني القيم، وواحد من أبرز الأسماء التي انتصرت لـ"المادية الجدلية"، ظل متمسكا بأهدابها مع انفتاحه على الفكر الانساني بمدارسه المختلفة، بل وعمل على إغنائها باجتهادات وقراءات متجددة للفكر الاشتراكي من زوايا انتقادية منسجمة في شموليتها مع روح العصر والتعددية الانسانية والتنوع الفكري والحضاري.
والمفكر شعبان واحد من الروّاد الكبار للعمل الحقوقي والإنساني في العالم العربي، وأستاذ محاضر في العديد من الجامعات العربية والدولية، حيث استقرّ لتدريس "فلسفة اللّاعنف" في جامعة اللّاعنف وحقوق الإنسان التي يشغل فيها منصب نائب الرئيس المعني بالشؤون الثقافية.
نستضيف في هذا الحوار الخـاص الدكتور شعبان لمحاورته في قضايا التغيير والتنوير، ثم ننتقل معه إلى عوالم بوح إنساني ووجدانيات حميمية، ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، ليكشف فيها روحه الحيّة وعالمه الخاص ومواقفه من الحب والحياة والعمل والدين والهويّة ويقدّم نقداً لكل ذلك.
د. عبد الحسين شعبان - باحث ومفكر عربي
دكتور شعبان، ننطلق معك في هذه الفسحة التواصلية مما تعرفه المنطقة العربية من متغيرات، كيف تقرأ هذا التغيير"فكريا"؟
شهدت المنطقة العربية خضّات كبيرة ضعضعت "الشرعيات" القائمة وأضعفتها إلى درجة كبيرة، بل وأطاحت بها في بعض التجارب، لكن رياح التغيير تلك التي هبّت على المنطقة، لم تستطع حتى الآن من إقامة أو بناء "شرعيات" جديدة، على الرغم من ما تركته من إرهاصات، وحسب المفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي "الماضي قد احتضر، أما الجديد فلم يولد بعد".
ولكنني أستطيع القول بثقة إن الماضي مضى ولم يكن بالإمكان إعادته، فما أطلقنا عليه "الربيع العربي" بما له وما عليه من إيجابيات وسلبيات ترك بصماته موضوعياً على الواقع العربي، فمن الناحية الفكرية على أقل تقدير تمكّن من إسقاط بعض المقولات والأفكار التي سادت عقب انتهاء عهد الحرب الباردة بانهيار الكتلة الاشتراكية وقيام ما سمّي بالنظام الدولي الجديد، الذي روّج له فرانسيس فوكوياما والذي يقوم على ظفر الليبرالية على المستويات كافة، السياسية والاقتصادية والثقافية، كمنظومة قيم ونظام اجتماعي، والذي عبّر عنه في مقالة نشرها في العام 1989 تحت عنوان "نهاية التاريخ" والتي تحوّلت إلى كتاب في العام 1992 تحت عنوان "نهاية التاريخ والإنسان الأخير".
ما هي إذا الفرضيات التي تؤشر لها؟
ثمة فرضيات شكّلت عائقا أمام التغيير الديمقراطي المنشود حتى بدا وكأنه استعصاءً أو وعداً غير قابل للتحقق، فالفرضية الأولى، هي أن بديل الأنظمة الوطنية حتى لو كانت تسلّطية هو الفوضى، في حين أن الأنظمة على قسوتها واستبدادها حامية للأمن والاستقرار، ومن الطبيعي أن يخلف أي عملية تغيير أو انتفاضة أو ثورة نوع من عدم الاستقرار وحتى الفوضى التي قد تندفع إلى الواجهة، وليس بالضرورة تقود إلى "الفوضى الخلّاقة" طبقاً للرئيس جورج دبليو بوش، ففي تونس ومصر على سبيل المثال، وحتى وإن برزت حوادث عنف، لكنها كانت محدودة، وهي تصاحب أي عملية انتقالية وأية سلطات مؤقتة.
أما الفرضية الثانية، فهي أن العرب ليسوا بحاجة إلى الديمقراطية بقدر حاجتهم إلى التنمية، ومصدر مثل الأطروحات بعضها خارجي عنصري استعلائي وبعضه داخلي ومحلي، فالأول يستكثر على العرب حاجتهم إلى نظام سياسي عصري، والثاني يستصغر دورهم، صحيح أن العرب بحاجة إلى الغذاء والدواء والعمل والتعليم والسيادة، ولكن من قال إن الإنسان يحيا بالخبز وحده؟
والفرضية الثالثة، هي أن الإسلام دين يحض على العنف ويدعو إلى الإرهاب، وهو دين غير متسامح، ومصدر هذه الأطروحة كذلك خارجي وداخلي، الأول يستهدف فرض الهيمنة والاستتباع، والثاني يعتقد أن الصراع الداخلي هو بين الإسلاميين والعلمانيين، وهو صراع استئصالي إلغائي.
والطرفان يعتقدان أن الإسلام دين غير متسامح وتتعارض تعاليمه مع قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومثل هذه الأطروحة تريد إخراج نحو مليار إنسان وأكثر من نصف مليار من استحقاق الديمقراطية، وهو أمر غير معقول.واستمراراً لهذه الأطروحة فالذين يتعصّبون للإسلاميين يعتبرون العلمانيين خطراً عليهم، والعلمانيون يعتبرون الإسلاميين هم الخطر على الديمقراطية، وكل يبالغ بدور الآخر سلباً ويعلي من دوره إيجاباً، في حين أن اللعبة الديمقراطية تقتضي الاحتكام إلى صندوق الاقتراع في إطار منظومة كاملة من القوانين والمؤسسات والممارسات التي تراكم التطور الديمقراطي، علماً بأن الإسلاميين ليسوا جميعهم كتلة صماء واحدة، مثلما ليس جميع العلمانيين كتلة واحدة، ففيهم اليساري واليميني، الجمهوري والملكي، الظالم والمظلوم أحياناً، ولهذا لا يمكن وضع الجميع في سلّة واحدة.أما الفرضية الرابعة، فهي أن التغيير يحتاج إلى دعم خارجي، بل إنه لن ينجح بدونه وهو اتهام من جانب القوى المحافظة للقوى التغييرية بأنها تعتمد على الغرب الذي له مصالح خاصة، انطلاقاً من نظرية «المؤامرة»، في حين أن بعض القوى الداعية إلى التغيير لم تجد بأساً من التعامل مع قوى خارجية حتى على حساب المصالحة الوطنية العليا، طالما ستنقلها إلى منصّات السلطة، فهي غير قادرة لوحدها على إنجاز عملية التغيير، ولكن ما حصل من حراك شعبي كان داخلياً بالأساس حتى وإن حصل على تعاطف أو دعم خارجي بهدف توظيفه سياسياً.ولا يمكن مصادرة كفاح وتضحيات حركة الإصلاح الداخلية لعقود من الزمان بزعم الدعم الخارجي وإثارة الشبهات حولها. وبالطبع فإن القوى الخارجية ستحاول أن تدسّ أنفها طالما كانت الجبهات الداخلية ضعيفة أو مفكّكة.والفرضية الخامسة، هي أن التغيير سيؤدي إلى تصدّع الهويّة الجامعة والمانعة للشعوب العربية، لاسيّما بصعود هويّات اثنية ودينية وطائفية وعشائرية ومناطقية، وهذا يعني بذر بذور التشطير والتشظي في جسم الدولة الوطنية.
وإذا كان انتعاش الهوّيات الفرعية حقيقة قائمة فإن له أسباب موضوعية وأخرى ذاتية، فقد غذّت الأنظمة العربية بشكل عام الانقسام المجتمعي تارة لأسباب دينية وأخرى طائفية أو مذهبية أو إثنية أو جهوية أو غيرها بهدف إبقاء سلطة الحاكم طبقاً للرؤية الميكافيلية «الغاية تبرر الوسيلة»، ولعل من الطبيعي أن يعقب كل عملية تغيير انبعاث للهويّات بسبب تعصّب وتطرّف وعنف وإرهاب نال الهويّات الفرعية أو لمحاولتها التفلّت من هيمنة "الأغلبية" وسنوح الفرصة لذلك.
والفرضية السادسة، هي أن التغيير يحتاج إلى ثقافة، وهي التي ينبغي أن تتأسس لكي يحدث التغيير، وهي غائبة حتى الآن عربياً، ولكن هناك شعوباً وأمماً في العالم الثالث كما تسمى سارت في طريق التغيير الديمقراطي بالترافق مع تطوير التربية والتعليم، بما فيها على قيم الديمقراطية، فهل ننتظر أن يتم القضاء على الأمية وأن تعمّ الثقافة لكي نفكر حينها بالتغيير أم أن هذا الأخير كما أرى مساراً طويلاً مركباً تتفاعل فيه عوامل كثيرة تنموية بجميع المجالات.أما الفرضية السابعة، فهي أن التغيير يحتاج إلى حامل اجتماعي وهذا غير متوفر، أي عدم وجود قوى من الطبقة الوسطى قادرة على حمل رسالة التغيير، والشباب الذي فجّر الحراك الشعبي وقاده ليس مؤهلاً لإدارة الدولة لأنه لا يمتلك الخبرات الكافية، ولعل هذه نظرة تشكيكية استصغارية للشباب ودوره ولإرادة التغيير، ومحاولة لفرض نوع من الأبوية والوصاية على التغيير.
في حين أن الفرضية الثامنة، هي أن التغيير بحاجة إلى جهد مجتمعي شامل، في حين إن المجتمعات العربية ما تزال المرأة فيها بعيدة عن المشاركة، لكن المشاركة النسوية في تونس ومصر واليمن وليبيا دحضت إلى حدود كبيرة هذه الفرضية، فقد كانت لها تأثير كبير في التفاعل الحقيقي، بل وفي المشاركة اللّاحقة، ولا يمكن الحديث عن تغيير حقيقي في أي مجتمع دون الحديث عن مساواة حقيقية وفعلية وقانونية ومجتمعية بين الرجل والمرأة، وذلك أولاً- تمكين المرأة لكي تنخرط في العمل العام السياسي والاجتماعي والمدني، وثانياً- تتولى مهمات قياديّة، وثالثاً- لكي تشارك في إدارة الدولة وهيئاتها المختلفة.لقد جرت متغيّرات عديدة في هذا المجال، فحتى لدى دول الخليج اليوم تشارك المرأة مشاركة فعّالة وتتخطى العقبات التي كانت في طريقها وهو أمر مهم يمكن التراكم عليه لحصول التغيير الحقيقي في المجتمع، وتبقى "الثورات نقراً في السطح وليس حفراً في العمق" على حد تعبير المفكر السوري ياسين الحافظ، إن لم تنزل إلى قعر المجتمع وتحرّره وتغيّر العلاقات الإنتاجية السائدة فيه، فضلاً عن العادات والتقاليد البالية تلك التي ترسّخت على مرّ العصور، ولاسيّما في النظر إلى المرأة حيث يتم استصغار دورها والتشكيك بإمكاناتها والتقليل من قدراتها، بل إن البعض يبرّر ذلك باسم الدين باعتبار النساء "ناقصات عقل ودين".
ولأن المناسبة شرط، لنتوقف قليلا عند المرأة..
لقد تحقق للمرأة بعض النجاحات وإن أجهض بعضها أو تعثّر، وخصوصاً حين واجهت عملية التغيير والتقدم قوىً تقليدية واسعة، وأستطيع القول أنه لا يمكن أن تحرّر المرأة بالكامل دون تحرّر المجتمع ككل، لكن هذا لا يعني ترك الحبل على الغارب وانتظار تحرّر المجتمع، بل لا بدّ من شن كفاح متعدّد من جانب المرأة والمناصرين لحقوقها مع أخذ خصوصيتها بنظر الاعتبار، ولا يمكن الحديث عن احترام حقوق الإنسان والممثلة بالشرعة الدولية دون الحديث عن مساواة المرأة بالرجل.
وتعتبر معركة المرأة في التحرّر أحد أهم وأكبر قضايا التغيير الحقيقية والتنوير الراهنة والمستقبلية، فقد كان قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959 أحد أركان الصراع بين قوى التنوير والتغيير من جهة والقوى المحافظة من جهة أخرى في العراق، وكذلك الحال مع قانون الأسرة في اليمن لعام 1974، وفي السابق والحاضر كانت قضية المرأة في تونس مصدر نزاع مجتمعي بين التيارات الفكرية التقدمية والمحافظة، وهو أمرٌ يتعلّق بقضية المرأة في عموم البلدان العربية، وحين تحصل التراجعات والانقلابات الرجعية فإن أول شريحة تتعرّض لهضم الحقوق هي المرأة.
الحديث عن بنية وتركيبة المجتمع يدفعنا إلى الحديث عن التغيير، فهل أصبح حقيقة في ظل ما سمّي الثورة العلمية-التقنية من وجهة نظرك، وكيف تساهم هذه المحدّدات في رسم معالم التغيير المنشود؟
أكّد التغيير الذي حصل في تونس ومصر وبغض النظر عن بعض مآلات منعرجاته وتموجاته بسبب حدّة الصراع والتداخلات الخارجية في دول المنطقة عدداً من الحقائق المهمة، أولها، انكسار حاجز الخوف وحدوث التغيير في مزاج الناس، واستعدادها للدفاع عن قضايا الحريّة والكرامة والعدالة، بالنزول إلى الشارع وإرغام الحاكم على التخلي عن الحكم.
وثانيها، إمكانية التغيير باللّاعنف وعبر الوسائل السلمية، ولعلّ هذا الأسلوب الناجح هو الذي أجبر الحاكم في السودان على الانصياع بتدخل من الجيش لاحقاً، وهو الذي أرغم الرئيس في الجزائر على التخلّي عن ترشيح نفسه، وما يزال الحراك الشعبي مستمراً لتحقيق أهداف حركة التغيير، وهو الذي دفع لإجراء تغييرات دستورية وعملية إيجابية في المغرب والأردن وانعكست تأثيراته عل بعض الخطوات الانفتاحية والتي اتخذتها بعض دول الخليج أيضاً.
وثالثها، إن التغيير انطلق وحتى وإن تعثّر أو تأخر، لكن مساره مستمراً وهو مسار طويل الأمد، ويحتاج المستقبل إلى توجهات جديدة قد تأخذ أشكالاً جديدة غير مطروقة في السابق، أي أنه ما يزال في تفاعل ديناميكي.
ورابعها، إنه استحقاق داخلي، بالدرجة الأساسية وهو تتويج لكفاح طويل الأمد، حتى وإنْ حاول الخارج توظيفه أو التداخل معه، لكن ذلك لا يمنع النظر إليه باعتباره تراكماً طويل الأمد وتتويجا لتضحيات الإصلاحيين والتنويريين من التيارات الفكرية المختلفة اليسارية والعروبية وغيرها.
وخامسها، المشاركة الجماعية بما فيها من تعدّدية وتنوّع في إطار الوحدة الوطنية فلم تتأخر عنه قوة أساسية أو فئة مؤثرة، بل شارك فيه الجميع بفاعلية ووزن.
وسادسها، دور العلم والتكنولوجيا، ولاسيّما الطفرة الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي التي كانت جهازاً تعبوياً بامتياز، وهكذا كان يتم خلال لحظات التعبئة والتحريض والتنظيم، ولعلّ ذلك قد رسم معالم الطريق الجديد لإدارة الحكم وتوجهاته اللّاحقة، التي ينبغي أخذها بنظر الاعتبار، فلم تعد تنفع استمرار الأنظمة الشمولية والتسلطية واحتكار العمل السياسي والمهني، وانفتحت ثغرات في جدار السلطة في العديد من البلدان، وسيكون ذلك بروفة أولية لتغييرات قادمة خلال السنوات العشر القادمة، خصوصاً بتراكم التجربة وفي ظل ميل عالمي للتغيير.
هل من تبرير أو تفسير لحالة الانكفاء التي أصابت المفكر أو المثقف العربي عموما، ونزوحه إلى عدم التفاعل مع المتغيرات المجتمعية؟
انقسم المثقفون العرب في الموقف من عملية التغيير ومما سمّي بالربيع العربي وهو انقسام سابق، فبعضهم كان يحرق البخور للسلطان ويؤدلج له خطابه ويلمّع إجراءاته، في حين كان البعض الآخر يمارس وظيفته الأساسية وأعني بذلك النقد، ودفع مثقفون عديدون على امتداد الوطن العربي أثماناً باهظة، حتى أنك أصبحت تنظر إلى لندن وباريس كعاصمتين أساسيتين للمثقفين العرب المنفيين والمطاردين في بلدانهم، والذين يجدون فيهما وفي غيرهما فسحة التعبير عن الرأي وحرّية الإبداع دون رقابة أو تسلّط.وبتقديري إن وظيفة المثقف الأساسية هي النقد، ولا قيمة لتجربة دون نقدها، لكن بعض المثقفين كان أقرب إلى المثقفين الطقوسيين أو الإداريين الذين حاولوا إخفاء رؤوسهم في الرمال مثل النعامة، في حين تجد مثقفين لا يريدون الانخراط في العمل العام ويظهرون كمثقفين مدرسيين، وآخرين مسلكيين أو حتى ذرائعيين.
أما المثقفون العضويون حسب تعبير غرامشي، فهم من تماهوا مع الحركة التغييرية وعبّروا عنها، ليس بمواجهة السلطات فحسب، بل في مواجهة مع مثقفين معولمين أحياناً اغترابيين، دعوا لقطع صلة الواقع بالتراث، وبرروا التعاون مع القوى الخارجية بزعم مساعدتهم في التخلص من الحكم التسلطي، ومقابل هؤلاء هناك مثقفون تقليديون ظلّوا يشدّدون على استلهام التراث لدرجة الغرق فيه، بزعم الخشية من الاختراق الخارجي و "الاستعمار" الثقافي والفكري، وهناك مثقفون محنّطون وسياسيون مملّون ومملؤون بالفراغ.
متغيرات مجتمعية عديدة أبانت ضعف الفاعل السياسي على مسايرتها وإبداع الحلول لتعزيزها وتثمينها، وقد دعوت في أكثر من مناسبة إلى التأسيس لعقد اجتماعي وسياسي جديد، بحسبك، ما هي أهم مميزات هذا العقد وخصائصه؟
ثلاثة مخاوف أساسية تسلّلت إلى الواجهة السياسية أو وجدت طريقها إليها ترافقاً مع "ربيع الحرية والكرامة" المفترض الذي حلّ على العالم العربي بالرغم من المرارات والخيبات، فقد ارتفع قلق وهاجس بعض الجهات والجماعات من حضور القوى الدينية أو السلفية، إما لاعتبارات ايديولوجية أو دينية بصبغة طائفية، أو لأسباب سياسية أو اجتماعية، وهكذا.
لكن هذا القلق لم يكن الهاجس الوحيد لدى هذه القوى التي بقيت متخوّفة أو متردّدة أو حتى مرتابة من التغيير لهذا السبب، بل كان الخوف من الفوضى موازياً للخوف من القوى الإسلامية، لاسيّما بعد تجربة "الفوضى الخلاقة" التي ضربت أفغانستان ومن ثم العراق، بعد احتلالهما العام 2001 و2003، على التوالي.
يضاف إلى ذلك، الخوف الكبير والقلق العميق من محاولات الاستغلال الخارجي، لحركة التغيير، سواءً من خلال توجيهها أو التأثير عليها، بل إن أصحاب نظرية المؤامرة كانوا يقدّمون هذا الهاجس على الهواجس الأخرى التي تعتبر مكمّلة أساساً، لهذا البرزخ الذي يمكن أن يكبر، مستندين إلى الكثير من الأمثلة والأدلّة، ولعل أكثرها إثارة بالنسبة للعالم العربي ما حصل في العراق نتيجة الاحتلال.
أنت تتحدّث عن خريطة طريق عربية.. ما هي ملامحها؟
لعلّ موضوعاً من هذا القبيل يعيدنا إلى فكرة مهمة وريادية كان قد طرحها مركز دراسات الوحدة العربية في ما أطلق عليه المشروع النهضوي العربي بصيغته الأولى، التي بدأت فكرتها في العام 1988 وجاء في إطار "مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي" وكان ذلك ضمن توصية بالحاجة إلى مشروع نهضوي والتي يمكن صياغتها في إطار فكرة جديدة لعقد اجتماعي عربي وهو ما ندعو إليه، يبحث في المشتركات وفي الخصوصيات في الآن ذاته، أي وضع خريطة طريق، بتضاريسها وألوانها على بساط البحث، خاصة بالمشترك الجامع الذي ينبغي تعظيمه على حد تعبير الأمير الحسن بن طلال وتقليص الفوارق، لاسيّما بتأكيد احترام الخصوصيات التي ينبغي مراعاتها بالنسبة لكل مجتمع وفي إطاره أيضاً.ولعلّ فكرة عقد اجتماعي عربي جديد أو خريطة طريقة عربية جديدة يمكن أن تستند إلى مشروع نهضوي عربي جديد هو الآخر أصبح لا مناص منه للقوى الحيّة الحاملة لمشروع التغيير والنهوض، ناهيك عن التحدّيات المشتركة التي تواجه العرب، خصوصاً التنمية الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والأمن القومي ومواجهة التحدّيات التي تتعلق بالوجود، مثلما هي "صفقة القرن" أو "وعد بلفور الجديد"، وذلك بعد أكثر من قرن على اتفاقية سايكس بيكو - 1916 لتقسيم البلدان العربية من جانب القوى الاستعمارية.
ولعلّ الركن الأول في هذه الخريطة والمشروع هو استعادة الجانب الوجداني الجامع للعرب، سواءً أسميته بـ«الوحدة العربية» أو «الاتحاد العربي» أو «فيدراليات عربية» أو «ولايات» أو «أقاليم»، المهم تقديم منظور جديد لفكرة التلاقي والتواصل العربي بأشكاله المختلفة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية وغيرها، وهذا التلاقي لا بدّ أن يكون متوافقاً عليه ديمقراطياً وبأسلوب ترتضيه الأطراف المختلفة، متجاوزاً فكرة جامعة الدول العربية التي كانت مهمة ومفيدة، لكن الظروف العالمية تجاوزتها وهي بحاجة إلى أفكار جديدة وتفاهمات جديدة وصولاً إلى وضع أهداف جديدة لها.
أما مضمون الوحدة، فهي مطلب للمجتمعات وليس حكراً على طبقة واحدة، لكنه دون أدنى شك ينبغي أن يصب في مبادئ العدالة الاجتماعية باعتباره أحد أركان المشروع النهضوي العربي الجديد، ولعلّ نقيض التخلف والنمو القاصر في ظل العولمة هو التنمية المستدامة المستقلة باعتبارها ركناً من أركان المشروع النهضوي.وإذا كانت التنمية قد فشلت في تحقيق التقدم في مرحلة ما بعد الاستقلال، وظل الاقتصاد العربي بجميع أقطاره يعاني من التخلف والتبعية في بلدان اليُسر وفي بلدان العُسر، وازداد الاعتماد على النفط ومشتقاته، الأمر الذي عمّق الطبيعة الريعية للاقتصاد العربي، الذي يقوم على المضاربات العقارية والمالية، وتراجعت القطاعات المنتجة الزراعية والصناعية، وقد ازدادت المجتمعات العربية فقراً على الرغم من زيادة مردوداتها.والتنمية المستقلة حسب المشروع النهضوي العربي لا تقوم على فرضيته الأولى «الاكتفاء الذاتي»، و «الانقطاع عن العالم»، أو الفرضية الثانية أي «الاندماج في السوق العالمي»، بل تعني الاعتماد على القوى الذاتية للمجتمع في المقام الأول، وفي مقدمة ذلك القدرات البشرية والمدخّرات الطبيعية، والتعامل الصحيح مع العولمة.
دعنا نأخذ منك اعترافات للبوح بجمل قصيرة.. وهنا نبدأ بالرؤية، ماذا عن رؤيتك؟
أحاول أن أستكشف الضوء في أكثر الأمكنة ظلاماً من خلال الأدب.
أين أنت من التاريخ؟
أنا سليل رحّالة وجغرافيين ممن عرفتهم المنافي، وحفيد الشيخ حبيب شعبان أحد أبرز شعراء الغري الذي هجر الدراسة الحوزوية في النجف وغادر الحضرة العلوية واختار الشعر والمنفى، ليجد ملاذه في بومبي، حيث عاش ومات ودفن فيها.
كيف تنظر إلى المنفى؟
المنفى فضاء رحب لمقاومة العزلة والشيخوخة والفداحة، وأنا كائن حركي، لأنه في الأصل كانت الحركة وهي القاعدة، أما الثبات والاستقرار فهو مؤقت واستثنائي. وصرتُ أعرف نفسي أكثر في المنفى والدليل إليها هو وريقاتي التي تهبّ عليّ مثل ذكرى هي حاضر، والحاضر هو ذكرى أيضاً.
أي المدن أحب إلى قلبك؟
أنا مزيج من مدن وأنهار وصداقات لي في النجف السعيد وبغداد الروح ودمشق الحميمة وبراغ الذهبية ولندن التنوّع وبيروت الخلود، منازل وغرف ومقاهي ومكتبات وصديقات وأصدقاء، ولأنني تعدّدي فإن روحي منثورة بين هذه المدن وقلبي موزّع بين نسائها.
كيف تنظر للحياة؟
أحتفل بالحياة وأنا متولّهٌ بها محفوف بكل أنواع الموسيقى والألوان والقصائد.
هل أنت حائر؟
حيرتي وجودية، وهي حيرة مستمرة ومتحركة، وحسب ابن عربي، فالهدى في الحيرة، لأن هذه حركة والحركة حياة.
كيف ترد على خصومك؟
أجد نفسي مترفّعاً في الكثير من الحالات، فأتردّد من منازلة بعض من لا يستحق المنازلة، ولن أرتضي لنفسي الخوض في البذاءات والهبوط إلى مستوى التفاهات. لا أستطيع أن أرفس الحصان إذا واجهني.
أجدك دائماً مع المظلوم.. لماذا؟
لم أقف مع "المنتصر" في الغالب وقد أتحالف مع الخسارة، خصوصاً حين يكون الثمن الذائقة الجمالية والمعيار الأخلاقي والكرامة الشخصية، ولذلك لم أنخرط في جوقة السمسرة لبيع البستان، فأي شجرة رمان فيه أو غصن مشمش أو فسيلة نخل تساوي عندي كل ثروات الأرض.. ولا طاقة لي بمجاراة من يغالي في اغتيال القيم. ولن أقبل لنفسي أن أكون جزءًا من مرابي الثقافة ومتصيّدي الفرص.
أين ترى بهجتك؟
بهجتي روحية وسعادتي حلقات متّصلة والنقد والمصارحة مع الذات أول مصادرها، وبالطبع أنا عاشق ورائحة العشق تملأ حياتي.
متى تكشف ما عندك؟
أعرف الكثير من الأسرار المثيرة للفضول، لكنني حريص على عدم البوح بها واحترم خصوصيات الناس وقد ائتمنت على الكثير منها.
لهذه الأسباب أنت تعاني؟
معاناتي من معاناة الناس وأعرف كم هي همومهم وعذاباتهم، وأدرك معنى أن يكون شعباً بأكمله عرضة للاستلاب والقهر، والحروب والحصار، لتأتي الحقبة الاستعمارية الجديدة بكل رموزها وتداخلاتها الدولية والإقليمية فتكشف هشاشة ما تبقى وتظهر حقيقة المستور.
هل أنت متحالف مع القدر؟
قضيتُ حياتي أبحث عن عطر الورد وأنام في حديقة الأمل لأستنشق الحرية.
وأين أنت من الفلسفة؟
احتفيت دائماً بالفلسفة ووقفت عند مداخل التاريخ ومخارجه، وأتوق دائماً إلى الذكريات وكأنها المستقبل.
بماذا ساعدتك الثقافة؟
الثقافة ساعدتني في اجتراح المعقول وغير المعقول في زمن ضاعت فيها الحدود. والثقافة هي التي عوضتني عن كل الخسارات ومنحتني هذه القدرة العجيبة على «ارتكاب» الأحلام.
أنت وطني كبير، كيف تأسس ذلك؟
نزعتي الوطنية رضعتها مع الحليب وهي بوصلتي في كل شيء وسفينتي لن ترسو في الشواطئ الغريبة.
كيف اجترحت كل تلك الآلام؟
الصبر نعمة ربانية وهو حصيلة حكمة الزمن المحسوس والمعيش، والبساطة جزء من تكويني وفيها أجد الصفاء المشتبك بالمصير الإنساني.
متى تهدأ روحك؟
مرفأي لن يهدأ وأغاني الروح لن تستكين، وهناك علاقة تكافلية وحيوية بيني وبين الناس.
وماذا عن الحب بعد السبعين كما تقول؟
الحب والحرية متلازمتان ولا أستزرع الأفكار في غير بيئتها ولا أستنبت التجربة إلّا في أرضها الصالحة، والعشق قيثارتي الأبدية وأنا عاشق لم يفرغ قلبي يوماً، ومع محمود درويش أردّد: لا أتذكر قلبي إلّا إذا شقّه الحب نصفين أو جفّ من عطش الحب.
ما هي أحب الأشياء إلى نفسك؟
العدل والمساواة، فقد آمنت بهما كمتوالية مع روح الإخاء الإنسانية، وبقدر خصوصيتي فأنا جزء من عالم متنوّع، والخصوصية لا تفترض التحلّل من الروابط الإنسانية العامة.
إلى أين ستمضي؟ فقد خسرت الكثير في حياتك، فمتى تتوقف؟
سأواصل وحدي المشوار حتى لو توقفت القافلة عن المسير أو أضاعت الطريق ولن أشعر بالوحشة. حين أصل إلى غايتي أشعر بالفراغ، ولذلك أبحث عن الريح لتبقى الحركة، كثيرون ما زالوا يعيشون في الماضي، لأنهم لا يريدون مواجهة الحاضر، أما أنا فحتى في الماضي كنت أتطلّع إلى المستقبل. لم أعتد أن أبلع لساني وكانت لي آرائي واجتهاداتي باستمرار، أخطأت أم أصابت، فأنا مفطور على النقد. وقد أبدو شيوعياً من قماشة أخرى، وربما أقرب إلى الغرابة، لكن النور الداخلي سبيلي إلى هذا القضاء المحيّر.
ماذا لو غابت العقلانية؟
العقلانية قيمة عليا وغيابها يعني حلول الجانب المظلم من الحياة، والاكتشافات العلمية منحت الفرص أكثر للبشر ليكونوا خيرين أو شريرين. ومقابل العقلانية يوجد نقيضها اللّاعقلانية (الشيء وضدّه) الأحاسيس والعواطف والأحلام والرغبات والصبوات يتم التعبير عنها من خلال الدين والجنس وسرديات التاريخ والأحلام، والضِدّ يُظْهِرُ حُسْنَهُ الضِدُّ.والطريق إلى العقلانية ليس واحداً وحسب ابن عربي «الطريق إلى الحقيقة تتعدّد بتعدّد السالكين»، وقد يصل الإنسان إليها بهزيمته أو كبوته، فيحاول معرفة أسبابها ويتعامل معها بروح نقدية ودون مكابرة، وينبغي التوقف عند الهزائم والانكسارات لأنها لا تمرّ سريعاً أما الانتصارات فغالباً ما تكون مؤقتة، وقد تقود العقلانية إلى نقيضها بثورة عنيفة لا عقلانية.
ماذا عن الثورات؟
«الثورات» لا عقلانية حتى وإن كان هدفها الوصول إلى العقلانية. والسعي وراء العقلانية قد يفجّر موجة من اللّاعقلانية. اللّاعقلانية هي القاعدة في الدين والجنس والحرب والموسيقى والفن والسياسة، لكنها تولد نقيضها. وتنمو العقلانية في رحم اللّاعقلانية.
من هم أعظم ثلاثة شعراء عرب معاصرين تربعوا على عرش الشعر؟
محمود درويش وأدونيس وسعدي يوسف.
وماذا عن الجواهري؟
الجواهري مثّل الحلقة الذهبية الأخيرة في الشعر الكلاسيكي.
أجدك كثير التأني وكثير التدقيق.. لماذا؟
الشجرة المُثمرة هي التي تطالها الحجارة، وهناك فرق بين وقفات التأمل النقدي والأحكام المتسرّعة.
كيف تمكنت من صياغة خطاب بلا ضغائن ولا اتهامات أو تخوين وأنت ابن الايديولوجيا؟
علينا الاعتراف بقانون النسبية، ونحن نخطئ ونصيب، لقد فعلت كل ما فعله أقراني من الماركسيين، لكنني لم أغلق أبوابي مطلقاً، وحاولت منذ وقت مبكّر أن أضع مسافة بيني وبينهم، وقد فضلت الوقوف في الفسحة النقدية، ولم أقصّر حتى في نقد نفسي، وقلت أكثر من مرة أنني أعتز حتى بأخطائي لأنها حميمية وهي جزء مني، فقد اجتهدت وأخطأت فـ «المجتهد إذا أصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر واحد» حسبما ورد في الحديث النبوي الشريف، ومن لا يعمل لا يخطأ.




50
حركة الاحتجاج التشرينية وإعادة قراءة المشهد العراقي
المنظور والمستور وما بينهما
عبد الحسين شعبان
أكاديمي وأديب عراقي
   
   ليس من المجدي البحث عمّن أطلق " الشرارة الأولى " لحركة الاحتجاج التشرينية في العراق، فما إن اندلعت الشرارة حتى سرت مثل النار في الهشيم لتصل إلى السهل كلّه، فحالة الاحتقان والغضب عبّرت عن عمق الأزمة التي تحيط بالعملية السياسية التي ابتدأت بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في العام 2003.
   وسرعان ما توسّعت حركة الاحتجاج لتّتخذ شكل هبّة شعبية غير منظّمة، شارك فيها فتية وشبّان جلّهم بعمر الـ 20 عاماً، ومن غير المحسوبين على الأحزاب السياسية المشاركة في السلطة، خصوصاً في ظل استفحال البطالة التي تصل حسب التقديرات الرسمية إلى أكثر من 30% وفي بعض المحافظات إلى نحو 50% من القوى العاملة. ويقدّر أن ربع السكان يعيشون دون خط الفقر، أي بأجور لا تزيد عن دولارين في اليوم، وتفشي الفساد على نحو غير مسبوق، ناهيك عن استمرار نظام المحاصصة الطائفي - الإثني، وانفلات حيازة السلاح واستخدامه بأسماء مختلفة.
   إن الطبيعة العفوية للتظاهرات والصفة الاستقلالية للمحتجين هي حالة جديدة تعكس عمق الهوّة بين الأحزاب والتيارات والكتل السياسية، ولاسيّما الحاكمة والمشاركة من جهة، وبين الشارع الذي يضم الأغلبية الصامتة من المواطنين المستلبين والمطحونين والذين فقدوا الأمل في إمكانية إصلاح الأوضاع وتحسين ظروفهم المعاشية، من جهة أخرى.
   ولأن السلطة واجهت الحركة الاحتجاجية بالعنف والقمع واستخدام القوة المفرطة، منذ الدقائق الأولى، كما اعترفت لاحقاً، فإن ردود فعل الحركة الاحتجاجية اتجهت إلى حرق عدد من مقرات الأحزاب التي اعتبرتها مسؤولة أو مشاركة في المسؤولية التي وصلت إليها البلاد، الأمر الذي طرح شعارات من قبيل تغيير الحكومة وإقالة رئيس الوزراء وحلّ مجلس النواب وإجراء انتخابات مبكّرة، فضلاً عن النقمة على بعض القوى الإقليمية، حيث ارتفعت بعض الهتافات ضد إيران والقوى المدعومة منها.   وكانت بعض شعارات الهبّة الشعبية ذات طبيعة وجدانية من قبيل "نريد وطناً" و"نازل آخذ حقي" و"هيهات منّا الذلة".
   وعلى الرغم من عفوية الشعارات وعدم وجود قيادة موحدة أو هيئة تنسيقية أو تنسيقيات معروفة لإدارة حركة الاحتجاج، فإن الشعارات الوطنية العابرة للطائفية والعرقية كانت هي الجامعة، وهكذا ترفّع هؤلاء الفتية والشبان الذين نشأت أغلبيتهم الساحقة في ظل الحصار الدولي الجائر والاحتلال فيما بعد، من التخويض في المستنقع الطائفي أو الإثني، وتجنبوا كل ما له علاقة به.
    ومثلما كان آباؤهم وأخوانهم الأكبر سنّاً يحلمون بتغيير يزيح الدكتاتورية ويحقق طموحاتهم في حياة كريمة، فقد كان هؤلاء يحلمون بعراق جديد ينعمون فيه بالأمن والأمان ويتمتعون فيه بالحدّ الأدنى من الحياة الحرّة الكريمة مثل سائر الشعوب والأمم،  فإذا بحيتان الفساد يسرقون حتى أحلامهم ويبدّدون ثروات البلاد لحساباتهم الشخصية، ويتبخّر نحو تريليون دولار (ألف مليار دولار) هي واردات النفط للسنوات المنصرمة، دون أن يتحقّق لهم شيئاً يُذكر على صعيد التنمية بجميع أركانها، وما تزال الخدمات وبشكل خاص الصحية والتعليمية والبلدية دون مستوى الحد الأدنى.
   حين يقول المحتجون أنهم يريدون "وطناً"، فهذا يعني شعور قلق وعدم طمأنينة وذلك بسبب التمييز والاستغلال والنهب، الأمر الذي يعني تعاظم الشعور بذبول الهويّة أو تبدّدها وتشويهها، فالوطن يعني وجود مواطنة ومواطنون لهم الحقوق مثلما عليهم الواجبات، ويخضع الجميع للقانون، وحسب مونتسكيو : فالقانون مثل الموت لا يستثني أحداً، وستكون المواطنة مبتورة وناقصة ومشوّهة مع الفقر والعوز والحاجة والجهل والأمية.
   يمكن القول بكل بساطة إن هدف حركة الاحتجاج هو تحقيق مواطنة سليمة ومتكافئة وتوفير فرص عمل وإنهاء للفساد ومساءلة المفسدين والحصول على حزمة الخدمات الضرورية ، لاسيّما في العمل والصحة والتعليم والسكن وغيرها، ومثل تلك القراءة لا تلغي التداخلات والاختراقات والتجاذبات التي حصلت لاحقاً، والتي نسب بعضها إلى ضلوع قوى أجنبية لإحداث "فتنة عراقية" تم احتواؤها بطريقة ناعمة حسب مصادر حكومية ، وهو أمر يحدث، لكنه ليس مبرراً لاستخدام القوة المفرطة في مواجهة شعب أعزل وتظاهرات سلمية، كانت حصيلتها أكثر من 120 قتيلاً وما يزيد عن 6 آلاف جريح بحسب التقديرات الرسمية بمن فيهم من القوى الأمنية.
   ويمكن استخلاص بعض الاستنتاجات الجديدة من خلال الإضاءة على الأزمة الراهنة:
   أولا- تكاتف الطبقة السياسية الحاكمة والمشاركة في الحكم، فلم تنحاز أي منها  لجانب الحركة الاحتجاجية، على الرغم من تأكيد جميعها إن مطالبها عادلة ومشروعة، بل أن بعضها يزعم أنها مطالبه التي سبق أن رفعها ودعا إليها، لكنه لم يقف معها وظل موقفه يتراوح بين الرفض والسخط والتشكيك أو لعب دور المتفرج وأحياناً الناصح.
   ثانياً - أظهرت الحركة الاحتجاجية أن الصراع الأمريكي- الإيراني على الأرض العراقية قوياً ومؤثراً، وعلى الرغم من حدّته فيما يتعلق بالعقوبات الأمريكية على إيران ومحاولة العراق تجنّب الانخراط فيها أو النأي بالنفس كما يقول بعض ساسته، فإنه ليس بعيداً عنها، سواءً أراد أم لم يرد، وحتى لو كانت رغبة رئيس الوزراء والفريق الحاكم تجنب تأثيراته أو لعب دور توفيقي فيه كما هي زيارة عبد المهدي إلى الرياض، فإنه  لن يتمكن من لعب مثل هذا الدور فالقرار لا ينبع من رغبة بقدر ما يعكس توازن القوى على الساحة العراقية. فالعراق نصفه لطهران، بحكم امتداداتها ونفوذها السياسي والمذهبي والأمني وارتباط مجاميع سياسية بها ، ونصفه الثاني لواشنطن بحكم "اتفاقية الإطار الاستراتيجي" التي ظلّت تحكم العلاقات الأمريكية- العراقية منذ العام 2008 ولحد اليوم، وترتب هذه الاتفاقية التزامات على العراق بما فيها التزامات سياسية وعسكرية وأمنية واقتصادية وعلمية وغيرها، ناهيك عن ذيول عملية الاحتلال منذ العام 2003.
   ثالثاً- إن السياق الذي سار عليه رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، وهو رجل معتدل وصاحب خبرة، لم يختلف كثيراً عن السياقات التي سبقته إليها الحكومات السالفة ، حيث ظلّ مرهوناً لتوازنات ضاغطة عليه، فلم يستطع بحكم نظام المحاصصة وضع حلول ومعالجات سليمة اقتصادية واجتماعية وثقافية  عاجلة لمعالجة الأزمة البنيوية التي يعاني منها العراق منذ الاحتلال الأمريكي ، وظلّ أسيراً لتلك التوازنات التي دفعته إلى دست السلطة، ولعلّ بعضها يرغب في دفعه خارجها بعد أن أصبح وجوده فيها أمر واقع.
   رابعاً-  تم اختيار عادل عبد المهدي من خارج البرلمان وضمن صفقة سياسية توافقية لعبت فيها مرجعية السيستاني الدور الأكبر وبموافقة إيرانية ودون اعتراض أمريكي، وقد كان "مرشح تسوية"، حيث كانت المنافسة في الجولة الأخيرة بينه وبين فالح الفياض، لكن حظوظه كانت أوفر من الآخر الذي تولى منصب مستشار الأمن الوطني ومسؤولاً عن "الحشد الشعبي"، وهو جيش موازٍ للجيش النظامي، حتى وإن أُخضع لنظامه، لكن تشكيلاته كانت متمايزة عنه، وقد تأسس عقب احتلال داعش للموصل بعد 10 يونيو (حزيران) 2014 وتمدّده في محافظات صلاح الدين والأنبار وأجزاء من ديالى وكركوك وصولاً للعاصمة بغداد.
   خامسا- إن الهبّة الشعبية هي امتداد لهبّات سبقتها، وإذا كانت هذه المرّة في المناطق ذات الأغلبية الشيعية مثل الحلة والديوانية والنجف وكربلاء والعمارة والناصرية والبصرة وغيرها، إضافة إلى بغداد ، فإن حركة الاحتجاج في المناطق ذات الأغلبية السنية سبقتها في أواخر العام 2012 وما بعدها، حيث عانت تلك المناطق من كل ما تعاني منه المناطق الشيعية، إضافة إلى التهميش والعزل والإقصاء والتمييز، والجميع عانوا من نظام المحاصصة والفساد وضعف مرجعية الدولة على حساب المرجعيات الأخرى.
   وقد شهد العراق حركة احتجاجات سلمية واسعة منذ العام 2011 تلك التي اندلعت برفع مطالب شعبية عامة خارج دائرة الاصطفاف الطائفي والإثني . ووصلت في العام 2015 إلى اقتحام " المنطقة الخضراء" وصولاً إلى البرلمان، حيث تم العبث ببعض ممتلكاته، وهكذا لم تنجُ الحكومات المتعاقبة في عهد المالكي والعبادي واليوم عبد المهدي من الاحتجاجات الصاخبة.
   سادساً- كانت حكومة إقليم كردستان الأكثر وضوحاً في موقفها السلبي من حركة الاحتجاج ، لاسيّما للدعوات التي ارتفعت لإقالة عبد المهدي، وازدادت خشيتها من دخول السيد مقتدى الصدر رئيس "كتلة سائرون" على خط الأزمة، حين دعا  في تغريدة له إلى استقالة حكومة عبد المهدي والذهاب إلى إجراء انتخابات مبكرة، وكان بيان قد صدر بعد لقاء مسعود البارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني ود.أياد علاوي رئيس كتلة الائتلاف الوطني العراقي، أكّد فيه الجانبان على دعم حكومة عبد المهدي، خصوصاً وإن الكرد وحكومة الإقليم لم يجدوا أكثر منه مرونة في الاتفاق على تسوية المشاكل  العالقة، والتي قد تمهّد الطريق أمام معالجة موضوع النفط  وغيره من المسائل العقدية.
   وإذا كانت حركة الاحتجاج لم تتمكّن من الاستمرار بذات الزخم بعد نحو أسبوع من المواجهة غير المتكافئة، لاسيّما عدم وجود ظهير سياسي يقف خلفها، ناهيك عن استخدام القوة المفرطة ضدها، أو احتواء بعض مطالبها بإجراءات تجميلية أو تهديئية، لكنها من جهة أخرى عمّقت الشرخ بين الشارع والحكومة وبين الشارع والأحزاب السياسية التي يتهمها المحتجون بأنها أسّ الفساد، وهو أمر قد يتكرّر إذا لم تكون الحلول سليمة والوعود منجزة وسريعة.
   لقد اضطرّت الحكومة على لسان رئيس الجمهورية برهم صالح الاعتراف باستخدام القوة المفرطة ضد المحتجين، وطالبت بمحاسبة المسؤولين عن ذلك، وخصوصاً بعد اقتحام مدينة الصدر وسقوط عدد من القتلى، وكمعالجة عاجلة وسريعة لاحتواء الأزمة أصدرت الحكومة 17 قراراً  صادق عليها البرلمان لامتصاص الغضب الشعبي ، وبعض تلك الإجراءات مؤقتة وليست أكثر من حقنة مورفين مهدّئة : رواتب لمدة 3 أشهر للعاطلين ووعود بتمليك قطع أراضي وإيجاد فرص عمل وبرامج تدريب وقروض للشباب وضرب المفسدين (إحالة نحو 1000 ملف فساد إلى القضاء) وغير ذلك، لكنها لم تطفئ غضب الشارع.
   وكانت الحكومة قد لجأت إلى بعض الإجراءات العقابية للحدّ من تأثير حركة الاحتجاج مثل التعتيم الإليكتروني وقطع الانترنيت واعتقالات ومداهمات لبعض المشاركين في الحركة أو الذين حاولوا اختراقها، وضع حواجز وتقطيع شوارع وطرقات للحيلولة دون وصول المحتجين إلى أماكن التجمع الرئيسية، إلا أن الحركة الاحتجاجية وإن خفّت نبرتها استطاعت من بلورة المطالب الشعبية الرئيسية وإعادة صياغتها وأجبرت الحكومة على التراجع، خصوصاً حين تعمّق كشف المنظور وأزيح الستار عن المستور، وما يزل جدار الأضداد ينذر بالمزيد من التباعد بين الحكومة والمجتمع، ناهيك عن أن صراع الأضداد يزداد اتساعاً، ولاسيّما بين طهران وواشنطن.


51
الجواهري وعبد الكريم قاسم
عبارة أثورة وبشرطة نور السعيد
هي التي تخرج الزعيم عن حلمه
عبد الحسين شعبان
أكاديمي وأديب عراقي
   كرّمني الجواهري حين عدّني صديقاً له ،فكتب في العام 1986  في مقدمة كتاب "الجواهري في العيون من أشعاره" "... ويسرّني في الختام أن أخصّ بالشكر الجزيل والامتنان العميق أخي وصديقي الأديب والمؤلف الدكتور عبد الحسين شعبان، على أتعابه وفرط عنايته وجهوده الحميدة، سواء بما تقابل به معي في اختيار هذه " العيون" وفيما يختص بضمّ هذه اللقطة المختارة إلى جانب تلك أو في تصويرها أو الإشراف على طبعها وتصحيحها وكما قيل:
من يصنع الخير لا يعدم جوازيه    لا يذهب العرف بين الله والناس"
   وكتاب "الجواهري في العيون من أشعاره" المشار إليه في أعلاه هو "مختارات من شعره ومن بعض قصائده" بذائقة أدبية، حيث تم اختيار العيون في إطار عشريات (كل عشر سنوات) من أشهر القصائد، ومن أهم الأبيات التي فيها للقصائد الطويلة، وكتب هو مقدمته، وقد صمّم غلافه الفنان مكي حسين، وصدر عن دار طلاس في دمشق (1986).
   ولعلّ وقع كلمة الصديق والأخ كبير في نفسي،  وهو ما عاد وكرّره في الأبيات التي أهداها إليّ في العام 1990، وأعتبر ذلك بمثابة تشريف أعتزّ به،  ولم أكن أعتبر نفسي  أكثر من "تلميذ" كان قد تأثّر بالجواهري الكبير في بدايات مشواره، فهو أكبر سنّاً من والدي، وكنت دائماً أعتبر أن الشعر بعامة والجواهري بخاصة أحد روافدي الروحية، وأشرتُ أكثر من مرّة أننا كبرنا مع الجواهري، حيث كانت مكتبة الأخوال والأعمام مليئة بدواوينه وبصحف ومجلات  وقصائد وأخبار عن كل ما يتعلّق بالجواهري، لدرجة كنت أشعر وكأنه يعيش معنا، وأتذكّر أن والدي عزيز شعبان كان يردّد دائماً :
أنا حتفُهم ألِجُ البيوتَ عليهم ُ    أُغري الوليدَ بشتمهمْ والحاجبا
   وكان يستعيد قصيدة طرطرا التي يبدأها ونقوم بإكمالها له :
أيْ طرطرا تطرطري
      تقدّمي، تأخّري

تشيَّعي تسنّني
      تهوَّدي تنصَّري

تكرّدي تعرَّبي
      تهاتري بالعنصرِ

تعممي، تبرّنطي
      تعقلّي، تسدّري


   وأتذكّر أيضاً، أننا لأول مرّة نستنشق هواء الحرّية ونملأ أفواهنا باسم الجواهري، حين جاء مدرّس اللغة العربية جواد الرفيعي في متوسطة الخورنق، وكان حينها عضواً في الحزب الشيوعي، وقد اعتقلنا معاً في العام 1963، ليطلب منّا أن نحفظ قصيدة الجواهري التي تغنّى فيها بالثورة:
جيش العراق ولم أزل بك مؤمنا        وبأنّـكَ الأمــــلُ المرجّى والمنى
عبد الكريم وفي العراق خصاصة             ليــــــدٍ وقد كنت الكريم المُحسنا
   وهي القصيدة التي رفض الجواهري أن أصنّفها ضمن قصائد الخمسينات في مختاراتي للعيون، بل قال بصيغة استنكارية: أنها لا تعود لي وأرجوك شطبها من أرشيفك. ولعلّ ذلك ما دفعني للبحث في ما يتعلّق بما وراءها ، وهو موضوع هذه المقالة. وامتثلت لقراره بالطبع، لكنه لم يكتفِ بذلك، فعاد واتّصل بي تلفونياً من براغ ليتأكد من ذلك.
   أعود إلى قصيدة جيش العراق، فلم يكن بوسعي  ونحن في الأسابيع الأولى للثورة  أن أخفي فرحي وغبطتي، لأنني كنت قد قرأت القصيدة في البيت واحتفظنا بها، وشعرت بنوع من التميّز على عدد من زملائي آنذاك، وهو ما أحاطني به الأستاذ الرفيعي. وعلى الرغم من أن هذه القصيدة ليست الأحب إلى قلبي من شعر الجواهري، لكنها ظلّت تشغلني لذكراها الخصوصية المصحوبة بالنشوة الأولى للثورة قبل أن نتجرّع مرارتها لاحقاً. وما زاد من انشغالي بالقصيدة هو تعليق الجواهري الآنف الذكر وتأكيده على حذفها.
   كما وظلّ موقف الجواهري الشديد من قاسم محيّراً لي وكنت أحاول الاقتراب في إيجاد تفسير له، على الرغم من معرفتي بما حصل بينه وبين قاسم، وهو ما رواه الجواهري لي في تسجيلات خاصة أجريتها معه في مطلع الثمانينات، واقتبس منها الصديق حسن العلوي وأشار إلى مصدرها في كتابه المتميّز " الجواهري ديوان العصر"، ثم دوّنت جزءًا منها  في كتابي الموسوم "الجواهري - جدل الشعر والحياة" ط/1، دار الكنوز الأدبية ، بيروت ، 1997، وقد صدر قبل وفاته ببضعة أشهر، لكنني كنت أحاذر من التوغّل أكثر  في تلك المنطقة المحرّمة، حتى وقعت على "الطين الحرّي" كما يقال بعد حين، وذلك حين أتصل بي سعد صالح جبر في لندن، وقال هناك صديق يريد التحدث إليك، وهكذا التقيت بجرجيس فتح الله الذي ربطتني به صداقة وثيقة وتبادلنا الكثير من الآراء والرسائل واللقاءات فيما بعد، سواءً في المنافي أو  في كردستان، حتى توفي في العام 2006.
   وقد فكّ جرجيس فتح الله "اللغز الغامض" في علاقة الجواهري بقاسم، وهو الذي  بقيت أسعى لحلّه سنوات طويلة، حين روى لي ما حصل في المشادّة الكلامية بين قاسم والجواهري التي كنت أعرفها، لكنني أجهل خفاياها كما يُقال، وعبثاً حاولت ذلك دون جدوى، وحسب ما ذكر جرجيس فتح الله،إن هناك محاولات عديدة بُذلت للنيل من الشاعر الجواهري، مفادها أن نوري السعيد منحه أرضاً زراعية ومضخة لسقيها على الفرات وأوصى به إقطاعيين كبار، إلى غير ذلك من " الترهات"، التي تم ترويجها .
   وحين اندلعت الثورة كانت المهمة التي أنيطت  بوصفي طاهر هي إلقاء القبض على نوري السعيد بحكم كونه مرافقاً عسكرياً له طوال سنوات، حيث جرى اقتحام منزل السعيد الذي كان قد غادره عبر نهر دجلة في قارب ،كما هي الرواية المعروفة، فتم جمع الوثائق والمستمسكات والكتب منه وبضمنها نسخة من "ديوان الجواهري" وعليها إهداء شخصي رقيق إلى نوري السعيد وقد احتفظ بها قاسم في مكتبه .
   ويمضي فتح الله ليقول حين انفتحت معركة أولى بين الجواهري وجريدته "الرأي العام" وبين "جريدة الثورة" وصاحبها يونس الطائي كان ذلك بسبب ما نشرته جريدة الرأي العام من افتتاحية بعنوان " ماذا يجري في الميمونة؟" التي سأعود لروايتها على لسان الجواهري، وكان الطائي ينطق وإن لم يكن رسمياً بلسان قاسم، فاستغل التوتّر الذي حصل بين قاسم والجواهري،  فهدّد الطائي بنشر صورة تدين الجواهري وكان يقصد بـ"الجرم المعلوم" ولم يكن ذلك سوى " الإهداء المزعوم"، وهو ما أظهره الطائي لعدد من أصحابه وزوّاره في مقر الجريدة بنيّة نشره كمستمسك ضد الجواهري، ولكن أحد زائريه اختلس الوقت ليخفي "الصورة الزنغرافية" عن "الإهداء المذكور"، بناء على اقتراح من جرجيس فتح الله الذي كان ملاحقاً كما أخبرني، وظلّ الطائي يفتش عنها فلم يجدها. وعلى الرغم من أنني دوّنت ذلك على لسان فتح الله، لكنني حين أصدرت كتابي عن الجواهري، لم أذكر ذلك.
   واعتقدت أن الأمر ليس بذي بال، لكن جرجيس فتح الله نشر ذلك في جريدة القدس (العربي) بعد وفاة الجواهري، وأهملتُ الإشارة إلى الحادث في الطبعة الثانية من كتابي "الجواهري- جدل الشعر والحياة" (دار الآداب، بيروت، 2008) والطبعة الثالثة (دار الشؤون الثقافية ، بغداد،2010)، ولكن جرجيس فتح الله عاد ونشر مقالته المشار إليها في كتاب بعنوان " رجال ووقائع في الميزان" (حوار أجراه معه مؤيد طيّب وسعيد يحيى، دار آراس، إربيل، 2012)، الأمر الذي استوجب إجلاء الصورة وتوضيحها، علماً بأن الكتاب المذكور نُشر بعد وفاته.
   وحسب رواية فتح الله فإن الورقة الخاصة بالإهداء (الصورة الزنكغرافية) بقيت معه وقد سلّمها للجواهري، الذي بقي صامتاً ولم يبنس بحرف مثلما يقول،  وحسب تفسيري فإن الجواهري حين يهدي كتاباً أو ديواناً، يكتب عليه عبارات مودّة وليس في ذلك شيء  ينتقص من الجواهري أو يسيء إليه، لاسيّما في العلاقات الإنسانية ، ولم يجد قاسم ما يهدّد الجواهري به سوى ذلك  الإهداء الرقيق- وبالطبع فهو إهداء شاعر لرجل دولة - وهو الذي قال عن زيارته إلى بيت الجواهري، " هذا البيت هو الذي أنبت الثورة"، لكن عصابية قاسم وردود فعله الغاضبة والانفعالية هي التي دفعته للصدام مع الجواهري دون مبرّر كاف، فالجواهري كان يعدّ نفسه من معسكره وهو من قام بتمجيده ، ومن جانبي كنت رويت الحكاية  من زاوية سسيوسايكولوجية ثقافية وذلك حين ذكرت:
يمكن القول أن حساسية ما بدأت غير معلنة بين الزعيم عبد الكريم قاسم والجواهري بعد الثورة، لما يمثّل كلّ منهما من مكانة رفيعة حيث كان الزعيم عبد الكريم قاسم قائد الثورة والقائد العام للقوات المسلحة ورئيساً للوزراء ، أي على رأس السلطتين السياسية والعسكرية، بينما كان الجواهري زعيماً للسلطتين الثقافية والإعلامية في العراق، فهو رئيس اتحاد الأدباء ونقيب الصحفيين العراقيين، بما توّفر هاتين المسؤوليتين من نفوذ أدبي ومعنوي.
وأضفتُ: كنتُ كلما مررتُ في شارع الرشيد قرب ساحة حافظ القاضي، تستوقفني صورة الجواهري، وهي تزين واجهة استوديو المصور المعروف الفنان (أرشاك) فقد انتشرت صوره على نطاق واسع مما كان يثير حفيظة بعض المسؤولين وقد يكون قاسم في مقدمتهم، وبقدر ما كان اسم الجواهري مثيراً، فهو إشكالي أيضاً، وبتقديري إن الرمز يثير إشكاليات عديدة، ويكون مصدراً للصراع في زمانه أو حتى بعد ذلك الزمان، نظراً لموهبته الهائلة وقدرته على إثارة أسئلة ليس بالإمكان الإجابة عنها في الحال، وإلى تفرّده وخصوصيته وعنصر الجدّة لديه، خصوصاً إذا ما حاول صدم ما هو سائد أو الإتيان بما ليس مألوفاً.
وكنت قد سألت الجواهري في مطارحاتي العديدة معه: أبو فرات، نعود إلى العلاقة مع «الزعيم» عبد الكريم قاسم وقصة المنفى.. ماذا تقول؟ فأجاب: من أكثر القضايا إثارة، هو علاقة شاعر بجنرال قائد ثورة أو انقلاب، وأضاف: تعرفت على عبد الكريم قاسم في لندن، وقد رافقني إلى طبيب الأسنان، لمعالجة أسناني، عندها كان هو في دورة عسكرية، والتقيته في السفارة العراقية آنذاك. ومرّت الأيام وسمعت بنبأ «الثورة» وإذا بي أفاجأ بصورة رجل كنت قد نسيت ملامحه، فإذا به «الزعيم» الذي أُطلق عليه «الأوحد» فيما بعد، وركبه الغرور حدّ التعسف.
ثم خاطبني: يمكن أن تتعجّب إذا قلت لك أن «الزعيم» كان كثير التهيّب في علاقته مع الأدباء وكان أول بيت زاره في العراق بعد الثورة هو بيتي وقد تكرّرت الزيارات، وعندما بدأت الأمور تسوء وبدأ يركب رأسه وينفرد بكل شيء، كتبت مقالة في الصحيفة التي كنت أصدرها «الرأي العام» بعنوان: ماذا يجري في الميمونة؟ والميمونة قرية في جنوب العراق تعرّضت لهجوم بوليسي انتهكت فيه الأعراض.
وبعد ذلك جاء على ذكر المشادة الكلامية بقوله: وصادف أن قابلنا الزعيم عبد الكريم قاسم في وزارة الدفاع، باسم الهيئة الإدارية لاتحاد الأدباء، وكان يحضر معي السيد الحبوبي والدكتور صلاح خالص والفنان يوسف العاني والدكتور المخزومي والدكتور علي جواد الطاهر، وإذا بالزعيم يخاطبني «.. أستاذ الجواهري: ماذا يجري في الميمونة؟..» وقد كنتُ أخشى مثل هذه المواجهة، لأنني كنت أتحاشاها، ولم أحدّد المعركة بعد. فأجبت بأدب وقلت له «سيدي الزعيم أنا لا أستطيع أن أدافع عن نفسي كثيراً في هذا الموضوع».
وقال مخاطباً الزعيم:   أسألك فقط سؤالاً واحداً، هنّ بناتك وأظنهن جئن إليك وعرضن ما تعرّضن له.. بمعنى أنني لم أكتب ذلك عبثاً. ويمضي الجواهري في روايته فيقول : وقد أحرج «الزعيم» فهو لا يستطيع أن يقول لي نعم ولا يرغب أن يقول لي: لا. وأخذ يتهرب. ويقول الجواهري:الغلطة الكبرى التي ارتكبتها حين قلت له «أثورة وبشرطة نوري السعيد؟» فخرج (الزعيم) عن حلمه لأول مرّة، وبدون تفكير منه حسبما أظن قال لي: أنت من بقايا نوري السعيد (ولديّ الوثائق).
ويواصل الجواهري روايته بالقول: كان يفترض بي أن أقول له، أنا فلان، أول من كنت تحاول مصاحبته في لندن وأول من زرته في البيت، وقد كنت آنذاك الغالب في هذه المعركة، لكنني لم أقل له ذلك، بل قلت له: هل تأذن لي بالخروج يا سيادة الزعيم؟ وأردفت بالقول بما نصَّه: «أتحداك وأمام الجالسين.. أتحداك وأشرت له بإصبعي.. نعم أتحداك مرة أخرى.. » وأعتقد أنني أرفقتها بـ" يا سيادة الزعيم عبد الكريم".
واستكمالاً لهذه الرواية: غضب الزعيم وبدا الشرر يتطاير من عينيه واتجه إلى الغرفة الأخرى لجلب الوثائق الدامغة على حد تعبيره، والمقصود عبارات الإهداء والمجاملة التي كتبها الجواهري لنوري السعيد، وهناك احتضنه وصفي طاهر وحاول التخفيف من روعه والتمسه أن يهمل ذلك أو ينساه، ثم عاد به إلى حيث اللقاء، وكان الجو قد تكهرب وهكذا انتهت الزيارة.
وكنت قد سألت الجواهري هل كانت هذه الحادثة، هي السبب في مغادرة العراق إلى المنفى؟ فأجاب ربَّ ضارة نافعة، مثلما يقولون. رحم الله عبد الكريم قاسم، فلو لم تكن له معنا هذه القصة، فقد كنّا قبعنا في العراق، والله العالم ما كان سيحدث لنا في السنوات السوداء، لكنه اضطرنا إلى «التشرّد» عن الوطن في خريف 1961، وربما للتشرّد الموعود، وهي حسنة وربما كفّارة عن كل ما فعله معنا قبل التشرد أنا وزوجتي «أم نجاح» وبنتينا خيال وظلال، وكنت بحكم علاقاتي مع اتحادات الأدباء، ونقابات الصحفيين في الدول الاشتراكية، قد أمّنت مقاعد دراسة لأبنائي في صوفيا وموسكو وباكو وبراغ، جزاهم الله ألف خير، وهكذا كان مصير فرات وفلاح ونجاح وكفاح. رحم الله عبد الكريم قاسم الذي قلت فيه : «ورمى بنا خلف الحدود كأننا / بُردٌ إلى الأمصار عجلى ترزمُ ».

   وعدتُ إلى سؤال الجواهري: كيف عشت خلف الحدود؟ ماذا كان هناك؟ زمهرير الغربة أم فردوس الحرية؟. فأجاب الاثنان معاً (أي والله)  كان هناك الفردوس المفقود والموعود معاً. كانت براغ الذهبية مدينة الأبراج والجمال. صحيح أننا دفعنا أثماناً باهظة من كراماتنا المهانة، ومن شماتة الشامتين، وتشفّي المتشفين، ولكننا مع جفاف الغربة، كسبنا حريتنا وحلاوة الحياة وقد أعطتنا براغ الكثير، وقلت فيها:
أطلتِ الشوطَ من عُمُري
      أطالَ الله من عُمرك

ولا بُلغتُ بالشرِّ
      ولا بالسوء من خبرك

وفي براغ كتب الجواهري قصيدته العصماء "يا دجلة الخير" التي يقول فيها:
حَييتُ سفحكِ عن بُعـدٍ  فحييني
      يا دجلةَ الخيرِ، يا أُمَّ البساتينِ

حييتُ سفحَك ظمآناً ألـوذُ  بــه
      لوذَ الحمائمِ بين الماء والطين

يا دجلةَ الخير يا نبعاً أفارقــهُ   
      على الكراهةِ بين الحين والحين

إني وردتُ عُيونَ الماء صافيـة   
      نبعاً فنبعاً فما كانت لتَرْويني


   كما كتب قصيدة كردستان موطن الأبطال  وقصيدة أرح ركابك وقصيدة رسالة مملحة وقصيدة زوربا وغيرها بما فيها ديوان الغربة وهي مجموعة قصائد صدرت في العام 1965.
   وبالعودة إلى جرجيس فتح الله فقد ذكر إنه أسرّ مسعود البارزاني بتلك الحادثة وأنا الشخص الثاني،  وهو لا يريد أن تذهب الظنون به بأنه يقصد دالّة أو فضلاً، وإنما فعل ذلك محبة واعتزازاً، وقال إنه سيحتفظ بها حتى الممات، فإن توفّاه الأجل قبل الجواهري، سيكون قد دفن السر معه، وإن توفي الجواهري قبله، فربما سيجد مناسبة لتدوينه، علماً بأنني لم أجد فيها سرّاً يذكر، بقدر ما هي حادثة عابرة ، وأستدرك بالقول أنه حتى الحوادث العابرة لشخصيتين متميزتين ، فإنها ذات دلالة خاصة ومعنىً معبّراً، فكيف لا والمسألة تخصّ الجواهري وعبد الكريم قاسم، ولهذا السبب كنت أسعى لأجد الوقت المناسب لإيضاح هذه المسألة بعد نشرها من جانب جرجيس فتح الله، مشدّداً على أن روح المجاملة والتواصل والمودة التي كان يبديها الجواهري مع الآخر، هي وراء ذلك الإهداء المملّح حتى وإن اختلف مع صاحبه وقال بحقه ما لم يقله مالك في الخمرة، فما بالك حين يهدي ديوانه له.


52
عبد الحسين شعبان:
المنفى فضاء رحب لمقاومة العزلة والشيخوخة والفداحة
أستكشف الضوء في أكثر الأمكنة ظلاماً من خلال الأدب
العرب بحاجة إلى تلازم التنمية والديمقراطية
أنا مزيج من مدن وأنهار وصداقات

 
حوار: هشام الطرشي الخميس 17 أكتوبر 2019 - 10:30
منذ أن اقترحنا عليه إجراء حوار مع موقع "الصحيفة"، غصنا في جرد المواضيع والتيمات ذات الراهنية والتي من المهم استحضارها في لقائنا به، وفي كل مرة نحدد فيها موضوعا نجد أنفسنا أمام تساؤلات فلسفية لمحاورِنا تفتح أمامنا أبوابا وتفريعات وزوايا معالجة تحتاج إلى الكثير من التدقيق والمراجعة والتصويب.
إن الضبط والتدقيق في المفاهيم وأبعادها لا يعادله إلا ذلك الانفتاح الفكري والفلسفي على القيم الإنسانية وقدرة محاورنا على لجمها وتطويعها خدمة للإنسانية باختلاف روافدها ومساراتها، فالدكتور عبد الحسين شعبان، موسوعي الثقافة ومتنوع الانشغالات ومنتج أفكار وصاحب مبادرات، نجفي المنشأ ويساري الفكر وكوني القيم، وواحد من أبرز الأسماء التي انتصرت لـ"المادية الجدلية"، ظل متمسكا بأهدابها مع انفتاحه على الفكر الانساني بمدارسه المختلفة، بل وعمل على إغنائها باجتهادات وقراءات متجددة للفكر الاشتراكي من زوايا انتقادية منسجمة في شموليتها مع روح العصر والتعددية الانسانية والتنوع الفكري والحضاري.
والمفكر شعبان واحد من الروّاد الكبار للعمل الحقوقي والإنساني في  العالم  العربي، وأستاذ محاضر في العديد من الجامعات العربية والدولية، حيث استقرّ لتدريس "فلسفة اللّاعنف" في جامعة اللّاعنف وحقوق الإنسان التي يشغل فيها منصب نائب الرئيس المعني بالشؤون الثقافية.
نستضيف في هذا الحوار الخـاص الدكتور شعبان لمحاورته في قضايا التغيير والتنوير، ثم ننتقل معه إلى عوالم بوح إنساني ووجدانيات حميمية، ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، ليكشف فيها روحه الحيّة وعالمه الخاص ومواقفه من الحب والحياة والعمل والدين والهويّة ويقدّم نقداً لكل ذلك.
 د. عبد الحسين شعبان - باحث ومفكر عربي
 دكتور  شعبان، ننطلق معك في هذه الفسحة التواصلية مما تعرفه المنطقة العربية من متغيرات، كيف تقرأ هذا التغيير"فكريا"؟
شهدت المنطقة العربية خضّات كبيرة ضعضعت "الشرعيات" القائمة وأضعفتها إلى درجة كبيرة، بل وأطاحت بها في بعض التجارب، لكن رياح التغيير تلك التي هبّت على المنطقة، لم تستطع حتى الآن من إقامة أو بناء "شرعيات" جديدة، على الرغم من ما تركته من إرهاصات، وحسب المفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي "الماضي قد احتضر، أما الجديد فلم يولد بعد".
ولكنني أستطيع القول بثقة إن الماضي مضى ولم يكن بالإمكان إعادته، فما أطلقنا عليه "الربيع العربي" بما له وما عليه من إيجابيات وسلبيات ترك بصماته موضوعياً على الواقع العربي، فمن الناحية الفكرية على أقل تقدير تمكّن من إسقاط بعض المقولات والأفكار التي سادت عقب انتهاء عهد الحرب الباردة بانهيار الكتلة الاشتراكية وقيام ما سمّي بالنظام الدولي الجديد، الذي روّج له فرانسيس فوكوياما والذي يقوم على ظفر الليبرالية على المستويات كافة، السياسية والاقتصادية والثقافية، كمنظومة قيم ونظام اجتماعي، والذي عبّر عنه في مقالة نشرها في العام 1989 تحت عنوان "نهاية التاريخ" والتي تحوّلت إلى كتاب في العام 1992 تحت عنوان "نهاية التاريخ والإنسان الأخير".
 ما هي إذا الفرضيات التي تؤشر لها؟
ثمة فرضيات شكّلت عائقا أمام التغيير الديمقراطي المنشود حتى بدا وكأنه استعصاءً أو وعداً غير قابل للتحقق، فالفرضية الأولى، هي أن بديل الأنظمة الوطنية حتى لو كانت تسلّطية هو الفوضى، في حين أن الأنظمة على قسوتها واستبدادها حامية للأمن والاستقرار، ومن الطبيعي أن يخلف أي عملية تغيير أو انتفاضة أو ثورة نوع من عدم الاستقرار وحتى الفوضى التي قد تندفع إلى الواجهة، وليس بالضرورة تقود إلى "الفوضى الخلّاقة" طبقاً للرئيس جورج دبليو بوش، ففي تونس ومصر على سبيل المثال، وحتى وإن برزت حوادث عنف، لكنها كانت محدودة، وهي تصاحب أي عملية انتقالية وأية سلطات مؤقتة.
أما الفرضية الثانية، فهي أن العرب ليسوا بحاجة إلى الديمقراطية بقدر حاجتهم إلى التنمية، ومصدر مثل الأطروحات بعضها خارجي عنصري استعلائي وبعضه داخلي ومحلي، فالأول يستكثر على العرب حاجتهم إلى نظام سياسي عصري، والثاني يستصغر دورهم، صحيح أن العرب بحاجة إلى الغذاء والدواء والعمل والتعليم والسيادة، ولكن من قال إن الإنسان يحيا بالخبز وحده؟
والفرضية الثالثة، هي أن الإسلام دين يحض على العنف ويدعو إلى الإرهاب، وهو دين غير متسامح، ومصدر هذه الأطروحة كذلك خارجي وداخلي، الأول يستهدف فرض الهيمنة والاستتباع، والثاني يعتقد أن الصراع الداخلي هو بين الإسلاميين والعلمانيين، وهو صراع استئصالي إلغائي.
والطرفان يعتقدان أن الإسلام دين غير متسامح وتتعارض تعاليمه مع قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومثل هذه الأطروحة تريد إخراج نحو مليار إنسان وأكثر من نصف مليار من استحقاق الديمقراطية، وهو أمر غير معقول.واستمراراً لهذه الأطروحة فالذين يتعصّبون للإسلاميين يعتبرون العلمانيين خطراً عليهم، والعلمانيون يعتبرون الإسلاميين هم الخطر على الديمقراطية، وكل يبالغ بدور الآخر سلباً ويعلي من دوره إيجاباً، في حين أن اللعبة الديمقراطية تقتضي الاحتكام إلى صندوق الاقتراع في إطار منظومة كاملة من القوانين والمؤسسات والممارسات التي تراكم التطور الديمقراطي، علماً بأن الإسلاميين ليسوا جميعهم كتلة صماء واحدة، مثلما ليس جميع العلمانيين كتلة واحدة، ففيهم اليساري واليميني، الجمهوري والملكي، الظالم والمظلوم أحياناً، ولهذا لا يمكن وضع الجميع في سلّة واحدة.أما الفرضية الرابعة، فهي أن التغيير يحتاج إلى دعم خارجي، بل إنه لن ينجح بدونه وهو اتهام من جانب القوى المحافظة للقوى التغييرية بأنها تعتمد على الغرب الذي له مصالح خاصة، انطلاقاً من نظرية «المؤامرة»، في حين أن بعض القوى الداعية إلى التغيير لم تجد بأساً من التعامل مع قوى خارجية حتى على حساب المصالحة الوطنية العليا، طالما ستنقلها إلى منصّات السلطة، فهي غير قادرة لوحدها على إنجاز عملية التغيير، ولكن ما حصل من حراك شعبي كان داخلياً بالأساس حتى وإن حصل على تعاطف أو دعم خارجي بهدف توظيفه سياسياً.ولا يمكن مصادرة كفاح وتضحيات حركة الإصلاح الداخلية لعقود من الزمان بزعم الدعم الخارجي وإثارة الشبهات حولها. وبالطبع فإن القوى الخارجية ستحاول أن تدسّ أنفها طالما كانت الجبهات الداخلية ضعيفة أو مفكّكة.والفرضية الخامسة، هي أن التغيير سيؤدي إلى تصدّع الهويّة الجامعة والمانعة للشعوب العربية، لاسيّما بصعود هويّات اثنية ودينية وطائفية وعشائرية ومناطقية، وهذا يعني بذر بذور التشطير والتشظي في جسم الدولة الوطنية.
وإذا كان انتعاش الهوّيات الفرعية حقيقة قائمة فإن له أسباب موضوعية وأخرى ذاتية، فقد غذّت الأنظمة العربية بشكل عام الانقسام المجتمعي تارة لأسباب دينية وأخرى طائفية أو مذهبية أو إثنية أو جهوية أو غيرها بهدف إبقاء سلطة الحاكم طبقاً للرؤية الميكافيلية «الغاية  تبرر الوسيلة»، ولعل من الطبيعي أن يعقب كل عملية تغيير انبعاث للهويّات بسبب تعصّب وتطرّف وعنف وإرهاب نال الهويّات الفرعية أو لمحاولتها التفلّت من هيمنة "الأغلبية" وسنوح الفرصة لذلك.
والفرضية السادسة، هي أن التغيير يحتاج إلى ثقافة، وهي التي ينبغي أن تتأسس لكي يحدث التغيير، وهي غائبة حتى الآن عربياً، ولكن هناك شعوباً وأمماً في العالم الثالث كما تسمى سارت في طريق التغيير الديمقراطي بالترافق مع تطوير التربية والتعليم، بما فيها على قيم الديمقراطية، فهل ننتظر أن يتم القضاء على الأمية وأن تعمّ الثقافة لكي نفكر حينها بالتغيير أم أن هذا الأخير كما أرى مساراً طويلاً مركباً تتفاعل فيه عوامل كثيرة تنموية بجميع المجالات.أما الفرضية السابعة، فهي أن التغيير يحتاج إلى حامل اجتماعي وهذا غير متوفر، أي عدم وجود قوى من الطبقة الوسطى قادرة على حمل رسالة التغيير، والشباب الذي فجّر الحراك الشعبي وقاده ليس مؤهلاً لإدارة الدولة لأنه لا يمتلك الخبرات الكافية، ولعل هذه نظرة تشكيكية استصغارية للشباب ودوره ولإرادة التغيير، ومحاولة لفرض نوع من الأبوية والوصاية على التغيير.
في حين أن الفرضية الثامنة، هي أن التغيير بحاجة إلى جهد مجتمعي شامل، في حين إن المجتمعات العربية ما تزال المرأة فيها بعيدة عن المشاركة، لكن المشاركة النسوية في تونس ومصر واليمن وليبيا دحضت إلى حدود كبيرة هذه الفرضية، فقد كانت لها تأثير كبير في التفاعل الحقيقي، بل وفي المشاركة اللّاحقة، ولا يمكن الحديث عن تغيير حقيقي في أي مجتمع دون الحديث عن مساواة حقيقية وفعلية وقانونية ومجتمعية بين الرجل والمرأة، وذلك أولاً- تمكين المرأة لكي تنخرط في العمل العام السياسي والاجتماعي والمدني، وثانياً- تتولى مهمات قياديّة، وثالثاً- لكي تشارك في إدارة الدولة وهيئاتها المختلفة.لقد جرت متغيّرات عديدة في هذا المجال، فحتى لدى دول الخليج اليوم تشارك المرأة مشاركة فعّالة وتتخطى العقبات التي كانت في طريقها وهو أمر مهم يمكن التراكم عليه لحصول التغيير الحقيقي في المجتمع، وتبقى "الثورات نقراً في السطح وليس حفراً في العمق" على حد تعبير المفكر السوري ياسين الحافظ، إن لم تنزل إلى قعر المجتمع وتحرّره وتغيّر العلاقات الإنتاجية السائدة فيه، فضلاً عن العادات والتقاليد البالية تلك التي ترسّخت على مرّ العصور، ولاسيّما في النظر إلى المرأة حيث يتم استصغار دورها والتشكيك بإمكاناتها والتقليل من قدراتها، بل إن البعض يبرّر ذلك باسم الدين باعتبار النساء "ناقصات عقل ودين". 
ولأن المناسبة شرط، لنتوقف قليلا عند المرأة..
لقد تحقق للمرأة بعض النجاحات وإن أجهض بعضها أو تعثّر، وخصوصاً حين واجهت عملية التغيير والتقدم قوىً تقليدية واسعة، وأستطيع القول أنه لا يمكن أن تحرّر المرأة بالكامل دون تحرّر المجتمع ككل، لكن هذا لا يعني ترك الحبل على الغارب وانتظار تحرّر المجتمع، بل لا بدّ من شن كفاح متعدّد من جانب المرأة والمناصرين لحقوقها مع أخذ خصوصيتها بنظر الاعتبار، ولا يمكن الحديث عن احترام حقوق الإنسان والممثلة بالشرعة الدولية دون الحديث عن مساواة المرأة بالرجل.
وتعتبر معركة المرأة في التحرّر أحد أهم وأكبر قضايا التغيير الحقيقية والتنوير الراهنة والمستقبلية، فقد كان قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959 أحد أركان الصراع بين قوى التنوير والتغيير من جهة والقوى المحافظة من جهة أخرى في العراق، وكذلك الحال مع قانون الأسرة في اليمن لعام 1974، وفي السابق والحاضر كانت قضية المرأة في تونس مصدر نزاع مجتمعي بين التيارات الفكرية التقدمية والمحافظة، وهو أمرٌ يتعلّق بقضية المرأة في عموم البلدان العربية، وحين تحصل التراجعات والانقلابات الرجعية فإن أول شريحة تتعرّض لهضم الحقوق هي المرأة.
  الحديث عن بنية وتركيبة المجتمع يدفعنا إلى الحديث عن التغيير، فهل أصبح حقيقة في ظل ما سمّي  الثورة العلمية-التقنية من  وجهة نظرك، وكيف تساهم  هذه المحدّدات في رسم معالم التغيير المنشود؟
أكّد التغيير الذي حصل في تونس ومصر وبغض النظر عن بعض مآلات منعرجاته وتموجاته بسبب حدّة الصراع والتداخلات الخارجية في دول المنطقة عدداً من الحقائق المهمة، أولها، انكسار حاجز الخوف وحدوث التغيير في مزاج الناس، واستعدادها للدفاع عن قضايا الحريّة والكرامة والعدالة، بالنزول إلى الشارع وإرغام الحاكم على التخلي عن الحكم.
وثانيها، إمكانية التغيير باللّاعنف وعبر الوسائل السلمية، ولعلّ هذا الأسلوب الناجح هو الذي أجبر الحاكم في السودان على الانصياع بتدخل من الجيش لاحقاً، وهو الذي أرغم الرئيس في الجزائر على التخلّي عن ترشيح نفسه، وما يزال الحراك الشعبي مستمراً لتحقيق أهداف حركة التغيير، وهو الذي دفع لإجراء تغييرات دستورية وعملية إيجابية في المغرب والأردن وانعكست تأثيراته عل بعض الخطوات الانفتاحية والتي اتخذتها بعض دول الخليج أيضاً.
وثالثها، إن التغيير انطلق وحتى وإن تعثّر أو تأخر، لكن مساره مستمراً وهو مسار طويل الأمد، ويحتاج المستقبل إلى توجهات جديدة قد تأخذ أشكالاً جديدة غير مطروقة في السابق، أي أنه ما يزال في تفاعل ديناميكي.
ورابعها، إنه استحقاق داخلي، بالدرجة الأساسية وهو تتويج لكفاح طويل الأمد، حتى وإنْ حاول الخارج توظيفه أو التداخل معه، لكن ذلك لا يمنع النظر إليه باعتباره تراكماً طويل الأمد وتتويجا لتضحيات الإصلاحيين والتنويريين من التيارات الفكرية المختلفة اليسارية والعروبية وغيرها.
وخامسها، المشاركة الجماعية بما فيها من تعدّدية وتنوّع في إطار الوحدة الوطنية فلم تتأخر عنه قوة أساسية أو فئة مؤثرة، بل شارك فيه الجميع بفاعلية ووزن.
وسادسها، دور العلم والتكنولوجيا، ولاسيّما الطفرة الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي التي كانت جهازاً تعبوياً بامتياز، وهكذا كان يتم خلال لحظات التعبئة والتحريض والتنظيم، ولعلّ ذلك قد رسم معالم الطريق الجديد لإدارة الحكم وتوجهاته اللّاحقة، التي ينبغي أخذها بنظر الاعتبار، فلم تعد تنفع استمرار الأنظمة الشمولية والتسلطية واحتكار العمل السياسي والمهني، وانفتحت ثغرات في جدار السلطة في العديد من البلدان، وسيكون ذلك بروفة أولية لتغييرات قادمة خلال السنوات العشر القادمة، خصوصاً بتراكم التجربة وفي ظل ميل عالمي للتغيير.
 هل من تبرير أو تفسير لحالة الانكفاء التي أصابت المفكر أو المثقف العربي عموما، ونزوحه إلى عدم التفاعل مع المتغيرات المجتمعية؟
انقسم المثقفون العرب في الموقف من عملية التغيير ومما سمّي بالربيع العربي وهو انقسام سابق، فبعضهم كان يحرق البخور للسلطان ويؤدلج له خطابه ويلمّع إجراءاته، في حين كان البعض الآخر يمارس وظيفته الأساسية وأعني بذلك النقد، ودفع مثقفون عديدون على امتداد الوطن العربي أثماناً باهظة، حتى أنك أصبحت تنظر إلى لندن وباريس كعاصمتين أساسيتين للمثقفين العرب المنفيين والمطاردين في بلدانهم، والذين يجدون فيهما وفي غيرهما فسحة التعبير عن الرأي وحرّية الإبداع دون رقابة أو تسلّط.وبتقديري إن وظيفة المثقف الأساسية هي النقد، ولا قيمة لتجربة دون نقدها، لكن بعض المثقفين كان أقرب إلى المثقفين الطقوسيين أو الإداريين الذين حاولوا إخفاء رؤوسهم في الرمال مثل النعامة، في حين تجد مثقفين لا يريدون الانخراط في العمل العام ويظهرون كمثقفين مدرسيين، وآخرين مسلكيين أو حتى ذرائعيين.
أما المثقفون العضويون حسب تعبير غرامشي، فهم من تماهوا مع الحركة التغييرية وعبّروا عنها، ليس بمواجهة السلطات فحسب، بل في مواجهة مع مثقفين معولمين أحياناً اغترابيين، دعوا لقطع صلة الواقع بالتراث، وبرروا التعاون مع القوى الخارجية بزعم مساعدتهم في التخلص من الحكم التسلطي، ومقابل هؤلاء هناك مثقفون تقليديون ظلّوا يشدّدون على استلهام التراث لدرجة الغرق فيه، بزعم الخشية من الاختراق الخارجي و "الاستعمار" الثقافي والفكري، وهناك مثقفون محنّطون وسياسيون مملّون ومملؤون بالفراغ.
متغيرات مجتمعية عديدة أبانت ضعف الفاعل السياسي على مسايرتها وإبداع الحلول لتعزيزها وتثمينها، وقد دعوت في أكثر من مناسبة إلى التأسيس لعقد اجتماعي وسياسي جديد، بحسبك، ما هي أهم مميزات هذا العقد وخصائصه؟
ثلاثة مخاوف أساسية تسلّلت إلى الواجهة السياسية أو وجدت طريقها إليها ترافقاً مع "ربيع الحرية والكرامة" المفترض الذي حلّ على العالم العربي بالرغم من المرارات والخيبات، فقد ارتفع قلق وهاجس بعض الجهات والجماعات من حضور القوى الدينية أو السلفية، إما لاعتبارات ايديولوجية أو دينية بصبغة طائفية، أو لأسباب سياسية أو اجتماعية، وهكذا.
لكن هذا القلق لم يكن الهاجس الوحيد لدى هذه القوى التي بقيت متخوّفة أو متردّدة أو حتى مرتابة من التغيير لهذا السبب، بل كان الخوف من الفوضى موازياً للخوف من القوى الإسلامية، لاسيّما بعد تجربة "الفوضى الخلاقة" التي ضربت أفغانستان ومن ثم العراق، بعد احتلالهما العام 2001 و2003، على التوالي.
 يضاف إلى ذلك، الخوف الكبير والقلق العميق من محاولات الاستغلال الخارجي، لحركة التغيير، سواءً من خلال توجيهها أو التأثير عليها، بل إن أصحاب نظرية المؤامرة كانوا يقدّمون هذا الهاجس على الهواجس الأخرى التي تعتبر مكمّلة أساساً، لهذا البرزخ الذي يمكن أن يكبر، مستندين إلى الكثير من الأمثلة والأدلّة، ولعل أكثرها إثارة بالنسبة للعالم العربي ما حصل في العراق نتيجة الاحتلال.
أنت تتحدّث عن خريطة طريق عربية.. ما هي ملامحها؟
لعلّ موضوعاً من هذا القبيل يعيدنا إلى فكرة مهمة وريادية كان قد طرحها مركز دراسات الوحدة العربية في ما أطلق عليه المشروع النهضوي العربي بصيغته الأولى، التي بدأت فكرتها في العام 1988 وجاء في إطار "مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي" وكان ذلك ضمن توصية بالحاجة إلى مشروع نهضوي والتي يمكن صياغتها في إطار فكرة جديدة لعقد اجتماعي عربي وهو ما ندعو إليه، يبحث في المشتركات وفي الخصوصيات في الآن ذاته، أي وضع خريطة طريق، بتضاريسها وألوانها على بساط البحث، خاصة بالمشترك الجامع الذي ينبغي تعظيمه على حد تعبير الأمير الحسن بن طلال وتقليص الفوارق، لاسيّما بتأكيد احترام الخصوصيات التي ينبغي مراعاتها بالنسبة لكل مجتمع وفي إطاره أيضاً.ولعلّ فكرة عقد اجتماعي عربي جديد أو خريطة طريقة عربية جديدة يمكن أن تستند إلى مشروع نهضوي عربي جديد هو الآخر أصبح لا مناص منه للقوى الحيّة الحاملة لمشروع التغيير والنهوض، ناهيك عن التحدّيات المشتركة التي تواجه العرب، خصوصاً التنمية الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والأمن القومي ومواجهة التحدّيات التي تتعلق بالوجود، مثلما هي "صفقة القرن" أو "وعد بلفور الجديد"، وذلك بعد أكثر من قرن على اتفاقية سايكس بيكو - 1916 لتقسيم البلدان العربية من جانب القوى الاستعمارية.
ولعلّ الركن الأول في هذه الخريطة والمشروع هو استعادة الجانب الوجداني الجامع للعرب، سواءً أسميته بـ«الوحدة العربية» أو «الاتحاد العربي» أو «فيدراليات عربية» أو «ولايات» أو «أقاليم»، المهم تقديم منظور جديد لفكرة التلاقي والتواصل العربي بأشكاله المختلفة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية وغيرها، وهذا التلاقي لا بدّ أن يكون متوافقاً عليه ديمقراطياً وبأسلوب ترتضيه الأطراف المختلفة، متجاوزاً فكرة جامعة الدول العربية التي كانت مهمة ومفيدة، لكن الظروف العالمية تجاوزتها وهي بحاجة إلى أفكار جديدة وتفاهمات جديدة وصولاً إلى وضع أهداف جديدة لها.
أما مضمون الوحدة، فهي مطلب للمجتمعات وليس حكراً على طبقة واحدة، لكنه دون أدنى شك ينبغي أن يصب في مبادئ العدالة الاجتماعية باعتباره أحد أركان المشروع النهضوي العربي الجديد، ولعلّ نقيض التخلف والنمو القاصر في ظل العولمة هو التنمية المستدامة المستقلة باعتبارها ركناً من أركان المشروع النهضوي.وإذا كانت التنمية قد فشلت في تحقيق التقدم في مرحلة ما بعد الاستقلال، وظل الاقتصاد العربي بجميع أقطاره يعاني من التخلف والتبعية في بلدان اليُسر وفي بلدان العُسر، وازداد الاعتماد على النفط ومشتقاته، الأمر الذي عمّق الطبيعة الريعية للاقتصاد العربي، الذي يقوم على المضاربات العقارية والمالية، وتراجعت القطاعات المنتجة الزراعية والصناعية، وقد ازدادت المجتمعات العربية فقراً على الرغم من زيادة مردوداتها.والتنمية المستقلة حسب المشروع النهضوي العربي لا تقوم على فرضيته الأولى «الاكتفاء الذاتي»، و «الانقطاع عن العالم»، أو الفرضية الثانية أي «الاندماج في السوق العالمي»، بل تعني الاعتماد على القوى الذاتية للمجتمع في المقام الأول، وفي مقدمة ذلك القدرات البشرية والمدخّرات الطبيعية، والتعامل الصحيح مع العولمة.
 دعنا نأخذ منك اعترافات للبوح بجمل قصيرة.. وهنا نبدأ بالرؤية، ماذا عن رؤيتك؟
أحاول أن أستكشف الضوء في أكثر الأمكنة ظلاماً من خلال الأدب.
أين أنت من التاريخ؟
 أنا سليل رحّالة وجغرافيين ممن عرفتهم المنافي، وحفيد الشيخ حبيب شعبان أحد أبرز شعراء الغري الذي هجر الدراسة الحوزوية في النجف وغادر الحضرة العلوية واختار الشعر والمنفى، ليجد ملاذه في بومبي، حيث عاش ومات ودفن فيها.
 كيف تنظر إلى المنفى؟
المنفى فضاء رحب لمقاومة العزلة والشيخوخة والفداحة، وأنا كائن حركي، لأنه في الأصل كانت الحركة وهي القاعدة، أما الثبات والاستقرار فهو مؤقت واستثنائي. وصرتُ أعرف نفسي أكثر في المنفى والدليل إليها هو وريقاتي التي تهبّ عليّ مثل ذكرى هي حاضر، والحاضر هو ذكرى أيضاً.
أي المدن أحب إلى قلبك؟
أنا مزيج من مدن وأنهار وصداقات لي في النجف السعيد وبغداد الروح ودمشق الحميمة وبراغ الذهبية ولندن التنوّع وبيروت الخلود، منازل وغرف ومقاهي ومكتبات وصديقات وأصدقاء، ولأنني تعدّدي فإن روحي منثورة بين هذه المدن وقلبي موزّع بين نسائها.
كيف تنظر للحياة؟
أحتفل بالحياة وأنا متولّهٌ بها محفوف بكل أنواع الموسيقى والألوان والقصائد.
هل أنت حائر؟
 حيرتي وجودية، وهي حيرة مستمرة ومتحركة، وحسب ابن عربي، فالهدى في الحيرة، لأن هذه حركة والحركة حياة.
 كيف ترد على خصومك؟
أجد نفسي مترفّعاً في الكثير من الحالات، فأتردّد من منازلة بعض من لا يستحق المنازلة، ولن أرتضي لنفسي الخوض في البذاءات والهبوط إلى مستوى التفاهات. لا أستطيع أن أرفس الحصان إذا واجهني.
 أجدك دائماً مع المظلوم.. لماذا؟
لم أقف مع "المنتصر" في الغالب وقد أتحالف مع الخسارة، خصوصاً حين يكون الثمن الذائقة الجمالية والمعيار الأخلاقي والكرامة الشخصية، ولذلك لم أنخرط في جوقة السمسرة لبيع البستان، فأي شجرة رمان فيه أو غصن مشمش أو فسيلة نخل تساوي عندي كل ثروات الأرض.. ولا طاقة لي بمجاراة من يغالي في اغتيال القيم. ولن أقبل لنفسي أن أكون جزءًا من مرابي الثقافة ومتصيّدي الفرص.
أين ترى بهجتك؟
بهجتي روحية وسعادتي حلقات متّصلة والنقد والمصارحة مع الذات أول مصادرها، وبالطبع أنا عاشق ورائحة العشق تملأ حياتي.
متى تكشف ما عندك؟
أعرف الكثير من الأسرار المثيرة للفضول، لكنني حريص على عدم البوح بها واحترم خصوصيات الناس وقد ائتمنت على الكثير منها.
لهذه الأسباب أنت تعاني؟
معاناتي من معاناة الناس وأعرف كم هي همومهم وعذاباتهم، وأدرك معنى أن يكون شعباً بأكمله عرضة للاستلاب والقهر، والحروب والحصار، لتأتي الحقبة الاستعمارية الجديدة بكل رموزها وتداخلاتها الدولية والإقليمية فتكشف هشاشة ما تبقى وتظهر حقيقة المستور.
هل أنت متحالف مع القدر؟
قضيتُ حياتي أبحث عن عطر الورد وأنام في حديقة الأمل لأستنشق الحرية.
 وأين أنت من الفلسفة؟
احتفيت دائماً بالفلسفة ووقفت عند مداخل التاريخ ومخارجه، وأتوق دائماً إلى الذكريات وكأنها المستقبل.
بماذا ساعدتك الثقافة؟
الثقافة ساعدتني في اجتراح المعقول وغير المعقول في زمن ضاعت فيها الحدود. والثقافة هي التي عوضتني عن كل الخسارات ومنحتني هذه القدرة العجيبة على «ارتكاب» الأحلام. 
أنت وطني كبير، كيف تأسس ذلك؟
نزعتي الوطنية رضعتها مع الحليب وهي بوصلتي في كل شيء وسفينتي لن ترسو في الشواطئ الغريبة.
 كيف اجترحت كل تلك الآلام؟
الصبر نعمة ربانية وهو حصيلة حكمة الزمن المحسوس والمعيش، والبساطة جزء من تكويني وفيها أجد الصفاء المشتبك بالمصير الإنساني.
 متى تهدأ روحك؟
مرفأي لن يهدأ وأغاني الروح لن تستكين، وهناك علاقة تكافلية وحيوية بيني وبين الناس.
وماذا عن الحب بعد السبعين كما تقول؟
الحب والحرية متلازمتان ولا أستزرع الأفكار في غير بيئتها ولا أستنبت التجربة إلّا في أرضها الصالحة، والعشق قيثارتي الأبدية وأنا عاشق لم يفرغ قلبي يوماً، ومع محمود درويش أردّد: لا أتذكر قلبي إلّا إذا شقّه الحب نصفين أو جفّ من عطش الحب.
 ما هي أحب الأشياء إلى نفسك؟
العدل والمساواة، فقد آمنت بهما كمتوالية مع روح الإخاء الإنسانية، وبقدر خصوصيتي فأنا جزء من عالم متنوّع، والخصوصية لا تفترض التحلّل من الروابط الإنسانية العامة.
إلى أين ستمضي؟ فقد خسرت الكثير في حياتك، فمتى تتوقف؟
سأواصل وحدي المشوار حتى لو توقفت القافلة عن المسير أو أضاعت الطريق ولن أشعر بالوحشة. حين أصل إلى غايتي أشعر بالفراغ، ولذلك أبحث عن الريح لتبقى الحركة، كثيرون ما زالوا يعيشون في الماضي، لأنهم لا يريدون مواجهة الحاضر، أما أنا فحتى في الماضي كنت أتطلّع إلى المستقبل. لم أعتد أن أبلع لساني وكانت لي آرائي واجتهاداتي باستمرار، أخطأت أم أصابت، فأنا مفطور على النقد. وقد أبدو شيوعياً من قماشة أخرى، وربما أقرب إلى الغرابة، لكن النور الداخلي سبيلي إلى هذا القضاء المحيّر.   
ماذا لو غابت العقلانية؟
العقلانية قيمة عليا وغيابها يعني حلول الجانب المظلم من الحياة، والاكتشافات العلمية منحت الفرص أكثر للبشر ليكونوا خيرين أو شريرين. ومقابل العقلانية يوجد نقيضها اللّاعقلانية (الشيء وضدّه) الأحاسيس والعواطف والأحلام والرغبات والصبوات يتم التعبير عنها من خلال الدين والجنس وسرديات التاريخ والأحلام، والضِدّ يُظْهِرُ حُسْنَهُ الضِدُّ.والطريق إلى العقلانية ليس واحداً وحسب ابن عربي «الطريق إلى الحقيقة تتعدّد بتعدّد السالكين»، وقد يصل الإنسان إليها بهزيمته أو كبوته، فيحاول معرفة أسبابها ويتعامل معها بروح نقدية ودون مكابرة، وينبغي التوقف عند الهزائم والانكسارات لأنها لا تمرّ سريعاً أما الانتصارات فغالباً ما تكون مؤقتة، وقد تقود العقلانية إلى نقيضها بثورة عنيفة لا عقلانية.
 ماذا عن الثورات؟
«الثورات» لا عقلانية حتى وإن كان هدفها الوصول إلى العقلانية. والسعي وراء العقلانية قد يفجّر موجة من اللّاعقلانية. اللّاعقلانية هي القاعدة في الدين والجنس والحرب والموسيقى والفن والسياسة، لكنها تولد نقيضها. وتنمو العقلانية في رحم اللّاعقلانية.
من هم أعظم ثلاثة شعراء عرب معاصرين تربعوا على عرش الشعر؟
محمود درويش وأدونيس وسعدي يوسف.
وماذا عن الجواهري؟
الجواهري مثّل الحلقة الذهبية الأخيرة في الشعر الكلاسيكي.
 أجدك كثير التأني وكثير التدقيق.. لماذا؟
الشجرة المُثمرة هي التي تطالها الحجارة، وهناك فرق بين وقفات التأمل النقدي والأحكام المتسرّعة.
 كيف تمكنت من صياغة خطاب بلا ضغائن ولا اتهامات أو تخوين وأنت ابن الايديولوجيا؟
علينا الاعتراف بقانون النسبية، ونحن نخطئ ونصيب، لقد فعلت كل ما فعله أقراني من الماركسيين، لكنني لم أغلق أبوابي مطلقاً، وحاولت منذ وقت مبكّر أن أضع مسافة بيني وبينهم، وقد فضلت الوقوف في الفسحة النقدية، ولم أقصّر حتى في نقد نفسي، وقلت أكثر من مرة أنني أعتز حتى بأخطائي لأنها حميمية وهي جزء مني، فقد اجتهدت وأخطأت فـ «المجتهد إذا أصاب فله أجران وإذا أخطأ فله أجر واحد» حسبما ورد في الحديث النبوي الشريف، ومن لا يعمل لا يخطأ.



53
ماركس في "مدينة الغنج والدلال"
عبد الحسين شعبان
أكاديمي وأديب عراقي
منذ الصباح الباكر أجلس في المقهى:
طنجة تستيقظ
لست أنا من يوقظ طنجة
من قال: الحلمُ ينام؟
...
...
...
طنجة سيّدة الأنوار السبعة
أغنية البحار
سعدي يوسف
من قصيدة طنجة -"ديوان طنجة" 2011
   إذا كان " الحب من أول نظرة"، فعشق طنجة من أول زيارة،  فتهيم غراماً بها وتزداد عشقاً لها كلّما اكتشفت مكنونات روحها بما فيه من سحر وألغاز، وحسب بربارا هايتن "طنجة هي الحياة"، وكما كتبت على لوحة رخامية في منزلها " الجنة هنا.. هنا.. هنا" وهي تعني طنجة .
   الألوان والأنغام تختلط في طنجة ، وما الحياة سوى لون ونغم، "وحق الهوى أن الهـوى سبب الهـوى .. ولولا الهوى في القلب ما وجد الهوى"، كما يقول محي الدين بن عربي ، فالزرقة للسماء والبحر، والخضرة تكسو الوديان والسفوح مطرّزةً بالأصفر والوردي، حتى لتبدو طنجة وكأنها حديقة أو غيمة سندس تفوح منها كل الأطايب، وتتفرّع على جانبيها أزقة وبيوت وأبواب ملوّنة تشمّ منها عبق التاريخ.
   منذ أن قرأت " الخبز الحافي" هامت روحي بطنجة، فقد كان الروائي محمد شكري بارعاً بجنونه الفائق  وعوالمه الليلية والنهارية الشائقة وشخصياته الهامشية الفاتنة التي روى حكاياتها التي تُحكى ولا تُحكى، فعدتُ أفتش عن " مجنون الورد" و"الخيمة" و"غواية الشحرور الأبيض"، مقتفياً خطاه  في المقاهي والحانات، من مقهى الحافة إلى مقهى الرقّاصة  في السوق القديم وصولاً إلى مقهى باريس ومقهى روكسي وغيرها،  وهكذا بدأ الحبل السرّي بيني وبين تلك المدينة الساحرة.
   واجتذبت طنجة عدداً كبيراً من كبار المبدعين الذين  تردّدوا عليها وعاشوا فيها مثل جان جينه والبرتومورافيا وأرنست همنغواي والجواهري وأدونيس وسعدي يوسف وخوان غوتيسولو ومارسيل خليفة وغيرهم، ولكل قصته وعشقه. ومن أزقة طنجة بزغ ابن بطوطة ليلفّ العالم، ثم  يعود ليرقد محتضناً أطالس الجغرافيا وكتب التاريخ وحكايات المجتمعات المتنوعة والشعوب المتمايزة.
   هكذا تتبدّى لك الأندلس حتى لتشعر أن  العالم كله في عهدتك،  فـ "المدينة الحلم"، حسب بول باولز، صوّرها الرسام هنري ماتيس في لوحته الشهيرة العام 1912" نافذة من طنجة"، الموجودة حالياً في متحف بوشكين في موسكو وعلّق عليها قائلاً: طنجة " جنّة الرسام" و"المرآة المفتوحة على العالم". ومكث ماتيس في فندق فيلا دي فرانس، وصادف في إحدى زياراتي لطنجة أن نزلتُ في الفندق ذاته وبجوار غرفته الرقم 35 وطلبت حينها من عامل الفندق أن يفتحها لي، فوجدت الضوء يملؤها من جميع الجوانب.
   وتعلّق الجواهري هو الآخر بطنجة التي وصفها بأنها مدينة " الدلال والغنج"حيث  ينطلق الليل من جفنيها، وينفرج الصبح عن نهديها، وذلك حين زارها في العام 1974، وقصة الجواهري مع طنجة مثيرة وملتبسة وسأعود إليها في وقت لاحق.
   فكيف حلّ ماركس ضيفاً على طنجة التي لم يزرها؟، لكن "للأفكار أجنحة" على حد تعبير ابن رشد، فقد زارت أفكاره طنجة وحلّقت فوق البحرين (البحر المتوسط والمحيط الأطلسي) حيث يلتقيان في طنجة في لقاء حميم لا مثيل له. وكانت "عودة ماركس" إلى طنجة عبر مهرجان ثويزا حيث دعيت للحديث عنها  ، فاستعدتُ مقابلة لي في جريدة "أنوال" المغربية قبل ثلاثة عقود من الزمان، عن "أزمة الماركسية"، وهو الموضوع الذي توسّعت في تناوله بكتابين الأول "تحطيم المرايا في الماركسية والاختلاف " والثاني "الحبر الأسود والحبر الأحمر- من ماركس إلى الماركسية". فهل العودة إلى استحضار ماركس دليل طمأنينة أم إشارة قلق؟ وهل هو سؤال شك وأزمة أم جواب يقين وثقة؟
   لكننا لسنا وحدنا من يعود إلى قراءة ماركس، فقد أخذ مدراء بنوك وشركات كبرى يشجعون على قراءته، فبعد أزمة العام 2008 كان كتاب " رأس المال"  الأكثر اهتماماً وكانت نتائج استفتاء لهيئة الإذاعة البريطانية BBC  قد صنّفت ماركس كأحد المؤثرين في العالم  بين 100 شخصية.
   والمهم كيف نقرأ ماركس والماركسية من بعده وأعني "المادية التاريخية" فقد كان هو الحلقة الذهبية الأولى فيها. أعداؤها حاولوا تأثيمها وأبلستها لأنها مثلت خطراً على مصالحهم الطبقية، أما أتباعها فصنّموها وألّهوها وربطوها بشخص ماركس ومن جاء بعده، حتى أن بعض أصحابنا أضفى عليها نزعة ريفية أو بدوية بالضد من جوهرها المدني الحداثي.
   وإذا كان الأعداء والخصوم قد لعنوها وطاردوها، فإن الأتباع والمريدين كانوا عبيد النصوص ، والنصوص كما هو معلوم منتهية، أما الواقع فمتغيّر، وهو لا متناهي، وبغض النظر عن منهج ماركس ، فإن تعليماته كانت تصلح لعصره وقد تجاوز  الزمن العديد منها، فما بالك حين أخفقت بالتجربة، وإذا كان المنهج يقتضي قراءة الواقع، فلا بدّ إذاً من استنباط الأحكام منه، والمرجعية أولاً وأخيراً للواقع الملموس وليس للنصوص، والممارسة جزء من النظرية مثلما الوسيلة جزء من الغاية.
   ولو عاد ماركس اليوم لأعاد النظر بالكثير من المسلمات والأحكام، خصوصاً في ظلّ العولمة والعصر الرقمي، حتى وإن تشبث المريدون بجعله أيقونة تصلح للمتحف. وتلك كانت جوهر مداخلة طنجة في فضائها الفكري المفتوح.



54
الترامبية في بعض ملامحها
عبد الحسين شعبان
باحث ومفكر عربي


   يعتبر بعض الباحثين أن مصطلح "الترامبية" هو تعبير عن تيار فكري آخذ بالتبلور منذ تولّي الرئيس دونالد ترامب الإدارة في البيت الأبيض، وهو ليس عابراً أو ظرفياً، وإنما هو امتداد موضوعي لتراكم طويل الأمد في السياسة الأمريكية، في حين يراها آخرون أنها ردّ فعل سياسي طارئ ومؤقت ومرهون بوجود الرئيس ترامب على رأس السلطة في الولايات المتحدة.
   وثمة سؤال آخر يتمحور حول جوهر "الترامبية"، أهي وليدة التطورات الجديدة والشاملة في الأوضاع الدولية، خصوصاً بعد تراجع دور الولايات المتحدة عقب غزو أفغانستان 2001 واحتلال العراق 2003 وفشل سياساتها لمواجهة "الإرهاب الدولي"؟ أم هي محاولة شعبوية لرئيس امتهن التجارة وسعى لوضع السياسة في خدمتها، لاسيّما برفع أكثر الشعارات رنيناً وصخباً متجاوزاً على ما هو مألوف من سياسات تقليدية اعتادت عليها واشنطن؟
   وبعد ذلك فهل أصبح الوقت كافياً لتحديد الملامح الأساسية للترامبية سواءً أكانت تياراً فكرياً جديداً أم نهجاً سياسياً ارتبط بالرئيس الخامس والأربعين وسُجّل ماركة تجارية باسمه؟ ثم ما هي خصائص الترامبية وسماتها داخل منحى السياسة الأمريكية وانعكاساتها عالمياً، لاسيّما مستقبل العلاقات الدولية؟ الأمران جديران بالدراسة والتأمل بغض النظر عن "المصطلح" وما يمكن أن يتضمّنه من حمولة فكرية أو سياسية، إذْ يبقى جزءًا من ظاهرة نحاول التعرّف على ملامحها الأساسية:
الملمح الأول-  البزنس، "العمل التجاري" حيث يمثّل جوهر الترامبية فكراً وممارسة، لأنها تقوم على فلسفة توظيف السياسة في خدمة التجارة، وعلى الرغم من أن عدداً من الرؤساء جاءوا من ذات المهنة، لكن ترامب أخضع السياسة للبزنس، وهو لم يتصرّف أكثر من كونه "رجل أعمال" في حين أنه رئيس أكبر دولة في العالم، وقد مضى بسلوكه التجاري شوطاً بعيداً حدّ التطرّف بإخضاع السياسة والعلاقات الدولية  لاعتباراته.
الملمح الثاني- إعادة القرار في السياسة الخارجية إلى البيت الأبيض، بالدرجة الأساسية، وإضعاف ما سواه من مراكز مؤثرة، مثل وزارة الخارجية ووزارة الدفاع "البنتاغون" والمخابرات المركزية الأمريكية CIA، ويدلّ على ذلك الإقالات أو الاستقالات لعدد من كبار المسؤولين والأركان في اتخاذ القرار، وربما كان أهمهم وزير خارجيته جيم ماتيس.
الملمح الثالث- إملاء الإرادة على الحلفاء طبقاً لقاعدة امتثالهم له ومشاركتهم "الحيوية" في تنفيذ القرار الأمريكي، سواء كان ذلك يتّفق مع مصالحهم أو لا يتّفق ، وقد أجرى العديد من الرؤساء الأوروبيين تعديلات على سياسة بلدانهم الخارجية تبعاً لمواقف واشنطن ، حتى وإن عبّروا عن تبرّمهم منها.
الملمح الرابع- التخلّي عن قيم الثقافة الأمريكية للحقوق والحريّات التي كانت واشنطن تتباهى بها تقليدياً وأخذت تضيق ذرعاً من انفتاحها، وخصوصاً إزاء المهاجرين، فأغلقت الأبواب وحاولت بناء أسوار لمنع الهجرة.
الملمح الخامس- العزلة والانقسام والتفرّد في السياسة الخارجية، وقد ازدادت واشنطن تدخّلاً بشكل مباشر في اختيار قيادات المنظمات الدولية، فترجّح كفّة هذا وتحول دون وصول ذاك في تصرّفات فجّة ومنفّرة للدبلوماسية الدولية.
   وأخذ المجتمع الدولي ينظر بعين عدم الثقة للسياسة الأمريكية وقراراتها المتفردة فيما يتعلق بالانسحاب من عدد من المنظمات والمعاهدات الدولية مثل: اتفاقية الشراكة التجارية عبر المحيط الهادئ (يناير/كانون الثاني/ 2017) وهي أولى الاتفاقيات التي انسحب منها ترامب، واتفاقية باريس للمناخ (يونيو/حزيران/2017) والانسحاب من اليونسكو (اكتوبر/تشرين الأول/2017) والاتفاق بشأن الملف النووي الإيراني (مايو/أيار/2018) والانسحاب من مجلس حقوق الإنسان (19 يونيو/حزيران 2018) وتجميد المبالغ المخصصة للأونروا (آب أغسطس/ 2018) والانسحاب من معاهدة نزع السلاح النووي مع روسيا ( 1 فبراير/شباط/2019) والموقعة مع الاتحاد السوفييتي السابق والاتفاقية الدولية لتنظيم الأسلحة التقليدية (26ابريل/ نيسان/ 2019) وغيرها.
الملمح السادس – ضعضعة التوازن الدولي بخلق الفوضى، لاسيّما بتشجيع الهويّات الفرعية وتفتيت الدول والبلدان وفرض الحصارات وإضعاف الثقة بميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي والاتفاقيات والمعاهدات الدولية  بما يزعزع أركان النظام الدولي ويشيع جواً من التوتر وعدم الاستقرار، بما فيه منع أي تقاربات أو تحالفات سواء تخصّ الأصدقاء أو الخصوم، ولعل الموقف من البريكست والاتحاد الأوروبي ، ناهيك عن الموقف من الصين وروسيا خير مثال على ذلك.
الملمح السابع-  الرهان على التهديد بالقوة حتى وإنْ لم تستخدمها، حين تلجأ في الكثير من الأحيان إلى الضغوط الاقتصادية للتأثير على سياسات الدول، العدوّة والصديقة لابتزازها، من خلال هيمنة الشركات الكبرى والسيطرة على الموارد وفرض العقوبات الاقتصادية: روسيا والصين وتركيا وإيران وكوريا وسوريا وقبل ذلك العراق، متجاهلة مصالح الشعوب وما ينجم من ردود فعل بسبب ذلك.
الملمح الثامن – التناقض والتخبّط القائم على المنفعية والذرائعية، خصوصاً بنفي حق الشعوب بتقرير مصيرها والمثال الأصرخ هو فلسطين، حيث تنكّرت الترامبية لسياسات الرؤساء السابقين بمن فيهم: أوباما وجورج دبليو بوش وكلينتون، فقامت بنقل سفارتها إلى القدس، وأعلنت عن "إسرائيلية" الجولان السورية "بحكم الأمر الواقع"، وفي الحالين ثمة تعارض صارخ مع قرارات مجلس الأمن وما يسمّى بـ"الشرعية الدولية".




55
مسيحيو العراق وتراجيديا المصير *
               
د.موفق فتوحي**
fatoohiaaa@seznam.cz


   توطئة
   أود أن أؤكد أن هذه الدراسة تتعلق بتاريخ المسيحيين في العراق قبل وبعد الإسلام والى يومنا هذا، ولا علاقة لها بالمعتقدات الدينية ، فقد وجدت من الضروري تسليط الضوء على ذلك ، لاسيّما ما تعرّض له المسيحيون من اضطهاد وانتهاك وتنكيل في ظلّ هجمة إسلاموية طائفية متعصّبة ومتطرّفة وأعمال عنف وإرهاب تحت مزاعم وأقاويل وشعارات شتى ، ناهيك عن أهداف معلنة ومستترة لاستهدافهم، فضلاً عن أوهام وأخطاء شائعة  ماضوية وراهنة تتعلّق بوجودهم ومواطنتهم ومستقبلهم الذي يُراد به تفريغ المنطقة منهم فمن المستفيد من ذلك وما هي المستلزمات للحيلولة دون حصوله ؟
   ولم يأتِ الحديث عن استهداف المسيحيين من جماعات إسلاموية متطرفة فحسب ، بل ورد صادماً عن مصدر رسمي رفيع المستوى يتعلّق بفهم خاطئ لفكرة المواطنة ولمبدأ المساواة وللشراكة والمشاركة الأساس في قيم العدالة الإنسانية ، وهو ما جاء في كتاب من مكتب رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي حين وصف مسيحيي العراق بـ"الجالية المسيحية"، الأمر الذي زاد التباساً وغموضاً ولغطاً ، لاسيّما وقد ترافق ذلك مع ما تعرّض له المسيحيون من اضطهاد وتشريد في جنوب وشمال العراق، بدءًا بتهديم دور عباداتهم  وإجلائهم من منازلهم وانتهاءً بقتلهم ورمي جثثهم بالمزابل أو دفعهم قسراً إلى الهجرة.
   ولعلّ ما فعله تنظيم القاعدة الإرهابي وربيبه تنظيم داعش بهم، خصوصاً بعد احتلاله للموصل في 10 حزيران (يونيو) 2014، وخلال وجوده الذي دام نحو 4 سنوات حتى تم هزيمته عسكريا في نهاية العام  2017، كأنه جاء متساوقاً مع النظرة الدونية لهم ومطالبتهم بدفع الجزية أو الدخول في الإسلام أو الرحيل، وعدا ذلك فإن المقابر ستكون بانتظارهم، على حد تعبير عبد الحسين شعبان في كتابه " المسيحيون ملح العرب" .

   أصل المسيحيين في بلاد الرافدين:

   مسيحيو العراق اليوم قوميا وبمختلف كنائسهم ينتمون إلى خمس قوميات هي: العربية والآشورية والكلدانية والسريانية والأرمينية، وطائفياً  إلى الكنائس الكاثوليكية و البروتستانتية و الأرثوذكسية ويقول المؤرخ البيزنطي اريوس في كتابة معجم الآثار المسيحية في الزيارة التي قام بها في المنطقة الواقعة في ما وراء الفرات بانه وجد له إخوة من المسيحيين و كانت هذا الزيارة في نهاية القرن الثاني و بدايات القرن الثالث الميلادي في حين تشير بعض المصادر "التي لم نستطع التوثق منها" بان أهل بلاد الرافدين قد اعتنقوا الديانة المسيحية في بداية القران الأول الميلادي على أيدي مبشرين جاءوا إلى العراق من بلاد الشام في (عام 224 ميلادية ) بعد إطاحة اردشير الأول الساساني بالحكم الأرشافي وتأسيس دولة السلالة الفارسية الساسنية التي ستحكم بلاد الرافدين إلى أربع قرون ، وقد فوجئ الساسانيون بانتشار المسيحيين في شتى أرجاء بلادهم و بتغلغلهم في مختلف ميادين الحياة، الأمر الذي كان يهدد معتقدات الساسانيين الوثنية و قد جاء ذكر الصراع المسيحي الوثني الفارسي في التاريخ السعردي وفي كتابين احدهما لشابور الأول و الأخر إلى موبير كريتير وقد حفظت في نقش رستم وهذه الآثار موجودة بقرب من برسه بوليس الإيرانية الواقعة أطلالها على بعد خمسين كيلو متر من مدينة شيراز الحالية
   في عهد شابور الأول 241 إلى 272 و هو أعظم ملك في السلالة الساسانية في القرن الثالث الميلادي وكان في بداية عهده متسامحا باتجاه المسيحيين بسبب الظلم والتعسف الذي كان المسيحيون يتعرضون له من قبل أتباع الديانة الزردشتية السائدة بين الساسانين و بالرغم من تسامحه فأنه قتل زوجته لاعتناقها المسيحية وقد ساهم هذا الملك بنشر المسيحية في مملكته من حيث لا يدري و ذلك بواسطة السبايا الذين أتى بهم من المنطقة الرومانية في حروبه الكثيرة مع بلاد بيزنطة فقد غزا منطقة إنطاكيا  "تركيا الحالية" مرتين وجلا الكثير من سكانها إلى بلاد بابل (العراق الجنوبي ) و كان بين السبايا ديمتر بانس مطران إنطاكيا و ذلك سنة 257 ميلادية، وقد ورد على لسان شابور العبارة المحفوظة في نقش رستم:" إننا اس