عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - سامان سوراني

صفحات: [1]
1
إقليم كوردستان وأهمية فلسفة التجديد الثقافي الوطني
بما أن التجديد سنة الحياة و قانون الطبيعة و تجسيد للوعي، يهدف الی صنع الحاضر وتطوير الواقع وتغييره بمعايير وشرائط متوفرة وطرائق مختلفة، إلا أن التجديد في ميدان الثقافة هو بمثابة تجديد في الحياة الإنسانیة كلها، لأن الأنشطة البشرية كالصناعة والزراعة والتکنلوجيا هي نتاج الثقافة، فالسياسة مثلاً، هي ثقافة الحکم. 
البراديغم الثقافي "cultural paradigm" من المنظور السوسيولوجي يعكس فلسفة الإنسان و فلسفة الجماعة، ويشكل نسقاً متكاملاً ورباطاً عضوياً بين الإنسان والإطار الذي يحويه وكذلك النظام الذي يحكمه ضمن مجتمعه. العقل لا يزدهر إلا بمقدار ازدهار الثقافة التي ينشأ عليها فهي رحم العقل وهي قالب العواطف وموجه السلوك وأن ما يبنی على افتراض صحيح سيؤدي الی نتيجة صحيحة.
للأسف تأتي الثقافة في إقلیم كوردستان بعد السياسة. السبب يعود بشکل أساسي الی الظروف الموضوعية المحبطة و هیمنة السياسة في تاريخنا الحاضر، رغم كل المحاولات الجادة من قبل القيادة الكوردستانية في تلقيح العناوين والمفاهيم والقيم القديمة والحديثة بعناصر ومقاصد وأبعاد جديدة،علی سبيل التطوير والتجديد أو الإغناء والتوسع، سواء تعلق الأمر بالأدارة والديمقراطية أو بالحرية والعدالة أو بالتنمية والعولمة.
صحیح أن الجغرافية السياسية للشرق الأوسط تقف اليوم ولحسن الحظ نوعاً ما الی جانب الكوردستانيين وأن إقليم كوردستان من الناحية الأمنية بقي بفضل السياسة الحکيمة لهذه القيادة قطب هادیء في هذه المنطقة، إلا أنّ العمل علی تجديد الثقافة الوطنية مقارنة بالتحديات الجسيمة التي يواجهه شعب كوردستان وقضيته العادلة کان وللأسف ضعیفاً. أما عن المثقف الكوردستاني ودورە في تجديد الثقافة الوطنية، فقد کان بحسب رأینا ضعیفاً في أدائه الثقافي، لا يفكّر بآلياته و لم ينظر الی المسؤولية الوطنية بأفق أو برنامج.
نحن نعرف أنَّ لكل مثقف منشغل بالشأن الثقافي تصوّرات أو مقترحات حول الشأن العام، لأنه، شاء أم أبی، فسوف يبقی شَريكاً فـي إنتـاج المفاهيم والتّصوّرات، بما يعود على جميع مجالات الحياة الإنسانية بالتنوير و التطوير والإبداع.
إن عدم الإهتمام بالتجديد الثقافي الوطني في الإقليم بالشکل اللازم سوف يوقف، في ضَوء ما تجري من انقلابات في الأفكار، توليد الجديد والمبتكر والأصيل والخصب من الصيغ والنماذج والقوانين والتشريعات.
علينا قراءة الحدث للمساهمة في عملية الخلق من أجل توسيع آفاق الوجود و إثراء إمكانات الحياة وأن نحول الثقافة الوطنية الی نمط وجود تتجذر في اللاوعي وتستقر في قعر الذاکرة، لتغدوا هوية يأتلف المرء الكوردستاني معها و يعتاد عليها و يشعر بالنقص والفراغ والوحشة والخواء إذا ما إفتقدها.
من خلال التجديد الثقافي والفكري نستطيع الوصول الی مفاهيم وقيم ومنظومات معرفية لاستجابة التحديات، وتحويلها إلى فرص وكذلك نستطيع تجسير الفجوة بين المفكر وصانع القرار وإعادة الروح الواثقة، والمفاهيم الناصعة، لكي نضع حداً للتخلف والتراجع الاقتصادي والتقني والثقافي ونعزز إقلیمنا ونتعامل بإبداع مع متطلبات العصر وتحولاته, ونواجه الفساد وهبوط المستوی التعليمي والتربوي، ونملك الرؤية النافذة، والإرادة والآليات اللازمة.
إذن لنجدد الثقافة الوطنية في النصوص والخطابات أو في المؤسسات والمشروعات أو في التصرفات والممارسات وليعمل المثقف الكوردستاني في عصر الوسائط، وهو وسيط بين الناس يسهم في خلق وسط فكري أو عالم مفهومي أو مناخ تواصلي، بإعادة التفکير في نظام الفكر وقيمه و نتاجاته بعيداً عن التوظيف السياسي الأيديولوجي، بغية تركيب ثقافة المجتمع الکوردستاني من جديد. علیە أن لا ينشغل باللعن والترجيم أو التسبيح والتعظيم، فبعد العولمة الرقمية والعالم الإفتراضي لا تفيد هذه الثنائیات الکلاسیکیة ولن تعود الأشياء کما کانت عليه.
ولتکن من أولويات التجديد الثقافي الوطني العمل على تغيير نمط التعامل مع القضايا والأمور ونقل النمط من واقعه القائم على الفردية أو المصالح الحزبية والفئوية الضيقة إلى نمط مؤسسي وطني، بحيث أن المؤسسة الوطنية هي التي تدير أمورنا في مختلف الحقول والجوانب.
يقول Édouard Marie Herriot (رجل دولة فرنسي بارز، 1872 – 1957): "الثقافة هي الشيء الذي يبقى في الإنسان عندما ينسى كل ما هو سواه."
الدکتور سامان سوراني

2
مسرور بارزاني وترسيخ منهج الحوار من أجل الإتفاق الشامل مع بغداد
بما أن الحوار کفعل ثقافي رفيع المستوى هو الآلية المثالية لترويض المشكلات والصراعات والحؤول دون إرتدادها على المجتمعات والدول شراً وحروباً وإنقسامات وأن فلسفة "العراق الجديد" کدولة ووطن بُنيت بعد سقوط النظام السابق علی أساس التوازن والتوافق والشراكة والحوار والوفاق والتفاهم على العيش الواحد، إلا أن السلطات المتعاقبة في بغداد ومنذ بداية صياغة الدستور وإقراره عام 2005 عملت بالضد من ذلك ولم یقدم علی أية خطوة تؤدي الی "التوازن والتوافق والشراكة"، حیث بدأت وللأسف بالتعامل بأنتقائية مع الدستور وقامت بتعطیل الكثير من مواده المستجيبة للمفاصل الحیویة والضامنة للعیش المشترك، لغرض إخراجه عن أنْ يكون عقداً مشتركاً.
لقد أكد رئیس حکومة إقلیم كوردستان، السيد مسرور بارزاني، في مجالات متعددة علی أهمية الحوار مع الحکومة الإتحادية لغرض الوصول الی حلول شاملة للمشاکل العالقة بین الإقلیم والحکومة الإتحادية بالطرق السلمية، لأن الهدف من الحوار برأیه هو من أجل كسر الجمود السياسي وإعادة إرساء حد ّ أدنى من التوافق السياسي، من خلاله يمكن الحديث والتفاوض حول الإصلاحات والخطوات الأخرى لتحقيق التغيير الایجابي علی مستوی الإقلیم والعراق. 
 وفي مقابلة تلفزيونية مشتركة مع الإعلام العراقي والعربي (کالعراقية، والعربية الحدث، والشرقية، والجزيرة، والحرة عراق، وزاگروس) أُجریت، لە يوم الأربعاء 26 آب (أغسطس) 2020  شدّد السيد مسرور بارزاني أيضاً علی أن "لإقلیم كوردستان ککیان إتحادي ودستوري داخل دولة العراق الإتحادية حقوق و واجبات، لكن عدم تطبيق الدستور كما يجب هو الذي جلب المشاکل التي يشهدها العراق الیوم".
إذن الحکومة الكوردستانية مستعدة لحل جميع المشاكل مع بغداد بشكل جذري والإيفاء بما عليها من التزامات مقابل تأمين الحقوق والمستحقات الدستورية لشعب كوردستان، والوصول إلى إتفاق شامل يرضي الطرفين ويحدد حقوق والتزامات كل طرف.
في السابق أدی عدم الإهتمام بالشراكة في صنع القرار وإدارة مؤسسات الدولة وإجتیاز التوازن بين المکونات والتوافق في اتخاذ القرارات والتشريعات في النهاية الی زيادة الهوة وتقليص الثقة بين الاقليم وبغداد.
لایمکن للعراق أن يحصل علی الاستقرار السياسي والأمني ولایمکن له أن يبني اقتصادە،إذا ما لم تعمل الحکومة في بغداد بجدية علی خلق هذا التوازن والحفاظ علیە.
بالطبع يأتي إعداد الحوارات علی مستوی الإقلیم والحکومة الإتحادية كإستجابة للأوضاع التي يمر به العراق والمنطقة وهو مطلب ضروري من أجل التعامل مع الأزمات ذات الأهمية المشتركة، التي لها انعكاسات على المجتمع العراقي ككل.
نحن نعلم أن العراق کدولة إتحادية بحاجة ماسة الی بلوغ اتفاق ّ سياسي مع حکومة الإقلیم، أو حتى (إعادة) تأسيس إطار مؤسسي جديد بما يستوفي وظيفة إدارة الأزمات (الأزمة الصحية والأزمة الإقتصادية وأزمة السلاح المنفلت و نفوذ عناصر اللادولة، التي ترید اللاإستقرار والفوضی العارمة) وتخفيف حدة التوترات، من أجل بناء نظام سياسي جديد ووضع عقد إجتماعي جديد لإنهاء الشعور بالإستياء العارم والفجوة المتنامية بين المواطنين والنخبة الحاكمة في بغداد.
کل هذا لایمکن أن یحدث، إذا کانت النية من الانفتاح السياسي ليس خدمة الشعب، بل محاربته وإذا ظل الإطار السیاسي الجامع الذي یحتکم الیه الجمیع غائباً وإذا لم يصبح الدستور العراقي إطاراً جامعاً وإذا لم تُفعّل جمیع مواده.
التعددية نعمة وليست نقمة والسياسة هي منذ قرون فن إدارة الإختلاف، وعلی صانعي القرار في بغداد أن يعرفوا بأن القيادة الكوردستانية تمتلك إنضباط أخلاقي وعقلاني و روحي و إرادة التعايش، تغرسها بالتعلیم والتربية.
نعم هناك أكثر من تکامل بین الإقلیم والعراق، خاصة اليوم ونحن نعیش بسبب العولمة في قرية واحدة ومصير مشترك، نتحاور ونقبل التغيير في وجة النظر، التغيير في النظرة للحياة والمشاکل الأساسية الاستراتیجية وغير الاستراتیجية، أما المنهج الأساسي للأقلیم في التعامل مع بغداد فهو عقلاني، متفتح، سلمي، حضاري وليس منهج ردود أفعال غيرعقلانیة أمام اللادستورية و نقائض القرارات، التي کانت تصدر من قبل السلطات السابقة في بغداد.
لا بديل عنِ التعاونِ والشراكة والتضامن، فمستقبل العراق مرهون بالعلاقة بين الإقلیم والحکومة الإتحادية والحکمة والعقلانية تطلب منا أن نتحاور بلاحدود وبلا شروط في إطار حوار سياسي، لأن التعايش مرتبط بالتعرّف والحفاظ علی الأصالة والمساهمة مع الآخر في إطار تحريك التاريخ المشترك والبحث عن عراق جديد يدار بالعقلانية والحکم الرشيد، بعيداً عن التطرف والطائفية والتعصب المذهبي والجمود الفکري وسوء التصرف ومنطق السوق.
وختاماً نقول، من يريد الإندراج في زمنه للمساهمة في صناعة عراق ديمقراطي فدرالي بصورة بناءة، عليه أن يمارس کرئیس حکومة الإقلیم فلسفة الحوار وأن يتمرس بالمداولة العقلانية المنتجة للصيغ المبتكرة و يبتعد عن منطق النفي والضد والتفكير بعقلية أصولية إصطفائية، لكي ينخرط في بناء عالم مشترك يتيح التعايش السلمي والتبادل علی أسس مدنية أو حضارية في أطار دولة دستورية تؤمن بالمنطق العلائقي الوسطي التواصلي السلمي وتعترف بالآخر المختلف حق الإعتراف.
فلا شيء يدمر القضايا والمشاريع أكثر من أحادية المرجع والقطب والرأي والصوت والطاغية دوماً تصنعها الثقافة، وسیبقی التحقيق بین الثابت والمتحول هو المحنة والمهمة لکل الشعوب عبر التاريخ، للوصول الی الانسجام والتکامل بین الثابت والمتحول.
الدکتور سامان سوراني

3
تساؤلات مشروعة حول زیارة الكاظمي الی واشنطن
هل نحن بحاجة الی إستقبال رئیس مجلس الوزراء العراقي السيد مصطفى الكاظمي في البيت الأبيض، بعد تحديد موعد للقاءە بالرئیس الامريكي دونالد ترامب في العشرين من آب الحالي، لكي ندرك نتائج الحوار حول آلية تجديد اتفاقية الاطار الاستراتيجي لعلاقة صداقة وتعاون بين جمهورية العراق والولايات المتحدة الامريكية؟
بحسب الفيلسوف الألماني الشاب والمنظّر في الواقعیة الجديدة ماركوس غابريـل بأن الواقع هو مركب من علاقات، وأن کل تعامل مع الواقع هو قراءة له، وکل قراءة تشكل واقعة جديدة تترك أثرها ومفاعيلها في المجريات.
فالعراق، کمنطقة صراع بین تیارین متعارضين لایلتقيان، تیار یسمی نفسه بمحور المقاومة (منهم لبنان، حزب الله تحديداً، سوريا کنظام، العراق، أحزاب وفصائل ومیلیشیات موالیة لإیران تحديداً، روسیا) رغم إختلاف وتعارض أنظمته السیاسية، لکنە متماسك و مترابط في مواجهة عدو مشترك، الذي في نظرهم هو الولایات المتحدة الأمریکیة،  والتیار الآخر المتعارض أیضاً فیما بینه والمنضوي تحت لواء الفاعل الأمريكي الذي في يده زمام الأمور بالکامل (منهم إسرائیل وترکیا الی حدٍ ما، ودول خلیجية ومصر)،  لا یتعامل مع الدول الإقلیمیة بمعايير العلاقات الدولية، بل يتخذ الی حد هذه اللحظة من نموذج قاعدة صاحب الأفضلية أسلوباً للتعامل مع دول الجوار.
فقبل مجيء حکومة السيد الکاظمي، التي تشكّلت في 7 مايو 2020 لتسير العراق لمرحلة إنتقالية، کانت العقلية التي تسنمت زمام الامور في العراق بعد سقوط نظام البعث تحکم بعُقد الماضي وتعيش المعارضة السلبية رغم تسلمها الحکم، لذلك لم يتمکن أصحاب هذه  العقلیة فرض رؤیتهم وإرادتهم، هذا إذا كانوا يمتلكون بالفعل رؤية أو إرادة.
لکن هل هذه العلقية تفهم کل تلك التغيرات التي طرأت علی الشرق الأوسط و تعرف بأن التفاعل مع "الآن وهنا" يفيد المستقبل وأن العلاقات بين الدول لا تبنی علی أساس القيم والأخلاق والنیات الحسنة، بل علی أساس المصالح؟
مانلاحظه اليوم في حقل العلاقات الدولية، هو ظهور مبدأ جديد، تبناه الرئیس الأمريکي دونالد ترامب منذ وصوله الی هرم السلطة في الولایات المتحدة الأمرکیة لتوضيح طبیعة النظام الدولي، به تحول الإقتصاد الی عامل أساسي في السياسة الدولية. لذا قد تکون فترة حکمه المصبوغة بالطابع الإقتصادي في نظرنا محكومة إلى حد بعيد بالصفقات الاقتصادية والتجارية.
فالرئیس ترامب هو رجل أعمال بإمتیاز ولیس رجل سياسة، وهو يرغب في کل محاولاته الوصول لصفقات سياسية ذات طابع اقتصادي بشكل سريع. من وجهة نظرنا هذا ما سوف يحدث في لقاءه المزمع مع رئیس الوزراء العراقيّ في واشنطن.
صحیح أن العراق، كما أشرنا الیە، هو منطقة صراع وأن أمریكا بسعیها الی ضرب إيران وسلاحه المتألف من أتباع و وکلاء وقوات میلیشياوية موالیة، تريد إنهاء الهیمنة والتدخل الإيراني في شؤون بلدان المنطقة على كافة الأصعدة العسكرية والاقتصادية والثقافية  وتفکیكها وتغيير خارطها السکانیة، إن لم نقل تدأب الی إنهاء المشروع الإيراني القومي المتستر تحت يافطة الدعوة الدينية والكليشيهات الإيديولوجية، إلا أنّ هذا لايعني أن السيد الكاظمي يجب أن ينتظر من دولة عاجزة أن تصنع المعجزات وأن لا يقوم علی إنشاء قوة دافعة لقطع خطوط المجال المغناطيسي لرجال الدين، الذين صنعوا دولة فاشلة، سواء من حیث نظام الحکم، أو من حیث نموذج النمو، أو من حیث النمط الحضاري والمدني.
نعم حکومة السيد الكاظمي تهدف من خلال الحوار في الجولة الثانية حول "اتفاقية الإطار الاستراتيجي" في واشنطن إلى مساعدة العراق على الدفاع عن نفسها ضد جميع التهديدات وليس فقط ضد تنظيم "داعش" الإرهابي، لکن هل بإستطاعة هذه الحکومة إقامة حوار بناء مع أمریکا لتوطيد العلاقات بين الطرفين علی أساس التبادل المثمر والبنّاء، قبل انحسار الدور الإيراني القوي في العراق، الذي يرفض جهاراً دعوة بعض القيادات في العراق الی "الحيادية" ويؤکد دوماً عزمه على تثبيت قواعد الاشتباك مع الولايات المتحدة عبر العراق؟ هل من الممكن إصلاح الفكر الديني قبل هزيمة المشروع الإسلامي السياسي؟
لايزال العراق يعاني من التهکير السياسي والأمني من قبل الدول الأقلیمیة، لایزال العراق قابع تحت وطأة التخلف والعجر الاقتصاديين، ولايزال الجهل والفقر والبطالة أمراض مزمنة ومتفشية ولازالت الديمقراطية في حقيقتها مُكَبَّلة، ولایزال هذا البلد يتقدم قوائم الفساد العالمي والمديونية والعنف والإرهاب، ويتذيل قوائم الديمقراطية ومؤشر الحريات.
فإيقاف مسألة فقدان السيادة والهیمنة الإقلیمیة علی القرار العراقي أمر ضروري، لکن هذا بحاجة الی إرادة سياسية.
إن إيقاف خرق الدستور وضمان الحقوق الدستورية وإعادة هیبة الدولة والجيش والشرطة وتطهير هذه المؤسسات من نفوذ عوامل اللادولة وتحرير المناطق المخطوفة من قبل المیلیشيات المسلحة، التي لازالت تعاني من تبعات العمليات العسكرية لتحريرها، وإعادة النازحین الی مناطقهم وتأمين الإستقرار يتطلب قراراً وطنياً مستقلاً عن الطبقة السياسية، شجاعاً  ونابعاً من استحقاق الشعب وحقه في اختيار حكومة وطنية مستقلة ومتماسكة عبر انتخابات حرة ونزيهة.
السؤال هو، هل الولايات المتحدة الأمریكية فعلاً مستعدة لرسم معالم علاقة جديدة يمكنها أن تؤدي إلى شراكة استراتيجية دائمة، وهل تقوم بمساعدة حکومة الكاظمي وأجندتها الإصلاحیة على بناء عراق مستقر وقوي بعیداً عن  نظام سياسي زبائني، لردع الطموحات الإقلیمیة والضغوط العسكرية التي تمارسها الحرس الثوري وسلطة طهران الاستراتيجية في المنطقة؟
لقد آن الأوان لرؤية إقتصادية إجتماعية تنقل العراق من اقتصاد ريعي الى اقتصاد منتج وتحدد حجم ودور القطاع العام، رؤیة تندرج لتحقيقها الموازنات للخمس سنوات المقبلة ضمن مخطط إصلاحي مستدام وعلیه أن لا تکون الموازنات مجرد بيانات رقمية يتصارع عليها الکیانات السياسية على "القطعة" وفق منطق المحاصصة.
ختاماً نقول: النهوض والإزدهار لاتحدث من دون أفکار جديدة، ومن یفشل في إمتحانات المعرفة والديمقراطية والتنمية ويستمر في سياسة التبعية لمشاریع "محور المقاومة" والمحاصصة السياسية والمحميات السياسية ويقيّم الخطوات علی حساب ربح وخسارة، کائن من يکون، لایستطیع أن يقدم أي شيء.
الدکتور سامان سوراني

4
العراق بين موت النظام السياسي وإنهيار شرعية الطبقة السياسية
من الواضح أن مآل اليأس من النظام السياسي في العراق بسبب بقاءه ضمن دائرة الأزمات رغم التحول الذي شهده البلد من الناحية السياسية هو التمزق، خاصة إذا إستمر زعماء القوی السياسية، الذين لايستطیعون التخلي عن ثنائیة الفشل والفساد، علی نهجهم في إبقاء المنظومة السياسية في إطار قاعدة التخادم المصلحي والترويج عبر ماکیناتهم الإعلامية لنظرية المؤامرة الخارجية، التي تسعی "بحسب إدعائهم" للإنقلاب علی الطبقة السياسية والنظام السياسي المشکل أساساً لمصالحهم الشخصية، بعيداً عن مصلحة الجميع.
واقع اللادولة و ديمومة الفوضی العارمة في العراق يثبتان مدی صحة موضوع إنهيار شرعیة الطبقة السياسية الشيعية التي حکمت العراق بعد عام 2003.
في هذا الصدد يمكننا وبكل بساطة تصور الموت المفاجیء للنظام السياسي القائم، بدلاً عن القول بإنهاء الفجوة السياسية أو التفکير بحلول لمواجهة أزمة الشرعية عن طريق تحشيد مجموعة من الناخبين، يرتبطون بمصالح مع أصحاب القرار ضمن تلك الطبقة، وإجراء إنتخابات مبكرة والعمل علی إرجاع السيادة وإيجاد المرونة وتمتع المؤسسات السياسية بقدر من السلطة. 
إن مُحصَّلة الإنسداد السياسي وجمود المؤسسات السياسية وإستمرار اللاإستقرار وعجز الطبقة السياسية في تقديم حلول وإن كانت رمزية أو بسيطة لتجاوز الأزمات هو بحسب المنطق نوع من الإنحلال السياسي.
إن إستمرار حرکة الإحتجاجات الشعبية والمساهـمة الفعالة للنخب المعارضة التي ترفع شعارات سلمية تحت مظلة "الحراك التشريني"، قد لاتنطفىء بعد عام من اندلاعها حتى التغيير الفعلي‮ ‬التام‮،‬ والتأکيد علی ممارسة الحقوق الدستورية، بعد أن إنعدم عنصر الثقة بين المجتمع والنظام السياسي بسبب سلول الطبقة السياسية، کان من العوامل الرئیسیة والمساعدة في إعادة الإعتبار للشعب، الذي أستخدم في السابق کأرقام من قبل الطبقة السياسية في فترة الإنتخابات.‬‬‬‬‬‬‬‬
لکن إذا أراد هذا الحراك أن لا تُأکل من قبل النخب السياسية الفاسدة، فلابد له أن يبدأ بالعمل علی تنظيم نفسه بشکل سياسي للدخول في معترك التنافس و يضغط علی البرلمان للإسراع بإجراء التعديل المطلوب لقانون الإنتخابات قبل أن يقوم هذا الأخير بحل نفسه، ليضمن  إجراء انتخابات ذات مصداقية وحرة ونزيهة وشاملة بشكل صحيح بعيدة عن تأثير المیلیشيات والسلاح المنفلت.
نحن علی يقين بأنه لایمکن أن يتم التغييرعلی يد الفاعل السياسي الشيعي الذي حکم العراق بعد سقوط نظام البعث وفشل في توثيق علاقته مع الجمهور، لکن بالرغم من ذلك قد يکون تغيير النظام مدخلاً لبناء ركائز تبنى عليها الثقة بين الشعب والنظام السياسي.
الفاعل السياسي الشيعي المیهمن علی الدولة والحکومة في العراق والمحتکر للقرار السياسي في بغداد أخفق خلال عقدين من الزمان في إيجاد حلول وخطط إصلاحية مناسبة للتفرقات والتشتتات التي نالت وما زالت تنال من مشروع الدولة الإتحادية والديمقراطية في العراق. بالمقابل کان هذا الفاعل السياسي ناجحاً بعقلیته التقليدية المتصلبة في أبقاء العراق علی حال ليعيش في دوامة من الفشل والشلل السياسي بعيداً عن مشروع دولة حقيقي أو تبني رؤية عقلانية للإصلاح السياسي والاقتصادي.
إن إطلاق وعود خاوية وتهميش حقوق المواطنين وسلب إرادتهم وهدر المال العام ونهب ثروات البلد کانت من جملة المشاريع التي تبنتها تلك الطبقة السياسية، التي لاتمتلك أحزابها الی اليوم برامج سياسية مکتوبة، لکنها تستخدم أسلوب القمع والإقصاء بحق المنتقدين والمعارضين، للإستمرار في ثقافتها الأوليغارشية لغرض إدارة السياسة والقرار العسکري والأمني بإزدواجية وبشکل فوضوي.
لقد فقد النظام السياسي في العراق خيوط الإدارة والطبقة السياسية الفاقدة للشرعیة والتي لا تولي أية أهميةً لقيم الديمقراطية و حقوق الإنسان وحُكم القانون، تسعى جاهداً، بعد إعلان السيد مصطفی الكاظمي تحديد يوم  6 يونيو/حزيران من عام 2021 موعداً للإجراء الإنتخابات البرلمانية، لإستخدام آخر ما لديها من كروتها الرخيصة وهي تصارع الموت.
الدکتور سامان سوراني


5
التصوف الفلسفي والعودة الی الذات في زمن الكورونا والحروب
بما أن التصوف الفلسفي هو عبارة عن نظرية فلسفية أو الأساس المیتافيزيقي، من خلالە يسعی الصوفي وقت الصحوة تفسير أو تعلیل مایجده أثناء الوجد أو في حالة السکر.
يوصف التصوف بأنه طریق خالص لإشباع العاطفة و تغذية القلب وتصفية النفس بالمجاهدة والرياضة والإنتقال بها من حال أو مقام الی حال و مقام آخر والترقي بها للوصول الی مايسمی بوحدة الشهود أو الوجود (أي القول بأن هذا العالم المختلف في الأشكال ليس سوی مظهر من مظاهر متعددة لحقيقة واحدة هي الوجود الإلهي)  أو الفناء والحلول (أي نزول إله في شخص من الاشخاص) والاتحاد (أي شيوع الألوهية في العالم كله).
الصوفي الذي يجيد فن النزوح صوب المتعاليات، يخوض غمار تجربته الروحیة بحثاً عن الوجود، فهو لایترك مجالا للتمنطق بل يکتفي بالتخيل، والعودة الی الذات کما يراه فيلسوف الظاهرياتي/الفينومينولوجي إدموند هوسرل، صاحب كتاب "تأملات ديكارتية"، هو سعي الإنسان ليصبح حقاً فیلسوفاً، يحاول في داخل ذاتِــه قلب جميع المعارف المسلّم بهــا إلى حدِّ الآن.
إن الوجود، عند  الفیلسوف الوجودي الدانمارکي، سورين كيركجورد، الذي آﻣن ﺑﻘدرة اﻟﻌواطف واﻟﻣﺷﺎﻋر اﻹﻧﺳﺎﻧﯾﺔ ﻋﻟﯽ ﻗﯾﺎدة اﻟﻌﺎﻟم ﻟﺑر اﻟﻧﺟﺎة، هو أن يختار الإنسان ذاته، فالواقع هو أن الإنسان لا يختار إلا نفسه، فكل اختيار "خارجي" إنما يكون مرتبطاً باختيار داخلي، بنسبة شيء أتبعه فأحقّق ذاتي.
ففي زمن تکالب الناس علی الثروات والشهوات وفساد الأخلاق وإنحطاط المجتمع مع وجود الإقتصاد اليائس المؤدي الی إضمحلال الفضائل الأخلاقية ينسحب الصوفي بروحه المتعالية علی المادة الی داخلە وعالمه الكبير المختص بالحرية والخيال و لذة السؤال عن المجهول بهدف بلوغ الغايات السامية والحقيقة المتعالية، حیث الأمن والجمال ونزعة الحب الكوني.
إن إلإيمان بحقيقة الوجود الفردي بل بمعنى الوجود هو البديل عن الفراغ واليأس والمعاناة والقلق ويتفق الفیلسوفان الفرنسي جان - بول شارل ايمارد سارتر، صاحب کتاب "الوجود والعدم"، والألماني مارتن هايدغر، صاحب کتاب "الوجود والزمان" بأن كل فرد يتميّز بالـ"فرادة"، التي تجعله قادراً على الاختيار والعيش بحريّة وإرادة.
صحیح بأن التصوف شاع قبل الإسلام في الأديان والأمم كلها، في الوثنية والمجوسية واليهودية والنصرانية ، ولقد عرفه في بعض أشكاله البابليون واليونان والرومان والهنود والصينيون، لکن يمکن أن نقول، أنه نتاج مشرقي لايخلو من الغاية وغايته دائماً روحية،  أصلە هو العكوف علی العبادة والإنقطاع الی الملأ الأعلی والاتصال به والفناء فيه والإعراض عن زخرف الدنيا و زينتها.
إذن الصوفية في أصلها رياضة نفسية تخلق في الإنسان إرادة فعالة وتخلق للمجموع المتصوف شخصية ثابتة. فهي ترمي الی إثبات الناحية الإجتماعية في وجه القوی الإجتماعية والطبيعية أحيانا، لذا يمكن أعتبارها ناحية جليلة من نواحي علم النفس.
في البناء الثيوصوفي يتجلی الحب كـ"ثيمة" مرکزية فيجعل من الإله کما المرأة موضوعا لە،  لذا لا نری وجود للصوفية من دون حب أو محبة والمحبة عند أهل التصوف هي أصل الموجودات. الحب کحالة قصوى من حالات الشرط البشري، وشكل من أشكال ممارسة الإنسان لذاته وبقائه، هو أسمى وأرقى أنواع العلاقات في الوجود، يتأتى نتيجة صفاء القلب ونقائه مما فيه من شوائب مختلفة الألوان.
أما الحب لدی المتصوفة فهو نابع من الصفاء أي صفاء القلب ونقاء أسراره، فيذکر بأن قلب الصوفي لا يعرف إلا الحب ولسانه لا يلهج إلا بلغة الحب وصدق من قال بأن "لقلوب العارفین عيـون ترى ما لايراه الناظرون".
ماأحوجنا الیوم إلى لغة الحب ونحن نعيش في زمن الكورونا والکراهية والعنف والحروب.
الدکتور سامان سوراني

6
حكومة الكاظمي وسياسة إحتواء فصائل اللادولة
بعد تراكم حلقات الفشل الحکومي خلال العقود الثلاثة الماضية بسبب تحکم السياسة التقليدية والدين السياسي العاجز والغير مؤهل إدارياً بمستقبل ومصير العراق و بعد تدهور الوضع الاقتصادي والخدماتي بشکل مزري إندلع في تشرین من العام2019  حراك إحتجاجي يقوده شباب مغترب عن كل أنواع الايديولوجيا والمنتمي لفكرة الوطن المرتجى والحق المستلب في بغداد ومحافظات الجنوب بهدف التغيير وإبعاد المنظومة السلطوية الفاسدة وإنهاء الشبكات الزبائنية القابضة على عنق الدولة.
هذا الحراك الشعبي الذي تمکن بديمومته وثباته وسلمیته و تنظيمه المحکم أن يفرض على السياسيين سماع صوته، لم يكتفي فقط بإستقالة رئیس الوزراء السيد عادل عبدالمهدي، بل أصر علی "تنحية جميع رموز الفساد" في حکومته.
وحتی حکومة السيد مصطفی الكاظمي، التي جاءت نتیجة هذا الحراك والمظاهرات والإنتفاضة العراقية الغير متحزبة، تلك التي فرضت واقع جديد في العملیة السياسية، لكي یکون هناك رئیس وزراء عراقي غیر تابع للأحزاب الدينية أو لأية کتلة أو حزب سياسي آخر، رغم أن حکومته أتت أخيراً من رحم النظام الإثنو- طائفي أو مايسمی بنظام المحاصصة والمغانـمة الحزبية لتحقيق مصالح تلك الأحزاب، يری نفسه اليوم أمام نفس المعضلة أو الفخ الذي وقع فیه حکومة السيد عادل عبدالمهدي. فالسيد الكاظمي اليوم، رغم المدة التي منحت لە لإجراء التغيير المطلوب وتحقيق المطالب الشعبية، غير قادر علی تحديد موعد لإنتخابات مبکرة ولا بإستطاعته الكشف عن أسماء قتلة المتظاهرين أو علی الأقل القيام بإلقاء القبض علی بعض منهم.
فالخطوات التي قام بها حکومته لإصلاح النظام السياسي، مثل فرض سيادة الدولة على المنافذ الحدودية والموانئ، ومنع سيطرة المتنفذين على المال العام وبعض التغييرات في مفاصل الأجهزة الأمنية، لاتعتبر کافية بالنسبة للمتظاهرين العطشی للحرية والأمن والإستقرار ليثبت من خلالها جدیته في تنفيذ مطالبهم. فإعادة احياء نظام حكم مستقر ومستدام وإعادة تشكيل مفردات السياسة الخارجية العراقية من أجل الدخول في تفاعلات أمنية واستراتيجية مع دول الجوار الجغرافي وتفعیل الدستور المعطل منذ عام 2010 وإيقاف الخروقات القانونیة وحل المشاکل العالقة بين إقلیم کوردستان والحکومة الإتحادية بالحوار وحصر السلاح بيد الدولة وإنهاء نفوذ الفصائل اللادولتية الموالية للقوی الإقليمية المنتهکة لهيبة الدولة، وعلی رأسها حزب الله، وسيطرتها علی الكثير من مفاصل الدولة وإبعادهم عن سلطة القرار العراقي والإسراع بتشريع قوانين تحمي حرية التعبير وتقديم الفاسدين للعدالة و محاسبة المسؤولين عن قتل المتظاهرين هي مطالب مشروعة من قبل الجیل المنتفض، قد تؤدي تحقيقها و ضمانها الی إلتفاف قاعدة إجتماعیة وجماهيرية وفاعلين سياسيين بل وحتی مثقفين عضويين حول حکومته.
هناك من يری أن حکومة السيد الكاظمي لاتبادر بإستیلاد الجديد ولاتمهد السبيل الی ذلك، فيوصفون زیارته الأخيرة الی طهران برحلة نحو المجهول وسط متغيرات عاصفة معلومة، بأعتبار أنها كشفت عجزه الإدراكي لاستيعاب مفهوم السيادة الوطنية أو الدولتية.
أما التخاذل والتواطؤ حیال أجندات خارجية مفروضة، بدل إقامة علاقات مع الفواعل الاقليمين والدوليين، بما يتناسب مع مصالح وقدرة العراق وإستخدام أوهام ورقة الإحتواء الفاشلة بدل واقعیة سياسة التصدي الحازم و العودة الی التفاوض مع أقطاب الفساد وفصائل اللادولة والنخب السياسية التي نهبت ثروات العراق و ساهمت في هدم بناءه بحجة إستخدام سياسة الإحتواء بدلاً من تفكیك المنظومات الفاسدة، هو نوع من الإرضاء السیکولوجي للذات، قد يکون مآله الإستسلام وإنهاء مفهوم الدولة الوطنية لأمد غير محدود.
فالمنظومات الفاسدة تعتبر سياسة الإحتواء، التي يريد السيد الكاظمي أن يتبناها، فرصة ذهبية لإعادة هیکلتها. فبواسطتها تستطيع العیش لمدة أطول وتمدد سلطتها وتنجح أخيراً في عملیة إحتواءها الحکومة لا العکس.
إذا أراد السيد مصطفی الکاظمي أن ينجح في مهمته وأن لاتکون حکومته حکومة هدنة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، علیه أن يتخذ قراراته بأسم العراق ودستوره وسلطته القضائیة وقوة المتظاهرين العراقيین لإنهاء مهزلة اللادولة، فإنه بحسب المعطيات الحالية سوف يجد آذان صاغيَة ودعم كبير ليس فقط من جماهير العراق والجيل الشبابي المتنتفض، بل من جميع بلدان العالم الحر أيضاً. 
الدکتور سامان سوراني 

7
إقليم كوردستان وإشكالية نموذج اللادولة في العراق
بحسب تقارير صادرة من جهات معترفة، مثل التقرير السنوي لصندوق السلام التابع للأمم المتحدة (Fund For Peace) بالإشتراك مع مجلة السياسة الخارجية (Foreign Policy) وصف العراق منذ 2005 والی الآن في دائرة الـ"High Alert" أي الدول في حالة خطرة من الفشل/الهشاشة.
لکن العراق بقی بسبب عجز وفشل القيادات السياسية في إدارة أزمات النظام السياسي بعد 2003 علی حاله، لذا وصفوه أخيرا بالدولة الفاشلة ''Failed State''. 
لقد قامت الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا دائماً بتصنيف أنواع المجتعات إلى نوعين: مجتمعات الدولة ومجتمعات اللادولة.
لکن هل يمكن في حالة العراق تحديدا الحديث عن الدولة بمفهومها المعاصر؟ لأن مانراه هو أن مؤسسات الدولة أصبحت بعد 2003 بؤرة للصراع الاجتماعي، لاتعمل وفق أسس الاستقلالية والحيادية وأن تنظيمات ما قبل الدولة كالقبيلة والطائفة والقومية هي من تدير شبكات العلاقات الاجتماعية فيها.
هناك عوامل اللادولة تستغلها أطراف إقلیمیة لتوسيع نفوذها، منها الأيديولوجيات الثورية التي لا تهتم بالحدود و لا تعطي قيمة للدولة الوطنية، بل تتحدث بإستمرار عن هوية عابرة للحدود، و زوال الحدود الفكرية و القومية وهناك خطط مبرمجة لإضعاف الهوية الوطنية الجامعة التي تحصن المجتمع من الإختراق و منع بروز المرجعية السياسية الواحدة، التي تمنع الإقتتال والتنازع و تعزيز عوامل اللادولة المیلیشیاوية لتنفيذ انتماءات ضيقة كالعشائرية و المناطقية و الطائفية لغرض تفكيك مفهوم الهوية وإختزال الدولة وتطبيق التمييز المؤدي للإستبداد.
أما النخب السياسية الحاكمة في بغداد فکانت لاتهتم بسيادة العراق، بل تسعی الی فرض السيطرة على المجتمع والبحث عن مخرج يؤمن له مكتسبات معينة، بدلا من إدارة شؤونه السياسية والاجتماعية والاقتصادية وبالمقابل لم نری المحاسبة المؤسساتية على الماسكين بالسلطة، الذين حولوا الانتخابات إلى وسيلة لضمان ممارسة السلطة والنفوذ، بدلاً عن غايتها الرئيسة في تحقيق التداول السلمي للحكم.
السؤال هو، کیف يستطيع إقلیم كوردستان، الذي يتضامن مع حکومة السيد مصطفی الکاظمي ويراقب خطواته، التعامل مع هذا الواقع ونحن نری اليوم العراق يتصدر تصنيفات الدول التي تعاني من انخفاض في جودة الحكم والاستقرار السياسي، وحكم القانون، حسب تصنيف البنك الدولي ويتصدر قائمة الدولة الأكثر فسادا حسب منظمة الشفافية الدولية مع الإستمرار في مهزلة التعددية المفرطة للقوی اللادولتية وسيطرة القوى الموازية للدولة على المجالات السياسية والإقتصادية والأمنية والغياب التام للدولة، وهيمنة “مافيات سياسية” في ظل إقتصاد ريعي على کافة مفاصل الحياة العامة؟
هل يکفي أن يرفع السياسيين في بغداد شعارهم الخطابي الفوقي في بناء دولة العراق الإتحادي الفدرالي دون أن يتقدموا الی فعل قانوني لکي یکتسب شعارهم المصداقية وينهوا بذلك أزمة القيادة والوعي بمفهوم الدولة وأزمة الوعي الطاغي علی إلتفافهم حول السلطة لا الدولة؟
ففي ظل هذا النظام الفوضوي القائم في بغداد لا تستطیع حکومة السيد مصطفی الكاظمي أن تصل الی حل للخلافات والمشاکل العالقة بين إقلیم كوردستان والعراق، بحلول دستورية وقانونية صحيحة وممكنة التطبيق مؤدية الی الإستقرار، أو تستمر، بل یمكن أن تنتهي مدة حکمها في غضون الأشهر القادمة، إذا ما لم تبدأ اليوم بدعم مؤسسات الدولة، وحماية حقوق الکیانات المختلفة في العراق وما لم تقوم بخطوات رادعة ضد رؤوس الفساد وتحجم دور المیلیشيات وتلغي مکاتبهم داخل المدن وفي المناطق المحررة وتنزع عنهم أسلحتهم الثقیلة والمتوسطة وتسلمها الی قوات الجيش والشرطة، خاصة تلك المیلیشيات التي لاتوافق مع الحکومة ولا ترید إنفتاح العراق على العالم الحر من منطلق العلاقات والمصالح المشتركة والاحترام المتبادل، بل تساند أجندات ومشاريع خارجية، هنا نقصد بالذات عناصر الدولة الموازية. 
وختاماً نقول: في مجتمع متعدد، إن کان الوطن وطن، فأنه للجميع. إذن علیه ممارسة الشراكة الحقيقية مع شعب كوردستان، سواء كان ذلك في شکل فدرالي أو کونفدرالي لصنع المستقبل علی نحو إيجابي وعلیه أن تنتهي حروب الوكالات وتنتهي معها عملية جعل العراق ساحة لعب للميلیشيات العازمة علی إبقاء حالة الفوضی وحالة اللادولة.
الدکتور سامان سوراني

8
إقلیم كوردستان في ظل التوترات الإقلیمية والدولية
من الواضح أن للتوترات الإقلیمية والدولية في المنطقة تداعیات سياسية وإستراتیجية علی علاقة إقلیم كوردستان بعالمه الإقليمي والدولي، فمستقبل الإقلیم من ناحیة التهديدات والفرص مرهون بتضارب وتناغم مصالح القوی الإقلیمیة والدولية.
إقلیم كوردستان، کجزء من خارطة العراق الفدرالي و القرية الكونية الصغيرة التي نعیش فیها، تعلم بأن الترابط والتشابك بين مصالح المجتمعات الإقتصادية والثقافية لافكاك بینها، لذا تطمح حكومته الى الحفاظ على علاقاتها الدولية على أساس التفاهم والأحترام المتبادلين وتؤمن بأن إستخدام الوسائل الديمقراطية السلمية هو الطريق الناجع لحل القضايا الداخلية والإقلیمیة والکونية.
هذە الفلسفة ساعدت نوعا ما بشکل إيجابي في تنامي وتطور الوعي السياسي والإجتماعي لدی المواطن الكوردستاني ومكّنه ليحسن الإفادة من الماضي والتاريخ و يُجدر إستقبال الآتي من الزمان ويؤمن بزرع القيم الديمقراطية أو ما تسمى بالقوة الناعمة.
ومن الجدير بالذکر أن حكومة إقليم كوردستان تعمل على تعزيز علاقاتها في مجالات عديدة مع الدول الصديقة و خاصة مع قوی التحالف الدولي بقیادة الولایات المتحدة الأمریکیة، التي ساندت الإقلیم في حربه ضد التنظيمات الإرهابية ومعارکه ضد الجهات التي أرادت النیل من سيادة الإقلیم و أمنه وإستقراره وحریته.
فعندما تستمر بوصلة السياسات الأمریكية بإتجاه توسع الصراعات مع إيران أو تصاعد الخلافات المتفاقمة مع ترکیا مثلاً، نری بروز أهمية إقلیم كوردستان کمنطقة تؤمن المصالح الأمريکية، بحيث تزداد إمکانية تشکيل عمق إستراتیجي لها، خاصة في حالة إستمرار إقفال أبواب بغداد و أنقرة و طهران و دمشق بوجه واشنطن.
 إنطلاقاً من ذلك، يمكن القول بأن الإقلیم يساهم بقدر إمکانیته المحدودة في خلق توازنات إيجابية و يتبنی في سياسته نحو الخارج، خاصة خلال مشارکتە في الحوار الإستراتیجي الجاري بين بغداد و واشنطن، نهج نزع فتیل التوتر في العراق والمنطقة.
إن بروز قوة عظمى في قدراتها وسلوكها الجيوسياسي تهيمن على النظام الدولي، يُظهر تحالفات وشراكات جديدة هدفها المحافظة على أمنها ومصالحها من يحفز إلى أو يخلل نظام متوازن مع تلك القوة التي تحاول السيطرة. وعلى هذا النحو فأن القوى الكبرى والعظمى تكون على قدر عالٍ من إدراك طبيعة التوازنات الدولية والإقليمية من جهة، وطبيعة المحاولات الرامية إلى السيطرة وتوسيع دائرة النفوذ على حساب محاولات التغيير الجيو- استراتيجية للقوى المسيطرة على التوازن على وجه الخصوص من جهة ثانية.
صحیح أن الولايات المتحدة الأمريكية کقوة عظمی في العالم لم تکن لها تاريخياً علاقة مع أي “منطقة” أو كيان داخلي تابع للدولة فيدرالية، إلا أن أحد خطوطها للإستراتيجية العامة في المنطقة هي إبعاد أو تحجيم دور كل من روسيا والصين وإیران من العراق والإقلیم و تعزيز سيادتهما و إزدهارهما بما يخدم المصالح الأمريکية، لذا يمکن أن نسمی علاقتها بإقلیم كوردستان بعلاقة فريدة من نوعها في العالم.
من جانبها تؤکد حکومة الإقلیم علی الإيمان بالإستراتيجية القائمة علی أساس التعايش المشترك بعيداً عن المبادیء المطلقة و الإرادات الفوقية المتعالية، التي تدفع البشرية في غير مكان ثمن مصائبها و كوراثه وتسعی مع مراعاتها لحساسية ديناميكيات الأمن العالمية والإقليمية، الی بناء علاقات إقتصادية وتجارية متبادلة ومثمرة مع أعضاء التحالف الدولي وعلی وجه الخصوص مع الولایات المتحدة الأمريكية و تدعیم أمن الطاقة بالنسبة لها و حلفائها وضمان إستمرار الطاقة الی الأسواق العالمية.
إن الأمن المجتمعي والسلام هو الرکيزة الأساسية لبناء الدول وضمان مستقبلها، لکن  وللأسف خلال العقود الماضية کانت ظاهرة الصراعات الجيوسياسية علی المشهد في منطقة الشرق الأوسط وخاصة في العراق هي الطاغية، حتی أصبح لتلك الصراعات تأثيرها السلبي علی واقع مستقبل الأمن المجتمعي والسلام في كل من العراق والإقلیم. ومن المعلوم أیضا أن  الأمن المجتمعي والسلام فی دولة دون أخرى لایتحقق، لأن إضطراب الأمن والسلام فی دولة ما ینعکس سلباً على بقیة دول الإقلیم الجیوبولتیکي، تبعاً لمعادلة التأثیر والتأثر. وهناك معادلن تقول، کلما إرتفعت شدة الصراعات الجیوسیاسیة بین القوى الدولیة والاقلیمیة وتزاید التنافس الدولي على تحقیق المصالح الجیوبولتیکیة والجیوستراتیجیة في هذه‌ المنطقة، کلما تصاعدت النزاعات الفئویة "العرقیة والعنصریة والطائفیة والجیوسیاسیة" بصور وأشکال متعددة في مجتمعات الدول الضعیفة فیها.
إقلیم كوردستان یملك غنیً في المعطیات کما یملك فائضاً في الموارد، ولکن مقابل هُزالٍ في الإنجازات الإستراتیجية، مرده النقص الفادح في الأفکار الحیّة والخصبة والخلاقة. ولهذا فإن أحوج ما یحتاج الیه هو أن یمارس حیوته الفکریة، بالتحرر من جملة من العقد والحساسیات الحزبیة والهوس النضالي والهذر الثقافي والآفات التي عرقلت مشاریع التقدم والرفاه و حضور العدالة الإجتماعية والمشارکة في صناعة القرارات المصیریة.
یجب الإستمرار في ترسیخ ممارسات الإصلاح السياسي والإداري والاجتماعي والاقتصادي، بتعاون کافة الجهات وتكامل جهود الجميع بعيداً عن الفردية الهدامة والشخصنة المؤلمة وسلوكيات الاتهامية والعدمية والتشكيك.
علینا أن نتغير لکي نسهم في تغيير سوانا، أو في تحویل واقعنا، بقدر ما ننجح في تغذیة العناوین المطروحة وتحویل المفاهیم السائدة في ضوء التحدیات والمستجدات.
وختاماً نقول: "إذا أراد إقلیم کوردستان التنمیة والإزدهار، لابد أن يُحفّز و يعدم العراق للتحرك بإتجاه نحو الفدرالية الحقيقية أو تطبيق التجربة الفنلندية بحذافيرها ويحول شراکته مع التحالف الدولي بقيادة الولایات المتحدة الأمریکية الی تحالف قوي و يتمسك بالإتجاه الکبير للتنمیة العالمیة و یتقدم معه و إلا سیترکە التاریخ."
الدکتور سامان سوراني

9
السياسة الخارجية لإقلیم کوردستان في عالم ما بعد جائحة کورونا
بما أن جائحة كورونا سوف تسهم في تقوية دور الحکومات وتعزيز الوطنية، لکن الدخول في المسرح الدولي بحاجة الی عمل صانع القرار في حل الخلافات الداخلية، لأن السياسة الخارجية الفعؔالة، التي تعبر عن الإرادة الشعبية، تطلب دوماً أن یكون الشعب متحد حول سياسة خارجية متحدة.
نحن نری بأن السياسة الخارجية هي جزء مهم من النشاط الحكومي نحو الخارج و جزء من السياسة الوطنية الناتجة من قرارات وأفعال صادرة من أصحاب القرار لمعالجة مشاکل تطرح ماوراء الحدود بهدف تحقيق أهداف بعيدة أو قريبة المدی.
أي أن السياسة الخارجية هي المفتاح الرئیسي في العملية التي تترجم بها الدولة أهدافها ومصالحها بعد أختيار ماينبغي علیها أن تقوم بە فيما يخص الشٶون الدولية وفي إطار حدود قوتها و واقع بیئتها الخارجية.
فیروس کورونا الذي أدی الی تراجع النشاط الاقتصادي وزيادة التوتر بين الدول وعدم الإستقرار  و ساهم في حصول نزاع واسع النطاق داخل بعض الدول وفيما بینها، يجبرنا أن نؤمن بإستبعاد عودة العالم مرة أخری إلى فكرة العولمة ذات المنفعة المتبادلة، التي اتسم بها مع بدايات القرن الحادي والعشرين.
السؤال هو، ماهي الثوابت والمرتکزات التي تقوم علیها السياسة الخارجية لإقلیم كوردستان في ظل التغيرات المحورية في التعاون الدولي و تغيير خریطة السيطرة والصراع والوسائل المستخدمة في عالم متعدد الأقطاب "Multi polar" بشكل متزايد؟
وکیف تؤثر السياسة الخارجية أو في حالة الإقلیم ما يسمی بالـ"Para diplomacy"،  التي هي ليست فقط وصفاً لما تقوم به حکومة الإقلیم ولكنها أيضا تفسير لما تفعلها، في عالم الغد و مکان و دور الإقلیم في هذا العالم وهل بإستطاعتها عن طریق إستخدام الحياد الإيجابي و حماية التوازن ومبادرات ذاتية القیام بتألیف نقطة جیو-إستراتیجیة شديدة الحساسية في الدائرة الکبری للأمن القومي للقوی العظمی، لکي لایتم التعامل مع الإقليم بسياسة التعامل مع الوضع "Situation based policy" أو في إطار الـ"Grand strategy"؟
ما نتصوره هو أن الدول والحکومات التي تنجو بفضل نظمها السياسية والاقتصادية والصحية الفريدة، هي من ستفوز على الدول والحکومات التي خرجت بنتائج مختلفة ومدمرة في معركتها ضد كورونا.
إن الوضع المتميز الذي يتمتع به إقليم كوردستان من الناحية السياسية يدفع السياسة الخارجية في الإقلیم الی التوجه نحو وضع خطة إستراتيجية شاملة للتعامل مع الوضع الحالي والمحاولة الجدية للحفاظ علی الوضع الامني والعسكري المستقر وذلك لتحقيق الاهداف السياسية والاقتصادية والأمنية المتعلقة بالحفاظ علی بقاء الکيان السياسي للإقلیم، الذي علیه أن يبقی محترماً علی المستويين الدولي والإقليمي.
فمن أجل تحقيق مستقبل أفضل لهذا الاقليم، الذي يعتبر من الناحية الأمنية القطب الهادیء في المنطقة، علیه تجاوز المعوقات التي تعترض طريق وضع الخطة الاستراتيجية لتفعیل العملية الديمقراطية ومکافحة الفساد الاداري والسياسي والاقتصادي ووضع حد للتدخلات الخارجية من قبل دول الجوار الاقليمي.
فالظهور بمظهر متحد في السياسة الخارجية المتعلقة بالأمور الصحية والمالية والإقتصادية والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان والمطالبة بالسلام والسعي نحو الرفاهية والأمن أصبح وربط السياسة الخارجية بالداخلية من الأهمية بمكان، خاصة في هذا العصر الذي أصبحت فيه نبرة التعامل أكثر خشونة، والنظام العالمي أقل استقراراً.
علی السياسة الخارجية في الإقليم العمل الجاد والإستمرار في حثّ الحلفاء والدول الصديقة لدفع الحکومة الإتحادية بإتجاه تطبيق بنود الدستور و إرساء حكم القانون وإستقلال القضاء وإحترام  مبادیء الشراكة و رأي الشعب والتقلیل من المعضلات التي أدت في الماضي الی خلافات حادة مع الإقلیم و تعقيد العملية السياسية وبروز الاحتجاجات وإعتصامات في أغلب المناطق الجنوبية بالعراق.
وعلی السياسة الخارجية في الإقلیم أیضاً التأکيد علی الإيمان بالإستراتيجية القائمة علی أساس التعايش المشترك بعيداً عن المبادیء المطلقة و الإرادات الفوقية المتعالية، التي تدفع البشرية في غير مكان ثمن مصائبها و كوراثها، فاستقطاب المصالح الاقتصادية و الطاقة لدول العالم و ربطها بأسواق إقليم كوردستان وتأمين المصالح و صنع المصائر هو صناعة مشتركة يساهم فيها كل مواطن كوردستاني من موقعه و حقل عمله. 
أما الأحزاب السياسية التي تمارس في ظل الفضاء الديمقراطي المتواجد في الإقلیم عملها بحرية كاملة وتمتلك الی درجة الصوت في تكوين السياسات الخارجية فعلیهم أن يکونوا فعلاً بمثابة العمود الفقري للنظام السياسي الديمقراطي وأداة ربط المواطنين بحكومة الإقلیم، لا أن يستمرون في التعارضات الخانقة وذلك بهدف شل عملیة صناعة التنمية وهندسة العلاقات السياسية، تلك العلاقات التي تٶمن مستقبل زاهر للإقلیم و تؤدي الی الحرية والإستنارة والعقلانية وتحمي في النهاية الأهداف الوطنية النبيلة.
وختاماً: إن الإصرار علی الفضاء العالمي، الذي هو مدی حيوي لإقليم كوردستان وإتقان فن التعايش والتبادل لإزالة العوائق و حلحلة العُقد يصنع السوق ويُنمي الإقتصاد،  فهو عنوان الحضارة وأساس بناء العلاقات الدولية وسيادة الدولة.
الدکتور سامان سوراني


10
نعم إقلیم كوردستان يدعم سياسة التعایش السلمي في العراق
بما أن عملیة صنع السياسة العامة (Public policy) هي عبارة عن أداة تحلیلیة داخل النظام السياسي وذلك لتحديد الأنماط والعلاقات داخل المجتمع، وهي تخلتف من نظام سياسي الی نظام سياسي آخر وفي النتيجة تظهر علی شکل قرارات و سياسات، رغم إختلاف صانعیها. حیث أن السياسة العامة وظیفة لایمکن للأنظمة السياسية المختلفة التخلي عنها.
فیما يخص العراق بعد 2003، نری أن سياسة التعايش السلمي على اساس الحرية والاختيار الطوعي في الدولة العراقية المتصارعة قومياً وثقافياً وتاريخياً نشأت بعد فترة طویلة بشكل ضعیف، لکنها وبسبب السياسات العامة الخاطئة للنخبة السياسیة التي وصلت بعدها الی سدة الحکم أصبحت مسألة التعایش شبه غائبة.
هذه النخب السياسية لم تستطع صياغة هوية الجماعة الإجتماعیة عن طريق صوغ مشترکات عامة، بما ينسجم مع المنطلق العقائدي والتاريخي والثقافي للکیانات، أي أنها وبسبب سوء الإدارة فشلت في تسوية الإشكالات الأساسية للنظام السياسي، لأنه وکما معروف أن الولاء الإفتراضي يبقی دوماً مرتهناً بالقدرة علی تشکیل هوية وطنیة إندماجية، علی قاعدة التساوي في الحقوق والواجبات في دولة الحقوق والعقل أو کما يسمی بالألماني بـ "Rechtsstaat" ناهیك عن إشاعة ثقافة الحوار والتسامح قبول الآخر المختلف وتفعیل النظام الفدرالي وإعتماد منظومة الدیمقراطية بهدف تحقيق التعایش السلمي والمصالحة الوطنية بین مکونات المجتمع العراقي.
فيما يخص إقلیم كوردستان، فإن شعب كوردستان الذي مرّ بمحن وأزمات تاريخية من أجل التکوين والصیرورة وتحقيق أحلامه في السيادة والإستقلال، أختار بشكل طوعي الإتحاد والإندماج مع الهوية الإتحادية، بعد تم إيجاد صيغة تفاهم عن طریق قيادات كوردستان تضمن حقوق الاطراف والمكونات في العيش بحدودها وتمثيلها الجديد، بعیداّ عن لغة التهديد والوعيد أو دق طبول الحرب أو إستعمال سياسة الإنتقاص من حقوق شعب الإقلیم.
إقليم كوردستان خطت كحصيلة للأستقرار الذي يتمتع به على المستويين السياسي والديمقراطي وكنتيجة لممارسة سياسة حكيمة مطلية بالدبلوماسية والشفافية والإيمان الكامل بالسلام والتعايش وإحترام الدستور، خطوات كبيرة نحو بناء نوع من التكامل الأقتصادي والتجاري، أکد غير مرة علی إستخدام الحوار البناء في حل مشاکله العالقة مع الحکومة الإتحادية بحیث توافق المصالح السياسية والإقتصادية بين الطرفين وتبرز رٶی مشتركة لقضايا وتطورات سياسية داخلية أو في المنطقة.
إن التأكيد علی تطبيق الشراكة الحقيقية في ظل هذه الظروف الصعبة التي يمر بها العراق أمر ضروري لإعادة الإستقرار والسيادة لهذا البلد، فالأزمة الحالية تحتاج الی فكر مركب لمواجهة الوقائع وإعادة تشكيل المشهد و ترتيب القوی علی المسرح، ولكي نعيش أحسن، عليه‌ أن نحسن العيش سوياً.
في السابق حاولت جهات غير وطنیة الإنقلاب علی الدستور داخل البرلمان ومنهم من حاول فرض حصار مالي علی الإقلیم والإسنتجاد بقوی خارجية لمقارعة الفكر التجددي المعاصر في إقلیم كوردستان و خلق أزمة سياسية وإجتماعية، بدلاً من العمل في سبيل الإستقرار الأمني والسلام الحقيقي بين المکونات والمذاهب والبدء بخطوات لتصفير المشاكل الداخلية برؤية شعبية عراقية، رغم معرفتهم بأن الدستور العراقي بنيَ على التوافق في التعايش بين هذه المكونات، لا علی أساس فرض إرادة السياسيين من الاسلاميين والقومويين ممن أرادوا إفشال الدستور الدائم بأي ثمن کان وذلك لتحقيق رغبات أولیائهم.
إقليم كوردستان المتمسك الی حدٍ ما بفصل الدين عن السياسة يسعی الی لأم الشروخ و دعم التعاون داخل المجتمعات الكوردستانية لإجتياز الحدود و رفع القيود المصطنعة علی شعب كوردستان.
لقد جمع شعب كوردستان تجارب في الدفاع والسياسة،  إنه يستوعب المعادلات الداخلية والإقليمية و الدولية، يرسم خططه التكتیكیة والإستراتيجية بوعي وإدراك علی ضوء تلك النتائج التي يتوصل اليها، بعد تقييم واقعه و ظروفه الذاتية والموضوعية ليضمن الحفاظ على منجزاته و مسيرته.
لذا يدعم شعب إقلیم کوردستان وقيادته السياسية کل سياسة حکيمة تمارس من قبل الحکومة الإتحادية من أجل التعايش السلمي والشراکة الحقيقية وإنتصار إرادة الشعب العراقي في الحياة وفي العيش بحرية وشرف وکرامة، التي سوف تسود في النهاية، والتاريخ يٶكد أن إرادة الشعوب لاتقهر ولاتهزم ولاتخدع ولو بعد حين.
الدکتور سامان سوراني



11
مداخل وأسس الاستقرار في إقلیم کوردستان والعراق
ستظل سنة 2003 بارزة في تاريخ العراق المعاصر كونها شهدت سقوط نظام استبدادي تسلُّطي أمعن في قمع شعبها وكبح طموحها نحو الحرية والتقدم.
كان يُرجى من «العراق الجديد» فتح صفحة جديدة في تاريخە مفتوحة على الكثير من الاحتمالات المتفائلة بغدٍ عراقي أفضل، لکن الحقيقة جاءت وللأسف بخلاف وعکس ذلك.
 القيادة الكوردستانية کانت والی الیوم مع بناء عراق جديد يؤمن بنظام توزيع السلطات و مؤسسات دستورية تمارس الحكم الديمقراطي، علی أمل أن‌ تبتعد بغداد عن الشمولية والحکم المرکزي و حکم الحزب الواحد ولغة الحرب، التي کانت اللغة الوحيدة والسائدة لعقود من الزمن في العراق و أن تمارس الفدرالية بعيداً عن تهميش و إقصاء و لغو الآخر المختلف وتطبيق نظريات الإصطفاء العقائدي والفرز العنصري و التطهير العرقي.
کان الهدف من مبادرات القيادة الكوردستانیة في حینه هو العمل مع القوی الوطنية في سبيل توظيف طاقات هذا البلد البشرية نحو البناء و التنمية الإقتصادية والإجتماعية المنتجة و القيام بنبذ فلسفة عسكرة المجتمع و خطاب التهديد و سياسة التحشد والتجند و تکتیکات حصر إمکانات الدولة من أجل الهجوم علی الآخر المختلف. 
الرئيس مسعود بارزاني ، الذي يحمل رسالة قومية و ينثر بأفعاله و أقواله المحبة بين أفراد الشعب الكوردستاني والعراقي ويشيع التفاهم مع المحیط الإقلیمي و يخاطب العالم بلغة انسانية بليغة، حمل عام 2003  شعلة السلام الكوردية الی بغداد، مع إیمانه الکامل بأن السلام هو مدخل و أساس من أسس الإستقرار وأن العنف هو من صنع البشر.
ففي خطبه ومناقشاته العلنية يٶكد الرئیس بارزاني دوماً بأننا قادرين على تفكيك هذا القضاء، لإعطاء الأجيال القادمة حقَّ الحلم بعالم تملؤه الحرية والكرامة.
هذه القناعة هي إستراتيجية عمل وسياسة لحلِّ النزاعات. المنطق يقول، من يستطيع التفكير بعقل تداولي يكون قادر علی أن يتغير لكي يسهم في تغيير سواه علی نحو مثمر وخلاق.
إن هذه المعادلة خلقت الاستقرار السياسي في إقليم كوردستان وبفضلها تمكن الإقلیم أن يواجه التحديات التي تفرزها شبكة العلاقات الاقليمية المعقدة في منطقتنا بشكل مستمر.
وتحت هذه المظلة من الاستقرار السياسي والقدرة على اتخاذ القرارات السياسية الحكيمة قدمت القيادة السياسية في إقليم كوردستان وما يزال الدعم السياسي اللامحدود لإنجاح عملية الحوار مع بغداد و ذلك لحل القضايا العالقة معها في إطار الدستور بشکل مدني و عقلاني أولاً وخلق أجواء مليئة بالأمن والإستقرار ثانیاً.
فمن خلال تثبیت الأمن والإستقرار وصون السيادة يمکن لکل من الإقلیم والعراق أن يكونا فاعلين حيويين في مسيرة البناء والتنمية على مختلف الصعد و أن يحافظا معاً، بحسب سياسة التفكير والعمل معاً ومنطق التبادل وفلسفة التعايش والتواصل، على وحدة وسيادة العراق.
فالاستقرار بصورة عامة، فضلاً عن التماسك الاجتماعي، يمثل صمام الأمان في أي مجتمع بما يمنحه من فرص للنمو والتطور وقدرة على مواجهة مختلف التحديات الداخلية منها والخارجية.
ففي هذا الزمن المعولم وفي ظل أزمة تفشي وباء کورونا لم يعد من الممکن تأجيل القضايا العالقة والمزمنة  أو إهمال إقامة ديمقراطية حقيقية قائمة على الحوار والتعددية والاحترام تضمن نشوء دولة الإنسان، تلك الدولة التي تمارس الحياد الإيجابي تجاه قناعات ومعتقدات وأيديولوجيات مواطنيها وتضمن الأمن الإنساني والسياسي ونحن نعيش مرحلة الفوضی واللاإستقرار السياسي في المنطقة والعالم والتي من الممکن أن تؤدي الی تغيير جذري في النظم السياسية والإجتماعية علی المستوی الأقلیمي والعالمي.
ختاماً، علینا بخلق و بناء آفاق واعدة لمداخل وأسس الاستقرار في إقلیم کوردستان والعراق، من خلالها يکمننا أن ننتج ونحقق في النهاية مجالات واسعة لحرية الإبداع والتفكير وتكريس الديمقراطية والحكم الرشيد و نکون أيضا قادرين علی رفع الحجر عن الفكر باسم الدين، ونشر ثقافة الحوار والاختلاف والمسؤولية والمحاسبة وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية وترسيخ ثقافة الاحترام والتسامح والنزاهة والكفاءة وتداول السلطة وتقوية عوامل التماسك الاجتماعي بين مختلف الفئات المجتمعية في الإقلیم والعراق.
الدکتور سامان سوراني


12
إقلیم كوردستان وآفة الشعبوية في زمن الأزمات
ما نلاحظه منذ سنوات على الساحة السياسية في الإقلیم هو تفشي ظاهرة الشعبوية، التي من الممکن إن تعمق وإتسع مدی إنتشارها وإزدات تفاعلها في الساحة السياسية أن تؤثر بشکل سلبي علی مستقبل الکيان السياسي في الإقلیم.
لکن بسبب هشاشتها وعدم إمتلاکها لأسس إيدیولوجية متینة أو ثقل عقائدي أو عقلاني قوي لاتستطیع آفة الـ "Populism" أن تصيغ لنفسها كأية أيديولوجيا أخرى مساراً سياسياً واضحاً أو تضع حلول أو مبادرات في عالم السياسة والمجتمع والاقتصاد وجوانب النشاطات البشرية الأخرى.
إن رؤیتها السياسية والمجتمعية غير المترابطة تقتصر علی نطاق محدود جداً من القضايا التي تتبناها على الأصعدة المختلفة، لذا نراها عندما توضع علی محك الواقع متانثرة المفاهيم أو غیر متناسقة و وأحياناً متناقضة، تسعی دوماً الی خلق حالة من فصام أو تناشز في المجتمع بهدف الفصل بين قطبين، إحدهما متناغم معها وآخر معادٍ لها.
الشعبوييون ينظرون الی قضايا الوطن و مصير الشعب بمنظار نسبي ضيق وفق معادلة "الأبيض والأسود" والعداء السافر مع الآخر المختلف معهم فكراً و عملاً.
ولعدم قدرتهم علی التصالح في التعامل السياسي يقومون بإثارة مشاعر الشعب وجلب إنتباهه، وهم يمیلون الی المبالغة والتوسع في إستخدام اللغة الدارجة والبسيطة، تلك التي يتقبلها ويفهمها ويتأثر بها رجل الشارع البسيط وبالشكل الذي يثير مشاعر الخوف والكره والغضب ضد الآخر المختلف، الذي يقف ضد مشروعهم و يسعی الی إبطال سحرهم المؤقت.
 
خطابهم المسموع والمقروء علی قنواتهم التلفزيونية الرخيصة أو علی صفحاتهم الألکترونية المستغلة للإنترنت والتقنيات المتعلقة به بهدف التشهير بالرموز القومية بطريقة متعمدة ومتكررة وعدائية أو علی الشبکات الإجتماعیة البعيد عن أسس التغيير أو الإصلاح ذات أطر متینة يدور في فلك التغيير من أجل التغيير، غير مهتم بالعواقب المحتملة لهذا التغيير.
أصحاب هذا المشروع الطُفيلي، المأجورين عادةً من قبل جهات داخلية وخارجية معادية لقضية شعب كوردستان ونموذجه السياسي الناجح في المنطقة، لاينظر بارتياح إلى المؤسسات الرسمية، لديه سيطرة طاغية علی أتباعه، يتعامل بشكل أبوي صارم و موجه له، يطرح نفسه علی أنه الحامي والراعي لمصالح تلك الفئة التي يقودە أو التي يدّعي تمثیله، حیث يخلق لنفسه صورة علی أنه شخصية من عامة الشعب، قولاً وفعلاً.
لو أمعنا النظر الی الهیاکل التنظيمية لأحزاب وتنظيمات و حراکات الشعبوية، نراها بسيطة، فهي عادة تقاد بشكل مرکزي من قبل صاحب المشروع أو الحلقة القريبة والمحيطة به، حیث تتخذ القرارات فیها بشکل مائل الی التفرد.
وعند تسلم الأحزاب والحراکات الشعبوية مواقع مسؤولية اتخاذ قرارات نراها تواجه الحرج، لأنها لاتستطيع أن تحقق من خلال تلك المواقع مطالب جماهيرها، لذا تسعی بعد صياغة شعارات تضخم مخاوف الشارع في مواقفها و تصريحاتها اليومية الی توجيه أسباب فشلها إلى جهات جديدة تتصارع معها.
إقلیم کوردستان، الساعي الی بناء کيان دولة، الذي يعيش بسبب الأزمة الإقتصادية و الصحية في ظروف لا يمكن ان نجد مثيلاً لها في اي بقعة من العالم،  بحاجة الی التركيز على وحدة الصف والتکاتف المجتمعي و السعي في مکافحة الفوضى السياسية ومشاريع القوی السلبية، التي تعمل علی تغذية مشاعر الخوف والارتياب بين المجتمع وداخله، ليجعلنا أشد انقساماً ويزيد من مستوى الخطاب السام والسلوكيات السامّة التي أفسدت المجتمع الكوردستاني وشلت جزئياً قدرتە الجماعية على التصرف بكفاءة. علینا الاعتماد على الذات في توفير ما يمكن ان نهيء به الارضية المناسبة لتحقيق الاماني و الاهداف السامية وتعديل المسار والإستعانة ببوصلة الواقع و رفع العراقيل أمام تحقيق تلك الأهداف و الأماني المقدسة، الذي قدم شحب كوردستان الكثير من اجلها.
نعم الجماعات الشعبوية تعمل علی نخر الکیان السياسي للإقلیم وهي تندفع بتلهف نحو ملذات السلطة في حال إذا توفرت لها فرصة،  لکنها لاتقدر. والوقت وحده هو ما سيقنع من يؤيدون حراکهم حالياً بفشل مقترحاتهم ويکشف عن خواء جعبتهم وسقوط کل شعاراتهم.
الدکتور سامان سوراني


13
أسس الاستقرار في إقليم كوردستان
ستظل سنة 2020 بارزة في التاريخ المعاصر لأن النصف الأول منها شهدت إنتشار الفيروس التاجي (كورونا) في العالم بسرعة فائقة وکشفت خلال مدة وجيزة تداعياته الصحية، والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، التي باغت الحکومات في غير مکان و هددت حياة ومعيشة مئات الملايين من البشر، هکذا تنذرخطرهذه الجائحة بأزمة اقتصادية عالمية قد تستمر لسنوات و بتحديات قد تواجهنا بشكل مضاعف، بجانب صراعات وخلافات إقليمية سياسية وإضطرابات تعم المنطقة بسبب التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
بقراراتها الصائبة وإجراءاتها الصارمة تمکنت حکومة إقليم كوردستان في النصف الأول من سنة 2020 أن تحمي مواطنيها وتعزز الثقة بینها وبين المواطن وتحد من إنعکاسات هذه الجائحة الخطيرة، لأنها تعلم بأن ضمان أمن الفرد يعني ضمان أمن باقي المجموعات. من جانب آخر تعتبر هذه الکارثة العالمية بمثابة فرصة للحکومة في العمل الجاد علی برنامجه الإصلاحي و تعزيز الحوکمة الرشيدة وعدم الارتماء في أحضان السلطوية والإستثمار في الإنسان والصحة والتعليم، بأعتبار هذه القطاعات من أساسيات تعزيز صمود المجتمع ککل وإستمراریته.
نعم الجائحة العالمية کشفت لنا مرة أخری بأن بناء مجتمعات قادرة على المواجهة والصمود والتكيف والتواصل الشفاف والتعامل مع المخاطر على نحو متكامل وشامل وفعّال والإستثمار في البحث العلمي والتطوير في الجوانب التعليمية والصحية والعسکرية ماهي إلا ضرورة وأولوية لحاضرنا ومستقبلنا ، خاصة في ظل كل هذه‌ التطورات الصناعية والتكنولوجية والمعلوماتية التي يشهده العالم.
إن الكثير من الإشکاليات الإقتصادية التي يواجهه الإقليم اليوم ولها انعكاساتها على كل الصعد الاجتماعية والسياسية هي من مخلفات الحکومات الدکتاتورية، التي کانت متسلطة علی أرض وشعب كوردستان والتي طبقت سياسة الأرض المحروقة ضد الشعب الكوردستاني و سدّت أمامها معظم الطرق المؤدية الی الإحتمالات المتفائلة بغدٍ كوردستاني أفضل والتي دمّرت الكثير من إمکانيات هذا شعب المناضل لمنعه و حرمانه من وجوده الشرعي وتحقيق حریته و کرامته الإنسانية ومواكبة التقدم والرفاهية. 
 لكننا اليوم وبعد تحقيق جزء بسيط من مطالب هذا الشعب في إطار النظام الفدرالي المطبق في عراق مابعد الدکتاتورية نری ثمار جهود الحکومة الكوردستانية في تفعيل الوظيفة التطويرية وإقامة ديمقراطية حقيقية قائمة على الحوار والتعددية والاحترام، والعمل على القضاء على التطرف والعنف بصفة آلية، کما نری الجهود المبذولة في سبيل الحفاظ علی الأمن الإنساني بمفهومه العام كالعدالة الاجتماعية والأمن الغذائي والأمن الثقافي وهي التي تعتبر في الواقع اللبنات الأساسية التي من شأنها أن تضمن التماسك الإجتماعي والأمن السياسي الذي يطمح إليه شعب كوردستان.
إن التنمية مرتبطة بالتنظيم البنيوي للمجتمع لا بالمساعدات الإقتصادية وأن الإستقرار النابع من التماسك الإجتماعي هو صمام الأمان للمجتمع الكوردستاني، الذي يمنحه فرصة للنمو والتطور والقدرة على مواجهة مختلف التحديات الداخلية منها والخارجية وتحقيق التوازن واستيعاب الأوضاع الاجتماعية الجديدة بشکل سلمي.
ختاماً: إذا أردنا الحفاظ علی هذا الإستقرار القائم في الإقلیم وذلك في إطار العراق الفدرالي، حتی بعد تجديد الإتفاقية الأمنية العراقية الأمريكية أواسط حزيران 2020، علینا أن نرکز علی تبني نموذج الدولة الإنمائية التي تتحمل مسؤوليتها في النهوض بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، في ظل تحقيق المواطنة الكاملة والتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات وتهدمها.
الدکتور سامان سوراني


14
إقليم كوردستان وخطاب المعارضة السلبية في زمن الكورونا
بما أن الأحزاب السياسية ناتج من نتائج الديمقراطية ومبدأ سيادة الشعب وأن وجودها في النظم الديمقراطية بمثابة رکيزة أساسية للحیاة السياسیة وضرورة مُلحة، إلا أن الدساتير والقوانين المعمول بها في تلك الأنظمة تفرض علی أحزاب السلطة و أحزاب المعارضة الإيجابية رزمة من الشروط والإلتزامات، منها إحترام قواعد النظام الديمقراطي وإحترام الرأي الآخر وحقوق الإنسان والعمل على دعم وإدامة دولة القانون والمؤسسات الدستورية و...
في النظام الديمقراطي تتمتع الأحزاب السياسية المؤمنة ببناء الدولة بالحرية التامة في ممارسة نشاطاتها السياسية، بما في ذلك نشاط مراقبة عمل الحكومة من خلال ممثليها في البرلمان والهيئات المنتخبة، حيث تقوم بتوجيه النقد لها وإظهار أخطائها للرأي العام، بعيداً عن اللجوء إلى العنف اللفظي والفكري بكل أشكاله.
في المقابل هناك  معارضة سلبية تسعی الی خطاب الإثارة وتصيّد العثرات، لا تمارس تحمل عبء وظيفتها کمعارضة بنزاهة وإخلاص للصالح العام، بل تعمل للصالح الحزبي أو لصالح مؤسسیها، وهم ينفذون في الغالب أجنداتهم الضيقة و أجندات خارجية تملأ علیهم.
المعروف في النظم الديمقراطية أيضاً هو أن الأحزاب السياسية تنظر الی السلطة کوسیلة لتنفيد برنامجها المخطط لها مسبقاً، لا لإمتلاکها. فالسلطة کما یراه المفکر الفرنسي Claude Lefort “غير قابلة للامتلاك”، ومجالها فارغ “غير قابل للاستحواذ”.
هنا لا نرید أن نقيم دور المعارضة السياسية في بناء الديمقراطية في إقلیم كوردستان، لأنها لم تتكون ولم تنمو وتبرز في جو سليم وعاد، بل سنحاول أن نقدم رأياً في أداء المعارضة السلبية في فترة الأزمات المالية، خاصة بعد إنتشار وباء كورونا. إن هدف هذه الأحزاب والمجاميع السلبية هو خلق نوع من الفوضی وعدم الثقة لدی المواطن العادي بالحکومة القائمة و نفي أداءها وإن كان ناجحاً أو مميزاً.
هذه الأحزاب المولودة من خلال ولادة قيصرية فشلت في السابق في تقديم برنامج واضح و محدد، وهي غير غير قادرة علی التجديد والتغيير السياسيين والتعبئة البناءة وبلورة مواقف سياسية حول الشأن العام و المشاركة في تسييرها بشکل تخدم رصيدها، لتتحول أعمالها الی قوة دفع واقتراح وتغيير إيجابي في المجتمع.
إقلیم کوردستان، الذي يمر بمرحلة مابعد الحرب علی داعش و يعيش الآن فترة التصدي  و مکافحة إنتشار فيروس كورونا المستجد، بحاجة الی تجند أوسع لکل طاقات الشعب الكوردستاني. نحن نری بأن المعارضة السياسية الإيجابية الواعية والبناءة يمكنها المساهمة وبقوة في إعادة "تشكيل" المجتمع وتقديم الاقتراحات البناءة وخلق فضاء فكري تناقش في إطاره كل القضايا المطروحة على الساحة الوطنية. فالنقاش و الاختلاف في القضايا الأساسية يجب أن يتم في إطار سلمي متزن مع احترام كل الاختلافات التي يسمح لها بالتعبير عن رأيها في إطار الفضاء القانوني.
مانشاهده في هذه المرحلة الحساسة، التي تعیشها المنطقة بشکل عام و الإقلیم بشكل خاص أن المعارضة السلبية، التي تبني شرعيتها من عمق التناقضات والتوترات الاجتماعية والسياسية، تعمل بکل ما تحملها جعبتها الملوثة من نوایا خبيثة ضد أية محاولة لصيانة الوحدة الوطنية أو تعريف للمواطنين بالرموز الوطنية الإيجابية أو إستغلال لحماس الشباب ورغبته في بناء وطنه لدعم كل ما من شأنه أن يوثق عرى اللحمة الوطنية وإيجاد مخرج من التناقضات الاجتماعية العميقة التي تخلق بؤر الخلافات السياسية الحادة.
إنها لاتريد أن تعرف بأن أمام المعارضة السياسية مسؤولية تاريخية في إعادة بناء المجتمع على أسس السلام  والديمقراطية والتسامح وتقبل الآخر وحقه في الاختلاف في إطار ما يسمح به القانون والقيام بغرس مجموعة من القيم والسلوكيات الديمقراطية في وجدان الجيل الشبابي و المساهمة في تنمية البلاد من خلال البحث العلمي وتقديم الاقتراحات البناءة، لذلك نراها تشجع الناس بسیاساتها التحريضية الديماغوجية و أحياناً العدائیة والعدمية وتحفزهم في أكثر من مکان الی القيام بالمظاهرات المناوئة للقرارات والقوانين الحکومية التي تم إطلاقها بهدف حماية المواطنين من مخاطر إنتشار جائحة فيروس كورونا وذلك لعرقلة المجابهة و تأزيم الأوضاع.
المعارضة السلبية لاتبني الوطن و تريد أن تمارس الدور الرقابي على أعمال الحكومة ومراجعة الأغلبية في بعض الاقتراحات التي تتقدم بها، ولا هي مستعدة لتقديم البدائل التي تستطيع أن تحل محل اقتراحات الحكومة لتكون تحت نظر الناخبين في الانتخابات القادمة ولاتساعد الحکومة بتقدیمها الحلول لعلاج مشكلات واشكاليات الإقلیم لدفع تيار التقدم والرخاء والاستقرار لكل عناصر الدولة. فالهدف من المعارضة هو صون الحياة السياسية من الإضطراب و مدّها بأسباب الإستقرار، لأن وجودها يعني قوة توازن ضرورية في الحيز السياسي أو المجال العمومي، لا أن تصبح عبء أو مصدر إزعاج لإستقرار السلطة.
وختاماً يقال: إن فاقد الشيء لا يعطيه وأن الحزب المطعون في ديمقراطيته الداخلية لا تملك أن تقدم للمجتمع بديلاً ولا مشروعاً ديمقراطياً. إذن البون شاسع بين المعارضة البناءة والمعارضة الهدامة غير المسؤولة.
الدکتور سامان سوراني

15
ما المطلوب کوردستانیاً من حکومة الكاظمي؟
بعد إستهداف القوات الأمريكية النظام السياسي الدکتاتوري في العراق عام 2003 وحل الجیش والأجهزة الأمنیة التابعة له أنهارت الدولة العراقیة بالکامل.
لقد استفادت الولايات المتحدة الأمریكية من المناخ الذي خلّفته أحداث 11 ايلول داخل الولايات المتحدة وخارجها لكي تنفذ سیاستها الهجومیة التدخلية من أجل إحلال نظام حلیف للولایات المتحدة في بغداد یقوم بتلبیة مطالب واشنطن بغیة ترتیب أوضاع المنطقة بشکل إجمالي. إستخدمت الولایات المتحدة هذا الأسلوب الجديد بعد تراجعها عن سياسات الاحتواء والردع، التي كانت تمارسها منذ الحرب الباردة وامتداداً الى ما بعد حرب الخليج الثانية عام 1991.
من المنظور الكوردستاني کان سقوط النظام  الشمولي القمعي ذو النزعة الدموية، الذي کان متسلطاً لأكثر من ثلاثة عقود  ونیف علی رقاب الشعب الكوردي والذي أرهق وأتعب المنطقة برمتها يعني تحرير العراق و إعتبارە الفرصة الوحيدة للخلاص من الحروب  والإبادة الجماعية وعسكرة المجتمع والعوز والحصار والهجرة وبداية تغييرات كبيرة على مستوى البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدخول في مرحلة التحول الديمقراطي.
القيادة الكوردستانية عملت علی إيجاد قواسم جامعة لذا أنتخبت الشراكة الإختیاریة مع النخبة السياسية في العراق الجديد وساهمت في صياغة الدستور ذلك إیماناً منها بالحرية السياسية ولغة الاعتراف والحوار والتوسط والتعدد والمباحثة والشراكة المتبادلة والتعددية السياسية والممارسة الديمقراطية لضمان الإستقرار والتنمیة والتعایش السلمي، لکن قيادة شعب كوردستان و بسبب خرق بغداد للكثير من المواد الدستورية أصيبت بالإحباط، منها التخلي عن مبدأ الشراکة الحقيقية وعدم تطبيق المادة 140 من الدستور بإنتهاء عام 2007 والبدء بقطع میزانیة الإقلیم  والتحول نحو دولة دينية طائفية.
اليوم وبعد مرور عشرة أیام علی أداء مصطفی الكاظمي اليمين الدستورية في البرلمان العراقي ومنح مجلس النواب العراقي الثقة لحكومته ورغم تمتعه بالترحیب من قبل أمریکا وروسیا وأوروبا والدول الأقلیمیة لایمکن أن ننتظر من شخصه تحويل العراق الی محطة تفاؤلية، لأن السياسات الأقلیمية والدولية تجاه العراق مازالت کما هي و أن أمریکا و أیران لم يصلا الی تسوية وحسم النزاع القائم بینهما، وهو ما يجعل ساحة العراق هشة ومفتوحة علی المآسي واللاأستقرار.
من المرجح أن تتمتع حکومته بفترة قصيرة مدتها عام واحد أو أكثر، لکن السؤال هو، هل يمکن لهذه الحکومة في تلك الفترة المحدودة توفير مساحة للانتخابات البرلمانية المبكرة، بالإضافة إلی حسم موضوع قانون الموازنة لعام 2020 وإجتیاز الأزمة الاقتصادية و تنفيذ مطالب المتظاهرين لتحسين ظروفهم المعیشية والنجاح أمام تحدي فيروس کورونا؟
نحن نعلم بأن الرهانات في العراق كبيرة ونتوقع بقاء تحديات مثل النفوذ الأقليمي وسلطة المیلیشیات، التي تنفذ أجندات خارجية وتقوم على التهديد و القتل والتخويف، لکننا نأمل بأن تعمل الحکومة المؤقتة علی إيقاف الخطوات السلبية، التي تهدف الی إنهاء شراکة شعب كوردستان في إدارة دولة العراق الفدرالي.
وأن أي تفرد في إتخاذ القرارات والسير نحو بناء العراق السياسي بعقليات و نماذج و مفردات سائدة وقديمة أو بسرديات كبری وأساطير مذهبية بالية، سوف يؤدي الی دفع المجتمع العراقي لقاءها أثماناً باهضة، دماءاً و دمارا.
السيد مصطفی الكاظمي ، الذي عمل سابقاً کمدير تنفيذي لمؤسسة الذاكرة العراقية، وهي منظمة تأسست لغرض توثيق جرائم النظام السابق، لديه رصيد يصل إلى 15 عاما في حل النزاعات، يعلم جيداً بأن شعب كوردستان سوف يستمر في نضاله من أجل حقوقه المشروعة ولايبقی مکتوف اليدين، لأنە لا يريد أن يصب نضال آبائه التاريخي في بحار العدم.
نؤکد هنا بأن إسراع الحکومة المؤقتة في إنهاء الملفات العالقة بين بغداد و أربیل منذ سنوات وتطبيق الدستور والقانون والاتفاقات المبرمة بين الطرفين أمر ضروري. أما تأجیلها فسوف يضر الطرفين، لأن الاستقرار لايتحقق إلا بحلول دستورية وقانونية صحيحة وممكنة التطبيق.
وختاماً: "إن الإلتزام بالدستور یحفظ للعراق إتحاده الحر شعباً وأرضاً وسيادة".
الدکتور سامان سوراني


16
إقليم كوردستان وإستراتيجية التنمية الإقتصادية
مع إنتشار فيروس كورونا التاجي الأصعب في تاريخ البشرية المعاصر تطرح الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية إعادة الاعتبار لمسؤولية ودور القطاع العام في النشاط الاقتصادي لاستعادة النهوض وتجاوز الركود الذي يشهده العالم ونحن جزء منه.
في ظل کل هذه الظروف الإستثنائیة لم تکن حکومة إقلیم كوردستان قادرة علی إخراج الإقتصاد الوطني في الإقلیم من إقتصاد قائم علی النفط والغاز الی إقتصاد نشط في القطاعات غير النفطية أو عدم الإرتكاز على النفط كمصدر وحيد للتنمية.
عندما استشرفت المتغيرات فى الخارطة الاقتصادية الدولية بعد هبوط أسعار النفط فى عام 2014 إلى مستويات غير مسبوقة وإنشغل الإقلیم في الحرب ضد داعش و بعد أن مرّ بمرحلة التهديد والحصار والعقاب الجماعي الممارس من قبل الحکومة المرکزية في بغداد و الضغوطات السياسية والإقتصادية من قبل دول الجوار بسبب الاستفتاء التاريخي حول استقلال إقليم كوردستان کان علی حکومة الإقلیم أن تقوم بتغيير سياساتها وتجديد أهدافها، وتعمل بجدية على وضع استيراتيجيات تنقل الإقلیم إلى مرحلة ما بعد النفط، بالاعتماد على تحسين الإنتاج وتعزيز القدرات البشرية والمالية والتكنولوجية، والاعتماد على العلم والمعرفة والابتكار، وتحول اقتصادياته من الاعتماد على سلعة واحدة، إلى التنوع، باعتبار ذلك خيارًا استراتيجياً وطريقاً إجبارياً، بما يجعلها بعيدة عن أية أزمات قد تنتج عن انهيار أسعار البترول أو ظهور بدائل أخرى للطاقة فى العالم، فالنفط سلعة قابلة للنضوب، فضلاً عن تقلب أسعاره والأخطار المتنوعة التى تهدد عمليات إنتاجه وتصديره.
لقد أعتمد الإقلیم بشكل أساسي علی موارد النفط الخام كإقتصاد إستخراجي ريعي وإنتهج سياسة الباب المفتوح أمام إستيراد بضائع إستهلاکية ذات نوعية هابطة وسلع زراعية تؤثر بشكل سلبي علی ضرورة التصنيع وتحديث الزراعة من أجل تنمية الدخل القومي.
في السابق أنتجت سياسة التدخل الحزبي في شؤون توظيف المنتسبين في القطاع العام عدم تطبيق فلسفة "الشخص المناسب في المكان المناسب". أما في السنوات الماضية فلم نری سعي جاد من قبل القطاع الخاص نحو الإستثمار بشکل كبير في القطاعين الصناعي والزراعي وفي الخدمات الإنتاجية والدراسات الفنية والمهنية والبحث العلمي، رغم وضع حکومة الإقليم شکلياً الإهتمام بالصناعة والزراعة والسياحة من أولويات أجندة عملها، کإستراتيجية تنمية غير دقيقة الی حد ما.
أما فيما يخص البطالة المقنعة المكشوفة، المتراوح عددها تخمينياً بين %50 الی %60، فإن إقليم كوردستان لم يسعی في السابق حل هذه المعضلة الإقتصادية بوضع حلول وبرامج إقتصادية تقلل من بروز هذه الظاهرة، التي تستنزف الدخل القومي وخزينة الإقليم بشكل واضح.
إن تبني سياسة التقشف المالي بهدف معالجة العجز في الموازنة العامة وتخفيض معدلات التضخم أمر ضروري، وهي ترتبط بشكل مباشر بتخفيض النفقات العامة ذات الطابع الاجتماعي، مثل نفقات الدعم للسلع التموينية وتعيين الخريجين والتعليم والصحة ومحاولة تحصيل رسوم عن هذه الخدمات وهذه السياسة يجب أن يتضمن رفع أسعار خدمات المرافق العامة كالمياه والكهرباء وذلك من أجل زيادة الإيرادات العامة بالرغم من أن الخطوة الأخير سوف تضرّ بفئات واسعة من الشعب الكوردستاني، لأنه يقلل من الإنفاق الإستثماري والإستهلاکي  ويؤدي بالنتيجة الی مزيد من البطالة ويقلل من حصة الفئات ذات الدخل المحدود من الحاجات الأساسية.
لابد في هذه الظروف الإقتصادية الصعبة من تقليص دور القطاع العام أيضاً وبيع بعض أجزائه الی القطاع الخاص، لان عملية الخصخصة هي جزء أصيل من برامج الإصلاح الاقتصادي، فهي تمثل تغييراً جذرياً للسياسات الاقتصادية من اجل المشاركة في تعبئة الموارد المحلية اللازمة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
من الضروري السير نحو سياسة زيادة الطاقة الإنتاجية في الأمد الطويل في القطاع الخاص وإضعاف العوامل المعيقة لنشاط هذا القطاع وتشجيع الإستثمار الأجنبي الخاص والدعاية لە من خلال المزايا والإعفاءات والتيسيرات الضريبية والجمركية بالتزامن مع تطوير السياسات الضريبية وتوسيع الوعاء الضريبي، والحد من الإعفاءات الضريبية.
علی حکومة الإقليم السعي الجاد لتخفيف الاعباء التي تتحملها ميزانية حکومة الإقليم نتيجة استمرار دعمها للمشاريع والشركات التي اثبتت التجربة عدم جدواها اقتصادياً، وتوجيه الإنفاق العام نحو دعم البنى الاساسية والمنشآت الاقتصادية ذات الاهمية الاستراتيجية.
عليها أيضاً تمويل برامج العمل العامة لخلق فرص عمل للشباب وتعزيز المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتقديم الدعم المالي لها وتدريب وتأهيل الشباب للعمل في القطاع الخاص.
لابد للإصلاح أن يشمل القطاع المالي والمصرفي بهدف إيجاد انظمة مالية ومصرفية سليمة وتنافسية من اجل تعزيز استقرار الاقتصاد الكلي والاسراع في وتيرة النمو الاقتصادي وتمكين الاقتصاد من التكيف مع الصدمات الخارجية.
لابد من تقدير العواقب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية من جراء الإصلاحات الإقتصادية بصورة دقيقة لأن الوضع العام في الإقليم مازال مثقل باعباء ومخاطر سياسية وأمنية واقتصادية.
وختاماً علی حکومة الإقليم أن تتعامل وفق إستراتيجية مدروسة وذکية مع ثروة كوردستان لإستخدامها كأداة فاعلة من أجل توفير حياة أفضل لكل المواطنين الکوردستانيين، والعمل على تطوير مستدام ومستمر للاقتصاد من خلال 3 مبادئ أساسية هى الاستدامة والعدالة والتنافسية والتأکيد علی أهمية التوزيع المتوازن للتنمية على المحافظات بما يتناسب مع حجم واحتياجات كل محافظة، خاصة بعد تطبيق مشروع اللامرکزية الإدرایة، فالثروة كما يقال تأتي كالسلحفاة وتذهب كالغزال.
الدکتور سامان سوراني

17
إقليم كوردستان وفلسفة التكنولوجيا
ما تعلمناه من التاریخ هو أن الحضارة نتاج تفاعل الإنسان مع الطبيعة والمجتمع وأن التکنلوجیا هي جزء من دینامیکیة الإنسان مع الطبیعة، تقدم عناصر صنع التاریخ، لکن الإنسان یبقی دوماً الکائن الذي يصنع الحریة.
التکنلوجیا کنشاط لایوجد بمعزل عن السياسة والاقتصاد والتربية والتعليم والإعلام، وتحقيق التقدم التكنولوجي للمجتمع الکوردستاني لا يتم إلا من خلال تقدمه الحضاري الشامل.
إن حب الشعب الكوردستاني لقياداتها السياسية الفاعلة يزداد بإزدياد قدرة القيادات علی تحمل المسؤوليات وإشراك الشعب معها في إدارة الأزمات.
فحکومة إقليم كوردستان تستجیب للتغيرات والتقدم الحاصل في مجال تكنولوجيا المعلومات والإتصالات وتأخذ بالتخطيط في هذا المجال، مستخدماً التكنولوجيا الذكية، کما شاهدناه في محاربة إنتشار فایروس کورونا وتعزيز الأمن الصحي وتوفير المعلومات الضرورية بخصوص التطورات والخدمات المقدمة من قبلها.
صحیح أن فلسفة التكنولوجيا تأخرت كثيراً  وأدبياتها ظهرت في منتصف القرن العشرين، أما أهمیتها کقوة لایمکن إغفالها أو التغاظی عنها، تحتل مکان الصدارة وهي بدأت مع قيام الحرب العالمية الثانية. 
الفیلسوف الألماني إرنست کاب نشر عام 1877 کتابە المعروف "أسس فلسفة التقنية" (بالألماني  Grundlinien einer Philosophie der Technik) أستخدم لأول مرة عبارة فلسفة التکنلوجیا في البيئة والمجتمع والوجود الإنساني ، وهي حقل فرعي من فروع الفلسفة الذي يدرس طبیعة التکنلوجیا وتأثيرها. ومنذ ذلك الحين فوض الغرب مستقبله للتقنية الی حین وصول آلالات الرقمية. وخلال عقود معدودة إستطاعت الثورة الرقمیة إعادة هیکلة کل مفاصل النظام التکنلوجي المعاصر.
ولقد أصبحت منظومة وجودنا الإنساني ومستقبلنا مرهونة بالروبوتات و النانوتکنلوجي والذكاء الإصطناعي وعلی فلاسفة التکنلوجیا القیام بمهمة مناقشة ما إذا کانت التکنلوجیات ضارة من الناحیة السياسية والثقافية أم هي سمة حیاة معاصرة نافعة ومهام  أخری تحلیلیة و توجیهیة.
علی حکومة إقلیم کوردستان إدراج فلسفة التکنلوجیا في برامج و نشاط الدولة والسعي في تغيير القيم وأنماط السلوك التقليدية و الإستمرار في دفع النخبة الشابة المسلحة بالمعرفة التکنلوجیة، أصحاب مقومات التحديث، للقیام بإعادة الهياکل المؤسسية الی مؤسسات فعالة في الدولة تساهم في علمنة الحياة وعقلانية البنی في السلطة و ترسيخ ثقافة الابتكار في بيئة العمل المؤسسي، فبقدر مايعيش الناس تحت رعاية العقل، کما يراه الفيلسوف الهولندي باروخ سبینوزا (1632-1677)، فإنهم يکونون فاعلين، يقومون بالضرورة بما هو خير بالنسبة للطبيعة الإنسانية.
الدکتور سامان سوراني


18
شعب كوردستان لاینسی عمليات الأنفال وجرائم الإبادة الجماعية
في ذکری مرور ٣٢ عام علی مسالخ الأنفال والمجازر الجماعية التي نفذها نظام البعث بحق الكوردستانيين خلال الفترة من 23 شباط 1988 الی السادس من أيلول نفس العام والتي تعّرف بواحدة من أكثر صفحات القمع الحكومي وحشيةً وعنفاً في تاريخ العراق الحديث، لابد القول بأن تلك الممارسات لم تکن إلا نتیجة التعامل الضدي والسلبي مع الآخر المختلف من قبل النظام الشوفيني الظالم، الذي  تمترس وراء الهويات وعسكرة المجتمعات ومارس التهويل الايديولوجي بأعتبار الآخر المختلف "جيب عميل" أو مصدر "المصائب والشرور".
نعم، نظام صدام حسين المقبور، الذي حرق البلاد والعباد تحت شعار "أنا أو لا أحد" و مارس العنف المنظّم و قام بسفك الدماء كأي نموذج ديكتاتوري آخر، بدأ بالحروب ثم بعمليات الإبادة الجماعية ضد شعب كوردستان وقام بتدمير البنية الإقتصادية والنسق الإيكولوجي في کوردستان وترك بإرتکابە لأكثر من ثلاثة عقود جرائم شنیعة ومرعبة جرحاً عميقاً في جسد المجتمع الکوردستاني وذاکرته اليقظة، هذا الجرح وللأسف لم يندمل الی الآن.
لکن شعب كوردستان يستمر من خلال قنوات مختلفة في مساعیه للتعريف بجريمة الأنفال كقضية دولية. أما قیادته الكوردستانية المناضلة فيدعوا المجتمع الدولي للإقرار بأن تلك العملية جريمة إبادة عرقيّة.
وفي الوقت ذاته يطالب هذه القيادة حکومة بغداد تحمّل مسؤولية تعويض ضحایا الأنفال والإبادة الجماعية، بأعتبار تحسين الأوضاع المعيشية لذوي الشهداء وضحاياها مسؤولية دستورية وأخلاقية وتاريخية.
الیوم وبعد كل هذه التجارب المريرة مع حكومة بغداد لايعقل أن نستغفل بالشعارات والوعود الكاذبة ولايستطیع صانعي القرار في بغداد أن يدعوا بالهشاشة الفكرية والحمل المفهومي الخادع ما يسمی بالشراكة الوطنية مع شعب إقليم كوردستان أو أن يطلبوا دعمه للإستمرار في السياسات الخاطئة.
المنطق يقول، التعامل مع الإقليم وقضایاه بعقل إستعلائي و عدم بلورة قيم جديدة للشراكة تعيد إنتاج المآزق و صناعة الكوراث وتدعم ثقافة المقابر الجماعية.
فالشراكة، کما هو معلوم، تلزم أصحاب القرار في بغداد أن يبدوا إستعدادهم "ولو بشكل نظري" الإهتمام بضاحايا الأنفال وإبداء النية الصادقة للنطق بكلمة "الإعتذار" عن ما تعرض له هذا الشعب المناضل في سبيل حقوقه المشروعة من المآسي.
المجتمعات العراقية اليوم بأشد الحاجة الی ساسة يعملون علی إنتاج ثقافة جديدة منفتحة مدنية وسلمية مبنية علی عقلية المداولة والشراكة الحقيقية لا علی الدعوة والترويج لعقلية الضد ومنطق الإقصاء.
لقد ولیّ زمن سماح الشعب الكوردستاني للحكومات في العراق ببسط الهيمنة، بعد لبس جلباب ديني أو قوموي أو دیمقراطي أو علماني والتعمد إلی تفتيت ديموغرافيته علی أساس أقوام وطوائف وقبائل وإستغلال نزاعاتها وتوظيف صراعاتها وإستثمار نعراتها بهدف إبقاءها خاضعة سياسياً وعليلة إجتماعياً للترويض بإرادتها ونهب ثرواتها وتوزيع أسلابها وتعطيل ديناميات الارتقاء الحضاري عندها وكبح تطلعات التواصل الإنساني لديها.
من يفكر علی هذا النحو لايغير واقعاً ولايصنع وحدة بين المكونات المختلفة في العراق، بل ترتطم أفكاره المثالية و نظراته التبسيطية علی أرض الواقع العنيد، لكي ترتد علیه، كما ترتد الكرة عندما تصطدم بأرض صلبة ملساء. والمآل هو إنتاج واقع أسوأ و أكثر كارثة مما أنتجه نظام البعث و علّامة التفرّد و الدكتاتورية، صدام حسين.
نحن في کوردستان نفتخر  بعوائل الضحايا لأنهم لم يرفعوا شعار الثأر لضحاياهم، بل طالبوا الجهات المؤمنة بالدستور في الحکومة العراقية بتنفيذ قرارات المحاكم العراقية ومجلس النواب بتعويض ضحايا الانفال والابادة الجماعية ومحاكمة کل من شارك في هذه العملية الإجرامية وكل من مهّد الطريق لتنفيذها بشكل عادل.
وختاماً نکرر و نقول: "إذا ظل ثقافة و سياسة تدمير الحس والوجود الكوردستاني قائمة في العراق الفدرالي، فسيكون التعبير عن الديمقراطية و حقوق الإنسان والشراكة والإعتراف بالآخر المختلف في هذا البلد ضرباً من ملاعبة الأفاعي السامة".
الدکتور سامان سوراني

19
فيروس كورونا المستجد وفرصة إقليم كوردستان الی المستقبل

بالرغم من أن الأزمات العالمية هي بمثابة محرکات ضاغطة تحمل في طیاتها فرصاً للتغيير ، تساعدنا علی الإنتقال الی عالم جديد، نشعر اليوم بأن فیروس کورونا المستجد تغير ثقافتنا السیاسية، بعد أن تخطت حصیلة الإصابات المعلنة من قبل الجهات الرسمية في العالم عتبة المليون.
فمن يری هذا العالم داخل الکل الأنطولوجي الكوني يعمل بفکرة التضامن المجتمعي العابر للحدود وینتصر في مواجهة الخطر الداهم. فالمؤمن بفلسفة تضامن الشعوب بإعتبارها درس جوهري لازم للحياة، یهتم بالحوكمة الجيدة ويتعامل بحرفية و مهارة عالية مع أسوأ التهديدات.
إن تعامل حکومة إقلیم كوردستان وإستجابتها الجدية مع فیروس کورونا المستجد، بعد تفشي هذه الجائحة بدایةً في کل من الصين و إیران، وذلك بأستخدامها إستراتیجية فاعلة وتدابير إستباقية لمواجهتها عن طريق قیامها بحملات توعية صحیة وتطبيق تدابير المتابعة والسيطرة المرنة، أثبت هذه الحکومة للمنطقة والعالم ، رغم قلة خبرتها في التعامل مع أزمة تفشي هذا الوباء، أنها قادرة علی قيادة شعب الإقلیم بشکل عصري و یمکنها إنقاذه من هذا التهديد الراهن لإیصاله الی بر الأمان،  حیث أستطاعت خلال فترة زمنیة محددة تهیئة شعب كوردستان، بعد عقد مؤتمرات صحفية يومية والتواصل المستمر وبعد نشرها لمعلومات جاهزة من غرف إعلامية و مراکز لتحلیل بیانات مستمدة من مدن وأقضية و نواحي الإقلیم، للتجاوب بشکل إیجابي مع أسلوب أحتواء تلك الأزمة. لایمکن التقليل من شأن الإنجازات الإيجابية لرئیس حکومة إقلیم کوردستان و طاقمه الوزاري في هذه الفترة الحرجة، رغم إمکانيتهم المالية والتكنولوجية والصحية المحدودة،  لأنهم بجدیتهم وشفافيتهم تمکنوا من تعزيز الأمن الصحي وتمهيد الطريق لتقوية العلاقة بین کافة مکونات المجتمع الكوردستاني و رفع معنوياتهم تجاه مفهوم المواطنة وحب الوطن، وهکذا التزم الأکثرية الساحقة بالعزل الذاتي والحجر الصحي، وهذا مادعی منظمة الصحة العالمية للإشادة بمساعي الإقلیم نموذجه الناجح في التصدي لهذه الأزمة، رغم وجود قيود كثيرة ومعروفة تعيق عمل هذه الحکومة، إذا ما تم مقارنتها بدول إقلیمة أو متقدمة في العالم.
بالتأكيد سوف تشرق شمس عالم مابعد كورونا علی الأفق، و سوف تتبلور ملامح جديدة تعيد النظر في طبيعة العلاقات بين الدول والشعوب وتخلق أشکال جديدة من المنظمات والمؤسسات الدولية یمکن أن تقوي قبضة الحکم الرشيد و سيادة ظروف مستقرة والقدرة على التأقلم والاستجابة للمتغيّرات المختلفة وتعزز مفاهيم الإنسانية والعدالة الإجتماعية وحب الوطن والإنسان والطبيعة.
نتمنی أن تستمر حکومة إقلیم كوردستان القوية بعد خلو الإقلیم من كورونا في ترسيخ ثقافة الابتكار في بيئة العمل المؤسسي وتقوم بإعادة تحريك الاقتصاد الداخلي وتنويع الأنشطة الاقتصادية وتعميم التطبيقات الذكية المميزة بقيادة كفاءات وطنية وفقاً لمعايير الإبداع والابتكار والتميز العالمية واقتصاديات المعرفة وخفض النفقات وزیادة السيولة بيد الناس وخلق الثقافة التي تمكن الحفاظ على صحة وسلامة العاملين والمتعاملين وتأمين رواتب منتسبي الحکومة والحد من غلاء السلع، لتخرج من هذا الإختبار بنجاح وأمتیاز.
وختاماً: "العقل يملي عدم المبالغة في الحديث عن الخطر؛ فلا يزال الفيروس مقلقاً، والشيء العقلاني الواجب القيام به هو الاستجابة بطريقة محسوسة للتهديد. أي نشر فلسفة الاعتدال، مما يعني القيام بالأشياء بالطريقة الصحيحة، لا المبالغة فيها أو التقصير في القيام بها."
الدکتور سامان سوراني

20
الفلسفة الفردانية والدولة الوطنية في زمن الكورونا
يشترط لوجود الفرد شروط ثلاثة ليصبح الإنسان فرد في مجتمع ما، وهي (العضوية - الحياة - التفكير)، ومن دون هذه الشروط لايمکن للإنسان أن يقوم. 
الفرد هو جزء أحادي له صفات خاصة تميزه عن غيره، أما الفردانية فهي سمات خاصة بالفرد لا تتكرر عند غيره كمميزات، منها انتسابه لقومية ما أو أمة محددة.
من جانبه يقول عالم القانون والفيلسوف والمصلح الإجتماعي الإنکليزي جيرمي بنثام، (1748 - 1832) أن "السلوك الصحيح هو السلوك الذي يحدث أكبر سعادة لأكبر عدد ممكن من الناس،" لذا نری بأن عودة الإنسان إلى إنسانيته إنطلاقا من مؤسسة الأسرة مسألة ملحة لكبح جماح الفردانية التي بدأت تزحف نحونا بشكل رهيب.
نحن نوافق الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس نظريتە “الإطار العام ”، عندما يشير الى أن الإطار العام يضمن التفاعل المجتمعي و يساهم في تعزيز التواصل بين الافراد بما يحقق السلام والتفاهم بين المجتمعات  وأن التفاعل المجتمعي هو فعل إتصالي إيجابي مهم في صناعة الفكر الجمعي الذي يخلق الإنسجام والتفاهم في المجتمع، لکن علینا أن لاننسی بأن وسائل التواصل الاجتماعي في عصر الثورة الاتصالية الهائلة تلعب دوراً کبيراً في تعميق الفكر الجمعي وعملية النمذجة والتنميط الجماهيري، لذا نراه من الضرورة بمكان أن يحرص الفرد علی بقاءه هو نفسه و أن لا يتحول الی إنسان آلي غير قادر علی أن يقاد من قبل إرادته، رغم أن غياب مفهوم الفردانية – سياسياً وثقافياً – عن مواطني أي بلد يسهم بصورة رئيسية في تعثر مشروع الحداثة.
أما الإنسان فهو كائن اجتماعي بفطرته، يؤثر ويتأثر بالمحيط. والمواطنة علاقة سياسيّة بين أفراد مجتمع ما و (بين) دولةٍ ما يشاركون في شؤونها العامة، فالدولة الوطنية هي البيئة السياسية الحاضنة للمواطنة، تنجب المواطنین بوصفهم ثمرة سياسية لنظامها المدنيّ المفتوح، المبنيّ على حاكمية الإدارة العامة، فهم يتکونون من خلال مشاركتهم في بناء الدولة الوطنیة والبناء الديمقراطي.
مايفرحني هو أنە مع إنتشار وباء کورونا أتخذت حکومة إقليم كوردستان برئاسة السيد مسرور بارزاني وبمساندة طاقمه الوزاري خطوات وقائية نوعية وعصرية لازمة لمواجهة هذا الوباء العالمي.
أما الشعب الكوردستاني الذي عاش في الماضي حروب مفروضة و إضطهاد و حلت به مآسي كثيرة و رغم أستعداده لقدوم الربيع وأعياد نوروز القومية فقد التزم بالقرارات والإجراءات المنفذةوالتوجیهات الصحية الصادرة من قبل الحکومة ليصبح سنداً لحکومته الفاعلة بهدف إنجاح الحملة الوطنية للحد من إنتشار "كوفید19" القاتل والعابر للحدود وحماية أرواح المواطنين والحفاظ علی سلامتهم.
لقد کشف شعب كوردستان في هذه المرحلة الحساسة بتکاتفه مع حکومته للعالم بأنه قادر علی تخطی الصعاب و مواجهة التحديات والمضي قدماً لإثبات وجوده وتحقيق ذاته والتعبير عن آماله وطموحاته وإعلاء کلمة كوردستان لتصبح هي العليا بين الأمم.
وختاماً: نحن علی يقين بأن مستقبل كوردستان واعد وأن قوة بقاء هذا الشعب علی مدار آلاف السنين، رغم الحروب والإضطهاد التي مورست ضده، هي سر عظمة هذا الشعب وأن وحدة الصف الكوردستاني هي كلمة سر الکوردستانیین في المستقبل وأیقونة التحدي في الحاضر.
الدکتور سامان سوراني


21
المرأة الكوردستانية في اليوم العالمي للمرأة
في عصر تشابك المصالح والمصائر وعولمة الهويات الجندرية، عصرﹲ صنع بيئة مجتمعية دولية مبنية على أساس انتقاء المعلومات، والمعرفة، والاتصالات، عن طريق خلق علاقة فعّالة ومنظمة بين الإنسان والأشياء، وبين الإنسان والدولة، وبين الدولة والبيئة، وبين المجتمعات المختلفة دون النظر إلى الحدود الجغرافية أو الديانة، أو اللغة، أو الآيديولوجية، أصبحت توجهات المرأة الكوردستانية نحو الديمقراطية والسلام مسألة مهمة في تقدم المجتمع الكوردستاني من الناحية الإجتماعية والسياسية، وهي تفتح قنوات الاتصال مع المرأة في العراق ودول المنطقة لنقل خبراتها ومعلوماتها إليهن وذلك لغرض توسيع ثقافة الحرية والديمقراطية والمساواة وتحويل الفضاء المجتمعي الی ورشة دائمة وحية من الحوار والمباحثة والمناقشة والمبادلة، علی مختلف المستويات وفي مختلف دوائر المجتمع وحقوله وقطاعاته وقنواته. هذا ما يتيحه عصرنا السبراني ، عصر الشبكات الإجتماعية والإتصالات والقنوات والفضائية.
يفرحني كثيراﹰ أن أری المرأة الكوردستانية في عالم يشهد النزاعات والحروب والكوارث الإجتماعية ويتعامل مع الأفكار معاملة ماورائية مآله العودة الی الوراء والغرق في السبات، ترفع شعار المساواة، إيماناﹰ منها بالمادة الأولی من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تنص،"تولد الكائنات البشرية جميعها حرة ومتساوية في الكرامة والحقوق"، وهي تتسلح الیوم بإرادة تشق الجبال وتفتت الصخر لتحقيق ذاتها التي تتحدى العجز والكسر.
في المقابل أثمن جهود الرجل الكوردستاني وهو يسعی الی دعم هذا الدور الخلاق للمرأة الكوردستانية، أنه يعرف جيداﹰ بأن الطائر لايطير إلا بجناحين وأن تقدم المجتمع مبني علی رکيزتین أساستين وهما المرأة والرجل، لذا قام بکسر أغلال التقاليد الرجعية الموروثة، التي سوّغت له في الماضي ممارسة الاستبداد بالمرأة والتحكم في مصيرها وحريتها.
إن مبدأ حرية المرأة هو مقياس التطور الحضاري للديمقراطية والحرية في الإقليم والإنفتاح علی الخارج عبر الندوات والمؤتمرات النسوية، التي تهتم بالدفاع عن حقوق المرأة وتدعم الحريات الديمقراطية يعني فتح آفاق وممكنات جديدة أمام العمل النسوي وتثبيت كيان المرأة في كوردستان، فلا مجال بعد للعزلة.
نحن نعلم بأن وضع المرأة الكوردستانية وشرطها النسوي كان محكوم بظرفه الزماني والمكاني ودرجة التطور الحضاري والثقافي. ولذلك نشعر إن عملية القفز فوق هذه الظروف، تعد مغامرة محفوفة بالمخاطر، وهي تشبه السباحة ضد تيار الحياة الكوردستانية العارم، لكن ما يجب أن نثبته هنا هو الدور المهم للمرأة الكوردستانية في النضال من أجل الحرية ومقاومة الاستبداد والدكتاتورية البعثية، إذ شاركت بجانب الرجل وبشكل فعلي في الساحة السياسية، وهي قطعت بعد الانتفاضة شوطاً كبيراً في التقدم.
وقد وضعت حكومة اقليم كوردستان جملة من القوانين وعدلت البعض الآخر من أجل حماية حقوق المرأة وتفجير طاقاتهن.
أما القيادة الكوردستانية فقد تعرّف عدم تطبيق حقوق المرأة والفيدرالية والديمقراطية بالخطوط الحمراء.
وفي 8 مارس عام 2005 تم الإعلان من قبل رئيس الحكومة الكوردستانية عن سياسة المساواة بين الرجل والمرأة ووضع لها آليات التنفيذ من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية. هذا القرار الصائب من قبل القیادة الكوردستانية هو الذي جعل من إسهام المرأة الحيوي في المجتمع الكوردستاني المعاصر المعتمد علی الآلة والأجهزة الإلكترونية المتطورة أن يصبح لە دلالة في روح المجتمع.
المجتمع الذي يری في الجنس المتنفس الوحيد للرغبة وفي المرأة الأنثی فقط، دون أن ترفعها الی المثل، يبقی متحجر ومغلق وجامد، يعيش في عزلته الحضارية والتاريخية.
بالتأكيد التطور والبناء الحضاري لأي مجتمع مرتبط ارتباطاً وثيقاً بتطور ثقافة ووعي المرأة ومساهمتها الفعالة بهذا البناء، ليكون المجتمع مدني قائم على أسس ديمقراطية کالمواطنة وحقوق الانسان والعدالة الاجتماعية والمبادئ الانسانية. وبتطورها الإبداعي تكون المرأة المحرك الأول الذي يدفع المجتمع الی التخلي عن الجمود في التقاليد والأفكار والمُثل.
وقد أنصف جون ستيوارت مل (1806-1873) نصير الليبرالية علی الساحة الفكرية المرأة عندما قال، بأن المرأة لاتقل عن الرجل في شيء. وهو الذي حمل علی عاتقه مسؤولية إعادة التوازن وإعادة الإعتبار للمرأة وناقش في منتصف القرن التاسع عشر قضية المرأة في كتاب تمرّدي تحت عنوان (استعباد النساء)، أدان فيه المبادیء الوضعية الخاصة التي شكلت من أجل تنظيم العلاقات بين الجنسين.
المرأة إذن هي مقياس حضاري وقلب الإنسانية وأبهج شيء في الحياة، كما يراه المعلم الكبير "كونفوشيوس". وما علی الرجل المعادي لمساواة المرأة إلا أن يتعجل ويمتلك حريته ويكون شجاعاً ويرفع هذا الوهم الذي فرض سطوته عليه، وإفضل طريق للعلاج هو التدريب الفلسفي الاجتماعي وإنشاء علاقة صحية وحميمة مع علوم السوسيوسايكولوجي ومباحثها، إذ إن هذا سيؤدي بالتأكيد الی خفض درجة التوتر والقلق عنده والتصالح مع نفسه.
وعلی الإنسان المتحضر مناهضة الفكر الماسوجيني (ثقافة العداء للمرأة) أينما كان، من أجل إثبات الجدارة وبناء مجتمع حيّ وخلاق لا تكبحه العقائد المغلقة والنخب الفاشلة والإدارات الفاسدة والعقليات الكسولة والثقافة الفقيرة والنماذج الإرهابية القاتلة.
وختاماً: نبارك للمرأة يومها العالمي ونقول، أن المرأة الفاضلة أنفع من الرجل الفاضل، لأنها هي الأساس في تربية الناشئة الجديدة. وعلی التاريخ الإنتظار ليحفظ للمرأة رسالتها الجديدة، في عالم المستقبل الجديد، فأول الغيث قطرة.
الدکتور سامان سوراني

22
إقليم كوردستان مهد التسامح والإنفتاح والتعايش المشترك
في وقت تعیش فیه المنطقة العديد من المخاطر والتھديدات سواء کانت من قبل مجاميع متطرفة أو ملیشيات مسلحة خارجة عن القانون وفي ظل تصاعد حدة عدم التسامح  يسعی قادة إقليم كوردستان داخل وخارج الإقليم الی التلاقي والحوار للتفاهم علی موقف يفيد الإنسانية والسلام لتخليص المنطقة من العنف والتشدد والعنصرية والتفرقة بين الشعوب لأسباب دينية کانت أو أثنية.
في هذا العصر المتميز بعولمة الإقتصاد وبالسرعة المتزايدة في الحرکة والتنقل والإتصال وإنتقال السکان علی نطاق واسع والتوسع الحضري وتغيير الأنماط الإجتماعية يعتبر التسامح أمر جوهري في العالم الحديث أكثر منه في أي وقت مضى.
الزیارات المتکررة لقادة الإقليم الی روما والفاتیکان للقاء بابا الفاتيکان فرنسيس لتکريس التسامح والتواصل والحوار خير دليل علی مدی إهتمام هذه القيادة الحکيمة بقيم التسامح و عملية التواصل و أساليب الحوار بين الأديان في زمن تطفوا فيه الی السطح نوازع التشدد والغلو في صفوف أبناء الأديان والحضارات.
تعتمد حکومة إقليم كوردستان علی فلسفة سياسية وإجتماعية وفکرية قائمة علی الإعتدال والإنفتاح، وهي حريصة علی تجسيد قيم التسامح والحوار وترسيخ قيم التماسك والترابط والاحترام في العالم أجمع. إذ تستقبل مبادرات رائدة في مجال التعاون الدولي والتکامل العالمي وتتبادل مع التحالف الدولي ضد "داعش" الخبرات العسکرية والأمنية في سبيل التصدي لخطر العنف والإرهاب.
نقول وبكل أعتزاز أن إقليم كوردستان هو شريك أساسي في الحرب ضد هذا التنظيم الإرهابي وقد لعب دوراً مهماً في ترسيخ الأمن والسلم في المنطقة وأصبح ملاذاً آمناً لمئات آلاف من النازحين واللاجئين، بعد أن ترکوا دیارهم بسبب الحروب والنزاعات المستمرة في كل من العراق وسوريا.
حکومة الإقليم تؤکد في كل مناسبة التزامها بمكافحة التطرف والإرهاب بكل أشكاله وصوره، إذ تدعوا المجتمع الدولي لمساندتها ومساعدتها من أجل مضاعفة جهود المكافحة الكفيلة بالوصول إلى مجتمعات آمنة وخالية من التطرف والإرهاب.
وإيماناً منه في اتخاذ موقف إيجابي فيه إقرار بحق الآخرين في التمتع بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية المعترف بها عالمياً لعب الرئیس القائد مسعود بارزاني خلال مسيرته النضالية دوراً بارزاً في خلق قنوات التواصل مع شعوب العالم و هو مستمر في تعزيز علاقات الإقليم الدولية وتحقيق السلام العالمي. 
أما نهجه النابع من تعاليم الخالد بارزاني الأب المليئة بفلسفة حب الحياة والدفاع عن حقوق الإنسان وقيم وعادات شعب كوردستان الأصلية فأنه يرسخ العدل والمساواة والتآلف والتسامح واحترام الآخر والتعارف والاندماج الإيجابي بين المكونات والدیانات المختلفة في كوردستان.

وما دعوة رئیس حکومة الإقليم، التي قدمه خلال زیارته الی الفاتیکان في 19 شباط 2020 لبابا فرنسيس، لزیارة إقليم كوردستان، إلا تأكيداً لسماحة الأديان السماوية والقيم الإنسانية المشتركة، والتي تجمع الشعب الكوردستاني والعالم للتعايش في سلام وتعاون ووئام.
ختاماً يقول الفيلسوف الفرنسي Jean-Claude Zarka: "إن التسامح ينبغي أن يتجاوز منطق الشعارات؛ ليصبح محددا، مؤسساً، يؤطر الفكر والسلوك، والتمثلات والممارسات الفردية والجماعية، فينبغي أن يدخل التسامح في العادات والمؤسسات.. وأن يتم التنصيص عليه في الأجهزة القانونية والسياسية".
الدکتور سامان سوراني




23
إقليم كوردستان ومسألة تشكيل حكومة جديدة في العراق
بعد سقوط طاغية العراق صدام ونظامه الفاشي في التاسع من نيسان عام 2003  إثر الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وحلفاؤها علی العراق قرر شعب كوردستان بتشكيل الاتحاد الاختياري في الدولة العراقية الجديدة، التي كان من المفترض أن تقوم على الأسس الديمقراطية والبرلمانية والاتحادية (الفدرالية) المثبتة في الدستور الجديد لعام 2005، لتکون تجربة الحكم التعددي في العراق من التجارب الفريدة في المنطقة.
ظن البعض بأن هذه البذرة الأولی سوف تثمر بعد زرعها أسس الديمقراطية، التي يمكن تصديرها لتؤدي بالنتيجة الی تغيير الشرق الأوسط بشكل إيجابي، لکن بسبب السياسات الفاشلة للحکومات المتعاقبة في العراق الجديد طغی وللأسف الإنتماء المذهبي علی المواطنة الدستورية وأصبحت فكرة الديمقراطية القائمة على العمل، والتفاعل والاندماج الاجتماعي في خبر کان.
قراءتنا للواقع تقول أن الإحتجاجات المستمرة في الكثير من محافظات وسط وجنوب العراق هي نتیجة سلطة أوليغارشية بنت سلالة هيکلية في العلاقات بين الدولة والمجتمع لکي تعيش بشکل طفيلي علی حساب الأكثرية المهمشة في مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والخدمية والتي ترفض الوضع الراهن بسبب الظروف الصعبة التي تعيشها، حيث تطالب بإبعاد الطبقة السياسية الفاسدة و إن أمکن تغيير في نظام التوزيع و السياسة التمثيلية. 
إن إنخراط عدد كبير من خريجي الجامعات والطلاب من کلا الجنسين الی جانب طبقات وشرائح أجتماعية أخری في حركة الاحتجاج خير دليل علی وعي الجماهير والرغبة في بناء دولة مدنية فاعلة لاتبذر مواردها في إشباع رغبات و نزوات نخبة سياسية فاسدة و مليشيات طائفية مسلحة خارجة عن القانون.
المجتمع المنتفض يريد أن يصنع سلطته بيده، سلطة تعمل بعقلانية راشدة متوازنة وتقنیات فائقة وذلك لزرع ثقافات ديمقراطية خلّاقة، لأن الإدارة الفعؔالة هي التي تدير مجتمعاً ، يتصرف فيه أفراده ومجموعاته ، کفاعلين ومسٶولين بقدر ماهم مختصون ومنتجون للثروة أو المعلومة أوالخدمة أو السلطة، بحيث تكون القرارات حصيلة التداولات والتأثيرات المتبادلة. إن بناء الثقة وتحويل الاستشارات المسهبة الی طاولات الحوار وملتقيات النقاش ومنتديات المكاشفة ضروري لإظهار المشكلات في الملفات الأساسية و مكامن الحلول العملية لها وإيجاد القواسم الجامعة بين القوی المجتمعية.
القيادة السياسية الحکيمة في الإقليم تعلم جيداً بأن الرهانات في العراق كبيرة و أن التحديات قائمة، لکنها لاتقبل أن يمنع رئیس الوزراء المکلف، محمد توفيق علاوي، رئاسة و حکومة إقليم كوردستان بإختيار وزراء يمثلون الکوردستانيين في الحکومة الجديدة وترفض سياسة فرض أشخاص علی شعب كوردستان و تعتبر تلك المحاولة بخطوة سلبية هدفها إنهاء شراکة شعب كوردستان في إدارة دولة العراق الفدرالي.
لقد عمل الرئیس مسعود بارزاني دون تقصير من أجل مساندة ودعم أي حراك سياسي من أجل بناء شراكة حقيقية بعيدة عن منطق الصدام، لغرض المساهمة في إدارة التحولات و قيادة المصائر و فهم المستجدات، إذ يعود إليه والی فلسفته و سیاسته الحکيمة الفضل في تحقيق التعايش السلمي والأمن والسلام والإستقرار في الإقليم.
الشعب الكوردستاني لا يريد أن يصب نضاله التاريخي في بحار العدم. نعم الكوردستانيون ما زالوا جزء مهم من العراق ولهم الحق الكامل في التمسك بالوسائل الديمقراطية لمجابهة خصومهم السياسية، إن سعيهم لمصالحهم الذاتية في إطار اللعبة الديمقراطية بإستعمالهم أساليب ديمقراطية ودستورية لا يقلل من شأن حقهم الديمقراطي.
أما العراق السياسي فقد عاش في السابق بسبب ظاهرة التفرد في إتخاذ القرارات إنهيارات و إخفاقات و حروب و كوارث و أزمات عظيمة، مجتمعه لا يمكن أن يُبنی مرة أخری بعقليات و نماذج و مفردات سائدة قديمة أو حديثة أو يصنع بسرديات كبری و أساطير مذهبية بالية، التي دفع المجتمع العراقي لقاءها أثماناً باهضة، دماءاً و دمارا.
فمن يريد الحرية السياسية لابد له من إتقان لغة الاعتراف والحوار والتوسط والتعدد والمباحثة والشراكة المبادلة ومن لايخرج من سجنه الطائفي وولائه الخارجي لايمکن لە بناء صداقة و شراكة حقيقية مع من يريد بناء نظام ديمقراطي تعددي فدرالي.
من واجب الحکومة الجديدة والأطراف السياسية في العراق العمل علی إنهاء النفوذ الإقليمي واحترام الدستور والإلتزام به و إنهاء سلطة الملیشيات التي تنفذ أجندات خارجية وتقوم على التهديد و القتل والتخويف. کما يجب اللجوء الی حكومة تكنوقراط من شخصيات ذات ثقة و كفاءة وإختصاص، تهتم بالقضايا الملحة التي يعانیها المواطنون العراقيون، خصوصاً في مجال الخدمات وتحفيز الإقتصاد، حكومة ذات قاعدة موسعة تلزم جميع الأطراف السياسية التعاون والعمل معاً من أجل إجراء إصلاحات أساسية لتحقيق التنمية والتطور. 
وختاماً: إذا كانت صناعة الواقع و المشاركة في إدارة العالم مهمة تشترط القدرة علی الإبداع والتحول بخلق الوقائع وإنتاج الحقائق، فإن الحوار هي أحوج ما یحتاج الیه الشعبين الكوردستاني والعراقي لكي یتحملوا تکالیف الحیاة السیاسیة والإجتماعیة بالحد الأدنی، المعقول أو المقبول.
الدکتور سامان سوراني

24
مؤتمر ميونخ الأمني والدور الفاعل لإقليم كوردستان
بالتأکيد لكل مؤتمر شعار معين، يحدد الاتجاه أو يثير سؤالاً إستفزازياً يحتاج إلى إجابة. مؤتمر "ميونخ الأمني"، في دورته الـ 56 والذي جری بين 14 - 16 من شباط عام 2020 رفع شعار مايسمی بـ "تراجع الغربية"Westlessness  والتي تعني الاضطراب العام الناتج عن حالة اللايقين بشأن المستقبل ومصير الغرب. شارك في هذا المؤتمر حوالي 40 من زعماء الدول ورؤساء الحكومات وحضر فیه نحو 100 من وزير خارجية أو دفاع وممثلون عن وزارات أخری ومئات من الخبراء و مايقارب 1300 صحفي، لمناقشة الأزمات الحالية والتحديات الأمنية المستقبلية والإستماع الی آراء خبراء السياسة الأمنية الدولية.
المؤتمر الذي تأسس في الأصل عام 1963 كأجتماع الماني - أمريكي لتبادل المعلومات حول القضايا الأمنية لايزال ذا أهمية لکلا البلدين والدلیل علی مانقوله هو المشاركة الكبيرة والفاعلة للوفد الأمريكي المتمثل برئیسة مجلس النواب، نانسي بيلوسي، و وزير الخارجية، مايك بومبيو، و وزير الدفاع، مارك إسبر، ووزير الطاقة، ريك بيري.
وقد کان لرئیس حکومة إقليم كوردستان، مسرور بارزاني، علی هامش هذه المنصة الفريدة من نوعها في العالم، فرصة ثمينة لإجراء لقاءات مهمة مع  عدد من رؤساء حکومات دول وكبار المسؤولين العالميين المشاركين في المؤتمر علی مستوی وزراء الخارجية والدفاع والطاقة و ذلك لتبادل الرأي بعيداً عن الخطب التقليدية ومناقشة الوضع الراهن في العراق والمنطقة بشكل تفاعلي و کذلك إمکانية بحث سبل تعزيز العلاقات بين إقليم كوردستان و تلك الدول المتقدمة. 
إقليم كوردستان الذي له، کنموذج ناجح للحکم في المنطقة، دور مهم و فاعل في المنطقة وخاصة في مجال مکافحة الإرهاب والتصدي لهجمات داعش المستمرة ومنع عودته والذي أصبح  ملجأً وملاذاً آمناً للنازحين واللاجئين، يهتم بالقيم الغربية المرتبطة بتطور الديمقراطية والليبرالية واقتصاد السوق والحرية و يتواصل و يتعاون بشكل أوثق مع حلفاءه في قضايا الأمن والدفاع والتجارة والهجرة للمحافظة علی أمن و إستقرار الإقليم و المنطقة من التهديدات التي تطرحها الميليشيات المتطرفة العابرة للحدود علی نحو متزايد.
يعود فضل هذه التجربة الناجحة في إدارة حکم إقليم كوردستان، کما أشار الیه أمين عام جامعة الدول العربية،  في لقاء لە مع رئیس حکومة الإقليم علی هامش هذا المؤتمر، الی حكمة وقيادة الرئيس البيشمرکة مسعود بارزاني.
وفد إقليم كوردستان المتطلع للإصلاح من أجل هوية وطنية كوردستانية واحدة وبيشمركة موحدة عمل خلال هذا المؤتمر بجدية علی إبراز تضحيات قوات البيشمركة في الحرب ضد الإرهاب وقام بإقناع شرکائه الدوليين علی ضرورة مواصلة تدريب و مساعدة هذه القوات البطلة لمواجهة التهديدات الأمنية وتحقيق رؤیة الإقليم وأهدافه المستقبلية المستندة الی القيم الإنسانية العالمية، كالحرية والتسامح والإخاء الإنساني والعدل والمساواة، التي تعزز احترام وحماية حقوق الإنسان والتعايش السلمي وتصون الحريات الخاصة والعامة و تضمن الأمن والاستقرار المجتمع.
ختاماً، يقول الكبير مهاتما غاندي: "فلسفة الحياة ترى أن الغاية والوسائل حدود وعكوس... وإن قيمة الغاية هي قيمة الوسائل، والوسائل كالبذور والغاية كالشجرة والمرء انما يحصد ما زرع ، ولذا فإننا إذا انتبهنا إلى الوسائل وثقنا من بلوغ الغايات".
الدكتور سامان سوراني





25
ماذا يعني إنتمائي لإقليم كوردستان؟ 
يقال بأن فلسفة الشيء هو ماهيته و غایته أي البحث عن وجودە، وما وراء فاعليته، وبما أن الوطن هو المستقبل والإنتماء هو شعور ثابت و عامل من عوامل بناء المجتمع، فإن إنتماء الإنسان لمجتمع ما سوف يشجعه للمحافظة علیه و الحرص علی نموە و إزدهاره بشكل مستمر. إقليم كوردستان الذي ينمو و يزدهر بفضل القيادة الكوردستانية الحكيمة والإدارة الناجحة للحکومة هو موطن أجدادي، والإنتماء لهذا الوطن ليس مجرد شعار يرفع، بل هو تاریخ و حضارة وعمق و مخزون ثقافي وإجتماعي و قيمي.
فعندما أقوم أنا بالمحافظة على انتمائي لوطني، وأرضي،  أتمكن حینها من تحقيق مفهوم ومعنى الانتماء الذي يرتبط بتحقيق مفهوم المواطنة، والتي تشير إلى كافة المبادئ، والحقوق، والواجبات التي يتميز بها المواطن داخل الإقليم التي أعيش فيه.
شعب الإقليم هو جزء من المجتمع البشري، أما تعزيز إنتمائي الیه فيتطلب من سلطة الإقليم الإستمرار في تحقيق العدالة والمساواة وعدم التمييز وتعزيز الشفافية والنزاهة وضمان كل مواطن لممارسة حقوقه المشروعة.
ومن اهم مظهر من مظاهر الانتماء الوطني هو الحفاظ على أمن واستقرار الإقليم ومكافحة الفساد المالي والإداري والأخلاقي، وحماية حرية الرأي والتعبير وتحقيق الأمن الفكري وحماية تماسك ووحدة المجتمع. 
إذن الوطن هو حاجة جوهرية وضرورية في حياة الإنسان وهو في الوقت نفسه حاجة حضارية مستديمة، لا يكتمل معناه وأفقه إلا بالمواطن الذي يعمل على تعميق وجوده وتجربته الإنسانية.
الإنتماء لكوردستان هو التزام ومسؤولية، وكسب متواصل في مختلف الميادين لربط مكاسب الماضي بمنجزات الراهن وصولاً إلى مستقبل وطني جديد، يمارس فيه جميع أبناء الوطن مسؤولياتهم وأدوارهم ووظائفهم وحقوقهم.
من الواضح بأن الشعب الكوردستاني بحاجة إلى إحداث تحول نوعي وتاريخي في مسيرته، حتى يتسنى له الإستجابة الفعالة لهذه التحديات. وبصريح العبارة يمکن القول بأن أحوج ما یحتاج الیه شعب كوردستان هو أن یمارس حیوته الفکریة، بالتحرر من جملة من العقد والحساسیات الحزبیة والهوس النضالي والهذر الثقافي والآفات التي عرقلت مشاریع التقدم والرفاه و حضور العدالة الإجتماعية والمشارکة في صناعة القرارات المصیریة.
نحن نعرف بأن المجموعات البشرية التي تشترك مع بعضها في الجوامع المشتركة، هي التي تعمل على صياغة مفهومها لوطنها، ومن خلال فعلها المتواصل في مختلف المجالات، تتشكل معالم الوطن الفعلية.
إن الشعور والإعتزاز العميق لمواطني كوردستان بإنتماءاتهم نابع من إنجاز الأمة الكوردستانية لواقع المواطنة في واقع حیاتهم.
الإنتماء الی كوردستان و الإعتزار ببطولات وأمجاد البيشمرگة تربية يبدأ غرسها في البيت لثمر في حقول الحياة المختلفة، علیه أن تتبلور معاييرها في کافة مراحل التعليم المدرسي و الجامعي. هكذا يستشعر الفرد مسؤولية الصون والدفاع عن الوطن. أما الإعلام الهادف کالفضائيات الكوردستانية و مواقع الإنترنت و مواقع التواصل الإجتماعي فواجبها تعزيز الإنتماء والولاء للوطن و خاصة لدی النشء والشباب من الجنسين.
فالتربية السليمة هي قاعدة أساسية لتطور الإنسان وإرتقاءه فکرياً و إجتماعياً و سياسياً و المجتمع الكوردستاني بحاجة الی برامج عمل و حقائق مجتمعية متواصلة تساهم في تطوير مفهوم الإنتماء الوطني.
وختاماً: كوردستان الوطن هو الروح الممزوجة بحب الأرض والبشر و هو القلب الكبير لكل أبناءه. فمن ينتمي إلى هذا الوطن ينبغي أن يحترم ويحب وفق مقتضيات الوطن والمواطنة. والمجتمع الكوردستاني یملك غنیً في المعطیات کما یملك فائضاً في الموارد، لذا علینا العمل معاً على صنع حاضرنا وتطوير راهننا وتجاوز محن واقعنا وتحدياته، بالمزيد من الكفاح والبناء والعمران للوصول الی الثالوث القيمي (العدالة ـ الحرية ـ المساواة)،  الذي يمنح مفهوم المواطنة معناه الحقيقي.
الدكتور سامان سوراني

26
إقليم كوردستان والإصلاح الحكومي المتواصل
في کتابه "علم النفس السياسي" المنشور عام 1910 يقول الطبيب والمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون، بأن "معظم القواعد والقوانين الخاصة بحکم البشر وقيادتهم والتي استخلصها ماکيافيلي لم تعد صالحة منذ زمن طويل. وعلی الرغم من مرور أربعة قرون علی هذا الرجل العظيم فأن أحداً لم يحاول إكمال أعماله".
وفي کتابه المشهور والمنشور عام 1895، "سیکولوجية الجماهير" يقول لوبون ، "أن دخول الطبقات الشعبية في الحياة السياسية وتحولها التدريجي الی طبقات قائدة يمثل أحد الخصائص الأكثر بروزاً في عصرنا، عصر التحول...".
الشعب، کما یراه هذا المؤرخ، لايختار مؤسساته، مثلما لایختار لون عيونه أو شعرە، والشعوب ليست محکومة طبقاً لنزوات لحظة ما، وإنما طبقاً لما تملیه طباعها و خصائصها. 
حکومة إقلیم كوردستان، التي تستمد قوتها من إرادة الشعب الكوردستاني والمؤسسات الرسمية والقانونية، قامت برزمة من الإصلاحات تهدف من خلالها تبني العدالة وبما تخدم مصلحة شعب إقليم كوردستان. يترکز مشروعها بداية على إدخال إصلاحات في التقاعد والرواتب والمخصصات والمنح والامتيازات ضمن برنامج عمل الحكومة الجديدة في الإقليم، بعدها تسعی الی تعديل قوانینها لتنتقل من مرحلة مقيدة ببنی تقليدية نحو مرحلة تؤمن ببنی محدثة لمواکبة العصر ومتغيراته من مضامين تدفع نحو بناء المواطنة القانوني المرتبط بالإنتماء الی إقلیم كوردستان والولاء لنظام الحکم فیه، وذلك بخلق ربط المواطن بالإقلیم من خلال قنوات تواصل تلبي الاحتياجات والمتطلبات السياسية والاقتصادية، في سبيل بلوغ الغایات والأهداف التي من أجلها ناضل أبا‌ءنا مایقارب قرن من الزمان.
هدف الإصلاح هو العمل علی عصرنة المؤسسات وعقلنة البنى وتعزيز الإدارات المتخصصة، وإعتماد مقاييس الكفاءة من أجل فاعلية الحکومة في بيئتها المحيطة داخلياً وإقليمياً ودولياً.
أما التأکيد المستمر للسيد الرئیس مسعود بارزاني علی تفعيل قدرة شعب كوردستان من أجل الوحدة والتنسيق المشترك لإغتنام الفرصة التاريخية والفرص السانحة لتغيير فعلي ونقلة نوعية في حیاة هذا الشعب وإعادة صياغة الإنسان الكوردستاني على أسس حديثة تستجيب للقيم الحضارية الانسانية التي تعتمد العقلانية والمنهجية والعلاقات الانسانية بين ابناء المجتمع، فهو خير دليل علی أهتمامه الكبير بعملية الإصلاح الحكومي بأعتبارها "خطوة مهمة" من شأنها أن تعمل على تطور إقليم كوردستان وتقدمه.
أن تجسيد ثقافة توفير الخدمة العامة العادلة والفاعلة للأعمال في منأی عن التقديرات الجزافية والتدخلات هو هدف من أهداف الحکومة الحالية للترکيز علی المضمون بدلاً عن الشکل.
إننا إذ نبارك هذه الخطوة لحکومة إقليم كوردستان نعلم بأننا اليوم أحوج مانکون الی القيام بإصلاحات شاملة في بنیة الواقع الكوردستاني وذلك لتجسيد روح المواطنة واشاعة العدل والمساواة بين مواطني كوردستان دون تمايز.
أما الإنفتاح الكامل للحکومة علی الشعب الكوردستاني في كل السياسات والممارسات ، لإبداء الرأي بتلك السياسات فهو من أهم الخطوات نحو الديمقراطية ، بە يولد الشفافية والمساءلة.
علی الأحزاب السياسية الفاعلة دعمهم المستمر للحکومة والتخلي عن السعي الی دفع المجتمع الكوردستاني نحو خضم صراعات ومواجهات تضعف من قدراته على مواجهة التحديات الجسیمة كحربنا ضد التنظيم الإرهابي الدولي داعش والتصدي للعوامل الأخری المؤخرة لتقدمه وتطوره. علیها نشر ثقافة الدیمقراطية بين أفراد المجتمع الكوردستاني والتي تعني احترام آراء الاخرين وحقوقهم في التعبير عنها في اطار من المساواة والتكافؤ ومکافحة العصبية کرابطة إجتماعیة سیکولوجیة ، شعورية ولاشعورية.
نحن واثقون بأن التنمية لا تحصل بالتمني بل لابد من أن تتوفر الإرادة لدی الجهات المسؤولة لإصلاح الوضع الراهن و لابد من أن تتضافر الجهود للنهوض بالمجتمع إلی مکانة تقتضيها طبيعة العصر الحديث.
وختاماً نقول: “لإجتیاز إمتحان المعرفة والديمقراطية والتنمية ماعلینا إلا أن نمارس هويات عابرة وأن نتعامل مع معدننا كتراث لا كمتراس وأن نتصرف على مستوى إقلیمنا الکوردستاني لكي تكون هويتنا عابرة منتجة مبدعة خلاقة، حتى نتمكن من المساهمة فى منجزات الحضارة الحديثة.”
الدکتور سامان سوراني


27
قمة دافوس الإقتصادية والحضور الكوردستاني الرسمي
من أجل تسليط الضوء على القضايا العالمية المرتبطة بالاقتصاد والسياسة والأمن والاستقرار وتحت شعار "Stakeholders for a Cohesive and Sustainable World" العمل من أجل عالم "متماسك" و"مستدام" أنطلق اليوم (من 21 الی 23 کانون الثاني 2020) أعمال المنتدی الإقتصادي العالمي في مدينة دافوس السويسرية وذلك بحضور أسماء لامعة من عالم الأعمال والأكاديميين والسياسة. 
إن قدرة المنتدى على الاحتفاظ بمكانته المرموقة لفترة تزيد عن نصف قرن أمر مثير، فهو مكان فريد يضمن التقاء الأفكار بالفرص.
ومن بين القادة المشاركين في هذا المنتدی يلمع أسم فخامة الرئیس نیجيرفان بارزاني، المدعو بشكل رسمي للحضور والمشارکة وذلك لنقل الفلسفة السياسية والرؤية المستقبلية لإقلیم كوردستان عن طريق إلقاء کلمة والتحدث حول الوضع الراهن في الشرق الأوسط المليء بالإضطرابات.
إن حضوره هذا المنتدی الإقتصادي المهم دليل علی ثقة المجتمع الدولي في إقليم كوردستان، ومن خلال لقاءات ثنائية مع عدد من زعماء وقادة العالم وکبار مسؤولي الدول بإمکانه مناقشة قضايا ساخنة وتبادل الآراء ووجهات النظر بشأن مسألة تطوير علاقة الإقليم مع المجتمع الدولي.
الشعب الكوردستاني ينظر بأهمية بالغة الی لقاءه المرتقب بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، لأننا نعلم بأن ديمومة الأزمة الحالية في العراق والمنطقة سوف تکون لها تأثير إستراتيجي علی السلام والإستقرار والأمن في كل من دول الخليج والعراق وسوريا.
يعتبر المنتدی لهذا العام، 2020، للکثیر من المشارکین حدث مزدوج، ففي البدایة هناك برنامج رسمي تناقش فیها القضایا الإقتصادیة والإجتماعیة العالمیة بشکل عام و بعده تسنح الفرص للقاءات فردیة بین رؤساء الدول وأصحاب الشرکات الصناعیة العالمیة لتبادل الآراء في مجموعات صغیرة وإجراء مفاوضات حول قضایا راهنة ومهمة، علی الرغم من التوترات والصراعات العالمية وصعود السياسيين الشعبويين في غير مکان.
يقال بأن النخب تبقی دوماً بعيدة عن الأنظار، لکن هل يوجد عالم من غير نخب؟ نحن نری بأنە من الضرورة بمكان أن يجتمع هؤلاء القادة بإنتظام وخاصة في دورة المنتدی الـ50 لإکتشاف مايفکر کل واحد منهم وللتعرف علی أفکار بعضهم البعض والعمل معاً من أجل الصالح العام.
بالتأکید سوف تکون مواضیع مثل التغييرات المناخية ومساعدة الحكومات والمؤسسات الدولية في مراقبة التقدم المحقق في أهداف اتفاق باريس للمناخ والنمو الإقتصادي وأهداف التنمية المستدامة والشکوك المتزایدة حول تشابك المخاطر الأمنیة التقلیدیة وإصلاح الرأسمالية والعولمة الإقتصادیة والتعاون الدولي والتحولات الرقمیة وتأثیرها علی المجتمعات في العالم وتعزيز الحوار حول تكنولوجيا الثورة الصناعية الرابعة وإدارة التجارة، إلى جانب القضايا الجيوسياسية وبناء جسور للتعامل مع الصراعات العالمية، علی جدول الأعمال.
الشعوب أصبحت تقيّم النظم الإقتصادية من خلال المكاسب، لا من خلال الإنغلاق السياسي والإقتصادي أو من خلال نظريات طوباوية و كلمات منمقة و رفع شعارات زائف، لذا يمکن إعتبار مشاركة الرئيس نیجيرفان بارزاني ضمن مجموعة من رؤوساء دول وحکومات في هذا المنتدی دليل واضح علی إهتمام حکومة الإقليم بالفلسفة الجديدة للإقتصاد الليبرالي المعولم وسعيها الدٶوب في الدخول الی منظمة التجارة العالمية من أجل تحقيق مكاسب أكثر علی أرض الواقع.
ففكرة تشجيع الإستثمار الأجنبي لا فقط في نقل رأس المال، كما يتخيله سذجة علوم الإقتصاد، بل في نقل التكنولوجيا والإدارة الحديثة وتطوير ثقافة العمل والإشراك في النهضة العلمية الحديثة أمر ضروري ومهم لإنهاء الأزمة الإقتصادية في الإقليم وبناء وإنهاض وتأمين بنيته التحتية.
وختاماً: “لا سبيل اليوم لمجتمع أن ينمو و يتطور أو أن يتقدم و يزدهر من غير أن يمارس حيويته الإقتصادية، فالهوية هي صيرورة تصنعها العلاقة مع الغير، كما الدين هو المعاملة و العقل هو المداولة و السياسة هي الشراكة كأقرب الطرق لتحقيق استقرار المجتمع.
الدکتور سامان سوراني


28
إنّكم لا تستطيعون الإنتقاصَ من شأنِ ومكانةِ الرئیس مسعود بارزاني
بالأمس تطاول الأمين العام لمليشيا "حزب الشيطان" اللبناني حسن نصرالله في سياق كلمة له بمناسبة ذكرى ماتسمی بـ"أسبوع شهداء محور المقاومة" بأسلوبە الصبياني علی القائد البيشمرگة الرئيس مسعود بارزاني قائلاً، "انتابه الخوف عند هجوم داعش...كان يرتجف حين أقترب داعش من أربيل"، بهدف الإنتقاص من شأن ومکانة زعيم الأمة الكوردستانية، لکن هيهات هيهات لحسن نصرالله ولغيره، لأن الرئیس بارزاني المحترم والمقبول داخلیاً وإقليمياً ودولياً  والمعروف لدى القاصي والداني بالشجاعة والبسالة، يمتلك کافة السمات الشخصیة للقائد، کالثقة بالنفس والإتزان الإنفعالي والسیطرة والذکاء والمبادءة والطموح والمرونة والحماس والبشاشة والمرح والحساسیة الإجتماعیة والشجاعة والإبتكار والابداع واللباقة والموضوعیة، لن يستطيع نصرالله أو غيره إنتزاعه منه.
واللذین حالفهم الحظ أو سنحت لهم فرصة التعرف بالرئیس مسعود بارزاني عن كثب یؤیدونني بأنە کقیادي یمتلك تلك السمات المذکورة أعلاه. هذا وبالإضافة الی تلك السمات الشخصیة، فإنه یحمل في داخله منذ مرحلة  مبکرة من عمله کبيشمرگة والی حین تمسکه زمام القیادة رؤیة وهدف إنساني نبیل ألا وهو الوصول الی الحریة التامة لشعبه وإستقلال دولة کوردستان.
لعب الرئیس مسعود بارزاني کرجل دولة وقائد لقوات البیشمرگة البطلة دوراً رئیساً ومحوریاً في مکافحة فکر التطرف وقتال المتطرفين الإرهابیین وإیقاف المدّ الداعشي في المناطق الكوردستانیة ومن ثم دحره والإنتصار علیه.
ولقد حاول تنظیم داعش مرات عدیدة اغتیال هذا القائد الشهم عن طریق القصف والمفخخات خلال إشرافه على الهجوم لتحریر مدینة سنجار الجریحة أو خلال تواجده شبه المستمر في جبهات القتال مع قوات البیشمرگة في معاركها ضد التنظیم الإرهابي، جمیع تلك المحاولات الجبانة من قبل أعداء البشریة للوصول الی النسر، أبن الجبل، باءت بالفشل.
أین كنت أنت يا"زعيم حزب الشيطان"، إن لم تکن قابع في الأقبية الجنوبية، عندما تمکنت قوات البیشمرگة الباسلة بقیادة الرئیس مسعود بارزاني أن تثبت للعالم بأن الكورد هم الجبهة الصلبة و الحصن المنيع في مواجهة الارهاب والتنظيمات الوحشية وقوى الظلام.
هكذا حصل اقلیم كوردستان علی مکانة متمیزة في الشرق الأوسط وصار له اليوم ثقل كبير في المعادلات السياسية. 
تصريحاتك المزدرية والميئة بالحقد الدفين علی الكورد وكوردستان يا "زعيم الشيطان" لم تعد تجدي نفعاً، فقد أکل عليها الدهر و شرب، لأن الذي يجري في المنطقة وفي عصر ثورة المعلومات يختلف تماماً عن المجريات السابقة، التي عشته أنت في عقدي السبعينيات والثمانينيات من الالفية الماضية، وسوف تعلم قريباً، بأن الحقائق والوقائع على الارض مغايرة تماماً عن التي تکتبه او تسطره أنت في الاقبية والدهاليز والاماکن المحصنة.
نحن نعلم بأنكم تتحركون بالريموت كونترول وتقدمون خدمات اغتيال ودمار شامل. فحزبكم نشأت نتيجة فوضى الحرب الأهلية في لبنان وإرثە الدموي وتاريخە في التفجيرات الإرهابية والخطف والرهائن ومواقفكم اللاوطنية وعلاقتكم القوية بالأرهاب کان دافعاً لإدراجكم وحزبكم من قبل المجتمع الدولي في خانة أبرز المنظمات الإرهابية وفق التصنيف العالمي.
وختاماً نقول: القيادة الناجحة تتطلب إذن أشخاصاً ذوي مواهب نادرة کالقائد  مسعود بارزاني، الذي یؤمن بالحوار والسلام، تجعلهم صالحين للقيادة، لا یدعون بأنهم ینقذون البشریة ولا یعتبرون نفسهم أفضل من بقیة الكائنات، بل یعیشون وسط الطبیعة بوصفه جزءاً من موجوداتها.
الدکتور سامان سوراني


29
الحکم الرشيد في إقليم كوردستان وآفة الإستبداد في المنطقة
من الواضح بأن الاستبداد قمعٌ ومصادرة لحرية الرأي ومنعٌ لكل أشكال الحريات وفرضٌ لأمر واقع مناقض لإنسانية الإنسان، لکنه يظل مرحلة عابرة في عمر الحضارات والشعوب و الدول، لایمکن أن یستتب و يدوم الی الأبد.
تعيش منطقة الشرق الأوسط منذ عقود من الزمن بين آفة الإستبداد و آفات الأصولية الدينية، لکننا اليوم نشهد تعمق الحراك الشعبي المدني في أكثر من بلد، بسبب إنعدام الثقة بين الحکام و المحکومين، هذا الحراك الشعبي يجلب معه تحولات جذرية، تشير حسب قراءتنا الی بدايات إنهيار الأنظمة الثیوقراطية الإستبدادية.
بالرغم من ذلك نری إرتفاع نبرة التهجم و التهديدات و إستخدام العنف المفرط من قبل تلك الأنظمة المائلة الی الإنهيار والزوال للسعي في التغلب علی التحديات التي تواجه قبضتهم علی السلطة.
فبسقوط تلك الأنظمة المستبدة تسقط نظام فکري، نظام الإنتماء للطائفة، و تكون هذا السقوط مقدمة لإعادة صياغة نظام دولي وإقليمي جديد يمهد الطريق أمام الشعوب للإنتقال الی عصر حديث ينهي السياسات الشمولية للدولة الدينية أو مسألة تثوير العوامل الأيديولوجية، ويعالج الكثير من الآفات المجتمعية الخطيرة کالفقر والبطالة وإنتشار داء المخدرات بين صفوف الشباب.
ولا شك أن الحرية الفردية جزء من بنية العصر الحديث لایمكن أن تقتطع من سياق الحريات الأساسي،. فمن أراد قبول الحرية السياسية، لابد له من إتقان لغة الاعتراف والحوار والتوسط والتعدد والمباحثة والشراكة المبادلة ورفض الإنخراط في منطق الإصطفاء والتمييز والتقوقع والعسكرة والصدام.
فيما يخص إقليم کوردستان، فأننا نری بأن القيادة الكوردستانية تمكنت بسياستها الحكيمة المتوازنة، أن تؤدي وتلعب دور رئيسي في نهضة الإقلیم من خلال بناء الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي المساهم في الإعمار والبناء، وأثبتت القدرة علی إدارة الإختلاف والتنوع بعقلية الحوار والإستيعاب وإشتغالها علی المعطی الوجودي بكل أبعاده من أجل تحويله الی أعمال وإنجازات، والواقع شاهد علی مانقول.
وکان للحکم الرشيد في الإقليم دور مهم في إدخال الديمقراطية من الباب الأمامي، بغية تأسيس الديمقراطية والتحول والتغير الديمقراطي، اللتان لا تأتيان إلا من خلال إصلاح واع و جريء.
أما إحترام التميز الفردي کفضاء إيجابي يفسح المجال للإبداع والإبتكار و يكافئ و يقدر المتفوق لتحقيق ذاته فقد أعطی المواطن الكوردستاني حقە الأخلاقي في تحقيق ذاته.
إن حب الشعب الكوردستاني لقياداتها السياسية الفاعلة والمعروفة بثبات مواقفها المبدئیة و الإلتزام بقولها يزداد بإزدياد قدرة هذه القيادات الحکيمة علی تحمل المسؤوليات وإشراك الشعب معها في إدارة الأزمات أو لعب دور في حل الأزمات الداخلية و الإقليمية. 
إن استخدام هويات مغلقة وثوابت معيقة، كما تفعلها آفة الإستبداد، لبناء جدران الأنظمة السياسية المبنية علی أفكار أحادية، إستبدادية، شمولية و أصولية هو العمل علی إعادة الأنظمة الديكتاتورية المغطاة بعباءة الإيديولوجيات المقدسة لممارسة البيروقراطية المركزية الفوقية من جديد التي لا تؤمن بقواعد الشراكة والتوأمة والحماية والرعاية، فكيف بممارسة التقی والتواضع و الإعتراف والزهد.
نحن نعلم بأن الكائن العاقل يقيم في حاضره و يعيش واقعه، بقدر ما يتوجه نحو المستقبل ولايريد أن يکون أداة بيد السلطة لتعزيز عدم الاستقرار الإقليمي أو إنعدام الأمن والأمان.
فالإنفتاح والتعدد والديمقراطية، التي يؤمن بها شعب إقليم كوردستان، تفتح الفرص والآفاق أمام القوی الحية والديناميكيات الخلاقة وتؤدي الی كسر الحدود بين المجتمعات والقارات والثقافات لتنتج أخيراً نظام سياسي عصري قادر علی قيادة المجتمع نحو برّ الأمان.
الدكتور سامان سوراني


30
الحاضر الكوردستاني والمستقبل المجهول للعراق
بعد سقوط الطاغي صدام عام 2003 توقع الكثير بأن يطوي العراق حقبة الماضي المثخن بالدماء والأحزان والجراحات و يودع كابوس القمع والمنع والعزل ليفتح صفحة تطوّر دیمقراطي مطّرد و ثابت و نهائي، لکنهم لم يدرکوا بأن الإنتقال الی الدیمقراطية وإنجاحها بحاجة الی جیش جرار من المناهضين للإصلاح، فهي رهن بتوفير میزان قوی یرفده و یحمیه و يفتح المسارب والأنفاق أمام تدفق حرکته.
ولحسن الحظ تعامل شعب كوردستان مع الواقع الجديد في العراق بمنطق الجد والإجتهاد والنقد، بعيداً عن العُقَد والهواجس، وصار هذا التعامل من الأمور والمُسَلمات الضرورية للخروج من السُبات الفكري والقوقعة التراثية.
الحاضر الكوردستاني المتميز بالسلام والأمن الاجتماعي والقرارات السياسية السليمة للقيادة الكوردستانية الحکيمة وفّر  الأجواء المناسبة للمضي قُدماً نحو بناء الإقليم وبنيته التحتية.
أما فیما يخص الإنفتاح والتواصل و بناء العلاقات بين إقلیم كوردستان ومحیطە الإقليمي والدولي فهذا نابع من السعي الجاد لفهم المتغيرات العالمية الحالية والمستقبلية وقرأة المستقبل القريب والمتوسط والبعيد.
ومن المعلوم أنه لایمکن تحديد موقع الإقلیم في عالم الغد أو إستکمال الخطط والإستراتیجيات الداخلية بدون الإستشراف للمستقبل و تحلیله بشكل ممنهج و موضوعي.
نحن نعتقد بأن التطورات الأخيرة في العراق ماهي إلا نتاج لعدم وجود عقلية الوساطة ومنطق الشراكة والإحساس بالمسٶولية أو بسياسة التبادل والتعارف وكذلك لعدم الكف عن الهيمنة الدينية بمختلف درجاتها والخنوع لأجندات خارجية بعيدة کل البعد عن المصلحة الوطنية.
وبالتأكيد أدت الإستمرار في تكرار الأخطاء الممارسة من قبل الحکومات التي تولت السلطة بعد سقوط النظام الشمولي عام 2003 الی خلق نوع من النفور والتراجع وعدم ثقة الجیل الشبابي الواعي المنتفض بالنخبة السياسية الفاشلة، فما يحتاجه العراق هو مستقبل خالٍ من المفاجآت المؤذية.
للأسف لم تقم الحکومات الفاشلة بترسيخ مفاهيم الهوية الوطنية لدى أفرادها ولم تلغي مظاهر التمييز والتفرقة القومية والدينية والطائفية والسياسية في يوم ما ولم تسعی في أبداً بالقضاء على الفجوة بين الدولة والمجتمع من خلال الانبثاق الطبيعي للدولة والسلطة من رَحم المجتمع ذاته، وبالتفاني لتطبيق السياسات العادلة والمتوازنة الهادفة لخدمة الاجتماع السياسي والثقافي في المجتمع، فما بالنا من اعتناق الحداثة والأخوة الوطنية والإنسانية، لذا ظلّ مشروع الفدرالية في العراق مجرد مصطلح مهترء وصارت الدولة العراقية في النهاية كيان هش فاقد لسیادته، لم يتخذ من الإقليم الكوردستاني نقطة انطلاق وإشعاع، يغمر منها كل أنحاء العراق.
أما الإحتجاجات الشعبية الأخيرة والتظاهرات السلمية في کافة المحافظات الجنوبية من العراق والتي ترید الوطن، فإنها كشفت للملأ بأن الإنسان العراقي رغم القمع المستمر قابل لاستيعاب روح العصر، وقيم الإنسانية والديموقراطية والحداثة، ومؤهل لخلع عباءة القبلية والطائفية، وما يصاحبها من قيم وعادات وتقاليد تنتمي بالفعل إلى متحف التاريخ و الرافض للبنية السياسية الفاسدة، لکن الأمبراطوریات الفاسدة من الأحزاب الدينية المؤمنة بالمشاريع الدينية والعقائدية الشمولية التي إحتکرت السلطة ونشرت نفوذها طوال 17 عاماً بالقوة والبلطجة من أجل أسلمة الحياة والثقافة علی غرار مشروع ولایة الفقيه المنتهية صلاحیتها غير قادرة علی إستیعاب هذا التحول النوعي، فكيف بالتقليل من الإنقسام المجتمعي المتواجد.
إن ممارسة حق المواطنة من قبل المتظاهرين يعني تفكيك آليات العجز لتغيير قواعد اللعبة ، بتشكيل عوالم ومجالات و إبتكار أساليب ولغات أو خلق موارد و فرص تحدث تحولاً في الفكر وتسهم في تغيير الواقع العراقي نحو الأفضل لاإمتلاك وقائعيتها بعيدة عن ثقافات عاجزة وحداثات هشة وشعارات مستهلكة وتقسيمات فقيرة وخادعة أو النرجسية والمكابرة والمحافظة والتقليد والتحجر والذُعر من المتغيرات وتبرئة الذات لرمي المسٶولية علی الغير.
ما شاهدناه في الأقليم هو إحتذاء حکومة إقلیم كوردستان بنماذج ناجحة في الحکم الرشيد و هي سوف تستمر في نشرها لقيم الحضارة والمدنية والديمقراطية وحماية تجربة التعايش السلمي بين المکونات المختلفة وإحترام حقوق الإنسان.
أما فيما يخص حکومة المستقبل في العراق بعد إنتصار صوت المتظاهرين، فما علیها إلا أن تمارس الشراكة الحقيقية مع شعب كوردستان لصنع المستقبل علی نحو إيجابي وبناء علیه أن تتحمل المسٶولية المتبادلة وتتقن لغة الشراكة والمداولة برٶی ومفاهيم ومفردات المفاوضة والتسوية أو التعاون، ومن غير ذلك فسوف تکون مستقبلها مجهولة ومعها سوف يعيش العراق في مستقبل مجهول.
وختاماً نقول: یجب أن تنتهي حروب الوكالات و تنتهي معها عملية جعل العراق ساحة لعب للميلیشيات العازمة علی إبقاء حالة الفوضی و حالة اللادولة. من يريد بناء عراق جديد مصون سيادته، علیە الإحتکام الی العقل والمنطق و تشجيع الإصلاحات الممنهجة والعمل علی مکافحة الفساد وتعزيز سيادة القانون وإعادة الخدمات وتطوير البنية التحتية وإضفاء شرعية كبيرة على عملية سياسية جديدة والإبتعاد عن عراق غير ديمقراطي لاتؤمن بحقوق شعب كوردستان أو بفدرالية الإقليم و دستورية مؤسساته الفعّالة.
الدکتور سامان سوراني


31
سيظل إقليم كوردستان عامل إستقرار ومهد للسلام والمحبة
يقال بأنّ فلسفة السلم تحمل في طياتها السلام الظاهري وتری في الدستور والقانون طريق معبّد لضمان النفس والجماعة وأنّ اللاعنف يقوِّض جدران الكراهية ويمدُّ جسور السلام والمحبة، فاللاعنف إذن هو أفضل وأسمى بما لا يُقاس من العنف لأنه يتطلب شجاعة كبيرة وإحتراماً للخصم.
هنا نستطيع أن نشير الی دور القيادة الكوردستانية في نشر ثقافة اللاعنف، فإنها أکدت من خلال مبادراتها الحکيمة والمستمرة بأن سياسة اللاعنف هي الأداة العصري، من خلالها يمکن الوصول الی حلول مقنعة حول كافة القضايا المرتبطة بالآن والمستقبل وأن الحوار الهاديء والبناء هو ذلك الفن المتميّز، الذي یمکن إستخدامە للتواصل وهو أيضاً اللغة الإنسانية السامية والقادرة علی البناء، تمنع الهدم.
هذه القناعة تبنتها القيادة الكوردستانية کإستراتیجية عمل وسیاسة لحل النزاعات بهدف إعطاء الأجيال القادمة حقَّ الحلم بعالم تملؤه الحرية والكرامة والسيادة.
إن نسج العلاقات بين المكونات الكوردستانية بعقلية السلم والشراكة و بلغة التسوية وثقافة التعدد والتنوع، علی نحو يفتح آفاق الحوار والتعاون والتضامن علی سبيل النفع المتبادل و الإثراء المتبادل، هو الطريق الذي يخلق القدرة علی تفكيك العنف المصنوع من قبل البشر، إنە وسيلة يجعل الإنسان قادراً أن يفکر  بعقل تداولي ليتغير ويسهم في تغيير سواه علی نحو مثمرٍ وخلّاق.
التاريخ علمنا بأن الأفكار الخصبة والتجارب الفذة والنماذج الناجحة في مكان ما، تغدو ملك البشرية جمعاء، أياً كان مصدرها والتفاعل بين الحضارات منذ أقدم الأزمنة شاهد علی مانقول.
لقد أصبح إقلیم كوردستان في الأعوام الماضية، بسبب بروز ظاهرة الإرهاب وتدهور الأوضاع السياسية في مناطق کثيرة من العراق وإنتشار العنف الدموي الذي أودی بحياة الكثير من المدنيين العزل، ملاذاً آمناً للقوميات و الطوائف الدينية.
وبعد تغلغل العلمانية والعقلانية في الإقليم ترسخ الإيمان بمبادیء الديمقراطية والذي بدوره سهّل مسألة إنتشار الوعي المجتمعي والسياسي بين أفراد الشعب الكوردستاني وقلّل من مرض التعصب المذهبي أو القبلي أو القومي، مما أدی بالنتيجة الی منع ربط المواطنة بأشخاص أو أحزاب أو قوی تعمل من أجل المصالح الضيقة والأهداف الآنية، وهذه بدورها ساعدت علی ترسيخ مفهموم المواطنة وتعزيز ثقة المواطن بالقوى الفاعلة.
وبالإهتمام بتاريخ الديمقراطية والسلطة الديمقراطية والحرية الديمقراطية والمساواة الديمقراطية يمکن خلق توازن في المجتمع و العمل علی تشريع قوانين عادلة، تحقق المصلحة المشتركة للدولة والفرد، بغية تسهيل عملية الاستعداد النفسي والفكري للالتصاق بالوطن تاريخاً وأرضاً وشعباً وقيماً. ففلسفة الحكم ما هي إلا فصول من حيرة الإنسان وحكمة الإنسان عبر حكومة الإنسان.
شعب إقليم كوردستان يدرك بأن مسألة العيش معاً في دولة ما لايقوم بمهامها من يتصدرون واجهة الدفاع عن مذاهبهم وقضاياهم ومعسكراتهم بالعقليات السائدة والأنظمة المتحكمة والمقولات المستهلكة وإنما ينهض بها من یحسّن الاشتغال علی خصوصيته وتحويل هويته لكي ينخرط في بناء عالم مشترك يتيح التعايش والتواصل ، علی نحو سلمي تبادلي في أطر وطنية أو إقليمية أو عالمية.
أما القيادة الكوردستانية، التي تسير علی خطی البارزاني الخالد فهي تسعی بأن نخرج نحن من عقلية الثبات والمحافظة، تلك العقلية التي تنتج التراجع والتبعية، لكي نسير نحو منطق التوليد والتحويل بتنشيط العلاقات الدبلوماسية وتفعيل جسور التواصل مع المحيط الاقليمي والدولي، لأنها تعرف تمام المعرفة بأننا به نرفع شأن ومكانة إقليم كوردستان  في المجتمع الدولي ولدی المنظمات العالمية.
وستسعی حکومة الإقليم الجديدة بخطواتها الإصلاحية الجبارة الی تعزيز المؤسسات القائمة لتكون أكثر قدرة على إنتاج تنمية فعلية على أرض الواقع، لتحمي الناس وتحافظ على الأمن والسلام.
هكذا يمکن صناعة واقع كوردستاني جديد يوظف نفسه في خدمة السلم العالمي مناهضاً للعنصرية أو طائفية و سياسة و ثقافة الإقصاء والتهميش وهكذا تهدم جدران الكره والعداء بين المواطنين وتقطع الطريق أمام تحويل الإختلافات الإيديولوجية أو الهويات العرقية والدينية الی زنزانات عقائدية أو الی مصانع لإنتاج الفرقة والفتن.
لقد أثبت إقليم كوردستان للمنطقة والعالم أنه مصدر للإستقرار في الشرق الأوسط، فهو يرتکز في إدارة الحکم علی العلمانية والمواطنة والديمقراطية ونشر ثقافة التعايش السلمي القائم على أساس الثقة والاحترام المتبادلين والهادف الی التعاون والمحبة والسلام.
نحن نعلم بأن لکل عصر شكله في النضال و مفهومه للتغيير، والذي لا يعترف بما يقع تهمشه الوقائع ومن لا يقوم بتشخيص الواقع لايقاومه ومن لا يستخدم لغة مفهومية جديدة لايساهم بشكل إيجابي في تغييره.
وختاماً نذكركم بقول السياسي البارز والزعيم الروحي للهند مهاتما غاندي (1869 - 1948): "ليس هنالك طريق للسلام، بل أن السلام هو الطريق".
وکل عام وأنتم بألف خير.
الدکتور سامان سوراني

32
حكومة إقليم كوردستان وصناعة الإستقرار السياسي في العراق
بالرغم من أن الوعي الكوردستاني عانی لأكثر من  نصف قرن التسلط والإرهاب والمحاربة الدائمة من قبل الأنظمة القمعیة الحاکمة وبالأخص من قبل النظام الدیکتاتوري البعثي المقبور، إلا أن إقلیم كوردستان يعیش مع قدوم العام الميلادي الجديد 2020 حقبة آفاق مفتوحة تسلحه بإرادة إنسانية مستديمة وثقافة تعلي من شأن الإنسان الكوردستاني وحقوقه، وتصون كرامته ومكتسباته، وتجذر وتعمق خيارات الحوار والتعددية والتسامح ونظاماً سياسياً، يستند في إِدارته وحكمه على مبدأِ المشاركة وتداول السلطة وإرساء دعائم الديمقراطية في الحياة العامة.
أما حکومة الإقليم، فإنها قامت في السنوات القريبة الماضية بالعمل الجاد من أجل الوصول الی نموذج الحكم الصالح "Good Governance"و إجتیاز إمتحان المعرفة والديموقراطية والتنمية لكي يستطيع شعب الإقلیم ممارسة هويات عابرة ويتعامل مع معدنه کتراث لا کمتراس، حتی تکون هویته في النهاية عابرة منتجة مبدعة خلاقة، من خلالها يساهم في منجزات الحضارة الحديثة.
بهذه الصفات والقدرات تمکّن الإقليم من أن يلعب دوراً مهماً في مکافحة الإرهاب والتطرف ويصبح عاملاً مهماً في صناعة الإستقرار السياسي في العراق والمنطقة.
نحن لا نقول بأن القدرات الإنسانية للإقليم في المعرفة وفي تمکين المرأة مکتملة، فلازالت حرية تكوين الروابط المدنية وجمعيات النفع العام ضعيفة وأنساق الحکم الإداري شبه مركزية والمشاركة السياسية تدار بأسلوب مركزي جزئي خاضع لتنظيم شديد لايشمل جميع المواطنين.
هنا ينبغي علی حکومة الإقليم الإستمرار في تعزيز ودعم وصون رفاه الإنسان الكوردستاني وتوسيع قدراته وخياراته وحرياته الإقتصادية والإجتماعية والسياسية، کما ينبغي أن تبدأ بتفكيك آليات وأساليب قديمة متحجرة سائدة، لأن إدارة البشر في عصر العولمة يحتاج الی إبتكار سياسي ومٶسسي جديد يتلائم مع التغير في نمط السلطة.
فالهوية هي ما ننجزه نحن ونحسن أداءه، أي مانصنعه بأنفسنا وبالعالم ، لا ما نتذكره ونحافظ علیه أو ندافع عنه.
أما الفضل في مواجهة التحديات التي واجهت الإقليم في الأعوام السابقة، کتعثّر الحکومة إقتصادیاً وإستنزاف الحد الأقصی من أموالها جراء أعباء الحرب ضد تنظيم "داعش" لأكثر من أربعة سنوات فيعود الی سياسة الحكيمة للقيادة الكوردستانية المعتصمة بقيم الديمقراطية والمٶمنة بالتعایش السلمي بین المکونات و الأدیان.
لذا تبقی حکومة الإقلیم مدعومة ومحترمة من قبل أصدقاء شعب كوردستان لدی الأسرة الدولیة والمجتمع الدولي.
إن العمل الدؤوب من أجل صناعة الواقع والحضور في هذا الزمن بشکل فعال و مزدهر والإيمان بأن إقلیم كوردستان هو جزء من القرية الكونية الصغيرة التي نعیش فیها والإحساس بأن الترابط والتشابك بين مصالح المجتمعات الإقتصادية والثقافية لافكاك بینها، ساعد بشکل إيجابي في تنامي وتطور الوعي السياسي والإجتماعي لدی المواطن الكوردستاني ومكّنه ليحسن الإفادة من الماضي والتاريخ و يُجدر إستقبال آلآتي من الزمان، هکذا  يقف شعب الإقليم ضد کل نظام لایحترم التعددية وحق الاختلاف والتداول السلمي للسلطة وحقوق الإنسان وحرية التعبير والتفكير والتطلع الی حياة أفضل.
فيما يخص العراق ، فإننا وللأسف لم نری، رغم مضي 16 عام من الحکم، إرادة للبناء وخلق المواطنة أو الوصول الی مستوی فهم الدولة الحقيقية، لذی بقيت الدولة العراقية علی شکل سلطة ساهمت في هشاشتها و فشلها، ناهيك عن إهمال عملية الإصلاح السياسي والإداري والتخلص من الفساد والرشوة والمحسوبية والمنسوبية في دوائر ومؤسسات الدولة، التي هي ولیدة السیاسة الفاشلة لبعض کتل الإسلام السياسي والأحزاب الطائفية المسيطرة طوال فترة ما بعد سقوط الطاغي صدام علی الساحة السیاسیة العراقية.
يطالب الشعب العراقي المحتج والمنتفض اليوم بإصلاحات جذرية في کافة المجالات السياسية والإدارية والإجتماعية والإقتصادية لتعزیز الإنصاف والعدالة الإجتماعية ومعالجة المسائل المتعلقة بكفاءة أجهزة الإدارة العامة من خلال تبسيط الإجراءات وإعادة هيكلة الجهاز الإداري وتطوير منظومة القوانين والتشريعات الإدارية وتفعیل دور البرلمان لمنع ممارسة الحکومة والنظام إستئثار أو إحتکار و مصادرة وإهانة، سواء في مایخص السلطة والثروة أو الحقيقة والحریة والکرامة.
هذا الشعب يريد بأنتفاضته أن يرسم حدوداً أو ينهي سلطة الأحزاب الحاکمة الفاسدة والغير ملتزمة بالدستور والقوانین و التي شکلت دولة داخل الدولة.
لقد آن الأوان ليتحرر هذا لاشعب من العقد والحساسیات الحزبیة والطائفية والهوس النضالي والهذر الثقافي والآفات التي خلقت اللاإستقرار السياسي وعرقلت مشاریع التقدم والرفاه وحضور العدالة الإجتماعية والمشارکة في صناعة القرارات المصیریة.
هناك إرادة لدی المواطن العراقي المحتج لتغيير نفسه لکي يسهم في تغيير سواە، أو في تحویل واقعە، بقدر ما ينجح في تغذیة العناوین المطروحة وتحویل المفاهیم السائدة في ضوء التحدیات والمستجدات. إنه قادر علی وضع أجندة متماسكة للمستقبل، وتحويل تعبئة الشوارع إلى قوة سياسية منظمة، لإيقاف مشكلة التدخل الخارجي بالشأن العراقي ومنع إسناد المناصب الحكومية لغير الكفوئين والنفعيين وتسلط الاقتصاديات أو سيادة المناهج الطائفية والقبلية في إدارة الدولة.
نحن نعرف بأن الديموقراطية تنمو ببطء، وليس من خلال ثورات عنيفة. ومن أجل کسب شعبه علی الحکومة القادمة في العراق أن تسير علی خطی حکومة إقلیم كوردستان في زرع القيم الديموقراطية أو ما تسمى بالقوة الناعمة. حلیه رسم خارطة جديدة لعلاقة الفرد بالدولة والمجتمع والحیاة المدنية على الصعد المعرفية والسياسية والخُلُقيّة، أي ما يخصّ علاقة المرء بذاته وبالآخر، أو بالواقع والعالم.
ومع قدوم العام الجديد 2020 نتمنی للعراق ولشعبه السلام والإستقرار والأمان ولشعب كوردستان نتمنی النجاح والتوفيق للوصول الی ما يهدف إليه من آماله العريضة وأحلامه التي يطمح الیها.
الدکتور سامان سوراني


33
بزوغ شمس التظاهرات الإحتجاجية المدنية وسقوط أوهام دولة المليشيات

 بعد أن أتجه المسار السياسي في عراق مابعد عام 2003 نحو التخندق الطائفي والقومي وبعد أن تبلور نظرية جمع هياكل النظم التسلطية بشكل مضطرد بيد الأحزاب والقوی السياسية الشيعية القريبة من ولاية الفقيه المسيطرة والماسكة بزمام الأمور بات موضوع تقوية الملیشیات الشیعیة المسلحة من بديهيات الأمور وأول الواجبات وأبسط قواعد المنطق.
وهكذا تمّت قراءة الفاتحة علی النظام الحرّ التعدّدي، الذي کان من الممکن أن يحترم الدستور ليصبح أحد أفضل الأنظمة الحاكمة في منطقة الشرق الأوسط.
اليوم ومع إستمرار الإحتجاجات الشعبية يتمسك الكثير من المتظاهرين في العراق بمطلب واحد ألا وهو إنجاز تغيير حقيقي في النظام، بعد أن أستخدمت المليشیات المسلحة العاملة لأجندات خارجية وجهات أخری أمنية مناهج قاسية في التعامل مع المتظاهرين المطالبين بأبسط حقوقهم المعيشية والخدمية.
التظاهرات الأحتجاجية الثورية الجماهرية في العراق والتي يمكن أعتبارها متنفس للأحتقان الشعبي الحاصل نتيجه للسلوك الحكومي الغير مرضي منه جماهيرياً ماهي إلا مظهر بسيط من مظاهر الحياة الديمقراطية، لکنها رغم مقتل أكثر من 500 شخصاً من المتظاهرين وإصابة حوالي 20 ألفاً منهم بجروح أثبتت قدرة الشعب علی تحمل مستويات خطيرة من القمع والعنف المتوحش من قبل جهات تداولت تسمیتها بـ"الطرف الثالث".
إن إستمرار المظاهرات في العراق بالشكل السلمي بغية تحقيق المطالب الشرعیة أمکن  بناء وحدة العراقيين من غير ادعاء أو تنظير. ونجاحها سوف يطوي حقبة الطائفية و يتجاوز عصر الأصوليات الدينية بنماذجها المليشیاوية الفاشلة والتي أشتغلها أصحابها بفبرکة الأوهام وتلفيق نظريات مستهلكة لم تنتج سوی الفساد الإداري والسرقة والعزلة والهشاشة والهامشية علی مسرح الأحداث.  إن هذه النماذج الفاشلة التي إدعت طیلة عقود زمنية خلت بالتحرير والممانعة والمقاومة فقدت اليوم علی المستوی الإقليمي والعالمي کل المصداقية والمشروعية والفاعلية، سواء من حيث فهمهم لقضایا مرتبطة بالعالم أو من حيث برامجهم في تغيير الواقع.
العراق يتغير اليوم علی يد قوى شبابية جديدة كانت مستبعدة أو مهمشة وربما محتقرة من جانب الأحزاب الدينية الغير منخرطة في الحداثة الفائقة والسيالة للعصر الرقمي والواقع الافتراضي. هذه الأحزاب إدعت احتكار الوعي والعلم والمعرفة بأحوال العالم، قامت بتقسيم مصادر الدولة ومأسسة الفساد وخرجت جاهلاً بأمور السلطة والسياسة، رغم أنها الی اليوم لاتعترف بفشلها وإفلاسها.
أن النظام الذي أتبع نهج الطائفية المقيتة منع نشوء حكومة فاعلة تقوم بتطبيق بنود الدستور و حل المشکلات العالقة. هذا النظام أحبط بنهجه المواطنين الشرفاء، الذين قاموا بالحراك الجماهيري خارج أطر القنوات الرسمية لمؤسسات الدولة والذين بطرحهم رؤية جديدة بشأن حقوق المواطنة والديمقراطية وتغيير القيم و بمطالبتهم مستويات حياة جيدة، یشکلون الكتلة الأکبر، آملين الخلاص من کافة الأحزاب الفاسدة المتسربلة بعباءة الدين والتي شاركت في العملية السياسية منذ عام 2003 حتى اليوم.
اليوم وبعد إنهيار النظام الذي تأسس مابعد عام 2003 وضم الفساد والشرذمة ورفض الأسس الأیدیولوجية والطائفية، التي تم علی أساسها تقسيم المجتمع العراقي، يواجه المشهد السياسي العراقي أزمة حادة في اختيار رئيس الحكومة المقبلة، جراء کل الضغوطات الشعبية على ضرورة المجيء بشخصية مستقلة عن أحزاب أو تیارات السلطة أو کل تدخل خارجي، أي من خارج الوسط الحاكم منذ 16 عاماً.
هذه المعضلة لایمکن حلها في فترة وجيزة أو عن طریق إنتخابات مبكرة، دون إستمرار ماكنات القتل والترهيب من طرف وتزايد الرفض الشعبي لهذا النظام من طرف آخر.
صحیح بأن نظام الملیشیات لیس بيت من ورق، بل هو نظام قوي يحتاج لاستراتيجية طويلة الأمد لتدميره بالتمام، لکن إرادة الشعب المحتج وقدرته علی الإستمرار في تظاهراته وثورته المدنية تستطیع إسقاط کافة أوهام دولة المليشيات المسلحة، لیس في العراق فقط بل أیضاً في کل المنطقة.
الدكتور سامان سوراني

34
سفينة إقلیم كوردستان لاتبحر بإتجاه اللاإستقرار السياسي في العراق
في السنوات الماضية کانت الهوية الوطنية الواحدة لإقلیم كوردستان جداراً صلباً ومنيعاً لصد جميع المحاولات الإرهابية البشعة لتنظیم داعش الإرهابي وقوی شوفينية خارجية أخری، و ستظل هکذا.
إن تلك المحاولات والهجمات الشرسة أرادت النيل من وحدة وتماسك وقوة المجتمع الكوردستاني وعملت بکل مالدیها من قوة من أجل هدم إستقرارە وأمنه وإيقاف نهضته الإقتصادية والعمرانية والمدنية، لکنە وبفضل القيادة الحکيمة وإصرار شعب الإقلیم الصامد لم تنجح کل تلك المحاولات البائسة كسر أو قهر هذا التماسك المجتمعي القوي. 
أما أسباب اللاإستقرار السياسي في العراق  فهي عديدة، منها تاريخية، اقتصادية، سياسية، اجتماعية، ثقافية، قانونية، ودولية. وتلك الأسباب خلقت إضطرابات سياسية عنيفة إنتهت بالقمع الوحشي وانعدام السلم الاجتماعي والمدني وتعدد الولاءات والقيم والمرجعيات الوطنية وكثرة الصراعات والتناقضات. التطورات الأخیرة في العراق تثبت لنا وبکل وضوح بأن التاریخ في الشرق الأوسط یعید نفسه وللمرة الألف.
هناك قوی تعادي التأقلم مع العالم المتحضر وترید العیش في الماضي، أي تريد الإستمرار في سیاسة السلب و النهب والأنفال والتعریب والترهیب، لكي تتوقف عجلة التنمية والحياة المدنية وتغیب الشرعية ويموت الأمل. عراق اليوم بأشد الحاجة لدولة عصرية مؤهلة، دون غيرها، لضبط حدود الحريات والحقوق وتوازن المصالح في مناخ يتسم بالأمن الجماعي والاستقرار السياسي.
نحن الآن في الربع الأول من القرن الواحد والعشرین، وشعب الإقلیم يعرف جیداً بأن عولمة الهوية الوطنیة لا تحدث دون إمتلاك للمعرفة أو لمفاعيل علمية.
أما الشأن العام فهو اليوم لم يعد حكراً علی منظومة خاصة أو نخبة سياسية، بل هو مجال تداولي يمكن لكل فاعل اجتماعي المساهمة في تشكيله و توسيعه أو الدفاع عنه وذلك عبر الإنخراط في المناقشات العمومية أو بتسليط الضوء علی قضايا الساعة أو تقديم مبادرات خلاقة لحل المشكلات وتدبر الأزمات.
الهوية القوية والفعّالة ليست ما يملكه المرء أو يُعطی له ، وإنها ليست كياناً ما ورائياً ، وإنما هي ثمرة الجهد والمراس والإشتغال علی المعطی الوجودي ، بكل أبعاده ، من أجل تحويله الی أعمال وإنجازات ، فهي إنبناء وتشكيل بقدر ما هي صناعة و تحويل.
شعب الإقلیم يريد العيش بسلام ليس مع الشعب العراقي فحسب، بل مع جميع شعوب المنطقة والعالم و يهدف الى بناء علاقات حسن الجوار المبنية علي مباديء الإحترام المتبادل والمنافع المشتركة.
بالتأكيد هناك الكثير من القواسم المشتركة مع اكثرية الدول في العالم، وهو يريد أن يكون مع العراق عضواً فعالاً ومفيداً للمجتمع الدولي. يحترم حقوق الإنسان والأقليات والأديان والمذاهب ويرغب في مد يد الصداقة وبناء جسور الثقة و التعاون المشترك. شعب الإقلیم يتمنی للعراق الإستقرار و لايرغب أن تبحر سفينته بإتجاه اللاإستقرار السياسي في العراق. 
إن الحکومات التي أتت بعد سقوط نظام الطاغي صدام عام 2003 الی الحکم قوضت فكرة المواطنة وألغمت المٶسسات الديمقراطية بإفراغها من مضمونها و تحویلها الی نظام طائفي أو الی جهاز ميليشياوي مهيمن، مارس التفاوت والإقصاء بعد أن آمن بأن التنمية لا تعني سوی النهب والسلب والفساد وأن حرية التعبير يجب أن تحجب وتضلل وتقمع بآليات مدروسة ومنظمة.
وکانت النتيجة خروج الملايين من أهالي وسط وجنوب العراق الشرفاء الی الشوارع لإعلان العصيان المدني بهدف تغيير النظام المتهم بالفساد والفشل. 
اليوم  يريد الشعب المتظاهر والمنتفض في العراق أن يشتغل علی ذاته ليبتكر إنسانيته من جديد، من خلال التمرس بأخلاقية الحقيقة وصناعة الحدث وتجاوز المشروطية وممارسة الإنفتاح الحضاري والتعايش الفكري.
لقد كان شعب كوردستان في الماضي ضحية منطق أحادي تبسيطي مغلق. أما السلطة الحاكمة في بغداد فقد مارست في السابق بسياساتها الفاشية ضده أشد أنواع الإرهاب، ولاننسی أبداً بأنها قامت علانية بتهجيرهم وتعريبهم وإبادتهم جماعياً.
لذا نؤكد هنا بأن الهوية الوطنية الكوردستانية الواحدة والمتشكلة من اللغة والتراث التاريخي للمجتمع الكوردستاني ومن القيم الحاكمة له، بالإضافة الی رٶیته وأهدافه المستقبلية المستندة الی القيم الإنسانية العالمية، كالحرية والتسامح والإخاء الإنساني والعدل والمساواة، التي تعزز احترام وحماية حقوق الإنسان والتعايش السلمي وتصون الحريات الخاصة والعامة وتضمن الأمن والاستقرار المجتمعي سوف تحمي إقلیم كوردستان من اللاإستقرار السياسي في العراق.
الدکتور سامان سوراني


35
الولادة الجديدة للعلمانية في الشرق الأوسط وسقوط أقنعة الإسلام السياسي
بما أن العلمانیة رؤیة کونیة تهیمن علی الإنسان أینما کان وتجرّد الكون من القداسة، فإنها تسطح الأرضیة للنهضة، أي للولادة.
وفي النهضة يتنور الإنسان ويتجاوز مرحلة الطفولة والإعتماد علی التفسير الغيبي وطلب العون من قوی ماورائیة، ليدخل بالتنوير مرحلة الرشد والنضج ويصبح قادراً علی القیادة وتولي أموره بنفسه.
هناك الیوم في العراق و لبنان نهضة جماهيرية جعلت من العصيان والسلم المدني سلاح لإستهداف تغيير الواقع المرير، بعد أن عاش الشعب في کلتا البلدين فترة مظلمة تسلّط فیها أحزاب الإسلام السياسي المسيئة بحکمها الفاسد لکل شيء مرتبط بالقیم والدولة والوطن والسلام والتقدم والأساس الديمقراطي وكذلك بالدين نفسه.
هذه الأحزاب التي مارست بأیدیولوجیاتها الشمولية أو الكُليَّانية السلطوية وفرضت عن طریق میلیشیاتها المسلحة علی شعوب المنطقة حکم الإستقالة من التفکير الحي الخلاق المبتكر.
نحن نعيش اليوم في زمن التطور التكنولوجي والثورة المعلوماتية، التي لم تترك مجالاً في حياة البشر إلا وأثرت فيه بشكل إيجابي من خلال تسهيل الوصول إلى المعلومة ومراكمتها وتحليلها بدقة أكبر، الأمر الذي حول علم السياسة من علم نظري ضعيف إلى علم دقيق يستعمل لغة الرياضيات ومناهج التحليل.
السؤال هو، هل بإمکان منظّري أفکار العصور الوسطی وحاملي مناهج الثورات الدينية المنتهية صلاحیتها مواجهة تلك القوة السيبرانية القادرة علی الحصول على النتائج المرجوة من خلال استخدام مصادر المعلومات المرتبطة بالفضاء السيبراني وذلك لإيجاد مزايا للدولة والتأثير على الأحداث المتعلقة بالبيئات التشغيلية الأخرى عن طریق أدواتها السيبرانية؟
الشعوب المنتفضة المطالبة لحقوقها المشروعة في العيش بكرامة وحرية و أمان تستخدم في عملها السياسي الوطني وفي تواصلها الإجتماعي وسائط عصرية ذکية لتنشر من خلالها الوعي السياسي، مع القيم کما في التنوير موضوع للإختيار، لايحق لجهة ژوو جماعة فرض قيمة علی أفراد أو جماعة أخری.
النظام الثيوقراطي أو اللاعلماني شرط نافٍ بطبيعته لاستقلالية الإنسان العقلية والأخلاقية.
إن بناء دولة سيادة القانون القائمة على مبدأ المواطنة والتأكيد علی مبادئ الديمقراطية الحقة وأسس العلمانية وانتهاج التعددية السياسية، القائمة على أساس تنوع الفكر السياسي والبرامج السياسية أمر ضروري لضمان التوزيع العادل للثروة وتكافؤ الفرص للجميع والتداول السلمي للسلطة.
أحزاب الإسلام السياسي المأجورة جاءت علیها سكرة الموت بالحق لأنها فشلت منذ 2003 الی اليوم فشلاً ذريعاً في معالجة واقع الفقر، وإشاعة ثقافة التنوع والتسامح والسلام، ونبذ العدوان، ونزع فتيل العنف والإرهاب، وتحقيق العدل والرفاهية والتقدم، والتنمية الاقتصادية المستدامة، فکيف يمکن للشعوب أن تثق بهم لاستئصال الفساد المالي والإداري، ومقاضاة الفاسدين وسارقي أو مهدري المال العام، واسترجاع الأموال المسروقة؟
نحن نعتقد بأن الدين مرتبط إرتباطاً وثيقاً بوجدان الإنسان، وعلى النظام الذي يقود السلطة في المستقبل القريب في کل من العراق و لبنان أو أي بلد آخر منتفض أن يتعامل مع أفراد المجتمع وفق مبدأ الوفاء للوطن وخدمته والعمل على ازدهاره ورقيه في مختلف المجالات، ليس باعتبارهم مسلمين أو سنة أو شيعة أو مسيحيين أو دروز أو غير ذلك.
وختاماً سواء كان المجتمع متعدد الأديان أو غيرها من الانتماءات الاجتماعية أو غير متعدد فإن الموقف العلماني يبقى هو المناسب لتحقيق المجتمع الفاضل أو الأفضل.
الدکتور سامان سوراني



36
العراق والإنتقال من دولة المشروع الی مشروع الدولة
الإحتجاجات والمظاهرات الأخيرة في وسط و جنوب العراق والتي تسمی بـ"ثورة تشرین"، أثبتت بأن الوعي السائد في أجهزة الدولة يعاني من أزمة حادة، تكمن في إنفصالها العميق عن الشعب و إرادته، وبعده عن خياراته وقناعاته الكبرى، مما أدخل المجتمع العراقي في أتون صدامات صریحة و مضمرة مع الطبقة السیاسیة الحاکمة.
لقد فشلت القيادات السياسية منذ أكثر من 16 عام في صوغ مشروع وطني جامع يستهدف البناء وتعميق الحريات والتنمية الشاملة على مستوى المحلي ويبلور مقاصد الجميع على المستوى الحضاري.
هكذا تم إرهاق المجتمع العراقي و جعله على هامش الصيرورة و حركة التاريخ المعاصر.
السؤال هو، هل بأمكان القوی المحتجة صناعة قيادات جديدة تستطيع أن تنجز مشروعاً مدنياً قادراً علی البدء بعملية البناء أو إعادة البناء أو النهوض بالعراق الفيدرالي و تحقيق إصلاح شامل ومتكامل للحقل السياسي الوطني؟
نحن نعلم بأن الشعب العراقي المحتج والغاضب قد أعلن منذ إنطلاقة الثورة بشعاراته طلاقە من جميع الأحزاب السیاسية الدینیة، التي زرعت بذور الطائفیة المقیتة وفشلت طوال مدة حکمها في الإتفاق علی أبسط معالم الوطن، کالعلم الجامع لکافة المكونات والنشيد الوطني الجامع لكافة المکونات، لا النشيد الغير عراقي، وإحترام خصوصیات القوميات وصون الدستور و تنفيذ قوانیها.
إذن العراق الفدرالي الیوم بأشد الحاجة الی إصلاح ثقافة وفكر وسلوك سياسي وهياكل ومؤسسات وقوانين وأطر إرشادية موجهة لبناء الدولة بشكل سليم، حتى تتم إعادة الإعتبار والثقة بالسياسة من قبل المجتمع.
 
يريد هذا الجيل الشبابي المنتفض والحامل لراية مكافحة الفساد والمحسوبية والمنسوبية أن لاتستمر حیاته في العيش تحت اليأس من أداء القوی السياسية الحاکمة منذ سقوط الطاغي صدام حسين، بل التقدم والدخول بتجربة الكفاءة والخبرة والنزاهة في تولي المواقع ووضع آليات لمنع تكرار ماحصل في السابق.
لقد وصل العراق الفدرالي فعلاً لمنعطف تاريخي مهم وهو يمر الآن في مرحلة صعبة جداً بحيث لايمكن إنقاذە سواء بالاستمرار بالطريق الذي سلكە الطبقة السياسية الحالية الفاشلة والمؤمنة بحکم الحشد الشعبي الغير دستوري والمیلیشیات الدموية الخارجة عن القانون أو تراجع عنه، لذا یمكننا أن القول بأن ساعة التغيير قد حانت لغرض صعود أسماء جديدة إلى سدّة الحكم بعيداً عن رموز الفساد والفشل والمحسوبية والإنتماءات الطائفية والإرتباط بأجندات خارجية، و إعمار مؤسسات الدولة بشخصيات قادرة على قيادة العراق نحو تنمية اقتصادية حقيقية.
لایمكن للعنف المسلح للسلطات القمعية المختفية تحت عباءة الطاغوت الثيوقراطي، والتي تقتل المدنيين الابرياء أن توقف التظاهرات السلمية التي تعبر عن رغبة الشعب في تبني إستراتیجية جادة و نزیهة لمواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وضمان الحقوق المشروعة للمواطنين ليتمتعوا بحياة ديمقراطية و حرية و سيادة علی أرضهم في بلد يعد المنتج الثاني للنفط في منطقة الشرق الأوسط.
وختاما نقول، بأن الشعب المنتفض الواعي والثائر من أجل حقوقه المشروعة في الحرية والتقدم والازدهار الاقتصادي تبحث عن الأمن عبر الدیمقراطية الإجتماعية و أنه لايقع مرة أخری في مخالب استراتيجية الهيمنة الإقلیمية الهادفة لنشر نماذج شمولية دينية فاشية، بل یناضل من أجل إیقاف احتكار السلطة و منع استمرار نهب المليارات من ثروات المجتمع التي يفترض انها ملك لأبنائه. إذن عالم المستقبل يضمن العدالة والدیمقراطیة الإجتماعیة بعیدا عن الأیدیولوجیات الدينية والحکم المركزي وتهميش الغير.
علی العراق الجديد بلورة صيغة حضارية تضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع، بحيث تكون العلاقة علاقة تفاعل وتكامل، ‏لا قطيعة وصدام، ومنهج التفاعل والتكامل، يقوم على سيادة مفهوم الديمقراطية والقانون و حقوق القومیات. وعلیه أیضاً الخروج من الشرنقة الأيديولوجية والطائفية، التي تحيل كل شيء إلى قانون إما مع أو ضد.
بعبارة أخری، العراق الفدرالي بحاجة إلى بناء دولة القانون والإنسان والانتقال من دولة المشروع إلى مشروع الدولة.
الدکتور سامان سوراني

37
إستمرار العصيان المدني وغروب شمس الأحزاب الدينية في العراق
یقال بأن الأزمات والكوارث ليس مصدرها الأقدار فقط، فهي تتجسد في الأفكار بشكل خاص والعقليات والمرجعيات والنماذج والمقولات أو التصنيفات والطقوس التي تهيمن علی المشاهد الثقافية وتتحكم في الخطابات فتنتج عوائق ومآزق وتلغم المساعي الوجودية والمشاريع المدنية أو الحضارية.
منذ سقوط الطاغي صدام عام 2003 و وصول أحزاب دینیة لسدة الحکم في العراق، بات شغلهم الشاغل نشر الجهل والتخلف بين الناس لتنجح خطتهم في نشر ثقافة الفساد في جسد المجتمع العراقي لتسیر هذه الثقافة أخیراً في شریانە سریان النار في الهشیم و تغذية الطائفية والمذهبیة المقيتة وإشعال الصراعات والحروب الأهلية بهدف تقوية شبکاتهم المافیوية، التي تسير في فلك الأجندة الأقلیمية وترعی مصالحها العقائدية.
وبعد أن أصبح الفساد السياسي والأخلاقي والإداري والمالي في العراق مؤسسة ذات نفوذ وسطوة تخلت تلك الأحزاب عن شعاراتها الدينية و دعوتها للعدالة والمساواة و تحقيق الأمن و الأمان و الاستقرار  و بناء العراق الجديد على أساس المواطنة والشراكة الحقيقية و ارتكبت كل ما يُعادي قيم منظومتها الدينية.
هكذا شاركت تلك العقلية الدينية التراجعیة في تضخيم حجم تفاقم عدم الثقة بالحياة الديمقراطية والدستورية وإعادة العراق الی الوراء ليكون علی مدار السنوات الفائتة بحسب مؤشر منظمة الشفافية الدولية من بين أكثر دول العالم فساداً.
إن فشل تلك الأحزاب الدينية في إمتحان السلطة والتماهي والبقاء في دوامة الفساد وهدر أموال الدولة وعدم القيام بمکافحة الفقر والبطالة ومعاقبة المجرمين وإصلاح المدن المهدمة وتطوير البلاد ومنع إنتشار المخدرات أدی الی زیادة الإحتقان الطائفي والحقد والكراهية بين أبناء المجتمع العراقي، لذا يطالب الشعب المنتفض والمحتج في العديد من المحافظات العراقية ذات الأغلبية الشيعية ضد الائتلافات والأحزاب السياسية رحیلهم بعدما تركوا إرثاً من الفشل و الإحباط، لأنهم لم يستطيعوا خلال 16 عام بناء اي مؤسسة حقيقية في العراق ويصححوا أخطائهم ويراجعوا أفعالهم ولا نظن بأنهم قادرين علی تغيير سلوكهم في المستقبل.
يعتبر العصيان المدني السلمي العام، الذي يشمل كل شرائح المجتمع بعد أن مزق أسطورة الطائفية کمبدأ منظم للسلطة السياسية، وسيلة ليقول الشعب كلمته ويرغم السلطة على تنفيذ مطالب شرعية، بعد أن تباطأت الحکومات المتتالية في رسم سياسات لمستقبل العراق وسنحت للميليشيات المسلحة، تستنزف ميزانية الدولة وتسلط علی رقاب الناس وأموالهم و التي يصفها المحتجون بالفاسدة والأسيرة للمصالح الأجنبية.
الی الآن نری بأن المتظاهرين يرفضون إصلاحات الحكومة ويصرّون علی إسقاط الحکومة وتغيير العملية السياسية، بمعنی أنهم يريدون إلغاء النظام من الأساس دون أن يکون لدیهم  خريطة طريق يمكن أن تتحقق من خلالها مثل هذه الآلية.
ومن المتوقع أن تستمر الاحتجاجات الشعبية، التي تقودها جيل جديد منفصل عن النخبة السياسية الحاکمة ولا يعرف النظام الشمولي حتی تغیب شمس الأحزاب الدينية وسلطة المیلیشیات في العراق، أما قرار توقفها فهو بيد الشعب.
وختاماً: "لقد ولی زمن النظريات المركزية والشمولية وزمن القائد والحاکم الذي يدّعي معرفة كل شيء، فعالمنا اليوم إنخرط في أفق فكري جديد أساسه البعد المتعدد، بتعدد القوی والفاعليات وتعدد الإختصاصات والمجالات وتعدد الرهانات والخيارات والحلول. هكذا تجاوز الجيل الجديد المنتفض في العراق مجتمع النخبة والجمهور نحو المجتمع التداولي، بعد أن أستطاع أن يحرق عباءة الطائفية ويخرج من التاريخ بکهوفه وسراديبه من أجل صناعة الحاضر، الذي يهيء لمستقبل يعد بالأحسن ولايثير الخوف أو الفزع من المجهول."
الدكتور سامان سوراني


38
لایمکن للحروب أن تنشر السلام أو تقتل إرادة الحرية لدی الشعوب
بما أن السلام یحمل في طیاته معانٍ إنسانیة عالیة، إلا أن الوصول الیه یحتاج الی عمل دؤوب و إيمان بقيم إنسانية راسخة و قرارات شجاعة مع وجود إرادة قوية و مستقلة لتحقيقه.
نادراً ما نری أطراف تقود الحروب تعتذر للشعوب أو تعمل علی معالجة و بحث القضايا المسببة لنشوب نيرانها عندما يتم فرض السلام.
وللأسف فالكبار من دول العالم والقوی العظمی لاتهتم كثيراً بالمسؤولية الأخلاقية لکبح جماح الحروب الدموية الوحشية و لا تنوي القيام بتغيير السياسات العالمية الراهنة لجعلها تدور في مدار المعادلة التي تقول بأن السلام أقل كلفة من الحروب.
کيف يمکن تسمية أو تعريف أطراف تستعين بجماعات متنوعة من حلفائها المتمردين في قيادة حرب عدواني لغرض إبادة الشعب الكوردستاني الآمن؟
الشعب الكوردستاني المؤمن بالصمود والتعایش السلمي يعيش منذ آلاف السنين في هذه المنطقة، خیاره الإستراتيجي الوحيد هو الحصول علی العدل والحق المغتصب.
وقد قاد هذا الشعب الأبي ثورات كبری ضد الظلم والاستبداد والاضطهاد و حارب نيابة عن المجتمع الدولي والإنسانية جمعاء إرهاب متطرفي داعش و ساهم في تدمير دولته القمعیة البربرية، لكنه اليوم يُخنق، يُحتل أرضه، يُغيير ديموغرافيته و يُجبر علی النزوح والهجرة الجماعية، لكنه يقاوم و يناضل من أجل نیل الحرية والإستقلال.
العدو الذي يغزو اليوم أرض غرب كوردستان و يخرق بأعماله الإجرامية کل القوانين الدولية يستخدم من باب السخرية کلمة "السلام" لعلمياته الكارثیة، فليعلم بأن الحرب ليست فقط نتاج فكرة الحرب، إنه نتاج جنون غير عقلاني وجهل متعمد لا تصمد بشروطها الخاصة.
فهو ينسی بأن السلام هو أساس الإستقرار لا الغزو والقصف والتهجير و زعزعة الاستقرار و تفخيخ العلاقات الإنسانية بين المكونات وترویعهم وتدمير الممتلكات العامة والخاصة. فعن طريق السلام تتحرك عجلة التنمية و يبنی الإنسان، لا بالقتل والدمار وإهدار الطاقات و إبراز الحقد الدفين الذي عُبَر عنه بالقصف بالطائرات و بإطلاق القذائف الصاروخية علی المساكن والمساجد و المؤسسات الصحیة والإجتماعیة. 
ما یحصل اليوم في غرب کوردستان من حرب إبادة لايمكن أن يكون بمعزل عن السياسات الدولية والإقليمية. منطقة "روج آفا" هي اليوم ضحية سياسات القوى الدولية والإقليمية، التي ينبغي أن تضع حداً لفتيل النار والخراب قبل أن تشتعل المنطقة برمتها.
إن السلام لايتحقق إلا من خلال إحترام إرادة الآخر و طریقة عيشه في الحياة وعدم التعدي علیه والدعوة إلى الأمن والأمان والاستقرار.
إذن السلام يستوجب تفكيراً متوازناً وخطوات جدية بالسلم على حساب الحرب، ولا يكتب لمشروع السلام النجاح إلا بعد إخضاع أمور السياسة لقانون الأخلاق والسماع لصوت الضمير، وعلى البشرية أن تختار بين السلام الدائم وسلام المقابر والمدافن.
وأخيرا نقول: تباً لمن يريد جرّ البشرية إلى الانتحار في سبيل تحقيق رغباتە وطموحاتە الأنانية و يستخدم "حرب السلام" لقتل إرادة الحرية لدی الشعوب.   
الدكتور سامان سوراني


39
فلسفة الحب و أصلە عند المتصوفة
يعتقد البعض بأن الحب هو أصل الوجود و مبدأ العالم ومُمِدُّه والإنسان منذ كان أحس به كحاجة عظيمة لە مظاهر شتى تختلف باختلاف الأفراد تعادل في مفهومها معنی الحیاة، بأعتبار الحب عاطفة قوية أو ربط متين بين إنسان وإنسان.
وقد تتعدد أوجه الحبّ وأنواعه تبعاً لاختلاف المراحل التي يمرّ بها الإنسان أثناء حياته، بالإضافة إلى اختلاف الظروف المحيطة التي يعيشها.
فلسفياً یمكن أن يقال بأن الحب كلمة غير مرتبطة بشيء حقيقي أو محسوس، أي إنّه شيء لا يمكن إدراكه بالعقل أو شرحه بالمنطق.
أما القدماء فقد رأو في الحب دعامة من الدعامات الأساسية للفلسفة و شرعوا في بناء نظريات متعددة، طوّرت الحبّ من مفهومه المادي إلى مفهومه الروحي في أعلى سماته، لکونه صفة أساسية تظهر آثارها في سلوك الكائنات الحیة، فمن خلالە یظهر شخصیة الإنسان الحقيقية بعد أن یقوم بإخراج مشاعره التي تتحدی العقل.
الحب إذن هي حالة قصوى من حالات الشرط البشري، وشكل من أشكال ممارسة الإنسان لذاته وبقائه، فهو أسمى وأرقى أنواع العلاقات في الوجود يتأتى نتيجة صفاء القلب ونقائه مما فيه من شوائب مختلفة الألوان.
ولأهمیة الحب في حیاة الإنسان کسب أسماء كثيرة، منها المحبة والهوى والصبوة والشغف والوجد والعشق والنجوى والشوق والوصب والاستكانة والودّ والخُلّة والغرام والهُيام والتعبّد.
عرفه البعض بالمیل الدائم بالقلب الهائم، وإيثار المحبوب على جميع المصحوب، وموافقة الحبيب حضوراً وغياباً، وإيثار ما يريده المحبوب على ما عداه، والطواعية الكاملة، والذكر الدائم وعدم السلوان.
أما علاقة المحب بمحبوبه فتسمو وتظهر وتتشابك لتؤدي إلى تطويع إرادة المحب تحت تصرف محبوبه، وفي نهاية المطاف يمنح المحب أغلى ما لديه وأشرف مايملكه لمحبوبه وهو روحه التي بين جنبيه.
الحب لدی المتصوفة نابع من الصفاء أي صفاء القلب ونقاء أسراره، فيذکر بأن قلب الصوفي لا يعرف إلّا الحب ولسانه لا يلهج إلّا بلغة الحب و صدق من قال بأن لقلوب العارفین عيـونٌ ترى ما لايراه الناظرون.
ما أحوجنا الیوم إلى لغة الحب ونحن نعيش في زمن الكراهية والأحقاد والعنف والحروب.
علینا أن نتعرف علی عالم المتصوف، الذي أنتخب الهجرة فلسفة، وهو يجيد فن النزوح نحو المتعاليات، من الأسفل نحو الأعلی، أي من الأرض نحو السماء‌، للوصول الی الانسان الكامل، الذي يتصف ضمن أعلی مراتب الإرتقاء الصوفي و هذه المرتبة لاتتحقق إلا بالوجد أو الحب، بعد تخليه عن المتع الدنيوية من أجل كشف المحجوب والاتحاد.
ففي نظر سلطان العارفين، جلال الدين الرّومي لايمكن تعليم درس العشق برسائل الفلسفة وعلم الكلام والمنطق، فالعِشق لاتملك الأبجديّة، وكلّ سَعي إلى بيان العِشق وإيضاحه وتفسيره لا طائل من ورائە.
في کتابه "طوق الحمامة" يری ابن حزم الأندلسي أن الحُبّ يبدأ بالهزل وينتهي بالجدّ، وهو شيء لا تُدرَك معانيه ولا يوصَف إلّا بالمعاناة ولاتنتهي إلا بالموت.
أما إبن عربي فيقول: "في النهاية تستولي المشاعر الجيّاشة على صاحبها وتسيطر عليه، لدرجة أنّه لا يشعر بأحد إلّا بمحبوبه الذي يُغنيه عن الكون بأكمله".
الشرط الأساسي للحب هو التخلي عن كل نزوع نحو التملك من أجل محبة الآخر من حيث هو آخر وكما هو موجود.
الحب إذن هو وصال بين الذوات يُحطم قوقعتنا الذاتية، لكي يضعنا وجهاً لوجه أمام الآخر الذي وجدناه، حتى قبل أن نبحث عنه و أياً كان الحب فهو يعطينا دليلاً على أننا نستطيع أن نقابل العالم ونختبره بوعي آخر غير الوعي المنعزل.
الدکتور سامان سوراني


40
السياسة الإئتلافية الجديدة و فاعلية برلمان كوردستان
من المعروف بأن الهدف في تشکيل حکومة أئتلافیة هو ضمان أغلبية برلمانیة لمساندة الحکومة و تمکینها في تنفيذ برنامجها السياسي، الذي یتطلب کما هو مألوف تمرير قوانين داخل البرلمان بأغلبية دون کلل أو ملل.
لکن الأمر في إقلیم كوردستان يختلف بعض الشيء عن ما هو معروف في هذا الإطار، إذ كان بإمکان الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وهو الفائز الأول والحائز علی (٤٥) مقعد برلماني من أصل (١١١) مقعد، أن یحصل بسهولة علی أغلبية برلمانية دون اللجوء الی إرضاء أحزاب أخری عنيدة لتشکيل الحکومة القادمة، بعد مفاوضات عسيرة دامت لأكثر من ثمانیة أشهر قدم خلالها مع إیمانها الکامل بالحوار و لغة التفاوض تسهیلات أو تنازلات قد تعتبر مؤلمة عند أعضاء و موالين لهذا الحزب الفائز.
نتائج الإنتخابات عكست إرادة الشعب وميولە السياسية الحقيقية نحو الحزب الوطني المؤمن بحق تقرير المصير  والسيادة.
أن سعي الحزب الأول في كوردستان لتشکيل حکومة إئتلافية في إقلیم كوردستان، یمکن تسمیتها بحکومة الوحدة الوطنية، هو نتیجة للوضع الإستثنائي الذي عاشه و یعیشه الإقليم بعد مرورە وإجتیازه سنوات حرب ضد التنظیم الإرهابي داعش و خروجه منتصراً علی تلك المخاطر الجسيمة و بعد تحمله تبعات الحصار  والعقوبات اللاإنسانية التي فرضت من قبل حکومة بغداد علی شعب الإقلیم بسبب مشاركتهم الفعّالة في عملیة دیمقراطیة، ألا وهي الإدلاء بأصواتهم في إستفتاء جماهيري تاريخي لإستقلال كوردستان، کلنا ثقة بالحکومة الجديدة في الإقلیم فإنها سوف تكون متینة في أدائها و قديرة في تنفيذ برنامجها الإداري.
أما فیما یخص فاعلية البرلمان، فهناك حاجة ملحة إلى أن يؤسس البرلمان قنوات اتصال أفضل بينه وبين الناخبين على المستويين الشخصي والمؤسسي، مما سيعزز من شفافية أكبر ومشاركة شعبية متزايدة في العملية الديمقراطية، الأمر الذي تشتد الحاجة إليه مع تنامي احتمال خيبة أمل الناخبين.

نحن نعرف بأن الإئتلافات النخبوية العابرة للأيديولوجيات بدون قاعدة دعم شعبي لاتنجح. ومن الأهمیة بمکان أن یتخذ البرلمان نهج استباقي مستقل لمتابعة التشريعات و زیادة الشفافية في أنشطة البرلمان و یرکز علی أهمیة عمل النخبة الفاعلة والقاعدة الشعبیة لإعادة الثقة البعض بالآخر و بالمؤسسات السیاسیة و الإجتهاد في أحیاء مسودة الدستور وإعادة صیاغتها بما تناسب التطورات الحاصلة علی مستوی العراق والمنطقة و مسألة نجاح الإستفتاء لتحدید معالم ومسؤولیات إقلیم كوردستان في المستقبل.
بما أن الدستور الجديد هو وثيقة تهتم بحقوق وواجبات كافة المواطنين، فينبغي لعملية الصياغة أن تعكس ذلك  و تحدد دور قوات البیشمرگة البطلة في إقلیم كوردستان أولوية دستورية.
في عالمنا الیوم و مع التطورات التقنیة السریعة في میادین مختلفة أصبحت الدیمقراطیة التمثیلیة، العددیة، الموسمیة، بدائیة، یمکن لها أن تنقلب ضد الحریات و تأتي بالأصوليات الدینیة، لذا علینا ممارسة أشکال جديدة للدیمقراطیة الیومیة والمیدانیة والقطاعیة، في الساحات و عبر الشاشات و الصحافة و شبکات التواصل، بالإضافة الی الدیمقراطیة التي یمارسهما الفاعلون في مناقشاتهم و مداولاتهم في مختلف حقول المجتمع و دوائره وأصعدته.
إذن علینا تطوير نماذج الدیمقراطیة فکراً و ممارسةً، وإبتکار مانحتاج الیه من أعمال الرقابة والمحاسبة والمناقشة والـساركة في صوغ السیاسات والقرارات، من المساحات والأطر والقواعد والآلیات.
فالنماذج الناجحة في إدارة السلطة في العالم ترکز علی كرامة الإنسان والاعتراف الكامل بقدرته وقيمته وخصوصيته من خلال تكوين إنسان عن طريق التربية والتعلیم.
الدکتور سامان سوراني


41
الدبلوماسية الرقمیة و الحرب الدبلوماسية الأمريكية علی إيران
من الواضح أن ثورة الإنترنت والتحولات الرقمیة في عصر العولمة والمعلومة والصورة دخلت في خلایا وأنسجة هذا العالم وأثرت علی جمیع جوانب حیاة البشر، بما في ذلك العلاقات الدولية. إذ إنها تحولت بفضل وسائل الإعلام الرقمیة الی دبلوماسية وأداة تستخدم في السیاسة الخارجیة.
کلنا نسبح الیوم في فضاء سبراني إلکتروني، هذا الفضاء غیر بتقنیاته و ثوراته و تحولاتە خارطة العلاقات بكل شي، بالكائن والحادث، بالمکان والزمان، بالحاضرة والذاکرة، بالفکر والحقيقة، لذا تعتبر الدبلوماسية الرقمیة في هذا الزمن التقدمي التصاعدي علم يجب تعلم قواعده، وهي فن يتعين الوقوف على أسراره.
لقد أستخدم دونالد ترامب لغة التغریدات الإلکترونیة کأداة لأعلان إنسحاب بلاده من الإتفاق النووي و من ثم بدأ بالحصار الإقتصادي ضد إیران لیتبعه حصار عسکري، بعد ذلك قام بتصنیف الحرس الثوري الإيراني کمنظمة إرهابية، ما شكل ضربة مؤلمة للنظام الايراني.
ثم أعلن بعده بأرسال حشد قوة بحرية وجوية ضاربة، تنفيذاً لاستراتيجية "الضغوط القصوى" علی إیران، بأعتباره خطر علی العالم أجمع. التعزیزات العسکریة الأمریكية المرسلة الی منطقة الشرق الأوسط تضم حاملة الطائرات "أبراهام لنكولن" وخمس سفن حربية أخرى، بالإضافة الی نشر قاذفات استراتيجية من طراز "بي ٥٢" في قاعدة العيديد القطرية التي يتمركز فيها نحو عشرة آلاف جندي أمريكي، إعادة نشر بطاريات صواريخ باتريوت، ك و تعزيز تلك القوات بسفينة هجومية برمائية
بحسب المعلومات العسکریة المنشورة تملك الولایات المتحدة الأمریکیة قواعد عسکرية في المنطقة يعود تاریخ تمرکزها الی فترة حرب الخلیج الأولی عام ١٩٩١. منها قاعدة للأسطول الأمريكي الخامس في البحرين، ومقر الجيش الأمريكي الثالث في الكويت الذي يوجد فيه ١٦ ألف جندي أمريكي، وقوات أخرى في قاعدة الظفرة في الإمارات فيها حوالي ٥ آلاف جندي، إلى جانب قواتها الخاصة في اليمن، هذا بالإضافة إلى أن لديها اتفاقية لاستخدام موانئ ومرافق ومطارات عُمانية. تقود الدبلوماسية الحديثة في عالمنا الحالي ومنذ الحرب العالمية الثانية الساحة الدولية. فالحرب هي أعلى درجات الدبلوماسية، یمکن أعتبارها وسيلة من وسائل التفاوض عندما يتوقف الشكل الطبيعي للتفاوض، ويصبح غير نافع في إيجاد حلول مناسبة. و للحروب أسباب یمکن تلخیصها كالآتي: "الدفاع عن الوجود، جلب مصالح عظيمة، فرض أمور لا تستقيم الحياة إلا بها".
بالحروب الدبلوماسية تستطيع كل دولة أن توطد مركزها وتعزز نفوذها فى مواجهة الدول الأخرى. لذا قام الرئیس دونالد ترامب بتشکیل فریق یسمی "مجموعة العمل الإيرانية"، یرأسه براين هوك، مدير التخطيط في وزارة الخارجية، بهدف تقدير الموقف وإعداد الخطط والبدائل المختلفة لتنفیذ إستراتیجیة تقلل من التهدیدات ولاهجمات المحتملة ضد القوات أو المصالح الأمریكیة.
الهدف القريب من الضغط على إیران هو إلغاء دورها الإقليمي وإلزامها حدودها الوطنية، وأن هذا المعنى ورد في تغریدات الرئیس دونالد ترامب وعلى لسان مستشارە في الأمن القومي جون بولتن و وزير خارجيته مایك بومبیو، الذي هدد بالعمل الجاد علی تصفير صادرات النفط الإيرانية كلياً وتجفيف منابع إيرادات طهران من النفط لحين الامتثال لمطالب واشنطن و لكي تقوم حکومة طهران بکبح برنامجها النووي واختباراتها للصواريخ الباليستية وتدخلها في العڕاق و في الصراعات الدائرة بسوريا واليمن.
فالعمل الدبلوماسي يشتمل على دراسة أرض العمليات والعدو ومقارنة القوات والأسلحة بمقارنة نقاط القوة والضعف فى إمكانيات القوة الشاملة، وبحث مجال المجهود الرئيسي، وتقدير الموقف وإعداد الخطط والبدائل المختلفة.
أما الدبلوماسية فإنها، کما یفسرها الفیلسوف توماس هوبر، أداة تابعة للحرب وتعد لها حيث تستخدم لتقنين عملية الاستسلام دون قيد أو شرط . بحسب رأیه ليس هناك مفاوضات وإن كانت فتكون تافهة وشكلية لان الهدف هو إجبار الخصم.
الدکتور سامان سوراني

42
فخامة الرئیس نیچیرڤان إدریس مصطفی بارزاني الرئیس الأمل
تسلم السید نیجیرڤان بارزاني (٥٢ عاماً) الیوم في ٦ یونیو/حزیران ٢٠١٩  رسمياً مقاليد رئاسة الأقلیم  خلال مراسم  رسمیة فریدة تعتبر الأول من نوعها في قصر المؤتمرات في العاصمة أربیل، ليصبح بذلك الرئيس الـثاني لإقلیم كوردستان، حضرها الرئیس القائد مسعود بارزاني والرئیس العراقي برهم صالح و رئیس البرلمان الإتحادي محمد الحلبوسي و وزیر خارجیة جمهوریة ترکیا مولود جاويش أوغلو و وزیر الدولة لشؤون الخليج العربي بوزارة الخارجية السعودية ثامر السهبان و جمع غفیر من القادة والساسة والدبلوماسیین والمثقفین من داخل و خارج الإقلیم و العراق وكذلك ممثلي القومیات المختلفة و رؤساء الطوائف الدینیة.
وقد ألقی الرئیس الجدید، الذي أنتخب بتاریخ ٢٨ مایو/آیار ٢٠١٩ داخل قبة البرلمان بأكثریة ساحقة للمضي قُدماً الی إنطلاقة جدیدة، خطاباً تاریخیاً أشار فیه الی الدور الكبير والرئيسي الذي مارسه الرئيس القائد مسعود بارزاني في مواجهة الحملة الشرسة التي شنها مسلحو داعش المتشددون عام ٢٠١٤ على إقليم كوردستان وأكد على تضحيات قوات البيشمركة والعمل الجاد من أجل توحید صفوفها و زیادة تنظیمها بغیة إعادة هیکلتها لتكون مؤسسة عصریة تؤمن و تصون تجربة الإقلیم في التعایش السلمي المشترك بین کافة مكونات الإقلیم والدیمقراطیة، ساعیاً الی حث الحکومة في تعزیز الخدمات لكافة مواطني الإقلیم والعمل على تقوية العلاقة والوصول الی أفضل تعاون بين أربيل وبغداد والسعي نحو تصفير الخلافات والحفاظ على علاقات حسن الجوار مع الدول الجارة على أساس المصالح المشتركة، مؤكداً إحترام الدستور و تنفیذه مواده، لأن إهماله يؤدي الی تکرار الكوارث والمصائب التي تسبب دماراً كبيراً لشعوبنا في سنجار والموصل، قائلاً أن موارد اقليم كوردستان الغنية ينبغي أن يتم استثمارها لخدمة شعب اقليم كوردستان
نحن متأكدون بأن فخامته، الذي سُمّي بحق علی مستوی الإقلیم والمنطقة بمهندس الأعمار یسعی على إكمال عمله لبناء مجتمع كوردستاني يكون الجميع فيه أحراراً وسواسية أمام القانون و في ظل رئاسته سیركز علی صون الأمن و الإستقرار من أجل خلق فرص عمل جديدة، وجذب الاستثمارات، واستعادة الثقة والاطمئنان.
الرئیس الجدید المنفتح أمام تطوات العصر والمؤمن بالحوار والسلام سوف یحرض الأطراف المتفرقة الی الحوار والتلاقي و یدعوا للقاء عوضاً عن الإفتراق، إنه مهندس بارع في إدارة الإختلاف و معالجة المشاکل و تدبیر الشؤون السیاسیة والإقتصادية والإجتماعیة فسوف یستغل منصبه و یتفاعل بشکل دینامیکي لیساهم بشكل بناءٍ و مثمر في تطویر مفهوم الدیمقراطیة و فتح ممكنات جدیدة أمام العمل الدیمقراطي من أجل رفع  قدرة الشباب والنساء وتمکینهم على المساهمة بشكل فعال في التنمیة والنمو الإقتصادي.
فخامته الذي ورث الحکمة والتروي والدهاء عن أبیه قادر بصفاته الممیزة و قوته الشخصیة و ذکاءه و جرأته أن یؤثر في وحدة الصف الكوردستاني و تضامنه و تماسکه و حریته و سلوك أعضاء المجتمع الكوردستاني، الذي یمر بسبب التغيیرات الجیوسیاسیة في المنطقة بمنعطف مصيري بغیة ضمان مستقبل الشعب الكوردستاني و الوصول الی أهدافه المرجوة.
إذن فخامة الرئیس الجدید، الذي وقف صامداً كالصخرة التي تتحطم عليها الامواج، هو الأمل لكل الكوردستانیین.
ختاماً نتمنی للرئیس الجدید أن يُعلّم الطريق، ويمضي في الطريق، ويبين لنا ماذا يوجد في هذا الطريق، فأول خطوات القيادة الحکیمة هي الخدمة.
الدکتور سامان سوراني



43
تجسيد إرادة الشطب و الإلغاء لاتولد التعايش السلمي في كركوك الكوردستانية
في ظل الأحداث و التطورات المقلقة في المنطقة و في الوقت الذي یعیش العراق في مرحلة سیاسیة عصیبة و متعبة تقوم جهات لامسؤولة مدعومة من قبل مایسمی بقوات "قیادة العملیات" بنشر الرعب والخوف في قلوب مواطني المناطق الكوردستانیة خارج إدارة إقلیم كوردستان، تلك المناطق المعروفة لدی الحکومة العراقية بالمتنازع علیها أو المشمولة بالمادة ١٤٠ من الدستور، فهناك محاولات مستمرة لطردهم بهدف ممارسة التغییر الدیموغرافي فیها، خاصة في حدود محافظة كركوك الكوردستانیة، حیث أنها تعیش منذ ١٦ أکتوبر ٢٠١٧ واقع مفروض علیها بقوة السلاح والاحتلال.
رغم كل ذلك أنتخبت الوفود الدولية الصمت و لم تصدر الی الیوم أي بیان بشأن تلك الممارسات الشوفینیة المقرفة.
و بالأمس شهدت مدینة كرکوك الجریحة سلسلة تفجيرات بواسطة عبوات ناسفة استهدفت مناطق متفرقة فيها. هذه العملیات الإرهابیة الوحشیة البربریة اللاإنسانیة إستهدفت مرة أخری المدنیین العزل.
منفذي هذه العملیات الإجرامیة یتصورون بهویاتهم الدینیة أو القومیة بأنهم خلفاء الله وسادة الخلق وخیر الأمم، لکنهم في نظرنا أصحاب العقول الملغمة والمسلمات العمیاء والتوجهات المقلوبة والفلسفات الکادبة، إنهم ظلامیون یریدون عن طریق أعمال عنفهم المتفاقم وهجمتاهم الشرسة علی المواطنین المسالمین جعل مدینة كرکوك مدینة الأزمات والاضطرابات تعیش حالة طواریء دائمة.
 هؤلاء القتلة یحملون في عقولهم الجامدة أفکار میتة وبرامج شوفینیة فاشلة و مناهج عقیمة وقاصرة، وهم بدورهم ضحایا لأفخاخ الهویة الموتورة أو لأقانیم العقیدة المقدسة أو لأساطیر الحقیقة المطلقة، یتمرسون وراء الهویات المغلقة أو الجامدة.
من الواضح للعقل المستنیر بأن الولاء للدولة لا يمكن أن يأتي بالتسلح والعنف و نشر الخوف والرعب و إستخدام الجيش في الصراع السياسي والحملات الشوفينية وتجسيد إرادة الشطب والإلغاء و بناء مصانع سلطوية لا تنفك عن إنتاج التفاوت والتفاضل أو الإنتهاكات و الإرتكابات المضادة للقوانين والحقوق، بل بنشر الأمن والأمان والإستقرار، كما الحال في إقليم كوردستان. أما شؤون البلاد فيجب أن تدار بالدستور والقانون، لأنهما المظلة التي يستظل بها كل مواطن.
فالأزمات والكوارث ليس مصدرها الأقدار فقط، فهي تتجسد في الأفكار بشكل خاص و العقليات والمرجعيات والنماذج والمقولات أو التصنيفات والطقوس التي تهيمن علی المشاهد الثقافية و تتحكم في الخطابات فتنتج عوائق و مآزق وتلغم المساعي الوجودية والمشاريع المدنية أو الحضارية.
ولا يمكن البحث عن حلول جذرية للمشاكل القائمة بين الإقليم والحكومة الإتحادية عند دول جوار لم تنجح هي علی أرضها في تحسين شروط العيش لمواطنيها و إحراز التقدم والإزدهار.
لقد حثّ الرئیس الجديد لإقلیم كوردستان السید نيجيرڤان بارزاني الامم المتحدة الى تأدية دور رئيس في تطبيق المادة ١٤٠ من الدستور الخاصة بالمناطق المتنازع عليها بين اربيل وبغداد.
وقال فخامته في رسالة وجهها قبل فترة قصيرة الى الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي، ان المبعوث الخاص للامين العام للأمم المتحدة بإمكانه ان يؤدي "دوراً رئيساً" كطرف محايد للبدء "بحوار مكثف" بين اربيل وبغداد لحل الخلافات والقضايا العالقة منها تطبيق المادة ١٤٠ من الدستور.
لکن التیارات الفئویة التي ظهرت في عراق مابعد الدکتاتوریة تسعی دون هوادة الی تعزیز سلطاتها الطائفیة المنحرفة والمتطرفة والخارجة عن مسار و نهج المسیرة الدیمقراطیة والمتجاوزة للقوانین و أحکام الدستور المنبثق من العقد الأجتماعي لمكونات العراق الأساسية.
نتمنی في هذه المرة أن تعمل الأمم المتحدة بطريقة مختلفة على موضوع المادة ١٤٠، و نقول لقد حان الوقت لحل هدذا الموضوع ، لأنه أنتظر لمدة طویلة علی الطاولة المنسیة.
إن الذين يتصدرون واجهة الدفاع عن طوائفهم ومذاهبهم و معسكراتهم بالأفكار السائدة و الأنظمة المتحكمة والشعارات الخاوية و المقولات المستهلكة لا يستطيعون القيام بمهام قضية العيش المشترك.
أما الطرف الذي ينهض بهذا المهام فهو من يخلع عباءته الأيديولوجية المقدسة بثوراتها و مقاوماتها و إنقلاباتها و أحزابها و هو من يحسن الإشتغال علی خصوصيته و تحويل هويته للإنخراط في بناء عالم مشترك يتيح التعايش والتواصل، علی نحو سلمي تبادلي في أطر وطنية أو اقليمية أو عالمية، ولنا في إقليم كوردستان و حكومته اليانعة نموذج إيجابي نشيط في بناء مجتمع ديمقراطي سلمي التوجه مزدهر بإنجازاته العمرانية والحضارية.
وختاماً: “لا يمكن لمن لا يستطيع التشريع لواقعه أن يصنع حياة أو نمواً أو إزدهاراً.”
الدکتور سامان سوراني



44
شمس كوردستانية كركوك لا تغيب بالتهجير والتعريب
بالأمس، عندما تم القضاء علی دکتاتوریة البعث في العراق فرحنا لنهایة عصر الإبادة والتغيير الدیموغرافي وقلنا بأن سقوط الطاغي صدام سوف یساهم في رفع الظلم والحیف و یخفف من المعاناة المادیة والمعنوية التي لحقت بآباءنا وأجدادنا من جراء عملیات الغدر والقتل والأنفال و الإبادة الجماعیة والتعریب والتهمیش والإقصاء والحرمان من حقوقنا في المواطنة والشراكة والإنسانیة.
الیوم وبعد مرور ستة عشر عام علی تغير الحکم في العراق والقضاء علی الفاشیة نشهد مرة أخری ولادة ظاهرة التعریب والتهجير المنظم في مدینة كركوك و باقي المناطق الکوردستانیة الخارجة عن إدارة حکومة إقلیم کوردستان والمسمی بالمتنازع علیها، تقوم بتنفيذها جماعات مرتبطة بأحزاب سياسية، من أحزاب السلطة في بغداد، الذین جعلوا من العراق دولة فاشلة و مرتعاً للإرهابیین و عصابات الجرائم المنظمة، منهم محافظ كركوك بالوکالة و شلّة من عصابات مسعورة، تعادي الكورد و تناهض كوردستانیة كركوك و تنكر بأن ما تحقق للشعب الكوردستاني في العراق ما كان ليتحقق لولا التضحيات العظيمة التي قدمها هذا الشعب طيلة تاريخه المليء بالتضحيات.
إن قضیة الإیمان بالوطن والذات هو فطرة إنسانیة راسخة في قلوب الكوردستانیین لا یمکن للعنف والقمع والإستیلاب والأعمال اللاإنسانیة واللاأخلاقية والعدوان النیل منها.
أما قضیة السعي لتفریغ كركوك من الشعب الكوردستاني وتوطین قومیات أخری مکانه لغرض التغيير الديموغرافي فمآلها الفشل الذريع وذلك لأن الوطن خلاف لایقبل القسمة علی نصفين من حیث المنطق والعقل والنضال من أجل الإستقلال أمر لا یساوم علیه القیادة الكوردستانیة.
هنا یجب علینا أن نسارع في تحضير مؤتمر وطني جامع للأطراف السیاسیة الكوردستانیة الفاعلة، تضم شخصیات وأطراف أخری من مدینة كركوك لوضع مشروع سیاسي و إقتصادي وإجتماعي مشترك خاص برسم مستقبل مزدهر لهذه المدینة الجریحة.
إن محاولات إدارة كركوك التي فرضتها مليشيات الحشد بعد 16 أكتوبر في طمس هوية مدينة كركوك الكوردستانية والإستیلاء علی أراضي المواطنين الكورد الزراعیة ومصادرة و نهب  ممتلكاتهم وإعادة تنفيذ سياسة التعريب التي كانت تنتهج من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة حیال كرکوك، خاصة في فترة حکم البعث، لا یمكن قبولها من قبل الكوردستانیین.
في السابق قامت أنصار الفكر العروبي القوموي بتدليل المدينة الكوردستانية كركوك و تسميتها بالعراق المصغر، وذلك بسبب تواجد قوميات أخری كالأخوة التركمان والعرب والآشوريين و الأرمن فيها.
واليوم يكشف المحافظ بالوکالة المدعوم من قبل الحشد الشعبي أوراق لعبة جديدة، إذ نراه یحذر الكوردستانيين بأن المساس بهوية كركوك خطر يجب تفاديه ويعيد الوصف العروبي القديم للمدينة بقوله "كركوك عراقیة للعراق ولن نقبل ضمها الی أي أقلیم و لن نسمح برفع العلم (الكوردستاني) أو الإستفتاء فیها".
هنا نقول لە بالحرف الواحد، من قام بنفي الآخر وحاول محو خصوصیته وقفز فوق کل القواعد والمعاییر والحدود، يريد بعمله هذا دعم عملیة تدمير العراق و إنهاء التعایش السلمي في كركوك وذلك من خلال تعزیز الموقف العروبي و إحیاء فكرة الشوفینیة، التي مازالت قائمة في أذهان الكثیرین في الأوساط العربیة ممن یدیرون الحکم العراقي في صراعهم مع الفکر الدیمقراطي الفدرالي، تلك الفکرة التي تنص بأن کرکوك مدينة عروبیة عراقية. 
إن المجاهدة في سبیل إنکار کوردستانية کرکوك والإنشداد الی الوراء، بدلاً من التوجه نحو الحاضر والراهن والمستقبل، بالسعي للخروج من المنطق الإختزالي و السجن العقلي و الحتمیة الأيديولوجية لا تفيد كركوك و أهلها.
لقد تعمدت حکومات كل من المالكي والعبادي عن سبق اصرار في تنفيذ الدستور والمادة 140 المتعلقة بالحل السلمي لقضیة کرکوك وأظهرت نياتها السيئة المبيتة الى العلن لتعقيد المسألة وسعت الی ترحيل هذا الموضوع الى اجندات اقليمية تعرف انها تقف في موقف العداء الكامل الصارم لكل أمر مرتبط بتلك القضية.
الحكومة الإتحادية تعمدت طوال مدة حكمها عن سبق إصرار في تنفيذ المادة 140 من الدستور المتعلقة بالحل السلمي لقضية كركوك والمناطق الكوردستانية الأخری الخارجة عن إدارة إقليم كوردستان.
لذا نطالب الحکومة الحالیة أن لا تنهي هذا لانهج وأن لاتستمر علی سیاسةالقفز فوق الاحداث و نفي المتغيّرات، التي کانت تنفذ في السابق.
إن المكابرة و التهرب من المسؤولية و إنكار الحقائق الصارخة والترويج لجحيم الآلة العسكرية لا تورث سوی النزاعات الداخلیة والهزائم والمهالك للشعب العراقي.
أما تواجد قوات الحشد الشعبي في كركوك والمناطق الكوردستانیة خارج إدارة الإقلیم بحجة حمایتها من الإرهاب فأنە لایزید من نار الأزمة إلّا اشتعالاً.
ولتعلم الأطراف التي تسعی في إحیاء علوم البعث و نشر الفکر الطائفي بأن النظرة الشمولية العنصریة والشوفينية والطائفية المقیتة، عدوة الدیمقراطیة والفیدرالیة في العراق، ولّت عهدها وأن الإعتراف بحق آلآخر وبالفيدرالية والديمقراطية هي لغة العصر والحلول لا تقوم علی نفي الواقع في کرکوك.
و ختاماً نقول: "لندیر الشأن المشترك بصورة تتسع معها مجالات الحق و مساحات الحریة، بقدر ما ننمّي ونعزّز علاقات التواصل والتفاعل بين النظراء أو الشركاء، سیما في هذا العصر، حیث تتداخل المشاغل والمطالب، بقدر ما تتشابك المصالح والمصائر." 
الدکتور سامان سوراني




45
نعم الإرهاب هو أعلی مراحل الأصوليات الدینیة
من الواضح بأن العامل الذي يحد من عملية الإبداع الفكري و يقوي سلطة الرقيب عند الفرد الشرق الأوسطي هو بذور التخلف والتردي التي يحمله الإنسان تحت طيات جلده وفي جيناته الوراثية.
الفرد الشرق الأوسطي، الذي يقضي في أغلب الأحيان طول أو نصف عمرە في بلد ما بشكل إجباري لا يتمتع بالحرية والوعي، بل يعيش الظلم والإستبداد والإرهاب الفكري الهادف الی إفساد كل معتقد أو سلوك باستخدام الوسائل والأساليب المعنوية التي تخلّ بأمن واستقرار البلد و تؤثر بشكل سلبي على المواطنين.
هكذا تولد التقوقع والنزوع الی الأصول العقیمة وبالنهاية الی التخلف من الناحيتين الثقافية والحضارية.
إن وجود عقل ناقد هو حق لكل فرد في المجتمع، فمن الضروري إعمال العقل فيما یخص النصوص المقدسة و تجدید الخطاب الديني، فهذا الأمر لایعتبر حکر علی شخص دون آخر و لا هو ملك للذین یعتبرون أنفسهم مُلّاك للحقيقة المطلقة، بسعیهم لتجرد الإنسان من عقله و قیادته کالقطيع.
الیوم و بعد أن بدأت الأصولیات تزحف منذ سبعینیات القرن الماضي في الزحف علی الأدیان یمکن أن نقول، بأن الأصولية الدینیة ماهي إلا تیار عالمي وصل الی أعلی مراحله المتجسدة في الإرهاب. 
هناك منظومات أصولیة تدعم من قبل دول تعمل لیل نهار علی تدجين صاحب الرأي الآخر وتحويله الی ببغاء يردد مايقال له من كلام غير مفيد، یجعله يصلي خلف "الإمام" ، لکي يقوم و يرکع و يسجد مثله ويكرر ما يقوله ، كالروبوت (إنترنسينالسم) أو ما يسمى بالإنسان الآلي.
وهنا لا أريد أن أدخل في المٶثرات الجانبية للإرهاب الدموي اليومي المتجسد بمشاهد القتل والاغتيال والإبادة والتّفجير والتّخريب والتّدمير والاعتقال والإذلال والظّلم ، التي تزرع الخوف والهلع في النفوس وتجعل الإحساس المستمر بالقلق وإنعدام الأمن والأمان صاحباً ملازماً للإنسان.
إن عدم إتاحة الفرصة للتعبير عن الفكر دون تردد أو قلق يجعل التربة خصبة لنشوء كل أنواع الإرهاب بدءاً بإرهاب الدولة وإنتهاءاً بالإرهاب الاقتصادي والاجتماعي والفكري. إن المدافعة عن الهوية والثوابت أو عن الحقيقة والعقلانية والحرية بعقلية المناضلة تٶدي الی الفشل في النضال والی خسارة القضايا.
الفرد الغربي علی العكس من الفرد الشرق الأوسطي يخضع أفكاره وثوابته للدرس والتحليل، به يخلق لغات مفهومية وأطر نظرية أو مباديء إستراتيجية ، يجدد معها الوجهة والعدة أو المهمة والطريقة ، يتغير و يسهم في تغيير العالم.
أن زوال الآثار النفسيّة للإرهاب من حياة الإنسان مرتبط جوهرياً بزوال الإرهاب نفسه، لذا نری من الضروري أن تتضافر كافة الجهود للتّخلّص منه وذلك بإشاعة الديمقراطية الحقيقية وصيانة الحقوق والحريات العامة واحترام الرأي الآخر والعمل علی محو مفاهيم الاستبداد في المجتمع، التي أصبحت ثقافة سائدة في السياسة والدين ، والبيت ، والشارع ، والجامعة ، وفي كل نواحي الحياة وكذلك مكافحة المفاهيم السلبية الخاطئة في نفوس البشر ، التي تٶدي في النهاية الی قمع الإبداع الفكري والصمت على الظلم والفساد و إكراه الذي يريد العيش بكرامة و الحقد علی المثقف والمفكر بتكفیره.
علينا إذن في عصر العولمة والوسائط العمل علی إبراز مشاریع عقلانیة نهضویة و إصلاحیة قویة بدیلة تدعو الی أفکار حداثیة، کحقوق المرأة و الدستوریة والمواطنة و القیام ببناء دور ثقافیة من أجل ترسيخ مبادیء تربوية تٶدي الی التخلي من دور الإنسان المتأله أو الوصي أو صاحب الدور الرسولي النبوي، نحو الفرد البشري الذي يتعامل مع نفسه بوصفه وسيطاً لا أكثر، وذلك من منطق المسؤولية المتبادلة والشراكة في صناعة الحياة والحفاظ على المصير.
وعلینا أیضاً مراجعة حالة الوعي العام، وعمليات صناعة الأفكار وتاريخها وإعادة الاعتبار بالخصوص للسياسات الثقافية الضرورية في مواجهة الصحوات الأصولية و تثمين دور المثقف من جديد و إعادة الاعتبار  لە کرمز و مصدر للأفکار والتصورات بموازاة الداعیة التنظیمي المحرض، لأن ثمة عبئاً ومسؤولية كبيرة تقع على كاهل المثقف، في هذا السياق من التشظي المعلوماتي والتشتت المعرفي، الذي تستفيد منه تنظيمات وأفكار الأصولية الصلبة.
ختاماً: "الأفكار ليست أيقونات للتعبد ولا هي متحجرات نعود بها إلى الوراء ، من ينظر الیها بهذا الشكل يساهم في إنتاج البٶس والوحشية والدمار."
الدکتور سامان سوراني
 


46


من المعلوم بأنه لا حياة للأفكار من دون الكلمات وأن علاقة الإنسان بوجوده هي علاقة لغوية.
فاللغة لم تعد كما كانت في الماضي مجرد تمثل للأشياء، بل أصبحت إمكاناً للوجود بقدر ما تجسد بيئة للفكر أو وسطاً للفهم.
ففي عصرنا هذا یمكن أعتبار اللغة مؤسسة تختزل فيها الثقافة برمتها، حیث أن الحیاة الیومية للإنسان أصبحت منصهرة في الخطاب التكنلوجي للغات الإصطناعية والذكاء الإصطناعي.
ثم إن الرهانات المتعلقة بفهم اللغة الإنسانية مبنیً ومعنیً أصبحت حاسمة ومصيرية، لاسیما في مجال التواصل الإجتماعي المعقد الذي شکلته مقتضیات مجتمع المعرفة في عصرنا الحاضر.
اللغة ماهي إلا كائن حي قابل للتطور والإستحداث وفق ما يقرره الناطقين بها، كونهم أصحاب مصلحة في هذا التطوير. وهذا التطوير يجب أن يكون إستجابة لتطور المجتمع الكوردستاني ونابعة عن واقعه المعيش.
إن المبادرة القيمة للسيد رئيس إقليم كوردستان مسعود بارزاني في ضرورة العمل على طرح لغة كوردية موحدة تأتي من هذا المنطلق وتأكيداً بأن الأمم التي إستطاعت في النهاية من إيجاد لغة موحدة مرّت بتجارب تماثل التجربة الحالية للكوردستانيين.
اللغة هي عنوان الهوية الثقافية ورمز السيادة الحضارية، لذا نراه من الضروري إستلهام تضحيات الخَلَف الذين حافظوا على اللغة الكوردية بعد ما حوربت لأسباب عنصرية وشوفينية من قبل الأنظمة التي سلطت حكمها بسياسة الحديد والدم علی أرض كوردستان لغرض وحدة اللغة.
في هذا العصر، عصر تشابك المصالح والمصائر، بعد أن فتحت العولمة بأدواتها الفائقة وشبكاتها العنكبوتية ووقائعها الإفتراضية إمكانات هائلة أمام الشعوب، نری إنفتاح الكوردستانيين علی المستجدات في العالم، خاصة في مجالات العلوم والتقانة والمعلوماتية وعلوم اللغة بكافة فروعها وحقولها البحثية المرتبطة بها، بعد أن تمكنوا من تحرير أنفسهم من الاستبداد، الذي كان يتجسد في استبعاد العقول والسيطرة علی الأفكار.
فهناك سعي الی الإقتباس والإستفادة من نتائج هذه العلوم بهدف إغناء اللغة الكوردية وربطها بحركة الفكر الإنساني.
ومن أجل نقل المصطلحات العلمية والتقنية الاجنبية الی اللغة الكوردية علينا باستخدام وسائل كالاشتقاق، بمعنی صياغة لفظة من لفظة أخری شرط وجود تناسب بين اللفظ والمعنی، أو المجاز بطريقة إنتقال الكلمة من معناها القديم الی معنی جديد، أو تكريد اللفظ الدخيل مع تغيرات معينة ينسجم مع النظامين الصوتي والصرفي للغة الكوردية.
وفي حالة نقل معنی المصطلح الاجنبي الی اللغة الكوردية، يمكن إستخدام هذا المعنی بشكل مستقل يعيش جنباً الی جنب اللفظ كمرادف وبمرور الزمن سوف يكون أحدهما غالباً علی الآخر، أو يظلان كلفظين مترافين. وفي حالة نحت الكلمات، أي إنتزاع كلمة من كلمتين أو أكثر، يجب أن يكون هناك تناسب بين اللفظ والمعنی بين المنحوت والمنحوت منه، مثل (نشونما) في الكوردية من نشأ ونما.
وهناك وسيلة أخری، هي اختراع كلمة لم توجد من قبل بسبب الحاجة الماسة والملحة لمفردات لغوية جديدة تعبر عما يستجد من أمور ومفاهيم اجتماعية جديدة، هذا الأمر يحتاج الی المبدعين في اللغة.
ليس خافياً علی أصدقاء الكورد والمهتمين بالقضية الكوردية بأن تخلف اللهجات الكوردية وعدم تطورها الى لغة موحدة لايمكن إرجاعه إلا الی أسباب سياسية، ثقافية، اجتماعية تاريخية، جغرافية، عنصرية وإقتصادية. نحن لا نريد أن ندخل هنا في تفاصيل هذه الأسباب، فإنها تحتاج لشرحها وتحليلها الی مجلدات.
فلو أخذنا بلدان أوربية كالمانيا، أو إنكلترا أو فرنسا كمثال، فإننا نری بأن موضوع تبلور اللغة الموحدة بدأ بعد الثورات المجتمعية والاقتصادية والقضاء علی الإنظمة الاقطاعية ومخلفاتها، بعد أن ربط ولايات هذه الدول بعضها ببعض عن طريق المواصلات والمدارس والمراكز الإعلامية وبحكم الواقع تمكنت لغة السلطة الجديدة من فرض نفسها كلغة رسمية في كل من هذه الدول.
 
إن تعدد اللهجات في اللغة الكوردية دليل علی عراقة هذه اللغة وأصالتها، فمن الضروري أن لا نفضل لهجة علی أخری، بل علينا في سبيل خلق لغة كوردية موحدة جامعة الاستفادة من جميعها دون إستثناء.
صحيح بأن هذا الأمر يحتاج الی التفكير بصورة تخرج عن المألوف وتكسر المسبقات ويحتاج الی خيال خلاق وحدس خارق وكذلك الی حدث يكون بمثابة الشرارة أو الولعة التي تحرك القوی الكامنة وتكسر الثنائية الممسكة لدی الكوردستانيين، بحيث توقظهم من سباتهم الثقافي ليكونوا قادرين علی توحيد صفوفهم لمواجهة الأنظمة التي حاولت أن تجردهم من لغتهم.
تلك الأنظمة التي لا تحسن بأساليبها البائدة وسياساتها العنصرية سوی خلق المشكلات وتجديد الأزمات للكوردستانيين والقضية الكوردستانية العادلة.
والعمل لهذه الحملة الوطنية الكبری يجب أن يبدأ بإعداد لجنة علمية دائمية مستقلة مكونة من خبراء اللغة تشرف علی مؤسسة اللغة الكوردية الموحدة.
وإدارة هذه المؤسسة يجب أن تكون بعيدة عن كل هدف أو إتجاه حزبي ضيق ويمكن لإنجاح هذه المهمة القومية الجبارة الإستعانة والإستفادة من خبراء عالميين مختصين بعلوم اللغة.
علی هذه المؤسسة إعداد كوادر لغوية تبعث الی جامعات عالمية لغرض دراسة علم النفس اللساني وعلم الاجتماع اللساني واللسانيات الأنثروبولوجية والجغرافيا اللسانية وجمع طرق صناعة المعاجم والموسوعات اللغوية.
ومن أجل إثراء كنز مفردات اللغة الكوردية بالاستفادة من اللهجات الكوردية المتعددة علیه بتأسيس البنك الـمعلوماتي للكلمات والمصطلحات.
وهناك إجراءات علمية أخری يمكننا إضافتها بعد أن تمكنا من إجتياز المرحلة الأولی وهي تأسيس مؤسسة اللغة الكوردية الموحدة.
ومايفرحنا اليوم هو النية الخالصة لبرلمان وحكومة كوردستان في دعم ومساندة هذا العمل الجبار بصورة كاملة والقيام بتشريع قانون خاص باللغة الكوردية وتنفيذه.
فللمحافظة علی الثوابت والخصوصيات في واقع كوني سمته الحراك الدائم والتغيير المتسارع يجب التعاطي مع القضايا الجوهرية بطريقة نموذجية وفهم المجريات وفك الشيفرات علی المستوی الداخلي والخارجي وإدارة التحولات بشكل يتناسب مع لغة العصر وثوراته.
الهوية القوية والفعّالة ليست ما يملكه المرء أو يُعطی له ولا كياناً ماورائياً، بل هي ثمرة الجهد والمراس والإشتغال علی المعطی الوجودي بكل أبعاده من أجل تحويله الی أعمال وإنجازات. الهوية هي إنبناء وتشكيل بقدر ماهي صناعة وتحويل وهي بُنية يعاد بناؤها باستمرار، وخاصة عند بلوغ الأزمات أو الوقوع في المآزق وذلك بتنظيم المشهد الديمقراطي وتأهيل مؤسساته ودعمها والعناية بأوضاع الموارد البشرية والرفع من شأنها على أساس المبادئ الديمقراطية الكونية القائمة على التعددية والحرية والمسؤولية.
الحكومة الكوردستانية تعمل جاهداً في سبيل خلق نظرية فكرية ترسم ملامح الدولة وثقافة وطنية حديثة منفتحة على منجزات الفكر البشري ومعطيات الخبرة العملية وعلى تقدم العلم والتقانة واستيعاب أثرهما في صيرورة العالم.
وختاماً يقول فيلسوف اللغة لودفيغ فيتجنشتاين (1889-1951) في البند السابع من رسالته المنطقية الفلسفية  (tractatus logico-philosophicus):
"أن كل علامة تبدو في حد ذاتها میتة، فما الذي یهبها الحیاة؟ إنها تکون حیة في الإستعمال، فهل نفخت فیها الحياة هنالك؟ أم أن الإستعمال هو حياتها؟".
"إن ما لا يستطيع الإنسان أن يتحدث عنه، ينبغي أن يصمت عنه".
الدکتور سامان سوراني
 

47
هل یمكن  للقيم العقلانیة مواجهة العنف والتطرف والإرهاب؟
عندما نتحدث عن القيم العقلانية یجرّنا الحديث مباشرة الی دور الفلسفة، کرواق فكري يحتضن التنوع والإختلاف والتعدد و يسهر علی العیش المشترك بين الذوات المتجسدة في العالم، في عقلنة العالم وصوغ التجارب بلغة المفاهيم، من شأنها تحقيق التفاهم بين العقول الباحثة وبناء جسور التواصل بين الكائنات البشرية.
صحیح بأن الإنسان حقق تقدماً مذهلاً في مجال العلوم والتقنیات، بواسطته أستطاع أن يحسن مستوی عیشه، لکنه لم يتمكن من تحقيق تقدم موازٍ لذلك في مجال بناء العلاقات السلمية المدنية الهادفة الی تقليل إستخدام العنف والحد من إنتشار الإرهاب علی المستوی المحلي والإقليمي والعالمي.
تقوم فلسفة العنف والتطرف والإرهاب کسلوك ظلامي ببناء مجتمع فقير من الناحیة الفکرية والسلوكية والمعتقداتية، مجتمع یخضع لتصورات ضيقة الأفق سواء الخاصة بالدين أو حتى الحياة.
أما وظيفة القيم العقلانية، کفاعلية نقدية، فهي تكمن في هتك بداهات الفكر الخاوية و تفكيك أبنیته العميقة وكسر قوالبه الجامدة من خلال تجاوز الثنائیات المزيفة وكشف آليات الحجب والتحوير أو الكبت والاستبعاد الممارس من قبل الخطابات والمؤسسات المنتجة للعنف والتطرف والإرهاب.
هناك معادلة ثابتة تقول، كلما كان المجتمع قريباً من القيم العقلانية، كلما كان بعيداً عن العنف ومن قبله التطرف بصوره المختلفة.
إن مشاريع الإرهاب کلها عملت علی إحتكار المصداقية والمشروعية و خرافة التطابق مع الأصل لصنع هويات ناجزة، مكتملة، تسبق أصحابها و تحشرهم تحت أسم واحد أو في خانة وحيدة، لكي تمارس بصورة عدائیة خانقة و عنصرية و تطبق إستراتيجية الرفض والإقصاء والإستئصال لکل مخالف أو معارض، مستخدماً العنف بکافة أنواعه الرمزية والمادية، لتحقيق الدمار و الخراب.
 نحن نعتقد بأن القيم العقلانية ساهمت أیضاً في تحرير الإنسان من تهويمات الأحزاب السلفية والمنظمات الجهادية والنماذج الإرهابية، ذات الطابع اللاهوتي أو الماورائي أو المتعالي. فاللامعقول والإنغلاق والعنصرية هي مایکمن أن نصفه بالعوالم السفلية للعقول الفردية والذوات الجمعية.
أما التاريخ، كما یراه الفيلسوف كارل بوبر، صاحب كتاب "المجتمع المفتوح وأعداءه"، فهو مایصنعه الأفراد، لا ما يفرض علیهم من عقائد جامدة أو نظريات حتمية أو مشاريع طوباوية.
ومن أجل أن نقوم بتحرير المجتمع من النموذجيات الأصولية والعقلانيات الشكلية واليقينيات الدغمائية علینا إستخدام القيم العقلانية، كنشاط فكري لا يتوقف عن إثارة الأسئلة وإعادة صوغ المشکلات، لتعرية ما یتواری خلف الصلات المنسوجة مع العقل، من آليات اللامعقولة أو الممارسات المعتمة أو الأبنية المعیقة أو القوالب المتحجرة أو الثنائيات الخادعة.
فبتعزيز القيم العقلانية نستطيع أن نضع حداً لعبثية العنف السياسي ونزيل الآثار النفسيّة للإرهاب من حياة الإنسان، لذا نراه من الضرورة بمكان أن نعمل علی تظافر كافة الجهود للتّخلّص من جرثومة الإرهاب والعنف والتطرف، وذلك بإشاعة الديمقراطية الحقيقية وصيانة الحقوق والحريات العامة واحترام الرأي الآخر والعمل علی محو مفاهيم الاستبداد في المجتمع ، التي أصبحت ثقافة سائدة في السياسة والدين، والبيت ، والشارع، والجامعة، وفي كل نواحي الحياة وكذلك مكافحة المفاهيم السلبية الخاطئة في نفوس البشر، التي تٶدي في النهاية الی قمع الإبداع الفكري والصمت على الظلم والفساد وإكراه الذي يريد العيش بكرامة والحقد علی المثقف والمفكر بتكفیره. نعم القیم العقلانية قادرة علی تعرية خطاب التطرف، وإغلاق المسارب والممرات التي توصل إلى التعصّب ومن ثم إلى الإرهاب، لکنها بحاجة الی تعاون تربقي و إجتماعي و ثقافي.
ختاماً نقول: "المخرج ليس في العودة الى الوراء، كما یریدها أصحاب مشاریع العنف والإرهاب والتطرف، بل مواصلة مسيرة النهوض والإصلاح والتقدم للمشاركة في صناعة الحضارة المبنية علی مفاهيم المواطنة والديمقراطية والدولة المدنية والعالمية والتعایش السلمي، لأن الدعوة الى إقامة حكم ديني تحت مسمى دولة الخلافة أو ولاية الفقيه أو الحاكمية الإلهية، فمآلها إعادة إنتاج الأزمات المستعصية التي نسعى إلى تفكيكها والتصدي لمعالجتها."
الدکتور سامان سوراني


48
هل تموت الأفکار الأصولية والسلفية بعد سقوط دولة الخلافة؟
بالرغم من إنقضاء حکم تنظیم داعش علی الأرض بعد أن نجحت قوات الپێشمەرگة لإقليم كوردستان دحرهم و الإنتصار علیهم أولاً وبعد إعلان قوات سوريا الديمقراطیة (قسد) التي يقودها الكورد والتي تدعم من قبل التحالف الدولي بقيادة واشنطن بتاريخ 23 أذار/مارس 2019 علی دحر آخر معاقل التنظيم في باغوز شرق سوريا ثانياً، هناك ثمة إجماع من قبل خبراء في شؤون التنظيمات الإرهابية بأن المنتمين الی هذا التنظيم مازالوا يمثلون تهديداً عالمياً.
وهناك تقارير صحافية تظهر بأن تنظيم داعش يخطط لهجمات في أوروبا عبر مجموعاته "النائمة" في تلك البلدان، والتي يطلق عليها اسم "خلايا التمساح". إذن البركان خامد الآن، لکنه يُمكن أن يَنْفخُ بأي لحظة.
لقد إستمر تنظيم داعش منذ ولادته الی حین التغلب علیه عسکرياً بهجمات إرهابية منظمة تارة و جهنمية ووحشية أعمی تارة أخری علی مناطق في كوردستان والعراق و سوريا، مزّق الأجساد ودمّر الممتلکات وأستهدف کل شيء يخص الشأن الإنساني والحضاري، يعجز اللسان عن ايجاد كلمات تناسب شجبها بسبب تلك الفلسفة البربریة التي وقفت ورائها والتي لا و لن ترید شیئاً سوی إلحاق الدمار بالحضارة والتحضر وإفساد التعايش السلمي والتقدم علی هذه السكينة.
بإیمانه التام بفلسفة الموت، التي تفضل الموت على الحياة، وهي فلسفة كاذبة عنصرية تستند الى المبدأ المتوحش الداعي الى قتل المواطنین الأبریاء لمجرد كونهم مواطنین أبریاء یریدون أن یعیشوا في سلام ووئام مع عوائلهم و ذویهم، لأنهم لیسوا "مجاهدین في سبیل العدم" ولأنهم لیسوا جبناء مثلهم، أراد داعش أن يستولي علی أرض المنطقة و يفرض علی إستمرار خلافته.
فلسفة داعش هي فلسفة مجرمي الحرب وغايتها هي القتل والدمار. أما هدف المنتمين الی هذا التنظيم من الأجانب و المحليين، الذين هم ثمار الأبله الثقافي و سلّموا أوراقهم و شهاداتهم الی مرجعهم أو شيخهم أو أميرهم، الذي بدوره يختم علی عقلهم و يعمل علی قولبتهم، لكي يخلقوا و يمارسوا بعملياتهم الإرهابية سيناريوهارت الأكثر همجية و وحشية، فهو واضح للعیان، إنهم یریدون النیل من المواطن والدولة والمدینة والمجتمع، مدفوعین بعقلیة الثأر والإنتقام من کل من لایشبههم أو لایفکر علی شاکلتهم، هدفهم المراهنة على انفجار ضغائن المكونات المحلية على بعضها ومحاولة يائسة لزعزعة أمن واستقرار المنطقة بأكملها وضرب الأخوة والتعايش السلمي بين البشر جمعاء، یتعاملون مع هویتهم الدینیة أو القومیة بأقصی الغلو والتطرف والإنغلاق ، کعُصاب نفسي هو مصدر للتوتر والتشنّج ، کمتراس عقائدي لشن الحرب علی الغیر، أو کخطاب فکري للنبذ والاقصاء، یستغلون البائسین والمهووسین في مشاریعهم الهمجیة، إنهم یخططون لفعلتهم المتحجرة والأحادیة والعدوانیة والاستبدادیة هذه‌ في السرّ وتحت الأرض، لکنها تمارس تحت سمعنا و بصرنا، وکما تُعمّم نماذجها في الجوامع والمدارس أو عبر الشاشات والقنوات.
یتصور أصحاب الارهاب من الدواعش (أنظر مثلاً الی إبراهيم السامرائي، الذي سمی نفسه “أبو بكر البغدادي”، إلە وخلیفة عصابة الأشرار، وکذلك أتباعه) أنفسهم خلفاء الله وسادة الخلق وخیر الأمم، أو أنهم ملاك الحقیقة وحراس الإیمان، سائرون علی النهج القویم وحدهم دون سواهم، یدّعون بأن الشرائع القدیمة تنطوي علی أجوبة وحلول للأسئلة ولمشکلات العصر، یمارسون الوصایة علی الناس وینطقون بإسمهم زوراً و تشبیحاً، یصادرون قرار الناس ویتحکّمون بأعناقهم وأرزاقهم ویشنون الحرب الإرهابیة نیابة عنهم.
 إنهم لایعترفون بقرار الآخرین في اختیار نمط حیاتهم، بوصفهم مبتدعین ضالین أو کافرین مرتدین. فهُم یستخدمون العنف والإرهاب، قتلاً وتصفیة أو استشهاداً وانتحاراً ، مدفوعین بعقلیة الثأر والأنتقام من کل من لایشبههم أو لایفکر مثلهم ، تحت دعوی سخیفة ومزیفة، هي إنقاذ "الأمة الاسلامیة" في العالم من رجس الجاهلية.
الأفكار الأصولية والسلفية أصدرت مارکة الحجاب والدم والتضحية وعملت  ليل نهار ضد صناعة التنمية والمدنية والحضارة، بقمعها الحريات الفردية وإرجاع أسباب المصائب والکوارث والجهل والفقر في مجتمعاتها إلی الغزو الثقافي الغربي أو إلی العولمة والأمرکة و بإستراتيجيتها القائمة علی الرفض والإقصاء وإرادة التأله والتفرد هي التي تثمر البربرية والهمجية الحديثة والمعاصرة، حيث يتم القتل وتمزيق الأجساد وتدمير الممتلكات بأعصاب باردة وضمير جامد و بعقلية أخروي أو عسكري إرهابي بصفة المناضل والمجاهد والمدافع عن الهوية والثوابت.
فبدل السعي والعمل بمفردات نسبية علی نظريات ثورة الاتصالات والمعلومات قام أصحاب الفکر السلفي الأصولي والقومي الشوفيني بتهافتهم في مواجهة کتاب "نهاية التاريخ" لفرنسيس فوکوياما بتأليف مجلدات مبنية علی لغة الغلو والتهويم اللاهوتي والتشبيح النضالي والعقائدي لتحقيق إستراتيجيتهم التدميرية.
إن أتباع داعش هم ثمرة الأوامر الدينية و الحكومات الدينية و المرجعيات الغيبية و الشعارات الأحادية و الثوابت الأبدية، وسوی ذلك من المشاريع الشمولية، التي يدعي أصحابها إمتلاك مفاتيح الحقيقية المطلقة، لممارسة الوكالة الحصرية علی الهويات والقضايا المصيرية، خرجوا من جين ثقافة الأصولي الإرهابي، الذي يدعي إنقاذ أمة الإسلام بالعودة الی أنماط ونماذج بائدة يستحيل تطبيقها إلا بزرع الرعب و زعزعة الأمن و سفك الدماء و تدمير معالم الحضارة والعمران.
نقوله هنا و بمنتهی الصرائحة، لاینفع دحر هؤلاء الإرهابیین والإنتصار علیهم عسکریاً فقط، علینا تعبئة كافة القوى الحية في إقليم کوردستان من أجل محاربة هذا الفكر ونقصد بالقوة الحية العلماء والكتاب والصحافة ووسائل الاعلام وقادة الراي. فبتضافر جهود الجميع یمکن إرجاع هذا الفكر الى الوراء ليحل محله الفكر الواعي المتزن.
من لا یحترم إرادة الكيانات والشعوب في اختيار من يتولى أمورهم وفي اختيار التشريعات لتدبیر أمورهم لایرید معالجة حقيقية لظاهرة الإرهاب.
فعلّة كل شيء تكمن في مفهومه بالدرجة الأول من هنا نری الحاجة الی مساءلة مفهوم‌ الإنسان لتفكيكه وإعادة بناءه.
إذن علاج الإرهاب يبدأ من معرفة الإنسان لنفسه معرفة حقيقية تضعها في مكانها الصحيح، بحيث يرى الإنسان نفسه من خلال الآخر ويخرج على قوقعته التراثية، لكي يفهم المجريات على الساحة الكونية ويسهم في المناقشة العالمية الدائرة حول المعضلات ويفتح أفاق الحوار، ويتجنب سياسة الإقصاء ويجتهد في سبيل القبول بالرأي والرأي الآخر.
وختاماّ: "مآل كلّ حدٍّ أقصى: أن ينتج ضدّه.
الدكتور سامان سوراني

49
كوردستان بين ضرورة التحديث و إيقاع الحداثة
بما أن الحداثة أمر مختلف كلیاً عن التحدیث، لأن الأخیر هو نوع من الأخذ بالتطور العلمي والتقني وتفعیل البنیة التحتیة للمجتمع حسب الأفكار الأساسيّة المرتبطة بالتطور كنقطة إنطلاق في جوانب الحیاة العمرانیة المختلفة وفي أنماط الإستهلاك والعیش وأدوات وأسالیب المواصلات والإتصالات وغیرها من المنتجات والمخترعات التي وصل إليها العقل البشري.
بالتأكيد هناك مجتمعات فاعلة تصنع التحدیث ومجتمعات غیر فاعلة تطبق وتنقل وتقلد التحدیث، تبقی قاصرة وتلعب أخیراً دور المستهلِك.
أما فيما يخص الحداثة فنری أنه مختلف عن التحديث بشکل كبير، فهي تهتم بالدرجة الأولی بالجوانب الفلسفية والفكرية والثقافية والسياسية القائمة في المجتمعات ومفاهيمها.
هناك مفاهيم جدیدة في الفلسفة تم تقدیمها من قبل الحداثة، التي شددت على تبني العقلانية وتفعيل العقل وأكدت على العلمانية وأحدثت قفزة فكرية شديدة الأهمية في تاريخ الفكر الإنساني وحققت ثورة سياسية من خلال تبنيها أُسُساً جديدة للدولة الحديثة كمفاهيم الحرية و تسليط الضوء علی مفهوم الفردانیة (الفرد الحر) والمساواة والديمقراطية وإصلاح الخطاب الدیني ونقد التراث و الأفكار العقائدية الجامدة.
وبفضل الحداثة تمكنت المجتمعات من الإنتقال من عصر الزراعة الی عصر الصناعة ومن الفكر الإقطاعي الی الدولة القومية ومن الإستبداد والسلطة المطلقة الی الديمقراطية والديمقراطية الجذرية. إذن التحديث هو نتيجة من نتائج المجتمعات الحديثة وتابع الزامي لها.
الحداثة دخلت الی كوردستان عندما تم صدور أول جریدة كوردستانية في الثاني والعشرين من أبریل عام ١٨٩٨، ماضينا يقودنا الی ما نحن عليه في حاضر هذا العصر المعولم.
في أقليم كوردستان هناك ومنذ سنوات سعي جاد من قبل القيادة الكوردستانية الحکيمة في إدخال الديمقراطية من الباب الأمامي، بغية تأسيس الديمقراطية والتحول والتغير الديمقراطي، اللتان لاتأتيان إلا من خلال إصلاح واع و جريء.
هناك بوادر لإحترام التميز الفردي وفضاء إيجابي يفسح المجال للإبداع والإبتكار و يكافئ و يقدر المتفوق لتحقيق ذاته.
إن إعطاء هذا الحق الأخلاقي الطبيعي للمواطن الكوردستاني في تحقيق ذاته هو الأساس الناجح والصحيح لنظام یعمل بعقلية الحکم الرشيد. وحب الشعب الكوردستاني لقياداتها السياسية الفاعلة يزداد بإزدياد قدرة القيادات علی تحمل المسؤوليات و إشراك الشعب معها في إدارة الأزمات.
لقد تمكن السید نيجيرفان بارزاني بسياسته الحكيمة المتوازنة، أن يؤدي دور رئيسي في نهضة الإقلیم من خلال بناء الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي المساهم في الإعمار والبناء وأثبت کرجل دولة ولمرات عدیدة قدرته علی إدارة الإختلاف والتنوع بعقلية الحوار والإستيعاب وبإشتغاله علی المعطی الوجودي بكل أبعاده من أجل تحويله الی أعمال وإنجازات.
نحن نعرف بأن الحوار بالعنف هو عجز عن استخدام لغة العقل والمنطق. أما الحوار المتبادل بين مختلف الفئات والأفكار والاتجاهات بشكل موضوعي يستمع فيه الجميع إلى الآخرين بوضوح وتفهّم فأنه يمكن أن يؤدي بالنتيجة إلى إيجاد قنوات مشتركة تحقق التفاعل الاجتماعي الحيوي وترسم معالم الإصلاح والتحديث بشكل طبيعي مستمر على ملامح الشعب الكوردستاني، وتنشئ أسساً متجذرة من التماسك والتلاحم والوحدة.
هناك ضرورة ملحة للتحدیث والعصرنة في المجتمع الكوردستاني، لأن إستمرار وجود البنيات التحتية القديمة وعدم تطورها وتكاملها مع التغييرات العالمية المتصاعدة تصبح أساس للتخلف المتجذر في قواعد الفكر والعمل.
فالتحدیث مابعد الحداثة تساعدنا علی أن لا تُنتزع منّا أسس الأصالة والثبات في المبادیء الأساسية للثقافة الكوردستانیة وأن لا ندخل في متاهات العصر المتقدم ونضيع في دوامات الانخراط في مظاهر الحضارة الحديثة.
أن ثورة الاتصال والمعلوماتية بفضائها المفتوح في كل الاتجاهات إخترقت كل خصوصيات المجتمع و ايقاع العصرنة يتسارع في كل جوانب الحياة. أما التحديث فلا يتم إلا عبر إصلاح العقول التي صدئت من انغلاقها على نفسها، ورفضت الانفتاح على الآخرين.
ولكي نتمکن من التغلب علی صعوبات العصرنة، علینا أن نحدد العصرنة السياسية و نشجع، كما يعتقد العالم السياسي الأمريكي و منظّر "صدام الحضارات"، صاموئیل هنتنغتون، الإصلاح الإجتماعي والسياسي في نشاط الدولة، بمعنی تغيير القيم وأنماط السلوك التقليدية وتوسيع نطاق الولاء ليصل ولاءنا الی الأمة الكوردستانية، بعد دفع النخبة الشابة من المثقفين، الذين يمتلكون مقومات التحديث لإعادة الهياکل المؤسسية الی مؤسسات فعالة في الدولة تساهم في ترسيخ الديمقراطية و التعایش السلمي و علمنة الحياة و عقلانية البنی في السلطة.
وختاماً نقول مع الفيلسوف الهولندي باروخ سبینوزا (١٦٣٢-١٦٧٧)، "بقدر مايعيش الناس تحت رعاية العقل، فإنهم يکونون فاعلين، يقومون بالضرورة بما هو خير بالنسبة للطبيعة الإنسانية."
الدکطور سامان سوراني
 



50
كوردستان التعایش السلمي في عید نوروز القومي
من المعلوم بأن الوقائع لایمکن معرفتها تجریبیاً إلا بطریقتین: إما مباشرة إذا لوحظت وهي تحدث، أو بطریقة غیر مباشرة بدراسة الآؤثار التي ترکتها. لکن عندما نری آلیة تعامل شعب كوردستان مع ذاکرته و تراثه و خصوصیته کفسحة للتعبير عن هویته وإثبات وجوده القومي بصدق، أو کرأسمال یحتاج الی الصرف والإستثمار، أو كأفق یساعد علی شق طریق وإفتتاح خط جدید، نزداد إیماناً بقدرة هذا الشعب الحيّ علی تجاوز و مواجهة التحدیات والصعاب و هو یقدّس شعاع الأمل في إنجلاء الظلم و بزوغ فجر الحریة.
نوروز هو الیوم الجدید لدی الشعب الكوردستاني، یحمل في أعماقه إنقلاب طبیعي في الطقس، إذ یعلن نهاية فصل الشتاء وبداية الدخول الى فصل الربيع، لذا یمكن أعتباره دلیل علی تجدد الحیاة و إستمراها.
نوروز هو شأن من شؤون الكورد و جانب مهم في تاریخ ثقافته المتوارثة وسمة من أبرز سمات تراثه العریق وقلما نجد حضارة تواصل فیها عنصر من عناصر تراثها كما تواصل نوروز في تاریخ الكورد علی طول ما مرت من حقب موغلة في القدم، فهو جزء من الحیاة الداخلیة لکل فرد كوردستاني، ینفجر من صمیمه ویعبر به عن إشکالات حیاته و معاناته المتجسدة في الظلم والإضطهاد.
أما إقلیم كوردستان، الذي یحتفل الیوم عید نوروز، فقد أصبح بفضل قیادته الحکیمة نموذج یحتذی به في المنطقة، خاصة عندما یتم الحدیث عن التعایش المشترك و حسن الجوار الإنساني.
القائد مسعود بارزاني الذي تنبأ بنتائج أعمال شعبه وإنتصارات مقاتلیه علی داعش، أعداء الإنسانیة من الإرهابیین، بذر بمناسبة عید نوروز مرة أخری في الشعب الكوردستاني بذور ثقافة النظر إلى الواقع كما هو بالفعل، کما بذر فیە بذور ثقافة العمل على تحسين الواقع الكوردستاني من خلال الوقوف دوماً في صف الوطن وهو الذي أكد مرة أخری وبمناسبة عید نوروز علی مبدأ التسامح الإنساني والأخلاقي، لیشكل حجر الأساس لمبادئ الديمقراطية الدستورية المستقبلية وحفّز الحوار الثقافي المتحضر بين الطوائف والقوميات والاديان المختلفة وعزّز بسیاسته الحکیمة فلسفة التعایش السلمي کصناعة مفهومية في كوردستان، هذه الثقافة هي التي أخرج الإقلیم  ولحسن الحظ من الأزمة التي مرّ بها في فترة حملات داعش الإرهابیة و ما بعدها من حملات شوفینیة و جعل هذا الشعب یتواصل و یسعی الی إبتکار أفکار جدیدة في العمل، یعتمد علیها کي یتحقق التنمیة المنشودة و كي لا تتوقف عجلة التطور الذي یشهده الإقلیم الیوم.
نحن نعرف بأن الديمقراطية عملية وصيرورة تراكمية، تنمو مع الزمن و عبر النضال الدٶوب للمجتمعات وأن النهضة والتنوير  تعتبران من الضروریات لخلق الفضاءات الديمقراطية، التي هي مطلب إنساني تحتاج بنية تحتية كخطوة أولی لتسد وتشبع الإحتياجات الأساسية لأفراد المجتمع.
إقلیم كوردستان هو جزء من قريتنا الكونية الصغيرة التي نعیش فیها، فهناك ترابط وتشابك بين مصالح المجتمعات الإقتصادية والثقافية لافكاك بینها، وهذا بدوره يساعد في تنامي وتطور الوعي السياسي والإجتماعي للوقوف ضد کل نظام لایحترم التعددية وحق الاختلاف والتداول السلمي للسلطة وحقوق الإنسان وحرية التعبير والتفكير والتطلع الی حياة أفضل.
نوروز هو سنّة من سُنن الحیاة، یعني بالنسبة للكورد النضال المستمر من أجل التخلص من الإضطهاد و القيم التقليدية الموروثة، التي تبقی دوماً حجر عثرة أمام التطور والتغيير.
إن الإنتماء للوطن هو من أهم القيم الواجب غرسها من قبل المٶسسات التربوية في نفوس الناشئة والضروري تنمیتها لدی كل فرد كوردستاني.
فالهویة الكوردستانیة التي تبلورت و تحولت بسببها اللغة والثقافة الكوردستانية الی لغة وثقافة حية وهنا یجب أن نذکر، بأن الفضل عائد الی السياسة الحكيمة للقيادة الكوردستانية المعتصمة بقيم الديمقراطية والمٶمنة بالتعایش السلمي بین المکونات و الأدیان.
وختاماً، لنصنع واقعنا الكوردستاني و نحضر في زمننا بشكل فعال و مزدهر، كي نحسن الإفادة من ماضینا و تاریخنا و نحسن إستقبال الآتي من الزمان.
 الدکتور سامان سوراني


51
تعالیم بارزاني الخالد تزرع حب الوطن وحب الإنسانیة
تمر اليوم ذكرى رحیل الجنرال ملا مصطفی بارزاني، رائد و مؤسس مدرسة الكوردایتي، الذي جعل من الجبل صدیقاً لە و رسخ حیاته في سبیل حقوق شعبه و قارع بشکل میداني لأكثر من نصف قرن الظلم والإضطهاد التي مورست بحق شعبه وأمته الكوردستانية والإنسانية.
بارزاني الخالد کان صاحب فلسفة إنسانیة مبنیة علی الإیمان بالأخوة الإنسانیة، ینظر الی الإنسان کغایة في حد ذاته و یجعله بؤرة الإهتمام، بغض النظر الی إعتبارات أخری تتعلق بالجنس والدین أو النسب.
وفي غمرة نضاله کان دوماً یهدف بشكل عملي الی نشر مبادیء المحبة والسلام بین البشر، متفانیاً في الدعوة الی المثل العلیا والأخوة، معتبراً حبّ الوطن عقيدة، وإنتماء، وبوتقة عطاء، وتضحية، وفداء، وعلم، وإعتزاز بتراث وتاریخ.
نضال هذا القائد التاریخي المليء بتعالیم في الحب و الوطنیة و التسامح و المساواة و إحترام الغیر والمساواة والسعي في سبیل الحصول علی المعرفة، من أجل النهوض بالوطن و إیصاله الی المراتب العلیا في الرقي والتطور و حمایة بیئته، صار نهجاً ينير به درب الاجيال الى يومنا هذا.
لقد ساهم بارزاني الخالد في بلورة الوعي القومي لدى الشعب الكوردستاني في الأجزاء الكردستانية الأخری و تمکن بمشارکته الفعالة في ثورات الكورد ضد الطغاة الظالمین من تسطیر ملاحم بطولیة، لإعطاء الأجيال القادمة حقَّ الحلم بعالم تملؤه الحرية والكرامة.
أما مسیرته التاریخیة بعد إجتیازه صفوف جیوش جرارة لثلاث دول وعبوره نهر آراس الی آذربیجان السوفیتیة مع خیرة من الشبیبة البارزانیین بعد القضاء علی جمهوریة مهاباد الفتیة عام ١٩٤٧، حیث کان هو القائد الأعلى لجيش هذه الجمهوریة، فهي ملحمة یجب أن تدون في کتب التاریخ البطولي لهذا الشعب. 

لقد کان هذا القائد الخالد طوال عمره پیشمرگة، عهد علی نفسه بأن ﻳﻜﻮﻥ ﺳﻼ‌حه ﻭﺫﺧﻴﺮته ﺍﻟﺤﺮﺑﻴﺔ ﻭﺳﺎﺩة ﻭﻓﺮﺍﺵ ﻧﻮمه ﻃﺎﻟﻤﺎ ﺑﻘﻴﺖ وطنه ﻣﺤﺘﻠﺔ، لکنه کان یؤکد دوماً بأن السلام هو الطريق وأن العنف هو من صنع البشر، هكذا حقق من الانجازات الكبيرة لكوردستان مالم يستطع غيره تحقيقها، إذن کل هذا جعل منه رمزاً یقترن الیوم إسمه بالكوردستاني والكوردستاني بأسمه، حیث صار هو رابط من خلاله تعرفت شعوب العالم علی نضال و تضحیات شعبه في کافة أجزاء كوردستان.
و بسبب نهجه المتسامح في میادین كثیرة تمكن أن یفرض فلسفة حبه للوطن والإنسانیة علی أقوام خارج جغرافیة كوردستان و هم لیسوا من بني جلدته.
الیوم یجني الكوردستانیین ثمار هذا النهج الصادق في إیصال شیفرات الدبلوماسیة الكوردستانیة الی المحافل الدولیة، کل هذا جعل حق تقریر مصیر هذا الشعب یتداول علی طاولة القوی والدول العظمی.
وختاماً نقول: القيادة الناجحة تتطلب إذن أشخاصاً ذوي مواهب نادرة تجعلهم صالحين للقيادة، لا یدعون بأنهم ینقذون البشریة ولا یعتبرون نفسهم أفضل من بقیة الكائنات، بل یعیشون وسط الطبیعة بوصفه جزءاً من موجوداتها.
"ومن لا یصنع واقعه و لایحضر في زمنه، الحضور الفعال والمزدهر، لایحسن الإفادة من ماضیه، کما لا یحسن إستقبال آتیه".
الدکتور سامان سوراني

52
منطق الكشف و مستقبل الدولة الفاشلة
لقد عانی العلاقات الدولية في دول الشرق الأوسط من سمة عدم التوازن وقلة الاستقلالية لأنها لا زالت متأثرة بالسياسة الخارجية للدول العظمى. ومن المؤكد هناك عوامل تاریخیة مهمة ساهمت في ترسیم نمط العلاقات الدولية لدول الشرق الأوسط، لا مجال لذکرها هنا، لکن عندما تفشل الدولة في القیام بوظائفها الأساسیة، منها السیطرة و تطبیق أسس الحکم علی كافة أراضیها و إستغلال الموارد الطبیعیة والبشریة والمادیة بشكل یحمي مصلحتها القومیة و منها عدم إتاحة الفرصة للدول الأخری من السیطرة علیها و نهب خیراتها و مواردها والتحكم في شؤونها الداخلیة والخارجیة، یطبق علیها مصطلح الدولة الفاشلة(Failed State).
هذا المصطلح جدید الی حد ما، حیث تم أستخدمە للمرة الأولى في عهد الرئيس الاميركي، بيل كلينتون، حیث نُعت به الدول التي فشلت في القيام بوظائفها الأساسية، مما جعلها تشكل خطراً على الأمن والسلام العالميين، مثل أفغانستان في عهد طالبان.
هناك في الشرق الأوسط تحولات مهمة تدخل مفاهیم و نظریات جدیدة علی مستوی التحلیل و تهيء أرضیة بروز فواعل و ظواهر سیاسیة جدیدة علی مستوی الممارسة، لکنها لا تستطیع أن تؤثر  في البنية الهيكلية للنظام الدولي.
من المعلوم بأن الدولة الفعالة تنفتح علی الخارج، بقدر ما تنفتح في الداخل علی المجتمع والكيانات المختلفة
یقول أستاذ العلوم السیاسیة الأمریکي صاحب مصطلحي القوة الناعمة والقوة الذكية، جوزيف صموئيل ناي، "إن انتقال القوة من دولة مهيمنة إلى دولة أخرى هو واقعة تاريخية مألوفة، ولكن انتشار القوة هو عملية أكثر جدة. وتتمثل مشكلة الدول كافة فى عصر المعلومات العولمي الحاضر في أن أكثر الأشياء تحدث خارج نطاق سيطرة الدول حتى أقواها."
ففي زمن ثورة المعلومات والعصر الرقمي نری بأن الدولة الفاشلة لایرهن علی تصالح الحكومة مع الشعب من خلال بناء دولة القانون والمؤسسات والشفافية والتنمية، وإقامة قواعد إنتاجية حقيقية وإستخدام الموارد لصالح جمیع طبقات المجتمع، عبر خطط تنمویة و برامج عدالة إجتماعية يستفيد منها كل فرد، و لا یسعی بشكل جاد في التمسك بمقومات الهویة الجامعة، من لغة ودين وتاريخ وحضارة ولا یستخدم القوة الكامنة في كل هذه المقومات الناعمة لتقوية المجتمع ومؤسساتها وسياساتها.
بدلاً عن هذا تنظر الدولة الفاشلة دوماً الی الکیانات الداخلیة و الإقلیمیة و دول الجوار كأعداء و منافسین لا کأشقاء و حلفاء طبیعیین و هذا یؤدي بدوره الی دفع حرکات أو قوی وطنیة للعمل علی هدم بنیانها لغرض تولي موقع المسؤولیة و إعادة بناء الدولة على أسس جديدة.
من صفات الدولة الفاشلة، أنها لاتستطیع لوحدها السیطرة علی حدودها، بل تعتمد على المساعدات التي تأتيها من المجموعة الدولية و لسبب ضعفها تتحول أرضها الی ملاذات آمنة للجماعات الإرهابية و العوامل اللادولتیة الأخری التي تضر بالسیادة.
التطورات والسیناریوهات في الشرق الأوسط لها تأثیرات كبیرة في العالم و في البیئة السیاسیة والإقتصادیة والأمنیة العالمیة. وقد تستمر الفوضی واللاإستقرار إذا ما لم تسعی القوى الدولية في العمل على التغلُّب على صراعاتها مع دول المنطقة وعلى الصراعات بين هذه الدول وبعضها البعض، وعلى الصراعات داخل هذه الدول.
بالطبع لایمکن الوصول الی مصالحات وطنية حقيقية بناءة وشاملة إذا ما لم یتم التوافق حول صيغ تشمل جميع أطراف الصراع السياسي لإیقاف الإعتداءات والتدمیر المتبادل و نزع فتیل الحرب و التشدد في مواقف الأطراف المتنازعة و بناء الثقة بینهم وإعطاء المصالحة طابعاً مجتمعياً يمهد الطريق أمام إجراءات المصالحة التقليدية، عبر عملية تفاوض وتوافق حول عناصر العدالة، وإجراء إصلاحات مؤسساتیة والعمل علی تطوير علاقات أكثر تجانساً وإعداد بيئة حاضنة للمراجعة الدقیقة والتفكير الخلاق في صياغة علاقة إيجابية أبعد.
القوة هي القدرة على تحقيق النتائج التى نريدها و أن عدم القدرة على تجاوز سلبيات الماضي و عدم الإتفاق حول المصالح الوطنیة العلیا تجعل من التعايش بين الأطراف المتنازعة حالة هدنة مؤقتة غير قابلة للصمود. أما إذا کانت للنزاعات الداخلیة إمتدادات خارجیة فستبقی مسألة التعایش بین الأطراف دوماً محل تهدید. لذا یجب أن تکون لقضیة المصالحة ظهیر أو قناعة مجتمعیة و شعبیة یضمن تطبیق قضیة المصالحة و یحفظ دیمومتها. 
لا تنفع الدولة الفاشلة إستخدام النماذج السياسية المستهلكة والبعيدة عن الشعور الإنساني العميق، المدرك لحكم المأساة وطبيعة الحياة وثقافة الحوار والتعددية والتعايش وقبول الآخر المختلف ولا تنفعها النماذج القائمة علی فلسفة الاقصاء والتهميش وحرب الآخر والداعمة لهواجس وحسابات الربح والخسارة.
إن الذين يتصدرون واجهة الدفاع عن طوائفهم ومذاهبهم ومعسكراتهم بالأفكار السائدة والأنظمة المتحكمة والشعارات الخاوية والمقولات المستهلكة لا يستطيعون القيام بمهام قضية العيش المشترك وبناء الدولة الناجحة والحکم الرشید.
منطق الكشف العلمي يثبت لنا بأن حل المشكلات يخلق مشكلات جديدة ومعالجة الأزمات تولد المزيد من التعقيد والتأزم، لذا نقول للعقول السياسية في الدولة الفاشلة، من أراد النجاح للديمقراطية وتجربة العیش المشترك، عليه أن لا يتعامل مع الحقائق والوقائع علی سبيل التبسيط والتهوين أو التهويل والتضليل أو التلفيق والتزييف وعلیه نبذ الشعارات الخاوية والدعوات المستحيلة والاستراتيجيات القاتلة وعليه أيضاً إستخدام أطر وأدوات في النظر والعمل البعيدة عن مذهب القصر والإستهلاك والعقم وهنا يكمن سر النجاح. 
الطرف الذي ينهض بالعیش المشترك هو من يخلع عباءته الأيديولوجية المقدسة بثوراتها ومقاوماتها وإنقلاباتها وأحزابها وهو من يحسن الإشتغال علی خصوصيته وتحويل هويته للإنخراط في بناء عالم مشترك يتيح التعايش والتواصل، علی نحو سلمي تبادلي في أطر وطنية أو اقليمية أو عالمية، ولنا في إقليم كوردستان وحكومته اليانعة نموذج إيجابي نشيط في بناء مجتمع ديمقراطي سلمي التوجه مزدهر بإنجازاته العمرانية والحضارية.
وختاماً يقول الفيلسوف الإنكليزي النمساوي المولد كارل بوبر (1902-1994): "نحن نعرف بأنه لا يمكن أن يكون لحجة منطقية تأثيرٌ منطقيٌّ على من لا يريد أن يتبنى أسلوباّ منطقياً."
الدکتور سامان سوراني

53
أهمیة تعاليم الرئيس مسعود بارزاني في مكافحة فكر التطرف والإرهاب
في کتابه المنشور عام ١٩٤٥ تحت عنوان "المجتمع المفتوح وأعداؤه" یشیر الفیلسوف الأبرز في فلسفة العلم، النمساوي المولد، البریطاني الجنسیة، کارل رایموند بوبر (١٩٠٢-١٩٩٤)، الی نبذ العنف و الاستبداد وضرورة سيادة الحوار العقلاني عبر ما أسماه بـ"المجتمع المفتوح"، ذلك المجتمع الذي يفسح المجال لحرية التعبير والنشوء والتغيير الديمقراطي السلمي لغرض النزوع إلى تحقيق ما هو إنساني ومعقول، وتحقيق المساواة والحرية.
لقد لعب الرئیس مسعود بارزاني کرجل دولة و قائد لقوات البیشمرگة البطلة دوراً رئیساً و محوریاً في مکافحة فکر التطرف و قتال المتطرفين الإرهابیین و إیقاف المدّ الداعشي في المناطق الكوردستانیة و من ثم دحره و الإنتصار علیه.
إن جهوده المستمرة في نسج العلاقات في المنطقة بعقلية السلم والشراكة ولغة التسوية و ثقافة التعدد والتنوع، علی نحو فتح آفاق الحوار والتعاون والتضامن علی سبيل النفع المتبادل و الإثراء المتبادل، جعل منه مرجعاً لاغنی عنه في قیادة إقلیم کوردستان و تَثْبيت الأمن و الحکم الرشید. 
لقد حاول تنظیم داعش مرات عدیدة اغتیال هذا القائد الشهم عن طریق القصف والمفخخات خلال إشرافه على الهجوم لتحریر مدینة سنجار الجریحة أو خلال تواجده شبه المستمر في جبهات القتال مع قوات البیشمرگة في معاركها ضد التنظیم الإرهابي، جمیع تلك المحاولات الجبانة  من قبل أعداء البشریة للوصول الی النسر، أبن الجبل، باءت بالفشل.
لقد تمکنت قوات البیشمرگة الباسلة بقیادة الرئیس مسعود بارزاني أن تثبت للعالم بأن الكورد هم الجبهة الصلبة و الحصن المنيع في مواجهة الارهاب و التنظيمات الوحشية و قوى الظلام. هكذا حصل اقلیم كوردستان علی مکانة متمیزة في الشرق الأوسط وصار له ثقل كبير  في المعادلات السياسية .
مع هذا یؤمن الرئیس بارزاني بأن دحر هؤلاء الإرهابیین والإنتصار علیهم عسکریاً فقط لا یكفي ، لذا نراه یدعوا في أكثر من مناسبة الی تعبئة كافة القوى الحية في البلاد من أجل محاربة الأفکار المتطرفة ونقصد بالقوة الحية العلماء والكتاب والصحافة ووسائل الاعلام وقادة الراي. فبتضافر جهود الجميع یمکن إرجاع الفكر الإرهابي الى الوراء ليحل محله الفكر الواعي المتزن. فالسلم في نظره مرتبط بسعادة الجماعة الراهنة التي تبحث عن العيش في سلام، أما الحرب والعنف والتطرف فهي سلوك يعكس ضعف الإنسان في ضبط تعامله وانفعالاته و من الممكن أن تكون الحرب ضرورة حتمية لكنها تبقی حتمية محزنة تبرز ضعف ديناميكية الفكر الإنساني و قصور عقله.
إن مكافحة الإرهاب لا تجدي بأن نردد أقوالاً حول العقول المغلقة، أو تقديس التراث، فيما نحن نتمسك بجذر المشكلة و نمانع من كشف الغطاء عن الداء، كما يتجسم في النصوص والأوامر والأحكام والفرائض التي نعتبرها منزّلة أو مقدّسة أو نهائية.
إن التمسك بنصوص و أحكام من غير معرفة مدی تداعياتها و مفاعيلها السلبية أو المدمرة هو أساس المشكلة ولايمكن وصفها بالحل. فالأصوليات الدينية هدفها التقويض أو تخريب العمران، لأنها لا تقدر على إصلاح أو تحسين بناء.
أما الإرهاب فأنه يبدأ من الفكر، وعندما يغيب العقل ينمو الإرهاب ويتكاثر، لکن عن طریق إشاعة الديمقراطية الحقيقية وصيانة الحقوق والحريات العامة واحترام الرأي الآخر والعمل علی محو مفاهيم الاستبداد في المجتمع یمکن للمجتمع الخلّاق أزالة الآثار النفسیة للإرهاب.
الرئیس مسعود بارزاني عمل دوماً علی ترسیخ فلسفة التعایش السلمي بین القومیات والطوائف و تثبیت مفهوم الوسطية واشاعة ثقافة الاختلاف و الحوار، إنه سلوك حضاري.
القيم المشتركة هي نقطة محورية لبناء التعايش و مآل كلّ حدٍّ أقصى: أن ينتج ضدّه.
الدکتور سامان سوراني

54
الرئیس مسعود بارزاني و صیاغة نظریة التعایش السلمي في كركوك
یقال بأن الأحداث تخلق وقائع جديدة على الأرض، تخلط الأوراق وتغير قواعد اللعبة، فيخسر فيها لاعب ويفوز آخر. على هذا النحو يمكن قراءة التغییرات التي طرأت علی مسار و مصیر مدینة كركوك بعد أحداث السادس عشر من أکتوبر عام ٢٠١٧ وعودة إقلیم كوردستان مرة أخری للعب دوره علی المستوی العراقي والإقلیمي، بعد أن تراجع هذا الدور لمدة محدودة في فترة مابعد الإستفتاء من أجل الإستقلال.
وما زیارة وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، الی أربیل عاصمة إقلیم كوردستان في التاسع من كانون الثاني عام ٢٠١٩ و لقاءه بفخامة الرئیس مسعود بارزاني و المرشحین لرئاسة الإقلیم والحکومة السیدان نیجرفان بارزاني و مسرور بارزاني، إلا تأکید على أهمية ومكانة إقليم كوردستان بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية و دوره الفعّال في المعادلات السیاسیة في الشرق الأوسط.
لقد عملت أطراف محلیة و إقلیمیة بشكل منظم علی مشروع تأجیج الصراع القومي والدیني في كركوك والمناطق الكوردستانیة خارج إدارة الإقلیم و قامت بتهدید التجربة الدیمقراطیة لحکومة إقلیم کوردستان والنیل من تطلعات شعبە لحمایة الأمن و الإستقرار وبالأخص تطلعات الحزب الدیمقراطي الكوردستاني الساعي علی إبقاء هذه المدینة الكوردستانیة كنموذج للتعایش السلمي الأخوي المشترك بین المکونات القومیة والدینیة.
للرئیس مسعود بارزاني دور رئیسي و مؤثر في تقلیل الضغوطات السیاسیة والإقتصادیة الممنهجة التي مورست من قبل جهات خارجیة و داخلیة علی شعب و حکومة إقلیم کوردستان، حیث تمكن بثباته و عزمه و حکمته و دبلوماسیته كمحرك أصلي للتعایش السلمي في كركوك إبطال خُطط من فكّر بشكل مقلوب وحسِب العجز معجزة و المشکلة حلاً.
وكان لموقفه الرافض للواقع العسکرتاري المفروض في كركوك و المناطق الكوردستانیة الواقعة خارج إدارة الإقلیم  وتأكیده المستمر علی عدم التنازل عن كوردستانية كركوك  المحسومة من النواحي التاريخية والجغرافية أثر كبیر علی تفنید الرؤیة الإسترجاعية للحکومات المتتالیة في بغداد، التي تعمدت عن سبق إصرار في تنفيذ المادة 140 من الدستور المتعلقة بالحل السلمي لقضية كركوك والمناطق الكوردستانية الأخری الخارجة عن إدارة إقليم كوردستان.
نحن نعلم بأن النظام السابق في العراق مارس أعنف أنواع العمليات الوحشية و الإبادة الجماعية ضد شعب كوردستان لکنه لم يتمكن من التقليل من إرادتها في الحرية والإستقلال، لذا نقول للجهات التي لم تستفد بعد من دروس الماضي والتي ترید أن تمارس الترويج لجحيم الآلة العسكرية، بأنه مع كل محاولة يائسة للنيل من شعب كوردستان يزداد إيمان الكوردستانيين في تلك المناطق بكوردستانية مدنهم و أقضيتهم و سوف يستمرون في الحوار كقاعدة للعيش و يستخدمون كافة الوسائل السلمية لإسترجاع حقوقهم المهضومة، بعد إدانتهم لكل فکر شوفیني میلیشیاوي  إستعلائي، تروّج ثقافات تراجعیة فاشلة وأساطیر السردیات الکبری، التي ستؤول الى الإنتهاء قريباً بفعل نظام عالمي جدید، تدعمه القوی الديمقراطية.
إن التأکید المستمر للرئیس مسعود بارزاني علی أهمیة السلام والتعایش السلمي و ضرورة تفعیل الهوية الكوردستانية لكركوك كوعاء وطني كبير يعترف ويوثق ويستوعب كل الطوائف ومكونات هذه المدینة  هو من أجل خلق كيان كبير وقوي يمثل الجميع ولايقصي أو يلغي أحداً، بل يقويه وينميه داخل الإطار الوطني العام الذي يقوي كل مكوناته ويهدف الی صنع نقطة تلاق وارتكاز وانطلاق واحدة للمجتمع لينطلق منها لتحقيق أهدافه العليا.
لتکن هذه الهویة التي ینظّر لها الرئیس مسعود بارزاني و یصوّغُه بأقواله و أفعاله دستور ضمني غير مكتوب وغير معلن تتشكل من اللغة والتراث التاريخي للمجتمع الكوردستاني ومن القيم الحاكمة له بالإضافة الی رٶیته وأهدافه المستقبلية المستندة الی القيم الإنسانية العالمية ، كالحرية والتسامح والإخاء الإنساني والعدل والمساواة، التي تعزز احترام وحماية حقوق الإنسان والتعايش السلمي وتصون الحريات الخاصة والعامة و تضمن الأمن والاستقرار المجتمعي، الذي یعد أحد أهم العوامل التي ساعدت على تطور الانسان على مر العصور.
لا جدوی بعد الآن من التشبث والإحتماء بالهويات المسيّجة و السيادات المصطنعة، إذا كانت تفضي الی تقويض معاني الآصرة والرابط بين النظراء والشركاء و الأجدی هو ما يسهم في بناء علاقات التعايش والتواصل أو التعلم والإفادة علی سبيل التداول والتبادل.
ختاماً نقول، نعم للحوار و الشراكة الحقیقیة في سبیل التعایش الأخوي و لا للسعي إلی نفي الآخر و محو خصوصيته.
لنعمل جمیعاً لهذه المدينة الكوردستانية المتآخية حتی وإذا أصرَّ الآخرون علی هدمها.
الدکتور سامان سوراني


55
الرئیسان نجیرفان بارزاني و مسرور بارزاني و مشروع تنمیة ثقافة السلام
بما أن نمط الوجود وأساليب العيش قد تبدّل في هذا العصر بقدر ما تغیّر نظام العالم و منطق الأشیاء نری الرئیسان القادمان نجیرفان بارزاني یعملان بكل جدیة و حزم علی مشروع تنمیة ثقافة السلام. فهما لایریدان للبیت الكوردستاني أن یكون محاطاً بالاسوار ولا أن تكون نوافذه مغلقة ، بل یریدان أن تهب على هذا البیت الآمن و المليء بثقافة التسامح و التعایش السلمي بین القومیات والأدیان المختلفة، ثقافات كل الامم.
مصدر هذا النمط الفکريّ الراسخ لدی الرئیسان نابع من الإیمان العمیق للرئیس المناضل مسعود بارزاني بأن السلام هو الطريق وأن العنف هو من صنع البشر. الرئیس مسعود بارزاني أكد دوماً في خطبه ومناقشاته العلنية بأننا قادرين على تفكيك هذا القضاء، لإعطاء الأجيال القادمة حقَّ الحلم بعالم تملؤه الحرية والكرامة.
إذن إنهما یسیران علی خطی ونهج القائد الحکیم الرئیس مسعود بارزاني، الحریص على أرتقاء كوردستان وإعلاء قيم الانتماء والولاء لە ورفع رايته في كل المحافل رمزاً للحكمة والسلام والخير والعطاء.
إن هذه القناعة هي إستراتيجية عمل وسياسة لحل النزاعات، لأن من يستطيع التفكير بعقل تداولي يكون قادر علی أن يتغير لكي يسهم في تغيير سواه علی نحو مثمر وخلاق.
إن مبادرات كل من الرئیسین الجدیدین من خلال تواصلهم المستمر حوؔلت لغة العنف السياسي في كوردستان الی لغة إنسانية للحوار. فاللاَّعنف كما هو معلوم يقوِّض جدران الكراهية ويمدُّ جسور السلام والمحبة.
واللاعنف هو أفضل وأسمى بما لا يُقاس من العنف لأنه يتطلب شجاعة كبيرة واحتراماً للخصم والنصر الناتج عن العنف، كما يقول الزعيم الروحي للهند، مهاتما غاندي، هو مساوي للهزيمة ، إذ انه سريع الانقضاء.
أن السلام الداخلي الكوردستاني اليوم ليس بحاجة الی إثبات وتأكيد لأنه يرتكز على معادلة طبيعية عناصرها واضحة وجلية، تكمن أولاً في الأسلوب الجدید للقیادیین الشابین و التي تحمل في مضمونها رسالة قومية لنثر المحبة بين افراد الشعب وتشيع التفاهم مع محيطنا الإقليمي ومخاطبة العالم بلغة انسانية بليغة.
هذه المعادلة سوف تخلق استقرار سياسي متین، بفضلها یتمكن إقليم كوردستان أن يواجه التحديات التي من الممكن أن تفرزها شبكة العلاقات الاقليمية المعقدة في منطقتنا.
وتحت هذه المظلة من الاستقرار السياسي والقدرة على اتخاذ القرارات السياسية الحكيمة سوف تقدم القيادة السياسية الجدیدة في إقليم كوردستان الدعم السياسي اللامحدود لإنجاح عملية السلام في العراق والمنطقة، تلك العملیة التي تأخذ في السنوات القادمة بعداً إقليمياً  ودولياً.
السلام الداخلي في الإقليم یخلق لشعب كوردستان أجواء مليئة بالأمن والإستقرار ، من خلالها یستطیع الإقلیم أن  يكون فاعلاً وحيوياً في مسيرة البناء والتنمية على مختلف الصعد ویحافظ على الوحدة الوطنية الكوردستانية.
کلنا أمل أن تتشكل الحکومة الجدیدة لأقلیم كوردستان تحت قیادة الرئیسین الجدیدین في بدایة العام القادم، ٢٠١٩، فبمثابرتهم یمکن أن یصنع الأقلیم أعمال عظیمة تخدم الشعب الكوردستاني و الإنسانیة جمعاء.
والجغرافية السياسية للشرق الأوسط تقف اليوم الی جانب الكوردستانيين و إن إقليم كوردستان من الناحية الأمنية هو بالتأکید القطب الهادیء في المنطقة.
ما نلمسه اليوم، هو السعي الدؤوب للرئیسین نیجیرفان بارزاني و مسرور بارزاني من أجل تشكيل حقل معرفي لتنمیة ثقافة السلام، تتحول معه الأزمات والمآزق الي مواضيع للدرس والتحليل أو التشريح والتفكيك و ذلك لتقوية أسس فلسفة السلم ومذهب اللاعنف، فنری تلقيح العناوين والمفاهيم والقيم القديمة والحديثة بعناصر و مقاصد و أبعاد جديدة، علی سبيل التطوير والتجديد أو الإغناء والتوسع، سواء تعلق الأمر بالأدارة والديمقراطية أو بالحرية والعدالة أو بالتنمية والعولمة.
الدکتور سامان سوراني

56
الرئیس مسعود بارزاني وخلق فرصة جدیدة لضمان مستقبل أفضل لإقلیم كوردستان
التاریخ یشهد بأن لکل زمان أسالیبه ولكل عصر أفکارە ولكن في النهایة تبقی المصلحة القومیة هي الأسمی.
أما القيادة الناجحة فتتطلب أشخاصاً ذوي مواهب نادرة تجعلهم صالحين للقيادة، لا یدعون بأنهم ینقذون البشریة ولا یعتبرون نفسهم أفضل من بقیة الكائنات، بل یعیشون وسط الطبیعة بوصفه جزءاً من موجوداتها.
إن ما یقوم به الرئیس مسعود بارزاني وبالذات في هذه الفترة الحسّاسة من نشاطات سیاسیة و دبلوماسیة لإخراج الإقلیم من قوقعة الماضي نابع من إیمانه العمیق بتواجد شعب كوردستان في دائرة العصر.
وهو كمرجعیة وطنية و سیاسية عمل قبل الإستفتاء من أجل الإستقلال بشكل دؤوب في تهیئة شعبه للمستقبل، التي نعتبرە في حد ذاتها خروجاً من شرنقة الماضي وحلاً لأزمات الحاضر. 
إذا کان التاریخ الكوردستاني حافلاً بموجات الصعود والهبوط، إلا أنه يبقى دائماً تاريخاً متجانساً بين مكونات شعب كوردستان، ذلك الشعب الذي إحتضن و حمی مكونات دینیة مختلفة و بالذات المكون المسیحي و إختار الحوار كأداة لحل مشاکله السیاسیة العالقة مع الطرف الآخر.
إن سیاسة القائد بارزاني تتمحور في أعطاء الأفضلیة للوحدة الكوردستانیة و لسیاسة تحتضن الجمیع و رؤیته للمستقبل قائم علی أُسس متينة من التعايش المشترك وحسن الجوار الإنساني والإحساس بأن وجودنا في هذه البقعة منذ آلاف القرون يُلهمنا بتأكيد معاني التسامح ويعطينا الإحساس العميق بالتجانس البشري، الذي عرفناه عبر التاریخ.
هذه القدرة مكّنه من أن یکون واسع الأفق لیتنبأ بنتائج أعمال شعبه وإنتصارات مقاتلیه علی أعداء الإنسانیة من الإرهابیین.
لقد بذر القائد بارزاني فینا بذور ثقافة النظر إلى الواقع كما هو بالفعل و بذور ثقافة العمل على تحسينه من خلال الوقوف دوماً في صف الوطن.
الرئیس بارزاني أكد غیر مرة علی مبدأ التسامح الإنساني والأخلاقي لیشكل حجر الأساس لمبادئ الديمقراطية الدستورية المستقبلية وحفّز الحوار الثقافي المتحضر بين الطوائف والقوميات والاديان المختلفة وعزّز بسیاسته الحکیمة فلسفة التعایش السلمي کصناعة مفهومية في كوردستان، هذه الثقافة أخرجنا من الأزمة التي مرت بها إقلیم كوردستان في فترة حملات داعش الإرهابیة و ما بعدها من حملات شوفینیة و جعلنا نتواصل و نسعی الی إبتکار أفکار جدیدة في العمل، نعتمد علیها کي تتحقق التنمیة المنشودة و كي لا تتوقف عجلة التطور في الإقلیم.
الیوم أمام إقلیم كوردستان فرصة للاندماج في المعادلات السیاسیة والعلاقات الاقتصادیة في المنطقة و هناك زیارات لوفود رسمیة رفیعة المستوی من الولایات المتحدة الأمریکیة و بلدان أخری أوروبیة الی الإقلیم للبحث والمناقشة حول مواضیع تتعلق بالطاقة والإقتصاد و العمل علی آلیة الإستفادة من الإنفتاح علی العالم الخارجي بصورة مخططة وعلى خطوات، لتحقيق مستقبل أفضل ولضمان الرفاهية لشعب كوردستان.
من حق شعب كوردستان بعد العيش في ثورات معرفية و اكتشاف قيمة الحرية والكرامة أن يسعی في رسم مسارات الحياة، مدركاً بالإنتماء الی الجنس البشري و قيمة مسؤولياته.
إذن، إن المستقبل ليس بعيداً وإننا نكاد نمسك الغد بأيدينا، فلنتحرك في جسارة وذكاء ورؤية واضحة ونظرة متكاملة من أجل فك طلاسم المستقبل وإيجاد الشيفرة الصحيحة التي نقرأ بها الکتاب الرقمي للزمن المقبل.
و ختاماً: "من لا یصنع واقعه و لایحضر في زمنه، الحضور الفعال والمزدهر، لایحسن الإفادة من ماضیه، کما لا یحسن إستقبال آتیه".
الدکتور سامان سوراني





57
نعم نیچیرڤان بارزاني رئیساً لإقلیم كوردستان و مسرور بارزاني رئیساً للحکومة
یقال، لن تنهض أمة أو دولة إلا إذا امتلكت حكومتها وقيادتها ثلاثة أمور (الرؤية والرغبة والقدرة)، و یقال أیضاً، لن تتمكن الحکومات والقیادات من تحقيق تطلعات شعوبها إلا إذا طبقت مبادئ الحكم الرشيد.
والحكم الرشيد الذي ننشده هو حُكم يهدف إلى إقامة العدل الذي لا إستثناء معه والحرية التي لا إزدواجية فيها، أي الوصول الی التنمية المستدامة و سيادة القانون و الإدارة القوية والشرعية و فعالية تطبيق القانون و الشفافیة و مجتمع قابل للتغيير والتطور و بناء التوافق و مشاركة فاعلة والمساءلة و الرؤیة الإستراتیجیة مع إستخدام القوة الناعمة.
في الأعوام الأخيرة وضعت التطورات إقلیم کوردستان بين مناطق تشهد صراعات كبرى في منطقة الشرق الأوسط.
ونظراً لموقعه الجغرافي الحسّاس أضطر الإقلیم خوض حرب ضد داعش، أحدی أكبر التنظیمات الإرهابية في العالم، للدفاع عن أرض و كرامة شعب كوردستان. هذا و قد قام الإقلیم قبل و بعد ذلك بإستيعاب مئات الآلاف من اللاجئين والنازحین من سوريا والعراق إلى جانب المحافظة على علاقاتە مع دول الجوار و العراق، الذي عانی من اضطرابات سياسية داخلية.
وكذلك سعی الإقلیم بفضل حکمة قیادته، المتمثلة بالرئیس مسعود بارزاني، المحافظة على علاقاته مع الولايات المتحدة الأمريكية –الحلیف الرئیسي في الحرب ضد داعش– حتى مع الانتقال النوعي للإدارة من باراك أوباما إلى دونالد ترامب.
أما فیما یتعلق بالعلاقات بين أربيل وبغداد، فقد كسرت زیارته الأخیرة في ٢١/١١/٢٠١٨ الحاجز النفسي، بعد التأكید على الموقف الثابت للكوردستانیین الداعي الی السلم والساعي الی العمل علی بدء مرحلة جديدة من العلاقات مع الحكومة العراقية الجديدة لتجاوز المرحلة الصعبة التي شهدتها العلاقات في السابق و القیام بتأسيس إدارة البلاد وفق الإطار الدستوري والشراكة الحقيقية .
الیوم وبعد النظر في المؤثرات الجيوسياسية المؤثرة علی الحسابات السیاسیة الداخلیة والخارجیة و لتفضيل المصالح الحيوية على المصالح الأقل أهمية لضمان الأمان والاستقرار في الإقلیم و دفع المخاطر الاقتصادية المحدقة والمعرقلة لمواصلة نمو وتعافي الاقتصاد الكوردستاني، قررت قیادة الحزب الدیمقراطي الكوردستاني بالإجماع، ترشیح کل من  رئيس الحكومة الحالي نچيرڤان بارزاني لرئاسة إقليم كردستان، ومسرور بارزاني لرئاسة الحكومة الجديدة للإقليم.
وقد أستقبل هذا القرار الصائب علی المستویین الداخلي والخارجي بشكل إیجابي. أما الأوساط السیاسیة و الدبلوماسیة و الإجتماعیة الكوردستانیة منها والعراقیة فقد رحبت بهذه الخطوة الجدیدة.
رغم أن إختیار الأشخاص الذین یفهمون عمل الحکومة و الإقلیم ویحترمون الدستور والقانون أمر مهم، إلّا أن الأهم من ذلك هو إقرار و تفعیل القوانین والمؤسسات للتطابق مع العصر و الزمن الرقمي.
أما مواجهة الفساد والقیام بالإصلاحات، فأنها باتت مطلباً شرعياً لجمیع شعب كوردستان وتحضی بالمساندة القوية من قبل الشعب الكوردستاني وهي ليست ترفاً فكرياً ولا مادة للشعارات أو المزايدات.
من المؤكد بأنه لا مجال لإصلاح سياسي وإداري بمعزل عن إصلاح اجتماعي واقتصادي يسير في خطوط موازية. علیه معالجة المسائل المتعلقة بـكفاءة أجهزة الإدارة العامة من خلال تبسيط الإجراءات وإعادة هيكلة الجهاز الإداري وتطوير منظومة القوانين والتشريعات الإدارية.
نحن علی أتم الثقة بأن المرشحین الأثنین سوف یعملان بوثوق معاً في سبيل الحصول علی درجات جيدة في إمتحانات الديمقراطية والتنمية والعدالة والكرامة، لصنع مستقبل جديد للإقلیم، بحيث تنكسر الصور النمطية السلبية، التي ترسمه أعداءهم و أعداء الديمقراطية لهم.
بتوقعنا تستمر الحکومة المقبلة في استراتيجية المشاركة الخارجية لتجنب أي تبعات قاسية للأزمات الإقليمية على المستوى المحلي و التقلیل من فاعلیة الأذرع الخارجیة المنتشرة في العراق سیاسیاً و دینیاً و میلیشیاویاً والتي تقاتل في سبیل مصالح إقلیمیة و لایهمها عدم الاستقرار والفوضى وإعادة الإهارب الی المنطقة.
إن هذه التحدیات الجسیمة تحتاج الی أشخاص یؤمنون بالمبادیء الكوردستانیة الجلیلة، أصحاب الإرادة القویة والخبرة العمیقة في السیاسة والدبلوماسیة أمثال المرشحین نیچیرڤان بارزاني و مسرور بارزاني لمجابهتها و كذلك تحتاج الی دعم قوي و فاعل من قبل أصدقاء شعب كوردستان لدی الأسرة الدولیة والمجتمع الدولي.
وإیماناً منه یأمل شعب كوردستان في أن يكون فاعل قوي في بناء الحضارة و صناعة المعرفة والحداثة والتقدم، لكي ينخرط و يشارك مع بقية الجماعات و الأمم في رسم مستقبل أفضل للمنطقة.
نأمل من الإدارة الجديدة في إقليم كوردستان أن تعمل علی صنع حیاة سویة و مشتركة و تُحفّز الأفکار الخصبة والأطر الملائمة أو المعالجات الناجحة والتدابیر الفعالة و تكون محوراً داعماً لتعزيز الهوية الكوردستانیة.
الدکتور سامان سوراني




58
الرئیس مسعود بارزاني بین خلق الوسط الجامع و صناعة الحیاة المشتركة
إن أزمة تشکیل الحکومة الراهنة في العراق باتت الشغل الشاغل للناس في المرکز والإقلیم من غیر إستثناء، إذ هي تخلط الأوراق و تخربط الحسابات، بقدر ما تمس المصالح والمصائر في المنطقة.
لا مراء بأن الزیارة الأخیرة للرئیس مسعود بارزاني ، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، علی ما شاع في الأعلام المرئي والمسموع والمقروء، بعد أن أستقبل بحفاوة من قبل رئيس مجلس النواب العراقي محمد الحلبوسي و رئیس تحالف الفتح هادي العامري و لقاءه برئيس الوزراء العراقي الجدید عادل عبد المهدي، وعدداً من القادة السياسيين في بغداد والنجف، ينفتح علی خيارين كبيرين لكل منهما ثمنه و ثمراته: الخیار الأول هو بناء قاعدة متینة للحوار کحل للمستقبل بدل الحروب و الخیار الثاني هو تشکیل مرجعیة دیمقراطیة بعیدة عن التفرد بفتح آفاق أمام العمل الحضاري والتنمية البشرية في العراق الفدرالي، تكون أقل كلفةً و وطأةً أو أقل تسلطاً و عنفاً، بل أقل عبثاً و جنوناً. فالسلام هو الأمل و مستقبل الإقلیم والمرکز یکمن في الحوار لا الحروب.
الرئیس مسعود بارزاني، الذي وصف بمهندس كبیر بالسياسة على مستوى المنطقة والعالم، قائد من هذا الزمن یؤمن بالحوار والسلام و یعرف جیداً بأن هذا الزمن هو زمن الحوار والتلاقي و الدعوة للقاء عوضاً عن الإفتراق، لذا نراه یؤكد في جمیع لقاءاته السیاسیة مع القیادات العراقیة المختلفة علی أهمیة العمل المشترك بین جمیع الأطراف من أجل بناء الشراكة و معالجة وإنهاء کافة مشكلات العراق المتراکمة السیاسیة منها والأمنیة والإقتصادیة و الدستوریة و قضایا عالقة بین الإقلیم و بغداد خصوصاً مسألة إدارة المناطق المتنازع عليها، وتحديداً كركوك و یصرّ على ضرورة تواجد النوايا الحسنة لبداية جديدة لعملية سياسية تخدم الجمیع. 
الحوار هو ثمرة إعتراف متبادل خارج أي نوع من أنواع النفي و العمل علی الوحدة یحتاج بلا شك الی الإقرار بالواقع، لمعرفة إدارة الإختلاف و معالجة المشاکل و تدبیر الشؤون.
فالوحدة دوماً بحاجة ماسة الی وسط جامع، فهي لیست معطیً فطریاً أو واقعاً طبیعیاً، بل هي عمل ثقافي مؤسسي یقتضي بذل الجهد بالعمل علی الذات وتحویلها لكي تخرج من الدائرة الضیقة أو القوقعة لاخانقة. وذلك بإجتراح مایحتاج الیه العمل المشترك. فالإتحاد مع الآخر هو من أجل خلق ما هو جامع أو مشترك أو عام یتیح أو یوسع من إمکانات الحوار والمفاوضة والشراكة والمبادلة والتداول والتفاعل علی نحو مثمرٍ وبنّاء في عصر تزداد معها إمکانات التواصل بین الناس.
إن الإعتراف بحق الآخر و بالفيدرالية و الديمقراطية هي لغة العصر و كذلك الحلول لا تقوم علی نفي الواقع. والوسطیة هي لیست غیاباً للموقف والرأي ولا هي جمع علی سبیل التلفیق، بهل هي أداة لصناعة حیاة مشتركة و فضاء واسع لممارسة حریات التفکیر، بقدر ماهي بیئة حضاریة خصبة للتبادل، أو وسط للمحاورة والمداولة و السجالات والمناقشات والمفاوضات الدائمة.
علیه أن نذّکر رئیس الحکومة الجدیدة، الدکتور عادل عبدالمهدي، أنه من یرید أن یقود مشروع وطني في العراق واجب علیه أتباع سياسة المساواة وخدمة الكل، لا استخدام سیاسة التهمیش و إثارة الأحداث و علیه أیضاً مراعاة أسس الشراكة الحقیقیة في صناعة القرار والتوافق والتوازن بين المكونات في العملية السياسية العراقية.
بالتأكید نحن اليوم أمام واقع تتحرك معطياته بوتائر متسارعة، إذ لا يمكن التَّعامل مع الوقائع إلا بوقائع مماثلة.
إنّ الرئیس بارزاني أكد غیر مرةٍ علی مبدأ التّسامح الإنساني والأخلاقي لیشكل حجر الأساس لمبادئ الديمقراطية الدستورية المستقبلية وحفّز الحوار الثقافي المتحضر بين الطوائف والقوميات والاديان المختلفة وعزّز بسیاسته الحکیمة فلسفة التعایش السلمي کصناعة مفهومية في كوردستان، فهو یرید أن ینقل هذه التجربة الكوردستانیة الناجحة الی کافة أرجاء العراق، لأنه یدرك جیداً بأننا الآن في زمن الكتروني لا يمهل كثيراً بل هو يهمل اذا لم نحسن التعاطي مع ادواته، لذا نراه یستجیب بتعقل ورؤیة وهدوء للمثیرات المختلفة، ونتیجة لذلك یقرر بموضوعیة تضمن رؤیة ومصلحة الشعب العراقي بشکل عام والشعب الكوردستاني بشكل خاص، مدركاً العلاقات والإرتباطات بین الأشیاء والوقائع، مستخلصاً العوامل البارزة من خبرات عقود من الکفاح المسلح والنضال الوطني للإنتفاع بها في إلقاء الضوء علی المشکلات الحاضرة.
أما الماضي فدروسه علمنا بأن من ینشدّ الی الوراء، بدلاً من أن یتوجه نحو الحاضر والراهن والمستقبل ویسعی للخروج من المنطق الإختزالي و السجن العقلي و الحتمیة الأيديولوجية و المكابرة و التهرب من المسؤولية و إنكار الحقائق الصارخة والترويج لجحيم الآلة العسكرية، لا یورث سوی النزاعات الداخلیة والهزائم والمهالك للعراق. علیه یجب أن تنتهي أزمنة القفز فوق الاحداث و نفي المتغيّرات.
وختاماً نقول للحکومة العراقیة الجدیدة و لأحزاب السلطة جمیعاً، جاهدوا في سبیل جعل الحیاة في العراق وبین المکونات المختلفة أقل بؤساً وفقراً وأقل توتراً وعنفاً، لیکون هذا البلد أكثر أمناً ویسراً وأكثر تواصلاً وتضامناً، سواء علی مستوی القومیات أو علی مستوی الدولة و ساهموا بشكل بناءٍ و مثمر في تطویر مفهوم الدیمقراطیة و فتح ممكنات جدیدة أمام العمل الدیمقراطي.
الدکتور سامان سوراني


59
رحیل إیقونة الأدب الروائي العالمي العصامي الصادق حنا مینه
بالأمس وصلنا نبأ رحیل حنا مینه، عملاق الأدب وشيخ الروائيين وكاتب الكفاح والفرح الإنسانيين عن عمر ناهز 94 عاماً بعد أن ترك وراءه البحر في زرقته المائیة و تجربة إنسان ملئها مشقة الحیاة. إمتهن مینه في حیاته وذلك لضمان قوت العیش أعمالاً عدیدة، فأشتغل حمالاً وبحاراً و حلاقاً و مربیاً و مصلحاً للدراجات وموظفاً حکومیاً الی أن إنتهی به المطاف لیصبح روائياً عالمیاً.
لقد کان هذا الكاتب الأصیل واقعیاً في روایاته شدید الإلتصاق بقضایا مجتمعه، متأثراً بالروائي الأمریکي إرنست همنغواي، ملهماً بتموجات البحر و مسحوراً بزرقتهِ، لذا کان یوصف بحق بـ "أدیب الماء أو كاتب البحر".
تمکن مینه كزملائه في الحرف أمثال المصري نجیب محفوظ و المغربي محمد شكري و بشکل ناجح من إماطة اللثام عمّا یدور في الهوامش وإن کان هو یصف جهوده الرامیة الی كشف الغطاء جهداً و فعلاً تعیساً.
حنا مینه إعتمد علی ساعده، کان ناصراً للفقراء والبؤساء والمعذبین في الأرض و مؤمناٌ في أعماقه بأن إنقاذ البشر من براثن الخوف والمرض والجوع والذل جدیر بأن یضحی لأجله، فقد عانی الراحل الشقاء، أتعبه الحیاة لکنه تمکن من محاربة الشقاء في قلب الشقاء و الإنتصار علیه لیصبح أخیراً سعیداً في حیاته.
أحبّ مینه التجدید ، لم ینتظر كي تقع المصادفة، فقد کان خال الذهن من أي شيء، "يعيش أيّامه بوتيرة واحدة، وإذا المصادفة تنبت زهرة في كفّه، فيتضوّع منها عبق يعطر أيّامه.”
أعماله الروائیة تجاوزت الأربعین، تحول العديد منها إلى أعمال درامية وسينمائية. من أبرز روایاته رواية المصابيح الزرق، الشراع والعاصفة، الياطر، الأبنوسة البيضاء، حكاية بحار، نهاية رجا شجاع، الثلج يأتي من النافذة، الشمس في يوم غائم، بقايا صور، القطاف، الربيع والخريف، حمامة زرقاء في السحب، الولاعة، فوق الجبل وتحت الثلج، مأساة ديميترو، المغامرة الأخيرة، والمرأة ذات الثوب الأسود.
أراد حنا مینه أن یعیش الناس في محبة ووئام وهو القائل في المرأة: "لو خيّروني بكتابة شاهد على قبري، لقلت لهم أكتبوا هذه العبارة، المرأة.. البحر.. وظمأ لم يرتو".
الدکتور سامان سوراني


60
الفکر الكوردستاني بین صناعة الإرادة و تحطیم قیود الإضطهاد في مرحلة مابعد الإستفتاء
یقال بأن الإرادة الصلبة تجعل المُستحيل ممكناً وأن الأحلام والطموحات لا يمكن أن تتحقق بالاستسلام للعجز و الإخفاق، فالأبطال يُصنعون من أشياء عميقة في داخلهم هي الإرادة والحُلم والرؤية.
مانشاهده الیوم علی الساحة الكوردستانیة هو إتفاق أعداء الكورد في مساعیهم للقضاء علی الحلم الكوردي والإستمرار في سلب و نهب خیرات كوردستان، بالمقابل نری أنانیة بعض الزعماء والقادة، الذین لایسعون الی التقارب والوحدة لتجاوز أزمة المرحلة و تعزیز جبهة التصدي والصمود في وجه التحدیات.
الأمة الكوردیة الیوم وللأسف مقسمة ومجزأة الی أقسام وأجزاء بحيث یکون من الصعب قیادتها من قبل حزب سیاسي أو زعیـم واحد قادر علی أن یفرض هیمنة سیاسته الوحدویة علی جغرافیة واسعة من خارطة كوردستان.
وإذا كان التطلع الی المستقبل يعني القیاس علی إحتمالاته الموجبة، فإننا نعیش الیوم مرحلة مابعد الإستفتاء المتمثلة بالإحتلال وتقیید دور سلطة الإقلیم السیاسیة و العسکریة.
إذن من الضرورة بمكان العمل علی إستراتیجیة جدیدة لصنع الإرادة والإتحاد و وضع آلیات العمل علی تحطیم قیود الإضطهاد بإشکاله المتنوعة. إستراتیجیة تقوم علی جمع الطاقات المادیة والمعنویة في إطار فكري و سیاسي وإقتصادي وعسکري وإجتماعي واحد، تقزم دور المشتّت و المفتّت وتعاقب أيّ طرف یسعی الی فرض مصالحه الشخصیة فوق مصلحة الوطن أو ینحني للإملاءات الإقلیمیة الهادفة للنیل من إرادتنا في النضال من أجل تحریر كافة الأراضي الكوردستانیة الواقعة تحت نیر الإحتلال والإغتصاب.
علی الكوردستانیین السعي في تجدید صیغ و حقول و مناهج صنع الإرادة والإیمان بكرامة الوطن والتحرر من فكي الكماشة والقوقعة الحزبیة الضیقة المیئة بالشعارات الخاویة.
ما نحتاجه هو إبتكار طریقة جدیدة ولغة جدیدة في سوس الذات والأفكار وفي إدارة الوقائع و الأحداث وتشخیص المصلحة القومیة، بعیداً عن مصالح فئة علی حساب فئة أخری أو تحویل علاقتنا بتراثنا الحي والغني بالنضال من أجل الحریة الی معرفة میتة أو شرنقة خانقة أو متحجر فكري یفقد مصداقیته بعد أن حاول البعض لمکاسب شخصیة إجهاض أحلامنا وعمل علی إفلاس مشروعنا في الإستقلال و سعی الی وضع هویتنا في المأزق، کما نشر هذا الوباء الفتاك في مدینة كركوك، قلب كوردستان، والذي نخشی منە و نعاني من إنتشاره.
لنجترح أسالیب عصریة في التخطیط للمستقبل تخرج معها الأشیاء مخرجاً یجعلها تزداد قوة و صلابة و تبعدنا من أن نكون أسری ماهیات ثابتة أو هویات مفروضة علینا من قبل المحتلین لتقويض مساعینا في الحریة والإستقلال.
ختاماً: "الأمور لم تعد علی ما کانت علیه، فعصرنا هذا یحتاج الی تغییر العدة القدیمة بمرجعیتها الفکریة وأطرها وآلیاتها، لإعادة البناء، تغذیة وتهجیناً أو صرفاً وتحویلاً أو توسطاً و تسویةً وعبوراً أو إنماءاً وإزدهاراً مع طرح الساسة شعارات الحریة والإستقلال بعقلیة التقدم نحو الأمام دون الخوف من المتغیّرات."
الدكتور سامان سوراني






61
هل یرفض حیدر العبادي منطق الشراکة و یرحب بمنطق الصدام؟
من يتابع المشهد الإقلیمي بصورة عامة والمشهد العراقي بصورة خاصة يدرك غياب وتغييب المبادئ الإنسانية عن الساحة بصورة يندى لها جبين الإنسانية حياءً وخجلاً من مشاهد غياب العدالة ، ومن الظلم والعدوان ، والإقصاء والتهميش، وإلغاء الآخر، ناهیك عن التعذيب والقتل وشيوع ظاهرة العنف بكل صورها وأشكالها، كما يلاحظ تصدر منطق القوة في المعادلة الإقلیمیة، فالقوي يأكل الضعيف، وكأن شرعة الغاب هي التي تحكم البشرية المعاصر.
إن ما تحقق للشعب الكوردستاني منذ ١٩٩١ حتی ٢٠١٧ لم یكن قراراً عراقیاً طوعیاً عن طیبة و حسن تقدیر للجیرة والمواطنة والمساواة والتعایش المشترك، بل کان قراراً دولیاً بناءً علی تضحیات شعب كوردستان، تحول الی قرار عراقي ملزم بعد سن الدستور والإستفتاء علیه من قبل الشعب.
والعلاقات التضامنیة الكوردستانیة العراقیة المتبادلة یجب أن تعتمد علی هذا الفهم، إذ بدون ذلك یصعب المضي الی الأمام. لایکمن للعراق أن یستقر أو یتقدم علی أیدي أناس یعتبرون أنفسهم وحدهم ورثة العراق وکل مافیه. فهذه الذهنیة هي التي دفعت بالحشود الشعبیة التي تتلمذت معظمها في إيران على يد نظام الجمهورية الاسلامية الايرانية وتعلمت منه أهمية إستخدام القوة ليس ضد الاعداء من الإرهابیین وانما ضد شعب كوردستان.
نحن نأسف عن سیاسة الدول المجاورة لإقلیم كوردستان، التي تتعاون مع بغداد علی بقاء أسباب وأجواء التوتر والعنف والقتال والـاسي بدلاً من البحث عن السلام الشامل، الضروري حتی الآن للعراق وکوردستان والدول المجاورة ذاتها.
علی العبادي أن یتخلی عن إستخدام منطق القوة والعنف ضد شعب كوردستان و إنهاء سیاسة فرض السیادة بقوة الاجواء الميليشياوية والعمالة والتبعية لإيران.
وإذا کان العبادي و من یشاوره یتصور أن بأمکانه التلاعب بحقوق وصلاحیات إدارة إقلیم کوردستان فهو واهم و غافل عن حقائق تثبت بأن الدستور العراقي و بقیة الحقوق لم یکن قراراً عراقیاً طوعیاً ولم یوافق أي جانب عراقي من الدولة العراقیة بشکل طوعي، سواء قبل أو بعد عام ٢٠٠٣ علی ماتقرر في الدستور. إن مستقبل العراق مرهون بمدی الإنسجام مع إرادة المجتمع الدولي الجدید.
أما فیما یخص إشتراط "تنازلات" علی شعب كوردستان بغیة تحقیق المصالحة العامة في العراق، أو العمل علی "تغییر الدستور" لإزالة ما یتعلق بالفدرالیة والمادة ١٤٠، إنه محاولة للتهرب من الواقع وعدم الإقرار بالغبن التاریخي. فهي بحق محنة الإنسانیة وإشکالیة القیم، لا یریدون لنا أن نکون مثلهم، لذا یعملون علی تهمیشنا وإقصاءنا والحط من مرتبتنا وقیمتنا. شعب كوردستان لا یقبل "تنازلات" للعودة الی أجواء التوتر والشکوك المتبادلة وقرع طبول التهدیدات وعودة شبح الدكتاتوریة والإستبداد.
والعبادي یعرف قبل غیره بأن شعب كوردستان متمیّز عن العرب والعراق إن لم تفي بالشراكة بین الشعبین الكوردستاني والعربي علی أساس المساواة ولیس علی أساس هیمنة المركز العربي علی شعب كوردستان سوف تنهار. كركوك کانت دوماً مدینة كوردستانیة و تابعة إدرایاً لكوردستان.
إن عدم حسم مشکلة كركوك و المناطق الكوردستانیة الأخری و إبقاؤها معلقة الی الآن فهي بمثابة تهدید دائم. ففي عام ١٩٧٠ کان ینبغي حل مشکلة كركوك بعد إجراء احصاء سکاني دقیق للتأكد من نسب الترکیب السکاني للمحافظة والمدینة بغیة إتخاذ قرار حول علاقتها بالإقلیم، والنظام المقبور أرجأ الإحصاء دون مبرر، وأدی هذا الإرجاء الی تفجیر الوضع فیما بعد. ویجب أن نذکر هنا بأن النظام البعثي استأجر أنذاك شركة یونانیة محایدة لإجراء إحصاء سري، وكانت نتائج الإحصاء منصفاً و لصالح شعب كوردستان لذا تم إبقاء هذه النتائج في سریة تامة. وكما معروف بأن النظام قام بعد ذلك بسلسلة من إجراءات کالتعریب والتهجیر القسري لسکان المدینة من الكورد أستمرت حتی عام ٢٠٠٣.
حکومة بغداد لم تقم بعد سقوط النظام بالإستفاء الحر حسب المادة ١٤٠ من الدستور، لذا کان الإستفتاء الأخیر أیضا لصالح كوردستان. کل هذا التعنت من قبل بغداد الحقت و سوف تلحق أضراراً بالغاً بمستقبل العلاقات بین الإقلیم والعراق. إن إبقاء الشعور الراسخ بالغبن التاریخي والحرمان في أذهان و قلوب الكوردستانیین یکون عامل ذاتي محرّك یدفع بهم الی الثورة في سبیل التحرر والإستقلال.
وختاماً: التاریخ شاهد علی أن الأنظمة الشمولیة والسلطات الملغومة بالعقائد الطائفیة والنعرات القومیة هي أعجز وأضعف من أن تصمد أو تتغلب علی شعب كوردستان، الذي کسر بأبطاله من البیشمرگة حاجز الخوف من الإرهاب الداعشي ومیلیشیات الحشد وأجمع علی المضي قدماً نحو الکرامة والعدالة والتنویر والتحرر الوطني.
الدکتور سامان سوراني

62
المشروع القومي الكوردستاني بین النظریة والتطبیق!
کان الزعیم البلشفي الروسي فلادیمیر إلیتش أولیانوف (لینین) یردّد دوماً مقولته الشهیرة: "لا ممارسة ثوریة بدون نظریة ثوریة".
لینین إنطلق في وعیه السیاسة والعمل السیاسي من قاعدة مفادها أن العمل السیاسي لایملك أن یكتسب أسباب الفاعلیة والتأثیر إلا إذا کان مستنداً الی مشروع سیاسيّ وإجتماعي یبرّره ویؤسّس لە عوامل النجاح.
قبل عقود من الزمن، أي قبل انطلاق طور الإستنقاع السیاسي والحزبي للقوی الكوردستانیة، کان لأحزاب وتنظیمات المنتمیة لحرکة التحرر الكوردستاني مشاریع سیاسیة وإجتماعیة، بصرف النظر عما شابها من قصور أو أعتراها من وهم أو طوباویة. كان لتلك الأحزاب مشروع وطني شبه استقلالي اشتبكت مع الحکومات الدکتاتوریة بالنضال السیاسي الجماهیري أو بالکفاح المسلح، تمکنت بواسطتها بناء إدارة ذاتیة و بعد ذلك ترسیخ فدرالیة في إطار عراق إتحادي فیدرالي شکلي.
أما المشروع القومي السیاسي الكوردستاني فبقی غائب عن الساحة الفکریة، وهذا الغیاب هو نتاج إنفصال السیاسة عن النظریة و محصلة غیاب المشروع السیاسي-الإجتماعي عن العمل الحرکي الحزبي و هكذا تعرضت السیاسة والعمل السیاسي الی حال غیر مسبوقة من التدهور والتآکل والإنحطاط لم یتمخض عنها -حتی الآن-  سوی الشلل وإنسداد الآفاق.   
ومن منطق الأشیاء و بدیهیات الأمور إعتبار "الاستقلال" کمفهوم إصطلاحي عام من الشروط الأساسیة التي تساعد شعب ما علی تحقيق نهضته وتطوره وتقدمه، لأنه هو الذي يحميە ويحافظ على مقوماته وشخصيته القومية والحضارية ویساعده علی تحقيق نهضته المنشودة في جميع المستويات ومختلف القطاعات.
إن جمهور المؤرخین هم علی کلمة جامعة بأن أي شعب مـن الشعوب لا يمكنه أن ينهض بالفعل ويتقدم نحو الأحسن والأفضل إذا كان استقلاله القومي مسلوباً أو ناقصاً، أو إذا كان في حالة التبعیة.
ففي أوروبا وأمریکا وآسیا لعب الإستقلال کحقیقة تاریخیة دور أساسي في نهوض وتقدم وتطور شعوبها القاطنة هناك وکان لتلك الشعوب حضور فعلي علی الساحة السیاسیة.
وکما معلوم بأن الاستقلال القومي لايكون له أي معنى إذا كان الشعب أصـلاً غائب عـن الفعل السياسي، أي غير مجسد في الكيان السياسي الذي یتجسد في الدولة القومية.
وبما أن الموضوع يتعلق بالشعب الکوردستاني، فيمكننا القول بأن هذا الشعب موجود حقيقة، لكنه غير مجسد على أرض الواقع السياسي.
الشعب الكوردستاني مـوجـود تاريخاً وثقافةً ولغةً ومـقـومـات، لكن هـذا الـوجـود غير محقق وغير مجسد في الواقع السياسي، والقانون الدولي والعلاقات الدولية لأنه ببساطة لا یملك كياناً سياسياً یعبر من خلاله عن وجوده القومي بين الأمم والدول القائمة في عالم اليوم، بمعنى آخر، الشعب الكوردستاني اليوم یعيش بدون دولة.
ومن الواضح أن الوحدة السياسية للشعب هي التي حققت لكل للشعوب استقلالها القومي الحقيقي، والاستقلال القومي أدى بالنتيجة إلى تحقيق أمنها القومي الشامل والـذي بدوره ساعد الشعب على إنجاز نهضته المطلوبة والمنشودة.
الشروط الثلاثة: الـوحدة والاستقلال والأمـن، هي بحق شروط لا غنى عنها لأي شعب ینشد النهضة والتقدم والتحرر، لكن هذه الشروط الثلاثة ضعیفة أو تنقص شعب كوردستان الیوم.
فالوحدة القومية للشعب الكوردستاني غير منجزة وغير محققة، والاستقلال القومي لا وجود له في ظل غياب الوحدة القومیة.
أما الأمن القومي فكما شاهدناه بعد ١٦-١٠-٢٠١٧، مستباح الی أبعد الحدود، وهو نتيجة منطقية لانعدام الوحدة السياسية وغياب الاستقلال. والمنطق يقول بأنه لا أمن قومياً من دون وحدة قومية (أي من دون دولة تحمي هذا الاستقلال وتصونه).
الخلل الآخر یکمن في موضوع الوطنیة الكوردستانیة و ثقافة عدد غیر قلیل من الفرد الكوردستاني وفهمه للسیاسة والدولة والمنصب وحقوق المواطنة وإنصیاعه خلف المصلحة الفردیة بأي ثمن علی حساب المصلحة الوطنیة والبحث عن المناطقیة علی حساب الوحدة الکوردستانیة.
أما ما یسمی بالمعارضة والتي کانت في صلب السلطة فهي تعمل والی هذه اللحظة بعقلیة الشعبویة  والنقد الغیر بناء و لا تتردد في البحث عن المناصب و الثروة  حتی لو کان الثمن تفکیك محافظات الإقلیم.
و من أجل ممارسة العمل السیاسي في إطار نظام سیاسي عصري نحتاج الیوم أكثر من أي وقت مضی الی فریق محترف یمارس السیاسة ویمتلك المهارات والثقافة والمؤهلات للبناء الديموقراطي  ویتقن مفردات السياسة العصرية خصوصاً مع بيئة لاتقدر حدود الديموقراطية.
ومن أجل إنقاذ المشروع الکوردستاني من خطر الإندثار وإعادته الی ساحة الفعل السیاسي لمواصلة مسیرته التاریخیة المستقبلیة یجب أن تکون هناك ضوابط حاكمة ومؤهلات ومهارات للعمل السياسي لخدمة اقلیم كوردستان وشعبه ولا تکون علی أساس منحة وامتياز سياسي توزع بمزاج شخصي. ومن أجل حمایة مکتسباتنا و تثبیت الحکم الرشید تتطلب تواجد التکامل السیاسي وطبقة سياسية مؤهلة وذات خبرة تؤمن أولاً وأخیراً بحقوق شعب كوردستان المهضومة وتعمل بکل إخلاص من أجلها وتمجد التنمية المستدامة وردع الفاسدين وتوحيد المجتمع الكوردستاني. وإذا لم نفعل ونسرع فإن الكارثة قادمة لا محالة وسيصبح المشروع في خبر كان، وما يجري الآن في الظاهر ما هو إلا غيض من فيض. لكن ما خفي أعظم، الخطر قائم والكارثة قادمة.
وختاماً: "الإستقلال لیس حق طبیعي مسلوب ینبغي استرجاعه، کما یتخیله أهل الطوبی من دعاته، بل هو ثمرة العمل المتواصل للمجتمع الكوردستاني علی نفسه، مما یجعله دوماً محتاج الی الرعایة والصیانة أو الصناعة والتنمیة، بالإبتکار والخلق والتحویل. إنه مشروع وهدف یبقی دوماً قید الإنجاز والبناء، توسیعاً أو تعدیلاً أو تطویراً. من غیر ذلك تستحیل علاقة الفرد الكوردستاني بإستقلاله الی ضعف وتبعیة."
الدکتور سامان سوراني



63
إقلیم كوردستان بین حکمة الرئیس بارزاني وخطط قاسم سلیماني
ماحدث بالأمس في مدینة كركوك الكوردستانیة کان مخطط تم تطبیقه من قبل أطراف في القیادة العراقیة الواقعة منذ سنوات تحت إمرة قاسم سلیماني والمنفذة لأوامر الحشد الشعبي الموالي لولایة الفقیه بهدف تغییر العراق الی دولة دینیة طائفیة و كسر إرادة شعب كوردستان بعد إعلان نتائج الإستفتاء من أجل الإستقلال والتي كانت بمثابة تسونامي جیوسیاسي وقرار تاریخي هام في رفض المخططات الإیرانیة في المنطقة، تلك المخططات التي نفذت في السنوات الماضیة علی أرض الواقع بمساعدة نوري المالكي، الحلیف الإستراتیجي لسیاسة إیران، وأنتجت وللأسف کل من داعش والقاعدة بغرض تفكیك العراق.
نعم بالأمس سقطت مدینة كركوك شکلیاً بتصمیم قاسم سلیماني، الذي یدیر مجامیع من المیلیشیات الدینیة المسلحة العابرة للحدود والقائمة ضمن فكر نظام دولي مخالف لنظام الفكر الدولي السائد في القرن الواحد والعشرین. هذا وقد دفع قرار إنفرادي إتخده أفراد تابعین لجهة سیاسیة في كوردستان الی إنسحاب قوات البیشمركة مما أدی الی قبول الرجوع الی خط التماس و آلیة نشر القوات الإتحادیة و قوات الإقلیم، تلك التي تم الاتفاق عليها بین بغداد و أربیل قبل عملية تحرير الموصل في ١٧-١٠-٢٠١٧.
لقد بقیت كركوك بسبب جغرافیتها و دیموغرافیتها و ثرواتها وتاریخها الكوردستاني منذ عام ٢٠٠٥ دون إنتخابات ولم تنفذ فیها المادة ١٤٠ من الدستور لحل عقدتها وخلع رداء التنازع علیها . وبعد إنسحاب القوات الأمریکیة منها في حام ٢٠١١ أشعل الضوء الأخضر للمالكي والموالین الی ولایة الفقیه لإستهداف كركوك و محاصرة كوردستان و خلق أزمات متتالیة فیها، لکن حنكة القیادة الکوردیة وحکمة الرئیس بارزاني أفشل تلك المخططات لصالح إیقاف الفوضی و نشر الإستقرار فیها.
لقد کان الهدف الأول والأخیر للرئیس مسعود بارزاني هو المحافظة علی مکتسبات الإقلیم وحمایة الأمن والإستقرار فيە، لأنه یعرف وکما ذُکر أكثر من مرة بأن الحشد الشعبي ماهو إلا ظاهرة خطیرة مماثلة لظاهرة داعش الإرهابیة، تهدد الیوم إقلیم كوردستان. لقد ظهر جلیاً بأن دیمومة الحشد علی شاکلة الحرس الثوري الإیراني مكّن مشروع التابع لولایة الفقیه بشكل أكبر و مدّد هیمنة الجمهوریة الإسلامیة علی الدولة العراقیة ومقدراتها بشكل أوسع ووضعها علی المحك. إن قیام المالكي وحاشیته بنسف التحالف الكوردستاني الشیعي وإنتهاکاته المستمرة للدستور و ضربه الإتفاقیات عرض الحائط مع إرسال تصریحات وتهدیدات ناریة ضد شعب كوردستان وقطعه حقوقهم من الموازنة العامة وبروز قوة الحشد الشعبي في العراق كل هذا دفع قادة إقلیم كوردستان وشعبه باللجوء الی الإستفتاء كمخرج لمحافظة نفسه من إستهتارات قاسم سلیماني و سیاسات إیران في المنطقة.
الیوم نراه من الضروري العمل الجاد مع القوی المحلیة والإقلیمیة والدولیة المخالفة لفکر النظام الدولي الإیراني علی بناء تحالف یواجه ویعالج خطر ظاهرة المیلیشیات الممتدة من طهران الی بیروت، تحالف یردع سیاسة إیران التوسعیة في العراق والمنطقة.
ولضمان الأمن والإستقرار في المنطقة علی المجتمع الدولي إحترام رأي شعب كوردستان ودعم تفعیل الدستور العراقي، الذي أنتهك لمرات وممارسة الضغط علی القوی الفاعلة المؤمنة بالتجربة الدیمقراطیة في العراق لتفکیك میلیشیات الحشد الشعبي اللادستوریة وإفشال المشروع الطائفي الإقصائي ورفع وصایة إیران عن العراق وتحجیم وجودها فیها وحث الإقلیم وبغداد للجلوس علی طاولة المفاوضات من أجل الوصول الی حل سیاسي سلمي مدني یصب في مصلحة الطرفین.
کفی إستخدام العراق من قبل إیران كوسیلة ضغط في التفاوض مع الولایات المتحدة علی المشاکلة النوویة والنفوذ الإقلیمي. علی القوی السیاسیة في بغداد المؤمنة بالحل السلمي لخلافات والقضایا العالقة بین بغداد وأربیل أن تطمئن بأن القیادة السیاسیة في كوردستان تعمل علی حفظ الأمن والإستقرار كوردستان والمنطقة، فهي تؤمن ببناء علاقاتها على أساس المصالح المشتركة وترید لشعبه أن یلعب دور فعال  وإیجابي في صناعة السلام وإیقاف الفكر الطائفي ومکافحة المد الإرهابي.
ولإنجاح سیاسة التعایش السلمي یجب أن تبدأ الحوار بین بغداد وأربیل لبحث جمیع النقاط العالقة وإزالة جمیع القضایا المتنازع علیها وإیجاد الحلول العملیة الوسطی ذات المنفعة المشتركة حفاظاً علی السلام والأمن و توفیر الرخاء الإقتصادي، علیه بناء علاقات قائمة علی التفاهم والثقة المتبادلة تخدم الطرفین. وإذا كانت صناعة الواقع و المشاركة في إدارة العالم مهمة تشترط القدرة علی الإبداع والتحول بخلق الوقائع وإنتاج الحقائق، فإن الحوار هي أحوج ما یحتاج الیه شعب كوردستان والعراق لكي یتحملوا تکالیف الحیاة السیاسیة والإجتماعیة بالحد الأدنی، المعقول أو المقبول.
وختاماً: نحن نستنکر الحرب كوسیلة من وسائل السیاسة القومیة أو الطائفیة لتدوم العلاقات السلمیة وأواصر الصداقة الکائنة بین الشعوب، وبالتأكید قوة شعب كوردستان الصامد و وحدة صفه یوصله الی حقوقه المشروعة.
الدکتور سامان سوراني

64
من یرفض نتائج الإستفتاء في كوردستان لا یؤمن بمبادیء الحوار
من الواضح بأن التعاطي مع الآخرين فن وعلم قائم بذاته فهو مبني علی فلسفة الأخذ والعطاء. وفي حالة حدوث تعارض في المصالح نری بأن العقل الموضوعي المتجرّد من الآراء المسبقة والافتراضات السائدة ومن جميع العوامل التي تحجب البصيرة عن رؤية الحقيقة یلتجأ الی الطریق الأمثل، طریق الحوار أو الحدیث البناء والمثمر للتوصل مع الطرف الآخر إلى حلّ مقنع أو الی التفاهم. إذنْ العقل الموضوعي يحصّن صاحبه من الانجراف مع تيارات الأهواء والميول والرغبات.
الحوار هو أساساً وسیلة ولیس غایة، أما ترکیز الإنتباه لما يقوله الطرف الآخر ومحاولة فهمه فهماً جيداً فسیقدم للمحاور الفاعل مفاتيح الحل والإدارة بشكل فعّال وبهذا یكون أقدرعلى سد أبواب الخلاف أو ممارسة الضغوط عليه لإقناعه أو لإثبات أن الحق كلّه أو بعضه مع أي طرف.
لقد ظهر في فترة ماقبل عملیة إستفتاء كوردستان من أجل الإستقلال والی الیوم عدد غیر قلیل من الشخصیات القیادیة والسیاسیة في العراق بأسلوب "المعلِّم" أو "الناصح الأول" لقیادة شعب كوردستان تضمّن کلامهم الكثير من التجریح والتهدید والإستعلاء بهدف إستفراز من یهمه الأمر بغیة منع التواصل مع بغداد أو لسدّ أبواب الحوار ومنع الوصول إلى حل.
هؤلاء یتناسون بأن لصوت الشعب في كوردستان قیمة كبیرة لا یمکن لأحد التفریط به، مع أنّە واضح للكثير بأن هذا الشعب ناضل طوال عقود من الزمن في سبیل الحریة و مورس ضده حروب الإبادة الجماعیة وضحی بالغالي والنفیس من أجل الوصول الی حقه الشرعي في تقریر مصیرە.
من یرید محاورة ممثلي شعب كوردستان، علیه أن یعتمد علی العقل والإقناع بالأدلة العلمية والحجج المنطقية ويبتعد عن التعصب والترهيب والتهديد والانفعال العاطفي، فهذا الشعب الأبي المبتكر لعناوین جدیدة للحیاة والتطور، تلك التي أتاحت لمجتمعاتها أن تصنع ذاتها، لایهاب من الموجات اللاحضاریة الهدّامة و لا یفزع من ردود فعل سلبیة أو عدمیة مدمرة و لا یتوّجس من إستخدام الحصار الإقتصادي الظالم وأسلحة الدمار الشامل ضده.
بإقتراب موعد الإنتخابات المقبلة عام ٢٠١٨ في العراق یتجلی مرة أخری لدی أصحاب عقلیة الاتباع والتقلید هاجس القبض علی السلطة والحفاظ علیها بأسالیب التشبیح الإستراتیجي وسیاسة الغطرسة والإستكبار علی هذه الساحة أو تلك، کما فعلت الحکومات الدکتاتوریة الفاشلة من قبل، والتأكید بالسیر بعکس البوصلة بعد هدر ثروات البلاد و حرق ورقة التعایش السلمي المشترك.   
من السذاجة والغفلة أن یطمئن شعب كوردستان الی ما یقوله أصحاب المشاریع والدعوات الی بناء عراق إتحادي لا یُنتهَك فیها مایدّعون الیه، فأصحاب العیون النقدیة في كوردستان لا يُخدعون أو يُؤخذون بالإطروحات والتصریحات والبیانات، بعد كل هذا الإخفاق والإحباط في المشاریع والشعارات، التي ترجمت بأضدادها لدی الحاكم العروبي والطائفي، الذي لعب علی الورقة الطائفیة من أجل زعامته وساهم في تغذیة المخاوف المتبادلة بین الکیانات والجماعات، بإعتباره حارس أمین للیقینیات المطلقة والحقائق المتعالیة والأصنام المقدسة المسيئة لقضیة شعب كوردستان العادلة.
نحن نعلم بأن للدول العظمی المهیمنة علی الإستراتیجیات في الشرق الأوسط و للدول الإقلیمیة المجاورة  الهاضمة لحقوق الكیانات المتواجدة في إطار جغرافیتها السیاسیة مصالح كثیرة في قیام دولة كوردستان من عدمها، لكن ما یؤسفنا هو أن شركاء لنا تقرّ وتعتبر الإستفتاء باطلاً من أساسه ولاترید رفع الظلم التاریخي عن شعبنا لتحقیق الإستقلال والسیادة لە. أن ما یسعی الیه العقول الوحدویة من رفع شعار المحافظة علی عراق موحد هو ما يشکو منه شعب كوردستان من البربریة، فالهوية الكوردستانیة هي منتوج اجتماعي ثقافي تاريخي، يتفرد بها شعب كوردستان من أجل أن يتميز عن باقي المجتمعات، فمن لا هویة أو فكرة عنده یصنع بها نفسه وواقعه، بإستثمارها في مجال من المجالات أو مستوی من المستویات، یشهد علی عجزه و یخسر فاعلیته وسلطتە بقدر ما یعطي الفرصة لسواه لكي یسیطر علیه أو یقرر عنه.
مایریده شعب كوردستان مع العراق و الدول المجاورة هو بناء علاقات الوساطة والشراكة والمسؤولیة المتبادلة في عملیات الخلق والإنتاج أو في أفعال التنمیة والبناء بالتواصل والتعاون أو بالتبادل والتفاعل ولا يقبل من أیة جهة علاقات النخبة والوصایة والأستذة وإعادة خلق المركزیة الفوقیة ومظاهر البربریة المعاصرة.
وختاماً: "ما نحتاج الیه لیس الدخول في التاریخ، كما یحسب أهل العجز والسبات، بل الخروج من التاریخ بکهوفه وسرادیبه من أجل صناعة حاضر كوردستان الذي یهيء لمستقبل یعدّ بالأحسن."
الدكتور سامان سوراني

65
رحیل القطب الهادئ في الشرق الأوسط الرئیس جلال طالباني
بعد صراع لسنوات عدیدة مع المرض رحل عنّا الیوم السید جلال طالباني عن عمر ناهز الرابعة والثمانين عاماً. کان الراحل أحد أبرز الشخصیات السیاسیة في التاریخ الكوردستاني المعاصر، عمل في مجال الفکر  مع شعوره بأن إتنماءه الأول هو للنوع البشري وأن العالم هو المدی الأرحب لفكره، لا النظريات العقيمة أو الهويات المغلقة، كان يفيد من التجارب و ينفتح علی الحقائق و يشتغل علی التراثات والهويات و يفكر نقدياً علی العقائد والفلسفات، من أجل تحديد عالم الأفكار والمفاهيم ومن خلال الوقائع الفكرية السیاسیة التي کان يخلقها، مارس أمیر الدبلوماسیة الكوردستانیة جلال طالباني فاعليته علی ساحته وفي بيئته و في المدی الإقليمي والعالمي.
كل منّا یعلم بأن كوردستان یمرّ الیوم بعد أسبوع من إستفتاء الإستقلال بمرحلة صعبة، حیث تشهد الساحة الإقلیمیة والعراقية أزمة سياسية حادة، تسيطر علیها أجواء الخوف والقلق والترقب، نتيجة الضغوط التي تمارسها دول الجوار علی الأقلیم و الممارسات اللادستورية واللاقانونیة من قبل بغداد و محاولات فرض أنواع الحصار علی كوردستان بحجة الدفاع عن وحدة العراق، ناهیك عن الهجمات الکلامیة المتدنیة من قبل بعض اللامسؤولین من الساسة والنواب في العراق للنیل من ممارسة شعب كوردستان حقه في تقریر المصێر والتجربة الدیمقراطیة الناجحة في كوردستان.
في هذه المرحلة المتشنجة یرحل عنّا وللأسف تلك القوة الخفية، التي أثرت في تاريخ كوردستان السياسي وأنهت في السنوات الماضية الكثير من الأزمات السياسية التي عصفت بالعراق.
بإبتعاده عن الدخول في خندق الخصومة وقيامه كصمام أمان بحماية السلم الوطني من خلال سعيه لتقريب وجهات لأطراف المتخالفة تمكن الرئيس جلال طالباني من كسب ثقة العراقيين، الذين إتفقوا علیه‌ كرئيس رغم تعقيدات المشهد السياسي العراقي.
نعم رحیله أصبح اليوم مدار الكلام و محور الإهتمام و ها نحن نسمع من الرئیس مسعود بارزاني بعد ساعات من نبأ رحیل طالباني یقول، "خسارة قائد كـ مام جلال خسارة كبيرة لشعبنا لايمكن تعويضه بسهولة"، معلناً الحداد العام في كوردستان لمدة أسبوع.
كان السید مام جلال (العم جلال) یعرُف كيف تُلعب اللعبة السياسية وكیف تُبنی القوة وكيف تُنتج الحقيقة وتُقّر المشروعية، هو أول رئيس كوردستاني للعراق، رآه أغلب الجهات المهتمة بالشأن العام، بسبب سعيه إلی تعزيز العيش المشترك بين الكيانات المختلفة في العراق، كقطب هادئ و كصمام أمان، جاء عبر ثقة الشعب بانتخابات ديمقراطية حرة كرئیس لدولة العراق.
مارس الرئیس طالباني السياسة بأسس روحية صافية و واصل العمل السياسي طيلة أكثر من ٦٠ عاماً دون إنقطاع، عاش كمعارض لحكام حصّنوا أنفسهم بإنشاء أنظمة بوليسية كبتت الحريات و منعت التعبير عن الأفكار والآراء و أعتقلت المفكرين و المثقفين، الذين تعارضت أفكارهم المنفتحة مع أفكار أنظمتهم المنغلقة، ليزجوا في النهاية في السجون من دون محاكمة و لتبقی أماكن وجودهم و مصائرهم مجهولة لذويهم، حكام خدعوا شعوبهم بالإدعاء بأنهم أنظمة تؤمن بحقوق الآخرين و تجلب لهم الحريات و الحكم الذاتي وغيرها من الشعارات الخادعة، بينما كانوا في النهاية حكومات فردية تسلطية شوفينية عدوانية بربرية و وحشية، قاوم كقائد وطني تلك الأنظمة القمعية، لذا یمکن إعتبارە واحد من أبرز الشخصيات الكوردستانية في التاريخ العراقي المعاصر، جمع خلال عمله السياسي خبرة كبيرة و جربة عميقة و أکتسب حنكة سياسية موسوعية، لذا نری بأن وفاته سوف يعود بنتائج سلبية على العراق، لکنها تصبح فرصة للجهات السیاسیة المختلفة في كوردستان لرص الصفوف وتوحید الرؤی والکلمة للوصول الی الهدف المنشود و هو إعلان دولة كوردستان.
کان الرئيس جلال طالباني یهتم بشؤون الحقيقة والحرية والعدالة، كمثقف نموذجي متفرغ لمهنته، يحيا وسط الأزمة و يساهم في حقل الإنتاج الرمزي، وکان بحق رجل دولة من الطراز الرفيع و عنوان للإعتدال والوسطية، بحث بعد تسنمه مقاليد رئاسة الجمهورية دوماً عن مخارج للقضايا الشائكة بإستعمال الحكمة وتدوير الزوايا و الجمع بين المتناقضات و رفض التحدي و عمل بسبب كونه كوردستانياً أن لا يتقوقع في قوميته، لكي لا يحجم موقعه الوطني و دوره السياسي و فضّل كداعية وفاق و محبة أن يدفع من أعصابه و صحته علی أن يدفع العراق من سلمه و إستقراره، نقيضاً لمن یحکم العراق الیوم ويؤمن وللأسف بالظواهر الكُلانية، التي لم تعد تنتج سوی عوائقها و فشلها أو الغامها و إنفجاراتها والذي لا يتورع عن دفع المنطقة نحو الهاوية في سبيل مصالح تهدف وللأسف في بناء السلطة الشمولیة.
برحیل السید جلال طالباني فقد شعب كوردستان أحد رموز النضال والتحریر وهو اليوم بأشد الحاجة الی حضوره الفاعل‌.
ختامان نقول: وداعاً وأنت المغادر جسداً والحي فكراً و روحاً بين شعبك ومحبيك.
الدکتور سامان سوراني

66
الرئیس مسعود بارزاني و مسألة إستقلال كوردستان
القیادة کعامل مهم من عوامل التماسك والتضامن والتنظیم في المجتمع هي ظاهرة إجتماعیة منبثقة من وجود الفرد داخل الجماعة.
هذه الظاهرة کانت موضع إهتمام الفلاسفة والعلماء وخاصة علماء السوسیولوجیا والسیکولوجیا منذ زمن كونفوشیوس الصیني (٥٥١ ق. م - ٤٧٩ ق. م) حتی عصر الفیلسوف البریطاني برتراند راسل (١٨٧٢-١٩٧٠) بهدف معرفة الصفات التي تمیّز القادة من غیرهم من الناس.
وإذا أردنا أن نعرّف القیادة، نستنتج بأنه دور سلوکي لإسهامات الفرد والنسق الإجتماعي في تفاعلها الدینامیکي. بکلام آخر، هي عملیة التأثير في الناس في موقف معین، بل هي العملیة التي من خلالها یؤثر القائد في سلوك أعضاء الجماعة بغیة الوصول الی هدف معین.
الیوم يمرّ إقليم كوردستان بمنعطف مصيري هو الأهم في تاريخه حتى اللحظة، حيث یتم إجراء استفتاء شعبي بخصوص استقلاله بعد أسبوعین، أي في الخامس والعشرين من شهر سبتمر ٢٠١٧ بهدف تشكيل دولة كوردستان المستقلّة، التي سوف تکون مصدر للإستقرار في المنطقة، بعد أن صار حق تقرير المصير للشعب الكوردستاني حتمية مطلقة.
إذن نحن اليوم أمام واقع تتحرك معطياته بوتائر متسارعة ولا يمكن التَّعامل مع الوقائع إلا بوقائع مماثلة. القائد مسعود بارزاني کرائد لموضوع الإستفتاء قرر بموضوعیة تضمن رؤیة ومصلحة شعب كوردستان، مع إیمانه بطموحات شعبه في الإستقلال وإدراکه العلاقات والإرتباطات بین الأشیاء والوقائع، یستلخص العوامل البارزة من خبرات عقود من الکفاح المسلح والنضال الوطني للإنتفاع بها في إلقاء الضوء علی المشکلات الحاضرة، یؤکد في کافة لقاءاته مع کبار الدبلوماسیین الأجانب ووفود رفیعة للحکومات بإجراء عملیة الإستفاء من أجل الإستقلال ولایهاب من المجاهرة أمام الملأ والإصرارعلی یوم الإستفاء لتحقیق الهدف الإنساني النبیل والأعلی، ألا وهو ضمان مستقبل شعبه في دولة حرة أبیة. 
رئیس الإقلیم یحسن قرأة المجریات ويستثمر طاقته الفکریة بصورة مبتكرة و بناءة، غیر متحیز لفئة أو جماعة أو جنس أو طبقة أو طائفة أو ناحیة معینة ویسعی الی تدعیم الإتصالات الشخصیة بین أفراد شعبه لیزید من قوتهم ویوحد صفهم و صوتهم وتضامنهم و تماسکهم بغیة الوصول الی الإجماع في الرأي حول القضایا المصیریة لإتخاذ قرارات تصب في مصلحة شعبه أو توصلە لتحقيق حلمه في بناء الدولة الکوردستانیة.  لکنه مع هذا لم یدعي بأنه منقذ للبشریة، بل یعیش وسط الطبیعة الكوردستانیة بوصفه جزءاً من موجوداتها.
الرئیس مسعود بارزاني تبنی مشروء إستقلال الشعب الكوردستاني لأنە لا یرید لشعبه الرجوع الی المربع الأول، أي البقاء داخل تجربة فاشلة عاشها شعب كوردستان طوال قرن من الزمان مع حکومات بغداد المختلفة، تلك الحکومات القومیة والدکتاتوریة والشوفینیة التي قتلت مایقارب ربع ملیون ملیون كوردستاني من خلال تنفیذ حملات الإبادة الجماعیة ضدهم، بدأً بالقصف الکیمیاوي وقنابل النابالم وعملیات الأنفال ضد المدنیین العزل و إنتهاءاً بتدمیر المدن والقصبات والقری الكوردستانیة.   
لماذا الإستقلال، لأن الشعب الكوردستاني یرید أن یصنع واقعه و یحضر زمنه بحضور فعال و مزدهر. لقد تمکن هذا الشعب من خلال حکومته تقدیم خدمات عظیمة للعالم والإنسانیة جمعاء، منها ترسیخ مبدأ التّسامح الإنساني والأخلاقي وتعزیز فلسفة التعایش السلمي کصناعة مفهومية في كوردستان وتحفيز الحوار الثقافي المتحضر بين الطوائف والقوميات والاديان المختلفة وما إنتصار مقاتلیه من البیشمركة الغیاری علی قوی الظلام أعداء الإنسانیة من الإرهابیین إلا صفحة مشرقة في تاریخ هذا الشعب.
إن الإستقلال فرصة ثمینة یحررنا من وهم العراق الموحد والغول الدیني، یسنح لنا الإنفتاح علی العالم المتحضر والدیمقراطیة الجذریة للوصول الی الأمن والإستقرار وبناء العیش الرغيد لمواطني كوردستان علی إختلاف أطیافهم وأجناسهم وحتی ثقافاتهم.
نرید هنا أن نقول للجزئیة الصغیرة وأقـزام ونكرات ھذا الشعب، الذین یتناغمون مع البقاء في حاضنة العراق، إیقاف ھجومھم الغیر مبرر نھائیا على رئیس الإقلیم، علیهم أن یعودوا لرشدھم ویختاروا مصلحة كوردستان على مصالحھم الخاصة، كما نتمنی منھم العودة إلى حضن الوطن والأم كوردستان والوقوف بجانب رائد الإستقلال كي یواصل المسیرة الوطنیة نحو اقامة دولة كوردستان الحبیبة.
وختاماً: "الإنسان الوسیط العددي أو الكوكبي أو المعولم والخالق هو من یتغیر عما هو علیه لكي یحسن إدارة العلاقة بینه وبین سواه، علی سبیل الخلق والإبداع، وبلغة الحوار والمفاوضة والتسویة، أو بعلقیة المشارکة الفعالة والمسؤولیة المتبادلة. بعقله التواصلي و منطقه التحویلي و حسه العملي یتجاوز نرجسیته المدمرة نحو الكوننة المسؤولة السمحة والمسالمة، بها یتصرف بوصفه مؤتمنا علی نفسه وعلی بني نوعه، مسؤولاً عن الطبیعة وكائناتها."
الدکتور سامان سوراني

67
قطار إقلیم كوردستان یسیر نحو الإستقلال
لقد مهدت الثورة الكوبرنیکیة (نسبة الی الفلكي المشهور نیکولاس کوبرنیکوس ١٤٧٢-١٥٤٣)، التي قوت وضع الإنسان بإعتباره ذاتاً مشرعة، للكانطیة (نسبة الی الفیلسوف الألماني إمانوئیل كانط ١٧٢٤-١٨٠٤) بتأسیس أخلاق غیریة، تقوم علی الإعتراف بوجود الغیر بإعتباره كیاناً إنسانیاً مستقلاً. فبحسب كانط لیس هناك ماهو أكثر قداسة في العالم من حقوق الناس الآخرین.
بعد أن أصبح مسار إقلیم كوردستان نحو الإستقلال واضح المعالم لتقدیم نموذج مثالي للدولة المدنیة بكافة معاییرها في المنطقة والعالم، یتهيء شعب كوردستان قیادةً و أحزاباً للإرتقاء الی مقام یسنح له ترتیب البیت الداخلي وإستقلال المجتمع المدني و تحقیق النظام البرلماني و توحید المؤسسات العسکریة والأمنیة و تقویة مقومات التواصل بعیداً عن التجاذبات والكیدیات والهویات المتنافیة.
إن أخطر مایتضمنه إقصاء الآخر هو إنبثاق العبودیة وإمحاء الحریة. هذا الإنبثاق یكشف سیادة نظام شمولي یطمس كل إنفتاح للذات تجاه العالم. فعدم إقرار الحق التاریخي لشعب كوردستان دون إنتقاء في العراق والإجحاف بالواقع الإجتماعي الكوردستاني علی مدی قرن من الزمان أدی في النهایة الی إستفحال القضیة الكوردستانیة و سعي قیادات شعب كوردستان في إیجاد صیغ أخری لتحقیق الهدف المنشود.
الكثير من المهتمين بقضیة شعب كوردستان یتجاهلون نقطة جوهریة مهمة، ألا وهي رأي شعب كوردستان في أحوالهم.
نحن الیوم نعیش في القرن الواحد والعشرین، هناك حق لتقریر مصیر الشعوب مدون في إتفاقیات دولیة، موقعة من قبل الدول الأعضاء في المجتمع الدولي.
إن تأسیس الکونیة هو نتاج لإستقلالیة الشعب الذي یرتهن بالحریة من حیث هي شرط وجودي وأخلاقي للأنا والآخر معاً.
وإذا کانت الکونیة الکونیة قاعدة شرطیة للمساواة بین الشعوب بإعتبار طبیعتهم المستقلة، فإنها لاتعني غیاب الخاصیة الفردیة، التي تجعل الشعب یعیش وفق کیفیته الخاصة.
إن أمراض التعصب اللامتسامح والشوفینیة المقیتة تقود الی الإنسلاخ عن الماهیة الإنسانیة، بوجودها تحل الهویة المصبوغة بالإستعلائیة و إقصاء الآخر المختلف محل الهویة الإنسانیة فتحول الرؤی الثقافیة المؤدلجة طائفیاً والأحکام القومویة دون فهم الآخر وإقامة علاقات مسؤولة مبنیة علی الإحترام تجاهه. 
إن الإختیار الطوعي لإقلیم كوردستان في الشراكة مع بغداد لتشکیل عراق حُرّ دیمقراطي فدرالي لا یمنع الإقلیم في الإستغناء عن هذه الشراکة بعد أن تبیّن لە بأن الشریك لایکنّ أقل إحترام لحقوقه المشروعة في إختیار سبیله في الحیاة.
کیف یطالب من شعب كوردستان أن یتخلی عن خاصیته الثقافیة والتاریخیة و غیریّته الممیّزة و میولاته الخاصة التي تملیها علیه إرادته الحرة لکي یکون خاضعاً لأوامر ونوایا تیارات نكوصیة تعجز عن استیعاب ثقافة التقدیر وإحترام الآخر و تهدد بإستمرار أمن أفراده و فلسفة التعایش السلمي لمجتمعه المدني المسؤول بالإعتراف بكل الإختلافات والإعلاء من كل ممارسة دینیة كانت أو مدنیة تحترم القانون؟
إن وصول الكورد إلى حقوقهم المسلوبة سيکون عاملاً أساسیاً في عیش المنطقة في الاستقرار وتحقیق المساواة بين أهالي المنطقة، التي تضم قوميات وأديان ومذاهب مختلفة، لا العکس.
لاینفع المجتمع الدولي إهمال إرادة وحق شعب كوردستان في الإستقلال وهو الذە یأخذ التطور الميثولوجي، أو ما يمكن تسميته (السوسيومودرنية) المعتمد علی المعايير العالمية الموحدة للحقوق السياسية والمدنية والشخصية للإنسان بجدیة ولا يريد بعد اليوم العیش مع أصحاب العقليات التي تقوم بالحملة التبشيرية من أجل المركزية، یقرر بالإستفتاء إستقلاله ولا یرید أن یکون شریكاً مع کیانات و جهات داخلیة وخارجیة تروّج للطائفیة والمذهبیة الدینیة .
و ختاماً: المتغيرات فرصة لا كارثة و الجديد غنی لا فزاعة و من يريد أن يعيد زمن المعجزات ينسی بأنه يعيش اليوم عصر الشعوب. 
الدکتور سامان سوراني




68
الرئیس مسعود بارزاني و مسألة إستقلال كوردستان
القیادة کعامل مهم من عوامل التماسك والتضامن والتنظیم في المجتمع هي ظاهرة إجتماعیة منبثقة من وجود الفرد داخل الجماعة.
هذه الظاهرة کانت موضع إهتمام الفلاسفة والعلماء وخاصة علماء السوسیولوجیا والسیکولوجیا منذ زمن كونفوشیوس الصیني (٥٥١ ق. م - ٤٧٩ ق. م) حتی عصر الفیلسوف البریطاني برتراند راسل (١٨٧٢-١٩٧٠) بهدف معرفة الصفات التي تمیّز القادة من غیرهم من الناس.
وإذا أردنا أن نعرّف القیادة، نستنتج بأنه دور سلوکي لإسهامات الفرد والنسق الإجتماعي في تفاعلها الدینامیکي. بکلام آخر، هي عملیة التأثير في الناس في موقف معین، بل هي العملیة التي من خلالها یؤثر القائد في سلوك أعضاء الجماعة بغیة الوصول الی هدف معین.
الیوم يمرّ إقليم كوردستان بمنعطف مصيري هو الأهم في تاريخه حتى اللحظة، حيث یتم إجراء استفتاء شعبي بخصوص استقلاله بعد أسبوعین، أي في الخامس والعشرين من شهر سبتمر ٢٠١٧ بهدف تشكيل دولة كوردستان المستقلّة، التي سوف تکون مصدر للإستقرار في المنطقة، بعد أن صار حق تقرير المصير للشعب الكوردستاني حتمية مطلقة.
إذن نحن اليوم أمام واقع تتحرك معطياته بوتائر متسارعة ولا يمكن التَّعامل مع الوقائع إلا بوقائع مماثلة. القائد مسعود بارزاني کرائد لموضوع الإستفتاء قرر بموضوعیة تضمن رؤیة ومصلحة شعب كوردستان، مع إیمانه بطموحات شعبه في الإستقلال وإدراکه العلاقات والإرتباطات بین الأشیاء والوقائع، یستلخص العوامل البارزة من خبرات عقود من الکفاح المسلح والنضال الوطني للإنتفاع بها في إلقاء الضوء علی المشکلات الحاضرة، یؤکد في کافة لقاءاته مع کبار الدبلوماسیین الأجانب ووفود رفیعة للحکومات بإجراء عملیة الإستفاء من أجل الإستقلال ولایهاب من المجاهرة أمام الملأ والإصرارعلی یوم الإستفاء لتحقیق الهدف الإنساني النبیل والأعلی، ألا وهو ضمان مستقبل شعبه في دولة حرة أبیة. 
رئیس الإقلیم یحسن قرأة المجریات ويستثمر طاقته الفکریة بصورة مبتكرة و بناءة، غیر متحیز لفئة أو جماعة أو جنس أو طبقة أو طائفة أو ناحیة معینة ویسعی الی تدعیم الإتصالات الشخصیة بین أفراد شعبه لیزید من قوتهم ویوحد صفهم و صوتهم وتضامنهم و تماسکهم بغیة الوصول الی الإجماع في الرأي حول القضایا المصیریة لإتخاذ قرارات تصب في مصلحة شعبه أو توصلە لتحقيق حلمه في بناء الدولة الکوردستانیة.  لکنه مع هذا لم یدعي بأنه منقذ للبشریة، بل یعیش وسط الطبیعة الكوردستانیة بوصفه جزءاً من موجوداتها.
الرئیس مسعود بارزاني تبنی مشروء إستقلال الشعب الكوردستاني لأنە لا یرید لشعبه الرجوع الی المربع الأول، أي البقاء داخل تجربة فاشلة عاشها شعب كوردستان طوال قرن من الزمان مع حکومات بغداد المختلفة، تلك الحکومات القومیة والدکتاتوریة والشوفینیة التي قتلت مایقارب ربع ملیون ملیون كوردستاني من خلال تنفیذ حملات الإبادة الجماعیة ضدهم، بدأً بالقصف الکیمیاوي وقنابل النابالم وعملیات الأنفال ضد المدنیین العزل و إنتهاءاً بتدمیر المدن والقصبات والقری الكوردستانیة.   
لماذا الإستقلال، لأن الشعب الكوردستاني یرید أن یصنع واقعه و یحضر زمنه بحضور فعال و مزدهر. لقد تمکن هذا الشعب من خلال حکومته تقدیم خدمات عظیمة للعالم والإنسانیة جمعاء، منها ترسیخ مبدأ التّسامح الإنساني والأخلاقي وتعزیز فلسفة التعایش السلمي کصناعة مفهومية في كوردستان وتحفيز الحوار الثقافي المتحضر بين الطوائف والقوميات والاديان المختلفة وما إنتصار مقاتلیه من البیشمركة الغیاری علی قوی الظلام أعداء الإنسانیة من الإرهابیین إلا صفحة مشرقة في تاریخ هذا الشعب.
إن الإستقلال فرصة ثمینة یحررنا من وهم العراق الموحد والغول الدیني، یسنح لنا الإنفتاح علی العالم المتحضر والدیمقراطیة الجذریة للوصول الی الأمن والإستقرار وبناء العیش الرغيد لمواطني كوردستان علی إختلاف أطیافهم وأجناسهم وحتی ثقافاتهم.
نرید هنا أن نقول للجزئیة الصغیرة وأقـزام ونكرات ھذا الشعب، الذین یتناغمون مع البقاء في حاضنة العراق، إیقاف ھجومھم الغیر مبرر نھائیا على رئیس الإقلیم، علیهم أن یعودوا لرشدھم ویختاروا مصلحة كوردستان على مصالحھم الخاصة، كما نتمنی منھم العودة إلى حضن الوطن والأم كوردستان والوقوف بجانب رائد الإستقلال كي یواصل المسیرة الوطنیة نحو اقامة دولة كوردستان الحبیبة.
وختاماً: "الإنسان الوسیط العددي أو الكوكبي أو المعولم والخالق هو من یتغیر عما هو علیه لكي یحسن إدارة العلاقة بینه وبین سواه، علی سبیل الخلق والإبداع، وبلغة الحوار والمفاوضة والتسویة، أو بعلقیة المشارکة الفعالة والمسؤولیة المتبادلة. بعقله التواصلي و منطقه التحویلي و حسه العملي یتجاوز نرجسیته المدمرة نحو الكوننة المسؤولة السمحة والمسالمة، بها یتصرف بوصفه مؤتمنا علی نفسه وعلی بني نوعه، مسؤولاً عن الطبیعة وكائناتها."
الدکتور سامان سوراني

69
دولة كوردستان بعد خریف الإستقلال
نعم جدلیة التاریخ ترشدنا بأنە في النهایة سوف یکون الإستقلال قدر الأوطان وأنّ الشعوب الساعیة لإرساء الحقوق الدیمقراطیة یتمکن بعد تقریر مصیر مناطقه و حقوقه خلق السلام والأمان والإستقرار. ومن یعتقد بأن إستقلال شعب محب للسلام، شعب یمد ید التآخي والوئام الی شعوب المنطقة، لاینهي المشاکل التاریخیة فهو أكثر من واهم. واقع الحال یثبت لنا بأنه بعد كل هذه التحولات الجذرية في المنطقة والتي شكلت فرصة وجودية أمام شعب كوردستان لیدلي في یوم ٢٥ من شهر أیلول عام ٢٠١٧ بصوته في استفتاء تاريخي يمهّد لتأسیس دولة كوردستانية لها کافة المقومات الأساسیة. دولة تُبنی علی أسس الفدرالیة والدیمقراطیة والمدنیة و الحریة والتعایش المشترك وفق إرادة شعب.
هذا الإنجاز المرتقب هو مکان إعتزاز و فخر لشعبنا، الذي شقّ طریقاً طویلاً محفوفاً بالصعوبات والتحدیات و سوف یکون لإستقلالنا أثر إيجابي علی السلام والإستقرار الدولي والإنساني.
شعب كوردستان یعیش وللأسف منذ قرن من الزمان، أي منذ إنیهار الإمبراطوریة العثمانیة الفاسدة والمریضة عام ١٩١٨ وبعد تطبیق إتفاقیة سایكس-بیکو المشؤومة إجحاف دولي لا مثیل لە. ففي أطراف كوردستان أجیز إنشاء دول قومیة علی حساب جغرافیتها السیاسیة، حکومات وأنظمة تلك الدول كانت ومازالت الی الیوم دکتاتوریة، قومیة، شوفینیة، فاشستیة و طائفیة.
نحن لا نرید تکرار التجارب المریرة التي مرّ بها شعبنا خلال مئة عام. نرید أن نطبق حقوقنا في تحقیق الذات لنقدم للإنسانیة جمعاء تجربتنا في العیش المشترك وصون حقوق الكیانات وتأصیل التعددیة الثقافیة.
عجبي کل العجب من رؤوساء وقیادات الأحزاب السیاسیة الدینیة الشمولیة الفاشلة في العراق العربي الطائفي بشقّیه الشیعي والسني أن یستخدموا لغة التهدید والوعید یحذرون بها شعب كوردستان من عواقب إصرارهم علی الإستفتاء نحو الإستقلال.
قیادات تلك الأحزاب والتیارات التي تعیش خارج قوامیس الثقافة والحضارة یطالبون شعب كوردستان بالبقاء في إطار شراکة مزیفة بإعتبارهم أشقاء في الوطن، لکنهم جمیعاً وطوال مایقارب ١٤ سنة بعد سقوط الطاغیة في بغداد لم یتحركوا ولا لبرهة الی العمل في كشف المقابر الجماعیة لأكثر من ١٨٠ الف إنسان كوردستاني مؤنفل في المناطق الصحراویة من وسط و جنوب العراق. هذه طبعاً هي خصوصية وجودية تؤهل شعبنا للتمايز والاستقلال. ماذا یعني لتلك الأحزاب الطائفیة الأخوة والشراكة وهي لا تهتم قید أنملة بمتابعة ملفات الاستبداد والطغيان والإجرام وجرائم تاريخية حصلت ضد الأخ الشریك في "الوطن"؟
لقد فقد شعب كوردستان الأمل بحکومات بغداد، التي ترید للطائفیة الشیعیة أن تكون سردية كبرى معادية لکل تطلع نحو الحریة والإستقلال، داعیة لاستنهاض أهل التشّیع تحقيقاً لعزّتهم، من خلال التأكيد على ما يجمع أهل العراق ويميزها عن غيرها. علماً بأن صیغـة الطائفیة لا تنجح في تحديد مقنع وواضح لما هو مشترك بين الشعب الكوردستاني وشعب تحمل أفکار ونعرات طائفیة مقیتة. لقد أصبح الكورد في اقلیم کوردستان وكذلك الكورد والعرب والتركمان وسائر المكوّنات الأخری الساکنة في المناطق الكوردستانیة الخارجة عن إدارة الإقلیم ضحایا عدم التزام حکومات بغداد ببنود دستور عام ٢٠٠٥.
بإختصار، إن عدم الثقة بین الکیانات وصل لمستوى لا يسمح لتلك الکیانات البقاء تحت سقف مایسمی الیوم طوباویاً بالعراق الاتحادي الفدرالي التعددي الموحد. استقلال الدولة يعني سيادتها واستقلالها فعلياً وقانونياً في ممارسة قرارها الدولي بعيداً عن سيطرة أية دولة أخرى أو توجيهها واعتراف الدول الأخرى بها وحقها في التمثيل الدبلوماسي وعضوية المنظمات الدولية وحريتها في اتخاذ القرارات الدولية على الصعيد الخارجي وعلى صعيد العلاقات الدولية من دون قيد أو تردد أو إكراه أو ضغط إلا الالتزامات التي يقرها القانون الدولي والمعاهدات الدولية الثنائية والإقليمية في نطاق الندية والاحترام المتبادل. الإستقلال والسيادة توأمان لايفترقان، فالسيادة كالإستقلال يعني ممارسة الدولة لقرارها السياسي داخلياً وخارجياً وفق إرادتها الحرة أو عدم خضوعها لأي سلطة داخلية كانت أو خارجية ، حيث لا يحق لأي جهة أن تفرض قوتها على الدولة في منطقة نفوذها. صحیح بأن الاستقلال بسبب الظروف المحلیة والإقلیمیة ليس بسهولة الاستفتاء، لکن إیماننا بحقنا في الحریة وحق بلادنا في الحیاة أقوی من كل سلاح وعلی الشعب الكوردستاني، إذا أراد تحقیق حلمه، الإتحاد  و توحید الصفوف والإستجابة للقدر.
وختاماً: المتغيرات فرصة لا كارثة والجديد غنی لا فزاعة و من يريد أن يعيد زمن المعجزات ينسی بأنه يعيش اليوم عصر الشعوب.  رهاننا هو أن تتحول طاقاتنا إلى قوة مجتمعية فاعلة تفتح الابواب والفرص لبناء دولة كوردستان ، متحرّرة من وهم العراق الموحد  والغول الدیني، قوامها الإنفتاح علی العالم المتحضر والدیمقراطیة الجذریة للوصول الی الأمن والإستقرار وبناء العیش الرغيد لمواطني كوردستان علی إختلاف أطیافهم وأجناسهم وحتی ثقافاتهم.
الدکتور سامان سوراني

70
إسرائیلیات نوري المالكي و فلسفة الحقد علی كوردستان
بحسب الفیلسوف الألماني فریدیك نیتشه یمکن للقوی الإرتکاسیة أن تتغلب على القوى الفاعلة عندما يحل الأثر محل الإثارة داخل الجهاز النفسي، ويحل ردّ الفعل محل الفعل ويتغلب عليه. بهذه الطریقة البسیطة یعبر الفیلسوف العظیم  عن الحقد، بإعتباره ردّ فعل يصير محسوساً ويكف في الوقت ذاته أن يكون مفعولاً به، بل إن هذا الحقد في تصور نيتشه هو الذي یحدد المرض بصفة عامة. الحقد إذن هو: اكتساح اللاوعي للوعي، وصعود الذاكرة الأثرية إلى الوعي، بالذات.
وفي علم التفسیر تنقسم الإسرائیلیات الی ثلاث أقسام، منها ما يُعلَم صحته بالنقل وهو صحيح مقبول. وكذا إذا كان له شاهد من الشرع يؤيده. ومنها ما يُعلَم كَذِبه فلا يصح قبوله ولا روايته وأخیراً منها ما یسکت عنه لا هو من الأول ولا من الثاني.
وفي علم التفسیر لنوري المالکي الكثير من الهوامات الأصولیة التراجعیة والخیال المخترع ، نشك في صحة کل ما یقدمه ، رغم أننا علی علم مسبق بأن هذا الشخص مصاب بمرض  الميغالومانيا والبارانويا.
لقد أسهم المالکي بسبب نهجه الطائفي بشکل فعال في تدمیر العراق وأنتج خلال فترة حكمه الدكتاتورية ، مستخدماً سیاسة الإقصاء تجاه الكورد والسنة، حیث جعل دورهما هامشیاً وقام أخیرا ًبتسليم مدينة الموصل ومدن أخری الى تنظيم مایعرف بـ”داعش”. ها هو الآن یأتي بأحادیث جدیدة كاذبة یزعم بأن "كوردستان أصبحت منبتاً لكل الشركات والمخابرات الإسرائيلية" و یتجرأ بالتطاول علی مسألة إستقلال كوردستان بالقول بأن "الشعب الكوردي لایرید الإستقلال" ویقول "إذا اقتضى الأمر يجب أن يُردع نوایا قیاداتهم بالقوة".
هذا السیاسي الفاشل هدر الملیارات من المال العام من أجل تمکین أناس هم أعداء للفهم، درّبهم علی إتقان لغة التصديق و التصفيق والتهليل، كي یستخدموا کأرقام في حشد أعمی أو كأبواق ترجِّع صدی الخطب والكلمات، أو كدمی يتم تحريكها عند إعطائها كلمة السر، وهذا هو مصدر التخلف والفقر والتسلط والإستبداد.
إن هروبه من مجابهة الذات و ممارسته لأقصی درجات المكيافيلية في التهاجم علی الكورد و كوردستان بثنائيات لا يمكن أن تترجم سوی في أعمال القمع والعنف والإرهاب. فهدف المالكي واضح، وهو العمل علی تنفیذ الأجندة الخارجیة وإقامة نظام شمولي نظیر ولایة الفقیه،  يقوض عن طریقه بحزبه و معسكراته العقائدية حيوية الكيانات المختلفة في العراق، التي يريدها هو أن تدين و تنتسب أو تتبع للمرشد الأعلی والزعيم الحاكم بأمره.
فلیعلم المالکي ومن یدور حول أفکاره بأن الشعب الكوردستاني منذ سقوط الإمبراطوریة العثمانیة والی الآن یناضل بکافة الوسائل المدنیة والثوریة دون هوادة من أجل إستقلاله ووحدها قوات البیشمرکة ترسم الیوم حدود کوردستان بالدم.
من الواضح بأن صناعة التاریخ فعل مشترك أسهم فیه کل من له عین تری، وأذن تسمع و عقل یعي وقلب یخفق ممن أثر بصورة أو بأخری في خلق الظروف المناسبة لتغيير مجری التاریخ.
أما محرك التاریخ الحقیقي فهو القلق الدائم والجهد المثابر ، إذا إنطفأ هذا المحرك لم یکن ثمة علم ولم تکن ثمة حضارة. فالحركة تعبر عن الصیرورة التاریخیة المتجهة الی المستقبل "المصیر".
لایمکن إهمال (العامل الشخصي) – الذاتي - في تعلیل الحوادث أو في صناعة التاریخ ولا سیما "للقادة والأبطال" الذین أثروا في مجری التاریخ لامتلاکهم مواصفات القایادة التاریخیة  من جهة وإعتمادهم علی "الجماهیر" في إحداث التغيير التاریخي- العقلاني من جهة أخری. فمکانة رئیس الإقلیم مسعود بارزاني کقائد کوردستاني تترسخ بشكل أكبر يوماً إثر يوم و موقع الإقلیم تزداد قوة في المعادلة الإقلیمیة.
شعب كوردستان وقوات البيشمركه المناضلة يحاربون الیوم بصرامة وعزم الإرهاب والتطرف الديني والسياسي إذا ما أقتربت من أراضيه أو أرادت النيل من أمنه وإستقراره و كرامته.
إن وصول الكورد إلى حقوقهم المسلوبة سيکون عاملاً أساسیاً في عیش المنطقة في الاستقرار وتحقیق المساواة بين أهالي المنطقة، التي تضم قوميات وأديان ومذاهب مختلفة، لا العکس.
عن قریب سوف یتم القضاء علی تنظیم داعش المسلح في العراق و سوف تظهر ولحسن الحظ تغییرات جذریة في الجغرافیة السیاسیة في المنطقة.
نحن نری الیوم ضرورة تجزئة العراق إلى ثلاثة كيانات منفصلة للشيعة والسنة والکورد للحيلولة دون المزيد من إراقة الدماء ولحلّ الازمة السياسية.
إن عدم الثقة بین الکیانات وصل لمستوى لا يسمح لتلك الکیانات البقاء تحت سقف مایسمی الیوم طوباویاً بالعراق الإتحادي الفدرالي التعددي الموحد.
إن لهجة التهديد التي یستخدمها المالکي و التنبؤ بالفوضى بعقل استئصالي إستيطاني لا تنفع ولا تقلل من عزم حكومة الإقليم علی اﻟﻤﻀﻲ ﻗدﻤﺎﹰﻓﻲ ﻤﺸروعها حول الأستفتاء العام بهدف الإستقلال.
فالوجود التاریخي لایمکن أن یکون حقیقیاً إلا إذا کان حالیاً  أي "معاصراً" و لندع التاریخ یتحرك بلا عائق وتسترد الطاقات الحیویة کامل قدرتها و لینشط الفکر بلا قید و لنعرف إتجاه حرکة تاریخنا.
نقول للمالکي ولمن على شاكلته بأن شعب كوردستان  یأخذ التطور الميثولوجي، أو ما يمكن تسميته (السوسيومودرنية) المعتمد علی المعايير العالمية الموحدة للحقوق السياسية والمدنية والشخصية للإنسان بجدیة ولا يريد بعد اليوم العیش مع أصحاب العقليات التي تقوم بالحملة التبشيرية من أجل المركزي ولا یرید أن یکون شریكاً مع کیانات و جهات داخلیة وخارجیة تروج للطائفیة والمذهبیة الدینیة .
و ختاماً: المتغيرات فرصة لا كارثة و الجديد غنی لا فزاعة و من يريد أن يعيد زمن المعجزات ينسی بأنه يعيش اليوم عصر الشعوب.   
الدکتور سامان سوراني


71
الهوية الوطنية الواحدة لدولة كوردستان لاتقبل المساومة علی كوردستانیة كركوك
بما أن الهوية الوطنية الواحدة لدولة كوردستان أصبحت اليوم جداراً صلباً ومنيعاً لصد جميع المحاولات الإرهابية البشعة لداعش وقوی شوفينية خارجية أخری، ترغب النيل من وحدة وتماسك وقوة المجتمع الكوردستاني وتعمل من أجل هدم إستقرارە وأمنه وإيقاف نهضته الإقتصادية والعمرانية والمدنية، نری التطورات الأخیرة في العراق تثبت لنا مرة أخری وبکل وضوح بأن التاریخ في الشرق الأوسط یعید نفسه وللمرة الألف. هناك قوی تعادي التأقلم مع العالم المتحضر و ترید العیش في الماضي، أي الإستمرار في سیاسة السلب و النهب والأنفال والتعریب والترهیب. 
إن رفع علم كوردستان على المؤسسات الحكومية والرسمية في مدینة كركوك ، التي هي خط التماس والدفاعي لكوردستان، جاءت متأخرة لکنها خطوة مهمة نحو الأمام.
شعب كوردستان يحب بلدە ويتمنى له الأمن والإستقرار ومسألة كوردستانية المناطق الكوردستانية التي كانت خارجە عن إدارة إقليم كوردستان ، كالمدينة التاريخية كركوك ، بالنسبة له فهي محسومة من النواحي التاريخية والجغرافية والواقعية ولايحتاج في ظل الواقع الجديد وبعد دخول قوات البيشمركة الیها لحمايتها ومنع سقوطها بأيدي الإرهابيين والبعثيين ، بعد إنسحاب القوات الحكومية منها ، أن يحل وفق المادة 140 من الدستور العراقي ، التي بقيت لمدة ١١ سنوات دون جدوی. و يعتبرون هذه المادة اليوم منجزة و منتهية و لن يتحدثون عنها مستقبلاً.  الكورد لایساومون علی كوردستانیة كرکوك و علی الجهات الرسمیة الإسراع لإجراء إستفتاء لإلحاق كركوك بإقليم كوردستان بشكل قانوني.
الهوية الكوردستانية كوعاء وطني كبير يعترف ويوثق ويستوعب كل الطوائف ومكونات المجتمع الكوردستاني ، بهدف خلق كيان كبير وقوي يمثل الجميع ولايقصي أو يلغي أحداً ،  بل يقويه وينميه داخل الإطار الوطني العام الذي يقوي كل مكوناته ويهدف الی صنع نقطة تلاق وارتكاز وانطلاق واحدة للمجتمع لينطلق منها لتحقيق أهدافه العليا.
إن تصميـم الهوية الكوردستانية الواحدة والجامعة للمجتمع الكوردستاني الموحد ضرورة تاريخية ملحة للمرحلة التأسيسية وكذلك لباقي مراحل وعمليات بناء الدولة الكوردستانية الحديثة المسكونة بروح العصر والمطبوعة بالمدنية والديمقراطية والتي تملك العلاقة التفاعلية بين ثلاث مكونات وهي الإقليم كمجال حيوي لوجود الدولة وتحديد وجودها القانوني والسكان ، الذين يتغيرون من ناحية أشكال وجودهم الإجتماعية والسلطة ، التي تتغير باستمرار ومن نواحي عديدة وبإتجاهات مختلفة. هنا نستطيع أن نأتي بتجربة الولايات المتحدة الأمريکية  المستوعبة لأضخم تعدد وتنوع بشري عرفته البشرية لمزجه في كيان واحد موحد ومنظم وموجه لتحقيق المصالح العليا لتلك الدولة ، حالها حال الأمة البريطانية والفرنسية والماليزية وغيرها.
 فالهوية الوطنية الكوردستانية كدستور ضمني غير مكتوب وغير معلن تتشكل من اللغة والتراث التاريخي للمجتمع الكوردستاني ومن القيم الحاكمة له بالإضافة الی رٶیته وأهدافه المستقبلية المستندة الی القيم الإنسانية العالمية ، كالحرية والتسامح والإخاء الإنساني والعدل والمساواة ، التي تعزز احترام وحماية حقوق الإنسان والتعايش السلمي وتصون الحريات الخاصة والعامة و تضمن الأمن والاستقرار المجتمع
 وختاماً: نحن الآن في الربع الأول من القرن الواحد والعشرین، نعرف جیداً بأن عولمة الهوية الوطنیة لا تحدث دون إمتلاك للمعرفة أو لمفاعيل علمية. أما الشأن العام فهو اليوم لم يعد حكراً علی منظومة خاصة أو نخبة سياسية ، بل هو مجال تداولي يمكن لكل فاعل اجتماعي المساهمة في تشكيله و توسيعه أو الدفاع عنه وذلك عبر الإنخراط في المناقشات العمومية أو بتسليط الضوء علی قضايا الساعة أو تقديم مبادرات خلاقة لحل المشكلات وتدبر الأزمات. الهوية القوية والفعّالة ليست ما يملكه المرء أو يُعطی له ، وإنها ليست كياناً ما ورائياً ، وإنما هي ثمرة الجهد والمراس والإشتغال علی المعطی الوجودي ، بكل أبعاده ، من أجل تحويله الی أعمال وإنجازات ، فهي إنبناء وتشكيل بقدر ما هي صناعة و تحويل.
الدکتور سامان سوراني



72
الهوية الوطنية الواحدة لدولة كوردستان لاتقبل المساومة علی كوردستانیة كركوك
بما أن الهوية الوطنية الواحدة لدولة كوردستان أصبحت اليوم جداراً صلباً ومنيعاً لصد جميع المحاولات الإرهابية البشعة لداعش وقوی شوفينية خارجية أخری، ترغب النيل من وحدة وتماسك وقوة المجتمع الكوردستاني وتعمل من أجل هدم إستقرارە وأمنه وإيقاف نهضته الإقتصادية والعمرانية والمدنية، نری التطورات الأخیرة في العراق تثبت لنا مرة أخری وبکل وضوح بأن التاریخ في الشرق الأوسط یعید نفسه وللمرة الألف. هناك قوی تعادي التأقلم مع العالم المتحضر و ترید العیش في الماضي، أي الإستمرار في سیاسة السلب و النهب والأنفال والتعریب والترهیب. 
إن رفع علم كوردستان على المؤسسات الحكومية والرسمية في مدینة كركوك ، التي هي خط التماس والدفاعي لكوردستان، جاءت متأخرة لکنها خطوة مهمة نحو الأمام.
شعب كوردستان يحب بلدە ويتمنى له الأمن والإستقرار ومسألة كوردستانية المناطق الكوردستانية التي كانت خارجە عن إدارة إقليم كوردستان ، كالمدينة التاريخية كركوك ، بالنسبة له فهي محسومة من النواحي التاريخية والجغرافية والواقعية ولايحتاج في ظل الواقع الجديد وبعد دخول قوات البيشمركة الیها لحمايتها ومنع سقوطها بأيدي الإرهابيين والبعثيين ، بعد إنسحاب القوات الحكومية منها ، أن يحل وفق المادة 140 من الدستور العراقي ، التي بقيت لمدة ١١ سنوات دون جدوی. و يعتبرون هذه المادة اليوم منجزة و منتهية و لن يتحدثون عنها مستقبلاً.  الكورد لایساومون علی كوردستانیة كرکوك و علی الجهات الرسمیة الإسراع لإجراء إستفتاء لإلحاق كركوك بإقليم كوردستان بشكل قانوني.
الهوية الكوردستانية كوعاء وطني كبير يعترف ويوثق ويستوعب كل الطوائف ومكونات المجتمع الكوردستاني ، بهدف خلق كيان كبير وقوي يمثل الجميع ولايقصي أو يلغي أحداً ،  بل يقويه وينميه داخل الإطار الوطني العام الذي يقوي كل مكوناته ويهدف الی صنع نقطة تلاق وارتكاز وانطلاق واحدة للمجتمع لينطلق منها لتحقيق أهدافه العليا.
إن تصميـم الهوية الكوردستانية الواحدة والجامعة للمجتمع الكوردستاني الموحد ضرورة تاريخية ملحة للمرحلة التأسيسية وكذلك لباقي مراحل وعمليات بناء الدولة الكوردستانية الحديثة المسكونة بروح العصر والمطبوعة بالمدنية والديمقراطية والتي تملك العلاقة التفاعلية بين ثلاث مكونات وهي الإقليم كمجال حيوي لوجود الدولة وتحديد وجودها القانوني والسكان ، الذين يتغيرون من ناحية أشكال وجودهم الإجتماعية والسلطة ، التي تتغير باستمرار ومن نواحي عديدة وبإتجاهات مختلفة. هنا نستطيع أن نأتي بتجربة الولايات المتحدة الأمريکية  المستوعبة لأضخم تعدد وتنوع بشري عرفته البشرية لمزجه في كيان واحد موحد ومنظم وموجه لتحقيق المصالح العليا لتلك الدولة ، حالها حال الأمة البريطانية والفرنسية والماليزية وغيرها.
 فالهوية الوطنية الكوردستانية كدستور ضمني غير مكتوب وغير معلن تتشكل من اللغة والتراث التاريخي للمجتمع الكوردستاني ومن القيم الحاكمة له بالإضافة الی رٶیته وأهدافه المستقبلية المستندة الی القيم الإنسانية العالمية ، كالحرية والتسامح والإخاء الإنساني والعدل والمساواة ، التي تعزز احترام وحماية حقوق الإنسان والتعايش السلمي وتصون الحريات الخاصة والعامة و تضمن الأمن والاستقرار المجتمع
 وختاماً: نحن الآن في الربع الأول من القرن الواحد والعشرین، نعرف جیداً بأن عولمة الهوية الوطنیة لا تحدث دون إمتلاك للمعرفة أو لمفاعيل علمية. أما الشأن العام فهو اليوم لم يعد حكراً علی منظومة خاصة أو نخبة سياسية ، بل هو مجال تداولي يمكن لكل فاعل اجتماعي المساهمة في تشكيله و توسيعه أو الدفاع عنه وذلك عبر الإنخراط في المناقشات العمومية أو بتسليط الضوء علی قضايا الساعة أو تقديم مبادرات خلاقة لحل المشكلات وتدبر الأزمات. الهوية القوية والفعّالة ليست ما يملكه المرء أو يُعطی له ، وإنها ليست كياناً ما ورائياً ، وإنما هي ثمرة الجهد والمراس والإشتغال علی المعطی الوجودي ، بكل أبعاده ، من أجل تحويله الی أعمال وإنجازات ، فهي إنبناء وتشكيل بقدر ما هي صناعة و تحويل.
الدکتور سامان سوراني



73
داعش هي ثمرة الجينات الثقافية وأوهام الإستراتیجیات الأصولیة
ما أکتشفناه من التاریخ هو أن الهويات الثقافية تتغير و تتحول بفعل صروف الزمن و بحكم التفاعل مع الحضارات السابقة و ديمومتها، منها الحضارة الفارسية، الهندية، الصينية و اليونانية.
أما التفاعل مع الديانات التوحيدية كاليهودية والمسيحية، التي إنشق عنها الإسلام و حاول نسخها أو تطويرها، فله تأثير كبير علی تلك الهوية.
 لقد أصبح من المسلّمات بأن الذي يدّعي التطابق مع الهوية الثابتة لا يمارس إلا زيف وجودي و تهويم عقائدي، لأنه بات في سلعه و أدواته أو في لغته و مفردات وجوده، بمعنی من المعاني أوروبي، أمريكي أو الماني أو ياباني أو شرق أوسطي.
فمن لا يحسن أن يتغير بالرغم من الفرص المتاحة له، فسوف تهمشه التحولات، فيغدو هو آلة لها أو يزداد تبعيته للغير، وهكذا يهدر موارده و ينخرط في دعوات مستحيلة مآلها الهلاك والدمار.
داعش، أو ما يسمی بالوحش الإرهابي، الذي يجد مسوغاته في ثنائية الإيمان والإلحاد أو في عقلية التكفير، التي تقسّم الناس بين مؤمن يراعی حقوقه و يحترم و غير مؤمن يرفض و يقصی لكي يدان و يتهم، يفاجئنا من حيث لا نحتسب. من هو الداعشي؟ إنه نتاج العقول و ثمرات الأفكار.
تربية هذا التنين و رعايته كانت و لا تزال في العقول والنفوس، سوّقت من قبل الصحافة والشاشة و الديسكتوب بعقائد و مقدسات و شرائع و فتاوی وهويات عنصرية و إستراتيجيات أصولية مبنية علی الإستبعاد والإستئصال.
إبراهيم السامرائي "أبو بكر البغدادي"، إلە وخلیفة عصابة الأشرار، يشدّ بعد کل الهزائم التي تلحق به و بعصاباته المجرمين "عزيمة" مقاتليه، یستنهض قطیع الانتحاريين و یدعو من یسمّیهم "قوافل الاستشهاديين" إلى تحويل الدماء أنهاراً، وكأن العراق قد عاش طيلة السنوات السابقة بعيداً عن الإرهاب الحروب والدمار و أنهار من الدماء.
أبو بكر البغدادي و غيره ، الذين أعلنوا حربهم ضد الإنسانية و الحضارة و التعايش السلمي، هم من صنع الدعاة الجدد الذين إحتلوا المنابر والشاشات منذ أكثر من ربع قرن، تحت لافتات الحكومات الشرعية و الصفات اللاهوتية والمهمات الإلهية، وهم ثمار المفسّرين المشّعوذين، الذين يزعمون دوماً، بأن التجارب والأبحاث العلمية في ميادين العلم من المبادیء والنظريات، لا تعطي بالجديد، لأن كتاب الله المقدّس ينطوي علی العلم بكل شيء.
إنهم ثمار الأبله الثقافي، الذي سلّم أوراقه و شهاداته الی مرجعه أو شيخه أو أميره، الذي بدوره يختم علی عقله و يعمل علی قولبته، لكي يخلق و يمارس بعملياته الإرهابية سيناريوهارت الأكثر همجية و وحشية. وهم ثمرة الأوامر الدينية و الحكومات الدينية و المرجعيات الغيبية و الشعارات الأحادية و الثوابت الأبدية، و سوی ذلك من المشاريع الشمولية، التي يدعي أصحابها إمتلاك مفاتيح الحقيقية المطلقة، لممارسة الوكالة الحصرية علی الهويات والقضايا المصيرية، خرجوا من جين ثقافة الأصولي الإرهابي، الذي يدعي إنقاذ أمة الإسلام بالعودة الی أنماط ونماذج بائدة يستحيل تطبيقها إلا بزرع الرعب و زعزعة الأمن و سفك الدماء و تدمير معالم الحضارة والعمران.
لاینفع دحر هؤلاء الإرهابیین والإنتصار علیهم عسکریاً فقط، علینا تعبئة كافة القوى الحية في البلاد من اجل محاربة هذا الفكر ونقصد بالقوة الحية العلماء والكتاب والصحافة ووسائل الاعلام وقادة الراي. فبتضافر جهود الجميع یمکن إرجاع هذا الفكر الى الوراء ليحل محله الفكر الواعي المتزن.
على حكام المنطقة تغيیر اسالیب  تعاملهم مع شعوبهم، ففي العراق وسوریا مثلاً شاهدنا کیفیة إقصاء کیانات مهمة، لم يسمح لهم بالمشاركة السياسية، حیث صار التمييز بين الافراد والطوائف علی أساس المذهب والعرق بعیداً عن تطبیق الشفافية والحكم الرشيد أو العدالة.
إن إحترام إرادة الشعوب في اختيار من يتولى أمورهم وفي اختيار التشريعات لتدبیر أمورهم قضایا أساسية لمن یرید معالجة حقيقية لظاهرة الإرهاب.
من الضروري بعد دحر الدواعش معالجة الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية و توفير فرص العمل للشباب العاطلين عن العمل، لأن البطالة مدعاة للجريمة ولا سيما إذا كان صاحبها عرضة للدعاية والحث على ذلك وليس له من الوازع الديني والعلمي ما يحصنه. علینا ترسيخ مفهوم الوسطية واشاعة ثقافة الاختلاف و الحوار، إنه سلوك حضاري. ونعني بالوسطية والاعتدال التوسط في التعامل مع النصوص وفي التعامل مع الناس. إن مكافحة الإرهاب لا تجدي بأن نردد أقوالاً حول العقول المغلقة، أو تقديس التراث، فيما نحن نتمسك بجذر المشكلة و نمانع من كشف الغطاء عن الداء، كما يتجسم في النصوص والأوامر والأحكام والفرائض التي نعتبرها منزلة أو مقدسة أو نهائية. التمسك بنصوص و أحكام من غير معرفة مدی تداعياتها و مفاعيلها السلبية أو المدمرة هو أساس المشكلة ولايمكن وصفها بالحل.

إن بناء العلاقة بالحقيقة علی أساس الحجب والتعتيم تجعل علاقاتنا بالعدالة تبنی علی الفحشاء والمنكر والفساد، و تجعل علاقاتنا بالحرية مبنية علی المفاضلة و الإستبعاد والطعن والإنتهاك.
و سوف تظل محاولات التقريب والحوار غير ناجحة طالما هناك مفردات كالشرك والكفر أوالبدعة والضلالة، التي هي أخطر من أسلحة الدمار الشامل، تشكل صلب العقيدة والعدسة التي من خلالها يری الواحد الی غيره، لكي يدينه و ينزّه نفسه و يؤول العمل بموجب ثنائية الضال والمهتدي أو المحق والمخطیء والتشبث والإحتماء بالهويات المسيجة والسيادات المصطنعة الی خلق الخداع والضلال و تقلص الأمور الجامعة والمساحات المشتركة من القيم والمعايير والقواعد أو من اللغات والتوسطات والأدوات.
الأنظمة المبنية أساساً علی الخطأ والخلل أو إعتقادات و تصورات و قناعات و سياسات قد إستنفدت نفسها، لا تولد سوی المساویء والمخاطر والكوارث.
فلنبدأ بنقد ذواتنا و نتحدث عن أخطاءنا بشفافية لكي نستطيع أن نولّد تغييرات إيجابية، ولو محدودة و خجولة، علی صعيد الحقوق والحريات الديمقراطية. 
وختاماً: "النسبية والإختلاف، هو الذي يفتح الإمكان أمام محاولات التقريب والإتفاق، بعقلية الشراكة الفعالة والبناءة، بما هي محاورة و محاججة أو مداولة و مواكلة أو مبادلة ومعاونة."
الدكتور سامان سوراني
 



74
إستقلال كوردستان وهذيانات نوري المالكي المَرَضية
في فيلم إنغمار برغمان الختم السابع، الذي بات علامةً فارقة في تاريخ السينما العالمية، حين يواجه البطل نهايته، يدعو ملك الموت إلى مباراة شطرنج بلا أمل! هناك هذيانات أنيقة تأتي من غور الدروب الطويلة وتمضي إلى نهاياتٍ مفتوحة، لکن الأمر هنا مختلف تماماً، فشخصیة نوري المالکي السیاسیة یذکرنا بأفلام سینمائیة بعض أبطالها مصابون بحالة من "جنون العظمة" أو مایسمی باللغة الإغريقية بالـ"ميغالومانيا"، (بالإنجليزية: Megalomania ). الجمیل هو أن الأفلام تبقی أفلام، لکن إذا کان المصاب شخص موجود في الواقع، تسلم مقالید السطة في العراق لسنوات أو یقود حزب كبیر، فسوف تتغیر المعادلات و النتائج. المصاب الحقیقي بهذا المرض يمكن إعتباره مريض عقلي يعيش في حالة ذهانية تتميز بالهذيان الواضح والمستمر أو يعيش أفكاراً متسلطة تسبب له الهذيان. أما الإعتقاد الجازم بفكرة خاطئة يوصف بالبارانويا ، لأن المصاب بهذه الحالة المرضؔية النفسية يملك جهازاً عقائدياً معقّداً وتفصيلياً يتمركز حول أوهام واقعية لها ، هذه الأوهام تقنعه بأنه يُضطهد من قبل الآخرين ، وبأنّ السبب الرئيسي لإضطهاده من قبلهم هو كونه شخص عظيم ومهمّ للغاية.
هذا الشخص المصاب بالمرض المذکور أعلاه  أسهم في تدمیر العراق بسبب نهجه الطائفي وأنتج الدكتاتورية خلال فترة حكمه، مستخدماً سیاسة الإقصاء تجاه الكورد والسنة، حیث جعل دورهما هامشیاً وقام أخیرا ًبتسليم مدينة الموصل ومدن أخری الى تنظيم مایعرف بـ"داعش"، نراه یصف في تصریح لە بأن مسألة استقلال كوردستان مجرد إبتزاز السياسي، ویقول أن "الشعب الكوردي لا يريد الاستقلال ".
فلیعلم المالکي بأن الشعب الكوردستاني منذ سقوط الإمبراطوریة العثمانیة والی الآن یناضل بکافة الوسائل المدنیة والثوریة دون هوادة من أجل إستقلاله ووحدها قوات البیشمرکة ترسم الیوم حدود کوردستان بالدم. وليعرف المالکي جيداً بأنه سيفشل من أراد أن يقف أمام إرادة هذا الشعب. إن وصول الكورد إلى حقوقهم المسلوبة سيکون عاملاً أساسیاً في عیش المنطقة في الاستقرار وتحقیق المساواة بين أهالي المنطقة، التي تضم قوميات وأديان ومذاهب مختلفة، لا العکس.
بعد ظهور تنظیم داعش المسلح في العراق و إکتساحه مناطق واسعة و بعد محاولته الزحف نحو بغداد العاصمة طرأت علی العراق تغییرات جذریة سوف تظهر بعد إلحاق الهزیمة به. نعم هناك الیوم ضرورة لتجزئة العراق إلى ثلاثة كيانات منفصلة للشيعة والسنة والکورد للحيلولة دون المزيد من إراقة الدماء ولحلّ الازمة السياسية. إن عدم الثقة بین الکیانات وصل لمستوى لا يسمح لتلك الکیانات البقاء تحت سقف ما یسمی الیوم طوباویاً بالعراق الإتحادي الفدرالي التعددي الموحد. في السابق تعامل نوري المالكي مع الديمقراطية والفدرالية بعقل أحادي وقام بالجزم بعقل أصولي أقنومي. لقد رأینا مآل عمله حیث أوصل العراق الی المزيد من الفوضى والفشل والإفلاس والخراب.
كوردستان كان في السابق ملاذاً لحماية المعارضة، بما فیهم المالکي، ضد هجوم وحملات النظام الدكتاتوري الصدامي وهو اليوم صار ملاذ آمن لأكثر من ملیون ونصف مليون مواطن هربوا بسبب فشل سیاسات المالكي و إنعدام الأمن والعدالة والمساواة أوالحرب من مدن الموصل وبغداد ووسط وجنوبي العراق ليصبحوا لاجئين في دولة كوردستان المستقرة.
لنعترف بالحقائق لكي نحسن صنع حقيقتنا، فلکل شيء زمنه و لكل سياسي موقعه و دوره و إيقاعه، بقدر ما يسهم بتشكيل خريطة الواقع السياسي بعلاقاته و تراكيبه أو تجاوزاته‌ و تراكباته ومن لايعترف بالحقائق لا يستطيع المساهمة في خلق وصناعة الحقيقة.
المالكي بحیله المكشوفة و تحالفاته الفاشلة لم یتمکن من هدم التجربة الكوردستانية أو كسر إرادة شعب كوردستان، رغم قیامه بحرمان هذا الشعب الأبي من حصته من الموازنة وسعيه في ضرب وجرؔ العملية السياسية في إقلیم كوردستان الی الطريق المسدود.
شعب كوردستان وقوات البيشمركه المناضلة يحاربون الیوم بصرامة وعزم الإرهاب والتطرف الديني والسياسي إذا ما أقتربت من أراضيه أو أرادت النيل من أمنه وإستقراره و كرامته.
ختاماً نقول للمالکي ولمن على شاكلته بأن شعب كوردستان لا يريد بعد اليوم العیش مع أصحاب العقليات التي تقوم بالحملة التبشيرية من أجل المركزية.
شعب كوردستان لایرید العیش في ثنايا الإرث الدكتاتوري أو يسير نحو إحياء الترسانة المنطقية المصنوعة بمفردات الكلي والضروري والأحادي والمتعالي والماهوي. شعب كوردستان يرفض السباحة في بحر السبات القومي والحصن الديني ولا یرید أن يعيش مرة أخری في جمهورية الخوف ونهایاتها الكارثية أو يتنفس تحت رحمة القوقعة الإصطفائية والوكالة الحصرية ، التي تجلب الجور والتعسف والتعريب والتهجير والأنفال والإبادة الجماعية ، لذا يقرر مصيره بيده و ينتخب الإستقلال.
الدکتور سامان سوراني

75
أهمیة مشاركة الرئيس مسعود بارزاني في الإجتماع السنوي للمنتدی الإقتصادي العالمي (دافوس ٢٠١٧)
منتدی دافوس الإقتصادي ، الذي إجتذب علی مدی تاريخه أسماء لامعة من عالم الأعمال و الأكاديميين و السياسة والفن، منهم نيلسون مانديلا، بيل كلينتون، أنجيلا ميركل، بيل غيتس، توني بلير، مسعود بارزاني، منظمة غير ربحية، تمول نفسها بالإشتراكات التي يدفعها أعضاؤها، تأسس من قبل كلاوس شفاب، رجل أعمال الماني الأصل، بهدف ربط الصلة بين زعماء المال والأعمال الأوروبيين ونظرائهم في الولايات المتحدة لإيجاد طرق تعزيز التعاون وحل المشاكل.
بدأ المنتدی أعماله عام ١٩٧١ تحت عنوان "منتدى التسيير الاقتصادي الأوروبي". أما المشرفون علی المنتدی يدّعون بأن منتداهم ساهم في الماضي بشكل فعّال في تهدئة الخلافات بين تركيا واليونان، وبين الكوريتين، وبين ألمانيا الشرقية والغربية، وفي جنوب إفريقيا أثناء نظام التمييز العنصري.
یعتبر المنتدی لهذا العام، ٢٠١٧،  للکثیر من المشارکین حدث مزدوج، ففي البدایة هناك برنامج رسمي تناقش فیها القضایا الإقتصادیة والإجتماعیة العالمیة بشکل عام و بعده تسنح الفرص للقاءات فردیة بین رؤساء الدول و أصحاب الشرکات الصناعیة العالمیة لتبادل الآراء في مجموعات صغیرة وإجراء مفاوضات حول قضایا راهنة ومهمة.
بالتأکید سوف یتم الحدیث بین المشارکین، الذین تصل عددهم الی حوالي ثلاثة آلاف شخص ، أكثرهم من الولایات المتحدة الأمریکیة، حول التحولات في منطقة الشرق الأوسط وإعادة الإعمار بعد القضاء علی "الدولة الإسلامیة" المسمی بداعش والمسار الذي تتبعه الإدراة الجدیدة المنتخبة في أمریکا.
ولأول مرة نرئ حضور صیني فعّال في هذا الحدث المهم، حیث یشارك الرئیس الصیني، شي جين بينج، شخصیاً، علی خلاف کل من المستشارة الألمانیة ، أنجیلا میرکل، والرئیس الفرنسي، فرانسوا هولاند، حیث أعلن عدم مشارکتهما لأسباب لم تذکر.
أما الرئیس الأمریکي ، باراك أوباما، المنتهية ولایته فلا یحضر الإجتماع، بالمقابل سوف یحضر کل من نائبه جو بایدن و وزیر خارجیته جون کیري. رئیسة حکومة بریطانیا، تيریزا ماي، فسوف تحسب من الحاضرین في إجتماع المنتدی لهذه السنة.
بالتأکید سوف تکون مواضیع مثل النمو الإقتصادي والشکوك المتزایدة حول تشابك المخاطر الأمنیة التقلیدیة والعولمة الإقتصادیة و التعاون الدولي و التحولات الرقمیة و تأثیرها علی المجتمعات في العالم علی جدول الأعمال.
إن مشاركة الرئيس مسعود بارزاني، الذي يكون ضمن مجموعة من رؤساء دول و حكومات، في منتدی إقتصادي عالمي يحمل عنوان «قیادة مسؤولة و قابلة للتکیف» دليل علی إهتمام حکومة الإقليم بالفلسفة الجديدة للإقتصاد و سعيها الدٶوب في الدخول الی منظمة التجارة العالمية من أجل تحقيق مكاسب علی أرض الواقع و يقينها بأن الشعوب أصبحت تقيّم النظم الإقتصادية من خلال المكاسب، لا من خلال الإنغلاق السياسي والإقتصادي أو من خلال نظريات طوباوية و كلمات منمقة و رفع شعارات زائفة.
فمع تفجير أطر الزمان والمكان بسبب ظهور الإنسان الرقمي و العمل الإفتراضي والفاعل الميديائي و إنتهاء زمن العقل الإمبراطوري، نری اليوم صدارة الإستثمارات الأجنبية في قضايا الإقتصاد المعاصر، التي كانت قبل عقود قليلة موضع الشك والريبة، بإعتبارها كانت تفسر كأداة للتجنيد وممارسة أنشطة مناهضة للإيديولوجيات والنظريات القومية الضيقة، التي إحتلت زهاء نصف قرن عقول النخب السياسية الضالة في العالمين العربي والشرقي و ساهمت مساهمة سلبية في تأخر المجتمع و الإقتصاد القومي. إن فكرة تشجيع الإستثمار الأجنبي لا فقط في نقل رأس المال، كما يتخيله سذجة علوم الإقتصاد، بل في نقل التكنولوجيا والإدارة الحديثة و تطوير ثقافة العمل و الإشراك في النهضة العلمية الحديثة أمر مهم.
حكومة إقليم كوردستان بادرت في السابق  لجذب الاستثمارات الأجنبية و منحها إمتيازات وعرضت مجموعة من الفرص الاستثمارية في الاقليم وتم بفضل هذه المبادرة تنفيذ مشاريع سكنية وفندقية عظيمة و إنشاء عدد من الجامعات الخاصة مثل الجامعة الأمريكية في کل من المحافظتین السلیمانیة و دهوك و مصافي للمشتقات النفطیة ومحطات لتوليد الطاقة الكهربائية ومجموعة أخرى من المشاريع الصناعية.
وسوف يسمح هذا المحفل للوفد الكوردستاني المشارك بالإلتقاء بالأوروبيين والأمريكيين وإبرام صفقات تجارية و طرح مشاكل آنية والبحث عن حلول لما بعد "داعش" و إنهاء الأزمة الإقتصادیة في الإقلیم و إنهاض البنیة التحتیة.   
نتمنی أن يحصل رئیس  الإقلیم، المٶمن بالسياسة الديمقراطية و الحداثة و الإقتصاد الليبرالي المعولم، المزيد من الدعم العالمي لقضية شعبه العادلة وتعزيز وتثبيت المكانة الإقتصادية للأقليم دولياً من أجل ترسيخ مبادیء الديمقراطية الجذرية فيە، لیکون الإقلیم نموذجاً حیاً في المنطقة یحتذی به.
وختاماً: "لا سبيل اليوم لمجتمع أن ينمو و يتطور أو أن يتقدم و يزدهر من غير أن يمارس حيويته الإقتصادية، فالهوية هي صيرورة تصنعها العلاقة مع الغير، كما الدين هو المعاملة و العقل هو المداولة و السياسة هي الشراكة."
الدكتور سامان سوراني






 





76
نوري المالکي و محاکم التفتیش في جمهورية الفساد
رغم أن تاریخ محاکم التفیش أو مایسمی باللاتینیة بـ " Inquisitio Haereticae Pravitatis" یرجع الی أكثر من ستة قرون، محاکم أنشئت أصلاً من قبل الکنیسة الکاثولیکیة لقمع ومحاربة الهراطقة وأصحاب البدع والردة أو المؤمنین بالسحر، إلّا أنها أستخدمت وخاصة في فرنسا كأداة سیاسیة ضد المناوئین لحکم الملك فیلیب الرابع المعروف بـ "Philippe Le Bel" (١٢٦٨-١٣١٤).
هذه الوسیلة إذن لیست من إبداعات نوري المالكي، الذي لا یمُت بصلة الی الإصلاح ، رغم أنه یصرّ بأنه مالك مفاتیح الإصلاح في البلاد ، وظیفته ومهمته الأساسیة هو بناء "العراق الموحد" و إخراجه من براثن الجوع والفقر والبطالة والجهل.
لقد حکم شخصه العراق فترة ثمانیة أعوام (٢٠٠٦-٢٠١٤). أما مدة حکمه فقد کانت ملیئة بالفساد المالي و الاداري وحتى العسکري، إستخدم هو خلالها شبکة مافیویة تنشر ثقافة الفساد في جسد المجتمع العراقي لتسیر أخیراً في شریانە سریان النار في الهشیم. إن سیاسة إستجواب وزراء کفوئین في الحکومة بتهمة الفساد من قبل مجلس الوزراء في بغداد مبرمجة ومدعومة من قبل تلك الشبکة العنکبوتیة للمالکي ، مآلها ضرب الکیانات التي تقف حجر عثرة أمام ستراتیجیتها بغیة تغلیب المصالح الفئویة الضیقة لحزب الدعوة وضمان بقاء سلطتها وإستمرارها. إن الغریب في أمر العراق هو إصدار المجلس الوطني قانون العفو الذي قرر العفو العام عن جمیع جرائم الفساد المالي والإداري في نفس الیوم ، الذي قام فیه المجلس بسحب الثقة من وزیر المالیة و إقالته برلمانیاً.  إن إختیار وزیر المالیة المنتمي الی قیادة الحزب الدیمقراطي الکوردستاني الحامل لرایة إستقلال کوردستان لم یکن ولید الصدفة، فالهدف معلوم للعیان. إنه سعي غير ناجح من أجل إحداث شرخ في وحدة الصف الکوردي المتواضع و توجیه ضربة الی ذلك الحزب المناضل الذي وقف أمام تمدید الولایة الثالثة لنوري المالکي.
ولیعلم القاریء بأن أصحاب المحاکم التفتیشیة في العراق هم من قاموا بإفراغ الخزينة العراقية وهم من سلّموا ثلث العراق لداعش وهم من استوردوأ اجهزة كشف المتفجرات الفاشلة وهم من كانوا وراء عقود وصفقات محطات توليد الكهرباء الغیر منتجة للکهرباء. هؤلاء العصابات قاموا مدة ثمانیة أعوام بالاستحواذ على كل السلطات الثلاث وحتی على المال العام والإعلام، وكذلك على المجتمع، وهم من همشوا الأطراف الکوردستانية والسنية وإحتقرا الدستور والقوانين والأعراف والتقاليد وأهتموا بالعناصر الانتهازية ووعاظ السلاطين والمدّاحين.
ما إستنتجناه من المالکي خلال حکمە هو رغبته القوية في التخلص من کل مناهض له و لحکمه. فهو الذي واجه الحرکات الشعبیة المطلبیة بالغضب والعنف و بدأ یشوه سمعة تلك الحركات و قام بالإساءة الیها و ملاحقة قیادییها. 
أما تحرکاتە السیاسیة الأخيرة ومعه الحشد الشعبي المدعوم عدةً وعتاداً من إیران والفاعل بأمر من إيران أیضاً، لأن مرجعيتهم الدينية ليست بالعراق وليست بالحوزة الدينية بالنجف، ولي، بل بالحوز الدينية بمدينة قم بإيران ، فهي تأتي بعد إعطاه الضوء الأخضر من قبل ولایة الفقیه في طهران. هذه التحرکات الجدیدة محاولات عقیمة لتبییض وجهه الأسود أمام الشعب العراقي بشکل عام والشعب الکوردي بشکل خاص، یهدف المالکي من خلالها ترشيح نفسه مجدداً لدورة جديدة لرئاسة وزراء العراق.
إن الإصلاح في جمهوریة الفساد يقتضي إعادة النظر في مسألة المصداقية المعرفية، بعيدة عن التعامل مع المعرفة بصورة أحادية نخبوية و هو يقتضي أيضا أن تشكل ثقافة مضادة للهدر، تفتح الإمكان لاستغلال الموارد بصورة مثمرة و فعالة، بالإضافة الی خلق الفرص لأفراد المجتمع للمشاركة في إغناء و تطوير صيغ العقلنة وقيم التواصل و قواعد الشراكة الحقيقية. فقولبة و تدجين و تعبئة و عسكرة المجتمع لا تعود بالنفع علی البلاد والعباد و لا يمكن أن يكون هاجس الحفاظ علی الولاية والسلطة أولی من الحقيقة والعدالة.
وختاماُ نقول: من کان قادراً علی إلقاء خطب مليئة بالتهديد والإتهامات الباطلة والشعارات القوموية المستهلكة و من کان مبدعاً في خلق العداء بين الكيانات الرئیسية في العراق و من شنّ في خطبه حرباً ضد حكومة وشعب كوردستان ومن لم یکن خلال ثمانیة أعوام من القیادة والسلطة المطلقة علی اجتراح الإمكانات لتأمين فرص العمل و أسواقه و شبكاته ، أو لتحسين شروط العيش لأوسع الفئات من الشعب العراقي ومن أتی في السابق بحجج مموهة أو مغلوطة أو واهية ترمي الی التغطية والمساویء ، متهماً الغير لفشله السياسي و العسکري ، حاملاً المسؤولية عليه ، هارباً من استحقاقات الكيانات وإيجاد الحلول للمآزق والكوارث والحروب والويلات ، بإختراع أعداء ، سوف یهدف في المستقبل الی دفع عجلة تفاقم المشكلات واستعصاء الحلول نحو الأمام ، فهمّهُ هو إنتاج أناس مدرّبین علی إتقان لغة التصديق والتصفيق والتهليل ، كأرقام في حشد أعمی أو كأبواق ترجِّع صدی الخطب والكلمات، أو كدمی يتم تحريكها عند إعطائها كلمة السر. إنها الثمرة الوحیدة و ما ینتظر من عراق المالکي تحت ظل محاکم التفتیش.
الدکتور سامان سوراني


77
الرئیس مسعود بارزاني و فلسفة القیادة


الدکتور سامان سوراني

بما أن القیادة ظاهرة إجتماعیة تنبثق من وجود الفرد داخل الجماعة وعامل مهم من عوامل تماسكها وتضامنها و تنظیمها ، أصبح هذا الأمر موضع إهتمام الفلاسفة والعلماء وخاصة علماء السوسیولوجیا والسیکولوجیا منذ كونفوشیوس الصیني حتی الفیلسوف البریطاني برتراند راسل وکان الهدف من ذلك معرفة الصفات التي تمیّز القادة من غیرهم من الناس.
رغم هذا الإهتمام بالموضوع المذکور إلا أنه لم یکن حتی نهایة القرن التاسع عشر أي کتاب علمي یتناول هذه الظاهرة خلال مناهج تجریبیة أو ملاحظات علمیة أو شخصیة منظّمة.
لو أردنا تعریف القیادة بإختصار، دون التعمق في نظریات أمثال ما قدمه الفیلسوف توماس کارلیل في القرن التاسع عشر أو ما طرحه علماء آخرون بعد الحرب العالمیة الثانیة ، نقول بأن القیادة هو دور سلوکي لإسهامات الفرد و النسق الإجتماعي في تفاعلها الدینامیکي، أو هي عملیة التأثير في الناس في موقف معین. إنها العملیة التي من خلالها یؤثر القائد في سلوك أعضاء الجماعة بغیة الوصول الی هدف معین.
وإذا أردنا ذکر السمات الشخصیة للقائد بتعبیر علماء الإجتماع والنفس ، نری بأن القائد یجب أن یحظی بالسمات التالیة:
الثقة بالنفس والإتزان الإنفعالي والسیطرة والذکاء والمبادءة والطموح والمرونة والحماس والبشاشة والمرح والحساسیة الإجتماعیة والشجاعة والإبتكار والابداع واللباقة والموضوعیة. 
اللذین حالفهم الحظ أو سنحت لهم فرصة التعرف بالرئیس مسعود بارزاني عن كثب یؤیدونني بأنە کقیادي یمتلك السمات المذکورة أعلاه وبالإضافة الی تلك السمات الشخصیة ، فإنه یحمل في داخله منذ مرحلة  مبکرة من عمله کبیشمرکة والی حین تمسکه زمام القیادة رؤیة وهدف إنساني نبیل ألا وهو الوصول الی الحریة التامة لشعبه وإستقلال دولة کوردستان بعد الإعلان عن تأسیسها.
نحن اليوم أمام واقع تتحرك معطياته بوتائر متسارعة، ولا يمكن التَّعامل مع الوقائع إلا بوقائع مماثلة. بارزاني یدرك جیدا بأننا الآن في زمن الكتروني لا يمهل كثيراً بل هو يهمل اذا لم نحسن التعاطي مع ادواته ، فهو یستجیب بتعقل ورؤیة وهدوء للمثیرات المختلفة، ونتیجة لذلك نراه یقرر بموضوعیة تضمن رؤیة ومصلحة شعب كوردستان، مدركاً العلاقات والإرتباطات بین الأشیاء والوقائع ، مستخلصاً العوامل البارزة من خبرات عقود من الکفاح المسلح والنضال الوطني للإنتفاع بها في إلقاء الضوء علی المشکلات الحاضرة. أما فیما یخص طموحاتە، فإنه یؤمن أكثر من غیره بطموحات شعبه في الإستقلال ، لا یهاب من مجاهرة تحقيق هذا الهدف المرجو أمام الملأ ، لذا نراه یؤكد علیه في کل مناسبة و مناسبة.
وما زیاراته المیدانیة الی جبهات القتال و المشارکة الفاعلة مع قوات البیشمرکة في صد هجوم قوی الظلام من أمثال "الدواعش" إلا دلیل واضح علی الحماسة والغیرة النابعة من ذاته کقائد و بیشمركة وهذه الحماسة ینعکس بشکل إیجابي علی المقاتلین في الجبهات وعلی قوات حفظ الأمن في الداخل.
إن إدراكه لشعور الآخرین وحرصه علی عدم إهانة أفراد شعبه أو القسوة علیهم هو بعد من أبعاد الحساسیة الإجتماعیة ، التي تلعب دوراً هاماً في الروح المعنویة للشعب الکوردستاني للوصول الی غایاته الأسمی.
هو الذي أكد غیر مرة علی مبدأ التّسامح الإنساني والأخلاقي لیشكل حجر الأساس لمبادئ الديمقراطية الدستورية المستقبلية وحفّز الحوار الثقافي المتحضر بين الطوائف والقوميات والاديان المختلفة وعزز بسیاسته الحکیمة فلسفة التعایش السلمي کصناعة مفهومية في كوردستان.
هذه القدرة مكنه من أن یکون واسع الأفق لیتنبأ بنتائج أعمال شعبه وإنتصارات مقاتلیه علی أعداء الإنسانیة من الإرهابیین.
وفیما یخص موضوعیته ، نراه یحسن قرأة المجریات ويستثمر طاقته الفکریة بصورة مبتكرة و بناءة ، غیر متحیز لفئة أو جماعة أو جنس أو طبقة أو طائفة أو ناحیة معینة ویسعی الی تدعیم الإتصالات الشخصیة بین أفراد شعبه لیزید من قوتهم ویوحد صفهم و صوتهم وتضامنهم و تماسکهم بغیة الوصول الی الإجماع في الرأي حول القضایا المصیریة لإتخاذ قرارات تصب في مصلحة شعبه أو توصلە لتحقيق حلمه في بناء الدولة الکوردستانیة.
وختاما نقول: القيادة الناجحة تتطلب إذن أشخاصاً ذوي مواهب نادرة تجعلهم صالحين للقيادة ، لا یدعون بأنهم ینقذون البشریة ولا یعتبرون نفسهم أفضل من بقیة الكائنات، بل یعیشون وسط الطبیعة بوصفه جزءاً من موجوداتها.
"ومن لا یصنع واقعه و لایحضر في زمنه، الحضور الفعال والمزدهر، لایحسن الإفادة من ماضیه ، کما لا یحسن إستقبال آتیه".

الدکتور سامان سوراني

78
السیادة الكوردستانیة و موقع العراق الموحد في الإعراب السیاسي
بما أن السيادة الکوردستانیة لا تعني إلا سلطة عليا ومطلقة وإفرادها بالإلزام وشمولها بالحكم لكل الأمور والعلاقات سواء التي تجري داخل الدولة أو خارجها ، فإن فکرة السيادة مرتبطة إرتباطاً وثیقاً بالفیلسوف السیاسي والمفکر الفرنسي جان بودان (١٥٣٠-١٥٩٦) ، الذي کان مستشاراً لهنري الرابع ومن المعجبین بحکمە ، وهو صاحب "الکتب الستة للجمهوریة" ، نشر من خلالها فلسفته لعالم مضطرب معتل يتلهف على النظام والسلام.
وفي العلاقات الدولیة تعني السیادة الوطنیة الحق المطلق علی الأرض والثروة والموارد بعد الإیمان الواثق نسبیاً بإستمداد سلطة الحاکم من الشعب المتحرر من کل قیود وأسوار القمع المسوغ بالإطروحات الإیدیولوجیة المتزمة والقادرة علی ممارسة حقوق التعبیر والتنظیم وإختیار ممثلین لها للحکم.
 وقد قرر ميثاق الأمم المتحدة مبدأ المساواة في السيادة بأن تكون كل دولة متساوية من حيث التمتع بالحقوق والالتزام بالواجبات مع الدول الأخرى الأعضاء في الأمم بغض النظر عن أصلها ومساحتها وشكل حكومتها، رغم إحتفاظ الدول الخمس العظمی لنفسها بسلطات ، ناقضة بذلك مبدأ المساواة في السیادة ، أما العُرف الحدیث فلا تعرف للسیادة معنیً سوی لفظ إستقلال الدولة.
ومن يتمحص وينظر في الدستور العراقي لسنة ٢٠٠٥ یری بأنە یسمح لكوردستان بحق تقرير المصير، کما یعترف بحكومة  و برلمان إقليم كوردستان وجميع مؤسساتە الرسمية الأخرى ، وبالشكل ذاته يعترف بالبيشمركة كقوة شرعية لحماية حدود إقليم كوردستان باسم ( حرس الاقليم).
لکن الاستقلال يعني تحقيق الحلم التاريخي لشعب كوردستان ، ذلك الحلم الذي قدم الآلاف من ابناءه الغیاری حياتهم لتحقيقه. شعب ناضل و كافح على مرّ السنين و تجرّع أقسى أنواع الظلم والإضطهاد والدكتاتورية والابادة الجماعية لاستقلاله یرید أن یکون فاعلاً علی الساحة الدولیة ومساهماً في إغناء الحضارة الإنسانیة. الیوم یمتلك إقلیم کوردستان کمیات کبیرة من الثروات الطبیعیة ، إذا ماتم مقارنتها بعدد سکانه،  فما لدیه من إحتياطي نفطي يقدر بـ ٤٥مليار برميل و احتياطي الغاز الطبيعي  يبلغ (٥،٧ ترليون متر مكعب )  حيث تشكل نسبة ٣% من الاحتياطي العالمي للغاز الطبيعي، بالإضافة الی الأراضي الزراعیة الخصبة والسدود القابلة لتخزين المياه والتي تستطیع أن تخزن أكثر من ١٠،٠٠٠مليار متر مكعب. علی القیادة الکوردستانیة ، رغم معارضة بعض من الدول المجاورة لقیام الدولة الكوردستانیة ومخاوف حرب داعش والجماعات الإرهابیة الموجودة علی حدود الإقلیم ، القیام بالتفکیر الجديّ في قضیة تحديد إسم ونظام الحکم في الدولة المستقبلیة وحسم مصير المناطق الکوردستانیة خارج إدارة الإقلیم وتحديد حدوده أخيراً.
نحن نعرف بأن العلّة ليست دوماً في الخارج، بل إنـّها بالأحرى كامنة داخل العقول، أي في بنـية الثقافة ومنطـق الفكر ، لذا نراه لزاماً علی شعب كوردستان إنهاء العیش تحت رایة خرافة العراق الموحد، فالإختلاف لا الخلاف هو الاصل في يقظة الوعي وتجدد الفكر وتطور الحياة ونحن نؤمن بالإختلاف.
ففي السنوات الماضیة قام الإقليم ومن خلال مؤسساته الفعالة بإتباع سياسة براغماتية نجحت الی حد كبیر في نسج علاقات مع أميركا وأوروبا، وعلى المستوى الإقليمي مع تركيا والأردن ودول الخليج العربي وإلى حد ما مع إيران وبهذه السیاسة تمکن من خلق إستقرار و بیئة هادئة لإحتضان أكثر من ملیون لاجیء ونازح ، ممن فرّوا ونجوا من أیادي الظلم والإضطهاد والإرهاب.
الكثير منّا یعلم بأن الشرق الأوسط الذي كنا نعرفه إنتهی بعد الحروب والتطورات الدراماتيكية التي شهدها وأن المنطقة الجغرافیة التي کانت تسمی بالعراق والتي تواصل وجودها من الناحية القانونيَّة الان عبارة عن ثلاثة مناطق مختلفة للکورد والشیعة والسنة.  بالأمس بعد أن خلقت الدیمقراطیة التوافقیة إشکالات وعمقت الإنقسامات مهّد رئیس الوزراء الشیعي السابق نوري المالکي  ، الذي لم یف في الماضي بوعوده للکوردستانیین، بسياساته الخاطئة الأرضیة لداعش لإستیلاء الموصل و مناطق أخری في الرمادي بعد أن أزاح منافسیه من السنّة جانبا وقام بمقاضاتِهم في المحاكم باتهامات باطلة و دفع البعض منهم لمغادرة العراق وقام بمعاداة الکوردستانین وقطع حصتهم من الموازنة العامة بهدف تجویعهم.
أما الیوم فنری المالکي یلعب دور المحتضن لبعض التیارات السیاسیة في كوردستان والناصح لشعب كوردستان ، الذي يری نفسه أمام فرصة تاریخیة قد لاتتکرر لتحقیق حلمه القدیم الجديد، بأن لایخطوا خطواته الجریئة نحو الإستقلال ، بل یظل تحت رحمة بغداد و إن أمکن تحت رحمة حزبه القابض علی الحکم في "العراق الفدرالي". في ضوء قراءة التطورات في العراق نری بأنه لا أمل في أن تتحسن الاحوال، ما دام الذین یحکمون في بغداد يديرون الشؤون بالمقولات والمعايير أو الأساليب والنماذج نفسها ، دون مراجعة شاملة لفتح  ملف إنسانیتهم ، التي هي مصدر المشكلات والكوارث ومصنع الآفات والفضائح ، من غير ذلك، ستزداد الأمور سوءاً وتدهوراً وتتأجج الصراعات وتتوسع رقعة الحروب وتتفاقم أعمال القتل والابادة والتطهير والتهجير والتدمير، التي ذقناها و شاهدناها في السابق. فحصيلة سياساتهم في هذا العصر الرقمي وسط هيمنة الاحزاب الدينية وتسلط الميليشيات الطائفية کانت الكذب والنفاق والتزوير والإستقواء وانتهاك الدستور والقوانين، وبيع البلد والوطن بثمن بخس. وهل مـن تجاربنا  نتعلم دون الوقوع في أسرها؟
وختاماً: إن الهوية ليست ما نرثه، بل ما نحسن إنجازه وأداءه، نحن لا نرید العودة الی الوراء ، رهاننا هو أن تتحول طاقاتنا إلى قوة مجتمعية فاعلة تفتح الابواب والفرص لبناء دولة كوردستان ، متحرّرة من وهم العراق الموحد  والغول الدیني، قوامها الإنفتاح علی العالم المتحضر والدیمقراطیة الجذریة للوصول الی الأمن والإستقرار وبناء العیش الرغيد لمواطني كوردستان علی إختلاف أطیافهم وأجناسهم وحتی ثقافاتهم.
الدکتور سامان سوراني

80
حکومة إقلیم كوردستان والخیارات الصعبة

عند الحدیث عن إقلیم كوردستان الیوم یخطر بأذهاننا مباشرة جملة من التحدیات، التي تواجهە ، منها خطورة تعثر حکومة الإقلیم إقتصادیاً، بعد أن إستنزفت أعباء الحرب ضد تنظيم "داعش" لأكثر من ١٩ شهراً الحد الأقصی من أموالها.
والخلاف المستمر مع الحکومة الإتحادیة في بغداد والتي حرمت الإقلیم من حصته من الموازنة العراقیة والأستحـقاقات المالية للبيشمركة فهو تحدٍ ثانٍ، أنتج الأزمة المالیة و ظروف معاشية قاسية و ولّد ظاهرة البطالة و موجة رکودٍ تضربُ مختلف الأسواق دون إستثناء.
أما التحدي والأزمة الثالثة فهي ناتجة عن إنخفاض أسعار النفط  العالمیة و إرتفاع عدد سکان الإقلیم بنسبة ٣٠% أو أكثر بسبب تدفق عدد هائل من اللاجئین السوریین و إیواء النازحین العراقیین.
إن هذه التحدیات الجسیمة تحتاج الی إرادة قویة لمجابهتها وتحتاج أیضاً الی دعم قوي و فاعل من قبل أصدقاء شعب كوردستان لدی الأسرة الدولیة والمجتمع الدولي.
لکن الموضوع الأساسي لمقالنا هذا لیس الوقوف عند وصف تلك التحدیات الجوهریة ، بل التطرق الی قضیة أهم، ألا وهي عملیة الإصلاحات الإدارية في حکومة إقلیم کوردستان وکیفیة معالجة الفساد المستشري في الإقلیم.
الفساد الإداري في الحکومة هي وللأسف ولیدة السیاسة الفاشلة لبعض الکتل والأحزاب المتواجدة في الساحة السیاسیة، تلك الأحزاب التي تسنمت مراکز التسلط و قامت دون هوادة بالتصید في عکر المیاه ، إذ تری ولحد الآن بعین المصلحة الفئویة والأنانیة ، أما عین المسؤولیة والمهنیة ، خاصة و شعب الإقلیم یخطو خطوات نحو الإستفتاء العام من أجل الإستقلال والحق في تقریر مصیره ، فقد عمیت ولم تعد تری ما یفترض رؤیته من الأسویاء والأصحاء.
الإصلاح لیس عبارة عن نموذج جاهز أو مسبق ننصاع لأطیافه أو لمعاییره، لکي نقوم بتطبیقه، وإنما هو فکرة نشتغل علیها ونصبح ثمرتها، بحیث نتحول معها ونتخلّق بها، بقدر ما نسهم في إغناءها وإعادة إبتکارها، بصورة لایبقی معها شيء ما هو علیه، سواء من جهة الفکرة أو الفاعل أو الواقع.
إن عملية الإصلاح السياسي والإداري والتخلص من الفساد والرشوة في دوائر حکومة الإقلیم ، ليست سهلة ، خاصة في ظل سیادة أفكار مثل التحزب والتعصب والتبعیة العمیاء و المناطقیة لدی الكثیرین.
أما القرارات الإصلاحیة الجریئة التي أصدرها الرئیس مسعود بارزاني بدءاً بحزبه الدیمقراطي الكوردستاني فقد جاءت ولو بشيء من التأخير لصد و مواجهة المخاطر علی الإستقرار والأمن ومستقبل الإقلیم بسبب تنامي الفساد و هدر الثروات العامة.
نحن لا نشك قید أنملة بأن مواجهة الفساد والقیام بالإصلاحات باتت مطلباً شرعياً لجمیع شعب كوردستان وتحضی بالمساندة القوية من قبل الشعب الكوردستاني وهي ليست ترفاً فكرياً ولا مادة للشعارات أو المزايدات. ورئیس الإقلیم جاد في أمر تمکین السلطة القضائیة و هیئات الرقابة في كوردستان من انجاز العملية الاصلاحية.
فهو یعرف جیداً بأن مصير وارادة الشعب، الذي يريد العدالة والاصلاح ، أهم من أي شخص لذا یصرّ الرئیس بارزاني علی إجراء إصلاحات ومواجهة أي شخص يحاول وضع العراقيل امام عملية الاصلاح او لا يخضع للقرارات و یقر علی عدم إستثناء أیة جهة أو شخص مهما کانت منصبه ومکانته في المساءلة والمعاقبة بسبب الکسب غير المشروع علی حساب المال العام داخل الحکومة. فكثرة الحشرات الثاقبة تؤدي الی كسر الخشب و توسع ثغرة یؤدي الی إنهیار الجدران.
نحن على يقين بأنە لا مجال لإصلاح سياسي وإداري بمعزل عن إصلاح اجتماعي واقتصادي يسير في خطوط موازية. يجب أن يعالج المسائل المتعلقة بـكفاءة أجهزة الإدارة العامة من خلال تبسيط الإجراءات وإعادة هيكلة الجهاز الإداري وتطوير منظومة القوانين والتشريعات الإدارية.
نحن نری بأن تفعیل دور البرلمان ضرورة ملحة لإقرار الإصلاحات و إلزام حکومة الإقلیم بتطبیقها، فمن خلال التطبيق تستطیع الحکومة إن تثبت نوایاها الجادة من أجل تخفیف معاناة الشعب وإعادة الثقة الیهم.
یجب القیام بتعزيز التوعیة الخاصة بمکافحة الفساد والدعوة الی النزاهة ودعم بناء ثقافة النزاهة وإكمال نظام التقييد والرقابة علی عملیة ممارسة السلطة ودعم التشریعات الوطنیة المختصة بمکافحة الفساد و تعمیق الإصلاح في المجالات والحلقات التي تكثر فیها مشاکل الفساد، لضمان ممارسة الدوائر الحکومیة لسلطاتها وفقا للصلاحیة القانونیة والإجراءات الشرعیة.
یجب تعزیز الإنصاف و العدالة الإجتماعیین کقیم جوهریة والسعي وراءها، لکي یشعر الفرد في المجتمع الكوردستاني  بأن حقوقه في الإقلیم تراعی وکرامته تصان وأن القوانین لا تنتهك ولا تکون هناك تمييز في المعاملة بین مواطن وآخر وأن بلده لا تفتقر الی المصداقیة والمشروعیة في نظر العالم. یجب أن لا تمارس الحکومة والنظام إستئثار أو إحتکار و مصادرة وإهانة، سواء في مایخص السلطة والثروة أو الحقيقة والحریة والکرامة. یجب أن تکون الأحزاب الحاکمة رائداً في الإلتزام بالقوانین
لقد اصلحت بلداناً كثيرة اوضاعها، وتجاوزت صعوبات ومشاكل شبيهة بالتي نعيشها باللجوء للعمل المؤسساتي والخطط الجدية المدروسة لمکافحة الفساد و العمل علی التحقيق ومعاقبة الفاسد ومواصلة "صید النمر والذباب معا".
فالمجتمع الكوردستاني یملك غنیً في المعطیات کما یملك فائضاً في الموارد، ولکن مقابل هُزالٍ في الإنجازات، مرده النقص الفادح في الأفکار الحیّة والخصبة والخلاقة. ولهذا فإن أحوج ما یحتاج الیه هو أن یمارس حیوته الفکریة ، بالتحرر من جملة من العقد والحساسیات الحزبیة والهوس النضالي والهذر الثقافي والآفات التي عرقلت مشاریع التقدم والرفاه و حضور العدالة الإجتماعية والمشارکة في صناعة القرارات المصیریة. یجب ترسیخ ممارسات الإصلاح السياسي والإداري والاجتماعي والاقتصادي، بتعاون کافة الجهات وتكامل جهود الجميع بعيداً عن الفردية الهدامة والشخصنة المؤلمة وسلوكيات الاتهامية والعدمية والتشكيك.
علینا أن نتغير لکي نسهم في تغيير سوانا، أو في تحویل واقعنا، بقدر ما ننجح في تغذیة العناوین المطروحة وتحویل المفاهیم السائدة في ضوء التحدیات والمستجدات.   
وختاما نقول: "إذا أراد إقلیم کوردستان التنمیة والإزدهار ، لابد أن تتمسك بالإتجاه الکبير للتنمیة العالمیة و یتقدم معه و إلا سیترکە التاریخ."
الدکتور سامان سوراني

81

الحیاة والموت و ظاهرة الخوف من الشیخوخة

من الملاحظ أیضا أن الکثیرین یتشاکون قصر الحیاة، لأنهم یشعرون بأن أیامهم محدودات، وأن لحظات حیاتهم قطرات في محیط، في حین أنهم یتطلّعون الی الحیاة الطویلة ویطمعون في البقاء المستمر، وفات هؤلاء أنه لیست العبرة بطول الحیاة أو قصرها، بل العبرة بعمق الحیاة أو ضحالتها، وإذا ثمة حیاة تحمل دلالة أو معنی، فتلك هي الحیاة العمیقة الحافلة باللحظات الکبار.
أنا لا أُقاسم رأي الذي یصرّ علی القول بأن الحیاة لا تستحق أن تُعاش وهو لا یرید في قرارةِ نفسهِ سوی المزید من الحیاة. صحیح أن الحیاة لا تخلو من آلام، وشرور، و مخاوف، ومخاطر، وفشل، وعذاب، وشیخوخة، وموت، ولکن کله هذا لم یمنع الکاتب الروسي الکبیر تولستوي (1828-1910) من أن یقول:"ما أمتع الحیاة بین قلوب التي عرفت الحب...ولکن أین الحب؟ إنه في کل شيء حيّ حولي! فأنا أکره الموت، وأکره کل شيء لا ینبض الحیاة." أو قوله بأن "كسب الحياة يكون بخدمة الناس لا باعتزالهم".
ولیس من المستحیل علی إنسان القرن الواحد والعشرین أن ینمي حواسه، ویرهن عواطفه، ویرقي قدراته العقلیة، ویربي فهي نفسه‌ الملکات الیدویة والعملیة، ولکن مثل هذه‌ "التربیة التکاملیة" قد تقتضي منا - أولا وقبل کل شيء- العمل علی إزالة الحواجز التي مازالت تفصل مناحي المعرفة البشریة وعلینا التحرر من الوهم الخادع بأن الأشیاء والذوات تبقی علی ماهي علیه وعلینا القول بأن الحریة، شأنها شأن سائر المسائل. لیست شیئا یکتسب بصورة نهائیة، وإنما هي مراس دائم بقدر ماهي عمل تحویلي متواصل علی الذات والمعطیات.
وربما تکمن الخوف من الشیخوخة في جوهره‌ في تعبیر عن إحساس المرء بأنه لم یستطیع أن یحیا حیاة منتجة، وبالتالي فانه رد فعل یقوم به ضمیر الفرد ضد عملیة التشویه الذاتي التي مارسها في نفسه.
نری في الآونة الأخیرة ثمة ظاهرة غريبة ومستهجنة اخذت في الانتشار في المجتمع الشرقي تستدعي الدراسة وهي ظاهرة إهتمام الرجال وعلی وجه‌ الخصوص السیاسیون منهم بتغییر الشیب بالأسود القاتم، أي تسوید الشعر، من أجل طمس حقیقة معالم الشیخوخة والبحث من دون جدوی عن إكسير للشباب الدائم و أتباع نصائح تجاریة زائفة تساعد علی منع ظهورعلامات الشیخوخة.
من المعلوم بأن الشیخوخة لاتمس الشخصیة، والشخص الذي یحیا حیاة مثمرة منتجة، قبل بلوغه سن الشیخوخة، لن یصاب بأيّ إنحلال نفساني أو أيّ إضطراب عام في بناء الشخصیة، لأن السمات الذهنیة والوجدانیة التي عمل علی تنمیتها في نفسه خلال تطوره‌ الحیوي عبر حیاة مثمرة منتجة لابد من أن تستمر في النمو والترقي، علی رغم من کل وهن جسمي. والشعور بالشیخوخة لدی المرء یقترن في أغلب الأحیان برؤیة صورته في المرآة، وکأن الإنسان لا یهرم إلا من الخارج دون أن یکون قد شعر بذلك من الباطن أو دون أن یکون قد إستشعر ذلك التغیّر في صمیم حیاته الباطنیة. إن رفض الأنسان شهادة المرآة هو في إعتقادي نابع من شعوره بهویته عبر تجاربه الوجودیة السابقة، فیخیل الیه أنه مازال ذلك "الشاب" القوي المتین المتوثب الجبار الذي کان في مرحلة سابقة من مراحل العمر، وکأن من شأن الشعور بالهویة أن یجعله یری نفسه عبر "الذاکرة" لا "المرآة". فالقوة البدنیة أو الجسمانیة لاتخلوا تماما من کل أثر من آثار القوة النفسیة أو الروحیة. والتجربة تشهد بأنه لیس ثمة إنسان - علی ظهر هذه‌ البسیطة - هو بمنجی تماما عن کل إصابة أو فشل. والأشخاص الذین یهرمون بسرعة إنما هم أولئك الذین فقدوا مبررات وجودهم وإن ما یتعب المخلوق البشري ویضنیه إنما هو التکاسل والتقاعد والجمود والرکود، لا الحیاة الملیئة المضطربة، والإنفعالات العنیفة الصاخبة والجهود الشاقة المتواصلة والدراسات الطویلة المستمرة والأعمال المنتجة المثمرة.
أما الحریة ففي نظري لا تعنی سوی فهم الإنسان لنفسه وبذله للجهد الجهید في سبیل الوصول الی ماهو میسّر له‌ بالقوة (والمقصود من القوة، هي القدرة علی تحقیق الذات لا السیطرة).
والإنسان القوي لیعلم إنه لیس مرکز العالم، وإنه لایمثل "المطلق" ولکنه واثق - مع ذلك- من إنه- عن طریق الثقة - بالنفس- أن یزحزح الجبال، وقوة الإنسان نابعة من تواضعه "أو علی حد قول المعلم الیوناني سقراط (469 ـ 399 ق.م) ، إعترافه بنقصه". فالإنسان القوي هو أعرف الناس بنقاط ضعفه وهو أکثرهم إعترافا بعجزه و قصوره، ولکنه في الوقت نفسه أشدهم إیماناً بقوة الصراع من أجل الحقیقة، کما إنه أعرفهم بضرورة العمل من أجل تحقیق المستحیل. وقد صدق الكاتب الروماني وخطيب روما المميز شیشرون (ولد سنة 106 ق.م) قدیما الی حد ما عندما قال بأن "جلائل الأعمال لم تکن في یوم من الأیام ولیدة القوة الجسمیة، أو الرشاقة البدنیة، بل هي قد کانت ولیدة المشورة، والسلطة والخبرة والحکمة الرزینة، وکل هذه‌ المزایا لا تجي‌ء إلا مع الشیخوخة." فنری الفیلسوف الألماني الکبیر إیمانويل كانت أو كانط (1724-1804) یکتب أجل کتبه (نقد مملکة الحکم) في سن السادسة والستین، ویقدم لنا المفکر الفرنسي هنري برجسون (1859-1941)، الذي حظي ابان حياته بشهرة منقطعة النظير، درته الثمینة (منبعا الأخلاق والدین) في الثالثة والسبعین ویطالعنا الفیلسوف الأمریکي وأحد مؤسسي الفلسفة البرغماتیة، جون دیوي (1859-1952)، کتابه الهائل (المنطق أو نظریة البحث) في التاسعة والسبعین وقدم الفیلسوف الكوردي جمیل صدقي الزهاوي (1863-1935) ملحمته الخالدة (ثورة في الجحیم) في الخامسة والستین.
وقد روی عن الرسام والنحات الإیطالي مایکل أنجیلو (1475-1564) أنه رُئی یوما -وکان في ختام حیاته تقریبا- یحث الخطی الی مرسمه، فقال له أحدهم: "الی أین تمض سریعا، وقد غطت الثلوج شوارع المدینة؟" فما کان منه سوی أن أجاب قائلا: "إنني ذاهب الی المدرسة، فلابد لي من أن أحاول تعلم شيء قبل فوات الأوان..!"
وختاماً نقول: لن تکون "إنساناً" إلا إذا عرفت کیف تقضي کل یوم من أیام حیاتك في إجتلاء الجمال والبحث عن الحقیقة والمضي في طریق الخیر والسعي نحو الکمال والتعجب لما في الوجود من أسرار.
د. سامان سوراني

82
هل تنهض عنقاء إقلیم کوردستان من الرماد الإقتصادي؟
بما أن الإصلاح الإقتصادي أو مایسمی بـ "Economic Reform" هو مجموعة أو حزمة من السیاسات ، التي تستهدف إزالة الاختلالات الاقتصادية الداخلية والخارجية بالإضافة الی إتباع مجموعة من السياسات التي تستهدف الى إعادة تخصيص الموارد لرفع الكفاءة الانتاجية ، في إطار تحرير الاقتصاد المحلي وإعتماده على آليات السوق والحد من دور الدولة في الحياة الاقتصادية ، یمکن القل بأن الإصلاح یتکون من جناحین:
الجناح الأول هو عملیة التثبیت الإقتصادي " Economic Stabilization Policies" الهادف الی إنجاز شروط حالة الاستقرار الاقتصادي في الأمد الزمني القصير ، أي أقل من سنتین ، مع البدء بخفض عجز كل من ميزان المدفوعات والموازنة العامة ، وخفض الانفاق العام وكبح معدلات نموه، وخفض معدلات التضخم بتقييد التوسع في حجم الائتمان المحلي.
 الجناح الثاني یتمثل بعملية التكييف الهيكلي للاقتصاد " Structural Adjustment Policies" الهادف الی إعادة تخصيص الموارد الاقتصادية لانجاز النمو المستدام أزاء بيئة خارجية أكثر سلبية، وهي ترتبط بالأمد الزمني الطويل المتراوح بین ثلاث الی خمس سنوات. وهذه العملیة تشمل أیضاً تعزيز ميزان المدفوعات وإستقرار الأسعار وأداء النمو السليم ، وإعادة التوازن العام الداخلي والخارجي في غضون مدة زمنية معينة لتأهیل الاقتصاد المحلي في نهاية المطاف الى جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
لقد تناول واضعي السياسات الاقتصادية والباحثين موضوع الإصلاح الإقتصادي بإعتباره إجراء لازم للوصول الی مستوى مرتفع من الكفاءة والتنافسية من خلال تحقيق علاقة متوازنة بين الموارد المتاحة للمجتمع ومتطلباته في سبیل تصحيح الاختلالات الأساسية في الأقتصاد وإستعادة التوازن الاقتصادي العام.
ما یشهده إقتصاد اقلیم كوردستان الیوم من من قصور في الإيرادات وزيادة في النفقات العامة وجمود إقتصادي وحالة قلق و تململ من تدهور الأوضاع الإقتصادية وهبوط القوی الشرائیة وتراجع أجور موظفي القطاع الخاص وتأخير صرف رواتب منتسبي القطاع العام لأشهر بسبب قطع حصة الإقليم من الموازنة الاتحادية العامة وإنخفاض أسعار البترول وإستضافة الإقلیم مایقارب ملیوني نازح عراقي ، بالإضافة الی مصاريف الحرب ضد تنظیم "الدولة الإسلامیة" الإرهابي ، کل هذا ولّد لدی عدد غير قلیل من رجال الأعمال والمستثمرين المحلیین في القطاعين السیاحي والتجاري نوع من التشاؤم من المستقبل وحالة من اللایقین لدی المجتمع ، مما جعل الكثير منهم يتخلون عن العقلانیة ویتصرفون بشكل عاطفي بإتخاذهم العديد من القرارات اللاعقلانیة من دون التفكير في العواقب.
من یدرس الجانب الإقتصادي في الإقلیم بشكل منهجي یری بکل سهولة ظاهرة التخلف الإقتصادي والاجتماعي والثقافي والبيئي المتميز بسبب السیاسات التي كانت تنتهج من قبل الأنظمة القمعیة الحاکمة في العراق. فبنیة الإقتصاد في الإقلیم إعتمدت كما في العراق بشكل أساسي علی موارد النفط الخام كإقتصاد إستخراجي ريعي وإنتهجت سیاسة الباب المفتوح أمام إستیراد بضائع إستهلاکية ذات نوعیة هابطة وسلع زراعیة تؤثر بشكل سلبي علی ضرورة التصنیع و تحدیث الزراعة من أجل تنمیة الدخل القومي.
أما فيما یخص البطالة المقنعة المكشوفة ، المتراوح عددها تخمینیاً بین ٥٠ الی ٦٠ في المئة ،  فإن إقلیم كوردستان لم یسعی في السابق حل هذه المعضلة الإقتصادية بوضع حلول و برامج إقتصادية تقلل من بروز هذه الظاهرة ، التي تستنزف الدخل القومي وخزینة الإقلیم بشكل واضح. وهي نتیجة لسیاسة التدخل الحزبي في شؤون توظیف المنتسبين في القطاع العام، مما أنتجت عدم تطبيق فلسفة "الشخص المناسب في المكان المناسب". وما شهده الإقلیم في السنوات الماضیة هو عدم سعي القطاع الخاص نحو الإستثمار في القطاعین الصناعي والزراعي وفي الخدمات الإنتاجية والدراسات الفنية والمهنية والبحث العلمي ، رغم وضع حکومة الإقلیم شکلیاً الإهتمام بالصناعة والزراعة والسیاحة من أولویات أجندة عملها ، کإستراتیجیة تنمیة غير دقيقة الی حد ما.
إن تبني حکومة الإقلیم سیاسة التقشف المالي بهدف معالجة العجز في الموازنة العامة و تخفيض معدلات التضخم أمر ضروري. وهي ترتبط بشكل مباشر بتخفيض النفقات العامة ذات الطابع الاجتماعي، مثل نفقات الدعم للسلع التموينية وتعيين الخريجين والتعليم والصحة ومحاولة تحصيل رسوم عن هذه الخدمات وهذه السیاسة یجب أن يتضمن رفع أسعار خدمات المرافق العامة كالمياه والكهرباء وذلك من أجل زيادة الإيرادات العامة بالرغم من أن الخطوة الأخير سوف تضرّ بفئات واسعة من الشعب الكوردستاني ، لأنه یقلل من الإنفاق الإستثماري والإستهلاکي  ویؤدي بالنتیجة الی مزید من البطالة و یقلل من حصة الفئات ذات الدخل المحدود من الحاجات الأساسیة.
الحکومة قامت بإعادة النظر في الأجور والرواتب من أجل رفع كفاءة إنتاجية النفقة العامة و خفض الأجور الحقيقية للعاملين.
لابد في هذه الظروف الإقتصادية الصعبة من تقلیص دور القطاع العام أیضاً و بیع بعض أجزائه الی القطاع الخاص، لان عملية الخصخصة هي جزء أصيل من برامج الإصلاح الاقتصادي ، فهي تمثل تغييراً جذرياً للسياسات الاقتصادية من اجل المشاركة في تعبئة الموارد المحلية اللازمة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. إن السیر نحو سیاسة زیادة الطاقة الإنتاجية في الأمد الطويل في القطاع الخاص وإضعاف العوامل المعیقة لنشاط هذا القطاع وتشجيع الإستثمار الأجنبي الخاص والدعایة لە من خلال المزايا والإعفاءات والتيسيرات الضريبية والجمركية بالتزامن مع تطوير السياسات الضريبية وتوسيع الوعاء الضريبي، والحد من الإعفاءات الضريبية أمر ضروري أیضاً.
ولکي تنهض عنقاء إقلیم کوردستان من الرماد الإقتصادي علی حکومة الإقلیم السعي الجدي في التخفيف من الاعباء التي تتحملها ميزانية حکومة الإقلیم نتيجة استمرار دعمها للمشاريع والشركات التي اثبتت التجربة عدم جدواها اقتصادياً، وتوجيه الإنفاق العام نحو دعم البنى الاساسية والمنشآت الاقتصادية ذات الاهمية الاستراتيجية. علیه تمويل برامج العمل العامة لخلق فرص عمل للشباب وتعزيز المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتقديم الدعم المالي لها وتدريب وتأهيل الشباب للعمل في القطاع الخاص.
ولابد للإصلاح أن یشمل القطاع المالي والمصرفي بهدف إيجاد انظمة مالية ومصرفية سليمة وتنافسية من اجل تعزيز استقرار الاقتصاد الكلي والاسراع في وتيرة النمو الاقتصادي وتمكين الاقتصاد من التكيف مع الصدمات الخارجية. لابد من تقدير العواقب الاقتصادية والاجتماعية والسیاسية من جراء الإصلاحات الإقتصادیة بصورة دقيقة لأن الوضع العام في الإقلیم مازال مثقل باعباء ومخاطر سياسية وأمنية واقتصادية.
وختاماً علی حکومة الإقلیم أن تتعامل وفق إستراتیجیة مدروسة وذکیة مع ثروة كوردستان لإستخدامها كأداة فاعلة من أجل الوصول الی الأهداف المرجوة كالإستقلال ، فالثروة كما یقال تأتي كالسلحفاة وتذهب كالغزال.
الدکتور سامان سوراني



83
رحیل "هلموت شمیدت" المفکر والأوروبي الكبير ورجل الدولة الألماني والمرجعیة السیاسیة


بالأمس رحل عنّا شخص فذ مولود في الثالث والعشرين من ديسمبر/كانون الأول عام 1918 في مدينة هامبورغ عن عمر ناهز الـ ٩٦ سنة. هذا الشخص کان نابع من أحضان أسرة بسيطة ، عاش من أجل السیاسة بعد أن تدرج في مناصب حزبية و سياسية ووصل في عام ١٩٧٤ الی أعلی منصب سياسي في المانیا ألا وهو منصب المستشار ، فصار بعد أستقالة السياسي الإنساني المشهور في الحزب الدیمقراطي الإشتراکي والحاصل علی جائزة نوبل للسلام عام ١٩٧١ فيلي برانت (13 ديسمبر 1913 - 8 أكتوبر 1992) المستشار الخامس لجمهورية ألمانيا الاتحادية حتی عام ١٩٨٢.
هلموت شمیدت الطموح الی الشهرة لا الی السلطة کان صاحب العقل الإقتصادي الأول في بلده وهو صاحب نظريات مستقبلية في السياسة العالمية وأحد رواد الوحدة الأوروبية المسالمة. ترك بصماته الواضحة في تاريخ ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية و ترك خلفه بالأخص ثقافة السیاسة بعد زرعه سیاسة التسامح في المانیا والإنفتاح علی العالم.
في فترة حکمە کان الصراع الإیدیولوجي بين الرأسمالیة والإشتراکیة في أوجه ، تمکن هو بحنکته السیاسیة أن یبرز قدرته في التفاوض وإیجاد حلول سلمیة للصراع الدائر بین الشرق والغرب أیام الحرب الباردة.
کان هذا القيادي الاشتراكي الديموقراطي السابق  مفرطاً في التدخين إلا أنە بقی رجل المواقف الصعبة، ففي كارثة فيضان هامبورغ في فيبرایر ١٩٦٢ استطاع کوزير للداخلية بخبرته الاقتصادية والسياسية والعسکرية أن يلعب دوراً هاماً في عملية الإنقاذ وتلافي أثار الكارثة التي هددت حياة ما يقارب ثلاثمائة ألف شخص.
في فترة حکمه واجهت المانیا أزمات أمنیة كبيرة ، منها بروز جماعة أطلقت علی نفسها "جماعة الجیش الأحمر" ، کانت تعرف أیضا بمجموعة بادر ماینهوف ، إحدى أبرز وأنشط الجماعات اليسارية المسلحة بألمانيا الغربية ما بعد الحرب وکانت تسمی تلك الفترة بـ"الخريف الألماني". وقد أستطاع هو بحکم فطنته السیاسیة الخروج من أزمة السبعینیات بذكاء و بأقل خسارة وقد أعلن هو عن عزمه في التنحي عن منصبه فيما إذا أخفقت جهود حكومته في حلّ أزمة اختطاف طائرة تابعة للخطوط الجوية الألمانية لوفتهانزا من قبل إحدى الفصائل الفلسطينية والتي هبط بها في مطار مقديشو عام ١٩٧٧.
إنسحب هلموت شمیدت قبل ثلاثة عقود من السیاسة ، لکنه كان خير مساهم في النقاشات السیاسیة والثقافية علی المستویین الأوروبي والعالمي.
هنا بعض من أفکاره مستقاة من خطاب لە القاه بتاريخ 2012.09.22 بمناسبة تكريمه لحصوله علی جائزة ويستفاليا الألمانية للسلام:
"الألمان فهموا أخيراً بأنهم أوروبيين ولا يجوز لهم الرجوع الى  اللعبة القديمة، أي لعبة ميزان القوى  في أوروبا، بل عليهم أيّاً كانت النوايا والاستراتيجيات العمل بجدية في إستخلاص النتائج الإيجابية اللازمة من تجارب القرون الأربعة الماضية، وهي كما يلي:
أولاً: تجارب التاريخ علّمت الأمم الأوروبية وبالأخص قياداتها، بأن نتائج كل المحاولات السابقة في بناء قوة مركزية أحادي القطب في أوربا كانت فاشلة، لذا لا يمكن أن يكون نصيب المحاولات المستقبلية في هذا الأمر غير الفشل. والمساعي الرامية من قبل الأتحاد الأوروبي لتعزيز قدرته في مجالات السياسة الخارجية، الإقتصادية ، المالية والأمنية عن طريق عقد معاهدات وسن قوانين تبقى  دون فرصة كبير.
 ثانياً: على  الألمان أن يتذكروا في هذه الحالة كل من ونستون تشرشل، شارل ديغول، جورج مارشال، هنري ترومان وجورج بوش الأب لتسديد ما عليهم، لأن هؤلاء كانوا رجال دولة وقاموا بمساعدة الألمان في ظروفهم الصعبة. وهذا يعني أن على  الألمان أن يدعموا الإتحاد الأوروبي بجدية وتكون مبادراتهم في سبيله هي الأولى . فالمادة 23، فقرة1 من الدستور الألماني تبسط الطريق لهذا الأمر، لأنها تسمح بالتعمق والإعتصام بحبل الإندماج  بالطبع يحتاج تبنّي هذا المشروع الى  أموال طائلة وعلى  الألمان البدء به، وإلا كيف تمكنت دولة المانيا الإتحادية بأن تكون المستفيد الرئيسي من قضية الإندماج الأوروبي؟     
ثالثاً: بغض النظر عن الدروس المستخلصة من تجارب القرون الماضية، يجب أن لا يكون الألمان سبب ولادة الجمود والتراجع أو إضمحلال مشروع الإتحاد الأوروبي. فالدول في القارات الأخرى  تنتظر بفارغ الصبر كي يتصرف هذا الإتحاد أخيراً بصوت وحدوي وهذا يحتاج الى الإرادة الكاملة للعمل المشترك مع الفرنسيين والإرادة في العمل مع البولنديين بجدية أكثر. والإرادة في التعاون مع دول الأخرى  الجوار تعتبر من الضروريات. فالألمان تغيّروا من حيث علاقاتهم بالعالم وتعلموا من ماضيهم. فهم يستطيعون إثبات ذلك بعد دراسة العواقب عن كثب وبإمعان بعيداً عن الاطروحات الطوباوي.
 ومن البديهي بأن القارة القديمة تعيش اليوم صراع فكري، كما تشهد المناقشات الخصبة والسجالات الصاخبة حول القضايا الأوروبية المطروحة والأزمات الإقتصادية في بعض بلدانها، لكن كل ذلك لا ينقص من الحقيقة بإن تلك المجتمعات قامت بتغيير عدتها الفكرية ومهماتها الوجودية وعملت بشكل مثابر على إختلافاتها وحولّت فكرة الإتحاد الأوروبي الى واقع تداولي معاش  أثّر في الحياة اليومية لجميع الناس وتجسّد ذلك بشكل خاص في العملة الموحدة، التي تسمى اليورو."
لقد بقی هذا الرجل رغم صراحته الموجعه‌ لخصومه دیمقراطياً الی آخر نفس من سیکارته. ألف شميت نحو ثلاثين كتاباً وكان ناشراً (1983) ثم مديراً (1985- 1989) لصحيفة "Die Zeit" الأسبوعية الألمانية.
وختاما نقول: "هناك شيئين يفعلهما العظماء دائماً، وهو أنهم يُقررون ما يُريدون ثمّ يفعلوا ما يرُيدون، لأنهم يُدركون أهمية حياتهم على كوكب الأرض وأنّ لديهم رسالة خالدة لإسعاد أنفسهم والبشرية كلّها."
الدكتور سامان سوراني

84
إقلیم كوردستان وضرورة الإصلاح السياسي
 

بما أن الإصلاح السياسي هو عکس مفهوم الثورة ويعني تعدیل غير جذري في شکل الحکم أو العلاقات الإجتماعية دون المساس بأسسها ، أي العمل علی تحسين النظام السياسي الإجتماعي القائم ، دون المساس بأسس هذا النظام ، يری بعض المنظرين أمثال الأميركي المعروف صاموئیل هانتغنتون صاحب أطروحة صِدام الحضارات بأن الإصلاح السیاسي ليس إلا "تغيير في القيم وأنماط السلوك التقليدية ، وتوسيع نطاق الولاء ليصل أخيراً إلى الأمة ، أساس هذا الإصلاح هو العمل علی عقلنة الحياة العامة وعقلنة البنى في السلطة وتعزيز التنظيمات المتخصصة ، وإعتماد مقاييس الكفاءة." بموجب هذا التعريف يعني الإصلاح السياسي إذن تطوير كفاءة وفاعلية النظام السياسي في بيئته المحيطة داخلياً وإقليمياً ودولياً.
عملية الإصلاح السياسي يجب أن يمس جوانب عديدة و إيجابية للنظام لإعادة هیکلته عن طريق خلق فاعلين جدد ویجب أن يتم بموازاة مع التغيير الحاصل في المجتمع. إذا أردنا أن نبني دیمقراطية تشارکية حقيقية ، یتحول فیە المجتمع الکوردستاني الی إقلیم القانون وليقوم أعضاءه بواجباتهم ویتمتعون بحقوقهم، فما علینا إلا إحضار الإصلاح السياسي ، ففي غيابه لایمکننا التطرق عن إصلاح اقتصادي واجتماعي وتنمية اقتصادية ، بإعتباره جزء جوهري في الإصلاح الشامل.     
المجتمع الذي يسعی الی تعدیل واقع نظامه السياسي لینتقل من مرحلة مقيدة ببنی تقليدیة نحو مرحلة تؤمن ببنی محدثة لمواکبة العصر ومتغيراته من مضامین تدفع نحو الحرية المستندة الی الإختیار کأساس الدیمقراطية وجوهرها الحقيقي ، يحتاج الی مؤسسات تخضع الی معاییر قانونیة تحکم عملها بمنأی عن الجمود والشخصانية والتحكم أو التسلط. إن وجود المعیار القانوني ضروري لفهم المطالب والقدرة على إدراك التوقعات التي يحدثها الإصلاح، وفي ظل غیابە ینهار النظام السياسي أو يتعرض لحالات انعدام الاستقرار السياسي.
الشرعیة السياسية تبدأ من حیث مراعاة المتطلبات والاحتياجات المادية والمعنوية للمكونات الاجتماعية بعد الوصول الی تطابق قيم النظام السياسي مع قيم الناس وإلا ما الجدوی من الإصلاح.
إن بناء المواطنة القانوني المرتبط بالإنتماء الی إقلیم كوردستان والولاء لنظام الحکم فیه يبدأ بخلق ربط المواطن بالإقلیم من خلال قنوات تواصل تلبي الاحتياجات والمتطلبات السياسية والاقتصادية.
الإصلاح السياسي في الإقلیم يجب أن يكون ذاتياً من الداخل شاملاً لمختلف مناحي الحياة السياسية "البنّوية والتشريعية" وينحى منحى التدرج والشفافية ويركز فيه على المضمون "الجوهر" وليس الشكل.
فالإنفتاح الكامل علی الشعب الكوردستاني في كل السياسات والممارسات ، لإبداء الرأي بتلك السياسات هو من أهم الخطوات نحو الديمقراطية ، بە يولد الشفافية والمساءلة.
نحن اليوم أحوج مانکون الی القيام بإصلاحات شاملة في بنیة الواقع الكوردستاني وذلك لتجسيد روح المواطنة واشاعة العدل والمساواة بين مواطني كوردستان دون تمايز. علینا استئصال الفوارق القائمة على اساس الانتماءات الحزبية او القومية او الدينية او الطائفية او العشائرية. لقد سارت عجلة التحديث والتطوير في كوردستان بسبب الظروف السياسية المفروضة علیه ببطء. إن بلوغ الغایات والأهداف التي من أجلها ناضلنا مایقارب قرن من الزمان يفرض علینا أن نفعل قدرتنا علی التوحد والتنسيق المشترك  لإغتنام الفرصة التاريخية والفرص السانحة لتغيير فعلي ونقلة نوعية في حیاة شعب الإقلیم وإعادة صياغة الإنسان الكوردستاني  على اسس حديثة تستجيب للقيم الحضارية الانسانية التي تعتمد العقلانية والمنهجية والعلاقات الانسانية بين ابناء المجتمع.
علی الأحزاب الكوردستانیة التي تشکل الخارطة السياسية العمل علی إنهاء الإنقسامات والشروخات في المجتمع والسعي نحو مغادرة أفكار التجزئة والتشرذم بما يقوي حب الإقلیم ويعزز الخطاب الكوردستاني لتنمية الوعي الكوردستاني بعد أن عانی هذا الوعي التسلط والإرهاب والمحاربة الدائمة لأكثر من ثلاثة عقود من قبل النظام الدیکتاتوري البعثي المقبور.
علیها نشر ثقافة الدیمقراطية بين أفراد المجتمع الكوردستاني والتي تعني احترام آراء الاخرين  وحقوقهم في التعبير عنها في اطار من المساواة والتكافؤ ومکافحة العصبية کرابطة إجتماعیة سیکولوجیة ، شعورية ولاشعورية وعلی الأحزاب السياسية الفاعلة أن تتخلی عن السعي الی دفع المجتمع الكوردستاني نحو خضم صراعات ومواجهات تضعف قدراته على مواجهة التحديات الجسیمة كحربنا ضد التنظيم الإرهابي الدولي داعش والتصدي للعوامل الأخری المؤخرة لتقدمه وتطوره. التنمية لا تحصل بالتمني بل لابد من أن تتوفر الإرادة لدی الجهات المسؤولة لإصلاح الوضع الراهن و لابد من أن تتضافر الجهود للنهوض بالمجتمع إلی مکانة تقتضيها طبيعة العصر الحديث.
وختاماً نقول: "لإجتیاز إمتحان المعرفة والديموقراطية والتنمية ماعلینا إلا أن نمارس هويات عابرة وأن نتعامل مع معدننا كتراث لا كمتراس وأن نتصرف على مستوى إقلیمنا الکوردستاني لكي تكون هويتنا عابرة منتجة مبدعة خلاقة حتى نتمكن من المساهمة فى منجزات الحضارة الحديثة."
الدکتور سامان سوراني


85
داعش وإرهاب الجماعات الإسلامية الظلامية المجرمة

تشهد باريس اليوم حضوراً كبيراً لرؤساء دول وحكومات العالم ومنها حکومة إقليم كوردستان، للمشاركة إلى جانب الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في "المسيرة الجمهورية" للتنديد بالهجمات الإرهابية التي شهدتها فرنسا في الأيام الأخيرة والتي خلفت 17 قتيلاً.
فالعملية الإرهابية التي قادها جماعة إسلامية متطرفة علی مقر الصحيفة الأسبوعية الساخرة ذات التوجه اليساري في السابع من كانون الثاني ٢٠١٥ والتي أودت بحياة ثمانية من الصحفيين ورجل إقتصاد واحد و إثنين من الحراسة الخاص والإستقبال ورجل من الأمن وجرح عشرة آخرين ، كانت بداية دموية مفجعة، إنها هجوم علی حرية التعبير في مجتمع مفتوح.
أما عوائل الضحايا وكذلك الصحفيين والكتاب والفنانين المناضلين بفكرهم من أجل إعلاء الكلمة الحرة هم اليوم بأشد الحاجة الی دعمنا ومساندتنا.
هذه العمليات الجبانة هي ثمرة العنصرية والنرجسية الدينية المقيتة ونتاج تحجر عقلية الأصولية الجهادية أمام جدلية الفكر ودلیل قاطع علی الضحالة الثقافية والخواء الفكري لديهم في عدم تمكنهم بالرد علی الأفكار الحرة بالمنطق الأرسطي أو البراغماتي وآليات العقل.
نحن نعرف بأن العقلية السلفية الجهادية تعيش بیننا وفي مجتمعنا وهي ترفع شعار: "أنا أو الطوفان، أنا أو أحرق الأخضر واليابس". ولغرض كسب الحرب ضد لذا ومن أجل القضاء علی بذور الإرهاب وضمان تأمين العالم من التدمير والتخريب نطالب من الحكومات والأحزاب والمؤسسات المؤمنة بالديمقراطية وحقوق الإنسان القیام بالتنسيق بینهم لمحاربة الإرهاب الذي اصبح خطره لا يكمن فقط في منطقة واحدة بل في العالم أجمع ونطالب تلك الجهات أيضاً العمل بجد في مكافحة جميع أنواع الخطابات الدينية التحريضية ، التي تولد العقل التكفيري الإرهابي. فوباء الإرهاب في عصر الطفرة المعلوماتية خطير جداً فهو اليوم ظاهرة دولية يعبر بسرعة الضوء من مكان الی آخر. إن بشاعة العمليات الإرهابية الجديدة تزداد و تتصاد في كل مرة كماً ونوعاً ، كالعملية الهمجية التي قام بها الطالبانيون (طلاب العلوم الدينية) ، أصحاب الهويات المفخخة والمشاريع المستحيلة في كانون الأول من عام ٢٠١٤ في مدرسة باكستانیة ، راح ضحيتها أكثر من 140 تلميذاً. قتلوا برصاصة في الرأس.
التعليم الديني ، الذي أقتصر علی نشر فنون الحجب والخداع والنفاق والزيف ، أنجب المنظمات السياسية والجهادية ، تلك التي اتخذت من الإسلام عنواناً لعملها بهاجس الوصول إلى السلطة والمحافظة عليها بأي ثمن ، بعد طعن المقدسات والخروج على الثوابت وكان الحصاد هذا العنف وهذا القتل وهذا الدمار.
التاريخ يقول لنا بأن الأديان تأسست علی عنف رمزي إلهي أو قدسي ، أصحابها مارسوها كحد أو رادع ، كتقی أو تحريم أو تسليم ، لکن أصحابها اليوم يمارسون عنفاً فاحشاً ، ينتهكون من خلاله كل الحرمات والحدود والقيم ، كما تشهد حروب آلهة داعش بجنونها وفضاعتها وذبحبها الأبرياء من علی الشاشة بإسم الدين. نسأل أنفسنا ، كيف تبقی ثقتنا بالأديان كمرجع للمعنی؟
شعب كوردستان يقف اليوم مع حکومة فرنسا ويدين هذا العمل اللاإنساني الجبان. أما قواته من البيشمركة الشجاعة ، فهي تمارِس دوراً بطولياً رائعاً جدّاً ونموذجاً تاريخياً عالياً في حربها نیابة عن المجتمع الدولي ضد التنظيم الوحشي المسمی بداعش ، المنتج بدولته المبنية علی الدمار والقمع والتهجير والتنکيل والسبي والإغتصاب وقتل كل من يخالفهم الرأي والمعتقد، أكانوا مسلمين أو غير مسلمين للتخلف والإستبداد والفقر والفكر الإرهابي.
وختاماً: لقد خرج التنين الديني والمذهبي بنزعته التدميرية من دهاليز الذاكرة وكواليس الوعي ، فأنفجر عنفاً وتخريباً ، فلكي لايتحول الدين الی فایروس قاتل والأصولية الی جرثومة مضرّة ولكي لا يغرق الشرق الأوسط  في السكونية المطلقة أو يتحرك عکس حركة الزمن والتاريخ ، علینا محاربة الفكر الأصولي الجهادي أينما كان ونبذ العقلية الإصطفائية القديمة ومنطق التقديس و عبادة الأصول والنصوص وعلينا العمل الجاد علی تطوير مفاهيم المشترك العمومي أو العالمي بين الناس، سواء على مستوى مجتمع معين أو العالم بمجموعه ، فلا مجال في هذا العالم المعولم للتمترس وراء الهويات المغلقة أو الجامدة.
الدكتور سامان سوراني

86
إقليم كوردستان بعد إنهيار الدولة الإسلامية في العراق والشام

صناعة الخراب الذي يتباكی الآن علی أنقاضه من أسهموا في إنتاجه بعقول ملغمة ومسلمات عمياء و توجّهات مقلوبة تتحول بعد الإنتصارات النوعية والمتتالية لقوات البيشمرگة الكوردستانية في أكثر من مكان علی ميليشيات الدولة الإسلامية ، عبدة الأقانيم الوهمية المقدسة ، الی عملة قديمة بعد أن كانت قبل فترة وجيزة أداة للقهر والإستبداد والإرهاب والإستئصال. الكوردستانيون أثبتوا بأن تنظيم داعش ليس غولاً، بل تحدٍّ يمكن لقوات البيشمرگة التصدي له.
هذا التنظيم الذي صار سبب في زعزعة الإستقرار في مناطق واسعة من الشرق الأوسط بتهديها علی كل من سوريا والعراق ولبنان والأردن وأماكن أخری جذب في الماضي آلاف المقاتلين من الغرب الذين إستمدوا وحيهم من الدولة الإسلامية والذين سوف يكونون بعد هزائمهم في كوردستان مصدر تهديد لبلدانهم بعد عودتهم الیها.
نحن مع الرأي القائل بأن الإرهاب سيستمر ، لذا يجب العمل علی إستراتيجية طويلة الأمد لتحديد خطورتها والتصدي لمخططاتها أينما نشأت.
إقليم كوردستان يمارس اليوم مجموعة من الأدوات السياسية بطريقة تكمل بعضها البعض  من أجل خلق الظروف المؤاتية لإرساء الأمن والإستقرار في المنطقة ويشارك بشكل فعال في صياغة إستراجية لتغيير وإضعاف الديناميات التي تنشط المد الإرهابي . ولإعاقة تدفق المقاتلين من مناطق الحرب مع داعش واليها يجب إستهداف الممولين والميسرين والوقوف ضد التحدي الذي يخلقه التنظيم والمؤدي إلى تسرّب عدم الاستقرار عبر الحدود الإقليمية. أما فيما يخص ملاحقة وضرب هذا التنظيم في خارج حدود كوردستان ومكافحة دفع الشباب إلى الأصولية فهذا أمر يحتاج الی التعاون مع الدول المحاذية لكوردستان والتحالف الدولي الداعم للعمليات العسكرية الكوردية.
إن صناعة الموت بإسم الإسلام والقومية هو ماقام به داعش بغزواتە وحروبە وممارساتە الإرهابية ومذابحه الجماعية في الكثير من المناطق الكوردستانية وهو ما أثبت بأن الإنسانية التي يدعونها توّلد الفقر والتفاوت والإستبداد ، بقدر ماتولد النزاع والعنف والإختلاف الوحشي.
العنف الذي أصدمنا بإرهابه ورعبه وقتله وتخريبه ليس مجرد تجسيد لصدام الثقافات ، أو مجرد تعبير عن فشل المجتمعات الإسلامية في ممارشن الديمقراطية والتحديث ، ولا الفاعلون هم مجرد حفنة من الإرهابيين يهددون مصير الشرق والغرب. إنها معضلة إنسانية ، التي باتت عاجزة عن معالجة دائها الأعظم ومشكلة المسلم الحداثي مع نفسه. المسلم الذي لايتعلم من أخطاءه ولايحسن صنع حياته أو إختراع مستقبله. فجذور العنف الداعشي يتجسد في نماذج الثقافة وقيمها وفي مسبقات الفكر ومؤسساته ، إنه يكمن في منطق المطابقة التامة وديكتاتورية الحقيقة النهائية  وفي الحقول المفخخة بالتصنيفات العنصرية والمفاضلات الإصطفائية وكذلك في الخطابات الملغمة من منابر المساجد الملغمة بالإدعاءات المثالية والمزاعم اللاإنسانية. وفوضى الديموقراطية المعبّرة عن مصالح ضيقة والمسيّرة من القوى الخارجية، المتنازعة أصلاً، يجب أن تزول ، كي لا تسمح لنمو العقل الداعشي ، لإن الإحساس بالإحباط يدفع الفرد نحو العـودة إلى صـورة سلفيّة أسطـوريّة مغلـقة من الدين. علی الإقليم الإستمرار في سياسة تعزيز أسس المساواة الفرديّة والاجتماعيّة، أي المواطنة المتساوية والعدالة في التوزيع، وحتّى بعض أسس الإنسانيّة الشاملة.
ويجب التحضير لمرحلة ما بعد إنهيار الدولة الإسلامية والعمل علی تشجيع إيقاف خروج جيل من المتطرفين أكثر وحشية وبربريةً من خلال عدم تهميش التطرف في الإقليم والمناطق الكوردستانية الأخری.
لقد خلق داعش عقل إرهابي مبني  علی الفوضوية وحوّل هذا العقل من مرحلة التنظيم الشبكي المبني على مرجعية شرعية مستقرة نسبياً ترفع شعارات ذات طابع ديني الی مرحلة الإنفصال والإستقلالية المحلية وخرج هذا التنظيم بفعله عن السيطرة الرمزية للمنظرين، الذين لم يكونوا أيضاً معتدلين في الفكر أو منطقيين في تزوير المفاهيم الدينية ، وتحول دولته الإسلامية بخروجها إلى ما يشبه الميليشيات أو عصابات من المرتزقة الخارجة عن القانون.
هذا الخروج يصعب علينا التنبؤ بخطوات العقل الإرهابي القادمة وحدود العنف الوحشي الذي قد يبذره في المنطقة ،  حيث لا قيود ولا شروط ولا انتظار لرؤية شرعية ولا تأييد من قبل المتعاطفين في الخارج. مع كل ذلك علينا العمل علی تغيير "الفكرة العنفية المسيطرة" لتغيير الواقع واستبداله بواقع متخيّل يراد تحقيقه على الأرض قسراً.
وختاماً: مشروع الدولة الإسلامية فقد مصداقيته علی أرض الواقع وفي ضوء التجارب المدمرة. فهذه هي مصائره علی إختلاف نسخه ومنظماته التي تشهد علی أهله، يعني تحويل الفكرة الی مؤسسة للقتل والذبح والترهيب والهوية الی محمية فاشية عنصرية والخلافة الی إستراتيجية قاتلة وكلمة "لا إله إلا الله" الی فتن وحروب ودمار ووحشية.
الدكتور سامان سوراني



87
فلسفة داعش وإنتقال العالم العربي من التاريخ الی ماقبل التاريخ

بالرغم من أن هناك أسئلة كبيرة يمکن للإنسان أن يطرحها علی نفسه اليوم كالسٶال عن الإنسان والوجود والمجتمع الی أين ، إلا أن السٶال الأهم يبقی كما هو ، نحن نعيش اليوم إنفجارات  وتحولات جذرية متسارعة وثورات وصدمات متلاحقة علی كافة الأصعدة منها الحضارية والتقنية والثقافية أو المعرفية والسياسية والإجتماعية ، أما يحدث ويتشكل هو عکس الإدعاءات ، فاليقينيات تنهار والمثاليات تبتلع والأمر يخلق وعياً حاداً بوجود أزمة تطال أشكال المشروعية الخلقية بقدر ما تشمل مختلف مناحي الحياة ، لماذا سقوط مجتمعات العالم العربي في إمتحان الفردية والمواطنة والديمقراطية والمجتمع المدني وتراجعها عما كانت علیه قبل عقود ، بالرغم الدساتیر والقوانين والأنظمة ذات المسميات الجمهورية أو الديمقراطية؟
الدولة الإسلامية في العراق والشام أو مايسمی بـ"داعش" الحاملة نواتها أيديولوجية فاشية دينية هو تعبير عن الأزمات القصوی في الوقت الحاضر ، تضافرت فيها عوامل داخلية وخارجية كثيرة. وهي تعبير عن معاني كثيرة وإرث كبير وواقع سياسي وعسكري موجود في شتی مجالات الحياة بعد فهم الواجب بشكل معكوس و بطريقة مقلوبة وبعد التظاهر بمثاليات وقيم قد تنطبق علی أي شخص إلا هم. داعش كمشکلة كانت موجودة في التاريخ ولايزال وإن لم تكن متبلورة تحت هذا المسمی.
ففي الغرب تمكن العقل الغربي من إحداث ثورة في البنية التحتية للفكر فشهد عصر الميتافيزيقيا و عصر فلسفات العلوم و عاش الحداثة و مابعدها وهو الآن يسعی الی الحفاظ علی الوجود بعد أن صرف وقتاً في دراسته وهكذا تمكن من الإنتقال من الكليات والمطلق البحت الی جمع الأجزاء في إطار كلي واحد.
أما في العالم العربي فنری العقل العربي المتقوقع في عصور الخرافة  وزمن إغتيال الفلسفة بإسم الدين والسياسة خوفاً من النقد والحرية ، الكامن في الجزئیات الشيطانية ، يطلّق التأمل ويهجر التفكير وهكذا تغيب الأسئلة الكبرى عند هذا العقل وهو في حالة اندهاش دائم.
فالمنتمي الی العقلية الداعشية لايعترف بحدود لمكان وتاريخ لزمان وقدسية لأحد ، يسقط الكل تحت المطرقة ولا كرامة لأحد عنده. مذاق المٶسسة الدينية الداعشية ، إن كانت هناك مٶسسة ، يولّد إيديولوجيات مقفلة مناسبة لهوس الزعيم الأوحد ، الخليفة ، الساعي الی تهديد السلام العالمي وتخريب العمران البشري. فجرثومة داعش الإصطفائية تصنع اليوم كل الكوارث والممارسات البربرية.
صحيح بأن الانسان لا يولد داعشياً بالفطرة ، فالفطرة السليمة تتنافى مع مفاهيم وسلوكيات داعش، وأن ظاهرة داعش ظاهرة مؤقتة تصل الى ذروتها  لتنتهي في الهاوية ، لکن ظهور داعش هيأ بيئة خصبة لكل مأزوم نفسي وكل حاقد وسادي ومتنطع يحب البروز وكل منبوذ اجتماعي وكل فاشل في حياته ، يری في التنظيم فرصة ليعوض تكرار فشله وإختيار هذا الطريق، وصار هذا الظهور مكة لزیارة الذين عانوا أزمات الهوية والانتماء والثقافة والتهميش الاقتصادي والفقر. أما الحركات السلفية بدعواتها الی الجهاد القائم علی العنف فهي الأخری شكلت من جابنها أرضية حاضنة للجهادية التكفيرية.
في العالم العربي لاوجود للعمل الدائم علی الإنتماءات والقيود والضغوط لتحسين شروط الوجود أو تغير ظروف العيش ، لأن ذلك يحتاج الی كسر منطق الفرديات المنعزلة والجماعات المغلقة والهويات المتوحدة أو الذوات الوحدانية ، فمنذ زمن بعيد ولی مسألة الخيار بين الفردنة والجمعنة ، أي بين التوحد مع الذات والذوبان في الجماعة.
وختاماً نقول: كفاكم الأمل بحل إسلامي بعد حروب الجوامع ومراقد الأنبياء وغزوات لهتك العروض وقتل الأبرياء، التي فضحت هذا المشروع الكاذب وعلی العالم العربي المنتقل الی ماقبل التاريخ الإعتراف بالواقع ، إذا أرادت أن تبقی في التاريخ ، التشخيص والإعتراف والتعقل والتدبر. ففي ضوء تجارب داعش المريرة والمدمرة فقدت المشاریع الإسلامية مصداقيتها علی أرض الواقع ، لأن دعوتهم كما نعیشها اليوم أصبحت إستراتيجية قاتلة و كلمة "لا إله إلا الله" الجامعة الی غزوات وفتن أهلية وخلافات وحشية ودمار شامل والصحوة الی عتمة دامسة والهوية الی محمية عنصرية شوفينية.
الدكتور سامان سوراني

88
باتريك موديانو بين البحث عن الهوية وفقدان الأمل

الروائي العالمي باتريك موديانو (Patrick Modiano) المولود عام ١٩٤٥ في بولون- بیانكور الواقعة في شمال فرنسا ، الذي يعد أهم كاتب فرنسي منذ التسعينيات القرن الماضي وحتی الآن والذي حصل علی العديد من الجوائز الأدبية القيمة داخل وخارج فرنسا يحصل اليوم علی جائزة نوبل للآداب. فضاءات ومسارح أعمال هذا الروائي هي باريس مكة الحب بشوارعها وحاناتها وحدائقها ومواصلاتها فهي إحدى أكبر مراكز الفن في العالم الحاضنة لبرج إيفل وقوس النصر ومتحف اللوفر وقصر فيرساي ، التي كانت المقر الرئیسي للثورة الفرنسية.
حياته نسيج من أنين الذات وخيال كثير الظل يبحث فیها زمنياً عن سيرته الشخصية الشبه قاتمة والمضطربة وخاصة في فترة طفولتە ومراهقته ومكانياً عن باريس ، باريس الستینات من القرن الماضي ، حيث العتمة السياسية والأمنية. يمکن هنا أن نقول بأن طيف والده الإيطالي من أصول يهودية والذي كان مشتبها به في قضية إضطهاد اليهود في فترة فرنسا الفيشية (١٩٤٠-١٩٤٤) ، الحكومة العميلة للنازية ، قد وسم سيرته الشخصية. كان الوالد يعيش بسبب هذه التهمة في نوع من الإختفاء والهروب المستمر ، الی أن مات بطريقة غامضة لم يعلن بعد ذلك مكان دفنه. وغياب الوالد كان يعني لباتريك غياب الأم لويزا كولبن ، الممثلة من أصول بلجيكية ، أيضاً.
قطع باتريك علاقته بوالده في سن السابعة عشرة ولازم شقيقه الصغير رودي ، الذي مات وهو في العاشرة من عمره وكان لموته أثر شديد علی نفسه. عاش طفولته ما بين الجدة ، والمربيات، وصديقات الوالدة، والمدارس الداخلية و نشأ مفتقداً العاطفة والحضن العائلي. إذن طفولته ومراهقته وحياته كانت مليئة بالحزن والتفرد. وهو القائل بأن الحياة عبارة عن باقة من الصور القديمة في صندوق الذاكرة.
نشر موديانو خلال السنوات الأربعين الماضية قرابة عشرين رواية منها "سيرك يمر، محلب الربيع، بعيداً عن النسيان، مجهولون، الجوهرة الصغيرة، حادث مرير، مسألة نسب، وفى مقهى الشباب" وغيرها من الروايات. ترجمت الكثير منها الی ٣٦ لغة ومنها أربعة روايات "شارع الحوانيت المعتمة، مقهی الشباب الضائع ، مجهولات ، الأفق" ترجمت الی العربية. 
التوحد ، التوحش ، الإنغلاق النفسي ، الحب الضائع، فقدان الذاكرة ، ضياع ، جنوح ، ألم، البحث عن الجذور والهوية ، إخفاء الإسم والهوية ، العذابات الشخصية ، الماضي ، الحرب ، المطاردة ، البحث عن الأماكن والساحات التاريخية منها والحاضرة ، النبش في الماضي والصور لإعادة تركيبها في مشروع عبثي يهدف الى معاودة رسم الحياة هي المواضيع الرئيسية في روايات هذا الكاتب العظيم. إنها معالجة فنية رائعة لفترة الأربعينات من القرن الماضي وأحداث الحرب العالمية الثانية بأبعادها الاجتماعية وتأثيراتها العبثية والفوضوية.
عالم باتريك موديانو حقاً رائع وكتبه حسب قول بيتر إنغلند السكرتير الدائم للأكاديمية السويدية "تتحاور بعضاً مع بعض ، حيث تتكرر فيها مواضيع الهوية وفقدان الأمل". أما نزعته الروائية فهي تميل الى الشك اصلاً في هوية الكائن والافراد والسعي الی البحث عن الهوية المفقودة والمنسية.
أما لجنة جائزة نوبل للآداب في ستوكهولم فقد أعلنت بأن باتريك موديانو استحق الجائزة بفضل "تمكنه من فن الذاكرة وإنتاجه أعمالاً تعالج المصائر البشرية العصية على الفهم ، وكشف العوالم الخفية للاحتلال". صوت الذاكرة عنده يعلو فوق كل الأصوات ، صوت تغوص في التاريخ والسوسيولوجيا والتحليل النفسي  ، لذا يلقب وبحق بمارسيل بروست (١٨٧١-١٩٢٢) العصر ، الباحث عن الزمن المفقود. بحصوله علی هذا التتويج العالمي تمكن موديانو من تسجيل الفوز رقم 15 لبلاده بنوبل في مجال الأدب.
الدكتور سامان سوراني


89
صفحة جديدة من العلاقات الخارجية بين كوردستان والعالم الغربي

بما أن السياسة الخارجية هي المفتاح الرئیسي في العملية التي تترجم بها الدولة أهدافها المدركة الواسعة ومصالحها في الفعل الصحيح لتحقيق هذه الأهداف والحفاظ علی تلك المصالح ، فالسياسة الخارجية هي جزء من السياسة الوطنية. أما الدولة فيجب أن تختار ماينبغي علیها أن تقوم به فیما يخص الشٶون الدولية وفي إطار حدود قوتها و واقع بیئتها الخارجية.
حكومة إقليم كردستان نجحت في السنوات الأخيرة بصورة فائقة وبخلاف توقعات الكثير من النقاد المحليين والغربيين وفي خضم الفوضى التي يغرق فيها العراق و سوريا والمنطقة برمتها في تكوين واحة آمنة ومنطقة سلمية ديمقراطية مزدهرة اقتصادياً ومستقرة سياسياً بالمقارنة مع غيرها في تلك البقعة ذات التقلبات المتزايدة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ورغم كل المحاولات الدنیئة لحكومة بغداد تحت إمرة رئیسها السابق نوري المالكي في إيقاف هذا الإزدهار الإقتصادي وصعود خطر ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية بعد استيلاءه على مساحة واسعة من الأراضي العراقية وهجومه علی كوردستان لهدم التجربة الديمقراطية اليانعة فيە أو لتحطيم الإنجاز المثالي لحکومة الإقليم ، التي تحتضن اليوم ، رغم الحصار الإقتصادي الظالم علیها من قبل حكومة بغداد ، أكثر من مليون ونصف المليون لاجيء من النازحين والمضطهدين من مناطق العراق و من سوريا وهم من أعراق وأديان و مذاهب مختلفة ، وهذا مثال يجب أن يحتذی به في المنطقة ويستحق كل الثناء والتقدير من الداخل والخارج.
فالقيم التي يٶمن بها حكومة إقليم كوردستان كالتسامح و الديمقراطية و التعايش السلمي المشترك هي تلك القيم التي يٶمن بها المجتمعات المتحضرة ومن هذا المنطلق قامت قوات البيشمرگە ونيابة عن العالم بأسره بالتصدي لهجوم وإرهاب مسلحي تنظيم (داعش) ، أحدی أخطر وأقوی وأغنی التنظيمات الإرهابية العالمية وردعهم عن المساس بأمن وحرية كوردستان.
هذا الصمود وهذه الإرادة الصارمة و الحكيمة لدی القيادة الكوردستانية أدت الی تسارع الدول الديمقراطية العريقة وبهدف حماية الأمن الجماعي والسلم الدولي الى نجدة الشعب الكوردستاني وقوات البيشمرگە في صراعه الدامي مع التنظيم الإرهابي المسمی بالدولة الإسلامية.
داعش ، الذي حشر المنطقة في المأزق الخانق و خلق حالة طارئة إقليمية جعلت المنطقة في غاية التوتر والإضطراب.
أما المجريات فقد فضحت الدعوات و النتائج نقضت المقدمات والوسائل دمرت الغايات و إنفضح مزاعم هذا لاتنظيم الإرهابي في السيادة والسيطرة علی المقدرات والمصائر.
نحن نعرف بأن مصير الشرق الأوسط يتوقف علی نتائج هذا الصراع وأن النصر القريب سيكون للمنطق العقلاني الكوني والمنهج التركيبي التعددي ، الذي يمارسه حكومة إقليم كوردستان. أما الدعم الدولي للإقليم فهو أيضاً من أجل إثبات أنّ بناء مجتمع مستقر، حتى وسط منطقة ينعدم فيها الاستقرار إلى حد كبير، أمرٌ ممكن.
النظام العالمي المعاصر تفسح المجال أكثر من الماضي لتداخل المصالح وتشابكها القائم علی التماييز بين دول كبرى مالكة لقرارها السياسي ومتمتعة بسيادتها ومتحكمة في السياسات الدولية وبين دول صغيرة وضعيفة وغير مالكة لقرارها ولسيادتها ، بالرغم من زوال زمن سيادة الايديولوجيات العالمية أو الأممية ، التي كانت في الماضي شعار إختزل الی مجرد عقيدة لا غير. حکومة إقليم كوردستان المنتهجة لسياسة الإنفتاح والتوازن المرن والمدروس في التعامل مع الجارتين الكبيرتين تركيا وايران مع الحفاظ على استقلالية القرار الكوردستاني  ، استطاعت تأسيس علاقات متعددة الجوانب مع عدد غير قليل من دول العالم والدليل علی مانقولە هو وجود أكثر من 30   ممثلية دبلوماسية في العاصمة أربيل و ١٤ عشر ممثلية للإقليم في العالم و بالأخص في الدول التي تحتضن أكبر عدد من الجالية الكوردستانية كألمانيا والنمسا والسويد وفرنسا وإيطاليا والولایات المتحدة الأمريكية وروسيا والمملکة المتحدة وأستراليا وغيرها من الدول. 
ومن الواضح بأن الأهتمام الدولي المتزايد بأقليم كوردستان الناهض هو بجانب سياسة الباب المفتوح كوسيلة الإتصال وبناء العلاقات مع العالم الخارجي بناءاً علی المنفعة المتبادلة موقعه الجيوستراتيجي في قلب الشرق الأوسط وإمتلاكه لموارد طبيعية ثمينة كالنفط والغاز معادن نادرة أخری.
أما بالنسبة لإتخاذ الولايات المتحدة الأمريکية بتوجيه ضربات جوية فعالة الى مواقع تنظيم داعش الإرهابي بعد أقل من 36 ساعة من هجومهم علی حدود كوردستان دون الرجوع الی قرار مجلس الأمن الدولي فهو رد فعل إنساني أكثر مما هو سياسي بعد أن تعرض الإيزيديون الکورد في مدينة سنجار الی تراجيديا إنسانية وحملة إبادة جماعية لامثيل لها في التاريخ المعاصر وبعد أن قامت وسائل الأعلام الأميركية والرأي العام الأميركي بلفت الأنظار الی الأعمال الوحشية لداعش والضغط علی البيت الأبيض للإسراع في إصدار قرار للحد من تلك الحملة البربرية. وقد حذت ولحسن الحظ دول الأتحاد الأوروبي حذو الولايات المتحدة الأميركية في تقديم الدعم العسكري المباشر لقوات البيشمركة والمساعدة الأنسانية العاجلة لمنكوبي  سنجار.
لقد تمكنت حکومة إقليم كوردستان بممارستها سياسة الإنفتاح علی الخارج عبر المٶسسات الإقليمية والهيئات الدولية ، السلمية والمدنية ، التي تهتم بالدفاع عن حقوق الإنسان ودعم الحريات الديمقراطية ، أن تضع بصمتها علی التغيير الإيجابي الحاصل في علاقاتها الخارجية  وإستطاعت أن تٶمؔن بالديمقراطية آفاق جديدة ‌أمام الفكر السياسي في ميادين الممارسة أفقياً وعمودياً ، داخلياً وخارجياً ، مما يتيح للديمقراطية أن تغني وتتحدؔد أو تتعزؔز وتتطور وتنفتح ، سواء بالإنفتاح علی الفضاء الإجتماعي المحلي أو الخارجي أو عبر المشاركة في المناقشات العالمية وفي الهيئات والمٶسسات الإقليمية والدولية وكل هذا يفتح المجال للتحوؔل نحو ديمقراطية نوعية ، غير منمؔطة ، جديدة وأكثر فاعلية وديناميكية.
وختاماً: "من يعمل في مايخص العلاقة مع الخارج بعقلية التهويل العقائدي ، كما يفعل أصحاب المشاريع القوموية والدينية والشمولية والأصولية في العراق والمنطقة ، الذين يجعلون شغلهم الشاغل ، الثقافي والسياسي ، مهاجمة الغربنة والعولمة والأمركة ، لتغطية فشهلم وإخفاقهم في داخل بلدانهم ، يهرب من التحديات الجسيمة والإستحقاقات الداهـن  ويخلق أعداء في الداخل والخارج ، لكي يحمل علیهم لغة التكفير والتخوين ، أو لكي يحملهم التبعة عن الأخطاء والمساویء أو عن الهزائم والكواث."
الدكتور سامان سوراني 


90
السلفية الجهادية التكفيرية والصمت العربي ونهایة الحضارة الإنسانية
قبل مدة قصيرة تمكنت التنظيم الإرهابي التي خرجت من جلباب القاعدة والمسمی بـ"الدولة الإسلامية" أو "داعش" سابقاً بالإستيلاء علی المشهد العالمي وتداول هذه الظاهرة بشكل لم يسبق له مثيل بعد عرض مجازرها وأعمالها الهمجية والبربرية في العالم السبراني ، منها قطع الرٶوس و هتك الأعراض والقتل الجماعي وتهجير الأقليات والطوائف و سرقة البنوك وإقامة الحدود.
تلك المشاهد والأعمال الإرهابية الحاملة لأفكار السلفية الجهادية التكفيرية تثير عند الإنسان المتحضر القشعريرة والرعب في آن واحد وهذا ما تهدف اليه هذە المجاميع المنظمة والممولة بشكل مادي ومعنوي من جهات داخلية وخارجية لضمان المصالح اللاإنسانية لأطراف تتاجرعلناً بأسم القيم والديانة والحضارة.   
العقل الإرهابي الراديكالي المنتمي الی العصور الوسطی لا يرى في سبيل تحقيق غايته الدنيئة أي حرج في إراقة الدماء ، سواء كان الطرف الآخر أخذ بالإسلام ديناً أم آمن بديانة أخرى.
أما الشخصيات التي ترسم الأفكار في هذا التنظيم فهي تستنسخ آليات التنظيمات الجهادية التي ظهرت بعد الحرب الأفغانية السوفيتية ، ففي إدارة أدوات الإعلام علی مواقع التواصل الإجتماعي يمکن مشاهدة الشبه بين عمل هذا التنظيم و بين تنظيم القاعدة الإرهابي. فهناك إقتباسات لكتب سيد قطب تستخدم لتطويع الواقع ، كتكفير المجتمعات المسلمة بأعتبار أنها تعيش الجاهلية بإرتدادها الی عبادة العباد وإلی جور الأديان والنكوص عن كلمة "لا إله إلا الله" ، هكذا يٶمن المنتمين الی أفكار سيد قطب والتنظيم بأنهم آخر المسلمين وأن كل من على وجه الأرض كافر حتى ولو نطق الشهادة.
هذا التنظيم الغارق في الغلو والتشدد والحاضن للجيل الثالث من السلفية الجهادية التكفيرية لايستطيع أن يدوم في صيغته الحالية "الدولة الإسلامية" ، بل سيسقط بعد الإنتصار العسكري علیه كما سقطت "الإمارة الطالبانية الإسلامية" في أفغانستان بعد معركة طويلة أم قصيرة ، أما الفكرة المدمرة للحركة فسوف تستمر في الخفاء لتختمر و تنتشر في أمكان أخری بعد عقود.
أما ماكنة تفريخ السلفية الجهادية التكفيرية فهي لاتزال تنتج بشكل نشيط وفعؔال. والعناصر الأجنبية التي التحقت كمقاتلين ضمن هذا التنظيم في سوريا تقدؔر بخمسة وعشرين ألف مقاتل ، أتت من بقاع مختلفة من العالم لتولد بإستهداف الإيزديين الكورد والأقليات الأخری صدمة جديدة.
الصمت العربي المريب والشامل تجاه الهجمات الوحشية واللاإنسانية لداعش علی الأراضي الكوردستانية واقتلاع المسيحيين أهل التاريخ والجغرافيا من الموصل والإيزديين الكورد من سنجار وذبحهم وقتلهم جماعياً وعدم إصدار كلمة أو رسالة إدانة من قبل أية دولة عربية لهذه الجرائم التي تمارس بإسم الإسلام والعروبة مخزٍ الی درجة ، إذ يمكن تفسيره بأنهم مع إنتشار هذا السرطان ، لايريدون المشاركة في إستئصاله أو مكافحتە وإبعاده.
علی الحکومة الكوردستانية دعم فكرة تأسيس مركز علمي كوردستاني لمحاربة الإرهاب لكي لا يکسب الفكر الإرهابي ، الذي لا مكان له في القرن الـ21، أرض خصب في المنطقة ولكي لا يستقر لە مقام وحتی يتم إيضاح خريطته الوراثية DNA والكشف عن الخلايا النائمة ، من الذين يحمون الإرهابيين ويٶيدونهم سراً ويقومون بتعبئة أتباعهم بثقافة الكراهية والحقد المستندة علی التكفير والطائفية المقيتة ، من أجل إلقاء القبض علیهم وتقديمهم للمحاكمة لينالوا جزاءهم العادل والرادع.
هل إنتهت الحضارة الإنسانية ، أم علینا القيام بالتحرر من التعصب وبناء الأرض وتأسيس قيم مشتركة توحد بني البشر في وحدة إنسانية حضارية والسعي نحو الإعلاء من شأن قيمة الفرد على المستوى الكوني لتحقيق وعى أكثر راقيا وأكثر رحابة وشمولاً مما نحن عليه الآن؟
الوحش الإرهابي يتغذى من ثقافتنا ، فهناك علبة سوداء تعشش في العقول بعقدها ومتحجراتها وتهويماتها وخرافاتها وتصنيفاتها العنصرية. علینا بالتحرر من القيود الدينية المتزمتة ، التى تفرضها الجماعات السلفية التكفيرية ، من الذين يدعون بأنهم علی صراط مستقيم ، رسالتهم هذه تتسم بالتعصب وتسعى إلى فرض تعصبها على جميع البشر فى أنحاء الأرض. إذا أردنا نجاة الحضارة الإنسانية من الإنقراض فما علينا إلا إستلهام العقول التنويرية للفلاسفة العظام أمثال الأندلسي إبن رشد (١١٢٦-١١٩٨م) والفرنسي بيير تیلار دی شاردان (١٨٨١-١٩٥٥م) وغيرهم من رسل التعايش السلمي و فلاسفة الإنسانية.
وختاماً: من يريد أن ينتمي إلى حضارة القرن 21، فعليه المشاركة في ثورة ثقافية تفتح آفاقاً جديدة أمام إلإبداع وتعزز إحضار العقل السجالي التناظري ، لمكافحة العقل التكفيري الجهادي عدو الإنسانية  ، الذي أصبح اليوم فيروس قاتل.
الدكتور سامان سوراني

91
عزيمة شعب كوردستان وإحتراق أوراق الطابور الخامس
بالرغم من أن الهجمات والمخططات الدنيئة للمجموعات الإرهابية التي تسمي نفسها بـ"داعش" فشلت فشلاً ذريعاً أمام الإرادة الصلبة لقوات البيشمرگە وصمود شعب كوردستان إلا أن هناك شخصيات صغيرة في نفوسها ومريضة في عقولها وانتهازية في طموحاتها تسمی بالطابور الخامس قامت بنشر إشاعات وأكاذيب حول إنتصارات وهمية للتنظيم التكفيري الوهابي علی القوات الحديدية للبيشمرگه ، التي عقد العزم علی مواجهة كل المخاطر الكبيرة ، بهدف النيل من قامات أبطال كوردستان إرضاءً لعطش الرذيلة عند أسياد الشرؔ أو لتحقيق  أهداف صغيرة مقاس شخصيات كاريتورية دونكیشوتية هذا الطابور. للأسف عملت بعض الجهات الاعلامية مع عدد غير قليل من القنوات الفضائیة وإذاعات وصحف وشبكات التواصل الإجتماعي المناهضة لهذا التنظيم الإرهابي لصالح التنظيم تتمثل في تكرار وعرض دعايات التنظيم وإدعائاتها المزيفة وتظهر مدی وحشية وبربرية وقسوة تنظيم داعش ، التي لا ترحم حتی لاترحم حتی بحلفائها من التنظيمات التكفيرية الأخری ، بشكل بعيد كل البعد عن المهنية والحرفية. 
ماهو الطابور الخامس؟
يطلق مصطلح "الطابور الخامس" على جماعة من الناس تقوم بتقويض أى نظام أو دولة بصورة سرية من الداخل وترجع نشأة هذا التعبير إلى أيام الحرب الأهلية الإسبانية التى نشبت عام 1936عندما أعلنت محطة إذاعية أن قائد قوات القوميين "الجنرال إميليو مولا" يقترب من مدريد بأربعة طوابير من قواته العسكرية ، وأنه سيحظى بالدعم من طابور خامس موجود داخل المدينة بعد الحرب العالمية الثانية اتسع مفهوم الطابور الخامس ليشمل مروجي الإشاعات ومنظمي الحروب النفسية وفي الوقت الحاضر اتسع المفهوم أكثر ليشمل بعض القنوات الإعلامية وبعض القيادات البارزة فسار تعبير "الطابور الخامس" يستخدم للدلالة على أى جماعة تقوم بالتخريب فى دولة ما لمصلحة دولة أخرى.
علی الاعلام الكوردستانية المخلصة العمل علی تحسيس الرأي العام الوطني بالتحدّيات والمؤامرات التي تحاك ضد إستقرار وأمن كوردستان وتماسكها وتقدّمها لحساب جهات داخليّة ذات مصالح ضيّقة و/أو جهات خارجية لها مصالح تتصادم مع المصالح العليا الكوردستانية والقيام بكشف المغالطات و النظريات التي يروّج لها من له مصلحة في التضليل أو نشر البلبلة والفرقة والكراهية بين الناس واعتماد الحرب النفسية لتمرير أجندات معينة أو الانحياز لمصالح أطراف معيّنة داخليّة و/أو خارجيّة على حساب المصلحة العامة.
فحكومة إقليم كوردستان تقوم اليوم بجدية و مثابرة في مراقبة وكشف أشخاص الطابور الخامس ومعرفة ارضيته وجذوره ومنشأه وأسلوب تفكيره وغاياته ومن وراءه  وتحاسب كل من يريد النيل من الأمن القومي وسيادة كوردستان وقضاياه العادلة ومصالحه المشتركة وهويّته الكوردستانية والذين يقومون بأساليبهم المريضة بالتحريض ضد البيشمرگە والرموز الوطنية.
وبعزيمة شعب الكوردستاني وإرداته وحماس البيشمرگه والإصرار علی "إما كوردستان أو الموت" في الحرب ضد القوة الإرهابية السلفية الشوفينية الغاشمة ، أعداء الوطن والديمقراطية وحرية شعب كوردستان أثبتت للمنطقة والعالم بأن الكوردستانيين قادرين وحدهم بالدفاع عن أرضهم ومقداستهم وحماية الأمن والإستقرار والتعايش السلمي. والحكومة الكوردستانية بقواتها الدفاعية والهجومية سوف تستمر مع حلفائها وأصدقائها في الحرب ضد الإرهاب العابر لحدود دول عديدية من أجل تفكيك وحدة الصف الكوردستاني وإفشال طموحات شعبنا في الإستقلال والعيش في الحرية بهدف إسقاط رايات الحکم الداعشي السوداء الغادرة وقلع جذورها في المنطقة  وإعادة الأمان والإستقرار الی كافة المناطق الكوردستانية.
وختاماً: إن سلفيو داعش الإرهابي تمسكوا بكل ما هو ضيق وعسير أو متشدد ومتطرف وسلبي وعدواني في التراث وقاموا بتحويل العلاقة بالهوية الدينية الى محكمة جهنمية تحرم وتعاقب بقدر ما تعمل بمفردات الحقد والثأر والانتقام ، على سبيل الإقصاء أو الاستئصال للآخر، ورفض كل ما أنجزته المجتمعات الإنسانية قديماً وحديثاً ، على الأصعدة الحضارية والمدنية والثقافية. هذا ما تشهد به أعمالهم من تدمير الصروح والمعالم الأثرية في نینوی ، الى منع البنات من التعلّم بسجنهن أو بخطفهن والاعتداء عليهن في غير مكان ، الى التفجيرات الانتحارية التي دمرت الممتلكات وأزهقت أرواح الآمنين على هذا النحو الوحشي والعدمي.
ليعلم الداعشيون و جنود الطابور الخامس المحترقة أوراقهم بأن مجتمع كوردستان المتحد سوف يقف خلف قوات البشيمرگە و يواصل مسيرته في النهوض والإصلاح والتقدم ليشارك في صناعة الحضارة القائمة ، علی سبيل التطوير والإضافة و حكومة الإقليم سوف يقاوم بکل قوة فايروس التطرف والجرثومة الأصولية الغارقة في السكونية المطلقة والسائرة عکس التاريخ و عکس حركة الزمن والمستقيلة من التفكير الحي الخلاق المبتكر. 
الدكتور سامان سوراني

92
سباحة نوري المالکي في بحر الميغالومانيا والبارانويا

المصطلح التاريخي "جنون العظمة" أو ما يسمي باللغة الإغريقية بالـ"ميغالومانيا" ، (بالإنجليزية: Megalomania) توصف حالة من وهم إعتقاد الإنسان بامتلاك قابليات إستثنائية وقدرات خارقة وجبارة أو مواهب مميزة أو قوة عظيمة ليس لها وجود حقيقي. والشخص المصاب بهذه الحالة يمكن إعتباره مريض عقلي يعيش في حالة ذهانية تتميز بالهذيان الواضح والمستمر أو يعيش أفكارا متسلطة تسبب له الهذيان. أما الإعتقاد الجازم بفكرة خاطئة يوصف بالبارانويا ، لأن المصاب بهذه الحالة المرضؔية النفسية يملك جهازاً عقائدياً معقّداً وتفصيلياً يتمركز حول أوهام واقعية لها ، هذه الأوهام تقنعه بأنه يُضطهد من قبل الآخرين ، وبأنّ السبب الرئيسي لإضطهاده من قبلهم هو كونه شخص عظيم ومهمّ للغاية.
بداية نقول ، لکل شيء زمنه و لكل سياسي موقعه و دوره و إيقاعه ، بقدر ما يسهم بتشكيل خريطة الواقع السياسي بعلاقاته وتراكيبه أو تجاوزاته‌ وتراكباته. ومن لايعترف بالحقائق لا يستطيع المساهمة في خلق وصناعة الحقيقة.
فبعد تاريخ ٩/٦/٢٠١٤ والتغييرات التي طرأت علی العراق ، حيث تمكن مسلحي تنظيم داعش السيطرة علی الموصل ثاني اكبر المدن العراقية وعلی الرمادي والفلوجة وتكريت وبعد محاولاتهم الزحف نحو بغداد العاصمة ظهرت أعراض مرض رئيس الوزراء العراقي الفيدرالي المنتهية ولايته السيد نوري المالكي بشکل واضح للعيان. فنراه يردد يومياً رغم هزيمة عساكره وجيوشه بأنه هو المنتصر، إذ لاغالب عليه وهو المقتدر. وما خطابه الاخير وتهديداته اللاشرعية ضد دولة كوردستان، واتهاماته التي لا أساس لها ، إلا دليل آخر علی إصابته بمرض جنون العظمة والبارانويا.
السيد نوري المالكي وضع بسياساته الخاطئة ونرجسيته وتفرده في الحكم والقرار وحدة العراق في مهب الريح ، بعد سعيه بفرض الوحدة بالقوة وتجاهلە مطالب وقضايا المكونات الأساسية الأخری في العراق وحقوق شعب كوردستان في تقرير مصيره ، والذي لم يفهم من المتغيرات والثورات والمفاجآت إلا القليل ، كونه يعيش ولحد الآن في سبات سياسي وجمود عقائدي بعيد عن الثورة المعلوماتية والتقنية الرقمية والتواصل عبر الشبكات الإجتماعية وغيرها يريد اليوم بلغة التهديد والوعيد والاتهامات الباطلة والتصريحات اللامسٶولة كالقول ، بأن عاصمة كوردستان ، " أربيل تحولت الی ملاذ آمن للإرهابيين و الدواعش"، التغطية على فشله وهشاشة دوره وقصوره في السنوات الثمان الماضية.
لقد قام برلمان كوردستان باسم شعبە كما قبله رئیس دولة كوردستان بإدانة تهديدات السيد المالكي ، معتبرا أياها بمحاولة یائسة "للتغطية على فشله السياسي والجماهيري والعسكري الذي تعرض له".
السيد نوري المالكي نسي بأن كوردستان كان في السابق ملاذاً لحماية المعارضة ضد هجوم وحملات النظام الدكتاتوري الصدامي وهو اليوم ملاذ آمن لأكثر من نصف مليون مواطن هربوا بسبب إنعدام الأمن والعدالة والمساواة أوالحرب من مدن الموصل وبغداد ووسط وجنوبي العراق ليصبحوا لاجئين في دولة كوردستان المستقرة. شعب كوردستان الپيشمرگه المناضل يدين بشدة كل عملية إرهابية و يواجه ويكافح بصرامة وعزم الإرهاب والتطرف الديني والسياسي إذا ما أقترب من أراضيه أو أراد النيل من أمنه وإستقراره و كرامته.
السيد المالکي سعی في السابق بلا هوادة الی قولبة المجتمع العراقي لإطاعته و أراد أن يملي أفعاله علی كوردستان ، بإعتبار أقواله وأفعاله نبوغ و إبداع والهام ، ليبرهن سلطته المطلقة ، التي لا تقيده قيود قانونية أو دستورية أو عرفية ، لكن القيادة الكوردستانية جاهرت بالعدل والحق ووقفت في وجه المستبد وأعوانه وبطانته ، وسعت بسحب الشرعية منه ، بعد أن كشفت نوایاه في الحرب علی الشعب الكوردستاني و رأت بأنه تراجع عن المسار الديمقراطي والنظام الإتحادي محاولاً بشكل عدواني هدم التجربة الكوردستانية وكسر إرادة شعب كوردستان بقطع وإيقاف رواتب موظفي كوردستان وسعيه في ضرب وجرؔ العملية السياسية الی الطريق المسدود. 
السيد المالكي ، الذي يعيش أنفاسه السياسية الأخيرة ، يحمل في طيات معتقده الإصطفائي نظرية ولاية الفقيه فهو يری بعد هزائمە السياسية والعسكرية الأخيرة بأن برنامجه الحزبي أو نصه المقدّس يأتي بالفرج والسعادة لكافة العراقيين وهكذا يطغی المحتوی السلفي الإرتدادي علی البعد التنويري والمستقبلي وعقلية الإستبعاد والإقصاء علی لغة الإعتراف والشراكة والتبادل و المآل هو فشل صناعة الحضارة و ممارسة القوة الهادئة.
شعب كوردستان لا يريد بعد اليوم أن يعيش مع أصحاب العقليات التي تقوم بالحملة التبشيرية من أجل المركزية ويرفض السباحة في بحر السبات القومي والحصن الديني أو يعيش مرة أخری في جمهورية الخوف ونهایاتها الكارثية أو يتنفس تحت رحمة القوقعة الإصطفائية والوكالة الحصرية ، التي تجلب الجور والتعسف والتعريب والتهجير والأنفال والإبادة الجماعية ، لذا يقرر مصيره بيده و ينتخب الإستقلال.
السيد المالكي الذي لم يلتزم بإتفاقياته مع حلفائه في العملية السياسية وبالأخص مع التحالف الكوردستاني ، التي ساعدت علی تشكيل الحكومة العراقية ، أعاد بفعلته عقارب الساعة الی الوراء و وأكمل الصورة المشوهة للعراق تحت ظل الزعيم الأوحد والقائد الأسطوري المنقذ من الضلال والمفصح عن الأحوال.
في هذا الزمن ، زمن الإنفجارات التقنية والطفرات المعرفية ، يسعی حکومة كوردستان الی العمل علی خلق لغة مشتركة ووسط للمداولة أو مساحة للمبادلة ويرفض الشراكة مع كل من يحاول أن يستغرق في الإستبداد ويعيش في ثنايا الإرث الدكتاتوري أو يسير نحو إحياء الترسانة المنطقية المصنوعة بمفردات الكلي والضروري والأحادي والمتعالي والماهوي.
وختاماُ نقول:
من يکون قادراً علی إلقاء خطب مليئة بالتهديد والإتهامات الباطلة والشعارات القوموية المستهلكة لكي يخلق العداء بين الكيانات الرئیسية في العراق ويشنّ في خطبه حرباً ضد حكومة وشعب كوردستان و لا يقدر علی اجتراح الإمكانات لتأمين فرص العمل و أسواقه و شبكاته ، أو لتحسين شروط العيش لأوسع الفئات من الشعب العراقي ومن يأتي بحجج مموهة أو مغلوطة أو واهية ترمي الی التغطية والمساویء ، بإتهام الغير لفشله السياسي و حمل المسؤولية عليه ، و ذلك للهروب من استحقاقات الكيانات وإيجاد الحلول للمآزق والكوارث والحروب والويلات ، بإختراع أعداء ، هدفه دفع عجلة تفاقم المشكلات واستعصاء الحلول نحو الأمام وهمّهُ إنتاج أناس هم أعداء للفهم ، يدرّبهم علی إتقان لغة التصديق والتصفيق والتهليل ، كأرقام في حشد أعمی أو كأبواق ترجِّع صدی الخطب والكلمات، أو كدمی يتم تحريكها عند إعطائها كلمة السر. وهذا هو مصدر التخلف والفقر والتسلط والإستبداد.
الدكتور سامان سوراني

93
نعم الإستفتاءات الشعبية إرادة كوردستانية وحق إنساني مشروع

بما أن الإستفتاء هو تصويت لجميع المواطنين المٶهلين علی مشروع أو مسودة وضعت من قبل البرلمان أو الحكومة أو أية سلطة حكومية ، فهي إذن آلية من آليات الديمقراطية المباشرة ، عن طريقها يبدي المواطن الناخب وبكل شفافية رأيه في مسألة سياسية أو مصيرية. ولنتائج التصويت علی الصعيدين الدولي والوطني درجة عالية من الشرعية.
صحيح بأن شعب كوردستان إختار وبشكل طوعي ان يكون جزءاً من العراق شرط أن يكون فيه شريكاً حقيقياً وفاعلاً و شرط أن يكون النظام في العراق ديمقراطي تعددي إتحادي فدرالي ، لكن الذي رأە هذا الشعب المناضل هو السياسة الفاشلة للسيد المالكي المصبوغة بالرفض والإلغاء والجهل والخداع ، الذي حكم کرئیس للوزراء مدة ٨ سنوات عجاف ، بعد تحويله الهوية الی فخ وعصاب والعراق الی مصنع للإرهاب و اللاإسستقرار بعد ممارسته  الحكم الفردي والإستبداد بعقليته الإصفائية و ثنائيته الحصرية و منهجه الأحادي و شعاراته المقدسة وإدعاءاته المركزية حول السلطة والحكم ، مهملاً قيم المساواة والعدالة والعقلانية ، مولداً بذلك الحروب الأهلية والإختلافات الوحشية بين عناصر المجتمع وفئاته. 
فالهاجس الوحيد لنوري المالكي في السابق وللآن هو الحفاظ علی الولاية والسلطة والإستمرارعلی العمل في سبيل قولبة وتدجين وتعبئة وعسكرة المجتمع و رفضه لحفظ كرامة الإنسان العراقي إحتكاره للسلطة وممارسته الوكالة الحصرية و خروقاته المتكررة للدستور الإتحادي أنجبت الأزمة الحالية.
من جانبنا لانخفيە علی أحد ، هدف شعب كوردستان هو الاستقلال و هو حق طبيعي لهذا الشعب ، الذي كان في الماضي ضحية السياسات القمعية والوحشية للحكومات المتعاقبة في العراق المصطنع وهو لايستطيع بعد الآن أن يبقی مدی الدهر رهينة مستقبل مجهول ، بل يعزم وبكل جرأة على إجراء استفتاء شعبي على خيار الاستقلال بعد فترة قصيرة من الآن بعد موافقة برلمان كوردستان على ذلك.
في السابق كررنا أكثر من مرة بأننا نريد ممارسة حيویتنا الفكرية و حرياتنا الديمقراطية لنحتل موقع علی خارطة العالم ولانريد أن نمارس علاقتنا بهويتنا علی سبيل العجز والتخلف والضعف والهشاشة. عراق اليوم.
أما التصريحات الأخيرة الغير مسٶولة  لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ، الذي لم يتخذ سياسات كفيلة بوضع حد لحالة الفوضى والعنف التي أغرق العراق على صعيد يومي وبمباركة ودعم واضح لحكومته للنهج الطائفي والإقصائي ضد المكونات الأخری للشعب العراقي ، فهي تحمل في طياتها العدوانية ، خلالها يتهم هو إقليم كوردستان جزافاً وإفتراءً ويقول بأن شعب كوردستان يستغل الأوضاع للسيطرة علی الأراضي ، المسمی بـ"المتنازع علیها".
فالسيد نوري المالكي الذي عاش في كوردستان وأكمل دروسه في جامعاتها يعلم علم اليقين بأن تلك المناطق كوردستانية بحتة وأن الكورد لم ولن يتمددوا أو يتحركو أو يتوسعوا في يوم ما علی حساب الآخر ولم يسيطروا علی أراضٍ غير كوردستانية خارج إقليمهم. فهو بعمله هذه يريد قلب الحقائق وإلقاء اللوم على الآخرين ، لتغطية إخفاقاتە الكبيرة في الداخل ، تلك الإخفاقات التي وضعت العراق تحت خدمة أطراف إقليمية أسهـمت في إذكاء نار الفتنة الطائفية بشكل لم يعهده العراق في تاريخه.
لو كان المالكي مهتماً بالأدب والفن لأقترحنا له أن يشاهد مسرحية «أنريكو الرابع» للكاتب الإيطالي لويجي بيرانديللو ، كي يكشف إزدواجيته في الشخصية و تماهیه بين الممثل ودوره.
نقوله هنا وبكل صراحة أيضاً بأن سياسة المالكي أنتجت كل هذا الخطرعلى العراق وعلى المنطقة. فالعقلية والأيديولوجية المتطرفة والسياسة الأحادية المتهورة هندست مآسي العراقيين والاضطرابات في المنطقة. لو قام هو بتوظيف قدرات الدولة العراقية ، وثرواتها لخدمة تنمية العراق ومصالح مواطنيه ، ولو لم يقم هو بإقصاء السنة و تهميشم أو بقطع ميزانية إقليم كوردستان و لم يفرض علی الكورد والسنة الحصار لكان العراق والمنطقة بألف خير وسلام.
شعب كوردستان يريد أن يساهم مع إخوانە السنة والشيعة في معالجة الأزمة ، التي تمر بها العراق ، لکن التطورات الأخيرة في العراق أثبتت بأن هذا البلد لا يستطيع أن يبقی علی ماكان علیه في السابق. فهو مقسم حالياً وللشعب الكوردستاني الحق أن لايتخلی عن هدفه ومشروعه الأساس المٶدي الی استقلالية إقليم كوردستان. وما علی القيادة الكوردستانية إلا إحترام قرار الشعب والإلتزام بە ، علی أمل أن يحترم الآخرون ودول الجوار والمجتمع الدولي قرار شعب كوردستان.
وختاماً نقول: لا أحد يستطيع هدم التجربة الكوردستانية و كسر إرادة شعب كوردستان أو جرؔهم الی  الطريق المسدود ، فلا يمكن بعد اليوم أن يطغی المحتوی السلفي الإرتدادي علی البعد التنويري والمستقبلي في كوردستان ولا عقلية الإستبعاد والإقصاء علی لغة الإعتراف والشراكة والتبادل. ففي عالم ينهض فیها الشعوب ضد الحکومات المركزية المستبدة لا يمكن للشعب الكوردستاني الأبيؔ أبداً أن يقبل بأن يحكمه طغاة غرباء كما في السابق يطلون الطغيان برأسهم كلما سنحت لهم الظروف. فأهلاً بالإستفتاء ومرحباً بالإستقلال.
الدکتور سامان سوراني


94
دولة کوردستان الحقيقة التاريخية

بالرغم من أن التطورات الحديثة في المنطق الصوري تلقي كثيراً من الضوء على طريقة استعمال مصطلح "حقيقة" في الأنساق الصورية (المنطق والرياضيات) وفي اللغات الطبيعية (الألسن المستعملة في التداول اليومي) ومع أن الحقيقة هي أحد الإشكالات الكبرى في مجال نظرية المعرفة وفلسفة العلم وأن فلسفة المعرفة تهتم إهتماماً بالغاً بالبحث عن حلول للعديد من المسائل الفلسفية المتعلقة بموضوع "الحقيقة" ، إلا أن الحقيقة كما نراها تدل على عدة معان ، منها الواقع في تعارضه مع الوهم.
من المعلوم بأن إعادة تعريف ما هو تاريخي وما هو سياسي في اللحظة الراهنة أمر ضروري، لإن الإستمرار في إنكار الحقوق المشروعة للشعب الكوردي دليل علی عدم تمكن الكثير من النخب الحاكمة والأطياف السياسية في العراق هضم المتغييرات وعدم استخلاصهم العبر و الإستفادة منها و عدم إدراكهم بعد بأن الدلائل کلها تشير الی ان وجوب الدولة الخاصة بالشعب الكوردستاني هو الحل لليوم و المستقبل. أما الواقع فأنه يثبت لنا بأن الدولة الكوردستانية باتت حقيقة دامغة ومٶكدة ، فللكوردستانيين في الإقليم بعد سيطرة قوات الجيش المتمثل بالبيشمرگه علی كافة المناط‌ق الكوردستانية التي كانت خارجة عن إدارة حكومة إقليم كوردستان  دولة قائمة بمٶسساتها ومصادرها الإقتصادية  المستقلة ، بعد أن قامت أخيراً بتصدير نفطها و الحفاظ علی عائداتها لصالح مواطني إقليم كوردستان. كما يأتمر جيش هذه الدولة بأوامر سلطة الإقليم و يرفع علمه فقط. أما رئیس الإقليم ، فله دور في السياسية الخارجية يماثل دور رٶساء الدول.
عقب الأحداث الأخيرة في المحافظات السنية وإنسحاب الجيش العراقي منها نمت هناك فرصة تاريخية للكورد لإعادة المناطق الكوردستانية المقتطعة الی حضن كوردستان و إكتمال خريطة الإقليم. يجب الإقرار بأنها فرصة تاريخية لترسيخ المسؤولية الكوردية في المنطقة. فالكورد هم اليوم جزء من الحل لا المشكلة وسوف يكونوا في وقت قريب عنصراً مهماً لتقدم المسيرة الديمقراطية في المنطقة.
 حكومة إقليم كوردستان المهيئة لتحديات العصر المتفاقمة أثبتت إتقانها للغة الشراكة والمداولة والتحول عما هي عليها للتعايش بأقل كلفة ممكنة ، تسلطاً وعنفاً وتفاوتاً وهي تعمل اليوم رغم كل الصعاب جاهداً علی إعلاء شأن "الهوية المفتوحة والغنية" لتمارس الصداقة مع جميع شعوب المنطقة و تستمر في تفعيل العملية السياسية والحل السلمي في العراق وهي رسمت وخططت سياسة جدية و أخوية تجاه الأقليات المتواجدة علی أرض كوردستان ووجدت آلية جديدة وعصرية للتعامل معهم كمواطنين يمتلكون كافة الحقوق السياسية والثقافية.
إن نشر الوعي السياسي لە أهمية كبيرة في بناء الأنظمة الديمقراطية واعتماد العقلانية والتفكير العلمي أساسا منهجياً لتنظيم التعايش في المجتمع وقبول الآخر. فالمسٶولية التاريخية تفرض علی المخلصين لكوردستان أن يلعبوا دوراً أساسياً في متابعة الظواهر السلبية التي يعاني منها المجتمع وايجاد الحلول والمعالجات الضرورية والبدائل لتلك الظواهر وفقاً لمعيار ومحددات المجتمع. وأن ضعف الوعي المجتمعي والسياسي تخلق أزمة الهوية و الإندماج الإجتماعي وأزمة العزوف عن المشاركة السياسية مما يٶدي في النتيجة الي عدم نضوج التجربة الديمقراطية والتخلف في بناء الدولة.
إن هوية دولة كوردستان المعاصرة ينعكس ويدل علی قدرة أبنائها علي الإبداع والتقدم والانفتاح علي العالم وثقافاته وعلومه وليس العودة إلي الوراء. فالجهاز الإداري اليوم يخضع لقانون موحد والمؤسسة العسكرية أو الجيش أثبتت بأنها مؤسسة ديمقراطية، و البيشمرگه برهنوا بأنهم يدافعون عن الوطن أو التراب وهذا ما بيؔن "الحس الوطني" لديهم.
لقد دمؔرت طروادة بخدعة لعبة من خشب ، ولم يلق أعداٶها فيها خائناً واحداً يفتح لهم أبوابها ، لأن مجتمعها كان مجتمع أناس يحبون الحياة ويتعاونون لأجلها. وشعب كوردستان اليوم هو مصدر مهم للسلطة وشريك كامل في تقرير السياسات العامة عبر ممثليه المنتخبين في المجلس الوطني للإقليم. والهدف من هذا هو خدمة المجتمع الكوردستاني وصيانة مصالحه والارتقاء بمستوى معيشته، وضمان كرامة أفراده وعزتهم ومستقبل أبنائهم، الذين نالوا في عهود الجمهوريات العسكرية جور الحکومات المستبدة ورضا الشعب الكوردستاني هو الحجر الأساس لشرعية سلطة الإقليم الكوردستاني.
لقد تغير وجه العراق والرهان هو إبتكار أساليب و وسائل ونماذج تستجيب للتحديات الجسيمة وتمؔكن من إيجاد أجوبة أو حلول أو مخارج ، فيما يخص المسائل والقضايا العالقة والمشكلات التي تستأثر بإهتمام كافة الأطراف والكيانات في المنطقة علی السواء ، لکي تكون إيجابية بناءة وفعالة ، بقدر ماتكون راهنة ، عالمية و كوكبية ، لتشكل إضافة قيمة علی الرصيد البشري.
وختاماً: "الشعب الكوردستاني المعاصر في أمس الحاجة التاريخية لقيم مطلقة جديدة لا يحدها زمان ومكان. وهذه القيم لم يعد بالإمكان أن تأتیه إلا من عالمه نفسه."
الدكتور سامان سوراني



95
كوردستان ومفهوم استقلال الدولة من منظور الفكر السياسي المعاصر

اليوم وفي ظل النظام العالمي الجديد وفي زمن العولمة يمكننا أن نتحدث بكل سهولة عن "الإنسان العالمي"، الذي لا يسدل الستار علی عقله ، بل يستفيد من كل تلك الإمكانيات الحديثة ، ليتشكل لديه مساحات وأمداء جديدة للفكر والقول والعمل. وعلاقة العولمة مع الواقع هي غير النظرة ، التي كانت تتجسم في زمن سيادة الايديولوجيات العالمية أو الأممية.
فهي لا تحول العالم الی شعار ولا تختزله الی مجرد عقيدة. كما هي ليست تجسيد لفكرة أو إنعكاس لصيغة ، بل هي صناعة واقع جديد عبر الحواسيب وبنوك المعلومات ، التي يتحول معها كل معطی عيني أو ذهني الی كائن رقمي. وهذا الكائن الرقمي العامل عبر الشبكات يشعر وكأنه سائح جوّال عبر كل الأمكنة دون أن يبرح من مكانه.
الفكر السياسي الحديث والمعاصر تهتم بشكل بليغ بمفهوم السيادة وإستقلالية الدولة وسيادتها علی أقاليمها وبما أن لإستقلال الدولة أثر إيجابي علی السلام والإستقرار الدولي والإنساني علینا معرفة شروط ومقومات استقلال الدولة في الفكر السياسي المعاصر.
فالنظام العالمي المعاصر تفسح المجال أكثر من الماضي لتداخل المصالح وتشابكها القائم علی التماييز بين دول كبرى مالكة لقرارها السياسي ومتمتعة بسيادتها ومتحكمة في السياسات الدولية وبين دول صغيرة وضعيفة وغير مالكة لقرارها ولسيادتها ، بالرغم من زوال زمن سيادة الايديولوجيات العالمية أو الأممية ، التي حولت كما ذكرنا أعلاه العالم في الماضي الی شعار وإختزلته الی مجرد عقيدة لا غير. يمكن القل وبكل صراحة بأن المدارس والنماذج ، التي كانت رائجة استهلكت والنظريات ، التي كانت في يوم من الأيام آيات بيؔنات ، أخفقت في تشخيص الواقع العالمي لإيجاد مخارج من الأفخاخ والمآزق. فمن أجل إدارة المصلحة العمومية وصناعة حياة مشتركة نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضی الی تغيير يطال الأفكار والأدوار والمهمات وصور الحياة وأساليب العيش وقواعد المعاملة ، بعيداً عن العيش والممات داخل مقولات مثل الأحادية والقداسة والتأله والنخبة والبطولة والإحتكار والقوقعة والمعسكر.
بالطبع "الإنسان العالمي" ينحو نحو مفاهيم تعكس الإعتراف والتعدد والنسبية والمداولة والشراكة والقوة الناعمة ، يتعامل مع الآخر كشريك فاعل في إدارة المصالح وصنع المصائر . هذا ما تسعی اليه دول الإتحاد الأوروبي بسياساتها وإقتصادها وعلومها الأخری. 
من منظور القانون الدولي يمکن إعتبار استقلال الدولة شرط ضروري للاعتراف بشرعية الدولة بل هو شرط أساسي في تعريف الدولة ، فبعض من أساتذة القانون الدولي يعرؔفون الدولة كـ"وحدة قانونية دائمة تتضمن وجود هيئة اجتماعية لها حق ممارسة سلطة قانونية معينة في مواجهة أمة مستقرة على إقليم محدد. من الواضح بأن الدولة تباشر حقوق السيادة بإرادتها المنفردة ، وذلك عن طريق استخدام القوة المادية التي تحتكرها. لحسن الحظ هذا الشرط متوفر في حالة إقليم كوردستان بفضل الجهود الجبارة للقيادة السياسية الحكيمة الواعية والساعية الی حفظ الإستقرار فيه ودفعه نحو إزدهار وتقدم أكثر.
الإستقلال والسيادة توأمان لايفترقان ، فالسيادة كالإستقلال يعني ممارسة الدولة لقرارها السياسي داخلياً وخارجياً وفق إرادتها الحرة أو عدم خضوعها لأي سلطة داخلية كانت أو خارجية ، حیث لا يحق لأي جهة أن تفرض قوتها على الدولة في منطقة نفوذها.
داخلياً تمتلك الدولة امتلاكها السلطة المطلقة على جميع الأفراد والجماعات والمناطق الداخلة تحت حكمها وتستمد شرعيتها من التعاقد بين الحكام والمحكومين وصناديق الإقتراع هي التي تثبت شرعية الدولة وتخولها لتشريع القوانين والنظم وإلزام الناس بها حفظاً لمصالِحهم وصوناً لهيبةِ الدولة كما تخول لها تدبير شؤون البلاد سياسياً واقتصادياً وثقافياً وتعليمياً وقضائياً. وقوة الدولة و نموها الإقتصادي فتبنی بحكم القانون لا بالخصخصة ، كما يتصوره الكثير من دعاة الإقتصاد الحر.
أما خارجياً فمبدأ استقلال الدولة يعني سيادتها واستقلالها فعلياً وقانونياً في ممارسة قرارها الدولي بعيداً عن سيطرة أية دولة أخرى أو توجيهها واعتراف الدول الأخرى بها ، وحقها في التمثيل الدبلوماسي ، وعضوية المنظمات الدولية ، وحريتها في اتخاذ القرارات الدولية على الصعيد الخارجي وعلى صعيد العلاقات الدولية من دون قيد أو تردد أو إكراه أو ضغط إلا الالتزامات التي يقرها القانون الدولي والمعاهدات الدولية الثنائية والإقليمية في نطاق الندية والاحترام المتبادل.
 مفهوم الدولة يتربع عرش الفلسفة السياسية ، لما يحمله من أهمية قصوى سواء اعتبرناه كياناً بشرياً ذو خصائص تاريخية ، جغرافية، لغوية ، أو ثقافية مشتركة ، أو مجموعة من الأجهزة المكلفة بتدبير الشأن العام للمجتمع. والدول لها فلسفة تنطلق منها في بناء مستقبلها السياسي والفكري والإقتصادي والإجتماعي ، وهذه الفلسفة هي التي تحدد مسار الدولة أومدى نجاحها وتقدمها. ولكل دولة أهداف يمكنها الوصول اليها من خلال عملها علی تقييم مسارها في كل مرحلة من المراحل التي تمر بها  أو تعديل مسارها وتحديد نقاط الضعف والقوة، تلك أساليب يمكن إستخدامها لزيادة قوة الدولة إقتصادياً وسياسياً وإجتماعياً وفكرياً.
إن فن بناء الدولة سيكون مستقبلاً المكون الرئيسي للسلطة القومية ، وأهميته كأهمية القدرة على نشر القوات العسكرية التقليدية من أجل المحافظة على النظام في العالم. هنا يسعی إقليم كوردستان الی الحصول علی إعترافات دولية للحصول علی التكافٶ في الإستقلال والتساوي في ممارسة سيادته الداخلية والخارجية وإحتلال المكانة اللائقة بين الأمم ، فهو حق من حقوق الشعب الكوردستاني بعد كل هذه التحولات الجذرية في المنطقة والتي شكلت فرصة وجودية أمامه ، ليشارك بروابطه الأفقية وهويته المفتوحة علی التعدد والإختلاف وإتقانه للغة الشراكة والمسٶولية المتبادلة مع الغير الركب العالمي ويمارس حيوته و يصنع نفسه ويشارك أخيراً في صناعة العالم بصورة إيجابية وبناءة.
وختاماً يقول الخالد نیلسون مانديلا: "إنني أٶمن بحقي في الحرية وحق بلادي في الحياة وهذا الإيمان أقوی من كل سلاح".
الدكتور سامان سوراني 

96
وفاة "غابو" خالق "مئة عام من العزلة" و"الحب في زمن الكوليرا"

بالأمس فاجئنا نبأ رحيل الروائي الكولومبي غابريل غارسيا ماركيز، الملقب بـ"غابو" ، صاحب الرواية الأشهر في القرن العشرين "مئة عام من العزلة" ، المولود في اراكاتاكا التابعة لمقاطعة ماجدالينا الكولومبية والحائز على جائزة نوبل للآداب عام 1982، في مكسيكو سيتي عن عمر يناهز 87 عاماً.
روايات ماركيز التي أثرت تأثيراً قوياً علی الكتاب في أكثر من موقع جغرافي حملت في طياتها جماليات وخامات سردية قديمة نابعة من التراث الكولومبي الفالتة من الواقع المعيش و ينابيع الأسطورة وطفولة العقل البشري الخارقة لآفاق عجائبية سحرية ميتافيزيقية.
هذا الكاتب العالمي بدأ عمله مراسلاً لصحيفة إلإسبكتادور الكولومبية اليومية (El Espectador) قبل أن يساهم بدوره العظيم في إغناء فن السرد الروائي في العالم الدافع لأدب أمريكا اللاتينية نحو القمة.
في روايته "مئة عام من العزلة" (١٩٦٧) الرائعة ، التي إستغرت مني شخصياً سنوات لقرأتها بسبب (خوسيه اركاديو بوينديا) وهو شخصية رئيسة في الرواية يخلق ماكيز عالم يسبح بين الواقع والخيال ، بشخصيات تتكرر في اسمائها واقدارها ويسافر بنا مع قريته (ماكوندو) ليزرع الاحداث والشخصيات بمنطقية وعبثية ممزوجة ورائعة ثم يمحيها ويقتلها.
الهدف من روايته "مئة عام من العزلة" بنظري هو تعرية الكائن البشري وكشف حقيقتة الباطنه ومشاعره المهيجه الثائرة مهما كان منصبه وجنسه امراة كانت أو رجلاً. أراد الكاتب إيصال القاریء فكرة تقول بأن الزمن لا يسير في خط مستقيم بل في دائرة ، فكلما تلاشت الاحداث من ذاكرتنا اعادها الكون لكن في شخصيات وأزمنة مختلفة وأن الماضي لم يكن سوى كذبة وأن لا عودة للذاكرة وأن كل ربيع يمضي لا يمكن أن يستعاد وأن أعنف حب وأطوله وأبقاه لم يكن في النهاية سوى حقيقة عابرة. غابريل ماركيز كان يردد دوماً بأنه متعلق بشخصيات روایاته حد التعلق ويعزؔ عليه ان يميت شخصية محاولاً أن يبقيها عمر لا ينتهي لتغلبه الشخصية أخيراً وتختار قدرها. رغم أن "مئة عام من العزلة" رائعة مكتوبة بأسلوب بسيط تقودنا نحو نسيان الذات لساعات  وساعات لكنها تمتاز بسمتان لايمكن أن لانراهما ، إحداها هي سمة العزلة التي اتخذها الكاتب عنوانا لروايته والثانية هي حتمية الاحداث. لكن هل ياتری بأن الانسان في هذه الدنيا مسير بالمطلق أو مخير بالمطلق ، أم أنه يعيش بين الاثنين؟ وهل ياتری بأن إشباع الغزائز بلا كبح لايٶثرعلی حياة الإنسان ونجاحه‌ أو أنه بالفعل أمر مقبول من المجتمع؟ 
ماركيز إستمد قوته من الواقع بطريقة غرائبية مشوقة أظهر فيها كمن يمارس الهروب من الواقع نحو واقعية من نوع آخر.
أما روایته "الحب في زمن الكوليرا" بالإسبانية (El amor en los tiempos del cólera)  (١٩٨٥) المليئة بالزخم والأحداث فإنها تربط التباعد بالتنافر. يقدم فیها التحولات في بلده كولومبيا مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في مكان لا يسميه قرب نهر ماغدالينا. هنا لايسعنا إلا أن نعيد قول الشاعر الإسباني الشهير وعضو الأكاديمية الملكية للفنون، خوسيه كارثيا نيثيو: "إن أهم ما فى رواية الحب فى زمن الكوليرا هو تلك الحيرة التى نجد أنفسنا غارقين فيها منذ بداية الرواية حتى آخرها، والدهشة التى أصابتنا فى رواية مائة عام من العزلة لكفاءتها العالية تصيبنا مجدداً عند قراءة هذه الرواية بالرغم من إنها قادمة من طرق أخرى، هنا كل شىء ممكن، كل شىء يتحرك إلى الممكن ، ويظهر بعد معرفة الأحداث بأنه لم يكن بالإمكان حدوثها بشكل آخر".
روایتە التي تعد واحدة من أفتن ما كتب الإنسان فى تاريخ الأدب عبر كل العصور، تنقل لنا قصة حزينة في وسط حزين ، قصة رجل وامرأة منذ المراهقة وحتى ما بعد بلوغهما السبعين ، استلهمها الكاتب من قصة حب أبيه لأمه ووضع فيها عصارة موهبته وخبرته ومدرسته الأديبة التى أسس لها في النصف الثاني من القرن العشرين.
وختاماً يقول ماركيز: "تعلمت أن الجميع يريد العيش في قمة الجبل، غير مدركين أن سرّ السعادة تكمن في تسلقه".
الدكتور سامان سوراني




97
العراق بين الخروج من السجن الديكتاتوري والدخول الی سجن الفكر الشمولي

مع نهاية الحكم القمعي لنظام البعث في العراق في التاسع من أبريل (نيسان) عام 2003 كنا نظن بأن بأن العراقيين سوف يتجاوزون مرحلة الإيديولجيات الشمولية و الأصولية ، التي إستمرت لعقود وأن النموذج النخبوي الفاشل ، الذي يشتغل أصحابه بتلفيق النظريات وفبركة الأوهام ونموذج البيروقراطية العاجزة ، الذي يستخدم أصحابه في الإدارة أساليب مستهلكة بائدة تولد إهدار الجهود والأوقات والثروات و النموذج الجهادي القاتل ، التي تصنعه وتصدره الحركات الأصولية الدينية لتحويل المجتمعات الی سجون أو مسالخ ومقابر ، سوف ينطوي و يرمی في مزبلة النسيان ، لكن بعد مرور إحدی عشر عاماً على نهاية حكم الطاغي صدام حسين ، الـدكتاتور الأكثر دموية في الشرق الأوسط الذي حكم العراق لخمس وثلاثين سنة ، نری بأن المكتسبات الأساسية لحقوق الإنسان ، التي كان ينبغي تحقيقها خلال العقد المنصرم ، فشلت بسبب السياسة الهوجاء للطبقة السياسية العراقية الماسكة بزمام السلطة فشلاً ذريعاً وأن العراق تراجع و تخلف وعاد القهقري الی الوراء في واقع كوني سمته الحراك الدائم والتغير المتسارع.
السياسة الإقصائية الفاشلة للسيد نوري المالكي ، الذي يحكم بعقلية التمسك بالسلطة والاستحواذ عليها بالوسائل المشروعة وغير المشروعة ، أوقفت عجلة السير نحو الديمقراطية والإزدهار والإستقرار ونشر الحرية والعدالة وأدخلت العراق في دوامة عنف لم تنته بعد. علی المستوی البشري نری بأن أعمال العنف المتواصلة أدت الی مقتل أكثر من 2400 شخص منذ بداية 2014. أما عدد ضحايا أعمال العنف منذ دخول القوات الأميركية إلى العراق في 19 مارس/آذار 2003 حسب إحصائية قامت بها منظمة "إيراك بادي كاونت" البريطانية المختصة بالإحصائيات فإنها تبلغ نحو 112 ألف مدني على الأقل قتلوا. إن ظاهرة العنف والهجمات المميتة التي تظهر إزدراءاً لحياة المدنيين مازالت قائمة وأن التدخلات الإقليمية مستباحة ومستمرة وعمل الأجهزة الأمنية القائمة علی أساس العدد وليس الكفاءة مازال يتم وفقاً للإرادات السياسية التي تخضع للعديد من قادة الأحزاب. أما إدارة بعض من الملفات الأمنية العرضة للفساد المالي والرشوة وانعدام المهنية فإنها بيد قيادات من حزب البعث المقبور.
لقد مرؔ عقد من الزمن دون أن يرى العراقيون خدمات عامة ترقى إلى مستوى الطموح الذي شعروا به إثر سقوط النظام البعثي وهم حالمين بأن يصبح العراق الولاية الأميركية الـ51 من حيث الخدمات الأساسية للعيش وتطور البنى التحتية وقطاعات المال والتجارة ليصبح نموذجاً للإزدهار والرقي في المنطقة أسوة بالإمارات وبلدان أخری متطورة. لكن عراق اليوم أشبه بالاتحاد السوفيتي السابق قبيل انهياره وهو اليوم أمام خيار التقسيم أو الحرب الأهلية أو الاتفاق السياسي الشامل الذي لا تؤمن به الكثير من القوى السياسية.
الأحزاب الإسلامية التي عاشت في إيران طيلة ٣٠ عاماً والمتمسكة اليوم بالسلطة ترسخ فكرة الطائفية السياسية ، تعمل تحت المظلة الإيرانية وتمارس المنهج الذي يتوافق مع سياسات إيران في المنطقة وأخری قومية شوفينية لا تحتكم الی الفهم الصحيح للمعادلات القائمة في الوضع السياسي الإقليمي والعالمي.
فغياب دولة المواطنة وإستمرار عمليات التهميش والإقصاء وعدم الإلتزام بقواعد اللعبة الديموقراطية والتخلّـي عن سیاسیة تأزيم الأمور لصالح البحث عن لغة التفاهم والحوار أو الإرتكان الی الدستور لأجل حل المشاكل العالقة مع إقليم كوردستان ينتج بالتأكيد سيناريوهات لمستقبل العراق قد تكون ثورة عارمة علی غرار ثورات الربيع العربي أو إنقلاب عسكري بموافقات دولية ، ناهيك عن حق الإقليم في إعلان إستقلاليتها من تلك الشراكة الملغومة. 
وختاماً: النظر الی العالم ومتغيراته بعين السلب والعداء والغرق في النرجسية الثقافية والتعلق بزعماء وآلهة ليسوا من بناة الحضارة ولا من صناع المعرفة والحداثة والتقدم والتشبث بأفكار و سياسات وعقائد إصطفائية والتفكير بمنطق الإقصاء والإستئصال للمختلف والآخر أو بعقلية الثأر والإنتقام مما هو حديث و وافد خوفاً علی هويات مزورة و ثوابت متحجرة وإحتكار الوصاية علی العدالة والتنمية والحرية وإدعاء إمتلاك الأجوبة النهائية والحلول القصوی للمشكلات يحول المجتمع العراقي الی مجتمع غير منتج ، هزيل ، غير ديمقراطي ويقود العراق مرة أخری الی الدكتاتورية وسجن الفكر الشمولي. 
الدكتور سامان سوراني
 

98
المالكي بين صناعة الأزمات السياسية وبناء الأسس الدكتاتورية

علم النفس السياسي كمجال أكاديمي قائم على فهم السياسة والسياسيين والسلوك السياسي من منظور نفسي يوصف لنا الدكتاتور أو الحاكم المستبد كشخص مريض يری نفسه فوق الناس ، معتبرا نفسه أعلمهم وأفهمهم والناس رعیته وجنده ، يقوم بإستغلال حاجتهم ليلبي حاجته. هدفه هو قولبة الشعب لإطاعته بأفواه مفتوحة أمام كلماته العبقرية المصبوغة بالديماغوغية. والدكتاتور حاكم يملي أفعاله علی الغير ، بإعتبار أقواله وأفعاله نبوغ و إبداع والهام ، ليبرهن سلطته المطلقة ، التي لا تقيده قيود قانونية أو دستورية أو عرفية.
نحن نعرف أيضاً بأن جبن الشعب وميله الی الركون والإنزواء الی الراحة وطلب الأمان علی المجاهرة بالعدل والحق والوقوف في وجه المستبد وأعوانه و بطانته هو الذي يخلق الدكتاتور والشخص المستبد ، الذي يدعي فهم التعليم والسياسة والإقتصاد و الثقافة والأخلاق والأمن.
بالأمس سمعنا المالكي في كلمته الاسبوعية وهو يخاطب البرلمان العراقي بلغة التهديد والوعيد قائلاً بأن "البرلمان ورئیسە خرجوا عن الدستور بتعطيلهم إقرار القوانين" ، لذا يسحب الشرعية عنه. هذا الخطاب يضمن في طياته تدخل في عمل البرلمان ، يعتبره المراقبون السياسيون في المنطقة وأوربا خطوة تمهيدية مكشوفة بإتجاه الدكتاتورية والإستبدادية وضربة قاضية للعملية السياسية في العراق.
أما سياسته العدوانية تجاه شعب كوردستان وتهديداته المستمرة وقيامه بقطع وإيقاف رواتب موظفي إقليم كوردستان فهي من نظر القيادة الكوردستانية بمثابة حرب علی الشعب الكوردستاني وتراجع في المسار الديمقراطي والنظام الإتحادي ومحاولة مكشوفة لهدم التجربة الكوردستانية كسر إرادة شعب كوردستان و سعي في جر العملية السياسية الی الطريق المسدود. 
سیاسة المالكي أو معتقده الإصطفائي يحمل في طياته نظرية ولاية الفقيه فهو يری بأن برنامجه الحزبي أو نصه المقدّس بعد القيام بعسكرة المجتمع وتخصيص ميزانية ضخمة لوزارتي الدفاع والداخلية إذا طبّق فسوف يأتي بالفرج والسعادة لكافة العراقيين وهكذا يطغی المحتوی السلفي الإرتدادي علی البعد التنويري والمستقبلي وعقلية الإستبعاد والإقصاء علی لغة الإعتراف والشراكة والتبادل و المآل هو فشل صناعة الحضارة و ممارسة القوة الهادئة.
أما فيما يرتبط بالحملات الإعلامية الأخيرة التي يقودها السيد المالكي بمساعدة مستشاريه البعثيين القدامی ضد إقليم حكومة كوردستان وبالأخص سعيهم لتعبئة الرأي العام العراقي ضد رئيس الإقليم بغية تحجيم دور الإقليم فهي تحولات سلبية تهدف العودة الی ترويض الأفكار و تهيئة الأذهان نحو السبات القومي و الحصون الدينية. هذه التحولات جرّبت في الماضي و كانت محصلتها قيادة حروب ضد شعب كوردستان المسالم و شعوب دول الجوار وصناعة جمهورية الخوف بنهایاتها الكارثية.
نقول في هذا العصر الرقمي المعلوماتي بمعطياته الجديدة و بعد كل هذه التغييرات التي طرأت في العالم العربي و نهوض شعوب المنطقة ضد الحكومات المركزية المستبدة لا يمكن للشعب الكوردستاني أن يقبل بأن يحكمه طغاة كما في السابق يطلون الطغيان برأسهم كلما سنحت لهم الظروف. القيادة الكوردستانية تسعی اليوم في سبيل ترشيد السلطة في العراق وعقلنتها وطرد القوقعة الإصطفائية فيها تلك القوقعة التي تخفي في أعماقها أسرار إحتكار السلطة وممارسة الوكالة الحصرية لأنها تدرك كل الإدراك بأن فيها تكمن الضمانة المثلی من الجور والتعسف و التعريب والتهجير و الأنفلة. فالحكومات التي لا تنزع الی السلم مع كوردستان والی المصلحة العامة في العراق تبقی حكومات أمر واقع أي غير شرعية ظالمة مغتصبة هدفها تذويب المواطنين في ما يشبه بالقطيع بعد ممارسة الرفض والإقصاء ضدهم بهدف إستئصالهم مادياً و إلغاءهم رمزياً ، أما إقليم كوردستان فيری بأنه في عصر تدويل الديمقراطية والإعتراف بحق الشعوب المتساوي في تقرير المصير لا مكان لعقليات وحكومات تقوم بالحملة التبشيرية من أجل المركزية وسوف يكون له بسبب هذه السياسات الشوفينية فصل المقال.
وختاما نقول: إن قولبة و تدجين و تعبئة و عسكرة المجتمع لا تعود بالنفع علی البلاد والعباد و لا يمكن أن يكون هاجس الحفاظ علی الولاية والسلطة أولی من الحقيقة والعدالة.
الدكتور سامان سوراني

99
سياسة التفرد والحرب اللاإنساني للمالكي على إقليم كوردستان

 في عام ٢٠٠٣ سقط أحد أصنام الفكر القومي العروبي في المنطقة ، تصورنا بأنه إنقشع حقبة الحكم الشمولي في العراق و تفاءلنا  بتغيير خارطة العلاقات بالمفاهيم والأشياء وقلنا في نفسنا ، لقد حان الوقت لكي تتأنسن الذوات وتذهب الهويات العنصرية المصبوغة بالأصولية المقيتة الی غير رجعة. كنؔا ننتظر من الأحزاب والتيارات السياسية التي تريد أن تكون لاعباً أساسياً علی المسرح العراقي وفاعلاً قوياً في المشهد السياسي  أن تجرّد فلسفتها في الحكم و الإجتماع من كافة الأفكار والعقائد و الصفات والشعائر و الشعارات الميتة أو المستهلكة التي تبقی دوماً عائقاً أمام بلورة صيغة جديدة للوجود أو مشروع للحياة.
أما من الأحزاب والتيارات السياسية التي ذاقت الإضطهاد والممارسات التعسفية اللإنسانية من قبل أيادي الغدر البعثي فكنؔا ننتظر دعم التركيبة الجديدة للعراق ومساندة القضية العادلة لشعب كوردستان و حقه في تقرير المصير أو بناء دولته الكوردستانية المستقلة أسوة بالشعوب الأخری في العالم والعمل علی إنماء الشراكة والمبادلة والتعاون والتضامن في مواجهة القوی التي تنوي خلق الإنسان الأمبريالي الساعي الی نشر أسمائه وصوره أو سلطته بهدف فتح الإمكان أمام الحرب الأهلية المذهبية والقومية و بناء حكومة الشراكة الملغومة.
كل هذه التصورات إصطدمت بالواقع المرير ، فما نراه هو تحرك العراق نحو إنهاض المشاريع الإنفرادية لتشكيل النموذج الديكتاتوري الفردوي و قولبة و تدجين و تعبئة و عسكرة المجتمع العراقي لتحويل الناس الی شهداء و ضحايا لدعوات مستحيلة أو لاستراتيجيات لا تعود بالنفع علی البلاد والعباد بدافع ردع التجربة الديمقراطية في إقليم كوردستان و إزالة الآخر المخلتف المخالف لهذا النهج و إن أمكن سلب حقوقه. إنها حكومة بغداد التي تطبق فقه نوري المالكي. فما يحصل الآن في العراق هو العمل بعقل تقوده القوة الصرفة والمآل هو إما الحمق أو الجنون.  دولة حکومة المالکي تعمل علی إبتزاز حکومة أقلیم کوردستان وتمارس بأساليب غير دستورية حرب إقتصادية ضد حكومة و شعب كوردستان بعد قطع رواتب الموظفين منذ أكثر من شهرين.
فالحصار الإقتصادي وحجب الأموال هي ليست فقط محاولات للضغط علی الإقليم للتخلي عن خطط تصدير النفط من حقوله الی الأسواق العالمية عبر خط أنابيب جديد يمتد إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط ، بل إنها عقوبة تجويع شعب بأكمله ومقدمة لحرب عبثية عدوانية. في السابق عزم المالكي أيضاً خلال التحالف الوطني طرح قانون لتعديل الفدرالية بما يضر باقليم كردستان، مع التنويه بأن القانون الجيد سيقلل من فرص الاقليم ويزيد من صلاحية "المركز"، هذا هو الاستغراق الاستبدادي بعینه والعيش في ثنايا الإرث الدكتاتوري ، الذي يتفق العراقيون جميعاً على رفضه ومحاربته بكونه علامة سوداء من زمن السلطة المطلقة والعدوانية العنصرية للنظام الفاشستي الذي اسقطته الإرادة الدولية قبل أكثر من عشر سنوات.
كيف يمکن بناء الدولة المتحضرة إذا ما لم يحترم أسس الديمقراطية وبنود الدستور من قبل دولة القانون ورئيس الوزراء  والسيد الشهرستاني ، نائب رئيس الوزراء والمسؤول عن الملف النفطي ، الذي يجب أن يکون قدوة للآخرين. إذ من المعلوم بأن ولادة الاستبداد والدكتاتورية مرتبط بانتهاء سلطة القانون . ومن أُعجب برأيه ضلّ وإن خصال المتفرد في الحكم في غير مكان من العالم هو، إنه لا يحسن سوی الخراب والدمار بثوابته المطلقة و أقانيمه المقدسة ، لأن الوحدة لا تقام إلا علی أساس التعددية. والسيد المالكي إذا لا يغير شاشة رؤيته السياسية و لايوقف قراره المجحف الصادر بحق الشعب الكُردي ولا يعيد النظر بالمسلمات والبداهات و لا يعود بأسئلته الی البداية ، ينتج في النهاية بسياستە هذه إستراتيجيات الرفض والإستبعاد وإستئصال الشريك في الحكم التي تترجم عداءً و بغضاً أو نزعات و حروب بين الحكومة الإتحادية وحكومة الإقليم.
إن محاولة إشاعة عدم الاستقرار بالإقليم لن تخدم الوضع العام بالعراق، كما إن محاولة إثارة المتاعب في طريق تشكيل الحكومة الجديدة بالإقليم وابتزازها لن يقود إلى توطيد الأمن والسلم الداخلي.
شعب إقليم كوردستان يرفض لغة "حافة الحرب" ضد الاقليم وسكانه وسوف يكون له موقفاً صارماً تجاه القرارت والمحاولات الفاشلة لرئیس حکومة بغداد ، لكنه يعرف بأن السيد مسعود البارزاني، رئيس إقليم كوردستان ، الذي يتمتع بخبرة وحنكة سياسية واحترام وتقدير علی الصعيدين الداخلي والإقليمي والدولي والذي يساهم في ابتكار صيغ حضارية جديدة لإدارة مجتمعتنا الكوردستاني على قاعدة الديمقراطية ، قادرعلی حل الأزمة الحالية والمواضيع العالقة مع الحکومة الاتحادية بأسلوبه الموضوعي الفريد والرافض لعودة حکم الفرد في السلطة. 
و ختاما نقول : الحدث العراقي عام 2003 كان فرصة وجودية فتحت أمام شعب العراق الذي يری نفسه الی الآن أمام التحدي الكبير لكي يثبت جدارته في إعادة بناء بلده بعقل حضاري مدني ومنطق تواصلي تداولي لكن محاولات الديناصورات التي تريد ممارسة وكالتها السياسية و العسكرية والدينية علی العراق الفدرالي بصورة إمبريالية و تعمل علی طغيان العقل الأمني علی الدولة والمجتمع والناس هي المانع الأكبر أمام بناء عراق فيدرلي إتحادي تعددي يصان فيه الدستور ويطبق بنوده. أفكارهم و ممارساتهم تتجلّی جهلاً و نفاقاً و تسلطاً و تخريباً.
الدكتور سامان سوراني


100
وظائف بنوك التفكير (Think Tanks) والتخطيط الاستراتيجي وأهمیتها

إن ما ماتدرج تحت إسم الثينك تانكس أو مراكز البحوث والدراسات السياسية ماهي إلا منظمات غير حكومية أو غير ربحية وفي بعض الأحيان شبه حكومية تقوم بأنشطة بحثية سياسية تحت مظلة تثقيف وتنوير المجتمع المدني بشكل عام ، وتقديم النصيحة لصناع القرار بشكل خاص.
وليس من الضروري أن تركز بنوك التفكير فقط علی أمور تتعلق بالسياسات الخارجية أو قضايا عالمية  قوم بالبحث في أمور مرتبطة بالسياسات المحلية منها إقتصادية أو بیئیة أو قضايا الطاقة والزراعة.
في مقال سابق لنا تحت عنوان "إقليم كوردستان و دور مراكز الأبحاث في صنع القرار السياسي" سردنا تاريخ نشٶء مٶسسات الفكر في الولايات المتحدة الأمريكية وذكرنا الدور الفاعل لبعض مؤسسات الفكر والرأي كمؤسسات أبحاث حول السياسة ، التي تقوم بتقويم السياسات السابقة ، لتضعها في إطارها التاريخي والسياسي السليم أو تقوم بتحديد الآثار بعيدة المدى للسياسات المتبعة تجاه الأصدقاء والأعداء.
هناك مٶسسات غربية تناولت في السابق وهي مستمرة الی الیوم في تناول القضايا المتعلقة بإقليم كوردستان. لكنە آن الأوان للباحثين الكورد بصفتهم مراقبين مشاركين ، وبالأخص الذين يعيشون في كوردستان ، أن يتناولوا الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعاني منها الإقليم وينتجوا البحوث المعمّقة الأكثر موضوعية ، كونهم لايعانون أوجه القصور المنهجيّ والثقافيّ واللغويّ التي تعاني منها المؤسّسات الغربيّة. نری من الضروري الإهتمام بمواضيع عامة تشمل الإصلاح السياسي والإداري، والعلاقات الخارجية للأنظمة والقوّة الفاعلة ، وقضايا الأمن ، والأمن القومي ، والاقتصاد و علیهم بالأخص التركيز علی الأزمة السورية و مشكلة الملف النووي الإيراني والدور المستقبلي لكل من تركيا وإيران في المنطقة وكذلك دراسة التغييرات التي تطرأ علی المجتمع والقضايا السكانية والتعليم والصحة والوفيات والجندر، وقضايا الهويّة ، وفرص العمل للخريجين وغيرهم وأسباب البطالة والحركات الاجتماعيّة ودور المجتمع المدني والتّنظيمات المدنية ، والسّياسات الاجتماعية المتكاملة والاندماج الاجتماعي ، والسّياسات الدولية للتّنمية ، ودور المؤسّسات الدوليّة والإسقاطات السكّانية العالميّة. 
أما من ناحية السياسة والدراسة الإعلامية ودورها واستقلاليّتها وملكيّتها ، وصناعة الرّأي العام وتكنولوجيا المعلومات ، فعلیه إجراء دراسات حول كيفية تناول الغرب لقضايا كوردستان وتقييم أداء الإعلام الأقليمي والمحلي. وفي المجال الإقتصادي يجب متابعة الإقتصاد السياسي للإقليم والعراق والمنطقة وفرص التعاون الإقتصادي المشترك ودراسة سياسات البك الدولي و صندوق النقد الدولي و تدفق الرأسمال الأجنبي والاستثمار والتكنولوجيا وتنمية المشاريع والهياكل الأساسيّة الخدميّة.
مراكز البحث يجب أن تهتم بالقضايا البیئية  لحماية الموارد الطبيعية والأمن الغذائي وتقوم أيضا بتقييم سياسات التربية والتعليم بما في ذلك التعليم العالي وأسباب عدم تطوير مستوی التعليم ومناهج التدريس ولغة التدريس.
فالمجتمع الذي يأخذ مسألة الوعي بالتغيير بعين الإعتبار و يحاول زرع هذا الوعي ويعتنی به بشكل مطلق يستطيع الوصول إلى حالة الإدراك المتبادل بين مصاعب الحاضر ومشكلات المستقبل. أما البحث والإستقصاء في القضاء على عوامل التردي التي خلقتها قوى مضادة متغلغلة في دواخل مجتمعاتنا ، وتجد غذاءها من قوى إقليمية و كبرى، فهو سينقذ مجتمعاتنا من ورطاتها التي يتفاقم خطرها يوما بعد آخر. المعلوم هو أنە من الممكن من خلال بنوك الفكر العمل علی خطط تتعلق بالمستقبل ورٶی من أجل المستقبل ومشروع عمل أو خارطة طريق ، لأننا نعيش زمن يتحرك حركة قوية. علینا معرفة المسار والنطاق القيمي ، فنحن بحاجة عمليّة ونظريّة ماسّةٌ للتدقيق في معاني معظم، وربّما كلّ المفاهيم المستخدمة في التعبير عن المعرفة الإنسانيّة عموماً ، وعن تلك المتعلّقة بالشأن السياسي خصوصاً.  ولابد ترك التباكي علی القيم المنهارة أو علی الحداثة الآفلة ، فالإنسانية تشهد اليوم ولادة جديدة مع العصر الرقمي ومن الواضح بأن لكل عصر تقني شكله البشري ونمطه الوجودي، إذن لابد من ظهور فاعل بشري جديد علی المسرح ، الذي يروع الكتل الدينية بتیاراتها ومعسكراتها ويقلل من بريق شعاراتها ورموزها وقيمها.
وللتأكيد علی الأهمية العظمى لدور المعرفة والعلم والعقلانية في عالم السياسة وفي التجارب السياسية الناجحة والمثمرة والمفيدة نعيد هنا قول الحكيم اليوناني أفلاطون (427-428 ق.م \ 347-348 ق.م) في جمهوريته: 
"يا عزيزي غلوكون ، لا يمكن زوال تعاسة الدول ، و شقاء النوع الإنساني ، ما لم يملك الفلاسفة أو يتفلسف الملوك و الحكام ، فلسفة صحيحة تامة. أي ما لم تتحد القوتان السياسية والفلسفية في شخص واحد ، وما لم ينسحب من حلقة الحكم الأشخاص الذين يقتصرون على إحدى هاتين القوتين ، فلا تبرز الجمهورية ... إلى حيز الوجود و لا ترى نور الشمس. والذي حملني على التردد في إبداء الرأي هو شعوري انه يضاد الرأي العام كل المضادة ، لأنه يعسر الاقتناع بأنه وسيلة لحصول الفرد والدولة على السعادة."
الدكتور سامان سوراني

101
تشكيل حزب سياسي جديد في مدينة كركوك الكوردستانية

بداية لابد أن أذكر الأسباب والدواعي التي أدت الی الكتابة حول فكرة تشكيل حزب سياسي في المدينة الكوردستانية كركوك. ففي العديد من لقاءاتي مع مجموعة من الأصدقاء الكركوكيين القدامی ، أصحاب الرٶی الكوردستانية المعاصرة المهتمين بالفكر والسياسة ، يتم طرح الموضوع المعنون وبحث جوانبە الجدؔية.
فهم يبدون دوماً رغبتهم الشديدة في الدعم المادي والمعنوي لتلك الفكرة ، فيما إذا تم التنظير لە. بعضهم يجاملني ، مادحين مؤهلاتي العلمية القاعدية المتواضعة وقدرتي على التعامل مع العلم والثقافة والسياسة بروح علمية تخضع للعقل والمنطق والتأمل ومازحين بالقول: "لماذا لا تقوم بالتنظير لتشكيل حزب سياسي؟"
إن تشكيل حزب سياسي يمتلك القدرة الفكرية علی قراءة الواقع الكركوكي بإستقلالية تامة والإلمام بالزمانية وإستیعاب المفاعیل الإجتماعية والسياسية وتجنب التعثر والإخفاق في مواجهة المشكلات المزمنة والمتراكمة في مجالات التنمية والمعرفة والسياسة ، بإعتبار المجتمع الكركوكي مٶسسة ثقافية تبنی وتتطور من خلال إنتاج المعاني والقيم والأفكار ومعاصرة هذا العصر الكائن بعد أن تبدل نمط الوجود وأساليب العيش بقدر ماتغير نظام العالم ومنطق الأشياء، بالطبع هو قضية مهمة.
فالحزب السياسي الحي ، الذي يعيش في جو واقعي ويفهم مختلف التيارات التي تعترك في كركوك ويكون قادراً علی التوافق بين حيويته كحزب والجوهر الثابت من الأمور ويٶمن بحرية التعبير، والاجتماع ، والاعتقاد ، ومنح الفرص للمواطنين بشكل متكافئ ، والتوزيع العادل للثروات ، ومحاربة الجهل والأمية ، وطلب العلم والمعرفة ، ومجانية التعليم والعلاج ، وإستفادة الشعب بشكل مباشر من ثروات المدينة ، وإرجاع الأراضي الكوردستانية المستقطعة الی حضن الإقليم ، والعمل على وحدتها مهمة إنسانية أولاً وواجب وطني ثانیاً. فليكن حزب سياسي يحترم مبادیء الدیمقراطية ولايحتضن أعضاء يعيشون في الماضي بعقائد سياسية تقليدية أو نخب فاشلة وعقليات كسولة وثقافات فقيرة ، بل يحکتم الی المٶسسات ويكسر إحتكار المجال التقليدي لصناعة السياسة وإدارة وتدبير شٶون الحكم ويستطيع تشخيص الواقع العراقي الراهن بتحولاته وصراعاته و صداماته وإخفاقاته وخططه المستقبلية المخيفة بمنهجية لصوغ معادلات وأساليب وآليات.
من الواضح بأن الدستور العراق الفدرالي المستفتي علیه في ١٥ تشرین الثاني عام ٢٠٠٥ قد نص في المادة ٣٧ علی كفالة حرية تأسيس الجمعيات والأحزاب السياسية أو الانضمام إليها دون فرض شروط أو قيود قوية وفعلية على تأسيس الأحزاب السياسية ومن ثم على نشاطاتها ، مما ينعكس على دورها الفاعل في حماية القواعد الدستورية من موقعي الحكم أو المعارضة. إذن تشكيل حزب أو تنظيم سياسي ضمن الشروط المذكورة في الدستور مسألة غير معقدة ، يمكن تحقيقها في فترة قصيرة.
والمادة ٧ - أولاً من هذا الدستور لايحد من تلك الحرية بل يحظر تبني أي كيان لأي نهج عنصري أو إرهابي أو تكفيري أو طائفي أو يحرض أو يروج له. نحن نعتبر هذا الحظر موضوعي و واقعي ، لأنه يفعؔل و ينشؔط دور الأحزاب السياسية ولا يشكل قيداً علی نشاطهم. 
الهدف من تشكيل الحزب السياسي هو فهم الترابط بين أجزاء العملية السياسية وبالتالي تفسير ما يدور بالساحة السياسية كمقدمة ضرورية لاتخاذ القرار بشأن التحرك السياسي الملائم وفتح آفاق العقل للتعامل مع الأحداث بطرق حكيمة وبنظرة واقعية قادرة على تحقيق الأهداف بأفضل النتائج بأقل التكاليف.
ولكي يتمتع الحزب أو التنظيم السياسي بالشخصية الاعتبارية من الناحية القانونية فمن المستحسن أن لايقل عدد طالبي العضوية عن ألفين وخمسمائة عضو كحد أدنى عند تقديم طلب التأسيس ، وعلی ان يكون الأعضاء للمرحلة الحالية من محافظة كركوك.
أما مبادئ واهداف الحزب السياسي الجديد فيجب أن لاتتعارض مع الدستور ويجب أن يتم إختيار قادته على اساس الكفاءة ، لا علی أساس تمييزي للدين او العرق او اللون و أن لا يهدف الحزب ببناء تشكيل عسكري ، وعلیه السعي في سبيل الوصول الی الموقف الواحد بعد رص الصفوف والالتزام بالوحدة الكوردستانية.
إذن نحن هنا إزاء مشروع ، فكراً وعملاً ، يسلط الضوء علی الإمكانات التي تبثق مع العقل التواصلي والعمل المعرفي ، سبراً واستغلالاً ، من أجل التحول من مجتمع النخبة والخاصة أو الرعايا والعامة الی مجتمع المهن والإختصاصات والقطاعات المنتجة والفاعلة ، حيث الأفراد والمجموعات يفكرون ويعملون كفاعلین یتحملون المسٶولية عن تشخيص المشكلات ومعالجتها بقدر ما يسهمون في أعمال التنمية والبناء. والذي يٶمن بالتنوع والإختلاف ويرتهن علی المستقبل و يسعی بجهوده الذاتية لترقية مصلحة كركوك علی أساس مبدأ متفق علیه بين المجتمع الكركوكي للإحتفاظ بالإدارة الشرعية والخروج من الماضي البائس وبٶس المجتمع التقليدي ينجح في مهامه.
فالخروج ينقل المجتمع الكركوكي الی مستوی العصر و يقربه من صناعة الوحدة الكوردستانية وتدبير المصلحة العمومية. إن تحقيق العدالة الاجتماعية بتوفير الحد الادنى للحياة الكريمة التي تلبي كل الحاجيات والرغبات الانسانية الضرورية من غذاء ورعاية صحية وتأهيل تعليمي وسكن إنساني وفرص عمل كريمة يجب أن تكون من أولويات عمل الحزب السياسي بعد تعزيز ثقافة الديموقراطية بين المواطنين وطرح التصورات الواقعية لحل مشكلات المجتمع فى كافة المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأمنية والإستراتيجية انطلاقاً من رؤية كركوكية. وهكذا يقع علی عاتق الحزب مسؤوليات جدية في تعرف مشكلات المجتمع الفعلية على نحو موضوعي وتفصيلي ، وتعرف اتجاهات الرأي العام إزاء كل منها، وسبل معالجتها.
الحزب السياسي المعاصر يجب أن يتبنى مفهوم الديمقراطية بأوسع معنى لها، ويعني هذا بصفة خاصة أن الديمقراطية ، حكم الشعب ونفاذ إرادته ، هي القيمة السياسية العليا التي لا تخضع لأية قيود ، والعمل على بناء مؤسسات تضمن سلامة ومشروعية الحكم ، والإنتقال الآمن للسلطة ، وتحقق استقرار العمل العام بما يحقق التداول الطبيعي للسلطة بين التيارات والأحزاب.
ومن المعلوم بأن حيادية مؤسسات الحكومية هي الصمام الرئيسي لسير العملية الديمقراطية بشكل سليم. فالتوجه نحو اللامركزية في إدارة المؤسسات مع المرونة اللازمة لتنوع برامجها ومساعدة المواطنين على إتخاذ القرارات و تعليمهم أساليب أبداء الرأي في كل قضية تحتاج إلى آرائهم حتى يتم إتخاذ قرار سليم بشأنها ، یجب أن يدخل في إطار برامج الحزب.
بالطبع هناك نقاط ومحاور أساسية أخری يمكن أن تطرح بالتفصيل كرؤية الحزب الشاملة وبرنامجه وخاصة محاور السياسة الخارجية والأمن القومي والقضايا الداخلية والإقتصاد والإجتماع والتربية والتعليم والإعلام ومسائل إحترام حقوق الإنسان والحفاظ علی البیئة من التلوث وغيرها ، لكننا هنا أردنا بإختصار أن نشير الی طرح موضوع ضرورة تشكيل حزب سياسي معاصر يخدم قضية كركوك. 
وختاماً: "الحزب السياسي هو البرنامج لا العقيدة. البرنامج الذي يستمد قيمته ومشروعيته ومصداقيته من الجدوى والإنجاز؛ أي من إجابته عن أسئلة الواقع ، بخلاف الحزب الأيديولوجي الذي هو عقيدة ثابتة تستمد قيمتها ومشروعيتها ومصداقيتها من ذاتها فحسب. وفي البرنامج لا شيء ثابت ولا شيء نهائي ولا شيء مطلق ولا شيء يقيني ولا شيء مقدس؛ كل شيء قابل للنقد والمراجعة والتدقيق والتصويب والحذف والتعديل ، بخلاف الأيديولوجية على خط مستقيم."
الدكتور سامان سوراني




102
جذور الإرهاب الفكري والنزعة الإرهابية في الشرق الأوسط

من الواضح بأن العامل الذي يحد من عملية الإبداع الفكري و يقوي سلطة الرقيب عند الفرد الشرق الأوسطي ، الذي يقضي في أغلب الأحيان طول أو نصف عمرە في بلد ما بشكل إجباري لا يتمتع بالحرية والوعي بل يعيش الظلم والإستبداد والإرهاب الفكري الهادف الی إفساد كل معتقد أو سلوك باستخدام الوسائل والأساليب المعنوية التي تخلّ بأمن واستقرار البلد و تؤثر بشكل سلبي على المواطنين ، هو بذور التخلف والتردي التي يحمله الإنسان تحت طيات جلده وفي جيناته الوراثية. فإذا بالشخصية تنجب التقوقع والنزوع الی الباطنية وبالنهاية الی التخلف من الناحيتين الثقافية والحضارية.
دول شرق أوسطية تنظم وتقاد من قبل عناصر ومٶسسات ديكتاتورية لا ينشغل معظمها بحقوق الانسان والديموقراطية الا بالمقدار نفسه الذي يشغل الإرهابي السلفي ، الذي لايملك معنى ثابت او جدول عمل أو محتوى سياسي. فكيف بتحقيق أحلام الفيلسوف التنوير الألماني إيمانوئیل كانت (١٧٢٤-١٨٠٤) ، الذي جاهد بأفكاره في سبيل المواطنة العالمية والحق العالمي الشامل ومفهوم "الجماعة الكونية" و تطبيق أدوات دبلوماسية كالحوار السياسي أو الفلسفي ، التي هي في صميم كل استراتيجية دبلوماسية؟
وكم من مرات شاهدنا فيها محاولات من قبل جهات قمعية لتدجين صاحب الرأي الآخر وتحويله الی ببغاء يردد مايقال له من كلام غير مفيد أو يصلي خلف "الإمام" ، يقوم و يرکع و يسجد مثله ويكرر ما يقوله ، كالروبوت (إنترنسينالسم) أو ما يسمى بالعربية بالإنسان الآلي. وهنا لا أريد أن أدخل في المٶثرات الجانبية للإرهاب الدموي اليومي المتجسد بمشاهد القتل والاغتيال والإبادة والتّفجير والتّخريب والتّدمير والاعتقال والإذلال والظّلم ، التي تزرع الخوف والهلع في النفوس وتجعل الإحساس المستمر بالقلق وإنعدام الأمن والأمان صاحباً ملازماً للإنسان. والمآل هو دوماً بعكس الإدعاء ، فالمجريات تفضح الدعوات و النتائج تنقض المقدمارت ، والحصاد هو تخريب البیئة الإنسانية وقطع العلاقة مع الأرض والتاريخ والذاكرة.
إن عدم إتاحة الفرصة للتعبير عن الفكر دون تردد أو قلق يجعل التربة خصبة لنشوء كل أنواع الإرهاب بدءاً بإرهاب الدولة وإنتهاءاً بالإرهاب الاقتصادي والاجتماعي والفكري. إن المدافعة عن الهوية والثوابت أو عن الحقيقة والعقلانية والحرية بعقلية المناضلة تٶدي الی الفشل في النضال والی خسارة القضايا.
والسذاجة هنا تكمن في أن الفرد الشرق الأوسطي ينتظر الخلاص والإنقاذ ممن لا يحسن الإنتصار إلا علی شعبه و مواطنيه ، كما أثبتت التجارب ، حيث كان الشعب ينتظر من هذا القائد أو ذاك النصر والظفر ، فإذا النتيجة أنظمة للسيطرة ومجتمعات معسكرة ونماذج للتنمية غير فعالة. ومن يحسب الهزيمة نصراً والمشكلة حلاً يقفز فوق جذور المشكلات والأزمات ، لكي يمارس طقوس الإستنكار للعدوان ولكي يصنع قيود الفقر وأدوات الرعب والملاحقة.
الفرد الغربي علی العكس منؔا يخضع أفكاره وثوابته للدرس والتحليل وبه يخلق لغات مفهومية وأطر نظرية أو مباديء إستراتيجية ، يجدد معها الوجهة والعدة أو المهمة والطريقة ، يتغير و يسهم في تغيير العالم. أين الفرد الشرق الأوسطي من كل هذا؟ 
من المعلوم من أن زوال الآثار النفسيّة للإرهاب من حياة الإنسان مرتبط جوهرياً بزوال الإرهاب نفسه ، لذا نری من الضروري أن تتضافر كافة الجهود للتّخلّص منه وذلك بإشاعة الديمقراطية الحقيقية وصيانة الحقوق والحريات العامة واحترام الرأي الآخر والعمل علی محو مفاهيم الاستبداد في المجتمع ، التي أصبحت ثقافة سائدة في السياسة والدين ، والبيت ، والشارع ، والجامعة ، وفي كل نواحي الحياة وكذلك مكافحة المفاهيم السلبية الخاطئة في نفوس البشر ، التي تٶدي في النهاية الی قمع الإبداع الفكري والصمت على الظلم والفساد و إكراه الذي يريد العيش بكرامة و الحقد علی المثقف والمفكر بتكفیره.
وختاماً: "الأفكار ليست أيقونات للتعبد ولا هي متحجرات نعود بها إلى الوراء ، من ينظر الیها بهذا الشكل يساهم في إنتاج البٶس والوحشية والدمار. علينا إذن في عصر العولمة والوسائط ترسيخ مبادیء تربوية تٶدي الی التخلي من دور الإنسان المتأله أو الوصي أو صاحب الدور الرسولي النبوي، نحو الفرد البشري الذي يتعامل مع نفسه بوصفه وسيطاً لا أكثر، وذلك من منطق المسؤولية المتبادلة والشراكة في صناعة الحياة والحفاظ على المصير."
الدكتور سامان سوراني

103
سياسة حكومة إقليم كوردستان وخصائص السياسة الأمريكية 

للسياسة الأمريكية خصائص تستند إلى نظريات تشتق من الواقع الجيو-استراتيجي والمصالح الحيوية في أقليم أو منطقة جغرافية ما. ومن أهم هذه الخصائص أنها تعتمد على الحلفاء الإقليميين والمحليين في تأمين مصالحها. وعندما يتحول حليف من حلفاءها إلى حالة مستعصية ، أو عندما يصبح عبئاً عليها سواء لأنه فقد دوره أو لأنه يتعرض لخطر الإسقاط ، فأنها تغدر به و تتخلی عنه بسرعة البرق لصالح البديل الجديد والقوي.
وفيما يخص حكومة إقليم كوردستان ، فإنها تمثل الشعب الكوردستاني وهي منتخبة من قبلها ، لذلك فهي لاتملك المغامرة بمستقبلها السياسي بتفاهمات خاصة مع الولايات المتحدة بعيداً عن مصالح الشعب الكوردستاني وبعيداً عن الشفافية وهذا ما يوجه صانع القرار الأمريكي إلى تغيير فلسفة التعامل والتفاوض مع القيادة الكوردستانية لتكون تفاهمات بين شعوب وليس بين حكام. فنشر الديمقراطية يجب أن يتم عبر الدبلوماسية ، مثل تنظيم شراكات مٶيدة للديمقراطية ، وعبر دبلوماسية الرأي العام.
في إقليم كوردستان نری بأن الطلب علی الديمقراطية و الإصلاح هو طلب داخلي ، لأن الشعب يری بأن العالم المليء بالديمقراطية هو عالم الأكثر إحتمالاً ليكون عالم إزدهار إقتصادي و سلام من عالم مليء بالديكتاتوريات.
أما العمل علی نشر الديمقراطية فهو عمل طويل الأمد ويعتمد علی الفرص ويتعين علیه أن ينتظر النضج التدريجي لتكون الظروف السياسية والاقتصادية مٶثرة.
والعمل من أجل إنجاح التجارب المستقبلية وولادة الإنسجام المصيري بين حكومة الإقليم والمجتمع الكوردستاني يحتاج الی التضامن والتكتل لرسم خريطة إتحادية معاصرة وصناعة إرادة كوردستانية قادرة علی إعادة الهیكلة السياسية.
المجتمع الكوردستاني أنتابه في السابق تیارات الإنقسام والصراعات المحلية والخلافات الجهوية والعشائرية ، التي كانت عوامل أساسية في فتح ثغرات خطيرة ، ينفُذ من خلالها العدو الرافض لحقوق الكورد المسلوبة. والتحرك الرسمي من أجل التغيير نحو المستقبل، ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار مسألة الوعي بذلك التغيير، ومحاولة زرعه ، والعناية به عناية مطلقة، كي يصل هذا المجتمع إلى حالة الإدراك المتبادل بين مصاعب الحاضر ومشكلات المستقبل.

من الواضح بأن أمريكا غير قادرة على منع حركة التاريخ باتجاه التغيير في المنطقة ، ما يدفعها إلى التفكير ببرنامج التعايش والتعاون بدل الصدام مع الحكومات الجديدة وقواها السياسية. ودبلوماسية التغيير و التحول الديمقراطي جاءت في مقدمة سياسات البيت الأبيض، على الأقل على مستوى الأقوال. بالرغم من أن الكورد عانوا الظلم و الإستبداد والإقصاء علی أيدي الذين  موطنهم و ساندوا الغير ليحکمونهم إحتلالاً ، و بالرغم من أن الكورد هم المجموعة العرقية الأعظم عدداً بغير دولة مستقلة معترفة بها دولياً تجمعهم ، فأن القيادة الكوردستانية تسعی ببرنامجها السياسي السلمي جاهداً لتثبت للمنطقة والعالم بأن خطواتها تتسم بالحكمة تنیر درب الديمقراطية علی أرضها.
الشعب الكوردستاني يتمتع بفضل هذه السياسة بأعلى مستويات المعيشة وإقليم كوردستان يتمتع بأفضل معدلات الاستثمار الأجنبي والاستقرار الأمني في العراق والمنطقة.
لقد تمكنت حكومة إقليم كوردستان رغم التجربة الغير طويلة في إدارة الحكم استخدام اسلوب القوة الناعمة في التعامل مع جميع الاطراف وتجنب التصعيد والمواجهات و إستطاعت رغم التحديات الجسيمة اضفاء الطابع الديمقراطي على الحكم من خلال تأسيس عقد اجتماعي جديد بينها وبین المجتمع لتكون فيه المواطنة محور الرابطة  بين الإقليم ومواطنيها ، إستناداً علی احترام حقوق الانسان ، واقرار التعددية السياسية والفكرية ومبدأ الفصل بين السلطات ، والسماح لمختلف القوى والتكوينات الاجتماعية من التعبير عن مصالحها وايصال مطالبها عبر القنوات الشرعية ، وضمان مشاركتها في مؤسسات الأقليم وهياكلها بصورة فعالة ، وافساح المجال امام نمو المجتمع المدني وتوفير متطلبات المشاركة السياسية ، واحترام استقلال السلطة القضائية و إقرار التداول السلمي للسلطة بحسب الارادة الشعبية.
وما المحاولات الماراثونية من قبل الأحزاب السياسية الرئیسیة الفائزة في الإنتخابات البرلمانية الأخيرة لتشكيل حكومة ذات قاعدة موسعة تضم جميع القوى ليكون بمقدروها تقديم خدمات افضل وتعكس ارادة جميع مكونات الشعب ، بالإضافة الی اتخاذ القرارات الوطنية المصيرية و الحفاظ علی المصلحة الوطنية والنسيج السياسي والاجتماعي للمجتمع عن طريق حوار بناء ومثمر إلا دلیل علی مانقول.
وختاماً: "إن هویتنا ليست مانتذكرە ونحافظ علیه أو ندافع عنه. إنها بالأحری ما ننجزه و نحسن أداءه ، أي ما نصنعه بأنفسنا وبالعالم ، من خلال علاقاتنا ومبادلاتنا مع الغير."
الدكتور سامان سوراني

104
الأختام الأصولية واللامعقول الديني في العراق والشام

لقد بات الإرهاب ، الذي إتخذ اليوم طابعاً يضيف الى القدرة على الظلم النزعة الى الإذلال ، ظلؔ يلازم الأنظمة بعد أن إنتشرعالمياً وتوغل الی أعماق الثقافات التي تحاربه. فهو مشكلة معقدة ونزعة تدميرية ومرض فتاك لايكفي لمكافحته وإخماد ناره الإكتفاء بالإدانة الأخلاقية ونشر بيانات الشجب عن طريق الوسائل الإعلامية المزدوجة ، التي تغازل الدعوة الی اللاأنسنة بإسم الدعوة الی المثل العليا والقيم السامية ، بل بإيجاد تدابير تجتثه من جذوره ، كإنهاء المركزيات الإثنية والدينية والإيديولوجيات التي تهمش تضامن الأفراد و حسن التعايش ضمن منظور ايكولوجي ايطيقي. أصحاب المواقف القصوی والثنائیات العقيمة والخانقة والتنظيمات الباطنية المسلحة لاتحترم الخصوصيات القومية والثقافات المغايرة ، بل تنادي بالإنغلاق الديني والعقل الأحادي الی الإستبعاد والتضاد وتعمل من أجل تطور لامتكافیء بين الدول والشعوب والثقافات.
في عالم الصيرورة والتحوؔل وعصر الإعتماد المتبادل لايمكن أن يتم تشكيل الهوية البشرية بالتعسف والشطط أو بهدم التوازن بين الروح والجسد وبين الفكر والمادة وبين الأخلاق والسياسة أو بإحالة الجماعات الی أدوات وأرقام ، أو الی قطعان بشرية تجري تعبئتها وقولبتها لممارسة العدوان وشن الحروب ، تحت شعارات دينية أو مشاريع التحرر. 
الأسلمة ليست الحل أو المخرج كما تدعي الجماعات الإرهابية ، بل هي المأزق والعائق وهذا ما يمكن قرأته وإستنتاجه من عمل الداعية التراثي أو الجهادي الأصولي ، الذي يتعامل مع الشأن الديني من زاوية التوظيف السياسي ويعمل بذهنية التحريم و يميل الی تغليب الحقيقة الواحدة على نسبية المعرفة أو إقصاء المغايرين وتكفير المخالفين ولايتسامح مع الآراء المتعددة ويرفض التنوع في الأفكار.
للتحرر من الإرهاب ، الذي لايميز بین مذنب وبريء أو بین مدني وعسكري أو بين آمن ومحارب ، علینا أن ندرك الحدود الفاصلة بين المعرفة والمصلحة والقيام بإيجاد علاقة ضرورية بين التلعليم والتربية و بناء مشروع فلسفي لعقلنة الواقع وإدراك حدود هذه العقلنة. أما الحوار السلمي شرط امكان قيام سلم دائم بالنسبة للدول والشعوب والخضوع الی الخيار العقلاني وحكمة المنطق والفعل التواصلي في الفضاءات العمومية من الشروط الضرورية لتجاوز العنف ، ومن لا يقدر علی الحوار ولايجعل من العلاقة التعادلية المنفتحة أساس للإنطلاق ، ينحو نحو منطق الإقصاء الذي لايولد إلا المعارض العدو اللدود.
الأختام الأصولية واللامعقول الديني هي آفة أو ظاهرة متفشية وثمرة من ثمرات الثقافة الدينية الرائجة بمرجعیاتها ورموزها وتعالیمها ، كما بفتاواها وأخطاباتها وأحكامها. فالذي يدين سواه بوصفه غير متديؔن أو لاينطلق من منطلقات دينية ، إنما يفكر بعقلية إرهابية ، هي نفس العقلية التي يعمل أصحابها علی تفجير المدارس أو المطاعم أو المساجد أو الأسواق المكتظة بأجساد الآمنين والأبرياء وهي نفس العقلية التي تسعی في كل من العراق وسوريا الی تعزيز مناطق النفوذ وإقامة دولة تسمی بـ"الإسلامية" علی جانبي الحدود العراقية -السورية.
هٶلاء بدعاواهم المزيفة يزعمون بأنهم يسعون مخلصين الی خدمة دين الله وشريعته ، دعاوی تخرقها وتخرمها دوماً الوسواس والهواجس والشبه والشكوك والأهواء والأطماع. هٶلاء ينتهكون القيم والمبادیء والأحكام التي تتعلق بالعدل والحق. أمراء تلك الجماعات الإرهابية نصبوا أنفسهم وكلاء علی سواهم ، يدعون أنهم وحدهم دون سواهم ينطقون بإسم الله ويسيرون علی الصراط المستقيم. إنهم بحق أسلحة الدمار الشامل ، التي صنعتها الثقافات الدينية المزدوجة علی مدی عقود من الزمن. إنهم من صنع الوهم القاتل المزروع في العقول ، يعتبرون أنفسهم أهل الفرقة الناجية ، الذين أصطفاهم ربهم لكي يختم الوحي علی يدهم وبلغهم آخر ماعنده من رسائل وتعاليم وقرارات. وهكذا أصبحوا آلهة فعلية لارمزية ، مفردات قوامیسهم لاتحتوي علی الإهمال والتمهل ، العفو والغفران ، إنهم يعاقبون قبل اليوم الموعود ، بإستخدام وسائل الرعب وآليات الدمار، لكي تحيل الحياة في العراق والشام الی جحيم لايطاق أو لكي تتحول هواجس الهوية الی فخ يلغم العيش المشترك ويزيد المسلمين عزلة.
وختاماً: "التعصب لايمارس من خارج الدين أو ضد مبادئه ، بل هو صناعة دينية تماماً كما الإرهاب ليس خططاً شيطانية ، بقدر ماهو صناعة بشرية.
الدكتور سامان سوراني


105
إقليم كوردستان ودور مراكز الأبحاث في صنع القرار السياسي

من الواضح بأن للمعرفة كقوة تأثيرعلى السلطة وأن السلطة من جانبها توظف المعرفة لتحقيق السيطرة وضمان المصالح. وهذا ما قاد الدول و جهات إلى الاهتمام بإقامة مراكز الأبحاث القادرة على إنتاج العديد من المشاريع الإستراتيجية الفاعلة علی المستويات السياسية والإقتصادية والعسكرية ،  بل وحتی الإجتماعية والثقافية ، تُستخدم لصنع السياسة والتأثير علی الرأي العام وصناع السياسة. هذه المراكز أصبحت اليوم من خلال النشاطات العلمية التي تقوم بها ، من الأبحاث والمؤتمرات والإصدارات الدورية والكتب والمنشورات التي تنشرها واحدة من المرتكزات الأساسية لإنتاج المعرفة والتفكير العام في الدولة ، تعطي للمختصين وصانعي القرار في الدولة أو في القطاع الخاص بدائل يمكن أن يختاروا أفضلها و تقدم في بعض الأحيان البديل الوحيد ، الذي لابد من الاعتماد عليه في مواجهة التطورات والأحداث المتسارعة.   
في بعض البلدان كالولایات المتحدة الأمريكية مثلاً نری أن مراكز الأبحاث أو مايسمی ببنوك التفكير أو think – tanks هي في الغالب مٶسسات تعلن عن نفسها علی أنها منظمات غير حكومية (NGO) أو منظمات غير ربحية ، تحمل أسماء و تعريفات مختلفة و تطلق في بعض الأحيان على نفسها اسم (مؤسسة foundation) أو (معهد institute) أو (الصندوق fund) أو (الوقف endowment) تقع تحت قطاع ذو نفوذ يتمتع بدور أساس في عملية صنع القرار ، وهي غير مؤسسات اللوبي. 
من منؔا لا يتذكر مدی دور وتأثير نظریتين سياسيتين نشرتا في نهايات القرن العشرين وهما "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" لفرانسيس فوكوياما و "صدام الحضارات" لصاموئيل هنتنجتون، كانتا نتاج الثقافة والفكر الأمريكي النابعة من مراكز الأبحاث والأفكار والمعارف المدعومة من قبل قوة الدولة الأمريكية. 
في إقليم كوردستان هناك عدد قليل من مراكز للبحوث والدراسات الإستراتيجية ، لانعرف إن كانت فاعلة أم لا ولا نعرف أيضا إن كانت هذه المراكز تقوم بتقويم السياسات السابقة ، لتضعها في إطارها التاريخي والسياسي السليم أو تقوم بتحديد الآثار بعيدة المدى للسياسات المتبعة تجاه الأصدقاء والأعداء على حد سواء ، فيما يتعلق بمصالح إقليم كوردستان ومكانتها الإقليمية الخاصةً؟
سٶالنا بالتحديد هو ، هل هذه المراكز تقوم بطرح أفكار وآراء جديدة ، وتقترح السياسات البديلة ، خلال المدة التي تسبق مباشرة انتقال السلطة من إدارة إلى أخرى ، أو بعد حدوث حوادث إقليمية أو بروز ظواهر جديدة أو مستجدات كقضايا الإرهاب مثلاً ، لكي تكون تلك الأفكار والمقترحات تحت تصرف صانعي القرار السياسي الجدد ، و هل تقوم بتزويد الإدارات المتتابعة والأجهزة المختلفة بالخبراء أو تقدم المشورة والنصح لأجهزة مؤسسات الدولة أحياناً بناءً على طلب تلك الأجهزة وهل تفتح دورات تدريبية للجيل الصاعد من القيادات الفكرية والسياسية ليكون جاهزاً لتسلم الإدارات السياسية العامة للدولة؟
فمن خلال عقد الندوات والمٶتمرات ونشر الكتب والدرسات وإصدار النشرات والمجلات أو التقارير وتقديم التحليلات عن طريق الإنترنت لتبرير سياسات معينة أو نقدها أو لترويچ أفكار عصرية سوف تكون لها تأثير في الرأي العام وفي صنع السياسة والقرار السياسي.
إن تنمية القدرات التراكمية في مجالات الفكر والسياسة والإعلام سوف تجسد الذاکرة الجماعية لشعب كوردستان و تبلور مواقفها ومصالحها. 
لايخفی أن مؤسسات الفكر والرأي كمؤسسات أبحاث حول السياسة لها تاريخ المائة عام في البلدان المتطورة ، فمثلا مٶسسة "بروكينغز" ، التي أنشأت عام ١٩٢٧ بعد إندماج مٶسسات فكرية أمثال "معهد الأبحاث الحكومية" لتصبح أيقونة في واشطن أو مؤسسة “راند كوربوريشن” لتعزيز وحماية مصالح الولايات المتحدة الأمنية خلال العصر الذري.
هذه المٶسسات الفكرية كانت ملتزمة بتطبيق خبراتها العلمية على حشد من القضايا السياسية ومع ذلك كانت ترغب في البقاء بعيداً عن العملية السياسية انطلاقاً من التزامها الاحتفاظ باستقلاليتها الفكرية والمؤسساتية. فهدفهم الأول لم يكن التأثير المباشر على القرارات السياسية، بل مساعدة وإعلام صانعي السياسة والجمهور بخصوص العواقب المحتملة عن طريق إرساء الأسس الفكرية والفلسفية والاجتماعية والاقتصادية للبرامج والسياسات الرئيسة لاتباع مجموعة من الخيارات في السياسة الخارجية.
الأجدی في زمن الأعداد والعلامات و تضاعف العالم المحسوس من خلال الشبكات والبيات الإلكترونية ، التي هي أوهن من خيط العنكبوت أن نرحب بجهود القطاعات النشطة والواعية والمثقفة في إقليم كوردستان ، التي تنوي إنشاء مراكز التفكير والأبحاث بعيداً عن الإرتجالية في الأداء أو الأحادية في النظرة والتناول ، بعد تحليل الواقع المعاش ، انطلاقاً نحو تقديم رؤى مستقبلية من أجل النهوض بواقع جديد أو بتطوير الواقع الحالي إلى مستوى أفضل بما يخدم أهداف ومصالح إقليم كوردستان وأمنه القومي ، وفق مرجعيات أكاديمية راسخة ، لتشارك من خلالها في صنع السياسة العامة للإقليم بعيداً عن الأطر حكومية.
وختاماً: من لايقرأ مايحدث لا يحسن التعامل معه والمشاركة في صنعه. فالعولمة كحدث كوني ذو بعد وجودي خلقت واقعاً تغير معه العالم عما كان علیه بجغرافيته وحركته ، بنظامه وآليات إشتغاله ، بإمكاناته و آفاقه المحتملة. فالإهتمام بجمع البيانات والمعلومات وتوثيقها وتخزينها وتحلیلها بالطرق العلمية الحديثة ، والتعاون مع أجهزة إقليم كوردستان ومٶسساته المختلفة في مجالات الدراسات والبحوث المعرفية سوف تساهم بشكل فعال في دفع العملية التنموية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية في الإقليم .
الدكتور سامان سوراني


106
أفخاخ النوايا وشروخات وحدة الأحزاب الكوردستانية في كركوك

قبل أيام أفرحنا نبأ وصول الكتل الكوردستانية الی إتفاق علی خوض الانتخابات البرلمانية (انتخابات مجلس النواب العراقي) في المناطق الكوردستانية الخارجة عن إدارة إقليم كوردستان بقائمة واحدة. لكن هذه الفرحة لم تدم طويلاً بسبب فشل ممثلي تلك الکتل أمام التجربة الأولی وإعلان البعض منهم بالإنسحاب من "قائمة كركوك كوردستانية" لأسباب قد لاترضي ولا تقنع الفرد الكوردستاني الحالم بإتحاد المناطق المستقطعة من كوردستان مع الإقليم ، إتحاد من الممكن أن تٶدي في المستقبل القريب  الی بناء الدولة الكوردستانية المستقلة. 
بالرغم من تنامي الإحتكام الی المٶسسات وكسر إحتكار المجال التقليدي لصناعة السياسة وإدارة وتدبير شٶون الحكم في إقليم كوردستان والسعي الدٶوب من قبل أصحاب الرٶی الكوردستانية المعاصرة الی إضعاف تقاليد الفردية والمزاجية في إدارة السلطة لتكوين الرأي العام الفاعل والقوي علی نحو تدريجي وتزايد المشاركة السياسية مع تزايد السلطة المادية والرمزية للصحافة وقوی المجتمع المدني في مختلف قضايا الشأن العام ، نری وللأسف عدم قدرة ممثلي الأحزاب الكوردية في المناطق الكوردستانية الخارجة عن إدارة إقليم كوردستان في قراءة المجريات وتشخيص الواقع العراقي الراهن بتحولاته وصراعاته و صداماته وإخفاقاته و خططه المستقبلية المخيفة بمنهجية لصوغ معادلات وأساليب وآليات. رهانهم هو الإستمرار علی نفس النهج أو بنفس المنطق الذي أنتج في السابق العجز والفقر أو أفضی الی المآسي والكوارث.
العارف بتاريخه السياسي يفهم ما نعنیه هنا. لأنه إذا لم نشأ تفويت الفرص كما فعلنا في التجارب السابقة ، فالفرصة هي الآن سانحة أمامنا للخروج من المأزق ، بالإنخراط في موجة الإستراتيجيات السياسية الجديدة. علينا الآن إذن إطلاق وتشغيل قوانا الحية والخلاقة التي تكبحها عقائد سياسية تقليدية ونخب فاشلة وعقليات كسولة وثقافات فقيرة. والتركيز علی الفرد يستبعد العمل المٶسسي و يستبعد الحوار الديمقراطي والسلوك العقلاني. 
نحن لا نقرأ السياسة من خلال أخبار اليوم ولا نتهیج بتصريحات مفتعلة من قبل من يدؔعون بأنهم يمتلكون مفاتيح الحلول السياسية ، فإختلاق الارتزاق السياسي والرغبة السلطوية الجامحة تزج بالعصبيات في العمل السياسي وتخرج السياسة عن قواعدها الطبيعية ، لتتحول إلى حرب إفناء ، وإلغاء واستنزاف متبادل ، وتشتيت لجهود أفراد المجتمع، وإحداث التفرقة فيما بينهم.
نحن نری في التنوع والإختلاف قوة وسرؔ تقدم المجتمعات. فالأمم التي تقبل حالة الاختلاف  والتنوع تستطيع أن تؤسس أوطاناً وشعوباً قادرة على صناعة حاضرها ومستقبلها. نحن لسنا ضد الإختلاف والتنوع ومهمتنا تكمن في تخليص مجتمعنا الكوردستاني من الإرتهان للماضي الی الإرتهان علی المستقبل.  والسباحة في المياه العكرة بإفخاخ النوايا وشروخات في الصف الوحدوي لا تجدي نفعاً ، علیه الخروج من الماضي البائس وبٶس المجتمع التقليدي ، لأن الخروج ينقلنا الی مستوی العصر.
إن عقلنة السياسة يعني إتاحة الفرصة لأهل السياسة أن يديروا خلافاتهم بطريقة عقلانية سلمية تفاوضية مثمرة بعيداً عن التحاور بلغة التخوين والمٶامرة ، فمن لا يقوم بإخضاع هويته الوجودية ، سواء أكانت تلك الهوية سياسية أم ثقافية ، للنقد والتشريح والتفكيك والتعرية لا يستطيع أن يخرج من مأزقه الوجودي أو يبتكر إمكانيات وجودية يتغير بها عن ما هوعليه أويغير قواعد اللعبة بينه وبين الآخر.
علی الكتل السياسية الكوردستانية التي تعمل في المناطق الكوردستانية الخارجة عن إدارة الإقليم أن تعلم بأن السياسة يجب أن تٶدي الی فهم الترابط بين أجزاء العملية السياسية وبالتالي تفسير ما يدور بالساحة السياسية كمقدمة ضرورية لاتخاذ القرار بشأن التحرك السياسي الملائم وفتح آفاق العقل للتعامل مع الأحداث بطرق حكيمة وبنظرة واقعية قادرة على تحقيق الأهداف بأفضل النتائج بأقل التكاليف. الموقف الواحد ورص الصفوف والالتزام بالوحدة الكوردستانية ضرورة يجب التمسك بها في مواجهة التحديات المستقبلية وعلی النخبة المثقفة الحزبية والمستقلة في المناطق الكوردستانية الخارجة عن إدارة الإقليم تشكيل لجان عمل مشتركة من أجل إتحاد الكيانات الكوردستانية ودفعهم نحو معترك الإنتخابات بقائمة تعکس وحدة وإرادة الشعب الكوردستاني في تلك المناطق.
وختاماً: الرهان وسط كل المخاوف والمخاطر المحدقة بمصير ومستقبل المناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم هو كيف نصنع الوحدة الکوردستانية وندبر المصلحة العمومية ، لأنه لا وجود لإدارة أو تدبير من دون تغيير يطال أطر النظر أو وسائل العمل بوجه من الوجوه ، سواء تعلق الأمر بالإنتخابات والنهوض أو التحديث والتطوير في سبيل الإستقلال.
الدکتور سامان سوراني


107
الفلسفة الوجودية بين إقتحام المجال السياسي ومكافحة الشمولية

بالرغم من أن الوجودية ولدت في ذروة التمثل والتمرس الفلسفيين ، إلا أنها باتت أكثر قبولاً لدی عامة الناس مما هي لدی الفلاسفة وصارت كتیار تحمل عناصر وجوانب عدة تمس مطالب الناس وحاجاتهم وهمومهم وهكذا إبتعدت عن المذهب الفلسفي وغدت موقفاً بلا ضفاف يصعب تحديده.
وقد لعب الفيلسوف والروائي والكاتب المسرحي والناقد الأدبي والناشط السياسي الفرنسي جان بول شارل ايمارد سارتر (1905- 198٠) في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي دوراً كبيراً في تفعيل "شعبية" الوجودية ، فصياغاته الأدبية الرائعة والبالغة القوة توفرت للوجودية صيغ سلكت الی الناس طريقاً أكثر يسراً ووضوحاً لم تكن متوفرة من قبل. 
أما الحرب العالمية الأولی فكانت لها كصدمة أسقطت تفاٶلية القرن التاسع عشر وكلياته الإجتماعية والسياسية والنظرية أثر بليغ في ذلك. إن شيوعها خارج إطار المتخصصين أدی الی ضياع حدودها المميزة وبات من الصعب تعين حد الوجودية بتعريف وافٍ يكون موضع إتفاق أو إجماع. وهذا ما أجبر الأديب الفرنسي غابرييل مارسيل (١٨٨٩-١٩٧٣) ، الذي صُنّف لاحقاً رغماً عنه ضمن التيار الوجودي بالقول: "يكاد لايمضي نهار دون أن يسألني واحد من الناس ، ماهي الوجودية؟...فأقول إنه يطول ويصعب شرحها. كل مايمكنني فعله هو أن أقدم بعض مفاتيحها ، لا صياغة تعريف لها".
وبما أن الوجودية تضرب عمقاً في تاريخ الوعي البشري ، في بدايات تفلسفه مع الإغريق و سقراط بالذات ، لكنها وجدت تجلیاتها الحديثة ، معبراً عن أزمة الإنسان في وجوده ومواجهته وجوده ومصيره كفرد ، أو کـ"أنا" خارج مطلة المجتمع والتاريخ والمٶسسات والمطلق ، منذ سورين كيركغارد (١٨١٣-١٨٥٥) في أواسط القرن التاسع عشر ، مروراً بفردريك نیتشه (١٨٤٤-١٩٠٠) ومارتين هيدغر (١٨٨٩-١٩٧٦) و كارل تیودور ياسبرز (١٨٨٣-١٩٦٩) وصولاً الی سارتر.
هٶلاء يمكن أن نصفهم بمحبي الحكمة لا بممتهنیها ، أستطاعوا توجیه الناس و إنارة دروبهم. فسقراط مثلاً لم يقم في يوم من الأيام بإملاء أحكاماً وطروحات علی الناس ولم يمنع عنهم أشرعة التفكير ، بل حثؔهم علی التفكير ونزع حجب الإستكانة والتقليد ودعاهم لأن يكتشفوا الحقيقة بأنفسهم.
إن بعض من الفلاسفة الوجوديين إقتحموا المجال السياسي لا من أجل أدلجة المعرفة وتسييس الفلسفة ، بل بهدف الاحتكام الى العقل في الخلافات بين وجهات النظر المتصارعة وإعطاء الكلمة الى الفلسفة لفصل المقال بين المخالفين وتحديد وجهة المجتمع عند المنعطفات ووضع برنامج عمل للمستقبل و السعي من أجل المساهمة في البناء. 

من المعلوم بأن الأنظمة شمولية في العالم تصادر الحقوق والقيم وخاصة العدالة والمساواة وتداهم البنية الأخلاقية للمجتمعات والثقافات وتزرع رؤية جديدة للكون تقوم على الأنانية والعنف.
من الواضح أيضاً بأن الصراع ضد الشمولية يقتضي الإقبال علی الوجود بجرأة والسعي لتشكيل رأي عام مضاد متعدد ومختلف جذرياً عن الثقافة السائدة ، رأي يحمل في داخله إبتداءات ممكنة على جميع أصعدة الحياة ، لايتوقف فقط عند إصدار بيانات وخطابات شعرية أو ترديد شعارات تمجيد للحرية والعدالة.  الإنسان قادر علی الإبتداء ، بل هو نفسه الإبتداء والانسان كما يقول اسبیوزا لا يولد مواطناً بل هو يتربى على المواطنة. فالمواطن هو الدولة في الانسان الفرد ، لهذا السبب تشغل التربية مكاناً هاماً في اقتصاد هذا النظام. أما قيم المواطنة فيمكن تفعيلها من خلال رسالة تربوية تٶمن بتنمية البشر من الناحية الفيزيائية والاخلاقية وتدفع المواطنين الی إحترام بعضهم البعض وحسن تدبير الكون وتحملهم مسٶولية الوجود علی الأرض. هذه رسالة يجب أن تخلو من هيمنة ثقافة الميوعة وعقلية الإستهلاك ، لترفض تعليم يركز علی اللغات والمواد الدينية أو يروؔج لأفكار حزبية مغشوشة وآراء الأيديولوجيات الضيقة ومعتقدات ماضوية ودعاوی دينية مطلقة. الفلسفة الوجودية تحاول إعادة الثقة الضمنية لأهل العصر الحاضر في البحث بجدية عن الذات والحقيقة الإنسانية. وكل جهد يبذل في سبيل استرجاع الإيمان الفلسفي الحقيقي ، إنما هو جهد إنساني يحقق للبشرية وحدة حقلية شاملة.
المجتمعات الشرق الأوسطية أحوج ماتكون الی إتجاه عقلاني أصيل. نحن نعرف بأن نزعات عاطفية متطرفة وإتجاهات وجدانية هوجاء سيطرت علی نفوسنا منذ عهد بعيد ، حتی أصبح المحرك الأوحد لكل أفكارنا وأفعالنا وسائر مظاهر نشاطنا. نحن لاننکر دور الوجدان في تحديد الكثير من مظاهر السلوك لدی البشر ، منها الحياة الخلقية ، لكن المواقف الوجدانية غير كافية لخلق روح فلسفية أو إرساء دعائم أية عقلية علمية.  لذا نری بأن الكثير من الأحكام الصادرة من قبلنا ، سواء كانت أحكام تصدر في مجال الفكر ، أم في مجال السياسة والاستراتيجيات، أم في مجال التنظيم الإجتماعي ، أم في مجال التخطەط الاقتصادي، أم في غير ذلک من المجالات ، أحكام عاطفية تغلب علیها صفة الإندفاع الوجداني. النزعة العقلانية ليست هبة تختص بها شعب دون آخر ، بل هي عادة مكتسبة يمكن أن تصبح لدی أي شعب من الشعوب ، تحت تأثير التربية والتدريب والممارسة.
ولابد هنا أن نذكر دور التفكير المنهجي والتحليل المنطقي في كل عمل ودراسة علمية جادة. فعندما لا نتوخی الدقة في إستخدام المصطلحات ولانراعي التسلسل المنطقي في تنظيم الأفكار ولانلتزم قواعد البحث العلمي في التفكير ، فإننا بالتأكيد نبقی نستخرج من المقدمات مايلزم عنها بالضرورة من نتائج و نترك في الإستدلالات العقلية فجوات وثغور وذلك بسبب عدم التزامنا بقواعد البحث الرياضي، تلك التي أشاد بها كل من رينيه ديكارت (1596 –1650) و غوتفريد فلهيلم ليبنتس (1646-1716) و إدموند هوسرل (1859 - 1938) وغيرهم.
الفلسفة الوجودية تهدف الی خلق الشعور بالحرية وإيقان بأن الحق فوق القوة والإعتراف بأن العلاقات البشرية ينبغي أن تقوم علی التفاهم والتسامح ، لا علی التخاصم والتنازع. فالحرية لايعني الإنطواء علی النفس أو قطع وشائج التواصل مع الآخر ، بل تعني الحوار مع الآخر لتحقيق المزيد من أسباب التفاهم بين بني البشر. الوجودية تضع كل الآراء المسبقة موضع البحث وتواجه الشكوك والأكاذيب والخرافات بكلمة "لا" كالمتمرد للفيلسوف الوجودي ألبرت كامو (١٩١٣-١٩٦٠)، فالرفض هنا ليس الهدم لمجرد الهدم  ولا الإنكار لمجرد الإنكار ، بل هو القضاء علی الأساطير الوهمية الكاذبة التي مايزال الناس يرون فيها "حقائق" واضحة بينة. إن مواجهة التفلسف للأشخاص والأشياء تقوم علی احترام حق كل إنسان في التفكير ، لا علی فرض الحقيقة الذاتية فرضاً علی الآخرين. فالإنسان في نظر سارتر هو خالق لنفسه لأنه وحده متصور لها ، فهو مشروع يعيش بذاته ولذاته وهو لايوجد إلا بمقدار مايحقق ذلك المشروع وهو حرؔ يمتلك زمام وجوده ومصيره. فالوجودية هي في النهاية ثورة الأشياء الذاتية الصغيرة ضد كل الشعارات والأسماء الكبری والمذاهب التي تدؔعي الشمول.
وختاماً يقول الفيلسوف الفرنسي شارل لوي دي سيكوندا المعروف بمونتسكيو (١٢٦٨٩-١٧٥٥) صاحب نظرية الفصل بين السلطات: " لا تستفلح البلدان تبعاً لخصوبتها ، بل لحريتها". وإن جاز الإضافة فنقول ، تستفلح البلدان تبعاً لممارسة الأفراد لحرية الرأي والتعبير.
الدكتور سامان سوراني

108
هل الفلسفة مشكلة في عصر الإنسان الرقمي وعالم الإستهلاك؟

بالرغم من أن الفيلسوف الفرنسي رینیه دیكارت (١٥٩٦-١٦٥٠) يری أنه لاجرم أن تكون الحكمة هي القوت الصحيح للعقول ، لأن الذهن حسب رأیه هو أهم جزء فينا وطلب الحكمة لابدؔ بالضرورة أن يكون همنا الأكبر ومع أن حضارة شعب وثقافته تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فیها ، فالمرء الذي يحيا دون تفلسف لهو حقاً كمن يظل مغمضاً عینیه لايحاول أن يفتحهما ، إلا أن للفلسفة في زمن فتوحات العولمة وثورات القوة الناعمة خصوم كثيرون ، يعملون بكل جد ومثابرة من أجل منع الإعلاء من شأنها والإشادة بها أو الثناء علیها. صحيح أن النظام الذي يراد تغييره يترك أثره فينا دون وعي منا، بحيث نستعيد طبائعه الاستبدادية ، لكننا نری بأن تاريخ الفلسفة مدرسة حقيقية يتلقن فیها المفكر دروس الأخاء الفكري والوصال العقلي والتسامح المذهبي وأن هذا التاريخ تقرير لحقيقة عليا تٶكد قيمة الإنسان وحقه في التفكير. فتاريخ الفلسفة لم يكن يوم من الأيام مجرد مقبرة للأوهام البشرية أو مجرد سجل للأخطاء الإنسانية. الفلسفة حوار وجدال ومواجهة والفيلسوف تلميذ قبل أن يكون أستاذاً و علی المفكر أن يتذكر دوماً أن تفكيره هو في صميمه إجابة أو إستجابة. ومن يريد فتح آفاق المستقبل ، علیه أن يخلع الإيديولجيات المقدسة و يكسر عقلية النخبة والبيروقراطية ليمهد الطريق أمام الإنتقال الی الشبكات الآنية والمعلومات العابرة والسيالة للوصول الی مجتمع تداولي فاعل. المقارعة بالحجج و تبادل الآراء أمر ضروري للإستمرار في الحكمة ، فالحقيقة كما يقول الفيلسوف الألماني كارل ثيودور ياسبرز (١٨٨٣-١٩٦٩) ليست ملكاً لأحد ، بل البشر جميعاً ملك للحقيقة. أما الوجود فهو حقيقة غامضة متناقضة ، لايمكن أن ينصاع في قوالب جامدة متحجرة. إذن التعقيد ليس في ذهن الفيلسوف ، بل في قرارة الوجود نفسە. ولو كان الوجود حقيقة بیؔنة متجانسة لما استحال علی الفيلسوف أن يصوغه في قالب محدد. ما نراه هو أن مشكلة الحقيقة تتخذ عند الإنسان وخاصة في عالمنا الیوم ، عالم الإستهلاك ، طابعاً درامياً فيظل الإنسان في صراع دائم ضد الأكاذيب والأضاليل والخرافات والأوهام وأخطاء الحس والعقل ، أملاً أن يصل يوماً الی الكشف عن ذلك النور الأسمی الذي يضيء طريق حياته. ما نستنتجه من الحياة هو أن الكثير من البشر يشغلون أنفسهم ، إن لم نقل طوال حياتهم ، بالعمل علی إكتشاف "راسئلهم" والحرص علی أدائها. المشكلة تكمن في أنهم يشعرون بأن حياتهم "وجوب" أكثر مما هي "وجود". أي بمعنی أنها واجب يدخل في نطاق ماينبغي أن يكون ، أكثر مما هي واقعة تدخل في نطاق ماها كائن. والحق أن الإنسان يشعر بأنه لم يوجد بعد ، وأنە مايزال علیه أن يوجد. هذا الشعور الارستقراطي يحفز صاحبه الی التسامی بحياته الخاصة فوق مستوی الحياة العامة المبتذلة وهذا مايدفعه بالتمسك برسالته ، التي هي في الأساس مشكلة.
أما تجربة الحب ، الذي يدخل ضمن مباهج الحياة والذي يرقي الينابيع الروحية الدفينة الی مستوی الوعي أوالشعور ، فهي حاجة إنسانية ، لا لكي تستمر مهزلة البقاء ، كما زعم فيلسوف التشاٶمية الألماني آرثر شوبنهاور (١٧٨٨-١٨٦٠) ، بل لكي يتحقق المعنی الحقيقي للحياة البشرية ، كما قال مؤسس مدرسة علم النفس الفردي النمساوي ألفرد آدلر (١٨٧٠-١٩٣٧).
هناك من يحمل علی عصر العولمة التقنية والإنفوميديا والشبكات الإجتماعية كالفيس بوك أو التويتر أو الماي سبيس وغيرها من شبكات بدعوی أنه أفسد العلاقات الشخصية بين الأفراد. إننا مهما زعمنا أن الآلة والبرامج الكترونية هي المسٶولة عن تزايد شقة الخلاف بين الإنسان وأخيه الإنسان ، فإننا لن نستطيع أن ننكر أهمية تلك "الوظيفة الحضارية" التي أصبح "التكنيك" يلعبها في صميم الحياة البشرية ، بوصفه ذلك العنصر اللاشخصي ، الذي ينظم العلاقات بين الأفراد في العالم الخارجي. فالإنترنت والآلة الذكية ليست بدعة دخيلة أقحمها الإنسان علی الحياة، بل هي عنصر مكمل للوجود البشري ، الذە هو في جوهره طبيعي وإصطناعي معاً. الإنسان كموجود زئبقي يفلت من بين أصابع الفنان والفيلسوف هو المشكلة. إنە موجود مفارق متعالي ، يواجه دوماً كل ما حققە في نفسه وفي عالمه بكلمة :لا" كبيرة. إنه يستطيع أن يثبت مرة تلو مرة بأن هناك علی الأرض من الأشياء أكثر من كل ما استطاعت أن تحلم به يوماً فلسفة من الفلسفات.
وختاماً: الفلسفة ليست مشكلة ولا تقدم لنا مفتاح الوجود ولا تروي لنا قصة المطلق ، بل هي تظهرنا علی أن الإنسان يَنِدُؔ بحريته عن التاريخ. والحرية الإنسانية تنحصر أولاً وبالذات في إختیارنا لغایاتنا ، فهي ليست خلقاً من العدم أو القدرة الإبداعية المطلقة. أما الفلسفة العملية فهي تقرر أن الحرية هي التي تدخل في الكون كل طرافة وجدة ، لأنها هي التي تمنع الأشياء المتشابهة من أن تتكرر باستمرار.
الدكتور سامان سوراني



109
سياسة الطاقة لإقليم كوردستان من منظور سياسي وفلسفي

ماحصدناه من المٶتمر السنوي الثالث للنفط والغاز في إقليم كوردستان ، الذي إنعقد قبل أيام في أربيل أنه في نهاية هذا العام وبدایة عام ٢٠١٤ يدخل إقليم كوردستان في قائمة الدول الرئيسية المنتجة للنفط والغاز في المنطقة وعلی المستوی العالمي ليلعب دوراً مهماً في تحقيق الاستقرار في أسواق النفط العالمي من خلال السياسة الإيجابية المتوازنة التي تمارسها حكومة الإقليم. وترتكز سياسة الإقليم في مجال النفط والطاقة بشكل عام على مجموعة ثوابت أساسية تقوم على تسخير الثروة النفطية في البلاد لتحقيق التنمية الشاملة في الإقليم وهو ما تحقق خلال السنوات الماضية وبرز بشكل واضح في النهضة الواسعة التي تحققت في مختلف المجالات .
صحيح بأن الإقليم يسعی الی رفع إنتاج الطاقة الكهربائية ويخطط من أجل إستغلال مصادر بديلة كالطاقة المتجددة وطاقة الرياح الإقليم وإن تطوير البنية التحتية بحاجة إلى أكثر من 30 مليار دولار ، لكن صناع القرار في الإقليم ، الذين يريدون أن يجعلوا من إقليم كوردستان مفتاحاً رئیسياً للطاقة في الشرق الأوسط و تحویلە الى لاعب أساسي في سوق الطاقة العالمي خلال السنوات القليلة القادمة ، يجب أن يقوموا باستغلال الثروة النفطية بشكل علمي مدروس لبناء شبكة واسعة من البنى التحتية المتقدمة تكون أساساً لتنمية اقتصادية ونهضة حضارية شاملة ويفكروا في الوقت نفسه في إعداد دراسات وإنشاء مراكز للإبحاث النووية والتهيء لإنشاء مفاعل لانتاج الطاقة النووية والتي تعتبر من البدائل النظيفة والاقل تلوثاً اذا ما قورنت بالنفط ، فإن تنوع مصادر الطاقة أمر حيوي للإقليم. إن الإنجازات العظيمة التي تحققت خلال الفترة التي أعقبت اكتشاف النفط وإنتاجه والتي انتقلت بالإقليم بسرعة هائلة الێ أخذ مکانه بين المناطق الأكثر نمواً في العالم تشير الی أن مستقبلاً مشرقاً ينتظر قطاع النفط والغاز في الإقليم وأن مسيرة وتطور الاقليم مرتبط بمسيرة وتطور البترول ، وسوف يكون لهذا الارتباط أثر هائل في دفع عجلة التنمية في كافة القطاعات الاقتصادية والاجتماعية.
إن التعامل مع هذه الثروة الطبيعية ، التي تعتبر من أكثر الثروات الطبيعية في العالم قيمة ، لذلك سماه بعض الناس بالذهب الأسود ، بتوجیهات سديدة ومتابعة متواصلة من قبل القيادة الكوردستانية وإستغلالها يجب أن يكون متمشياً مع القدرة على الإنتاج بكميات تتناسب مع طبيعة الحقول النفطية والحافظة عليها الحقول ، بما لا يرهقها أو يضرها من الناحية الفنية ، وتوفير التكنولوجيا المتقدمة في صناعة النفط ، وذلك من خلال التوصل إلى شراكات مع الشركات النفطية العالمية ، والمساهمة في توفير كميات مناسبة من النفط الخام والغاز کمساهمة من الإقليم في خدمة الاقتصاد العالمي ، لأن هذه الثروة هي ملك لهذا الوطن بجميع أبنائه وخصوصاً للأجيال القادمة.
أما فلسفتنا فيجب أن تقوم في توظيف الثروة البترولية لتحقيق التنمية على حسن استخدامها ورشاد إدارتها بحيث يخرج آخر برميل بترول ينتج في العالم من الإقليم. ولتستهدف هذه الفلسفة بناء صرح للرخاء فوق أرضنا تحقيقاً لحياة أفضل للإنسان الكوردستاني.
من نافل القول أن الصناعة البترولية تشمل الی جانب عمليات الإنتاج والتصدير ، عمليات أخری كالحفر والإنشاءات ومد الأنابيب والنقل والتكرير والصناعة البتروكيماوية. فيجب علی الحکومة الكوردستانية وضع إستراتيجية للدخول في مختلف عمليات هذه الصناعة لتكفل لثروتنا القومية قدراً من الكفاءة و لتحقق عوائد مجزية من أجل أبناء كوردستان وتنفيذ مشاريع مستقبلية عملاقة.
أننا نعيش اليوم عصر رقمي يحمل في طياته الإنفجار المعلوماتي والاقتصاد المعرفي والعولمة مشروع كوني قوي و مصائر البلدان باتت اليوم مصائر عولمية بحتة والحلول لم تبقی محلية كما في السابق ، بل دخلت في دوائر محلية، إقليمية ، عالمية. أما التعاليم الاقتصادية الأكاديمية فهي دين قائم على مسلمّات و تعاريف بالية يجب إعادة صياغتها فلسفيّاً و مفهوميّاً ، لکننا مع هذا نٶمن بأن الاقتصاد السليم يجب أن يستمد قوانينه من الأعراف الطبيعية والقواعد البيئية المنسجمة مع قوانين الهندسة و الطاقة ليكون قادراً علی توحيد الإنسان في رؤيا واضحة تنظّم أداءه و تهذب أعماله للسير بمهمته التطورية نحو الكمال ، بعيداً عن نزواته كمخلوق اعتبر أن الطبيعة سُخّرت لرغباته ليسخر منها كما يحلو له. علی حكومة الإقليم العمل على الإهتمام بالعلوم النفطية و التطبيقية ذات الصلة بتنمية تكنولوجيا الثروات الطبيعية بشكل خاص ، لأن هذا المجال يمكن أن يكون العامل الأهم بين العوامل الأساسية للنهضة الكوردستانية ، والاستثمار فيه هو احد العناصر الحاسمة في تحديد مستقبل المجتمع الكوردستاني. فدون وجود مؤسسات تربوية و نظام تعليمي متطور ومتجدد حسب حاجات المجتمع ، لا يمكن بروز كوادر قادرة على أن تصعد سلالم الرقي وتنافس غيرها على تنفيذ برامج التنمية بكفاءة. والإنفاق بسخاء على التعليم والتدريب والتأهيل العملي ، أي الاستثمار في مجال الموارد البشرية هو الاستثمار الأمثل و الأنجع. ولتكن فلسفتنا قائمة علی تنقية المناهج وتطويرها من حين إلى أخر ، مع تركيز شديد على دور المعلم ، والمواءمة الدقيقة ما بين مفردات التعليم واحتياجات المرحلة ، وتشجيع القطاع الخاص على استثمار جزء من أرباحه وموارده في التعليم و التدريب ، وإعادة القوى العاملة المتخرجة إلى مقاعد الدراسة من وقت إلى أخر لتحديث معارفها والتزود بما استجد عالمياً في حقول تخصصها ، مع التركيز  على علوم العصر ، لاسيما المعلوماتية ، التي تعتبر أساس عملية التنمية الاقتصادية.
أما إنتعاش الصناعة النفطية بأفكار وأيادي محلية فسوف تمهد الطريق لأنتعاش الصناعات الاخرى وتنهض بأقتصاد الإقليم وتحقق الرفاه الاقتصادي فيه. وهذا بدوره سوف يؤثر بشكل إيجابي على كافة النشاطات الانسانية الاخرى. فبالقاعدة الأقتصادية القوية والأرضية الصلبة يمكن بناء مؤسسات أجتماعية و خلق مشاريع تنموية تساهم في تغيير المجتمع وتحقيق النهوض الحضاري.
وختاماً: من يريد أن يشارك في صناعة العالم بوصفه المدی الحيوي والفضاء الكوكبي في عصر تتعولم فيه الهويات والأفكار بقدر ماتتجسد وحدة المصير البشري علیه أن يجدد عدته الفكرية و يتقن التداول العقلاني ويجترح سياسة فكرية جديدة معاصرة لإدارة المصائر.
الدكتور سامان سوراني
   


110
الإرهاب وفلسفة الموت في المدينة الكوردستانية كركوك


شهدت مدینة کرکوك الیوم ٤-١٢-٢٠١٣ هجوماً إرهابیاً جهنمیاً وحشیاً أعمی مزّق الأجساد ودمّر الممتلکات ، مستهدفاً مبنی دائرة استخبارات المحافظة ، يعجز اللسان عن ايجاد كلمات تناسب شجبها بسبب الفلسفة البربریة التي تقف ورائها والتي لا ترید شیئاً سوی إلحاق الدمار بأهالي هذه المدينة وإفساد التعايش السلمي فيها. إنها فلسفة الموت ، التي تفضل الموت على الحياة. وهي فلسفة كاذبة عنصرية تستند الى المبدأ المتوحش الداعي الى قتل المواطنین الأبریاء لمجرد كونهم مواطنین أبریاء یریدون أن یعیشوا في سلام ووئام مع عوائلهم و ذویهم ، لأنهم لیسوا "مجاهدین في سبیل العدم" ولأنهم لیسوا جبناء مثلهم. انها فلسفة مجرمي الحرب  وغايتها قتل اشخاص أبرياء.
ماهي الرسالة التي يريدون توجيهها من خلال هذه العملیة اللاإنسانیة؟ هؤلاء کما هو واضح للعیان یریدون النیل من المواطن والدولة والمدینة والمجتمع ، مدفوعین بعقلیة الثأر والإنتقام من کل من لایشبههم أو لایفکر علی شاکلتهم ، هدفهم المراهنة على انفجار ضغائن المكونات المحلية على بعضها و محاولة يائسة لزعزعة أمن واستقرار المدينة وضرب الأخوة والتعايش السلمي.
 نحن نعرف بأن لهذه‌ الأحداث دلالتها الرمزیة وأبعادها الثقافیة ، والذین یقفون وراء هذه‌ العملیة الشرسة واللاإنسانیة یتعاملون مع هویتهم الدینیة أو القومیة بأقصی الغلو والتطرف والإنغلاق ، کعُصاب نفسي هو مصدر للتوتر والتشنّج ، کمتراس عقائدي لشن الحرب علی الغیر، أو کخطاب فکري للنبذ والاقصاء ، یستغلون البائسین والمهووسین في مشاریعهم الهمجیة ، إنهم یخططون لفعلتهم المتحجرة والأحادیة والعدوانیة والاستبدادیة هذه‌ في السرّ وتحت الأرض ، لکنها تمارس تحت سمعنا و بصرنا ، وکما تُعمّم نماذجها في الجوامع والمدارس أو عبر الشاشات والقنوات. یتصور أصحاب الارهاب وأتباعه انفسهم خلفاء الله وسادة الخلق وخیر الأمم ، أو أنهم ملاك الحقیقة وحراس الإیمان ، سائرون علی النهج القویم وحدهم دون سواهم ، یدّعون بأن الشرائع القدیمة تنطوي علی أجوبة وحلول للأسئلة ولمشکلات العصر، یمارسون الوصایة علی الناس وینطقون بإسمهم زورا و تشبیحاً ، یصادرون قرار الناس ویتحکّمون بأعناقهم و أرزاقهم ویشنون الحرب الإرهابیة نیابة عنهم. إنهم لایعترفون بقرار الآخرین في اختیار نمط حیاتهم ، بوصفهم مبتدعین ضالین أو کافرین مرتدین. فهُم یستخدمون العنف والإرهاب ، قتلاً وتصفیة أو استشهاداً و انتحاراً ، مدفوعین بعقلیة الثأر والأنتقام من کل من لایشبههم أو لایفکر مثلهم ، تحت دعوی سخیفة ومزیفة ، هي إنقاذ "الأمة الاسلامیة" في العراق ، هدفهم تغییرالحیاة في مدینة متأخیة ککرکوك الی جحیم ، قتلاً وحرقاً وتدمیراً بصورة عشوائیة ، عبثیة مجانیة.
الأفكار الأصولية والسلفية بتصديرها مارکة الحجاب والدم والتضحية عملت وتعمل ليل نهار ضد صناعة التنمية والمدنية والحضارة، بقمعها الحريات الفردية وإرجاع أسباب المصائب والکوارث والجهل والفقر في مجتمعاتها إلی الغزو الثقافي الغربي أو إلی العولمة والأمرکة.
إن إستراتيجية الرفض والإقصاء وإرادة التأله والتفرد هي التي تثمر البربرية والهمجية الحديثة والمعاصرة، حيث يتم القتل وتمزيق الأجساد وتدمير الممتلكات بأعصاب باردة وضمير جامد و بعقلية أخروي أو عسكري إرهابي بصفة المناضل والمجاهد والمدافع عن الهوية والثوابت.
فبدل السعي والعمل بمفردات نسبية علی نظريات ثورة الاتصالات والمعلومات قام أصحاب الفکر السلفي الأصولي والقومي الشوفيني بتهافته في مواجهة کتاب نهاية التاريخ لفکوياما بتأليف مجلدات مبنية علی لغة الغلو والتهويم اللاهوتي والتشبيح النضالي والعقائدي لتحقيق إستراتيجيتهم التدميرية.
لقد حان الوقت لیعلن علماء المنابر أمام الملأ، أولئك الذین ینطقون بإسم مذاهبهم ویؤثرون في الجمهور الواسع من المتدینین، بأنه لیس کل ماجاء في کتبهم صحیحاً أو صالحاً للتربیة الدینیة ، فبدون إلغاء النصوص والأحکام والفتاوی ، التي تولد الاقصاء المتبادل وتبث العداوة والکره بین الشیعة والسنة من کلیات الشریعة وبرامج التعلیم الدیني، وبدون إستبعاد النصوص والأحکام التي تتعامل مع الیزیدیین والمسیحیین والصابئة المندائیة والیهود، کمشرکین أو ضالین وبدون إطلاق حریة الإعتقاد بإلغاء قاعدة الارتداد لایمکن مواجهة الذات و لایمکن مکافحة ممارسة التشبیح أو الشعوذة و نشر الفتن ولایمکن صناعة مجتمع مدني تتعدد فیه الثقافات والإعتقادات ، التي تمحي التحجر الإجتماعي والسکون الثقافي. فالخروج من المأزق هو العمل علی التمرس بإستراتیجیة فکریة جدیدة من مفرداتها: الإعتراف المتبادل، لغة التسویة، عقلیة الشراکة، البعد المتعدد، ثقافة التهجین والعقلانیة المرکبة ومعالجة الإرهاب تحتاج الی إجراءات أمنیة بقدر ماتحتاج الی تحولات في بنیة الثقافة بثوابتها ونماذجها أو ببرامجها وتعلیمها.
وختاماً: علینا ببناء هذه المدينة الكوردستانية المتآخية حتی وإذا أصر الآخرون علی هدمها.
الدكتور سامان سوراني


111
هل المرأة مقياس حضاري في زمن سقوط الحضارات؟

في الخامس والعشرين من تشرين الثاني ٢٠١٣ بدأ في إقليم كوردستان برنامج حملة الـ16 يوماً الوطنية والعالمية المخصصة لمناهضة العنف ضد المرأة رغم استمرار شكاوى الناشطات في مجال الدفاع عن حقوق المرأة  من مشكلة عدم تطبيق الاستراتيجيات الحكومية أو تنفيذ القوانين الصادرة من برلمان الاقليم ورغم بقاء هذه الحملة داخل قاعة المٶتمرات بعيداً عن إطار الشارع والميدان اليومي.
لا محاجة في أن ثقافة العنف نابعة أصلاً من العُقَد الاجتماعية، كفقدان القدرة علی المواجهة والخوف من عدم التكافؤ الاجتماعي والخوف من السلطة المنشغلة والمهمِلة لفردية الإنسان وكذلك من عقدة العار. ففي ظلِّ تلك الثقافة نری الإنسان يخجل من ذاته، يعيش حياته عاراً وجودياً متأصلاً ونشاهده في حال دفاع دائم من إحتمال إفتضاح أمره وعجزه وبؤسه، إذ يخشى أن ينكشف ولا يصمد في النهاية أمام الحقيقة. فالعنف أمسی وللأسف خبزاً يومياً للإنسان المعاصر والذي يرتبط بالأفراد حيناً وترعاه المؤسسات أحياناً أخری هو رذيلة وهمجية أتعبت العالم ولم تُفِد الإنسانية في شيء.
مقالنا هذا يتناول موضوع المرأة كمقياس حضاري في عالم مليء بالإنهيار في القيم والنظم وإنكسار لنماذج التفكير والعمل ، عالم يشهد النزاعات والحروب والكوارث الإجتماعية ويتعامل مع الأفكار معاملة ماورائية مآله العودة الی الوراء والغرق في السبات.
يقال بأن الضياع الحضاري يكون عندما يعيش دون رغبة ويموتون دون أن تبقی لهم إرادات للعيش من أجل ماهو أبعد منهم. فالضياع يبدأ عندما يبدأ الفرد بالتساٶل عن معنی حضارته ومجتمعه ، ومعنی أعماله وسلوكه وعقائده ، عندئذ تنشط فلسفات التقييم ويكثر التساٶل عن معنی الحياة وقيمة الروابط الإجتماعية.
الوقائع تٶکد بأن إنحلال الحضارات يكون دوماً مواكباً بنشاط العقل ويقظته للتقييم وحك العقائد والأفكارعلی محكه  ، وكأن العقل عدو الحضارة والإزدهار الإجتماعي.
إن إسهام المرأة الحيوي في المجتمع المعاصر المعتمد علی الآلة والأجهزة الإلكترونية المتطورة لە دلالة في روح المجتمع. فالمجتمع الذي يری في الجنس المتنفس الوحيد للرغبة وفي المرأة الأنثی فقط ، دون أن ترفعها الی المثل ، يبقی متحجر ومغلق وجامد ، يعيش في عزلته الحضارية والتاريخية.
من المعلوم بأن المجتمعات البشرية تتطور وتتغير ، وهي تتطور اليوم بسرعة فائقة ، خصوصاً في مجال المعلومات وتقنيات الإتصال ، لكن التقدم لايجري علی مثال سبق أو وفقاً لصيغة جاهزة ، ومن يعتقد ذلك فهو لايحسن سوی التأخر. نحن نری بأنه مع المجتمعات المتحضرة الناشطة بتطورها الإبداعي تكون المرأة المحرك الأول الذي يدفع المجتمع الی التخلي عن الجمود في التقاليد والأفكار والمُثل.
ففي الحضارة الفرعونية الأولی نجد للمرأة شأناً عظيماً وأعمالاً إبداعية كبری صنعت لإجلها ، فقد كانت في ذلك المجتمع ترث كالرجل ، ولها حرية التصرف بأملاك أسلافها ، مما جعل لها شخصية إجتماعية متميزة سعی الرجل لإسترضائها وإحترام وجودها. فالآثار الفنية المنحوتة التي وصلتنا من تلك الحضارة تظهر لنا مقامها ، كما أن الكثير من النصوص التعليمية توصي بمعاملتها كالرجل نداً لند.
فالمرأة في الحضارات القديمة كانت تحفظ للمجتمع قیمه الأخلاقية الطبيعية وبفضل سلوكها ووعيها لمسٶولیتها أمام ذاتها وأمام مجتمعها وقوة شخصيتها كان لها أمر مصيرها مع خطابها ولها أن ترفض أو تقبل وتعمل بكل وسيلة لكسب النصر.
مع هذا لاننسی بأن رحلة التاريخ كانت بأمرة سلطان القوة ومشيئة العنف التي هي من خصائص الرجل. وذلك ما جعل المرأة ، هذا النصف الآخر من الإنسانية، تعيش في كيانها وفعاليتها حركة مد وجذر وتراوح خاضع ، بين مهانة ماحقة لمعنی الإنسان وكرامة مثلی للمشاركة في حياة المجتمع.
وبفضل حركة التمرد علی الأعراف والتقاليد والموروثات التاريخية ، التي لاتزال في حضارتنا ، أخذت المرأة تنشط لتخرج من الجمود. فالتطور والبناء الحضاري لأي مجتمع مرتبط ارتباطاً وثيقاً بتطور ثقافة ووعي المرأة ومساهمتها الفعالة بهذا البناء ، ليكون المجتمع مدني قائم على أسس ديمقراطية کالمواطنة وحقوق الانسان والعدالة الاجتماعية والمبادئ الانسانية.
المرأة لاتقل عن الرجل في شيء ، وقد أنصف جون ستيوارت مل (1806-1873) نصير الليبرالية علی الساحة الفكرية المرأة عندما حمل علی عاتقه مسؤولية إعادة التوازن وإعادة الإعتبار للمرأة و ناقش في منتصف القرن التاسع عشر قضية المرأة في كتاب تمرّدي تحت عنوان (استعباد النساء)، أدان فيه المبادیء الوضعية الخاصة التي شكلت من أجل تنظيم العلاقات بين الجنسين.
المرأة هي مقياس حضاري وقلب الإنسانية وأبهج شيء في الحياة ، كما يراه المعلم الكبير "كونفوشيوس". وما علی الرجل المعادي لمساواة المرأة إلا أن يتعجل ويمتلك حريته ويكون شجاعاً ويرفع هذا الوهم الذي فرض سطوته عليه، وإفضل طريق للعلاج هو التدريب الفلسفي الاجتماعي وإنشاء علاقة صحية وحميمة مع علوم السوسيوسايكولوجي ومباحثها ، إذ إن هذا سيؤدي بالتأكيد الی خفض درجة التوتر والقلق عنده والتصالح مع نفسه.
وعلی الإنسان المتحضر مناهضة الفكر الماسوجيني (ثقافة العداء للمرأة) أينما كان ، من أجل إثبات الجدارة وبناء مجتمع حيّ وخلاق لا تكبحه العقائد المغلقة والنخب الفاشلة والإدارات الفاسدة والعقليات الكسولة والثقافة الفقيرة والنماذج الإرهابية القاتلة.
وختاماً نقول: علی التاريخ الإنتظار ليحفظ للمرأة رسالتها الجديدة ، في عالم المستقبل الجديد ، فأول الغيث قطرة.
الدكتور سامان سوراني


112
الرئیس مسعود بارزاني ورسالة السلام الإقليمي


الفيلسوف ومهندس السلم واللاعنف مهاتما غاندي ، الذي كان مستعداً ليموت في سبيل قضيته دون أن يقتل أحداً من أجله ، قال ذات مرة: " لا أريد لبيتي ان يكون محاطاً بالاسوار ولا أن تكون نوافذه مغلقة ، بل أريد أن تهب على بيتي ثقافات كل الامم." 
اليوم وفي هذا العصر الذي يتبدل معه نمط الوجود وأساليب العيش بقدر ما يتغير نظام العالم ومنطق الأشياء يمارس الرئيس مسعود بارزاني هذه الفلسفة. فزیارته التاريخية الی مدينة "دياربكر" آمد الكوردستانية ولقاءه مع رئیس حكومة تركيا السيد رجب طيب أردوغان وخطابه الإنساني تدخل ضمن إطار محاولاته المستمرة من أجل حفظ السلام وحل القضية الكوردية بالشكل السلمي. فقضية شعب كوردستان في تركيا كانت و ماتزال من أهم القضايا التي واجهتها الحكومات التركية المتتالية منذ تأسيس الجمهورية التركية عام 1923. إذ مارست الحكومة التركية في السابق سياسة الإنكار والتهميش والإقصاء ضد المكون الكوردستاني ، من دون أن تعترف بالهوية الكوردية دستورياً وتمنح الكورد حكماً ذاتياً في مناطقهم الكوردستانية. هذه القضية التي أصبحت بسبب كفاح ومقاومة الشعب الكوردستاني و العنف العسكري من قبل الحكومة مصدر تهديد لأمن الدولة و إرهاق للإقتصاد وإعاقة للتنمية الشاملة.     
إن مبادارت الحكيمة للقيادة الكوردستانية وعلی رأسها مبادرة الرئيس مسعود بارزاني من خلال التواصل حوؔلت لغة العنف السياسي الی لغة إنسانية للحوار. فاللاَّعنف يقوِّض جدران الكراهية ويمدُّ جسور السلام والمحبة. واللاعنف هو أفضل وأسمى بما لا يُقاس من العنف لأنه يتطلب شجاعة كبيرة واحتراماً للخصم والنصر الناتج عن العنف كما يقول الزعيم الروحي للهند غاندي هو مساوي للهزيمة ، إذ انه سريع الانقضاء.
الرئيس مسعود بارزاني ، الذي حمل شعلة السلام الكوردية الی مدينة آمد يٶمن بأن السلام هو الطريق وأن العنف هو من صنع البشر، لذا يٶكد دوماً في خطبه ومناقشاته العلنية بأننا قادرين على تفكيك هذا القضاء ، لإعطاء الأجيال القادمة حقَّ الحلم بعالم تملؤه الحرية والكرامة. هذه القناعة هي إستراتيجية عمل وسياسة لحلِّ النزاعات ومن يستطيع التفكير بعقل تداولي يكون قادر علی أن يتغير لكي يسهم في تغيير سواه علی نحو مثمر وخلاق.
هناك حقيقة لا بد منها وهي أن السلام الداخلي الكوردستاني اليوم ليس بحاجة الی إثبات وتأكيد لأنه يرتكز على معادلة طبيعية عناصرها واضحة وجلية وتكمن أولاً في القيادة السياسية التي تحمل رسالة قومية وتنثر المحبة بين افراد الشعب وتشيع التفاهم مع محيطنا الإقليمي وتخاطب العالم بلغة انسانية بليغة. هذه المعادلة خلقت الاستقرار السياسي وبفضلها تمكن إقليم كوردستان أن يواجه التحديات التي تفرزها شبكة العلاقات الاقليمية المعقدة في منطقتنا بشكل مستمر. وتحت هذه المظلة من الاستقرار السياسي والقدرة على اتخاذ القرارات السياسية الحكيمة قدمت القيادة السياسية في إقليم كوردستان وما يزال الدعم السياسي اللامحدود لإنجاح عملية السلام في تركيا وحل القضية الكوردية ، التي أخذت في السنوات الأخيرة بعداً إقليمياً  ودولياً.
السلام الداخلي في الإقليم خلق لشعب كوردستان أجواء مليئة بالأمن والإستقرار ، من خلالها إستطاع أن  يكون فاعلاً وحيوياً في مسيرة البناء والتنمية على مختلف الصعد وحافظ على الوحدة الوطنية الكوردستانية.
وهنا يجب أن نشير أيضاً الی السياسة المعتدلة التي تمارسها حزب العدالة والتنمية والإصلاحات وخطة الإنفتاح الديمقراطي التي بدأه السيد رجب طيب أردوغان منذ عام ٢٠٠٩ ، التي أدت الی تحولات إجتماعية و سياسية إيجابية تجاه القضية الكوردستانية في تركيا. فالسيد أردوغان قال خلال زيارته الی آمد بأن الديمقراطية في تركيا تمر عبر القضية الكردية و تعهد بتحقيقها من خلال وضع القضية الكردية على سكة الحل السلمي ، وإدراجها في الدستور الجديد الذي يجري إعداده.
نحن نعرف بأن التوصل إلى حل تاريخي للقضية الكوردستانية في تركيا يحتاج إلى قرارات تاريخية ، وإرادة حقيقة ونية صادقة. والحوار لايرمي الی التطابق في وجهات النظر بين المختلفين ، بل يرمي الی خلق مناخ للتعايش والسلام الأهلي.
إذن فالشعار يجب أن يكون: التفكير والعمل معاً ، أو فن العيش معاً ، بحسب منطق التبادل وفلسفة التعايش والتواصل أو التعارف والتفاهم. ففي هذا الزمن المعولم لم يعد من الممكن تأجيل القضايا الكبری والمزمنة ونحن نعيش ثورات شعوب المنطقة من أجل الحرية والكرامة.
وختاماً  نقول مع الكاتب والناقد والشاعر البريطاني صمويل جونسون (١٧٠٩-١٧٨٤):
"المثابرة لا القوة ، هي التي تصنع الاعمال العظيمة."
الدکتور سامان سوراني
 



113
سيمفونيّة الوداع الأمريكية للسيد نوري المالكي والعزف المنفرد

يقال بأن جوزيف هايدن قام بتلحين سيمفونيّة الوداع (رقم 45) لسيده الأمير نيكولاوس استيرهاز إحتجاجاً على إطالة بقاء عازفي الفرقة بعيداً عن عائلاتهم بهدف ترفيهه في بيته الصيفي. يظهر الاحتجاج في الحركة الأخيرة من السيمفونيّة ، والتي تبدأ بطريقة تقليديّة لنهايات سيمفونيّات هايدن بإيقاع سريع (Presto) وبمبنى السوناتا، ومن ثم وبطريقة مفاجئة تنقطع نهاية الحركة ليبدأ قسم جديد ذو إيقاع بطيء (Adagio). ويعتبر هذا الانتقال الفجائي وتقسيم الحركة الأخيرة لقسمين، خطوة غير اعتياديّة بتاتاً في الموسيقى الكلاسيكيّة. ويتضمّن القسم الثاني فقرات صولو- يقوم كل موسيقي بعزفها، ومن ثم إطفاء الشمعة التي تضيء منصّة ورقة النوتة ويغادر. وهكذا يغادر جميع العازفين حتى يبقى هايدين، الذي يعزف الكمان في السيمفونيّة، مع عازف الكمان الأول ألُويْس لويجي توماسيني لوحدهما. حتى يفهم الأمير الرسالة، ويسمح لأعضاء الفرقة بالمغادرة إلى منازلهم في اليوم التالي.
بالرغم من ذكر هذه‌ القصة كمقدمة ، إلا أننا علی يقين كامل بأن الفرق بين النية الإنسانية لهايدن من عزفه المنفرد والنوايا الخفية للسيد نوري المالكي كبير جداً. فالأخير ذهب قبل أيام الی واشنطن حاملاً جعبة مليئة بالخطايا والذنوب لكسب الثقة والدعم الأمريكي ، متناسياً بأنه هو الذي قام بحمولاته الأيديولوجية و ثنائیاته الخلقية بهدم قدسية الوصايا التسعة لإتفا‌قية أربيل عارض بكل ما لديه من قوة وإيمان الشراكة الحقيقية والمشاركة الوطنية واستهدف معارضيه وخصومه السياسيين بآليات النفي والاستبعاد والإقصاء والإزدراء. أعماله تكشف لنا بأنه لم يتعلم من تاريخ الحكم في العراق أو من أخطاء حكام المنطقة شيئاً. السيد المالكي لم يصل بعد دورتين من الحكم الی النتيجة القائلة بأن مصدر قوة الحكومة يجب أن يكون الشعب في الداخل لا الأنوار القدسية الآتية من دول الخارج. وفيما يخص التقارب بين الولایات المتحدة الأمريكية و جمهورية إيران الإسلامية فإنه سوف لايكون لصالح تخميناتە الغير واقعية والمتعلقة ببقاءه في سدة الحكم في العراق.
العالم يتغير الآن بأفكار وآليات وفاعليات جديدة يعاد معها ترتيب العلاقة بين عناصر القوة الثلاثة: المعرفة والثروة والسلطة ، لکن ما يريد السيد المالكي صرفه في التسليح العسكري كشراء طائرات الأباتشي أو طائرات بلا طيار أو الأجهزة المخابراتية الفاشلة بحجة مواجهة ومكافحة الإرهاب هو هدر للثروات الطبيعية والإنتاج النفطي ، التي هي ملك لجميع أفراد المجتمع والتي يمكن إذا صرفت في البناء المدني والعلمي ببعد إستراتيجي وإجتماعي معاصر سوف تقود البلد الی الإستقرار والأمان. رهانه من أجل الحصول علی الدعم الأمريكي لدورة ثالثة يكون من غير جدوی ، طالما هو بعقلە الأونولوجي ومنطق الإستلاب لا يستطيع قراءة المستجدات المحلية والدولية و واقع المرحلة الحرجة التي يمر بها العراق.   
إن تبني رئيس الحكومة الأساليب التفردية كمشروع في إدارة السلطة في العراق هو كإعادة عقارب الساعة الی الوراء و سعي لإعادة الصورة المشوهة للعراق تحت ظل الزعيم الأوحد والقائد الأسطوري المنقذ من الضلال والمفصح عن الأحوال. 
إن عدم إلتزامه بإتفاقياته مع حلفائه في العملية السياسية وبالأخص مع التحالف الكوردستاني ، التي ساعدت علی تشكيل الحكومة العراقية ، عقؔد عملية إدارة العراق بشكل يهدد الآن وحدتهم الوطنية المشودة. ومن غير تفكيك الترسانة المنطقية المصنوعة بمفردات الكلي والضروري والأحادي والمتعالي والماهوي ومن غير العمل علی خلق لغة مشتركة أو وسط للمداولة أو مساحة للمبادلة في هذا المجال أو ذاك و ذلك باحياء النصوص الدستورية وتنفيذ موادها وخاصة المادة ١٤٠المهملة حالياً  من قبل بغداد ، لا يمكن الخروج من عنق الزجاجة و لايمكن جعل الحياة في هذه البقعة المليئة بالخلافات المبنية علی أسس الطائفية وامبراطورية المذاهب والعقل القوموي العروبي أقل بؤساً وفقراً أو أقل توتراً وعنفاً. فإدعاءات التأله والقبض في زمن الإنفجارات التقنية والطفرات المعرفية لا تثمر شيئاً والشعارات  تحيل أخيراً الی تنانين فكرية تولد الاستبداد والفساد و تنتج التوحش والخراب. فالعزف المنفرد للسيد المالكي علی أوتار التسلح ، التي تعيد إنتاج النزاع والحروب لا يعني سوی الإعداد لتقديم سيمفونيّة الوداع والإنتخابات القادمة سوف تشهد علی مانقول. 
وختاماً: السياسة هي صناعة شريفة إذا ما أحسن أصحابها سوس البشر علی قانون مقبول أو مجمع علیه ، أو إذا ما أحسنوا تدبير شٶون المجتمع وقودهم نحو الأصلح. لكن هناك من يری فیها مجال لإنتاج القوة والهيمنة والتفاوت أو أداة لإنتهاك الحريات وغصب الحقوق وسوق البشر الی الطائفية أو ومعسكرات الإعتقال أو الی خطف الأبرياء أو البدء في الإستعداد والتجهيز لحروب بأسم الوحدة الوطنية يمكن أن يقع ضحاياها القائمون بها، كما دلؔت التجارب في العراق ماضياً وحاضراً.
الدكتور سامان سوراني





114
دكتور سامان سوراني رجل هذا الزمن وذاك التاريخ ...ثقافة فلسفية يتخللها أنتماء للأرض والحب والدار ...

الحوار دائما مع من تبحر في علم الفلسفة صعب جداً ...لأنه الضيف ..يأتي من خًلجات الحياة والفلسفة والعلم وهنا يكون خصماَ قوياَ في حلبة الحوار ...هذا هو ضيفي الدكتور الاكاديمي سامان سوراني أبن كردستان العراق ..

شيرين : دكتور سوراني درس علم الفلسفة وهذا مجال شاق وطويل ...هل تعتقدون أن المجتمع الأنساني لديه تدرجات معينة في تفسير القيم الاجتماعي ؟؟؟؟
د. سامان : لاشك أن مجتمعاتنا هي محصلة تواريخها ، لكن بداية أود أن أشير الی دور الفلسفة وأثرها العظيم في تطور حياتنا وتقدم البشرية. فلو قمنا بإستقراء الكثير من النهضات الإجتماعية والعلمية في عالمنا نجد أن الفلسفة قد قامت بجانب قيامها بتفسير الحقائق وتعليلها بدور التوجيه المستنير الذي ساعده على النهوض والتقدم في الأسرة الإنسانية وسارت جنباً الى جنب مع الحضارة الإنسانية تضيء لها الطريق وترسم الأهداف والخطوط .
المجتمع الإنساني يتكوّن من عدد من الأنساق كالنسق السياسي والنسق الاقتصادي والنسق الديني... ولكلّ نسق احتياجاته الضرورية التي يجب إشباعها وإلّا فإنّە سوف يفنى أو يتغيّر تغيّراً جوهرياً. يختلف مدلول كلمة قيمة لدى الناس باختلاف استخدامها وحسب استخدامهم لها. فالفيلسوف الفرنسي إميل دوركهايم ، وهو أحد مٶسسي علم الإجتماع الحديث ، يؤكّد على أنّ القيم تماثل كلّ الظواهر الإنسانية ، فهي في نظره من صنع المجتمع وتصدرعن إتفاق إجتماعي ، لذا فهي تتميّز بالعمومية والجبرية ، ولها قوة الإلزام.
الفلسفة الماركسية إعتبرت القيم والأخلاق السائدة في المجتمع إنعكاساً لقيم وأخلاقيات الطبقة الاجتماعية المسيطرة في المجتمع ، علی إعتبار أن طابع العلاقات الاجتماعية يحدّد مضمون القيم والأخلاق. وهناك إتّجاه فينومينولوجي أسسه الفيلسوف الألماني إدموند هوسرل يؤكّد على أنّ القيم عبارة عن معاني أو مقاصد توجد في عقول الأفراد ، يتمّ إدراكها من خلال الوعي وعن طريق الخبرة بالعالم. والوعي كما نعلم لايوجد في رأس الفرد "الفاعل" بل أيضاً في العلاقات بين الفاعل والأشياء في العالم.
شيرين : هل تعتقدون أن الدولة الكوردستانية باتت ضرورة من ضرورات المجتمع الدولي ولماذا؟؟؟؟؟
د . سامان : إذا كان القصد من "المجتمع الدولي" الدول ذات النفوذ الدولي ، تختار المشاركة في المناقشات العالمية وصنع القرار العالمي ، نعم. فالبعض يری بأن المجتمع الدولي لا وجود له وآخرون يرون في هذا المصطلح إشارة الی جميع الدول عندما تقرر العمل معاً. في السابق كانت الدول ذات السيادة حريصة على تنظيم علاقاتها ، من إنهاء الحروب وترسيم الحدود إلى إنشاء الامتيازات الدبلوماسية وإدارة التجارة ، من خلال المعاهدات. اليوم نری بأن موازين العلاقات والسياسات قد تغيرت. فبعد سيادة سياسة توازن القوی و ظهور الواقعية الجديدة نری لزاماً علی الدولة المستقبلية أن تستوفي مطلبين: إستخدام الجهود الداخلية لزيادة القدرات الاقتصادية وتطوير الاستراتيجيات الذكية وزيادة القوة العسكرية من جهة و إتخاذ تدابير خارجية لزيادة أمنها عن طريق تشكيل تحالفات مع دول أخرى. المسألة الكوردستانية أصبحت مطروحة علی المشهد السیاسي والاجتماعي لا فقط في المنطقة بل في جغرافية أوسع. التحولات والتغيرات السياسية والإقتصادية وبالأخص بعد سقوط نظام الدكتاتوري في العراق والتغیرات الاجتماعیة والاقتصادیة في ترکیا، ساهمت في فتح الباب امام الحرکة القومیة الکوردستانية کي تجد أمامها فرصة للاندماج في المعادلات السیاسیة والعلاقات الاقتصادیة في المنطقة. صحيح بأن هدف شعب كوردستان ليس الفدرالية بل الحق في تقرير مصير، الذي هو حق تاريخي لا يمكن نكرانه. ومن حق شعب كوردستان بعد العيش في ثورات معرفية و اكتشاف قيمة الحرية والكرامة أن يسعی في رسم مسارات الحياة الشخصية والقومية ، مدركاً بالإنتماء الی الجنس البشري و قيمة مسؤولياته. إن العمل علی اجهاض قيام الدولة الكوردستانية في عصر تتعولم فيه العلاقات بين البشر و تقوم علی الإعتماد المتبادل لا يخدم فكرة التعايش السلمي وقيم التعارف بين الشعوب بل يفقر تقوية الأواصر بين الأمم. الاستقلال هو الهدف المطلوب الذي ترجو الشعوب تحقيقه وهي تمارس الحق في تقرير المصير، الذي يعتبر حقاً مشروعاً كرسته وأقرته كل أحكام ومبادئ القانون الدولي العام المعاصر.

شيرين : نعيش اليوم وسط توترات سياسية مهولة الا تثير هذة التقلبات شكوكاً على الاقل لدى المفكريين أن أحداث اليوم مكملة لسيناريو الأمس؟؟؟؟
سامان : برأيى أن التاريخ لا يعيد نفسه، ولكن أحداث التاريخ قد تتشابه. صحيح بأننا في وضعية وجودية تضع الإنسان أمام مأزقه ، ذلك ان إنسانيتنا التي ندافع عنها تولؔد ما نشكو منه ، أي البربرية بالذات ، إذا أردنا أن نری الی وجهنا الآخر الذي نحاول إخفاوءه والتستؔر علیە والعقل السائد ، بأشكاله اللاهوتية المقنعة أو بأنماطه الناسوتية السافرة، قد أمسی لا يعقل وأن العقلانيات بدأت تفقد مصداقيتها في مقاومة العوامل التي تولؔد الفوضی والفساد و الرعب والدمار ، أو تبدوا عاجزة عن مكافحة المرض والفقر والجهل و الحد من آليات الإستبداد و أعمال العنف ، لكن مع هذا أری أن بوسع المستبعد والمهمش والأقل حظاً أن يجري تحويلات علی ذاته و واقعه بالإنتاج والإبتكار بحيث يصنع إمكانا أو يخلق وقائع تتيح له تغيير ظرفه أو تغيير واقعه ، بقدر ما تتيح لە ممارسة فاعلیته و أثره. 
شيرين : هل نعتبر أحداث العراق والشرق الاوسط الجديد هي نتائج للاسلام السياسي؟؟؟
سامان : إن مايحدث في العراق والشرق الأوسط الجديد هي نتاج عدم وجود عقلية الوساطة ومنطق الشراكة والإحساس بالمسٶولية أو بسياسة التبادل والتعارف. وطالما لا وجود لأرضية التدرؔب علی عقل جديد يتجاوز الفكر الآحادي والعقل الماورائي تبقی الهوية أزمة غير قادرة علی صياغة روابط واضحة وثابتة أو المحافظة علی العلاقات البينية الإجتماعية ، بمعنی آخر ، تنعدم الثقة و تعلوا ظاهرة التخّوين والتكّفير و تبقی بنية المجتمع الشرق الأوسطي كما هي غير مبنية بالطريق الصحيح لا يسمح له بسبب وجوده في منطقة غير مستقرة سياسياً ببناء قواعد إجتماعية ثابتة و متماسكة. أن فرض الهوية الواحدة "المقدسة" عن طريق القوة سيكون دوماً مآله نفور الأقليات الدينية والقومية من هذه الهوية ، لأنها لم تأخذ بالاعتبار الحقوق الثقافية والدينية لباقي أطياف المجتمع. أما فيما يخص الإرهاب الوحشي الذي يستفحل يوما بعد يوم ، فهو ترجمة للمبادیء الوحدانية والنصوص المقدسة والعقلية الإصطفائیة والمشاريع الدينية الشمولية ، كالحاكمية الإلهية أو الحکومة الإسلامية أو الدعوة الی أسلمة الحياة والثقافة.
شيرين : متى تتحول الثورات من حديث وحق وحقوق الى دم ونزاع وهتك أوطان
سامان : هناك مثل فرنسي يقول " من السهل ان تبتدئ الثورات ولكن من الصعب ان تنهيها بسلام ". من الواضح بأن العمل على وتر الاستقطاب الطائفي والمذهبي والفكري يحول الحراك الشعبي الذي يحمل في برنامجه وطياته مطالب ديمقراطية شعبية مشروعة وتقف من وراءها الاكثرية الساحقة من الشعب بغض النظر عن المذهب او الطائفة او الدين الی دم ونزاع وهتك للأوطان.

شيرين : هل نعتبر التصوف حالة أجتماعية ام سياسية دخيلة على المجتمع العربي الاسلامي
سامان :  لاريب في أن التصوف نتاج مشرقي لايخلو من الغاية وغايته دائماً روحية ،  أصلە هو العكوف علی العبادة والإنقطاع الی الملأ الأعلی والاتصال به و الفناء فيه والإعراض عن زخرف الدنيا و زينتها. فهو أيضاً فلسفة الإسلام الدينية ، والباحثين في التصوف عرؔفوه بإدراك الحقائق الإلهية. والتصوف شاع قبل الإسلام في الأديان والأمم كلها ، في الوثنية والمجوسية واليهودية والنصرانية ، ولقد عرفه في بعض أشكاله البابليون واليونان والرومان والهنود والصينيون والعرب والعجم، بل وحتی بعض الأمم الفطرية. التصوف الاسلامي ظهر ونما بصورة متداخلة و متوازية مع سائر فروع الثقافية كالفقه والكلام والفلسفة والعلوم ، لايجوز أن يٶخذ كنقيض للعلوم العقلية أو الفلسفة النظرية ، بل هو يتمفصل معها ضمن مجال معرفي واحد. فلو بحثنا التصوف عن كثب نری أنه كان في القرن الثالث الهجري علماً مستقلاً عن العلوم الأخری من فقه وحديث وكلام. والصوفية في أصلها رياضة نفسية تخلق في الإنسان إرادة فعالة وتخلق للمجموع المتصوف شخصية ثابتة. وهي ترمي الی إثبات الناحية الإجتماعية في وجه القوی الإجتماعية والطبيعية أحياناً، لذا يمكن أعتبارها ناحية جليلة من نواحي علم النفس. 

شيرين ..دكتور سوراني أيهما يغير الاخر الذات ...أم الحياة هي من تغير الذات وكيف ؟؟؟؟

سامان : من يريد أن يتغير و يساهم في التغيير ، علیه أن یعترف ، بأن الأزمة ليس مصدرها الغير ، بل الذات والفكر. والفرد كفاعل إجتماعي يعتمدعلی تشغيل قواه الذهنية وإستثمار طاقته الإبداعية ويفكر ويتصرف بصفته مسٶولاً عن نفسه أو صانعاً لحياته ، من غير وصاية نبوية أو وكالة نخبوية أو سيطرة بيروقراطية يستطيع أن يغير. إنني أوافق الرأي القائل بأن المجتمع لا يغيره الساسة والمثقفون وحدهم ، بل يغيره كل المنخرطين فيه ، علی هذا الوجه أو ذاك، سلباً أو إيجاباً ، تخلفاً أو تنمية ، خراباً أو عمراناً. هناك أكاديمات علم النفس تقوم بإعداد خطوات ذاتية لتغيير نمط الحياة والعيش بسعادة.   
شيرين : دكتور سامان كلنا يعلم أن القوانين البشرية هي تجليات من قانون الاله الواحد واعني هي أنحدار ...لماذا نجد هناك تغالطات في تفسير هذة القوانين الالهية من البشر ؟؟؟؟
د سامان :  إن الإدعاءات المثالية والتبجحات المتعالية والمزاعم الإلهية والغطرسة الحضارية والعربدة التقنية في غير مكان كلها نابعة من عدم مسألتنا لمفهوم الإنسان. الإنسان بالوكالة عن الله ، صاحب الدور النبوي يفسر القوانية الإلهية كيفما يشاء ، يبيح لنفسه كل شيء بقدر ما يعتبر نفسه غاية كل شيء. وهكذا نجعل علاقتنا بالحقيقة تقوم علی الحجب والتعتيم بقدر ما نجعل علاقتنا بالعدالة تبی علی الفحشاء والفساد ، أما علاقتنا بالحرية فتقوم علی المفاضلة والإستبعاد بقدر ما نجعل علاقتنا بالعقل تٶول الی كل هذا العبث والجنون والهلاك والخراب. إن الإعتراف بدونیتنا علی المستوی الوجودي هو أساس للأعتراف بحقوق بعضنا البعض علی الصعد السياسية والمجتمعية والثقافية أو حتی المعرفية.

شيرين : مرحلة التفكير هي العبور الى الذات مع خرق المعقول والغير معقول ..من المسؤول عن هذه المرحلة العقل أم القلب ؟؟؟؟
د. سوراني : هناك من يقول بأن الخيال والبداهة قد خلقا قبل أن يخلق العقل ،لكن الذي أعرفه عن الفيلسوف هو تحريه للحقائق المستورة عند الأكثرية بنظره النافذ ليكشف أسرار الطبيعة و يستفيد من قوانينها ويفيد غيره. عندما أعلن داروين نظريته في النشوء والإرتقاء وأهتدی بعقله الی مذهبه الذي الهب الأفكار وأحدث فيها ثورة و إنقلاباً وذكر أصلنا الحيواني خالفه أهله ومقتوە وعادوه ، لأنه خالف عواطفهم. ولكن في النهاية كان هو الفيلسوف ومعارضوە بقوا ذوي عواطف لاغير. أنا لا ألغي ماهو فطري في الإنسان ، لكنني لاأعطيهما تلك القيمة في كشف الحقائق. فلو كانت العاطفة أو القلب هي التي دفعت الحياة الی خلق الحواس ، فمن ذا الذي خلق العاطفة؟ 

شيرين:.الطريقة النقشبندية هل نعتبرها أعلى مراحل التصوف الديني ؟؟؟؟؟

د. سوراني : هناك طرق متعددة في التصوف والنقشبندية طريقة بين هذه الطرق لايمكن وصفها بمرحلة. فمن المعلوم بأن الزهد الإسلامي الذي كان مزدهراً في القرن الأول الهجري قد تحول شيئاً فشيئاً الی مدرسة لها قواعدها ونظمها وأسسها التي يفرضها الشيوخ علی السالكين. وسرعان ماعرف العالم الإسلامي أنواعاً متعددة من الطرق الصوفية ، فمنهم من التزم بالكتاب والسنة و منهم من تفلسف و نادی بنظريات وحدة الوجود ، (أي القول بأن هذا العالم المختلف في الأشكال ليس سوی مظهر من مظاهر متعددة لحقيقة واحدة هي الوجود الالهي) والحلول (أي نزول اله في شخص من الاشخاص) والاتحاد (أي شيوع الالوهية في العالم كله) والشطحيات وذلك في القرنين السادس والسابع الهجريين. أما لفظة الطريقة فهي تطلق علی مجموعة أفراد من الصوفية ينتسبون الی شيخ معين ويخضعون لنظام دقيق في السلوك الروحي. الأسماء تختلف بإختلاف أسماء مٶسسيها والخلافات التي كانت ولاتزال بين الطرق تنحصر في الرسوم العملية فقط.

شيرين : حرية الفرد في العالم العربي لم تكن متاحة كماهي اليوم قبل قرن من الزمن ...لحقتها حرية العلم والمعرفة هل تمكن الأنسان العربي الخروج من بودقة الغفلة العلمية والجهل؟؟؟

د. سامان : مفهوم الحرية هو من إبتكار المحدثين وإن كانت هذه المفردة ترد في الخطابات والمٶلفات قبل الأزمنة الحديثة ، فالمفكر السياسي المحدث اسبینوزا يقرر، أنه كلما زاد قدر مايتمتع به الأفراد في الدولة من حرية و مساواة ، زاد حظ الدولة نفسها من الاتحاد والقوة. هذا الإتحاد وهذه القوة لا نراه في الدول العربية. أما مشكلة الحرية هي مشكلة الوجود الإنساني بأسره. نحن نحيا في عالم ملیء بالعوائق ، ولابد للحرية من أن تصطدم بالعائق حتی تستحيل الی قيمة. والحرية هي كسب لابد لنا من أن نعمل علی إحرازه والكالم هو شكل من أشكال التعبير عن الحرية، بقدر ماهو نمط من أنماط الفعل والتأثير في المجريات ،علی مستوی من المستويات. الإنسان لايتمكن أن يخرج من بودقة الغفلة العلمية والجهل إذا لم يعمل علی تفكيك آليات عجزه ، لتغيير قواعد اللعبة بتشكيل عوالم ومجالات أو فبتكار أساليب ولغات أو إختراع وسائل وأدوات أو خلق موارد و فرص تحدث تحولاً في الفكر وتسهم في تغيير الواقع وإمتلاك الوقائع ، هكذا يستطيع أن يمارس حريته. حرية الفرد يعني إستقلالية الشخص النسبية تجاه الأطر والقواعد والقيود الخلقية والاجتماعية والسياسية ،كيف هذا والعالم العربي يعيش الی الآن في فضاء الجبرية اللاهوتية.

شيرين : هل نحمل غياب الديمقراطية في المجتمعات العربية على عاتق الشعوب أم السلطات ؟؟؟
د. سامان : الديمقراطية لاتولد من العدم ، بل هي عملية وصيرورة تراكمية ، تنمو مع الزمن و عبر النضال الدٶوب للمجتمعات. النهضة والتنوير ضرورية لخلق الفضاءات الديمقراطية. وهذا المطلب الإنساني بحاجة الی بنية تحتية كخطوة أولی لتسد وتشبع الإحتياجات الأساسية لأفراد المجتمع. نحن نعيش اليوم في قرية كونية صغيرة ، هناك ترابط وتشابك بين مصالح المجتمعات الإقتصادية والثقافية لافكاك بینها ، وهذا بدوره يساعد في تنامي وتطور الوعي السياسي والإجتماعي للوقوف ضد الأنظمة المستبدة التي لاتحترم التعددية وحق الاختلاف والتداول السلمي للسلطة وحقوق الإنسان وحرية التعبير والتفكير والتطلع الی حياة أفضل. نحن نعرف بأن التطور هو سنة الحياة والديمقراطية تنمو عبر نضال الشعوب من أجل التخلص من القيم التقليدية الموروثة ، التي تبقی كحجر عثرة أمام التطور والتغيير. الأنظمة الجمهورية والملكية في البدان العربية مازالت أبوية المشرب ومطلقة في سلطاتها. أما "وعاظ السلاطين" كما تم تسمیتهم من قبل عالم الإجتماع الكبير علي الوردي فهٶلاء يوجهون المجتمع العربي- الإسلامي كما يشاؤون ، ووفق ما يريد منهم الحكام المستبدون. إذن مسألة غياب الديمقراطية هي مسألة جدلية بحتة وللإسلام السياسي و رفع شعار "الإسلام هو الحل" دور في إعاقة حتمية الديمقراطية. أما منظمات المجتمع المدني ، التي يجب أن تلعب خارج هيمنة السلطة دور الوسيط بين السلطة والشعب بعيدة عن العمل كشبكات تجسس علی الشعب فهي ضعيفة الی حد العدم ، لاتقوم بواجباتها الفعلية لدفع عجلة الديمقراطية نحو الأمام.     

شيرين : الانتماء للوطن والارض من يزرع بذرتها ؟؟؟؟
د. سامان : لامراء أن مسألة الإنتماء للوطن من أهم القيم الواجب غرسها من قبل المٶسسات التربوية في نفوس الناشئة والضروري تنمیتها لدی الطلاب. طبعاً هناك علاقة جدلية حميمة بين المواطن ووطنه ، لكن للأسرة دور مهم في غرس قيم الإنتماء للوطن ، بحكم أن كلاًّ منا يولد ويعيش ويتربى داخل الأسرة أولاً وأخيراً، بل ويتعلم ويتشرب كثيراً من القيم والعادات والسلوكيات من داخل الأسرة. في عالمنا اليوم تلعب وسائل الإعلام بأنواعها المختلفة دور مٶثر ومهم في عملية التنشئة الإجتماعية وخاصة نحن نعيش عالم الأقمار الصناعية والشبكات العنكبوتية ، والحاسبات الآلية ، ووسائل الاتصال المختلفة كالجوَّالات وغيرها. فللإذاعة والتلفزيون والإنترنت وصحافة الفضائيات تأثير قوي في صناعة الفرد ، بل هي الموجِّه الأول لفكر الفرد. وبالتأكيد إذا سارت العلاقة الجدلية بين المواطن والوطن علی مسار حيوي و صحيح فإن المواطن سوف يكون مستعدا للدفاع عن وطنه مهما كانت مشاربه و توجهاته الفكرية والثقافية والسياسية. علی الإنسان أن ينتمي أولا لنفسه من خلال سعيه ليكون الأفضل وذلك بتنمية مهاراته وقدراتە وبعدها يسعی الی إثبات نجاحه و تفوقه. لأن النجاح والتفوق هما وسيلة من وسائل التواصل مع الغير. وعن طريق الإنتماء الی الاسرة تولد الإحساس بالمسٶولية الجماعية وهكذا تتدرج هذا الإنتماء تصاعديآ من خلال المدرسة والجامعة أو حيز العمل الی  أن يصل الی الإنتماء للوطن. 

شيرين : في فترة الاحتلال الأميركي للعراق ظهرت جماعة صوفية مقاتلة انخرطت في العمل المقاوم للوجود الأميركي عبر كيان سمى نفسه جيش رجال الطريقة النقشبندية.... هل نعتبر هؤلاء  متطرفين على النقشبندية الحقيقة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
د. سامان: بما أن للطريقة النقشبندية كغيرها من الطرق الصوفية أتباع من جنسيات و قومیات متعددة ، فأنه من الطبيعي أن تكون بعض من أتباعها عرب عراقيين. بعضهم قاموا بأدلجة الطريقة و إستغلوها لإقامة علاقات سياسية وتجارية أو تأسيس حركات إرهابية كـ"جيش رجال الطريقة النقشبندية" التي لاتربطها شيء بالصوفية ولا بشيوخ الطريقة النقشبدية. هذه الحركة الإرهابية تهدف أساساً الی إعادة حزب البعث المقبور الى الحكم أو تأسيس نظام اسلامي أشبه بنظام طالبان في أفغانستان بعد أن أفلست أيديولجية حزب البعث القومية. من صفات المتصوف أن يتخلص من عقدة الامتلاك لكي يحرر نفسه الأمارة بالسوء وتزكيتها بالعمل الصالح ، وهل يمكن إعتبار قتل الأبرياء من قبل هٶلاء المتطرفين عمل صالح؟ من يمارس التقديس لمطلق من المطلقات فهو لايحسن سوی إنتهاكه علی أرض الواقع البشري المنسوج من الأهواء والمطامع أو من الوساوس والهواجس. بصراحة أنا لا أری وجود للصوفية من دون محبة والمحبة هي أصل الموجودات.

شيرين : أي حديث لانمر به على العراق هو حديث ناقص لانه الوضع فرض نفسه علينا هل نعتبر العراق مجتمع تعرجات سياسية هشة

سامان : في العراق لا وجود لمجتمع سياسي واحد. سٶالنا هو ، ما الذي يجمع بين الجماعات الاجتماعية أو المجتمعات المحلية في العراق؟ هل قامت الحكومات التي تعاقبت السلطة في العراق والی الآن بترسيخ مفاهيم الهوية الوطنية لدى أفرادها. هل الغيت مظاهر التمييز والتفرقة القومية والدينية والطائفية والسياسية في يوم ما؟ هل سعت الحكومات العراقية في يوم من الأيام بالقضاء على الفجوة بين الدولة والمجتمع من خلال الانبثاق الطبيعي للدولة والسلطة من رَحم المجتمع ذاته، وبالتفاني لتطبيق السياسات العادلة والمتوازنة الهادفة لخدمة الاجتماع السياسي والثقافي في المجتمع؟ الإنقسام المجتمعي موجود طبعا. أما حقوق المواطنة فهي حقوق مدنية تتعلق بالمساواة مع الآخرين وحقوق سـياسية تتعلق بالمشاركة في اتخاذ القرار السياسي، وحقوق جماعية ترتبط بالشٶون الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، لكن المواطنة في مجتمع العراق كانت ومن وجهة نظر الحكام في أنظمة الحكم المتعاقبة للدولة الراحلة ، صفة للجماعة التي ينتمي إليها هؤلاء الحكام. وحتی الملك غازي تطرف في ميوله الإثنية العربية علی حساب الكورد ، لذا أنا أعتبر السٶال المطروح من قبل حضرتك واقعي. 
شيرين :..هل نعتبر الفكر الحر الاهوج هو نتاج لناتج في المعترك العراقي ..ولماذا

د. سامان : الفكر الحر أو التفكير الحر هي وجهة نظر فلسفية ترى أن الأراء ينبغي أن تشكل على أساس العلم، المنطق والعقل ولاينبغي لها أن تتأثر بسلطة أو عادات أو أي من أشكال الدوغما. لكن الذي نراه في العراق هو عدم وجود مراكز علمية للأبحاث والتخطيط الاستراتيجي ومن غير تلك المراكز لايمكن أن تكون هناك تطور معرفي أو تنموي أو نهضوي. بالتأكيد تكون وظيفة هذە مؤسسات العمل علی إعداد دراسات وبحوث موجهة لصانعي القرار، والتي تتضمن توجيهات أو توصيات معينة حول القضايا المحلية والدولية، بهدف ترشيد أو عقلنة القرار السياسي للمسئولين وصناع القرار وتمكين صانعي القرار والمواطنين لصياغة سياسات حول قضايا السياسة العامة. أما احتكار صنع القرار السياسي والأمني من قبل شخص واحد وضرب مبدأ الشراكة عرض الحائط دون الإهتمام بنظام فصل السلطات يجعل من الشراكة حديث خرافة ومن العراق ساحة مفتوحة أو أرض مستابحة للنزوات الاستبدادية و الخطط الجهنمية.
 
شيرين: من لايتفوق على معلمه يكون تلميذ فاشل مقولة دافنشي ...من هو معلم سامان سوراني

د. سامان: من منا ليس له في هذه الحياة مُعلم، يستفيد منه ويتعلم من تجاربه وأفكاره؟ من منا لا يحيا بدون مَثَل، يستوحي منه القيمة ويستلهم منه المنهج الذي يطبقه في عالم الحياة؟
للفيلسوف الوجودي الألماني بيتر فوست رأي حول الإنسان فهو يقول : "الإنسان هو الموجود المتوسط الذي يتراوح وجوده بين الحياة (Bios)  والعقل (Logos) ، أنه لايجد الإشباع التام في الحياة ، ولكنه لايجد الراحة النهائية في العقل." هناك الكثيرون ممن أعتبرهم قدوة ومنار للفكر والإنسانية أمثال فيثاغورس الذي حدد معنی الفلسفة لأول مرة و سقراط الذي قام بدراسة الإنسان وله القول المأثور "أيها لاإنسان: أعرف نفسك" و اسبينوزا و ديكارت الذي مارس قواعد المنهج والشك والقائل: "أنا أفكر فأنا إذن موجود" و كيركجارد الذي ربط الفكر بالوجود و يسبرز الذي اهتم بالتأمل الفلسفي واصطدم بجدران "اللامعقول" وماركوس آوريليوس وباسكال و هيجل و نيتشه و سارتر وكامو و جاكومو ليوباردي وفيتجنشتاين ومن الفنانين العظام أمثال دوناتيلو و ميكيل انجلو و روبنس و ريناتو كاسارو و فان كوخ و سيزان و كليمت و مودلياني ماکس بكمان و اوتو دكس وغيرهم ، لكنني وقعت وأنا شاب يانع تحت تأثير الآراء الإنسانية لفلاح كوردي بسيط ، أراه معلماً لي  والذي كان يردد دوماً القول: "لن تكون إنساناً ، اللهم إلا إذا عرفت كيف تقضي كل يوم من أيام حياتك في اجتلاء جمال الطبيعة والبحث عن الحقيقة والمضي قدماً في طريق الخير و السعي نحو الکمال."

شيرين : كيف يصف دكتور سوراني القائد المستبد هل هناك معايير له ...؟؟؟

د. سامان : يقول الفيلسوف جون لوك بأن الطغيان يبدأ عندما تنتهي سلطة القانون. والقائد المستبد أو الطاغي يقترب دوماً من "التأليه"، يرهب الناس بالتعالي والتعاظم ويسعی في توحد الدولة في شخصه، معتبراً نفسه مصدر الإلهام ، يذل شعبە بالقهر وبالقوة ويسلب أموالهم. فهو لا يعترف بقانون أو دستور للبلاد ، إرادته هي القانون والدستور وما يقوله واجب التنفيذ وما على الناس الا السمع والطاعة. يقوم بتسخير وسائل الإعلام من اجل الإثارة والترغيب والترهيب وتطويع وتخدير الجماهير لإرادته. القائد المستبد يمكن تصنيفه من الناحية النفسية والإجتماعية بكل بساطة بشخصية بارانوية ملوثة بسمات نرجسية وسيكوباتية المستهينة بالمجتمع. لايعرف الإخلاص ولا الصداقة ، فهو دائماً شديد الحسد، شديد الغيرة، لا يطيق أن ينافسه أو يطاوله أحد. وهو يبالغ كثيراً في تقدير ذاته ويسخر كل شئ لتضخيم ذاته وقدراته ولديه شعور بالعظمة والأهمية والتفرد، وفي المقابل يحط كثيراً من قيمة الآخرين ويسفههم ويميل إلى لومهم وإلصاق الدوافع الشريرة بهم.

شيرين : هل من الممكن ان تحكم التعددية المجتمع الصامت الثائر؟؟
د. سامان: انّ فلسفة التعددية هو التنوع، وانّ جوهرها هو التميز عن بعض، ولو تشابهت لانتفت الحاجة للتعددية من الأساس. ما فائدة التعددية الحزبية إذا تشابهت أهداف كل الأحزاب وأدواتها ووسائلها؟ و التكاملية في المجتمع لا يخلقها التطابق. فسيادة قوانين غيرعادلة او سواد افكار سلطوية وشمولية حاكمة تفضل جزء من مكونات شعوبها على الآخر وتلغي وجود الآخر لايمكن أن تزرع بذور التعددية. إن تشجيع الحوار المجتمعي أمر ضروري لإتاحة الفرصة أمام القاعدة الشعبية للتعبيرعن نفسها وبلورة أمثلة لعملية التشاور ، يقوم المجتمع المدني من خلالها بمساعدة القادة والمسئولين على التعرف على ما يجب القيام به ، لضمان التأثير على عملية الإصلاح وتطوير السياسة العامة. الأحادية في التفكير والعمل تحت شعار أوحد ، هي بمثابة أفخاخ تلغم الحريات وتخنق التعددية و تٶول الی عسكرة المجتمعات والسلطات وتختزل الواقع.   
 
شيرين: أقرء لي سياسيا تميز اقليم كردستان وطفرته الحضارية ..
د. سامان : لقد عانى شعب كوردستان من الحکومات العراقية المتعاقبة في السابق الكثير من المآسي المتلاحقة، وكان أبرزها ضرب قوات المقبور صدام حسين لمدينة حلبجة بالأسلحة الكيماوية عام 1988 مخلفاً ما بين 5 إلى 10 آلاف قتيل. أما "حملة الأنفال" (1986-1989) السيئة الصيت ، التي قام بها المجرم علي حسن المجيد، والشهير باسم "علي الكيماوي" ضد شعب کوردستان مستخدما الأسلحة الكيماوية ضد الكورد، مزيلا أكثر من 4 آلاف قرية كردية من على الخارطة ، إذ يقدر عدد ضحايا هذه الحملة بنحو 185 ألف شخص ، فهو مثال آخر لسياسة التمييز العنصري للحكومات المركزية العراقية ضد أهل كوردستان.
لكننا ومنذ عام1991 ، أي بعد بعد إبعاد نظام البعث من بعض المناطق الكوردستانية شاهدنا تطور تدريجي في الإقليم بالشكل الذي اصبح فيه الإقليم اليوم قبلة لكل ابناء العراق والمنطقة في سياحتهم اليه بكمال الحرية واقامتهم فيه. هناك إستقرار أمني و تطور إقتصادي و سعي من قبل حكومة الإقليم المنتخب بشكل شرعي في إفساح المجال أمام التنافس السياسي الحر، وعدم تسخير المجال الديني لأغراض سياسية. لقد تبلورت الهوية الكوردستانية و تحولت اللغة والثقافة الكوردستانية الی لغة وثقافة حية والفضل عائد الی السياسة الحكيمة للقيادة الكوردستانية المعتصمة بقيم الديمقراطية والمٶمنة بالمساوات الجندرية من جانب و من جانب آخر الثورة الإعلامية الجديدة بكافة قنواتها التقنية. هذه الطفرة الحضارية تغضب بالتأكيد الاعداء وتسر الاصدقاء. من الواضح بأن الإقليم واجه أزمات سياسية و إجتماعية في علاقته مع دول الجوار علی مدار الأثنين والعشرين سنة الماضية ، إلا أنه تمكن من الاستمرار وتدعيم سيادته، ومن ثم يمكن القول أن استراتيجية الكورد للبقاء كانت ناجحة. فقد ركزت السياسة الخارجية للإقليم على تحقيق بعض أهدافه بالإعتماد علی الدبلوماسية الاقتصادية وتطوير أجندة قوية لتحقيق الأمن القومي و فتح باب الإقليم أمام المستثمرين والاستفادة من وفرة مواردها الطبيعية واستخدامها كأداة دبلوماسية لممارسة النفوذ على جيرانها، والذين كانوا معادين للإقليم. لقد تمكن الإقليم بحكم سياستها الذكية القضاء علی مشكلة التطرف الإسلامي و قام بدمج القوی الإسلامية المعتدلة في النظام السياسي للإقليم. هذه بعض من النقاط التي يمكن أن نأخذها بعين الإعتبار إذا ما أردنا أن نميز طفرة الإقليم سياسا.   

شيرين :: المجهر السياسي  السوري  هل نعتبر دمشق عين الشرق فيه وأين نضع الموقف كردستان من محنة الشام

د. سامان : إذا كنت تقصدين بالشرق المحاور الثلاثة إيران  و روسيا والصين ، فهذا أمر لايقبل الجدل ، فلهذه الدول مصالح إستراتيجية في سوريا و بالأخص لإيران. موقف إقليم كوردستان من التطورات السياسية في سوريا واضح وجليؔ. صحيح بأن الكورد يهدفون الی تأسيس خطاب قومي موحد وترتيب بيتهم بعد أن تمكنوا بفضل الهزة التي تعرضت لها دولة سوريا منذ بداية ٢٠١١ ولأول مرة في تاريخهم من طرح أنفسهم في الخارطة السياسية في سورية.، لكن حكومة الإقليم تأمل في  بناء دولة ديمقراطية تعددية تضمن حقوق الشعب الكردي وجميع المكونات الأخرى في سوريا.

شيرين : الاقصاء السياسي في العملية السياسية لاي دولة هل من الممكن ان يهز اكبر تاريخ لتلك الدولة كالعراق؟
د. سامان : إن أخطر ما يتضمنه إقصاء الآخر هو إنبثاق العبودية وإنمحاء الحرية. وهذا يكشف نظام شمولي يطمس كل إنفتاح للذات تجاه العالم. بمعنی آخر ، إن ثقافة الإقصاء يعني عدم رؤية الآخر وعدم تقدير مواقفه وآرائه أو التعامل معه وكأنه جرثومة يجب وأده واستئصاله ، هذە السياسة التي مورست من قبل نظام البعث بمنطق حصري ضدي عنصري عدواني إرهابي لعقود طويلة جلب معها الكوارث والآفات والمحن المعنوية والمجازر البشرية. إنه عين السخرية عندما نشاهد في العراق محاولة من قبل الحكومة في تأثيث المشهد السياسي الشمولي بديكور "حداثي" و "ديمقراطي" يغلف علاقات القمع والإقصاء السياسيؔيْن ، ويسبغ بعض أردية الشرعية علی نظام سياسي يفتقر الی أية شرعية. النرجسية المدمرة والاستقواء بالخارج فى مواجهة الداخل خطأ جسيم وإذا استمرت الحکومة الحالية علی السياسة القديمة ، فبالتأكيد سوف يكون تاريخ العراق قراءة الماضي علی قبر كلمات مطوية.

شيرين : دكتور سامان لنترك ضفاف السياسية ونخترق براكين المرأة والحياة لكن بنسمة هادئة الا وهي الجنس ..
  الا تعتقد أن الجنس هو الوسيلة لتحقيق الحياة ...؟؟؟
د. سامان : من المعلوم بأن الحياة تتولد وتتحقق في الوصال الجنسي الذي يتم بين الرجل والمرأة على نحو حبٍّ ومحبة. يهدف كلُّ دافع إلى تحقيق غاية والجنس في الإنسان تعبيرعن فعل الكيان ككل ، يتأثر في الإنسان بعوامل نفسية واجتماعية. الجنس محبة ، فهي الصلة بين قطبي الحياة لتوليد الحياة أو للتعبير عنها ، بها يدرك الإنسان بعده اللامتناهي أو الإلهي. الجنس الإنساني يتكون من عواطف ومشاعر وأفكار ومُثُل وتصورات ، فهو فريد من نوعه ، ذلك لأنه يتجاوز الحاجة البيولوجية ، بواسطته تلتحم أجزاء الكون وتأتلف وتتناغم. بنظري الجنس هو لقاء مع الآخر و تعبيرعن الكيان الواحد و تحقيق للحياة من خلال قطبي الحياة: الرجل والمرأة.
شيرين : أختلفت الاراء الى تفسير عملية الجنس بين الفلاسفة لبني الانسان انتم درستم الفلسفة هل تجدون هناك تفسير معين لوصول البشر للذروة الجنسية؟ الكثير يفسرها على انها شهوة وتنقضي والبعض يفسرها وخصوصا عند العرب على انه شىء مخجل ...أنا ارها هي مرحلة انتقال الى عالم الروح ...فلسفيا كيف وجد د. سامان سوراني هذا المنحى الفلسفي؟

د. سامان: لاجدال في أن الجنس هو أهم شيء في حياتنا ، لكننا عندما نفتح لە الباب علی مصراعيه فسيأتي علی الفحوی والمغزی العميق لوجودنا. وبالمقابل فإننا عندما نضيق الخناق علیه أو نثقله بتصورات الخطیئة والرذيلة فسنشوهه و سنفقد نحن أشياء جميلة ومجيدة، بمعنی آخر، ينبغي للجنس أن ينتظم في مجمل علاقاتنا. الحب والإنسجام هما حصيلة الإحترام المتبادل والمساعدة القائمة في كل نواحي الحياة. بالتأكيد كلما ارتفعت درجة التطور للكائن الحي أصبح كل من الحياة الجنسية والتجاذب بين الجنسين مرتبطا بالإيحائات العصبية. القواعد أو المعايير الأخلاقية لم تكن في يوم من الأيام قانوناً أبدياً وإنما كانت دوماً مختلفة و متغيرة ، لقد وجدت لخدمة مصالح فئات المجتمع المختلفة. الوصال الناجح أو ما تسمینه أنت بمرحلة الإنتقال الی عالم الروح يكسب المرأة سعادة طويلة الاجل ، لذا نجدها راضية حتی وإن أخفقت في مرات لاحقة في بلوغ قمة النشوة أو الذروة الجنسية. أما الشراكة الجنسية فهي في نظري ليست هدية وأنما وظيفة مستمرة  وحلها يتعلق بالتربية وبالمجتمع وبالتالي وقبل كل شيء بالناس الذين يريدون أن يتعايشوا مع بعضهم بعضاً سعداء.

شيرين : ماالفرق بين المحبة والحب من خلال قراءاتي للكثير من الكتب وجدت ان الفرق شاسع بين الاثنين وكبير فلسفيا مثلا الحب يجرنا للشهوة لكن المحبة تردعنا بوجود الله والشريعة واحترام الاخر كيف تجده حضرتكم؟
د. سامان : لو أننا فهمنا الحب علی أنه اهتمام بحياة الآخرين وشعور بأننا جزء من كلؔ وإسهام بنصيبنا من أجل رفاهية البشرية ، لكان في وسعنا القول ، إن الحب هو المعنی الحقيقي للوجود البشري بأسره. الإنسانية في حاجة الی الحب ،لا لكي تستمر مهزلة البقاء ، كما زعم الفيلسوف الألماني آرتور شوبنهاور، بل لكي يتحقق المعنی الحقيقي للحياة البشرية ، كما قال مٶسس مدرسة علم النفس الفردي النمساوي الفرد أدلر ذات مرة. صحيح بأنه في الحب أو الايروس شيء من المحبة لأنه وجهها المادي ، لكنه مع ذلك يشير إلى التجاذب ، إلى الحنين والتوق التلقائي الذي يخلو من الوعي. الحب الحقيقي هو تلك العلاقة الثنائية التي لايستأثر فيها أحد الطرفية بمركز الثقل ، بل يعد كل منهما نفسه مجرد جزء من كلؔ. هنا يمكن القول بأن الحب خـاص والمحبـة عامـة . المحبة هي القوة الواعية الدافعة باتجاه المعرفة والإبداع ، فهي عطاء لاينتهي وأساس التفاعل بين الذات ومايحيط بها. المحبة في اقترانها بالحب وبالقناعة والتجاوب المنطقي مع الفكر والوعي  تمثل قيمة أخلاقية ثابتة و تعكس سمو الروح وكرامة الجسد. فهي جاذبية وانسجام متناغمين ، أداتهما العاطفة ونتاجهما الإبداع.

شيرين : في سورة النساء،الاية 34 "الرجال قوَّامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا".
انتم من الذين عاشوا في بلد متقدم كالمانيا درستم وتشعبتم في المجتمع الغير عربي ..واكيد لاحظتم الفوارق الجمة بين المجتمع العربي والاوربي ...الرجال قوامون على النساء .. الاية صريحة ولم يقل أولياء ..والقوامة والولاية امر مختلف تماما فالقوامة تعني الرعاية والحماية أما الولاية فهي أثر من آثار نقص الأهلية في الشخص الذي تسري الولاية عليه..
لماذا نجد المجتمع العربي والاسلامي معتقلاً  نفسه والمراة وفق أنها ناقصة عقل ودين ...هل نستطيع ان نقول ان الرجل العربي رجل اناني متسلط ...ام هو ضحية مجتمع مازال يرى من ثقب ابرة ..

د. سامان : بدایة أود أن أشير الی المادة الأولی من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تنص: "تولد الكائنات البشرية جميعها حرة ومتساوية في الكرامة والحقوق"، لكن الرجل في المجتمعات العربية المحافظة وبسبب رسفه في أغلال التقاليد الرجعية الموروثة التي تسوّغ له ممارسة الاستبداد بالمرأة والتحكم في مصيرها وحريتها لا يستطيع أن يهضم مضمون هذه المادة.   
لقد أشار عالم الإجتماع الكبير علي الوردي بأن العالم العربي هو موطن البداوة و أكثر المناطق في العالم تأثرا ومعاناة بين قيم البداوة وقيم الحضارة. للأسف يٶثر هذا الصراع الی یومنا هذا علی البنية الثقافية وسمات الشخصية العربية. المجتمع العربي هو مجتمع أبوي ذكوري وعلی المرأة في هذا النوع من المجتمع أن تخضع وتنصاع الی أوامر الذكر ونواهيه. الرجل في الشرق الأوسط لايعترف بأنه بدون المرأة قياس عقيم لاينتج. أما المرأة فهي مثل الرجل إنسان یعقل، إنسان له عواطف وإحساسات، یشترك معه في العمل. ولو أردنا أن نقدر الدرجة التي وصل الیها أي شعب من الشعوب في الحریة فعلینا أن نبحث في الحریة التي یتمتع بها النساء فیه ، یعني أن مقدار التحرر الذي تحصل علیه المرأة من العبودیة السالفة في أي مجتمع هو أضبط مقیاس لتحرر هذا المجتمع.

شيرين : دكتور سامان هل نعتبر الفلسفة الوجودية هي رحلة البحث عن الله؟؟؟؟

سامان : الفلسفة الوجودية تتناول مشكلات وجودية ، مثل مشكلة معنى الحياة، مشكلة الموت، ومشكلة الألم ، لكنها لاتقف عند حد تناول هذه المشكلات. قرأت وأنا إبن العشرين إعترافات اوريليوس أغسطينوس هيبونيسيس أو من يسمی عندنا بالقديس أوغسطين المٶمن بالجبرية و خواطر للفرنسي باليز باسكال و إدراكات الفيلسوف الإسباني الباسكي ميکويل دي أونامونو و روايات الروسي دوستويفسكي وخاصة روايته المشهورة "الإخوة كارامازوف" وأشعار النمساوي المجري راينر ماريا ريلکه ، هٶلاء تناولوا في أعمالهم موضوع الخالق لكن لا بعمق الأب الروحي للفسلفة الوجودية الدنماركي سورين كيرکجارد أو الطلاب المنتسبين له أمثال الفرنسيين غابريل مارسيل و جان بول سارتر و الفلاسفة الألمان أمثال كارل ياسبرز و مارتين هايدغر  ونیتشه والروسي نيکولاس بريانيف. إن معالجة المشكلات الميتافييقية من قبل هٶلاء لعبت دور مهم في نشأة الفلسفة الوجودية. سورين كيركجارد يٶكد في فلسفته أولوية الوجود علی الماهية وهو علی ما أظن أول من أعطى كلمة “وجود” معناها “الوجودي”، فهو بمعارضته للعقل يری أنه لايمكن الوصول الی الإله بوسيلة طرائق الفكر وإن اللحظة هي تركيب يجمع بين الزمان والخلود والوجود يتماشی تماماً ويتطابق مع الزمانية. إن محاولات الوجوديين للوصول الی الوجود في ذاته بإختلاف تجاربهم الشخصية يتم بالتغلب علی النزعة المثالية و تعديها ، فالإنسان أو مايسمونه "الموجود" كحقيقة ناقصة و مفتوحة ومربوطة أوثق إرتباط الی العالم وخاصة الی البشر الآخرين ، يخلق نفسه بنفسه ، أي إنه هو هو حريته هو.
بالرغم من أن مارسيل و كيركجارد أعلنو إيمانهم بالألوهية ، إلا أن هذا لا ينطبق علی ياسبرز ، الذي قال بوجود التعالي  أو المتعالي أو علی الفيلسوف هيدغر الذي أنكر الألوهية . أما سارتر فوضع مذهب صريح ومتسق الأركان في إنكار الألوهية. بصراحة سٶالك هذا عام ويحتاج الی دراسة خاصة. 

شيرين : هل تعتبرون بداية اي وجود  هو الفكر...
د. سامان : لو أخذنا بمذهب الفيلسوف الفرنسي رينيە ديكارت في الـ"كوجيتو" "أنا أفكر إذاً أنا موجود" نری بأن الفكر يسبق الوجود ، لأنه من غير التفكير لا أستطيع القول بوجودي ، بمعنی أن الفكر هو الذي یكشف لي حقيقة الوجود. صحيح بأن الوجود ككيان مادي شاخص كائن ، لكن بدون الفكر لا أحد يستطيع إثبات هذا الوجود المادي الكائن. هل يمکن الفصل بينهما؟
إن مقولة ديكارت شكلت إعلاناً بالتحرر من أطر الفكر المدرسي و خروجاً من قوالب المنطق الشكلي ، فالكوجيتو الديكارتي هو يقظة من سبات الفكر اللاهوتي ونقلة من التمركز حول الله الی التمركز حول الإنسان ، إنە إعلاناً بلغة الفلسفة عن تشكل الإنسان ذاتاً مفكرة تخلق وتبدع بعد أن كان مخلوقاً مترهنا بفكره وإرادته لقوی الغيب ومشيئة اللامرئي. أنا أری أن حال الفكر والوجود، كما هو حال الروح والجسد، فلا الروح قادرة على أن تنفصل عن الجسد إلا بالعدم، ولا الجسد قادراً على أن ينفصل عن الروح إلا بالعدم، فهما في النهاية محكومان بوحدة لا تنفصم، وكذا الفكر والوجود. أما الإدراك والعقل والفكر وآليات الدماغ فهي وسائل للتعاطي مع الوجود والحياة. والبحث في الوجود يعني البحث عن رٶية الإنسان وإحساسه وإدراكه وإنفعالاته. الفكر عندي هو حركة الواقع وقد إنتقل لذهن الإنسان فلو لم يكن هناك حركة للواقع المادي ما كان هناك فكر ولا حياة. بالتأكيد لاتفكير بلا غاية. والفكرة تنشأ من صور مادية تترتب بعدها لتخدم حاجة وجودية سواء مادية أو معنوية تتمثل فى الأمان والسلام.

شيرين : لغة الخطاب السياسي تتحمل جزء كبير من كاهل الامة فالعراق مثلا دولة تفقد الى لغة الخطاب السياسي بسبب النزاع على العروش ...الى اي مدى تحتاج الشعوب ...لتخرج من قوقعة التهتر الواقعي ..واعني العراق

د. سامان : بما أن الخطاب السياسي حقل للتعبير عن الآراء واقتراح الأفكار والمواقف حول القضايا السياسية من قبيل شكل الحكم كالديمقراطية واقتسام السلطة والفصل بين أنواعها ، إلا أننا لانری أن في العراق أحزاب تمتلك لغة الخطاب السياسي المقنع والهادف إلى حمل المخاطب على القبول والتسليم بصدقية الدعوى عن طريق توظيف حجج وبراهين. الخروج من قوقعة التهتر الواقعي يتم إذا ترك المجتمع عقلية الإعتماد علی زعيم أوحد أو قائد ملهم أو مهدي منتظر ، يختزل مجتمعاً بكامله أو يستبد بلد بأسره بهدف تشكيل حشود بشرية أو قطعان عمياء تصفق وتطرب و تعد وتتوعد ، لكي تقع في النهاية ضحية من تقدسه وتبجله من زعماء وأئمة وآيات الله وحجج المسلمين. وللعراقيين تجارب في هذا المجال.
   
شيرين : يمر العالم العربي في مرحلة خطرة وهي نتاج لسيناريو لابد ان يكون هذه التغيرات ، هل نستطيع ان نضع ضمن اطار الثورة الوجودية ؟؟؟؟؟
سامان : هناك رأي للكاتب الجيكي القدير فاتسلاف هافل حول الثورة الوجودية، فهو يقول بأن الثورة الوجودية عبارة عن إمكانية إعادة هيكلة المجتمع أخلاقيا ، بمعنى تجديد جذري لعلاقة الإنسان بما أطلقت عليه "النظام البشري". إن الأمر يتعلق بهذا المسار، خبرة وجودية جديدة،  تجديد الارتباط بالعالم، الالتزام المتجدد بالمسؤولية العليا، إعادة اكتشاف العلاقة بالآخر والتضامن مع المجتمع.
العالم العربي والإسلامي تواجه أزمات ومآزق ، فهو يحتاج الی إعادة النظر في الكثير من المسائل الجوهرية ، منها القوة وفي مصدرها و أوجه إستخدامها. في الواقع الکوني الجديد لم تعد القوة هي قوة عسكرية محضة ، كما يراها السيد نوري المالكي وأمثاله من الكلاسيكين العرب، أصحاب عقلية ماقبل الزراعة، بل قد تكون إقتصادية  عبر إنتاج السلع والتقنيات والمواد الصلبة ، وقد تكون ناعمة عبر إنتاج الثقافة والرموز من الأفكار والقيم والمثل والمعارف والمعلومات. أين العالم العربي من كل هذا؟ المجتمعات العربية سقطت للمرة الثانية في إمتحان الفردية والمواطنة والديمقراطية والمجتمع المدني ، وتراجعت وللأسف عما كانت علیه قبل عقود.
شيرين : هل توجد في الحب فلسفة؟؟؟
د. سامان: موضوع الحب أثير في كل الثقافات وعند كل الأمم، وأصبح في حياتنا المعاصرة ثقافة ودواء لعلاج أمراض الإنسان المعاصر من الوحدة، ومن أمراضه العضوية وهناك ثمة مقولة صوفية مفادها أن الحب "لا يكون موجوداً، حتى تخاطب الـ أنت بـ ألـ أنا". بما أن الحب هو المعنی الأسمی لكل ما يحيط بنا، فأن مفهوم الحب وتعريفاته قضية أثارت منذ البدء جدالاً وإختلافاً لدی المفكرين والفلاسفة. الحب فلسفة وهو كشعور أسمی للإنسانية ونور يفتح كنوز العالم لايمكن جمعه وتفسيره وتحديده بمقال. لقد أشار أفلاطون علی لسان أرسطوفان الی أن  الحُبّ جاء ليعيدنا إلى نشأتنا الأولى التي خرجنا منها، إنه يفعل كل شيء في سبيل إعادة وصل النصفين المشطورين واستعادة تلك اللُحمة الأصلية التي جسدَّت كمالنا الحقيقي. جوهر الحب هو البراءة والبساطة ، فهو بداية المعرفة رغم أنه يجلب لنا بجانب الغرق في  بحر العواطف والأحاسيس الجراح والآلام، وفي التعبير عن العلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة يمكن القول بأن الحب هو كيمياء متبادلة بين أثنين وهو حالة قصوى من حالات الشرط الإنساني كالخوف والقلق والموت.
شيرين : يراودني شعور ان قلم سامان سوراني يجيد العوم في دنيا الانثى  واعني القوافي كما هو في زوبعة الفلسفة
سامان : أنا لا أری بأن دنيا القوافي رفاهية أوغياباً عن الواقع ، بل هو الحضور الأعمق فى قلب العالم. الشعر في

115
هل العلاقات بين تركيا واقليم كوردستان هي حصيلة السياسة الحكيمة؟ 

شكل العام ١٩٢٣ تحولاً تاريخياً هزؔ أركان الخلافة العثمانية بعد أن تم خلع آخر السلاطين محمد السادس والغي السلطنة وأعلن بقيادة مصطفی كمال الجمهورية. التجربة الكمالية ، التي  تأسست على خلفية قيادة فردية ، وحزب أوحد ، ونظام جمهوري لكنه تسلطي توتاليتاري حوؔلت السلطنة العثمانية إلى تراث ماضوي ، لكنها أثبتت قدرتها ، رغم معارضة الكورد والأرمن لها ، علی الصمود لقرابة المئة عام.
اليوم تعيش تركيا في زمن الحقبة الأردوغانية ، تنتهج خطاب سياسي ذو حدين. من طرف تنادي بسياسة إحياء الوحدة العثمانية والتمجيد بتاريخ السلاجقة الأتراك ، بعد تبني شعارات إسلامية دوغمائية تجعل من الإسلام السياسي مقولة سحرية ، ومن طرف آخر تنحو في اتجاه تأسيس وترسيخ السلام وزيادة الاستقرار والسلام في العالم وخاصة في محيطها القريب. صحيح بأن التحول السياسي العالمي السريع، الذي بدأ في أوائل التسعينات من القرن الماضي، أدی إلى إنعاش أمل سلام دائم في العالم ، لكنه جلب معه أيضاً بعض الغموض بشأن المستقبل ، لذا تحاول تركيا رسم صورة قوية يزداد تأثيرها باستمرار في مجال السياسة الخارجية عن طريق انفتاحات جديدة تقتضيها المشاكل الإقليمية وإسهامات هامة لتطوير الحوار.
فيما يخص العلاقات بين تركيا وإقليم كوردستان فإنها تعيش اليوم مرحلة لم تكن متوقعة أن تصل اليها قبل عام ٢٠١٠.  إقليم كوردستان خطت ، كحصيلة للأستقرار الذي يتمتع به على المستويين السياسي والديمقراطي و كنتيجة لممارسة سياسة حكيمة مطلية بالدبلوماسية والشفافية والإيمان الكامل بالسلام والتعايش وإحترام حسن الجوار بينه وبين تركيا ، خطوات كبيرة نحو بناء نوع من التكامل الأقتصادي والتجاري مع الرغبة المتبادلة في الاستفادة بعد توافق المصالح السياسية والإقتصادية و بروز رٶی مشتركة لقضايا وتطوات سياسية في المنطقة.
حكومة تركيا لاتری الآن بأن تغير التركيبة الفدرالية الحالية التي يعيشها إقليم كوردستان الى الكونفدرالية تهديد علی أمنها وسيادتها ، بل تقرأها كسبيل لتنظيم الأمور وإدارتها بشكل أنجع. فهي مستمرة في سياسة تقديم الدعم المالي والفني والسياسي للشركات الترکية التي ترغب في الاستثمار في إقليم كوردستان ، إذ يبلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا والإقليم أكثر من ١١ ملیار دولار أمريكي و حجم الشركات التركية العاملة في الإقليم تبلغ أكثر من 50% من بين الشركات الأجنبية العاملة فيه. مع هذا لا يمكن معرفة مدی قدرة الإقتصاد التركي على النمو والتوسع والوقوف أمام الأزمات الإقتصادية التي تلازم بعض البلدان الأوروبية منذ سنوات.
أما فيما يخص حل القضية الكوردية في تركيا ،  فلا يمكن لتركيا أنْ تتحول الى نموذج للديمقراطية في الشرق الأوسط أو تدعو لها مالم تحل القضية الكوردية حلاً جذرياً واقليم كوردستان سوف يكون العامل المساعد في حل القضية سلمياً من غير التدخل في شؤون تركيا الداخلية.
إقليم كوردستان المتمسك الی حدٍ ما بفصل الدين عن السياسة يسعی الی لأم الشروخ و دعم التعاون داخل المجتمعات الكوردستانية لإجتياز الحدود و رفع القيود المصطنعة علی شعب كوردستان. والشعب الكوردستاني بدأ بعد جمعه التجارب في الدفاع والسياسة يستوعب المعادلات الإقليمية و الدولية ليرسم خططه التكتیكیة والإستراتيجية بوعي وإدراك علی ضوء تلك النتائج التي يتوصل اليها بعد تقييم واقعه و ظروفه الذاتية والموضوعية ليضمن الحفاظ على منجزاته و مسيرته.
في الماضي كانت الأنظمة الإقليمية في المنطقة تؤثر بشكل سلبي على مصير و مستقبل شعب كوردستان الذي واجه أقسی أنواع حملات الإبادة الجماعية و الممارسات العنصرية والاستراتيجيات السلطوية الاستبدادية و بشكل عام واجه تحديات جسيمة و لم يكن أمامه خيار آخر سوی الكفاح المسلح لتحقيق مطامحه القومية و الإنسانية المشروعة. لکن السياسة الحکيمة التي تمارس من قبل القيادة الكوردستانية استطاعت أن تحوّل الكورد الی لاعب نشط وديناميكي من شأنه أن يغير الخارطة الجيو- سياسية في الشرق الأوسط في القرن الواحد والعشرين.
وختاماً: أن إرادة الشعوب في الحياة وفي العيش بحرية وشرف وكرامة هي التي ستسود في النهاية والتاريخ يٶكد أن إرادة الشعوب لاتقهر ولاتهزم ولاتخدع ولو بعد حين.
الدكتور سامان سوراني


116
إقليم كوردستان وتحولاته في زمن عولمة الهوية

في العقدين الماضيين شهدت البشرية الكثير من التطورات والتحولات التي طالت كل شيء تقريباً ، بحيث دخلت الإنسانية في مرحلة تاريخية جديدة على مختلف الصعد والمستويات.
السٶال هو، هل يمكننا أن نستوعب تلك التطورات والتحولات أو نستفيد منها إذا بقيت أوضاعنا الداخلية غير موحدة ؟
فعصر العولمة يتطلب منا إرادة إنسانية مستديمة وثقافة تعلي من شأن الإنسان وحقوقه، وتصون كرامته ومكتسباته، وتجذر وتعمق خيارات الحوار والتعددية والتسامح ونظاماً سياسياً، يستند في إِدارته وحكمه على مبدأِ المشاركة وتداول السلطة وإرساء دعائم الديمقراطية في الحياة العامة.
بالرغم من أن إقليم كوردستان يعيش حقبة آفاق مفتوحة لايزال هناك نقص القدرات الإنسانية في المعرفة ونقص في تمكين المرأة ومازالت حرية تكوين الروابط المدنية وجمعيات النفع العام ضعيفة و أنساق الحکم الإداري الطابع مركزية والمشاركة السياسية تدار بأسلوب مركزي جزئي خاضع لتنظيم شديد لايشمل جميع المواطنين.
العمل الجاد من أجل الوصول الی نموذج الحكم الصالح "Good Governance" من أجل تعزيز ودعم وصون رفاه الإنسان وتوسيع قدرات البشر وخياراتهم وحرياتهم الإقتصادية والإجتماعية والسياسية يجب أن تبدأ بتفكيك آليات وأساليب قديمة متحجرة سائدة. فإدارة البشر في عصر العولمة يحتاج الی إبتكار سياسي ومٶسسي جديد يتلائم مع التغير في نمط السلطة.
إن مواجهة تحديات العولمة علی صعدها المختلفة والمتعددة تبوح بالفشل إذا كنا عاجزين عن خلق الأفكار وفتح المجالات أو قمنا بالهروب من المواجهة والإبتعاد عن إبتكار المهام وتغيير الأدوار. فالهوية هي ما ننجزه ونحسن أداءه ، أي مانصنعه بأنفسنا وبالعالم ، لا ما نتذكره ونحافظ علیه أو ندافع عنه. 
أما الماضي فيتحول الی عائق يصرفنا عن فهم الواقع وصناعة العلم إذا لم نستثمره بصرفه الی أعمال ومنجزات. فالماضي يقودنا الی مانحن علیه في حاضرنا ، بالرغم من أن البعض مازال يظن بأننا لم ندخل بعد عالم الحداثة ، مع أننا ننتمي الی الزمن الحديث منذ صدور أول جريدة كوردستانية في الثاني والعشرين من ابريل 1898.
من المعلوم بأن الديمقراطية لاتأتي من الباب الخلفي كما يسعی الیها البعض ، بل يجب أن تبنع من قرار سياسي واع و مقصود بتأسيس الديمقراطية ، والتحول والتغير الديمقراطي لا يأتيان إلا من خلال إصلاح واع و جريء. أما فيما يخص إصلاح الأخلاق الوظيفية فهذا لايتم برفع الرواتب ولا حتی بمجرد تطبيق نظام صارم من العقوبات والمحاسبة. علی الرغم من حتمية وبداهة هاتين الناحيتين في قطاع أي عمل ، إلا أن الأهم من هما هو إحترام التميز الفردي والإفساح في المجال للإبداع والإبتكار ومكافأة وتقدير المتفوقين عن طريق إفساح المجال لتحقيق الذات.
فالعمل علی إعطاء المواطن حقه الأخلاقي الطبيعي في تحقيق ذاته هو الأساس الناجح والصحيح لنظام لايعمل بعقلية فوقية تقول: "إن الدولة أهم من أفرادها وإن الأمة أهم من مواطنيها". 
إن حب شعب كوردستان لقياداتها السياسية يزداد كلما كانت هذه القيادات قادرة على تحمل مسؤولياتها بما فى ذلك أشراك الشعب الكوردستاني معها في إدارتها لأزماتها.
الديقراطية ليست عقيدة والعبرة بالنتائج والحوار قيمة إنسانية وحضارية كبرى تتجلى في الدوائر والمجالات كافة ، والاجتهاد وتطوير مؤسسات البحث والتفكير وصياغة ثقافة سياسية جديدة لا تنحبس في قوالب ماضوية ولا تلقي خصوصية أوضاعنا، ولا تقفز في المجهول وإنما تبني حياة سياسية جديدة ترتكز على إطلاق الحريات السياسية لكل القوى والمكونات لكل القوى والمكونات، وإدارة الاختلاف والتنوع بعقلية الحوار والاستيعاب ، لا بعقلية الصمت والإلغاء . أما المجتمع الذي تضمحل فيه إمكانية ممارسة النقد والمساءلة ، فليس بإمكانه استيعاب التحولات والإفادة القصوى من منجزات العصر والتقنية الحديثة.
وختاماً: إن عولمة الهوية لا تحدث دون إمتلاك للمعرفة أو لمفاعيل علمية. أما الشأن العام فهو اليوم لم يعد حكراً علی منظومة خاصة أو نخبة سياسية ، بل هو مجال تداولي يمكن لكل فاعل اجتماعي المساهمة في تشكيله و توسيعه أو الدفاع عنه وذلك عبر الإنخراط في المناقشات العمومية أو بتسليط الضوء علی قضايا الساعة أو تقديم مبادرات خلاقة لحل المشكلات وتدبر الأزمات. الهوية القوية والفعّالة ليست ما يملكه المرء أو يُعطی له ، وإنها ليست كياناً ما ورائياً ، وإنما هي ثمرة الجهد والمراس والإشتغال علی المعطی الوجودي ، بكل أبعاده ، من أجل تحويله الی أعمال وإنجازات ، فهي إنبناء وتشكيل بقدر ما هي صناعة و تحويل.
الدكتور سامان سوراني


117
دور الوعي المجتمعي والسياسي في بناء الدولة الكوردستانية

يمثل الوعي إدراك الإنسان العاقل للواقع والأشياء و للتجارب والمتغيرات المحيطة والقدرة علی تحديد موقف تجاه الواقع والأشياء، إذ بدونه يستحيل معرفة أي شيء.
الوعي المجتمعي والسياسي هي رٶية ومعرفة عقلية لما يحيط بأفراد المجتمع السياسي من أفكار وممارسات واختلافات سياسية وركيزة أساسية لبناء النظام السياسي والإجتماعي الذي تشمله سلطة الدولة ، بدونها لايمکن لأي نظام أن يصمد أمام أزمات قد تمر بها الدولة أو المجتمع مهما كان حجم البناء السياسي أو العمراني.
فالوعي السياسي لە أهمية كبيرة في بناء الأنظمة الديمقراطية واعتماد العقلانية والتفكير العلمي أساساً منهجياً لتنظيم التعايش في المجتمع وقبول الآخر.
المسٶولية التاريخية تفرض علی النخبة المثقفة ، التي تمثل القيم العليا لثقافة المجتمع والتي علیها أن تلعب دوراً أساسياً في  متابعة الظواهر السلبية التي يعاني منها المجتمع وايجاد الحلول والمعالجات الضرورية والبدائل لتلك الظواهر وفقاً لمعيار ومحددات المجتمع.
إن إشاعة الوعي المجتمعي والسياسي تتم عن طريق مشاريع نهضوية تتوجه الی المواطنين بقدر ما تتوجه الی السلطة والقيادات الحاكمة دون إنحياز وتملق علی حساب الشعب. المرحلة التاريخية التي يمر بها إقليم كوردستان تجاوزت طرح أسئلة بسياقها الإجتماعي والسياسي مرهونة بفكر وثقافة فترة النضال المسلح ضد الدكتاتورية والأنظمة الشمولية المستبدة والبائدة التي هضمت كافة الحقوق المشروعة لشعب کوردستان.
إن قراءة الواقع الكوردستاني الجديد باستقلالية تامة والقدرة علی إجتراح الحلول والمخارج إنطلاقاً من لحظة توصيفنا الحاضرة والمستقلة لذاتنا ، بغض النظر عما تنبأ بها أسلافنا أو ما أبدعه قياداتنا الوطنية الخالدة في الماضي ، تكشف لنا مدی حاجة المجتمع الی العدالة وتأمين الحريات الفردية للتعمق في الثقافة السياسية كالدستور والحقوق والواجبات وصلاحية السلطة الی جانب الأمن والغذاء لبروز أسس الوعي السياسي ومحو حالة الإستغفال والتخلف والإتكالية وسياسة التجويع فيه. فضعف الوعي المجتمعي والسياسي تخلق أزمة الهوية و الإندماج الإجتماعي وأزمة العزوف عن المشاركة السياسية مما يٶدي في النتيجة الی عدم نضوج التجربة الديمقراطية والتخلف في بناء الدولة.
إن العمل علی نشر الوعي المجتمعي والسياسي بين أفراد الشعب الكوردستاني بعيداً عن التعصب المذهبي أو القبلي أو القومي وبعيداً عن ربط المواطنة بأشخاص أو أحزاب أو عن المصالح الضيقة والأهداف الآنية ، يٶدي الی ترسيخ مفهموم المواطنة ويعزز ثقة المواطن بالقوى الفاعلة ويخلق التوازن في المجتمع بعد تشريع قوانين عادلة تحقق المصلحة المشتركة للدولة والفرد و يسهل أخيراً عملية الاستعداد النفسي والفكري للالتصاق بالوطن تاريخاً وأرضاً وشعباً وقيماً.
المجتمع الكوردستاني يجب أن يبدأ رحلة بناء الدولة الديمقراطية للوصول الی مكاسب برلمانية علی حساب سلطة الأحزاب المطلقة ونضوج الفكر الديمقراطي بجهود مفكرين يعملون من أجله لتقييد حركة السلطة وعدم السماح لها بان تعمل بشكل مطلق في الساحة الداخلية وحتى على المستوى الدولي ، بعد إشاعة مبدأ العدالة الاقتصادية من خلال حل المشاكل المعيشية للمجتمع كالبطالة والفقر والعدالة في توزيع الثروة ، تلك الرحلة التي ساعدت الشعوب الغربية في التخلص من قيود الظلام والاستبداد والسلطة المطلقة وكل ما يتعلق بغلق الفكر والحرية الإنسانية.
من الواضح بأن الإستبداد السياسي هو السبب الرئيسي وراء التخلف في المجالات الاجتماعية، والثقافية ، والاقتصادية. والطريق الأمثل للتخلص منه هو معرفة الشعب لما له وما عليه، أي لحقوقه وواجباته وليس معرفة ما عليه فقط دون التفكير فيما له، وان الشعوب المتقدمة قد تغيرت وتطورت نتيجة لنمو الوعي السياسي.
الدولة الكوردستانية الحديثة هي الواقعية الروحية التي يتعين فيها حقوق الأفراد وحرياتهم و واجباتهم ، لذا نراه من الواجب أن تكون عقلانية ، مرتكزة علی العلمانية والمواطنة والديمقراطية ، أي مدنية ومٶسسة علی فصل الدين بالسياسة رافضاً استخدام الدين لتحقيق أهداف سياسية ، وإقحام الدين في عالم المصالح الدنيوية الضيقة ، فالدين في الدولة المدنية ليس أداة للسياسة وتحقيق المصالح.
الإعلاء من شأن الانتماء للدين على حساب الانتماء للوطن فمآله التقليل من شأن مفهوم قيم المواطنة وحقوق الإنسان والتعددية السياسية والتسامح وقبول الآخر والمساواة في الحقوق والواجبات واحترام القانون وسيادته. فـ"الدولة"، بوصفها العقلي الكلي، لا تستمد وجودها من ، "التصور الديني" ، و "العاطفة الإيمانية" ، كما يعتقد البعض ، ذلك أن "الدولة" ، هي" الروح الضاربة بجذورها في العالم" قاعدتها ومبدأها العقلي ، هو "الحرية"، على خلاف "الدولة الدينية" ، اللامبالية حيال العالم الدنيوي.
إن هوية دولة كوردستان المعاصرة ينبغي ان تكون انعكاساً ودليلاً علی قدرة أبنائها علی الإبداع والتقدم والانفتاح علي العالم وثقافاته وعلومه وليس العودة إلی الوراء. فالجهاز الإداري يجب أن يخضع لقانون موحد والمؤسسة العسكرية أو الجيش ، يجب أن تكون مؤسسة ديمقراطية، وعلی البيشمرگه الدفاع عن الوطن أو التراب مما يُبين "الحس الوطني"  لديه.
أما الموظفين في الدولة فيجب إنتخابهم علی أساس مباراة مفتوحة ، تعتمد على مفهوم "الإستحقاق"، من شأنه أن يخلق تكافٶ لافرص والجهاز التعليمي يجب أن يكون مٶمم و تطبيقي النوع  يعتمد علی اللغة الموحدة وإقتصاد السوق الموحد يعتمد علی الإنتاج. أما أيديولوجية الدولة فيجب أن تكون في عالم تتعدد فيه النزعات العقائدية دولوية لضمان الإستقرار. بإختصار يجب أن تكون الدولة الكوردستانية مبنية على منطق الإنسان الإجتماعي الذي يحاور ويناقش ويصوت في شؤون الجماعة مقيداً فقط ببنود والبعد التنموي يجب أن يكون حاضراً وفاعلاً كمكونات سياسية وثقافية لشعب الدولة الكوردستانية الحديثة وليس مجرد شعارات جوفاء.
وختاماً: الإنسان لا يولد مواطناً، بل هو يتربى على المواطنة وإن أفضل دولة هي تلك التي يقضي فيها الناس حياتهم في وئام و تبقى فيها القوانين محفوظة من كل تجاوز.
الدكتور سامان سوراني



118
الأدوات السياسية المعاصرة للتفاوض و خفايا النجاح الدبلوماسي

بالرغم من أن  ثنائية الحوار والتفاوض تشكل المكوؔن الأساسي للحل السياسي وهي قديمة قدم التاريخ
يظل التفاوض مسٶولية من مسٶولیات العمل الدبلوماسي في السياسة الخارجية للدول. فالتاريخ البشري عبارة عن مشاكل و قضايا و سعي نحو حلها.
الهدف الأساسي للدبلوماسية هو التوفيق بين المصالح المتعارضة وخدمة المصلحة البشرية بالطرق والأدوات السلمية والسعي الی تجنب التوتر أو تخفيفە. والتفاوض هو فن لحل الخلافات الدولية بالطرق السلمية، بل هو علم التعرؔف على أفضل وسائل تكوين الأرضيات المشتركة والتفاهم الفعؔال بين بني البشر، رغم اختلافاتهم وثقافاتهم وعقائدهم، يحكمه قواعد تطورت مع تطور العلوم السياسية والاجتماعية.
البعض يعتبر التفاوض وظيفة شكلية بإعتبار أن وراء كل تسوية قوی موضوعية وهذه الوظيفة الشكلية ماهي إلان تغليف الأوضاع بالغلاف القانوني. وهناك آخرين يعتبرون بأن للمفاوض تأثير علی محصلة التسوية ، لأن قدرة المفاوض علی إقناع الطرف المقابل وإدراكه ومهارته في حل مسائل الصراع الم