عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - نبيل عبد الأمير الربيعي

صفحات: [1]
1
قراءة في كتاب المعبد في وادي الرافدين للكتور نصير الحسيني
نبيل عبد الأمير الربيعي
تميز الانسان في وادي الرافدين بحاجاته ونزعاته الطبيعية المتزايدة مع الزمن، وتفاعله مع بيئته واحواله الحياتية، ومع ذلك فحو يعبر عن مشاعره ويظهر حاجاته ويستجيب للأخرين والاشياء المحيطة به، وفي هذه الاحوال يأتي الدين والمعبد ليلعب دوراً فعالً في اشباع هذه الحاجات الاساسية، وهذا يعني ان للمعبد وظائف استوجبت بقاءه منذ وجوده واستمراره، اذ ان من المتفق عليه ان الشيء الذي لا وظيفة له لا ضرورة لبقائه. حاجة الانسان الى الدين تنتج عن حقائق اساسية للوجود البشري، فالانسان يعيش في احوال غير ثابتة ومحاطاً بظروف وحوادث مهمة لسلامته وبقائه لكنها فوق طاقته وبصيرته. وهذا هو حال الفرد العراقي القديم الذي صور لنا صراعه مع محيطه وبيئته الطبيعية وكيفية التغلب عليها كما جاء في اساطير وملاحم بلاد الرافدين.
عن دار الفرات للثقافة والاعلام في الحلة صدر للأديب الدكتور المهندس اصدار جديد يحمل عنوان (المعبد في وادي الرافدين)، يقع الكتاب في (392) صفحة من الحجم الوزيري، وقد حشدَّ له (101) بين مصدر ومرجع وطرز بعض صفحاته بالرسوم الوثائقية والتخطيطات الهندسية للمعبد، فالكتاب انجاز جديد فيما يخص (المعبد في وادي الرافدين، قد بين الدكتور الحسينب في كتابه تاريخ الدين وبدائته في حضارة وادي الرافدين ودور الآلهة في حضارة بابل في دعم وترسيخ هذا الدين، ثم ينقلنا في ص155 إلى أهمية المعبد للفرد وانواع المعابد وطريقة بنائها والتخطيط لها. ويأتي تخطيط المعبد في  بلاد الرافدين أذ يتميز عادة بكون جدرانه وخاصة الواجهة مزينة بالطلعات والدخلات وهي ظاهرة معمارية قديمة عرفت في معابد عصر(العبيد) وظلت ملازمة للمعبد في مختلف الادوار الحضارية اللاحقة .كان مدخل المعبد يؤدي عادة الى حجرة صغيرة يمكن ان تسمى ب( حجرة المدخل ) التي تؤدي الى فناء او صحن واسع كان الناس يجتمعون فيه لاقامة الاحتفالات الدينية ويدخل المرء من هذه الساحة الى حجرة تؤدي بدورها الى ما يعرف ب( حجرة الهيكل ) و التي كانت من اهم واقدس اجزاء المعبد لأن فيها محراب الاله وتمثاله .وكان تمثال الاله يوضع عادة على دكة في المحراب وفي حجرة الهيكل هذه يوجد ايضا ( دكة المذبح ) التي كانت تقدم عليها الاضاحي، والملاحظ ان ابواب حجرات المعبد هذه تكون باتجاه واحد فالواقف في حجرة المدخل مثلا يستطيع ان يرى تمثال الاله في محرابه، غير ان بعض المعابد كانت فيها حجرة الهيكل واقعة الى الجانب وذلك من اجل ان يبقى تمثال الاله بعيدا عن انظار الناس، وكان المعبد يحتوي بطبيعة الحال على حجرات اخرى لخزن الادوات والاثاث والالبسة والاطعمة ويضم ايضا مكتبة لحفظ الوثائق والمؤلفات على اختلاف انواعها.
ثم يسلط الضوء الدكتور الحسيني على دور الفتاح فال والساحر والكاهن في المعبد، والطقوس التي تجرى في المعبد من صلاة وصوم وطواف وتطهير، فضلاص عن طقوس الزواج والولادة والبناء وطقوس ما بعد الموت. ويرى الدكتور الحسيني في ص157 ان المعبد قد لعب في حضارة وادي الرافدين دوراً فعالاً في التكوين الحضاري وتطور المعرفة والوعي، وكان المعبد أحد أهم معالم المدينة، حيث بدأ في المستوطنات البشرية مركزاً مهماً للفعاليات المختلفة التي تجمع الناس من حوله، وان أول ظهور للمعبد كان على شكل مصطبة عالية تطورت إلى برج مدرج يعرف باسم الزقورة. فالكتاب يعتبر من أهم الكتب التي كتبت وبجرأة عن تاريخ تطور المعبد عبر التاريخ وما يصحبه من مستلزمات النذور والكهنة ورجال الدين والسحرة سابقاً وهذا ما نجده في دور العبادة لاحقاً.

2
عصمت طه كتاني ممثل العراق في الأمم المتحدة سابقاً
نبيل عبد المير الربيعي
ولد عصمت طه عبد العزيز عبد اللطيف كتاني عام ١-;-٩-;-٢-;-٧-;- في قرية كاني سنج- قضاء العمادية محافظة دهوك، وهو بن ثائر كردي في قضاء العمادية، اكمل دراسته الاولية (الابتدائية والمتوسطة) عام ١-;-٩-;-٤-;-١-;-م في أربيل، كان والده الحاج طه عبد العزيز عبد اللطيف أحد مقاتلي المرحوم الملا مصطفى البارزاني، ولمس الطفل عصمت قسوة الحياة الجبلية، وظروف الثورة الكردية. شارك والده في ثورة بارزان الثانية، وابتلعه سجن الموصل لسبع سنوات ومن السجن يطلب من ابنه ليعيش مع عمه علي عبد العزيز الذي كان ضابطا في الجيش العراقي برتبة عقيد في الديوانية. فأكمل عصمت دراسته الاعدادية في ثانوية الديوانية للبنين لدى عمه، ويتوج الأول على العراق في امتحانات البكالوريا للمرحلة النهائية ليحصل على بعثة دراسية في الولايات المتحدة الامريكية عام 1947م، كان من اساتذته في الثانوية (أحمد الشيخ علي الأسدي، عبد الأمير مصطفى العميشي)، شارك الطالب عصمت مع الطالب سامي عبد الحميد في الاعدادية بعدة مسرحيات باشراف الشهيد سلام عادل (حسين أحمد الرضي) منها : مسرحية (أميرة الأندلس) عام 1944م، ومسرحية (البخيل) عام 1944م، ومسرحية (رصاصة في القلب) عام 1945م.
ويدخل جامعة كنوكس في ولاية كاليفورنيا ليحصل على شهادتين مرة واحدة، احداهما في اللغة الانجليزية والثانية في العلاقات الدولية عند عودته إلى العراق عام 1951م يصبح مدرساً للغة الانجليزية في مدينة اربيل الكردية، ولكن طموح عصمت لم يقف عند هذا الحد، فطلب والده من وزير الداخلية آنذاك سعيد قزاز التوسط لعصمت لدى الخارجية العراقية لتعيينه دبلوماسيا في وزارة الخارجية، لكن سعيد قزاز الذي اشتهر بإتباع الطرق القانونية نصح عصمت ان يؤدي الامتحان الخاص بالوزارة وفي حال اجتيازه يكون مؤهلا للعمل في السلك الدبلوماسي، وبالفعل ادى عصمت الامتحان وكان من الاوائل، ولم يحتج بعد ذلك إلا لمباركة قزاز الذي ادى خدمته دون القفز على القوانين المرعية، تم تعيين عصمت كملحق دبلوماسي في ديوان الوزارة، ومن ثم انتقل الى فضاء العلاقات الدبلوماسية خارج حدود العراق بعد تعيينه في القاهرة بدرجة سكرتير ثالث في السفارة العراقية، والى جنيف بعد ذلك في البعثة العراقية بدرجة سكرتير ثان، وفي عام 1958م تم انتدابه للأمم المتحدة،
بدأ مسيرته مع الأمم المتحدة عندما تم تعيينه قائما بأعمال الممثل الدائم للعراق لدى مقر الأمم المتحدة، وفي عام 1961م تم تعيينه بمنصب الممثل الدائم للعراق لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف، وفي عام 1964م عاد كتاني الى نيويورك ليعمل موظفاً في الأمانة العامة للأمم المتحدة فشغل مناصب عليا مع خمسة من الأمناء العامين (يوثانت، كورت فالدهايم، دي كيولار، بطرس غالي ثم كوفي عنان) بما في ذلك تعينه مساعدا للأمين العام كورت فالدهايم عام 1973.
ففي العراق تم تعيين كتاني رئيسا لدائرة المنظمات والمؤتمرات الدولية في وزارة الخارجية العراقية في الفترة من 1975م إلى 1980م، وبعد ذلك عين مندوبا دائما للعراق في الامم المتحدة السيد عصمت كتاني (العراق) رأس الدورة السادسة والثلاثون عام 1981م، كما رأس الدورة الاستثنائية الطارئة التاسعة عام 1982م والدورة الاستثنائية الثانية عشرة في العام ذاته.
توفي عصمت كتاني في جنبف بداء السرطان في البروستات ونقل جثمانه الى بغداد فالعمادية و وري جثمانه في قرية كاني سنج مسقط راسه .عام ٢-;-٠-;-٠-;-١-;-م. وشاركت الحكومة العراقية ممثلة بوزارة الخارجية كما اقيم له مجلس عزاء في قاعة المناسبات المجاورة لضريح الشيخ عبد القادر الكيلاني في بغداد.
المصدر: مقال للكاتب بدري نوئيل يوسف. عصمت كتاني.. من اعلام الدبلوماسيه في تاريخ العراق. في 11/1/2019.

3
جعفر الخليلي شاعراً وأديباً وروائياً وصحفياً
(1904م-1985م)

نبيل عبد الأمير الربيعي
 أديب وصحفي عراقي. ولد جعفر أسد حسين الخليلي بمدينة النجف سنة 1322هـ/ 1904م. في بيت يوصف بانه (بيت علم وادب) وفي اسرة عرف عنها اتقانها (للطب الشعبي)، فوالده الشيخ أسد الخليلي من رجال الفضل والأدب والطب القديم، وكان من أساتذة علم المنطق المعروفين. وأخيه الاستاذ عباس الخليلي الشاعر السياسي والأديب المتمكن من اللغتين العربية والفارسية، الذي استطاع أن ينجو من مشنقة الانكليز في ثورة النجف عان 1336هـ/1918م. درس جعفر الخليلي في المدرسة العلوية التي تأسست في النجف الأشرف، كانت أول مدرسة عصرية فتدرّس فيها اللغات الفرنسية والانكليزية والتركية والفارسية إلى جانب العربية، وعالج جعفر الخليلي الشعر وهو تلميذ في المدرسة. عُين بعد اكماله الدراسة الجامعية منتصف عشرينات القرن الماضي في التعليم في الحلة والنجف وسوق الشيوخ والرميثة التي كانت تابعة للواء الديوانية، ثم نقل إلى الكوفة في فترات، واستقال من المعارف في السنة التي توفي فيها والده عام 1930م، وكان آخر ما عمل في المعارف مدرساً للتاريخ والجغرافيا في ثانوية النجف مدة ثلاث سنوات تقريباً.
 بعد استقالته اصدر جريدة (الفجر الصادق) في النجف عام 1930م وكانت اسبوعية، واوقفها لازمة ادارية، وأصدر جريدة (الراعي) عام 1932م وعاشت سنة فأغلقتها الحكومة، ثم كانت مجلة الهاتف الأسبوعية الأدبية في العام 1935م والتي بدورها لم تكن دار اصدار مجلة فحسب بل كانت بمثابة نادي ثقافي وفكري ارتادته النخبة من اعلام العراق وخارج العراق واستمرت بالصدور إلى العام 1954م، الكثير من المهتمين بشؤون الثقافة والفكر والأدب وكتاب السيرة يعتبرون الخليلي ذا نمط متميز في الكتابة والقصة وبلغ القمة في تصويره لشخصيات الأعلام والعظماء والمتميزين في كل المجالات.
اشتهر الخليلي بالصحافة والأدب والشعر والنقد والتاريخ ولكنه تميز بالقصة القصيرة التي يعد رائدها الأول في العراق، منها (التعساء 1921م طبعت في مطبعة النجف، حبوب الاستقلال 1927، السجين المطلق 1928م، خيال الظل 1929م، حديث السعلى 1930م)، له مجموعة قصصية منة قصة (في قرى الجن). وكما طرحه المستشرق الأمريكي جون توماس هامل في جامعة مشيغان عام 1972م في اطروحة للدكتوراه (جعفر الخليلي والقصة العراقية الحديثة) .
اصدر اكثر من (43) مؤلفاً وثلاثة صحف وعدّة قصص، وكان من أهم مؤلفاته واصدارته موسوعة العتبات المقدسة، هكذاعرفتهم، كنت معهم في السجن (القصة التي اثارت جدلاً واسعاً واصبحت مادة مهمة في علم الاجتماع)، القصة العراقية قديما وحديثا (يروي فيها تاريخ القصة ويثبت عراقة القصة على مستوى العالم)، ومن الكتب كتاب العرب واليهود في التاريخ للكاتب الكبير المهندس أحمد سوسة وقد طلبت الحكومة العراقية في السبعينات من الخليلي تلخيص الكتاب لإعداده كمادة دراسية لطلبة المتوسطة، فكان العنوان (الملخص لكتاب العرب واليهود في التاريخ)، ولكن الحكومة تخلت عن راأيها لاسباب مجهولة، ويوميات (صور مختلفة عن الحياة العامة)، الضائع (قصة)، عندما كنت قاضياً (حيث استعرض مقتضب للأحوال الشخصية العراقية من زواج وطلاق ومواريث واوقاف)، قرى من فوق الرابية (مجموعة قصص قصيرة متنوعة)، وتسواهن، وعلى هامش الثورة العراقية (حقائق لم يسبق نشرها)، وأولاد الخليلي (مجموعة قصص)، ومجمع المتناقضات (قصص موضوعة ومترجمة)، واعترافات (مجموعة قصص)، ومقدمة في تاريخ القصة العراقية وهؤلاء الناس جغرافية البلاد العربية (للدراسة المتوسطة)، آل فتله كما عرفتهم، نفحات من خمائل الأدب الفارسي، حديث القوة (مجموعة قصص).
عام 1985 توفي الأديب والصحفي العراقي الرائد جعفر الخليلي في الإمارات العربية المتحدة٬ عن واحد وثمانين عاما ومسيرة حافلة بالإنجازات الأدبية الجديرة بالتقدير والإكبار( ).

4
باسم عبد الحميد حمودي ناقداً وباحثاً فولكلورياً
نبيل عبد الأمير الربيعي
ولد الكاتب والناقد والباحث في الفلوكلور الشعبي العراقي باسم عبد الحميد حمودي النعيمي في قضاء أبو صخير التابع للواء الديوانية سنة 1937م، أكمل دراسته الابتدائية والثانوية فيها، ثم أكمل الدراسة الجامعية سنة 1960م في كلية التربية قسم التاريخ، عُين في ناحية الدغارة مدرساً، حيث قضى فيها سنوات طويلة مدرساً، ثم عاد إلى بغداد ليستقر فيها لغاية يومنا هذا.
وأول مقالة نشرها بعنوان (الفراغ) في جريدة (بغداد المساء) سنة 1954م، وهو ناقد أدبي وباحث فولوكلوري، درس جماعية البطل في الرواية المعاصرة ورموز الكاتب العراقي وإفادته من التراث الشعبي، نوه عن دوره نقاد كثيرون، كالدكتور علي جواد الطاهر وعبد الجبار عباس، تصدى في نقده إلى كتابات الدكتور علي الوردي، والفلسفة البنيوية، حضر معظم المؤتمرات الأدبية التي عقدت في القطر منذُ عام 1968م، ينتمي إلى اتحاد الادباء في العراق( ). تولى رئاسة تحرير مجلة الاقلام التي تعني بالادب الحديث، وكذلك رئاسة تحرير مجلة الثقافة الاجنبية التي تعني بالثقافة والفنون بالعالم. وعمل محررا في مجلة التراث الشعبي وكان مدير الدار انذاك القاص الراحل موفق خضر وتولى الاستاذ باسم عبد الحميد ادارتها لفتره وكاله، وتولي رئاسة قسم النشر في دار الشؤون الثقافية، سكرتير تحرير مجلة الرواد التي تعني بادب الرواد، تولى رئاسة تحرير مجلة التراث الشعبي وتعنى بالدراسات الفلكلورية ونشر العديد من البحوث والدراسات، وكان من أبرز مؤلفاته كتابه (سحر الحقيقة) فقد ضم دراساته المنشورة في مجلة التراث الشعبي. ويقول عن منهجه : (إني أؤمن بالإنسان هدفاً والحرية ممارسة وعدالة).
ومن أبرز مؤلفاته:
- عادات وتقاليد الحياة الشعبية العراقية (إعداد وتقديم).
- كتاب التراث الشعبي. دار الشؤون الثقافية العامة. بغداد 1986م.
- الزير سالم. سلسلة الموسوعة الصغيرة. بغداد 1989م.
- تغريبة الخفاجي عامر العراقي. دار الشؤون الثقافية. بغداد 1989 (الطبعة الأولى).
- التراث الشعبي والرواية العربية الحديثة. الموسوعة الصغيرة. بغداد 1998م.
- تغريبة الخفاجي عامر العراقي. هيئة قصور الثقافة. القاهرة عام 2000م. (الطبعة الثانية).
أما الكتب المشتركة:
- أبحاث في التراث الشعبي. كتاب التراث الشعبي رقم 2. بالاشتراك مع د. أحمد مرسي/ د. حصة الرفاعي/ د. محمد رجب النجار وغيرهم عام 1986م. بغداد.
- سحر الحقيقة. شخصيات وكتب ودراسات في التراث الشعبي. دار ميزوبوتاميا. بغداد. الطبعة الثانية عام 2014م( ).
ولد الكاتب والناقد والباحث في الفلوكلور الشعبي العراقي باسم عبد الحميد حمودي النعيمي في قضاء أبو صخير التابع للواء الديوانية سنة 1937م، أكمل دراسته الابتدائية والثانوية فيها، ثم أكمل الدراسة الجامعية سنة 1960م في كلية التربية قسم التاريخ، عُين في ناحية الدغارة مدرساً، حيث قضى فيها سنوات طويلة مدرساً، ثم عاد إلى بغداد ليستقر فيها لغاية يومنا هذا.
وأول مقالة نشرها بعنوان (الفراغ) في جريدة (بغداد المساء) سنة 1954م، وهو ناقد أدبي وباحث فولوكلوري، درس جماعية البطل في الرواية المعاصرة ورموز الكاتب العراقي وإفادته من التراث الشعبي، نوه عن دوره نقاد كثيرون، كالدكتور علي جواد الطاهر وعبد الجبار عباس، تصدى في نقده إلى كتابات الدكتور علي الوردي، والفلسفة البنيوية، حضر معظم المؤتمرات الأدبية التي عقدت في القطر منذُ عام 1968م، ينتمي إلى اتحاد الادباء في العراق( ). تولى رئاسة تحرير مجلة الاقلام التي تعني بالادب الحديث، وكذلك رئاسة تحرير مجلة الثقافة الاجنبية التي تعني بالثقافة والفنون بالعالم. وعمل محررا في مجلة التراث الشعبي وكان مدير الدار انذاك القاص الراحل موفق خضر وتولى الاستاذ باسم عبد الحميد ادارتها لفتره وكاله، وتولي رئاسة قسم النشر في دار الشؤون الثقافية، سكرتير تحرير مجلة الرواد التي تعني بادب الرواد، تولى رئاسة تحرير مجلة التراث الشعبي وتعنى بالدراسات الفلكلورية ونشر العديد من البحوث والدراسات، وكان من أبرز مؤلفاته كتابه (سحر الحقيقة) فقد ضم دراساته المنشورة في مجلة التراث الشعبي. ويقول عن منهجه : (إني أؤمن بالإنسان هدفاً والحرية ممارسة وعدالة).
ومن أبرز مؤلفاته:
-عادات وتقاليد الحياة الشعبية العراقية (إعداد وتقديم).
-كتاب التراث الشعبي. دار الشؤون الثقافية العامة. بغداد 1986م.
-الزير سالم. سلسلة الموسوعة الصغيرة. بغداد 1989م.
- تغريبة الخفاجي عامر العراقي. دار الشؤون الثقافية. بغداد 1989 (الطبعة الأولى).
-التراث الشعبي والرواية العربية الحديثة. الموسوعة الصغيرة. بغداد 1998م.
-تغريبة الخفاجي عامر العراقي. هيئة قصور الثقافة. القاهرة عام 2000م. (الطبعة الثانية).
أما الكتب المشتركة:
-أبحاث في التراث الشعبي. كتاب التراث الشعبي رقم 2. بالاشتراك مع د. أحمد مرسي/ د. حصة الرفاعي/ د. محمد رجب النجار وغيرهم عام 1986م. بغداد.
- سحر الحقيقة. شخصيات وكتب ودراسات في التراث الشعبي. دار ميزوبوتاميا. بغداد. الطبعة الثانية عام 2014م( ).


5
نجيب علوان الأسدي في ذاكرة صديق
نبيل عبد الأمير الربيعي
من أبناء الديوانية الكرام، هو نجيب علوان فرج الاسدي، ولد في مدينة الديوانية عام ١٩٤٧م، واكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة فيها، تزوج من ابنة الوجيه الحاج عبد الامير الحاجم، ورزق منها من الاولاد هم (ظافر وعلوان ونجيب وثلاثة بنات). من أسرة وطنية اعتنقت الفكر الشيوعي اربعينات القرن الماضي، كان شقيقه البكر المهندس والمقاول طه علوان أول من اعتنق الفكر الماركسي، ومن المشاركين في انتفاضة عام 1948م و1952م و1956، وهو أحد أعضاء اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي في مدينة الديوانية منذ ثورة تموز 1958م ولغاية شباط 1963م.
تعرفت على الراحل نجيب علوان الأسدي من خلال لقائنا قرب محله في سوق الديوانية الكبير ومن ثم عملي كعامل في محلة منذ سنة 1975 ولغاية عام 1979م، حتى الالتحاق بالدراسة الجامعية في كلية الادارة والاقتصاد جامعة بغداد.
أول ما لفت نظري من أدبه وإنسانيته، كونه الداعي للخير والمحب للناس جميعاً، وتفيض المحبة من خلال علاقاته فيضاً، يؤثر صدقه ووفائه ومروئته في المقربين منه، فهو لطيف في وده ولا يعرف التبجح والاستعلاء شأنه شأن الذين طهرت نفوسهم من الخبائث، فهو من أهل الخير، ومن أجمل ما تحلى به نجيب هو الصدق، والبعد عن الخداع والغش والمجاملة الكاذبة، أو أن يثني على أحد ويؤيد فكرة لا يؤمن بها، أو يجاري عناصر الأمن والبعث بداعي المجاملة، وإنما هو مجامل ضمن الحدود والأخلاق التي توجب أن يكون الانسان بشوشاً لطيفاً متواضعاً.
كان يثق بيَّ ثقةٍ عالية بسبب تقارب الفكر والمبادئ، منها إيداعه أسراره، وروئيته لمستقبل التحالف بين البعث والحزب الشيوعي، فهو غير مطمأن لهذا التحالف، فضلاً عن اسرار امكانياته المالية، فكان يكلفني بالذهاب إلى مصرف الرافدين في الديوانية للسحب والايداع في حسابه الجاري، علماً إنني عامل اعمل بأجر شهري لديه.
لذلك خُلق أبا ظافر صريحاً، والخُلق الذي يرفع عنه التحدي والتعالي، أما أن غضب أبا ظافر فهو لطيف يَنمّ عن نفسٍ وديعةٍ وذات طيبة رائعة. في محلاته لبيع الأحذية في سوق الديوانية الكبير عمل الكثير من العمال، منهم من هاجر ومنهم من اكمل دراسته واصبح استاذاً جامعياً، ومنهم من بقي ولم يطور حالته المادية، اتذكر منهم رعد محمود القولجي ومصدق جلال غريب (مقيم حالياً في روسيا/ الاتحاد السوفيتي سابقاً) وعماد عبد الكريم عبد المهدي (ابن شقيقته)والدكتور مازن مكي (استاذ في المعهد التقني في النجف الأشرف) وحسن حسين الحمداوي  (صاحب محلات للألبسة الجاهزة في سوق الديوانية الكبير) وأنا.
قبل انفراط عقد الجبهة مع حزب البعث كان أول من سقط سياسياً من اعضاء محلية الديوانية للحزب جواد رضا الخالدي ومن ثم المحامي عبد الأمير ناصر، لا نعرف الدافع الذي أخذ الأستاذ جواد رضا الخالدي للأنضمام لحزب البعث والاعتراف على التنظيم، ثم بدأت الاعتقالات، وأول من اعتقل الاستاذ أحلام عبد الكريم، مسؤول التنظيم الطلابي في منظمة الحزب في مدينة الديوانية، بعد ثلاثة أيام من اعتقاله خرج من دائرة امن الديوانية، وبدأت حملات الاعتقالات في صفوف اعضاء التنظيم، كان اعتقالي من قبل مفوض الأمن (حمزة علي) من محل نجيب علوان في شهر تشرين الثاني 1978م، كان ضابط التحقيق الذي حقق معي في مديرية أمن البلدة النقيب (محمد عباس)، دام اعتقالي اكثر من (12) ساعة من ممارسة التعذيب والضغط والنتيجة التوقيع على المادة (200)، أي توقيعي على اعدامي المؤجل اذا عدت وعملت في تنظيمات الحزب الشيوعي بعد التوقيع... وهذا ما حصل فقد وقت على المادة.
عند خروجي من امن البلدة التي موقعها في بناية المحافظة القديمة، وعودتي إلى مقاعد الدراسة ومن ثم العمل، كان أبا ظافر يشجعني على أن لا يؤثر اعتقالي على سلوكي ونفسيتي، واستمر العمل في محله، كان يزودني بجريدة طريق الشعب السرية بعد انفراط عقد التحالف، وكراس نشرة (مناضل الحزب) السرية الخاصة بالأعضاء، كانت هناك الثقة العالية المتابدلة بيننا، يعتبرني أخيه الأصغر في تعامله، كان في كل مناسبة عيد هديته لعماله قاط رجالي نختار قماشه من محلات حاتم الدعمي رحمه الله وخياطة ولده عبد الأمير الدعمي، فضلاً عن اختيارنا لأفضل وأغلى الأحذية دون أن يطالبنا بثمنها.
بمرور الأيام ازدادت أواصر الأخوة والصداقة بيني وبينه، وعلى مر الأيام كان الاعجاب بخلقه الرفيع الكريم، ولم ينقطع التواصل عندما كنت ادرس في بغداد، فكان مروري لزيارته ايام الجمع من كل اسبوع، وكنت اتتبع اخباره.
كان لعناصر الأمن في المدينة الدور في محاولة جذبه للتعاون معهم إلا أنه يرفض ذلك، فلم يتركوا أبا ظافر لحاله كونه شخصية وطنية يسارية ومن عائلة شيوعية، كان الضغط عليه بين الترهيب والترغيب لغرض اسقاطه سياسياً في التعاون معهم، كان يرفض ويرفض دون خوف من العواقب حتى مطلع التسعينيات، استدعى لمديرية أمن البلدة في بناية المحافظة يوم ١/ ١١/ ١٩٩٠م، كان مفوض الأمن سمير ابو ردام هو من استدعاه لامن البلدة وطلب منه التعاون ورفض ابا ظافر رفضاً قاطعاً التعاون، فقدموا له قهوة فيها سم الثاليوم وهذه طريقتهم في تصفية المعارضين لهم ولفكر البعث، وعند خروجه من الأمن الساعة ١٢ ليلاً بعد انتظار ولده قرب مديرية أمن البلده (محلات باتا) اخذه الى داره، وعند الساعة الخامسة فجراً سقط مغشياً عليه، استدعى ابنه البكر ظافر على إثر سقوطه صديق العائلة الدكتور كاظم رضا الخالدي، فنقل إلى بغداد لغرض العلاج لخوف أطباء الديوانية معالجته، وبعد احدى عشر يوماً من بعد تاريخ اعتقاله سلم نفسه إلى بارئها (هذا ما بلغني به ولده البكر ظافر)([1]).
رحم الله اخي العزيز أبا ظافر، كان أخاً وصديقاً وفياً وعزيراً.


________________________________________
[1] رسالة ظافر نجيب علوان الأسدي للكاتب نبيل الربيعي يوم 29/7/2020.


6
معارك غرب الحلة في ثورة العشرين
د. عبد الرضا عوض
     حاول المستعمر البريطاني عند احتلاله العراق سنة 1917م استمالة شيوخ العشائر وذلك بتشكيل مجلس قبلي ، فقد شكلت الإدارة البريطانية مجلساً للعشائر العراقية مكون من ستة أشخاص للفرات الأوسط من بينهم الشيخ سماوي الجلوب ومَنَحَ كل فرد منهم راتباً شهريا قدره (300)روبية.(1) إلا أن ذلك لم يمنع أن يتخذ الشيخ سماوي موقفاً داعماً وقائداً للثورة.
ويروي كبار السن نقلاً عن أسلافهم : "قبيل ثورة العشرين قدم رجل متنكر بهيأة أعرابي يسأل عن مضيف شمران الجلوب ، فدله الناس على الملا طالب (والد ملا محمد) وكيل آل شمران الجلوب (سركال) ، فاكتشف الملا طالب أن هذا الرجل جاسوس انكليزي فافتضح أمره وغاب عن الأنظار.(2)
لقد أسهمت عشائر أبي غرق في أحداث ثورة العشرين وقدمت عدد من الشهداء والجرحى، وقد ذكر لنا السيد محمد علي كمال الدين في مذكراته :
    وفي صبيحة يوم 8 ذي القعدة سنة 1338هـ الموافق 25 تموز سنة 1920م سار الشيخ مرزوك العواد بجيشه من الكفل قاصداً قصبة الهندية مروراً بعشيرة طفيل، وقد صحب معه (85) خمسة وثمانين من أسرى الإنكليز لغرض أثارة عشائر الهندية وما حولها ضد الجيش الإنكليزي المغلوب ، وعند المغرب بلغوا  أراضي آل فتلة لدى الشيخ شمران الجلوب شرقي مدينة ( طويريج ) واجتمعوا مع الشيخ عمران الحاج سعدون وبقية زعماء بني حسن وأهل الهندية في مضيف الشيخ محمد العبود شيخ عشيرة ألبو جاسم آل فتلة ، ولما وجدوا الصعوبة في إعاشة الأسرى أرسلوهم إلى الكوفة ، ثم قرروا : (3)
1-    مراسلة السيد محمد علي القزويني.(4)
2-    مراسلة الوجيه عبد الرزاق الصالح محمد مهدي(رزوقي الصالح)(5)  في الحلة يحرضونهم على الثورة عند هجوم الثوار .
3-    الزحف إلى قرية عنانة شمال الحلة على ضفة النهر اليمنى .
  وقد نفذوا القرارات فعلا ، وأرسلوا رسولاً إلى الحلة محمل برسالتين ، وعند وصول الشيخ مرزوك العواد قرية عنانه ورد جواب السيد محمد علي القزويني يعتذر بعدم مقدرة الحليين ويوصي بعبد الرزاق خيراً!. (6)
مؤتمر اليوسفية(7)
    في يوم ( 13 ذي القعدة 29 تموز ) اجتمع الرؤساء والزعماء في طويريج في دار سماوي الجلوب في مقاطعة اليوسفية(8) ، وقرروا بإجماع الرأي أن يهجموا على الحلة ليلاً وهذا الاجتماع ما يسمى بـ ( مؤتمر طويريج ) وقد حضره إضافة إلى رؤوساء عشائر الشامية وعفك ، زعماء وسادة عشائر الحلة المحيطة بها وهم : (9)
1-    إبراهيم السماوي رئيس عشيرة خفاجة 0
2-     الحاج سعدون رئيس عشيرة كريط 0
3-    حبيب بن يوسف بيك ممثلاً عن الحلة 0
4-    جواد أبو عورة رئيس عشيرة ألبو حمير0
5-    سليمان الكعيد رئيس عشيرة اليسار0
6-    السيد حسن حسين بدن المحنا0
7-    شخير الهيمص رئيس عشيرة ألبو سلطان 0
8-    فيصل المغير رئيس عشيرة الجحيش 0
9-    مراد خليل رئيس عشيرة الجبور 0
10-                   نايف الضيدان رئيس عشيرة طفيل 0
11-                   هزاع المحيميد رئيس عشيرة المعامرة 0
     وقرروا في هذا الاجتماع تحديد ساعة الصفر للقيام بهجوم شامل وكبير على مدينة الحلة حيث تتمركز القوات البريطانية فيها ، وشارك في هذا الهجوم حوالي (10) آلاف مقاتل . وتكون قرية (عنانة) مركزاً لقيادة الثورة غير أن مدير ناحيتها الذي تظاهر بمواقفه الوطنية كان متعاوناً مع البريطانيين وقد زودهم سراً بالمعلومات الكافية عن الثوار وتجمعاتهم عن ذلك قيام الطائرات بقصف تجمعات الثوار .(10)
  ثم أكملوا اجتماعهم في ليلة ( 14 ذي القعدة 30 تموز ) في قلعة الحاج شكري بك(11) الواقعة في مقاطعة الخواص على مسافة ( 10 كم) غربي الحلة الفيحاء وقرروا القيام بهجوم عام على المدينة في فجر اليوم المذكور بقصد الاستيلاء عليها وطرد الإنكليز منها على أن يتقدم من الطرق التي عينوها وفقاً للترتيبات الآتية (12)
    أولاً : تهجم قبائل بني حسن وآل يسار من الجهة الغربية فيكون دخول الحلة من طريق طويريج ( مشهد الشمس ) فالجسر الغربي المسمى الآن بـ (جسر الأمير غازي)(13) .
   ثانياً : تهجم قبائل آل فتلة الذين هم في الهندية مع أتباع وعشائر طفيل وكريط ومن والاهم من الجهة الوسطى من جهة الغرب حتى يدخلوا الحلة من الباب المسمى بـ ( باب النجف ) تحت قيادة: سماوي الجلوب والحاج شبيب الموسى وكلاهما من (آل فتلة).
واتخذت القرارات على أن تهجم قبائل آل فتلة والعوابد وآل إبراهيم وهؤلاء من عشائر الشامية وأبي صخير ومنهم خفاجة من الجنوب وتأتي على مقام النبي أيوب فالنهر فمعامل الطابوق في الحلة تحت قيادة(14)
-       عبد السادة الحسين ، شيخ عشيرة آل فتلة(المهناوية) من ألبو هدلة.
-       شعلان الجبر ، رئيس عشيرة آل إبراهيم(الشامية).
-       مهدي العسل0 من شيوخ عشيرة آل إبراهيم(ابو صخير)
على ان تكون عشائر ألبو سلطان والجبور وأهل عفك والدغارة تهاجم الجانب الثاني من الحلة ويكون أول الهجوم منهم(15) .
وبذلك يكون قادة ثورة العشرين في الفرات الأوسط قد اجتمعوا في أرض أبي غرق كالآتي:
-       الأول يوم28 تموز 1920 في قرية اليوسفية عند الشيخ سماوي الجلوب.
-       الثاني يوم29 تموز 1920 في قلعة شكري بيك بمقاطعة الخواص.
     وذكر هالدين في كتابه: ( في ليل 31 من تموز جرت محاولة خطيرة من قبل الثوار ، فكانت قطعة من ليل الملمات ، ولحسن الحظ كان وقوعها أثر وصول قطار محمل بالعتاد، والقطار هذا آخر قطار ترك بغداد ، فقد توقف بعدها لأسابيع وقد دبرَ هذا الهجوم بالاتفاق مع سكان المدن ، وقد صد الهجومين الشمالي والجنوبي)(16) 0
 
هجوم عنانة
      نفذ الهجوم حسب الاتفاق لكن بغياب اثنين من القادة كان من المفروض مشاركتهم ، وهما علوان السعدون (شيخ بني حسن) ومرزوك العواد (شيخ العوابد، الشامية) أثر في الموقف ، ويحتمل عدم قناعتهما بالخطة.(17)
      يقول الحسني : ""وسارت هذه الجموع تريد الحلة وسلكت القوتان الثانية والثالثة طريقاً طويلاً فتأخرتا عن الميعاد بساعة ونصف الساعة وهجمت القوة الأولى ، وهم: مقاتلين من عشائر بني حسن وكريط وآل يسار ، في فجر النهار المذكور [30 تموز 1920م] حتى وصلوا الجسر . فتصدت لها حامية مخفر الجسر وتراشق الطرفان بإطلاق النار ووجدت هذه القبائل نفسها تحارب في جهة واحدة [ لوحدها دون مشاركة القوات الأخرى ] ومع ذلك لم تفتر عزيمتها غير أنها تكبدت خسائر جسيمة في الأنفس وكان معظمهم من فخذ آلبو كريدي من بني حسن وكانت فجيعة هؤلاء الجماعة بأبنائها (بحيث لم يبق بيت لم يلبس السواد حزناً ) ، ولكن هذه القوة توغلت واحتلت جانباً من المدينة إلى أن أسقط في أيديها وخذلت لكثرة قتلاها بحيث لم تستطيع أن تسحب جثة واحدة فانسحبت معتقدة أن القوتين الباقيتين قد خانتا فلم تقوما بالهجوم المتفق عليه"".(18)
     أما القوتان الأخريان المذكورتان فقد هجمتا ولكن بعد الهجوم المتقدم ذكره بنحو ساعتين وتوغل الثوار في محلة الجامعين ووصلوا ( مخفر المسلخ)(19) وأجبروا قوة السلطة إلى الفرار بعد أن أوقعت بها القبائل خسائر ملموسة ، وأبت قوة الدرك المحلي أن تقاتل أبناء جلدتها وعمدت إلى إطلاق سراح المسجونين فأَخلت سبيلهم ، وتقدم الثوار إلى قرب السراي وكادوا يحتلونه ، بعد أن استطاعت التغلب على جميع الاستحكامات التي أقامتها القوات البريطانية حول المدينة ودخلت المدينة واحتلت جزءاً منها (20).
    وذكر المعمرون أن بعض أفراد العشائر دخلوا محلة الجامعين وقدم لهم الاهالي كل ما يحتاجونه من عون . لقد كان الهجوم ضارياً أبدى فيه الثوار بسالة مذهلة وقدموا من التضحيات الشيء الكثير ، وقد اشتهرت في هذا الهجوم عشيرة طفيل لما أبدت فيه من شجاعة منقطعة النظير . ويقال أن السبب في ذلك هو أن هذه العشيرة كانت قبل ذلك ذات سمعة حربية واطئة لما أبدته من ضعف عندما غزتها عشيرة العوابد فهي تريد الآن أن تسترد سمعتها ولهذا كانت في مقدمة المهاجمين وصارت تحتل المدينة شارعاً شارعاً وبيتاً بيتاً وترفع أعلامها فوق سطوح الدور وظلت تقاتل بضراوة حتى بعد انسحاب العشائر الأخرى من البلدة ، وكان لرئيسها نايف الضيدان(شيخ طفيل) كل الفضل في هذه البطولة(21).
     إلا ان الإمدادات التي جاءت لمساندة القوات البريطانية غيرت مجريات المعركة وكان لقوة ( الكولونيل أبط ) التي انضمت إلى الجيش أثر كبير في هزيمة الثوار ، أخفق الهجوم أخفاقاً تاماً وتراجع الثوار عن الحلة ، وتقدر المصادر العراقية خسائرهم بـ ( 71) قتيلاً و (120) جريحاً و(20) أسيراً وكان الأسرى هؤلاء من عشيرة طفيل إذ كانوا يواصلون القتال في داخل إحدى الدور فحاصرهم الإنكليز وأرغموهم على الاستسلام .(22)
    يقول مزهر الفرعون : (انسحب الثوار من الحلة بعد أن قدموا للوطن دماء (71) شهيداً من بينهم :
-       صالح المهدي العسل أحد رؤساء آل إبراهيم من قضاء أبي صخير0
-       محمد الذرب من عشيرة ألبو جاسم 0
-       جبر الحاجم ، وإبراهيم الجواد ، وحسن آل غزاي ، من ألبو موسى وكلهم من آل فتلة0
-       سوادي المناع من شيوخ كريط 0
-       وجُرِح مائة وعشرون من بينهم عبد السادة الحسين رئيس آل فتلة بقضاء الشامية ، وأسر منهم ما يقارب العشرين أسيرا وكلهم من عشيرة طفيل إحدى العشائر المتحالفة مع آل فتلة وهؤلاء الأسرى كانوا يحاربون داخل مدينة الحلة ولما تراجع الثوار بقوا يطلقون النار حتى أرغموا على التسليم أخيراً وعملت السلطة البريطانية من القساوة معهم كما هو شأنهم مع جميع الأسرى ما يقشعر منه بدن الإنسان .....)(23).
      ويذكر أن عدد شهداء عشائر طفيل كان ( 20 شهيداً ) والجرحى كان أقل من ( 10 ) وان قوات هذه العشائر المهاجمة كانت بحدود ( 200 مقاتل) وقد هجموا على منطقة المسلخ ، كانت قوات العدو فيها كبيرة ومحصنة ومزودة بالأسلحة الفتاكة في حين لم يكن سلاح الثوار غير البنادق القديمة إضافة إلى السلاح الأبيض (الفالة والمكوار والخنجر ) ومع ذلك فقد استطاع الثوار بإيمانهم بعدالة قضيتهم المطاولة في الجهاد ، وكان المشاركون من عشائر طفيل في هذه المعركة أفخاذ كل من العيفار وآل شغب وآل حتروش وآل خماس وآل سهلان وألبو حويوة والحيادر .(24)
 
تصدي عشائر أبو غرق للبريطانينين
تجمعت العشائر المنسحبة شمال مدينة الهندية قرب منطقة جناجة لتكون قاعدة الإنطلاق للسيطرة على سدة الهندية مبتغية بذلك التحكم بمفاتيح مياه سدة الهندية وفي الضبط المائي للنهر وجداوله(25) لتعيق حركة القطعات البريطانية التي كانت تستخدم النهر في النقل والمناورة. 
أدركت القوات البريطانية في العراق خطورة الموقف، بعد فشلها في استعادة ما حرره الثوار في مناطق العراق، فأبلغت حكومتها بوجوب إرسال التعزيزات العسكرية لمواجهة العشائر والقضاء على الثورة، أجاب وزير الحربية تشرشل الجنرال هالدن في 26 آب 1920م قائلاً: ((اغتنم الفرصة لأُهنئك على نجاحك في العمل الشاق الذي عُهد إليك القيام به، وأُعلمك أن الوزارة قد قررت وجوب القضاء على الثورة وسأعمل جاهداً في تلبية جميع طلباتك))(26).
وصلت التعزيزات الكثيرة إلى القوات البريطانية واستعدت لخوض المعارك لاستعادة ما حرر منها من الأراضي والمدن العراقية، في حين استنفد الثوار الكثير من العتاد الحربي، فضلا عن عدم حصولهم على المساعدات العسكرية أو المادية من خارج العراق أو من المناطق التي لم تشارك في الثورة الأمر الذي أثر سلبياً في مقاومة الثوار للحملات العسكرية البريطانية فيما بعد(27).
 خططت القيادة العسكرية البريطانية في الحلة أن يكون أول قتال تبدأ به في منطقة باب الحسين متجهة لمهمة استعادة قصبة طويريج؛ بوصفها المفتاح الستراتيجي لباقي مدن الفرات الأوسط وقلب الثورة، ولتركز العشائر وقياداتها هناك، فبدأت بإرسال قوة عسكرية (الآلاي 53) يوم الثلاثاء 12 تشرين الأول بقيادة البريكادير (ساندرز) من الحلة(28).
وما إن وصلت القوات البريطانية منطقة أم الهوى (حاليا شرق الرشيدة الجنوبي) حتى استقبلهم آلبو عفصان وآلبو موسى (من منطقة أبي غرق) وزغيب وآلبو بطيط وآلبو حنيجل والسادة المحانية (من منطقة الرغيلة) بوابل الرصاص والمقاومة العنيفة من قلاعهم (المفاتل)(29) وقاومتهم من الجهة المقابلة عشائر كريط والجبور من تحصيناتها بكثافة نيران أسلحتها الخفيفة، لكن سرعان ما أُخمدت المقاومة بقذائف المدفعية وقنابل الطائرات العسكرية المهاجمة، فدخلت مركز الهندية ، وجرت محاولة لحرق الجسر الخشبي من جهة القصبة من قبل أحد الثوار (حاوي الورد) بأمر من (الشيخ عبد الواحد سكر)، وسرعان ما أُخمدت ناره قوة الآلاي الهندية عند عبورها السريع للجسر(30).
بعد انتهاء حلقات ثورة العشرين في الحلة والهندية أذعن معظم رؤساء آل فتلة للأمر في حين لجأ بعض الشيوخ إلى الهرب إلى خارج العراق، كما أودع الشيخ (عبود الموسى) السجن حتى إطلاق سراح المعتقلين من الثوار وعودة المنفيين من جزيرة هنجام بموجب العفو العام في شهر حزيران 1921م ، وغرمت عشيرة آل فتلة منهم: (الشيخ شمران)، ألفين ربية و700 بندقية، وكل من الشيوخ (عبود و شبيب الموسى ومحمد العزوز  ومحمد العبود)، ألف ربية وغرم (الشيخ غالب السلطان)، ألف ربية و500 بندقية، وسرى الحال على باقي العشائر في الهندية ، فغرمت عشيرة طفيل، ألفين ربية و500 بندقية و200 رأس غنم و1000 رأس من البقر(31) ، ولم تكتف السلطة البريطانية  بذلك، بل وصلت إلى منطقة الطبر وتم  تطويق مضيف الشيخ (شمران) وصادرت مواشي آل فتلة بحدود ألف رأس من البقر وثمانية آلاف رأس غنم وخمسمائة رأس خيل، وكانت خسائر البريطانيين حسب إحصاءاتهم في معظم ميادين القتال 426 قتيلاً و1228 جريحاً و615 مفقوداً، وأما خسائر العراقيين فهي تزيد على ثمانية آلاف قتيل، وبغية تحقيق الفائدة وتنفيذ أهدافها السياسية في العراق، قربت حكومة  الاحتلال البريطاني الوجهاء والأشراف سعياً منها لتهدئة الوضع، بعد أن أصدرت قانوناً لتأسيس الحكومة المؤقتة في 24 تشرين الأول 1920م (32).
***
الهوامش:
(1) عبد الجليل الطاهر ، العشائر العراقية :19 ؛ رسول الحسناوي ، الاقطاع وحياة أهل الريف في الفرات الأوسط :104 ، والمجلس تكون من:عداي الجريان(البو سلطان) ، هزاع المحيميد(المعامرة) ، سماوي الجلوب(آل فتلة) ، فيصل المغير(الجحيش) ،عمران السعدون(بني حسن)، رشيد العنيزان(اليسار).
(2) عذاب أبو سودة ، المقابلة السابقة.
(3) كامل سلمان الجبوري ، مذكرات محمد علي كمال الدين ،:112 0
(4) محمد علي القزويني: من أسرة آل القزويني في الحلة ، له مكانة محترمة يومذاك.
(5) عبد الرزاق صالح مهدي الأسدي، ويكنى(رزوقي الصالح): ولد في الحلة محلة جبران ،يُعد من وجهاء الحلة اعدم والده وعمه في احداث مجزرة 1916م التي قام بها السفاح عاكف، تولى رئاسة بلدية الحلة في العهد الوطني ، توفي في ثلاثينيات القرن العشرين.
(6) يقول المتتبعون انما قال القزويني :اوصيكم خيراً بعبد الرزاق، لكون ان جراح الحليين لم تندمل بعد بسبب بطش عاكف بهم سنة 1916م وقد اعدم أباه وبعض من اقاربه علناً0
(7) سُميَّ خطأً عند الباحثين والمدونين بـ(مؤتمر طويريج)، والحقيقة أن الثوار عقدوا المؤتمر في قرية اليوسفية ضمن أراضي ناحية أبي غرق.
(8) فلاح البياتي ، مدينة الهندية (طويريج):70 ، 0
(9) عبد الرضا الحميري ، لمحات من تاريخ الحلة ،:283 0
(10) المصدر نفسه:285 .
(11) شكري بيك جلبي وشقيقه نعمة بيك تملكوا مقاطعة الخواص وشيدوا فيها قلعة كبيرة في العهد العثماني على عهد مدحت باشا حينما سعى إلى تفويض الأراضي الزراعية ، آلت هذه المقاطعة والقلعة فيما بعد إلى الملاك حفظي السبتي (الباحث).
(12)  عبد الرضا عوض ، الحلة في ثورة العشرين:111 .
(13) هو الجسر القديم الذي كان يمتد بين حافتي شط الحلة على الدوب 0
(14) عبد الرضا عوض ، الحلة في ثورة العشرين:89 .
(15)عبود الهيمص،ذكريات وخواطر عن أحداث عراقية في الماضي القريب ، مطبعة الراية ، بغداد ، 1991م :270 .
(16) ألمر هالدين ، ثورة العراق 1920:208 0
(17) جاسم الصكر ، شيخ العشيرة:112 .
(18) عبد الرزاق الحسني ، الثورة العراقية الكبرى:151 0
(19) المسلخ: مكاناً لجزر المواشي كان موقعه مقابل شركة البيبسي كولا حالياً ضمن محلة الجامعين، وبجانبه أنشأ الإنكليز نقطة مراقبة تطل على شط الحلة، فيها جنود هنود يرأسهم ضابط صف انكليزي، وكان هذا المخفر قد ألقى القبض على بعض المارة اثناء ذهابهم للعمل في البساتين، واثناء ذلك الهجوم اطلق سراحهم0
(20) محمد علي كمال الدين، مذكرات:113 ؛ جاسم الصكر ، شيخ العشيرة:111 .
(21) يوسف كركوش ، تاريخ الحلة:1/192 0
(22) عبد الرزاق الحسني ، الثورة العراقية الكبرى:155 0
(23) فريق مزهر الفرعون ، الحقائق الناصعة :271 0
(24) عبد الرضا عوض ، الحلة في ثورة العشرين:112 0
(25) عبد الشهيد الياسري،البطولة في ثورة العشرين، مطبعة النعمان ، النجف ،1966م:216 .
(26) آلمر هالدين  ، ثورة العراق 1920 :215 .
(27) عبد الرزاق الحسني ، الثورة العراقية الكبرى:303 .
(28) فلاح البياتي ، مدينة الهندية (طويريج) :1/72 .
(29) قلاع حربية تشابه القلاع الفكتوريا.فيها منافذ للبنادق فقط.
(30) فلاح البياتي ، مدينة الهندية (طويريج):1/74 .
(31) فلاح البياتي ، مدينة الهندية:1/85 .
(32) فريق مزهر الفرعون ، الحقائق الناصعة:422 .
(33) عليوي سعدون الحسناوي ، تأريخ الهندية ورجالاتها منذ تمصيرها لحد الآن:206 .
 

7
الدكتورة ماهي كجه جي... شخصية عالقة في ذاكرة مدينة الديوانية

نبيل عبد الأمير الربيعي
    حينما رحلت الدكتورة ماهي كجه جي إلى بغداد قرب أهلها نهاية سبعينيات القرن الماضي، وفتحت هناك عيادتها، يقف السائق في گراج الديوانية ويصيح "دختورة ماهي بعد ثلث ركاب ونقبّط... دختورة ماهي..". كانت جموع نساء "نساء الديوانية" على موعد مع الباص، يحجزنّ أماكنهنّ في الحافلة الصغيرة المستأجرة، مرتين في الأُسبوع، ويأتينّ إلى بغداد، يصلنّ إليها، ثم تحدث جلبة خارج عياتها وتعرف أنّ الباص الآتي من الديوانية قد وصل وأفرغ حمولته. يقود الوفاء مريضاتها القديمات إلى السفر لأكثر من ثلاث ساعات لكي يصلنّ إلى عيادتها. وتذهب الجموع إلى بغداد لمعايدة بركة الدكتورة ماهي والعودة مع نفس السائق أدراجهنّ مساءً مكللات بالشفاء المؤزر بعد علاج يذهبنّ إلى أنه يبدأ من إيمان العامة بقدرات الطبيبة واعتقادهنً بملكاتها ويقينهنّ المسبق بالشفاء.
   الطبيبة النسائية ماهي اسكندر كجه جي كانت أول تعيينها بعد تخرجها من كلية طب بغداد عام 1955م في مدينة الديوانية، لم تسافر خلال حياتها إلى أي مدينة إلاّ سفرة واحدة عندما قُبل أخوها الأكبر عبد الأحد في كلية الحقوق في بغداد، وكان أول ولد يحصل على شهادة جامعية في عشيرتهم كلها، ويحمل نجمة على كتفه ويصبح ضابطاً عدلياً. فاضطر رب العائلة بالرحيل من مدينة الموصل مسقط رأسه بعد بيع البيت العتيق في شارع نينوى ويهاجر مع زوجته وخمسة من الأبناء الذين عاشوا لها(1)، والسكن في حي الكرادة في العاصمة بغداد، شارع الهندي. فهي من مواليد الموصل عام 1930، أكملت دراستها الابتدائية هناك والثانوية في بغداد، ثم المرحلة الجامعية في كلية الطب – جامعة بغداد. كان وزنها خمسين كيلوغراماً عندما دخلت إلى الكلية، ولما تخرجت زاد ثلاثة أخرى.
   في مساء الرابع عشر من تموز سنة خمس وخمسين نزلت د. ماهي كجه جي من القطار في محطة الديوانية وبيدها أمر إداري يفيد بتعيينها طبيبة في مستشفى الديوانية الملكي. وها هي مع اختها الكبرى غزالة في الديوانية، المدينة التي سحبتها بالقرعة فتم تعيينها فيها. لم يبدِ أخوها الكبير تحفظاً شديداً من عملها في مدينة الديوانية، بل كان مرتاحاً لأن عمل ماهي سيكون في الديوانية، مقر الفرقة الأولى في الجيش، إنه يعرف قائدها وعدداً من ضبّاطها.
  عند وصولها إلى الديوانية لم يخطر على بالها أن تجد في استقبالها على الرصيف، وفداً من الأطباء والصيادلة والموظفين المحليين وعدداً من وجهاء المدينة ينتظرونها في المحطة. ست ساعات بعربة القطار وهي تهتز مع اهتزازات العربة وقرقعات خشب المقاعد والحقائب والأواني ومتاع المسافرين. كانت خلال عملها في مستشفى الديوانية الملكي تدمع وتخاف أن يصل همسها الداخلي إلى مسمع أخيها سليمان فيسخر من تهيؤاتها، وسيحسم الأمر على جري عادته بالقول: "تقدّرون وتضحك الأقدار". ذهبت لكي تمضي سنة واحدة، إثني عشر شهراً يلتزم الخريجون الجدد خلالها بالخدمة في الأرياف، لكنها بقيت أضعاف تلك المدة وغادرتها (إلى بغداد) وهي في سن الكهولة.
   في الديوانية ستتعرف على الرجل الذي سيصبح زوج المستقبل حنا شماس، الطبيب الشاب الذي كان يعمل معها في المستشفى نفسه، وفي الديوانية ستنجب أربعة أبناء: سرمد وهالة (اصبحت فيما بعد دكتورة وتعمل حالياً في مدينة تورنتو)، ووميض وهمسة. وستفقد الولد البكر سرمد وهو ابن ثلاثة أشهر، ويترك فقدانه جمرة في كيانها.
   في أول يوم عمل لها في مستشفى الديوانية الملكي، وجدته أنه لم يكن سوى إسطبل، الردهات مثل سوق شعبي، في كل منها عشرة أسرة يقيم فيها عشرون مريضاً، نصفهم يرقد على الأرض، أما مجاري المياه فمسدودة تعوم فوقها النفايات. ولكي تستحم، كان على الطبيبة الوافدة من بغداد أن تصعد فوق كرسي حديدي تضعه تحت الصنبور العالي. إن أرض الحمام غرقى بمياه المجاري. كعادتها تركت العنان لدموعها، سلاح ضعفها الذي يسبق اندفاعات مقاومتها. ثم حسمت أمرها ذات صباح، وذهب لمقابلة رئيس صحة اللواء (الدكتور اللبناني شاكر فرنجية). قالت له كيف أعمل في مكان مثل هذا... هل تقبل أن ينزل الأطفال وسط المكروبات؟ كان جواب مدير الصحة قائلاً: "يواش يواش دكتورة. هذي هي الإمكانيات". كان مدير صحة الديوانية مديراً أنيقاً ونظيفاً ومبتسماً، وقد زاد من سعادته أنه سيعود قريباً إلى العاصمة.
   قبل مجيء الدكتورة ماهي إلى الديوانية، كانت نساء المدينة، ومن قبلهنّ أُمهاتهنّ وجداتهنّ، يلدنّ أطفالهن في البيوت، على أيدي الجدات، أي القابلات. ولم تكن في الديوانية قبل وصولها سوى طبيبة وحيدة تعمل في عيادتها الخاصة، لا في المستشفى. وعزمت الدكتورة ماهي أن تذهب لرؤية متصرف اللواء. إنها زيارة تعارف ومجاملة. وهي ستنتهز الفرصة فتطلب مساعدته في بناء قسم للولادة.
   في ساعة غضب وحيرة، عادت د. ماهي لرؤية متصرف اللواء. قال لها: إصبري وانتظري. نحن بصدد بناء مستشفى جديد وقد حفرنا الأساسات ولا مجال لتوسيع المستشفى القديم (المقصود مستشفى الديوانية الجمهوري الذي أزيل واصبح الآن دائرة التسجيل العقاري). قالت له: أريد خيمة لا أكثر... ولن أنتظر أي بناء. حدد المتصرف لها مكاناً في مستشفى الديوانية الملكي ليصبح صالة للولادة.
   جاء صديق العائلة أبو يعقوب (صالح ساسون معلم)، صاحب معمل الطابوق (الفني) وساعدها في وضع التصميم. في هذه الزاوية ستُبنى المغاسل ودورات المياه، وهناك لا بدّ من تشييد مخزن صغير لحفظ حاجيات المريضات، مع بضعة أرفف للمواد المطهرة واللوازم الطبية. نقل لها أبو يعقوب بشاحنته الصغيرة ما تحتاج من كاشي وطلاء ومواد بناء. هذا هو الفضاء الخاص الذي ستتحرك فيه وتستقبل الحوامل وتملّص المواليد... نزلت إلى بغداد لتشتري ما تحتاج من آثاث: سرير توليد والحاجز الخشبي الذي يستر الوالدة ومهود الأطفال أي "الكواريك"... حضر المتصرف حفل الافتتاح، وقصّ الشريط. وجاء قائد فرقة المنطقة وضباطه وشيوخ عشائر الديوانية وما جاورها.
   كانت السينما الصيفي في المدينة تعلن عن الفلم المقبل. طلبت د. ماهي من سائق الأجرة أن يلحق بسيارة البيك آب التي تحمل صورة كبيرة لفلم من أفلام جون وين... لحقت به وأوقفته بإشارة من يدها فعرفها ونزل يستطلع الأمر. قال لها: خير دكتورة؟ قالت: "شوف عيني، هاك ربع دينار وأريدك تدور بسيارتك وتصيح بالميكرفون تعلن عن افتتاح صالة جديدة للولادة في المستشفى (الملكي)... نظافة وأمان وبإشراف دكتورة جاءت من بغداد".
   بعد فترة من عملها وفي عام 1959م اشترت سيارة أوبل موديل 59، وهي بعد بالكاغد. "رقمها 14 ديوانية... لو طلبوا إليها أن تختار رقماً يعجبها لما عثرت على أجمل من هذا الرقم لسيارتها. إنها تتفاءل بالأرقام الزوجية وتميل إليها لأنه تاريخ وصولها إلى الديوانية. كانت قد سمعت من الإذاعة قصيدة للميعة عباس عمارة وحفظت مطلعها وظلّت تُردده بينها وبين نفسها. "أُحبّ كلّ أربع وعشر... لأنها تختم رقم الشّر". سلمها ضابط التسجيل رقعة السيارة ومنّها بأنه أنعم عليها برقم ثورة تموز. وكانت الدكتورة أنيسة قد سيقتها كأول امرأة تقود سيارة في شوارع الديوانية، وهي الثانية.
   كان في المستشفى دكتور يدعى حنا شماس (1928-1997)، لفت نظرها منذ أن رأته في بيت رئيس الصحة. ومثله كان يلفت النظر. كأنه نبيل جرماني بشعره الفاتح وبشرته المشربة بالحمرة. أحبته وتزوجته وكانت حين تسير بجواره تشعر بالزهو حين ترى الأعين تتساءل: كيف اصطادته؟. كان أمر خطبتها من الدكتور حنا غريباً. فهو قد طلب من رئيس الصحة أن يجس نبضها قبل أن يطلبها للزواج. قالت: الأمر أمر أهلي. بعد أسبوع، سار وفد من الديوانية برئاسة أم حنا وعضوية الدكتور فرنجية وزوجته السيدة ريموند ومعهم (خالدة) أم يعقوب زوجة صديقهم صاحب معمل الطابوق، وأم جلال زوجة قريبهم مركب الأسنان (نجيب ساعور)، وقصد منزل أهلها في بغداد. ولم يذهب العريس معهم... بدأت والدته مهمتها بإلقاء المحفوظات المعتادة: "ولدنا خلوق ومجتهد ويخاف الله وما عندة مكسّرات". ولم يكن العقيد عبد الأحد، (أخو ماهي) محتاجاً لتوصيف... قائلاً لها: "أما محاسن ولدك الدكتور، يا أختي الكريمة، فأنا أعرفها بالتفصيل. إنه أشهر قمارجي بين الأطباء وأحسن شرّاب عرگ  وأكبر مدخن جكاير... وأنا موافق عليه".
   بعد زواجها من د. حنا شماس استأجرا عيادتين متقابلتين في حوش منزل قديم (في صوب الشامية قرب صيدلية العاملي). وكان باب عيادته مشرعاً دائماً للأصدقاء والزوار وباب عيادتها مغلقاً على ما خلفه من أسرار النساء. أما دار سكنهما فكان امام مستشفى الصدرية في المدينة.
   شاركت الدكتورة ماهي عوائل مدينة الديوانية في أفراحهم وأحزانهم. وكانت وهي المسيحية المؤمنة بيسوع وبشفاعة مريم، تحضر القرايات على الحسين في عاشوراء. كان الأمر طبيعياً في الديوانية لصداقتها مع العلويات. فعائلات المدينة محافظة ومتدينة مُشرعة البصائر. وحتى حين انتقلت إلى بغداد، كانت تأخذ ابنتها همسة وتذهبان لتجدا مكانهما محجوزاً في الصدر (صدر المجلس)، أمام المنشدات. في القرايات تنساب دموع د. ماهي بدون أزجال أو محفزات. تتذكر موتاها وتبكي مع اللاطمات على الحسين. أما ابنها وميض فعندما كان صغيراً أخذه حسان الفلسطيني (مستخدم في دار د. ماهي اصطحبه أحد الضباط المشاركين بحرب عام 1948 معه من فلسطين كونه قد قتلت عائلته) إلى المصور أنور، أخذ له صورة جميلة بالملابس السوداء وهو يحمل سلسالاً، وبعد أخذ الصورة سار في موكب عاشوراء في الديوانية وهو يحمل سلساله. من معارفها في المدينة عوائل: متصرف اللواء وقائد الفرقة الأولى والعلوية منية والمرضع بستانة (كانت مرضعة لابنتها هالة ومن ثم عملت فراشة في روضة الديوانية) وحسان الفلسطيني والدكتور شاكر فرنجية والست ريموند والجدة نانا وأم يعقوب، وكلهم وقفوا معها وكانوا ظهراً وسنداً.
  هذا السرد الجميل لحياة الدكتورة ماهي كجه جي شمّاس مستل من رواية (طشاري) لابنة اخيها إنعام كجه جي. وعندما رغبت بكتابة مقالة عن عمتها الدكتورة وسيرتها الذاتية قالت لي أقرأ (طشاري). كان جوابي لقد قرأتها وكان حدسي انها تدور حول السيرة الذاتية للدكتورة ماهي، رغم أن المؤلفة أطلقت عليها في الرواية اسم (وردية). وفي يوم الأثنين الماضي الموافق 15/6/2020 طلبتُ منها صورة شخصية للدكتور الطيبة التي أحبها ابناء الديوانية لاخلاصها في مهنتها، فوعدتني خيراً عند زيارتها لعمتها.
   اليوم الدكتورة ماهي شمّاس لاجئة في فرنسا، بعد عمليات التهجير التي طالت كل مكونات الشعب العراقي عام 2006 و2007. وكونها من الديانة المسيحية فقد طالها التهديد. إن من يراها وقد بلغت التسعين، تدفعها ابنتها بكرسيها المتحرك في ضاحية "فينيو سور سين" جنوب باريس، لا يصدق ان هاتين الكفين الصغيرتين اللتين ترتسم عليهما خارطة من الأوردة الزرق هما اليدان السحريتان ذاتهما، بأناملهما المطواع المدربة التي جابت المغارات السرية للنساء فتفتك وتربط وتكشط وتنظف وتكوي وتداوي وتهجس بالبشارة.
 
المصدر:
(1)            إنعام كجه جي. رواية طشاري. دار الكاتب. بيروت. ط 2. 2009

8
حكايات من مدينة الديوانية الطيبة
عبد علي الزبيدي الحلاق... عاش انساناً زاهداً متعففاً حتى رحل من الحياة تاركاً ذكراً طيباً بين أصدقائه ومحبية.


نبيل عبد الأمير الربيعي
      للحلاقة والحلاقين مزايا واعتبارات اجتماعية كثيرة، فمهمة الحلاقة الأولى هي تزيين وجوه ورؤوس زبائنه أي إظهارهم للملأ بأفضل وأجمل حالاتهم. وكلمة (تزيين) من الزينة لذا سُميَّ الحلاق (مُزيّن) قبل أن يُسمى (حلاّقاً) وهي من الحلاقة. لم تقتصر في سالفا لزمان مهمات ومسؤوليات الحلاقيين أو (المزاينة) على تزيين وجوه الناس فقط، إنما كانت لهم مهمات خطيرة الشأن يزاولونها على نطاق واسع هي من اختصاصات الأطباء لا غيرهم. منها إجراء عمليات ختان (طهور) الأطفال وقلع الأسنان المتسوسة والمعطوبة وتخدير مواضع الألم في هذا السن أو ذاك بحشوه بمادة مخدرة شعبية يسمونها (ترياك).
      الحلاقون الذين امتهنوا مهنة الحلاقة منذ أن عُرفت الديوانية كمدينة, منهم من رحل ومنهم من استمرَّ على عمله هذا ومن أقدم الحلاقين في المدينة الحاج عبد علي الزبيدي والحاج حاشوش سفاح أبو حليم في الديوانية, فضلاً عن حلاقين قدما وشباب وهم كل من : حسن كسكين, محمد كسكين, حاشوش سفاح الحلاق, حلاقة جاسم محمد (ابو عبد الزهرة) 1941م, , خليل الحلاق، إدهام خضير (ابو شعيب), داوود أبو سلمان, الحاج كاظم, جبار الحلاق , مهدي الحلاق ,جاسم طعمة, وناس الخزاعي, محمد دوحي, علي دوحي, حسن دوحي, سلمان هوبي, عبد الحر الحلاق, عباس عبيدي الخفاجي (أبو نبيل), فاضل البغدادي, علي الحلاق, حمدي الحلاق , كاظم الحلاق, عبد الحسن الحلاق, حلاقة حسن عجم, حلاقة عبد خزيمات, حلاقة عبد الزهرة, عباس الخفاجي, حسن باوي, حلاقة نوماس, حلاقة عبد الجبوري, حلاقة خليل ابو مازن, حلاقة فيصل, حلاقة عيسى الشيخ اسماعيل, حلاقة كريم في الفاضلية, حلاقة علي البرطلي, حلاقة أحمد حلواص, حلاقة عطوان (ابو واثق), حلاقة الوحيد, حلاقة (ابو جمال) مقابل علوة جلعاوي, حلاقة رشدي, حلاقة كاظم مرهون, فاهم الحلاق, أدهم الحلاق, حاج مرزة, جاسم الفروي, أبو صبحي, الحاج جواد الطويل, جبار يسار, علي عوفي, حلاقة مشحوت, حلاقة علي الهلالي, حلاقة جاسم طعمة, حلاقة فاضل بغدادي, حلاقة هوبي (ابو ضياء), حلاقة حامد كاظم بلكوت .
ومن أقدم الحلاقين في الديواني عبد علي الزبيدي والد الفنان التشكيلي سعد ومحمد وعبد الحسين. كان دكان عبد علي الحلاق من الدكاكين العائدة للحاج عبد الحسي البحراني تحت فندق السرور في صوب الشامية والقريبة من صيدلية العاملي، دكانه يتوسط صفاً من الدكاكين على الشارع الرئيسي في صوب الشامية، كان دكانه كبيراً نسبياً، يحتوي على كرسي الحلاقة والمرايا المقابله له، وعلى جانبيها دولابان صغيران ثبتا بالجدار، وفي زاوية قريبة وضعت منضدة صغيرة صفت عليها بالإضافة إلى إبريق نحاسي لماع و(نجانة) من النحاس الأصفر ذات الحافة العريضة غير كاملة الاستدارة، إذ تم قطع جزء منها على شكل هلال بحجم رقبة الإنسان، وهي عادة توضع تحت حنك الزبون الذي عليه أن يمسكها بكلتا يديه كي يمنع تسرب الماء عندما يقوم الحلاق بصب الماء من الإبريق على رأس الزبون لغسله، وذلك بعد إكمال الحلاقة، ولقد وضعت على جانبي الدكان (قنفتان) تتسع كل منهما لخمسة أشخاص بالإضافة إلى كرسيين وضعا خارج الحانوت على رصيف الشارع، كان دكانه مقر لبعض شيوخ العشائر للمسامرة والحوار واللقاء، مثل الشيخ سلمان العبطان شيخ الخزاعل، أو مزارعون وتجار وموظفون.
افتتح الحاج عبد علي الزبيدي محل الحلاقة مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، كان طويل القامة نحيف الجسم له عينان واسعتان احتقن جفناهما بلون أحمر، وهو ما تركه مرض التراخوما الذي أصيب به صغيراً. يذكر عبد الكريم محمد رؤوف القطان في مذكراته صفحة 148 قائلاً: "لقد نزح عبد علي الحلاق إلى الديوانية من بلدة الدغارة، وأفتتح محله تحت (مسافر خانة السرور في صوب الشامية)، وقد وضعت فوق المرآة في محله أبيات الشاعر أبو نؤاس، والتي يحث بها الناس على قلّة الكلام وصون اللسان، وهي:
خل جنبيك لرام   وأمضِ عنها بسلام
مت بداء الصمت   خير لك من داء الكلام
كانت هذه الأبيات قد خطها صيهود شنين (عندما كان طالباً في ثانوية الديوانية)، كان صاحب خط جميل، وكانت الأبيات موضع تندّر من قبل زبائنه، وقد زرته بعد انقطاع دام أكثر من خمس عشرة سنة، وقد سررت بأن أجد اللوحة في مكانها ولكن بإطار خشبي جميل، فلما لاحظ أني أمعن النظر فيها، ضحك كثيراً وقال إن هذه الأبيات كانت موضوع تعليق أكثر الزبائن ويتعجبون أن تكون في دكان حلاق، ولما كنت أستفسر منهم قائلاً ولِمَ لا؟ يأخذون بسرد القصص عن الحلاق الفلاني أو الحلاق في مدينة الحلة أو عن ذاك الذي في مدينة الشامية، وكم كانوا يثرثرون ويزعجون الزبائن بحكاياتهم السخيفة، وبعضهم يشرع يقص عليّ هذه الحكايات ويسردها بتفاصيلها، وخوفاً من خسارة زبون أو زبونين كان عليَّ أن أستمع لهم وأعلق على سردهم بين حين وآخر، كي أبين لهم بأنني أصغي إليهم".
   يمتلك الحاج عبد علي الحلاق في دكانه عدة كتب ومجلات يطالعها أثناء فراغة، وكان شاعراً شعبياً ينظم الأبوذية والقصائد الزجلية والحسجة بلهجة فراتية أوسطية. ومن قصائدة التي نظمها بعد حركة رشيد عالي الكيلاني عام 1941، وكان يرددها الطلاب في تظاهراتهم أمام سراي الحكومة:
ليش ناسي اللي جرى من العرب
عدنا رَگع الطوب جنْ كيف وطرب
 
هم شفت واحد برز لينا وغًلب
تتلاهب وأحنه نطفيها
كما ردد طلابا التظاهرات أمام متصرف الديوانية في حينها:
يا سراي الحكومة أمّن من الخوف
وعليك أبد ما يمر غير النوف
 
كل ما علا الماي وأحنه الروف
جبنالك صنجغ بزمورة
ومعنى المقطع الأخير أننا قد جلبنا لك جيشاً بكامل عدته من سلاح وعتاد.
عاش الحاج عبد علي الزبيدي نزيهاً لا تفارق محياه الابتسامة الحلوة والرقيقة في الترحيب بأصدقائه وزبائنه، عاش انساناً زاهداً متعففاً حتى رحل من حياته تاركاً ذكراً طيباً بين أصدقائه ومحبية وعائلته.

9
رحيل المفكر والمؤرخ د. جودت القزويني
نبيل الربيعي
رحل المؤلف والكاتب والأعلامي والأديب والمحقق د. جودت القزويني بعد مسيرة حافلة بالأدب والفكر والكتابة التاريخية. كان الراحل القزويني له دور كبير في نشر المفاهيم الدينية والفكرية الصحيحة,  وقد أفنى عمره في خدمة المعرفة والعلم ونشر المفاهيم الفكرية الصحيحة .
نتوجه بخالص العزاء و المواساة لأسرة د. جودت القزويني الراحل، وأن يلهم أهله وأسرته وذويه وطلبة العلم الصبر والسلوان.
الدكتور السيد جودت القزويني بن السيد كاظم بن السيد جواد بن السيد هادي بن السيد صالح بن السيد مهدي القزويني شاعر ومؤرخ وباحث وكاتب عراقي معاصر، ولد في بغداد يوم الثلاثاء 24 آذار 1953 (1372هـ) من أسرة عراقية هاشمية عريقة تعود جذورها للأشراف من سلالة النبي محمد بن عبد الله (ص).
درس في المدراس الرسمية، ثم دخل كلية أصول الدين ببغداد، وتخرج منها عام 1975.
سافر إلى القاهرة، وحصل على درجة الماجستير من قسم الشريعة بكلية دار العلوم (جامعة القاهرة) عام 1981 عن أطروحته "الطفل والأحكام المتعلقة به في الفقه الإسلامي".
في بدايات عام 1982 رحل إلى إيران، ثم غادر من هناك إلى سوريا.
في عام 1985 سافر إلى المملكة المتحدة، والتحق بالجامعة لإكمال دراساته العليا، وفي عام 1997 حصل على الدكتوراه من كلية الدراسات الشرقية والإفريقية, جامعة لندن عن أطروحته حول "المؤسسة الدينية الشيعية ـ دراسة في التطور السياسي والعلمي". وبقي هناك إلى عام 2001،
بعدها سافر إلى لبنان، وهو يقيم هناك إلى الوقت الراهن.
ورغم أنه اشتغل زمناً طويلاً بالتأريخ والأبحاث والكتابات النثرية والنصوص النادرة المتنوعة؛ إلا أنه شاعر من الرعيل الأول.
صدر له ديوان ضخم نشره باسم المجموعة الشعرية الأولى عام 1997. (3) وقد نظم الشعر في سن مبكرة، ونشر قسماً من قصائده التي نظمت بعد سنة 1975 فصدرت له مجموعتان شعريتان: الأولى في القاهرة عام 1980، والثانية في بيروت عام 1985.
من بين قصائده: فناء في سجون الغربة ؛ قام الدكتور كريم الوائلي بنقدها ودراستها، ونشرها في مجلة الموسم: جودت القزويني السجون.. الضباب.. السجون
وحفنةٌ من الترابِ في العيون
وبارقٌ من الوجوه
يرجعُ الحلاجَ من جديد
إلى السجون
كفهُ يملأها الحديد

10
التطور في الفكر المعماري وأسس التصميم

شكر حاجم الصالحي
أزعم ان هذا الكتاب الذي أتصفحه الآن في هذه المساحة الضيقة , يستحق ان يكون من بين المواد المقررة لطلبة الكليات الهندسية الرسمية والأهلية لتوفره على فرشة من المعلومات النافعة , ولذا أقترح على وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أن تأخذ هذا المقترح بعين الأهتمام الجاد بتشكيل لجنة متخصصة من أهل الرأي والتخصص المعماري حصراً لدراسة ما في الكتاب المشار إليه من أهمية تعين الدارسين على تلمس الطريق المفضي الى الاستفادة المرجوة مما تضمنه (( التطور في الفكر المعماري وأسس التصميم )) التي بلغت صفحاته الــ ((463)) صفحة واعتمد مؤلفاه د0 مهندس نصير علي الحسيني و م0معمارية نورا عباس حسين على ((47)) مصدراً ومرجعاً عربياً و (( 55 )) مصدراً باللغات الأجنبية , وكان للرسوم التوضيحية التي تضمنها الكتاب الأثر المهم في إيصال المعلومة والقراءة الى المتلقي بيسر و وضوح , وهذا ما يؤكد حرص ( المؤلفين ) على تقديم زاد معرفي / تخصصي يمتلك مؤهلات التوصيل وتحقيق الغاية المرجوة من هذا الجهد البحثي الكبير ..... , وقبل الخوض في عرض موجز لمحتويات الكتاب كان بودّي ان يتعرّف القارئ على مقدار المنجز لكل واحد من المؤلفين الأثنين باستثناء الأشارة المضللة التي كتبها الدكتور المهندس الحسيني في (( تمهيد )) والذي فيها :
في هذا الكتاب نحاول تسليط الضوء على مراحل تطور الفكر المعماري وأولوياته وكذلك عن اسس التصميم المعماري وقد قدمت المهندسة المعمارية نورا عملاً تناول لمحات في فن العمارة ومن خلال ذلك استطعنا ان نحدد اهداف هذا الكتاب في الوقت الذي أثني على الجهد لابد من القول ان الغوص في الفكر المعماري يحتاج الى جهد استثنائي وخاصة وان الكتاب يجمع ما بين بنية تاريخ العمارة والتصميم وهو منهج تعليمي ايضاحي وجمعنا ورتبنا ما تيسر آملين ان يكون نافعاً لمحبي هذا الفن وطلابه وفق منظور علمي ...... وبضوء هذه الأشارة يستطيع القارئ النابه ان يكتشف مقدار جهد كل واحد من الاثنين في هذا المنجز الضخم ..
والكتاب يتضمن القسم الأول : التطور في الفكر المعماري من ( ص 11ــ ص 263) ويتفرع الى ثلاثة فصول هي :
00 مقدمة في العمارة
00العمارة عبر الفترات الزمنية المختلفة
00 مفهوم الحداثة وما بعد الحداثة
أما القسم الثاني من ( ص 265 ــ ص 445 ) فيتضمن  فصله الأول ,  التصميم المعماري , والفصل الثاني : أسس التصميم المعماري , والفصل الثالث : الفكر التصميمي
ولابد هنا من التنويه ان قسمي الكتاب يتميزان بأهميتهما ولا يمكن للقارئ المتخصص والدارس الفاحص إلا أن ينهل مما فيهما من وفرة المعلومات المفيدة ولا يمكن له ان يعقد مفاضله بين القسمين , فكل مبحث فيهما يضيف ويغني ويثري , وازاء هذا الفيض المعرفي سأقصر حديثي هنا على (( مقدمة في العمارة )) وستكون (( عمارة وادي الرافدين )) فسحة لقراءتي هذه كأنموذج لبقية محتويات ( التطور في الفكر المعماري وأسس التصميم ) و يشير المؤلفان الى عمارة وادي الرافدين بالقول :
يزخر العراق بثروة معمارية عريقة تكونت عبر العصور والحضارات التي نشأت على أرض ما بين النهرين في الفترة الحجرية الحديثة حيث كانت بداية الزراعة وشهدت مستويات لعمران متواضع ومتتابع , وتلتها فترة العصر النحاسي الحجرية والتي ظهرت فيها حضارة العبيد , وينتقل المؤلفان الى الحديث عن بلاد بابل اذ يشيران الى ما يلي :
وتعتبر بابل المدينة الوحيدة التي ذكرت في الكتب السماوية في التوراة والانجيل والقران وقد تم الكشف عن اثار هذا الوادي في نهاية القرن التاسع عشر , وتقدر المساحة التي تشغلها بابل باثني عشر كيلو متراً مربعاً ولمركزها شكل مستطيل بعداه ( 2600× 1500 م ) وكان يعيش فيها نحو مائتي الف انسان , وتتألف من قسمين , قسم قديم يضم المباني وقصر نبو خذ نصر الثاني ويقع شرق الفرات , وقسم حديث يقع غرب الفرات , ويرتبط هذا القسمان بوساطة جسر من عهد نابو بولا صر طوله 123م وعرضه 5/10م وكانت المدينة محاطة بسور مزدوج , خارجي سمكه نحو 4م وداخلي سمكه نحو 5/6م , كما كانت هناك (8) أبواب تقود الى المدينة القديمة سميت بأسماء الالهة البابلية المشهورة والأبواب :
1ـــ بوابة     اورانس
2ـــ بوابة     زبابا
3ــــ بوابة    مردوخ
4ـــ بوابة    عشتار
5ـــ بوابة      انليل
6ـــ بوابة     أدد
7ـــبوابة     سين
8ـــ بوابة    شمس
وهكذا هي مدينة بابل النموذج الحي لعمارة وادي الرافدين التي مازالت شاهداً على عراقة هذه الأرض وابداع انسانها المنتج ..... واذا كان لابد من كلمة في ختام هذه القراءة الانطباعية المتواضعة فيتوجب القول ان (( التطور في الفكر المعماري واسس التصميم )) كتاب مهم يستحق ان يكتشف اضاءاته الثرية و معلوماته القيمة كل صاحب تخصص / معماري ففيه يجد غايته في التعرف على معطيات الفكر العراقي القديم في بلاد ما بين النهرين , ويشير بالثناء لجهد المؤلفين : الدكتور المهندس نصير علي الحسيني و زميلته في الجهد المهندسة المعمارية نورا عباس حسين , ومازلت عند دعوتي بوضع الكتاب ضمن المقررات الدراسية لطلبة الكليات الهندسة وفي ذلك نفع كبير ...........
                           **************************
                                                1/2/2020

11
 
قائد عمليات هور الغموگة خالد أحمد زكي/ الحلقة الثانية
نبيل عبد الأمير الربيعي
 
من هو خالد أحمد زكي
ولد في بغداد عام 1935م, ونشأ في أسرة علم ويسر مادي, والده مهندس الري أحمد زكي, ونظراً إلى طبيعة عمله عاشت الأسرة متنقلة بين المدن العراقية المختلفة, انضم عام 1952م إلى الحزب الشيوعي العراقي, وفي عام 1953م انهى دراسته الاعدادية في الكوت, عُين معلماً في مدينة النعمانية, سافر عام 1955م لدراسة الهندسة في لندن على حساب أسرته, وفي لندن انتخب رئيساً لجمعية الطلبة العراقيين في بريطانيا, بعد انقلاب 8 شباط 1963م, انضم إلى منظمة (برتراند راسل) للسلام, واصبح سكرتيرها, تعرّف على شخصيات أممية كثيرة, وزار بلدان عدة, لاسيما الاتحاد السوفيات (روسيا حالياً) وتشيوكوسلوفاكيا وكوبا, حضر عدداً من المؤتمرات ومهرجانات الطلبة والشبيبة العالمية, فخالد أحمد زكي المثقف الثوري من الطراز الشعبي, مناضل مسلح بالعزم والإيرادة, صديق حميم للعمال والفلاحين, قيادي بالفطرة, شهيد بطل ومحط اعتزاز حزبه وشعبه.
   في 3 حزيران 1968م تبدد غبار المعركة في هور الغموگة, وقتها كان المناضل الجسور خالد أحمد زكي واثنان من رفاقه الشجعان قد تساموا شهداء, فيما أصيب ثلاثة آخرون. شارك في قواعد الكفاح المسلح في هور الدواية, استشهد يوم 3/6/1968م في معركة غير متكافأة مع القوات الحكومية في هور الغموگة, يذكره رفاقه في المعركة أنه كان يقترح بالقتال دون التراجع حتى الموت, فضلاً عن حياة الهور الصعبة التي عانى منها الشهيد خالد, منها معاناة المشي حفاة في الأهوار, وصعوبة استلام المشحوف وقيادته, فخالد كان لا يحسن قيادة المشحوف في الأهوار مع العلم أن المشحوف في الهور هو رجلك التي تمشي بها.
   جاء خالد للقتال في الأهوار يحمل افكار الكفاح المسلح, وتركه سكرتارية منظمة راسل للسلام في لندن, حيث كان ناشطاً سلمياً, فضلاً عن نزوعه الشديد للعدالة, مع هذا التوجه لخالد كان واقع الحزب الشيوعي العراقي وقتها لم يكن على ما يرام بعد خروجه من تصفيات انقلاب 8 شباط 1963م, والوضع الجماهيري كان مايزال غارقاً في الاحباط, ورغم كل الجهود التي اعقبت كارثة عام 1963م, والعمل الجبار الذي بذل حتى يعود إلى الحياة من جديد, إلا أن الآثار التي تركتها تلك الهجمة لم تكن قد زالت, ومما زاد في أثرها السيء, الانشقاقات المستمرة, وجماعة آب 1964م سيء الصيت, حيث صدر بيان نسب إلى باقر إبراهيم كان يعلن بجلاء عن نية الاندماج في (الاتحاد الاشتراكي) الذي أقامه وقتها عبد السلام عارف, من التنظيمات القومية والناصرية, فالرجل ميال إلى التفسير القومي, قطعاً هو الممثل الفعلي للميل العروبي القومي داخل الحزب الشيوعي العراقي.
 صباح يوم 3/6/1968م ومنذ الساعة العاشرة كانت المقاومة في اشدها, حتى السابعة مساءً, استشهد ثلاث من رفاق خالد وهرب ثلاث والقي القبض على البقية, كان من ضمن الشهداء خالد أحمد زكي, ذلك الفتى الأكثر تضحية وفداءً, يتمتع بقوة وإرادة, قائداً لهذا العمل بحكم مقتضيات اللحظة, بكل ما تنطوي عليه من مثالب وحسنات, فخلال الارتباط في ساعة اطلاق النار اصيب بعض الرفاق, وكان مغادرة حسين ياسين وعبود خلاطي وموسى عطية بداية تدهور القتال, فقام حسين محمد حسين باطلاق النار باتجاه القوات الحكومية, وبدأت المعركة ولم تنتهِ إلا قرابة الساعة السابعة مساءً, حينها كان قد استشهد ثلاثة من المجموعة المقاتلة واسقاط طائرة هليكوبتر, وتم تطويق المجموعة, أصاب عبد الجبار علي الجبر الشمري (الحلة), الذي فقد كفه وهو يعيد قنبلة باتجاه الطرف الآخر.
   في الساعة الأخيرة من المعركة اقترح خالد أحمد زكي الاستسلام إلا أن رفاقه لم يوافقوا على هذا المقترح, كان توزيعهم للقتال أن يكون حسين محمد حسن لجهة الغرب مع أبو سرحان وشهواز ثم خالد وعبد الأمير الركابي في المنتصف ثم عبد الجبار علي جبر الشمري وشلش الذي احتل المقدمة, وحين استشد خالد باطلاقة سكت ولم يشعر به جماعته, فضلاً عن قتله أكثر من شخص حاولوا الاقتراب, أما عبد الجبار علي جبر فقد اعلن الاستسلام فوضع فانيلته البيضاء على عصا صغيرة وخرج, كان جبار يحفظ النشيد الاممي.
   في نهاية المعركة كان الاستسلام مع ذلك التوتر في مدينة الناصرية وهور الدواية, كانت سلطة المنطقة الجنوبية تحت يد العسكري أنور ثامر الذي وبخه بعد ذلك عبد الرحمن عارف رئيس الجمهوريةقائلاً له : إذا كانت كل هذه القوات تظل تقاتل عشرة شيوعيين اليوم بطوله, فماذا لو كانوا الفاً, هل تأتِ بالجيش العراقي كله وقتها؟

12
قائد عمليات هور الغموگة خالد أحمد زكي
نبيل عبد الأمير الربيعي
 
   اتخذ المقاتلين الأثنى من القيادة المركزية للحزب الشيوعي العراقي موقعاً للمقاومة(خالد أحمد زكي (جبار), محسن حواس (شلش), منعثر سوادي (كاظم), عقيل عبد الكريم حبش (أبو فلاح), حسين ياسين (أبو علي), عبد الجبار علي جبر (هادي), عبد الأمير عبد الواحد يونس الركابي (لفته), عبد الله شهواز زنكنه, ومحمد حسين الساعدي, وعبود خلاطي, وعلي أبوجي, وحمود (صالح), أما أكثر من 2000 بندقية ورشاشة تابعة للنظام, بعد أن دارت رحى المعركة استشهد ثلاث منهم وتاه آخرٌ وهرب ثلاث, فما تبقى إلا خمس مقاتلين عتاق, فما كانمنهم إلاّ الدفاع عن مبادئهم واسقاط إحدى الطائرات التي استهدفتهم, تلك كانت معركة غير متكافأة بين قوات الحكومة ومقاتلين ثاروا ضد ظلم النظام.   
    انتفاضة هور الغموگة كانت بداية العمل المسلح ونشأة وصيرورة في قلب المستقبل, لها قواعدها التي ترسمها وتؤسسها, ولأنها تتداخل مع تجارب وحالات زائلة, إلا أن ظلال مفاهيم وتخيلات المقاتلين كانت مؤمنة بالصمود. كثير من الكتب صدرت عن هذه الانتفاضة منها رواية لطارق علي الباكستاني ورواية السوري حيدر حيدر (وليمة أعشاب البحر) (الطريف بالأمر أن تحريم الأزهر للرواية تم بعد الطبعة العاشرة لها , وتم الأستناد على التحريم هذا بأستحصال فتوى مجهولة تنص على أهدار دم الروائي حيدر حيدر , الذي لجأ لمدينته في طرسوس بسوريا تخلصا من تنفيذ الفتوى), ورواية الروائي أحمد خلف (الحلم العظيم), والأخير هو آخر عمل توثيقي للانتفاضة, فضلاً عن طارق علي الأكثر استجابة بحس الإيقاع التاريخي الفعلي التي احتفظته الذاكرة التاريخية للشعوب, حتى أبناء الهور قد اطلقوا على المكان الذي وقعت فيه المعركة بـ(رواط الشيوعيين), إذ وثقت المعركة زمانياً ومكانياإ.
   كان توجه بعض اعضاء الحزب الشيوعي العراقي بعد انقلاب 8 شباط 1963م إلى الكفاح المسلح لتغيير النظام, وهو مغامرة ارتجالية قادتها ثلاث تكتلات قبل انشقاق (القيادة المركزية), في 17 ايلول 1967م هي كلٍ من : (القيادة المركزية) أو (مصبتح), و(فريق من الكادر اللينيني), و(وحدة اليسار). الأول يتزعمه عزيز الحاج وحسين الگمر, والثاني يقوده نجم والثالث بقيادة أمين الخيون.
   وقد وضعت جماعة (وحدة اليسار) وثيقة حول الانتقال لممارسة الكفاح المسلح في العراق, وزعت العمل على مواضيع تشمل العراق جغرافياً, وتقسمه إلى مناطق, هي الجنوب كبؤرة بداية, واشعال فتيل العمل المسلح, تلحقها مناطق الفرات الأوسط والشمال, واعتبرت بغداد وهي القلب وهدف العمل كاه. يترأس هذه المغامرة أمين الخيون, و(مصباح) هي اختصار لـ(مكتب لجنة منطقة بغداد) التي كانت نواة ومحرك انشقاق (القيادة المركزية), كما أصدرت تقريراً معارضاً لنهج قيادة الحزب الشيوعي ولجنته المركزية, مما أدى إلى تعرضه للتجميد من قبل الحزب, قبل هذا الانشقاق كان هناك في عام 1964م قد وقع انشقاق داخل الحزب, هو انشقاق (اللجنة الثورية للحزب الشيوعي العراق), قاده المقدم سليم الفخري مع غالبيته العظمى من ضباط الصف العسكريين.
   الذين كانوا مع (وحدة اليسار) بقيادة أمين الخيون لهم نظرتهم وروايتهم لهذا العمل, كان عدد المتطوعين في هذا التنظيم في الجبايش وصل ما يقارب (65) شخصاً, عاد منهم حوالي الأربعين لصعوبة العيش في الأهوار, كان من ضمن من تركوا الجبايش عبد الأمير الركابي وخالد أحمد زكي وصباح جرجيس وعادوا إلى بغداد.
   كان خالد أحمد زكي مقتنعاً بفكرة أولوية العلاقة مع الحزب للانطلاق من الأهوار بتنظيم مسلح لتغيير النظام, لكن قناعاته الأخرى كانت الاندماج بـ(القيادة المركزية), كانت تراود خالد الحاجة لأخذ موقع في التنظيم, حيث أصبح عضواص مرشحاص في (القيادة المركزية) يوم ترك مهمته كسكرتير برتراند راسل (الفيلسوف وعالم المنطق والرياضي والمؤرخ وناقد اجتماعي بريطاني), لكن خالد اكتشف أن السير وراء (القيادة المركزية) وقيادة عزيز الحاج وحسين الگمر لا جدوى منها, إذ بدأ خالد أحمد زكي عمله المسلح كـ(جبهة الكفاح الشعبي المسلح) (جشكم), وقد أسست في آيار 1968م قبل أيام من بدء تنفيذ أول عملية في هور الدواية, مع العلم أن عزيز الحاج كان لا يصلح لمهمة قيادة العمل المسلح.
   كان هناك فريق من كوادر الحزب تؤمن بالكفاح المسلح منهم : خالد أحمد زكي وعبد الأمير الركابي وموسى عطية (أبو جعفر) وعقيل حبش ونوري كمال وصباح جرجيس وشهاب طالب وآخرين, كانت دعوتهم لعقد كونفرنس, وقد تمَّ ذلك في بداية عام 1967م في مدينة الشعلة في دار موسى عطية (أبو جعفر), وجرى خلال مناقشة (الوثيقة الاستراتيجية للكفاح المسلح في العراق), كما طرح موضوع الاندماج بـ(القيادة المركزية) وقد وافق الجميع عدا عبد الأمير الركابي, كان الكونفرنس يظم تنظيم مدينة الشعلة والفرات الأوسط وبقية أطراف بغداد, وقد صدر بيان مقتضب عن الكونفرنس أعلن فيه الاندماج بـ(القيادة المركزية).
    يوم 28/5/1967م انطلق اعضاء التنظيم للعمل في هور العمارة القريبة من (السعيديين) قرية موسى عطية وحسين محمد حسن معهم عبد الأمير الركابي وشلش وأبو بارود وأبو صبري, ومن ثم تم تأسيس القاعدة, لم تكن القاعدة سوى نقطة انتظار لأستقبال تامتطوعين والسلاح والتدريب.
    كما التحق بالتنظيم حسين ياسين (مسؤول في منطقة الشطرة ومعلم من أهالي الفهود), مع خالد أحمد زكي ومحسن حواس, كان أعضاء التنظيم فضلوا الانتقال إلى هور الناصرية لأن في هور العمارة لا يوجد مقر للحكومة يستحق, وقد أنشأت في هور الدواية قرب الشطرة وقد تم الانتقال إلى هور الناصرية بعد وصول خالد أحمد زكي وحسين ياسين بأيام إلى بركة أبو غريب في هور الدواية, وقام كلٍ من موسى عطية وحسين محمد حسن بمهمة الدلالة, كان طعامهم الرز والسياح المصنوع من دقيق الرز, والشاي والخبز, وكانت مهمات الطبخ قد تناوب عليها أثنان (أبو بارود وعقيل حبش), أبو بارود كان عامل لقطع التذاكر في سينما الرشيد, لكن أبو بارود لم يتمكن من العيش في الهور فترك القاعدة.
   يذكر عبد الأمير الركابي في كتابه (انتفاضة الأهوار المسلحة في جنوب العراق 1967/1968) صفحة 129 قائلاً :"من الحوادث التي تستحق الذكر, زيارة قام بها للقاعدة قيس السامرائي (أبو ليلى) القائد الحالي في (الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين)... كان شغوفاً بقضايا الكفاح المسلح في حينه". وفي صفحة 136 من الكتاب يقول :"أما حسين ياسين الذي يحمل معه تجربة غنية في التنظيم, لكنه كان أضعف تكويناً من ممارسة مهمات قيادية لها طابع الانضباط والتعايش مع الخطر, فهو متقلب المزاج, وقد اطلق النار إلى الخلف بلا تدقيق وبمستوى واطئ, أدى لإصابة أبو درعان (منعثر سوادي) الذي عاد واستشهد في معركة هور الغموگة مع خالد أحمد زكي وشلش (محسن حوّاس)".
معركة هور الغموكة
   يذكر علي عبد الكريم حسون في مقال له نشر في جريدة طريق الشعب يوم الأربعاء 7 أيار 2014م قائلاً :"العملية تمت في نهاية آيار 1968, وبالتحديد يوم الثامن والعشرين منه, أي قبل ستة أسابيع من انقلاب 17 – 30 تموز 1968 الذي شكلّ العودة الثانية للبعث".
وما ذكره حنا بطاطو في كتابه (الشيوعيون والبعثيون والضباط الأحرار ج3) , انهم هاجموا "مخفرا للشرطة في هور الغموكة في قضاء الشطرة من لواء الناصرية وأستولوا على خمسين قطعة من الأسلحة النارية , لكنهم ظلّوا طريقهم في المستنقعات وتخلوا عن زوارقهم في لحظة سهو, وتغلبت عليهم في النهاية قوة تفوقهم عددا من اللواء الخامس عشر المؤلل , أما الحكومة فقالت أن ستة رجال قتلوا وسقطت طائرة هليكوبتر".
    كان قرار المجموعة بعد أن استقروا وسط بردي وقصب هور الغموكة , هو الهجوم على مخافر الشرطة في عمق الهور . أرتدوا زي الشرطة وبرتب متنوعة , تمّ لهم ماأرادوا بالأستيلاء على أسلحة الشرطة جميعا بعد أن جمعوهم داخل غرفة المركز , حيث ألقى عليهم قائد المجموعة الشهيد خالد محاضرة عن أهدافهم , هتف بعدها بأسم الشعب وبسقوط الرجعية .
أنتقلوا بعدها الى الهدف التالي , ربيئة أخرى , حيث حصل فيها ماحصل في الربيئة الأولى , بالأستيلاء على السلاح والعتاد وتجميعهم في غرفة واحدة بعد تعريفهم بمباديء وأهداف الحزب الشيوعي العراقي , والتوضيح لهم بأن الشيوعيين ليسوا بقطاع طرق
في طريق العودة ظّلت المجموعة طريقها , فوصلوا الى هور عوينة الذي لايبعد سوى القليل عن هور الغموكة متوجهين نحو هور الحمار . وفي وسط الطريق وبالقرب من مرقد " فوادة " , تعرضوا لأطلاق نار كثيف من قوة الشرطة الآلية التي كانت تروم قطع طريق العودة عليهم لغرض تطويقهم ومحاصرتهم . بعدها قرروا العودة لمواجهة الشرطة بدلا من الأنسحاب . أثناء ذلك أصيب الرفيق منعثر سوادي بنيران رفيقه حسين ياسين خطأ , والذي كان ضعيف البصر , ظنا منه أنه أحد أفراد الشرطة .
     ويعقب علي عبد الكريم حسون في مقاله المنشور في طريق الشعب قائلاً :"واصلت المجموعة مسيرها طوال الليل مغيرين اتجاههم للوصول الى هور الغموكة , وأتفقوا على دخول احدى القرى القريبة للحصول على الطعام . ذهب حسين ياسين لمقايضة بندقية ومسدس بالطعام والماء . المفاجأة كانت أن الرعاة بعد أن عرفوا هوية المجموعة بكونهم شيوعيين , قدموا لهم الخبز والتمر بلا مقابل . كذلك أن شكوكهم كانت غير صحيحة بأحد الفلاحين الذي حياهم من على صهوة جواده دون أن يهتم بأمرهم , فلقد عاد ثانية بصحبة رجل آخر هو خاله حاملين اللبن والطعام والسجائر . كذلك حضر اليهم فلاح آخر مع ابن أخيه حاملين الطعام والسجائر أيضا. ..
المجابهة المحتومة
أحاطت سيارات الشرطة بالقرية لتفتيشها , فقررت المجموعة الأنتقال لموضع آخر في مجرى النهر استعدادا للمعركة راصدين تحركات وتجمعات الشرطة والمساندين لهم من أتباع الأقطاعيين . وفي الحادية عشرة والنصف صباحا بدأت المعركة, بعد تطويق كامل من قبل الشرطة مطالبين الرفاق بالأستسلام من خلال مكبرات الصوت, ردّ عليها الرفاق بالهتاف بحياة الحزب والشعب وجبهة الكفاح المسلح وبسقوط الرجعية والصهيونية .
طلبت الشرطة من المجموعة الأستسلام بدون قيد أو شرط , وفي الخامسة والنصف عصرا , وصلت المكان طائرة مروحية مطلقة النار عليهم , ترافق ذلك مع رمي رمانة يدوية على مواضعهم , التقطها الرفيق هادي بنية رميها ثانية على مواضع الشرطة , الا أنها انفجرت بيده فبترتها ... عندئذ تصدى الرفاق للهليكوبتر فأسقطوها وقتلوا طيارها .
ومن خسة المهاجمين أنهم لم يقبلوا استسلام الرفيق هادي الذي بترت يده بأنفجار الرمانة اليدوية , فأمطروه بالرصاص , فعاد مسرعا لمجموعته مصابا بجروح جديدة , خدعوه ثانية بقبول استسلامه فسحلوه الى الخلف ليحققوا معه على الفور وهو جريح .
لم تتمكن الشرطة من اقتحام موضع المجموعة الا بعد أن نفذت ذخيرتهم , فأستشهد منهم ثلاثة هم : خالد أحمد زكي ومحسن حواس ومنعثر سوادي . والأخير كان جريحا في صدره بأطلاق النار عليه خطأ من قبل رفيقه حسين ياسين, والذي قاومهم وهو جريح فأستشهد. كانت حصيلة قتلى المهاجمين هي مقتل النقيب طيار الهليكوبتر وأربعة من رجال الشرطة وجرح خمسة منهم". .

13
الصَّابئة المندائيون في العراق 
 
نبيل عبد الأمير الربيعي
 لقد اختلف الكثير من العلماء والمستشرقين والباحثين في نسبهم وعقائدهم وعوائدهم الاجتماعية وخاصة الأمة المندائية, وبسبب سريّة معتقداتهم وعدم إدراك حقائقهم, والوقوف على أصول أوامرهم ونواهيهم, المرء لا يعرف فضل دينه إلا وأن يعلم شرائع الأمم السَّائرة, والفضيلة للعلماء, والمقام الأسمى لديانتهم الموحدة, الذي فيه علينا من حرج وصعوبة كما شهدت به هذه الأمة وغيرها بكماله وفضيلته علينا.
    الصابئة المندائيون أقدم الجماعات التي عاشت في بلاد الرافدين, فهم قوم ساميون, وقد اختلف الباحثون والدارسون في زمن ظهور العقيدة المندائية كما اختلفوا في الموطن الأصلي للمندائيين, وبلادهم وموطنهم الأصلي بلاد الرافدين, والدليل هو بعض المخلفات السومرية التي ما زالت في هذه العقيدة وطريقة كتابة الأدب المندائي التي تتشابه مع صيغة كتابة الأدب البابلي وبخاصة في لغة التلمود, ناهيك عن اللغة ومفرداتها التي ما زالت شائعة في الجنوب العراقي خاصة, وإنهم يحفظون شريعة آدم عليه السلام الذي يعدونه أول أنبيائهم, ويعظمون شيت وسام في نصوص كتبهم الدينية, ويعدونهم معلميهم وأنبيائهم حتى زمن النبي يحيى بن زكريا عليه السلام, الذي يعدونه هو الآخر نبي لهم ومعلمهم الذي أعاد بعث ديانتهم القديمة, وأجرى رسم التعميد وهو السُّنة التي جرَت لآدم عليه السلام وهم عليها دائبون.
   وديانتهم من أقدم الديانات الروحية في العالم, وهم أحد الأدلة الحيّة على حضارة بلاد الرافدين, لكن لم يتبق منهم سوى بضعة آلاف بعد أن عاشوا على أرض العراق عشرات القرون. وقد اطلق عليهم أهم التسميات في بلاد الرافدين منها : المندائيون. من مندا أي العارفون بوجود الحيّ العظيم أي الموحدون. والناصورائيون. وهي تسمية قديمة جداً, وتعني المتبحرين أو العارفين بأسرار الحياة أو المراقبين. والصابئة. ومن «صبا» أي المصطبغون (المتعمدون) باسم الرب العظيم. والمغتسلة. من غسل أي تطهر ونظف وأطلقها المؤرخون العرب, وذلك لكثرة اغتسالهم بالماء. واطلق عليهم تسمية «شلماني» من شلم أي سلم, وهي تسمية آرامية مندائية تعني المسالم. وأطلق عليهم «أبني أنهورا». أي أبناء النور وهي تسمية أطلقت عليهم من كتبهم الدينية. وأطلق عليهم «اخشيطي» من كشطا أي أصحاب الحق أو أبناء العهد, أيضاً أطلقت عليهم في كتبهم الدينية.
     وما زلنا نؤمن أن الديانة المندائية ولدت في بلاد الرافدين, وإن شعبها الناصورائي هو أحد شعوب العراق القديم مثله مثل السومريين والأكديين والبابليين والآشوريين, لكن هذا الشعب لم يكوَّن له دولة أو كياناً سياسياً ذات شأن لعزوفه عن مغريات السلطة والسياسة والجاه, ولا شك أنه حمل تراثاً روحياً عظيماص شفاهياً في تلك العصور, لكن تدوين هذا التراث حصل مع سيادة اللغة الآرامية في العالم القديم, وبذلك تمّ تدوينه بلهجة آرامية هي المندائية, وهنا تغير اسم هذا الشعب من الناصورائيين إلى المندائيين.
    إنّ دراسة دين الصابئة المندائيين مهمة جداً للبحث في العقائد الدينية الأخرى, فهي مهمة من حيث المكان والزمان والموضوع لأنها قديمة العلاقة بكل مكان تتعلق به سيرة الأديان الأخرى وبخاصة سيرة الخليل عليه السلام, ثمَّ لأنّ لغتها المقدسة تشير إلى زمان متوسط بين اللغات القديمة المهجورة واللغة الآرامية الحديثة, كما أنها ترينا ملتقى التوحيد القديم والوثنية القديمة, وقد نجد فيها الاصطدام بين هاتين العقيدتين فهي ليست ديانة وثنية ولا إيمان لها بالكواكب من جهة, ثمَّ لا خلاص مطلقاً فيها من بقايا الوثنية القديمة وتعظيم الكواكب.
     دراسة نحلة الصابئين وهي نحلة من نِحل الديانات الرافدينية الأصيلة والقديمة مهمة في دراسة الأديان على العموم, فالمندائيون طائفة عراقية قبل أن تكون أي شيء آخر, بل أنها كما تشير طقوسها صلة الحاضر بالماضي البابلي والأكدي والنبطي في العراق.
    إن الصابئة المندائيون في العراق اليوم هم بقايا طائفة دينية عاشت في هذه البقعة من العالم منذُ آلاف السنين, وهي الآن في طريقها إلى التطور الديني بسبب التحضر والتمدن فلا بد أن يبعدها كثيراً عن طقوسها وشعائرها الأولى, بسبب سكن المندائيين الحواضر وابتعدوا عن شواطئ الأنهار وتفرقوا في المدن طلباً للرزق وهاجروا البلاد بسبب الأحتراب الطائفي الذي مر به العراق ما بعد عام الاحتلال الأميركي 2003م, فضلاً عن دخول أبنائهم الوظائف الحكومية وترك مهنهم التي كان آباؤهم يجيدونها, وقد ابتعدوا كثيراً عن الصابئين الذين كانوا يمارسون شعائرهم بصورة بدائية كما كان يمارسها الأسلاف, فاستعاضوا في كثير من شعائرهم بالماء المعقم بدلاً من ماء النهر الجاري, وحلقوا شعور رؤوسهم وذقونهم, واتخذوا الزي العصري لباساً لهم كسائر الأقوام من حولهم تمشياً مع ظروف العصر, وامتزجوا مع المجتمع العراقي امتزاجاً كاملاً لم يعودوا يميزون فيه عمن حولهم بأي شيء.
   كما أن نصوصهم الدينية التي ما زال المندائيون يحتفظون بها تبرز التوحيد واضحاً في عقيدتهم, وتركز على الخلق والخالق وصراعات كينونة العوالم والعالم الآخر النوراني وحتمية العودة إليه, وتميزت طقوسهم الدينية وشعائرها التي ارتبطت بالماء والتعميد به يشكل طهارة للنفس والبدن, وكانت بداية التعميد للملاك «هيبل زيوا» وتعميد آدم وشيت وسام عليهم السلام. ولذلك تجد قربهم من الأنهار ومواقع وفرَّة المياه التي لم يبتعدوا عنها لأي سبب كي لا يتوقف عندهم الطقس الديني.
   يشير كتابهم المقدس «الكنزا ربّا» إلى أن المعرفة قد كشفت لآدم من الله الحي الأزلي, وهو الذي سجدت له الملائكة, بل كشفت له المعرفة وعُلَّم الأسماء, كما أن الطوفان لم يبق من البشرية إلا نوحاً وأولاده الثلاثة الذين تشكلت منهم دورة حياة جديدة, هم «سام وحام ويافت», ومن هؤلاء الثلاثة جاءت القبائل والشعوب وجاءت لغاتها.
   كما أن لغتهم المندائية يصنفها اللغويون بأنها واحدة من عائلة اللغة السامية, ويعدونها الفرع النقي للغة الآرامية الشرقية في بلاد الرافدين, التي اشتملت على الآرامية الشمالية لغة الآشوريين والآرامية الجنوبيى لغة البابليين. وإن وجود المندائيين سابق لظهور اللغة المندائية, وقد أكدت الحفريات التي تمت قرب مدينة الرِقَة في أعالي نهر الفرات وكذلك في جنوب العراق في أطلال تلّو تم العثور على عملات نقدية تحتوي كتابات تبين أنها قد كتبت بأبجدية اللغة المندائية, ومن خلال اسماء وصور الملوك الظاهرة في هذه النقود ومقابلتها مع مصادر المعلومات الرومانية واليونانية المتوافرة تبين أن تاريخ أقدم النقود التي تم العثور عليها لحد الآن إلى حوالي منتصف القرن الثاني قبل الميلاد, أي عام 165 ق.م كما ذكر ذلك الراحل عزيز سباهي في كتابه «أصول الصابئة ومعتقداتهم الدينية».
    أول بحث اهتم بديانة الصَّابئة صدر بالسويد عام 1691م, وأول كتاب ينشر بالعربية عن الدِّين المندائي هو «مندائي أو الصَّابئة الأقدمين» لعبد الحميد بن بكر أفندي عبادة (ت 1930), «طبعة الكتاب الأولى: بغداد, مطبعة الفرات 1927», كان الكتاب ملخص حوار أجراه عبد الحميد عبادة عام 1925 مع رئيس الصَّابئة المندائية «الشَّيخ كنزبرا دِخَيَّل بن عبدان» بالناصرية جنوب العراق يوم كان موظفاً هناك, ويذكر د. رشيد الخيون قال : «ولعلَّ عبادة أخذ نصوصاً كاملة من بحث (الصَّابئة عقائدهم وتقاليدهم) للباحث الدَّمشقي نقولا سيوفي (ت1901) وكان زار بغداد العام 1873, والتقى بأحد أولاد شيوخ الصَّابئة واسمه آدم, وصنف كتابه بالفرنسية العام 1880, واطلعنا على ترجمة لمواده بالعربية في مجلة (البيان) (1897), ومِن مقالات الكرملي, دون الإشارة إليهما. غاب كتاب عبد الحميد أفندي عبادة بعد صدور كتاب عبد الرَّزاق الحَسني (الصَّابئون في حاضرهم وماضيهم), الذي صدرت منه الطَّبعة الأولى (1931) والعاشرة (1980). لم يًعَد (كتاب مندائي) بعد وفاة مؤلفه (1930) أي بعد صدوره بثلاثة أعوام, والمفاجئ في الأمر أن الحسني. بعد الاستفادة من فكرة الكتاب, وموضوعه للكتابة والتأليف في الملل والنحل, اختطف الكثير من مقالة نقولا سيوفي ونصوص كتاب عبادة دون الإشارة, إلا في مكان لا علاقة لهُ بالنُّصوص الرَّئيسة المقتبسة, ولا يبرر لهُ انتحاله ذِكر الكتاب في ثبت المراجع, وكذلك فعل مع ما كتبه الأب الكرملي في (المشرق) البيروتية, فقد أخذ ما جناه الكرملي من الكتب القديمة مع تعليقاته عليها, فكتب: قال ابن خلدون وقال الآمدي وغيرهما, مع أنه جناها من مقالة الكرملي.. إن استولى الحسني على جهود عبادة والكرملي, فهو ذكرهما في ثبت المصادر, لكن الأكاديمي السوري ورئيس قسم الجغرافية بجامعة حلب محمد التَّنجي سطا على كتاب الحسني (اليزيديون في حاضرهم وماضيهم) ليجعله كاملاً, مع بعض التَّغييرات... ومثلما تعرض كتاب الحسني (اليزيديون...) للسطو, تعرضت كتب الليدي دراوور (الصَّابئة المندائيون) وكورت رودولف (النشوء والخلق في النصوص المندائية), وغضبان الرومي (الصَّابئة) من قبل العراقي محمد الجزائري في (المندائيون الصَّابئة)»([1]).   
   هذه المقدمة هي لكتابي المقبل تاريخ الصَّابئة المندائيون في العراق «أصولهم ومعتقداتهم» الذي أوشكت على إنجازة وهو قيد المراجعة اللغوية والطباعية, اتمنى أن يروق للقراء والمهتمين بتاريخ ومعتقدات الصابئة المندائيون في العراق الدينية. الكتاب يتضمن (13) فصلاً ومن القطع الوزير الذي تجاوز (500) صفحة من الحجم الوزيري.


________________________________________
[1] الخيون. رشيد. الدِّيانة المندائية كع الصَّابئة المندائيين في فقه وتاريخ الإسلام. دار مدارك للنشر والتوزيع. الرياض. ط3. نوفمبر 2015. ص13/14؛ الشرق الأوسط 18 ديسمبر كانون الأول 2001.

14
ذكريات على شواطئ البحر الأسود للدكتور نصير الحسيني

نبيل عبد الأمير الربيعي
يستذكر الدكتور نصير الحسيني صديقه خلف السوداني وذكرياته معه في اوكرانيا فترة الدراسة الجامعية، الرواية سياحة في التاريخ والجغرافية والأدب.
فهو عمل إبداعي وقد أكرمني الدكتور الحسيني بنسخة من الكتاب للاطلاع عليها. فشدني وجذبني إليه بأسلوبه الفني لمتابعة نضج فكرته وبروز معالمه.
يقدم الدكتور الحسيني عملاً ادبياً ابداعياً على شاكلة رواية، محوره عمل مذكرات أدبي لصديقه خلف السوداني، الرواية هي رسالة تعتبر من اجمل روايات الأدب والرحلات الجغرافية والتاريخية، وتتجلى فكرة عمله الإبداعي في ذلك الحوار الغني الممتع بين بطل الرواية الذي جمع بين الشعر واللغة والجغرافية والتاريخ والسياسة.
وبهذا الأسلوب الابداعي يقدم الحسيني فرصة كبيرة للقراء للاطلاع على السيرة الذاتية لصديقه خلف الذي عاش بين السودان وأوكرانيا طالباً ثم مستثمراً ثم تاجراً، الرواية لها طابع جديد ومعاصر في المحاورة التي يركز عليها الحسيني في موضوعاته التي يتناولها بين قيمة اللغة والوطن والمرأة والزواج والسفر والعمل والسياسة، في وقت نحتاج فيه لإستذكار ما يشد عزيمتنا ويفرج همّنا ونبني عليه نظرات مستقبلية، لنرى خيال طيف تسلل إلى بيت خلف السوداني، وتبادل معه الحديث والتساؤل، لننهل من معين المعرفة والجمال وسمو العقل والنزاهة والتفكير وعفَّة النفس في سبيل المحافظة على كرامته لترضى بالقليل.
تتجلى شخصية خلف ودور رواية الحسيني التحليلية والنقدية التي يظهر فيها عمق غوصها في أمهات الروايات وقراءتها لها قراءة استمتاع واستفادة، وحرصه على نشر ثقافة وتاريخ السودان وأوكرانيا.
مَن يتصفح الرواية سيدور في الزمن بين الماضي والحاضر، ويرى احداثاً مؤثرة، ويتوقف عند شخصيات لامعة، ويستمتع بقراءة أدبية تاريخية تأملية ممتعة مع الشخصية الرئيسة التي تدور حولها الرواية.

15
قراءة في كتاب أ. د. علي الربيعي (يهود العراق وَجهُودهم في فضاءِ المسرح)
نبيل عبد الأمير الربيعي

     صدر أخيراً للأستاذ الدكتور علي محمد هادي الربيعي كتابه الموسوم موضوع البحث (يهود العراق وَجهُودهم غي فضاءِ المسرح) الصادر عن مؤسسة الصادق الثقافية للنشر والتوزيع في بابل بمشاركة دار صفاء للنشر والتوزيع في عمان / الأردن هذا العام, ويقع الكتاب في (456) صفحة من الحجم الوزيري ذات الطباعة الراقية الخالية من الأخطاء اللغوية والمطبعية, أما الغلاف فقد أختاره الدكتور للوحة جميلة رائعة تعبر عن أهمية المسرح العراقي على مر العصور, وهو الكتاب الثالث والعشرون للمؤلف. وقد ذكر الدكتور الربيعي في كتابه ص16 قائلاً :"هي رحلة ذللَّ صعوبتها انتمائنا وعشقنا إلى هذا النهج الذي سرنا ونسير في جادته ألاّ وهو نهج إعادة كتابة تاريخ المسرح العراقي وفق صياغات علمية واكاديمية بعيدة عن الأهواء الذاتية والأمزجة المتلونة والروايات الشفاهية التي حرّفت الكثير من آثار المسرح العراقي".
    عند متابعتنا منذُ أكثر من عقدين من الزمن نجد أن المنجز الإبداعي للأقليات ظلَّ هامشياً بسبب الكثير من العوامل السياسية والثقافية, كما كان للعزلة المفروضة أكبر الانعكاسات على بقاء إنجازاتهم بعيدة عن دائرة النقد والمتابعة البسيطة. فضلاً عن أن الأدباء والشعراء والمثقفون والفنانون من أبناء الديانة اليهودية يتمتعون بتاريخ ثقافي مهم, وكان للشعر والقصة والرواية تحققات واضحة, والمسرح كان أكثر الانجازات وضوحاً وإثارة للدهشة بسبب ما للمدارس والمنتديات الأدبية اليهودية من دور في دعم هذا الجانب, على رغم وجود أسماء كُتاب مهمين في مجال النص المسرحي, لكن الواقع السياسي العراقي أبان العقود الست الماضية ساعدَ على مغادرتهم العراق ومخاوف النقاد من تسليط الضوء على دورهم في مجال الفن والنص المسرحي في الحقبة الزمنية السابقة.
    لكن ظلَّت هذه الأقلية من الديانة اليهودية فاعلة منذُ تشكلات الحضارة العراقية القديمة وحتى فترة تأسيس الدولة العراقية الحديثة, ولا يستطيع أحدٌ منا نكران دورهم الفاعل في المجالات الثقافية والتأسيسية, لكن واجه الأدباء اليهود التعامل المجحف بحقهم بعيداً عن هويتهم العراقية, وجرى تذويب تدريجي لهم وسط الثقافة العراقية.
يكاد الكاتب والباحث الأستاذ الدكتور علي محمد هادي الربيعي يجعل جهده البحثي مقصوراً على الأدب المسرحي العراقي, فضلاً على كتابات ثرَّه وانيقة نشرت في المجلات والصحف العراقية في مجالات ثقافية مختلفة.
     لقد امتاز الربيعي بأسلوب جميل في البحث والكتابة, ولغة رشيقة أنيقة, تحلق بك في أجواء جميلة, وتنقلك من هذا الواقع الحياتي المؤلم, إنه يكتب برومانسية حالمة, تجعلك تجد في الحياة بعض ما تستحق أن يعيش من أجلها الإنسان واضعين في الحسبان قساوة الظروف, وانهيار القيّم النبيلة وتصدعها, وأثر الخيبات الحياتية, والانتكاسات التي مني بها المجتمع العراقي, إنّ لغة الربيعي الأنيقة والرومانسية جاءت نتيجة قراءاته المعمقة في كتب التاريخ والأدب المسرحي ومصادره, فضلاً على روحه الرهيفة الشفيفة الحالمة.
   الكتاب تضمن مقدمة وسبعة فصول وملحق مع تزويد الكتاب بصور مهمة من الأدباء والنقاد المسرحيين, ضمّ الفصلُ الأوّلَ عرضاً مختصراً لجهود اليهود في نشأة العراق الحديث العراق, ودورهم المائز واسهاماتهم الأولى في مجال النشاط المسرحي.
 أما الفصل الثاني فقد سلَّط الضوء الربيعي على العروض المسرحية متخذاً من الصحف العراقية مصدراً لذلك لكونها صادقة في النشر والتوثيق والتأريخ لصدور هذه العروض والحفاظ على أخبارها, إلاّ أن الدكتور الربيعي يؤكد على أن هذه الصحف قد أهملت أشخاص المسرحيات من الممثلين والمخرجين والتقنيين, وإنما اكتفى كُتابها بإيراد الخبر الصحفي فقط, الأمر الذي فوَّت على الكتّاب والنقّاد والمهتمين بهذا الجانب ادراج الأسماء المهمة ضمن السرد المسرحي العراقي, وهذا الأمر يسري على عموم الأخبار التي اهتمت بالعروض المسرحية العراقية في تلك الحقبة الزمنية. ففي ص53 ذكر الدكتور الربيعي قائلاً :"عرف اليهود المسرح كما عرفته الطوائف والديانات الأخريات في العراق في القرن التاسع عشر إلاّ أنهم لم يمارسوه إلاّ مع طلائع القرن العشرين, ونحسب أن عوامل ثلاثة رئيسة تقف خلف هذا التأخر أولهما عدم تبني رجال الدين اليهود للمسرح مبكراً, فقد ورثوا عن أسلافهم من رجال الدين إكراههم لهذا النشاط وتباغضهم له... فإن اليهود ومؤسساتهم التعليمية استشعروا أهمية المسرح ووجدوا فيه سبيلاً لتمرير غايات معينة, وبدأوا يمارسونه في مدارسهم وجمعياتهم مع بداية القرن العشرين", بعدما وجدت فيه فوائد ترفيهية وتربوية على حدٍ سواء. لكن الدكتور الربيعي قد دون في كتابه هذا أسماء كُتابها في هوامش متن الكتاب اعتماداً على قراءات العروض المسرحية, منها دور الفرق المدرسية التي كانت تتبارى في تقديم المسرحيات في جميع المدارس اليهودية في العاصمة بغداد وبقية المحافظات. لكن في ص55 يذكر الدكتور الربيعي في كتابه قائلاً :"قبيل الحرب العالمية الأولى نظَمَ خضوري شهرباني فرقة يهودية تُعنى بالنشاط المسرحي في مدينة البصرة وقدمت عروضها المسرحية باللغة العربية", لكن بعد عشرينيات القرن العشرين كان القائمون على المسرح من مخرجين وممثلين يحرصون على عرض مسرحياتهم أمام العامة في بغداد وأن عدداً من اليهود انتسب إلى الفرق المسرحية العراقية أمثال كرجي كاشي ومنشي صالح وحسقيل قطّان ومير الياهو والياهو سميرة. حتى بدأ يهود العراق ومؤسساتهم التوجه نحو المسرحيات العالمية والعربية, ففي ص56 يؤكد الدكتور الربيعي قائلاً :"وهذه المزية التي بانت عليها المسرحيات المقدمة لم ينفرد بها المسرح اليهودي فحسب, بل أنّ المسرح المسيحي في العراق حاز المزية نفسها". أما في مجال الفرجة المسرحية فيذكر الدكتور الربيعي قائلاً في ص58 :"أول خبر موثق عن عرض مسرحي يهودي في العراق هو الخبر الذي يشير إلى ما قدمه طلاب (مدرسة الأليانس) في بغداد في يوم الرابع عشر من شهر ايار سنة 1910م من مسرحيتين إحداهما باللغة العربية والأخرى باللغة الفرنسية", وفي هذا الفصل هناك سرد موثق لتاريخ المسرحيات معتمداً الدكتور الربيعي على مصادر الصحف والمجلات ومنها (صدى بابل, المفيد, الاستقلال, الأوقات البغدادية, الأهالي, صوت الشعب, الوقائع العراقية, الحضارة, البلاد, مجلة الزهراء, مجلة المصباح, مجلة الحاصد).
 كان للمدارس والجمعيات الخيرية الدور الكبير في دعم المسرح منها (الجمعية الأدبية الإسرائيلية, جمعية الشبيبة الإسرائيلية, مدرسة صالح ساسون دانيال, المدرسة الوطنية, مدرسة الأليانس, مدرسة فردوس الأولاد, مكتبة النشئ العراقي, مكتبة التقدم الإسرائيلية, مدرسة هارون صالح, مدرسة هارون شوحيط الإسرائيلية, مدرسة صالح ساسون دانييل, مدرسة لورا خضوري, المدرسة الإسرائيلية الأهلية في الناصرية, مدرسة مناحيم دانيال, مدرسة الأليانس في البصرة, جمعية التعاون, مدرسة شماش, مدرسة منشي صالح في بغداد, مدرسة البنات الإسرائيلية في البصرة, مدرسة منشي صالح, مدرسة راحيل شحمون, مدرسة مسعودة شمطوب), وقد ذكر الدكتور الربيعي المدارس والنصوص المسرحية وعنواينها حسب تاريخ النشر في الصحف والمجلات.
     ضمَّ الفصل الثالث من الكتاب دور الأدباء اليهود في مجال النقد المسرحي من خلال المقالات التي نُشرت في الصحف العراقية وهي لا تتجاوز الأربعة مقالات نقدية, يذكر الدكتور الربيعي في ص157 قائلاً :"بدأ القائمون على الصحف من المتذوقين والمريدين للفن والأدب باستقطاب تلك الأقلام التي بدأت تَخُطُّ كلماتها الناقدة في مجال الشِّعر والقصة والمسرحية وحتى في السينما. وحفظت لنا الصحف العراقية العديد من تلك المقالات النقدية التي تعد إرثاً أدبياً وفنياً مهماً في مسرد النقدية العراقية", كان للدوريات الدور في المقالات النقدية المسرحية التي كتبها بعض الأدباء فمنها نقودات أو تأثيرات نقدية تخضع لمزاج راصفها, ومن هؤلاء النقاد في العراق الراحل عزرا حداد وسلمان شينا وشالوم درويش واسترينه إبراهيم, وقد سلط الدكور الربيعي الضوء على هؤلاء النقاد والأدباء في كتابه هذا, كما ساهم الدكتور الربيعي بنشرها بوصفها جهود مبكرة في تاريخ النقدية العراقية.
     واحتوى الفصل الرابع مقالات صحفية كتبها خمسة أدباء يهود في موضوعات فنون المسرح, المقالات تزدان رصانة وأهمية في مجال المسرح, ويذكر الدكتور الربيعي في ص253 حول اهتمام الأدباء اليهود في مجال الكتابة في مجالات المقالات المسرحية قائلاً :"وبدأت الأقلام تتزاحم في الكتابة والصحافة وتنشر, ومن الذين كتبوا في هذا المنحى الأدباء اليهود. وخلال بحثنا في عموم ما وقع في أيدينا من كتابات ودراسات في فنون المسرح سواء المترجمة منها أو المؤلفة". وقد سلط الضوء الدكتور الربيعي على خمس من الأدباء الذين كتبوا في مجال المقالات الصحفية في مجال الفن المسرحي هم كلٍ من (سلمان شينا, شاؤل حداد, شالوم درويش, أنور شاؤل, يعقوب بلبول), كما سلط الضوء الدكتور الربيعي على نصوص مقالاتهم واسهاماتهم في مجال النقد والترجمة المسرحية.
     واختص الفصل الخامس بنسخٍ ونشر لثلاث مسرحيات ألفها الأدباء العراقيون اليهود, التي تجسد الواقع المعيشي بنظرة الكاتب. ويؤكد الدكتور الربيعي في ص295 على دور يهود العراق في التأليف المسرحي قائلاً :"بعد رحلةٍ شاقةٍ في البحث والتقصي والتنقيب عن النصوص المسرحية التي كتبها مؤلفون يهود عراقيون, وملاحقة فهارس المطبوعات والمنشورات الخاصة بالمؤلفات العراقية, توصلنا إلى عنوانات سبع مسرحيات أُلفت بأقلام أدباء يهود وهي مسرحية (الإخلاص والخيانة) لمؤلفها سلمان يعقوب درويش... ومسرحية (شهامة العرب) لمؤلفها نسيم ملول.. ومسرحية (التضحية) لمؤلفها الياهو خضوري.. وأربع مسرحيات ألفها الأديب شالوم درويش ونشرها كلها في مجلة الحاصد". وهذه المائزة لم تكن قد تفشت في المسرحية العراقية في ذلك الوقت, فموضوعاتها تدور حول المرأة وتطلعاتها, وقد نشر الدكتور الربيعي نصوصها في كتابه هذا عدا بعض النصوص المفقودة للراحل شالوم درويش.
    واهتم الفصل السادس بخمس حكايات مسرحية كتبها ثلاثة أدباء يهود, أفادوا من تقانة القص المسرحي ونشرها في الصحافة وذلك الوقت. وقد ذكر الدكتور الربيعي في كتابه ص325 قائلاً :"استشرت ظاهرة حسنة بين المعنيين بالشأن المسرحي في العراق مع بداية ثلاثينيات القرن العشرين تقوم على ملاحقة العروض المسرحية أو النصوص المسرحية المطبوعة والمنشورة ومن ثم استعراضها على صفحات الصحف العراقية". وبسبب تمتع الأدب القصصي في تلك الحقبة بمقبولية كبيرة عند القارئ العراقي وجد المستعرضون فرصة تمرير تلك المسرحيات, أمثال شالوم درويش وأنور شاؤل ومير حداد, هؤلاء الذين نهضوا بالقص المسرحي ونشرها في الصحافة, وقد ذكر الدكتور الربيعي في كتابه هذا تلك المقالات في القص المسرحي التي نشرت في مجلة الحاصد وقتذاك.
    وحَملَ الفصل السابع والأخير بنسخ النصوص المسرحية المترجمة من قبل الأدباء اليهود كما وردا في المطبوعات ومنهم الراحل أنور شاؤل ونص مسرحية (وليم تل) للكاتب الإنكليزي شريدان, والنص الثاني لمسرحية (موسى) للكاتب الأمريكي لورانس لانجار, وختم الكتاب بملحق حمل أسماء القصاصين اليهود ومجهوداتهم القصصية وموارد نشرها.
   لكن بكتاب الدكتور علي محمد هادي الربيعي هذا قد سلَّط الضوء على دور الأدباء والمثقفين اليهود في مجال الثقافة والأدب والمسرح, هؤلاء كانوا معاً قد تنوعت هويتنا الوطنية, وحتماً سنفضي هذه القراءات نحو تبادل للحوار الثقافي لمعرفة بعضنا البعض الآخر.
    اسند الكاتب والباحث الربيعي لدعم كتابه بوثائق مصورة لصور الأدباء والصحفيين المهتمين بالنص والمقالة المسرحية, ولصور صحف نشرت خبر المسرحيات والقص النقدية في ذاك الوقت. الكتاب وثائقي جميل يدل على أصالة محتد, ووفاء يجعلنا نتوسم الخير في كاتب وباحث سيخلف ويواصل الدرب من بعد الجيل الذي سبقه.  لا اظن أحداً من مجايليه وأقرانه سبقه في تقديم هذا الجهد المعرفي المهم الذي أمتد على أربعمائة وستة وخمسين صفحة مزيَّنة بالرسوم والتخطيطات التوضيحية, وقد شيَّد مادته على سبعة وثلاثين مرجعاً ومصدراً تعارف الملأ الثقافي على رصانتها ودقة مضامينها, ولا شك أن الأستاذ الدكتور علي محمد هادي الربيعي قد بذل جهداً كبيراً وفق منهج بحث أكاديمي في عرض موضوعته في مؤلفه (يهود العراق وجهودهم في فضاء المسرح) مما جعلنا كعراقيين وبابليين نعتز بهذا الأرث الحضاري المجيد الذي أرسى أسسه امتداد العصور السحيقة حتى يومنا الراهن, وبذا فإن (يهود العراق وجهودهم في فضاء المسرح) فتحت لنا آفاقاً واسعة في معرفة ما انجزه ابن هذه الأرض وجسد بأفكاره وراءه معطيات التأسيس الأولى في مجال التأليف والفرجة المسرحية وجهود يهود العراق في مجال النقد المسرحي, وجهودهم في كتابة المقالات المسرحية والتاليف والقص المسرحي والترجمة, وما قدمه الربيعي في هذا الجهد ليس منقطعاً عن سلسلة اصداراته.


16
سعدي الحلي الحنجرة النازفة
نبيل عبد الأمير الربيعي
 
  ظاهرة الاستهزاء والثأر من الآخرين كانت مستشرية في حقبة ثمانينات القرن الماضي وفترة الحرب العراقية الإيرانية, فحينما يكون الفرد متألماً فأنهُ يبل بإنزال الألم بالآخر عن طريق تسليات رخيصة, وهو عبارة عن رغبة بالثأر كي يطفأ الشعور بالهزيمة والهوان في معركة غير متكافأة بينه وبين الآخر. فضلاً عن من يُستهزأ به هو صاحب الحنجرة النازفة الفنان سعدي الحلي, صاحب الأغاني التي تخلق إحساساً مفعماً بالطرب التي يترنم بها السائر بمفرده.
   عن دار سطور في بغداد صدر للكاتب رياض رمزي كتابه الموسوم (سعدي الحلي الحنجرة النازفة) الكتاب يقع بـ(142) صفحة من الحجم المتوسط, ذات طباعة راقية ونوع الورق شامو, تم تبويب الكتاب على شكل مقالات منفردة, البعض منها يحل ظاهرة الفنان الغنائي الراقي سعدي الحلي وظاهرة الإذاء والسخرية من هذا الفنان, وبعض المقالات عبارة عن تحليل لظواهر غنائية أخرى منها صوت الراحلة زهور حسين.
   فكرة الكتاب جاءت من خلال مساحات السخرية التي لاحقت الفنان سعدي الحلي, فكان ردّ الكاتب رمزي بتحليل هذه الظاهرة والتساؤل لماذا كان المستهدف في تلك الحقبة الفنان سعدي الحلي, فقد كانت لظاهرة حضيري أبو عزيز التي سبقته وكانت لها الدور في حقبة الخمسينيات والستينيات ولم ينل منهُ لا المثقفين ولا السلطة فضلاً عن دوره بالغناء والتغزل بالمذكر. لكنهم حصلوا على الدعم من شخصيات نافذة في السلطة وبتوجيهها نحو بريء كي يعجّلوا من خروج أحقادهم وغضبهم الذي لا طاقة له وانهزاميتهم في الحروب, ونبذهم من قبل المجتمع العراقي, فكان التعبير عن فشلهم بالإذاء علانية وتحويل سخريتهم من الفنان سعدي الحلي وفق وضعهم التراجيدي للكوميدي الساخر ليخفّفوا من وقعها المميت عليهم, عن طريق إيجاد من يكون موضع تندّر من قبلهم.
    ندعوا إلى دراسة ظاهرة سعدي الحلي, فهو ساحة مركزية تتفرع منها طرق شخصية ووطنية, علينا أن لا نتوانى عن التذكير بمسرة هذا الشخص, وألاّ نخلد للصمت إزاء حالة لم تُخترع فيها كذبة إلاّ وألصقت به, مسببة قدراً كبيراً من التعاسة له ومانحة الارتياح لمن قالها.
    يتمثل انجازه الغنائي بإدخال كلمات لم تكن تستخدم سابقاً, وبخاصة أغنية (بوسة من وجنتك) التي تمثل رجلاً يعلن حبه لفتى على الملأ, فالمؤلف كتبها بطريقة تُشم منها رائحة غزل خليع ومجبّب, المطرب سعدي الحلي تميز بفن غنائي يغني الحياة الفردية ويمزج الاستفزاز بالظُّرف, لكن التشويه الذي تعرّض له سعدي يكشف مقدار تردي المواطن في تلك الفترة, مقدار التدمير الذي تعرض له, سعدي الذي لامست أغانيه عواطف الكثيرين بسبب جمال الأداء الذي جعل حضوره الشعبي مرغوباً ولافتاً للنظر, يتمتع الأداء برخامة صوت أجش ورجولي, يعكس غماً مزمناً يرتع في صدره, فكان يخرجه على شكل نواح وآهات.
    وفي مرحلة الحرب العراقية الإيرانية كانت الحياة اليومية خانقة للفرد العراقي, فوجد الجمهور نفسه مشغولاً بتسلية رخيصة, فيذكر رمزي في صفحة 20 قائلاً : "نعني بها الوباء الذي أصاب شريحة واسعة من الجمهور وأسمهُ وباء سعدي الحلي. إبتذال جعل جمهوراً واسعاً يندفع للوقوع فريسة هذا الوباء, لا أحد يعرف حجم المصابين به في ذلك الوقت. جمهور غمره استبشار بحمل فيروس ذلك الوباء الذي مسّ الجميع تقريباً. أليس من الجدير بصنّاع الفكر أن يقوموا بتحليل أسبابه وسرعة انتشاره في تلك الفترة العصيبة من تاريخ البلاد, ليكون لدى المواطن العادي فهم أفضل لما حدث"(1)؟
    لوباء السخرية تعقيدات كانت لسلطة البعث في انتشاره, للتقليل من ضغوطات الحروب على نفسية المجتمع العراقي, ولتحليل أسباب ظاهرة هذا الوباء لا بد من عمل ميداني لجمع (النكات) بغية دراستها وتحليل مضامينها وتحديد الخلفية الثقافية التي روجت لها وقامت بإنتاجها. ومن المسؤول عن هذا الأفراط من السخرية بحق الفنان سعدي الحلي؟ بدلاً من توجيه النكات اللاذعة لشخوص السلطة ودونيتها.
    فقد تعرض الفنان سعدي الحلي في تلك الحقبة وما بعدها من أذى نفسي وشخصي بالغ بسبب المكانة الفنية لهذا الفنان, والشعبية التي حصل عليها داخل وخارج الوطن, لكن الكاتب رمزي يؤكد قائلاً في صفحة 12 : "الواقع الذي عاشه المطرب فرض عليّ كي يستقيم السرد, مطالب ضرورية. لكني لم ألجأ إلى طريقة معالجة أسنان منخورة بتلبيسها بالذهب, بل ركزتُ جهدي على عدم التدخل في تغيير خط سير واقع رسمته حروب وانتهاكات يومية متواصلة وجسيمة لمواطنين أبهضتهم تكاليفها, نكّلت بعقولهم التي لم تجد في نفسها القدرة على التحليل ناهيك عن المقاومة".
    إذن هو بحث في سلوك جمهور سُلّط على غالبيته قمع غير مسبوق وموت مجاني في حروب القائد الضرورة العبثية, لذلك يحلل الكاتب رمزي ظاهرة السخرية قائلاً في ص22 :"فلم يعودوا قادرين على معرفة الفرق بين السخرية المرّة والمزاح المريح, فانغمسوا في أفعال فيها مستوى عالٍ من قسوة, طيش, غياب الرحمة, غلظة في المشاعر, وقلة أو انعدام مطلق للرقة".
   كان للكبت الجماهيري خلال الحرب الدور في البحث من قبل السلطة والجماهير إلى منفذ لتفريغه وليتم التنفيس عنهُ, كما حدثَ مع الفنان سعدي الحلي, بدلاً من توجيه الاتهام والسخرية نحو مؤسسات النظام وطريقة الحكم العبثي الأرعن. فكان الفنان سعدي الحلي ضحية سُلط عليها الظلم نتيجة هوى السلطة, ونزوة أو مكيدة ابتدعتها للتأقلم مع المحنة. لكن أغاني سعدي قد حفرت غضوناً في الوجدان العراقي, يذكر الكاتب رمزي في صفحة 24 قائلاً :"أحطتُ بمعارف عنهُ من خلال جو الأغاني وكلماتها وطريقة أدائه. أدركت أن الذوبان في الموضوع يحل اللغز. منحتني تلك الأغاني نوعاً من الاستنارة بشخصيته, جعلته ينال استحقاقه من الاهتمام. حاولت فك شفرة طريقة تعامل أفراد من الجمهور معه, الذين أسميتهم عواما".
    لكن من أسباب السخرية وانتاج النكتة الذكورية بحق الفنان سعدي الحلي تعود في جزء منها أنه الحلقة الأدنى في سلم المواجهة مع النظام البعثي وحروبه العبثية, وهي حالة الخوف والفزع والمعاناة التي تمتلك البعض, فأفضل خدمة تقدمها السلطة المتقاعسة عن المواجهة تتمثل في إسقاطها على الغير الأكثر ضعفاً.
   كان سعدي يمتلك قدرة جماهيرية لدرجة كان بوسعه أن يكون نجماً يتربع على الموقع الأول في الأحاديث والمزح اليومية, مع أن جلّ ما فعله هو الغناء! فشق طريقه عنوة وصار الأكثر تداولاً ربما في المرتبة الثانية بعد حاكم العراق. فكان لجمهوره العريض الانتشار قدر قد يمنحه حضوراً اكبر من الطاغية, فحققت أغانيه انجذاباً من قبل الجمهور.
     يذكر الكاتب رمزي في صفحة 26 من الكتاب قائلاً :"لا شك أن المؤلف من وضع الكلمات وليس المطرب, فهل يصح توجيه دفّة اللوم نحو المطرب؟. نعم عندما يجد الشاعر حرجاً في الإفصاح عن دخيلته فأنه يعلنها على لسان المطرب نيابة عنهُ. يجد المؤلف والملحن ضالتيهما في مطرب ييسّر لهما الكلمة واللحن: يتخيلون صوته, سمعته, علاقة الجمهور به فيستحضرون حضوره, فيجدون نفسيهما منقادين لشخصه, فتأتيهم كلمات وألحان تمتان بصلة قرابة لهُ".
  كما يعقب الكاتب رمزي في صفحة 29 قائلاً :"لكتابة نص عن سعدي الحلي لا نحتاج لمعرفة مكان ولادته ومثواه. من يسعى لعمل ناجز عنه عليه الاكتفاء بالفترة بين ولادته وموته: الفترة التي أضيئت بلمع وميض حياته".
    تقديم دراسة وافية عن ظاهرة سعدي الحلي تستحق الالتفات لها عندما تعمرها الورود بروائحها ونشاطها حين تزهر, وتنتهي عندما تنحسر قواها ويصبح أريجها شحيحاً, فالفنان سعدي الحلي حقق انجازاً فنياً مستحقاً, لكنه لم يرفل بنعمائه, بل كان بادرة شؤم عليه, هو ليس نجاحاً ما دام هذا النجاح أورثه أذى لا طاقة له على تحمل وزرها, نجاح استفحل أذاه وبات مصدر رعبٍ لهُ ومدعاة حيرة بنفس الوقت. فعلينا أن نسعى لاسترداد نستعيد به مرتبته بين العظام من الفنان في البلاد, حاله حال أي فرد تعرض طوال حياته إلى سوء حظ ونكد رافقاه وكأنه جاء إلى هذه الدنيا بدون موافقة من الخالق الذي لم يستطع مسك مزاج غضب السلطات عليه, جراء عقوق مورس بحق مهنته.
   الكاتب من خلال كتابه هذا يذكر قائلاً في صفحة 32 :"يسعى الكتاب لفهم سبب استشراء وباء النكت الذي عم البلاد في وقت كانت تخوض فيه واحدة من أشرس الحروب في العصر الحديث... وبنفس الوقت محاولة لرد الاعتبار لمطرب كبير ما أحوجنا أن نتفوه باعتذار له عن طريق تخليصه من حيف سبب له مرارات, لكي يستنير تراثه وتظهر حقيقته كمطرب كبير".
   الكاتب رمزي من خلال كتابه هذا درس أسباب وتحليل سلوك مجموعة غير قليلة من الأفراد نحو مبدع كسعدي الحلي وإلصاق ما لا يليق به من مطاعن. ففي صفحة 34 يذكر الكاتب قائلاً :"هو في جوهره وضع اليد على نوعية العقل الذي أنتج ذلك السلوك. تفكيكه ومعرفة أسبابه, هو فعل نقدي هدفه فهم ما حدث ومعرفة المعايير التي تستند عليها مرجعيات الجمهور الأخلاقية. حين نفهم ما حدث في الماضي لمبدع هو ثروة وطنية, سنفهم ما يحدث الآن من سلوك تدميري تجاه ثروات الوطن".
   لذلك بالإمكان للمختصين تفكيك السلوكيات الماضية لإعادة تحليل ما حدث, عسى أن يضطلع من هو أكثر كفاءة في التصدي لمشاكل الماضي والأسباب الحقيقية للإساءة من الفانان سعدي الحلي. فالأفراد في مجتمع يقوده جهلة مستبدون منخرطون في حروب في الداخل والخارج يتحولون إلى ما يشبه أشجاراً تختار لنفسها قامات قصيرة تفادياً لمواجهة الحر والعواصف, بسبب ارتفاع درجة الحرارة وشدة الرياح, وما يجلباه من جدبٍ وجفافٍ وموت.
   في بعض الأحيان تتلبس العقل عافية ظاهرية حين يبحث عن متعٍ تريحه, كأن ينفق وقته على نكات ومزح توفّر لهُ سروراً مفتعلاً خاصة عندما لا يطاله جرّئها القصاص, ولا تحدث له بسببها مضاعفات. يؤكد الكاتب رمزي في صفحة 35 قائلاً :"مزحٌ تجد ضالتها في مبدع وفنان, وبسلوك يشبه من يحصل على راحة من تمزيق ملصقات السينما الجميلة أو رميها في الوحل... اندفع الفرد في البحث عن مصادر للترويح عن النفس, في ظل غياب منافذ لتصريف كبته وكي لا تتعرض عافيته النفسية لاختلال فتكون حدود عقله مفتوحة على الجنون, تم النظر إلى الآخر كمصدر للتسلية".
    ما يثير الأسى أن السخرية اتخذت منحى شاذاً وشهوانياً, والأسوأ أن التعرض للآخر هو ابداع رخيص في جوهره, الأمر له علاقة بتغيّر حساسية الفرد التي تنجم عن عدم رضى عن حياته, حين يصبح مجبراً على تقبل الإساءة حتى إن لم يكن يمارسها فهو لا يدينها. ثم يتساءل الكاتب رمزي في كتابه صفحة 37 قائلاً :"من أين جاءت, في ظل خرابٍ وموتٍ مجاني, هذه القريحة وهذا الهوس في التأليف الهابط للنكات؟ لا تشي طبيعة وجوهر تلك النكات بوجود عقل مخطط أو إكراه في فعل ذلك. يشبه الأمر حالة أولئك الأطفال الذين يصفقون مبتهجين لسماع دوي صفارات الإنذار في نفس اللحظة التي يموت فيها أخوانهم وآبائهم في ساحات القتال".
   في مجتمع يخضع لحروب متواصلة ولنزاعات داخلية تتحول القيم الحارسة للمجتمع إلى سورٍ متداعٍ, فتدهمُ المجتمع ممارسات مفرّغة من القيم, لا تمتلك بعداً إنسانياً. بما أن الموارد اللغوية الشحيحة لا تنتج فكراً, يتم التركيز على الآخر والسخرية منه, فهو ليس سوى قصور وإعاقة فكرية مصدرهما الفقر الفكري والخيبات وعدم القدرة على المواجهة, ففي صفحة 38 من الكتاب يذكر رمزي قائلاً :"لم يكن النظام من هندس وخطط لذلك الوباء, بل هو من سمح وغضّ النظر عن انتشاره, لإدخال سرور في مجتمع تحكمه قوانين السأم, ولا يوجد فيه ما يشيع السرور, مما سمح للممارسات لا تحتكم لقوانين أخلاقية تحكم العلاقة بين الأفراد".
    انتشرت ظاهرة الإساءة للفنان سعدي الحلي في ظل حكم بلغ ترديه درجة بات معها موت الفرد فعلاً عادياً, وأجهزة الدولة التي كانت تراقب كل نأمة سمحت لهذا الوباء بالاستشراء كوسيلة لتسكين الروع بتوجيه النظر صوب سيل من النكات هدفها تسلية هابطة بحق الفنان سعدي, أشبه بترياق مسكر يخفف الألم, ويجلب انعتاقاً يجرد العقل من تحديد من تقع عليه الإدانة فيما يحدث. ففي صفحة 42 من الكتاب يذكر الكاتب رمزي قائلاً :"نحاول هنا رد اعتبار وكذلك تحسين طرق التعامل مع الآخر, محاربة السلوك المتردي المتمثل في جعل الآخرين موضع سخرية وازدراء يتسببان في شقاء من يقع ضحية لذلك السلوك... في الفترة التي سبقت وأعقبت الحرب عاشت الأغلبية تحت ظل خوف راح يتصاعد وتتفاقم تأثيراته عليها... لهذا السبب باتت السخرية السوداء اتجاهاً فاعلاً في الثقافة الشعبية. تنامي القدرات الساخرة التي تفجرت, جعلت الجمهور يعجب من إمكانياته على التأليف".
    لا بد من دراسة بنية النكات والمزاح والسخرية بحق سعدي الحلي وتفكيك مراميها والواقع المختفي فيها الذي تم التعبير عنه من خلال النكات, الإسفاف والبذاءات التي لا بد من كشف معناها الأعمق, فضلاً أن سعدي منح القدر من جماهيرية لدرجة كان بوسعه أن يكون نجماً يتربع على الموقع الأول في الأحاديث والمزح اليومية مع أن جلّ ما فعله هو الغناء.
   ففي صفحة 52 وما بعدها يذكر الكاتب رمزي حول صوت المطرب سعدي قائلاً :"حفرت فترة الحرمان في صوت مطربنا جواً يشبه غروباً كئيباً يطبق على الجو, تحلّ في ذهن السامع إشراقة مفاجئة تفتح العواطف على كامل كداها, فيجيء الغناء الحزين معبّراً عن تاريخ هو أشبه بتنور أوجر طوال الوقت... مطرب لم يكن من سعيه تسلية البشر بل صدمهم وزيادة بلواهم عن طريق ترتيل كلمة من حرفين (آه) لا تجدي كتابتها, بل لا بد سماعها كي تتملك سامعها رعدة فتغدو عميقة الغور فيه... كي يعبروا عما لحق بهم من رزايا بعيداً عن إظهار البكاء الحر الذي ينجم عادة عن ضعف مخجل... عند سماع الآهات ينزاح الأسى فيسكن الرحمن الجسد الممسوس بالشيطان... كذلك هو الحال مع مفردات العذاب التي ترتجل بعد الموالات (آه, آخ, أويلاه) كلها تشبه مستحضرات التجميل الذي يظل شميمها رابضاً في الأنف... كأن يجعلها (الآهات) مثل ورقة نشاف تمتص أحزانه يجعلها مصدر سرور, وكأنه يُسقط منها ترخيص الهموم... بدلاً من الظهور كشخص مهزوم وباكٍ, منزوع الحياة غارق في السقام".
   لدى سكان بلاد الرافدين عِشرة قديمة مع الآهات لوجود تاريخ موغل البعد في الرفقة مع الأحزان, والآهات تمنع شلّ أيدينا عن العمل, تجعلنا نبلغ الحد الذي تتحول أحزاننا عند بلوغه إلى طاقة تحركنا. فعندما أصبح سعدي شخصاً ضعيفاً وشبحاً متهاوياً كان يقتصد بالجهد كي يخرج الآهات كما كان يفعل أيام مقتبل شبابه. لكنه مثل التنور المصنوع قديماً والمتشقق الجوانب يظل قادراً على صنع صلصال يعتمد على ما في جوفه من حطب يديم اشتعال النار. كانت آهاته الحرّى تنبثق من تعاسة روح مخذولة تعبر عن حنقها بنياح متوعدٍ جراء إهانات لحقت به.
 

17
المجهول وتهويمات الواقع للكاتبة نجاة نايف سلطان

د. عبد الرضا عوض
عن دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة صدر للأديبة الرائعة نجاة نايف سلطان في تشرين الثاني 2019م كتابها الموسوم (الانحدار نحو المجهول) ، والكتاب يقع في (224) صفحة من الحجم المتوسط ، والكاتبة نجاة غنية عن التعريف فهي شاعرة وكاتبة مخضرمة، ادركت عهود الدولة العراقية الثلاثة (الملكية والجمهورية والاسلامية).!!
" الانحدار نحو المجهول" كتاب اتحفتنا به الشاعرة والكاتبة الصديقة الرائعة (نجاة نايف سلطان) ، ولي السرور بالسبق أن أستعرض هذا المنجز الرائع ، مشاكساً تحذيرات طبيب العيون فيما يخص حالتي الصحية الغير مستقرة فقد آليت على نفسي أن أقرا ما سطرته الأديبة نجاة نايف سلطان عن المجهول الذي ادركت بداياته ويترآى لها وهي مآساة حاقت بالعراقيين ، فقد تلقفت اصابعي من بين آلات الطباعة النسخة الأولى من هذا المنجز وأنا أفكر الى أين نحن ذاهبون في هذا الجو المتلاطم بموجات الغضب الثوري والفوضى والقمع العشوائي البعيد عن الإنسانية ، قررت قراءة هذا المنجز في ليلة واحدة لإعجابي بما سطر يراعها الأنيق في كتابها السابق (ذكريات امرأة عراقية) فقد سبق ان رسمت بحروف من لؤلؤ تركوازي صورة متشابكة لمرحلة مررنا بها جميعاً وجاءت فيه على ذكر ايام شبابها في مدينتي الحلة (1955-1959م) وذكرت لنا مرة أنه لولا مساعدة بنت شقيقتها (الصغرى الكبرى) لما ظهر الى النور، وأعتقد انها أكملت مسيرتها بهذا المنجز الذي بين أيدينا كما أخبرني صديقنا الأستاذ جواد عبد الكاظم محسن بذلك الذي له الفضل في معرفتي بهذه القامة النسوية العراقية الأصيلة وهي تعيش غربتها ، ويقيناً انني ادرك عن أي مجهول هي تتحدث ، تتحدث عن الوطن المهتوك سيادته ، وعن مستقبل الشباب وخيبته في حكامه..!!
والأديبة نجاة عرفناها ناشطة في الشأن الأدبي ، وتنحدر من أسرة أقل ما يقال عنها انها أسرة متنورة ، لقد جاءت نجاة لتمثل الخط النسوي العراقي في طرح معاناة أبناء بلدها العراق فهي متابعة متحفظة بعض الشيء إلا في هذا المنجز فقد غمرتها شجاعة لا بعدها شجاعة حينما جاءت على الأحداث بمسمياتها وعلى الشخوص بتوصيف يليق بهم بصراحة تامة، فبعد رحلة طويلة في اخاديد طبقات السياسة والمجتمع لقربها زمن ما من أصحاب القرار الإداري في بلدها، فهي تتمتع بوساعة المعرفة ، متابعة فذّةٌ في المحورين الإجتماعي والثقافي والأدبي، ومثقفة عضوية شجاعة ، عُرفت هي وشقيقاتها بمواقفهن الوطنية الأصيلة ، ولم تتنازل عن مبادئها التي آمنت بها .
تُشكل ظاهرة السرد التاريخي مؤشراً مميزاً من خلال الاطلاع على منجزها الإبداعي بما حواه من اتجاهات متباعدة ومختلفة ، فهي تغوص في عالم متشابك ومتشعب من خلال تجربة ادبية ، فقد شكلت آراؤها في هذا المجال مفتتحاً للتأمل لأنها فتحت باباً لدراسة رحبة لوضع المجتمع وتصوراتها المستقبلية التي ساقتنا بها الى مجهول معتم، فهي تتمتع بقوة حافظة ، وعمق في الذاكرة ودقة في تشخيصاتها لأمراض حرص المجتمع على احتضانها وأضفى عليها حالة القدسية ، فوضع المجتمع خطوط حمراء بعدم مناقشتها أو التقرب منها...
في هذا المنجز " الإنحدار نحو المجهول " كتاب مميز كون الكاتبة تعاملت مع البنية الأساسية للمجتمع والدولة وهي تسلط الضوء على بعض المعاناة نتيجة التحولات الفكرية والتطورات العلمية التي حصلت لعراق اليوم ، فهي لم تعتمد السرد المباشر لإنجازها ، وإنما آثرت أن تتخذ طريقاً مغايراً من خلال تماهي الطرح بإعتماد التداخل الزمني والمكاني ، والحضور النقدي اللاذع والساخر ، ذلك الحضور الذي يسلط الضوء وينير للقارئ العادي الطريق في محاولة فك الاشتباك بين الطباع والتطبع 0
استهلت نجاة كتابها بإهداء توقفت عنده لما لمست فيه من رؤيا فلسفية للحياة التي عاشتها وعشناها سوية فهي تقول : " نظن بغباء وغرور فارغين إننا نملك حقاً خياراتنا..."
بهذا الإهداء بدأت الكاتبة سياحتها الأدبية بفكر ثاقب يدرك دقائق الأمور فهي تستذكر رفيق دربها الذي فارقها منذ عقدين وتقول عشت مع هذا الرجل ضعف السنين التي قضيتها مع أسرتي ، واستعارت بمهارة وحذاقة فائقة بيت شعر ادته المطربة نجاة كنت قد سمعته قبل نصف قرن لتحوله نثراً واصفةً أيامها الجميلة "هذا ركنه ، وهذه كتبه ، ونظاراته. كلماته اسمعها بوضوح وستظل معي الى أخر عمري ، و.."
ثم تناولت الكاتبة مراحل قيامها بإفتتاح رياض للأطفال في حي اليرموك ببغداد وأهم ما لفت نظري اهتمام الكاتبة بالأطفال ومنحدراتهم الطبقية والأسباب التي وصلوا بها لينتظموا في روضتها التي عبرت عنها بـ (الجنة)، فقد تألمت حينما عرفت ان طفلين يوصلهما جدهم الى الروضة بعد انفصال الأبوين اللذان اتخذا من أوربا وطناً لهما ، ثم اشارت الى مرحلة انتشار الجريمة في شوارع بغداد وخاصة بالمحلة التي تقطنها (اليرموك) حيث الطبقة المرفه عنها اقتصاديا والمستهدفة من قبل اللصوص، وتأتي على ذكر اختها الكبرى هبة التي سمتها في قسمها الأول(وداد) وكيف انها تتألم يومياً من مراقبة رجال الأمن ومطالبتهم لها بالفصح عن مكان أولاد أختها المتوفاة (سعدية) وكيف انهم عاثوا بدار اختها الى حد لا يوصف.
ثم تناولت مرحلة تعاظم جنون العظمة عند صدام وهي تحمل وزر تلك المحنة على ادباء شاع صيتهم في تلك الأيام وتذكرهم بالاسم الصريح كونها قريبة من المشهد الثقافي والأدبي العراقي ..واشارت الى معاناتها في نشر روايتها (سلاماً يا وفاء) بالرغم من مرور خمسة عشر سنة على انجازها وكيف انها وهبت نصف اكراميتها الى العاملين بدار الشؤون الثقافية وفقاً لمشورة اختها الصحفية..!!
كان هم الكاتبة الرئيس بعد تفاقم الوضع داخل العراق هو اصطحاب بنتيها الى خارج العراق ثم شوقها لرؤية ولديها إذ يقيم احدهما في اسبانيا ، وقد تعذر السفر مباشرة الى اسبانيا لكنها وجدت فسحة من فرصة قد لا تتوفر لاحقاً هي السفر الى سوريا ومن هناك يكون الأمر له حساب آخر ، كل ذلك والبلد مهدد بالهجوم البري من قبل قوات التحالف وصدام كما هو يستضيف فنانين عرب ويغدق عليهم آلاف الدولارات بما يسمى بتجارة (الكابونات النفطية) والشعب يئن تحت وطئة الحصار الظالم ومريديه مرفهون اقتصادياً..
اتجهت نجاة مع بنتيها وشقيق لها صوب سوريا وسكنت في احد أحياء دمشق وهالها أن السوريين يمجدون بصدام وسياسته بالرغم من العداء الذي كان مستفحلاً مع رئيسهم حافظ الاسد ، ولم يغب عن الكاتبة سبب هذا الود فهي تعزيه كما يعرف الشعب العراقي ذلك الى الأموال التي كان ينثرها صدام على العرب في وقت بقي العراقيون محرومون من ابسط مقومات العيش. وعلى الموعد المتفق عليه التقت الكاتبة بولدها (علي) القادم من اسبانيا بعد فراق تسع سنين وكم هو رائع لقاء الأم بولدها بعد هذه المدة ، ومن هناك تلقت الكاتبة انباء عن سقوط نظام صدام ، فأنهمرت دموعها وهي لا تعرف هل هي دموع الفرح بسقوط الطاغوت أم التأسي على بلادها لإحتلاله من قبل الأمريكان!!!.
لم تطل المدة ببقاءها في دمشق فقد حزمت حقائبها وقفلت راجعة الى وطنها لترى حقيقة الأمر بسقوط اعتى طاغية عرفه العراق في العصر الحديث ، فراحت تصف لنا بطريقة الاديب البارع الفرق بين تصرف رجال الأمن السوريين الذين انغمسوا بالرشوة والسخرية من العراقيين وهم في محنتهم وبين رجال جدد على المنطقة وهم الأمريكان الذين شغلوا نقاط سيطرة ومراقبة الحدود. ورغم الظروف القاسية وصلت بغداد وتوجهت الى بيتها في حي اليرموك وتفقدت روضتها التي طالما حلمت بتطويرها ، ووجدت ان بعض الموالين لنظام صدام اتخذ منها مأوى لعمليات اعتراضية ضد الأمريكان ، ومع ذلك زارها الجنود الأمريكان في مقر عملها وهم يقدمون الهدايا للأطفال ويعلمون جيداً أن المكان كان وكراً لبعض الموالين لصدام.
وفي مشهد درامي حزين وصفت الكاتبة أيام سود خيمت على العراق بأكمله فقد انتشرت حالات القتل بالدم البارد وراحت تسترسل في وصف قضايا الاجرام والسلب والنهب ، وكم كانت الصعقة قوية حينما علمت بمقتل الشابة المهندسة(ميادة) ابنة صديقتها أم منذر التي قابلتها قبل سويعات ، ثم مقتل الشاب الكردي والد الطفلين المسجلين في روضتها .
ومثل بقية العراقيين فإن الكاتبة نجاة تمثل الذاكرة العراقية الحية وهي تسطر مراحل التغيير الشامل من الحكم الشمولي الذي حاق بالعراقيين لأربعة عقود الى زمن الفوضى الخلاقة التي نسجت بالقتل والاغتصاب والاضطهاد ، فذاكرتها لم تخف شيئاً عن أيام (كارنر) الحاكم العسكري ثم (بريمر) سيء الصيت الذي أرسى قواعد المحاصصة ورعايته المشبوهة لمجلس الحكم الذين آتى بهم على ظهور الدبابة الأمريكية ليذيقوا العراقيين ويلات التخلف والتجهيل ، في ظل هذا الجو كتب الدستور العراقي الذي ثبت قواعد الفساد بين العباد مع استفحال حالات القتل المروع بعد أن ظهرت صيحات الطائفية المقيتة التي أساءت الى الدين الإسلامي الى حد كبير..وسط هذا الجو المرعب بقيت الكاتبة ترعى (جنتها) مع تزايد المصائب وندرة المربيات اللواتي تعودن أن لا يركن الى مكان ثابت..!!
استرسلت الكاتبة في توصيف تلك الأيام ومعاناتها والخوف من المجهول فقد ازدادت عمليات القتل على الهوية سنة 2006م وبدأ الفساد يشرعن في مفاصل الدولة بطريقة أقرب الى الخيال، وهنا ذكرت ان لها أرضاً زراعية ارادت التصرف بها فمانعها الحارس مهدداً لمن يريد التقدم اليها بالقتل ، وذكرت أن المجاور لسكنها في اليرموك أحد الضباط المتقاعدين من آل عجام في الحلة وصله تهديد بالقتل فترك البيت وسكن الحلة مع عائلته وللخلاص من هذه المحنة فقد أرتأت ان تغادر الى تركيا لقضاء بعض الوقت عسى أن تنتهي تلك الغمة التي ابتلي بها العراقيون.
ساءت الأوضاع في العراق عامة وبغداد خاصة فقررت العائلة مغادرة العراق فاتجهت البنت مع زوجها الى الإمارات واتجهت نجاة مع البنت الصغيرة الى الأردن فكان من همها الأول حمل أوراقها وكتاباتها الأدبية معها ولم تعر أهمية لبقية الأشياء ، وهناك روت لنا سوء معاملة الاردنيين للعراقيين في وقت يسرح ويمرح الأسرائيليون في البلاد دون رقيب ، وقد نقلت لنا صوراً كثيرة عن تلك المعاناة..من ذلك قررت طلب اللجوء الى الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق مكتب الأمم المتحدة في عمان وبعد مراجعات معقدة ومضي عدة شهور أصبح السفر ميسر فغادرت نجاة الى أمريكا ومن هناك كتبت لنا هذا السفر الماتع.
استطيع القول ان ما اقدمت عليه الكاتبة ما هو إلا جزء من ملحمة إنسانية من ملاحم شعبنا العراقي المقهور عبر نضال بناء حياته 0التي اضحت في متاهة كما هو الآن 0
دعوة لقراءة الكتاب لاستيضاح الحقيقية لمعاناة العراقيين سواء في بلدهم او خارجه ونجاة العراقية بتطلعاتها تشكل انموذجاً أدبياً وثقافياً وابداعياً ومدنياً بقوة الوعي الذي يسكنهاً ، لتقول كلمة سواء لشعبها ، فبورك لها ولنا بهذا العطاء المائز..
مع الامنيات الخالصة بالتوفيق والابداع المميز .
ليل 11\11\2019
الحلة \ العراق

18
جمهرة الألفاظ العامية العراقية
نبيل عبد الأمير الربيعي
 
     للغة العامية المحكية تأثيراً كبيراً على اللغة العربية الفصحى لمقومات اللغة في المجتمع العراقي بالرغم مما للعربية الفصحى من مقومات كاملة ومتكاملة من الثراء لا تضاهيها أي لغة أخرى, وهي ناجمة عن قدرة مفردات العامية واللفظ على تحريك المشاعر والأحاسيس والوجدان بما يجعل النفس العراقية متفاعلة مع الكلام, إذ يطرب لها ابن المجتمع الرافديني في الوقت الحاضر ويتحمس ويستجيب لها بسبب معايشته للمفردات بألفاظها ودخولها في نفسه بكامل معانيها وارتباطها بأحداث معينة مسجلة في ذاكرته, ولها من التأثير ما يحرك الوجدان بالاتجاه الذي خزنت معانيها فيه.
    لهذه المعايشة إنما هي تربية للفرد على المفردات المحكية بسبب البيئة المحيطة به وادراكها والتمكن منها , وهي لسان البيت والشارع والمنتديات العامة والغناء والشعر الشعبي, فضلاً عن أن مفردات اللهجة العامية العراقية المحكية اغلبها نابعة من اللغة العربية الفصحى وبعضها من اللغة المندائية والآرامية, وبعضها هجينة بسبب الهجرات والعلاقات مع المجتمعات المجاورة من التركية والفارسية, لكنها تتضمن أيضاً الكثير من المفردات والألفاظ التي لا ترد في اللغة العربية الفصحى.
    يوم امس الأحد المصادف 11/11/2019 كانت هديتي الثمينة والجميلة من الباحث والمترجم الاستاذ صلاح السعيد كتابه الموسوم (جمهرة الألفاظ العامية العراقية) الطبعة الثالثة المزيدة والمنقحة, الصادرة عن دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة, يتضمن الكتاب على (277) صفحة من الحجم المتوسط ذات الاخراج الطباعي الجميل, والغلاف الاجمل, والكتاب احتوى على اكثر من (1165) مفردة عامية محكية, فضلاً عن ملحق مستدرك لبعض المفردات العامية المضافة للكتاب في طبعته الثالثة لم تذكر في الطبعة الأولى والثانية.
    بهذا الكتاب افاد الباحث السعيد استخدامه للشعر الشعبي العراقي وبعض الأغاني التراثية التي تدعم المفردات العامية العراقية, لكنني خلال اطلاعي على الكتاب وجدت أن هناك العديد من المفردات والألفاظ العامية المحكية التي ما زالت يد الباحث لم تطلها ومنها المفردات المندائية التي ما زال ابناء الوسط والجنوب من العراق يتداولها في حواراتهم, علماً أن هذا العمل الجميل والرائع للغتنا العامية في الوسط والجنوب من العراق التي لا يظهر لها اساس عربي أو دخيلة على لهجتنا العراقية ودخيلة من اللغات المجاورة.
    كانت مهام الباحث السعيد التحفيز في البحث الذي يرتجى من الباحثين الشكر والثناء لهُ على الجهد الذي قام به, فهو عمل قاموسي مرجعي خالٍ من الخطأ ولكن قد لا يتجنب الباحث بعض النقد والرضا من قبل البعض.
     استعرض الباحث والمترجم السعيد في كتابه هذا المؤشرات التاريخية للمفردات العامية واصولها والبت فيها, من خلال عرض المفردات ضمن الأبجدية العربية وحروفها ونماذجها من الشعر وانواع الأحرف الأعجمية الداخلة على اللهجة العامية العراقية.
    لقد عمدَ الباحث السعيد التسلسل الأبجدي في كتابه للغة العربية (الف. باء. تاء. ثاء...) تسهيلاً للقارئ في المتابعة, وقد قام بتثبيت لفظ المفردة كما وردة في اللغة العامية المحكية بغية تسهيل الأمر على القارئ في المتابعة بحسب الكلمات التي يعرفها والتي يريد البحث عنها في اللغة العامية, واحياناً دون استخدامات المفردة وورودها باشتقاقات أخرى.
     ثبت الباحث السعيد هذه المفردات من جمهرة الألفاظ العامية العراقية كان الهدف منها كما فهمت كي لا تضيع في السنوات المقبلة, كما بت الباحث في عرض المفردات في أمر عائديتها للغات الشعوب المجاورة.
    إن هذا المعجم للألفاظ العامية العراقية لم يدخل ضمنها ما اصطلحت عليه القواميس والمعاجم العربية, وقد قام الباحث السعيد بارجاع بعض المفردات إلى المصدر في اصل الكلمة.
    ختاماً اشد على يد الباحث والمترجم صلاح السعيد لهذا الانجاز الجميل والرائع الذي امتع القارئ لما وردت فيه من مفردات محكية في المجتمع العراقي من خلال كتابه الموسوم هذا.

19
يهود العراق ودورهم في تطور النشاط الاقتصادي (الحلقة الرابعة)
نبيل عبد الأمير الربيعي
   
    أما في المجال المصرفي فكان ليهود العراق الدور الكبير في إنشاء المصارف الأهلية في مدينة بغداد والمدن الفراتية الأخرى مطلع ثلاثينيات القرن الماضي حتى هجرتهم القسرية عان 1951م, فم أهم المصارف التي ساهموا في إنشاءها (مصرف سلمان زلخة, مصرف خضوري زلخة, مصرف كريدت بنك, مصرف أدور عبودي), فكانت هذه المصارف لها الدور الكبير في زيادة رؤوس الأموال والمساهمة في زيادة معدل الادخار ومتابعة استخدامه وقبول الودائع من التجار ورؤوس الأموال والصناعيين بمختلف أنواعها الحسابات الجارية والتوفير والثابتة.
     فكان الصيرفي خضوري عبود زلخة أول المتحمسين لتأسيس أول مصرف أهلي عراقي في بغداد عام 1889م, عندما تأكد من استقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية وزيادة النشاط المالي في الأسواق التجارية في العراق, حيث بدأت برأس مال مئة جنيه استرليني في ذلك العام, مع ذلك عدَ مصرف خضوري زلخة من مصارف الدرجة الأولى في العراق, حيث اجيز قانوناً بموجب قانون مراقبة المصارف رقم 61 لسنة 1938م(35). كما افتتح له فروعاً في بيروت ودمشق والقدس والاسكندرية(36), حيث بلغت سيولته النقدية بحدود (60) ألف دينار عراقي, وكان ذلك في عام 1943م, ليزداد هذا المبلغ في عام 1945م ليصل إلى (100) ألف دينار عراقي, في حين بلغت ودائع المصرف في بغداد عام 1947م ما قيمته (1,218,719) دينار عراقي, أما الودائع فكانت لا تتجاوز (800) ألف دينار عراقي, فيما احتفظ المصرف بمبالغ احتياطية بحدود (1,239,198) دينار عراقي, وفي عام 1948م ازدادت ممتلكات المصرف حتى اصبحت تقارب الـ(10) مليون دينار عراقي(37).
    كما تأسس مصرف آخر باسم مصرف (أدوار عبود) بتاريخ 13 ايلول عام 1941م بموجب الاجازة المرقمة 38 ووفق المادة 4 من قانون مراقبة المصارف رقم 61 لسنة 1938م برأس مال (5500) دينار عراقي وبمبلغ احتياط قدره (20) ألف دينار عراقي, وعدَّ من مصارف الدرجة الأولى بموجب القانون, ومارس مختلف الأعمال المصرفية في بغداد والمدن العراقية الأخرى مثل الموصل والبصرة(38).
   كما أسس اليهودي الياهو صالح جوري مصرفان الأول باسم (كريت بنك) حسب الاجازة المرقمة 21 والمؤرخة في 25 تموز 1945م, والثاني باسم شريكيه يوسف نسيم ناثان ومنشي إبراهيم كاشي بالرقم 39 في 25 تموز 1945م أيضاً, مارس المصرفان مختلف اصناف العمل المصرفي والتجاري وتسليف وشراء الأراضي الزراعية والبساتين وخاصة في لواء الديلم (الرمادي)(39).
   كما ساهمت المصارف الأخرى في العاصمة بغداد وشركات الصيرفة حتى عقد الثلاثينيات في تطوير العمل المصرفي والتجاري, كما كان المصرف (ايسترن بنك لمتيد الشرقي) الدور المؤثر في مجال الصيرفة في العراق الذي كان يرأسه البريطاني (ج. س حسقيل اليهودي), إذ كان الملك فيصل الأول كثيراً ما يقترض منهم بفوائد لتغطية نفقاته ونفقات العائلة المالكة وسفراته الخارجية, كما إنه كثيراً ما كانت تسد النقص الحاصل في الخزينة الخاصة.
   كما قدمت هذه المصارف الخدمات الكبيرة لتجار العراق واستقبال الودائع التي تجاوزت ثلاثة اضعاف رأسمال المصرف, وكمثل لذلك الصراف روبين يهوذا زلوف الذي بدأ عمله في الأول من نيسان عام 1946م, لكن هذه المصارف كانت لها تأثير على النشاط الاقتصادي العراقي عندما توقف النشاط المصرفي في يوم السبت من كل اسبوع حيث يعطل اليهود اعمالهم.
 
 
المصادر
1- أحمد عبد القادر القيسي. مصدر سابق. ص83.
2- صباح عبد الرحمن. مصدر سابق. ص166.
3- صباح عبد الرحمن. مصدر سابق. ص167.
4- المصدر السابق. ص167.



20
يهود العراق ودورهم في تطور النشاط الاقتصادي (الحلقة الثالثة)
نبيل عبد الأمير الربيعي
 
كانت الهيئة الإدارية لغرفة تجارة بغداد سنة 1926م تتألف من 14 عضواً, وكان منهم 9 اعضاء من اليهود, وفاز المستر (راين) مدير البنك الشاهين بمنصب الرئيس, وكان سكرتير الغرفة يهودياً(25), وفي 15 تشرين الأول من سنة 1936م جرى انتخاب الهيئة ال"إدارية لغرفة تجارة الموصل, فاز برئاستها اليهودي (ساسون سوميخ)(26), وفي نفس اليوم تم انتخاب الهيئة الإدارية لغرفة تجارة البصرة, انتخب التجار البصريون أول مجلس إدارة لهم مكون من تسعة اعضاء, اثنان منهم من يهود البصرة, هم كل من (حزقيل سوفير وساسون مردي), وفي سنة 1935م-1936م كانت الهيئة الإدارية لغرفة تجارة بغداد مكونة من 20 عضواً, كان عدد الأعضاء اليهود فيها 12 عضواً(27), أما اعضاء غرفة تجارة بغداد سنة 1936م-1937م للدورة الانتخابية السابعة فعددهم 21 عضواً, يشغل الاعضاء اليهود 11 عضواً من ضمنهم الرئيس الثاني والعضو الاستشاري ومعاون السكرتير و8 أعضاء موزعين على مختلف اللجان, كاللجان المالية ولجنة الكفالات والشهادات ولجنة الكشف والتسعير(28), أما الدورة الانتخابية الحادية عشر سنة 1941م لغرفة تجارة بغداد فكانت تتكون من 21 عضواً بضمنهم عشرة من اليهود, أما عدد أعضاء اللجنة الإدارية لغرفة تجارة بغداد لسنة 1946م-1947م فكانت مكونة من 19 عضواً ومنهم 9 أعضاء من اليهود(29), حتى عام 1951م بعد الهجرة الجماعية ليهود العراق لم يبق أحد من التجار اليهود في الهيئات الإدارية(30).
كان المجتمع العراقي في حقبة العشرينيات والخمسينيات مجتمعاً زراعياً إذا ما قورن بالتطور الحضري, حيث اهتم يهود العراق من التجار بالمقايضة بالمواد الاستهلاكية ببعض الإنتاج الزراعي المعد للتصدير(31), حيث شكلت السلع الاستهلاكية نحو ثلثي قيمة واردات العراق, بينما وصلت سنة 1946م إلى 55,6% وسنة 1958م إلى 49,1% (32).
كان ليهود العراق الدور الكبير في عمليات الاستيراد وخاصة في مجال قطاع السيارات وقطاع الأقمشة وقطاع المواد الغذائية وقطاع السينما وقطاع المشروبات الكحولية وقطاع المواد المنزلية وقطاع البناء والانشاءات وقطاع الأدوية والصيدليات.
أما في مجال البنوك فكان ليهود العراق الدور الكبير واهم تلك البنوك (بنك زلخة, بنك كريدت, بنك ادورد عبودي), كما كانت أكبر الشركات في بغداد (شركة خضوري وعزرا مير لاوي), كان لأصحابها الوكلاء الوحيدون لاستيراد دهون وشحوم شركة (موبيل أويل) الاميركية بفروعها في البصرة والموصل وكركوك, كما شكل تجار يهود العراق الأغلبية في سوق الشورجة وسوق دانيال في العاصمة بغداد, فضلاً عن دورهم الكبير في البصرة.
كما ساهم تجار يهود بغداد في تجارة الورق ومستلزمات الطباعة كعائلة الياهو عزرا دنكور, وفي تجارة المفروشات والسجاد الإيراني كعائلة إبراهيم يوسف زلخة وعائلة إسحق عبودي حييم, أما في تجارة الأخشاب نجد خضوري مراد شكر ومير طويق, وفي تجارة استيراد الدهون وأدوات السيارات نجد إبراهيم وشفيق عدس وعزرا مير لاوي, وفي مهنة الصيرفة برز منهم حسقيال الياهو, وفي تجارة تصدير التمور نجد إفرايم حسقيل إفرايم له الدور الكبير في هذا المجال, ومن الصاغة المشهورين نجد خضوري نسيم شهرباني اشتهر في هذا المجال(33).
أما في مجال العقارات والأراضي الزراعية في المدن العراقية فقد اشتهرت عوائل (عقيرب ويهودا ونورائيل وشوع وخزمة ودانيال وخلاصجي ووذن وإسحق موسى وإسحق هارون وساسون معلم), وتعد عائلة خلاصجي من أشهر العوائل اليهودية التي امتلكت الأراضي الزراعية, والتي اختصت في زراعة وانتاج رز العنبر في مدينتي الديوانية والشامية. فضلاً عن دور مالكي العقارات من اليهود في العاصمة بغداد والمدن العراقية, كما ساهم التجار والملاكين اليهود في تنفيذ مشروع (بغداد الجديدة) لإنشاء مدينة عصرية على غرار (مصر الجديدة) في القاهرة, فاستطاعوا شراء أرض منبسطة واسعة بلغت مساحتها (الآلاف) الدونمات, وإنشاء شركة بغداد الجديدة برأس مال قدره (مليون) دينار عراقي اسهمت بها (143) يهودياً من كبار الملاكين, وكان نصيب رأس المال اليهودي 72% من رأس المال للشركة, إلاّ انهم لم يكملوا المشروع وذلك بسبب تزايد الهجرة اليهودية من العراق واضطروا إلى بيع حصصهم إلى أحد المقاولين وهو جاسم السامرائي, كما كانت من ابرز شركات تصدير الانتاج الزراعي إلى الخارج شركة (اندر وير) التي كان يديرها اليهودي صالح جرجيس ووكيل اعمالها في بغداد عبد الهادي الجلبي والشركة الأفريقية, حيث اهتمت هاتان الشركتان بتصدير الحبوب إلى بريطانيا وإلى الولايات المتحدة الأميركية وإلى دول أخرى(34).
 
 
المصادر:
25- صباح عبد الرحمن. مصدر سابق. ص73.
26- صباح عبد الرحمن. مصدر سابق. ص73.
27- صباح عبد الرحمن. مصدر سابق. ص75.
28- خلدون ناجي معروف. الأقلية اليهودية في العراق بين 1921-1952. مركز الدراسات الفلسطينية. بغداد 1985. ص125.
29- صباح عبد الرحمن. مصدر سابق. ص78.
30- صباح عبد الرحمن. مصدر سابق. ص80.
31- أحمد عبد القادر القيسي. الدور الاقتصادي لليهود في العراق 1920م-1952م. الجامعة المستنصرية. بغداد. 1988. ص19.
32- محمد سلمان حسن. التطور الاقتصادي في العراق- التجارة الخارجية والتطور الاقتصادي (1858م-1864م). المكتبة العصرية للطباعة والنشر. 1965. ج1. بيروت. ص251.
33- سعد سلمان عبد الله المشهداني. النشاط الدعائي لليهود في العراق 1921-1952. القاهرة. مكتبة مدبولي. 1999. ص34.
34- أحمد عبد القادر القيسي. الدور الاقتصادي لليهود في العراق 1920- 1952. الجامعة المستنصرية. بغداد . 1988. ص47.

21
يهود العراق ودورهم في تطور النشاط الاقتصادي (الحلقة الثانية)
نبيل عبد الأمير الربيعي

   سنة 149هـ عندما بنيت بغداد عاصمة للدولة العباسية برز العديد من يهود العراق في مهنة الصيرفة والتجارة, كما إنهم نالوا حقوقهم المدنية والدينية ومارسوها مجربة ومطلقة(12), تولوا مناصب في اجهزة الدولة المختلفة حتى سقوط المدينة على يد المغول سنة (1258م)(13), وفي زمن العثمانيين أخذ العديد منهم يرتقي إلى الوظائف المهمة في الإدارة العثمانية لولايات العراق كمستشارين ومتصرفين, ومنح السلطان عبد المجيد الثاني (1839م-1861م) اليهود حقوقاً متساوية مع بقية رعايا الدولة الأخرى, فتم إلغاء ضريبة الجزية التي كانت مفروضة عليهم وإبدالها بضريبة تعفيهم من الخدمة العسكرية, حيث جاءت هذه الحقوق والامتيازات حسب المرسوم الأول (خطي شريف كولخانة) في تشرين الأول 1839م, وجاء المرسوم الثاني (خط همايون) يؤكد على حق المواطن الالتحاق بالوظائف العسكرية والمدنية وحرية العبادة والمساواة في الضرائب(14).
  بعد التطور المصرفي خلال الحقبة الزمنية ما قبل الميلاد وما بعد الميلاد كان ليهود العراق الدور في تطور المؤسسات المصرفية والمصارف, وخلال المدة المحصورة في القرنين الحادي عشر والثاني عشر برز اليهود بشكل خاص في الحقل المصرفي وانتشروا بشكل واسع واتجهوا إلى إقامة رابطة عائلية بينهم واصبحوا بارزين في الحقل المصرفي(15). ثمَ برز خلال سياسة الدولة العربية الإسلامية بيت المال الذي يعد مؤسسة مالية عربية إسلامية مهمته الاشراف على ما يرد من أموال على حاضرة الخلافة وما يخرج من أوجه النفقات المختلفة التي تتطلبها مرافق الدولة مع الاحتفاظ بمبلغ احتياطي كخزين ليصرف على مستحقيه بعد حين(16).
     عندما اعتلى السلطان عبد الحميد الثاني (1876م-1909م) السلطنة, واعلن الدستور العثماني الجديد سنة 1876م, اعلن تشكيل مجلس المبعوثات, حيث اصبح ليهود العراق ممثل عنهم, فتم اختيار التاجر الثري (مناحيم صالح دانيال) ممثلاً عن اليهود, وهو أول يهودي يرشح لعضوية هذا المجلس سنة 1877م(17).
    بعد انقلاب عام 1908م ووصول جمعية الاتحاد والترقي إلى سدة الحكم أصدرت المرسوم الجديد الذي أكد على المساواة في الحقوق والواجبات لكل رعايا الدولة العثمانية, وأعيد تشكيل مجلس المبعوثات من جديد, وأصبح ليهود العراق ممثلان أثنان من بغداد وواحد لكل من البصرة والموصل.
    ليهود العراق كان الدور الكبير في الحياة الاقتصادية فترة الانتداب البريطاني على العراق (1921م-1932م) وبعد احداث الفرهود عام 1941م أخذت اعداد اليهود بالتناقص, وأثر قيام دولة إسرائيل عام 1948م أخذ يهود العراق بالهجرة بصورة غير شرعية عبرَ الحدود الغربية والشرقية, عبرَ إيران وشتى الطرق والوسائل, فقامت حكومة توفيق السويدي في عهد وزارته الثالثة باقتراح إسقاط الجنسية العراقية عنهم, فصوت مجلس النواب العراقي على ذلك حسب قانون إسقاط الجنسية العراقية في سنة 1950م(18), بهذه الهجرة الجماعية التي تجاوز عدد المهاجرين فيها 124 ألف مهاجر من أبناء الديانة اليهودية, حيث لم يبق منهم سوى (5000) نسمة, يقيم معظمهم في بغداد(19), بينما بلغ عددهم في جميع انحاء العراق حسب إحصاء سنة 1957م حوالي (4906) نسمة موزعين على (1336) عائلة أكثرهم في العاصمة بغداد(20).
   كان لدور يهود العراق في تركيز اهتمامهم البالغ في الأنشطة الاقتصادية الدور الكبير في مدى فعالية وديمومة الاقتصاد العراقي, وتجلّت هذه الموهبة في ميدان التجارة منذ نعومة الأظافر شأنهم في ذلك شأن بني جنسهم في كل مكان, احتل اليهود مكانة خاصة في الحياة الاقتصادية في العراق منذ مئات السنين, حيث عملوا في التجارة والصيرفة, ولدور تعلمهم في مدارسهم اللغات الاجنبية كانت المعين لهم في اعمالهم تلك واتصالهم بأقرانهم من اليهود في مختلف بقاع العالم(21), الأمر الذي مكنهم من السيطرة على قطاعي الاستيراد والتصدير, فقد عرف اليهود بشدة اهتمامهم في شؤون التجارة والصيرفة منذُ اقدم العصور, فكان تأثيراتهم واضحة في العراق من خلال سيطرتهم على قطاع التجارة, وأمور الصيرفة والقروض(22).
    بعد سيطرة اغلب التجار اليهود على معظم حلقات التجارة في العراق والوكالات اليهودية بتجارة الاستيراد والتصدير, مما صاحب ذلك وجودهم في غرفة تجارة بغداد وهيئاتها الإدارية, الأمر الذي مكنهم بالتالي من السيطرة على هذه الغرفة(23), التي تأسست في الرابع من تشرين الأول سنة 1926م, وكانت من أول الغرف التجارية في العراق(24).




المصادر
12- فيليب حتي. تاريخ العرب. القاهرة. ج2. د مط. 1946. ص81.
13- فاروق عمر فوزي. مصدر سابق. ص81.
14- ماريون وفلسيون. أنبياء في بابل. ترجمة ناجي الحديثي. مجلة آفاق عربية. بغداد 1982. العدد 7. ص21.
15- فليح حسن خلف الغزي. الائتمان المصرفي ودوره في الاقتصاد العراق. مطبعة جامعة بغداد. 1977. ص14.
16- مصطفى عباس الموسوي. العوامل التاريخية لنشأة وتطور المدن العربية الإسلامية. بغداد. دار الرشيد. 1982. ص123.
17- مير بصري. اعلام اليهود في العراق الحديث. مطبعة دار الوراق. لندن. 2006. ط1. ص47.
18- عبد الوهاب المسيري. الأقليات اليهودية بين التجارة والادعاء القومي. القاهرة. معهد البحوث والدراسات العربية. 1975م. ص22.
19- صباح عبد الرحمن. النشاط الاقتصادي ليهود العراق 1952م-1971م. بغداد. دار الحكمة. 2002. ص39.
20- عبد الوهاب المسيري. مصدر سابق. ص23.
21- عصام جمعة المعاضيدي. الصحافة اليهودية في العراق. القاهرة. الدار الدولية للاستثمارات الثقافية. ط1. 2001. ص27.
22- حنا بطاطو. العراق الطبقات الاجتماعية. ترجمة عفيف الرزاز. ط1. ج1. مطبعة منشورات فرصاد. 2006. ص284.
23- حنا بطاطو. المصدر السابق. ص388.
24- يعقوب بلبول. شؤون الغرف التجارية. مجلة غرفة تجارة بغداد. ج7. السنة الثانية عشر. ايلول 1949. ص390.


22
صور بغداد الافتراضية في المخيال اليهودي العراقي
نبيل عبد الأمير الربيعي
 
    المنجز الفني ليهود العراق يتضمن صور الحنين والاعتزاز بالهوية الثقافية العراقية, وهو الوطن الأم, من خلال الأفلام السينمائية واللوحات التشكيلية والموسيقى والغناء الأصيل, فذاكرة يهود العراق تمثل انعكاسات الحنين إلى أرض الوطن من الجيل الثاني والثالث, وتمسكهم بالموروث المكاني واسترجاع الفضاء البغدادي والتمسك بالهوية البغدادية.
    صدر حديثاً عن دار ومكتبة عدنان للطباعة والنشر والتوزيع في بغداد للدكتورة خالدة حاتم علوان كتابها الموسوم (صورة بغداد الافتراضية في المخيال اليهودي العراقي), وهو الكتاب الرابع في توثيق تاريخ يهود العراق الأدبي والروائي, الكتاب يحتوي على (252) صفحة من الحجم المتوسط, وهو دراسة في تمثلات سرد الفضاء التاريخي في المنجز الفني للأفلام واللوحات والموسيقى لأبناء يهود العراق.
    الكتاب يتضمن ثلاثة فصول, الفصل الأول يخص التعليم في مجال السرد البصري لاستعادة المكان من خلال الافلام الوثائقية التي انتجها يهود العراق, وتؤكد الدكتورة خالدة حاتم علوان حول اهتمام يهود العراق بالأفلام الوثائقية في هذا الكتاب, ففي صفحة 52 من الكتاب تذكر الدكتورة قائلة :"يبدو اهتمام يهود العراق بإنتاج افلام وثائقية اكثر من روائية يعود لجملة اسباب, ربما في مقدمتها اشراك طبقة واسعة من المجتمع بوصفهم الجمهور المتلقي", فضلاً عن أن الافلام الوثائقية تعتبر جزءاً من وسائل الإعلام التي تساعد على استيعاب وحفظ التراث والتاريخ ليهود العراق, تلك الأفلام التي سلطت الضوء على ماضيهم, والعلاقات الجمعية مع ابناء العراق, والذاكرة العراقية, وتصوير الواقع في ممارسة نشاطهم في المجتمع العراقي وسيرة الطائفة على وجه العموم, فهيَ أفلام سيروية أكثر منها تاريخية.
    بحثت الدكتورة خالدة حاتم في مجال أربعة أفلام تمثل لشخصيات متنوعة, منهم السياسي والفنان ورجل الأعمال والروائي والصحفي, ففلم (إنسَ بغداد), وفلم  (عراق رويال), وفلم (ظل في بغداد), وفلم (تذكر بغداد). تلك الأفلام الأربعة تمثل موضوعة المكان والهوية, وتركز على معاناة اليهود العراقيين بالانتماء للهوية العراقية.
     إذ بينت د. خالدة أهمية الأفلام وثائقياً, وتعريف الجمهور بالشخصيات الرئيسة والمخرجين والمصورين للفلم وأماكن التصوير والمواضيع التي تدور حولها الأفلام, لكن من المؤسف نجد أن الطائفة اليهودية وعلى مدى تاريخها الرافديني قد غُيبّت في المناهج الدراسية العراقية والمنتديات الثقافية, وكل مل يَمت بصلة لهم كمكوّن ضمن مكونات الشعب العراقي الذي عاش في أرض بلاد الرافدين زهاء أكثر من 2600 عاماً, حتى الرحيل القسري عام 1951م, وتفريغ العراق منهم عام 1974م.
   كانت اللغة الغالبة في الأفلام اللغة العربية وخاصة اللهجة البغدادية المؤطرة لعمليات الاستذكار في تلك الأفلام. تؤكد د. خالدة في صفحة 74 من الكتاب حول اللهجة البغدادية ليهود العراق قائلة :" لقد كان من جملة ما انماز به يهود العراق هو التحدث باللهجة اليهودية البغدادية أو اللهجة البغدادية التي لا يزالون يتكلمون بها في بيوتهم حتى اليوم في إسرائيل", وهذا ما يتجسد في حواراتهم داخل بيوتهم مع أفراد العائلة, فضلاً عن متابعة أخبار العراق والسماع للأغاني العراقية التراثية, كما أن للغة العربية واللهجة البغدادية المخففة تشير إلى تمسكهم بأرض الوطن, علماً أن اللهجة البغدادية هي الأكثر وضوحاً مع شخصيات فلم (إنسَ بغداد), وكأنهم لا يزالون يعيشون في بغداد, لذلك يؤكد شمعون بلاص في حواراته في الفلم عن ما تختزنه ذاكرته في العراق, واصفاً إحدى نقاشاتهم في الخلية الحزبية الشيوعية وبلهجة بغدادية واضحة قائلاً :"لأول مرة, في أول اجتماع مع الخلية الحزبية, لمَن رحت بگهوة شعبية جداً ومكتوب عليها خاص للإسلام (يضحك) وآني جاي دا اقره كتب, يعني مثقف (يضحك) فـ... رئيس سكرتير الخلية كان مدرس, إنسان لطيف جداً, گلي احنا هسه دنتباحث بأشياء فلسفية وكذا, شوف دنبحث الفرق بين المثالية والمادية, اشنو الفرق؟ گتلة المثالية رجل يحجي مثالي ومثل عليا وما ادري شنو, والمادية واحد يجري وراء المادة, اشوف دا احجي وساكتين كلهم, اشو هذا شويه (ديبتسم), گلي أي صحيح بس هذا تفسير من ناحية أدبية (يضحك)", من خلال حديث بلاص تبدو المفردات البغدادية لا تزال تسكن في قلوبهم.
    لقد عالجت الأفلام الوثائقية موضوع الهوية والحنين للعراق, فضلاً عن اهتمامهم ببغداد والحنين إليها من خلال نتاجاتهم السردية والبصرية والتشكيلية, كما شملَ تداولهم لأسماء مناطق سكناهم في بغداد من أحياء (قمبر علي, الدهانة, المسبح, البتاوين, حنون). كما ينقل لنا فلم (ظل في بغداد) لبطلة الفلم ليندا عبد العزيز منوحين الأماكن التي عاشت فيها فترة طفولتها وشبابها حتى هروبها من العراق, فالعاصمة بغداد بدءً بساحة النصر وانتهاءً بمنطقة المسبح.
   أمّا فلم (تذكّر بغداد) لبطل الفلم إدوين شكر ورحلة ذهابه إلى بغداد وزيارته لبيتهم القديم فيها, ذلك البيت الذي وجده إدوين معروض للبيع من خلال رحلته, وكانت رغبته الكبيرة بشراء البيت, فهو يمثل مرتع الطفولة والشباب وذكرى العائلة والوطن الأم, فكانت ذاكرته وقّادة في تحديد مكان دارهم في العاصمة بغداد, كان لنهر دجلة الذي يشكل خصوصية وقدسية لإدوين شكر ولأبناء الطائفة اليهودية العراقية, فقد مَثّلَ غصة في قلوبهم, إذ كانت ساحة لممارساتهم الاجتماعية وشاهداً على براءة الأيام الماضية ونقائها من الحقد والكراهية بين الطوائف.
    المكان والأزقة والأحياء لها مكانة عزيزة في المخيال اليهودي العراقي, الذي يؤشر عمق التماهي مع الوطنية, من تلك الممارسات هي الجلوس في المقاهي وممارسة العاب شعبية شهيرة اهمها (الدومينو والطاولي), ففي فلم (عراق اندرول) وعبرَّ رحلة الفنان والمسيقار (دودو تاسا) في المقاهي العربية التي يرتادها العراقيون بكثرة, ولا سيما المقاهي التي تطل على نهر دجلة, ونزهتهم بالزوارق واكلة السمك المسگوف.
   الأفلام الوثائقية تعرض صور التعايش السلمي الذي كان سائداً في بغداد والمدن العراقية من وجهة نظر شخصيات الأفلام, والأحياء التي سكنها يهود العراق كانت مختلطة ومتنوعة الهويات الدينية, وهذا يمثل التمدن والتحديث الذي شهده المجتمع العراقي. من خلال متابعة الفلم يحاول الأبن الأصغر للفنان صالح الكويتي (شلومو/سليمان) أن يوضح لـ(دودو) حفيد داود الكويتي لأبنته كارميلا ما معنى أن يهدي الملك غازي ساعته لعازف يهودي؟ واستيعاب تلك العلاقة واسبابها, إذ يشرح لهُ المكانة التي حظي بها جده صالح الكويتي من قبل الملك غازي في وقف التصادم والعداء النازي للديانة اليهودية, فلم تكن الهوية الدينية عائقاً أمام الملك في التعبير عن محبته وتقديره للأخوين الكويتي.
   فلم (عراق اندرول) قدمَ الصورة السلبية للآخر ممثلة بتوجهات رئيس الوزراء العراقي (توفيق السويدي) بتجريد العراقيين اليهود من ممتلكاتهم كافة ومصادرة اموالهم وترحيلهم إلى إسرائيل. كما تسلط بطلة فلم (ظل في بغداد) السيدة ليندا عبد العزيز منوحين حادثة إعدام اليهود أثر اتهامهم بالتجسس لصالح إسرائيل حقبة نهاية ستينيات القرن الماضي في ساحة التحرير وكيفية رقص الآخر على اجساد الضحايا, كانت في تلك اللحظة من السهولة أن يتهم النظام لأبناء العراق من اليهود بتهم الجاسوسية والعمالة, تلك التهم البائسة التي ذهب ضحيتها ابناء العراق الأنقياء.
     كان لتولي حزب البعث السلطة في العراق دور كبير في عمليات الاضطهاد لأبناء المكون اليهودي, ومساهمة عناصره وقوى الأمن من الملاحقات والاختطافات والاعدامات العلنية والسرية, واستمرار موجة الاضطهاد حتى عام 1972م حين اختطف المحامي عبد العزيز منوحين والد ليندا ولم يعثر عليه حتى هذه اللحظة.
   أما الفلم الرابع (مطير الحمام) أو (المطيرجي) للروائي إيلي عمير, تذكر الدكتورة خالدة حاتم في صفحة 105 من الكتاب قائلة :"يستند الفلم إلى رواية مطيرجي في بغداد وتتحدث عن حقبة الأربعينات وبداية الخمسينيات في بغداد التي تعد من السنوات الحرجة في تاريخ يهود العراق, بدءً بحادثة الفرهود عام 1941 وتداعيات إعلان دولة إسرائيل وصراع التيارات الفكرية آنذاك في الساحة العراقية, وتحديداً الحزب الشيوعي العراقي والمنظمة الصهيونية المحظورة في العراق", لكن الكاتبة د. خالدة تناست دور منظمة (عصبة مكافحة الصهيونية) وهي الواجهة للحزب الشيوعي العراقي ودورها في مكافحة التنظيمات الصهيونية ومنها التنوعة وانتماء بعض يهود العراق إلى هذه المنظمة اليسارية وإلى تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي.
    الفلم يسلط الضوء على طبيعة المجتمع اليهودي العراقي وطقوسه وتقاليده وطبيعة العلاقات الاجتماعية بين ابناء الطائفة من جهة وبين المسلمين من جهة أخرى, كل ذلك يقدم من خلال البطل الشابي (كابي) (دانيال كاد) ذي الـ16 عاماً. الفلم يمثل حياة الطائفة اليهودية البغدادية باللغة العربية, للمخرج نسيم دّيان, وقد ترجم إلى اللهجة اليهودية البغدادية من قبل الممثلة اهافا كيزين.
    أحداث الفلم توضح واقع حال يهود بغداد بين الأعوام 1948- 1951م أي منذُ إعلان دولة إسرائيل حتى اقرار قانون إسقاط الجنسية العراقية عن ابناء المكون اليهودي العراقي وتهجيرهم القسري وتداعيات الوضع السياسي المتأزم في المنطقة وقتذاك.
    الفلم وثقَ واقع حادثة الفرهود عام 1941م وحادثة إعدام التاجر شفيق عدس وأخيه, كما وضح الفلم ضلوع الحكومة العراقية آنذاك بمؤامرة الترحيل القسري حتى وصل الأمر باستخدام القوة والتهديد والوعيد لترحيلهم من خلال التفجيرات التي حصلت في تلك الحقبة, كما يركز الفلم على حملة الاعتقالات التي طالت افراد المنظمة الصهيونية تنوعة.
   مخرج الفلم يصور السجن المركزي في منطقة باب المعظم بحيطانه القديمة ذات الألوان الباهتة وحجمه المتسع والوان الكآبة والتشاؤم وفقدان الأمل في هذا السجن الرهيب للسجناء السياسيين. كما يوثق فلم (المطيرجي) الحياة الاجتماعية ليهود بغداد ورفضهم للعادات والتقاليد المتحررة, وتعنيف (راشيل) بسبب ملابسها المتحررة التي لا تتلائم وطبيعة المكان الذي يعيشون فيه. ومن جملة الممارسات الاجتماعية التي يوثقها الفلم ما يتعلق بالألعاب الشعبية ومنها (الدومينو) و(الطاولي), فضلاً عن دور التنظيمات الصهيونية والشيوعية التي اعتنق فكرها بعض يهود العراق ورفضهم الهجرة إلى إسرائيل. كما بين الفلم تمسك العائلة اليهودية بأرض الرافدين ورفض (نعيمة) والدة (كابي) وزوجة (سلمان) الذي تبنى زوجها المشروع الصهيوني من الهجرة الجماعية, فحين يخبرها سلمان بقرار الهجرة تنتفض وتجيبه بانفعال ورفض قاطع للهجرة (أنا اظل هون وية اجدادي واجداد اجدادي), إذ تؤكد قِدَم وجود الطائفة اليهودية في العراق, كما تدخل في صراع مع زوجها الذي يحاول اقناع ولده (كابي) بالرحيل والعمل من المنظمة الصهيونية. كما جسد مخرج الفلم الملابس البغدادية العربية كالدشداشة والكوفية التي يلفها (ابي صالح) بطريقة تميز بها العراقيين.
   أما الفصل الثاني من الكتاب فيتطرق إلى الذاكرة البصرية واستعادة الفضاء البغدادي في الفن التشكيلي للوحات التذكارية من بغداد للفنان العراقي إيلي سودائي تضم ما يقارب الـ(26) لوحة عمدت د. خالدة إلى تحليل كل لوحة على حِدَة للوقوف على خصوصياتها, وقد شاهدت بعض تلك اللوحات على جدران أحد دور العرض السينمائي في بغداد, التي انشأتها عائلة سودائي.
    أما الفصل الثالث فقد خصص في الكتاب للتوثيق الموسيقي والغناء من قبل د. خالدة حاتم, كان للأخوين صالح وداود الكويتي الدور في الحفاظ على اسس المقامات العراقية, فلقد طور الموسيقار صالح الكويتي نغم مقام اللامي ووسع مساحته, وبعد رحيل الأخوين صالح وداود الكويتي استعاد الموروث الموسيقي حفيد داود الكويتي مطرب الراب (دودو تاسا) الذي يمثل الجيل الثالث من الذين ولدوا في إسرائيل لأبوين عربيين.
   تذكر د. خالدة حاتم في صفحة 211 عن دودو تاسا قائلة :"اصدر البومه الأول من العام 2011 واطلق عليه اسم (دودو تاسا الكويتي), وحظي بإعجاب وقبول كبيرين, فيما اصدر البومه الثاني (على شواطي دجلة) في العام 2015", إذ نجح دودو في تأدية الأغاني باللهجة البغدادية, وبسبب نجاحه وجهت لفرقتهم دعوات عدة لإلقاء عروضهم الغنائية في فرنسا عام 2012م وفي هولندا عام 2016م, مما عمدَ دودو تاسا إلى توثيق موروث جدّه الفني عبرَ الفلم الوثائقي (عراق رويال) عام 2014م, فقد خلق حوارية موسيقية بين الحانه والحان جدّه في محاولة اغناء هويته الثقافية الجديدة.
   الكتاب يبين اهتمام الدكتورة خالدة حاتم علوان بالموروث السينمائي والتشكيلي والغنائي ليهود العراق, فقد اسفر الكتاب عن اهمية ودور يهود العراق في مجال الفن, وعن دراسة واهتمام الجيل الثاني والثالث من يهود العراق في المهجر بموروثهم الفني ونجاحهم في توظيف السرد البصري اسلوباً لخلق الذاكرة الجديدة عبرَ استدعاء الفضاء البغدادي بمصداقية تسجيلية وثائقية عالية. لكن لا ننسى أن الكتاب فيه بعض الأخطاء المطبعية ولكنه ذات اخراج جميل ورائع من ناحية الطباعة والغلاف, إذ تنسجم صورة الغلاف مع مضمونه.
 
     
 

23
صدر عن دار الفرات للثقافة والإعلام في بابل كتابي الموسوم : الانتفاضة الشعبانية / آذار 1991 في مدينة الديوانية
    شهدَت أرض العراق عامة ومدينة الديوانية خاصة الكثير من الانتفاضات الشعبية , بسبب الظلم والحيف الذي تعرض لهُ أبناء أرض الرافدين من لدن الحكام المتسلطين على رقابهم , فكان أزلام الأنظمة السابقة يستخدمون القسوة المفرطة في القضاء على الانتفاضات الشعبية , وممارسة التعذيب الجسدي بحق المنتفضين للحصول على اعترافات الثوار أو السياسيين المعارضين للنظام.
      ليس العنف حالة شاذة وفريدة من نوعها في تاريخ الأنظمة الرجعية والقومية والشمولية في تاريخ العراق , فلقد وجد وعي الإنسان ذاته , واحتاج للوسيلة التي تضمن وتصون مصالحه بعد أن اخفقت وسائل الاقناع أو عجزت الوسائل السلمية عن تحقيق مثل هذا الغرض.
      والانتفاضة بهذا المعنى أداة تستخدم من قبل القوى المستفيدة من الاوضاع القائمة , أو دفاعاً عن غاية أو هدف يرتبط بوجود من يمارسه من أجل الوصول به إلى حياة اسمى بعد أن عجزت عن تحقيقه وسائل وادوات التعبير السلمية الاخرى . وتلجأ إلى  الانتفاضة في الحالة الأولى القوى التي كانت قد أقامت ببنى مسيطرة خاصة بها , تستخدمها من أجل الدفاع عن مصالحها في وجه المناوئين لها , والراغبين في الحلول محلها وفي وجه تقدم القوى الاجتماعية التاريخية , تلك التي تتوقف عليها عملية تغيير بنية ووضع المجتمع ونقله من طور لآخر أكثر تقدماً.
      وتكتسب الانتفاضة شكلها السياسي من خلال عملها على نقل القوى الاجتماعية تلك التي خضعت تاريخياً من مستوى الخضوع الذي كانت تعيشه , بما تحمله كلمة الخضوع من معانٍ كالمعاناة من آلام التأخر وعدم العدالة والسلبية التي كانت عليها جراء وقوعها في ظل هذا الوضع إلى مستوى السيطرة.
     والعنف السياسي من قبل السلطات الحاكمة في العراق ليس وليد الصدفة , لذا فهو مخطط لهُ مسبقاً من قبل المناوئين للعراق , إذ لم تكن الإدارة الأميركية وخططها بمعزل عما يدور في الحياة السياسية العراقية , فهي اللاعب الأكبر في صناعة الأزمات , وتحريك الإدارات السياسية لمصالحها , وتمرير المشاريع وتنميتها.
     وبعد تلك العقود جاء الإنهيار للنظام السياسي في عام 2003 , ليُكشف الغطاء عن ما تبقى من جسدٍ متفسخٍ من تلك الدولة , التي أصابت المتأملين فيها بالدوار . فالعنف البربري الذي لم يفارق التاريخ السياسي العراقي الحديث أتخذ طابعاً اثنياً , في حين لاذ مَن تمكن من ترك موطنه إلى أقاصي الدنيا وشتاتها بما تبقى من أحلام وطن.
     لأن ما يحدث في العراق عامي 1991م و2003م مرتبط بأجندات المحتل وسياساته العدوانية منذ تأسيس الدولة العراقية . كما ينبغي التأكيد على مخاطر ما يجري في المشهد السياسي العراقي اليوم , وهو مشهد صراعي ملوث برائحة الفتنة السياسية والطائفية , وفتيل الحرب الأهلية التي بدأت بمرحلة بناء فرق الموت , واعمال الخطف والقتل على الاسم بدمٍ بارد , ثم مرحلة التهجير الطائفي , إذ عناصرها واجندتها ومسوغاتها واهدافها الخفية تبرز في الميدان كحقائق لارتباطها بجذور تأسيس الدولة العراقية.
     كما ينبغي التأكيد ايضاً على أن الأحزاب العراقية الحاكمة بعد عام الاحتلال 2003م اسهمت هي الأخرى في تنفيذ اجندات المحتل وخططه , بعضها مصلحية بقصد مسبق لارتباطها المشبوه معه , وبعضها اسهم في تصعيد العنف لأهداف مصلحية دون قراءة خصوصيات الحاضر وآفاق المستقبل ومخاطره على العراق .  ومن الغرابة أن تدعو هذه الأحزاب إلى الديمقراطية وتداول السلطة , وهي نفسها تمارس الدكتاتورية الحزبية بين اعضائها وما زال الكثير من رؤساء الأحزاب يحكمون أحزابهم منذ نصف قرن من الزمان.
     وقد شهدَ النظام السياسي الذي حكم العراق منذُ عام 1963م وحتى عام 2003م صعود طبقة بدوية جديدة , التي مارست الحكم غير العادل بالريع النفطي ووسائل الإعلام , وأساليب الإبادة الجماعية والترحيل الجماعي للسكان , واحتكار المناصب البيروقراطية , والأهم من ذلك احتكار القرار السياسي.
     إن الاجهزة الأمنية والاستخباراتية التي كانت تمارس العنف السياسي في العراق منذُ عام 1968م ولغاية عام 2003م فضلاً عن نشاطها في جميع المعلومات تشير إلى وجود أكثر من خمسة أجهزة أمنية رسمية تمتد افقياً وعمودياً في المجتمع العراقي , وأغلب هذه الأجهزة (الأمن العامة , المخابرات , الأمن الخاص , الأستخبارات العسكرية) يديرها الأفراد المقربين من الرئيس صدام حسين([1]) . كما يرتبط بهذه الأجهزة عدد كبير من الوكلاء الرسميين وغير الرسميين وهم مزودين بأحدث الأجهزة والخبرات في مجال عملهم.
     وقد سبب النظام السياسي البعثي في موت مئات بل آلاف من البشر في الحرب العراقية – الإيرانية وملاحقة الهاربين من الخدمة العسكرية , وعمليات بتر صيوان الأذن التي مورست ضدهم , وما نتج من عملية غزو الكويت عام 1990م , من دمار وخراب من قبل الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها , وما حصل من قمع انتفاضة الجنوب عام 1991م (الانتفاضة الشعبانية)([2]) . وانتفاضة الأكراد في الشمال , وكان المجتمع العراقي بكل فئاته شاهد على هذه الممارسات العنيفة , فالأرهاب كان منظماً وممنهجاً ومستمراً.
    إنّ دراسة التاريخ لا تعني دراسة الماضي من أجل فهمه فحسب , بل تعني أيضاً دراسة الماضي من أجل تحليل الحاضر واستشراق المستقبل والتحكم بمساراته سَلَفاً , ذلك هو هدف هذا الكتاب , إذ حاولت أنّ أضع بين يدي القارئ مرآة عن حقبة عراقية خَلَت , ليرى فيها ببصيرته انعكاسات الحاضر , ويحقق كشفاً جزئياً عن مساراته الغامضة في قادم الأيام , لي شرف هذه المحاولة , وعليّ وزر أخطائها.
      إنَّ التاريخ هو مجموعة اسئلة وإجابات , بل تتعداها إلى ما يلي :
-       كيف ننظر للواقعة التاريخية؟
-       ما علاقة الذاتي بالموضوعي ونحن ندون الواقعة التاريخية؟
-       كيف نستجلي الحدث من ركام التساؤلات؟
     وغير ذلك من الأسئلة التي توثق اجاباتها في كتابنا هذا من خلال الاستقراء للواقعة التاريخية عن طريق اللقاء والاتصال برجال الحدث في تلك الحقبة.
     فالرجال الثوار الذين يصنعون التاريخ يتعاملون مع الحدث ليتركوا بصماتهم في تاريخ الوطن والمدينة شئنا أم أبينا , وكان تضلعي أن أكتب عن تلك الأحداث الرهيبة بقلمٍ صادقٍ وأمينٍ وعقلٍ متفتح.
     يقف اليوم عراق ما بعد الدكتاتورية أمام امتحان صعبٍ وعسير , تتحدد فيه آخر فرصة في البقاء موحداً .. فتحدي بناء دولة المؤسسات , ومكافحة تراث الفردية والدكتاتورية والعنف , وابدالها بقيم التسامح والتعددية والحرية , فضلاً عن تحدي بناء الأمة بما يحقق ثقافة من المشتركات بين أبناء العراق من المكونات المتعددة والأعراق والأديان والمذاهب المتنوعة , كل ذلك يقع على عاتق مَن يريد للعراق خيراً بعد ما شهدت أرضه ظلامات منقطعة النظير في تاريخ العالم.
     شرعت في توثيق أحداث الأنتفاضة الشعبانية/ آذار 1991 منذُ عام 2015 واستكملت المخطوطة ايلول عام 2019 , وأنا اكتب هذه المخطوطة وأدون وأتصل وأراسل وأُحاور من شارك في الانتفاضة بعد مرور زهاء ثلاثة عقود عليها تقريباً , كانت تتوالى عليَّ الأفكار والأسئلة والنقاشات وزوايا النظر , وكيف أنا خرجت من تلك المعمعة حياً بعد أن شاركت أيامها الأُولى دون أنّ تنالني يد أزلام النظام من عناصر البعث وقوى الأمن والحرس الجمهوري ومخابرات النظام , لكن هروبي والاختباء في مدينة الحلة حتى تنجلي الأحداث هو الذي حافظَ على حياتي وحياة عائلتي.
     أدون ما حدث من مقاومة وقتال شرس دارَ بين الثوار وعناصر الحرس الجمهوري وأنا اعيشها لحظة بلحظة خطى لعلعة رصاصهم وقذائف هاوناتهم ودباباتهم , وأكاد أشم رائحة البارود يتصاعد بين السطور واتعطر بدماء أجساد شهدائهم المقطعة الأوصال , بل أكاد أنصت لصرخات الشهداء والمعذبين في ساحات القتال ومعتقلات أمن الديوانية ومعسكرات الفضيلية الرهيب , إذ ساد مزاج الموت في العراق , حتى أنه أضفى نكهة على كل شيء , حتى سادت الروح البوليسية وهي تتسرب إلى ارواحنا وأجسادنا مع بعض القسوة في الأحكام من قبل المجرمين الفاعلين الأساسيين.
     أظنّ أنّ الكتاب لن يرضي الكثيرين لصراحة ودقة نقل المعلومة , وإدانة من تواطئ مع النظام من عناصر البعث والواشين والملثمين , الكتاب محاولة لإعادة توثيق تلك المجزرة الرهيبة التي حصلَت في آذار عام 1991م بحق أبناء مدينتي , ثوار حملوا أرواحهم على راحة أكفهم في لحظة الخلاص من النظام ومنظومته العسكرية والحزبية والبوليسية , فضلاً عن ذلك فإن الحياد المطلوب في هذا الكتاب لن يتوفر على نحو مرضٍ أبداً بسبب أحقية الشعب أن يثور على طغاة عصره , فأنا وقفت بجانب الثوار لا بجانب الطغاة والقتلة والمجرمين , وقد تمّ تدقيق وانجاز مئات المعلومات المستخلصة من عشرات الوثائق الحيّة والمقابلات والاتصالات مع المشاركين في الانتفاضة ,  كما أنّ لهم مصداقيتهم في نقل الحقيقة.
    وقد استغرقت في الحصول على تلك الوثائق والشهادات والحوارات والمذكرات جهداً دام أكثر من أربعة أعوام , آخر الأشياء التي أود التنبيه لها هي طريقة سرد الأحداث , وسيلاحظ القارئ أنّ الكتاب يعتمد على الوثائق واللقاءات والمدونات بشكلٍ أساس , لكنهُ مع هذا اعتمد في بعض الأحيان على ذاكرة المؤلف لأنه عاش تلك الأحداث أولاً بأول.
    لقد دعاني إلى توثيق حدث الانتفاضة حرصٍ خاص على تأريخها وتاريخ المدينة وثوارها , خشية على ضياع حقائقها واحداثها ومعاركها , وانغماس دورها ومنجزها في خضم الصراع بين أبناء الشعب والنظام الحاكم والخصومات والأدعاءات , وما نجم عن ذلك من آراء متضاربة تستبد بها الدوافع الذاتية والانحيازات الخاصة.
     وبما يتوجب عليَّ أنّ أدرج في هذا الكتاب تحفظات اعتذارية , وأودع الكتاب بين أيدي قرائه , وارجو تلمس عذري لأنّ هذا ما استطعت أن أنجزه , وليس لعمل كهذا أن يبلغ حد الكمال.
    ومهما يكن فإن الكتاب يعتمد على شهادات من رجال تلك الحقبة الزمنية , فالذين قابلتهم أو راسلتهم أو اتصلت بهم هم شاركوا في أحداثها ونقلوا لي ما تختزنه ذاكرتهم من أحداث وهي شهادات صدق من قبلهم.
    بعد سقوط نظام صدام حسين , يبدو أنّ اغلب الأحداث كانت أرضاً بكراً , لم يدون أحداثها إلاّ القلّة القليلة , إذ أنّ ما نشرَ من شهادات وكتب ومقالات يبدو شحيحاً قياساً بالفترات الأخرى.
     وإني كم أتمنى أنّ يلتمس القارئ لي العذر في ما سيقرأ في الفصول الخمسة من الكتاب أولاً وأخيراً ليس أكثر من توثيق أحداث الانتفاضة عام 1991م هو وفاءاً للشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن مبادئهم وعقيدتهم وانتمائهم لأرض الوطن , ووفاءاً لمن شارك وتمكن من هجرة أرض الوطن حفاظاً على حياته وحياة عائلته من الاعتقال والتصفية.
     عندما انتهيت من فصول هذا الكتاب شعرت براحة كبيرة وأنا اوثق تاريخ ثوار مقاتلين وشهداء وجرحى أشاوس قارعوا نظام البعث وقاتلوا ازلامه , أشعر براحة البال كمقاتل خرجَ من حربٍ منتصراً على أولئك القتلة والواشين والملثمين الذين استخفوا بدماء أبناء مدينتي جملةً وتفصيلا.
    عليَّ أنّ اقول بهذا الصدد أنّ فصول الكتاب لم تنتهِ كوني أنتظر ردوداً ممن شاركوا في الانتفاضة ولم يسعفني الحظ والوقت بالاتصال بهم لتسجيل دورهم في الانتفاضة , وخاصة ما حصل للثوار في أقضية ونواحي المحافظة . النتيجة باختصار , هو تحول المشهد العراقي إلى ساحة قتال بكل معنى الكلمة حيث تحول إلى شيء شبيه بمركبٍ سكران , مركبٌ يقتتل ركابه بالمجاذيف أمام انظار العالم ودول الجوار , ويكاد جميعهم يغرقون في أية لحظة.   
     هناك اسئلة بسيطة لكنها شديدة العمق , مثل لماذا ترك المؤرخون توثيق أحداث انتفاضة آذار الشعبانية عام 1991؟ ولماذا ترك الروائيون والشعراء الكتابة عن هذه الانتفاضة الشعبية؟ ولماذا اهمل الصحفيون توثيق تاريخ الانتفاضة آنذاك؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة عمدنا في هذا المؤلف عن الإجابة عن جميع الأسئلة من خلال معايشتنا اليومية لأحداث الانتفاضة في مدينة الديوانية ولقاءاتنا بالثوار بعد رحيل النظام عام 2003م لغرض التوثيق التاريخي.
      يتكون هذا الكتاب من خمسة فصول وخاتمة فضلاً عن المقدمة . تتبعَ الفصل الأول الجذور التاريخية لمدينة الديوانية والانتفاضات العشائرية فيها , وصراع العشائر ونفوذها في المدينة , وحصار الجيش العثماني لمدينة الديوانية عام 1916م , والنظام السياسي في عهد الانتداب البريطاني , أما الفصل الثاني فقد سلط الضوء على الحركات التحررية في المدينة , منها حركة عشائر الفرات الأوسط والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء , وانتفاضة فلاحي ناحية آل بدير عام 1941م , وانتفاضة 27 كانون الثاني عام 1948م (وثبة كانون) , وانتفاضة تشرين الثاني عام 1952 , وانتفاضة النصفية في ريف الديوانية شباط 1954م , وانتفاضة عام 1956م , وانتفاضة عام 1957م , وانتفاضة فلاحي الديوانية ربيع عام 1958م , والقائد العسكري عمر علي وتمرده على ثورة 14 تموز 1958م , وفلاحو الديوانية ودورهم في حماية الثورة , مقتل الريس موسى الشالجي على أيدي الغوغاء.
      أما الفصل الثالث فقد تضمن الجانب السياسي في مدينة الديوانية منها : انقلاب 17 تموز 1968م , والجبهة الوطنية والقومية التقدمية , والأكراد العائدون من إيران عام 1977م , وصعود صدام حسين إلى السلطة , والتهجير الثاني للعوائل العراقية إلى إيران , والحرب العراقية الإيرانية , ومحاولة اغتيال صدام وقادة مجلس التعاون العربي في البصرة , والمجموعة جهادية التي اقتحمت منظمة حزب البعث في حي الجزائر , ومحاولة اغتيال محافظ القادسية كاظم بطين ظاهر , وعملية إحراق مضيف صدام في حي الزوراء عام 1990م , وغزو العراق للكويت.
      في حين تتبع الفصل الرابع انتفاضة آذار 1991م/ شعبان 1411هـ , والشرارة الأولى للانتفاضة في مدينة الديوانية , والهجوم على مديرية أمن الديوانية , ومن هم قادة الانتفاضة؟ , وأهالي الكفل الذين استنجدوا بثوار الديوانية , وثوار الديوانية ومؤازرتهم لثوار الحلة , والإنزال الجوي على عشيرة آل سندال في آل بدير , وتقديم الخدمات والحفاظ على أمن المدينة , وصد هجوم الجيش والحرس الجمهوري في منطقة النورية , ومعركة حي الزعيم قاسم (حي 14 رمضان) مع قوات النظام , ودور الثائر رافد حنتوش خضير أغا في الانتفاضة , واستشهاد الثائر الدكتور محمد زغير الإيدامي , وأيام الانتفاضة في قضاء الشامية.
      فيما تضمن الفصل الخامس محاولة استعادة المدينة من قبل الحرس الجمهوري  , ودخول قوات الحرس الجمهوري للديوانية , ودور صدام كامل المجيد وسعدون حمادي في المدينة , والبدء بعمليات قمع الانتفاضة , وما حدث بعد سيطرة قوات النظام على المدينة , وثوار الشعب أم هم غوغاء , وأسباب إخفاق انتفاضة آذار 1991م 20 شعبان 1411هـ , وموقف أزلام نظام صدام بعد فشل الانتفاضة , وحال المعتقلين في معتقل مطار المثنى , وحال المعتقلين في معتقل الرضوانية الرهيب , ومجلس الأمن الدولي يدعو للانعقاد , وظاهرة الوهابي محمد اسكندر صيهود في المدينة , وظاهرة الاغتيالات لعناصر حزب البعث في المدينة , وظاهرة إعدام تجار المواد الغذائية , ومنع أجهزة الستلايت وهواتف الثريا النقالة في المدينة , والغزو الأميركي للعراق عام 2003م , والموقف الإيراني من الحرب الأميركية على العراق عام 2003م.
      كما اعتمد الكتاب على مصادر عديدة ومتنوعة في هذا الكتاب , فنحن محظوظون لأننا نعيش في عصر الانترنيت , إذ أصبح سهلاً على الباحث الحصول على الكثير من المعلومات والوثائق من خلال الاتصال عبرَ وسائل التواصل الاجتماعي (الانترنيت) بمن هاجر خارج العراق الانترنيت ومعرفة دوره الرئيسي في الانتفاضة , لذلك أثبتُ في هوامش بعض الصفحات روابط لبعض المصادر استقيتها من هذه اللقاءات , والمقابلات الشخصية مع المشاركين بالانتفاضة الشعبانية عام 1991م , لتصبح في متناول القارئ.
     لا نبالغ إذا قلنا أنّ المذكرات واللقاءات والرسائل الشخصية كان لها الأثر الواضح في هذا الكتاب بما يخص واقع حال الانتفاضة وقادتها في قضاء الشامية , لا سيما أنّ اصحابها قد أسهموا في اعطاء صورة وإنْ كانت غير متكاملة عن الأدوار التي سجلها الثوار في الانتفاضة الشعبانية عام 1991م.
     كما أبدي عميق امتناني لكل العقول النيّرة التي مهدت لي السبيل لنسيج خيوط هذا الكتاب وابرزهم الدكتور عبد الرضا عوض.
    وقد واجهت صعوبات بحثية اثناء رحلة التوثيق , إذ بذلت وقتاً وجهداً كبيراً من اجل الحصول على المعلومات والمعارك التي دارت رحاها بين الحرس الجمهوري والثوار اطراف المدينة زهاء أربعة أعوام.
     اليوم وفاءً لهذه المدينة وللعطر النازف من وردة الشوق في قلوب أبنائها وددت الكتابة عن تاريخ الانتفاضات العشائرية والشعبية التي حدثت في المدينة عامة وانتفاضة آذار / الشعبانية عام 1991م خاصة , لأن هنالك من يؤيد وهنالك من يعارض , والمعارض يخاف كشف المستور من تعاون آبائه مع النظام الصدامي , ومنهم من كان جاسوساً ساعد العناصر الأمنية والمخابراتية على اعتقال المشاركين في انتفاضة آذار 1991م , ليستغلوه مادياً ومعنوياً لإشباع رغباتهم في الحياة حتى الرحيل , لا يفكرون بتاريخ عوائلهم أو سمعتهم , لأن التاريخ سيسجل ذلك مهما طال الزمان.
      لندوّن في أوراقنا تاريخ هذه المدينة , العالقة بين آلام الجفاف , وأبقتها أمنيات النهوض , وأحلامها الغافية علّها تعود مدينة العنبر وشاي (الكچرات) , والحنين ونسائم هوائها العليل, ونذور أمهاتنا , وشموع خضر الياس في مساءاتنا , وهي تطفو على مياه نهرها , الحالم بالعودة إلى تلك الأيام الخوالي.
      ولتسليط الضوء على القيادات المشاركة في الانتفاضة والأفراد المساهمين منهم الأحياء أو الأموات عرفاناً لدورهم البطولي في الانتفاضة عام 1991م , والأحداث التاريخية التي مرَّت بها المدينة جاء كتابنا هذا تحقيقاً لدراسة تاريخ الانتفاضات الشعبية في المدينة عامة وتسليط الضوء على انتفاضة آذار / الشعبانية 1991م خاصة.
      وأخيراً أتمنى أن يساهم هذا الكتاب في توثيق تأريخ الثورات والانتفاضات التي حصلت في مدينة الديوانية عام 1991م , وإني لأرجو أن أجد من جهود الباحثين عن الحقيقة , وما حدث إبان انتفاضة شعبان /آذار 1991 ما يرمم خلل هذا الكتاب ويرفؤ مواضع الحزم , من أجل توضيح الحقائق خدمتةً لتأريخ المدينة , والباحث يرحب بأي تعليق من القراء حول الكتاب , أو من يرغب باضافة بعض الأحداث التي حدثت إبان الانتفاضة الشعبانية / آذار 1991م لغرض التوثيق , المراسلة على الإيميل :
 nabeel_ . nabeel_alrubaiy58@yahoo.com


24
عايد محمد كريدي.... صديق الطفولة بعد ستة عقود...
د. عبد الرضا عوض
منذ عام 1959 ونحن في عام 2019 والذكريات الجميلة لأيام الصبا تجري في عروقنا ، ستون عاما مضن بنحسهن وجمالهن ، والذكرى صادحة لابل تتراقص أمام اعيننا ، مئات المواقف والاحداث مرت بنا لكن تلك الأيام لها طعم خاص لا يمحى من الذاكرة.
بحكم المهنة  وبحثاً عن رزق تتعيش عليه أسرة قوامها ستة افراد انتقل بنا والدي الى قصبة المحاويل ثم الى شمال القصبة مجاورين الثكنة العسكرية التي يعمل بها وهذه الثكنة العسكرية أسست من قبل الجيش البريطاني سنة 1942، ثم آلت الى الجيش العراقي سنة 1954، وقبل ان اصل الى السن الذي يؤهلني للانضمام في صفوف التلاميذ تمكن الأهل عن طريق احد معارف والدي بقبولي طالباً مستمعاً ثم اصيلاً وأنا في الخامسة من عمري وكان ذلك عام 1957 ، وعند قيام ثورة 14 تموز كنت قد انتقلت من الصف الاول الى الصف  الثاني فجئت نقلاً الى مدرسة سميت رسميا (الريف الزاهر) وللتخفيف يطلق عليها الأهالي (الريفية) ، وهي تسمية مستوحاة من دار المعلمين الريفية التي أصبحت بنايتها ضمن الثكنة العسكرية إذ انشأت في اربعينيات القرن الماضي وعلى بعد 1كم من المدرسة التي قُبلت فيها ، وبالكاد اتذكر مفردات أيام الثورة الأولى.
كانت المدرسة قد شيدت سنة 1946م وهي مكونة من ستة صفوف بطابق واحد ، والقبول فيها مختلط (بنين وبنات)، وطلبتها خليط من مستويات اجتماعية وثقافية متفاوتة ، ومن مدن عراقية شتى، عرب ، وكرد ، وتركمان ، فمنهم أولاد الذوات ومنهم من ينحدر من طبقة فلاحية سحيقة ، واتذكر كان معنا عدد من الطالبات علق بذاكرتي اسماء بعض منهن من بنات الضباط الكبار في المعسكر تميزن بملابسهن الفاخرة قياساً مع الغير ، ولم تغب اسمائهن عن ذاكرتي رغم مرور سنين طوال وكان معنا في الصف طالب اسمه (اياد محمد سالم) ، وعند قيام محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم عام 1959 واشتراك احد العناصر العروبية بالمحاولة (اياد سعيد ثابت) لم يخفِ أياد تأييده لحركة الشواف فرحنا نطلق عليه الاسم الثاني فيغتاظ غضبا ، ولكن سرعان ما نهون عليه مع العلم ان والده كان فعلا من العروبيين ومن محلة السفينة بالأعظمية وقريب لذاك المتهم، التقيت (أياد ) اثناء دراستي ببغداد وكانت لحظات لا تنسى حينما استذكرنا تلك الأيام البريئة الجميلة ..
كان من اساتذتها الذين بقيت اسمائهم عالقة بذاكرتي كاظم عبد الحمزة البنيان ، وشهيد جاسم الزبيدي قصير القامة من القوميين العرب ، وغازي احسين الذي لم تفارق شفتيه السيكارة ، ومحمود رشيد الجبر الذي اظهر تعاطفاً كبيراً في قمع حركة الشواف يومذاك ، وقد علمت أن هذا الرجل (محمود) قد تعرض للسجن عدة مرات بعد انقلاب شباط 1963 وقد توفي في هذه السنة (2019) ، ومحمد العميدي (من آل طربيس)، هؤلاء من قصبة المحاويل ، وهناك فئة ثانية من مدينة الحلة، اذكر منهم الأساتذة: عبد الله حسان الأحمد الذي اكمل دراسته للحقوق وقتذاك وياسين علوش ، وعبد الحسن الدليمي (ابو اسامة) ، وعبيد (معلم الرياضة) لا اتذكر اسم والده.
 في الصف الثالث جاء نقلا من مدينة الحلة طالب عليه سمات النعمة وذلك بمؤشر بسيط هو انه يرتدي القميص والبنطال اسوة بأولاد الذوات في حين كان بقية تلاميذ المدرسة يرتدون (الدشداشة) وينتعلون حذاء الكتان الابيض فقط في أحسن الأحوال،!! وهذا التلميذ الجديد اسمه (عايد ) وعَرفنا به شقيقه الأكبر (الحاج مهدي كريدي أبو زهير) الذي تجمعنا واياه جورة حسنة ، قال: ان عايد يسكن مع شقيق آخر يكبره هو ضابط اسمه (صباح) ، كان (عايد) وما زال ، دمث الاخلاق ، خفيف الظل ، لا تفارقه المزحة ، تقرب مني وتقربت منه ، اعتقد ان ذلك بسبب وحدة المنبع الجغرافي ، فكلانا الوحيدين في المدرسة قد قدمنا من الحلة، فضلاً عن ان شقيقه الأكبر(ابو زهير) تجمعه مع والدي صداقة متينة ومخلصة بقيت على حالها حتى وفاتهما رحمهما الله ، فهو يناديني من تلك الأيام بـ (ابن الملا) اشارة لوالدي الذي يكنى عند اصدقائه بالملا ، وبقي هكذا حتى ايامنا هذه.
كان ذلك التلميذ الذي وصلنا نقلاً لم يتباه علينا مثل بقية ابناء الميسورين بالرغم من ان والده كان ضابطاً في الجيش العراقي ، وشقيقه ضابط شاب رياضي برتبة ملازم اسمه (صباح)، ولابد ان نذكر ان عايد مع مرور الأيام اصابته العدوى فتطوع هو ايضا في سلك العسكرية بعد قبوله طالباً في كلية الطب وتخرج فيها طبيباً عسكرياً قضى وطراً من عمره متنقلاً ما بين بغداد وكركوك ، كان عايد من المتفوقين يتنافس معه على الصدارة في الفصل (عبد الهادي مكطوف) الذي هو الآخر اصبح طبيباً يعمل ويسكن حاليا في الحلة.
المدرسة كانت تبعد عن دارنا بمقدار لا يزيد عن مائة متر ، وعايد يصل المدرسة بسيارة عسكرية تنقله مع بعض التلاميذ من ابناء الضباط ، لكن اغلب البقية الباقية من التلاميذ كان وصولهم للمدرسة باستخدامهم ركوب الحمير، فكان هناك مربط في باب المدرسة لعشرات الحمير بجانب سيارة الأستاذ عبد الله حسان الاحمد (الفوكس واكن)، وجود الحمير كان تندر عايد كونها غريبة عنه فبقيت تعليقاته، بوصفها احياناً مقاربة بأسماء السيارات آنذاك ....
من أجمل واندر الذكريات التي بقيت عالقة في الذهن ان (عايد) قد اخبرنا في يوما ما بأن مهرجاناً رياضياً سيقام في المعسكر وان شقيقه صباح سيشارك كأحد المتسابقين في ذلك الكرنفال ، وكان ذلك في ربيع 1960م ، ونحن لم نعرف ماهي طبيعة المسابقات وفعلاً اقيم المهرجان لألعاب سباقات الساحة والميدان في ساحة مستديرة زرع حولها اشجار الكالبتوس كان الإنكليز قبل ان يغادروا المعسكر قد اعدوها لمثل هذه المناسبة والسباق كان بمشاركة عدد من الوحدات العسكرية حضرت من أماكن اخرى ، وحضرت فرقة موسيقى الجيش التي استقدمت من مقرها في مدينة الديوانية حيث مقر الفرقة الاولى ، وكان اسم الزعيم عبد الكريم قاسم يتردد كثيراً ، وجرى الاستعراض الرياضي العسكري بحضور رجال ادارة الدولة في اللواء وبدأت المسابقات، وأمر لا ينسى ان وزع علينا قناني (الكوكا كولا) مجاناً ، وهذه هي المرة الاولى التي احضر واشاهد مسابقات الساحة والميدان في حياتي مباشرة ، ومن أجمل المفاجأت أن يكون (الملازم صباح محمد كريدي) بطلاً للساحة والميدان في ذلك الاحتفال ، فازداد الفتى بهاءاً فوق بهاء. وعرفت لاحقاً ان من بين المتسابقين صديقنا الخلوق عبد الأئمة عبد الهادي ميرة ، وذكر لي بعد وقت طويل ان الحزب الشيوعي كانت له يد في انجاح ذلك المهرجان.
لم يكن لدينا وسائل لهو وترفيه كما هو الآن عليه ، فضلاً عن اننا لا نتمكن من قراءة القصص بعد ، ولا وجود لدار عرض سينمائي والبث التلفزيوني ضعيف جداً ، فكنا نتسلى بأسماء افلام لم نشاهدها (طرزان ، هرقل الجبار ، عنتر وعبلة) ومع اسماء الرياضيين الكبار من الشباب آنذاك (عمو بابا ، يورا ، جمولي) وهكذا ، ثم حدث امر لا اعرف هل هو صدفة ام بتبويب مركزي هو قدوم شقيق عايد اسمه (صلاح) يكبره سنوات مطبقاً للتعليم في مدرستنا كي يؤهل للتخرج في دار المعلمين ثم ليعين في سلك التعليم فزاد رصيد عايد نقطة على زملائه.
كانت الحياة بسيطة وغير معقدة ، لكن وعياً تمدد في شخصية اي فرد منا بسبب احداث الاعوام 1958-1959 ، فالمناهج كانت غير ثابتة وقضينا سنة أو سنتين نتعلم بطريقة الملازم المدرسية ولا وجود للكتب عندنا في تلك السنين، والمدرسة مشمولة بكاملها بــ(التغذية المدرسية) وهذا ما كان معدوما قبل قيام الثورة ، كذلك كنا نتناول جبراً كرات زيتية واحدة كل يوم قبل التغذية قيل لنا انها (زيت السمك)، تفيد تقوية الجسم.
وكان من معلمينا من يعتقد بالفكر العروبي ، ومنهم من يعتقد بالفكر الشيوعي ، ففي احداث 1959 يتصرف التلاميذ على انهم رجال رغم ان جغرافية المكان لا تشجع على التظاهرات ولا المسيرات ، كان مدير المدرسة رجل كيس اسمه طاهر آل طربيس العميدي ، معتدل في ادارته ، اتذكر ان التلاميذ ارادوا الخروج من المدرسة ليعربوا عن فرحتهم بفشل حركة الشواف فأراد أحد المعلمين من أصحاب الفكر العروبي منعهم (....) لكن الاستاذ محمود رشيد شتمه واراد ان يضربه فخرج التلاميذ وهم يهتفون بحياة الزعيم عبد الكريم وسلامة ثورة تموز المجيدة حاملين صديقنا (عبد الرزاق مكطوف) على الاكتف مبتهجين بالقضاء على تلك المؤامرة !!، وبعد مدة قصيرة حضر احد منتسبي مديرية المعارف في الحلة ممن يجيدون الرسم وعرفت فيما بعد انه محمد علي شاكر شعابث فرسم خارطة الوطن العربي على الجدار القريب من غرفة المدير وشخص دولة الجزائر التي لم تستقل بعد فكتب (الجزائر الحرة)!!.
ولم انس ذلك المعلم الشاب الذي قدم من بغداد الكاظمية اسمه (وداد) ببشرته البيضاء وعيونه الزرق ، وخلقه الحميد ، واذكر انه جلب معه مرة جهاز تسجيل (ابو البكرة) واسمعنا اناشيد وطنية ،ومن الطريف أسرني عايد وهذه لم انساها (تدري لو استاذ وداد بنية جان يخبل) ، وكنا نضحك خلسة ، ومع ذلك كان اغلب المعلمين من ابناء الحلة وبمجرد معرفتهم بانحدارنا المدائني نكون محل اهتمام وتقدير هؤلاء الاساتذة .
لم يطل بنا المقام في (الريف الزاهر) فقد انتقلت أنا في خريف عام 1962 الى مدينتنا الحلة في العام نفسه قبل ان ننهي الدراسة الابتدائية ، فكنت انا في مدرسة صفي الدين الابتدائية ، واعتقد ان عايد قد امسى في مدرسة الرشاد الابتدائية وهي الأقرب لبيت والده في محلة القاضية.
كنا نلتقي في مناسبات على غير موعد واحياناً بفترات متباعدة وسريعة فمشاغل الحياة ابعدتنا لكن الموّدة بقيت كما هي لم تغيرها الأيام ولا السنون.
ايام على قصرها جسدت القول الحكيم (العلم في الصغر كالنقش على الحجر) ، التقيت بمئات لا بل بآلاف من طلبة وعمال وموظفين ، ولم يعلق بذاكرتي الا القليل فكان (عايد) قد احتل مساحة في الذاكرة ومن المؤكد ان تلك الأيام على قلتها بقيت احداثها تتراقص امامنا .....
هذه الذكريات كتبتها منتشلا اياها من ذاكرة  محملة بمختلف القضايا بعد ستة عقود بناءاً على طلب الدكتور عايد وانا ازوره بعد ان ألمت به وعكة صحية ، فقال لي : (بروح الملا ، رجائي ان تدون ذكريات تلك الأيام كما هي ، فإنها متعة بعد شقاء مرير مع هذه الحياة الفانية ، وحتى يعرف ابنائنا جزء من السيرة) ، وهذا له ما اراد , وختمتها اليوم الفاتح من تموز 2019م 0
والحمد لله رب العالمين..             

25
حسين الصافي متصرفاً للواء الديوانية
نبيل عبد الأمير الربيعي
     بعد انقلاب المشير عبد السلام محمد عارف يسانده حزب البعث على الزعيم عبد الكريم قاسم في 8 شباط 1963 أصبح السيد حسين الصافي متصرفاً على لواء الديوانية , وفي حفل جماهيري كبير بالديوانية , عندما كان السيد حسين الصافي متصرفاً في لواء الديوانية وبحضور أحمد حسن البكر رئيس الوزراء يومذاك , وكانت الجمعيات الفلاحية قد أعدت لهذا الحفل حشوداً واسعة , وحدث أن قريب من هذه الحشود هناك بعض المحلات المغلقة بأبواب من الجينكو المضلع (فنرات) , ومن دون وعي كان أحد الأطفال يحمل عصا يلعب بها فوضع العصا على أحد الفنرات وسحبها بشدة , فحدث صوتاً يشابه صوت إطلاق الرصاص بشكل مستمر , فحدث الهرج والمرج بين الفلاحين لاعتقادهم أن هناك مؤامرة انقلاب من قبل الحزب الشيوعي العراقي المعادي للحكم وستتم تصفيتهم , فترك الفلاحين أحذيتهم وفروا هاربين , وبعد معرفة السبب الحقيقي لهذا الصوت من عمل هذا الطفل كانت هوساتهم واهازيجهم (مليوصة يا حسين الصافي) , و"بسبب هذه المتاعب والرعب والجهود التي بذلتها المنظمات المهنية أشار السيد حسين الصافي لعريف الاحتفال بإعلان يوم غد عطلة رسمية في لواء الديوانية باسم المتصرف , فأستغرب البكر من هذا التجاوز وبحضوره قائلاً لهُ : إنّ هذا القرار ليس من صلاحية متصرف اللواء وإنمّا هو من صلاحية مجلس الوزراء , فقال له وبسرعة البديهية المعروفة عنهُ : يا أبو هيثم انني اتمتع بثقتكم وهي أغلا صلاحية"( 1).
     وبعد تشرين الثاني 1963 حدثَ انقلاب المشير عبد السلام عارف على حزب البعث وميليشيا الحرس القومي التابعة للحزب وما قامت به هذه الميليشيا من قتل واغتصاب وتصفيات جسدية لضحاياها من أعضاء الحزب الشيوعي العراقي تم إيداع السيد حسين الصافي ورئيس الوزراء بعد انقلاب 1963 في السجن , وشملت حملة الاعتقالات عناصر حزب البعث وميليشيا الحرس القومي , وشاءت الصدف أنّ زار الدكتور علي الصافي شقيقه السيد حسين لإبلاغه بخبر سار , فقد رزقه الله ولداً .
      قال له ماذا تسميه يا حسين؟ أجابه سمهِ مصعب , وكان البكر بجواره , فردَ عليه قائلاً اسم مصعب يعود للسُنة وليس بكم يا حسين , أجابه حسين : إنّ اسم ولدي السري هو علي إلاّ أنني اسميته مصعباً لغرض أنّ يعيش معكم , وكان هذا الحوار لا يخلو من المداعبة( 2).
    بعد انقلاب البعث في 17 تموز عام 1968 وعودته للسلطة ثانية , تمَ تعيين حسين الصافي وزيراً للعدل , "وفي مراسيم أداء اليمين في القصر الجمهوري أمام أحمد حسن البكر رئيس الجمهورية ظهرت الصورة في الصحف بأن البكر مبتسماً بابتسامة عريضة تعبّر عن امور خفية , ولدى السؤال من المقربين عن السبب , أجاب البكر لقد تذكرت الهوسات الشعبية (مليوصة يا حسين الصافي).
      استدرك حسين الصافي وتدارك الأمر بعد استيزاره لوزارة العدل حيث قام في مبادرات تصحيحية جريئة بدأت بكسب رضا رؤساء العشائر في منطقة الفرات الأوسط بتقديم الاعتذار شخصياً لهم واقامة ولائم عامرة لكل فرد منهم , وهو في موقع أعلى بالمسؤولية , حيث فتح معهم صفحة جديدة أعاد فيها رصيده الشعبي والأسري , وفي خطوة شجاعة أخرى أصدر قرارات وأوامر وزارية هامة لتعيين عددٍ كبير من المحامين القدامى وبعض الحقوقيين المؤهلين لمناصب القضاة في المحاكم وبدرجات تصاعدية لأغراض التقاعد , وذلك استثناءً من الضوابط المعتمدة . وقد اعتبر مدير عام الوزارة هذه الاجراءات تجاوزاً على صلاحياته فقدم استقالته معترضاً عليها , إلاّ أن الصافي قبِلَ الاستقالة على الفور( 3).

المصدر:
 1-الطفيلي. عبود. رحلة العمر وحصاد الأيام. ج1. دار الرافدين. بيروت. 2014. ط1. ص245.
2- المصدر السابق. ص245.
 3-المصدر السابق. ص246/247.

26
ثورة 14 تموز ومقتل الريس موسى الشالجي في لواء الديوانية
نبيل عبد الأمير الربيعي
      في كل وقت ومرحلة تاريخية جديدة هنالك فساد وإفساد بسبب تدهور الأمن وضعف الدولة الجديدة حتى تستقر وتعيد نفسها وتنفذ القانون بصرامة بحق من يدعو إلى الإخلال بالأمن, كان ضمن معسكر الفرقة الأولى إدارة لتموين وتوزيع المواد الغذائية (الأرزاق) على الجنود ومنها الطعام لمراتب الجيش في الفرقة الأولى أو ما يسمى (القصعة), والثلج أيام الصيف, كان المسؤول عن إدارة تموين الفرقة الأولى في مدينة الديوانية الريس  موسى الشالجي من أبناء مدينة بغداد وبسبب عمله العسكري استقر في مدينة الديوانية, متزوج وله ابن يدعى دريد.
      عام 1958م وبعد الثورة بفترة, و معرفة الريس موسى الشالجي بالفساد الذي حلَّ في صفوف الضباط الصغار ونواب الضباط من سرقة طعام الجنود وما يسمى (الإعاشة) أو الأرزاق, بدأ بالتحقيق في من يساعد على سرقة الارزاق الجافة الخاصة بالجنود ولم تصلهم إلّا كمية من الطعام البائسة والقليلة, نتيجة التحقيق من خلال اللجان وتحديد المفسدين, كانت مكافأة الريس موسى الشالجي بتحريض من قبل بعض الفاسدين ببث إشاعة بأن الريس الشالجي من الخونة والمتآمرين على الجمهورية, وعند حضوره للأشراف على توزيع الارزاق على الجنود بدأ الجدال حول الخيانة العظمى واتصاله بالعملاء الإنگليز عن طريق الاتصال بهم تلفونياً وهي تهم بعيدة كل البعد عن سيرة وسلوك الشالجي, البعض يقول سبب مقتله أنه كان يختبر بعض المراتب لغرض الترقية, ويبدو أنّ فشل عدد منهم في الامتحان ,دفع الجنود إلى الهجوم عليه والاعتداء بالضرب بواسطة الحراب والسكاكين والأعمدة, مما سبب فقدان حياته, هجوم الرعاع على الشالجي أدى إلى مقتله في الحال من بعض الجنود الغوغاء, وبدأ جثمانه يُشد بالحبال والسحل في شوارع وأزقة مدينة الديوانية, حيث بدأ سحل الجثمان من باب مقرّ قيادة الفرقة الأولى في صوب الشامية و باتجاه مركز المدينة, حتى انسلخ لحمه عن عظامه, وكانت عملية السحل قد وصلت بمرور الجثمان على داره ومحاولة الهجوم على ولده وزوجتة لقتلهما, لكن كانت الزوجه حذرة بعد معرفة الخبر من الجيران بما فعل الجنود الغوغاء بجثة زوجها, فأقفلت باب الدار الخارجي عليها خائفة مرعوبة باكية حاضنة لطفلها, الغوغاء لم يكتفوا بذلك بل ربطوا أرجل الجثة بالحبال وتمّ تعليقها على شجرة اليوكالبتوز وأمام بناية متصرفية المحافظة, وما قام به (جاسم أبو الحبو) بقطع اصبع اليد اليسرى وهو (البنصر) ليحصل على حلقة زواج الشالجي الذهبية.
       بعد هدوء عاصفة الغوغاء, أخذت الزوجة ابنها مغادرة مدينة الديوانية متجهة إلى بغداد لمقابلة الزعيم عبد الكريم قاسم واطلاعه على ما فعل الضباط والجنود بالريس موسى الشالجي, كانت النتيجة وبعد أن هدأ الحال وتمّ انزال الجثة, تبيّنَ للهيئة التحقيقية حقيقة ما حصل للرجل, فتمّ اعتقال العديد من هؤلاء وأشيع وقتها أن الإجراءات القانونية قد اتخذت بحق عدد منهم وقد تمّ إحالة الضباط والجنود إلى المحكمة العسكرية والحكم عليهم بالإعدام رمياً بالرصاص في ساحة الرمي في مقر الفرقة الأولى, والبعض ناله السجن ومنهم مشكور السماك, وهذا عقاب الجناة والفاسدين والقتلة وكل من يعتدي على الآخرين, كانت سادية الناس ووحشيتهم ما فعلوا من فعل شنيع ومن اطلاق النِّسوَة الغافلات الهلاهل والزغاريد لما يصنع الأوباش, وهتافات الرجال والشباب وصراخهم ودعواتهم بالانتقام من المتآمرين والخونة, وهي تهمة جاهزة لكل من يرغب بالانتقام من الخصم السياسي أو العشائري أو الطائفي, أو ثأراً لعداء قديم بين طرفين, بذلك كان توظيف جريمة القتل لأسباب سياسية ووطنية غير حقيقية.

27
السيرة الذاتية لصبري أفندي كما يرويها الدكتور فاروق برتو(4-4)
نبيل عبد الأمير الربيعي
إمارة الكويت والزعيم قاسم وصبري أفندي

      انتبهت حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم إلى وجود صبري أفندي على قيد الحياة عندما قرر قاسم ضمّ الكويت إلى العراق , فقام بعض الصحفيين بمقابلة صبري أفندي ليحصلوا منه على تصريح بأنه كان يدفع شخصياً راتب شيخ الكويت وموظفي الدولة فيها على اعتبار أن الكويت كانت تابعة لولاية البصرة أيام الحكم العثماني . وكان الغرض من ذلك طبعاً مساندة ادعاء الحكم بتبعيّة الكويت إلى العراق . وقد أكد صبري أفندي ذلك فعلاً وتمّ نشره في الصحف.
   يذكر فاروق برتو في مذكراته حول ساعة وفاة صبري أفندي في ص61 قائلاً :"توفي صبري أفندي عام 1961م , وقد عاشت زوجته نجيبة في نفس الدار البسيطة وكانت احوالها المعاشية صعبة إلى حدٍ ما , إذ كان دخلها الوحيد هو راتب ابنها كمال , بعد أن كان صبري أفندي قد أوقف أكثر ما يملك من دور وممتلكات وقفاً ملّياً (للمنفعة العامة) , وباع داره الكبيرة لمواجهة تكاليف الحياة . وقد توفيت زوجته نجيبة تلك الانسانة الطيبة في عام 1975م".








28
السيرة الذاتية لصبري أفندي كما يرويها الدكتور فاروق برتو(3-4)
نبيل عبد الأمير الربيعي
صبري أفندي وأحدث فرهود محلات اليهود  في مدينة البصرة حزيران 1941م
  في شهر آيار 1941م قامت ما سُميت بحركة رشيد عالي الكيلاني , كانت مصادر المعلومات حول الحركة يتناقلها راديو (بغداد ولندن وبرلين وأنقرة باللغة العربية) , وقد لجأ الوصي عبد الإله إلى البصرة فاراً من بغداد يرافقه عدد من وزرائه , والتحق بهم صالح جبر الذي كان متصرفاً للواء البصرة يومذاك , وقد أقاموا حسبما قيل على ظهر بارجة عسكرية بريطانية في شط العرب.
   كانت الحياة تسير بصورة اعتيادية في مدينة البصرة رغم تأزم الموقف ونُذُر احتلالها من قبل البريطانيين , كان الجو متوتراً في المدارس الثانوية والمتوسطة حيث توقفت الدراسة وتجمع الطلبة وشاركوا في المظاهرات , وبعد أيام دخل البريطانيين العشار متوجهين لاحتلال بناية المتصرفية , وقد انتشرت قوات بريطانية بعدئذ في العشار ومن ثمّ بعد أيام وصلت إلى البصرة القديمة . إذ ترك موظفو الدولة وظائفهم وانصرف أفراد الشرطة إلى بيوتهم وساد شعور بضعف الأمن في المدينة , يذكر د. فاروق برتو في مذكراتهحول تلك الأحداث قائلاً ص79/83 :"وما هي إلاً بضع ساعات حتى بدأ (الفرهود) في سوق البصرة القديمة بكسر وسرقة مخازن ودكاكين اليهود أولاً وتلاه الهجوم على مخازن المسلمين... لم تحدث حسب علمي اعتداءات على اليهود ولم تُهاجم دورهم في فرهود البصرة القديمة , ولا أعلم ما حدث في العشار , وفي مساء ذلك اليوم اجتمع عدد قليل من وجوه محلتنا وعلى رأسهم صبري أفندي وقرّروا تنظيم حراسة المحلة حتى صباح اليوم التالي وتزويد عدد من شباب المحلة بأسلحة بسيطة للقيام بذلك . وأحسب أن شيئاً مماثلاً جرى في العديد من محلات البصرة ذلك المساء . كان والدي حينئذ رئيساً لبلدية البصرة بالوكالة إضافة إلى عمله محامياً , وكان رئيس محاكم البصرة بريطانياً يدعى مستر لويد , وما أن سقطت البصرة حتى استبدل لويد ثيابه المدنية بملابس عسكرية حاملاً رتبة عقيد في الجيش البريطاني واصبح مستشاراً لقائد جيش الاحتلال وقيل أنه كان الحاكم الفعلي للبصرة.
      في مساء اليوم الثاني من الفرهود أعلن منع التجول وحالة الطوارئ من قبل هيئة تشكلت للمحافظة على الأمن برئاسة أمين العاصمة أرشد العمري , وتدخلت الشرطة لإيقاف الاعتداءات والسرقات , وبعد ذلك صدر بيان يمنع إخفاء البضائع المسروقة والاحتفاظ بها ويأمر بتركها في مواقع تم تعيينها مع التهديد بعقوبات قاسية لمن يُعثر عليها لديه.. و"أخذ الهدوء والأمن يعودان شيئاً فشيئاً".
 









29
السيرة الذاتية لصبري أفندي كما يرويها الدكتور فاروق برتو(2-4)

نبيل عبد الأمير الربيعي
قصة أغنية صبري أفندي صندوق أميني البصرة
امتلك صبري افندي بستاناً صغيرة جميلة (بقجة) كما كانت تسمى باللغة التركية , في محلة المعصرة بالبصرة . والمعروف أنّ تلك البقجة كانت مرتعاً للطرب والرقص في شبابه تحيي لياليها المطربات والراقصات ومنهن صديقة الملاية نفسها , ويقال أنّ مغنية أخرى هي أول من غنّى الأغنية التي مطلعها :
لفندي لفندي عيوني لفندي الله يخلّي صبري صندوق أميني البصرة
لكن الأغنية ذاعت وانتشرت عندما غنتّها صديقة الملاّية ثم عدَّت من أغاني التراث الشعبي . إلا ان الأستاذ حامد البازي يروي قصة (صبري أفندي) مع الأغنية بشيء من الإفاضة اذ يذهب إلى أنهُ كان هناك مغنية حلبية اسمها (حياة) , وكان والي البصرة (الدروبي) يحبها , ولكنها كانت لا تأبه بحبه , ولذلك أرادَّ الانتقام منها , فساق ولدها للخدمة العسكرية بينما لم يكن قد بلغ السن القانوني للجندية , وكان صبري أفندي بحكم وظيفته المالية عضواً في لجنة السوق العسكرية , وقد استاء من عمل الوالي ورفض قرار السوق , ما أدى إلى أزمة بين الوالي وصبري أفندي انتهت بأن دفع صبري البدل النقدي عن ابن المغنية وهو حل وسط ، اذ استاء صبري من أن يرى الوالي ينزل إلى درجة الانتقام من المغنية بالخروج على القانون . وبرغم أن صبري أفندي كان يحب الطرب فهو لم يعمل فاحشة أو يشرب خمراً طيلة حياته ، على أثر هذا الحادث نظمت المطربة حياة الأغنية بنفسها واعتقدت أن صبري أفندي يحبها فحاولت التحرش به . ولما رفض ذلك أشارت عليه أن يعاشرها (بسكوت) أي سراً , ولكنه رفض ذلك , وقد غنت (حياة) تلك الأغنية وكان ذلك في العام 1912م في حديقة صغيرة تقام عليها اليوم بناية محاكم البصرة . وكان من ضمن مقاطع هذه الأغنية :
بلسكوت بلسكوت.. عاشره بلسكوت..
الله يخلي صبري.. صندوق أمين البصرة
رمانتين بفد أيد متنلزم
غير ان الأستاذ البازي كان قد ذكر بان المطربة (نجاة) غنت هذه الأغنية في ملهى (اولكا) في البصرة في العام 1912م , وغناها عبد الله أفندي مسجلا ذلك اسطوانة حاكي (كرام فون) سنة 1928م , ثم غنتها صديقة الملاية وسجلتها على اسطوانة العام 1926م فاشتهرت بها وكان الناس اذا ارادوا ان يصفوا شخص بالكرم والنزاهة يقال له : (قابل انت صندوق امين البصرة)، ولكنه عاد مستدركاً أنه في سنة 1928م غنى المطرب إسماعيل أفندي هذه الأغنية مسجلة على اسطوانة (بيضافون) , وعلى وجهها الآخر أغنية (رمانتين بفد أيد متنلزم) , وفي سنة 1932م غنت المطربة البصرية صديقة الملاية (فرجة بنت عباس) هذه الأغنية على اسطوانة أيضاً , وألحقت بها ما يشير إلى بصريتها , مثل قولها (يا عسكر السلطان بالبر يخيمون) مشيرة إلى معركة الشعيبة . كما قالت أيضاً (ما تنفع الحسرات) (رحنه من ايديهم) مشيرة إلى ضياع البصرة من ايدي العثمانيين . ويتابع : ليس لي إلاّ أن اعرج على ما ذكره الاستاذ المرحوم أمين المميز بكتابه (بغداد كما عرفتها) في معرض كلامه عن بعض فئات المجتمع البغدادي . أي الفتيان المعروفين بوسامتهم وجاذبيتهم والذين كثيرا ما ترددت أسماء بعضهم في الاغنيات والبستات البغدادية التي كانت تغنى في المقاهي البغدادية المعروفة . وقد حشر الأستاذ المميز اسم (صبري أفندي) الذي خلب الألباب بوسامته وجماله ضمن هذه الفئة التي خلدت البستّات أسماءهم ومنها بستة :
الأفندي الأفندي.. عيوني الأفندي
الله يخلي صبري.. صندوق امين البصرة بس إلي وحدي







30
السيرة الذاتية لصبري أفندي كما يرويها الدكتور فاروق برتو(1-4)
نبيل عبد الأمير الربيعي
 
    صبري أفندي (صندوق أميني البصرة) , الاسم الذي كان يتداول بين الناس ثلاثينيات القرن الماضي بسبب الأغنية الشعبية التي خلّدت اسمه فيها المطربة (صديقة الملاّية) , حيث ذاع لقب (صندوق أيني البصرة) في عالم الطرب العراقي.
    يروي لنا الدكتور العراقي المغترب فاروق عبد الجليل برتو في كتابه الموسوم (ذكريات عراقية عن الكفاح والاحباط – والإرادة والأمل – العراق 1928م-1969م) السيرة الذاتية للدكتور برتو خلال الحقبة الزمنية من حياته قبل خروجه من العراق والهجرة إلى النمسا , لقد سلط الضوء على حياته العائلية وحياته السياسية وانتماءه لصفوف الحزب الشيوعي العراقي , والسيرة الذاتية لصبري أفندي زوج عمته نجيبة.
     ولد صبري أفندي محمد ملّة سلمان في لواء البصرة عام 1875م , وتخرج من المدرسة الرشيدية وتسلم خلال حياته وظائف عدة منها : مدير مالي في لواء البصرة , وصندوق أمين البصرة لولاية البصرة.
       يذكر د. فاروق برتو في ص56 من كتابه واصفاً زوج عمته قائلاً : "كان صبري افندي فارع القامة , عريض المنكبين , متين البنيان مهيباً , جميل الصورة , يمتاز بالأخلاق الحميدة , والكرم , ويقرض المحتاجين , ويتصدق على الايتام , منذُ رأيته في طفولتي وهو ابن الخمسين عاماً (د. فاروق برتو تولد 1928م) أو حواليها , كانت له لحية بيضاء خفيفة تحيط كامل وجهه . كما كان يضع على رأسه الفينة (الطربوش) ويرتدي جُبّة بيضاء تزيد صورته جلالاً".
      الكثيرين خارج البصرة ربّما يحسبونه شخصية أسطورية , وذلك لما للقب (صندوق أميني البصرة) من وقع تركي عصملّي (عثماني) على السمع , إلا أن صبري أفندي ظلّ منذ شبابه محباً للعثمانيين ولتركيا الكماليّة بعدهم . يذكر الدكتور فاروق عبد الجليل برتو في كتابه ص56 عن زوج صبري أفندي قائلاً : "وظلّ منذُ عرفته عن قرب في طفولتي وبداية شبابه مُحباَ للعثمانيين وحكمهم".
     ومن الغريب أن بعض الأشخاص , ممن لم تكن لهم علاقة أو صلة تذكر , شاءوا أن يرددوا عنه وعن شخصيته مؤخراً في وسائل الاتصال الحديثة (Face book) حكايات عن الواقع فصورّوه حسبما شاءت خيالاتهم أو أغراضهم.
زواجه الأول
     كان صبري أفندي متزوج من ابنة خالته , التي ولدّت له (فاضل وأحمد) , توفيّ فاضل مبكّراً بمرض السل , وله ولد اسمه عباس وبنت اسمها خالدة . أما أحمد (يعرف باسم أحمد أيوب) , فقد كان شخصية ظريفة محببة بالنسبة لأقربائه , أكمل الدراسة الثانوية واشتغل كاتباً في محاكم البصرة , كان أحمد طويل القامة وسيماً , سريع النكتة حاضر البديهية , كريم النفس , يتذكره الدكتور فاروق برتو في مذكراته قائلاً ص59/60 : "ما زلت أتذكر أن أهلي كانوا يعطونني (عيديّة) خمسين فلساً (درهماً) كلّ يوم من أيام العيد وأنا صغير , وعندما رآني أحمد في الشارع صدفة أوقفني وقال لي : عيدك مبارك يا فاروق وأعطاني ريالاً , وكان ذلك أول ريال (قطعة فضية كبيرة تعادل مائتي فلس) امتلكته وأريحية كبيرة من عمّو أحمد . أما صبري أفندي أو جدّو صبري كما كنت أسميّه فكان يمنحني عشرين فلساً , وكانت العملية تستغرق عدة دقائق عادةً إذ يطلب مني أن أفتح كفي ويتباطأ في وضع الفلوس فيه فلساً فلساً أو آنة بعد أخرى (آنة أو عانة وتعادل أربعة فلوس , والكلمة لعملة هندية) مستأنساً باستثارة رغبتي وطمعي في المزيد , وكان يكرر ذلك مع كافة أطفال العائلة في الأعياد".
    تزوج أحمد من امرأة اسمها لُطفية تقرب إلى عائلته , كان بينهما حب واعجاب متبادل قبل الزواج , وكان ذلك أمراً يقرب من المُنكر في تلك الأيام . كانت لطفية معلمة مدرسة ابتدائية في بغداد فانتقلت للتدريس في "إحدى مدارس البصرة , ولأنها كانت سافرة لا ترتدي العباءة التي كانت سائدة كنوع من الحجاب للنساء , فقد استقبلت من قبل نساء وأفراد عائلة صبري أفندي ومن سكان المحلة بالاستنكار والتشنيع , ولعلها كانت ذات مزاج انعزالي , وقد سكن الزوجان في دار عائدة لصبري أفندي وبالقرب منه . كان للاستقبال وللعلاقات المتأزمة والمشاكسات التي واجهتها أسوأ الأثر على لطفية , إذ أصيبت باضطراب عصبي وعقلي واختفت عن البصرة عائدة "إلى بغداد بعد مرور سنوات قليلة على زواجها من أحمد , ثم طلقت منهُ , ولا شك أن أحمد قاسى الكثير وحزن عليها حزناً كبيراً فأدمن على شرب الخمر (العرق) وأصيب بمرض تشمّع الكبد ومات بصورة مأساوية وهو في العقد الرابع من العمر.
    ولدت لطفية لأحمد ولداً لطيفاً وسيماً اسمه رياض , اشتغل مفوضاً في الشرطة في البصرة , ثم نقل إلى بغداد وتزوج من حذام ابنة عمته فاطمة , ثم نقل مكان عمله "إلى شمال العراق ثم سيق للمشاركة في الحرب العراقية الإيرانية وفقد أثره فأدرج اسمه في قائمة المفقودين.
زواجه صبري أفندي الثاني
    تزوج صبري أفندي مرة ثانية من السيدة نجيبة حسن  عثمان برتو المولودة في مدينة الديوانية عام 1893م/ 1311 هـ لوالد يعمل موظفاً في المدينة عند ذاك , وقد جاء جدها عثمان إلى العراق من تركيا للعمل ناظراً للأوقاف في بغداد حيث تزوج من إحدى بنات حبيب أغا قرة بير التي ولدت له حسن برتو . وولدت نجيبة لصبري أفندي بنتاً هي فاطمة وولد اسمه كمال.
    أكملت فاطمة دراستها المتوسطة وعينت مباشرة معلمة في "إحدى المدارس الابتدائية في البصرة , تزوجت من عبد المجيد يوسف السالم البدر الذي كان عندئذ ملازماً في الجيش , وقد كوّنا أسرة كبيرة من أولاد وبنات , وقد فجعت الأسرة بمقتل ابنها زياد وهو مجند في الحرب العراقية الايرانية . وأصبحت أخته حذام نائبة في مجلس النواب أيام حكم صدام.
   أما كمال فقد تزوج ورزق بأطفال ولكنه فجع بولده الكبير عصام الذي جُند وقتل في الحرب العراقية الايرانية , وقد اضطر كمال لترك البصرة بسبب ظروف الحرب القاسية وانتقل للعيش في الخالص في محافظة ديالى.
    كانت دار صبري أفندي تقع في محلة الصبخة الصغيرة , وهي إحدى المحلات الواقعة على نهر البصرة (المدّة) الذي يخترق المدينة متفرعاً من شط العرب وجارياً من العشّار حتى نهاية المدينة القديمة . والدار ملاصقة لدار السيد عبد الجليل برتو والد الدكتور فاروق برتو والمناضلة الشيوعية بشرى برتو . ودار صبري أفندي هي دار كبيرة بمقاييس تلك الأيام , وتتكون من طابقين تتوسطها باحة (حوش) مرصوف بالطابوق الفرشي , وهناك في الطابق الثاني غرف عديدة أهمها وأكبرها طبعاً غرفة صبري أفندي بزجاج نوافذها الملّون الجميل وجدرانها وسقفها من الخشب المنقوش , ومقابل غرفة صبري أفندي كانت هناك دائماً منضدة صغيرة وضعت عليها (تنكة) وعاء معدني يكبس فيه التمر للاستهلاك المحلي تحوي عادة نوعاً فاخراً من تمور البصرة أو المعسّل (وهو تمر مكبوس يضاف إليه لبّ الجوز وتوابل خفيفة) . تنكة التمر هذه مخصصة لاستعمال صبري أفندي فقط.
    وقد تملّك صبري أفندي عدّة دور في المنطقة المحيطة بالبستان (البقجة) الذي بُنيت على موقعه محكمة البصرة في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي , كان صبري أفندي يعتبر من الموسورين نسبياً , وكان كريماً معطاءً فاتحاً داره لاستضافة الأقرباء والأصدقاء الكثيرين.
    يذكر د. فاروق برتو في ص 101 من مذكراته أن صبري أفندي كان ملتزماً دينياً وبشعائر الاسلام , "كان الكثيرون من المسلمين يسيرون على نفس المنوال , إذ يبدأ التزامهم بتلك الشعائر عند بلوغهم سن الشيخوخة . كذلك لم يفرض صبري أفندي زوج عمتي وجارنا في السكن في البصرة وهو الملتزم بالشعائر على فؤاد وعائلته الكبيرة الالتزام بها وهو في شيخوخته . ورغم اسلوبه الصارم في التعامل معهم في شؤون الحياة الأخرى".

31
الأدب والفن في حقبة الحصار الاقتصادي
نبيل عبد الأمير الربيعي
     ما فعل الحصار الاقتصادي على أبناء الشعب العراقي الكرام من ويلات وعوز وفاقة وتضييق لم يسبق له مثيل خلال فترة التسعينات من القرن الماضي , والسنوات الأولى من القرن الواحد والعشرين , لا اظن شعباً على مرّ التاريخ ذاق مرارة العيش كما ذاقها شعبنا الصابر المكلوم , وكأننا مررنا بسنوات المجاعة والقحط.
     حتى عام 1995 كنت اسمع بين الحين والحين أخباراً سارة تنبئ عن قرب انفراج الأزمة القائمة بين العراق وبين الأمم المتحدة , بشأن اطلاق بيع كميات محدودة من النفط والسماح بتصديره نتيجة المعاناة والكوارث الاقتصادية والنفسية التي أصابت شعبنا , وحرمان الإنسان من ابسط حقوقه في الحصول على الغذاء والدواء ومستلزمات الحياة الضرورية , والتمتع بثرواته مثل بقية الشعوب , إلى أن سمحت الأمم المتحدة أخيراً بعد مخاض عسير واصدرت قراراً بالسماح ببيع كميات محدودة جداً من النفط مقابل شراء الغذاء والدواء والمواد الاساسية (برنامج النفط مقابل الغذاء والدواء) , لكن الحصار ظلَّ سارياً وبقي يضيق الخناق برقاب شعبنا الموجوع الذي وقع بين مطرقة الحصار وسندان الدكتاتورية , التي حكمت العراق بالحديد والنار , كان حصار السلطة على العراقيين كبير وقاسي جداً , منها منع صناعة المعجنات بسبب عدم توفر الدقيق الابيض لأصحاب المخابز والأفران , من صنع الكيك والمعجنات والحلويات والاقتصار على الخبز لشحة الدقيق والسكر , كانت اكواب الشاي المخلوط بنشارة الخشب المصطبغة هي مما توفره وزارة التجارة العراقية وفق توزيع البطاقة التموينية على العراقيين.
     كانت عملية شراء الكتب النفيسة والنادرة ليست بالأمر الهين والسهل وقتذاك , حيث كان البعض يتم تهريبها إلى الدول المجاورة لأجل بيعها بأضعاف سعرها من نفائس الكتب والمجلدات بسبب مافيات الثقافة التي افرغت الشارع من كل ما هو مطلوب , ولم تسلم حتى المخطوطات الهامة غير المحققة من عمليات التهريب المنظم.
    لكن ظهرت شريحة من الناس تقوم باستنساخ الكتب المهربة للعراق الممنوعة من التداول لتلبية رغبات القراء , مقابل ثمن يزيد أو ينقص وفق اهمية الكتاب وقيمته الفنية , لكن السلطة كانت تنشر عناصرها الأمنية في كل مكان حتى قبالة المكتبات وارصفة بيع الكتب في المدن ومنها مدينة الديوانية , كانت الأيادي تتلقف الكتاب بشكل سري ويقبلون عليه اقبال الوحش الجائع أمام فريسته , العراق في حلكة الحصار كان مهرّب الكتاب ومستنسخه ومقروءة , والمكتبات كانت لا تحوي إلا الكتاب الغث والهزيل من مطبوعات وزارة الثقافة العراقية.
     والوضع المزري لمثقفينا كان للأسف الشديد , إن بعضهم قد جندته دوائر المخابرات وما اكثرها , وقد عملوا كمخبرين مهمتهم تدبير المكائد , ولم تسلم حتى الجلسات العائلية الخاصة من هذه العناصر , التي كنا نظن انهم من اخلص الزملاء , لكنهم كانوا يتمتعون بعذابات الآخرين وآلامهم.
      كانت صور التنكيل ضد الأدباء والمثقفين العاملين في مستوى الإعلام تتخذ اشكالاً عديدة , منها الطرد من الوظيفة وزجهم في السجون والمعتقلات حتى وصل الأمر إلى قطع الحصة التموينية عليهم والتي كانت المصدر الرئيس الذي تعتاش عليه الأسرة العراقية , مثل فضلَّ بعض الأدباء والصحفيين والشعراء اعتزال الكتابة نهائياً , وامتهنوا اعمالاً أقل ما يقال منها غير لائقة به منها بيع كؤوس الشاي في كشك أو بيع الخردوات أو لعب الاطفال مقابل ثمن بخس ليعتاش عليه , كان من الصعب أن اشاهد أديب قد جرَّ عربة ثقيلة منادياً على بضاعة الملأى بأطياف الخزف والأكواب وملاعق الطعام , أو عرض وجبته من الحصة التموينية من زيت وشاي ورز ودقيق , اكتب هذا ليعرف عراقيو الخارج كيف كان عراقيو الداخل يعتاشون في ظل نظام الدكتاتور.
     كان الدكتاتور في ظل الحصار يستقبل الكتّاب العرب والفنانين استقبال الأبطال ليمطر العراقيين بتصريحاته النارية وقبل أن يحترم هذا الفنان أو الأديب العربي حقائبه الملأى بالهدايا والأوراق الخضر مقابل تصريحاته المدوية لكسر سلاسل الحصار والصلدة التي حزّت رقاب العراقيين.
     أثناء حقبة الحصار ظهرت اشكالاً غرائبية من الأدباء فتجد مقالاتهم غاية في الرثاثة والضعف الفني من صغار الأدباء الذين بدأوا يظهرون كالفقاعات في الزبد , لكن سرعان ما تنفجر وتخبوا هذه الفقاعات وليمحى أثرها . كانوا يمجدون القائد الضرورة بشكل يصل حدّ التأليه الهدف منه الحصول على رضا القيادة والمطامع المادية , وغالباً ما يشعروا بالصدمة بسبب كلمة (العفيّة) التي يقول القائد لصغارة.
     كانت الصحافة في عهد الحصار موصدة تماماً أمام القوى غير البعثية سواء من الماركسيين أو التيارات الإسلامية غير المنضوية تحت راية الحزب الحاكم , أما الثقافة فكان همها الأساس تمجيد النظام وعيد ميلاد القائد , لكن البعض من الأدباء ذو الحظوظ غير العاثرة غادر العراق للعيش في المهجر خلاصاً من ضغوطات السلطة التي لا تطاق , ومن كانت حظوظه خائبة فقد فضلّ الانكفاء والبعد عن أي نشاط ثقافي , حتى اصبحت الثقافة في عهود الحصار مرعى للدمن والبعر تسرح فيها النعاج والخراف لحماية كلاب السلطة وهم يتحينون المناسبات لحلول يوم الزحف العظيم والبيعة الكبرى وتاريخ ميلاد القائد عسى أن ينالهم شيء من الفتات... حتى ملئت الثقافة بالحنظل المرّ والعلقم اللاذع والطحالب السامة . لكن البعض من المثقفين الحقيقيين ممن عركتهم التجارب وخبرته الحياة بقيت شجاعة ووفية لمبادئها رغم حجب نتاجاتهم.
     جميعنا يعرف ومن عايش فترة الحصار أن مسرحنا العراقي الأصيل قيد شيّع إلى مثواه الأخير , وإن صقوره ونسوره من الممثلين البارعين قد اعتكفوا في بيوتهم واعتزلوا التمثيل , ولم يبق منهم أحد ولا يوجد سوى بغاث الممثلين وصغارهم يلعبون ادواراً هزيلة في مسارح مؤجرة تغلب عليها طابع الكوميديا الهابطة والاسفاف المبتذل والهدف منها لكسب المال والضحك على الذقون وتسخير بعض الراقصات الغجريات لأثارة الغرائز لدى المشاهدين . كان هذا النوع من المسرح الهزيل فقد بقي يعرض مسرحياته البائسة بمباركة السلطة والقائمين على الثقافة لأجل اشاعة الثقافة الرثة وغسل ادمغة الناس من كل ما هو رائق.
    أما مهرجانات المربد وأبي تمّام فكانت مهرجانات تنظمها وزارة الثقافة بظروف استثنائية لضعف الامكانيات المادية , والمدعوون لها فإن معظمهم من أدباء الداخل من العراقيين الذين بقوا في بلدهم صاغرين أو مستضعفين لا حول ولا قوّة ما عدا قلة قليلة من الأدباء العرب وبعض الأجانب.
     لكن الألسن هللت عندما صدرت رواية (زبيبة والملك) المنسوبة لصدام حسين والتي أشير إليها في غلافها الرئيسي عبارة (رواية لكاتبها) , كما رحب المقربون للنظام من الأدباء لها وصفقت لها الأكف ترحيباً واستحساناً , حتى قارن احدهم هذه الرواية بملحمة كلكامش واعتبرها توازي تلك الملحمة في القدرات الفنية الهائلة التي تمتلكها , حتى تم ترجمتها إلى اللغة الفرنسية عام 2000م من قبل (جيل مونيه) أمين عام جمعية الصداقة الفرنسية / العراقية , ثم اعطى صدام حسين توجيهاته إلى كتّاب الرواية في العراق لتمجيد الحروب التي خاضها , فقدرت ما يربو عن ثمانين رواية , كتبت بدوافع من السلطة.
     تُرى لمَ يفعل الزمن السافل بثقافتنا وادبنا العراقي ويطيح بها؟؟ بعدما كانت انظار المثقف الاجنبي للاطلاع على إرث العراق الموغل في القدم , إذ كانت الحضارة السومرية والآشورية والبابلية والأكدية وغيرها مثار اعجاب العقل الأوروبي وغير الأوربي.

32
رثاء المناضل العتيد سامي عبد الرزاق
نبيل عبد الأمير الربيعي
بين الدمعة وبين الهدب والهدب، أستقى حبر قلمي ، وشاء القدر أن أبكيك وارثيك، عن خواطر دارت على مدى عمرك، فأنشب الموت اظافره المدماة في لحمك، فتوقف قلبك عن الخفقان، وتحيرت الدموع في مآقينا، الذين كتب لنا أن نودعك الوداع الأخير اللائق، هنا في بابل، مع العشرات ممن عرفتهم، وناضلت معهم، ولأجلهم، اتصالاً موصولاً ، لا هون فيه، ولا راحة معه، أو تراجع في أمره، على مدى سنوات عمرك، وبعد نيلك شرف الانتماء للحزب، فعرفت أن الحقوق تنتزع انتزاعاً، في ميادين النضال، لا أمام أقواس المحاكم.
كنت تناضل في شدائد الكفاح في سبيل وطن حر وسعب سعيد، وفي سبيل قضيتك، والعدالة الاجتماعية، لو يعلمون وتعلم الاجيال اللاحقة من الرفاق عنكم كيف تسافرون بلا حقائب، وفي ظروف النضال السري والاختفاء عن رجال الامن والبصاصين من كل لون.
لم تُفرّط يا أبا عادل بأي حق من حقوق الوطن، فأحببت فيك كما عهدي، البساطة، يا أبا عادل أن بيتك في الحلة يبكيك وبيتك في السويد يبكيك ايضاً، وفي مُقبل الأيام سيكون للمنزلين تذكار، يا أبا عادل نحن رفاقك تنام في ذاكرتنا مجلل الكفن وضّاء الجبين.
يا ابا عادل طوبى لك نضالك، ودربك الطويل، وطوبى لك دماثة خلقك، وطوبى لك في كل ما أصبت وما أخطأت، فكلنا في العمل نصيب ونخطأ، وهذا شأن العاملين والمناضلين وأنقياء القلوب.

33
قراءة في كتاب د. علي الربيعي (سليم بطِّي .. فتى المسرح العراقي)
نبيل عبد الأمير الربيعي
     يكاد الكاتب والباحث د. علي محمد هادي الربيعي يجعل جهده البحثي مقصوراً على الأدب المسرحي العراقي, فضلاً على كتابات ثرَّه وانيقة نشرت في المجلات والصحف العراقية في مجالات ثقافية مختلفة.
     لقد امتاز الربيعي بأسلوب جميل في البحث والكتابة, ولغة رشيقة انيقة, تحلق بك في اجواء جميلة, وتنقلك من هذا الواقع الحياتي المؤلم, إنه يكتب برومانسية حالمة, تجعلك تجد في الحياة بعض ما تستحق أن يعيش من أجلها الإنسان واضعين في الحسبان قساوة الظروف, وانهيار القيّم النبيلة وتصدعها, وأثر الخيبات الحياتية, والانتكاسات التي مني بها المجتمع العراقي, إن لغة الربيعي الأنيقة والرومانسية جاءت نتيجة قراءاته المعمقة في كتب التاريخ والأدب المسرحي ومصادره, فضلاً على روحه الرهيفة الشفيفة الحالمة.
    إن محبة د. علي الربيعي لأدب سليم بطي المسرحي ونتاجه المعرفي, جعلهُ يجد في بطِّي ايقونة, يتوجه إليها بالاحترام والتقدير, لذا رأيناه يذب عنهُ عاديات الزمن في البحث والكتابة.
      عرفت الأستاذ الدكتور علي محمد هادي الربيعي المولود في مدينة الحلة باحثاً حصيفاً محلقاً, ومدوناً وموثقاً لتأريخ المسرح العراقي منذُ اهتمامه الجاد في هذا المجال, ذا نفسٍ طويل في البحث والتدقيق والتوثيق, نشر بعض مؤلفاته في مجال تاريخ المسرح العراقي منها : (تاريخ المسرح في الحلة, الخيال في الفلسفة والأدب والمسرح, المسرحيات المفقودة, محمد مهدي البصير رائد المسرح التحريضي في العراق, اسكندر زغبي زجالاً ومسرحياً, مسرحيات نعوم فتح الله سحار المفقودة, المسرح المسيحي في العراق, اسهامات يهود العراق في المسرح, شالوم درويش وجهوده في فضاء المسرح العراقي, أنور شاؤل وجهوده في المسرح العراقي, ثورة الزنج في المسرحية العربية, وكتابه الأخير سليم بطي فتى المسرح العراقي) , كما عرفته باحثاً دؤوباً في الأدب والثقافة, ولا أدل على دأبه وقوة شكيمته في البحث والتنقيب عن النصوص المسرحية لفتى المسرح العراقي سليم بطِّي.
      الدكتور علي الربيعي لهُ نفس طويل في البحث الذي يحتاج إلى صبر ومطاولة ومصاولة, والغوص في بطون المصادر والمراجع والمظان بحثاً مصوباً بكثرة التنقل والتوقل, ومراجعاً, ذلك على النسخة الأم التي غالباً ما تكون الأقدم تاريخياً, وقد اعتمد في أكثر مؤلفاته على الصحف اليومية التي هي أكثر دقة في التواريخ ونقل الأحداث ومواعيد اقامة المسرحيات, ومثال ذلك كتابه الأخير سليم بطِّي فتى المسرح العراقي, الذي اعتمد على الصحف والمجلات في تأليفه. لقد قرأت واستقرأت بمتعة وشغف, وأكثر من قراءة واحدة, الكتاب الذي امضى الدكتور الربيعي أكثر من سنة في كتابته.
    في كتابه الأخير موضوع البحث (سليم بَطِّي فتى المسرح العراقي) الصادر عن اتحاد الأدباء والكتاب السريان في العراق/ اقليم كردستان هذا العام, ويقع في 405 صفحة من الحجم الوزيري, ويبدو أن الكتاب الذي جاء خِلّواً من دار الطبع أو الطبعة والفهرست, وهذا من ضرورات النشر وأولياته, فضلاً عن خِلّوا الكتاب من عنوان الفصل الرابع وقد يكون قد سقط سهواً, يذكر الدكتور الربيعي حول معاناته لتوثيق السيرة الذاتية لسليم بطِّي وهو شقيق الصحفي رفائي بطي, مع العلم أن رفائيل بطي في مذكراته (رفائي بطي ذاكرة عراقية) من اعداد وتحقيق فائق بطِّي لم يذكر عن سليم بطي أي شيء برغم أن سليم بطي كان يكتب في جريدة البلاد وفي باب الفنون, حتى توصل الربيعي بالاتصال بباهر سامي رفائيل بطِّي ليدلي له بالمعلومات عن عم أبيه سليم بطِّي وعن ابنائه الذين ما زالوا يعيشون منتشرين في اقطار الأرض.
     كانت صعوبة البحث في توثيق تاريخ سليم بطي المسرحي والروائي بالنسبة للدكتور الربيعي بسبب عدم توفر تلك النصوص المسرحية المطبوعة والمخطوطة في المكتبات العامة والخاصة, فقد أخذت من وقت الربيعي السنوات في البحث على وقع ضالته ففي صفحة 8 من الكتاب يذكر الربيعي قائلاً : "تحقق لي أن وجدت نصٍ لمسرحية (تقريع الضمير) في أكداس من الكتب العتيقة عند بائع للكتب المستخدمة في شارع المتنبي.. وبعد سنوات أخر من التفتيش عثرت على نص مسرحية (الأقدار) في كدس من الكتب على قارعة شارع المتنبي, والنص المطبوع الثالث حصلت عليه من خلال بحثي في أعداد مجلة الحاصد, فقد نُشرَ فيها. أما النص المطبوع الرابع (طعنةً في القلبِ) فلم أحظ به برغم أنني انفقت في البحث عنه سنوات طويلة, وبقي عصياً على الوجود وربما في قابل الأيام ينفرج لنا الأمر ونحصل عليه".
    هناك نصوص ثلاثة مخطوطة ألفها سليم بطِّي في مجال المسرح وقدمها في وقته على خشبة المسرح هي مفقودة منها ( ضحيا اليوم) و(المساكين) و(خدمة الشرف), والمسرحية الوحيدة التي ظفر بها الدكتور الربيعي هي مسرحية (ضحايا اليوم) التي وجدها في خزانة المرحوم الأب الدكتور بطرس حداد في كنيسة مريم العذراء في الكرادة الشرقية في بغداد صفحة 9.
     قسم الربيعي كتابه (سليم بطِّي فتى المسرح العراقي) على خمسة فصول وملاحق, الفصل الأول حيث اعتنى بحياة الراحل قائلاً في ص16 :"سليم بن بطرس بن عيسى بن عبد النور بطِّي المولود في مدينة الموصل سنة 1908م من أسرة مسيحية الديانة, كان والده يعمل حائكاً وكانت الاسرة تعاني من عسر الحال وشظف العيش, فهي تضم خمسة أبناء" , كان تسلسل سليم الثالث بين أشقاءه , إذ أكمل سليم بطي دراسته الابتدائية في مدرسة مار توما للبنين في الموصل , وانهى دراسته الاعدادية في سنة 1927م , يذكر الدكتور الربيعي في صفحة 19 قائلاً: "ووجد نفسه مرغماً على أن يعمل لإعالة نفسه بعد أن بقي لسنوات طويلة يعتاش على شقيقه (رفائيل بطي), وأغوته الصحافة وأخذ يكتب في صحيفة (البلاد) في باب الفنون والأدب, وكان يترجم المقالات ويكتب النقد الفني, وبدأ يكسب قوته من عمله, ثم انتقل؟ إلى العمل الحكومي حيث عيِّن موظفاً في مديرية التقاعد العامة في بغداد, وبقي يعمل فيها حتى وفاته في بيروت في الرابع عشر من شهر ايلول سنة 1953م".
    أما الفصل الثاني من الكتاب فقد احاط الدكتور الربيعي بمنجز سليم بطِّي في فضاء النقد المسرحي, وقد بذل الربيعي الجهد الكبير في جمع كل ما كتبه بطِّي في هذا المجال, حتى تم نسخ نقوداته على الهيئة نفسها التي حلت بها في مظانها, فقد كتب سليم بطِّي مقالاته النقدية في الصحف العراقية ومنها جريدة البلاد تحت اسم خفي (كين) وفي أحيان أخر يوقع باسمه الصريح, يذكر الدكتور الربيعي في صفحة 35 قائلاً :"وما يميز مقالاته انها تلابس الموضوعات المكتوب عنها بشكل لا يضاهيه في أحد من النقاد في ذلك الوقت. فهو قد اشتغل في المسرح ممثلاً ومخرجاً ومؤلفاً, واتقن تقانة تامة معارف المسرح وسبر اغوارها, وعندما بدأ بكتابة النقد المسرحي ترشحت كتاباته عن دراية ومهنية عالية... وآخر مقالة نقدية له كانت تحت عنوان (مسرحية توتو – فرقة فاطمة رشدي) التي نشرها في جريدة البلاد بعددها 736 في 20 تشرين الثاني 1946".
    أما الفصل الثالث فقد احتفى بدراستين مهمتين كتبهما سليم بطي في علوم المسرح معارفه, نشرتا في جريدة البلاد العدد 190 بتاريخ 25/6/1930 وفي مجلة الحاصد العدد 9 بتاريخ 25/6/1936, في وقت لم تكن جذور للفن المسرحي وتغلغله عميقاً في العراق. ونسخ الدكتور علي الربيعي هاتين الدراستين نسخاً مقابلاً, ووضع لها الحواشي الذي اراد من ورائها أن يزيد من ثرائها, كانت الدراستين عبارة عن مقالتان طويلتان كتبهما بطي ونشرهما بسلسلة حلقات في جريدة البلاد ومجلة الحاصد, يذكر الدكتور الربيعي في صفحة 112 قائلاً :"وأحسب أن الذي دفع بطِّي إلى كتابة هاتين الدراستين هو واقع المسرح العراقي في وقته... فجاءت الدراستان لتردما الفجوات التي قابلت وتقابل المسرحيين في مسالكهم, وتنتشلا المسرح العراقي من واقعه المسطح, وتؤشر عوامل النهوض والارتقاء بفني التمثيل والاخراج". وقد جاءت الدراستين نتيجة لما تراكم عند الراحل سليم بطِّي من خبرة ميدانية وشخصانية خاضها في مجال المسرح المدرسي في فرقة مدرسة التفيِّض الأهلية, كما عمل ممثلاً ثانوياً في فرقة جورج أبيض أثناء زيارة الفرقة إلى العراق سنة 1926م, وعمله كممثل مع الفرقة الوطنية بوصفه أحد مؤسسيها سنة 1927م, فضلاً عن اطلاع بطي المباشر على اداء عزيز عيد مع فرقة فاطمة رشدي في زيارتيها المتكررتين إلى العراق سنة 1929م/ و1930م, والتعرف على آخر مستحدثات المسرح, ومشاهداته للعروض المسرحية العراقية, كل ذلك اكسبه دراية وخبرة فنية عالية, فضلاً عن نبوغه بوصفه مبدعاً.
     وقد حملَ الفصل الرابع من الكتاب المقالات الصحفية التي لاحقت سليم بطِّي ومنجزه المسرحي بالدراسة والتحليل والنقد, وهذه المقالات كتبت بأقلام أدباء وصحفيين مجايلين لهُ, لكن هذه المقالات حفظت منجز سليم بطي من المسرحيات التي ضاعت أخبارها, وتعد صفحات مجهولة في مسرد المسرح العراقي, كما بحث الدكتور الربيعي عن منجز الراحل بطي المخطوطة والمفقودة من خلال اعلانات الصحف عن منجز بطي المسرحي ونشاطات الفرق المسرحية العراقية.
     فقد نشرت مجلة الحاصد في عددها السادس بتاريخ 4/6/1936 مقالاً حول مسرحية بطي  (خدمة شرف) التي مثلت من قبل فرقة بابل يوم الخميس الموافق 28/5/1936 برئاسة محمود شوكت وعضوية جميل عبد الأحد وابراهيم معروف ونعيم الجواهري وغيرهم من الممثلين, التي تم تقديم عروضها في بغداد والبصرة والعمارة. كما نشرت جريدة البلاد بعددها 590 الصادرة بتاريخ 9/6/1935. أما مجلة الحاصد فقد نشرت دراسة قدمها الاديب والناقد شالوم درويش حول مسرحية بطِّي (طعنة في القلب) بعددها 31 الصادر بتاريخ 26/11/1936, لكن لم يرق لسليم بطِّي ما كتبه الناقد شالوم درويش, فقام بالرد عليه بمقال مطول وجهه إليه بعنوان (طعنة في القلب – رد المؤلف على الناقد) التي نشرتها مجلة الحاصد بعددها 33 الصادرة بتاريخ 10/12/1936. ثم علق على مسرحية (طعنة في القلب) الناقد عبد الله رمضان.
      وقد نشرت دراسة حول رواية بطي (المساكين) التي مثلت على مسرح الف ليلة في جريدة العالم العربي العدد 5419 الصادرة بتاريخ 14/7/1945. وقد قامت بدور (ترفة) الفنانة المعروفة السيدة نظيمة ابراهيم, وكان النقاد ستأملون لها مستقبلاً باهراً في التمثيل على المسرح وفي السينما.
     أما الفصل الخامس من الكتاب فقد خُصص للنصوص المسرحية التي ألّفها الراحل سليم بطِّي وحظيت بثلاثة نصوص مطبوعة ونص مخطوط واحد, ونسخت هذه النصوص من قبل الباحث د. الربيعي على الهيأة نفسها التي حُررت بها, وقد زاد عليها الباحث تعليقات وحواشي من وراء وجودها. ثم اتبع الدكتور الربيعي الكتاب بملاحق ثلاثة لأثراء الكتاب وتثبيت معلومات مجهولة ذات صلة بموضوعاته.
    إلا أن الراحل سليم بطِّي مع كل ما كتبه حول المسرح من تأليف ونقد مسرحي, لم يغب عن الحضور في فضاء القص العراقي, بل كان مساهماً فيه بمائزة فكتب القصة مبكراً, يذكر د. الربيعي في صفحة 24 من الكتاب قائلاً :"فقارئ قصصه سيجد انما عالجت موضوعات أخلاقية وتربوية, وعادات سيئة استحكمت في العديد من العائلات العراقية, مثل الخيانة والإدمان والزنا والقتل والسرقة والاغتصاب وغيرها. وكان يعرض هذه الموضوعات من خلال سلوكيات الشخصيات المتضادة, لينتصر في الأخير "إلى السلوك القويم الذي يعده المثال الذي يُحتذى به, ومن قصصه : (قلب صخر) نشرت في جريدة الوطن العدد 86 سنة 1929م,  و(الزوج السكير) نشرت في جريدة البلاد العدد 4 سنة 1929م, و(ضحية رأس السنة) نشرت في جريدة البلاد العدد 45 سنة 1930  و(تحت ستار الظلام) نشرت في جريدة الاخبار العددان 12/ 14 لسنة 1931, و(في العرس) نشرت في جريدة البلاد العدد 35 لسنة 1929, و(الأثر الدامي) نشرت في جريدة البلاد العدد 123 سنة 1930,  و(تقريع الضمير) نشرت في جريدة البلاد العددان 133/ 134 لسنة 1930, و(ضحية) نشرت في جريدة البلاد العددان 200/ 202 لسنة 1930, و(المهاجر) نشرت في جريدة التقدم العددان 213/ 214 لسنة 1930, و(في النادي) نشرت في جريدة الزمان العددان 277/ 278 لسنة 1930, و(تحت ستار الظلام) نشرت في جريدة الاخبار العددان 12/ 14 لسنة 1931,  و(هو الحب) نشرت في جريدة الاخاء الوطني العدد 1 لسنة 1931, و(اميليا) نشرت في جريدة الاخاء الوطني العددان 3/ 4 لسنة 1931, و(صياد النساء) نشرت في مجلة الحاصد العدد 32 لسنة 1932, و(غرام عذراء) نشرت في جريدة الاخاء الوطني العدد 291 لسنة 1932, و(الزوجة العذراء) نشرت في مجلة الحاصد العدد 35 لسنة 1933, و(قلب مكلوم) نشرت في مجلة الحاصد العدد 3 لسنة 1936, و(بنت الطحان) نشرت في الاديب العدد 1 لسنة 1946, و(صادجة) نشرت في الاديب العدد 2 سنة 1946" . كانت جميع قصص سليم بطِّي التي نشرها في الدوريات العراقية راكزة على تصور موضوعات اجتماعية واخلاقية.   
     اسند الكاتب والباحث الربيعي لدعم كتابه بوثائق مصورة لصور الراحل سليم بطِّي ولصور صحف نشرت اعمال بطي المسرحية والقصصية والنقدية في ذاك الوقت. الكتاب وثائقي جميل يدل على أصالة محتد, ووفاء يجعلنا نتوسم الخير في كاتب وباحث سيخلف ويواصل الدرب من بعد الجيل الذي سبقه, وإن الجهد الذي بذله الربيعي لا يذهب بين يدي الله والناس.
    وأنت إذ تقرأ هذا الكتاب لتعجب من موسوعية الأديب الباحث علي الربيعي ودراسته الجميلة, وأنا اقرأ هذه الدراسة القيّمة, كنت ألمس شكوى الدكتور من قلّة المصادر وكثرة اشغاله الوظيفية التي تهدر ايامه, فإن الباحث الربيعي كان له مع كل كتاب يصدر حديثاً قد ألمَّ بجميع أبعاده.
     أرى هذا الكتاب أروع ما كتب عن حياة فتى المسرح العراقي سليم بطِّي الذي صور فيه الصورة الحية لا السرد الجاف لبعض الأحداث في حياته.
     أكتب هذه القراءة تقديراً لشخص الكاتب والباحث د. علي الربيعي, لهذا القلم الثَّر الأنيق, الذي قدم لنا هذا العطاء الوافر في دروب ثقافة المسرح العراقي, واضعاً في الحسبان أن يكون هذا الكتاب مرجعاً مهماً في تاريخ المسرح العراقي.

34
عقيل حبش ولهيب معركة هور الغموگة
نبيل عبد الأمير الربيعي
 
      بطل تلتهب عنده الأحداث , ذلك البطل الثائر هو عقيل حبش , الذي تتوقف عنده الاضطرابات , لكن الزمن عنده ايضاً يضطرب , إذ كان زمن اعتقاله مع رفاقه رفاق السلاح في الدواية أيضاً مضطرب , مضطرب بذاته , يحمل متغيرات كثيرة غير أن عقيلاً هو عقيل ويسوقه قدره الفطري للثورة المسلحة.
      التقيت به مساء يوم الخميس المصادف 24 نيسان 2019 في صالة فندق فلسطين مرديان قبل ليلة من انعقاد انتخابات المجلس المركزي لاتحاد أدباء وكتاب العراق , لم أعرفه سابقاً ولكن ما قرأته عنه الكثير , سألني من أي مدينة , كان جوابي المولد في مدينة الديوانية أما السكن ففي مدينة الحلة , قال هل تعرف محمد علي محيي الدين وحامد كعيد الجبوري وعقيل الربيعي وعبد اليمة (أبو نصار) , كان جوابي بالإيجاب , اعرفهم حق المعرفة , اتصلنا بمحمد علي محيي الدين والشاعر حامد كعيد الجبوري إذ كانا في نفس الفندق وكان لقاءاً ممتعاً , ودارت الذكريات دورتها في ذاكرتي حول دور هذا المناضل وهروبه من نفق سجن الحلة المركزي عام 1967م مع البعض من رفاق الطريق , وقد كُتب الكثير من المقالات وصدرت عشرات الكتب حول الهروب , فضلاً عن دوره في ثورة هور الغموگة  يوم 28 نيسان 1978م.
    لمذكرات عقيل حبش (شهادة حيّة من لهيب المعركة) الدور في معرفتنا على الدور البطولي لأثنى عشر مناضلاً قادوا الثورة المسلحة في هور الغموگة وبما يعرف جماعة (القيادة المركزية) , عند اطلاعي عليها احسست بالانبهار وكأنك في حكايات ألف ليلة وليلة , لصدق الكلمات والوصف , لكن حديثه في صالة الفندق وجهاً لوجه هو الأمر الأشد غرابة , مملوء بالصدق والعفوية وسحر التعبير , كانت لأيام سجنه وقتاله وتعذيبه لها لذة الألم , وذكريات رفاقه العالقة في ذاكرته الحية وفي حياته كلها , إذ يمتلك ذاكرة طرية مملوءة بحب الحزب والثورة.
    كانت بداية ثورتهم المسلحة في أهوار الغموكة يوم 28 نيسان 1968 بعد أشهر من هروبهم من نفق سجن الحلة المركزي , تلك الثورة التي قادها الشهيد خالد أحمد زكي (جبار) واحدى عشر من رفاقه , مثلت بداية لحركة ثورية كان يمكن لها أن تغيّر وجه العراق , وتسقط الحكم الرجعي الذي سيطر عليه , لكن تكالب القوى المعادية لها مما أدى إلى سقوط جبار (خالد أحمد زكي) , وشلش (محسن حواس) , وكاظم (منعثر سوادي) شهداء أبرار للشعب العراقي والحركة الشيوعية , أما الآخرين فتم إلقاء القبض عليهم وهروب حسين ياسين , كانت معاناتهم واحباطاتهم تصارعها نفوسهم الثائرة , وتبعث الحياة فيها لتنهض من جديد , كان عقيلاً عندما فكر بالانضمام إلى حركة الكفاح المسلح لا يوقفه توسل ولوم , ولا تثنيه دمعة أمه , أو مشورة صديق , سار يتبع ثورته وعشقه للمواجهة.
     كان عقيلاً قد تبنى قضية تبناها مع رفاقه , فهي لم تعد قضية أفراد ووجهة نظر مجموعة , بل قضية يهتم بها عموم الشعب ويتحدث عنها الجمهور بفخر , إن هناك أبطالاً أرادوا وفعلوا ليدخلوا بوابات الأسطورة والتاريخ بكل ما أنجزوا من أفعال , ويكونوا رمزاً ليؤكدوا لنا أن الأمة الحيّة قادرة على أن تلد الأبطال في كل مرة من المواجهة والتحدي.
    عندما تقرأ مذكرات عقيل حبش تعرف الحقيقة وتشعر بصدق العمل في مجال العمل الحزبي والكفاح المسلح , ففي يوم أيلولي ساخن من عام 1968 "عقيل ورفاقه الأربعة في سجن مقر انضباط الفرقة الأولى في الديوانية , تقلبهم أخبار مقلقة , تعصرهم بين تنفيذ حكم الإعدام الصادر ضدهم وأخبار الحزب المنقطعة وغصة الألم التي تولدت لديهم بعد أحداث انقلاب 17 تموز 1968 , إحباطات ومرارات , غير أنهم ما زالوا يتحدون اليأس ينشدون أناشيد الثورة والصمود , لتلك الأناشيد أثر معنوي يدركه عقيل فيكرر غير مرة , في أحداث محددة . في لحظة صدور حكم الإعدام أو تنفيذه في لحظة عودة أحدهم من التعذيب أو ذهابه إلى الاستجواب . تلك الأناشيد تحافظ على تأجيج الثورة وحس التحدي . تبعد اليأس من التسرب إلى بعض الرفاق , خمسة في السجن , يتوالى دورهم في الاستجواب والتعذيب بعد أن انهار سادسهم فأفشى كل أسرار الحزب الخطيرة , حتى عزله المحقق في زنزانة أخرى ليبعده من تأثير ردود أفعال الرفاق , صدر الحكم عليه بالسجن المؤبد (عبد الأمير الركابي) , على خلاف رفاقه الستة كانوا البقية الباقية من خلية هور الغموگة الإثنى عشر يمارسون الحياة بطرق بدائية , يصنعون من عجين الخبز المتبقي لعبة الشطرنج , يتقاسمون السيگارة التي يغنمونها , ويتناقشون في أمور المعتقل والتحقيق والمحكمة , عن أخبار الحكومة الجديدة في 17 تموز 1968 وبصيص الأمل الذي بدأ يصل مسامعهم بالعفو أو بتخفيض الأحكام القاسية , ما زالوا متماسكين حتى الساعة.
    في الديوانية في سجن مقر انضباط الفرقة الأولى وهي المحطة الثانية بعد سجن الناصرية عندما انتهت قاعدة الكفاح المسلح في هور الغموگة في أولى عملياتها بنهاية درامية عظيمة , تحتاج بذاتها إلى دراسات وتقييم عن مدى الارتباط والإيمان الذي كان يتمتع به أولئك الإثنى عشر  شاباً هم كلٍ من :-
1-    خالد أحمد زكي (جبار) . قائد المجموعة.
2-    محسن حواس (شلش).
3-    منعثر سوادي (كاظم).
4-    حسين ياسين (أبو علي).
5-    عقيل عبد الكريم حبش (أبو فلاح).
6-    عبد الأمير عبد الواحد يونس الركابي (لفتة).
7-    عبد الجبار علي جبر (أبو هادي).
8-    عبد الله شهواز زنگنة.
9-    عبود خلاطي.
10-                       محمد حسين الساعدي.
11-                       علي أبويجي.
12-                       حمود (صالح).
    كانت تتملكهم أخلاقيات احترام الحياة حتى يفضلوا عدم قتل الشرطة ... في لحظة المواجهة , كانوا حقاً وطنيين ترف قلوبهم بنفس النبض الذي ينبض في قلوب الآخرين من أفراد الشعب ولو كانوا شرطة.
    جاءت عائلة (هادي) أو (أبو هادي) إلى سجن مقر انضباط قيادة الفرقة الأولى في الديوانية , وهو الاسم الحركي لبطل عظيم اسمه عبد الجبار علي جبر من قرية برنون من محافظة بابل , كان لهذا البطل موقف عام 1968م وفي شهر أيلول تقدمت القوات العسكرية والشرطة , ملأت مدينة الدواية تلك المدينة الصغيرة من نواحي لواء الناصرية , كان عدد القوات العسكرية كبيراً , أصبحت المدينة كأنها ترافقها البرمائيات والسيارات المسلحة والشرطة والمسؤولون , الكل يعرف أنهم جاءوا بعد عملية الغموگة بأيام . عملية الغموگة التي قامت بها قاعدة الكفاح المسلح في الهور , حتى بلغ أن طائرة هليكوبتر قد أسقطوها , كان حجم الحدث مؤلماً للسلطة رافقه خبر مصرع طيارها الملازم الأول طيار بنوئيل بابيلا أغاسي وهو مسيحي من أهالي الموصل , ومعاونه الملازم الطيار يحيى حديث التخرج من أهالي البصرة وكان مسالماً لم يصب بأي أذى , خبر جديد يهز معنويات جموع العسكر والشرطة المحتشدة.
     أثارت تلك الأخبار أن الهور يحترق وأن حجم المقاومة كبير , فمن عملية مخفر الغموگة ومصادرة السلاح إلى إسقاط طائرة ومقتل طيارها , بلغ الأمر مقتل شرطة وجرح بعضهم . عمل كبير يثير الخوف والقلق لدى الحكومة التي وقعت بين حيرة التقارير والوشاية والاعترافات عن حجمهم وهذا الفعل الذي لا يمكن أن تنجزه تلك الأعداد . انتهت المواجهة عند المساء , أو بالتحديد في بدايات عصر ذلك اليوم والشمس تقارب الأفق , قدمت القوة بسيارات الشرطة المختلفة وخلفها عاصفة من التراب , كان حوض السيارة الشوفرليت الزيتونية يسعهم خمسة أو أربعة . اثنان على كل جانب توسط الجلسة خامسهم يرافقهم شرطيان "إلى الأمام , وثالث نزل حال توقفها ليدخن سيگارة , كانت وجوههم مرفوعة , عيونهم تلتقي بعيون المتجمهرين إصراراً وإباء , الثياب الممزقة وشكلهم يوحي بأنهم أعظم مما يرتدون . قال أحدهم قطعت يده اليمنى , بقيت متصلة بذراعه , ضاق ذرعاً بها ... وضعها تحت قدمه اليمنى وسحبها , انقطعت كف يده وبقيت تحت قدمه الأنسجة والأعصاب المتصلة . اقشعر الجميع لتلك الصورة التي وصفها الشرطي للواقفين , جرأة صورت ارادت الثورة واستفزت معنويات الجموع الواقفة عند الخندق المتناثرة على جوانبه اضلاف الرصاص والبنادق المرمية وشواجير الرشاشات , ثلاثة كانوا على جانبي الخندق أو ذلك الجدول الجاف متجمدة أجسادهم في معركة مقاومة , بنادقهم بأيديهم أو في أحضانهم , التصق أحدهم بالأرض , شهداء ثلاثة على الأرض (خالد أحمد زكي , ومحسن حواس , ومنعثر سوادي) . تدلت يده بعد أن تلقف القنبلة المتدحرجة على الأرض المرمية من قبل الطيار ليبعدها عن خندق رفاقه ويعيدها إلى الجموع المحتشدة على مقربة منهم المكونة من الجيش والشرطة وشرطة خيالة , إلا أن الزمن كان حرجاً ... انفجرت بيده , قطعت يده اليمنى من الرسغ , بقيت يده متدلية ولم تزل في يده اليسرى بندقيته , إحساس فطري بإصرار على الثورة , أخذه النزف والجروح التي توزعت على جسده الواهن.
     كانت آلام التعذيب الجسدي وألم الروح من كل الإحباطات , إحباطات قاعدة الهور ومرارة انهيار بعض الرفاق الذي بلّغ عقيل حبش الحزب عنها برسائل وتقارير ورسائل شفوية وتنويهات وتحذيرات إلى الحزب وإلى الرفاق عبرَ منافذ متعددة , قمة معاناته أن يحافظ على تماسك رفاقه من الانهيار.
     انهار أحدهم ليكون جرحاً نازفاً في جسد الحزب , اعتقلت بسببه قيادات الحزب العاملة والنشطة لاطّلاعه على أسرار الحزب المهمة . لحظة ضعف في سجن مظلم وقسوة مفرطة ونفس آثرت أن تقدم ما لديها مقابل لحظة رحمة . انفصل عن المجموعة... كانوا ستة وهم عقيل حبش/ عبد الجبار علي جبر/ حسين محمد حسن الساعدي/ علي بوجي/ عبد الأمير عبد الواحد يونس الركابي/ عبد الله شهوار زنگنة/ لكن حسين ياسين قد هرب في بداية الموجهة لينفذ بجله , وكان عبد الأمير عبد الواحد الذي انهار في التحقيق . قدم كل شيء حتى عزل في أخرى من سجن انضباط الفرقة الأولى في الديوانية خوفاً من مضايقات رفاقه أو ضغطهم عليه , المحنة هي مقياس قوة الرجال , اقترب من المحقق يسجل أسماء وعناوين كانت تعمل من أجل الحزب , لم يحترمه المحقق لأن الخونة لا يحترمهم المستفيدون ولا يأمنونهم. 
    كان أول من أعلن الخيانة هو هروب حسين ياسين مسؤول التنظيم وعضو الارتباط الذي أثبت للمرة الثانية أنه ضعيف عند المواجهة , ترك رفاقه في محنة المواجهة في خندق مجهول الاتجاهات أمام قوة العسكر والشرطة , فافتعل سبباً , صدقه رفاقه بإنقاذ رفاقهم الذين سبقوه بالهروب وهم سيد درعان (صالح) وعبود خلاطي (حمود) تسلل وهو ابن الهور الذي يعرف الطريق دون أن يلتفت إلى الوراء , مرة أخرى يقدم نفسه ومصالحه , كانت المرة الأولى عندما أراد أن يهرب وحده من نفق سجن الحلة المركزي , ويجهز على مشروع له دلالة أكثر من الهروب نفسه , وقد كان أيضاً مسؤول فريق العمل عن مشروع النفق , هكذا النفعيون يحبطون الثورات في لحظة المواجهة , أو التنفيذ التي توهم الآخرين بالحقيقة.
      وكانت رسالة الشاعر مظفر النواب تحاكي الواقع الذي مرَّ به ثوار الغموگة , وهي رسالة مرسلة إلى عقيل حبش , انقل جزء منها :"((أيها الحبيب.... مرٌ لوني , مرٌ طبعي ومرٌ طعمي , مرّتان عيناي حتى أراك ثانية وحتى ذلك اليوم توقظني الوحشة والنار التي في حزامي وفي قلبي ألومك كثيراً لأشياء وأشياء وفي قلبي أحكي معك كثيراً عن أشياء وأشياء وفي قلبي أقبلك وأنت ترفض كثيراً وكثيراً عن أشياء وأشياء)).

35
المنبر الحر / الباب في العمارة
« في: 17:14 05/04/2019  »
الباب في العمارة
نبيل عبد الأمير الربيعي
 
      على أرض بابل مرَّت الحضارة البابلية بالعديد من السلالات الحاكمة التي استمرت منذ عام 1880ق.م ولغاية عام 500 ق.م، وكان أبرز من حكمها القائد حمورابي، والملك نبوخذ نصر، وكلاهما كان لهما الأثر البارز في تحقيق الازدهار والتقدّم خصوصاً في العمارة البابلية، واليوم تعتبر بابل الأثرية مدينة منفردة في جذب الزوار إليها لمشاهدة.
     ضمن برنامج اتحاد ادباء وكتاب بابل الثقافي الثاني والأربعون (دورة الشاعر ناهض الخياط), أقيمت يوم الخميس الماضي الموافق 4/4/2019 محاضرة للدكتور  المهندس نصير علي الحسيني تحت عنوان (الباب في العمارة). والمحاضرة تعتبر الفريدة من نوعها في العمارة, إذ ركز الدكتور الحسيني على بوابات بابل وعددها واسباب تشييدها ورموزها.
     الدراسة اليوم حول بوابات بابل تحتاج إلى جهد كبير بسبب عدم توفر المصادر اللازمة, لكن الحسيني تمكن من تقديم محاضرة وافية في هذا المجال من خلال اعتماده على  كتابه الموسوم (بوابات بابل) الصادر عن دار الفرات للثقافة والإعلام,  بواقع (347) من الحجم الوزيري, ومن خلال المحاضرة كان المحاضر متمكناً من الاجابة عن كل الاستفسارات التي طرحها لحضور بشكل وافي معتمداً على مصادره القيّمة. إذ تطرق الدكتور الحسيني "إلى ما تعرضت له آثار بابل وبواباتها الثمان من تخريب وتدمير طبيعي نتيجة فيضانات نهر الفرات وتزايد الترسبات الطينية التي طمرت كثير من الآثار, فضلاً عن اهمال الحكومات المتعاقبة بموضوعة الآثار في ظل الاوضاع السياسية المعقدة والاحتلالات المتكررة والطويلة, بسبب اطماع اللصوص والغزاة وسرقة وتدمير ونبش الآثار وبيعها بأثمانٍ بخسة.
    كما أكد المحاضر الحسيني على أن "البوابات في حضارة بابل كانت انعكاس لبوابة المعبد, فالاهتمام والاعتناء بالباب بدأ منذ ظهور الانسان, حيث شكلت الباب له نوعاً من الأمان والحيطة والحذر والحماية وسواها من طقوس الباب", ثم عقب المحاضر الحسيني في محاضرته حول طقوس الباب والعلاقة بين المعبد والقصر مع الناس, ثم بين انواع الأبوات واتجاهاتها, منها : "بوابة أوراش, بوابة زبابا, بوابة مردوخ, بوابة عشتار, بوابة آنليل, بوابة أوسين, بوابة أدد, بوابة الشمس".
    وضح الحسيني من خلال محاضرته على فكرة الأبراج المتعددة للأسوار قائلاً: هي عبارة عن دعامات للأبواب وللأسوار, والتي زينت بتماثيل وحيوانات تمثل الإله الحامي, غير أن بعض البوابات كانت ترابط على جانبيها تماثيل الأسود من حجر اللازورد فضلاً إلى الدعامات المزينة بأشكال مختلفة من الرسوم, والاعتقاد السائد لغاية يومنا هذا بانها تطرد الأرواح الشريرة, ومن ثمة عظمتها وبهجتها. كانت دعامات بوابات حضارة بابل قد استفادوا من تجاويفها كغرف للحرس ومتطلبات عمل البوابات. كما كانت الوان بوابات بابل مختلفة إذ تعتمد على الوان طبقات الكواكب وهو اللون البرتقالي لبوابة الإله مردوخ, وكانت بوابة القمر فضية, وبوابة الشمس ذهبية, وبوابة آنليل لون السحاب, وبوابة أوراش اللون الترابي. من هذا يؤكد الحسيني أن الألوان كانت مستقاة من الوان الكواكب, مثلما كانت طبقات برج بورسيبا.
    عقب المحاضر الحسيني على نوع الخشب المنتقاة لصناعة البوابات قائلاً : كانت جميع البوابات من الخشب المتين وخاصة من خشب الأرز, لما يتمتع به هذا النوع من خصائص لا يتمتع بها غيره من الخشب, حيث كلما زادت رطوبته ازدادت صلابته, وكانت هذه البوابات تطعم بالبرونز والنحاس وحتى الذهب, وهذا أحد الأسباب في اختفاء هذه البوابات. كما تميزت بوابات مدينة بابل على العموم بالتصميم المزدوج واحتوائها على غرف جانبية كانت تستخدم للحرس والحماية وراحة الجنود.
     كما يعتقد الدكتور الحسيني من خلال اهتمامه بحضارة بابل وبواباتها أنها كانت تظم بوابات أخرى غير بوابات المركز الثمانية, ويجيب على تأكيد هذا الاعتقاد بسبب عدم اكتمال قراءة الرقم الطينية المكتشفة والغير مقروءة لحد الآن, والموجودة في متاحف العالم. وقد كانت هناك مداخلات من قبل الحضور من النخبة الأدبية والثقافية في بابل, وبعض الحضور من المغتربين الذي حضروا ليطلعوا على عظمة حضارة بابل وبواباتها التي اختفت, عدى باب عشتار التي سرقت من حضارة بابل.

36
من صور التدني الفكري والمعرفي
موسوعة المزارات الشيعية في العراق/ محافظة بابل إنموذجاً
نبيل الربيعي
 
صدر عن الأمانة العامة للمزارات الشيعية (موسوعة المزارات الشيعية في العراق/ محافظة بابل)، وأطلعت عليها بالاستعارة وهي مؤلفة من ستة أجزاء ، طبعت في دار الكفيل للطباعة والنشر في كربلاء المقدسة/ 2018م ، بطباعة جميلة وفاخرة وبجودة عالية ، وفرحت كثيراً بها ، لكن سرعان ما تبددت فرحتي ، وكنتُ آمل أن أرى ويرى الآخرون شيئاً جديداً يسر الباحث المتمعن لكن للأسف لم نلمس ذلك ، وقبل أن ندخل في ثنايا الموسوعة لا بد للقارئ أن يطلع على أوليات وبنية المركز الذي حرر هذه الموسوعة.
فالمركز أُسس سنة 2015م أتخذ من قرية (المزيدية) (25 كم جنوب مدينة الحلة) مقراً له ليكون بعيداً عن الاضواء لأسباب لا يعرفها إلا من لديه ... !!!، وهذا مما يثير الريبة ، فقد تعودنا أن تكون هكذا مراكز في قلب المدن المهمة لا في القرى النائية ، يرأسه رجل دين معمم مستقر في مدينة قم الايرانية هو بالأصل من اهل تلك القرية ، وكادره اربعة اشخاص أو يزيد حسب علمنا وجميعهم من أقارب ذلك الرجل المشرف!!!!!، وطرق سمعنا قبل أربع سنين بفكرة تأسيس المركز وكنا نأمل أن يختلف عن بقية الاصدارات ، وفعلا اختلف!!، حتى أن الأستاذ عباس شمس الدين صاحب كتاب (المزارات المزيفة) قد يعتريه فرحاً كبيراً لما في الموسوعة من تباين.
 فقد كُتبت الموسوعة بجو لا يخلوا من المحاباة والتزلف وفق السياسة العامة للبلد التي سعت وتسعى الى تبديد الأموال بنتاجات أقل ما يقال عنها انها ركيكة ، ومن وجهة نظرنا أن موضوع المزارات قد اشبع بحثاً وتنقيباً وكتب فيه كبار علماء الأمة بدأً من الشيخ حرز الدين وصولاً الى المعاصرين ، منهم : سعد الحداد وعبد الرضا عوض وثامر الخفاجي وعامر تاج الدين ، وغيرهم ممن لا تحضرني اسمائهم ، من ذلك لم يعد فيها أمراً خافياً على المتتبع. ولهذا نأى العديد من الباحثين في المشاركة في هذا العمل حين تمت دعوتهم للكتابة ، لأن عدوى استحداث المراقد قد استفحلت هذه الأيام حتى ان مدينة الحلة لوحدها ظهر فيها ستة مراقد جديدة ، وفي نظرنا فإنَ الموسوعة كتبت لا للتوثيق العلمي الصحيح وإنما لمجاراة هوى العوام ومحاباة بعض السدنة ، وإذا كان نتاج أكبر مؤسسة للتوثيق عند الطائفة الشيعية بهذا المستوى والقياس ، فمن المؤكد يسوقنا الأمر الى التشكيك في عدم الدقة بالنسب والانتساب لكثير من الاعلام ، وقد لا يتعدى الأمر عن أنه جانب ارتزاقي ..!!، لكن من المفروض أن لا يكون على حساب رموزنا الشيعية ، ولأن الموضوع طويل ومتشعب فقد هالني ما رأيت في الموسوعة ، وكما يلي :
-       فقار الموسوعة كتبت من قبل باحثين مقابل ثمن لكل بحث ، وجرت احتفالية في مزار الامام زيد بن علي (ع) قبل سنتين لهذا الغرض، كان على اللجنة أن تراجع الموضوعات لا أن تتركها على الغارب كما هي !، وإلا ما فائدة اللجنة وهي تتقاضى رواتب مجزية عن ذلك.؟ وما قيمة الموسوعة وهي تعج بالأخطاء.؟ فضلاً عن (الحشو) والسرد التاريخي الذي لا مبرر له كما في بحث العلماء الاربعة (ج6، 36-70).
-       الموسوعة كما ذكرنا مؤلفة من (6) أجزاء ، وبمعدل (5-6) بحوث لكل جزء فيها ، فقد دُونت فيها بحوثاً عن (30) مرقداً ، وأهملت بقية المراقد ، وعند استفسارنا عن البقية المهملة وما موقف المجتمع الحلي منها يأتي الجواب مبهماً وبما يتطابق مع جرد الشيخ شمس الدين لا بل هو نصرة له!!، وكأن الوارد في الموسوعة هو الخلاصة المنتقاة ، والبقية مزيفة لأن إدارة الوقف الشيعي لم تعترف بها – على حد قولهم-..!!
-       عند أول تصفحنا جاءت كلمة مذيلة باسم الأستاذ الدكتور نذير الحسني وهو يكرر عبارة (المشرف العلمي) ، فيا هل ترى من هو المشرف العلمي!! الذي وضع خبرته في هذه الموسوعة ودقق محتواها ، ان هذا الخبير ترك وصمة سلبية في سجل الوقف الشيعي..؟؟
-       في المقدمة منح احدهم نفسه لقب (الأستاذ الدكتور)ج1 ص13 ، وهذا استهلال يثير التساؤل فهو فاتحة مدعاة الى التأمل والتروي في مصداقية عمل مهم طالما انتظره المختصون ليروا محتواه ، فمن أين حصل على الاستاذية.!!
-       جاء في ج2 ص33 : (وقال رئيس ....) ، هذا خبر صحفي لا يتناسب مع توثيق المرقد ، ثم من هو الرئيس حتى يثاب أو يدان ، الكتابة هنا للتاريخ لا للتوثيق الصحفي الاعلامي الـ......!!
-       ورد في  ج2 ص61 السطر(12) (يعتقد) و(يقال) فالكتابة العلمية لا تحتمل تعبير (ويعتقد ، ويقال) ، و(يحتمل ، واحتمال) فبهذه الكلمة يولد الشك وتبقى الفقرة ما قبلها وما بعدها مشكوك فيها وهذا لا يتناسب مع البحث العلمي ، وغير موجود في اجندة الباحث في التاريخ، فكيف يكون مع موسوعة صرف عليها عشرات الملايين.
-       ان من الغريب في التأليف أن يحشر أحد أعضاء تحرير الموسوعة في الجزء الأول فقط (17) من مؤلفاته ودون اكمال التوصيف وكأنه يخترع منهجية جديدة بعبارة (بحوزة المؤلف) وهذا أمر غير متداول في منهجية البحث العلمي متجاهلاً دار النشر ان وجدت ، فبعض منها غير موجود اساساً وبعص منها طبع في دور نشر ومسجل برقم ايداع قانوني منذ عام 2013م مثل كتاب (تذكرة الظاعن في آل مطاعن)، وهذا العمل انفراد ينم عن جهل بطرق الكتابة العلمية...
-       تفتقد الموسوعة الى الدقة، فكما نعلم أن نتاج كهذا يمر في عدة مراحل ، من تدقيق ، ومراجعة ، ومتابعة ، فقد اشير في المتن الى المصدر لكننا لم نعثر عليه في قائمة المصادر، كما ورد ذلك في ترجمة الحسن بن عبيد الله (ع) ج2ص7 وص77. ودليل على عدم دقة الموسوعة تكرر في ج2ص291 وشحنت قائمة المصادر بتوصيفات لا أساس لها، فمثلاُ طباعة كتاب المراقد والمقامات لثامر الخفاجي نسب لمكتبة الصادق ، والصحيح هو ان الكتاب طبع في مشهد (الأستانة الرضوية).
-       في ج1 ص159 هناك اربعة احتمالات لهذا المرقد (أحمد بن الكاظم) بين مدن (شيراز ، بلخ ، وآسفريين ، والحلة) ، والحلة غير موجودة في ذلك الزمان. وقد تكون الحقيقة لا هذه ولا تلك!!.
-       أما موضوع (الإمام الحمزة الغربي (ع))، فقد استغرق البحث (65) صفحة في الجزء الثاني من الموسوعة من 42-103 ، وقد أشار الباحث الى كتاب (الصفوة المثلى في تاريخ أبي يعلى) الصادر عن مكتبة العلامة الحلي سنة 2013م ، وعند رجوعنا الى الإحالات لم نجد شيئاً من هذا، كما هو مثبت في ج2 الموسوعة الصفحات (78،79،80،82) وهكذا، وإنما اختزلها من كتاب الدرة البهية في تاريخ المدحتية الصادر سنة 2006م دون الاشارة له.
-       في موضوع السيد علي بن طاووس ج4 ص203، لم تحسم هيأة كتابة الموسوعة مكان المرقد فرجعت الى (المحتمل والاحتمال)، ومن تتبعنا فإن السيد علي بن طاووس توفي سنة 664هـ وليس كما ورد في الموسوعة 663هــ ، وقبره في النجف الأشرف، والمرقد الموجود في الحلة هو لعلي بن علي بن طاووس ، أي ابن المترجم له. وكان على الهيأة أن توضح ذلك للأمانة العلمية مبتعدة عن الخطأ الشائع..
-       ورد في ج2ص241، ان مرقد السيدة (شريفة) هو لفاطمة بنت الحسن (ع)، وكأنه أمر مقطوع به !!، وورد في العمارة الثانية لسنة 1988 للمحسن (السيد كريم بن السيد حسين ابو الحب).
-       في الجزء السادس جاء بحث استغرق الصفحات (36-85) بعنوان (العلماء الاربعة)، وهذا خطأ شاع بين العوام، فالمكان هو مدرسة يحيى بن سعيد الهذلي (ت589هـ) وعند وفاته دفن فيها وبمرور الايام اصبح جزء من المدرسة مقبرة ادركها المعمرون، واثناء الكشف عن المرقد سنة 1996 لا سنة 1994 كما ورد في الموسوعة لم توافق الحكومة آنذاك على تسمية المدرسة فسميت من قبل العامة هكذا ، ثم ان البحث استغرق صفحات لا وجوب لها وانما جاء من باب (الحشو) منقول  من بطون الكتب ، ولا رابط له قطعاً، فنبارك للموسوعة والقائمين عليها في تكريس الخطأ..!!، وسؤالنا : اين دور الخبير العلمي الذي لوح به رئيس الموسوعة.؟
-       المجتمع الحلي حريص على ان يجل مزاراته ومراقد علمائه، وسؤالنا ما هي فلسفة تجاهل اماكن مقدسة لعلماء اشتهروا في ترسيخ الفقه الامامي، امثال: محمد ابن ادريس (ت598هـ) ، وإبراهيم بن سليمان القطيفي (ت951هـ) وعبد الكرين بن طاووس ، وابن حماد ، والخليعي ، وابن فهد الاحسائي، وابن الحطاب ، وغيرهم الكثير. أين هو البحث العلمي بموضوع المزارات؟ .
هذه بعض الاشارات السريعة لهذا العمل الذي لا يتناسب مع موسوعة صرف عليها مئات الملايين واستغرقت خمس سنين...
راجين من المشرفين على الموسوعة الاجابة عن استفساراتنا قبل نشرها على مواقع الصحف الورقية والالكترونية.
مع فائق الشكر والتقدير.....
 
 

37
قصة العثور على أرشيف المكون اليهودي العراقي
نبيل عبد الأمير الربيعي
        من خلال علاقتنا التاريخية القلقة مع يهود العراق, وفي خضم الأحداث والأزمات التي رافقتها, تأصلت فينا على مر الزمن حالة لا تبارحنا إلى يومنا هذا, وهي صورة اليهودي عدواً, تحولت الفكرة إلى قوة ناهية لكل فعل ينوي تعديل الصورة, تلك الصورة المرسومة في المخيلة سلفاَ :(مستغلون, محتكرون, منعزلون, عملاء, اعداء, صهاينة. إذن كيف السبيل والغاية إلى الخروج من هذه الاشكالية المفروضة, بالحق وانصاف التاريخ؟ أم مسايرة المفروض لما تم غرسه في نفوسنا؟ لأحد مكونات الشعب العراقي الذي عاش في بلاد الرافدين زهاء 2600 سنة حتى هجرتهم القسرية عام 1951م.
      المشكلة الأساسية ليست في حق العراق بامتلاك أرثه بصرف النظر عن الاعتبارات الدينية ، بل أن حق العراق في امتلاك هذا الارث هو حق أصيل تبعاً للظروف الموضوعية والتاريخية. ولكن علينا التذكّر فقط أننا نتحدث عن أرث تاريخي ، وثائق وآثار هامة للغاية للبحث العلمي والتاريخي وتكاد تكون كنزاً بالنسبة لمراكز البحوث ، والأكثر من هذا أن الدول قد تمتلك حصرياً أرثها التاريخي ، لكن تلك الملكية لا تؤهلها لإخفاء هذا الارث ومنع البشرية من الاطلاع عليه . قضية الأرشيف اليهودي بصرف النظر عن الجدل السياسي حوله يبدو اليوم أقرب إلى أن يوضع في أطار حلم ، لكل المهتمين بالارث الفكري الإنساني والباحثين فيه، تحت بند أن تراث البشرية هو تراث مشترك(1).
       ضمن امسيات اتحاد ادباء وكتاب بابل وبرنامجه الثقافي الثاني والأربعون. وكانت محاضرتي ليوم الخميس الماضي ٢١/٢/٢٠١٩ تحت عنوان (الارشيف اليهودي العراقي). وقد ادار الجلسة د. عبد الرضا عوض.
      بداية المحاضرة تطرقت عن تأريخ تواجد المكون اليهودي في العراقي منذ السبي الآشوري عام 859 ق.م ولغاية ترحيلهم القسري عن العراق عام 1951م. ومن ثم ما قامت به الحكومات المتعاقبة على اعتقال وتغيب واعدام ابناء المكون اليهودي, ثم التطرق عن طريقة العثور على الأرشيف اليهودي العراقي.
      في قبو داخل مقر جهاز المخابرات العراقية لحكومة العراق السابقة قبعت الوثائق والآثار والمخطوطات الهامة التي يتم توصيفها اليوم تحت مصطلح «الأرشيف اليهودي» لعشرات السنوات بعيداً عن الأعين وفي أجواء خزن لا تراعي المعايير الدولية , ما أدى إلى تلف العديد منها, حتى العام 2003م لم تكن القضية مثاراً للجدل، وكان بالإمكان أن تتعرض تلك الوثائق إلى الحرق أو التلف الكامل من دون أن يعرف العراقيون حتى أنها موجودة في ذلك القبو . وبناءً على معلومات سرية , ذكر أن العثور على وثائق وملفات الأرشيف اليهودي تمت من قبل الجيش الأميركي في السادس من أيار 2003م ، إذ قام 16 جندياً أمريكياً, وهم من ضمن فرقة البحث عن أسلحة الدمار الشامل ، حيث تم العثور على كمية من لفائف التوراة ، وكتب الصلاة والتقويمات العبرية العائدة لتأريخ حقبة من الزمن لتأريخ طائفة دينية عاشت قرابة 26 قرن من الزمن في بلاد الرافدين وهجّرَ لأسباب شتى من العراق حتى بقى منها النفر القليل الذي لا يتجاوز أصابع اليد . أن الدفين - الأرشيف اليهودي - وجدَ متعفن، وبعضه ذات قيمة وثمن حضاري وتأريخي ، والكثير منه لا يقدر بثمن وهناك 7002 من الكتب وعشرات الآلاف من الوثائق التي سرقت من يهود العراق(2).
      في المقابل، كشف سعد اسكندر ، مدير دار الوثائق العراقية :«أن الوثائق التي عثر عليها بعد سقوط النظام السابق عام 2003م كانت ثلاثة أنواع : وثائق أمنية، أرشيف حزب البعث، والأرشيف اليهودي ، إذ أنه مجموعة من الكتب الحجرية القديمة والكتب الحديثة ووثائق ومخطوطات يعود تأريخها إلى ما قبل 300 سنة أو أكثر , هذه الوثائق التي جاءت بعد تهجير يهود العراق وسلب ممتلكاتهم وإخراجهم من العراق ، و ترك ما تبقى من معابد ومدارس وبعض البيوت الكبيرة التابعة للطائفة , في عهد صدام حسين أراد نظامه إكمال عملية الإبادة فبدأ بالموروث الفني والثقافي اليهودي وهاجم المعابد والبيوتات واستولى على وثائقهم وكتبهم.
     هناك اكثر من رواية لقصة العثور على الأرشيف اليهودي العراقي, ومن ثم الاستيلاء على موجوداته وسرقتها:-
أولاً الرواية العراقية الرسمية يسردها مدير دار الكتب والوثائق العراقية سعد اسكندر بقوله : إن الأميركيين لم يعثروا على الأرشيف اليهودي كما يدعون, بل أن أحد كبار ضباط جهاز المخابرات العراقي السابق, تقرب من أحد رجال المعارضة (بعد عودتهم من العراق) وأخبره أنه كان مسؤولاً عن أرشيف مهم جداً يعود إلى النبي موسى, ويريد كشفه للقوات الأميركية بشرط الحصول على ضمانات أمنية. وبالفعل قامت الفرقة العسكرية المكلفة بالبحث عن أسلحة الدمار الشامل (فرقة ألفا) وبعد تحديد موقع الأرشيف بمساعدة عراقية, صدرت أوامر وزير الدفاع الأميركي بجمع الأرشيف والتحفظ عليه(3).
     تذكر رئيسة هيئة الآثار والتراث العراقية د. أميرة عيدان : أن القوات الأميركية عثرت على حوالي (30) صندوقاً تحتوي مخطوطات باللغة العبرية في أحد أقبية دائرة المخابرات العراقية(4).
      أخرج الجيش الأميركي الأرشيف من قبو تحت الأرض ، بالاتفاق مع سلطة الائتلاف الأميركي المدني ، وتم الاتفاق مع مؤسسة نارا- الأرشيف الوطني الأميركي- التي تولت عملية الترميم , وينص الاتفاق مع المؤسسة على أن تكون وزارة الثقافة العراقية طرفاً معها ، بعد حل سلطة الائتلاف الأميركي»(5)
 ثانياً بعض الروايات تؤكد أن القوات الأمريكية عندما اجتاحت العراق , عثرت على سجن خفي في قبو في مديرية الاستخبارات العراقية , يضم 16 صندوقاً من الحديد والخشب , وقد نقل الأرشيف إلى مطار بغداد مقر القوات الأمريكية, كاشفاً أن أحد المترجمين العراقيين أبلغ عن وجود هذا الأرشيف لدى القوات الأمريكية في مطار بغداد , إلا أن أمريكا عام 2005م قامت بتوقيع مستندات مع العراق بأن تستعيد الأرشيف اليهودي.
ثالثاً فقد نشرتها صحيفة الواشنطن بوست بقلم الكاتب لورين ماركو في 10 كانون الاول 2013 فتذكر انه : بناءً على معلومات سرية قام 16 جندياً اميركياً باقتحام الطابق السفلي من مقر المخابرات لنظام الرئيس السابق صدام حسين في بغداد في 16 آيار 2003 الذي غمرته المياه, حيث تم العثور على كمية من لفائف التوراة وكتب الصلاة والتقويمات العبرية.
محتويات الأرشيف
      حاولت الجهات الرسمية العراقية التقليل من أهمية محتويات الأرشيف اليهودي العراقي. ذكر السفير العراقي في أمريكا لقمان فيلي «بأن الأرشيف العراقي في أمريكا ليس يهودياً بالكامل , إذ يضم وثائق تعود إلى منظمة التحرير الفلسطينية , إضافة إلى وثائق أمنية وأرشيف حزب البعث . كما أن معظم الكتب الدينية للأرشيف اليهودي كانت بالعبرية ومنها بالعربية, ومن ضمن محتويات الأرشيف اليهودي:
1-   كمية من لفائف التوراة لمقاطع من سفر التكوين البالغ عددها 48 مكتوبه على جلد .
2-   تقويمات باللغة العبرية .
3-   7002 كتاب.
4-   مجموعة من الخطب المطبوعة بشكل جميل من قبل حاخام في المانيا في عام 1692م.
5-   عشرات الآلاف من الوثائق المدرسية تعود لأعوام العشرينات من القرن الماضي حتى منتصف السبعينات , والكتب المدرسية التربوية لمدارس الأليانس.
6-   1700 تحفة نادرة توثق لعهد السبي البابلي الأول والثاني.
7-   أقدم نسخة للتلمود البابلي تعود لعام 1793م .
8-   أقدم نسخة للتوراة عمرها 200 سنة جلبت أصلاً من فينا عام 1568م.
9-   مخطوطات تاريخية .
10-                     سجلات شرعية تعود لعدة قرون التي تركتها الجالية اليهودية العراقية.
11-                     كتب دينية وقصصاً تعود إلى القرن الثامن عشر والتاسع عشر.
12-                     لفائف من التوراة برقع جلدية .
13-                     أنجيلاً بلغة العبرية .
14-                     وثيقة عبارة عن مذكرات مكتوبة يدوياً عام 1902م.
15-                     كتاب صلوات عيد الفصح يعود لعام 1930م باللغتين العبرية والفرنسية.
16-                     مجموعة من المواعظ لأحد رجال الدين طبعت في ألمانيا عام 1892م.
17-                     كتاب التصوف عام 1815م.
18-                     رسالة رسمية تعود إلى رئيس الحاخامات بشأن تخصيص الأغنام لرأس السنة.
19-                     تقويم عربي وعبري لعام 1972/ 1973م.
20-                     كتاب مقدس باللغة العبرية عمرة 400 سنة.
      يقول اليهودي العراقي الثري (أدوين شكر) المقيم في لندن, والذي غادر العراق عام 1971م وعثر على شهادته المدرسية ضمن المعروضات في واشنطن : يحتوي الأرشيف على عشرات الآلاف من الوثائق, وما يقرب من (2700 كتاب) تم عرض (24) قطعة منها فقط في المعرض, ومن بين هذه القطع شهادتي المدرسية.. ويحتوي الأرشيف كذلك على المستندات التي تم العثور عليها داخل مدرسة (فرنك عيني) اليهودية في بغداد, التي تم إغلاقها عام 1972م وتحويلها إلى المدرسة النظامية التابعة إلى وزارة التربية. كذلك يوجد ضمن الأرشيف وثائق زواج وكتب ومراسلات بين أبناء الطائفة اليهودية العراقية وجهات في دول العالم, إلى جانب نسخ من كتب دينية وتاريخية يرجع تاريخية إلى ما يزيد عن (400) سنة(6).
    من جهته يذكر النائب الإسرائيلي العمالي (موردخاي بن فورات) وهو أحد المنحدرين من يهود العراق الذي يعمل باحثاً في مركز (إرث يهود بابل) الواقع قرب تل أبيب: إن إسرائيل اشترت مجموعة من المخطوطات الأثرية الثمينة من عناصر ميليشيا رافقت القوات الأميركية لدى دخولها إلى العراق عام 2003. ويضيف : إننا تمكنا من الحصول على تعليق نادر لسفر أيوب نشر سنة 1487م وقسم من كتب الأنبياء المنشورة في البندقية سنة 1617م من مخازن حصينة لأجهزة الأمن العراقية في عهد صدام حسين(7).
صيانة وترميم الأرشيف
      بعد نقل القوات الأمريكية الأرشيف للصيانة إلى إدارة الأرشيف الأمريكي للوثائق في ميراند تكساس كلية بارك , للتأكد من سلامة الأرشيف العراقي اليهودي , بعد أن تعرض للرطوبة والحرارة أثناء الخزن , والاطلاع على عمليات حفظه وصيانته التي تم باستخدام التقنيات والأساليب الحديثة , في هذا المجال وترقيم صفحاته بشكل الكتروني , وأعداد عرض صوري وفديوي يوثق عمليات نقل الأرشيف وصيانته وإنقاذه من التلف, كما أن مكونات الأرشيف نحو 18% تنطوي على أهمية تاريخية فعلاً , في وقت يتوقع اكتمال صيانته منتصف عام 2014م ليجري تسليمه إلى الحكومة العراقية بحسب الاتفاق بين الجانبين.
      لكن مشروع الترميم كان متعثراً حسب تصريحات الحكومة الأمريكية, أثر ازدياد العنف وسفك الدماء في بغداد عام 2006م , إلا أن عودة الاستقرار بعد عام 2007م تقريباً إلى العراق تحول مبلغ ثلاث ملايين دولار في عام 2011م وهو الدعم الاقتصادي للعراق لدعم إعادة العمل وللترميم بالشكل الجيد وفق أساليب علمية رصينة , ومن المتوقع أن يصل اثنان من خبراء العراق للاطلاع على مجريات العمل في مجموعة الملف التي تم العثور عليها.
      في كلية بارك في تكساس في قسم الأرشيف , إذ يعمل عدد من الخبراء بشكل متواصل بأجهزة وأدوات مختلفة للتنظيف وترقيم الوثائق والأوراق المهمة وتغليفها, كما يعمل عدد من التقنيون لامتصاص الرطوبة من تلك الأوراق, وخاصة كتب الصلوات وإصلاح ما تلفتها الحشرات عبر الأعوام , كما أن البعض يتم تنظيفها تماماً وقد يتم تجليدها ثانية, بعد إنجاز الإصلاح والترميم سيتم عرض الأرشيف على الشبكات الفضائية مع تنظيم معرض له بعنوان اكتشاف واستعادة المحافظة على التراث اليهودي العراقي(8).
       أن الأرشيف يتضمن مجموعة من الوثائق المهمة التي تؤكد تاريخ الحضارة البابلية وتأريخ اليهود ويحكي قصة اليهود ، وهنالك صيحات كثيرة ليس فقط من الحكومة العراقية ولكن من المواطنين أيضاً لاستعادة الأرشيف اليهود بعودته إلى موطنه الأصلي حضارة بلاد الرافدين , أن المرحلة المقبلة ستشهد تحسناً في قضية استعادة الأرشيف اليهودي ولكن لا يمكن أن نحدد متى يعود إلى موطنه الأصلي(9).
مراسيم دفن الأجزاء التالفة من الأرشيف 
       أبدى متحف الأرشيف الأميركي موافقته على نقل جزء من الأرشيف اليهودي العراقي إلى بغداد فيما تم دفن الأجزاء التالفة منه في مقبرة لليهود العراقيين في نيويورك ، بينما تستعد لجنة حكومية لمتابعة هذا الملف مع المسؤولين الأميركيين(10) , من خلال ما تم من أجراء مراسيم دينية خاصة لدفن الأجزاء المتضررة من الأرشيف يعكس صورة العراق الجديد ، كانت مراسيم الدفن لأجزاء وصفحات تالفة من التوراة التي هي جزء من محتويات الأرشيف اليهودي الذي نقل لترميمه في واشنطن وذلك في مقبرة (نيو مومنتيفور) التابعة للجالية اليهودية في ضواحي مدينة نيويورك ، بحضور السفير العراقي في واشنطن ، لقمان فيلي ، بحسب ما نقلت صحيفة تايمز أوف انديا THE TIMES OF INDIA ، أنه وفقاً للقانون والعرف اليهودي ، فإن أسلوب الدفن هذا يستخدم للأشياء التي تحمل طابعاً مقدساً وتتعرض للتلف ولم تعد مناسبة للاستخدام والتداول . وقال رئيس منظمة الجالية اليهودية في العراق ، موريس شوحيت، بحسب الصحيفة أوف انديا ، إن «الصندوق الذي وضع في القبر يحتوي على الأجزاء والصفحات التالفة من التوراة التي علاها التعفن والتفسخ ، كما أن أكثر من 120 شخصاً حضروا مراسيم الدفن» . وبينت الصحيفة أن «الأرشيف الوطني في واشنطن ، كان قد نظم معرضاً لبعض العينات من محتويات الأرشيف اليهودي بعد ترميمها لفسح المجال أمام الزوار من الجالية اليهودية والآخرين ، إلقاء نظرة على إرث اليهود الذين عاشوا في العراق منذ مئات السنين ، ومقتنياتهم القديمة والنادرة»(11).
رأي بعض العراقيين حول عودة الأرشيف
      هناك عدة تساؤلات حول الأرشيف , منها من يقول : العجيب أن يكثر الحديث اليوم عن إرسال الأرشيف اليهودي إلى وزارة الآثار العراقية في بغداد على الرغم من أنه من غير الواضح أين سيتم حفظه أو عرضه؟ والسؤال الكبير حول الأرشيف الذي يطرحه يهود العراق اليوم هو كيف يمكن إرجاعه إلى العراق دون ضمانات حقيقية لحفظه وصيانته وإمكانية الاستفادة منه خصوصا وادعاء الحكومة أنها تمتلك أضعافه في العراق؟ فلماذا لا يمكنها حفظ وصيانة الموجود فعلاً عندها لتضعه في المتاحف بصيانة واهتمام ويتم عرضه في المتحف وإمكانية الاستفادة منه؟.
       لذلك كله كتب بعضهم رسالة موجهة إلى مسؤولين في الإدارة الأمريكية ووقّعها الكثير من الحضور من اليهود العراقيين يطالبونهم بالحفاظ على أرشيفهم وعدم تسليمه إلى بغداد كحق طبيعي من حقوقهم بعد كل تلك المحن والمآسي والتهجير والمعاناة, فضلاً عن السعي الحثيث لاسترجاع الحقوق المغتصبة لتأريخ أبناء الديانة اليهودية , وإن تأريخاً عظيماً عمره ثلاثة آلاف عام لا يمكن أن تمحيه خمسين عاماً من المعاناة والمحنة والتهجير وسيبقى خالداً يدونه التاريخ بحروف من ذهب كما يتذكره الطيبون من مختلف الأديان والمذاهب الذين تعايشوا وتحاببوا وتزاوجوا بمودة ووئام وانسجام وسلام(12).
      يتساءل الصحفي نبيل الحيدري في مقال على موقع إيلاف إن «السؤال الحقيقي هو أين حقوق يهود العراق اليوم ؟ فإذا أقرّت الحكومة بتأريخهم العظيم, فعليهم بإرجاع جنسياتهم أولاً كما طالبت في مؤتمر الأديان في السليمانية العام الماضي , وكذلك طالبتُ إعطائهم مقاعد برلمانية أسوة بغيرهم من الأديان والمذاهب لإرجاع جميع ممتلكاتهم وأموالهم التي سلبت ظلماً وعدواناً ,وتعويضهم عن الخسائر الفادحة التي ألمّت بهم , فكيف يجوز إرجاع الأرشيف بدون أهله وأصحابه الحقيقيين , وهذا غير مقبول , فمثلا الشهادة المدرسية ترجع إلى صاحبها الحقيقي وكذلك الوثائق الأخرى . والسؤال الكبير حول الأرشيف الذى يطرحه يهود العراق اليوم هو كيف يمكن إرجاعه إلى العراق دون ضمانات حقيقية لحفظه وصيانته وإمكانية الاستفادة منه خصوصاً , وادعاء الحكومة أنها تمتلك أضعافه في العراق ، فلماذا لا يمكنها حفظ وصيانة الموجود فعلاً عندها لتضعه في المتاحف بصيانة واهتمام ويتم عرضه في المتحف وإمكانية الاستفادة منه . لذلك كله كتب بعضهم رسالة موجهة إلى مسؤولين في الإدارة الأمريكية ووقّعها الكثير من الحضور من اليهود العراقيين يطالبونهم بالحفاظ على أرشيفهم وعدم تسليمه إلى بغداد كحق طبيعي من حقوقهم بعد كل تلك المحن والمآسي والتهجير والمعاناة , فضلاً عن السعي الحثيث لاسترجاع الحقوق المغتصبة لتاريخ ناصع يتجاوز المسلمين والمسيحيين في ثلاثة آلاف عام باهر خالد(13).
      أما رأي الأستاذ سمير عزت معلم , الذي أرسل في رسالة على النت قال : رأي في الموضوع هو على أساس :
٠١  مصدر المعروضات: اغلب المعروضات صودرت من بيوت وكنائس يهودية عند قيام سلطات الأمن/الاستخبارات بمداهمة البيوت والكنائس.
 ٠٢ الأهمية الدينية: لا أهمية  لصندوق خشبي بداخله مجلة جلدية ملفوفة وعليها مخطوطات التعاليم الدينية بالعبرية لمن لا يقرأ العبرية.
٠٣  انتقاص فئة: أن كانت الغاية من الإعادة عرض المفردات على أبناء الشعب العراقي فلن يتم ذلك تماما ما لم تسنح الفرصة أمام اليهود العراقيين من زيارة العراق والمعرض.
      لذلك اعتقد انه من المرجح ترك المعروضات لمن سهر وحرص على استعمال جميع طرق التكنولوجية في استنساخ وإنقاذ ملفات تلفت في مياه السراديب وتوضع الآن تحت أنظار الجميع دون تفرقة.
      أما رأي الأستاذ حسقيل عزرا جميل , في رسالة على النت قال : عزيزي نبيل اعتقد الأحسن أن يكون الارشيف اليهودي لدى دوله محايدة للحفاظ عليه وهذا أوسط الأمرين.
      أما السيدة ثريا كانوا بطرس فقد علقت على الموضوع وقالت: أفضل حل باعتقادي هو وضعه أمانة لدى اليونسكو، لحين استقرار الأوضاع الأمنية والسياسية ووجود حكومة عراقية تهتم بتراث العراق كله على أساس أنهُ تراث وطني وليس على أساس نظرة إيديولوجية
      أما الدكتور خضر البصون , فكان لهُ رأي مخالف إذ قال : اعتقد أني معارض لفكرة إرجاع الارشيف إلى العراق . طبعاً المكان اللائق له في متحف يهود العراق حيث يعيش معظم يهود العراق , ولكن إذا كان هذا علقم مرّ , فمن الطبيعي أن نفضل أن يبقى في دولة «محايدة» ربما انكلترا حيث أسهل السفر إليها.
      كما علق الدكتور فلاح حاج حول الارشيف وقال : الارشيف ثروة تاريخية ينبغي الحفاظ عليها ، على الأقل للاستفادة منه في مجال التوثيق . هذه كنوز ثمينة بغض النظر عن موقفنا من دولة إسرائيل . ربما يكون من المناسب الاحتفاظ بهِ في دولة محايدة مؤقتا بسبب الأوضاع الأمنية غير الطبيعية.
وفي نهاية الأمسية كانت هناك مداخلات بشار عليوي, سعد الشلاه, د. نصير الحسيني, الباحث أحمد الناجي, د. عبد الرضا عوض) وكانت هناك عدة تساؤلات حول الأرشيف , منها من يقول : العجيب أن يكثر الحديث اليوم عن إرسال الأرشيف اليهودي إلى وزارة الآثار العراقية في بغداد على الرغم من أنه من غير الواضح أين سيتم حفظه أو عرضه؟ والسؤال الكبير حول الأرشيف هو كيف يمكن إرجاعه إلى العراق دون ضمانات حقيقية لحفظه وصيانته وإمكانية الاستفادة منه خصوصا وادعاء الحكومة أنها تمتلك أضعافه في العراق؟ فلماذا لا يمكنها حفظ وصيانة الموجود فعلاً عندها لتضعه في المتاحف بصيانة واهتمام ويتم عرضه في المتحف وإمكانية الاستفادة منه؟.
     أما من ناحية المخاوف على الأرشيف من قبل الحضور فهي عديدة منها مثلا : أين وكيف سيحافظ على الأرشيف؟ هل سيبقى كأرشيف كامل؟ هل سيكون مصير الأرشيف مثل ما حصل ولا يزال يحصل بالآثار في العراق؟ كيف يمكن الاطلاع عليه وعلى محتوياته إذا عاد إلى مكان غير آمن؟ وقد كانت حصيلة الحوار أن يبقى الأرشيف في دولة محايدة للحفاظ عليه دون عودته إلى العراق.
 
المصادر
1-    مصطفى الكاظمي - الحرة عراق - عن الأرشيف اليهودي .. وحلول تضمن الحقوق-10-2-2014.
2-    الواشنطن بوست تروي قصة سرقة الأرشيف اليهودي العراقي 11/12/2013. http://l-news.net/index.php/policy/36438.html
3-    جريدة العرب بتاريخ 5/10/2009. حوار مع مدير عام دار الكتب والوثائق العراقية د. سعد اسكندر.
4-      تصريح أوردته وسائل الإعلام العراقية في 5/1/2009.
5-      صحيفة الصباح الجديد - سها الشيخلي في 3/18/2014.
6-    صحيفة العرب. العدد 9435 بتاريخ 11/1/2014 . حوار مع اليهودي العراقي أدون شكر..
7-      صحيفة العرب العدد 9436 في 11/1/2014.
8-    صحيفة الصباح -الأرشيف اليهودي العراقي.. في طريق العودة – في8-9-2014 http://www.alsabaah.iq/ArticleShow.aspx?ID=77399
9-      العراق تايمز – الأرشيف اليهودي في طريقه إلى بغداد -http://sumria.blogspot.com/2013/04/blog-post_6.html
10-                        العراق تايمز- الأرشيف اليهودي في طريقه إلى بغداد- http://sumria.blogspot.com/2013/04/blog-post_6.html
11-                        المدى برس/ بغداد -17-12-2013 تحت عنوان (مراسم دفن أجزاء تالفة من الأرشيف اليهودي في نيويورك).
12-                        نبيل الحيدري - الأرشيف اليهودي العراقي تاريخ حافل بالأمجاد –إيلاف - في 20-ديسمبر – 2013.
13-                        موقع إيلاف – نبيل الحيدري - الأرشيف اليهودي العراقي تاريخ حافل بالأمجاد-20 ديسمبر 2013- See more at: http://www.elaph.com/Web/opinion/2013/12/858745.html#sthash.HRwqvA02.dpuf
 

38
تأسس الحلة وتمصيرها
د. عبد الرضا عوض
مقدمة
كما هو معلوم فإنَّ مدينة الحِلة كانت تعرف بالجامعين قبل تمصيرها (1) ؛ وهي اليوم إحدى محلات هذه المدينة ؛ نسبةً إلى جامعين اثنين صلى فيهما أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب -;- ؛ أثناء رجوعه من معاركه في صفين والنهروان سنتي 36 و37 هـ/ 656و657م ، ومكث فيها خمسة وأربعين يوما وأقام فيها صلاة الجمعة ؛ ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن يأخذ الناس الماء من البئر الموجود في الجامع الذي توضأ منه أمير المؤمنين -;- ويتبركون به ؛ وكان الإمام ينتظر أحد قادة جيشه ؛ وهو عبد العزيز السراي(2) الذي كان جريحا ؛ وبعد وصوله توفي فغسله الإمام ودفنه وقبره ما زال هناك(3) 0
التأسيس
لم نحصل على تاريخ متفق عليه في نشوء هذه الحاضرة البهية ، لكن المؤرخين أجمعوا أن لها ذكر وحوادث قبل أن يمصرها الأمير سيف الدولة صدقة بن منصور سنة 495هـ ، وهناك عدة آراء دونها المؤرخون في كتبهم حول تأسيسها لكنها غير قاطعة، هي:
1- هناك من ذَكرَ أن أرض الجامعين هي بقايا قرية بابلية تغور في القدم ، فهي مأهولة بالسكان قبل قرون من تمصيرها ، ولعلها تحمل أسم بابلي لم يصل الينا.
2- وهناك رأي يقول انها نشأت سنة 37هـ حينما حط رحاله فيها الإمام علي بن أبي طالب(ع) ووارى جثمان قائد جيشه الشهيد عبد العزيز بن السراي المدائني في هذا المكان فبنيت البيوت حول المرقد وتوسع عمرانها.
3- ومنهم من قال انها نشأت قبل تأسيس بغداد حينما زارها وحط رحاله فيها الإمام جعفر الصادق سنة 132هـ.
4- وذكر المسعودي في مروجه: أن أبا مسلم الخراساني قائد حملة اسقاط الدولة الأموية سنة 132هـ هو من أهل برس والجامعين.
وورد لها ذكر في بطون الكتب تحت اسم (الجامعين) منها:
- أول ذكر لهذه الحاضرة ورد في معجم الادباء لياقوت الحموي قائلاً: ان القاضي الحسن بن علي بن داود التنوخي البصري (ت384هـ) صاحب كتاب (نشوار المحاضرة) كان يقضي في الجامعين وسورا.
- ان شبيب بن حماد بن مزيد الأسدي قد خرج على ابن عمه الأمير دبيس سنة 422هـ وسكن الجامعين .
- ان قبيلة خفاجة أفسدت فدخلت الجامعين سنة 446هـ فأستعان الأمير دبيس بن علي بالبساسيري فطردهم من الجامعين.
- انها كانت مضمونة من قبل العقيليين مع الكوفة والقصر(قصر بن أبي هبيرة) قبل وصول المزيديين اليها.
التمصير
ومفهوم التمصير للحاضرة هو: وجود بناء جامع ومكان للعبادة (جامع أو دير) ومدرسة ، وقاضي يحكم بين الناس ، وتنظيم لحركة السوق ، وثكنة عسكرية فيها جند مهمتهم حمايتها وتنظم امورها.
والجامعين كانت حاضرة مأهولة فيها مساكن قبل أن يطأها الأمير صدقة لكنها غير منظمة ، فلما دخلها صدقة بن منصور الأسدي يوم 5محرم سنة495هـ/1101م اكمل مستلزمات المدينة فيها وحملت اسم (الحلّة) أي مكان نزول القوم فُعد يوم التمصير.وهكذا الكوفة والبصرة والقاهرة..
انتقل الأمير صدقة بن منصور المزيدي (قتل سنة 501هـ) بإمارته المزيدية من أرض النيل شرق الحلة الى أراضي الجامعين عابراً فرات الحلة بعد اختلافه مع الادارة السلجوقية حول رسم الضمان كان ذلك يوم الأربعاء الخامس من شهر محرم الحرام سنة 495هـ الموافق يوم 30 تشرين الأول 1101م.
ولهذا التمصير قصة ، نذكرها هنا كما وردت في بطون الكتب:
اشتد الخلاف بين الأمير المزيدي الخامس سيف الدولة صدقة بن منصور الأسدي مع السلطان بركيارق بن ملكشاه السلجوقي ، في عهد الخليفة العباسي المستظهر بالله (ت512ه) ، فأرسل له موفداً عنه في شهر ذي الحجة سنة 494هـ، قال له: ((لقد تخلّف عندك لخزانة السلطان ألف ألف دينار وكذا ديناراً لسنين كثيرة فإن أرسلتها وإلا سيرنا العساكر إلى بلادك وأخذناها منك)) ، فلما سمع هذه الرسالة من الأمير أياز ، قال صدقة: "لا أحضر ولا أطيع السلطان إلا إذا سلم وزيره أبا المحاسن(1) إلي وإن لم يفعل فلا يتصور مني الحضور عنده أبدا"(1).
وعند امتناع صدقة من تسديد رسوم بذمة إمارته الى السلاجقة أرسل الوزير الدهستاني مندوباً عنه الى الأمير صدقة في النيل يطالبه بالمبلغ، واشتد الجدال بينهما وخرج صدقة من الخيمة التي دار بها الكلام وأمر معيته بقطع أطناب الخيمة على رأس الوفد الذي أرسله الدهستاني فسقطت الخيمة على من كان حاضراً ، وغادر القوم النيل فأرسل ذلك المندوب رقعة فيها ثلاثة أبيات من الشعر الى الأمير صدقة، مفادها تهديد ووعيد ، هي:
لا ضربت لي بالعراق خيمة
ولا علت انامــــــــــــلي على قلم
ان لم أقدها من بلاد فارسٍ
شعث النواصي تحتها سود العمم
حتى ترى لي في الفرات وقعة
يشرب منها الماء ممزوجاً بدم(2)
فلما وصلت الأبيات الى الأمير صدقة علم ان السلاجقة سيشنون حرباً كاسحة ضده ، فقرر في أوائل شهر محرم عام 495 للهجرة النبوية الشريفة الانتقال بجيشه ومعيته من أرض النيل ليعبر فرات الحلة ويحط رحاله في أرض الجامعين التي كانت تحت ولاية ابن عمه شبيب بن حماد الأسدي ليسجل التاريخ حدثاً مهماً ويؤرخه لتمصير الحلة الفيحاء 0
وتجدر الإشارة الى أن الحرب لم تجرِ ، ولم يصب الأمير صدقة بسوء بسبب مقتل الوزير الدهستاني في أصفهان في شهر صفر 495هـ ، ولذلك تطورت الحلة وبنيت فيها المساكن وأماكن الدرس وأُطلق عليها تمييزاً (السيفية) نسبة لسيف الدولة الأمير صدقة بن منصور ، الذي قتل في معركة النعمانية سنة 501ه ، وغدت الحلة من أشهر وأجمل مدن الدنيا ، وانتهت الإمارة سنة 545هـ بموت آخر أمرائها الأمير علي بن دبيس بن صدقة ، ولما زارها الوزير ابو جعفر البلدي(1) سنة 564ه ، قال شعراً ، منه:
لما نزلت بدار المزيدي وقد
أخنى عليها الذي اخنى على لبد
أصبحت مدينة الحلة مناراً للعلم حينما احتضنت الحوزة العلمية سنة 562هـ على عهد ابن إدريس ، صاحب السرائر (ت598هـ) ، واستمرت الى سنة 951هـ بوفاة الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي، ولا غرابة في أن تحتضن الحلة الوافدين من شتى بقاع العالم وتحافظ على عروبتها ، فأصبحت منارةً للفقه الإسلامي والأدب العربي(1)، إذا ما علمنا أن كثيراً من العلماء والأدباء قدموا الى الحلة واستقروا بها، وأصبحوا من جملة أهلها وتتلمذوا فيها0
ولغرض تسليط الضوء على هذا الحدث والذي سُميّ يوم التمصير، نقول:
إن أول من فكر بإحياء يوم التمصير هم جماعة عشتار(2) سنة 1972م ، واستعانوا بالمرحوم المهندس سامي علي السلطان وكان يومذاك مديراً للبلدية ورئيساً لغرفة تجارة الحلة وكان يعاونه الشاعر السيد محمد علي النجار الذي اعدَّ قصيدة للمناسبة ، منها:
يا حلّة الفيحاء قبل قرونِ

كم عشت بين تحرّكٍ وسكونِ

ويقول فيها:
أهداف هذا المهرجان كثيرة

حيث الحديث بشأنه يغريني

وإذا تظافرت الجهودُ لحملةٍ

كبرى بفكرٍ ثاقبٍ ورصينِ


فبلادنا تهفو إليها أنفسُ الـ

ـسيَّاح قاطبة بلا تعيينِ


بعد انتهاء تلك الجلسة دار حديث حول مشروع مهرجان (تمصير مدينة الحلة) أو(الذكرى التسعمائة لتمصير الحلة) بين الاستاذين سامي علي السلطان وعدنان العوادي، وكان السلطان قد تسلَّم مسودة المشروع من السيد محمد علي النجار ومحمد سعيد بقلي اثناء اجتماعه في غرفة التجارة، ورحب العوادي بالفكرة وتمت مخاطبات رسمية بين بلدية الحلة ووزارة الاعلام الذي كان يتولاها آنذاك عبد الله علوان الجبوري، وقد رفض المشروع من قبل الوزارة.كما أخبرني بذلك الأستاذ سامي علي السلطان ود0 عدنان العوادي والسيد محمد علي النجار، في مقابلتي معهم كلٌ على حده ، وقد عقب السلطان على تلك الفقرة بقوله:" الفكرة جاءت عندما كان صباح محمود الخطيب يعد دراسة عن الحلة وقد أصدر كتاباً بعد سنتين بعنوان(مدينة الحلة الكبرى) والارجح ان ذلك الباحث هو الذي طرح الفكرة وأجرينا مخاطبات رسمية مطولة مع الجهات العليا والجميع رحب بالفكرة لكن الرفض جاء من وزارة الاعلام0
2- نجحت المحاولة الثانية سنة 1995م فكانت برعاية جامعة بابل وكان الدكتور يحيى الراوي رئيساً لها وتحت شعار(تراث الحلة العربي الاسلامي يبعث من جديد) والفكرة تبناها الدكتور حسين علي محفوظ ، وأصبح المشروع تحت اشراف (مركز احياء التراث العربي التابع لجامعة بغداد) التي كانت تديره آنذاك الدكتور نبيلة عبد المنعم داوود، ومن الطريف كان من شروط الموافقة على قيام المشروع هو تقديم المناسبة الى شهر نيسان مقاربة مع أعياد نيسان (مولد الحزب وميلاد القائد) ، وفعلا انعقد المؤتمر الفكري الأول يومي 4و5 نيسان عام 1995م ، بمنهاج علمي رصين ، وكان مبيتهم في فندق بابل السياحي، ووصلنا قسم من بحوث الندوة فقدمنا لها وأصدرناها في كتاب سنة 2014م بعنوان (الندوة العلمية الأولى الحلة في التراث العربي).
3- أُعد للمؤتمر الثاني من قبل مركز دراسات ووثائق الحلة وتم مفاتحة الجهات ذات العلاقة على أن يعقد في شهر تشرين الأول سنة 2001م، ووصلت بعض البحوث الى اللجنة التحضيرية التي كان يرأسها الدكتور عبد العباس إبراهيم - وأنا احتفظ بقسم منها- لكن ظروف البلد حالة دون انعقاده.
4- عقد مؤتمر تمصير الحلة (الأول)، يومي 27 و28 آب 2005في جامعة الحلة الدينية (قاعة الأقليمي) التي كان يرأسها السيد فرقد القزويني وبمشاركة جمعية الرواد الثقافية المستقلة التي يرأسها الشاعر صلاح اللبان ، ومركز الدراسات الستراتيجية الذي يديره الدكتور عدنان بهية التابع لجامعة الحلة الدينية.
5- عقد مؤتمر التمصير على أرض مدينة بابل الآثارية يوم 16-12-2007م وبحضور شخصيات عراقية واستمر ليومين وهو برعاية وزارة الثقافة العراقية واتحاد أدباء بابل وهيأة التحديث الحضاري ، وقدمت فيه بعض البحوث ، وتبنت هيأة التحديث الحضاري انجاز تمثال برونزي للأمير صدقة بن منصور حدد موقعه قرب محطة قطار الحلة ونفذ ذلك ، واعلن في هذا المؤتمر اعتبار الحلة عاصمة للثقافة العراقية للعام 2008، وبهذه المناسبة أطلق عليه اسم "مهرجان تمصير الحلة"، تضمن إقامة معارض فنية وأدبية واستعراضا للصحافة الحلية القديمة والمقتنيات الحلية القديمة، كما تضمن عرضا مسرحيا وفيلما تسجيليا عن مراحل تطور المدينة.
6- بالرغم من تسمية (بابل عاصمة الثقافة العراقية لعام 2008م) وانعقاد ندوة فكرية وهي تحت رعاية الحكومة العراقية إلا أن الندوة لم تصل الى المستوى المطلوب.

7- عقدت جامعة بابل مركز الدراسات الحضارية والتاريخية ندوة فكرية ولمدة يومين 16-17 تموز 2011م على قاعة المكتبة المركزية تحت عنوان (الحلة بين التمصير والتأسيس) وطرحت أفكار عديدة ، ونوقشت كلمتا (التمصير) و (التأسيس) وخرجت الندوة بنتائج ، هي: (اعتبار صدقة بن منصور ممصراً للحلة لا مؤسساً) فالحلة لها وجود قبل هذا التاريخ وكان يطلق عليها (الجامعين) 0
8- انبرت ثلة خيرة من اهالي الحلة لغرض احياء ذكرى التمصير وتثبيت يوم التمصير الفعلي وهو يوم 30 تشرين الأول ، وتعد العدة هذه النخبة للقيام بمهرجان يليق بالمدينة وتاريخها العريق ، فقد عقد اجتماعها الأول في ملتقى العشرة كراسي يوم 31-12-2018م ووضعت خطة لإستذكار هذا اليوم الخالد ، نأمل أن يكون النجاح حليفها...


المصادر
(1) الحموي ، شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت الرومي البغدادي (ت626هـ/1228م)، معجم البلدان ، دار صادر ، بيروت (د0ت0):2 /96 0
(2)عبد العزيز بن السراي ، من أهالي المدينة المنورة ، ومن قادة جيش الإمام علي -;- جرح في حرب النهروان ودفن في الحلة ، مرقده مزار يقع حالياً خلف مدرسة صفي الدين في منطقة باب المشهد في الحلة ، (عبد الرضا عوض ، مزارات ومراقد الحلة ، دار الفرات للثقافة والإعلام ، الحلة ، 2006م: 34)0
(3) حازم الحلي ، الحلة وأثرها العلمي والأدبي ، المكتبة التاريخية المختصة ، قم ، 1432هـ :24 0
(4) مروج الذهب للمسعودي:6/59 ؛ الإمارة المزيدية : 250 .
(5) معجم الأدباء ، ياقوت الحموي:17/192 .
(6) الإمارة المزيدية ، عبد الجبار ناجي:250 .
(7) تاريخ الحلة ، يوسف كركوش:1/17 .
(8) الإمارة المزيدية ، عبد الجبار ناجي:251 .
(9) ابن الجوزي ، المنتظم في تاريخ الملوك والامم: 9/124
(10) شرف الدين أحمد بن محمد البلدي ، كان ناظراً بواسط قبل ان يستوزره الخليفة المستنجد سنة 563هـ ، قتله عضد الدولة ابن المسلمة سنة 566هـ وقطعه ورماه بدجلة (ابن الجوزي، المنتظم:10/32 0)
(11) مصطفى جواد ، في التراث العربي : 2/166 0
(12) هؤلاء أسسوا في آذار 1971م تجمع ثقافي أدبي وأطلقوا عليه (ندوة عشتار) فكان منهم: د. حازم الحلي ، د. عدنان العوادي ، سعدي علوش ، جبار مكاوي ، كاظم الطائي ،حكيم الجراخ ، وحودي سلمان ، عبد الإله الصاحب.(ندوة عشتار:22).


39
عن دار الرافدين صدر كتابي الموسوم تاريخ يهود الخليج
نبيل عبد الأمير الربيعي

من خلال متابعة تاريخ استقرارهم في منطقة الخليج كقبائل تهوّدت أو من خلال الهجرات الأخيرة منذ القرن السابع عشر, تم تتبع أصول الأقلية اليهودية التي استقرت حديثاً في منطقة الخليج العربي, كما سلط الضوء على اعدادهم وأسرهم وشخصياتهم المهمة التي كان لها الدور الكبير في المجال الاقتصادي والاجتماعي, وعلاقاتهم الجيدة مع السكان المحليين.
علماً أن المصادر التاريخية المختلفة محلياً قد أغفلت تقديم معلومات دقيقة عن تاريخ الأقلية اليهودية في منطقة الخليج, واغفلت بشكل متعمد تقديم المعلومات المغلوطة لتأريخ هذه الأقلية وعلاقاتها مع المجتمعات المحلية, لكن بعد هذا الغبن والاجحاف الذي اصاب أحد مكونات المجتمع الخليجي لا بد من ازاحت الستار عن جزء من التاريخ المسكوت عنه عمداً, من خلال متابعة المصادر التاريخية المهمة لرجال الرحلات والمستشرقين ومن عمل مستشاراً من الأوروبيين في منطقة الخليج وكتب مذكراته مثل تشارلز بلجريف وآخرين.
منذُ زمن قريب أهتم الباحثون والأكاديميون والإثنوغرافيون في منطقة الشرق الأوسط عامة وفي منطقة الخليج خاصة, بتركيزهم الرئيسي بدراسة قضايا المكونات والأثنيات وعلاقتها بالمجتمع العربي وبالطابع الإسلامي, وعلى الرغم من شروع ثلة من الباحثين في الاهتمام بإعادة النظر والتدقيق في فحص الجوانب المتعلقة بتاريخ الأقليات العرقية والدينية وبمظاهر حياتها في المنطقة, فإن مكانة الأقليات الدينية واليهود على وجه الخصوص قد وقع تجاهلها إلى حدٍ كبير في هذا التاريخ, وخاصة بالنسبة لعلماء الأنثروبولوجيا المنحدرين من أصول مسلمة, حيث ظلت البحوث المتعلقة بيهود الشرق الأوسط وبكل ما يتصل بحياة اليهود تعتبر في نطاق التابوهات, أي المحرمات الممنوعة, والأسباب التي اتخذت مثل هذا الموقف واضحة, إذ يمكن وصف الباحث الإثنوغرافي الذي ينكب على إجراء البحوث حول مواضيع اليهود في العالم العربي بالمؤيد للصهيونية والمنافح عنها, مما قد يشكل وصمة عار لا يمكن أن تخلو من عواقب مهنية وشخصية محمودة للمعني بأمرها.
إن غالبية أبناء المكون اليهودي في منطقة الخليج العربي قد جاءوا من عدة مناطق مجاورة لمنطقة الخليج منها : العراق, بلاد فارس, الهند, اليمن, ارمينيا, افغانستان, وكردستان, كان السبب الرئيسي لهجرة بعض أبناء الأقلية اليهودية من مناطق استقرارهم لمنطقة الخليج العربي هو الاستقرار الاقتصادي والسياسي والأمني وما يتصف به مجتمع الخليج بالتسامح الديني, ووجود سلطة محلية واستعمارية قد وفرت الحماية لهم, باعتبارهم رعايا, ومن ثم تشابه الانشطة الاقتصادية لأبناء الأقلية اليهودية في منطقة الخليج العربي, كما عمل بعض أبناء الأقلية بالشراكة مع العديد من التجار المحليين, وقد كانت اماكن سكناهم قرب مراكز المدن الرئيسية ونشاطها التجاري, لا كأحياء خاصة بهم مثل «الجيتو».
اعتمدت الأقلية اليهودية على رفع المستوى التعليمي لأبنائها, وقد كان للإرسالية العربية الأمريكية الدور في ذلك, من خلال افتتاح مدارس للبنين والبنات في أغلب مناطق الخليج, منها «البحرين, عُمان, الكويت», فضلاً عن توافر المدارس الحكومية مطلع القرن العشرين, وبعض المدارس التي انشئت في دور العبادة اليهودية, فضلاً عن إرسال بعض الأسر اليهودية الموسورة ابنائها للدراسة في الخارج, كما كان لأبناء الأقلية الاهتمام بالانضمام للأندية الثقافية والاجتماعية والرياضية, والاندماج مع المجتمع الخليجي واكتساب بعض عاداتهم وتقاليهم من خلال المأكل والملبس, وكان لهم حرية الممارسة الدينية وإدارة الشعائر, والاحتفال بأعيادهم ومناسباتهم دون مضايقات.
حافظت الأقلية اليهودية في منطقة الخليج العربي على علاقات متميزة مع السلطات المحلية, إلا أن الأقلية اليهودية لم يكن لهم مساهمة في الحياة السياسية مع العلم أن أبناء هذه الأقلية قد عملوا في وظائف ومناصب حكومية.
بعد عقود من العيش والاستقرار في منطقة الخليج العربي, عانت الأقلية اليهودية من مقاطعة اقتصادية واجتماعية من قبل السكان المحليين بعد عام 1948م وهو عام التقسيم لفلسطين بقرار من الأمم المتحدة, مما أدى إلى هجرتهم من اغلب مناطق الخليج العربي إلا قلّة قلّيلة بقيت في البحرين ولحد هذه اللحظة, بسبب سياسة السلطات الجيدة معهم. كما لعبت الصحف والمجلات المحلية والعربية دوراً كبيراً في الدعوة لمقاطة الأقلية اليهودية واضطهادها من خلال التحريض والعداء لكل ما هو يهودي تأثراً بالفكر القومي المستشري في تلك الحقبة الزمنية, لذلك كان خيارهم الأول الهجرة إلى الدول الأوروبية أو إلى إسرائيل.
ومن خلال البحث والتقصي عن الأسباب الحقيقية وراء هجرة يهود منطقة الشرق الأوسط عامة ومنطقة الخليج خاصة, يحق لنا التساؤل عن كيفية تقييم وتقدير هذه المعطيات التاريخية والإثنوغرافية وتحليلها؟ ما هي مناهج وتحيُّزات السرد الاستعماري وما بعد الاستعماري المؤطر للخطاب التاريخي المتعلق بيهود الخليج بصفة خاصة وبيهود الشرق الأوسط بشكل عام؟ ما هو دور الباحثين الوطنيين لحقبة ما بعد الاستعمار في إعادة الكتابة عن هذه المجموعات والمكونات الأثنية؟ وإذا ما أقدمنا على استخدام مزيج من روايات الرحالة الأوروبيين والشهادات المحلية, كيف ينبغي فهم هذه المصادر على الرغم مما يكتنفها من تناقضات مزعومة ومن عدم الدقة المحتملة؟ ومنذُ اليوم الذي أتخذ يهود منطقة الشرق الأوسط قرارهم بالهجرة ومغادرة المنطقة اتجاه أوروبا أو في اتجاه إسرائيل, وترك أسواقهم ومحلاتهم وبيوتهم وأعمالهم التجارية والحرفية, فإن المثل الشائع لهذه الظاهرة يقول, «فإن سوقاً بلا يهود هو مثل الخبز دون ملح», وعدم وجود الملح الذي كانوا يضيفون مادته إلى الاقتصاديات المحلية والإقليمية, كان الباعة المتجولون وغيرهم من التجار اليهود في جميع أرجاء مناطق الخليج العربي يتبادلون سلعهم التجارية, ويصرفونها متنقلين بين هذه المراكز الحضرية الأساسية والتجمعات البشرية القروية الأساسية المنبثة في جميع أنحاء مناطق الخليج, والذكرى الوحيدة المتبقية عن وجودهم هو مقابرهم, وتذكرنا مدافنهم بزمن اليهود ومكانتهم الاجتماعية.
تم تقسيم الكتاب إلى ثلاث فصول, احتوى الفصل الأول تاريخ الاستقرار اليهودي في منطقة الخليج العربي, وتضمن مبحثين, المبحث الأول حول تاريخ الخليج العربي قبل وبعد الغزو الأوروبي, والمبحث الثاني تضمن الجذور التاريخية ليهود الجزيرة العربية, وأهمية الكتب الدينية المقدسة لدى الأقلية اليهودية في منطقة الخليج العربي, أما الفصل الثاني فقد احتوى على خمسة مباحث, المبحث الأول تضمن تاريخ الأقلية اليهودية في الجزيرة العربية, والمبحث الثاني احتوى على تاريخ الطائفة اليهودية في مملكة البحرين, وهجرة الأقلية اليهودية إلى البحرين عام 1872م, وأماكن تواجدهم الطائفة اليهودية في البحرين, وأشهر الأسر اليهودية في البحرين, وعلاقة الأقلية اليهودية بالسلطات المحلية, والنشاط التجاري والاقتصادي ليهود البحرين, والوضع التعليمي لهم, والأوضاع الاجتماعية ليهود البحرين والتسامح الديني, وحالات اعتناق الديانة المتبادلة, ويهود البحرين وعلاقتهم بالصهيونية بعد قرار التقسيم, وما حصل من مقاطعة اقتصادية واجتماعية ليهود البحرين, وموقف يهود البحرين من إسرائيل, والهجرات اليهودية من البحرين وأسبابها, وواقع الطائفة اليهودية في الوقت الراهن.
أما المبحث الثالث, فقد تضمن تاريخ وجود الطائفة اليهودية في سلطنة عُمان, وواقع المجتمع العُماني والتسامح الديني, والنشاط التجاري للأقلية اليهودية في عُمان, ودور الإرسالية العربية الأمريكية وتأثيرها في مجال التعليم, وعلاقة يهود عًمان بالسلطات المحلية, وأسباب هجرة الأقلية اليهودية من عُمان. أما المبحث الرابع فقد احتوى تاريخ الوجود للطائفة اليهودية في الأحساء, والعوامل التي ساعدت على استقرار اليهود في الأحساء, ودور الأنشطة التجارية ليهود الأحساء, والدعوة لإقامة دولة يهودية في المنطقة الأحساء, والأسباب التي دعت إلى هجرة الأقلية اليهودية من الأحساء.
أما المبحث الخامس, فقد تضمن تاريخ الطائفة اليهودية في الكويت وأماكن سكنهم, وأشهر الأسر اليهودية في الكويت, وعلاقة الأقلية اليهودية بالسلطات المحلية, ودور المجتمع الكويتي في التسامح الديني, وأهمية النشاط التجاري ليهود الكويت, ودور مدارس الأقلية اليهودية في تطوير مجال التعليم في الكويت, ودور الفنان والملحن صالح الكويتي لولادة المدرسة الموسيقية, وأسباب هجرة الأقلية اليهودية من الكويت.
أما الفصل الثالث فقد احتوى على ثلاث مباحث, المبحث الأول تضمن, أهمية العبادات والأعياد والطقوس الدينية عند يهود الخليج, ومن ضمنها الشعائر وأماكن العبادة, وأهمية التقويم السنوي وتحديد اليوم الأول من الشهر, وأهمية يوم السبت لدى اليهود بعامة. أما المبحث الثاني فقد تضمن الأعياد الدينية المهمة لدى أبناء الأقلية اليهودية في منطقة الخليج, والمبحث الثالث تضمن النظم الشرعية والعادات والتقاليد, من زواج وطلاق ووفاة, وأماكن مقابر الطائفة اليهودية في الخليج العربي, والعادات والتقاليد الاجتماعية ليهود الخليج, وأخيراً ملحق الصور والوثائق.
علينا كباحثين في تأريخ الأقليات والأثنيات في منطقة الشرق الأوسط, من خلال الاعتماد على مصادر ومراجع متنوعة, وبسبب عدم توافر الوثائق فقد اعتمدت على المصادر الأجنبية والعربية والصحف والمجلات فكانت كثيرة ومتنوعة, وأهمها كان كتاب «اليهود في البلدان الإسلامية 1850-1950م» لصموئيل أتينجر, ومذكرات «تشارلز بلجريف», وكتاب «عمان في صفحات التاريخ» لروبين بيدويل, وكتاب «عرب الخليج في ضوء مصادر شركة الهند الشرقية» وكتاب «مبارك الصباح مؤسس الكويت الحديثة» لسلوت, وكتاب «واحة الإحساء» لفيدال, وكتاب «رحلة إلى عمان» لويندل فيليبس, وكتاب «تاريخ السيد سعيد سلطان عمان» لفينزنزو, وموسوعة «دليل الخليج» لوريمر, وكتاب «الكويت قبل النفط» لستانلي ماليري, وكتاب «الخليج بلدانه وقبائله» لمايلز, وكتاب «لمحة تاريخية عن المباني الأرية في مسقط» لهولي, وكتاب «تاريخ عُمان» لجيمس ولستد, وكتاب «صحار عبر التاريخ» لأندرو ويليامسون.
أما المصادر العربية فكان من اهمها كتاب «اليهود في الخليج» للباحث يوسف علي المطيري, وكتاب«اليهود في الكويت» لحمزة عليان, وكتاب «يهود البحرين» لعلي الجلاوي, وموسوعة «اليهود واليهودية والصهيونية» لعبد الوهاب المسيري, وكتاب «الحُرَف والمهن والأنشطة التجارية القديمة في الكويت» لمحمد عبد الهادي جمال, وكتاب «ابحاث في اليهودية والصهيونية» لأحمد سوسة, و«أعلام اليهود في العراق» لمير بصري, وكتاب «يهود البلاد العربية» لعلي إبراهيم عبدة وخيرية قاسمية, وكتاب «نزهة المشتاق في تاريخ يهود العراق» ليوسف غنيمة, وكتاب «اليهود في الشرق الأوسط» لمأمون كيوان.
كما اعتمد في كتابي هذا بشكل كبير على المجلات والصحف الصادرة في الخليج منها مجلة الإيمان, ومجلة البعثة, ومجلة صوت البحرين, وجريدة الأنباء, وجريدة القبس, وصحف أخرى.
أخيراً أقدم جزيل شكري إلى الأستاذ الشاعر جبار الكواز الذي بادر بقراءة مقدمة الكتاب بعيون ثاقبة متمرسة, وأجرى عليها بقلمه التصحيحات اللغوية والنحوية, وقوّم الكثير منها, اتمنى أن ينال الكتاب استحسان القارئ, ولا ادعي أني وصلت بلوغ الكمال في الكتاب, فالنص ميزة البشر.

40
يهود العراق ودورهم في نشأة التعليم وتطويره (165م – 1973م).. (دراسة تأريخية)
نبيل عبد الأمير الربيعي

صدر عن دار الفرات للثقافة والإعلام في بابل كتابي الموسوم (يهود العراق ودورهم في نشأة التعليم وتطويره (165م – 1973م).. (دراسة تأريخية), الكتاب يتضمن أكثر من 400 صفحة من الحكم الوزيري. وهو عبارة عن دراسة تاريخية عن مدارس يهود العراق الدينية والتعليمية منذ عام 165م ولغاية عام 1973م عندما تم اغلاق آخر مدارسهم في بغداد مدرسة فرانك عيني وتأميمها من قبل حكومة البعث.
تجمع المصادر أن نتيجة وعي اليهود المبكر الثقافي والتربوي خلال العهد العثماني ولأهمية المدارس, فقد أسست «جمعية الاتحاد الإسرائيلي» مدرسة الأليانس ببغداد ونظمت مناهجها على غرار المدارس الابتدائية الأوروبية, وظلت «الأليانس» المدرسة الوحيدة لليهود في بغداد حتى عام «1912م» حيث نشطت حركة التعليم عندهم.
أما التعليم النسوي فقد بدأ سنة «1893م» بافتتاح مدرسة تهذيب للبنات اليهوديات وسميت عند افتتاحها مدرسة «الأليانس» للبنات. وفي وقت لاحق قام التاجر «اليعازر خضوري» بتشييد بناية خاصة بها أطلق عليها اسم «مدرسة لورا خضوري للبنات» أحياء لذكرى زوجته «لورا» وجرى افتتاح هذه البناية في نوفمبر «1911م» أيام الوالي أحمد جمال بك, وبلغ عدد طالبات هذه المدرسة سنة «1913م», «600» طالبة.
اهتم أغلب أثرياء يهود العراق بإنشاء المدارس الحديثة, وكان بين اولئك السيد ألبرت ساسون ومناحيم دانيال ورفقة نورائيل, وقد سمح لغير اليهود بالانضمام إلى مدارسهم من المسلمين والمسيحيين على حدٍ سواء.
لقد تم فتح العديد من مدارس الأليانس في عموم العراق. ففي عام 1903م فتحت أول مدرسة في البصرة, وفي عام 1907م فتحت في الموصل, وكذلك عام 1910م فتحت مدرسة في العمارة, وفي عام 1920م قرر اليهود تدريس مادة التاريخ اليهودي في المدرسة لأول مرة. وقد خرَّجت هذه المدارس العديد من الشباب الذين تبوؤوا دوراً بارزاً في المجتمع العراقي.
ازداد عدد اليهود الذين أنهوا دراستهم الابتدائية في المدارس اليهودية والحكومية, حتى أنه بدى أن نسبة الأميين من الذكور كانت صفراً, وبين الإناث كانت غير مرتفعة, ونتيجة لازدياد عدد خريجي المدارس الابتدائية ولافتتاح مدارس ثانوية إضافية, ازداد أيضاً عدد خريجي الثانوية من اليهود, وقد أبدى البريطانيون اهتماماً بالغاً بالمدارس اليهودية عند احتلالهم للعراق, فعملوا على زيادتها ودعمها مادياً والاهتمام بها.
من خلال هذه المقدمة التاريخية لمدارس أبناء الديانة اليهودية في العراق, نقول إنها قد أدت دوراً مهماً في أرساء المبادئ والأهداف التربوية, مما كان ليهود العراق الدور الكبير في مشاركتهم في بناء مؤسسات الدولة العراقية المختلفة, مما يؤكد على التعايش الحقيقي فيما بينهم وبين أبناء الشعب العراقي.
تم تقسيم الكتاب إلى ثلاث فصول, احتوى الفصل الأول على الجذور التاريخية ليهود العراق منذٌ عهد الإمبراطورية الآشورية الأخيرة عندما أخضع الملك الآشوري تجلات بلانصر الثالث «745 - 727 ق.م» قسماً من مملكة إسرائيل لنفوذه وما يسمى بسبي «سامريا 721 ق.م», ولغاية هجرتهم القسرية الأولى عام 1950م/1951م, والثانية والأخيرة عام 1974م.
أما الفصل الثاني فقد احتوى على تاريخ المدارس الدينية اليهودية في العراق, فقد تضمن ثلاث مباحث, المبحث الأول يمثل دور المدارس الدينية اليهودية في العراق للفترة «165م-1830م», والمبحث الثاني تاريخ المدارس الدينية اليهودية في العراق للفترة «1830م-1864م», والمبحث الثالث وضحَ دور مدارس الأليانس وأثرها التعليمي والثقافي للفترة «1864م-1951م». فضلاً عن توضيح الملاحظات المهمة حول مدارس اليهود في الولايات العراقية, ومصادر تمويل مدارس الطائفة اليهودية, والنشاطات اللامنهجية, والامتحانات المدرسية, ودراسة الأرقام الإحصائية لأعداد الطلاب في مدارس يهود العراق, فضلاً عن دورهم في مجال الدراسة خارج العراق.
والفصل الثالث احتوى على دور مدارس الطائفة اليهودية في رفع المستوى التعليمي والثقافي في عهد الاحتلال والانتداب البريطاني للفترة «1917م- 1920م», وقد تضمن أربع مباحث, المبحث الأول احتوى على تاريخ مدارس يهود العراق في عهد الاحتلال البريطاني للفترة «1917م-1920م», والمبحث الثاني وثق نشاط مدارس الأليانس الإسرائيلية في العهد الملكي, والمبحث الثالث بحث عن نفقات ومصادر تمويل المدارس اليهودية, ونشاط المنظمات الصهيونية في المدارس اليهودية, والأجور الدراسية, ومناهج الدراسة ومفرداتها, وملاكات المدارس اليهودية, والامتحانات الفصلية والنهائية, والمكتبات المدرسية. أما المبحث الرابع, قد احتوى على دور أبناء الديانة اليهودية في مجال الدراسات العليا, منها : مدرسة الحقوق, والمدرسة الطبية, والبعثات الدراسية خارج العراق, وأخيراً الخاتمة والملاحق والصور.
وعلينا كباحثين في مجال تأريخ الأقليات والأثنيات في بلاد الرافدين, من خلال الاعتماد على مصادر ومراجع متنوعة, وبسبب عدم توافر الوثائق فقد اعتمدت على المصادر الأجنبية والعربية والصحف والمجلات فكانت كثيرة ومتنوعة, وقد تمَّ الإشارة إليها في نهاية الكتاب.
أخيراً أقدم جزيل شكري إلى كل من الأصدقاء أ. د. علي محمد هادي الربيعي لرفده لي بالمصادر المهمة التي كانت لي المعين في توثيق تاريخ التعليم للطائفة اليهودية في العراق. والشكر موصول للدكتور خضر سليم البصون لرفد الباحث ما تحمله ذاكرته من مدرسة فرنك عيني, والسيدة وئام أنور شاؤول, والسيدة نيران سليم البصون, والسيدة ليندا عبد العزيز منوحين, والأستاذ سامي دلال, والأستاذ عماد عزرا صالح ليفي, لتزويد الباحث بالصور التاريخية لمدرسة التعاون الإسرائيلية, ومدرسة شماش, ومدرسة فرنك عيني, وبعض الوثائق حول أساتذة مدرسة فرنك عيني. وأخيراً اتمنى أن ينال الكتاب استحسان القارئ, ولا أدعّي أني وصلت بلوغ الكمال في الكتاب, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


41
يهود العراق ودورهم في نشأة التعليم وتطويره.
د.نصير الحسيني
عن دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة ، صدر كتاب يهود العراق ودورهم في نشأة التعليم وتطويره من العام (١٦٥-١٩٧٣)، للباحث نبيل عبد الامير الربيعي ، وضم الكتاب مقدمة وثلاثة فصول ، تناول الباحث في الفصل الاول الجذور التاريخية منذ عهد الإمبراطورية الآشورية الاخيرة ، أو ما يسمى بسبي ( سامريا ٧٢١) ، ولغاية هجرتهم القسرية الاولى عام (١٩٥٠- ١٩٧٤) ، في حين أحتوى الفصل الثاني على تاريخ المدارس الدينية اليهودية في العراق وضم ثلاثة مباحث تناول الباحث في المبحث الاول منه دور المدارس الدينية اليهودية في العراق للفترة من (١٦٥-١٨٣٠) ، والمبحث الثاني تاريخ المدارس اليهودية في العراق للفترة (١٨٣٠-١٨٦٣) ، وفي المبحث الثالث وضح فيه الباحث دور مدارس الأليانس وأثرها التعليمي والثقافي للفترة من (١٨٦٤-١٩٥١) . وتناول الباحث في الفصل الثالث دور مدارس الطائفة اليهودية في رفع مستوى التعليم في عهد الانتداب البريطاني للفترة من عام ( ١٩١٧-١٩٢٠) وضم في طياته أربعة مباحث ، تناول الباحث في المبحث الاول تاريخ مدارس يهود العراق في عهد الاحتلال البريطاني للفترة من (١٩١٧-١٩٢٠) ، والمبحث الثاني وثق الباحث نشاط مدارس الأليانس الأسرائيلية في العهد الملكي وتناول في المبحث الثالث نفقات ومصادر المدارس اليهودية ونشاط المنظمات الصهيونية في المدارس اليهودية . والكاتب والإعلامي نبيل الربيعي باحث متخصص في كتابة وأرشفة تاريخ الأقليات في العراق وهو من مواليد ١٩٥٨ وحاصل على البكالوريوس في الإدارة والاقتصاد وعضواً في أكثر من نقابة وإتحاد من ضمنها نقابة الصحفيين واتحاد ادباء بابل وصدر للربيعي عدة مؤلفات منها:
اليهود في العراق منذ السبي البابلي والآشوري في عام ٢٠١٣ عن دار الرافدين في بيروت
تاريخ الديوانية السياسي والاقتصادي والاجتماعي (ثلاثة اجزاء) عن دار الفرات ٢٠١٥
آنور شاوؤل - رحلة الأسى وهمسات للزمن - الحلة دار الفرات في الحلة ٢٠١٥
لمحات من تاريخ يهود العراق ( جزأين) عن دار الفرات في الحلة ٢٠١٦
أضواء على النشاط الصهيوني في العراق - عن دار الفرات في الحلة ٢٠١٦
تاريخ يهود العراق ( جزأين ) عن دار الرافدين في بيروت ٢٠١٧
معجم أعلام يهود العراق - دار الفرات في الحلة ٢٩١٧
الريادة في مؤلفات الدكتور عبد الرضا عوض . عن دار الفرات في الحلة ٢٠١٧
الدرة البهية في تاريخ مدينة الديوانية في الحلة عن دار الفرات في الحلة ٢٠١٧
على ضفاف الفرات - ذكريات أيام مضت وأنقضت .ًمذكرات عزت سامسون الصادرة عام ١٩٨٠ -مراجعة وتحقيق - عن دار الفرات في الحلة عام ٢٠١٧
الشيخ إبراهيم بن سلمان القطيفي آخر علماء الحوزة العلمية عن دار الفرات في العرق ٢٠١٨
يهود الخليج ( البحرين - عُمان- الكويت ) عن دار الرافدين في بيروت عام ٢٠١٨.
الاستاذ الربيعي من الباحثين الجادين والمحايدين في الكتابة وأرشفة تاريخ الأقليات رغم أن الطريق في هذا المجال لايخلو من صعوبات بعضها إجتماعي غير معرفي فضلاً عن نقص المصادر في هذا الاتجاه ، وهذا العمل الموسوعي والتاريخي مهم في أرشفة تاريخ العراق لان الامم لا تنهض أو تتقدم بلا معرفة بتاريخها .
يقع الكتاب في أكثر من اربعمائة صفحة وضم في طياته احصائيات متنوعة وجداول وصور عن يهود العراق في نشأة التعليم في العراق .


42
رحيل المفكر والسياسي الماركسي حسقيل قوجمان
نبيل عبد الأمير الربيعي

بمناسبة رحيل هذا اليوم، السياسي والمفكر الماركسي حسقيل قوجمان, العراقي المغترب والمقيم في لندن, كان مفكراً ماركسياً وعازفاً وموثقاً للموسيقيا العراقية الأصيلة, استمر عشقه للموسيقى حتى يومنا هذا, ويعتبر عواداً محترفاً, عاش الحياة السياسية العراقية الحديثة منذ نشأتها بداية القرن الماضي، ودخل السجون العراقية لأكثر من عشرة سنوات، عاصر كبار وأوائل السياسيين العراقيين من مؤسسي الأحزاب والمنظمات، كتب العديد من المقالات السياسية وترجم الكثير من الدراسات والمقالات, له أكثر من كتاب سياسي، نذكر منها "ثورة 14 تموز في العراق وسياسة الحزب الشيوعي عام 1958م, ماركس وماديته الديالكتيكية عام 1981م, ستالين كما فهمته عام 2000م", وكان قبل ذلك قد أصدر قاموس عربي / عبري في ثلاث مجلدات, وهو أيضاً باحث في الموسيقى العراقية, تعدّ مؤلفاته من البحوث المهمة في تناول تاريخ الموسيقى العراقية ورجالاتها الذين تركوا بصماتهم الواضحة على مسيرة الأغنية والموسيقى العراقية, ومن مؤلفاته في هذا المجال كتاب "الموسيقى الفنية المعاصرة في العراق عام 1978م والمقام تراث موسيقي عراقي عام 2001م" وهو كتاب منشور باللغة الإنگليزية، حصل على شهرة كبيرة في إنگلترا والدول الأوربية.
ولد حسقيل قوجمان في بغداد "عام 1929م في محلة بني سعيد على مقربة من منطقة باب الشيخ لعائلة متعددة الأبناء تتكون من (11) فرداً ثلاث منهم بنات وثمانية أولاد, كان والده عامل نجارة, لكبر عائلته كان يشتري كيس (گونية) تمر يتركهُ في باب الغرفة ثم يشتري يومياً (40) رغيف خبز بأمل أن تكفي لإطعام أفراد العائلة, كانت الحالة المالية ضعيفة والأجر محدود والحاجة كبيرة وماسة ( ), تعيش العائلة في غرفة إيجار لدى عائلة يهودية مرة وعائلة مسلمة مرة أخرى, وبسبب الحرب العالمية الأولى واحتلال العراق من قبل الدولة العثمانية وخوفاً من التجنيد الإجباري سافر والده إلى العمارة هرباً من الجيش التركي, وبعد عودته لبغداد لم يوفق في عمله, ثم أصيب بشلل نصفي منعه عن العمل, مما أدى إلى أن تعيش العائلة في ظروف صعبة مالياً, بعد تخلي الأبناء عن العائلة كلياً.
أكمل حسقيل قوجمان "دراسته الابتدائية في مدرسة السموأل الحكومية المخصصة للتلاميذ اليهود, وبعد تأسيسها بثلاث سنوات أغلقت فانتقل إلى مدرسة بني سعيد, وفيها أكمل دراسته الابتدائية, وانتقل إلى مدرسة شماش المتوسطة, ومنها أنتقل إلى الإعدادية المركزية الأهلية في السنك, ثم المعهد العالي في السنك"( ), خلال السنتين الدراسيتين ( 1937- 1938م) و( 1938- 1939 م) كانت صعبة للغاية نظراً لتفشي الحركة النازية بين الطلاب والمدرسين على السواء, أنهى حسقيل قوجمان "دراسته الثانوية عام 1939م, وبعد سنةٍ من البطالة حصل على وظيفة مدرس في مدارس الطائفة اليهودية, وفي عام 1947م ألتحق بكلية الصيدلة حيث قضى فيها ثلاث سنوات", ولم يكمل دراسته في كلية الصيدلة بسبب اعتقاله يوم 19 شباط 1949م.
اطّلعّ على الفكر الماركسي من خلال صديقه الشاب (ساسون دلال) الذي حكم عليه بالإعدام عام 1949م , كان دلال يطالع الكتب الماركسية باللغة الإنكليزية, وقد تعلم منه قوجمان علم المادية الديالكتيكية, وبعد دعوة قادة الحزب الشيوعي العراقي إلى تشكيل تنظيم يحارب الصهيونية باسم (عصبة مكافحة الصهيونية) وإصدار جريدتها العصبة, فقد تم إجازتها من قبل الحكومة العراقية وأصدرت بحدود (51) عدداً منها, انتمى قوجمان إلى تنظيم العصبة, ثم إلى حزب التحرر الوطني وهو الغير مجاز من قبل الحكومة الملكية, لكن بعد اعتقال مؤسس الحزب الشيوعي العراقي يوسف سلمان يوسف (فهد) عام 1947م, أعتبر كل عضو من أعضاء حزب التحرر الوطني أعضاء في الحزب الشيوعي العراقي, وبذلك أصبح قوجمان عضو في الحزب الشيوعي بصورة تلقائية.
شارك في مظاهرات 28 حزيران 1946م, وقد استشهد فيها رفيق دربه شاؤل طويق, وهو أول ضحية شيوعي يهودي عراقي في مظاهرات خرجت في بغداد خلال تلك الفترة.
ألقي القبض عليه مع زوجته في 19 شباط 1949م وعدد من أفراد عائلته ووالدته التي تجاوزت السبعين من عمرها, بسبب انتماءه للحزب الشيوعي العراقي, وذلك في أحد أوكار الحزب الشيوعي العراقي في بغداد الواقعة في السنك محلة الحاج فتحي المتخذة محلاً لمطبعة الحزب, تم الاعتراف على الوكر من قبل رفيق جولاك (صقر), عند إلقاء القبض عليه من خلال مراقبة داره, عند التحري والتفتيش داخل الوكر عثر على المناشير والكتب الخاصة بالتنظيم الشيوعي العراقي ومطبعة الحزب وأعداد كبيرة جداً من جريدة القاعدة مطبوعة ومعدّة للرزم , وفي هذا الوكر تم إلقاء القبض على حسقيل قوجمان ونجية قوجمان وديزي حسقيل (صبيحة صالح) وسمحة يعقوب ويعقوب مصري وعمومة مصري وعبد الهادي هاشم ومحمد علي الشبيبي وساسون دلال وسعيدة ساسون مشعل وجماعة آخرون.
بعد التحقيق في مديرية التحقيقات الجنائية تم الاعتراف على حسقيل قوجمان من قبل عضو التنظيم الشيوعي رفيق جولاك الذي أكد للشرطة أن بيت حسقيل قوجمان كان وكراً شيوعياً يختفي فيه الأعضاء الحزبيون والمطاردون, وأنهُ كان من منظمي الحزب والرؤساء فيه, كما أكد اعتراف رفيق جولاك المعتقل وعضو التنظيم صبري عبد الكريم.
أحيل حسقيل قوجمان وبقية أعضاء التنظيم الذين تم إلقاء القبض عليهم إلى رئيس المجلس العرفي العسكري في بغداد وفق أوراق القضية المسجلة برقم 57/49 , تم تشكيل المجلس العرفي العسكري الأول بتاريخ 26 / 4 /1949 م برئاسة العقيد عبد الله النعساني وعضوية كل من الحاكمين خليل زكي مردان وفريد علي غالب والعسكريين المقدم محمود عبد القادر والرئيس الأول أحمد داود, حكم على حسقيل قوجمان وآخرين (يعقوب مير مصري وآرا خاجادور وسعيدة ساسون(سعاد خيري) وعمومة مير مصري) بالأشغال الشاقة المؤبدة وعلى محمد علي الشبيبي وعمر علي الشيخ وموسى سليمان وسيد حسن السيد عبود بالأشغال الشاقة لمدة عشر سنوات وفقاً لأحكام الفقرة 5 / ب بدلالة الفقرة الثانية من المادة الأولى من قانون ذيل قانون العقوبات البغدادي رقم 51 لسنة 1938م , كما تقرر وضع كل منهم تحت مراقبة الشرطة لمدة ثلاث سنوات بعد انتهاء محكوميتهم وفقاً للمادة (28) من قانون العقوبات البغدادي.
من خلال السجن ألقى قوجمان الكثير من المحاضرات في سجن الكوت وفي فترة عام 1952م و عام 1953م مواضيع عديدة لم يتطرق إليها أحد من المثقفين قبله, ففي سنتي 1952م و 1953م كتب كتابين الأول كان حول تأريخ تطور الأزمات الاقتصادية في النظام الرأسمالي حتى أزمة 1929م, استعان في ذلك الوقت بكتاب من تأليف اقتصادي بريطاني كان متوفراً في السجن, استنسخ كتابه بعدة نسخ وبخط جميل ووضع في مكتبة السجن وكان في متناول السجناء لقراءته حسب رغبتهم, والكتاب الثاني كان حول الديمقراطيات الشعبية في أوروبا وآسيا, وعند الانتهاء منه قررت لجنة السجن أن يدرّسه للسجناء في الليالي, كما تعلم اللغة الكردية من خلال السجن ولقاءه بالسجناء الأكراد.
فكّرَ قوجمان في تحرير مجلة سجنية أسماها "صوت السجين الثوري" وأصبح رئيس تحريرها، وكتب أكثر مقالاتها, كانت المجلة تصدر كل أسبوع وكان لهذه المجلة تأثير رائع على السجناء, بالإضافة إلى قراءتها أخذ بعض السجناء يشتركون في كتابة مواضيع حسب مستواهم الثقافي والفكري, ثم يتم تنقيحها من قبل قوجمان ونشرها.
دَرَس قوجمان لأول مرة في تأريخ السجون دورة كاملة من الاقتصاد السياسي, مع ذلك كان صلباً كالفولاذ ومستمراً في عطاءه, كتب الكثير وتتلمذ على يده الكثيرون, وجَعلَ مقالاته في السجون معاهد وورش عمل للفكر السياسي وللفلسفة الماركسية, حيث أصبح سجن نقرة السلمان معهد للدراسة الماركسية.
أكد حسقيل قوجمان وهو شيوعي مخضرم أن الضغط على واجهه اليهود الشيوعيين من قبل حزبهم ينسبه إلى القائد الشيوعي السوري خالد بكداش. ففهد مؤسس الحزب الشيوعي العراقي, حسب قوله : كان ماركسياً حقيقياً, ولذلك لم يكن يحكم على الشخص وفقاً لديانته بل وفقاً لسلوكه ولاخلاصه للحزب والطبقة العاملة. لذلك لم يكن يميز بين الشيوعي اليهودي والشيوعي غير اليهودي. واستمرت سياسة فهد هذه في الحزب وداخل السجن حتى مجزرة الكوت سنة 1953م, وبعد المجزرة قامت الحكومة بفصل اليهود عن غير اليهود, فأرسلت جميع اليهود إلى نقرة السلمان". فكان الخلاف بين فهد وبكداش حول قبول اليهود أو عدم قبولهم في الأحزاب الشيوعية منذ الثلاثينات, وكان بكداش يعتبر أن اليهودي خائن بطبعه, ولذلك لا يمكن أن يكون شيوعياً, أما دور الحكومة في محاربة اليهود الشيوعيين, فكانت ترسلهم قسراً إلى إسرائيل عندما تنتهي محكوميتهم, وأكد تقرير اللجنة الحكومية الخاصة بالتحقيق في مذبحة سجن الكوت عام 1953م "تليت على السجناء قائمة بأسماء 51 سجيناً يهودياً طالبة منهم إخراجهم لغرض تسفيرهم".
قضى مدة السجن التي تجاوزت حتى قيام ثورة 14 تموز 1958م, حيث أطلق سراحه مع سائر السجناء السياسيين, ثم اعتقل مرَّة أخرى عام 1959م بدون محاكمة وزج في السجن حتى أواخر عام 1961م, حيث تم أطلاق سراحه, وبسبب المضايقات من قبل السلطة, هرب قوجمان إلى إيران حيث سلمته الشرطة إلى منظمة صهيونية كانت تسفر اليهود إلى إسرائيل على حسابها.
أكد حسقيل قوجمان في مذكراته قال : "بعد ثورة تموز 1958م حضر عضو المكتب السياسي للحزب هادي هاشم لزيارتنا نحن السجناء اليهود, رغم أن كوادر الحزب القيادية كانت في تلك الأيام تعمل ليل نهار, ولا يستطيع الكادر منهم أن يزور حتى عائلته. والغريب أن هادي هاشم شارك في اجتماع الثلاثة داخل السجن. وبعد نصف ساعة أو أكثر عاد يعقوب مصري وقال لي : إننا قررنا بالإجماع أن نعلن إسلامنا وعليك أن تخضع لقرار الأغلبية. فقلت له أن هذا الموضوع مبدئي ولا تنطبق عليه قاعدة خضوع الأقلية للأغلبية" استغرب قوجمان الأمر أول مرَّة بالقول : "إن هادي هاشم الذي أجاب على قولي في الاجتماع : إذا شئتم (يعني قيادة الحزب) أن نعلن إسلامنا ونسافر إلى النجف لكي نبقى في الحزب! (قال) : إننا لا نقبلكم في الحزب في هذه الحالة, جاءني في ذلك اليوم وحاول إقناعي بذلك, ونسيَ ما قاله في الاجتماع السابق. قلت له : هادي أنا درستكم الماركسية والمادية الديالكتيكية ألا تبصق في وجهي إذا وقعت وثيقة أقول فيها : لقد آمنت أن الدين الإسلامي خير الأديان وأشهد ألا إله إلا الله و أن محمداً رسوله , وأوقع مثل هذه الوثيقة؟ فخجل من نفسه وعاد خائباً فاشلاً في تحقيق المهمة التي كلفه بها الحزب... لكن يعقوب مصري, وهو سكرتير عصبة مكافحة الصهيونية, أصبح مسلماً, بعد أن ذهب إلى الجامع, وعاد قائلاً : "هاي هم خلصنا منها". غير أن شرطة مركز البتاوين ببغداد ظلت تعامله كيهودي عند إطلاق سراحه, فأرسل الحزب كفيلاً له, ولم يرسل كفيلاً للذي ظل على يهوديته مثل حسقيل قوجمان".
وما يستغرب له قوجمان أيضاً أن الحزب الشيوعي العراقي ظلَّ منذ 1949م ولحد هذه اللحظة يذكر إعدام يوسف سلمان يوسف فهد (مسيحي) وحسين محمد الشبيبي (مسلم شيعي) وزكي بسيم (مسلم سُنَّي) ويهمل رابعهم يهودا صديّق- ماجد - (اليهودي) . مع أنهم أُعدموا في القضية نفسها وفي الفترة نفسها مع تأخير زكي بسيم إلى اليوم التالي. وأن القول بضعفه في التحقيق, والاعتراف على رفاقه لا يكفي مبرراً! ويكفي أنه أعدم. مع العلم أن يهودا صديق قد تمَّ تعذيبه خلال 24 يوماً بتواصل. كان يهودا صديق قد عذب تعذيبا بربريا لانتزاع الاعتراف منه (قطعت أذنه وجزء من أنفه), والظاهر أن الاعتراف تحت التعذيب لا يؤهل الشخص أن يعتبر ضحية.
في آيار 1949م اعدم كذلك ساسون دلال الذي قاد الحزب الشيوعي لفترة قصيرة, من المؤلم أن هؤلاء اليهود لا يذكرون إلا نادراً كضحايا.
وعلى ذكر الشهيد ساسون دلال, كان أبن لعائلة غنية يورد الكاتب خالد القشطيني في أحدى مقالاته :"لاحظ شرطي أن ساسون وهو في طريقه إلى المشنقة كان يلبس حذاءً اسفنجياً غاليا. قال لله : تدّعي بالشيوعية ولابس قندرة إسفنج؟! أجابه: ليش؟ هي الشيوعية بالقندرة أو بالرأس".
يذكر حسقيل قوجمان : "في جميع الكتابات التي كتبت عن الحزب الشيوعي وعن السجون كان الكتّاب يتحاشون ذكر أي اسم يهودي. ففي يوم 14 شباط 1959م ظهرت جريدة الحزب بعدد خاص في الذكرى العاشرة لإعدام فهد وحازم وصارم وكانت الافتتاحية عن حياة السجون فذكر الكاتب جميع فئات الشعب الذين كانوا في السجون كالمسلمين والأكراد والأرمن والصابئة والآشوريين ولكن الكاتب نسيَ وجود سجناء يهود. كان عدد الصابئة والأرمن والآشوريين بمجموعهم يعد على الأصابع ولكن اليهود في نقرة السلمان سنة 1949م كانوا يشكلون نسبة 60 % من عدد سجناء المنظمة الشيوعية الذين بلغوا250 سجيناً سياسياً تقريبا. وقد خلَّت جميع كتابات الحزب الشيوعي في السبعينات من القرن الماضي عند الحديث عن مظاهرة 28 حزيران 1948 التي كانت أكبر مظاهرة قادها فهد شخصياً عن ذكر شهيدها الأول شاؤول طويق. كان الحزب، خصوصاً منذ 1955م فما بعده يعاني من شوفينية واضحة ضد اليهود".
بعد أطلاق سراح قوجمان من السجن بعدَّ ثورة تموز 1958م وهروبه إلى إيران كما ذكرت وتسفيره بواسطة أحدى المنظمات الصهيونية إلى إسرائيل, عمل قوجمان مترجماً للغة العربية, وفي نفس الوقت التحق بالجامعة لإكمال دراسته والحصول على شهادة الماجستير في الأدب العربي الحديث, وفور حصوله على الشهادة سافر إلى بريطانيا بحجة الدراسة, مع رفضه لإرسال أولاده إلى الجيش الإسرائيلي, فأقام في بريطانيا بإرادته, لكن عندما كان في إسرائيل لم يعمل في أي من التنظيمات السياسية بسبب اعتقاده بالتحريفية الموجودة في التنظيمات اليسارية.
بعد إقامة قوجمان في بريطانيا بدأ بكتابة المقالات السياسية وتم نشرها في العديد من المجلات, حيث ظلت حياته وافكاره مرتبطة بالماركسية التي حاول إتقانها خلال حياته السجنية ثم واصل دراستهُ في بريطانيا, فأصبحت جميع كتاباته تستند إلى الفكر والفلسفة الماركسية. كما كتب كتابين عن الموسيقى والمقامات العراقية, احداهما كانت أطروحة الماجستير باللغة العربية, والثانية باللغة الإنكليزية من المفترض أن تكون أطروحة الدكتوراه .
ظل قوجمان وفياً لبلده العراق على الرغم من تهجيره القسري, ونبذ الفكر والتحديات الصهيونية, فهو مستمر بالعطاء كشجرة النخيل, وفي حوار الكاتب حميد كشكولي مع قوجمان حول هجرته من العراق يقول : "حين جرى تسفير اليهود إلى إسرائيل كنت في السجن مع عدد كبير من الشيوعيين اليهود, ولم تتوجه السلطات إلينا لسؤالنا حول ما إذا كنا نريد إسقاط الجنسية عنا والسفر إلى إسرائيل أم لا. ولكن الحكومة العراقية أسقطت عنا جنسيتنا بدون استشارتنا ما أدى إلى إرسال كل السجناء الذين انتهت محكوميتهم وأطلق سراحهم من السجن إلى المطار وتسفيرهم إلى إسرائيل رغم إن العديد من السجناء قاوموا ورفضوا السفر. واستمر هذا التسفير حتى مع العدد الكبير الذين أطلق سراحهم بعد ثورة تموز مباشرة حين أعطت حكومة الثورة ما يسمى مرحمة بتخفيض نصف محكومية جميع السجناء العراقيين في السجون بصرف النظر عن الجريمة التي حكموا عنها, وقد تلقى السجناء اليهود المطلق سراحهم تعليمات بعدم معارضة التسفير لأن المعارضة قد تؤدي إلى إرباك حكومة الثورة" ثم يعقب قوجمان حول واقع السجناء الشيوعيين من الطائفة اليهودية ويقول : "بقي بعد هذا أربعة رجال يهود محكومين بالشيوعية وثلاث نساء ولم يبق أي من السجناء السياسيين غير اليهود, وجاءت حماتي يوماً لزيارتي في سجن بعقوبة وأخبرتني إن السجينات قد اسلمنَ وعلينا نحن أيضا أن نسلم. فأجبتها نحن لا نفعل شيئا كهذا".
للسياسي والمفكر قوجمان تحليل جيد حول واقع اليسار في العراق وتعدد بعض التنظيمات اليسارية التي تدعي لنفسها إنها تمثل الحزب الشيوعي الحقيقي مع العلم أن الكل يعلم إن الممثل الحقيقي للشيوعيين في العراق هو الحزب الشيوعي العراقي المتمثل بسكرتيره (حميد مجيد موسى) والذي انتخب من خلال المؤتمر الوطني التاسع عام 2012م , يؤكد قوجمان إن في العراق "اليوم وضع غريب بلغت به المنظمات المدعية لليسارية عددا هائلا غير محدود, فهناك عدد كبير من الأحزاب والمنظمات الشيوعية كلها تدعي إنها الحزب الشيوعي الحقيقي حزب فهد, وهناك أحزاب ومنظمات تدعي الشيوعية بدون أن تدعي كونها حزب فهد, وهناك منظمات تدعي اليسارية بدون أن تدعي الشيوعية, ولا تبدو أية إمكانية لتجميع هذه المنظمات والأحزاب أو أي عدد منها لأن كلاً منها تعتبر نفسها الأصح وأن على المنظمات الأخرى الانضمام إليها. العراق اليوم زاخر بمثل هذه المنظمات وليس بإمكاني أن أناقش كلا منها على انفراد, لذا أتحدث عن هذا الموضوع بصورة عامة".
أما رأي قوجمان حول انهيار الاتحاد السوفيتي كدولة اشتراكية فيؤكد في مقال لهُ قال "يبدو لي من غير الصحيح الحديث عن انهيار المشروع الاشتراكي إذ أن المشروع الاشتراكي، تحقيق مجتمع اشتراكي كامل، تحقق بصورة لا مثيل لها وبأكمل صوره في الاتحاد السوفييتي, إن الاتحاد السوفييتي الاشتراكي لم يفشل وإنما دمر تدميرا مقصودا ومنظماً, ولذلك اعتقد أن الحركات الثورية الحقيقية في المستقبل يجب أن تنظر إلى الاتحاد السوفييتي في فترة الاشتراكية كنموذج ينبغي الاستفادة من تجاربه وطرق بنائه وتقدمه من اجل بناء مجتمع شيوعي في المستقبل".


المصادر

د. كاظم حبيب. اليهود والمواطنة العراقية . مصدر سابق. ص60/61
د. كاظم حبيب. اليهود والمواطنة العراقية .المصدر السابق . ص60.
حسقيل قوجمان. مقال . ظروف اليهود العراقيين في إسرائيل.
موسوعة سرية خاصة بالحزب الشيوعي العراقي السري أصدرتها الشرطة العامة شعبة مديرية التحقيقات الجنائية في بغداد عام1949 الصادرة عن مكتبة النهضة العربية للطباعة والنشر بيروت . بغداد . ج4 . ص 984/985.
حسقيل قوجمان. ذكرياتي في سجون العراق السياسية. لندن. طبع خاص. 2002 . ص52. ص148.
مكرم الطالباني. دماء وراء القضبان مذبحة سجني بغداد والكوت عام 1953 ص79 عن جريدة الدفاع, العدد 306, 23 ايلول 1953. رشيد الخيون الأديان والمذاهب . ص147.
رشيد الخيون. الأديان والمذاهب بالعراق. منشورات دار الجمل. بيروت. ط2. ص148.
حسقيل قوجمان. مقال على موقع الحوار المتمدن. العدد: 1457 - 10 / 2 / 2006.
حسقيل قوجمان . مقال - ظروف اليهود العراقيين في إسرائيل.

43
الزهاوي مسرحياً للدكتور علي الربيعي
نبيل عبد الأمير الربيعي
 
     تميَّز الدكتور علي محمد هادي الربيعي بدعم المكتبة العراقية والعربية بعناوين جديدة غير مطروقة سابقاً من قبل الكُتّاب والباحثين, وصدر عن دار الفرات للثقافة والإعلام لهذا العام (2018م) في مدينة الحلة كتابه الموسوم (الزَّهاوي مسرحياً), رصد الربيعي فيه دور الشاعر والفيلسوف جميل صدقي الزهاوي (1863م-1936م) في مجال المسرح, ونحن نعرف أن الزهاوي كان شاعر العقل ومعري العصر, وكان وفيلسوفاً ومحدثاً, إلاّ أن الدكتور الربيعي أثبت بالدليل القاطع إن الزهاوي كان مسرحياً من خلال أحد النصوص المسرحية للزهاوي.
    نقدم لمحة موجزة عن حياة الدكتور علي الربيعي : فهو من مواليد مدينة الحلة عام 1967م, حاصل على شهادة البكلوريوس فنون مسرحية عام 1989م, وشهادة بكالوريوس آداب تاريخ عام 2000م, وحاصل على شهادة الماجستير في تاريخ وأدب المسرح عام 2001م, وشهادة الدكتوراه في فنون مسرحية عام 2004, شغل الوظائف التالية : رئيس قسم المسرح في كلية الفنون الجميلة/ جامعة بابل (2009م-2013م), وعميد كلية الفنون الجميلة/ جامعة بابل (2013م-2017م). له أكثر من (12) مؤلفاً في مجال تاريخ الأدب والمسرح العراقي, واسهامات اليهود والمسيح في المسرح العراقي, والمسرح المدرسي في الحلة وتاريخه في العهدين الملكي والجمهوري.
     استهل الدكتور الربيعي كتابه بمقدمة بَيَّن لنا فيها أن كتابه هذا كان (من المفترض أن يظهر قبل مدة طويلة من الآن), فقد عقد الربيعي منذُ سنين أو ما يزيد على ذلك إلاّ أن انشغاله بعمل آخر قد استبقى الكتاب في أدراج خزانته, إلاّ أنه عقد النيّة مؤخراً على إخراجه إلى فضاء القراءة ولم يعدِّل فيه أو يضيف شيء عليه بل بقي على الصورة أو الهيأة التي كتبه فيها في المرة الأولى.
     حملَ الكتاب ثلاث فصول, الأول منها خصص لحياة الزهاوي وآرائه الإصلاحية والتحديثية والأسباب والدوافع التي تقف ورائها, ففي ص17 يذكر الربيعي قائلاً : (لقد عاش الزهاوي في حقبة تعالت فيها الأصوات الداعية إلى الإصلاح والتحديث في النظم السائدة, فقد بدأت عجلة الحياة تأخذ مجرى معاكساً, وبدأت مظاهر الحضارة تصل إلى الشعاب والأودية العكرة, وبدأ الناس يتطلعون إلى كلِّ ما هو جديد بعدما تلمسوا مباهج المستحدث وجنوا فوائده). كان الزهاوي صريحاً في طرح أفكاره الحداثوية من خلال ثلاث لغات كان يقرأ بها (العربية والتركية والفارسية), وبجرأة شاعر وفيلسوف يدعو الأمة إلى الابتعاد من الأفكار السلفية المقيتة والتطلع نحو الإصلاح والحداثة. ولعل التعدد اللغوي والتنوع الاثني في حياته, كان له بعض الأثر في تكوين شخصيته التي تجاوزت الانغلاق والتعصبات القومية والفئوية.
     أما الفصل الثاني من الكتاب, فقد سلط الدكتور الربيعي الضوء على دأب الكتاب المسرحيون منذُ ظهور المسرح في العراق في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وحتى نهاية العقد الثاني من القرن العشرين على أهمية المسرح والنص المسرحي, ففي ص23 يذكر الربيعي قائلاً : (على الرغم من أهمية هذه المسرحيات كونها تشكل اللبنات الأولى في صرح المسرح العراقي, إلاّ أنها بقيت تفتقر إلى مقومات بنائية, وأخرى فكرية تحديثية تساير المسرحية المكتوبة في بلاد الشام ومصر في ذلك الوقت, إلاّ أن الحال تبدل مع تشكل الدولة العراقية الحديثة في سنة 1921م إذ أصاب الثقافة العراقية ومنها المسرح حراك عنيف قائم على التبدل والإحلال). من هذا يتبين لنا أن الكُتّاب المسرحيين بدأوا يصححون مسارهم ليتماشى مع مسار اقرانهم من المسرحيين العرب, وأخذوا ينشدون التحول والإحلال في مسرحياتهم, ومن نتائج التحول التحديثي ظهر لنا كُتّاب مسرحيون جُدد آمنوا بقضايا العراق الجديد, وتقدم في مقدمتهم جميل صدقي الزهاوي في مسرحيته (ليلى وسمير) الصادرة في صفحات الجزء العاشر من مجلة (لغة العرب) في بغداد عام 1927م.
    تضمنت المسرحية دعوة الزهاوي الاصلاحية من خلال مسرحيته هذه, ووجد في المسرحية وسيطاً يبث فيه دعواته الإصلاحية فضلاً عن شعره ودواوينه ومقالاته التي سطرها في المجلات المصرية والعراقية, ويذكر الربيعي في ص33 قائلاً : (أحسب أن الذي قاد الزهاوي إلى ولوج المسرح والكتابة فيه أمران, أحدهما خارجي والآخر داخلي, فعلى الصعيد الأول, فإن المسرح بدأ صوته يعلو في العالم العربي وأخذت الأقلام الحُرة والمثقفة تتدافع للتأليف فيه وفي مصر بشك ملحوظ, وإن زيارة الزهاوي لمصر سنة 1924م وإقامته مدَّة من الزمن هناك جعلته يشاهد العروض المسرحية ويبدي فيها رأياً... أما على الصعيد الداخلي, فإن الزهاوي أراد أن يعود مرة ثانية إلى عرض موضوعات وآراء عصرية حديثة آمن بها في العقد الأول من القرن العشرين, ودافع عنها طويلاً ), لذلك وجد الزهاوي في نفسه هوى إلى الكتابة في هذا المجال. كما كان للحقبة الزمنية التي تميزت بها العاصمة بغداد بحراكها الفكري والسياسي والاجتماعي وما شهده العراق من صدور الدستور لعام 1908م والهرج والمرج السياسي في العقد الأول من القرن العشرين كان الدافع لكتابة الزهاوي في مجال المسرح, لتبيان سخطه على الولاة العثمانيين في المسرحية, فصور مفاسدهم وهم ينهبون خيرات البلاد.
    مسرحية ليلى وسمير مسرحية حوارية بين شخصيات تدير الاحداث الدرامية بين (سالم بك) وولده (سمير), وقد رسم الشخصيات المسرحية وبنائها وخصوصاً الشخصيات النسائية منها (ليلى ووالدتها وصلّوحة وابنتها), فقد افلح الزهاوي في تصوير الشخصيات والاحداث الدرامية بشكل انسيابي, إلا أنه وقع في خطأ كبير أنه جعل طوب أبو خزامة شخصية مسرحية وثبتها في قائمة الأسماء, يذكر الربيعي في ص49 قائلاً : (في حين أنه مدفع يرد ذكره على لسان الشخصيات, وهذا الخطأ الذي وقع فيه الزهاوي يعطينا انطباع بأنه كان يعتقد بأن أي شخصية يرد اسمها في متن النص هي شخصية مسرحية).
    أما في الفصل الثالث من الكتاب فقد نقل الدكتور الربيعي نص المسرحية كما هو عليه مستنسخاً من (مجلة لغة العرب) بشكل منضبط كما جاء في المجلة, الذي مضى على نشره تسعة عقود من تاريخ 1927م, وهي مدة كفيلة بأن يجعل منه نصاً نادراً وعزيز المنال, والكثير من قراء المسرح والمهتمين بهذا المجال لم يتسن لهم قراءته أو الاطلاع عليه, فكان الدكتور الربيعي السباق في تسليط الضوء على هذا المجال الذي طمرته الأوراق والكتب ونسيان الكُتّاب لهذا النص المسرحي.
    وختاماً نقول الكتاب يعتبر دراسة وثائقية لرحلة ماتعة في تاريخ المسرح العراقي, وجهد مائز يستحق الثناء والاعجاب, فقد تناول الدكتور الربيعي فيه تاريخ النص المسرحي للراحل الزهاوي, لإعلاء راية الأدب والمسرح, مستعرضاً محطات ممتعة من حياة الزهاوي وتاريخه الأدبي والفكري الاصلاحي والمسرحي.
 

44
التدين الشعبي وثقافة البحث عن المنقذ
نبيل عبد الأمير الربيعي
ما هي الأسباب التي تجعل من مجتمع له باعٍ طويل في التاريخ, وأسبقية قديمة في الحضارة, وتجربة أولية في الدين, أن يتحمل كل هذا القدر من المصائب السياسية والنوائب الاجتماعية, التي جلبها له وصلطتهّا عليه حكامه وجورهم, دون أن يجأر بنفاد خزينه من الصبر أو أن يصرخ بتآكل رصيده من الجلد, إذا ما تجرعه من صنوف الذّل والهوان؟!.
الشعب القطيع الذي يساق إلى المسالخ, مسالخ الذبح, ومحارق الموت, في وطنٍ مسخت هويته, وشعب أخصيت إرادته, حتى هبط إلى حضيضه الحيواني, وجمهور مدجّن داخل حضيرة لممارسة طقوس التأليه وشعائر التقديس لرموزه.
شعبٌ اصابه الشلل الإرادي والنكوص النفسي والانكفاء الإنساني, وحالات اليأس البائسة, لجماهيره المدجنة, المصابة باتساع رقعة الفقر وارتفاع الأمية, وانتشار الفوضى وانحسار المعنى, وتجذر التدين الشعبي وتوطن الثقافات الفوبكلورية.
هل ما نحن فيه سببه طبيعة سايكولوجيا الجمهور ونمط بنية الوعي الجمعي, وظاهرة التماهي بالزعيم من الذات إلى الآخر, مظاهر تأليه الزعيم الديني والسياسي؟
اجمعت البحوث والدراسات على أن للعقل الخام/ البكر, إذا ما ترك لهُ الحبل على الغارب, ألاعيبه المحيرة واكاذيبه المخجلة, فهو بالقدر ذاته, موطن للخرافة وموئل للثقافة, وهو بالدرجة عينها عرين للغرائز وأمين للوعي, وهو بالكيفية عينها السبيل إلى التبرير والطريق إلى التحضر, وهو بالقدر إياه يفضي إلى الوحشية أو يقود إلى المدينة. وتعتمد على قدرة الإنسان على ترويض الغرائز وعقلنة النوازع وانسنة التطلعات.
فحيثما يسود الفكر الاسطوري, تسيطر العبودية الاجتماعية على الطبقات العاملة الفقيرة, لتستغل وتوظف سياسياً واستثمارها ايديولوجياً من قبل القوى الإستغلالية لتحقيق مآربهم الدنيئة, كما تلعب الأساطير دوراً مزدوجاً في تفسير النظام القائم بعبارات تاريخية وتبررّه بإعطائه قاعدة تاريخية, وتصويره كنظام مبني على الحق.
فالمجتمعات البدائية كانت تجهل ممارسات التدوين التأريخي لأرشفة ملامحها والتوثيق الكتابي لحفظ سردياتها, حيث اضطرت للاعتماد كلياً على رصيد مخزونها من الثقافات الشعبية والتراثيات الفولكلورية, وهو ما تمخض عنه ابتكارها للأساطير المقدسة واجتراحها للخرافات المؤسسة والحفاظ على عناصره من النسيان بواقع عامل الزمن, بعد أن حتم عليها سباق التطور التاريخي التحول من طور الثقافات الشفاهية إلى طور الثقافات الكتابية, والأسطورة غالباً ما تدخل فيها قوى وكائنات أقوى وارفع من البشر تدخل في نطاق الدين, وتبدو عندها نظاماً شبه متماسكاً لتفسير الكون.
لا ننسى من الثقافات الشعبية البحث عن المنقذ المخلّص, والأمل في انقاذ المجتمع من بؤس احواله المأساوية, لكن بالواقع أن الفكرة قديمة قدم الإنسان ذاته, وهي بالواقع ضرورة اجتماعية خالصة قبل أن تصبح ضرورة فردية محضة, بسبب الظلم والحيف والعلاقات الاجتماعية الغير متكافئة, والشروط الإنسانية غير العادلة, حتى ادركت المجتمعات الدين والألوهية واستوعبت قيمة الرموز والمقدسات والتزمت بأداء الطقوس والشعائر.
إن عقيدة المنقذ تتلخص من عنف المجتمع والحدّ من جور علاقاته, فإزاء استبداد الحاكم وفي ظل التفكير الديني تتعلق الآمال بقيام مخلّص أو محرر يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً, حتى اصبحت عقيدة على سبيل الإيمان بها والاعتقاد فيها كمبدأ ديني ثابت وكتصور قدسي ملزم, وكداينمو يستقطب إرهاصاتها لأهمية تتناسب ودرجة هياج سيكولوجيتها الاجتماعية واستنفار تصوراتها المخيالية.
كلما اقترب الدين من مضمار السياسة وتسلل السياسة إلى محراب الدين تتعالى الدعوات لاستحضار فكرة المخلّص على خلفية الازمات والانقسامات وضجيج الصراعات, كلما تعاظمت الجموع المهمشة إلى ظهور شخصية المنقذ, سواء برداء الزعيم السياسي أو بجلباب المرشد الديني, وكلما ازداد القمع على الذات أو الجماعة ازداد تمسكها بالمنقذ.
إن جوهر هذه الظاهرة يتمحور بالدرجة الأساس حول اشكاليته الشرعية السياسية وحرمان جهة ما من نصابها وحقوقها واستبعادها عن أي دور من ادوارها, كلما اشرأبت تطلعات وأماني المستضعفين لقدوم عصر الزعيم المنقذ من الظلم والقائد المنجي من المحن, حتى يصبح هذا المنقذ نداً للإلوهية في صفاتها وقدراتها, وموزاي للمقدس في عصمته, حتى تتحول الإسطورة إلى واقع.
من هذا نستنتج أن شخصية المنقذ شخصية اسطورية افتراضية اكثر منها واقعية, خلقت من خلال المخيال الجمعي للجماعات الإنسانية المسلوبة الحقوق والارادة والرأي, والاحتماء تحت ظل هذه الشخصية الوهمية, والهدف من ذلك لجبر الخواطر المكسورة, وتهدئة النفوس القلقة, وتحقيق الآمال الضائعة, لذلك اصطنعت كل طائفة منقذها لتحقيق مآربها والتقرب من حضرة الإله, والشعور بهيبة المقدس, وهكذا فقد اتجه إلى إقامة المزارات للأولياء وإشادة المعابد للقديسين لتصبح اماكن مقدسة, لتجري لدى العامة زيارات دورية لمقام المقدس والتبرك بحضرته, لا سيما إذا كانت تضم رفات تلك الشخصيات.
بعض الطقوس والممارسات لا تمت للدين بصلة, وانما تأديتها من منطلق القرار من واقع بات لا يحتمل, وإيجاد من يعطي الأمل ويمنح الرجاء والتخفيف من وطأة بؤس المعاناة, لذلك ينخرط العامة بشعائر التعبد وطقوس الاحتفاء لأضرحة الأولياء ومقامات الصالحين, لنيل امتياز البركة وتوسطهم لدى حضرة الإله, وبهذا المعنى فإن الأضرحة ككل الأماكن المقدسة ليست سوى خزانات ارضية للقداسة السماوية باعتبارها الحامل الشرعي للأسرار الإلهية.
لذا أن لجوء الإنسان نحو الدين وانتماءه صوب المقدس مسألة قديمة في تاريخه وحالة مرافقة, وعند دراسة التجذر الديني الشعبي نخرج بنتيجة أنه لا يوجد مجتمع بشري معاصر يستطيع الاستغناء عن الدين ويتخلى عن الثقافة بالمطلق, لأن الدين والثقافة من الظواهر الاجتماعية بامتياز, وانهما يختلفان من مجتمع إلى آخر وتتباين من مرحلة تاريخية لأخرى, وهو ما يفسر لنا اسباب شيوع ظواهر التدين الشعبي والثقافة الفولكلورية, حيث التمسك بالمعتقدات الأسطورية والتصورات الخرافية والتفسيرات السحرية, وما زالت ليومنا هذا في بلاد الرافدين المعتقدات الشعبية والخرافات سادت وما يزال سائداً في مجتمعنا الريفي المقفل المتخلف.
ومن خصائص التدين الشعبي والثقافة الفولكلورية انهما يروجان لدعاوى ظهور الزعيم المنقذ ويبشران بقدوم البطل المخلّص, مبعوث العناية الإلهية الذي يرفع التهديد عن الإنسان الضعيف, إنه رمز العدل والأمن الوجودي. حتى تجذر التدين الشعبي وتوطين الثقافات الفولكلورية, لا في بنى الوعي الجمعي وانظمة التمثلات الرمزية فحسب, بل وكذلك في انماط العلاقات واشكال السلوكيات.
المصيبة إن بريق أي شخصية كارزمية لا يسطع سحرها ولا يشع إلا بالاعتماد على ما يضفيه التدين الشعبي من وقار, وما تسبغه الثقافة الفولكلورية من اعتبار, فضلاً عن انها تضع المنخرطين في هذا الضرب من النشاط الطقوسي والشعائري في حالة من الإيمان الروحي والانفعال النفسي بالقدرات الخارقة والطاقات الخلاقة, التي يمكن أن تتمخض عن كرامات الأولياء ومعجزات الزعماء الدينيين وزعيم الطائفة.
من خلال التمسك بالتدين الشعبي وترك الدين الأساسي الذي بعث من قبل الرسل والأنبياء يتماهى الجمهور المدجّن الشخصية الزعامية عمداً وهي المرجع له في كل صغيرة وكبيرة على وجه الخصوص مما يفقد الفرد استقلاليته الشخصية ويغيب وعيه, ويسبغ الالوهية على الزعيم الروحي أو السياسي وهكذا فلكي يجتاز الجمهور المدجّن حاجز التماهي مع شخصية الزعيم الكارزمي, ويذهب باتجاه وضع هذا الأخر في مستوى التنزيه من العيوب البشرية والأخطاء الإنسانية, ورفعه من ثم إلى مرتبة القداسة والتسامي به إلى مصاف الإلوهية, يستغل المنطلقات الروحية التي تنبثق منها تصوراته واعتقاداته, التي تعتبر المصدر الوحيد للشعور بالأمان والإحساس بالرعاية والاحتماء بالزعيم المنقذ, والتعلق بالأبطال واللجوء إلى الأولياء, وهي من قناعات الجمهور المدجّن القائمة على اساس موروث اسطوري/ ديني لتستمر في اروقة المخيال الجمعي, الذي ما زال يشتغل بنفس الآليات القديمة التي يطغى عليها الحكم وانتظار المنقذ الذي يعيد إلى الجماعة تجانسها, ويحميها من الأخطار, وينشر العد بعد ما ملئت الأرض جورا.

45
حقائق حول الديانة الإيزيدية

نبيل عبد الأمير الربيعي

الشعب الإيزيدي يستقر منذُ القِدم في مناطق كردستان العراق, مثل سنجار وشيخان وبعشيقة ودهوك وتلعفر وزاخوا, كما يتواجدون في سوريا وتركيا وإيران وفي بعض مناطق روسيا وعلى الحدود الروسية القفقاسية, ويتحدث الإيزيديون اللغة الكُردية, ولهم أبجديتهم القديمة الخاصة إلى جانب الأبجدية الكُردية, ويرتدون الزي الكُردي, وبعض الإيزيديين يرتدون الزي العربي المعروف مثل الكوفية والعقال والدشداشة أو الصاية (الزبون) والعباءة.
تعتبر الديانة الإيزيدية واحدة من تلك الديانات العريقة في القدم ذات النكهة الميسوبوتامية العراقية, مثلها مثل الديانة المانوية أو المندائية, إلى جانب حياة الجماعات الدينية الأخرى في المجتمع الكُردي, رغم التغيرات التي طرأت على حياة ومعيشة وتقاليد وعادات هذه الجماعات الدينية.
الرابطة العضوية القائمة بين الديانة الأيزيدية والمجتمع الإيزيدي الكُردي, بين الطقوس والتقاليد الدينية الإيزيدية وحياة وهموم ومشاكل وتطلّعات الإيزيدي اليومية, باتجاه تكثيف الجهود لنبش تأريخ هذه الديانة في العراق والمناطق المجاورة, وما عاناه ابناء هذه الديانة عبرّ الزمن من تنكيل وتقتيل وتهجير وإبادة جماعية على مر العصور.
لقد تعرضت مناطق الإيزيديين إلى الكثير من الحروب والكوارث والتدمير والحرق المتعمّد لتلك الآثار التي ربما كان في مقدورها أن تساعدنا كباحثين بشكل أدق وأقرب إلى الواقع حول أصل الديانة الأيزيدية وطقوسها الأولى, وتقاليد أهلها القدامى والتحولات التي طرأت على ديانتهم, وعليهم كأفراد وجماعات. ولكن نجد أن كثرة من الكتّاب المسلمين والمسيحيين والمستشرقين قد قاموا بتشويه حقيقة الديانة الإيزيدية وطقوسها.
من خلال الاطلاع على الديانات القديمة في بلاد الرافدين, وفي أعالي نهر الفرات, نجدها أكثر اعترافاً ببعضها, وأكثر تسامحاً فيما بينها, وأكثر قرباً, إلا أن ما تعرضت له الديانة الإيزيدية من تشويه لحقائق هذه الديانة, من خلال عدم كشفها عن أسرار الديانة الإيزيدية, وطقوسها ومدى تعارضها مع الأديان والطقوس الأخرى, بسبب الخشية من القمع والإرهاب الديني من قبل شيوخ الدين لبعض الجماعات الدينية, وحكام الدول التي حكمت المنطقة.
لكن استمرار وجود الديانة الإيزيدية لآلاف السنين وبكل ما تعرضت له من قهر ومصائب واضطهاد وإرهاب, لو كانت قد تعرضت له بقية الأديان لماتت واندثرت, لكن قناعة الإيزيدي بكونه مخلوقاً يختلف عن المخلوفات البشرية الأخرى من جهة, وكونه شعب الله المختار, أو الأمة المصطفاة, قد ساعدهم على الصمود في مواجهة الكثير من الصعاب.
ذكر الدكتور رشيد الخيون مشيراً لمعتقد الإيزيديين قائلاً: "يعتقد الإيزيديون – كغيرهم من أهل الأديان الأخرى – أنهم شعب الله المختار, أو الأمة المصطفاة, ولكنّ, بطريقة أخرى وفريدة من نوعها, وذلك باعتقادهم أنهم وُلدوا من آدم فقط دون حواء, فبعد الجدل بين الزوجين بأيّهما يلتحق النسل, قررا الاستمناء في جرّتين منفردتين, وبعد تسعة أشهر, تمخّضت جرة آدم عن (شيت وحورية), ومنهما تناسلت الأمة الإيزيدية, أما جرّة حواء: فتمخضت عن ديدان فقط, وهذا خلاف ما اعتقد الصابئة المندائيون في تقديم المرأة على الرجل, فطهارتها من طهرة النور الذي منه خُلقت".
وقد حافظت الديانة الإيزيدية بشكل عام على مجموعة الأسس والقواعد المركزية للديانة بدلالة ما فعله الشيخ أدي بن مسافر من تجديد في بعض الجوانب, وتراجع في جوانب أخرى. فالدراسات الخاصة بالديانات والطقوس والاحتفالات والأعياد القديمة, والأساطير والملاحم والتراتيل والصلوات والتعاويذ والأحجيات, وبالأمثال والأقوال والرقى والتعاليم الدينية وأسماء الآلهة, وخاصة الديانات السومرية, تشير إلى وجود مثل هذه الصلة مع الديانة الإيزيدية في بعض طقوسها واحتفالاتها, وبعض أعيادها الإيزيدية, أو بعض مقاطع من تعاويذها وأعيادها.
تعتبر الديانة الإيزيدية من الديانات القديمة في العهود السومرية والأكدية والبابلية والآشورية والكلدانية, ويؤكد الدكتور خليل جندي أن كلمة إيزيدي "هي تعني الروح الخيّرة, وغير المتلّوثين, والذين يمشون على الطريق الصحيح, فإن تاريخ إيزيدية يرجع إلى الألف الثالث قبل الميلاد, وهم من بقايا أقدم ديانة كُردية, من منطقة الحضارات العظمى في الشرق, أي المعتقدات السومرية- البابلية القديمة", ويشير الجندي إلى ثلاثة من أكبر آلهة الإيزيدية, بل الأركان الأساسية في هذا الدين, جاء ذكرهم في تاريخ تلك الحضارات القديمة.
الأول : هو (الشيخ شمس) إله الشمس, ويكتب بالسومرية (دنكر أوتو) ويًدعى باللغة البابلية (شماس).
والثاني هو (الشيخ سن) إله القمر, وهو إله ميسوبوتامي يسمى (نانا) بالسومري, و(سين) بالبابلي, وهو إله الخصوبة عند النساء.
والثالث: هو (الشيخ آدي) إله المطر والخير والبركة, ويُكتب (إيم) باللغة السومرية, ويُلفظ بصورة مختلفة في الشرق الأوسط مث (آدد, آدي, اودنوخ, حدد, حداد).
وكون الآشوريين كانت لهم محبة خاصة لـ(الشيخ آدي), فإنهم لم يصوّروه في نقوشهم الحجرية, وحسب, بل ورد عنه الكثير في كتاباتهم أيضاً. ولهذا بالذات تواجد معبده في قلب آشور في لالش".
وطاؤوس ملك الإله الواحد ذو الثنائية في الواحد, وهو الرمز الأعلى المقدّس لدى الإيزيديين أينما وجدوا, كما أن الإيزيديين بأول يوم الأربعاء من شهر نيسان من كل عام على وفق التقويم الشرقي, باعتباره عيد رأس السنة الإيزيدية, وهو اليوم المقدس مثلما الحال عند البابليين, ويُحرم الإيزيديين على أنفسهم الزواج والنكاح في يوم الأربعاء, كما هو الحال عند البابليين, باعتباره يوم زواج الأنبياء والأولياء عند الإيزيديين حالياً, وربما عند آلهتهم القديمة أيضاً.
وفق الميثولوجيا الإيزيدية حول قصة الطوفان, أن عين سفني الواقعة في الشيخان, حيث يقع معبد آدي بن مسافر في وادي لالش المقدّس عند الإيزيديين, والقريب من باعذرة في قضاء الشيخان التابع لمحافظة نينوى حالياً, هو نفس المكان الذي صُنعت فيه السفينة لمواجهة الطوفان, كما أنها ذات البقعة اليابسة التي ظهرت في أعقاب الطوفان, أو بعد انحسار الماء. ولا يبعد هذا المكان المقدس كثيراً عن موقع مدينة نمرود حيث أقيم فيها معبد الإله نابو, وأطلق على معبد نابو اسم (إيزيدي) أي (عباد الله).
كما تقترن الجماعات الإيزيدية مع الجماعات البابلية برمز القمر عند الإيزيديين بالشيخ سن, أو الشيخ حسن, كما يلتقي الإيزيديين بالبابليين في جانب الحفاظ وصيانة أسرار الديانة وطقوسها السرية التي يمارسها الإيزيديين من الشيوخ والبيرة والقوالون, والتي لا يجوز البوح بها لغير المعنيين بها مباشرة.
أن الموطن الأساسي للديانة الإيزيدية قد بدأ بمدينة يزد القريبة من منطقة خراسان في شرق إيران والقريبة من الحدود الأفغانية, علماً أن الإيزيدية تعتبر أكثر قدماً من الديانة الزرادشتية التي اعتنقها بعض الجماعات الكُردية أو الميثرائية, والعديد من المصادر تؤكد إلى أن الموطن الأصلي للإيزيدية هو منطقة كُردستان.
كما كتب الدكتور سامي سعيد الأحمد يقول :"بأن الإيزيدية في الواقع ما هي إلاّ استمرار للدين الميثروي الذي سادت عبادته في مدينة الحضر, وأن أهريمان كقوة شريرة قد نُظر إليه بقدسية تامة في المثروية أيضاً".
أما حول أصل الشيخ آدي بن مسافر الهكاري "فقد جمع الباحثون وخاصة الكورد والمستشرقون منهم على أن الشيخ آدي كان اوردياً في الأصل, وكان أجداده من جبال الهكاري (جبال داسن), وهذا ما يؤكده لنا أنور المائي حين يشير إلى أن الشيخ آدي وأخاه قد اضطُرا إلى ترك ومغادرة جبال الهكارية, واللجوء إلى الشام, ذلك لأن الخلافة العباسية كانت قد ضيّقت الخناق على إيزيديي جبال هكاري". وتشير الدراسات التي أُنجزت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين إلى أنهم تعرّفوا على كُتُب من قِبل الشيخ أدي بن مسافر, ولكنها كانت قد زُرّت وسُجّلت باسم أحمد بن الرفاعي, إلاّ أن مواقع غير قليلة لم تشطب الاسم تماماً, أو نسي تبديله, يدلّل على أنه للشيخ أدي بن مسافر وليس لأحمد بن الرفاعي, وفي عام 1911م أعاد الدكتور رودولف فرانك نشر قصيدة وُجدت في الكتاب الذي وُضع اسم أحمد بن الرفاعي عليه وكما يرى الدكتور فرانك أنه يُعدّ من كتابات أدي بن مسافر.
لقد اتّهموا ابناء الديانة الإيزيدية بكونهم عَبَدَة إبليس, وهذا الملك لا يرتبط عند الإيزيدية بتلك السمات السلبية التي يحاول المسلمون أن ينعتوها به, أو يُضفونها عليه, باعتباره رفض السجود لله, في وقت كان الإله قد طلب من ملائكته عدم السجود إلاّ له. ولم يرد في كتاب نهج البلاغة لأمام علي أو في كتاب شرح البلاغة لأبن أبي الحديد المعتزلي ما يشير إلى وجود علاقة بين الإيزيديين وهذه المسألة, أو ما يظهر ما يوحي بعبادة الإيزيديين للشيطان.
وبعد ظهور الديانة الإسلامية وتوسعها بسبب الفتوحات حتى وصلت مناطق كُردستان العراق, فقد تعايش المسلمون والإيزيديين عبرَ القرون المنصرمة من العيش المشترك ونجد التقارب في جميع الأديان في المنطقة تقريباً, ولكن بسبب الضغط والخوف والاضطهاد من قبل ولاة المسلمين في المنطقة تبنى الإيزيدية بعض الطقوس الدينية الإسلامية ومنها يوم الجمعة باعتباره يوماً مقدساً لديهم.
ولكن في حقبة الاحتلال العثماني لمناطق تواجد الإيزيديين في كردستان العراق أجبروا على تأدية بعض الطقوس والتقاليد ومحاولات إعادة تشويه سمعة الإيزيديين والإساءة إلى ديانتهم وأتباعها, وتأجيج الغضب والحقد ضدهم باعتبارهم من أولئك الكفرة المرتدين الذين خرجوا عن الدين الإسلامي, أو باعتبارهم من أتباع يزيد بن معاوية الذي كان مسؤولاً عن المجزرة التي نُظمت لعائلة الحسين وصحبه, والتي أدت إلى استشهاد الحسين بن علي بن أبي طالب والكثير من أفراد عائلته وصحبه في كربلائ, وسبي النساء والأطفال, وبالتالي تحميل الإيزيديين مسؤولية تلك المجزرة, وكانت الفتاوى الدينية العثمانية الخاصة بتكفير الإيزيديين مستندة إلى الحجج الواهية والمخالفة للواقع, والمبنية على تمييز ديني متعصب اشتهر به الحكام العثمانيون على نحو حاص.
يؤكد الدكتور كاظم حبيب قائلاً :"وأميل في تقديري – القائم على مطالعاتي في هذا الصدد – إلى أن الديانة الإيزيدية تحمل في بنيتها بذرات وطقوس وتقاليد سومرية وبابلية, كما إنها – فيما بعد – على وفاق مع الشعوب الإيرانية في ديانتها, من حيث اعتماد مبدأ الثنائية (الاثنين) في الواحد, مبدأ تجسيد النور والظلام, الخير والشر في إله واحد, وجرى تحوّل متميّز وتدريجي في ديانة الفرس القدامى باتجاه الفصل الكامل بين إله الخير والنور (Ahura Mazda), وإله الشر والظلام (Ahriman), أن الفرس – من الناحية العملية – طوروا أو أقاموا ديانة جديدة, هي الديانة الزرادشتية التي لم تتخلّ عن بعض أصولها القديمة. في حين حافظت بعض القبائل الفارسية – إضافة إلى قسم من الكُرد – على المبدأ الأساسي السابق, مبدأ الثنائية في الواحد. وهذا المبدأ يفترض عبادة الإله الواح الذي يمثل الخير والشر, النور والظلام في أن واحد, بغضّ النظر عن التغيرات الأخرى التي لحقت بهذه الديانة, أو بالديانة الزرادشتية, التي رفضت الثنائية في الواحد, وفصلت بينهما في ثنائية مستقلة, ووضع زرادشت تعاليمه في (آفستا) التي تعتمد تقديم (القرابين وطقوس الطهرة وتقوية النار المقدسة, وما شابهها)".
تعرضت الديانة الإيزيدية عبرّ مئات من السنين إلى مجموعة من العوامل المؤثرة, فطرأ على ديانتهم بعض التغيّر والتطور الذي صاحبها بشكل محدوداً جداً, ومنها تأثير التقاليد والطقوس لديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية ذات الأساس التوحيدي المشترك.
كما تعرض الإيزيديون إلى الاضطهاد الديني من قبل قادة وأتباع الأديان الأخرى على امتداد العصور المنصرمة, من تعذيب ونهب وسلب واغتصاب وعبودية وبيع المختطفين بسوق النخاسة, والسعي لتحويل الإيزيديين عن دينهم, ونشر الحقائق والمعلومات غير الحقيقية عن أصل الديانة الإيزيدية. حدث كل ذلك بسبب التستر والاحتفاظ بالأسرار والأصول الدينية من قبل شيوخ الدين الإيزيديين لأن الديانة الإيزيدية غير تبشيرية فتتستر على ديانتهم وعقائدهم.
ومع مطلع القرن الحادي والعشرين تعرض الإيزيديون إلى الاضطهاد والقتل على يد تنظيم داعش الإسلامي, فقاموا بخطف وأسر النساء والأطفال وقتل والرجال والشيوخ, وتم تربية الأطفال على دين إسلامي دون أن يكونوا يعرفون ذلك, وبيعت النساء في سوق النخاسة داخل العراق وفي سوريا على اعضاء التنظيم.


المصادر
د. جورج حبيب. اليزيدية بقايا ديانة قديمة. بغداد 1977. (د.ن). ص19
د. سامي سعيد الأحمد. اليزيديون. أحوالهم ومعتقداتهم. في جزءين. مطبعة الجامعة. بغداد 1971. ط1. ص19.
د. عدنان زيدان فرحان. تاريخ الإمارة الكوردية الإيزيدية. موقع بحزاني الإلكتروني. 2010م.
Frank, Rudolf Dr. Scheich(Adis) der grosse Heilige der Jezidis. Mayer & Mueller. Berlin. 1911. S . 10-43.
د. كاظم حبيب. الإيزيدية ديانة عراقية. مصدر سابق. ص58.
أ سيرغي توكاريف. الأديان في تاريخ شعوب العالم. دار الأهالي. دمشق. 1998. ط1. ص362.

46
ثورة الزعيم الروحي للكُرد الشيخ عبيد الله النهري 1880م (الحلقة الثانية)
نبيل عبد الأمير الربيعي
موقف الشيخ عبيد الله من المسألة الأرمنية
    عند اندلاع الثورة وتحرك القوات الكُردية صوب كُردستان إيران أصدر الشيخ عبيد الله النهري فتوى بتحريم مهاجمة الأرمن والنساطرة الآشوريين, وبأمر منه أوعز للأرمن بأن يرفعوا فوق سطوح منازلهم أعلاماً زرقاء سماوية اللون, لكي يتم التعرف إليهم ولا يتعرض لهم أحداً(27).
    كما دلت الوثائق التاريخية على أن أحد أهم المقربين للشيخ عبيد الله كان الأرمني كيوردوتشي سيمون تشيليغيان, الشهير بـ(سيمون آغا), وقد حضر عدة لقاءات بين الشيخ عبيد الله والمسؤولين الأوروبيين في كُردستان. فكان سيمون آغا المستشار الرئيسي لدى الشيخ عبيد الله في مراسلاته الدبلوماسية(28) ووزير خارجيته.
    عام 1880م افتتح الشيخ عبيد الله النهري في شميدان مؤتمراً لزعماء الكُرد وكان من اكثر المؤتمرات حضوراً في تاريخ الكُرد, لكن الأتراك استغلوا الشيخ (فهيم) الذي حضر المؤتمر وطلبوا منه أن يقع المؤتمرين بضرب الأرمن حتى يشغل الأكراد عن قتال الأتراك فاعترض عبيد الله النهري بل حسّن عبيد الله النهري علاقته مع الأرمن فعين ارمنياً وزيراً للخارجية(سيمون آغا)(29).
    كان من نتائج الحرب الروسية التركية عام 1877م-1878م منح سلطات رسمية اوسع من تلك التي كانت تمنح للأمراء الكُرد قبل ذلك بنصف قرن, وافضت هذه الحرب إلى اتفاقية برلين, حيث دعت القوى الأوروبية وخاصة المادة (16) منها إلى حماية الأقلية الأرمنية, وهو ما اعتبره الشيخ عبيد الله والكُرد المسلمون خطوة باتجاه دولة أرمنية, وفي حينها قال الشيخ النهري (ما هذا الذنب اسمعه معترضاً لموظف تركي من أن الأرمن سوف يكون لهم دولة مستقلة في (وان) وأن النسطوريين (المسيحيين) سوف يرفعون العلم البريطاني واعلان انفسهم كرعايا بريطانيين ونحن أمة كُردية نبقى هكذا), فدعا البريطانيين للاعتراف بالكُرد كأمة مستقلة, وقد قدم القضية الكُردية بمصطلح قومي علماني متداول إلى الهيئات الدبلوماسية, وقد شكلَ الشيخ ما يسمى (بالعصبة الكُردية) وهي مجموعة قومية اسسها لكي يوسع من دائرة اتباعه ويعطي لتحركه مضامين وابعاد قومه, ويدعوا إلى كردستان حرة مستقلة(30).
    أما فيما يخص موقف الأرمن من ثورة الشيخ عبيد الله فإنهم قابلوا عروض الشيخ للتعاون بكثير من الشك والتوجس, فإلى جانب خشيتهم من توريط أنفسهم في حركة العصيان رأوا في مشروعه خطة موحى بها من الأتراك, ترمي إلى سلبهم تلك الامتيازات التي وعدتهم بها معاهدة برلين(31).
    أما الحكومة البريطانية فكانت متوجسة من ثورة الشيخ عبيد الله بسبب التقارير التي ارسلها لها سفيرها في استنبول مستر جورج جي گوشن, والقنصل آبوت في تبريز, تعتقد أن الحكومة العثمانية هي وراء انتفاضة الشيخ عبيد الله, كما اعتمدت الحكومة البريطانية على تقرير كريميان هايرك, الذي شرح في تقريره (أن هناك شك في أن الحكومة العثمانية هي وراء العصبة الكُردية لإثارة المسألة الكُردية, للقضاء على المسألة الأرمنية, إن هذه العصبة هي انعكاس للسياسة العثمانية وامتداد لها وإن الشيخ عبيد الله يقودها اسماً, أما الرئيس الفعلي فهو بحري بك ابن الأمير بدرخان بك, المقرب من الحكومة العثمانية, علماً أن بحري بك قد استخدم نفوذه, والهدايا والمال, وحتى التهديد ولترغيب الكُرد, ليس فقط في الدولة العثمانية, بل الكُرد في إيران لدعم العصبة(32).
    يقر بعض المسؤولين البريطانيين بزعامة الشيخ ومهابته وعدالته وسلوكه القويم وبحكومته العادلة, وسهر الشيخ على مصالح مواطنيه, وسواء جاء الاقرار بصورة جانبية أو اقراراً للواقع. رغم محاربة البريطانيين لثورة الشيخ, يرفع (ويليام ج. آبوت) القنصل البريطاني العام في تبريز تقريراً إلى السفير البريطاني في بلاط الشاه وقد ورد في مرفقها: (يقوم الشيخ وابنه شخصياً بالتحقق في شكاوى وطلبات الشعب ويبحثون معهم عن قرب, في مدينة الشيخ عبيد الله لا وجود لشيء بأسم المشروبات الكحولية. يقوم الشيخ من اشراقة الشمس وحتى منتصف الليل بتصريف الأمور الإدارية لشعبه. شعب الشيخ يعشقه وينفذون أوامره من غير نقاش, الاعتداد على القوانين يصاحبه حكم الموت, الشيخ ذكي جداً وهو على خلاف سائر الروحانيين وعلى اطلاع بعلوم الزمان. يضع الشيخ نفسه الشخص الثالث, ما عدا بعض عشائر الكُرد داخل إيران, يقر الكُرد جميعاً بزعامة الشيخ, يعيش الشيخ عبيد الله كما يعيش الملوك, يتناول ما بين 500 حتى 1000 شخص الطعام على مائدته يومياً, يرى بين الضيوف الأفراد من كل طبقات المجتمع, من أفقر الناس إلى المسؤولين الكبار في الدولتين الإيرانية والتركية.(33).
    يعد الشيخ عبيد الله النهري (افضل نموذج للقيادات الكُردية التي ظهرت بعد حكم الأمراء, وهو على حد قول ديفيد ماكدوول وفي نظر الكثيرين أول بطل قومي كُردي لأنه قام بثورة باسم القومية سنة 1880م, وكان هدفه توحيد الكُرد ضمن دولة كردية مستقلة)(34).
   من أهم الأسباب لقيام ثورة الشيخ عبيد الله النهري ما يلي :
1- الدعوة إلى إمارة كُردية مستقلة.
2- الأسباب الاقتصادية وما حلَ بالشعب الكُردي والأرمني من مجاعة وانتشار الأمراض ومنا الطاعون.
3- الفوضى والتدهور الاقتصادي في الاناضول والعجز العثماني في فرض القانون والنظام خارج المحيط المباشر لكل مدينة.
4- عبء الضريبة الكبير والغير معقول على المواطنين الكُرد.
5- المحاولات الرامية إلى إدخال التجنيد الإلزامي.
6- الابتزاز المالي الحكومتين التركية والإيرانية للكُرد في المنطقة.
7- عدم ارتياح الشيخ عبيد الله للباشوات في المنطقة.
8- المعاملة القاسية التي لقيها عدد من الزعماء القبليين الكُرد على يد السلطات المحلية ومنها انزال عقوبة (100) جلدة بأحد الزعماء الكُرد. وإعدام 50 رجلاً من رجال قبيلة عبيد الله.
9- مطاردة قطاع الطرق وإعادة الأمن والنظام في المنطقة.
10-                    تحقيق المساواة بين المسلمين والمسيحيين وتشجيع التعليم والسماح ببناء كنائس ومدارس.
11-                    اصلاح كردستان وإقامة حكومة عادلة.
12-                    سياسة حكم الدولتين العثمانية والإيرانية القاسية مع الكُرد.
13-                    سوء التعامل العثماني مع الشعب الأرمني والمسألة الأرمنية.
14-                    معاهدة برلين مع الأرمن وآمالهم في السيطرة على شمال كُردستان, وخوف الكُرد من غلبة الأرمن.
15-                    محاولة الشيخ عبيد الله النهري من توحيد كُردستان.
16-                     انتشار شائعات تثير القلق حول اعتزام الدول الكبرى من وضع الأرمن في مرتبة سياسية تعلو عن مرتبة الكُرد.
17-                    لم تكسب الثورة ولاءات الدول الكبرى.
    تعد ثورة الشيخ عبيد الله النهري من أهم الثورات الكُردية التي اندلعت ضد الدولتين العثمانية والإيرانية في القرن التاسع عشر, وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى, ولعل مرد ذلك إلى أسباب عدة منها:
1- اظهرت ولأول مرة في تاريخ الحركات التحررية الكُردية بوادر الفكرة القومية الحديثة.
2- تمكن قائدها الشيخ عبيد الله النهري من جمع شمل معظم الشعب الكُردي في مؤتمرها في تموز 1880م.
3- شكلت هذه الثورة رقماً صعباً في المعادلة السياسية للمنطقة.
4- استعادة الثورة ترتيب البيت الكُردي من الداخل, وبذل الجهد لنشر التحضر.
5- استطاعت الثورة السيطرة على اغلب مناطق كردستان, وانشأ فيها دوائر كُردية رسمية للإدارة المحلية.
6- احبطت الثورة العملية الاصلاحية الأرمنية وحولت الاهتمام من القضية الأرمنية إلى الاهتمام بالكُرد.
7- الدعوة باستقلال داخلي تحت الإدارة العثمانية لجميع امارات الأكراد التي جردت من جميع سلطاتها السياسية والإدارية منذ بداية القرن التاسع عشر
8- توحيد الكُرد وإقامة دولة كُردية.
9- تمكن قائدها ولأول مرة من جمع شمل معظم الشعب الكُردي.
10-                    اجبرت ثورة الشيخ عبيد الله الدول الكبرى (روسيا, بريطاني, تركيا, إيران) على إعادة النظر في حساباتها للتعامل مع الشعب الكردي.
 
 

المصادر:
27- جرجيس فتح الله. مبحثان على هامش ثورة الشيخ عبيد الله النهري. مصدر سابق. ص45/47.
28- جليلي جليل. انتفاضة الكُرد1880. مصدر سابق. ص73.
29- اسماعيل عمر الكوباني. ثورة عبيد الله النهري. منتدى الكوبان نت. 1 سبتمبر 2009.
30- حسن كاكي. مقال: ثورة الشيخ عبيد الله النهي 1880م.
31- وديع جويد. ثورة الشيخ عبيد الله النهري. في كتاب جرجيس فتح الله. مبحثان على هامش ثورة الشيخ عبيد الله النهري. ط2. دار ئاراس للطباعة والنشر. اربيل. 2001.ص13.
32- هوكر طاهر توفيق. الكُرد والمسألة الأرمنية. مصدر سابق. ص182.
33- تيلي أمين علي. حركة الشيخ عبيد الله النهري في الوثائق البريطانية. مصدر سابق.
34- د. عبد الفتاح علي البوتان. بدايات الشعور القومي الكُردي. دهوك 2005. ص35.




47
ثورة الزعيم الروحي للكُرد الشيخ عبيد الله النهري 1880م (الحلقة الأولى)
نبيل عبد الأمير الربيعي
 
     خلال الانقلابات بين الأسر المالكة في القرن الثامن عشر لم يبدِ الأكراد ميلاً للاتحاد حتى عندما ارتقى العرش الشاه كريم خان زاند, وعندما توفي كريم خان حاول كُردي آخر هو علي خان أن يحكم مكانه, فغلب هذا الأخير على أمره بحلف شمالي اشترك فيه أمير اردلان الكُردي.
    وفي عام 1826م بدأ السلطان محمود الثاني بتوسيع الإدارة المدنية العثمانية في كردستان في محاولة لإصلاح الامبراطورية المتفسخة فقاومه الأمراء الأكراد ومرَ ربع قرن قبل أن يجردوا من امارتهم. وفي عام 1843م بأمر الأمير بدرخان سيد جزيرة ابن عمر في بوهتان محاولة للتحرر من الحكم العثماني, وخلق مع حلفائه وبينهم أكراد اردلان في وجه الباب العالي العثماني مشكلة عسكرية خطيرة يزيدها خطورة ما كان يأمل فيه بدرخان من المساعدة الفارسية. استسلم بدر خان لعثمان باشا عام 1847م وأرسل إلى المنفى. وفي عام 1849 كان السلطان قد ألغى حكومة بيتلس الكُردية التي أسسها حكيم أدريس وحكومة أسرة بابان في السليمانية وغيرها مما يرجع تاريخه إلى أول عهد العثمانيين حتى أوج امبراطوريتهم(1).
    عام 1877م بدأت الامبراطورية العثمانية بحرب كبيرة مع الامبراطورية الروسية انتهت عام 1878م, مما سببت دماراً كبيراً في شمال كُردستان, وقد تسببت بمجاعة وانتشار الطاعون الذي اهلك أعداداً كبيرة من السكان سواء الكُرد أو المسيحيين, وقد اشتعلت هزيمة الترك النيران الكامنة في نفوس الكُرد من أجل الاستقلال, لكن كانت هذه المرة موجهة ضد الفرس, على الأقل في بدايتها(2).
    بعد انتفاضة بوتان وجزيرة ابن عمر شبّت الثورة في اقليم هكاري الجبلي من كُردستان القريب من الحدود التركية الفارسية وكانت مرحلة جديدة من الكفاح ضد الاتراك والفرس المستبدين بالكُرد, ولشيوخ النقشبندية دور مركزي في التهيئة لها, وكانت التكايا مركزاً لهم وللجماعات الدينية الأخرى ويرتبط اتباعهم ومريديهم فيما بينهم برباط اشد متانة من الرابطة العائلية.
   في تشرين الأول 1880م اندلعت ثورة كُردية بقيادة الشيخ عبيد الله النهري في منطقة شمدينان التابعة لولاية هكاري جنوبي ولاية (وان) على الحدود العثمانية الإيرانية, شاركت فيها أغلب العشائر الكُردية في شمال كُردستان, ما عدا كُرد درسيم(3).
      يعد الشيخ عبيد الله النهري الشمزيناني الزعيم الروحي والقومي المنشود, فهو من مواليد عام1247هجري قمري- 1831م(4). وينتمي إلى مدينة شمدينان بمنطقة جولمرك (هكاري) في باكورة كُرديتان, عميد أسرة مشايخ شمدينان مسقط رأسه, وزعيم الطريقة النقشبندية في كُردستان بعد الشيخ خالد النقشبندي, ونجل الشيخ طه الشمزيناني الجليل القدر, وارث منزلة اسرته الدينية وسمعتها في العالم الروحي, وأن محمد شاه قاجار (حكم للفترة 1788-1797م) كان من مريدي والده الشيخ طه وكان يرسل إليه كل عام هدايا وتحف نفيسة, كما أنه اعطاه عدداً من القرى لتأمين مصاريف الخانقاه, كانت إحدى زوجات محمد شاه, وهي والدة عباس ميرزا ملك أرا, تنتمي إلى هذه العائلة, وكان عباس ميرزا نفسه مريداً للشيخ, يقع قبر الشيخ طه في طهران(5).
    عندما توفى والده الشيخ طه انتقلت رئاسة المشيخة إلى أخيه الشيخ محمد صالح, وأن هذا الأخير  وبعد 12 عاماً من الأرشاد انتقل إلى رحمة الله عام 1865م فتولى الشيخ عبيد الله رئاسة المشيخة الوحيد للطريقة النقشبندية في كُردستان وتركيا وإيران, وقد اصبح يملك نفوذاً كبيراً على اتباع المشيخة ويحوز على احترام الكُرد في كثير من المناطق إضافة إلى مريدين ومحبين من العرب والترك بل أن السلطات التركية نفسها كانت تنظر إليه بعين الوقار(6).
    يصفه الدكتور كوچران قائلاُ :(الشيخ عبيد الله النهري يبلغ خمسون عاماً من العمر, جذاب إلى حدٍ كبير في مخبره, وهو يرتدي حلة فضفاضة من جبة واسعة الأطراف والأكمام, ويعمم بعمامة بيضاء)(7).
    كان عمهُ الشيخ صالح رأس الطريقة النقشبندية. و(سميت عائلته بسادات نه هري (نهري أو نيرى أو نايرى), وأن العائلة انتقلت في زمن (الملا هجيج) إلى منطقة (هه مارو) وبقت هناك حتى زمن الملا صالح وكان للملا صالح ولدين, سيد عبد الله وسيد أحمد. وقد اصبح سيد عبد الله أحد خلفاء مولانا خالد وهو من اعاظم الصوفية. وبعد اعتناقه الطريقة النقشبندية رجع سيد عبد الله إلى قرية (نهرى) وسكنها هو وأولاده واحفاده من بعده وكانت للعائلة في المراحل الأولى نفوذ ديني ثم اصبح لها نفوذ مادي دنيوي وقد ازداد هذا النفوذ بصورة متزايدة جداً في زمن الشيخ عبيد الله)(8).
     ورث عن والده عدداً من الضياع التي جاءته منحاً من السلطان والشاه, وقد زاد فيها حتى ناهزت المائتين فعدّ واحداً من كبار الملاكين في كُردستان, كما كان يملك عدداً من القرى في سهل (مه ركه فه ر, وته ركه فه ر), لكن الشيخ عبيد الله زاد من عدد القرى فكان يحوز على ما يربو عن 200 قرية. (9), وبنظر شيوخ بارزان مناقضة للصفة الدينية الصوفية التي يدعيها الشيخ, فنددوا بها واتهموا شيوخ همدينان بالخروج عن جادة الطريقة والدين وقالوا أنهم علمانيون اكثر مما هم روحانيون(10).
    كان الشيخ عبيد الله إنساناً بسيطاً قانعاً عادلاً ومؤمناً بالله ومتديناً جداً, كان مهتماً جداً بتحسين معيشة الكُرد, كل ذلك جعل من مواطنيه تبجيله, والنظر إليه وكأن الله ارسله إليهم كمنقذ(11).
    الشيخ عبيد الله النهري شخصية نذر نفسه لشعبه معتزماً بأحكام الإسلام النقية في سائر انحاء وطنه, كان مؤمناً إيماناً راسخاً بأن فساد الحكومة العثمانية وافعال أشرار الرجال هما سبب الدمار الشامل الذي ابتليت به كردستان. كان الشيخ عبيد الله قد ورث المجد كابراً عن كابر, واذعن الناس لهذه الأسرة معتقداً فيهم الولاية والتقوى فخضعت لهم منطقة شمزينان من ولاية هكاري وتوسع نفوذهم الديني فنقاد لهم الناس في اذربيجان الصغرى الغربية ايضاً, فاستغلت حكومة السلطان عبد الحميد تقواه وتمسكه بالدين, فحاولت أن تحثه على شن حرب شعواء على الأرمن والمسيحيين القاطنين في هكاري وأرومية إلا أن الشيخ لم يعر الحكومة العثمانية إذناً صاغية(12).
     وقد تمَ اسناد منصب قيادة العشائر الكُردية إليه اثناء تلك الحرب كان لهُ ابعد أثر في مجريات الأحداث بعدها في كُردستان, وربما كانت العامل الرئيس لبروز زعامته القومية. هذا المنصب كان يعني اعترافاً رسمياً بزعامة الشيخ في كُردستان وبأثر مساوٍ لأي تقليد رسمي لمنصب أنكر على أي كُردي منذُ العام 1847م(13).
     حتى بات أكبر الرجال نفوذاً في شرق كُردستان, وعند أكراد الحدود كان شخصه وسلطته أقدس واعظم مهابة من السلطان نفسه. ويرى الدكتور بلوم كوچران (الطبيب بفارس, وكان المعالج للشيخ عبيد الله النهري) في تقريره وهو:" الذي عرف الشيخ خير معرفة وكان على صلة وعلاقة متينة به, إنه كان يُعد نفسه ثالث اعظم الشخصيات العظمى في مقام التسلسل الديني للإسلام فضلاً عن كونه ملك الكُرد الدنيوي(14).
    تمتع الشيخ عبيد الله النهري بنفوذٍ عظيم. وهو القطب النقشبندي الكُردي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر (برزت زعامة الشيخ عبيد الله مطلع السبعينات من القرن التاسع عشر), ويعد في الوقت عينه من كبار رجال الأقطاع المهتمين بالتجارة, وتأمين التعامل التجاري وبوضع حدٍ لأعمال الشقاوة والفوضى وقطع الطرق. وكان لمركزه الديني أثره في النهج السياسي الذي انتهجه فيما بعد, مستفيداً من استياء المجتمع الكُردي وسخطه على الموظفين العثمانيين والحكومة. وبدت تكيتهُ مركزاً ومقراً للدعاة والمريدين ومقصداً لنوابه وخلفائه الذين كانوا يترأسون التكايا في مختلف المناطق(15).         
     قبل اندلاع الحرب الروسية العثمانية تورد بعض المصادر أن نزاعاً حصل بين الشيخ عبيد الله وبين السلطات الإيرانية عندما رفض اتباع الشيخ في الشطر الشرقي من كردستان دفع الضرائب إلى الحكومة القاچارية باعتبار أن الأراضي التي يستغلونها تعود إلى الشيخ وليس إلى الحكومة القاچارية(16).
    كان الشيخ عبيد الله يرد أن تستقر الأوضاع في ظل حكومة عادلة حتى تتطور المنطقة وتزدهر التجارة بالقضاء على المهربين وقطاع الطرق وهو أمر لم يكن باستطاعة الدولتين العثمانية والإيرانية إتمامه. وتبين الوثائق البريطانية أن الشيخ عبيد الله أقدم على شراء الأراضي الزراعية في (گه فه ر وباشقلا ومرگه فه ر وترگه فه ر) بغية تحسين معيشة المواطنين وتشغيل اكبر عدد منهم في الزراعة وقد اقترح على الدولة الإيرانية تأجير سهول (مرگه فه ر وبرادوست) ومقابل مبلغ سنوي ولنفس الغرض وبغية القضاء على السرقات والاعمال اللصوصية. وقد اوفد نجله عبد القادر إلى إيران, لكن السلطات الإيرانية التي كانت تحصل على المنافع وتشارك اللصوص امتنعت عن تأجير الأراضي إليه فكان أن هدد باجتياح المنطقة للقضاء على اللصوص. كان الشيخ وهو يرأس الطريقة الصوفية يؤمن بالعدالة والمساواة ويؤمن بوجوب محاربة الظلم والحكام الفاسدين, إذ أن الطريقة ترتكز على مبدأ رفض الظلم والمساواة بين الناس, كل الناس, مهما كانت اديانهم أو اعراقهم أو مذاهبهم لأنهم خلق الله وبشر متساوون في الحقوق والواجبات, وأن كل الشرائع هي للتعرف على الله. تشير المصادر أن اغلب محصول التبغ في هكاري كان يعود للشيخ عبيد الله وكان يصدّر الكثير منها إلى اوروبا, أنه كان ينافس إنتاج التبغ الشركة الفرنسية (ريژي)(17).
    لم يكن الشيخ رجل دين وحسب إنما كان زعيماً حقيقياً لشعب كُردستان, و(لم يكن يتمتع بنفوذ ديني لكونه رئيس الطريقة النقشبندية وحسب, بل كان واحداً من اثرياء الملاكين في كردستان, فقد كان يمتلك 200 قرية في تركيا وإيران على السواء, وكان في ذلك الوقت قائداً دون منازع للكُرد في تركيا وإيران ايضاً(18). لذلك اتهم الشيخ (محمد بچكولة) علناً عائلة شمزينان بانها قد انحرفت عن طريقة الدين الصحيحة لأنها اصبحت صاحبة سلطة دنيوية اكثر من كونها صاحبة ارشاد ديني(19).
    كان أحد اسباب شرارة ثورة الشيخ عبيد الله النهري سنة 1297هـ/ 1880م إثر قيام قائمقام (كه ودر) بإنزال العقاب بزمرة من عشيرة الهركي, نهبت إحدى القرى. ما أن بلغ الشيخ ذلك حتى بعث برسائل إلى زعماء الكُرد يحثهم فيها على الثورة قائلاً (لم يعد هناك بعد أي حكومة تركية وهو عازم في غضون ثمانية ايام على التقدم نحو العمادية), وممن بلغته الدعوة شيخ محمد (البريدجان) الذي لم يضع وقتاً في نقل نوايا الشيخ إلى والي الموصل. وبعد خمسة ايام خرج فوج من الموصل, وعسكر في موضع مجاور لمدينة العمادية, وحشد الشيخ قوة من تسعمائة مسلح, اناط قيادتها بابنه (عبد القادر) لتشن هجوماً على القوات العثمانية, فصد هجومها وانكفأت على عقبيها(20).
    كان موقف الحكومة من الشيخ عبيد الله محيراً, فمع أن الأوامر الصادرة من استنبول كانت حازمة في التشديد على وجوب التصدي للثوار بقوة, ومع علم والي (وان) ووالي (الموصل) وغيرهما من موظفي الدولة الكبار بما يبطن الشيخ, وعدم ثقتهم به, حتى الصدر الاعظم نفسه فقد بعث له ببرقية يحثه فيها على توثيق علاقاته بالسلطات المحلية, وحمل البرقية إليه مفتي (وان) نيابة عن الحكومة المحلية(21).
    تفيد التقارير في حينه أن جيشه كان يتألف من ثلاثة ارتال : احدهما بقيادة ابنه الفتى ( عبد القادر) وكانت حركته على جبهة واسعة من سواحل بحيرة اورمية الجنوبية نحو صاوبلاغ وقدر نائب القنصل (كلابتين) عدد افراد هذا الرتل بعشرين الفاً مع تحذيره من الاعتماد على هذا التقدير. أما (نيكيتين) الذي ينقل عن كتاب فارسي لمؤلف مجهول, فيرفع رقم قوة (صاوبلاغ) هذه إلى ما يتراوح بين أربعين الفاً وخمسين. والقنصل العام (آبوت) الذي قدرها بالأصل ما بين عشرة آلاف وثلاثين ألفاً. قال انها تضاءلت اثناء الحملة ولم يبق منها غير الفا وخمسمائة بسبب عودة المقاتلين إلى اهاليهم أثناء الحملة(22).
    كما التحق بجيشه عدد كبير من الآشوريين, وأنه (حضي ايضاً بشعبية كبيرة بين شعوب المنطقة ومختلف فات السكان)(23).
    تم الاستيلاء على (صاوبلاغ) من قبل مقاتلي الشيخ عبيد الله من غير قتال بعد أن اعطي حاكمها وحاميتها الأمان, فتركوا المدينة بسلام, كانت مدينة (مياندواب) الهدف الثاني, (ووضع السيف في رقاب الآلاف الثلاثة الباقين المتخلفين من رجال ونساء واطفال عندما وقعت المدينة بيد رتل عبد القادر, واطلقت يد الفاتحين ليلعبوا سلباً ونهباً في سائر المناطق المجاورة امتداداً حتى (بنياد) و(ميركة). تدمير (مياندواب) كان نصراً أجوف, ثم استدار عبد القادر إلى (ميركة) وبعد استيلائه عليها, واصل التقدم, ووردت انباء تشير إلى أنه قد اقترب من (تبريز) وهنا كانت نهاية ما بلغته قواته. وفي الوقت الذي اشارت الانباء إلى أن قوات الشيخ (صديق) تهدد مدينة (أرومية) بألف من المقاتلين.
    عززت قواته بانضمام والده إليه بقوات أخرى, وبهذه القوة البالغة ثمانية آلاف شرع الشيخ في إلقاء الحصار على المدينة. طلبت السلطة الفارسية المحلية تمديد الأجل في المفاوضات وقد توسط الدكتور كوچران في الأمر.. واستفادت السلطات الفارسية من التأجيل لتقوية تحكيمات المدينة ودفاعاتها ولسبق علمها بأن رتلاً من القوات الفارسية هو في طريقه لنجدتها, قرر حاكمها (إقبال الدولة) المقاومة. أخيراً عندما اشتبك الفريقان رُدّ الكُرد على اعقابهم بعد أن تكبدوا خسائر جسيمة. هذه النكسة كما يبدو حطمت معنويات قوات الشيخ عبيد الله, إذ سرعان ما دبت فيها الفوضى وبدأت بالتقهقر اشتاتاً متفرقة ووجهتها الجبال.
    بعد فشل ثورة الشيخ عبيد الله النهري حط رحاله بالأخير في استنبول العاصمة وبلغها في شهر تموز 1881م. كان ذلك نتيجة الضغوط الكبيرة التي مارستها الدول الكبرى على الباب العالي. ومن ثم تسلل من العاصمة هارباً بعد قضائه بضعة اشهر وعاد إلى موطنه الجبلي في (نهري). وسايرت الحكومة العثمانية الرأي العام الأوروبي بإرسال قوات عسكرية دعته إلى الاستسلام. فلم يسعه إلا ذلك بعد أن سدت السبل أمامه وانفض عنه اتباعه, فنفي إلى الحجاز وادركته الوفاة بمكة في العام 1883م(24).
     وهناك رأي آخر أن القيصر الروسي لبى دعوة الشاه فحشد الجيش الروسي على الحدود ثم وقع عبيد الله النهري في قبضة القوات التركية وتم ارساله إلى استنبول وعاش بصفة اسير فخري ثم سجن سنة واستطاع الهروب من السجن ثم قبض عليه ونفى مع 100 عائلة إلى المدينة المنورة وتوفى هناك سنة 1888م. أما ابنه عبد القادر وعائلته فقد عاد من المنفى واشترط عليه العثمانيون إلاّ يخرج من استنبول وبقي إلى سنة 1925م ثم ألقت السلطات التركية القبض عليه, حيث أتهمته بترأس جمعية (تعالى كردستان) وحكم عليه بالإعدام, وهكذا فشلت ثورة عبيد الله النهري, ومن اسباب فشل الثورات الكُردية أنها كانت قد حدثت قبل أوانها فالشعب الكُردي لم يكن متهيئاً لهذه الثورات اقتصادياً وسياسياً وثقافياً(25).
    يقول القادة الإيرانيون الذين شاركوا الحرب ضد الشيخ عبيد الله (لهذا الشيخ مريدون ينفذون أوامره دون نقاش, وهم ينتشرون من بايزيد إلى الموصل والسليمانية وكركوك وديار بكر)(26).

المصادر:
1- لوقا زودو. المسألة الكردية والقوميات العنصرية في العراق. دار نشر موسى طانيوس المجبر. شارع البطريرك الحريك. بيروت. ط1. 1969. ص76/77.
2- ارشاك سافراستيان. الكُرد وكُردستان. ترجمة أحمد محمود خليل. دمشق. ط1. 2008. ص87.
3- هوكر طاهر توفيق. الكُرد والمسألة الأرمنية 1877-1920. دار الفارابي. آراس للطباعة والنشر. اربيل. ط1. 2014. ص173.
4- بابا مردوخ روحاني (شيوا). تاريخ مشاهير الكُرد باللغة الفارسية. المجلد2. ط2. منشورات سرش. طهران 1382 هـ شمسي. ص546.
5- المصدر السابق. ص545.
6- تيلي أمين علي. حركة الشيخ عبيد الله النهري في الوثائق البريطانية. الحوار المتمدن. محور دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات. الحلقة الأولى. العدد 3097. 17/8/ 2010.
7- د. وديع جودة. ثورة الشيخ عبيد الله النهري. فصل مستل من كتاب الحركة القومية الكُردية. اصولها وتطورها. ترجمة جرجيس فتح الله. نشره في كتابه. مبحثان على ثورة الشيخ عبيد الله النهري. ص20.
8- محمد أمين زكي. خلاصة تاريخ الكُرد وكُردستان. جزأين. منشورات (سه رده م) السليمانية. 2002. ص167. باللغة الكردية.
9- جليلي جليل. انتفاضة الأكراد1880. ترجمة سيامند سيرتي. رابطة كاوا لمثقفين اليساريين الاكراد. بيروت 1979. ص81
10-                    باسيلي نيكيتين. الكُرد. دراسة سوسيلوجية وتاريخية. تقديم لويس ماسينيون. تقديم: نوري طالباني. دار سبيريز للطباعة والنشر. دهوك. 2008. ص149
11-                    كريس كوجيرا. الكُرد في القرن التاسع عشر والقرن العشرون. ترجمة حمه كريم عارف إلى اللغة الكردية. ط4. اربيل 2007. ص18.
12-                    محمد جميل الرزبياني. مقال(ثورة الشيخ عبيد الله. مجلة المجمع العلمي العراقي. الهيئة الكُردية. المجلد 13. بغداد 1985. مطبعة المجمع. ص324.
13-                    جرجيس فتح الله. مبحثان على هامش ثورة الشيخ عبيد الله النهري. دراسات عن الثورة لثلاثة باحثين. دار آراس للطباعة والنشر. اربيل. ط3. 2010. ص19.
14-                    المصدر السابق. ص20
15-                    المصدر السابق. ص67.
16-                    تيلي أمين علي. حركة الشيخ عبيد الله النهري في الوثائق البريطانية. مصدر سابق.
17-                    جليلي جليل. انتفاضة الكُرد1880. مصدر سابق. ص81.
18-                    م . س لازاريف وآخرون. تاريخ كردستان. ترجمة د. عبدي حاجي. منشورات دار سبيريز للطباعة والنشر في دهوك. مطبعة حجي هاشم. اربيل 2006. ص147.
19-                    جليلي جليل. انتفاضة الكُرد1880. مصدر سابق. ص80.
20-                    جرجيس فتح الله. مبحثان على هامش ثورة الشيخ عبيد الله النهري. مصدر سابق. ص38.
21-                    المصدر السابق. ص39.
22-                    المصدر السابق. ص44.
23-                    لازاريف وآخرون. تاريخ كردستان. مصدر سابق. ص148.
24-                    هوكر طاهر توفيق. الكُرد والمسألة الأرمنية. مصدر سابق. ص179.
25-                    اسماعيل عمر كوباني. ثورة عبيد الله النهري. 1 سبتمبر 2009. منتدى الكوبان نت.
26-                    تيلي أمين علي. حركة الشيخ عبيد الله النهري في الوثائق البريطانية. مصدر سابق.


48
نص (بعد الوداع) ليس نصاً لي
جبار الكواز

صدر للاسواق يوم امس كتاب جديد للاستاذ (محمد جودة العميدي) وهو نصوص مترجمة الى الانكليزية من الشعر الحلي وانتهز هذه المناسبة لتقديم الشكر والاعتزاز الى الصديق الباحث والمترجم العميدي وبعد تصفح الكتاب وجدته قد اختار نصا نسبه لي بعنوان(بعد الوداع) وترجمه الى اللغة الانكليزية مشكوراواود توضيح ما يأتي للتاريخ وتبرئة لذمتي :
1/ ان نص(بعد الوداع) ليس نصا لي .
2/ عند اختيار الاستاذ العميدي النص للترجمة لم يخبرني عنه وعن اسباب اختياره لهذا النص والصاقه بي.
3/اعلن هذا تحسبا من اتهام قد يطالني من قبل صاحب النص الحقيقي.
4/ارجو من الاستاذ العميدي توضيح اسباب ما جرى حقا لانه هو المسؤول المباشر عن الكتاب بوصفه المعد والمترجم لنصوصه.
وعلى الصديق (محمد جودة العميدي) تحري الدقة وسحب الكتاب من التداول لصالح مستقبله مترجما وباحثا واديبا.

49
ناجح المعموري... غواية الأسطورة وسحر الكلام
نبيل عبد الأمير الربيعي

       ناجح المعموري الإنسان المثابر في سياقات عملهُ الإبداعي, فهو أديب ومفكر دؤوب إلى أبعد الحدود, ومن الصعوبة أن يستكين, يبقى على جذوة الإبداع المتوقدة في داخله, ويمتلك المقدرة على استعادة شعلة انفعالاته على تكريس منجزه الإبداعي, وفرت لهُ إمكانية التواجد والمشاركة في غالبية المحافل الأدبية والثقافية المنسجمة مع قناعاته داخل وخارج القطر.
      صدر مؤخراً 2018، عن دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع في دمشق، للكاتب والباحث أحمد الناجي, والكتاب بعنوان (ناجح المعموري... غواية الأسطورة وسحر الكلام) وهو دراسة توثيقية لحياة الأديب والمفكر ناجح حسين المعموري, وزعت الدراسة على ثمان فصول كبيرة, وقد جاء بـ(290) صفحة من القطع الوزيري.
      الكتاب يسرد سيرة أحد أدباء ومفكري العراق المهمين، وهو ناجح المعموري المعموري موسوعة ثقافية ناطقة تمشي بهيئة إنسان على الأرض بين الموروث الشعبي والأدب النقدي والبحوث الميثولوجية كما يصفها الباحث أحمد الناجي. وعلى وجه الإجمال يتميز الكتاب بالمتعة، ما أن يبدأ المرء بقراءته حتى يجد نفسه منشداً للاستمرار, ويعبّر الكاتب بصراحة كاملة عما كان يميز شخصية المعموري من حالة التمرد والسلوك الاقتحامي في المجال السياسي في مقتبل العمر.
     وقد سلط المؤلف أحمد الناجي الضوء على البيئة التي نشأ وسطها ناجح المعموري, الذي منحته خصائصها الثقافية بكل محمولاتها من القيم والعادات والتقاليد والأعراف والهوية الجمعية, ففي ص29 من الكتاب يسلط الناجي على تاريخ المعموري السياسي قائلاً «أن ناجح اختلف مع والده بسبب السياسة, هي منبع الخلاف والاختلاف بينهما, حيث هاجت في اعماق الأب رياح الغضب بسبب (ضلالة) الأبن, حينما اشتط عن رغبة أبيه ولم يحترمها, وصار شيوعياً... وكان ذلك بمقتبل العمر زمن ثورة تموز 1958 التي لامست أحلام الفقراء, منتظماً في صفوف الحزب الشيوعي أواخر سنة 1959م», ثم يعقب الباحث الناجي على دور الأم وما يردده المعموري بما يخص والدته من كلمات في ص33 «اقولها لتاريخ أمي, هي التي أشرفت على تربيتنا مباشرة في غياب والدي الطويل, ومتابعة سلوكنا في القرية من بعيد, تعلمنا منها الكثير, لها علينا فضل ومكارم... توفت بدون متاعب, وما زالت حاضرة فالأم تغيب, لكن حضورها باقٍ».
     في مقتبل العمر استنشق ناجح المعموري انفاس التاريخ القديم من مكان مدرسته الابتدائية القريبة من خرائب بابل, وفي ص38 يذكر المعموري للباحث الناجي قائلاً «هي نفسها البناية المعروفة بين الناس باسم (القصر الألماني) التي انشأتها وشغلتها البعثة الألمانية للتنقيبات في بابل التي اشرف عليها (روبرت كولد فاي) منذُ سنة 1899م حتى اندلاع الحرب العالمية لأولى», كما كان لمعلمه الأول ولمدرسته الدور في وضع المعموري على الطريق الصحيح في مجال الاهتمام بالتشكيل فيقول أن معلمي في الابتدائية مظهر عزاوي السلامي كان «نقطة مضيئة في حياتي لن أنساه أبداً... هو سبب علاقتي مع التشكيل.. ودروسه الثقافية لا تنسى», فصارت المدرسة سبباً رئيساً في تحقيق مشاهداته المتكررة لمعالم بابل الأثرية مما أثرَت على ناجح على شكل تصورات في المخيلة, والانشغال بأسرار الأساطير والحكايات الشعبية التي انتجتها الجماعات المخيلية, مما تناول في هذه المدرسة أول دروس الميثولوجيا, فضلاً عن تأثره بحكايات جدته من الموروث الشعبي.
     وفي ص49 من الكتاب يذكر الباحث أحمد الناجي من خلال مطالعات المعموري للكثيرة من الكتب «أن ناجح صادق بعضاً من الشخصيات التي صادفها بالكتب.. انقاد قلبه التواق نحو دنيا الكلمة.. وأخذ يحث الخطى في سيره نحو عالم ساحر وشيق.. ولكل امرئ من اسمهُ نصيب». فكان لأبن عمته الأستاذ ناظم البكري الدور الكبير في أن يفتح عيني المعموري على القراءة لما وجد من الكتب الموفورة لديه, يذكر الناجي في ص58 قائلاً «كان المعلم والموجه العقلي الذي حادَ به نحو الاهتمام بالثقافة والأدب والفن والفوتغرافيا, ولم يبخل في توجيهه», فكان أول كتاب قرأه المعموري رواية أحسان عبد القدوس «أنا حرة» وهو في الصف السادس الابتدائي, أما الكتاب الثاني الأكبر حجماً فيذكر الناجي في ص19 على لسان المعموري «وأنا أردت ذلك لأنه ينطوي على شيء من المباهاة بالذات, وجدته للمفكر الشيوعي ديمتروف عن الجبهة الوطنية, قرأته من اجل الاطلاع ولم استوعبه جيداً, وكان معقداً».
     واستمرت اطلاعات المعموري على الروايات والكتب, ينهل منها من مكتبة ابن عمته ناظم البكري, فكانت تلك المكتبة روافده التثقيفية وصارت محتوياتها في تناول يده, فضلاً عن دور البكري في علاقته مع المعموري وتأثيره على عشقه للتشكيل, وهو الذي توقع لناجح مستقبلاً مهماً, وهي قراءة نوعية من الاستشراق وقراءة المستقبل, لكن من خلال متابعة سيرة الباحث الأثرولوجي ناجح المعموري نسهب فيما رصدناه ممتعاً ومهماً من سيرة حياة بابلي مهم في المجتمع العراقي.
    وعند قيام ثورة 14 تموز 1958م, قد دفعت ناجح إلى تأييد ثورة الفقراء والكادحين بحماسة شديدة, ومناصرة النظام الجمهوري الذي قام فوق انقاض الملكية, ففي ص74 يذكر الناجي أن المعموري «فقد اتجه في تلك الأثناء إلى العمل السياسي بمحض إرادته, مشدوداً إلى حلمه ومناره اليوتوبي.. منتمياً إلى صفوف الحزب الشيوعي العراقي», كما ذكرنا سابقً, مما أدى إلى اتساع الدروب المضنية لمضاعفة الجهود والشعور بالمسؤولية من خلال العمل في اتحاد الطلبة العام في اعدادية الحلة, لكن انقلاب 8 شباط 1963 وضع ناجح المعموري في اثقل الأيام أمامه, تأخذه المخاوف مما هو آتٍ, يذكر الناجي في كتابه ص76 «وفجأة جاء الخبر من المدرسة وانتشر في القرية, فقد صدر الأمر باعتقال ناجح وصديقه محممد عنبر, تغير الحال وتبدلت الأحوال, بات مطلوباً يخشى مفارز الحرس القومي», لكن بتدخل الأب تنتهي المشكلة, إلا أن عقوبة الأب كانت كبيرة تجاه ولده, مما أثار حنق الوالد لولده بعقاب شديد يتوعده وهو استخدام وسيلة المسدس للأمساك بولده العقوق, ولكن الأيام خففت من الحدث, معلقاً الكاتب الناجي في ص80 «فاح شذى الأبوة, فتنحت المواجهة, وخفقت مناسيب الأحداث, وهو أن عواصف الغضب, وترت نيران الزعل والمعاندة» حيث انكشفت ادخنة انقلاب 1963م عن سماء البلاد, إلا أن تمرد الأبن على الأب كانت سبب في تفتح شخصيته من بذرات محفزة للطاقات الابداعية والقدرات الابتكارية فيما بعد.
     يبقى قلب الأب الكبير خائفاً على ولده من عوائد الزمن في محنته إذ يذكر الباحث الناجي في ص81 بعد انفراط عقد الجبهة عام 1978م «عندما ابتدأت الهجمة الشرسة في نهاية السبعينات على الشيوعيين واستمع من المقهى (الأب) التي يرتادها بأن الشيوعيين يهربون للخارج, سألني: هل تستطيع أن تكون بعثياً, اجبته : كلا, قال لِمَ لا تهرب؟... وشرعت بالتهيوء لذلك ولم استطع لأسباب لا أود التطرق لها الآن».
     يسيح بنا الباحث أحمد الناجي في كتابه حول عذابات المعموري بعد اكمال دراسته الثانوية وقبوله في معهد اعداد المدرسين فرع اللغة الانكليزية في بغداد عام 1963/1964 ليتخرج مدرساً للغة الانكليزية, ففي ص84 يذكر «أن متطلبات السفر والدراسة كانت تكلف العائلة فاتخذ قراراً المعموري بالتقديم للدورة التربوية بالحلة, وكان امدها سنة دراسية واحدة, وبعد تخرجه عُين في لواء الكوت في مقاطعة (البسروكية) معلماً بتاريخ 24 كانون الأول 1964م», عاش ناجح أيام قرية البسروكية سنتين دراسيتين منغمساً بحلوها ومرها ومشاركاً ابناء القرية مناسباتهم الاجتماعية وأفراحهم واحزانهم.
   في الفصل الثاني من الكتاب يأخذنا الباحث أحمد الناجي ليطلعنا على اسباب اهتمامات ناجح المعموري بالموروث الشعبي, وهو اندماج المعموري بالسكان المحليين لقرية البسروكية, ففي ص 90 يذكر قائلاً «فتسير علاقته بالمحبة.. فأخذ يستجمع بوعيه حشداً هائلاً من المعطيات الاجتماعية.. وجدَ بأن عناصر الثقافة الاجتماعية تتشابه إلى حد كبير في الريف عامة, وهي الاكثر دنواً نحو جذوره, فكانت تمس ما هو ساكن في روحه, لأنها الأقرب إلى المفردات التي صاغت ثقافته الأولى في قريته عنانة», ومن تراثهم وعقائدهم وحكاويهم وفضائلهم ومأثوراتهم الشعبية وطقوسهم وموروثاتهم الثقافية كالأمثال الشعبية والأبوذيات والدارميات وأغاني الأطفال والعابهم في الريف, تولدت في المعموري الرغبة في التدوين, وخاصة عثوره على رجل اربعيني يدعى «كمبر» فهو فهيم بكل ما يتصل بشؤون العشائر, وخلال الخمسينات كان نديماً لأمير ربيعة, ولأنه يمتلك حافظة وكماً هائلاً من الموروثات الشعبية, ومقدرة بارعة في فهم معاني كلمات الأبوذية واستيعاب دلالات أحداثها واجادة غنائها, مما هيأت لناجح فرصة مناسبة للاشتغال على الموروثات الشعبية.
     وقد نشر المعموري عدة دراسات حول الموروث الشعبي في مجلة التراث الشعبي, كما مكنته من كتابة نصوصه القصصية, وأن يكتب مخطوطة في «الأمثال الشعبية» مطلع سبعينات القرن الماضي, ومخطوطة ثانية بعنوان «الحيوان في الفلكلور العراقي» والثالثة بعنوان «الألعاب الشعبية في الحلة».
    أما الفصل الثالث من الكتاب فقد تضمن الأشتغالات الأدبية وما كتبه ناجح المعموري في مجال الشعر الشعبي, وكان يراسل المعموري «كل شيء» وهي جريدة غير سياسية اسبوعية, صدرت في بغداد منتصف الستينات, ويذكر الناجي في ص97 قائلاً «ثم تناول ناجح الفن القصصي منها  قصة بعنوان «سكران» نشرت له أواخر سنة 1964م في ملحق الجمهورية الاسبوعي», وهو توثيق لأول باكورة اجازاته القصصية المنشورة, ثم طبعت مجموعته القصصية الأولى «اغنية في قاع ضيق» عام 1969م واحتوت على ثمان قصص قصيرة, وهي محاولة أولى وضعته على الطريق الأدبي الواقعي بسبب التزامه اليساري التقدمي, ويمكن القول أن السرد بالنسبة إلى ناجح لعبة ليمتلك ادواتها الفنية.
    يذكر الباحث أحمد الناجي في ص102 من الكتاب «لأن ناجح المعموري كان واحداً من الأدباء الذين استجاب لنداء ادباء الموصل», وهم جماعة ادبية أسست في الموصل سنة 1969م اطلقت على نفسها «جماعة اصدقاء القصة في الموصل 1969) وتعرف اختصاراً «جماعة قصص 69», وضمت عددداً من الأدباء من ابرزهم : يوسف الصائغ وحسب الله يحيى وعبد الستار الناصر وغيرهم, وقد وجد لناجح نتاجاً قصصياً منشوراً في اصدارات تلك الجماعة.
     كما يذكر الباحث الناجي في ص106 من كتابه أن الأديب ناجح المعموري قد رشح لانتخابات نقابة المعلمين سنة 1969م ضمن قائمة المهنية التقدمية «فكان قريباً من الشيوعيين وانشطتهم», وذلك الترشيح له قصة ذكرها الناجي في كتابه, إلا أن المعموري ظل يحمل الفكر الماركسي بين جوانحه رغم انقطاعه عن التنظيم, وذلك ما جعله يعاود مطلع السبعينات اتصاله بالتنظيم وتحديداً خلال سنة 1972م, ومكنته مؤهلاته على الانخراط بالعمل في المكتب الصحفي على نطاق محلية بابل ومنطقة الفرات الأوسط. كما ساهم ناجح المعموري بالعمل على مراجعة القصص القصيرة المرسلة لجريدة طريق الشعب/ الثقافي, كما كان يكتب في الجريدة باسمين مستعارين هما «برهان الطويل» و«أمير عبد الرضا». كما ساهم بكتابة العمود الصحفي بعد عام 2003 في جريدة الجنائن الحلية بعنوان («اجراس الجنائن).
    في منتصف السبعينات اقتحم ناج المعموري الكتابة في مجال الرواية, وكانت روايته الأولى «النهر» سنة 1978م عن وزارة الثقافة العراقية, يذكر الناجي في ص116 حول الرواية «فاض النهر لما امتزج صوت ناجح بصوت الناس, كبر فضاء السرد, وأنفصمت الأيام عن صدور روايته الأولى «النهر».. مثلّت باكورة ناجح الروائية, تجربة جمع فيها تأهلاته وتصوراته وافكاره وقدراته». وكانت روايته الثانية «شرق السدة.. شرق البصرة» من منشورات وزارة الثقافة العراقية سنة 1984م, أما روايته الثالثة فهي بعنوان («مدينة البحر) وصدرت عن وزارة الثقافة العراقية سنة 1989م وفازت هذه الرواية بالجائزة التقديرية لمسابقة الفاو الكبرى عام 1988م. ومن الروايات المخطوطة رواية «العشب» سنة 1982م, ورواية «صباح الخير ايها الصباح» سنة 1985م, وأعد المعموري مجموعة قصصية تحت عنوان «لعبة القرون» انجزه سنة 1997.
   أما الفصل الرابع من الكتاب يتضمن الارهاصات الأولى لتوظيف الأسطورة للمعموري, وصار ناجح يهتم بالموروثات الشعبية ودخلت صلب كتاباته لفترة ممتدة منذُ اواخر الستينات حتى الآن, وهي التي اسهمت في التعميق اهتمامه بالاسطورة في السنوات اللاحقة, يؤكد الباحث أحمد الناجي في ص133 أن «توهجات منحى توظيف الموروثات في منجزه السردي بوقت مبكر, مبتدأ بقراءة الموروثات الشعبية, ومن ثم تطور اهتمامه بجذورها إلى أن وصل إلى ما هو اعمق منها, ألا وهو الاسطورة, حيث وظفها بشكل وآخر في النصوص القصصية والروائية», فلا بد على الباحث في هذا المجال من امتلاك ادوات تمكنه من تحقيق غايته مما دفع ناجح إلى العناية بالأسطورة والاستعانة بها مروراً باجواء منابعه الريفية والبحث عن الموروثات التراثية, وامتلاكه للمؤهلات الثقافية, قاطعاً اشواطاً طويلة خلال استبنائها على امتداد كل هذه السنوات, واستثماره الفكر الاسطوري في تناول مجريات الواقع المعاصر بمهارة فنية حول المحور الاسطوري, ومطمحهُ من ذلك كله ينصب على معالجة قضاياه الحاضرة برؤية جديدة, فضلاً عن انه كان مهووساً بأسطورة «أتانا» وهو إله مبتكر وغير موجود, وقد استثمر المعموري في قصته «لعنة الإله أتانا» المنشورة عام 1989م, اسم في العنوان هو اول عتبات النص تتوضح القصدية للقارئ, وكشف المحنة التي تمر بها قرية عنانا القريبة من آثار وشواهد بابل, وهي بالتالي أتانا محرفة.
    كما قام ناجح في قصته الموسومة «ابنة المحار وزبد البحار» المنشورة عام 1992م بتوظيف الفكر الاسطوري بتخليق جديد للاسطورة والذي يتناول ثيمة التفرد بالسلطة, وتبيان ألاعيب الحاكم الدكتاتوري في حكمه الفردي, ويذكر الناجي في كتابه ص144 حول قصة «لعبة القرون» المنشورة في مجلة اسفار العدد 19/20 بتاريخ 1995 قائلاً «وفرت فسحة لترصد انجذابه نحو استثمار المتون الاسطورية.. فيسعى إلى استثمار بعض الرموز الاسطورية في متنها الحكائي», القصة دونت فيها سيرة وافعال الآلهة وتأثيراتها على نمط الحياة.
    أما الفصل الخامس فهو يدور حول التكوين الميثولوجي وغوايته واهتمامه بملحمة كلكامش وقد قدم ناجح المعموري محاضرته عن الملحمة في كاليري الفينيق في عمان عام 1999م, وكانت الصحافة الاردنية تنشر تغطية عن المحاضرة بنحو من الافاضة, وتلك المحاضرة فتحت لناجح فرصة جديدة للعمل في عمان.
   أما الفصل «السادس والسابع والثامن» تتضمن مجال الاشتغال النقدي والميثولوجي والفكري, فقد توضحت معارف المعموري المتزايدة مع تتالي السنوات وتوسعت على نحو موازٍ لمساحة التراكمات المعرفية المتنوعة, فضلاً عن خلفيته الثقافية وروافده الفكرية وضمن خاصياته البحثية وسط عوالم الاسطورة التي يصعب الامساك بخيوطها إلا أن منجزات المعموري البحثية تأتي في طليعة الدراسات العربية الحديثة التي عنيت بناحية التشابك القائم بين ميثولوجيات الشرق.
     



50
الديمقراطية في العراق تحت قانون انتخابي مجحف
نبيل عبد الأمير الربيعي
 
     منذُ أن أقدم مجلس الحكم الانتقالي بعد سقوط النظام السابق عام 2003م, لمناقشة كيفية إجراء انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة وعادلة في العراق ولغاية هذه اللحظة, لم نجد أن القانون الذي وضعته اللجنة المكلفة من قبل الأمم المتحدة لوضع الخطوط العامة, وصادقت عليه أغلب الكتل الكبيرة لم يلبي الطموح للفرد العراقي.
    القانون الحالي للإنتخابات وطريقة اجرائها في العراق لا يعد عادلاً, من خلال متابعة نتائج الانتخابات لزهاء (13) عاماً, إنما يتبع هذا القانون آلية ديمقراطية فقط تعتمد على أكثرية الأصوات دون الأخذ بنظر الأعتبار جوانب العدالة والديمقراطية. لمطالبة قادة القوائم والكتل الكبيرة المتنفذة التي أيدت وطالبت بالإبقاء عليه.
     قانون الانتخابات الحالي يعتبر المحافظة دائرة انتخابية واحدة, ومن خلال هذا القانون يتم صعود اشخاص ليست لهم أية دراية سياسية أو مكانة اجتماعية, وقد حصلوا على أصوات ضئيلة لكنهم فازوا بفضل المتنفذين في القائمة من الذين حصلوا على اصوات كبيرة ساهمت بصعود من لم يحصل على اصوات قد لم تتجاوز 150 صوت.
    المواطن العراقي يتطلع لقانون انتخابي عادل يقسم المحافظة لعدة دوائر حسب أعدد من يحق لهم التصويت في الانتخابات, ومن خلاله ينتخب عضو البرلمان الذي يمثل منطقته ومن ثم محاسبته على الاهمال والتقصير في واجباته تجاه برنامجه الانتخابي الذي اعلنه لخوض الانتخابات, وهذا ما لمسناه في اغلبية الدول الديمقراطية, ولو كان القانون الانتخابي الحالي يقسم المحافظة إلى عدة دوائر انتخابية صغيرة مما يقلل الاحتقان والنفوذ العشائري والطائفي, ويجعل احقية التنافس أقرب للعدالة.
      لكن قانون الانتخابات الحالي لاعتبار المحافظة دائرة انتخابية واحدة ولعموم المحافظة جعل من المتعذر فوز شخص بمفرده مهما كانت مكانته الاجتماعية والسياسة, حتى وأن حظي بتأييد كبير من قبل المؤيدين لبرنامجه الانتخابي, ومثال ذلك ما حصل للناشط المدني جاسم الحلفي في انتخابات عام 2014م, إذ حصل على 17000 صوت ولم يفوز, بينما مرشح آخر  ضمن قائمة كبيرة حصل على 150 صوت وبفضل قائمته وصل إلى البرلمان.
    لذلك ندعو من خلال هذا الاجحاف بحق الناخب إلى الدعوة لقانون انتخابي يقسم المحافظة إلى عدة دوائر انتخابية وليست دائرة انتخابية واحدة, ليتمكن الناخب من تحديد المرشح الذي يجد في برنامجه الانتخابي ما يلبي طموح أبناء محافظته لتقديم الخدمات, وتمكنه من محاسبة المرشح في حال تقصيره أو اهماله لواجباته عند عدم تطبيق البرنامج من خلال متابعة الناخبين لممثليهم بمكاتبهم المتواجدة في مناطقهم, لأن الناخب يعتبر صاحب الفضل على المرشح الفائز لأنه هو الذي أوصله إلى قبة البرلمان.
   بينما النظام الانتخابي لدائرة واحدة لعموم المحافظة نجد من خلاله أن النائب الفائز لا يجد من يحاسبه لتقصيره ولا يشعر بأية مسؤولية تجاه عدم تطبيق برنامجه الانتخابي, فضلاً عن عدم تمتعه باستقلالية اتخاذ القرار حول المشاريع المرشحة للتصويت عليها تحت قبة البرلمان بسبب سيطرة رؤساء الكتل على قراراتهم واختياراتهم وهم من يتحكمون بمصيرهم, وهذا لا يمثل تبني العدالة والديمقراطية وفق هذا القانون.

51

المفكر الماركسي كريم مروة في محلية بابل للحزب الشيوعي العراقي
نبيل عبد الأمير الربيعي
استضافت محلية بابل للحزب الشيوعي العراقي يوم السبت 30/6/2018 المفكر الماركسي اللبناني (كريم مروة) للحديث عن (المنطقة العربية بين الواقع والتحديات) أدار الجلسة الكاتب نبيل الربيعي.
كريم مروة من مواليد جبل عامل في لبنان عام (1930م) ويعد من ابرز مفكري الحزب الشيوعي اللبناني. له تأريخ نضالي في بغداد اثناء دراسته، حيث ساهم في وثبة كانون 1948 ضد معاهدة بورتسموث, وانتسب الى الحزب الشيوعي العراقي في العام نفسه, ويتذكر مروة نضاله في الحزب الشيوعي العراقي قائلاً: (شكلت في الاعدادية المركزية في بغداد اول خلية تنظيمية, وكنا ندير اجتماعاتنا في دار السياسي كامل الجادرجي, من خلال انتماء ابنه باسل الى الحزب, وبقي هذا السر حتى عام 2017, عندما كشفته لنصير الجادرجي ومن خلال مقال لي, كما كانت لي علاقات تنظيمية مع الدكتور محمد عبد اللطيف مطلب),
وفي محاضرته سلط الضوء على الصراع الفلسطيني الاسرائيلي, وكان له رأي في ذلك قائلاً (تتحمل الجيوش العربية عام 1948 ما حدث في فلسطين في ذلك الوقت), كما كان من المؤيدين لقرار الأمم المتحدة حول تقسيم فلسطين إلى دولتين ولو قبلت الانظمة العربية ذلك القرار لما وصلت القضية الفلسطينية الى ما وصلت اليه اليوم.
وركز على واقع التحديات التي تمر بها المنطقة العربية قائلاً (انني أرى أن مفتاح التغيير في المنطقة العربية هو العراق), مستنداً الى موقع العراق الجغرافي والتاريخي القديم, وهو من المتابعين الجيدين لما جرى ويجري في المنطقة العربية, وكان صريحاً في طرح رأيه المؤيد لتحالف الحزب الشيوعي الأخير مع "سائرون", وهو يردد كلمته ونصيحته لقادة الحزب الشيوعي قائلاُ (كنت في لقاء مع قيادة الحزب الشيوعي العراقي وقلت لهم فكروا جدياً وبمسؤولية وبواقعية, لإخراج العراق بالكامل إلى الخلاص, فتشوا بمحاولات جدية للخروج التدريجي الذي يتصف بالحكمة, فتشوا عن القوى التي تساهم في إخراج العراق تدريجياً مما هو فيه, والحكمة مع الحذر هو الاتفاق الذي جرى مؤخرا مع تحالف سائرون).
كانت اطروحة المفكر مروة مقاربة لطروحات الحزب الشيوعي العراقي حول تحالفه الأخير مع سائرون, ويضرب مروة مثلاً ماركسياً مذكراَ برسالة ماركس التي ارسلها إلى الحزب الشيوعي الألماني " ( التقدم إلى الأمام يستند إلى قراءة الواقع), إن السياسة تحمل جزءاً من المخاطر ولا سيما إذا كانت الوقائع صعبة كما هو في العراق, وقيادة الحزب تدرس بعناية جيدة الواقع العراقي بانه إذا استمر الوضع كما هو عليه فقد تقع حرب أهلية", ويؤكد مروة حول واقع العراق الحالي قائلاً "لابد من تسوية مدروسة مع القوى المرتبطة بالإسلام السياسي, فقراءة التاريخ قابلة للنقد", اما حول واقع سوريا ومصر وليبيا واليمن وما مرت به من حروب وثورات وكوارث عسكرية, فيعقب مروة قائلاً "من أخطار الثورة تسلم الإسلام السياسي في مصر وكذلك ليبيا السلطة وهذه مأساة", لكن مروة يؤكد على "دور الثورة وقيادة الجماهير لها لغرض التغيير" .
بعد ذلك نظمت له المحلية زيارة لآثار بابل حيث اطلع على المعالم الاثرية في مدينة بابل الاثرية وقال "كان لي حلم أن تتحقق زيارتي آثار بابل وقد تحقق هذا الحلم بزيارتي هذه".
اما عن محبته العراق فقد قال: "أنا عراقي الهوى, والعراق وطني الثاني".

52
المهجرون قسراً.. نظرة في كتاب (بلا رحمة) للدكتورة هناء سلمان
د. عبد الرضا عوض
إذا كانت مهمة القوانين الوضعية في المجتمع حماية الحريات والحقوق ، فأنها كذلك تساهم أيضاً في استقرار الحياة الاجتماعية والشروع باتجاه الحياة المدنية، وفي العراق اصبحت القوانين المشرعة وفق مزاج الحاكم المستبد مصدراً من مصادر القلق والأسلحة التي تستغلها السلطات في ترويع المواطن وإشهارها بوجهه دون سبب مبرر وفي أي وقت شاء مما جعل حياة المواطن قلقة ومستقبلهُ غامض وأيامه ممتلئة بالهواجس، في إجراءات غير عادلة وتطبيقات متطرفة وظالمة، بالإضافة إلى تعديها على مبدأ المساواة والحقوق والواجبات والحريات التي تعرضت لها الدساتير العراقية، ضمن أبواب الحقوق المدنية والسياسية.
ما استنهض ذاكرتي هو قراءتي المتأنية لإنجاز الأخت الفاضلة هناء جعفر سلمان (بلا رحمة)، تلك السيدة التي عاشت احداث تلك الأيام السود بكل حواسها التي تبقى وصمة عار في جبين المجتمع الدولي، حينما تذكر الأمم المتحدة ويخبروها ان مشكلتهم ليست على قائمة اهتماماتهم..!!، أي وحشية نعيشها مما يجعلنا ندرك أن السلطات التي مرت في تأريخ العراق الحديث تعكزت على قوانين ونصوص لم يتم استعمالها وتطبيقها على غيرهم، فهذه النصوص كان يراد لها أن تكون السيف الحاد الذي يمكن أن يذبحهم أو على الأقل يفتت تواجدهم وجمعهم في أي زمان تريده وتختار توقيته، تلك السلطات التي تعاقبت على حكم العراق عقاباً لهم على مواقفهم الوطنية المشرفّة.
في عهد صدام صدر القرار السيء الصيت عن مجلس قيادة الثورة المنحل يحمل الرقم (180) في 3 شباط 1980 والذي عُدَّ بموجبه بعض العشائر والبيوتات العراقية غير عربية حتى لو ثبت أنها تسكن العراق منذ عهوده السحيقة، اعتبرها من الأجانب مسمياً تلك العشائر بــ (التبعية الإيرانية) وهي عراقية وعريقة في سكنها العراق، وهذه العشائر واكبت الزمن العراقي وتقلب الحكومات التي تعاقبت على الحكم ، ومع معرفة السلطات أن هذه العشائر مستقرة في العراق منذ الزمن القديم ، ويقيناً أنها موجودة قبل صدور قوانين الجنسية العراقية وتعديلاتها ، وأن الوثائق العراقية سواء منها في العهد العثماني أو الملكي بعد الاحتلال تثبت ذلك ، مما يوجب ان يتم اعتبار منطوق المواطنة العراقية منطبقاً عليها ، ووفق معيار الدولة العصرية الحديثة في العصر الراهن ووفقاً للعلاقة القانونية والسياسية مع الدولة ، فإن مواطنتهم لا التباس قانوني فيها فضلاً عن مراعاة القيم الاخلاقية والإنسانية ، فهم لم يعرفوا غير العراق وطناً وأرضاً يقيمون عليها ويتملكون فيها وكان لهم قبل التهجير حقوق ثابتة ويحميهم الدستور العراقي الذي ركلته السلطة البائدة بالأقدام .
 فجريمة التهجير أو الترحيل جريمة بشعة دأب على ارتكابها أغلب الحكام الذين حكموا العراق في العصر الحديث بعد إنشاء الدولة العراقية بكيانها الحالي، بدءاً من حكومة عبد المحسن السعدون الذي قام بتهجير مجموعة من العلماء الكبار الذين وقفوا بوجه الاستعمار البريطاني وعملائه، وانتهاءً بأتعس حاكم حكم العراق ـ صدام ـ حيث باشروا وبكل حقد وشراسة بتنفيذ عملية الإبعاد القسري للمواطنين العراقيين انتقاماً كما قال في خطبته ثأراً لدم (فريال) التي سقطت وفق سيناريو اعدته ونفذته دوائر المخابرات العراقية، ودعم ارادته بحجج وادعاءات واهية، منها أنهم من أصول فارسية، مبطنة بأحقاد طائفية ونزعات عنصرية غير إنسانية، فسبب ذلك تشريد مئات الآف من العراقيين وتجريدهم من أموالهم وممتلكاتهم ومن أبنائهم ـ الشباب خصوصاً ـ دون رادع من خوف ولا وازع من ضمير، توج نظام البعث أشرس هذه الحملات في عام 1980م قبيل الحرب المشؤومة ثم صدرت لاحقا قرارات بهذا الشأن نورد منها برقية وزارة الداخلية ـ لنظام صدام ـ المرقمة (2884) في (10/4/1980)
((تبدأ: لوحظ وقوع أخطاء والتباسات عديدة من قبل أجهزتكم في التسفيرات وتحديد المشمولين بها والمستثنين من التسفير، توضيحا للتعليمات السابقة، أدناه الضوابط التي يجب العمل بموجبها في هذا الشأن:
1-     يسفر جميع الإيرانيين الموجودين في القطر وغير الحاصلين على الجنسية العراقية وكذلك بمعاملات التجنس أيضا ممن لم يبت بأمرهم.
2-     عند ظهور عائلة البعض منها حاصلين على شهادة الجنسية تشملهم الضوابط، إلا إن البعض الآخر مشمولين، فيعتمد مبدأ (وحدة العائلة خلف الحدود!!) مع سحب الوثائق، أي الجنسية إن وجدت، والاحتفاظ بها لديكم ومن ثم إرسالها إلى الوزارة مع تزويد الوزارة بقوائم المشمولين بقرارنا هذا؛ ليتسنى لنا إسقاط الجنسية عنهم .
3-     يجري تسفير البعض خاصة العوائل عن طريق القومسيرية، وفي حال عدم استلامهم يجري تسفيرهم من مناطق الحدود الاعتيادية. الاستثناءات:
أولاً: العسكريين على مختلف الرتب يسلمون إلى الانضباط العسكري في بغداد للتصرف بهم من قبلها وحسب التعليمات المبلغة إليها.
ثانياً: عدم تسفير الشباب المشمولين بالتسفير المقيمين في القطر وتزود هذه الوزارة بقوائم تتضمن هوياتهم الكاملة وأعمالهم
ثالثاً: النساء الإيرانيات المتزوجات من أشخاص عراقيين ترسل قوائم بأسمائهن إلى الوزارة.
رابعًا: عدم تسفير الشباب المشمولين بالتسفير الذين أعمارهم من 18- 28 سنة والاحتفاظ بهم في مواقف المحافظات إلى إشعار آخر .
خامساً: يستثنى من التسفير الأرمن الإيرانيين المقيمين في القطر وتزود هذه الوزارة بقوائم تتضمن هوياتهم الكاملة وأعمالهم.
سادساً: لا يشمل التسفير اللاجئين السياسيين الإيرانيين.
سابعاً: يستثنى العرب العربستانيين المقيمين في القطر من التسفير.
ثامناً: عند ظهور أية حالة من غير الواردة أعلاه إعلامنا هاتفيا قبل البت فيها.
نؤكد امرنا في فتح النار على من يحاول العودة إلى الأراضي العراقية من المسفرين!!.
                                                                     وزير الداخلية
وإذا ما تمعنا في هذا البيان نرى ان الحقد منصب باتجاه واحد ، فمبدأ (وحدة العائلة خلف الحدود) هذه أنموذج بشع لإمضاء المزاج والهوى والحقد الدفين في تقدير مصائر الناس؛ فبأي سنة من سنن البشر، وشريعة من شرائع السماء، وبأي اعتبار من اعتبارات الأديان، إن كانوا يعتقدون بأي دين سماوي، أن يقرر صدام وأزلامه في حال ظهور عائلة البعض منها حاصل على شهادة الجنسية، تشملهم الضوابط إلا إن البعض الآخر غير مشمول فيعتمد بالعمل وفق هذا المبدأ، أي: كل العائلة ترمى خلف الحدود مع سحب الوثائق كالجنسية والجواز والشهادات الجامعية، وأي وثائق مكتوبة تؤيد بأحقية هذا الإنسان في العيش على الأرض العراقية؟! .
وحينما قرر الوزير حجز الشباب والملتحقين بوحداتهم العسكرية في السجون والمعتقلات تقرر مسبقاً ان تتم تصفيتهم وفعلاً تم ذلك أما بإعدامهم أو بسوقهم للخطوط الامامية وتفجير الألغام.
وقد ميز البيان بين الأرمن والعربستانيين الإيرانيين ، وخص التسفير المسلمين الشيعة ، وهذا مؤشر على طائفية النظام الحاقد.
المشكلة لا تكمن في كيفية معرفة الحق والحقوق ، فلهذه المسألة عدة طرق وأساليب للمعرفة والاقتناع ، المشكلة تكمن في إنكار الإنسان للحق ، والتنكر للحقيقة بالرغم من وضوحها وسهولة اكتشافها ، وفي هذا الزمن المرير ينبري من يصر على إنكار الحق والحقيقة ويساهم في تغطيتها وتبرير الجرائم المرتكبة بحقها وفق تبريرات واهية ، ولطالما وقع الناس في حيرة مما حصل منها التقليل من مشكلة المسفرين وتهميش تضحياتهم والتشكيك في انتسابهم وارتباطهم التاريخي الى هذا الوطن ثم التشكيك في تراثهم القومي وحقيقتهم ، ولطالما تم التقليل من مأساتهم ومعاناتهم ومحاولة تبرير الأفعال التعسفية المرتكبة بحقهم بقصد تضييع حقوقهم.
ومن المفارقات التي لا تفسير لها ان يكون نصف قادة العراق آنذاك من بين صفوف الكرد الفيليين أمثال: سمير الشيخلي ومزبان خضر وطه الجزراوي ، فلماذا لم يشملهم القرار؟؟؟.فراحت تمارس تلك الجهات أساليب أخرى من خلال خلق مزاعم وادعاءات زائفة تطعن في عراقيتهم وعلاقتهم بالتراب العراقي ، وتصويرها على انها حقيقة قائمة ، القصد منها وبالنتيجة إحداث شرخ عميق في صميم المكونات الإنسانية في العراق ، من خلال تحجيمهم وعزلهم عن أبناء جلدتهم ، او هي بالحقيقة محاولة إلصاقهم بالأحزاب الدينية لكونهم من أتباع المذهب الشيعي الإمامي ، أو احتسابهم على حركة سياسية معينة ، لكونهم شكلوا على الدوام عنصراً مهماً من عناصر معارضة السلطات الدكتاتورية في العراق ، متناسين عطاؤهم الذي كان لكل الحركة الوطنية دون تحديد ، ولكل العراق دون أن يقفوا مع قومية محددة معينة .
ومن بين أهم الحقائق التي تتجسد عملياً في العراق وجود عدة قوميات متآخية ومتعايشة ومنسجمة ، ولكل قومية منها حقوق وواجبات ، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نقّر أو نقبل ونسلم بسيطرة قومية على أخرى ، فلكل قومية كرامتها ، ولكل قومية خصوصيتها ، والمنطق يقضي ان كل قومية منها لها تأريخها وحقوقها ، وأن للقومية الأخرى مثل تلك الحقوق ، وتداول العرب والمسلمين مقولة أن (تحب لأخيك ما تحب لنفسك) ، ووفق هذا السياق فأن إهدار الحقوق ومنع المحاكم من النظر في القضايا التي تخص الجنسية والتعسف في التطبيقات القانونية ، وقضايا التسفير الهمجي الظالم والجمعي ، وسلب الحقوق ومصادرتها التي طالت شرائح عديدة من العراقيين ، ولعل من اكبرها واهمها شريحة الكرد الفيلية.
ولم تأخذ محنة المسفرون قسرا حجمها الطبيعي في الإعلام العراقي أو الدولي ، فقد تعرضت عملية التسفير إلى حالة اللامبالاة دولياً ، والتعتيم التام شبه التام محلياً، وتمكن السلطة حينها إلى رش الرماد في عيون العديد من الجهات لتصوير هؤلاء وكأنهم أجانب أقتضت الظروف السياسية في العراق أن يعودوا إلى بلادهم ، وروجت للمسألة وكأنها ترتيب لحماية وضع البيت الوطني ، وحماية العراق من الدخلاء والمقيمين بشكل غير شرعي وقانوني ، وعملية تزوير التأريخ ليس غريباً على تلك السلطة التي شرعت تدعو لإعادة كتابة التأريخ وفق رغبتها وغاياتها ، ومع كل هذا التزوير والتزييف ، فقد سقطت سلطة صدام فاضحة نفسها ، حين تصدت في عمليات تهجير كبيرة صاحبتها عمليات احتجاز وتعذيب ونفي مواطنون عراقيون يملكون السندات الرسمية التي تثبت عراقيتهم ، وصاحب ذلك القيام بمصادرة للأموال والعقارات لا أساس لها من القانون ولا سند لها من الشرعية ، اعتقاداً من السلطة انها انتصرت على الحق ، وانتقمت منهم شر انتقام .
إن ما قامت به الدكتورة الفاضلة هناء سلمان من سرد وتدوين ما حل بها وبأسرتها ومن شملهم التسفير القسري ليُعد وثيقة ادانة تاريخية لتصرقات حكومة البعث ، وأرشفت للذاكرة الانسانية سيرة الطغاة والمتجبرين.

53
الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي آخر المراجع العلمية العليا في الحلة.. حياته وآراءه الفقهية (ت951هـ- 1544م)
نبيل عبد الأمير الربيعي
     صدر عن دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة كتابي الموسوم (الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي آخر المراجع العلمية العليا في الحلة.. حياته وآراءه الفقهية (ت951هـ- 1544م) ), يحتوي الكتاب على 285 صفحة من الحجم الوزيري, الكتاب يوثق حياة الشيخ إبراهيم القطيفي آخر علماء الحوزة العلمية في مدينة الحلة, ه>ا الشيخ ال>ي أهمل بقصد وتعمد من قبل اغلب العلماء الشيعة بسبب توجهاته وآراءه الفقهية التي تخالف آراء علماء القرن العاشر الهجري وعلى رأسهم المحقق الشيخ (علي عبد العال الكركي) أبان حكم الدولة الصفوية في إيران,
       كانت هجرة العلماء العرب من لبنان والعراق والبحرين إلى إيران في بدايات أيام العلامة الحلي، وفيما بعد أيام المحقق الكركي، ولم يصبح التشيع المذهب الحاكم على مستوى كل البلاد إلا بعد أكثر من تسعة قرون من بداية الإسلام. وهكذا الحال عندما يتحدث البعض وهم غير الواعين ضمن خلفية متعصبة، ناعياً على شيعة القطيف أو الإحساء ارتباطهم بعلمائهم ومرجعياتهم، نامياً ذلك إلى أن أصولهم المذهبية جاءت من إيران، فإنه يتجاوز الكثير من الحقائق التاريخية التي تشير إلى أن منطقة القطيف والإحساء والبحرين  دخلها الإسلام في السنة السادسة للهجرة، وتولى عليها في الغالب ولاة كانوا على خط منسجم مع أهل البيت عليهم السلام، ولذلك ظل هذا الاتجاه هو الاتجاه السائد منذ ذلك التاريخ حتى يومنا هذا بالرغم من تعرضها لضغوط مختلفة.
      وكان من الطبيعي أن تشهد فترات التاريخ لهذه المنطقة والمجتمع بروز علماء وفقهاء، كان من ألمعهم الشيخ إبراهيم بن سليمان المعروف بين العلماء بـ«الفاضل القطيفي». ولقبه «الفاضل» الذي عرف به في الكتب الفقهية، يشير إلى منزلته العلمية، وبهذا اللقب ذكره الحر العاملي فقال «عالم فاضل فقيه»والمحدث البحراني عندما يتكلم عن الشيخ القطيفي يصفه بالإمام الفقيه الفاضل المحقق المدقق. كما استشهد بكلماته بعنوان الفاضل القطيفي وناقشها الشيخ مرتضى الأنصاري في كتابه المكاسب في أكثر من موضع.
       إن بروز هذا العالم الجليل ليشير إلى وجود حالة علمية في منطقته تدعو إلى المعرفة، ومستوى من الفكر يتسلقه المتعلم حتى يصل إلى أعلى الدرجات، وليس طبيعياً أبداً أن ينبغ شخص بهذا المستوى العلمي من دون أن يكون في محيطه الذي يعيش فيه حالة علمية داعية إلى ذلك.
       وبالرغم من أننا لا نجد في كتب التراجم تفاصيل دراسته ومدرسيّه في القطيف، سوى ما يذكر من أنه درس في أوائل عمره على يد والده في القطيف، ثم غادرها إلى النجف والحلة في العراق ليستقر فيها إلى آخر حياته.
       ولا يكاد يذكر الفاضل القطيفي إلا ويذكر معه المحقق الشيخ علي عبد العال الكَركَي، وذلك لأنهما كادا أن يكونا ممثلين لخطين متوازيين في ما يرتبط بالتعامل مع السلطات الزمنية في زمان الغيبة. وربما نجد آثار هذين المنهجين ـ كلاًّ أو بعضاً ـ في هذه الأزمنة لدى بعض الفقهاء موجودة, ولم تخل العلاقة بينهما والجدل الدائر في المسائل المختلفة من حِدَة لفظ، يلحظ في كتاباتهما، وزاد الأمر شدة «تعصباً» من جاء بعدهما لأحد الطرفين بالغض من شأن منافسه أو معاصره.
      فليكن لنا تقديم وتمهيد يشرح بشكل إجمالي الأوضاع التي عاش فيها كلا الفقيهين، وأنتجت اختلافاً بينهما في عدد من المسائل المرتبطة بالعلاقة مع الدولة والسلطة. فبعد تحول صفي الدين الأردبيلي من طريقته الصوفية إلى التشيع، وقيام خلفائه فيها بتأسيس نواة سيطرت بالتدريج على إيران، ومجيء الشاه إسماعيل وحكمه لمناطق إيران «گيلان وفارس» من سنة (906 إلى 930) هجرية ثم هزيمته أمام الأتراك العثمانيين في معركة جالديران، جاء إلى الحكم الشاه طهماسب الذي كان صغير السن، ولكنه تميز مع شبابه بالذكاء والقدرة واستطاع أن يهادن أعداءه في البداية لكي يبني إيران داخليا ثم استطاع استعادة ما فقدَ من الأراضي، بل أحدث نهضة علمية مهمة في إيران، وقد ساعده على ذلك طول مدة حكمه التي استمرت 54 سنة (930 هـ/ 984هـ) ، وأيضا استقدامه لأكابر العلماء الشيعة من مختلف المناطق.
      فبعد أن استقر إعلان التشيع في إيران باعتباره مذهب الدولة الرسمي، بعث الشاه طهماسب إلى عدد من علماء الشيعة في لبنان والعراق والبحرين وأرسل لهم الهدايا، لكي يأتوا إلى إيران، ويبثوا علومهم. لقيت دعوة الشاه طهماسب أذناً صاغية من كثير من العلماء، كان أبرزهم المحقق الثاني الشيخ علي عبد العال الكَركَي، الذي كان يعد في زمانه في طليعة الفقهاء. واستجاب هذا وأولئك لطلب الشاه طهماسب. وجاء المحقق الكركي لكي يصبح الرجل الأول في مملكة الشاه طهماسب إلى حد قيل بأن «منصوب الشيخ لا يُعزل ومعزول الشيخ لا يُنصب».
      وكان من الطبيعي أن يؤسس هذا الوضع لجملة من القضايا في كيفية تعامل الفقهاء في زمن غيبة المعصوم، وهي التي كانت محل نقاش بين المحقق الكَركَي، والفاضل القطيفي. وهي وإن لم تكن سياسية بالمعنى الشائع أي أنها لم تكن تخضع لأدوات المسألة السياسية والموقف السياسي، بل كانت أدوات البحث فيها شرعية، ولكن الفهم لتلك الأدوات، والنظر إليها كان مختلفا بين الفقيهين.
      تنتظم هذه الدراسة في مقدمة وثلاثة فصول, يبحث الفصل الأول منها تمهيداً في أحوال الحلة, لأن الشيخ القطيفي قد عاش فيها حتى وفاته, ودرس الفصل الأول تاريخ مدينة الحلة وموقعها الجغرافي وأهم ما قيل فيها من الرحالة العرب والأجانب خلال حقب زمنية مختلفة, ودراسة الحالة الاجتماعية والسياسية والفكرية لمدينة الحلة, فقد تعاقب على الحلة حكم المزيديين أيام الخلافة العباسية (447هـ -590هـ/ 1081م-1193م), والحكومات التي حكمت الحلة من حكم المغول والإمبراطورية الإيلخانية (656هـ-738هـ/ 1258م-1337م), والحكم الجلائري ولغاية الحكم العثماني.
      وتناول الفصل الثاني حياة الشيخ المحقق إبراهيم القطيفي, متضمناً اسمه ومولده ونشأته ورحلاته العلمية من البحرين إلى النجف ومن ثمَّ إلى مدينة الحلة التي أصبحت البيئة الثانية له بعد مدينة النجف الأشرف, وآراؤه الجريئة التي أطلقها, مما ادَّت إلى انتعاش المذهب الجعفري, ومصنَّفاته, وانتعاش مدرسة الحلة لأكثر من ثلاثة قرون, وبعدها ضعفت مدرسة الحلة.
      وتناول الفصل الثالث أهم نتاجات الشيخ القطيفي الفكري وآثار مصنفاته في العلوم الإنسانية وردّه على المحقق الكركي في أكثر من رسالة فقهية, وتوضيح الأسباب الرئيسة للخلاف والخصومة بين الشيخين «القطيفي والكَركَي» في عهد الشاه طهماسب, ثم توضيح الأسباب والعوامل التي أدت إلى ضمور مدرسة الحلة الدينية وآخر علمائها الشيخ القطيفي, وبيان لغة النقد والنقاد المتابعين لتلك الأحداث والخلافات الفكرية والفقهية ورأي الباحث في ذلك.
     أما ما  يخص كتابنا هذا فهو دراسة لحياة وآراء الشيخ القطيفي الفقهية, إذ كانت للشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي معارضات ومناقضات مع الشيخ علي الكركي ونسبته إلى الجهل, كما هو شأن جملة المعاصرين, حتى أنّه ألفَ في جملة من المسائل في مقابلة رسائل الشيخ علي الكركي ردّاً عليه ونقضاً لما ذكره منها : مسألة حلّ الخراج, ورسالة حرمة صلاة الجمعة زمان الغيبة, ورسالة المنزلة في الرضاع, ورسالة ولاية الفقيه, ورسالة السجود على التربة المطبوخة, والرسالة الحائرية في تحقيق المسألة السفرية.
     ومن مصنّفات الشيخ إبراهيم القطيفي كما ذكرنا في صفحات الكتاب : الهادي إلى سبيل الرشاد في شرح الإرشاد, تعيين الفرقة الناجية من أخبار المعصومين عليهم السلام, نفحات الفوائد في أجوبة السؤالات الفرضية, رسالة في محرّمات الذبيحة, رسالة في الصوم, رسالة في أحكام الشكوك, رسالة في أدعية سعة الرزق وقضاء الدين, رسالة كتبها لعمل المقلدين سمّاها النجفية, وكأنّها في مسائل العبادات الشرعية, شرح على ألفيّة الشهيد, شرح لأسماء الحسنى طويل الذيل جليل الفوائد, تعليقات كثيرة على الشرائع والإرشاد وغير ذلك, كتاب الأحاديث الأربعين، مجموعة في نوادر الأخبار الطريفة.   
    كما أن للشيخ القطيفي رأي في قبول الهدية المرسلة من قبل الشاه طهماسب رداً على تقبلها من قبل الشيخ علي الكركي قائلاً : «ترك أخذ ذلك من الظالم أفضل, ولا يعارض ذلك أخذ الحسن عليه السلام جوائز معاوية, لأن ذلك من حقوقهم بالأصالة, إن العالم إذا تورّع عن جوائز الملوك وتنزه عنها وتجنب الانحياز إليهم تورّعا, فلا لوم عليه ولا يقدح ذلك فيه, بل هو طريق السلامة». وقد كثرت المعارضات بينه وبين الشيخ علي الكركي, حتى أن أكثر الإيرادات التي أوردها الشيخ علي الكركي في بعض رسائله في الرضاع والخراج وغيرهما ردَّ عليه.
     وقد عرفَ صحة ما ذكره الشيخ القطيفي, إلاّ أن الشيخ علي الكركي اعترض على ردّ القطيفي برسائله ومواقفه, فترى من المفارقات عن واقع اعتراض الكركي وجواب القطيفي عليه, لكن عرف القرن العاشر الهجري ما لفضل الشيخ القطيفي والشيخ الكركي في دعم المذهب الشيعي, وعلمهما وتبحرهما وحلمهما وفضلهما وكانت بينهما مناظرات ومباحثات كثيرة, فلا محيص عن التعارض بين القولين والموقفين, ولا يدري السابق عن اللاحق.
    وكانت لتلميذ الشيخين نعمة الله الحلي مواقف مع كلا الشيخين, فقد درس لدى الشيخ علي الكركي ورجع ودرس عند الشيخ إبراهيم القطيفي, فعندما خاصم الشيخ القطيفي الشيخ علي الكركي رجع الأمير نعمة الله الحلي الذي كان من تلامذة الشيخ علي الكركي, رجع عنهُ واتصل بالشيخ إبراهيم القطيفي مع جماعة من العلماء في ذلك العصر كالمولى حسين الأردبيلي والمولى حسين القاضي مسافر والمولى حسين وغيرهم ممن كان بينهم وبين الشيخ القطيفي, ودفع الأمير نعمة الله الحلي مع الجماعة من العلماء دفعوا الشيخ إبراهيم القطيفي على أن يباحث مع الشيخ علي الكركي في مجلس السلطان الشاه طهماسب في مسألة صلاة الجمعة.
   لا شبهة في تقدم الشيخين في العلم والتحقيق والتبحّر, كما لا شك في أن الشيخين أبعد غورا وأصحّ رأيا وأقوى سياسة في مواقفهما في ذلك العصر.
     اعتمدتُ في إعداد هذه الدراسة على مجموعة من المصادر, أفادت في تحديد نسب الشيخ القطيفي, وكتب تراجم الرجال في ترجمة شيوخ القطيفي وتلاميذه ومعاصريه, واعتمدت في انجاز هذا البحث على كثير من المراجع التي أفادتني, والتي احتوت على معلومات مهمة تتعلَّق بالحياة الإدارية والفكرية للقرن العاشر الهجري, وآخير دعوانا أن الحمد لله ربَّ العالمين, والصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيّبين الطاهرين وصحبه المنتجبين.
      لا يسعني إلا أن أتقدم بجزيل الشكر والامتنان للأخ والصديق العزيز الأستاذ عدي حاتم عبد الحسين, لما بذله من جهد ووقت في مراجعة وتقويم الكتاب لغوياً, وأخذ على عاتقه تقديم الاقتراحات الصائبة وتحقيقه, وإضافة الملاحظات الإيضاحية وإعداد الكتاب للطبع ومراجعة المسودات.
      ومن دواعي العرفان بالجميل يُحتم عليّ أن أتقدم بالشكر الجزيل للدكتور عبد الرضا عوض, للاشارة والبحث والتمحيص في تاريخ العالم الفاضل والمحقق إبراهيم بن سليمان القطيفي, ومساعدته لي علمياً ودعمه معنوياً, واسداء النصيحة في كتابة هذه الدراسة.
     أدعو المولى عز وجل أن يوفق جميع من أسدى ليّ النصيحة في دعم كتابي هذا, ولا يفوتنا هنا أن اسجل شكري للصديق الباحث علي عبد الرضا عوض لما بذل لنا في توفير كتاب «موسوعة الفاضل القطيفي», فقمنا بالاستفادة منها في تحقيق هذا الكتاب, مع خالص تقديري واعتزازي.



54
انتخابات 2018م
قديما قالوا اذا فسد الرأس فسد الجسم واذا صلح الرأس صلح الجسم
د. عبد الرضا عوض
حينما نكتب عن البرلمان العراقي ، نكتب عن معاناة شعب خرج من ظلمة سحيقة تولته لأربعة عقود ليدخل في نفق مظلم لا قرار له ، فقد تكون كتاباتي تزعج الأخرين من اصحاب الفكر المثالي ممن عاش خارج العراق ولمس الديمقراطية الحقة ، أو ممن انتفع من النظام الحالي ، لكن ما لمسناه وعرفناه من قراءة التاريخ أن أهل هذا البلد (العراق) -وأنا منهم- لا يصلح لحكمهم إلا (النظام الرئاسي) جاءت امريكا بدستور أسس ويؤسس للفساد المالي والاخلاقي ، ومن بنود الدستور قيام البرلمان ، فأصبح النائب العراقي يتمتع بحصانة خاصة محمي بكتلته ، إذ نادراً ما يرفع البرلمان الحصانة عن أحد اعضائه حتى لو كان متهماً في ملفات إرهاب، أو التحريض على العنف، أو ملفات فساد وابتزاز مؤسسات الدولة ، والذاكرة مشحونة بقذارة البرلمان العراقي منها ما يتعلق بتهريب الاعضاء المطلوبين للعدالة بسبب تلطخ ايديهم بفساد مالي أو ارهابي كما حدث للنائب محمد الدايني وسكوت البرلمان عن تهريب طارق الهاشمي وو ..وغير ذلك الكثير.. مما ولد حالة من الاحباط لدى الكثير من ابناء هذا البلد...
على العراقيين ان يكونوا على علم ويقين ان كل ما في البلاد من فساد وارهاب وسوء خدمات سببه فساد اعضاء البرلمان، من البديهي اذا زادت ثروة وعقارات عضو البرلمان عما كانت عليه قبل انتخابه فهو (لص مثقف) ويخرج لك سرقته برداء وغطاء قانوني ، فرأينا البرلمان العراقي يتخذ القرارات التي تخدم مصالحه الشخصية ومستقبله الوظيفي فقط وأحياناً يكون في ظرف معتم اعلامياً تاماً وعلى سبيل المثل: كتب ونوقش وصودق على ( قانون اتحاد البرلمانيين) في تعتيم اعلامي وفي غفلة عن الشعب الى أن صدر في الجريدة الرسمية أوائل عام 2018م ، وهذا القانون بحد ذاته يخدم اعضاء البرلمان ويزيد من تبديد أموال الشعب.
وبما ان اعضاء البرلمان هم الفاسدون فهذا يعني انتقال الفساد الى كل اعضاء الدوائر والمؤسسات العراقية ، فمن المؤكد سلفاً أن رؤوساء الكيانات السياسية الذين تولوا ادارة الدولة العراقية وأوصلوها الى حال لا يحسد عليه سيبقون في تسلطهم ، ويصر الساسة المتسلطون على مقادير البلد منذ عام 2003بالبقاء في أماكنهم (النيابية والوزارية) من خلال عهود ما (وراء الخيال) رغم انهم اعترفوا جميعاً بفشلهم في ادارة الدولة للسنين الماضية ، ترى متى تتحقق هذه العهود ؟ ، وقد أهدروا عقد ونصف من السنين من حياتنا بمناكفات طائفية عرقية، وبددوا ثروات البلد واجهضوا كل مشاريع التنمية ، فإن أُعيد انتخابهم ، فاللعنة قائمة من الله على هذا الشعب..
فقد أثبتت التجارب السابقة للسنوات العجاف الماضية في العراق أن لا وجود لبرنامج انتخابي او برنامج حكومي بل وعود زائفة لا واقع لها ، البرنامج الانتخابي الذي يعتمده المرشح هو ضخامة وفخامة (الوليمة) التي يقيمها هو ، أو التباهي على كبر مساحة ومكان (صورته الشخصية) التي يعلقها على ابنية المدينة، أما الوعود والتمنيات فهي (اكذوبة) صدقها ويصدقها الشعب حسب كبر قطعة اللحم التي يتناولها ، فكلام المرشحين وأخص منها رؤوساء الكتل السياسية هي محض دعاية كاذبة في وعود لا يتم الوفاء بها او يعجز عن الوفاء بها تستهدف ابتزاز الناخب او خداعه من قبل المرشح وهذا هو الموجود والحاصل فعلا في عراق ما بعد البعث ، والبرنامج الانتخابي الحق هو ما يمكن ان يكون واقعيا فيه تفاصيل ما يمكن إنجازه على ارض الواقع دون مبالغة في خطة يرصد لها مبلغ ممكن توفيره في اطار زمني وامكانيات مادية واقعية قابلة للانجاز وليست مجرد وعود...وحين محاورتي لأحد أعضاء المجلس الحالي الذي امضى ثمان سنين في المجلس ويريد بل يصرُّ على التجديد واكتنز خلالها بما شاء الله عن خطة الحكومة لمعالجة المشاريع المتوقفة في مدينتنا ،،اجابني: (خلي افوز والله كريم)..!!!
فالجميع يعرف أن مهمة اعضاء مجلس النواب في كل مكان هي: حماية ثروة شعوبهم وعدم تبديدها وصون كرامتهم وارواحهم ، لكن كما لمسنا من الدورات الماضية فإن النائب العراقي مهمته سرقة ثروة العراقيين والتمتع بملذات الحياة وأهانتهم وأذلالهم بطرق شتى، وهدر دمائهم ، همهم على ما يحصلون عليه من رواتب وامتيازات ومكاسب وسيارات وحماية وايفادات واستغلال للنفوذ..!! ، فهذه لا شك انها اموال هائلة تعادل اكثر من ثلث ميزانية العراق حتى ان التشخيص الدولي للبرلمانات عده من أكثر المؤسسات فساداً في العالم ، فهل يجوز لنا نحن الشعب العراقي أن نعيد المشهد ذاته لأربع سنين أخرى ...!!
ثم ماذا جنينا من (المعشعشون) في مجلس النواب ،هم جنوا مكاسب لذاتهم فقط ، تمثلت بالمرتبات العالية والامتيازات التي لا مثيل لها بالعالم أجمع ، نعم حصلنا من مهاتراتهم على تعميق الطائفية ، وحصلنا على مطالبتهم بخصخصة القطاعات الخدمية في مجال الكهرباء والتعليم والصحة ، وحصلنا على توقف كامل لمشاريع خدمية في مدننا ، ولمسنا تجاوزاتهم الفاضحة على أملاك الدولة بطرق شيطانية محترفة ،فالمفروض ان يكون اعضاء مجلس النواب من اكثر اعضاء دوائر الدولة ومؤسساتها التزاما وتمسكا بالقانون والنظام ، والمفروض ان البرلمان هو القدوة والمثل الاعلى لكل دوائر ومؤسسات الدولة الاخرى في العمل بصدق واخلاص وأمانة، لكنهم عملوا عكس هذا..!!
وما لمسناه من الدورات السابقة أن مجلس النواب هو بمثابة (منتدى منظم) لتقسيم ثروة العراق التي اطلقوا عليها عبارة (الكعكة) متى ما يرغب العضو المطالبة بحصته يحضر لاستلامها ، نعم تحدث صراعات واختلافات ومناكفات بين الاعضاء كما لو انها بين أي عناصر عصابة محترفة من اللصوص حول حصة كل واحد منها من الثروة التي سرقوها لكنه لا يؤدي الى ذبح احدهم الآخر ، بل تراهم في السر (اخوة ) متحابين متعاونين ، تعلوا اصواتهم عبر الفضائيات حول (المذهب ، القومية ، العشيرة ، المنطقة) ، انها وسيلة لتضليل وخداع الشعب المستكين الذي يصدقهم حتى يستمرون في سرقة ثروته ، وحتى يتنعمون بمعاناته بفقره ، بجوعه ، وهكذا يزداد اعضاء المجلس ثراء ورفاهية وتخمة في حين نرى الوطن في أسوء حالاته السيادية والحضارية...
ما نراه في هذا السباق الانتخابي هو أن ممثلي محافظة بابل (17) نائباً أعادوا ترشيح انفسهم للدورة القادمة وكأنهم يعلمون أو واثقون من أن الفوز حليفهم مقدماً ، ترى من أين جاءت هذه الثقة بالنفس؟ ، هل من عطائهم لمدينتهم مثلاً : (خصخصة الخدمات ، مجسر الأم ، مجسر الطهمازية ، مشاريع المجاري ، بناية محافظة بابل ، سوء البنى التحتية.. وغيرها من المئات) ، أم يقينهم بأن الشعب ((مستحمر)) الى درجة انهم واثقون بإعادة انتخابهم..!!.
ماذا سيحدث للمرشحين الجدد لو أن الــ (17) نائباً بقوا في أماكنهم ؟، وهم يبذلون الغالي والنفيس لنجاحهم ، وماذا سيحدث على الساحة الداخلية لمدينتنا ((البائسة))؟ ، وماذا سيقول التاريخ عن هذه المعادلة الصعبة : (شعب اطاع مرجعيته بتنفيذ فتوى الجهاد الكفائي فذهب الى ساحات القتال طواعية ليدفع الشر عن الأهل والعرض وقدم آلاف الشهداء) ، هو الشعب نفسه : (رضي بالفساد وسمح للسراق بالبقاء في اماكنهم لأربع سنين أخرى) ولم يسمع كلام مرجعيته (المجرب لا يجرب)..!! أي لا تنتخب كل سياسي سابق مهما كانت منزلته.!!.
ونتيجة الامتيازات الرهيبة التي يتمتع بها عضو المجلس النيابي أصبح في العراق ثلاثة أصناف في هذا المارثون الانتخابي:
الصنف الأول : (المعشعشون) الذين وصلوا الى المقدمة أما على الدبابة الامريكية ، أو ممن حالفهم الحظ بـ (الصدفة) فتسلق المنصب دون أن يفهم من السياسة شيء، وهو صامت ومختفي طوال اربع سنين وأصبح بمرور الأيام من مناصري كتلته النيابية دون الالتفات الى دوره الحقيقي في تمثيل الشعب ، وهؤلاء ذاقوا لذة (الكرسي) فهم يستقتلون على البقاء في أماكنهم.
الصنف الثاني: المرشحون الجدد من أعضاء مجلس المحافظة ، وهؤلاء رشحوا بدافع من كتلهم وهم بنفس الوقت يطمحون الى مزيدٍ من المزايا أسوة بمن سبقوهم من اعضاء المجلس .
الصنف الثالث: عسى أن يحالفهم الحظ بالفوز ، يريدون أن يحصلوا على موضع قدم بين (حيتان الفساد) ، والله أعلم بنواياهم.
ويكتسب الفائز بعضوية البرلمان العراقي صفات جديدة حين فوزه مباشرة ، فإذا حالفه الحظ وجلس تحت قبة البرلمان يغير جلبابه ، ويصبح تدريجياً كارهاً للشعب ومفنداً لمطاليبه ..!!، غالقاً هاتفه الجوال.! ، صائحاً بمن حوله (والله دوخونا) .!، ومن التجربة وللأسف الشديد ان عضو البرلمان العراقي لا يقر ولا يعترف بخطاياه فلم يعد يفكر إلا بـ (المنحة) التي سيستلمها لتحسين حالته الاجتماعية وبـ (الراتب) كيف سيستلمه وبعناصر (الحماية) الذين يختارهم هو من اقاربه ومقربيه ، حتى ليبلغ مجمل المصروف لكل نائب من راتبه والخدمات التي يمتاز بها الى (59) مليون دينار شهريا ، وبعض النواب للدورات السابقة لم يحضر الا بعض الجلسات خلال اربع سنوات وبعضهم يغادر العراق ولم يحضر ولا مرة واحدة..!! ، وإذا حضروا فحضورهم مركز لمناقشة مصالحهم الخاصة لهذا نرى النائب مشغول بمصالحه والثروة التي حصل عليها من خلال انتمائه الى البرلمان بطرق مختلفة ، هذه الحالات وغيرها جعلت المواطن قريب جداً من حالة العزوف عن المشاركة بالتصويت ....
يقيناً أن لا تغيير في سياسة البلاد مستقبلاً وسينتخب الشعب الفاسدون من حيث لا يعلم وفق آلية الانتخابات المزمع اجراءها حسب برنامج سانت ليغو ، وأغلب المرشحون الجدد أما:
- وطنيون مخلصون لحد (الطيبة)، يريدون انقاذ الوطن من هوة الفساد.
- أو مغفلون ،يصدقون وعود رؤوساء قوائمهم (الفاسدة) بتصحيح المسيرة.
- أو لهم مآرب أخرى ، فهم متيقنون من فشلهم لكنهم يأملوا أن يحصل احدهم على منصب وظيفي مهم بعد الانتخابات مكافأة له من رئيس قائمته.
- أو لا هذه ولا تلك ، فهو يريد اظهار شخصيته أمام الملأ عسى ان تحالفه الصدفة.
اقتصرت الدعابة الانتخابية في كافة دول العالم على ملصقات جدارية أو يافطات (قماشية أو فلكسية) ، والآن دخل علينا المرشحون العتاة(المعتورين) بفن آخر هو الشاشة الالكترونية التي حملت على ظهر (تريلة) وهي تجوب طرقات المدينة القذرة ،ترى كم تكلف هذه الشاشة ، ومن أين للمرشح الفلاني بمبلغ يغطي نفقات العرض؟ ، هل مرتبه الشخصي ؟، أم هي سرقة لأموال الدولة بوضح النهار.!!!
لا أعلم هل هذا هو حقاً الشعب العراقي ، أين أصالته ؟ هل عدنا لا نفهم الى درجة ازدراء المُحسن والاطراء للمسيء ، وقلب القبيح الى جمال ، والجمال الى بدعة ،! ما بال الشعب العراقي لا يميز الصالح من الطالح ، لماذا الازدواجية في تصرفاته الى حد القرف ، عقد ونصف من السنين والمواطن يعاني من سوء الخدمات ، وعدم العدالة ، وتبديد الاموال ، وانهيار في البنى التحتية، وثلم سيادة الوطن ، وأنهار من دماء الشهداء ، وتأتي ثلة من المنتفعين المنافقين ليقولوا للمرشح الفلاني (انت الذي بنيت وحميت العراق) ، ومن البديهي هذا يصدق قولهم فيتبختر زيادة ، فيزداد في كذبه ويتمادى في وعوده الفارغة ، كما لو انه صدام في جبروته ....!!
(المعشعشون) و(الفائزون الجدد) لمجلس النواب يؤدون مهامهم حسب ما مرسوم لهم من رئيس كتلتهم النيابية، فعامة النواب بيادق يحركهم اللاعب الكبير للكتلة وفق خطط مدروسة ومحبوكة على أتم وجه، ولسوء حظ العراقيين فإن خططهم كلها تصب في مصلحة غير مصلحة الشعب، إذ يبدو أن فايروسا شديد العدوى، يصيب كل من تطأ قدماه بوابة المجلس ، فيسير من حيث لا يشعر بالاتجاه المعاكس لمتطلبات الشعب. فهم يكررون أخطاءً ممن سبقهم في مجلسهم كي لا تتكرر فيتناسون وعودهم للشعب ، والأمثلة على هذا كثيرة. وهناك لمن يتتبع اجتماعات مجلس النواب، قوانين لم تشهد أي تقدم في حل الخلاف عليها، ولا يلوح في الأفق غير السواد الحالك والظلام الدامس. وما إن يبدو بصيص أمل وتقارب في بعض الرؤى، إلا واستحدثت بعض الكتل سببا هو في حقيقة الأمر جاهز لمثل هذه الحالات، فبأوامر من أرباب الكتل والقوائم والأحزاب إلى نوابهم في البرلمان يصدر بمقاطعة الجلسات.. وهكذا...!!!
لا نعرف ما الذي حدث حتى ان كبار المرشحين فقدوا توازنهم وراحوا يمطرونا بكلام سمج وتافه وغير مقبول اخلاقياً.. فالشيخ همام حمودي .. يحمل مسؤولية ما حدث ويحدث على ((الشماعة)) الجاهزة ، يحمل الفساد على نظام صدام وكأن صدام غادر الحكم قبل يومين ، ونسي المعمم ان خمسة عشر سنة كافية لبناء دولة جديد لا لتعمير بلد اسمه العراق.. وهذا فائق بن الشيخ علي..يأس من الشعب العراقي فراح يتوسل بـ (العركجية) هكذا نطقها استصغاراً واحتقاراً حتى ينتخبوه,, وتظهر علينا مرشحة تقول: رشحها أبا بكر وعمر ، والأخر يقول رشحني محمد (ص)..!! ، ورئيس مجلس النواب سليم الجبوري يضع صورة السيد الخميني شعاراً له ..!! وأياد علاوي يتكلم مع المواطن البسيط وكأنه من رجال (رعاة البقر) فوعدنا بالدمار... وهكذا...
وبعد وعد ووعيد ، وطمئنة وتهديد ، قالت المرجعية في خطية يوم الجمعة 5/5/2018 من العتبة الحسينية المقدسة مشكورة ما تمكنت أن تقوله ، وهو استبعاد كل من تولى دفة الحكم في العراق بعد 2003م، والغريب أن كل واحد من الذين تولوا الأمر يقول هذا الخطاب لا يعنيني.!! ، وإنما يعني جهة أخرى ، ونحن نبحث عن الجهة الأخرى فلم نجد غير (الشعب) ، لا بل ذهب بعض منهم الى تفسير (المجرب لا يجرب) الى انهم جميعا صلحاء بدلالة بقائهم في الحكم (15) سنة متتالية ، ولو كانوا فاسدين لآطيح بهم...!!
وفق هذه المعايير سيبقى في الساحة السياسية لدورة مقبلة، (معربوا التأجيج الطائفي) موفق الربيعي وعباس البياتي وسيبقى أبطال (اللعبة النشامى): حسين الشهرستاني وهمام حمودي وعلي الأديب وعلي العلاق والمالكي والعبادي في مواقعهم ، وسيبقى صوت الحريم الهادر (المتلعلع) يمطرنا بالكلام المعسول ، وسيبقى علاوي (وهو يدري) متنعماً بالدولار ، وسيبقى العطية بعمته قريب من الله ، وفي الجانب السني سيكون نفس الأمر ، وفائق الشيخ علي أضر بالأمل المأمول (الدولة المدنية) بكلامه الفج القبيح ، وسيبقى البلد يستورد (الفجل) من ايران ، وماء الشرب من (الكويت) ، ويستعين المرضى بمشافي الهند وايران ، وستبقى منظومة الدولة كما هي ، لا بل أسوء مع الإيغال في الفساد.. وسيقال لنا لماذا التشاؤم؟ اقول هي حقيقة وأمر واقع وسيقع فعلاً ، هو أن (الشعب) لم يعي خطاب المرجعية لهذه الساعة ، لا بل لا يريد أن يفهمه وسيزكي الفاسدون بإعادة انتخابهم .....
الساسة المتسلطون على مقادير البلاد راحوا هذه الأيام وكل واحد منهم يعلن انجازاته وما قدمه للشعب ، واحد يظهر بجانب دبابة وكأنه محرر الفاو ، والأخر ببدلة عسكرية وكأنه حرر طريبيل ، وحينما تقرأ الانجازات ، تفكر بذهول وتقول كم ظلمناهم بقسوتنا الكلامية ، وحينما تستيقظ من حلم الكلام المعسول ، ترى انها أكاذيب وأوهام لا غير...
تحرير المناطق المحتلة، صنعته القوات المسلحة (الحشد الشعبي والجيش والشرطة) ، ولولا الحشد لما كانت دولة العراق !!، ولما علق المرشحون صورهم !!، ولما بقي برلمان !!.... بدماء الشهداء تنعم المعشعشون بدولة آمنة ، وجلوا لنا الشاشات الالكترونية ليبهرونا..!!
نحن لم ندع الى ثورة كما يتصورها البعض بالمفهوم (الحركي القاتل الفوضوي المنتقم)، فقد مللنا من سماع البيانات الهادرة، نحن لا يرضينا الوضع الذي يعيشه هذا البلد الجريح ، نحنُ ندعوا الى تغيير شامل لحالة البلد ، فالذين استلموا زمام الأمور لم ينجحوا في ادارة الدولة على كل الصعد إلاّ إذا استثنينا الاستحواذات الخاصة بهم.



55
قراءة في الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر علي الحسيني

نبيل عبد الأمير الربيعي
    عرفت مدينة الحلة بنتاجها الثقافي والأدبي ودورها الرائد في الحركة الثقافية عبرَ المنتديات والدوواين ومدارسها العلمية, من خلال اسماء بارزة في المجال الادبي منهم : الشاعر صفي الدين الحلي والسيد حيدر الحلي وحماد الكوّاز وعبد المطلب الحلي وجعفر كمال الدين, وفي الحقبة المعاصرة تواصل العطاء حيث ظهرت اصوات لها شأن في المجال الادبي والثقافي والعلمي منهم : محمد مهدي البصير وجواد علوش وطه باقر وباقر سماكة وعلي جواد الطاهر وعبد الجبار عباس والشاعر الانسان علي الحسيني وآخرون.
     صدر عن دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة (الأعمال الشعرية الكاملة ) للشاعر الراحل علي الحسيني, الكتاب هو سلسة موسوعة علي الحسيني تسلسل (12), وبفضل ولده البكر د. نصير الحسيني صدرت هذه السلسلة الرائعة لأعمال الحسيني الكاملة, الكتاب يتضمن (643) صفحة من الحجم الوزيري, وقد احتوى الكتاب على ثمان دواوين صادرة للشاعر في حياته وبعد رحيلة وقصائد قصيرة ومقامات عراقية وقصائد متفرقة وقصائد للأطفال, وحديث عن الحرب والحب وقصائد لم تنشر سابقاً, وقد جمعها وحققها ولده نصير الحسيني لتضم الأعمال الكاملة للراحل الحسيني, هذا العمل وفاءَ الولد لأبيه, ويعتبر جهد رائع يكشف عمق الحب والعشق لأعمال والده, فضلاً عن دقته وحرصه الشديد على متابعة وجمع وتحقيق وتوثيق جميع الأعمال الخاصة بالشاعر والناقد والأديب علي الحسيني.
   ولد الشاعر علي الحسيني في مدينة الحلة عام 1938, اكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة فيها ثم انتقل عام 1954 إلى ديالى لأكمال دراسته في دار المعلمين الابتدائية في بعقوبة, عملَّ معلماً في عدة مدارس منها (صفي الدين الحلي, الرسول, العدنانية,) حتى احيل على التقاعد عام 1985. لعلي الحسيني الدور الرائد كمؤسس لاتحاد الأدباء والكتاب في بابل, ورمزاً أصيلاً من شعراء العراق, عاصر شعراء خمسينيات القرن الماضي كجماعتي الديوان وابولو, فكان غزير النتاج في مجال الشعر الوجداني فضلاً عن شعره الغنائي والسياسي, وهو شعر واضح لأن معظمه شعر سهل اللغة, وشعر التعبئة ليخاطب النفوس, وذات نزعة لتصوير الواقع بمحسنات لفظية بديعة, واغراب في الخيال, وجزالة وسلاسة مبتعداً عن الركاكة في الكلمات, ذات نزعة حماسية يقدم من خلالها صورة تاريخية حية ليتجاوب مع النزعة النفسية للإنسان, عشق الراحل مدينته الحلة وقد كتب عدة قصائد في أماكن ومرتع صباه قائلاً في قصيدة تحت عنوان (من سنوات الحلة) :
اقترض مالاً وسافر
سترى كوناً سوى كونك هذا
وترى ناساً سوى الناس الحيارى
...........
واقترضنا
ورأينا بعضَ هذا الكونِ
صاحبنا بنيه
غير أن الشوق للحلةِ
ينمو في الفؤاد
مثل زرع مستديم
إنها الجنة الناضرة
إنها الوجنةُ الآسرة
   لغته في قصائده الشعرية واضحة الدلالة, تبحث عن الموضوعات الوطنية والقومية, وهي نماذج من قصائد بدت في شعره شأنها شأن جيل الرواد في الشعر الحر خمسينيات القرن الماضي, إلا أن الصفة الملازمة للشاعر في نتاجه الشعري تتصف بتنوع في الاختيار بين الصور الشعرية مما يدل على سعة ثقافته فضلاً عن موروثه الادبي والسياسي والتاريخي من خلال استخدام الرمز والاسطورة التي تشكل جزءاً من لغة التعبير الفني في قصائده.
   يذكر الدكتور صفاء الحفيظ في كتابه (علي الحسيني الانسان والشاعر) ص 36 حول مصادر ثقافته قائلاً (مصادر ومنابع ثقافة الشاعر علي الحسيني كانت كل شيء له صلة بالحياة والعصر والتراث والذات, لأنه يترك بصماته بهذا الشكل أو بغيره), ولذلك يتوضح لنا أن الشاعر الحسيني قد طالع الكثير من الشعر القديم والحديث والاوروبي, ومن خلال هذه المطالعة تكونت لديه ثقافة شعرية, ابدع من خلالها في قصائده, وفي خلق صور فريدة من خلال الكتابة بلغة جديدة تميل إلى الغرابة بعيدة عن الغموض لكنها تنضح مرارة وتمرداً لواقعه الاجتماعي واحباطاته النفسية والسياسية, بعدما كانت تنطوي بروح الكفاح السياسي والثقافي المتواصل, وقصيدته تحت عنوان (رسالة للعرب) تؤكد ذلك, قائلاً :
اتركوا صفاقات حسني
واتركوا خنوع فهد
واسمعوا :
إنَّ هذا البلد
لن يلينَ
ولن ينحني جذعها قائمٌ
فهو نخلةُ للأبد
    كان الحسيني ينظم الشعر لغايةٌ في نفسه من خلال خلق هذا الغذاء الروحي والوجداني, لا لغاية الترف والتزلف والشهرة, فيكتب الشعر الجميل الجيد امتداداً لجيل الرواد في العراق والوطن العربي, فكانت قصائده الغنائية هي سرد لأقصوصة البنّية الدرامية في خلق مواقف داخل القصيدة العمودية, والرباعيات والمشجرات والموشحات والرباعيات, فهو في شعره ابن الواقع المعاصر, وبقصائده ابن المرحلة السياسية الحالية, إلا أن قصيدته الغنائية تمثل الغرض منها الهروب من الواقع المرير والعيش والارتماء في اجواء الطبيعة.
رحلَ رحمه الله وبشكل مأساوي نهاية حرب الخليج الثانية يوم 26/2/1991, وكأنه يتنبأ باستشهاده :
عدت اليكم حاملاً دمي
على جبين الراح
حيث جرّح الزمن
خطوطها, وحيث أثقل الزمن
دمي بحزنه الغريب.
 



56
سجن نقرة السلمان أول جمهورية شيوعية حرّة في عمق الصحراء
نبيل عبد الأمير الربيعي
    سجن نقرة السلمان أحد أقدم السجون في العراق يقع في محافظة المثنى في مدينة السماوة ناحية السلمان في منطقة صحراوية بدوية بالقرب من الحدود العراقية السعودية...أسس السجن من قبل القوات الإنكليزية المحتلة في عشرينيات القرن الماضي، لكون المنطقة نائية وهي منفى في ذلك الوقت حيث اختار الإنكليز منخفض السلمان أو ما يعرف بنقرة السلمان، لتكون مقرا لهذا السجن علما ان هنالك سجنين في نقرة السلمان أولها هو السجن الذي بناه الإنكليز والذي نتحدث عنه والآخر بني على أحد تلال السلمان في ستينيات القرن الماضي من قبل الحكومة العراقية، وهو أكبر من سابقه بكثير.
     نقرة السلمان يعتبر واحد من اشرس السجون التي عرفها تاريخ العراق لذا كان دائما يتم ترحيل المثقفين والسياسيين الذي يعارضون الدولة وخاصة أولئك المنتمين لـ الحزب الشيوعي العراقي. وقد أصبح السجن رمزاً للنضال فكتب عنه الشاعر العراقي الكبير الراحل كاظم إسماعيل الگاطع وقتها قصيدة لا تزال متداولة إلى الآن على لسان ام قادمة لزيارة ولدها الشيوعي السجين هناك وتصف القصيدة بتصوير مميز مدى صعوبة الأوضاع في ذلك السجن.
     صدر عن دار المكتبة الاهلية في البصرة للكاتب والباحث والأديب جاسم المطير كتابه الموسوم (نقرة السلمان) بـ (557) صفحة من الحجم الوزيري ذات الطباعة الجيدة, اهدى الكاتب الكتاب إلى سجناء نقرة السلمان ورفاقه العاملين في المنظمة الحزبية وفي الهيئة الادارية داخل السجن وإلى كل من سامي احمد العامري وعبد الوهاب طاهر وناصيف الحجاج وخضير عباس ومحمد الملا عبد الكريم ومحمد السعدي وعباس المظفر وسليم اسماعيل وكاظم فرهود وكنعان العزاوي وعباس بغدادي, الكتاب قسم إلى (50) موضوعاً و(7) ملاحق وكل ملحق هو عبارة عن رسالة, ولكل موضوع يذكر الكاتب حالة من حالات سجناء نقرة السلمان وواقعهم المرير, الكتاب عبارة عن مذكرات الباحث جاسم المطير في سجن نقرة السلمان ابان انقلاب 8 شباط 1963 والاطاحة بالجمهورية الاولى وزعيمها ومؤسسها عبد الكريم قاسم بدعم من القوى الاستعمارية والرجعية والاقطاعية, إذ يصف الكاتب حياة السجين الشيوعي وعلاقته مع إدارة السجن ورفاقه في السجن حاملي الفكر الشيوعي والماركسي, وقد احتوى الكتاب على مجموعة نادرة من صور السجناء والشهداء داخل سجن نقرة السلمان وخرجها.
     المؤلف المطير من مواليد البصرة عام 1934, يقيم حالياً في هولندا, صدر له اكثر من (15) كتاباً بين رواية وقصة قصية وبحثاً ومذكرات وعشرات المقالات في الصحف والمواقع الالكترونية, الفَّ العديد من المسرحيات السياسية التي اخرجها الفنان توفيق البصري وكانت اولى مجموعته القصصية عام 1952, كما صدر له كتاباً يصف فيه حياة السجين في سجن الحلة المركزي, وفي عام 2010 صدر له كتاباً تحت عنوان مشاهدات في السينما العالمية من منشورات دار الفارابي/ بيروت.
    أما هذا الكتاب (نقرة السلمان) فهو وثيقة تاريخية مهمة وثقها المطير من خلال مذكراته اليومية داخل السجن ليصف لنا حقيقة العلاقات الديمقراطية داخل مجتمع صغير اسمه السجن, التي تولدت داخل هذا السجن فكرة الحكم الذاتي من خلال مجلسه الذي يتألف من كل سجين وتحت شعار (كل سجين يخدم كل سجين), فسجن نقرة السلمان تجاوز عدد نزلائه عام 1963 حوالي ثلاثة آلاف سجين ومحتجز بلا محاكمة, وقيل أن السجن ضم أكثر من أربعة آلاف سجين ومحتجز قبل عام 1963, لا يثبت عدد السجناء على رقم واحد فهو في حركة دائبة صعوداً ونزولاً, يدخله يومياً عشرات السجناء وينقل منه يومياص بالعشرات, السجن كما عبرَّ عنه الكاتب في ص29 قائلاً هو : (أول جمهورية شيوعية حرّة في عمق الصحراء تحاول ان تجرب المساواة والديمقراطية بعذاب مشترك واحد وبسعادة مشتركة محدودة بنفس الحدود لجميع مواطنيها).
     سجن نقرة السلمان هو أول اسطورة من اساطير الديمقراطية في الظروف القاسية وتركيبتها الاجتماعية القاسية المتوفرة في النقرة, أراد الانقلابيون من وضع هذه الشريحة المثقفة في هذا السجن الصحراوي حقاً هو الانقطاع عن العالم, ولما يجري على أرض العراق وفي الكرة الارضية كلها, ومسح ذاكرة السجين الشيوعي وأن تكون ارادته عاجزة عن كل تخطيط من اجل مستقبل مغاير, فالسجانون لا يعرفون ان السجناء ارادوا ان يواصلوا اشادة حضارة لبلادهم متجددة بفعالية الافكار المتجددة, فالسجناء والسجانون يتقاسمون ازمات ونوائب العيش الصحراوي المرّ, فكان السجانون يبحثون ويجوبون الصحراء ليوفروا للسجناء أماكن آبار الماء العذب, ويخالفون أوامر الحكومة في اشياء أخرى منها : تزويدهم بالأقلام والأوراق والكتب الممنوعة والراديوات والمسجلات والصحف والمجلات, يقول المطير في ص34 (لا حضارة للسجناء من دون وسائل الاتصال بالعالم الخارجي), كما أن مدير السجن نفسه والاداريين كانوا يتحاشون فرض قساوة السجان على السجين.
    أشاد السجناء الشيوعيين أنفسهم بداخل السجن وبموجب تخطيط هندسي مدروس قام به بعض السجناء المهندسين ومن ذوي الخبرة مبانٍ عديدة, (المطبخ, المستوصف, قاعة صغيرة للاجتماعات الحزبية, مقراً لتحرير واستنساخ الجريدة اليومية التي يصدرها السجناء, الحمامات, ساحة نظامية لكرة القدم والسلة والطائرة, ساحة لكرة الريشة والمنضدة, ومكان مخصص لكمال الاجسام, صفوف دراسية, زراعة اليوكالبتوز في اطراف ساحات السجن لصد العواصف الرملية, هذه كلها تعتبر ظاهرة عمرانية في أول جمهورية شيوعية حرة.
    كانت الطبابة المنتشرة في قاعات السجن هي الطريقة البدائية في التطبيب من خلال طب الاعشاب وبعض الروحانيات الذي يقوم به كاكه عمر, فضلاً عن ذهاب السجين لغرض مراجعة الطبيب في مستشفى الديوانية الجمهوري.
    الحكام والحكومات يتصورون أن وجود السجين بين الجدران ينجز عملية تعقيل المتمردين ضدهم, لكنهم تناسوا أماني السجين في الحياة الحركة الكريمة, وطموحه في التعلم من خلال دروس العقل والعقلانية والبحث عن امكانية المواءمة بين الحق والحب, بين الحق والجمال, بين الحرية والصدق, بين العمق والصفاء, بين السجن والنضال, الكثير من السجناء العاشقين للأدب وضروب الشعر الشعبي تطورت قابليتهم في كتابة الشعر ومنهم "الشاعر والمغني سعدي الحديثي والشاعر مظفر النواب, والشاعر الغزلي الشعبي زهير الدجيلي, والشاعر والمحامي هاشم صاحب, والشاعر الفريد سمعان, وشعراء القصيدة الحسينية.
   ان العقلانية المعززة بالخيال هي وحدها التي تستطيع أن تحول الحلم إلى نور يحتقر التزمت الذي لا مبرر له في علاقة الانسان بأخيه الانسان, فالسجين في أية لحظة ربما يواجه الموت غدراً كما هو حال سلام عادل وجمال الحيدري وابو سعيد وعدنان البراك وحمزة سلمان وآخرين.
   الكتاب عبارة عن وثيقة تاريخية أرخت مرحلة وحقبة من تاريخ السجين الشيوعي والمنظمة الحزبية والصحافة الشيوعية في سجن نقرة السلمان, فسجن نقرة السلمان بعد تجربة تنظيمات الحزب ابان حقبة الجمهورية الاولى 1958 كان يغلي بالمناقشات والافكار السلبية والايجابية حول اسباب فشل الثورة والقضاء على منجزاتها بسبب تدخل العامل الخارجي العربي والاجنبي, والعامل الداخلي المتمثل بالإقطاع والرجعية ورجال الدين وحزب البعث العربي والقوميين العرب, فكانت آراء كثيرة تؤكد أن انتكاسة ثورة تموز 1958 مرجعها الاساسي هو الفعل الامريكي المحموم ضد الشيوعية في العراق وفي الوطن العربي وضد حركة التحرر الوطنية كلها.
      وينقل لنا الكاتب جاسم المطير من خلال كتابه (نقرة السلمان) واقع حال السجين السياسي وواقع حال الصراع داخل السجن الذي اصبح العامل السياسي يتدخل في العلاقات بين صفوف السجناء وفي حياتهم ايضاً, اصبح هذا العامل مؤثراً في سيرة حياة كل سجين وفي مستقبله, وقد استغلت نفس العامل مجموعة من النفوس اليائسة في تبرير مواقفها الانهزامية أو التراجعية, كما تستغله نفوس أخرى لتبرير اخطائها, فقد تداخلت الخيوط مع بعضها, مما زاد أحياناً في تخبط وقلق وفوضى الكثير من الآراء المطروحة وهي حالات استثنائية, إلاّ أن السجين الشيوعي ظل على مبادئه وعلى احترام المجتمع لمواقفه الصلبة وتصرفه الهادئ العقلاني المتزن.



57
في ذكرى رحيل الصحفي الساخر شمران الياسري
نبيل عبد الأمير الربيعي
 
    قال الروائي الروسي مكسيم غوركي (التاريخ لا يكتبه المؤرخون, بل الفنّانون الذين يكتبون التاريخ الحقيقي للإنسان), فقد ارخ الراحل شمران الياسري (أبو گاطع) الريف العراقي وحياة الفلاحين والشيوخ والاقطاع والنساء والحب والقسوة والظلم في رباعيته حتى قال الروائي العراقي غائب طعمة فرمان بحق رباعياته (لقد وجدت نفسي أمام وضع دقيق لجوانب حيّة وشخصيات سمعتُ بحّة صوتها في أذني, كنت أمام ما نسميه موسوعة الريف, ولكن كاتبها أديب جعل كل شيء يدبّ حيّاً).
   ولد شمران الياسري عام 1926م في قرية محيرجة (ناحية الموفقية حالياً) في منطقة التساعين التابعة لقضاء الحي في محافظة واسط, وقد كنيَّ بـ(أبو گاطع) بعد أن اشتهر برنامجه الإذاعي (احجيها بصراحة يبو گاطع) بعد ثورة 14 تموز 1958, تزوج (ابو گاطع) من السيدة هبوب ابراهيم الياسري وله خمسة اولاد وبنتين اكبرهم جبران, نشأ في عائلة محافظة في ريف الكوت, كان مولعاً بالقراءة ومحباً للرسم ومقرضاً للشعر الشعبي, فكان يعتز بكل من الشعراء مظفر النواب وقصائده الثورية كرمز للتجديد الشعري, وكذلك اشعار إبراهيم الشيخ حسون والشاعر عريان السيد خلف وكاظم اسماعيل گاطع وجمعة الحلفي وكريم العراقي وشاكر السماوي وعزيز السماوي وعبد الحسين ابو شبع وعباس ناجي وآخرين.
    تمكن (ابو گاطع) من خلال حرفة الكتابة وادراك مدى تأثيرها في كسب الجمهور وإثارة الجدل حول ما يكتب, مبتكراً طرائف مباشرة وغير مباشرة للنقد والتحريض, فأمتلك ادوات فن مخاطبة قلوب الناس وعقولهم, بلغة واضحة وبسيطة واسلوب بارع مزاوجاً بين المفردات العامية والفصيحة في تناسق باهر وتلقائي, مبتكراً التزاوج بين الحزن والفكاهة, لذلك يذكر الكاتب والباحث د. عبد الحسين شعبان في كتابه (ابو گاطع على ضفاف السخرية الحزينة) قائلاً : (ولهذا السبب استقطب جمهوراً واسعاً, ناهيك عن القيم الجمالية التي حاول اظهارها, كاشفاً لنا عن عمق ودراية ما يجري في المجتمع, خالقاً ابطالاً هدفهم اسعادنا, على الرغم مما كان يعانيه من ألم).
    برز الصحفي والاعلامي والكاتب والروائي الساخر (أبو گاطع) في نتاجه المتنوع وحديثه الاذاعي الموجه للمضايف والديوانيات والفلاحين, الحديث الذي تضمن الاقصوصة والحكاية الساخرة الحزينة والقدرة على المواءمة, ومواجهة تعقيدات المجتمع وصراعاته ومشاكله وهمومه بتلك السخرية, فظلَّ اميناً لأسلوبه الساخر محاولاً تطويع وسيلته الابداعية أن يصدم المستمع في حكاياته والقارئ في رواياته وعموده الصحفي, فكان مائزاً بالفكاهة المغلفة بالحزن العميق للتخفيف عن عبء المواطن في حياته, من خلال اعماله التي لا يمكن فصلها عن بيئتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية السائدة آنذاك.
    كانت الكلمة لدى (أبو گاطع) مفتاح الكون للدخول إلى قلب القارئ ونجمه الهادئ, تلك الكلمات التي تحمل الدفء والأمل وبوابة التجلّي لمواجهة الواقع المتجهم العبوس, حتى امتهن (ابو گاطع) مهنة الحرف والكلمة ليجد نفسه بين الحبر والكلمة, ثم انتمى للصحافة والعمل السري, فكان دقيقاً في مقالاته, عميقاً في معاني الكلمات لاختيار الأفكار والمفردات الرشيقة الأنيقة والأشعار والفكاهات والطرائف.
   امتهن (ابو گاطع) الصحافة السرية من خلال اصداره (صحيفة الحقائق) منتصف ستينات القرن الماضي وبمساعدة أبو محيسن (أحمد صالح العبيدي), وأبو عليوي (هاشم محسن) بالاشراف عليها وتوزيعها مستخدماً فرسه على المناطق القريبة من ريف الكوت, وكانت تذاع من إذاعة (صوت الشعب العراقي) في الخارج, كما تمكن من كتابة رباعيته الرائعة مطلع سبعينات القرن الماضي 1973م (الزناد, بلابوش دنيا, غنم الشيخ, فلوس حميد) التي ارخها لريف العراق للفترة من 1923 إلى عام 1963م, كما عمل في بغداد في صحف (الحضارة, البلاد, صوت الأحرار) سنوات ما بعد ثورة 14 تموز 1958, وبعد عام 1968 اصبح مديراً لتحرير مجلة (الثقافة الجديدة) وكاتباً في صحيفتي (طريق الشعب والفكر الجديد) حتى أواسط عام 1976 إذ غادر العراق إلى تشيكوسلوفاكيا هارباً من تهمة توزيع السلاح وعقوبتها الاعدام آنذاك, فكان أول لاجئ ومهاجر عراقي أبان التحالف بين الحزب الشيوعي العراقي مع حزب البعث الحاكم, وكانت آخر مادة كتبها إلى طريق الشعب تحدثَ فيها عن التحالف الجبهوي تحت عنوان (الظهر والظهيرة والظهير).
    كان عمود (ابو گاطع) الصحفي في جريدة طريق الشعب يعكس هموم الناس ومشاكلهم وحاجاتهم اليومية وبلغة ساخرة مصحوبة بنكتة وطريفة مصاحباً لها (الحسجة) الممتعة, معتمداً على الامثال الشعبية والتراث الزاخر, محاولاً فضح الواقع السياسي والحراك الاجتماعي وحقيقة الاوضاع والعلاقات بين اطراف التحالف الجبهوي ابان سبعينات القرن الماضي, فكان عموده الصحفي يحمل هموم الناس من خلال الحزن والفرح والسخرية في زمان كان يخشاها الحكام المستبدون, فقد اتخذ من (خلف الدواح) بصمة له في مقالاته حول واقع العراق ككل من خلال الوقائع والاخبار والتساؤل والتحليل, أما رواياته وحكاياته التي تختزن الذاكرة الجمعية بالكثير من الروايات التي أبلت بلاءً حسناً وشعبية واسعة بين القراء, فكان مملوءاً بحكايات الريف التي شدّت القراء فضلاً عن الشعر الشعبي الذي وضفّهُ للنقد اللاذع في مقالاته.
    ومن خلال متابعتنا واطلاعنا على رباعيته المشهورة تعرفنا على نوعاً جديداً من ادب الريف وقضية الفلاحين في العراق, فقد كانت شخصياته وادارته الفنية في الكتابة نلمس من خلالها نكهة الرواية الريفية بخيال (ابو گاطع) لتوصيف وتصوير امكنة الزمن من محيطه الريفي وهمومه وواقع مشكلاته مقروناً بسخرية مرة ودعابة لذيذة مرة اخرى لتسفيه التقاليد البالية وفضح حال الشيوخ الزائفة وتمايزهم الطبقي.
    لقد تطور الأدب الساخر في العراق على يد الصحفي والروائي (ابو گاطع) رغم بعض المحاولات منذ عشرينات القرن الماضي على يد صاحب صحيفة حبزبوز (نوري ثابت) ثم على يد عبد الجبار وهبي (ابو سعيد) وعموده الصحفي في صحيفة اتحاد الشعب 1959م (كلمة اليوم), ولا ننسى أن هناك أكثر من (30) صحيفة ومجلة ساخرة صدرت للحقبة بين الاعوام (1909- 1939) في العراق, لكن لأبو گاطع كان الدور الكبير لانضاج هذا النوع من الادب, إلا أن موقف السلطة عام 1976م كان موقفاً لأسكات وايقاف قلم (ابو گاطع) في صحيفة طريق الشعب لما يسببه عموده اليومي من ازعاج لها واحراج للمتحالفين معها, لذلك تقرر اعفاءه من الكتابة, مما ادى إلى رحيله من الوطن إلى تشيكوسلوفاكيا وبداية العد التنازلي للتحالف الجبهوي مع الحزب الشيوعي العراقي وقرار السلطة بحل المنظمات الديمقراطية (اتحاد الطلبة العام, اتحاد الشبيبة الديمقراطي, رابطة المرأة).
    رحل الصحفي القدير والساخر (ابو گاطع) عن الحياة باكراً في براغ يوم 17 آب 1981 ودفن في بيروت في مقبرة الشهداء الفلسطينيين, تاركاً وراءه خزيناً من المقالات الساخرة والروايات التي وثقت حياة الريف.
 
   

58
حزب الزعيم عبد الكريم قاسم الذي لم يرى النور
نبيل عبد الأمير الربيعي
   من خلال متابعتنا واطلاعنا على اعداد جريدة (الثورة) الصادرة في عهد الجمهورية الأولى والزعيم عبد الكريم قاسم خلال شهر تشرين الأول 1959م, تبين لنا أن هناك قد حدثت طروحات من قبل رئيس تحرير الجريدة السيد يونس الطائي المهتم بأحداث ثورة 14 تموز 1958 ودور الزعيم عبد الكريم قاسم فيها, منذُ صدور عددها الأول في الثامن من تشرين الأول 1958 ولغاية اغلاقها يوم 7 شباط 1963 وقد صدر عددها الأخير  يحمل العدد (1118), قد اهتم يونس الطائي بالترويج لتأسيس حزب سياسي وطرح الاستفتاء تحت عنوان (الشعب يطالب ملحاً بتأسيس الحزب السياسي المنشود) جاء فيه :"طرحت هذه الجريدة شعاراً تاريخياً على الشعب استفتتهُ والمسؤولين الآخرين فيه ... وكان الشعار واضحاً وليس جديداً بالنسبة إلى بعض المسؤولين الذين واكبوا الاحداث وعاصروا الحوادث ومناكفاتها, فقد تجاوبوا مع شعارنا الذي طرحناه والذي خلصنا فيه إلى مناشدة الزعيم الحبيب بتأسيس حزب سياسي بعد انتهاء فترة الانتقال ليساهم مع الأحزاب المجازة في تركيز الحياة الحزبية على النهج الديمقراطي السليم"(1).
    كانت هذه الطروحات من قبل رئيس تحرير جريدة الثورة بسبب الاحداث والصراعات التي حدثت بين القوميين والشيوعيين واحداث الموصل وكركوك, فقد هاجم قبلها الزعيم قاسم الحزبية والاحزاب في الثالث من نيسان 1959 قائلاً :"ان الاستعمار يحاول اليوم تفرقة الصفوف بالدعوة إلى احزاب ضيقّة وتكتلات محدودة, القصد منها أن يضرب الواحد منها الآخر... إننا سوف نسّد عليه هذا المنفذ, فالتكتلات الضيقّة والحزبية والاحزاب في هذا الوقت لا تفيد البلاد... جاء إليَّ الأخ يونس الطائي وبعض الضباط الأحرار وقالوا أيها الزعيم لو إنك تغنينا في هذا الوقت وتأمر بتشكيل حزب يلتف حولك وبذلك تخلصنا من هذه الأحزاب وهذه التكتلات, فكان جوابي إليهم أنني في عهد انتقال وإن حزبي هو مجموع الشعب, وإني أنتمي إلى مجموع الشعب, وإننا كلنا حزب الله, وحزب الحق وحزب العدل وحزب الكفاح"(2).
    حارب الزعيم قاسم من خلال خطبه الحزبية والأحزاب, ودعا أفراد الجيش العراقي أن يكونوا بعيدين عن الاتجاهات والميول الحزبية ليبقى ناصع البياض وأكد على أن يكون الجيش "إنما ينتسب إلى حزب الحق والعدل"(3), وقد اخذ الصحفي يونس الطائي على عاتقه اقناع الزعيم قاسم لتأسيس حزب سياسي ليلتف الشعب حوله وابعاده عن حدة الصراعات السياسية وقتذاك ليحقق سياسة الوسط, بعد محاولة حزب البعث اغتياله في 19 تشرين الأول 1959, متحدثاً الطائي قائلاً "قلت للزعيم عبد الكريم قاسم أن عليه أن يعلن فترة انتقال لوقف التطاحن والقتال بين القوميين والشيوعيين, واقترحت عليه أيضاً تأسيس حزب سياسي يسير على منهج اقتصادي وسياسي واجتماعي معين يدخل فيه الانتخابات مع الأحزاب الأخرى التي ستجاز, وأكدت له أن نجاح حزبه وضمان زعامته أكيدان وبدون أي تدخل من جانب الحكومة, لأن الناس ما زالوا ينظرونه زعيم الثورة العظيمة التي اطاحت بالنظام الملكي"(4).
    وفي يوم الثلاثاء المصادف 20 تشرين الأول 1959, العدد 286 وعلى صفحتها الأولى نشرت جريدة الثورة مقالاً بعنوان (أضواء الثورة), كان المقال لرئيس التحرير يونس الطائي, جاء فيه :"إننا هنا نطالب ونناشد سيادة الزعيم الحبيب القائد العبقري المفجّر الذي قاد الشعب وحرره, نناشده وفترة الانتقال على وشك الانتهاء بالشروع بتأسيس حزب سياسي يلعب أكبر دور مع الاحزاب التي ستقوم في تعزيز النهج الديمقراطي... إن الشعب يعيش اليوم وسط تيارين يتناطحان, ولا يمكن أن نجعل الشعب كبش فداء... وفي الواقع هناك طريقان, أما أن تكون فترة الانتقال طويلة الأمد, وأما العودة إلى الحياة الحزبية والنيابية وفقاً للروح الديمقراطية.. على افساح المجال للزعيم لأن يعكف على تحقيق انجازات الثورة وتحقيق نجاحات كبيرة عن طريق الاعتماد على حزب سياسي يقوده الزعيم كما قاد ثورة تموز"(5).
   ثم تعود جريدة الثورة بمقال جديد في افتتاحيتها ليوم 21 تشرين الأول 1959 حول المطالبة بتأسيس حزب جديد بقيادة الزعيم قاسم تحت عنوان (مدرسة الزعيم عبد الكريم قاسم) جاء فيها :"عندما نطالب بتأسيس حزب سياسي يرأسه الزعيم الحبيب فنحن في الواقع نطالب تحصيل حاصل, أن الثورة وأهدافها ومدرسة عبد الكريم قاسم في تاريخ الشرق العربي على الوجه الخصوص لا يمكنها أن تحقق أهدافها وتفرغ نظريتها بدون الركون إلى التنظيم الحزبي, أي بدون تأسيس حزب"(6).
    ثم تعود جريدة الثورة لتثير الشارع العراقي حول تأسيس حزب سياسي لكل العراقيين يقوده الزعيم قاسم بعيداً عن التناحرات الحزبية والقومية بمقال افتتاحي يوم الجمعة المصادف 6 تشرين الثاني 1959 وبعددها 301 بعنوان (الشعب يطالب ملحاً بتأسيس الحزب السياسي المنشود), جاء فيه "طرحت هذه الجريدة شعاراً تاريخياً على الشعب, استفته والمسؤولين الآخرين وكان الشعار واضحاً وليس جديداً بالنسبة إلى بعض المسؤولين الذين واكبوا الأحداث وعاصروا الحوادث ومناكفاتها, فقد تجاوبوا مع شعارنا الذي طرحناه والذي خلصنا فيه إلى مناشدة الزعيم الحبيب بتأسيس حزب سياسي بعد انتهاء فترة الانتقال"(7).
    كان هدف رئيس تحرير جريدة الثورة من الدعوة لتأسيس حزب يترأسه الزعيم قاسم هو نكاية الطائي بالحزب الشيوعي العراقي والقوميين على حدٍ سواء, فأراد الطائي بعد محاولة اغتيال الزعيم وابتعاد قاسم عن المتناحرين إلى استغلال هذا التناحر, إلا أن الزعيم رفض فكرة تأسيس الحزب جملةً وتفصيلاً.
    من خلال افتتاحيات جريدة الثورة ومناشدتها الشعب العراقي ومطالبتها للزعيم قاسم بتأسيس حزب سياسي يتزعمه عبد الكريم قاسم, وردت لجريدة الثورة المكالمات الهاتفية وبرقيات ورسائل التأييد للدعوة بتأسيس حزب سياسي, منهم ضباط كبار وقادة فرق وألوية في الجيش العراقي, ومن الاسماء التي طالبت الزعيم قاسم من خلال البرقيات والمكالمات الهاتفية : تصريح العقيد الركن فاضل عباس المهداوي(8), برقية العقيد عبد الكريم الجدة آمر الانضباط العسكري(9), برقية الزعيم الركن علي غالب عزيز قائد الفرقة الخامسة(10), برقية الزعيم الركن صبري النعيمي آمر كلية الاحتياط(11), برقية وزير الدولة فؤاد عارف(12), والمكالمة الهاتفية للعقيد عبد اللطيف الدراجي متصرف لواء الكوت, واللواء الركن المتقاعد عبد الرزاق عبد الوهاب متصرف لواء البصرة, وزير المواصلات حسن الطباطبائي, وزير المعارف محي الدين عبد الحميد, الزعيم خليل سعيد قائد الفرقة الثانية, الزعيم حميد حسن الحصونة قائد الفرقة الأولى(13).
    كانت دعوة القيادات العسكرية ومتصرفو الألوية لدعم تشكيل حزب سياسي يقوده الزعيم قاسم غير صادقة, والدليل على ذلك انقلاب البعض من الداعمين والمؤيدين لهذا الحزب ومواقفه مع الزعيم بعد انقلاب 8 شباط 1963, وقد تنصل اغلب هؤلاء عن موقفهم السابقة.
    مع كل هذا التأييد واعتراض المعارضين للفكرة من قبل الشيوعيين, رفض الزعيم قاسم فكرة تأسيس حزب سياسي, ورفض الزعيم عمل كل الأحزاب لأنه بعيد عن الأحزاب والحزبية, لذلك قال الزعيم قاسم في فترة الانتقال "أن حزبي الشعب العراقي كله, واننا كلنا حزب الله وحزب الكفاح وحزب العدل"(14), لكن الزعيم اجاز فيما بعد عدداً من الاحزاب السياسية هي الحزب الوطني الديمقراطي , وحزب الديمقراطي الكردستاني والحزب الشيوعي العراقي بزعامة داود الصائغ كانون الثاني 1960م.
 
المصادر
1-    جريدة الثورة العدد 301 في يوم الجمعة 6 تشرين الثاني 1959. ص1.
2-    جريدة الثورة العدد 161 ليوم السبت 9 آيار 1959. ص2.
3-    المصدر السابق. ص2.
4-    جريدة الثورة العدد 175 ليوم الاربعاء 27 آيار 1959. ص2.
5-    جريدة الثورة الثلاثاء المصادف 20 تشرين الأول 1959, العدد 286. ص1.
6-    جريدة الثورة العدد 278 ليوم الاربعاء 21 تشرين الأول 1959. ص1.
7-    جريدة الثورة الجمعة المصادف 6 تشرين الثاني 1959 وبعددها 301. ص1.
8-    جريدة الثورة العدد 309 ليوم الاثنين 16 تشرين الثاني 1959. ص2.
9-    جريدة الثورة. المصدر السابق.
10-                      جريدة الثورة. العدد 299. ليوم الاربعاء  4 تشرين الثاني 1959. ص2.
11-                      جريدة الثورة. العدد 298 ليوم الثلاثاء 3 تشرين الثاني 1959. ص1.
12-                      جريدة الثورة. العدد 294. ليوم الاربعاء 29 تشرين الأول 1959. ص1.
13-                      جريدة الثورة . المصدر السابق.
14-                      جريدة الثورة. العدد 309. ليوم الاثنين 16 تشرين الثاني 1959. ص3.
 
 

59
محطات من سيرة حياة المناضل والمفكر عامر عبد الله (الحلقة الثالثة)

نبيل عبد الأمير الربيعي
   بعد انقلاب 8 شباط 1963 والاطاحة بالزعيم عبد الكريم قاسم والنظام الجمهوري, واجه كوادر الحزب الشيوعي الاعتقال والتصفيات الجسدية على يد الحرس القومي, وبعد تولي عبد السلام عارف للسلطة في تشرين الثاني 1963 واعلانه عن اصلاحاته الاقتصادية وانتهاج الطريق اللارأسمالي ظهر خط آب داخل صفوف الحزب الشيوعي العراقي واتخذ القرار من قبل قادة الحزب بالتصويت بالأغلبية لصالح خط آب, وجد عامر عبد الله ضرورة العودة إلى بغداد نهاية عام 1964م.
   بعد انقلاب 17 تموز 1968م وتسلم البعث للسلطة, واصدار مجلس قيادة الثورة قراراً في الخامس من ايلول 1968 بالأفراج عن عدد من المعتقلين الشيوعيين, واعادة معظم المفصولين لأسباب سياسية لوظائفهم ودعوة الحزب الشيوعي من قبل قادة الانقلاب لإقامة الجبهة الوطنية بعد عودة عزيز محمد من موسكو, وظهر ذلك بوضوح في المؤتمر الثاني الذي عقد في ايلول 1970م, والذي انتخب فيه عامر عبد الله عضواً مرشحاً في اللجنة المركزية, إلا أن الحزب الشيوعي العراقي وافق على دخول الحكومة في الرابع عشر من آيار عام 1972م, إذ اسندت وزارة الدولة إلى مرشح اللجنة المركزية عامر عبد الله, بينما اصبح مكرم جمال الطالباني وزيراً للري, وفي ظل تطورات الاحداث وسياسة التقارب بين الحزبين توج ذلك بتوقيع الجبهة الوطنية والقومية التقدمية في 17 تموز 1973(32).
   من ضمن المهام التي كلف بها عامر عبد الله عام 1972 عندما اصبح وزيراً للدولة وتكليفه بتسلم وزارة العدل وكالة رفضه التوقيع على احكام الاعدام ومن ضمنها قضية اعدام ظافر حسن النهر أحد كوادر الحزب الشيوعي, ومن ضمن المهام التي انيطت بوزير الدولة عامر عبد الله اختياره عضواً في لجنة الصمود الهادفة إلى حل المشاكل الاقتصادية التي يتطلب حلها تعبئة شعبية من خلال دعم اجراءات تأميم النفط, وزياراته المستمرة لأغلب محافظات العراق والاطلاع على مشاكل الوحدات الادارية, ومشاركته في ندوات التخطيط التي عقدت في بغداد, ومشاركته للندوة المفتوحة بعنوان (ندوة بحث معوقات العمل واسباب انخفاض الانتاجية) التي اقامتها الحكومة العراقية في ايلول 1976, كما كلف في اواسط عام 1978 بمهمة الاشراف على وزارتي الصناعة والتخطيط إلا أنه اعتذر بسبب تدهور العلاقة مع حزب البعث(33).
   على الرغم من موقف عامر عبد الله الايجابي مع الرئيس احمد حسن البكر رئيس الجمهورية, إلاّ أنه انتقده في مسألة توقيعه على احكام الاعدام بكوكبة من الشيوعيين الذين اتهموا بإقامتهم تنظيمات داخل صفوف الجيش بلا اكتراث أو تمهل, ومن المهام الثقيلة التي وقعت على كاهل عامر عبد الله هي الدفاع عن رفاقه الشيوعيين أمام الاتهامات التي لاحقت عدداً منهم والعقوبات الصارمة التي وصلت لحد الاعدام على بعضهم, وبسبب الخناق الذي ساد على الحزب وتنظيماته وقادته سافر عامر عبد الله وعائلته أواخر عام 1978 الى الولايات المتحدة الامريكية ومن هناك إلى العاصمة الكوبية هافانا بدعوة من راؤول كاسترو, ومن ثم سافر إلى براغ, وفي مطلع عام 1979 دعا عزيز محمد اللجنة المركزية للاجتماع في براغ للتباحث بشأن سياسة الحزب الجديدة, إذ كان هناك نوع من التردد في القطيعة مع حزب البعث, وكان من بين الحاضرين عامر عبد الله ورفع شعار (انهاء الدكتاتورية), ولم ينه الحزب الجبهة رسمياً إلاَ في تموز عام 1979م بعد تولي صدام حسين رئاسة الجمهورية في 17 تموز من العام نفسه(34).
   بعد خروج عامر عبد الله من العراق استقر مع عائلته في دمشق عام 1980م, وفي اوائل التسعينيات قدم طلباً للحصول على اللجوء السياسي من بريطانيا, وساعده على ذلك عبد الحسين شعبان باسم المنظمة العربية لحقوق الانسان التي كان رئيسها في لندن, أرخ الجواب من وزارة الداخلية بالموافقة في 14 تموز 1992, وكان يتندر عندما يذكر هذا التاريخ بقوله (يريدون أن يذكروني بهذا اليوم على طريقتهم)(35).
    استمر عامر عبد الله عضواً اصيلاً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي (1976-1985), إذ لم يعد انتخابه في المؤتمر الرابع تشرين الثاني 1985, بسبب الانخراط في الكفاح المسلح وتقليص حجم القيادة.
    وجد عامر عبد الله متوفياً بشقته بصعقة كهربائية في اثناء تشغيله المدفأة, بحسب ما ذكره المصدر الرسمي في 29 كانون الثاني 2000 عن عمر ناهز السادسة والسبعين عاماً ودفن في مقبرة (هاي غيت) في شمالي لندن(36), وقد نعى الحزب الشيوعي العراقي عامر عبد الله في جريدة طريق الشعب بعد أن استعرض اهم محطات حياته الاجتماعية والسياسية والفكرية(37).
المصادر
32-    سيف عدنان ارحيم القيسي. الحزب الشيوعي العراقي وموقفه من التطورات الداخلية والخارجية 1968-1979. بغداد 2013. ص222.
33-    عامر عبد الله. مذكرات عامر عبد الله. ص46.
34-    عزيز سباهي. عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي. دمشق. 2002. ج3. ص177.
35-    عبد الحسين شعبان. عامر عبد الله النار ومرارة الأمل.. فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية. ص183.
36-    سعود الناصري. ورحل رفيق آخر. مجلة رسالة العراق. لندن. العدد 63 في آذار 2000.
37-    رسالة العراق العدد 7 في شباط 2000. نعي. الرفيق عامر عبد الله وداعاً.
 



60
يهود العراق والتمسك بالهوية الثقافية
نبيل عبد الأمير الربيعي
 
   الحنين إلى الماضي يساعد المرء على إدراك ذاته بصورة أفضل من خلال عقده لمقارنات بين ماضيه وحاضره, وبهذا المعنى يصبح الحنين للماضي بمثابة نقطة ارتكاز تُمكّن المرء من إدراك هويته, كما أن المرء يلجأ إلى الحنين للماضي عندما يعجز عن اضفاء الدفء على العلاقات الاجتماعية التي يحتاجها واعتاد عليها في موطنه الأصلي.
   حافظ يهود العراق على موروثهم الثقافي الشرقي وبدأوا في البحث عن جذورهم الشرقية خلال العقد الثامن من القرن الماضي, بل شعروا أن ثقافتهم على أقل تقدير مساوية للثقافة العربية التي يحملها يهود الغرب, فاليهود العراقيين حسب طبيعة البيئة التي نشأوا فيها في إسرائيل ينقسموا إلى مجموعتين, الجيل الأول من اليهود العراقيين نشأ في بيئة شرقية وتشكلت ثقافته من محيطه العربي, أما الجيل الثاني فشبّ في بيئة إسرائيلية تميل للطابع الغربي, وهذا من شأنه أن يحدث فروقاً بين الانتماء الثقافي بين المجموعتين وفق عناصر الهوية منها اللغة العربية التي تعتبر أحد أهم مفردات الهوية بصفة عامة, ومن اهم وظائفها التواصل مع الآخرين والمعرفة من خلال تعلم كيفية تصنيف الأشياء إلى مفردات ومصطلحات توجدها اللغة, كما أنها أداة يعبر بها الإنسان عن مشاعره وانفعالاته.
   وقد حافظ اليهود العراقيون على موروثهم الثقافي في العراق على مرّ العصور, ولم يمنعهم ذلك من الاندماج في المجتمع العراقي, حتى أن عاداتهم وتقاليدهم ولغة حوارهم اليومية كانت عربية, فكانت اللغة العربية عاملاً كبيراً في تشكيل الهوية الثقافية لليهود العراقيين, وقد نالت اللغة العربية قدراً كبيراً من الأهمية على مستوى كتابة الأدب لدى الجيل الأول منهم بعد الهجرة, ولعلّ في استمرار بعض الأدباء الذين ينتمون إلى جيل الآباء في الكتابة باللغة العربية لفترة بعد هجرتهم لإسرائيل دليلّ على تمسكهم بهويتهم الشرقية, وقد تمسك يهود العراق باللغة العربية تعبيراً عن الحنين إلى الماضي والتمسك بأهدابه, ويتمثل ذلك في تسمية الأشياء في إسرائيل بأسماء عربية, نظراً لما تحمله هذه الأسماء من شحنة استقرت في الوعي التاريخي لهم.
    تتمايز الجماعات عن بعضها البعض عن طريق اللغة واللباس والعادات والتقاليد وغيرها, فقد عبَّر الجيل الأول من اليهود العراقيين عن مدى تمسكهم بتراثهم الثقافي, ففي سبعينات القرن الماضي ظهر من بين مثقفي اليهود العراقيين مجموعة مؤسسة لـ(مركز التراث اليهودي البابلي), وكان من بين أهداف هذا المركز التركيز على الموروث الثقافي ليهود العراق من الناحية الاجتماعية والثقافية والأدبية, أقيم هذا المركز عام 1980م, ويهدف إلى جمع التراث اليهودي العراقي, فضلاً عن تمثيل اليهود العراقيين داخل المجتمع الإسرائيلي, ويوجد متحف ملحق بالمركز تعرض فيه آثارٌ يهودية من العراق, كما يصدر هذا المركز مجلة دورية (نهر دعة) التي تعني بالأدب والفلكلور العراقي للطائفة, كما يصدر المركز كتباً وأبحاث تتعلق باليهود العراقيين.
    كما أسس اليهود الذين ينحدرون من أصل عراقي (رابطة الجامعيين اليهود النازحين من العراق), وهي جمعية علمية ثقافية اجتماعية أدبية تأسست عام 1980م غرضها تعزيز التعاون بين الجامعيين اليهود النازحين من العراق في مجال البحث العلمي والنشاط الاجتماعي والثقافي والأدبي والفني, عن طريق نشر مؤلفات اليهود النازحين من العراق, والأبحاث التي كتبت عن يهود العراق, وعقد الندوات العلمية والثقافية والأدبية, كان يترأسها في العام الماضي الراحل البروفسير سامي مورية, وبعد وفاته ترأسها الدكتور خضر سليم البصون.
   تمكن اليهود العراقيين من استخدام الوسائل التي يتصلون من خلالها بهويتهم الشرقية من خلال الموسيقى والأغاني العربية والعراقية, فكان تمسكهم بعناصر الموروث الثقافي والفني العراقي, كما سعى اليهود ذوو الأصل العراقي إلى تربية أبنائهم بنفس الطريقة التي اعتادوا عليها في العراق, كما يسعون إلى تلقينهم المبادئ التي التزموا بها هناك, ويظهر هذا مدى الحرص الذي يدعوا له الجيل الأول من المهاجرين اليهود العراقيين على التقاليد التي تجعل مكانة الأخ الأكبر كمكانة الأب تماماً إذا غاب الأب عن المنزل.
   كما يحرص اليهود العراقيون على التمسك بالطريقة الشرقية في تربية الفتيات, والابتعاد عن مبادئ التحرر الغربية التي يعتبرونها مغالى فيها, ويرفض الجيل الأول من اليهود العراقيين للعادات السائدة في المجتمع الإسرائيلي الجديد عليهم والغريب عن مجتمعهم الشرقي المحافظ, وبما تعلموه في المجتمع الشرقي الذي جاءوا منه عن مساوئ الاختلاط بين الجنسين.
    وبسبب تمسك الجيل الأول من يهود العراق بعراقيتهم وثقافتهم العراقية أخذت تلعب الموسيقى والمقام العراقي دوراً هاماً في تحديد الهوية الجماعية لهم باعتبارها أحد أدوات التعبير عن الأنشطة الثقافية العراقية, وعندما هاجر يهود العراق منتصف القرن الماضي كانت الموسيقى والغناء العراقي قد ترسخت في وجدانهم واسهمت في تشكيل هويتهم الجمعية, وكنوع من التعبير عن انتمائهم الثقافي للهوية العراقية من خلال تفضيلهم الموسيقى والغناء العراقي, كما قاموا بتسجيل الأغاني العراقية في استوديوهات متواضعة, وكذلك غنى مطربو الطائفة حفلات الزفاف, فكان لهؤلاء المطربين جمهورٌ كبير في إسرائيل.
    كما لا ننسى تمسك الجيل الأول من يهود العراق بعاداتهم في مجال الطعام العراقي, وقد فضّلوا طرقهم الخاصة فيما يتعلق بمسألة الطعام, فحافظوا على أنواع الأطعمة التي كانوا يأكلونها في العراق قبل الهجرة, كما استطاعوا أن يقيموا سوقاً خاصاً بهم لبيع مستلزمات الأكلات العراقية, وكذلك لبيع الأطباق العراقية الجاهزة, ويعبّر هذا عن ميل الطائفة اليهودية العراقية في إسرائيل للاحتفاظ بهويتها الشرقية العراقية وبالثقافة التي تعبر عن هذه الهوية على الأقل في المراحل الأولى, ويدل هذا على تمسك الجيل الأول من اليهود العراقيين بالهوية العراقية الشرقية المتمثلة في الحفاظ على الطعام الشرقي المتعلق بيوم السبت.
   أما الجيل الثاني من أبناء يهود العراق إذ يقل تمسكه بالهوية الثقافية ربما يجدها غريبة عليه وغريبة على المجتمع الذي يعيش فيه والذي استقر فيها, فضلاً عن مرحلة التعليم والادراك واكتساب الثقافة المحيطة به, لذلك يمكن تسليط الضوء في السبب إلى البيئة التعليمية التي نشأ فيها الجيل الثاني من يهود العراق باعتبارها عاملاً مؤثراً في تشكيل هويتهم, فتعلم ابناء المهاجرين اليهود العراقيين في مدارس إسرائيلية, حيث ركزت مناهج  التاريخ في المؤسسة التعليمية الإسرائيلية آنذاك على تاريخ يهود أوروبا, كما تضمنت تاريخ الحركة الصهيونية في أوروبا, بينما لم تتناول تلك المناهج تاريخ يهود البلدان العربية ومنها العراق, كما اهتمت المناهج الدراسية بالأعمال الأدبية لليهود ذوي الأصول الأوروبية ولم تأتِ بذكر لكتابات يهود شرقية أو عراقية إلاّ فيما ندر.
   لذلك يبتعد الطلاب العراقيون عن تاريخ آبائهم ويدرسون تاريخ يهود الأشكناز, كما اسهمت اللغة العبرية بشكل كبير في تشكيل الهوية لدى الجيل الثاني, مما نتج عن ذلك فجوة ثقافية بين الجيل الأول والجيل الثاني تسببت في صعوبة نقل الهوية الثقافية العراقية للجيل الثاني, كما تسبب للجيل الثاني نوع من الخجل بسبب هويتهم العراقية الشرقية, وهناك عدد لا يستهان به من المهاجرين اليهود العراقيين المثقفين رفضوا جذورهم العربية لكي يكونوا أكثر اقتراباً من المجتمع الإسرائيلي, والتخلي عن الموروث الثقافي الشرقي وتبني الهوية الإسرائيلية, وقد كشفت إحدى الدراسات الاجتماعية حدوث انخفاض بنسبة كبيرة في عدد المحافظين على العادات الشرقية لدى الجيل الثاني من ناحية, وحدوث زيادة كبيرة في نسبة الذين تخلوا تماماً عن هذه العادات من ناحية أخرى, إذ يفضل ابناء الجيل الأول أن يعيش الشاب مع أبويه إلى أن يتزوج, وقد جرى العرف على هذا, غير أنّ الجيل الجديد من أبناء المهاجرين العراقيين بدأ يخالف هذا العرف, ويسعى المجتمع العراقي في إسرائيل بصفة عامة لجعل الزواج أساساً للحياة الاجتماعية, وليس ممارسة الجنس دون زواج, وتشير بعض الدراسات إلى عدم تمسك الجيل الثاني من اليهود العراقيين بالتقاليد التي تحظر الاختلاط بين الجنسين دون زواج.
    حافظ الجيل الأول من المهاجرين العراقيين في إسرائيل على حرمة يوم السبت في الشريعة اليهودية, فالأم تستعد من يوم الجمعة قبل غروب الشمس وتسخن كفايتها من الماء لأنها تعلم أنه محظور عليها إيقاد الموقد يوم السبت طبقاً للشريعة اليهودية, غير أنه يبرز أيضاً عادة اجتماعية وهي عادة الاغتسال عشية السبت, فحتى التدخين يعتبر البعض حراماً أو فساداً, إلا أن معدل التدين بين أفراد الجيل الثاني أقل من معدل التدين لدى آبائهم من الجيل الأول.
   وفي ظل تلك المعطيات تنبأ عدد من الباحثين بعدم قدرة الهوية الدينية لليهود العراقيين على الصمود أمام الهوية الإسرائيلية الغربية الجديدة والتي تنافي ما كان عليه اليهودي قبل قيام الدولة في أنحاء العالم, لكن مع هذا أصبح لليهود العراقيين حضور ملحوظ في جميع مجالات المجتمع الإسرائيلي, فضلاً عن المؤسسات والدوائر الحكومية.
   
 



61
محطات من سيرة حياة المناضل والمفكر عامر عبد الله (الحلقة الثانية)
نبيل عبد الأمير الربيعي
    عمل عامر عبد الله كأحد كوادر الحزب الشيوعي العراقي وانخرط بعدها في حركة انصار السلام في العراق, المؤيدة لمجلس السلم العالمي, كم انتمى إلى لجنة معاونة العدالة, التي كانت تأخذ على عاتقها مهمة الدفاع عن السجناء السياسيين, وضمت اكثر من 180 محامياً, ويصفها بكونها فرقاً جوالة متطوعة تجوب بغداد وكركوك والبصرة والموصل وسائر مناطق العراق للدفاع عن المتهمين, وعبر عن قيمة دفاعهم ونتائجها بأنها مناسبة لإدانة الحاكمين وإعلاء راية الحق وعقيدة الكفاح(17).
   من خلال ملفته في مديرية الأمن العامة تبين أنه في العهد الملكي لم يعتقل غير مرة واحدة عام 1952م بتهمة سياسية بسبب جرأته في فضح النظام, وتطوع للدفاع عنه 146 محامياً, والقى على أثرها كلمة مؤثرة وحادة ندد فيها بالحكام, وأُحيل إلى المحكمة وكانت مداخلة المدعي العام عبد الأمير العكيلي دفاعاً أكثر منها إدانة واتهاماً(18), كانت تصدر بحقه أحكاماً غيابية, منها بتاريخ 31 كانون الثاني 1953م عُدّ من الهاربين, وفي 21 شباط 1953 صدر الحكم عليه بالحبس ثلاث سنوات مع وضعه تحت المراقبة مدة سنتين لكن لم تنفذ أي من هذه الأحكام(19).
   كان يجري تكليف عامر عبد الله من قبل قيادة الحزب بكتابة مقالات في جريدة (القاعدة) السرية لسان حال الحزب الشيوعي العراق في حينها, وبعد تولي حميد عثمان لقيادة الحزب حزيران 1954م, كان من بين اعضاء اللجنة المركزية عامر عبد الله, تمكن سلام عادل وبمساعدة اغلبية اعضاء اللجنة المركزية ومنهم عامر عبد الله من ابعاد حميد عثمان عن سكرتارية الحزب(20), ومنذ أواسط الخمسينيات كان عامر عبد الله وسلام عادل بمثابة عتلة الحزب, فالأول له الريادة الفكرية والتحليلية وهو ايديولوجي الحزب ومثقفه وعرابه, كما يسمى, وسلام عادل له فهمه السياسي العالي وكان منظماً بارعاً وشخصية حريصة على تجميع الكوادر(21).
    كان سلام عادل همهُ الأول استعادة وحدة الحزب وتصويب سياسته, وحصلت لقاءات عديدة مع جماعة النضال ووافقوا على الاندماج وانتخاب عبد الرحيم شريف عضواً في اللجنة المركزية(22), أما جامعة راية الشغيلة فقد عارض جمال الحيدري الاندماج لكنه وافق في النهاية, وعلى اثر هذه التسويات عقد الكونفرنس الثاني في ايلول1956(23) , كان عامر عبد الله من ضمن المشاركين في توحيد الحركة الشيوعية في العراق.
   بعد انتفاضة 29 تشرين الثاني عام 1956 التي  نددت بالعدوان الثلاثي على مصر, كان الحزب الشيوعي العراقي من القوى الوطنية التي شاركت في تصعيد شرارتها وحث الجماهير على الخروج لتأييد الانتفاضة(24), في صيف عام 1956 زار رشيد مطلك وكمال عمر نظمي عامر عبد الله في بيته في منطقة الصليخ زيارة غير متوقعة واخبراه أن عبد الكريم قاسم ينتظر جواباً بشأن دعم الثورة التي يزعمون تفجيرها عن طريق مناورة عسكرية في الخريف التالي, مستفسرين عن تفصيلات الخطة التي تروق للحزب الشيوعي والدعم الذي سيتلقاه الضباط الأحرار منهم(25), كتب عامر عبد الله على أثر ذلك تقريراً تبنته اللجنة المركزية لاحقاً, إذ اوضح فيه ضرورة اعتماد العنف والقوة في إسقاط النظام, وبدأ التوجه نحو المؤسسة العسكرية وتوسيع الصلاة بالجيش وحركة الضباط الأحرار(26), كما كتب رسالة إلى عبد الكريم قاسم بين فيها اهم الآراء التي كانت تناقش في اللجنة المركزية... وضرورة اعلام الحزب مسبقاً عن موعد البدء بالحركة والاستمرار في الاتصالات لضمان الموعد المناسب للثورة(27).
    ساند الحزب الشيوعي العراقي الثورة في التحشيد العسكري من خلال منظمات أنشأها الحزب مثل (اتحاد الضباط والجنود الشرفاء), كانت تظم عدداً من العسكريين الشيوعيين الذين دعموا الثورة, كما دعم الحزب الثورة سياسياً من خلال البيانات والمظاهرات المؤيدة له, وخارجياً دعم الحزب الثورة من خلال الاتصال بالحزب الشيوعي السوري إذ كلف سلام عادل عامر عبد الله في منتصف عام 1957م بهذه المهمة لغرض تأمين شحنة سلاح من سوريا للعراق, والاتصال بالاتحاد السوفيتي لتأمين الدعم للثورة في حال انطلاقها(28).
    على الرغم من رفض الاتحاد السوفيتي إعطاء وعد بدعم الثورة إلاّ أنه أيدها, وكان موقفهم مشرفاً, فعند حدوثها اتخذت دول حلف وارسو قراراً بالاجماع بالاعتراف بالنظام الجمهوري في العراق, والتهديد باستعمال القوة العسكرية ضد أي تدخل اجنبي(29), وفي خضم التحولات الجديدة وانتصار ثورة 14 تموز 1958 ساهم عامر عبد الله بنقل الحزب نقلة نوعية عن طريق تلبية الدعوات التي وجهت للحزب من قبل الاحزاب العالمية, وتعريف هذه الاحزاب بالواقع المرير الذي عاشه العراق.
   كما ساهم عامر عبد الله مع قادة الحزب الشيوعي العراقي ابان ثورة 14 تموز وفي الوضع المتناقض بين الواقع الرسمي وبين الحقيقية الشعبية على حملة جمع تواقيع نصف مليون مواطن ليطالبوا عبد الكريم قاسم بإصدار جريدة علنية للحزب, ومع المشاكل التي واجهتهم من طباعة وتحرير وإدارة وتمويل وتوزيع تمكنوا من اصدارها في 25 كانون الثاني 1959, وسرعان ما ظهر عامر عبد الله كأحد ابرز المحررين(30).
   لكن خلال مسيرة الحزب بعد ثورة 14 تموز 1958 بدأ الخلاف يطفو بين سلام عادل وعامر عبد الله حول رؤية كل منهما لمسار ثورة 14 تموز 1958, إذ كان يصف عامر عبد الله ثورة تموز بعبارة مشهورة (ثورة تموز ليست ثورتنا إنها ثورة الطبقة الوسطى والبرجوازية الوطنية), وكان من أشد الداعمين لسلطة عبد الكريم قاسم داعياً إلى لبس قفازات الحرير الدبلوماسية, وعلى الرغم من تأييد عامر عبد الله لسياسة عبد الكريم قاسم إلاّ أنه رفض عزل الحزب الشيوعي عن مشاركته في الحكم, مع الزيادة التي حصلت في أعداد المنتمين للجمعيات الشيوعية, فلم يتم استيزار أحد سوى نزيهة الدليمي, ومع هذا لم يكن عامر عبد الله مقتنعاً إذ وجده جزئياً وتزينياً, وكان يطمح إلى المزيد من المناصب التي تتناسب مع نفوذ الحزب الشيوعي(31).
   وبعد تدهور العلاقة بين الحزب الشيوعي والزعيم عبد الكريم قاسم بدأ العد التنازلي للحزب في العمل العلني, فعندما قدم وفد يمثل الحزب الشيوعي في 9 كانون الثاني 1960 طلباً إلى وزارة الداخلية لإجازة الحزب رفض هذا الطلب, في حين جرت الموافقة على طلب اجازة حزب داود الصائغ تحت اسم الحزب الشيوعي العراقي, وطالت مدة التباعد بين عامر عبد الله وعبد الكريم قاسم واضطر إلى الإختفاء, وعاد الحزب الشيوعي ليمارس العمل السري من جديد, أما داخل الحزب فقد ظهر التكتل والخلافات الفكرية داخل قيادة الحزب الشيوعي وداخل المكتب السياسي, كان عامر عبد الله أحد اعضاء هذا التكتل فضلاً عن زكي خيري وبهاء الدين نوري ومحمد حسين ابو العيس وثابت حبيب العاني, فأصبحت العلاقة بين القادة نتيجة لذلك علاقة ندية, ومع بداية الخلافات مع عبد الكريم قاسم, التي انعكست على علاقة عامر عبد الله بالقادة, انتهى الأمر بمحاولة تحجيم دوره وابعاده عن بعض الاجتماعات المهمة, مما دعا عامر عبد الله إلى الرغبة بالسفر إلى الاتحاد السوفيتي لغرض الدراسة في المدرسة الحزبية في موسكو.
 
 
المصادر
17-   طريق الشعب. العدد 917 في 24 تشرين الثاني 1976.
18-      عامر عبد الله. من دفتر الذكريات. ص213.
19-      غادة فائق محمد علي. عامر عبد الله ودوره السياسي والفكري في العراق. مصدر سابق. ص68.
20-      عزيز الحاج. ذاكرة النخيل.. صفحات من تاريخ الحركة الشيوعية في العراق. بيروت 1963. ص160.
21-    21 غادة فائق محمد علي. عامر عبد الله ودوره السياسي والفكري في العراق. مصدر سابق. ص73.
22-    22 عامر عبد الله. سنوات الفقر والأمل الخائب 1988-1994. ج2. ص178.
23-    23 جعفر عباس حميدي. التطورات والاتجاهات السياسية الداخلية في العراق 1953-1958. بغداد 1980. ص204/207.
24-    حكمت خليل محمد (ابو ناظم). دور الحزب الشيوعي العراقي والشيوعيين والقوى الديمقراطية في الحركة الوطنية 1951-1958. بغداد 2007. ص59/60.
25-    عامر عبد الله. خواطر وذكريات بمناسبة الذكرى 25 لثورة تموز المجيدة. مجلة الثقافة الجديدة. العدد 144 . تموز 1983. ص19.
26-    عامر عبد الله. من دفتر الذكريات. ص217.
27-    عامر عبد الله. خواطر وذكريات . مجلة الثقافة الجديدة العدد 144. تموز 1983. ص19.
28-    عامر عبد الله. خواطر وذكريات بمناسبة الذكرى 25 لثورة تموز المجيدة. مجلة الثقافة الجديدة. العدد 144. تموز 1983. ص25.
29-    نجم محمود المقايضة. الخلفية التاريخية لحرب لم تنته بعد. بيروت. 1991. ص110.
30-    عامر عبد الله. اتحاد الشعب جريدة الآمال العظيمة والهموم الكبيرة. جريدة طريق الشعب العدد 574 في 31 تموز 1973.
31-    عامر عبد الله. سنوات الفقر والأمل الخائب 1988-1994.ج2. ص206.



62
محطات من سيرة حياة المناضل والمفكر عامر عبد الله (الحلقة الأولى)
نبيل عبد الأمير الربيعي
 
    ولد عامر عبد الله عام 1924م في مدينة عانة ضمن لواء الدليم, لوالد من قبيلة طي من بني نبهان وأم من عشيرة الجبور, كان اصغر ابنائهم الأربعة (خولة وحاتم وحليمة وعامر), إذ تنبأ الأب بمستقبل ولده الأخير فكان يضع يده على رأس عامر عبد الله ويقول له "هذا الرأس نأمل منه الكثير, يا عامر فيك الخير, ومنك الكثير"(1).
    أكمل دراسته الابتدائية في مدرسة عانة الابتدائية للبنين والمتوسطة في متوسطة عانة للبنين, والثانوية في كلية الملك فيصل عام (1940-1943م), فضلاً عن رغبته الالتحاق بدار المعلمين الابتدائية لكنه فشل في اختبار البصر, لذلك فكر بالعودة إلى عانة ليكون شيخاً ويسير على خطا والده, وحال دون ذلك الدكتور مصطفى شريف فأنقذه من ذلك المصير بحصوله على فرصة الدراسة في كلية الملك فيصل(2), بعد اكماله الثانوية قدم إلى دار المعلمين العالية لكن لم يحالفه الحظ بسبب إخفاقه في اختبار البصر مرة أخرى(3), فاكمل دراسته في كلية الحقوق في بغداد (4), وبعد تخرجه من كلية الحقوق انتمى إلى نقابة المحامين بتاريخ 7 تموز 1947 ومارس مهنة المحاماة لمدة قصيرة(5), فمن بين القضايا التي لبس فيها عامر عبد الله ثوب المحاماة عندما دافع عن فهد مؤسس الحزب الشيوعي العراقي عام 1947م قبل أن ينهي مدة التدريب, فكان من ضمن 160 محامياً دافعوا عنه, على الرغم من أنه التقى به مرة واحدة مصادفة(6).
    من الصفات الشخصية للراحل عامر عبد الله "هدوء الطبع وصارم الشخصية وجدّي الطبع, اناقته الدائمة وهدوؤه وقلة حركاته, كما يمتلك موهبة التأثير في الآخرين, فضلاً عن ثقته بنفسه, ونظراً لثقافته الواسعة فلديه قدرة على التواصل مع القوى الأخرى إلى تسويات ويقوم بمناورات من غير التخلي عن الهدف والمبدأ, كما أنه يختلق عن أقرانه بما يمتلكه من سمات القائد, فضلاً عن حدية عناده في المناقشات ومرونة كبيرة في احتواء الأخرين للوصول إلى الهدف المطلوب, وتجده جدياً إلى حد لا يعقل, لكنه في الوقت ذاته مرح وصاحب نكتة.
    تزوج عن وقتٍ متأخر عام 1959م من أنا نكوفا المترجمة في لجنة العلاقات الخارجية للجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري(7), لكن زواجه لم يستمر مدة طويلة فانفصلا لعدم تحمل الزوجة البلغارية ظروف عامر عبد الله وانهماكه في العمل السياسي(8), وتزوج مرة أخرى من زميلته في المهنة بدور زكي محمد الدده عام 1974, وهي عضو في نقابة المحامين عام, فولدت له عام 1979م ابنته مريم واسماها على اسم والدته, لم تستمر العلاقة بين عامر عبد الله وبدور زكي محمد فانفصل عن زوجته قبل أشهر من وفاته عام 2000م لكن لم يكن الانفصال رسمياً(9).
     فتحت لعامر عبد الله قبوله في كلية الملك فيصل آفاقاً في الثقافة والأدب من خلال المطالعة حتى صباح اليوم التالي منكباً يقرأ الكتب الدينية والتاريخية, واتيحت له فرصة قراءة مجلات الهلال والرواية وحفظ رباعيات الخيام ومسرحيات وليم شكسبير, وكانت هناك شخصيتان عراقيتان أثرتا بشكل معمق في شخصيته, أولهما كان طلعت الشيباني الذي التقاه في مصر, إذ كان الأخير يقتني عدداً من الكتب اليسارية مثل اعمال كارل ماركس وفلاديمير لينين وجورجي بليخانوف, واطلاعه على تاريخ الحزب الشيوعي السوفيتي والاقتصاد السياسي الماركسي, كما كانت علاقته بعزيز شريف أثر مضاف في شخصيته, كما اقتنى القصص الروسية وانتقل إلى الأدب الفارسي, وتوصل إلى انطباع راسخ إن الشعر العربي والفارسي هما المتميزان في الشعر, والقصة الروسية هي المتميزة في الأدب العالمي(10), وقد اتفق مع فيصل السامر  زميله في كلية الملك فيصل بأن يشتركا في الكتابة بإحدى الصحف, وقد طلب منه عزيز شريف نهاية عام 1944م أن يسكن في مبنى جريدة (الوطن), وكانت الانطلاقة لاحتكاكه بقادة الأحزاب السياسية الذين هم أكبر منهُ سناً وتجربة(11), كانت باكورة نجاحاته وارتقائه في المجال الصحفي هو عمله في تحرير الصفحة المحلية لجريدة (الوطن) لسان حال حزب الشعب(12).
     بعد توقيع العراق لمعاهدة بورتسموث في 10 كانون الثاني 1948 في ميناء بورتسموث البريطاني, جوبهت هذه المعاهدة بانتقادات شديدة بعد نشرها في بغداد, فتمت الموافقة على إلغاء المعاهدة واستقالت وزارة صالح جبر تحت ضغط الجماهير في 27 كانون الثاني 1948(13), شارك عامر عبد الله في المظاهرات المنددة بالمعاهدة وسار في مقدمة التظاهرات ونصحه ضابط في الشرطة وهو من المنطقة التي يسكن فيها بضرورة الهرب خوفاً من أن يتعرض للقتل, في البداية رفض وبعد حدوث إطلاق النار غادر إلى مقر جريدة (الوطن) لكتابة مقال عن ما حدث(14). كما لم يكن عامر عبد الله بعيداً عن هموم المواطنين وابناء شعبه, ولم يكن بعيداً عما يجري من مظالم العمال في K3  , كل هذه الهموم وتطلعه لأوضاع العراق السياسية والاقتصادية التي عاشها ومر بها, وانتشار الأفكار اليسارية والماركسية أدت إلى تهيئته للانضمام للحزب الشيوعي العراقي, والتي ادت بعد ذلك أن يكون أحد ابرز مناضلي الحزب ومفكريه.
    بعد رؤيته مشانق ساحة المتحف العراقي وساحات اعدام قادة الحزب الشيوعي العراقي في 13/14 شباط 1949م قرر السفر إلى بيروت للابتعاد عن ظروف العراق السياسية والالتقاء بقادة الحزب الشيوعي اللبناني منهم المفكر حسين مروة عضو اللجنة المركزية وانطوان ثابت وجورج حنا المفكر والأديب اللبناني ورضوان الشهال الشاعر اللبناني ورئيف خوري الأديب والصحفي والناقد(15), وراح فرج الله الحلو يلقن عامر عبد الله بعض الأفكار الماركسية, ثم عاد إلى العراق ليقرر الانتماء لصفوف الحزب الشيوعي العراقي في خريف عام 1949م(16).
 
المصادر
1-      غادة فائق محمد علي. عامر عبد الله ودوره السياسي والفكري في العراق (1924-2000) . بغداد. وزارة الثقافة. دار الشؤون الثقافية العامة. ط1. 2018. ص23.
2-        عامر عبد الله. سنوات الفقر والأمل الخائب (1924-1988), ج1. حوار حازم صاغية. مجلة أبواب. العدد الثاني 1994م. ص164.
3-        عامر عبد الله. من دفتر الذكريات. ص207. نقلاً عن عبد الحسين شعبان. عامر عبد الله . النار ومرارة الأمل. فصل ساخن من فصول الحركة الشيوعية.
4-        غادة فائق محمد علي. عامر عبد الله ودوره السياسي والفكري في العراق مصدر سابق. ص27.
5-        الوطن. عدد 435 في 29 نيسان 1948.
6-        عامر عبد الله. سنوات الفقر والأمل الخائب (1924-1988), ج1. ص167.
7-        عامر عبد الله. سنوات الفقر والأمل الخائب (1988-1994) ج2. حوار حازم صاغية . مجلة ابواب. العدد الثالث. 1994. ص230.
8-        المصدر السابق. ص230.
9-        غادة فائق محمد علي. عامر عبد الله ودوره السياسي والفكري في العراق. مصدر سابق. ص38.
10-      عامر عبد الله. من دفتر الذكريات. ص208.
11-      عامر عبد الله. سنوات الفقر والأمل الخائب (1924-1988).ج1. مصدر سابق. ص167.
12-      الحقيقة. العدد 78 في 9 نيسان 2013.
13-      جعفر عباس حميدي. التطورات السياسية في العراق 1941-1953. النجف الاشرف. 1976. ص42.
14-      عامر عبد الله. سنوات الفقر والأمل الخائب (1924-1988). ج1. مصدر سابق. ص67.
15-      عامر عبد الله. لقاءات مع فرج الله الحلو القائد الثوري الكبير. مجلة الطريق. بيروت. العدد الاول في آذار 1985. ص70/71.
16-      عامر عبد الله. من دفتر الذكريات. مصدر سابق. ص212.



63
الروائية تسيونيت فتال تبحث عن جذورها العراقية
نبيل عبد الأمير الربيعي
 
    عانى يهود العراق من الظروف الاجتماعية والاقتصادية السيئة التي مرّوا بها أثناء فترة الهجرة القسرية من العراق إلى إسرائيل عقب قيام الدولة عام 1948, فكانت حقبة هجرتهم للأعوام (1950-1951) قد ظهرت في هذه الدولة الراعية لهم ولحقوقهم في مخيمات المهاجرين الجدد, وكانت لهذه الفترة الأثر الكبير على حياة المهاجرين في إسرائيل, فقد ساءت الأحوال الاقتصادية لليهود العراقيين في هذه المخيمات (المعابر) بعدما كانوا يعيشون في وضع اقتصادي ومعاشي جيد, وقد تكبدّ معظمهم العناء في البحث عن العمل, ومنيت الأغلبية بالبطالة.
    وقد ظهر بعد حقبة الخمسينيات والستينيات جيل من الأدباء والروائيون ذوي الأصل العراقي استطاعوا أن ينقلوا معاناة عوائلهم وأن يشكلوا مدرسة أدبية لها سماتها الخاصة ومنهم الروائية تسيونيت فتال, إذ تمسكت فتال بثقافتها الشرقية الأصيلة, التي جلبها معهم ذويها على أثر هجرتهم, فضلاً عن معاناتهم الشديدة أثناء الهجرة من ترك أماكن ولادتهم وملاعب الصبا والشباب, للهجرة إلى المجهول الذي كان من الصعب استيعابهم في مجتمع إسرائيلي جديد غريب على ثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم.
   مثلت الروائية فتال في روايتها (الصور على الحائط) طابعها الشرقي, وهو ما تطرحه من خلال تواجدها في إسرائيل, تعبيراً عن موطنها وبيئتها الشرقية التي انحدرت منها, لتتناول الأحداث التي عايشوها ابناء جلدتها قبل الهجرة إلى إسرائيل.
    شهدت الروائية في روايتها تساؤلات عن مصير أبناء يهود العراق الذين عاشوا في هذا البلد زهاء 2600 سنة, في ضوء مصيرهم قبل وبعد الهجرة, وفي ضوء الأحداث السياسية والتساؤلات التي صاحبتها.
   الرواية (الصور على الحائط) تعد أحد الروايات التي تتناول حال يهود بغداد قبل الهجرة, فضلاً عمن سبقها من الروائيون العراقيون من أبناء الديانة اليهودية امثال شمعون بلاص وسمير نقاش وسامي ميخائيل وبار موشيه, ولكن رواية فتال تعد من النماذج الروائية العبرية التي تأثرت كاتبتها باللغة العربية وبالأمثال الشعبية العراقية, حتى أن لغة الحوار في هذه الرواية تكتظ بمعانِ اللغة العربية, فضلاً عن كتابتها من قبل فتال باللغة العبرية.
    اعتقد من خلال القراءة للرواية, والمتابعة لما كتب عنها من نقد ادبي, تعد (الصور على الحائط) من الروايات المهمة في تاريخ ادب يهود العراق, وأجد أن الأدب الإسرائيلي الذي قدمه هؤلاء الأدباء من أصل عراقي أو شرقي قد تمكنوا أن يكون لهم باع كبير في الساحة الأدبية الإسرائيلية والمنطقة العربية مثلما فعلت الموسيقى الشرقية والمقام العراقي, والسبب الرئيس لاعتقادي هو طبيعة الجمهور المتلقي للأدب, الجمهور الذي بدأ الاطلاع على الآداب العربية سواء من اليهود من أصل شرقي أو من أصل غربي, فضلاً عن تمسك معظم الأدباء الشرقيون داخل المجتمع الإسرائيلي بأصولهم العربية عامة والعراقية خاصة, حيث سبق ايضاح أن اليهود الذين عاشوا في الدول العربية ولا سيما في العراق كانوا جزءاً من النسيج الاجتماعي لهذه الدول, بل كانت لهم في كثير من الأحيان مكانة خاصة في المجتمع.
    كما نجد أن هناك اتجاهاً جديداً بين بعض الروائيين الشرقيين يرى ضرورة العودة إلى تراث آبائهم الشرقي, ومثال ذلك الروائية تسيونيت فتال, فقد نجحت فتال إلى حد كبير في مهمة نقل الهوية الثقافية العراقية إلى القراء والأدباء الشباب من اليهود العراقيين في إسرائيل, والدليل على ذلك هو أنه بعد مضي أكثر من ستة عقود من الزمن بعد هجرة يهود العراق إلى إسرائيل ما زال هناك أدباء من الكتاب من اصول عراقية ممن كتب في موضوع الهوية الشرقية امثال الموج بهار وسامي بردوجو وتسيونيت فتال , فإن هؤلاء الكتاب وجدوا طريقة في التعبير عن هويتهم الشرقية.
    مما سبق يتضح مدى تأثر الروائية فتال بحياتها وبيئتها وتربيتها ونشأتها وأصولها العراقية الشرقية, وقد ترتب على ذلك ميلها في كثير من الأحيان إلى تصوير شخصيات عراقية وإلى وصف مشاهد في العراق دون زيارته, وحتى في وصفها للطبيعة يقرن ذلك بأشياء في العراق, وأجد من خلال مطالعتي للرواية (الصور على الحائط) انها حتى بعد أن هاجر اهلها إلى إسرائيل احتفظت بالبيئة العراقية في داخلها, فلم تبدلها بأخرى وإنما انتقلت من مكان إلى مكان آخر حاملة معها هويتها العراقية.
    تعد رواية (الصور على الحائط) أول رواية لأديبة من أصول عراقية تكتب بلّغة العبرية وتترجم للغة العربية لروائية شابة تعيش في إسرائيل حيث أعادت رسم جزء من واقع تأريخ ابناء شعبها وفاءاً منها لعائلتها ولأبناء ديانتها لبلد عشقت ابناءه دائماً.
    أجد في الرواية أن الروائية فتال ترغب أن تمد جسور التسامح والمحبة والتواصل مع ابناء العراق من خلال التبادل الثقافي والإنساني, وقد أذابت فتال الحواجز الصلبة بين ابناء العراق في الداخل والخارج من خلال روايتها (الصور على الحائط).
 



64
برزان التكريتي ومذكرته (السنوات الحلوة والسنين المرّة)
نبيل عبد الأمير الربيعي
    عندما يرحل الأفراد مهما كانوا سياسيين أو علماء أو ادباء ترحل مهم ذكريتهم ومذكراتهم, ويذكر الكاتب والباحث عبد الحسين شعبان حول مذكرات الراحل عامر عبد الله, أنه الراحل تحدث له عن وجود ثلاث مسودات كل مسودة تحتوي على (300) صفحة, لكنه تأسف على مذكرات عامر عبد الله المفقودة, أما بخصوص الراحل برزان التكريتي فمسودات مذكراته قد عثرَّ عليها الأمريكان باحتلالهم العراق وتم نشرها على موقع أمريكي, وهي مذكرات رئيس جهاز المخابرات الصدامية الأسبق برزان التكريتي الأخ غير الشقيق على مواقع النت متضمنة ملاحظات برزان بخط يده, ومن ثم قامت (مكتبة المجلة) بنشرها خلال الأيام الماضية مع ملاحظات الراحل برزان, ومن ثمَّ تم طباعتها ونشرها طبعة ثانية دون موافقة ورثة الراحل.
    اصبحت المذكرات تحتل ركناً في قائمة الكتب الأكثر رواجاً والأكثر تداولاً في مجتمعنا, لقد بتنا نطالع شهادة الفاعلين والعاملين في العملية السياسية العراقية, وبهذا المجال يمكن ان نستشهد بمذكرات برزان التكريتي المهمة لفضح النظام وطريقته في إدارة دفة الحكم زهاء أكثر من ثلاثة عقود من الزمن, فقد انتظرنا كثيراً من السنوات لمعرفة حقائق كثيرة طالما كانت غائبة عن المتابعين لهذا النظام الظالم والدكتاتوري, وما زلنا في حاجة إلى الكثير من المعلومات حول هذا النظام لتتشكل الصورة الحقيقية لهذا النظام الذي سقط في ليلة وضحاها على يد القوات الأمريكية دون تدخل فاعل من قبل المعارضة العراقية, ولذلك تعتبر مذكرات برزان التكريتي الذي حكمت عليه المحاكم بعد سنوات الاحتلال بالموت شنقاً إنها شهادات مطلوبة وأساسية للمتابع للعملية السياسية, لإكمال جوانب أخرى من صورة هذا النظام ودعم دول الجوار لهُ والقوى الامبريالية المساندة والقطار الأمريكي الذي حمل هذه الطغمة للتسيّد على ابناء الشعب العراقي منذ عام 1968م.
    لقد اختفى الكثير من المعارضين والعلماء والأدباء أثناء تولي نظام البعث للسلطة, واختفى الكثير من المفكرين واختفت معهم مذكراتهم, وبعد اختفاء هذا النظام بعد عام 2003 لم نعتد على كتابة السير والمذكرات والاطلاع عليها بسبب الخوف والمسؤولية والنقص في الكتابة والتأليف, إلا أنه قد فتحت لنا في الآونة الأخيرة فسحة من الأمل للاطلاع على أغلب المذكرات وتقييم الواقع الذي كنى نعيش فيه.
    الكتاب صادر عن مكتبة المجلة وهو اسم لم اسمع به سابقاً, وقد كتب الناشر مقدمة للمذكرات لاطلاع القراء على مضمون هذا الكتاب, وقد تضمن الكتاب (428 صفحة من القطع الوزيري, وقد تمّ تقسيم الكتاب إلى قسمين, القسم الأول تضمن نبذة تاريخية موجزة عن حياة برزان ومشاركته مع أخيه صدام حسين في العمل السياسي في صفوف حزب البعث وتغيير النظام العارفي, واشغاله لمنصب  مدير المخابرات العامة العراقية, والقسم الثاني مذكرات برزان التكريتي اليومية مع عائلته في جنيف حتى رحيل زوجته أحلام من الحياة, وأسفه على رحيلها.
   ففي صفحة 6 من المذكرات يصف برزان عناصر حكومة البعث في اسلامهم للسلطة عام 1968م قائلاً "كانت علاقتهم ممتازة واستمرت إلى ما بعد استلام السلطة بسنتين تقريباً, وبدأ التنافس على الغنيمة, وهذا أمر طبيعي في عمل الأحزاب الثورية والعصابات, لأن كل الأحزاب الثورية والعصابات يبدأون بتصفية بعضهم بعد سرقة البنك أو بعد الوصول للهدف", هذا الوصف يؤكد برزان بأن حكومة البعث هم مجرد عصابة استحوذت على خيرات العراق, وفي نفس الصفحة يؤكد برزان على أن اعمام صدام قد تبرأوا منه قائلاً "لم تكن لصدام علاقة مع عمامة لأنهم تبرأوا منهُ عندما قام بقتل الحاج سعدون أحد أقربائنا", وهذا تأكيد على اجرامية صدام ودهائه في قتل اقرب الناس إليه.
   أما حال الممتلكات العراقية وكيفية الاستحواذ عليها من قبل حكومة البعث يذكر برزان التكريتي في صفحة 16 قائلاً "ولكن مع الأسف كل هذه الأجواء الجميلة والطبيعية اختفت بعد أن وصلنا إلى القصر الجمهوري وتم استملاك الأراضي والدور, وتم مصادرة المرافق العامة في هذه المنطقة الجميلة وتم تحويلها إلى معسكر مختلف وليس إلى معسكر منظم.... ومنذ ذلك الوقت بدأت نظرية المؤامرة والتي لم يتخلص منها أهل القرار لحد الآن, مع الأسف, وكل شيء يوعزوه لوجود مؤامرة ومتآمرين, ناسين انهم أشد المتآمرين على انفسهم وعلى شعبهم", ولذلك بدأت عمليات الاعدامات بتهم المؤامرة والعمالة لأبناء الشعب العراقي, أما الرتب العسكرية فقد منحت لأقرباء صدام ممن كانوا شرطة أو جنود وبرتب دنيا, ولكن في عهد صدام حصلوا على رتب عليا بدرجة وزير وفريق أول ركن, وأمثال ذلك عبد حمود وعلي حسن المجيد وحسين كامل وصدام كامل, فضلاً عن منح برزان التكريتي في شهر نوفمبر من سنة 1969 رتبة وقتية في الجيش العراقي وهو لم يكمل دراسة الاعدادية.
    كما يذكر برزان التكريتي في مذكراته صفحة 32 حادثة اعدام ناظم كزار مدير الأمن العامة بسبب محاولته اغتيال البكر وقتله لحماد شهاب واصابته البليغة لسعدون غيدان, وكيف ارادت عائلة واقارب سعدون حمادي الاقتصاص من ناظم كزار, ونتيجة الخلافات بين صدام حسين وبرزان التكريتي تم احالة الأخير على التقاعد من المخابرات واحتجازه في داره ومراقبته اليومية لاتهامه بمحاولة قلب النظام واستلام السلطة, وكانت في مخيلة صدام أن برزان بعد أن شكل مؤسسة الأمن القومي وشارك بشكل رئيسي في صناعة الاسلحة الاستراتيجية وبحوث الطاقة الذرية التي تشرف عليها المخابرات, والشروع في مشروع المدفع العملاق وقبله السلاح الكيمياوي والجرثومي, وبعد أن عرف الرئيس صدام هذه الحقيقة اعدم مدير الصنف الكيمياوي في وزارة الدفاع العميد الركن نزار النقشبندي وترك برزان العمل نهاية عام 1983م.
    كان صدام حسين شكوك في اقرب الناس إليه حتى اخيه غير الشقيق برزان, والسبب كما يذكر برزان في صفحة 38 قائلاً "والسبب الذي يدفعه لكي يزعل نفسه لأنه شكوك مثل أي حاكم مشابه له وينتمي لنفس المدرسة, وقبل ذلك لأن ظروف نشأة ابو عدي غير طبيعية ومبنية على حسابات الفرصة والمؤامرة والتخلص من الآخرين اللذين يحضون باحترام اجتماعي أو مهني أو سياسي لأنه يعتقد انهم الخطر الحقيقي عليه؟!", حتى الزيجات التي حصلت داخل العائلة كانت تتم من خلال العقلية العشائرية واجبار البنت على الزواج من ابن عمها دون الرجوع إلى رأيها ورغبتها, وهذا ما يؤكده برزان التكريتي في مذكراته صفحة 40/43.
    يذكر برزان التكريتي في مذكراته صفحة 45 حالات المضايقات والاغتيالات والاختطاف للعناصر المقربة من برزان امثال السيد فؤاد الوتار والمهندس فاضل عجينة والمهندس المقاول واركيس درزي, ومحاولات انتحار عدي صدام ومحاولة قتل والده بسبب الاختلاف حول سلوكية عدي وقتله لكامل حنا الطباخ الخاص لصدام, فيذكر برزان التكريتي في صفحة 58 عندما حاول عدي طلب اللجوء إلى امريكا من خلال الاتصال بالسفارة الامريكية وطلبه تسهيلات للذهاب اليها قائلاً "فيبدو أنه (صدام) اتفق مع حسين وصدام كامل على اعتقال عدي, ففي هذه الاثناء هجم الأخوين على عدي واعتقلوه ووضعوا الوثاق بيديه (الكلبجة) أخذوه إلى الرضوانية".
     كان برزان التكريتي متوجساً من صدام وعائلته, ورغبته بالخروج من العراق بأي شكل, وقد ذكر قائلاً لزوجته التي يلقبها بشجرة الدر في صفحة 61 "قررنا شجرة الدر وأنا أن لا مستقبل لنا في هذا البلد وفي ظل هذا الحكم وهذه العقلية.. لأن أهم شيء غير متوفر لتنفيذ قرارنا إلا وهو المال لأننا لا نستطيع العيش خارج العراق بأمكانيات شبه معدومة... مضاف لذلك منع السفر الذي فرض عليَّ وعلى عائلتي", وعند مرافقة برزان لعدي في سفره إلى جنيف بسبب مقتل كامل حنا على يد عدي, وما سببه عدي لبرزان من مشاكل ففي صفحة 67 يذكر برزان من مشاكل عدي قائلاً " حقائب سفر عدي التي ملأت بالدولارات مع صديقه عبد الوهاب, وجلب عدي سفرته هذه اكثر من خمسين بدلة واكثر من عشرة معاطف فرو مع الشفقات التي تجلب الانتباه ... تصور كان يذهب للنوادي الليلية ويأخذ معه النركيلة فيصبح فرجة للناس وقسم من الناس يعتقدون أنه يدخين الحشيش".
    أما ما يذكره برزان حول تصرفات قصي صدام في بون في صفحة 73 قائلاً "لقد زارني هوشنك في بداية الشهر الاول من سنة 1989 في جنيف, واخبرني بأن قصي كان في بون وكان معه شلّة من رجال الاعمال العراقيين منهم اسعد طعيمة وآخرين يترددون على العراق وآخرين لم يزوروا العراق منذ وقت طويل, وقال عندما كانوا في الفندق قال احدهم لهوشنك هل تستطيع احضار شيء لنا (لنشمه) وكان واضح انه يسأل عن نوع من انواع المخدرات, فقال له هوشنك بعصبية, ما هذا الكلام انه لا يتعاطى هذه الامور وحذره من ان يسمع قصي, فرد عليه قائلاً لا تخاف اننا دائماً نقوم بالشم... فكتبت رسالة للرئيس بهذا الخصوص انبهه على ضرورة الانتباه لأولاده... بعد ان انتهينا من العشاء خرجنا وكانت سيارة تنتظر السيد هوشنك ولكن ليس لأخذه إلى بيته وانما أخذته إلى الاستخبارات العسكرية وكلف الاخ سبعاوي بالتحقيق معه واعدم بعد ايام", حتى حادثة سقوط طائرة وزير الدفاع عدنان خير الله طلفاح يشك برزان التكريتي من خلال ما ذكره في مذكراته أن حسين كامل هو المدبر لمقتله كي يستلم وزارة الدفاع من بعده, كما يذكر برزان حالة خيانة حسين وصدام كامل وهروبهما إلى عمان للالتحاق بالمعارضة, وكيفية عودتهما إلى العراق ومقتلهما على يد علي حسن المجيد وأفراد العائلة.
هذا ما ذكره برزان التكريتي عن عائلة صدام حسين التي حكمت العراق بالحديد والنار والحروب والحصار, عائلة متخلفة ساقطة متفككة تتعاطى المخدرات وتتمسك بالسقوط الاخلاقي, ولكن استعراض هذا الكتاب من خلال هذه الاوراق القليلة من الصعب تغطية جميع مذكرات برزان التكريتي والحقائق التي ذكرها فهي كثيرة وكبيرة لا تتسع هذه الوريقات القليلة, فارجوا كل من لا يعرف هذا النظام أن يطلّع على مذكرات برزان التكريتي ليعرف الحقيقة كاملة.


65
العقيد الركن الطيار جلال الأوقاتي.. الوطني الذي اهملهُ التاريخ
نبيل عبد الأمير الربيعي
    لا اعرف لماذا اهمل التاريخ دور قائد القوة الجوية العقيد الركن جلال الدين الأوقاتي في تغيير النظام العراقي الملكي عام 1958, هل لانتمائه اليساري, أم لمواقفه الوطنية تجاه الحكم الملكي في العراقي, لماذا لم ينِل الاهتمام في كتابات مؤرخي التاريخ من اليسار واليمين, أو من قبل المحايدين, فاليسار اعتبروه ضمن صفوفهم, والقوميون اعدوه عقَبة كبيرة في طريق غاياتهم السلطوية, فكانت أولى تصفياتهم وفي الساعات الأولى لانقلاب 8 شباط 1963م ساعة اغتياله, هي السبب الأول في نجاح الانقلاب وسيطرة القوميون والبعث على السلطة.
    قد يكون سبب اهمال دور هذا الرجل بسبب التخوف من السلطة القومية بعد الانقلاب, والانقلابات الأخرى التي أخذت الحقائق تختفي وتظهر حقائق مزيفة ارضاءً للحاكم المستبد, فكان حكام البعث يدعمون الكاتب والباحث والمؤرخ الذي يدعو لإظهار مثالب المخالف لهم في الفكر والعقيدة والرأي.
    عند متابعتنا لتأريخ هذا الرجل قبل وبعد ثورة 14 تموز 1958, نجدهُ انصرف ضمن اختصاصه في سلاح الجو, وقائداً للقوة الجوية العراقية, كما صرف كل اهتمامه لتطوير القوات العسكرية العراقية وقوات سلاح الجو, وابتعاده عن جميع المؤامرات التي تورط قادتها في اسقاط حكم الزعيم قاسم.
     ومما سجلت صفحات التأريخ لهذا الرجل من النزاهة والوطنية والأمانة في العمل, ولنزاهته كان محل ثقة الزعيم عبد الكريم قاسم, ولنزاهته لم يجمع ثروة طائلة أبان حكم الزعيم قاسم من عقود السلاح العديدة التي ابرمت مع السوفيات, ولوطنيته وحبه للآخرين اعترض على اعدام الضباط المشاركين في حركة الشواف, فلمواقف هذا الرجل الوطنية الثابتة اهمل توثيق سيرة حياته من قبل المؤرخين المؤيدين للأنظمة القومية والطائفية.
    كانت مواقف العقيد الركن جلال الأوقاتي وولائه للعراق ولشعب العراق فقط, ولاستقامته الوطنية وخدمته للجيش العراقي اغفل واهمل هذا الرجل, ولم يذكر إلاّ بكلماتٍ خجولة في صفحات بطون الكتب من تاريخ العراق الحديث, فضلاً عن أن الأوقاتي قد تخرَج من تحت يده عشرات الضباط الطيارين داخل العراق, وبزمانه كانت القوة الجوية تعد ثاني قوة في الوطن العربي بعد مصر العربية.
    يذكر ولده جعفر أن جلال جعفر الأوقاتي ولد عام 1914م في مدينة عانة, من أب عربي وأم تركمانية من الطبقة التجارية المتوسطة, تخرج الأوقاتي من الكلية العسكرية بدورتها الثانية عشر عام 1934م بترتيب الأول على دفعته, اكمل دراسته في دورة الأركان عام 1942م في لندن, ولمعارضته للحكم الملكي فصل من سلك الجيش عام 1952م(2), ساهم في مؤتمر انصار السلام المنعقد عام 1954م في بغداد, حيث رشح المؤتمر الشيخ عبد الكريم الماشطة رئيساً لهً, انظم إلى تنظيم الضباط الأحرار مطلع عام 1958م, وبعد انتصار ثورة 14 تموز 1958م وبالمرسوم الرابع من قيادة ثورة تموز عينَّ قائداً للقوة الجوية ومنح رتبة عميد بمرسوم جمهوري.
   تميز جلال الأوقاتي بانتمائه لليسار, ونشطت عائلته في هذا المجال, فزوجته ابتهاج الأوقاتي زاولت النشاط النسوي في رابطة المرأة العراقية في عهد الجمهورية الأول, وشقيقته بتول الأوقاتي كانت من ابرز الناشطات النسوية في العهد الملكي والجمهوري.
   كانت من مقولاته رحمه الله عند التفاوض والاتفاق على صفقات التسليح مع السوفيات بالمعدات العسكرية (أن الدينار الذي أخرجه من الصفقة فيه كسوة فقير عراقي), وبعد حركة عبد الوهاب الشواف في الموصل ضد حكم الزعيم قاسم, أمر الزعيم قاسم في التاسع من آذار 1959م قائد القوة الجوية جلال الأوقاتي بقصف مقر اللواء الخامس في معسكر الغزلاني, فتمَّ ذلك وانتهت مؤامرة الشواف بالفشل, وألقي القبض على المتآمرين وتمت احالتهم إلى لجنة تحقيقية برئاسة العقيد الركن هاشم عبد الجبار آمر اللواء العشرين, وحكم على المتآمرين بالإعدام ومن ضمنهم أربعة طيارين, فكان لموقف الأوقاتي رفض هذا الحكم وعُدّ أحد الأسباب للخلاف بينه وبين الزعيم قاسم, لرفض الأوقاتي تنفيذ حكم الإعدام, ولقاءاته المتكررة مع الزعيم ليثنيه عن قرار الإعدام, ولكن جهوده باءت بالفشل, وعند تنفيذ الإعدام رفض الحضور رغم توجيه دعوة لهُ من قبل القيادة السياسية(3).
    كما كانت للعقيد الركن الطيار جلال الأوقاتي مواقف متكررة ورافضة لضرب حركة تمرد ملا مصطفى البرزاني في تموز 1961م وتحشدات العشائر ومذكرتهم بإلغاء قانون الاصلاح الزراعي, فأمر الزعيم قاسم قائد القوة الجوية الأوقاتي بقصف تجمعات المشايخ وتجنب حشود الملا مصطفى البرزاني(4), ونفذت القوة الجوية الأمر وبدقة, وكان هذا الهجوم الجوي رغم تنفيذه بدقة أحد اسباب الخلاف الثاني بين الزعيم عبد الكريم قاسم وجلال الأوقاتي الذي رفض ضرب الكرد المعارضين(5).
    من خلال ما ذكرنا يتبين لنا أن العقيد جلال الأوقاتي قد التزم بكل التعاليم الصادرة من قيادة الجيش رغم عدم قناعته, ونفند المزاعم التي تذكر أن الأقاتي خطط لانقلاب عسكري على حكم الزعيم عبد الكريم قاسم(6), لأن ما عرف عن الأوقاتي عدم اهتمامه للسلطة بقدر اهتمامه لعمله وتطوير قيادة القوة الجوية والجيش العراقي.
   من المؤاخذات على العقيد الأوقاتي أنه لم يطهر سلاح القوة الجوية من القوميين والبعثيين, مما شكّلَ سبباً في انقلاب 8 شباط 1963, فكان الأوقاتي أول ضحاياه صباح يوم الجمعة المصادف الثامن من شباط 1963, وعند الساعة الثامنة والنصف صباحاً, خرج جلال الأوقاتي من بيته في منطقة كرادة مريم بصحبة ولده الصغير علي, الذي يبلغ من العمل سنتين لجلب صحف الصباح من مكان قريب, وعند العودة استوقفته مجموعة من المسلحين(7), فعلم أن غاياتهم اغتياله لذلك نزل من سيارته محاولاً الابتعاد عنها كي لا تصيب الاطلاقات ابنه الصغير, وبعد اطلاق عدة رصاصات فارق الحياة بالقرب من داره وأمام انظار ولده(8).
   وعند الساعة التاسعة قام الطيار منذر الونداوي بالتعاون مع العقيد الركن عارف عبد الرزاق وآخرين حيث سيطروا على سرب الجو السادس وتم قصف مطار الرشيد بواسطة طائرتين نفاثتين من سلاح الجو العراقي, ونفذوا الانقلاب الذي اطاح بحكومة عبد الكريم قاسم في صباح يوم الثامن من شباط 1963م.
 
المصادر
1-   الشهيد جلال جعفر الأوقاتي ... حلقة خاصة برنامج ( هذا ابي). يوم 24/9/2014
الرابط https://www.youtube.com/watch?v=PmYmMouJTJw
2-   حنا بطاطو. العراق. الكتاب الثاني. الحزب الشيوعي. ترجمة عفيف الرزاز. طهران. 2005. ص123.
3-   الشهيد جلال جعفر الأوقاتي ... حلقة خاصة برنامج ( هذا أبي).
4-   جريدة الثورة. العدد 699. ص3.
5-   الشهيد جلال جعفر الأوقاتي ... حلقة خاصة برنامج ( هذا أبي).
6-   حسن لطيف الزبيدي. موسوعة الأحزاب العراقية. بيروت 2017. مؤسسة المعارف للمطبوعات. ص120.
7-   كان على رأس القوة المسلحة البعثي (خ. ع. أ. الخفاجي) من مدينة الحلة, يتحفظ الكاتب على ذكر اسمه.
8-   حنا بطاطو. مصدر سابق. ص289.
9-   حنا بطاطو. مصدر سابق. ص289.



66
مجلة الحكمة ودورها في نشكر الفكر التنويري في مدينة الحلة
نبيل عبد الأمير الربيعي
      احتضنت مدينة الحلة رواد الفكر التنويري منذُ مطلع القرن العشرين, وبرز في هذا السياق كل من الشيخ يوسف كركوش والشيخ عبد الكريم الماشطة والصحفي رؤوف جبوري والدكتور محمد عبد اللطيف مطلب والدكتور علي جواد الطاهر والدكتور أحمد سوسة والأستاذ أحمد حسون الخطاب وآخرين, وقد تمثلّت جهودهم الفكرية والتنويرية في رفد الحركة الثقافية في مدينة الحلة وإسهاماتهم في مجال الأدب والصحافة والدعوة لنشر السلام والمحبة بين صفوف الجيل الجديد في تلك الحقبة.
     وقد برز من بين هؤلاء رائد التجديد والتنوير الصحفي رؤوف جبوري, في اسهاماته الصحفية ونشر الفكر التنويري بين صفوف الشباب مطلع ثلاثينيات القرن الماضي من خلال مجلته (الحكمة) التي حازت على الريادة في ميدان العمل الصحافي في المدينة, ولدور كتابها الفاعل في إغناء الحركة الفكرية التنويرية في المدينة خاصة وفي العراق عامة في نشر الفكر اليساري والفلسفي لمعالجة قضايا علمية قد تنوعت في الاختيار.
    في هذا المقال نسلط الضور على رائد الصحافة في مدينة الحلة الصحفي (رؤوف جبوري) بسبب اسهاماته الصحفية في نشر الفكر التنويري في مدينة الحلة, رؤوف جبوري من عائلة بغدادية ولد في كرادة مريم في العاصمة بغداد عام 1911, وانتقلت العائلة بعد ولادته إلى مدينة الحلة الفيحاء لغرض التجارة, بدأ تعليمه في مدارس الحلة الرسمية, ثم تركها في الصف الرابع وارسله والده لمدينة النجف الأشرف ليكون طالباُ في العلوم الحوزوية الدينية, ثم حضر درس الشيخ يوسف كركوش الحلي في النحو في مدينة الحلة, وحضر دروس اساطين علماء حوزة النجف الأشرف, حيث مكثّ فيها عامين لينهل منها مختلف موضوعات العلوم الدينية(1), ثم عادَ إلى مدينة الحلة وسعى لتثقيف نفسه ذاتياً دونما كلل أو ملل, وحضوره دروس الشيخ عبد الكريم الماشطة مرات أخرى في دروس علميّ الفقه والأصول.
    بعد مدة من الزمن تقدم لامتحانات الدراسة الثانوية كطالب خارجي ليجتاز بنجاح الامتحان الوزاري الذي مكنهُ من دخول كلية الحقوق في بغداد عام 1939م وتخرجه فيها عام 1943م.
    ساهم رؤوف جبوري في نشر فكره التنويري أدبهُ وقصائده الشعرية ومقالاته في الصحف والمجلات الحلية والعراقية ومنها جريدة حمورابي المسائية, وكانت من ابرز نتاجاته وآثاره في تأسيس الصحافة الحلية مجلة الغد الاسبوعية التي صدرت بعد تعطيل مجلة الحكمة عام 1937م, وجريدة الحلة الاسبوعية الأدبية الثقافية التي صدرت بعد احتجاب مجلة الغد يوم 27 كانون الأول 1937.
    كانت لمجلة الحكمة أول ظهور في شهر تشرين الأول عام 1936م في مدينة الحلة, إذ ساهمت في العمل على تنوير النخبة المثقفة في المدينة, إذ قال رؤوف جبوري في صفحتها الأولى "أرادت العناية أن تتحقق الفكرة التي كنت اصبو إلى تحقيقها منذُ بضع سنوات, فمكنتني الظروف (في هذه الأيام) من إنشاء مجلة الحكمة, لتكون مناراً للأفكار الحرّة, ومشعلاً للنهضة الثقافية... وعسى أن أوفق لإنجاز هذا الواجب الخطير, وهذا كل ما أرجو تحقيقه في هذه الحياة"(2). 
    كان لاستحصاله على امتياز صدور مجلة الحكمة دور في انشاء مجلة الحكمة من لدن الحكومة المحلية في مدينة الحلة لتكون مجلة شهرية تعني بالآداب والعلوم والسياسة والثقافة والتاريخ والفلسفة, وكان رئيس تحريرها رؤوف جبوري ومديرها المسؤول المحامي جلال عبد الرزاق, ومسؤول شؤونها الإدارية حمزة الفلوجي.
    ولعدم وجود مطبعة صالحة في مدينة الحلة مما اضطر رؤوف جبوري إلى أن تطبع مجلته في مطبعة الغري في مدينة النجف الأشرف, وقد ساهم في دعم المجلة والثناء عليها متصرف لواء الحلة آنذاك أحمد زكي الخياط.
    صدر من المجلة ستة أعداد ولستة أشهر, صدر عددها الأول في شهر تشرين الأول عام 1936م وعددها السادس والأخير في شهر آذار عام 1937م, وللراحل رؤوف جبوري مواقف سياسية في حقبة ثلاثينات واربعينات القرن الماضي, منها تأييده لانقلاب بكر صدقي عام 1936, كما ساهم في المشاركة في مظاهرات مدينة الحلة تأييداً للانقلاب(3), وانتسب في اربعينيات القرن الماضي إلى الحزب الوطني الديمقراطي حتى اصبح معتمداً لفرع الحزب في مدينة الحلة عام 1948م, وانتخب رئيساً له.
    في الثاني عشر من شهر كانون الأول عام 1948م رحل الصحفي والأديب رؤوف بعد اصابته بمرض عضال وهو في ريعان شبابه مخلفاً وراءه زوجة وثلاث بنات.
مجلة الحكمة وأثرها في الوسط الثقافي الحلي
    جاءت محتويات مجلة الحكمة في موضوعاتها المتنوعة, من موضوعات لغوية وادبية واجتماعية وفلسفية وتاريخية وسياسية  ومعرفية متنوعة وبارزة, وقد ساهم رؤوف جبوري بكتابة موضوع في كل عدد صادر من المجلة, كما ساهم رواد الفكر والثقافة والأدب في كتابة المقالات فيها منهم : الشيخ عبد الكريم الماشطة, الشيخ يوسف كركوش, الطبيب رشيد معتوق, الاديب جعفر الخليلي, الاديب عبد المجيد لطفي, الاستاذ صادق كمونة, الاستاذ سلمان بيات, الباحث عبد الرزاق الحسني, الشيخ محمد علي اليعقوبي, الاستاذ عبد الامير علاوي, الاستاذ مهدي المخزومي, الاستاذ فاضل الجمالي, الاستاذ عبد الفتاح إبراهيم وآخرين , أي ما يقارب (45) كاتبا ساهموا في الكتابة في المجلة ولستة اعداد صادرة منها, وهؤلاء الكتاب يمثلون النسيج الاجتماعي للعراق ولأغلب مدن العراق منه (بغداد, النجف الأشرف, الناصرية, كركوك, الكوفة, البصرة, الرمادي), ومدن عراقية أخرى.
      تناولت المجلة الموضوعات الأدبية والتاريخية والفلسفية والاقتصادية في اعدادها الستة, فضلاً عن عددها الخامس الصادر في شهر شباط عام 1937م, وفي مقال (فوضى المجتمعات الأوروبية. بقلم ع. حسن), والمقال يدعم اهتمام المجلة في مجال الاقتصاد السياسي وتحديد العلاقة بين الاقتصاد والسياسة لمناقشة المسائل ذات العلاقة بثروة البلد دون استبعاد الاعتبارات السياسية والمعنوية والاجتماعية عن المناقشة, فضلاً عن مقال آخر تحت عنوان (كيف تأسس المجتمع الرأسمالي؟) سلطت المجلة في هذا المقال الضوء على مفاهيم ومصطلحات في مجال الاقتصاد السياسي, وتوضيح العوامل المهمة لانهيار المجتمع الرأسمالي من خلال استغلال الرأسماليين للعمال والتحكم بنتاجهم, والتناحر الرأسمالي الصادم بينهما.
    أما المقال الآخر في العدد السادس من المجلة , والصادر في شهر آذار 1937م فهو مقال من ترجمة الاستاذ عبد الجليل علي تحت عنوان (الاستعمار آخر مراحل الرأسمالية), إذ يوضح المقال عن كيفية ولادة الاستعمار وترعره في احضان الرأسمالية, مما استنتج المقال بأن الاستعمار هو آخر مراحل الرأسمالية والاستشهاد برؤية الفيلسوف كاوتسكي قائلاً "يجب أن لا نفسر ظاهرة الاستعمار كظاهرة اقتصادية, بل كظاهرة سياسية... وحينئذ نستقرئ أن الاستعمار بحاجة ماسة أو ضرورة للرأسمالية, والاستعمار نتاج الرأسمالية الصناعية المتطورة"(4), فضلاً عن أهمية مقال آخر في نفس العدد تحت عنوان (حقيقة الخلاف بين تروتسكي وستالين) لشهر آذار 1037م صفحة 431, والمقال يوضح حال التاريخ الروسي المعاصر, إذ يعالج المقال اسباب الخلاف بين القائد السوفياتي ستالين والمفكر تروتسكي, والتطرق للنظرية الماركسية ودور ادبيات التاريخ الروسي المعاصر في ثورة اكتوبر عام 1917م.
    من هذا نستنتج أن مجلة الحكمة الحلية كان لها الدور الريادي في التنوير الفكري والثقافي والأدبي والسياسي في المجتمع الحلي, والبعض يؤكد أن للمجلة دور في رفد الفكر الماركسي في المدينة فضلاً عن دور الأستاذ عباس بلال في تأسيس الخلايا الأولى للشيوعية في المدينة متزامنة مع دور الأستاذ أحمد حسون الخطاب في هذا المجال, والمجلة قد حققت رسالتها الصحفية السامية التي اعلنته عن لسان حال صاحبها الراحل رؤوف جبوري, حتى باتت من المجلات المعتدلة ذات الشأن في حقبة منتصف ثلاثينات القرن الماضي, حيث اصبحت مجلة الحكمة منبراً ادبياً ثقافياً, وفكراً حراً من خلال تنوع مقالاتها المعرفية والثقافية والتنويرية, وتحطيم ركائز الجهل والتخلف في المجتمع الحلي آنذاك.
 
 
المصادر
1-   د. صباح نوري المرزوك. رؤوف جبوري الصحفي والأديب. جامعة بابل, بلا دار نشر. 1998. ص2.
2-   مجلة الحكمة. العدد الأول. تشرين الأول 1936. السنة الأولى. رؤوف جبوري . فكرة تتحقق.
3-   عامر جابر تاج الدين. الحلة لمحات اجتماعية وإدارية وفنية 1858-1958 بغداد. دار الشؤون الثقافية. 2012م. ص269.
4-   مجلة الحكمة. العدد السادس. دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة. 2017. ص422. ملاحظة: المجلة تمت اعادة نشرها بأعدادها الخمسة في دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة بالتعاون مع مدير متحف الحلة المعاصر الاستاذ علي عبد الجليل شعابث.




67
علي الحسيني وملاحظات حول الشعر الحر والأدب
نبيل عبد الأمير الربيعي
     ضمن سلسلة موسوعة الشاعر والأديب الراحل علي الحسيني صدر كتابه الموسوم وبرعاية ولده البكر الوفي لأبيه الدكتور نصير الحسيني (ملاحظات حول الشعر الحر والأدب) عن دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة, الكتاب يتضمن (180) صفحة من الحجم المتوسط, والكتاب ضمن سلسة مؤلفات قد تجاوزت (14) مؤلفاً بين الشعر والقصة القصيرة والدراسة الادبية والنقدية, كما قد تم دراسة حياة ادب وشعر الراحل علي الحسيني في رسالة ماجستير في كلية التربية جامعة بابل عام 1999م.
     الكتاب عبارة عن مقالات نقدية أدبية للراحل الحسيني جمعها ولده البكر الدكتور نصير الحسيني في هذا الكتاب, والكتاب هو سرد تاريخي لمجرى الشعر الحر ومراحل تطوره والدفاع عنه, وقد اثبتت الايام صحة رأي الأديب الراحل علي الحسيني وتنبؤاته, وقد تم تقسيم الكتاب قسمين, احتوى القسم الأول, ملاحظات حول الشعر الحر, بين الشعر الحر والشعر الطلق, أثر المهجرين في تجديد الشعر, الصحافة الأدبية والشعر الجديد, السأم في شعر بلند الحيدري, عندما يلتقي الشعراء. واحتوى القسم الثاني على بعض المناقشات منها : متى تنتهي هذه القضية, في رحاب الشعر الحديث, رأيان في شاعرية العقاد, وجهة نظر / شعر ام نثر؟ الأدب والوفاء, سؤال مشروع, ما وراء الأفق في السرقة الأدبية, أثر التراث في الشعر العراقي الحديث, مقالات نقدية, التأثير العربي في الثقافة الاسبانية, وقصاد أخرى.
    في القسم الأول من الكتاب ملاحظات حول الشعر الحر وتوضيح الأسس الرئيسة التي يقوم عليها الشعر الحر, فضلاً عن بيان الأسباب التي دعت الشعراء إلى تبديل أو تطوير طريقة كتابة نتاجهم الشعري, يقول الكاتب الحسيني رحمه الله في صفحة 15 :"ونلاحظ أن اعداء الشعر الحر موجودين بين انصاره أيضاً, وهؤلاء هم الشعراء الذين يكتبون شعراً جديداً بعيداً عن مفهوم الشعر وجدته, فهم أعداء لأنهم يشوهون الشعر الحر", لذلك نستطيع القول أن حركة الشعر الحر هي امتداد لحركات التجديد في الشعر العربي.
    كما لا ننسى دور الشاعر مراد ميخائيل في مطلع ثلاثينات القرن الماضي في كتابة قصيدة الشعر الحر, المسألة التي أثارت جدلاً عاصفاً بين أوساط النقاد, وكان للشاعر ميخائيل دوراً مائزاً في كتابة الشعر الحر قبل بدر شاكر السياب ونازك الملائكة, لكن هجرته القسرية قد غيبت دوره الرائد في هذا المجال, ومما سنحت الفرصة للسياب والملائكة ولدور الصحافة في اعطاء الريادة لهما في الشعر الحر, وقد اطلق الشاعر معروف الرصافي على شعره بـ(الشعر المنثور) وكانت من اغرب قصائده (نحن الشعراء) التي شارك فيها بمهرجان مبايعة أحمد شوقي أميراً للشعراء عام 1927م.
   نعود للكتاب الراحل علي الحسيني في طرح بعض الملاحظات حول الشعر الحر  والأدب, ولا ننسى ان الشاعر والناقد الحسيني قد اشار في كتابه هذا إلى أثر المهجرين في تجديد الشعر, لأن شعراء المهجر لم ينقطعوا عن الاتصال بالوطن العربي ومنهم شعراء لبنان ومصر, ولذلك اشار الحسيني في صفحة 60 من كتابه قائلاً :"أن التقنية تختلف تماماً عن التقنية في الأشعار العربية الكلاسيكية... هذا بالإضافة إلى تنوع البحور وتجزئة التفصيلات التي نشهدها", ومثال ذلك كما يكر الراحل الحسيني (أحمد زكي أبو شادي وإبراهيم ناجي وفدوى طوفان).
     وفي القسم الثاني من الكتاب يعقب الراحل الحسيني في صفحة 68 حول مسألة العقم والسأم في قصائد الراحل بلند الحيدري قائلاً :"يظن بعض الشعراء الشباب الذين يجترون (السأم) و (العقم) لأول مرة في مسرح الشعر العربي", هكذا نرى بلند الحيدري من خلال قصائده التي تناولها الراحل الحسيني في الرؤية الضبابية والدخانية في قصائده دون أن يجد منفذاً.
    وقد تضمن الكتاب مناقشات وحوارات حول رأي الراحل الحسيني في شاعرية العقاد, وحول الكم الوافر مما نشره القاص عبد الرحمن مجيد الربيعي, ووجهة نظر الحسيني بالشعر الحر والشعر العمودي, ورأيه حول مقالات الاستاذ علي الحلي والشاعر كاظم جواد التي نشرت في مجلى الاقلام في تشرين الأول 1984م, ومقالة الدكتور علي جواد الطاهر وفاءً للمرحوم طه الراوي, ومقالة الأديب حسب الشيخ جعفر, وهناك عدة مقالات نقدية قصيرة للأستاذ نجيب المانع قد سلط الضوء عليها الراحل علي الحسيني في هذا الكتاب.
    الكتاب يعتبر مهماً جداً في هذه الحقبة الزمنية, وما قدمه الراحل الحسيني رحمه الله من ملاحظات حول قصيدة النثر والقصة القصيرة خلال حقبة الثمانينات.

68
موقف الحزب الشيوعي العراقي من إسقاط الجنسية عن يهود العراق
نبيل عبد الأمير الربيعي
جرت أحداث داخلية كثيرة في العراق كان للحزب الشيوعي مواقف ووجهات نظر مختلفة تجاهها, ومن تلك الأحداث مسألة إسقاط الجنسية عن يهود العراق وفسح المجال أمام هجرتهم إلى فلسطين, فمن المعروف أن اليهود شكلوا واحداً من النسيج العراقي ولهم مساهماتهم في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية للعراق(1).
ومنذُ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في آب 1921م شاركوا في المجلس التأسيسي العراقي وحدد القانون الأساسي عام 1925م أربعة أعضاء منهم في مجلس النواب الذي كان عدد اعضائه (ثمانية وثمانين) عضواً, وواحداً في مجلس الأعيان من عدد أعضاءه البالغ (عشرين) عضواً, ارتفع هذا العدد إلى ستة نواب عام 1946م, كما ساهموا في عدد من الحقائب الوزارية(2).
وبتخطيط منظم ساهمت الدائرة البريطانية وبعض المسؤولين العراقيين عقب إعلان تقسيم فلسطين وإعلان قيام دولة إسرائيل ولتحفيز اليهود على الهجرة, ومما يجدر ذكره أن بن غوريون قال سنة 1949م "أن هدفنا في بدايته يقوم على جلب اليهود إلى إسرائيل, نطلب من الآباء مساعدتنا بإحضار أبنائهم إلى هنا, فلو رفضوا المساعدة فنحن سنحضر الشباب إلى إسرائيل(3).
وبمشورة بريطانية افسحت الحكومة العراقية المجال لهجرة من يشاء من يهود العراق إلى فلسطين, على الرغم مما يسببه مثل هذا العمل في تقوية إسرائيل من جهة وارباك الاسواق التجارية التي يهيمن عليها اليهود في العراق من جهة ثانية, فقد كانت الهيمنة اليهودية على الاقتصاد العراقي نافذة منذ عام 1948م على سبيل المثال كانت 20% من واردات العراق بيد اليهود, و5% من عقود العراق بيدهم, و2% من الصادرات بيدهم(4).
وهذا ما جرى إبان وزارة توفيق السويدي الثالثة, ضمن مشروع قانون قدم إلى مجلس النواب في الثاني من آذار 1950, نص القانون في المادة الأولى "لمجلس الوزراء أن يقرر إسقاط الجنسية العراقية عن اليهودي العراقي الذي يرغب باختيار منهُ ترك العراق نهائياً بعد توقيعه على استمارة خاصة أمام الموظف الذي يعينه وزير الداخلية", وصدر القانون بعد إطلاع صالح جبر وزير الداخلية أركان السفارة البريطانية عليه(5), ولم ينته عام 1950م حتى سجل (90) الف يهودي اسمائهم لمغادرة العراق وسمح لكل واحد أن يأخذ معه (50) ديناراً, ونقلتهم إلى داخل إسرائيل شركة نقل جوية امريكية بالاتفاق مع الوكالة اليهودية(6).
أيد سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي بهاء الدين نوري في بادئ الأمر قرار الحكومة العراقية, إذ يشير في مذكراته حرفياً :"اتخذت بصفتي سكرتيراً للحزب موقف التأييد لإطلاق حرية الهجرة لليهود العراقيين منطلقاً في ذلك من حقيقة أنهم مضطهدون في العراق, وان حرية الهجرة قد تكون طريقاً لتحررهم من هذا الاضطهاد فضلاً على أنه من حق الانسان أن يعيش حيثما يرغب وبعد مدة غيرت موقفي هذا وأدنت القانون الصادر عن حكام بغداد باعتباره تواطؤاً مع الاستعمار والصهيونية"(7).
فقد عارض الحزب الشيوعي العراقي ذلك القانون, وكتبت جريدة (القاعدة) :"إن اصدار لائحة إسقاط الجنسية عن اليهود العراقيين لبث روح الكراهية وتفرقة الصفوف وإثارة النعرات الطائفية, وإن هذه اللائحة الجديدة تساعد اليهود العراقيين على مغادرة البلاد وتعود اسبابها إلى اتفاق مسبق ومساومات بين الاستعمار الانكلو- امريكي على اقتسام أرض فلسطين وضم القسم العربي منها إلى مستعمرة الاردن وتثبيت السيطرة عليها من إسرائيل(8).
وعبرَّ أحد قياديي الحزب الشيوعي عن رأيه بذلك القرار وعملية نقل اليهود بأنها جرت بالتواطؤ مع الاستعمار من أجل تقوية دولة إسرائيل, واعتبرها تلبية واضحة لطلب بن غوريون بالمسارعة إلى حشد أكبر عدد من يهود العالم في إسرائيل(9).
كما أن معظم من هاجر كان من المثقفين والشباب والمهنيين والأطباء والمحامين وكانوا قوة بشرية وطاقة علمية لخدمة إسرائيل(10).
لكن بيان الحزب اعتبر قانون إسقاط الجنسية تكريساً للكراهية والأحقاد, كما هاجم التنسيق الانكلو – امريكي بالتعاون مع الحكومة العراقية لتقسيم فلسطين وتقوية إسرائيل, ومما تجدر الإشارة إليه أن الحزب الشيوعي العراقي وقف موقفاً مناهضاً من الحركة الصهيونية, وتكفي الإشارة إلى أن أحد قيادتها نشر كتاباً بعنوان كفاحنا ضد الصهيونية(11).
كانت للحزب الشيوعي العراقي مواقف وآراء إزاء العديد من القضايا العربية والدولية وكان من بين أبرز القضايا قضية فلسطين, واللافت للنظر أن ذلك الموقف يتناقض مع توجهات الشعب العربي في كل أقطاره, ففي مقال لجريدة القاعدة دعا الحزب الشيوعي العراقي إلى الصلح مع إسرائيل وأكد محبته للشعب اليهودي الشقيق وأبدى أسفه للظروف غير الاعتيادية التي تمنع تلاقي الاشقاء, وتطرق إلى أمر لا يمت إلى الشعب العربي بصلة عندما أشار إلى "أن شعوبنا العربية تكن للشعب الإسرائيلي الشقيق أخلص الاحترام والأخوة الصادقة, أما الظروف غير الاعتيادية الموجودة في الوقت الحاضر فهي ليست تعبيراً عن وجهة نظر واتجاه الشعوب العربية وشعب إسرائيل, ولهذا فإن الشعوب العربية تناضل ببسالة جنباً إلى جنب مع الشعب الإسرائيلي لإعادة العلاقات الأخوية الصادقة(12).
وفي ضوء منطلقات وفكر الحزب الشيوعي العراقي فإنه ربط قضية فلسطين واطماع المستعمرين عندما عدَّ أن الغاية الأساسية لإبعاد القضية الفلسطينية, هو أن تتخذ الدول الاستعمارية من هذه القضية "قميص عثمان" ولتكون ذريعة لضرب الحركات الوطنية التحررية وتصفية الحريات الديمقراطية وفرض مشاريعهم العدوانية على الشعوب العربية والنيل بهدف تقييدها(13).
إن تاريخ الحزب الشيوعي العراقي أصبح جزءاً لا يتجزأ من تاريخ العراق وتراثه, شأنه شأن العديد من الأحزاب والتنظيمات السياسية التي راجت وماجت فوق ترابه الوطني, ولنستفيد في المستقبل من تجارب الماضي ونبني وطناً قوياً.


المصادر
1-سيف عدنان ارحيم القيسي. الحزب الشيوعي العراقي من إعدام فهد حتى ثورة 14 تموز 1958م. دمشق. دار الحصاد. ط1. 2012. ص87.
2-جعفر عباس حميدي. التطورات السياسية في العراق 1941- 1953. مطبعة النعمان. النجف.ط1. 1976. ص626/627؛ سيف عدنان ارحيم القيسي. الحزب الشيوعي العراقي من إعدام فهد. مصدر سابق. ص87.
3-صادق حسن السوداني. النشاط الصهيوني في العراق 1914- 1952. دار الشؤون الثقافية. بغداد. 1980. ص147/182.
4-صادق حسن السوداني. النشاط الصهيوني في العراق. مصدر سابق. ص25.
5-عبد الرزاق الحسني. تاريخ الوزارات العراقية. عشرة اجزاء. دار الشؤون الثقافية. بغداد.1988. ج8. ص156.
6-ستيفن همسلي لونكريك. العراق الحديث من 1900- 1950. ترجمة سليم طه التكريتي. جزآن. الفجر للنشر. ج2. بغداد. 1988. ص590.
7-بهاء الدين نوري. مذكرات بهاء الدين نوري. مطبعة جامعة صلاح الدين. السليمانية. ط1. 1995 . ص91.
8-جريدة القاعدة. العدد 2. السنة الثامنة. آذار 1950. ص1؛ سيف عدنان ارحيم القيسي. الحزب الشيوعي العراقي. مصدر سابق. ص89.
9-عبد الرزاق الصافي. كفاحنا ضد الصهيونية. منشورات طريق الشعب. بغداد. 1977. ص50.
10-محمد حسن سلمان. صفحات من حياة محمد حسن سلمان. الدار العربية للموسوعات. بيروت. 1985.ط1. ص246.
11-سيف عدنان ارحيم القيسي. الحزب الشيوعي العراقي. مصدر سابق. ص90.
12-سيف عدنان ارحيم القيسي. الحزب الشيوعي العراقي. مصدر سابق. ص161/162؛ جريدة القاعدة المركزية للحزب الشيوعي العراقي. العدد 9. تشرين الأول 1953؛ فكرت نامق عبد الفتاح. سياسة العراق الخارجية في المنطقة العربية 1953- 1958. دار الرشيد. بغداد. 1981. ص189.
13-فائق بطي. صحافة الحزب وتاريخ الحركة الوطنية. مطبعة الاديب. بغداد. د. ت. ص147.





69
(الأوضاع العامة في العراق 1958-1963 من خلال جريدة الثورة البغدادية )
للدكتور صالح عباس الطائي
بقلم: الدكتور عبد الرضا عوض
ان الاصلاحات التي بدأها عبد الكريم قاسم واغاضت مناوئيه في مستهل حكمه ما زالت نافذة ومهمة ، وبالرغم من كثرة الدراسات والاصدارت إلاّ انها لم تفي ذلك بما طبع عليه من اخلاص ونزاخة ووطنية ، في وقت تنامى الزخم الثوري وراح يتجدد. وقد شجع الالتزام الكبير من جانب الطبقات المتعلمة المتنامية على القيام بعملية التغيير؛ والحركة نحو الاصلاح الاجتماعي والاقتصادي إذ هيمنت عليها في البدء الرغبة بالتحرر من السيطرة الأجنبية ، السياسية والاقتصادية، وتحقيق السيادة على موارد البلاد. ويتمثل الأمر الثاني في الحث على تحقيق عدالة اجتماعية تركز تركيزاً رئيساً على توزيع أكثر عدلاً للثروة والفوائد الاجتماعية ، ويقيناً أن الصحف – ومنها الثورة – كانت موالية لسياسة الزعيم إلا انها نشرت الحقائق كما هي دون زيف ، من ذلك قد يكون عمل الدكتور صالح الطائي هو الرائد في هذا المجال حينما تناول صحيفة الثورة البغدادية للسنين 1958-1963م  بدراسة تاريخية أقل ما يقال عنها إنها منصفة لذلك العهد إذا ما قورن بالعهود التي تلت شباط 1963م ، وكيفية التفنن في تبديد ثروة العراق بطرق غريبة هي اقرب الى الخيال من الواقع .
 عن دار الفرات للثقافة والإعلام في الحلة صدر كتاب (الأوضاع العامة في العراق 1958-1963 من خلال جريدة الثورة البغدادية ) ، وهو من تأليف الأستاذ الدكتور المساعد صالح عباس الطائي ، يقع الكتاب في (380) صفحة من الحجم الوزيري ضم بين دفتيه تمهيد وأربعة فصول وخاتمة ، فضلاً عن ملاحق بالوثائق والقرارات الرسمية.
ونحن إذ نثمن الجهد العالي الذي بذله المؤلف في كشف الغبار عن احداث نشرت في صحف ذلك الزمان ، لا بد لنا من استعراض هذا المنجز المميز.
في الصفحات الأولى كان الإهداء الى ولده الشهيد سيف الدين الطائي وابن شقيقته مرتضى صابر العكيلي ، وهذه اشارة بفقد فلذة كبده وهو يافع عن هذا الوطن وما تحمله من تداعيات بسبب هذا المصاب .
وفي المقدمة يبين الباحث مدى اندفاع رئيس تحرير صحيفة الثورة يونس الطائي في تأييد سياسة عبد الكريم قاسم ، فقال: (أحدثت تلك الخلافات عدم استقرا في أوضاع العراق فأنعكس ذلك على الصحافة التي تمتعت بالحرية في أيامها الأولى ، وعبرت عن نشاط الأحزاب المتصارعة التي سعت الى جر العراق الى الاتجاه الوحدوي وتحت قيادة الجمهورية العربية المتحدة) من المقدمة.
وجاء التمهيد الذي استعرض فيه الباحث الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمدة 1945- 1958 ، وهي المدة الساخنة التي سبقت الثورة ، فيقول : (كانت الأيام التي اعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية ذات أهمية كبرى في تشديد المعارضة ضد التواجد البريطاني والنظام الملكي في العراق ، كما شهدت تلك الحقبة فسحة من الحرية الصحفية...) ص18 .
وتحت عنوان يونس الطائي وجريدة الثورة البغدادية جاء في الفصل الأول في المبحث الثاني بيان قوة علاقة يونس الطائي مع الزعيم عبد الكريم قاسم بعد فتور أصابها بعد اعدام المتآمرين في قضية الشواف، فذكر : (بعد أن ضرب الزعيم في شارع الرشيد واصابته بطلق نقل الى المستشفى فسارعت بالذهاب الى هناك وكان نائماً على فراش على الأرض ، فهنأته بالسلامة، وبعد قليل طلب مرافقوه من الزوار الخروج لفسح المجال لزيارة شقيقة الزعيم لأخيها ، أمر الزعيم قائلاً : يونس الطائي يبقى.).ص82 ، وكان المبحث الثالث منصباً على سعي يونس الطائي للخروج بالزعيم من شرنقة الأحزاب والكتل السياسية بالترويج لتشكيل حزب سياسي جديد يقوده الزعيم.
وجاء الفصل الثاني بخمسِ مباحث تكرست في مناقشة الأوضاع العامة من شهر تشرين الثاني 1958- يوم 7 شباط 1963م ، فناقش المحاولات الانقلابية التي سبقت يوم 8 شباط 1963 ، بدءاً من خلافاته مع عبد السلام عارف ومحاولته قتل الزعيم في (قضية المسدس الشهيرة) (1958) وما رافقها من تداعيات ، وتناول موقف وتحركات رشيد عالي الكيلاني وعودته من مصر ، ثم حركة العقيد عبد الوهاب الشواف في الموصل(1959) ، ومطالبة الزعيم بضم الكويت الى العراق (1961) ، مستهلاً البحث بالقول: (كانت الحكومة العراقية السابقة ترنو الى استعادة الكويت منذ عهد الملك غازي ، كما طرح نوري السعيد الموضوع نفسه)،ص164، وأخيراً تناول الباحث تمرد مصطفى البارزاني في شمال العراق.
وسلط الضوء في الفصل الثالث على انجازات ثورة 14 تموز 1958 ، فكانت له وقفة مع (الثورة الكبرى) ألا وهو قانو الاصلاح الزراعي رقم (30) لسنة 1958 ، والخطاب التاريخي للزعيم عبد الكريم يوم أعلان قانون الاصلاح الزراعي قائلاً : (ان الثورة المجيدة التي انبثقت من ارادة الشعب يوم الرابع عشر من تموز 1958، انما هي ثورة سياسية اجتماعية معاً.. وضمان العدالة بين أبناء الشعب كافة...)ص210 . ومن مكتسبات الثورة قانون النفط رقم (80) لسنة 1961م ،وقد كتب يونس الطائي في العدد (600) من جريدته (الثورة) ، حول النفط ولزوم تأمينه والسيطرة على الأماكن التي لم تستثمر بعد أن ذكرت أهم مواد القانون مشيراً الى قول الزعيم : (سيأتي يوم قريب يحتار به العراقيون عن كيفية صرف الأموال التي ستجنى من النفط)،ص233 .
وجاء المبحث الثالث كيفية قيام البنى التحتية الصناعية في العراق من خلال عقد الاتفاقية الشهيرة بين العراق والاتحاد السوفيتي آنذاك التي وقعت في وزارة الخارجية العراقية في نيسان 1959م ، وقدم الباحث قائمة بالمشاريع الصناعية المنتشرة في العراق والتي تم دراستها وطرق تنفيذها ، وبذلك عدها المراقبون بأنها القاعدة الصناعية الكبرى للعراق، ص266 .
وسلط الباحث من خلال قراءته لجريدة الثورة في الفصل الرابع الضوء على مشاريع التطوير الاجتماعي التي حصلت للسنين 1958-1963/ ، منها :
-         مشاريع الإسكان التي نفذت في فترة قياسية في مختلف المدن العراقية ، كذلك توسيع طاقة ميناء البصرة والاهتمام بالسدود التي تحفظ المدن من الغرق وأهمها سديّ (دوكان ودربندخان).ص286 .
-         تطور التعليم عما هو عليه في العهد الملكي من خلال اعادة النظر بالمناهج الدراسية ، والاهتمام بالوضع العام للطلبة وزيادات البعثات للدراسة خارج العراق.
-         وتناول المبحث الرابع التطور الصحي في مراكز المدن والقرى العراقية.
-         وكان المبحث الرابع منصباً على (قانون الأحوال الشخصية لسنة 1959م) النافذ المفعول والذي لم ينته الجدل عنه حتى أيامنا هذه ، فقد وقفت المرجعية الدينية منه موقف السلب وما زالت تؤكد على الغائه أو اجراء التعديل عليه، وكان من معطياته الغاء المحكمة الجعفرية والعمل بظل هذا القانون.
وانتهى الكتاب بخاتمة قال فيها: (تواصلت وتفاعلت جريدة الثورة مع ما حصل من تطورات سياسية واقتصادية واجتماعية طوال حكم عبد الكريم قاسم بالمقالات الافتتاحية التي يحررها يونس الطائي رئيس تحريرها التي ساندت ودعمت سياسة عبد الكريم قاسم آنذاك.
وعزز الباحث الكتاب بمصادر رصينة وأمينة فضلاً عن حشده لأعداد من الصحيفة.
في الوقت الذي نبارك جهد الدكتور صالح الطائي نؤكد بأن هذا الكتاب وثيقة مهمة طالما غيبت عن الانظار فهو جدير بالقراءة والتمعن لما فيه من معلومات سياسية لم يسلط الضوء عليها.



70
المحامي يعقوب عبد العزيز... رجلٌ تسامى في عالمٍ متهالك
نبيل عبد الأمير الربيعي
      ولد عام 1910 في الأعظمية, تعلم في حلقة دينية اللغة العبرية ثم التحق بالمدارس الحكومية, درس المحاماة وتخرج في منتصف الثلاثينيات, وفي هذا الأثناء كان يعمل نهاراً مدرساً للغة العربية في مدرسة منشي صالح ويدرس المحاماة مساءً. تزوج عام 1949م من إيلين إبراهام شماشا أنجبا ولدين وبنتين ليندا – كمال – فؤاد – وفيفيان, عام 1965م قتل ابنهُ كمال وهو في الخامس عشر من عمره في حادث باص مدرسة فرنك عيني. زاول المحاماة ومن الشخصيات البغدادية التي كان موكلاً عنها كل من : شركة سيارات شفروليت، سارة خاتون الأرمنية، ماري قنواتي مديرة مدرسة مناحيم دانيال.
      كان مستشارا مدة زمنية قصيرة للطائفة الموسوية برئاسة الحاخام ساسون خضوري, وعشية عيد راس السنة العبرية عام 1969م تكفل عددا كبيرا من اليهود الذين تم إلقاء القبض عليهم وهم يحاولون الهروب من العراق عن طريق الشمال بمساعدة عدد من المحامين المسلمين.
      في نهاية شهر كانون الأول من عام 1970م تم استدعاؤه من قبل مديرية الأمن العامة, بسبب هروب ابنته ليندا وابنهُ فؤاد إلى إيران للتحقيق معهُ عن تفاصيل الهروب التي كان يجهلها. تم اعتقاله في مطلع عام 1971م لمدة شهرين ونصف الشهر مع عدد من اليهود, ثم أفرج عنه بمساعدة رئيس محكمة التمييز آنذاك الذي كانت تربطهُ صداقة به(1).
      عشيَة عيد الغفران من عام 1972م تمَّ اختطافه وهو ذاهب للصلاة كعادته في الكنيس, وحاول رئيس الطائفة آنذاك مير بصري الاستفسار عنهُ في وزارة الداخلية فجاء الرد أنه غادر العراق, فغابت أخباره ولم تعرف عائلته لحد الآن مصير جثمانه(2).
      ستةٌ وأربعون عاماً خَلَت على اختفاء المحامي يعقوب عبد العزيز, وبعد هذه الفترة الطويلة لاختفائه ورحيل سلطة الدولة السرية وأزلامها لم يندمل جرحُ اختفائه, ولكنَ الجرح ما يزال مفتوحاً بسبب متابعة عائلته وأبنته لندا لأخباره وأسباب تغييبه في زنازين أنظمة البعث, وأكد الظن أن سبب اختفائه هو ديانته اليهودية و كونه مستشاراً لفترةٍ زمنية قصيرة للطائفة الموسوية برئاسة الحاخام ساسون خضوري.
    أختفى المحامي يعقوب عبد العزيز أسوةً ببقية من اختفوا من أبناء الديانة اليهودية مطلع سبعينات القرن الماضي, أو من اعدموا شنقاً على أعواد المشانق من الأبرياء من أبناء هذه الديانة وعلقت اجسادُهم في ساحة التحرير وإعلان الحكومة في ذلك الوقت يوم عطلة رسمية ليشارك رعاع الشعب بهذا الكرنفال والتشفي بقتل أبناء العراق من الوطنيين, وكانت التهمة جاهزة هي مؤامرة التجسس لصالح إسرائيل, فأيَّ كراهية يحملها هذا النظام اتجاه أبناء العراق, الذي أمتَدّ على وجودهم في بلاد الرافدين زهاء أكثر من 2500 عاماً.
      اختفى يعقوب عبد العزيز وترك زوجة وولداً وابنتين, وبعد هجرة عائلته عبرَ الطرق السرية من العراق جُمدَت اموالهم المنقولة وغير المنقولة, إذ تتذكر ابنته الإعلامية والناشطة المدنية (لندا) قائلة(3) :"بعد أقل من عامين على هروبي أنا وأخي أولاً ومن ثم والدتي وأختي الصغيرة إلى إسرائيل عن طريق إيران فُقدَت آثار والدي, ولم نتمكن من الاستفسار عن مصيره ونحن في إسرائيل (دولة العدو), إنّ عدم محاولتي أن اتعامل مع الخسارة نظراً لوجودي في بلدٍ جديد يطرح تحديات لا حصرَ لها أمامي في تلك الفترة. لكن لم اسلم ابداً بحقيقةٍ القضاء على والدي فقط لكونه يهودي... في الأسبوع الأخير دق بابي أمرٌ مهيب : مؤتمر يدعو للاعتراف باليهود الذين هجرًوا أو اسقطت عنهم الجنسية كلاجئين, أي رسوم معادلة متساوية في التعويضات اسوة باللاجئين الفلسطينيين... اليهود والفلسطينيين كانوا ضحايا المعاناة, نحن يهود الدول العربية دفعنا ايضاً ثمناً باهظاً, لكن نشأنا على الكتمان, وقد أفاجيء البعض عندما اقول إننا نتعاطف ايضاً مع مقولة الشاعر الفلسطيني محمود درويش (وطني ليس بحقيبة وأنا لستُ بمسافر).
    حكومة المنظمات السرية سعت آنذاك إلى إخفاء مكان والدي وجسده, ورفضت الكشف عن مصيره في حينها أو مكان احتجازه, وعائلته يعانون أقسى المعاناة لأنها لا تعرف مصيره, ويتساءلون هل سيفرج عنهُ في ظل الظروف والملابسات الغامضة؟ كانت عائلته تتطلع إلى عودته ورؤيته سالماً, لكن قلقهم كان يكبر خصوصاً زوجته واطفاله.
     اختفى المحامي يعقوب عبد العزيز في دوائر الأمن ودهاليز السجون السرية بعد دفاعه عن مجموعة من ابناء جلدته كونه محامياً قديراً, كان على رأس دوائر الأمن, أزلام ذلك النظام المرعب المدعو ناظم كزار المعروف بساديته في التعذيب واخفاء جثثهم في أحواض التيزاب, وجراء ذلك اختفى الكثير من المعارضين للنظام في هذه الأحواض, كان ازلام السلطة واجهزتها الأمنية والمخابراتية التنفيذية يراهنون على النسيان, نسيان عائلة المغيّب يعقوب عبد العزيز تدريجياً, بل قد تصبح مجرد ذكرى, ولذلك نراهم يعمدون إلى التعتيم, لكن صدى الذاكرة لا يصدأ, إلا أن الفاعل والجاني يعتقد بعدم الاستدلال عليه في مقابرهم الجماعية خلف سجن أبي غريب أو قرية السكران, ولكن الاستدلال على رئيسهم ورئيس نظامهم المرعب وشيطانهم وراعي جرائمهم جرائم القتل والتغييب استدل عليه الأمريكان في حفرةٍ عفنة في تكريت, وأخرجوه كالجرذ الخائف المرعوب, ووضع أحدهم حذاءه العسكري على رأسه الكثيف الشعر, هذا الجبان الذي أرعب أبناء العراق, وجد مخذولاً خائفاً في حفرةٍ قذرةٍ, صاحب القلب الغليظ ومن مؤسسي دولة المنظمات السرية في العراق.
    كان ازلامه من يترصدون ضحاياهم ومراقبتهم ليتم معرفة تحركاتهم والتخطيط لعملية الاختفاء دون ترك أي دليل يثبت إن الاختفاء كان على يد الأجهزة الأمنية العراقية.
    المحامي يعقوب عبد العزيز كانَ شاهداً على التاريخ, تاريخ الاعدامات والعذاب والضحايا وقرابين ابناء الديانة اليهودية المسالمة التي رفضها وابادها التيار القومي العروبي البعثي, بسبب وطنيتها والتصاقها  بأرض الرافدين.
      يعقوب عبد العزيز لم يكن متآمراً, ولا حاملاً للسلاح, ولم يكن صاحب عملٍ سري في منظمة سرية, بل اختفى في وضح النهار على أيدي جلاوزة النظام واجهزته الأمنية, كما لم يكن متستراً بسواد الليل, فلماذا غيب من قبل اسياد البعث, فهو أحد ضحايا البعث ولا نعلم هل تمت تصفيته وفي أي اسيد أذيب جسده, كما ذوبوا جسد أحد معارضي النظام من التيار اليساري, وأنا أتساءل هل قتل عبد العزيز كونهُ وطنياً ومحباً لشعبه وابناء بلده وطائفته, أم قتل لأنه يدافع عن حقوق الضعفاء, أم قتل بسبب انتمائه لأرض الرافدين من قبل أزلام دولة المنظمات السرية, أم قتل بسبب مزاحمتهم على كرسي السلطة؟ لم يكن يعقوب بد العزيز يزاحمهم على كرسي الحكم.
     أبكيك يا أبن بلدي في هذا الوطن المخيف, أبكيك لإنسانيتك واخلاصك, أبكيك كونك إنساناً مثقفاً عزَّ علينا نظيره ونحن نعيش اليوم بين عراقيين يتباهون بالسلطة والوجاهة وحب الظهور, لكن التاريخ لم ولن يسجل عن هؤلاء الحكام وأولئك أي شيئاً, بل سيسجل لعبد العزيز وأمثاله الكثير.
     إن اختفاء المحامي يعقوب عبد العزيز يبقى وصمة عارٍ في جبين البعث وسلطته وزبانيته, فقد غيبت السلطة قانونياً لامعاً ومواطناً أبياً قاوم الظلم والطغيان, كما غيبت السلطة الكلمة الملتزمة والمواطنة الشريفة, رحل عبد العزيز يعتصرهُ الألم لضياع وطنه, واختفى إلى الأبد تاركاً الأقاويل عنه وعن مصيره الغامض إلى الأبد, كم كان مفرحاً عائلته وأصدقاءه والجميع حين يجدونه وهو عائد إليهم من بغداد.
     إنها حكاية احاول أن أنهي بها ورقتي هذه التي أراها شهادة وفاء لحامل ميزان العدالة المبكرة, إذ كان في وسط دور العدل معروفاً, ولكن الأضواء لم تسلط عليه عند غيابه خوفاً من ازلام النظام وعيون الأمن, فضلاً عن أنه كان يملأ الدنيا مواقفاً شجاعة مشهوده له في الدفاع عن الحق, وإذا النظام استطاع أن يغيّب جسده فهو لم يستطع أن يمحو ذكراه التي تعيش في الحنايا والضلوع.
     إن سلطة غاشمة تعمل على طمس رجل العدالة لم تتمكن من ذلك, لأن الأيام هي الدليل على سطوع اسم يعقوب عبد العزيز , فارتفاع اسمه على كل لسان, وفي كل ذاكرة خيرة, لكن ازلام السلطة بعد ثلاثة عقود من الحكم سقطوا في وحل الابتذال وشراء الذمم, ويعقوب عبد العزيز عاش لمبادئه وصدق موقفه, وهو حي بيننا بينما الأحياء الذين اماتوه هم الموتى حقاً.
     في يوم رحيلك أبى لندا دمعت العيون من قبل الأصدقاء, وبكتك القلوب, ومن تبكيه القلوب يظل حياً أبداً.
 
           
 
المصادر
1-   رسالة ابنتهً الصحفية لندا يعقوب عبد العزيز منوحين للكاتب نبيل الربيعي بتاريخ 30/5/2016.
2-   نبيل عبد الأمير الربيعي. معجم اعلام يهود العراق. الحلة. دار الفرات للطباعة والنشر والإعلام. ط1. 2016. ج2. ص32/33.
3-   لندا يعقوب عبد العزيز. مقال على موقع الحوار المتمدن بتاريخ  27/9/2012م.



71
يهود العراق والهوية الوطنية.. حقبة العهد الجمهوري / الحلقة السابعة عشر والأخيرة
نبيل عبد الأمير الربيعي
      خلال عهد ثورة 14 تموز 1959م وزعيمها عبد الكريم قاسم, منح اليهود الحرية الكاملة والمساواة في الحقوق والواجبات, إلا أن المثلبة الوحيدة في حكمة كان بحق اليهود هو تأميم مقبرة اليهود في بغداد عام 1961م.
      تمكنت اعداد من الأسر مغادرة البلاد بصورة مؤقتة, لكن لثورة تموز 1958 قد بدأت الحياة ليهود العراق تتغير إذ شوهد الزعيم قاسم يحضر الحفلات اليهودية, وزيارته المستمرة للحاخام الأكبر ساسون خضوري واعتماد أن ابناء العراق جميعهم متساوون أمام القانون وسمح لهم بالسفر والعمل التجاري, لكن انقلاب 8 شباط 1963م الذي طاح بحكم الزعيم قاسم اعاد اجراءات القمع المريرة مرة اخرى, وقام عبد السلام عارف بمصادرة المتبقي من المقبرة اليهودية, واتخذ سلسلة قرارات بحقهم منها حرمانهم من جوازات السفر ومنع ابنائهم من الدراسة الجامعية, وتجريد المسافر من يهود العراق من الجنسية اذا لم يعد بعد ثلاثة اشهر, حتى تم هروب ابناء الطائفة عبرّ الحدود العراقية الايرانية, ولم يبقى من ابناء الطائفة إلا (3350) نسمة في العراق وثم تقلص هذا العدد.
      وقد اطاح انقلاب عام 1968م بالحكومة القومية العارفية بزعامة البعث فكان مصير يهود العراق الشنق العلني الذي ارسل لحظة خاطفة من قشعريرة الرعب, ففي حكم البعث وبعد انقلاب 17 تموز 1968م, قاد قادة البعث حملة وحشية بحق ابناء الديانة اليهودية, ففي نهاية حرب الأيام الستة, بدأت عمليات الاعتقالات والخطف من الشوارع والتعذيب في سجون ناظم كزار مدير الأمن العامة, ثم بدأت الحملة التعسفية لإرهاب ابناء الطائفة اليهودية, منها ما حصل يوم 27/1/1969م إذ شنق تسعة من اليهود كان من بينهم فتى في سن السادسة عشر عاماً مع مجموعة من ابناء الطائفة الشيعية والديانة المسيحية بتهمة التجسس لصالح دولة إسرائيل, كما قام النظام بطرد اليهود من وظائفهم وحرمانهم نهائياً من السفر, وتجميد حساباتهم المصرفية, وإلغاء رخص تجارتهم وقطع خطوطهم الهاتفية, مما زاد من عمليات الهروب من العراق للفترة من عام 1971م وعام 1973م بمساعدة المهربين من القومية الكوردية عبرّ اراضي كردستان العراق إلى إيران, حتى وصل عدد ما تبقى من يهود العراق اليوم (12) فرد من كبار السن, وبعض العوائل تحولت إلى الديانة الاسلامية خوفاً على حياة أبنائها, وبسبب حملات العنف والاضطهاد والتعسف لا يجد ابناء الطائفة اليهودية ملجأ لهم إلا الهرب نحو إسرائيل, أو دول أوروبية أخرى.


72
يهود العراق والهوية الوطنية.. دور يهود العراق في مجال السينما / الحلقة السادسة عشر
نبيل عبد الأمير الربيعي
     دور السينما في العراق لها تأريخ عريق ونقل يهود العراق بسبب احتكاكهم بالحضارة الأوروبية وثقافتهم ومعرفتهم باللغات الغربية، الفنون الثقافية بكل تفرعاتها إلى بغداد ومدن العراق الاخرى. ومن هذه الفنون، السينما، إذ اهتم يهود العراق باستيراد الافلام وإنشاء دور عرض الافلام السينمائية. هناك الكثير من الشركات التي كان يمتلكها اليهود سيطرت على السينما في العراق.
     لقد ساهم يهود العراق في مجال دور السينما, ويذكر البروفسور سامي موريه عن دور يهود العراق في بناء دور السينما قائلاً :"لقد ساهمت اسرة ساودئي وبيت مسيّح في شارع الرشيد، مجمع سينما روكسي على أنقاض ثكنة عسكرية, وأنشأت أسرة شولايو دار سينما الوطني, وكذلك أسرة طانيوس في بناء دار سينما الزوراء, وأسرة عزار أسست سينما غازي في عام1937م من قبل شاؤل وكامل قوبي, وشاركت أسرتا جورجي أيام والدوري بإنشاء سينما الرافدين, كما سارع الأخوان صهيون ويعقوب شالوم ببناء سينما التارج, وحتى السينما المركزية تم تأسيسها من قبل عائلة يهودية وهي التي اتهمت بعرض أفلام اثارت غضب المسلمين المحافظين والصحافة القومية, كما أسست أسرة سودائي أول شركة لصناعة الأفلام في العراق, وكان أول فلم انتج في العراق هو عليا وعصام, والذي قدمه ستوديو بغداد والتاج للإخوان سودائي, وقد نجح الأخوان بإنتاج افلام أخرى مماثلة". 
    وكذلك شركة السينما البغدادية، التي تأسست سنة 1934 شركة مساهمة برأسمال قدره (34،310) دينار عراقي من قبل أربعة من يهود العراق قيمة السهم الواحد عشرة دنانير موزعة إلى (3431) سهم. كان أول عرض لفيلم سينمائي في العراق ليلة 26 تموز1909 في دار الشفاء بجانب الكرخ وبعد مرور عامين شهدت منطقة (العبه خانة) عرضاً آخر نظمه تاجر يهودي متخصص في استيراد المكائن اسمه "بلوكي" وعندها أقيمت أول دار سينما في بغداد أطلق عليها "سينما بلوكي" وبعد الحرب العالمية الأولى شهد العديد من مناطق بغداد عروضاً سينمائية في الهواء الطلق نظمتها "دائرة الاستعلامات البريطانية" بجهاز عرض (16 ملم) كانت تنتقل به إلى مناطق عديدة من المدن العراقية، وفي عام 1920 أنشأ تاجر آخر سينما سنترال في منطقة حافظ القاضي في شارع الرشيد ليستبدل اسمها فيما بعد إلى سينما الرافدين.


  المصادر:
 مازن لطيف علي. مقال بعنوان (اليهود وانتشار دور العرض السينمائية في العراق). موقع الحوار المتمدن. العدد 3867 في  10/10/2012.



73
يهود العراق والهوية الوطنية.. دور يهود العراق في المجال الصحي /الحلقة الخامسة عشر
نبيل عبد الأمير الربيعي
      شارك ابناء العراق من الديانة اليهودية في مجال المؤسسات الصحية, وبادر اثرياءهم ببناء المستشفيات والمؤسسات الصحية, فقد تبرع اليعازر خضوري ببناء مستشفى ريمة خضوري للعيون عام 1924م, الذي عُدّ من اكبر وأحدث المستشفيات المتخصصة بأمراض العيون في ذلك الوقت,  وقدمت شتى الخدمات الطبية التي لها علاقة بالعيون من فحوصات دورية وعمليات وتقديم العلاج الطبي, وشهدت إقبالاً واسعاً من أطياف المجتمع العراقي جميعها على مدار السنة لعدم تحصيلها إلا مبالغ زهيدة لقاء الخدمات التي تقدمها, وساهمت النخبة اليهودية في تطوير المجال الطبي من خلال المستوصف الذي افتتح لإجراء العمليات الجراحية, وانشأ قسم خاص لعمليات الولادة, وهذا لم يكن متعارف عليه سابقاً .
     ساهم السيد مناحيم صالح دانيال في تبرعات جمعية مكافحة السل في العراق بمبلغ الف دينار عراقي, لذا قامت الجمعية بتقديم الشكر له للمساعدة التي قدمها. كما دافع النائب إبراهيم حاييم عن مديرية الوقاية الصحية حينما اتخذت الحكومة الملكية عام 1945م قراراً بإلغائها والتي كانت قد تأسست عام 1942م, وكان سبب الإلغاء رؤيتها بأن الطبيب في بعض الأحيان يقصر في واجبه المشترك بين مديرية الوقاية الصحية والمستشفى, وقد انتقد النائب إبراهيم حاييم القرار لأنه رأى حاجة العراق إلى هذه المديرية شأن الدول المتقدمة مؤكداً أن الوقاية خير من العلاج, وأن المديرية لها فائدة كبيرة, فلو أن طبيب الوقاية ذهب إلى مكان ما في العراق خلال جولة تفتيشية فوجد فيها جرثومة (الملاريا) وكافحها وأبادها بمحلها, فمعنى ذلك أن الحكومة تخلصت من امكانية اصابة مئات الألوف من الناس.
   وقد اشتهر في مجال الطب في مدينة عنه الدكتور ناجي جيتايات, واختلط بأعيان وجهاء المدينة, فضلاً عن أنه من سكنة بغداد, وكان له الدور الكبير في مجتمع عنة الرسمي يدعوه لحضور الاحتفالات والمناسبات الرسمية, وكان ينسى في الكثير من الأحيان أنه من الديانة اليهودية, وبعد احداث الفرهود عام 1941م, التقى الدكتور ناجي بفوزي القاوقجي وهو ضابط سوري ساند ورفاقه حركة رشيد عالي الكيلاني, فالتقى بهم الدكتور ناجي حينما تعرض فوزي القاوقجي إلى جروح فعالجه وعامله بلطف. استمر  الدكتور ناجي جيتايات في عمله في عنه حتى نهاية الخمسينات من القرن العشرين حيث انتقل إلى مدينة بغداد واتخذ من منطقة الكرادة الشرقية مكاناً لافتتاح عيادته التي كان الكثير من المرضى يقومون بمراجعتها.
     وقد عرفت مدينة العمارة الدكتور داود كباية, واعتبر في ذلك الوقت اسطورة الطب حينما كان يعالج الفقراء مجاناً واحياناً أخرى كان يدفع له بعض مرضاه اجوراً زهيدة, والأكثر من ذلك نجح كباية في مجال الطب وفي المجال الاجتماعي, إذ أن حب الناس له في مدينة العمارة وفي العاصمة بغداد كان كبيراً, ففي بغداد كانت لديه داراً من طابقين يسكنها هو وشقيقته ومساء كل يوم خميس كان سائق السيارة العمومي ينادي في موقع عيادته القديمة في العمارة (كبايه.. كبايه), فتتحرك السيارة إلى مدينة بغداد وبعد الانتهاء من المعاينة يعودون بالطريقة نفسها إلى مدينة العمارة. كما نال الدكتور داود كباية شهادة شكر من رئاسة صحة مدينة العمارة عام 1950م, لكفاءته واحسانه في معالجة المرضى, ولقيامه بعمليات كبيرة وصغيرة وبكفاءة عالية ومنح هذه الشهادة لتفوقه في المجال الطبي.
     كما اشتهر طبيب الامراض العصبية الدكتور جاك عبودي استاذ الطب العصبي والنفسي, وقد سعى لإنشاء دار الشفاء حينما لم يكن في المستشفى الملكي شعبة للتخصص في الأمراض العصبية والعقلية, وعمل استاذاً في الكلية الطبية الملكية عام 1939م, وتخرج على يده أفضل الأطباء في هذا المجال, كما أسس مستشفى خاصة في المجال العصبي أطلق عليه مستشفى الدكتور جاك عبودي للأمراض العقلية والعصبية عام 1948م. كما عرف في مجال الطب الدكتور كرجي هارون ربيع الذي تخرج عام 1932م من الكلية الطبية الملكية, فذاع صيته في مجال تخصصه في الأمراض الباطنية, وكانت عيادته تقع في شارع الرشيد, كما فتح اخوهما أدورد هارون ربيع صيدلية بالقرب من عيادتيهما, استمر الدكتور كرجي ربيع بممارسة مهنة الطب حتى الستينات من القرن الماضي.

 المصادر :
   أزهار عبد علي حسين الربيعي. النخبة اليهودية في العراق. مصدر سابق. ص184.
  خلدون ناجي معروف. الأقلية اليهودية في العراق. مصدر سابق. ص144.
  محاضر جلسات مجلس النواب العراقي لعام 1945م, الاجتماع الاعتيادي, الجلسة السادسة عشرة. في 21 كانون الثاني 1946. بغداد. مطبعة الحكومة. 1946. ص151/152.
  مجموعة مؤلفين. المجتمع العراقي حفريات سوسيولوجية في الأثنيات والطوائف والطبقات. بغداد. الفرات للنشر والطباعة. ط1. 2006. ص107/108.
  مازن لطيف. مقال. الدكتور داود كباي شخصية عالقة في الذاكرة العراقية. موقع الحوار المتمدن. العدد 3160 في 19 تشرين الاول 2010.
  يعقوب يوسف كوريه. يهود العراق (تاريخهم. احوالهم. هجرتهم) عمان. الأهلية للنشر والتوزيع. ط1. 1998. ص95/97.




74
يهود العراق والهوية الوطنية..دور الفنانين اليهود في مجال الفن والغناء والمسرح العراقي/ الحلقة الرابعة عشر
نبيل عبد الأمير الربيعي
      في المجال الفني برز عدد من يهود العراق اهتموا بالغناء والتلحين ولا سيما المقام العراقي والجالغي البغدادي, ومن اشهر قراء المقام العراقي يوسف حورشي وسلمان بن موشي عُينّ خبيراً في دار الاذاعة ببغداد عام 1945, والمطرب روبيل رجوان, وعازف آلة الكمان نسيم يعمون وأخوه شاؤل يعمون عازف آلة السنطور, وضارب الطبلة حسقيل شاؤل, والمطربان رحمن نفطار ساسون وزعرور حسقيل بيحي, وعازف آلة السنطور يوسف بتو حوكي, وعازف آلة القانون عزوري يوسف, وعازف آلة الكمنجة حسقيل, وعازف آلة الطبلة إبراهيم صالح.
      أما الأخوان صالح وداود الكويتي فبرزا في مجال التلحين, وكانا من ضمن مؤسسي الاذاعة العراقية عام 1936م, وقد تميز صالح الكويتي وأخيه داود بوضع الالحان الخالدة لمعظم مطربي ومطربات تلك الحقبة الزمنية, مثل (سليمة مراد, عفيفة اسكندر, زهور حسين, زكية جورج, داخل حسن, حضيري ابو عزيز), وقد غنت ام كلثوم احدى اغنياته حينما زارت العراق عام  1932م وهي اغنية (كلبك صخر جلمود), كما لحن صالح الكويتي اغاني الفلم العراقي عليا وعصام الذي كتب قصته الأديب أنور شاؤل.
     ومن الفنانات اليهوديات العراقيات اللاتي برزن على الساحة الفنية العراقية رائدة الغناء العراقي المطربة سليمة مراد وصاحبة الصوت الجميل الحنون, احترفت الغناء صبية فأطربت اسماع العراقيين اكثر من نصف قرن وسحرته بفنها البغدادي الأصيل, ومثلت دور البطلة في فلم عليا وعصام عام 1946م, قال فيها الناقد عدنان الحميري (إن سليمة مراد نالت مكانتها في قلوب البغداديين خاصة والعراقيين عامة, لأنها غنّت بطرب عراقي أصيل للشوق والحب والألم الذي يشعرون به بفن يكاد يكون ساذجاً وغريزياً, نالت الاعجاب بتعبيرها عن طموحات الناس البسطاء ومخاوفهم وهمومهم ورغباتهم التي لم تعقدها الحضارة ... أن غناء سليمة مراد قد اغنى كثيراً فن بغداد الشعبي), وكتب بحقها الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري والشاعر عبد الكريم العلاف.
      كما لا ننسى دور يهود العراق في مجال الفن المسرحي والرقص والغناء الشعبي, فكان هناك عدد من الفنانين الهزليين المعروفين, إذ يذكر البروفسور سامي موريه في مقاله (المسرح اليهودي في الشرق الأوسط) "يامين أبو الخير, وأبو جميلة, وناجي الأقرع", وكان يطلق على هؤلاء مصطلح (الشعّار, الهبش, خباري), وهم من الشاذين جنسياً يؤدون ادوارهم كراقصات في مسرحيات هزلية فاحشة تخدش الحياء, يتخللها الرقص الخليع مع اطلاق النكات البذيئة, كما كانت تتخلل الحفلات تبريكات بآيات توراتية, ونثر النكات إذا صح في النهاية لقب للدلالة على أي كوميدي وفنان شعبي هازل في المجتمع اليهودي, وكان اكثر هؤلاء الممثلين شهرة هو إسحق أبو البالطوات, والممثل الكوميدي العراقي المسلم (جعفر أغا لقلق زادة).
      وقد حمل يهود العراق اعتقاداً بأن المسرح أداة فعالة لخلق هوية قومية وذاكرة جماعية, ووسيلة للإصلاح الاجتماعي والأخلاقي والتربوي, وطريق لجعل الممثلين فخورين برسالتهم الثقافية, وكان ضمن الممثلين البير الياس وسيمون العماري وحسقيل قطان وناجي شاؤل وساسون كباي وأ.ج. جوري, وكان لهم الدور في الانتاج والديكور والإضاءة والماكياج والأزياء, فضلاً عن دور حسقيل إبراهام نسيم في كتابة المسرحيات منها مسرحية (صفقة رابحة). وكان ابرز الممثلين الهزليين اليهود هو نعيم اصلان وهمّام باشا وبإشراف الأساتذة في التمثيل مثل الياهو أسميرا (191001961م) وخضوري شهرباني واسحق بطاط وسلمان عبد الله ولوئيف موشيه واسحق باؤوا ومدير الإضاءة شمعون بن عمري.

  المصادر:
 
  طالب مهدي الخفاجي. أدب اليهود العراقيين. مصدر سابق. ص188.
  مازن لطيف. يهود العراق تاريخ وعبر. مصدر سابق. ص223.
  مير بصري. اعلام اليهود في العراق الحديث. لندن. دار الوراق للنشر. ط1. 2006. ص161.




75
يهود العراق والهوية الوطنية.. دور المثقفين والأدباء اليهود في الثقافة العراقية/ الحلقة الثالثة عشر
نبيل عبد الأمير الربيعي
لقد حاول الكتّاب اليهود خلق ثقافة أدب عراقي عربي من خلال الدراسة الدقيقة للغة العربية الحيّة الفعالة, غير أن اللغة العربية بالنسبة ليهود العراق هي اللغة الأم لأن اليهود كانوا مدركين لحجم التعامل في المجالات كلها داخل المجتمع العراقي, وقد اكتشفوا عند هجرتهم القسرية عام 1951م إلى إسرائيل إن الثقافة العربية كانت حيّة وفعّالة, مما ارتفع عدد اليهود العراقيين في إسرائيل ممن مارسوا الفنون الأدبية والصحافية ورواية القصة, لكن قلّة متابعة الجمهور الأدبي لهم مما ادى إلى سرعان تخلي هؤلاء الكتاب عن اللغة العربية وبدأ نتاج مؤلفاتهم الروائية باللغة العبرية, إلا الروائي سمير نقاش (1938-2004م) إذ استمر بالكتابة باللغة العربية مع زكاي أهارون وسامي موريه واسحق بار موشيه, فضلاً عن دراسة الأدبين العربي والفارسي في الجامعة العبرية مطلع سبعينات القرن الماضي, فكانت رواياتهم وشخصياتهم الرئيسة تتحدث عن ذكرياتهم في العراق ومشقة الحياة وانتمائهم لأرضه معززين هويتهم الوطنية بذلك, فقد قاوم الروائي سمير نقاش وبعناد الخضوع للثقافة العبرية الإسرائيلية, مفضلاً كتابة رواياته وقصصه القصيرة باللغة العربية, بالمقابل كان موقفه عكس موقف الروائيان شمعون بلاص وسامي ميخائيل وخضوعهما الجزئي للثقافة العبرية والفكر الصهيوني.
أسهم عدد من اليهود العراقيين إسهاماً فاعلاً في الثقافة العراقية, عدَّ بعضهم من الرواد في مجال القصة والرواية أمثال أنور شاؤل وشالوم درويش وسلمان درويش إذ كتبَ الأخير قائلاً (إن اللغة العربية وثقافتها نفذت في دمائنا) وبقية اللغة العربية ترافق اليهود العراقيين حتى بعد هجرة الكثير منهم من العراق (190-1951). عدَّ أنور شاؤل من رواد الشعر والقصة الحديثة, إذ دمج هويته العراقية وديانته اليهودية وحافظَ مع هذا الدمج على شيء من التوازن في شخصيته, أصدر كتباً عدّة في اوقات متفاوته منها (الحصاد الأول عام 1930م, وليم تل (ترجمة) عام 1932, أربع قصص صحية (ترجمة) عام 1935, قصص من الغرب عام 1937م, عليا وعصام عام 1948م الذي تحول إلى أول فلم عراقي, ليل الصبا عام 1950م, في زحام المدينة عام 1955, همسات الزمن عام 1956م, قاموس المصطلحات المطبعية عام 1967, كليتن كلين (ترجمة) عام 1967م.
ويشير الباحثون المهتمون بالأدب اليهودي العراقي إلى دور الباحث والكاتب والشاعر والاقتصادي مير بصري في الحياة الثقافية العراقية من خلال نتاجه الأدبي الذي تعود بداياته لعام 1928م, إذ نشر في صحيفة النهضة العراقية شعراً منثوراً بعنوان (الحرية), ونظم عدداً من الملاحم شعراً منها (نهاية الأبطال) التي نشرت في مجلة الكاتب المصرية عام 1946م, وكتب عن العديد من النخب العراقية السياسية والشخصيات اليهودية في المجتمع العراقي, وذكر الأحداث التي مرت باليهود في العراق كما في أحداث الفرهود في يومي الأول والثاني من حزيران عام 1941م, التي رواها في كتابه (رحلة العمر).
كما برز من يهود العراق في مجال الشعر مراد ميخائيل, الذي نشر مقالاته وشعره وقصصه في الصحف والمجلات وهو لم يتجاوز السادسة عشرة, فقد نشرت لهُ صحيفة دجلة بعددها الصادر في 11 نيسان 1922 قصيدته (يا وطني), ويعد الشاعر مراد ميخائيل من رواد قصيدة النثر. أما الشاعر الوطني إبراهيم عوبديا فقد ربط مصيره بمصير العراق والأمة العربية, وتجلى حبه في قصائده مثل : (بلادي, حارس الملك, بغداد, ذكرى النهضة العربية الكبرى, أيها الحق), كما كتب القصائد التي كانت تذاع من إذاعة بغداد في مناسبات شتى في مدح الملك فيصل الثاني والعائلة المالكة والجيش العراقي, وحتى عند خروجه من العراق قائلاً (ولكنني بالرغم عني سأبقى إلى يوم القيامة بغدادي). أما الشاعر جاد بن مئير فعبَّرَ عن حبه للعراق من خلال قصائد شعره وتغزله بدجلة والفرات في قصيدة عنوانها (مياه الرافدين).
ونعود للروائي سمير نقاش الذي غادر العراق عام 1951م وعمره ثلاثة عشر عاماً, لكنهُ بقي يعبر في غربته عن هويته العراقية, وفي إحدى لقاءاته قال نقاش (اللغة العربية هي أقوى أدوات الكتابة, وأنا اكتب باللغة العربية التي أشم وأتذوق وأشعر بها, ومهما تعلمت من لغات أخرى فليس بمقدوري استحضار الكلمات مثلما استحضرها من لغتي العربية, ولهذا أنا وصلت إلى ما لم يكن بمقدوري الوصول إليه. وعلل سبب استمراره في الكتابة بالحرف العربي من دون الحرف العبري قائلاً (أنني أعشق هذه اللغة التي نطقت بها أول ما نطقت, واستطيع بواسطتها التعبير عن دواخلي بشكل أفضل, فلماذا أقيد نفسي بلغة اعرف عنها أقل وهي اللغة العبرية؟ ثم أن اللغة العربية تؤكد انتمائي العضوي إلى أصلي العراقي.
تميزت النخبة اليهودية الثقافية في العراق بمجالسها الأدبية والثقافية, ومن اشهر هذه المجالس (مجلس مناحيم صالح دانيال, مجلس عزرا صالح دانيال, مجلس الحاخام ساسون خضوري, مجلس أنور شاؤل, مجلس مير بصري, مجلس داود سمرة, مجلس نعيم زلخة, مجلس يوسف الكبير, مجلس إبراهيم حاييم, مجلس روبين بطاط, مجلس صالح قحطان), وكانت لهذه المجالس أهمية كبيرة في موقع الحوار الفكري في كل المجالات, وتداول الأخبار حول أوضاع البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية, فهي بمثابة تكوين الرأي العام على الرغم من محدوديته لأنها في أغلب الاحيان تكون نافعة وتجمع طوائف المجتمع العراقي كلها.

المصادر:

خلدون ناجي معروف. الأقلية البهودية. مصدر سابق. ص141.
أزهار عبد علي حسين الربيعي. النخبة اليهودية في العراق. مصدر سابق. ص171.
طالب مهدي الخفاجي. أدب اليهود العراقيين وثقافتهم في العصر الحديث. ط1. بغداد. مؤسسة مصر. 2008. ص42.
شموئيل موريه. القصة القصيرة عند يهود العراق 1924-1978. القدس 1081. ص85.
مهدي السعيد. مير بصري ينقب في ذاكرة بغداد الثقافية. مجلة المسلة العراقية. العدد 56. عام 2000. ص39.
مازن لطيف. يهود العراق تاريخ وعبر. مصدر سابق. ص343.
رشيد الخيون. الأديان والمذاهب بالعراق. بغداد. منشورات الجمل. ط1. 2003. ص107.



76
يهود العراق والهوية الوطنية.. دور يهود العراق في مجال الصحافة: الحلقة الثانية عشر

نبيل عبد الأمير الربيعي

      صدرت أول صحيفة يهودية باللغة العبرية هي صحيفة هالدوبير(1863-1871م), ومن ثم صحيفة هامجيد عام 1864م, وصحيفة الزهور عام 1909م التي صدرت باللغة العربية وهي سياسية واسسها نسيم يوسف سوميخ, وصحيفة بين النهرين عام 1909م باللغة العربية, وصحيفة تفكر بالغتين العربية والتركية عام 1912م, وأول مطبعة تأسست عام 1863م من قبل موسى باروخ مزراحي, ومن ثم مطبعة حمايم ومطبعة بيخور عام 1884م واستمر عملها حتى عام 1908م, ومطبعة إليشاع لصاحبها إليشاع شوحيط, والمطبعة الوطنية لصيون عزرا, ومطبعة جديدة لصاحبها باخور هزين أسست عام 1888م, حيث استمرت حتى عام 1913 وقد ادار هذه المطبعة من بعد وفاة صاحبها ابنه هزين, ومطبعة دنكور التي أسست عام 1904م.
      أما قبل العهد الملكي فقد صدرت في العراق أول صحيفة هي صحيفة (يشرون), التي صدر العدد الأول منها في 19 تشرين الثاني 1920م, أصدرتها الجمعية الصهيونية, كانت الصحيفة اسبوعية وتصدر نصفها باللغة العربية والنصف الآخر باللغة العبرية, وقد تولى إدارتها الياهو ناحوم وحررها صهيون اذريعي ويعقوب صهيون, وقد توقفت عن الصدور بعد خمسة أعداد بسبب اغتيال سلمان حيا رئيس الجمعية الأدبية الاسرائيلية في 24 كانون الأول 1920, وفي 10 نيسان 1924 حينما تم تنصيب فيصل الأول ملكاً على عرش العراق أصدر المحامي سلمان شينة العدد الأول من صحيفة المصباح, وكان مدير تحريرها الشاعر أنور شاؤل, وهي صحيفة اسبوعية أدبية علمية اجتماعية, كانت معظم مواضيعها تعني بالنشاط الثقافي والاجتماعي في العالم, وكانت من اكثر الصحف اليهودية في العراق تعني بالفكر والوجود اليهودي.
      وقد اصدر يعقوب حاسين في 19 تشرين الثاني 1926العدد الأول من صحيفة سباق حاسين, وكانت تعني بأخبار الفروسية وسباق الخيل والرياضة والاعلانات التجارية, كما اصدر سلمان كوهين عام 1928 صحيفة البرهان, وكتب من خلالها الكاتب شاؤل حداد عام 1933 رسالة إلى الوكالة اليهودية في فلسطين أشار فيها إلى حاجة اليهود إلى صحيفة وعرض عليهم مساعدته في هذا الشأن, وفي البصرة أصدر يوسف حوكي صحيفة دليل العائلة في 1 تشرين الثاني 1928, وكانت تعني بالشؤون الإعلانية والتجارية.
     وقد اصدر المحامي والشاعر أنور شاؤل العدد الأول من مجلة (الحاصد) يوم 14 شباط 1929, وهي مجلة اسبوعية, وفي مقالها الافتتاحي نشرت تحت العنوان التالي (ماذا أحصد؟ اسنابل ملأى بالغذاء أو عاقولاً وعوسجا؟), وفي 23 تموز 1930 استهلت الحاصد عامها الثاني فكتب أنور شاؤل مقال تحت عنوان (لتزود قراءها بالتوعية الفكرية والتغذية الروحية), وشجعت الحاصد نتاج الكاتبات العراقيات بما لديهن من مقالات أمثال, رفيعة الخطيب, عفيفة رؤوف, سعدية فتاح, ماتيلدا يوسف, استرينة إبراهيم. احتجبت مجلة الحاصد عن الصدور لمدة عامين وصدر العدد الأول من العام الخامس في 8 تموز 1930, وفي 31 آذار 1938 صدر العدد 48 من مجلة الحاصد وهو العدد الأخير بعد سبع سنوات من صدورها, وكتب أنور شاؤل مقالاً افتتاحياً تحت عنوان (الحاصد يحتجب بعد مشاق سبع سنوات) ولم تصدر الحاصد بعدما عالجت قضايا تخص مستقبل العراق وتقدمه, حين طالب أنور شاؤل بالاستقلال للعراق, وعالجت مشاكل المجتمع العراقي.
      في 12 آذار 1929 صدر العدد الأول من صحيفة الدليل الاقتصادية الأدبية, وهي صحيفة اسبوعية توزع مجاناً, واصدر عبد الله نسيم حاوي في 24 ايلول 1929 العدد الأول من صحيفة النشرة الاقتصادية, كما ساهمت النخبة من الأدباء والمثقفين اليهود في مجال الصحافة والإعلام العراقية منهم المحامي إسحق لاوي الذي عمل مديراً مسؤولاً لصحيفة الأمل, التي صدرت في بغداد بتاريخ 19 نيسان 1947م لصاحبها محمد نجيب مصطفى, وعمل أيضاً مديراً لمجلة المقاصد ومجلة الوعي القومي التيّنِ صدرتا في أربعينات القرن العشرين, ومجلة الأقباس الصادرة عام 1945م لصاحبها صفاء الحيدري, كما ساهم الكاتب والشاعر شالوم درويش الذي نشر مقالاته في صحيفة الأهالي التي صدرت في 2 كانون الثاني 1932. كما ساهم سامي معلم (شموئيل موريه) بواكير شعره في الصحف العراقية وترجم بعض روائع الشعر الانكليزي إلى العربية ونشر نشاطاته في الصحف العراقية كالأنباء, العراق, اليوم, الكرخ البغدادي, ونشر الكثير من الشعر العمودي في الصحف العراقية كاليوم والمجتمع والأنباء والهدف.
     كما ساهم الصحفي سليم البصون في مجال الصحافة بنشر مقالاته, وقد انغمر في الحياة الفكرية وبدأ بنشر الخواطر والقصص في المجلات العراقية مثل مجلة الرابطة والزهراء وصحيفة الشباب, ثم عُين مديراً للتحرير في صحيفة الرقيب, وحرر في مجلة قرندل, وفي صحيفة الشعب عام 1945م, وفي عام 1948م تول اصدار صحيفة الاستقلال, وفي صحيفة الرأي العام وصحيفة الجمهورية. وقد تعرض سليم البصون لأكثر من مرة إلى السجن بسبب كتاباته التي تنتقد الأوضاع السياسية العراقية, بسبب جرأته وصراحته في الكتابة, وفي زمن الهجرة الجماعية ليهود العراق ما بين (1950-1951) رفض الهجرة من العراق وكان جوابه عن الحداث (تأثرت كثيراً ولكنني لا أفكر بالخروج من العراق, ولا بد أن اواصل كتاباتي الصحفية للقضاء على الفساد والإرهاب الذي يتعرض له اليهود والعرب).
     وكان للصحفي منشي زعرور الدور الريادي في الصحافة العراقية, فقد كان صحفياً ذا خبرة تناهز الخمسين عاماً, منها خمسة وثلاثون في الصحف الناطقة بالعربية في بغداد, والأخرى في الصحف والنشرات العربية التي وجهتها الأحزاب العراقية إلى عرب فلسطين, تميز اسلوبه في الكتابة بأنه اندفاعي بليغ وجريء( ), يعتبر منشي زعرور الجندي المجهول في الصحافة العراقية كما وصفه مير بصري, وأشار إلى أنه تعرف عليه منضداً للحروف في صحيفة العراق, ثم اصبح محرراً ومشرفاً عاماً على طبع الصحيفة, ومن مواقفه أنه كتب في صحيفة الطريق العراقية مقالاً بعنوان (يهود العراق عراقيون برغم الأنوف), الذي اختتم مقاله بـ(رفقاً بهذا الوطن العزيز, وكفى ما عاناه في التاريخ القديم والحديث من المصائب والويلات).
     ولا ننسى الصحفي صالح (نعيم) طويق الذي بدأ عمله الصحفي عام 1934م, وعين محرراً في صحيفة صوت الأهالي, وصدى الأهالي, وصحيفة الأهالي الناطقة باسم جماعة الأهالي, والطريق, والرأي العام, والحوادث, وصحيفة الزمان, ترجم صالح طويق بعض المقالات السياسية كما كتب العديد من الافتتاحيات في الصحف, ومن منجزاته استحداث طريقة خاصة لنقل الأخبار من الاذاعات العالمية باللغتين الانكليزية والفرنسية والقيام بترجمتها مباشرة إلى العربية بطريقة اختزال خاصة ونشرها في الصحيفة على الفور, في وقت لم توجد فيه أجهزة تسجيل ومعدات حديثة, فقد كانت الصحف العالمية تترجم وتنقل الأنباء في اليوم التالي ولا سيما في اثناء الحرب العالمية الثانية (1939-1945).
      وللباحث والاقتصادي والشاعر مير بصري اسهامات في الصحف العراقية, إذ نشر اول نتاج له في صحيفة النهضة العراقية عام 1928م, وواصل نشر نتاجه الأدبي في الصحف والمجلات العراقية المختلفة واللبنانية والمصرية والسورية, وعمل في اوقات مختلفة محرراً اقتصادياً لصحيفة الإخاء الوطني والبلاد, وصحيفة الشعب, ونشر ابحاثاً اقتصادية في المجلات والأدلة الفرنسية والانكليزية, وعندما أصدر خاله الياهو عزرا دنكور صحيفة الدليل الأسبوعية في بغداد عام 1929م تولى تحريرها.
      شكل رعيل المثقفين والادباء العراقيون اليهود جزءاً مهماً من النخبة المتنورة في المجتمع العراقي, وفي مجال الطباعة والمطابع التي اسسوها خلال النصف الأول من القرن العشرين, فقد ساهموا في مجال استيراد الورق الطباعي وادخل مهنة الطباعة والنشر في العراق, وكان شلومو ابراهيم صدقة قد انشأ المطبعة التجارية التي اجيزت بموافقة مديرية الدعاية العامة في 26 نيسان 1928, كذلك قام الياهو عزرا دنكور بافتتاح مطبعة الآداب التي اجيزت من وزارة الداخلية بتاريخ 23 كانون الأول 1928, كما انشأ دنكور المطبعة الملوكية التي اجيزت بتاريخ 2 نيسان 1929, لكن هذه المطبعة غيرت اسمها إلى مطبعة النجاح بتاريخ 16 كانون الثاني 1939م, أما إسحق رحمين بونا ومير إبراهيم سلمان فأنشآ مطبعة الحمراء ومطبعة المأمون, وأنشأ أهرون مردوخ آهرون شاشا مطبعة الهلال, أما إبراهيم يوسف فأسس مطبعة النهضة التي اجيزت من وزارة الداخلية بتاريخ 5 كانون الثاني 1935, كذلك إسحق شاؤل سوفير الذي انشأ المطبعة الخيرية الاسرائيلية (مطبعة سوفير), ومطبعة الرشيد لأصحابها محمد سعيد وشركائه نعيم عزرة, نسيم صالح, ساسون شالوم, التي اجيزت بموافقة وزارة الداخلية بتاري 15 آب 1935, أما إبراهيم هومي فقد انشأ المطبعة الشرقية التي حصلت على اجازة من وزارة الداخلية بتاريخ 20 آيار 1936.
      وفي مدينة الحلة حصلت مشاركة بين المسلم حسين السباك واليهودي معلم هارون لتأسيس المطبعة العصرية عام 1937, باع معلم هارون نصيبه إلى شريكه عام 1950م بعد قرار اسقاط الجنسية عن يهود العراق بمبلغ (120) جيناراً عراقياً في حينها, كما انشأ حاييم سلمان حاييم مطبعة الفردوس التي اجيزت من وزارة الداخلية بتاريخ 29 تشرين الأول 1947. وتوزع نشاط يهود العراق بين طباعة الكتب والصحف والمجلات وابني الإصدارات العلمية والأدبية المختلفة إلى جانب الملحقات التجارية وغيرها من المطبوعات.

 المصادر:

  علي عبد القادر العبيدي. النشاط الصهيوني في العراق. مصدر سابق. ص96؛ عزام مصطفى محمود. من تاريخ الصحافة البصرية (1869-1930). مجلة المؤرخ العربي العراقية. العدد 58. السنة الثانية. ص92.
  أزهار عبد علي حسين الربيعي. النخبة اليهودية في العراق. مصدر سابق. ص160/161.
  عصام جمعة المعاضيدي. الصحافة اليهودية في العراق. ط1. القاهرة. الدار الدولية للاستثمارات الثقافية. ط1. 2001. ص53/58.
  أنور شاؤل. قصة حياتي. مصدر سابق. ص148.
  عصام جمعة المعاضيدي. الصحافة اليهودية في العراق. مصدر سابق. ص63/64.
  عبد الرزاق الحسني. تاريخ الصحافة العراقية. ج1. ط3. لبنان. مطبعة العرفان 1971. ص101.
  عصام جمعة المعاضيدي. الصحافة اليهودية في العراق. مصدر سابق. ص83.
  اسحق بار موشيه. الخروج من العراق ذكريات 1945-1950. القدس. مطبعة دوكما. 1975. ص515/517
  عزيز الحاج. مذكرات عزيز الحاج بغداد في ذلك الزمان. ط1. بيروت. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. 1999. ص165.
  منشي زعرور. يهود العراق عراقيون رغم الأنوف. جريدة الطريق العراقية. العدد 179 في 14 تموز 1933.
  عزت ساسون معلم. قريب وبعيد ذكريات وحكايات من الفرات الأوسط 1911-1983. حيفا. دار المشرق للترجمة والطباعة والنشر. 1983. ص1958.
  مازن لطيف. يهود العراق تاريخ وعبر. ط1. بغداد. مؤسسة مصر. 2011. ص155.
  مازن لطيف. مقال (اكثر من 15 مطبعة اسسها اليهود في النصف الأول من القرن الماضي). صحيفة العالم العراقية. العدد 227 في 2 تشرين الثاني 2010.




77
يهود العراق والهوية الوطنية.. دور يهود العراق في المجال الاقتصادي/ الحلقة الحادية عشر
نبيل عبد الأمير الربيعي
منذُ عشرينات القرن الماضي كان لعدد من التجار اليهود يشار لهم بالبنان في العراق, يعزون بثرواتهم التي كونوها إلى اليهود الكادحين من ذوي القابليات ممن كانوا قد وظفوهم لديهم لسنوات طويلة للعمل في وظيفة كتبة, إذ كان هؤلاء الكتبة اليهود هم رواد ازدهار شركاتهم. فقد تفنن يهود العراق في عمليات البيع والشراء لدرجة جعلت الكثير من الشركات البريطانية تغلق مكاتبها لأن نفقات العاملين فيها اكبر من نفقات منافسيهم الشرقيين. كما اشتهر يهود العراق باستيراد وبيع الأقمشة واحتكروا تجارتها( ).
كما برزت مطلع القرن العشرين شركات يهودية ساهمت في تعزيز اثرهم الاقتصادي, واصبح اصحابها من النخب الاقتصادية في المجتمع العراقي. ومن هؤلاء أسرة دانيال وأسرة خضوري, وأسرة خلاصجي. إذ اسس الأخوان خضوري وعزرا لاوي شركتهما في البصرة وأصبحت من اكبر الشركات في هذا القطاع, وفتحت لها فروعاً في الموصل وكركوك وبعض المدن الإيرانية, قسّم الأخوان مهامهما فأدار خضوري العمل في بغداد وانتقل عزرا ليدير فرع طهران, بلغ رأسمال الشركة في اربعينيات القرن العشرين (275000) الف دينار عراقي, وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت( ), بدأ الأخوان نشاطهما في تجارة التمور بعد دخول القوات البريطانية البصرة عام 1914م, حيث التقوا بمسؤولين من شركة جنرال موتورز واصبحوا وكلاء سيارات الصالون وسيارات الحمل واللوريات ولوازمها, وسيارات شوفرليه وجي أم سي وبويك في العراق وإيران.
كما اشتهر في مجال تجارة السيارات شركة شفيق وإبراهيم عدس, إذ كان الأخوان فضلاً عن وكالتهما لشركة فورد وكيلين لأكثر من اربعين شركة اوروبية وقد حققا ارباحاً كثيرة نتيجة ارتفاع أثمان البيع, إذ كان اغلب زبائن الشركة من الطبقة الثرية والوزراء وشخصيات حكومية في الدولة, إذ ساهمت في توسيع دعايتها في المجتمع, حتى عام 1948 حين اتهم شفيق عدس باتهامات عدة منها تدبير التظاهرات في البصرة التي كانت تطالب بتقسيم فلسطين, واتهامات بيعه انقاض معسكر الشعيبة وهي مخلفات القواعد البريطانية في العراق, وتحويلها إلى عدد من العملاء في ايطاليا, وشراءه الأسلحة المتنوعة من مصادر عدة وارسالها إلى فلسطين, ولما وجد شفيق عدس نفسه بهذا الموقف امتنع عن الكلام ولم يدافع عن نفسه مستسلماً لقدره, وفي صباح يوم 13 ايلول 1948 حكمت المحكمة على شفيق عدس بالإعدام عليه وفق الفقرة (3) من الباب الثاني عشر من قانون العقوبات البغدادي لعام 1938م, كما تقرر إلزامه بتعويض قدره خمسة ملايين دينار عراقي تستحصل من امواله المنقولة وغير المنقولة, تدفع تعويضاً لما تكبده الجيش العراقي من الخسائر والاضرار في الأنفس والأموال, إذ تدخلت عدد من الأطراف في محاولة لتخفيف حكم الإعدام الصادر بحق شفيق عدس ومن تلك الأطراف السفارة البريطانية, كذلك السفارة الأمريكية, ويبدوا أن الوصي عبد الإله قد عجل في قراره خوفاً على مركزه الذي من الممكن أن يتعرض للتزعزع. أما أخوه إبراهيم فأصيب بمرض الجذام وحجر في داره منعاً لاختلاط الناس به, وفي أحد الأيام وجد مقتولاً بظروف غامضة بداره بسكين أخذها الجاني من مطبخ منزله, وهكذا مات الأخوان في الشهر نفسه من العام نفسه, وقد تسبب اعدام عدس العلني في مشاعر القلق لدى أوساط الطائفة اليهودية.
كان شريك التاجر شفيق عدس في صفقة السلاح التاجر حياوي جداع الذي تنبه للخطر فهرب إلى إيران ثم إلى سويسرا حيث أقام فيها حتى أدركته الوفاة بعد أعوام طويلة, كان في مقدمة الساعين والمراجعين في قضية عدس الحاخام ساسون خضوري وحسقيل شمطوب, وإبراهيم الكبير, وعزرا مناحيم دانيال.
وبرزت شخصيات يهودية ساهمت في توفير احتياجات العراق أمثال التاجر خضوري مراد شكر, الذي كان من اكبر تجار استيراد مادة السكر إذ كان يستورد ما نسبته 76% من حاجة العراق, ويهودا زلوف الذي كان يعمل باستيراد مادة الشاي, حيث كان يستورد ما نسبته 84% من حاجة العراق للشاي, ويستورد ما نسبته 80% من الصابون, أما إبراهيم حاييم فعرف عنه شهرته في استيراد المواد الغذائية, وشركة ساسون عزرا للمواد الغذائية المحدودة, كما امتلك ساسون عزرا فضلاً عن شركة المواد الغذائية المحدودة معملاً لإنتاج الطابوق ومعملاً لاستخراج الزيوت النباتية.
أثبت اليهود رغبتهم وحبهم لتطوير البلد الذي ينتمون إليه من خلال اسهاماتهم في المشاريع التي خدمت العراق, فضلاً عن مشاركتهم في توفير المواد الاستهلاكية التي يحتاجها السوق العراقي, وكانت لهم شهرة طيبة في الأوساط العراقية امثال اليعازر سيلاس خضوري وفرنك عيني, وقد افرزت هذه النخبة في الوقت نفسه صيغة من الوحدة الوطنية( ). ووصلت العلاقات بين اليهود والمسلمين في العراق درجة عالية في الثقة, حتى أن أحد الأشخاص المسلمين في الحلة قام بتوكيل يهودي من منطقته لبيع لهُ محلاً خاصاً به, لخبرة اليهود بالمعاملات التجارية ولا سيما في معاملات البيع والشراء من دون الالتفات إلى ديانة أحدهما للآخر فقط كونهم أبناء شعب وبلد واحد يتمتعون بأرض وصفات وطنية واحدة.
كان لتجار يهود العراق دور كبير في غرفة تجارة بغداد, حينما تأسست عام 1926م كانوا اغلبية من حيث العدد في الغرفة, ومنهم شاؤل معلم إسحق ويهودا زلوف, وبحسب تقرير الغرفة لعام (1937-1938) فإن عدد التجار المنتمين إلى الغرفة من الصنف الأول كان (25) تاجراً منهم (8) من التجار اليهود, أما الصنف الثاني من التجار المنتمين للغرفة فكان (22) تاجراً منهم (13) من التجار اليهود, والصنف الثالث (74) تاجراً منهم (38) من التجار اليهود, والصنف الرابع (102) تاجر منهم (58) من التجار اليهود, والصنف الخامس (128) تاجراً منهم (53) من التجار اليهود, والصنف السادس (53) تاجراً منهم (22) من التجار اليهود, صنفَّ هؤلاء التجار بحسب اعتباراتهم المالية واشتراكهم في الغرفة( ), إذ بلغ عددهم في تلك الفترة 69% من عدد التجار في الغرفة.
أما حينما صدرت احكام التموين من قبل مجلس الوزراء مطلع الحرب العالمية الثانية وتشكيل لجنة التموين المركزية في 22 ايلول 1939م في بغداد, واعطيت لها صلاحية تشكيل لجان تموينية فرعية لها في بغداد والمدن الرئيسة الأخرى في العراق برئاسة وزير المالية رستم حيدر, استعان الوزير بمير بصري مستشاراً له في شؤون التجارة والتموين, بهدف السيطرة على التجارة والتموين وشؤون الاقتصاد لتأمين احتياجات ابناء الشعب العراقي , كان للنخبة الاقتصادية اليهودية الدور بمزاولة المهمات التجارية ودورهم الكبير في الاقتراحات والنقاشات التي كانت تجري داخل مجلس النواب العراقي, إذ طلب النائب إبراهيم حاييم في الجلسة السادسة عشرة لعام 1945م بوجوب انتباه الحكومة العراقية إلى قرار التموين وفرض المواد الغذائية التي تضمن بطاقات الدولة, أما النائب فريد سمرة الذي كان نائباً عن البصرة عام 1944م فطالب بأن ترفع القيود عن المواد الغذائية للتقليل من مشكلة التموين التي تفاقمت واعطى مثلاً على الشاي فحينما وضعت القيود على استيراده اصبح في اليوم التالي يباع بأضعاف سعره, واكد على أن تتخذ الحكومة الإجراءات اللازمة لاستيراد المواد التي يحتاجها السوق العراقي, وأن تزيد من تشجيع التجار لجلب البضائع وتوفيرها لتقل أسعارها وتصبح في متناول الجميع.
كما ساهم يهود العراق في مجال الاستثمار بتوفير المواد الاولية من المواد الانشائية, وقد عمل في هذا المجال كل من خضوري مراد شكر, إبراهيم وشفيق عدس, الياهو العاني, يعقوب وخضوري مير لاوي, إيراهيم حاييم( ), فضلاً عن دور رجل الاعمال ساسون معلم في مدينة الديوانية, الذي ساهم في تأسيس أول معمل للنجارة وتزويد الدوائر الرسمية والمدارس والأسواق العراقية بآثاث المعمل, وتعهد ساسون بتعبيد الطرق على ضفتي نهر الدغارة في الديوانية في المدة ما بين (1924-1933)( ), كما قدم ساسون معلم خدمات استثمارية لتطوير البلاد, فقد أسس معملاً للطابوق قدّرت قيمته بما يقارب عشرة ملايين دينار عراقي في حينها, ووفر من خلال المعمل مادة الاسمنت الأساسية في البناء والتي كانت غير متوافرة بسهولة, مما سهل على الناس الكثير.
كما ساهم بعض المستثمرين من يهود العراق إلى تأسيس شركة بغداد الجديدة عام 1945م برأسمال قدره مليون دينار عراقي في حينها, وكانت نسبة الأسهم التي يمتلكها اليهود ما يعادل 72% من قيمة رأسمال الشركة( ), استطاعت الشركة شراء أرض واسعة من آلاف الأمتار جنوب شرق العاصمة بغداد, وعلى طرفها الشمالي شيدت الشركة مدينة المشتل وساحة لسباق الخيل( ), فضلاً عن تأسيس خضوري لاوي شركة هندسية لاستيراد الحاصدات الزراعية والمكائن والآلات الزراعية من الولايات المتحدة الأمريكية, كما أسس أول مشروع للنقل في بغداد عام 1944م, وأنشأ مشاريع لشراء الأراضي الزراعية والبساتين وتخطيط الأحياء السكنية في ضواحي بغداد مثل حي المسبح في جنوب بغداد, وتبرع بمبالغ نقدية للمشاريع الخيرية. كما ساهم نسيم سوسة باقتراحاته التي قدمها بين (1936-1937) حول مشروع هور الشويجة للاستفادة من الهور كخزن لصرف مياه فيضان نهر دجلة, وفي الحقل الزراعي اهتم السيد عزرا مناحيم دانيال عضو مجلس الأعيان العراقي في دعم زراعة القطن في إحدى مزارع القطن برئاسة الكابتن توماس مدير الزراعة وصادرات القطن في العراق حينذاك( ), كما طالب عزرا دانيال إلى مناقشة لائحة قانون مصلحة المكائن والآلات الزراعية لعام 1949م لتهيئة الحكومة العراقية الأراضي الزراعية الصالحة للزراعة وتعطيها للفلاح لاستثمارها وزراعتها.
كما كان للتجار اليهود الريادة في مجال الصيرفة في العراق, فكانت هناك مكاتب للصيرفة تفتح ابوابها من الصباح حتى غروب الشمس, كما ساهموا في تأسيس المصارف وشركات الصيرفة اليهودية اسوة بالمصارف الاجنبية التي دخلت العراق بداية القرن العشرين مثل بنك ايسترن الذي تأسس في لندن وافتتح له فرعاً في بغداد عام 1912, والبنك الشاهنشاهي الإيراني الذي تأسس في لندن ايضاً وافتتح فرعاً له في بغداد عام 1918, ومن الصيارفة اليهود سلمان هارون زلخة الذي سيطر على السوق الداخلية في مرحلة الثلاثينات من القرن العشرين, والصيرفي خضوري زلخة, الذي عُدَ من اكثر صيارفة العراق نشاطاً في مرحلة الثلاثينات, إذ فاق نشاطه نشاط البنوك وحصل على إجازة لممارسة نشاطه وأسس مصرف خضوري زلخة عام 1938م الذي عُدَ من مصارف الدرجة الأولى, كما مارس مصرف أدورد عبودي الذي تأسس في بغداد في 13 ايلول 1941م الأعمال المصرفية على اختلاف انواعها, إذ صنف مصرفاً من الدرجة الأولى, كما فتح كل من مير الياهو عقيبة وسلمان هارون زلخة مصرفاً خاصاً بهما, فضلاً عن انتشار الشركات اليهودية المتخصصة بالصيرفة كشركة حسقيل شلومو وشركاءه التي تأسست في 11 تشرين الثاني 1938, برأسمال قدره (8600) دينار عراقي, كما إن شركة صيون عبدات اغاسي وداود عزرا نيسان تأسست عام 1943 برأسمال قدره (5000) دينار عراقي, لهذا نجد توقف النشاط الصيرفي في كل يوم سبت من كل اسبوع بسبب تعطيل اليهود اعمالهم في هذا اليوم المقدس لهم, حتى أن الكثير من التجار المسلمين واصحاب رؤوس الأموال أخذوا لا يتوجهون إلى اعمالهم يوم السبت إدراكاً منهم أن الحركة التجارية والمالية مصابة بالركود في هذا اليوم.
وقد عرف في المجال المحاسبي من الشخصيات اليهودية إبراهيم الكبير الذين عين مديراً عاماً للحسابات عام 1921م وانتدب في تشرين الأول 1924م ممثلاً عن الحكومة العراقية في المفاوضات بشأن حصة العراق من الديون العامة العثمانية في استانبول وجنيف, كما كلف بإلقاء محاضرات عن الاقتصاد العراقي في كلية الأركان العراقية, وكان له الدور الكبير في تأسيس مصرف الرافدين عام 1941م واصدار القرض العراقي الحكومي الأول عام 1944م, وكان إبراهيم الكبير مندوب لجنة العملة العراقية في بغداد في وقت كان فيه مركز اللجنة في لندن, كما ساهم في وضع الأسس لإنشاء البنك المركزي العراقي عام 1947م.
كما اشتهر في مجال الحسابات عزرا نسيم الذي شغل منصب معاون ديوان مراقبة الحسابات, وداود معلم صالح مدير التموين الخارجي, وخضوري عزرا مدير الميزانية, وشمعون سوفير الذي شغل منصب مدير الخزينة المركزية, وسلمان خضوري الذي شغل منصب مدير خزينة بغداد, وآشير يوسف مدير خزينة البصرة.
كما شجعت شركات التأمين العالمية يهود العراق على افتتاح شركات التأمين في بغداد والمدن العراقية, منها شركة عبودي سوفير, مير طويق, يوسف موشي, عزرا مير حكاك, خضوري عبود زلخة وشركاءه, إبراهيم وشفيق عدس, عبد الله روفائيل, شركة اليانس, إذ كانت هذه الشركات مسيطرة على 60% من هذا القطاع في العراق, كما عرف في مجال الصياغة موشي إبراهيم كرئيس لرابطة الصاغة في بغداد وكذلك باروخ الصائغ وخضوري نسيم شاؤل ويوشع إسحق وصيون الياس.
من خلال هذا الشرح المختصر نتوصل إلى الاطلاع على الدور المهم ليهود العراق في مجالا الاقتصاد العراقي واعتزازهم بعلاقاتهم التجارية, وكونهم يفتخرون بهويتهم الوطنية وانتسابهم لأرض الرافدين منذ اكثر من 2500 عام.


المصادر:

يهود العراق في الوثائق البريطانية قبل الحرب العالمية الأولى. ترجمة محمود عبد الواحد القيسي. وعبد المجيد التكريتي. بغداد. 2001. ص64.
حنا بطاطو. الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية. ترجمة عفيف البزاز. ج1. الكويت. منشورات دار القبس. 2003. ص286.
صباح عبد الرحمن. النشاط الاقتصادي ليهود العراق 1917-1952. ط1. بغداد. بيت الحكمة. 2002. ص63/65.
صموئيل اتنجر وآخرون. اليهود في البلدان الاسلامية (1850-1950). ترجمة جمال أحمد الرفاعي. مراجعة رشاد عبد الله الشامي. 1995. ص45.
ازهار عبد علي حسين الربيعي. المصدر السابق. ص103.
صباح عبد الرحمن. النشاط الاقتصادي. مصدر سابق. ص93.
جريدة القبس الكويتية. مقال للكاتب محمد إبراهيم الشيباني بعنوان (يوم إعدام عدس). العدد 13177 في 3 شباط 2010.
إريك دافيس. مذكرات دولة سياسة والتاريخ والهوية الجماعية في العراق الحديث. ترجمة حاتم عبد الهادي. بيروت. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ط1. 2008. ص149.
مير بصري. رحلة العمر. ص97.
يعقوب يوسف كوريه. يهود العراق. تاريخهم, احوالهم, هجرتهم. ط1. عمان. الاهلية للنشر والتوزيع. 1998 ص88.
مير بصري. رحلة العمر. المصدر السابق. ص97
احمد عبد القادر مخلص القيسي. الدور الاقتصادي لليهود في العراق 1920-1952. اطروحة دكتوراه غير منشورة مقدمة إلى كلية التربية/ الجامعة المستنصرية. 1998. ص64.
علي كامل سرحان. الأقلية اليهودية في لواء الحلة (1921-1952) دراسة تاريخية لأحوالهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. دار الفرات للثقافة والاعلام في الحلة. ط1. 2013. ص45.
خلدون ناجي معروف. الأقلية اليهودية في العراق. ص129/130
طالب مهدي الخفاجي. دور المال في تكوين الشخصية اليهودية. مجلة آفاق عربية. العدد6. 1987. ص111.
محاضر جلسات مجلس النواب العراقي لعام 1944, الاجتماع الاعتيادي. الجلسة الأربعون. لائحة قانون الميزانية العامة لعام 1945. يوم 26 آيار 1945. مطبعة الحكومة 1945. ص500/501.
عزت ساسون معلم. على ضفاف الفرات أيام مضت وانقضت. دار الفرات للثقافة والاعلام في الحلة. تحقيق نبيل عبد الأمير الربيعي. ط1. 2017. ص41.
مازن لطيف. مقال تحت عوان (يهود الديوانية اسماء وذكريات). موقع النور. في 26/1/2010.
علي عبد القادر العبيدي. مدارس الأليانس الإسرائيلي العالمي وأثرها على الطائفة اليهودية في العراق. اطروحة دكتوراه غير منشورة مقدمة إلى كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة الجزائر. 2003. ص292.
مير بصري. اعلام اليهود في العراق الحديث. مصدر سابق. ص205.
صحيفة العراق. العدد 106. بتاريخ 5 تشرين الثاني 1920.
محاضرات جلسات مجلس الأعيان العراقي لعام 1948-1949. الاجتماع الاعتيادي الجلسة الرابعة عشرة. في 30 آذار 1949. بغداد مطبعة الحكومة 1949. ص163.
صباح عبد الرحمن. النشاط الاقتصادي. مصدر سابق. ص31.
احمد عبد القادر القيسي. المصدر السابق. ص90/91.
صباح عبد الرحمن. هجرة يهود العراق (دراسة وثائقية) مركز الدراسات الفلسطينية. جامعة بغداد. 2005. ص33



78
يهود العراق والهوية الوطنية.. حقبة العهد الملكي / الحلقة العاشرة
نبيل عبد الأمير الربيعي
      بعد خسارة ابناء العراق الجنسية والممتلكات, منحت الحكومة العراقية اليهود تأشيرة مرور مؤقتة دُمغت بطابع اسود كتب عليه (ممنوع من العودة إلى العراق). على أثر ذلك غادر اليهود العراقيون البلاد على متن الطائرات التابعة لشركة طيران الشرق الأدنى وهو الاسم المموه الذي مُنح لشركة العال, خطوط النقل الجوية الاسرائيلية. بعد وصولهم إلى اسرائيل بساعات قليلة حصلوا المهاجرون على حق المواطنة من خلال منحهم الجنسية الاسرائيلية مع سلسلة من الاجراءات مثال ذلك (اقتلاع الصورة الشخصية للمهاجر من جواز المرور الذي يتم مصادرته ولصقها بهوية اسرائيلية جديدة الى جانب منحه اسماً عبرياً معاصراً جديداً, ثم ينقل المهاجرون مباشرة إلى معسكرات مؤقتة.
      بعد هجرة اكثر من (124) الف عراقي من الديانة اليهودية العراق عام 1951م واضطراب السوق والتجارة العراقية تحرك السوق مرة أخرى واصبحت الحياة محتملة إلى حدً معقول, وكان عدد الذين لم يرغبوا بالهجرة من العراق لا يتجاوز (6000) نسمة, كانوا متمسكين بأرض الوطن ومستعدين لمواجهة أي عاصفة تصدر من الحكومة العراقية, مما دفعهم للتلائم مع الظروف المتغيرة, فقد كانوا اغلبهم متمكنين مادياً ومنسجمين مع الحياة السياسية, لكن كانت القيود المفروضة عليهم ومنها منعهم من السفر أمراً مفروغاً منه, لكن كانت تراخيص الاستيراد التي تمنح لهم قد توقفت, وتم العمل التجاري باسم شريك مسلم ولذلك ستكون الارباح متناسبة بنسبة أقل.
      كان قرار ترحيل يهود العراق واسقاط الجنسية العراقية عنهم خطأً تاريخياً ارتكبته الحكومة العراقية لا يغتفر, كان قرار الترحيل بسبب اعتناق اغلب ابناء الطائفة اليهودية للفكر اليساري والماركسي ومشاركتهم في تظاهرات المعارضة للحكومة الملكية, وكان غالبية يهود العراق لهم عشقهم الخاص لتربة هذا الوطن, لكن اجراء وزارة توفيق السويدي بإسقاط الجنسية عن اليهودي العراقي بهدف تعزيز دولة إسرائيل وزيادة عدد المقاتلين, لكن عندما سأل مير بصري عن سبب بقائه في العراق وعدم هجرته إلى إسرائيل كان جوابه "لم اهاجر إلى إسرائيل مع من هاجر لأنني كنت اشعر أنني يهودي الدين عراقي الوطن عربي الثقافة( ). وعبرَ عن هذا الموقف البروفسور سامي موريه  حين وصف شعوره عندما هاجر العراق عام 1951م فقال :"صعدنا إلى الطائرة واقلعت بنا وحامت في الجو فوق بغداد وعلى الجسر الذي يجري من تحته نهرنا الذي روى عروقي وعظام آبائي خلال آلاف السنين, انتهزت الفرصة لكي ألقي نظرة وداع أخيرة على مرتع الطفولة والصبا, وشعرت بالحزن والوحشة والضياع.

  المصادر:

  مناحين إسرائبل. مجتمعات متوترة ومتمايزة. باريس. لهرمتان. 1986. مصدر اخر. نسيم قزاز. اليهودي الاخير في بغداد. تذكرة وطن ضائع. دار الرافدين. 2016.
  فاتن محيي محسن. المصدر السابق. ص137/138.
  سامي موريه في مؤتمر عن (يهود الحضارة العربية) بانكلترا صيف 2009.

79
يهود العراق والهوية الوطنية.. حقبة العهد الملكي / الحلقة التاسعة
نبيل عبد الأمير الربيعي
      في 15 كانون الثاني 1948 وقع صالح جبر رئيس الوزراء العراقي مع ارنست بيفن وزير الخارجية البريطاني معاهدة بورتسموث التي كان الهدف منها تعديل المعاهدة العراقية / البريطانية لعام 1930م, وقد قوبلت بالرفض من فئات الشعب العراقي جميعها معبرةً عن رفضها بانتفاضة شعبية شارك فيها المثقفون والطلاب فضلاً عن الأحزاب السياسية, وبلغت الأحداث في بغداد حد الأزمة حينما أطلق الرصاص على المتظاهرين وسقط عدد من الشهداء في 27 كانون الثاني 1948, فاضطر صالح جبر للاستقالة وألف السيد محمد الصدر الوزارة في 29 كانون الثاني 1948 التي اعلنت رفضها للمعاهدة وعدَّ ذلك انتصاراً لإرادة الشعب العراقي.
      سقط عدد من الشهداء من بينهم بهيجة وشمران علوان وجعفر الجواهري شقيق الشاعر محمد مهدي الجواهري الذي رثاه بقصيدة شهيرة لكن إبراهيم عوبديا كان صوته في انتفاضة الجسر مدويا عاصفا ثائرا ومن النقاد من يرى عن صواب لو أن النقد الأدبي نظر إلى الشعر بصرف النظر عن الخلفية الدينية للشاعر، لكانت قصيدة عوبديا أجمل وأعذب من قصيدة الجواهري في حق جعفر.
كتب إبراهيم:
الجسر يصـــــــخب بالهتـاف                  وبالصراخ وبالـــــصياح
وكتيـــــــــــبة تــــــــعدو مـن                 الحرس المدجج بالسلاح
ومكبرات الصوت تــــــــــنقل                  صوت بغداد الكـــــــــــفاح
ويسود صمت حين يــــــنطق                 الرصاص علــى الرعــــايا
وهناك فوق الجسر صــــــاح                  مناضل بين الضـــــــــحايا
نادى بأعلـــــــــــــــى صوته                   يا قوم إن سالــت دمــــايا
فلقد نذرت دمي لصــــــون                    كرامتي بين البــــــــــــرايا
ولتربة مــــــــــــــن أجلها                     صغرت    بعيني    المنايا
أنا لن أموت وفــــي دمي                      من كل مكرمة بـــــــــــقايا
أنا لن أموت وأخـــــــوتي                     الأحرار في هذي الســـرايا
                                   ***
يا إخوتي ورفاق دربــــي                     في النضال وفي الطـــــماح
إن يخرق الظلام صــدري                     بالرصاص أو الرمــــــــــاح
أو يتركونـــــــــــــي جثة                      في الدرب هامدة الــــجراح
ما مات في موتى النضال                     ولا انتهى عهد الكــــــــفاح).
      كما كان لموقف رئيس الطائفة الموسوية الحاخام ساسون خضوري موقف وطني اتجاه الأحداث, وقد أقدم على خطوة جريئة عبرّ من خلالها عن موقفه الوطني تجاه الشعب العراقي حينما أقام مجلس عزاء لشهداء الوثبة على الرغم من النصائح التي قدمت له من بعض أبناء طائفته منهم مير بصري, إذ سأله ساسون خضوري عن رغبته في كتابة لافتة في باب مجلس العزاء (قلت لك بدمك تحييني), فقال له مير بصري (أن الحكومة ستقمع المظاهرات وترجع الأمور طبيعية), وفعلاً عند انتهاء المظاهرات لم تنس الحكومة العراقية موقف ساسون خضوري ومساندته للمظاهرات فأوحت له بالاستقالة والابتعاد عن المنصب بعد انتهاء الأحداث.
       عام 1948م تم تأسيس دولة إسرائيل, واصبح المسلمين لا يميزون بين اليهود والصهيونية, واعتبرت الحكومة العراقية الانتساب إلى الصهيونية مخالفة جنائية تؤدي إلى السجن أو الإعدام, فكان من ضحايا ذلك التاجر اليهودي الثري في البصرة شفيق عدس, الذي شنق أمام عائلته وفي باب داره وهي صفعة قوية وثانية لأبناء الطائفة اليهودية في العراق, اتخذت الحكومة العراقية بعد الحادث عدت اجراءات منها :
1- فصل الموظفين من ابناء الطائفة اليهودية من وظائفهم.
2- إلغاء عمل المصارف اليهودية.
3- إيقاف تجديد اجازات الاستيراد والتصدير الخاصة بيهود العراق.
4- اجبار اثرياء اليهود في دعم المجهود الحربي لإنقاذ فلسطين مادياً.
5- فرض القيد على السفر.
6- فرض القيود على معاملات بيع وشراء عقارات ابناء الطائفة اليهودية.
      كان ضمن قيادات الحزب الشيوعي العراقي الفاعلة ساسون شلومو دلال الذي سيَّر شؤون الحزب من كانون الأول 1948م حتى 19 شباط 1949م, وقد اعدم من قبل سلطات الحكومة الملكية في العام نفسه, كما ضم الحزب الشيوعي العراقي في قياداته كل من (يعقوب مناحيم قوجمان وشقيقه حسقيل قوجمان وإبراهيم شاؤل وشقيقتهم نجية قوجمان وديزي حسقيل وسمحة يعقوب سعاد خيري) وآخرون.
      بعد حرب عام 1948م تسارع نشاط هجرة يهود العراق, وشهدت هذه الحقبة تدهوراً في اوضاعهم إذ اتسمت عمليات المطاردة السياسية لليهود وخاصة على الشيوعيين والصهيونيين اعقاب هزيمة الجيوش العربية في حرب 1948م, ففي مطلع عام 1949م ناقشت الأوساط القومية والصحف في بغداد احتمالات طرد اليهود من العراق, ويؤكد نسيم قزاز قائلاً إن (ناقش نوري السعيد رئيس الوزراء العراقي آنذاك هذا الموضوع مع ممثلي الحكومتين البريطانية والامريكية اللتين حذرتاه من تداعيات هذا الأمر على الأوضاع في المنطقة, لكن حكومة توفيق السويدي قررت اصدار قانون اسقاط الجنسية بقرار رقم (1) لسنة 1950م الذي استهدف اليهود تحديداً. خول القانون الحكومة العراقية حرمان أي يهودي غادر العراق بصورة غير شرعية من الجنسية العراقية, وأي يهودي غادر العراق قبل صدور هذا القرار سيفقد حقوق المواطنة في حال فشل في العودة إلى العراق خلال شهرين, كانت الحكومة غير متوقعة بعد اصدار هذا القانون هجرة الطائفة اليهودية بأكملها, إذ لم يتجاوز عدد الذين بادروا إلى التسجيل في قوائم الراغبين بمغادرة العراق المئة وخمسين يهودياً عراقياً, لكن الشهور التالية حملت المفاجأة لجميع الأطراف, ففي الثاني عشر من نيسان ارتفع هذا العدد إلى (340), وبعد ذلك بأسبوعين إلى ثلاثة وعشرين ألفاً, وارتبطت وتيرة الزيادة في اعداد اليهود المهاجرين بسلسلة حوادث العنف, يذكر الباحث عباس شبلاق في كتابه (هجرة يهود العراق. الظروف والتأثيرات) قائلاً "ففي الثامن من نيسان القيت قنبلة يدوية على مقهى يهودي سقط على اثرها عدد من الشباب اليهودي جرحى, وتلا ذلك إلقاء قنبلة يدوية اخرى من سيارة مسرعة على مقهى في منطقة البتاوين في الثالث من حزيران, ووقعت الحاثة الثالثة والأعنف بعد ذلك بسبعة أشهر في مدرسة مسعودة شمطوب حيث ألقيت قنبلة أخرى على جمع من اليهود كانوا ينتظرون دورهم في التسجيل للمغادرة في الرابع عشر من كانون الثاني 1951م, قتل في هذه الحادثة خمسة يهود وجرح اكثر من عشرين آخرين, وانفجرت ثلاث قنابل اخرى في اماكن متفرقة في آذار وآيار وحزيران من ذلك العام, وقامت الشرطة العراقية بإلقاء القبض على اثنين من الناشطين الصهاينة هما يوسف بصري وشالوم صالح واتهمتهما بالمسؤولية عن القاء القنابل, وحوكم كلاهما وشنقا في العام التالي 1952".
      بعد هذه الاحداث صدر قرار مصادرة لأموالهم المنقولة وغير المنقولة لمن رغب بإسقاط الجنسية والهجرة إلى إسرائيل, مما ساهم هذا القرار بهجرة ما يقارب (124000) يهودي عراقي ومن ضمنهم (20000) من يهود كردستان العراق كانوا اغلبيتهم من الفلاحين والقرويين الفقراء, وبعض المصادر تعتقد أن مجموع المهاجرين بصورة شرعية أو غير شرعية زهاء (140000) نسمة, واغلبهم من سكنة بغداد, في عملية تم نقلهم عبرّ شركة طيران الشرق الأدنى وقد تقاسم ارباح هذه العملية كل من نوري السعيد ورئيس الوزراء توفيق السويدي ومدير الطيران العراقي صباح نوري السعيد, أطلق على هذه العملية اسم (عزرا ونحميا), وهكذا افلحت الحكومة العراقية في العهد الملكي من طرد مواطنيها ومصادرة املاكهم, من خلال هذه العملية بقي في العراق حوالي (6000) يهودي فقط, من الفئة التي تمثل التيار الوطني المخلص للعراق, ومن الأثرياء واصحاب المصانع والملكيات الزراعية, وكان اغلبهم من المثقفين واليساريين, استطاعوا الاندماج مع المجتمع العراقي وتحقيق الازدهار الصناعي والتجاري والزراعي للفترة من عام 1953 ولغاية عام 1968م.
      وبذلك حرم جميع اليهود العراقيين المغادرين من جنسياتهم وحقوق المواطنة وممتلكاتهم, كما صادرت الحكومة الحسابات المصرفية لليهود وحظرت عليهم ممارسة الأنشطة التجارية, ولم يتمكن اليهود بسبب هذه الاجراءات من بيع ممتلكاتهم.
       من خلال قوافل الهجرة القسرية ليهود العراق عام 1951م عبرَّ الخطوط الجوية لشركة الشرق الأدنى حقق توفيق السويدي رئيس وزراء العراق ونوري السعيد وصباح نوري السعيد ثروة طائلة بسبب تنظيمهم للرحلات الجوية واشرافهم عليها, وقد لخص عضو مجلس الأعيان العراقي عزرا مناحيم دانيال موقف القيادة بأفضل صورة, فعند قضاءه يوماً كاملاً في التاسع من آذار 1951م في مجلس الأعيان للاعتراض على قانون مصادرة الممتلكات اليهودية, إذ كان الوحيد الذي صوت ضده قائلاً (هذه نهاية حلم بناء مجمع ثري متماسك وجدير بماضيه).


  المصادر:

  جعفر عباس حميدي. التطورات السياسية في العراق 1941-1953. النجف الاشرف. مطبعة النعمان. ط1. 1976. ص538/542.
  حمزة الحسن. الشاعر المنسي إبراهيم عوبديا أو اليهودي الجميل. موقع الحوار المتمدن. العدد 534. في 5 تموز 2003.
  مير بصري. اعلام يهود العراق. مصدر سابق. ص114.
  عباس شبلاق. هجرة يهود العراق. الظروف والتأثيرات. لندن. دار الساقي للنشر. 1986. ص186/187.
  نسيم قزاز. اليهود في العراق في القرن العشرين 1951-2000. اورشليم. رابطة اليهود النازحين من العراق 1991. ص304.