عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - جــودت هوشـيار

صفحات: [1]
1

  " معطف " غوغول وتمرد الانسان المقهور
د. جودت هوشيار         
 
" المعطف " رواية قصيرة للكاتب الروسي نيكولاي غوغول ، شكلت نقطة تحوّل مفصلية بالغة الأهمية في الادب الروسي ، وامتد تأثيرها الى مجمل الأدب العالمي ، فقد كانت جديدة في موضوعها واسلوبها الساخر الكوميدي – المأساوي ، والأهم من ذلك انها كانت اول قصة عن " الأنسان المقهور" - من حيث موقعه في السلم الاحتماعي بصرف  النظر عن صفاته الشخصية -  وما يعانيه من ظلم اجتماعي وانتهاك لكرامته الانسانية ، في حين كان الادب السردي الروسي قبل " المعطف " يتناول في المقام الأول ، حياة ومشاغل الطبقة المرفهة من الأقطاعيين والنبلاء ، واصحاب السلطة والنفوذ في المجتمع .
في " ألمعطف " تهكم لاذع ، وانتقاد شديد للقيم الأجتماعية الزائفة ، التي كانت سائدة في المجتمع الروسي في العهد القيصري . وتوحي القصة بفكرة الحاجة الى بنية اجتماعية أكثر انسانية وعدالة . ولهذا اصبحت الأفكار والصور ، التي تزخر بها قصة " المعطف " معينا لا ينضب للكتاب الروس الآخرين ، وفي وقت لاحق للعديد من الكتّاب الأجانب في شتى انحاء العالم .
قصة " المعطف " بضمير المتكلم ، والراوي على دراية جيدة بحياة الموظفين . بطل القصة اكاكي اكاكفيتش باشماتشكين- موظف صعير باحدى ادارات سانت بطرسبورغ . وهو شخص بائس  وذليل .ويقول غوغول ان أكاكي أكاكيفتش:" رجل قصير القامة ، مجدور الوجه، بشعر مائل الى الاحمرار ، ضعيف البصر. له صلعة صغيرة في مقدمة رأسه ، وتجاعيد على خديه.
وكان زملاء العمل ، بستخفون به  استخفافا يقابله بلا مبالاة ، وردًا على اي اهانة توجه اليه ، كان يكرر عبارة واحدة لا تتغير: " دعني وشأني ، لماذا تسيء إليًّ؟ . حتى الحراس في الدائرة كانوا ينظرون اليه كمكان فارغ حين يمر امامهم ، كما لو أن ذبابة حلقت عبر غرفة الاستقبال. وكان هناك شيء غريب في كلماته وصوته – كان فيه شيء ما يدعو الى الشفقة. .
البناء السردي في "المعطف" مبتكر ، حيث تتحول الصورة الهزلية لـاكاكي اكاكفيتش تدريجيا الى صورة مأساوية ً.
الخياط الذي قام بترقيع المعطف مرات عديدة، رفض ترقيعه مرة أخرى ، لأنه أصبح رثا باليا ، بحيث لم يعد بالإمكان إصلاحه. ونصح اكاكي اكاكافيتش بتفصيل معطف جديد له ، ولكن الموظف الصغير البائس ، لم يكن يملك أي مال ، ففرض على نفسه حالة من التقشف الصارم  لكي يستطيع تامين ثمن المعطف الجديد : في المساء لا يشعل الشموع ، لا يشرب الشاي. ، يمشي في الشوارع خفيفا وبعناية شديدة ، "تقريبًا على أطراف أصابعه" ، لكي لا "يمسح الحذاء سريعا ، ولم يعد يعطي ملابسه المتسخة لغسالة الملابس الا نادراً . ويقول غوغول : " في البداية كان من الصعب إلى حد ما أن يعتاد اكاكي اكاكافيتش على مثل هذه القيود ، ولكن بعد ذلك اعتاد عليها بطريقة ما ، وتكيّف معها بسلاسة ؛ حتى أنه كان معتادًا تمامًا على الجوع في المساء ، ولكنه كان يتغذى روحيا ، حاملاً في ذهنه الفكرة الأبدية للمعطف المستقبلي. يصبح المعطف الجديد حلمًا ، ومعنى لحياة اكاكي اكاكافيتش.
هذا هو المعطف الجديد جاهز الآن . ولهذه المناسبة يقيم زملاؤه مأدبة على شرف المعطف . اكاكي اكاكفيتش السعيد لا يلحظ أنهم يسخرون منه . وفي الليل عندما كان في طريقة الى مسكنه ، هاجمه اللصوص وانتزعوا منه معطفه الجديد . سعادة هذا الانسان لم تدم سوى يوما واحداً ، عندما ارتدى معطفه الجديد . في اليوم التالي جاء اكاكي اكاكافيتش الى مقر عمله شاحب الوجه مهموما ، وهو يرتدي معطفه القديم المهلهل ، الذي اصبح رثا وباليا أكثر من السابق . ثمّ ذهب الى مركز الشرطة طلبا للمساعدة ، ولكن لم يلتفت احد الى شكواه . فلجأ الى " مسؤول مهم " لعله يساعده في استعادة معطفه الجديد ، ولكن المسؤول طرده شر طردة ، ورفض سماع شكواه . أثرت هذه الصدمات المتلاحقة في نفس اكاكي اكاكفيتش  لدرجة أنه لم يستطع تحملها . وسرعان ما مرض ومات. "اختفى الى الأبد مخلوق لم يكن محميا من أحد . ولا عزيزاً على أي أحد ، ولم يهتم به أحد . ولم يشعر بالسعادة في حياته ، إلا حين أضاء المعطف الجديد حياته الكئيبة ليوم واحد ".
ويقول غوغول ان موت " انسان صغير " لم يغير شيئا في القسم الذي كان يعمل فيه ، وسرعان ما حلّ موظف آخر محله ببساطة.
رغم ان " المعطف " قصة نموذجية لحياة رجل مقهور في مدينة كبيرة ، الا انها تنتهي بشكل خيالي . فبعد وفاة اكاكي اكاكفيتش يظهر شبح هائل الحجم في شوارع سانت بطرسبورغ ليلا ، ويقوم بانتزاع معاطف المارة . البعض شبه الشبح باكاكي اكاكفيتش والبعض الاخر لم يجدوا أي شيء مشترك بين الشبح السارق وبين الموظف الخجول المتوفي .
ذات ليلة التقى الشبح "المسؤول المهم" وجها لوجه وقام بتمزيق معطفه  . واثار الرعب والهلع في نفسه الى درجة انه خشي من آثار هذه الواقعة على صحته . بعد هذا الحادث بدأ هذا المسؤول في التواصل ي مع الناس على نحو أفضل .
تشيرنهاية القصة الى ان المؤلف. يتعاطف مع مصير " الانسان المقهور ". ويدعونا إلى أن نكون منتبهين لبعضنا البعض ، وكأنه يحذر من أن الشخص المسيء سيكون مسؤولا في المستقبل عن اساءاته للناس .
قصة المعطف تعكس ثنائية التعاطف والسخرية في اسلوب غوغول ، وتؤكد ان الموظف الصغير المقهور قادر على التمرد والأنتقام .
" الانسان المقهور " في آداب الشعوب   
منذ نشر قصة " المعطف " تناول معظم الكتّاب الروس ثيمة " الانسان المقهور " على نطاق واسع . ويمكن القول أنه لا يوجد كاتب روسي – منذ نشر معطف غوغول - لم يتناول " الانسان المقهور " في أعماله وفي مقدمتهم ايفان تورغينيف ، وفيودور دوستويفسكي وانطون تشيخوف ، وميخائيل زوشينكو .
لقد اعتاد الباحثون والتقّاد الروس على اقحام اسم أمير الشعراء الروس الكساندر بوشكين في كل صغيرة وكبيرة في الأدب الروسي ، والاشادة  بريادته في كل ما احرزه هذا الأدب من انجازات عظيمة. وهم يقولون ان بوشكين هو اول من صوّر الانسان المقهور – ويسميه الروس – الانسان الصغير – في قصة " ناظر المحطة " . اجل ثمة " رجل صغير" في هذه القصة ، ولكنه ليس مسحوقا ولا متمردا ، ولا علاقة بين" ناظر المحطة " وبين رائعة غوغول " المعطف " واسلوبه المتفرد ، الذي يمتزج فيه التعاطف والشفقة بالتهكم والسخرية . ناظر المحطة لم يتمرد على واقعه البائس ، ولم يفكر في الانتقام من الضابط الذي أغوى ابنته ، وحرمه من رؤيتها . تخطى تأثير قصة " المعطف " حدود روسيا الى الآداب الأخرى . وأصبح " الانسان المقهور " البطل المفضل لمئات الكتاب الآخرين في أنحاء العالم جيلا بعد جيل .
ويبدو تأثير قصة " المعطف " واضحا في الكثير من قصص كبار الكتّاب الغربيين والعرب ، منهم فرانز كافكا ، وشيروود اندرسون ، وجيمس جويس ، ونجيب محفوظ وغيرهم..
قارن الكاتب الروسي –الأميركي فلاديمير نابوكوف – خلال محاضرة له في احدى الجامعات الأميركية – بين قصة " المعطف " لنيكولاي غوغول ، وقصة " التحول " لفرانز كافكا . انسانية بطل القصة في كلتا الحالتين تفصله عن الناس الآخرين من القساة ، عديمي الضمائر والشفقة .، حيث نجد البطل يقوم بتمزيق شرنقته ،ويتخطى حدود الهوية المفروضة عليه  ،  ليتحول الى شبح هائل 
قال غابريل غارسيا ماركيز : " ان الواقعية السحرية لأميركا اللاتينية مدينة الى حد كبير لقصة "المعطف" لغوغول ".
قصة نجيب محفوظ " المقابلة السامية " – المنشورة في مجموعته القصصية " الجريمة " تتناول مشكلة الموظف الصغير المنسي ، الذي يعمل في قسم الأرشيف ، ويعاني من نظام بيروقراطي ظالم ، يسود فيه التسلسل الهرمي للسلم الوظيفي والاجتماعي ،. هذا السلم الذي يقضي على احلام الانسان المقهور في مجتمع يفتقر الى العدالة الأجتماعية .
حاول موظف الأرشيف مقابلة مديرعام المصلحة، ولكن ساعي السكرتير الخاص ، لم يسمح له بالدخول ، ونصحه ان يكتب حاجته على عرضحال تمغة وارسالها بالطريق الاداري المتبع. .
مرت مدة طويلة ، تابع موظف الارشيف خلالها  سير شكواه دون جدوى ، واخيرا تمًّ حفظ الطلب . ولكنه لم ييأس ، واخذ يتحرى مواعيد المدير العام وحركاته وسكناته ، وقرر ان لا يذعن للقوة الباغية ، ولا للأوامر المكتبية العمياء . واراد عرض طلبه على المدير العام مباشرة لدى خروجه من المصلحة في نهاية الدوام الرسمي ,
يقول موظف الارشيف :" وعندما حاذاني في سيره بسملت ثم وثبت نحوه لأجثو بين يديه مستعطفا .
وصاح رجل :
- المجنون .. حذار يا صاحب السعادة
ووقع اضطراب شامل وضوضاء عالية ".
لم يدرك ما حدث فقد حوصر تحت ضغط غشرات من الأيدي القوية ، ووجهت اليه تهمة الاعتداء على المدير العام  انتقاما لحقظ طلبه .
وقد تعلم في السجن حرفة النجارة ، وفي ميدانها يكدح اليوم لتربية الأولاد ؟
كما نجد تأثير قصة " المعطف " واضحا في رواية أحمد سعداوي " فرانكشتاين في بغداد ". حيث يقوم بطل الرواية هادي العتاك " بائع عاديات من سكان حي البتاويين وسط بغداد بجمع بقايا جثث ضحايا التفجيرات الإرهابية ، التي حدثت في اعقاب الاحتلال الأميركي للعراق ، ليقوم بلصق هذه الأجزاء فينتج كائناً بشرياً غريباً، سرعان ما ينهض ليقوم بعملية ثأر وانتقام واسعة من الأرهابيين  القتلة ".
وثمة اليوم مئات القصص المشابهة في آداب شعوب العالم .
لو لم يكتب نيكولاي غوغل سوى قصة " المعطف " الرائدة ، لكان ذلك كافيا لخلود إسمه في تأريخ الأدب العالمي .
د . جودت هوشيار
 
 

2

انجذاب ونفور بين عملاقي الأدب الروسي
جودت هوشيار
عاش الكاتبان العظيمان ليف تولستوي وفيودور دوستويفسكي في عصر واحد ، وينتميان الى جيل أدبي واحد تقريبا، فقد ولد تولستوي في عام 1828 ، وولد دوستويفسكي في عام 1821 ، وتزامن نشاطهما الادبي ما يقرب من ثلاثة عقود ، وكان لديهما العديد من الأصدقاء المشتركين ( نيكراسوف ،تورغينيف ، اوستروفسكي ، غونشاروف ، ستراخوف ) .وكان من المنطقي أن يلتقيا ذات يوم في حياتهما ، ولكن هذا لم يحدث قط ، ويبدو أن كلا منهما كان يتوق الى لقاء الآخر، وفي الوقت نفسه يتوجس خيفة من ان يتحول اللقاء المرتقب الى صدام .
.كان تولستوي يقيم معظم الوقت في ضيعته المسماة " ياسنايا بولينا " الواقعة جنوب موسكو ، واحياناً في منزله الموسكوي . أما ودوستويفسكي فقد كان يقيم في بطرسبورغ ، أو في خارج البلاد. ولكن تولستوي كان يتردد أحيانا على بطرسبورغ لبعض أشغاله . كما كان العديد من الأدباء الروس يزورون تولستوي في ضيعته أو في منزله الموسكوي . فكيف لم يخطر ببال أحد الأصدقاء المشتركين ان يجمع بين اشهر كاتبين معاصرين ! . أو ان يبادر احدهما لزيارة الآخر للوقوف على آرائه في الأدب والفن والحياة . لكم كان ذلك - كما يبدو ظاهرياً - جميلاً وعظيما ً. كلا لم يتقابلا على الإطلاق ، على الرغم من سنوح الفرصة لذلك أكثر من مرة .
في العاشر من مارس عام 1878 سافر تولستوي الى بطرسبورغ لسماع محاضرة الفيلسوف فلاديمير سولوفيوف ، الأستاذ الجامعي .والمنظر الفلسفي للرمزية الروسية ، حيث كان دوستويفسكي حاضرا ايضا مع زوجته آنّا غريغوروفنا  في القاعة ذاتها .
كما كان صديقهما المشترك والمقرّب منهما ، الفيلسوف نيكولاي ستراخوف حاضراً ايضا. وكان من المنطقي ان يبادر ستراخوف الى تقديم الكاتبين الى بعضهما البعض ، واللذان ارادا ذلك منذ فترة طويلة. ولكن ستراخوف لم يفعل ذلك . وتقول زوجة دوستويفسكي ، آنّا غريغوروفنا ، في مذكراتها ، ان تولستوي طلب من ستراخوف ان لا يقدمه الى احد . ويبدو هذا التبرير منطقيا ، لأن تولستوي كان يشعر بنفسه غريباً في هذه المدينة .
وفي الأسبوع الأخير من مايو 1880 حضر دوستويفسكي الى موسكو للاشتراك في احتفالية ازاحة الستار عن تمثال بوشكين ، قبل موعد الاحتفال بعشرة ايام ، من اجل السفر الى ياسنايا يوليانا لزيارة تولستوي والعودة الى موسكو قبيل بدأ الاحتفال . لكن الاشاعة المنتشرة في الوسط الادبي حول حالة تولستوي النفسية جعلته يعدل عن السفر. وكتب دوستويفسكي في رسالة الى زوجته في 28 مايو ، يقول فيها ، انه سمع من بعض الادباء ان تولستوي قد اصيب بالجنون .
في 6 يونيو 1880 جرت ازاحة الستار عن تمثال بوشكين . وفي 8 يونيوعقد اجتماع لجمعية عشاق الادب الروسي ، القى فيه دوستويفسكي كلمته الشهيرة عن بوشكين والتي هزت مشاعر الحضور. كان جميع الكتاب المشهورين حاضرين باستثناء تولستوي ، على الرغم من ان تورغينيف سافر الى " ياسنايا بوليانا " خصيصا لاقناعه بالمجيء . ولكن تولستوي اعتذر عن الحضور .كان هذا في ذروة أزمة تولستوي الروحية ، حيث اعتبر جميع انواع النصب والتماثيل غرورا دنيويا .
 آراء تولستوي حول أعمال دوستويفسكي
 كان تولستوي ، طوال حياته الأبداعية ، يقرأ أعمال دوستويفسكي بشغف كبير ، ولكن انطباعاته عنها كانت متذبذبة ومتناقضة . فهو ينبهر بها حيناً ، وينفر منها حينا آخر ، وقد يحدث الأمران معا في وقت واحد . فقد كان ينتقد اسلوب دوستويفسكي والشكل الفني لأعماله ، وفي الوقت نفسه يقول ان تلك الاعمال تتضمن صفحات رائعة ومذهلة :" أنت تقرأ ويتملكك شعور بأن المؤلف يريد أن يقول لك افضل ما لديه، ويعبر عما نضج في روحه ".
وكتب الطبيب والعالم النفساني الكساندر لازورسكي يوم 10 يوليو 1894 في مذكراته يقول ، انه زار تولستوي ذات مرة  ،وجرى الحديث خلال الزيارة عن دوستويفسكي . وقال تولستوي :"  عندما تقرا لدوستويفسكي عليك الغوص عميقا في كتاباته ، ونسيان عيوب الشكل الفني لديه ، من اجل العثور على الجمال الحقيقي تحته ".
ويقول بيوتر سيرغيينكو – كاتب سيرة تولستوي - في مذكراته ، ان تولستوي ينظر الى دوستويفسكي على انه مفكر، ويكن له احتراما عظيما . وكان يعتبر " الجريمة والعقاب " عملا أدبيا مذهلا ، حتى ان عدة صفحات من هذه الرواية ، التي لم يعني مؤلفها بشكله الفني كثيرا تعادل عنده العديد من مجلدات اعمال الكتاب المعاصرين الآخرين. في حين ان دوستويفسكي كان يقدر تولستوي كفنان اكثر من  كونه مفكرا.
وفي محادثة مع الكاتبة والمترجمة الروسية ليديا فسيايتسكايا قال تولستوي :" اينما فتحنا اي عمل من اعمال دوستويفسكي ، نرى بوضوح افكاره ومشاعره ونواياه واحاسيسه ، وكل ما تراكم في روحه ، وفاض طالبا الخروج ". .
كان تولستوي يختفظ بمكتبته المنزلية في " ياسنايا بوليانا " باعمال دوستويفسكي الكاملة المؤلفة من 13 مجلدا الصادرة عام 1882 ، بعد فترة وجيزة من وفاة دوستويفسكي . وقد قرا تولستوي " الاخوة كارامازازوف " اكثر من مرة ، واثارت في نفسه مشاعر متباينة من الانبهار الى الرفض . ولكن كانت ثمة قوة غامضة تجذب تولستوي الى هذا العمل . وجاء في رسالة تولستوي الى زوجته صوفيا اندرييفنا في الثاني من نوفمبرعام 1892 :" قرأنا الاخوة كارامازوف بصوت عال مرة اخرى وقد اعجبتني جدا ". أي ان تولستوي كان يتلو هذه الرواية على مسامع زواره في ذلك الوقت . .
كانت " ياسنايا بوليانا " قبلة لاهل الفن والادب والفكر من مختلف الاتجاهات الفنية والادبية ، ولم يكن الجدل فيها ينقطع حول دوستويفسكس .وكان تولستوي يستمع اليهم ، ولكنه كان يحتفظ برأيه حول الشكل الفني لأعمال دوستويفسكي ، ومع ذلك ، لم يشكك يوما في اهمية ابداع دوستويفسكي الأخلاقية والفلسفية للوجود الأنساني ومصير العالم وقيمة
في سبتمبر 1880 كتب تولستوي رسالة الى ستراخوف يقول فيها :" لم تكن صحتي على ما يرام في الأيام الأخيرة . قرات " البيت الميت " . لقد نسيت الكثير ، واعدت القراءة . لا اعرف كتابا افضل من هذا في الادب الجديد بأسره ، بما في ذلك بوشكين . ليست النبرة ، ولكن وجهة النظر ، فهي مذهلة ، صادقة ، طبيعية ، مسيحية . انه كتاب تنويري جيد . لقد استمتعت به بالأمس طوال اليوم ، كما لم أستمتع منذ فترة طويلة ".
آراء دوستويفسكي حول أعمال تولستوي
عندما قرأ دوستويفسكي رواية " الحرب والسلام " عام 1869، تركت في نفسه انطباعا قويا. وأخذ يفكر في تولستوي باستمرار. وفي عام 1870 كتب دوستويفسكي رسالة الى ستراخوف يقول فيها ": لطالما اردت ان اسالك : هل تعرف تولستوي شخصيا ؟ .اذا كنت تعرف ، اكتب لي ، أي نوع من الأشخاص هو ؟ أنا مهتم للغاية بمعرفة أي شيء عنه . لقد سمعت القليل عنه كشخص .
وفي رسالة الى القارئة كريستينا الجيفسكايا عام 1876 ، كتب دوستويفسكي يقول ": على الكاتب الفني ان لا يكتفي بمعرفة الشعر فقط ،  بل ايضا الواقع التأريخي والمعاصر بأدق تفاصيله .في رأيى لدينا كاتب واحد لامع في هذا المجال وهو الكونت تولستوي.
في عام 1877 كتب ستراخوف رسالة الى تولستوي يعلمه فيها بنجاح " انا كارينينا " في سانت بطرسبورغ :" دوستويفسكي يحييك ويصفك ب" اله الفن ". ونشر دوستويفسكي مقالا في " يوميات كاتب " مخصصا لهذه الرواية ، اعرب فيه عن اعجابه بالمستوى الفني الرفيع لهذا العمل الأدبي ، بما تتضمنه من مشاهد عبقرية . وجاء في المقال ان رواية " آنا كارينينا " هي الكمال بعينه ، ولا يوجد في الأدب الأوروبي عمل فني يمكن مقارنته بهذه الرواية... تولستوي موهبة ضخمة  وعقل جبار ، وهو يحظى باحترام عظيم بين المثقفين الروس . ويختم مقاله بالقول :" ان اشخاصا مثل مؤلف " انا كارينينا " هم معلمو المجتمع ونحن طلابهم فقط . " ومع ذلك لم يخلو المقال من بعض الملاحظات السلبية.
رد فعل دوستويفسكي على" أزمة تولستوي الروحية "
في نهاية السبعينات وبعد ان أنهى كتابة رواية " آنّا كارينينا " اصيب تولستوي بأزمة روحية هزت كيانه ، ونجد في اعترافاته التفصيلية والصادقة المسار الكامل لافكاره حيث أخذ يتساءل ": ما الجدوى مما افعله الآن ؟ وما الذي سأفعله غداً ؟ وما حصيلة حياتي كلها ؟ . وبتعبير آخر هل لحياتي معنى لن يدمره الموت الحتمي الذي ينتظرني ؟ ".
وبحث في كتب العلم والفلسفة والدين على ما يمكن ان يساعده في العثور على اجابات لتساؤلاته  ولكن خاب أمله ، فأخذ يحاول ان يفهم نفسه ويجد الحقيقة الأقرب الى قلبه.
 كانت الكونتة الكساندرا تولستايا (1817-1904) كاتمة أسرار ليف تولستوي الروحية . وثمة رسائل كثيرة متبادلة بينهما ، يبث فيها تولستوي، ما يفكر فيه ،وكانت على دراية كاملة بأزمة تولستوي الروحية ، وآرائه الجديدة في الفن والدين والحياة . ولها علاقات صداقة بابرز الكتاب والشعراء الروس المعاصرين . وقد تعرفت على دوستويفسكي عن قرب في شتاء عام 1881 ، قبل وفاة االأخير بعدة اسابيع،  وجاء في  رسالة لها الى تولستوي عن لقائها بدوستويفسكي :" انه يحبك جدا ، وقد سألني عنك كثيراً ، لأنه سمع الكثير عن اتجاهك الحالي ، وسألني أخيرا ان كان لدي أي شيء مكتوب عن ذلك، حيث يمكنه التعرف بشكل افضل على هذا الاتجاه الذي يهتم به بالغ الاهتمام ". وقد قدمت له احدى رسائلك الموجهة لي عام 1880 ".
وكتبت الكساندرا في مذكراتها تقول :" حتى الآن أرى دوستويفسكي وهو يمسك برأسه ، ويكرر بصوت يائس : " ليس هذا ، ليس هذا " . ولم يتعاطف مع أي فكرة من افكار تولستوي . هكذا كان رد فعل دوستويفسكي تجاه أزمة تولستوي الروحية .
 تولستوي يبكي دوستويفسكي
في فبراير 1881 كتب ليف تولستوي رسالة الى نيكولاي ستراخوف  جاء فيها :" كم كنت أود لو استطعت أن أقول كل ما أشعربه تجاه دوستويفسكي ... أنا لم أر هذا الشخص قط ، ولم تكن لي أي علاقة مباشرة به ، ولكن فجأة عندما مات ، أدركت انه كان اقرب انسان اليًّ ، وأعز انسان على قلبي ، وأكثر من كنت بحاجة اليه  . لقد كنت أديباً ، وكل الأدباء مغرورون ، وحسودون . وأنا - في الأقل - أديب أيضاً . لم يخطر ببالي إطلاقا ان أقارن نفسي به . لأن كل ما كان يبدعه ، من أدب جيد وحقيقي يعجبني ، ويجعلني أفضل حالا . الفن يثير غيرتي ، والعقل أيضاً . . ولكن الفن لا يشيع في القلب الا الفرح . لقد اعتبرته صديقاً ، ولم افكر بخلاف ذلك . وكنت أظن إننا سنلتقي ، ولكن ذلك لم يحصل . وفجأة - وانا أتناول وجبة العشاء وحدي لتأخري - وقع نظري على نبأ وفاته . ذهلت ، واتضح لي ، كم كان عزيزا عليّ ، وبكيت ، وأنا الآن أبكي ".
ندم بعد فوات الأوان
وقد أوردت،  آنّا غريغورييفنا دوستويفسكايا ، زوجة دوستويفسكي في مذكراتها نص المحادثة التي دارت بينها وبين تولستوي بعد وفاة زوجها . قال تولستوي :
-  أنا نادم للغاية على عدم لقاء زوجك  -
- لقد شعر زوجي ايضا بندم عميق . حقا كانت ثمة فرصة للقاء – كان هذا عندما جئتم الى بطرسبورغ لسماع محاضرة سولوفيوف - حتى أنه عاتب ستراخوف ، لعدم إخباره بوجودك في المحاضرة . وقال زوجي حبنها :" كنت سالقي عليه نظرة في الاقل ، اذا لم تكن الفرصة سانحة للتحدث معه .
- - حقاً ّ. اكان زوجك في تلك المحاضرة ؟ لماذا لم يخبرني ستراخوف يذلك . انا آسف جداً  فقد كان دوستوبفسكي بالنسبة اليّ شخصا عزيزا . وربما كان بوسعي ان اسأله عن امور كثيرة ويجيبني عنها . أخبريني أي نوع من الاشخاص كان زوجك ؟ وكيف هي الصورة التي يقيت عنه في روحك، وفي ذاكرتك ؟
وتقول زوجة دوستويفسكي :" لقد تأثرت جدا بالنبرة المخلصة الصادقة التي تحدث بها عن فيودور ميخائيلوفيتش . فقلت بحماس :" كان زوجي العزيز مثالا ساميا للأنسان ، ويتحلى بكل الصفات الأخلاقية والروحية التي تزين الانسان . تلك التي كانت تظهر عند زوجي بأعلى درجة . فقال الكونت ليف نيكولايفيتش بنبرة متأملة صادقة :" هكذا كان تصوري عنه دائما
كانت رواية " الأخوة كارامازوف " آخر كتاب قرأه تولستوي قبيل مغادرته ياسنايا بوليانا ، ووفاته في محطة للسكك الحديد ، في نوفمبر 1910.
.
 
 
 

3
ماذا حدث للأدب الروسي المعاصر؟

د. جودت هوشيار
 
ألغيت الرقابة على المطبوعات في روسيا منذ حوالي ثلاثين عاما. وكان المتوقع أن يشهد هذا الأدب ازدهارا حقيقيا في أجواء الحرية والليبرالية، ولكن حدث العكس تماماً. حيث قلّ عدد القراء بشكل حاد، وعانت المجلات الأدبية (السميكة) المرموقة من انخفاض شديد في مبيعاتها، ولم تعد الأعمال الأدبية تنشر بعشرات أو مئات آلاف النسخ، كما كان الأمر في الحقبة السوفيتية، بل بعدة آلاف من النسخ في أفضل الأحوال .فما الذي حدث ؟
يقول البعض ان السبب يعود الى شيوع الأنترنيت، ووسائل الترفيه الجديدة . وهذا صحيح الى حد كبير . ولكني أعتقد أن السبب الرئيسي يكمن في إلغاء دور النشر الحكومية الرصينة، وإنشاء دور النشر الخاصة التجارية في روسيا، والتي باتت تتحكم بكل ما يتعلق بطباعة الكتب ونشرها وتوزيعها وإشهارها. ولم تعد تنشر الا الكتب الرائجة تجاريا، وهي في معظمها كتب خفيفة لا تتسم بقيمة فكرية وفنية كبيرة، وتنتمي الى أدب الرعب والجريمة أو المغامرات، أو الروايات النسائية لتسلية ربات البيوت، او روايات الحب الرخيص ، التي تجد اقبالا من المراهقات . كتب تُقرأ مرة واحدة  لقضاء الوقت ثم تُرمى غالبا في حاويات القمامة .
دور النشر الروسية اليوم حصرت الأدب في دائرة ضيقة من المؤلفين، وهي تقوم بتسليط الضؤ عليهم وإشهارهم بكل وسائل الدعاية المتاحة. وتلتف حول كل دار نشر كبيرة مجموعة من (النقاد) العاملين لصالحها، والذين يحاولون تلميع صور هؤلاء المؤلفين بكيل المديح عليهم وعلى اعمالهم . وهؤلاء النقاد بدورهم – كرؤساء أو أعضاء في لجان التحكيم - يتحكمون بآليات منح الجوائز الأدبية الى من تختارهم تلك الدور. ويوجد اليوم في روسيا عدد كبير من الجوائز الأدبية، يصعب حصرها ،  منها جوائز مجزية  مثل جوائز ( ، الكتاب الكبير ، كتاب العام ، البوكر في نسختها الروسية ، الكتاب الأكثر مبيعا ) وأخرى معنوية ،وتحمل في العادة أسماء كبار الكتّاب الروس . وتمنح الجوائز في احيان كثيرة لكتب راكدة، من اجل زيادة مبيعاتها .
 جائزة البوكر الروسية - التي تعد جائزة مستقلة الى حد ما عن سلطة دور النشر الروسية ّاب الروس الغربية الحديثة ، ولا صلة لها بالتراث الأدبي الروسي العظيم ..
أما الأدباء الذين لا يكتبون للسوق (حسب الطلب) فقد أصبحوا على هامش المشهد الثقافي، مهما كانت مواهبهم عظيمة، وأعمالهم متفردة ورائدة . وهذا لا يعني عدم وجود دور نشر رصينة، تهتم بالأدب الرفيع، ولكنها دور نشر صغيرة ذات موارد وامكانيات شحيحة، وطرق الإشهار شبه موصدة أمامها. وبذلك أصبح الكتاب سلعة في السوق، وليس مصدرأ للثقافة والمعرفة والمتعة الجمالية الحقيقية ، كما كان الأمر في الماضي .
 أن الأعمال الأدبية الروسية المعاصرة ، الصادرة بعد تفكك الاتحاد السوفيتي والمترجمة الى اللغات الاحنبية ، تطبع بنسخ محدودة ، ولا يقبل عليها القراء العاديون ، بل اساتذة وطلبة أقسام الآداب السلافية . ويقوم معهد الترجمة في موسكو بتكليف مترجمين أجانب لترجمة الأعمال الأدبية الروسية الى اللغات الأجنبية ، وتنشر تلك الأعمال على نفقة المعهد لدى دور النشر الغربية . ويلجأ بعض نجوم الأدب الأستهلاكي الروسي الى نشر مؤلفاتهم في الغرب ، وتحمل تكاليف الترجمة والطباعة والتوزيع .
 
مائة صنف من السجق وفكرة واحدة

اجرت الصحفية والمترجمة الفنلندية (كريستينا روتكيرش) – التي تكتب باللغتين السويدية والفنلندية – لقاءات صحفية مع احد عشر كاتبا روسيا مشهورا تحدثوا خلالها عن سيرهم الذاتية واعمالهم واساليبهم وتجاربهم في الكتابة (بوريس اكونين)، (يفجيني غريشكوفيتش)، (أدوارد ليمونوف)، (يوري ماملييف)، (فيكتور بيليفين)، (لودميلا بيتروشيفسكايا)، (نينا سادور)، (فلاديمير سوروكين)، (تاتيانا تولستايا)، (لودميلا اوليتسكايا)، (ميخائل شيشكين). وقد جمعت (روتكريش) نصوص هذه اللقاءات في كتاب صدر قبل بضع سنوات في ستوكهولم باللغة السويدية بعنوان ” لقاءات مع أحد عشر كاتبا روسياً “، ثم قامت بترجمة الكتاب الى اللغة الفنلندية ونشره تحت عنوان ” مائة صنف من السجق وفكرة واحدة ".
 
عنوان هذا الكتاب تهكم لاذع على الادب الروسي المعاصر .روسيا البوتينية تسعى الى بناء
اقتصاد السوق ، وتجد في متاجرها اليوم أصنافاً كثيرة من السجق، الذي كان شحيحاً في الحقبة السوفيتية. ولكن الأدب الروسي تحوّل الى أدب محلي ، ويعاني من ندرة المواهب الكبيرة ، وشحة الأفكار الملهمة .. وبين احد عشر كاتبا لا يوجد من يكتب الأدب الحقيقي سوى (شيشكين)، و(اوليتسكايا). وهذه الأخيرة يعرفها القاريء العربي بعد ترجمة روايتها الممتعة (سونيشكا) الى اللغة العربية. وهي روايتها الأولى التي نشرت في موسكو عام 1992 وترجمت الى العربية بعد حوالي ربع قرن ...
شحة الأفكار والبؤس الإبداعي لنجوم الأدب الأستهلاكي هي نتيجة طبيعية لأنعزالهم عن الواقع الأجتماعي. هذا الواقع الحافل بالتناقضات الحياتية والإنسانية التي يمكن أن يستمد منها الكاتب الروائي والقصصي آلاف الحبكات الممتعة. ولكن للسوق قوانينها، وهذا هو الحال في كل بلد يتحول فيه الأدب الى سلعة في السوق، ولا يقتصر الأمرعلى روسيا وحدها
 
 


4
أرتسيباشيف ... مونيه الأدب الروسي
د.جودت هوشيار
ميخائيل ارتسيباشيف (1878–1927) من انبغ أدباء روسيا ، وأحد الكتّاب الأكثر شعبية في العصر الفضي للادب الروسي ، ولكنه يكاد يكون مجهولاً اليوم في العالم العربي - ليس بين القراء فحسب ، بل حتى لدى اهل الاختصاص - كالعديد من الادباء الروس المعروفين ، الذين هاجروا من روسيا بعد ثورة اكتوبر 1917 . وكانت الهجرة في عرف البلاشفة تعني الحكم بالاعدام الأدبي على الكاتب – ان صح التعبير- اي حظر نشر وتداول اعماله ، وشطب اسمه اينما ورد في البحوث والدراسات ، واسقاطه من الأدب الروسي تماما.
بعد عقود من الحظر والتجاهل والصمت ، عاد ارتسيباشيف الى القاريء الروسي مع من عاد اليه من الكتّاب والشعراء الروس الكبار المضطهدين : نيكولاي غوميلوف ( زوج الشاعرة آنّا أخماتوفا )، اوسيب ماندلشتام ، اسحاق بابل ،بوريس بيلنياك ، مارينا تسفيتايفا ، آنّا أخماتوفا ، أندريه بلاتونوف  وعشرات غيرهم من الأدباء المعدومين أو المضطهدين أو المحظورين في العهد السوفيتي .
الآن يمكننا ان نقرأ مؤلفات ارتسيباشيف ، التي تصدر في طبعات متلاحقة منذ تفكك الاتحاد السوفيتي وحتى اليوم. ونطلع على منجزه الابداعي ، وعالمه الروحي .
من هو ارتسيباشيف ؟ وهل الموضوعات التي عالجها، والافكار التي طرحها في مؤلفاته ما تزال تحتفظ بقيمتها الفكرية والفنية ؟. وهل هي قريبة منا ومن عصرنا الراهن ؟ وما هي اهم خصائص اعماله الادبية ، التي كانت مثار جدل صاخب داخل روسيا، وخارجها ، خلال الربع  الأول من القرن العشرين؟
من هو ارتسيباشيف ؟
ولد ارتسيباشيف في 5 نوفمبرعام 1878 في بلدة (ارخيتر) التابعة لمحافظة خاركوف الاوكرانية ، في عائلة من صغار النبلاء ، و كان والده ضابطا في الجيش القيصري ، ووالدته ربة بيت بولندية الأصل .
كان ارتسيباشيف محظوظا بان يولد ويعيش طفولته ومراهقته في منطقة هادئة ، رائعة الجمال ، والتي وصفها في اعماله الادبية وصف عاشق متيّم بسحر الطبيعة الخلابة فيها ، حيث المساحات الخضراء والغابات ونهر (فورسكلا ) . درس ارتسيباشيف خمس سنوات في المدرسة الثانوية ( جمناسيوم ) في ارخيتر ، وفصلا دراسيا واحدا في مدرسة الفنون التشكيلية في خاركوف ( 1897 – 1898 ) ، وحاول الالتحاق باكاديمية الفنون في بطرسبورغ العاصمة ، ولكن تم رفض طلبه لعدم حصوله على الشهادة الثانوية .
في عام 1897، اقدم ارتسيباشيف على محاولة انتحار باطلاق النار على نفسه . وكان لهذا الحادث المأساوي تأثير كبير في كتاباته المستقبلية ، وفي ادراكه لهموم الجيل الجديد ، ولمعنى الحياة.
ويقول الفنان يفغيني اغافونوف  في مذكراته عن صديقه وزميله في الدراسة  ارتسيباشيف :" كانت محاولة الأنتحار بسبب دراما عائلية مؤلمة. وحالته حرجة ، وميئوس منها تقريبًا ، فقد تغلغل الضماد عميقا افي الجرح مما ادى الى التهابه . وكانت ثمة مخاوف من تسمم الدم ، ولكنه نجا من الموت بإعجوبة " .
ويضيف اغافونوف فائلاً : " تعرّفت على ارتسيباشيف شخصيا عام 1897 في مدرسة خاركوف للفنون التشكيلية . كان مظهر الطالب الجديد مميزاً : فتى ضعيف البنية ، شاحب الوجه ، محدودب الظهر ، طويل الشعر ، ذو لحية سوداء ، ويرتدي دائماً  قميصا اسود . وكان أشبه بجثة  متحركة ".
 ومنذ ذلك الحين كان ارتسيباشيف مريضاً طوال حياته ، ولم يعد ذلك الشاب الحالم ، بل اصبح شخصا منطويا على ذاته . وفي ما بعد كتب في سيرته الذاتية يقول : " كنت في التاسعة عشر من عمري عندما يئست من الحياة ، وحاولت الانتحار باطلاق النارعلى نفسي ، ولكن جرحي التئم بعد ثلاثة اشهر .ونهضتُ وقررتُ ان لا اطلق النار على نفسي مرة اخرى مهما كان السبب .
قضى ارتسيباشيف في مدرسة الفنون فصلا دراسياً واحداً ، أثبت خلاله أنه طالب موهوب ومتفوق . ومع ذلك ، كان وحيداً تماماً، وميالاً الى  العزلة وصموتا، ربما بسبب الصمم ، الذي أصيب به منذ طفولته .
حياته الأدبية
بدأ أرتسيباشيف حياته الأدبية في عام 1894 بنشر مقالات في الصحف المحلية بمدينة خاركوف. وفي 27 يناير 1895 نشر قصته الاولى في صحيفة  " يوزني كراي " عن انتحار تلميذ مدرسة ثانوية . وفي القصة ، وصف رهيب لمشاعر التلميذ بأدق تفاصيلها لحظة الانتحار . يقول ارتسيباشيف في سيرته الذاتية متهكماً على نفسه :
" في طفولتي  كنت أريد أن أكون صيادًا ، لكني لم اكن أمانع أن أكون ضابطًا ، ثم حلمتُ ، لفترة طويلة جدًا أن أصبح فنانًا ، بيد انّي أصبحت كاتبا بشكل غير متوقع . حدث ذلك لأن إحدى الصحف في خاركوف دفعت لي ثمانية روبلات لقاء قصة قصيرة ، اشتريت بها اصباغًا للرسم ، ثمّ اردت الحصول على المزيد من المال ، فواصلت الكتابة ، وعند ذلك بدا لي الرسم مملاً، فتحولت الى الأدب .
انتقل ارتسيباشيف عام 1998 من خاركوف الى العاصمة بطرسبورغ . واخذ ينشر مقالات نقدية ، وملاحظات عن المعارض الفنية المقامة في العاصمة ، وقصصا مرحة ، ورسوما كاريكاتيرية في بعض المجلات الثقافية.
تزوج ارتسيباشيف في السنة ذاتها من فتاة طويلة القامة ، قصيرة الشعر، وصموت . كانت تبدو وكأنها تراقب زوجها طوال الوقت، وقد انجبا طفلا في عام 1899 سمّياه بوريس . ولكن هذا الزواج لم يدم سوى ثلاث سنوات حيث انفصلا عن بعضهما بسبب اختلاف شخصيتيهما ومنذ عام 1902 تفرغ ارتسيباشيف للأدب تماماً .
القصة الأولى (الجادة) التي اعتبرها آرتشيباشيف بداية  لمسيرته الإبداعية هي "باشا تومانوف" . كتبها في عام 1901 وارسلها إلى إحدى المجلات الادبية المرموقة ، وهي مجلة "روسكي بوغاتستفا " ، ولكن الرقابة رفضت نشرها، ورأت النور بعد ذلك بعامين في مجلة أخرى هي ، "اوبرزفانيا". بحلول هذا الوقت ،كان الكاتب الشاب قد نشر العديد من القصص القصيرة ،منها  " كوبريان "  و " حامل الراية " و" الضحك " المنشورة عام 1902 وغيرها ، التي جمعها ونشرها في كتاب من مجلدين صدرا بين عامي 1904-1905  في بطرسبورغ . وقد لفتت هذه  المجموعة نظرالأوساط الأدبية في روسيا ، ورحبت كبريات المجلات الادبية بظهور اسم جديد مثير للاهتمام في الأدب الروسي . كما اعتبرت روايته " موت لاندي " (1904)  بمثابة حدث ادبي مهم . ومع ذلك ، كان عدد قليل من الناس يعرفون ان للكاتب مخطوطة رواية أخرى بعنوان " سانين" جاهزة للنشر منذ عام 1902 وستثير عند نشرها ضجة  أدبية كبرى ..
رواية " سانين "
نشرت لأول مرة في مجلة "سوفريميني مير" بعددها الصادر في سبتمبر 1907. واقبل القرّاء الروس عليها اقبالا عظيما، واعتبرها معظم النقّاد  ذروة اعمال الكاتب، في حين ندد بها عدد من النقاد والقراء المتزمتين الذين اتهموا الكاتب بالترويج للعدمية والاباحية . ولفتت الرواية انظار الأوساط الأدبية في العديد من بلدان العالم المتقدم ، وسرعان ما ترجمت الى عشرات اللغات الاجنبية بما فيها اليابانية .
كانت حبكة الرواية وافكار المؤلف مثيرة الى درجة انها تسببت في رفع دعاوى قضائية ضد ناشر الترجمة قي المانيا ، وضد مترجم الرواية في المجر .وتمت مصادرة الطبعة الثانية من الرواية في روسيا . وفي نهاية المطاف تم الأفراج عن الكتاب وتبرئة المتهمين بالترويج للاباحية - وهذه التهمة تبدو اليوم مضحكة لو قارنا بعض المشاهد الايروتيكية لرواية " سانين " مع ما تصدر اليوم في الشرق والغرب من روايات جنسية فاضحة -  وتجدر الاشارة الى ان الكاتب المصري الراحل ابراهيم عبدالقادر المازني قد ترجم رواية " سانين " الى العربية نقلا عن الانجليزية ونشرها تحت عنوان  " سانين أوابن الطبيعة " عام 1922 ، ولكن البعض اتهم المازني بالإنتحال ، وانه كتب رواية " ابراهيم الكاتب " تقليدا لرواية " سانين ، حيث تجد صدى آراء " سانين " واضحة في " ابراهيم الكاتب ". وهذه مسألة تستحق وقفة طويلة ، لسنا بصددها الآن .
كانت رواية " سانين " تعبيرا عن آراء الكاتب وتجسيدا لشخصيته تجسيدا فنيا رفيعا . ويبدو ان " سانين " - وهو لقب البطل الرئيسي للرواية - قد حجب ارتسيباشيف ، وكأن ارتسيباشيف ليس هو الذي كتب سانين ، بل ان سانين هو الذي كتب ارتسيباشيف وخلقه على صورته ومثاله .
الفكرة الرئيسية للرواية هي ان كل انسان بحاجة الى تلبية احتياجاته ورغباته الطبيعية . ولا يمل بطل الرواية فلاديمير سانين من تكرار القول : " ان الرغبة هي كل شيء ، والانسان يموت عندما تموت الرغبة في اعماقه. ومن يقتل رغباته انما يقتل نفسه ". يثمن سانين الشخصية الانسانية حسب قدرتها على تنمية الفرح والمتعة ، ويرى إن من لا يعرف كيف يستمتع بالحياة ، ويسعد الآخرين لا قيمة له . .
انصار الكاتب قالوا ان سانين هو" بطل زمانه " حيث وجدوا فيه ملامح الفكر الحي وصدق تصوير الحياة ، واسسوا جمعيات حملت اسم " السانينيون".
عبّرت الرواية بقوة عما نضج في المجتمع الروسي في اوائل القرن العشرين من احتجاج على جميع انواع القيود الاخلاقية والسياسية، وعلى المعتقدات والاغلال التي كانت تحد من حرية الانسان . ووجهت ضربة مؤثرة الى المعايير التقليدية لتقييم الشخصية الانسانية ،  والى الذين اعطوا الحق لانفسهم في اصدار احكام قطعية حول الخير والشر ، وعما هو رفيع او وضيع ، والى الأحكام المسبقة للنفاق الاجتماعي التي فرضت على الكتّاب والمفكرين على مدى قرون عديدة ، ما يجوز وما لا يجوز اظهاره من خبايا النفس البشرية . وكانت تلك الاحكام تتجاهل حقيقة ان الانسان ليس تجسيدا لما هو مقدس ونقي وسام فقط ، بل انه في الوقت نفسه يحمل في اعماقه الشر والخطيئة ، حيث تتعايش الروح السامية مع الرغبات الجسدية .
ثم كتب ارتسيباشيف عدة روايات قصيرة لعل اهمها " بقعة دم " و" الموجة البشرية" و " العامل شيفروف " حيث يصوّر فيها الناس البسطاء الروس خلال التغيرات الاجتماعية والسياسية في البلاد .
وتناول الكاتب في اعماله اللاحقة موضوعا ساخنا في المجتمع الروسي ، له صلة بسيرته الذاتية . وهو موضوع الانتحار. وكان اهم هذه الاعمال ، رواية بعنوان " عند الخط الاخير"( 1912) ، التي تعكس اليأس والاحباط وخيبة امل الناس في الشعارات الثورية ، وتعطشهم للسلام ، والتنوير الروحي ، عقب الأحداث الدموية التي رافقت الثورة الروسية الأولى عام 1905 . 
اما رواية " امرأة واقفة في الوسط " فقد اثارت ايضا جدلاً حامياً بين القراء عموما والنقّاد والكتّاب على وجه الخصوص. كانت الآراء كالعادة متباينة وأحياناً متناقضة . قال البعض انها رواية تفضح المرأة ، وقال آخرون انها عن دناءة الرجال وبؤسهم الروحي ، وملحمة محزنة عن ضعف النساء . وانهيار الافكار الرومانسية النبيلة عن الحب .
موضوع المرأة لم يقتصر على هذه الرواية ، بل عالجه الكاتب في العديد من رواياته وقصصه القصيرة ، لعل اهمها " السعادة " و"المنتقم" و " قصة حب امرأة صغيرة " و" الغيرة ".
اثبت أرتسيباشيف في هذه الأعمال جدارته العالية ككاتب رفيع المستوى. وقال بعض النقاد أن ارتسيباشيف هو ( مونيه ) الأدب الروسي . ومونيه كما نعلم هو رائد المدرسة الانطباعية في الرسم .ثمة في اعمال ارتسيباشيف : الضؤ والهواء ، والورود والزهور، ونضارة الالوان ، و الشمس الساطعة ، خالقة الحياة ، الشمس التي تحوّل الطبيعة الى عالم من الالوان .
ارتسيباشيف كاتبا مسرحيا وسينمائيا
كتب ارتسيباشيف العديد من المسرحيات وسيناريوهات الافلام السينمائية . فقد حققت المسرحية الاولى التي كتبها عام 1913 وهي " الغيرة " نجاحا هائلا ، وفي العام التالي تم انتاج فيلم سينمائي مستوحاة من هذه المسرحية. وتوالت مسرحياته " الحرب " ( 1914) ،  "قانون الوحشية " (1915) و" الاعداء " (1916) . و" الشيطان" (1925) ، التي  بشجب فيها سفك الدماء . وكتب سيناريو فيلم " الروح " الذي شهد اقبالا واسعا ، الا ان الرقابة سرعان ما منعت الاستمرار في عرضه . ومن سيناريوهات الأفلام التي كتبها ارتسيباشيف ، " يوميات الاغواء" ، و " عار الفجور" ، و" المنتقم" ، و" الخط الأخير ".
ارتسيباشيف والبلاشفة
ما كان مقبولاً ورائجا من اعمال ارتسيباشيف في العهد القيصري،  لم يعد كذلك بعد ثورة اكتوبر1917. فقد بدأت الأفكار الفلسفية لاعماله الأدبية تتناقض مع الخط الأيديولوجي والسياسي للبلاشفة ، الذين اتهموا الكاتب ببث روح  التشاؤم والانحطاط في الأدب . ووصفوا اعماله بانها غير اخلاقية ، وان أفكار المؤلف تسبب أضراراً اجتماعية لا يمكن إصلاحها.
عارض آرتسيباشيف النظام البلشفي . ولم يقبل التكيّف مع الوضع السياسي والاجتماعي الجديد ، ورفض ان يكتب ما لا يشكل خطرا عليه . وسرعان ما تم حظر مؤلفاته داخل روسيا ، كالعديد من الكتاب المعروفين الذين رفضوا الخصوع لإملاءات البلاشفة . وبعد ست سنوات من حظر أعماله وتضييق الخناق عليه ، اضطر الى الهجرة الى بولندا وطن والدته . وكان معروفا على نطاق واسع لدى الجمهور البولندي من خلال أعماله الروائية والمسرحية المترجمة الى البولندية ، واصبح شخصية معروفة في الاوساط الثقافية البولندية وفي المجتمع المخملي في وارشو . وأصدر ارتسيباشيف فور استقراره في وارشو - بالتعاون مع كتّاب روس مهاجرين آخرين - صحيفة " من اجل الحرية ". وكانت لسلسلة مقالاته المناهضة للنظام البلشفي صداها الكبير لدى المهاجرين الروس في بولندا وفي البلدان الاوروبية عموما .
توفى ارتسيباشيف في الثالث من آذار عام 1927 بمرض السل المزمن الذي اصيب به منذ فترة طويلة . ولما كان الكاتب محظوراً في الاتحاد السوفيتي ، فقد نشرت مجلة " اغنيوك " -  وكانت اوسع المجلات السوفيتية انتشاراً - خبر وفاته على النحو التالي : " مات في المهجر ميخائيل بتروفيتش ارتسيباشيف . ومن غير المرجح أن يحزن أي قاريء روسي لوفاة هذا الكاتب الروسي االمعروف  في زمن ما ". ولكن الحقيقة هي ان الأوساط الأدبية الروسية تلقت خبر وفاة الكاتب بحزن بالغ ، وحتى الكتاّب الذين كانوا ينتقدون ارتسيباشيف قبل الثورة ، عبروا عن حزنهم العميق لرحيله ، وفي مقدمتهم مكسيم غوركي ، وأشادوا به ككاتب كبير وموهوب. ورغم الأجواء القمعية السائدة في البلاد ، اقام عدد من الأدباء الروس المعروفين حفلا تأبينيا للكاتب الراحل . وأصدرت احدى دور النشر الخاصة مختارات من أعماله الروائية والقصصية في ثلاثة مجلدات .
ارتسيباشيف كاتب اجتاز امتحان الزمن . وهو يحتل اليوم مكانة رفيعة بين كتاب العصر الفضي في الأدب الروسي .
 


5
آنّا أخماتوفا.. ملكة ذات طابع مأساوي
د. جودت هوشيار
في عام 1912 كانت آنّا أخماتوفا في الثالثة والعشرين من عمرها . إمرأة جميلة، مفعمة بالأنوثة والبراءة ، وشاعرة رقيقة ذات موهبة عظيمة ، وتحب النزول في وقت متأخر من الليل الى قبو مقهى " الكلب الضّال" في العاصمة بطرسبورغ ، وعلى كتفيها شال ، وفي جيدها عقد من اللؤلؤ .وكانت قصائدها تعكس عمق شخصيتها ، وتنطوي على حقائق نفسية ووجدانية قوية ، تثير رغبات حسية دفينة وموجعة ، عبر شكل شعري متألق ، بوسائل لغوية بسيطة . كانت الأحلام ما تزال ممكنة التحقيق ، ولم يدر بخلدها في ذلك الحين ، إن المستقبل محمّل بالمصائب .
ولدت آنّا اخماتوفا في 23 يونيو عام 1889 في إحدى ضواحي مدينة أوديسا . وكتبت في سيرتها الذاتية تقول :" ولدت في العام ذاته الذي ولد فيه تشارلي شابلن وصدرت رواية تولستوي ( كريتزر سوناتا ) ، وبني برج إيفل ."
كان والدها أندريه غورينكو مهندساً بحريا متقاعدا ، ووالدتها اينّا ستوغوفا سليلة عائلة تترية عريقة ، وينتميان الى الطبقة العليا في المجتمع . ولكن العائلة انتقلت الى العاصمة بطرسبورغ بعد سنة واحدة من ولادتها . قضت طفولتها ومراهقتها في بطرسبورغ وكييف ، وتعلمت الفرنسية في سن مبكرة ، وكتبت أولى قصائدها عام 1904. درست اللاتينية والتأريخ والقانون
وفي عام 1910 تزوجت الشاعر نيقولاي غوميلوف ( 1886-1921) ، وسافرا الى باريس لقضاء شهرالعسل.، وقامت برحلة أخرى الى باريس عام 1911، وزارت ايطاليا عام 1912 . وقد التقت خلال رحلتيها الى باريس بالفنان والنحات الإيطالي اميديو موديلياني ( 1884-1920) الذي خلدها في 16 لوحة فنية رائعة بعضها بالألوان وأخرى تخطيطية . كانت تلك فترة ذهبية في حياتها
وعندما بدأت بنشر اعمالها عام 1911 اختارت الشاعرة لنفسها " أخماتوفا " كاسم فني - بدلاً من لقب والدها غورينكو - اعتقاداً منها أن أحد أسلافها " احمد خان " كان اميراً تترياً ينتمي الى سلالة " جنكيز خان .
في عام 1912 أنجبت ابنها ليف ، ونشرت أول ديوان لها بعنوان " المساء " .وسرعان ما ذاعت شهرتها في الأوساط الأدبية الروسية . وقال النقّاد الروس عنها ، إن موهبة جديدة قد ظهرت في الشعر الروسي . وقد تعززت مكانتها الأدبية بصدور عدة دواوين شعرية لها في السنوات اللاحقة .
لم تكن الحياة تنبأ بعد بأية مصائب . كتبت الشعر ، وسهرت الليالي ، وشربت الشمبانيا ، ولكن الحرب الاهلية التي رافقت ثورة اكتوبر ، وضعت حداً لكل هذا. اللوحات ضاعت أو احترقت خلال الحرب الأهلية .ولم تبق لدى الشاعرة سوى لوحة واحدة فقط ، كانت تعلقها على أحد الجدران في غرفة نومها حتى آخر يوم في حياتها .
وتقول أخماتوفا إن موديلياني كان يعيش في فقر مدقع ، حتى انه لم يكن قادراً ، على دعوتها الى أحد المقاهي ودفع ثمن فنجانين من القهوة . ومع ذلك فقد كانت السعادة تغمرها بصحبة العبقري الايطالي الوسيم الذي توفي بعد ذلك بسنوات قليلة ، وترك ندبة لا تندمل في قلب اخماتوفا. ففي أيامها الأخيرة كتبت في مذكراتها : " كانت حياة موديلياني قصيرة ، وحياتي طويلة "
في اغسطس عام 1918 انفصلت الشاعرة عن زوجها الشاعر نيقولاي غوميلوف ، أبرز أعضاء " ورشة الشعراء " الشهيرة ، ومؤسس مدرسة " الأكميزم " أو " الذروة الروحية " في الأدب الروسي ، والذي أعدم في عام 1921 بتهمة الانضمام الى تنظيم سري للضباط ( البيض) ، فقد كان غوميلوف ضابطاً لامعاً في العهد القيصري .
وفي ديسمبر من العام ذاته تزوجت فلاديمير شيليكو ، العالم المتخصص في حضارة وادي الرافدين ، وأول مترجم لملحمة جلجامش الى اللغة الروسية. ولكن هذا الزواج لم يدم سوى ثلاث سنوات ، فقد كان شيليكو يضيّق الخناق عليها ، ويقيّد حريتها الشخصية .
وفي عام 1922 تزوجت المؤرخ نيقولاي بونين . وكان زواجاً موفقاً ، ولكنه اعتقل في عام 1938 وحكم عليه بالسجن خمس عشرة سنة ، وقضى نحبه من الانهاك الجسدي في أحد معسكرات العمل الاجباري الشاق.. وكان ابن الشاعرة الوحيد ، ليف غوميلوف سجيناً أيضاً في هذا الوقت .
خيّم الظلام والوحدة والياس على حياتها وظهر في شعرها ( المحظور من النشر والتداول منذ منتصف العشرينيات ) صرخات الألم والشعور بالوحدة . وعاشت دون أن يلوح لها في الافق بارقة أمل . شعرها في هذه الفترة كان يعبرعن الحب الأنثوي المأساوي ، حيث تمتزج العاطفة والحزن بالأمل .
قوة شخصية الشاعرة وثباتها ، سمحت لها بالبقاء على قيد الحياة في سنوات القمع الرهيبة ، رغم فقدان زوجها واعتقال إبنها ، وحظر نشر قصائدها .
 
قداس جنائزي
في عام 1935 بدأت بكتابة قصيدتها الطويلة الرائعة " قداس جنائزي" وهي قصيدة سيرة ذاتية وتعكس معاناتها الداخلية . هنا تجلت عظمة أخماتوفا كشاعرة مبدعة . هذه القصيدة ، التي قضت الشاعرة حوالي عشر سنوات في كتابتها ، هي دليل على نضجها كشاعرة . كانت تعيش في فقر مدقع ، تعاني من الجوع والبرد ، وتشعر بالنفور من الواقع الكئيب ،الذي كان يعج بالمخبرين السريين ، لكنها لم تفقد احترام الذات. في هذه الظروف الصعبة كانت تكافح ضد الواقع المرعب بسلاح الشعر: " وقفت آنذاك مع شعبي وتقاسمت معه محنتي " . "
لم تحاول الهجرة إلى إحدى الدول الغربية ، كما فعل العديد من الأدباء الروس المعروفين من أصدقائها ، وظلت في الاتحاد السوفيتي ، وأحرقت جزءاً كبيًرا من أرشيفها ،الذي كان الإحتفاظ به يعرض حياتها للخطر ، لكن الناس حفظوا أشعارها عن ظهر قلب ، وكانوا يتذكرون صوتها وقصائدها .
في عام 1945 زارالفيلسوف والمفكر والدبلوماسي البريطاني السير أشعيا برلين ( 1909-1997) الشاعرة في مسكنها بمدينة لينينغراد ، عندما كان سكرتيراً أول في سفارة بلاده لدى موسكو . وخلال المحادثة الطويلة التي استغرقت عدة ساعات ، تحدثت اخماتوفا خلالها عن حزنها وعدم موافقتها على النظام القائم ، ودفعت ثمناً غالياً لحديثها مع " جاسوس أجنبي " حسب زعم السلطة ، حيث اعتقل ابنها مرة أخرى، وحكم عليه بعشر سنوات سجن مع الأشغال الشاقة. وتم وضع الشاعرة تحت مراقبة الشرطة السرية وعندما كانت تطل من الشباك الوحيد لشقتها المؤلفة من غرفة واحدة ، ترى عدة مخبرين سريين جالسين على مصطبة مقابل مدخل العمارة لمراقبتها . ولكنها لم تستسلم لليأس والقنوط .
وقد كتب اشعيا برلين لاحقاً عن لقائه بالشاعرة العظيمة ، وكيف إنه لاحظ بإعجاب شديد صمودها وانشغالها بعملها الإبداعي ، ووصفها بأنها " ملكة ذات طابع مأساوي " .
كتبت أخماتوفا قصيدة " قداس جنائزي " بلغة مجازية للغاية. بدت وكأنها أجزاء انتزعتها من نفسها من أجل إدخالها في نص القصيدة. وقد واجهت في هذه الفترة أشد المحن . حيث فقدت زوجها . وكان ابنها ما يزال سجيناً. وتحملت كل أعباء حياتها بكرامة ، ولم تجد العزاء سوى في الأدب .
في مقدمة قصيدة " قدّاس جنائزي " كتبت أخماتوفا عما دفعتها الى كتابتها: " طوال سبعة عشر شهراً في زمن يزوف الرهيب ( الذي كان وزيراً للامن والمخابرات بين عامي 1937، 1938) كنت أقف في طوابير طويلة من أجل السماح لي بزيارة السجن في لينينغراد . امرأة مزرقة الشفاه من البرد ، لم تسمع عني من قبل قط ، خرجت من حالة الذهول التي كنا فيها جميعاً ، وسألتني همسا :
 
هل يمكنك الكتابة عن هذا ؟
أجبت : نعم
حينها ارتسمت شبه ابتسامة على هذا الذي كان يوماً ما وجها .
بعد سنوات من التضييق والصمت والتجاهل ، نشرت قصيدة " قداس جنائزي " في ميونيخ عام 1963 ، في كتاب صدر عن دار نشر "فيرلاج " الألمانية ..
. بعد أسابيع قليلة من النشر تحولت القصيدة إلى صرخة حزن ليس فقط للشاعرة نفسها ، ولكن أيضًا لملايين النساء الروسيات اللائي عشن كل أهوال النظام الذي حطم حياتهن ، وحياة أزواجهن وأبنائهن .
" اليوم لدي الكثير لأفعله: يجب قتل الذاكرة حتى النهاية ، ويجب أن نجعل الروح لا تابه ، ويجب أن نتعلم كيف نعيش مرة أخرى " .
 
جائزة جمعية الكتّاب الأوروبيين
 
في أواخر ديسمبر 1964 أقيم احتفال مهيب في مدينة تاورمينا الواقعة بجزيرة صقلية الايطالية ، تم خلاله تقليد الشاعرة جائزة جمعية الكتّاب الأوروبيين في مجال الشعر، بحضور جمع كبير من الكتّاب والشعراء من معظم البلدان الأوروبية . ألقت اخماتوفا مختارات من قصائدها ، التي قوبلت بحماس عظيم ، ونهض الحضور وقوفا لتحيتها ، رغم أن معظمهم - باستثناء الوفد السوفيتي – لم يكن يعرف اللغة الروسية - وكان ذلك تحية لملكة الشعر وللأدب الروسي العظيم .
شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة اكسفورد
في 5 يونيو 1965 منحت جامعة أكسفورد شهادة الدكتوراه الفخرية في الأدب لآنا أخماتوفا
ولأول مرة في تاريخ الجامعة ، كسر البريطانيون التقليد الأكاديمي الراسخ: لم تصعد آنا أخماتوفا الدرج الرخامي لأستلام شهادتها من يد رئيس الجامعة ، على النحو المعتاد ، بل إن رئيس الجامعة هو الذي نزل اليها .كما أن اخماتوفا اعتذرت عن وضع القبعة التقليدية على رأسها لأنها – كما قالت - لا تلائمها ، ووافق رئيس الجامعة على استثناء ملكة الشعر من هذا التقليد الراسخ أيضاً .
في اليوم التالي كتبت الصحف البريطانية : إن جامعة اكسفورد منحت شهادة الدكتوراه الفخرية 
إلى "أعظم الشعراء الروس المعاصرين - آنا أخماتوفا البالغة من العمر 76 عاماً ، والتي يعكس شعرها ومصيرها ، مصير الشعب الروسي" –
توفيت اخماتوفا بنوبة قلبية في مصحة بالقرب من موسكو في 5 مارس 1966 . لكن عملها استمر في العيش والقتال
أخماتوفا وجائزة نوبل في الأدب
دأبت أكاديمية العلوم السويدية – مانحة جوائز نوبل – على الحفاظ على سرية وثائقها الأرشيفية لمدة خمسين عاماً . وكما يتضح من الوثائق المنشورة في ينايرعام 2016 أن اخماتوفا كانت ضمن لائحة المرشين لنيل جائزة نوبل في الأدب عام 1965
وجاء في تلك الوثائق أن رئيس لجنة نوبل " أندرس أوسترلوند " قال خلال تقييم قصائد أخماتوفا : " لقد تأثرت كثيراً بالإلهام القوي للشاعرة ، وتأثرت أكثر لمصيرها وارغامها على الصمت الاجباري لسنوات طويلة " . وقد ذهبت الجائزة في ذلك العام الى مرشح الدولة السوفيتية " ميخائيل شولوخوف " ، بعد أن حشّد الاتحاد السوفيتي تأييد الأوساط الأكاديمية ، والفائزين بجائزة نوبل من الكتّاب والشعراء اليساريين .، ومارس ضغوطاً دبلوماسية واقتصادية على السويد . وهذا لا يعني بحال من الأحوال أن شولوخوف لم يكن يستحق الجائزة .
كما تشير وثائق الاكاديمية السويدية التي كشف النقاب عنها عام 2017 أن اخماتوفا كانت من أبرز المرشحين لنيل الجائزة عام 1966 . ولكن وفاة ألشاعرة في مارس من ذلك العام أدى الى صرف النظر عن ترشيحها.
ذكرى أخماتوفا
يتمتع إبداع اخماتوفا بتبجيل عظيم في بلادها ، وفي العالم الغربي . وقد خلدت روسيا ذكرى الشاعرة بطرق شتى. فهناك متحف اخماتوفا في بطرسبورغ ، وتمثال أو جدارية لها في كل مدينة روسية عاشت فيها ولو لبضع سنوات ، منها ثلاثة تماثيل في مدينة بطرسبورغ وتمثال في موسكو. وفي كل مدينة من تلك المدن شارع يحمل اسمها . كما أطلق الفلكيون الروس اسمها على كويكب اكتشف عام 1982 ، وعلى فوهة بركان في كوكب الزهرة . إضافة الى عدد من المكتبات العامة وحتى بعض البواخر السياحية . وثمة العديد من لوحات البورتريه للشاعرة رسمها كبار الفنانين الروس ، وأفلام سينمائية تصور حياتها المليئة بالأحداث الدراماتيكية .
كما حولت قصائدها الى أوبريتات وباليهات وأغان يصعب حصرها . وكتبت عنها عشرات الكتب والأطروحات العلمية . وتحتفل روسيا في 23 يونيو من كل عام بذكرى ميلاد الشاعرة حيث تقام فعاليات ثقافية جماهيرية ، يلقي خلالها أشهر الممثلين والممثلات الروس قصائدها الوجدانية التي تهز المشاعر بصورها الفنية المدهشة .
 


6
أدب / الحرية لثلاث دقائق
« في: 18:10 02/12/2019  »
الحرية لثلاث دقائق
 
قصيدة للشاعر يفغيني يفتوشينكو
 
ترجمة : د.  جودت هوشيار عن الروسية

 
أهدى يفتوشينكو هذه القصيدة الى ذكرى البطل الوطني الكوبي خوسيه انطونيو أتشيفاليري ، وكان إسمه السري " مانسانا" ويعني باللغة الإسبانية " التفاح "
 
كان شاب اسمه مانسانا
عيناه صافيتان كينبوع
وروحه صاخبة كسطح مأهول
يعج بالحمام والجيتارات واللوحات التي لم تتم
كان يحب كيزان الذرة
والبيسبول
والأطفال
والأشجار
والطيور
وعيني فتاته المعجزتين
حين تشرقان من تحت اهدابها
وتلتقيان عفوا بعينيه و...
وقد التهبت رقصة الباتشانجا
كان مانسانا أشبه بطفل
لكن نفوراً صارماً كان يومض في عينيه
عندما يرى النفاق والكذب
كان الكذب في كوبا يرتدي أفخر الثياب
ويذرع ردهات القصور
ويجلس في سيارة الرئيس
مضطجعا كأنه في منزله
وينشر الهراء في جميع الصحف
ويبدأ نهاره بالصياح
 
ومن وقت لآخر
بستبدل بالصياح الروك آند رول
وينفخ في الراديو الأبواق
وقرر الشاب الصغير مانسانا
أن يستولي هو وأصدقاؤه على محطة الإذاعة
لا من أجل المجد
وإنما من أجل الجميع
ولكي تعرف كوبا الحقيقة
وهكذا
هجم وفي يده المسدس
وانتزع الميكروفون من المغنية
واخذ يقول للشعب الحقيقة
كصوت كوبا ، والشجاعة ، والإيمان
لمدة ثلاث دقائق فقط !
ثلاث دقائق لا أكثر
ثمّ ... طلق ناري
وبعده لم يسمع شيء
أصبحت رصاصة باتستا نقطة
في خطبة مانسانا التي لم تكتمل
ومن جديد دوى الروك آند رول بانتظام
اما هو فلم يعد يمكن أن يقهر
بعد أن أعطى حياته مقابل ثلاث دقائق من الحقيقة
وأغفى بوجه سعيد شاب
فيا شباب العالم
حينما يحكم الزيف بلدا ما
وتأخذ الصحف في الكذب بلا سأم
تذكروا مانسانا
أيها الشباب
هكذا يجب أن تعيشوا
لا تشغلوا أنفسكم بالتفاهات
واجهوا الموت
ناسين الراحة
والهدوء
وقولوا الحقيقة
ولو لثلاث دقائق
ثلاث دقائق فقط
وبعد ذلك فليقتلوكم


7
آلامُ بوريس باسترناك
                                             
د.جودت هوشيار
 في منزل باسترناك
قبل عدة اسابيع ، زرت منزل ( الآن متحف ) الشاعر بوريس باسترناك في ( بريديلكينا ) ، بلدة الكتّاب في العهد السوفيتي ، الواقعة في ضاحية موسكو الشمالية. هنا عاش الشاعر بين عامي 1939-1960 . وهنا تلقى نبأ فوزه بجائزة نوبل في الأدب لعام 1958 . وهنا توفي في 30 مايو 1960.
منزل خشبي من طابقين مثل كل منازل البلدة . غرفة نوم ، ومكتب الشاعر ومكتبته الشخصية الثمينة في الطابق الثاني . اثاث البيت متواضع ، ولكن البيانو الأسود العائد لوالدته ، روزاليا باسترناك ، واللوحات الفنية الرائعة ، والصورالمعلقة على جدران غرفة المكتب والصالة – وهي من ابداع والده الفنان الشهير ليونيد باسترناك - تدل على ان الشاعر نَشَأَ وَشَبَّ في اجواء فنية راقية، حيث كان يتردد على منزل العائلة العديد من كبار الفنانين والادباء وبضمنهم الكساندر سكريابين وليف تولستوي.
جلستُ في المكتب الذي كتب فيه الشاعر قصائده الرائعة ، ورواية " دكتور زيفاغو " وغرقت في الحزن والأسى . يا الهي ، كم تعذّب الشاعر ، وكيف سممت السلطة حياته بعد فوزه بجائزة نوبل ؟. وكم نشر في الدول الغربية من أساطير وأكاذيب حول ما سمي بقضية باسترناك ؟ ، وكيف تم تسييس القضية خلال الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والإشتراكي ؟ . وكم كتب في العالم العربي من مقالات وتعليقات عن باسترناك وروايته إستناداً الى مصادر غربية متحيزة ؟.
أعتقد أنه قد آن الأوان لألقاء الضؤ على قضية باسترناك - بعيداً عن الأوهام ، والإثارة الاعلامية - أستنادا الى الوثائق الرسمية الروسية ، ووثائق الأكاديمية السويدية – مانحة الجائزة - التي كشف النقاب عنها في السنوات الأخيرة .
 
طريق باسترناك الشائك الى جائزة نوبل
 
يخطيء من يظن أن منح جائزة نوبل في الادب لعام 1958 الى بوريس باسترناك ، كان فقط بفضل رواية " دكتور زيفاغو " التي أثارت فور نشرها في ايطاليا عام 1957 ومن ثم ترجمتها في الأشهر اللاحقة الى اكثر من عشرين لغة ، ضجة أدبية وسياسية في روسيا والعالم ، لم يسبق لها مثيل .
باسترناك واحد من أعظم شعراء القرن العشرين ، واحتل مكانة راسخة في الأدب العالمي قبل كتابة هذه الرواية بسنوات طويلة . وكما يظهر من وثائق لجنة نوبل ، التي نشرت عام 2008 بعد مرور خمسين عاما على منح الجائزة ، أن باسترناك كان، مرشحا بارزاَ لنيل هذه الجائزة المرموقة في عام 1946 أي قبل أحد عشر عاما من نشر رواية "دكتور زيفا غو". وقد قام بترشيحه سيسيل موريس باور ، وهو عالم انجليزي ضليع في اللغات السلافية، وباحث بارز في الشعر الروسي . ولكن الجائزة ذهبت في تلك السنة الى الكاتب الألماني هيرمان هيسه . ولم يختف إسم باسترناك من لائحة المرشحين للجائزة خلال اعوام ( 1947، 1948 ، 1949 ).
ثمة تقليد درجت عليه اكاديمية العلوم السويدية ( مانحة الجائزة ) وهو أن يوم 31 يناير من كل عام ، هو آخر موعد لقبول الترشيحات . وفي هذا اليوم يحق لكل عضو في الأكاديمية تقديم مرشحه لنيل الجائزة . وكان عضو الأكاديمية الناقد الأدبي ( مارتن لام ) قد رشح باسترناك للجائزة عام 1948 ، وكرر ترشيحه عام 1950 .
توقفت محاولات ترشيح باسترناك للجائزة عندما أصبح من الواضح الخطر الذي قد يهدده في بلاده ، بعد ان تعرض الى نقد لاذع بسبب حفاظه على حريته الابداعية بعيدا عن شعار حزبية الأدب . وظهر اسمه مجددا ضمن قوائم المرشحين بعد وفاة ستالين . ففي عام 1954 ، تردد اسم باسترناك كمرشح لنيل الجائزة ، ولكن لجنة نوبل قررت منحها الى ارنست همنغواي .
 
رواية " دكتور زيفاغو "
 
بعد انتصار الجيش الاحمر في الحرب الألمانية السوفيتية ( 1941- 1945 ) ، التي يطلق عليها الروس إسم " الحرب الوطنية العظمى " كانت الآمال تراود الشعب السوفيتي بفتح آفاق جديدة للتطور وحرية التعبير . وفي هذا المناخ الذي كان يوحي بالتفاؤل ، شرع باسترناك في خريف عام 1946 بكتابة الفصول الأولى من رواية " دكتور زيفا غو " والتي لم تكتمل الا في عام 1855 .وكان باسترناك نفسه يعتبر هذه الرواية ذروة ابداعه النثري .
ترسم الرواية لوحة عريضة لحياة المثقفين الروس على خلفية الفترة الممتدة من اوائل القرن العشرين وحتى الحرب الوطنية العظمى . وتتسم الرواية بشعرية رفيعة ، وتتناول مصير المثقفين في الثورة ، وتتضمن قصائد باسترناك الرائعة المنسوبة الى البطل الرئيسي للرواية ، يوري زيفاغو ، وهو شخص مبدع يفسر الواقع المحيط به فلسفياً .
كان لتقرير خروتشوف في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي عام 1956 ، الذي أدان فيه الستالينية تأثير كبيرفي الرأي العام السوفيتي. وظهرت امام باسترناك فرص جديدة ، وكان قد انتهى قبل ذلك بفترة وجيزة من كتابة رواية "دكتور زيفاغو"، فقدّم بعض النسخ منها لأدباء من أصدقاءه ، وعرضها على مجلتين ادبيتين مرموقتين هما " نوفي مير - العالم الجديد و" زناميا - الراية ". وكان هناك أمل حقيقي في نشرها . -
أثار تقرير خروتشوف  اهتمام العالم بما يحدث في موسكو ، وأدى الى تعزيز الإتصال الثقافي بين الاتحاد السوفيتي والعالم الخارجي . وفي هذا الاطار زارت وفود أدبية من بولندا وتشيكوسلوفاكيا بلدة الكتّاب في " بيريدلكينا " والتقت باسترناك . وقد تمكن رئيس اتحاد الكتّاب البولندين ، زيموفيت فيديتسكي من الحصول على نسخة من رواية "دكتور زيفا غو" لنشر ترجمتها البولتدية في مجلة " اوبينين "  الأدبية التي كان الإتحاد يتهيأ لإصدارها قريباً . وبحث باسترناك أيضاً امكانية نشر الترجمة الجيكية للرواية.
في مايو 1956، قدم باسترناك نسخة من " دكتور زيفاغو" للصحافي الإيطالي سيرجيو أنجيلو ، الذي وصل بناء على طلب دار نشر فيلترينيللي الى بلدة بيرديلكينا مع زميله في إذاعة موسكو ف. فلاديميرسكي. وقالا لباسترناك : " إذا كانت الرواية ستنشر في موسكو ، فلماذا لا نسرع في اتخاذ قرار بشأن نشرها في دول أخرى؟ "
واكد باسترناك اكثر من مرة ، أن يعض نسخ الرواية ، كانت تنتقل علانية بين أصدقائه الأدباء ، وان كانت ثمة شكوك حول ردود فعل المجلات السوفيتية ، التي تماطلت على نحو مثير للريبة في نشر الرواية ، وافصح باسترناك عن هذا الأمر صراحةً لانجيلو ، ملمحاً الى المخاطر التي سيواجهها إذا رفضت المجلات السوفيتية نشر روايته . وقال لأنجليو مودعاً :" سأدعوك إلى عملية إعدامي ."
 في سبتمبر 1956 ، أرسل باسترناك الرواية إلى إنجلترا ، وفي فبراير 1957 ، إلى فرنسا. واثار ذلك ، قلق قسم الثقافة في اللجنة المركزية للحزب الحاكم ، والذي حاول بشتى الطرق  عرقلة نشر الرواية في البلدين ، واصفا رواية باسترناك بأنها "معادية للسوفيت". وصدر توجيه حزبي الى مجلة "نوفي مير" برفض نشرها. بذريعة عدم ادراك المؤلف لدور ثورة أكتوبر ومشاركة المثقفين فيها .
 
باسترناك يتصدر لوائح الترشيح لجائزة نوبل من جديد
 
في 31 يناير عام 1957 ، تكررالأمر نفسه ، حيث، اقترح عضو آخر في الأكاديمية السويدية ، وهو الشاعر السويدي هاري مارتينسون ، ترشيح باسترناك للجائزة . وكان هذا الشاعر قد التقى باسترناك عام 1934 في موسكو في المؤتمر التأسيسي لاتحاد الكتّاب السوفييت.
وذكر لويس مارتينيز مترجم دكتور زيفاغو الى الفرنسية ، انه عندما كان يعيش مع البير كامو في قرية صغيرة ، يقوم باطلاعه على فصول الرواية المترجمة اولا باول . وفي 8 فبراير عندما اكتملت ترجمة الرواية ناقش مع كامو امكانية ترشيح باسترناك لجائزة نوبل . وقام بريس لويس من دار نشر غاليمار بتشجيع كامو على ترشيح باسترناك للجائزة ، وان ذلك سيكون افضل حماية يقدمها الغرب الى الشاعر المضطهد .
وقد وصف البير كامو – في الخطاب الذي القاه في حفل استلام جائزة نوبل في الادب لعام 1957 – باسترناك بالشاعر العظيم ، وانه مثال الشجاعة والشرف ، وان الفن في بعض البلدان مسألة خطرة وعمل بطولي .
في عام 1958 ، تم ترشيح باسترناك للجائزة من قبل خمسة أساتذة أكاديميين في آن واحد: إرنست سيمونز (جامعة كولومبيا) ، هاري ليفين ، ريناتو بوجيولي ، رومان جاكوبسون (جامعة هارفارد) وديمتري أوبولينسكي (جامعة أكسفورد) . واخيرا وقع اختيار لجنة نوبل على بوريس باسترناك ، وكان ضمن المرشحين الأقوياء في هذا العام ( ازرا باوتد ، البرتو مورافيا ) اضافة الى مرشح الدولة السوفيتية ميخائيل شولوحوف .
في 23 أكتوبر 1958، أعلن أندريس أوستيرلينغ ، السكرتير الدائم للأكاديمية السويدية ، منح جائزة نوبل في الأدب لذلك العام الى بوريس باسترناك  " لإنجازاته الكبيرة في الشعر الغنائي الحديث ، ومواصلته لتقاليد الرواية الملحمية الروسية العظيمة " .
وفي اليوم نفسه بعث باسترناك برفية جوابية الى  أندريس أوستيرلينغ يقول فيها : " ممتن للغاية ، متأثر ، فخور ، مندهش ، مرتبك " .
توجه عدد كبير من مراسلي الصحف ووكالات الأنباء العالمية الى بلدة الكتّاب " بريديلكينا " لمقابلة باسترناك . وجاء الكاتب كورني جوكوفسكي جار باسترناك وصديقه وقدّم له التهاني الحارة لهذه المناسبة . وشرب الجميع نخب الكاتب ، متمنين له المزيد من النجاح . ولكن لم يمض سوى اقل من نصف ساعة حتى ساد الوجوم وجه الكاتب الفائز بأرفع جائزة أدبية . فقد جاء أحد جيرانه ، وكان من الكتّاب السوفيت المشهورين في ذلك الحين ( والمنسي تماما حالياً ) وهو كونستانتين فيدين ، وقال لباسترناك بلهجة صارمة - دون ان يهنئه بفوزه بالجائزة – وكأنه قد ضبطه بالجرم المشهود :" من اجل تجنب العواقب الوخيمة ، يجب عليك رفض الجائزة طوعاً، وان ( بوليكاربوف ) مسؤول القسم الثقافي في اللجنة المركزية للحزب موجود الآن في منزلي ينتظر جوابك" . ولكن باسترناك رفض الحديث مع فيدين ، ولم يذهب معه لمقابلة بوليكاربوف .
 
تظاهرة إجبارية !
 
وفي مساء اليوم نفسه أسرع بعض الطلاب الدارسين في معهد الأدب العالمي في موسكو – من عشاق شعر باسترناك – الى إبلاغه بأن إدارة المعهد تعد تظاهرة معادية له تخرج غدا وترفع شعارات تطالب بطرده من الاتحاد السوفيتي ، ورسوم كاريكاتيرية تسخر منه . وقد ابلغتهم ادارة المعهد ، إن من يتخلف عن الحضور سيجري فصله من المعهد على الفور. ،وعلى جميع الطلبة التوقيع على رسالة موجهة الى الصحيفة الأدبية " ليتراتورنايا غازيتا" - وهي أهم صحيفة أدبية مركزية في البلاد - تتضمن إستنكار الطلاب للعمل ( المشين ) الذي قام به باسترناك . معظم الطلبة اختبأوا في دورات المياه ، ولم يذهب الى التظاهرة الا حوالي مائة طالب اي اقل من ربع العدد الاجمالي لطلبة المعهد .وكان الشعار الرئيسي للتظاهرة : " نطالب بطرد يهوذا باسترناك من البلاد ".
وفي يوم السبت ، 25 أكتوبر صدرت " الصحيفة الأدبية " ، وتصدرها مقال افتتاحي طويل ، ورسالة من اعضاء هيئة التحرير وعشرات الرسائل الغاضبة ، التي زعمت الصحيفة أنها تلقتها من أنحاء الإتحاد السوفيتي . وهي كلها تندد بباسترناك ،وتصفه بأشنع النعوت ( خائن الوطن ، عميل الغرب ، عدو الشعب الروسي ، انسان تافه ، كاتب شرير ) وما الى ذلك من أوصاف وشتائم تزخر بها اللغة الروسية أكثر من أي لغة أخرى في العالم .
وفي اليوم التالي اعادت كل الصحف السوفيتية نشر ما جاء في " الصحيفة الادبية " من مواد معادية لباسترناك . ومن حسن الحظ ان باسترناك لم يكن يقرأ الصحف في تلك الأيام ، ولم يطلع على ما نشرته من مقالات تحريضية بحقه .
 
محاكمة ادبية
 
في السابع والعشرين من اكتوبر 1958 تقررعقد اجتماع موسع للكتّاب السوفيت في مبنى نادي السينما حضره أبرز الكتاب السوفيت المعروفين ، وذلك للنظر في قضية باسترناك . كان كل شيء معدا على نحو دقيق : من يتحدث في الاجتماع ؟ وماذا يقول في اطار ادانة باسترناك. وقد وجهت الدعوة الى باسترناك نفسه لحضور الاجتماع ، ولكنه علم ان الغرض من عقده هو اصدارقرار بفصله من اتحاد الكتاب . وهذا يعني حرمانه من السكن في منزله  الذي تعود ملكيته الى الاتحاد ، ومنعه من النشر ، وحظر كتبه ، أي قطع مورد رزقه ، حيث كان يعيش هو وعائلته على ما يستلمه من مكافآت لقاء أعماله .
في الصباح الباكر لذلك اليوم غادر باسترناك منزله الريفي ، وتوجه الى موسكو للتشاور مع ملهمته ( اولغا ايفينسكايا ) وصديق مقرب منهما هو الأديب والعالم الفيلولوجي فيجيسلاف ايفانوف ، حول اجتماع اتحاد الكتاب ، وهل ينبغي لباسترناك حضور هذا ( الاجتماع – المحاكمة ) وتعريض نفسه الى سيل من الاتهامات والاهانات والتهديدات ، أم الامتناع عن الحضور ؟ وكان ايفانوف اول من قال انه لا يجوز حضور باسترناك هذه المحاكمة الأدبية بأي حال من الأحوال . وكان هذا رأي ايفينسكايا أيضاً .وافق باسترناك على هذا الرأي وتوجه الى غرفة اخرى في الشقة ليكتب رسالة الى سكرتير اتحاد الكتّاب السوفيت كونستانتين فورونكوف . وبعد فترة وجيزة خرج باسترناك من الغرفة وبيده رسالة موجهة الى اتحاد الكتاب السوفيت ، وطلب من ايفانوف الاتصال هاتفيا بفورونكوف لأبلاغه بأن باسترناك مريض ولن يحضر الاجتماع , وانه قد كتب رسالة الى الاتحاد سيتم ايصالها اليه في الحال .وجاء في الرسالة : " تلقيت دعوتكم وكنت عازما على الحضور، ولكنني عرفت أنه ستكون هناك تظاهرة شنيعة لذا ارفض الحضور، و لن يجبرني اي شيء على رفض شرف ان اكون الفائز بجائزة نوبل ، لكنني مستعد ان اتبرع بمبلغ الجائزة الى مجلس السلم العالمي . انني لا اتوقع منكم عدلاً. يمكنكم اعدامي ، او ابعادي الى الخارج ، او اتخاذ  اي اجراء آخر بحقي . ولكن من فضلكم لا تتسرعوا . لأن ذلك لن يضيف اليكم لا سعادةً ، ولا مجداً ". وقام ايفانوف بايصال الرسالة الى الاتحاد قبل بدأ الاجتماع .
تحدّث في الاجتماع عدد كبير من الأسماء المشهورة في عالم الفن والأدب ، واتهموا باسترناك بأسوأ الخطايا البشرية ، وبين من اتهموا باسترناك أصدقاءه بالامس ، والذي حز في نفس الشاعر كثيرا. وقد برر هؤلاء ، في ما بعد ، موقفهم المتخاذل هذا بأن الامتناع عن انتقاد باسترناك ، كان يعني فصلهم من عضوية اتحاد الكتّاب السوفيت ،او حتى اعتقالهم بتهمة التضامن مع كاتب مغضوب عليه من قبل السلطة ، لذا لم يجرؤ أي كاتب على التصويت ضد قرار الفصل . الكاتب الوحيد الذي رفض حضور الاجتماع هو ايليا ايرنبورغ . ففي تلك الايام ، وكلما اتصل به احد ، اسرع ايرنبورغ بنفسه للرد فائلا : " ايليا غريغوريفيتش "خارج البيت ولن يعود قريبا " ثم يغلق الهاتف .كان هذا موقفا جريئا للغاية في ذلك الوقت.
 
أنا لم قرأها ، ولكنني ادينها
 
في اليوم التالي 28 اكتوبر 1958 ظهرت " الجريدة الادبية " وعلى صدر صفحتها الاولى مانشيت ضخم : " تصرف عضو اتحاد الكتاب السوفيت بوريس باسترناك لا يتفق مع لقب الكاتب السوفيتي " وتحت المانشيت بحروف اصغر نص قرار فصل باسترناك من عضوية الاتحاد .
ثمّ عقدت اجتماعات لفروع اتحاد الكتاب في جميع انحاء البلاد ، حيث ادان الكتاب باسترناك بسبب سلوكه ( الغادر ) الذي وضعه خارج الأدب السوفيتي وخارج المجتمع السوفيتي ، رغم أن اياً منهم لم يقرأ رواية " دكتور زيفاغو"
وجرت اجتماعات الاتهام والادانة في اماكن العمل : في المصانع والمزارع ، والأدارات الحكومية ، والمنظمات الجماهيرية  ، والمعاهد والجامعات ، تم خلالها رفع رسالة باسم الحاضرين موجهة الى الجهات العليا تطالب بمعاقية الشاعر. وكان المثقفون يسخرون من هذه الحملة بترديد عبارة تقول :" أنا ألم قرأها ، ولكنني ادينها . "
  و ازاء هذه الحملة الشرسة والتهديد بطرده الى خارج البلاد واسقاط الجنسية السوفيتية عنه اضطر باسترناك – وهو الذي كان يعتبر نفيه الى الخارج أسوأ من الموت -  إلى رفض الجائزة ، وابرق الى الاكاديمية السويدية قائلاً : « أراني مضطراً إلى رفض الجائزة التي منحت لي بسبب المعنى الذي فهم من هذا المنح في المجتمع الذي أعيش فيه، أرجو ألا تحملوا رفضي على ملمح سيئ . "
 
ايفينسكايا تمنع باسترناك من الإنتحار
 
ثمّ اسرع باسترناك الى مقابلة اولغا ايفينسكايا ، وهو يحمل في جيبه قارورة تحوي كمية من مادة ( سيانيد البوتاسيوم ) تكفي لقتل شخصين ، واقترح عليها الانتحار معا ، وان هذا سيكون ابلغ رد على القرار المجحف لاتحاد الكتّاب ، ولكن اولغا – وهي لارا بطلة رواية دكتور زيفاغو- عارضت ذلك بشدة ، قائلة ان ذلك يعد هروبا لا يليق به . واستطاعت اقناعه بوجهة نظرها . ونجد اليوم العديد من الباحثين المتخصصين في ابداع باسترناك يثنون عليها ، لأنها انقذت شاعرا عظيما من موت محقق . حدث كل هذا في اوج ما يسمى بفترة ذوبان الجليد ومحاربة عبادة الفرد ، الا ان اساليب الأمن السري في تجنيد المخبرين للتجسس على المواطنين السوفيت وخاصة المثقفين منهم لم تتغير . كان قسطنطين فيدين – كما اسلفنا - كاتبا شهيرا وجارا لباسترناك في ( بريديلكينا ) ، ولكن هذا لم يمنعه من رفع تقرير سري الى جهاز الأمن السري حول نية باسترناك الانتحار ، مما سيؤدي الى اثارة ضجة في الغرب والحاق ضرر كبير بسمعة الاتحاد السوفيتي في الخارج  .
 ورغم فصل باسترناك من اتحاد الكتّاب السوفيت ، الا انه ظل عضوا في صندوق التكافل التابع للاتحاد . وعلى الفور ارسل جهاز الأمن السري طبيبة متخصصة بمعالجة حالات التسمم مع كمية من الأدوية الى منزل باسترناك ، وزعمت الطبيبة انها جاءت بناء على تكليف صندوق التكافل للاعتناء بصحة باسترناك . وقد صدّق الشاعر كلام الطبيبة ، لأنه سبق له ابلاغ قيادة الاتحاد بأنه مريض .
شغلت الطبيبة غرفة صغيرة في المنزل ، ونشأت شكوك قوية لدى افراد عائلة باسترناك حول المهمة الحقيقية للطبيبة ، وهي منع الشاعر من الانتحار واسعافه عند الحاجة ، وكذلك مراقبة ما يدور من احاديث داخل المنزل ، وربما كانت تحمل معها جهاز تسجيل .
وكان عدد من رجال الامن السري بملابس مدنية يحيطون بالمنزل ويراقبون كل صغيرة وكبيرة وخاصة من يتردد على الشاعر من الأدباء والاصدقاء .
 
باسترناك ضحية الصراع الحزبي
 
تشير الوثائق المنشورة في روسيا مؤخرا الى ان باسترناك كان في خضم هذه الاحداث ضحية الصراع الداخلي في قيادة الحزب الشيوعي السوفيتي . فقد كان الحرس القديم في الحزب يحاول حرف خروتشوف بعيداً عن النهج الليبرالي . وبايعاز من منظر الحزب ميخائيل سوسلوف - عضو المكتب السياسي - أعد القسم الايديولوجي تقريرا من 35 صفحة تتضمن اقتباسات معادية للثورة من رواية " دكتور زيفاغو "  تم اختيارها بمهارة ، وقد تم تقديم هذا التقرير الى اعضاء المكتب السياسي للحزب .كما نجحوا في تنظيم حملة اعلامية صاخبة تحت مسمى " السخط الشعبي " على الرواية ومؤلفها ، مع ان احدا سواء داخل الحزب او خارجه لم يقرأ الرواية . وعلى هذا النحو تم جعل باسترناك وروايته لعبة سياسية داخل البلاد وخارجها . كان الغرب اكثر ذكاءً من النظام السوفيتي ، لانه بدا اكثر انسانية كمدافع عن الشاعر المضطهد . اما النظام الذي حظر الرواية فقد كان اشبه بمحاكم التفتيش في القرون الوسطى . ولكن البيروقراطية الحزبية لم تهتم بما تبدو عليه البلاد  في نظر الراي العام العالمي ، فقد كانت بأمس الحاجة الى البقاء في السلطة .وكان هذا ممكنا مع الاختلاق المستمر لاعداء السلطة السوفيتية .
 
حملة عالمية دفاعا عن باسترناك
 
بينما كان باسترناك هدفا لحملة شرسة وواسعه تستهدف النيل منه وتشويه سمعته تمهيدا لأسقاط الجنسية السوفيتية عنه ونفيه الى خارج البلاد ، كان ابرز الأدباء في العالم يشيدون به وبمنجزه الابداعي وشجاعته ، بينهم عدد كبير من الحاصلين على جائزة نوبل في الأدب ( برتراند راسل ، فرانسوا مورياك ، البير كامو ، اندريه موروا ، جون شتاينبك ، بيرل باك ، بابلو نيرودا ، توماس اليوت ) ومئات الكتّاب والشعراء والفلاسفة المعروفين الآخرين ، منهم (سومرست موم ، غراهام جرين ، ألدوس هكسلي ، جارلز سنو ، هوارد فاست)
وقد انضم لحملة الدفاع عن باسترناك رئيس الوزراء الهندي ، جواهر لال نهرو ، حيث اتصل هاتفيا بالزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف طالبا منه ايقاف الحملة على باسترناك وعدم اسقاط الجنسية السوفيتية عنه ، كما كلّف السفير الهندي في موسكو بالاتصال بالسلطات السوفيتية وابلاغها ، ان الحملة على باسترناك تسيء الى سمعة الاتحاد السوفيتي . وكان لموقف الزعيم الهندي – الذي كان يحظى بإحترام كبير لدى خروتشوف - الأثر الحاسم في تخلي النظام السوفيتي عن فكرة طرد باسترناك الى خارج البلاد .
 
عودة "دكتور زيفاغو " الى القاريء الروسي
 
بعد ثلاثين عاما من الحظر ، نشرت رواية " دكتور زيفاغو" عام 1988 في أهم مجلة أدبية روسية وهي مجلة " نوفي مير – العالم الجديد " ، مما سمح للجنة نوبل بأن تعتبر رفض باسترناك للجائزة قسريا وباطلاً . وفي صيف ذلك العام ارسلت اكاديمية العلوم السويدية دبلوم جائزة بوريس باسترناك الى موسكو عن طريق الشاعر اندريه فوزنيسينسكي - الذي كان مدعوا الى السويد لالقاء قصائده امام عشاق الأدب - كما تم تسليم الميدالية الى الابن الأكبر لباسترناك ، يفغيني باسترناك ، في احتفال مهيب جرى في ستوكهولم عام 1889
واليوم يحتل باسترناك مكانة رفيعة في الأدب الروسي ، حيث تصدر طبعات جديدة من مؤلفاته الكاملة ، وتقام له تماثيل ، وتنشأ متاحف في الأماكن التي عاش فيها ، وتنشر عشرات الكتب عن سيرته الحياتية والأبداعية ، وعن ذكريات المقربين منه ، وثمة عشرات الباحثين المتخصصين في ادب باسترناك في الجامعات الروسية . لقدعاد الشاعر العظيم الى القاريء الروسي مكللا بالمجد الأدبي والأخلاقي ، ومثالا للصمود امام عواصف الزمن الرديء .
 
.
 


8
الغموض في الأدب الحديث بين الافتعال والأصالة

د. جودت هوشيار             
 
ينشأ الغموض في الأدب، عندما يخفق الكاتب في صياغة عمله الادبي على نحو يسمح للجمهور المتلقي باستيعابه وتذوقه. وبذلك يفقد العمل الأدبي معناه، ومبررات وجوده، ويصبح عاجزا عن التأثير في القارئ، أو النهوض بأي وظيفة من وظائف الفن . وربما ليست ثمة صدمة أكبر بالنسبة الى الكاتب، من هذه النتيجة البائسة لجهوده، خاصة إذا كان يعي جيدا دور الأدب في حياة الناس وعوالمهم الروحية .
قد يكون الغموض في العمل الأدبي ناجماً عن الكسل والإهمال عندما لا يجهد الكاتب نفسه بالتفكير من اجل التعبير عن أفكاره بجلاء، أو أن أفكاره مشوشة وغير واضحة، ولا يستطيع التعبير عنها بدقة، فتأتي كتاباته غامضة، أو أن أداة الكاتب ضعيفة الى الحد الذي لا يفي بمتطلبات التعبير عن افكاره ومشاعره من دون لبس او ابهام .
ثمة كتاب رائع للكاتب الانجليزي " سومرست موم " تحت عنوان " حصيلة حياتي " ويقول موم في هذا الكتاب: " لم أكن أطيق كتّاباً يطلبون من القارئ أن يدرك بنفسه ما يرمون هم إليه. هناك نوعان من الغموض تجدهما عند الكتّاب، أحدهما يعود إلى الإهمال، والآخر مقصود، فهناك من يكتنف الغموض كتاباته، لأنه لم يتعلم كيف يكتب بوضوح، وسبب آخر للغموض هو أن الكاتب غير متوثق من معانيه، فشعوره بما يريد الكتابة عنه ضعيف، ولا يستطيع أن يكوّن في ذهنه تعبيراً دقيقاً عنه، إما لضعف تفكيره أو لكسله، وهذا يرجع إلى أن الكاتب لا يفكر قبل الكتابة وفي هذا خطر ".
ولا شك أن أسوأ أنواع الغموض هو الغموض المصطنع الذي يلجأ اليه من يحاول عن طريقه تغطية فشله الفني الناجم عن عدم تكامل أدواته التعبيرية، وافتقاره الى ملكة الخيال، والأهم من ذلك كله، ان مثل هذا الكاتب يفتعل تجربة عقيمة وهزيلة، ويتعمد التعمية عن طريق استخدام الصياغات اللغوية الملتوية، وغير المفهومة، والاستغراق في التهويمات والشكليات اللغوية الفضفاضة، دون ان يكون لديه اية تجربة حقيقية، نمت وتطورت نتيجة التفاعل الحي بين ذات الكاتب وواقعه الاجتماعي .
وقد بلجأ الفنان الى افتعال الغموض في بداية حياته الفنية من اجل مجاراة الاتجاهات الحداثية والشكلية الرائجة . ويحدث هذا للفنان في العادة قبل ان يكتسب صوته الخاص ورؤيته الفنية والفكرية المتميزة .
غير ان الكاتب الموهوب حقاً والصادق مع نفسه وجمهوره سرعان ما يتجاوز هذه المرحلة إذا كان لديه ما يقوله للناس. غير أن هذا الانتقال لا يحدث على نحو عفوي، بل عبر عمل دؤوب ومتواصل ليحقق ما يصبو اليه من الوضوح والشفافية .
يقول الشاعر الروسي الكبير الكسندر تفاردوفسكي (1910-1971) في سيرته الذاتية : " في عام 1934 قدمت مجموعة من قصائدي الى أحد مدرسي الأدب طالبا منه ابداء رأيه فيها . قال المدرس :
" لا يجوز كتابة الشعر الآن على هذا النحو. قصائدك في غاية الوضوح ومفهومة تماما . ينبغي ان نكتب الشعر بشكل لا يستطيع أحد أن يفهمه، مهما حاول ذلك وبذل من جهد. هذا هو احد متطلبات الشعر المعاصر. ثم أراني عدة مجلات أدبية كانت تحوي نماذج للقصائد التي كانت تنشر في ذلك الحين. ولقد حاولت بعدئذ أن تكون قصائدي عصية على الفهم، ففشلت في تحقيق ذلك لمدة طويلة. واحسست حينئذ – وربما لأول مرة في حياتي – بالشك المرير في قابليتي الشعرية، واذكر انني كتبت بعد محاولات طويلة قصيدة غامضة، لا استطيع ان اتذكر الآن موضوعها او أي سطر من سطورها . "
واذا كان تفاردوفسكي قد استطاع بفضل موهبته وذائقته الجمالية الرفيعة ان يتخلص من شرك الغموض المفتعل، فكم يا ترى من دعاة الغموض عندنا لهم الجرأة الكافية ليصرحوا بأن لعبة الغموض التي مارسوها خلال السنوات التي وقع فيها الفن والادب في بلادنا فريسة للاتجاهات الشكلية، لم تكن سوى عملية تجريب ساذجة ومفتعلة، ولهذا لم تصمد امام التيار الواقعي الذي اخذ يشق طريقه وسط ركام هائل من النتاجات الشكلية، التي كانت تقليدا للصرعات الأدبية التي تظهر وتختفي في المشهد الثقافي الغربي .
ان المتلقي الذي يتمتع بإحساس جمالي، وذائقة فنية لم يتعرضا الى التشويه، لا بد أن يرفض هذا النوع من الغموض، لأنه يحول عملية الخلق الفني الى لعبة فارغة، ولأنه ضد طبيعة وقوانين الأدب، والأهم من ذلك أنه يلغي وظيفة الأدب الأساسية .
فالأدب، ليس ترفاً فكريا لنخبة من المتحذلقين، ولا لعبة شكلية كما يزعم البعض. لأن للأدب وظائف بالغة الأهمية في حياة الناس، والمجتمعات المعاصرة، لا يمكن أن ينهض بها أي شكل آخر من أشكال المعرفة الإنسانية.
الأدب سجل عظيم للحياة البشرية، وهو عالم البحث والمعرفة من خلال الكلمات والصور الفنية ويعتمد على الإيماء والرمز، وعلى التلويح دون التصريح .
الأدب في الوقت الذي يلبي حاجة الانسان الى اللذة الجمالية فانه يتيح له المجال ليزداد معرفة بنفسه وعالمه الروحي وعوالم الآخرين. وهو ليس شكلاً من أشكال المعرفة الإنسانية فحسب وباعثا على المتعة الفنية فقط، ولكنه في الوقت ذاته وسيلة لتجديد الحياة وتغييرها، أي أن له وظائف جمالية واجتماعية.
الغموض بين المبدع والمتلقي
في ضوء هذا التصور يفضل دائماَ،ان يكون الأثر الأدبي واضحا بقدر الامكان . ولكن هل الغموض يكمن دائما في الأثر الأدبي ذاته ؟ الا يمكن ان يكون ثمة غموض موهوم لا يتسم به الاثر الأدبي، ولكنه ينشأ لظروف وعوامل موضوعية او نتيجة لتفسيرات خاطئة للأعمال الأدبية ؟
كيف؟
اذا تحدثنا بلغة علم السيبرنيتيك، واستخدمنا بعض مفاهيمها لتوضيح فكرتنا، فإن بوسعنا ان نقول ان العلاقة بين الفنان والواقع تتكون من عدة حلقات متصلة وهي :
الواقع الاجتماعي – الكاتب – الأثر الأدبي – الجمهور المتلقي .
وينشأ الغموض، أو اللا تواصل على وجه الدقة، اذا انفرط عقد هذه الحلقة أو تلك لأي سبب كان، وفي أي مرحلة من مراحل الخلق الفني وتقديمه للمتلقي . وهذا يعني أن اللا تواصل قد يحدث بفعل عوامل ذاتية، أشرنا الى بعضها فيما تقدم أو بفعل عوامل موضوعية وثيقة الصلة بطبيعة ومضمون الأثر الأدبي، وبالشكل الجديد الذي يصوغ به الكاتب أو الشاعر تجربته. فالمحتوى الجديد يتطلب صياغة جديدة وشكلا جديدا، مما يستدعي بذل جهد اضافي من قبل المتلقي لاستيعابه وتذوقه.
ويمكن القول اذن ان هذا النوع من الغموض النسبي له علاقة بالمستوى الثقافي والجمالي السائد، وهو لا يكمن في الاثر الادبي، بل في ذهن المتلقي.
ان الفنان وهو يحاول إدراك الحقيقة الموضوعية، والكشف عن الملامح الأساسية في الواقع، والتعبير عنها، لا بد أن يقوده احساسه الفني – ان كان كاتبا اصيلا وصادقا الى اكتشاف العلاقات الصحيحة بين الاشياء. وهو يسبق فهم المتلقي بمسافات زمنية بفضل تمتعه بشيء من نبوءة الرائد واستشرافاته المستقبلية.
الغموض في الأدب الجديد
ان تأريخ الثقافة العالمية حافلة بأمثلة توضح بجلاء، كيف أن الأدب الجديد حقاً في مضمونه وشكله والمعبر أصدق تعبيرعن هموم زمانه، قد عانى هو الآخر من هذه المشكلة المحورية من مشاكل الأدب، مشكلة العلاقة بين المبدع والمتلقي . وسنكتفي هنا بمثال واحد فقط:
كان الشاعر فلاديمير ماياكوفسكي في العشرين من عمره، عندما القى قصيدته الطويلة الشهيرة " غيمة في بنطلون " لأول مرة في خريف عام 1913 في مقهى " الكلب الضّال " في بتروغراد، اثارت القصيدة هيجانا لم يسبق له مثيل . كانت اصوات الشجب والاستنكار تتعالى في ارجاء المقهى، فطلب الكاتب الروائي ميخائيل فولكوفسكي - وكان شيخاً مهيباً بلحيته البيضاء الكثة - الكلام للتعقيب وقال : " انا عندكم هنا لأول مرة، ولم التق بكم سابقا . لقد القى الشاعر الشاب قصيدة غير تقليدية. ولولا بعض الكلمات الخادشة في نهايتها لكانت قصيدة رائعة. هذا شعر جديد وأصيل، وغير مألوف، لذا فأنه أثار غضبكم. ولكن مهلا، أنه شاعر موهوب وستتعودون على مثل هذا الشعر، وكل جديد يثير لغطا في البداية لينتهي الى الاعتراف بموهبة شعرية أصيلة."
حقاً ان الغموض لم يكن كامناً في قصيدة ماياكوفسكي، بل في اذهان فئة من المثقفين الذين افسدت الثقافة الرجعية اذواقهم الجمالية والمتمسكين بالقيم البالية. ولم يكن الأدب والفن لدى هؤلاء السادة ضرورة عميقة وملحة، بل وسيلة لهو وتسلية، ومصدراً للكسب المادي والشهرة.
ونحن نجد اليوم ان قصائد ماياكوفسكي مفهومة لدى عشرات الملايين من القراء في جميع انحاء العالم.
يخلط كثير من الباحثين ونقاد الأدب في بلادنا بين الغموض المتعمد أو التعمية والابهام من جهة وبين الإيحاء والتلميح من جهة ثانية.
ثمة اعمال ابداعية تتسم بقدر من التعقيد -مثل بعض أعمال جيمس جويس، وشعر بوريس باسترناك، وهي ليست مثيرة لاهتمام القارئ الباحث عن القراءة المسلية . بل تجذب اهتمام القارئ المثقف، الذي يمتلك ذائقة جمالية رفيعة، ويقرأ ما بين السطور.
نظرية الجبل الجليدي
احتل ارنست همنغواي مكانته الرفيعة في الأدب الحديث بفضل اسلوبه الواضح والبسيط ظاهريا، الذي سمّاه بالجبل الجليدي، فهو يقول الكثير باستعمال القليل الموجز من الكلمات ويكتفي بالتلميحات والتفاصيل الدّالة. نصوص تتألق معانيها العميقة ضمنياً. ويلعب القارئ هنا الدور الاساسي في فهم النص وتفسيره. ويفهمه كل مثقف حسب وعيه وثقافته وادراكه لمضامينه واحساسه بجمالياته. أي أن ثمة مستويات عديدة للفهم والاستيعاب.
وكان همنغواي يقول:" القصة الجيدة، هي تلك التي يحذف منها اقصى ما يمكن حذفه. واذا كان الكاتب يكتب بنصاعة، فإن بوسع القارئ فهم ما هو مخفي بسهولة.
ولقد جسّد همنغواي نظرية "الجبل الجليدي" على نحو رائع في قصته القصيرة "تلال كالفيلة البيضاء". القصة على شكل حوار بين رجل أمريكي وفتاة تُدعى جيغ، ويحاول فيه الرجل اقناع الفتاة بإجراء عملية ما دون ان يفصح عن نوع العملية، ربما كانت اجهاضاً.
لا توجد في القصة أية اشارة الى ان الفتاة حامل، ولكن القارئ يفهم أن الأمريكي لا يريد ان تنجب الفتاة طفلا، ويؤدي ذلك الى تهاوي علاقتهما، ويشعران ان افتراقهما أصبح امراً حتمياً.
استطاع همنغواي في بضع صفحات وباستخدام الحوار فقط، ان يصف التأريخ الكامل للعلاقة بين الرجل الأمريكي والفتاة. ولكن القارئ يقرأ ما هو مضمر في هذه القصة الرائعة بكل سهولة.
وصفوة القول إن الغموض من ملامح القصور الفني أو العجز الابداعي، إذا لم يؤدِّ غرضًا فنيًّا صرفًا، في حين ان الغموض الذي يستدعيه الفن هو ميزة ايجابية.
 


9

تأريخ السيرة الذاتية واشكالية الحديث عن الذات
د. جودت هوشيار
 
أشار العديد من الباحثين الذين تناولوا موضوع " السيرة الذاتية " الى أن جان جاك روسو هو أول من كتب سيرته الذاتية تحت عنوان " اعترافات " وهذا وهم ناجم عن عدم الإطلاع على تطور هذا الفن عبر تأريخ الفكر اليوناني والروماني والنهضة الفكرية في أوروبا .
يمكن اعتبار يوميات الأمبراطور الروماني السادس عشر ماركوس اوريليوس التي كتبها في السبعينات من القرن الثاني الميلادي تحت عنوان " الى نفسي" أو " بيني وبين نفسي " أول محاولة لكتابة السيرة الذاتية وهي تأملات تركز في المقام الأول على عالمه الروحي .
ولعل واحدة من اشهر السير الذاتية في العصور القديمة المتأخرة ( حوالي عام 400 ميلادي) هي التي كتبها الفيلسوف والكاتب والمفكر الأسقف أوريليوس أوغسطين ( 354-430) تحت عنوان " اعتراف ". وتحدث فيه بالتفصيل عن طفولته وشبابه وعائلته ومدرسته وهواياته . وهي من أوائل كتب السيرة الذاتية .
مَثَلُ اوغسطين في البحث عن الذات ، عبر سعيه الروحي لم يقدر له الانتشار في العصور الوسطى بسبب التزمت الديني ، فحراس الفضيلة كانوا بالمرصاد لكل من يجرؤ على البوح
بدخيلة نفسه على رؤوس الأشهاد ، فحتى الأعترافات الدينية كانت سرية ويحظر تدوينها .
وبعد ستة قرون من نشر السيرة الذاتية لأوغسطين . كتب الفيلسوف والعالم اللاهوتي الفرنسي بيتر ابيلار ( 1079-1142) ، مؤسس جامعة باريس ، والشعلة التي الهبت عقل اوروبا اللاتينية في القرن الثاني عشر ، كتب سيرته الذاتية تحت عنوان " تأريخ بؤسي" . واذا كان اوغسطين تحدث عن حياته الروحية واهتدائه الى الأيمان ، فأن ابيلار تحدث صراحة وبالتفصيل عن حياته الخاصة ، وحبه لتلميذته ايلواز ، وعن المحن التي حلت بالعاشقين التعيسين . قصة " حب ابيلار وايلواز" أصبحت واحدة من أهم قصص الحب الحزينة في الثقافة العالمية . وخلافا لـقصة "حب تريستان وايزولد " الأسطورية ، وقصة " روميو وجولييت "، فان ابيلارد وايلواز كانا شخصين حقيقيين . وظلت قصتهما في ذاكرة الأجيال المتعاقبة بفضل السيرة الذاتية لأبيلار .
الإتجاهات الفلسفية لعصر النهضة الأوروبية وضعت الإنسان في قلب العالم ، ورفضت فكرة الخطيئة وعدم أهمية الفرد ، واخذت في تمجيد الأنسان وعقله وجماله وقوته وابداعه العلمي والفني ، وليس من قبيل المصادفة ان " فن البورتريه " قد ظهر في هذا العصر تحديدا ، كما شهد الشعر الغنائي تطوراً لم يسبق له مثيل ، حيث سعى الناس حثيثاً في هذا العصر الى التعبير العميق عن دواخلهم الدفينة علانية ، بكل ما فيها من طيبة أو خبث ، وكأنهم يتطهرون من عبئها .
ومن الملفت للنظر ان الشاعر الإيطالي فرانشيسكو بترارك ( 1304- 1374 ) الذي يعد احد الآباء البارزين للنهضة الأوروبية ، ساهم أيضا في تطوير فن السيرة الذاتية . كتب بترارك سيرته الذاتية في كتابين هما " سري الخاص " ، " مشاهير الرجال " يتضمن الكتاب الأول ما سماه بترارك " رسائل الى الأحفاد " تحدث فيه عن الأحداث المؤثرة في حياته . اما الكتاب الثاني فهو على شكل حوار بين الشاعر والقديس أغسطينوس ( 354-430) . السيرة الذاتية لبترارك تتناول حياته الروحية ، ووصف تطوره الأخلاقي ، وصراعه الداخلي مع نفسه .
وابتداءا من هذا العصر ، عصر النهضة اصبحت الشخصية الإنسانية وعالمها الداخلي ذات أهمية كبيرة .
تعد السيرة الذاتية التي كتبها الصائغ والنحات الإيطالي الشهير بنفينوتو تشيليني من أبدع اعمال السيرة الذاتية ، والتي تروي الكثير عن عصر النهضة الادبية والفنية في إيطاليا - أو عصر الانبعاث . كتب تشيليني رائعته في شيخوخته والتي تتضمن الوصف الدقيق لحياته العاصفة كلها تقريبا . وبلغة ناصعة ، واسلوب شائق ومشرق : عن مغامراته العاطفية ، والسنوات التي قضاها في خدمة البابا والملك الفرنسي ودوق فلورنس ، وعن مآثره العسكرية وهواياته ، وعن فترة سجنه في قلعة " الملاك المقدس " ورحلاته ، وبطبيعة الحال عن عمله الإبداعي .
لم يلتزم تشيليني بحقيقة الأحداث أحيانا ، فقد لجأ الى التباهي والمبالغة . بيد أن هذا لم يقلل من قيمة الكتاب ، بل على النقيض من ذلك أسهم في رواجه وذيوعه . كتب تشيليني سيرته باللغة الإيطالية ، وليس باللغة اللاتينية ، كما فعل الفلاسفة والقساوسة الإيطاليون من قبل ، وذلك لإتاحة الفرصة للجمهور العام لقراءة سيرته بلغة سلسة واضحة . نشر الكتاب في عام 1728 ، واكتسب على الفور شعبية واسعة ، وترجم الى أهم اللغات الأوروبية . ولعل الأهمية البالغة للكتاب ، هي التي دفعت بشاعر المانيا العظيم يوهان غوته الى ترجمته الى الألمانية بنفسه .
أسهمت السيرة الذاتية لتشيليني وشخصيته المتفردة ، وعمق تصويره لمغامراته ، واسلوبه المشرق ، في تطور فن السيرة الذاتية .
أما السيرة الذاتية الفلسفية ، فان الفيلسوف الفرنسي  ميشيل دي مونتين (1533-1592) يعد الرائد الأول لهذا النوع من السير . ومونتين واحد من أكثر الكتّاب والفلاسفة المؤثرين في عصر النهضة . كتب مونتين سيرته الذاتية في سبعينات القرن السادس عشر - خلال العزلة التي فرضها على نفسه - واطلق عليها " تجارب " ، ونشرت لأول مرة في عام 1580 . وتحولت " تجارب " الى واحدة من اكثر الكتب مقروئية في ذلك العصر .
تكمن أهمية " تجارب " مونتين ، ليس في حديثه عن نفسه وعن مصيره المتشابك مع احداث عصره ، بل حقيقة أنه بخلاف من سبقوه في كتابة سيرهم الذاتية ، أكد ، وأمعن في التأكيد ، على أنه فرد عادي . وكتب يقول : " اعرض حياتي أمام الأنظار وهي حياة عادية ليس فيها أي تميز أو تألق " . وعلى هذا النحو ظهرت لأول مرة في الثقافة العالمية الفكرة التي صاغها وهي " ان كل شخص لديه كل ما هو مميز للجنس البشري بأسره ". وافترض ان سيرته كانسان عادي يمكن ان تكون ممتعة للقراء .
كل السير الذاتية التي ظهرت في القرون اللاحقة يمكن تقسيمها الى نوعين :
النوع الأول يقتدي بسيرة تشيليني الذاتية ، ويؤكد اصالة وتفرد اصحابها . والنوع الثاني يسير على هدى مونتين الى هذا الحد أو ذاك . وكان بعضهم صادقا في تواضعه و البعض الآخر تظاهر بذلك. وكانوا على ثقة بأن الحياة العادية تجذب انتباه القراء العاديين .
اعترافات " جان جاك روسو   "
كانت السيرة الذاتية للكاتب والمفكر والفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو ( 1712-  1778) مرحلة مهمة في تطور فن السيرة الذاتية ، و مصدرا للتقليد من قبل الآخرين . روسو مؤسس مدرسة ال( سنتمنتاليزم ) أو التيار العاطفي في الأدب . لعب دورا مهما في تطور الفلسفة والأدب العالمي . وكان من دعاة تقديس الطبيعة والبساطة ، وتمجيد الاحساس بدلا من العقل ، ومثالية الحياة البسيطة في احضان الطبيعة . وهذه كلها امور ولدت الأهتمام بالحياة الداخلية للأنسان . معظم اعمال روسو مكرسة لدراسة مشاعر الأنسان . وكان من الطبيعي أن تقوده النظرة المعمقة الى الطبيعة الأنسانية الى وصف حياته الخاصة .
بين عامي 1766 ، 1769 كتب روسو اعترافاته ، وقام بتعرية قلبه وكشف دخيلة نفسه في بعض المقاطع .لم تكن السير الذاتية حتى ذلك الوقت تتميز بمثل هذه الصراحة المدمرة ، وربما حتى يومنا هذا . فهو لم يحاول قط اخفاء نزواته وحماقاته واخطائه ، بل تفاخر بها .وفي الوقت ذاته فان هذه ( الاعترافات ) – قصة شعرية عن الانسان وعلاقته بالآخرين ، وبالمجتمع والطبيعة . وليس من قبيل المصادفة ان يكرس روسو العديد من الصفحات في للتغني بالطبيعة ، وسرد مغامراته العاطفية الحميمية ، التي تتناوب مع الافكار والصور المثالية . ولم يتوانى من اتخاذ اعترافاته فرصة لمهاجمة أعدائه الحقيقيين والمتخيلين .
كان صدق الاعتراف وحدة الجدال ، قويان الى درجة ان الكتاب لم ينشر خلال حياة المؤلف بل بعد وفاته ، حيث نشر في الفترة بين عامي 1782 ، 1789 ، في حين ان روسو نفسه اعتبر اعترافاته غير كافية فكتب في السنوات الاخيرة من حياته عدة حوارات منها " روسو يحاكم جان جاك " ( 1775-1776) و" نزهات حالم وحيد ( 1777- 1778) .
تكتسب " اعترافات " روسو أهمية بالغة لانها الهمت الرجال الآخرين الرغبة في كتابة سيرهم الذاتية على غرارها . ولكن روسو كتب يقول : " أنا أفعل شيئأ لم يفعله شخص قبلي ولن يقدر شخص بعدي على تقليده "
لقد حاول روسو ان يكون صادقا ، ولكنه بالغ في التذلل ، حين وصف نفسه - وهو يتحدث عن حياته في مقتبل العمر -  بالريفي الصغير البليد . وعندما نقارن اعترافاته بسلسلة رسائله الشخصية التي كتبها في تلك الفترة ، نجد أن رسائله تنم عن ذكاء ثاقب ، وعن مستوى عال من عزة النفس ، مما يخلق انطباعا بأنه كتب بعض اعترافاته في اطار استعراضي .
يوهان غوته :" الشعر والحقيقة "
لعبت السيرة الذاتية للشاعر الالماني يوهان غوته ( 1749-1832) المعنونة " الشعر والحقيقة في حياتي " التي كتبها بين عامي 1811 ، 1833 دورا لا تقل أهمية عن ( اعترافات ) روسو في تطوير فن السيرة الذاتية . تحدث غوتة في مذكراته عن سنوات شبابه وبداية رحلته الابداعية المرتبطة بالتيار الادبي المسمى " العاصفة والهجوم ". وقد أصبحت عبارة " الشعر والحقيقة " شائعة ، وهي غالبا ما تستخدم لوصف تناسب الخيال والواقع
في الأعمال الأدبية . وكان غوته صادقا ،عندما اطلق هذا الاسم على سيرته الذاتية "
، لأن حياتنا خليط من الشعر والحقيقة ، وهي أثمن ما لدينا ، واحداث حياتنا مهما كانت  بسيطة وعادية مهمة بالنسبة الينا، بل اكثر أهمية من أي شيء آخر في العالم ، وهي التي تلهمنا المشاعرالجميلة للحظات نادرة من الكمال ، وعندما لا توجد في الحياة مثل هذه اللحظات ، فاننا نعمد الى خلقها ، أي اننا شعراء بكل معنى الكلمة .
وكان غوته يعتقد ان المهمة الاساسية للشاعر او الكاتب الذي يكتب سيرته الذاتية هي وصف علاقته بزمنه ونظرته الى العالم والناس ، وكيف انعكس كل ذلك على نتاجاته ، حيث يمتزج فيها الشعر والحقيقة .
 في القرنين التاسع عشر والعشرين ظهرت سير ذاتية كثيرة ، لأبرز الكتّاب والشعراء منها  « قصة حياتي » لجورج صاند ، و "البحث عن الزمن الضائع "لمارسيل بروست ، و"صورة الفنان في شبابه " لجيمس جويس ، و" حصيلة حياتي " لسومرست موم ، وكَتَبَ وينستون تشرتشل سيرتين ذاتيتين ، إضافة الى مذكراته في ثلاثة مجلدات.
وثمة في الأدب العربي العديد من كتب السيرة الذاتية لعل أهمها :
"الأيام" لطه حسين، و" أنا " لعباس محمود للعقاد، و" حياتي" لأحمد أمين، و" تربية سلامة موسى" لسلامة موسى، و" اوراق العمر " للويس عوض ، و" ماذا علمتني الحياة " لجلال أمين" .
ليس من الضروري ان يكون كاتب السيرة الذاتية شخصية عظيمة أو مؤثرة ، أو نجماً شهيراً من نجوم المجتمع في السياسة أوالفن أوالأدب أو العلم. أو أن يكون قد التقى في مسيرة حياته بعض الناس المشهورين ، فكل شخص في هذه الدنيا متميز ، ولديه ما يستحق أن يروى .
ااشكالية الحديث عن الذات
لا شك ان كل شخص يعرف عن أحداث حياته اكثر مما يعرفه أي شخص آخر . وقد يتبادر الى الذهن ان أي واحد منا هو خير من يكتب عما يعتبره أكثر أحداث حياته أهمية ودلالة . هكذا يبدو الأمر لأول وهلة ، ولكننا حين نشرع بالكتابة ، نكتشف ان ثمة العديد من الصعوبات تعترض طريقنا ، لأننا سنعتمد على ذاكرتنا في استرجاع الماضي ، والذاكرة أداة خادعة تخزن بعض الأشياء، وتهمل أشياء أخرى جد كثيرة ، وان كانت مهمة في حياتنا ، ثم أن الذاكرة تصبح خاملة وكثيرة النسيان كلما تقدم بنا العمر ، والناس يكتبون سيرهم الذاتية – في العادة – في سنين العمر المتأخرة .
وثمة الرقابة الذاتية التي يمارسها العقل على كل ما يسيء الينا ، أو كان كريها أو غير مستحب في حياتنا . اننا نتذكر ما نرغب في استعادتها ، ونودع في طيات النسيان كل ما يؤلمنا أو نخجل من التصريح به .
 مَنْ مِن الرجال يمتلك الشجاعة للحديث الصريح عن حياته الجنسية ؟ ان ضرورات الاحتشام لا تسمح بذلك . ولا يوجد انسان عاقل وسوي قادر على التصريح بكل شيء عن دخيلة نفسه وعن اسراره الحميمية .
مَنْ بوسع أي انسان الاعتراف بارتكاب عمل دنيء . وهل ثمة من لم يرتكب عملا دنيئا في يوم ما ؟
كما اننا لا نستطيع قول الحقيقة كلها عن حياة اولئك الذين شاركونا الأعمال التي نصفها ، خاصة اذا كانوا ما يزالون على قيد الحياة . واذا فعلنا ذلك ، نخسرهم الى الأبد ، او ندخل معهم في منازعات نحن في غنى عنها .
الحديث عن النفس امر غير مستساغ ، الا بكياسة ولباقة بعيدا عن الاعتداد بالنفس. كما ان وصف المنجزات الشخصية ، وابراز الجوانب الايجابية للكاتب، قد يعدّ غرورا مستهجناً ، رغم أن ذلك ضروري لتقديم عرض متكامل لحياة صاحب السيرة الذاتية ، اذا كانت الجوانب السلبية قد ذكرت .
لا يمكن لأي انسان أن يقول كل شيء عن نفسه ، بصدق وشفافية ونزاهة ، ويعترف بالحقيقة كاملة ، مما يجعلنا نعتقد باستحالة كتابة سيرة ذاتية حقيقية .
 
 
 


10
المنبر الحر / أدب عصي على الموت
« في: 18:54 14/11/2018  »
أدب عصي على الموت
جودت هوشيار       
كان الأدب في روسيا يحظى دائما ، بشعبية كبيرة ومكانة سامية في نفوس وقلوب القراء ، خصوصاً المثقفين منهم. وكان ينظر الى الكاتب كنبي، او معلم للشعب قادر على التأثير في النظام القائم وتغيير المجتمع . وكان دور الكاتب في روسيا عظيما الى درجة انه كان من غير اللائق أن يتفاخر أحدهم بنفسه أمام الآخرين ويقول: " أنا كاتب "، وكأنه يقول " أنا عبقري " أو" أنا انسان عظيم " .
أصبح الادب الروسي منذ عصره الذهبي ، في القرن التاسع عشر، شبيهاً بالدين ، يحمل عبئًا أخلاقيًا هائلًا ، ومثل الفلسفة ، أخذ على عاتقه التفسير الفكري للعالم المحيط ، وتحول الأدب من ظاهرة فنية- جمالية الى كتاب الحياة.
شهدت السنوات العشرين التي سبقت ثورة اكتوبر 1917 - وهي الفترة الإنتقالية من العصر الذهبي بمعطياته الفكرية والفنية الكلاسيكية الى عصر جديد بتياراته الحداثية وتنوعه الشعري والنثري، التي اصطلح على تسميتها ب" العصر الفضي " - إزدهاراً أدبيا تمثل في تيارات الحداثة والإتجاهات الأدبية المتنوعة وبخاصة في الشعر ( الرمزية ، المستقبلية ، التصويرية ، التكعيبية  وغيرها) التي تعايشت وراحت تتنافس فيما بينها. واذا كان ثمة شيه إجماع بين مؤرخي الأدب الروسي حول بداية " العصر الفضي " وهي أواخر القرن التاسع عشر ، فإن الخلاف ما يزال قائماً بينهم حول نهاية هذه الفترة التي يرى البعض أنها انتهت بوفاة الشاعر الكسندر بلوك وإعدام الشاعر نيكولاي غوميلوف عام 1921 ( مؤسس مدرسة الأكميزم في الشعر الروسي ، زوج الشاعرة آنّا أخماتوفا ) ، بينما يرى البعض الآخر ان هذه الفترة انتهت بإنتحار الشاعر فلاديمير ماياكوفسكي في عام 1930 .
غالبية كتّاب " العصر الفضي " عارضوا النظام البلشفي وقرروا مغادرة البلاد الى اجل غير مسمى ولكنها أصبحت بالنسبة الى معظمهم هجرة بلا رجعة ، حيث أنشأوا في الدول الغربية مراكز ثقافية، ودور نشر روسية، وأصدروا صحفا ومجلات للقراء الروس في مدن اوروبية عديدة ولا سيما في باريس وبرلين ، وظهر في السنوات اللاحقة ما يسمى بالأدب الروسي في المهجر .
وضعت ثورة اكتوبر عام 1917 في روسيا حداً للحريات الديمقراطية ،لكنها لم تستطع أن تغيّر على الفورالحياة الثقافية ، ومنذ عشرينات القرن العشرين ، أخذت ظاهرة ثقافية  جديدة تتبلور في البلاد ، اطلق عليها مصطلح " الأدب السوفييتي " . وجرى تقييم االكتّاب من حيث موقفهم من السلطة السوفيتية ،التي كانت تريد منهم الإشادة بالثورة ، وإبراز مزايا النظام الجديد ، مقارنة بالنظام الرأسمالي ، وليس إنتقادها أو التحليق خارج السرب .
ومع حلول اوائل الثلاثينات سيطرت الدولة على المطابع والصحافة  وأغلقت دور النشر الخاصة ، والغت كل الجمعيات الأدبية - التي كانت تضم آلاف الأعضاء وتصدر مجلات طليعية - وذلك بموجب قرار اللجنة المركزية للحزب بإعادة بناء الجمعيات الأدبية والفنية .  وذلك تمهيداً للمؤتمر التأسيسي لإتحاد الكتّاب السوفيت الذي انعقد في أغسطس عام 1934 ، وقرر المؤتمر إعلان " الواقعية الإشتراكية " المذهب الأدبي والفني الوحيد المعترف به في البلاد،ومحاربة الإتجاهات ( البورجوازية والشكلية ) في الأدب والفن .
(الواقعية الإشتراكية ) مصطلح غريب ،وكأن ثمة في الأدب العالمي واقعية رأسمالية أو إقطاعية  وقد أصبح هذا المذهب ملزماً لكل الكتّاب والشعراء والنقاد والباحثين والفنانين .
لعب المؤتمر دوراً سلبيا في الحياة الثقافية ، وأسهم في تدميرالقيم الروحية والجمالية والتقاليد الأدبية للأدب الروسي . وأنتاب القلق والتوجس كتاباً مشهورين ومنهم اسحاق بابل الذي أعلن في المؤتمر مازحاً أنه ابتكر جنساَ أدبياً جديدا اطلق عليه جنس " الصمت" أي التوقف عن النشر الى أجل غير مسمى . 
أصبح عامل البناء أو المنجم أو مصنع الصلب أو فلّاح التعاونية الزراعية ، البطل الرئيسي الإيجابي في الأدب السوفيتي . وتم حظر نشر الأعمال الأدبية ، التي لا تعكس توجهات الحزب الايديولوجية والصراع الطبقي وانجازات بناء الاشتركية..ولجأ العديد من الأدباء الى تناول الموضوعات التأريخية تهرباً من الحاضر الخانق .أو حرصوا على الإحتفاظ بنتاجاتهم الجديدة بعيداً عن الأنظار في ادراج مكاتبهم انتظاراً لزمن أفضل .
وبعد تصفية المعارضة داخل الحزب الشيوعي في النصف الثاني من الثلاثينات وهيمنة ستالين المطلقة على السلطة ، تم تشديد الرقابة الأيديولوجية المتزمتة على المجلات الأدبية ( السميكة )، وعلى دور النشر والمسرح والسينما ، التي اصبحت كلها حكومية في عموم الإمبراطورية السوفيتية المترامية الأطراف. وبدأت الحملات الصحفية الظالمة ضد كل من يخرج عن الطاعة ويكتب ما لا يعجب السلطة .وشرع الحزب البلشفي بإتباع اسلوب الإشراف المباشر على الحركة الثقافية وادارة الأدب وتوجيهه.
وفي هذا الإطار جرى تهميش الكتّاب الذين لم يتحمّسوا للنظام الشمولي، وإختفى أي أثر للرأي الآخر، وتحول الأدب السوفيتي الى أداة لتخدير الوعي الجمعي وتضليل الجماهير وتعبئتها للتنافس على تنفيذ الخطط الخمسية في الأقتصاد بوتائر عالية .
كان الأدب المؤدلج يدعو الى التضحية بمباهج الحياة ، وتحمل الصعوبات والظروف المعيشية ، مهما كانت قاسية وبائسة في سبيل بناء " الجنة الشيوعية " الموعودة للأجيال القادمة . وان على الناس أن يعيشوا من أجل تحقيق هذا الهدف ( النبيل ) ، ويتحملوا في سبيله ، كل انواع الضيم والفاقة ، لا أن يعملوا من اجل توفير متطلبات االعيش او يهتموا بحياتهم الخاصة .
لم يعد بوسع أي كاتب أن ينشر عملاً ابداعيا يعبّر عن عالمه الداخلي ورؤيته الخاصة للحياة ، وعمّا يجول بخاطره ، ويشعر به في نفسه . وادرك كل مبدع حقيقي أن الكتابة الأدبية أصبحت مهنة خطرة للغاية .
مصائر أفضل الكتّاب الروس في الحقبة السوفيتية –أولئك الذين يشكلون اليوم مجد وفخر الأدب الروسي الحديث – تراجيدية ومفجعة. فقد انتهت حياة العشرات منهم في ساحات الأعدام ، وقضى الآف آخرين نحبهم في معسكرات الإعتقال والأشغال الشاقة في أقاصي سيبيريا من الجوع ، والمرض وإنعدام الرعاية الصحية ، وتكيّف المنصاعون لتوجيهات الحزب الأيديولوجية مع الوضع الجديد . ولم يتم ملاحقتهم او اعتقالهم، بل ظلوا يكتبون وينشرون في اطار المذهب المفروض عليهم ، ولكنهم انتهوا ككتاب مبدعين ولم تعد لكتاباتهم قيمة فنية تذكر. وفي ظل هذه الممارسات القمعية ، وتقييد الحريات العامة والخاصة ، والمناخ الثقافي الخانق ، استطاع جهاز المخابرات السوفيتية تجنيد أعداد غفيرة من الأصدقاء والمعارف المقربين من الكتّاب، للتجسس عليهم ، وكتابة التقارير السرية عنهم حتى وإن كان هؤلاء الكتّاب ، قد إختاروا الصمت الإجباري أو الإختياري ،
ولم تقتصر تقارير المخبرين على أهل الأدب والفن ، بل شمل كل العاملين في أجهزة الحزب والدولة . وقد تبين من الوثائق المنشورة بعد تهاوي النظام السوفيتي ان العدد الاجمالي لتقارير المخبرين عملاء الأمن السري قد بلغ حوالي اربعة ملايين تقرير .
وتتضمن لوائح اتهام الكتّاب من قبل المدعي العام ، التي تليت خلال محاكماتهم ،  تقاريرسرية كثيرة كتبها مخبرون من أقرب الناس الى الكتّاب المتهمين  . وهي تقارير عن أحاديث هذا الكاتب أو ذاك مع أصدقائه وزملائه في انتقاد بعض سلبيات الواقع السوفيتي  .
لجأ النظام السوفيتي منذ تولي ستالين مقاليد الأمور الى سياسة الترهيب والترغيب في التعامل مع الكتّاب ، ففي الوقت الذي كان فيه الكتّاب الأحرارعرضة للأعتقال أو الإعدام أو النفي ، ومنع تداول أعمالهم  ، وشطب أسمائهم وأي إشارة اليهم أينما وردت ، في ظل حكم ستالين ، لجأ النظام السوفيتي في عهدي خروشوف وبريجنيف  الى اسقاط الجنسية السوفيتية عنهم وطردهم من البلاد أو ادخالهم الى المصحات النفسية والعقلية ، كان الكتّاب المنصاعين للتوجيهات الحزبية  يتم تكريمهم ماديا ومعنويا بمنحهم الجوائز الأدبية والأوسمة التقديرية والشقق السكنية ومنازل في الضواحي كمكاتب لهم بعيداً عن ضجيح المدينة. والأهم من ذلك انهم كانوا يحسبون على الطبقة الحاكمة المسماة " نومنكلاتورا " بإمتيازاتها الكثيرة في السكن الفاخر والمعالجة الطبية المتميزة ، وابتياع ما يحتاجونه من سلع في متاجر خاصة ، وتشر مؤلفاتهم بمئات آلاف النسخ ومنحهم مكافئات نقدية سخية للغاية ، توفر لهم حياة رغدة ، بعيدا عن شقاء ملايين الكادحين الذين كانوا يعيشون في منازل جماعية طويلة اشبه بعربات القطار مكتظة بالسكان حيث تخصص غرفة واحدة لكل عائلة ، ويضطرون يوميا للوقوف في طوابيرطويلة  من اجل الحصول على أبسط السلع والخدمات .
نوافذ في الستار الحديدي
خفت موجة قمع الكتّاب المغضوب عليهم في فترة " ذوبان الجليد " أي عهد نيكيتا خروشوف (1955- 1964) حيث تمّ فتح نوافذ في الستار الحديدي- الذي كان يعزل المعسكر الإشتراكي عن بقية العالم - وأخذت رياح التغيير تهب على البلاد، وبدأ التبادل الثقافي مع الدول الغربية، واتباع سياسة التعايش السلمي بين النظامين الأشتراكي والرأسمالي  ولم تعد المحاكمات سرية كما كانت في عهد ستالين . ومع ذلك فأن العقل الأيديولوجي الجامد ،لم يكن يقبل أي خروج على نمط الأدب الذي كانت تروج له الدعاية السوفيتية . وظلت أفضل الأعمال الأدبية حتى للكتّاب المشهورين حبيسة الأدراج في مكاتبهم ، بعد رفض المجلات الأدبية السميكة ودور النشر الحكومية نشرها .
هذه الأجواء الخانقة طوال عدة عقود ، كانت كافية للقضاء على الإبداع الأدبي . ولكن الأدب الروسي كان عصياً على الموت . ففي أول فرصة سانحة - حين لم يعد شبح الموت أو الزج في السجون واقفا بالمرصاد لكل من يفكر بطريقة مغايرة ، لا تتوائم مع التوجهات الحزبية- لجأ الكتّاب الروس الأحرار الى تجاوز الأشراف الحكومي على الأدب وإيجاد مسارات بديلة لنشر نتاجاتهم ، لا تخضع للرقابة الرسمية ، ومن أهم هذه المسارات :
1- سام ايزدات ، أي (النشر الذاتي) ، وهي كتب ومجلات كانت تطبع بأعداد قليلة على ورق رديء ورخيص في الأقبية بعيدا عن أنظار الشرطة السرية ، وأحيانا من قبل مغامرين عاملين في المطابع الحكومية ،وتوزع باليد على القراء الموثوق بهم ، وتنتقل النسخة الواحدة ، من يد الى يد الى ان تبلى تماماً . كانت مطبوعات ( سام ايزدات )  تنشر النتاجات الأدبية من نثر فني وقصائد شعرية ، والمذكرات الشخصية ، ودراسات في الفلسفة والتأريخ ، التي لا تجد طريقها للنشر العلني، وتعيد نشر النتاجات المحظورة من قبل السلطة. وكانت مطبوعات " سام ايزدات " تعكس الأدب الروسي الحقيقي ، بتنوعاته الفكرية والفنية  ، وأساليبه الأدبية المختلفة، وتناغمه مع الأدب العالمي المعاصر ، وتلقى إقبالاً عظيماً ،في وقت كانت فيه أطنان من كتب الأدب المؤدلج تتكدس في متاجر الكتب والمكتبات العامة بآلاف النسخ دون أن يهتم بها أحد من القراء .
2- تام ايزدات ، أي( انشر هناك ) ويقصد يه تهريب مخطوطات النصوص الأدبية والفكرية لنشرها في الدول الغربية وخاصة في الولايات المتحدة الأميركية . وتم عن هذا الطريق نشر نتاجات عشرات الكتّاب والشعراء ، وما زال جيلنا يتذكر الحملة الإعلامية السوفيتية ضد بوريس باسترناك حين فاز بجائزة نوبل في الآداب لعام  1958 ،عن رواية " دكتور زيفاغو "  وما أعقب ذلك الفوز من إجراءات تعسفية ضده ( الفصل من إتحاد الكتّاب ، التهديد بالنقي الى خارج البلاد واجباره على اخلاء مسكنه العائد للدولة في قرية الكتّاب " بيريديلكينا ") ، وقد اضطر باسترناك الى رفض الجائزة . وكانت هذه الحملة الظالمة سببا في تردي صحته ووفاته في عام  1960 .
وفي عام 1963، بدأت ملاحقة الشاعر جوزيف برودسكي ، فاستدعي للتحقيق أكثر من مرة ووضع في مصحة عقلية مرتين. وفي عام 1964 وجهت إليه تهمة التطفل بحجة أنه لا يعمل، وحكم عليه بأقصى عقوبة، وهي العمل في منطقة نائية مدة خمس سنوات، فنفي إلى محافظة أرخانغيلسك ، وبعد انتهاء مدة نفيه ، تمّ حرمانه من الجنسية السوفيتية ، وطرده الى خارج البلاد ، حيث إستقر في مدينة نيويورك ، وعمل محاضراً في جامعة مشيغان ، ونال جائزة نوبل في الآداب لعام 1987، وجائزة الأكليل الذهبي الأميركية عام 1991 ..
وفي عام 1966 حكم على أندريه سينيافسكي بسبع سنوات ، وعلى يولي دانيال بخمس سنوات بتهمة نشر أعمال أدبية بأسماء مستعارة في الخارج مسيئة الى سمعة البلاد وقد أثارت محاكمتهما ضجة في الغرب ، وأصبحت بداية لحركة الإنشقاق في الإتحاد السوفيتي .
- 3- نتاجات الكتاب الروس في المهجر ، التي كانت تتسرب الى داخل البلاد ، وتستنسخ بأعداد كبيرة وتنتشر بسرعة فائقة . .
من المعروف ان ثمة ثلاث موجات من هجرة الكتّاب الروس الى الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية، اولى هذه الموجات كانت عقب ثورة اكتوبر1917 ، واستمرت الى اواخر العقد الثالث ، وهي أكبر الموجات ، حيث شملت غالبية النخب المثقفة . والثانية كانت خلال سنوات الحرب السوفيتية – الألمانية وحتى منتصف عهد " ذوبان الجليد" ( 1941- 1960) ، والموجة الثالثة الأخيرة كانت بين عامي ( 1986-1961) . وبلغت هذه الموجة ذروتها عندما سمحت السلطات السوفيتية بهجرة المواطنين اليهود الى اسرائيل . ولكن  معظمهم استغلوا هذه الفرصة للهجرة الى بلدان أوروبا الغربية ، والولايات المتحدة الأميركية .
كانت السلطةالسوفيتية تراقب هذه المسارات الثلاثة بعين يقظة ، وتتخذ اجراءات بحق الأدباء المتمردين على الرقابة الرسمية. ولم يعبأ الكتاب الأحرار بهذه الإجراءات التعسفية وواصلوا نشر كتاباتهم سرا داخل البلاد أو في الدول الغربية .
وقد تم التخفيف من الرقابة على المطبوعات ، ومن ثمّ الغائها نهائياً في فترة " البريسترويكا " ، ومنذ عام 1986 سمحت  السلطات بنشر الأعمال الأدبية والفكرية ، التي كانت محظورة طوال السبعين سنة الماضية من الحكم السوفيتي  وسميت هذه الظاهرة " بالأدب المستعاد ، أي نتاجات الكتّاب من ضحايا الأرهاب الستاليني ، وتلك الأعمال الأدبية التي ظلت في أدراج مكاتب الكتاب البارزين ، ولم يغامروا بتقديمها للنشر في الحقبة السوفيتية، ، وكذلك أعمال الأدباء الروس في المهجر . وقد اتسعت هذه الظاهرة لتشمل نشرالوثائق الرسمية ذات العلاقة بالكتّاب المضطهدين والكثير من خفايا الحكم السوفيتي .
وبعد تفكك الإتحاد السوفيتي الى جمهوريات مستقلة ، تمّ في الإتحاد الروسي ، حل كافة دور النشر الحكومية وتأسيس دور النشر الخاصة ، التي حولت الكتاب الأدبي الى سلعة في السوق ، كما هو الحال اليوم  في معظم بلدان العالم .
 
 

11
هل الكاتب المبدع كائن غريب ؟
جودت هوشيار                
كلما رأيت كاتباً مبدعاً يرتدي ملابس غريبة ، صارخة أو متنافرة الألوان ، وقد اطلق شعر رأسه ،على طريقة الهيبيز، وترك لحيته تنمو لتغطي معظم وجهه . أقول كلما رأيت مثل هذا الإنسان ، تساءلت بيني وبين نفسي : هل هذه هي علامات النبوغ أو العبقرية حقاً ، أم أن في الأمر التباساً ما ؟
لم تدرس شخصية الكاتب وعملية الخلق الفني إلا قليلاً . ويبدو الكاتب في نظر الآخرين كائناً غريباً ونادراً. الناس يعتقدون أن الكاتب المبدع يجب أن يشذ عن أعراف وتقاليد مجتمعه ، ويتمرد على محيطه بكسر التابوهات، أو يعاني من اضطراب عقلي طفيف ، ويرى الحياة بنظرة غير مألوفة ؛ ويكون غريب الأطوار والسلوك .
في الواقع، ليس الأمر على هذا النحو ، فالكتّاب المبدعون مختلفون عن بعضهم البعض، في مظهرهم وسلوكهم ومنهج حياتهم ،وتتباين حظوظهم من الموهبة ، والذكاء والثقافة، والخبرة، والصحة النفسية، ولكن السمات الشخصية التي تساعد على الكتابة الإبداعية موجودة. ويدرسها علم سيكولوجية الإبداع  الذي يساعد على الكشف عما هو مفيد حقا  في شخصية الكاتب.
دوافع الكتابة
الكاتب الحقيقي لا يستطيع الا أن يكتب مدفوعاً بهاجس داخلي لا يمكن له مقاومته أو فهمه ، ولا يكتب من أجل المال ، أو المجد والشهرة . الكتابة الحقة تنبع من داخل النفس ، ولا تفرض من الخارج .
الكتّاب يعرفون ان الكتابة في موضوع معين بناء على تكليف هذه الجهة أو تلك ، ليس عملا مملا فقط ، بل يلحق الضرر بقدراتهم الإبداعية لأنه يقحم في عالمهم شيئا غريبا . وبعد تكرار مثل هذه الكتابات يلاحظون هبوط قدراتهم الأبداعية في التخييل وخلق الصور النابضة بالحياة .القلم المتفرد يختنق في الواقع الحياتي ويفقد ما يبدعه الخيال . من الأفضل للكاتب أن يعمل في غسل السيارات من أن يكتب بناءً على تكليف دار نشر أو مجلة ما . 
 نظرة متميزة الى الحياة والعالم
الناس يوجهون اللوم الى الكاتب المبدع، لعدم اهتمامه بأخبار الساسة أو النجوم ، أو التسوّق ، أو الرياضة او الأغاني الأستعراضية أو صرعات الموضة. الكاتب يعيش في عالم آخر ويتحدث أحياناً عن النجوم وضؤ القمر وعن اشياء عديمة الفائدة للناس. ويمكن النظر الى هذا النوع من اللوم كمجاملة للكاتب. لأن مهنة الكتابة تتطلب العزلة وصفاء الذهن والتأمل من اجل التحليق على أجنحة الخيال، وخلق عالم آخر افتراضي في ذهن الكاتب المبدع . وهذه العملية تؤدي الى الإنفصال عن العالم الواقعي مؤقتاً ، والتفرغ للكتابة وإزاحة كل ما يعيقها وتوجيه كل قوى الكاتب نحوها .
 الإنغماس في صعوبات الحياة اليومية  قد يحرم الكاتب من التركيز على عمله والحد من زخم الطاقة المطلوبة لخلق عمل أدبي ممتع ومتفرد
الميل إلى الحوار الداخلي
نقد آخر يوجه في العادة الى الكاتب المبدع، وهو إنغماسه في حوارات داخلية صامتة بينه وبين نفسه أوالحديث في بعض الأحيان إلى نفسه بصوت مسموع. قد ينظر البعض الى هذا الأمر على أنها علامة مبكرة من أعراض الإختلال العقلي والنفسي . ولكن الحوار الداخلي بالنسبة الى الكاتب  - إحدى الطرق الرئيسية لإنشاء النص.  وتفسير ذلك ، أن أفكار الشخص البالغ تتشكل عن طريق الكلمات أولاً ، ومن ثمّ  الصور.الكاتب حين يحدّث نفسه بالحوار الداخلي ويصف المشاعر والأحاسيس انما يصوغ انطباعاته بالكلمات ، التي قد تتحول الى صور فنية حية اذا كان يمتلك مهارة الكتابة الإبداعية
الدقة
مع الحوار الداخلي ترتبط عادة أخرى مفيدة للكاتب ، وهي السعي للحصول على التعريف الصحيح الدقيق لما يحدث. والبحث عن الكلمة التي تصف الواقع بأكبر قدر ممكن من الدقة ، وهذا الإحساس المرهف بالكلمة وإيقاعها في سياق الجملة ،قد يكتسب طابع الوسواس القهري. لأن ما لا يمكن وصفه بالكلمات لن يكون له وجود قطعاً
ان النص الفني الذي نقرؤه في سهولة ويسر ، شديد الصعوبة في كتابته . فالكاتب يتخير كل لفظ بدقة ليؤدي معنى معينا يحيث لا يمكنك ان تحذفه أو تكتب لفظا آخر بدلاً عنه . لذلك قد يكتب الكاتب الجملة الواحدة مرات عديدة حتى يصل الى اللفظ المناسب الذي يتطلبه المعنى . بمعنى آخر أن النص الفني الحقيقي يتميز بطلب الحتمية والدقة والوضوح .
حب الأستطلاع
حب الاستطلاع خاصية يتميز بها الكاتب المبدع الذي يتلهف لرؤية اماكن جديدة وتسجيل انطباعاته عنها . وبعد كل زيارة يعود ليكتب بطاقة جديدة مدفوعا بما تركت الزيارة  في نفسه من آثار قوية
تشيخوف سافر الى منطقة (ساخالين ) في اقصى الشمال الروسي وقام برحلة طويلة مرهقة استغرقت عدة أشهر ، من أجل الإطلاع على ظروف الحياة في هذه المنطقة النائية الموحشة ، وأوضاع المعتقلين والمبعدين فيها ، وعاد ليكتب كتابه القيم " ساخالين " الذي أثار ضجة كبيرة ، اضطرت معها السلطة القيصرية الى تحسين ظروف الحياة في المعتقلات والمنافي . اسحاقل بابل عقد صداقة غريبة مع مسؤول المخابرات السوفيتية ، وعندما سأله الشاعر اوسيب ماندلشتام عن سبب دخوله الى " عش الزنابير " وخطورة ذلك على حياته ، أجاب بكل بساطة : " أريد أن أشمّ رائحة مطبخ القمع " .
حب الإستطلاع وراء كل عمل إبداعي ، لذا يسعى الكاتب الى الحصول على المادة الخام لأعماله الأدبية ، وهذا السعي يختلف عن فضول الفرد العادي الذي يتسمع ما يتحدث به جيرانه وراء الجدار أو مراقبة شجارفي الشارع من خلال نافذة في المنزل .

12
يوم في ضيافة انطون تشيخوف
جودت هوشيار      
تلقيت دعوة كريمة من منظمي المؤتمر العلمي العالمي المكرس لإبداع أنطون تشيخوف - الذي سيعقد في موسكو من 29 يناير ولغاية 1 فبراير2019 - للمشاركة في المؤتمر، بقراءة ورقة في موضوع يتعلق باحد جوانب حياة وأدب هذا الكاتب ، الذي يحظى بمكانة سامية في الأدب العالمي.
تشيخوف يبدو اليوم بعد أكثر من قرن على رحيله ، كاتبا معاصراً لنا ، وما زالت كتبه تطبع ويعاد طبعها في بلدان كثيرة ، ،ويلتقي المشاهد بأبطاله على مسارح موسكو وبطرسبورغ ونيويورك وطوكيو ولندن وباريس وبيونس ايرس وغيرها من المدن .
وقلما نجد كاتبا قصصيا او مسرحيا منذ تسعينات القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا لم يتأثر بفن تشيخوف . وثمة عدد هائل من الكتب والبحوث والأطاريح العلمية المكرسة لإبداعه ، كما أن الكثير من مؤلفاته أخرجت سينمائيا وتلفزيونيا .
وتحتوي اللغة الروسية الحديثة على العشرات من العبارات والأقوال السائرة الذكية واللاذعة ، التي دخلت هذه اللغة عن طريق مؤلفاته ، ويستعملها الروس في حياتهم اليومية دون ان يفطنوا انها لم تكن موجودة في لغتهم قبل تشيخوف.
ولهذا يبدو لاول وهلة ، ان من الصعب على اي باحث أن يأتي بجديد عن ابداع تشيخوف ، الذي اشبعه الكتّاب والنقاد والباحثون دراسة وتحليلاً . وبعد تأمل الموضوع قلت في نفسي :" ان لكل باحث قراءته الخاصة لأعمال أي كاتب كبير. وأنا عندما أعيد قراءة روائع تشيخوف بين حين وآخر ، اكتشف فيها جديداً في كل مرة . إلا أن هذه القراءة لن تكتمل من دون قراءة رسائله ودفاتر يومياته وزيارة الأماكن التي عاش وكتب فيها ، من اجل فهم أعمق وأفضل لأعماله الأدبية . ولم اكن اول من يفعل ذلك ، فقد اعتاد العديد من المخرجين والممثلين المسرحين في روسيا زيارة الأماكن، التي كتب فيها تشيخوف أعماله المسرحية ، للعيش في أجوائها ولو لفترة قصيرة فبل تجسيدها على المسرح .
عزبة تشيخوف في ميليخوفو
  في فبراير 1892  كتب نشيخوف رسالة الى صديق له يقول فيها :" إن كنت طبيباً ، فإنني بحاجة الى مرضى ومستشفى ، وإن كنت أديباً فعليّ أن أعيش في وسط الناس ، لا في زقاق مالايا ديمتروفكا ... إنني في مسيس الحاجة الى (قطعة) من الحياة السياسية والإجتماعية . وأما هذه الحياة بين جدران أربعة ، حيث لا أناس ولا وطن ، ولا صحة ولا شهوة ، فهي ليست حياة ، وإنما هي الموت بعينه .
وفي آذار من السنة ذاتها ابتاع  تشيخوف عزبة صغيرة في قرية " "ميليخوفو ". وكان ذلك إختياراً موفقاً. فهي قريبة نسبياً من موسكو ، حيث يمكنه زيارة أصدقائه من الكتّاب والفنانين  والتواصل مع الناشرين ورؤساء تحرير المجلات الادبية ، وهي في الوقت نفسه تقع في منطقة خضراء ساحرة في عمق الريف الروسي بعيداً عن صخب العاصمة ، ومكان هاديء ومثالي للتفرغ للكتابة .
انتقل تشيخوف الى هذه العزبة مع أسرته المؤلفة من والديه وشقيقه الأصغر ميخائيل وشقيقته ماريا  في آذار عام 1892 ، ولم يكن قد تزوج بعد . كانت العزبة مهملة وبحاجة الى ادخال تحسينات شاملة عليها، وزراعة الأشجار المثمرة واحواض الزهور فيها .
واعترف تشيخوف في احدى رسائله ، انه لا يفقه شيئا في امور الزراعة . ولكن لم يمض سوى وقت قصير حتى شرع افراد اسرة تشيخوف في احياء المزرعة المهجورة . فقد تولّى والد تشيخوف بافل ايغوروفيتش تمهيد المماشي والإعتناء بالأشجار ، وبادرت ماريا بافلوفنا ، شقيقة تشيخوف الى زرع أصناف فرنسية من الخضراوات في ركن سمّتها " ركن فرنسا " . وكان تشيخوف يمضي معظم وقت فراغه في الحديقة ، وخلال السنة الأولى غرس اكثر من 240 شجرة بينها عدد كبير من اشجار التفاح وشجيرات الكرز والليلك . وكان يجد لذة حقيقية في زرع الورود ورعايتها.وقال في ما بعد مازحاً:" يبدو لي أنني لو لم أكن كاتباً ، لكنت بستانياً " .
عاش أنطون تشيخوف في ميليخوفو سبعة اعوام  ( 1892- 1899 )  ، حيث كتب خلالها  اكثر من اربعين مؤلفاً ،  منها مسرحية "النورس" وقصص "الراهب الأسود" و"العنبر رقم ستة".  " البيت ذو العلية " و "الطالب " تناول فيها الحياة اليومية بسخرية لاذعة و صوّر مشاهد عائلية ،وروى حكايات ابطالها من التجار و الطلاب و الموظفين . وتعد هذه الفترة من أنضج وأخصب فترات حياته الإبداعية . وقال أنه كتب هنا أفضل أعماله .
في عالم تشيخوف
وصلتُ الى العزبة – التي تحولت الى متحف تشيخوف الرئيسي - بالسيارة في صباح يوم صيفي جميل في منتصف شهر أغسطس 2018 . وكان أول ما لفت نظري هو الأجواء الإحتفالية فيها . ثمة المئات من الزوار القادمين من مختلف أنحاء روسيا والعالم ، وباصات مدرسية تنقل مئات التلاميذ من الجنسين بصحبة معلميهم لزيارة المكان الذي تدور فيه أحداث العديد من قصص ومسرحيات تشيخوف ، التي تدخل في المناهج الدراسية في مرحلتي التعليم الإعدادي والثانوي .
تجولت في كافة زوايا وجنبات المتحف للتعرف على كل ما يرتبط بحياة الكاتب، وقضيت ساعات أتمعن في الجو الذي عاش وكتب فيه تشيخوف أعماله الرائعة.
يضم المتحف أكثر من 20 ألف قطعة أثرية جمعت من الأدوات والأشياء التي كانت تحيط بالكاتب ، بينها لوحات الفنانين من أصدقائه، وصور التقطت له ولأفراد أسرته ، وسريره ومكتبه ، ورسائله ومخطوطاته ، ومعطفه ونظارته ، والطبعات الأولى لكتبه ، والمجلات الروسية القديمة الصادرة في موسكو وبتروغراد، التي نشرت قصصه ومسرحياته . وضمن مكتبته المنزلية - التي تعكس اهتماماته الأدبية والفلسفية والتأريخية –حوالي 400 كتاب نادر من القرن الثامن عشر .
يحافظ المكان على كل لحظة من تاريخ حياة الكاتب في ميليخوفو ويوفر للزائر الفرصة لكي  يعيش في الجو نفسه الذي عاش فيه تشيخوف في نهاية القرن قبل الماضي . وقد أحسست به قريباً مني أكثر من أي وقت آخر.
بضم المتحف عدة بنايات اكبرها  المبنى الرئيسي -الذي كان يقيم فيه تشيخوف مع افراد اسرته ويحتوي على الجزء الأكبر من الأشياء التي تخصهم .
كانت ماريا ، شقيقة تشيخوف ، معلمة وفنانة تشكيلية بارعة وما يزال العديد من لوحاتها معلقة على جدران غرفتها .وتدور في كواليس المتحف حكايات عن علاقة حب بينها وبين الكاتب ايفان بونين ، وعندما تقدم الأخير لخطبتها ، سألت شقيقها انطون عن رأيه في بونين وهل تتزوجه أم لا ؟ فقال لها قرري ذلك بنفسك . وكان أن رفضت ماريا الزواج من بونين .
في قصة " ابريق القهوة الثاني " التي ترجمناها عن الروسية ونشرت العام الماضي يتحدث بونين عن الفنانة ماريا ويقول بأنها لم تكن فنانة موهوبة . ويبدو ان ماريا تركت ندبة لا يندمل في قلب بونين .
أما ميخائيل ، شقيق تشيخوف الأصغر ، فإن مذكراته عن شقيقه العظيم ، أصبحت مصدراً مهما لدراسة حياة تشيخوف عموما وعن فترة ميليخوفو خصوصاً .
هنا استقبل الكاتب الأصدقاء القادمين من موسكو. وكان سعيدا دائما لرؤية الضيوف ، وكتب في احدى رسائله : " ان كل مثقف يمر بالقرب من عزبتي يرى من الضروري أن يزورني " . وتحت نافذة المنزل شرفة رحبة كان يفضل شرب الشاي  فيها مع ضيوفه .  ولكن تدفق الزوار على عزبته كان يشغله عن التفرغ لعمله الإبداعي .
وفي عام 1894 بنى بيتا صغيرا منفصلا يحتوي على غرفتين صغيرتين : مكتبه وغرفة نومه . وتوجد لوحة معدنية بقرب باب المبنى تفيد بان تشيخوف كتب هنا مسرحيته الشهيرة " النورس " .
وتوجد في العزبة بناية كان يستقبل فيها مرضاه ، ويقدم الأدوية اللازمة لهم مجاناً وكان يضطراحياناً لقطع عشرات الكيلومترات للوصول الى مريض في حالة حرجة يإحدى القرى .
وثمة بناية أخرى، يقول عنها المرشدون أنها المدرسة التي أنشأها تشيخوف لأطفال الفلاحين وتوفير كل مستلزمات الدراسة فيها على حسابه الخاص .
أغلب الظن أن تشيخوف – كما قال أحد زملائه الأطباء – قد أصيب بمرض التدرن منذ شبابه . ولم يتم التأكد من ذلك الا في عام 1897 ، عندما تردى صحته كثيرا . وكان نيكولاي تشيخوف احد أشقاء الكاتب قد توفى بهذا المرض قبل ذلك بعدة سنوات . وحين تفاقم مرض تشيخوف عام 1899 ، أدرك - وهو الطبيب المتمرس -ضرورة الإنتقال الى مكان لطيف المناخ ، فباع العزبة وقلبه يعتصر ألماً ،، لأنه كان يحب الإقامة في (ميليخوفو) ، فاختار مصيف ( يالطا ) الساحلية الجميلة في شبه جزيرة القرم ، وابتنى فيه منزلا اطلق عليه أصدقاؤه إسم ( البيت الأبيض ) .
 انتقلت العزبة بعد ذلك من يد إلى يد. وانهار المنزل الرئيسي فيها وتفكك بالكامل ، وظلت العزبة مهملة الى عام 1940 ، حين قررت الحكومة المحلية إنشاء متحف تشيخوف في ميليخوفو . والروس يعتبرون هذا التأريخ عام تأسيس المتحف ، رغم أن العمل الفعلي لم يبدأ في إنشاء المتحف إلا في 29 حزيران عام 1950 ، حيث تم الشروع باعادة بناء منزل تشيخوف وأسرته ، كنسخة من المنزل الأصلي ، ولم تنته أعمال الترميم والإصلاح في ارجاء العزبة الا مع حلول الذكرى المئوية لميلاد الكاتب في 29 يناير عام  1960 .
في عام 2006 تم افتتاح مسرح " ستوديو تشيخوف " وقد اطلعت على ريبورتوار (برنامج ) المسرح ورأيت ان المسرح يقدم عروضاً مستمدة من قصص تشيخوف : " السيدة " و" الدب" , "المرضى النفسيين " وغيرها .
والى جانب ذلك ثمة  مدرسة تشيخوف المسرحية ، حيث يقوم ممثلون ومخرجون مشهورون بالإشراف على " ورشة الإبداع المسرحي "لطلاب المعاهد المسرحية. ومنذ عام 1982 يقام هنا مهرجان مسرحي دولي يحمل اسم " ربيع ميلوخوفو " .
( العزبة – المتحف ) مؤسسة كاملة تابعة لوزارة الثقافة الروسية ويعمل فيها  123 منتسباً بينهم 11 من الباحثين العلميين والمرشدين الذين يقدمون للزوار معلومات مفيدة وشيقة عن تأريخ العزبة وحياة الكاتب واسرته فيها ، ويزورها سنويا حوالي 150 ألف شخص . وهناك كافتريا واكشاك لبيع منتجات الصناعة الشعبية المحلية والهدايا التي تذكرنا بتشيخوف.
هل كان تشيخوف جيكياً ؟
كان الكسندر اسماعيلوف ( 1921-1873) أول من نشر عام 1914 كتاباً عن السيرة الحياتية والإبداعية لتشيخوف ، ذكر فيه أنه لم يتم العثور على وثائق أو أدلة تشير الى أصل لقب " تشيخوف " ، ولكن أجداد تشيخوف كانوا يقولون أنهم من أصل " جيكي او " تشيكي "بالروسية ،  وان الجد الاكبر لتشيخوف كان جيكيا لجأ الى روسيا بعد ملاحقته في بلاده لأسباب دينية . وقد تم عن طريق الفحص الجيني إثبات صلة القرابة بين أفراد سلالة تشيخوف القاطنين في كل من روسيا وجيكيا ، وكانت نتائج الفحص مطابقة الى حد كبير ، وشكلت مفاجأة يفضّل الباحثون الروس عدم التطرق اليها.
سبب وفاة تشيخوف
توفى أنطون تشيخوف توفي يوم 15 يوليو 1904 في فندق بمنتجع  بادينويلر في ألمانيا . وكان الإعتقاد السائد الى وقت قريب انه توفى نتيجة لمرض التدرن ، الذي اصيب به منذ شبابه ،  ولكن التحاليل الكيميائية الدقيقة ، التي اجرتها مجموعة من العلماء البريطانيين في أواخر العام الماضي لقميص كان يرتديه الكاتب ، كشفت بقدر كبيرمن اليقين تحديد سبب الوفاة. على القميص توجد بقع فيها بالإضافة إلى بكتيريا السل، مادة بروتينية، وهذا بالذات ما يدل على احتمال تشكل تخثر في دمه وحدوث انسداد في الأوعية الدموية ونزيف في الدماغ ..
عندما غادرت المتحف ، الذي تحول الى أحد أحب الأماكن لدى الشعب الروسي ، كانت ألوان الشفق تنعكس على صفحة بركة الماء التي كان تشيخوف يربي فيها انواع منتقاة من الأسماك الجميلة ، ومئات الناس من مختلف الجنسيات يغادرون العزبة ،  وعلى وجوه الزوار الروس مسحة من الحزن المشوب بالزهو ، لأن روسيا أنجبت واحدا من أنبغ الكتاب على مدى التأريخ .


13
آخر كلمات إسحاق بابل : دعوني اكمل عملي !

جودت هوشيار         
           
إسحاق بابل ( 1894 – 1940 ) واحد من أنبغ الكتاب الروس في النصف الأول من القرن العشرين ، لمع نجمه في سماء الأدب الروسي في العشرينات والثلاثينات بعد الأحداث العاصفة التي مرت بها البلاد ( الثورة ، والحرب الأهلية ) . أثارت أعماله الإبداعية أهتماماً واسعاً، في روسيا وخارجها، حيث صدرت (35 ) طبعة من كتبه بين عامي (1926-1921) واهتم أشهر النقاد الروس بنتاجاته ، حيث بلغ حجم ما كتب عن نتاجاته خلال الفترة ذاتها أضعاف حجم ما صدر من مؤلفاته . وحظى خلال حياته ،ولا يزال يحظى – رغم مرور(78)سنةعلى رحيله المأساوي ، بشهرة عالمية واسعة كأحد أساتذة فن القصة القصيرة .وهو يشكل مدرسة جديدة في فن القصة ، مختلفة عن مدارس اسلافه العظام : موباسان وتشيخوف وبونين ، و يجسّد عبقرية الإيجاز والدقة والتجديد
ومهما كانت الموضوعات التي يعالجها فهو يخضع موضوعه لأسلوبه ، ويجعل الموضوع ثانويا بعد فنه في الكتابة ، فهو من هذه الناحية أشبه بفلوبير ..
ترجمت اعمال بابل ، منذ منتصف العشرينات الى أهم لغات العالم ، ومنها الأنجليزية ، والفرنسية ، والألمانية، والإسبانية ، والصينية ، ولغات أخرى عديدة
أشاد بفنه وتأثر به عدد من  أشهر الكتاب الغربيين وخاصة كتاب القصة القصيرة الأميركيين . ولا يزال هذا التأثير مستمراً ، سواء من خلال أعماله الإبداعية أو العدد المتزايد من البحوث الأكاديمية والنقدية عن حياته وأدبه  . ورغم الإعتراف العالمي به ، فإن معاصريه يتذكرونه كأحد أكثر الشخصيات غموضاً في الحداثة الأدبية الروسية . .
لم يكن بابل يشبه احدا ، ولم يكن بوسع احد ان يتشبه به .فقد ترافقت موهبته مع تكنيك الكتابة الابداعية المبتكرة. وقبل ان يجلس الى طاولة الكتابة ، كان عليه أن يعايش عن قرب ما يكتب عنه ويتعمق فيه . وهذا لا يعني أنه كان يحاكي الواقع ، بل كان يقول : " لا حاجة أن تكون القصة المحبوكة جيدا شبيهة بالحياة . الحياة تسعى بكل طاقتها ان تكون شبيهة بقصة خيالية جيدة " .
تتألف أعماله المنشورة من ثلاث مجموعات قصصية، ومسرحييتين ، وعدة سيناريوهات سينمائية ، وعدد كبير من الرسائل ودفتر واحد من يومياته  ،نجا باعجوبة ، لأن صديقة أوكرانية احتفظت به ، أو بتعبير أدق أخفته عندها طوال عدة عقود ، وهي يوميات كتبها بابل عندما كان مراسلا حربيا في جبهة القتال الروسية - البولندية خلال الحرب الأهلية الروسية ،  إضافة الى عدد من القصص القصيرة التي رفضت الرقابة الرسمية على المطبوعات  نشرها في العشرينات والثلاثينات  بذريعة أنها لا تتفق مع أهداف وبرامج الحزب الحاكم .
صوّر بابل في أعماله مسيرة البلاد نحو المجتمع الجديد بكل ما رافقه من سفك دماء ومن دموع  وآلام  وفواجع : ثورة اكتوبر ، والحرب الأهلية الدموية الشرسة ، والتصفية الوحشية للبورجوازية، والعمل الجماعي الإجباري ، حيث حل النظام الشمولي محل النظام الإقطاعي .
تعرّف العالم الغربي على الحياة في مدينته الأم " أوديسا " من خلال مجموعته القصصية " حكايات أوديسا "، وعلى الحرب الأهلية في روسيا من خلال سلسلة قصص" الفرسان الحمر"  رغم أن العديد من الكتاب الروس المشهورين من أبناء أوديسا ، من امثال " باوستوفسكي " و " اليوشا " و " ايلف " والشاعر باغريتسكي ، قد كتبوا الكثير عن أوديسا  المشمسة ، عروسة البحر الأسود .
كانت له علاقات واسعة ليس بالكتاب والفنانين والمسرحيين فقط بل أيضاً ببعض رجال الدولة مما أتاح له ادراك تناقضات ومفارقات المجتمع الجديد .
كان حاد الذكاء ، يرى الواقع السوفييتي على حقيقته ولم ينخدع بالدعاية االستالينية ،ولا بأوهام الجنة الموعودة ، التي تشبث بها كتّاب آخرون . احس على نحو عميق بتغيرات الزمن الدراماتيكية .
كل شيء في قصص بابل غير عادي : ليس الأبطال ودوافعهم وسلوكهم فقط ، بل الحالات غير المتوقعة وجوانب الحياة اليومية ،التي لا يراها الآخرون  والبناء القصصي المحكم والحوار الفعال .
 كانت لديه قوة تصوير هائلة : الأبطال السلبيون كانوا سلبيين حقاً ، يقفون امامنا وكأنهم أحياء بطول قاماتهم كل ذلك بكلمات قليلة مقتضبة .وهو مثل موباسان ، وتشيخوف ،خلق القصة القصيرة خلقا جديدا ، ولكن بابل يتميز عنهما بتكثيف النص الى اقصى درجة . وعندما تقرأ قصة قصيرة له لا تتجاوز بضع صفحات تشعر وكأنك قرأت رواية طويلة .
  وكل مجموعة من قصصه ، يوحدها الطابع العام والسخرية والتهكم ، والعنف ، والجنس . التشبيه والأستعارة في قصصه مبتكرة . ولو فتشت في كل قصص بابل فلن تجد فيها كليشة أو عبارة مستهلكة واحدة . قصصه تنبض بالحياة المتدفقة بكل مفارقاتها وتناقضاتها . 
بابل شبه مجهول في العالم العربي ، إذ أن دور النشر التجارية العربية لا تنشر غالباً ، الا تلك الأعمال التي تثير  ضجة في الغرب لأسباب سياسية . وما ترجم من الأعمال الأدبية الروسية الى اللغة العربية خلال أكثر من مائة عام  لا تعكس صورة صادقة عن الأدب الروسي - بشقيه الكلاسيكي والحديث - وتطوره عبر أكثر من قرنين من الزمن .
لم يترجم من قصص بابل الى اللغة العربية – حسب متابعتنا المستمرة -  سوى ثلاث قصص فقط مع بضع مقالات قصيرة عابرة ، لا تتجاوز عدد اصابع اليد الواحدة .والتي لا تستند الى المصادر الروسية الأصيلة ، بل الى كتابات نقاد غربيين ، لا يخلو كتابات بعضهم من اخطاء وهفوات ، واحيانا من تحريف حسب أهواءهم . او بسبب الحساسية تجاه كل ما هو روسي . إن الجهل بأدب بابل لا يقل غرابة عن الجهل بأدب فلوبير أو موباسان او تشيخوف اوهمنجواي أو فوكنر .
اعدم بابل بتهم ملفقة في 27 يناير عام 1940 بعد محاكمة صورية لم تستغرق سوى عشرين دقيقة . وكانت آخر كلماته : " دعوني اكمل عملي ! " .

14
الأمتحان غداً ولكن قلبي ليس حجراً
جودت هوشيار              
كل شيء في حياتي الموسكوبية يبدو لى الآن - بعد كل هذه السنين - رائعاً وسعيداً ، ولم ادرك أو يخطر ببالي آنذاك انني اعيش اجمل سنوات عمري . بل كنت أتذمر أحياناً من بعض مظاهر الحياة السوفيتية .
كنا ثلاثة طلاب ، جئنا من ثلاثة بلدان متباعدة ، ونسكن في غرفة واحدة ، متوسطة الحجم . أنا القادم من بلاد الرافدين، وديفيد الكاميروني ، وفيكتور الأوكراني . ثلاثة غرباء ، لهم طبائع مختلفة ، ومن ثقافات متباينة ، فرض عليهم العيش المشترك في غرفة ليس فيها سوى ثلاثة اسرة مع كومودينو صغير الى جانب كل سرير ، وطاولة دائرية في الوسط ، يستعمل للمذاكرة والكتابة والأكل والشرب ، ودولاب واحد للملابس ، وإبريق واحد لتحضير الشاي ، ومصباح كهربائي عار يتدلى من نهاية سلك ، أشبه بالمشنوق .
وكان ينبغي أن يكون أحد الطلاب الثلاثة طالبا سوفيتيا وعضواً في منظمة الكومسومول ، والذي كان يتم إختياره بعناية فائقة من بين المتفوقين دراسياً ، والناشطين في المنظمة ، من اجل مساعدتنا نحن الطلبة الأجانب في تعلم اللغة الروسية ، حسب ادعاء عمادة الكلية. ولكنننا كنا نعلم ان الغرض الأساسي من ذالك هو مراقبتنا باستمرار ، وليس مساعدتنا فقط على سرعة تعلم اللغة الروسية ، رغم أنه لم هناك ما يستدعي المراقبة على الإطلاق . ولكن العقل الأيديولوجي المريض كان يرى في كل أجنبي شبح عدو ينبغي عدم التغافل عنه أبداً . وكان ثمة هدف آخر ، غير معلن ، هو تعزيزالروح الأممية ، والمباديء الإشتراكية في نفوس الطلاب الأجانب . ولكن السحر كان دائما ينقلب على الساحر ، فبدلا من تأثر الطالب الأجنبي بالنظام الإشتراكي، كان الطالب الروسي هو الذي يطلع لاول مرة في حياته على حقائق الحياة خارج الإتحاد السوفيتي ، والتي لا تتحدث عنها الدعاية السوفيتية .
كان هناك مطبخ مشترك فيها عدة مواقد غازية ، ودورات مياه ومغاسل مزودة بالماء الحار في كل طابق . البنات في الطوابق العليا والطلاب في الطوابق الوسطى . وفي الطابق الأرضي كان هناك حمام عمومي - يوم للذكور ويوم للإناث طوال أيام الأسبوع -  والبوفيت وادارة الدار والمخزن. كنا نخضع لنظام متبع في جميع دور الطلبة .كان علينا ، أن ننظف غرفنا بأنفسنا ، ونرجع الى الدار قبل الحادية عشرة مساءً . ولكن ديفيد لم يكن يتقيد بأية تعليمات ، لا يشاركنا في تنظيف الغرفة ، ولا يرتب فراشه حين يغادر الى الكلية . وأحياناً يأتي في ساعة متأخرة من الليل ،غاضباً من شيء ما ، أو مخمورا بصحبة صديقته، فتمنع المناوبة الفتاة من الدخول  فينفجر ديفيد صارخاً بوجه المناوبة
! أنتم البيض عنصريون وتكرهوننا -
كنا أنا وزميلي الأوكراني نجامل ديفيد ، ونتعامل معه بلطف . والحق أن ديفيد كان إنساناً صادقاً – وأكاد أقول بريئاً - وطيب القلب رغم بعض مظاهر الطيش الشبابي في سلوكه ، فهو لا يكل ، ولا يمل من اتهام الكل بالعنصرية .ونحاول في كل مرة أن نطيّب خاطره .
أمّا فيكتور فقد كان شاباً مجداً وذكيا ، ومثالاُ في الدماثة واللباقة : يصحح لنا ألفاظنا الروسية ، اذا لم ننطقها على الوجه الصحيح ، أو يفسر لنا معاني بعض الكلمات النادرة في اللغة الروسية الجميلة ، الباذخة الثراء . ويبدو انه كان من اهل الريف ، فقد كان يتلقى في فصل الشتاء بين حين وآخر قطعة كبيرة  من الشحم الأبيض ، يلفها في قماش من الكتان الأبيض ، ويخفيها تحت سريره داخل حقيبته الجلدية . وحين يعود من الكلية ، يقطع شريحة وردية من الشحم، ويأكلها مع الخبز الأسود ، ونادراُ ما يشرب الشاي . كنت حين أعود للغرفة مساءً ، أسأل فيكتور ان كان في الإبريق بقايا شاي ؟
- نعم . شاي طازج من الأمس فقط !
ولكن فيكتور كان يتحول الى شخص آخر لا نعرفه ،عندما يجتمع في الغرفة مع عدد من أصدقائه ، ويحتفلون على طريقتهم . أي شرب الفودكا القوية من أرخص الأنواع مع مزة من مخلل الخيار. كان فيكتور المخمور يسألني :
- هل تحترمني ؟
- بالطبع يا صديقي
- اذن اشرب معي كأساً.
 وكان الضجيج يتصاعد كلما شربوا كؤوسا جديدة من الفودكا ، ثم يرفعون عقيرتهم بالغناء . أغاني طلابية شائعة ، لا أحد يدري أسماء مؤلفيها أو ملحنيها .كان زملاؤنا السوفيت يرددون غالبا أغنية جميلة ، يزعم كل من الشاعرين اناتولي سوبوليف وبوريس كوزنيتسوف ، أن نصها يعود لهما . تقول الأغنية :
ظل الأكاسيا يغريني
للتنزه ولو لبرهة
وأعرف أن الإمتحان غداً
لكن قلبي ليس حجرًاً .
في هذه الليلة القمرية
يبدو ان الطالب سيموت
بسببك
أيتها الصبية الجميلة
 
الآن ليس وقت
هذا الفستان بشرائط ملونة
وكأنك خرجت للمداعبة
جئتِ من الحلم
وانا اتطلع اليك بحذر
لا تمشي بجانبي
ولا تسحرني بنظراتك الحانية
لا تقفي الآن حائلا
امام اصعب امتحان
لا ارجوك .
في هذه الليلة القمرية
يبدو ان الطالب سيموت
بسببك
أيتها الصبية الجميلة
 
 
 
 

15
المنبر الحر / شكسبير بالكردية
« في: 12:17 17/07/2018  »
شكسبير بالكردية
جودت هوشيار               
كتب وليم شكسبير ( 1564 – 1616 )  شاعر الإنجليزية الأكبر 38 مسرحية ، و 158 سونيته ، وقصتين شعريتين ، وبعض القصائد الشعرية .  وهي كلها شعر ، ويندر أن نجد فيها من النثر ، إلا صفحات معدودات من حين الى حين . مزايا هذا الشعر وخصائصه ، والتغيير الذي احدثه شكسبيرعلى مفهوم المسرحية - حيث انتقل بها من عالم البطولات والخوارق في المسرحيات الاغريقية، الى العالم الحقيقي في عصره ، بشخوصه من الناس العاديين - هي التي جعلته يتبوأ مكانة رفيعة في الأدب العالمي ، ويصبح أدبه جزءاً مهماً من التراث الإنساني .
الذين قرءوا أعمال شكسبيرفي اصلها ، باللغة التي كتبت بها ، يدركون مدى صعوبتها ، ويعرفون إن ترجمتها الى أية لغة أخرى مجازفة ، لا يقدم عليها - أو ينبغي أن لا يقدم عليها - إلا من كان صاحب موهبة شعرية ، ومتمكناً من لغة شكسبير ، التي تختلف إختلافاً بيناً عن اللغة الإنجليزية المعاصرة ، لذا فإن معرفة اللغة الإنجليزية الحديثة ، لا تؤهل صاحبها للتصدي لترجمة أعمال شكسبير ، إذا لم يكن قادراً على فهم لغة عصر شكسبير ومصطلحاته ، والكتابة بلغة ذلك العصر ، لا بلغة عصره هو .
قد يلجأ المترجم الى الحذف المتعمد لبعض العبارات والمصطلحات في اللغة التي يترجم عنها لعجزه وعدم فهمه لها ، أو لإعتبارات إجتماعية أو دينية أو أخلاقية أو سياسية ، ولكن الأمانة لا تبيح الحذف ، حيث لا قيمة لترجمة لا تكون صورة صحيحة للأصل . وهذا يقتضي ترجمة الأصل كما هو، دون حذف أو تلخيص . وللمترجم بعد ذلك أن يسجّل ملاحظاته وتعليقاته في حواشي الكتاب الذي يترجمه  .
يمكن تقييم درجة نجاح أي مترجم لأعمال شكسبير بمدى اقترابه من روح شكسبير الشعرية .  وكل مترجم يترك بصماته ، وبصمات زمنه على الترجمة ، وهي بصمات تختلف من مترجم الى آخر . فالترجمات العربية مثلاً تتباين تباينا كبيرا في مدى التزامها الدقة والامانة ونقل روح المؤلف . بعضهم  ترجم مسرحيات شكسبير في قالب من الشعر الموزون المقفى . وآخرون ترجموها نثراً  مع الحفاظ على لغة المؤلف ، بما تشتمل عليه من صور واستعارات وتراكيب .
.
 
 
ولا تختلف الترجمات الروسية في تباينها ومدى توفيقها في نقل روح النص الشعري الشكسبيري ، وقد ترجمت مسرحية " هاملت " الى الروسية أكثر من عشرين مرة ، لعل أشهرها هي ترجمة بوريس باسترناك لهذه المسرحية شعراً ، دون الألتزام بالأصل ، ودون تمكن من اللغة الإنجليزية بالقدر الذي يؤهله لهذا العمل . لا شك أن باسترناك شاعر عظيم . و لكنه تصرف بالنص الانجليزي الى حد كبير ، واضاف اليها ما لم يرد في الاصل .وقد اعترف باسترناك ان عمله " خيال حر حول موضوع هاملت "، وليست ترجمة دقيقة .وكل من يقارن " هاملت " باسترناك بالأصل الإنجليزي ، يرى أنهما عملان شعريان مختلفان .
ترجمت أعمال شكسبير الى كل اللغات الحية في العالم . وكان الشاعر والروائي صلاح بابان أول من تصدى لترجمة اعمال شكسبير الى اللغة الكردية .
ثمة العديد من الأشخاص الذين يحملون اسم ( صلاح بابان ) ، ولكن صلاح بابان المقصود هنا ،هو الأستاذ الدكتور صلاح بابان ، الذي يقيم في المملكة المتحدة منذ حوالي 47 عاما ، وهو حاصل على شهادة الدكتوراه في الهندسة الميكانيكية من جامعة برمنجهام ، وعمل أستاذا في الجامعة ذاتها لحوالي ثلاثين عاما ، وهو في الوقت ذاته شاعر وروائي ، ومترجم كفء ، وعاشق كبير للأدب الكلاسيكي الأنجليزي والروسي .
المنجز الإبداعي لصلاح بابان
صلاح بابان رائد كبير ، وقد ترجم أهم أعمال شكسبير الى اللغة الكردية شعراً ، ترجمة أمينة ودقيقة ،واظهر شكسبير بمعانيه وتعبيراته ، وبصوره واستعاراته ، دون أي تحوير أو حذف أو إضافة ، وبذلك قدّم للأدب الكردي خدمة لا تقدر بثمن . ونشير هنا الى أهم مسرحبات شكسبير التي ترجمها الى الكردية شعراً ، ما عدا مسرحية " ما كبث " التي ترجمها مرتين ، الأولى شعراً ، والثانية نثراً فنياً ، وهذا ثبت بترجمات صلاح بابان لأعمال شكسبير :
1-ماكبث ، مطبعة كاك فلاح ، السليمانية ، 2007
2-هاملت ، مطبعة آراس ، أربيل ، 2009
3- روميو وجوليت ، مطبعة آراس ، أربيل ، 2010
4-ماكبث ( ترجمة بالنثر الفني ) ، مطبعة آراس ، أربيل ، 2010
5-الملك لير ، مطبعة آراس ، أربيل ، 2011
6-عطيل ، مطبعة آراس ، أربيل ، 2012
7-يوليوس قيصر ، مطبعة آراس ، أربيل ، 2013
وهو مستمر في ترجمة أعمال شكسبيرالأخرى الى اللغة الكردية. وقد أنجز نرجمة مسرحية " انطوني وكليوباترة ، وهي جاهز للنشر. ولعل أفضل تقييم لجهوده في نقل اعمال شكسبير الى الكردية ، هو قيام " المجلس البريطاني " بإختيار ترجمة صلاح بابان لمسرحية " ماكبث " كأفضل ترجمة لهذه المسرحية الى اللغة الكردية .
وإضافة الى ترجمة أعمال شكسبير صدر لصلاح بابان باللغة الكردية  الأعمال التالية :
1-ملحمة شعرية تحت عنوان " هل تتذكرين عندما كنا صغاراً " ، مطبعة كردستان ، السليمانية ، 2017
2- دوستويفسكي : حياته وأدبه ، دار الزمان ، دمشق ، 2018
3-رواية " منيرة " وهي جاهزة للنشر .
وله دراسات فكرية عديدة عن حياة واعمال عدد من مشاهير الأدب ، والعلم ، الذين لعبوا أدواراً مهمة في حياة البشرية ، وعن بعض الأديان مثل الزرادشتية والكونفوشيوسية ، لعل من اهمها ما يلي :
شكسبير ، بوشكين ، ليناردو دافنشي ، جارلز ديكنز ، ماركوس توليوس سيسيرو ، ارخميدس ، كوبيرنيكوس ، زرادشت والدين الزرادشتي ، كونفوشيوس ( كون فو تسي )
صمت جليل لمبدع كبير
يعمل صلاح بابان ، في صومعته الفكرية بصمت ومثابرة يثيران الإعجاب ، كأي مبدع كبير وحقيقي ، بعيداً عن الضوضاء والضجة الإعلامية ، فهو لا يحاول تسويق نفسه كما يفعل عديمو الموهبة. لا يقيم حفلات توقيع لكتبه ، ولا يظهر على شاشات الفضائيات ، ولا يدلي بتصريحات لوسائل الإعلام ، ولا يروج لكتبه بالوسائل التي يتقنها تجار الكلمة . أنه طراز نادر من الأدباء ، نكاد لا نصادفه في أيامنا هذه ، طراز يهمه في المقام الأول الإبداع ، والإسهام في إغناء الأدب الكردي والثقافة الكردية .
صلاح بابان هو الذي جعل شكسبير ينطق بالكردية شعراً . وكرّس لهذا العمل الهائل حوالي خمسة عشر سنة من عمره . وهو عمل تعجز عنه مؤسسة ثقافية كاملة . تذكروا هذا الإسم ، الأستاذ الأكاديمي ، والشاعر المرهف ، والروائي القدير ( صلاح بابان ) ، فهو جدير بأن يقام له تمثال في كلية الآداب بإحدى جامعات كردستان، أو في مقر إتحاد الأدباء في السليمانية أو أربيل .
 

16
الثلوج تذوب في غرفة التدخين
جودت هوشيار            
كنا في عصر " ذوبان الثلوج " حيث فتحت نوافذ في الستار الحديدي لتهب منها رياح التغيير والتجديد في المجتمع السوفيتي . التغيير والتجديد كنت تحس بهما في مكتبة الأدب الأجنبي في موسكو تحديدا ، أكثر من أي مكان آخر في الإمبراطورية السوفيتية ، حيث تجد فيها آخر إصدارات الكتب والمجلات الأجنبية ب(140) لغة أجنبية ، وأرشيف ضخم للأدب العالمي والمعرفة الإنسانية .
كنت أزور هذه المكتبة كلما سمح لي الوقت بذلك . وكنت أنتهز يوم التأهيل العسكري للطلاب السوفيت - وهو يوم واحد في الأسبوع كان يخصص بأكمله للمحاضرات النظرية والتدريبات الحربية لزملائنا السوفيت ، ولم يكن يشمل الطالبات السوفيتيات والطلبة الأجانب ، وكنا نعتبره يوم عطلة لنا - لزيارة المكتبة ، واقضي فيها ما لا يقل عن ثلاث أو أربع ساعات في كل مرة ، طوال فترة إقامتي في عاصمة الثلج والأدب والفن والحب .
لهذه المكتبة جاذبية هائلة لا تقاوم بالنسبة الى كل من يود الإطلاع على أفضل ما أنتجته العقول البشرية من إنجازات فكرية في مجالات الأداب والفنون والفلسفة والتأريخ ، والإقتصاد. وتدور في أوساط المثقفين الروس أساطير كثيرة حول نشأة المكتبة ودورها التنويري والفكري والروحي .
قي عام 1921 استطاعت فتاة في الحادية والعشرين من عمرها اسمها (مارغريتا إيفانوفنا رودومينو من مقابلة وزير التعليم أناتولي لوناشارسكي – وكان مثقفاً من طراز رفيع - وأثبتت له الحاجة إلى فتح مكتبة للأدب الأجنبي في موسكو . وقد وافق الوزير على إقتراحها ، وأصبحت مارغاريتا رودومينو أول مديرة لها . وكانت المكتبة في البداية تحتل بناية صغيرة فيها حوالي ( 100) كتاب أدبي فقط ، هي كل ما كانت تمتلكها مارغاريتا ، ثم تطورت تدريجيا وانتقلت الى بناية أكبر في شارع رازين قريبا من كاتدرائية فاسيلي الرائعة والكرملين والساحة الحمراء ، قبل أن تنتقل في عام 1967 الى بنايتها الواسعة الجميلة الحالية في شارع نيكولويامسكايا.
لقد سعت ادارة المكتبة طوال تأريخها الى الحصول على افضل ما ينشر في شتى انحاء العالم من كتب ودوريات . وهي تسير وفق مبدأ يقول : " كثير من القشطة ، وقليل من الحليب ،ومن دون قطرة ماء واحدة ". بمعنى السعي للحصول اولاً بأول على " زبدة الفكر الإنساني " المعاصر ،التي تستحق القراءة ، من بين ملايين الكتب والدوريات التي تصدر في أنحاء العالم .
كانت موسكو – وهي مدينة هائلة ، نابضة بالحياة ، وعظيمة بمعالمها الحضارية ، وحياتها الثقافية النشطة ، المتعددة الجوانب تقدم لي – إذا شئت - الوانا بهيجة من التسلية البريئة والمتع الحسية ، وكل ما يحلم به ويتمناه شاب شرقي جاء من مجتمع مغلق ومكبوت ، ولكنني كنت أفضل قضاء أوقات فراغي في هذه المكتبة على كل ما عداها .ليس فقط لأنني كنت اطالع فيها أفضل ما ينشر من أعمال أدبية عربية وغربية ، وآخر وأفضل ما يصدر من مجلات ثقافية مصرية ( الهلال ، الثقافة ، المجلة ) ولبنانية ( الآداب ، الأديب ، حوار ، شعر ) وغيرها . بل أيضاً لقضاء بعض الوقت في غرفة التدخين في المكتبة .
. قد يستغرب القاريء لهذا القول ، ولكن استغرابه سرعان ما يزول اذا عرف أن غرفة التدخين كان مكانا فريدا ليس في هذه المكتبة فقظ ، بل في موسكو كلها .
لم تكن مجرد غرفة تدخين ، بل مكانا مثالياً للتواصل والتعارف ، وتبادل آخر الأخبار والإشاعات والنكت . كانت فيها مصطبتان طويلتان للجلوس بحذاء حائطين متقابلين.
جو الغرفة بارد ولطيف حتى في أشهر الصيف ، فهناك ساحبة هواء قوية . هنا رجال ونساء من شتى الفئات العمرية . منهم باحثون يجمعون المواد لأطروحاتهم ، بينهم من قدم من الجمهوريات السوفيتية الأخرى .، وشباب من الجنسين جاءوا لقراءة ما لا يمكن الحصول عليه من كتب ومجلات في متاجر الكتب ، وأكشاك الصحف في موسكو .
كانت هذه الغرفة تحديداً هي المكان الوحيد - بالنسبة الى طالب أجنبي - الذي يتسنى له فيها للحصول على بعض آخر إصدارات " سام ايزدات " أي أدب " الأندر غراوند " السرية للكتاب والشعراء الروس المغضوب عليهم ، والتي تطبع وتستنسخ بوسائل بدائية ، وتوزع على المثقفين الموثوق بهم بعيداً عن أنظار الرقابة احكومية – الحزبية المتزمتة .
تجلس وجها لوجه مع مثقفين من ذوي الاهتمامات والمستويات المختلفة . بينهم عدد كبير من الجنس اللطيف وقد تتعرف على واحدة منهن ، وتلتقي بها في خارج المكتبة اذا كانت اهتماماتكما مشتركة .
لم ألتقِ في هذه المكتبة الفريدة ، بأي باحث أو طالب عراقي ، إلّا نادراً .
واليوم كلما سنحت لي الفرصة ، فإن أول مكان أقصده في موسكو الرأسمالية ، هو مكتبة الأدب الأجنبي . ولكن بناية المكتبة الجديدة الواسعة ، فقدت شيئاً من جاذبيتها . لم تعد الدولة تصرف عليها بسخاء كما كان الأمر في الماضي ، ولم يعد هناك " أدب الأندرغراوند " بعد إلغاء الرقابة على المطبوعات .والأهم من ذلك ، ليس في غرفة التدخين الحالية أية مصاطب . اختفت الوجوه الباسمة الجميلة ، وفقدت الغرفة جوها الحميم العاطر
نسيت أشياء كثيرة في حياتي ، ولكني لم أنس قط ، ولن أنس أبداً، الساعات التي قضيتها في مكتبة الأدب الأجنبي في موسكو . حقاً إن الحياة لا تقاس بعدد الأيام التي عشتها ، بل بتلك التي تتذكرها جيداً

17
التجربة والإبداع الأدبي
جودت هوشيار                                
الحياة أولاً
التجربة الحياتية بما فيها من معاناة ، وآلام ، وأفراح هي ينبوع الكتابة الحق، ولا تقل أهمية عن الموهبة الفطرية ، والقدرة على التخيّل.
ليس بوسع اي كاتب ان يكتب عن اي شيء ، وعن اي انسان . فهو ليس مطلق الحرية في اختيار موضوعاته وابطاله , مهما كان موهوبا ، لأن له حدودا لا يستطيع تجاوزها , والتي تتحدد بالمجتمع الذي يعيش فيه ، وخبرته الذاتية ، والدروس التي تعلمها من الحياة ، لذا على الكاتب أن يكتب عما يعرفه بتجربته الخاصة ، وهذه التجربة مطلوبة بقدر ما تكون مدخلاً لتجربة فنية ، يعبّر فيها الكاتب باسلوبه المتميز ، عن عالمه الروحي ، ونظرته الى الأشياء.
ان العمل الأدبي اذا لم يكن نابعاً من ذات الكاتب ، و لم ينفعل به فانه لن يكون عملاً مؤثراً وناجحاً على الرغم من ان المؤلف  قد كتبه بحسن نية . لان مثل هذا المؤلف لا يعرف ابطاله ولا يفهمهم .
ربما ثمة امكانية لتوالد بعض الصور المضببة في ذهن كاتب يعيش في جزيرة مقفرة , ولكن لن يكون لدىه اي حافز لتأليف رواية ، ذلك لأن الكاتب انما يكتب عن الناس وللناس , لقد كتب الروائي الفرنسي مارسيل بروست رواياته داخل غرفة ذات جدران صماء لا تخترقها الاصوات . ولكن بروست كان قد عاش بين الناس ، ودرس المجتمع الفرنسي الأرستقراطي لمدة طويلة ، قبل أن يسجن نفسه في غرفة معزولة ..
ان خيال الكاتب الروائي أو القصصي قادرعلى تغيير تناسب الظواهر والاحاسيس وملامح  الشخوص  وانماط سلوكهم ، ولكن ليست ثمة رواية سواء كانت خيالية ام طوبائية لا ترتكز على الواقع , ان وصف سكان كوكب المشتري في رواية ولز او (سكان سالاماندر) في رواية جابك ليس الا هجاء للمجتمع الانساني .
ربما يقال أن للخيال الدور الأكبر في بعض أنواع القصص ، وهذا صحيح ، ولكن الخيال  ينبغي أن يكون مقنعاً وصادقاً ومنطقياً ، أي خيالاً يمكن أن يحدث في الواقع . فالمؤلف ليس إلهاً حتى يستمر في فرض شطحات خياله على القاريء ، وثمّة خطر جسيم يلازم نسج الأكاذيب ، فقد لا يصدّق المتلقي ما يقرؤه .
أدب الكتب وأدب الحياة
ان أغلب الروائيين المعاصرين هم من خريجي التخصصات الأدبية أو اللغوية في الجامعات ، وهم يعملون في مكاتبهم بين رفوف الكتب التي تحاصرهم ، ولا يريدون النزول الى الشارع والإختلاط بالناس ، والخوض في الحياة العملية واكتساب التجارب التي لا غنى عنها لفهم الآخرين .
 الجامعات لا تعلّم سوى الأدب الكلاسيكي ، وأنه ينبغي أن تكتب الرواية استنادا الى التجارب الشخصية . وهذا أمر جيد من حيث المبدأ . ولكن كم رواية بإمكان شاب لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره أن يكتبها عن نفسه ؟ قد يكتب رواية واحدة جيدة اذا كان صاحب موهبة  ، ولكن الرواية الثانية ستكون عن شاب كتب رواية ناجحة ، ولا يملك الآن نقودا ، وليس لديه صديقة أو حبيبة ، ويتبهدل يوميا في وسائط النقل العام . وهذا أمر غير ممتع على الإطلاق .
. لو كان ديكنز قد عمل حسب هذا المبدأ ، لكتب رواية " ديفيد كوبرفيلد " فقط . تولستوي كان قد خدم في الجيش وخالط علية القوم ، وحرث الأرض قبل أن يكتب " الحرب والسلام " و" آنّا كارينينا " .
في عام 1916 نشرت مجلة " ليتوبيس " أي " الوقائع " التي كان يصدرها مكسيم غوركي في العاصمة الروسية القيصرية بطرسبورغ قصتان قصيرتان لإسحاق بابل .
أثارت القصتان اهتمام القراء والنقاد، وأصبح اسم بابل معروفًا إلى حد ما. وواصل الكاتب الشاب كتابة قصص جديدة، حيث كان يكتب قصة واحدة كل يوم ويعرضها على غوركي، الذي كان يقرأ القصة بتمعن، ثم يقول: إنها غير صالحة للنشر. وتكرر ذلك مرات عدة. وأخيرًا تعب كلاهما. وقال غوركي بصوته الجهوري الأجش: «إنك تتخيل أشياء كثيرة تقريبية؛ لأنك لا تعرف الحياة بعد. عليك التوجه إلى الناس، ومعرفة الواقع، واكتساب تجربة ذاتية تساعدك على فهم الحياة، قبل أن تكون قادرًا على كتابة قصة جيدة .
أفاق بابل في صباح اليوم التالي ليجد نفسه -بمساعدة غوركي بطبيعة الحال- مراسلًا لصحيفة لم تولد بعد، مع مئتي روبل في جيبه. لم تولد الصحيفة قط، لكن الروبلات المنعشة كانت ضرورية له. استمرت رحلة بابل في خضم الحياة سبع سنوات (1917: 1924م) كان في أثنائها جنديًّا في الجبهة الروسية – الرومانية إبان الحرب العالمية الأولى، ومراسلًا حربيًّا في فرقة «الفرسان الحمر»، وموظفًا في مفوضية التعليم، ومديرًا لدار نشر في أوديسا، ومندوبًا لبعض الصحف في بطرسبورغ وتبليسي. قطع كثيرًا من الطرق، وشاهد كثيرًا من المعارك. وكان طوال تلك السنوات يكتب ويطوّر أسلوبه. ويجرب التعبير عن أفكاره بوضوح واختصار. وبعد تسريحه حاول نشر نتاجاته، وتسلّم من غوركي رسالة يقول فيها: «ربما الآن يمكنك أن تبدأ .
وليس من قبيل المصادفة ان لكل كاتب عظيم تجربته الحياتية الثرية والمتنوعة التي تشكل منهلا لا ينضب لأعماله الأدبية . همنجواي كان مراسلا حربيا في الحرب العالمية الأولى والحرب اليونانية – التركية ، وخبر عن قرب مآسي الحرب وانطباعاته عنها أصبحت جامعته الأولى ، وانعكست في كل أعماله المبكرة، التي تعتبر مواقف ولحظات من سيرته الذاتية  ، وكان شاهدا على الأزمة الأقتصادية في بلاده ، وزار العديد من البلدان المختلفة .وعاش معظم حياته خارج وطنه  الولايات المتحدة الاميركية ولم يكتب عنها الا الشيء القليل نسبيا .
جون شتاينبك عمل مراسلا لصحيفة "سان فرنسيسكو نيوز " ليس لأنه كان بحاجة الى المال ، بل لأنه أراد أن يخوض في أعماق الواقع الإجتماعي ويجمع المادة الأولية لروايته عن هذا الطريق  ، العمل كمراسل قادته الى معسكر العمال الوقتيين المهاجرين . هكذا ظهرت رواية " عناقيد الغضب " . أما " دوس باسوس " فقد جاب البلاد بحثاً عن المادة الأولية لرواية " مانهاتن " وثلاثية " الولايات المتحدة الأميركية " .
في لقاء صحفي أجراه الشاعر والكاتب الفلسطيني عزالدين المناصرة مع نجيب محفوط عام (1970) في القاهرة. سأله المناصرة : لماذا لم يكتب رواية واحدة عن القضية الفلسطينية؟. ولم يتهرب نجيب من الإجابة، بل قال بوضوح: "هذا يحتاج إلى خبرة ومعرفة ومعايشة"
وهل التجربة الحياتية ضرورية لكل عمل أدبي؟
نجيب: نعم – يجب أن يعيشها الكاتب معايشة واقعية .
كبار الروائيين أمثال بلزاك  وفلوبير وتولستوي ودوستويفسكي  وغوركي ، واندريه موروا ، وترومان كابوتي ، ونورمان ميلر وغيرهم ،  خاضوا في أعماق الحياة ، قبل الجلوس امام طاولة الكتابة.
حقائق الحياة المؤثرة ثمينة بحد ذاتها حتى بمعالجة أدبية بسيطة. ولكن الأدب ليس أثنوغرافيا ، أو تأريخا ، أو علم اجتماع . معرفة شيء ممتع أوشائق والكتابة عنها مهمة الصحفي وليس الكاتب . ثمة ( كتّاب ) تنقلوا بين مهن كثيرة وشاهدوا الكثير من الحوادث الغريبة  وكتبوا عنها ، ولكنهم فشلوا في كتابة عمل فني ناضج. لأن استنساخ الواقع  عجز عن الأبداع . الكاتب المبدع لا يجمع المواد لعمله الأدبي ، بل يعيش في داخل هذه المواد ، ويتفاعل معها ليحولها الى تجربة روحية  يعرض فيها شيئا لم يكن بمقدور القاريء أن يراه لو كان في مكان الكاتب
يبدأ الإبداع عندما يصمم الكاتب في ذهنه نموذجا للموقف  . يرسم صور الشخصيات ، ويطور الفعل . ويملأ الهيكل باللحم والأعصاب . وهنا يتطلب الخبرة الحياتية أين ومتى عاش الأبطال ، ما هي ملامحهم ، وماذا يعملون ، وماذا يلبسون ، وكم يكسبون من نقود ، ويتنقلون بأي واسطة نقل ، وماذا يحيط بهم . الكاتب يتوجه الى ذاكرته وخبرته . وتظهر ملامح الورشة  ، التي عمل فيها في وقت ما ، والأماكن ، التي استجمّ فيها .
فهم المادة الحياتية يعني القدرة على ادراك معنى كبير في حقيقة صغيرة . على الروائي ان يتعمق في جوهر الأشياء ، ولا يكتفي بوصف مظاهرها الخارجية فقط .
 

18
مكسيم غوركي ... نهاية مأساوية لكاتب عظيم

جودت هوشيار

  نال مكسيم غوركي ( 1868 – 1936) شهرة عالمية في اوائل القرن العشرين ، وهو لما يزل شابا في حوالي الثلاثين من عمره وأصبح واحداٌ من الكتّاب الأكثر مقروئية في روسيا والعالم  .

 وفي العهد السوفيتي اطلق اسمه على المدن والشوارع والمصانع والجامعات والمكتبات والمسارح والمتنزهات وحتى بعض السفن والطائرات ، ربما يتبادر الى الذهن اسماء بوشكين وجوجل وتولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف . حقا كان هؤلاء الأدباء هم الأكثر شهرةً وأسماهم مكانةً في الادب الروسي ، ولكن لم يطلق اسماؤهم على المدن , ولم يتم اقامة تماثيل لهم، ولم تدرّس أعمالهم في المدارس والجامعات،عندما كانوا على قيد الحياة .

اذكر جيدا عندما كنت ادرس في موسكو، في الستينات من القرن الفائت ،كان الشارع الرئيسي في قلب العاصمة ، وبارك الثقافة الرحب البديع ، ومسرحين اثنين ، ومعهد الأدب العالمي ، ومحطة مترو ، يحمل اسم غوركي ، وينتصب تمثاله شامخاً أمام محطة قطار " بيلاروسكايا" . أما اليوم ، فاننا لا نجد في موسكو شيئاً يذكرنا بالكاتب العظيم ، ولا حتى زقاقا ضيقاً يحمل اسمه  . فمنذ عهد البريسترويكا حاول العديد من النقاد الروس الجدد ، العاملين في خدمة دور النشر والإشهار التجارية النيل من مكانة غوركي الرفيعة على خارطة الأدب الروسي والعالمي ، والبحث عما يزعم من ازدواجية شخصيته أو غموضها ، وعن اسراره الشخصية الموهومة ، انسجاما مع التوجه السياسي العام في البلاد.

وفي الوقت نفسه  أخذ غوركي يستعيد مكانته السابقة في الغرب بظهور العديد من البحوث العلمية عن حياته الحافلة بالإنجازات الإبداعية والأحداث المثيرة . كيف يمكن تفسير هذا التناقض بين النظرتين الروسية والغربية الى غوركي وتراثه ؟

لم تكن شهرة غوركي مصطنعة أبداً ، ولا نتيجة للدعاية السوفيتية ، وانما جاءت على نحو طبيعي وسريع بعد خطواته الأولى في المجال الأدبي في العهد القيصري . فقد نشر النقاد والباحثون خلال العقد الاول فقط  من نشاطه الادبي ( 1892- 1902 ) ما يقرب من 2000 مقال وبحث عن اعماله. لم يكتب مثل هذا العدد من البحوث عن اي كاتب روسي آخر خلال تلك الفترة . وكان محل اعجاب وتقدير كبار الأدباء وبضمنهم تشيخوف وكورولينكو وليونيد اندرييف .وبلوك وتسفيتايفا ، والنخب المثقفة والقراء العاديين على حد سواء.

انتخاب مكسيم غوركي عضوا في اكاديمية العلوم الروسية عام 1902، أثار حفيظة القيصر نيكولاي الثاني وأمر الأكاديمية الغاء هذا الأنتخاب . وقدم انطون تشيخوف وفلاديمير كورولنكو استقالتهما من الأكاديمية احتجاجا على ذلك .

فقد كان تشيخوف يقدّر عالياً موهبة غوركي ، وقال في احدى رسائله عام 1902 : " إن غوركي موهبة كبيرة وحقيقية ، وهو مصنوع من عجينة الفن .

وقال في رسالة أخرى مؤرخة في عام 1903 : " غوركي كاتب كبير . وهو أول من كتب بازدراء واشمئزازعن ( البورجوازية الصغيرة ) في روسيا والعالم ، في وقت كان فيه المجتمع مهيئا للأحتجاج . سيأتي زمن تنسى فيه أعمال غوركي  ، ولكنه هو نفسه من غير المرجح ان ينسى حتى بعد ألف عام ".

غوركي كاتب استثنائي وجاء "في الوقت المناسب" تماما، ولا اقصد بذلك شعبيته الواسعة ، بل ان اعماله عبّرت عن تناقضات الواقع و عن هموم الكادحين والتطلعات الانسانية والآمال الدفينة للشعب الروسي في العصرالذي عاش فيه، وهذا العصر هو الذي مجّد غوركي واكسبه شعبية هائلة .

عندما كان غوركي في المهجر في مدينة كابري الأيطالية كان يدعو الى ثورة اشتراكية انسانية ، والى احترام الأديان لا محاربتها ، كما كان ينادي بذلك لينين . وكان هذا مبعث خلاف شديد بين الصديقين لينين وغوركي .ولكن الخلاف بينهما لم يصل الى حد القطيعة ذلك لأن كل منهما كان بحاجة الى الآخر. كان الحزب البلشفي بحاجة الى سلطة غوركي المعنوية الكبيرة في روسيا وأوروبا ، وعلاقاته الواسعة مع خيرة الأدباء الغربيين . وكان غوركي بدوره يعتقد ان الحزب البلشقي هو الحزب الوحيد القادر على احداث التغيير في المجتمع الروسي .

ورغم أن غوركي لم يكن عضواً في الحزب البلشفي ، الا أنه قدّم للحزب مساعدات مالية كبيرة من دخله الشخصي ، تقدّر بمئات ألوف الروبلات . وكان هذا مبلغاً ضخماً في ذلك الحين .في وقت كان الحزب يمر فيه بفترة عصيبة في العهد القيصري ، وكان الكاتب يتوقع أن تحقق الثورة آمال الجماهير العريضة ، ولكنه أصيب بخيبة أمل ،. فبدلا من الحرية والمساواة وصيانة الكرامة الأنسانية وصوغ انسان جديد لا يعرف الأنانية ونزعة التملك ويعمل من اجل اسعاد الشعب ، رأى في ثورة اكتوبر1917 "تمردا روسيا شرسا لا يعرف الرحمة ولا معنى له " .

و بين عامي 1917 –1918 نشر غوركي في صحيفة ( نوفايا جيزن ) التي كان يصدرها سلسلة مقالات تحت عنوان " أفكار في غير أوانها " ينتقد فيها البلاشفة نقداً لاذعاً . واطلق على البلاشفة اسماء من قبيل "المتعصبون العميان" و "المغامرون "، وأدان بشدة العنف الفوضوي والقتل المجاني ، والاعتقالات  ،التي لا معنى لها. ودعا المثقفين الى توعية الشعب ، كطريق وحيد للخلاص من العنف اللامبرر . وقد جمع غوركي هذه المقالات في كتاب صدرعام 1918 . ولم تظهر طبعة جديدة منه ،  الا في عام  1990

ورغم الوضع الاقتصادي المتردي واصل غوركي عمله التنويري في تأسيس دور نشر تتولى ترجمة ونشر " الأدب العالمي " . النفوذ المعنوي الهائل للكاتب انقذ عشرات الأدباء والعلماء المبدعين من الإعدام ومئات غيرهم من الإعتقال أو النفي . ولكن محاولاته كانت تصطدم احياناً بعناد السلطة ، فقد أخفق في انقاذ الشاعر " غوميلوف " زوج الشاعرة " آنّا أخماتوفا "من الأعدام ، ولم ينجح في اقناع السلطة بالسماح للشاعر العظيم الكساندر بلوك بالسفر الى ألمانيا للعلاج .وكانت نهاية بلوك المفجعة - الموت مرضا وجوعا - مؤلمة للكاتب الإنساني .

الموقف الذي اتخذه الكاتب في السنوات التي تلت ثورة اكتوبر ، وخاصة دفاعه المستميت عن الأدباء والعلماء المضطهدين ،أثار استياء البلاشفة  وفي مقدمتهم لينين الذي نصح غوركي عام 1921 بالسفر الى الخارج للمعالجة الطبية .وأضاف مازحاً: " وبعكسه سنرحلك " . وادرك غوركي معنى "نصيحة " لينين وغادر البلاد على اثرها .

وكان غوركي يعتزم العودة في غضون بضعة أشهر، ولكن الأمور جرت على نحو مختلف وتأخرت عودته أكثر من عشر سنوات .

عاش في البداية في المانيا . وفي عام 1924 سافر الى ايطاليا واستقر في بلدة (سورينتو) الجنوبية المشمسة .

عندما توفي لينين عام 1924 طلب غوركي أن توضع على النعش نيابة عنه باقة ورد كتب عليها " وداعاً يا صديقي " . ثم شرع بكتابة مذكراته عن لينين تحت عنوان " الأنسان الكبير " وخضعت المذكرات لرقابة شديدة في روسيا قبل ان تنشر في عام 1924. ورد في المذكرات الكثير من التفاصيل المؤثرة. وطيلة اقامته في الخارج ( في ايطاليا اكثر الوقت ) لم ينضم الى المهاجرين الروس ، ولم يهاجم النظام السوفيتي ، بل أخذ موقفا ايجابيا من التحولات الجديدة ومحاولات البلاشفة لتحديث نواحي الحياة في روسيا . لذلك لم يفقد شعبيته في روسيا ولم تعتبره السلطة السوفيتية من المنشقين ، بل بالعكس وجهت اليه دعوات كثيرة من منظمات ثقافية ومهنية للعودة الى البلاد . وجاء غوركي في زيارة الى روسيا عام 1929 لجس النبض والأطلاع على الأوضاع العامة فيها . وقوبل بحفوة شديدة واحتفلت البلاد بالذكرى الستين لمولده بحماس كبير ، واطلق اسمه على الفرع الادبي لجامعة موسكو وانتخب عضوا في الاكاديمية الشيوعية وما الى ذلك  من مظاهر الترحيب والتقدير

خلال هذه السنوات عمل على استكمال الثلاثية المستوحاة من سيرته الذاتية "الطفولة" و"في معترك الحياة" و"جامعاتي" ، كما كتب رواية " قضية أرتامونوف " (1925)، ومسرحية "إغور بوليشيف وآخرون " " (1932)

حاولت السلطة السوفيتية استمالته واغراءه للعودة الى الوطن . وقد زار غوركي روسيا ثلاث مرات في أعوام ( 1928، 1929 ، 1831 ) ، و نظمت السلطة له خلالها جولات الى مواقع انشاء المشاريع الجديدة ، ولكنه لم يزر قط معسكر الإعتقال في جزر" سولوفيتسكي" . كما زعم لاحقاً الكسندر سولجنيتسن في روايته " أرخبيل غولاغ " . وهذه الفرية وأكاذيب مفبركة أخرى شاعت على أقلام سماسرة ( النقد) الأدبي العاملين في خدمة دور النشر والإشهار التجارية بعد تفكك الإتحاد السوفيتي ، من أجل تشويه سمعة غوركي . ولا مجال هنا للخوض في كل الأوهام والأساطير التي تنسج اليوم لأبعاد الجيل الجديد من الأطلاع على أدب غوركي الإنساني ..

وفي يونيو 1933 عاد بشكل نهائي وقام بالاشراف على اصدار سلسلة من الكتب بعنوان "مكتبة الشاعر"، ومجلتين "إنجازاتنا" و "الدراسات الأدبية". ساهم غوركي في الأعمال التحضيرية للمؤتمر التأسيسي لأتحاد الكتّاب السوفيت الذي انعقد في عام  1934. وضعت السلطة السوفيتية على الكاتب العالمي آمالاً كبيرة بوصفه شخصية قادرة على لمّ شتات التيارات الأدبية العديدة وتوحيدها في منظمة واحدة . في حين أن الكاتب نفسه كان بعيداً عن التفكير في السيطرة الشاملة على  النشاط الأدبي .

كانت علاقة غوركي مع ستالين معقدة ،. ولم يثر الزعيم الجديد إعجابه الذي شعر به ازاء  لينين.، وفي الوقت نفسه ، من الواضح أن غوركي بدوره لم يحقق آمال ستالين ..

خصصت الحكومة السوفيتية قصرا لغوركي في موسكو كان يعود الى احد النبلاء الذين استولت البلاشفة على ممتلكاتهم ، كما خصص له منزلا صيفيا للاستجمام على ساحل شبه جزيرة القرم .استغرب العديد من الناس من الفخامة والرفاهية التي احيط به الكاتب البروليتاري ولكن المنازل الفاخرة كانت في الحقيقة " قفصاً ذهبياً " .

كان غوركي في العهد القيصري تحت مراقبة الشرطة، ولكن كان بامكانه  التواصل مع الجميع . والأحتجاج عبر الصحافة ونشر كتبه ومجلاته . اما في العهد السوفيتي ، فأن اقرب اصدقائه لم يكن بوسعهم زيارته دون الحصول على موافقة امنية مسبقة وقد احيط قصره بحراسة مشددة ومنع الناس من الأقتراب منه كمنطقة محرمة .

في عام 1934، توفي ابنه الحبيب مكسيم، بشكل غير متوقع - كان السبب الرسمي المعلن للوفاة هو الالتهاب الرئوي المزمن، ولكن العديد من افراد عائلته ، بمن فيهم غوركي نفسه، لم يصدقوا ذلك ، وأيقنوا أن موته كان مدبرا . وان هذا تحذير للكاتب الذي رفض كتابة رواية عن ستالين أو سيرته الذاتية .

 ومنذ بداية عام 1935، كان غوركي قيد الإقامة الجبرية عمليا بذريعة "ضمان سلامة الكاتب البروليتاري العظيم " ..

وكان هذا العزل تمهيدا لقتله . وفي عام 1935 طلب غوركي السماح له بالسفر الى المانيا أو ايطاليا للعلاج ولكن ستالين رفض ذلك بشدة .

من قتل غوركي ؟

في 6 يونيو 1936 اعلنت الحكومة السوفيتية تردي صحة غوركي منذ بداية الشهر ، ولكن التقارير اليومية  الصادرة عن الحالة الصحية للكاتب كانت سخيفة ومشوشة ومتناقضة وحافلة بالثغرات والكذب الصريح من اجل تهيئة الراي العام لقبول فرضية الوفاة الطبيعية للكاتب الشهير، التي اعلنت في 18 يونيو  1936.

. تم تشريح جثة غوركي على عجل فور مفارقته الحياة ، وعلى طاولة الطعام في بيته الريفي . تم استخراج الأحشاء وخياطة الجثة بخشونة ، وتمّ رمي دماغ المتوفي في دلو و نقله الى معهد الدماغ في موسكو .تقرير التشريح يشير الى ان الوفاة نجم عن التهاب حاد في الفص السفلي من الرئة اليسرى . تم حرق ما تبقى من الجثة وحفظ رمادها. كان ستالين في مقدمة من شارك في مراسم جنازة الكاتب وحمل نعشه ،وقد تم دفن الرماد في جدار الكرملين على خلاف وصية غوركي بدفنه بجوار ضريح إبنه في مقبرة " نوفي ديفيتشه" في موسكو .

في مارس عام 1938 اتهمت الحكومة السوفيتية رسميا اعداء الشعب  - الجناح التروتسكي داخل الحزب - بقتل غوركي . حيث جرت محاكمتهم والحكم عليهم بالاعدام . مرافعة المدعي العام السوفيتي خلال المحاكمة تضمنت تفاصيل (اعترافات) المتهمين وتحليلا للأسباب التي دفعت المتهمين الى قتل غوركي  ووصفا لطريقة القتل .

المدعي العام كان متناقضا في مرافعته حول كيفية قتل الكاتب ، فقد قال مرة انه  قد تم تسميمه ، ومرة اخرى قال ان الطريقة الخاطئة المتعمدة ، التي عولج بها هي التي سببت المضاعفات  وادت الى وفاة الكاتب .وأشار الى خلاصة  تقرير خبراء دون أن يسميهم بان غوركي مات نتيجة حقنه بجرعة كبيرة من المورفين  وفي النهاية تم اعدام عدد من الذين كانت لهم علاقة بمعالجة الكاتب – ثلاثة قياديين في جهاز المخابرات بضمنهم رئيس الجهاز يهوذا واثنين من الاطباء المعالجين .

بعد وفاة الكاتب بدأ البحث عن أرشيفه الإيطالي. وكان يتضمن مراسلاته السرية المتبادلة مع عدد من قادة الحزب والأدباء البارزين المعارضين لستالين ، الذين تمت تصفيتهم . كان الارشيف يقلق ستالين فقد كان هناك رسائل من بوخارين، وريكوف ، وكامينيف وآخرين من قادة الجناح التروتسكي في الحزب .

ماريا بودبيرغ سكرتيرة الكاتب في سورينتو بايطاليا ، التي كانت امراة قريبة من غوركي بكل المعاني ، جلبت هذا الارشيف الى موسكو بتكليف من جهاز المخابرات . وخلال تشييع جنازة غوركي كانت تسير وراء ستالين مباشرة.

وظل لغز موت غوركي غلمضا الى نهاية القرن العشرين عندما تم نشر الوثائق السرية ذات العلاقة بغوركي المحفوظة في ارشيف الرئاسة السوفيتية .

وقد توصلت " لجنة اعادة الإعتبار الى أولئك الذين تعرضوا للقمع بطريقة غير مشروعة في عهد ستالين " الى براءة بعض الأطباء المعالجين لغوركي من التهم الموجهة اليهم ، ولكن اللجنة لم تبرأ يهوذا والمختبر البايولوجي السري التابع لجهاز المخابرات . تم حقن الكاتب المريض بمصل دم ملوث بالبكتريا ، تم جلبه من المختبر المذكور ، وهو مصل لم يكن خطيراً بالنسبة الى الأصحاء ، ولكنها كانت قاتلة بالنسبة الى رجل مسن مصاب بمرض السل المزمن منذ سنوات عديدة .

كتب رجل الأمن المسؤول عن حماية قصر غوركي قي مذكراته يقول : " ان العديد من الأطباء أبدوا استعدادهم لمعاجة الكاتب المريض ، ولكن طلباتهم رفضت كلها. وأن الأمبولة التي أرسلها القنصل الروسي في باريس وزعم أنه اكتشاف جديد وباهر بشفاء المريض . ولكن هذا المصل هو الذي أدى الى تفاقم حالة غوركي الصحية وموته" .

 ترى لمصلحة من كان ازالة غوركي ؟ هل قام يهودا بهذا العمل بناءً على أوامر ستالين أم من دون علم الأخير ؟ يزعم بعض الباحثين أن المعارضة التروتسكية داخل الحزب البلشفي هي التي قامت بتصفية غوركي ، ولكن ذلك يناقض الواقع ، ذلك لأن قادة التروتسكيين الذين تمت ادانتهم والحكم عليهم بالأعدام كانوا من أصدقاء غوركي مثل كامينيف الذي انقذه غوركي من النفي قبل ذلك بسنوات . ونرى أن السبب الحقيقي لتصفية غوركي وازالته هو التمهيد للحملات القمعية الشهيرة والمحاكمات الصورية بين عامي 1937 -1838 التي كان ستالين يستعد عن طريقها تصفية المعارضة لحكمه الدكتاتوري المطلق سواء داخل الحزب أو في أوساط المثقفين . ويقول تقرير رسمي أعده جهاز المخابرات بناء على طلب خروشوف بعد وفاة ستالين ، ورفعت السرية عنه في سنوات البريسترويكا : "أن معدل عدد المعدومين بتهمة معارضة النظام بلغ خلال عامي 1937-1938 حوالى الف شخص يوميا ". ولا شك أن السلطة المعنوية الهائلة للكاتب الإنساني العظيم كانت ستقف عائقا امام ستالين لتنفيذ مخططه الدموي ، نظراً لمعارضة الكاتب الشديدة لكل أنواع العنف اللامبرر .

كان ستالين يحاول استغلال اسم الكاتب وهيبته ونفوذه المعنوي الهائل لكسب الرأي العام ، وليس كشخص له رأيه الخاص في ما يجري في البلاد. لقد ظل غوركي لمدة اربعين عاما سلطة اخلاقية حتى بالنسبة لأولئك الذين كرهوا حلفائه السياسيين .

كانت اعمال غوركي قوة دافعة لحركات التحرر في العالم بأسره ، وخاصة في البلدان التي كانت شعوبها ترزخ تحت أنظمة حكم رجعية ومنها العراق . وحتى اليوم نجد أن ثمة مئات العراقيين الذين يحملون أسماء بعض أبطال روايات غوركي مثل بافل وإيفان وغيرهما

رشح غوركي خمس مرات لنيل جائزة نوبل في الاداب .وكان من ضمن المرشحين لنيلها عام 1933 ولكن الجائزة ذهبت ذلك العام الى الكاتب الروسي ايفان بونين – والأخير كاتب كبير بلا شك ويستحق الجائزة عن جدارة - ولكن العديد من الكتاب والشعراء الروس كانوا يرون ان غوركي احق من بونين لنيل الجائزة  .وكتبت الشاعرة العظيمة مارينا تسفيتايفا تقول " أنا لا أحتج، ولكني فقط غير موافقة ، لأن غوركي كاتب اهم من  بونين ، وأكثر إنسانية، وأكثر فرادة ، وأكثر ضرورة . غوركي هو عصر بكامله ، وبونين هو نهاية عصر. ولكن هذه هي السياسة، لأن ملك السويد لا يمكن أن يمنح الجائزة إلى كاتب بروليتاري " .



19
المنبر الحر / ورش قتل المواهب
« في: 07:07 09/04/2018  »
 

ورش قتل المواهب

جودت هوشيار                 

               

انتشرت في العالم العربي خلال السنوات الأخيرة ظاهرة إقامة الورش ( الإبداعية ) لتعليم فن الكتابة السردية لمن يطمح أن يكون كاتباً قصصياً أو روائياً . والحق أن فكرة إقامة مثل هذا النوع من الورش تعود الى البلاشفة الروس الذين أرادوا –في السنوات التي تلت ثورة اكتوبر 1917  - تعليم العمال والفلاحين الشباب ، من خريجي المدارس الإعدادية تقنيات الكتابة الأدبية وخاصة النثر الفني ، ليحلوا محل الأدباء (البورجوازيين ) حسب زعمهم .ولكن هذه التجربة فشلت فشلاً ذريعاً ولم تخلق أي روائي أو قصصي مبدع حقيقي ، الا من كان في الأصل صاحب ( موهبة ) أدبية .

الموهبة –فطرة مطبوعة تظهر في سنوات الشباب المبكرة  وتصقل مع اكتساب الخبرة ، وقد تتحول بإدمان المزاولة وطول العلاج الى مهارة لا يمكن لمعظم الناس الوصول إليها ، وهي تسمح لصاحبها تحقيق أكبر قدر من النجاح في مجال تجليها. قد يكون الشخص موهوبا في عدة مجالات من النشاط الأنساني ، ولكن الموهبة غالباً ما تقتصر على مجال أو نشاط واحد .

واصل كلمة موهبة ( تالينت ) في اللغتين الأنجليزية والفرنسية و( تالانت ) في اللغة الروسية ، يرجع الى اسم عملة فضية يونانية قديمة (حوالي 400 سنة ق.م) .  وفي العهد الجديد ( الجزء الثاني من الكتاب المقدس لدى المسيحيين ) مثال عن العبيد الثلاثة الذين أعطاهم مالكهم عددًا من (المواهب الفضية ) قبل سفره ، وطلب منهم التصرف بها خلال فترة غيابه . دفن أحد العبيد موهبته في الأرض ، وتمكن الثاني والثالث – من استثمارها في زيادة رؤوس أموالهما. وبعد عودة المالك ، سأل عبيده الثلاثة عما فعلوا بمواهبهم . استخرج العبد الأول موهبتة الوحيدة من تحت الأرض ،فعاقبه المالك بإستعادة الموهبة منه وأعطاها لعبد آخر ، كان قادرا على مضاعفة مواهبه أكثر من أي شخص آخر.. وقدم العبدان الآخران موهبتهما مع أرباحهما ، فأشاد بهما المالك ووعد بتكليفهما بمهمة الإشراف على الكثير من ممتلكاته لكونهما مخلصين. وفي العصور الحديثة انتشرت كلمة "الموهبة" بالمعنى المجازي: كهبة ربانية، او فرصة ينبغي عدم اهمالها ، بل السعي للأستفادة منها في سبيل خلق  شيء جديد.

الورش ( الإبداعية ) لا طائل فيه لمن لا يجد الموهبة في فطرته . وهي لا تصنع كاتباً مبدعاً، لأن الإبداع يعني التفرد والخلق . وقد يتعلّم البعض تقنيات الكتابة النمطية الى هذا الحد أو ذاك في مثل هذه الورش ، ولكن الكتابة النمطية هي عجز عن الإبداع الحقيقي ، ان لم تكن قتلاً للموهبة عن طريق توجيهها الى كتابة نمطية لا قيمة لها . فالإبداع هو أن تخلق عالمك الإفتراضي الخاص الذي لا يشبه أي عالم آخر . وأسلوبك المتميز الذي لا يمكن تقليده . وكما يقول ( بيفون ) الأسلوب هو الإنسان ..

ذات مرة كان الكاتب سنكلير لويس يحاضر عن المهارات الأدبية في احدى الورش (الأبداعية) ووجه سؤالاً الى الطلبة المتدربين :

- هل أنتم جادون في أن تصبحوا كتاباً ؟

فأجابوا بصوت واحد : أجل

فرد عليهم سنكلير قائلاً: اذن لماذا أنتم هنا ولستم في بيوتكم لتكتبوا !

 


20
زوشينكو .. الساخر الحزين
*جودت هوشيار        
في ديسمبر عام 1921 ، ضجّ المنضّدون بالضحك ، عندما كانوا منهمكين في طباعة أول مجموعة قصصية ساخرة، لكاتب ناشيء اسمه ميخائيل زوشينكو ، تحت عنون :" حكايات نزار ايليتش - السيد سليبريوخوف ". وقال مسؤول المطبعة : " لم أسمع طيلة عملي في هذه المطبعةعمالنا يغرقون في الضحك هكذا، هذا الكتاب سيلقى نجاحاً ".
صدر الكتاب في اوائل عام 1922 وتحققت نبؤءة مسؤول المطبعة ،ونفد الكتاب من السوق خلال عدة أيام ، وأخذت دور النشر والمجلات تتسابق في نشر نتاجاته الجديدة . ولكنها عجزت عن ملاحقة الطلب المتعاظم عليها ، فقد كان الناس يتلقفون كتاباته ويشغفون بقراءتها ، ويجدون فيها لذة ذهنية لا تعدلها لذة ، وترى كتبه في أيدي القراء في كل مكان : في المقاهي ، وعربات القطار، وحافلات الترام . ويتحدث الناس عن قصصه التهكمية الساخرة ، و يَرْوُونَها لبعضهم البعض ، وكأنها قصص حقيقية حدثت فعلاً . ذاع صيت زوشينكو في انحاء البلاد ، وبحلول منتصف العشرينات اصبح من أحب الأدباء الى الجمهور القاريء، وأكثرهم شهرةً وشعبية في روسيا.
ولم تقتصر شهرة زوشينكو على روسيا ، فقد أصبح معروفا في الدول الغربية أيضا منذ أن نشرت مجلة " القرص الأحمر" البلجيكية قصته المعنونة " فكتوريا كازيميروفنا" مترجمة الى اللغة الفرنسية في عام 1923 . وكان ذلك أول عمل أدبي ( سوفيتي ) ينشر في الغرب بعد ثورة اكتوبر. 1917 . ثم تتابعت ترجمة أعماله الى أهم اللغات الحية في العالم .
إستطاع هذا الكاتب أن يبدع لنفسه اسلوباً خاصاً يميزه عن غيره من الأدباء ، وانفرد بينهم  بروح الفكاهة الساخرة وبالتهكم الشديد اللاذع الذي لا يضارعه احد في هذا الفن  في الأدب الروسي حتى يومنا هذا ..
وخلال خمسة أعوام (1926-1922) صدر لزوشبنكو 25 مجموعة قصصية ، بمعدل خمس مجموعات سنوياً ، وصدرت من كل مجموعة خمس او ست طبعات متلاحقة . وبلغ إجمالي عدد طبعات كتبه 130 طبعة خلال تلك الفترة .
أثارت أعمال زوشينكو إهتمام الأوساط الأكاديمية . وصدر اول كتاب نقدي عن إبداعه في عام 1928 .ضمن سلسلة ( أساتذة النثرالمعاصر ) .وفي الفترة من 1929 إلي 1932 صدرت أعماله الكاملة في ستة أجزاء .
أسلوب زوشينكو
وصف زوشينكو في اعماله الحياة اليومية ، بمفارقاتها المضحكة ،ولا معقوليتها ، وظلمها ، بلغة ووجهة نظر انسان شبه مثقف ، طحنته سنوات الثورة والحرب الأهلية الروسية . بطل جديد، لم يقرأ نيتشة أو يسينين ، وتحدث بلغة هجينة هي خليط من اللغة العامية والكليشيهات البيروقراطية للنظام القائم ، والتي تترك اثرا سخريا مضحكا بسبب التنافر الصارخ بين الحقيقة والخطاب الحماسي المستخدم في نقلها .
تقع بعض احداث قصص زوشينكو في الشقق المشتركة بين عدة عوائل ، حيث تسكن كل عائلة في احدى غرف الشقة . وثمة حمام واحد ومطبخ مشترك بين تلك العوائل ، مما يؤدي الى مشاجرات كثبرة بينها لأتفه الأسباب ، وتقع قصص اخرى في اماكن عامة مثل عربات القطار أو الترام أو المسرح أو المستشفى . وهذه القصص تشكل بمجموعها بانوراما واسعة وشاملة لكل جوانب الحياة اليومية في روسيا خلال العشرينات من القرن الماضي .
لا نجد بين ابطال وشخصيات قصص الكاتب ، قادة الحزب و بناة (الجنة ) الإشتراكية المزعومة ، وغيرها من الموضوعات الرائجة في اتلك السنوات  ، وهي الموضوعات التي كتب عنها زملاؤه في جمعية " اخوان سرابيون " فسيفولد ايفانوف ، فيدين ، تيخونوف .في حين ان شخصيات قصص زوشينكو بعيدة عن ايديولوجيا الثورة .
في مقاله "عن الكوميديا في أعمال تشيخوف"، صاغ زوشينكو مفهومه عن السخرية : " السخرية من الأكاذيب والغباء والنفاق والخنوع والغطرسة .
سخّر زوشينكو في اعماله من البيروقراطية والفساد والنفاق .وقد قدّر القاريء العادي اسلوب زوشينكو  التهكمي هذا ، وابدت النخب الفكرية القديمة والجديدة اعجابها بدقة تصوير الكاتب للواقع الجديد ، الذي تراجعت فيه مفاهيم الانسانية والرحمة لآماد طويلة قادمة ،  في حين راى فيه البلاشفة خطراعلى نظامهم الأستبدادي ..
لغة جديدة وبطل جديد
جرى خلال سنوات الحرب الأهلية  تغيير ديموغرافي لم يسبق له مثيل نتيجة لنزوح السكان بأعداد غفيرة من منطقة الى أخرى بحثا عن الأمان ولقمة العيش ، وادى ذلك الى اختلاط اللهجات وظهور لغة هجينة . وكان زوشينكو أول من لاحظ ذلك بنظرته الثاقبة .
أيطال قصص زوشينكو هم أصدق ممثلي الأمة الروسية الجديدة ، التي أخذت تتشكل بعد ثورة اكتوبر1917 ، وتتكلم بلغة تختلف كثيراً عن اللغة التي كانت سائدة في العهد القيصري.
في روسيا القيصرية كان لكل شريحة اجتماعية خصائصها ومعاييرها الثقافية والأجتماعية المميزة –  النبلاء ، العمال، الفلاحون ، العسكريون ، رجال الدين – وكان المنتمون الى كل شريحة من هذه الشرائح ، يتحدثون بلغتهم أوالفاظهم الخاصة ،التي تميزهم عن غيرها ، كما نلاحظ ذلك في الأدب الروسي الكلاسيكي ، الذي سجل هذا التمايز بدقة مذهلة.
كانت هذه الشرائح تتعايش قبل الثورة ، ولكنها تحافظ على اعرافها واساليب حياتها ، ولا تندمح بغيرها . وما ان تسمع الواحد منهم يقول بضع عبارات حتى تعرف الشريحة التي ينتمي اليها : هل هو فلاح ام اقطاعي ، عامل ام رجل دين ؟ . ولكن هذه الشرائح المغلقة على نفسها ، والمعزولة عن بعضها البعض اختفت سريعا بعد انتصار الثورة البلشفية وتشكل – في الظروف الجديدة - مجتمع شبه متجانس اجتماعيا وثقافيا ولغويا..
ابطال زوشينكو - مهما تباينت انتماءاتهم الاجتماعية والمهنية - يتحدثون جميعا بلغة واحدة جديدة في تكوينها المعجمي ، وهي تختلف عن لغات الشرائح القديمة ، فهم يتحدثون بلغة مشتركة زاخرة بالألفاظ العامية الشائعة والعبارات الجاهزة الدخيلة عليها من القاموس الحماسي الدعائي للبلاشفة ، وهذه اللغة هي لغة الراوي الذي هو البطل الرئيسي في أغلب أعمال زوشينكو .
مشاركة الكاتب في الحرب العالمية الأولى والحرب الأهلية ، والمهن العديدة التي مارسها قبل تفرغه للأدب ، ساعدته على معرفة الأوساط الأجتماعية المختلفة و خصائصها اللغوية والثقافية وعاداتها واعرافها وقيمها الأخلاقية والروحية ،
الكل لاحظ  لغته غير العادية والغريبة . وقال الكاتب زمياتين : " أن زوشينكو يستخدم اللغة المحكية بمهارة في بناء الجمل : ترتيب الكلمات ، وصيغ الأفعال ، واختيار المترادفات – كل هذا من دون أي خطأ " . وقد شبه مكسيم غوركي لغة زوشينكو ب" خرز معجمية متنوعة ".
أدب الفقراء
في عام 1927 وبناء على طلب ادارة مجلة "بيغيموت " الفكاهية الساخرة كتب زوشينكو سيرته الحياتية الحافلة بالتهكم ويقول فيها  : " هناك وثيقتان مختلفتان عن مكان وتأريخ ولادتي ، ويبدو ان احداهما مزيفة ، ولكن يصعب معرفة أيهما حقيقية ،لأن الوثيقتين كلتاهما رديئتان. وجوابا عن سؤال حول اكثر المهن المثيرة للأهتمام ، التي مارسها في حياته يقول : " مدير البريد والتلغراف ، مربي الأرانب والدجاج ، شرطي الحراسة ، والآن أمارس مهنة متواضعة وهي الكتابة ، ويبدو أنها المهنة الأخيرة في حياتي . واشعر بالأسى لأنني توقفت عندها ، فهي مهنة سيئة جداً ... اللعنة ... انها المهنة الأسوأ من بين اثنتي عشر مهنة مارستها لحد الآن ".
ينحدر زوشينكو من عائلة نبيلة ، إيطالية الجذور ، وان كانت غير ميسورة . وسعى الى الإنسلاخ عن طبقته، وكان يشعر – على نحو حاد - بذنب لم يرتكبه . وجاء في رسالة له الى مكسيم غوركي :" عندما اجلس الى طاولة الكتابة احس بذنب ما او ذنب ادبي – ان صح التعبير- انني اتذكر الادب القديم ادب ما قبل الثورة . شعراؤنا كتبوا عن الزهور والعصافير، في وقت كان ثمة ملايين الناس الأميين البؤساء ... كل هذا يرغمني على إعادة النظر في عملي من جديد ، وأتجاهل وضعي المريح والمحترم " .
هكذا ولد نثر زوشينكو ، الذي أطلق عليه خصومه اسم  أدب الفقراء . وجاء في مقال له بعنوان " عن نفسي ، وعن النقد ، وعن عملي " : " ثمة راي يقول ان المطلوب اليوم هو تولستوي الاحمر ، الذي يروج له بعض دور النشر غير الحذرة ، ولكن الوسط الذي يعيش فيه الكاتب الان – يتطلب بالطبع ليس تولستوي الاحمر . المطلوب اليوم شكل ادبي جديد صغير، ارتبط في السابق بتقاليد ادبية سيئة " . أي أن زوشينكو يطالب ليس بكتابة روايات حماسية طويلة  لتجميل الواقع البائس ، على النحو الذي يريده البلاشفة ، بل نصوصاً قصيرة مكتوبة باسلوب سهل يفهمه القاريء العادي ، ولكن القصص القصيرة التي كانت تنشرها الصحف الروسية في العهد القيصري لم تكن تحظى بإحترام النقاد والنخب الثقافية الى أن جاء تشيخوف ورفع القصة القصيرة الى مصاف الفن الرفيع . الأسلوب الجديد فرض على زوشينكو متطلبات لغوية مبتكرة . كتب زوشينكو ذات مرة يقول :" أنا أكتب بإيجاز جدا" وبعبارات قصيرة، مفهومة من قبل الفقراء . ربما هذا هو السبب  ان لدي الكثير من القراء .
زوشينكو والنقد الأيديولوجي
على الرغم من الشعبية الواسعة لزوشينكو ، التي لم يكن يحظى بها أي كاتب روسي آخر والتقييم الأيجابي لأعماله ، والأعتراف بموهبته الكبيرة من قبل كبارالأدباء ، الا أنه اصبح منذ منتصف العشرينات هدفا للهجوم والأساءة والتجريح ، حين شرع ستالين بتشديد قبضته على السلطة وتضييق الخناق على حرية التعبير وفرض الرقابة على المطبوعات .
كان الرقباء والنقاد البلاشفة ، يقيّمون النص الادبي من حيث الاهمية الاجتماعية – السياسية ، حسب المنظور البلشفي ، وليس حسب قيمته الفنية والجمالية . وكان غياب ايديولوجية واضحة لدى زوشينكو قد أتاح لهؤلاء مبرراً لتخوينه ووضعه في خانة أعداء الثورة والبناء الإشتراكي. وربما كان أقوال زوشينكو نفسه ، هو الذي شجع النقاد الماركسيين على التمادي في الأستخفاف بنتاجاته والصاق التهم به . فقد كتب زوشينكو في سيرته الذاتية المنشورة في عام 1922 تحت عنوان " عن نفسي ، وعن الأيديولوجيا وعن بعض الأشياء الأخرى " يقول : " لست شيوعياً ، ولا أنتمي الى أي حزب ، وليست لدي أية أيديولوجيا " .
االموضوعات الصغيرة عن الحياة اليومية ، وتصوير الانسان الغارق في مستنقع الحياة البائسة ومشكلاتها ، مع التركيز على جوانب الحياة القبيحة والسلوك الأنساني المتخلف أدى أن يرى النقد الرسمي في اعماله ارتباطا بأعداء الثورة . ومقارنة الراوي في قصصه بالأنسان الصغير بمعناه السلبي . كتب زوشينكو معظم قصصه بضمير المتكلم (أنا) ، وكان ضيق افق الراوي يفسر كتطبيق فني لمزاج المؤلف المعادي للثورة وتتناقض مع الشعارات الثورية عن اعادة بناء العالم وصوغ انسان جديد. واتهمه النقد الرسمي بتشويه الواقع واصطناع لغة لا يتكلم بها أحد في المحتمع السوفيتي .
رسائل الى الكاتب
ورداً على هذه المزاعم نشر زوشينكو في عام 1929 كتابا فريدا في بابه اطلق عليه اسم  " رسائل الى الكاتب " . كان الكاتب يتلقى بومياً عشرات الرسائل من القراء . وقد اختار من بينها حوالي خمسين رسالة لنشرها في هذا الكتاب مع تعليقاته عليها .وكانت هذه الرسائل – بصرف النظر عن تباين أصحابها من حيث الموقع الأجتماعي والمهنة ، مكتوبة باللغة التي يكتب بها زوشينكو، والتي اعتبرها النقاد البلاشفة لغة غريبة عن الانسان السوفيتي الجديد . وكتب زوشينكو في هذا الصدد يقول : "  انهم يفكرون في العادة – يقصد النقاد البلاشفة -  انني اشوه اللغة الروسية الجميلة لجعل الجمهور المحترم يضحك .انني اكتب باللغة التي يتحدث ويفكر بها رجل الشارع ".
الساخر الحزين
في عام 1926 جاء مريض شاحب الوجه ، منهك القوى ، الى عيادة طبيب نفسي مشهور . كان المريض يشكو من كرب لا يعرف سببه، ومن اللامبالاة، ويعاني من الأرق وفقدان الشهية للاكل. بعد فحصه، نصحه الطبيب بقراءة القصص الفكاهية ، وخاصة قصص زوشينكو ، لأنها أفضل علاج لحالته . وأضاف الطبيب يقول : " ربما سيبدو لك كاتباً بروليتارياً بسيطا  لكنه كاتب فكاهي كبير. تنهد المريض بحزن وقال  : " دكتور – أنا زوشينكو ".
قال الشاعر والكاتب الروسي كورني تشوكوفسكي ( 1969-1882) لزوشينكو  : "ميشا - أنت أسعد رجل في الإتحاد السوفيتي . لديك الشباب ، والشهرة ، والموهبة ، والمال. وعلى 150 مليون شخص هم سكان البلاد ان يشعروا بالحسد منك ". كان زوشينكو محل إعجاب النساء بوسامته وأناقته ومجده الأدبي ،ولم يكن بوسعهن مقاومة سحره الجذّاب ، وسلوكه المهذب كجنتلمان من طراز رفيع . ولكن الرجل الساخر الذي أسعد  ملايين القراء لم يكن سعيدا في حياته قط ، وعانى من الاكتئاب المزمن بعد أن فشل في التأقلم مع الواقع السوفيتي المرير .
ثمة بين مؤرخي الأدب الروسي من ارجع كآبة زوشينكو الى حرمانه من العطف والحنان بعد وفاة والده وهو ما يزال صبيا يافعا ، وحياة الفاقة التي عاشها مع والدته ، وثمة من يرى ان سبب كآبته هو تسممه بالغاز السام حين تعرض الوحدة العسكرية التي كان يقودها الى هجوم ألماني بالغاز السام خلال احدى معارك الحرب العالمية الأولى. تصرف زوشينكو خلال هذا الهجوم يدل على حرصه على سلامة جنود وحدته أكثر من اهتمامه بسلامته الشخصية  حيث نبه الضابط الشاب جنوده بضرورة ارتداء الواقيات في حين أنه نسى نفسه ، وترك الغاز السام أثراً بالغاً على صحته ،واعفي على اثرها من الخدمة العسكرية في الجيش القيصري . ولكننا نرى أن كآبته ناجمة عن بؤس الواقع السوفيتي الذي لا مكان فيه لمثقف يفكر ، ولا لكاتب يكشف عن زيف البروباغاندا السوفيتية عن الحياة السعيدة في دولة العمال والفلاحين . وقد جاهد زوشينكو للتغلب على كآبته وكتب يقول : " حاولت تغيير المدن والمهن. أردت الهروب من هذا الكرب الرهيب. شعرت أنه سوف يدمر حياتي " . "
قال الشاعر العظيم اوسيب ماندلشتام - الذي عرف بالنقد اللاذع لزملائه الأدباء ، ولم يسمع منه أحد مديحاً لكاتب أو شاعر ، ولم يستثن من نقده الجارح حتى الشاعرة الكبيرة آنّا أخماتوفا ، قال ماندلشتام عن زوشينكو : " لدينا الكتاب المقدّس عن العمل والشغيلة ( يقصد أدب زوشينكو ) ولكننا لا نقدره ، وندوس على مؤلف الكتاب باقدامنا في الوحل . إنني أطالب بإقامة تمثال لزوشينكو في كل مدينة ، وفي كل بلدة ، او في الاقل تشييد نصب تذكاري له في الحديقة الصيفية ، كالنصب الذي اقمناه لجدنا كريلوف .
 كان يبحث باستمرار عن طرق للعلاج من الحزن الثقيل الذي كان جاثماً على صدره . والحياة التي عاشها " سبد الضحك " لم تكن سعيدة قط ، بل مأساة إنسانية مؤلمة .
لم تكن الكآبة تفارق زوشينكو الا عندما يندمج بكل جوارحه في أجواء القصة التي يكتبها . كان الضحك سلاحه لمواجهة الحزن والكرب ومقاومة الوسط المحيط به . وصف زوشينكو في يومياته كيف غرق في ضحك شديد عندما شرع ذات ليلة ً بكتابة قصة " الحمّام العمومي " وكتب يقول :
" منذ السطور الأولي غرقت في نوبة ضحك شديدة ، واخذت أضحك بصوت أعلى فأعلى ، الى ان وقع القلم والدفتر من يدي . وشعرت بألم في بطني من شدة الضحك . جاري أخذ يدق الحائط الفاصل بيننا . أنه موظف حسابات وعليه أن يستيقظ في وقت مبكر غدا . ويبدو أنني أيقظته من النوم . صرختُ معتذراً : عفواً بيوتر الكسيفيتش ! . مرة اخري تناولت القلم  والدفتر وواصلت الكتابة . وضحكتُ مرة أخرى وأنا أدفن وجهي في المخدة . وبعد عشرين دقيقة كنت قد  أنهيت كتابة القصة . وأنا آسف لأنني كتبتها بهذه السرعة . اجلس وراء طاولة الكتابة لأعيد كتابتها بخط جميل ، وانا لا أزال أضحك . وغداً عندما أقرأ القصة في مكتب تحرير المجلة، لن أضحك . بل سأكون كئيباً ومتجهماً " .
البحث عن علاج للكآبة
في عام 1927 تمت مصادرة احد اعداد مجلة " بيغيموت " بسبب نشرها قصة زوشينكو المعنونة " حكاية مزعجة" التي تتحدث عن الرعب الذي ساد جو حفلة عائلية ، بعد أن اتصل احد اصدقاء العائلة من تلفون عمومي مدعيا انه يتحدث من الكرملين . كانت تلك مزحة ثقيلة، أفسدت جو الحفلة ، وأخذ المدعوون ، يغادرون الحفلة خفية الواحد بعد الآخر ، تاركين صاحبة الشقة نهباً للقلق والخوف ، ولم يعد أحد منهم يسأل عنها أبداً خوفاً من الشبهة .
مع اشتداد الرقابة الأيديولوجية الصارمة على المطبوعات تم االإغلاق التدريجي لمعظم المجلات الفكاهية، التي كان الكاتب ينشر فيها ، ولكنه لم ييأس ، بل واصل العمل بهمة ونشاط . في هذا الوقت كان قد أصبح كاتبا معروفا في الغرب . ولكن كان لذلك جانبه السلبي  أيضاً ، فالسلطة السوفيتية كانت تنظر بعين الريبة الى كل كاتب أو شاعر ينشرُ له نتاج ما في الغرب الرأسمالي ، رغم أن كتب زوشينكو المترجمة الى الألمانية دخلت في القائمة الهتلرية السوداء ، وأحرقت ضمن الكتب الأخرى في القائمة . 
في عام 1933 نشرت مجلة " اكتوبر" النصف الأول  من روايته المعنونة " الشباب المستعاد " وهي قصة عالم روسي من علماء الفلك لم يظهر عاطفة نحو الاشتراكية  القائمة بالبلاد دون ان يدري سببا لذلك . كان هذا العالم يرنو الى شبابه ، ويريد ان يستعيد صحته وحيويته ونشاطه في سن الشباب. وبذل حهودا كبيرة في هذا لسبيل ، واخيرا وفق في ذلك كله بفضل قوة ارادته . في هذه الرواية وضع زوشينكو امامه مهمة  التغلب عل كآبته وتعليم الآخرين كيف يفعلون ذلك . وقد أثارت الرواية جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية ، أسهم فيه بعض كبار العلماء الروس.
طريقة للتحرر من الخوف والعبودية
" قبيل شروق الشمس " من أجمل وأعمق مؤلفات زوشينكو ، وتعد نقطة تحول في إبداعه الأدبي ، تخلى فيها عن أسلوبه التهكمي الساخر ، وأخذ يكتب بأسلوب جاد ومختلف عن كل نتاجاته السابقة . وكان الكاتب نفسه يعد هذه الرواية أهم ما كتبه خلال حياته الإبداعية ، وحاز على إعجاب كل من اطلع عليها من اصدقائه المقربين فبل نشرها. كتبت الرواية في خضم الحرب العالمية الثانية عندما كان الإتحاد السوفيتي يخوض الحرب ضد ألمانيا الهتلرية . ولكن هذه الرواية ليست عن الحرب ، بل  كيفية إنقاذ البشر من الخوف والعبودية ، واستبعاد إحتمال نشوب حروب جديدة . نشرت الفصول الأولى من الرواية في مجلة " اكتوبر" عام 1943 ، وتم منع نشر فصولها اللاحقة ، ولم تنشر الرواية كاملة الا في عام 1972
. " قبيل شروق الشمس" هي قصة اراد فيها المؤلف فهم بواعث الخوف والقلق والكآبة التي يصاب بها الإنسان عندما يكون غريبا في الوسط المحيط به ، وفي حالة مقاومة مستمرة له . الأنظمة الشمولية تستعبد الأنسان ، ولكن الشخص الذي يقرأ كتابه، سيتحرر من الخوف ولا يمكن أن يكون عبداً، بل سيكون حراً، وقادرا على السيطرة على نفسه، والتحكم في لاوعيه وغير قابل للتضليل  الدعائي .
الجزء الأكبر والأفضل من الكتاب فصول صغيرة عن سيرة حياة المؤلف . قصص الهزائم المأساوية التي تعرض لها، هزائم الحب، والفشل المهني ، وطائفة من القصص المذهلة عن الحرب العالمية الأولى حيث كان ضابطا برتبة ملازم اول . نصوص رائعة تكشف عن سبب مخاوفه اليوم. وهذا ما اغضب السلطة ،لأن زوشينكو ينخرط في تحليل معاناته في وقت تخوض فيه بلاده حربا ضارية ضد المانيا الهتلرية .ولكن الكاتب يرى ان الأنسان الحر هو الذي بوسعه الحاق الهزيمة بالعدو، وليس العبد الخائف. حقا كانت هناك هوة شاسعة بين نثر زوشينكو العبقري وبين ما كان ينشر خلال سنوات الحرب من أعمال أدبية هزيلة ذات طابع دعائي .
تم منع نشر الجزء الثاني من الرواية بأمر من ستالين شخصيا . وشنت الصحف المركزية حملة شعواء ضد الكاتب اتهمته بالجبن والتهرب من الحرب . رغم أنه تطوع في الجيش السوفيتي منذ اليوم الأول للعدوان النازي على بلاده ، ولكن طلبه رفض ، لعدم لياقته للخدمة العسكرية . ولم يتهرب من الحرب قط طوال حياته ، فقد سبق وأن حصل على أربعة أوسمة حربية لشجاعته الفائقة خلال الحرب العالمية الأولى ، ولم يشفع له حتى إنضمامه الى الجيش الأحمر خلال الحرب الأهلية ( 1920-1918) . كما أنه كتب عشرات المقالات المناهضة للهتلرية خلال الحرب العالمية الثانية . وكان من ضمن الأدباء والفنانين الذين أجلتهم السلطة من لينينغراد المحاصرة الى مدينة ( ألما – آتا ) في عام 1941 ، وهي المدينة التي قصفتها الطائرات الألمانية ووقعت قنبلة على البناية التي كان يسكنها ونجا من الموت بأعجوبة .
المقاتل السوفيتي الذي خرج من الحرب منتصرا ، خيل اليه أنه قد تحرر من الخوف ، ولكن مثل هذا الشخص الحر لم يكن مرغوبا فيه على الإطلاق من قبل النظام الشمولى .
القراء الأذكياء الذين يقدرون الأدب الرفيع يقولون أن رواية " قبيل شروق الشمس " افضل ما انتجه زوشينكو ، حيث سبق زمنه بمائة عام ، كما هوالحال دائما مع الأعمال الأدبية العبقرية .
حكاية القرد الذي اغضب ستالين
في عام 1946 اعادت مجلة " زفيزدا" الأدبية نشر قصة زوشينكو المكتوبة للاطفال " مغامرات قرد  " بدون موافقة المؤلف . وكانت القصة قد نشرت قبل ذلك بعام في مجلة فكاهية للاطفال بموافقة الرقابة ، ودون أن تثير الأنتباه أو النقد. ولكن اعادة نشر القصة ، أثارت هذه المرة موجة عارمة من المقالات التحريضية ضد الكاتب في كبريات الصحف والمجلات المركزية . مقالات أشبه بتقارير المخبرين السريين . فما الذي حدث ؟
الشعب الروسي المستاء من الإجراءات القمعية الستالينية ، لم يجد أمامه سلاحاً سوى التذكير بماضي " القائد العظيم ، أبو الشعوب " .واطلق الروس على ستالين لقب " ماسح الاحذية "  فقد كان ستالين في يفاعته يمارس هذه المهنة – وليس في ذلك غضاضة – ولكن أن يكون "ماسح الاحذية " زعيما مطلقا للأمبراطورية السوفيتية ، فهذا أمر يثير السخرية . وكان كل من ينعت ستالين ب" ماسح الاحذية" يعاقب بالسجن لمدة تتراوح بين خمس الى عشر سنوات .
" قصة " مغامرات قرد " تسرد حكاية قرد هرب من حديقة للحيوانات ،عندما قصفت الطائرات الألمانية تلك الحديقة ودمرت القفص الذي كان يحتجز فيه قرد صغير، فهرب القرد ليقع بين أيدي البشر، الذين أذاقوه من العذاب والألم ما جعله يتمنى العودة الى القفص . وقد وردت في القصة فقرة اثارت غضب ستالين :" هذا هو الكلب جالس ، صغير الحجم ، بني اللون على غرار ماسح الأحذية " . وليس من الواضح ان كان الكاتب قد فعل هذا عن قصد أو بدون قصد ، ولكنه تطابق مصادفة مع ما هو شائع بين الناس ". وعلى اية حال فقد كانت تداعيات ذلك مدمرة لزوشينكو . حيث تم حظر نشر اي نتاج جديد له ، وفصل من اتحاد الكتاب السوفيت ، ومر الكاتب بفترة عصيبة من حياته ، لأن منعه من النشر لم يكن مجرد قطع مورد رزقه ، بل الحكم عليه بالموت ككاتب. واعتزل الحياة في منزله في ضواحي لينينغراد ، ثم استبدله بشقة صغيرة ليعيش من فرق السعر ولو الى حين .
كانت معاقبة زوشينكو  وسيلة لترهيب كل من تسول له نفسه نقد النظام ، او حتى التفكير في ذلك . وجمع ستالين أبرز الأدباء في اجتماع حاشد ،انتقد فيها ما سماه بالأنحراف عن الخط الأيديولوجي للحزب والدولة في مجال الآداب والفنون ، واستشهد بنتاجات زوشينكو كأبرز دليل على هذا الإنحراف وقال : " لا ينبغي على المجتمع ان يعيد بناء نفسه وفقا لزوشينكو ، بل على زوشينكو ان يكيّف نفسه وفقا للمجتمع ، وان لم يفعل ذلك ، ليذهب الى الجحيم .! " . ثم صدر في اغسطس 1946 قرار من الحزب – أعده سيء الصيت جدانوف ، مسؤول القسم الأيديولوجي في الحزب - بتشديد الرقابة على المطبوعات ، وتضمن القرار وصفاَ مهيناً وجارحاً لزوشينكو ، أدي الى تردي حالته النفسية وتحطيمه معنوياً . وربما يتساءل البعض ، لماذا لم يقم ستالين بتصفية زوشينكو ، كما فعل مع بيلنياك وكولتسوف وبابل وماندلشتام وعشرات غيرهم من كبار الكتاب والشعراء ؟ . أعلب الظن أن شعبية زوشينكو كانت كاسحة ، وإعدامه كان سيقابل بأستنكار واسع في الداخل والخارج . لذا قضّل ستالين تصفيته بالتجويع وتحطيمه معنويا ، وقد وفق في ذلك الى حد كبير .
زوشينكو والطلاب الأنجليز
بعد وفاة ستالين تم قبوله مجددا في عضوية اتحاد الكتاب السوفيت في 23 حزيران 1953
وكان يمكن أن يسترجع حياته المهنية ، ولكن وقع حادث عابر لم يكن بالحسبان ، قلب حياته رأساً على عقب . كانت الرقابة الأيديولوجية المتزمتة شديدة كالسابق . ففي 5 مايو 1954 تم دعوة زوشينكو والشاعرة آنّا أخماتوفا  الى لقاء مع  عدد من الطلبة الأنجليز في مقر فرع اتحاد الكتاب في لينينغراد . سأله احد الطلبة عن رأيه في الأتهامات الموجهة اليه ، والى الشاعرة " آنّا أخماتوفا " في قرار الحزب لعام 1946 ، فأبدى زوشينكو عدم موافقته على الإتهامات الموجهة اليه . وأجابت آنا أخماتوفا أنها تؤيد هذا القرار ، وكانت مضطرة الى ذلك لأن ابنها الوحيد كان معتقلاً في سيبيريا . .
وبدأت مرحلة جديدة من اضطهاد زوشينكو وتضيق الخناق عليه ، ففي 28 مايو 1954 نشرت صحيفة ، "لينينغرادسكايا برافدا" تقريرا عن اجتماع عقده فرع الحزب في لينينغراد جرى فيه توجيه نقد لاذع الى زوشينكو لمعارضته العلنية لقرار حزبي . وفي 15 يونيو عقد في مقر اتحاد الكتاب اجتماع لمحاسبة زوشينكو ، وطلبوا منه الأعلان عن ندمه على ما صرح به للطلبة الإنجليز ، وطلب العفو من الحزب واتحاد الكتاب ،  ولكن الكاتب المعتز بنفسه وكرامته القى كلمة ، دافع فيها عن نفسه وفند الأتهامات الموجهة اليه بشجاعة ، وقال أنه على استعداد لتحمل عواقب اعتراضه على ما جاء من وصف مهين لشخصه وأعماله في قرار الحزب لعام 1946 . وكان لكلمته تأثير بالغ في نفوس معظم الحضور ما عدا قادة اتحاد الكتاب الذين تربعوا على منصة ادارة الجلسة – المحاكمة . وساد الصمت في القاعة للحظات ، وكان من الواضح أن زوشينكو قلب الطاولة على من أرادوا اذلاله ، وان معظم الحضور يتعاطف معه . وهنا قطع  رئيس الجلسة " قسطنطين سيمونوف " الصمت وقال : " يبدو أن زوشينكو يستدر العطف " ولم يحقق الاجتماع الغرض الذي انعقد من اجله . وكان نتيجة ذلك ، اشتداد الحملة الصحفية الرسمية ضد زوشينكو ومنعه من النشر وحرمانه من راتبه التقاعدي . ولم تقتصر الحملة الجديدة غل الصحف والمجلات بل ساهمت فيها ايضا الأذاعة السوفيتية . وهي الأذاعة الوحيدة التي كانت متاحة للمواطنين السوفيت بعد مصادرة أجهزة الراديو من السكان مع بدأ الحرب الروسية الألمانية في منتصف غام 1941 . وبطبيعة الحال كانت هذه ضربة عنيفة وجهت الى زوشينكو . ثم اختفى اسم الكاتب تماما . ولكن أصدقاؤه القدامي من الكتاب (تشوكوفسكي ،  تيخونوف ، ايفانوف ، كافيرين ) دافعوا عنه ,وتمكن زوشينكو بشق الأنفس من  نشر كتاب واحد يضم مختارات من أعماله في ديسمبر 1957 . وقد تعمدت دار النشر الحكومية التي نشرت الكتاب استبعاد روائع زوشينكو واختيار اعماله الأقل جودة ، لأعطاء فكرة خاطئة عنه للجيل الجديد . 
فضى زوشينكو السنوات الأخيرة من حياته مريضا ومحطما نفسيا وفي فقر مدقع بعد حرمانه من راتبه التقاعدي ، وبطاقته التموينية ، وكان معظم أصدقائه القدامى يخشون من زيارته مخافة الشبهة ، ولولا صديقه الوفي كورني تشوكوفسكي  لمات جوعا .  ونظرا لمنع كتاباته اضطر الى ترجمة روايات أجنبية عديدة على امل الحصول على ما يسد رمقه ، ولكن دور النشر اشترطت عليه أن لا يذكر اسمه كمترجم على اغلفة تلك الروايات . واضطر الى ممارسة مهنة صنع الأحذية التي تعلمها في شبابه . وعندما توفى في تموز 1958 رفضت السلطات في لينيتغراد دفنه في مفبرة الكتّاب، فتم دفنه في مقبرة الضاحية التي سكنها في سنواته الأخيرة.
زوشينكو اليوم
كان الظن ان أعمال زوشينكو ، التي رسمت صوراً ساخرة عن مناحي الحياة اليومية السوفيتية ، ستذهب مع انهيار الإتحاد السوفيتي ، فالحياة في روسيا اليوم تغيرت تماما منذ ذلك الحين . ولكن هذا لم يحدث .وما زال زوشينكو أحب الكتّاب الى الجمهور ، ويقبل الناس على قراءة رواياته وقصصه إقبالاً لا يجده كاتب آخر من الكتّاب المعاصرين ، وتصدر بين حين وآخر طبعات جديدة من أعماله الكاملة ، متضمنة يومياته ورسائله المتبادلة مع الكتّاب الروس ومع أصدقائه وأقاربه ،كما تصدر عشرات الكتب الجديدة ،التي تتحدث عن ذكريات الأشخاص الذين التقوا به في مراحل حياته المختلفة . اضافة الى اطروحات دكتوراه عديدة عن الخصائص الفنية لأبداعه . وقد ترجمت أعماله الى أهم لغات العالم ، واجتازت إمتحان الزمن ، وهذا شأن كل أدب عظيم ، فهو جديد أبداً.
 
 * كاتب عراقي
 
 
 

21
إروين شو الذي لا نعرفه

جودت هوشيار                
                   
لا أميل الى قراءة أدب الحرب، أو مشاهدة الأفلام الحربية ، فقد أتخمنا بمئات الروايات والأفلام عن الحروب ، التي لم تتوقف يوما في التأريخ البشري ، ولكنها باتت أكثر بشاعة ، مع تطور آلة القتل .  وضاع عمر جيلنا في أجواء الحروب ، ما أن نخرج من حرب ، حتى تداهمنا حرب جديدة أشد ضراوة من سابقتها ، وليست ثمة حروب جيدة ، وأخرى سيئة ،  كما تزعم البنتاجون ، فهي كلها مآسي ودماء ودموع .
كانت رواية " الأشبال" هي اول ما وقع في يدي من نتاجات الكاتب الأميركي " اروين شو"
و" الأشبال " عنوان ، لا تشمّ منه رائحة الحرب ، ويتبادر الى الذهن ، أنها ربّما رواية عن الحيوانات ، أو الصيد في مجاهل أفريقيا. ولم أكن أعرف أن شو ، أعد لنا – نحن الذين لا نقرأ أدب الحرب – مقلباً ذكياً ومثيراً . فما أن تبدأ بقراءة الصفحات الأولى منها ، حتى تج د نفسك أمام شخصبة جذّابة - فتاة أميركية جميلة تظهر في الفصل الأول من الرواية ، ثم تصحبك  من جديد في بعض الفصول الأخرى ، لتجد نفسك في أجواء أشرس معارك الحرب العالمية الثانية ، وتتابع بشغف مصائر الشخصيات الرئيسية للرواية، وهم ثلاثة جنود –أميركيان اثنان وثالث ألماني .
ولد شو في عام 1913 في نيويورك في اسرة مهاجر أوكراني. وهو ينتمي الى الجيل التالي لجيل الكتاب الاميركيين العظام : فيتزجيرالد ، وهمنغواي ، وفوكنر ، وتوماس ولف ، ودوس باسوس . ويمكن القول إن شو ، ووليم سارويان ، والكاتب الزنجي ، ريتشارد رايت ، والكاتب المسرحي ليليان هيلمان ، وروبرت بين أورين ، هم في طليعة الكتّاب الأميركيين  ، الذين بدأوا حياتهم الأدبية في النصف الثاني من الثلاثينات ، ومن اكثرهم موهبة وشهرة .كانت الولايات المتحدة تعاني في هذه الفترة من الآثار العميقة للأزمة الأقتصادية ، التي هزت البلاد في أوائل الثلاثينات . وهي سنوات زاخرة بالأحداث الجسام ، ليس في حياة المجتمع الأميركي فحسب ، بل وفي حياة المجتمعات الأوروبية أيضاً . كان الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت يخطط لنهج سياسي جديد . وفي أوروبا كانت النازية الألمانية تحلم بالمجال الحيوي ، وبوادر الحرب العالمية الثانية تلوح في الأفق – في مثل هذا المناخ بدأ شو حياته الأدبية ، وسرعان ما لفت اليه انظار النقاد والقراء على حد سواء ، ككاتب مبدع يمتلك وعيا عميقاً وحسا مرهفاً ازاء التناقضات الإحتماعية وهموم الملايين من الناس البسطاء .
لقد أثبت شو منذ خطواته الأولى في عالم الأدب ، أنه صاحب اسلوب متفرد ، وموهبة أصيلة  وذلك عندما نشر في عام 1936 مسرحية ذات فصل واحد تحمل عنوان " ادفنوا الموتى " ، التي سلطت الأضواء على الكاتب، وترجمت في السنة ذاتها الى اللغة الروسية ونشرت في مجلة " نوفي مير " السوفيتية الشهيرة . وهي احدى المسرحبات التي اختارها الناقد المسرحي والمنظر الجمالي الاميركي "جاستر" ونشرها ضمن كتاب " أفضل عشرين مسرحية معاصرة "
كتب شو هذه المسرحية ، في وقت اخذ فيه شبح الحرب القادمة يخيّم على اوروبا. وتدور أحداث المسرحية حول خمسة من الجنود القتلى ،الذين يرفضون الموافقة على دفنهم. وهي إدانة قوية للحروب على مر العصور. وقد شرح " اروين شو " هدفه من كتابتها في مقال نشره فى جريدة " النيويورك تايمز " قال فيه :
"هذه أول مسرحية يكتبها شاب لا يريد أن يقتل ، ويعتقد أن هناك عدداً كبيرا من الشبان يشاركونه الرغبة نفسها، ويتمنى لو أثرت فيهم هذه المسرحية ، لأنه سيأتى وقت عما قريب يطلب فيه من هؤلاء الشبان أن يغامروا بحياتهم في قتال محفوف بالمخاطر ، سينتهي بأن تقضى عليهم أجهزة الحرب الضخمة التى أعدت اعدادا ممتازا" . المؤلف يعبّر هنا ،عن موقفه الرافض للحرب بلسان الجنود القتلى الثائرين الذين يخاطبون الجمهور في صالة المسرح .
وفي عام 1937 نشر شو مسرحية " الحصار " وهي مسرحية مناهضة للفاشية . ثم جاءت مسرحية " حياة بروكلين الرغيدة " (1939) لتوطد مكانة شو ككاتب مسرحي مرموق . ولقد إقتفى شو في هذه المسرحية أثر الكاتب الأميركي " دشيل هاميت " الذي نشر في أوائل الثلاثينات عدة روايات سيكولوجية حادة وفاضحة عن عالم الجريمة المنظمة ، منها " صقر مالتا " (1930) و " المفتاح الذهبي" (1931)  .
وفي الفترة ذاتها اخذ اروين شو ينتزع الاعتراف به كقاص موهوب ، فإمتدت شهرته وازدادت مكانته الأدبية رسوخاً ، فأخذت كبريات المجلات ىالأميركية في ذلك الوقت مثل مجلة " نيويوركر " ومجلة " اسكواير " ترحب بنشر قصصه القصيرة . وفي عام 1939 جمع شو هذه القصص في كتاب أصدره تحت عنوان " بحار من بيرمن " وبعد ثلاث سنوات اصدر مجموعته القصصية الثانية " مرحباً بالقادمين الى المدينة الكبيرة " وفي السنة ذاتها التحق شو بالجيش الأميركي كجندي بسيط ، ثم أصبح مراسلاً حربياً ، وقام بتغطية سير معارك الحرب العالمية الثانية في شمال افريقيا ، وفي انجلترا وفرنسا وألمانيا .
لقد تركت هذه الحرب الطاحنة آثاراً بالغة في حياة وأدب شو وأمدته بتجارب خصبة أصبحت مادة أولية لروايته الأولى " الأشبال " ( 1948) التي احتلت فور صدورها ، رأس قائمة الكتب الأكثر رواجاً ، وقوبلت بإهتمام عظيم ، لا يقل عن الإهتمام الذي حظيت به رواية نورمان ميلر " العراة والموتى " (1948) . ويمكن القول ان هاتين الروايتين بالإضافة الى الى رواية د. جونس " من هنا الى الأبد " (1951) ورواية د.هولر الساخرة " المصيدة -22" (1961) تعتبرمن أفضل الروايات التي كتبت عن الحرب العالمية الثانية . .
وقد قارن البعض رواية " الأشبال " برواية ليف تولستوي " الحرب والسلام " مما أثار غضب النقاد والأدباء الأميركيين وبضمنهم همنغواي ، الذي سخر من هذه المقارنة واطلق على شو – في احدى رسائله – اسم " تولستوي بروكلين " . فرد عليه شو قائلاً : بابا همنجواي لا يعجبه من يدخل الى ساحته الأدبية ، التي يعتبرها من ممتلكلته الخاصة " . ويقصد شو بها التعليق أن همنغواي كتب ايضا عن الحرب ، ولا يريد أن ينافسه أحد في هذا المضمار .
ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتنافس فيها الكاتبان . فقد قال همنغواي أنه حرّر فندق " رتس " في باريس خلال الحرب العالمية الثانية. أما شو فقد كان يتفاخر بأنه حرّر مقهى " تيب توب " في مونتي كارلو " وانه  اول من دخل " موناكو " مع وحدة من الجنود الأمبركببن في سبتمبر عام 1944 . وقبل ذلك بعدة أشهر، عندما كانت لندن تتعرض الى قصف الطائرات الألمانية كان شو يمر بتجربة حب حميمة مع المراسلة الحربية " ماري ويلش " ، ففي أيار عام 1944 عندما كان شو ، وويلش في احد مطاعم لندن ، اقترب همنغواي منهما ، وطلب من شو تقديمه الى صديقته الشقراء الساحرة  . وسرعان ما وقع همنغواي في غرامها ، وبعد أن تحررا من ارتباطاتهم الزوجية السابقة ، توّجت هذه العلاقة بالزواج عام 1946 ، وأصبحت زوجته الرابعة والأخيرة . وفي وقت لاحق صوّر شو شخصية ويلش بسحرها المدهش في رواية " الأشبال" تحت اسم لويز .
شو- كاتب بالغ الثراء والخصوبة فقد كتب خلال الخمسينات والستينات أربع روايات أخرى هي : " الهواء المضطرب" (1950) و" لوسي كراون " ( 1956" و" اسبوعان في مدينة أخرى " (1960) و"اصوات يوم صيفي " ( 1965) . وعشر مجموعات قصصية أصدرها في الفترة ذاتها تقريباً منها : " جماعة مختلطة " ( 1950) و " رهان على ميت " (1957) و" حب في شارع مظلم " (1965) 
في عام 1951، غادر اروين شو الولايات المتحدة إلى أوروبا، حيث عاش لمدة 25 عاما، لا سيما في باريس وسويسرا. وكتب شو العديد من السيناريوهات لأفلام ناجحة انتجت في هوليوود رشح بعضها لجائزة الأوسكار .
" رجل غني ، رجل فقير " من أفضل روايات اروين شو ، وقد صدرت عام 1970 ، وتتناول قصة عائلة مهاجر ألماني الى الولايات المتحدة الأميركية ، دمّر أفرادها انفسهم ، لأنهم آمنوا بالمثل الأميركية والقيم الزائفة ، وظنوا أن المال يجعلهم سعداء . وقد حوّلت الرواية الى مسلسل تلفزيوني ناجح في اميركا عام 1976 وفي ليتوانيا عام 1982 .
وبعد صدور هذه الرواية الرائعة ، كتب شو ست روايات اخرى " مساء في بيزنطة " (1973) ، " عمل ليلي " ( 1975) ، " و " اللص المتسول " (1977)  و" قمة التل " (1979) , " خبز فوق الماء " ( 1981" ، و" الخسائر المقبولة " ( 1982" ولكنها قوبلت ببرود من قبل  النقاد رغم نجاحها الجماهيري . ويمكن القول أن النقاد لم يكونوا منصفين مع شو أحياناً ، فهم ينتقدونه لأفتقاد هذه الروايات الى العمق السايكولوجي المطلوب ، رغم اعترافهم باسلوبه الشائق وقصصه المتقنة البناء .
 وينبغي ان لا ننسى بأن القراء هم الذين يحددون مصائر الكتب ، لا النقاد أو الأكاديميين .أعمال شو كانت وما تزال تلقي رواجا كبيراً في العالم الغربي واوروبا الشرقية ، وترجمت الى ثلاثين لغة من أهم لغات العالم ، وصدرت مؤلفاته الكاملة في ثمانية أجزاء مترجمة الى اللغة الروسية ، إضافة الى طبعات متفرقة لرواياته ومجاميعه القصصية . وبلغ اجمالي ما تم بيعه من كتبه أكثر من 14 مليون نسخة في أنحاء العالم ، وعرضت مسرحياته على مسارح واشنطن وباريس وموسكو والقاهرة .
ان نتاجات شو متفاوتة القيمة والمستوى من الناحية الفنية ، وربما كانت القصة القصيرة ، هي أكثر الأجناس الأدبية التصاقاً بموهبته ككاتب . أما رواياته الطويلة فإنها لا تخلو أحياناً من بعض النبرات الميلودرامية ، والترهل اللفظي ، والإغراق في التفاصيل . بيد أن هذه المآخذ لا تقلل كثيراً من قيمة رواياته، ذلك لأن ما يشغل بال الكاتب دائماً هو القضايا الأساسية التي يواجهها الإنسان المعاصر ، وخاصة في مجتمع متطور كالمجتمع الأميركي . : دور المواطن الأميركي العادي في النضال ضد الفاشية في " الأشبال " والزيف السياسي والروحي للمكارثية في " الهواء المضطرب " ومسؤولية الفنان ازاء المجتمع وإزاء موهبته في " اسبوعان في مدينة أخرى " .
وتتميز قصص شو القصيرة بمستوى فني رفيع ، ودرجة عالية من الرهافة والشفافية . وليس من الصعب على القاريء أن يلحظ ان شو يستخدم هنا تجربته المسرحية على نحو بارع : الحبكة المتماسكة ، والتناسب الهندسي الدقيق ، والحوار المتقن ، ولهذا السبب بالذات نجد ان كثيرا من قصصه القصار قد حولت الى افلام سبنمائية ناجحة . ويفضل شو – شأنه في ذلك شأن الكثير من الكتاب الأميركيين المعاصرين ، اسلوب " الجبل الجليدي" الموضوعي . فالمؤلف لا يتدخل مطلقاً في القصة ، بل يترك المواقف والشخصيات لتعبر عما يريد الكاتب أن يصوره لنا. وتمتلك النماذج ، التي يصورها الكاتب ، دفء الحضور في عالم مليء بالتناقضات ، وبالقلق والحزن والتوتر أحياناً ، وان كان لا يخلو من أمل غامض . وهذا الأمل هو الذي يضفي على نتاجات شو ، ذلك التفاؤل الذي يساعد ابطال قصصه ورواياته ومسرحياته على التماسك والإستمرار في الحياة بالرغم من كل شيء. .
حاز ارون شو على العديد من الجوائز منها: جائزة أو. هنري، التي فاز بها مرتين ،وجائزة الأكاديمية الأمريكية للفنون والآداب . وتوفى في دافوس بسويسرا عام  1984 .
كلمة أخيرة
إروين شو : يكاد يكون مجهولا للقاريء العربي . وقد كنا أول من ترجم احدى قصص هذا الكاتب في منتصف السبعينات ، وهي قصة " الضفاف المشمسة لنهر الزمن " التي نشرت عام 1975 في العدد (14) من مجلة " الأديب المعاصر" الفصلية ، الصادرة عن إتحاد الأدباء في العراق. وهي قصة طويلة نسبيا ، وتعد من أجمل قصص شو ، التي تحرك مشاعر القاريء وتدفعه الى تأمل الحياة بنظرة جديدة .
ومنذ نشر تلك القصة وحتى يومنا هذا ، لم يترجم الى العربية سوى كتابين فقط - من اجمالي خمسين كتابا نشره شو خلال حياته الأدبية – وهما :
1 - مسرحية " ادفنوا الموتى " التي ترجمت الى اللغة العربية تحت عنوان " ثورة الموتى " وصدرت عن وزارة الثقافة المصرية في اواخر التسعينات ،وتم اخراجها وعرضها على احد مسارح القاهرة في ذلك الحين ، وأعيد عرضها،في ديسمبر عام 2017 على مسرح المعهد العالى للفنون المسرحية في القاهرة .
2 - رواية " خبز فوق الماء " ترجمها الأستاذ نبيل وهبي ، وصدرت عن دار علاءالدين عام 2007 . 
ونكاد نجزم - استناداً الى التتبع الدقيق لما كتب ويكتب عن الأدب الأميركي في العالم العربي - أن مقالنا هذا أول محاولة لتقديم صورة شاملة عن إروين شو ومجمل أعماله الى القاريء العربي .
 
 



22
ثنائية الحياة والموت في قصص إيفان بونين

جودت هوشيار
نبذة عن حياة وأعمال بونين
إيفان بونين (1870 ـ 1953) أحد الأعلام البارزين في الأدب الروسي الكلاسيكي، وقد بدأ حياته الأدبية شاعراً ، ولم يكن قد تجاوز العشرين من عمره حين نشرت مجموعة أشعاره الأولى، التي نال من أجلها " جائزة بوشكين "، ثم منح الجائزة ذاتها للمرة الثانية حين ترجم عن الشاعر الأمريكي (لونغفيلو) ملحمته الشعرية " هياواثا "
بيد أن بونين معروف في المقام الأول ككاتب نثر ممتاز، ويعد أهم كاتب للقصة القصيرة بعد تشيخوف. ويتميز أسلوبه بالثراء اللغوي والعمق السيكولوجي. بونين شأن تشيخوف يأسر القارىء في قصصه بوسيلة أكثر من أي متعة أخرى، إن قصصه مواقف آسرة وشخوص فريدة، فالكاتب يجذب إنتباهنا فجأة لما هو عادي تماماً ومألوف عندنا في خبرتنا اليومية والحياتية، ولما مررنا به في الماضي مرات عدة دون أن تصيبنا الدهشة لولا ذاكرته الفنية.
في عام 1909 ـ عندما كان في التاسعة والعشرين من العمر ـ منحته أكاديمية العلوم الإمبراطورية الروسية لقب أكاديمي تقديراً لإبداعه الأدبي، وهو شرف لا يحظى به، إلا القلة من العلماء والمبدعين.
نال بونين جائزة نوبل في الآداب لعام 1933، عقب صدور روايته " حياة ارسينيف " . و كان أول كاتب روسي يحصل على هذه الجائزة. وجاء في نص قرار منح الجائزة ما يلي: " بقرار من الأكاديمية السويدية تمنح جائزة الآداب لإيفان بونين لقاء الموهبة الفنية الحقة التي تمكن بواسطتها من إعادة خلق الشخصية الروسية بقالب نثري جميل " .
عندما تقرأ قصص بونين لا يمكنك إلا أن تفكر في لغز الوجود الإنساني ومواجهة الإنسان لمصيره المحتوم .
ثنائية الحياة والموت في قصص إيفان بونين
ثنائية الحياة والموت ، كانت واحدة من اهم الثبمات الرئيسية في ابداع ايفان بونين . وقد عالجها الكاتب بطرق مختلفة ، ولكنه في كل مرة توصل الى إستنتاج مفاده أن الموت جزء لا يتجزأ من الحياة.و ليس للأنسان عزاء أو سلوى ، لا في العمل ، ولا في الحياة الأسرية . الحياة اليومية روتينية ومملة، والعمل مرهق ، والناس غرباء بعضهم عن بعض . عندما يأتي الإنسان الى الحياة ، فأنه يندفع على الفور الى نهايته . العالم – هاوية ، مستنقع ، والموت مسألة صدفة . حياة الأنسان لا شيء بالمفارنة مع العالم . والانسان نفسه عاجز وضعيف بصرف النظر عن موقعه في السلم الأجتماعي .كل شيء في العالم زائف ووهمي ، والحقيقة الوحيدة هي الموت . ويرى بونين ان الحب هو مقاومة للموت وتجسيد للحياة  . ولكننا اذا تمعنا عن كثب في قصصه عن الحب ، نجد مفارقة واضحة ، وهي ان الحب السمة الرئيسية للحياة : من يحب ، يعيش حقاً . ولكن الموت يترصد للأنسان دائما في كل لحظة ، وفي كل مكان. ويرى بونين ان الحب العميق الجارف كونه تركيز للحياة واللحظة الاكثر توترا في الوجود الانساني ينتهي بالموت في أكثر الأحيان .
يأتي الإنسان الى هذا العالم ، عالم الفوضى ، لفترة جد قصيرة من الزمن ، والحياة توهب له لأسباب غير مفهومة لا يعلمها ، الا الله . والموت ينهي هذه الحياة على نحو مأساوي . وكل شيء يحدث مصادفة . وثمة ارتباط وثيق بين الحياة والحب والموت .
في مجموعة قصص بونين الرائعة " الدروب الظليلة " - التي اطلق عليها النقاد اسم  موسوعة الحب -  نجد إن النهاية التراجيدية امر طبيعي ، لأن الحب الحقيقي الجارف يقتل العشاق حتماً ، مما ينقذهم من خيبة الأمل . ولهذا لا نجد في " في الدروب الظليلة قصة واحدة تنتهي بالزواج . الزواج يحمل معه العادة التي تقتل الحب عاجلا ام آجلاً .
في العالم الذي صوره بونين في اقصوصة " اسطورة " شخصان : هو وهي . هي ميتة ، وهو على قيد الحياة ، ولكنه يعرف أنه سيموت أيضا في يوم ما . و سيأتي آخرون الى هذا العالم ، وهو يأمل أن يعد هؤلاء بدورهم الزمن الذي عاش فيه ، اسطورياً.
وتعد هذه الأقصوصة ، التي ترجمناها عن الأصل الروسي ، نموذجاً لنظرة بونين الى العلاقة ، التي لا تنفصم بين الحياة والموت .
أسطورة
على أنغام الأورغ والغناء - كان الكل يغني على وقع الأورغ أغنية  حلوة ، حزينة ، ومؤثرة  تقول : " ما أطيب الوقت معك يا الهي !" . على ايقاع الأورغ والغناء رأيتها فجأةً بجلاء واحسست بها .لا أدري من أين انبثق طيفها في خيالي بشكل مباغت وغير متوقع ، شأن كل ما يفاجئني  به خيالي في الحالات المماثلة ، على نحو يجعلني أفكر في الأمر طوال اليوم .
أعيش حياتها وزمانها . لقد عاشت في تلك الأيام الغابرة التي نسميها  العصور القديمة . ولكنها رأت هذه الشمس ذاتها التي أراها الآن ، وهذه الأرض التي أعشقها  ، وهذه المدينة القديمة ، وهذه الكاتدرائية ، والصليب الذي ما زال يسبح بين الغيوم ، كالعهد به في العصور القديمة . وسمعتْ الغناء نفسه الذي اسمعها الآن . كانت فتية ، تأكل ، وتشرب . وتضحك وتثرثر مع جاراتها ، وتعمل ، وتغني . كانت فتاة شابة ، فعروساً ، ثم أماً . ماتت قبل الأوان ، مثلما تموت النساء الرقيقات المرحات في ريعان الشباب غالباً . في هذه الكاتدرائية أقيم القداس على روحها . وها قد مرت قرون عديدة على رحيلها عن العالم الذي شهد منذ ذلك الحين كثيراً من الحروب الجديدة ، والبابوات الجدد ، والملوك والتجار والقساوسة والفرسان . في حين ان عظامها النخرة  ، جمجمتها الصغيرة الفارغة راقدة تحت الأرض ، كما رفات الآخرين . كم عددها في الأرض هذي العظام وهذي الجماجم ؟ ان كل الماضي البشري وكل التأريخ الإنساني حشود غفيرة من الموتى ! وسيأتي يوم سأنضم فيه الى جموعهم . وسأبث أنا أيضاً الرعب بعظامي وجثتي في مخيلة الأحياء ، كما فعلت تلك الحشود الغفيرة من الجيوش التي ستغرق الأرض يوم الحشر .. ومع  ذلك  سوف يعيش أحياء جدد بأحلامهم عنا نحن الموتى ، وعن حياتنا القديمة وزماننا القديم الذي سوف يبدو لهم رائعاً ، وسعيداً ، واسطورياً . .
           



23
التوظيف السياسي للأدب الكلاسيكي في روسيا

جودت هوشيار
             
لعلنا لا نجافي الحقيقة إذا قلنا ، إن الأدب الكلاسيكي الروسي ، هو الإسهام الروسي الحقيقي في تطور الثقافة العالمية . فهو يحتوي على عدد كبير من الروائع الأدبية ، التي لا زالت تحتل مكانة مرموقة في الأدب العالمي . وهذه حقيقة يعترف بها كل متذوق للأدب الرفيع ، أتيح له الدخول الى العالم الساحر لعمالقة الأدب الروسي ، عالم  العواطف الجياشة والمصائر التراجيدية ، الزاخر بالقيم الإنسانية ، والأخلاقية ، والروحية المشتركة بين البشر ، بصرف النظر عن العرق والدين والثقافة ، لذا فهي مفهومة وممتعة لجميع محبي الأدب الحقيقي في العالم حتى يومنا هذا .
عندما اطلع القاريء الغربي على الأدب الروسي الكلاسيكي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، وقع في عشق هذا الأدب. ولم يمض وقت طويل حتى شرع نقاد الأدب في أوربا ومن ثم في أميركا ، يتناولونه بالبحث والدراسة، وأخذ عدد كبير من الكتاب الغربيين يتعلمون منه تقنيات الكتابة .
كان  القرن الماضي ، قرن الأدب الروسي الكلاسيكي  في الرواية ،والقصة ،والمسرح ، والسينما. قرن تولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف ، ولم يستطع أي أدب  قومي ، او وطني في ابعد زاوية من عالمنا الفسيح ، أن يتجنب تأثير هذا الأدب الملهم ، الذي ترجمت روائعه الى أكثر من (170) لغة من لغات العالم مرات عديدة ، وصدرت في طبعات متلاحقة ، وحولت الى افلام سينمائية ناجحة في هوليود وفي بقية انحاء العالم. ويكفي ان نقول ان السينما العالمية أنتجت ( 234 ) فيلماً ، مستوحاة من قصص ومسرحيات أنطون تشيخوف، منذ ظهور السبنما الصامتة وحتى اليوم .
الأدب الكلاسيكي الروسي ، هو أدب " الموضوعات الأزلية " ، فقد حاول الكتّاب الروس الإجابة عن أسئلة الوجود الأساسية : معنى الحياة ، وطبيعة الإنسان ، والخير والشر ،  ووجود الخالق . وحاول كل منهم الأجابة عن تلك الأسئلة بطريقته الخاصة ، وتجسيد البطل النموذجي لزمانه .
لن نستطيع أن نفهم روسيا ، وكيف وبماذا يفكر الروس ، من دون أن نقرأ لهؤلاء ولغيرهم من كبار الكتّاب الروس . حقاً لقد تغيّرالواقع السياسي ، والأقتصادي ، والأجتماعي ، والثقافي في روسيا كثيراً منذ ذلك الحين ، نتيجة للأحداث العاصفة ،التي شهدتها خلال تأريخها الحديث ، ولكن ( الروح الروسية ) بقيت تقريباً كما كانت في العصر الذهبي للأدب الروسي في القرن التاسع عشر .لأن تغيير الأنسان أصعب من تغيير الواقع المادي .
الإنسان – أي إنسان -   لا يتغير ، الا ببطأ شديد . فقد أخفق البلاشفة في خلق انسان سوفيتي وفق مقاييسهم القيمية طوال (73) عاما من التلقين الأيديولوجي . ولن نفهم روسيا اليوم ، ولا الروح الروسية ، الا بالرجوع الى الأدب الروسي الكلاسيكي ، وهذا صحيح الى حد كبير بالنسبة الى بقية شعوب العالم ، فالأدب الحقيقي يعكس العالم الروحي لأي شعب وثقافته .
كان الأدب الروسي هو المعبر الحقيقي عن الواقع الروسي ، وعن تطلعات الجماهير وطموحاتهم وآمالهم . وعن أفكار العصر التقدمية ، ولعب دوراً اساسياً في تشكيل وعي جمعي  يناهض الظلم ، ويسعى الى الحرية والعدالة الإجتماعية . وهو الذي هيأ المناخ العام للثورتين الروسيتين في شباط ، واكتوبر 1917) . ولعل ابلغ دليل على ذلك هو أن زعيم الثورة البلشفية فلاديمير لينين ، كتب قبل ثورة اكتوبر أربع مقالات عن أدب وآراء ليف تولستوي ، ودوره المؤثر في الأدب الروسي والعالمي ، وفي تنوير وإستنهاض المجتمع الروسي ، وبضمنها مقاله الشهير تحت عنوان " تولستوي كمرآة للثورة الروسية ". وكثیرا ما كان لينين يھاجم خصومه عن طريق مقارنتھم بشخصیات غیر محبوبة وأحیانا ھامشیة استمدھا من الأدب الروسي .
كان الكتّاب الروس دوما معلمي الشعب ، و" مهندسي الروح البشرية ". وكانت أعمالهم الأدبية بمثابة غذاء فكري وروحي للنخب الثقافية . ولما كانت المعارضة السياسية ، وكل وسائل التعبيرعن الرأي ، تقمع بشدة في ظل الأنظمة الروسية المتعاقبة ، فإن الأدب أصبح المتنفس الوحيد للمثقفين. ولعل هذا الدور العظيم الذي نهض به الأدب الروسي هو الذي دفع تلك الأنظمة الى توظيف الأدب كسلاح سياسي لخدمة مصالحها وأهدافها .
 كان القياصرة الروس وحكام الكرملين قراءاً نهمين للأعمال الأدبية – ليس لأنهم كانوا من هواة القراءة – بل من اجل فرز الأعمال ( المضرة ) بالنظام القائم - من وجهة نظرهم - عن تلك التي يمكن توظيفها لترسيخ وتعزيز هيمنتهم على السلطة . وحاولوا تحويل الادب الى اداة سياسية قوية ، وسنرى في الفقرات اللاحقة كيف جرى التوظيف السياسي لأهم الأعمال الأدبية الروسية الكلاسيكية .
القيصر رقيباً على شعر بوشكين
لم يكن أمير الشعراء الروس الكساندر بوشكين ( 1799 - 1837 ) على وفاق مع السلطة القيصرية ، بسبب تأييده لأنتفاضة ( 14 ) ديسمبر 1825 ، التي ّ تحدت تنصیب القیصر نیكولاي الأول . ومارس هذا الأخير شخصيا ، بعد توليه السلطة دور الرقيب على نتاجات بوشكين، ومنع نشر بعضها . وعانى الشاعر من النفي والتضييق . ويقال ان السلطة كانت وراء مصرعه في مبارزة خطط لها القصر الإمبراطوري بذكاء للتخلص منه.
النظام السوفيتي ثمّن عالياً قصائد بوشكين ، التي تغنى فيها بالحرية والعدالة ، منتقداً النظام القيصري : " أيها الحاكم المتغطرس أكرهك وأكره عرشك " وتأييده للديسمبريين ( ثوار انتفاضة ديسمبر 1825 ) ، كما أشاد البلاشفة بملحمته الشعرية الرومانسية " غافريليادا" التي كتبها الشاعر في عام 1821 ، عندما كان في ريعان الشباب ، وهي محاكاة ساخرة ولطيفة لبعض الأحداث الواردة في الكتاب المقدس حول (حواء وآدم ) و( السيدة العذراء ) ، وفيها مقاطع إيروتيكية رائعة عن الحب والجمال الأنثوي . وكان هدف النظام السوفيتي من هذه الإشادة هو الإيحاء للقاريء بأن بوشكين كان ملحداً ، وهذا تفسير مغرض لهذه الملحمة البديعة بصورها الأخاذة ، وطابعها المرح اللطيف، حيث تتجلى فيها عبقرية بوشكين المبكرة . أما قصائده الوطنية، التي يمجّد فيها روسيا القيصرية مثل قصيدة " الى المفترين على روسيا " و قصيدة " رجاء المجد والخير " فكان النظام السوفيتي يزعم ان الشاعر قد كتبها تحت ضغط الرقابة القيصرية .
وفي عهد بوتين نجد  تقييماً  يناقضً تماماً ، التقييم السوفيتي للمنجز الشعري لبوشكين ،حيث يرى النظام الحالي ان قصائد بوشكين الوطنية ، التي مجّد فيها روسيا العظيمة ،هي انجازاته الشعرية الحقيقية . أما مناداته بالحرية والعدالة، والدفاع عن الثوار الديسمبريين ، وعن المضطهدين في روسيا والعالم ، ومحاكاته للكتاب المقدس ، فهي في نظر النظام الحالي ، من طيش الشباب ، ومن أخطاء الشاعر الفظيعة. ويزعمون ان الشاعر نفسه قد ندم على كتابتها .
القيصر ليف تولستوي
كتب الكاتب والناشر أليكسي سوفورين (1834 – 1912 )  في دفتر يومياته بتأريخ 29 أيار 1902  يقول "  لدينا قيصران : نيكولاي الثاني ، وليف تولستوي . أيهما أقوى ؟ . إن نيكولاي الثاني ، لا يستطيع ان يهز عرش تولستوي ، ولا أن بفعل شيئاً ضده ، في حين أن تولستوي قادر بكل تأكيد على هز عرش نيكولاي وسلالته . انهم يلعنون تولستوي . والسينود ، أي ( المجلس المسكوني) غاضب عليه . ولكن بوسع  تولستوي ان يرد عليهم بمنشور سرعان ما يتلقفه الناس في روسيا ، وينشر في الصحف الأجنبية . جربوا ! من يستطيع أن يمس تولستوي بشعرة ؟
ان التأثير الطاغي لعملاق الأدب الروسي ، لم يقتصر على الشرائح المتنورة في المجتمع ، بل شمل معظم افراده . حتى الفلاح البسيط  ، الذي لم يكن يعرف القراءة والكتابة ، كان يعرف ان تولستوي كاتب عظيم ومصلح اجتماعي مهيب .
كانت علاقة تولستوي بالكنيسة الأرثوذكسية الروسية سيئة . وكان يقول أن " ان الدين نبع ماء صاف ، ولكن رجال الدين يلوثونه ، ثم يقولون للناس تعالوا أشربوا من هذا الماء " .
كشف تولستوي زيف رجال الدين ، والكنيسة ، التي اتهمها بعدم مناصرتها للفقراء والوقوف مع القياصرة والظلم . فكفرته الكنيسة وأبعدتهُ عنها وأعلنت حرمانهُ من رعايتها عام 1901 .
وبطبيعة الحال فإن السلطة السوفيتية اعتبرت هذه العلاقة السيئة أمرأً ايجابياً . اما اليوم فأن نظام بوتين – المتحالف مع الكنيسة الأرثوذكسية الروسية - يرى عكس ذلك تماماً ، ويعد موقف تولستوي من الكنيسة أمراً سلبياً للغاية . ولعل ابلغ دليل على محاولة بوتين التقرب من الكنيسة، هو ان الدولة تجاهلت الذكرى المئوية لوفاة تولستوي (1910 – 2010 ) انصياعاً لموقف البطريكية الأرثوذكسية ، التي رفضت عودة تولستوي اليها ، رغم اعترافها بعبقريته .
دوستويفسكي بين ستالين وبوتين
كان ستالين قارئاً نهماً ، ويقال أن مكتبته الشخصية في الكرملين كانت تضم نحو (30) ألف كتاب ، ومكتبته في بيته الريفي نحو (10) آلاف كتاب في شتى حقول المعرفة ، بينها أهم الأعمال الأدبية الكلاسيكية الروسية والعالمية . وكان يردد غالباً اقتباسات من نصوص الكتاب والشعراء الروس العمالقة ، ولكنه لم يكن بوسعه أن يغفر لدوستويفسكي رواية " الشياطين ". وهي رواية صدرت عام 1872 ، وترجمها سامي الدروبي الى العربية نقلاً عن اللغة الفرنسية في الستينات من القرن الماضي ، تحت إسم "الموسومون ". ويشير الاسم إلى السياسيين المهوسين بالعنف ، ويشبههم الكاتب بالذين أصابهم مسٌ شيطاني
تعد " الموسومون " من أفضل الروايات السياسية ،التى تتناول علاقة التنظيمات الثورية المعارضة بالطبقة الاستقراطية الحاكمة في الإمبراطورية الروسية ، حيث يصور فيها دوستويفسكي بعمق  سايكولوجي لا نظير له ، مدى توغل الأفكار اليسارية في المجتمع الروسي ، والصراع المرير بين طبقات الشعب. رواية تدين سفك الدم ، وإحراق المنازل من اجل احداث التغيير . وتسخر من المعارضة والليبراليين . وتعد هذه الرواية نبؤة تستشرف سلبيات الثورة البلشفية قبلَ وقوعها، ولهذا مُنعت الرواية وصودرت في الإتحاد السوفيتي ودول المعسكر الأشتراكي .وقد حاول البلاشفة بكل السبل ، التعتيم على عظمة دوستويفسكي ، وعدم اعادة نشر هذه الرواية والعديد من اعماله الادبية الأخرى .
كما منع البلاشفة نشر ( يومياتب الكاتب ) ، التي تتضمن هجوماً عنيفاً على الراديكالية الثورية . ولقيت رواية دوستويفسكي " مذكرات من البيت الميت " ، إنتقاداً شديداً ، لأن المعتقلات القيصرية كان يذكّر القراء بالمعتقلات السوفيتية . 
كان مما يقلق دوستويفسكي ، الألحاد والاباحية والانحلال ، لذا كان مؤلف " الجريمة والعقاب " يعد رجعيا في نظر الحزب الحاكم ،ومصيره التجاهل والاهمال . وكانت التهم الموجهة اليه ، هي : التشاؤم، الموقف العدائي من الثورة  ، اللاعقلانية ، والتدين . وهي الاسباب ذاتها التي تجعل من دوستويفسكي اليوم الكاتب المفضل لدى بوتين .
ان " الجريمة والعقاب " و العبيط " و" الشياطين " و" الأخوة كارامازوف " ليست مجرد روايات ، بل مؤشرات على ما يمكن أن يحدث لروسيا اذا لم تعد الى جذورها ، الى ما قبل عهد بطرس الأكبر .
التوظيف السياسي لآفكار دوستويفسكي
لا تمتلك روسيا البوتينية أيديولوحية عالمية مغرية وجاذبة ، كالتي كان الأتحاد السوفيتي يواجه بها الغرب الرأسمالي ، لذا فإنها تستعين بأفكار وآراء عدد من الكتّاب والفلاسفة الروس ، التي يمكن استخدامها لغايات سياسية .
يبدو بوتين أمام الكاميرات وفي لقاءاته مع الكتاب والشعراء الروس – على النقيض من ستالين - مفتونا بدوستويفسكي ، ويحاول استغلال رواية " الموسومون " في محاربة المعارضة ، الليبرالية منها واليسارية على حد سواء ، وضمان تأييد الناخبين الروس الذين ما زال أغلبهم يبجلون عمالقة الأدب الكلاسيكي .
وهذا الأفتتان الظاهري بدوستويفسكي ، هو الذي جعل الساسة والصحفيين في الغرب يعتقدون ان فلاديمير بوتين يؤمن بأفكار دوستويفسكي . ولكننا نرى أن الأمر مجرد استغلال لبعض جوانب أعمال هذا الكاتب العظيم لخدمة النظام الحالي في روسيا ، وهي الجوانب ذاتها التي إنتقدها النظام السوفيتي . حيث كان الكاتب العظيم يعتقد ان لروسيا رسالة سامية ، وهي تحرير الشعوب السلافية ، وتوحيدها بزعامة روسيا . بوتين يحاول اليوم تحقيق هذا الهدف بمعونة الكنيسة الأرثوذكسية ، وبالترويج لبعض آراء وأفكار دوستويفسكي ، التي تنسجم مع سعي بوتين من اجل استعادة روسيا لدورها كدولة عظمي في العالم .
خلال الحرب الروسية التركية (1877- 1878 )، أكد دوستويفسكي أن الحرب قد تكون ضرورية ، إذا كان من وراءها الحرية والخلاص. وأعرَب عن أمله في استعادة الإمبراطورية البيزنطية المسيحية.
. و ذكر دوستويفسكي في مُذكَراته ،أن الشعب والقيصر يجب أن يكونا صفّاً واحداً: "بالنسبة للشعب، القيصَر ليس سلطة خارجيّة، أو سُلطة لبعض الناس ... بل هو قوّة وسلطة للجميع، ولتوحيد جميع الناس ".
ان ما يجذب بوتين في دوستويفسكي ليس العمق السايكولوجي لروايات الكاتب العظيم ، بل إفتتانه بدوستويفسكي البيزنطي، الذي طوّر في" الأخوة كارامازوف " وجهة نظر التصوف الأرثوذكسي، الذي يحلم بانتصار الكنيسة، والقضاء على الالحاد الثوري ، الذي يهدد دور ونفوذ الكنيسة في المجتمع .
ذات مرة وفي اجتماع عقده الرئيس بوتين مع محافظي الأقاليم في الإتحاد الروسي ، أوصاهم بضرورة قراءة روايات دوستويفسكي . وقال : " عليكم بتصفح كتابات دوستويفسكي حول العامل الافرو آسيوي في السياسة الروسية ، فهي ممتعة للغاية ، وكأنها كتبت اليوم . " وقد تبدو هذه النصيحة غريبة للغاية . ما علاقة مضامين تلك الروايات – التي كتبت قبل حوالي قرن ونصف - بإدارة الأقاليم في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين ؟ . لقد كان لدوستويفسكي حسساسية بالغة ازاء التيارات الليبرالية والعدمية التي اجتاحت الثقافة الروسية والغربية ، ونصيحة بوتين دعوة صريحة لعدم التسامح مع مثل هذه التيارات في ايامنا هذه .
لا يشير بوتين الى تولستوي لا نادراً ، ويركز على أقوال دوستويفسكي ، الذي كان يؤمن بالتفوق الروسي . وهذ يناقض تماماً اعتقاد تولستوي بعالمية التجربة الأنسانية ، بغض النظر عن القومية ، والثقافة ، والدين . بوتين اختار دوستويفسكي ، الذي كان يعتبر روسيا أكثر الدول المتطورة روحياً  . ولا يقتصر تركيز بوتين على أفكار دوستويفسكي ، بل غالباً ما يشير في خطبه الى أقوال الفلاسفة الروس مثل سولوفيوف ، وبيردايف ، وخاصة ايلين ، الذين وقعوا تحت تأثير أفكار دوستويفسكي القومية .
أما تولستوي فقد كان وطنياً أحب شعبه دون مغالاة ،أو إحساس بتفوق الروس على الشعوب الأخرى  كما هو واضح في " الحرب والسلام ". وآمن بأن لكل شعب من شعوب العالم ثقافته المتفردة.

24
أدب / في أغسطس
« في: 18:54 27/10/2017  »
في أغسطس

قصة لإيفان بونين

ترجمها عن النص الروسي : جودت هوشيار


 رحلت الفتاة التي كنت احبها ، دون أن أقول لها شيئاً عن حبي ، ولأنني كنت آنذاك في الثانية والعشرين من عمري ، فقد خيل اليَّ أنني أصبحت وحيداً في الدنيا بأسرها . كان ذلك في نهاية شهر أغسطس، حيث كنت أعيش في مدينة روسية صغيرة. كان هناك هدؤ قائظ . وفي يوم السبت عندما غادرت بعد الدوام  ورشة صنع البراميل حيث كنت أعمل .  بدت الشوارع مقفرة الى حد أني ، عدلت عن الذهاب الى منزلي ، واتجهت صوب الضواحي لا ألوي على شيء .. سرت على الأرصفة بمحاذاة متاجر يهودية مغلقة وأروقة التسوق القديمة .
 دقت اجراس الكاتدرائية في حين سقطت من الدور ظلال طويلة دون ان تخف وطأة الحر . وهذا ما يحدث عادة في المدن الجنوبية في اواخر اغسطس ، حين تلفح أشعة الشمس الحدائق الغبراء طوال الصيف . كنت حزيناً حزناً لا يصدق ،  في حين كان كل ما حولي قد جمد من ملء السعادة - في الحدائق والسهوب والبساتين ، وحتى في الهواء ذاته  وفي أشعة الشمس الكثيفة .
في الساحة المتربة ، قرب حنفية الماء كانت تقف أمرأة اوكرانية جميلة  وجسيمة , ترتدي قميصا ابيض مطرزا ، وتنورة من قماش محلي ، سوداء ضيقة ، تبرز وركيها  وترتدي حذاءاً بأربطة على قدميها العاريتين .أمرأة تشبه فينوس، من بعض الوجوه  ، اذا كان بمقدورنا أن نتخيل   فينوس سمراء مدبوغة بأشعة الشمس . عيناها عسليتان بهيجتان ،  جبهتها صافية ناصعة ،  نصاعة لا تتسم بها سوى النساء الاوكرانيات والبولونيات .
ملأت الدلو  بالماء وعلقته على كتفها من حامله الخشبي المقوس ، وأقبلت نحوي مباشرة  - رشيقة على الرغم من ثقل الماء الذي كان يتساقط  وهي تتثنى في مشيتها قليلا وتدق الرصيف الخشبي بكعب حذائها.أذكر أنني انتحيت جانبا في اجلال لأفسح لها الطريق , ونظرت في اثرها طويلا .
وفي الشارع الممتد من الساحة الى طرف منحدر الجبل كان ثمة وادي شاسع هاديء الزرقة لنهر، ومروج وغابات ، ووراءها رمال سمراء ذهبية تمتد حتى الافق الجنوبي الرهيف .
ويبدو أنني لم أحب روسيا الصغرى قط  ، كما أحببتها في ذلك الحين ، ولم أعشق الحياة ، كما في ذلك الخريف ، الذي لم أكن اتحدث فيه الا عن صراع الحياة . ولا أعمل شيئا سوى التدريب على حرفة صنع البراميل .
والان وأنا أقف في الساحة قررت زيارة مريدي تولستوي الذين يعيشون في الضاحية , أنحدرت نحو اسفل الجبل وصادفت في طريقي العديد من سائقي العربات الذين كانوا منهمكين جدا  في نقل الركاب القادمين في قطار الساعة الخامسة الواصل من  شبه جزيرة القرم .
الخيول الضخمة تتسلق الجبل ببطأ  وتجرعربات مثقلة بالصناديق والبالات والبضائع الفواحة والسائقين والغبار والناس القادمين من مكان ما لابد أنه بهيج  . كل هذا أخذ  يعتصر قلبي مرة أخرى ، فينقبض من أمنيات حزينة وحلوة .
التفتُ الى ممر ضيق بين الحدائق ، ومشيت لفترة طويلة نحواحدى الضواحي ، التي يقطنها العمال والحرفيون والكسبة ، الذين كانوا في العادة  يخرجون الى الوادي في ليالي الصيف ، ويغنون بصوت عال ووحشي ورائع كجوقات الكنيسة ، أغاني قوقازية جميلة وحزينة . اما الآن فهم يطحنون . وهناك في الاطراف حيث الاكواخ  الخشبية الزرقاء والبيضاء بين الحدائق في بداية الوادي ، كانت سلاسل الطواحين تلمع ، ولكن في أعماق الوادي كان الجو قائظاً كما في المدينة . وسارعت إلى تسلق التل، نحو السهل المفتوح ، الذي كان ساكناً وواسعاً . كان السهل  كله على مدى البصر وأكوام القصب السميكة العالية تبدو ذهبية. وكان الغبار الكثيف يغطي  الطريق اللانهائي العريض , ويخيل للمرء  كأنه يرتدي حذاءين مخمليين , وكان كل شيء من حولي يشع ببريق خاطف   من أثر قرص الشمس المسائي الواطيء - الطريق والهواء والحصيد ، مرّ كهل اوكراني اسود من-لفحة الشمس , بحذاءين ثقيلين ، وبرتدي قبعة جلدية ، ويحمل لفة بلون حبوب الجاودار . وكان العكاز الذي كان يتكأ عليه يلمع كما لو كان زجاجيا . وكانت أجنحة الغربان المحلقة فوق الحصيد لامعة ومشرقة أيضاً ، ولابد من اتقاء هذا الحر والبريق بحوافي القبعة الساخنة . وبعيداًعند الافق تقريباً ، كان يمكن تمييزعربة يجرها زوج من الثيران بتثاقل وبطأ ، وكوخ حارس حقل بطيخ... آه لروعة هذا  الصمت والرحابة , ولكن روحي كانت تهفو نحو الجنوب ، وراء الوادي ، الى حيث رحلت هي
على مبعدة نصف ميل من الطريق كان ثمة منزل ريفي ، ذو سقف من القرميد الأحمر . هو عزبة الأخوين ( بافل وفيكتور تيمجينكوف )، مريدا تولستوي .توجهت الى هذا المنزل فألفيته خاليا. تطلعت من النافذة ، فلم أر أحداً ، بل سمعت طنين الذباب ، اسراب من الذباب على الزجاج وتحت السقف ، وعلى أواني الزهور الموضوعة على بسطة النافذة .
كانت ثمة زريبة للحيوانات ملحقة بالمنزل ، ولكني لم أجد فيها أحداً . كانت بوابتها مفتوحة ، والشمس تلفح الفناء الغارق في السماد . وعلى حين غرة سمعت صوتاً أنثوياً يسأل .
-        الى أين أنت ذاهب ؟
التفتُ ، فرأيت زوجة زوجة تيمجينكوف الأكبر أولغا سيميونوفنا ، جالسة على  الجرف المطل على الوادي ،على حافة حقل البطيخ . ودون أن تنهض مدت لي يدها ، فجلست بجوارها  ، وقلت وأنا أنظر في وجهها مباشرة:
- هل أنت ضجرة ؟
          اطرقت رأسها ، وجعلت تنظر الى قدميها العاريتين .أمراة صغيرة مدبوغة بأشعة الشمس ، في قميص متسخ  و تنورة بالية مصنوعة من قماش اوكراني محلي الصنع .         كانت أشبه ببنت صغيرة أرسلوها لحراسة  اشجار الكستناء  ، وقضت قي حزن يوما مشمساً طويلاً ، وكان وجهها أشبه بوجه فتاة مراهقة من قرية روسية .ولكني لم أستطع أبدا أن اعتاد على ملابسها ، وعلى حقيقة أنها تخوض في الروث والحصيد الجاف حافية القدمين ، حتى أنني خجلت من النظر الى قدميها .وهي نفسها كانت تضمهما وتختلس النظر الى اظافرها التالفة . وكانت قدماها صغيرتين وجميلتين .
-       ذهب زوجي الى الطاحونة  القريبة ، ورحل فيكتور نيكولايظيج  .., أعتقل بافلوفسكي مرة اخرى لرفضه الالتحاق بالجيش . 
-       هل تتذكر بافلوفسكي ؟
-       قلت على نحو آلي :
-        - أتذكر
-       وصمتنا ونظرنا لفترة طويلة الى زرقة الوادي ،والى الغابات والرمال ، والى الأفق الذي يدعونا بكآبة .
-       وكانت الشمس ما تزال تدفئنا ،وتدفأ أيضاً ثمارالبطيخ المستديرة الثقيلة الجاثمة بين سيقانها الصفراء الطويلة الملتفة  كالثعابين .
-       
أبتدرتها :
-       - لم لا تصارحينني  وتكبتين مشاعرك ؟
-        أنت تحبيني
-       تكورت , وسحبت ساقيها و أغمضت عينيها ، ثم ازاحت خصلات شعرها عن خدها وقالت  بنبرة حاسمة وهي تبتسم :
-       - أعطني سيجارة .
-       اعطيتها السيجارة، فسحبت نفسين عميقين ، ثم سعلت ورمت السيجارة بعيدا وقالت وهي تفكر :
-       _ أنا جالسة هنا   منذ الصباح , يأتي الدجاج لتنقرالبطيخ هنا , لا أدري لم يخيل اليك أن هذا المكان ممل ,أنه يروقني للغاية .
-       فوق الوادي على مبعدة ميلين من القرية توقفتُ عند الغروب . نزعتُ قبعتي , وأخذتُ من خلال الدموع أتطلعُ الى الافق ... الى مكان ما بعيد , تراءت لي مدن جنوبية قائظة  ومساء أزرق وصورة أمرأة ما  تتداخل مع صورة  الفتاة التي أحبها , بيد أني اضفت على الصورة  في سري ، ذلك الحزن الطفولي الذي كان في  عيني تلك المرأة الصغيرة  في تنورة من قماش محلي الصنع .
-         


25
في أحد الشوارع المألوفة

قصة قصيرة للكاتب ايفان بونين
ترجمها عن النص الروسي وقدم لها : جودت هوشيار
كلمة تقديم
هذه القصة فريدة من نوعها ، حيث يتداخل فيها النثر الفني والشعر، على نحو لا يمكن الفصل بينهما ، دون الأخلال بسياقها ، وبنائها ، وقيمها الجمالية العالية .
قصص بونين أشبه بالشعر المنثور، بجمال لغتها ، ومعمارها الفني المحكم  ، بحيث لا تستطيع أن تحذف كلمة واحدة من أي نص سردي له دون أن يترك فراغاً  ، أو تستبدلها ، دون أن يتشوه المعنى .
 ولا ننسى أنه بدأ حياته شاعراً مجيدا ، ونال أهم جائزة أدبية روسية في العهد القيصري ، وهي جائزة " بوشكين " في عام 1903 عن ديوانه " سقوط أوراق الشجر " ، ونال الجائزة ذاتها للمرة الثانية في عام 1909 عن الجزئين الثالث والرابع من مجموعة مؤلفاته الكاملة .،وانتخب على إثرها عضواً فخرياً في اكاديمية العلوم الروسية . وظل طوال حياته الأبداعية يكتب الشعر أحياناً ، ولكنه معروف في المقام الأول ككاتب قصصي من طراز رفيع . ويشكل مدرسة متميزة في فن القصة القصيرة ، كسلفه العظيم أنطون تشيخوف . 
إن الحب العارم، لا يمكن أن يدوم طويلاً ، أو يكون له نهاية سعيدة . واذا إنتهى بالزواج –على أحسن الفروض – يكون حال الزوج ، كما جاء في المثل الفرنسي : " من يتزوج عن حب ، تكون لياليه طيبة وأيامه تعيسة ". وهذا ما كان يؤمن به بونين ، وقال - في أكثر من مرة – إن الحب الحقيقي ، هو ذروة التوهج
العاطفي . ولا يمكن للأنسان البقاء في هذه الذروة لفترة طويلة ، فظروف الحياة يمكن أن تفرق بين الحبيبين في أي لحظة ، وقد ينقلب الحب بمرور الزمن الى ملل وكآبة ورتابة . وكما يقول بايرون " غالباً ما يكون من الأسهل الموت من أجل الحبيبة ، من العيش معها ".
في هذه القصة ، كما في العديد من أعماله الفنية، وخاصة مجموعته القصصية الرائعة " الدروب الظليلة " مشاهد ايروتيكية ، ولكن بونين يعرف ، كيف يختار كلماته المعبرة عن الحب اللاهب ، دون ان ينزلق الى مهاوي الأبتذال .، ويعرف جيداً الحد الفاصل بين " الأيروتيكا" الراقية وبين " البورنوغرافيا " الرخيصة ، التي لا تتطلب موهبة حقيقية ، أو مهارة فنية .
بطل القصة – وهو مغترب روسي مسن ، يتذكر- وهو يمشي على رصيف بولفار باريسي -  قصة حب عارم بينه وبين فتاة فقيرة من عامة الشعب ، قبل عدة عقود من الزمن ، عندما كان طالباً في موسكو . ويبدو من وصف البيت الخشبي والجرس المربوط بالسلك ، والفنارات ، أن البطل يعود بذاكرته الى العهد القيصري ، في أواخر القرن التاسع عشر . ومن الواضح أنه يستعذب ذكرياته  الحميمة ، ويجد فيها سعادة حقيقية ، يفتقدها ، في شيخوخته في بلاد الغربة. فهي ( الذكريات ) سعادة قصوى. لأن ذكرى الماضي تنير روح البطل وتسمو بها .
عندما كتب بونين هذه القصة في عام 1944 كان في الرابعة والسبعين من عمره ويعيش في مدينة بجنوب فرنسا ، مختبئاً عن عيون رجال الجستابو ، خلال الأحتلال الألماني لفرنسا ، ويمر بضائقة مالية شديدة ، ولم يكن قد بقي شيء يذكر من قيمة جائزة نوبل في الآداب ، التي حصل عليها في عام 1933 . وكان يعيش على دخل شحيح يأتيه من كتبه المترجمة الى الإنجليزية واللغات الأوروبية الأخرى . ان المعنى الحقيقي لهذه القصة ، هو أن البطل انما يحاول التغلب على مصاعب الحياة بأستعادة أسعد لحظات حياته .
القصة
في ليلة خريفية باريسية ، كنت أمشي في بولفار خافت الضؤ ، داكن من الخضرة الكثيفة النضرة ، حيث الفنارات تحتها تشع ببريق معدني - وانا أحس بالشباب والبهجة ، وأردد بيني وبين نفسي :
في شارع مألوف
اتذكر منزلا قديماً
فيه سلم عال معتم
 ونوافذ مسدلة الستائر
ابيات  رائعة ! ومن عجب ، ان كل هذا قد حدث لي ايضا في زمن ما .
موسكو . منطقة بريسنيا . شوارع مثلوجة مقفرة . بيت خشبي صغير ،  وانا الطالب ، ذلك الأنا ، الذي لا اصدق الان له وجوداً .
كان هناك ضوء غامض
يومض حتى منتصف الليل
وفي البيت الخشبي ايضا ، كان ثمة ضوء يومض وعاصفة ثلجية تهب ، والريح تجرف الثلوج من على سطوح البيوت الخشبية ، فتلتف كالدخان المتصاعد ، وتضيء ما وراء الستارة القطنية الحمراء .
آه ، يا لها من فتاة معجزة ،
 تهرع للقائي في ذلك البيت
في ساعة أثيرة
محلولة الجدائل
وهذا ايضا حدث لي. إبنة شماس في مدينة سيربوخوف ، تركت عائلتها الفقيرة وجاءت الى موسكو للدراسة ... وها أنا اصعد الى الشرفة الخشبية الأمامية المغطاة بالثلوج ، وأسحب حلقة الجرس . الممدود نحو المدخل . الجرس يرن وراء الباب .اسمع وقع خطوات متقافزة تنزل من السلم الخشبي الشديد الانحدار .تفتح الباب ، فتهب عليها رياح العاصفة ، وعلى شالها ، وبلوزتها البيضاء ... كنت أهرع الى تقبيلها وأحضنها وأصد الرياح عنها . ثم كنا نركض الى الاعلى في البرد القارس ، وعتمة السلم ، الى غرفتها الباردة ايضا ، المنارة بمصباح نفطي ، شاحب الضؤ . الستارة الحمراء على النافذة ، وتحتها منضدة عليها هذا المصباح.  قرب الحائط  سرير حديدي كنت القي عليها معطفي وسترتي ، كيفما إتفق ، وأخذها عندي ، واجلسها على ركبتي ، وانا جالس على السرير ، واحس من خلال التنورة بجسدها ، وبعظامها .
لم تكن ضفائرها محلولة ، بل كان لها شعر أشقر مجعد ، ووجه فتاة من عامة الشعب ، شفاف من الجوع , وعيناها ايضا كانتا  شفافتين فلاحيتين ، وشفتاها رقيقتين، كالتي تكون عادة عند الفتيات الواهنات .
تلتصق بشفاهي
ليس على نحو طفولي
بل متوقدة كالناضجات
وتهمس في أذني مرتعشة
أسمع !  دعنا نهرب  !
نهرب ! الى اين  وممن ؟ يالروعة هذه السذاجة الطفولية " نهرب ! " .
 نحن لم يكن لدينا " نهرب " بل شفاه واهنة ، هي احلى شفاه في الدنيا . ودموع تطفر من عيوننا من فيض السعادة . وبسبب الاجهاد المضني للجسدين الفتيين كان كل واحد منا يضع رأسه على كتف الآخر . وكانت شفتاها تشتعلان ، كما في القيظ . عندما كنت أفك أزرار بلوزتها , وأقبل الصدر الحليبي البكر بحلمتيها الصلبتين , غير الناضجتين ... وعندما تستعيد وعيها ، تقفز وتشعل الطباخ الكحولي ، وتسخن الشاي فنشربه، ونحن نأكل الخبز الأبيض مع الجبنة ذات الغلاف الاحمر ، ونتكلم دونما نهاية عن مستقبلنا ، ونحس كيف  إن الرياح الباردة المنعشة تهب وراء الستارة ، ونسمع تساقط الثلوج على النافذة :
 " في شارع معروف أتذكر منزلاً قديماًً ".
ماذا أذكر ايضا ؟  أذكر أنني ودعتها  في ربيع تلك السنة في محطة قطار كورسك . كيف اسرعنا الى الرصيف مع سلتها المصنوعة من الصفصاف ، وبطانيتها الحمراء الملفوفة والمشدودة بالأحزمة  , ركضنا بمحاذاة القطار الطويل ، الذي كان على وشك التحرك, اذكر كيف صعدت أخيرا الى مدخل احدى العربات ، ونحن نتحدث قبل الوداع ، ونقبل ايدي بعضنا البعض ، وكيف وعدتها باللحاق بها في سيربوخوف بعد أسبوعين . لا أذكر أي شيء بعد ذلك . ولم يكن هناك شيء بعد ذلك أبداً .

26
كيف رسمت المس بيل خارطة العراق ؟

جودت هوشيار                   
             
عندما تم تقسيم الأمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى بموجب اتفاقية سايكس -بيكو، ووضع العراق تحت الانتداب البريطاني ، كتبت المس (غيرترود بيل) مستشارة المندوب السامي البريطاني في العراق بيرسي كوكس ، رسالة الى والدها في عام 1920 تقول فيها " كان عملى لهذا اليوم جيداً ، فقد قمت برسم الحدود الغربية ، والجنوبية الغربية للدولة ( العراقية ) المرتقبة ".
إن كل من يلقي نظرة على خارطة العراق الحالية سيلاحظ على الفور، أن الحدود العراقية مع كل من سوريا والأردن والسعودية هي خطوط مستقيمة تماماً رسمت بالقلم والمسطرة من قبل المس بيل  .
ويعتقد عدد كبير من المؤرخين و الباحثين و المفكرين  من جنسيات مختلفة ، أن خارطة الشرق الأوسط  الحالية بحاجة الى تصحيح ، وأن الأحداث العاصفة التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة وتداعياتها المتسارعة ، قد تؤدى الى أعادة رسمها من جديد ، بما يرفع الظلم الذى وقع على الشعب الكوردي.                                   
ان معظم الدول العربية فى المنطقة ، هى كيانات سياسية ، ظهرت الى الوجود فى خارطة العالم ، ليس نتيجة لعمليات ديموغرافية طبيعية ، ولم تكن تعبيرا جغرافيا  لما هو موجود على أرض الواقع ، بل فرضت بالقوة ، بعد أنتصار الحلفاء فى  الحرب العالمية الأولى وأنهيار الأمبراطورية العثمانية ، حيث قام اللاعبان الرئيسيان فى المنطقة وهما بريطانيا و وفرنسا  برسم خارطة الشرق الأوسط وتشكيل دول جديدة ورسم حدودها ، بما يضمن مصالحهما فى المقام الأول ،  دون الأخذ بنظر الأعتبار التمايز الأثنى و الدينى والتأريخى والثقافى لشعوب المنطقة.
لم تكن لهذه الدول المصطنعة وجود فى الأمبراطورية العثمانية ، حتى على شكل ولايات أو وحدات أدارية - جغرافية منفصلة . فعلى سبيل المثال ، كانت المساحة التى تشغلها  سوريا حاليا مقسمة .الى اربع وحدات ادارية منفصلة تأخذ بعين الأعتبار الأختلافات الواضحة بين مكوناتها  . وبعد الأحتلال الفرنسى في العام 1919 ، تم توحيدها كمحمية فرنسية واستقلت فى عام 1946 ، رغم وجود تناقضات كثيرة فيها .. أما لبنان ،فأنه ،  خليط صاخب من المسلمين الشيعة والسنة والمسيحيين المارونيين و الدروز والأرمن والكورد وغيرهم  ، ويعيشون فى جيب لا يتجاوز مساحته 10 آلاف كيلومتر مربع ، و يحاولون حل ما لا يمكن حله وهو تقاسم السلطة في ما بينهم.
اما تأريخ تشكيل دولة الأردن كوحدة سياسية مستقلة ، فأنها أكثر غرابة و تتناقض مع شروط عصبة الأمم ، التى تم بموجبها وضع فلسطين تحت الوصاية البريطانية . هذه المملكة أخترعت على عجل للعائلة الهاشمية القادمة من الحجاز .أما الغزو البريطانى للعراق ومن ثم تشكيل الدولة العراقية ، فأنه يمثل بحق قمة الغطرسة الأمبريالية بأسوأ صورها والأستهانة بالحقوق المشروعة للشعب الكوردى .
في 12 آذار سنة 1921 ، عقد مؤتمر في القاهرة واستمر أسبوعين برئاسة وزير المستعمرات البريطاني ونستون تشرشل. وحضره كبار الضباط والاداريين الانكليز العاملين في مناطق الانتداب. وناقش المؤتمر « تحديد مستقبل الولايات الثلاث في ما كان يعرف بـ" ما بين النهرين " وهى البصرة وبغداد والموصل، وأختيار شكل النظام السياسي ورئيسه، وبتعبير آخر، كان على بريطانيا إعادة تنظيم علاقاتها السياسية والمالية والعسكرية مع العراق العربي وكردستان الجنوبية الواقعين ضمن انتداب "ما بين النهرين " 
كان وزير المستعمرات ونستون تشرشل يخشى من تجاهل مشاعر الكورد ، واضطهادهم على يد حاكم شريفي مدعوم بجيش عربي ، ونادى بفكرة كردستان جنوبية منفصلة سياسيا عن الدولة العربية في بغداد, وقرر المؤتمر عدم إلحاق كردستان الجنوبية بالدولة العربية، وان يدار الإقليم كحزام أستراتيجي من قبل المندوب السامي ، عبر موظفين ميدانيين حتى الوقت الذي يستطيع فيه الكورد ، تحديد مصيرهم السياسي في المستقبل . وقد صادق رئيس الوزراء البريطاني لويد جورج على قرارات مؤتمر القاهرة بخصوص كردستان الجنوبية.
فى عام 1921  تشكلت الدولة العراقية من ولايتين عثمانيين منفصلتين هما ولايتى بغداد والبصرة فقط ، ولكن حكومة المحافظين الجديدة ، التي تشكلت بعد فترة وجيزة من انتهاء مؤتمر القاهرة ، تخلت عن قرارات المؤتمر المذكور وعملت بحلول سنة 1923 على الحاق ولاية الموصل ( كردستان الجنوبية ) بالدولة العراقية ، ، بعد أدراكها أهمية نفط كركوك ومنافعها الأقتصادية لبريطانيا والدولة الوليدة في آن معاً ، خاصة ان النفط لم يكن مكتشفاً ،حتى ذلك الحين سوى في موقعين أثنين هما كركوك وخانقين وكلاهما كانتا ضمن ولاية الموصل المتنازع عليها بين بريطانيا وتركيا .
بقع النفط كانت  ظاهرة على سطح الأرض في منطقة ( بابا كركر)  منذ زمن سحيق ، مما سهل عمل خبراء الجيولوجيا الذين جلبتهم بريطانيا ، من فنزويلا ، والمكسيك ، ورومانيا ، والهند الصينية ، لأغراض الأستكشاف والتنقيب وتحديد اماكن حفر الآبار . وفي 14 اكتوبر/ تشرين أول سنة 1927 تدفق النفط بغزارة من اول بئر نفطي الى علو 43 متراً ، وتم انتاج حوالي ( 100 ) آلف برميل خلال عشرة أيام . ومنذ ذلك التأريخ ، اصبح نفط كركوك جزءاً من المعادلة السياسية  في العراق . وتحدد في الوقت نفسه مصير مدينة كركوك ولو الى حين .
  واجهت الدولة الوليدة مشاكل جمة حيث لم يألف سكان الولايات العثمانية الثلاث ( الموصل ، بغداد، البصرة) كيانا سياسيا متماسكا من قبل ، وكانت الولايات الثلاث تتميز بخصائص اثنية وطائفية خاصة تختلف كل منها عن الأخرى. وكان الإسلام هو الرابط الرئيس بين هذه الولايات الثلاث ولكن الدين وحده لم يكن كافيا في ذلك الوقت لتوحيدها . وتتجلى هذه الخصائص المتميزة بين العراق العربي وبين كردستان الجنوبية بشكل صارخ ، فأصل الكورد ولغتهم وتأريخهم وثقافتهم ، لا علاقة لها بالساميين العرب و تنتمي لغتهم الى عائلة اللغات الهندو - أوروبية ، وتشكل نمط حياتهم وثقافتهم على مدى التأريخ في ظروف مختلفة . و يقول بعض المستشرقين ، أن ثمة تشابه بين الكرد والأرمن فى التقاليد و فى الموروث الشعبى عموما  أكثر بكثير من التشابه بين الكورد والعرب..
ويجد المتتبع لتأريخ تلك الفترة الحاسمة في تأريخ العراق، أن الكورد عارضوا الحاق كوردستان الجنوبية بالدولة العربية الجديدة ودعا زعماؤهم الى إنشاء دولة كوردية مستقلة .
  يتبين مما تقدم ان الدول والكيانات المصطنعة  من قبل الحلفاء ، لم تكن  قادرة على الأستمرار فى الحياة والمحافظة على حدودها الحالية الا بوجود نظم دكتاتورية قمعت الشعوب الخاضعة لها بالحديد و النار  .
بعد مائة عام  تقريبا على ابرام تفاقية سايكس - بيكو ، الشرق الأوسط يغلى من جديد ، ولن يشهد الأستقرار المنشود ، الا بعد تحرر شعوبها وحصولها على حقوقها المغتصبة . فالشعوب غير العربية ، ليست أقليات فى الشرق الأوسط ، بل شعوب عريقة تعيش فوق أراضى الآباء و الأجداد . ومن يعيش على أرضه ، لن يكون أقلية ، حتى اذا تم ضمه بالقوة الى شعوب أكثر عددا .
الواقع الجديد يفتح الأبواب على مصاريعها ، لتهب منها رياح التغيير ،التى لن يستطيع أحد بعد اليوم ، الوقوف أمام تيارها الجارف . وقد حان الوقت لأعادة النظر في خريطة الشرق الأوسط  حسب مصلحة شعوبها وليس الأستعمار الذي لم يعد له وجود .
 


27
كامارغ *
 قصة ايفان بونين**
ترجمها عن النص الروسي
جودت هوشيار


صعدت الى عربة القطار في محطة صغيرة تقع بين مارسيليا وأرل . وسارت في ممشى العربة وهي تتلوى في مشيتها , فيرتج جسدها الغجري – الأسباني كله . جلست بجوار النافذة على مقعد منفرد ، وكأنها لا ترى أحدا ، ثم أخذت تكرّز الفستق المحمص .وبين حين وآخر ترفع طرف تنورتها السوداء العليا لتدس يدها في جيب التنورة الداخلية البيضاء البالية.
العربة ملأى بالناس البسطاء ولا توجد فيها قمرات منفصلة بل صفوف متراصة من المصاطب , وكان عدد من الجالسين قبالتها يحدقون فيها من وقت لأخر بنظرات نافذة.
كانت شفتاها تنفرجان فتكشفان عن صفين متناسقين من الاسنان البيضاء النضيدة . وفوق شفتيها زغب خفيف ضارب الى الزرقة يتكثف عند زاويتى فيها , كان وجهها الاسمر الغامق , الدقيق التقاطيع ،الذي يضيئه الق اسنانها بدائياً ووحشياً ، وعيناها اللتان تميلان الى الأستطالة كانتا في لون اللوز المشوب بالصفرة الذهبية ونصف مفتوحتين ، تحت جفون بنية غامقة , تنظران بطريقة ما الى داخل ذاتها بعين فاترة ذابلة في استرخاء بدائي لذيذ .
شعرها الفاحم السواد الذي كان مفصولا بمفرق يتدلى بجدائل مجعدة على جبهتها الواطئة وبمحاذاة جيدها كانت الاقراط الفضية الطويلة تلمع ، وشالها الباهت الأزرق ، مسدلا على كتفيها المستديرتين بعقدة جميلة على صدرها . كانت يداها اليابستان الهنديتان ذات أنامل موميائية وأضافر فاتحة اللون , وظلت تقشر حبات الفستق بسرعة وحذق القرود بحيت أتت عليها كلها. نفضت القشور عن ركبتيها ، ثمّ أغمضت عينيها ،ووضعت ساقا على ساق ، واستلقت على ظهر المقعد , ومن تحت تنورتها المطوية بدا قدها الاهيف المشدود بالغ الروعة ، وردفاها بارزتين كنتؤين صلبين بخطوط منسابة , كانت تنتعل خفا مصنوعا من قماش أسود ومشدودا بشرائط ملونة ، زرقاء وحمراء ، وتبدو من خلالها ، قدمها النحيفة العارية المدبوغة بالسمرة .
غادرت العربة قرب محطة ارل , قال جاري بحزن - لسبب ما - وهو يودعها بنظراته :
- أنها كامارغية
كان جاري رجلاً من بروفانس ، ضخم الجسم ،ً وقويا كالثور ، وقد احتقنت خداه بالد م .
..............................................
* كامارغ : منطقة رائعة في دلتا الرون ، فيها العديد من البحيرات المالحة والمراعي الخلابة، وبعض من أروع الشواطيء في جنوب فرنسا .
** إيفان بونين ( 1870 – 1953 ) روائي وقصصي كلاسيكي عالمي ، وأول كاتب روسي يحصل على جائزة نوبل في الآداب سنة 1933

28
هل مات الأدب الروسي ؟ 

جودت هوشيار                              

تراجع الأدب الروسي - بعد تفكك الاتحاد السوفيتي - عن موقعه المتقدم في العالم عموما ، وفي العالم الناطق بالإنجليزية خصوصاً. ويقال ان القاريء الأميركي - من الجيل الجديد - يكاد يجهل هذا الأدب تماماً ، ولا يستطيع أن يذكر اسم كاتب روسي معاصر واحد. والسبب الرئيسي لهذا التراجع هو ان الادب الروسي اصبح اليوم ادباً محلياً بكل معنى الكلمة .
الأدب المحلي الذي يكون مفهوما وقريبا من شعب واحد فقط  ، وغير ممتع بالنسبة الى بقية االشعوب ، يتحول – في أفضل الأحوال -  الى مجرد مصدر لعلماء
الأنثروبولوجيا ولا يهم القاري الأجنبي . أما الأدب المحلي ، الإنساني الطابع ، الذي بعبر عن روح العصر ، ويثير أحاسيس مشتركة بين البشر وتجاوباً فكرياً يتفاعل في  كل بيئة مجردة من المكان والزمان ،فهوالذي بجذب انتباه القاريء بصرف النظر عن العرق والمعتقد واختلاف الثقافات .
نتائج غير متوقعة لألغاء الرقابة
مما يثير الدهشة حقاً ، ان الغاء الرقابة واطلاق حرية التعبير والنشر ، في اواخر حقبة (البريسترويكا ) لم يؤد الى ازدهار الأدب الروسي المعاصر، كما كان متوقعاً  ، بل على النقيض من ذلك أدى الى شيوع أدب التسلية الجماهيري الإستهلاكي ،  وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن الرقابة أمر مفيد ، لأن ثمة أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وتكنولوجية  وراء ظاهرة الأدب المحلي الأستهلاكي وفي مقدمتها عزوف السواد الأكبر من الشباب عن قراءة الكتب الجادة المطبوعة وتفضيل الكتب الألكترونية أو سماع تسجيلها الصوتي عبر الأجهزة الذكية ، فالسماعات لا تفارق الشباب الروس حتى في عربات المترو في موسكو وسان بطرسبورغ .
الأدباء الذين كانوا ينشرون نتاجاتهم سراً داخل البلاد ( أدب الأندر غراوند ) كما  يسميه الروس ، لم يعد لديهم ما يعارضون به العهد الجديد ، وأدب ( الواقعية الأشتراكية ) عفا عليه الزمن ، وطوى النسيان أغلب كتّابه البارزين ،الذين كانوا نخبة صغيرة مرفهة في العهد السوفيتي ، تتمتع بامتيازات شبيهة بامتيازات القادة السياسيين في المكافآت والسكن والمعالجة في مستشلفيات خاصة ، وارتياد المنتجعات الجميلة على البحر الأسود صيفا ، ودور الراحة في المناطق المشمسة ذات المناخ المعتدل في جنوب البلاد شتاءاً . وكانت كتبهم المنشورة بأعداد هائلة تدر عليهم عائدات كبيرة . وبعد تعويم ( الروبل ) في عام 1992 فقدوا كل مدخراتهم التي تحولت الى أوراق لا قيمة لها. فعلى سبيل المثال كان الشاعر السوفيتي الشهير يغور إيسايف (1926 – 2013 ) - الحائز على أرفع جائزة أدبية سوفيتية لمرتين ، وهي جائزة ( لينين ) ، وعلى وسام بطل العمل الإشتراكي –له نفوذ كبير في اتحاد الكتّاب السوفيت ، وعضوا في هيئات تحرير كبريات المجلات الأدبية ، ولكنه وجد نفسه على حين غرة من دون عمل في العهد الجديد ، ومرّ بضائقة مالية شديدة ، بعد انهيار سعر الروبل ورفض دور النشر الخاصة الجديدة – التي حلت محل دور النشر الحكومية السوفيتية - نشر أي ديوان جديد له . كما أن المكافآت لقاء نشر قصائده في المجلات الأدبية أصبحت ضئيلة وتافهة ، لا تكفي لشراء كغم واحد من اللحم ، وعانى الأمرين في تحصيل ( لقمة العيش ) ، فلجأ الى تربية الدجاج في مزرعته في إحدى ضواحي موسكو لكسب ما يمسك عليه حياته وحياة اسرته . وتوقف عن كتابة الشعر .
ان مصير أغلب كتّاب الواقعية الأشتراكية لا يختلف كثيراً عن مصير الشاعر إيسايف ، وقد طواهم النسيان ، وأصبحوا في ذمة التأريخ .
 الادباء المهاجرون اخذوا ينشرون نتاجاتهم داخل روسيا ايضا ،وعاد العديد منهم الى الوطن بعد غيبة طويلة ، ومنهم الأدباء الذين اسقطت عنهم الجنسية السوفيتية. ولكن سرعان ما  زال سحرهم في العهد الجديد ، ،فإلإمبراطورية ، التي كانوا يحاربونها ، لم تعد لها وجود .
وجاء جيل جديد من الأدباء الشباب ، ضائع لا يعرف ماذا يريد ، وتحولت مهنة الكتابة الأستهلاكية الخفيفة الى تجارة رابحة ، لأولئك الذين يبحثون عن اسهل الطرق للحصول على المال ، و كانوا في السابق يمارسون مهناً اخرى ، ولا يفكرون يوما في إتخاذ الكتابة الأدبية مهنة لهم . ونزل الى الميدان الأدبي ضباط بوليس ورجال مخابرات متفاعدون ، يستمدون من خبراتم الوظيفية وتجاربهم الحياتية ، حبكات رواياتهم البوليسية والتجسسية  ولم يقتصر الأمر على الجنس الخشن ، بل اقتحمت صحفيات ونساء من شرائح ومهن شتى، وحتى ربات بيوت مجال الادب بسلاسل من الروايات الغرامية والبوليسية والخيالية ، التي لقيت رواجاً كبيرا لدى الجمهور الباحث عن ادب اللذة .
وفي الوقت الذي كان فيه الجمهور القاريء في الحقبة السوفيتية يتابع الإصدارات الجديدة لعدد محدود من الأدباء المعروفين ، ، ثمة اليوم مئات الأدباء من الجنسين - معظمهم في مدينتي موسكو و سان بطرسبورغ – وقد تحوّل كل منهم الى آلة لأنتاج رواية كل شهر أو شهرين للحصول على أكبر قدر من المال . وهم أعضاء في عدة  إتحادات جديدة للأدباء تشكلت بعد إلغاء اتحاد الكتاب السوفيت. وهي ( الإتحادات الجديدة )  تتناحر اليوم فيما بينها على ممتلكات الإتحاد السابق من بنايات ودور سكن في قرية الكتّاب (بريديلكينا) في ضواحي موسكو .
أدب الـ( غرافومانيا ) 
لم يعد للأدب الروسي صلة بالواقع ويتسم بطابع  شديد الغرابة بالنسبة الى القاريء الأجنبي ، وتسود فيه ما تسمى الـ( غرافومانيا ) ، أي هوس الكتابة السطحية التي غالبا ما تكون فضفاضة ومملة،  حول أحداث عادية وأبطال لا يتميزون بشيء .
البعض من اشهر الكتاب الأستهلاكيين الروس المعاصرين لا يجيدون حتى اللغة الأدبية الروسية ، ونتاجاتهم مكتوبة بلغة سوقية أسوأ من لغة الصحافة الصفراء ، مما ينم عن ذوق فاسد . ولولا البهارات الأيروتيكية مثل الوصف التفصيلي للعلاقات الحميمة وشتى أنواع التجارب الرذيلة لما قرأ أحد كتاباتهم .
أما الأدب الروسي الخالي من البهارات الأيروتيكية والعبارات الفاحشة – الذي يمكن إعتباره إمتداداً للتقاليد الأدبية الروسية -  فإنه يتناول عددا من القضايا ، التي لم تعد تهم القاريء الغربي. مثل التعصب القومي الروسي ، أو  العيش وفق معايير الكنيسة الأرثوذكسية ، أو الإنسان في مواقف استثنائية ( الحرب ، و المعتقل ) . ويقصد بالحرب هنا المعارك الطاحنة التي جرت بين الجيشين الأحمر والهتلري خلال الأعوام الأربعة الأخيرة (1941-1945) من الحرب العالمية الثانية ، التي يطلق عليها الروس اسم ( الحرب الوطنية العظمى ) . وقد كتب عنها عدد لا يحصى من الروايات والدواوين الشعرية في العهد السوفيتي . أما وصف جحيم المعتقلات ، ومعسكرات العمل الأجباري الشاق فلم يعد فيه أي جديد بعد روايات سولجنتسن و" حكايات كوليما"  لفرلام شالوموف.
وتحتل موضوعة تفكك الإتحاد السوفيتي والحنين الى المجد الأمبراطوري الغابر مساحة واسعة في الأدب الروسي الجديد - فما زالت الإمبراطورية حية في الأذهان ، وحتى في الروايات الخيالية -
لأن روسيا مرّت في العقدين الأخيرين بسنوات عصيبة، تغيرت فيها ، ليس اسلوب الحياة فقط ، بل المعايير الأجتماعية والقيمية والجمالية أيضاً .ولا أحد اليوم يعرف بمن يثق ، وبماذا يتفاخر ، وماذا يفعل ، وكيف يحيا لاحقاً. وثمة ثلاثة إتجاهات في هذا المجال :
- محاولة فهم ووصف ما حدث وما يحدث الآن ، على أنقاض الإمبراطورية المنهارة .
- التعبير الفني عن مجتمع استهلاكي وضياع المثل العليا التي كانت تستشرفها النخب المثقفة .
- الإنسان الروسي الجديد ، الذي يتعلق بأذيال المطامع المادية و لديه المال ووسائل الترفيه ، ولكن حياته كئيبة . وأخذ يتساءل من جديد – السؤال الروسي التقليدي - ما العمل ؟.
تراجع وانعزال
تشير الأحصاءات الحديثة  الى أن ما يترجم من الأدب الروسي الى اللغة الإنجليزية لا يتجاوز 3% من اجمالي الأعمال الآدبية الأجنبية المترجمة الى هذه اللغة الأساسية في عالمنا المعاصر . ويكفي أن نقول أنه خلال العقدين الأخيرين لم يدخل أي كتاب روسي الى قائمة جائزة  افضل كتاب أجنبي مترجم   .(Best Tpanslated Book Award)
في حين حصل عليها اعمال ادبية مترجمة الى الانجليزية من آداب بلدان اوروبا الشرقية الأخرى التي تحتل مكانة متواضعة في الأدب العالمي . 
وعموما فإن نصيب الأعمال الأدبية الروسية من الجوائز الأدبية العالمية والأوروبية – منذ انهيار الإمبراطورية - جد قليل ، رغم ان مشاهير الأدباء الأستهلاكيين الروس يحصلون بإستمرار على الجوائز الأدبية الروسية المتعددة  التي ، يصعب حصرها لكثرتها ،وتتحكم فيها دور النشر والإشهار الروسية الكبرى .
الروايات الروسية المعاصرة تنشر في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا بأعداد قليلة من قبل دور النشر الصغيرة أوالجامعية ،وليس دور النشر الشهيرة  مثل ( بنجوين أو راندوم هاوس ، أو فارار وجيرو ) ،  ولا تعرض في المكتبات والمتاجر الشهيرة– ما عدا بعض روايات لودميلا  اوليتسكايا وميخائيل شيشكين – والأخير يقيم بشكل دائم في سويسرا -  بل في المكتبات الجامعية او على مواقع الأنترنيت  مثل موقع امازون .
أحياناً يمكن العثور على بعض روايات الخيال العلمي للكاتبين ( الروسيين ) بوريس اكونين وفيكتور بيليفين في هذه المكتبة او تلك ، ولكن ليس ثمة رواية روسية واحدة ضمن قوائم الكتب الأكثر رواجاً. والعالم لا يتابع نتاجات الكتاب الروس المعاصرين – كما كان الأمر في الماضي -  ولا يسوق كل النسخ المطبوعة منها رغم محدوديتها .
يقول اصحاب دور النشر  الروسية ، والكتاب الروس انفسهم ان ذلك ناجم عن ضعف الدعاية والترويج للأدب الروسي المعاصر في الدول الغربية. ولكن هذا الزعم غير دقيق بدليل ان الكتاب الروس الأستهلاكيين يقومون بتكليف المترجمين الغربيين بترجمة نتاجاتهم الى الأنجليزية ، كما يقومون بحملات دعائية مكثفة في الدول الغربية لترويج وتسويق نتاجاتهم ، ولم يبق في جعبتهم من سبيل الا وسلكوه لأغراء القاريء الغربي ، دون ان يحرزوا تقدما كبيرا في هذا المجال ، لأنهم يلحون عليه اقتناء وقراءة ما لا يحتاج اليه .
النقاد الروس - الذين يدورون في فلك دور النشر الروسية الكبرى – يعزون سبب ذلك الى السياسة ، ويقولون أن روسيا لم تعد عدوة أو منافسة للغرب ، ولهذا فالأدب الروسي المعاصر لا يحظى بإهتمام كبير في الغرب ، ولكن هذا تضليل متعمد ، الغرض منه الأيحاء بأن الأدب الروسي اليوم بخير ، وان السياسة الغربية الحالية ازاء روسيا هي التي تمنع انتشار الأدب الروسي في الغرب ، ولكننا نعلم أنه لا توجد أي رقابة على الأعمال الأدبية في الغرب ، لا يالنسبة الى الأدب الروسي ولا أي أدب آخر.، فمن يرتاد متاجر الكتب في العواصم الغربية يجد الكثير من الطبعات الحديثة للأعمال الأدبية لعمالقة الأدب الروسي الكلاسيكي ( تولستوي ، دوستويفسكي ، تشيخوف ، تورغينيف ) . وكذلك العديد من الكتب المكرسة لتحليل الوضع السياسي الراهن في روسيا البوتينية . وهذا يقودنا الى استنتاج جلي وهو أن القاريء الغربي ما يزال مهتما بما يحدث في روسيا اليوم ، ولكنه لم يعد يهتم بالادب الروسي الإستهلاكي ، الذي لا يعبر عن الواقع الروسي الراهن .
بعد برودسكي وسولجنتسن لا يوجد كاتب أو شاعر روسي واحد يحظى بنفس القدر من أعجاب القراء في الغرب . الجمهور الذي يقرأ الأدب الروسي ، حتى اليوم ، يتألف أساساً من المهاجرين والمغتربين الروس في الدول الغربية ، وحفنة من المهنيين في كل بلد غربي ، ومعظمهم من أساتذة وطلاب أقسام اللغة الروسية أو الأدب الروسي ، وكذلك الأجانب من خريجي الجامعات والمعاهد الروسية. . 
يقول اصحاب دور النشر الغربية أنهم يريدون روايات روسية عن الواقع الروسي ، ولكن مثل هذه الروايات نادرة في الأدب الروسي المعاصر . ولم يظهر في روسيا خلال العقدين الأخيرين أي عمل أدبي ممتع ورفيع المستوى فناً وفكراً  ، يمكن أن يجذب انتباه القاريء الغربي العادي ، ويثير اهتمام النقاد الغربين ويدخل ضمن قائمة الكتب الأكثر رواجاً ، كما هو الحال مع الأعمال الأدبية الخالدة  لعمالقة الأدب الروسي الكلاسيكي.
مائة صنف من السجق وفكرة واحدة
اجرت  الصحفية والمترجمة  الفنلندية كريستينا روتكيرش – التي تكتب باللغتين السويدية والفنلندية - لقاءات صحفية مع احد عشر كاتبا روسيا مشهورا تحدثوا خلالها عن سيرهم الذاتية واعمالهم واساليبهم وتجاربهم في الكتابة ( بوريس اكونين ، يفجيني غريشكوفيتش ، أدوارد ليمونوف ، يوري ماملييف ، فيكتور بيليفين ، لودميلا بيتروشيفسكايا ، نينا سادور ، فلاديمير سوروكين ، تاتيانا تولستايا ، لودميلا اوليتسكايا ، ميخائل شيشكين )  . وقد جمعت روتكريش نصوص هذه اللقاءات في كتاب صدر قبل بضع سنوات في ستوكهولم باللغة السويدية بعنوان " لقاءات مع أحد عشر كاتبا روسياً "، ثم قامت بترجمة الكتاب الى اللغة الفنلندية ونشره تحت عنوان " مائة صنف من السجق وفكرة واحدة " . ان عنوان هذا الكتاب هو ( باروديا ) أي محاكاة ساخرة وتهكم على روسيا ، التي تسعى لبناء اقتصاد السوق . حيث تجد في متاجرها اليوم أصنافاً كثيرة من السجق ، الذي كان شحيحاً في الحقبة السوفيتية .ولكن الأدب الروسي يعاني اليوم من ظاهرة الـ( غرافومانيا )،  وشحة الأفكار الملهمة .. وبين احد عشر كاتبا لا يوجد من يكتب الأدب الحقيقي سوى شيشكين ، و اوليتسكايا ، التي يعرفها القاريء العربي بعد ترجمة روايتها الممتعة " سونيشكا" الى اللغة العربية . وهي روايتها الأولى التي نشرت في موسكو عام 1992 وترجمت الى العربية بعد حوالي ربع قرن . ولأولتسكايا روايات وقصص كثيرة ، وتحظى أعمالها بشعبية واسعة في روسيا والعالم حيث ترجمت الى أكثر من 25 لغة أجنبية ، وحصلت على عشرات الجوائز الروسية والأوروبية ، بينها جائزة " البوكر " في عام 2001.  .
شحة الأفكار والبؤس الإبداعي لنجوم الأدب الأستهلاكي هي نتيجة طبيعية لأنعزالهم عن الواقع الأجتماعي . هذا الواقع الحافل بالتناقضات الحياتية والإنسانية التي يمكن أن يستمد منها الكاتب الروائي والقصصي آلاف الحبكات الممتعة . ولكن للسوق قوانينها ، وهذا هو الحال في كل بلد يتحول فيه الأدب الى سلعة في السوق ، ولا يقتصر الأمرعلى روسيا وحدها.
 


29
مفارقات المشهد الأدبي الراهن في روسيا
جودت هوشيار        
كانت الدعاية السوفيتية لا تمل من تكرار مقولة مفادها ، ان الشعب السوفيتي  يتصدّر قائمة الشعوب القارئة في العالم ، في حين إننا نعلم  أن معدل القراءة في الولايات المتحدة الأميركية وانجلترا وفرنسا واسبانيا وألمانيا وايطاليا كان أعلى من الإتحاد السوفيتي قبل انهياره و من روسيا حالياً . ولكن يمكن القول ان الشعب الروسي – وليس السوفيتي -  كان اكثر الشعوب القارئة للأدب الجاد وإهتماماً بالثقافة العالية والفنون الجميلة . وربما كانت  ندرة أدب التسلية والخيارات الترفيهية الأخرى أحد أسباب هذا الأهتمام  ، ولكن ليس السبب الرئيسي بأي حال من الأحوال
كان الأدب  الرفيع دائماً أحد أهم روافد تكوين الشخصية الروسية ، والأدباء العمالقة من شعراء وكتّاب كانوا معلمي الشعب ، ويلعبون دوراً كبيراً في تشكيل القيم الروحية والفنية والجمالية للجمهور القاريء . وهذا الدور هو الذي دفع الشاعر يفغيني يفتوشينكو الى القول ان" الشاعر في روسيا أكثر من شاعر " . و هو عنوان قصيدة شهيرة  له ذهب مثلاً يتناقله الأدباء والمثقفون الروس كثيراً . ويمكن القول أن الكاتب في روسيا كان أيضاً أكثر من كاتب .
لقد اتيح لي أن أعايش ذلك عن قرب عندما كنت طالباً في موسكو في الستينات من القرن الماضي . كانت قيمة أي شخص تقاس الى حد كبير وخاصة عند الجنس اللطيف بمدى عمق ثقافته العامة واطلاعه على روائع الآداب والفنون الروسية والأجنبية ، وكان من الصعب نيل اعجاب أي فتاة أو سيدة اذا لم يكن  المرء مطلعا على النماذج الرفيعة للآداب والفنون . وتحضرني في هذا السيلق طرفة حقيقية بطلها زميل عراقي كان يواصل دراسته في موسكو . فقد سمع هذا الزميل أن أفضل طريقة لكسب اعجاب الفتيات الروسيات هي ان تحدثهن عن انهماكك في قراءة الروائع الأدبية ومناقشة مضامينها معهن . تفاخر زميلنا امام صديقته الجديدة  بأنه يعكف الآن على قراءة رواية " آنّا كارينينا " لليف تولستوي . والمعروف أن الكاتب العظيم استهل هذه الرواية  بالفقرة الشهيرة التالية: “كل الأسر السعيدة تتشابه، ولكن كل أسرة شقية فريدة في شقائها " وبطبيعة الحال فإن الفتاة كانت قد قرأت هذه الرواية الرائعة ، ربما أكثر من مرة ، لأنها ( الرواية ) كانت ضمن مادة " الأدب " في المرحلة الثانوية . قالت الفتاة على أمل أن تعرف انطباع الطالب الأجنبي عن رائعة تولستوي:
كل الأسر السعيدة تتشابه، ولكن كل أسرة شقية فريدة في شقائها"”
قال الطالب العراقي :
 - لم أصل بعد الى هذه الصفحة!
نظرت الفتاة اليه في دهشة وارتياب وتركته الى غير رجعة .
وقد اتسع نطاق الأهتمام بالأدب الجاد في الحقبة السوفيتية ليشمل الملايين من العمال والفلاحين الذين تعلموا القراءة والكتابة بعد فرض التعليم الألزامي .
ولكن النظام الشمولي كان يقمع المبادرات الشخصية وكان الادب عموما والمحظور منه خصوصاً بديلاً عن المعارضة السياسية الى حد كبير،  و يشكل عالما موازياً من الخيال أكثر رحابة، يستمتع القاري بالتجوال فيه و نسيان ما يعانيه من ضغوط نفسية وقمع للحريات الشخصية . و كان كل شخص شغوف بالقراءة  يتابع الأصدارات الثقافية الجديدة ، ويحاول بشتى السبل الحصول على نسخة من أي كتاب قيّم روسي أو أجنبي محظور ، ويلجأ أحياناً الى شراء الكتاب من السوق السوداء بأضعاف ثمنه الرسمي . فعلى سبيل المثال كانت نتاجات " فرانز كافكا " محظورة تماماً وغائبة عن الساحة الثقافية الروسية حتى سنة 1965 حين صدر مجلد يضم مختارات من رواياته وقصصه القصيرة المترجمة الى اللغة الروسية . وقد شاع خبر صدور الكتاب في موسكو بسرعة البرق . وفي اليوم المقرر لعرض الكتاب للبيع ،اصطف منذ الصباح الباكر طابور طويل من الراغبين في اقتناء نسخة منه امام كل متجر للكتب في موسكو . كان سعر الكتاب حوالي روبلين ، وقد نفد عشرات الألوف من النسخ خلال بضع ساعات .ومن حسن الحظ أنني  استطعت الحصول على نسخة منه بسهولة وان كان بثمن باهظ . كنت أعرف فتاة تعمل بائعة في " بيت الكتب " وهو اسم  أهم وأكبر متجر للكتب في وسط موسكو ، وكانت هي وسيلتي الرئيسية للحصول على الكتب الجديدة لأهم الكتاب والشعراء الروس والأجانب . قالت الفتاة أنها تستطيع الحصول على نسخة من كتاب كافكا بعشرين روبلاً ،  اذا كنتُ  راغباً في ذلك . دفعت الروبلات العشرين  وأنا سعيد وممتن  للفتاة ، واليوم كلما ممدت يدي الى هذا المجلد في مكتبتي الشخصية تذكرت على الفور (صديقتي) الجميلة بائعة الكتب في قلب موسكو.
   الرقابة الأيديولوجية والتحدي للمحظور
الرقابة الأيديولوجية المتزمتة على المطبوعات كانت – ويا للمفارقة –  تشكل الذائقة الأدبية لملايين القراء في روسيا ، و تقدم خدمة مجانية لمؤلف أي كتاب  تقوم بمنعه من النشر . فيلجأ صاحبه الى نشره في احدى الدول الغربية ، مما يؤدي الى حظر تداوله في روسيا وتوبيخ الكاتب ، وربما زجه في أحد المصحات العقلية أو النفسية أو طرده من البلاد ، وإسقاط الجنسية السوفيتية عنه . وفي الوقت نفسه كان هذا الحظر أفضل دعاية مجانية لكتابه. كانت النسخ المتسربة من الكتاب الى داخل البلاد  تعاد طباعته على الآلات الكاتبة اليدوية أو تستنسخ سراً بوسائل بدائية حسب تقنيات الأستنساخ في تلك الفترة ، كنوع من التحدي للمحظور ، وتنتشر انتشار النار في الهشيم . لأن القراء كانوا يعتقدون أن الكتاب المحظور لا بد أن يكون جيدا أو مثيرا في الأقل . وكانت النسخة الواحدة تنتقل من يد الى يد بين عشاق القراءة حتى تبلى تماما .
الأدب والصدمات الأقتصادية
في زمن التحولات السياسية العاصفة ، والفترات الإنتقالية المضطربة تتوحش المجتمعات ، وينعكس ذلك بشكل كارثي على حال الثقافة والأدب ومدى الأقبال على القراءة ، حيث يعزف الناس – ما عدا قلة من المحترفين  - عن قراءة الأعمال الأدبية ، ويصبح الأمن والخبز الشغل الشاغل للغالبية العظمى منهم وليس شراء وقراءة الكتب  . وهذه حقيقة صارخة تتجلى بأوضح صورها في كل بلد تعرّض الى تغيرات دراماتيكية في انتقال السلطة أو أزمات اقتصادية خانقة ، وروسيا ليست استثناءاً من هذه القاعدة.
بعد تفكك الإتحاد السوفيتي شهدت روسيا في مطلع التسعينات العصيبة  ضائقة اقتصادية خانقة  ، وانخفاضاً في مستوى معيشة عموم المواطنين ، ما عدا فئة قليلة من الأثرياء الجدد ، الذين تفننوا في الأستيلاء على ثروات البلاد وممتلكات الدولة بأسم الخصخصة . كان هذا في عهد يلتسن، الذي شهد تجربة العديد من الصدمات الأقتصادية الفاشلة، والإتجاه نحو اقتصاد السوق ، وفي الوقت نفسه كان زمن اطلاق حرية التعبير الى حد كبير ، وإلغاء الرقابة الأيديولوجية على المطبوعات  ، وإلغاء دور النشر الحكومية  ، وتأسيس دور نشر خاصة ، وقد تحولت هذه الدور بمضي الزمن الى مؤسسات لا يقتصر عملها على نشر الكتب وتوزيعها فقط ، بل الترويج على نطاق واسع لمنشوراتها عبر وسائل الأعلام ، والأنشطة ( الثقافية ) .
 الأسعار المرتفعة لأصدارات تلك الدور في ظروف الأزمة الإقتصادية أدى الى تدني معدل القراءة . وتشير الأستبيانات الحديثة الى أن 40% من الروس لا يقرؤون الكتب قط، و50% منهم لا يشترونها ، و 34% منهم ليس في بيوتهم ولو كتاب واحد ، و80% من المواطنين لا يقرؤون الصحف والمجلات الورقية . ويفض الجيل الجديد القراءة الخفيفة والسريعة على صفحات مواقع التواصل الأجتماعي . وفي كل عام يتقلص عدد متاجر الكتب في موسكو والمدن الأخرى وما تبقى منها تقوم ببيع اللوحات الفنية والهدايا والقرطاسية الى جانب الكتب ، التي ما زالت تشغل مساحة كبيرة  فيها بطبيعة الحال ، وأحياناً نجد أن جزءا من المتجر قد تحول الى مقهى مزود بخدمات ( الواي فاي ) .
الأدب الأستهلاكي
  عندما يزور المرء اليوم  متاجر الكتب الرئيسية في موسكو سيرى صفوفا طويلة منتظمة من الكتب الجديدة على الرفوف ، مما يوحي – لأول وهلة -  بغزارة الأنتاج الفكري والأدبي ،  وخاصة الروايات - ذات ألأغلفة الملونة اللامعة ، والعناوين الجذابة -  التي تحمل صور حسناوات في اوضاع مثيرة ، و مصاصي دماء ، ورجال عصابات يطلقون النار . أغلفة وعناوين لا تعكس في أغلب الأحيان مضامين تلك الروايات الرديئة، التي لا علاقة لها بالأدب الحقيقي بأي شكل من الأشكال. فهي تضم بين دفاتها قصصاً ملفقة عن ( بطولات ) عصابات الجريمة المنظمة ، أو مغامرات  بوليسية أو جاسوسية أو حكايات ايروتيكية عن مغامرات  نسائية في المنتجعات الصيفية . كتابات تهدف الى إثارة الفضول والدهشة بلغة سوقية متدنية.  ،وتتضمن الكثير منها وصفاً لشتى أنواع العنف والشذوذ الجنسي والإنحراف السلوكي والإختلال النفسي والعقلي ، وشتى اشكال الغرائبية الفجة ، البعيدة كل البعد عن الواقعية السحرية لأدب بلدان أمريكا اللاتينية. ومعظم ما تنشره دور النشر والإشهار الروسية اليوم هو من هذا النوع السطحي من الأدب الأستهلاكي  . والمشكلة لا تكمن في وجود مثل هذا النوع من الأدب، فقد كان موجوداً طوال تأريخ الأدب ، وهو موجود اليوم في كل أنحاء العالم ، بل ويتصدر المبيعات ، وخاصة الروايات الشعبية ( البوب أرت )  التي يقبل عليها الناس لتمضية الوقت في صالات الإنتظار ، وفي عربات السكك الحديد ، وعلى شواطيء البحر ،  ثم يرمونها في سلة المهملات . وفي العادة لا يهتم النقاد كثيراً بهذا النوع من الأدب ، رغم رواجه ، بل يتركز اهتمامهم على الأدب الجاد . ولكل من هذين النوعين جمهوره .  أما في روسيا فلا يوجد ما يقابل طوفان الأدب الرخيص ، فقد أخذ كل من هب ودب يؤلف القصص والروايات الهابطة كأسهل طريقة للحصول على المال  . ونظراً لقة الإقبال على القراءة فقد انخفض عدد النسخ المطبوعة من كل كتاب ، بحيث لا يتجاوز عدة آلاف نسخة . وتدفع دور النشر الى المؤلف مكافأة  متواضعة تبلغ حوالي  (1000)  دولار عن رواية من مائة الف كلمة مثلاً . لذا يضطر المؤلف الأستهلاكي الى كتابة رواية كل شهر أو شهرين لسد نفقات معيشته وكثيرا ما يشتغل في مهن أخرى لا علاقة لها بالأدب . ما عدا شلة من نجوم الأدب الهابط الذين تتبناهم  دور النشر والإشهار التجارية الكبرى ، وتحولهم بفعل فنون الترويج والتسويق والتواصل الى ماركات رائجة في السوق .
جناية دور النشر على الأدب
أشهر كتاب الرواية في الأدب الروسي اليوم هم من صنع دور النشر الكبرى ،  التي يهيمن خبراؤها على لجان التحكيم للجوائز الأدبية ،  وتعمل ليل نهار حملات دعائية واسعة النطاق ، وعبر كل السبل لعدد قليل من الروائيين الإستهلاكيين والإحتفاء بهم ، ونشرالمقالات ( النقدية) المدفوعة الثمن عن أعمالهم ، واجراء المقابلات الصحفية  معهم . وقد اتقن هؤلاء(الكتّاب ) أنفسهم لعبة ( صنع كاتب شهير ) كماركة تسويقية رائجة ، فأخذوا يشاركون في االإحتفالات  والمهرجانات بالقاء كلمات أمام عدسات وسائل الإعلام ، ويلتقون بالجمهور القاريء في القاعات والنوادي وحفلات توقيع الكتب الجديدة ، وتقوم متاجر الكتب بوضع صورهم في واجهاتها ، كل هذا الجهد الدعائي الهائل يهدف الى تضليل المتلقي، والإيحاء له بأن هذا النوع من الأدب الرديء هو الأدب الحقيقي. فالميديا بشتى وسائلها الفعالة والمغرية هي سيدة الموقف ، تصنع الكتّاب المشهورين وتقدمهم طعما للقاريء الساذج . والروس اناس طيبون يثقون بالدعاية  التجارية المغلفة بمهارة .
ويلعب التلفزيون الروسي دوراً ممائلاً أو مكملاً  لدور دور النشر والإشهار ، فقد أصبحت قنواته العديدة ميدانا يصول ويجول فيه نجوم الأدب الأستهلاكي و النقاد المنافقون ،الذين تستضيفهم تلك القنوات ليتحدثوا عن أشياء ( مثيرة ) :  كيف يمضون أوقاتهم ، وماذا يأكلون ويشربون ، وأي الأزياء – من الماركات العالمية 
يرتدون . وكيف أن الحياة حلوة في المجتمع الإستهلاكي  . اما الذي لا يستطيع السكوت ويقول الحقيقة فلا فرصة امامه للظهور في التلفزيون .
التقد الأرتزاقي
من يطلع على مقالات ( النقاد ) الروس العاملين في خدمة دور النشر والإشهار ، ربما يتساءل بينه وبين نفسه : أيهما أسوأ الأدب الروسي الأستهلاكي أم النقد الإرتزاقي  المصاحب له  ؟ 
يفتقر المشهد الأدبي الروسي اليوم الى النقد الأدبي الحقيقي الذي خلق ليواكب الإبداع ، فهناك عدد كبير من تجار النقد الدعائي ، الذين يقومون بتدبيج مقالا ت في مديح فئة من الكتّاب المزيفين وتلميع صورهم بتكليف من تلك الدور . ليس في مقالات هؤلاء ( النقاد ) لا عرض لمحتوى العمل الأدبي ، ولا تحليل لمضمونه واسلوبه ، ولا تقييم لجوانبه الأيجابية والسلبية ، بل  كليشيهات مستهلكة من قبيل : " رواية رائعة " و " كاتب عبقري" و " اسلوب جديد " وما الى ذلك من العبارات الجاهزة، التي فقدت معناها الحقيقي في مثل هذه المقالات . ولا يوجد في  .روسيا اليوم سوى قلة نادرة من النقاد الذين يقومون بعرض موضوعي للأصدارات الجديدة.وتحليل مضامينها، وأساليب كتابتها . وهو نقد بنّاء يساعد القاريء في اختيار ما يستحق القراءة ، في هذا البحر المتلاطم من الأدب  الرديء.
ومثل هذا النقد البنّاء ، رغم ندرته يلقى ترحيباً من الجمهور القاريء الواعي الذي يميز بين الأدب الجاد والأدب الأستهلاكي  ، ولكن أصوات النقاد الحقيقين الهادئة تضيع  بين  ضجة الأصوات الصاخبة - للنقاد المزيفين ، والكتبة الأستهلاكيين أنفسهم - التي توهم القاريء بإن هؤلاء الكتبة ، هم الذين يمثلون الموجة الجديدة ( المبدعة ) في الأدب الروسي المعاصر . ولكن من هم أبرز ممثلي الموجة المزعومة ؟ . انهم مجموعة صغيرة لا يتجاوز عديدها عدد أصابع اليدين  بين  حوالي 750 روائيا وقاصا ينتجون الأدب الأستهلاكي . هؤلاء الكتبة المحظوظون يحملون  اسماء غير روسية ( بريليبين ، بيليفين ، أكونين ، وغيرهم ) من الطارئين على الأدب ، وهم يتفاخرون أنهم لا يقرؤون الأدب الكلاسيكي ، بزعم انتهاء صلاحيته ، بل انهم لا يمتلكون ناصية اللغة التي يكتبون بها ،  ولهذا تجد أن نتاجاتهم زاخرة بالأخطاء المضحكة - التي لا يرتكبها حتى تلميذ في المرحلة الإعدادية. من قبيل : " انفصل عن زوجته ، وأخذ يتعشى على معاش أمه " أو " أفرز الفلاح العرق بأعداد لا حصر لها " هذا ما كتبه  " زخار بريليبين " احد اشهر الكتاب الاستهلاكيين في روايته المعروفة  " سانكا ". ويزعم النقد المزيف أن نتاجات هذا الكاتب تعكس " فوضى الواقع " في حين انها لا تتعدى فوضى الكتابة كيفما أتفق  .
 هناك كاتب آخر أكثر مهارة من بريليبين اسمه فلاديمير سوروكين ولا يقل شهرة عن زميله صاحب " افراز العرق بأعداد لا حصر لها ".
سوروكين يشكل رواياته من مشاهد متنافرة ومتناقضة، و يستخدم قاموساً متدنياً لفظياً ومعنوياً يتضمن أحط الألفاظ والنعوت والشتائم ، وعلى نحو لا يختلف كثيراً عن الكتابات التي يدونها المراهقون على حيطان دورات المياه العامة. وهو مهتم فقط  بالنصف السفلي من جسم الإنسان ولا علاقة له  بالنصف العلوي أي بالعقل والقلب والعاطفة .
ثمة مثل روماني قديم يقول ان الورق يتحمل كل شيء ، ولكن مهما حاولت أن أنقل هنا مقاطع من كتابات سوروكين ، كأمثلة على انحداره الشائن ، و خوائه وضحالة فكره  ، فإن  قلمي لا يطاوعني . لأن كتاباته البورنوغرافية البذيئة  تفوح منها رائحة نتنة ومقززة تثير الغثيان .  اما بقية الشلة من نجوم الأدب الرديء  فهم لا يختلفون كثيراً عن بريليبين وسوروكين ..
أوجه الأختلاف بين الأدب الحقيقي والأدب المزيف
الكاتب الحقيقي يخلق عالمه الخاص ، والأدب الحقيقي يستمد قيمته من جماليته و تعبيره عن عوالم الأعماق ، وكونه شهادة إنسانية عابرة للزمان والمكان ، ففي أساس كل ادب حقيقي هناك سعي لفهم الحياة وادراك قضايا الوجود الأنساني وايجاد الشكل الملائم لأيصال ذلك الى الجمهور القاريء. اما اساس الأدب الأستهلاكي فهو انتاج سلعة قابلة للبيع والتسويق . وثمة فرق جوهري آخر بين هذين النوعين من الأدب  يكمن في اختلاف الدافع للكتابة ، الذي يحدد علاقة المؤلف بالجمهور القاريء . الكاتب الحقيقي صادق مع نفسه ومع الجمهور القاريء .ويقول الحقيقة دائماً  ويصطدم بالسلطة أحياناً .
 يزعم اصحاب دور النشر والإشهار الروسية  ان الأدب الجاد لا يلقى رواجاً تجاريا ، وهذا ادعاء باطل، لأن ثمة العديد من الكتاب الروس المشهورين لمعت اسماؤهم بعد نشر نتاجاتهم في الغرب وترجمتها الى عدد من اللغات الحية في العالم .
إن الدافع الأساسي لتغليب الأدب الهابط واكتساحه للمشهد الأدبي الروسي هو تخدير وعي الجماهير ، وإلهاء الناس عن همومهم الحياتية ، وزرع الأنانية في النفوس  وتحويل المجتمع الروسي الى مجتمع مادي استهلاكي ، لا يعنى كثيراً بالقيم الأنسانية والأخلاقية والجمالية ،
. الأصوات العالية اليوم في الساحة الأدبية الروسية،  ليس أصوات الكتاب المجيدين الذين لديهم ما يقولونه ، بل أصوات من تتاح لهم فرصة القول .، ولهذا السبب تحديدا ، فإن الأدب الأستهلاكي الروسي أشبه بأرشيف مستشفى للأمراض العقلية ، على حد وصف كاتبة و ناقدة روسية معروفة هي سفتلانا زامليلوفا . .
 الأدب الروسي الحقيقي المعاصر يقبع الآن في السراديب والأقبية ،أو ينشر في الدول الأوروبية أو الولايات المتحدة .ولا يمكن القول أبداً ،ان ليس ثمة أدب حقيقي أو أدباء كبار في روسيا اليوم ،  فثمة العشرات منهم ، لكنهم وحيدون ومعزولون ومغيبون ، ليس اختياراً ، بل بفعل سياسة دور النشر الإحتكارية ، التي لا تهتم سوى بنجوم أدب التسلية ، ولكن تلك مسألة وقت فقط ، فروسيا زاخرة كالعادة باصحاب المواهب الأدبية الكبيرة الذين يحترمون ذواتهم ويربأون بأنفسهم عن مجاراة دور النشر التجارية وتقديم مواضيع محل الطلب . ويعملون  بكل جد لخلق أعمال أدبية جديرة بالتأريخ المجيد للأدب الروسي العظيم .
 


30
المنبر الحر / الشرفنامه
« في: 17:39 20/06/2017  »

الشرفنامه
بقلم المؤرخ زبير بلال إسماعيل
                 
ترك المؤرخ البارز زبير بلال اسماعيل (1938-1998) ارشيفا بالغ الثراء من المؤلفات والدراسات التأريخية القيمة، التى تنتظر التحقيق والنشر، وقد كتب مؤرخنا الجليل هذا المقاال لمناسبة مرور (400) عام على تأليف اهم مصدر عن تأريخ الكرد وكردستان على الأطلاق وهو كتاب ( الشرفنامة ) . وكان ضمن ارشيفه العلمى ، وليس لنا من جهد فى هذا الصدد ، سوى طباعة المقال ونشره ، ونأمل ان نكون قد وفينا جزءا يسيراً من فضل استاذنا ومؤرخنا الجليل ، الذي عمل بنكران ذات قل نظيره لخدمة التأريخ الكردي  ، ملتزما بالحياد العلمي والموضوعية في مؤلفاته القيمة . تحية وفاء وعرفان بالجميل الى روحه الطاهرة ... جودت هوشيار
......................................
الشرفنامه
بقلم المؤرخ زبير بلال إسماعيل
 
            المكتبة التاريخية الكردية متواضعة بصورة عامة ، لان معظم تاريخ الكرد لم يدون. وينطبق ذلك على تاريخ الكرد القديم والوسيط والحديث . فالتأريخ القديم يعتمد في الاساس على المكتشفات الآثرية والمادية وعلى ما كتبه الكتاب اليونان والرومان حول العصور القديمة المتأخرة , ولم يؤلف لذلك العصر بالنسبة الى الكرد سوى كتب قليلة وما ورد في تضاعيف وثنايا مدونات الرحالة والأثريين .
    أما بالنسبة الى التاريخ الوسيط الذي يلعب فيه الاسلام أبرز دور في تأريخ كردستان، بل والعالم , فقد ورد ذكر الكرد وأحداث متصلة بهم في المؤلفات العربية في التأريخ وفي كتب الرحلات والبلدانيين المسلمين , وهنا لا نجد ايضا" كتابا" قائما" بذاته منفردا" في الموضوع .
    ومع بداية العصر الحديث نرى عناية متزايدة بالكرد وبلادهم , فظهرت مؤلفات خاصة في تأريخهم وأهمها كتاب ( الشرفنامه ) لمؤلفه شرف خان البدليسي المتوفي سنة 1603م وهو باللغة الفارسية وقد ظهر بعد حوالي 600 عام بعد ( الشاهنامه ) أي أنه كتب بين عامى ( 1597 – 1599 م ) وقد أتم شرف خان الجزء الاول من كتابه في سنة 1005هـ / 1597م .
    ويبحث كتاب الشرفنامه في تاريخ الدول والامارات الكردية في العصور الوسطى والحديثة الى نهاية القرن السادس عشر الميلادي ، وفيه تراجم لملوك وسلاطين وأمراء وحكام من المستقلين والتابعين , ويعتبر أهم مصدر في تأريخ الكرد في تلك العصور المشار اليها . وقد استفاد منه المؤرخون الذين جاءوا بعد شرف خان مثل كاتب شلبي ، واوليا شلبي . والأخير رحالة تركي شهير الف كتاب ( سياحتنامه ) في سنة 1065 هـ وفيه قسم خاص بالكرد ترجمه الى الكردية الاستاذ سعيد ناكام
    نال كتاب الشرفنامه أهتمام الباحثين والقراء من الاجانب والكرد على حد سواء وكذلك أهتمام المعنيين بتاريخ الشرق , وفي الكتاب معلومات مهمة عن البلدان والقبائل واللهجات الكردية والدور المهم الذي لعبه الكرد في تأريخ الشرق الاوسط .
والشرفنامه اسم الكتاب منسوب الى شرف خان بن شمس الدين البدليسي ( 1542 – 1603 م ) المعروف بالامير شرف حاكم أمارة بدليس الكردية , وبدليس اسم مدينة و منطقة كبيرة تقع في غرب بحيرة ( وان ) وتتبعها مدن : مرش وكنج سعرت . وكانت ( بدليس ) مركزا" لإمارة توالى على حكمها امراء اسرة شرف خان فكان مؤلف الكتاب هو الامير الخامس المعروف بهذا الاسم من الاسرة الحاكمة، وكان من الامراء النابهين المصلحين , عنى عناية خاصة بالعمران والمعرفة ، وقد نشر كتاب الشرفنامه من بعده مرات عديدة وترجم الى لغات كثيرة .
    ترجم ( الشرفنامه ) الى اللغة الكردية الملا محمود بايزيدي في حوالي سنة 1858م ,والذى أراد ان يقلد شرف خان ويسلك طريقه فبدأ فيما توقف عنده شرف خان , فوضع في سنة 1274هـ / 1857م كتابه ( تاريخ كردستان الجديد ) المكون من ألف صفحة تقريبا" , ويمكن اعتبار هذين الكتابين بداية طيبة للمدرسة التأريخية الكردية . وبعد أقل من قرن جاء محمد أمين زكي فوضع كتابا " شاملا" في تأريخ الكرد وكردستان وأعتمد فيه على المصادر الاسلامية المختلفة وعلى أحدث ما توصلت اليه دراسات المستشرقين حول الكرد وبلادهم .
    لقد لقي كتاب ( الشرفنامه ) عناية خاصة من لدن المؤرخين والمستشرقين في اوروبا عامة وفي روسيا خاصة من لدن القسم الكردي في معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم في لينينغراد حيث بدأت ( يفغينيا فاسيليفا ) بترجمة الشرفنامه الى اللغة الروسية واتمت الجزء الاول منه وصدر في سنة 1967 وانهمكت بعد ذلك في ترجمة الجزء الثاني .
    وقد ذكر الدكتور كمال مظهر بان الكاتبة المذكورة استعرضت تاريخ إهتمام الباحثين بالكتاب فأشارت الى أن أول من ذكر شرفنامه هو ( هيربيلو ) في سنة 1776م في كتابه ( المكتبة الشرقية ) أو القاموس العام ، بالفرنسية . وكان هذا قد عرف الكتاب عن طريق احدى كتابات السائح التركي الشهير في القرن السابع عشر كاتب شلبي ومن بعده كان ( جون مالكولم 1769 – 1833 م ) الدبلوماسي البريطاني الذي عمل في الهند وإيران وهو أول أوروبي تمكن من الحصول على نسخة مخطوطة من الشرفنامه مع مخطوطات أخرى خلال اقامته في ايران .
 وبعد عشرين سنة نقل المؤرخ الفرنسي ( كاترمير ) كثيرا" من المعلومات من الشرفنامه الى كتابه المعنون ( تأريخ مغول ايران ) الذي ألفه في سنة 1836م .وكان ( خ. د. فرين ) أول روسي ذكر في سنة 1826م في احدى جرائد بطرسبرغ بأن الشرفنامه مصدر تأريخي هام . وبعد ثلاث سنوات دعا الى ترجمته الى إحدى اللغات الاوروبية . ويرى ( قناتي كوردو ) الباحث الكردي المعروف في كتابه ( كوردناسي ) الذي الفه عن الشرفنامه والمخطوطات القديمة المحفوظة في خزائن لينينغراد (بطرسبورغ حاليا ) وصدر عام 1972م في لينينغراد ( ص 386 – 387 ) بأن : ( م فولكوت ) هو اول من رأى و وصف هذه المخطوطات في عشرينات القرن التاسع عشر في عدة صفحات وان ( خ. د. فرين ) أول شخص في حوالي هذه الفترة تحدث أيضا" عن أهمية نشر وترجمة (الشرفنامه) .
    واستطاع المستشرق الروسي ( زيرنوف ) عضو الاكاديمية الروسية في ( بطرسبورغ ) أن يصدر الجزء الاول من الشرفنامه في سنة 1860 بلغته الفارسية ، وقدم لهذا الجزء بمقدمة ضافية باللغة الفرنسية ، ثم أصدر الجزء الثاني الذي قدمه أيضا" بمقدمة فرنسية في سنة 1862 م. ويقع جزءا الكتاب المطبوع" في حوالي الف صفحة .
    ونسخ الشرفنامه المخطوطة تبلغ ( 22 ) نسخة موزعة في مكتبات العالم المعروفة ، وحسب المعلومات التي جمعتها ( فاسيليفا ) : ان أقدم وأهم واكمل نسخة مخطوطة منه هي تلك النسخة التي دونها شرف خان بخط يده تحت اسم ( شرفنامي تاريخي كوردستان ) وهي محفوظة في مكتبة ( بودليان ) في اكسفورد وتقع في ( 246 ) صفحة , واكملها مؤلفها سنة 1005هـ 13 آب 1597م . واكمل الجزء الثاني من الكتاب في مايس 1599م . والنسخة الاخرى المهمة من الكتاب هي النسخة المخطوطة المحفوظة في المكتبة العامة في لينينغراد ويرجع تأريخها الى سنة 1598 م حيث إطلع المؤلف بنفسه عليها و وضع عليها ختمه .
    وهذه النسخة غنمها الجيش الروسي سنة ( 1826 – 1828م ) في حربه مع الفرس حيث نقل من أردبيل من مكتبة الصفويين الى بطرسبورغ وكانت الشرفنامه أحدى مخطوطات هذه المكتبة .
    ترجمات الشرفنامة
    إن اقدم ترجمة للشرفنامه كان الى اللغة التركية ، حيث ترجم مرة مختصرا" واخرى بصورة كاملة . والترجمة الاولى قام بها ( محمد بك بن احمد بك ميرزا ) في سنة 1078هـ 1667 – 1668م , والثانية قام بها سامي في ثمانينات القرن السابع عشر .
    وبعد حوالى (200 ) سنة ترجم الملا محمود البايزيدى الجزء الاول من الكتاب الى اللغة الكردية وذلك في سنة 1858 – 1859م بتشجيع من المستشرق المختص بالدراسات الكردية( الكسندر ذابا ) الذي تمكن عن طريق البايزيدي الحصول على كثير من المخطوطات الكردية المحفوظة الآن في المكتبة العامة بلينينغراد .
    وفي هذا الوقت تقريبا" ترجم الكتاب في فينا ( النمسا ) الى اللغة الالمانية من قبل ( ك. آ. بارب ) ونشر بصورة متسلسلة في سنوات 1853 – 1859 م ، ثم جاء البروفيسور ( ف. ب. شارموا ) وترجم الكتاب بكامله الى الفرنسية بين سنة ( 1868 – 1875 م ) . وقد بذل جهدا" كبيرا"وكان يعتبر من اكبر المختصين في الدراسات الايرانية في اوروبا في عهده ، وقد اعتمد على نسخة ( زيرنوف ) الفارسية بالدرجة الاولى وعلى نسخ خطية أخرى من الكتاب , وأصدر الكتاب في أربعة أجزاء .
    وقد حصل العالم الاذربيجاني ( د. محمد شمسي ) على درجة الدكتوراه برسالته المعنونة ( شرفنامه شرف خان البدليسي كمصدر لتاريخ الشعب الكردي ) وكتبها باللغة الاذرية ثم نشر سلسلة مقالات حول الكتاب أي الشرفنامه و مؤلفه .
    أما في الوطن العربي فقد طبع الشرفنامه في مصر في سنة 1930م من قبل الناشر الكردي فرج الله زكي باللغة الفارسية . وقد اعتمد الناشر على ثلاث نسخ هي : ( النسخة الروسية التي نشرها زيرنوف ) و ( نسخة ثريا بدرخان باشا ) و ( نسخة المدرسة العثمانية في حلب ) ووضع الاستاذ الراحل محمد علي عوني حواشي الكتاب المطبوع . وترجم الكتاب الى اللغة العربية لاول مرة الاستاذ ( ملا جميل روزبياني ) ونشره في بغداد في سنة 1953 م بمساعدة المجمع العلمي العراقي , وهذه الطبعة المترجمة غنية بحواشيها وتعليقاتها التي أضافها المترجم للكتاب . ثم قام المرحوم محمد علي عوني بترجمة الشرفنامه الى العربية ايضا" في مجلدين نشر بعد وفاته من قبل وزارة التربية والتعليم في مصر بأعتناء الاستاذ الراحل الدكتور يحيى الخشاب الذي قدم الكتاب بمقدمة مهمة في حوالي ( 50 ) صفحة إستعرض فيها تأريخ الكرد حتى العصر الحديث . وصدر الجزء الاول منه في سنة 1958م .
    وأخيرا" قام المرحوم ( عبدالرحمن موكرياني - هزار ) بترجمة الكتاب من الفارسية الى اللغة الكردية , وصاغه بلغة كردية جميلة بمضامينه النثرية والشعرية وطبعه المجمع العلمي الكردي على حسابه في سنة 1972 م. ويقع هذا الكتاب المطبوع في ( 840 ) صفحة فضلا" عن ( 176 ) صفحة هي مقدمات الكتاب وتتضمن كلمات تقريظ ومقدمة الطبعة الروسية ومقدمة الطبعة المصرية الفارسية لمحمد علي عوني ومقدمة الطبعة المصرية العربية ليحيى الخشاب ومقدمة المترجم وتراجم لبعض المؤرخين الكرد الذين خدموا التاريخ والادب الكردي , والحواشي الكثيرة وشجرات الانساب لعدد من الاسرات الكردية الحاكمة .
    هذا هو كتاب الشرفنامه : المصدر التاريخي الهام القديم والجديد الجامع , لم يؤلف في موضوعه ما يماثله في غزارة المعلومات وشمولية البحث الى يومنا هذا . فكان لشرفخان الريادة في كتابة تأريخ الكرد .
     
 


31
إسحاق بابل : الكاتب الذي سحر أدباء أمريكا
                                                   
جودت هوشيار        
القاريء العادي لا يتفاعل أو لا يستوعب غالباً الأعمال الأدبية الجادة ، ويفضّل قراءة أدب التسلية العابرة ،أو أدب اللذة ،  الذي قد لا ينطوي على أي قيمة فكرية أو فنية ، وقد وصفه الزيات بأنه " كل أدب يلذ ولا يفيد ويسوغ ولا يغذي ويشغل ولا ينبه" . في حين لا يأخذ الكاتب المبدع ، مثل هذا الأدب مأخذ الجد ، ويفضل قراءة الأعمال الأدبية  المتميزة. ولكن ثمة أعمال أدبية رائعة لكتاب مجيدين تحظى بمقروئية عالية لدى القاريء العادي والكاتب الجاد في آن واحد ، وهي الروائع الأدبية الكلاسيكية ، التي اجنازت إمتحان الزمن ، ومنها نتاجات اسحاق بابل ( 1894 – 1940 )، .
بابل عرف الشهرة المدوية اثر نشر مجموعته القصصية الأولى الرائدة " الفرسان الحمر " في منتصف العشرينات من القرن العشرين .وقد ايقن الجميع كتابا ونقاداً بأن أدبا جديداً قد ولد ، ولا يشبه الأدب الروسي الكلاسيكي ( أدب بوشكين وغوغول وتولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف ) .وسرعان ما ترجمت المجموعة الى أكثر من عشرين لغة أجنبية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية . وقال أحد النقاد الأمريكيين : " ما كان يكتبه تولستوي في 24 ساعة ، يكتبه بابل في ساعتين فقط "  وكان ذلك خير وصف لأسلوب بابل الكثيف والجميل ، الذي سحر كبار الكتّاب الأميركيين .
في عام 1930  وجهت مجلة " نوفي مير " الروسية - التي كانت وما تزال أشهر وأرقى مجلة أدبية روسية -  سؤالا واحدا ومحددا الى عدد من الكتاب الغربيين : "من هو  في رأيكم أهم كاتب روسي معاصر ؟ . ولم تكن اجاباتهم مفاجأة لأحد : فقد تصدر اسم " إسحاق بابل "عن جدارة قائمة الكتاب المفضلين لدى تلك النخبة المختارة من خيرة كتاب ذلك العصر .
قال ارنست همنجواي في رسالة مؤرخة  12 كانون الثاني 1936 الى مترجم أعماله الى اللغة الروسية ايفان كاشكين ( 1899 – 1963 ) :" عرفت بابل  منذ ان قرأت الترجمة الفرنسية لمجموعته القصصية  " الفرسان الحمر " .  تعجبني أعماله جدا . عنده مادة قصصية مدهشة ، ويصوغها على نحو ممتاز ".قصص بابل مضغوطة اكثر من قصصي ومضامينها ثرية. وهذا دليل على قدراته الفنية ."
وعندما إلتقى إرنست همنجواي مع ايليا اهرنبورغ في مدينة مدريد المحاصرة عام 1937 قال همنجواي معبراً عن إعجابه بفن بابل : " يلومونني لأنني أكتب بإيجاز ، ولكنني وجدت أن بابل يكتب بشكل جيد وعلى نحو أكثر كثافة من كتاباتي . ولم اكن اعرف ان للسرد القصصي علاقة بعلم الحساب . أي أنه من الممكن أن يكتب المرء بكثافة أكثر ، مثل الجبن الذي تم عصره بشدة ليخرج منه الماء تماما ".
أما الكاتب الأميركي ريموند كارفر ( 1925 – 2015 ) ، والذي يعد من أشهر كتاب القصة القصيرة في النصف الثاني من القرن العشرين – فإنه كان مبهوراً بفن بابل القصصي واسلوبه الى درجة  انه يحفظ بعض قصص هذا الكاتب الروسي عن ظهر قلب. وقال أنه تأثر ببابل وتشيخوف أكثر من غيرهما .
واعترف كاتب أميركي بارز آخر وهو  جيمس سولتر ( ولد عام 1959)  بأنه تأثر بأدب بابل ، وذلك خلال محاضرة له في احدى الجامعات الأميركية ونصح تلاميذه بدراسة قصص بابل واسلوبه الساحر، لأنهم سيتعلمون منه الشيء الكثير . وقال ان بابل اكثر الكتاب الروس تفردا وغنى ، وأكثرهم إثارة وجدة .
المكانة الرفيعة التي احتلها بابل لدىالكتّاب الغربيين تجلت بأوضح صورة عند إنعقاد مؤتمر باريس للدفاع عن الثقافة سنة  1935 ، وذلك عندما اكتشف منظمو المؤتمر أن الوفد السوفييتي لا يضم إسحاق بابل مؤلف " الفرسان الحمر " ، ولا الشاعر الكبير بوريس باسترناك ،  وقرروا على الفور مطالبة السفارة السوفيتية في باريس بضم هذين الأديبين الى الوفد السوفييتي . أبرقت السفارة الى القيادة السوفيتية حول ضرورة ايفاد  بابل وباسترناك الى باريس على وجه السرعة. كان باسترناك مريضا في ذلك الوقت . كما ان كلاهما (بابل وباسترناك ) لم يكونا يملكان بدلات مناسبة للظهور امام مثل هذا الحشد الثقافي العالمي ، فتم على الفور خياطة بدلتين جديدتين لهما  لدى أشهر خياطي موسكو ، واصدار جواز سفر بأسميهما. ونقلوهما الى باريس بطائرة خاصة . كان باسترناك يشكو لبابل ولطاقم الطائرة طوال الرحلة بأنه مريض ودرجة حرارته مرتفعة ، ولكن لا أحد كان يصغي اليه ، فأوامر ستالين كانت تنفذ دون نقاش . وصلا باريس في اليوم الثالث للمؤتمر.
 ألقى بابل كلمة باللغة الفرنسية – التي كان يتقنها وكتب بها اولى قصصه في بداية حياته الأدبية -   استغرقت 15 دقيقة ، وكما يذكر ايليا أهرنبورغ في مذكراته الشهيرة " الناس ، والأعوام ، والحياة " ، فان كلمة بابل تضمنت عبارات ساخرة أثارت موجات من التصفيق والضحك . سحر بابل الحضور بلغته الفرنسية الجميلة ، ، واسلوبه المرح ، وأفكاره المعمقة حول دور الكاتب في الدفاع عن القيم الإنسانية . . 
في عام 1954 كتب الناقد الأميركي الكبير ليونيل تريلينغ ( 1905 – 1975 ) مقدمة لمجموعة قصص بابل " الفرسان الحمر " يقول فيها أنه دهش لأسلوب بابل الكثيف والتهكمي الساخر ، المشحون بما يمكن تأويله على أكثر من وجه.
ولعل أبلغ دليل على استمرار تأثير بابل في الكتاب الأميركيين هو المقال الذي نشره الكاتب الأميركي المعاصر ( بين نادلير ) تحت عنوان:( قصص نحبها " مكافأتي الأولى " لإسحاق بابل )  في احد الاعداد الاخيرة  لمجلة " فيكشن رايترز ريفيو "  .
 يقول نادلير : في اغسطس الماضي قررت السفر الى تبليسي عاصمة جمهورية جورجيا مع صديقتي ( أوكسانا ) . سألني أصدقائي :لماذا نحن- أنا و صديقتي – نريد  قضاء عطلتنا السنوية الوحيدة في غرفة علوية ضيقة في درجة حرارة تبلغ مائة فهرنهايت في مدينة صغيرة من مدن الاتحاد السوفييتي السابق . قلت لهم اشياء كثيرة  :
 رحلة لا تكلف كثيرا ، واريد أن أشرب النبيذ الجورجي الحلو زجاجة تلو زجاجة  ، وأن جورجيا هي أجمل بلد في العالم ، وأن (أوكسانا ) تريد زيارة المدينة التي عاش فيها جدها ،  بطل الحرب العالمية الثانية ، وزيارة ضريحه في المقبرة الروسية المهملة . كانت كل هذه الأسباب الثانوية صحيحة،  ولكن السبب الحقيقي لسفري الى تبليسي  يكمن في الفقرة الأولى من قصة اسحاق بابل " مكافأتي الأولى " :
" إن كنت تعيش في تبليسي في فصل الربيع ، وأنت في العشرين من عمرك ، ولم تكن محبوبا ، فتلك مصيبة .. مثل هذه المصيبة حدثت معي " .
 ويضيف نادلير :
 " كانت لهذه القصة أعمق الأثر في كتاباتي السردية ، وأردت أن اعيش في اجواءها  ، ولو لأيام معدودة . لقد استفدت من هذه القصة أكثر من ورش الإبداع العديدة التي حضرتها في بداية حياتي الأدبية " 
القصة التي أشار اليها نادلير كتبها بابل عام 1822 ورفضت الرقابة السوفيتية المتزمتة نشرها بدعوى أنها ايروتيكية ، ولا تمت الى الواقع السوفيتي بصلة ، و ان الأدب يجب أن يخدم الأهداف التربوية للنظام البلشفي . اعاد بابل صياغة هذه القصة من جديد سنة 1928 ، وحذف منها ما اعترضت عليه الرقابة ، ومع ذلك لم تقبل اي مجلة روسية نشرها داخل الإتحاد السوفيتي باللغة التي كتبت بها وهي الروسية ، وبعد أكثر من اربعة عشر عاما أي في عام 1936 ،  نشرت الصيغة المعدلة للقصة في  مجلة " الأدب السوفيتي " الصادرة باللغة الأنجليزية والموجهة للخارج لأغراض دعائية  .
 وعندما القي القبض على بابل في 15 أيار 1939 صادرت المخابرات السوفيتية كل أعماله الأدبية  المخطوطة . ومن حسن الحظ أن قصة " مكافأتي الأولى " نجت بإعجوبة  من المصادرة ، فقد كان من عادة بابل أن يقرأ أي نتاج جديد له ، على مسامع أصدقائه المقربين ، قبل نشره ، قائلاً أنه يريد معرفة رأيهم فيه . ولكن الحقيقة هي أنه كان مهدداً بالإعتقال في أي لحظة . لذا كان يتعمد قبل أن يغادر المكان أن يترك نسخة من القصة هناك . وبعد اعتقاله احرق معظم أصدقائه والمقربون منه أعمال بابل التي بحوزتهم ، بإستثناء البعض منهم . فقد منع النظام البلشفي منعا باتا الإحتفاظ بالأعمال الأدبية أو الفكرية لـ(أعداء الشعب )  ، وكان المخالف يعرض نفسه لعقوبات صارمة عند اكتشاف ( فعلته ) .وكان الوشاة في كل مكان ، ولم يكن أحد يثق بأحد ولو كان من أقرب المقربين اليه. لذا فإن الإحتفاظ بعمل أدبي لكاتب من ( أعداء الشعب ) يمكن إعتباره بطولة حقيقية في ذلك العهد المرعب .
تعرض بابل في السجن الى تعذيب وحشي ، وحكم عليه بالإعدام بعد محاكمة صورية جرت يوم 26 كانون الثاني 1940 واستغرقت أقل من عشرين دقيقة , واعدم رميا بالرصاص في فجر اليوم التالي. ولقد تبين لاحقاً من خلال الوثائق التي نشرت في فترة ( البريسترويكا ) زيف وبطلان كل التهم المفبركة الموجهة اليه . وكانت آخر كلماته قبل اعدامه : " دعوني اكمل عملي " . وتشير تلك الوثائق الى أن ستالين قد وقع على أمر اعدام بابل قبل عدة اسابيع من انعقاد المحكمة .
 نشرت الترجمة الإنجليزية الكاملة للصيغة الأولى (1922)  لقصة " مكافأتي الأولى " في الولايات المتحدة عام 1963 ، والنص الروسي في الإتحاد السوفيتي عام 1967 بعد 13 عاماً من رد الإعتبار الى بابل عام 1954 . وكان بذلك أول كاتب يعاد اليه الإعتبار بعد موت الطاغية ستالين  بفضل متابعة أرملته المهندسة العبقرية " انطونينا بيريزكوفا " ، مصممة العديد من أجمل محطات المترو في موسكو، ومنها محطة " ماياكوفسكايا " التي تعد تحفة هندسية في غاية  الفخامة والجمال . 
قصة "مكافأتي الأولى"
راوي القصة شاب غرير ، في مقتبل العمر ،  يمارس عملاً بيروقراطيا مملاً كمدقق لغوي في مطبعة عسكرية محلية . ويسكن في غرفة علوية اسـتأجرها من زوجين شابين تزوجا حديثاً . الزوج يعمل جزاراً في السوق الشرقية في مدينة تبليسي  . ومن خلال الحاجز الفاصل بينهما  كانت تصل اليه آهات الحب، كما لو كانت أصوات اسماك كبيرة محصورة في حوض زجاجي .ذيول هذه الأسماك التي فقدت ذاكرتها كانت تصطدم بالحاجز. وفي الليل كانت الاصوات تختفي ويحل صمت مطبق يخترق قلبه. لم يبق أمام الشاب سوى البحث عن الحب ، والذي وجده سريعا ، ولكن لسؤ أو لحسن حظه كانت بائعة هوى اسمها ( فيرا ) . إمرأة مديدة القامة ، بيضاء الوجه ، في الثلاثين من عمرها  . وفي مساء كل يوم كان الشاب يتبعها في الشارع الذي تمر به دون ان يجرؤعلى مكالمتها ..لأنه لم يكن يملك المال ولا يعرف كلمات الحب الرخيصة .
 ومنذ يفاعته كانت كل طاقته مكرسة لتأليف القصص والمسرحيات في الخيال دون ان يدونها على الورق . نسج  ألف قصة كانت تقبع على قلبه مثل سلحفاة على حجارة . لم يكن يريد ان يكتبها على الورق لأنه كان يعتقد إن من العبث أن يكتب المرء على نحو أقل جودة من ليف تولستوي . كان يختلق القصص الخيالية لتكون سلواه وتنسيه ما يعانيه من حزن . كان يخجل أن يبكي ، ولا يتقن فن السعادة . وذات مساء استجمع شجاعته وكلّم (فيرا) و اضطر ان يدفع لـها مقدماً عشرة روبلات ذهبية من راتبه الشحيح.
. وقبل أن ينام معها ، اضطر الى مرافقتها في جولة وسط تبليسي، فقد كانت فيرا امرأة عملية ، ولديها مشاغل لا تنتهي ، و معروفة لدى كثير من رواد الملاهي والمطاعم . ولم يصلا الى الفندق الذي تعيش وتعمل فيه الا في منتصف الليل . وتركته ينتظرها في الغرفة  ، وذهبت الى بهو الفندق لتودع زميلة عجوز مسافرة الى البلدة التي يعيش فيها ابنها . كانت الغرفة كئيبة يحوم فيها الذباب ، ثم يسقط في اناء الحليب ويموت .
..ويقول الراوي : " لقد تعبت من الجولة الطويلة في المدينة الى درجة بدا لي حبي عدوا لدودا  لصق بي . ومن الممر كانت تأتيني ضحكات صاخبة لحياة أخرى غريبة  . وأخيرا جاءت فيرا  وقالت : "  هل تعبت من الإنتظار ؟ لا بأس ، انتظر قليلا ."
 كانت تحضيراتها أشبه بتحضيرات طبيب يتهيأ لأجراء عملية جراحية .أشعلت موقد الكيروسين ووضعت عليه وعاءاً مملؤا بالماء . وعلقت منشفة على ظهر الفراش .
قالت  :
-تعال جنبي الى ان يغلي الماء  .
ولكن الشاب لم يتحرك من مكانه . واضافت :
- لعلك تتحسر على  نقودك ! 
- أنا لا أتحسر على نقودي
- ولم لا تتحسّر ، لا بد انك لص أو تخالط اللصوص ؟
- لست لصاً . أنا ولد
- ارى انك ولد وليس بقرة !   
  استلقت على الفراش وسحبته الى جانبها .وأخذت تعبث به 
إشمئز الشاب مما يراه  وأصابه اليأس والإحباط  وقال لنفسه : " لم استبدلت وحدتي بهذه الغرفة البائسة الكئيبة . ما اعظم الفرق بين هذا الحب المصطنع المزعج  وبين آهات الحب اللاهب الصادرة من غرفة مضيفي ."
 ومن اجل التخلص من الموقف الحرج الذي وضع نفسه فيه ،اخترع الشاب قصة ملفقة عن حياته وشذوذه  يزعم فيها أنه كان حبيب رجل ارمني في باكو , وتنظر فيرا اليه كأنه زميل مهنة . وعندما كان الشاب بلاحظ فتور اهتمام فيرا بما يسرده ، كان يعدّل مسار القصة لإثارة اهتمامها . ويقول الراوي " لو كنت كاتبا كسولاً ، وأقل اهتماما بالمستوى الفني لقصتي  لسردت عليها حكاية مبتذلة عن طرد رجل ثري مستبد لابنه من البيت وعن ام مسكينة معذبة ، ولكنني لم أرتكب هذا الخطأ ."
ويقول الراوي : " خمس سنوات من عمري – من الخامسة عشر الى العشرين – قضيتها في اختلاق  القصص الخيالية .. وحدتي حركت واحدة منها ووقعت على الأرض . ويبدو أن القدر جعلت من مومس تبليسية أول قارئة لي .قضينا الليل وهي تعلمني اسرار مهنتها التي لن تعرفوها ، وجربت فنون الحب التي لن تجربوها ابدا ".
 وفي الصباح تقوم ( فيرا ) بارجاع القطع الذهبية العشر اليه ، لأنها لا تعتبره زبونا  ، وتخاطبه بصيغة ( اختي ) . ويعتبر الشاب هذه الروبلات العشرة أول مكافأة له عن القصة التي اخترعها وكانت (فيرا ) اول قارئة لها .
وفي صباح اليوم التالي يجلسان في مقهى تركي قريب ويحتسيان الشاي (القرمزي ) الحار الشبيه بالدم المسفوك توّاً.
ويختم الراوي قصته بالقول: " لقد مرت سنوات عديدة منذ ذلك الحين . وخلال هذه  المدة تلقيت مرات عديدة مكافئات من رؤساء التحرير، ومن دورالنشر . لقاء انتصارات كانت هزائم ، ولقاء هزائم اصبحت انتصارات ، من اجل الحياة ، ومن اجل الموت  . دفعوا لي مبالغ تافهة ، أقل بكثير مما استلمته في شبابي من قارئتي الأولى   ولكنني لا أشعر بالغضب وأعرف أنني لن أموت قبل أن انتزع من أيدي الحب مكافأة ذهبية أخرى  ، وستكون المكافأة الأخيرة."
درس بليغ لكتّاب القصة القصيرة
استخدم بابل في سرد هذه القصة ، كما العديد من قصصه القصيرة الأخرى ضمير المتكلم  . وقد يظن القاريء انها قصة تستند الى تجربة الكاتب الحياتية ،  ولكن الحقيقة هي انها قصة خيالية  ، ولا صلة مباشرة لها بوقائع حياته . وقد سئل بابل عن سبب استخدامه  الضمير الاول ، فقال ان السرد بهذه الصيغة يعفيه من وصف البطل وكل ما يتعلق به ، من اجل تكثيف النص. فالقصة في رأي بابل يجب ان تكون مكثفة ومقتضبة مثل أمر عسكري أو شيك مصرفي .
يقول الراوي في مطلع الصيغة الأولى لهذه القصة :"ان الحب هو الذي جعل منه كاتبا. وهذه مفارقة غريبة ، لأن محبوبته كانت بائعة هوى غير جميلة وتكبره بعشر سنوات،  وإمرأة غير رومانسية على الإطلاق ، بل عملية جدا. وتبدو القصة وكأنها استفزاز للذائقة الأدبية السائدة ، وتتعارض تماما مع كل صور بائعات الهوى في الأدب الكلاسيكي الروسي . ومنها قصص " شارع نيفسكي " لغوغول ، و " رسائل من تحت الأرض " لدوستويفسكي " والبعث "  لتولستوي ، و"النوبة"  لتشيخوف ، وغيرها كثير. في كل هذه القصص ثمة مثقف عاطفي يلتقي ببائعة هوى ، ويحاول انقاذها من الحضيض الذي وصلت اليه  ، حتى انه على استعداد أحياناً  للإقتران بها  .وهو يرى فيها ليس بائعة هوى بل ضحية . وكل بطل من أبطال هذه القصص يحاول حل المأزق النفسي الذي يواجهه بطريقته الخاصة  .
بطل قصة غوغول  بيسكاريوف - المرفوض من بائعة هوى ، لا تريد تغيير نمط حياتها ،  يقتله الإدمان على  المخدرات . بطل دوستويفسكي يتصور نفسه رجلا  شهما ، ولكنه في الواقع يهين المومس ( ليزا ) حين يجعل منها متنفسا لأزمته الروحية . ولكن ليزا تنتمي الى نمط قوي من النساء الروسيات ، وهي التي تترك البطل  ، وترفض أخذ النقود.
اما فيرا في قصة بابل " مكافأتي الأولى " فإنها ليست بحاجة الى انقاذ ، وليست متلهفة للقاء عميل جديد "  وهي التي تبادر الى سؤال  الشاب عن حياته – وفي العادة فأن العميل المثقف هو الذي يهتم ويسأل المومس كيف وصلت الى هذه الحالة. بطل قصة بابل يصاب بخيبة أمل ، ويشعر بالتقزز ، ولا يحس قط أنه مستعد للقيام بما جاء من اجله. " وردا على استفسارات فيرا يبدأ البطل بإختلاق قصة مثيرة عن حياته ، ويضفي عليها تفاصيل مثيرة. وعندما يلاحظ فتور اهتمام (فيرا) بقصته  يبدأ بتعديلها.  فيرا تقتنع تماما بالقصة وتعتقد بإنها حقيقية . القصة كانت متقنة الى درجة ان الشاب نفسه أخذ يصدّقها وكأنها قصة حياته ،ويشعر بالشفقة على نفسه ويعتصر قلبه ألماً  . وبذلك ينتزع اعترافها به ككاتب .
في هذه القصة النجاح اللفظي يفضي الى الجنس . وتجري مقايضة متكافئة بين فن الكلمة والجنس. القصة بأسرها – تمجيد لفن الكلمة ، وقدرته على التأثير في الحياة . البطل يحول أمرأة مترهلة في الثلاثين من عمرها الى حبيبة عاطفية ، ويشحن نفسه بالحماس للجنس . العلاقة بين االعميل والمومس ، تأخذ شكل العلاقة  بين عاشقين متكافئين .
وليست هذه هي القصة الوحيدة لبابل التي تتم فيها مثل هذه المقايضة . ففي قصته المشهورة " جي دي موباسان " التي كتبت عام 1937 ، وتعد من أفضل وأجمل قصص بابل ، وإحدى روائع الأدب العالمي ، نجد البطل يقوم بمساعدة سيدة ارستقراطية في ترجمة قصص موباسان الى اللغة الروسية  . كانت السيدة قد ترجمت نصوص موباسان ترجمة أمينة من دون أي أخطاء لغوية ، ولكن البطل وجد أن هذه الترجمة ميتة ، وليس فيها روح موباسان واسلوبه الأنيق المتميز ، فيقوم باعادة صياغة تلك القصص على نحو لا تقل روعة عن الأصل الفرنسي . وتصاب السيدة بالدهشة ، وتنبهر بموهبة البطل في الصياغة الأدبية الرفيعة . الإعجاب المتبادل يفضي الى علاقة حميمة بينهما . أي إننا مرة أخرى أمام مقايضة من النوع نفسه : فن الكلمة مقابل الجنس .
قال بابل عام 1915 ، في بداية حياته الأدبية ،  في مقال له بعنوان " أوديسا " ، أنه يحلم  بالكتابة على نحو مختلف عن الكلاسيكيين الروس ( غوغول ، تولستوي ، دوستويفسكي ، تشيخوف) . وهذا ما فعله في " مكافأتي الأولى " وفي " جي دي موباسان " حيث قلب راساً على عقب كل ما كتب عن العلاقة بين المثقف والمومس ..البطلة  ليست بحاجة الى انقاذ ، ولكتها بحاجة الى الغزو الأدبي مثل قارئة ساذجة. وشرب الشاي بدلا من النبيذ وصفة تقليدية لمنقذي المومسات في الأدب الروسي . ولكن الشاي في هذه القصة قرمزي وحار كالدم المسكوب . فيرا على غير العادة لا تأخذ النقود ، ليس بسبب التعالي ، بل بسبب الحب .
 


32
المنبر الحر / أقصر قصص في العالم
« في: 17:41 12/04/2017  »
أقصر قصص في العالم
جودت هوشيار                
 
أقرأ بمزيد  من الدهشة والإستغراب ما نشره عدد من النقاد والكتّاب العرب من كتب ودراسات عن " القصة القصيرة جداً " ، وكأنها جنس أدبي جديد ظهر في الأدب العربي المعاصر في  التسعينات من القرن الماضي ، إستجابةً  لمجموعة من الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية المستجدة في المنطقة والعالم ..
ووصل الحماس بالبعض الى حد المطالبة بإدخال هذا ( الجنس )الإبداعي الجديد الى المناهج الدراسية في شتى مراحل التعليم الثانوي والجامعي . وهم يتحدثون عن خصائصها  الفنية بإسهاب . ويسترسلون في الأطناب التنظيري لها. ويحددون اركانها ، وشروطها ، ومعاييرها  . ويقولون أن القصة القصيرة جداً قصة او حكاية تتسم بالجرأة والوحدة والتكثيف والإقتضاب ، والمفارقة والسخرية ، وطرافة اللقطة ، والإدهاش وفعلية الجملة ، واستخدام الرمز والإيماء والتلميح والأيهام ، والأعتماد على الخاتمة المتوهجة ، واختيار العنوان الذي يحفظ للخاتمة صدمتها ، وما الى ذلك من خصائص لا تقتصر على القصة القصيرة جداً، بل هي خصائص متجذرة في فن القصة القصيرة ، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر . وتتجلى بأوضح صورها في قصص أقطاب كتّاب القصة القصيرة في العالم .
واذا كان المعيار الأساسي هو حجم النص ، فإنه لا يوجد تحديد واضح ومحدد لحجم النص القصصي الذي يمكن اعتباره قصة قصيرة جداً ، ويحتفظ في الوقت ذاته بكل العناصر الأساسية للقصة القصيرة . ووفقاً للتقاليد الأدبية الإتجليزية ، يحدد هذا الحجم بـما لا يزيد عن (300 الى 1500 ) كلمة . وفي الأدب الروسي يقاس بعدد الأحرف أو الصفحات ، حيث يعتبر النص الذي يقل عن 2000 حرفا أو ثلاث صفحات قصة قصيرة جداً. ويطلق الروس على القصة القصيرة جداً مصطلح " النثر المصغر " أو الـ" منمنمة " . وتوجد في الأدب الروسي الكلاسيكي نماذج كثيرة لنصوص قصيرة للغاية ، يقل عن نصف صفحة .
ومع شيوع استخدام شبكة الإنترنت اصبح من المريح اعتبار النص قصيرا جدا اذا لم يكن المتصفح بحاجة الى التمرير العمودي للنص على الشاشة . ومن الواضح  أن مثل هذا التعريف ليس دقيقا ، لأنه لا يأخذ في الاعتبار الاختلاف في ابعاد الشاشة و حجم الحروف .
 الجذور التأريخية للقصة القصيرة جداً 
 والحق أن " القصة القصيرة جداً"  ليس فناً او جنسا ادبيا جديدا ، ولا يعود ظهورها الى التسعينات من القرن الماضي . بل هي نصوص أدبية تتسم بالإيجاز البليغ ، وتتوافر فيها البراعة القصصية وأحيانا ، كل العناصر الفنية  للقصة القصيرة الناجحة  ، ونجدها في الأدب الغربي لدى جمهرة من كتّاب القصة القصيرة .منذ أكثر من قرن من الزمان .ولا أحد من النقاد الغربيين يربطها بالتغيرات السياسية او الاجتماعية او الاقتصادية ، التي شهدتها مجتمعاتهم ، أو بالظواهر الدولية أو الكونية ، بل بنظرون اليها كلون لطيف من ألوان  الأدب القصصي المركز  ، ساهمت شبكة الإنترنيت في شيوعه وترسيخه .
يعد ايفان تورغينيف ( 1818-1883 ) أول من كتب النصوص النثرية القصيرة وذلك في اواخر السبعينات من القرن التاسع عشر ، وتحتفل روسيا سنويا بما يسمى مهرجان " النثر المصغر "  تخليدا لذكرى هذا الكاتب الروسي العظيم ، الذي يعد المؤسس الحقيقي لهذا النمط المقتضب من القصة القصيرة . وقد صدرت في روسيا أنطولوجيا " النثر المصغر " تخليدا لذكراه ، وتضم مختارات من نتاجات الكتاب الروس المعاصرين البارزين في هذا النمط الإبداعي ، وهي لا تختلف عن القصة القصيرة جداً  ، وان اختلفت التسمية . كما ان العديد من الكتّاب العالميين كتبوا نصوصاً قصصية قصيرة للغاية ، وفي مقدمتهم أنطون تشيخوف ( 1860 – 1904 ) وايفان بونين ( 1870 – 1953 ) ، وفرانز كافكا ( 1880 – 1924 ) ، و أو. هنري ( 1862- 1910) ، وهوارد لوفكرافت ( 1890- 1937) ، وارنست همنجواي ( 1899- 1961) ومن الكتاب الأميركيين المحدثين راي برادبري ( 1920 – 2012) . وفي بريطانيا آرثر كلارك ( 1917- 2008) . وفي اليابان ياسوناري كاواباتا ( 1899 – 1972 ) . وفي الأرجنتين مايسترو (القصة القصيرة والسرد القصير ) خوليو كورتاثر ( 1914- 1984) . 
وفي البلدان الناطقة بالإسبانية برز في هذا المجال الكاتب آوغوسطو مونتيروسو ( 1921-2003) الذي كتب احدى اقصر القصص في الادب المدون بالاسبانية. و خورخيه لويس بورخيس (1899-1986 ) و اغناسيو مارتينيس كافيرو، ورومون غوميس ، وخوسيه مارينو ، وخوان ميلياس .
ويقول الناقد والكاتب الكوبي من اصل ايطالي ايتالو كالفينو (1923-1985 ) أنه كتب في هذا النمط السردي مستلهما تجربة  بورخيس ، وكذلك الكاتب ادولف بيئوي كاساريسا ، وهو الذي قال ان بأن مونتيروسو كان أفضل الكل ، وانه نفسه كتب تحت تأثير هذا الكاتب ..
ويتناسى منظرو وكتّاب القصة القصيرة جداً في العالم العربي ، ان نجيب محفوظ هو اول كاتب عربي كتب العديد من المنمنمات القصصية ، ولم يدر بخلده أن يقول أنه ابتدع جنساً أدبياً جديداً ، مع أن تلك المنمنمات  ترتفع بمستواها الفكري والفني الى مصاف اجمل ما كتب في هذا النمط الابداعي . ورب قائل ان جبران خليل جبران كان اسبق من نجيب محفوظ في كتابة هذا اللون القصصي ، ولكن تجارب جبران كانت أقرب الى " الخواطر " منها الى المفهوم الحديث للقصة القصيرة جداً .
نماذج من القصة القصيرة جدا في الادب العالمي 
في أواخر القرن التاسع عشر أجرت احدى المجلات الأميركية مسابقة للقصة القصيرة جداً ، شريطة أن لا تتجاوز 55 كلمة ( في اللغة الأنجليزية )  ، وتتوافر فيها كل عناصر القصة من بداية ، وذروة ، ونهاية ، وحبكة . وقد فاز في المسابقة الكاتب الأميركي الشهير  أو.هنري ( 1862- 1910 ) .
    " كان سلئق سيارة يدخن عندما أنحنى ليرى مستوى البنزين المتبقي في خزان الوقود . كان  الفقيد في الثالثة والعشرين من عمره "
 وكتب فرانز كافكا مجموعة كبيرة من القصص القصيرة جدا . وقد سبق لنا ترجمة طائفة من هذه القصص الى اللغة العربية ، ونشرت في بعض المجلات والصحف البغدادية في أوائل السبعينات ، في وقت لم يكن شيء من اعمال كافكا  قد ترجمت الى اللغة العربية ، ما عدا قصة " التحول " التي ترجمت تحت عنوان " المسخ " . وهذه ثلاثة نماذج من القصص القصيرة جداً لفرانز كافكا التي قمنا بترجمتها ونشرها قبل أكثر من أربعة عقود .
الأشجار : " ما دمنا نحن مثل أشجار مقطوعة في الشتاء ، فإن هذه الأشجار  تبدو لنا وكأنها قد تدحرجت على الثلوج ببساطة ، وإننا ما أن ندفعها قليلاً ، حتى تتحرك . كلا ليس بمقدورنا أن نفعل ذلك  ، لأنها تجمدت ، فالتصقت بالأرض . اقترب منها وجرب ، وسترى ان هذا ما يخيل اليك فحسب .
القرية المجاورة : " كان جدي يقول أحياناً – ما أقصر الحياة ! حينما أتذكر حياتي الماضية ، فان  كل شيء فيها يبدو متراصاً ومتلاحقاً على نحو يجعل من الصعب عليّ أن أفهم كيف يتجاسر شاب على السفر ولو الى قرية مجاورة ممتطياً جواده ، ولا يتملكه الخوف  - ليس فقط من كارثة في الطريق ، بل من أن حياة اعتيادية ، ولو كانت موفقة لا تكفيه ابدا للقيام برحلة كهذه " .
 الفساتين : " حينما أرى الفتيات الحسان  وقد ارتدين الفساتين الجميلة ، التي زينت بالكشاكش والثنايا الفخمة ، وطرزت بالنقوش المتنوعة ، يتبادر الى ذهني ، ان الفساتين لن تحتفظ بمظهرها وشكلها لمدة طويلة : الثنايا تنكمش ، ولا يمكن إستعادة شكلها الأصلي ، والنقوش يكسوها الغبار، ولا يمكن تنظيفها . وليست ثمة إمرأة واحدة ترضى أن ترتدي من يوم الى يوم ، ومن الصباح حتى المساء ، الفستان الفاخر نفسه ، لأنها تخشى أن تبدو بائسة ذليلة ، بيد أني أرى فتيات جميلات ، رشيقات القوام ، ناعمات البشرة ، لهن شعر كثيف باهر ،  يظهرن بذات الأقنعة التي وهبتها الطبيعة لهن ، ويريحن وجوههن المعتادة على الأديادي ذاتها . ولكن في بعض الأحيان فقط ، عندما يعدن الى بيوتهن في وقت متأخر من المساء ، بعد حفلة راقصة ، ويتطلعن الى أنفسهن في المرآة ، يخيل اليهن أن وجهاً مغبراً ، منتفخاً ، مهلهلاً  ينظر اليهن . وجه اعتاده الجميع وبلي الى حد كبير " .   
أما ارنست همنجواي المعروف بأسلوبه الذي وصفه بنفسه أنه أشبه بجبل الجليد ، الذي لا يرى منه سوى ثمنه ، اما الأجزاء السبعة فهي مغمورة في الماء . فقد كتب اقصر قصة قصيرة مؤثرة في تأريخ الأدب العالمي وهي تتألف من ست كلمات فقط :  ”  For sale: baby shoes , never used “
" للبيع : حذاء أطفال ، لم يستعمل قط "
وثمة قصة قصيرة للغاية لمونتيرّوسو ، وهي تحت عنوان: “الدّيناصور” وهي مؤلفة من سبع كلمات : “عندما إستيقظ، كان الديناصور ما زال هناك…”
قصة من مائة كلمة  Drabble” "
ثمة نمط متميز من الوان القصة القصيرة جدا ، انتشر في المملكة المتحدة  منذ العام 1980 تحت اسم " درابل فلاش فيكشن ". ومن أهم شروط قصص "درابل" ان تكون القصة في مائة كلمة بالضبط ( ما عدا العنوان ) ، وتتوافر فيها العناصر الأساسية المعروفة للقصة القصيرة .وهو نمط صعب يتجلى فيه قدرة المؤلف على التعبير عن فكرة ذات معنى بشكل مقتضب في عدد محدود من الكلمات .
.ولدت قصص"درايل " في جامعة برمنغهام كشكل من أشكال اللعب اللفظي ، قبل ان  تتخذ شكل المسابقة الأدبية .
واللعبة مستوحاة من كتاب ساخر يحمل عنوان " كتاب مونتي بايثون الكبير الأحمر " الصادر في لندن سنة 1971 ، لمجموعة مؤلفين - تهكماً بكتاب ماو " الكتاب الأحمر الصغير" . يصف المؤلفون في الكتاب الكبير "لعبة كلمات"  حيث يجتمع عدد من الأصدقاء حول موقد النار ، يحتسون البراندي ، ويتبادلون الأحاديث الممتعة ، ويتنافسون فيما بينهم ، في تأليف قصة قصيرة جداً ، لا يتجاوز عدد كلماتها مائة كلمة بالضبط ، ويعتبر فائزاً اول من ينتهي من تأليف القصة ،مهما كان موضوعها او اسلوبها .
صدرت منذ ذلك الوقت العديد من مجموعات قصص "درابل" لكتاب معروفين في بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية ، وأميركا اللاتينية والعديد من دول العالم .
قصة من 55 كلمة
  في عام 1987 عدّل ستيف موس ، رئيس تحرير مجلة " نيو تايمز " شروط كتابة قصص (درابل )، واعلن عن مسابقة أدبية جديدة لكتابة قصة قصيرة جداً ، لا يتجاوز طولها 55 كلمة . وكانت شروط المسابقة عديدة وصارمة ، ولكن يمكن ايجازها في ما يلي : " ينبغي كتابة قصة قصيرة جدا تتوافر فيها العناصر الأساسية للقصة القصيرة ، وذات حبكة واضحة ،وبطل واحد او اكثر ، ونهاية غير متوقعة " .وقد استلمت المجلة عددا هائلا من القصص القصيرة جداّ ، و فازت في المسابقة قصة الكاتب الأميركي  جون دانييل .التي تحمل عنوان " الغيتار"
"  "عندما كنت طفلاً ، كانت زوجة أخي الأكبر تشتكي لي دائما بأن زوجها لا يعيرها أي أهتمام  حين ، يعزف على الغيتار . وكانت تقول ، أنني متأكدة أنه يحب غيتاره أكثر مني . وبعد بضع سنوات انفصلا عن بعضهما . أعتقد بأن هذا كان الحل الأفضل لحالتهما " .
ان اهم شرط لنجاح مثل هذه القصص ، سواء كانت مؤلفة من (100) أو ( 55) كلمة ، هو أن ان ينسى الكاتب تماماً ما يحدث في الواقع ، ويطلق العنان لخياله ، وان تكون القصة ممتعة ، يقرأها المتلقي بشغف في أقل من دقيقة ،
مثل هذه القصص قد تكون خيالية ، أو بوليسية ، أو عبثية ، أو مرعبة ، أو مؤثرة . أي ببساطة قصة غير عادية .
وقد اختار موس افضل القصص المشتركة في المسابقة وأصدر انطولوجيا تحت عنوان " اقصر القصص في العالم ". وكتب للأنطولوجيا مقدمة ضافية حدد فيها أهم عناصر وخصائص هذا النوع من القصص ..
لم يتوقع موس أبداً أن تدخل القصة القصيرة جداً المؤلفة من (55) كلمة فقط الى المناهج الدراسية ، واستلم عدد كبيراً من الرسائل من الأساتذة والطلبة يشيدون بجهوده المبذولة في هذا المجال ويشكرونه ، لأن تجربة كتابة قصص من هذا النوع تعلّم الطلبة التعبير عن الأفكار بوضوح ودقة ، وتدربهم على إعادة النظر في النص مراراً وتكراراً ، وعلى اكتساب المهارة في استخدام تقنيات الكتابة .
هذا اللون الإبداعي مفيد أيضاً لكتّاب القصة القصيرة و الرواية ، حتى المعروفين منهم ، لأنه يعلّمهم الأقتصاد في الكلمات  . وثمة اليوم في معظم دول العالم كتاب مشهورون يمارسون كتابة هذا اللون اللطيف من القصص المختصرة الى جانب القصة القصيرة والرواية ، ومنهم الكاتبة الروائية الأميركية ليديا دافيس ( ولدت عام1947 ) التي إشتهرت بقصصها القصيرة جداً ، ونالت عنها جائزة البوكر الدولية لعام  2013 . وهي جائزة تمنح كل عامين للأعمال الأدبية المكتوبة باللغة الأنجليزية أو المترجمة اليها . وقال رئيس لجنة التحكيم لجائزة البوكر الدولية  السير كريستوفر ريكس في الإحتفال الذي اقيم في 22 أيار من ذلك العام في متحف ( فكتوريا والبرت ) بلندن تكريماً للكاتبة :
"يمكنكم اطلاق اسم " المنمنمات ، أو المشاهد ، أو المقالات ، أو الحكايات ، أو الأمثال، أو الملاحظات ، أو حتى الخرافات ، أو الأدعية ، على هذه النتاجات " .
أي أن مفهوم " القصة القصيرة جداً " في الأدب العالمي أرحب بكثير مما يتصوره
اولئك الذين يميلون الى وضع هذا اللون الإبداعي في خانة ضيقة وتقنين شروطه ومواصفاته .
 


33
مصير الرواية في العصر الرقمي
جودت هوشيار   
حق التجربة في الفن – حق مطلق ومقدس ، ومن دون ذلك ، يتحجر الفن في قوالب جامدة ومحنطة ، ويصبح عاجزاً عن الوفاء بحاجة التعبيرعن هموم اللحظة الحضارية ، والكشف عن التناقضات الجوهرية للواقع الإجتماعي ، والنفاذ الى أعماق الحياة ،  دائمة التغيّر والتحول .
الفن لا يصدر من معاناة قوية للواقع فقط ، بل لابد له أيضاً من اكتساب شكل موضوعي ملائم .وما يبدو من حرية الفنان وسهولة أدائه ، إنما هو نتيجة لتحكمه في مادته . وهذا التحكم ، إن هو الا ثمرة لتجارب إبداعية مضنية ، و إبتكار أشكال جديدة لأحتواء المضامين الجديدة ، التي لا تستوعبها الأشكال المستهلكة .وربما لا نجانب  الصواب ، إذا قلنا انه ليس ثمة فن عظيم بلا تجارب عظيمة وجريئة على صعيد الأشكال الفنية ، والأساليب ، والأدوات التعبيرية .
كان تطور الفن الروائي – كأي فن آخر – مرتبطاً دوماً بتجارب إبداعية  جديدة ورائدة. ويكفي أن نتذكر في هذا الصدد تجارب الروائيين الكلاسيكيين الروس والفرنسيين ، وتجارب الروائيين المحدثين : " يوليسيس" لجيمس جويس ، و" البحث عن الزمن الضائع " لمارسيل بروست ، والروايات الثلاث " القصر " و " المحاكمة " و " أميركا " لفرانز كافكا ، وروايات اخرى كثيرة .
 ولكن بعض التجارب الشكلية العقيمة في الأبداع الروائي ، التي يصعب قراءتها – ليس لأنها جديدة على صعيد الشكل والمضمون ،  بل لأنها -على النقيض من أنواع الروايات الإبداعية - أجزاء مفككة ، وليس فيها حبكة سردية واضحة ، ويغيب عنها منطق السبب والنتيجة ، ولا يعرف القاريء من هو البطل ، حيث يتركز الإهتمام على الأسلوب أو الشكل والهيكل . وهي تجارب صاحبتها ضجة اعلامية هائلة ، وأصابت القراء – حتى المثقفين منهم ، المتابعين لكل ما هو جديد حقاً في الأدب العالمي - بخيبة أمل شديدة.
قال  جان- بول سارتر على إثر أفول موجة " الرواية الجديدة "  : "ان الرواية قد وصلت الى طريق مسدود ، وانها في طريقها الى الزوال ، وهي الآن تحتضر ، وتفقد يوما بعد آخر أهميتها ومكانتها ، ولن يمضي زمن طويل حتى تحل محلها الألوان الفنية والأدبية الجديدة الأكثر قدرة على التعبير عن روح العصر ، وعلى التواصل والتأثير .وإن الادب الوثائقي او التسجيلي هو ادب المستقبل ، لأنه أكثر إستجابة لمتطلبات المجتمع ، وحاجات العصر ". كان سارتر على حق حين تنبأ ببروز الرواية الوثائقية ، التي احتلت في السنوات اللاحقة  مكانة بارزة  في الأدب الروائي ، ولعل منح جائزة نوبل في الآداب لعام 2015 الى الكاتبة البيلاروسية  سفيتلانا الكسيفيتش خير دليل على ذك  ، وهي التي لم تكتب خلال رحلتها الأدبية التي ناهزت ثلاثين عاماً ، سوى الروايات الوثائقية . الكسيفيتش تلتقي مئات الأشخاص  وتستمع الى مئات القصص الموجعة التي تمزق القلب ، وتنتقي الحوادث والحقائق الأكثر أهمية ، وتعيد صياغتها بشكل فني ، ورواياتها لا تقل روعة وتأثيراً عن أي رواية كلاسيكية جيدة.
الرواية بشتى أنواعها ، وخاصة الرواية الخيالية لم تصل الى طريق مسدود ، على خلاف توقعات سارتر . وهي عصية على الموت .ولكنها تأثرت الى حد بعيد بالتطورات العاصفة التي حدثت في وسائل الإتصال الجماهيري ( السينما ، والإذاعة ، والتلفزيون ، والإنترنيت ، والوسائط المتعددة ) التي أصبحت مصادر أساسية لتقديم المعلومات وتلبية الحاجات الجمالية والثقافية للأنسان .ذلك لأن هذه الفنون الجديدة – وهي وليدة التورة المعاصرة في العلم والتكنولوجيا – تتميز عن الفنون الكلاسيكية ، وفي مقدمتها الرواية بعدة خصائص بالغة الأهمية . فهي قبل كل شيء فنون تتمتع بحيوية فائقة ، وسرعة عظيمة تجعل الفاصل الزمني بين خلق الأعمال الفنية ، وبين تقديمها الى المتلقي قصيرا للغاية ، بينما كان هذا الفاصل ، وما يزال طويلاً الى حد كبير بالنسبة الى الرواية  الورقية  المطبوعة . لنقارن مثلاً بين نقل أحد العروض المسرحية عن طريق التلفزيون ، وبين دفع الرواية المخطوطة الى المطبعة ، والمدة الزمنية التي تستغرقها عملية الطباعة والنشر والتوزيع ، وأخيراً إقتناء الرواية من قبل القاريء، وتفرغه لقراءتها .
ويمكن القول ان هذه الفنون قد ساعدت على إشاعة الديمقراطية الثقافية  ، وأتاحت الفرصة لملايين البشر للأطلاع على النتاجات الفنية ، بعد أن كانت هذه النتاجات حكراً على فئة صغيرة من المثقفين . وعلى الرغم من الزيادة  المضطردة في أوقات
الفراغ التي وفرها التقدم العلمي – التكنولوجي ، الا ان وسائل الاتصال والاعلام الحديثة مثل التلفزيون والإنترنيت ، وخاصة مواقع التواصل الإجتماعي ، تستحوذ على الجزء الأكبر من أوقات الفراغ لدى الجمهور الواسع - رغم أنها وسائل سلبية ، لا تترك أثراً في النفس ، ولا حاصلاً في الذهن -  ذلك لأن هذه الوسائل لا تتطلب الا جهداً ضئيلاً لأستيعاب البرامج ، التي تقدم من خلالها. وهذا أمر مهم للغاية ، لأن الحياة المعاصرة تميل الى التعقيد والتشابك ، وتفرض على الإنسان ضريبة باهظة من ذهته وأعصابه ، وتحاصره ، وتسلب حواسه ووقته بشتى الوسائل . ولهذا السبب تحديداً نجد الإنسان المعاصر لا يملك الوقت الكافي للقراءة ، الا في فترات قصيرة وعابرة ( في القطار أو الباص أو الطائرة أو قاعات الإنتظار). وقلما نجد اليوم شخصاً يخصص أمسية كاملة لقراءة رواية ما - اذا استثنينا بطبيعة الحال محترفي الأدب ، ونحن نتحدث هنا عن المتلقي العادي . ولم يحدث في التأريخ قط أن مارس فن من الفنون تأثيراً عظيما كالذي تمارسه اليوم وسائل الإتصال الحديثة .
لم يعد القاريء يبحث اليوم في الرواية عن الجوانب الغامضة لحياة الفرد او المجتمع في هذا البلد او ذاك ، أي انها لم تعد المصدر الوحيد للمعلومات ، كما كانت في الماضي . فثمة وسائل أخرى كثيرة أكثر قدرة على التوصيل الآني السريع . كما أن الرواية تخلت عن القيام بالوظائف التي أصبحت اليوم مادة لبعض العلوم الإنسانية كعلم النفس مثلاً . ولكن للرواية وظائف أخرى لا يمكن أن تنهض بها العلوم الإنسانية ، ولا الوسائل الإعلامية ، ولا الفنون الأخرى مجتمعة .
. ومن هذه الوظائف وصف وتحليل النفس البشرية في أدق خلجاتها وأوعى أحاسيسها ، والتي تختلف عن أية نفس بشرية أخرى .
ان وظائف ، الرواية كما الفنون الأخرى لا بد أن تكون فردية ، ممعنة في الفردية ، على العكس من وظائف العلوم الإنسانية ، التي تميل بطبيعتها الى التعميم . كما أن الرواية تقوم في الوقت ذاته بتحديد المعايير الجمالية والأخلاقية ، والبحث عن معنى الحياة ، ومصير المجتمع الإنساني . لهذا فإن الرواية لا يمكن أن تموت أبداً. فليس ثمة مجال علمي واحد يمكن أن ينهض بهذه الوظائف جميعاً.
ان الباحث العلمي – بصرف النظر عن المجال الذي يعمل فيه – يحاول الإلتزام بأقصى درجات الموضوعية ، وذاتيته المتفردة تخضع لمنهج البحث وأهدافه . أما الكاتب الروائي فإنه يحاول التعبير عن ذاته المتفردة  بأعماله الإبداعية . ولهذا فان هذه الأعمال تعبرعن علاقة الكاتب الذاتية بعالم  الحقائق والقيم والأفكار ، التي تتكون منها الحياة الإنسانية. ولهذا السبب تحديداً ، نجد أن النصوص العلمية تفقد أهميتها بمرور الزمن ، أما روائع الآثار الفنية فانها خالدة . فالحقائق العلمية الجديدة تنفي سابقاتها ، أو تصححها ، أوتعمقها. ولكن لا يمكن لأية حقائق جديدة أن تسلب الآثار الفنية قيمتها وأهميتها.
حقا ان الروايات العظيمة تشكل مصدرا مهما للمعلومات عن العصور التأريخية ، كرواياتت تولستوي ومسرحيات شكسبير على سبيل المثال . ولكن القيمة الفنية لهذه الأعمال لا تتضاءل مع تعاظم معلوماتنا عن نابليون أو ريتشارد الثالث عن طريق المصادر التأريخية الموثوقة . وثمة مجالات فكرية وثقافية واسعة –تعالجها الرواية - ليس بوسع السينما أو التلفزيون أو أي وسيلة فنية أخرى أن تقتحمها . ولكن وجود هذه المنافسة يجب ان يكون حافزا للبحث عن اشكال جديدة لأحتواء المضامين الجديدة. وهذا يعني ان كتابة الرواية اليوم هي أصعب من أي وقت مضى .
لا يمكن للروائي المعاصر أن يكتب روايته ، كما كان يكتبها تولستوي او بلزاك أو فلوبير ، أو حتى جويس أو بروست أو كافكا . لأن الأدب الروائي كأي نشاط فكري وفني آخر للبشر وثيق الصلة بالظروف التأريخية . وان القوانين والأساليب والأنماط الإبداعية في أي مجال من مجالات النشاط الفكري الإنساني دائمة التغيّر والتطور . ولكن اذا كانت مهمة الرواية  قد أصبحت أكثر صعوبة وتعقيدا ، فإن ذلك يجب ان لا يقود الروائي الى التخلي عن المحاولات الإبداعية التجريبية . وليس ثمة طريقة أخرى لأحتفاظ الرواية  بمكانتها المتقدمة بين الأجناس الأدبية ، وإزدهارها في العصر الرقمي ، سوى البحث عن أشكال تعبيرية جديدة أكثر قدرة على التوصيل .
 


34
صواريخ حكومات حزب الدعوة واقمارها الصناعية
جودت هوشيار *         
اعتادت حكومات حزب الدعوة الأربع المتعاقبة ، التي تسلطت على رقاب الشعب العراقي خلال السنوات العشر الأخيرة ، أن تستخف بعقول العراقيين وتتحايل عليهم بالبيانات المضللة والأنجازات الموهومة . ولكن لنبدأ الحكاية من أولها .
في اوائل حزيران 2011 أعلنت وزارة الأتصالات العراقية أن " الحكومة الايطالية ستقوم بتأهيل مهندسين فضائيين عراقيين في نهاية العام المذكور لغرض صناعة أول قمر صناعي عراقي وعربي . "
ويبدو ان القمر الصناعي - الذي طال انتظاره – أصبح الشغل الشاغل لكل قادم جديد لشغل منصب وزير الإتصالات ولحاشيته المختارة من الخبراء الأفذاذ .، حيث دأب كل وزير جديد ، هو والمقربون منه على اطلاق التصريحات واصدار البيانات الرنانة حول القمر الصناعي الموعود " الذي يأتي ولا يأتي " على حد قول الشاعر الراحل عبد الوهاب البياتي . وهم يعتقدون انهم بذلك سيجعلون الناس تصدق حكاية القمر الموهوم ، ايماناً بمقولة وزير الدعاية النازي جوزيف غوبلز " أكذب ، ثم اكذب ، الى أن يصدقك الناس " ( راجع على سبيل المثال بيانات الوزارة - حول قرب اطلاق القمر المزعوم - الصادرة في ( أيار /مايو 2012 ، كانون الثاني / يناير 2013 ، نيسان/أبريل 2013 ، أيار/ مايو 2013 )
ويبدو ان وزير الأتصالات ، السيد حسن كاظم الراشد يريد أن تتوج  انجازات حكومات حزب الدعوة الأربع  بأنجاز تكنولوجي مبهر ، بعد ان تحول العراق الى واحة للأمن والأمان ، وجزيرة للأستقرار والأزدهار الإقتصادي ، والعلمي – التكنولوجي. و لم يتبقى سوى العمل على اللحاق بالدول الصناعية المتقدمة . !  فقد أعلن الوزير الهمام ، أن العراق على أبواب إطلاق قمر صناعي سيادي ! وذلك  في كلمته خلال حفل افتتاح معرض جيتكس الثاني في ( 16-2-2017 ) على ارض معرض بغداد الدولي. وان القمر سيحقق للعراق قفزة علمية كبيرة في ولوج عالم الفضاء ". وليس من الواضح ما هو المقصود بالقمر السيادي ؟ هل يعني ذلك ان القمر المزعوم  سيصنع بأيدي عراقية مائة بالمائة ، أم أن العراق سيكون بمقدوره التحكم في مسار القمر واستخداماته . على أية حال سيبقى للسيد الوزير ريادة اطلاق مصطلح ( السيادي ) على  نوع جديد من الأقمار الصناعية التي يتم توجيهه بالريموت كونترول من وزارة الإتصالات .
والمصطلح الجديد جميل ، ويؤكد ان السيادة العراقية مصانة حتى في الجو بعد تأمينها على البر والبحر ، وان الإنتهاكات المزعومة للسيادة العراقية من قبل دول الجوار ، مجرد اشاعات وأقاويل لا قيمة لها .
السيد الوزير يرى ان تصنيع واطلاق أو قمر صناعي عراقي ( سيادي ) من المهام العاجلة لوزارته . واذا كانت الدول المتخلفة تلجا الى الدول الصناعية المتقدمة مثل روسيا أو فرنسا لوضع أقمارها الصناعية فى الفضاء الخارجى و تأمين الأتصال معها ، فأن خبراء الوزارة فى مجال تصميم وتصنيع  الصواريخ وعلمائها في مجال تقنية الفضاء قادرون لوحدهم من دون أي مساعدة خارجية على تخطى كل الصعوبات الفنية التى تقف أمامهم بعزيمة لا تلين من اجل وضع أول قمر صناعى عراقى ( سيادي ) فى مدار حول الأرض في القريب العاجل.
والحق ان خطط الوزير الهمام  فى مجال غزو الفضاء ، تتسم بأبعاد ستراتيجية مهمة ، ولا تقل أهمية عن خطط وزير النقل السيد كاظم فنجان الذي كشف النقاب عن أول مطار في التأريخ تم إنشائه في الناصرية قبل آلاف السنين وعن سفن الفضاء السومرية .وان وزارته عازمة على احياء أمجاد الأجداد الفضائية . واذا تركنا جانبا بالونات التصريحات الهوائية والمصطلحات المبتكرة وتحدثنا بلغة العلم والتكنولوجيا نقول :
ان تصنيع الأقمار الصناعية -  يا سيادة وزير المواصلات - يتطلب  قبل كل شيء قاعدة صناعية متطورة ، كالتي تمتلكها الدول الصناعية المتقدمة . ويبدو ان العراق قد أنشاء مثل هذه القاعدة الصناعية في صمت وهدؤ ، لتكون مفاجئة للقاصي والداني من حسّاد العراق .
اما المرحلة الثانية ، فهي أنشاء محطات الأتصال بالأقمار الصناعية لغرض التحكم في مسارها واستخداماتها . وهذه المرحلة – كما يبدو من تصريحات السيد الوزير قد انجزت بسرعة قياسية وهي جاهزة للعمل ، في نفس الموقع الذي كان السومريون يطلقون منه سفن الفضاء .
أما المرحلة الثالثة ، فهي صنع القمر الصناعي ذاته.
هذه المراحل الثلاث - ايها السيد الوزير – هي مراحل متعاقبة ومترابطة ، وضرورة حتمية لكل من يود اطلاق قمر صناعي مهما كان نوعه او الغرض من تصنيعه
. ومن المستحيل اطلاق قمر صناعي مهما صغر حجمه من دون انجاز هذه المراحل كاملة والقيام بتجارب ميدانية مضنية للتحقق من نجاحها . فالحديث عن اطلاق قمر اصطناعي من دون وجود قاعدة صناعية متطورة ، ومن دون تصنيع الصواريخ الحاملة له ، ومن دون إنشاء محطات الإتصال  ، ينم عن جهل فاضح ، إن لم يكن تضليلاً متعمداً .
ونزيد السيد الوزير علماً ، إن إنجاز هذه المراحل بنجاح يمهد لأنتاج صواريخ أرض – ارض . وأنه لا توجد فروق جوهرية . بين صواريخ إطلاق الأقمار الصناعية وإطلاق الصواريخ البالستية ، فالصاروخ الذى يحمل قمرا صناعيا ، يمكنه بتعديلات تصميمية وتكنولوجية صحيحة، ومجربة ، ان يحمل رأسا حربيا تقليديا أو كيمياويا أو نوويا ، و لذلك فأن أمتلاك صواريخ اطلاق الأقمار الصناعية ، يخدم اكثر من هدف ستراتيجي واحد . 
ويبدو ان تصنيع منظومة متكاملة لأطلاق الأقمار الصناعية ( الصواريخ ، محطات الأتصال ، القمر الصتاعي ) أسهل على خبراء وزارة الإتصالات من تصنيع جهاز بسيط  لكشف المتفجرات ، لا يزيد سعره على عشرين دولاراً ً
كان الله في عون الشعب العراقي المبتلى بـتلاميذ غوبلز ، الذين لا يملّون من الإستخفاف بالعقول ، والضحك على الذقون . لأنهم لا يتقنون مهنة سواها .
....................
جودت هوشيار : مهندس استشاري وكاتب
 



35
أشهر وصية في التاريخ أَوقصة جوائز نوبل
                                                   
جـودت هوشيار             
الفرد نوبل – عبقرية علمية فذة ، يرتبط اسمه في المقام الأول باختراع الديناميت ومتفجرات اخرى  فتاكة ,وان كان له عدد كبير من الإختراعات المهمة الأخرى ، التي لا علاقة لها بالأنتاج الحربي ، ولكن اسم نوبل يقترن ايضا في اذهان المعاصرين وعلى نحو راسخ بجوائز نوبل العالمية ذات المكانة الرفيعة ،  والتي تأسست بناءاً على وصيته الشهيرة . ولا يعرف سوى عدد ضئيل من الناس كيف طرأت فكرة هذه الجوائز في ذهن نوبل , ذلك لأن حياته ظلت الى عهد قريب تكتنفها الاسرار ويلفها  الغموض . ورغم ان اختراعاته المثيرة قد جلبت له مجداً عريضاً وثروةً طائلةً , فقد كشفت الدراسات التي أجريت مؤخرا , انه ظل الى اخر يوم في حياته يعاني من الوحدة والعزلة , وسنحاول في الفقرات اللاحقة القاء الضوء على حياته المليئة بالانجازات العلمية الباهرة من جهة والحزن والاحباط واليأس من جهة اخرى ، أضافة الى تصحيح بعض الآراء الخاطئة الشائعة عن أسباب قيامه بتخصيص ثروته الطائلة في سبيل التقدم العلمي والثقافي وتوطيد السلام في العالم ، هذه الاراء ، التي لا تمت الى الحقيقة بصلة , من قبيل الرأي السطحي القائل ان نوبل قد شعر بالندم للنتائج المرعبة التي ترتبت على اختراعاته العلمية ، فقرر التكفير عن (ذنوبه) بتأسيس الجوائز المعروفة بأسمه , ان الحقيقة أعمق من ذلك  بكثير , فقد أقدم الفرد نوبل على هذه الخطوة بعد معاناة طويلة على امتداد سنوات عديدة وجاءت كمحصلة طبيعية لفلسفته ونظرته الى الحياة واِلى مستقبل الجنس البشري .
المليونير الحزين
في ربيع العام 1876م نشرت احدى صحف فينا اعلاناً مثيراً بمقاييس ذلك العصر : "رجل كهل ، مثقف وثري  يقيم في باريس ويتقن عدة لغات اوربية , يبحث عن إِمراة في منتصف العمر للعمل بصفة سكرتيرة ومديرة منزل , وقد أستجابت لهذا الاعلان سيدة نمساوية أرستقراطية جذابة تبلغ من العمر (33) عاما ¸هي " بيرتا كينسكي" ، التي كانت في ذلك الوقت مضطرة للعمل كمديرة منزل لكسب قوتها .
 ربما أحست برتا بين السطور مدى الوحدة التي يعاني منها هذا السيد الكهل , وتبين ان الشخص الذي نشر الاعلان كان صادقا تماما , فقد كان ثريا ومثقفا فعلاً ، ويتقن عدة لغات اوربية , وإِن كان من الصعب وصف رجل في الثالثة والاربعين من عمره بالكهل . وحين التقيا في باريس ادركت بيرتا انه يبحث عن ما هو أكثر من مجرد سكرتيرة ، ربما عن زوجة , ومما يؤسف له ان بيرتا كانت تحب رجلاً آخر , وقالت ذلك لنوبل بصراحة , عندما سألها ان كان قلبها خاليا . وبعد اسبوع واحد من مباشرتها العمل عادت الى فينا ولكنها لم تسنطع ابدًا ان تنسى الباريسي الكئيب ، الذي كان من المحتمل أن تقترن به , لو شاءت ذلك وظلت صورة نوبل عالقة بذهنها : رجل لبق ومتواضع الى حد يكاد ان يكون تدميراً للذات , متقلب المزاج بشكل حاد وفجائي – من الانبهار الشديد الى الحزن العميق او اليأس .
لم يكن نوبل يشبه الاخرين من معارفها ،  وظلا صديقين طوال حياته وحتى لحظة وفاته , التي واجهها - بعد عشرين عاما من لقائهما فى باريس -  وحيدا في فيلته بايطاليا , كانت الفيلا فى البداية  تسمى " العش " و هى كلمة  توحي بوجود زوجين , وحينئذ اطلق على الفيلا أسم " نوبل" .  وعلى هذا النحو لم يتزوج ابدا , وأصبحت بيرتا التي لقبت فيما بعد بــ "البارونة فون زوتنر" كاتبة معروفة وداعية ناشطة في حركة السلام الاوربية , وربما كان ذلك  احد الاسباب التي دفعت نوبل الى تخصيص جائزة للسلام ، علاوة على الجوائز المكرسة للأنجازات العلمية والادبية , والتي تمنح سنويا تنفيذا لوصيته.
 في العام 1905م منحت جائزة السلام الى بيرتا ، التي وصفت نوبل بأنه : ( رجل قصير القامة , له لحية سوداء ناعمة وملامح  وجه دقيقة , وعيناه الزرقاوان تلمعان بحيوية تحت حاجبين كثيفتين عندما كان في عنفوان شبابه , وبمضي الزمن اصبح تعبير وجهه ذاهلا ، ويكاد يكون حالما .  لم يكن يحب قط ، الوقوف أمام عدسات المصورين , ويتجنب لقاء الصحفيين ويبتعد عن الاضواء  ويحافظ دوما على مسافة بينه  وبين شركائه ومرؤوسيه , وبفضل أختراعاته الخطيرة , إِستطاع ان يجمع ثروة طائلة , كانت  تعتبر من أكبر الثروات خلال القرن التاسع عشر , هذه الثروة أصبحت أساس الجوائز الشهيرة التي أسسها . كان نوبل انسانا مجاملا ومرهف الحس ، ومحل أعجاب كل من عرفه تقريبا . وكانت امه شديدة التعلق به . ولكن شيئا ما في قرارة نفسه كان يجعل حياته  مليئة بالمرارة والاسى ، ويبعث على عدم الرضا عن نفسه , حيث لم يعرف الهدوء في حياته قط ، وليس أدل على ذلك من السيرة الذاتية المقتضبة التي كتبها نوبل :
-         الفرد نوبل : كان على الطبيب الذي أشرف على ولادته ان ينهي وجوده رحمةً به .
-         فضائله الرئيسية : عدم تكوين أسرة , رداءة هضم الطعام .
-         امنيته الوحيدة : ان لا يدفن حيا .
-         الحوادث المهمة في حياته : لا توجد .
لم تكن حياة الفرد نوبل تافهة  على الاطلاق , كما تبدو من هذه السطور الطافحة بالتهكم واليأس ،  بل انها كانت في الواقع محاطة بالدفء والحنان من قبل الاقارب وحافلةً بالانجازات العلمية ، التي أتاحت له جمع ثروة ضخمة ونيل شهرة مدوية . ولكن من طبع اي عبقري ان لا يرضى عن نفسه ابدا , اما الانسان النرجسي فعلى العكس من ذلك يتبجح بفضائله الموهومة ويكيل المديح لنفسه ان لم يجد احدا يفعل ذلك نيابة عنه .
عائلة نوبل
في العام 1827م  اقترن عمانوئيل نوبل (1801 – 1872م ) بكارولين اندرييتا السيل (1803-1889م) وانجبا اربعة اولاد : روبرت ( 1829م) لودفيك ( 1831م ) والفرد (21-10- 1831م واخيرا اميل (1842م ) .
 كان عمانوئيل نوبل مخترعاً موهوباً ورجلاً طموحاً ومغامراً ، وحياته مليئة بالانجازات العلمية والاختراعات المدوية والكوارث , اما كارولين اندرييتا السيل , فقد كانت امرأة قوية العزيمة ومرفأ العائلة في الاوقات العصيبة والشدائد .
وحين أفلس عمانوئيل في السويد , قررت هذه السيدة المكافحة فتح حانوت صغير لبيع المواد الغذائية مما ساعد على توفير الحد الادنى من متطلبات الحياة للعائلة , وأراد عمانوئيل نوبل ان يجرب حظه في بلد اخر , فسافر الى فنلندا في العام  1837م ولكنه لم يلق النجاح،  فشد الرحال في العام 1842م الى بطرسبورغ عاصمة روسيا القيصرية, حيث نجح في أقامة وتشغيل مصنع لأنتاج المكائن البخارية وانواع اخرى من المعدات .وكان اهم نجاح حققه في روسيا هو توقيع عقد مع وزارة الدفاع الروسية لتجهيز الجيش الروسي بانواع الاسلحة والأعتدة ، ولكن القدر تدخل هذ المرة ايضا , فقد انتهت حرب القرم (1853-1856م ) بين روسيا  والدولة العثمانية بانتصار روسيا ، وبذلك أنتفت الحاجة الى السلاح الذي كان يورده عمانوئيل نوبل , وقامت وزارة الدفاع القيصيرية بالغاء العقد الموقع  معه , وأضطر عمانوئيل للعودة الى السويد .وهنا في ستوكهولم انهمك بحماس شديد في اجراء التجارب ودراسة امكانية الاستخدام الستراتيجي للنتورجلسيرين وكانت هذ المادة قد أكتشفت  قبل ذلك ب (14) عاما , ولكن لم يتم الاستخدام العملي لها .
نشأ الفرد نوبل طفلا عليلا يعاني من آلاّم في العمود الفقري وامراض اخرى ، ولك ذلك لم يمنعه من أظهار موهبة فائقة في سن مبكرة لتعلم اللغات الاجنبية .وقد تلقى تعليما ممتازاً على ايدي أساتذة متخصصين في بطرسبورغ ثم واصل دراسته لمدة سنتين (1850-1852م ) في كل من فرنسا وايطاليا . وقام بجولة في عدة دول اوربية منها المانيا , كما زار الولايات المتحدة الأميركية , وأكتسب خبرة عملية واسعة . وعلى الرغم من اعتلال صحته فقد كان دؤوباً  محباً للعمل ، وكان والده عمانوئيل  نوبل يسميه (الفرد اللبيب الدؤوب ). ومع مضي الزمن أصبح  يقدر العمل  أكثر فأكثر ، حيث كان يقول :" إن العمل يجعل كل شيئ رائعا " . كان يكره الدعة والخمول والكسل ويدرك على نحوعميق بأن كل ما ينجزه الانسان هو بفضل العمل الواعي الموجة نحو تحقيق غاية معينة وهدف محدد لذلك كان يخطط لكل خطوة يخطوها ويعرف ما يريد بالضبط .
الشاب اليافع أدرك ان الحياة ليست عملاً فقط  ،وأحس بذلك بقوة في باريس على وجه الخصوص.  وعرف (الفرد) سعادة الحب في هذه المدينة ، ولم يدم حبه طويلا . الذكرى الوحيدة عن هذا الحب هي قصيدة قصيرة ، فقد كان نوبل في مقتبل حياته يكتب الروايات والمسرحيات ويجرب الشعر , ومن المحتمل انه كان سينعم بمباهج ومرارة الحياة الزوجية ، ولكن حبيبته ماتت فجأة وتركت لوعة في نفس الفرد ، فقرر العدول نهائيا عن فكرة الزواج والعزوف عن مباهج الدنيا ليكرس حياته للأهداف النبيلة .
انجازات وكوارث
 في خمسينات القرن التاسع عشر تدرب وعمل (الفرد ) في مصنع والده في سان بطرسبورغ مع اخويه لودفيك وروبرت , لقد ظل الشبان الثلاثة في روسيا لبعض الوقت حتى بعد عودة والدهم الى السويد. ولقد كُلّف الفرد – بسبب معرفته اللغتين الانجليزية والفرنسية- بمهمة في كل من انجلترا وفرنسا , مهمة حساسة كتب لها الفشل مسبقا وهي الحصول على قرض مالي .
وفي هذ الفترة تقريبا اخذ ( الفرد ) يبدي اهتماما بعلم الكيمياء حيث تمكن من تسجيل براءة اختراع لأول مرة في عام  1857م وشرع باجراء التجارب بالاشتراك مع والده على مادة النتروجلسرين , وكان النجاح حليفهما اوعلى وجه الدقة حليف الفرد نوبل ، الذي بذل جهوداً مضنية وطويلة لأثبات ان الاختراع يعود اليه وليس لوالده , لقد كانت القوة التدميرية للنتروجلليسرين معروفة قبل ذلك ولكن لم يتمكن احد من تحقيق استخدامها العملي .
 ان توصل الفرد نوبل الى اختراع كبسولة التفجير، التي يمكن بواسطتها احداث تفجير في حاوية مملؤة بالنتروجلسيرين السائل كان على جانب عظيم من الاهمية .وقرر الفرد اشراك شقيقه الاصغر اميل – وكان مايزال تلميذا في المدرسة الثانوية – في هذه التجارب وتمكن الشقيقان من انتاج عدد محدود من هذ الكبسولات في مختبر صغير قرب مدينة ستوكهولم .
كان ذلك في عام 1863م  , وكانت هذه التجارب محفوفة بالمخاطر العظيمة ولكنهما واصلا عملهما دون كلل.  وبعد عام واحد وفي ساعة مبكرة من الصباح عندما كان الفرد في رحلة عمل خارج ستوكهولم ووالده مايزال يتناول طعام الافطار ،حدث انفجار هائل في المختبر ادى في الحال الى وفاة أميل وأربعة أشخاص اخرين , ولكن الفرد كان واثقا من النجاح ولم تثبط هذه الكارثة عزيمته ولم يتخل عن مشاريع اقامة مصانع في وطنه السويد وفي المانيا .وكان بعيد النظر سواء خلال الفترة الحرجة او في السنوات اللاحقة , عندما أنشأ مصانع في بلدان اوربا واميركا ,حيث تخلى عن حقوق براءة الاختراع لقاء مشاركته في ارباح المصانع المقامة في داخل وخارج وطنه , كان الانفجار في ستوكهولم  بداية لسلسلة طويلة من الكوارث المفجعة ،  التي كانت كافية – على ما يعتقد – للأقلاع عن فكرة انتاج النتروجلسرين على نطاق صناعي قبل ان يبدأ مثل هذا الانتاج فعلا , ان خزن ونقل النتروجلسرين كان أخطر مما كان يتصوره الفرد نوبل نفسه , ففي عام 1866م  تناثرت في الهواء قرب سواحل بنما باخرة محملة بالنتروجليسرين وأدى الحادث الى مقتل (74) شخصا وبعد أقل من شهر واحد قتل (14) شخصا في انفجار مخزن في سان فرانسسكو ودمر انفجار هامبورغ المصنع الذي أقامه الفرد نوبل بعد مرور عام واحد فقط من الانتاج فيه . وحدثت انفجارات مماثلة في كل من نيويورك وسدني .
وعاد الفرد نوبل الى المختبر لإيجاد حل يضمن نقل وتداول وأستخدام النتروجليسرين بشكل اّمن . كان يبحث عن مادة صلبة على شكل مسحوق او الياف تمتص النتروجليسرين مما يزيل قابلية هذه المادة للأنفجار تلقائيا .واخيرا استقر رأيه على مادة تسمى (Kiese Lgur) ، التي تكون مع النتروجليسرين مادة أقل خطورة في التداول .  وأطلق نوبل على هذه المادة الجديدة أسم (ديناميت) وهي كلمة مشتقة من (ديناميك) اليونانية وتعني القوة . وعلى الفور تحولت مادة الديناميت الى اوسع المواد المتفجرة انتشارا في العالم , وأقام نوبل وشركاؤه المصانع في كل من النرويج , فنلندة , فرنسا , ايطاليا , النمسا , اسبانيا , الولايات المتحدة الامريكية , وبكلمة مختصرة في كل مكان يستخدم فيه المهندسون التفجير في حفر المناجم وشق الانفاق وكانت الارباح هائلة .  فعلى سبيل المثال لا الحصر دفعت شركة (بريتش ديناميت) الى المساهمين وبضنمهم الفريد نوبل أرباحا سنوية تتراوح ما بين 12% - 20% طوال (10) سنوات .
وارتفع انتاج الديناميت من 11 طن عام 1867م  الى 3120 طن عام 1874م . و كان تسجيل واستصدار شهادات براءات الاختراع وأبرام  عقود المصانع الجديدة يستنزف الكثير من وقت الفريد نوبل , ولكنه كان مهتما اكثر من اي شئ آخر بتجاربه المختبرية , كان رجل الافكار الجديدة ويبدو سعيدا حينما ينهمك في اجراء التجارب فقط ولا يغادر المختبر الا في وقت متاخر من الليل , وكان يقول "اذا طرأت في ذهني الف فكرة خلال عام واحد ، وتبين ان فكرة واحدة فقط من هذه الافكار ذات قيمة أكون راضيا ".
ولكن الواقع يثبت ان نتائج أعماله كنت مثمرة اكثر من ذلك بكثير ، حيث بلغ عدد الاختراعات التي توصل اليها خلال حياته (355) اختراعاً .
وبعد فترة قصيرة توصل الى مادة متفجرة أقوى سماها (الجيلاتين المتفجر) . وفي الثمانينات حصل على براءة اختراع مسحوق بدون دخان وتهافتت الجيوش الاوربية لشراء هذه المادة الجديدة , ان اهتماماته العلمية كانت اوسع من نطاق المواد المتفجرة .كان يقوم بتجارب كثيرة لأيجاد بدئل صناعية للحرير والجلد والمطاط وتجارب في مجالات اخرى .
نوبل المواطن العالمي
كان نوبل بطبعه وبحكم الضرورة مواطنا عالميا , ويتقن ست لغات اوربية اساسية , كان يحس كأنه في وطنه وبيته في معظم العواصم الاوربية , ففي بداية حياته العملية كان يقطن في هامبورغ ، ثم عاش فترة طويلة في فيلا انيقة في باريس. وفي اواخر حياته اقتنى فيلا كبيرة في أيطاليا وسكن فيها , كان دائم التنقل بين مدن اوربا في رحلات تتعلق بعمله ، وكذلك للمعالجة في المصحات .وأمضى الصيف الاخير من حياته في بيته في فيركبورن بالسويد , وقد أطلق عليه الكاتب الفرنسي فيكتور هوجو اسم (المليونير المتشرد) . وحين تقدم به العمر ، كان نوبل يشكو من الثمن الغالي الذي أضطر لدفعه ثمنا لحياته في التنقل الدائم , قال ذات مرة " انا أجدف بلا مقود أو بوصلة ، بقايا سفينة محطمة في عرض البحر".
 وفي رسالة الى خطيبته كتب نوبل يقول : " لم أكوّن أسرة . هذا المرفأ الحياتي الذي لا يقدر بثمن وليس لي اصدقاء يمكن ان احبهم ، ولا اعداء يمكن ان أكرههم " , كان نوبل يهوى سباق الخيل ، ولكنه كان جد معتدل في مراهاناته ، لم يكن يطيق التدخين والكحول ولعب القمار وكان أشبه بالناسك في عاداته .
كان يحاول دائما ان يستقبل ضيوفه بسخاء منقطع النظير .قال احد معارفه عن الولائم التي كانت تقام في بيت نوبل " أنها مأدب كبيرة تتيح لك أوسع الفرص لأختيار الاطباق وأنواع الخمور , كان أبو الديناميت لا يطيق الضوضاء , لذا فأن عجلات عربته كانت مغطاة بالمطاط كي لا تحدث أي قرقعة ."
نوبل العصامي كان يعتمد على نفسه في كل شي ، وينشد الاستقلال في آارائه ووجهات نظره , التي كانت تختلف عما هو تقليدي او سائد , كان ينظر نظرة شك وريبة الى كافة انواع الحكومات في اوربا وامريكا ، وحين تقرأ مؤلفاته العديدة يبدو لك انساناً يحاول ان يخفي اوهامه ، متوقعا ما هو أسوأ ويأمل - برغم لك – في مستقبل افضل , أما الموضوع الذي كان يشغل باله طوال حياته فهو بحثه المتواصل عن الحب ولكن دون جدوى . وبوسع عالم النفس ان يفترض ان أمه قد حجبت عنه النسوة الأخريات , كان الفريد وأمه أندرييتا متعلقين ببعضهما , وليس أدل على ذلك ان نوبل كان يحرص أشد الحرص ان يحضر الى السويد سنويا في يوم ميلاد أمه , وحين توفيت  كان عمره (56) سنة .وحسب قول نوبل : " كانت تحبني على نحو يعجز عنه الناس هذه الايام ، حيث ان الحياة الصاخبة تعمى كل الاحاسيس " ويتسم موقف نوبل تجاه المرأة بشئ من التناقض فقد كان مسحورا ومبهورا بالنساء ، وفي الوقت ذاته ينفر منهن .وهو الذي كتب عن المرأة يقول : " الجنس اللطيف ولكن المفزع ", وبرغم خجله المعهود فقد كان دائما مهتما بالنساء .
ملك الموت
أتيحت لألفريد فرصة نادرة ليقرأ نبأ وفاته وهو حي يرزق . حدث ذلك عندما توفى شقيقه لودفيك ، الذي جمع ثروة كبيرة من أستخراج النفط من الحقول الغنية قرب مدينة باكو الأذربيجانية, وقد التبس الامر على الصحفي الفرنسي الذي كتب مرثية للفقيد ، وظن ان المتوفي هو الفريد نوبل وأطلق عليه الصحفي أسم " ملك الموت ". ويعتقد البعض ان هذا التنبؤ المشؤوم قد عزز الى حد كبير ميل الفريد نوبل نحو مناهضة الحروب عن طريق النضال السلمي ، فقد أخذ يبدي أهتماما كبيرا بقضايا السلام  العالمي , وعلى مدى سنوات طويلة دافع نوبل عن اختراعاته امام نفسه وامام المجتمع .
لقد كان طوال حياته مناهضا للحرب ووصفها بانها " أكبر وأفظع جريمة " ولكنه في الوقت نفسه كان يؤكد ان الضحايا الانسانية حتمية عند أستخدام اي نوع من المتفجرات حتى لو كان ذلك من أجل هدف نبيل .
ولقد أيد اسهام (بيرتا فون زوتنر) في حركة السلام الاوربية برغم انه كتب اليها يقول " ان مصانعي تقرب نهاية المعارك على نحو أسرع من مؤتمراتكم , ومن  المحتمل جدا انه في اليوم الذي تظهر فيه امكانية لدى جيشين متقاتلين في افناء كل منهما الاّخر خلال ثوان معدودة ، فأن كل الامم المتحضرة تدير ظهرها للحرب ."
في العام 1891 غادر نوبل فرنسا الى ايطاليا بسبب سخط الفرنسين العارم واحتجاجهم ضد قيامه ببيع المسحوق عديم الدخان الى البلدان الاخرى , وفي أيطاليا ، واصل تجاربه على الالياف الصناعية والمواد المتفجرة في فيلته الواقعة قرب ساحل البحر في سان ريمو ، رغم أصابته بمرض القلب , وفي عدد من رسائله الموجهة الى معارفه تنبأ نوبل بموته ورسم صورة قاتمة للحظة وفاته : ( بين خدم غرباء حين لا يكون في جواره انسان قريب وحميم ) وفي أكتوبر 1896 أصيب بنزيف في الدماغ وخلال ثلاثة ايام لم يكن يستطيع الكلام الا بصعوبة شديدة وباللغة السويدية التي لم يكن احد من خدمه يفهمها , وفي العاشر من كانون الاول من العام 1896 وجده احد الخدم وقد فارق الحياة .
 وصية الفريد نوبل
ربما كانت وصية الفرد نوبل اشهر وصية في التاريخ فهي وصية فريدة ، ويمكن اعتبارها أهم اختراع توصل اليه حيث لم يسبق لأحد ان كرس امواله الطائلة لغرض نبيل ، هو تطوير العلم العالمي وتوطيد السلام وتكريم الادباء .
في العام 1895 أي قبل وفاته بعام واحد قام الفرد نوبل ودون الاستعانة بالمحامين بكتابة وصيته .
كان يعتقد ان الثروة الموروثة تؤدي الى زيادة العاطلين والكسالى ولهذا لم يخصص في وصيته سوى جزء صغير من ثروته ، لأقاربه وللمقربين منه ، أما بقية المبلغ فقد اوصى بإيداعه في البنك وتخصيص أرباحه  السنوية كجوائز تمنح كل عام لاولئك الاشخاص الذين قدموا خلال العام المنصرم أافضل الخدمات للإنسانية  . وتوزع جوائز نوبل – حسب الوصية – على خمسة حقول هي ( الفيزياء ، الكيمياء ، الطب أو الفسلجة ، ،\الآداب ، السلام ) . وفي عام 1968 الجهات المانحة للجوائز تخصيص جائزة سادسة في حقل الإقتصاد بناء على إقتراح بنك السويد لمناسبة مرور (300) سنة على تأسيسه .
ان طريقة اختيار المرشحين ومنح الجوائز تختلف قليلا عما جاء في وصية نوبل , حيث تمنح الجوائز ليس للأعمال المنجزة خلال العام المنصرم ، بل تلك المنجزة في الاعوام السابقة , اذا ظهرت اهميتها فيما بعد.  وهذا امر مريح للجهات المانحة والمجتمع الدولي , حيث تتيح هذه الطريقة حرية أوسع في أختيار الابحاث والانجازات الاكثر أهمية خلال فترة زمنية مفتوحة .
نشرت الوصية لأول مرة في أوائل كانون الثاني العام 1897 وأثارت ردود فعل متباينة في السويد والدول الاوربية الاخرى، سرعان ما تحولت الى ضجة حقيقية ، فقد  أتهمه القوميون السويديون بأنه قد خذل ابناء جلدته ، في حين أكد نوبل في وصيته بان تمنح الجوائز لأكثر الناس جدارة واستحقاقاً بصرف النظر عن الجنس والقومية والدين والحدود الجغرافية .
 استمرت الضجة التي أثارتها هذه الوصية , طوال فترة المحاكمات الطويلة بصددها ،والتي شهدت مشادات حادة بين الاطراف المتنازعة ( الجهات المانحة للجوائز وأقارب نوبل) حيث زعم البعض ان الوصية غامضة وغير قانونية  , في حين زعم البعض الاخر بأنه لا يحق لنوبل ان يتصرف بثروته على هذا النحو , ولم تهدأ الضجة التي أثارتها الوصية الا بعد حوالي أربع سنوات .وبحلول عام 1900 كانت كافة الاجراءات التحضيرية لعملية اختبار الفائزين الاوائل قد أستكملت , وقد تحددت اسماؤهم  بعد ذلك بعام واحد.
كان نوبل مالكا للعديد من الشركات ومساهماً في شركات صناعية اخرى ، وذاع صيته في الاوساط العلمية وبين رجال الاعمال والمال والسياسة في اوربا , ولكن شهرته العالمية الحقيقية جاءت مع اختراعه الاهم وهو وصيته , ولكن هذه الوصية لم تكن تنفذ لولا جهود راغنر سولمان - معاونه وسكرتيره وأحد أثنين أوكل اليهما نوبل تنفيذ وصيته .وعلى أية حال فقد حسمت المحاكم امر الوصية وتحقق حلم نوبل بأنشاء  صندوق لتمويل الجوائز المسماة بأسمه . وتولى سولمان رئاسة الصندوق اعتبارا من 1901 .
 وصندوق التمويل هذا ، منظمة غير حكومية ومستقلة ، تتلخص مهمتها الاساسية في تمويل الجوائز وضمان حقوق الجهات المانحة لها ، واخيرا اعداد اجراءات واحتفالات تسليم الجوائز للفائزين .
ان الجوائز تعكس ميول نوبل نفسه : العلوم التطبيقية , الادب , السلم  , كما تعكس نزعته الكوسموبوليتية , ان السمعة الممتازة لهذه الجوائز ربما تفسر بان الجوائز تعبر أصدق تعبير عن افكار نوبل النبيلة واهدافه واحلامه في الوصول الى "مجنمع عالمي يسوده الانسجام الذي لم يخلق بعد ، ولكنه سوف يتحقق حتما , كما يقول المؤرخ المعروف دونالد فلمنغ.
عملية الترشيح والاختيار لجوائز نوبل
 تبدأ عملية الترشيح للجوائز في خريف كل عام . حيث تقوم لجان  نوبل المتخصصة بتوجيه رسائل الى مئات العلماء والى الحائزين على جوائز نوبل في السنوات السابقة ، والى المراكز العلمية المتخصصة في شتى انحاء العالم تطلب منهم ترشيح الاسماء لجوائز العام المقبل , وتوجد (6) لجان لجوائز نوبل ثلاث منها في حقول الفيزياء والكيمياء والاقتصاد لدى الاكاديمية الملكية السويدية للعلوم ولجنة واحدة للطب والفسلجة لدى معهد كارولينا وأخرى للأدب في الاكاديمية السويدية ، وثالثة للسلام في البرلمان النرويجي , تتكون كل لجنة من (5) أشخاص تعينهم الجهة المختصة , ولكن من حق اللجان الاستعانة بخبراء مستقلين من ذوي الكفاءة العالية في مجالات تخصصاتهم .
 وفي شهر شباط تباشر لجان نوبل  بدراسة وتحليل الترشيحات الواردة أليها . و تعقد لهذا الغرض جلسات عديدة و مطولة ، و لكن يمنع منعا باتا ًتسجيل محاضرها . و تعد اللجان تقارير مسهبة عن أبرز المرشحين و ترفع توصياتها الى المراجع المعنية للبت فى الأختيار النهائى .
و تعلن أسماء الفائزين فى يوم ميلاد الفرد نوبل ، المصادف للحادى و العشرين من شهر تشرين الأول / أكتوبر ، و لا تعلن أسماء المرشحين الذين لم يقع عليهم الأختيار . و تتسم أعمال اللجان فى مراحلها الأساسية بالسرية التامة ، و يتم تقليد الجوائز للفائزين فى يوم و فاة نوبل ، المصادف للعاشر من شهر كانون الأول / ديسمبر. و يجرى تسليم جائزة السلام فى العاصمة النرويجية أوسلو بحضور ملك النرويج أو من ينوب عنه من أفراد العائلة المالكة .
أما بقية الجوائز ، فأنها تسلم الى الفائزين بها من قبل ملك السويد فى قاعة الحفلات للفيلارمونيا السويدية فى أجواء أحتفالية مهيبة .
الأنتقادات الموجهة الى لجان جوائز نوبل
تعرضت لجان جوائز نوبل – منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا – الى انتقادات لاذعة ، واسعة النطاق . و فى مقدمة الأنتقادات الموجهة الى هذه اللجان ، أنها تمنح الجوائز لشخصيات أدبية و علمية بارزة ، خلفوا أنجازاتهم الرئيسية ورائهم . و كما قال " برنارد شو " الحائز على جائزة الآداب لعام 1925 م ، ان الجائزة بمثابة طوق النجاة يرمى للسابح المهدد بالغرق بعد صوله الى الشاطىء بسلام ، فى حين أن نوبل ذكر فى وصيته بوضوح ، ان الهدف من منح الجوائز هو مد يد العون الى صفوة الموهوبين الواعدين .
 
 
 
                                           


36
أشهر وصية في التاريخ أَوقصة جوائز نوبل
                                                   
جـودت هوشيار
             
الفرد نوبل – عبقرية علمية فذة ، يرتبط اسمه في المقام الأول باختراع الديناميت ومتفجرات اخرى  فتاكة ,وان كان له عدد كبير من الإختراعات المهمة الأخرى ، التي لا علاقة لها بالأنتاج الحربي ، ولكن اسم نوبل يقترن ايضا في اذهان المعاصرين وعلى نحو راسخ بجوائز نوبل العالمية ذات المكانة الرفيعة ،  والتي تأسست بناءاً على وصيته الشهيرة . ولا يعرف سوى عدد ضئيل من الناس كيف طرأت فكرة هذه الجوائز في ذهن نوبل , ذلك لأن حياته ظلت الى عهد قريب تكتنفها الاسرار ويلفها  الغموض . ورغم ان اختراعاته المثيرة قد جلبت له مجداً عريضاً وثروةً طائلةً , فقد كشفت الدراسات التي أجريت مؤخرا , انه ظل الى اخر يوم في حياته يعاني من الوحدة والعزلة , وسنحاول في الفقرات اللاحقة القاء الضوء على حياته المليئة بالانجازات العلمية الباهرة من جهة والحزن والاحباط واليأس من جهة اخرى ، أضافة الى تصحيح بعض الآراء الخاطئة الشائعة عن أسباب قيامه بتخصيص ثروته الطائلة في سبيل التقدم العلمي والثقافي وتوطيد السلام في العالم ، هذه الاراء ، التي لا تمت الى الحقيقة بصلة , من قبيل الرأي السطحي القائل ان نوبل قد شعر بالندم للنتائج المرعبة التي ترتبت على اختراعاته العلمية ، فقرر التكفير عن (ذنوبه) بتأسيس الجوائز المعروفة بأسمه , ان الحقيقة أعمق من ذلك  بكثير , فقد أقدم الفرد نوبل على هذه الخطوة بعد معاناة طويلة على امتداد سنوات عديدة وجاءت كمحصلة طبيعية لفلسفته ونظرته الى الحياة واِلى مستقبل الجنس البشري .
المليونير الحزين
في ربيع العام 1876م نشرت احدى صحف فينا اعلاناً مثيراً بمقاييس ذلك العصر : "رجل كهل ، مثقف وثري  يقيم في باريس ويتقن عدة لغات اوربية , يبحث عن إِمراة في منتصف العمر للعمل بصفة سكرتيرة ومديرة منزل , وقد أستجابت لهذا الاعلان سيدة نمساوية أرستقراطية جذابة تبلغ من العمر (33) عاما ¸هي " بيرتا كينسكي" ، التي كانت في ذلك الوقت مضطرة للعمل كمديرة منزل لكسب قوتها .
 ربما أحست برتا بين السطور مدى الوحدة التي يعاني منها هذا السيد الكهل , وتبين ان الشخص الذي نشر الاعلان كان صادقا تماما , فقد كان ثريا ومثقفا فعلاً ، ويتقن عدة لغات اوربية , وإِن كان من الصعب وصف رجل في الثالثة والاربعين من عمره بالكهل . وحين التقيا في باريس ادركت بيرتا انه يبحث عن ما هو أكثر من مجرد سكرتيرة ، ربما عن زوجة , ومما يؤسف له ان بيرتا كانت تحب رجلاً آخر , وقالت ذلك لنوبل بصراحة , عندما سألها ان كان قلبها خاليا . وبعد اسبوع واحد من مباشرتها العمل عادت الى فينا ولكنها لم تسنطع ابدًا ان تنسى الباريسي الكئيب ، الذي كان من المحتمل أن تقترن به , لو شاءت ذلك وظلت صورة نوبل عالقة بذهنها : رجل لبق ومتواضع الى حد يكاد ان يكون تدميراً للذات , متقلب المزاج بشكل حاد وفجائي – من الانبهار الشديد الى الحزن العميق او اليأس .
لم يكن نوبل يشبه الاخرين من معارفها ،  وظلا صديقين طوال حياته وحتى لحظة وفاته , التي واجهها - بعد عشرين عاما من لقائهما فى باريس -  وحيدا في فيلته بايطاليا , كانت الفيلا فى البداية  تسمى " العش " و هى كلمة  توحي بوجود زوجين , وحينئذ اطلق على الفيلا أسم " نوبل" .  وعلى هذا النحو لم يتزوج ابدا , وأصبحت بيرتا التي لقبت فيما بعد بــ "البارونة فون زوتنر" كاتبة معروفة وداعية ناشطة في حركة السلام الاوربية , وربما كان ذلك  احد الاسباب التي دفعت نوبل الى تخصيص جائزة للسلام ، علاوة على الجوائز المكرسة للأنجازات العلمية والادبية , والتي تمنح سنويا تنفيذا لوصيته.
 في العام 1905م منحت جائزة السلام الى بيرتا ، التي وصفت نوبل بأنه : ( رجل قصير القامة , له لحية سوداء ناعمة وملامح  وجه دقيقة , وعيناه الزرقاوان تلمعان بحيوية تحت حاجبين كثيفتين عندما كان في عنفوان شبابه , وبمضي الزمن اصبح تعبير وجهه ذاهلا ، ويكاد يكون حالما .  لم يكن يحب قط ، الوقوف أمام عدسات المصورين , ويتجنب لقاء الصحفيين ويبتعد عن الاضواء  ويحافظ دوما على مسافة بينه  وبين شركائه ومرؤوسيه , وبفضل أختراعاته الخطيرة , إِستطاع ان يجمع ثروة طائلة , كانت  تعتبر من أكبر الثروات خلال القرن التاسع عشر , هذه الثروة أصبحت أساس الجوائز الشهيرة التي أسسها . كان نوبل انسانا مجاملا ومرهف الحس ، ومحل أعجاب كل من عرفه تقريبا . وكانت امه شديدة التعلق به . ولكن شيئا ما في قرارة نفسه كان يجعل حياته  مليئة بالمرارة والاسى ، ويبعث على عدم الرضا عن نفسه , حيث لم يعرف الهدوء في حياته قط ، وليس أدل على ذلك من السيرة الذاتية المقتضبة التي كتبها نوبل :
-         الفرد نوبل : كان على الطبيب الذي أشرف على ولادته ان ينهي وجوده رحمةً به .
-         فضائله الرئيسية : عدم تكوين أسرة , رداءة هضم الطعام .
-         امنيته الوحيدة : ان لا يدفن حيا .
-         الحوادث المهمة في حياته : لا توجد .
لم تكن حياة الفرد نوبل تافهة  على الاطلاق , كما تبدو من هذه السطور الطافحة بالتهكم واليأس ،  بل انها كانت في الواقع محاطة بالدفء والحنان من قبل الاقارب وحافلةً بالانجازات العلمية ، التي أتاحت له جمع ثروة ضخمة ونيل شهرة مدوية . ولكن من طبع اي عبقري ان لا يرضى عن نفسه ابدا , اما الانسان النرجسي فعلى العكس من ذلك يتبجح بفضائله الموهومة ويكيل المديح لنفسه ان لم يجد احدا يفعل ذلك نيابة عنه .
عائلة نوبل
في العام 1827م  اقترن عمانوئيل نوبل (1801 – 1872م ) بكارولين اندرييتا السيل (1803-1889م) وانجبا اربعة اولاد : روبرت ( 1829م) لودفيك ( 1831م ) والفرد (21-10- 1831م واخيرا اميل (1842م ) .
 كان عمانوئيل نوبل مخترعاً موهوباً ورجلاً طموحاً ومغامراً ، وحياته مليئة بالانجازات العلمية والاختراعات المدوية والكوارث , اما كارولين اندرييتا السيل , فقد كانت امرأة قوية العزيمة ومرفأ العائلة في الاوقات العصيبة والشدائد .
وحين أفلس عمانوئيل في السويد , قررت هذه السيدة المكافحة فتح حانوت صغير لبيع المواد الغذائية مما ساعد على توفير الحد الادنى من متطلبات الحياة للعائلة , وأراد عمانوئيل نوبل ان يجرب حظه في بلد اخر , فسافر الى فنلندا في العام  1837م ولكنه لم يلق النجاح،  فشد الرحال في العام 1842م الى بطرسبورغ عاصمة روسيا القيصرية, حيث نجح في أقامة وتشغيل مصنع لأنتاج المكائن البخارية وانواع اخرى من المعدات .وكان اهم نجاح حققه في روسيا هو توقيع عقد مع وزارة الدفاع الروسية لتجهيز الجيش الروسي بانواع الاسلحة والأعتدة ، ولكن القدر تدخل هذ المرة ايضا , فقد انتهت حرب القرم (1853-1856م ) بين روسيا  والدولة العثمانية بانتصار روسيا ، وبذلك أنتفت الحاجة الى السلاح الذي كان يورده عمانوئيل نوبل , وقامت وزارة الدفاع القيصيرية بالغاء العقد الموقع  معه , وأضطر عمانوئيل للعودة الى السويد .وهنا في ستوكهولم انهمك بحماس شديد في اجراء التجارب ودراسة امكانية الاستخدام الستراتيجي للنتورجلسيرين وكانت هذ المادة قد أكتشفت  قبل ذلك ب (14) عاما , ولكن لم يتم الاستخدام العملي لها .
نشأ الفرد نوبل طفلا عليلا يعاني من آلاّم في العمود الفقري وامراض اخرى ، ولك ذلك لم يمنعه من أظهار موهبة فائقة في سن مبكرة لتعلم اللغات الاجنبية .وقد تلقى تعليما ممتازاً على ايدي أساتذة متخصصين في بطرسبورغ ثم واصل دراسته لمدة سنتين (1850-1852م ) في كل من فرنسا وايطاليا . وقام بجولة في عدة دول اوربية منها المانيا , كما زار الولايات المتحدة الأميركية , وأكتسب خبرة عملية واسعة . وعلى الرغم من اعتلال صحته فقد كان دؤوباً  محباً للعمل ، وكان والده عمانوئيل  نوبل يسميه (الفرد اللبيب الدؤوب ). ومع مضي الزمن أصبح  يقدر العمل  أكثر فأكثر ، حيث كان يقول :" إن العمل يجعل كل شيئ رائعا " . كان يكره الدعة والخمول والكسل ويدرك على نحوعميق بأن كل ما ينجزه الانسان هو بفضل العمل الواعي الموجة نحو تحقيق غاية معينة وهدف محدد لذلك كان يخطط لكل خطوة يخطوها ويعرف ما يريد بالضبط .
الشاب اليافع أدرك ان الحياة ليست عملاً فقط  ،وأحس بذلك بقوة في باريس على وجه الخصوص.  وعرف (الفرد) سعادة الحب في هذه المدينة ، ولم يدم حبه طويلا . الذكرى الوحيدة عن هذا الحب هي قصيدة قصيرة ، فقد كان نوبل في مقتبل حياته يكتب الروايات والمسرحيات ويجرب الشعر , ومن المحتمل انه كان سينعم بمباهج ومرارة الحياة الزوجية ، ولكن حبيبته ماتت فجأة وتركت لوعة في نفس الفرد ، فقرر العدول نهائيا عن فكرة الزواج والعزوف عن مباهج الدنيا ليكرس حياته للأهداف النبيلة .
انجازات وكوارث
 في خمسينات القرن التاسع عشر تدرب وعمل (الفرد ) في مصنع والده في سان بطرسبورغ مع اخويه لودفيك وروبرت , لقد ظل الشبان الثلاثة في روسيا لبعض الوقت حتى بعد عودة والدهم الى السويد. ولقد كُلّف الفرد – بسبب معرفته اللغتين الانجليزية والفرنسية- بمهمة في كل من انجلترا وفرنسا , مهمة حساسة كتب لها الفشل مسبقا وهي الحصول على قرض مالي .
وفي هذ الفترة تقريبا اخذ ( الفرد ) يبدي اهتماما بعلم الكيمياء حيث تمكن من تسجيل براءة اختراع لأول مرة في عام  1857م وشرع باجراء التجارب بالاشتراك مع والده على مادة النتروجلسرين , وكان النجاح حليفهما اوعلى وجه الدقة حليف الفرد نوبل ، الذي بذل جهوداً مضنية وطويلة لأثبات ان الاختراع يعود اليه وليس لوالده , لقد كانت القوة التدميرية للنتروجلليسرين معروفة قبل ذلك ولكن لم يتمكن احد من تحقيق استخدامها العملي .
 ان توصل الفرد نوبل الى اختراع كبسولة التفجير، التي يمكن بواسطتها احداث تفجير في حاوية مملؤة بالنتروجلسيرين السائل كان على جانب عظيم من الاهمية .وقرر الفرد اشراك شقيقه الاصغر اميل – وكان مايزال تلميذا في المدرسة الثانوية – في هذه التجارب وتمكن الشقيقان من انتاج عدد محدود من هذ الكبسولات في مختبر صغير قرب مدينة ستوكهولم .
كان ذلك في عام 1863م  , وكانت هذه التجارب محفوفة بالمخاطر العظيمة ولكنهما واصلا عملهما دون كلل.  وبعد عام واحد وفي ساعة مبكرة من الصباح عندما كان الفرد في رحلة عمل خارج ستوكهولم ووالده مايزال يتناول طعام الافطار ،حدث انفجار هائل في المختبر ادى في الحال الى وفاة أميل وأربعة أشخاص اخرين , ولكن الفرد كان واثقا من النجاح ولم تثبط هذه الكارثة عزيمته ولم يتخل عن مشاريع اقامة مصانع في وطنه السويد وفي المانيا .وكان بعيد النظر سواء خلال الفترة الحرجة او في السنوات اللاحقة , عندما أنشأ مصانع في بلدان اوربا واميركا ,حيث تخلى عن حقوق براءة الاختراع لقاء مشاركته في ارباح المصانع المقامة في داخل وخارج وطنه , كان الانفجار في ستوكهولم  بداية لسلسلة طويلة من الكوارث المفجعة ،  التي كانت كافية – على ما يعتقد – للأقلاع عن فكرة انتاج النتروجلسرين على نطاق صناعي قبل ان يبدأ مثل هذا الانتاج فعلا , ان خزن ونقل النتروجلسرين كان أخطر مما كان يتصوره الفرد نوبل نفسه , ففي عام 1866م  تناثرت في الهواء قرب سواحل بنما باخرة محملة بالنتروجليسرين وأدى الحادث الى مقتل (74) شخصا وبعد أقل من شهر واحد قتل (14) شخصا في انفجار مخزن في سان فرانسسكو ودمر انفجار هامبورغ المصنع الذي أقامه الفرد نوبل بعد مرور عام واحد فقط من الانتاج فيه . وحدثت انفجارات مماثلة في كل من نيويورك وسدني .
وعاد الفرد نوبل الى المختبر لإيجاد حل يضمن نقل وتداول وأستخدام النتروجليسرين بشكل اّمن . كان يبحث عن مادة صلبة على شكل مسحوق او الياف تمتص النتروجليسرين مما يزيل قابلية هذه المادة للأنفجار تلقائيا .واخيرا استقر رأيه على مادة تسمى (Kiese Lgur) ، التي تكون مع النتروجليسرين مادة أقل خطورة في التداول .  وأطلق نوبل على هذه المادة الجديدة أسم (ديناميت) وهي كلمة مشتقة من (ديناميك) اليونانية وتعني القوة . وعلى الفور تحولت مادة الديناميت الى اوسع المواد المتفجرة انتشارا في العالم , وأقام نوبل وشركاؤه المصانع في كل من النرويج , فنلندة , فرنسا , ايطاليا , النمسا , اسبانيا , الولايات المتحدة الامريكية , وبكلمة مختصرة في كل مكان يستخدم فيه المهندسون التفجير في حفر المناجم وشق الانفاق وكانت الارباح هائلة .  فعلى سبيل المثال لا الحصر دفعت شركة (بريتش ديناميت) الى المساهمين وبضنمهم الفريد نوبل أرباحا سنوية تتراوح ما بين 12% - 20% طوال (10) سنوات .
وارتفع انتاج الديناميت من 11 طن عام 1867م  الى 3120 طن عام 1874م . و كان تسجيل واستصدار شهادات براءات الاختراع وأبرام  عقود المصانع الجديدة يستنزف الكثير من وقت الفريد نوبل , ولكنه كان مهتما اكثر من اي شئ آخر بتجاربه المختبرية , كان رجل الافكار الجديدة ويبدو سعيدا حينما ينهمك في اجراء التجارب فقط ولا يغادر المختبر الا في وقت متاخر من الليل , وكان يقول "اذا طرأت في ذهني الف فكرة خلال عام واحد ، وتبين ان فكرة واحدة فقط من هذه الافكار ذات قيمة أكون راضيا ".
ولكن الواقع يثبت ان نتائج أعماله كنت مثمرة اكثر من ذلك بكثير ، حيث بلغ عدد الاختراعات التي توصل اليها خلال حياته (355) اختراعاً .
وبعد فترة قصيرة توصل الى مادة متفجرة أقوى سماها (الجيلاتين المتفجر) . وفي الثمانينات حصل على براءة اختراع مسحوق بدون دخان وتهافتت الجيوش الاوربية لشراء هذه المادة الجديدة , ان اهتماماته العلمية كانت اوسع من نطاق المواد المتفجرة .كان يقوم بتجارب كثيرة لأيجاد بدئل صناعية للحرير والجلد والمطاط وتجارب في مجالات اخرى .
نوبل المواطن العالمي
كان نوبل بطبعه وبحكم الضرورة مواطنا عالميا , ويتقن ست لغات اوربية اساسية , كان يحس كأنه في وطنه وبيته في معظم العواصم الاوربية , ففي بداية حياته العملية كان يقطن في هامبورغ ، ثم عاش فترة طويلة في فيلا انيقة في باريس. وفي اواخر حياته اقتنى فيلا كبيرة في أيطاليا وسكن فيها , كان دائم التنقل بين مدن اوربا في رحلات تتعلق بعمله ، وكذلك للمعالجة في المصحات .وأمضى الصيف الاخير من حياته في بيته في فيركبورن بالسويد , وقد أطلق عليه الكاتب الفرنسي فيكتور هوجو اسم (المليونير المتشرد) . وحين تقدم به العمر ، كان نوبل يشكو من الثمن الغالي الذي أضطر لدفعه ثمنا لحياته في التنقل الدائم , قال ذات مرة " انا أجدف بلا مقود أو بوصلة ، بقايا سفينة محطمة في عرض البحر".
 وفي رسالة الى خطيبته كتب نوبل يقول : " لم أكوّن أسرة . هذا المرفأ الحياتي الذي لا يقدر بثمن وليس لي اصدقاء يمكن ان احبهم ، ولا اعداء يمكن ان أكرههم " , كان نوبل يهوى سباق الخيل ، ولكنه كان جد معتدل في مراهاناته ، لم يكن يطيق التدخين والكحول ولعب القمار وكان أشبه بالناسك في عاداته .
كان يحاول دائما ان يستقبل ضيوفه بسخاء منقطع النظير .قال احد معارفه عن الولائم التي كانت تقام في بيت نوبل " أنها مأدب كبيرة تتيح لك أوسع الفرص لأختيار الاطباق وأنواع الخمور , كان أبو الديناميت لا يطيق الضوضاء , لذا فأن عجلات عربته كانت مغطاة بالمطاط كي لا تحدث أي قرقعة ."
نوبل العصامي كان يعتمد على نفسه في كل شي ، وينشد الاستقلال في آارائه ووجهات نظره , التي كانت تختلف عما هو تقليدي او سائد , كان ينظر نظرة شك وريبة الى كافة انواع الحكومات في اوربا وامريكا ، وحين تقرأ مؤلفاته العديدة يبدو لك انساناً يحاول ان يخفي اوهامه ، متوقعا ما هو أسوأ ويأمل - برغم لك – في مستقبل افضل , أما الموضوع الذي كان يشغل باله طوال حياته فهو بحثه المتواصل عن الحب ولكن دون جدوى . وبوسع عالم النفس ان يفترض ان أمه قد حجبت عنه النسوة الأخريات , كان الفريد وأمه أندرييتا متعلقين ببعضهما , وليس أدل على ذلك ان نوبل كان يحرص أشد الحرص ان يحضر الى السويد سنويا في يوم ميلاد أمه , وحين توفيت  كان عمره (56) سنة .وحسب قول نوبل : " كانت تحبني على نحو يعجز عنه الناس هذه الايام ، حيث ان الحياة الصاخبة تعمى كل الاحاسيس " ويتسم موقف نوبل تجاه المرأة بشئ من التناقض فقد كان مسحورا ومبهورا بالنساء ، وفي الوقت ذاته ينفر منهن .وهو الذي كتب عن المرأة يقول : " الجنس اللطيف ولكن المفزع ", وبرغم خجله المعهود فقد كان دائما مهتما بالنساء .
ملك الموت
أتيحت لألفريد فرصة نادرة ليقرأ نبأ وفاته وهو حي يرزق . حدث ذلك عندما توفى شقيقه لودفيك ، الذي جمع ثروة كبيرة من أستخراج النفط من الحقول الغنية قرب مدينة باكو الأذربيجانية, وقد التبس الامر على الصحفي الفرنسي الذي كتب مرثية للفقيد ، وظن ان المتوفي هو الفريد نوبل وأطلق عليه الصحفي أسم " ملك الموت ". ويعتقد البعض ان هذا التنبؤ المشؤوم قد عزز الى حد كبير ميل الفريد نوبل نحو مناهضة الحروب عن طريق النضال السلمي ، فقد أخذ يبدي أهتماما كبيرا بقضايا السلام  العالمي , وعلى مدى سنوات طويلة دافع نوبل عن اختراعاته امام نفسه وامام المجتمع .
لقد كان طوال حياته مناهضا للحرب ووصفها بانها " أكبر وأفظع جريمة " ولكنه في الوقت نفسه كان يؤكد ان الضحايا الانسانية حتمية عند أستخدام اي نوع من المتفجرات حتى لو كان ذلك من أجل هدف نبيل .
ولقد أيد اسهام (بيرتا فون زوتنر) في حركة السلام الاوربية برغم انه كتب اليها يقول " ان مصانعي تقرب نهاية المعارك على نحو أسرع من مؤتمراتكم , ومن  المحتمل جدا انه في اليوم الذي تظهر فيه امكانية لدى جيشين متقاتلين في افناء كل منهما الاّخر خلال ثوان معدودة ، فأن كل الامم المتحضرة تدير ظهرها للحرب ."
في العام 1891 غادر نوبل فرنسا الى ايطاليا بسبب سخط الفرنسين العارم واحتجاجهم ضد قيامه ببيع المسحوق عديم الدخان الى البلدان الاخرى , وفي أيطاليا ، واصل تجاربه على الالياف الصناعية والمواد المتفجرة في فيلته الواقعة قرب ساحل البحر في سان ريمو ، رغم أصابته بمرض القلب , وفي عدد من رسائله الموجهة الى معارفه تنبأ نوبل بموته ورسم صورة قاتمة للحظة وفاته : ( بين خدم غرباء حين لا يكون في جواره انسان قريب وحميم ) وفي أكتوبر 1896 أصيب بنزيف في الدماغ وخلال ثلاثة ايام لم يكن يستطيع الكلام الا بصعوبة شديدة وباللغة السويدية التي لم يكن احد من خدمه يفهمها , وفي العاشر من كانون الاول من العام 1896 وجده احد الخدم وقد فارق الحياة .
 وصية الفريد نوبل
ربما كانت وصية الفرد نوبل اشهر وصية في التاريخ فهي وصية فريدة ، ويمكن اعتبارها أهم اختراع توصل اليه حيث لم يسبق لأحد ان كرس امواله الطائلة لغرض نبيل ، هو تطوير العلم العالمي وتوطيد السلام وتكريم الادباء .
في العام 1895 أي قبل وفاته بعام واحد قام الفرد نوبل ودون الاستعانة بالمحامين بكتابة وصيته .
كان يعتقد ان الثروة الموروثة تؤدي الى زيادة العاطلين والكسالى ولهذا لم يخصص في وصيته سوى جزء صغير من ثروته ، لأقاربه وللمقربين منه ، أما بقية المبلغ فقد اوصى بإيداعه في البنك وتخصيص أرباحه  السنوية كجوائز تمنح كل عام لاولئك الاشخاص الذين قدموا خلال العام المنصرم أافضل الخدمات للإنسانية  . وتوزع جوائز نوبل – حسب الوصية – على خمسة حقول هي ( الفيزياء ، الكيمياء ، الطب أو الفسلجة ، ،\الآداب ، السلام ) . وفي عام 1968 الجهات المانحة للجوائز تخصيص جائزة سادسة في حقل الإقتصاد بناء على إقتراح بنك السويد لمناسبة مرور (300) سنة على تأسيسه .
ان طريقة اختيار المرشحين ومنح الجوائز تختلف قليلا عما جاء في وصية نوبل , حيث تمنح الجوائز ليس للأعمال المنجزة خلال العام المنصرم ، بل تلك المنجزة في الاعوام السابقة , اذا ظهرت اهميتها فيما بعد.  وهذا امر مريح للجهات المانحة والمجتمع الدولي , حيث تتيح هذه الطريقة حرية أوسع في أختيار الابحاث والانجازات الاكثر أهمية خلال فترة زمنية مفتوحة .
نشرت الوصية لأول مرة في أوائل كانون الثاني العام 1897 وأثارت ردود فعل متباينة في السويد والدول الاوربية الاخرى، سرعان ما تحولت الى ضجة حقيقية ، فقد  أتهمه القوميون السويديون بأنه قد خذل ابناء جلدته ، في حين أكد نوبل في وصيته بان تمنح الجوائز لأكثر الناس جدارة واستحقاقاً بصرف النظر عن الجنس والقومية والدين والحدود الجغرافية .
 استمرت الضجة التي أثارتها هذه الوصية , طوال فترة المحاكمات الطويلة بصددها ،والتي شهدت مشادات حادة بين الاطراف المتنازعة ( الجهات المانحة للجوائز وأقارب نوبل) حيث زعم البعض ان الوصية غامضة وغير قانونية  , في حين زعم البعض الاخر بأنه لا يحق لنوبل ان يتصرف بثروته على هذا النحو , ولم تهدأ الضجة التي أثارتها الوصية الا بعد حوالي أربع سنوات .وبحلول عام 1900 كانت كافة الاجراءات التحضيرية لعملية اختبار الفائزين الاوائل قد أستكملت , وقد تحددت اسماؤهم  بعد ذلك بعام واحد.
كان نوبل مالكا للعديد من الشركات ومساهماً في شركات صناعية اخرى ، وذاع صيته في الاوساط العلمية وبين رجال الاعمال والمال والسياسة في اوربا , ولكن شهرته العالمية الحقيقية جاءت مع اختراعه الاهم وهو وصيته , ولكن هذه الوصية لم تكن تنفذ لولا جهود راغنر سولمان - معاونه وسكرتيره وأحد أثنين أوكل اليهما نوبل تنفيذ وصيته .وعلى أية حال فقد حسمت المحاكم امر الوصية وتحقق حلم نوبل بأنشاء  صندوق لتمويل الجوائز المسماة بأسمه . وتولى سولمان رئاسة الصندوق اعتبارا من 1901 .
 وصندوق التمويل هذا ، منظمة غير حكومية ومستقلة ، تتلخص مهمتها الاساسية في تمويل الجوائز وضمان حقوق الجهات المانحة لها ، واخيرا اعداد اجراءات واحتفالات تسليم الجوائز للفائزين .
ان الجوائز تعكس ميول نوبل نفسه : العلوم التطبيقية , الادب , السلم  , كما تعكس نزعته الكوسموبوليتية , ان السمعة الممتازة لهذه الجوائز ربما تفسر بان الجوائز تعبر أصدق تعبير عن افكار نوبل النبيلة واهدافه واحلامه في الوصول الى "مجنمع عالمي يسوده الانسجام الذي لم يخلق بعد ، ولكنه سوف يتحقق حتما , كما يقول المؤرخ المعروف دونالد فلمنغ.
عملية الترشيح والاختيار لجوائز نوبل
 تبدأ عملية الترشيح للجوائز في خريف كل عام . حيث تقوم لجان  نوبل المتخصصة بتوجيه رسائل الى مئات العلماء والى الحائزين على جوائز نوبل في السنوات السابقة ، والى المراكز العلمية المتخصصة في شتى انحاء العالم تطلب منهم ترشيح الاسماء لجوائز العام المقبل , وتوجد (6) لجان لجوائز نوبل ثلاث منها في حقول الفيزياء والكيمياء والاقتصاد لدى الاكاديمية الملكية السويدية للعلوم ولجنة واحدة للطب والفسلجة لدى معهد كارولينا وأخرى للأدب في الاكاديمية السويدية ، وثالثة للسلام في البرلمان النرويجي , تتكون كل لجنة من (5) أشخاص تعينهم الجهة المختصة , ولكن من حق اللجان الاستعانة بخبراء مستقلين من ذوي الكفاءة العالية في مجالات تخصصاتهم .
 وفي شهر شباط تباشر لجان نوبل  بدراسة وتحليل الترشيحات الواردة أليها . و تعقد لهذا الغرض جلسات عديدة و مطولة ، و لكن يمنع منعا باتا ًتسجيل محاضرها . و تعد اللجان تقارير مسهبة عن أبرز المرشحين و ترفع توصياتها الى المراجع المعنية للبت فى الأختيار النهائى .
و تعلن أسماء الفائزين فى يوم ميلاد الفرد نوبل ، المصادف للحادى و العشرين من شهر تشرين الأول / أكتوبر ، و لا تعلن أسماء المرشحين الذين لم يقع عليهم الأختيار . و تتسم أعمال اللجان فى مراحلها الأساسية بالسرية التامة ، و يتم تقليد الجوائز للفائزين فى يوم و فاة نوبل ، المصادف للعاشر من شهر كانون الأول / ديسمبر. و يجرى تسليم جائزة السلام فى العاصمة النرويجية أوسلو بحضور ملك النرويج أو من ينوب عنه من أفراد العائلة المالكة .
أما بقية الجوائز ، فأنها تسلم الى الفائزين بها من قبل ملك السويد فى قاعة الحفلات للفيلارمونيا السويدية فى أجواء أحتفالية مهيبة .
الأنتقادات الموجهة الى لجان جوائز نوبل
تعرضت لجان جوائز نوبل – منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا – الى انتقادات لاذعة ، واسعة النطاق . و فى مقدمة الأنتقادات الموجهة الى هذه اللجان ، أنها تمنح الجوائز لشخصيات أدبية و علمية بارزة ، خلفوا أنجازاتهم الرئيسية ورائهم . و كما قال " برنارد شو " الحائز على جائزة الآداب لعام 1925 م ، ان الجائزة بمثابة طوق النجاة يرمى للسابح المهدد بالغرق بعد صوله الى الشاطىء بسلام ، فى حين أن نوبل ذكر فى وصيته بوضوح ، ان الهدف من منح الجوائز هو مد يد العون الى صفوة الموهوبين الواعدين .


37
اسطورة كردية في قصة للكاتب العالمي إيفان بونين
جـودت هوشيار        
مقدمة
للشعب الكردي تراث فولكلوري هائل، لم يدون منه الأ الشيء القليل، وثمة عدد كبير من المستشرقين والرحالة ورجال الفكر الذين زاروا كردستان وأحتكوا بالشعب الكردي في أعماق الريف الكردستانى،
    فوجئوا بضخامة هذا التراث وتنوعه وثرائه الباذخ، لذا ليس من الغريب أطلاقا أن تستأثر الحكايات والأساطير الكردية بأهتمام عدد من أبرز أدباء وفناني عصرنا . مثل الشاعر التركي ناظم حكمت والموسيقار الأرمني أرام خاتشاتوريان والكاتب الروسي العالمي أيفان يونين، الذي أستلهم أحدى الأساطير الكردية واستمد منها مادة لأحدى أقاصيصه المشهورة وهي " الشباب والشيخوخة " التي تقدم فيما يلي ترجمة لها من اللغة الروسية مباشرة . وهذه الاسطورة تدخل ضمن الأساطير التي أصطلح على تسميتها بأساطير الخلق والتكوين والتي تصور خلق الكون والأنسان وتطور الحياة على وجه الأرض، وليس من العسير على المرء أن يلاحظ أن الكثير من الحكايات والأساطير للشعوب المختلفة تتشابه في مضامينها وأن تنوعت في أشكال صياغتها وفى تفاصيلها .
     أيفان بونين - الذي يكاد يكون مجهولا في بلادنا – كاتب وشاعر عالمي ويعتبر بأجماع النقاد الروس من خيرة كتاب القصة القصيرة في روسيا وأكثرهم موهبة ونبوغا وشهرة الى بعد تشيخوف، وبفضل هذين الكاتبين العظيمين بلغت القصة الروسية القصيرة أوج نضجها وأكتسبت الملامح المميزة لها ومايزال تأثيرهما قويا على كتاب القصة القصيرة على الصعيدين الروسي والعالمي .
    ولد بونين في مدينة (فورونيش) عام 1870 فى عائلة أرستقراطية نبيلة أنجبت العديد من الفنانين والمفكرين، ولقد بدأ حياته الأدبية شاعرا ولم يكن قد تجاوز التاسعة عشرة حين نشر مجموعة أشعاره الأولى، نشرت هذه المجموعة في وقت أحتل فيه الأدب الروسي مكان الصدارة في الأدب العالمي ، حيث قدمت روسيا للعالم في وقت قصير للغاية العديد من الكتاب والشعراء والفنانين العباقرة مثل تولستوي وتورغيتيف وتشيخوف ويلوك وأندرييف وغوركى وريمسكي –كارساكوف وجايكوفسكي وشاجال وكاندينسكي وغيرهم الذين عرفوا بـ" النخبة الجبارة " .
  لقد كانت روسيا في اّواخر القرن الماضي رغم التطور الصناعي الضعيف فيها مركزا للأشعاع الفكري والفني والثقافي، ظهر يونين في وقت كان هؤلاء العظام في اّوج مجدهم، وكانت نجومهم ساطعة في سماء الفن والأدب الروسيين، غير أن هذا لم يقف حائلاً أمامه في شق طريقه بسرعة وقوة وثقة في الأدب الروسي، حيث قوبلت مجموعته بكثير من الأستحسان والأطراء من قبل اكبر نقاد ذلك العصر، ومنح على اثرها جائزة بوشكين. وكانت هذه الجائزة تعتبر أرفع وسام أدبي في روسيا القيصرية على الاطلاق، ثم منح الجائزة نفسها حين ترجم للشاعر الامريكي (لونجفيلو) قصته الشعرية (هياواثا) كما ترجم العديد من قصائد بيرون وغيره من شعراء الغرب. .
    وفي سنة 1909 أنتخب عضوا في الأكاديمية الروسية، ورغم أنه ظل طوال حياته يكتب الشعر حتى أن أحد النقاد قال عنه: أن بونين لو لم يكتب في حياته الا تلك القصائد التي نشرها ، فأنه كان سيظل علما بارزا في تاريخ الأدب الروسي، غير أن بونين كاتب متعددد المواهب ، فهو معروف ككاتب نثر من الطراز الاول، كتب الكثير من القصص القصيرة والروايات ، التي تعد من أروع وأجمل ما كتب في الأدب الروسي من قصص في النصف الأول من هذا القرن .
    ولقد أحدثت روايته (القرية) بوجه خاص دويا هائلا في الأوساط الادبية حين نشرها في عشية ثورة أكتوبر1917 ، لم يتقبل بونين الثورة البلشفية فاّثر الهجرة الى باريس عام 1920 وعاش فيها الى اّخر أيام حياته حيث توفي في عام 1953 عن عمر يناهز الثالثة والثمانين . التي
نال بونين جائزة نوبل للآداب عام 1933 عن روايته الرائعة  " حياة أرسينيف " التي كان قد  نشرها في السنة ذاتها ، وكان بذلك أول روائي روسي يحصل على هذه الجائزة، وخلال أقامته في باريس نشر أضافة الى هذه الرواية المشهورة العديد من المجاميع القصصية من أشهرها مجموعة " المماشي الظليلة " الرائعة التي نشرت في نيويورك عام 1943 في ظروف الحرب العالمية الثانية العصيبة، وقصص هذه لمجموعة وان كانت جميعها تقريبا تتحدث عن الحب، الا أن اسلوب بونين الشاعري المركز والدقيق أتاح له الكشف عن أعمق أعماق النفس البشرية .
غير أن بونين شأنه في ذلك شأن أي فنان واقعي أصيل لم يعزل الحب قط عن تناقضات النظام الأجتماعي.
     أن قصص بونين مترجمة الى العشرات من أهم لغات العالم ، كما نشرت مجموعة مؤلفاته الكاملة مرات عديدة في باريس وبرلين وموسكو، وتحظى قصصه بشعبية هائلة داخل روسيا وخارجها حيث تحول العديد منها الى أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية ، وعروض مسرحية فى بلدان كثيرة ومنها روسيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية ، ونشرت عنه ، وعن نتاجاته عشرات الكتب ، والأطروحات العلمية والدراسات بالعديد من اللغات العالمية. .
    و تحتفل الأوساط الثقافية الروسية كل عام بذكرى مولده على نطاق واسع وتخصص المجلات الأدبية مساحات واسعة لأحياء ذكراه والأشادة بفنه الرفيع وموهبته الخلاقة ودوره فى تطوير الأدب الروسى .
    ، أما هذه الأقصوصة التي رأينا من الضروري ترجمتها من اللغة الروسية مباشرة، فقد كتبها بونين في باريس عام 1936م ونشرت في نفس العام في مجلة "روسيا المصورة" الصادرة في باريس ، ثم أعيد طبعها ضمن مجاميعه القصصية المختارة ومؤلفاته الكاملة . ولقد قامت مجلة (اوغونيوك) الروسية ، واسعة الأنتشار ،التي تصدر في موسكو عن دار ( برافدا) للطبع والنشر بأعادة نشرها عام 1956
    و هذه القصة – شانها فى ذلك شان معظم قصص بونين الأخرى – تبحث عن أجوبة على الأسئلة التي تهم البشر جميعا بشكل دائم وبخاصة المبدعين والمفكرين منهم حول معنى الحياة والغاية من خلق الإنسان .
قصة " الشباب والشيخوخة " بقلم بونين
     أيام الصيف الرائعة .البحر الأسود هادئ، السفينة مثقلة بالمسافرين والأمتعة . ليس هناك موطئ قدم على ظهرها من المقدمة وحتى المؤخرة . الابحار طويل وفي أتجاه دائري – القرم، القفقاز، سواحل الأناضول، القسطنطينية.
    الشمس لاهبة، السماء زرقاء، والبحر بنفسجي، تختلط فيه جلجلة السلاسل المدوية بشتائم البحارة وصراخهم - الى الأعلى ! الى الأسفل.
    قمرات الدرجة الأولى خالية ، وفسيحة ، وتشع بالنظافة . القذارة والضّيق بين الكتل البشرية من ذوي الجنسيات المختلفة ،الذين يشغلون الدرجات الأخرى على ظهر السفينة . وقرب المكائن الساخنة ، والمطبخ الفواح. في الزوايا وتحت المظلات، بين الحبال والسلاسل الممتدة على سطح مقدم السفينة، تنتشر رائحة قوية وكثيفة، هي ساخنة وطيبة حينا، ودافئة وكريهة في أحيان أخرى، ولكنها ابداً مثيرة بالدرجة ذاتها . رائحة السفينة، ممزوجة بطراوة البحر . .
    هنا فلاحون روس وفلاحات روسيات، هنا الأوكرانيون والاوكرونيات، وقساوسة من أفون، هنا الكرد ، والجورجيون واليونانيون .
    الجورجيون يمرحون طوال الوقت ، فهم أما يغنون ، أو يرقصون أزواجا في غنج ودلال ، وقد شمروا عن سواعدهم ،وأخذوا يتقافزون بين الجمهور في خفة . الحجاج الروس المتوجهون الى فلسطين لا يكفون عن شرب الشاي. ثمة فلاح روسي، طويل القائمة غائر الكتفين، ذو لحية صغيرة صفراء ، وشعر مسترسل يقرأ في الكتاب المقدس ، وأمرأة وحيدة قرب المطبخ لا تكف عن التحديق فيه في تحد وأصرار. وهي تلبس بلوزة حمراء ، وتلف شعرها الأسود الخشن بإيشارب أخضر خفيف.
رست السفينة في حوض للسفن عند المضيق . نزلت الى الساحل وعندما رجعتُ رأيت على السلم مجموعة من الكرد المسلحين، يصعدون الى ظهر الباخرة يتقدمهم شيخ ضخمم الجسم، عريض المنكبين، في الملابس الكردية، يتمنطق بحزام مشدود حول قده النحيل بقوة ، ومرصع بقطع فنية. الكرد الذين كانوا معنا على ظهر السفينة، هبوا لأستقباله ، وأفسحو له مكانا بينهم، وبدأت حاشية الشيخ بفرش المكان بالسجاجيد العديدة، ووضعت عليها المخدات، جلس الشيخ في المكان المهيئ له في عظمة وهيبة، كانت لحيته بيضاء ناصعة ، ووجه أسمر غامق لفحته الشمس. كانت عيناه العسليتان تشعان ببريق مدهش، أقتربت منه ، وجلست القرفصاء، وحييته ثم سألته بالروسية :
    - - هل أنتم من القفقاز؟
    - - بلادنا أبعد من القفقاز ، نحن كرد
     سألته عن وجهته ، فرد علي في تواضع ولكن في زهو وأعتداد :
- الى أسطنبول .. للقاء الباديشاه نفسه، لاقدم له شكري ، وأسلم له هديتي وهي عبارة عن سبعة مجالد، كان لي سبعة أبناء أرسلهم الباديشاه كلهم الى الحرب، الواحد تلو الاّخر، لقد مجّدني الباديشاه سبع مرات.
    كان بيننا شاب يوناني من مدينة كورجي، ممتلىء الجسم، بالغ الأناقة، يعتمر طربوشا دمشقيا ،  ويلبس بدلة رصاصية وصدرية بيضاء، وينتعل حذاءا براقا ذو أزرار جانبية . تضاحك الشاب /
    :   تسى، تسى، تسى !  ثم أردف قائلا-
   - عجوز وبقى هكذا وحيداً .
     نظر الشيخ الى طربوش الشاب الوسيم وقال له ببساطة :
 - ما أغباك ! أنت ستشيخ وتصبح عجوزاً، أما أنا فلن يحدث هذا معي أبدا، أتعرف حكاية القرد ؟   
     فإبتسم الشاب الوسيم في ريبة وقال :
     - أي قرد؟
  - إذن ، فأصغى الى ما سأقوله :
  – لقد خلق الله الأرض والسماء، أتعرف هذا؟
    - - حستاً أعرف هذا ثم ماذا؟
    ثم خلق الله الأنسان وقال له : أنت أيها الإنسان سوف تعيش على الأرض ثلاثين عاما، حياة سعيدة هانئة، سوف تفرح ، ويخيل اليك أن كل شيء على الأرض قد خلق من أجلك، أمسرورا أنت بهذا؟
    وفكر الإنسان في نفسه: ما أجمل هذه الحياة ! ولكن هل أعيش على الأرض ثلاثين عاما فقط ؟ وقال :
     – آه ، ما أقصر هذا العمر !
وسأل الشيخ الشاب الوسيم في سخرية:
- أتسمع؟
فأجابه الشاب:
 أجل -
– ثمّ خلق الحمار وقال له :
– سوف تنقل البشر ، والأمتعة الثقيلة ، ويهدك التعب ،ويضربك الناس على رأسك بالأعواد الغليظة ، فما العمر الذي تريده؟
وأجهش الحمار بالبكاء وأرتفع نحيبه وقال :
هذا عمر طويل يا إلهي ! أعطني نصفه فقط . -
وتوسل الإنسان الى الرب ، وطلب أضافة نصف عمر الحمار الى عمره، وأستجاب الرب لألتماسه، وهكذا أصبح عمر الأنسان خمسا واربعين عاما، وسأل الشيخ الشاب الوسيم وهو يرمقه بنظراته :
–كان الأنسان محظوظا، أليس كذلك؟
ورد الشاب دون أن يدري ما يرمي أليه الشيخ بهذه الكلمات :
– نعم  . لا بأس بذلك، ثم أضاف الشيخ قائلا :
- ثمّ خلق الكلب وأعطاءه من العمر ثلاثين عاما وقال له :
- ستعيش طوال عمرك حانقا، سوف تحرس أموال سيدك، ولا تأمن جانب أي أنسان غريب، سوف تنبح في وجوه المارة، ولا تنام الليل، بل سوف تظل ساهرا من القلق . أتدري؟ لقد ولول الكلب وبكى وقال :
-  آه يا الهي ! يكفيني نصف هذا العمر، وأخذ الأنسان مرة أخرى يطلب أضافة هذا النصف أيضا الى عمره، فأستجاب الرب لرجائه :
- - كم أصبح مجموع عمرالأنسان الاّن؟
فأجاب الشاب وقد بدأ السرور على وجهه أكثر من السابق :
– ستين عاما 
- ثم خلق الله القرد ومنحه من العمر ثلاثين عاما .وقال له أنه سوف يعيش بلا عمل، بلا هموم، ولكن سوف يكون قبيح الوجه، أتدري ! وجه عار، ملىء بالتجاعيد، الحاجبان منحرفان نحو الجبين، سوف يحاول هذا المخلوق أن يلفت الأنظار، غير أن الناس سوف يسخرون منه، وهنا سأل الشاب الوسيم :
- إذن فالقرد رفض أيضا نصف العمر الممنوح له؟
نهض الشيخ من مكانه وتناول مبسم النرجيلة من يد أحد رجاله وقال :
 – أجل رفض القرد أيضا نصف عمره، وأضيف هذا النصف الى عمر الأنسان .
  ثم عاد الى مكانه بعد أن أخذ نفسا من النرجيلة، وصمت وأخذ يرنو ببصره الى شيء ما أمامه، وكأنه نسى ما حوله تماما، وقال دون أن يوجه كلامه الى أحد.
- عاش الأنسان على الأرض ثلاثين عما من عمره كأنسان . أكل وشرب وحارب، رقص في الأعراس، أحب النساء الجميلات . أما الخمسة عشر عاما من عمر الحمار فقد أشتغل وجمع المال. وقضى الخمسة عشر عاما من عمر الكلب يحرس ماله ويحافظ عليه، يعوي في وجوه الاّخرين ساخطا ويسهر الليالي قلقا، ثم أصبح مكروها وعجوزا مثل ذلك القرد . والناس من حوله يهزون رؤوسهم ويسخرون منه. ثم وجه كلامه الى الشاب الوسيم وهو يحرك مبسم النرجيلة بين شفتيه :
- كل هذا سيحدث معك
وسأله الشاب :
- ولكن لماذا لم يحدث هذا معك ؟
- أجل . لم يحدث هذا معي
- ولكن لماذا ؟
– فأجابه الشيخ بصرامة :
-  الناس الذين هم مثلي , نادرون , لم أكن حماراً , ولم أكن كلباً , فلماذا أكون قرداً , لماذا أكون عجوزاً !
--------------------
أيفان بونين: مجموعة المؤلفات الكاملة في تسعة أجزاء . الجزء السابع (الدروب الظليلة) دار نشرالأداب ، موسكو 1966 ،  ص292-295


38
فاسيلي أكسيونوف : الرائد المؤسس للأدب الروسي المعاصر
جودت هوشيار
كما خرج الأدب الروسي الكلاسيكي من " معطف " جوجل ، فإن الأدب الروسي المعاصر قد خرج من سترة جينز أكسيونوف - الكاتب يفجيني بوبوف
لقاء مع أكسيونوف :
في مساء يوم خريفي ممطر من عام 1964 ، كنت في موقف  الترام المقابل لمدخل جامعة هندسة الطاقة - التي كنت أدرس فيها- أنتظر تحت المظلة قدوم الترام المتوجه الى المنطقة التي اسكنها ، حين اقتربت مني فتاة شابة ، وسألتني ان كنت أنا فاسيلي أكسيونوف . قلت : كلا ، ولكن لماذا تعتقدين أني فاسيلي أكسيونوف ، هل هناك وجه شبه ؟.
قالت : لم التق بأكسيونوف قط ولم أره في حياتي .
- وكيف تنتظرين شخصاً لا تعرفينه ؟
- كلفتني لجنة الكومسومول في الجامعة أن أستقبله هنا ، في موقف الترام في هذا الوقت تحديدأً. وقيل لي أنه يلبس معطفا مطرياً ، في مثل لون معطفك الرمادي .
قلت : إن لم يكن سراً ، هل هو تحقيق معه ، أم ماذا؟
- أبداً ، فاغلب أعضاء ( الكومسمول ) من قراء اكسيونوف ، ومن المفترض أن أصحبه الى القاعة الكبرى في بناية الجامعة ، حيث سيلتقي في تمام الساعة السابعة مساءاً ، أي بعد عدة دقائق من الآن ، بطلبة الجامعة للحديث عن أعماله الأدبية ومشاريعه المستقبلية ، ويرد على اسئلة الحاضرين .
قلت : اذن انتظري قدومه هنا ، وأنا سأذهب الى القاعة لأحجز لي مكاناً قريبا من المنصة ،لأنني أيضاً من المعجبين برواياته الشيقة .
 ولكن يبدو أنني تأخرت قليلاً  ، فالقاعة الكبرى التي تتسع لأكثر من ألف شخص ، كانت تغص بطلبة الجامعة واساتذتها وحتى موظفيها ، ووقف الكثيرون على جانبي المدخل وخلف المقاعد وفي الممرات. وبعد دقائق حضر اكسيونوف واستقبل بعاصفة من التصفيق . لم أجد أي شبه بيني وبينه ، فهو أسن مني .ولا يوجد أي شبه بيننا .
 كانت عيناه الزرقاون تشعان وهو يلقي نظرة فاحصة على القاعة . كان يلبس بدلة جينز. وكنت أعرف أنه من هواة موسيقى الجاز ، ويمارس رياضة الجودو وكرة السلة ، ويعيش على نحو مختلف عن الكتّاب الآخرين .
 قرأ شيئا من رواية لم تكتمل بعد ، وردّ على الأسئلة، التي كانت تتعلق كلها بمضامين رواياته الشهيرة التي يمتزج فيها تجربته الحياتية بالخيال ..
ولد اكسيونوف في 20  أغسطس 1932 في مدينة كازان . كان والده بافل فاسيلوفيج عمدة المدينة وعضواً في الجنة المحلية للحزب في منطقة تتاريا ، ووالدته يفجينيا غينسبورغ مدرسة في معهد كازان التربوي ، ومن ثمّ رئيسة لقسم الثقافة في صحيفة " تتاريا الحمراء ".
 في عام 1937 كان فاسيلي اكسيونوف في الخامسة من العمر حين اعتقلت السلطات والدته ، ومن ثمّ والده ، وحكم على كل منهما بالسجن لمدة عشر سنوات مع النفي بعد إنتهاء مدة محكوميتهما . وقد ارسلت السلطات الصبي فاسيلي الى ملجأ لأطفال (اعداء الشعب ) . وفي عام 1938 نجح عمه في العثور عليه في ملجأ للأيتام يقع في بلدة كوستروم ، وتمكن من استحصال موافقة الأمن على أخذ الصبي معه للعيش لدى احدى قريبات والده حتى عام 1948 .
والده لم يعد من المعتقل ،وقضت والدته يفغينيا غينسبورغ 18 عاماً في معتقلات ( كوليما ) في أقاصي سيبيريا ، قوسنوات أخرى طويلة أخرى في منفاها ببلدة ( ماغادان ) . وقد نجحت بشق الأنفس في الحصول على الموافقة الرسمية على إقامة إبنها فاسيلي معها .وفي فترة ( ذوبان الجليد ) عندما عادت الى موسكو من منفاها أصدرت مذكراتها في كتاب بعنوان " الزوبعة " لقي نجاحا عظيما . وتناولت فيه الحياة المهينة في معسكرات الإعتقال الستالينية ، كما وصفت لقاءها المؤثر بإبنها . لعبت هذه المذكرات دوراً عظيماً في تشكيل الموقف المضاد لعبادة الفرد لدى الإنتليجينسيا الروسية في السبعينات – الثمانينات من القرن الفائت ، وكانت أول كاتبة تكشف مآسي المعتقلات ، قبل سولجينيتسن وشالاموف . أمّا أكسيونوف فقد كتب ايضاً لاحقا عن لقاءه بوالدته في رواية مشهورة له يحمل عنوان "حرقة ".
 في عام 1956 تخرج في كلية الطب في لينينغراد، وكان من المفترض ان يعين طبيبا على سطح باخرة نقل للتجارة الدولية ، الا أنه حرم من الحصول على الوظيفة بسبب ما نسب الى والديه من تهم ، وعين  طبيبا في ( كاريليا) بأقصى الشمال، ثمّ عمل في الميناء التجاري بلينينغراد ، وفي مستشفى السل بموسكو.
كنت قد قرأت في مجلة " يونست " كل ما نشره اكسيونوف من قصص وروايات ، كما شاهدت الأفلام السينمائية المقتبسة منها. نتاجاته كانت نوعاً جديدا من الأدب ، لا يشبه الأدب السوفيتي التقليدي الملتزم بـ" الواقعية الإشتراكية " ذات النظرة التفاؤلية الزائفة، بل يصوّر حياة الجيل الجديد من المثقفين ، التي تختلف تماماً عن حياة  الجيل المخدر بالبروباغاندا الستالينية والحالم ببناء الجنة الشيوعية الموعودة . أدب جديد بلغة مشرقة ،وسخرية لطيفة ، ومرح يتسلح به الشباب للتمرد على الحياة السوفيتية الرتيبة ، وعلى البيروقراطية . كانت ملابسهم غير التقليدية ، وسلوكهم البوهيمي وتعلقهم بنمط الحياة الغربية ، نوعا من الإحتجاج على الواقع السوفيتي الكئيب . ولقد أتيح لي خلال دراستي الجامعية بموسكو في الستينات ، أن أتعرّف عن قرب على الطلبة الروس ، وأقاسمهم الخبز والملح ، لذا فأن ما أكتبه عنهم حقائق لمستها بنفسي ، فقد كنت معهم معظم الوقت : في الدراسة وفي السفرات الطلابية  ، وفي منتجعات البحر الأسود خلال العطل الصيفية . ونشأت بيني وبين عدد منهم صداقات أعتز بها .
قبل أكسيونوف كانت ثمة نوعان من الموضوعات في الأدب السوفيتي : أولهما - حياة العمال والفلاحين ، وثانيهما-  وقائع الحرب ضد ألمانيا الهتلرية . أما موضوعات روايات وقصص اكسيونوف فقد كانت مختلفاً تماماً . شباب لا يبنون الشيوعية ، ولم يتطوعوا يوماً في الحملات الخروشوفية الكبرى لأستصلاح الأراضي البكر في الجنوب .ولا يريدون العمل في المصانع ، ، بل يرغبون في الألتحاق بالجامعة للدراسة ، ويلبسون الجينز ، ويعشقون موسيقى الجاز . روايات تعبر أصدق تعبير عما يفكر فيه الشباب وما يحلمون به . وقد أطلق النقاد على هذا الأدب الجديد ، اسماء شتى منها ( الأدب الساخر ، النثر الجديد ، نثر الشباب ، نثر المدينة ) .
 شق اكسيونوف طريقه الى الأدب الروسي بسرعة خاطفة من أوسع أبوابه ، واكتسب شهرة مدوية في عموم  البلاد خلال فترة وجيزة ،  اثر نشر روايته الأولى" الزملاء " في عام 1960 ، التي تلقفها القاريء الشاب بشوق ولهفة  ، وبفضل هذه الرواية البديعة ، الجديدة كل الجدة في مضمونها وفي اسلوبها ولغتها ، ارتفعت مبيعات مجلة " يونست " التي نشرت الرواية الى مستوى لم يسبق له مثيل . وسرعان ما تم انتاج فيلم سينمائي مقتبس من الرواية ، والذي لقي بدوره  إقبالاً واسعاً ، ثم كتب اكسيونوف مسرحية بالأسم ذاته عرضت على إحد مسارح موسكو . وفي السنة ذاتها استقال من وظيفته للتفرغ لأعماله الإبداعية .و ترسّخ موقعه في الساحة الأدبية بصدور رواياته اللاحقة " بطاقة الى النجوم " و " برتقال مغربي " و " حان الوقت يا صديقي ، حان الوقت "".
أما قي الشعر فقد فقد برز شعراء شباب موهوبون ، يكتبون شعراً حقيقيا رائعاً ، وهم لا يختلفون عن اكسيونوف  في نظرتهم الى الحياة . شباب تتراوح أعمارهم  بين 27 ، 28 سنة ( يفتوشينكو ، فوزنيسينسكي ، روجديستفنسكي ، أحمدولينا ) الذين حملوا راية التجديد في الشعر الروسي في الستينات . كان هولاء الشعراء أصدقاء حميمين لأكسيونوف،  شكلوا معاً ظاهرة فريدة في الأدب الروسي في ذروة فترة (ذوبان الجليد ) ، حيث فتحت بعض النوافذ على الغرب لتهب منها نسائم نمط جديد من الحياة يستهوي الشباب .
لا يمكن تصور اكسيونوف خارج دائرة من الاصدفاء ،الذين سادت في حياتهم وابداعهم حرية الفكر والتعبير ، التي كان الواقع السوفيتي يفتقدها .والتي تجسدت في سلوك وحياة وأعمال هذه النخبة من المبدعين .
ابداع اكسيونوف ، وأصدقائه الشعراء ، اصبح رمزا للصحوة والهواء النقي بعد الزمن الستاليني الخانق . كان هذا الإبداع يعبر عن رومانسية الحياة والحرية. ولم يكن عشق موسيقى الجاز ، وموضات الملابس ، مجرد تقليعات جديدة تستهويهم ، بل احتجاجا على فرض اسلوب حياة موحد ، ممل ورتيب على الجميع ، خاضع لخط أيديولوجي واحد
السلطة التي كانت تغض الطرف عن هذه النخبة المتمردة في أوائل الستينات ، لم تعد تحتمل أعمالهم ، التي أحدثت إنقلابا في نظرة المثقفين الشباب الى الواقع والمستقبل . وحاولت تهميشهم والتضييق عليهم . وما زلت أتذكر كيف أن خروشوف - الذي جمع الأدباء في أحدى قاعات الكرملين في عام 1963 - هدد هؤلاء النوابغ الخمسة بالطرد من الإتحاد السوفيتي أن لم يتراجعوا عن مواقفهم ( المضرة والمنحرفة ) . البعض منهم تراخى ، واخذ يكتب بحذر ، في حين أن أكسيونوف إزداد قناعة بمواقفه الصائبة ،التي تجلت في أعماله اللاحقة ، على نحو أكثر وضوحاً. 
في منتصف الستينات ، كان يفكر في اسباب فشل مرحلة  " ذوبان الجليد "  التي علقت عليها الأنتليجينسيا الروسية آمالها في التغيير . كان الطابع النقدي لنتاجاته يزداد قوة وعمقا . ففي رواية " "أكياس التغليف المكدسة " ( 1968) انتقل الكاتب الى " الهجاء الشامل " وعكس بقوة تناقضات الحياة السوفيتية ، ذات الطابع السوريالي . بعد انقلاب اكتوبر 1964 وعزل خروشوف ، عاد الخط الحزبي المتشدد الى ممارسة سياسة اضطهاد المنشقين، ومحاكمتهم او ادخالهم الى المصحات النفسية ، وشهدت هذه الفترة محاكمة الكاتبين  سينيافسكي ودانيال . كل ذلك إنعكس في أدب اكسيونوف.ففي رواية " حرقة " (1976) يعرض اكسيونوف حياة المثقفين الروس خلال الستينات – السبعينات من القرن العشرين .وفي رواية "جزيرة القرم " يفضح على نحو لاذع  الواقع السوفيتي ، و في الوقت نفسه يحلم بالعدالة الاجتماعية .
  وبطبيعة الحال لم يعد النظام يتحمل هذا الأدب ، الذي كان يمارس تأثيراً عظيماً على عقول المثقفين الروس . ولجأ الى منع نشر نتاجات اكسيونوف الجديدة بذريعة أنها معادية للنظام السوفيتي.
في عام 1979 أصدر أكسيونوف مع كل من أندريه بيتوف ، و فكتور يروفيف ، و فاضل اسكندر ، ويقغيني بوبوف ، و ببلا أحمدولينا مطبوعة سرية في أميركا، لا تخضع للرقابة بعنوان" ميتروبول" واثار ذلك غضب السلطة السوفيتية .وفي كانون الاول 1979 قدم استقالته من اتحاد الكتاب السوفيت احتجاجا على فصل زميليه فيكتور يروفيف ويفغيني بوبوف من الاتحاد .
في عام 1980 سافر اكسيونوف مع زوجته مايا الى أميركا ، فجردته السلطة السوفيتية هو وزوجته من الجنسية السوفيتية . وعمل استاذا للأدب الروسي في عدة جامعات أميركية  ، وأصدر أهم أعماله " جزيرة القرم "  وثلاثية " ملحمة موسكوفية " .  ومع حلول فترة البيريسترويكا بدأت مرحلة جديدة في حياة اكسيونوف ، حيث أخذ يزور وطنه كثيراً ،وينشر أعماله الأدبية المحظورة  في الحقبة السوفيتية السابقة..
في عام 2004 كان اول كاتب روسي ينال جائزة " البوكر" في نسختها الروسية ، عن مؤلفه " الفولتيريون والفولتيريات "  وهي رواية تأريخية تخييلية تسرد حكاية لقاء بين فولتير وقيصرة روسيا كاترينا الثانية ،صديقة فلاسفة عصر التنوير .وعام 2005 حصل على وسام الأدب والفن من فرنسا .
اصيب الكاتب في عام 2008 بسكتة دماغية ، ونقل الى المستشفي وخضع خلال عام ونصف لعدة عمليات جراحية حرجة  حتى وافته المنية في السادس من يوليو 2009 . 


39
الطريق الى الموت والخلود : قصيدة ماندلشتام التهكمية بستالين
                                                                   
جـودت هوشيار
عام ماندلشتام :
        إحتفلت روسيا رسمياً هذا العام – الذي سمّته بعام ماندلشتام – بحلول الذكرى ( 125 ) لميلاد واحد من أبرز رواد الحداثة الشعرية في روسيا والعالم ، وهو أوسيب ماندلشتام ، الذي ولد في 15/1/1891 ، وتوفي في احد المعتقلات الستالينية الرهيبة في أقاصي سيبيريا في 27/12/1938 ، في ظروف غامضة. وما يزال سبب وفاته ومكان دفنه مجهولاً ، رغم الأستقصائات الميدانية التي قام بها عدد كبير من الباحثين المتخصصين في حياة وأدب هذا الشاعر الذي تحول الى اسطورة ، حتى قبل اعتقاله ووفاته . .
شملت الإحتفالات اقامة المهرجانات ،  وإزاحة الستار عن تمثال جديد له في موسكو واطلاق اسمه على احد شوارعها  ، والقاء محاضرات عن حياته التراجيدية ، وشعره الرائع  ، وإنتاج فلم وثائقي عنه ، واجراء لقاءات في القنوات التلفزيونية مع العديد من الشعراء والكتاب البارزين عن نتاجاته وتأثيره في جيله والأجيال الأدبية اللاحقة ، وإعادة إصدار مؤلفاته الكاملة ، ونشركتب عن سيرته ، ومذكرات معاصريه من الأدباء عنه ، وغير ذلك من الفعاليات الثقافية ، التي استمرت لأشهرعديدة .
كانت حياة ماندلشتام  عذاباً دائما وقلقا مقيما ، فهو لم يمتلك مسكناً مستقلا، بل تنقل بين مساكن جماعية كثيرة ، تعج بالوشاة ، في كل من موسكو وبطرسبورغ وفورونيج ، وعانى من شظف العيش ، لعدم وجود مورد ثابت له ، يكفي لسد رمقه ورمق زوجته . كان انساناً رقيق المشاعر ، ولم يكن بوسعه ان ينظر الى ما يجري حوله بهدؤ ولامبالاة . ويتألم لما يعانيه هو وشعبه من حياة بائسة ، ومن إنتهاك لكرامة الإنسان، وقمع لحرية التعبير، ولكنه كان يتظاهر بالمرح ، من أجل عدم الكشف عن رؤيته التراجيدية للواقع السوفيتي ، وحجبها عن الجميع ، وخاصة عن نفسه ، لكي لا تكون الحياة مرعبة جداً .
شعر ماندلشتام يتسم بطابع انتقادي مضمر ، زاخر بالرموز ، التي تتألق معانيها العميقة ضمنيا .ً.
انعكس في شعره عصر بكامله : زوال الحكم القيصري ، الثورة ، والزمن الستاليني . وتعرض  كغيره من المبدعين الأحرار الى التجويع والمضايقات ، وافتراءات المنافقين من الكتّاب الرسميين .
نفي واعتقال وتعذيب :
في تشرين الثاني 1933  كتب ماندلشتام واحدة من اشهر قصائد القرن العشرين تحت عنوان " جبلي الكرملين " ، وهي قصيدة تهكمية يسخر فيها من الطاغية ستالين . لم يحاول الشاعر قط انكار نسبة القصيدة اليه ، بل قرأها على جمع من الأصدقاء ، والمعارف من الكتاب والشعراء ، يقال ان عددهم كان 18 شخصاً .وبعد عدة أيام ، كان ماندلشتام يتجول مع صديقه الشاعر بوريس باسترناك في شوارع موسكو وعندما وصلا الى شارع مهجور في الضاحية قرأ ماندلشتام القصيدة ذاتها على مسامع باسترناك ، الذي قال بعد أن استمع الى القصيدة جيداًً : " هذه ليست حقيقة ادبية ، بل عمل انتحاري ، لا أوافق عليه ، ولا أريد أن اشارك فيه . أنت لم  تقرأ عليّ شيئا ، وأنا لم اسمع شيئاً ، وأرجو منك أن لا تقرأ هذه القصيدة لأي شخص آخر " . وبطبيعة  الحال كان ماندلشتام يدرك جيدا خطورة ما اقدم عليه ، لذا احتاط مسبقاً لإحتمال إعتقاله ،وحفظ القصيدة عن ظهر قلب ، كما حفظتها زوجته ناديجدا ، فقد كان الأعتقال في عهد ( أبو الشعوب ) يشمل ليس ( المتهم ) فحسب، بل زوجته أيضا ، لذا طلبت ناديجدا من صديقة موثوقة حفظ القصيدة أيضا . وبعد ذلك  مزق ماندلشتام الورقة التي دون فيها القصيدة ..
ويبدو أن البعض وشى به لدى الأمن السري. ومن الصعب - رغم نشر العديد من البحوث والمذكرات الشخصية حول هذا الموضوع في السنوات الاخيرة - معرفة هذا البعض، فقد كان ثمة عدد كبير من المشتبه بهم المحتملين . كان الموت يقترب منه حثيثاً . وفي ليلة 13 على 14 أيار 1934 ، اقتحمت ثلة من عناصر الـ(غولاغ) شقته والقوا القبض عليه ، ورغم التفتيش الدقيق لم يعثروا على نص القصيدة .
وقد حاول كل من باسترناك واخماتوفا  التوسط لدى المسؤولين لأنقاذه من الإعدام أو تخفيف الحكم عليه ولكن محاولتهما لم تكلل بالنجاح . كان القيادي البارز في الحزب نيكولاي بوخارين يحترم ماندلشتام ومعجباً بشعره . فكتب رسالة الى ستالين يشرح فيها الأزمة النفسية التي يمر بها الشاعر، ويناشده أخذ حالته بنظر الإعتبار . وكان جواب ستالين عجيباً ، فقد قد كتب هامشا على الرسالة ، لم يوجه الى شخص بعينه،  يقول فيه : " من  تجرأ على اعتقال ماندلشتام ، يا للقباحة ". ولكن غالب الظن أن ستالين قرر بينه وبين نفسه تأجيل تصفية ماندلشتام، لسببين :
 أولهما – انه رأى في القصيدة اعترافاً بسطوته وسلطاته المطلقة  ،ودليلاً على الخضوع .
 الـ"جبلي " الذي خرج من قاع المجتمع ووصل الى قمة السلطة في دولة عظمى ، اعتبر الخوف الذي عبر عنه الشاعر بالقول :"  نعيش دون أن نشعر ببلدنا تحت أقدامنا " اطراءا له ، وبرهاناً على نجاحه في اللعب على وتيرة الرعب .وكذلك استحسن ستالين الوصف الدقيق لقدراته الشمولية، ومن المحتمل ان التصوير الكاريكاتيري للمحيطين به نال اعجابه .
وثانيهما : لأن المؤتمر التأسيسي لإتحاد الكتاب السوفيت كان على الأبواب ، وقد دعي لحضوره عدد من أشهر الأدباء الأوروبيين .وأراد ستالين أن لا يبدو قاسياً ، بل مسامحا كريما أمام الأجانب . حيث صدر حكم على الشاعر بالنفي ثلاث سنوات الى مدينة جيردين. وقد رافقته زوجته ناديجدا الى منفاه الإجباري .أيضاً ، ولكنها لم تسكت أو تستسلم ، بل كتبت رسائل الى كبار المسؤولين وبضمنهم بيريا، وزير المخابرات ، تطلب فيها السماح لماندلشتام بأختيار منفاه في احدى مدن الأقاليم. وقد أثمرت جهود نيكولاي بوخارين عن السماح للشاعر باختيار منفاه في احدى مدن الأقاليم ، ما عدا 12 مدينة كبيرة بضمنها ، موسكو ولينينغراد وكييف .فاختار مدينة فورونيج . كانا  يعيشان في فقر مدقع بعد انقطاع مورد رزقه ، فلجأ الشاعر الى اصدقائه القدامى - الذين تخلى معظمهم عنه - ولم بستطع الحصول منهم ، الا على النزر اليسير من المال . هنا كتب ماندلشتام سلسلة قصائده الخالدة المعنونة " دفاتر فورونيج ".
 بعد انتهاء مدة نفيه  في مايو 1937، حصل على إذن بمغادرة فورونيج ، هو وزوجته عائدين لفترة وجيزة إلى موسكو. أما اتحاد الكتّاب السوفييت الذي كان ماندلشتام عضواً فيه ، فقد قام رئيس الإتحاد ستافسكي  بأرسال كتاب تحريضي ضد الشاعر الى وزير الداخلية (يزوف )، طالباً معاقبة ماندلشتام  ، لأن قصائد "فاحشة و تشهيرية " وقال في الكتاب ان ماندلشتام قام بزيارة موسكو ، وسكن  لدي اصدقائه ، خلافا لضوابط نفيه الى فورونيج ، وأنه يتظاهر بالفقر والمرض محاولا التاثير في الراي العام ، وان العناصر المناهضة للسلطة  في الوسط الأدبي استغلوا ماندلشتام في اغراضهم الدعائية المعادية و جعلوا منه ضحية  ونظموا حملات جمع المال له بين الكتاب .وإن كلا من  جوزيف براوت وفالنتين كاتاييف يدافعان عن ماندلشتام . انتظر ( يزوف ) شهراً كاملاً قبل أن يتخذ اجراءاً بحق الشاعر، ويبدو أنه أراد معرفة رأي ستالين أولا .ً
في اوائل شهر آذار عام 1938، انتقل الزوجان إلى منتجع صحي للنقابات في ضواحي موسكو . هناك في ليلة 1 /2 أيار 1938 اعتقل ماندلشتام للمرة الثانية ، واقتيد إلى سجن (بوتيرسكايا ) في موسكو ، وهناك عذب تعذيبأً وحشيا وحرم من الطعام والنوم . وفي الثاني من آب 1938 حكم عليه بالسجن خمس سنوات مع الأشغال الشاقة . وبعد اسبوع واحد ، تم ترحيله الى مخيم الإعتقال المؤقت في فلاديفوستوك، في الطريق الى احد المعتقلات في سيبيريا . وهنا كتب الشاعر آخر رسالة الى أهله ، يقول فيها أن صحته قد تردت كثيراً ، واصابه الهزال الى درجة يصعب التعرف عليه
.الفرضيات حول ايامه الاخيرة في المعتقل كثيرة ،ولعل أقربها الى الحقيقة ،هي أنه توفى في 27 كانون الأول 1938 في المخيم المؤقت ، وان جثته مع جثث الموتى الآخرين ، بقيت في العراء حتى ربيع 1939 ، ثم تم دفنهم في مفبرة جماعية . كان الإعتقاد السائد أن الشاعر توفي بمرض التيفوئيد ، ولكن الوثائق الرسمية التي كشف عنها النقاب في السنوات الاخيرة ومنها شهادة وفاته ، تؤكد أنه توفي بسبب نوبة قلبية في 27 كانون الأول  1938 .
قصيدة " جبلي الكرملين " :
شعر ماندلشتام عصي على الترجمة ، فالمعنى عنده لا يظهر على السطح ، بقدر ما هو وراء الكلمات , لذا وقع العديد من الشعراء الأجانب ،في اخطاء عديدة ،عند ترجمة هذه القصيدة من لغة وسيطة في معظم الأحيان الى لغاتهم ، واخذوا بالمعانى الظاهرة للكلمات ، واضافوا الى القصيدة المترجمة ما هو غريب عنها من كلمات او عبارات. لذا سنحاول تقديم ترجمتنا لهذه القصيدة من اللغة الروسية مباشرة . ومن ثمّ تصحيح الأخطاء التي وقع فيها أولئك المترجمون .
نعيش دون أن نشعر ببلدنا تحت أقدامنا
 أصواتنا لا تسمع على بعد عشر خطوات
في أي حديث عابر مهما ابتسر
 جبلي الكرملين لا بد أن  يذكر
 أصابعه الغليظة  دهنية مثل الديدان
 كلماته فصيحة وثقيلة كعيار الميزان
 وشارباه الصرصوريان يضحكان
  جزمته اللامعة تخطف البصر
 ومن حوله رعاع من القادة بأعناق نحيلة
 وهو يتلاعب بخدمات أنصاف الرجال
 واحد يصفر ، وآخر يموء ، وثالث ينوح
 هو وحده يقصف ويجرح
 كما الحدوة يقذف بوجوههم مرسوما اثر مرسوم
 يصيب هذا في الفخذ ،وذاك في الجبين
 وآخر في الحاجب ، ورابع في العين
  كل اعدام عنده – مالينا
 وصدر الأوسيتي جد عريض .
جاءت القصيدة كرد فعل على الواقع السوفيتي المرعب في فترة الثلاثينات . ماندلشتام يصف بدقة  ملامح ذلك الزمن . دولة كبيرة تفضل الصمت:"  كلامنا لا يسمع على بعد عشر خطوات ". كانت كل كلمة لا تعجب السلطة ، يمكن أن  تؤدي الى الإعتقال أو الأعدام . مناخ الرعب هيمن على الإتحاد السوفيتي . في قصيدة " الجبلي"  رسم الشاعر بورتريه  ستالين بدقة ، ولم يذكر اسمه بشكل صريح ، بل اشار اليه بـ " جبلي الكرملين" .
الأصابع الغليظة للطاغية تقارن بالديدان ، وشارباه بالصراصير . ويلمح ماندلشتام الى ماضي " أبو الشعوب " بكلمة ( مالينا) الدارجة المستخدمة في عالم الجريمة المنظمة ، والشاعر يشير هنا الى المرات الست التي حكم فيها على ستالين ، وكانت خمس منها بسبب السرقة والسطو ، ومرة واحدة فقط  بسبب نشاطه السياسي . وليس من قبيل المصادفة الإشارة الى صدر الأوسيتي العريض ، لأن ستالين ولد في بلدة غوري ، في  جنوب اوسيتيا. وصور الشاعر ،انصاف البشر ، من القادة الرعاع  غير القادرين على الكلام بحضوره ، وهم يلعب بخدماتهم : "واحد يصفر ، وآخر يموء ، وثالث ينوح .
ملاحظات على الترجمات الغربية للقصيدة :
أشرنا آنفاً أن قصيدة " جبلي الكرملين " ترجمت الى أهم لغات العالم ، ولكن لدى مراجعتنا للترجمات الإنجليزية ، تبين لنا أن العديد منها، لا تعبر عن روح النص الروسي. فقد ترجمت كلمة ( مالينا) الروسية الى ( التوت ) وهي ترجمة صحيحة لغوياً ، ولكنها خاطئة تماما في هذه القصيدة . لأن الشاعر لا يقصد بكلمة ( مالينا) التوت ، بل الماضي الأجرامي للطاغية . ولم يكتشف هؤلاء المترجمون المعنى الحقيقي للفظة ( مالينا ) وبعضهم أضاف اليها  كلمة الأحمر. فقد جاء البيت ما قبل الأخير في ترجمة  الشاعر الأميركي المعروف روبرت لويل على النحو التالي :" بعد كل إعدام ، يضع كأي قبلي جيورجي / توتاً أحمر في فمه ". ولا وجود للشطر الأول من هذا البيت في القصيدة . أما ف دبليو أس ميروين فيقول:" يدحرج الإعدامات على لسانه كثمرات عنبية / متمنيا معانقتهم مثل اصدقاء من الوطن .
ولا أدري من أين أتى ميروين بالثمرات العنبية ، وبالشطر الأخير. بل ان بعض المترجمين حلقوا بعيدا عن الأصل بقولهم : " كل اعدام مأدبة/ وكبيرة هي شهية الجورجي " وبعضهم قال ان التوت يرمز للدم بلونه الأحمر ، وآخرون قالوا ان التوت يعبر عن الرخاء والإتشراح..


40
الجيل الضائع في الأدب الروسي الحديث
جـودت هوشيار       
الأدباء الشباب ضحايا الأدب المستعاد :
 
بعد تخفيف الرقابة على المطبوعات في فترة البيريسترويكا ( إعادة البناء ) ، شهدت روسيا بين عامي ( 1986 - 1989) إنفجاراً ثقافياً حقيقياً ، تمثلت في نشر كم هائل من الأعمال الأدبية والفكرية المحظورة طيلة الحقبة السوفيتية السابقة لطائفة كبيرة من اشهر الكتاب الروس الذين ينتمون الى عدة اجيال متعاقبة . والكثير من هذه الأعمال تم كشف النقاب عنها لأول مرة . وهذهi ظاهرة فريدة ، اطلقت عليها إسم " الأدب المستعاد " الذي أقبل عليه القاريء الروسي بنهم شديد ، لنهل النصوص الإبداعية التي تكشف الحقيقة عن ثورة اكتوبر 1917 والحرب الاهلية واحداثهما الدراماتيكية ، والأساليب التي اتبعها البلاشفة لبناء (العالم الجديد) المزعوم .
 
وقد تسابقت المجلات الأدبية المركزية - التي يسميها الروس ب"المجلات السميكة " - في نشر " الأدب المستعاد"، وامتنعت  تماماً عن نشر نتاجات الجيل الجديد من الكتاب والشعراء الروس. وقد يستغرب القاريء اذا قلنا ان تلك المجلات هي التي تقرر مصير أي موهبة أدبية جدبدة في روسيا، بصرف النظرعن النظام القائم ، هكذا كان الأمر في كل العهود منذ صدور أول مجلة من هذا النوع في روسيا وهي مجلة " بيبليوتيكا دليا جتينيا " أو " مكتبة للقراءة" في عام 1834 .
إن نشر اي نص ابداعي في مجلة ادبية مركزية يعد اشهارا للمبدع الناشيء واعترافا بموهبته في الوسط الأدبي والثقافي ، ولدى دور النشر ، أما النشر في المجلات الهامشية فإن مصيره الأهمال والنسيان وان كان المبدع ذا موهبة . هذا تقليد أدبي راسخ في روسيا . كل الكتّاب الكلاسيكيين الروس ، والكتاب السوفيت ظهروا لأول مرة على صفحات مثل هذه المجلات. .
 
 سجلت المجلات (السميكة) أرقاماً قياسية في مبيعاتها. فعلى سبيل المثال لا الحصر بلغ عدد النسخ المطبوعة من مجلة " يونست " في تلك الفترة حوالي خمسة ملايين نسخة .وهذا رقم قياسي في تأريخ الصحافة  الأدبية الروسية والعالمية . كانت هذه المجلة المتخصصة في نشر أعمال الأدباء الشباب ، المنبر الرئيسي دائماً لنشر وإشهارالأعمال الأدبية المتميزة للجيل الجديد  من الكتّاب والشعراء والنقاد. اما في فترة البيريسترويكا  فقد توقفت تماما عن نشر مثل هذه الاعمال ، وكرست صفحاتها لـ"لأدب المستعاد ". وربما كانت المجلة محقة في ذلك . فقد كان القاريء الروس متشوقا لقراءة الروائع الأدبية ، التي دفع مبدعوها حياتهم من أجلها ، وليس الأطلاع على نتاجات الأدباء  الشباب الذين يحاولون شق طريقهم في عالم الادب.
 .
كان البلاشفة في العهد القيصري ينادون بحرية التعبير والعدالة الأجتماعية ، ولكنهم بعد وصولهم الى السلطة شرعوا تدريجياً بالقضاء على كل الحريات العامة والخاصة ، ومنها حرية التعبيرعن الرأي بشتى أشكاله ، وفرضوا رقابة صارمة على المطبوعات ، التي اصبحت كلها حزبية وحكومية ، بعد الغاء دور النشر والصحف والمجلات الخاصة ، ومنعوا نشر أو عرض أي نتاج ابداعي لا يتوافق مع الأيديولوجية الشيوعية . الرقابة البلشفية كانت أكثر قسوة بكثير من الرقابة القيصرية.
أثارت الأساليب البلشفية المتطرفة في استئصال ( البورجوازية ) ومصادرة أموالها وممتلكاتها استياء معظم الكتّاب والشعراء المعروفين ، وقد فضّل الكثير منهم الهجرة الى العواصم الغربية . اما الأدباء الذين ظلوا في داخل روسيا ، فقد انقسموا بين مؤيد ورافض للنظام البلشفي . وأدرك  الرافضون بعد حين ، إن ما يكتبونه قد لا يرى النور قي روسيا أبداً . وصدق ظنهم ، فقد امتنعت المجلات " السميكة " ودور النشرالسوفيتية عن نشر نتاجاتهم ، أو ظلت حبيسة الأدراج المخفية عن أنظار المخبرين لدى الأقارب أو الأصدقاء الحميمين أو تم تهريبها لنشرها في الخارج . وكان كل عمل ادبي روسي ينشر في الخارج ، يعتبر عملاً معاديا للثورة ، و للنظام الجديد في نظر قيادة الحزب الحاكم ، ويحظر نشرها أو تداولها في داخل البلاد.
 .
يتضمن " الأدب المستعاد" عدداً كبيراً من الأعمال الإبداعية ، لطائفة من خيرة الأدباء الروس من كتاب وشعراء ، الذين اعدموا أو سجنوا لسنوات طويلة ، بعد انتزاع اعترافات كاذبة عنهم وادانتهم في محاكمات صورية بتهم ملفقة . وكان الحكم عليهم ينص ايضاً على ازالة اسمائهم ومؤلفاتهم اينما وردت ، قي الموسوعات والكتب والبحوث والمقالات ، ومنع أي اشارة اليهم في المناسبات الثقافية . وكانت ( جريمتهم ) أنهم لم يكونوا يكتبون كما يشتهي القسم الأيديولوجي في الحزب ، بل يكتبون الحقيقة ، ويصورون الواقع فنيا دون تزييف أو تلميع. ومن هؤلاء اسحاق بابل (1894- 1941)  . وتعد مجموعة قصص " حكايات اوديسا " (1925) ورواية " فرقة الخيالة " (1931 ) من أهم أعماله الإبداعية . وبعد اعتقاله في عام 1939 اختفت اعماله وكتاباته ، ومات في المعتقل في ظروف غامضة .
أما أعمال أندريه بلاتونوف (1899 – 1951) الروائية بأجوائها التشاؤمية ،  فقد ظلت ممنوعة من النشر حتى عام 1987 .ومنها  " الحفرة " و "تشيفنغور" ، " وصبايا البحر " التي تعد من أهم أعماله الإبداعية ..
.تروي " الحفرة " (1931)  قصة عمل فريق من العمال في اقامة مبنى سكني يخصص للبروليتاريا ، وكان هؤلاء العمال يتوجهون بين فترات العمل الى القرية المجاورة لتطهيرها من الفلاحين الأغنياء أو الملاكين ثمّ يرمون  جثامينهم في عرض البحر . هكذا يصور المؤلف بداية العمل الجماعي في روسيا .
لم ينجز من المشروع سوى الحفرة ، التي تحولت في نهاية المطاف الى مقبرة جماعية. ومعنى القصة واضح وهو استحالة بناء الجنة الشيوعية على معاناة الضحايا الابرياء.
أما الشاعر أوسيب ماندلشتام ( 1891- 1938 )-  وهوأحد أعظم الشعراء الروس في القرن العشرين - فقد ضحّى بنفسه من أجل قصيدة تهكمية بستالين بعنوان " جبلي الكرملين " لم تر النور الا في في عام 1986  ، وترجمت على الفور الى عشرات اللغات الأجنبية من قبل شعراء غربيين معروفين . وهي أشهر قصيدة تهكمية في القرن العشرين .
 
أما ميخائيل بولغاكوف (1891 – 1940)  فقد شجب الثورة في روايته القصيرة " قلب الكلب " التي كتبها في عام 1925 ، ونشرت في الخارج في الستينات ، بعد وفاة الكاتب بحوالي عشرين عاماً ، ولم تنشر في روسيا الا في عام  1987 ، فقد كان من الكتّاب المغضوب عليهم  ، ومنع من النشر تماماً في السنوات الأخيرة من حياته . القاريء يعرف بولغاكوف من خلال روايته الرائعة "المعلم ومرغريتا" ، المترجمة الى اللغة العربية . ومن أهم أعماله الأخرى رواية " الحرس الأبيض "، و مسرحية " أيام آل توربين" وهو يعد من أهم الكتاب الروس في النصف الأول من القرن العشرين .
لم يقتصر الحظر والتضييق على هؤلاء المبدعين فقط ، بل شمل مبدعين روس آخرين من ألمع الشعراء والكتّاب ، ومنهم اهم شاعرتين روسيتين في القرن العشرين وهما تسفيتايفا وأخماتوفا اللتان منعتا من نشر العديد من  اعمالهما  والشاعر بوريس باسترناك الذي تم حظر نشر روايته " دكتور زيفاكو " في داخل روسيا حتى عام  1987. وشمل الحظر حتى بعض أعمال مكسيم غوركي . والقائمة طويلة. ولا نرى جدوى من ذكر أسماء الكتّاب والشعراء ،الذين تعرّضوا للأضطهاد ممن لم يترجم أي عمل من أعمالهم الإبداعية الى اللغة العربية .
 
أدب المعتقلات :
 
ثمة العديد من أهل الفكر والقلم ، الذين قضوا سنوات طويلة في معتقلات العمل القسري الشاق ، لعل أشهرهم فارلام شالاموف (1907- 1982) ، الذي صور بعمق معاناة المعتقلين في مجموعته القصصية  الشهيرة " حكايات كوليما " . وكوليما شبه جزيرة تقع في اقصى حدود سيبيريا قضى فيها شالاموف سبعة عشر عاما ( 1936-1953) . وقد لقيت " حكايات كوليما " عند نشرها لأول مرة خلال فترة  البيريسترويكا  رواجاً عظيما . شالاموف يعتقد ان الظروف اللاانسانية في تلك المعتقلات الرهيبة لا يطهّر الانسان  بل يفقده آدميته ويحوله الى كائن آخر فاقد لكل ما يميز الأنسان من قيم .
 أما الكسندر سولجينيتسن (1918- 2008) فقد حكم عليه بالسجن ثمان سنوات مع الاشغال الشاقة بتهم مفبركة ، ولم يشفع له ميداليات الشجاعة التي نالها في حينه عن اشتراكه في معارك الحرب الوطنية العظمى ضد الجيش الهتلري . واعيد اليه الاعتبار بعد وفاة ستالين حيث ، عمل مدرسا ، وكتب روايته الشهيرة " يوم واحد من حياة ايفان دينيسوفيج " ، التي يصف فيها يوما واحدا من حياة بطل الرواية في المعتقل . وقد تدخل خروشوف شخصيا للسماح له بنشر الرواية . اما رواياته اللاحقة ومنها رواية " أرخبيل غولاغ " فقد كتبها وبسرية تامة، ولم تنشر الا في عام 1987.وكان سولجينيتسن على النقيض من شالاموف يرى أن المعتقل يسهم في تطهير الانسان من النوازع الدنيوية وقد دخل في سجال طويل مع شالاموف حول هذا الموضوع .
 .
نتاجات الروس المهاجرين والأجانب :
 
كان  الاعلام السوفيتي يزعم ان الطاقة الابداعية للكتاب والشعراء الروس المهاجرين قد خمدت ، ولكن الحقيقة هي انهم قد أبدعوا اعمالاً قيمة نشرت في بلدان اللجؤ ،  وظلت محظورة في روسيا حتى منتصف الثمانينات من القرن العشرين . وعندما  أخذت أعمالهم طريقها الى المجلات الأدبية المركزية،  أصيب القراء بدهشة كبيرة ، حين إكتشفوا أن ثمة أدباً روسياً في الخارج ، متنوع الإتجاهات والأساليب ، لا يقل روعة عن أعمال كبار الأدباء الروس المغضوب عليهم في الداخل.  اعمال هؤلاء المبدعين المهاجرين سمحت بتكوين صورة كاملة للهزات التأريخية التي تعرضت لها روسيا في النصف الأول من القرن العشرين . ونكتفي هنا بمثالين بارزين فقط من هذه الأعمال.
 
- كتاب " الأيام الملعونة " لأيفان بونين ( 1870 – 1953 ) يتضمن يومياته عن احداث عامي 1918- 1919 و الكارثة القومية التي عصفت بروسيا في أعقاب ثورة 1917.وقد اجمعت الاوساط الثقافية في الدول الغربية على الاشادة بالكتاب عند نشره في باريس عام 1936، بل ان البعض  من الباحثين الأجانب اعتبره ذروة ابداع بونين.
كان  المثقفون في الداخل يعرفون وجود هذا الكتاب . بعد ان ظهرت بعض التعليقات النابية عن الكاتب في الصحافة السوفيتية ، ولكن الكتاب ظل ممنوعا من النشر والتداول في روسيا حتى عام 1987 .
يصف بونين في هذا الكتاب الحياة المدمرة في المدن والقرى ، حيث تركت الاراضي الزراعية مهملة ولم يزرع او ينتج أي شيء طيلة خمس سنوات :ويتساءل الكاتب : " كم من الناس يسيرون اليوم في ملابس منزوعة من جثامين الموتي ؟ " . بونين يصدر حكماً قاسياً ليس على الثوار فقط ، بل على الشعب الروسي أيضاً ، لأنه سمح لفئة من المتعصبين أن يتحكموا في حياته ومصيره ، وهو يندد في يومياته - التي كتبها  إثر الأحداث الساخنة يوماً بيوم -  بإحتكار الحقيقة من قبل الثوار . ويصرخ : " نحن أيضاً بشر "  ويطالب بتطبيق معيار أخلاقي واحد على " نحن " و "هم" مدافعاً عن القيم الإنسانية المشتركة .
 
.ويقول ان كل ما يقترفه الثوار من افعال مسموح ومغفور لهم ، في حين انهم انتزعوا من "البيض"  كل شيء : "  الوطن ،و الآباء ، والأخوات ، والأقارب ، والمهود ، والمقابر  .لأنهم – حسب الثوار - ليسوا بشراً ولا يمكن أن يكون لهم رأي في ما يحدث في بلادهم.
في " الأيام الملعونة " يروي بونين قصة أثارت دهشته ، حيث أقدم الثوار خلال نهب منزل أحد الملاكين ، على نتف ريش الطواويس ، وتركها مدماة تنتفض من الألم في الفناء .الطاووس المسكين لم يكن يعرف أنه طير بورجوازي ".
 
- ويصف كاتب مغترب آخر هو ايفان شميليوف في رواية " شمس الموتى " المجاعة الرهيبة في شبه جزيرة القرم ، حيث كان هو شخصيا شاهداً وضحية لها . شخصيات الرواية أناس حقيقيون ، من سكان مدينة " آلوشتا " الساحلية . ويمتد زمن الرواية عاماً واحداً ، من الربيع الى الربيع التالي . وهي  وثيقة فنية – تأريخية مدهشة لتلك الحقبة .
في ظل النظام الجديد تحولت اراضي القرم الخصبة الى صحراء محروقة . البلاشفة الذين نجحوا في انتزاع السلطة ، لم يحاولوا تنظيم الناس للعمل المنتج ، ولم يكن لهم همّ سوى فرض العقوبات على السكان ، وسلب ما لديهم من مال وممتلكات . اسم الرواية يشير الى الانتصار التام للموت على الحياة . الناس يترنحون من الجوع عند المشي . المجاعة دفعت الناس الى اكل كل ما تقع في أيديهم من حيوانات وطيور ونباتات . السلطة الجديدة لا تلتفت الى معاناة السكان ولا تهتم بمصائرهم وتركتهم يموتون من الجوع . شميليوف يصور كيف ان الجوع يدمر اخلاق الانسان . الجيران الان يكره بعضهم البعض الاخر ، وبوسعهم سرقة آخر قطعة خبز . انه زمن الجنون بعينه.
 
ولم يقتصر الحظر في الحقبة الستالينية على الأدباء الروس المغضوب عليهم ، بل شمل أيضاً نشر  أو تداول الأعمال الأدبية والفكرية لعدد كبير من الكتاب والمفكرين والفلاسفة الأجانب، بذريعة انها مضرة ، وتتنافى مع الأيديولوجية الماركسية . ومنها نتاجات جيمس جويس واورويل وكافكا ، وكتب فرويد ، ونيتشة ، وسارتر ، وغيرهم ، التي اطلع عليها القاريء الروسي بعد عشرات السنين من صدورها  .
ونرى على هذا النحو ، كبف أن الحرية لها بعض الجوانب السلبية أحياناً ، مثلما حدث في روسيا خلال سنوات البيريسترويكا .، عندما حجب " الأدب المستعاد " النصوص الإبداعية للأدباء الشباب ، وحرمتهم من النشر لسنوات عديدة . ولم تبدأ المجلات الأدبية المركزية ودور النشر بالإهتمام بإبداعاتهم الا منذ أوائل التسعينات من القرن العشرين .


41
من هو الكاتب الذي ركعت مارلين ديتريتش على ركبتيها لتحيّته ؟
جــودت هوشيار      
الكاتب الذي سحر مارلين ديتريتش :
قرأت في عام 1963  – وانا طالب في موسكو – نتائج إستطلاع للرأي بين القراء الروس عن أحب كاتب الى قلوبهم . وكم كانت دهشتي عظيمة ، عندما تصدر الكاتب الروسي  قسطنطين باوستوفسكي القائمة ، التي كانت تضم أشهر كتاب روسيا والعالم.
كنت قد سمعت بأسم هذا الكاتب أول مرة من مدرسة اللغة الروسية في الكلية التحضيرية بجامعة موسكو ، وغلب على ظني حينئذ انه من الكتاب الذين يحظون بمباركة رسمية . ونسيته بعد ذلك تماما . وقد دفعني هذا الإستطلاع الى البحث عن أعماله الروائية والقصصية في متاجر الكتب بالمدينة ، ولكن دون جدوى ، لأن كل كتاب جديد له كان ينفد بعد أيام من عرضه للبيع ، رغم صدوره في مئات الآلاف من النسخ . فما كان مني الا أن أبحث في المكتبة العامة القريبة من مسكني عن نتاجاته . وما أن شرعت بقراءة أعماله حتى سحرني أسلوبه وعالمه القصصي ، الذي يشغل فيه وصف الطبيعة الساحرة لروسيا الوسطى جانباً كبيراً منه ، وهو لا يقص أحداثاً خطيرة أو وقائع عظيمة ، بل يجعل الأحداث الصغيرة ، والأشياء العادية مثيرة للأهتمام .
قسطنطين باوستوفسكي (1892- 1968) كاتب غزير الأنتاج ، كتب عشرات الروايات والقصص الرائعة ، كما كتب للأطفال مجموعة من الحكايات الجميلة ، وحولت السينما الروسية العديد من قصصه ورواياته الى أفلام سينمائية ناجحة .
وقد استوقفتني روايته الرائعة " الوردة الذهبية " ( 1955 )  المكرسة لجوهرالكتابة الإبداعية. وهي على شكل فصول مستقلة ، وكل فصل مكرس للحديث عن تجربة ابداعية معينة للمؤلف .وكما يقول في مقدمة الكتاب ، فأن هذه الرواية ليست بحثا في قواعد كتابة الرواية او القصة ،مؤكداً أنه لا وجود لمثل هذه القواعد . بل يدعو القاريء الى الدخول في مختبره الإبداعي. وفي الفصل المعنون " ندوب على القلب " يتحدث عن خلفية كتابة أشهر قصة قصيرة له وهي " البرقية " عندما قضى عدة اشهر في دار امرأة عجوز مريضة ببلدة ريفية ، وتفرغ فيها للكتابة .ولكنه ازال نفسه من القصة ، التي كتبها بالضمير الثالث ،واضاف اليها شخصيات من وحي الخيال . والقصة اعمق واغنى من الواقع بكثير.   قرات قصة " البرقية " بتمعن ،واعدت قراءتها المرة تلو المرة ، وأنا مأخوذ بأناقة لغة الكاتب  وجمال اسلوبه ، وعمق تصويره السايكولوجي  ، الذي يحرك مشاعر القاريء ويترك في نفسه أثراً عميقاً، ويدفعه الى تأمل الحياة من حوله برؤية جديدة .
ويبدو أنني لم أكن وحدي من هزته هذه القصة السايكولوجية ، فقد كرست المغنية والممثلة الألمانية -   الأميركية الشهيرة مارلين ديتريتش ، اسطورة هوليود ، صديقة همنجواي وريمارك ، فصلاً كاملاً
في كتاب لها بعنوان " تأملات" (1985)، للحديث عن هذه القصة وكاتبها باوستوفسكي ولقائها بالكاتب في موسكو عام 1964 ، عندما أحيت عدة حفلات غنائية على مسرح " دار الكتّاب ".
 تقول ديتريتش : " ذات مرة قرأت قصة لباوستوفسكي – الذي لم اسمع به من قبل - بعنوان " البرقية " تركت في نفسي انطباعا قويا ، وجعلتني لا أنسى القصة ولا اسم كاتبها مدى الحياة . لم أعثر على  أعمال أخرى لهذا الكاتب المدهش. وعندما سافرت الى روسيا في جولة فنية ، ووطأت قدماي أرض مطار موسكو، أخذت أسأل عن باوستوفسكي . 
كان هناك مئات الصحفيين الذين لم يوجهوا لي أي أسئلة غبية من قبيل الأسئلة التي ابتليت بها في البلدان  الأخرى . وكانت اسئلتهم مثيرة للأهتمام . استغرق حديثنا أكثر من ساعة ، وعندما وصلت الى فندقي ، كنت أعرف كل شيء عن باوستوفسكي . كان مريضا، وراقدا في المستشفى في ذلك الوقت . وقد قرأت لاحقاً  كلا المجلدين لسلسلة رواياته المعنونة " قصة حياة " وكنت منتشية بنثره الفني . قدمنا عدة حفلات للكتّاب ، والفنانين ، والممثلين . واحياناً كنا نقدم أربع حفلات يومياً. وفي أحد هذه الأيام وأنا خلف الكواليس ، أستعد للظهور على خشبة المسرح ، جاءت مترجمتي (نورا) ، وقالت . ان باوستوفسكي موجود في القاعة . لم اصدق ذلك ، وقلت هذا مستحيل ، فهو يرقد الآن في المستشفي بسبب نوبة قلبية ، كما قيل لي في المطار. ولكن (نورا) أكدت : نعم أنه هنا برفقة زوجته . كانت الحفلة جيدة ، ولكنك لن تحقق ما تنشده ، عندما تحاول بكل جهدك أن يكون أدائك على أفضل وجه . طلبوا مني البقاء على المسرح، بعد انتهاء الحفلة. وفجأة صعد باوستوفسكي الدرج الى خشبة المسرح . ذهلت عندما رأيته شاخصاً أمامي ، وانعقد لساني ، ولم أستطع ان اتفوه بكلمة واحدة بالروسية . ولم أجد طريقة أخرى للتعبير عن اعجابي به سوى الركوع على ركبتي امامه. كنت قلقة على صحته ، وأريد أن يعود الى المستشفي حالاً . ولكن زوجته طمأنتني : " هكذا سيكون أفضل له . لقد بذل جهدأ كبيراً لكي يأتي لرؤيتك " . وقد توفي بعد ذلك بوقت قصير . بقيت لدي كتبه وذكرياتي عنه . كَتَبَ باوستوفسكي برومانسية ، ولكن بوضوح ، ومن دون تزويق . لست على يقين أنه معروف في أميركا ، ولكنهم سيكتشفونه يوماً . أنه من أفضل الكتاب الروس الذين أعرفهم . لقد التقيت به في وقت متأخر جدا.
ويروي بعض الكتاب الروس الذين حضروا الحفلة ذكرياتهم عن هذا الحادث  .وهم يختلفون في بعض التفاصيل ، ولكنهم يجمعون ، بان الجمهور أصيب للحظات بالذهول ، وساد القاعة الكبيرة صمت غريب ، ثم صرخت فتاة داخل القاعة بكلمات مبهمة ، دوّت بعدها عاصفة من التصفيق المتواصل . ويقول هؤلاء الشهود بأن ديتريتش ارتمت على المسرح جاثية على ركبتيها وأخذت تقبّل يد المؤلف الذي كتب قصة " البرقية " ثم وضعت يده على خدها المبللة بالدموع . كانت ديتريتش ترتدي فستاناً ضيقاً ابيض اللون ،وكان من الصعب عليها النهوض فساعدها بعض الحضور على ذلك ، ثم  خاطبت الجمهور قائلة : " كنت أحلم بلقاء باوستوفسكي ، من اجل سداد دين له في عنقي ، وانا في غاية السعادة لأن حلمي قد تحقق ." ، كان في القاعة العديد من المصورين ، ولكنهم كانوا في حالة ذهول ولم يفطن احد منهم لألتقاط صورة لهذا المشهد النادر سوى احد الحضور ،الذي التقط صورة واحدة ، نشرت فبما بعد في الصحف السوفيتية .
قصة " البرقية " :
تتناول القصة الأيام الأخيرة في الحياة لأمرأة عجوز مريضة تدعى كاترينا بتروفنا ،التي ، تعيش وحدها في في دار بناها والدها الفنان التشكيلي الراحل في بلدة ( زابوريا )  بعد عودته من العاصمة الروسية القديمة بتروغراد .
كانت كاترينا في شبابها في غاية الجمال والنشاط والحيوية ، زارت باريس مع والدها وعاشت فيها عدة أشهر، وشاهدت جنازة فيكتور هوجو ، وكانت لعائلتها علاقات اجتماعية واسعة بالفنانين والكتاب والشعراء ، اما اليوم فأنها تقضي ايامها في استعادة صور الماضي ، ولولا  بنت الجيران " مانوشكا " التي تأتي لأداء الأعمال المنزلية، ولولا عامل الإطفاء ، الذي يهيأ لها الحطب للشتاء الروسي القاسي ، لماتت في غرفتها من البرد والجوع دون أن يدري بها أحد . ادارة البلدية حجزت على الدار بذريعة انها تراثية وعلى اللوحات الفنية الثمينة فيها . لكنها لا تبدي أي اهتمام ، لا بالدار ولا بصاحبتها .
ناستيا الإبنة الوحيدة لكاترينا بتروفنا تعيش في لينينغراد ، المرة الأخيرة التي جاءت فيها لزيارة امها كانت قبل ثلاث سنوات . لم تكن كاترينا بتروفنا تراسل إبنتها الا ما ندر، فهي لم تكن راغبة في التدخل في حياة إبنتها، ولكنها كانت دائمة التفكير فيها .. ناستيا ايضاّ لم تكن تكتب اية رسائل لأمها ، وتكتفي بأرسال حوالة مالية لها بمبلغ مائتي روبل كل شهرين أو ثلاثة اشهر .
في اواخر اكتوبر، وفي ساعة متأخرة من الليل،  سمعت كاترينا بتروفنا دقات على باب الحديقة ، وذهبت لتفتح الباب ولكن لم يكن هناك احد . في تلك الليلة كتبت رسالة لأبنتها ترجوها ان تأتي لزيارتها.
كانت ناستيا تعمل سكرتيرة لأتحاد الفنانين التشكيليين ، وكان الفنانون يسمونها " سولفيك " لشعرها الأشقر وعيونها الوسيعة الباردة .عندما استلمت رسالة امها كانت جد مشغولة بتنظيم معرض للوحات فنان موهوب ومغمور اسمه تيموفييف ، ولهذا فإنها دست الرسالة في حقيبتها لتقرأها فيما بعد . الرسالة طمأنتها بأن امها ما زالت على قيد الحياة ما دامت قد كتبت لها رسالة.
عند زيارتها لمرسم الفنان تيموفييف كان ثمة تمثال نصفي لجوجول وخيل اليها بأن جوجول يحدق فيها بنظرة تهكمية ساخرة . انشغلت ناستيا اسبوعين كاملين في تنظيم المعرض . وخلال حفل الافتتاح جلبت ساعية البريد برقية عاجلة لها بتوقيع تيخون :" كاتيا تحتضر". لم تفهم فحوى البرقية على الفور، الى أن قرأت اسم بلدة ( زابوريا ) التي صدرت عنها البرقية .. وكاتيا هي اختصار لأسم كاترينا . كوّمت ناستيا البرقية في قبضتها ، وخيل اليها مرة اخرى ان جوجل ينظر اليها نظرة عتاب وتقريع. وفي مساء اليوم نفسه قررت السفر الى ( زابوريا ) .توجهت الى محطة القطار مشيا على الأقدام ، كانت الريح المثلوجة تضرب وجهها ،ولكنها لم تكن تبالي بها .
كانت كاترينا بتروفنا طريحة الفراش منذ عشرة ايام وظلت "مانوشكا" الى جانب المريضة لليوم السادس . ذهب تيخون الى دائرة البريد في البلدة واخذ استمارة برقية ، وفكر طويلا قبل ان يكنب شيئا ما على الاستمارة ،ثمّ جلبها لكاترينا بتروفنا وقرأ في رهبة : " انتظرني .انا في الطريق . اظل إبنتك المحبة دائما . ناستيا " شكرت كاترينا بتروفنا تيخون لكلماته الطيبة واستدارت تحو الحائط وكأنها قد غلبها النعاس.
تم تشييع كاترينا بتروفنا في اليوم التالي والذي حضره العجائز والصبيان . وفي الطريق الى المقبرة شاهدت المعلمة الشابة في مدرسة البلدة  النعش، فتذكرت امها العجوزالتي تركتها وحيدة في المدينة. اقتربت المعلمة من النعش وقبلت يد كاترينا بتروفنا الصفراء الجافة.
وصلت ناستيا الى ( زابوريا ) في اليوم الثاني لدفن امها . ووجدت بدلا منها كومة تراب على قبرها ، وغرفة فارغة باردة ومظلمة ظلت تبكي فيها طوال الليل .ومع حلول الفجر غادرت (زابوريا ) خلسة لكي لا يشاهدها او يسألها أحد . وخيل اليها ان لا احد يستطيع ان ينزع عنها ثقل الذنب ،الذي لا يمكن اصلاحه سوى امها الراحلة.
هذه هي القصة التي ابكت الكثيرين . وهي قصة كالجبل الجليدي ، لا يظهر منها على السطح سوى جزء بسيط والبقية بين الاسطر وما ورائها . باوستوفسكي مثل تشيخوف وهمنجواي يترك القاريء ليكمل القصة ينفسه كل على طريقته الخاصة،  اما الكاتب فيكتفي بالتلميحات والتفاصيل الدّالة . ومن هذه التفاصيل ان الفنانين كانوا يطلقون على ناستيا اسم "سولوفيك " وهو اسم  بطلة مسرحية " بير جينت " للكاتب النرويجي هنريك ابسن.ومن قرأ هذه المسرحية يعرف المقصود ب" سولفيك ".
ومن هذه التفاصيل ايضا ان كاترينا بتروفنا كانت تحمل دائما حقيبتها اليدوية، وتفتحها بين حين وآخر لتتطلع الى صورتها وهي شابة والى صورة ابنتها ، والى بعض  الاوراق الرسمية يداخلها . وهذا تلميح إلى أن زوج كاترينا، الذي تجاهل المؤلف الاشارة اليه ربما يقبع في المعتقل وهذه الاوراق تخص قضيته . وثمة تلميح آخر وهو ان كاترينا ، حين خيل اليها ان احدا يدق باب الحديقة ، في وقت متأخر من الليل و ذهبت لتفتح الباب ولم تجد احدأ ، انما كانت تنتظر عودة زوجها. والقصة زاخرة بهذه التفاصيل الموحية .
باوستوفسكي أحد الكتّاب القلائل الذين حافظوا على استقلاليتهم وحريتهم الداخلية في ظروف بالغة القسوة في ظل النظام الستاليني الشمولي . لم ينتم الى الحزب الشيوعي ، ولم يكن عضوا في مجلس السوفييت الاعلى ،كما العديد من زملائه الكتّاب . بل أنه لم يكن عضوا قيادياً حتى في اتحاد الكتاب السوفييت. لم يكتب كلمة واحدة في مديح ستالين أو النظام البلشفي ، ولم يحاول التسويق لنفسه بالتملق لذوي النفوذ . وظل ضميره حياً ، يقظاً ، ونقياً . واستطاع أن يحافظ على سمعته ككاتب صادق وانسان نزيه.
لم  يترجم شيء يذكر من أعمال باوستوفسكي الرائعة الى اللغة العربية ، رغم أنه ومنذ الخمسينات معروف عالميا ، وترجمت أعماله الى اهم لغات العالم ، وكان في مقدمة المرشحين لنيل جائزة نوبل للآداب لعام 1965 ، بل أن لجنة نوبل أتمت كل التحضيرات لأعلان فوزه بالجائزة ، ولكن الأتحاد السوفييتي مارس ضغطاً  دبلوماسياً واقتصادياً هائلاً على السويد ، لصرف النظر عن منح الجائزة لباوستوفسكي . وفعلاً أثمر ذلك عن منح الجائزة الى مرشح الدولة السوفيتية ميخائيل شولوخوف.


42
مأساة الكتّاب الروس
جــودت هوشيار
الشعب القاريء :
خلال دراستي في موسكو في الستينات ، لفتت نظري ظاهرة ، نادراً ما نجدها في بلد آخر ، على هذا النحو الصارخ ، وهي أن الروس رجالاً ونساءاً ، شيباً وشباناً ، يقرأون الكتب والصحف بنهم لا نظير له. ليس في المكتبات العامة والبيوت ، والمدارس والجامعات ، أو المكاتب فحسب ، بل في كل مكان : في وسائط النقل ، وفي طوابيرالأنتظار في المتاجر. وفي المنتجعات . وكان الروس يتفاخرون عن جدارة بأنهم الشعب الأكثر قراءة في العالم . ولا تهدف القراءة عندهم الى تمضية الوقت أو التسلية ، بل أن المثقفين منهم يعتبرون الكتب  زاداً فكرياً وروحياً لا غنى عنه للأنسان . ولا زلت أذكر العبارة المنقوشة فوق بوابة " قصر الثقافة " التابعة للجامعة التي درست فيها : " تذكر أيها الطالب ان عليك التزود بالثقافة ، لأنك لن تصبح إنساناً متكاملاً بالعلم والتكنولوجيا فقط " . كما أن المناهج الدراسية في شتى مراحل التعليم تتضمن قراءة وتحليل أهم ما أنتجه الفكر الإنساني من آداب وفنون . والروس مغرمون بتشبيه معارفهم وأصدقائهم بأبطال القصص والروايات من حيث طبائعهم وملامحهم . وهم يتخذون الكتّاب والشعراء مثلاً في حياتهم الروحية ، ويتابعون كل ما يتعلق بنتاجاتهم ويومياتهم ورسائلهم وعلاقاتهم الأدبية والشخصية ، سواء الأحياء منهم أم الأموات . ويزورون المتاحف التي كانت يوما ما مساكن لهم ،والتي تضم أعمالهم الأدبية المنشورة والمخطوطة ومسودات نتاجاتهم ، ومراسلاتهم ، وصورهم في مختلف مراحل العمر ، وكل ما يتعلق بهم . وهم يصغون باهتمام بالغ الى آراء الكتاب والشعراء ، ويوجهون اليهم الأسئلة حول نتاجاتهم  خلال اللقاءات ، التي تجري معهم سواء في قاعات الأحتفالات أو في وسائل الإعلام .
رحيل أي كاتب أوشاعر معروف على المستوى القومي يعد خسارة عظمى عند الروس ، لأنهم يعتبرون الكاتب أو الشاعر معلماً للشعب. لذا فأن السلطة السياسية  كانت وما تزال تتوجس من الكتاب كثيراً وتراقب أعمالهم .
الحالات التي نوردها ، في الفقرات اللاحقة عن مصائر عدد من ألمع الكتّاب والشعراء الروس المعروفين لدى القاريء ، تعد  غيضاً من فيض ، ولكنها تكفي للأبانة عن حال الأدب والأدباء في روسيا في  الماضي القريب .   
الموت واحد وان تنوعت اشكاله :
جرت العادة في روسيا عبر التاريخ أن يكون الشعراء من المعذبين في الأرض لأن الشاعر في روسيا هو أكثر من مجرد شاعر. لذا نتحدث أولاً عن تلك الفواجع ، التي ألمّت بالشعراء الكبار.
الكساندر بوشكين ، أعظم شاعر روسي ، على مر العصور ، تم نفيه مرتين ، واصيب بجروح بليغة خلال مبارزة غامضة مع البارون جورج دي غيكّرن في 27 يناير 1837 ، وتوفي بعد ذلك ببضعة أيام .
   ميخائيل ليرمنتوف ، احد أهم الشعراء الروس بعد بوشكين. له العديد من الروائع الأدبية نثراً وشعرا . كتب وهو متأثر بمصرع بوشكين قصيدة احتجاجية رائعة بعنوان " مصرع شاعر " ، هزت روسيا من أقصاها الى أقصاها . وحفظها ورددها المعاصرون مما أثار غضب السلطات التي قررت اعتقاله ونفيه إلى منطقة القوقاز . كانت حياته قصيرة خاطفة كالشهاب ، حيث قتل خلال مبارزة مع نيكولاي مارتينيف في 27 أيلول 1841 ، عن عمر بلغ 27 عاماً. ويعتقد على نطاق واسع أن ليرمنتوف قتل برصاصة أخرى غير رصاصة مارتينيف . وعندما سمع القيصر نيكولاي الأول بمصرع الشاعر، قال شامتاً : " الكلب  لا يستحق سوى ميتة الكلاب " . وثمة شكوك بأن بوشكين وليرمنتوف قتلا بأمر القيصر تحت ستار المبارزة .
اما فيودور دوستويفسكي فقد حكم عليه بالإعدام لنشاطه الثوري ضد النظام القيصري ، ثم تم تخفيف الحكم في آخر لحظة الى السجن مع الأشغال الشاقة لمدة عشر سنوات ، تلك السنوات التي راحت هدراً ،من دون كتابة . ولا يزال سر موته المبكر لغزا.ً
بعد ثورة اكتوبر 1917 هاجر عدد كبير من خيرة المثقفين الروس من علماء ومفكرين وفلاسفة وكتاب وشعراء وفنانين الى خارج البلاد . ومارس النظام الستاليني ضد من بقي منهم في البلاد  شتى صنوف الترهيب والترغيب والترويض والإغراء . 
مات الشاعر الروسي الكبير الكساندر بلوك في عام 1920 بعد ان  رفضت البلاشفة السماح له بالسفر الى الخارج لتلقي العلاج .
الشاعر سيرغي يسينين شنق نفسه في فندق ( انكليتير) في لينينغراد ( بطرسبورغ حاليا) يوم 31 كانون اول 1925 وهو في الثلاثين من العمر . ومنذ ذلك اليوم لم تنقطع التكهنات بضلوع ستالين في قتله ، وهو الشاعر الأكثر شعبية والقريب الى قلوب الروس ، الذين يحفظون شعره العاطفي المؤثر . و قد ترك في الغرفة التي شنق نفسه فيها قصيدة مكتوبة بالدم ، لأنه لم يجد حبراً فجرح معصمه وكتب قصيدته ، التي يقول فيها: " ليس جديداً في هذه الحياة أن نموت / وليس جديداً بالتأكيد أن نعيش " . وكان لرحيله ،وهو في ذروة إبداعه الشعري أصداء هائلة في روسيا ، فقد وصفه بوريس باسترناك قائلاً : "  لم تلد الأرض الروسية مَن هو أكثر محلية ، وأكثر عفوية ، مَن هو أكثر وطنية و أفضل توقيتاً ، مما هو سيرغي يسينين . وقال مكسيم غوركي :إن يسينين ما هو بالإنسان قدر ما هو كائن خلق من اجل الشعر حصرا. إما يفجيني يفتوشينكو فقال فيه: إن يسينين لم ينظم أشعاره بل لفظها من أعماقه.
 وعقب انتحاره انتشرت بين الشباب الروسي موجة من حوادث الإنتحار ، فشنت السلطة حملة ضد ما سمي باليسينينية (بالروسية - يسينينشينا ). وما يزال انتحار الشاعر أو مصرعه الغامض مثار جدل بين الباحثين والمثقفين الروس .
كتب الشاعر فلاديمير ماياكوفسكي قصيدة اثر انتحار يسينين يقول فيها : " في هذه الحياة ليس صعباً أن تموت / أن تصوغ الحياة أصعب بما لا يقاس ". ماياكوفسكي اطلق الرصاص على رأسه من المسدس المهداة اليه من مخابرات الكرملين . ويقول المنظر الأدبي الروسي البارز فيكتور شكلوفسكي : " ان ذنب الشاعر ليس في انه اطلق الرصاص على نفسه ، بل أنه اطلقها في وقت غير مناسب " .
مكسيم غوركي  مات في ظروف غامضة بعد رفض السلطة السماح له بالسفر الى الخارج لغرض المعالجة . ويقال انه جرى تسميمه ، وان ستالين شخصياً كان ضالعا في قتله، لأن الكاتب الثوري الكبير كان مستاءاً مما يرى حوله من بؤس وظلم .
الشاعرة العظيمة مارينا تسفيتايفا ، انتحرت في 31 اغسطس  1941. ولم يسترعي هذا الأنتحار الأهتمام ، لأنه حدث  في بداية الحرب الدموية بين الأتحاد السوفييتي والمانيا الهتلرية .. وكانت قصائدها ممنوعة من النشر حتى اواسط الخمسينات ، وهي تحتل اليوم مكانة بارزة في الأدب الروسي وتحظى بمقروئية عالية ، خاصة بين النخب المثقفة .شعرها مشبع بالعواطف الجياشة حتى الثمالة ، وكم رأيت من شاعرات روسيات يقرأن شعرها وهن يذرفن الدموع . 
- الشاعر اوسيب  مندلشتام  اعتقل بسبب قصيدة كتبها تحت عنوان " متسلق جبال في الكرملين " وتوفي في السجن. والشاعر كلوييف مات تحت التعذيب ، اما الكاتبان المعروفان بيلنياك واسحاق بابل فقد حكم عليهما بالأعدام ونفذ فيهما الحكم سريعاً
عندما نقرأ عن هذه المصائر التراحيدية نتذكر قول فولتير : " اذا كان لي ابن، لديه ميل إلى الأدب، فان العطف الأبوي يدفعني الى ان الوي عنقه "
كان ستالين يقرأ أهم الأعمال الأدبية المنشورة ، ويشاهد المسرحيات، التي تحظى بإقبال جماهيري . وقد شاهد مسرحية  " أيام توربين " من تأليف الروائي البارز ميخائيل بولغاكوف  عدة مرات ، حين عرض على المسرح الفني في موسكو ، ثم أصدر حكمه القاطع : " هذه المسرحية سُخرية من النظام وبولغاكوف ليس مِنا ". مات بولغاكوف بعد تعاطي جرعة كبيرة من المورفين .
عندما قرأ كتب ستالين في عام 1931 مسرحية ( في المخزن ) للكاتب أوليغ بلاتونوف في احدى المجلات الأدبية قال : " كاتب موهوب ولكنه وغد "  وارسل الى ادارة المجلة رسالة وصف فيها المسرحية بأنها حكاية عميل لأعدائنا ، كتبت من اجل تشويه الحركة الكولخوزية "
في عام 1934 أنشأ ستالين ( اتحاد الكتاب السوفيت ) بعد حل كل الأتحادات والجمعيات  الأدبية الأخرى. وفرض الإتحاد الجديد على جميع أعضاءه الألتزام بما يسمى (الواقعية الإشتراكية )  وهو مصطلح عجيب - هل ثمة واقعية رأسمالية أو مسيحية ، لتكون هناك واقعية إشتراكية ؟ . وكانت حصيلة هذه السياسة البلهاء هي قتل (182 ) عضواً - أي ثلث اعضاء المؤتمر التأسيسي للأتحاد - في السجون والمعتقلات خلال السنوات القليلة التي أعقبت المؤتمر .
 كان الروائي الكسندر فادييف ولسنوات طويلة على رأس إتحاد الكتّاب، و كان مؤمنا بالأشتراكية ،وشديد الأخلاص للحزب ولستالين شخصيا ، ويؤمن بأن كل ما يفعله ستالين هو لخدمة المستقبل الإشتراكي للبلاد . وبعد المؤتمر العشرين للحزب في عام 1956 ، حين اتضح له الحقائق المروعة عن جرائم ستالين ،  لم يتحمل الضغط  النفسي الشديد. وبات دائم القلق ، معذب الضمير . و يتمنى أن يموت اليوم قبل الغد ، فأطلق الرصاص على نفسه ليرتاح كما جاء في الرسالة الموجهة الى اللجنة المركزية للحزب، والتي كتبها قبيل إنتحاره .
الكتاب والشعراء الروس في فترة " ذوبان الجليد " :
قضية الشاعر بوريس باسترناك ، الحائز على جائزة نوبل لللآداب في عام 1958 عن روايته " دكتور زيفاكو "  ما زالت طرية في أذهان جيلنا . حيث تعرض الى حملة تشهيرية واسعة ، أصبح بعدها انسانا محطما ، وسرعان ما اصيب بسرطان الرئة الذي لم يمهله طويلاً ، وتوفي في عام 1960 .
اما الشاعر جوزيف برودسكي فقد اعتقل بتهمة نشر اعماله في الخارج ، وتم احتجازه  في مستشفى للأمراض العقلية .ثم حكم عليه  بالسجن مع الأشغال الشاقة لمدة خمس سنوات . وفي 12 أيار 1972 طردته السلطات الى خارج البلاد بعد نزع الجنسية السوفيتية عنه . وهو شاعر موهوب نال جائزة نوبل لللآداب لعام 1987 ، وكان عمره آنذاك 47 عاماً أي اصغر أديب حاصل على هذه الجائزة الرفيعة .
في عام 1968  حين نشر ألكساندر سولجينيتسن روايتيه  "الدائرة الأولى" و " جناح السرطان " في الخارج  ، وصفته وسائل الإعلام السوفيتية ب( الخائن ) . وعلى اثر حصوله على جائزة نوبل للآداب في عام 1870 ، فصل من اتحاد الكتاب السوفييت، وفي عام 1974 ، نزعت عنه الجنسية السوفيتية وطرد الى خارج البلاد .
قال سولجينيتسن خلال لقائه بأحد الكتاب الروس الرسميين: " انتم تعاتبونني لأن كتاباتي تنشر في المجلات السرية ، ويجري استنساخها . والناس يقرأونها باهتمام ، وتنتقل من عائلة الى أخرى ،ولكن من منكم يستطيع ان يتفاخر ان كتبه التي تطبع على حساب الدولة بآلاف النسخ ، تقرأ من قبل الجمهور وتنتقل من عائلة الى أخرى ؟ لا أحد . هل تعرف لماذا ؟. أنا أقول لك : لأنكم تكتبون حسب الإيعازات من فوق ، ولكن الكاتب الحقيقي لا يكتب بإيعاز من أحد ، بل بإيعاز من روحه وعقله ، وضميره ".
وأخيراً أين هم الآن الكتاب السوفييت من مدرسة الواقعية الإشتراكية؟ لا أحد يتذكرهم ، ولا أحد يقرأ لهم في روسيا اليوم .


43
المنبر الحر / تشيخوف الأميركي
« في: 19:04 31/08/2016  »
تشيخوف الأميركي
جــودت هوشيار
اليوم الفاصل بين حياتين :
ريموند كارفر (1938-1988)– قاص وشاعر أميركي ، يعد واحداً من أساتذة القص الأميركي الحديث ، وأكثرهم  شعبية. وقد ترجمت أعماله الى أكثر من عشرين لغة أجنبية ،و تم تحويل العديد من قصصه الى أفلام سينمائية ناجحة. و قبيل وفاته ، كان يحب أن يردد : " أنا انسان سعيد . فقد أتيح لى أن أحيا حياتين ". وحدد كارفر بدقة التأريخ الفاصل بينهما ، أي نهاية الحياة الأولى وبداية الثانية ، وهو الثاني من حزيران 1977 . كان هذا اليوم بالنسبة اليه يوما مشهودا ومخيفا في آن واحد– وكان في ذلك الحين كاتبا وشاعرا معروفا الى حد ما – ففي هذا اليوم وقع في حالة غيبوبة دماغية نتيجة إفراطه في شرب الكحول. وفيما بعد قال وهو يتذكر هذا اليوم: " كأنني وقعت في قاع بئر عميقة جدا ".وقد تمكن الأطباء من اعادة كارفر الى الحياة . ومنذ ذلك اليوم ترك شرب الكحول نهائياً .
 حياة كارفر الثانية لم تدم سوى 11 سنة ، فقد توفى في الثاني من أغسطس 1988 بمرض سرطان الرئة . كان يصارع المرض الرهيب ويعلم أن الوقت المتاح له قليل جداً ، لأن نهايته قريبة ، ومع ذلك كان يردد دوماً أمام اسرته  واصدقائه  : " انني في كل يوم أشعر بنعمة ربي . وفي كل يوم أشعر بدهشة بهيجة لحياتي المستقرة "
حقاً أن حياة كارفر الثانية كانت أكثر انتظاما واستقراراً من حياته الأولى ، والأهم من ذلك أن طاقته الإبداعية لم تتضاءل ، بل على النقيض من ذلك ،أصبحت أقوى وتجسدت ببراعة في العديد من المجاميع الشعرية والقصصية الجديدة . وحصل على المجد الأدبي والشهرة العريضة عن جدارة ، وعلى الرفاه المادي ،   وعرف الحب الحقيقي ،حيث تزوج من الشاعرة تيس غلاغر، بعد أن انفصل عن زوجته الأولى .
وعندما كان يتحدث عن السعادة التي غمرته في نهاية رحلة العمر، لم ينس حياته الأولى الشاقة ولم يشطب عليها ، لأنها كانت في الوقت ذاته مدرسة كبيرة تعلم فيها الكثير .
مدرسة الحياة :
ولد كارفر في 25 ايار 1938 في بلدة كلاتسكيني الصغيرة في ولاية اوريغون، في شمال غرب الولايات المتحدة. وأمضى طفولته في ياكيما ( ولاية واشنطون ) ، حيث تتركز فيها  الصناعات الخشبية ، كما هو الحال في العديد من المدن الأخرى في تلك المنطقة .
في ياكيما استطاع الاب ان يجد لنفسه عملا في منجرة بصفة عامل شحذ المناشير . كان دخل الأسرة قليلاً ، ولهذا لم يتمكن ريموند من مواصلة التعليم الجامعي بعد تخرجه في المدرسة الثانوية في العام 1956 . وقد تزوّج وهو في سن الثامنة عشرة من زميلته في المدرسة الثانوية ماريان ، التي كانت تصغره بعامين وحاملاً ، وكان عليه أن يعمل طوال الوقت . وتنقل بين العديد من المهن، من اجل تأمين لقمة العيش . فقد عمل ساعياً للبريد ، وحارسا ليليا ، وعاملاً في محطة لتعبئة الوقود ، ومضمدا  في المستشفى . وقد ازدادت الأوضاع تعقيدا عندما انجب الشابان طفلين ، ومع ذلك فقد واصل الكتابة وقرأ كثيراً ، وكان شغوفا بالعمل الادبي ، وحريصاً على ان يذهب الى الورشة الإبداعية التابعة لكلية جيكو لتعلم تقنيات الكتابة. وقد لعب لقائه بالروائي الأميركي جون غاردنر (1933-1982 ) الأستاذ في تلك الورشة ، دوراً مهما في حياته  الأدبية.
غاردنر هو الذي عرّف كارفر على أسماء وأعمال العديد من اساتذة فن القصة . وقال كارفر لاحقا وهو يتذكر استاذه : " كان غاردنر يشير في محاضراته دائما الى الكتاب الذين كنت أجهل اسمائهم : كونراد ، بورتر ، اسحاق بابل ، تشيخوف " . كان غاردنر يتمعن باهتمام بالغ في ما يكتبه تلامذته من اعمال ادبية ، و يولي كارفر اهتماما خاصاً . لم يكن يفرض رأيه عليه  بل يقدم له المشورة اللازمة ، ويغرس الثقة في نفسه والأيمان يقدراته الإبداعية.
وفي العام 1961 سافر كارفر مع زوجته ماريان وطفليهما الى كاليفورنيا ، وسكنت العائلة بالقرب من سان فرانسيسكو في مدينة أركاتا، أولا. وبعد ذلك في كوبرتينو ، ولكن العلاقة الزوجية أخذت تتوتر بينهما على نحو متزايد: ربما لأنهما تزوجا في وقت مبكر جدا، أو بسبب اختلاف شخصيتيهما ، ولكن على الأرجح بسبب الظروف المادية الصعبة  ،التي لم تسمح لكارفر بالتركيز على الابداع ، وحاول الهروب من الهموم اليومية بالإفراط في شرب الكحول. لم يكن كارفر وحده يعمل لتأمين معيشة الأسرة ، بل ماريان أيضاً ، التي عملت نادلة مطعم وعاملة لتعليب الفواكه ، اضافة الى عملها كربة بيت . ويبدو انها كانت ذات دخل اكبر من زوجها ، وهي التي أدخرت شيئا من المال لشراء أول آلة طابعة له .
بعد حوالي عشر سنوات تمكن كارفر من نشر عدة مجموعات شعرية لاقت نجاحاً ملحوظاً ،وتميزت ببساطة لغتها وجمال صورها الفنية على خلفية قصائد الشعراء الآخرين المعقدة ، التي ينفر القاريء العادي من لغتها الملتوية ورموزها الغامضة .
ولكن موهبة كارفر الحقيقية تجلت في النثر الفني وفي القصة القصيرة تحديداً . مجموعته القصصية الأولى " ضع نفسك مكاني " (1974) لم تحظ بإهتمام يذكر.
أما مجموعته الثانية " هلا هدأت من فضلك " (1976 ) فقد لاقت نجاحاً ملحوظاً وأرغمت النقاد على الحديث عن موهبة قصصية جديدة في الأدب الأميركي .  وقد اتسمت المجموعة بدقة التعبير والأختزال اللغوي والعمق السايكولوجي ، وقدرة الكاتب على اثارة قلق القاريء بثيماتها المتصلة بالحياة الأميركية المعاصرة : ادمان الكحول ، والفقر، والإغتراب الأنساني ، وتصوير الناس العاديين - وأغلبهم كادحون او موظفون صغار يعانون من خيبات الحياة - في مواقف بائسة .
 وتتابع صدور مجموعاته القصصية الجديدة : " عمّا نتحدث حين نتحدث عن الحب " ( 1981)  ، و"الكاتدرائية" (1983) ، و" من أين أتصل " (1987 ) ، التي رسخت مكانته الأدبية ، ، وأدت الي ذيوع صيته في العالم ، واعتبرها النقاد احياءاً وتنشيطاً للقصة القصيرة في الآداب المدونة بالأنجليزية ، حتى انهم وصفوه بأنه أهم كاتب للقصة القصيرة منذ ايام همنجواي.
تلميذ تشيخوف وهمنجواي :
تشيخوف هو الأستاذ الحقيقي لكارفر ،و كلاهما يجسد عبقرية الإيجاز في فن القصة القصيرة ، لذا ليس من الغريب ان يقارن النقاد دائما بين الكاتبين .قصص كارفر ، تصور الحياة اليومية للناس العاديين ، اقتداءً بأثر تشيخوف ، وقد استحق من أجلها لقب " تشيخوف الأميركي " عن جدارة . كارفر نفسه ابدى اكثر من مرة انبهاره بمهارة تشيخوف الفنية ، وقال انه يشعر بالقرابة الروحية معه ، عند قراءة قصصه او ما كتب عنه . ويتجلى هذا الإنبهار في قصة " رسالة شفوية "  التي نشرت ضمن مجموعته القصصية الأخيرة (1987 ) . حيث وصفه فيها بطريقة لا لبس فيها بأنه’ أعظم كاتب قصة قصيرةعلى مدى التأريخ . وهذا اعتراف صريح بمدى تأثره بفن  تشيخوف . ومع ذلك نجح كارفر في تجنب الوقوع في فخ التقليد ، وقد أثبت من خلال قصصه البديعة أنه كاتب متفرد الموهبة.
نثر كارفر الفني يسحر القاريء منذ البداية ببساطته وخلوه من اي نوع من انواع التعقيد أوالوصف المفصل الممل ، والزخرفة اللغوية : الحوارات القصيرة المتبادلة بين الشخصيات تتالف من من الكلمات والعبارات الأكثر شعبية في اللغة العامية الأميركية . وهي مصدر ممتاز لتعلم هذه اللغة .
قصص كارفر تتحدث عن امور عادية في الحياة اليومية ، مثل الأفراح العائلية اوعلى العكس من ذلك ، عن الخلافات بين الزوجين ، أو فقدان الوظيفة ، أو الأنتقال من مدينة الى أخرى ، أو حوادث الطرق أو بيع الحاجيات المنزلية القديمة ، وهي ليست مثيرة لأهتمام القاريء الباحث عن القراءة المسلية . بل يجذب القاريء المتمعن ،الذي يقرأ ما بين السطور ، ويبحث عن المضمر الخفي في القصة .
كارفر بين الإختزالية والواقعية ( القذرة ) :
وصف العديد من النقاد داخل أميركا وخارجها اسلوب كارفر بأنه اختزالي ينتمي الى تيار الـ( مينيماليزم) ،الذي انتشر في الموسيقى والفنون التشكيلية والأدب منذ نهاية السبعينات . وأهم ما يميز أعمال الأختزاليين هو الوضوح ، والإيجاز ، و الإقتصاد في استخدام  الوسائل التعبيرية ، والتخلي عن كل انواع البهرجة اللفظية ، والميل الى اسلوب يشابه اسلوب همنجواي البرقي . وهذا الأخير هو احد الكتاب المفضلين لدى كارفر .
 ويرى آخرون ، ان التركيز على بعض الجوانب السلبية للحياة اليومية ، مثل الإدمان على الكحول والإفلاس والبطالة ،  يجعل ادب كارفر قريبا من تيار الواقعية الجديدة او "الواقعية القذرة " وهو تيار ظهر جلياً في مطلع الثمانينات من القرن الماضي . ولكن من الخطأ الفادح تفسير ابداع فنان كبير مثل كارفر من خلال هذا المصطلح أو ذاك . فأدب كارفر بحاجة الى تعمق أكثر لأستجلاء خصائصة المتفردة ، التي لم تكتشف بما فيه الكفاية لحد الآن .
قصص كارفر، التي يتناول فيها الجزئيات والتفاصيل المتصلة بالعلاقات الأسرية والحياة  اليومية ، والتي تبدو بسيطة للوهلة الأولى ، تسحرنا بعمقها ،– كما قصص همنجواي القصيرة – التي تشبه الجبل الجليدي .ولا تظهر الا قمته فقط في العمل الأدبي ..
ان المعنى الأعمق لقصص تشيخوف وهمنجواي وكارفر لا يكون واضحاً على السطح ، بل يتألق ضمنياً من خلالها ، فهناك تحت البساطة الظاهرية عالم مخفي بمهارة يتخيله كل منا على نحو مختلف عن الآخرين ، ومن هنا فأن القاريء يكمل عمل المؤلف.
ويقول كارفر :" في القصص التي اكتبها ، احب ان يكون هناك خطر ما غير ملموس ، لكن يمكن ان نستشعره وهو يطوف حولنا ليحدث ما يمكن ان يصيبنا بشر ما . لا بد ان يكون هناك  توتر في الهواء "
 لنأخذ على سبيل المثال قصة كارفر المعنونة " الحمّام ". انها قصة عن هشاشة الحياة الانسانية . وخاصة حياة الاطفال ، التي يهددها حتى الاصطدام البسيط نسبيا بسيارة متحركة . وهذا ما حدث لطفل في الثامنة من العمر ، وسبب له رجة دماغية افقده الوعي وأثّر في حياة وسلوك الوالدين اللذان لا يملكان من وسيلة لمجابهة ما حل بهما من مصيبة ، الا الأستحمام بالماء الساخن ، لعله يخفف من وقعها عليهما ، ويمكن تفسير القصة أيضاً ، بأن الحياة تستمر رغم ما يصيب الأنسان من نكبات.
تطرح هذه القصة عن الحادث الذي وقع للصبي وهو في طريقه الى المدرسة في يوم ولادته ، وكيف واجه والداه هذه المصيبة  ، الكثير من الأسئلة ، وكل قاريء يجيب عنها حسب رؤيته ، لأن لكل واحد منا خبرته ورد فعله ازاء ما يحدث في الحياة .
كارفر يتمعن في حياة الناس العاديين ، فقد خبر مثل هذه الحياة وهو قادر على تصوير الجو الذي تجري فيه القصة ، والمزاج السائد فيه ،والقلق الذي ينتاب الشخصيات ، بسبب ما يسميه ب(تآكل) العلاقات الإنسانية : انفراط عرى العلاقة العائلية ، و الأغتراب المتزايد ، والكآبة ، والتوحد ، والعلاقات الشكلية ، حتى بين اقرب الناس بعضهم من بعض .
 
 
 
 


44
المنبر الحر / إله الكتابة
« في: 20:59 18/08/2016  »

إله الكتابة
جــودت هوشيار          
     
شهد الفضاء الثقافي العربي في السنوات الأخيرة موجة لافتة للنظر من الأدب الإيروتيكي النسوي ، وخصوصاً في مجال الرواية ، منها رواية "نساء عند خط الاستواء" لزينب حفني ، و" على فراش فرويد " لنهلة كرم ، و" أنا هي أنتِ " لألهام منصور ، و“خارج الجسد” لعفاف البطاينة ، و“مرافئ الوهم” لليلى الأطرش ، و “أصل الهوى " لحزامة حبايب ، و"برهان العسل" لسلوى النعيمي ، و “صمت الفراشات” لليلى العثمان ، و “الغلامة” و" المحبوبات "  لعالية ممدوح ، وغيرها كثير. هذه الموجة لا ترتبط بتطور المجتمعات العربية - التي تشهد تضييقاً شديداً على حرية المرأة وهضم حقوقها و فرض الحجاب والنقاب عليها بالقوه بإسم الشريعة.ولو قارنا بين العهدين الملكي والحالي في العراق ، لرأينا بوناً شاسعاً بينهما في مدى الحرية الممنوحة للنساء .
 في العهد الملكي كانت المرأة العراقية حرة وسافرة تعمل وتبدع الى جانب الرجل ،في  شتى مجالات الحياة  ، اما في العهد الحالي ، فقد تفشى الفكر الغيبي المتخلف في المجتمع العراقي واتسع نطاق المحرمات والمحظورات ، التي الصقت بالدين الأسلامي الحنيف ظلماً وبهتاناً.
 ولم يقتصر هذا التراجع الحضاري على العراق ، بل شمل حتى مصر الكنانة ،مصر قاسم أمين وهدى شعراوي ، مصر الحضارة والتمدن . فقد رأينا بالأمس مباراة الكرة الشاطئية للسيدات، التي جمعت بين منتخب مصر ونظيره الألماني في أوليمبياد ريو 2016  ،  ظهرت خلالها لاعبات منتخب مصر، يرتدين الحجاب وبنطلون وتيشيرت بأكمام طويلة، فيما كانت الألمانيات يرتدين «البيكيني» وهو الزي المعتاد في مثل هذه الرياضة . كان الفرق صارخاً بين ثقافتين مختلفتين تماماً. كل ذلك يدل دلالة قاطعة على زيف الأدب الإيروتيكي النسوي المفتعل التي تنشرها دور النشر العربية التجارية لكاتبات الستريبتيز ، وتطرحها في السوق كسلعة بورنوغرافية لتحقيق اقصى الأرباح ، تحت مسميات شتى ، مثل تمرد الأنثى على القيم الذكورية ، وانتزاعها لحريتها ، وانطلاقتها الجديدة ، ولا أدري عن أي تمرد وحرية وانطلاق تتحدث دور النشر العربية في ظل الأنظمة الظلامية ،  فالواقع يكذّب هذه المزاعم جملةً وتفصيلاً .
 الكتابة عن الجسد والعلاقات العاطفية الحميمة بين الجنسين ، لا ضير فيها ،إذا ما وظفت لخدمة الفن ، ففي الأدب العالمي نماذج راقية من الأدب الإيروتيكي . ولكن ثمة حد فاصل بين الفن واللا فن ، وبين الإبداع والإفتعال ، وبين عمق تصوير عاطفة الحب السامية ، وبين السرد الجنسي المباشر، و وصف ما لا ينبغي وصفه .في روايات كبار كتاب العالم مقاطع ايروتيكية رائعة. فالكاتب الجاد يعرف حدود الفن ولا يلجأ الى المباشرة والإبتذال أبداً.
معظم قصص ايفان بونين هي عن الحب العارم بين الرجل والمرأة ، بشتى تنويعاته وأشكاله وصوره ، حتى نعنه بعض النقاد بـ( موسوعة الحب ) ، ولا نغالي اذا قلنا اته لا يوجد في الأدب العالمي نظير له في عمق وجمال تصوير الحب الحقيقي اللاهب . يكفي أن تقرأ بعض قصصه مثل " ضربة شمس " و " في باريس" لتتأكد أن الكاتب المبدع يستطيع أن يصور كل الإنفعالات البشرية الروحية والحسية والجسدية بعمق أخاذ ولغة شاعرية وجمال استيتيكي دون أن ينزلق الى حضيض الأدب المكشوف .
ولدي دليل بليغ وقاطع في الفرق بين الأدب الحقيقي وأدب الإثارة الزائف . ففي شهر ايلول من العام الماضي وخلال زيارتي لمعرض الكتاب الدولي في موسكو ابتعت كتاباً رائعاً بعنوان " دروس الحب الروسي " وهو كتاب ضخم يتألف من 600 صفحة من القطع الكبير . ويضم مقتطفات عن الحب في مائة قصة روسية . لعدة أجيال من الكتّاب الروس ، من عمالقة الأدب الروسي وصولاً الى الروائيين الروس المحدثين ، وكتاب ما بعد الحداثة ، بينها قصص عاطفية لعدد من الكاتبات الروسيات. قصص شديدة التنوع من حيث المضامين  والأساليب الفنية ، ولكنها تتصف جميعاً بسمة الإبداع الحقيقي. ومهما حاولتَ البحث بين دفتي هذا الكتاب الضخم عن وصف مكشوف أو فاضح ، فلن تجده أبداً  ، فهي مقاطع  تلمح ولا تصرح ، وتشف ولا تكشف . في حين تتمتع المرأة الروسية بحرية شخصية مطلقة في حياتها ، والمساواة التامة مع الرجل في كل الحقوق والواجبات ، وفي تناول موضوعة الحب في نتاجاتها ، ، ولا يمكن مقارنة وضعها بوضع المرأة في المجتمع العربي .
الروايات الإيروتيكية النسوية في الأدب العربي المعاصر ، زاخرة بالمشاهد الصريحة غير المألوفة في أدب النساء ، وتتسم بالبؤس الإبداعي والخيالي ، وضعف التقنيات الفنية ،وركاكة اللغة  والضحالة الفكرية ، حيث يتخذن من الفضائحية طريقاً للشهرة . هذا النوع من السرد الروائي والقصصي يستهوي المراهقين فكرياً وثقافيا ، وهو تقليد أعمى لما يسمى "ادب اللذة " الذي ظهر في الأدب الغربي عقب الحرب العالمية الثانية ، وشاع بعد الثورة الجنسية في الستينات من القرن الماضي . روايات خفيفة مسلية للباحثين عن الإثارة يطويها النسيان فور الإنتهاء من قراءتها ، ولا أحد من النقاد والباحثين في مجال الأدب يعتبرها أدباً جاداً ، فهي ولدت لتموت سريعا . وثمة عدد كبير من كتاب ( الرواية ) في العالم ، تخصصوا في انتاج هذا النوع من الروايات ، وتطرح دور النشر الغربية المتخصصة عدداً هائلاً منها في السوق كل عام ، فهي كتابة تلفيقية سهلة ، لا تتطلب ثقافة أو جهداً كبيراً، بل وسيلة للحصول على المال من اسهل الطرق .
كاتبات الإيروتيكا العربية يستخدمن لغة فاحشة لا تجدها حتى في أكثر الروايات الجنسية الغربية إبتذالاً ، فهن يلجأن الى كل ما هو غريب ومنحرف في السلوك البشري من اجل إاثارة الإهتمام وولوج الأدب من أسهل أبوابه .
ومن الطريف ان ثمة في بريطانيا والولايات المتحدة جوائز لمثل هذه الكتابات تحت اسم ( أسوأ وصف ايروتيكي ) . ولا شك في ان اي رواية إيروتيكية نسوية عربية حديثة، ستفوز بهذه الجائزة حتماً لو ترجمت الى اللغة الإنجليزية .
لأستجلاء الفرق بين الفن الإيروتيكي الراقي - كما في روايات كبار كتّاب الرواية في العالم وبين الوصف الإيروتيكي السطحي الفاجر ، مثل الروايات التي أسلفنا الإشارة اليها فيما تقدم ، نتناول بإيجاز قصة رائعة للكاتب الروسي بوريس  بيلنياك ( 1896- 1938)  بعنوان " اله الكتابة " عن حكاية حب مؤثرة بين إمرأة روسية وضابط أجنبي . ففي أوائل العشرينات من القرن الماضي عندما كانت اليابان تحتل بعض مناطق الشرق الأقصى الروسية وبضمنها مدينة فلاديفوستوك الواقعة على ساحل المحيط الهاديء ، وقع تاغاكي – وهو  ضابط ياباني ، رفيع المستوى ، ويتقن اللغة الروسية -  في حب صوفيا فاسيليفنا غينديغ ، وهي  شابة روسية تعمل معلمة في المدينة . وبعد اسبوع واحد من اعلان خطبتهما ،غادر الى بلده بعد ان ترك لها مبلغاً من المال لتغطية كلفة سفرها بالباخرة من ميناء  فلاديفوستوك الى مينا تسوروغا اليابانية .وفور وصولها تزوجا رسمياً ، وبذلك خالف هذا الضابط قانون الخدمة العسكرية في بلاده ، مما أدي الى فصله من الجيش وفرض الإقامة الجبرية عليه في منزل والديه على ساحل بحر اليابان. كان الضابط ينحدر من اسرة ارستقراطية عريقة . وقد أثار زواجه من امرأة عادية غضب معظم أقاربه،  فقطعوا علاقتهم به .، بسبب إنتهاكه لتقاليد الساموراي الموروثة. . وبذلك أصبح خارج شريحته الاجتماعية ، ولم يعد بوسعه الإختلاط  حتى بمعارفه ومعارف عائلته السابقين ، عاش الضابط وزوجته في منزل الأسرة على سفح جبل يطل على البحر.
كانا يمضيان كثيرا من الوقت في قراءة الكتب ، وكان الزوج مشبوب العاطفة ، يتقن فنون الحب التي وصلت اليه عبر ثقافة الأجداد ، تلك الثقافة الغريبة عن الأوروبيين . ففي اليوم التالي لزواجهما قدمت لها ام زوجها صوراً ايروتيكية مطبوعة على الحرير .
كانت صوفيا تحب وتحترم وتخشى زوجها في آن واحد  : تحبه لأنه كان قوياً ، ونبيلاً ، وصموتا ، ومثقفاً واسع المعرفة ، ولتضحياته من اجلها . كانت تحبه وتخشاه – من اجل حبه الجارف المهيمن ، الذي كان يتعبها ويتركها منهوكة القوى ، في حين أنه لم يكن يتعب قط . وخلال النهار كان صموتاً ومهذباً وحانياً في نبل صارم . والواقع انها لم تكن تعرف عنه وعن عائلته الا القليل  ، وقد تناهى الى سمعها أن والده يمتلك ، في مكان ما مصنعا لغزل الحرير .
كان زوجها رجلا مثقفا لديه حاجة روحية - جمالية ، فقد كان يقضي امسياته في غرفته منهمكاً بالكتابة . وبعد عدة أسابيع من إنتهاء مدة إقامته الحبرية ، حدث أمر مثير ، ، حيث تدفق الصحفيون الى المنزل على حين غرة ، وأخذوا يصورونها وزوجها و كل شيء يخصهما. وشاهدت صوفيا على صفحات المجلات اليابانية صورها وصور زوجها : صورتهما معا في داخل المنزل وقرب المنزل ، وخلال نزهتهما على شاطيء البحر ، وامام المعبد . هي في الكيمونو الياباني، هو في اللباس الأوروبي .
وقد اخبرها الصحفيون أن زوجها كاتب مشهور ، فقد كتب رواية تصدرت قائمة المبيعات ، وحصل على مردود مالي كبير ، كما انها ( الزوجة ) اصبحت مشهورة على مستوى اليابان
 كانت قد تعلمت اللغة اليابانية قليلاً ، واعتادت على دور زوجة الكاتب الشهير ، ولم تلحظ في نفسها ذلك التغير الغامض الذي حدث لها ، فلم تعد تخشى الناس الغرباء من حولها . واصبح من المألوف لديها ان هؤلاء على استعداد دائما لتقديم أي خدمة تطلبها.واصبحت لديها طاهية في المنزل ، وتسافر الى المدينة في سيارة فارهة ، وتصدر الأوامر للسائق باللغة اليابانية ، وعندما جاء والد زوجها لزيارتهما انحنى لها على الطريقة اليابانية اكثر مما انحنت هي تحية له .
كانت صوفيا امرأة صموت، وقد اكتسبت خلال السنوات التي قضتها في اليابان رزانة الساموراي ، وقررت ان تسأل  زوجها : ما الذي حدث ؟. لم تكن تتقن اللغة اليابانية الفصحى على نحو يسمح لها بقراءة وفهم الرواية ، لذلك  سألت زوجها  عن محتوى الرواية ، ولكنه لاذ بالصمت في أدب جم ، ونسيتْ أن تسأله مرة أخرى ، لأن ذلك في الواقع لم يكن بهمها كثيراً ..
ذات مرة جاء الى منزلهما مراسل صحيفة تصدر في طوكيو .وكان يتكلم الروسية . لم يكن زوجها موجودا ، فأخذا يتنزهان على ساحل البحر القريب من المنزل ويتحدثان  حول موضوعات شتى ، وخلال حديثهما وجهتْ سوالاً الى الصحفي عن سبب رواج رواية زوجها ، وما الأمر المهم فيها ؟ وعرفت منه ان الرواية هي عن حياتها بالذات .
وخلال الأيام والأسابيع اللاحقة انكبت على قراءة الرواية ولكن ببطأ شديد وبعد عدة أسابيع اكتشفت ان زوجها كان يراقبها في المنزل ويسجل كل خطواتها وحركاتها وعاداتها ، وان الرواية بأسرها هي عن حياتها بأدق دقائقها : كيف تأكل ، وكيف تنام أو تغتسل ، وحركاتها الدالة على الأستمتاع بمباهج أنوثتها ، وارتعاشات جسدها البض ، والأصوات التي تصدر عنها في ذروة لقاءهما الحميمي .
لم تكن بوسعها ان تغفر له فضح ادق تفاصيل حياتها الشخصية الحميمة . وعرضها للبيع . لملمت حوائجها  الضرورية فقط وصرفت ما كان لديها من نقود مدخرة لشراء بطاقة العودة بالباخرة الى مدينتها فلاديفوستوك . وفيما بعد تجاهلت رسائله الكثيرة اليها  !
ويمضي بيلنياك الى القول : " أن الثعلب شخصية مخاتلة في الفولكلور الياباني . الثعلب مطبوع على المكر والغدر و الخيانة . واذا سكن روح الثعلب في الأنسان أصبح ملعوناً  . الثعلب - إله الكتابة .

45


الرواية البوليفونية الجديدة
جــودت هوشيار

مدخل :
لا نقصد بالرواية البوليفونية أو المتعددة الأصوات هنا ، الروايات الخيالية التقليدية ، التي تتعدد فيها أصوات و وجهات نظر الشخصيات المستقلة عن بعضها البعض ، وتختلف فيها المواقف والرؤى والآراء ، على قدم المساواة مع صوت المؤلف أو الراوي . هذه التقنية السردية ، التي ظهرت لأول مرة في روايات دوستويفسكي الأساسية ، وخاصة " الجريمة والعقاب "  حسب المنظر الروسي ميخائيل باختين ،  بل نقصد بهذا المصطلح الرواية البوليفونية الوثائقية التي ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين في كتابات عدد من الكتاب البيلاروس .
يعتقد بعض الباحثين الروس ان رواية  الكسندر سولجينيتسن "أرخبيل غولاغ" الصادرة في العام 1976 كانت اول رواية بوليفينية ( جديدة ) – وكلمة غولاغ هي إختصار للمديرية العامة للمعسكرات والمعتقلات بالروسية -  وتتناول الرواية حملات القمع وتصفية الخصوم في الفترة ما بين عامي 1918- 1956 ، وتعتمد الرواية على الرسائل الشفوية وبعض الرسائل الكتابية لنحو 257 سجين ، معظمهم من سجناء الرأي والضمير ، وكذلك تجربة الكاتب الشخصية ، حيث كان أحد ضحايا القمع الستاليني وقضى سنوات عديدة في بعض تلك المعتقلات . ولكن كتاب سولجينيتسن يتضمن الأشاعت والأقاويل التي كانت شائعة في المجتمع السوفييتي في عهد ليونيد بريزنيف حول معسكرات العمل الأجباري والمعتقلات ، أكثر مما يتألف من الرسائل الكتابية أو الشهادات الحقيقية للضحايا ، وقد مزج سولجينيتسن بين الواقع والخيال ، هذا المزج يحدث في أي رواية خيالية ، فالمؤلف يتحكم في المادة الخام ، والمواقف ، ووجهات النظر من وراء قناع الرواي ، لذا لا يمكن اعتبار " أرخبيل غولاغ " رواية بوليفينية وثائقية ،موثوقة المصادر ، ولا تعتبر بداية حقيقية لهذا النوع من الروايات .
ما فوق الأدب :
في عام 1977 صدر في موسكو كتاب : " أنا من القرية المحروقة " من تأليف ثلاثة كتاب بيلاروس  اليس اداموفيتش ( 1927-1994 ) و  يانكه بريل ( 1917-2006) و فلاديمير كوليسنيك ( 1922-1994 ) ويتضمن شهادات حوالي 600 شخص  نجوا من الموت بأعجوبة عندما قام الجيش النازي الألماني بحرق مئات القرى خلال احتلاله لجمهورية بيلاروسيا في الحرب العالمية الثانية. فكرة هذا الكتاب وصياغته على شكل رواية وثائقية متعددة الأصوات تعود الى أداموفيتش تحديدأً ، والذي كان على قناعة تامة بأن الكتابة عن مآسي القرن العشرين الكبرى، بلغة النثر الفني التقليدي أي على شكل ( رواية خيالية ) ، تعني الأستهانة بمعاناة ضحايا تلك المآسي وجرح شعورهم . وهو أمر يثير التقزز ، ومرفوض أخلاقياً ، حيث لا يجوز في هذه الحالة أن نتخيل أو نختلق ، بل ينبغي التعبير عن الحقيقة كما هي من دون قناع، أو تحريف ، أو تزويق .
بحث أداموفيتش طويلاً عن اسم يعبّر عن جوهر هذا الجنس الأدبي المستحدث ، فأطلق عليه في مقالاته ودراساته النقدية أسماء مختلفة منها  " الرواية الكاتدرائية"، و" رواية الموشح الديني " ،و " رواية الأعتراف " ، و" رواية الشهادة " ، و" الناس يتحدثون عن أنفسهم " ، و" النثر الملحمي الكورالي "واستقر رأيه في نهاية المطاف على تسميته بـ" ما فوق الأدب ". هذا الجنس الأدبي الجديد ممتع حقاً . فالرواية البوليفونية الجديدة أشبه بجوقة درامية جبارة لأصوات متعددة ، يختفي فيها صوت المؤلف أو الراوي وتحل محله أصوات الناس.
الكسيفيتش رائدة الرواية البوليفونية الجديدة :
قبل أن تكتب سفيتلانا الكسيفيتش - الحاصة على جائزة نوبل في الآداب لعام 2015 - رواياتها الفنية – الوثائقية الست ، جربت كتابة القصص القصيرة والمقالات والريبورتاجات الصحفية ،ورغم نجاحها في كل ذلك ، غير أنها لم تكن راضية عن نفسها ، كانت تسعى للبحث عن جنس أدبي يلائم عامها الروحي ورؤيتها للحياة. وربما كانت حيرتها ستطول لولا أنها قرأت كتاب ، " أنا من القرية المحروقة " المارة الذكر.
وتعترف الكسيفيتش بأنها تعلمت الشيء الكثير من كتاب" أنا من القرية المحروقة " وبأنها تلميذة لأداموفيتش ، الذي منحها ماكنة للتفكير على حد قولها . ولم تذكر الكسيفيتش كتاباً آخر ألفه أداموفيتش من النمط نفسه بالتعاون مع الكاتب الروسي دانيل غرانين ( 1919- )  وهو " كتاب الحصار " ،الذي يتحدث عن المآسي البشرية خلال حصار مدينة ( لينينغراد – بطرسبورغ حالياً ) في الحرب العالمية الثانية ،  والسبب أن تعليقات المؤلفين الكثيرة تقطع مونولوجات الشهود ، أي أن المؤلفين تدخلوا كثيرا سواء في سرد الحوادث أو التعليق على الشهادات ، مما ينفي عن الكتاب صفة الرواية الوثائقية .
أداموفيتش هوالذي شجع الكسيفيتش  على العمل في مجال الأدب الوثائقي ، واقترح عليها تأليف كتاب عن النساء السوفييت اللواتي قاتلن وعملن في صفوف الجيش السوفييتي خلال الحرب العالمية الثانية .
الكسيفيتش قادرة على الأمساك بعصب المشكلة التي تتناولها وتجسد الحداثة والأبتكار ، وهي التي تخترق المجالات المحكمة الأغلاق ، وتواجه ثقافة المكبوت والمحظور ، وقد كتبت خلال ثلاثين عاما من العمل ، مع مواد وثائقية حية وليس ورقية ، ستة كتب  تتضمن  قصص أناس حقيقيين ، تشكل تأريخ البلاد – تأريخ الحقائق وتأريخ الروح . عن احساس الشخص في المنعطفات والتحولات التأريخية. وهذه الكتب هي :
1 -  ليس للحرب وجه أنثوي  ( 1983) : يتناول مآسي اشتراك حوالي مليون امرأة وفتاة سوفيتية في الحرب العالمية الثانية ، وعذاباتهن وتضحياتهن ،وكيف حطمت الحرب حياتهن .
2 - آخر الشهود  (1985) : هذا الكتاب لا يشبه أبدا قصص الأطفال بالرغم من أنه يحكي ذكريات شخصية لأطفال عاصروا الحرب. بمعني أدق، يبين هذا الكتاب الحرب بعيون الأطفال والنساء ".
3 - اطفال الزنك  ( 1989 ): أصوات سوفييتية من حرب منسية: نظرة جريئة إلى حرب الاتحاد السوفييتي في أفغانستان (1979–1989)، والعنوان يذكرنا بأن الجيش كان يشحن الموتى في الحرب إلى مسقط رؤوسهم في توابيت من الزنك .
 4 - صلاة لتشرنوبل   تأريخ للمستقبل ، عن كارثة المفاعل المعروفة .
5 - مسحورون بالموت  ( 1993 ) يحكي عن محاولات إنتحار حقيقية تسبب فيها إنهيار الإتحاد السوفيتي. فكثير من الناس لم يستطيعوا التخلي عن أيدولوجيتهم الشيوعية أو حتي التأقلم مع الواقع الجديد ،
 6 – زمن مستعمل  ( 2013 )  عن العهد البوتيني ، وتقول الكاتبة عن هذا العهد ان روسيا بحاجة الى الحقيقة . الحقيقة معروفة ولكن لا أحد يريد معرفة الحقيقة. انهم يريدون استعراضات النصر . من الصعب أن تقنع الناس بأن زمنهم رديء .
وجدت الكسيفيتش طرقا للوصول الى الناس ، الذين كانوا ينفتحون أمامها ويتحدثون عما يصعب الحديث عنه ، عن ذكريات أليمة وحميمة تبقي محفورة في الذاكرة ولكن الأنسان يحاول دائماً اخفائها في أعمق أعماق النفس ،أو نسيانها  ولا يمكن البوح بها لكائن من كان ، جروح نفسية غائرة في الأعماق لا تندمل بمرور الزمن تترك آثاراً في حياة الضحية الى آخر العمر . ما أشق أن تجعل الضحية تتحرك وتستجيب للحديث عن كل ما يوجعها . ولكن الكسيفيتش لها قدرة نادرة على التعاطف والمشاركة الوجدانية مع ضحايا الحروب والكوارث ، مما يجعل مهمتها المستحيلة ممكنه ، وهذا تميز لم يحظى به حتى استاذها أداموفيتش .
اعتراف لجنة نوبل بالكاتبة التي تعبر عن نفسها من خلال شخوص أحياء حقيقيين – وليس شخصيات خيالية ، انعطافة ثقافية مهمة .
..في احدى مقابلاتها الصحفية لخصت الكسيفيتش الفكرة الرئيسية لكتبها ، وحياتها الأبداعية قائلة : " أنا اريد دائما أن أفهم ، كم من الأنسان في الأنسان ، وكيف يمكننا حماية هذا الأنسان في الأنسان ؟ ان كتبي هي عن قوة الروح الانسانية .
في المختبر الإبداعي لألكسيفيتش :
البناء الروائي واسلوب الكتابة  لدى الكسيفيتش ليس نقلاً حرفياً أو تسجيلاً للواقع ، فما تكتبه تمر من خلال روحها وقلبها ، والكمية الهائلة من الأحاديث و الأعترافات والشهادات  تجزأ الى جزيئات صغيرة ،  ومن هذه الجزيئات يتم تخليق مادة النثر ، فوراء كتبها عمل مُضْنٍ وجهد كبير. والأمر الأساسي  بالنسبة اليها عدم فقدان الخط الأبداعي لفكرة الرواية الرئيسية, تختار الكاتبة أصوات وشخصيات الرواية من شتى الشرائح الأجتماعية وتحاول وضعها بنجاح في خط سردي واحد . ففي " صلاة لتشرنوبل " ثمة صراخ الناس الأحياء ،وأصواتهم ، من ابسط الناس الى اكثرهم علما ووعيا مثل علماء الذرة .ولا تنسى الكاتبة الأهتمام بالأسلوب والصياغة الأدبية ، وتحافظ على خصائص لغة وكلام الشهود وهي اللغة المحكية البسيطة التي تعطي تصوراً حقيقيا عن حياة المجتمع في فترة تأريخية معينة .
وهي تختار الشخصيات بعناية ، فهي تلتقي بحوالي 600-700 شخص ولكن الرواية لا تتضمن الا قصص عدد محدود منهم .و يتم هذا الأختيارعلى أساس فهمها للأحداث ، وتقول انه ليس لكل شخص القدرة على الحديث بجلاء عما يؤلمه وتؤكد إن الأطفال والناس البسطاء ، هم رواة القصص المدهشة ، الذين لم تفسدهم بعد الصحف ، والكتب الرديئة ، والخرافات ، وهم أبرياء وأنقياء ، ويتحدثون عن قصصهم ، التي لن تجدها ابدا في أي مكان آخر . أما الناس الذين قرأوا كثيراً ، وتعلموا كثيراً ، فإنهم  ليسوا دائماً رواة جيدين . فهم غالباً أسرى لتجارب الآخرين .
اذا كان المؤلف في الرواية الخيالية يتقمص شخصية الراوي فان صوت مؤلف الرواية الوثائقية ، يختفي من النص ، ولكن قد يكتب مقدمة أو مدخلا في بعض الأحيان كما تفعل الكسيفيتش . ففي بادية روايتها الوثائقية " ليس للحرب وجه أنثوي " كتبت عن دور المرأة في الحروب ، و تتحدث عن فكرة الكتاب الأساسية وتقول عما تعتقده عن الموضوع وماذا تريد ان تنقل للقراء . وقد تلجأ احيانا الى كتابة ملاحظات ختامية ، وكذلك يمكن الأستدلال على دور الكاتبة داخل النص من خلال تحكمها في صياغة الحوار والأسئلة التي توجهها الى الشهود. وتقول الكاتبة : " ليس الشيء الرئيسي في هذا الجنس الأدبي هو  جمع الحقائق والوقائع ، بل النظر اليها من منظور جديد والحصول من كل شخصية على اكثر ما يمكن من معلومات جديدة ومشاعر جديدة وليس العادية ، وابراز التفاصيل والفروق الدقيقة . او بتعبير آخر خلق فلسفة جديدة للحوادث .. وعندما تحرص الكسيفيتش على معاينة وتأمل حياة الناس ، فإنها تبحث عن الفن في الحياة نفسها .ان الرواية البوليفونية الوثائقية – كما تجسدها روايات الكسيفيتش -  نوع من الأدب أعمق تعبيراً عن الواقع من الأدب التقليدي ، الذي أخذ يتآكل ويتحول الى سلعة في السوق .

46
الأدب العالمي ... مفهومه وقضاياه
جــودت هوشيار
توطئة :
ما هو الأدب العالمي ؟ وهل ثمة مضمون حقيقي لهذا المفهوم ؟ . قد يتصور البعض ان النتاج الأدبي الرائج في بلد ما ، والذي يترجم بعد فترة وجيزة الى عدد من اللغات الأجنبية يدخل على الفور الى الرصيد الذهبي للأدب العالمي ، وهذا وهم وقع فيه كثير من المبدعين والنقاد في بلادنا . المسألة ليست بهذه البساطة ، بل أعقد من ذلك بكثير ، وهي مثار جدل بين الباحثين الغربيين منذ عشرات السنين ولم تحسم حتى يومنا هذا .
ورد مصطلح " الأدب العالمي " لأول مرة على لسان غوتة ، الذي قال خلال حديث مع صديقه ايكرمان في العام 1827: " أنا مقتنع بأن أدباً عالمياً أخذ يتشكل ، وأن جميع الأمم تميل الى هذا . .. اننا ندخل الآن عصر الأدب العالمي . وعلينا جميعاً الأسهام في تسريع ظهور هذا العصر ".  وفيما بعد عاد غوتة أكثر من مرة الى تناول هذه المسألة . 
ولكن ولادة هذا المصطلح لم يأت من فراغ ، فقد كان دانتي قد أشار في دراسة له بعنوان «حول الملكية» الى وجود حركة ثقافية عالمية ، كما تحدث العديد من المفكرين والفلاسفة والأدباء  الألمان والفرنسيين عن التجربة الأنسانية المشتركة . تحدث شيللر عن مفهوم " التأريخ العالمي " وهيجل عن مفهوم " الروح العالمية "
 نظر شيلر  الى عصره ( القرن الثامن عشر ) كبداية لتمازج الأمم المختلفة في مجتمع انساني واحد واعتبر نفسه مواطناً عالمياً .وقد أثرى ممثلو الرومانسية ( بايرون ، شيلي ، وكيتس ، وورد  زورث )  مفهوم " الأدب العالمي " . وتعزز هذا المفهوم وتعمق في القرن العشرين ، عندما توسعت الأتصالات الأدبية بين الأمم، وبدا واضحاً وقائع التأثير المتبادل ، والتماثل الطوبولوجي في العملية الثقافية على مستوى العالم .
على مدى زمن طويل ، كان ثمة محيط خاص ولغة خاصة للأدب العالمي . أما الآداب المدونة باللغات القومية فقد كانت تحتل مواقع هامشية . وكانت اللغة اللاتينية وريثة شرعية لجدة أغنى هي اللغة اليونانية ، التي كانت بدورها وعبر عهود طويلة تقوم بدور  اللغة الأدبية العالمية . وكان مفهوم الأدب العالمي بالنسبة الى اللغتين اليونانية واللاتينية يعني المظاهر الروحية ذاتها التي ينطوي عليها مصطلح" الأدب العالمي " اليوم 
مفهوم الأدب العالمي :
مصطلح الأدب العالمي ، يتسم بالغموض ، وليس له تعريف محدد أو مفهوم واضح متفق عليه بين الباحثين.. ولو راجعنا الموسوعات العالمية بحثا عن مفهوم هذا المصطلح ، لوجدنا إختلافا كبيراً بين موسوعة وأخرى. ومع ذلك يمكن القول ان ثمة اربعة تفسيرات اساسية لهذا المفهوم وهي :
            الأول : المحصلة الكمية للآداب القومية لكافة الشعوب طوال التأريخ البشري ، بصرف النظر عن المستوى الفني والجمالي لنتاجاتها . بيد أن هذا التعريف يجعل من الأدب العالمي شيئاً غامضاً وفضفاضاً ، لا يمكن حصره ويصعب دراسته .
الثاني : جماع النماذج الأبداعية المختارة ، التي ابتدعتها البشرية بأسرها. وبهذا المعنى فأن مفهوم الأدب العالمي لا يشمل النتاجات متوسطة القيمة أو الظواهر السطحية الشائعة في الآداب القومية ، وإنما يقتصر على الآثار الإبداعية ذات القيمة الفنية والجمالية العالية . ولكن ها هنا تنهض مسألة أخرى : هل يمكن القول ان الأعمال الأدبية الرفيعة لكافة شعوب الأرض تنتمي الى الأدب العالمي . يرى بعض الباحثين الأوروبيين ، ان الأدب الأوروبي الكلاسيكي والمعاصر هو الذي يمثل الأدب العالمي . وأنصار هذا الرأي لا يتحدثون عن أوروبا كمفهوم جغرافي ، بل يتصورونها كمفهوم روحي . وهذا يعني بالضرورة ان الأدب العالمي هو الأدب المشبّع ب" الروح الأوروبية " وان هذا الأدب لا يمكن تمثله الا من خلال منظور الثقافة الأوروبية . وهذه وجهة نظر أوروبية ضيقة . ويرى هؤلاء ، ان آداب الشعوب الشرقية تقع خارج نطاق الأدب العالمي ، لأن نتاجاتها لم تصبح بعد في متناول أيدي البشرية بأسرها . ويرى البعض الآخر منهم إن الآداب ( الهمجية ) الغريبة لا تنتمي الى الأدب العالمي . ويدعو الى نبذ الفلكلور وطرحه خارج نطاق روائع الأدب العالمي . و لا شك أن مثل هذه المزاعم مرفوضة تماماً . صحيح ان الفلكلور لا يدخل  في الأدب العالمي على نحو مباشر ، ولكن مما لا ريب فيه ان شعراء مثل هايني وبيرنس ويسينين  قد ترعرعوا فوق تربة الفولكلور وان نتاجاتهم جزء من الأدب العالمي .
الثالث : عملية التأثير والإثراء المتبادل للآداب القومية ، والتي تظهر في مرحلة متقدمة من التطور الحضاري للبشرية . وهذا ما نلمسه بوضوح في اشارة غوتة الى الدور الذي يلعبه  الأدب العالمي في توطيد أواصر العلاقات المتبادلة بين الشعوب . يقول غوتة : " اننا نود أن نعيد الى الأذهان من جديد ان مسألة توحيد العقليات الشعرية امر مستحيل . فالحديث هنا يدور حول تعريف الشعوب بعضها ببعض ، وليس عن أي أمر سواه . وحتى اذا اخفقت الشعوب في اقامة علاقات محبة متبادلة فيما بينها ، فإنها ستتعلم في الأقل كيف تتحمل بعضها بعضاً
ان التقدم التكنولوجي ، وخاصة في مجال الأتصالات ووسائل الأعلام الحديثة قد ساعد في تقريب ثقافات الشعوب المختلفة وآدابها وفي النضج السياسي والتكامل الروحي على نحو متسارع بمضي الزمن ،.ولا نعني بذلك زوال الحدود الجغرافية أو ابتذال القيم  وضياعها ، بل التفاعل الهارموني لكافة القيم .إن الشخص الذي لا يرى في الأدب العالمي سوى سلسلة من المؤلفات الشامخة ، سيدهش للفكرة التي مؤداها إن أدب كل شعب ينبغي أن يجد مكانه ضمن الأدب العالمي
الرابع : الصفات العامة التي يتسم بها تطور آداب مختلف الشعوب والمناطق في جميع العصور : كان مكسيم غوركي أول من أشار الى وجود مثل هذه الصفات حين كتب يقول " انه لا يوجد ادب عالمي لأنه لا توجد لحد الآن لغة مشتركة بين جميع شعوب الأرض ، ولكن الأعمال الأدبية لجميع الكتاب "مشبعة بوحدة المشاعر والأفكار والآراء  الإنسانية العامة . وبوحدة الآمال لأمكانية تحقيق حياة أفضل . ولعل هذا التفسير هو الأقرب إلى الفهم الحديث للمصطلح. ونحن ندرك اليوم بجلاء ان القيم الشعبية والقومية الحقيقية هي في الوقت ذاته قيم انسانية شاملة.
الأدب بين القومية والعالمية :
إن النماذج الأبداعية تصب في شرليين منظومة الأدب العالمي بطرق ووسائل شتى . النتاجات التي تتميز بسماتها الفكرية والفنية العالية ،  تتجاوز الحدود الفاصلة بين الشعوب وتصل الى حمهور القراء في البلدان الأخرى ، الذين لم يسبق لهم قراءتها ، والأمثلة على ذلك كثيرة للغاية . الباحثون الألمان ادركوا عظمة شكسبير وشرعوا في الترويج لها على نحو أكثر توفيقاً من زملائهم الأنجليز .ولم يقرأ الناس شعر عمر الخيام - الذي أدهش العالم - الا بعد ظهور ترجمة فيتزجيرالد .
 إن معظم الأعمال الأدبية تصل الى القراء عن طريق الترجمة ، وثمة علاقة واضحة بين الأتصالات الأدبية الدولية النشيطة في أيامنا هذه وبين الأهتمام الساخن بالقضايا النظرية للترجمة الفنية . ولا شك ان النتاجات الأصيلة قد تفقد شيئاً من بريقها بعد ترجمتها ، بيد أن هذا الخطر يظل قائماً في الحالات التي تقرأ فيها من قبل قراء لا يتقنون اللغة التي كتبت بها . ولا شك ان مبدعي الأدب في كل بلد هم الكتاب والمترجمون على حد سواء .
ثمة نتاجات تصبح جزءأ من الأدب العالمي بعد مضي فترة وجيزة من نشرها ، ونتاجات أخرى لا تصبح كذلك ، الا فيما بعد ، وأحياناً في زمن متأخر للغاية ، والبعض منها ينتظر دوره في الوصول الى المجد العالمي ، ولكن دون جدوى ، لأن الوصول الى العالمية يتوقف على أمور كثيرة . ويكاد يكون من المستحيل التنبؤ باللحظة التي يصبح فيها هذا الأثر الأدبي أو ذاك جزءا من الأدب العالمي . ومن السذاجة ربط هذه اللحظة ببعض الحقائق ، كظهور ترجمة لعمل أدبي ما  في خارج البلاد أو الإشارة الى الكاتب في هذه المناسبة أو تلك خارج بلاده . وهذه تفصيلات قد تتفاعل وتشكل بداية لولوج الكاتب ساحة الأدب العالمي حين تكون نقطة  انطلاق لعملية عضوية حية ولا تظل مجرد حقائق عرضية. في هذه اللحظة فقط يمكن اعتبار العمل الأدبي جزءاً من الأدب العالمي .
ان الوصول الى العالمية لا يعني البقاء فيها الى الأبد .فعلى سبيل المثال نرى أن اناتول فرانس دخل الأدب العالمي منذ البدء ، بينما نراه في العقود الأخيرة يلفظ خارجاً ليحتل المرتبة الثانية . وكذلك  جورج ويلز ، الذي لم يلق في بداية الأمر صعوبة في دخول الأدب العالمي ، ولكن أين موقعه اليوم ؟ أنه في الواقع خارج إطار هذا الأدب . وعلى هذا النحو نرى ان مدى الإعتراف بكاتب ما قد يتعزز أو يتراخى ، بل وقد ينقطع لفترة قصيرة أو الى الأبد . الكاتب الذي يظل حياً في الأذهان هو الذي تصمد أعماله الأبداعية أمام الزمن وتعاقب الآراء والأجيال واجماعها على قوة هذه الأعمال وفرادتها .
ومما لا ريب فيه ان عزلة الأدب القومي عن الآداب الأخرى  يؤدي الى تأخره ، والنجاحات التي حققتها الآداب القومية عبر التأريخ كانت بفضل اعتمادها على الإقتباس من الخارج واستيعاب وهضم وتمثل هذا الإٌقتباس من اجل تحقيق أكبر قدر من التعبير الذاتي بمعونة الآداب الأخرى أو في الصراع ضدها .
ان مكانة الدولة في العالم ونفوذها السياسي والأقتصادي وعدد سكانها ومدى انتشار لغتها ، تلعب دوراً كبيراً في الأعتراف العالمي بكتابها الذين يعكسون حياتها الروحية في نتاجاتهم. أما آداب الشعوب الصغيرة واللغات قليلة الإنتشار ، فإنها تحتل مواقع أسوأ بكثير نسبياً من آداب الشعوب الكبيرة ، واللغات واسعة الإنتشار من حيث الأعتراف العالمي بها .
ليست ثمة آداب عالمية متعددة ، بل أدب عالمي واحد على الرغم من ذيوع رأي خاطيء يقول بوجود هوة بين ما يسمى " الروح الأوروبية " من جهة وبين " الروح الآسيوية " أو " الروح الأفريقية " من جهة أخرى . ان الذين يعتنقون هذا الرأي يعالجون وضعاً تأريخياً معيناً ويتناولونه كوضع ثابت لا يتغير بمضي الزمن .وبالطبع فان هذا لا يعني ان الأدب العالمي وحدة يسودها الأنسجام ، فثمة أمر واضح هو تشابه آداب مجموعة من البلدان من حيث التعبيرعن العالم الروحي اشعوبها . فعلى سبيل المثال نجد ان آداب بلدان أوروبا الشرقية أكثر تشابهاً فيما بينها من الآداب الأخرى . والآداب الأوروبية الغربية أو الأميركية الشمالية أو الأسترالية ، هي اليوم أكثر قربا بعضها من بعض من آداب المناطق الأخرى. وكذلك آداب بلدان أمريكا الجنوبية  المدونة باللغة الأسبانية ، فإنها تتأثر كثيراً ببعضها البعض, وهذا التأثير أعمق من القشرة اللغوية . بيد أن تباين ظروف الحياة يؤثر أيضاً وعلى نحو شديد في نحت ملامح كل أدب من هذه الآداب ، وتحديد السمات التي يتصف بها .
ان اهتمام الجماهير في شتى أرجاء العالم بنتاجات اتجاه أدبي معين -  كالواقعية السحرية مثلاً - أو بظاهرة سياسية ما - كالإسلاموفوبيا في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية –يمارس تأثيراً قوياً في عالمية الأدب ، ونعني بذلك ، الدور الملهم للنجاح في التعبير الفني القوي عن روح العصر .
 

47
الخطأ القاتل لقادة الأنقلاب العسكري التركي الفاشل
جــودت هوشيار
كل إنقلاب عسكري يبدأ بالأستيلاء السريع على البث المركزي للأذاعة والتلفزيون . هذا هو المبدأ التقليدي للأنقلابات العسكرية سواء في تركيا أو غيرها من بلدان الشرق الأوسط والعالم . وقد اتبع قادة المحاولة الأنقلابية الأخيرة في تركيا هذا المبدأ ، حيث اقتحمت قواتهم مركز البث التلفزيوني الحكومي في انقرة وأجبروا العاملين فيه على اذاعة بيانهم الأول الذي تضمن خبراعتقال اعضاء الحكومة التركية واعلان منع التجوال في أنحاء البلاد . وقد ارتكب قادة الإنقلاب خطأً فادحاً بعدم قطع الأتصال بشبكة الأنترنيت ونسوا أو تجاهلوا قدرة مواقع التواصل الأجتماعي على حشد الجماهير، حبث ظلت الشبكة تعمل بإنتظام. وكان ذلك أحد العوامل الرئيسية في اخفاق المحاولة الأنقلابية .
 كان إردوغان في هذا الوقت في منتجع مرمرة. واستغل توافر وسيلة الأتصال عبر شبكة الأنترنيت للحديث الى الشعب . وهي مفارقة ملفتتة للنظر ،  لأن الرئيس التركي، وجه انتقادات حادة لشبكة الإنترنت والشبكات الاجتماعية خلال المظاهرات المناهضة للحكومة في عام 2013، وهدد  مراراً بقطعها ، ولكنه اضطر هذه المرة إلى استخدامها، بعد ان فقد الأتصال بقادة جيشه الذين أحتجزهم الأنقلابيون. ولعبت الشبكات الاجتماعية، جنبا إلى جنب مع مكبرات الصوت في المساجد، دوراً رئيسياً  في جلب الآلاف من الناس الى الشوارع. اردوغان على خلاف قادة الإنقلاب الفاشل أدرك تماما ومن خلال تجربته المريرة الأخيرة ، كيف يستغل وسائل الاتصال الحديثة لصالحه ، تلك الوسائل التي كان يتهمها بالترويج للأهداف المعادية لتركيا .
في لحظة تأريخية فارقة استطاع أردوغان أن يلقي خطابا موجهاً للأمة عبر خدمة اتصال بالفيديو وظهر على شاشة هاتف محمول ذكي لمذيعة في قناة (سي.إن.إن ترك) والتي رفعت هاتفها أمام الكاميرا في الاستوديو حتى يتسنى للمشاهدين أن يروا إردوغان.
أهاب أردوغان في خطابه بالمواطنين النزول الى الشوارع ، وطلب منهم احتلال الميادين الرئيسية واخراج الأنقلابيين من المطارات ومقاومتهم . وقد استجاب آلاف من أنصاره لهذا النداء وتدفقوا الى شوارع استانبول وأنقرة والمدن التركية الأخرى .كما طلب اردوغان من قوات الأمن والشرطة الموالية له التصدي الحازم للمحاولة الأنقلابية ، ولكن الجماهير هي التي لعبت الدور الحاسم في إخماد التمرد ، فقد تصدى أنصاره للدبابات بالأحجار التي امطروا بها الجنود المتمردين ،و تمكنوا من ابعادهم عن مطار اتا تورك وميدان تقسيم حيث وقعت مجابهات بين الطرفين
المواطنون الأتراك أنجزوا ما عجزت عنه قوات الأمن و الشرطة وأفشلوا الأنقلاب العسكري. وربما هذه هي المرة الأولى في تأريخ الأنقلابات العسكرية يستطيع فيها مواطنون عزل من التصدي للدبابات او إخماد تمرد عسكري. وبعد استعادة السيطرة على الوضع وجه اردوغان خطاب شكر الى المواطنين الذين ساندوه في لحظة تأريخية حرجة .
ولا أحد من المراقبين يشك اليوم في الدور المهم الذي لعبته مواقع التواصل الأجتماعي ووسائل الأتصال الحديثة في قمع التمرد المسلح في تركيا.
ومع ذلك، فإنه من غير الواضح ان كان اردوغان سيغير موقفه من الشبكات الاجتماعية في أعقاب هذه الأحداث أو على العكس من ذلك، سيحاول تضييق الخناق عليها . وثمة مخاوف حقيقية من اتخاذ أردوغان للمحاولة الأنقلابية ذريعة لتصفية  نشطاء المعارضة في الداخل والخارج . وتجلت هذه المخاوف في مناشدات الرئيس الروسي بوتين والمستشارة الألمانية ميركل ، ووزير الخارجية الأميركية جون كيري بضرورة أتباع الطرق الدستورية في محاسبة قادة الأنقلاب العسكري الفاشل .
 
 


48
أوجه الإختلاف والتشابه بين الصحافة والأدب
جــودت هوشيار          
إستهلال :
لا أحد يعرف على وجه الدقة ، هل الأدب أقدم من الصحافة ، أم الصحافة أقدم من الأدب؟ . بعض المؤرخين الغربيين يطلقون على الصحافة اسم ( ثاني أقدم مهنة في التأريخ) ، ويجزمون ان مهنة (بيع الهوى) ، هي أول وأقدم مهنة عرفها الجنس البشري .  ولكن لا توجد شواهد أثرية أو تأريخية تؤكد هذه المزاعم ، في حين توجد أدلة قاطعة على ممارسة الأنسان البدائي – ذكراً كان أم أنثى - لحرف ومهن حياتية وعملية ، ضرورية لأستمرار الحياة ، ولم يكن بينها ،هاتان المهنتان .
الأدب قديم قدم الأنسان ، ويحدثنا علماء الآثار والأنثربولوجيا عن نصوص أدبية يعود تأريخها الى  اربعة آلاف سنة قبل الميلاد ، مثل التراتيل الدينية والأساطير والملاحم ، ومن ابرزها ملحمة جلجامش ، في بلاد الرافدين . وكتاب الموتى ، وأناشيد الرعي والأستسقاء والعبادة والغزل في مصر الفرعونية . والذاكرة الإنسانية حافلة بالأعمال الأدبية الخالدة مثل  " الألياذة " و" الأوديسا " لهوميروس ،  ناهيك عن قصص ألف ليلة وليلة ، وكتاب كليلة ودمنة . كل هذه النتاجات الأدبية كتبت  قبل أن يظهر للوجود أبسط شكل من أشكال الصحافة البدائية .
يقال بأن أول (صحيفة) في العالم صدرت في روما سنة 85 قبل الميلاد ،بأسم ( الأعمال الرسمية )  أسسها الأمبراطور يوليوس ، الذي أمر كبار موظفي دولته أن يدونوا جميع أعمالهم على لوح يعلق في الميادين عامة ، ثم صدرت (صحيفة) أخرى كانت اكثر انتشارا لأنها كانت تنشر أخبار الخاصة والعامة .
الصحافة في بداية ظهورها لم تكن منتظمة الصدور، ولم تنشأ أول صحيفة دورية ، الا في سنة 1631  في فرنسا . اما في العالم العربي ، فقد نشأت الصحافة على أيدي الأدباء والنقاد الرواد. ويكفي إلقاء نظرة على تأريخ الصحافة العربية ، وتراجم روادها الأوائل ، في كل من مصر ولبنان والعراق ، وفي سائر البلدان العربية ،  لأثبات هذه الحقيقة الموثقة.
الصحافة والأدب نوعان من الإبداع اللفظي . ولكنهما يستخدمان أدوات تعبيرية مختلفة ، وأساليب لغوية متباينة ، وقد أخذا منذ أواخر الخمسينات من القرن الماضي يقتربان من بعضهما من حيث استخدام التقنيات الكتابية والمادة الخام ، ويمكن تلخيص أهم وجوه الأختلاف والتشابه بينهما، في نقاط محددة وواضحة ، على النحو التالي : 
أوجه الأختلاف :
1- تقوم الصحافة على جمع وتحليل الأخبار والتحقق من مصداقيتها وتقديمها للجمهور وغالبا ما تكون هذه الأخبار متعلقة بمستجدات الأحداث على الساحة الداخلية والخارجية ، أوتتناول شتى جوانب الحياة السياسية والأقتصادية والثقافية والأجتماعية والرياضية وغير ذلك. وأغلب ما يكتبه الصحفي يستند الى وقائع وأحداث حقيقية واناس حقيقيين . الصحفي المحترف هو في خضم الناس والأحداث دائماً ،ومثل   الجندي في خندق القتال ، في حالة استنفار دائم . اما الأديب فأنه يعمل ، في عزلة وهدؤ ، عندما يأتيه الألهام ويكتب في تأمل وروية في البيت أكثرالأحيان ، وان كان بعض كبار الروائئين والشعراء اعتادوا الكتابة في المقاهي أيضاً .
2- الصحفي العامل في الصحافة اليومية أو الأذاعة أو التلفزيون ، لديه مواعيد محددة لأنجاز ما كلف به من أعمال .وكلما اسرع في عمله كان ذلك افضل . فهناك المنافسة والسبق الصحفي ، وليس لديه الوقت الكافي لأعادة كتابة المادة الصحفية أكثر من مرة . أما الأديب فأنه يصرف الجزء الأكبر من وقته  ليس في كتابة النص الفني فحسب ، بل في صقله على هواه ، فهو يقدم ، ويؤخر ، ويضيف ويمحو ، ويغيّر هذه الكلمة أو الجملة أو تلك  ، وفي معاودة النظرفيه اكثر من مرة ، فهذا هو عمله الأساسي. من يصدق أن عبقرياً مثل ليف تولستوي كان يعيد كتابة فصول رواياته الطويلة مرات عديدة ، وكذلك هيمنجواي الذي أعاد كتابة بعض فصول رواياته عشرات المرات ، وهي ظاهرة شائعة لدى معظم الأدباء الروائيين . أما في الشعر ، وكان الشاعر الرائد والمبدع بدر شاكر السيّاب يقول ، أن مهمة الشاعر الرئيسية هي الحذف والأختصار . واذا كان المقال الصحفي يمكن كتابته – اذا لزم الأمر –  خلال بضع ساعات ، فأن الرواية قد تستغرق  كتابتها عدة سنوات.الصحفي عندما يتناول الصحيفة في الصباح فأنه يرى ثمرة عمله بالأمس ،. اما الكاتب فأنه ينتظر احياناً سنوات لأصدار كتابه الجديد.
3- يبدو لي ان الفرق الجوهري بين الصحفي والأديب . هو درجة الحرية الشخصية التي يتمتع بها كل منهما . الصحفي لا يمكنه أن يكتب حسب  هواه ، بل يلتزم بالسياسة التحريرية للصحيفة التي يعمل بها ، ان لم يكن هوشخصيا مالك الصحيفة . أما الأديب فلا رقيب عليه سوى عقله وضميره وذوقه الفني .
- 4 - الشيء الرئيسي في الصحافة هوالمحتوى الموثوق ، ولكنه يتقادم بسرعة . فعمر المادة الصحفية هو المسافة الزمنية التي تفصل بين صدور عددين من الجريدة أو المجلة .  أما الأدب فلا يتقيّد بالحاضر ، بل لا يتقيّد بزمان ولا مكان ، وقيمته الحقيقية تكمن في مستواه الفكري والفني . وما يبدعه الأديب يظل حياً ومقروءا لعشرات وربما لمئات السنين.
5- الصحافة ، بمفهومها الحديث حرفة أو مهنة لها اصولها وقواعدها ويمكن تعلمها ، في كليات ومعاهد الصحافة أو خلال العمل الصحفي . أما الأبداع الأدبي ، فإنه موهبة فطرية ، يتمتع بها قلة نادرة من الناس .  بذرة الموهبة يمكن تنميها بالمرانة ومعاودة النظر ، ولكن من يفتقر الى هذه البذرة لا يمكنه خلق نتاج إبداعي حقيقي .
6- لغة الصحافة واضحة وبسيطة ومرنة تنبض بالحياة ، والصحفي يحاول اجتناب الغموض ويتوخى مرضاة القاريء ، ولهذا فأن المواد الصحفية في متناول الجمهور العام . أما الأدب فأنه يمتاز بلغته العالية وأسلوبه الرفيع ، ويوجه في المقام الأول للنخب الثقافية التي تتذوق الأدب وتنشده ، وتستمتع به . بعض الكتاب عندما يكتبون مقالات صحفية بأسلوبهم المعهود في الأدب ، لا يدركون ان القاريء ليس لديه وقت لأستخراج الحقائق والمعلومات من عباراتهم الأنشائية الملتوية الغامضة .
7- الصحفي في بلادنا  يمكن أن يكسب لقمة عيشه من عمله ، أما الأديب - الذي ليس لديه مهنة أخرى يعتاش منها -  فأنه يعاني أشد المعاناة في حياته الخاصة وفي نشر نتاجه الأبداعي – شعراً كان أم نثراً فنياً - وتوزيعه الذي يستنزف الكثير من الوقت والجهد والمال ، ويعجز عن تأمين حياة كريمة له ولعائلته اذا كان ما يبدعه فوق مستوى الجمهور ولا يلقي رواجا في السوق . .
8- الصحافة أداة فعالة وقوية في التأثير ليس في الرأي العام فقط ، بل أيضاً في السلطات الثلاث (الحكومة ، والبرلمان ، والقضاء ) . ولهذا يطلق على الصحافة مسمى " السلطة الرابعة " . الأدب لا يمكنه ان يمارس مثل هذا التأثير المباشر والسريع .
أوجه التشابه :
          1 - الصحافة مدرسة نافعة للأديب ، يستفيد من خبرة العمل فيها في ادامة وتعزيز اتصاله بالناس وتوسيع آفاق رؤيته للحياة والعالم ، مما يشكل معيناً لا ينضب لتجربته الأدبية . وقد عمل العديد من كبار الأدباء في العالم كمراسلين صحفيين لسنوات طويلة . منهم هيمنجواي ، الذي اتاح له عمله في ميادين القتال ، ان يكون شاهد عيان على مآسي الحرب العالمية الأولى والحرب الأهلية الأسبانية ، وانعكس كل ذلك في رواياته وأقاصيصه . كما أن الكثير من الكتاب الكلاسيكيين عملوا في الصحافة  ومنهم أنطون تشيخوف ، ومارك توين ، و ريمارك ، واورويل الذي ظل طوال حياته يمارس كلا النوعين من الأبداع ، وقال عنه النقاد أنه أعظم كاتب مقالات في الصحافة الغربية الى جانب كونه روائيا كبيراً.
          2- يقال ان «كل أديب صحفي، وليس كل صحفي بأديب". ولكن هذه المقولة ليست دقيقة . صحيح ان الصحافة  قامت على أكتاف الكتاب  ولكنها  لم تعد كذلك منذ زمن طويل. بل تحولت الى صناعة ،  في حين أن الشهرة الأدبية للعديد من الأدباء ترجع الى عملهم الصحفي ، وقد خدمتهم الصحافة في استكشاف إمكانات التعبيرعن أنفسهم وتحسين  اسلوبهم وتطوير لغتهم نحو مزيد من المرونة والوضوح
•         3- العلاقة المتداخلة بين الصحافة والأدب .ليس وليدة اليوم بل قديمة ، ويمكن اعتبار العديد من نتاجات الكتاب الكلاسيكيين روايات وثائقية بنيت على وقائع واحداث حقيقية . وقد أخذت  هذه العلاقة تتعمق وتتسع منذ الستينات من القرن الفائت ، ونجد اليوم ان الكثير من الروايات العالمية مبنية حول أشخاص حقيقيين وأحداث حيّة وواقعية . انهم يكتبون ما حصل في الواقع ، لتتخذ نتاجاتهم شكل الوثيقة ، وهذا النوع من الأدب يمكن تسميته بالأدب الفني - الوثائقي ، أو الأدب غير الخيالي . وبذلك أخذت الحدود بين الصحافة و النثر الفني تتلاشى . وهذا ما أقرت به  لجنة نوبل حين منحت جائز الآداب لعام 2015 الى الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا الكسيفيتش ، التي تنتمي رواياتها الست الصادرة لحد الآن الى هذا النمط غير الخيالي . وليس من السهل على الناقد الأدبي اليوم ، ان يميز بين القصة الخيالية وغير الخيالية ، ناهيك عن القاريء العادي .
4-  لا ينبغي لنا أن نتساءل بعد اليوم أيهما أهم ،وأكثر التصاقاً بالحياة : الصحافة أم الأدب ؟ بعد أن أصبحت الفنون الصحفية والسردية متداخلة . الصحافة توظف اللغة الأدبية في المقال والأعمدة والتحقيقات الصحفية ، والأدب يستمد مادته مما يحدث على ارض الواقع  ويغتني بالفنون الصحفية . ولقد ظهرت في البلدان الغربية في الآونة الأخيرة روايات مستوحاة  من الصحافة الألكترونية وما توفره من معلومات ووسائل تفاعلية ، ولم تصل هذه الموجة الينا بعد ، كما لم تصل من قبل الرواية غير الخيالية، المتعددة الأصوات رغم مرور ستة عقود على ظهورها في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا.   
 


49
عبدالوهاب البياتي في موسكو ... ملاحظات وإنطباعات
                                                             
جـودت هوشيار

أنا لست موظفاً ، أنا شاعر !

لم يكن قد مضى على وجودنا في موسكو في نوفمبر 1959 – نحن الوجبة الأولى من طلبة البعثات العراقية -  سوى بضعة أسابيع حين سرى بين الطلبة خبر ( مفرح ) ، مفاده ان الشاعر عبدالوهاب البياتي قد وصل موسكو ملحقاً ثقافياً في السفارة العراقية . كان المزاج اليساري طاغياً بين الطلبة العراقيين ، وكان البياتي في ظنهم هو رائد الشعر العراقي ( التقدمي ) الجديد ، أي الشعر المكرس للدفاع عن الفقراء والمظلومين . ولكنني تلقيت الخبر بحذر وتوجس . لأنني لم أكن يوما معجباً بشعر البياتي أو  بشخصيته
كانت قصائد ديوان البياتي الأول " ملائكة وشياطين " من الشعر العمودي العادي الذي كان مثله ، بل أفضل منه بكثير ، ينشر في الصحافة الأدبية العراقية وفي دواوين شعراء الخمسينات . أما شعره المنشور في دواوينه الخمسة اللاحقة الصادرة حتى ذلك الحين ، فقد كان من نمط شعر التفعيلة ، ولكنه كان شعراً مباشرا أشبه بالشعارات ، ولا يمت الى الشعر الحقيقي بصلة . لم يكن الشعر هو الذي كان يهم معظم الطلبة ، بل البياتي نفسه ، لأنه كما كانوا يقولون ( منا وبينا )  . لم يكن أي طالب يحفظ ولو بيتاً واحداً من شعره ، رغم بساطة هذا الشعر ، الذي لا يتطلب أي جهد لفك ألغازه المغلفة بالكلمات الثورية . وكان واضحاً أن أدوات البياتي الفنية بائسة ، وشعره لا يرقي الى مستوى شعر بدر شاكر السيّاب . ولكن السياب كان مكروها من هؤلاء الطلبة ، وعندما كنت أبدي اعجابي به ،كانوا يقولون في استنكار : (ما الذي يعجبك  في قصائد هذا " الخائن " ؟) . والمعروف ان " الخائن " عنوان قصيدة للبياتي يهجو فيها السياب بأقذع الألفاظ  ، ونشره في حينه في بعض الصحف( التقدمية )  لركوب الموجة اليسارية السائدة ، واشغال المكان الذي تركه السيّاب خالياً  بعد  ابتعاده عن هذه الموجة .
نظمت رابطة الطلبة العراقيين في موسكو لقاءًا مع البياتي في احدى قاعات الكلية التحضيرية التابعة لجامعة موسكو ، حضره معظم الطلبة العراقيين الدارسين في العاصمة السوفيتية ، الذين استقبلوا البياتي استقبال الأبطال ، ولم تهدأ عاصفة التصفيق الا بأشارة من منظمي اللقاء . اعتلى البياتي المنبر ، وهو منفوش كالطاووس ، وأجال بصره في انحاء القاعة ،قبل أن يتحدث بصوته المبحوح  عن الصداقة العراقية – السوفيتية وأشياء أخرى من هذا القبيل .وأخذ الطلبة يطرحون عليه أسئلة تتعلق بمشاكلهم  الدراسية والمعيشية . استمع الى كل هذه الأسئلة بتأفف ، ثم صرخ في وجوههم : " أنا لست موظفاً ، أنا شاعر " . والغريب في الأمر أن أحداً لم يقل له : " اذن ما هي مهمتك في موسكو ،  اذا كنت لا تريد حتى سماع مشاكل الطلبة الذين  لولاهم لما كنت اليوم في عاصمة العمال والفلاحيين الذين تتغنى بهم دوماً " ؟
انتهى اللقاء وودع الشاعر بمثل ما استقبل به من حفاوة . ولكني لا أدري لماذا تشاءمت من هذا اللقاء وقلت في نفسي ، هل أرسلته بغداد لمتابعة قضايا الطلبة وتعزيز العلاقات الثقافية مع الشعب السوفييتي الصديق أم للأستجمام على حساب الدولة ؟
بعثة جمهورية مهاباد :
كانت لدي مشكلة تتعلق بتخصصي الدراسي . كنت أرغب في دراسة الهندسة الكهربائية ، ولكن ظهر اسمي ضمن المقبولين في الهندسة المدنية . كنا سنقضي في الكلية التحضيرية سنة دراسية كاملة وكان لدي الوقت لمعالجة المشكلة ولكن كيف ؟ هذا ما كنت أفكر فيه دوماً  ولكن الحل جاء من حيث لا أحتسب.
ذات أمسية طرق باب غرفتي شخص يسأل عني . وبادر الى التعريف بنفسه ، وقال بلغة كوردية رائقة وصوت رخيم : - أنا الدكتور م. س. طبيب القلب .
-  قلت: تفضل على الرحب والسعة
جلس حول الطاولة الوحيدة في الغرفة - التي كنا – أنا وزميلي الأوكراني -  نستخدمها لأغراض شتى: للأكل والمطالعة والكتابة وكي الملابس.
- قلت : يا دكتور لدي شاي سيلاني جلبته معي ، وسأحضر لك شايا أصيلا خلال بضع دقائق . عندما رجعت من المطبخ كان الدكتور يتبادل الحديث مع زميلي الأوكراني ، ثم قال له: معذرة لأننا سنتحدث مع زميلك بالكردية لو سمحت .
ثم خاطبني قائلاً : قد تتساءل من أكون ولماذا جئت أبحث عنك وعن زملائك الكرد ؟
وحكى قصة اول بعثة دراسية أوفدتها حكومة جمهورية مهاباد الى الأتحاد السوفييتي قائلاً : "  كنا خمسة طلاب جئنا لدراسة الطب ، ولم نكد ننهي السنة التحضيرية حتى أنهارت الجمهورية بعد صفقة النفط المعروفة بين ستالين ورئيس الوزراء الأيراني على حساب الشعب الكوردي . بقينا بلا مورد ومقطوعين عن أهلنا ووطننا ، وقد  تحملنا الكثير من المشاق والمتاعب حتى انهينا دراستنا بنجاح ، ونحن نعمل اليوم في مستشفيات موسكو . ويسرني أن ادعوك الى تناول العشاء في شقتي غداً . وأخرج قلما وورقة من حقيبته وكتب العنوان بالروسية وبخط واضح ، ورسم  طريق الوصول الى مسكنه ..
كانت شقة جميلة في عمارة شاهقة تقع بالقرب من محطة مترو " جامعة موسكو " وكان الدكتور متزوجاً من طبيبة روسية شقراء ، في غاية الطيبة والرقة  . وفي هذه الجلسة شرحت للدكتور مشكلتي فوعدني خيراً . وذات يوم قال لي ان الملحق الثقافي في السفارة العراقية صديقي وسيعالج المشكلة التي حدثتني عنها . لم أكن متفائلا ولكن الدكتور بدد مخاوفي وقال : ان البياتي سيهتم بمشكلتك  لأنه منذ أن علم بأنني طبيب ناظم حكمت ، أخذ يلح عليّ ، أن ارتب له لقاءًا مع الشاعر التركي ، ، ولكن ناظم مشغول دوماً ،  فهو ما أن يرجع من رحلة حتى يغادر من جديد الى بلد آخر بدعوة من أصدقائه ومترجمي وناشري شعره في كثير من بلدان العالم .
 جاءني الدكتور يوماً ليقول لي أنه رتب كل شيء ، وسينتظرني غداً في الثامنة صباحا قرب باب الدخول الى محطة المترو القريبة من الجامعة للذهاب الى السفارة العراقية .
كانت الملحقية تشغل جناحا صغيراً في بناية السفارة . وبعد أن رحب البياتي  بنا . قال الدكتور : هذا صديقي الذي حدثتك عنه. وبعد أن شرحت مشكلتي للبياتي ،قال : قدم طلبا وسنرى . سألته وماذا اكتب في الطلب . قال :  اكتب نظراً لرغبتي الشديدة في دراسة الهندسة الكهربائية ... الخ . أخذ الطلب وقال سأحاول الحصول على موافقة مديرية البعثات في بغداد .
 كنت التقي الدكتور وزملائه الأطباء الكورد الآخرين الذين كانوا يقيمون الولائم للطلبة الكرد بسخاء . بعد بضعة أسابيع وفي احدى لقاءاتنا قال الدكتور:.
  - ما أن عاد ناظم حكمت من سفرته الأخيرة ، حتى ذهبت الى شقته للأطمئنان على صحته ، فقلبه عليل وهو لا يهتم بصحته كثيرا .ً قلت له : ان الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي متلهف للقاءك ويتصل بي هاتفيا يوميا ، ويسألني ان كا ن بوسعك مقابلته!
قال ناظم : لقد التقيت البياتي في أحد المؤتمرات الأدبية . الشعراء المناضلون اخوتي . وهذا شاعر ثوري حكم بالأعدام مرتين من قبل السلطة الرجعية في بلاده ، ولكن الشعب العراقي هاج وخرجت مظاهرات حاشدة في بغداد والمدن العراقية الأخرى  ترفع شعار " الحرية للبياتي " وقد اضطرت السلطة الى اطلاق سراحه فهرب من العراق ، كما هربت أنا من تركيا بعد قضاء سبعة عشر عاما في السجن . فكيف لا أقابله !
قلت للدكتور : هذه أول مرة أسمع فيها هذه الحكاية .! وفهم الدكتور مغزى كلامي ولكنه لم يعلق عليه. بل اضاف :
  عندما اخبرت البياتي بترحيب ناظم لأستقباله في مسكنه شكرني ، وقال : سأحاول تحقيق رغبة صديقك الطالب الكردي،  فمدير البعثات الدكتور صلاح خالص لا يرفض لي طلباً .
بعد حوالي عشرين يوما ، جاءني الدكتور هاشاً باشاً ليقول لي : بغداد وافقت على طلبك . ينبغي أن نحتفل بهذه المناسبة ونشرب نخب نجاحك.
- قلت : بل نخب ناظم حكمت الذي وافق على مقابلة البياتي ، ولولا هذه الموافقة لكان ( ملحقنا الثقافي )  قد رمى طلبي في سلة المهملات ، فهو شاعر وليس موظفاً !.
لقاءات عابرة :
السنوات التي قضاها البياتي في موسكو ( أواخر 1959- 1964 ) كانت سنوات ذهبية للشعر الروسي ، فقد كان الشعراء الشباب ( يفتوشينكو ، فوزنيسينسكي ، أخمدولينا وغيرهم ) يوقدون حماس الشباب بقصائدهم الجديدة الرائعة .ولم يكن يمر اسبوع دون ان يقام اكثر من لقاء شعري مع جمهورالشباب في الجامعات والمعاهد ، وفي المعامل وقصور الثقافة ، وفي ستوديو لينين الرياضي الذي كان يتسع لثلاثين الف متفرج جاءوا ليستمعوا الى  آخر قصائد الشعراء المعبرين عن همومهم وتطلعاتهم وآمالهم في التغيير . ولكن رغم ترددي الدائم على مثل هذه اللقاءات لم أر البياتي يوما في أي لقاء شعري . لا مشاركاً ولا مستمعاً ، ولا اعلم السبب .هل لأن ان شعره غير صالح للألقاء ، أم أن العلة في صوته.وطريقة القائه  ربما يقول البعض انه الخجل ، ولكني لا أعتقد ذلك . لأن البياتي لم يكن خجولا ،بل صامتا معظم الأحيان ، ينفث دخان سيكارته في وجهك ، ثم يأخذ نفساً عميقاً و يحدق في المجهول ..
 ويبدو أنه لم يكن لديه وقت يضيّعه في مثل هذه اللقاءات ، فقد كانت هناك لقاءات أجمل وأمتع ! .كم مرة رأيته واقفا في نواصي الشوارع وقرب مداخل محطات المترو يتطلع الى الجهة التي ستأتي منها سيدة المساء. والغريب في الأمر أن مغامراته النسائية لم تنعكس قط في شعره ، كما انعكس  في شعر زميلنا في الكلية التحضيرية حسب الشيخ جعفر مثلاً . الذي كتب قصائد كثيرة وعدة روايات استمد مادتها من علاقاته العاطفية وان كان قد بالغ مبالغة عظيمة في سردها ، كأنه دون جوان ترتمي الحسناوات على قدميه أينما حل .
أن الشعراء قي العادة هم من أرق الناس وأكثرهم انبهاراً بالجمال الأنثوي . ولا يوجد شاعر مهما كان حجم موهبته ، لم يذب عشقا وهياما في حضرة المحبوبة . ولكن يبدو ان البياتي لم يكن يحب أحداً. لا الشعراء ، ولا النساء .
بعد انقلاب الثامن من فبراير 1963 وفصله من الوظيفة ، أتخذ البياتي من مقهى يقع في لوبي فندق ( موسكو ) الشهير في قلب العاصمة السوفيتية .، مقراً دائماً له . كان الطلبة العراقيون يتجمعون حوله وينقلون له آخر ما تتناقله الوكالات وما يقول الناس الهاربون من جحيم البعث. لم تكن الصحف العربية تصل الى موسكو ما عدا صحيفة ( النداء ) اللبنانية وأحيانا ( الأهرام ) القاهرية ، وكان  البث الأذاعي العربي بالكاد يسمع  في موسكو وسط (ضجيج) صاخب ..
كان البياتي ومعه عدد من الطلبة العراقيين قد حولوا المقهى الى سوق هرج. يشربون قدحا من الشاي أو القهوة ويجلسون ساعات طويلة تتخللها مناقشات سياسية صاخبة . كانت نادلات المقهى فتيات جميلات  بتنانير قصيرة ( ميني جوب ) التي كانت موضة تلك الأيام  ومريلات بيضاء تكاد لا تصل الى ما فوق الركبة . كن يتأففن وهن يطردن الدخان الكثيف من امام وجوههن وتكاد عيونهن تدمع  من أثر سحابة سكائر ( كيم ) الكوبية الرخيصة. ضاقت ادارة الفندق ذرعا ، وأقفلت المقهى ، ولسان حالها يقول ( عليّ وعلى أعدائي ). ! ولكن البياتي ومعه الشلة الطلابية انتقلوا هذه المرة الى ( بار ) يقع بجانب الفندق المواجه للساحة الحمراء . وكان الزبائن يصعدون اليه بسلم من المرمر الصقيل . ولم يكن بالأمكان البقاء ساعات عديدة هنا ، لأن معظم المقاعد كانت عالية ، دائرية الشكل وبدون مساند ، والى جانب ذلك عدة طاولات وكرسي خشبية خشنة لا تقارن بالأرائك الجلدية الفاخرة والوثيرة للوبي الفندق ، ثم أن الأزدحام كان شديدا في البار الصغير، وليس ثمة مجال  للجلوس لساعات طويلة والدخول في مناقشات لا نهاية لها. وعلى هذا النحو انحلت شلة البياتي تلقائياً . وغاب البياتي عن الأنظار لأشهر عديدة ، وفي عام 1964 غادر موسكو متوجها الى القاهرة . 
لم يتعلم ( ملحقنا الثقافي ) اللغة الروسية رغم اقامته في موسكو لحوالي أربع سنوات ، في حين اني رأيت طلاباً أجانب من أوروبا الغربية وأميركا جاءوا الى موسكو لتعلم اللغة الروسية من أجل قراءة الروائع الأدبية الروسية بلغتها الأصلية التي كتبت بها .
ثمة اشاعة - روجها البياتي بنفسه بعد اقامته في القاهرة – مفادها أنه عمل استاذاً في جامعة موسكو وباحثا علميا في معهد الأستشراق . ولكن هذا كان بنداً ضمن برنامجه الدعائي ، الذي تصدره قصائد سياسية مباشرة وتقريرية  في مديح عبدالناصر .
ان الزمن هو الحكم الفصل في فرز الصالح عن الطالح . والأبداع الحقيقي يبقى حياً ومقروءا  مهما طال الزمن ، ولكن لا أحد اليوم يحفظ أو يقرأ شيئاً من شعر البياتي . ولكي أكون دقيقاً أذكر أنني سمعت منذ عدة سنوات في بغداد أحد الشعراء الشباب وهو يردد ضاحكاً بيتا واحدا من شعر البياتي ورد في مطلع قصيدته المسماة " الأميرة والغجري " وهو بيت ( شعري ) عجيب ، هذا نصه  " أدخل في عينيك -  تخرجين من فمي "


50
حوار مع زميلتي البولندية
   
                                 
جـودت هوشيار

هناك كتب تستحق أن يذوقها القاريء ، وكتب تستحق أن يلتهمها ، وكتب تستحق أن تمضغ وتهضم - فرنسيس بيكون
 
         لم أكن أتصور قط أن ألتقي بكريستينا ، زميلتي في جامعة الطاقة  بموسكو ، بعد حوالي ربع قرن من تخرجنا . المصادفة المحض هي التي قادتني الى اللقاء بها مجددأً. كانت المنشأة التي أعمل فيها قد تعاقدت على استقدام عدد من الخبراء البولونيين ، وكنا نحن المهندسين العراقيين نعمل معهم ، وقد تبين أن العديد من هؤلاء الخبراء قد تلقوا تحصيلهم العلمي في الجامعات الروسية. وكان بينهم خبير اسمه  فيكتور نوفاك.
ذات يوم ونحن نتناول طعام الغداء في مطعم المهندسين في المنشأة ، قال فيكتور دون مقدمات : ان زوجتي خريجة كلية الهندسة الكهربائية في جامعة الطاقة أي الكلية ذاتها التي درست فيها أنت ، وحين ذكرت لها أسمك صاحت : " يا الهي ما اصغر هذه الدنيا ؟ " .  وكانت مناسبة أن أدعوهما الى تناول المسقوف في مطعم يطل على نهر دجلة في بغداد . كان لقاءاً حارأ ومر الوقت سريعا ونحن نتذكر أيام الدراسة، وزملاءنا الروس والأجانب ، منهم من تولى مسؤوليات كبيرة في بلده ، ومنهم من هاجر الى الغرب . ساد الهدؤ للحظات وخيم علينا نحن الثلاثة سكون أشبه بالحزن . وقطعت كريستينا الصمت لتقول: بحثت في متاجر الكتب في بغداد عن كتب باللغتين الروسية والبولندية ، ولكن دون جدوى. وكما تعلم فأن في عواصم الدنيا مكتبات ، أو أجنحة خاصة بالكتب الأجنبية . أما هنا فلا تجد شيئا الا بعض الكتب الأنجليزية بشق الأنفس . وأنت تعلم أنني درست اللغة الفرنسية ، وانجليزيتي المتواضعة لا تسمح لي بقراءة وفهم الكتب بهذه اللغة . 
وأضافت بصوت خفيض : هل يمكن ان القي نظرة على مكتبتك ،وأن استعير منك بعض الروايات  الروسية أو المترجمة الى الروسية ،  فقد كنتَ تتحدث كثيراً عن روايات فلوبير ، وستندال ، وكافكا ، و بروست ،  وهيمنجواي ، وبونين وشعر لوركا ، وايلوار ، ويسينين ، وغيرهم .
قلت : يسرني ذلك ما رأيكما في تناول القهوة في بيتي هذا المساء .
وقفت كريستينا للحظات في عتبة باب غرفة مكتبتي المنزلية ، وأخذت تجيل عينيها على رفوف الكتب التي تغطي الجدران .وبادرتني بسؤال لم أكن أتوقعه ابدا. قالت بنبرة تشي بالشك والدهشة : هل قرأت كل هذه الكتب ؟
  قلت : كلّا ... لم أقرأ لحد الآن الا الجزء اليسير منها .
            فأزدادت دهشتها . وقالت اذن هل هي للزينة أم ماذا ؟
 قلت : كلا ليست للزينة ، ولكن الكتب بالملايين وعمر الأنسان قصير .
 – اذن لم كنت تبحث في مكتبات موسكو ، وربما تبحث اليوم في مكتبات بغداد عن هذا الكتاب او ذاك وتحاول الحصول عليه ولو بسعر مرتفع . لماذ هدرت وقتك ومالك على هذه الكتب – واشارت بيدها الى صفوف الكتب المتراصة على الرفوف -  اذا كنت لا تقرأها ؟.
            سيدتي:  أعتقد أن الكتب ثلاثة أنواع : كتب ينبغي أن تقرأ جزئيا . وكتب خفيفة تقرأ من دون الحاجة الى تركيز أو اهتمام كبير. وكتب – وهي قليلة ان لم تكن نادرة دوما وفي كل العصور - يجب أن تقرأ ، كما كتبت ، بتأن وأهتمام وتركيز ..
.أنني أنتقي الكتب بعناية ، ومع ذلك اقتنيت كتبا خدعتني عناوينها وأسماء مؤلفيها ، و كانت رائجة في حينها ، ويتحدث عنها الناس ، ويكيل النقاد لها المديح ، ولكنها كتب لا تستحق القراءة الجادة. وما اكثر الكتب التي طويتها الى الأبد لأن الصفحات الأولى منها لم تعجبني  ، بينها كتب لأدباء مشهورين ، فأنا احكم على النص واسلوبه ولا يهمني ان كان المؤلف شهيرا او مغمورا . قيمة الكتاب ليس في رواجه ولكن في قيمته الفكرية والفنية . ولحسن الحظ فأن عدد الكتب من هذا النوع محدود في مكتبتي .
- تقول ان الكتب القيمة قليلة ، وان مكتبتك لا تحوي سوى عددا محدودا منها ، ولكن أرى أمامي مئات الكتب ، ربما أكثر من ألفي كتاب ؟
- كما ترين فأن لديّ عدد كبيرنسبيا  من الكتب العلمية ، التي لا أحتاج اليها الا نادراً ، لأنني عند الحاجة أقرأ آخر الأصدارات في موضوع علمي معين يهمني الأطلاع عليه وليس الكتب الصادرة في السنوات الماضية ، التي تبلى جدتها ، وتتقادم مع الزمن. كما أن ثمة هنا الكثير من الكتب الجغرافية والموسوعات والمعاجم والأدلة والخرائط ، والكتب المصورة التي تتضمن اللوحات الفنية لهذا الرسام أو ذاك ، أو فترة تأريخية معينة لبلد ما ، مثل بلاد الرافدين أو مصر القديمة ، تلك الأوراق التي تنكرت على شكل كتب . واذا استثنينا هذه الكتب لن يبقى سوى نصف عدد الكتب الصالحة للقراءة والتي تتألف من كتب الآداب ، والفنون ، والفلسفة . و لم يتسنى لي قراءة القسم الأكبرمنها، بسبب طريقتي الخاصة في القراءة .
- انا لا افهمك . ثم التفت الى زوجها وسألته : هل فهمت شيئا يا فيكتور.
- سيدتي لا تتسرعي في الحكم ، دعيني اشرح لك طريقتي في القراءة . الكتب لا حصر لها ، ومشاغل الحياة ومتاعبها كثيرة ، وحتى لو تفرغ المرء طوال حياته الواعية للقراءة  ، فلن يستطيع أن يقرأ ويهضم سوى النزر اليسير مما هو منشور ومتاح من الكتب الجادة .  إن القراءة التي أقصدها ليست هي مجرد الأطلاع السطحي ، بل القراءة العميقة . انني أقرأ بتمعن وتركيز مجموعة مختارة  من الكتب ، الأكثر تحريكا للمشاعر ، تلك التي صمدت امام الزمن و ظلت مقروءة عبر العصور منذ ان وجدت الكتابة وحتى يومنا هذا ، واعيد قراءتها  مثنى وثلاث ورباع ، باقبال متزايد ، واكتشف فيها الجديد في كل مرة ، حتى يصبح ما أقرؤه جزءا من نفسي . وهذا الأسلوب لا يسمح بقراءة الكثير من الكتب ، لأن من المتعذر الجمع بين القراءة العميقة والقراءة الكثيرة الواسعة . " .
لو قرأنا عددا محدودا من الكتب بهذه الطريقة  أصبح من العسير علينا أن نطلع – الى جانب ذلك – على هذا الكم الهائل من النتاج الفكري والأدبي الذي تضخه المطابع ليل نهار . هذا الفيض الذي يزعم بعض المثقفين انهم قرأوه وتعمقوه . انا لا اشتت قراءاتي ، لذا فأن كل ما قرأ  يصبح ملكا لي واستخدمه في سهولة ويسر كلما دعت الحاجة اليه .
كان فيكتور يستمع الى حوارنا ، أنا وكريستينا ،ولم يتدخل كثيراً في النقاش . ولكن يبدو انه كان يرى الأمر من زاوية جديدة .وقال بصوت حاول ان يكون وديا ولبقاً: أن وتيرة الحياة المعاصرة تتسم بالسرعة ، والوقت لا يسمح بأستيعاب المطولات والمجلدات. ولا افهم كيف يمكن للمرء أن يقضي أياماً عديدة وربما أسابيع في قراءة رواية طويلة من عدة أجزاء ، مثل "الحرب والسلام"  في حين ان الحياة من حولنا  لا تقل متعة .
قلت : أعتقد ان الحياة ينبغي أن تكون مملوءة بالكتب النابضة بالحياة ، تلك التي تخفف من وطأة الحياة وتسرع في ادراكها ولا تكون بديلاً عتها ، فالكتاب للحياة وليس العكس. ان الكتب لا تغني عن تجارب الحياة ، لأننا نحتاج الى قسط من التجربة لكي نفهم الكتب حق الفهم . كما أن التجارب لا تغني عن الكتب ، لأن الكتب هي خلاصة مركزة لتجارب البشرية خلال آلاف السنين ، ولا يمكن ان تبلغ تجربة الفرد الواحد اكثر من عدة عقود ..
ان القراءة الواعية العميقة ، أو القراءة الفاعلة يكون في الوحدة والسكون .ربما قرأتما  رأي مارسيل بروست في اسلوب القراءة ، حيث يرى : " ان الكتاب أفضل من الصديق وأنفع من حديث الحكماء ، ذلك لأن السكون الذي يحيط بنا عند القراءة يحفظ علينا تفكيرنا قويا سليما بعيدا عن مؤثرات المتحدث فالسكون اذن ضروري لكل ما يثير فينا الفتنة والتفكير والاعجاب ، كما أن اللوح الفني لا نستطيع ادراك اسراره الا اذا تأملناه منفردين " . القراءة العجلى لا تترك أثراً في النفس ، ولا تلتصق بالذهن لفترة طويلة ، ولا تغير نظرتك للحياة ، أما الطريقة الواعية المتأنية فهي الوسيلة المثلى للمعرفة والثقافة ، لأنها تمتع النفوس وتغذي العقول وتحقق للأنسان انسانيته ، وتطور تفكيره وتعبيره ، وتزيد الحياة عمقاً
كان فيكتور وكريستينا ، يصغيان بأنتباه الى الحجج التي أسوقها لتبرير العدد المحدود من الكتب التي قرأتها . ثم التفت كريستينا نحوي وهي تقول : والآن دعني أستعير منك  بعض الكتب ان سمحت .
- هل لي أن أقترح عليكِ بعض الكتب التي أحبها ؟
- يسعدني ذلك!
- ما رأيك في رواية فلوبير " مدام بوفاري " التي أعتقد أنها أفضل رواية كلاسيكية فرنسية .   ورواية ستندال " الأحمر والأسود " ورواية ارويل " 1984 " و" مائة عام من العزلة " لماركيز ، وهي كلها مترجمة الى اللغة الروسية ، ترجمات ممتازة ومتكافئة.
قالت : هذه كتب قرأتها مترجمة الى اللغة البولونية . ثم تقدمت من الرفوف محاولة قراءة العناوين . قلت :
أني انظم مكتبتي حسب الحقول ( علوم ، آداب ، فنون ، فلسفة ، تأريخ ،... الخ ) بصرف النظر عن اللغة ، واذا كنت تبحثين عن الروايات والقصص فعليك معاينة حقل الآداب .
- هل لديك رواية " المعلم ومارغريتا " لبولغاكوف .
- أجل ولكنني قرأت الجز الأول منها فقط ، لأنها لم تعجبني كثيراً .
اختارت  كريستينا  رواية " المعلم ومارغريتا " و" المماشي الظليلة " لبونين  " و "امرأة في الثلاثين " لبلزاك ، والمؤلفات الكاملة للشاعرة الروسية العظيمة (تسفيتاييفا ). وقالت أنها معجبة بتسفيتاييفا ، أيما إعجاب ، لأن قصائدها رائعة ، وكل ما كتبته من شعر ونثر فني ومقالات ويوميات ورسائل لا نظير لها من حيث عمق الأفكار وروعة التصوير وصدق الأحاسيس وجمال الأسلوب .
- نِعمَ الأختيار سيدتي ، وأريد رأيك في " المعلم ومارغريتا " بعد قراءتها بطبيعة الحال، لأن الروس يعتقدون أنها أفضل رواية روسية في القرن العشرين ، وأنها البداية الحقيقية لأدب ( الواقعية السحرية ).  وأنا لا أصدق ذلك ! .


51
سحر الإستهلال الروائي الجاذب

جـودت هوشيار
               
الرواية الجيدة ، والممتعة حقاً ، تبدأ بجملة أو فقرة مشوقة، قد تكون مثيرة ، أو مدهشة ، أو مرحة ، أو حزينة  ، ولكنها قادرة على أن يجذب إنتباه القاريء وتحفيزه على مواصلة القراءة . الدراسات النقدية العربية ، التي عنيت بالأستهلال الروائي قليلة جداً، وان وجدت فهي شكلية في معظمها ، لا تعبر عن خصوصيات  الأستهلال ودلالته ووظيفته كأهم عنصر من عناصر البناء الروائي . بعض النقاد العراقيين ، الذين عالجوا موضوع الأستهلال الروائي ، أخذوا يبحثون عما قيل في الأستهلال في الكتب اللغوية والبلاغية العربية القديمة ، ولكن تلك الكتب تتحدث عن أهمية الأستهلال في المؤلفات والمصنفات عموما ، وليس عن الأستهلال الروائي . فالرواية الحديثة بمفهومها الحقيقي فن سردي غربي خالص ،ويقول النقاد الغربيون ان الرواية - كجنس ادبي مستقل - خرجت من رحم رواية سيرفانتس " دون كيشوت "، التي نشر جزئها الأول في العام 1605 . انتقل فن الرواية الى الثقافة العربية مع ما انتقل اليها من فكر الغرب وفنونه وآدابه في بواكير عصر النهضة العربية .
 الأستهلال في الرواية ( فيكشن ) شيء وفي غيرها من كتابات ( نون فيكشن ) شيء آخر تماماً ، وان كان التشويق مطلوباً في مفتتح أي رواية،أو كتاب أو دراسة أو مقال .
مفتتح الرواية أمر حيوي ، وبالغ الأهمية ، ويجب ألا يضجر القاريء بالعبارات المأثورة المبتذلة ( الكليشيهات ) وأن لا يقحم الكاتب فيه المقدمة التي يبرر بها عمله أوالوصف الممل أوالأستطراد غير الضروري ، بل أن يتضمن معلومات مهمة عن بطل الرواية أو احدى الشخصيات الرئيسية فيها  وأن يكون مركزاً ، وقصيرا وواضحا ، وضرورياً في سياق الرواية ، ومن ثم تطويره في عدة جمل لاحقة على نحو يثير الأهتمام والفضول ، لأن القراء لديهم الكثير من الكتب للأختيار من بينها . الأستهلال هو الذي يشكل عند المتلقي الأنطباع الفوري عن الرواية وهل تستحق أن تقرأ. .
من الخطأ استهلال الرواية بمفتتح درامي من اجل جذب انتباه القاريء ، لأن القاري لم يطلع بعد على القصة ولم يتعرف على شخصيات الرواية ، لذا لا يتفاعل مع الحوادث الدرامية ولا يتجاوب معها اذا كان لا يعرف شيئا عن المواقف والشخصيات .
ليس المهم في الرواية المعاصرة ،أن يكون الأستهلال وصفاً أو مشهداً أو حواراً ،أو فكرة جديدة أو حقيقة ما ، بل أن يكون قوياً ومثيرأ .  ومن العبث تصنيف الأستهلالات أو تبويبها في أنماط وقوالب محددة ، فلكل رواية استهلال خاص بها لا علاقة له بأي استهلال في أي رواية أخرى .
الأستهلال أصعب وأهم فقرة في أي رواية ، وقد عانى كبار الروائيين في العالم من معضلة العثور على الأستهلال المناسب عند شروعهم بكتابة رواية جديدة . يقول غابريل غارسيا ماركيز: " المشكلة الرئيسية تكمن في البداية . الجملة الأولى في الرواية أو القصة تحدد امتداد النص ، ونطاقه ، و نبرته ، وايقاعه ، واسلوبه . أصعب ما في الرواية – الفقرة الأولى .ما أن تتقن ذلك حتى تسير الأمور بأنسيابية وسهولة . في الفقرة الأولى أنت تحل معظم المشاكل التي تواجهك في كتابة الرواية – تحدد الموضوع والأيقاع .  لقد يحثت عن الجملة الأولى المناسبة لرواية " خريف البطريق " طوال ثلاثة أشهر. ولكن عندما وجدتها ، أدركت كيف تكون الرواية بأسرها . "
وكتب ايفان بونين ، يقول : " الرواية الجيدة تبدأ بجملة حقيقية . حقاً ان الجملة الأولى لها الدور الحسم ، فهي التي تحدد في المقام الأول حجم العمل وصوته ككل . واذا لم تنجح في العثور على  الصوت الصحيح ، فإنه لا مفر من تأجيل الكتابة أو التخلص مما كتبت ورميه في سلة المهملات .
اما ليف تولستوي ، فقد بدأ روايته الشهيرة " آنّا كارينينا بالجملة التالية الشهيرة ، التي دخلت الى المناهج الدراسية للفروع الأدبية في جامعات العالم  : " كل الأسرالسعيدة تتشابه، ولكن كل أسرة شقية فريدة في شقائها ". ثم أضاف " كل شيء اختلط في بيت آل اوبلونسكي " . وبعد كتابة هاتين الجملتين اسرع ليقول لأهل بيته : " لقد أنجزت الرواية " . حقاً لقد اتضحت حبكة الرواية امام عينيه كاملة فهو يعرف على وجه التحقيق ، ما الذي سيحدث لاحقاً ، وكيف سيكتب الرواية ؟
الجملة الأولى المثالية ، ليست مجرد استهلال ، أو بوابة للولوج الى عالم الرواية ، بل يرسم العمل اجمالاً ، كأنها الرواية كلها مضغوطة في جملة واحدة .  وكما قال وليم بليك "أن نرى العالم في حبة رمل". السطر الأول في رواية فرانز كافكا " التحول " التي  ترجمت الى العربية تحت عنوان " المسخ " يحتوي على مجمل مضمونها : ما أن استيقظ غريغور سامسا صباح أحد الأيام من أحلام مضطربة ، حتى وجد نفسه في فراشه وقد تحول الى حشرة عملاقة ." يمكننا أن نرى في هذا الأستهلال رحلة سامسا الداخلية ومحنته المؤلمة وموته في نهاية المطاف .
لا حاجة لكتابة وصف ممل للطبيعة أو وصف الأشخاص الذين لن يلتقي بهم القاريء في سياق الرواية ، على سبيل المثال، " رأيت جارتي من الطابق الثالث منحنية على رجل جريح تهمس له بشيء " ، هذه هي الأشارة الوحيدة الى الجارة ،في رواية روسية حديثة  ولا يرد ذكرها في الفقرات والفصول اللاحقة . في هذه الحالة تظل الجارة في ذهن القاريء ، ويحس بخيبة أمل كبيرة عندما يكمل قراءة الرواية حتى النهاية دون أن  يلتقي بها في النص ، ولو مرة واحدة . وكما قال أنطون تشيخوف : " لا يمكنك تعليق بندقية محشوة بالرصاص على الحائط، اذا لم تكن في نيتك أن تطلق النار لاحقاً "
لا ينبغي ان تبدأ الرواية بالمواعظ الأخلاقية أو التأملات الفلسفية لعدة اسباب منها ان القاريء لا يحب المواعظ وان الجرعة الفلسفية لا تعطى بشكل مركز بل ينبغي توزيعها بالتساوي على امتداد الرواية . ولا مجال في المفتتح للتفكير في معنى الحياة أو أن تسأل : ما العمل اذن !.
أحيانا يكون الأستهلال صورة حية يسهل تحويله الى لقطة سنمائية . صورة تركز على التفاصيل الصغيرة التي تدعونا للتعرف على حياة شخصية مهمة في الرواية ، لذا فأن الأستهلال يبدو وكأنه بداية لفيلم سينمائي تقودنا الى المشاهد الأخرى . صورة تستخدم فيها الأضاءة والنبرة ، لنقل المزاج السائد في الرواية الى القاريء .
لكل استهلال صوته المنفرد . نحن نحب أن نسمع القصص من رواة أو ساردين يتميزون بالصوت الحسن ، والأستهلال ينبغي أن يكون بصوت شخصية مهمة في القصة ، وهذا الصوت خاص برواية معينة ولا يتكرر أبداً في رواية أخرى.
المفتتح الجيد يثير اسئلة . القاريء يسأل من هم هؤلاء الناس ولماذا تصرفوا على هذا النحو . اذا بدأت مباشرة بالصراع لن يكون بوسعك ان تحقق هدفك ، لأن المشهد لن يجذب من دون سياق ؟
لتقرأ هذا الأستهلال الحاذق والمؤثر الذي يفتتح به ماركيز رائعته " مائة عام من العزلة " التي تتصدّر أفضل روايات القرن العشرين : " بعد سنوات طويلة ، وأمام فصيل الأعدام ، تذكر الكولونيل اوريليانو بوينديا ، عصر ذلك اليوم البعيد ، الذي اصطحبه فيه أبوه ، لكي يتعرف على الجليد " . " .
الأستهلال هنا ليس صاخباً ولكنه يجذب من حيث الحبكة والشخصية وخط الأنفتاح . لماذا يواجه الكولونيل   حكما بالأعدام رميا بالرصاص ؟ وأين كان يعيش ، ومتى أخذ أبنه ليكتشف الجليد ؟
ماركيز يمسك بتلابيب القاريء من الجملة الأولي . لنقرأ معاً هذا الأستهلال الذي بدأ به قصته الرائعة :" رحلة موفقة ، سيدي الرئيس : " جلس على مصطبة خشبية تحت الأوراق الصفراء في المنتزه المهجور ، متأملاً الوز ذي اللون المغبر ، وكلتا يديه على المقبض الفضي لعصاه ، وراح يفكر بالموت "
القاريء يسأل : من هو هذا الرجل ، ولماذا  يفكر بالموت ؟ الأوراق الصفراء المتساقطة في أواخر الخريف تلميح ذكي الى ما ينتظر الرجل في ايامه التي أوشكت على النهاية .
قد يكون الأستهلال محاكاةً ساخرة ، كما في رواية " كبرياء وهوى " لجين أوستن ، "حقيقة معترف بها عالمياً أن الرجل الأعزب صاحب الثروة الجيدة بحاجة إلى زوجة "
أما سكوت فيتزجيرالد فقد افتتح رواية " غاتسبي العظيم "  بالفقرة  التالية الموحية بما سيأتي:  " في سنوات صغري وطيشي، أخبرني والدي بنصيحة ظلّت تدور في رأسي منذ ذلك الحين: عندما تشعر بالرغبة في انتقاد أحد، تذكر فقط أن ما أتيح  لك في هذا العالم من مزايا لم يتح لغيرك من الناس" ..
قد يكون الأستهلال شاعرياً ينطبع في ذهن القاريء بنبرته وايقاعه . كما في رواية " لوليتا " لنابوكوف ، التي  تبدأ بالجملة التالية : " لوليتا ضؤ حياتي ، والنار المتوقدة في عروقي . لوليتا خطيئتي، وروحي . لو- لي- تا ، رأس اللسان حين يمضي في رحلة من ثلاث خطوات عبر الحلق ، ليدق ثلاثاً فوق اللسان ، لو – لي – تا " . هذا المفتتح العاطفي يكشف عن الفاجعة التي ستأتي .
أما الروائي العراقي أحمد سعداوي ، فقد افتتح روايته " البلد الجميل " ( بالجملة التالية : " نود أغنيتي التي رحلت . نصف تفاحتي ، سمكة أيامي اللائبة في بحيرة صمتي ، كلمتي التي اكررها مرارا. " وليس من الصعب للقاريء ان يلاحظ التطابق في الأيقاع بين "لوليتا" و"البلد الجميل" رغم اختلاف الكلمات .
وقد شبه الكاتب الروسي يوري بولياكوف الأستهلال الشاعري بالقبلة الأولى في الحب فهي تعد بما لا يمكن التنبؤء به .
استهل الكاتب المصري المبدع بهاء طاهر رواية " الحب في المنفى " بمقطع شاعري جميل ومركز ، وكأنه دعوة للقاريء للدخول الى عالم الرواية ، التي تعد من أروع الروايات العربية في القرن العشرين وقد وصفها أحد كبار النقاد المصريين بأنها كاملة الأوصاف ، الكاتب يستهل الرواية بهذا المفتتح المثير : " اشتهيتها اشتهاءً عاجزاً ، كخوف الدنس بالمحارم . كانت صغيرة وجميلة ، وكنت عجوزاً وأباً ومطلقاً . لم يطرأ على بالي الحب ، ولم أفعل شيئاً لأعبر عن إشتهائي . لكنها قالت لي فيما بعد : كان يطل من عينيك " . وكما نرى فأن الخيال الممتع يسري خفيفا لطيفا في ثنايا الرواية منذ البداية ، بطريقة تثير حب الأستطلاع إثارة متصلة ، والعبارات قصيرة ومحددة وواضحة يستريح لها القاريء وتغريه بمواصلة القراءة .
يتبين لنا من كل هذه الأمثلة  أن ، الأستهلال يتنوع ويتخذ أشكالاً مختلفة ،  وليس ثمة أي قواعد لكتابته . والواقع أن لكل رواية  جيدة استهلال خاص بها ، ينطبع فيى الذاكرة اذا كان قوياً ومؤثراً ،وعلى الروائي ان يتحلى بالصبر لأن البحث المضني عن الأٍستهلال الأفضل لروايته قد يستغرق وقتا أطول مما يتصور .
الروائي العراقي عموماً لا يتعب نفسه ولا يصرف الوقت الكافي ولا الجهد اللازم للعثور على الأستهلال البارع ، بأستثناء البعض منهم وفي مقدمتهم الروائي المبدع أحمد سعداوي ، حيث لم اجد في معظم تلك الروايات أي استهلال قوي ومؤثر يثير الرغبة في مواصلة القراءة ، فالرواية العراقية الحديثة ،غالبا ما تبدأ بموعظة أخلاقية أو حكمة ، أوحقيقة معروفة ، او وصف عادي، أو حوار ممل، فيفقد القاريء كل شهية لقراءة الرواية فيطويها في ضيق ويلقيها جانباً  وربما كان هذا أحد أسباب عزوف المتلقي العراقي عن اقتناء الروايات العراقية وقراءتها ، في حين أن الرواية العربية غير العراقية لها سوق رائجة نسبيا  ًفي العراق  .
 


52
حيّوا معي هذه السيدة العظيمة

                                                             
جودت هوشيار
هذه السيدة إحدى أقوى المرشحات لنيل جائزة نوبل للسلام لعام 2016 ، وهي ليست ، لا سياسية بارزة ، ولا شخصية شهيرة ، ولا تشغل أي منصب حكومي ، بل إمرأة عجوز عمرها 85 عاما ، ولكنها عظيمة بكل المقاييس ، لأنها قررت أن تكرس حياتها لأنقاذ المهددين بالهلاك ، الذين لم تلتق بهم قط في حياتها ، ولكنها تحس أنهم أخوة لها في الأنسانية المعذبة ، أولئك الذين اجبروا على ترك أوطانهم والبحث عن بقعة آمنة في هذه الدنيا المضطربة .
اسم هذه السيدة (اميليا كامويزي) من جزيرة ( ليسبوس ) اليونانية ،وقد غادرت منزلها وتقيم منذ سنة تقريباً في خيمة على ساحل البحر . تستقبل اللاجئين القادمين من تركيا ، الذين استطاعوا الأفلات بشق الأنفس من بحر ايجة والوصول الى الجزيرة في حالة يرثى لها . تحتضنهم وتقدم لكل منهم بطانية وشطيرة من الجبن ، وتحرص على اعطاء الأطفال الرضع الحليب الدافيء .
 تحدثت ايميليا الى مندوب صحيفة ( لا ريبوبليكا) الأيطالية عن ذلك اليوم الذي وصلت فيه سيدة منهكة القوى مع طفلها الرضيع الى ساحل الجزيرة ، وهي مبتلّة مع طفلها من قمة رأسيهما الى أخمص القدمين . أخذت اميليا الطفل و اسرعت لجلب الملابس الناشفة . أخذ الطفل يبكي ، وعندها ركضت صديقتها ( ماريتسا ) لأحضار الحليب ، ولكن الطفل رفض شربه ، لأن الحليب كان ساخنا جداً . قامت اميليا بتبريد قنينة الحليب في مياه البحر ، وعندئذ شربه الطفل في لحظة واحدة .
 هل فكرت هاتان السيدتان  يوما انهما ستكونان مرشحتين لنيل جائزة نوبل للسلام . تقول اميليا لقد تصرفت كأنسان . عندما يصل أي قارب الى الشاطي – وهي تأتي بالمئات يوميا - ، أنت لا تسأل نفسك ، ان كان اللاجئون وأطفالهم لديهم وثائق صحيحة ، ولا من أين قدموا ، ولماذا ؟ . انك تفكر في أحفادك، الذين هم في العمر نفسه . وحتى لو بلغت الخامسة والثمانين من العمر ، وتتكيء على عصاة عند المشي ، فإنك تعمل ما في وسعك ، لكي تقدم المساعدة الى من هم بأمس الحاجة اليها .
وعن الأتفاقية الأخيرة بين الأتحاد الأوروبي وتركيا ، التي تهدف الى وضع حد لتدفق اللاجئين الى أوروبا ،  قالت اميليا : " انهم فقط نقلوا المشكلة من مكان الى آخر  . ينبغي وضع حد للحرب في سوريا . وعلى أوروبا أن تفتح الأبواب وليس غلقها بوجه اللاجئين  . أمي وأم ( ماريتسا ) سلكتا الطريق نفسه قبل مائة سنة تقريبا ، هاربتين ، من جحيم الإبادة الجماعية في مدينة أزمير الساحلية التركية ، ووصلتا الى هذه الجزيرة على قارب صيد خشبي محمل بالبشر فوق طاقته .
 ذات مرة،  قبل عدة أسابيع ، عندما غرق قارب محمل باللاجئين قرب الساحل ، قدر لأمرأة النجاة بأعجوبة ، وفور بلوغها الشاطيء وقعت في حضني . فكرت في أمي ، التي وصلت الى هذا الساحل قبل سنوات طوال . في تلك اللحظة خيل اليّ أنني أعانق أمي ."



53
من هو الكاتب الحقيقي ؟
جــودت هوشيار               
منذ أن كتب مؤلف مجهول ( ملحمة جلجامش )  في القرن الثامن عشر قبل الميلاد - وهي أقدم قصة كتبها الإنسان - وحتى شيوع الأنترنيت قبل حوالي عشرين عاماً ، كان كتّاب النثر الفني قلة نادرة من أصحاب المواهب ، والمعرفة الموسوعية ، والخيال الخصب ، والحس الجمالي ، والأفكار الجديرة بالقراءة والتأمل . والى عهد قريب كان مثل هؤلاء الكتاب في العالم العربي محل اعجاب واحترام المثقفين الذين يتابعون أعمالهم الجديدة بشغف . وقد قيل (القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ) . رغم ما في هذه المقولة من اجحاف بحق بيروت الرائدة دائما في مجالات الفكر والأدب والفن . أما بغداد فلم تعد تقرأ كثيرا هذه الأيام ،رغم تكاثر الكتّاب كالفطر بعد المطر ، بحيث بات من الصعوبة بمكان فرز الكتّاب الحقيقيين عن الأدعياء ، الذين لا أثر في كتاباتهم  لأي فكرأو ابداع . ولم يعد الجيل الجديد يهتم بالنتاجات الأبداعية الأصيلة فكراً وفناً ، فهو يبحث في الأنترنيت وفي المجلات الخفيفة المزوقة عن توافه المعارف ، وغرائب الحوادث ، وطرائف النوادر وهي كلها أشبه بـوجبات (الفاست فود ) لا تترك أثراً في النفس ولا حاصلاً في الذهن . ثمة سمات يتصف بها الكاتب الحقيقي من خصائص نفسية ومعايير فنية وجمالية وأخلاقية  يلتزم بها ، على خلاف الكاتب الأستهلاكي السطحي الذي لا يهمه سوى تسويق نفسه و( كتاباته ) كأي سلعة في السوق . والفروق بين الأثنين جذرية ،لعل أهمها ما يلي :
                      1 – دوافع الكتابة
الكاتب الحقيقي لا يكتب من اجل المال ، او المجد ، او الشهرة ، أو بدافع آيديولوجي معين ، بل لأنه مصاب بـ(مرض) الكتابة ، ويشتعل حماساً للتعبيرعما يختلج في ذاته ويشعر بضرورة ملحة في البوح للناس بما لم يكتبه أحد من قبل ، ولكونه قد التقى اناسا وتملكته احساسات ليس بوسعه ان لا يعبر عنها , هكذا تظهر للوجود النتاجات الأبداعية الممتعة.
سأل احدهم ليف تولستوي ذات مرة : كيف يستطيع الانسان ان يكتب بشكل جيد . فقدم له الكاتب نصيحتين ثمينتين :
اولا :  على الكاتب ان لا يكتب مطلقا عن موضوع غيرشائق بالنسبة اليه شخصيا. 
ثانيا : اذا اراد الكاتب ان يكتب عملا ابداعيا ما ولكن كان بوسعه ان لا يكتبه فمن الافضل ان يتخلى عن فكرته .

2 - الموهبة :
الموهبة الأدبية  وحدها ، أو الميل الى التعبير عن الأفكار والأحاسيس عن طريق الكتابة ،  غير كافية لخلق كاتب متمكن من أدواته ، الموهبة  قد تظهر في مجال الموسيقى والشعر في سن مبكرة ( موتسارت ، رامبو ، يسينين ). أما في القصة والرواية ، فأنها تحتاج الى الصقل والعمل الدؤوب لتنتج أثراً ذا قيمة
لو كانت الموهبة الفطرية وحدها كافية لكتب تولستوي " الحرب والسلام " و فلوبير " مدام بوفاري " و ستندال " الأحمر والأسود " في مقتبل العمر ، رغم ان هؤلاء الثلاثة يعدون من العباقرة الأفذاذ في فن الرواية .   تاريخ الأدب العالمي لا يقدم لنا مثلاً واحداً على ظهور رواية عظيمة لكاتب يافع . .
كان ميخائيل شولوخوف في الثالثة والعشرين من العمرفي عام 1928 حين نشر الجزء الأول من رواية " الدون الهاديء ". وقد شكك النقاد على الفور في ان يكون شولوخوف مؤلف هذه االرواية حقا ، لأن شابا يافعاً من أعماق الريف ، لم يشترك في الحرب الأهلية ، ولم يتلقى تعليما يعتد به ، ولا يمتلك الا القليل من  التجربة الحياتية لا يمكن أن يؤلف رواية طويلة وعظيمة كـ( الدون الهاديء ) ، وقد صدق حدسهم فقد تبين لاحقاً ، بعد البحث والتدقيق ، أن مخطوطة  الرواية تعود لضابط روسي قتل خلال الحرب الأهلية ، واستولى شولوخوف على المخطوطة واعاد كتابتها بخط يده . وقد سخر الكاتب الروسي سولجنيتسن الحائز على جائزة نوبل في الأداب لعام 1970 ، من شولوخوف قائلاً : " بالطبع فإن ميشا ( تصغير اسم ميخائيل ) ليس مؤلف  الدون الهاديء قطعاً ."
3 – العمل الشاق :
أن العباقرة لا يولدون ، بل يصبحون كذلك ، عن طريق العمل اليومي الدؤوب المثابر على مدى فترة طويلة من الزمن  والأصرار على تحقيق الأهداف .
لا نجد بين كبار الكتاب من أصبح معروفا بين ليلة وضحاها . كل الكتاب العظام كانوا في البداية  يجربون طاقاتهم وادباء غير معروفين ، وكانت نتاجاتهم رديئة ودون مستوى النشر وتطورت فطرتهم الأبداعية بالممارسة والتجريب وومحاولتهم التعلّم لأكتساب التقنيات والأدوات ، وادمان المزاولة وطول العلاج.  الذي لا يكتب يوميا – وان كان كاتبا جيدا - يجف قريحته وينضب تدفق افكاره وما يكتبه بين حين وآخر يكون غثاً .
ليست الكتابة ، هواية يمارسها الكاتب بين حين وآخر حسب المزاج ،ولا طريقة لتزجية الفراغ والتسلي ولا مهنة عادية كسائر المهن ، بل عمل شاق يلتهم حياة الكاتب وينهك قواه . فهو يعيش حياتين – حياة عادية كالآخرين ، وحياة ابداعية مرهقة تستنزف طاقاته وتختلف كثيراً عن حياة الناس العاديين .
الأدب يملأ حياة الكاتب وليس خلال الساعات التي يكتب فيها فقط . الأدب يزيح كل الأعمال الأخرى . ليكرس نفسه ووقته وطاقته للأدب .
الكاتب الحقيقي يراجع ما كتبه أكثر من مرة . فالكتابة عموما ، والفنون السردية خصوصاً  تتطلب ارادة قوية ، وأقوى الأرادات هي التي تنتج أفضل النصوص . قد يقول بعض الكتّاب انهم يكتبون بسهولة ويسر ، ويقصدون بذلك الكتابة السطحية الرائجة التي يقبل عليها من يريد الأستمتاع بالقصص الميلودرامية أو روايات الحب الخفيفة ، التي لن تصمد أمام الزمن.
سئل الكاتب الأميركي مارك توين : كيف تُكْتَبُ الكتب الرائجة ؟ 
- أوه ... !  أنه أمر جد بسيط . خذ قلما وورقة واكتب الأفكار التي ترد الى ذهنك . ولكن المهم في الأمر هو نوع الأفكار التي تكتبها .
الأفكار موجودة عند كل الناس ، ولكن ليس عند الكل القدرة على التعبير عن أي فكرة بوضوح وسلاسة وكثافة في جملة واحدة موجزة ، وكما قال تشيخوف فأن " الأيجاز صنو الموهبة . ".
الكاتب الحقيقي  من يجيد التعبير - الواضح والجميل في آن واحد عن افكاره وعواطفه  وعن زمانه ، ورؤيته للحياة والعالم ، ويمتلك حساسية مرهفة قادرة على تحويل الكلمات المألوفة الى كلمات يبعث على التفكير أو يلهب العاطفة والشعور.. 
4 – تقنيات الكتابة :
ليس للأدب – كأي فن آخر - قواعد محددة ولكن استيعاب تجارب الكتاب الكبار والتقنيات الفنية المستخدمة في نتاجاتهم ضرورية للكاتب – أي كاتب ، فالروائي او القاص الذي لم يدرس  التقنيات السردية من خلال تحليل الأعمال الأدبية الخالدة لكبار الكتاب ، كأنه يبدأ من الصفر . وكل كاتب حقيقي هو قاريء نهم ومتميز بالضرورة ،  لا يكتفي بقراءة النتاج الأدبي لمرة واحدة كأي قاريء عادي ، بل يعيد قراءته أكثر من مرة ليعرف : " كيف تمت صناعته ". واذا لم يكن عنده وقت للقراءة فلا يمكن أن يكون كاتبا .ً   
يقال بأن التقنيات الفنية يمكن تعلمها – الى حد ما - عن طريق التعليم أيضاً  وهذا يفسر انتشار الورش الأبداعية في أنحاء العالم التي يتحدث فيها كبار الروائيين عن تجاربهم ويقدمون النصح والأرشاد للمبتدئين في عالم الأدب . ولكني لا أعتقد بأن مثل هذه الورش يمكن أن تخلق كاتباً مبدعاً ، ما لم يتوافرعلى بذرة الموهبة وهوس الحكي . ثمة طريقة واحدة لتكون كاتبا جيدا ان تجلس وتكتب وتجرّب الى أن تكتب نصاً ذا قيمة فنية .
كان الروائي الأميركي الشهير سنكلير لويس (1885-1951) أول كاتب أميركي يحصل على جائزة نوبل في الآداب عام 1930 ، وقد دعي ذات مرة  ليحاضر أمام مجموعة من الطلاب حول حرفة الكاتب والمهارات الأدبية . وقف على رأس الصف وسأل: “كم من الموجودين هنا لديه رغبة جادة في أن يكون كاتباً؟” وارتفع أمامه أيادي الحاضرين المشهرة. وعندئذٍ تساءل لويس : “حسنٌ، لماذا لا تعودوا جميعاً إلى بيوتكم لتكتبوا؟” قالها ثم خرج من القاعة
الكاتب يتعلم من  محاولاته وتجاربه الشخصية في المقام الأول وممارسته الدؤوبة للكتابة يوما بعد يوم ، لأن ترك الكتابة لفترة طويلة يؤدي الى جفاف القريحة ونضوب الطاقة الأبداعية تدريجياً . . ان القاعدة الذهبية للنجاح تكمن في أن يطور الكاتب نفسه ويتعلم من انجازاته ومن أخطائه ايضاً ، لأن من المهم له أن يعرف أيضاً ، ما لا ينبغي كتابته ، وأن يعيد كتابة نتاجه المرة تلو المرة . من يصدق أن عبقرياً مثل تولستوي كان يعيد كتابة نتاجاته وتعديلها وتنقيحها عشرات المرات أحياناً .
يقول ايليا اهرنبورغ في محاضرة القاها في معهد الأدب العالمي في موسكو عام 1949 : " عندما انجز رواية ما اعيد النظر فيها : احذف واعدل وانقح وبالنتيجة يتقلص حجم الرواية الى أقل من نصف حجمها الأولي . ولا أنشرها الا بعد أن أكون راضياً عنها " . "
5 – العزلة :  
الحكمة تولد في الصمت والأفكار تتدفق والمخيلة تنشط في العزلة الأيجابية المنتجة ، ولهذا فأن سمة مهمة أخرى للكاتب الحقيقي – العزلة أو الأختلاء بالنفس . وبطبيعة الحال فإننا لا نقصد بذلك العزلة عن حياة المجتمع   ، بل الأبتعاد عن المشاغل اليومية وعدم هدر الوقت الثمين وايجاد الوقت الكافي للكتابة. وثمة قول لفرانز كافكا ورد في احدى رسائله  يقول فيها : " أن كل أعمالي هي نتاج الوحدة " . "  .
قد يقول البعض ان ثمة العائلة وزملاء العمل والأقارب ، والأنشطة الأجتماعية  . كل هذا يمكن ان يكون موجودا . العزلة الحقيقية التامة – هي في الداخل . انها احساس لا يفارق الكاتب أبداً وطوال حياته يتعلم كيف يستخدمها على نحو صائب وصحيح . يتعلم النظر الى الاشياء من زاويته الخاصة حيث يرى فيها ما لا يراه الآخرون .
  6 – الأسلوب والصوت :
لا يقتصر مفهوم الأسلوب على الطريقة التي يسلكها الكاتب للتعبير عن أفكاره وعواطفه ، ففي العمل الفني ، تؤدي الكلمة وظيفتان ، اولهما حمل معلومة معينة ، وثانيها التأثير الجمالي في القاريء من خلال الصور الفنية ، وكلما كانت الصور أكثر اشراقاً ، كان تأثيرها أعمق وأقوى .
الكاتب الجيد يمتلك أسلوبه الخاص وصوته المتميز ، ولا يقلد كاتبا آخر ، لأن لكل شخص تجربته ورؤيته للعالم .. على الكاتب أن يعتمد على تجربته الخاصة . كتب جون براين – مؤلف رواية غرفة على السطح: “إذا كان لصوتك أن يُسمع وسط آلاف الأصوات، وإذا كان لاسمك أن يعني شيئاً بين آلاف الأسماء، فسيكون السبب الوحيد هو أنك قدمتَ تجربتك الخاصة صادقاً . قال الشاعر الروسي سيرجي يسينين : " لا تقلد صوت الكروان بل غني بصوتك ولو كان أشبه بصوت الضفدعة " .
الكاتب الذي لا يتميز بأسلوبه وموضوعاته وافكاره ،لن يحظى بأعجاب القاريء واهتمامه ويطويه النسيان ان عاجلاً أم آجلاً .
.
 


54
عودة مدهشة للروائية الأميركية هاربر لي
جــودت هوشيار
     
عادت الكاتبة الأميركية ( هاربر لي ) الى الأضواء من جديد بعد مضي 55 عاماً على نشر روايتها الأولى " أن تقتل طائراً محاكيا " في عام 1960 ، واعتزالها في بلدة ( مونروفيل ) الصغيرة بولاية الاباما . ففي مساء يوم 14 تموز 2015 تدفق عشاق الأدب على متاجر الكتب في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا من اجل إقتناء روايتها الثانية  " فلتعين لنفسك حارساً "  بعد الأعلان عن عرضها للبيع في تمام الساعة الثانية عشرة ليلاً . وفي الوقت نفسه عرضت في العديد من دول العالم ، الترجمات الألمانية والأسبانية والهولندية والدنماركية والنرويجية والسويدية والفنلندية والكورية للرواية الجديدة . وقالت دار النشر ( هاربر كولينز ) أن عدد نسخ الطبعة الأولى الأنجليزية قد بلغ مليوني نسخة ، ونفدت في فترة وجيزة . وتصدرت مبيعات الكتب في الولايات المتحدة لتصبح حدثاً أدبياً مشهوداً .
ومن اجل فهم سبب هذا الأقبال منقطع النظير على الرواية الجديدة " فلتعين لنفسك حارساً " لا بد من القاء بعض الضؤ على السيرة الحياتية والأبداعية للكاتبة ، والأهم من ذلك أن القاريء لن يفهم ولن يستطيع أن يقيًم الرواية الجديدة من دون قراءة الرواية الأولى . لأن أحداث الرواية الثانية تجري في الأمكنة نفسها ، كما ان معظم الشخصيات نعرفها من الرواية الأولى وان تغيرت حياتها في فترة زمنية لاحقة . أي اننا امام ( ثنائية روائية ) . والقاري الذي سبق له قراءة الجزء الأول من هذا العمل الأبداعي الكبير ، سيشعر بالصدمة حين يكتشف ان المحامي اتيكوس فينتش ،الذي تصدى للتمييز العنصري في الرواية الأولى سيبدو عنصرياً في الرواية الجديدة .
ولدت نيلي هاربر لى، فى28 نيسان 1926 ، في بلدة مونروفيل الصغيرة الجميلة في الجنوب الغربي من ولاية الاباما في عائلة بروتستانتية متدينة. وكانت الأبنة الصغرى للمحامي (اماسا كولمان لي والسيدة فرانسيس كانينجهام). كانت نيلي الأبنة الصغرى في عائلة لها اربعة اطفال ، ولد وثلاث بنات. عمل (اماسا كولمان لي ) فترة موظفا حكوميا ، ثم أصدر جريدة كان هو صاحبها ورئيس تحريرها قبل أن يتفرغ لممارسة مهنة المحاماة.
كانت نيلي في الخامسة من عمرها في عام 1931 عندما جرت في  بلدة سكوتسبورو ( ولاية الاباما) محاكمة تسعة شبان سود بتهمة إغتصاب امرأتين بيضاوتين ، ورغم التقرير الطبي الذي اثبت ان المرأتين لم تتعرضا الى الأغتصاب ، فأن المحكمة التي تشكلت من البيض حصراً ، حكمت على جميع المتهمين بالأعدام بإستثناء فتى قاصر كان في الثالثة عشر من العمر . وعلى مدى السنوات الست التالية نظرت محاكم الأستئناف في الطعون المقدمة ضد الحكم الأولي ، ونتيجة لذلك تم سحب معظم التهم والأفراج عن المتهمين ما عدا واحدا منهم . تركت هذه المحاكمة اثراً لا يمحى في نفس الصبية نيلي .
بعد أن أكملت دراستها في المدرسة الثانوية في مونروفيل التحقت بكلية هانتينجون للبنات في مونتغمري ، وكانت لمدة عام رئيسة تحرير مجلة فكاهية تصدرعن الجامعة . ثم درست الحقوق  في جامعة الاباما ولكنها تركت الدراسة ،  رغم أنها كانت طالبة واعية وناضجة التفكير . ثم قضت عدة أشهر في جامعة اكسفورد في انجلترا . لتعود بعدها  للأقامة في نيويورك والعمل كموظفة حجز في شركة طيران حتى نهاية الخمسينات، وكانت لديها شقة خاصة متواضعة في نيويورك .  وفي هذا الوقت نشرت عدة قصص قصيرة وكانت تسافر بين حين وآخرالى مونروفيل لتقضي بعض الوقت في منزل العائلة ، للأعتناء بوالدها المريض .
 وذلت يوم من شهر كانون الأول 1956 ، تلقت من صديقيها- مايكل براون ، ووليام براون -  مغلفا فيها صك بمبلغ يعادل اجمالي راتبها السنوي مع رسالة يقولان فيها : " لديك اجازة لمدة سنة كاملة ، تستطيعين خلالها أن تكتبي ما تشائين . عيد ميلاد سعيد " .
في هذا الوقت كان ابن بلدتها وصديق طفولتها ترومان كابوتي قد أصبح كاتباً معروفاً. وقال لها والدها ذات مرة : " لعلك تدركين أنه لا يمكن لبلدة صغيرة مثل مونروفيل أن تخرج كاتبين مشهورين في آن واحد . ولم تضيّع هاربر لي فرصة التفرغ لمدة سنة ، فقد كتبت خلالها روايتها الأولى " أن تقتل طائراً محاكياً " وتعالج فيها الكاتبة قضية الفصل العنصري التي عاصرتها في طفولتها ببلدتها (مونروفيل ) .أحدثت الرواية ضجة عند نشرها في عام 1960 ،أي في الوقت المطلوب تماماً ، عندما أصبحت هذه القضية الشغل الشاغل للرأي العام الأميركي .. وهذا أمر نادر الحدوث بالنسبة لعمل أدبي .
 لقي الكتاب ترحيبا حاراً من ألمع نقاد الأدب ، وبقى 848 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً. وحازت هاربر لي في عام 1961 عن هذه الرواية على أعلى جائزة أدبية في أميركا وهي جائزة ( بوليتزر).
في العام التالي( 1962 ) حقق الفيلم المقتبس من الرواية نجاحاً مذهلاً . وبعد عرض الفيلم هرع حشد من الشبان للألتحاق بكليات الحقوق في الجامعات الأميركية ، فقد أرادوا أن يصبحوا بعد التخرج على غرار الرجل الشهم والنبيل المحامي أتيكوس فينتش ( بطل الفيلم ) . وأصبح اسم أتيكوس النادر شائعاً في أميركا منذ ذلك الحين . وفاز الفيلم بثلاث جوائز أوسكار بضمنها جائزة أفضل ممثل حصل عليها غريغوري بيك عن دوره في القيلم حيث جسد فيه شخصية المحامي أتيكوس فينتش .ويعد هذا الفيلم واحداً من أعظم الأفلام في تأريخ السينما . كما احتل غريغوري بيك  – عن دوره في تجسيد شخصية اتيكوس فينتش - الموقع الأول في اللائحة التي اعدها معهد السينما الأميركي عن أفضل الممثلين الذين قاموا بأدوار البطولة في السينما الأميركية .
وقد صرحت هاربر لي  في عام 1964  ، بأنها لم تكن تتوقع لروايتها النجاح ، قائلة: "كنت آمل لها موتاً سريعاً ورحيماً على يد النقاد، لكن فى الوقت ذاته تمنيت أن تعجب شخصًا ما، بشكل كاف حتى يشجعنى، تمنيت القليل ونلت الكثير جداً، وبشكل ما كان هذا مرعباً ، مثل ذلك الموت السريع والرحيم الذى توقعت .
 ما الذي يميز هذه الرواية الرائعة ، التي يتوهم البعض أنها رواية للأطفال ، لأننا نرى فيها عالمنا بعيون الأطفال . وهي ليست رواية سيرة ذاتية ، بل أنها تصوّربعمق وبأسوب أدبي جميل محاكمة فتى زنجي بريء متهم بإغتصاب إمرأة بيضاء. وتروي أحدى مآسي الفصل العنصري في ولاية الاباما . وكانت للرواية تأثير هائل في الرأي العام الأميركي واصبحت اداة في النضال ضد شتى أشكال التمييز العنصري،وما زالت تحظى منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا بمقروئية عالية في كل أنحاء العالم . .
المجتمع الأميركي في الثلاثينات من القرن الماضي كان يقسم الناس الى بيض وسود أي الى أخيار وأشرار ، ولكن محاكمة توم روبنسون التي نراها في الرواية بعيون الأطفال - وخاصة الطفلة جان لويز -  شكلت نقطة تحول في النظر الى قضية التمييز العنصري .رؤية الأطفال لسير المحاكمة ، تعكس بجلاء موقف المؤلفة من هذه القضية . كان الجميع على قناعة تامة ، ان الدفاع عن الفتى الأسود توم روبنسون قضية خاسرة مسبقاً . وكان بطل الرواية ، المحامي ( اتيكوس فينتش ) يعرف هذا . ولكنه مع ذلك صمم على القيام بواجبه الأخلاقي والدفاع عن العدالة بدفاعه عن توم ، ورد الأعتبار اليه . قتل توم بينما كان يحاول الفرار . ولكن الفكرة التي نراها مجسدة في الرواية هي أن الناس عموماً أخيار وإن كان بينهم قلة نادرة من الأشرار . وهذه الفكرة هي التي تسبغ على كلمات أتيكوس قوة مؤثرة : " الشجاعة – هي ان تعلم مسبقاً إنك ستخسر، ومع ذلك تصمم على أداء واجبك حتى النهاية .لأن النصر ممكن أحياناً ، رغم أن ذلك يحدث نادرا "
ًيعبر إسم الرواية " أن تقتل طائراً محاكياً " عن فكرتها الرئيسية . الطائر المحاكي – على درجة من الوَداعة لا مثيل لها ، لا ينقر الثمار في الحديقة ، ولا يبني عشاً على شجرة ، وهو غريد متميّز بقدرته البارعة على محاكاة أصوات الطيور الأخرى ، وادخال السرور الى قلب الأنسان بغنائه الشجي ، لذا فإن قتل هذا الطائر الفريد  – خطيئة. أتيكوس فينتش حاول إنقاذ حياة الطائر المحاكي – توم روبنسون البريء ، والدفاع عن حقه في الحياة وعن كرامته ، والتصدي للكراهية والتمييز بين البشر ، والدعوة الى المحبة والعدالة.
الرواية حركت الرأي العام الأميركي " للوقوف بوجه كل أشكال التفرقة العنصرية . وصدرت في طبعات جديدة متلاحقة بين فترة وأخرى . وما زالت منذ ذلك الحين تلقى رواجاً عظيماً في شتى بلدان العالم ، حيث بيع منها منذ صدورها لأول مرة وحتى الآن حوالي ثلاثين مليون نسخة . وحسب استبيان أجرته مجلة ( المكتبة ) الأميركية بين القراء تبين أن " أن تقتل طائراً محاكياً " هي أفضل رواية في القرن العشرين " .
نالت هاربرلي شهرة غير متوقعة وصاخبة الى درجة أنها هربت منها الى بلدتها الأم مونروفيل في ولاية الاباما .، والتي وصفتها بشكل رائع في روايتها ، حيث عاشت فيها معظم حياتها .
وكان الناس يعتقدون أنها توفيت منذ زمن طويل ولكن كاتب سيرتها الذاتية تشارلز شيلدز قال في مقابلة صحفية عام 2006 أنها على قيد الحياة ,وتشارك بنشاط في الأعمال الخيرية لكنها ترفض لقاء الصحفيين , ولا تشارك في الحياة العامة ولم تجر أي مقابلة صحفية منذ عام 1965 . وطوال أكثر من نصف قرن لم تكتب هاربر أي اعمال ابداعية جديدة ، ما عدا بعض المقالات في اوائل الستينات . ولهذا فوجيء الجميع بالأعلان عن ظهور رواية ثانية لها تحت عنوان " فلتعين لنفسك حارساً ". ويرى معظم النقاد انها ليست رواية جديدة تماماً ، لأنها كتبت في عام 1957 . وهي على الأرجح مسودة الرواية الأولى. ولكن من يقرأ الرواية الجديدة بامعان سيكتشف أنها جزء مكمل لرواية " أن تقتل طائراً محاكياً ".
في الفصل الأول من " فلتعين لنفسك حارساً "  نرى جان لويز  شابة تبلغ من العمر 26 عاماً – تصل بالقطار  الى مسقط رأسها مدينة ( ميكومب ) ، من اجل التأثير في والدها – اتيكوس فينتش ، الذي يرفض أن يتقاعد  على الرغم من تقدمه في السن . صديقها هنري كلينتون – شاب يسعى لخطبتها -  يستقبلها في محطة القطار. "عانقها بقوة بين ذراعيه المفتولتين ووضعها امامه . أخذ يقبلها في البداية في شفتيها ، ثم بلطف في خذها . قالت جان لويز وهي تحاول إغاظته ، انها لا تمانع أن يكون صديقاً لها ، ولكنها لا توافق على الأقتران به . كانت تحبه تقريباً . " كلا هذا غير ممكن – فكرت بينها وبين نفسها – أنتِ إما مغرمة به أو غير مغرمة . الحب – الشيء الوحيد الواضح في هذا العالم . بالطبع هناك أنواع مختلفة من الحب ، ولكن مهما كان شكله . فان الحب اما ان يكون أو لا يكون " .
هنري كلينتون احدى الشخصيات الجديدة في " فلتعين لنفسك حارساً "  ، في حين اختفت من الرواية  بعض الشخصيات الأخرى . فعلى سبيل المثال (جيم) ، شقيق جان لويز ، وهوً احد الأبطال في رواية " أن تقتل طائراً محاكياً " مات مبكرا في الرواية الجديدة  ، ومع ذلك فأن أقوى صدمة للقراء هي التغيير الذي جرى في شخصية البطل الرئيسي في الروايتين ( اتيكوس فينتش )البالغ من العمر 72عاماً ، الذي أحبه القراء في الرواية الأولى ، لأنه كان انساناً مبدئياً ومثالياّ ، يؤمن ايماناً راسخاً بالعدل والأنصاف . أما في الرواية الثانية" فلتعين لنفسك حارساً " فأنه يبدوعنصرياً . فهو يقول مثلاً " الزنوج  المحليون كشعب ما زالوا في مرحلة الطفولة ". أو أنه يسأل ابنته : " هل أنتِ على استعداد لقبولهم في عالمك ". وجان لويز العائدة من نيويورك الى الجنوب تجد ان وجهات نظر والدها وصديقها هنري كلينتون حول مشكلة العنصرية تختلف اختلافا كبيرا عن وجهة نظرها .
" فلتعين لنفسك حارساً " عنوان مقتبس من أحد نصوص الكتاب المقدس ، بمعنى " أن كل انسان هو حارس ضميره ، ولا يوجد أي ضمير جمعي " وهذا ما قاله احد أبطال الرواية ( جيم ) لجان لويز . والذي يلخص معنى الرواية تماماً .
وقد نشرت صحيفة ( نيويورك تايمز) الأميركية الفصل الأول من الرواية الثانية . وحسب الحجوزات المسبقة في شركة ( امازون ) تصدرت  " فلتعين لنفسك حارساً "  مبيعات الكتب . وفي بلدتها الصغيرة التي يبلغ عدد سكانها 5300 نسمة فان متجر الكتب فيها تلقى طلبات لحجز 7000 نسخة منها. ولأول مرة منذ سنوات طويلة أجرت هاربر لي لقاءا صحفيا وسمحت بتصويرها وتلقي التهاني.
في عام 2007 اصيبت هاربر لي يجلطة في الدماغ ، وشقيقتها الكبرى اليسا التي كانت تديرشؤونها توفيت في نهاية عام 2014عن عمر  ناهز 103 سنة، بعدها لم تتواصل هاربر لي مع العالم الخارجي . واعلنت بلدية مونروفيل عن وفاتها في 19 شباط 2016. رحلت الروائية التي اسرت قلوب الملايين من قراء رائعتها " أن تقتل طائراً محاكياً ".  وما يزال الجدل محتدما في الأوساط الأدبية في أميركا وأوروبا واليابان ودول أخرى حول الرواية الثانية . هل هي مسودة الرواية الأولى ، أم تكملة لها ، ولماذا  دب الخلاف بينها وبين صديقها وابن بلدتها الكاتب ترومان كابوتي بعد فوزها بجائزة ( بوليتزر ) في عام 1961 .  وماذا يقول القراء العاديون في انحاء العالم  عن الرواية الثانية . هذه مسائل يضيق عنها المجال هنا ، وقد نعود اليها في مقال قادم .
 


55
مناورة بوتين الذكية
                                                               
جــودت هوشيار
       
           يدرك الرئيس السوري بشار الأسد أن بقاءه في السلطة رهن بالدعم الذي تقدمه له روسيا ، ولكن هذا الدعم هولحماية المصالح الروسية وليس الحفاظ على نظام الأسد . قرار بوتين المفاجيء في الثلاثين من أيلول الماضي بالتدخل العسكري في سوريا أدى الى تغيير ميزان القوى لصالح الأسد ، حيث سيطرت قواته على عدة مناطق ستراتيجية في البلاد ، واضعف الى حد كبير ، قوات المعارضة المدعومة من الولايات المتحدة. ولكن لماذا قرر بوتين وعلى نحو مفاجيء أيضاً الأنسحاب من سورياً ؟
أن الأنسحاب الروسي محدود ، فقد سحبت موسكو جزءاً من الطائرات القاصفة والمروحيات ولكنها أبقت على قواعدها العسكرية ومنظومات الدفاع الجوي المتطورة وعلى الطائرات ، متعدد المهام ، التي يمكن استخدامها في أي وقت لضرب الأهداف الأرضية ، على غرار ما يفعله ( التحالف الدولي ) في استخدام الطائرات المماثلة ،. وكل هذا قوة عسكرية كبيرة ، يجري استخدامها لحد الآن ولكن في نطاق أضيق . وتستطيع موسكو العودة الى سوريا في أي وقت تشاء .
أن انتصار الأسد على المعارضة بشكل كامل لا يصب في مصلحة روسيا على الأطلاق . فقد كان هدف روسيا من وراء تدخلها العسكري هو انقاذ الأسد من السقوط الوشيك ، واتاحة الفرصة له لتعزيز موقفه والأنتقال من الدفاع الى الهجوم المضاد ، ولكن ليس الى درجة يمكنه فيها استعادة السيطرة على البلاد بأسرها . روسيا مهتمة بالأبقاء على الوضع غير المستقر في سوريا ، مما يتيح لها لعب الدور الحاسم فيها بوسائل قليلة وبدون الألتزام بشيء . لو انتصر الأسد انتصارا حاسماً لأدى ذلك الى اضعاف الدور الروسي في سوريا خصوصاً والمنطقة عموماً ، ولأسهم هذا الأنتصار في تعزيز الدور الأيراني . ويمكن مقارنة هذا الموقف ، بقضية البرنامج النووي الأيراني . عندما كانت المفاوضات مستمرة ، بين ايران والغرب كانت روسيا لاعباً مهماً لجميع الأطراف . كان بوسع روسيا عرقلة المفاوضات أو الأسهام في نجاحها . ولكن عندما تم التوصل الى الأتفاق النووي بين الطرفين ، لم يعد أي منهما بحاجة الى روسيا ، ولم تعد بلدان الشرق الأوسط تحسب لها حساباً . التدخل العسكري في سوريا منحت روسيا أداة ضغط قوية قادرة على التأثير في سير الأحداث في سوريا والمنطقة .
التدخل الروسي أدى كذلك الى تعزيزموقف الكرد في سوريا ، حيث سيطروا على مناطق جديدة وهم اليوم طرف مهم في المعادلة العسكرية والسياسية في البلاد ، ولا توجد في سوريا قوة بأمكانها القضاء على ما حققوه من مكاسب على الأرض ، أما تركيا المعزولة حالياً فإنها لن تغامر بتدخل عسكري واسع في سوريا للقضاء على الكيان الكردي فيها ، خاصة بعد التغييرات العاصفة التي شهدتها المنطقة في الآونة الأخيرة وأدت عملياً الى إنهاء معاهدة سايكس – بيكو ، التي لم يعد لها وجود الا على الورق. .
السلطة السورية تخدع نفسها عندما تعتبر الكيان الكردي جزءاً من سوريا ، كما تفعل حكومة بغداد عندما تعلن ان أقليم كردستان العراق ما يزال خاضعاً لها وجزءاً من الدولة العراقية .
كرد سوريا لا يشاركون في مفاوضات جنيف ، ولكن لا يمكن لهذه ا لمفاوضات ان تنجح من دونهم ، خاصة أن ثمة اتفاق سري بين موسكو وواشنطن ، ينص على انسحاب جزئي للقوات الروسية من سوريا والتخفيف من حدة التوتر فيها عن طريق وقف اطلاق النار مقابل تقديم الأميركان ضمانات للأسد بالبقاء في السلطة مؤقتاً مع مواصلة الضغط عليه لأنجاح المفاوضات وأجراء انتخابات حرة بعد عدة أشهر. القرار الروسي جاء للضغط على الأسد لتليين موقفه وهو ما جرى فعلاً . كما شجع الأتفاق المذكور كرد سوريا على اعلان النظام الفدرالي في مناطقهم. أما رفض الفصائل السورية المعارضة لهذا الأعلان فلا قيمة له على أرض الواقع لأن العملاقين هما اللذان يحددان اليوم وغداً مستقبل سوريا والمنطقة عموماً . وهذه الفصائل التي تدين بالولاء للدول الراعية لها وتغيّر ولاءاتها بين حين وآخر ، لن يكون لها صوت مسموع خارج اطار التفاهم بين العملاقين الأميركي والروسي.

56
ترومان كابوتي ... العبقري الذي جنى على نفسه

جودت هوشيار

يقال أن ثمة كاتبان فقط يعرفهما الشارع الأميركي وهما  ارنست همنجواي ، وترومان كابوتي . واذا كان معظم نتاجات همنجواي قد ترجم الى اللغة العربية ، فأن نتاجات كابوتي ، لم تحظ بالأهتمام ذاته في العالم العربي ، رغم حضوره الدائم في المشهد الثقافي العالمي بعد أكثر من ثلاثة عقود على وفاته ، وصدور مئات الطبعات الجديدة من أعماله الأدبية ،، و كتب عن سيرته الحياتية والأبداعية والعديد من الأفلام السينمائية المستوحاة من رواياته " افطار في تيفاني " و" بدم بارد " وغيرهما ، والتي فاز بعضها بجائزة الأوسكار.وكابوتي هو الكاتب المؤسس الحقيقي لجنس أدبي جديد يعرف بـ" الرواية غير الخيالية"
ولد كابوتي في نيو اورليانز العام  1924 . وكان في الرابعة من عمره عند طلاق والديه ، وارسلته امه الى خالته (  ناني فولك ) في مونوروفيل ( ولاية الاباما ) . انتقلت فولك بصحبة الصبي الى نيويورك في عام 1931 ،ثم تزوجت رجل الأعمال الكوبي ( جوزيف غارسيا كابوتي ) الذي تبنى ترومان . .
تعلم كابوتي الكتابة في سن مبكرة ، ومنذ الثامنة من عمره بدأ بكتابة القصص القصيرة ، وفي الحادية عشرة من عمره ، كان يكتب من ست الى تسع ساعات يوميا . وقد تم في الآونة الأخيرة العثور على عدة كراريس مكتوبة بخطه في أرشيف (مكتبة نيويورك) تتضمن أقاصيص كتبها في سنوات المراهقة . وقالت صحيفة " نيويورك تايمس " أن هذه المسودات التي تحفل بتصحيحات على الهوامش ، تبدو مثيرة للدهشة ، لأننا نرى فيها عبقريا صغيراً يعمل ، وتكشف عن موهبتة المبكرة ورؤيته للعالم .
التحق ترومان بكلية "ترينيتي " ولكنه ترك الدراسة عندما كان في السابعة عشرة قائلاً : " أن الدراسة في هذه الكلية مضيعة للوقت ولم اتعلم فيها شيئا . والتحق للعمل كموظف بسيط في صحيفة (النيو يوركر).
كان العام 1945 سعيدا في حياة كابوتي ،فقد نشر عدة أقاصيص ، وتنبأ له النقاد بمستقبل واعد . وتعرف على الكاتبة الموهوبة ( كارسون ماكّاليرس ( 1917-1967) مؤلفة رواية " القلب – صياد وحيد " الصادرة عام 1940 ، و توثقت العلاقة بينهما ، فقد رأت كارسون في كابوتي روحاً قريبة من روحها واسلوب كتابتها ( التهكم ، السخرية ، أجواء القلق ، والشعور بالوحدة ) . واطلق النقاد على هذا الأتجاه الأدبي اسم " القوطية الجنوبية " ،حيث تتسم نتاجاتهما بخلفية جنوب البلاد.
وفي اكتوبر 1945 وقع كابوتي عقدا مع دار نشر كبرى هي " راندوم هاوس " لنشر روايته الأولى " اصوات أخرى ، غرف أخرى " ، وفي ربيع العام 1946 فاز بجائزة ( أو. هنري ) ، ورحل الى مدينة الكتّاب " يادو " للتفرغ لكتابة الرواية .ونشرت مجلة " لايف " في العام 1947 مقالاً عن الكتّاب الشباب في الولايات المتحدة الأميركية تصدرته صورة لكابوتي شغلت ثلثي الصفحة . وتحت الصورة النص التالي " ترومان كابوتي ابن (نيو اورليانز) يكتب قصصا لا تنسى" .
نشرت رواية " اصوات أخرى ، غرف أخرى " في خريف العام ذاته . والرواية حكاية صبي يبحث عن والده فيجد نفسه . وبعد سنوات من نشر هذه الرواية قال عنها كابوتي " أنها كانت محاولة عفوية ولا واعية لطرد الشياطين ، ولم أكن أدرك ان هذه الرواية – بأستثناء الوصف وبعض الحوادث – شبيهة بسيرتي الذاتية . وعندما أعيد قراءتها الآن أجدها خداعا للنفس لا يغتفر . "
تحدث النقاد عن الكتاب الأول لـ"الكاتب الأمريكي الأشهر." وقالوا عن الرواية انها (مثلية) وحداثوية منحطة ، وشبهوا كابوتي بفولكنر ، وأوسكار وايلد ، وادغار بو . وتصدرت الرواية قائمة أكثر الكتب رواجاً لمدة تسعة أسابيع ، حسب لائحة صحيفة ( نيويورك تايمز ). وكانت لها أصداء واسعة وأخذت رسائل القراء من كل أنحاء البلاد تنهال على المؤلف . وخصصت ( نيويورك تايمز) حقلا تحت عنوان " زاوية كابوتي " تنشر فيها آخر أخبار الكاتب الشاب مرة في الأسبوع .واذا لم تكن ثمة أية أخبار كانت الجريدة تقول : " كابوتي : لا شيء جديد عنه هذا الأسبوع ."
وكانت صورة كابوتي على الغلاف الأول للكتاب هي الأكثر إثارة للإعجاب: فتى وسيم ، وأنيق ، جالس على أريكة فكتورية الطراز ، ونظرته تعطي انطباعاً عن رجل عليم بكل شيء . وقد سمع المصور هارولد هالم - الذي التقط الصورة -  محادثة دارت بين سيدتين كانتا تتطلعان الى صورة كابوتي في واجهة متجر للكتب . قالت الأولى : " أقول لكِ أنه فتى يافع " . فردت الثانية : " وأنا أقول اذا لم يكن يافعاً فأنه خطر"
كان  ( اندي وارهول ) في العشرين من العمر ويعيش في (بيتسبرغ). وعندما رأى هذه الصورة تملكته رغبة عارمة في رؤية صاحبها والتعرف عليه ، وانهالت رسائله على كابوتي ، ثم جاء الى نيويورك ورابط عند باب منزل كابوتي ليلقي عليه نظرة عند خروجه. وفي نهاية المطاف أصبحا صديقين . كان وارهول رساما وقد أقام معرضه الفني الأول على قاعة " هيوج غاليري " في نيويورك في حزيران – تموز 1952 . وعرض فيه 15 لوحة فنية مستوحاة من قصص ترومان كابوتي .
شهرة كابوتي سبقته الى أوروربا ، التي زارها لمتابعة الأصدارات الجديدة من : "أصوات أخرى ... غرف أخرى " في فرنسا وانجلترا . وأجرت المجلات والصحف الفرنسية مقابلات معه ، وأصبح معروفا في الشارع الفرنسي ، حيث كان الناس يتعرفون عليه عندما كان يتجول في شوارع باريس .
كتب كابوتي ذات مرة : " كنت دائما اريد أن أكون كاتباً مشهوراً وثرياً " . وعندما التحق بكلية خاصة ، كان يكره الطلبة الأغنياء لأنهم لم يكونوا " ذوي أذواق جيدة " وكان معجباً بالأشخاص العصاميين الذين نجحوا في الحياة .  وكل من عرف كابوتي شخصيا يقول أنه كانت لديه قابلية مدهشة في كسب الأصدقاء من أول نظرة ، وفي أول لقاء . واستغل هذه القابلية في كسب قلوب النساء الشهيرات في المجتمع النيويوركي المخملي  . كلهن كن جميلات ، وثريات ، يلبسن وفق آخر صرعات الموضة . بينهن مارلين مونرو والزابيث تايلور.
في كانون الأول 1965 سافر كابوتي الى الأتحاد السوفييتي مندوباً عن النيويوركر لتغطية فعاليات فرقة فنية أميركية زائرة . وقد اصدر كابوتي في العام التالي كتابا عن زيارته تحت عنوان " الألهام يسمع " وهو كتاب يتصف بالسخرية المرحة والوصف البديع . وكان هذا تجربته الأولى في كتابة الرواية غير الخيالية . رفض ان يكتب تحقيقا صحفيا تقليديا وتعامل مع مادة الكتاب وفق تقنيات الفن الروائي . وبذلك سبق روّاد الصحافة الجديدة في استخدام التقنيات الفنية في الصحافة . وقال عن هذا الكتاب لاحقاً : " الألهام يسمع" وجه أفكاري في اتجاه آخر .اردت أن أكتب رواية صحفية ، واصنع شيئا هائلاً يتسم بقوة الحقيقة المقنعة ، وبتأثير مباشر ، مثل أي فيلم جيد، أو نثر حر ومعمق ، ودقيق كالشعر ."
 ولكن لم يكن الوقت قد حان لمثل هذه الرواية ، ذلك لأنه كان يعمل في كتابة روايته المشهورة " إفطار في تيفاني " (1958) . بطلة الرواية – هولي غولايتلي فتاة غريبة أخرى ، كان كابوتي يهوى الكتابة عنها وعن  فتيات يشبهن الأولاد . اللواتي من الصعب التخلص منهن ، وإن كان من السهل فقدانهن . كانت هولي تأمل أن تتناول وجبة إفطار في تيفاني يوما ما . وتيفاني اسم  ورد في نكتة تقول –  إن بحاراً لم يكن على دراية بالماركات الحديثة ، وسمع بأسم تيفاني ، وظن أنه اسم مطعم فاخر ،  وتملكته رغبة في تناول وجبة افطار في هذا المطعم ، ولم يكن يعلم أنه ( تيفاني ) هو اسم مخزن مجوهرات .. بعد صدور الرواية قال نورمان ميلر ان ترومان كابوتي أفضل كاتب في جيلنا . "
في العام 1961 أنتجت هوليود فيلما بالعنوان ذاته . وكان كابوتي يرغب في قيام صديقته مارلين مونرو بدور البطولة فيه ولكن المخرج اختار أودري هيبورن . وجرى ادخال تعديلات كثيرة على الرواية . فعلى سبيل المثال البطل في الرواية كاتب ناشيء يعامل هولي بلطف ، ولم يرتبط بها ، اما في الفيلم فقد توجت علاقتهما بالزواج . ولقي الفيلم نجاخاً مذهلاً .
ولكن الشهرة المدوية لكابوتي في أميركا ومن ثم في العالم بأسره ، جاءت مع نشر روايته " بدم بارد " ولم تكن هذه الرواية العظيمة ستظهر ، لولا المصادفة المحض ،ففي عام 1959 قرأ كابوتي خبراً عن جريمة قتل عائلة من المزارعين في كانساس ،. في البداية اقترح كابوتي على صحيفة الـ(نيويوركر) ، أن يقوم بكتابة ساسلة مقالات عن هذه الحادثة المروعة . وبعد سفره الى بلدة هولكومب التي وقعت فيها الجريمة ، استولت عليه فكرة تأليف رواية عنها ، وقضى ست سنوات ، يحقق في هذه الجريمة الوحشية - التي كانت بلا معنى ، حيث لم يجد القتلة في المنزل أي مال ولم يسرقوا شيئاً – ويحلل كابوتي الظروف الأجتماعية والخلفية السيكولوجية التي دفعت القاتلين ديك هيكوك وبيري سمث الى اقتراف ما اقترفا . وأحدث نشر الرواية في العام 1965 ضجة كبرى ، وظلت لعدة أسابيع حديث الأوساط الثقافية والرأي العام الأميركي ، وسرعان ما تم تحويلها الى فيلم سينمائي في هوليود . وبلغت حصة كابوتي من ارباح الكتاب والفيلم معاً حوالي ستة ملايين دولار . ولقيت الرواية اهتماما مكثفا من النقاد ومن وسائل الأعلام . وقيل أنها رواية رائعة . وتوجه كتّاب كثر لتقليد كابوتي في صنيعه ومنهم نورمان ميلر .
قرر كابوتي الأحتفال بهذا النجاح الكبير على طريقته ، وأقام حفلاً هائلاً على شرف صاحبة صحيفة (واشنطن بوست ) كيت غراهام – أقوى إمرأة في الولايات المتحدة الأميركية – في 28 تشرين الثاني العام 1966 في فندق ( بلازا هوتيل) ،  ودعى الى الحفل (500) شخصية بارزة من وجوه المجتمع الأميركي. وكان الفنان الأميركي الشهير ملك ( البوب – آرت )  أندي وارهول ( 1928-1987) من ضمن المدعوين في حينه. وقال لاحقاً : "  عندما وصلت الى : بلازا "  اصبت بدهشة عظيمة . لم أر في حياتي مثل هذا العدد الكبير من المشاهير. أعتقد ان هذا كان أكبرتجمع للمشاهير في تأريخ العالم . "
وعلى العموم فأن هذه الأيام الذهبية لم تستمر طويلاً ، ذلك لأن كابوتي لم يكن سعيداً في حياته الخاصة قط , وسرعان ما انغمس في نمط العيش البوهيمي ، وأدمن الكحول والمخدرات والحبوب المنومة  . ومع ذلك كان يتهيأ لتفجير قنبلة أدبية أخرى – رواية " الدعوات المستجابة" ، وتعاقد مع دار نشر " راندوم هاوس " على نشر الكتاب عند اكتمال تأليفه . وباع الى هوليود حقوق تحويله الى فيلم سينمائي . ولكن العمل لم يكن يسير كما خطط له . وتأجل الموعد النهائي  لأكمال الرواية عدة مرات . وخلال عامي 1975-1976 نشر عدة فصول من الرواية في مجلة " اسكواير " . وكان الراوي أو سارد القصة ، جونز طفلاً يتيما ومن ثم كاتباً منحلاً ، شبيها بالمؤلف نفسه . أما الشخصيات النسائية في الرواية ، فقد كان من السهل التعرف عليهن، رغم تغيير أسمائهن ، فقد كن من نجوم هوليود أو صديقات المؤلف من سيدات المجتمع المخملي . وقد كشفت الرواية غسيلهن واسرارهن الشخصية على الملأ .
يقول كابوتي " ان أبطال الرواية هم أشخاص حقيقيون ، ولم أخترع أياً منهم . ولم تكتب كرواية عادية ، حيث تقدم الحقائق على أنها متخيلة ، بل أن نيتي كانت - على النقيض من ذلك -  نزع الأقنعة ، وليس صنعها ." نزع كابوتي الأقنعة عن الوجوه حقاً ، ولكن دفع ثمناً غالياً لذلك . انتحرت زوجة محافظ  ، وأدار الآخرون ظهورهم له . ونشرت مجلة " نيويورك " كاريكاتيراً على غلافها يصور كابوتي على هيئة كلب يعض يد سيدة مجتمع . والنص المصاحب يقول : " كابوتي يعض اليد التي تطعمه"
كان كابوتي أيضاً غاضباً: "يخيل اليهم أنني أعيش وفق قيمهم . أنا لم أعش هكذا أبداً . " ويبكي عندما يشرب ويقول نادماً : " لم أقصد الأساءة الى أي أحد ." . ولم يكمل كابوتي كتابة هذه الرواية أبداً ، فقد كان من الصعب عليه التركيز على عمله الأبداعي.
في عام 1979 قرر كابوتي بدأ حياة جديدة ، لا تعكرها اللهو الفاضح والأدمان ، وأصدر كتاب " موسيقى الحرباء "  الذي يتألف من بورتريهات لشخصيات أجرى معها حوارات من بينها مارلين مونرو ، وحوار مع نفسه يعلن فيه :" أنا مدمن كحول ومخدرات ، أنا عبقري " ، وقصة وثائقية تحت عنوان " نعوش محلية الصنع " . " موسيقى للحرباء " ظلت لمدة 16 اسبوعا على رأس قائمة الكتب الأكثر رواجاً ، وهذا حدث نادر بالنسبة لىكتاب خليط من القصص القصيرة والذكريات والتحقيقات .
في أوائل العام 1980 تحسنت صحته وفكر في مشاريع جديدة ولكنه لم يستطع أن يترك شرب الكحول وشم المخدرات ، رغم أنه كان يكرر دائماً أنها مضرة . دخل المصح عدة مرات وكان فيما مضى ، يبقى صاحيا بعد خروجه  لمدة عدة أشهر ، أما في سنواته الأخيرة فلم تكن صحوته تدوم لأكثر من يوم أو يومين ليعود بعدها الى تدمير نفسه . وكان يخيل اليه أن ثمة أشباحا تلاحقه في كل مكان في نيويورك. وقرر الأختباء في لوس انجلوس في منزل جوان كارسون حيث توفي في 25 أغسطس العام 1984 من التليف الكبدي ، ليتحول بعدها الى اسطورة دائمة الحضور في المشهد الثقافي في العالم ، حيث يعود الى الأضواء في كل مرة ينشر فيها شيء من نتاجاته غير المنشورة  أو مذكرات الآخرين عنه ، أوالكتب الجديدة عن سيرة حياته .
 


57
المنبر الحر / الصحافة الجديدة
« في: 19:20 17/02/2016  »
الصحافة الجديدة

                                                     
جــودت هوشيار

في أوائل الستينات من القرن الفائت توصل عدد من الصحفيين الشباب في الولايات المتحدة الأميركية  -خلال عملهم كمراسين ميدانيين لعدد من الصحف والمجلات الأميركية  الشهيرة التي تخاطب النخب المثقفة - الى إكتشاف مهم مفاده أن المقال أو التحقيق الصحفي - الذي ينطلق من الواقع -  ينبغي أن يصاغ على نحو يمكن قراءته مثل قصة مشوقة. وأنه يمكن في الصحافة وفي النثر غير الفني ( نون فيكشن ) استخدام  كل التقنيات الروائية وبضمنها الوصف ، والحوار، وتيار الوعي ، وتطبيق هذه التقنيات في وقت واحد ، أوالواحدة تلو الأخرى ، مما يضفي على النص جاذبية تثير إهتمام القاريء وتدفعه الى التفكير.
 
لم تكن تجارب هؤلاء الصحفيين تقليداً لفن الرواية ، بل محاولة للتعبير عن الظواهر الجديدة في المجتمع الأميركي على نحو صادق وجذاب يترك اثرا عميقا في نفس القاريء ، وبذلك اتسعت الحدود التقليدية للصحافة والنثر الفني ( الرواية، والقصة ) في آن واحد . وعرف هذا الأتجاه الجديد بـ( الصحافة الجديدة ) وأعقب هذا الأكتشاف المثير ظهور جنس أدبي جديد اطلق عليه اسم ( الرواية غير الخيالية  - نون فيكشن نوفيل ) وهي بصفة عامة ، تصور شخصيات حقيقية وأحداث واقعية من الحياة ، باستخدام تقنيات السرد القصصي . وهوجنس مرن ،يقع على تخوم الصحافة والأدب أو بتعبير أدق يمزج بينهما . .ويطلق عليه أحياناً الأسم الدارج ( فاكشن ) من الكلمتين الأنجليزيتين (فاكت - حقيقة أو واقعة) و ( فيكشن – رواية أوخيال) .
 
لم يتعمد روّاد الصحافة الجديدة استعارة التقنيات الروائية عن قصد ، بل اكتشفوا هذه التقنيات بتلقائية عند محاولتهم تناول القضايا الساخنة وجعل المادة الصحفية صادقة الى أقصى حد ممكن ومثيرة ، برسم صورة حية لما يحدث في الواقع ومنح القاريء شعورا بالأندماج فيه بكل أحاسيسه.
ازدهرت الصحافة الجديدة بين عامي (1962(- 1973 ) أي في العقد الصاخب الذي حدثت فيه تغييرات عميقة في المجتمع الأميركي ، تجلت في تطور نمط الحياة ومظاهره الجديدة . كان ذلك زمن الأحتجاجات والتظاهرات الحاشدة  ضد الحرب في فيتنام ، وزمن الثورات ( الطلابية ،والجنسية ، والعرقية) ، وحركة اليساريين الجدد ، وظاهرة الهيبز ، أو بأختصار زمن الثقافة المضادة.
(الصحفيون الجدد) الذين تبنوا الأتجاه الجديد لم يكونوا يكتبون مقالاتهم وتحقيقاتهم الصحفية من وحي الخيال ولا يستقون المعلومات من هذا المصدر أو ذاك ، بل كانوا يكتبون ما عايشوه في مواقع الأحداث ، بعضهم سافر الى الفيتنام ليس مراسلا صحفيا عاديا ، بل مشاركا بجبهات القتال والبعض الآخر عمل في في هذه المهنة أو تلك ، أوانخرط في مجموعة معينة  من اجل دراستها من الداخل مثل ( الهيبز ، أو تجار المخدرات.. الخ )  ،ومثل هذه الحالات  كثيرة للغاية . أى أن الصحفي الجديد كان مشاركاً فعالاً في ( القصة ) التي يكتبها أو شاهدا عليها في الأقل .,
 لم يكن الكاتب والصحفي الأميركي الشهير (توم وولف – ولد عام 1931 ) أول من أطلق مصطلح ( الصحافة الجديدة ) على هذا الأسلوب الصحفي  المثير للجدل  - كما يعتقد البعض - ، فهو يقول أنه قرأ في عام 1962 في مجلة ( اسكواير ) مقالا للكاتب (هاي تاليس) تحت عنوان " جو لويس – ملك في عنفوان الشباب "  يختلف تماماً عن المقالات الأخرى في اسلوب صياغته وكان أشبه بسرد قصصي  من حيث احتوائه على مشاهد عاطفية وحوارات حميمة بين رجل وزوجته في المطار. ويضيف وولف : " اذا غيّرنا هذا المقال قليلا ستكون لدينا قصة قصيرة متكاملة الأركان ". كان انطباع (وولف) الأول ان المقال غريب ، والحوار متصنع ، وحتى المَشاهد يمكن ان لا تكون لها اي علاقة بالواقع ، وان الكاتب لا يعرف كيف يكتب مقالاً جيداً ! .وكان هذا رأي عدد من الكتاب والصحفيين أيضاً . لأن الصحافة وفن السرد القصصي - في رأيهم - على طرفي نقيض .
ثم كتب( جيمي بريسلين ) في عموده الصحفي انطباعاته عن حادثة كان شاهدا عليها- بأسلوب قصصي ، ولم يكن حظه أفضل من حظ سلفه . ويعلق وولف على ذلك قائلاً : " ان النظرة التقليدية الى الفن كالنظرة الى الدين أو إلى  شيء مقدس . والروائي الفنان ، صاحب المعجزات المقدسة هو الذي يأتيه الألهام مثل ومضة خاطفة تنير ذهنه فيبدع عملا فنيا ..هكذا كان يعمل عمالقة الرواية في العالم .اما الصحافة فلا شأن لها بالألهام ولا بالعبقرية ". ولكن رغم هذه النظرة التفليدية ومحاولات النيل من الأسلوب الصحفي الجديد ، فأنه حقق نجاحا باهراً بين القراء وحرك المياه الراكدة في الصحافة الأميركية " .
 وتتابعت المقالات والتحقيقات الصحفية وفق الأسلوب الجديد الممتع وأخذ هذا الأتجاه الصحفي يترسخ وينتزع الأعتراف حتى من المعارضين له في بداية ظهوره . وفي الفترة ذاتها ظهرت روايات وثائقية  ذات قيمة فنية عاليه ، لعدد من الروائيين الأميركيين المشهورين ، منها رائعة ترومان كابوتي " بدم بارد " الصادرة في عام 1965  ورواية نورمان ميلر " جيوش الظلام " في عام  1967.
 أنطولوجيا الصحافة الجديدة :
 في عام 1973  نشر (توم وولف ) كتاباً  تحت عنوان (أنطولوجيا  الصحافة الجديدة) ، يتضمن دراسة تؤرخ لهذه الأتجاه الطليعي في الصحافة الأميركية ، ومقتطفات  من روايات ( نون فيكشن ) - أختارها بالتعاون مع زميله ( أ . جونسون ) لعدد من الروائيين الأميركيين المعروفين ( كابوتي ، هانتر تومبسون ، نورمان ميلر ، هاي تاليزي ، جون ديديون ) وغيرهم .
يقول وولف في دراسته : " ان الرواية الأميركية في الستينات وصلت الى طريق مسدود لأن الكتّاب أداروا ظهورهم للواقعية الأجتماعية , وانغمسوا في الفرويدية ، والسوريالية ، والكافكاوية ، وفي عالم الأساطير .بدلاً من أن يكتبوا على غرار زولا وديكينس وثاكري، وبلزاك ".
ويضيف قائلاً : " تخلى الروائيون عن الحياة الاميركية الجديدة ، ولم يبق امام الصحفيين الا  أن يملأوا الفراغ باستخدام تقنيات الرواية الواقعية الأجتماعية ، واصبح واضحا ان الصحفين امتلكوا ناصية تقنيات الكتابة بمستوى الروائيين القديرين . والصحافة الجديدة كانت تلبي متطلبات العصر واكثر امتاعا للقاريء ".
 ويشرح وولف في دراسته التقنيات الأربع الفعالة  التي اكتشفها هو وزملاؤه الرواد، وهي حسب أهميتها:
1 – تسلسل المشاهد : تنظيم النص الصحفي  بشكل متسلسل والأنتقال من مشهد الى آخر من دون فواصل استطرادية.
2 – الحوار : تمكن رواد الصحافة الجديدة أن يكونوا مشاركين أو في الأقل  شهودا مباشرين على هذا الحدث أو ذاك في حياة شخوصهم وكتابة حواراتهم كاملة . الصحفيون ، كما الروائيون في بداية حياتهم الأدبية اكتشفوا عن طريق التجربة والخطأ ،  أن الحوارات الواقعية غير المنقحة التي لا تخلو من كلمات عامية وأصوات مثل ( آه ، أوه )  تجتذب القاريء بشكل أقوى بكثير من اي مونولوجات وهي تصور الشخوص على نحو اكمل واسرع من اي وصف .
كان بوسع ديكينس أن يصوّر البطل على نحو يخيل للقاريء أنه يراه شاخصاً امامه ، رغم أن هذا الوصف لم يكن يتعدى ، جملتين أو ثلاث  ، والجزء الأكبر من تشكيل صورة البطل كان عن طريق الحوار) . اما عند الصحفيين الجدد فأن الحوار كان طبيعياً للغاية وصريحة ، في حين أن الروائيين كانوا يحاولون جعلها غامضة ومبطنة . .
3 – وجهة النظر : عرض الحدث أو الأحداث من وجهة نظر الشخص الثالث (هو). وكل مشهد يقدم من وجهة نظر احدى الشخصيات التي بوسع القاريء بسهولة ان يضع نفسه مكانها . وبفضل هذا يشعر  كأنه يرى بعينيه ما يحدث . ولكن الضمير (هو) لا يستطيع النفاذ الى دواخل الشخصيات.
 الصحفيون الجدد كتبوا أيضاً بالضمير الأول ( أنا )  الذي يعد أكثر الضمائر قدرة على الكشف عن مكنونات الذات – كما في السير الذاتية والمذكرات وبعض الروايات .ولكن احيانا كانت تظهر مواقف حرجة  نتيجة لأستخدام الضمير الأول .  كان على القاريء أن ينظر الى ما يجري بعيون الراوي أي الصحفي نفسه – ولكن مثل زاوية النظر هذه كانت تبدو غير مناسبة وغير مقبولة . كيف استطاع الصحفي كاتب النص غير الخيالي ان يتغلغل بكل هذا العمق في افكار شخص آخر ؟ . الجواب بسيط ، حسب رأي وولف : ينبغي معرفة الدوافع التي تحركهم ، وبماذا يفكرون عن طريق توجيه الأسئلة الى الشخص بحيث يتسنى معرفة أفكاره وشعوره واشياء اخرى .
4 –تفاصيل الحالة : ويتلخص في وصف ما يميز الشخص من إيماءات وحركات وعادات وطبائع ، واسلوبه في الحياة ، وعلاقاته في العائلة وفي محل العمل ، وآرائه ومعتقداته وغير ذلك مما يميزه عن  الآخرين . النص الزاخر بهذه التفصيلات ليس من اجل غاية جمالية ، بل لأنها تعطي للواقعية قوة مثل التقنيات الأخرى . وهذا يفسر قدرة بلزاك على خلق الشعور بمشاركة القاريء في ما يجري . قاريء روايات بلزاك يشعر بالقرب الشديد من الشخوص. لماذا ؟ لأن  بلزاك كان يستخدم هذا الأسلوب مراراً وتكراراً . ففي روايات بلزاك الناضجة كل تفصيل يدل على الشخصية ، مما يجعل القاريء يفكر بوضعه ومكانته في المجتمع وتطلعاته وطموحاته ومخاوفه وانجازاته واخفاقاته . هكذا يستولى بلزاك على اهتمام القاريء .
والميزة الأساسية للشكل الصحفي الجديد – حسب وولف – أن القاريء يعلم ان ما يتحدث عنه الصحفي قد حدث فعلاً في الواقع ، وان هذا ليس ثمرة خيال الكاتب .
الصحافة الجديدة في الميزان :
ان معظم النصوص التي اشتملت عليها " أنطولوجيا الصحافة الجديدة " ممتعة حقاً ( نتاجات ترومان كابوتي ونورمان  ميلر وهانتر تومبسون ) . ولكن لا يمكن القول أنها مكتوبة وفق التقنيات أوالقواعد الأربع التي تحدث عنها (وولف ) في دراسته ، وبضمنها نصوص (وولف) نفسه .
 صحيح أن وولف يؤكد أنه لا توجد أية قواعد مقدسة للصحافة الجديدة ، ولكن ثمة بون واضح بين النتاجات المنشورة في الأنطولوجيا وبين القواعدالمذكورة. والغريب أن وولف سمح لنفسه في  الملاحظات التي كتبها في ( الأنطولوجيا )  حول نصوص كل من كابوتي وميلر ،أن  يوجه لهما نصائح حول كيفية كتابة قصة ناجحة ! رغم أن هذين الكاتبين العملاقين كانا ، يتصدران الصف الأول من الروائيين الأميركيين في النصف الثاني من القرن العشرين . ويقال بأن وولف كان متأثراً برواية كابوتي الوثائقية " بدم بارد " سواء خلال عمله في الصحافة أو بعد اتجاهه لكتابة روايات من هذا النوع . ثم أن الكثير من الكتاب الذين ساهموا في الأنطولوجيا لم يعتبروا أنفسهم من الصحفيين الجدد ، ولم يكن العمل الصحفي بالنسبة الى كابوتي أوميلر عملاً اساسيا بل نشاطا جانبيا ، فهما روائيان قبل أن يكونا صحفيين. يقال أحياناً ان اسلوب الصحافة الجديدة لا يصلح للموضوعات السياسية والأقتصادية ، والعكس هو الصحيح ، لأن العديد من الصحفيين الجدد كتبوا نصوصا واقعية بأسلوب أدبي حول الحرب في الفيتنام وعما يحدث في عالم البزنس .
خلال العقود اللاحقة تخطت الصحافة الجديدة حدود الولايات المتحدة الميركية وأخذت تنتشر في الصحافة الأوروبية وفي صحافة العديد من بلدان العالم  . ويطلق على (الصحافة الجديدة ) أحياناً في ايامنا هذه اسم ( الصحافة السردية ) أي صحافة التحقيقات والنصوص الوثائقية الطويلة نسبياً ، المصاغة باسلوب أدبي ذي وضوح وجمال  والتي تنشر في العادة في المجلات التي تخاطب المثقفين . وثمة مجلة روسية اسمها ( ستوري – القصة ) متخصصة في هذا المجال .  ورغم ظهور الأنترنيت والصحافة الرقمية  - التي تنشر النصوص القصيرة الواضحة بعيدا عن التقنيات الأدبية - الا أن الصحافة الجديدة أو السردية تشهد في أيامنا هذه ازدهاراً ، مما يدل على ان هذا الأسلوب أو النمط الصحفي ، لم تكن ظاهرة عابرة أو نزوة لعدد من الصحفيين ، بل اثراء للصحافة الجادة والأدب الواقعي في آن واحد .


58
أشهر الأخطاء المطبعية في تأريخ الصحافة العالمية
جــودت هوشيار

الأخطاء المطبعية قديمة قدم الطباعة نفسها ، وهي طريفة في معظم الأحيان وتدخل المرح الى نفوس القراء  بتغيير الكلمات واعطائها معاني جريئة وجديدة . ففي عام 1648 نشر البروفيسور ( فلافيني ) اطروحة لاهوتية ، ورد فيها نص مقتبس من إنجيل متى: "وأنت ترى القذى في عين أخيك، ولا تشعر بالخشبة التي في عينك " . كانت الجملة منقولة نصاً باللغة اللاتينية . ولكن كلمة ( العين ) ocular تحولت بعد الطباعة الى كلمة كلمة culo التي لا تعني العين على الأطلاق في اللغة الأيطالية ، بل هي قريبة من الكلمة اللاتينية culus بمعنى العجيزة . ولم ينقذ فلافيني سوى الأعتذار العلني الذي أقسم فيه بأغلظ الأيمان ، أنه لم يحاول قط تحريف نص مقدس. وظل البروفيسور يلعن منضد الحروف حتى وهو على فراش الموت .
ولكن أخطاء الطباعة في الكتب مهما كانت غريبة وشنيعة وتحرج المؤلف ، وقد ينتابه الغضب أو الأمتعاض ، ولكنها تكون أحياناً ، مصدر مرح وترفيه للقراء ، اذا كانت المعاني الجديدة طريفة ومسلية ، ولكن مع ذلك  يظل تأثيرها محدوداً بالقياس الى الأخطاء المطبعية ، التي رافقت الصحف الأوروبية منذ ظهورها في القرن السابع عشر.ولم تختف حتى اليوم ،بعد إستخدام مكائن الطباعة الرقمية والكومبيوتر في العمل الصحفي.. ويمكن القول أنه لا توجد صحيفة ، مهما كانت شهيرة ويعمل فيها صحفيون أكفاء ، بمنجى عن الأخطاء المطبعية التي تحدث في العادة ، من جراء الأندفاع في العمل من اجل صدور الصحيفة في موعدها المقرر . وغالبا ما تحدث هذه الأخطاء نتيجة  تبديل أو حذف احد الحروف في كلمة ما ويؤدي الى افساد المعنى أو تغييره .
أخطاء الطباعة في الصحف والمجلات ،  شديدة التنوع ، متباينة التأثير ، والكثير منها أخطاء طريفة مثيرة للضحك أكثر من أي نكتة يمكن أن يتخيلها انسان ، وأخرى مزعجة أو مؤلمة لصاحب الشأن ، وبعضها يؤدي الى تداعيات ، قد تكون وخيمة ، خاصة اذا حدث عند تغطية أخبار أحد الملوك أوالرؤساء أو سياسي متنفذ. في الفقرات اللاحقة عينات مختارة من الأخطاء المطبعية الشهيرة التي وقعت فيها كبريات الصحف الغربية  والروسية .
في نهاية عام 1880 نشرت احدى الصحف الألمانية مقالاً سياسياً يتحدث عن سعي الأمير أوتو فون بسمارك للحفاظ على علاقات جيدة مع كل القوى المؤثرة . ولكن كلمة  (Machten) التي تعني القوى المؤثرة بالألمانية تم تبديلها خطأً بكلمة (Madchen)  التي تعني فتاة شابة أومراهِقة . أي أن السياسي العجوز الذي كان قد تجاوز السبعين عاما يسعى للحفاظ على علاقت جيدة مع كل المراهقات .
في الفترة ذاتها نشرت احدى الصحف الفرنسية  خبرا عن الحالة الصحية لسياسي فرنسي شهير - ، تقول فيه : " تحسنت الحالة الصحية للسياسي السيد (N) وانفتحت شهيته للأكل ونأمل أن تكون الرعاية التي يلقاها فخر دولتنا كفيلة باستعادة صحته وقوته " . ولكن بدلا من كلمة الرعاية (soin) طبعت كلمة (foin ) التي تعني ( القش ) باللغة الفرنسية . أي ان صحة السيد (N) تحسنت بضل تناوله القش في فترة النقاهة .
ولعل أشهر وأطرف خطأ مطبعي في تأريخ الصحافة هو ما حصل في نهاية القرن التاسع عشر ، عندما نشرت احدى الصحف الفرنسية اعلاناً عاديا عن تأجير مزرعة ، ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان ، بعد أن حل حرف (f)  محل حرف (r) في كلمة المزرعة (ferme ) وبذلك تحولت الى ( femme) التي تعني ( المرأة ) باللغة الفرنسية ، واكتسب الأعلان معنى جديداً تماماً بصيغته الجديدة  " إمرأة جميلة للأيجار أو البيع ،عند التعامل معها بشكل صحيح خصبة للغاية "
(«Belle femme a vendre ou a louer; tres productive si on la cultive bien»)
وقد ورد ذكر هذا الخطأ المطبعي في كل طبعات موسوعة لاروس (Larousse) الفرنسية الشهيرة .
وفي الفترة نفسها كتبت جريدة ال(تايمز) اللندنية الشهيرة مقالاً عن الميول الدينية لرئيس الوزراء البريطاني آنذاك غلادستون تقول فيه أنه يؤمن ايماناً راسخاً بالمذهب الأنجليكاني (anglican)  .ولكن يبدو أن ذهن المنضد كان مشغولاً فطبع كلمة أفغاني ( afghan) بدلاً من كلمة ( anglican) ولم يفهم أحد من القراء ما هو هذا المذهب الأفغاني !.   
في عام 1940  كان الرأي العام الأميركي قلقاً على صحة الرئيس روزفلت ، ونشرت صحيفة ( الواشنطن بوست ) الأميركية خبراً على صدر صفحتها الأولى وبمانشيت كبير تقول فيه أن ( فرانكلين ديلانو روزفلت  في الفراش بسبب نزلة برد ) مع اختصار اسم الرئس : FDR IN BED WITH COLD. ، ولكن ما ظهر على الصفحة كان شيئاً مختلفاً تماما : FDR IN BED WITH COED   ( الرئيس في الفراش مع طالبة ) . ويقال أن الخبر كان مسلياً للرئيس روزفلت الذي اتصل بأدارة الجريدة طالباً ارسال مائة نسخة من الجريدة لغرض توزيعها على أصدقاءه . ولكن الرئيس لم يحصل ولا على نسخة واحدة ، فقد بادر مكتب التوزيع في الجريدة الى شراء كافة نسخ هذه الطبعة واتلافها ، وصدرت الجريدة في اليوم ذاته بطبعة جديدة بعد تصحيح عنوان الخبر بطبيعة الحال .
أكثر الأخطاء المطبعية خطورة على رؤساء التحرير ، تلك التي تمس الملوك والأباطرة ورؤساء الدول ، وهي بطبيعة الحال أخطاء عفوية غير متعمدة ، ومن أطرف وأخطر هذه الأخطاء ، ما حدث في أوائل القرن العشرين .- وهي السنوات الأكثر ليبرالية في تأريخ روسيا -  عندما نشرت صحيفة ( كيفسكايا ميسل) خبرأ عن زيارة الأمبراطورة الأرملة ماريا فيودوروفنا ( والدة الأمبراطور ) الى فنلندا ، في صدر صفحتها الأولى و تحت عنوان " مكوث الأمبراطورة الأرملة ماريا فيودوروفنا في فنلندا "ولكن حدث خطأ في كلمة (prebivaniya– الروسية وتعني مكوث) حيث حل حرف (o) محل حرف ( r) فتحولت كلمة مكوث الى كلمة (مُجامَعَةُ ) مما أثار الضحك في بعض الصالونات الأرستقراطية، وتم جمع ما تبقى من النسخ من الأسواق وصدرت الجريدة في اليوم التالي وفيها اعتذار شديد من العائلة المالكة ) .
كان الخطأ فظيعا ، وتم تقديم رئيس التحرير الى المحاكمة بتهمة إهانة العائلة المالكة . ولكن القصر الأمبراطوري الروسي أدرك بسرعة أن عرض القضية على المحكمة سيجعل هذا الخطأ على كل لسان وتلحق ضررا معنوياً فادحا بالأمبراطورة الأم ، لذا تم التكتم على الخطأ ، وصرف النظر عن المحاكمة . وكان ذلك عين العقل ومر الأمر بسلام ، ولم يتحول الى فضيحة مكشوفة تلوكه الألسن ، بفضل حكمة العائلة المالكة .
واذا كانت الأمبراطورة الأم لم يلحق بها أذى يذكر ، فأن شارل لويس بونابارت (إبن شقيق نابليون بونابارت )  اضطر أن يتعايش مع الخطأ المطبعي الذي لصق به طوال حياته .
 فقد اعتلى عرش فرنسا في عام 1852 ، بعد عودة الملكية الى فرنسا واتخذ اسم عمه الشهير ،  كوريث لسلالة نابليون . وفي الأيام التي سبقت حفل التتويج ، عملت المطابع الفرنسية بأقصى طاقاتها من اجل طباعة آلاف المناشير لأعلام المواطنين الفرنسيين بيوم تتويج ملك جديد على فرنسا . كان عنوان المنشور بالبنط الكبير " يحيا نابليون !!! " ولكن منضد الحروف – اليدوية في ذلك الوقت - لم يفهم   الخطوط العامودية المتجاورة الثلاث (!!!) ، وهي علامات التعجب وطبع بدلاً منها رقم واحد بالأرقام الرومانية  ثلاث مرات (I I I) .
في يوم التتويج جلس على العرش من عرفته فرنسا بأسرها بأسم نابليون الثالث ، رغم أنه لم يكن ثمة نابليون الثاني في التأريخ الفرنسي .
وقد حاول  البعض تبرير هذه التسمية بالقول ان لويس بونابرت اقترح أن يطلق عليه اسم بونابرت الثالث احتراما لذكرى ابن نابليون الذي كان يمكن من الناحية النظرية أن يحمل اسم نابليون الثاني لو امتد به العمر واسترد عرش والده ، ولكن المؤرخين لم يصدقوا هذا الزعم ، لأن الحقيقة لا تخفى .
ستالين وأخطاء الطباعة "
كل الصحف في الأتحاد السوفيتي كانت تنطق بأسم الحكومة أو الحزب أو المنظمات والأتحادات الخاضعة لهما ، ولم تكن هناك  صحيفة مستقلة واحدة . وكان جهاز المخابرات السوفيتي في عهد ستالين لا يتسامح مع أبسط خطأ مطبعي في المطبوعات الدورية وخاصة تلك التي لها علاقة بستالين. كان ثمة تعميم رسمي موجه لرجال الأمن بضرورة أن يكونوا في أقصى درجات اليقظة في النضال ضد العدو الطبقي الذي يحاول التسلل الى الصحافة ونشر الدعاية المعادية للسلطة السوفيتية تحت ستارالأخطاء المطبعية .
 ففي منتصف الثلاثينات من القرن الفائت نشرت جريدة ( ازفيستيا ) السوفيتية خبراً عن استقبال ستالين للسفير البولوني ، وقالت أن اللقاء كان ناجحاً . ولكن حدث خطأ عند طباعة كلمة السفير (росол ) بالروسية ، حيث سقط الحرف الأول وتحولت الكلمة الى (  осол) أي ( الحمار ) .
ولكن عندما قدّم رئيس جهاز الرقابة على المطبوعات تقريره عن الحادث الى ستالين ، إنزعج الأخير بعض الشيء ، وقال : "  لا تعاقبوا كادر الصحيفة لأنها قالت الحقيقة . فالسفير يستحق هذا الوصف فعلاً " .
واذا كان ستالين قد سمح لتحويل سفير الى حمار ، الا أنه لم يكن يتسامح مع أقل خطأ في طباعة اسمه ، مهما كان هذا الخطأ بسيطاً . ففي ذات مرة ورد اسم ستالين في صحيفة اقليمية بصيغة ( ستادين ) ، وكان جزاء العاملين في الصحيفة الفصل الجماعي . وفي حالة أخرى طبعت احدى الصحف المركزية  اسم ستالين بصيغة ( سالين ) فحكم على رئيس التحرير بالسجن خمس سنوات مع الأشغال الشاقة . 
ولكن أفدح خطأ في اسم القائد الملهم أرتكبته صحيفة تنطق بأسم منظمة الحزب في مقاطعة ( ماخاجكالينسكايا ) حيث جاء اسم ستالين بصيغة ( سرالين ) وهي كلمة بذيئة في اللغة الروسية العامية .
وأود أن اختم هذا المقال بعيداً عن كل ما يذكرنا بجوزيف فيساريونوفيتش جوغاشفيلي الذي عرف بأسمه المستعار ( ستالين ) .
في أواخر القرن التاسع عشر تسلل عدد من طلبة جامعة اوكسفورد الى مطبعة محلية تطبع كراساً عن حفلات الزواج . وكانت اللائحة تتضمن سؤالاً تقليدياً يوجهه الكاهن الى العروسين عند عقد قرانهما ، وهذا السؤال لم يتغير حتى يومنا هذا : هل يلتزم كلاكما بأن يحب ويحترم الآخر ما دمتما على قيد الحياة ؟ so long as you both shall live
 وقام الطلبة بتبديل حرف (v) في كلمة (live) بحرف (k)  فتغير معنى السؤال تماماً وأصبح كالآتي : (so long as you both shall like (  أي ما دام كل واحد منكما يحب الآخر .وكانت فضيحة سجلتها كتب التأريخ اللاهوتي .


59
مكتبـة  سربستي .. صفحة مشرقة من تاريخ أربيل الثقافي

جــودت هوشيار        
 
متاجر الكتب ، أو المكتبات  ليست محلات تجارية وحسب ،بل  تلعب ايضاً دوراً تنويريا مهماً بتوفيرها الكتب والمطبوعات الأخرى ، التي تعد المصدر الأساسي للمعرفة والثقافة .وكلما زرت بلدا جديدا  احرص أن أجول داخل متاجر الكتب فيها .والتي تشغل أحياناً بنايات كبيرة ، وبعضها متعددة الطوابق ، وذات تصاميم وديكورات فنية رائعة ، تحوي عشرات الألوف من العناوين ، المرتبة حسب الحقول المعرفية ،  وبعضها يحتوى على مطعم أو مقهي ، وفيها مقاعد وأرائك للجلوس وتصفح الكتب من قبل الزبائن قبل اقتنائها ، وقد جهزت هذه المكتبات في الآونة الأخيرة باجهزة رقمية ، تستطيع من خلالها البحث عن الكتاب المنشود، فتحصل على نتيجة البحث على الفور . فأن كان الكتاب موجوداً ، ترى على الشاشة خريطة المكتبة والقسم ورقم الرف الذي يوجد فيه الكتاب المطلوب . وثمة مكتبات لا تقل أبهة وان كان اصغر حجما ومتخصصة في حقل معين من حقول المعرفة ( الطب ، الهندسة ، العلوم الصرفة ، الفن ... الخ ) .
اجواء هذه المكتبات رائعة ، حيث عبير الكتب الفواح وشذى أصص الورد العبقِ ، وتشعر فيها بعظمة العقل الأنساني وأنت تمشي بين رفوف الكتب وتتطلع اليها بحثأ عما يروق لك .
 وقد ظهرت في الآونة الأخيرة في البلدان المتقدمة ما يسمى بالتسوق الألكتروني ، حيث توجد الكثير من المكتبات الألكترونية التي تستطيع من خلالها شراء الكتاب - أي كتاب – لتصلك بعد بضع ساعات أو أقل اذا كنت في المدينة ذاتها  . ربما سأنسى  يوماً ما ، أسماء هذه المكتبات – الحقيقية منها والأفتراضية -   ولكني لن أنسى ما حييت إسم مكتبة " سربستي " ، العزيزة على قلبي وروحي ، أتذكرها كلما مددت يدي الى احد رفوف الكتب في مكتبتي المنزلية ، لأتناول كتاباً قديما وثمينا اقتنيته من هذه المكتبة الصغيرة مساحةً ، والكبيرة دوراً وتأثيراً في الحركة الثقافية في اربيل خلال خمسينات القرن الماضي ، أقول الخمسينات ، لأن ما سأتحدث عنه في الفقرات اللاحقة يرجع الى الفترة بين عامي (1954-1959 ) حيث سافرت في أواخر عام 1959 الى الخارج في بعثة دراسية ، وأنقطعت أخبار المكتبة عني .
  كانت مكتبة " سربستي " لصاحبها الطيب الذكر ، رؤوف معروف  لا تزيد مساحتها على عدة أمتار مربعة ، ولكنها كانت مركز الأشعاع الفكري والثقافي في مدينتنا العريقة أربيل ، خلال أواخر العهد الملكي وأوائل عهد ثورة 14 تموز . " سربستي " فتحت لنا بابا  رحباً الى عالم العلوم والثقافة. هذه المكتبة كانت جامعتي الأولى وجامعة معظم مثقفي أربيل في تلك الفترة .
الدور الثقافي والوطني لمكتبة " سربستي " :
تأسست المكتبة عام 1947 ، وكانت تقع مقابل مطبعة " كيو مكرياني " في قلب المدينة. وأول مكتبة في أربيل يحمل اسماً كورديا بالغ الدلالة ، يعبر عن طموحات الشعب الكوردي الى الحرية  .صحيح ان هذه المكتبة لم تكن الأقدم عمراً في أربيل ، فقد كانت ثمة عدة مكتبات أخرى ، بعضها أسبق منها  ، مثل مكتبة " هولير " لصاحبها شيخ محمد المعروف ب "شيخه شه ل"  وكانت متخصصة في بيع الصحف اليسارية والأصدارات الماركسية وتشغل دكانا أو ركنا صغيرا مستقطعا من أحد الدكاكين الملاصقة لبدن القلعة وأعتقد أنها كانت اشبه بوكر – تحت يافطة مكتبة -  للحزب الشيوعي السري المحظور في العهد الملكي،  اكثر من كونها مكتبة بالمعنى المعروف لهذه الكلمة . ومكتبة”العسكري" لصاحبها الضابط المتقاعد” فاروق عبد الرحمن ، ومكتبة”الجهاد“ لصاحبها عبد الوهاب الصائغ ، وهو من اهالي الموصل ، ومكتبة الأخوة الأسلامية - المقر المقنّع لتنظيم " الأخوان المسلمين " – حيث كنت تجد فيها كتب حسن البنا وسيد قطب ومنظري التنظيم الآخرين . هذه المكتبات الأربع الأخيرة لم تنهض بدور يذكر في اجتذاب المثقفين بالمقارنة مع مكتبة " سربستي " ذات الشهرة المدوية ، بفضل صاحبها ، الرجل الذكي، والنشيط في توفير ما يلبي حاجة القراء حقاً وبسرعة يحسد عليها ، كان يمكنك  اقتناء كتب المؤلفين العراقيين والصحف والمجلات العراقية في اليوم التالي لصدورها ، والمطبوعات المصرية واللبنانية بعد بضعة أيام ، وكان عدد المشتركين في الصحف والمجلات عن طريق " سربستي " كبيرأً.
" سربستي " كانت سباقة في عرض آخر الأصدارات الكوردية من كتب ومطبوعات دورية -على قلتها في ذلك الوقت-  ومنها دواوين الشعراء الكورد " حاجي قادر كويي ، بيره ميرد ، دلدار ، بي كه س ،  كوران ، هردي ، " وبعض الصحف الكردية مثل " زين " الصادرة في السليمانية ..
 المجلات والصحف الصادرة باللغة الكوردية في بغداد ، لم تكن تدوم طويلا في ظل النظام الملكي القمعي ، ولو راجعنا دليل الصحافة الكوردية نجد ان هذه الدوريات في السنوات التي نتحدث عنها ، كانت تحتجب بعد صدور بضعة أعداد منها اما بألغاء اجازاتها أو بمنع الأعلانات عنها ، هذا المنع كان يؤدي الى تعذر استمرارها في الصدور ، وكانت غالبيتها تعود الى شخصيات اجتماعية أو ثقافية كوردية . وربما الأستثناء الوحيد هو مجلة " كلاويز " التي دامت حوالي عشر سنوات ، لأنها كانت مجلة أدبية في المقام الأول وتتجنب الخوض كثيراً في غمار السياسة أو انتقاد السلطة القائمة بشكل مباشر وان كانت تنشر العديد من المواد القيمة المتعلقة بتأريخ الكورد ولغتهم وثقافتهم . وللتعويض عن شحة الكتب والدوريات الكوردية . كانت " سربستي " توفر الصحف اليسارية والوطنية التي تولي اهتماماً ملحوظاً بالقضية الكوردية ، وتنشر مقالات ونتاجات الكتاب والشعراء الكورد
" سربستي " كانت قبلة المثقفين في أربيل . ففيها كنت تجد  آخر الأصدارات من الكتب العربية ( العراقية ، المصرية ، اللبنانية ) لمؤلفين مشهورين مثل العقاد ، والمازني ، وطه حسين ، وسلامة موسى ، ونجيب محفوظ ، ومحمود تيمور ، وميخائيل نعيمة ، والشعراء شوقي ، والجواهري ، واحمد ناجي ، ومحمود طه المهندس ، والرصافي ، والزهاوي ... والقائمة تطول ) . وكان صاحب المكتبة يضع الأصدارات الجديدة على واجهة المحل . كما كانت المكتبة بمثابة الموزع الرئيس للمجلات الثقافية العربية مثل ( الهلال ، الثقافة ، الرسالة ) المصرية ، و( الآداب ، الأديب ، الطريق ) اللبنانية ، ( والثقافة الجديدة  قرندل ، الوادي ) العراقية  وكذلك المجلات المصرية العامة والفتية مثل (  روز اليوسف ، آخر ساعة ، المصور ، الأثتين ، الكواكب ، حواء ) وبعض المجلات الطبية مثل مجلة ( طبيبك ) السورية والعلمية مثل مجلة ( العلوم ) اللبنانية وغيرها .
كان صاحب المكتبة رجلاً وطنيا ، ولم يكن من السهل عليه الحصول على رخصة للمكتبة بهذا الأسم في زمن كان النظام الملكي يضيق الخناق على المطبوعات الكوردية من كتب ومجلات وجرائد . واسم المكتبة يدل على اتجاه صاحبها السياسي ، لذا كانت تحت رقابة أجهزة الأمن ، خاصة ، انه كان الموزع الرئيسي لصحف الأحزاب الوطنية وفي مقدمتها جريدة " الأهالي " الناطقة بأسم الحزب الوطني الديمقراطي برئاسة المرحوم كامل الجادرجي . وقد تعرضت " الأهالي " للحجب والألغاء عدة مرات . وكان الجادرجي يلجأ في كل مرة الى طلب الحصول على امتياز جديد للجريدة تحت اسم آخر قريب من اسم الجريدة الملغاة ( صوت الأهالي ، صدى الأهالي ) وتعاود الصدور من جديد . وكانت الرقابة في بغداد تحذف أحياناً بعض مواد الجريدة ، مثل المقال الأفتتاحي ، ولكن الجريدة تترك المساحة التي كانت تشغلها تلك المواد فارغة بيضاء ،  كشكل من أشكال الأحتجاج على الرقابة الحكومية . أجهزة الأمن في اربيل كانت تراقب المكتبة عن كثب لتحديد من يشتري الصحف اليسارية يوميا . والى جانب هذه الجريدة كانت هناك جريدة الزمان الرصينة ، وجريدة ( الشعب ) الموالية للحكومة . ولكن اغلب المثقفين في أربيل كانوا يتابعون بشغف ما تنشره جريدة الجادرجي ، الذي كان دائماً الى جانب الشعب الكوردي في النضال من اجل حقوقه القومية المشروعة . وتمتاز " سربستي " بميزة أخرى ، لم تستطع أية مكتبة أخرى في أربيل  مجاراتها ،  وهي انها كانت تقوم  بتوصيل الصحف والمجلات للمشتركين سواء في أربيل أو ضواحيها وفي تلك السنوات  رأيت السيد صالح – شقيق صاحب المكتبة – وهو يتنقل بين مصايف أربيل لأيصال المطبوعات الى المشتركين أو بيعها ، خاصة في شقلاوة خلال فصل الصيف حيث كان هذا المصيف الخلاب تزدحم بالمصطافين من الموصل وكوكوك وبغداد والمدن الأخرى  .
كانت المطبوعات من كتب ومجلات شهرية أو أسبوعية وصحف يومية تصل أربيل عن طريق خط قطار (بغداد – كركوك – أربيل) في حوالي الساعة العاشرة من صباح كل يوم ، وكنت ترى المثقفين الشغوفين بالقراءة أو متابعة الأحداث السياسية يتجمعون أمام مكتبة سربستي ويبلغ الزحام اشده في حوالي الساعة الحادية عشرة صباحا ، حين يصل السيد صالح ، قادما من محطة القطار ومعه رزم الكتب والمجلات والصحف الصادرة حديثاً. فترى القراء يتسابقون الى أقتناء ما يعجبهم من هذا الغذاء الروحي الدسم . كنت في هذه المرحلة في المدرسة الثانوية ، وأحرص على اقتناء ثلاث مجلات هي الآداب اللبنانية والهلال المصرية والثقافة العراقية ، اضافة الى اصدارات دار الهلال الأخرى مثل سلسة ( روايات الهلال ) ،  وما زالت اعداد هذه السلسلة  في مكتبتي الشخصية أحتفظ بها ليس لمجرد الذكرى ، بل لأنها تضم خير ما في الأدب العالمي من روايات وقصص بشهادة الزمن .كما تمتاز ترجمة هذه السلسلة بمستوى رفيع ، يفتقر اليه من يتصدى لترجمة الروايات والقصص الأجنبية في أيامنا هذه .
القراءة بين الأمس واليوم :
تصدر في اقليم كوردستان اليوم مئات الكتب باللغة الكوردية سنويا في شتى حقول المعرفة ، والأدب والفن ، إضافة الى مئآت المطبوعات الدورية ومعظمها باللغة الكوردية أيضاً ، وفي العاصمة أربيل وحدها عشرات المكتبات ( متاجر الكتب ) الزاخرة بالأصدارات الحديثة ذات الطباعة الفاخرة ، ولكن هذه المكتبات تشكو من قلة روادها وشحة مبيعاتها ، رغم أن اسعار الكتب في أربيل - وخاصة اصدارات دور النشر الحكومية أو شبه الحكومية أو الصادرة عن المنظمات والجمعيات والأتحادات وبضمنها أصدارات الأكاديمية الكوردية واتحاد الأدباء الكورد – زهيدة بالقياس الى الدول المجاورة ، الا أن الأقبال على القراءة  ، أضعف مما كان في الماضي . وقد يبدر الى الذهن أن السبب يعود الى الأزمة المالية التي يمر بها الأقليم . ولكني أعتقد أن السبب الرئيسي لا يكمن في القدرة المالية للقراء بقدر ما يعود الى توافر وسائل الأعلام المختلفة ، الأكثر تشويقاً وجذباً وخاصة لفئة الشباب  ( الأنترنيت ، القنوات الفضائية ) ووسائل التسلية والترفيه العديدة . كما أن  الحياة المعاصرة وتعقيدها ،التي تتسم بدرجة عالية من التوتر النفسي  والأجهاد العصبي   لا تترك فسحة كافية من الوقت للقراءة الجادة - الوسيلة الفعالة لأكتساب المعرفة وتحصيل الثقافة -  وبأستثناء القيصرية الخاصة بالمكتبات في سفح قلعة أربيل التأريخية ، قلما تجد من يرتاد المكتبات الأخرى ( مقابل المدرسة الأيوبية ) أو يتابع صدور هذه المجلة أو تلك ، ربما بأستثناء مجلة " صوت الآخر " التي تنفد أعدادها من السوق فور طرحها للبيع في أربيل أيام الخميس . وهذه ليست مجاملة للمجلة التي أنشر فيها مقالاتي ، فأنا لا آجامل أحداً على حساب الحقيقة . وعلى الجملة يمكن القول أن معظم رواد قيصرية المكتبات اليوم هم من الكتاب والشعراء والأعلاميين أنفسهم ، على النقيض من جيل " سربستي " الذي كان يبحث عن الغذاء