عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - مهدي كاكه يي

صفحات: [1]
1
الساسانيون كانوا كورداً ولم يكونوا فُرساً (2 – 2)

د. مهدي كاكه يي

في الحلقة السابقة تطرقنا الى عشرة براهين التي تؤكد على كوردية الساسانيين. في هذه الحلقة نواصل سرد المزيد من الأدلة التي تُثبت أن الساسانيين كانوا كورداً.

11. اللهجة الهَورامية الكوردية هي نفسها اللغة الپهلوية التي كانت لغة الساسانيين، حيث يذكر العلّامة مسعود محمد بأنه جاء في كتاب (المعجم في معايير اشعار العجم) لمؤلفه شمس الدين محمد بن قيس الرازي ما ترجمته من الفارسية الى العربية ما يلي: {وجدتُ أهل العراق مشغوفين بإنشاء وإنشاد الفهلوية (الپهلوية)، بل أنّه ليس من لحن لطيف جاء من القول العربي والغزل الدري (الفارسي) هزّ قلبهم وطبعهم مثل:

{لحن أورامَن (هورَمان) وبيت پهلوي}[17]. البيت الشعري (لحن أورامَن (هورَمان) و(بيت پهلوي) يُشيد بالغناء الهورَماني وأنّ لحن الغناء مرتبط بِلغته وهذا يشير بِوضوح أنّ اللهجة الهَورَمانية هي اللغة الپهلوية.

بالنسبة للفُرس، تمّ إبتكار لغة فارسية جديدة مع إختفاء الحُكم الأشكاني في سنة 226 ميلادية ومجئ الساسانيين للحُكم. هذه اللغة الجديدة المُستخدَمة في العهد الساساني، تُسمّى (اللغة الپارسیکية) للتمييز بينها وبين اللغة الفارسية القديمة والفارسية الحديثة[18]. كون اللغة الپهلوية (الكوردية) لغة الساسانيين وتكلّم الفُرس بِلغة أخرى وهي (اللغة الپارسیکية)، يؤكد على كوردية الساسانيين.

12. كان الساسانيون يقومون بِتمجيد (كاوا الحداد) الكوردي، حيث كان إسم علَم هذه الإمبراطورية هو (علَم كاويان) وكلمة (كاويان) مأخوذة من إسم (كاوه الحداد) الذي يُقال أنه قتل الملك الظالم (ضحاك) الذي جعل من صدرية حدادته علماً[d]. كان إرتفاع العلَم (12) ذراعاً وعرضه (8) ذراع وكان مصنوعاً من جلد النمر ومُرصّعاً بالياقوت واللؤلؤ والمجوهرات.

في معركة القادسية التي جرت بين العرب المسلمين والدولة الساسانية في سنة 636 ميلادية، إنتصر المسلمون العرب على الساسانيين، فإستولوا على هذا العلَم وأعطوه للخليفة (عمر بن الخطاب) مع إثنتَين من بنات الملِك الساساني (يزدكورد) اللتين تمّ أًخذهما كسبايا واللتين كان إسمَيهما (شاهژنان أو کَيبانو) و(شاربانو)، حيث أخذ محمد بن ابو بكر الصديق (شاهژنان) زوجةً له و أخذ حسين بن علي بن أبي طالب البنت (شاربانو) زوجة له وهي والدة إمام الشيعة (زين العابدين إبن الحسين). تبنّي الساسانيين لِعلَم كاوه دليل آخر على إنتماء الأسرة الساسانية الحاكمة الى الشعب الكوردي[19].

13. الكتاب المعنون (التاريخ الصغير) لِمؤلف سرياني نسطوري مجهول (ولادته كانت بعد عام 680)، يتحدث عن تاريخ الكنيسة النسطورية ويسرد أحداثاً تاريخية مهمة التي حصلت خلال القرنَين السادس والسابع الميلادي. يسرد الكاتب في صفحات 100 - 102 من هذا الكتاب معلومات مهمة عن أصول الساسانيين وعن القائد الساساني (هُرمَزدان Hormazdān) الذي كان قائداً عسكرياً لمنطقة (خوزستان). تمّ أسر هذا القائد من قِبل القوات العربية – الإسلامية الغازية في عهد عمر بن الخطاب وثمّ تمّ قتله من قِبل المسلمين بعد أسره. يقول مؤلف الكتاب أنّ (هُرمَزدان) هو إبن عم آخر ملوك الساسانيين (يزد كورد الثالث) وحفيد الملِك (أردشير پاپَگان)، حيث أنه يذكر أنّ هذا القائد الساساني ينتمي  الى أسلاف الكورد الميديين. كما أنّ (Paravaneh Pourshariati ) يذكر أن (هُرمَزدان) كان من سكان ميديا[e]، أي أنه كان ينتمي الى الميديين. المصدران السابقان يشيران بوضوح الى أنّ الساسانيين كانوا ينتمون الى أسلاف الكورد الميديين وهذا دليل آخر على كوردية الحُكّام الساسانيين.

14. مقاومة سكان الإمبراطورية الساسانية للغزو الإسلامي العربي إنحصرت بشكلٍ رئيس في المناطق الكوردستانية، مثل (شارزور) و(الموصل) و(حلوان) و( نهاوند) و( جلولاء) الذين دافعوا عن الحُكم الساساني الكوردي، بينما لم تكن هناك مقاومة كبيرة ضد هذا الغزو في المناطق غير الكوردية. دفاع الكورد عن الدولة الساسانية كان دفاعاً عن دولتهم الكوردية وحكمهم الكوردي.

15. في قصيدة شعرية له كتبها قبل أكثر من (100) مائة سنة، يقول الشاعر الكوردي، حاجي قادر كۆيى (1817 – 1897 م)، أن الساسانيين هم من الكورد، حيث يذكر بالإسم الملكَين الساسانيَين، (أردشير) و (قُباد) و يتشكى فيها من إهمال تدوين تأريخ الشعب الكوردي باللغة الكوردية. أقتطف هنا من قصيدته الشعرية هذه الأبيات التي قمتُ بترجمتها من الكوردية الى العربية:

إذا لم يرغب الكوردي في تعلّم لغته الأُم
مِن المؤكد أنّ أُمّه عاهِرة و أباهُ زانٍ
تعالَ لأُحدّثك عن أمور تجهلها!
عالَم السياسة جميلٌ إذا أتقنتَ فنونه
(صلاح الدين) و (نور الدين) الكورديان
و (عزيزان)* ال(جزيرة) و (موش) و (وان)
(مهلهل)** و (أردشير) و الأسد (ديسم)***
(قُباد) و صقور أمراء أردلان
هؤلاء كلهم كورد خالصون لا شك فيه
بسبب الجهل و الأمّية، إختفوا من صفحات التأريخ
الكُتب و الألواح و الوثائق التأريخية
لو تم تدوينها عبر التأريخ بِلُغتنا
لخلّد التأريخ ملوكنا و حُكّامنا و أمراءنا
و لَبقوا نجوماً متلألئة تُنير صفحات التأريخ

* (عزيزان) هم أجداد (البدرخانيين)، الذين حكموا أجزاء من كوردستان (مناطق الجزيرة و موش و وان" في زمن الخليفة عمر بن الخطاب.

** (مهلهل) هو (مهلهل شازنجاني) الذي تغلّب على السلجوقيين في مدينة (كرماشان) و أصبح يحكم مناطق كرماشان و خانقين و كفري و كركوك و شهرزور و سيروان.

*** (دَيسَم) هو الحاكِم الكوردي الذي حكم أذربيجان في زمن الدولة العباسية.

هكذا فأنّ المصادر الرصينة التي نستند عليها، تؤكد على أنّ الساسانيين كانوا كورداً وأنّ معركة القادسية التي وقعت بين المسلمين العرب، بقيادة سعد بن أبي وقاص و الساسانيين في عهد آخر ملوكهم، (يزدكورد الثالث)، كانت معركة بين العرب و الكورد، إلا أن محتلي كوردستان قاموا بتزوير التأريخ و سرقة التأريخ الكوردي و إعتبروا الساسانيين من الفُرس.

أسماء الملوك الساسانيين
نذكر هنا أسماء ملوك الساسانيين الأربع و العشرين، الذين دام حكمهم لمدة أربعمائة و ستة و عشرين عاماً (224 أو 226 – 651 م) التي هي كالآتي، مرتبة حسب التسلسل الزمني لحكمهم :

1. أردشير الأول
2. شاپور الأول
3. هرمز الأول
4. بهرام الأول
5. بهرام الثاني
6. بهرام الثالث
7. نَرسي
8. هرمز الثاني
9. آزر نرسي
10. شاپور الثاني
11. أردشير الثاني
12. بهرام الرابع
13. يزدكورد الأول
14. بهرام الخامس
15. يزدكورد الثاني
16. هرمز الثالث
17. فيروز الأول (پيروز الأول)
18. بلاش (وەلكاش)
19. قُباد الأول (كوات)
20. خَسْرَو الأول (أنوشيروان العادل)
21. هرمز الرابع
22. خَسْرَو الثاني (پَرْويز)
23. قُباد الثاني
24. يزدكورد الثالث

يذكر حمدالله المستوفي في كتابه "نزهة القلوب" الذي كتبه في القرن الرابع عشر الميلادي، بأن الملِك (خاسرو الأول) قام بتنظيم الضرائب و الجيش و سجلات الدولة. في عهد هذا الملِك تم جلب كتاب "دليلة و دمنة" من الهند الى بلاد الساسانيين و في عهده أيضاً بلغت المدارس الفلسفية و الأدبية أوجّها[20].

نتيجة إفتقار الشعب الكوردي لكيان سياسي يُعبّر عن هويته و يقوم بتدوين تأريخه و الحفاظ على ثقافته و لغته و تراثه و تطويرها، فأن تأريخه قد تعرض الى سرقة و طمس و إلغاء و تشويش ظالم لأن محتلي كوردستان يحاولون إستئصال اللغة و الثقافة الكوردية و إلغاء هوية الشعب الكوردي و تزوير تأريخه العريق، ليُكرّسوا إحتلالهم لكوردستان و يُلغون كوردستان من خارطة الشرق الأوسط و ليقوموا بصهر الشعب الكوردي عن طريق تتريكه و تفريسه و تعريبه.

إن للشعب الكوردي تأريخ مجيد و أنه من أقدم شعوب المنطقة و أن الحضارات السومرية و الإيلامية و الخورية – الميتانية و الهيتية و الميدية و الساسانية، تشهد على عراقة هذا الشعب و المساهمة العظيمة له في بناء الحضارة الإنسانية و تطورها و تقدمها.

إبراز الدور الحقيقي للكورد في تأسيس الحضارة البشرية و التعرّف على ثقافتهم و تأريخهم، يتطلب تأسيس مراكز علمية كوردية لإحياء الثقافة الكوردية و لتصحيح كتابة التأريخ الكوردي. على الكورد البحث عن تأريخهم في ثنايا الكتب و الوثائق وفي قاعات المتاحف و الأماكن الأثرية و عن طريق التنقيب عن الآثار في ممالك الكورد الأثرية و تفحص مراسلات و تقارير الحكومات و المسئولين من خلال القيام بدراسات علمية موضوعية للتأريخ الكوردي للعثور على الحقيقة، بالرغم من التخريب و السرقة و الطمس التي تعرض لها التأريخ الكوردي و خاصة أن الكورد يفتقرون الى كيان سياسي ليُكتب هذا التأريخ في ظله. محتلوا كوردستان قاموا بكتابة التأريخ الكوردي، فعملوا على تشويهه و سرقته و طمسه. من بين هذا التشويه و السرقة، على الكورد أن يبحثوا و يجدوا و يكتشفوا تأريخهم و يضعوه في متناول أطفال الكورد و ليدعوا العالم يعرف التأريخ الحقيقي للكورد. لا أطالب هنا بتزوير التأريخ كما قام به المقبور صدام حسين في حملته "إعادة كتابة التأريخ"، و إنما أقترح تأسيس مراكز علمية لجمع المعلومات التأريخية عن الكورد و تبويبها و تسجيلها و حفظها و مقارنة بعضها مع البعض و غربلتها و تحليلها و من ثم كتابة المعلومات الصحيحة بشكل موضوعي و علمي.

المصادر

17. مسعود محمد. لسان الكرد. 1984، صفحة 60 – 61.

18. المصدر السابق، صفحة 39.

19. ولي فولادى منصورى. تاريخ سياسى اجتماعى بزرگ ايل کلهر. المجلد الأول، صفحه 169.


20. المستوفي حمد الله القزويني. نزهة القلوب في المسالك و الممالك. ليدن، 1915.

d. https://donya-e-eqtesad.com/%D8%A8%D8%AE%D8%B4-%D8%B3%D8%A7%DB%8C%D8%AA-%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-62/3084203-%D9%BE%D8%B1%DA%86%D9%85-%D8%A7%DB%8C%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D8%B2-%D8%A2%D8%BA%D8%A7%D8%B2-%D8%AA%D8%A7%DA%A9%D9%86%D9%88%D9%86-%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D9%88%DB%8C%D8%B1

e. Paravaneh Pourshariati. The Parthians and the Production of the Canonical Shāhnamas : Of Pahlavi, Pahlavānī and the Pahlav. In: Henning Börn and Josef Wiesehöfer (eds.). Commutatio et Contentio Studies in the Late Roman, Sasanian, and Early Islamic Near East.  2008, p. 240.




2
الساسانيون كانوا كورداً ولم يكونوا فُرساً (1 – 2)

د. مهدي كاكه يي

الغالبية العظمى من المؤرخين، من شرقيين و غربيين، يعتبرون الساسانيين فرساً، بينما المصادر التأريخية الموثوقة تؤكد بشكل قاطع لا لبس فيه بأن الساسانيين ينتمون الى الشعب الكوردي. يجب إنصاف الشعب الكوردي العريق و إظهار الحقائق التأريخية بموضوعية و مهنية، بعيداً عن الأهواء الشخصية و النزعات العنصرية.

تُثبت الأدّلة التالية أن العائلة الساسانية الحاكمة كانت عائلة كوردية:

1. موطِن الجد الأعلى لملوك الساسانيين، (ساسان) هو كوردستان، حيث أنه إنتقل الى ولاية فارس هرباً بعد نبوءة أنّ من ذُريته سيحكم بلاد آريانا[1][2]. هكذا نرى أنّ (ساسان) كان كوردياً ولم يكن فارسياً ولم يكن من ولاية فارس، بل أنه قد نسب نفسه الى الملِك الكياني (بهمن بن اسفنديار بن گوشتاسپ) نسباً مشكوكا فيه. كان ساسان راعياً لِمواشي الإبل عند أحد الإقطاعيين[1]. كما يقول (دهخدا) في موسوعته أن والد الملِك الساساني (أردشير) هو الراعي (پاپَگان الكوردي)[3].

يذكر الدكتور رشيد ياسمي الأستاذ في جامعة طهران أنّ (ساسان) الذي هو جد (أردشير)، هو من عشيرة (شوانكاره) الكوردية و أنّ والدة (پاپَگان Papagan) هي إبنة أحد رؤساء عشائر (بازرنگي) الكوردية. موطن هذه العشيرة هي المنطقة االكوردية في مقاطعة فارس. يضيف ياسمي أنه نستطيع القول أنّ (أردشير) هو كوردي[4].

كان (پاپَگان) إبن (ساسان) ينتمي الى أحد بيوت النار ل(آناهَيتا)، ورزق (پاپَگان) بإبن أسماه (أردَشير Ardashir) الذي قام بِتأسيس الدولة الساسانية. ولِد (أردشير الأول) في مدينة (بيرسي پوليس) أي (ولاية فارس) التي سبق أن إنتقل إليها جدّه (ساسان). أحب (أردشير) الحياة العسكرية، فأصبح من كبار القادة العسكريين. كان أخوه حاكِم ولاية، إلا أنّ (أردشير) ثار ضد أخيه وأرغمه على التنازل عن الحُكم له. بعد تولّيه حُكم الولاية، قام (أردشير) بِتوسيع مملكته، فضمّ اليها كلاً من بلاد سواحل (خليج هرمز) و (إيلام) و(أصفهان) و(ميديا).

2. توسيع (أردشير الأول) لِمملكته، أقلق آخر ملوك الأشكانيين الفُرس، الملِك (أردوان الخامس)، حيث أنه قام بإرسال رسولٍ يحمل رسالةً منه الى (أردشير) يُعيبه فيها حسبه و نسبه. قام الملِك الساساني (أردشير) بِقراءة هذه الرسالة المُهينة في البلاط الملكي و بحضور رعية الدولة الساسانية. مما جاء في الرسالة المذكورة ما يلي: (إنكَ قد عدوتَ طوركَ و إجتلبتَ حتفكَ أيها الكوردي المُربّى في خيام الكورد، مَن أذِنَ لك في التاج الذي لبستَه؟). يشير الى هذه الرسالة كل من الطبري[5] و إبن الأثير[6]. رسالة الملِك الأشكاني الفارسي تؤكد بِوضوح أنّ الأسرة الساسانية الحاكمة كانت أسرة كوردية.

لم تقتصر إعابة  الملوك الساسانيين بسبب أصلهم الكوردي وإنتمائهم الى الأمة الكوردية، على (أردوان الخامس الإشكاني)، بل أنّ حاكم أرمينيا وآذربايجان في زمن الدولة الساسانية، (بهرام چوبین) الذي كان إبن (بهرام گوشتاسپ)، أعاب أيضاً الملِك الساساني (خسرو الثاني "پرويز") لِكونه كوردياً عندما حاول (بهرام) إغتصاب الحُكم من الملِك (خسرو الثاني)،  حيث قال له (يا إبن الزانية، المربّى في خيام الكورد[7].

3. كان (ساسان) ينتمي الى العشيرة الكوردية (شوانكاره) وكان أفراد هذه العشيرة يشتغلون في الرعي و الزراعة وأنهم في اواخر عهد البويهيين قاموا بتأسيس سُلالة كوردية حاكِمة بإسم (أتابكة ملوك شوانكاره الكورد في فارس[8]. كما يذكر المستشرق النمساوي (إدوارد ڤون زامباور) في كتاب (معجم الأنساب والأسرات الحاكمة في التاريخ الإسلامي) بأنّ أفراد عشيرة (شوانكاره) ينحدرون من مؤسس الدولة الساسانية (أردشير بن پاپَگان)[9].
4. كما يذكر ياقوت الحموي في كتابه "معجم البلدان"، الذي إستغرقت كتابته من عام 1224 الى عام 1228 ميلادي[10]، بأن السلاطين الساسانيين عندما بنوا مدينة "المدائن"، قاموا ببناء حي ضمن المدائن، أطلقوا عليه إسم "كورد آباد"، تيمُّناً بإنتمائهم القومي للشعب الكوردي و الذي يعني "الحي المبني من قِبل الكورد"، حيث أنه يذكر أسماء ستة أحياء أخرى في مدينة المدائن، بالإضافة الى حي (كورد آباد).

من الجدير بالذكر أنّ إسم مدينة (المدائن) هو "ماديان" والذي هو إسم كوردي، يتكون من كلمة (ماد) أي (ميدي) و اللاحقة (ان) تُستخدم للجمع في اللغة الكوردية وبذلك فأنّ (ماديان) يعني باللغة الكوردية (ماديون أو ميديون) الذين هم أسلاف الكورد. تم تحوير الإسم الكوردي لهذه المدينة من قِبل العرب من (ماديان)  الى (المدائن) و أطلق الفُرس عليها إسم "تيسفون". قام الملِك الساساني، أردشير أيضاً ببناء مدينة خاصة بالكورد قرب مدينة الموصل الحالية و سماها "بوذ أردشير"[11].

كما أنّ الملِك الساساني (قُباد) و (أنوشيروان) قاما بِبناء أكثر من ثلاثين مدينة  في سهل (أرّان)، وكانت إحدى هذه المدن تحمل إسم (ملازكورد) [12][13]. تسمية حيّ من أحياء العاصِمة الساسانية بإسم الكورد، وبناء مدن كوردية من قِبل الساسانيين، هي دليل آخر على كوردية الساسانيين.

5. ملوك الساسانيين كانوا يُلقّبون ب"خاسرَو". الكلمة مؤلفة من الكلمتين الكورديتَين "خاس" التي تعني "جيد" باللغة الكوردية[14] و كلمة " رَو" التي تعني "تصرّف أو سلوك" باللغة الكوردية، و بذلك كلمة "خاسرَو" تعني "ذو تصرف جيد" أي "إنسان محترم و ذو منزلة عالية". الفُرس أخذوا هذا اللقب من الكوردية و حوّروه الى "خُسرَو"، حيث لا توجد كلمتَي "خاس" و " رَو" في اللغة الفارسية. العرب بِدورهم قاموا بتعريب هذه الكلمة فحوّلوها الى "كِسرى أو كَسرى". هكذا فأنّ اللقب الكوردي للملوك الساسانيين، يؤكد على إنتمائهم للشعب الكوردي.

من الجدير بالذكر أنّ الكثيرين من الناس يظنون خطأً بأن إسم الملك الساساني كان "كِسرى" الذي جرت معركة القادسية أثناء حكمه، بينما "كِسرى" هي لقب كل ملوك الساسانيين و ليس إسم أحدهم، و الذي يُقابل كلمة (جلالة) و (فخامة) و (سمّو) المُستخدمة في الوقت الحاضر في مخاطبة الملوك ورؤساء الجمهوريات والأمراء على التوالي. كثير من ملوك الشعوب الأخرى كانت لهم ألقابهم الخاصة بهم كما كان للساسانيين، مثلاً ملوك الروم كانوا يُلقّبون ب"قيصر" و ملوك الأقباط ب"فرعون" و ملوك الأتراك ب"خاقان" و ملوك اليمن ب"تُبّع" و ملوك الحبشة ب"نجاشي" و ملوك مصر ب"عزيز" و هكذا.

6. أسماء ملوك ساسان كانت أسماءاً كوردية والتي تُشير الى كورديتهم كما هي مبيّنة أدناه:

أ. كان إسم ثلاثة ملوك ساسانيين هو (يزدكورد). كما أنّ إحتواء أسماء هؤلاء الملوك الثلاث على كلمة (يزد)، يُشير الى الخلفية الدينية اليزدانية لأفراد الأُسرة الساسانية الحاكِمة.

ب. إسم إثنَين من الملوك الساسانیين كان (خَسرَو Xesrew). كما تمّ توضيحه أعلاه، (خَسرَو) مؤلف من الكلمتَين الكورديتين (خاس) التي تعني (جيد أو طيّب) و(رَو) التي تعني (سلوك أو خُلُق) وبذلك إسم (خَسرَو) يعني (الشخص ذو الخُلُق الجيدة).

ت. إسم إثنَين من الملوك الساسانيين هو (أردشير Erdeşîr) الذي هو إسم مُركّب متكوّن من الكلمة الميدية (أردا) التي تعني (صالِح أو جيد) و(شير) التي تعني بالكوردية (أسد) وبذلك  يعني هذا الإسم (الأسد الصالح أو الجيد).

ث. إسم أحد الملوك الساسانيين هو (فَیروز Feyrûz) أو (پیرۆز Pîroz) الذي هو إسم كوردي يعني (مُبارَك أو مُقدّس).

ج. إسم أربع ملوك ساسانيين هو (هرمز Hormizd) الذي هو إسم آري، مأخوذ من إسم إله أسلاف الكورد السومريين (هرميس). مع مرور الزمن، تغيّر هذا الإسم الى (هورامَزداHuramezda ) أو (مَزدا Mezda) عند الشعوب الآرية وبعد هذا التغيّر، إحتفظ هذا الإسم بمعناه الأصلي، أي بمعنى (إله).

ح. إسم أربعة ملوك ساسانيين كان (بَهرام أو بارام) وإسم إثنَين آخرَين منهم كان (قُباد). هذان الإسمان كورديان، الأول يعني (ذكي) والإسم الثاني يعني (ملِك).

7. هناك بعض الأسماء الساسانية التي لاتزال سائدة عند (الكورد) في كوردستان، على سبيل المثال وليس الحصر، الإسم (خماني)[14]. هذا الإسم الساساني ليس له وجود عند الفُرس. إلى الآن هناك أشخاص كورد، إناث وذكور، يحملون هذا الإسم.

8. يذكر (حسن پیر نیا) أن الساسانيين كانوا يطلقون إسم (ماي) على الميديين[15]. يدخل هذا الإسم في أسماء الكورد الذكور الى الوقت الحاضر رغم مرور أكثر من 2500 سنة على إختفاء الإمبراطورية الميدية، على سبيل المثال، الإسم (مايخان). تُلازم كلمة (خان) إسم (ماي)، حيث لا تتم تسمية شخص بإسم (ماي) لوحده، بل تُضاف الصفة (خان) له التي تُقابل كلمة (جلالة) و (فخامة) المستخدمة لمخاطبة الملوك ورؤساء الدول على التوالي في الوقت الحاضر، لأنّ الميديين كانوا نبلاء الكورد. من الجدير بالذكر أن إسم الميديين (مادا) يعني باللغة الميدية (عظيم) أو (كبير)[a].

تجدر الإشارة الى أنه عندما إحتل العرب كوردستان، تم إطلاق إسم (ماهات) على مركز السلطة الميدية من قِبل العرب، حيث أن (ماه) هو إسم الميديين وأن اللاحقة (ات) هي لاحقة الجمع في اللغة العربية. يذكر (البلاذري) بأنه عند إحتلال كوردستان من قِبل العرب في العهد الإسلامي، تم تقسيم بعض المناطق المحتلة  من كوردستان الى عدة أقسام، حيث أن الضرائب (الجزية) المأخوذة من كل منطقة، كانت تُرسَل الى المسلمين الساكنين في منطقة محددة[16]. لذلك كان العرب يطلقون إسم (ماه الكوفة) على مدينة (دینَوَر) وأطرافها لأن الجزية المأخوذة من سكان مدينة (دینَوَر) وتوابعها كانت توزع على السكان المسلمين الجدد الساكنين في مدينة الكوفة. كذلك لنفس السبب تم إطلاق إسم (ماه البصرة) على مدينة (نَهاوند)، حيث كانت الجزية المستحصلة من سكان (نهاوند) كانت تُعطى لسكان مدينة البصرة الذين أصبحوا مسلمين بعد الإحتلال العربي الإسلامي. هكذا تم تقسيم مركز بلاد ميديا من قِبل المحتلين العرب الى (ماه الكوفة) و (ماه البصرة).

7. العائلة الفضلوية التي أسست الإمارة الفضلوية (1155 – 1432 م)، تنتمي الى قبيلة شوانكاره الكوردية، وكان أفراد هذه العائلة من سلالة ملوك ساسان[c]. أفراد الأسرة الحاكِمة لهذه الإمارة كانوا كورداً وبذلك لابد أنّ أجدادهم الساسانيين كانوا كورداً أيضاً. من الجدير بالذكر أنّ هذه الإمارة أُقيمت في جنوب شرقي لورستان و دام حُكمها لمائتين و سبعة و سبعين عاماً. كانت المملكة تضم لورستان و تمتد الى ضواحي مدينة أصفهان و في بعض الفترات كانت تضم أيضاً مقاطعة خوزستان و مدينة البصرة.

8. في اواخر عهد البويهيين قامت عشيرة (شوانكاره) بتأسيس إمارة كوردية بإسم (أتابكة ملوك شوانكاره الكورد في فارس[8]، حيث أنّ أفراد عشيرة (شوانكاره) ينحدرون من (أردشير بن بابك مؤسس الدولة الساسانية)[9]. تأسيس هذه العشيرة التي ينتمي إليها الساسانيون، لإمارة كوردية، هو إشارة واضحة لِكون الساسانيين كورداً.

تجنباً للإطالة، نكتفي بهذه الأدلة في هذه الحلقة التي تؤكد على كوردية الساسانيين وسنواصل بتقديم المزيد من الأدلة في الحلقة القادمة.


المصادر

1. أبو القاسم الفردوسي. شاهنامه ملحمة الفرس الكبرى. ترجمة سمير المالطي، صفحة 133، 134.
   
2. ابن البلخي. فارسنامه، فصل احوال شبانكاره و كُرد و فارس. طبع اوروپا، صفحه 146.

3. دهخدا، على اكبر. لغتنامه. جلد سوم، چاب دانشگاه تهران، سال 1345 ﻫ ق، صفحه 3843.

4. غلامرضا رشيد ياسمي. كُرد و پیوستگی نژادى وتاريخى. سال 1369 هـ ق، صفحه
171.

5. ابو جعفر محمد بن جرير الطبري. تأريخ الرسل والملوك. المجلد الثاني، المطبعة الحسينية، مصر، 1336 هـ، صفحة 57.

6. إبن الأثير. الكامل في التاريخ، المجلد الأول، صفحة 133.

7. ابو جعفر محمد بن جرير الطبري. تأريخ الرسل والملوك. المجلد الثاني، المطبعة الحسينية، مصر، 1336 هـ، صفحة 138.

8. ابن البلخي. فارسنامه، فصل احوال شبانكاره و كُرد و فارس. طبع اوروپا، صفحة 150 – 153.

9. زامباور. معجم الأنساب والأسرات الحاكمة في التاريخ الإسلامي. إخراج: الدكتور زكي محمد حسن بك و حسن أحمد محمود. ترجمة قسم من فصول الكتاب: الدكتورة سيدة إسماعيل كاشف و حافظ أحمد حمدي و أحمد محمود حمدي، دار الرائد العربي، بيروت، 1980 م، صفحة 351 – 352.

10. ياقوت الحموي. معجم البلدان. المجلد السابع، صفحة 413.

11. لي سترنج، ك. بلدان الخلافة الشرقية. ترجمة بشير فرنسيس وكوركيس عواد، مطبوعات المجمع العلمي العراقي، مطبعة الرابطة، بغداد، 1954.

12. الشيخ شمس الدين أبي عبدالله محمّد أبي طالب الأنصاري الصوفي الدمشقي. نخبة الدهر في عجائب البر والبحر. طبع مدينة بطربورغ، سنة 1865، صفحة 190.

13. دهخدا، على اكبر. لغتنامه. جلد دوم، چاب دانشگاه تهران، سال 1345 ﻫ ق، صفحه 1631.

14. دهخدا، على اكبر. لغتنامه. جلد هفتم، چاب دانشگاه تهران، سال 1345 ﻫ ق، صفحه 9953.

15. حسن پیرنیا. تاریخ ایران باستان یا تاریخ مفصل ایران قدیم. جلد اول، با مقدمه و شرح: محمدابراهیم باستانی پاریزی، تهران، دنیای کتاب، 1362 ﻫ ق، صفحه 48.

16. البلاذري (2010). فتوح البلدان، صفحة 375.




a. Tavernier, Jan. Iranica in the Achaimenid period (ca. 550 – 330 B.C.): Lexicon of Old Iranian. Peeters Publishers, Louvian, Belgium, 2007, p. 558.

b. Browne, Edward G. (1919). A literary history of Persia: A literary history of Persia from the earliest times until Firdawsi. T. Fisher Unwin Ltd, London, page 19.

c. http://neyrizema.ir/texts.php?portal=tarikh&id=2978



3
الملاحم البطولية الكوردستانية والإتفاقية الأمريكية – التركية

د. مهدي كاكه يي

في البداية أود أن أُحيّ أرواح الثائرات الكوردستانيات والثوّار الكوردستانيين الذين سقَوا بِدمائهم أرض إقليم غرب كوردستان وضحوا بحياتهم في سبيل حرية شعبهم والدفاع عن وطنهم ضد الغزو التركي المتوحش. كما أتمنى للجريحات والجرحى الشفاء وأحيّهم على بسالتهم وشجاعتهم التي أصبحت حديث شعوب العالم. كما أُثمّن صمود وبطولة أفراد القوات المسلحة الكوردستانية وأفراد المقاومة الشعبية في الإقليم في تصدّيهم للعدوان التركي.

كما أحب أن أقول بأن شجاعة الكوردستانيين والخبرة القتالية التي يملكونها والصمود البطولي أمام ثاني أكبر جيش في الحلف الأطلسي وأمام مرتزقة أردوغان، أصبحت موضع إعجاب وتقدير شعوب وحكومات العالم وهزّت العرش التركي وعنجهية وغرور أردوغان ولقّنت الأتراك درساً بليغاً رغم عدم التكافؤ بين القوة الكوردستانية والتُركية في العدد والعُدّة. كما أنّ عدالة القضية الكوردستانية والصمود البطولي للمرأة الكوردستانية والرجُل الكوردستاني في غرب كوردستان، جعلت العالم كله يتعاطف مع شعب كوردستان ويسانده ويقف الى جانبه ضد الأتراك المتعطشين للدماء. لم تحظّ القضية الكوردستانية في تاريخها بمثل هذا الإهتمام والدعم العالمي الذي حظى بهما في الحرب الدفاعية ضد الغزو التركي، حيث أصبحت القضية الكوردستانية قضية عالمية، تُمهّد لنيل شعب كوردستان حريته وإستقلال بلاده.

أنا شخصياً أكره الحرب التي تعني الموت والدمار والخراب وخلق المزيد من اليتامى والأرامل وإنتشار الفقر والمرض والبطالة. لا يُعتبر تُجار الحروب بشراً، بل أنهم أناس معتوهون ومرضى نفسانيون، يجب أن يكون مكانهم في المصحّات النفسية والعقلية، لا التربّع على كراسي الحُكم والسلطة، ومع ذلك تضطر الشعوب، ومنها شعب كوردستان، الى الدفاع عن نفسها وعن وطنها ضد الحُكام والطُغاة المجرمين بِحق الإنسانية. لذلك أتمنى أن لا تُراق قطرة دم إنسان. لو كانت لي سلطة على العالَم، لكنتُ أقوم بتدمير كل أسلحة القتل والدمار وأجعل العالَم خالياً من الأسلحة و أنّ الأموال التي تُصرف على صناعة الأسلحة، أجعلها تُستخدَم في تطوير الزراعة والصناعة والطب والقضاء على الفقر والمرض والبطالة وتوفير حياة حُرة كريمة للبشرية جمعاء.

الإتفاقية المُبرمة بين أمريكا وتركيا، هي إتفاقية غير عادلة، تفرض الإستسلام على الكوردستانيين، حيث أنها تسمح لتركيا بإحتلال أجزاء من الإقليم بِعُمق 32 كيلومتر وطول 440 كيلومتر، أي أنها تُلبّي ما يريده الأتراك وتدعو الى إنسحاب القوات الكوردستانية الى خارج هذه المنطقة ودون تحديد تاريخ محدد للإنسحاب التركي. هذا يعني أنّ الإتفاقية تُشرّع الإحتلال وتُهجّر مواطني الإقليم من بيوتهم وممتلكاتهم وأراضيهم وقراهم وبلداتهم ومدنهم الواقعة ضمن "المنطقة الآمنة" المقترحة.

كما تبيّن خلال العدوان التركي على إقليم غرب كوردستان، أنّ جميع حكومات العالم تضامنت مع الكوردستانيين ووقفوا ضد الأتراك، حيث فرضت الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات قاسية على تركيا وإمتنعت الكثير من دول الإتحاد الأوروپي عن بيع الأسلحة لتركيا وكانت دول الإتحاد تُمهّد لفرض عقوبات على تركيا. كما أنّ الكونگرس الأمريكي إتخذ موقفاً صارماً ضد الغزو التركي، حيث توحّد أعضاؤه من الحزب الجمهوري والديمقراطي في حالة نادرة ضد قرار الرئيس الأمريكي بالإنسحاب العسكري من إقليم غرب كوردستان ووقفوا ضد العدوان التركي وساندوا بكل قوة شعب كوردستان وكانوا بِصدد فرض عقوبات شديدة على تركيا بأغلبية ساحقة (أغلبية الثُلثَين) و في هذه الحالة لا يحقّ للرئيس الأمريكي إستخدام حق النقض (الڤيتو) ضد قرار الكونگرس وبذلك يصبح القرار نافذ المفعول. هكذا فأن الرأي العام العالمي والكونگرس الأمريكي وحكومات الإتحاد الأوروپي يقف مع شعب كوردستان وضد الأتراك. الرأي العام العالمي يتعاطف مع الكوردستانيين في غرب كوردستان ويساندهم في دفاعهم عن أنفسهم. يجب إستثمار هذه الفرصة التاريخية. لذلك أقترح على القيادة السياسية الكوردستانية في غربي كوردستان أن ترفض الإتفاقية المذكورة وتطالب أن يتمّ تعديلها، على أن تنص على الإنسحاب التركي الكامل من الأراضي الكوردستانية ووضع مراقبين دوليين على الحدود "التركية" مع إقليم غرب كوردستان وتشكيل لجنة أممية لتقصّي الحقائق، فيما يتعلق بالجرائم المقترفة من قِبل تركيا بِحق الكوردستانيين خلال الحرب التي فرضها الأتراك على الكوردستانيين، حيث أنه في حالة إستئناف العدوان التركي، سيفرض العالم عقوبات إقتصادية قاسية على تركيا والتي بها ينهار الإقتصاد التركي. يعتمد الأخذ بإقتراحي بكل تأكيد على الظروف الذاتية للكوردستانيين والتي القيادة الكوردستانية في الإقليم الغربي على دراية بها. بدون أدنى شك، أنّ دولة كوردستان قادمة.

4
القضية الكوردستانية أصبحت قضية عالمية، تفرض حضورها

مهدي كاكه يي

الهجوم التركي الجاري على إقليم غرب كوردستان، يُظهر أنّ القضية الكوردستانية قد تجاوزت حدود كوردستان وحدود منطقة الشرق الأوسط وأصبحت قضية عالمية، تحظى بإهتمام المجتمع الدولي والرأي العام العالمي وإهتمام الرأي العام لشعوب الدول الكبرى وحكوماتها. لأول مرة في التاريخ، تكسر القضية الكوردستانية حدود الدول الكبرى وتصبح من العوامل التي تُقرر مصير حُكّام وأحزاب هذه الدول. هذا التطور  التاريخي للدور الذي يلعبه شعب كوردستان في السياسة العالمية والذي حققه بنضاله وتضحياته والشجاعة الفائقة للمرأة الكوردستانية وللرجُل الكوردستاني في محاربة الإرهاب، حيث عمّت أصداء هذه الشجاعة مختلف بقاع العالم وأصبحت المرأة الكوردستانية رمزاً للنضال والإقدام والبسالة والشجاعة وتحظى بإعجاب وإحترام وتقدير شعوب العالم. 

الآن لِنستعرض مواقف حكومات العالم ومنظماتها من الغزو التركي لإقليم غرب كوردستان لنرى الإهتمام والتأييد العالمي الكبير لشعوب وحكومات العالم لشعب كوردستان ووقوفها ضد الغزو التركي.

في البداية يجب التأكيد بأنّ الرئيس الأمريكي (دونالد ترامپ) أعطى الضوء الأخضر للهجوم التركي على الأراضي الكوردستانية، إلا أنه الآن يتعرض الرئيس ترامپ لضغوطات هائلة من الكونگرس الأمريكي، بأعضائه الجمهوريين والديمقراطيين على السواء ومن مؤيدين مُهمّين له، حيث أعلن النواب الجمهوريون في مجلس النواب الأمريكي أنهم سيطرحون قرار عقوبات على تركيا رداً على هجومها على قوات سوريا الديمقراطية. لقد أصدرتْ النائبة الجمهورية (ليز چيني) بياناً، قالت فيه: (يجب أن يواجه الرئيس (رجب طيب أردوغان) ونظامه عواقب وخيمة بسبب الهجوم بلا رحمة على حلفائنا). كما أنّه صرّح مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأميركية بأنّ الولايات المتحدة ستفرض إجراءاً عقابياً على تركيا إذا تورطت في أي تحركات "غير إنسانية وغير متناسبة" ضد المدنيين خلال توغلها في إقليم غرب كوردستان. الضغوطات الهائلة التي يتعرض لها الرئيس الأمريكي، إضطرته الى تكليفه دبلوماسيّين أميركيّين للتوسّط في وقف لإطلاق النار بين أنقرة والكوردستانيين، ولهذا السبب أيضاً، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنّ هناك ثلاث خيارات أمام واشنطن للتصدّي للغزو التركي وهي التوسّط من أجل التوصل لِإتفاق بين تركيا وإقليم غرب كوردستان، أو توجيه ضربة مالية قوية لِتركيا، أو إرسال آلاف الجنود للمنطقة لِإيقاف الإحتلال التركي.

من جانبٍ آخر، أعلن السيناتور الديمقراطي، (كريس ڤان هولن)، أن أعضاء الكونگرس ينجزون حالياً العمل على مشروع قانون يفرض عقوبات قوية على تركيا، بسبب غزوها الجديد ضد الكورد، وقال السيناتور الأمريكي (ڤان هولن)، في سلسلة تغريدات نشرها بموقع "تويتر"، بعد الهجوم التركي "لا بد من أن تدفع تركيا ثمناً كبيراً لمهاجمة شركائنا الكورد السوريين". تابع هولن "لن يدعم السيناتورات من كلا الجانبَين التخلي عن الجماعة الإقليمية الوحيدة التي تتحمل المسؤولية الأساسية عن تركيع داعش. وأشار (ڤان هولن) إلى أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامپ، "يحب أن يدّعي أنه هزم داعش"، مضيفا "حققت قواتنا بالشراكة مع الكورد السوريين تقدماً عظيماً، لكن ما زال هناك عمل كبير يجب القيام به. داعش يحتفل بخيانة ترامپ". وأكد السيناتور الأمريكي أنه "يجري الآن وضع اللمسات الأخيرة على مشروع قانون العقوبات من الحزبَين". السيناتور الجمهوري (ليندسي گراهام) أعلن أن الكونغرس سيجعل الرئيس التركي (رجب طيب اردوغان) "يدفع غاليا جداً" ثمن هجومه على القوات الكوردية المتحالفة مع بلاده.

من جهةٍ أخرى، في حالة نادرة، وجّهت شخصيات بارزة في حركة الإنجيليين، إنتقادات إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامپ بسبب قراره إعطاء الضوء الأخضر للهجوم التركي على غرب كوردستان، حيث دعا القس والمُبشّر الإنجيلي البارز (فرانكلين گراهام) الذي يعدّ صديقاً للرئيس الأمريكي على حسابه في "تويتر" مؤيديه إلى الصلاة معه من أجل أرواح الذين سيتأثرون بِقرار البيت الأبيض سحب قوات الولايات المتحدة من غرب كوردستان، مشيراً إلى أن القرار الذي إستدعى القلق العميق لدى الحزبَين الديمقراطي والجمهوري على حد سواء، يعني في الواقع التخلي عن الشعب الكوردي. كما أنّه من جانبه، حذّر الداعية والإعلامي الإنجيلي (بات روبرتسون) الذي كان حتى الآونة الأخيرة من أشدّ مؤيدي الرئيس الأمريكي، من أن ترامپ قد يخسر "التفويض من السماء" إذا لم يتدخل لوقف الهجوم التركي في غرب كوردستان، واصفاً الرئيس التركي (رجب طيب أردوغان) بأنه "ديكتاتور وسفّاح." أعرب روبرتسون أيضاً عن إستغرابه البالغ إزاء قرار البيت الأبيض خيانة هذه القوى الديمقراطية في غرب كوردستان، موجّهاً إنتقادات شديدة اللهجة إلى ترامپ بالقول: "الرئيس الذي سمح بتجزئة الصحفي السعودي (جمال خاشقجي) دون أي عقاب يُذكر، سيسمح الآن للأتراك بِذبح المسيحيين والكورد"

من جانبه، ذهب الإعلامي الإنجيلي البارز (إريك إريكسون) إلى أبعد من ذلك، إذ توجّه على حسابه في "تويتر" إلى رئيسة مجلس النواب الديمقراطي (نانسي بيلوسي) بِدعوة تسريع تحقيق العزل الجاري بِحق ترامپ، قائلاً: "ربما لا يزال لدينا وقت لإنقاذ بعض الكورد". تُشكّل هذه الإنتقادات خطراً كبيراً على حملة ترامپ الإنتخابية الثانية التي تُجرى في الولايات المتحدة في العام القادم، حيث أنّ دعم الإنجيليين لِ(ترامپ) كان من بين أهم أسباب الفوز الذي حققه في الإنتخابات الرئاسية السابقة. كل المؤشرات تشير الى أنه لو لم يقُم الرئيس الأمريكي بإيقاف العدوان التركي، فأنه سيخسر كرسي الرئاسة في الإنتخابات الرئاسية الأمريكية التي تُجرى في العام القادم.

أوروپياً، بناءاً على طلب كل من فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا وبلجيكا و پولندا، إنعقد مجلس الأمن الدولي لبحث العدوان التركي، إلا أنّ روسيا أفشلت قيام المجلس بإتخاذ قرارات لِردع العدوان التركي. من جهة أخرى، تقول وزيرة الدولة الفرنسية لشؤون الإتحاد الأوروپي (أميلي دومونشالان)، أنّ قمة الإتحاد الذي سينعقد في الأسبوع القادم، ستناقش فرض عقوبات على تركيا بسبب محاولتها غزو غرب كوردستان. كما أعلنت كلّ من ألمانيا وهولندا والسويد والنرويج وفنلندا، حظر بيع الأسلحة لتركيا نتيجة العدوان التركي على غرب كوردستان.

كما أنّ إسرائيل أدانت الغزو التركي لإقليم غرب كوردستان، حيث قال رئيس الوزراء الإسرائيلي (بنيامين نتنياهو) في تغريدة له بموقع تويتر "تُدين إسرائيل بشدة الإجتياح العسكري التركي للمحافظات الكوردية في سوريا، وتُحذّر من قيام تركيا ووكلائها بتطهير عرقي بِحقّ الكورد"، وأضاف نتنياهو  قائلاً: "ستبذل إسرائيل كل جهد ممكن لتقديم المعونات الإنسانية إلى الشعب الكوردي الباسل".


هذا الإستنكار العالمي الواسع للعدوان التركي والإهتمام الكبير من قِبل الرأي العام العالمي والأوساط السياسية العالمية بِشعب كوردستان، يُؤكّدان أن القضية الكوردستانية أصبحت قضية دولية وأنه مهما كانت نتائج الغزو التركي لِإقليم غرب كوردستان، فأنّ دولة كوردستان قادمة.



5
إنبثقت اللغات الهندو – أوروپية من كوردستان

د. مهدي كاكه يي

قام 13 علماء بإجراء بحثٍ لمعرفة المنطقة التي إنبثقت منها عائلة اللغات الهندوأوروپية. الدول التي تنتمي إليها هؤلاء العلماء وأعدادهم لكل دولة، هي كالآتي: 3 من نيوزيلندا، 1 من بلجيكا، 2 من هولندا، 2 من أستراليا، 4 من الولايات المتحدة الأمريكية، 1 من بريطانيا، والذين يعملون في 13 مراكز بحثية وأقسام علمية متخصصة في المجالات التالية: علم الكومپيوتر، علم الأحياء الدقيقة والمناعة، علم اللغات النفسية، الدماغ (علم المعرفة الدماغية والسلوك)، علم النفس، الثقافة والتاريخ واللغة و العلوم المتعلقة بِآسيا والمحيط الهادئ، علوم المعلومات الصحية والمعلومات الحياتية، البيئة الجزيئية والتطور، الفلسفة، علم الرياضيات البايولوجية، علم الإحصاء البايولوجي، علم الوراثة البشرية، علم الإنسان الإدراكي والتطوري.

إشتركت في هذا البحث المراكز العلمية والجامعات التالية: جامعة أوكلاند النيوزيلندية، مركز ريگا البلجيكي، مركز ماكس پلانك للغات النفسية الهولندي، جامعة رادبود الهولندية، الجامعة الوطنية الأسترالية، كلية الطب – جامعة نيويورك الأمريكية، جامعة كاليفورنيا الأمريكية، جامعة أوكسفورد البريطانية. تمّ نشر البحث في المجلة العلمية الأمريكية (Science)[1]. هذه المجلة هي أشهر مجلة علمية عالمية الى جانب مجلة (Nature) البريطانية اللتين تنشران الأبحاث الأصيلة فقط أي يقتصر النشر فيهما على الإكتشافات والإختراعات فقط.

في هذا البحث، قام العلماء بأخذ فرضيتَين متنافستَين كمصدر للعائلة اللغوية الهندو-أوروپية. وجهة النظر التقليدية، تضع موطن هذه اللغات في سهوب پونتيك (جمهورية أوكرانيا الحالية) قبل حوالي 6000 عام. تدّعي فرضية بديلة، أن اللغات الهندو-أوروپية إنتشرت من منطقة الأناضول (شمال كوردستان) مع التوسع في الزراعة خلال 8000 إلى 9500 سنة مضت.

إستخدم الباحثون العلميون في بحثهم منهج دراسة العمليات التاريخية التي قد تكون مسؤولة عن التوزيعات الجغرافية المعاصرة للأفراد. تمّ إجراء هذا البحث من خلال النظر في التوزيع الجغرافي للأفراد على ضوء علم الوراثة، وخاصة علم الوراثة السكانية، جنباً إلى جنب مع بيانات المفردات الأساسية لِ(103) لغات هندو- أوروپية قديمة ومعاصرة، لِعمل نموذج واضح لإنتشار هذه العائلة اللغوية وإختبار الفرضيتَين المذكورتَين.

وجد الباحثون دعماً حاسِماً لأصل منطقة الأناضول على أصل السهوب. يتطابق كل من التوقيت المُستنتج والموقع الجذري لأشجار اللغات الهندو-أوروپية مع التوسع الزراعي من الأناضول الذي بدأ بين سنة 6000 و سنة 7500 قبل الميلاد. تُسلّط هذه النتائج الضوء على الدور الحاسِم الذي يمكن أن يلعبه إستنتاج الدراسة الجغرافية لتوزيع الأفراد وراثياً في حل الجدال الدائر حول عصور ما قبل التاريخ البشري.

كما أنّ إكتشافات عالِم الآثار الأمريكي الپروفيسور (روبرت جون بريدوود Robert John Braidwood) تتوافق مع نتائج البحث الذي أجراه هؤلاء العلماء، حيث يذكر (بريدوود) بأن الإنتقال من حياة الصيد الى حياة الزراعة حدث في شمال كوردستان في حوالي سنة 6000 - 10000 قبل الميلاد. يضيف بأن الشعب الكوردي كان من أوائل الشعوب التي طوّرت الزراعة والصناعة ومن أوائل الشعوب التي تركت الكهوف لتعيش في منازل بها أدوات منزلية متطورة للإستعمال اليومي وأن الزراعة وتطوير المحاصيل الزراعية قد وجدتا في كوردستان منذ (12) ألف سنة، إنتشرت منها إلى ميزوپوتاميا السفلى، ثم إلى غرب الأناضول ثم إلى الهضبة الإيرانية ثم وصلت منذ ثمانية آلاف سنة إلى شمال أفريقيا ثم أوروبا و الهند. مع إنتشار الزراعة، إنتشرت عائلة اللغات الهندو-أوروپية الى الشعوب التي تتكلم بها اليوم، كما توصّل إليه هؤلاء الباحثون العلميون. يستطرد هذا العالِم الأمريكي بأن الكثير من المحاصيل الزراعية التي نعرفها الآن، كالقمح والذرة والشعير قد إنطلقت من كوردستان. حول الصناعة، يؤكد الپروفيسور المذكور بأن الموقع الآثاري "چيانو" الواقع في شمال كوردستان يمكن أن يُطلق عليه إسم أقدم مدينة صناعية في العالم، حيث يُستخرَج منه النحاس إلى يومنا هذا، كما عُثر فيه على صلصال دُوّن عليه التبادل التجاري. في موقع "چيانو"، عثر عالِم الآثار (روبرت جون بريدوود) وفريقه التنقيبي أيضاً على أقدم قطعة قماش في العالَم والتي تمّت حياكتها في حوالي عام 7000 قبل الميلاد.

نتائج البحث تُفسّر كون أكثر من 50% من الكلمات الإنگليزية مأخوذة من لغة أسلاف الكورد السومريين، الذي أشار إليه العالِم اللغوي البريطاني (Wadell) قبل نشر هذا البحث بِعشرات السنين[2].

بالنسبة الى منطقة الأناضول، أقدم إشارة معروفة لها تمّت بإسم "بلاد الهيتيين" الذين هم أسلاف الكورد، على ألواح مسمارية تعود لِبلاد ما بين النهرين خلال فترة المملكة البابلية (2350 - 2150 قبل الميلاد). أول إسم مُسجّل إستخدمه اليونانيون لِشبه جزيرة الأناضول هو Ἀσία (Asía) ،[3] الذي قد يكون مقتبساً من إسم الكونفيدرالية التي تكوّنت من 22 دولة قديمة في غرب الأناضول والتي كانت بإسم (آسوا Assuwa) قبل سنة 1400 قبل الميلاد.

هذا الإكتشاف هو ثورة كبرى في التاريخ الكوردي ويُظهِر عراقة الشعب الكوردي والدور المحوري الذي لعبه أسلافه في لغات وثقافات شعوب العالَم وكونهم الروّاد الأوائل في إبتكار الزراعة والصناعة وتدجين الحيوانات والكتابة وإنشاء المدنية.

المصادر

1. SCIENCE, VOL 337, 24 AUGUST 2012. pp. 957 – 960.

2. Wadell, L. Austin. Sumer – Aryan Dictionary, London, 1927.

3. Henry George Liddell, Robert Scott, Ἀσία, A Greek-English Lexicon, on Perseus.


6
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم (65) – الآشوريون

مقاومة أسلاف الكورد السوباريين للغزو الأجنبي

د. مهدي كاكه يي

ذكرنا في الحلقة السابقة بأنّ الأمّوريين والبابليين قاموا بِغزو بلاد سوبارتو. يجب أن نقوم بالتمييز بين الأمّوريين الساميين الذي قاموا بِغزو بلاد سوبارتو وبين البابليين الذين كانوا من أصول زاگروسية (گوتيين، ميديين، كاشيين)، هاجروا الى جنوب ميزوپوتاميا قبل آلاف السنين من هجرة الساميين الى المنطقة. بِقدوم بعض البابليين من جنوب ميزوپوتاميا الى شمالها (بلاد سوبارتو)، يكونون قد عادوا الى موطنهم الأصلي وبذلك لم يكونوا أقواماً غازية لِبلاد سوبارتو وهذا ما نقوم بِتوضيحه في أولى الفقرتَين من هذه الحلقة. لذلك في سياق حديثنا، نُطلِق كلمة (الغُزاة) على الآشورريين الأمّوريين، بينما الأقوام الزاگروسية، من ضمنها البابليون، كانوا السكّان الأصليين لِشمال ميزوپوتاميا ("بلاد سوبارتو" التي هي جنوب كوردستان الحالية). 

يذكر عالِم السومريات (صمويل كريمر) بأن العصر الذي سبق العهد السومري بدأ على هيئة حضارة قروية زراعية أدخلها "الإيرانيون" من الشرق (أسلاف الكورد الزاگروسيين) الى جنوب العراق الحالي1. هذا القول يؤكده المؤرخ الپروفيسور (سپايزر Speisere) في صفحة 99 من كتابه المعنون "شعوب ما بين النهرين"، حيث يقول بأن العناصر الگوتية (أسلاف الكورد) كانت موجودة في جنوب العراق قبل تأسيس سومر وأسسوا بلاد سومر فيما بعد وشكّلوا الحكومات فيهاa.

عاش المؤرخ (بيروسوس Berosus) في القرن الثالث قبل الميلاد وكان كلدانياً ورجل دين بابلي و مطّلعاً على الوثائق البابلية. يذكر هذا المؤرخ البابلي بأن الميديين كانوا يحكمون بابل منذ بداية الحُكم البابلي وأنّ مِن بين 86 ملِكاً بابلياً، كان 84 منهم من الميديين و 2 منهم فقط كانوا من الكلدانيين وهذا حصل قبل أكثر من 3000 سنة قبل الميلادb، c. يستطرد المؤرخ (بيروسوس) قائلاً بأن المجموعة الثانية من حُكّام بابل كان جميعهم من الميديين و تألّفت من 8 ملوك، حكموا بابل لمدة 224 سنة. هذا الكلام يُثبتُ بأن الميديين إنتقلوا من سلسلة جبال زاگروس الى جنوب ميزوپوتاميا وحكموا بابل قبل مجئ الساميين اليها بِآلاف السنين. كما أن (بيروسوس) قام بنقل المعلومات عن أصل البابليين الى اليونانيينd، حيث أنه كان يجيد اللغة اليونانية وهذا يؤكد على أن كتابات (بيروسوس) كانت مُعتمِدة على وثائق بابلية موثوقة. 

كما نرى فأن الپروفيسور (سپايزر) يطلق إسم (الگوتيين) على الشعب الذي عاش في بلاد بابل منذ أقدم العصور وحكموها، بينما المؤرخ الكلداني البابلي (بيروسوس) يطلق عليهم إسم (الميديين). هذا يؤكّد بأن الگوتيين والميديين كانوا شعباً واحداً ومن المرجح جداً أن الميديين كانوا إحدى القبائل الگوتية.
 
عند غزو الأمّوريين لِبلاد سوبارتو، قام السوباريون بِمقاومة الغزاة. بعد فقدان السوباريين لِحُكم سوبارتو (شمال ميزوپوتاميا) وسيطرة الأمّوريين على حُكمها وإنشائهم لِمملكة آشور، كان السوباريون يستغلّون فترات ضُعف الحكومات الآشورية الأمّورية ويشنّون الهجمات عليها في محاولةٍ منهم لِتحرير بلادهم من الغزاة الأجانب والقيام بِحُكم بلادهم بأنفسهم، إلا أنّ إنتفاضاتهم وثوراتهم كانت تُجابَه بِحملاتٍ عسكرية من قِبل المُحتلّين الأمّوريين. الحُكّام الأمّوريون كانوا مُحتلّين لِبلاد سوبارتو وفرضوا سلطتهم بالقوة على أسلاف الكورد الخوريين – الميتانيين.

في سجلاته، يتحدث الملِك الآشوري (أدد نيراري الأول) (1310 – 1281 قبل الميلاد) عن إنتصاراته على عساكر كاششو و گوتي و لولومي وسوبارو2. من هذا السجل يتبين أن الأقوام الزاگروسية كانت قد تجمعتْ لِمقاومة العاهل الآشوري بقيادة الگوتيين الذين ذكرتهم الألواح السومرية والأكدية قبل ألف سنة من هذا التأريخ ولعبوا دوراً هاماً أيضاً في العصر الآشوري منذ أن كان والد (أدد نيراري) المدعو (أريكدينيلو) حاكِماً على التلول والبلاد الجبلية لشعب (گوتي Qûtî).

يذكر الملك الآشوري (توكولتي نِينورتا الأول Tukulti-Ninurta I) (1233 – 1197 قبل الميلاد) أنّ السُوباريين تمرّدوا على أبيه الملِك (شلمانسر الأولI  Shalmaneser) ( 1273 – 1244 قبل الميلاد) في (خانيگالبات) وامتنعوا عن دفع الجِزية له3. واصلَ شلمانسر الأول إعتداءاته على بلاد (أوروئاتري) و (خانيگالبات) في شمال كوردستان. عند حديثه عن الگوتيين، يقول بأنّ "الگوتيين الذين يُعدّون كنجوم السماء وضليعون في القتال، إنفصلوا وتمرّدوا عليّ  وأقاموا معي عداوة" f ,eويُشير الى أنه إنتصر عليهم في المقاطعات الواقعة بين (أوروئاتري) و (كوتموخي) وسالت دماء الگوتيين على الجِبال كمياه الأنهار، حسب زعمه. حسب رأي المؤرخ (سپايزر) فأنّ هذا النص يُشير الى قوة الگوتيين وكثرة عددهم أيام الحكم الآشوري، إضافةً الى البلاد الواسعة التي كانوا يستوطنون فيها، بدءاً من سلاسل جبل (طور عابدين) حتى بحيرة (وان) في شمال وشمال غرب آشور. من الجدير بالذكر هو أنّ (خانيگالبات) تقع في غرب جزيرة بوتان وكان الآشوريون يطلقون هذا الإسم على مملكة ميتاني بعد إنكماشها، بينما كان الآراميون يُسمّونها (طور عابدين).

قام الملِك الآشوري (تيغلات پلاسر الأول Tiglathpilesser) (1114–1076 قبل الميلاد) (ويُسمّى أيضاً "توكولتي أپل إيشارا Tukulti-Apil-Ešarra") بِمحاصرة مدينة شهريس السوبارية ولقي من السوباريين مقاومة شرسة4.

خلال مرحلة آخر ملِك آشوري تابِع للإمبراطورية الميتانية وهو (آشور أوبلط الأول) (1366 – 1330 قبل الميلاد)، إجتاح الملِك الحثي شوبيلوليوما (1385 – 1345 قبل الميلاد) مع قواته من جهة ملاطية، الأراضي الميتانية وتمّ قتل الإمبراطور الميتاني (توشراثا) حمو الفرعون (أخناتون) في قصره بالعاصمة (واشوكاني) نتيجة مؤامرة دبّرها (أرتاداما الثاني) الموالي للحثيين. إستطاع (ماتيوازه) إبن (توشراثا) وبمساعدة  شوبيلوليوما من إستعادة العرش من (شوتتارنا) المُغتصِب للعرش، إلا أن هذه الحادثة ساعدت (آشور أوبلط) في السيطرة على مدينة آشور وإقتطاعها من المملكة الميتانية، دون ان يدخل في حربٍ مع الحثيين5. بعد أن تزوّج (آشور أوبلط الأول) إبنة الملك البابلي الكاشي (بورنابورياش)، عقد حلفاً مع مملكة بابل وإمتنع عن دفع الجزية لأسياده الميتانيين، كما كان يفعل أجداده. بعد ذلك تمكن (أدد نيراري الأول) (1307 – 1275 قبل الميلاد) من الإستيلاء على قسم من المقاطعات الميتانية في منطقة الجزيرة (خانيگالبات) وضمها الى دويلة آشور. قام الآشوريون بِقيادة شلمنصر الأول (1266 – 1243 قبل الميلاد) بإحتلال الأراضي الميتانية الواقعة في الجهة الشرقية من نهر الفرات. إستمر إبنه (توكولتي نينورتا) (1243 – 1221 قبل الميلاد) على نهج والده، حيث قام بالإستيلاء على البلاد التي كانت تحيط بالمملكة الآشورية. حافظت مملكة (خانيگالبات) الميتانية على إستقلالها الى أن إستطاع (أدد نيراري الثاني) (911 – 899 قبل الميلاد) أن يغزوها وبذلك إنتهى التأريخ السياسي الميتاني6.

المصادر
1. صمويل كريمر (1970). من ألواح سومر، ترجمة طه باقر، مكتبة المثنى، بغداد ومؤسسة الخانجي بالقاهرة، صفحة 356.

2. الدكتور جمال رشيد احمد. ظهور الكورد في التأريخ – دراسة شاملة عن خلفية الأمة الكوردية ومهدها. الجزء الثاني، الطبعة الثانية، 2005، صفحة 28.

3. جرنوت فلهلم: الحوريون تأريخهم وحضارتهم، ترجمة فاروق إسماعيل، دار جدل، حلب، الطبعة الأولى، عام 2000 م، صفحة 82.

4. أحمد تاج الدين. الأكراد تاريخ شعب وقضية وطن. الطبعة الأولى، الدار الثقافية للنشر، القاهرة، 2001، صفحة 20.

5. الدكتور جمال رشيد احمد. ظهور الكورد في التأريخ – دراسة شاملة عن خلفية الأمة الكوردية ومهدها. الجزء الثالث، صفحة 194.

6. المصدر السابق، صفحة 196.

a. Speisere, Ephraim A. (1930). Mesopotamian Origins. The basic population of the Near East. Philadelphia, USA.

b. Lewis, B., Cornewall, George (1982). An historical survey of the astronomy of the ancients. Parker & Bourn, London, page 403.

c. Niebuhr, Barthold George (1852). The Life and Letters of Barthold George Niebuhr Vol. 3; With Essays on His Character and Influence. Chapman and Hall, London, page 241.

d. Breasted, James Henry (1916). Ancient Times — A History of the Early World. Boston, The Athenæum Press.

e. Veider, E. F. AOBI n. 9. P. 113.

f. Speisere, E. A. Mesop. Orig. P. 111.   



7
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم (53) – الآشوريون

اللغة والثقافة الآشورية

د. مهدي كاكه يي



الى ما قبل الألف الخامس قبل الميلاد، كانت المياه تُغطّي جنوب ميزوپوتاميا ولذلك كانت المنطقة غير مسكونة، بينما ِشمال ميزوپوتاميا (إقليم جنوب كوردستان الحالي) كان مأهولاً بالسكان بسبب إرتفاعه عن سطح البحر، حيث كان أسلاف الكورد الزاگروسيون يعيشون في هذه المنطقة على شكل جماعات، يسكنون الكهوف ويعتمدون في معيشتهم على الصيد وجمع الغذاء. مع تطور أدوات العمل، بدأوا بممارسة الزراعة وتأهيل الحيوان وتربية المواشي، الى جانب الصيد وقاموا ببناء القرى وإرتقت الثقافة فيه1. هذا يُشير الى أنّ الحضارة نشأت في كوردستان وفيما بعد، نقل السومريون حضارتهم معهم الى جنوب ميزوپوتاميا عند هجرتهم من كوردستان الى هناك بعد زوال المياه على سطحه وبروز اليابسة فيه.

في الحلقات السابقة، تمّ الحديث عن أنّه فـي أواخـر الألـف الثالث قبل الميلاد، هاجـرت أقوام آرامية من جنوب بلاد ما بين النهرَين الـى بلاد سوبارتو (جنوب كوردستان الحالي). بعد مرور حوالي 1000 سنة على تأسيس الدولة الآشورية من قِبل (شمشي أَدد الأول Shamshi- Adad 1) (1813 – 1781 قبل الميلاد)، أي في نهاية القرن العاشر قبل الميلاد، كانت الأراضي التابعة للدولة الآشورية عبارة عن شريط ضيّق لا يتجاوز طوله 1600 كيلومتر، ولا يزيد عرضه عن 800 كيلومتر والى ذلك الوقت كانت القبائل الآرامية لا تزال تعيش في الخيام التي نصبتها في الممرّات الضيّقة في آشورa.

هكذا مرّ الآشوريون بِمرحلة مضطربة تقارب ألف سنة قبل تأسيسهم لدولتهم المستقلة. في البداية قاموا بإنشاء دويلات – مدن، يحكمها أمراء محليون2. كانت بلاد آشور حتى حوالي سنة 1100 قبل الميلاد، مؤلفة من عدة دويلات ضعيفة يتحكم بها أسلاف الكورد الزاگروسيين، حيث حكمَ أسلاف الكورد الزاگروسيون بلاد آشور لفترة طويلة من الزمن. الملك الآشوري (إشمي) الذي إستلم الحكم بعد الملك (شمشي أدد) الذي حكم من عام 1814 الى عام 1782 قبل الميلاد، إستطاع الإستمرار في حكم بلاد آشور، إلا أنه لم يستطع بسط نفوذه على شمال ميزوپوتاميا، حيث ظهرت في هذه المنطقة عدة سُلالات حاكمة من الخوريين، مثل أتَل شني3.

في الفترة الأخيرة للحُكم الآشوري تسلّم الساميون السلطة الذين كانوا يحملون ثقافة صحراوية قاسية، مبنية على الغزو والعنف ولذلك فرضوا طبيعة حربية في مملكة آشور والتي إنعكست على عقائد الآشوريين وعباداتهم الدينية وبدأت خلالها مرحلة الغزوات والحروب والتوسّع. كانت الصفة الحربية تغلب على آلهتهم، والتي تجسدت في كبير آلهتهم، الإله (آشور)، الذي كان إله الحرب، حيث يتجسد في صورة مُحاربٍ قاسي الملامح، يحمل عدّة حربية. وفي المرتبة الثانية تأتي زوجة (آشور) الإلهة (عشتار) في المنزلة الثانية، حيث أنّ صورتها ذات سمةٍ حربية، حاملةً السيف والقوس وواضعةً على كتفِها سهام مُعدّة للقتال. على سبيل المثال، خلال حُكم الملك الآشوري (آشور باليت الأول Assur ballet I) (1363 – 1328 قبل الميلاد) الذي كان ينتمي الى السلالة الأمورية، حصل تغيّر راديكالي في نظام الحُكم الآشوري، حيث تحوّلت آشور من دولة - مدينة تجارية مسالمة إلى عاصمة مملكة تمّ تأسيسها بإسم (مملكة آشور)، حيث تمّت عملية صهر سكّان أسلاف الكورد الأُصلاء، السومريين والسوباريين والگُوتيين والخوريين مع الأموريين. في هذا العهد بدأ إستخدام اللغة والكتابة الأكادية/البابلية، ومع ذلك فأنّ الأموريين تأثروا بحضارة السوباريين من لُغة ودين وعبادة الآلهة وإقتبسوا منهم الطقوس الدينية وأسماء بعض المواقع4. كما أنّ الثقافة الآشورية المبكرة ورثت الثقافة السوبارية وخلّفتها. إسم الإلهة (عشتار "إيشتار") مُقتبَسٌ من إسم الإلهة السومرية – الگوتية (إينان). يذكر المؤرخ الروسي (صلوات گولياموف) أنه من الممكن جداً أن يرجع إسم الإلهة (إيشتار) الى الكلمة الهندو – الآرية (إيش – تار)، حيث أن كلمة (إيش) تعني (إله) وكلمة (تار) تعني (نجمة) وبذلك (إيشتار) تعني (إلهة النجوم)5. (إلهة النجوم) هي "كوكب الزهرة" وعند الرومان هي إلهة الحب والجمال "ڤينوس". لا تزال كلمة (إيشتار) حيّة في اللغة الكوردية، حيث أنها تحوّرت الى (أستير) والتي تعني (نجمة).

كما أنهّ بِحلول منتصف القرن الخامس عشر قبل الميلاد، أصبحت مملكة آشور تابعة للميتانيين و جزءاً من الإمبراطورية الميتانية لحوالي 140 عاماً (1500 – 1360 قبل الميلاد)، حيث قام الملك الميتاني (ساوشتّار Saushshattar) إبن (پارساشتّار Parsashatar) بإخضاع الآشوريين لِحُكمه6. خلال فترة خضوع آشور لِلحُكم الميتاني، سمِح الميتانيون أن تحتفظ آشور بنظامها الملكي خلال فترة تبعيتها للإمبراطورية الميتانية7، إلا أنّ الملوك الآشوريين كانوا ملوكاً بالإسم فقط، حيث أنهم كانوا أتباعاً للملوك الميتانيين. خلال فترة الحُكم الميتاني لِآشور، كان الملوك الآشوريون، آشور رابي وآشور نيراري الثالث وآشور بيلنيشيشو وآشور ريمنيشوشو، يحكمون آشور8.

في المنطقة الصغيرة نسبياً التي عاش فيها السومريون والسوباريون والخوريون الزاگروسيون والمهاجرون الأموريون والكلدانيون مع البعض لفترة طويلة جداً، إمتدت لأكثر من أربعة آلاف سنة وخلالها إنصهر الأَموريون الساميون في أسلاف الكورد الزاگروسيين الذين هم السكان الأصليون لِكوردستان، نتيجة الإختلاط والتزاوج، حيث على سبيل المثال، يذكر عالِم الآشوريات البريطاني الپروفيسور (هاري ساغزHarry Saggs) أنّ أحد أحفاد (شمشي أَداد) تزوّج سيّدةً أو أميرةً من إحدى القبائل القوية والتي اسمها يدلّ على أنها كانت فتاةً خوريةً9. كما أنّ الملك الآشوري (آشور أوبلاط الأول) أقدم على الزواج من إبنة الملك الكاشي الذي كان يفرض نفوذه على بابل10.

هذا الإنصهار الإثني للمجموعات العِرقية، خلقت لغةً وثقافةً موحّدة وديناً مشتركاً، كما مرّ في الحلقات السابقة من هذه السلسلة من المقالات، حيث أنّ الآشوريين تبنّوا الإله السوباري (آسور) كإلهٍ خاصٍ لهم و إستمدوا إسمهم وإسم دولتهم (آشور) من إسم هذا الإله السوباري.

يذكر الپروفيسور جمال رشيد أحمد أن اللغة التي دوّنت بها لوحات الملوك الأشورية، مكتوبة باللغة الميتانية التي هي لغة كوردية قديمة. يستطرد الپروفيسور جمال رشيد أحمد في حديثه قائلاً أنّ أغلب مفردات اللغة الميتانية التي كُتبت بها لوحات ملوك الآشوريين تُستعمل الآن في اللغة الكوردية الحالية وعلى نطاق واسع11. كما أنه من الجدير بالذكر أن الكورد هم أصحاب التراث اللغوي والتأريخي لسكان هذه المنطقة. كتابة لوحات ملوك الآشوريين باللغة الميتانية تُثبت حقيقتَين أساسيتَين، هما أن اللغة الميتانية كانت لغة الملوك الآشوريين و أن أسلاف الكورد كانوا يهيمنون على الحُكم الآشوري، وخاصة في الفترات المبكرة للدولة الآشورية، قبل هيمنة الأموريين على الحُكم التي حصلت في الفترات المتأخرة من عُمر الدولة الآشورية وهذا ما سيتم الحديث عنه بالتفصيل في حلقة مستقلة قادمة.

هكذا إستوعبت اللغة الآشورية كلماتها من لغات الأقوام الزاگروسية، وخاصة السوبارية والسومرية والكاشية والخورية بالإضافة الى اللغة الأكادية، حيث أنّ اللغة الآشورية هي خليط من اللغات الزاگروسية والسامية، تحوي الكثير من مفردات اللغات الكاشية والسومرية والخورية والأكادية.

كانت الكتابة المسمارية هي كتابة الآشوريين التي كانت تُكتب علي ألواح الطين، وكانت علومهم مرتبطة بالزراعة ونظام العد الحسابي السومري الذي عُرف بنظام الستينات. كانوا يعرفون كذلك أن الدائرة 60 درجة، كما أنهم عرفوا الكسور والمربع والمكعب والجذر التربيعي، وتقدموا في الفلك وتمكنوا من حساب محيط خمسة كواكب، وكان لهم تقويمهم القمري. قاموا بِتقسيم السنة الى أشهر والشهر الى أيام، وكان اليوم عندهم يساوي 12 ساعة والساعة تساوي 30 دقيقة.
 
يذكر الدكتور بهنام ابو الصوف أنّ مَن كان يتكلم ويتعامل باللغة الاشورية، لغة الحاكمين في الإمبراطورية الاشورية و في كل بلاد الرافدين وأطرافها الشمالية والجبال وشمالي سوريا، قد إنقرضوا تماماً في مطلع القرنَين الخامس والرابع قبل الميلاد وما بعدهما حتى مجئ المسيحية الى هذه البلاد بعد إنتشارها في بلاد الشام أولاً.  يستطرد الدكتور ابو الصوف في حديثه قائلاً بأنّه في القرن الأول الميلادي، كانت اللغتان السائدتان هما الآرامية في بلاد الشام مع اليونانية (لغة المنتصرين في اليونان - بعد الاسكندر المكدوني) و اللغة الپهلوية في شرقي بلاد ما بين النهرَين وبلاد إيران الحاليةb.

ملاحظة: الرابط هو ڤيديو يحتوي على أنشودة خورية ألّفها أسلاف الكورد الخوريين قبل أكثر من 3400 سنة. أأمل أن تستمتعون بها خلال إستماعكم لها.


http://static.alarab.net/MMS_Files/MP3/mp3_files//M/Malek%20Jandali/Echoes%20From%20Ugarit/Alarab_Malek%20Jandali%20-%20Echoes%20From%20Ugarit.mp3


المصادر

1. برهان الدين دلّو. حضارة مصر والعراق. الطبعة الثانية، 2014، صفحة 237.

2. الدكتور فرج بصمه جي. دليل المتحف العراقي. مطبعة الحكومة، 1960، صفحة 31.

3. جرنوت فلهلم. الحوريون تأريخهم وحضارتهم. ترجمة فاروق إسماعيل، دار جدل، حلب، الطبعة الأولى، عام 2000 م، صفحة 44.

4. طه باقر. مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة. الجزء الأول، بغداد، 1973، صفحة 77.

5. صلوات گولياموف. آريا القديمة وكوردستان الأبدية (الكرد من أقدم الشعوب). ترجمة د. اسماعيل حصاف، متابعة وتدقيق مارگريت حصاف، مطبعة رۆژهەڵات ،هەولێر، الطبعة الأولى، 2011، صفحة 64.

6. جرنوت فلهلم. الحوريون - تأريخهم وحضارتهم. ترجمة فاروق إسماعيل، دار جدل، حلب، الطبعة الأولى، عام 2000 م، صفحة 62.

7. المصدر السابق، صفحة 35.

8. الدكتور جمال رشيد احمد. ظهور الكورد في التأريخ. الجزء الثاني. دار ئاراس للطباعة والنشر. اربيل 2003، صفحة 251.


9. هاري ساغز. عظمة آشور. ترجمة وتحقيق خالد اسعد عيسى وأحمد غسان سبانو، 2011.

10. الدكتور عبد الحميد زايد. الشرق الخالد (مقدمة في تاريخ وحضارات الشرق الأدنى من أقدم العصور حتى عام 323 ق.م)، دار النهضة العربية، القاهرة، 1967.

11. الدكتور جمال رشيد أحمد. دراسة لغوية حول تأريخ بلاد الكورد، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1980، صفحة 99.
 

المراجع

a. Georges Roux. Ancient Iraq. Penguin books, third edition, 1992, page 282.

b. http://saotaliassar.org/01012013/BahnamAbuAlSuuf01.htm



8
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم (55) – الآشوريون

تأسيس مملكة آشور

د. مهدي كاكه يي

قبل التحدث عن الموضوع الذي نحن بِصدده، أود أن أوضّح بأنّ غالبية الشعب الآشوري القديم كانت تتألف من السكان الزاگروسيين الأصليين من سومريين وسوباريين (خوريين - ميتانيين، كاشيين، لولويين) وميديين، بينما كانت الأقوام السامية الغازية لِشمال ميزوپوتاميا (جنوب كوردستان الحالية) تُشكّل أقلية سُكّانية آشورية، حيث يذكر الدكتور إبراهيم الفنّي بِأن أسلاف الكورد الخوريين هم الذين أعطوا الآشوريين تلك الملامح التي كانت تميّزهم عن الساميين1. هذا يؤكد ذوبان العناصر الآشورية السامية في الأقوام الزاگروسية. بعد تأسيس مملكة آشور، تمّ إطلاق إسم (الآشوريين) على الأقوام الزاگروسية من سكّان بلاد سوبارتو (جنوب كوردستان الحالية) وكذلك على الأقوام الأمّورية الغازية التي إستقرت هناك. في عهد الملك الآشوري (آشور باليت الأول Assur ballet I) (سنة 1363 – 1328 قبل الميلاد)، وخلال حُكمه تحوّلت (آشور) من دولة - مدينة إلى عاصمة مملكة سُمّيت (مملكة آشور). كما كان قسم من الحُكّام الآشوريين، زاگروسيين، وخاصة الملوك الأوائل والقسم الباقي كانوا أمّوريين. كما نرى أن إسم هذه الدولة الجديدة وإسم شعبها (آشور) مُقتبسان من إسم الإله السوباري (آسور) الذي كان يلفظه البابليون (آشور) ولذلك تحوّل الإسم من (آسور) الى (آشور).
 
هاجر الأمّوريون والبابليون الى بلاد سوبارتو في حوالي سنة 2000 قبل الميلاد، حيث عاشوا تحت الحكم السوبارتي. يذكر (هاري ساغز) أن سرجون الأول الأكادي (حكم بين سنة 2350 – 2294 ق.م) هاجم منطقة سوبارتو2.

الأقوام البابلية المهاجرة من جنوب ميزوپوتاميا والأقوام الأمّورية القادمة من الصحراء السورية الحالية، بعد إستقرارها في بلاد سوبارتو، تأثرت بحضارة السوباريين من لغة ودين وعبادة الآلهة وإقتبست منهم الطقوس الدينية وأسماء بعض المواقع3. بلاد آشور حتى حوالي سنة 1100 قبل الميلاد، كانت مؤلفة من عدة دويلات ضعيفة يتحكم بها أسلاف الكورد الزاگروسيين، حيث حكم الميتانيون بلاد آشور لفترة طويلة من الزمن4.

هاجر البابليون من بابل الى شمال ميزوپوتاميا بقيادة (شمشي أَدَد الأوّل Shamshi- Adad 1) (سنة 1813 – 1781 ق.م) وإبنه (إشْمي داگان Ishmi Dagan) (سنة 1780 – 1741 قبل الميلاد) وغزوا بلاد سوبارتو، وأسّسوا سُلالة حُكم هناك. في هذا المقال نواصل الحديث عن تأسيس مملكة آشور التي ستتألف سكانها من الأقوام الزاگروسية التي كانت السكان الأصليين لِجنوب كوردستان الحالية والأقوام البابلية والأمّورية التي هاجرت الى شمال ميزوپوتاميا (جنوب كوردستان الحالية) والتي إستقرّت بين شرق وشمال نهر دجلة والزابَين وعلى جانبَي خط عرض 37 تقريباً. هذه الأقوام الزاگروسية و البابلية والأمّورية ستتم تسميتها فيما بعد بالآشوريين.

عند إستقرار الأقوام البابلية والأمّورية الغازية في شمال ميزوپوتاميا، تَمَكَّنت مِن الإستحواذ على منطقةٍ مُحاذية لشمال المملكة البابلية وإستولت على مدينة ( ايكالاتIkalat ) المبنية فوقَ قلعةٍ على الساحل الشرقي لنهر دجلة واتخذتها مَقراً لحُكمها. بعد ثلاثة أعوام مِن استقرارها، في عام 1813 قبل الميلاد، إحتلت قوات (شمشي أَدَد الأوّل) مدينة آشور، الواقعة على الساحل الغربي لنهر دجلة ونصّب نفسه ملِكاً على مدينة آشور بإسم ( شمشي أدد الأول).

كانت مدينة آشور تتمتع بِموقعٍ إستراتيجي هام بسبب سيطرتها على مرور السفن والطوَّافات المارّة في نهر دجلة وهي في طريقها الى مدن سومر وأكد، ولذلك كانت تُشكّل مرفأً تجارياً تربط بين الشرق والغرب حسبما  يُشير لوحٌ مكتوبةٌ عليه بنود مُعاهدة عُثِرَت عليها  في تل مرديخ (إبلا). 
 
بعد أن أتَمِّ شمشي أدد سيطرته على اقليم آشور، أعلن نفسَه ملكاً على آشور باسم ( شمشي أدَد الأول Shamshi-Adad the First) (1813 - 1781 قبل الميلاد)  وبعد إستتباب أمره، عزم على القيام بتوسيع رقعة مملكتِه الفتية، فقادَ جيشَه  نحو مدينة (ماري) واحتلَّها، فأصبحت مملكتُه تشمُل (آشور) و(ايكالات) على نهر دجلة و(ماري) على نهر الفرات. نصّب (شمشي أدَد الأول) إبنه ( يَسمَج أدو Yasmah-Addu ) حاكماً على مدينة (ماري) و وإبنه الثاني (إشمي داگان Ishmi-Dagan) حاكماً على مدينة (ايكالات) و الذي خلفه على عرش آشور سنة 1780 قبل الميلاد. بعد مرور ثلاث سنواتٍ على احتلاله لمدينة آشور، قام الملك (شمشي أدَد الأول) بإحتلال ثلاث أقاليم في شرق دجلة وهي إقليم (نينوى Nineveh )  وإقليم ( أرابخا Arrapkha) (كركوك الحالية)  وإقليم (أربل Arbil-) (أربيل الحالية).   

يذكر الدكتور فتوحي بأنّه بعد إستقرار (شمشي أدد الأّول) في شمال ميزوپوتاميا، قام بِنقل مقر الدويلة التي أسسها، إلى مدينة (إيكالات Ikallate) للإبتعاد عن السورباريين الذين كانوا يُشكّلون الأغلبية السُكّانية في مدينة آشور5. إنتقل (شمشي أدد الأّول) فيما بعد الى مدينة نِينوى التي قام بِتعميرها وجعلها مدينة كبيرة. بعد ذلك نشأت الدولة الجديدة حول أربع مُدن ترويها مياه نهر دجلة وروافده، وهي مدينة آشور (قلعة شرگات الحالية)، ومدينة أربل (أربيل الحالية) ومدينة الكلف ( نمرود) ومدينة نينوى (قويونجك).

المصادر
1. الدكتور إبراهيم الفني. التوراة. دار اليازوري للنشر والتوزيع، ، عمّان، المملكة الأردنية الهاشمية، 2009، صفحة 101.
 
2. هاري ساغز. عظمة آشور. ترجمة وتحقيق خالد اسعد عيسى و احمد غسان سبانو، دار رسلان للطباعة والنشر والتوزيع، 2011، صفحة 29.

3. طه باقر. مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة. الجزء الأول، بغداد، 1973، صفحة 77.

4. محمد امين زكي. خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التارخية حتى الآن. ترجمة محمد علي عوني، الجزء الأول، الطبعة الثانية، 1961، صفحة 91.

5. عامر حنا فتوحي. الكلديون / الكلدان منذ بدء الزمان. 2004، صفحة 99.

9
المسيحية تعود الى جذورها الميثرائية (اليزدانية)

د. مهدي كاكه يي

كما هو معروف أنّ الديانة الميثرائية المُتجسّدة في الديانة اليزدانية، تؤمن بِتناسخ الأرواح وليس للموت وجودٌ في هذا الدين والإله (يزدان) لا يُعقاب البشر، بل خلال إستمرارية الدورة الحياتية للإنسان من خلال تناسخ الأرواح، تتطهّر الروح الخيّرة للإنسان من خطاياها وترتقي وتصبح في النهاية خالدةً وجزءاً من الذات الإلهية، بينما الإنسان السئ سيصبح عَدَماً، حيث ينقطع عن الإستمرارية في الحياة ويختفي.

يوم الخميس المصادف 29 آذار/مارس 2018، نشر الصُحفي الإيطالي الشهير (أوجينيو سكالفاري) مقالاً في صحيفة (لا روبوبليكا) الإيطالية التي هو مؤسسها، يذكر فيها بأنه سأل پاپا الڤاتيكان (بينيدكت) السادس عشر (Pop Benedict XVI) عن المكان الذي تذهب "الأرواح الشرّيرة" إليه في النهاية لِتنال العِقاب. ينقل هذا الصحفي نص جواب الپاپا عن سؤاله ما يلي:
 
" الأرواح الشرّيرة لا تُعاقَب. تلك التي تتوب، تحصل على مغفرة الرب وتأخذ مكانها مع مَن يُجلّونه.. لكن تلك التي لا تتوب ولا يمكن الغفران لها، تختفي. لا يوجد جحيم لكن اختفاء الأرواح الشرّيرة موجود".

پاپا الڤاتيكان يقرّ بِعدم وجود جهنم وليس هناك عِقاب بعد الموت. هكذا بمرور الزمن تعود الديانة المسيحية تدريجياً الى جذورها الأصلية (الميثرائية) التي تؤمن بِتناسخ الأرواح، حيث كانت جميع الأقوام الآرية تعتنق الميثرائية قبل ظهور المسيحية. بعد إنسلاخ مُعظم الآريين عن الميثرائية وإعتناقهم الديانة المسيحية، بقي الكثير من المعتقدات والطقوس الميثرائية حيّة في الدين المسيحي، مثل تبنّي المسيحيين لِيوم ولادة ميثرا (25 ديسمبر/كانون الأول) وجعله يوم عيد ميلاد المسيح. كما نرى، فأن تاريخ ميلاد المسيح يصادف نفس تاريخ ميلاد (ميثرا)، حيث أنه بعد إنتشار الدين المسيحي في أوروپا، وخاصة في روما، قام المسيحيون بِجعل تاريخ ولادة الإله‌ (ميثرا) تاريخاً لولادة السيد المسيح1.

لم تكتفِ المسيحية بِجعل ميلاد ميثرا يوم ميلاد المسيح، بل تبنّت يوم قيامة (ميثرا) يوماً لِقيامة المسيح، حيث سمّوه (ِعيد الفُصح) الذي يبدأ بعد يوم الحادي عشر من آذار/مارس (يوم نوروز، رأس السنة الكوردية)، يستذكرون فيه قيامة المسيح من بين الأموات بعد ثلاثة أيام من صلبه وموته كما هو مذكور في كتاب العهد الجديد. عيد الفصح المسيحي هو أيضاً إمتداد لعيد (أكيتو Ákitu) السومري.

طقوس إشعال النار الميثرائية بقيت في المسيحية. لا يزال المسيحيون يُشعِلون النيران في إحتفالات رأس السنة الميلادية، حيث أنّ النار ترمز إلى دحر الظلام المتمثّل في الليل، والإبقاء على شُعلة الإله النورانية المتمثلة في الشمس (ميثرا).

كما أنّ المسيحيين يحتفظون بِمصابيح مُشتعِلة في بيوتهم، إحتفاءً بِميلاد المسيح، يضعونها بالقُرب من شبابيك بيوتهم من الداخل لتكون مرئية للمارّة ويُبقون المصابيح مُضاءة الى مرور 13 يوماً على تاريخ ميلاد المسيح. الإحتفاظ بالمصابيح لليوم الثالث عشر بعد ميلاد المسيح، هو من بقايا طقوس إحتفال أسلاف الكورد السومريين بِعيد (أكيتو Ákitu)، حيث كان الإله السومري يُقيم مرة واحدة في مكانٍ خاص قبل إختيار مدينته التي يُقيم فيها بشكلٍ دائم. لذلك كان يُقام المهرجان للاحتفال بالوقت الذي إختاره الإله السومري (نانا) لتحديد مدينته. إستغراق المهرجان لمدة إثنا عشر يوماً هو الفترة التي خلالها يتم تمكين القمر من الإنتهاء من تشمّعه في السماء أي هي المدة التي كانت تستغرقه رحلة الإله (نانا) من بيته المؤقت المُسمى "بيت أكيتي" إلى مدينته الدائمية (أور)2. هكذا تنتهي رحلة الإله (نانا) في اليوم الثالث عشر وهذه المدة كما نرى لا تزال باقية في الديانة المسيحية.

لا يقتصر إمتداد عيد (أكيتو) عند المسيحيين فقط، بل أن الشعب الكوردي والشعوب الآريانية الأخرى التي تحتفل بِعيد رأس السنة (نوروز)، يقومون في اليوم الثالث عشر من السنة الجديدة بالخروج الى خارج بيوتهم والسفر الى حيث الطبيعة الخضراء والجو المعتدل، حامِلين معهم طعامهم، فيتناولون طعامهم وشرابهم في الهواء الطلق، في الطبيعة مع أنغام الموسيقى والغناء والدبكات الكوردية. يُسمّى هذا اليوم (سێزدە بەدەر) باللغة الكوردية والتي ما معناه (الخروج في اليوم الثالث عشر).
 
أخذ الدين المسيحي شعار الصليب أيضاً من أسلاف الكورد السومريين والميتانيين. لقد تمّ العثور في الموقع الأثري في (تل خيبر) في أور، على صور لأول إستخدام لرمز الصليب من قِبل السومريين. يُعتقد بأن عُمر أحد المباني في هذا الموقع هو حوالي 4000 سنة، وهذا يعني  أن السومريين إستخدموا شعار الصليب قبل حوالي 2000 سنة من ظهور المسيحية. الصليب السومري المُكتشَف يشبه الصليب المُستخدَم في صُلب السيد المسيح3. هكذا فأنّ مُعتقداتٍ وطقوسٍ دينية قديمة (سومرية وخورية) لا تزال نراها في الديانة المسيحية وبِمرور الزمن تقوم المرجعية الدينية المسيحية بالعودة الى أحضان الديانة الميثرائية المُتجسدة في اليزدانية التي الأيزيدية والهلاوية واليارسانية هي الفروع الرئيسية لها.
 

المصادر
1. http://www.iranchamber.com/religions/articles/mithraism_influence_on_christianity.php

2. http://www.gatewaystobabylon.com/religion/sumerianakitu.htm

3. "Ur Region Archaeology Project".


10
الإختلافات بين الديانة الأيزيدية والزردشتية

د. مهدي كاكه يي

أهم إختلاف بين الديانة الأيزيدية والزردشتية هو أنه في الديانة الأيزيدية هناك إله واحد وهو إله خيّر وليس هناك إله للشر، بينما في الزردشتية هناك إلهان (قوتان) أحدهما خيّر والآخر شرّير وهذا إختلاف جوهري وهام بين فلسفة الدينَين. الأيزيدية تفرض الصيام على معتنقيها مثل الصوم عن الطعام أو الصوم عن الكلام أو الصوم عن أكل نبات معين أو الصوم عن معاشرة النساء ليلة الأربعاء أو الإمتناع عن أكل لحم معيّن، بينما تُحرّم الزردشتية الصيام. الأيزيدية تقوم بِتقديس الشمس وبقية الظواهر الطبيعية بإعتبارها من دلالات الوجــود الإلهي، بينما مظاهر عبادة النار تطغي على الطقوس الزردشتية. كما تختلف الأيزيدية عن الزردشتية بإعتقادهم بِطاووس ملك وهو رئيس الملائكة وفي الثنائية المتجسدة في وحدة الله الواحد الأحد إضافة إلى وجود تمثال لهذا الطاووس يتبركون به.

أركّز هنا على الإختلاف الجوهري الموجود بين الديانتَين وهو وجود إله (قوة) خيّر فقط في الأيزيدية ووجود قوة الخير والشرّ المتمثلَين ب(أهورامزدا) و(أهريمن) على التوالي في الزردشتية. يمكن إعتبار(أهورامزدا) و(أهريمن) كإلهَين لأنّ كلاهما معاً يتحكمان بِمصير البشر، أحدهما يدفع الإنسان لِعمل الخير والآخر يدفعه لِعمل الشر وأهريمن يُمثّل (الشيطان) في الأديان الكتابية المُسماة السماوية. بعيداً عن المفهوم الكلاسيكي للإله، فأنّ زردشت إختلق قوتَين متضادتَين وهما في صراع مستمر، أحدهما يمثل الخير والثاني يمثل الشر. بهذه الصورة يُلغي زردشت إرادة الإله في القيام بالتحكّم بالكون والبشر، حيث أنه يُشرِك (أهريمن) في التحكّم بالكون والبشر الى جانب الإله (أهورامزدا)، بينما في الديانة الأيزيدية تتمثل الوحدانية في خالق الكون (يزدان). في الديانة الأيزيدية، لا توجد تسمية خاصة للشر و لا يوجد إله خاص بالشرّ. في فلسفة العقيدة الأيزيدية، يزدان (الإله) هو نور وخير مطلق، ولا يمكن أن ينبثق الظلام من النور، ولا يمكن للإله الخيّر أن يُنتج كائناً شرّيراً، يسلّطه على مخلوقاته، فالخير والشر في العقيدة الأيزيدية هما من عمل الإنسان، ولذلك فأنّ الإنسان هو صانع أفعاله وأقواله، ولا وجود لِكائن شرّير بإسم (أهريمن أو شيطان) لتحميله وزر أفعال وأقوال البشر. إنّ وجود الشر يتناقض مع مفهوم (الخالق) الذي هو خير مطلق في المُعتقَد الأيزيدي. وهبَ الإله (يزدان) الإنسان العقل ولذلك فأنّ الإنسان مُخيّر بين القيام بأعمال خيّرة أو سيئة و هذا يعني بأن الإنسان مُخيّرٌ في التفكير والقيام بالأعمال، سواء كانت أعمالاً صائبة أو خاطئة، جيدة أو سيئة، وأنه يتحمل مسئولية قيامه بالأعمال التي يقوم بها، وهو بنفسه يتحمل مسئولية إرتكابه الأخطاء أو الجرائم ولا يُسببها (أهريمن). خلقْ زردشت لِأهريمن، يسلب إرادة الإنسان، حيث أنه لو أنّ كل ما يقوم به الإنسان هو من إرادة الإله، حيث أنه أوجد (أهريمن) لإيذاء الناس ودفعهم الى القيام بأعمالٍ شرّيرة، هذا يعني بأن الإله يدفع الإنسان الى إرتكاب الجرائم والأعمال الشرّيرة الأخرى وأنه مصدر الشرّ. هذا يعني أيضاً أنه في هذه الحالة فأنّ الإنسان المُجرم برئ من جرائمه لأنه فاقد الإرادة وأنه مجرد آلة يستخدمها الإله (يدفعه أهريمن) في إرتكاب الجرائم و أنّ الإله هو المجرم الحقيقي والعقل المدبّر لكافة جرائم وشرور الإنسان.

الفلسفة التي تتميّز بها الديانة الأيزيدية عن الديانة الزردشتية والديانات الكتابية (المُسمّاة السماوية)، هي أنه في الديانة الأيزيدية، الإنسان هو منبع الخير والشر و ليس الإله، حيث ليست هناك قوة شرّيرة (لا وجود لِأهريمن). هكذا فأن الفلسفة الأيزيدية تقول أنّ أعمال البشر لا يُحددها الإله، بل أنّ الإنسان بنفسه يُحدّد الأعمال التي يقوم بها وبذلك يمنح الدين الأيزيدي للإنسان حرية الفكر والإبداع والإبتكار والإختراع والإستقلالية والإعتماد على النفس والثقة بالنفس و العمل على خدمة الإنسانية وبناء الحضارة البشرية، بِعكس الأديان المذكورة التي تجعل معتنقيها يخضعون للأقدار ويعتمدون على الإله ويخضعون لِمكائد وشرور (أهريمن أو الشيطان) وبذلك يتم تغييب عقل الإنسان وإلغاء إرادته.

أود أن أُضيف نقطة إختلاف مهمة أخرى بين الأيزيدية والزردشتية وهي أنّ الدين الأيزيدي يؤمن بِتناسخ الأرواح وليس للموت وجودٌ في هذا الدين والإله (اليزدان) لا يُعقاب البشر، بل خلال إستمرارية الدورة الحياتية للإنسان من خلال تناسخ الأرواح، تتطهر الروح الخيّرة للإنسان من خطاياها وترتقي وتصبح في النهاية خالدةً وجزءاً من الذات الإلهية، بينما الإنسان السئ سيصبح عدماً، حيث ينقطع عن الإستمرارية في الحياة ويختفي، بِعكس الدين الزردشتي الذي يؤمن بِعقاب الإله للبشر وتعذيبه على غرار الأديان الكتابية.


 
معبد لالش الأيزيدي


 
طقوس دينية أيزيدية

 
زردشت


 
رمز الإله (آهورامزد)ا


11
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم (54) – الآشوريون

الحُكم السومري والسوباري في بلاد سوبارتو (4900 – 1820 قبل الميلاد)

د. مهدي كاكه يي

في البداية أود أن أوضّح بأن (السوباريون) و(الأموريون "العموريون") ليسا مُصطلحَين عِرقييَن (إثنييَن)، بل أنهما مصطلحان جغرافيان. إسم (السوباريون) متأتي من كلمة (سوبير) التي تعني باللغة السومرية (الشمال) أي (شمال ميزوپوتاميا) وبذلك إسم (السوباريين) يعني (الشماليون أي السكان الشماليون) والذين هم الأقوام الزاگروسية من سومريين وإيلاميين وكاشيين ولوللوين وخوريين وميديين وغيرهم. مصطلح (الأموريون) متأتٍ بِدورِه من كلمة (أموري) السومرية التي تعني (الغرب) وبذلك فأنّ مصطلح (الأموريون) يعني (السكان الغربيون) أي السكان الذين كانوا يعيشون الى الغرب من ميزوپوتاميا (في الصحراء السورية) وأن (مات أمّوري) تعني باللغة السومرية (البلاد الغربية). بعد إنشاء مملكة آشور، تمّت تسمية مواطني هذه المملكة بالآشوريين وهذه المواطَنة تشمل أفراد الأقوام الزاگروسية الذين عاشوا في مملكة آشور، وكذلك الأمّوريين الوافدين الى بلاد سوبارتو.

نتيجة قوة الإمبراطورية الآشورية بعد نشوئها وشُهرتها أو لأسبابٍ عنصرية، فأنّ الكثير من المؤرخين، قاموا بِكتابة تأريخ خاطئ للمملكة الآشورية، حيث جعلوا حُقبة الحُكم السومري والسوباري أيضاً جزءاً من التاريخ الآشوري رغم أنّ مملكة آشور لم يكن لها وجود في ذلك الوقت. لذلك نحن نفصل الحُقبة السومرية والسوبارية عن الحُقبة الآشورية التي تبدأ إعتباراً من تاريخ تأسيس المملكة الآشورية و في هذه الحلقة يتم الحديث عن عهد الحُكم السومري والسوباري. الحلقات القادمة ستتناول الحُقبة الآشورية.

العهد السومري
يبدأ هذا العهد إبتداءاً من بناء المستوطنات السومرية الزراعية في شمال ميزوپوتاميا، التي يعود بعضها إلى عهد حضارة گُوزانا (حضارة حلف) (4900 - 4300 قبل الميلاد). يستمر العهد السومري في هذه المنطقة الى القرن الثالث والعشرين قبل الميلاد1.

العهد السوباري
تتم تسمية هذا العهد عن طريق الخطأ ب(العهد الآشوري الأول). يبدأ هذا العهد إبتداءاً من إنتقال السوباريين من سلسلة جبال زاگروس الى سهول شمال ميزوپوتاميا (جنوب كوردستان الحالية) والتي سُمّيت بلاد (سوبارتو). بعد إستقرار السوباريين في هذه المنطقة، قاموا بِبناء مدينة على أراضٍ كانت عبارة عن مستوطنة زراعية سومرية، وأطلقوا عليها إسم إلههم (سوبار) والذي تم التطرّق إليه في حلقةٍ سابقةٍ من هذه السلسلة من المقالات. استمرّ العهد السوباري من القرن 23 قبل الميلاد الى بداية القرن التاسع عشر قبل الميلاد2. يذكر الدكتور عامر حنّا بأنّ عدد الحُكّام السوباريين كان (38) حاكماً، متكونين من ثلاث فئات تبعاً لِطريقة ومكان عيشهم وهي:

أ. حُكّام عاشوا في الخيام
 أسماء هؤلاء الحُكّام السوباريين الذين عاشوا في الخيام خلال فترات حُكمهم هي:

1. (تودِيا Tudiya): أبرم هذا الحاكِم عقد تحالفٍ مع (إبريوم)، حاكم مملكة (إبْلا Ebla) في حوالي سنة 2250 أو سنة 2200 قبل الميلاد.   
2. (أدامو Adamu).
3. ينكي Yanki.
4. كِتلامو Kilamu.
5. هرهارو Harharu.
6. مندارو Mandaru.
7. إمشو Imshu.
8. هرشو Harshu.
9. ديدانو Didanu.
10. هانو Hanu.
11. زوابو Zuabu.
12. نوابو Nuabu.
13. أَبازو Abazu.
14. بِيلو Belu.
15. أَزاراهو Azaarahu.
16. أُوشپِيا Ushpia: هذا الحاكِم هو أوّل مَن بنى معبداً للإله السوباري (آسور) على أساس معبد سومري مخصص للإلهة (إنّانا Innana).
17. أَپِياشال Apiashal.

ب - حُكّام عاشوا في بيوت حجرية
أسماء هؤلاء الحُكّام هي:
 
18. هالي Hale.
19. سامانو Samanu.
20. هايانو Hayanu.
21. إيللومِير Illumir.
22. ياكميسي Yakmesi.
23. ياكميني Yakmeni.
24. يَزكوريل Yazkurel.
25. إيلَكابْكابا Ilakabkaba.
26. أمينو Amino.
27. سوليلي Sulili.
 
ج – حكّام عاشوا في مدينة آسور
28. كيكيا Kikkia: قام هذا الملِك السوباري بِبناء سور مدينة آشور وتحويل مستوطن زراعي سومري إلى مدينة محصَّنة، كما تمّ الحديث عنه في إحدى الحلقات السابقة.
29. آكيا Akia: حكم هذا الملِك حوالي سنة 1980 / 2000 قبل الميلاد.
 
د – حكّام مختلَطون:
قسم من هؤلاء الحُكّام، سواء كانوا سوباريين أو أكاديين، كانوا تابعين للسلطة الأكادية.
30. پُوزور آشور الأول Puzur Ashur I: حَكَم بِحدود سنة 1960 قبل الميلاد.
31. شاليم آخوم Shalimm Ahkum.
32. إيلوش أُوما Ilush Umma.
33. إيريشوم الأول Eri Shum I.
34. إيكونوم Ikunum.
35. شاروكين (سرجون الأول Sharru Kin I)
36. پوزور آشور الثاني Puzur Ashur II.
37. نارام سين Naram Sin.
38. إيريشوم الثاني Eri Shum II (حَكمَ في حوالي سنة 1820 قبل الميلاد).

هكذا كانت سوبارتو معروفة بإسمها الأصلي طوال مدة تصل الى 450 سنة، وكان سكّانها سوباريين والغالبية العظمى من حكّامها كانوا أيضاً سوباريين. كان (آسور) الإله الوطني للسوباريين والذي كان الأكاديون يلفظونه (آشور)، ومن هذا التلفّظ جاء إسم الآشوريين وإسم مملكتهم. كانت العاصمة الآشورية الأولى هي مدينة (آسور) التي حملت اسم الإله السوباري. في هذه الفترة، لم يكن للأقوام الأَمورية وجود في بلاد سوبارتو (جنوب كوردستان الحالية).


المصادر

1. عامر حنا فتوحي. الكلديون .. الكلدان .. منذ بدء الزمان – 5300 ق. م حتى الآن. الطبعة الثانية، 2007، صفحة 105.

2. المصدر السابق، صفحة 105، 127.



12
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم (52) – الآشوريون

أصل الآشوريين 


د. مهدي كاكه يي

منذ بدء المدّ القومي العروبي، أخذ الكثير من "المؤرخين" العروبيين العنصريين يُزّيفون تاريخ منطقة غرب آسيا ويسرقون تاريخ شعوب المنطقة ويجعلونها تاريخاً للعرب بشكل خاص وللساميين بِشكلٍ عام. كما يجب أن نذكر بأن العروبيين العنصريين الذين سيطروا على الحُكم في كثير من دول المنطقة التي أطلق عليها العروبيون إسم "الدول العربية"، قاموا بِتسييس التاريخ وأجبروا الكثير من المؤرخين في هذه البلدان أن يتخلّوا عن مهنيتهم ومصداقيتهم وأن يقوموا بِتزييف تاريخ المنطقة وإلغاء وسرقة تاريخ شعوبها وتنسيبه للعرب والساميين. إطلاق إسم "الدول العربية" على معظم دول المنطقة، هو جزء من عملية التزوير للتاريخ وإخفاء الحقائق، حيث أنه بإستثناء الحجاز واليمن، فأنّ شعوب الدول الأخرى المُسمّاة ب"الدول العربية" هي شعوب غير عربية والغالبية العظمى من المواطنين في هذه الدول، الذين أصبحت لغتهم عربية، هم مستعربون ينتمون الى الشعوب الأصيلة للمنطقة، مثل الكورد والأمازيغيين والأقباط واليهود والبلوش والنوبيين وغيرهم. تزوير أصل الآشوريين هو أيضاً ضمن هذه الحملة التزويرية الكبرى التي يقوم بها العنصريون العرب والأتراك والفرس لِطمس أصول شعوب المنطقة. خدمةً للحقيقة وإنصافاً لِشعوب المنطقة، نقوم بِتصحيح تاريخ شعوب المنطقة، ومنها تاريخ الآشوريين، وكتابته بِمهنية وأمانةٍ علمية بالإستناد على مصادرٍ رصينة.

يقول الأستاذ حازم هاجاني بأن مملكة سوبارتو كانت محصورة بين جبال زاگروس من جهة الشرق ونهر الخابور من جهة الغرب ولذلك كانت سوبارتو تشمل المنطقة الاشورية وأن الاشوريين إستقروا في هذه المنطقة في أوائل الألف الثاني قبل الميلاد عندما قصدت قبائل سامية من الجنوب الغربي الى شمال ميزوپوتاميا وتوغلت في منطقة ما بين النهرين وإستقرت هذه المجموعة في جنوب كوردستان الحالي، في البقعة الممتدة على طول ضفة نهر دجلة اليمنى بين الموصل وشرقاط وكانت هذه المنطقة تُعرف بإسم سوبارتو1. هكذا فأن تأريخ أسلاف الكورد السوباريين يمتد إلى عصور سحيقة في القِدم.

الپروفيسور (مهرداد إزادي Mehrdad Izady) أستاذ التأريخ القديم في جامعة هارڤارد الأمريكية، يؤكد على كون الكورد هم أحفاد السوباريين، حيث يذكر بأن أقدم عشيرة كوردية بادينانية هي عشيرة الزيبار وأن هذه العشيرة تنحدر من السوباريينa. في هذه المنطقة الواقعة في شمال مدينة أربيل، تمّ العثور على أنقاض مدرسة لتعليم الأطفال التي يعود تأريخها الى العصر السوباري، وعلى قرميدات عليها دروس للأطفال والشباب في علوم الحساب وجداول الضرب والمعاجم. كما تم إكتشاف كُتب عديدة و رسائل كانت عبارة عن صكوك وقيود ومسائل رياضية وفلكية و نصوص تأريخية في هذه المنطقة.

يقول هاري ساغز بأنّ الآشوريين كانوا شعباً هَجِيناً، وهم يعرفون ذلك، وكان النقاء العِرقي ليس ذا قيمة بالنسبة إليهم، ومنذ أقدم الأزمنة كان لديهم تاريخ عنصري خليط. يستطرد هاري ساغز في حديثه قائلاً بأنّ هذه الحقيقة مذكورة في العديد من النقوش الملكية وأن شعوباً من خارج مملكة آشور كانوا يتوافدون إليها، وينضمّون إلى السكان الأصليين في البلاد، ويمتزجون بهم2.

من جهة أخرى، يذكر الدكتور توفيق سليمان بأنّ الآشوريين لا ينتمون إلى سلالة بشرية واحدة، مستنداً في ذلك على الرسوم والنقوش التي خلّفها الآشوريون لِمواطنيهم، التي تؤكّد على أنّ هؤلاء الأشخاص كانوا يشكّلون خليطاً من البُؤَر البشرية المحلّية في بلاد ما بين النهرين، ومن البُؤَر البشرية التي تعود بأصولها إلى الأرض الأرمينية3. بالنسبة الى قول الدكتور توفيق سليمان بأن "قسماً من الآشوريين ينحدرون من البُؤَر البشرية التي تعود بأصولها إلى الأرض الأرمينية"،  فأنّ قولَه هذا يفتقد الى المصداقية، حيث لم تكن خلال العهد الآشوري دولة إسمها (أرمينيا). ظهرَ إسم أرمينيا سنة (550 – 521 قبل الميلاد)، بينما ظهرَ الآشوريون قبل هذا التاريخ بِأكثر من ألف سنة4. في وقت ظهور الآشوريين، الأرض التي يظنّ الدكتور توفيق سليمان بـأنها كانت "أرضاً أرمينية" كانت في الحقيقة  الأرض الخورية والتي ورثها بعد الخوريين، أحفادهم الأورارتيون (الخَلديون)، حيث أنه لا تزال هناك قبيلة كوردية تحمل هذا الإسم. الأستاذ مروان المدوَّر يؤكد على كلامنا هذا، حيث يقول بأنّ (هيرودوت) يذكر أن الأرمن شعب هندو أوروپي، غادروا البلقان في القرن الثاني عشر قبل الميلاد إلى آسيا الصغرى عبر البوسفور والدَّردنيل، ثم توغّلوا شرقاً على مراحل، حتى وصلوا إلى أرارات في أواخر القرن السابع قبل الميلاد، ووصلوا إلى أرمينيا بُعيد زوال دولة أورارتو (خَلْدي)5. يضيف الأستاذ مروان المدوَّر بأنّ أرمينيا لم تكن تُعرَف بهذا الاسم، إذ لم يتشكّل إسم أرمينيا كما نعرفه اليوم إلا إعتباراً من أعوام (550 – 521 قبل الميلاد)4.

يخبرنا المؤرخ الشهير ”ول ديورانت WILL DURANT" عن أصل الآشوريين بما يلي: {وكان الأهلون خليطاً من الساميين الذين وفدوا إليها من بلاد الجنوب المتحضرة (أمثال بابل وأكد) ومن قبائل غير سامية جاءت من الغرب، ولعلهم من الحثيين، أو من قبائل تَمُتّ بِصلةٍ إلى قبائل ميتاني، ومن الكورد سكان الجبال الآتين من القفقاس}6. في الحقيقة، أسلاف الكورد الخوريون كانوا يقطنون الى الغرب من الآشوريين وليس الحِثيون. قول (ول ديورانت) بأنّ الكورد آتون من القفقاس غير صحيح، حيث أن أسلاف الكورد السومريون والسوباريون والخوريون – الميتانيون والميديون وغيرهم، عاشوا في وديان جبال زاگروس وتوروس منذ ما قبل التاريخ. ما يذكره (ول ديورانت) يعني أن الشعب الآشوري لم يتألف من عنصر إثني واحد، بل كان شعباً هجيناً. هكذا تم تأسيس مملكة آشور في موطن أسلاف الكورد وأن الساميين القادمين من بابل و أكاد كانوا مهاجرين في بلاد أسلاف الكورد، لذلك لابد أن السكان الأصليين (السوباريين والخوريين - الميتانيين) كانوا حينذاك يشكّلون أغلبية سكان مملكة آشور.
 
كما يذكر المؤرخ طه باقر بأن الآشوريين نزحوا الى موطنهم من جنوب بلاد ما بين النهرين الى الشمال7. المؤرخ قسطنطين ماتفييف يقول بأن الخارجين من أرض بابل يممّوا صوب شمال ما بين النهرين وأسسوا لهم هناك موطنآ وكانت آشور أكبر مدنهم8.

يقول أيضاً كل من الدكتور طه باقر والدكتور عامر سليمان بأن الآشوريين إستقروا في شمال وادي الرافدين وعند هجرة الأكاديين الى منطقة جنوب كوردستان الحالي، كان السومريون والسوباريون يعيشون هناك وكانت المنطقة تُسمى ب(سوبارتو)9، 10. جاء ذكرالسوباريين في النصوص المسمارية منذ عصر فجر السلالات وكان ملوك اكاد وبابل يطلقون إسم "السوباريين" على الآشوريين9، 10.

يذكر المؤرخ يوسف رزق الله غنيمة أن التنقيبات الآثارية التي قام بها الألمان بين سنة  1903 و1914 تؤكد على أن سكان آشور القدماء لم يكونوا ساميين11. كما يذكر المؤرخ عامر حنا فتوحي أن الآشوريين الأوائل هم شعب آسيوي من الأرومة الهندو- أوروبية وإسمهم القديم الذي كانوا يتفاخرون به هو (شوبارو أو سوبارو)12. هذا يؤكد بأن الغالبية العظمى من سكان آشور كانوا ينحدرون من أسلاف الكورد السومريين والسوباريين والخوريين – الميتانيين وأن الساميين الذين هاجروا الى بلاد السوباريين (سوبارتو) قد ذابوا في السكان الأصليين.

في نصوص الفأل، إقتصرت تسمية الآشوريين لبلادهم وأنفسهم على أنهم ( سوبارتو)، حيث أنه جاء في التقرير الذي قدّمه أحد المنجمين الآشوريين إلى الملك الأشوري ما يلي: (إذا شوهد القمر في يوم الثلاثين من شهر نيسان فإن بلاد سوبارتو سوف تتغلب على الأخلامو (هي إحدى القبائل الآرامية الكبرى)، ويضيف ذلك المُنجم قائلاً: (نحن السوباريين)13.

دليل آخر على كون غالبية الآشوريين من السوباريين، هو أن الملك البابلي (مردوخ – بلادن) كان لا يُسمّي خصمه، الملك الآشوري سرجون الثاني، ب(ملك الآشوريين) بل كان يُسمّيه (ملك السوباريين) وكان يُسمّي الجيش الآشوري بجموع السوبارتو14.

يقول الپروفيسور جمال رشيد أحمد أنّ الآشوريين ينحدرون عِرقياً من أسلاف الكورد الخوريين أو الگُوتيين أو اللولوبيين15.

كما أنّ الدكتور إبراهيم الفنّي يذكر بأنّه من القراءة الأولى نعتقد أن الخوريين هم الذين أعطوا الآشوريين تلك الملامح التي كانت تميّزهم عن الساميين في الجنوب16.

مما تقدم، نستنتج أن الأقوام الزاگروسية (أسلاف الكورد) كانت تُشكّل غالبية الآشوريين في شمال ميزوپوتاميا وأنّ المهاجرين الساميين الذي قدِموا الى شمال ميزوپوتاميا كانوا يُشكّلون الأقلية هناك وتدريجياً ذابوا في الأقوام الزاگروسية (السومريين، السوباريين والخوريين والميتانيين). بعد إختفاء المملكة الآشورية، مع مرور الزمن، ذابت بقايا العناصر السامية في الأقوام الزاگروسية.


المصادر

1. حازم هاجاني (1997). مجلة متين، العدد 67، دهوك، صفحة 103.

2. هاري ساغز. عظمة آشور. ترجمة وتحقيق خالد اسعد عيسى وأحمد غسان سبانو، 2011، صفحة 170، 173.

3. توفيق سليمان. دراسات في حضارات غرب آسيه القديمة الى عام 1190 ق.م: الشرق الادنى القديم بلاد مابين النهرين/بلاد الشام. دمشق، دار دمشق للطباعة والنشر، 1985، صفحة 161.

4. مروان المُدَوَّر. الأرمن عبر التاريخ، بيروت، 1982، صفحة 82، هامش 2.

5. المصدر السابق، صفحة 102.

6. ول ديورانت. قصة الحضارة. مجلد 1، الجزء 2، صفحة 496 – 470.

7. طه باقر. مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة. الجزء الأول، الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدين، الطبعة الأولى، بغداد، 1973، صفحة 472.

8. قسطنطين بيتروفيج ماتفيف. الآشوريون والمسألة الآشورية في العصر الحديث. 1989.

9. طه باقر. مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة. الجزء الأول، الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدين، الطبعة الأولى، بغداد، 1973، صفحة 120، 476.

10. عامر سليمان. العراق في التاريخ القديم. الموصل، دارالحكمة للطباعة والنشر، 1992، صفحة 119.

11. يوسف رزق الله غنيمة. نزهة المشتاق في تأريخ يهود العراق. مطبعة الفرات، 1924.

12. عامر حنا فتوحي. الكلديون .. الكلدان .. منذ بدء الزمان – 5300 ق. م حتى الآن. الطبعة الثانية، 2007، صفحة 99.

13. طه باقر. مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة. الجزء الأول، بغداد، 1973، صفحة  472 – 473.

14. طه باقر. مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة. الجزء الأول، الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدين، الطبعة الأولى، بغداد، 1973.

15. الدكتور جمال رشيد احمد. ظهور الكورد في التأريخ – دراسة شاملة عن خلفية الأمة الكوردية ومهدها. الجزء الأول، الطبعة الثانية، 2005، صفحة 31.

16. إبراهيم الفني. التوراة: تاريخيا، أثريا، دينيا، دار اليازور العلمية، 2008، صفحة 101.


المراجع

a. Izady, Mehrdad R. The Kurds: A concise handbook. Washington, London, Taylor & Francis Publishers, 1992, pp. 268. ISBN 978-0-8448-1727-9.


13
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم (51) – الآشوريون

كيف إكتسب الآشوريون إسمهم؟

د. مهدي كاكه يي


قبل الحديث عن موضوع تسمية الآشوريين، أود أنّ أذكر بأن وديان سلاسل جبال زاگرۆس و تۆرۆس الكوردستانية، كانت الموطن الأصلي للأقوام المسماة بالأقوام الآرية والتي هي في الحقيقة أقوام زاگرۆسية، تمددت وإنتشرت في إيران وأفغانستان و پاكستان والهند وغيرها من دول قارة آسيا ووصل قسم من هذه الأقوام الزاگرۆسية الى أوروپا وإستقروا فيها وبذلك بدأت الحياة البشرية هناك منذ ذلك الوقت. هكذا فأنّ الشعوب المسمّاة بالآرية هي جميعها أحفاد الأقوام التي كانت تقطن في وديان سلاسل جبال زاگرۆس و تۆرۆس الكوردستانية منذ ما قبل التاريخ (للمزيد من المعلومات، يمكن الإطلاع على كتاب " آريا القديمة وكوردستان الأبدية" للمؤرخ الروسي "صلوات گولياموف")1. نظراً لِكَون كوردستان مهد الحضارة البشرية، فأنها بلاد الأساطير والآلهة والمعتقدات والأديان. أسلاف الكورد هم روّاد إكتشاف النار والزراعة والكتابة والصناعة. رغم ريادة الشعب الكوردي في الحضارة، إلا أننا نراه اليوم في تقهقر وأصبح يلعب دوراً هامشياً في حياة البشرية على كوكبنا الأرضي، حيث يفتقد الى كيانٍ سياسي على أرضه، وأنّ وطنه مُقسّم ومُغتصَب وإرادته وحريته مُقيّدة، فهو غريبٌ وذليلٌ في وطنه والمُغتصِبون يدّعون بأنهم أصحاب كوردستان و يحكمون الشعب الكوردي بالنار والحديد ويُجرّدونه من هويته وشخصيته ووطنه ولغته وثقافته وتاريخه وتراثه وعقائده وأديانه وينهبون ثرواته. آن الأوان للشعب الكوردي أن يقوم بِنهضةٍ حضارية كبرى بِكسر قيود العبودية والذل والتبعية والتواصل في رفد الحضارة الإنسانية بالإختراعات والإبتكارات والعلوم والثقافة والفنون، كما كان يقوم بها أسلافه السومريون والسوباريون والخوريون – الميتانيون والميديون.

هكذا إنطلقت الأساطير والعقائد والأديان من أرض كوردستان، حيث أنه  في العهود القديمة، كانت الشمس هي محور العبادات في المجتمعات الآرية (الزاگرۆسية) وكانت الشمس تُسمّى (سورياش، سورا، آسور، آهورا)2، حيث أنّ الخوريين - الميتانيين كانوا يُسمّون إله الشمس (آسور) و الكاشيون كانوا يُسمّونه (سورياش) وعند السوباريين تمت تسميته ب (آ- أُوسار). لا تزال اللغة الكوردية تحتفظ بالإسم الزاگرۆسي/الآري للشمس، حيث أن الشمس تُسمّى بالكوردية (خور).

قام السوباريون ببناء مدينة، وسمّوها بإسم إلههم ("آ- أُوسار" أو "آسور")، وإتخذوها عاصمةً لهم. يذكر السيد عامر حنا فتوحي بأن الحاكم السوباري (كيكيا Kikkia) قام ببناء سور هذه المدينة وجعلها مدينة محصَّنة3. تغّيرَ إسم مدينة (آسور) الى (آشور) خلال الحُكم الآشوري، حيث أنه في الكتابات الأكادية تمّ تبديل حرف (س) في الإسم (آسور) الى حرف (ش)، وبذلك تمت كتابته بصيغة (آشور) بدلاً من (آسور) وتبنّى الآشوريون هذا الإسم ليكون إسماً لِإلههم وعاصمتهم ودولتهم. قام الملِك السوباري (أُوشپيا Ushpia)، ببناء معبدٍ للإله السوباري الأكبر (آ- أُوسار "آسور") على أساس معبدٍ سومري قديم، والذي كانت تتم فيه عبادة الإلهة (إنانا Innana) التي تُسمّى عند الأكاديين ب(عشتار) و تمت تسمية هذا المعبد باللغة السوبارية (خورْزاك كورْكورا Ê- Xurzak- Kurkura)4. يذكر الدكتور احمد خليل في إحدى مقالاته بأنّ الإسم (Ê- Xurzak- Kurkura) مؤلّف من ثلاث مقاطع، (Ê) و (Xurzak) و (Kurkura)، حيث أنّ المقطع (Ê) يعني (الذي)، وهذا المقطع موجود أيضاً في بداية إسم إله السوباريين (آ- أُوسار). المقطع (Xur) و (Xurz ) صيغتان لإسم الشمس في اللغات الآرية الشرقية (اللغات الزاگروسية)، حيث أنّ الشمس كانت محور العبادة في الديانات الآرية. اللاحقة (ak) المُلحَقة بالكلمة (Xurzak)، هي لاحقة تُستخدم للدلالة على إسم مفرد نكِرة أي إسم مفرد غير مُعرّف، حيث أن هذه اللاحقة موجودة في اللغة الكوردية وتُعطي نفس المعنى مثل (دارێك DARÊK) أي (شجرة). المقطع (Kurkura) يعني (جبال). هكذا فأنّ إسم المعبد السوباري يعني (الذي هو شمس الجبال) أي (إله الجبال). الإلهَ السوباري (آسور)، الذي تمّ تعديل إسمه في العهد الآشوري الى (آشور)، إعتبره البابليون إلهاً أجنبياً ولذلك لم يتم إدخاله في طقوس البابليين ولم يتم ذكره من قِبل الملك البابلي، حمورابي، في مسلّته ضمن آلهة بابل.

عُرفت بلاد آشور في المصادر المسمارية بإسم (مات آشور)، أي (بلاد آشور)، ووردت بصورة (آ – شو- ار)، كما أن إسمها كُتِب في المصادر المصرية بصيغة (آسور) في عهد تُحوتْمُس الثالث (1490 – 1436 قبل الميلاد)5. كما أنّ إسم آشور جاء في بعض المصادر على شكل أَسْهور، و أَسْشور، وأَسور، وآثور، وآتور، وآسور، وآزور6. هذه الأسماء جميعها مُستمدة من إسم الإله السوباري (آ- أُوسار "آسور").

كما أنّ الإله آشور (آسور) مُقتبّسٌ من إله الشمس الآري (سورياش، آسور، آهورا)، والذي إسمه يعني الشمس7. كما أنّ عبادة الإله السوباري، بصيغة (آسُور)، إنتقلت إلى الحِثّيين أيضاً، الذين كانوا يعيشون في الأناضول.

كان رمز إله الشمس السومري هو عبارة عن قرص شمس مجنَّح، النصف العلوي منه عبارة عن صورة لِشخصٍ مُلتحٍ، موضوع على رأسه تاجٌ، ويمسك دائرةً بِيده اليسرى وهذه الدائرة ترمز إلى الكون (صورة رقم 1). عند إحتلالهم لِبلاد السوباريين، قام الأَموريون بِتغيير رمزَ الإله السُّوباري، حيث أنهم ألبسوا رأسه خوذةً لها قرنان8، الذي يرمز الى القمر الذي كان يُعبَد من قِبلهم، ووضعوا في يده اليمنى قوساً؛ الذي يرمز الى الحرب، وبذلك أصبح إله الشمس الزاگروسي النوراني عند الأموريين إلهاً للحرب (صورة 2).

 
صورة 1. رمز الإله آهورامزدا


 
صورة 2. رمز الإله آشور

يذكر المؤرخان (جيرمي بلاك Jeremy Black) و(أنثوني گرین Anthony Green) أنه لا علاقة للإله (آسور"آشور") بالأقوام الصحراوية (السامية)، وأن عبادته كانت شائعة بين الأقوام الزا گروسية/الآرية، مثل السوباريين والخوريين - الميتانيين والحِثّيين. لقد أطلق الميتانيون اسم (مِترا Mitra) على الإله (آسور) وقد تكون هذه الصيغة صفة للإله وليس اسماً له، حيث أنهم صوّروه في أختامهم الأسطوانية والذي يمكن إعتباره أحد صيغ الإله الوطني السومري (إنليل Enlil)a، مع الأخذ بِنظر الإعتبار أن الميثولوجيا السومرية كانت جبلية/زا گروسية/ شمسانية الأصل.

تُشير النصوص السومرية الى أنّ السومريين كانوا أول مَن إحتفلوا بِعيد (أكيتو Akitu) الذي كان يبدأ في الأول من شهر نيسان من كل عام. الإسم السومري لهذا العيد هو (أكيتي (Ákiti) وكانت إحتفالات السومريين بهذا العيد تستمر لمدة أحد عشر يوماً9.

قام الأموريون بإقتباس عيد (أكيتو Akitu) السومري وجعلوه عيداً آشورياً. كما أن البابليين إقتبسوا هذا العيد السومري وجعلوه رأس السنة الجديدة للإله البابلي (مردوخ)، وجعلوا الإلهة (صِرْبانِيتوم) التي هي زوجةَ الإله (مردوخ)، زوجةً للإله آشور، وجعلوا الإله (نابو) الذي هو إبن الإله (مردوخ)، إبناً للإله آشور10. يقول (هاري ساگز Hary Sags) بهذا الصدد أنّ الإله (آشور) إمتصّ عدّة مظاهر من الإله السومري (إنليل) ومن مردوخ، إله بابل11.

نستنتج مما تقدم، بأنّ إسم الآشوريين وإسم إلههم وبلادهم مُستمّدٌ من إسم الإله السوباري (آسور). في الحلقات القادمة ستتم مواصلة الحديث عن الآشوريين، حيث أنّ الحلقة القادمة ستُركّز على أصل الآشوريين.


المصادر

1. صلوات گولياموف. آريا القديمة وكوردستان الأبدية (الكرد من أقدم الشعوب). ترجمة د. اسماعيل حصاف، متابعة وتدقيق مارگريت حصاف، مطبعة رۆژهەڵات (هەولێر)، الطبعة الأولى، 2011.

2. جورج رو. العراق القديم. ترجمة وتعليق حسين علوان حسين، بغداد، وزارة الثقافة والإعلام، الطبعة الثانية، 1986م، صفحة 333.

3. عامر حنا فتوحي. الكلديون .. الكلدان .. منذ بدء الزمان – 5300 ق. م حتى الآن. الطبعة الثانية، 2007، صفحة 100.

4. المصدر السابق، صفحة 94.

5. الدكتور محمد بيومي مهران. تاريخ العراق القديم، 1990، صفحة 324.

6. هاري ساغز. عظمة آشور. ترجمة وتحقيق خالد اسعد عيسى وأحمد غسان سبانو، 2011، صفحة 11.

7. المصدر السابق، صفحة 298.

8. عامر حنا فتوحي. الكلديون .. الكلدان .. منذ بدء الزمان – 5300 ق. م حتى الآن. الطبعة الثانية، 2007، صفحة 95 – 96.

9. جورج رو (1986). العراق القديم. ترجمة وتعليق حسين علوان حسين، بغداد، وزارة الثقافة والإعلام، الطبعة الثانية، صفحة 148.

10. عامر حنا فتوحي. الكلديون .. الكلدان .. منذ بدء الزمان – 5300 ق. م حتى الآن. الطبعة الثانية، 2007، صفحة 95.
 
11. هاري ساغز. عظمة آشور. ترجمة وتحقيق خالد اسعد عيسى وأحمد غسان سبانو، 2011، صفحة 298.


المراجع

a. Jeremy Black and Anthony Green. Gods, Demons and Symbols of Ancient Mesopotamia, London, 2000, page 38.



14
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم (50) – الآشوريون

السوباريون وهجرة أقوامٍ سامية الى بلاد السوباريين (سوبارتو Subartu)

د. مهدي كاكه يي

نظراً لِلعلاقة الوثيقة بين أسلاف الكورد (السوباريين) وبين الآشوريين، ينبغي التعرّف قليلاً على السوباريين كمدخلٍ للحديث عن الآشوريين فيما بعد في حلقات قادمة ضمن هذه السلسلة من الحلقات. لذلك يتم تكريس هذه الحلقة للتكلّم عن السوباريين وبعد ذلك نبدأ في الحلقات القادمة بِالحديث عن العلاقات التي تربط بين هذين الشعبَين وكذلك ستتضمن تلك الحلقات نبذة مختصرة عن المملكة الآشورية ومراحل نشوئها وفترات حكمها.

يذكر مؤرخون كثيرون بأن السوباريين هم من أسلاف الكورد، حيث يشيرعلماء التأريخ والأجناس البشرية الى أنه منذ أقدم الأزمنة التأريخية، كانت بلاد (سوبارتو) يسكنها شعب آسيوي يشترك أفرادها في العرق والدين واللغة والثقافة التي كانت تميّزهم عن الشعوب الأخرى. من الجدير بالذكر أنّ أشهر الأقوام التي كانت تعيش في وديان جبال زاگروس وطوروس، هي السومريون والسوباريون والإيلاميون والگُوتيون واللولوبيون والكاشيون والخوريون (الهوريون).

يذكر الباحث الأمريكي (گلب Gelb) بأن السوباريين ينحدرون من الأقوام الجبلية مثل أسلاف الكورد (الگوتيين) و (الكاشيين) وأنّ السوباريين لم يكونوا شعباً سامياً و أن أسلاف الكورد (الخوريين) ينحدرون من السوباريينa. هذا يعني أن السوباريين هم من أسلاف الكورد والذين كانوا يعيشون في وديان سلاسل جبال زاگروس وطوروس. من جهة أخرى، يقول السير سدني سميث بأن ما حصلنا عليه من معلومات عن كوردستان حتى الآن تدلنا مما لاشك فيه أنه كانت في العهود القديمة منطقة تحدها من الشمال بحيرة وان ومن الغرب وادي الخابور ومن الشرق كركوك ومن الجنوب بلاد بابل، وكان يعيش في هذه المنطقة قوم يُسمّى (شوباري)b.

يذكر (هيرزفيلد) بأن سكان بلاد سوبارتو لم يجرِ عليهم تغيير إثني، بل جرى تغيير أسمائهم، حيث أن إسم (الخوريين) حلّ محل إسم أغلب سكان (سوبارتو) بعد عصر حمورابي. يضيف "هيرزفيلد" بأنه يظهر من نصوص آثار منطقة (بوغاز كوي) التي ترجع تأريخها الى ما قبل سنة 1600 قبل الميلاد، بأن الحثيين كانوا يُسمّون لغة بلاد سوبارتو ب(خوريلي) وسمّوا اللغة الأكدية ب(بابيبيلي) وهو الزمن الذي يسبق ظهور مدينة بابلc.

كما أنّ الپروفيسور (مهرداد إزادي Mehrdad Izady) أستاذ التأريخ القديم في جامعة هارڤارد الأمريكية يؤكد على كون الكورد هم أحفاد السوباريين، حيث يذكر بأن أقدم عشيرة كوردية بادينانية هي عشيرة الزيبار وأن هذه العشيرة تنحدر من السوباريينd. في هذه المنطقة الواقعة في شمال مدينة أربيل، تمّ العثور على أنقاض مدرسة لتعليم الأطفال التي يعود تأريخها الى العصر السوباري، وعلى قرميدات عليها دروس للأطفال والشباب في علوم الحساب وجداول الضرب والمعاجم. كما تم إكتشاف كُتب عديدة و رسائل كانت عبارة عن صكوك وقيود ومسائل رياضية وفلكية و نصوص تأريخية في هذه المنطقة.

يذكر الأستاذ اسكندر داود أن السوباريين كانوا من أهم و أقدم شعوب المنطقة1. كما يقول الدكتور نعيم فرح أيضاً بأن السوباريين (الشوباريين) هم أقدم الأقوام التي سكنت في شمال بلاد ما بين النهرين وسُميّت تلك المنطقة ب(بلاد شوبارتو او سوبار)2. كما أنّ الدكتور عبد الحميد زايد يذكر أن إسم (سوبارتو) كان يُطلَق على المنطقة الممتدة من نهر دجلة إلى جبال زاگروس، وأن السوباريين كانوا شعباً جبلياً، ليست لهم أية صلة بالعرق السامي، قاموا بتأسيس مملكتهم في القسم الشمالي من ميزوپوتاميا، وهذه المملكة كانت تضّم المنطقة التي عُرفت فيما بعد بإسم (بلاد آشور)3.

ورد إسم بلاد السوباريين (سوبارتو Subartu) في النصوص المسمارية المختلفة بصيغ عديدة مثل سوبارتو، سوبار، سوبير، زوبار، شوبارتو، شوبور...الخ. كانت بلاد سوبارتو تتألف من المناطق الجبلية العالية التي دوّنت من قِبل السومريين بإسم (سوبير). ظهر إسم (سوبارتو) في أقدم صيغة جغرافية سومرية بشكل (سوبير) في لوحة أثرية سومرية التي يرجع تأريخها الى زمن (لوكال – آني – موندو) حاكم مدينة (ادب) في الربع الأول من الألف الثالث قبل الميلاد، حيث تم تدوين الإسم الى جانب (إيلام وماراهشي وگوتيوم وآمورو وسوتيوم)4، 5. في سرد أسماء البلدان التي غزاها سرجون الأكدي الكبير، يشير نص مسماري الى حدود تلك البلدان. فيما يخص حدود بلاد سوبارتو، جاء في النص المسماري المذكور أن بلاد سوبارتو كانت تمتد من (إيلام) الواقعة في شرق كوردستان الحالي الى جبال الأرز (جبال الأمانوس). كما يذكر بعض النصوص الأكدية أن (سوبارتو) كانت تضم شرق كوردستان الحالي والجزيرة الوسطى والعليا وسوريا الحالية، ممتدةً الى حدود دولة إسرائيل الحالية، وكانت بلاد سوبارتو تضم أيضاً قسماً من أرمينيا وبلاد الأناضول.

من جهة أخرى، يذكر الدكتور جمال رشيد أحمد أن التسمية الآشورية ل"سوبارتو" هي "شوبارو و شوبريا" وأنه ظهر مفهوم هذا الإسم بشكل (علياتم) في النصوص الأكدية و الآشورية وتغيّرَ المصطلح الى "كوهستان - قوهستان" في العصر المبكر للإسلام و تمّت ترجمته الى "بلاد الجبل" و التي شملت مناطق واسعة من أذربيجان و كوردستان، و من جبال البزر جنوب بحر قزوين، متخللةّ جبال زاگروس وطوروس وممتدة الى البحر الأبيض المتوسط و كذلك أرمينيا5. كما أنّ الحثّيين أطلقوا مصطلح (كور أوگو) على بلاد (سوبارتو) والذي يعني (البلاد العليا) و التي قصدوا بها المناطق الواقعة بين جبال طوروس و نهر هاليس (خالص).

هناك أدلة كثيرة على أن الآشوريين هاجروا الى بلاد (سوبارتو) منذ حوالي سنة 2000 قبل الميلاد وعاشوا هناك في ظل الحكم السوبارتي، ثم تغلّبوا على السكان الأصليين، وسيطروا على البلاد، وأسّسوا فيها مملكة آشور، فعُرفت تلك المنطقة بعدئذ بإسم (بلاد آشور)، حيث يقول الأستاذ حازم هاجاني بأن مملكة سوبارتو كانت محصورة بين جبال زاگروس من جهة الشرق ونهر الخابور من جهة الغرب ولذلك كانت سوبارتو تُطلق على المنطقة الاشورية وأن الاشوريين إستقروا في هذه المنطقة في أوائل الألف الثاني قبل الميلاد عندما هاجرت قبائل سامية من الجنوب الغربي الى الشمال وتوغلت في منطقة ما بين النهرين وإستقرت هذه المجموعة في جنوب كوردستان الحالي في البقعة الممتدة على طول ضفة نهر دجلة اليمنى بين الموصل وشرقاط وكانت هذه المنطقة تُعرف بإسم سوبارتو6. هكذا فأن تأريخ أسلاف الكورد السوباريين يمتد إلى عصور سحيقة في القِدم.

كما أنّ الدكتور محمد بيومي مهران، يذكر أنّ الآشوريين لم يهاجروا الى أرض خالية، بل نزحوا الى بلادٍ كانت تسكنها أقوام آخرى، والمعروفة منها هم (السوباريون) الذين كانوا يعيشون في المنطقة الممتدة من نهر دجلة الى سلسلة جبال زاگروس7.

يذكر الأستاذ طه باقر أيضاً بأنه فـي أواخـر الألـف الثالث قبل الميلاد، هاجـر قسم من الأقوام السامية من جنوب بلاد ما بين النهرَين الـى بلاد سوبارتو (جنوب كوردستان الحالي) وتأثروا بحضارة السوباريين من لغة ودين وعبادة الآلهة وإقتبسوا منهم الطقوس الدينية وأسماء بعض المواقع8. كما يذكر العلّامة محمد امين زكي أنّ بلاد آشور كانت حتى حوالي سنة 1100 قبل الميلاد، مؤلفة من عدة دويلات ضعيفة يتحكم بها أسلاف الكورد الزاگروسيين، حيث حكم الميتانيون بلاد آشور لفترة طويلة من الزمن9.

يذكر (هاري ساغز) أن سرجون الأكادي الأول (حكم بين سنة 2350 – 2294 قبل الميلاد) هاجم منطقة كانت تُدعى (سوبارتو)، وكان هذا الإسم يُطلَق على الأراضي الشمالية في شرق سوريا، وكان الجزء الأوسط منها يدعى (آشور)، وكان هذا الجزء على هيئة مثلّث يقع بين نهر دجلة ونهر الزاب الأعلى ونهر الزاب الأسفل10.

يقول الدكتور عامر سليمان والدكتور احمد مالك الفتيان أنّ إسم آشور لم يكن معروفاً في شمال بلاد ما بين النهرَين قبل الألف الثالث قبل الميلاد، بل كان يتم إطلاق إسم (السوباريين) على السكان القاطنين في تلك البلاد التي كانت يُطلق عليها إسم (سوبارتو)، وعند هجرة الآشوريين إلى شمال بلاد ما بين النهرَين، غَلَب إسمُ الآشوريين وبلاد آشور، وإنصهر الآشوريون مع السوباريين11.


المصادر

1. اسكندر داود. الجزيرة السورية بين الماضي والحاضر. ‏مطبعة الترقي،‏1959 ، صفحة 119.

2. الدكتور نعيم فرح. معالم حضارات العالم القديم، دارالفكر، 1973، صفحة 198.

3. الدكتور عبد الحميد زايد. الشرق الخالد: مقدمة في تاريخ وحضارة الشرق الأدنى من أقدم العصور حتى عام 323 ق.م.، القاهرة، 1966، صفحة 81.

4. محمد أمين زكي. خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التاريخية حتى الآن. ترجمة محمد علي عوني، الجزء الأول، الطبعة الثانية، 1961، صفحة 67.

5. الدكتور جمال رشيد أحمد. دراسات كردية في بلاد سوبارتو، بغداد، 1984، صفحة 3.

6. حازم هاجاني (1997). مجلة متين، العدد 67، دهوك، صفحة 103.

7. الدكتور محمد بيومي مهران. تاريخ العراق القديم، 1990، صفحة 325.

8. طه باقر. مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة، الجزء الأول، بغداد، 1973، صفحة 77.

9. محمد امين زكي. خلاصة تاريخ الكرد وكردستان من أقدم العصور التارخية حتى الآن. ترجمة محمد علي عوني، الجزء الأول، الطبعة الثانية، 1961، صفحة 91.

10. هاري ساغز. عظمة آشور. ترجمة وتحقيق خالد اسعد عيسى وأحمد غسان سبانو، 2011، صفحة 29.

11. الدكتور عامر سليمان و الدكتور احمد مالك الفِتيان. محاضرات في التاريخ القديم، الموصل ، بغداد، 1978، صفحة 143.


المراجع

a. T. G. Gelb (1944). Hurrians and Subarians.

b. Smith, Sidney (1928). Ancient Kurdistan.

c. Herzfeld, E. (1968). The Persian Empire. Wiesbaden, page 158.

d. Izady, Mehrdad R. The Kurds: A concise handbook. Washington, London, Taylor & Francis Publishers, 1992, pp. 268. ISBN 978-0-8448-1727-9.





15
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم (49) – أسلاف الكورد: الميديون

الحضارة الميدية (2)

د. مهدي كاكه يي

على الرغم من قلة الآثار الميدية المُكتشَفة، إلا ان العاصمة الميدية (هكمتانه) لا تزال تحتفظ بِآثار ميدية كثيرة، تشهد على عظمة الحضارة الميدية. المدينة التأريخية للعاصمة الميدية تقع تحت التل المبنية عليه هذه المدينة التي كانت مدينة عظيمة بمقياس ذلك الزمن. كما أنّ تمثال (الأسد الصخري) الرابض في إحدى الساحات العامة بالمدينة، يُظهِر جانباً من الحضارة الميدية.

بُنيت العاصمة الميدية سنة 728 قبل الميلاد على يد مؤسس المملكة الميدية (دياكو) d
 وتمت تسميتها بِ( جه مه زان)6 والتي تعني باللغة الكوردية (مكان الإجتماع)، وسُميّت أيضاً بإسم (هيكمەتانا)، إلا إنها إشتهرت أخيراً بإسم (أكباتانا)، وهذه التسمية أطلقها عليها اليونانيون. إشتهار المدينة بهذا الإسم يرجع الى أن معظم المصادر التي تتحدث عن الميديين، هي مصادر يونانية، مثل (هيرودوت) و(زينفون) وغيرهما. لقد جاء إسم العاصمة الميدية في الألواح الإيلامية أيضاً، وأنّ الاشوريين سموها (بيت دياكو) نسبة الى إسم مؤسس المملكة الميدية وباني عاصمتها. في الروايات الآشورية تمت تسمية العاصمة الميدية بِ(أمدانا) أيضاً، وفي الروايات الهيخامنشية جاءت بإسم (هنگمتانا Hangmatana).

تقع العاصمة الميدية في منطقة قريبة من مدينة همدان الحالية الواقعة شمال نهر نهاوند وشرق مدينة كرماشان. يقول المؤرخ اليوناني (هيرودوت) أن مدينة (هكمتانه) كانت مركزاً للامبراطورية الميدية، وبعد سقوط الميديين وإستلام الأخمينيين للحُكم، أصبحت مدينة (هكمتانه) عاصمة صيفية  للمملكة الأخمينية.
 
تمّ بناء مدينة (هكمتانه) في هذه المنطقة نظراً لطبيعتها الساحرة، حيث تتواجد سلسلة جبال الوند المكسوة بالثلوج خلال فصل الشتاء، الى جانب وجود الأنهار والشلالات الكثيرة والمصايف الجميلة. قام (دياكو) ببناء المدينة فوق تلٍّ لتسهيل الدفاع عنها. كانت مدينة (هكمتانه) مدينة عظيمة، حيث كان طول محيط سورها الخارجي مساوياً لِطول محيط سور مدينة أثينا اليونانية وكانت محصنة تحصيناً قوياً من خلال إحاطتها بِسبعة أسوار دائرية، التي كانت ذات دوائر متتالية، يعلو كل سور الآخر بِشُرفات دفاعية محصنة. كانت جدران خمسة أسوار منها (الأسوار من الخارج نحو الداخل) مصبوغة بألوان مختلفة، حيث كانت جدران السور الخارجي بيضاء وجدران السور الذي يُليه كانت سوداء وجدران السور الذي بعدَه كانت بنفسجية وجدران السور الرابع والخامس كانت زرقاء و برتقالية اللون على التوالي، بينما كانت جدران السور السادس مطلية بالفضّة وجدران السور السابع (السور الداخلي) كانت مطلية بالذهب. في داخل السور الداخلي، تمّ بناء القصر الملكي ومعبداً رائعاً لِعبادة الشمس وبنايَتَين، إحداهما للإدارة والثانية للخزينة. كانت القصور التي بناها (دياكو) تحتوي على حوالي ألف غرفة. كان قصر الملك وخزانته يقعان في الطابق السابع ويحوي مائة غرفة. دعا الملِك (دياكو) مواطنيه الى بناء بيوتهم خارج القلعة وعلى أطرافها. في سنة 330 قبل الميلاد، في الموقع الذي تقع فيه العاصمة الميدية (إكباتانا)، تمّ قتل القائد العسكري المكدوني (پارمينيون Parmenion) بِأمرٍ من الأسكندر المكدونيe.

لاحقاً أصبحت (إكباتانا) عاصمة لملوك الپارثيين والتي خلال عهدهم تمت تسمية عُملتهم بإسم العاصمة الميدية (إكباتانا)، وكانت تتفرع منها عُملات نقدية أصغر إسمها (دراچم drachm) ذات فئة 1 دراچم وذات فئة 4 دراچم، بالإضافة الى مجموعات عُملات نقدية  برونزية. لقد تمّ ذكر هذه العملة في التوراة  بإسم (أچميثا Achmetha) وأيضاً مكتوبة (أهميثا Ahmetha) (عزرا 6.2). بالنسبة الى إستخدام العُملة النقدية (دراچم drachm) لأول مرة، يُحدّثنا (هيرودوت) في سرده لِتأريخ ظهور العُملات النقدية في العالم قائلاً بأنّ الليديين الذي كانوا يعيشون في آسيا الصغرى، إستخدموا (دراچم drachm) كعُملة نقدية خلال القرن السابع قبل الميلاد وأنهم أول شعبٍ إستخدم عُملات ذهبية وفضّية وقام بإنشاء حوانيت في مواقع ثابتة و أنّ اليونانيين تعلّموا إستخدام العُملات من الليديينf. في الحقيقة أنه عند أولى إبتكارات العُملة في العالم، كانت العُملات النقدية عبارة عن سبائك من الذهب والفضة مع كميات قليلة جداً من النحاس والمعادن الأخرى وكانت هذه العُملة تُسمّى (إلكتروم Electrom)g.
 
من الجدير بالذكر أنه الى وقتٍ قريب، كانت (دراخما Drachma) هي العُملة الرسمية في اليونان، إلا أنه عندما إبتكر الإتحاد الأوروپي عُملته النقدية والتي تمت تسميتها بإسم (يورو Euro) وتمّ إستخدامها كعُملة لِدول الإتحاد، قامت اليونان بِإلغاء العُملة اليونانية (دراخما) وإستخدام عُملة الإتحاد الأوروپي الموحدة (Euro)، حيث أن اليونان هي دولة عضوة في الإتحاد الأوروپي. كما أنّ العُملة العراقية (درْهَم) التي كانت متداولة في العهد الملكي، قد تكون لها علاقة أيضاً بِالعُملة الليدية (دراچم).

كان الفن متقدماً خلال فترة الحكم الميدي، حيث قام الميديون بإستخدام الرسوم والزخارف والكتابات على الألواح والجدران والقبور والأحجار والحديد والأنسجة. كما أنهم عرفوا خياطة الألبسة والغزل والنسيج والنقش على الخشب والحديد وصنعوا التماثيل وخاصة للآلهة وللمشاهير منهم. إكتشفت التنقيبات التي أُجريت في تل (هسار) الفن الميدي الرائع، حيث أنه تم العثور في كهفَين على نوع متقدم من الفن. الكهف الأول هو (كهف شهرزور)  الذي يقع في محافظة السليمانية في جنوب كردستان ويضم قبر الملك (كَيخَسرَو) وكذلك يحتوي على رسومات عديدة تتناول مختلف جوانب الحياة السياسية. في هذا الكهف، تم العثور أيضاً على تمثال محفور على حجر لإنسانٍ له أربع أجنحة وعليه صورة كوكب الزهرة التي هي للإله (أناهيتا)، بالإضافة إلى صورة كاهن من الموغ (مجوس أو اليزدانيين) جالس أمام موقد نار. يقع الكهف الثاني في منطقة دوكان الواقعة في إقليم جنوب كوردستان أيضاً، حيث تم العثور فيه على قبر الملك الميدي (أستياگ) الذي كان آخر مَلِك ميدي ووجدت في هذا الكهف أيضاً رسوم عن الطبيعة وأشكالاً زخرفية للطبيعة على الصحون والكؤوس. إمتهن الميديون كذلك الزراعة وتربية الحيوانات وقاموا بِتدجينها و خاصة الحصان.

كان الميديون يهتمون بِتربية المواشي والخيول والجِمال. كانت الخيول الميدية من الخيول المشهورة في المنطقة بِجودتها وخاصة الأنواع البيضاء منها7، ولهذا السبب كانت المملكة الآشورية تأخذ الخيول الميدية من الميديين، كضرائب وجزية. كما أنّ الميديين كانوا يهتمون بالزراعة والتي كانت متطورة في عهدهم8.

يذكر نصٌّ بابلي الملِك الميدي (كَيخَسرَو) بإسم ملِك (أومانمانْده Ummanmande) والتي تعني"القوة المُرعِبة"، حيث يذكر دياكونوف بأنّ البابليين يطلقون هذا الإسم على الشعب الميدي9. كان الميديون يصنعون أسلحة حربية مثل القوس والنشاب والرماح والعربات الحربية10. يُشير (دياكونوف) الى شجاعة الميديين وكونهم كانوا يُشكّلون القوة الضاربة الرئيسية في جيش خشيارشاه11.

كان لإستخدام الميديين البارع للميليشيات أو القائمين بِحرب العصابات، دوراً كبيراً في توسيع إمبراطوريتهم والدفاع عنها. كانت تُسمى تلك الميليشيات بـ (كاره Kara)، حيث تدل الكتابات المنقوشة في نصب (بيستون) في إقليم شرق كوردستان على ذلك. يعد ذلك أقدم سجل تأريخي لهذا النوع من الحروب، حيث أصبح منذ ذلك الوقت الأسلوب الحربي المفضل لدى الشعب الكوردي الى الآن للدفاع عن كوردستان. 

لغة الكتاب الزردشتي المقدس (آڤيستا) قريبة من اللغة الميدية12، حيث أن زردشت إقتبس الكثير من مبادئ وفلسفة وطقوس دينه من الديانة اليزدانية التي كان الميديون يعتنقونها. كما أنّ الدين اليزداني أسهم بشكلٍ كبير في بلورة البُنية الفكرية والروحية للشعوب الهندو - الآريانية والشعوب السامية العائشة في الممالك المجاورة لمملكة ميديا.

المصادر

6. طه باقر واخرون (1979). تاريخ ايران القديم. جامعة بغداد،صفحة 40.   

7. هيرودوت. تاريخ هيرودوت. صفحة 268.

8. دياكونوف (1998). ميديا. ترجمة وهيبة شوكت، دمشق، الناشر محمود أيوب،  صفحة 137، 177، 178.

9. المصدر السابق، صفحة 83.

10. هيرودوت. تاريخ هيرودوت. صفحة 517.

11. دياكونوف (1998). ميديا. ترجمة وهيبة شوكت، دمشق، الناشر محمود أيوب،  صفحة 412.

12. المصدر السابق، صفحة 68، 72، 146، 214، 272.


المراجع


d. Herodotus : the history of Herodotus . translated by Harry Carter ( London – 1962) book 1. Chapter 10.1, pages 96-101.

e. The Anabasis of Alexander; or, The history of the wars and conquests of Alexander the Great. Literally translated, with a commentary, from the Greek of Arrian, the Nicomedian, Published 1884.

f. Herodotus. Histories, I, 94.

g. Carradice and Price, Coinage in the Greek World, Seaby, London, 1988, p. 24.


16
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم (48) – أسلاف الكورد: الميديون

الحضارة الميدية (1)

د. مهدي كاكه يي

قبل التحدّث عن الحضارة الميدية، من المفيد توضيح أسباب قلة المعلومات المتوفرة عن حضارة الإمبراطورية الميدية، حيث أنّ كوردستان هي مهد الحضارات البشرية ولذلك لابد أنها تزخر بِمعالم آثارية كثيرة، إلا أنه نتيجة إفتقار الشعب الكوردي لِكيان سياسي بسبب إغتصاب وطنه، كوردستان، فأن التاريخ الكوردي قد تعرض للإلغاء والتعتيم والسرقة والتزييف والتحوير من قِبل مُغتصبي كوردستان. لِطمس التاريخ الكوردي والحضارة الكوردستانية، لم يقُم مُغتصبي كوردستان بالتنقيب عن آثار أسلاف الكورد، حيث لا يزال قسم كبير من المواقع الآثرية لأسلاف الكورد غير مكتشفة ومُهمَلة ومتروكة. كما أنّ جزءاً من آثار الحضارات الكوردية المُكتشَفة تم إتلافها أو إهمالها من قِبلهم. قسم آخر من الآثار الكوردية، قام مُغتصبو كوردستان بالإستحواذ عليها ويدّعون بأنها تعود لهم. لهذه الأسباب نرى أن هناك معلومات قليلة عن حضارة أسلاف الكورد.

بالنسبة للإمبراطورية الميدية، قلة المعلومات عن حضارتها تعود بشكلٍ رئيسي الى سرقة التاريخ والحضارة الميدية من قِبل الفرس الأخمينيين الذين أسقطوا الإمبراطورية الميدية وأسسوا الدولة الأخمينية في الجغرافية التي كانت تُشكّل المملكة الميدية، فإستحوذوا على الحضارة الميدية ونسبوها لهم. كما أن قسماً كبيراً من المواقع الأثرية الميدية مهملة و لم يتم التنقيب عنها وإكتشافها الى الآن، حيث يذكر (دياكونوف) مايلي: (رغم أنّ علم التاريخ أصبح يملك أدلّة أثرية ومصادر قديمة في هذا القرن، إلا أن أحداث تاريخ ميديا لم تستفد من هذه المنجزات العلمية، بعكس الدول والبلدان الأخرى المعاصرة لميديا. إنّ ما تَقدّم كافٍ لنقول:  إن آثار المدن والحضارة الميدية القديمة لا زالت كامنة تحت الأنقاض، وليس لدينا أيّة نصوص عن سلطة الميديين لمعرفة أحداث ميديا ودولتها)1.
 
في لقاء مع مجلة (گوڵان العربي) يقول الدكتور عبد القادر مارونسي بأنه بعد إنتزاع الأخمينيين الحُكم من الميديين، لم يبقَ أي أثر للحضارة الميدية، بإستثناء بضع كلمات قليلة، علماً أن المتخصصين في هذا المجال يعترفون بوجود حضارة وثقافة ميدية وتراث ميدي2. يستطرد المارونسي قائلاً بأن الأخمينيين تقمّصوا التراث الميدي والحضارة الميدية ويضيف بأن هذا هو رأي أساتذة متخصصين في هذا المجال أيضاً، منهم الدكتور (احمد تفضلي) الأستاذ بجامعة طهران. يمضي الدكتور المارونسي في حديثه و يقول بأن تقمّص الأخمينيين للحضارة والثقافة الميدية شبيهٌ بإنتقال الإرث الى الورثة، حيث ورث الأخمينيون اللغة والكتابة الميدية وديوان الإدارة من الميديين، كما ورثوا أساليب الحُكم من الميديين، وورثوا الأعياد والمناسبات الرسمية والشعبية منهم دون أية إشارة أو إعتراف بذلك2.

يخلص الدكتور المارونسي الى أن الأخمينيين طمسوا معالم الحضارة الميدية والتأريخ الميدي من خلال سرقتهم للحضارة الميدية والتاريخ الميدي والإدعاء بأن هذه الحضارة والتاريخ يعودان لهم. الإمبراطوريات التي تلت الإمبراطورية الأخمينية، وخاصةً الامبراطورية الساسانية، إستمرت بدورها في سرقة التاريخ الميدي والحضارة الميدية2.

يذكر الدكتور المارونسي أيضاً بأن كثيراً من الآثار المكتشفة في همدان هي آثار ميدية تم تسجيلها بإسم الأخمينيين، ويشمل ذلك العديد من المباني والكتابات والجداريات وأنه يعتقد بأن كل ما ظهر حتى الآن في همدان يعود الى الحضارة الميدية2.

كما يذكر (ويل ديورانت) بأن الفرس الأخمينيين أخذوا عن الميديين لغتهم الآرية، وحروفهم الهجائية التي يبلغ عددها ستة وثلاثين حرفاً، وهم الذين جعلوا الفرس يستبدلون في الكتابة الرق (جلد خاص بالكتابة) والأقلام بألواح الطين، ويستخدمون في العمارة العمد على نطاق واسع وعنهم أخذوا قانونهم الأخلاقي الذي يوصيهم بالإقتصاد وحُسن التدبير ما أمكنهم في وقت السلم، وبالشجاعة التي لا حد لها في زمن الحرب؛ ونظام الأسرة الأبوي وتعدد الزوجات وطائفة من القوانين3.

لم يكتفِ الفرس الأخمينيون بالإستحواذ على اللغة الميدية وإقتباس الملابس الميدية، بل أنهم إقتبسوا أيضاً العديد من التنظيمات الإدارية والسياسية والعسكرية الميدية، كالألقاب الرسمية وتنظيم إدارة الدولة والمصطلحات العسكرية، على سبيل المثال (قائد مائة جندي أو آمر الفصيل والمسؤول عن العينة وهيئة العقاب). لقد قام أحد الباحثين الأوروپيين بِتنظيم قائمة بالمصطلحات الأخمينية المُقتبسَة من الميديين. فيما بعد، قام اليونانيون الإغريق والرومان أيضاً بِإستعارة هذه المصطلحات الميدية.

كما يذكر (ستروناچ Stronach) بأن الآثار الميدية والأخمينية متشابهة، حيث إقتبس الأخمينيون كل ما كان يملكه الميديونa. يقول هيرودوت أيضاً بأن الفرس إقتبسوا الخط المسماري من الميديين، كما أن اللغة الأدبية الفارسية تأثرت كثيراً باللغة الميدية ويبدو أن الزي الميدي كان في غاية الإناقة بمقاييس ذلك العصر الى درجة أن الزي الميدي كان معروفاً على النطاق الإقليمي والعالمي وكان معظم الفرس يلبسون الملابس الميدية ويتزيّنون بالحُلي الميديةb. يتكون الزيّ الميدي من شروال ضيق وثوب ذي أكمام تصل إلى الركبة يسمى (أكيناكيسAkinakes )، يتم لبسه فوق الشروال ومن غطاء رأسٍ ليّن مائل قليلاً إلى الأمام مع غطاء أُذن مائل نحو الأعلىc.

يقول هيرودوت: (ليس هناك كالفرس شعبٌ ينْزِع إلى الأخذ بِمناهج من هو غريب عنه، فَهُم يرتدون أزياء الميديين مثلاً، لإعتقادهم بأن تلك الأزياءَ أكثرُ أناقةً من أزيائهم4.

يصف (هيرودوت) ملابس الفرس وعتادهم في الجيش الفارسي الأخميني الجرّار الذي قاده ملِكهم (أَحْشَويرش) في سنة 486 قبل الميلاد في محاولته لِغزو بلاد اليـونان، فيذكر بأنهم كانوا يرتدون القُبَّعةَ المثلثة المتكوّنة من اللَّبّـاد الناعـم والقميصَ المطرَّز مـع أكمامه، وفوقَه الدِّرع الذي يبـدو كحَراشِف السـمك، والسّروال، وأمّا عتـادهم فهو التُّرس المصنوع من قضبان الصَّفْصاف، وتحته المِقْلاع والرمح القصير، والقوس القوي، والسهام المصنوعة من الخَيْزران، والخنجر المربوط بالنطـاق على الفخـذ اليمنى)5. يضيف (هيرودوت) بأن الفـرقة الميـدية في جيش الملِك الأخميني (أَحْشَوِيرش) كانت ترتدي الزيّ نفسه وتتسلّح بالعتـاد ذاته، حيث أنه يؤكد على أن هـذا النمط من اللباس هو ميدي الأصل، وليس زيّاً فارسيّاً.

المصادر

1. دياكونوف (1998). ميديا. ترجمة وهيبة شوكت، دمشق، الناشر محمود أيوب،  ص 17.



2. الدكتور عبد القادر مارونسي. مجلة گوڵان العربي، 2000.

3. ويل ديورانت (1988). قصة الحضارة. ترجمة الدكتور زكي نجيب أحمد، المجلد الأول، الجزء الثالث، صفحة 604.

4. هيرودوت: تاريخ هيرودوت، صفحة 96.

5. المصدر السابق، صفحة 515 - 516.

المراجع

a. Stronach, David (1982), "Archeology ii. Median and Achaemenid", in Yarshater, E., Encyclopaedia Iranica 2, Routledge & Kegan Paul, pp. 288–96, ISBN 978-0-933273-67-2.

b. Herodotus : the history of Herodotus. Translated by Harry Carter ( London – 1962).

c. file:///C:/Documents/KURD/MEJU_kon/MIDIYA/%D8%B2%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%8A%D9%86%20_%20%D9%85%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA%20%D9%83%D8%B1%D8%AF.html




17
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم (47) – أسلاف الكورد: الميديون

ديانة الميديين ومعتقداتهم

هل هناك صلةٌ بين عيد (أكيتي) السومري و رأس السنة الإيزدية و عيد نوروز؟


د. مهدي كاكه يي

لِدراسة وجود صلة بين العيد السومري وعيد نوروز ورأس السنة الإيزدية، نُركّز في هذا المقال على عيد (أكيتي) السومري الذي تم ذكره في السجلات السومرية في منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد أي قبل أكثر من 4500 سنة، حيث أنّ هذا العيد هو الأصل والأقدم.

في الأزمنة القديمة كان التقويم الطقوسي في بلاد ما بين النهرين، يستند على الإعتدال الربيعي والخريفي، حيث أنه عندما يكون القمر والشمس في توازن مثالي مع بعضهما، تبدأ بداية السنة الزراعية و نهايتها على التوالي. أي أنه كان يتم إنطلاق الاعتدال الربيعي من خلال ظهور أول قمر جديد للربيع والذي يصادف نهاية شهر مارس/آذار أو بداية شهر أپريل/نيسان وفقاً لِدورة القمر السنوية، بينما يُمثّل الإعتدال الخريفي ظهور أول قمر جديد للخريف.

تُشير الأساطير السومرية الى أنّ سكان بلاد ما بين النهرين كانوا مزارعين، قاموا بِبناء المدن في هذه البلاد. لذلك كانت تُقام إحتفالات مُهيبة في بداية و نهاية السنة الزراعية، حيث أنّ هاتَين المناسبتَين كانتا تُصادفان إعتدال فصل الربيع والخريف على التوالي. بمرور الوقت تحولت هذه الإحتفالات إلى إحتفالات دينية ذات أهمية كبرى في تقويم الطقوس الدينية لبلاد ما بين النهرين.

تُشير النصوص السومرية الى أنّ السومريين كانوا أول مَن إحتفلوا بِعيد (أكيتو Akitu) الذي كان يبدأ في الأول من شهر نيسان من كل عام. الإسم السومري لهذا العيد هو (أكيتي (Ákiti) وكانت إحتفالات السومريين بهذا العيد تستمر لمدة أحد عشر يوماً1. كان الإله السومري للقمر (نانا  Nanna)، يحكم كلاً من (مرور الوقت) و (خصوبة التربة) وكان إبناً لإله و إلهة الهواء (إنليل Enlil ) و (نينليل Ninlil)a.

بدأت إقامة مهرجان السنة الجديدة في بلاد ما بين النهرين (عيد أكيتي) في مدينة أور التي كانت مدينة الإله (نانا) ومع مرور الوقت إنتقلت طقوس مهرجان (أكيتي) من (أور) الى المدن السومرية الأخرى والى بقية مدن بلاد ما بين النهرين، حيث على سبيل المثال تم تبنّي المهرجان من قِبل مدينة (نيپور  Nippur)، التي كانت العاصمة الدينية لبلاد ما بين النهرين وكذلك مدينة (أداب Adab) و(أوروك Uruk) و(اريدو Eridu) وغيرها، حيث أنّ كل مدينة قامت بِتعديل المهرجان فيها وفقاً لِطقوس الإله الرئيسي لها. كل مدينة إحتفلت بِهذه المناسبة بإدخال تمثال إلهها أو إلهتها الخاصة بها. كانت هذه المهرجانات فرصة عظيمة للترحيب بالإله أو الإلهة المحلية وإظهار الإحترام له أو لها وهذه بدورها دفعت الإله أو الإلهة الى أن يقوم بإدارة المدينة بالعدل وتقديم الخدمات التي كانت المدينة وِأهلها بِحاجةٍ لهاa.

كان برنامج المهرجان السومري يبدأ بِقدوم إله القمر (نانا Nanna)، الذي كان يُرمز إليه بتشميع القمر في السماء و يتم تمثيله من خلال جلب تمثال له الى مدينة (أور) من خارج المدينة. قبل جلب التمثال الى مدينة (أور)، كان التمثال يوضع مؤقتاً في بناية كانت تُسمى "بيت أكيتي"، حيث  كان هناك يتم تقديم الأضحية و الصلوات الى الإله خلال مكوثه في هذا البيت. كان يتم جلب التمثال في موكب فخم، ووضعه في مركبة كبيرة خاصة لمثل هذه الإحتفالات. بعد ذلك كان الإله يستلم إدارة المدينة ويخطط لها ويُدار من قبلهa.

الإسم السومري (Ákiti) إسم مُركّب، مؤلف من 3 كلمات، هي (Á) و (ki) و (ti). حرف (Á) قد يشير إلى (لحظة زمنية) أي (وقت أو فترة)، و (ki) تعني (مكان)، و أن هذه الكلمة لا تزال باقية في اللغة الكوردية ومتحورة الى (جي Cî)، وكلمة (ti) تعني (لقاء) وهذه الكلمة السومرية متحورة في اللغة الكوردية الى (دي Dî) والتي تعني (إلتقى أو رأى). هكذا (Ákiti) قد يعني (لحظة لقاء ِإله القمر "نانا" بِمدينته الأبدية، "أور" لأول مرة) b،  حيث كان الإله يُقيم مرة واحدة في مكانٍ خاص قبل إختيار مدينته التي يُقيم فيها بشكلٍ دائم. لذلك كان يُقام المهرجان للاحتفال بالوقت الذي إختاره الإله السومري (نانا) لتحديد مدينته. إستغراق المهرجان لمدة أحد عشر يوماً هو الفترة التي خلالها يتم تمكين القمر من الإنتهاء من تشمّعه في السماء أي هي المدة التي كانت تستغرقه رحلة الإله (نانا) من بيته المؤقت المُسمى "بيت أكيتي" إلى مدينته الدائمية (أور)a.

تبدأ السنة الإيزدية في أول يوم أربعاء من شهر أپريل/نيسان (Çarșemba sor)، حيث أن الإيزديين يعتقدون بأن هذا اليوم هو يوم بعث الخليقة وبداية الحياة وتكوين الأرض وما يحيى فيها من كائنات وأن في هذا اليوم تنزل الروح على الأرض. هكذا نرى أن رأس السنة الإيزدية يصادف نفس يوم عيد (Ákiti) السومري وبذلك فهو إمتداد لهذا العيد.

كان يوم الأربعاء يوماً مقدّساً عند الآريين. يوم الأربعاء له صلةً بالمعتقدات الكوردية القديمة، حيث أن العدد (4) كان يمتلك مكانة مرموقة في الديانة الميثرائية. كان يُرمز إلى العدد (4) بصليبٍ متساوي الأضلاع، يمثّل العناصر المقدسة الأربع: النار، الهواء، التراب، الماء. كما أنه كان يمثّل الجهات الأربع: الشرق، الغرب، الشمال، الجنوب. كان الصليب الميثرائي يُمثل أيضاً الأزمنة المقدسة الأربع: الولادة، الشباب، الرجولة، الكهولة، حيث أنه مروراً بهذه الأزمنة، تتم إستعادة الروح من جديد بعد إكتمالها. قد يحدث الخلق في أية مرحلة من مراحل هذه الأزمنة دون المرور بِجميعها. مما سبق، يستنتج المرء بأنّ إختيار الإيزديين لِأول يوم أربعاء ليكون رأس السنة الإيزدية، له صلة بالديانة الميثرائية، حيث أنّ الديانة الإيزدية هي فرع من الديانة اليزدانية التي تتجسد فيها الميثرائية.

كما هو معروف، أنّ يوم 21 مارس/آذار هو رأس السنة الكوردية (عيد نوروز). يوم عيد نوروز يصادف الأوّل من نيسان حسب التقويم السومري. هذا يعني أن عيد نوروز يصادف يوم عيد (أكيتي) السومري الذي كان يُقام في الأول من نيسان من كل عام، وبذلك فأن عيد نوروز هو أيضاً إمتداد لِعيد (أكيتي).

المصادر

1. جورج رو (1986). العراق القديم. ترجمة وتعليق حسين علوان حسين، بغداد، وزارة الثقافة والإعلام، الطبعة الثانية، صفحة 148. 

المراجع

a. http://www.gatewaystobabylon.com/religion/sumerianakitu.htm

b. Halloran, John A. Sumerian Lexicon, version 3.0.


18
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم (46) – أسلاف الكورد: الميديون

ديانة الميديين ومعتقداتهم

د. مهدي كاكه يي


الدين الهلاوي (الدين العلوي)


يذكر الپروفيسور جمال نبز في كتابه المعنون "المستضعفون الکورد وإخوانهم المسلمون، طُبع سنة 1994"، بأن أصل كلمة "علوي" يعود الى الكلمة الكوردية "هَلاڤ" التي تعني بالكوردية "بخار الماء المغلي المشبه بالنار المستعرة" وكذلك "لظى النار نفسها" وهذه الكلمة لها صلة بِقُدسية النار عند المثرائيين وتقديم القرابين المطبوخة على نار متّقدة من قِبل اليزدانيين. إقتبست اللغة التركية هذه الكلمة من الكوردية وحورّتها الى "ألڤي" التي تعني "لظى النار" وثمّ تمّ تحويرها من قِبل العرب الى "علوي". هكذا نرى أنّ هذا الإسم له علاقة بالنار المقدسة في الديانات الكوردية القديمة ولا علاقة له بِعلي بن أبي طالب.

الدين الهلاوي، كما هو الحال بالنسبة الى الفروع الأخرى للديانة اليزدانية، هو دين غير تبشيري ويؤمن معتنقوه بِتناسخ الأرواح وحلول الألوهية في البشر. الهلاويون يعتقدون بأن هناك سبعة أدوار للظهور الإلهي كما هو الحال عند اليارسانيين والإيزديين. كما أن الهلاويين يؤمنون بأنّ أرواح الموتى لا تُفنى ولا تذهب الى جنّة أو جحيم، بل يُعاد خلقها من جديد في أجساد جديدة مراراً وتكراراً، فمَن يقوم بأعمال حسنة يرتقي في أجياله المتعددة على سُلّم من 14 مرتبة حتى يصل إلى المرحلة الأخيرة؛ وهي التنوّر النهائي والإتحاد مع الخالق، بينما مَن يقوم بأعمال سيئة، يولد لطوائف أخرى ومن ثم يصبح حيواناً ويستمر في حيوانيته حتى فنائه. كما أن المُعتقد الهلاوي يفرض بالضرورة غياب التدخل الديني الكبير في حياة الإنسان، حيث أنّ الطريق للوصول الى التنّور يكون بِالسلوك الجيد لا بالعبادة.

يؤمن الهلاويون بِوجود هذه الدنيا فقط وأنّ القيامة هي خروج الروح من البدن ودخولها الى بدن آخر وأنّ الأبدان هي الجنة و الجهنم، حيث أنهم لا يؤمنون بِوجود البعث والجنة والنار. المفهوم الهلاوي للإله ليس مفهوم الإله الشخصي الذي يتدخل بتفاصيل حياة الناس ويراقبهم ويحاسبهم لاحقاً ليُدخِلهم في الجنة أو النار، بل يعتقدون بطبيعة كونية للإله، حيث لا يمكن تشخيصه أو الإحاطة به، بل أن كل الكون هو تجلٍّ من تجليات الإله.

(الدستور) هو عبارة عن النصوص الهلاوية المقدسة والذي يتكون من 16 قُدّاساً، يقوم الشيخ بِتلقينها للمُريد الذَكَر البالِغ ليصبح مؤهلاً للصلاة والإشتراك في الإجتماعات الدينية.
يمتلك الهلاويون 12 عيداً دينياً على مدار السنة، لكن هذه الأعياد تقتصر على ممارسة الطقوس والمراسيم الدينية وتقديم الأضحية والنذور. يتم توزيع لحم الأضحية مطبوخاً مع وجبة من البرغل أو الرز.

تُقدّر نفوس الهلاويين الكُلّي في العالم بِحوالي 25 مليون نسمة. في  تركيا وإقليم شمال كوردستان، تبلغ نفوس الهلاويين 25 – 30% من مجموع السكان، أي  20 - 24 مليون نسمة، حوالي 35% منهم من الكورد، أي ما بين 7.0 – 8.4 مليون نسمة. يوجد في تركيا أيضاً هلاويون تركمان الذين يعيشون بصورة خاصة في وسط وغرب  الأناضول بالقرب من البحر الأسود.

يُشكّل الهلاويون حوالي (13%) من نفوس إقليم غرب كوردستان وسوريا، أي 2.3   مليون نسمة. يعيش معظم الهلاويين في المناطق الساحلية والوسطى من سوريا، حيث يقطنون بشكل رئيسي في محافظات اللاذقية وطرطوس وحمص وحماه، مع وجود أعداد قليلة تسكن كلاً من دمشق وحلب.

تُقدّر نفوس الهلاويين في لبنان بِحوالي 70 ألف شخص، حيث يتواجد الهلاويون في جبل محسن الواقع في ضواحي مدينة طرابلس. كما أنهم يعيشون في سهل عكار في شمال لبنان.
 
وفق  التقديرات، يعيش في أوروبا أكثر من مليونَين هلاوي، حيث يتواجد العدد الأكبر منهم في ألمانيا (600 ألف شخص). حوالي 150 ألف منهم يعيشون في فرنسا و 60 ألف شخص في النمسا. تعترف الحكومة النمساوية بالدين الهلاوي رسمياً كَدين مستقل.



19
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم (45) – أسلاف الكورد: الميديون

ديانة الميديين ومعتقداتهم

د. مهدي كاكه يي

الدين الإيزدي


الديانة الإيزدية هي فرع من الديانة الميثرائية التي سادت في كوردستان كما تؤكدها صور ميثرا وأهريمن المكتشفة في موقع الحضر القريب من سنجار التي هي موطن الإيزديةad.

يؤمن الإيزديون بإله واحد كَخالق العالم، والذي هو موضوع في رعاية هذه "الكائنات المقدسة " أو الملائكة السبعة، الذين من ضمنهم "رئيس الملائكة، طاووس ملِك. طاووس ملك، كَحاكم العالم يسبب أموراً جيدة وسيئة التي تحدث للأفراد، وينعكس هذا الطابع المتناقض في الأساطير من سقوطه المؤقت من نعمة الله، قبل ذرف دموع الندم لإطفاء الحرائق لسجنه الجهنمي والتصالح مع الإله. هذا الإعتقاد مبني على إنعكاس الأفكار الصوفية على الملاك إبليس الذي رفض بِفخر إنتهاك التوحيد بعبادة آدم وحواء على الرغم من أمر الخالق الصريح للقيام بالسجود لهما. بسبب هذا الربط بالتقاليد الصوفية لِإبليس، بعض أتباع الديانتَين المسيحية والإسلامية يساوون بين (طاووس ملِك) و الشيطان الذي هو روح الشر عند هاتين الديانتّينae،af  والتي يتم إضطهاد الايزديين بسببه منذ قرون ويُنظر إليهم  ك"عبدة الشيطان". إستمر إضطهاد الايزديين في مجتمعاتهم المحلية داخل حدود العراق الحديث، من قِبل كل من صدام حسين والمسلمين السُنّة المتزمتينag. في شهر أغسطس/آب سنة 2014، تم إستهداف الإيزديين من قِبل إرهابيي الدولة الإسلامية في العراق والشام في حملتها لِ"تطهير" العراق ودول الجوار من الوجود غير الإسلاميah.

الإيزديون، الذين لديهم الكثير من القواسم المشتركة مع اليارسانيين، يقولون أن العالم الذي خلقه الله، كان في البداية لؤلؤة. وبقيت في هذه الحالة الصغيرة جداً والمغلقة لبعض الوقت (أربعون ألف سنة) قبل إعادة تكوينه بشكله الحالي. خلال هذه الفترة تم إستدعاء الأشخاص السبعة المساعدين للخالق (هَپتاد Heptad) للوجود و أبرم الله معهم إتفاقية وعهدَ إليهم العالم. إلى جانب (طاووس ملك)، شمل أعضاء المجموعة السبعة، الذين تمّ إستدعاؤهم إلى حيز الوجود من قِبل الخالق قبل ظهور أي شئ آخر، هم (شيخ آدي) ورفيقه (شيخ حسن) والمجموعة المعروفة بإسم الأسرار الأربعة والذين هم (شمس الدين) و(فخر الدين) و(سجاد الدين) و(نصرالدين).

(الطاووس) الذي يُقدّسه الإيزديون، هو إله القمح السومري القديم دموزي (تموز) الذي، حسب القاعدة الكوردية، تحوّل (الميم) فيه الى (واو) ليصبح (تَووز) أي (طاووس)24. هكذا نرى أن إسم (طاووس) متأتٍ من إسم الإله السومري (دموزي) وهذا يؤكد عُمق الديانة اليزدانية في التاريخ والتي الديانة الإيزدية هي أحد فروعها.

الإيزديون يعيشون في المنطقة الحدودية الواقعة بين جنوب كوردستان وشماله وكذلك يعيش أعداد كبيرة منهم في أرمينيا. تُقدّر نفوسهم بِحوالي مليون نسمة.


المصادر


24. الدكتور جمال رشيد احمد (2002). تموز .. تَووز.. تاووس ابن الآلهة شاووشكا. مجلة شاووشكا، العدد 4، صفحة 6 وما بعدها.


المراجع


ad. Taufiq Wahby. The Remnants Of Mithraism In Hatra and Iraqi Kurdistan, and its traces in Yazidizm > The Yazidis are not Devil. Worshippers Printed by Eveleigh Printing, pp. 42-52, Church Rd., S. W. 13, 1962.

ae. Kurdish Society by Martin Van Bruinessen, in The Kurds: A Contemporary Overview, ed. Philip G. Kreyenbroek, Stefan Sperl, Routledge, 17 Aug 2005, p. 29 “The Peacock Angel (Malak Tawus) whom they worship may be identified with Satan, but is to them not the Lord of Evil as he is to Muslims and Christians” .

af. The Yezidis: The History of a Community, Culture and Religion, by Birgül Açıkyıldız, I. B. Tauris, 30 Sep 2010, p. 2 “Muslim and Christian neighbors of the Yezidis in the Middle East consider the Peacock Angel as the embodiment of Satan and an evil, rebellious spirit” .

ag. http://www.telegraph.co.uk/news/worldnews/1560714/The-Devil-worshippers-of-Iraq.html

ah. https://www.nbcnews.com/storyline/isis-terror/who-are-yazidi-why-isis-targeting-them-n175621



20
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم (44) – أسلاف الكورد: الميديون

ديانة الميديين ومعتقداتهم

د. مهدي كاكه يي

الدين اليارساني


يذكر الپروفيسور إيزادي بأن الأديان الإيزدية واليارسانية والهلاوية (العلوية) هي إمتداد للدين اليزدانيw. يتم إعتناق هذه الديانات الثلاث التي تندرج تحت الدين اليزداني في مجتمعات معزولة نسبياً في المنطقة الممتدة من خراسان إلى الأناضول وجنوب إيران. تذكر المصادر بأنّ أسلمة معتنقي الدين اليزداني إزدادت في غضون القرن الثاني عشر الميلادي.w

هناك تشابه كبير بين الديانة الإيزدية واليارسانيةx وهذا التشابه يعود الى عناصر الإيمان القديمة التي كانت مهيمنة على الآريانيين الغربيبنy. بعض شعائر وطقوس ومعتقدات الإيزديين واليارسانيين مشابهة لتلك التي كانت سائدة في الديانة الميثرائية التوحيدية التي كان الآريون يعتنقونها قبل ظهور الديانة الزردشتيةz.

الفروع الرئيسية للديانة اليزدانية هي الإيزدية واليارسانية والهلاوية. يارسان والذي يُسمّى أيضاً (أهل الحق) عبارة عن أحد فروع الديانة اليزدانية القديمة التي كانت معتنقة من قِبل معظم الكورد قبل المد الإسلامي في كوردستان. هناك إعتقاد شائع بأن معظم الكورد كانوا يعتنقون الديانة الزردشتية قبل إعتناقهم الإسلام ولكن الوثائق التأريخية تشير إلى ان معظم الكورد كانوا من أتباع الديانة اليزدانية التي إختلطت كثيراً مع الزردشتية بعد ظهورها ولكنها حافظت على خطها العام المستقل عن الزردشتية، حيث أنّ الزردشتية نفسها أخذت الكثير من فلسفتها وطقوسها من الديانة اليزدانية. العقيدة الدينية لليارسانيين مشابهة للعقائد الدينية للهلاويين والدروز والإيزديين.
 
منذ القرن الرابع عشر قبل الميلاد، ظهر مصطلح (سان) الميتاني في وثائق حتوشا بمعنى (المسؤول أو السيد) حينما أطلق السائس (كيككولي) على نفسه (أسپا سان Aspa San) أي (سيد الخيول)23. الديانة اليارسانية هي فرع من فروع الديانة الميثرائية التي كان أسلاف الكورد الخوريون – الميتانيون يعتنقونها، لذلك من المرجح جداً أنّ إسم (يارسان) له علاقة بالكلمة الميتانية (سان) التي تعني (مسئول أو سيد) و تعني أيضاً (إله) وكلمة (يار) تعني بالكوردية (صديق، حبيب، صاحب) وبذلك يعني (يارسان) (عاشق أو حبيب الإله) أو (عاشق أو عابد اليزدان).

مصطلح "حق" (كما في أهل الحق) كثيراً ما يُساء  تفسيره كالمصطلح العربي ل"الحقيقة". المعنى الحقيقي يتم تفسيره بوضوح من قِبل نور علي إلهي (توفي سنة 1974 ميلادية) من خلال الصورة المعاصرة للروح في فرع الدين اليارساني الذي تمّ تمييزه عن المصطلح العربي و في واقع الأمر ينبغي أن يكون مكتوباً "حَق" بدلاً من "حقّ" وينبغي أن يتم فهم معناه الصحيح من حيث الدلالة والجوهرab. هكذا فأن كلمة (حق) تعني (الروح أو الإله).

يعتقد اليارسانيون بوجود خالق أعظم أساسي بالإضافة إلى 6 تجسدات للخالق في صور أو هيئات محددة ويتم تجسّد الخالق في هذه الهيئات في بداية عهد او فترة زمنية مهمة. من بعض هذه التجسدات حسب العقيدة اليارسانية هو المسيح وسان سَهاك والذي يُقال بأن ولادته كانت من عذراء. يؤمن أتباع الديانة اليارسانية بتناسخ الأرواح ويؤمنون أن الخالق الأعظم لا يدير شؤون العباد بصورة مباشرة بل عن طريق تجسدات ومنها 6 تجسدات لحد هذا العصر. إسم الكتاب المقدس لليارسانيين هو "سەرەنجام" وهو كتاب مكتوب باللغة الكوردية.

من وجهة نظر اليارسانيين، يتكون الكَون من عالَمَين متميّزَين مترابطَين، هما العالم الباطني والعالم الظاهري، ولكل منهما نظامه وقواعده الخاصة به. على الرغم من أن البشر يدركون فقط العالم الظاهري، إلا أن حياتهم تخضع لِقواعد العالم الباطني. من بين الركائز الهامة الأخرى لِنظام معتقدهم هي أن الجوهر الإلهي له مظاهر متتالية في شكل الإنسان والايمان بِتناسخ الأرواح (دۆناودۆن  Donawdon باللغة الكوردية). اليارسانيون لا يتقيدون بالشعائر والطقوس الإسلاميةac.

يرتكز الدين اليزداني على خمس مرتكزات أساسية وهي:

1. النظافة: تعني نظافة الجسم والفكر وصدق الوعد وحُسن السلوك.

2. الصدق: يعني إختيار الطريق الصحيح والإبتعاد عن الأعمال السيئة.

3. الإبتعاد عن الأنانية وحب الذات والإنتصار على الرغبات الدنيوية.

4. مساعدة الآخرين والتضحية في سبيلهم والعمل على توفير الرفاهية للناس.

5. عدم إيذاء أو الإضرار بالنار والهواء والماء والتربة والطبيعة والإنسان والحيوانات والنباتات والأشجار والطُرق.

الدين اليارساني هو دين توحيدي وغير تبشيري. لا وجود للموت في هذا الدين، حيث يؤمن معتنقوه بتناسخ الأرواح. عند موت الإنسان تنتقل روحه الى جسد إنسان أو حيوان آخر. كما أن هذا الدين ليس له نبي أو رسول مُرسَل من الخالق لأن الرب يُظهر نفسه كإنسان في سبع مرات ويعيش بين البشر ويقوم بإدارة شؤونهم.

في هذا الدين هناك أربع طبقات دينية في المجتمع وهي إبتداءً من أعلى مرتبة دينية الى أدنى مرتبة: پیر، مام، باوه، العامة. يحتفظ معتنقو هذا الدين بالشوارب ولا يؤمنون بالشهادة الإسلامية ولا بالجنة والجهنم، حيث أن الجنة والجهنم موجودان في هذه الدنيا ولا يؤمنون بالثواب والعقاب في الآخرة. يقومون بالتعميد كما في المسيحية لتسمية أطفالهم عند الولادة. لا يصلّون، بل أنهم يقدمون النذور خلال إجتماعات دينية خاصة، تتم خلالها قراءة أدعية خاصة بهم. لا يصومون شهر رمضان، بل يصومون لمدة ثلاث أيام في منتصف الشتاء. لا يحجّون الى مكة، بل يحجّون الى ضريح (سان سهاك) الموجود في منطقة هورامان في الجانب الواقع في شرق كوردستان. لهم كتاب ديني مقدس إسمه (سَرَنجام) المكتوب باللغة الكوردية وجميعه عبارة عن أبيات شعرية. يؤمن اليارسانيون بوجود 7 قدّيسين ولا يلعنون الشيطان لأن الشيطان هو من مخلوقات اليزدان (الرب).

تُقدّر نفوس اليارسانيين بِحوالي 4 ملايين نسمة. يعيش اليارسانيون في إقليم شرق كوردستان وبالتحديد في محافظة کرماشان وأيضاً في جنوب كوردستان، في مناطق كركوك و مندلي و خانقين و في بعض القرى التابعة لمحافظة الموصل و في مدينة بعقوبة في محافظة ديالى. كما أنّ هناك أعداداً كبيرة من اليارسانيين الساكنين في بعض مناطق آذربايجان الإيرانية. مدينة إلخيچي (İlxıçî) الواقعة على بُعد 87 كيلومتر جنوب غربي مدينة تبريز، مسكونة من قِبل اليارسانيين والذين هم من عشيرة گۆران الكوردية والتي أفرادها يعيشون أيضاً في إقليم شرق كوردستان الى جانب الكورد الزازا وأنّ أفراد هاتَين المجموعتَين يتكلمون اللهجة الهورامية.


المصادر


23. الدكتور جمال رشيد احمد. ظهور الكورد في التأريخ – دراسة شاملة عن خلفية الأمة الكوردية ومهدها. الجزء الثاني، الطبعة الثانية، 2005، حاشية صفحة 905.


المراجع

w. Izady, Mehrdad R (1992). The Kurds: A concise handbook. Washington, London, Taylor & Francis Publishers, p. 170. ISBN 978-0-8448-1727-9.

x. Kreyenbroek, Philip G. (1995). Yezidism—Its Background, Observances and Textual Tradition. Lewiston/Queenston/Lampeter: Edwin Mellen Press. pp. 54, 59, ISBN 0-7734-9004-3.

y. Foltz, Richard. Two Kurdish Sects: The Yezidis and the Yaresan. p. 219.

z. Foltz, Richard. "Mithra and Mithraism". Religions of Iran: From Prehistory to the Present. p. 30. ISBN 978-1-78074-307-3.

ab. Elahi, Nurali (1975), Buhan-i Haq (in Persian), Teheran, pp. anecdote 1143.

ac. Z. Mir-Hosseini, Inner Truth and Outer History: The Two Worlds of the Ahl-e Haqq of Kurdistan, International Journal of Middle East Studies, Vol.26, 1994, p.267-268.



21
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم (43) – أسلاف الكورد: الميديون

ديانة الميديين ومعتقداتهم

د. مهدي كاكه يي


العقيدة اليزدانية



الديانة اليزدانية تدعو إلى عبادة الخالق الواحد وتخليص الروح من المادة، والى احترام العناصر الأربعة (النار، الهواء ،الماء ،التراب) وأنّ تعاليمه تقوم على مجاهدة النفس للإنتصار على أسباب الشر والوصول إلى فردوسٍ، حافلٍ بالأفراح والسعادة واللذة المادية
والإشراف على إيقاد النار المقدسة.

تأثرت الديانة اليزدانية بالفلسفة السومرية، كملحمة كلگامش التي تطرح أسئلة فلسفية عن الحياة والموت وموقف الإنسان من الآلهة والسعي للحصول على الخلود. الديانة اليزدانية مبنية على تألية العناصر الطبيعية، وعبادة قوى الطبيعة كالشمس والقمر والنجوم والماء والأرض والإحتفاظ بالقبور كَضريح موضوع على شكل برج مربع، مع غرفة واحدة في الأعلى، حيث كان اليزدانيون يضعون النارَ المقدسةَ فيها.

الثقافة اليزدانية هي ثقافة كوردستانية أصيلة، ثقافة إشراقية، ثقافة سلام، إنها ليست ثقافة تكفيرٍ وجهادٍ وغزوٍ وسلبٍ وسبيٍ وذبحٍ. إنها ثقافة مبنية على مبدأ (اطلب السلام، تُوهَبْ لك الحياة) وليست ثقافة مبنية على مبدأ (اطلب الموت تُوهَبْ لك الحياة) k. حتّى أن القرابين والنذور في هذه الديانة المُسالمة هي في الغالب عبارة عن الفواكه والفطائر. كما أن الطقوس والمراسيم الدينية اليزدانية يتم إجراؤها على أنغام الموسيقى التي تُنعش الروح وتسمو بالمشاعر. لا تزال الموسيقى حاضرةً في طقوس فروع الديانة اليزدانية رغم تعرضها للتحريف والتشويه بشكلٍ كبير. فروع الدين اليزداني هي الديانات الإيزدية واليارسانية والهلاوية والدروزية والشبكية21.

تتمثل الوحدانية في الديانة اليزدانية في خالق الكون (يزدان). في الديانة اليزدانية، لا توجد تسمية خاصة للشر و لا يوجد إله خاص بالشرّ. في فلسفة العقيدة اليزدانية، يزدان (الإله) هو نور وخير مطلق، ولا يمكن أن ينبثق الظلام من النور، ولا يمكن للإله الخيّر أن يُنتج كائناً شرّيراً، يسلّطه على مخلوقاته، فالخير والشر في العقيدة اليزدانية هما من عمل الإنسان، ولذلك فأنّ الإنسان هو صانع أفعاله وأقواله، ولا وجود لِكائن شرّير بإسم (أهريمن أو شيطان) لتحميله وزر أفعال وأقوال البشر. كما أنّ وجود الشر في الدين اليزداني يتناقض مع مفهوم (الخالق) الذي هو خير مطلق. وهبَ الإله (يزدان) الإنسان العقل ولذلك فأنّ الإنسان مُخيّر بين القيام بأعمال خيّرة أو سيئة و هذا يعني بأن الإنسان مُخيّرٌ في التفكير والقيام بالأعمال، سواء كانت أعمالاً صائبة أو خاطئة، جيدة أو سيئة، وأنه يتحمل مسئولية قيامه بالأعمال التي يقوم بها، وهو بنفسه يتحمل مسئولية إرتكابه الأخطاء أو الجرائم. لو أنّ كل ما يقوم به الإنسان هو من إرادة الإله، هذا يعني بأن الإله يدفع الإنسان الى إرتكاب الجرائم والأعمال الشرّيرة الأخرى وأنه مصدر الشرّ. هذا يعني أيضاً أنه في هذه الحالة فأنّ الإنسان المُجرم برئ من جرائمه لأنه فاقد الإرادة وأنه مجرد آلة يستخدمها الإله في إرتكاب الجرائم و أنّ الإله هو المجرم الحقيقي والعقل المدبّر لكافة جرائم وشرور الإنسان. الفلسفة التي تتميّز بها الديانة اليزدانية عن الديانات االمُسمّاة بالسماوية، هي أنه في الديانة اليزدانية، الإنسان هو منبع الخير والشر و ليس الإله. هكذا فأن الفلسفة اليزدانية تقول أنّ أعمال البشر لا يُحددها الإله، بل أنّ الإنسان بنفسه يُحدّد الأعمال التي يقوم بها الإنسان وبذلك يمنح الدين اليزداني للإنسان حرية الفكر والإبداع والإبتكار والإختراع والإعتماد على النفس والثقة بالنفس و العمل على خدمة الإنسانية وبناء الحضارة البشرية، بِعكس الأديان التي تجعل معتنقيها يخضعون للأقدار ويعتمدون على الإله وبذلك يتم تغييب عقل الإنسان وإلغاء إرادته.

كما أنّ العلاقة بين الإله والإنسان في الديانة اليزدانية، هي علاقة روحية هرمونية، علاقة عشق وحُبّ ومحبة، حيث أنّ الإنسان هو جزء من الذات الإلهية. لذلك فأنّ الإله يُحبّ مخلوقاته وأنه إلهٌ مسالمٌ، ليس "جلّاداً"، يُهدد ويُخيف ويُرعِب البشر ويُنذره بالحرق والتعذيب، كما هو الحال في أديانٍ أخرى. هذا يعني بأنّ الإنسان يعبد اليزدان عن قناعة وإيمان وأنّ عبادته غير ناجمة عن الخوف من غضب وعقاب الإله.

مما سبق، نرى أن اليزدانية كانت الدين الأصلي للشعب الكورديl قبل الغزو العربي – الإسلامي لِكوردستان وإحتلالها إستيطانياً من قِبل العرب وفرض الدين الإسلامي على سكّانها. لقد قام الباحث الكوردستاني مهرداد إيزادي Izady Mehrdad في السنين الأخيرة بإجراء أبحاثاتٍ ودراساتٍ حول الدين اليزداني، حيث أنّ معتنقي هذا الدين كانوا السكان الأصليون لِجبال زاگروس. يرى الپروفیسور إيزادي أن مصطلح (اليزدانية) هو مصطلح لِنظام العقيدة التي تسبق الإسلام بآلاف السنين والتي هي في طابعها مُعتقَد آري وليس سامياًl. يُعرّف مهرداد إيزادي الديانة اليزدانية بأنها دين خوري (هوري) قديم ويذكر بأنه قد يكون أسلاف الكورد الميتانيون قاموا بإيجاد بعض الطقوس الڤيدية التي تظهر بِوضوح في الديانة اليزدانيةm.

لقد أحدثَ مفهوم اليزدانية نقاشاً واسعاً داخل المجتمع الكوردستاني وخارجه على حدّ سواء، و خلق جدلاً في أوساط باحثين علميين مرموقين مختصّين بالأديان الآريانية.

المؤرخ الكوردستاني المعروف الأستاذ (محمد موكري) يُشارك الپروفیسور إيزادي في الرأي حول الهوية غير الإسلامية لليزدانيين (الديانات الإيزدية واليارسانية والهلاوية والدروزية والشبكية هي فروع للديانة اليزدانية)، حيث يذكر بأنّ الدين اليزداني أقل إسلامية من الدين البهائي الذي ظهرَ من البابية (Bábism) كَدين غير إسلامي جديدn. كما يؤيد الباحث الإيراني المختص بِعلم الإنسان (Anthropology) الأستاذ (زيبا مير حسيني Ziba Mir-Hosseini) رأي الدكتور إيزادي القائل بأنّ الدين اليزداني هو دين غير إسلامي وأنه دين كوردي بحت، حيث يذكر الأستاذ مير حسيني بأنّ اليزدانيين هم طائفة تعتنق ديناً ظهرَ في العصور القديمة جداً والذي يسمّيه "عبادة الملائكة". يستطرد الأستاذ مير حسيني في حديثه بأن هذا المُعتقد هو في الواقع يعود لِدين غير سامي، مع بُنية فوقية آرية تعود لمعتقدات أسلاف الكورد الذين هم السكان الأصليون لِجبال زا گروس. يمضي الأستاذ مير حسيني في حديثه ويقول بأنّ أي إدّعاء بأنّ اليزدانية أو فروعها هي مُعتقَد إسلامي هو خطأ يشير الى عدم الإلمام بهذا الدين الذي يرجع إلى ما قبل الإسلام بآلاف السنينo. كتاب {دَبيستان المذاهب (Dabestân-e Madâheb)} الذي مكتوب بين سنة (1645-1658 ميلادية) هو أحد  المصادر القديمة الذي يشير الى"Sipâsîâns"  الذي هو مرادف للديانة اليزدانيةp.

في الدين اليزداني، هناك إله متفوق مطلق (هاك أو حق)، مستقل تماماً عن الكون المادي وأنه خالق جميع القوانين الفيزيائية. إنه يشمل الكون كله، يربط معاً الكون كنظام معقد و منظَّم مع ذاته، كما أنه يظهر في (الأسرار السبعة "هَفتاد" أي "الملائكة السبعة")، الذين يحافظون على حياة الكون. يمكن أن يتجسد الإله في الأشخاص، بابا "بوابة" أو الظهور (تجسد الإله في شخص على الكوكب الأرضي)q. هذا الإنبثاق السبعة مماثل للأطوار السبعة لِ(أنوناكي) من آنو (آنوناكي هو مجموعة من الآلهة في الثقافات القديمة لميزوپوتاميا" (في الديانة االسومرية، آنو هو ملِك الآلهة)، وأنها تشمل (طاووس ملك) الذي هو نفس الإله القديم (دوموزي إبن إنكي)r والذي هو الإله الرئيسي في الديانة الإيزدية، والشيخ شمس الدين، الذي هو ميثراs.

يذكر الدكتور جمال رشيد احمد بأنّ (داريوس الأول) يصف على لوحة بيستون أن (ڤارونا) أي (آهورا) هو خالق السماوات والأرض والإنسان وكان مسؤولاً عن (أميشا سپنتا) أو الخالدات الست [فوهو ماناه (الفكر الطيب) و أشا (العدل) و خشارثرا (الحكم) و أرمايتي (الإخلاص) و هَورفَتات (سلامة الروح) و أميريتات (الخلود)] التي تجسدت في المواشي والنار والمعدن والأرض والماء والنبات في الطبيعة، كان يتحمل مسؤولية كل واحدة منها، مَلَكٌ من الملائكة وكان هو سابعهم. الوظيفة الأولى (الفكر الطيب) كانت تمثل مع (العدل) طبيعة المعبودَين (ڤارونا) و (ميثرا). الوظيفة الثانية (الحكم) فهو تجسيد لِقوة (إندرا). كانت (الخلود) ترمز الى مُهمّة (نَساتيا) أي (أناهيتا) عند الآريانيين. ظل في المعتقدات الزردشتية (أهريمن) منافساً لِ(آهورا)، حيث أن (أهريمن) يمثل قوى الشر والدمار والأمراض. بعد سقوط الإمبراطورية الآشورية وإستقرار الميديين في كوردستان، برز (آهورا الحكيم) كصيغة جديدة لِ(آسورا) الميتانيين22.

يؤمن الدين اليزداني بِالطبيعة الدورية للعالم من خلال تناسخ أرواح الإله والبشر الذي هو سمة مشتركة وعبارة عن تجسيد لروح شخص في شكل إنسان أو حيوان أو حتى نبات. هناك سبع دورات لحياة هذا الكون، ستة من هذه الدورات قد حدثت بالفعل، في حين أن الدورة السابعة لم تحصل بعد. في كل دورة، هناك مجموعة مؤلفة من ستة أشخاص تُجسّد فيهم الروح (أُنثى واحدة وخمسة ذكور) الذين سوف يبشّرون الدورة الجديدة ويقودونها (الإله المتجسّد في الدورة السابعة في المجموعة يبقى خالداً ويبقى إلهاً حاضراً). تجسّد روح الإله يمكن أن يكون في واحدة من أشكال ثلاثة: "تجسد التفكير"، و "تجسيد ضيف"، أو الشكل الأعلى وهو "تجسد تجسيداً". يسوع والقادة الثلاثة من الفروع الرئيسية الثلاث للديانة اليزدانية كلها تجسد تجسيداً، أي أن الإله يتجسد في جسم الإنسانt.

هكذا نرى أنّ الميزة الرئيسية لليزدانية هي الإعتقاد في سبعة كائنات إلهية خيّرة التي تدافع عن العالم مع عدد متساو من الكائنات الشريرة. في حين أنّ في اليارسانية والإيزدية تصبح هذه الكائنات سبعة قديسين و في الديانة الهلاوية يُسمّى هؤلاء القدّيسون ب("Yedi Ulu Ozan")u. مظهر آخر لهذه الأديان هو الإعتقاد بتناسخ الأرواح. الهلاويون يؤمنون أيضاً بتناسخ الأرواحu.

اليزدانيون لا يؤدون الفرائض الإسلامية الخمسة وليست لهم مساجد ولا يذهبون إليها. إنهم يحترمون القرآن كإحترامهم للإنجيل. كل فرع من فروع الديانة االيزدانية له كتابه المقدس الخاص به والذي هو أكثر قُدسية ومنزلة فيها من كتب الأديان الأخرىv وأن هذه الكتب المقدسة مكتوبة باللغة الكوردية. 

المصادر

21. توفيق وهبي بك (2006). الآثار الكاملة. إعداد: رفيق صالح، سليمانية، كوردستان، صفحة 17.

22. الدكتور جمال رشيد احمد. ظهور الكورد في التأريخ – دراسة شاملة عن خلفية الأمة الكوردية ومهدها. الجزء الثاني، الطبعة الثانية، 2005، صفحة 735-736.


المراجع

k. http://stuna-kurd.com/%D9%8A%D8%A7-%D8%A3%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D8%B9-%D9%85%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AE-%D9%88%D9%87%D9%8F%D8%A8%D9%8E%D9%84-%D9%84%D9%83%D9%85-%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%AA%D9%83%D9%85-%D9%88%D9%84%D9%86/

l. Izady, Mehrdad R (1992). The Kurds: A concise handbook. Washington, London, Taylor & Francis Publishers, p. 172. ISBN 978-0-8448-1727-9.

m. http://www.kurdistanica.com/?q=node/74

n. Mukri, Muhammad (1966). L'Esotrérism kurde (2nd (2002) ed.), Paris, p. 92.

o. Mir-Hosseini, Ziba (1992). "Faith, ritual and culture among the Ahl-e-Haqq". In Philipp G. Kreyenbroek; Christine Allison. Kurdish culture and identity. London: Zed Books. p. 132. ISBN 1-85649-330-X.

p. Azar Kayvan (1645–1658). "Dabestan-e Madaheb, section 1-2".

q. http://www.kurdistanica.com/?q=node/101

r. Açıkyıldız, Birgül (2010). The Yezidis: The History of a Community, Culture and Religion. I. B. Tauris. ISBN 978-1-84885-274-7.
 
s. Bidlīsī, Sharaf Khān & Mehrdad R. Izady. The Sharafnama: or the History of the Kurdish Nation, 1597. Mazda Publishing, 2000. ISBN 1568590741.

t. Elahi, Nurali (1975), Buhan-i Haq (in Persian), Teheran, pp. anecdote 487.

u. Izady, Mehrdad R. (1992). "The Kurds: a concise handbook". Washington & London: Taylor & Francis. ISBN 0-8448-1727-9.

v. Elahi, Nurali (1975). Buhan-i Haq (in Persian), Teheran, pp. anecdote 1143.
 



22
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم (42) – أسلاف الكورد: الميديون

ديانة الميديين ومعتقداتهم

د. مهدي كاكه يي

4. بقايا المعتقدات اليزدانية في المجتمع الكوردستاني


هناك معابد كثيرة في منطقة الشرق الأوسط تُعرف بأسماء قدّيسي اليزدانيين والمسيحيين والمسلمين، والتي هي في الأصل معابد ميثرائية، خاصةً تلك المعابد الموجودة في المناطق الجبلية والقريبة من الكهوف وينابيع المياه. كما أن آثار الديانة الميثرائية لا تزال باقية في كنائس الغرب ومعابدها، وخاصةً في مدينة روما الإيطالية. من الجدير بالذكر، أنّ كلمة (محراب) العربية مأخوذة من كلمة (مهر آب) التي تعني (مكان عبادة ميثر)ا18.

كما أنه لا تزال شعوب الشرق الأوسط وشعوب البلدان الغربية تتبع بعض المعتقدات الميثرائية دون أن تعرف مصدرها، على سبيل المثال، عند القيام بِتقليم الأظافر أو قص الشَعر أو عند سقوط الأسنان، يتم إخفاؤها في شقوق الجدران أو بين الصخور والأحجار. كما أنّ هذه الشعوب تُقْسِم بالشمس وتقوم بِصلاة الفجر قبل بزوغ الشمس والتي هي من بقايا المعتقدات الميثرائية.

تظهر كذلك بقايا معتقدات الديانة المثرائية بوضوح في فروع هذه الديانة، الإيزدية والهلاوية والدروزية واليارسانية والشبك، مثل تناسخ الأرواح والإعتقاد بوجود قوتَين متضادتَين: الخير والشر، وكذلك قُدسية الشمس والنار وتقديم القرابين (النذور) للأحياء والأموات و تقبيل الأرض الذي هو طقس ديني للتعبير عن حب الإنسان للأرض وشكرها، حيث يعيش الإنسان عليها و أن إستمرارية حياته مرتبطة بها.

في هذه الفروع الدينية، يتم تقديم القرابين، مثل لحم الثور و الغنم والدجاج خلال إجتماعات دينية خاصة وهذه الفريضة هي إمتداد لتقديم الثور قرباناً في الطقوس الميثرائية، حيث كان ميثرا يقوم بتقديم الثور كقُربان ووجهه إلى الشمس ويهجم عليه عقرب وثعبان كمخلوقَين لأهريمن. يحاول كلب ميثرا إبعاد العقرب والثعبان ويتحول ذيل الثور إلى سنبلة ومن دم الثور ولحمه وعظامه وجلده ينبت الخضار والزرع وتزدان الطبيعة من جديد، وتنبت الكروم من دم الثور ومن عنبها يُصنع الخمر. كانت هذه الطقوس تُجرى في كهفٍ أو بالقرب منه، وكانت تُمارس بمصاحبة الرقص والأغاني و حرق أعشاب الـ (هوم، سوم) أو (سوما). لذلك كانوا يطلقون على هذه الرقصة (سەما SEMA) والتي هي إسم لِعُشب مقدس. لا تزال كلمة (سەما) حيّة في اللغة الكوردية وتعني نفس المعنى، أي (رقص). كان يتم ذبح الثور في المعابد الميثرائية في مراسيم خاصة كقربان للشمس، ويُقطع إلى أوصال ثم يُطبخ ويتسابق الميثرائيون للحصول على قطعة منه. الى الآن اليارسانيون والهلاويون والإيزديون يمارسون نفس هذه الطقوس والمراسيم الميثرائية. من الجدير بالذكر أنه كان من الضروري أن تتم ممارسة هذه الطقوس عند الميثرائيين، في سرداب أو ما يشبه كهف مظلم يتم نقره و حفره في الصخر. هذا الإجتماع الديني كان يُسمى (جەم CEM) في الديانة الميثرائية ولا يزال يحمل نفس الإسم عند الإيزديين والهلاويين واليارسانيين. إنّ كلمة (جمع) العربية ومشتقاتها مثل (مجموع، جماعة، جِماع، تجمّع) كلها مأخوذة من الكلمة الخورية (جەم).

كان يعتقد أصحاب الديانة الميثرائية أنّ (ميثرا) هو إله الشمس الذي ولِد في كهف في 25 ديسمبر/كانون الأول الذي هو يوم الإنقلاب الشتوي، حيث أن الشمس تصل إلى نهاية إنحدارها في 23 ديسمبر/كانون الأول وتتوقف في مكانها في 24 من هذا الشهر وتبدأ بالنهوض والإعتراء في 25 من الشهر نفسه، والذي هو يوم تخلصها من قبضة (أهريمن) وهو رمز ولادتها ويوم ميلاد (ميثرا) من أم عذراء19. نشأت عبادة (ميثرا) في المغاور والكهوف وأنّ رمزه هو النور والشمس ومات في سبيل خلاص الشمس ودُفن وثمّ قام مرة ثانية من القبر و أحيي عند قيامته بإحتفال عظيم. كانت أعياده هي يوم الإنقلاب الشتوي في 25 ديسمبر/كانون الأول وهو يوم ولادته وأنّ يوم نوروز هو يوم قيام ميثرا ويوم الأحد هو يوم الشمس (Sunday) من كل أسبوع20.

عندما حكم الإمبراطور الروماني ( قسطنطين العظيم ) روما من سنة ( 306 – 337 م)، أصبحت المسيحية دين الإمبراطورية الرومانية المُهيمنf، g. خلال حكمه، أصدر (قسطنطين) مرسوماً والذي بموجبه جعل يوم الأحد هو اليوم الذي قام فيه السيد المسيح والذي يكون يوماً خاصاً للعبادة وتمجيداً لِاله الشمس (ميثرا) ويجب إغلاق أبواب المحاكم ودواوين الحكومة في اليوم المذكور ويكون هذا اليوم هو يوم الشمس (Sunday) ويكون عطلة رسمية لِإله الشمس (ميثرا)20.

كان يتم الإحتفال بِعيد ميلاد (ميثرا)‌ الذي يصادف الخامس والعشرين من شهر کانون الأول/ديسمبرh. في هذا اليوم، يكون الليل هو الأكثر طولاً في السنة، حيث بعد هذا التاريخ يبدأ طول الليل بالنقصان ويزداد طول النهار. عند ميلاد الإله (ميثرا) في كهف مظلم في هذا اليوم الأظلم خلال السنة، أضاء (ميثرا) بِنوره الكون. لذلك كان أسلاف الكورد الميتانيون يعتقدون بأنه بولادة ميثرا، تخلصت الشمس من قُبضة إله‌ الظلام وأخذت بالصعود إلی السماء وأنارت الكون والحياة.

كما نرى، فأن تاريخ ميلاد المسيح يصادف نفس تاريخ ميلاد (ميثرا)، حيث أنه بعد إنتشار الدين المسيحي في أوربا، وخاصة في روما، قام المسيحيون بِجعل تاريخ ولادة الإله‌ (ميثرا) تاريخاً لولادة السيد المسيحh. هكذا نرى تبنّي الدين المسيحي لِيوم ميلاد (ميثرا) ليكون يوم ميلاد نبيهم (عيسى).

تبعاً لنصوص الإنجيل، فأن السيد المسيح وُلِد في فصل الربيع، حيث يشير الإنجيل الى أن رعاةً كانوا يرعون أغنامهم في الليل عندما سمعوا خبر ولادة المسيح {(لوقا 2:8 (Luke 2:8)}. هذا يوحي الى أن ولادة المسيح كانت في موسم الربيع، حيث تزامنَت ولادته مع فترة ولادة الخرفان التي تحصل في موسم الربيعi. من المرجّح أن المسيح مولود في 28 آذارj.


المصادر


18. توفيق وهبي (2010). اليزيدية بقايا الديانة الميثرائية. ترجمة شوكت إسماعيل حسن، دار سردم للطباعة والنشر، سليمانية، كوردستان، صفحة 8.

19. فاروق الدملوجي (1953). الآلوهية في الديانة الزردشتية، صفحة 27.

20. المصدر السابق، ص 28.


المراجع

f. http://www.roman-empire.net/decline/constantine.html

g. R. Gerberding and J. H. Moran Cruz, Medieval Worlds (New York: Houghton Mifflin Company, 2004. p. 55.

h. http://www.iranchamber.com/religions/articles/mithraism_influence_on_christianity.php

i. http://www.biblicalarchaeology.org/daily/biblical-topics/new-testament/how-december-25-became-christmas/

j. Sheler, Joseph L. placed Jesus's birth on March 28. U.S. News & World Report. In: Search of Christmas, Dec. 23, 1996, p. 58).


23
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم (41) – أسلاف الكورد: الميديون

ديانة الميديين ومعتقداتهم

د. مهدي كاكه يي

3. صمود الديانة اليزدانية وإستمراريتها

في البداية أود أن أقدم إعتذاري عن حصول خطأ في ترقيم تسلسل الحلقة السابقة من هذه السلسلة من المقالات والتي تدور حول تواصل الدين اليزداني بعد إنهيار الإمبراطورية الميدية، حيث أن الحلقة السابقة هي الحلقة (40) وليست (39).

بعد ظهور الإسلام وإحتلال كوردستان من قِبل العرب، بدأت الديانة اليزدانية تصارع من أجل البقاء ضد الزردشتية السياسية الفارسية وضد العقيدة الإسلامية13. على سبيل المثال، تعاون الحكام الفُرس مع الدولة العباسية للقضاء على ثورات الخوراميين اليزدانيين في القرن التاسع والعاشر الميلادي، حيث قام بابَك الخورامي بثورة عارمة التي دامت من سنة 816 – 837 ميلادية ضد الحكم العربي الإسلامي14 (إسم "الخوراميين" متأتي من "خۆر" التي تعني بالكوردية "الشمس").

ظلت الديانة اليَزدانية بفروعها المختلفة سائدة بين الشعب الكوردي إلى القرن الثاني عشر الميلادي، أي الى قبل حوالي 800 سنة15. في القرن الحادي عشر الميلادي تم عقد تحالف بين الخلافة العباسية والترك السلاجقة وتم غزو بلدان غرب آسيا من قِبل السلاجقة الذين قاموا بالقضاء على الإمارات الكوردية التي كانت قائمة في المنطقة، من ضمنها الإمارة الروادية في أَذربيجان وجنوبي القوقاز والإمارة البرزيكانية في همدان والشدّادية في أرمينيا والدوستكية في وسط وشمال كوردستان وإمارة (شوانْكارَه) في بلاد فارس وإمارة (أَرّان) التي كانت قائمة في كل من أَذربيجان وأرمينيا وجورجيا الحالية15.

في النصف الثاني من القرن 16 الميلادي، أي منذ حوالي 400 سنة، أصبحت غالبية الكورد مسلمين واضطرّت فروع الديانة اليزدانية {إيزدي، يارساني، هلاوي (علوي)، الشبك، الدروز) إلى إقتباس بعض الرموز الإسلامية وإضافتها الى معتقداتها لحماية معتنقيها من القتل والسبي والظلم والإهانة وللحفاظ على دينهم الكوردي الأصيل. على سبيل المثال، سُمّي الملاك ميكائيل بِ(الشيخ أبو بكر) في الإيزدية، وأصبح علي بن أبي طالب شخصية مقدّسة رئيسية عند اليارسانيين والعلويين الكورد، وحلّت الأسماء العربية محل الأسماء الكوردية عند أتباع هذه الفروع اليزدانية، فالإسم الكوردي العريق (آدي) مثلاً، كان إسم أحد آلهة أسلاف الكورد الخوريين، أصبح إسمه عند الإيزديين إسماً عربياً وهو (عَدي)16 ونسبَ أمراء الإيزديين أصلهم إلى الأسرة الأُموية العربية، وإتخذوا بعض أسمائهم مثل إسم (مُعاوية).

صمدت فروع الديانة اليزدانية أمام كافة الضغوط والبطش وإستمرت الى يومنا هذا بسبب أصالتها الكوردية وترسّخها في المجتمع الكوردي وكونها جزءاً مهماً من ثقافة ولغة وتراث وتاريخ الشعب الكوردي التي حافظَ عليها أتباع هذه الديانات وتحمّلوا من أجلها المآسي والويلات، إلا أنهم لم يستسلموا، بل أصرّوا على حماية معتقداتهم الكوردية والثقافة الكوردية والتراث والتاريخ الكوردي وقدّموا ولا يزالون يقدّمون التضحيات والقرابين في سبيل الحفاظ على الهوية الكوردية المتجسدة في أديانهم.

هكذا حافظ الدين اليزداني على وجوده الى اليوم رغم المذابح والتهديدات والضغوط التي تعرّض له، إلا أنه نتيجة تفرّق وتشتت معتنقي الدين اليزداني جغرافياً، أصبحت لهذا الدين أسماء مختلفة، حيث أن في كل منطقة جغرافية، يعيش فيها معتنقو الدين اليزداني، تغيّر إسم هذا الدين وأخذ له إسماً خاصاً به في تلك المنطقة. هكذا إنبثق من الدين اليزداني، الديانة الإيزدية والهلاوية واليارسانية والدروزية والشبكية.

بالنسبة الى الدروز، فأن عائلة جانبولاد (جنبلاط) في لبنان التي تُدين بالديانة الدروزية، ينتمي نسبها الى الأمير الكوردي (منتشا = مند) الذي كان أميراً للإمارة الكوردية (كلس) و خدم الدولة الأيوبية في الشام و أصبح هناك والياً لناحية (القصير) الواقعة على مقربة من مدينة (أنطاكية) الواقعة في شمال كوردستان و بعدها أصبح أمير أمراء الشام و حلب. في عهد السلطان العثماني (سليمان)، تم إسناد منصب الإمارة الى إبنه (جانبلاد) و الذي إستمر في الحكم الى سنة 1016 هجرية (1584 ميلادية). في سنة 1630 ميلادية، إنتقل سعيد بك إبن جنبلاط زاده مع إبنه (رباح) الى بيروت و إستقرا هناك. علماً بأنّ العائلة الجنبلاطية كانت تعتنق الديانة الإيزدية17.

فيما يتعلق بِتسمية "العلويين"، يذكر البروفيسور جمال نبز في كتابه المعنون "المستضعفون الکورد وإخوانهم المسلمون، طُبع سنة 1994"، بأن أصل كلمة "علوي" يعود الى الكلمة الكوردية "هَلاڤ" التي تعني بالكوردية "بخار الماء المغلي المشبه بالنار المستعرة" وكذلك "لظى النار نفسها". إقتبست اللغة التركية هذه الكلمة من الكوردية وحورّتها الى "ألڤي" التي تعني "لظى النار". هذا الإسم له علاقة بالنار المقدسة في الديانات الكوردية القديمة.


المصادر

13. إبن خلدون. تاريخ ابن خلدون. الجزء الرابع، صفحة 993.

14. الطبري. تاريخ الطبري. الجزء الثامن، صفحة 622.

15. عبّاس إقبال (1984). الوزارة في عهد السلاجقة. ترجمة د. أحمد كمال الدين حلمي، الطبعة الأولى، صفحة 29.

16. جرنوت فيلهلم (2000). الحوريون. ترجمة وتحقيق فاروق إسماعيل، الناشر: دار جدل، الطبعة الأولى، صفحة 100.

17. محمد أمين زكي (1948). خلاصة تأريخ الكرد و كردستان – تأريخ الدول و الإمارات الكردية في العهد الإسلامي. الجزء الثاني، مطبعة السعادة، مصر، صفحة 376 – 380).


24
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم (39) – أسلاف الكورد: الميديون

ديانة الميديين ومعتقداتهم

د. مهدي كاكه يي

2. تواصل الدين اليزداني بعد إنهيار الإمبراطورية الميدية

بعد أن أصبحت الزردشتية الدين الرسمي للمملكة الأخمينية، ظل الدين اليزداني سائداً بين سكان المملكة. بعد إستلام الحُكم الأخميني من قِبل (أَرتَخششتا الثاني "أَردشير الثاني")، الذي كان إبن دارا الثاني (404 – 359 قبل الميلاد)، أصبح (ميثرا Mithra) إله العدل والإخلاص إلى جانب الإله (أهورامزدا)، حيث يقول (أَرتَخششتا الثاني): {أنا أصنع صور مهر (ميثرا) وناهيد، وأضعها في هذا القصر}. (ناهيد) هي الإلهة (آناهيدا Anahide) التي تَمنح الخصب والنجاح. هكذا كان (ميثرا) إلهاً شعبياً خلال الحُكم الأخميني، يتضرع إليه الملوك الأخمين في النقوش، وكان الملوك والعامّة يُركّبون أسماءَهم منه، مثل (مِيثرادتيس)10.

يصف زردشت دينه الجديد (مَزْديَسْنا) بأنه دين إله النور الأوحد (أَهُورامَزْدا)، وقام بمحاربة الدين اليزداني، فألغى قسماً من معتقدات هذا الدين، وقام بتعديل القسم الأخر وجعله جزءاً من الزَّردشتية، وجعل إله الشمس (ميثرا) أحدَ كبار الملائكة الذين يساعدون الإله (أهورامَزدا) في الحرب ضد إله الظّلام (أهريمان). في إطار هجومه على الأديان الآريانية السابقة، إعتبر زردشت أنّ عبادةَ (ڤارونا Varona) الذي كان الإله المحارب للآريين في الهند، وعبادةَ الإله (ميثرا) والإله (آَهُورا) هي عبادة الجِنّ والشيطان.

بعد وفاة زردشت، ترك أكثرية معتنقي الزردشتية دينهم وإعتنقوا الدين اليزداني من جديد وتحالفوا مع اليزدانيين، حيث أن الديانة الزردشتية لم تكن راسخة في نفوس الأشخاص الذين لبّوا دعوة زردشت وإعتنقوا الزردشتية.
 
بعد إنتصار (الإسكندر المكدوني) على آخر ملوك الأخمين (دارا الثالث) في سنة 331 قبل الميلاد وإسقاط الإمبراطوريةَ الأخمينية في معركة (گُوگاميلا Gaugamela) التي دارت في سهل أربيل، حاول (الإسكندر المكدوني) التقريب بين الشرق والغرب ودمج الثقافتَين الشرقية والغربية. كانت الديانة الزردشتية آيديولوجية الإمبراطورية الأخمينية الفارسية في ذلك الوقت، حيث كانت تُشكّل عقبة في تنفيذ مشروع (الإسكندر المكدوني) الهادف الى التقريب والدمج بين الثقافة الشرقية والغربية. لذلك أمر (الإسكندر المكدوني) بِحرق الكتاب المقدس (آڤيستا).

بعد إختفاء المملكة الأخمينية وإلغاء الزردشيتة كَدين رسمي للبلاد، استعادت الديانة اليزدانية مكانتها المرموقة، حيث أصبح (ميثرا) من جديد إلهاً للشمس (مِهِر) وأخذت الناس يمارسون طقوس وشعائر الديانة اليزدانية ويحتفون بمناسباتها وأعيادها. إستمرت الديانة اليزدانية في إزدهارها خلال حُكم (السلوقيين Seleucids) الإغريق (سنة 312 – 63 قبل الميلاد). في عهد المملكة الپارثية (سنة 249 قبل الميلاد - 226 بعد الميلاد)، حدث تقارب بين الديانة القديمة والجديدة وإستمرت معتقدات الديانة اليزدانية، حيث أن بعض ملوك المملكة الپارثية كانوا يحملون إسم (ميثرادات).

في القرن الأول قبل الميلاد، في ظلّ الإمبراطورية الرومانية، ظهر (ميثرا) كَنبي ومُجسِّد للإله وسادت الميثرائية بين سكان المنطقة، حتى أنها إنتشرت في صفوف الجيش الروماني، حيث يذكر (أرنولد توينبي) بأنّ الجنود الرومان قد حملوا (ميثرا) من الفرات إلى بريطانيا11.

كان جميع ملوك المملكة الكوردية (پونْت Pontus) الواقعة في آسيا الصغرى، يحملون لقب (ميثريدات) وهذا يدلّ على أن سكّان هذه الممالك كانوا أيضاً يعتنقون الديانة اليزدانية أو كانوا يعيشون تحت تأثيرها. في عهد الملِك (ميثريدات Mithridates) العظيم (سنة 120 – 63 قبل الميلاد)، الذي كان ملِكاً لِمملكة (پونت)، إمتدّ نفوذ هذه المملكة من اليونان إلى جنوبي أُوكرانيا. من الجدير بالذكر أنّ الرومان قضوا على هذه المملكة وقضوا كذلك على المملكتَين الكورديتَين (كاپادوكيا Cappadocia) و(كوماجينCommagene ) اللتين كانتا تقعان أيضاً في آسيا الصغرىe.

عند إستحواذ الساسانيين على السلطة (سنة 226-656 ميلادية)، تمسكوا بالسلطتين الدينية والقومية وقاموا بِفرض الديانة الزردشتية بالقوة على سكان المنطقة. أدت هذه السياسة الى حدوث صراعٍ بين الديانة اليزدانية والزردشتية. كان الملوك الساسانيون يقومون بين وقتٍ وآخر بِحملات عسكرية على كوردستان للقضاء على المعتقدات اليزدانية. لِكون الزردشتية كانت الديانة الرسمية للملوك الساسانيين، كانت فرصة إنتشارها أوفر حظاً وعمد أتباعها بإلصاق تُهمة عبادة قوى الشر (أهريمن) على أتباع الديانة اليزدانية. هذه التهمة التي روّجها الملوك الساسانيون وأتباع الدين الزردشتي ضد معتنقي الديانة اليارسانية، شاع إلتصاقها بهم في المنطقة بأسرها وعُرفوا من قِبل الأقوام المجاورة  بأتباع وعبدة (أهريمن) أي الشرّ. بعد ظهور الديانتين المسيحية والاسلامية، ظل هذا الإتهام رائجاً، في حين أن معتنقي الديانة اليزدانية كانوا ينظرون الى آلهة الميتانيين التي كانت الآلهة  القديمة للشعوب الهندو – الآريانية، بأنها آلهة الخير. إستمرت الديانة اليزدانية وقاوم معتنقوه تأثير الديانات الزردشتية والمسيحية والاسلامية على دينهم ومعتقداتهم.

خلال السنوات (816 – 837 ميلادية) قام (بابَك الخورامي) بِثورة عارمة ضد الدولة العباسية، والتي شملت معظم مناطق جنوب وشرق كوردستان، حيث أنها إمتدت من لورستان جنوباً الى آذربيجان شمالاً، واستمرّت 22 سنة12. كان أحد أهداف هذه الثورة هو رفض الدين الإسلامي والعودة إلى الدين اليزداني، ولذلك عُرِفوا في المصادر العربية باسم (خُرّميين) أي (خوراميين) أي (أتباع الدين الشمساني اليزداني).

المصادر

10. جفري بارندر (1992). المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ترجمة د. إمام عبدالفتاح إمام، مراجعة د. عبدالفتاح مكاوي هامش 29، صفحة 396.

11. أرنولد توينبي (2011). مختصر دراسة التاريخ. ترجمة: فؤاد محمد شبل، مراجعة: محمد شفيق غربال، تقديم: عيادة كحيلة، الجزء الثاني، المركز القومي للترجمة، القاهرة.

12. الطبري. تاريخ الرُّسل والملوك، الجزء التاسع، صفحة 50.

المراجع

e. Izady, Mehrdad R (1992). The Kurds: A concise handbook. Washington, London, Taylor & Francis Publishers, p. 39. ISBN 978-0-8448-1727-9.


25
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم (39) – أسلاف الكورد: الميديون

ديانة الميديين ومعتقداتهم

د. مهدي كاكه يي

1. اليزدانية كانت الدين الرسمي للإمبراطورية الميدية
هناك معلومات قليلة عن المعتقدات الدينية للميديين قبل نشوء المملكة الميدية وخلالها، حيث أنهم لا بد كانت لهم معتقداتهم كما كانت لشعوب المنطقة. هناك دلائل كثيرة تُشير الى أنّ الميديين كانوا خلال فترة حُكمهم، يعتنقون الديانة اليزدانية التي هي تجسيد للديانة المثرائية. من الأدلة التي تُعزز كَوْن الدين اليزداني كان ديناً رسمياً للمملكة الميدية هي ما يلي:

1. يذكر الدكتور جمال رشيد احمد بأنه في العصر الميدي، الإله (بگا)، الذي كان إلهاً للنور والحكمة، إتخذ هو والملائكة المحيطين به لقب (يزدان)، حيث أنه لا يزال معتنقو الديانة الإزدية يبدأون صلاة الفجر والشروق قائلين بالكوردية (بإسم يزدان المقدس الرحيم الجميل)، ثم بالحمد والتعظيم. بنفس الأسلوب، يجري هذا التكبير عند اليارسانيين والشبك1.

2.  لا يخفى أنّ الميديين أسسوا مملكتهم في الأراضي التي كانت تُشكّل المملكة الخوريةَ ولذلك يكون الميديون قد ورثوا الثقافةَ والمعتقدات الخورية، بما فيها الدين اليزداني. كانت الميثرائية دين الآريين، من ضمنهم أسلاف الكورد الخوريين – الميتانيين، حيث كانت الديانة الميثرائية سائدة آنذاك بين الآريانيين، الذين الكورد هم جزء منهم.

3. مصادر كثيرة تذكر بأنّ الدعوة الدينية لِزردَشت ظهرت في أواخر الحُكم الميدي، بينما تمّ ذكر الميديين في المصادر التأريخية منذ القرن التاسع قبل الميلاد، أي قبل ظهور زردشت بِأكثر من 300 سنة. في الحقيقة أن الميديين هم السكان الأصليين في المنطقة وكانوا يعيشون على أرض كوردستان الحالية قبل ولادة زردشت بِآلاف السنينa،  b.

هذا يعني بأن الميديين كانوا يعتنقون ديناً آخراً، حيث كانت الديانة الزردشتية كانت لا وجود لها خلال فترة الإمبراطورية الميدية. لذلك عندما قام زردشت المولود في ورمێ (أورميه) الواقعة في إقليم شرق كوردستان الحالي، بِنشر دينه بين قومه، رفض الكهنة المجوس دعوته وقاوموها [الكهنة المجوس هم الكهنة الذين كانوا يتولّون الشؤون الدينية وكانوا ينتمون إلى القبيلة الميدية (ماگويي Magoi)، الذي تحوّل إلى الكلمة اليونانية (ماگوس Magos) عند اليونانيين وأصبحت (مجوس) عند العرب2. لذلك إضطر زردشت أن يترك قومه ومدينته ويهاجر إلى مقاطعة (باكتريا) الواقعة في شرقي إيران الحالية وقام بِنشر دينه هناك.

يقول زردشت في الكتاب الزردشتي المقدّس (آڤێستا) مناجياً ربه:
إلى أي أرض يمكنني الهروب؟
أين تتجه خطواتي؟
لقد تمّ إبعادي عن العائلة والعشيرة،
لم أعد محبوباً في القرية التي أنتمي إليها،
ولم يستمع أحد من عامة الشعب الى قولي
ولا عند حُكاّم البلد الأشرار،
كيف إذاً، أيها الرب، سأحظى بودِّك أيها الرب3.

من خلال النص الآڤێستي المذكور أعلاه، يتبين بأنّ الحُكّام الميديين وعامة الناس على السواء، كانوا يرفضون دعوة زردشت الدينية ويقفون ضدها، حيث أنّ زردشت يصف حُكّام ميديا بالأشرار ويشكو من قومه عند ربّه. من خلال كلام زردشت يتبين أيضاً أنّ طرده من مسقط رأسه أو إضطراره لِترك مدينته وأهله ومنعه من نشر دينه هناك، قد تمّ من قِبل كلٍّ من الحكومة الميدية والشعب الميدي. هذا يشير بوضوح الى أن الميديين كان لهم ديناً مختلفاً عن الدين الزردشتي. بما أنّ أسلاف الكورد كانوا يؤمنون بالديانة المثرائية المتجلية في الديانة اليزدانية قبل ظهور الزردشتية، فهذا يُشير الى أن الميديين كانوا يعتنقون الدين اليزداني وكان هذا الدين هو الدين الرسمي للمملكة الميدية. هنا يتساءل المرء كيف ولماذا تغّير إسم هذا الدين من (اليزداني) الى (المجوسي)؟ كما مرّ أعلاه أنّ الكهنة اليزدانيين الذين كانوا يتولّون الشؤون الدينية، كانوا ينتمون إلى القبيلة الميدية (ماگويي Magoi)، الذي أصبح (مجوس) عند العرب. منِ المُرجّح جداً أنّ الأخمينيين الفرس، بعد إسقاطهم المملكة الميدية وتأسيسهم للمملكة الأخمينية، قاموا بإطلاق الإسم (ماگويي) الذي هو إسم القبيلة الميدية التي كان الكهنة اليزدانيون ينتمون إليها، على الدين اليزداني وذلك لِتصغيره وحصره في إسم قبيلة واحدة من أجل إخراج الدين اليزداني من مساره التاريخي والإقليمي والعالمي ومن شموليته وعموميته ومنع الميديين بشكل خاص وشعوب غربي آسيا بشكل عام من التواصل الروحي والثقافي مع هذا الدين ومن أجل إزالته من ذاكرة هذه الشعوب، حيث كان الدين آنذاك ولا يزال في كثير من دول العالم إلهاماً، من خلاله يمكن الإستحواذ على السلطة والثروة. كما أن إلغاء إسم الديانة اليزدانية وتبديله الى المجوسية من قِبل الحُكّام الفرس، كان الهدف منه أيضاً مسح إسم وحضارة وأمجاد (الميديين) من ذاكرة الأقوام الآريانية وذاكرة العالم. في المحصلة، أنّ هدف الفرس كان الإستمرار في حُكم المنطقة ومنع الميديين من إستعادة حُكمهم من خلال قطع الصلة الروحية والثقافية والتاريخية والحضارية للميديين بِماضيهم.

بعد هجرته الى (باكتريا)، أخذ زردشت يبحث عن حاكم يسانده في نشر دينه، فإهتدى إلى حاكم (باكتريا) فشتاسپ (هشت أسپ)، فقام زردشت بزيارة هذا الحاكم في مقر إقامته وشرح له دينه الجديد ودعاه إلى إعتناقه. أعدّ حاكم (باكتريا) مناظرات بين زردشت والكهنة والسحرة التابعين له. أخذ زردشت العهد والميثاق من الحاكم المذكور أن يتخلى عن دينه ويعتنق الدين الزردشتي فيما لو فاز في مناظرته مع كهنته وسحرته. إستمرت المناظرات لمدة ثلاث أيام، خلالها أجاب زردشت عن جميع أسئلتهم. عندما حقّق زردشت الفوز في المناظرة التي تمّ إجراؤها، قال حاكم منطقة باكتريا: إنما هو نبي من عند إله حكيم. آمن (هشتاسپ) وزوجته وبقية أفراد عائلته بِدين زردشت، وبعد ذلك بدأت الديانة الزردشتية بالإنتشار في تلك المنطقة.

حتى أنه بعد سقوط المملكة الميدية ومجئ الأخمينيين للحُكم، لم يتم تبنّي الدين الزردشتي كَدين رسمي للمملكة الأخمينية في بداية حكمهم، خلال حُكم الملك الأخميني (كورش) و(قمبيز). هذا قد يعود على الأرجح الى كونهما كانا يتمسكان بإعتناق الدين اليزداني أو أنه خلال حكمهما، كان الحُكم الأخميني ضعيفاً ونفوذ الميديين قوياً، حيث كانوا يشاركون في الحُكم آنذاك ويحتلون مناصب هامة في مرافق الحُكم الأخميني المختلفة، وخاصة في الجيش مما جعل هذين الملكَين لا يتجرءان في الإقدام على إلغاء الدين اليزداني كَدين الدولة الرسمي وإحلال الدين الزردشتي محله. من الجدير بالذكر أن الدين الزردشتي هو فرع من الدين  اليزداني، حيث أن الكثير من معتقدات وتعاليم زردشت مستمدة من الدين اليزداني بما في ذلك بقاء الشمس رمزاً مقدساً في الديانة الزردشتية.

4. يذكر (هارڤي پورتر) أنّ الفرس الأخمينيين إعتنقوا الديانة الزردشتية وألغوا الدين المجوسي (الدين اليزداني)، إلا أنّ الثائر الميدي (گوماتيس) الذي كان مجوسياً، قد أعاد الدين المجوسي. دارا الأول الذي حكمَ بعده، قام بإبادة المجوس وثبّت الدين الزردشتي في البلاد من جديد4.

بعد تسلّم (دارا الأول) الحُكم في المملكة الأخمينية، بدأ الفرس يستحكمون سيطرتهم على مقاليد البلاد ويُرسّخون حُكمهم وبدأوا بإبعاد الميديين عن المناصب المهمة. حينئذٍ جعل (دارا الأول) الزردشتية الدين الرسمي للبلاد وبدأ يشنّ حرباً شرسة على الديانة اليزدانية وكهنتها (الكهنة المجوس). يقول ديورانت بهذا الصدد:

ولعل دارا الأول حينما إعتنق الدين الجديد رأى فيه ديناً مُلهِماً لشعبه، فشرع منذ تولّيه المُلك، يثير حرباً شعواء على العبادات القديمة، وعلى الكهنة المجوس، وجعل الزردشتية دين الدولة"5.

يذكر هارڤي پورتر أيضاً حول هذا الموضوع قائلاً:
"دين الفرس هو دين زردشت الذي ذكرناه في تاريخ الميديين، ولمّا غلبوا الميديين، نسخوا مذهب المجوس الفاسد، لِ(سميرديس) الكاذب أي (گوماتيس) الذي أعاده؛ إذ كان مجوسياً، لكن دارا الذي خلّفه، أهلك المجوس بعد إرتقائه، وتمسّك بالمذهب القديم"4. في المواجهة بين النخب الفارسية بقيادة دارا الأول من جهة، والأخوَين الميديين (پيرتزيثيس) و(سميرديس) من جهة أخرى، كان الميديون تتم تسميتهم بِ(مجوس)، ولذلك بعد مقتل الأخوَين، إنصبّ إنتقام الملك الأخميني على (المجوس)، حيث يصف (ديورانت) (سميرديس) قائلاّ:

"كان أحد رجال الدين المتعصبين من أتباع المذهب المجوسي القديم، وكان يعمل جاهداً للقضاء على الزردشتية، دين الدولة الفارسية الرسمي"6.
 
قول الملك الأخميني دارا الأول المحفور في نقش بيستون يدعم ما يذكره كلٌّ من ديورانت  وهارڤي پورتر، حيث أنّ دارا الأول يفتخر في النقش المذكور بإنجازاته بعد قضائه على ثورة الأخوَين الميدييَن قائلاً: إن المعابد التي هدمها (گوماتا) قمتُ بإصلاحها كما كانت، والتي أخذها (گوماتا) الموغ، أرجعتُها7.

من جهة أخرى، يذكر المؤرخ إبن العبري (گريگوريوس الملطي) أن (دارا الأول) كان إبن (هشتاسب) حاكم (باكتريا)8. هذا يعني بأنّ (دارا الأول) كان يعتنق الدين الزردشتي الذي كان دين والده، ولهذا السبب  شارك (دارا الأول) مع الزعماء الفرس الستة الآخرين في الهجوم على الأخوَين الميدييَن الموگييَن الثائرَين ضد الحُكم الأخميني و اللذَين حاولا إستعادة الحُكم الميدي، حيث كان (دارا الأول) قائداً لهذه المجموعة المهاجمة9.

مما تقدم يظهر أن معتقدات الملوك الأخمينيين قبل إستلام الحكم من قِبل (دارا الأول)، كانت نفس المعتقدات التي كانت سائدة خلال الحُكم الميدي، حيث كانت لِميثرا مكانةٌ مرموقة وأنّ الملك الأخميني (دارا الأول) هو الذي تبنّى الديانة الزردشتية وجعلها الدين الرسمي للمملكة الأخمينية. في الديانة الزردشتية التي فرضها (دارا الأول) إنخفضت مرتبة (ميثرا) من (إله) الى أحدَ كبار الملائكة المساعدين للإله (آهورامزدا) الذي هو ضد إله الظلام (أهريمان)، بينما في الدين الميثرائي، فأنّ إله الشمس (ميثرا) هو أكبر الآلهة و(أنايتا) إلهة الخصب والأرض، وأنّ (هَوْما) هو الثور المقدس الذي مات ثم بُعِث حياً، ووهب الجنس البشري دمه شراباً ليسبغ عليه نعمة الخلود. كان الآريانيون الأولون يعبدونه بِشرب عصير (هَوْما) المُسكّر الذي هو عشب ينمو على سفوح الجبال في مناطقهم .

أود هنا أن أذكر بأن هناك أناساً كثيرين يظنون أن الدين المجوسي هو الدين الزردشتي وهذا غير صحيح، حيث أن الدين المجوسي هو الدين اليزداني الذي هو أقدم من الدين الزردشتي بآلاف السنين. يمكن إعتبار الزردشتية فرعٌ من الديانة اليزدانية، حيث أن زردشت أخذ الكثير من فلسفة دينه وطقوسه وتعاليمه من الدين اليزداني وأن زردشت نفسه كان يزدانياً قبل أن يدعو الى دينه الجديد. أحب أيضاً أن أشير الى نقطة مهمة أخرى وهي أن الديانة اليزدانية كانت إلهاماً روحياً لأسلاف الكورد الميديين، غير أن الفرس قطعوا الصلة الروحية للميديين بالديانة اليزدانية حينما ألغوا الدين اليزداني وبذلك ألغوا المرجعية الدينية الميدية والثقافة الميدية وتبنّوا الديانة الزردشتية بعد تعديلها لتكون في خدمة القومية الفارسية. من هنا نرى أنّ اليزدانية هي الدين الأصيل للشعب الكوردي ورغم أن زردشت كان كوردياً، إلا أنّ الديانة الزردشتية تمّ تبنّيها وإستغلالها من قِبل الفرس وبها أسقطوا المملكة الميدية وقطعوا صلة الكورد بِمعتقداتهم الدينية وصلاتهم الروحية ومرجعيتهم الدينية وبذلك قطعوا الطريق على الكورد في تأسيس كيانٍ سياسي لهم الى الآن. من الجدير بالذكر أن العرب، عن طريق الخطأ، يطلقون عبارة "الفرس المجوس" على الفرس، حيث يتضح مما سبق بأن الكورد والفرس والأرمن والشعوب الأخرى التي كانت تابعة للمملكة الميدية، كانوا يعتنقون الدين المجوسي (اليزداني)، بينما بدأ الفرس بإعتناق الديانة الزردشتية بعد تأسيسهم للمملكة الأخمينية.   

5. يعتقد دياكونوف بأن الملك الميدي (أستياگ) وقد يكون الملك كَيخَسرَو أيضاً، كانا يعتنقان بالفعل ديناً مستمداً من تعاليم زردشت الذي لم يكن متطابقاً مع الدين الزردشتي (في الحقيقة أنّ العكس هو الصحيح، فالدين الزردشتي هو الذي مستمدٌ من الديانة اليزدانية وليس العكس، حيث أنّ الكثير من تعاليم الديانة الزردشتية مأخوذة من الدين اليزداني، الذي يمكن إعتبار الزردشتية أحد فروعه). من جهة أخرى، تعتقد (ماري بويس Mary Boyce)  بأن وجود المجوس في ميديا و معتقداتهم وطقوسهم وشعائرهم الدينية، كانت عقبة في طريق التبشير بالدين الزردشتي هناكc.

6. عند مقتل الملك الميدي المجوسي (گوماتا) أُقيمت لِموته المآتم والتعازي من قِبل كافة سكان غربي آسيا، بإستثناء سكان المنطقة الفارسيةd. إقامة التعازي على روح الملِك الميدي (گوماتا) من قِبل سكان منطقة غربي آسيا يُشير الى أن سكان هذه المنطقة كانوا يعتنقون الدين الميدي (الدين اليزداني) وكانت لهم ثقافة مشتركة مع الميديين، بإستثناء الفرس، حيث كانوا يعتنقون ديناً آخراً ولم تربطهم صلات ثقافية مع سكان غربي آسيا. كما أن موالاة سكان غربي آسيا للملِك الميدي (گوماتا) تُشير الى أنه بالإضافة الى إعلان نفسه ملِكاً لميديا، لقد كان ل(گوماتا) سلطة  دينية على سكان المنطقة. هدف الفرس من عمليات الإبادة التي قاموا بها ضد رجال الدين الميديين، كان إضعاف الميديين والتقليل من سلطتهم ومنعهم من العودة الى حُكم المنطقة، حيث كانت للميديين إمبراطورية كبيرة وقوية تحكم المنطقة، بما فيها منطقة الفرس.

7. كان بعض الميديين يحملون إسم (ميثرادات/ميثريدات) أي (هِبة الإله ميثرا)، حيث كان لِ(ميثرا)، كإله للشمس، مكانة عليا في المجتمع الميدي كباقي الشعوب الآريانية. هذه التسميات تشير الى التقديس الذي كان يحظى به (ميثرا) عند الميديين. لا يخفى أن الميثرائية تتجلى في الديانة اليزدانية وهذا بِدوره يعضد كون الديانة اليزدانية كانت الدين الرسمي للإمبراطورية الميدية.

8. (أزْدَهاك) كان آخر ملوك المملكة الميدية. إسمه مُركّب ومؤلّف من إسمَين هما (أَزْد/يَزْد) و(دَياك)، حيث أن (أَزْد/يَزْد) هو إسم الدين الذي كان يعتنقه هذا الملك الميدي، بينما (دَياكو) هو إسم مؤسس المملكة الميدية والذي الملك (أزْدَهاك) هو حفيده. هكذا فأن إسم هذا الملك الميدي يعني (دياكو اليَزداني)، نسبة إلى الإله (يَزْدان). هذا يُشير بِوضوح الى إعتناق الميديين للدين اليزداني وأنّ هذا الدين كان الدين الرسمي للمملكة الميدية.

المصادر
1. الدكتور جمال رشيد احمد. ظهور الكورد في التأريخ – دراسة شاملة عن خلفية الأمة الكوردية ومهدها. الجزء الثاني، الطبعة الثانية، 2005، صفحة 739).

2. جفري بارندر (1992). المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ترجمة د. إمام عبدالفتاح إمام، مراجعة د. عبدالفتاح مكاوي هامش 29، صفحة 396.

3. ياسنا 1، 46.

4. هارفي بورتر (1991). موسوعة مختصر التاريخ القديم، صفحة 178.

5. ديورانت. قصة الحضارة، مجلد 1، الجزء الثاني، صفحة 426.

6. المصدر السابق، صفحة 406.

7. دياكونوف (1998). ميديا. ترجمة وهيبة شوكت، دمشق، الناشر محمود أيوب، صفحة 401.

8. إبن العبري (1992). تاريخ مختصر الدول. تحقيق: آنطون صالحاني اليسوعي، الناشر: دار الشرق، بيروت، الطبعة الثالثة، صفحة 83.

9. وليام لانجر (1968). موسوعة تاريخ العالم، الجزء الأول، ترجمة د. محمد مصطفى زيادة، الطبعة الأولى، القاهرة - نيويورك، مؤسسة فرانكلين للطبع والنشر، صفحة 91. 


المراجع
a. Lewis, George Cornewall (1982). An historical Survey of the astronomy of the ancients. Parker & Bourn, London, page 403.

b. Niebuhr, Barthold George (1852). The Life and Letters of Barthold George Niebuhr Vol. 3; With Essays on His Character and Influence. Chapman and Hall, London, page 241.

c. Boyce, Mary (1982). Handbuch Der Orientalistik: Der Nahe und der mittlere Osten, Part 1, Volume 2 of A history of Zoroastrianism by Mary Boyce, Brill, Netherland, pages 86-87.

d. Cook, J. M. (1985). The Cambridge History of Iran: The Median and Achaemenian periods. Volume 2 of The Cambridge History of Iran, The Rise of the Achamenids and The Establishment of their Empire. Cambridge University Press, Cambridge, page 218.


26
حتمية إستقلال كوردستان

د. مهدي كاكه يي

هناك الكثير من السياسيين والكُتّاب العرب والفرس والأتراك يدّعون بأنهم يريدون الخير لشعب كوردستان ويجعلون من أنفسهم ممثلين لشعب كوردستان وأوصياء عليه ويتباكون على الخطر الذي يواجهه هذا الشعب في قراره بالإستقلال عن العراق. ليست هناك أية مصداقية لهؤلاء الأدعياء الدجالين الذين يذرفون دموع التماسيح، على مصير ومستقبل شعب كوردستان. لو كان هؤلاء صادقين في إدعاءاتهم، فأنهم يجب أن يحترموا إرادة شعب كوردستان الذي عبّر عنها خلال إستفتاء الإستقلال والذي نتائجه ستُظهر بأن الغالبية العظمى من شعب كوردستان يرغبون أن تستقل بلادهم وأن تصبح كوردستان والعراق جارتَين صديقتَين، تتعاونان لخدمة شعبَيهما، بدلاً من التحارب وسفك الدماء وتخريب البلدَين. المسألة الكوردستانية أكبر من أن يتم حصرها وتقزيمها في شخص واحد مثل السيد مسعود بارزاني، إنها قضية شعب مُستعمَر ووطن مُغتصَب وها شعب كوردستان قد قرر أن يتحرر ويؤسس كيانه السياسي في وطنه.

الطغمة الشيعية الحاكمة منشغلة بالفساد والنهب، مستغلةً كذباً المذهب الشيعي، تاركةً الشعب الشيعي المسكين في وسط وجنوب العراق يعاني من الفقر والمرض والبطالة بالرغم من الثروة النفطية الهائلة الموجودة في باطن أرضه والمليارات من الدولات التي تجنيها الحكومة العراقية من واردات نفط جنوب العراق. لا تكتفي الحكومة العراقية الفاسدة بنهب أموال نفط الشيعة المساكين، بل أنها تُرسلهم الى جحيم ساحات الموت وتزجّهم في حروب لا مصلحة للشيعة فيها وتسبّبت هذه المافيا السياسية التي تتحكم بالشعوب العراقية في موت عشرات الآلاف من الشيعة ضحايا حروبها التي خلقت بِدورها عشرات الآلاف من المعوّقين والأرامل واليتامى.

أود هنا أن أذكر أيضاً بأن حُكّام العراق قد ربطوا مصير شيعة العراق، بل مصير الشعوب العراقية كلها، بإيران ويخططون لتأسيس نظام ولي الفقيه في العراق ليصبح العراق سياسياً وعقائدياً تابعاً لإيران. هذه السياسة ستكون لها عواقب كارثية على الشعب الشيعي في العراق، حيث أن الدول الغربية، و في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية لا تسمح مطلقاً بأن تسيطر إيران على العراق وتتحكم بالثروة النفطية في كلّ من إيران والعراق وتُكوّن الهلال الشيعي الممتد من إيران الى لبنان والبحر الأبيض المتوسط وتهيمن على منطقة الشرق الأوسط وتُهدد المصالح الغربية في هذه المنطقة الإستراتيجية والغنية بمصادرها الطبيعية. رزح الشعب الشيعي تحت حُكم السُنة منذ تأسيس دولة العراق الى سقوط النظام البعثي في سنة 2003، حيث تعرّض خلال هذه الفترة للإبادة والقتل بالسلاح الكيميائي. هنا أحذّر الشعب الشيعي من خطورة عمالة القيادات الإسلامية الشيعية الحاكمة في العراق لإيران وربط مصير شيعة العراق بإيران. هذه السياسة الكارثية للحكام الشيعة في العراق ستُرجع الشعب الشيعي الى المربع الأول، حيث ستضطر الولايات المتحدة الى تسليم الحُكم الى سُنّة العراق من جديد وتبدأ مآسي الشعب الشيعي الطيب، بنات وأبناء سومر، من إبادة وقتل. ينبغي أن ينتهز الشعب الشيعي هذه الفرصة التأريخية وعدم سماح إضاعتها من قِبل الأحزاب الإسلامية الشيعية المتخلفة والفاسدة وذلك بِرص صفوفه وتنظيم نفسه والإطاحة بالمافيا السياسية التي تتحكم فيه والقيام بِحلّ الميليشيات المسلحة المنفلتة الخارجة عن سلطة الدولة والعميلة لإيران وتأسيس دولته المستقلة في وسط وجنوب العراق وأن يستثمر ثرواته الطبيعية الهائلة في البناء والتنمية ويعيش في رفاهية وسلام.

هناك قسم من السياسيين والكُتّاب المرتزقة يدّعون بأن سكان إقليم جنوب كوردستان يعيشون على واردات نفط الجنوب من خلال 17% من ميزانية العراق التي كانوا يستلمونها من العراق. أولاً، الأموال التي كانت يستلمها الإقليم هي أقل من واردات نفط كركوك التي هي مدينة كوردستانية. بدلاً من إستفادة شعب كوردستان من واردات نفطها، تمّ بهذه الأموال شراء الأسلحة التي تمّ قتل الشعب الكوردستاني بها وتدمير الحياة في كوردستان من قِبل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ تأسيس الكيان السياسي العراقي المصطنع من قِبل الإستعمار البريطاني والفرنسي. ثانياً، هذه النسبة تصبح 12% فقط بعد خصم التكاليف السيادية منها والتي من ضمنها تشمل رواتب الجيش والنفقات العسكرية العراقية التي كان الپیشمرگە محرومين منها ومع ذلك تمّ خصم هذه النفقات من حصة الإقليم. الإدّعاء الكاذب بأنّ شعب إقليم جنوب كوردستان كان يعيش على واردات نفط الجنوب، هو محاولة الحكومة العراقية والطائفيين والعنصريين تحريض الشعب الشيعي ضد شعب كوردستان، وإلا فأن الكورد عاشوا على واردات نفطهم في كركوك التي كانت يتم نهبها من قِبل الحكومات العراقية المتعاقبة.

لقد مضت 14 سنة على سقوط النظام البعثي في العراق، حيث كانت قوات الپيشمەرگه القوة الوحيدة التي ساهمت مع القوات الأمريكية في إسقاط هذا النظام في سنة 2003. لم يكتفِ إقليم جنوب كوردستان بالمساهمة في إسقاط النظام، بل رغم كون الإقليم كان يتمتع بإستقلالٍ تام عن العراق منذ سنة 1992 ميلادية أي خلال 11 عاماً (سنة 1992 – 2003 ميلادية)، تخلى قادة الإقليم بكل سذاجة عن إستقلالية إقليمهم وقبلوا بأن يكون الإقليم جزءاً من العراق في إتحاد فيدرالي وأخذوا يُعيدون تأسيس إدارة عراقية جديدة تحل محل الإدارة البعثية المنهارة وإعادة تأسيس قوات مسلحة بعد حل وإختفاء القوات المسلحة التابعة للنظام البعثي. هكذا أعاد القادة الكوردستانيون الإقليم الى سيطرة الحُكم العراقي وساهموا بِشكل كبير في إعادة ِتأسيس دولة العراق والمؤسسة العسكرية العراقية التي تقوم اليوم بتهديد شعب جنوب كوردستان وتريد فرض إرادتها عليه. 

كان من الواجب على قيادة إقليم جنوب كوردستان أن يحتفظوا بإستقلالية الإقليم وذلك بأخذ الحقائق التالية بِنظر الإعتبار:

1. المجتمع العراقي مجتمع متخلف، تتجذر فيه روح العنصرية والطائفية والقبلية ولا يمكن للشيعة والسُنّة في العراق الإقرار بِحقوق الشعب الكوردستاني، بما فيها حق تقرير المصير والإستقلال.

2. تبعية الأحزاب الشيعية العراقية لإيران، حيث أن هذه الأحزاب والميليشيات الشيعية العراقية المسلحة تمّ تأسيسها من قِبل إيران وعاشت في إيران خلال حُكم حزب البعث للعراق وقاتلت هذه الأحزاب والميليشيات الى جانب إيران ضد الجيش العراقي خلال الحرب العراقية – الإيرانية التي دامت لمدة ثماني سنوات. كان على القيادة الكوردستانية أن تعرف بأن الأحزاب الشيعية العراقية مرتبطة بالنظام الإيراني وأنها صنيعته ولا يمكن أن تصبح هذه الأحزاب حليفة لشعب كوردستان ما دامت إيران تغتصب إقليم شرق كوردستان ولذلك فهي تقف دائماً ضد تطلعات شعب كوردستان في التحرر والإستقلال.

3. بما أن كلاً من العراق وإيران وتركيا وسوريا يغتصب جزءاً من كوردستان، فأن هذه الدول الأربع، رغم خلافاتها مع البعض، فأنها تتوحد وتتحالف معاً فيما يخص القضية الكوردستانية، حيث أنها تعمل على الحفاظ على إستمراريتها في إحتلال كوردستان إستيطانياً ونهب ثرواتها، بِغضّ النظر عن الحكومات التي تحكم هذه الدول. كان من المفروض أن تكون القيادة الكوردستانية واعية وتأخذ هذه الحقائق الثلاث بِنظر الإعتبار في علاقاتها مع الأحزاب الشيعية الطائفية العراقية بعد سقوط نظام البعث في العراق.

بعد سقوط النظام البعثي العراقي، حاول شعب كوردستان أن يكون شريكاً للشيعة والسُنّة في العراق ضمن نظام فيدرالي. ها مضت 14 سنة على تحرر العراق من الحكم البعثي، والأحزاب الشيعية الطائفية تنفرد بالحكم وتُكرّس الطائفية والعنصرية وتريد فرض الطائفية الشيعية على الشعوب العراقية وخلق مجتمع اللطم والخرافات وسنّ قوانين بدوية بدائية عفا عليها الزمن وفرْضها على المجتمعات العراقية وتبنّت نظاماً طائفياً متخلفاً على غرار نظام الملالي في إيران.

يعالج الكثير من السياسيين والكُتّاب العرب والترك والفرس، مسألة إستقلال كوردستان بِسطحية ومن منطلق ذاتي وعنصري وطائفي وعاطفي، بعيد عن الواقعية والموضوعية. هناك إنفصال روحي ونفسي وثقافي وإجتماعي وإقتصادي بين سكان إقليم جنوب كوردستان من جهة وبين السكان العرب في العراق من جهة أخرى. لذلك لا تستطيع جيوش العالم أجمع أن تهدم هذا الحاجز بين شعب كوردستان وشعوب العراق ولا قادرة على خلق عيش مشترك بين الشعبَين في ظل كيان سياسي واحد الذي فشل خلال المائة السنة الماضية. تتم إزالة هذا الحاجز في حالة واحدة فقط وهي زوال شعب كوردستان وذلك بإبادته وهذه أمر مستحيل والتجارب الفاشلة للدول المُغتصِبة لكوردستان في إبادة شعب كوردستان وتعريبه وتتريكه وتفريسه، تشهد على إستحالة كسر إرادة شعب كوردستان وإبادته. لذلك فأن التهديدات بإستخدام القوة لا تُخيف شعب كوردستان وعاجزة عن إخضاعه.

قرر شعب جنوب كوردستان الإستقلال وعدم العيش ضمن الكيان العراقي، فلماذ لا تحترم الحكومة العراقية إرادة شعب كوردستان وتحاول إرغام هذا الشعب العريق على العيش ضمن العراق؟ هل هذه هي ديمقراطية النظام العراقي الجديد أم أنها إتباع نفس سياسة الحكومات العراقية الدكتاتورية الشمولية العنصرية تجاه شعب كوردستان؟ جميع الحكومات العراقية المتعاقبة التي وقفت ضد حرية وإستقلال كوردستان، أسقطتها الإرادة الكوردستانية وإذا إستمرت الحكومة العراقية الطائفية الحالية في محاولاتها الوقوف في طريق إستقلال كوردستان، فمصيرها يكون كمصير الحكومات العراقية السابقة، حيث أنها تنهزم أمام إرادة شعب كوردستان. لذلك عليها أن تأخذ الدروس والعِبر من السياسات الفاشلة التي إنتهجتها الحكومات العراقية السابقة تجاه شعب كوردستان والتي مُنيت بسببها بِهزائم وسقطت وإختفت.

من مصلحة الشعبَين العراقي والكوردستاني أن يفترقا ويصبحا جارَين صديقَين وأن تمتنع الحكومة العراقية عن زجّ أبناء الشعب الشيعي الطيّب في حروب مدمرة خاسرة. الشعب الكوردي لا يريد أن تُراق قطرة دمٍ واحدة للشعب الشيعي، حيث أن الشعبَين الشيعي والكوردي، كلاهما أحفاد سومر، تربطهما رابطة الدم وكل منهما هو شعب المقابر الجماعية والمتعرض للإبادات. لنتفرّغ معاً للبناء ونعمل لرفاهية شعبَينا، كجارَين ولِنبتعد عن إراقة دماء شعبَينا وتدمير بلدَينا. إن ولادة دولة كوردستان حتمية، ينبغي الإقرار بها والإمتناع عن القيام بمحاولات لإيقافها أو عرقلتها لأنها ستكون محاولات عقيمة غير مُجدية.

 

27
الوثيقة السياسية لضمان حقوق المكونات القومية والدينية في كوردستان

د. مهدي كاكه يي

قبل إجراء إستفتاء إستقلال إقليم جنوب كوردستان، صدر المجلس الأعلى للإستفتاء في كوردستان وثيقة سياسية مهمة جداً لتنظيم العلاقة بين المكونات القومية والدينية من جهة ودولة كوردستان من جهة أخرى لضمان حقوق هذه المكونات. أدعو أفراد كل المكونات الكوردستانية بالتصويت ب(نعم) لإستقلال كوردستان وبناء دولة المؤسسات والمواطنة وتأسيس نظام علماني، بعيد عن العنصرية والطائفية، يتمتع جميع أفراد الشعب في ظله بحقوقهم وحرياتهم ويعيشون بكرامة و في رفاهية، بِغضّ النظر عن القومية والدين والمذهب والطائفة والجنس واللون.


نص الوثيقة


نحن أعضاء المجلس الأعلى للاستفتاء في كوردستان باعتبارنا ممثلي معظم الأحزاب الكوردستانية، انطلاقاً من ايماننا بأن كوردستان وطن الجميع من كورد وتركمان والكلدان السريان الآشوريين والعرب والأرمن، ومن مسلمين وايزيديين ومسيحيين وكاكائية ويهود وزرادشتيين وصابئة مندائية والشبك، وفي الوقت الذي نستذكر الاضطهاد والاستبداد والمآسي التي تعرض لها شعب كوردستان بكافة مكوناته منذ عقود، وإدراكاً منا بأن القضاء على تلك المآسي لا يمر إلا عبر القضاء على التمييز والاضطهاد القومي والديني والطائفي وتعزيز حقوق الانسان والحريات الأساسية واحترامها دون تمييز بسبب العرق أو اللغة أو الدين أو المعتقد، وتكريماً لأرواح شهدائنا من أجل التحرر والقضاء على التمييز، واستلهاماً من روح التسامح والتآخي وقبول الآخر التي يتحلى بها شعب كوردستان، وايماناً منا بحقوق الانسان الأساسية وبكرامته وقيمته وبالحقوق المتساوية للشعوب صغيرها وكبيرها، واسترشاداً بالمباديء التي تتضمنها الاتفاقيات الدولية حول احترام حقوق الأقليات القومية والدينية واللغوية وحمايتها وتنميتها، وايماناً منا بأن تتمتع المكونات في كوردستان بحقوقها على أسس ديمقراطية وسيادة القانون والعدالة سيسهم في تعزيز الأمن والسلام ليس في كوردستان وحسب، بل وفي المنطقة والعالم أيضاً، لكل ذلك قررنا تنظيم العلاقة بين المكونات والدولة على الأسس الآتية:

المادة (1): الإقرار بالتعددية القومية والدينية والمذهبية والثقافية للمجتمع الكوردستاني وضمان حقوق جميع المكونات على أساس المواطنة والمساواة ومراعاة الخصوصيات الدينية والعقائدية وممارسة الشعائر والطقوس والحفاظ على دور العبادة والعناية بها.

المادة (2):
أ. ضمان الحقوق القومية والثقافية والإدارية للتركمان والكلدان السريان الآشوريين والعرب والأرمن، بدءاً بالإدارة الذاتية والحكم الذاتي واللامركزية وصولاً الى الفدرالية في مناطق المكونات التاريخية استناداً لإحصاء عام 1957.

ب. ضمان حقوق المكون الايزيدي بالإدارة الذاتية والحكم الذاتي واللامركزية وصولاً الى الفدرالية في مناطق ذات الكثافة السكانية للمكون، وينظم ذلك بقانون.

المادة (3): ضمان التمثيل العادل للمكونات في المجالس المنتخبة التشريعية والأجهزة الإدارية والسلك الدبلوماسي والهيئات المستقلة وينظم بقانون.

المادة (4): ضمان تمثيل المكونات القومية والدينية في المحكمة الدستورية العليا حسب المؤهلات التي تقتضيها القواعد العامة.

المادة (5): ضمان مشاركة المكونات القومية والدينية في المؤسسات التنفيذية والمناصب السيادية وفي المنظومة الدفاعية وقوى الأمن الداخلي وقوات البيشمركة حسب القوانين النافذة.

المادة (6): اعتبار اللغات الكوردية والتركمانية والسريانية والعربية والأرمنية لغات رسمية في كوردستان وينظم ذلك بقانون.

المادة (7): يرمز علم كوردستان وشعاره ونشيده الوطني الى المكونات وينظم بقانون.

المادة ( 8 ): تنظم الأعياد والمناسبات القومية والدينية والعطل الرسمية للمكونات بقانون.

المادة (9): تكفل الدولة حرية المعتقد وممارسة الشعائر والطقوس الدينية لكافة المكونات الدينية.

المادة (10): لأتباع المكونات الدينية غير المسلمة إتباع الأحكام الخاصة بأحوالهم الشخصية عبر تشكيل محاكم المواد الشخصية وعدم فرض أحكام ديانة على أتباع ديانة أخرى.

المادة (11): إزالة ومنع التغيير الديموغرافي في مناطق المكونات التاريخية استناداً لإحصاء 1957 منذ تأسيس الدولة العراقية وإزالة المظالم وآثار الإبادة الجماعية التي تعرض لها الكورد الايزيديون والكلدان السريان الآشوريون والتركمان وسائر المكونات الأخرى وتنمية المناطق التي تعرضت الى الدمار وتعويض الأضرار الواقعة.

المادة (12): ضمان حق إنشاء المجالس والرابطات والجمعيات والمنظمات والأندية الخاصة بالمكونات.

المادة (13): تلتزم الدولة بحماية وإحياء المواقع الأثرية والحضارية والدينية لكافة المكونات.

المادة (14): تدرج في مناهج التربية والتعليم تاريخ المكونات ومفاهيم التسامح والتعايش وقبول الآخر ورفض ثقافة الكراهية والتمييز، وكل ما يؤدي الى العنف في الفكر والممارسة.

المادة (15): مشاركة ممثلي جميع المكونات القومية والدينية في صياغة دستور الدولة.

المادة (16): يتم تنفيذ مواد هذه الوثيقة مع تفعيل أول دورة برلمانية في كوردستان بعد صدور الوثيقة.


28
مَن لا يلتزم بالدستور العراقي، حكومة إقليم جنوب كوردستان أم الحكومة العراقية؟

د. مهدي كاكه يي

في هذه المقالة، يتم تسليط الأضواء على خرق الحكومة العراقية للدستور العراقي وعدم الإلتزام به وقيامها بتطبيق موادها بصورة إنتقائية. قد يقول قائل بأن الكورد هم شركاء في الحكومة العراقية وهم أيضاً يتحملون مسئولية خرق الدستور العراقي. بهذا الصدد نقول بأنّ الأحزاب الإسلامية الشيعية الطائفية تُهيمن على مجلس النواب العراقي وعلى الحكومة العراقية والقضاء العراقي ولا سلطة فعلية للكورد و لا للطائفة الُسُنّية في العراق، حيث أن الشراكة في الحُكم هي شراكة صورية.

هذه المقالة تتضمن الحديث عن المادة الأولى من الدستور العراقي التي تمنح إقليم جنوب كوردستان الحق في الإستقلال إذا ما تمّ خرق الدستور العراقي من قِبل الحكومة العراقية. كما أنها تُشير أيضاً الى بعض مواد الدستور التي قامت الحكومة العراقية بِعدم الإلتزام بها على سبيل المثال، لا الحصر.
 
1. الحكومة العراقية تدّعي أن إستفتاء إستقلال إقليم جنوب كوردستان غير دستوري. هذا الإدعاء غير صحيح، حيث أن آخر جملة من ديباجة الدستور تقول:

(إن الالتزام بهذا الدستور يحفظ للعراق اتحاده الحر شعباً وأرضاً وسيادة) .

هذه الجملة واضحة جداً، حيث أنه بموجبها يُشترَط الإلتزام بالدستور العراقي لكي يتم الحفاظ على إتحاد مكونات العراق.

كما أن المادة الأولى من الدستور العراقي تنص على ما يلي:

[جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي. وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق].

إنّ عبارة "وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق" تعني أن الإلتزام بالدستور من قِبل الحكومة العراقية يضمن وحدة العراق، وتعني هذا النص أيضاً بأنّ أي خرقٍ لِمواد الدستور من قِبل الحكومة العراقية يُلغي وحدة العراق.

2. تنص المادة 9  من الدستور العراقي على ما يلي:

أولا ًـ
أ ـ تتكون القوات المسلحة العراقية والاجهزة الامنية من مكونات الشعب العراقي، بما يراعي توازنها وتماثلها دون تمييز أو اقصاء وتخضع لقيادة السلطة المدنية وتدافع عن العراق ولا تكون اداة لقمع الشعب العراقي ولا تتدخل في الشؤون السياسية ولا دور لها في تداول السلطة.
 
ب ـ يحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج اطار القوات المسلحة.


إخترقت الحكومة العراقية كلاً من الفقرة (أ) و (ب) من هذه المادة، حيث أنّ الشيعة المستعربين يشكّلون الغالبية العظمى من أفراد الجيش العراقي، بل أنه جيش شيعي، بينماعلى سبيل المثال، أنّ نسبة الكورد في الجيش العراقي لا تتجاوز 1% من مجموع أفراد هذا الجيش رغم أن نسبة الكورد تُقدّر ب(21%) من نفوس العراق.

لم تلتزم الحكومة العراقية بالفقرة (ب) من هذه المادة أيضاً، حيث تشكّل العديد من الميليشيات الشيعية (الحشد الشعبي) التي خارجة عن سلطة الحكومة العراقية. قامت إيران بتأسيس القسم الأكبر من هذه الميليشيات، مثل ميليشيات قوات بدر وعصائب الحق وغيرها التي هي على غرار الحرس الثوري الإيراني وتأتمر بأوامر قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني. العدد القليل المتبقي من هذه الميليشيات تتبع مرجعية السيستاني.

من جهة أخرى، فأّن قوات الپيشمەرگه هم حرس حدود إقليم جنوب كوردستان ويُشكّلون جزءاً من الجيش العراقي حسب الفقرة الخامسة من المادة (121) من الدستور العراقي التي تقول:

خامساً: تختص حكومة الاقليم بكل ما تتطلبه إدارة الاقليم، وبوجه خاص انشاء وتنظيم قوى الامن الداخلي للاقليم كالشرطة والامن وحرس الاقليم.

رغم عدم دستورية تأسيس الميليشيات الشيعية (الحشد الشعبي) التي تنتمي لأحزاب ومجموعات سياسية، إلا أن الحكومة العراقية خصصت لأفراد هذه الميليشيات رواتباً وتزوّدها بما تحتاج لها من أسلحة ومعدات، بينما تمتنع الحكومة العراقية عن دفع رواتب الپيشمەرگه الذين هم جزء من القوات المسلحة العراقية حسب المادة (121) من الدستور العراقي وتتعامل الحكومة العراقية مع قوات الپيشمەرگه كقواتٍ مُعادية، حيث أنها بالإضافة الى الإمتناع عن دفع رواتب أفرادها، فأنها تمتنع عن تزويد قوات الپيشمەرگه بالسلاح. لا تكتفي الحكومة الشيعية في بغداد بالإمتناع عن تزويد قوات الپيشمەرگه بالأسلحة، بل تتمادى في ذلك وتقوم بِمنع وصول المساعدات العسكرية التي يتلقاها الإقليم من الدول الغربية، حيث تقوم الحكومة بِتفتيش الأسلحة المُرسلة للإقليم قبل إستلامها من قِبل الإقليم رغم الحرب الدائرة بين قوات الپيشمەرگه والتنظيم الإسلامي الإرهابي، داعش.

3. تنص المادة (65) على:

اولاً ـ يتم انشاء مجلس تشريعي يدعى بـ"مجلس الاتحاد" يضم ممثلين عن الاقاليم والمحافظات غير المنتظمة في أقليم، وينظم تكوينه وشروط العضوية فيه واختصاصاته، وكل ما يتعلق به بقانون يسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب.
ها مضت 12 سنة على وضع الدستور وحكّام العراق لم تقم بتشريع قانون (مجلس الإتحاد) الذي سيتشكل من ممثلي إقليم جنوب كوردستان والمحافظات العراقية ويكون للإقليم ولكل محافظة عراقية حق نقض أي قرار أو قانون يخص الإقليم أو المحافظة المعنية على غرار مجالس الإتحاد في الدول الفيدرالية الأخرى في العالم.

4.  لم تقم حكومة بغداد بِتشريع قانون تنظيم أجهزة الإستخبارات الوطنية الذي تنصّ عليه المادة (84) من الدستور وقانون إنشاء المحكمة العليا الوطنية التي تنص عليه المادة (92) من الدستور.

5. المادة (80) من الدستور العراقي تنصّ على ضرورة موافقة مجلس النواب على تعيين كبار ضباط الجيش. لا تلتزم الحكومة العراقية بهذه المادة الدستورية، حيث يقوم رئيس الوزراء بتعيين كبار قادة الجيش، دون موافقة مجلس النواب العراقي.

6. المادة (112) من الدستور العراقي تنص على منح حكومة الإقليم والحكومة العراقية دوراً في إنتاج وإستثمار النفط والغاز. لقد مضت 12 سنة على سن الدستور العراقي، والحكومة العراقية تعرقل سن قانون النفط والغاز الذي تمّت كتابته منذ سنوات عديدة ليتم توزيع إدارة قطاع النفط بين الجانبَين.

7. المادة (140) من الدستور العراقي تنص على ما يأتي:

أولاً:- تتولى السلطة التنفيذية اتخاذ الخطوات اللازمة لاستكمال تنفيذ متطلبات المادة (58) من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، بكل فقراتها.

ثانياً:- المسؤولية الملقاة على السلطة التنفيذية في الحكومة الانتقالية، والمنصوص عليها في المادة (58) من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية، تمتد وتستمر إلى السلطة التنفيذية المنتخبة بموجب هذا الدستور، على أن تنجز كاملةً (التطبيع، الإحصاء، وتنتهي باستفتاء في كركوك والمناطق الأخرى المتنازع عليها، لتحديد إرادة مواطنيها) في مدةٍ أقصاها الحادي والثلاثون من شهر كانون الأول سنة ألفين وسبعة.


كما نرى فأنّ الدستور العراقي ينص على إنجاز التطبيع والإحصاء والإستفتاء في محافظة كركوك والمناطق الكوردستانية غير التابعة إدارياً لإقليم جنوب كوردستان بإنتهاء سنة 2007. ها قد مضت على إنتهاء مدة تنفيذ هذه المادة حوالي 10 سنوات دون أن تقوم الحكومة العراقية بالإلتزام بالدستور العراقي وتنفيذ هذه المادة الدستورية.

8. بناءاً على طلب رئيس الوزراء العراقي، صوّت مجلس النواب العراقي الذي تُهيمن عليه الأحزاب السياسية الإسلامية الشيعية، على إقالة محافظ كركوك من منصبه على الرغم من أن الدستور العراقي لا يخوّل مجلس النواب مثل هذه الصلاحيات، حيث أنّ إقالة المحافظ هي من صلاحيات مجلس محافظة كركوك.



29
إستفتاء إستقلال إقليم جنوب كوردستان

د. مهدي كاكه يي

لمناسبة قرار القيادة الكوردستانية لإقليم جنوب كوردستان بإجراء إستفتاء الإستقلال في الخامس والعشرين من شهر أيلول الحالي، أود أن أتحدث هنا عن هذا الحدث التاريخي الذي ينتظره الشعب الكوردي منذ إنهيار الإمبراطورية الميدية أي منذ أكثر من 2500 سنة وخلال هذه الفترة الطويلة ضحّى الشعب الكوردستاني بأرواح الملايين من أبنائه وبناته وتعرضت كوردستان للخراب والدمار وهو مستمر في نضاله من أجل حريته وبناء كيان سياسي له على أرضه التاريخية لينقذ نفسه من العبودية والتبعية ويعيش بِحرية وكرامة ورفاهية ويستثمر ثروات بلاده ويبني بلاده ويساهم في بناء الحضارة البشرية الى جانب الشعوب المتقدمة.

1. يظن البعض بأن شعب كوردستان يقوم بِتأسيس دولة قومية على غرار الدول القومية العربية والتركية والإيرانية العنصرية وهذا غير صحيح. دولة كوردستان ستكون دولة التركمان والآشوريين والسريان والكلدان والأرمن والعرب والكورد الذين يشكّلون المكوّنات القومية لِشعب كوردستان. سيتم الإعتراف بكافة حقوق المكونات القومية الكوردستانية من سياسية وثقافية ويتم التعامل مع الكوردستانيين على أساس المواطنة والكفاءة ويتساوون في الحقوق والواجبات.

2. يتم سن دستور عصري في جمهورية كوردستان يقر نظاماً علمانياً، يفصل الدين عن السياسة ويتبنى نظاماً لامركزياً مستنداً على الجغرافيا، لا الجانب الإثني أو الديني ويمنع الأحزاب الدينية السياسية ويحدّ من العلاقات العشائرية المتخلفة وينص على حرية المعتقد وممارسة الطقوس والشعائر الدينية لكافة الأديان الكوردستانية والإحتفاء بِأعيادها ومناسباتها وجعل الدين علاقة شخصية بين الإله والإنسان.

3. يطالب بعض القوى السياسية الكوردستاية في الإقليم بِتأجيل إستفتاء الإستقلال مُعللةً ذلك بإفتقار كوردستان للدستور وبِسبب الأزمة الإقتصادية التي يمر بها الإقليم والخوف من إستمرار إحتكار السلطة في الإقليم من قِبل العائلات الحاكمة بعد تأسيس دولة كوردستان. نعم كان من الضروري وضع دستور خلال الفترة الطويلة من الحكم الكوردستاني للإقليم (سنة 1992 – الى الآن) أي خلال 26 سنة الماضية، مع ذلك يمكن سن الدستور بعد تأسيس دولة كوردستان وعرضه لإستفتاء شعبي أو تشريعه من قِبل الدورة القادمة للبرلمان الكوردستاني. كما أن إقليم جنوب كوردستان غني بمصادره الطبيعية وأراضيه الخصبة ولذلك عند إستقلاله ستتوفر له فرصة ممتازة لتحسين إقتصاده وتوفير الرفاهية لشعبه. كما قلنا، ينتظر شعب كوردستان منذ أكثر من ألفَين وخمسمائة سنة لمثل هذه الفرصة التاريخية لتنال بلاده إستقلاله ولذلك لا ضير من تقبّل شعب كوردستان للسلطة العشائرية والعائلية لعدة سنوات أخرى على فرض إستمرار هذه السلطة. يجب أن نعرف بأنه عند إستقلال الإقليم وإعتراف المجتمع الدولي به، سوف تتوفر للشعب فرصة ممتازة للقيام بالإحتجاجات وإزاحة أصحاب السلطة عن الحكم من خلال صناديق الإنتخابات، وخاصة في عصرنا الحاضر، حيث يرتفع الوعي المجتمعي لشعب كوردستان بسرعة، بينما في الوقت الحاضر فأن فرص محاولات التغيير  محدودة ومحفوفة بالمخاطر بسبب إفتقار الكوردستانيين لِكيان سياسي يحافظ على وجوده ومكتسباته.

كما أن الوقت الحاضر هو الوقت المثالي لإعلان إستقلال كوردستان، حيث أن الحكومة العراقية ضعيفة وتدب الفوضى في منطقة الشرق الأوسط والوجود السياسي والعسكري للولايات المتحدة في المنطقة والعلاقات السيئة التي تربط الغرب بِكلّ من إيران وتركيا التي يحكمها إخوان المسلمين، بينما المستقبل مجهول لا يمكن التكهن به أو الإعتماد عليه.

نقطة مهمة أخرى هي أن مجتمعات الشرق الأوسط هي مجتمعات متخلفة، مشبّعة بالروح العنصرية والطائفية والشمولية ولذلك فأنّ أية جهة تستلم الحكم في العراق سيكون موقفها من حق تقرير مصير كوردستان موقفاً سلبياً وتقف ضد طموحات شعب كوردستان. ها هو السيد نوري المالكي نائب رئيس جمهورية العراق يكرر نفس عبارات التهديد التي كان يطلقها أزلام حزب البعث الحاكم في العراق ضد شعب كوردستان بِقوله للسفير الأمريكي في العراق : (لا نسمح بإقامة إسرائيل ثانية في "شمالي العراق"!!). كما أنه يجب ذكر حقيقة مهمة أخرى وهي أن أية حكومة عراقية تستلم الحُكم تكون تحت ضغوطات كل من تركيا وإيران اللتين تغتصبان أجزاء من كوردستان وهاتَان الدولتان تضغطان على الحكومة العراقية وتدفعانها الى رفض الإعتراف بِحق شعب كوردستان في تقرير مصيره كما يحصل اليوم وكما حصل خلال حُكم حزب البعث في العراق أثناء مفاوضات الثورة الكوردستانية مع الحكومة العراقية، حيث كانت تركيا تمارس ضغوطاً كبيرة على الحكومة العراقية لِمنع إحراز سكان الإقليم لأية مكتسبات وطنية وقومية.

4. إجراء إستفتاء الإستقلال من عدمه لا يُغيّر شيئاً من الواقع التحرري الكوردستاني، حيث أنه سواء تمّ الإستفتاء أم لاء، فأن الإقليم ماضِ في طريقه نحو الإستقلال، حيث أنّ الإقليم شبه مستقل منذ 26 سنة وإذا أضفنا الأطفال الكوردستانيين الذين كانوا يبلغون من العمر 7 سنوات أو أقل في سنة 1992 التي تم خلالها جعل الإقليم منطقة آمنة من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، فهذا يعني أن المواطنين في الإقليم الذين أعمارهم 33 سنة فما دون (26 سنة + 7 سنوات = 33 سنة) لا يربطهم أي شئ بالعراق وشعبه ولا يفهمون اللغة العربية وغير متأثرين بالثقافة العربية وبذلك ليست هناك أية مشتركات تربط هؤلاء بالعراقيين وأنّ إنتماءهم هو لكوردستان فقط. عليه فأنّ هناك الكثير من الساسة والكُتّاب الساذجين والحهلة الذين لا يعرفون هذه الحقيقة ويريدون إجبار شعب كوردستان بالقوة على العيش القسري مع العراقيين. فشلَ هذا العيش القسري الذي إستمر لِحوالي 100 سنة في العراق والآن آنَ لعقلاء العراق أن يكونوا واقعيين ويأخذوا الدروس من التاريخ ويعترفوا بإستقلال إقليم كوردستان لتصبح كوردستان والعراق جارَين صديقَين ومُسالِمين، نتفرغ لبناء بلدَينا وخدمة شعبَينا. كفانا سفك المزيد من دماء عراقية وكوردستانية وتخريب وتدمير بلدَينا بِدون طائل.

كما أنه من الجدير بالذكر بأنّ تأجيل الإستفتاء سيكون إنتحاراً سياسياً للقيادة الكوردستانية وفي هذه الحالة سيطيح مواطنو الإقليم بهذه القيادة التي تتهرب من تحمّل هذه المسئولية التاريخية.

5. بسبب كون كوردستان محاطة بالأعداء، فأنه يجب إتخاذ إجراءات إحتياطية كاملة فيما يتعلق بالجوانب الإقتصادية والمعيشية والعسكرية ومصادر الطاقة وغيرها والتهيؤ لِحدوث أسوء الإحتمالات، بما فيها الحصار الإقتصادي والتدخل العسكري الأجنبي الذي هو مُستبعَد جداً. كما أنه من الضروري مفاتحة الحكومة الإسرائيلية لإقامة إتحاد كونفيدرالي بين كوردستان وإسرائيل لحماية الإقليم من الأخطار الخارجية التي تحيط بها. يجب على قيادة إقليم جنوب كوردستان العمل سريعاً لتأسبس إتحاد مع إقليم غرب كوردستان وتحرير الأراضي الكوردستانية الممتدة من هناك الى البحر الأبيض المتوسط للوصول الى منفذ بحري للإستغناء عن الإعتماد على المنافذ الحدودية للبلدان المُغتصِبة لكوردستان. كما أن هذا المنفذ البحري يقع مقابل إسرائيل وبذلك فأنّ هذا المنفذ يجعل من إسرائيل وكوردستان جارتَين.

6. يجب من الآن ضمان معيشة ورواتب موظفي كوردستان في جميع مناطق الإقليم، من ضمنها المناطق الكوردستانية التي لم تكن تحت الحكم الكوردستاني قبل سقوط حكم حزب البعث في العراق لطمأنة شعب كوردستان على معيشته وحياته. 

30
الأسباب الكامنة في صمود الأديان الكوردية الأصيلة وديمومتها

د. مهدي كاكه يي

تعرضت كوردستان بإستمرار للغزوات الأجنبية وتم إحتلالها وحُكمها من قِبل العديد من الشعوب والممالك في حقب زمنية مختلفة، إلا أنّ عقائد شعب كوردستان وأديانها صمدت أمام العقائد الغريبة التي حملها الغزاة والمحتلون معهم الى أرض كوردستان وتمسك الشعب الكوردي بأديانه المسالمة والمتسامحة رغم القتل والعنف والتهديد والسبي التي تعرض لها و الجزية والضرائب الباهظة التي فُرضت عليه. إستمر معظم الشعب الكوردي في الإحتفاظ بأديانهم ومعتقداتهم الى النصف الثاني من القرن السادس عشر أي الى قبل حوالي 400 سنة، حيث حينذاك ضعفت مقاومة الشعب الكوردي نتيجة المجازر التي تعرض لها والضرائب الباهضة التي كان على مواطني كوردستان المحتفظين بأديانهم دفعها، فأصبحت أكثرية الشعب الكوردي مسلمين.

رغم القتل ودفع الجزية والإضطهاد الديني الذي تعرض له الشعب الكوردي، إلا أن نسبة معتنقي فروع الديانة اليزدانية [الإيزدية والهلاوية (العلوية) واليارسانية والدروزية والشبكية والزردشتية] تٌقدّر اليوم بِحوالي 30% من مجموع نفوس الشعب الكوردي المُقدّرة بِحوالي 50 مليون نسمة. هذا يعني أن حوالي 70% (35 مليون نسمة) من الشعب الكوردي منسلخون من دينهم والآن هم مسلمون. رغم المذابح والمآسي التي تعرض لها معتنقو هذه الأديان، تحتفظ هذه النسبة العالية من الكورد بأديانهم الأصلية ولم تنقرض هذه الأديان، بل أنها في عهد نهضتها الآن وأتوقع عودة الملايين من الشعب الكوردي الى أحضان دياناتهم الأصيلة من جديد بمرور الوقت بفضل زيادة الوعي الوطني والقومي للشعب الكوردي ومعرفتهم لِقيمة وأهمية اللغة و الثقافة الكوردية والتراث والتاريخ الكوردي، حيث أن هذه الأديان تُشكّل جزءاً مهماً من الثقافة الكوردية و التراث والتاريخ الكوردي، كما أن كتبها مكتوبة باللغة الكوردية التي هي ثروة أدبية وشعرية كوردية ضخمة وثمينة، لا يمكن الإستغناء عنها والتي ساهمت عبر التاريخ في الحفاظ على اللغة الكوردية وتطويرها.

ديمومة وإستمرارية هذه الأديان تعود الى 5 أسباب رئيسية وهي:

1. أصالة الديانة اليزدانية بمختلف فروعها وتجذّرها في نفوس الشعب الكوردي منذ آلاف السنين وسلمية وتسامح هذه الديانة وعدم تبشيريتها، كلها عوامل إيجابية هامة ساهمت في تمسك معتنقيها بها والتضحية في سبيلها.

2. إقتباس فروع الديانة اليزدانية بعض الرموز الإسلامية وإضافتها الى معتقداتها، هي من العوامل المهمة التي ساهمت في حماية معتنقيها من القتل والإضطهاد والحفاظ على هذه الفروع الدينية وبقائها وديمومتها. على سبيل المثال، في الديانة اليارسانية والهلاوية أصبح علي بن أبي طالب شخصية مقدّسة و في الديانة الإيزدية تمت تسمية الملاك (ميكائيل) بإسم (الشيخ أبو بكر) وتمّ تعريب الإسم الكوردي (آدي) الذي هو إسم أحد آلهة أسلاف الكورد الهوريين الى (عَدي) (جرنوت فيلهلم. الحوريون. ترجمة وتحقيق فاروق إسماعيل، الناشر: دار جدل، الطبعة الأولى، 2000، صفحة 100).

3. قيام معتنقو هذه الأديان بممارسة طقوسهم الدينية بشكل سرّي تفادياّ للتعرض للقتل والعنف والإهانة. بمرور الزمن وتواصل أجيال أصحاب هذه الديانات، أصبحت السرّية وإخفاء أسرار هذه الأديان من الواجبات الدينية، حيث يظن معتنقو هذه الأديان في الوقت الحاضر بأنّ الحفاظ على أسرار هذه الأديان هي من الفرائض الدينية التي يجب التقيّد بها. من خلال الإنكفاء والإنزواء والعزلة والإبتعاد عن عرض الطقوس والمناسبات والإحتفالات الدينية وإخفائها والتستر عليها، نجح أصحاب الديانات الكوردية في التخفيف عن التهديدات والضغوطات الإسلامية عليهم وذلك بعدم "تحدّيهم" للمسلمين والإبتعاد عن الظهور العلني. هذا العمل ساهم أيضاً في إستمرارية هذه الأديان وحماية حياة معتنقيها.

4. إدّعاء قسم من أصحاب هذه الديانات بأنهم مسلمون، كما هو الحال بالإدعاء بأن نسب الإيزديين يعود لِيزيد بن أبي سفيان وأن الهلاويين واليارسانيين والدروز والشبك هم من  الفرق الشيعية.

5. التضاريس الجبلية الوعرة لكوردستان كانت ملاذاً آمناً لأصحاب الديانات الكوردية الأصيلة، حيث إستطاعوا الدفاع عن أنفسهم. كان البدو العرب يلاقون صعوبة كبيرة في الوصول الى مثل هذه المناطق الجبلية العالية الباردة، حيث أنهم متعودون على العيش في بيئة صحراوية حارة.


31
أبو مسلم الخراساني و صلاح الدين الأيوبي في خدمة الإحتلال العربي - الإسلامي

د. مهدي كاكه يي

ساهم الكورد بشكل كبير في الحفاظ على الدين الإسلامي وخدموه وبهذا الإخلاص والخدمة أضاعوا وطنهم وكرّسوا الإحتلال الإستيطاني لبلادهم وجعلوا أنفسهم عبيداً للأجانب. نأخذ هنا كلاً من القائدَين الكوردييَن (أبو مسلم الخراساني) و (صلاح الدين الأيوبي) كمثالَين بارزَين لِدور الكورد في الحفاظ على الدين الإسلامي ودعم الحُكام الإسلاميين في الإحتفاظ بِكراسيهم وسلطتهم. لقد تمّ إستغلال هذَين القائدَين الكوردييَن من أجل بقاء الدين الإسلامي وترسيخ وإدامة إحتلال على كوردستان وإذلال شعبها ونهب ثرواتها.

كان أبو مسلم الخراساني قائداً كوردياً عظيماً ومحنكاً، حيث يقول الخليفة العباسي (المأمون) الذي هو سابع خلفاء بني العباس وإبن هارون الرشيد: أجل ملوك الأرض ثلاثة، الذين قاموا بنقل الدول، وهم : الإسكندر، وأردشير، وأبو مسلم. قام أبو مسلم الخراساني بإسقاط الدولة الأموية و تسليم الحكم الى العباسيين، حيث تمّ تأسيس الدولة العباسية على أنقاض الدولة الأموية.
 
بدلاً من تكريم أبي مسلم الخراساني على إسقاطه الدولة الأموية وتسليم الحكم للعباسيين، تآمر عليه الخليفة العباسي الثاني، أبو جعفر المنصور، فقتله. هجا الشاعر أبو قتادة، أبا مسلم الخراساني بعد مقتله قائلا :

أبا مجرمٍ ما غيّر الله نعمتهُ على عبدٍ حتى يُغيّره العبدُ
ففي دولة المهدي أردتَ غدرها  إلا أنّ أهل الغدرِ من آبائِك الكورد

لولا إعتناقه الدين الإسلامي، لَربما كان أبو مسلم الخراساني يقوم بتأسيس دولة كوردية على أنقاض الدولة الأموية بدلاً من الدولة العباسية ولًكانت الخارطة السياسية لمنطقة الشرق الأوسط مختلفة عما نراها اليوم، أو على أقل تقدير، كان أبو مسلم يؤسس مملكة خاصة به في منطقة خراسان.

صلاح الدين الأيوبي معروف في التاريخ عن دوره البارز في الحفاظ على الدين الإسلامي والدولة الإسلامية. لولا صلاح الدين الأيوبي لربما كان الدين الإسلامي اليوم لا وجود له على كوكبنا الأرضي، أو في أحسن الأحوال لَكان اليوم عبارة عن دين يعتنقه عدد محدود من الناس و لَكان العرب اليوم عبارة عن شعب صغير معزول، يعيش في شبه الجزيرة العربية. هذا يعني بأنه لولا صلاح الدين الأيوبي لّكانت خارطة الشرق الأوسط السياسية مختلفة تماماً عما نراها اليوم و لَإزدهرت و إنتشرت الأديان الأصيلة في المنطقة و بذلك كانت الشعوب غير العربية في المنطقة تحتفظ بأوطانها و هوياتها و ثقافاتها و لغاتها و معتقداتها و أديانها و تمارس طقوسها و شعائرها الدينية بِحُرّية. بدون صلاح الدين الأيوبي لَكان أحفاده اليوم لهم دولتهم المستقلة و كانوا لا يتعرضون الى الإبادة الجماعية و الأنفالات و التعريب و التتريك و التفريس و لا يكونون أهدافاً للأسلحة الكيميائية.

وضع صلاح الدين الأيوبي نفسه في خدمة العرب، فحارب الأورو پيين، دفاعاً عن الدولة العباسية، و قام بإجبار سكان مصر و دول شمال أفريقيا الحالية على التخلّي عن المذهب الشيعي و إعتناق المذهب السُنّي تحت تهديد السلاح و العنف، بدلاً من  القيام بِتحرير وطنه، كوردستان وتأسيس دولة كوردستان. هكذا قام بِتكريس الإحتلال العربي لِكوردستان. لولا حروب صلاح الدين الأيوبي ضد الصليبيين، لَكان اليوم الكثير من سكان منطقة الشرق الأوسط يُدينون بالديانة المسيحية ولَكانت منطقة الشرق الأوسط الآن تُشكّل جزءً من العالم الغربي المتحضر ولَتفادت شعوب المنطقة الحروب والدمار والإبادات الجماعية وحملات الأنفال ولَكانت بلدان الشرق الأوسط الآن من المرجح أن تكون أكثر تقدماً وتحضراً من البلدان الغربية التي نراها اليوم، حيث تتمتع شعوب منطقة الشرق الأوسط بنعمة الشمس المستديمة التي هي مصدر إدامة الحياة وبوفرة المياه فيها ولِكون بواطن أرضها تزخر بالبترول والمعادن التي هي عصب الحياة. فى مثل هذه الظروف، لَكان الشعب الكوردي له اليوم دولته المستقلة على الأرجح ولكانت بغداد والبصرة والموصل وهمدان وحلب وغيرها من المدن التاريخية الكوردستانية الآن جزءً من كوردستان ولَحافظ كورد وسط و جنوب العراق والكورد الذين تمّ تفريسهم وتتريكهم، على قوميتهم الكوردية وَلَكان الشعب الكوردي ينجو من التعريب والتفريس والتتريك والقتل والتشريد و الإذلال ولَكانت كوردستان تنجو من الدمار والخراب.

لِنإخذ إسپانيا التي رزحت تحت الإحتلال العربي – الإسلامي ردحاً من الزمن وثم تحررت، كمثال على مصداقية ما أقوله. لو بقيت إسبانيا تحت الإحتلال العربي - الإسلامي الى الوقت الحاضر، لَكانت اليوم دولة متأخرة فقيرة، ذات نظام شمولي متخلف كَجاراتها المغرب وتونس والجزائر وليبيا، بينما نراها لِنإخذ إسپانيا اليوم دولة متقدمة ذات نظام ديمقراطي، يتمتع شعبها بالحرية والكرامة والرفاهية، بعكس دول الشرق الأوسط التي بقيت تحت الحكم العربي - الإسلامي.

هكذا تم ويتم إستغلال الدين الإسلامي من قِبل مُغتصِبي كوردستان، منذ ظهور هذا الدين مروراً بالأمويين والعباسيين والعثمانيين والصفويين وإنتهاءً بالمحتلين الإسلاميين من أمثال أردوغان والإخوان المسلمين والإسلاميين الشيعة. من هنا نرى أن المسلمين مُدينون للأمة الكوردية وكان من المفترض أن يدافعوا عن هذا الشعب العريق المظلوم والمضطهَد، الذي يتعرض وجوده ولغته وثقافته الى الإلغاء ويتعرض تاريخه الى التشويه والتزوير والسرقة، إلا أن غالبيتهم المطلقة تقف ضد تطلعات الشعب الكوردستاني في الحرية والإستقلال.




32
هل إعتنق الكورد الدين الإسلامي طواعيةً أم عن طريق العنف والإرهاب والقتل؟

د. مهدي كاكه يي

هناك مَن يدّعي بأن الشعب الكوردي إعتنق الدين الإسلامي طواعيةً. هنا نتحدث عن المجازر التي تعرض لها الشعب الكوردي خلال الغزو العربي – الإسلامي لِكوردستان. خلال غزو وإحتلال كوردستان في عهد عمر بن الخطاب، تمّ قتل عشرات الآلاف من الكورد وسبي آلاف النساء الكورديات، على سبيل المثال، في مدينة جلولاء وحدها تمّ قتل أكثر من 15000 (15 ألف) من المواطنين الكورد وسبي آلاف النساء الكورديات وتوزيعهن على المقاتلين العرب وإرسال قسم منهن (الخُمس) الى الحجاز وتوزيعن على كبار المسئولين الإسلاميين.

أقتطف هذه الفقرة عن المجزرة التي تم إرتكابها خلال إحتلال المسلمين العرب لمدينة جلولاء:
(اتجه المسلمون بعد فتح جلولاء إلى خانقين مباشرة بقيادة سيدنا القعقاع بن عمرو التميمي، وسيطر المسلمون على المنطقة وأخذوا ما فيها من الغنائم ومن السبي ومن الذراري، وقُتِلَ في خانقين مهران الرازي قائد الجيش الفارسي في جلولاء الذي هرب من القادسية، ثم من المدائن، ثم من جلولاء، استطاع القعقاع بن عمرو التميمي أن يقتله في خانقين.
وكانت غنائم جلولاء وسبيها من الكثرة حتى إنها وُزِّعَتْ على جيش المسلمين في جلولاء، فكان نصيب الواحد منهم كنصيب أحدهم في المدائن، وقيل: إن الفارس أخذ في هذه المعركة تسعة آلاف درهم، وتسعة من الدواب، وأُرْسِلَ الخُمْسُ إلى سيدنا عمر بن الخطاب في المدينة مع سيدنا زياد بن أبي سفيان الذي كان كاتب الحملة، أرسله سيدنا هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى سيدنا عمر في المدينة.

لما قدم زياد بن أبي سفيان المدينة، سأل عمر زياد بن أبي سفيان عن كيفية الوقعة، فذكرها له، وكان زياد فصيحاً، فأعجب إيراده لها عمر بن الخطاب  ، وأحب أن يَسْمع المسلمون منه ذلك، فقال له: أتستطيع أن تخطب الناس بما أخبرتني به؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، إنه ليس أحد على وجه الأرض أهيب عندي منك، فكيف لا أقوى على هذا مع غيرك؟ فقام في الناس فَقَصَّ عليهم خبر الوقعة، وكم قتلوا، وكم غنموا بعبارة عظيمة بليغة، فقال عمر: إن هذا لهو الخطيب المِصْقع. يعني الفصيح، فقال زياد: إن جندنا أطلقوا بالفعال لساننا.

فلما قدمت غنائم جلولاء على عمر قال: والله لا يُجنُّه سقف حتى أقسمه. فبات عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن الأرقم يحرسانه في المسجد، فلما أصبح، جاء في الناس فكشف عنه، فلما نظر إلى ياقوته وزبرجده وجوهره بكى، فقال له عبد الرحمن بن عوف: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ فوالله إن هذا لموْطِنُ شكرٍ. فقال عمر: والله ما ذلك يبكيني، إن هذا الأمر لهو أشد ما أخاف على المسلمين، وبالله ما أَعطَى الله هذا قومًا إلا تحاسدوا وتباغضوا، ولا تحاسدوا إلا ألقى الله بأسهم بينهم، وضاعت هيبتهم.

ووزع سيدنا عمر بن الخطاب سبي جلولاء وكان كثيراُ؛ فكان المسلم ينال أكثر من واحدة من السبي، وكان سيدنا عمر بن الخطاب يخاف على المسلمين من هذا السبي أن يقعدوهم عن الجهاد في سبيل الله، وكان دائم الاستعاذة من سبي جلولاء لكثرته). (إنتهى الإقتباس)

هذه فقرة أخرى عن إحتلال الموصل وشهرزور:

(مؤرخو المسلمين، الكورد في مؤلفاتهم في صدر الإسلام. مثل (أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري) المتوفى في بغداد سنة (892) ميلادية. الذي في كتابه الشهير (فتوح البلدان) عن (فتح) (الموصل) واستيطان العرب فيها يقول: ولى (عمر بن الخطاب) (عتبة بن فرقد السلمي) (الموصل) سنة عشرين، فقاتله أهل (نينوى) ، فأخذ حصنها وهو الشرقي عنوةً، وعبر (دجلة) فصالحه أهل الحصن الآخر على الجزية. ثم فتح (المرج) وقراه، وأرض (باهذرة) ،و(باعذرى)،و(الحنانة)، و(المعلة)، و(دامير)، وجميع معاقل الأكراد. ويقول البلاذري أيضاً في ذات المصدر "عن (العباس بن هشام الكلبي)،عن أبيه، عن جده قال: أول من اختط (الموصل) وأسكنها العرب ومصرها (هرثمة بن عرفجة البارقي)" وهرثمة هذا كان قائداً للجيش العربي الإسلامي الذي غزا الموصل. ويضيف البلاذري في مكان آخر في كتابه آنف الذكر: (حدثني (أبو رجاء الحلواني)، عن (أبيه)،عن (مشايخ) شهرزور، قالوا :(شهرزور) و (الصامغان) و (دراباد) من فتوح (عتبة بن فرقد السلمي). فتحها وقاتل الأكراد فقتل منهم خلقاً).

للحصول على مزيد من المعلومات، يمكن مراجعة كتاب (فتوح البلدان لمؤلفه أبو العباس أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري).

ما هو تعريف الإحتلال؟ ما تسمى ب"الفتوحات الإسلامية" هي إحتلال إستيطاني، حيث إستغل العرب الدين الإسلامي لإغتصاب أوطان الشعوب الأخرى ونهب ثرواتها وفرض لغتها وثقافتها البدائية المتخلفة على الشعوب الأخرى وإلغاء هويات ولغات وثقافات هذه الشعوب وإلغاء وتحريف وتشويه تاريخها وسبي نسائها. ها نرى اليوم تُسمى هذه الدول المُغتصَبة ب"الدول العربية" وشعوبها ب"الشعوب العربية" وأن هذه الشعوب تجهل لغاتها وتاريخها وإنسلخت عن هوياتها وشخصياتها. ما تُسمى ب"الفتوحات الإسلامية" هي أبشع وأسوء نوع من الإحتلال الذي شهده التاريخ البشري. من الشعوب التي تمّ إغتصاب أوطانها من قِبل العرب بإسم الإسلام هي الشعب الكوردي والأمازيغي والقبطي والنوبي والبلوشي وغيره. تمكّن العرب من خلال إستغلال الدين الإسلامي، أن يقوموا بإسقاط الدولة الساسانية الكوردية ويغتصبوا كوردستان. لِنسأل أنفسنا ونحن الكورد نتخاطب مع البعض باللغة العربية (لغة غزاة ومحتلي كوردستان)، لماذا لا نتخاطب بِلغتنا الكوردية الجميلة مع البعض؟! هذه هي إحدى الكوارث الكبرى للإحتلال الإستيطاني الإسلامي – العربي الذي منعنا من تعلّم لغتنا التي وهبها لنا الخالق وفرض العرب علينا لغتهم.

موطن العرب هو اليمن والجزيرة العربية فقط. شعوب سوريا ومصر والعراق ولبنان والسودان وشمال أفريقيا كلها شعوب مستعرَبة وليست عربية، على سبيل المثال، الرئيس الجزائري الحالي عبد العزيز بوتفليقة هو أمازيغي مُستعرَب والآن أصبح عروبياً نتيجة إحتلال بلاد الأمازيغ ومسخ هوية وثقافة الشعب الأمازيغي. من المُعيب جداً للمواطن الكوردي أن يدافع عن محتلي بلاده الذين منعوه من تعلّم لغته وألغوا هوية شعبه الكوردي وثقافته وتاريخه وتراثه ولغته.

يمكن الحصول على المزيد من المعلومات حول الموضوع من خلال الرابط التالي:
 
الفتح الإسلامي لفارس

33
إمارة بابان (1649- 1851) (القسم الخامس) (القسم الأخير)

د. مهدي كاكه يي

صفات وخصال البابانيين

إن أبناء هذه الأسرة شأنهم في ذلك شأن أبناء الشعب الكوردي، كانوا يتسمون ببعض الصفات المتميزة، مثل الشجاعة والبسالة والإستقامة والإخلاص وعزة النفس والكبرياء المفرطة لدرجة الغرور والغطرسة في بعض الأحيان.

كما أن البابانيين كانوا مولعين بالفروسية وإستعمال السلاح. كانوا من هواة الرياضة، مثل المصارعة وغيرها والتي كانوا يمارسونها في الزورخانة و في الملاعب. كانت
للمرأة منزلة عالية عند البابانيين، حيث كانوا يحترمون المرأة وأن ظاهرة تعدد الزوجات كانت معدومة في مجتمعهم وهذا يعود على الأرجح الى خلفيتهم الدينية اليارسانية، حيث أن هذا الدين يمنع الزواج من أكثر من إمرأة واحدة، لذلك برزت نساء من الأسرة البابانية اللواتي لعبن دوراً كبيراً في الحياة السياسية والإجتماعية.

التجارة والزراعة والصناعة
أصبحت مدينة السليمانية في أوائل القرن التاسع عشر مركزاً تجارياً مهماً لوقوعها في طريق تجارة الحرير، حيث كانت لها علاقات تجارية مع كل من بغداد وكركوك والموصل وسنه وهمدان وتبريز وأرضروم ومصر. كانت إمارة بابان تُصدّر الحنطة، التبغ، الجبن، السمّاق، الصابون، العسل، العفص، الفواكه، الرز، الجوز، الحرير الطبيعي والأغنام، بينما كانت تستورد التمر، القهوة، الأقمشة، البضائع الهندية، الأحذية، الجلود، المصنوعات اليدوية، النحاس والحديد. كانت بغداد تستورد الخشب من الإمارة عن طريق نهر (سيروان).  كانت الصناعات اليدوية متطورة في الإمارة و كذلك صناعة مواد البناء والأسلحة. كان البابانيون يصنعون المدافع والسيوف والخناجر و مستلزمات عسكرية أخرى بمساعدة خبراء روس 1، 2.

الأدب والشعر والفن والطب
كان الأدباء والشعراء والأطباء الشعبيون والفنانون موضع رعاية وإهتمام االحكام البابانيين، فكانوا يساعدونهم مادياً ويشجعونهم، ونتيجة لهذه الرعاية والإهتمام، برز شعراء كبار في عهد الحكم الباباني، أمثال (ملا خضر نالي) و(قادر كويي) و(شيخ رەزا تالباني) و(مصطفى بگ كوردي).


المصادر


1. جمال بابان (1993). بابان في التاريخ ومشاهير البابانيين.

2. حسين ناظم بك (2001). تأريخ الإمارة البابانية.
هناء حنين منكلو

34
إمارة بابان (1649- 1851) (القسم الرابع)
د. مهدي كاكه يي

أسباب سقوط إمارة بابان

إن السبب الرئيس لسقوط إمارة بابان و الإمارات الكوردية الأخرى، هو عقد معاهدة أرضروم بين الدولة الصفوية والدولة العثمانية. بعد إبرام الإتفاقية المذكورة، أوعزت السلطات العثمانية إلى والي بغداد رشيد پاشا الملقب ب(كويزلكي) الذي يعني (صاحب النظارات) باللغة التركية، بإبعاد الأمير الباباني (أحمد پاشا) إلى الإستانة ونفي جميع أفراد الأسرة  البابانية الحاكمة الى المناطق التركية من الإمبراطورية العثمانية للحيلولة دون محاولتهم إستعادة حكمهم وسلطتهم من جديد وبالتالي إحياء إمارة بابان.

أما العوامل الأخرى التي لعبت دوراً مهماً في انهيار هذه الأمارة فتتمثل بالصراعات الداخلية بين الأمراء البابانيين، وكذلك ظهور عوائل وعشائر قوية أخذت تنافس الأسرة البابانية في السلطة. كما أن القوى الخارجية المتمثلة بالفرس والأتراك كان لها دور في إضعاف نفوذ إمارة بابان وساهم بشكل كبير في سقوطها، حيث تمكن العثمانيون من إستقطاب عشائر كوردية كبيرة من خلال إستغلال الدين الإسلامي بالإدّعاء بأنّ الأتراك هم خلفاء المسلمين وظل الله في الأرض، ولذلك يجب أن تتمّ إطاعتهم، حيث أن أيّة معارضة لهم تعني عدم إطاعة الله ومخالفة الشريعة الإسلامية. لهذا السبب إصطفّ معظم رجال الدين الكورد الى جانب الدولة العثمانية ومقابل ذلك منحت الحكومة العثمانية  الشيوخ والإقطاعيين المؤيديين لهم والمتحالفين معهم بعض الإمتيازات التي ساهمت في كسب نفوذهم الى جانب العثمانيين. كما أنّ لغة الترهيب التي إستخدمتها الدولة العثمانية ضد بعض العشائر الكوردية، ساهمت أيضاً في إضطرار قسمٍ من هذه العشائر الى تأييد ودعم الحكومة العثمانية. هكذا تحالفت عشائر كوردية كبيرة مع العثمانيين، مثل عشيرة الجاف والبلباس وكان لهذا التحالف دوراً كبيراً في إسقاط إمارة بابان.

من الأسباب الأخرى لسقوط الإمارة، هو قيام بعض الأمراء البابانيين بإنشاء جيش عصري كبير، يمتلك أسلحة متطورة قياساً بذاك الوقت، واستعانتهم بِخبراء أجانب من الروس والفرنسيين لتنظيم هذا الجيش وتدريب أفراده، وإنشاء معامل لصنع الأسلحة والمعدات والذخيرة الحربية. هذه التطورات العسكرية أقلقت الحكومة العثمانية وولاة بغداد، ولذلك قرروا إلغاء الإمارة. كما أن الأزمة الإقتصادية التي كانت الإمارة تعاني منها والمتسببة من الأوضاع السياسية غير المستقرة فيها، كانت عاملاً آخراً، ساهم في إنهيار إمارة بابان  وسقوطها.
 
هكذا سقطت الإمارة البابانية التي حكمت شرق كوردستان لمدة تبلغ 194 سنة (1202- 1396 م) وحكمت جنوب كوردستان بصورة متقطعة لمدة 300 سنة (1550-1850م).

مراكز إمارة بابان1، 2
إنتقلت مراكز إمارة بابان قبل إستقرارها في مدينة السليمانية الى أماكن عديدة، وكانت أهم هذه المراكز هي:

مدينة مريوان: تمّ إتخاذ هذه المدينة مركزاً لإمارة بابان في الفترة الممتدة بين سنة 1202م و 1396م، وذلك في عهد الأمير حمزة پاشا بابان والأمراء الذين حكموا بعده.

مدينة درياس: خلال حكم الأمير سيف الدين موكري.

مدينة أورميه: أثناء حكم الأمير صارم سيف الدين موكري.

مدينة سابلاخ (مهاباد): أيام حكم الأمير بوداق بن شير بگ.

مەرگه: كانت مركز إمارة بابان حوالي سنة 1596 م. في الوقت الحاضر وهي قرية كبيرة تابعة لمحافظة السليمانية.

دارەشمانه: كانت مركز الإمارة في عهد الأمير (فقي أحمد)، مؤسس الأسرة البابانية الأخيرة. إستمر فيها الحكم الباباني الى سنة 1608 م. الآن هي عبارة عن قلعة كبيرة في مدينة (قلادزه).

ماوەت: كانت مركزاً للإمارة من سنة 1608م الى 1619م. في الوقت الحاضر هي مركز لناحية تابعة لِ(شارباژير) في محافظة السليمانية.

قەلاى بكراو: إستمر فيها الحكم كمركز للإمارة الى سنة 1627م.

قەلا چواڵان: إتُخذت مركزاً للإمارة في فترة حكم محمود پاشا وذلك خلال الفترة الممتدة بين سنة 1669 - 1784 ميلادية.

مدينة سنه (سنندج): تقع في إقليم شرق كوردستان. كانت مركز حكم الإمارة في سنة  1719 - 1730 م خلال حكم كل من سليمان پاشا ببه ومحمد پاشا وغيرهما.

السليمانية: مركز الإمارة خلال سنة 1847- 1850 م، حيث أنها أصبحت  عاصمة للإمارة بعد بنائها وحتى سقوط إمارة بابان.

نظراً لضيق مدينة (قەڵا چواڵان) التي كانت عاصمة إمارة بابان قبل إنتقالها الى مدينة السليمانية، و لموقعها المنزوي خلف جبل (گوێژە) )، ولقربها من الحدود الإيرانية وتعرضها لهجماتها المستمرة، قام إبراهيم پاشا بابان بإنشاء مدينة السليمانية التي تم إكمال بنائها في سنة 1784 ميلادية و أصبحت عاصمة الإمارة البابانية. إستناداً الى دراسة مستر ريچ3، كان عدد سكان مدينة السليمانية في سنة 1920 ميلادية حوالي 15000 نسمة، منهم 800 يهودي، و100 مسيحي. كان عدد بيوت السليمانية في ذلك الوقت 2144 بيتاً، بضمنها 130 بيتاً يهودياً و9 بيوت كلدانية و5 بيوت للأرمن وكنيسة خاصة بالمسيحيين. كما أنه آنذاك كانت في مدينة السليمانية 5 خانات و5 حمّامات و5 مساجد وحمّام خاص للحاكم، الى جانب عدد من المباني الخاصة بِدار إمارة بابان نفسها. قام البابانيون بِبناء المدارس في كوردستان، كما أنهم بنوا المكتبات في مناطق عديدة من الإمارة، من ضمنها في (قەڵا چواڵان).


1. جمال بابان (1993). بابان في التاريخ ومشاهير البابانيين.

2. حسين ناظم بك (2001). تأريخ الإمارة البابانية.

3. كلوديوس جيم ريچ (2008). رحلة ريج؛ المقيم البريطاني في العراق عام 1820 إلى بغداد - كردستان- إيران. ترجمة بهاء الدين نوري، الدار العربية للموسوعات.



35
إمارة بابان (1649- 1851) (القسم الثالث)

د. مهدي كاكه يي

كان يُستعمل إسم (بابان) في القرن االسادس عشر الميلادي كإسم للعشائر الساكنة في المنطقة المحصورة بين نهر الزاب الصغير ونهر سيروان وتمّ ذكر بعض الأماكن ضمن هذه  المنطقة، مثل پشدر ومرگه وسورداش وسرچنار وشارباژێر وشارَزور وقرَداخ1.

تأريخ إمارة  بابان منذ نشأتها الى إختفاائها ليس تأريخاً مسجلاً بالتعاقب1. كما أن سلسلة الأسرة الحاكمة لِإمارة بابان، تمّ تغييرها وتحديثها لمرات عديدة بسبب إنعدام الخلف للحكام وبسبب قتلهم2. كانت إمارة بابان كبيرة قبل أن يصبح (سليمان پاشا الكبير) والياً على بغداد، حيث كانت تمتد حتى زنكباد ومندلي وكانت أربيل وآلتون كو پري تحت حكمها، حيث كانت حدود إمارة بابان تبدأ من كركوك غرباً الى قصرشيرين شرقاً وحتى مناطق خانقين ومندلي وبدرة وجصان جنوباً و أربيل ومناطق الزاب الأسفل شمالاً.

الحدود الجغرافية لإمارة بابان، كما يذكرها مستر(ريچ)، وكما ينقل عنه العلامة محمد أمين زكي في كتابه (تاريخ السليمانية وأنحائها) تبدأ من حدود بغداد وشملت كلاً من الداوودة، كفري، دلو، زنگنه، كوم، زندآباد، شيخان، نوره، چمچمال، چياسور، كوجماله، شوان، جبوق قلا، عسكر، قلاسيوكه، كردخير، بازيان وأنحاء قره داخ والذي يشمل باني خيلان، سرچنار، سورداش، مرگه، پشدر، گلاله، شنيك، ماوەت، آلان، سيوەيل، سرآو، ميرآو، بالخ، كابيلون، بازار، بركيو، سروجك، گولعنبر، حلبجه، شميران، قزلجة، ترتول، قرە حسن، ليلان)1.

المرحلة الثانية  من حكم إمارة بابان
 تبدأ هذه المرحلة إعتباراً من سنة 1650 ميلادية عندما قام فقي أحمد بِتأسيس الأسرة البابانية الحاكمة، والذي كان من سكان (دارشمانه) ومن عشيرة نورالديني في منطقة پشدر (منطقة قَلادزه الحالية)3.

بدأ الكورد نشاطهم السياسي في مطلع القرن التاسع عشر من خلال الحركة التي قام بها عبد الرحمن باشا بابان، حيث  أنه في سنة 1803 ميلادية، أصبح عبد الرحمن پاشا أميراً على إمارة بابان وأخذ يقوم بِتقوية سلطته وتوسيع إمارته4.

رغم معارضة والي بغداد (علي پاشا) لِحكم عبد الرحمن پاشا، إلا أنه إستطاع خلال فترة قصيرة من ترسيخ دعائم حُكمه، مستغلاً العلاقات المتأزمة التي كانت قاائمة بين الإمبراطورية العثمانية وإيران، حيث أخذ يحاول إيجاد حلفاء خارجيين له، فإتّصل بِحُكّام الإمارات الكوردية المجاورة و بِحاكم كرماشان، محمد علي ميرزا5.

في سنة 1806 ميلادية، تحالفَ الأمير الباباني عبدالرحمن پاشا مع حاكم كرماشان، محمد علي ميرزا الذي أعلن الحرب ضد والي بغداد، علي پاشا، فإنضّم هو وقواته إلى جيش حاكم كرماشان. خلال الفترة التي  تلت هذا التحالف، أصبحت إمارة بابان تتعرض لتدخلات في شئونها الداخلية من قِبل كلِ من والي بغداد ونائب شاه إيران. بالرغم من الخلافات التي حدثت في بعض الأحيان بين الأمير عبدالرحمن پاشا مع كلِ من والي بغداد الجديد، عبدالله پاشا وحاكم كرماشان، إلا أن الأمير الباباني إستطاع بِحكمته أن يقوم بِتعزيز سلطته وتوسيع نطاق نفوذه في المنطقة. في سنة 1812 ميلادية، حدث قتال عنيف في مدينة كفري بين القوات البابانية وقوات والي بغداد، داود پاشا ومُنيت القوات البابانية بِهزيمة كبرى ومن جرّاء هذه الهزيمة تعرّض سكان منطقة (شارزور) لِمآىسٍ وويلات كبيرة. إضطر الأمير عبد الرحمن پاشا أن يلجأ الى إيران ويطلب الحماية من حكومتها، حيث إستجابت الحكومة الإيرانية لِطلبه وقامت بِشنّ غارات على المناطق العثمانية الحدودية المتاخمة لإيران6.

توفي الأمير عبدالرحمن پاشا في سنة 1813 ميلادية وإستلم سليمان پاشا حُكم إمارة بابان7. في سنة 1838 ميلادية توفى الأمير سليمان پاشا وخلّفه في الحُكم إبنه احمد پاشا الذي قام بِتقوية الإمارة، حيث قام بتأسيس جيش منظم ومسلًح بأسلحة حديثة ليكون قادراً على حماية إمارته من النفوذ الأجنبي وأن تستقل إمارة بابان وتُنهي سيطرة ولاة بغداد عليها. كاد الأمير الباباني أن يحقق هدفه في الإستقلال، إلا أن تدخّل بلاد فارس ودعمها لِعلي بن محمد بن عبدالرحمن بابان الذي إعتنق المذهب الشيعي والذي كان يدّعي أحقيته في الجلوس على عرش الإمارة، حال دون ذلك، حيث أن الأمير أحمد پاشا ترك الحُكم لمدة سنة واحدة (1841 – 1842م)، وتولى الحُكم عمّه محمود پاشا بِمساعدة القوات الفارسية. بعد مرور حوالى سنة واحدة، إستطاع الأمير أحمد پاشا طرد عمّه محمود پاشا عن طريق القوة العسكرية وإستعاد حُكمه من جديد في سنة 1842 ميلادية7.

تشير بعض النصوص الأدبية إلى إن الإمارة كانت في فترة من الفترات مستقلة تماماً عن النفوذَين الفارسي والعثماني إستناداً إلى قصيدة مشهورة للشاعر الكوردي المعروف شيخ رضا طالباني (1835 - 1909)8 المشهور بإسم (شێخ رەزاى تاڵەبانى). هنا نقتطف من قصيدته المذكورة المقطع التالي:

له بيـــــرم دێ سوله‌يمانی كه  دارولمولكی بابان بوو
نه مه‌حكوومی عه‌جه‌م، نه سوخره‌كێشی ئالی عوسمان بوو
له‌به‌ر قاپی سه‌را سه‌فيان ده‌بةست شێخ و مه‌لا و زاهيد
مه‌تافی كه‌عبه بۆ ئه‌ربابی حاجه‌ت گردی سه‌يوان بوو
له‌به‌ر تابووري عه‌سكه‌ر ڕێ نه‌بوو بۆ مه‌جليسي پاشا
سه‌دای مۆزيقه‌وو نه‌قاره تا ئه‌يوانی كه‌يوان بوو
درێغ بؤ ئه‌و زه‌مانه، ئه‌و ده‌مه ، ئه‌و عه‌سره ، ئه‌و ڕۆژه
كه مه‌يدانی جريدبازی له ده‌وری كانی ئاسكان بوو

الترجمة العربية  للمقطع الشعري
أتذكر السليمانية عندما كانت بيتاً ومُلكاً لِلبابانيين
لم يكونوا تحت حُكم الفرس ولم يخدموا آل عثمان
كان الشيوخ والملالي والزاهدون يصطفون أمام باب الحكومة
كان تل سَيوان قِبلة أرباب الحاجات
بسبب طوابير العساكر، لم يكن هناك طريق سالك الى مجلس الپاشا
كان صدى الموسيقى والطبول يصل الى بهو كَيوان
أسفاً لذلك الزمان، لذلك الوقت، لذلك العصر ولذلك اليوم
الذي كان ميدان الألعاب حول نبع الغزلان

بناءً على أوامر السلطان العثماني عبد الحميد الثاني (1876 – 1909م)، قام والي بغداد، نجيب پاشا في سنة 1896 ميلادية بالهجوم على إمارة بابان والقضاء عليها وبذلك سقطت هذه الإمارة الكوردية وإختفت.

المصادر

1. كلوديوس جيم ريچ (2008). رحلة ريج؛ المقيم البريطاني في العراق عام 1820 إلى بغداد - كردستان- إيران. ترجمة بهاء الدين نوري، الدار العربية للموسوعات.

2. نەوشیروان مستەفا (1998). میرایەتی بابان لە نێوان بەرداشی ڕۆم و عەجەمدا. چاپی دووەم، چاپەمەنی خاك، سلێمانی، لاپەڕە 36.

3. المصدر السابق، صفحة 45.

4. مەحەمەد حەمە باقی (2002). میرنشینی ئەردڵان، بابان، سۆران لە بەڵگەنامەی قاجاریدا 1799 – 1847 ز. چاپی یەكەم، چاپخانەی وەزارەتی پەروەردە، هەولێر، لاپەڕە 42-46.

5. المصدر السابق، صفحة 69.

6. المصدر السابق، صفحة 69-118.

7. عبد القادر رستم الباباني (1871). تاريخ وجغرافية كردستان- سير الأكراد. صفحة 151 (باللغة الفارسية).

8. شێخ محمدى خاڵ و ئومێد ئاشنا (2003). دیوانى شێخ رەزاى تاڵەبانى.

36
الدين اليزداني كان الدين الرسمي للإمبراطورية الميدية

د. مهدي كاكه يي

تعقيباً على مقالي المعنون [إمارة بابان (1649- 1851) (القسم الأول]، أثار الأستاذ (حاجي علو) مواضيعاً مهمة التي أغنت المقال. أشكر الأستاذ (حاجي علو) لمتابعته المستمرة لكتاباتي ولِإثرائه لها. نظراً لأهمية الموضوع، أنقل هنا نص تعقيبه وردّي على التعقيب.

التعقيب
مقالاتك مهمة جدّاً وقيمة وتنطق بالحقيقة فقط ، لكن دائماً أرى فيها بعض التناقض وشيء من التجاهل وذرّ ة من الإنكار شأن كثير من اليزيديين الذين يحومون حول الحقيقة وينكرونها عندما تتجلى لهم فمثلاً تتكلم عن 400 سنة ق ب ـ وهذا لاشك فيه مطلقاً فمذ نشوء الدولة الميدية وإلى نهاية الساسان كان الحكم فيدرالية الممالك شاهنشياً ولابد أن كانت في كردستان عدة عوائل ملكت ممالك مستقلة فيدرالية، واحدة منها مملكة الداسنيين التي ينحدر منها باشيخ الئيزديين الحالي الختاري , ثم تقول دينهم يارساني، هذا لم يكن قبل العصر العباسي الإسلامي، ،، اليارساني والشيعي والئيزدي والكاكئي .... كلهم دين واحد قبل الإسلام وهو الدين الزرادشتي المزداسني الذي نتسمى به حتى اليوم تعرض إلى السيف الإسلامي فانقرض الدين وأسلم الجميع إلاّ من كان نائياً بقي بشيء من دينه الذي تشوّه كثيراً ، وبعد إبادة الدولة الإسلامية على يد هولاكو إستقرّت الطوائف المختلفة في الأماكن المختلفة على ما وصلت إليه من التدهور، ومعظمها قبلت عليّاً بدرجات متفاوتة إلاّ اليزديون قبلوا سنيّاً وهو الشيخ عدي والأمر سيان، لا يوجد دين يزداني هي طوائف زرادشتية مختلفة وهي ديانات شمسانية.
 
ثم نأتي إلى أسرة بابان العريقة ، نحن في كردستان لم نجد أسرة عريقة واحدة لا تُنسب نفسها للعرب بصفة سادة أو أحفاد أحد من الصحابة أو إحدا العشار العربية القديمة مثل طي وبني مُضر فكيف شذّت هذه منها ؟ إسأل بنفسك وتأكد ، أنا أيضاً لا أشك في عراقة كردية الجميع لكن هم يُنسبون أنفسهم ويصرّون والإعتراف سيد الأدلة ، وهو كذب فرضه السيف في عصر الخوف والرعب واكتسبته الأجيال , هذا مرض سرطان في كردستان ، يُقاتل ويُناضل من أجل شيء لا يُؤمن به ، كلهم كانوا أبياراً بنسب راقي قبل الإسلام يتزعمون شعوبهم ، بعد الإسلام نسبوا أنفسهم إلى أصول إسلامية رفيعة ، حتى سادة الشيعة المستعربين وغير المستعربين نفس الشيء ، عشائر السادة نعيم والهاشميين والبدريين هم سنّة وهم أحفاد علي ، ثم لم يكن هناك مذهب ديني شيعي خاص بعلي وأولاده ........


الرد

المقال يتناول إمارة بابان ويشير الى أن اليارسانيين كانوا حُكّام هذه الإمارة وأنّ ظهورها قد يكون بدأ قبل سنة 400 قبل الميلاد. المقال لا يتطرق الى الأديان الكوردية القديمة ولا يقول بأن تاريخ ظهور هذه الأديان يعود الى عدة قرون قبل الميلاد ولا يذكر بأن اليارسانيين كانوا يحكمون جميع الممالك الكوردستانية، حيث أن التاريخ يذكر حكمهم لإمارة أردلان وبابان فقط.
 
الأديان الإيزدية والهلاوية واليارسانية (كاكەیی) والدروزية والشبكية والزردشتية كلها هي فروع للدين اليزداني. هذه الفروع لا تعود للدين الزردشتي، حيث أن الدين الزردشتي نفسه هو فرع من فروع الدين اليزداني كباقي الفروع الأخرى. عند ظهور الدين الإسلامي، كانت غالبية الشعب الكوردي تعتنق الدين اليزداني وأن إدخال بعض الشخصيات الإسلامية الى فروع الدين اليزداني كالإيزدية والهلاوية واليارسانية وغيرها، هو لِحماية أصحاب هذه الديانات من القتل والإضطهاد والإهانة وللحفاظ على هذه الأديان ولذلك نرى أن معتنقي هذه الأديان إضطروا أن يجعلوا معتقداتهم وطقوسهم وشعائرهم الدينية سرّية خوفاً من القتل والبطش والإرهاب وبمرور الزمن أصبح معتنقو هذه الأديان يظنون أن المحافظة على سرّية أديانهم هي من الفرائض الدينية، وإلا فأن الدين اليزداني هو إمتداد للمعتقدات السومرية وتتجلى فيه الديانة المثرائية التي كانت سائدة بين الزاگروسيين والآريين خلال فترة الحكم الهوري – الميتاني وما بعدها. تفادياً للإطالة أرفق في نهاية هذا الرد مقالاً قيّماً ووافياً للصديق الدكتور أحمد خليل حول هذا الموضوع. كما أنني في المستقبل القريب سأتحدث بالتفصيل عن الدين اليزداني خلال حديثي عن دين ومعتقدات الميديين ضمن حلقات سلسلة المقالات المعنونة (نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم).

في الحقيقة أن الأسَر الكوردية العريقة لم تدّعي أن نسبها يعود الى العرب، بل أن العنصريين العرب يُحرّفون تاريخ هذه الأُسر ويزوّرونه وينسبونه الى العرب. كما نرى بالنسبة للأسرة البابانية الحاكمة التي هي أسرة كوردية عريقة كان أفرادها يعتنقون الدين اليارساني.

نص مقال الدكتور أحمد خليل

المسألة الدينية في كُردستان والحقائق السبع

عمر تشابكات الدين والسياسة في كُردستان لا يقلّ عن 25 قرناً، وقد عبرتْ مع كل تعقيداتها من العصر القديم إلى العصر الوسيط، ووصلت إلى العصر الحديث وهي أكثر تعقيداً، وصارت في عهدنا هذا أكثر خطراً على الأمّة الكُردية وعلى مشروعها التحرّري. ولتوضيح ذلك نسرد بإيجاز الحقائق السبع التالية.
حقائق تاريخية:
الحقيقة (1): صراع الديانات هو، في العمق، صراعُ ثقافات وذهنيات وسياسات، وكذلك كان الصراع بين اليَزْدانية (الأَزْدائية الدين الوطني الميدي/الكُردي) والزَّرْدشتية السياسية (الدين الرسمي للدول الفارسية)؛ فالفرس- كبقية الأقوام الصحراوية المنشأ- كانوا عاجزين عن إبداع فكر حضاري متقدّم، لكن ماهرين في السطو على الثقافات الأخرى الأكثر تقدّماً، وتوظيفِها لخدمة مصالحهم التوسّعية، وقد سطوا على الزَّرْدشتية، وهي في الأصل جزء من الثقافة الميدية، ومن إبداعات الفكر الميدي، وسخّروها لمشروعهم الإمبراطوري، وهم منذ خمسة قرون يلعبون اللعبة ذاتها مع الإسلام الشيعي، وقد انتقلوا باللعبة الآن إلى مرحلة أكثر نشاطاً.
الحقيقة (2): رغم مشاريع القهر والصهر الماكرة المتوحّشة ضد اليَزْدانيين، لم تنجح الحكومات الفارسية إلا في زَرْدَشَة نسبة قليلة من الكُرد، وهم في الغالب كُرد المدن، والكُرد الذين ارتبطت مصالحهم بالدول الفارسية، وظلّ معظم الكُرد متمسّكين ببقايا اليَزْدانية (أَيزْدي، مَزْدَكي، يارساني/كاكائي، آلاوي/عَلَوي)، وصحيح أن هذه الفروع اليَزْدانية تعرّضت- كأيّ دِين آخر-  للانحرافات والخرافات، لكنها ظلّت محصّنة إلى حدّ كبير ضدّ الزوال، ولم تستطع الزَّردشتية السياسية افتراسَها وهضمَها بشكل كامل.
 
الحقيقة (3): في العهود الإسلامية، واجهت اليَزْدانية صراعاً على جبهتين:
- صراعُ ضدّ الزَّردشتية السياسية الفارسية الطابَع، فكثير من نُخَب الفُرس اعتنقوا الإسلام، واستمرّوا، تحت ستار الإسلام، في اضطهاد اليَزْدانيين وتبشيعهم، وهذا واضح في الروايات التي نَسبت الكُرد إلى الجِنّ الكفّار والإماء المنافقات، وواضح في ملحمة "شاهْنامَه" للفِرْدَوْسي، إذ حُوِّل الملك الميدي الأخير وحامي اليَزْدانية أَزْدَهاك إلى Ejdeha (تِنّين)، وواضحٌ أيضاً في تعاون كبار قادة الفُرس مع دولة الخلافة العبّاسية، للقضاء على ثورات الخُوراميين اليَزْدانيين في القرنين (2، 3هـ).

- صراعٌ  ضد الإسلام العقائدي والسياسي، ورغم افتقار اليَزْدانيين إلى مرجعية دينية وسياسية جامعة، فقد قاوموا الغزو الإسلامي، وسُمّوا "مشركين"1. ومنذ سنة (137 هـ/754 م)، ظهر قادة يَزْدانيون وطنيون، وقادوا ثورات ذات توجّه اجتماعي قومي ديني عُرفت بالثورات الخُرَّمِيّة (الخُورامية، نسبة إلى خُور/هُور = الشمس)، وسُمّوا (المُحَمَّرة) أيضاً، لأن شعارهم كان اللون الأحمر (لون النار، ظلّ باقياً عن كُرد آلاوي/عَلَوي الذين سمّاهم الترك: قِزِلْ باش= الرؤوس/العمائم الحُمر)، وكان أكبر تلك الثورات وأقواها وأطولها عمراً ثورة بابَك الخُورامي (باب، بابَك، مرتبة دينية يَزْدانية، ولعلّها من كلمة Bav أب الكُردية)، ودامت ثورة بابَك بين (201 -222 هـ/816 – 837 م) 2.

الحقيقة (4): ظلت فروع اليَزْدانية سائدة بين الكُرد إلى القرن (12 م)، فحتّى ذلك الوقت كانت دولة الخلافة قد ضعفت، وظهرت حكومات كُردية ذات حكم ذاتي، منها (رُوآدي في أَذَربَيْجان وجنوبي القوقاز، وبَرْزَيكاني في هَمَدان، وشَبانْكارَه في بلاد فارس، وشدّادِي في أرمينيا وأَرّان المقسَّمة بين أَذَرْبَيجان وأرمينيا وجورجيا، ودوسْتِكي في وسط وشمالي كُردستان). وفي القرن (5 هـ/11 م) حصل تحالف بين الخلافة العبّاسية والترك السلاجقة، فغزا السلاجقة غربي آسيا، وسيطروا عليها، وقضوا على الحكومات الكُردية، وخلخلوا المجتمع الكُردي ثقافياً وسياسياً واقتصادياً، وكان من الطبيعي أن تنتقل الخلخلة إلى المنظومة الدينية، وبدأت نسبة الأسلمة تزداد بين الكُرد3.

الحقيقة (5): مع نهاية القرن (15 م)، كانت فروع اليَزْدانية قد أُرهِقت، وبدأت تضعف، وذلك بسبب القهر الديني والتحوّلات الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عن تدفّق البدو التورانيين (السلاجقة الغُز/أُوغوز، والخُوارِزميون، والمُغول). في النصف الثاني من القرن 16 الميلادي، أي منذ حوالي 400 سنة، أصبحت غالبية الكورد مسلمين واضطرّت فروع الديانة اليَزْدانية (أَيزْدي، يارْساني(كاكه يي)، آلاوي/عَلَوي، الشَّبَك) إلى إقتباس بعض الرموز الإسلامية إضافتها الى معتقداتها لحماية معتنقيها من القتل والظلم وللحفاظ على دينهم الكوردي الأصيل.

ونذكر على سبيل المثال، أن الملاك ميكائيل سُمّي (الشيخ أبو بَكْر) في الأَيزْدية، وأصبح الإمام عليّ بن أبي طالِب شخصية مقدّسة رئيسة عند طائفة (علي- إلهي) اليارْسانية الكُردية وعند العَلَويين الكُرد. وحلّت الأسماء العربية محلّ الأسماء الكُردية عند أتباع هذه الفروع اليَزْدانية، فالاسم الكُردي العريق (آدي) مثلاً، كان اسم أحد آلهة المَجْمَع الإلهي الحُوري (خُوري/هُوري)، بصيغة (أَدَّو) Addaw، واقتبسه البابليون والآشوريون بصيغة الإله (أَدَد)، واقتبسه الآراميون بصيغة الإله (حَدَد/هَدَد)، وقد صار اسمه عند الأيزديين عربياً بصيغة (عَدِي)4.

ونسب أمراء الأَيزْديين أصلهم إلى الأسرة الأُموية العربية، واتخذوا بعض أسمائهم (مُعاوية)، ولم ينهجوا وحدهم هذا النهج، فبعض أمراء الكُرد السُّنّة فعلوا ذلك أيضاً، ومنهم أمراء جزيرة بُوتان، فقد انتسبوا إلى الصحابي العربي خالد بن الوليد، مع أن المصادر العربية تؤكد أن الطاعون قضى على ذرّية خالد في وقت مبكِّر، قال النُّوَيْري :
"وقد انقرض ولد خالد بن الوليد، فلم يبق منهم أحدٌ شرقاً ولا غرباً، ... وكلُّ مَن ادّعى إليه فقد كذب"5.

الحقيقة (6): بسبب غزو السلاجقة الترك (كانوا أتباع المذهب الشافعي السُنّي)، ثم بتأثير الدولة الأيّوبية الكُردية (كانت تتبع المذهب نفسه)، أصبح معظم الكُرد في الوسط والشمال مسلمين شوافع. وبسبب مجاورة الفُرس، ثم بسبب القهر الصَّفَوي، اضطرّ عدد كبير من اليارْسانيين في جنوبي كُردستان إلى اعتناق المذهب الشيعي الإسلامي. وهكذا لم يَعُد الانقسام الديني في المجتمع الكُردي يقتصر على الكُرد المسلمين والكُرد من أتباع الفروع اليَزْدانية، وإنما ظهر انقسام جديد بين الكرد السُنّة والكُرد الشيعة.

الحقيقة (7): المثير للانتباه أن المسيحية والإسلام هيمنا على الشرق الأوسط، وهضما كثيراً من الديانات القديمة، وقطعا صلة كثير من الشعوب بعقائدها الوطنية، فالآن لا صلة للمصريين، والفينيقيين، والفلسطينيين، والسُّريان (الآراميين) والآشوريين، والأرمن، بعقائدهم الوطنية، في حين ظلّت اليَزْدانية، رغم مشاريع القهر والصهر المتوحّشة، صامدة كفلسفة وقيم وتشريع عند الكُرد الأَيزْدي، واليارْساني، والآلاوي/العَلوي، وما زالت بعض عناصرها العقائدية باقية أيضاً عند الإسماعيليين والدُّروز. وهذا الصمود جزء من صمود الأمّة الكُردية في وجه مشاريع الافتراس والهضم والدمج؛ وقد لخّص بعض جيران الكُرد هذا الصمود في المقولة الشهيرة "عقل كُردي!"؛ يقصدون العناد ويباسة الرأس.
وما أروعه من عناد! وما أعظمه من يباسة رأس!
ومهما يكن فلا بدّ من تحرير كُردستان!

المصادر
  - انظر ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، 4/993.
2 - أبو حَنِيفة الدِّينَوَري: الأخبار الطِّوال، ص 403. الطَّبَري: تاريخ الطَّبَري، 8/622. ابن الأثير: الكامل في التاريخ، 5/560، 6/37.
3- عبّاس إقبال: الوزارة في عهد السلاجقة، ص29. أحمد كمال الدين حِلْمي: السلاجقة في التاريخ والحضارة، ص21، 25. عبد النعيم محمد حسنين: سلاجقة إيران والعراق، ص16. Mehrdad  R. Izady: The Kurds, p. 135. Mehrdad  R. Izady: The Kurds, p. 144 .
4- جِرْنُوت فيلْهِلْم: الحوريون، ص 100. سَبَتينو موسكاتي: الحضارات السامية القديمة، ص 183.
5 - ليدي دُرور: طاووس ملك اليَزيدية، ص 68. محمد عبد الحميد الحمد: الديانة اليزيدية بين الإسلام والمانوية، ص 221. شرف خان بدليسي: شرفنامه، ص 245. محمد أمين زكي: تاريخ الدول والإمارات الكُردية في العهد الإسلامي، ص 363.)


37
إمارة بابان (1649- 1851) (القسم الثاني)

د. مهدي كاكه يي

تمّ ذكر تأريخ إمارة  بابان لأول مرة من قِبل شرفخان بدليسي (1543 – 1604 م) في كتابه المعنون (شرفنامه) الصادر في سنة 1596 ميلادية باللغة الفارسية1. الكتاب يتحدث عن تأريخ الإمارة إبتداءاً من ظهور حُكم إسماعيل الصفوي (1501 – 1523 م).

حسب المعلومات الواردة في كتاب شرفنامه، فأن إنشاء إمارة بابان تمّ  قبل ظهور الدولة الصفوية، إلا أنه لا توجد معلومات في المصادر التأريخية عن هذه الإمارة قبل القرن الحادي عشر الميلادي.

 يذكر شرفخان بدليسي في كتابه أنه عندما تمّ تأسيس الدولة الصفوية، كان الأمير بوداق إبن عبدال حاكم البابانيين والذي كان يحكم المنطقة المحصورة بين كركوك وشارباژێر وأنه المؤسس الرئيس للإمارة البابانية، وهو من أطلق إسم بابان على منطقة نفوذه. كما يذكر بدليسي بأنّ الجد الأكبر للأسرة البابانية الحاكمة هو (بابا قباد). يشير بدليسي أيضاً إلى إحدى الحروب التي خاضها والده (الأمير شمس الدين) جنباً إلى جنب مع القوات البابانية بأمر من السلطان العثماني في القرن السادس عشر من الألفية الثانية والذي يؤكد على أن البابانيين كانوا قبل هذا التاريخ من ذوي النفوذ والسلطة في المنطقة.

في سنة 1686 ميلادية أي حوالي 70 سنة بعد شرفخان بدليسي، أصدر كاتب كوردي آخر كتاباً بإسم (نور الأنوار). كان إسم الكاتب هو (سيد عبد الصمد توداري) وكان من مدينة (مريوان) الواقعة في شرق كوردستان. يذكر هذا الكاتب في كتابه المذكور بأن الأمير خالد أحمد باباني كان حاكم إمارة بابان في سنة 1276 ميلادية2. كما أنه، نقلاً عن كتاب (تذكرة الأجناد في محاربة الأتراك والأكراد)، يذكر (سيد عبد الصمد توداري) بأن الأمير حمزة باباني سيطر على كل من آمد (ديار بكر) وحلب عن طريق الحرب. كما أنه يقول بِأن العرب والأتراك  قاموا بمحاربته و في هذه الحرب، كان (حمدون بگ) يقود الجيش الباباني الذي أوقف القتال وسلّم القوات البابانية للقوات المُعادية لقاء مبلغ كبير من المال. حينئذ إضطر الأمير حمزة أن يهرب مع 12 شخصاً من أنصاره الى مدينة مريوان وهناك بدأ يجمع قوات جديدة. بعد مُضي سنتين، توجّه مع جيشه االجديد الى ساحات الحرب ووصلت  قواته الى مدينة بعقوبة، إلا أنه هناك تمّ تسميمه ومات من جرّاء ذلك2.

يتبين مما سبق أن هناك معلومات موجودة في هذا الكتاب عن إمارة بابان وأمرائه لفترة تبلغ حوالي 250 سنة قبل صدور كتاب شرفخان بدليسي، إلا أن السيد (توداري) لا يتطرق في كتابه الى حدود إمارة بابان.

بعد صدور كتاب (نور الأنوار)  للكاتب (سيد عبد الصمد توداري)، لم يتم االعثور على معلومات عن إمارة بابان في االمصادر التأريخية حتى سنة 1820، حيث أنه في ربيع وصيف هذه السنة قام ممثل شركة الهند للشرق، كلوديوس جيمس ريچ (1787 – 1821 م) بِرحلة الى كوردستان وقام بِوصف الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية لسكان إمارتَي أردلان وبابان وجغرافيتهما في كتابه المعنون (رحلة ريج في العراق عام 1820)3. تمّ طبع هذا  الكتاب من قِبل زوجة (ريچ) في سنة 1836 في إنكلترا.

 رافقت مستر (ريچ) زوجته ومجموعة كبيرة من موظفي ومستخدمي وحُرّاس المُقيمية البريطانية، حيث غادروا مقر عملهم في بغداد في شهر نيسان 1820، متوجهين الى مدينة السليمانية، تلبية لِدعوة الأمير الباباني محمود پاشا. كان الهدف المعلن لِسفرهم هو للترفيه والسياحة، إلا أنّ معلومات أخرى تذكر بأن السبب الحقيقي لهذه الزيارة كان العلاقات السيئة التي كانت قائمة بين والي بغداد (داود پاشا) ومستر ريچ ومحاولة داود پاشا التدخل في شؤون مستر ريچ.
 
سلك مستر ريچ ومرافقيه طريق دلي عباس- كفري- خورماتو- داقوق- لَيلان- چمچمال للوصول الى عاصمة الإمارة البابانية، مدينة السليمانية، حيث أقاموا في سرچنار لبعض الوقت، للراحة والإستجمام، وتمّ الإحتفاء بهم هناك من قِبل الأسرة البابانية الحاكمة و في مقدمتهم الأمير الباباني محمود پاشا. في 10 مايس سنة 1820 ، إصطحب شقيق الأمير الباباني (عثمان بگ) ضيوفه الى داخل مدينة السليمانية في موكب رسمي بهيج وكانت تعلوه الأعلام ويسير على أصوات الطبول وأنغام الموسيقى.
 
اقام مستر ريچ ومرافقيه في مدينة السليمانية لأكثر من 3 أشهر لفترتَين، إستمرت الفترة الأولى الى منتصف شهر تموز وبعدها سافروا الى إقليم شرق كوردستان، ضمن إمارة أردلان، وعادوا من هناك الى السليمانية في أواسط شهر أيلول، فأقاموا فيها لغاية 21 تشرين الأول سنة 1820. خلال إقامته في السليمانية، تسنى لِمستر ريچ فرصة للإطلاع على السليمانية والمناطق المحيطة بها ودراسة بيئة المنطقة وتاريخها وحضارتها والحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية فيها وجغرافية إمارة بابان.

المصادر

1. شرفخانى بدليسى (1982). شرفنامه. وەرگێڕانی هەژار، كۆڕی زانیاری كورد، چاپی دوهەم، چاپخانەی جەواهیری، تاران.

2. سيد عبد الصمد توداري (1686). چەمكێكی مێژووی هەورەمان و مەریوان. وەرگێڕانی لە فارسییەوە بۆ كوردی لەلایەن محەمەدی مەلا كەریم 1970. بەغداد. 

3. كلوديوس جيم ريچ (2008). رحلة ريج؛ المقيم البريطاني في العراق عام 1820 إلى بغداد - كردستان- إيران. ترجمة بهاء الدين نوري، الدار العربية للموسوعات.

38
إمارة بابان (1649- 1851) (القسم الأول)

د. مهدي كاكه يي

الأسرة البابانية الحاكمة كانت أسرة عريقة، أشارت إليها دائرة المعارف البريطانية في موسوعتها لِسنة 1950 (الإنسكلوبيديا) في مادة (الكورد Kurd)، بأن تأريخ الأسرة البابانية الحاكمة يعود إلى ما قبل سنة 401 قبل الميلاد. يؤكد على ذلك الأستاذ عبد القادر رستم الباباني في كتابه المعنون (تاريخ وجغرافية كردستان- سير الأكراد)، الصادر باللغة الفارسية، و يذكر أيضاً في هذا الكتاب بأن هذه الأسرة إشتهرت في كوردستان في أيام الحكم الكياني والأشكاني وأن عشيرة الأسرة البابانية كانت من أكثر العشائر الكوردية عدداً وعُدةّ في ذلك الوقت و كما أنهم إهتموا بالصناع الماهرين وأرباب الحرف والمهن والفنون الذين برزوا في منطقة السليمانية1.

مصادر تأريخية عديدة تذكر بأن كورد شهرزور كانوا ذوي سلطة ونفوذ على بلادهم، وكانوا أقوياء بحيث أنهم تمكنوا من الإستيلاء على الحدود القريبة من همدان وكرماشان أيام حكم (أردشير بابكان) الذي إمتد من سنة 226 ميلادية إلى سنة 241 ميلادية2، 3.

يذكر (مأمون بك) بأن البابانيين أصحاب إمارة بابان الكوردية ويرجع مصدر إسمهم الى كلمة (باوه) ومن ثم تحولت هذه الكلمة الى (بەبه)4. قوله هذا يشير الى أنّ أمراء بابان كانوا يعتنقون الدين اليارساني. يقول الأستاذ (محمد جميل روژبياني)، أن لفظة (ببئي) متطورة من(بابائي)، وهو اللقب الروحي الخاص بالقديسين اليارسانيين ويذكر الأستاذ (روژبياني) بأنه سأل العلامة (توفيق وهبي) عن منشأ لقب (بابان) فأجابه بأنهم يرجعون في الأصل إلى مؤسس إمارة أردلان (بابا أردلان). هكذا فأنّ المؤرخ واللغوي الكوردستاني العلامة توفيق وهبي يؤكد على أن إسم البابانيين الذين أسسوا إمارة (بابان) الكوردستانية، متأتٍ من كلمة (باوه) التي هي إسم لطبقة دينية يارسانية ومن ثم تحولت هذه الكلمة الى (بەبە BEBE)، وبذلك يقول بأن أمراء بابان كانوا من أتباع الدين اليارساني5. يضيف العلامة توفيق وهبي بأن البابانيين ينحدرون من باوه أردلان، مؤسس الدولة الأردلانية. كانت اللهجة الگورانیة هي اللهجة الرسمية لإمارة بابان في فترة معينة من تأريخها. كما يذكر العلامة توفيق وهبي في بحثه المعنون (جبل پیرەمەگرون PÎREMEGRÛN) والذي يوجد على قمّته ضريح بنفس الإسم، بأن ذلك االضريح يعود لشخصية دينية يارسانية بإسم (پير ئەنبەر گدروون)، إلا أن هذا الإسم  تحوّر بمرور الزمن الى (پیرەمەگرون)6. هذا الضريح هو لِشخصية يارسانية قد تكون عاشت خلال إنتشار الدين  اليزداني في زمن الهوريين أو قبله في عهد السومريين أو قد تعود الى أيام حُكم الأردلانيين أو البابانيين. لِتحديد عمر الضريح وفترة حياة صاحبه، يجب القيام بحفريات أثرية للضريح وللمنطقة المحيطة به.

كما يذكر التأريخ بأن الطوفان السومري حصل في هذه المنطقة قبل أكثر من 6000 سنة، حيث رست السفينة السومرية فوق قمة هذا الجبل7. هذه المصادر التأريخية قد تعزز ربط  الضريح الموجود على قمة جبل  (پیرەمەگرون) بالعهد السومري. من الجدير بالذكر أنّ هناك أربع طبقات دينية في الدين اليارساني وهي حسب تسلسل درجاتها من الأعلى الى الأدنى: پیر، باوە، مام، ئۆمی أي عامة الناس. هكذا فأنّ كل فرد منتمي للطبقة الدينية العليا في الدين اليارسي يُلقّب بِ(پیر) وعليه فهو أعلى لقب ديني في الدين اليارساني، حيث أنّ حاملي هذا اللقب ينتمون لِأعلى طبقة دينية التي هي أعلى مرجعية دينية يارسانية وأن هذه الطبقة تعادل طبقة الشيوخ في المذهب السُنّي وطبقة السادة لدى الشيعة. الفروع الأخرى للدين اليزداني مثل الإيزدية والهلاوية والدروز والشبك تشترك مع الدين اليارساني في وجود طبقة ال(پیر) لديها.

في الوقت الحاضر، ينتشر في كوردستان الكثير من المراقد العائدة لليارسانيين التي تعود الى عهود إعتناق الكورد للدين اليزداني  قبل آلاف السنين والى عهد إمارة أردلان وبابان اللتَين كان حكامهما يارسانيين. من هذه المراقد هي (باوه مَحمي) في خانقين و(باوه گوڕگوڕ BAWE GUŔGUŔ) في كركوك و(باوه نور) في منطقة (گەرمیان GERMYAN) و (داوود دَدَ) في مدينة داقوق و (سيد برايم) في بغداد و (داوود كەوەسوار) في قصر شيرين و (باوه یادگار) في جبال داڵەهۆ DAŁEHO و(باوه گرزين) في مندلي ومرقد (شيخ باوه) الواقع بين مدينة جلولاء وكلار ومنطقة باوه شاسوار التي تقع في شمال شرقي مدينة كفري، حيث أنّ فيها مقبرة أثرية قديمة تُسمى بهذا الإسم لوجود أضرحة كبار رجال الدين اليارسانيين. هذه المزارات تدل على التأريخ السحيق للدين اليارساني في كوردستان و حُكم أتباعه لهذه البلاد.

المصادر

1. عبد القادر رستم الباباني (1871). تاريخ وجغرافية كردستان- سير الأكراد. (باللغة الفارسية).

2. جمال بابان (1993). بابان في التاريخ ومشاهير البابانيين.

3. حسين ناظم بك (2001). تأريخ الإمارة البابانية.

4. مأمون بن بيكه بك (1980). مذكرات مأمون بن بيكه بك. ترجمة محمد جميل روژبياني وشكور مصطفى، مطبعة المجمع العلمي العراقي، بغداد، صفحة 16.

5. توفيق وهبي بك (2006). الآثار الكاملة. إعداد: رفيق صالح، الجزء الاول. سليمانية.

6. المصدر السابق، صفحة 214.

7. فاضل عبد الواحد علي (1975). الطوفان في المراجع السماوية. صفحة 64.

39
محاولة تركيا خلق واقع جديد لِفرضه على الخارطة الجديدة للشرق الأوسط الكبير المُزمع رسمها

د. مهدي كاكه يي

تستغل تركيا حالة الفوضى التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط، حيث الحرب الأهلية المندلعة في كل من العراق وسوريا وإنشغال الإدارة الأمريكية بالإنتخابات الرئاسية التي سيتم إجراؤها في شهر نوفمبر/تشرين الثاني القادم، لإحتلال إقليم جنوب كوردستان، بما فيه الموصل وكركوك وكذلك إقليم غرب كوردستان.

منذ قيام الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا بإقامة المنطقة الآمنة لِسكان إقليم جنوب كوردستان، تحركت تركيا لإيجاد وجود عسكري وإستخباري في الإقليم والهيمنة على إقتصاده وغزو المنتوجات التركية لِأسواقه ونجحت في مسعاه، حيث أقامت قواعد عسكرية عديدة في الإقليم وتُهيمن شركاتها ومنتوجاتها فيه. هذه الخطوات التركية المدروسة تهدف الى ربط الإقليم بِتركيا إقتصادياً وخلق إقتصاد ريعي للإقليم لِمنع حصوله على مقومات بناء دولة مستقلة و في حالة أية محاولة لإستقلال الإقليم، تحتفظ تركيا بِقوات عسكرية في الإقليم التي تعمل لإجهاض المحاولة وإفشالها. بعد ظهور المنظمة الإرهابية، داعش، أمرتْ تركيا قوات هذه المنظمة الإرهابية القيام بإحتلال إقليم جنوب كوردستان وتقويض الحُكم الكوردستاني فيه ولولا التدخل العسكري الأمريكي، لَنجح إرهابيي داعش في إحتلال أربيل وإنهاء السلطة الكوردستانية هناك.

بعد تحرير أجزاء من إقليم غرب كوردستان وبناء سلطة كوردستانية فيه، قامت تركيا بإستخدام القوى الإسلامية الإرهابية، مثل جبهة النصرة وداعش وكذلك القوى العروبية السورية، في محاولة منها للقضاء على الإدارة الكوردستانية في الإقليم، حيث فتحت تركيا حدودها لإرهابيي داعش الآتين من مختلف بقاع العالم وقامت بتدريبهم وتسليحهم ومساعدتهم لوجستياً وإرسالهم الى إقليم غرب كوردستان لمحاربة القوات الكوردستانية. بعد فشل القوى الإرهابية في إسقاط الحُكم الكوردستاني، قامت تركيا بالتدخل العسكري المباشر في الإقليم، حيث قامت بإحتلال جرابلس وفي الأيام الأخيرة قامت طائراتها ومدفعيتها بِقصف مناطق في عفرين والشهباء وجبل الأكراد بعد أن بدأت طائرات قوات التحالف الدولي بتركيز عملياتها الحربية ضد داعش في الموصل.

كان الرئيس التركي يريد أن تشترك قوات بلاده مع قوات التحالف الدولي ل"تحرير الموصل" وذلك تمهيداً لإحتلالها وضم جميع المناطق التي كانت تُشكّل ولاية الموصل خلال الحُكم العثماني والتي تضم إقليم جنوب كوردستان أيضاً، لاحقاً الى الدولة التركية، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تسمح لِتركيا بالإشتراك في "تحرير الموصل" وبذلك أفشلت خطط الأتراك للإستحواذ على الموصل ومن ثم التمدد الى كركوك والمدن الأخرى في إقليم جنوب كوردستان. بعد فشل خطة أردوغان هذه، صرّح علناً بأنه سيلجأ الى الخطة (ب) لتحقيق مطامع بلاده التوسعية لإحتلال ولاية الموصل العثمانية.

بعد منع مساهمة القوات التركية في "تحرير الموصل"، بدأ أردوغان بالفعل بتنفيذ خطته (ب)، حيث قام بِقصف القوات الكوردستانية في إقليم غرب كوردستان بالطائرات والمدفعية وأنها لو تسمح الظروف لِتركيا. فأنها ستقوم بإحتلال كامل أراضي هذا الإقليم سواء بصورة مباشرة من خلال الإحتلال العسكري المباشر أو بصورة غير مباشرة وذلك عن طريق القوى الإرهابية الإسلامية والقوى العروبية السورية.

كما أن هجوم داعش الأخير على كركوك هو جزء من تنفيذ خطة (ب) التركية، حيث أن إعتراف إرهابيي داعش المشتركين في هذا الهجوم والذين تمّ إلقاء القبض عليهم من قِبل القوات الكوردستانية، يشير الى نقل هؤلاء الإرهابيين بِطائرات تركية الى أطراف مدينة كركوك، حيث أنّ في كركوك حاضنة كبيرة لإرهابيي داعش والتي تشمل الجبهة التركمانية التي قامت المخابرات التركية (ميت) بتأسيسها، وكذلك البعثيين والقوى المتضررة من تحرر العراق من حُكم صدام حسين وأيضاً الجهات المعادية للشعب الكوردي والحاقدة عليه. هكذا تخطط تركيا لإغتصاب إقليم جنوب وغرب كوردستان من خلال ضمهما لِتركيا، حيث تدّعي تركيا بأنّ أراضي ولاية الموصل العثمانية (إقليم جنوب كوردستان الحالي) وإقليم غرب كوردستان هي جزء من الأراضي التركية. من الجدير بالذكر أنّ تركيا لا تزال تخصص سنوياً ليرة تركية واحدة لِولاية الموصل من الميزانية التركية كمبلغ رمزي لهذا الغرض.

يبدو أن التاريخ قد يُعيد نفسه، حيث أنّه خلال إنهيار الدولة العثمانية، قام كمال أتاتورك بِتنظيم حركة مسلحة لِتأسيس دولة تركية على أكبر مساحة ممكنة من أراضي الإمبراطورية العثمانية وذلك من خلال السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من هذه الأراضي لِفرض الواقع الجديد على الأرض بعد إنتهاء الحرب العالمية، ونجح أتاتورك في مسعاه وإنخدع الكورد بوعوده والذين كانوا يشكّلون العمود الفقري لِقواته ومن ثمّ نكث بِعهوده وأسس دولة تركية عنصرية، التي حاولت إذابة الكورد من خلال تتريكهم وتهجيرهم. اليوم يحاول أردوغان أن يلعب دور كمال أتاتورك وذلك من خلال محاولته إحتلال إقليم غرب وجنوب كوردستان وضمّهما الى تركيا قبل أن يتم رسم الخارطة السياسية الجديدة للشرق الأوسط الكبير لِفرض الواقع الذي تخلقه تركيا على المرجعيات التي تقوم بِإعادة رسم خارطة المنطقة و خاصةً الولايات المتحدة الأمريكية. 

من جانب آخر، منذ سقوط نظام صدام حسين وخاصة بعد جلاء القوات الأمريكية من العراق،  تعمل إيران عن طريق الميليشيات والأحزاب الشيعية العراقية والحرس الثوري الإيراني، على تأسيس هلال شيعي يمتد من إيران، ماراً بِكركوك والموصل، الى سوريا ولبنان ليتم التواصل بين شيعة المنطقة وإستحواذ إيران على النفوذ فيها. هذه الإستراتيجية الإيرانية تتم معارضتها بِقوة من قِبل الحكومات السُنيّة في المنطقة بقيادة تركيا والسعودية. لذلك يحدث صراع طائفي بين المحوَرَين الشيعي والسُنّي في المنطقة واللذَين بِدورهما ينتميان الى كلٍ من المحور الروسي والغربي على التوالي. التنافس بين هذين المحورَين قد يقود الى حربٍ إقليمية مدمرة ومع ذلك مهما تختلف الدول المُغتصِبة لِكوردستان فيما بينها لأسباب طائفية وإقتصادية وتاريخية وسياسية، إلا أنها تتفق مع بعضها على تكريس إغتصاب كوردستان ومنع تحررها ولهذا الغرض تقوم هذه الدول بالتنسيق فيما بينها.
 
سيتم الحديث في مقالٍ قادمٍ عن الظروف الراهنة لِكوردستان والإمكانيات التي تتمتع بها للتصدّي للتهديدات الخطيرة التي يتعرض لها شعب كوردستان من قِبل الدول المغتصِبة لِكوردستان و في مقدمتها خطة باء التركية.





40
تركيا في طريقها نحو الإنهيار والسقوط (4) (القسم الأخير)

د. مهدي كاكه يي

في الحلقات الثلاث السابقة، تمّ رسم صورة واضحة للفوضى السياسية والإقتصادية والعسكرية والإدارية التي تمر بها تركيا والأرضية الهشة التي تقف عليها الحكومة التركية الإسلامية وأنّ عرض العضلات التركية الحالية ناجمة عن ضعف تركيا وتوجهها نحو الحرب الأهلية والتفكك. إنّ توجّهْ حزب العدالة و التنمية الحاكم في تركيا نحو تطبيق الشريعة الإسلامية بالتدريج و إستمرار الثورة الكوردستانية وتدهور الإقتصاد التركي، حيث البطالة، و خاصة في صفوف الشباب و فشل السياسة الخارجية التركية فيما تخص العلاقات التركية مع دول الجوار و دول المنطقة و الدول الغربية وتخلّف عقلية الحكام الأتراك عن مواكبة التطورات العالمية و الإقليمية، من المتوقع أن تؤدي هذه التطورات الى إندلاع إحتجاجات و تظاهرات شعبية كبرى تُطيح بحكومة أردوغان و إنتشار الفوضى و إندلاع حرب أهلية بين الأتراك و الكورد و بين الهلاويين و الأتراك السُنّة و التي قد تقود الى إنهيار الكيان السياسي التركي و إستقلال شمال كوردستان و ظهور دولة علوية و دولة سُنية تركية. في هذه الحالة قد تتدخل كل من بلغاريا و أرمينيا و اليونان لإستعادة أراضيها التي تحتلها تركيا.

حالة الضعف التي تمر بها تركيا، تمنح فرصة ممتازة لِسكان شمال كوردستان بِوضع إستراتيجية متكاملة لتحرير الشمال الكوردستاني من خلال إستثمار الضعف التركي وتناحر مراكز القوى التركية الداخلية وتضارب المصالح الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية مع المصالح التركية، والخلافات بين الدول الإقليمية وذلك بالتحالف مع الدول الغربية والتنسيق مع القوى التركية المعارضة  والمستاءة والقوى اليسارية ومحاولة شراء الأسلحة أو الحصول عليها من العسكريين المعارضين للحكومة أو الفارين من الخدمة العسكرية وإستغلال الإرباك الذي تعايشه الحكومة التركية وذلك بِتشديد وتكثيف الكفاح المسلح في المدن التركية و تنظيم الجماهير الكوردستانية وتنظيم المظاهرات والمسيرات والعصيان المدني والإضرابات، لِيتكامل النضال المدني السلمي مع الكفاح المسلح ونبذ الحرب الجبهوية سواءً في المدن أو الأرياف لِتفادي خسائر بشرية كبيرة بِسبب الإختلال في ميزان القوة بين الطرفَين وتفوّق الحكومة في العدد والعُدّة.

الى جانب النضال الجماهيري والمسلح، ينبغي تنظيم الإعلام الكوردستاني لإيصال صوت شعب كوردستان الى المجتمع الدولي وجميع شعوب العالم. من خلال هذه الإستراتيجية يمكن توجيه ضربة قاضية لَلكيان التركي وتحرير شمال كوردستان من الإحتلال التركي.

 كما يجب تنظيم الجاليات الكوردستانية في الخارج، خاصةً في الدول الغربية و قيامهم بالمظاهرات والمسيرات والتجمعات وعقد الندوات والمحاضرات والإتصال بالحكومات الغربية ومنظمات المجتمع المدني وممثلي الأمم المتحدة وغيرهم، لِدعم الثورة الكوردستانية وتحقيق إستقلال كوردستان.

كوردستانياً، ينبغي تجاوز الآيديولوجيا والمصالح الشخصية والحزبية والإنغلاق الإقليمي الكوردستاني (إنغلاق الأقاليم الكوردستانية) و أن تنصهر القوى السياسية الكوردستانية في إئتلاف كوردستاني موحّد وتتبنى الفكر الوطني الكوردستاني، لمواجهة تحالف الدول المُغتصِبة لِكوردستان التي تعمل على إجهاض الثورات الكوردستانية ومنع تحرر كوردستان وتوحّدها.

من خلال إجراء تقييم للأحزاب السياسية الكوردستانية الحالية، يتبيّن بأنّ الغالبية العظمى من هذه الأحزاب هي أحزاب كلاسيكية أو آيديولوجية متخلفة، تدور في فلك الدول المُغتصِبة لِكوردستان وتُركّز على مصالح قياداتها وأحزابها بدلاً من المصالح الوطنية الكوردستانية ومنشغلة بالتنافس الشخصي والحزبي فيما بينها والإيقاع ببعضها البعض وإضعافها، تاركةً الدول المُغتصِبة لِكوردستان أن تُنفّذ خططها الرامية للقضاء على نضال شعب كوردستان وتكريس إغتصابها لِكوردستان.

شعب كوردستان بِحاجةٍ ماسة الى تأسيس تنظيمات سياسية عصرية مخلصة، تحمل الفكر الوطني الكوردستاني، خلاله تنصهر كافة أجزاء كوردستان في بوتقة واحدة وتضع إستراتيجية متكاملة، بها يفرض شعب كوردستان نفسه كقوةٍ إقليمية كبرى في منطقة الشرق الأوسط و  بذلك يضمن تحرره وإستقلال كوردستانه.







41
تركيا في طريقها نحو الإنهيار والسقوط (3)

د. مهدي كاكه يي

بعد إنتهاء الحرب الباردة وإختفاء الإتحاد السوفيتي والتطورات الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط، حصلت تغيرات كبيرة في العلاقات التي كانت تربط الولايات المتحدة الأمريكية بِتركيا وظهرت تضارب واضح بين مصالح الدولتَين. التواجد المباشر للقوات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط  (على سبيل المثال في جنوب وغرب كوردستان والعراق ودول الخليج الفارسي) وإختفاء الإتحاد السوفيتي، قلّلا من الأهمية الإستراتيجية لتركيا بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية. كما أن تسلّم الحُكم في تركيا من قِبل حزب إسلامي (حزب العدالة والتنمية) يهدد المصالح الأمريكية في المنطقة و قد يقود الى نشر الإرهاب والعنف في منطقة الشرق الأوسط والدول الغربية. مساندة الحكومة التركية الإسلامية لِداعش وجبهة النصرة الإرهابية والمجموعات الإرهابية الأخرى ومحاولة تركيا العمل على الإتيان بأنظمة حُكم إسلامية لِتحكم دول الشرق الأوسط وإحياء الإمبراطورية العثمانية، كل هذا يؤكد على الخطر الكامن الآتي من النظام التركي، الذي  يهدد الدول الغربية ودول الشرق الأوسط وبقية دول العالم.

أخذت تركيا في الآونة الأخيرة بالتقرّب من روسيا وهذا التقارب يُشكّل خطاً أحمراً بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، حيث أنّ تركيا عضوة في حلف الناتو وأنّ أي تحالف روسي – تركي يهدد المصالح الأمريكية في المنطقة. محاربة تركيا القوات الكوردستانية في غرب كوردستان التي هي حليفة للولايات المتحدة في محاربتها للإرهاب ومحاولة تركيا إحتلال غرب كوردستان، سواءً عن طريق الإحتلال العسكري المباشر أو عن طريق مرتزقته المؤلفة من القوى الإسلامية الإرهابية والقوى العربية السورية العنصرية، تتعارض مع الإستراتيجية الأمريكية في محاربة الإرهاب، حيث أنها تًربِك وتعرقل الحرب الأمريكية ضد المجاميع الإرهابية وهذا ما لا يسمح به الأمريكيون.

بالنسبة للمشكلة السورية، تريد تركيا إزالة الحكم الهلاوي (العلوي) في سوريا و إستلام الحكم فيها من قِبل جماعة إخوان المسلمين الرديفة لحزب العدالة و التنمية التركي. لهذا الغرض بدأت حكومة أردوغان بمساعدة التنظيمات الإسلامية الإرهابية في سوريا لإيجاد نفوذ لها في توجيه مسارات التغيير في سوريا و في محاولة منها لمنع السكان الكوردستانيين من التمتع بحقوقهم في الحرية و الإستقلال في غرب كوردستان، بينما الولايات المتحدة الأمريكية لا تريد إستلام الحكم في سوريا من قِبل أحزاب إسلامية متشددة و إنتشار الفوضى في بلد يجاور إسرائيل.

الخلاف التركي – الأمريكي يدور أيضاً في مسألة إزاحة الرئيس المصري السابق مرسي عن الحكم من قِبل الجيش المصري و كذلك في مسألة الإتفاق المؤقت بين الدول الغربية و إيران حول البرنامج النووي الإيراني. كما أن تقويض النظام الديمقراطي في تركيا من قِبل الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان و محاولته خلق نظام إسلامي شمولي ودكتاتوري وتدخّله في شئون القضاء وخنق حرية التعبير والصحافة، كلها لا يلتقي مع القيم والتوجهات الأمريكية والذي بِدوره يخلق هوة كبيرة في العلاقة بين الحانب الأمريكي والتركي. كل هذه العوامل وعوامل أخرى لا يتسع المجال في سردها في هذا المقال، تجعل العلاقات الأمريكية – التركية متوترة وسيئة وتدفع أمريكا الى إزاحة أردوغان عن الحكم و خلق "ربيع تركي" على غرار العراق وتونس وليبيا ومصر وسوريا.

الدول الأوروبية بِدورها يتعارض جانبٍ من مصالحها مع المصالح التركية. تنطبق العوامل المعرقلة للعلاقات الأمريكية – التركية المذكورة أعلاه مع تلك العوامل التي تقف عقبة في طريق العلاقات الأوروبية – التركية. بالإضافة الى تلك العوامل المذكورة، فأن مسألة المهاجرين السوريين والعراقيين والكوردستانيين الذين يهاجرون عبر تركيا الى دول الإتحاد الأوروبي والتي تؤثر سلباً على إقتصاد هذه الدول وعلى الحياة الإجتماعية لشعوبها، تُشكّل تهديداُ كبيراً على الأمن الوطني لِدول الإتحاد الأوروبي من خلال إندساس إرهابيين وأشخاص مجرمين ضمن اللاجئين ودخولهم الى هذه الدول وقيامهم بعمليات إرهابية وإجرامية فيها والعمل على زعزعة الأمن الوطني والسلم الأهلي في هذه الدول. هذه المشاكل التي تخلقها تركيا لِدول الإتحاد الأوروبي، تساهم في خلق علاقات سيئة بيت تركيا ودول الإتحاد الأوروبي.

إبتزاز تركيا لِدول الإتحاد الأوروبي بمحاولتها إستغلال الهجرة الراهنة الى هذه الدول، لفرض إلغاء تأشيرة الدخول للأتراك الى دول الإتحاد الأوروبي، هو عامل آخر يعمل على تدهور العلاقات التركية – الأوروبية، حيث تريد تركيا إطلاق 70 مليون شخص، وهو مجموع سكان تركيا وشمال كوردستان المحتلة و إغراق دول الإتحاد الأوروبي بهذا العدد الكبير من البشر والذي سيتسبب في زعزعزعة إقتصاد هذه الدول وإستقرارها و يهدد الأمن الوطني لها من خلال إنتقال وإستقرار أفراد ومؤيدي المجموعات الإسلامية التركية الإرهابية وأفراد المجاميع الإرهابية الأخرى بكل حرية وبشكل قانوني في هذه الدول وقيامهم بعمليات إرهابية وإجرامية فيها وبذلك ينتشر الإرهاب والفوضى والعنف والإجرام في الدول الأوروبية وتختفي الرفاهية التي تعيشها شعوبها ويتدهور العلم والتطور والفن وكل المعالم الأخرى للحياة فيها. إحتلال تركيا لِشمال قبرص وعلاقاتها المتدهورة مع بعض الدول العضوة في الإتحاد الأوروبي مثل اليونان وبلغاريا وأرمينيا، تؤثر أيضاً سلباً على علاقات تركيا مع الإتحاد الأوروبي. 

بالنسبة للعلاقات التركية الإسرائيلية، هناك تضاد في مصالح الدولتَين، حيث تحاول تركيا إنهاء الحكم الهلاوي (العلوي) في سوريا و إستلام الحكم فيها من قِبل الجماعات الإسلامية، حيث بدأت الحكومة التركية بالتدخل العسكري المباشر في غرب كوردستان وسوريا وبِتقديم الدعم المادي والعسكري للتنظيمات الإسلامية الإرهابية في سوريا لِمنع تحرر غرب كوردستان وكذلك للإطاحة بالنظام السوري الحالي. من جهة أخرى فأنّ إسرائيل تعارض إستلام الحكم في سوريا من قِبل قوى إسلامية و إنتشار الفوضى في بلد يجاورها. ليست في مصلحة إسرائيل وجود حكم إسلامي في تركيا والذي قد يقود الى هيمنة القوى الإسلامية على الحكم في دول منطقة الشرق الأوسط  وإنتشار الفكر الإسلامي المتشدد والمتزمت فيها والذي سيُشكّل تهديداً للأمن الوطني الإسرائيلي.

الحكومة التركية الإسلامية جاءت للحكم من خلال الإنتخابات والذي يعني أن أكثرية الأتراك ذوو ميول إسلامية وعليه فأن قيام تحالف إستراتيجي بعيد المدى بين إسرائيل وتركيا، ليس في مصلحة إسرائيل ولذلك تبحث إسرائيل عن حلفاء إستراتيجيين في المنطقة للحفاظ على وجودها وأمنها الوطني.

شعب كوردستان هو الحليف الطبيعي لإسرائيل، حيث تلتقي مصالح الشعبَين. إسرائيل هي الدولة الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط التي لها نظام ديمقراطي وكونها دولة متقدمة علمياً وصناعياً وقوية عسكرياً. من جهة أخرى فأن لٍكوردستان موقع إستراتيجي مهم ولها جذور حضارية عميقة في المنطقة وأن أكبر منابع المياه  في الشرق الأوسط تقع في كوردستان، بالإضافة الى أن بواطن أرضها تحتفظ بكميات هائلة من البترول والغاز والمعادن. هكذا فأنّ تحالف إسرائيل مع كوردستان سيحقق لشعوب الشرق الأوسط الكبير تقدماً عظيماً في مجالات العلوم والصناعة والإدارة وغيرها وتصبح هذه الدول دولاً متقدمة ومزدهرة، تلعب دوراً محورياً في إدارة سياسة المنطقة والعالم. من هنا تلتقي المصالح الكوردستانية مع المصالح الإسرائيلية في المنطقة، حيث أنه للحفاظ على أمنها الوطني و مواصلة التطور والتقدم، فأن من مصلحة إسرائيل، أن تستقل كوردستان وبقية شعوب المنطقة، لتتخلص من الأخطار الخطيرة التي تواجهها من قِبل العرب والمسلمين، حيث بتحرر كوردستان في المنطقة، ستتغير موازين القوى لصالح إسرائيل. هكذا فأن إلتقاء المصالح هو السبب الكامن وراء الدعوة الى تعاون إستراتيجي بين كوردستان والشعوب المُستعمَرة الأخرى من جهة وإسرائيل من جهة أخرى.


42
تركيا في طريقها نحو الإنهيار والسقوط (2)

د. مهدي كاكه يي

قيام أردوغان بِفصل عشرات الآلاف من أفراد الجيش والشرطة والقضاء وأساتذة الجامعات والمًدرّسين والمُعلّمين ورجال الأعمال ورجال الدين وغيرهم بِحُجّة إنتمائهم وموالاتهم لِحركة فتح الله گولن، يخلق مشاكل سياسية وعسكرية وإدارية وإقتصادية كبيرة للحكومة التركية الإسلامية والتي قد تقود الى الإطاحة بِالحُكم الإسلامي. حرمان هذا العدد الكبير من العسكريين من مصادر معيشتهم، بالإضافة الى تسببه في تذمر أفراد الجيش والقيام بِمحاولات إنقلابية للتخلص من الحُكم الإسلامي، فأنه يؤدي الى إنخفاض القدرة العسكرية التركية والخلل في التركيبة العسكرية التركية. عزل هذه المجاميع الكبيرة من منتسبي مختلف الدوائر الحكومية وشبه الحكومية والأهلية، وخاصةً في  مجال الأبحاث والتدريس، يقود الى تدّني العلم والمعرفة اللذين هما عماد تقدّم  وتطوّر الأمم والشعوب، بالإضافة الى أنّ خلق هذا العدد الهائل من العاطلين عن العمل، يؤدي الى إنخفاض  الإنتاج والإنتاجية وبروز مشاكل إقتصادية وإجتماعية خطيرة، تهدد السلم الوطني ويُنعش بيئة مناسبة لإندلاع موجات من الإحتجاجات والثورات الشعبية والعصيان المدني.

كما أنّ السير بإتجاه فرض حُكمِ شمولي دكتاتوري من خلال فرض حالة الطوارئ في  البلاد والتفرد بالحكم والقيام بإعتقالات كيفية وخنق حرية الصحافة والتعبير، يؤدي الى ولادة معارضة سياسية  وشعبية كبيرة داخل تركيا، بالإضافة الى رفض المجتمع الدولي والدول الغربية ومنظمات المجتمع المدني في العالم، للإجراءات التركية الدكتاتورية والتي تؤدي بِدورها الى عزل تركيا عن المجتمع الدولي.

خلقَ حزب العدالة والتنمية الإسلامي، بيئة خصبة لِنمو الأفكار الإسلامية المتزمتة وبالتالي إنتشار حركات إسلامية إرهابية، مثل القاعدة وداعش، يُزيد من سطوة وقوة ونفوذ هذه المجاميع الإرهابية في تركيا. هدف أردوغان من دعم هذه المنظمات الإرهابية، هو وقف المد التحرري الكوردستاني وإسقاط نظام بشار الأسد وإبتزاز دول الإتحاد الأوروبي للحصول على الأموال  منها والسماح للمواطنين الأتراك بِدخول دول الإتحاد الأوروبي لٍنشر الإرهاب والعنف فيها والحصول على العُملة الصعبة من خلال المغتربين الأتراك في أوروبا وكذلك للضغط على الدول الأوروبية لِقبول تركيا في الإتحاد الأوروبي. أخطأ أردوغان بِتحالفه مع المنظمات الإرهابية مثل داعش وجبهة النصرة وغيرهما، حيث بدأت هذه المنظمات بالقيام بِعمليات إرهابية داخل تركيا وبدأت بإخلال الإستقرار فيها وتُشكّل تهديداً لا يُستهان به للحكومة التركية.

بسبب عدم الإستقرار في تركيا، حيث فرض حالة الطوارئ وإستمرار الثورة المسلحة في شمال كوردستان والإعتقالات الكيفية والعمليات الإرهابية والتدخل العسكري التركي في جنوب وغرب كوردستان و في سوريا والعراق، إنخفضت بشكل كبير نسبة السائحين الزائرين لِتركيا و لا يخفى أنّ السياحة تُشكّل نسبة كبيرة من الدخل الوطني التركي وبالتالي يؤثّر هذا الإنخفاض في عدد السائحين بشكل سلبي على الإقتصاد التركي. كما  أن الثورة الكوردستانية والتدخل التركي في كل من غرب وجنوب كوردستان وسوريا والعراق و الإنخفاض الحاد في الإستثمارات الأجنبية وهجرة الرأسمال الأجنبي والمحلي من تركيا الى الخارج بسبب حالة العنف واللاإستقرار في تركيا، تُضعِف الإقتصاد التركي بشكل كبير. كما أن الإقتصاد التركي يتعرض لِهزات كبيرة بسبب إنتشار مستوى البطالة نتيجة تسريح عشرات الآلاف من الموظفين والأكاديميين والقُضاة ونتيجة إنتشار العنف والفوضى. 

الثورة الكوردستانية هي عامل مهم آخر في عدم إستقرار تركيا والتي تتسبب في خسائر بشرية وإستنزاف الخزينة التركية وإنخفاض السياحة وإرتفاع المد الجماهيري المًطالِب بِإعتراف الحكومة التركية بِحق الشعب الكوردستاني في تقرير مصيره وبناء دولته المستقلة وتدفع الأمم المتحدة والدول الكبرى والعالم الحر بالضغط  على الحكومة التركية للإعتراف بِحقوق شعب كوردستان.


43
تركيا في طريقها نحو الإنهيار والسقوط (1)

د. مهدي كاكه يي

منذ تأسيسها بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية، لم تشهد تركيا ظروفاً صعبة مثل الظروف التي تمر بها اليوم، حيث يقودها رئيسها رجب طيب أردوغان و حزبه الإسلامي نحو الإنهيار والسقوط. تعاني تركيا اليوم من مشاكل داخلية وخارجية كبيرة، تهزها هزّاً عنيفاً ككيان سياسي رغم تظاهر حكومتها بِعرض العضلات والإيهام بأنها قوة إقليمية كبرى والتوهّم بإمكانية إعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية في العصر الذي نعايشه، حيث العولمة وإنتشار الأفكار الديمقراطية والليبرالية ويقظة الشعوب الشرق أوسطية المُستعبدة وإنهيار الإتحاد السوفيتي وهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على العالم وفقدان تركيا لِأهميتها الجيوسياسية كَعضوة في حلف الناتو لِتجاورها لِروسيا، وبعد التطورات الكبرى التي حصلت في منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص و في العالم بشكل عام.

بعد المحاولة الإنقلابية الفاشلة وإهانة الرئيس التركي للجيش التركي وإعتقال عشرات الآلاف من جنرالاته وضباطه وجنوده وإهانتهم، فأن الجيش التركي، الذي كان الحاكم الفعلي لتركيا من وراء الستار أو بِشكل مباشرمنذ تأسيس تركيا الى ما قبل حدوث المحاولة الإنقلابية الفاشلة  الأخيرة، لا يقبل هذه الإهانة والإساءة التي تعرض لها وأنه ينتهز الفرص لإسترجاع هيبته وسلطته من خلال القيام بإنقلاب عسكري أو إغتيال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والإطاحة بِحُكمه. لذلك تعيش الحكومة التركية في هاجس الإطاحة بها من قِبل الجيش المتذمر والمتطلّع لإستعادة كرامته وسلطته المفقودة وبذلك ستُخيّم حالة عدم الإستقرار على تركيا وتستمر إجراءات الحكومة التركية في أخذ الإحتياطات اللازمة للحيلولة دون إطاحة الجيش بها.   

كما أن التذمّر الذي يدبّ في صفوف الجيش التركي، يُضعِف قوته القتالية ويُقلل جاهزيته ويهبط معنويات أفراده ورغبتهم في القتال والدفاع عن تركيا و ينشر الملل وعدم الإنضباط في صفوفه ويًزيد حالات فرار منتسبيه وتمرّدهم على الأوامر العسكرية.

حركة فتح الله گولن  (Fethullah Gülen)الدينية متغلغلة بِشكل كبير في المجتمع التركي و في كافة مفاصل ومؤسسات الدولة التركية، بما فيها القوات المسلحة من جيش وشرطة وبذلك تنخرط أعدادٍ كبيرة جداً في صفوفها وتمتلك ثروة ضخمة ونفوذ كبيرة، ليست في تركيا فقط، بل في مختلف دول العالم، وخاصةً في المجتمعات الإسلامية، من خلال إنتشار مدارسها الدينية وجوامعها و رجالها الدينيين في مختلف بقاع العالم. يمكن مقارنة النفوذ العالمي لهذه الحركة الى حدٍ ما بِنفوذ الفكر الوهابي الذي تقوم المملكة العربية السعودية بِنشره في العالم من خلال صرف عشرات المليارات من الدولار لهذا الهدف. لذلك قأنّه من الصعب جداً القضاء على هذه الحركة، التي كان أردوغان أحد مناصريها في السابق وأنها ستظل تُشكّل تهديداً كبيراً لِحُكم الرئيس التركي أردوغان.

محاولة أردوغان أسلمة النظام السياسي التركي الذي هو نظام علماني منذ تأسيس تركيا التي تأسست على أنقاض الإمبراطورية العثمانية بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى
وإنهيارها، تدفع القوى العلمانية والطوائف غير الإسلامية الى التحالف معاً وزيادة نضالها لإفشال المحاولات الجارية لِفرض الإسلام السياسي على نظام الحكم التركي. كما أنّ طموح الرئيس التركي في خلق نظام حُكمٍ دكتاتوري في تركيا والإنفراد في الحكم، تجعل القوى الديمقراطية ومنظمات المجتمع المدني في  تركيا، الى تنظيم نفسها وتكثيف نضالها للحفاظ على النظام الديمقراطي وترسيخ الديمقراطية وتعميقها في تركيا.

الهَلاويون (العلويون) الذين يًشكلون حوالي ثلث سكان تركيا، ستزداد وتيرة نضالهم ضد الحكومة التركية لِثلاث أسباب رئيسة وهي:

1. محاولة الحكومة التركية فرض الإسلام السياسي (المذهب السُنّي) على نظام الحُكم والذي يعني زيادة  وتيرة إضطهاد الهلاويين لِكونهم غير مسلمين و كون معظمهم علمانيون.

2.  تٌقدّر نفوس الهلاويين الكورد بحوالي 50% من المجموع الكلي للهلاويين في شمال كوردستان وتركيا. شراسة الحملات التركية ضد الشعب الكوردي وإندلاع الثورة الكوردستانية في شمال كوردستان والتدخل التركي العسكري في غرب كوردستان، تدفع الهلاويين الكورد للإنضمام الى صفوف الثورة الكوردستانية لتحقيق حرية شعب كوردستان و إستقلال وطنه.

3. العداء القائم بين الحكومة التركية والنظام الهَلاوي في سوريا والتدخل العسكري التركي في سوريا ومساعدة النظام التركي للجماعات الإرهابية الإسلامية السُنيّة ومحاولته إسقاط النظام الهَلاوي في سوريا، يدفع كل هذا التدخل التركي الى وقوف الهلاويين ضد الجكومة التركية والتحالف مع القوى المضادة للنظام التركي.


44
مستقبل شعب كوردستان في ظل الظروف الذاتية والإقليمية والدولية

د. مهدي كاكه يي

الظروف الذاتية سيئة جداً لِشعب كوردستان، حيث أن الأحزاب السياسية الكوردستانية بشكل عام هي تنظيمات متخلفة وأنانية وفاسدة، لا تحمل فكراُ إستراتيجياً كوردستانياُ، بل أنها تدور في فلك الدول المغتصِبة لكوردستان، وخاصة تركيا وإيران. هكذا فأن القوى الكوردستانية مشتة ومعادية لبعضها، في الوقت الذي تتحالف الدول الممغتصِبة لكوردستان معاً لمنع الشعب الكوردستاني من تحقيق هدفه في الحرية والإستقلال.

الأحزاب الكوردستانية تفكر فقط في كسب مكاسب حزبية آنية وأنها ليست لها إستراتيجية بعيدة المدى، بل تتحارب من أجل السيطرة على مناطق كوردستانية وإستلام بعض الأسلحة والأموال من الدول الممغتصِبة لكوردستان وغيرها من الدول والجهات، في الوقت الذي تعمل هذه الدول على إجهاض المشروع الكوردستاني التحرري، حيث تستهدف الدول الممغتصِبة لكوردستان شعب كوردستان بأجمعه، طبعاً بضمنه الأحزاب الكوردستانية. هكذا تقود هذه الأحزاب نفسها وشعب كوردستان الى الهزائم والمآسي والفناء. هذا يعني بأنه لا أمل في المستقبل المنظور في تحرير كوردستان إستناداً الى الظروف الذاتية الكوردستانية.

من جهة أخرى، فأن التغيرات الإقليمية والدولية الجارية هي لِصالح شعب كوردستان  وقد تقتضي المصالح الإسرائيلية والغربية إنشاء دولة كوردستان و في هذه الحالة ستضغط إسرائيل والدول الغربية على التنظيمات السياسية الكوردستانية للتوحد والتنسيق، بدلاً من التفرّق والتشتت. لذلك هناك أمل لِشعب كوردستان أن يتحرر ويؤسس دولة كوردستان بالإعتماد على العامل الدولي والإقليمي.


45
خطورة إنتشار الفكر الإسلامي المتشدد في إقليم جنوب كوردستان ووسائل التصدّي له

د. مهدي كاكه يي

يحكم الكوردستانيون إقليم جنوب كوردستان منذ أكثر من 25 سنة. خلال هذه الفترة الطويلة تمّ إستغلال شعب كوردستان دينياً وخاصة الشباب والأطفال، حيث تمّ حشو أدمغتهم بأفكار دينية متشددة و بِأوهام الحوريات بعد الموت وبذلك أخذ الكثير من الشباب والشابات يؤمنون بالفتوحات الإسلامية التي هي غزو وإحتلال وإغتصاب أوطان الشعوب الأخرى، والجِهاد الذي يعني الإرهاب أي إجبار غير المسلمين على إعتناق الدين الإسلامي عن طريق القوة والإرهاب،  والسبي الذي هو إغتصاب النساء وإستغلالهن جنسياً وخدمياً، والغنائم التي هي نهب وسرقة  ممتلكات وأموال الناس.

في العقد السادس والسابع والثامن من القرن الماضي، كان شعب كوردستان شعباً ليبرالياً منفتحاً، يحب الحياة واليوم تراجعت الليبرالية والإنفتاح والتسامح الديني بشكل خطير في المجتمع الكوردستاني نتيجة الحملة الدينية التي يتعرض لها. بهذه الطريقة يتم إستغلال شعب كوردستان بإسم الدين الإسلامي من قِبل مُغتصبي كوردستان للقضاء على الفكر القومي الكوردي والفكر الوطني الكوردستاني والذي يهدف الى إبقاء كوردستان محتلة ومغتصَبة ومجزأة، والإستمرار في عبودية وتبعية شعب  كوردستان ونهب ثروات كوردستان.

تتحمل حكومة  جنوب كوردستان المسئولية الكاملة عن غرق المجتمع الكوردستاني في المستنقع الديني ونحن نعيش في القرن الحادي والعشرين، قرن العولمة وهيمنة الفكر الديمقراطي وقرن تحرر الشعوب المُستَعبَدة. إنتشار الفكر الديني الممزوج بالسياسة و الفكر الديني المتشدد يهدد الوجود الكوردستاني كشعب والوجود الكوردي كأمة وقومية.

من أهم أسباب هذه الظاهرة الدينية الخطيرة هي الخطاب الديني في وسائل الإعلام المختلفة وعلى منابر الجوامع والحسينيات المنتشرة في كافة قرى ومدن كوردستان و المناهج الدينية المدرسية، حيث أن الدين الإسلامي هو المادة الوحيدة التي يتم تدريسها في المدارس كَمادة الدين ويتم فرضها على التلاميذ والطلاب غير المسلمين. كما أن مادة الدين الإسلامي عبارة عن سرد لتأريخ مزوّر. من جهة أخرى هناك أحزاب سياسية إسلامية في الإقليم تبث سمومها في المجتمع الكوردستاني وتلقى الدعم المادي  والمعنوي من  تركيا  والسعودية ومن الدول الخليجية الأخرى والتي تُشكّل تهديداً خطيراً للأمن الوطني الكوردستاني.
   
كما أنّ الإقليم أصبحت ساحة مفتوحة لنشر الفكر الوهابي، حيث قام النظام السعودي وأنظمة الدول الخليجية الأخرى ببناء العشرات من الجوامع في الإقليم لهذا الغرض. كما قام النظام الإيراني أو بِتشجيع منه، ببناء العديد من الحسينيات لنشر المذهب الشيعي في الإقليم وغسل أدمغة الكورد الشيعة وحشوها بالأساطير والأفكار المذهبية لسلخ هذه الشريحة الكوردية عن شعبها الكوردستاني وتغليب الفكر المذهبي لدى أفراد هذه الشريحة على الفكر القومي الكوردي والفكر الوطني الكوردستاني. قام  النظام التركي بِدوره بِفتح العديد من المدارس والمؤسسات الدينية في الإقليم لِنشر الفكر الديني وإستغلاله لِخدمة الدولة التركية وببناء العديد من  الجوامع.

ينبغي أن تعيَ حكومة إقليم جنوب كوردستان الخطر الذي يهدد شعب كوردستان من قِبل الأفكار الدينية التي تهيمن على المجتمع الكوردستاني وذلك بِخلق نظام علماني، يفصل الدين عن السياسة ومنع الأحزاب الدينية في ممارسة العمل السياسي وتغيير مادة "الدين الإسلامي" في المناهج المدرسية الى "علم الأديان" الذي يشمل جميع الأديان الموجودة، مع التركيز على الأديان التي يعتنقها شعب كوردستان والتركيز على بناء المدارس والمعاهد والجامعات العلمية بدلاً من  الجوامع والحسينيات ومنع الحديث عن السياسة في الجوامع والحسينيات، حيث أنها أماكن  للعبادة وليست للسياسة ومنع نشر الأفكار الدينية المتشددة من قِبل الشيوخ  والملالي و في  وسائل  الإعلام ومحاسبة المتزمتين الدينيين الذين يفرضون آراءهم وطقوسهم على الآخرين. إن القضاء على الفكر الديني المتطرف وخلق مجتمع علماني منفتح ومتسامح، ضرورة قصوى لحماية الأمن الوطني الكوردستاني  ولِتطور وتقدم المجتمع الكوردستاني وإنخراطه في العمل والبناء، بدلاً من العيش على الأوهام والأساطير وعشق الموت وإكراه الحياة.


46
الديانة الإيزدية وغيرها من الديانات الكوردية الأخرى هي من إبتكارات الشعب الكوردي


د. مهدي كاكه يي

الإنسان هو خالق الأفكار والعقائد والفلسفة والأديان ولولا الإنسان لما كانت هناك أديان. هل الإنسان تابع للفكر أم الفكر تابع للإنسان؟ بالطبع الفكر هو من إبتكارات الإنسان وعليه فأن الفكر ليس فقط تابعاً للإنسان، بل من إبتكاراته. أسلاف الشعب الكوردي هم الذين أوجدوا الديانة الإيزدية وغيرها من الأديان الكوردية القديمة.

الديانات الإيزْدية و المَزْدَكية و اليارسانية (كاكەيي) والهلاوية (العلوية) و الدروزية والشبكية هي إمتداد للديانة المثرائية المتجلية في الديانة اليزدانية. قبل ظهور المسيحية، كان جميع الآريين يعتنقون الديانة المثرائية. عليه فأن الديانة اليزدانية هي أقدم بكثير من الديانة الزردشتية، حيث أنه قبل أكثر من 3500 سنة، كان أسلاف الكورد الميتانيون يُدينون بالديانة المثرائية. كما أن الميديين كانوا يعتنقون الديانة اليزدانية، حيث أن اليزدانية كانت الدين الرسمي للإمبراطورية الميدية.

تظهر بقايا معتقدات الديانة المثرائية بوضوح في هذه الأديان الكوردية، مثل تناسخ الأرواح والإعتقاد بوجود قوتَين متضادتَين وهما الخير والشر، وكذلك قُدسية الشمس والنار وتقديم القرابين (النذور) للأحياء والأموات و تقبيل الأرض الذي هو طقس ديني للتعبير عن حب الإنسان للأرض وشكرها، حيث يعيش الإنسان عليها و أن إستمرارية حياته مرتبطة بها.

لذلك فأن الديانة الهلاوية و الإيزدية و الدروزية و اليارسانية (الكاكائية) والشبكية تكاد تكون ديانة واحدة. إن هذه الأديان متشابهة في العقيدة و الشخصيات الدينية و الإيمان بتناسخ الأرواح و النظام الطبقي و الطقوس الدينية من صوم و تقديم النذور و التكايا و الإحتفاظ بالشارب و غيرها، حيث أن جميعها ينحدر من الديانة المثرائية. الإختلافات البسيطة الموجودة بين هذه الأديان، ناتجة عن العزل الجغرافي بين أصحاب هذه الأديان، حيث أن عيشها ضمن كيانات سياسية مختلفة والتباعد الجغرافي بينهم والعيش بمعزل عن بعضهم البعض، خلقت بمرور الزمن هذه الإختلافات البسيطة في أسماء الشخصيات الدينية والطقوس الدينية وغيرها.

  مما سبق، نرى أن الديانة الإيزدية لم تكن موجودة قبل 3500 سنة، بل كانت هناك الديانة المثرائية والتي بمرور الزمن إنبثقت منها الديانات الهندوسية والبوذية والإيزدية واليارسانية والهلاوية والدروزية والشبكية والمزدكية، بينما يمتد تاريخ الشعب الكوردي في أعماق التاريخ وعبر تاريخه أوجد الكثيرمن العقائد والأديان، من ضمنها الدين الإيزدي. على سبيل المثال، تمّ ذكر الكورد في وثيقة تاريخية قديمة تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد والتي هي عبارة عن لوحَين من الحجر نقش عليهما نص سومري، سبق ل(إرنانا)، الوزير الأكبر للملك السومري سوشين (2037 – 2029 ق. م.) أن أمر بوضعهما تحت قاعدة الباب العائد لمعبد جديد تم بناؤه في جرسو (تيللو) في جنوب العراق. بعد أن يذكر (إرنانا) سلسلة من ألقابه ومناصبه، يذكر بأنه محافظ عسكري لأربيلوم (أربيل)، ومحافظ كل من خماسي وكره خار (قره خان/ جلولاء)، وكذلك القائد العسكري لأهالي سو وبلاد كوردا (كوردستان الكبرى).

كما أن أسلاف الكورد قبل مئات الآلاف من السنين كانوا يعيشون في كهوف كوردستان وأسلاف الكورد السومريون قبل اكثر من 8000 سنة كانوا يعيشون في كوردستان و في تلك الأزمنة كان لا وجود للديانة المثرائية نفسها والتي كانت ديانة الشعوب الآرية والتي الديانة الإيزدية هي من بقاياها. هكذا فأن الشعب الكوردي، بمختلف مسمياته، كان موجوداً وآمن بعقائد عديدة في مراحل حياتها الى أن إعتنق المثرائية والتي إنبثقت منها عدة ديانات وإحداها هي الديانة الإيزدية.

47
الإيزديون في ظل التنافسات الحزبية الكوردستانية والصراع الطائفي في المنطقة

د. مهدي كاكه يي


كانت قوات إقليم كوردستان أو بالأحرى قوات الحزب الديمقراطي الكوردستاني تحمي شنگال عندما هاجمت إرهابيي داعش المنطقة، لذلك فأن هذا الحزب يتحمل مسئولية وقوع التراجيديا الإيزدية الأخيرة، بينما سكان الإقليم بريئون من التسبب في هذه التراجيديا. كما ينبغي القول بأنّ إنسحاب قوات الپيشمرگة من منطقة شنگال عند هجوم إرهابيي داعش عليها، لم تكن له أية علاقة بِكون سكانها من الإيزديين. بكلام آخر لم يكن للدين أي دور في هذا الإنسحاب وترك سكان المنطقة فرائس للإرهابيين المتوحشين، حيث قد يكون تمّ هذا الإنسحاب لأسباب سياسية أو عسكرية وفي كلتا الحالتَين يتحمل الحزب الديمقراطي الكوردستاني مسئولية المجازر والسبي التي حصلت للإيزديين.

المأساة التي حصلت للإيزديين لا تُبرر فصل الإيزديين عن سكان الإقليم أو إنكار كورديتهم، حيث أنّ الإيزديين هم شريحة دينية كوردية وجزء من سكان إقليم كوردستان. كما تنبغي الإشارة الى أن الإيزديين وأصحاب الديانات الكوردية الأصيلة  الأخرى ضحوا ولا يزالون يُضحّون بأرواحهم وأموالهم ويتعرضون للسبي والعنف والتهديد والإهانة في سبيل الحفاظ على أديانهم وعقائدهم وطقوسهم وكُتبهم الدينية التي تُشكّل جزءاً مهماً من الثقافة الكوردية والتاريخ والتراث الكوردي والتي حافظت على اللغة الكوردية وعملت على تطويرها من خلال كُتبهم الدينية التي أثْرَت اللغة الكوردية والأدب والشعر الكوردي وصانت التاريخ الكوردي، إلا أن الشعب الكوردي هو خالق هذه الأديان وكلها من بُناة أفكار هذا الشعب العريق وهذه العقائد تُبرِز فلسفة الشعب الكوردي وعُمق تصوراته حول الخلق والكون والإنسان والحياة والموت والمجتمع الإنساني والتعايش السلمي بين المجتمعات البشرية.

ينبغي أن يمتنع الإيزديين عن أن يكونوا جزءاً من الخلافات القائمة بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني وحزب العمال الكوردستاني وتنافس هذين الحزبَين على النفوذ والسلطة في كوردستان وعليه على الإيزديين ان لا يجعلوا من أنفسهم حطباً لحرائق هذين الحزبَين اللذين يسيران في فلك الصراع الإقليمي الجاري في المنطقة المتمثل بالصراع السُنّي – الشيعي بقيادة السعودية وتركيا التي تقودان المحور السُنّي (ينتمي الحزب الديمقراطي الكوردستاني الى هذا المحور) والمحور الشيعي بقيادة إيران، المتحالفة مع الحكومة العراقية الشيعية والنظام السوري العلوي و حزب الله اللبناني (ينتمي حزب العمال الكوردستاني الى هذا المحور).

الإيزديون في الوقت الحاضر منقسمون في ولاءاتهم بين الحزبَين المذكورَين ولهم وحدات عسكرية متوزعة بين هذين الحزبَين. ينبغي أن لا يجعل الإيزديون من أنفسهم ضحايا الصراع الدائر في المنطقة، بل عليهم التفاعل مع بقية الشرائح الكوردستانية والنضال من أجل تحرير كوردستان، حيث أنه ليس بِمقدور الإيزديين عزل أنفسهم عن شعب كوردستان والعمل لوحدهم في ظل هذه الفوضى التي تعمّ المنطقة، وإلا سيكون عملهم هذا عملاً إنتحارياً.

في الوقت الحاضر، كوردستان محتلة وأن شعب كوردستان بحاجة الى قيادة مركزية موحدة وأنّ أيّ عمل يهدف الى تقسيم كوردستان الى كانتونات وأقاليم، يكون ضد المصالح العليا لشعب كوردستان، حيث يُشتت ويُضعِف شعب كوردستان ويخلق مراكز قوى كوردستانية متنافرة ومتخاصمة ويُعمّق الخلافات العرقية والدينية والمذهبية والمناطقية في المجتمع الكوردستاني ويسنح فرصة جيدة لِمحتلي كوردستان لزرع الشقاق بين المجتمع الكوردستاني والتحريض على خلق حروب أهلية في كوردستان بين المجاميع الكوردستانية المختلفة وبذلك يُعرقل تحرير كوردستان ويُشكّل تهديداً كبيراً على الوجود الكوردستاني كَشعب.

في ظل الفوضى العارمة التي تجتاح منطقة الشرق الأوسط، يحتاج شعب كوردستان الى الوحدة والى قيادة سياسية وعسكرية موحدة لتحقيق حرية شعب كوردستان وإستقلال كوردستان. بعد تأسيس كوردستان وبعد أن تصبح كوردستان عضوة في الأمم المتحدة، يمكن بناء نظام لامركزي في كوردستان، تتمتع في ظله جميع الشرائح الدينية والمذهبية والإثنية بحقوقها، حيث أن شعب كوردستان يكون له في ذلك الوقت كياناً سياسياً مُعترفاً به دولياً وأنّ إنشاء أقاليم وتأسيس نظام لامركزي فيها لا يُشكّلان أيّ تهديد لأمنها الوطني.



48
الإيزديون هم جزء لا يتجزأ من الشعب الكوردي

د. مهدي كاكه يي

يحاول محتلو كوردستان تشتيت الشعب الكوردي بعد أن فشل في إبادة الشعب الكوردي وتعريبه وتفريسه وتتريكه. بكل أسف هناك بعض الإيزديين الساذجين ينفذون مؤامرة محتلي كوردستان وقسم منهم يقوم بهذا العمل الخياني كَردّ فعل لأحداث شنگال المأساوية وكأنّ الشعب الكوردي هو المتهم بالتسبب في هذه المآسي، ناسين أو متناسين بأن الإيزديين هم شريحة كوردية. على سبيل المثال، ينشر هؤلاء كتابات مثل " تاريخ الكورد لم يتجاوز 400 سنة وتاريخ الإيزدية يتجاوز 7000 سنة، رغم ذلك يُقال بأن الإيزديين هم كورد" في محاولة منهم لِسلخ الإيزديين عن الشعب الكوردي.

من البديهي أن الإنسان خُلِق قبل ظهور الأديان. الإنسان هو الذي أوجد الأديان. الكورد قد أوجدوا الدين الإيزدي وأن الكورد أقدم من الديانة الإيزدية، حيث أنها ديانة كوردية. لا يمكن لهؤلاء تزوير التاريخ والنَيل من الشعب الكوردي العريق. الكتب الدينية الإيزدية مكتوبة باللغة الكوردية وهذا يدحض تخرصات واكاذيب أعداء الشعب الكوردي الذين يدّعون أن الإيزديين قومية مستقلة.

هناك حملة شرسة تحاول سلخ الإيزديين عن الشعب الكوردي وترتفع من هنا وهناك أصوات نشازة تطالب بإنشاء إقليم مستقل للإيزديين وإدارتهم لشئونهم بأنفسهم وكأنما الإيزيديين شعب لا يُشكّل جزءاً من شعب كوردستان. طيب إذا يُشكّل الإيزيديون واليارسانيون والهلاويون والهوراميون والفيليون والسورانيون والبهدينانيون والزازا واللور شعوباً مستقلة وكل شريحة من هذه الشرائح تؤسس إقليماً مستقلاً لنفسها، ماذا يبقى من الشعب الكوردي وماذا يبقى من كوردستان؟ إنها محاولات تُشكّل خطراً كبيراً على الشعب الكوردي ويجب الوقوف بوجهها وإفشالها.

 تم ذكر الكورد في وثيقة تاريخية قديمة تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد والتي هي عبارة عن لوحَين من الحجر نقش عليهما نص سومري، سبق ل(إرنانا)، الوزير الأكبر للملك السومري سوشين (2037 – 2029 ق. م.) أن أمر بوضعهما تحت قاعدة الباب العائد لمعبد جديد تم بناؤه في جرسو (تيللو) في جنوب العراق. بعد أن يذكر (إرنانا) سلسلة من ألقابه ومناصبه، يذكر بأنه محافظ عسكري لأربيلوم (أربيل)، ومحافظ كل من خماسي وكره خار (قره خان/ جلولاء)، وكذلك القائد العسكري لأهالي سو وبلاد كوردا (كوردستان الكبرى). إن هذه المناطق التي يذكرها الوزير السومري كلها تقع ضمن كوردستان الحالية. وفي فترة كتابة النص، كان يسكن أسلاف الكورد الهوريون في معظم أنحاء كوردستان. كانت منطقة (قره خار) المذكورة، والواقعة في أعالي نهر ديالى، تعتبر من أحد أهم مراكز الهوريين السياسية. من الجدير بالذكر أن هذين اللوحَين المتواجدَين حالياً في متحف اللوفر في باريس، قد تم التنقيب عنهما من قِبل بعثة فرنسية في (تيللو) في جنوب العراق. قام كل من البروفيسور (مانفريد ميللر) و البروفيسور (أولسنر) بترجمته إلى اللغة الألمانية. هكذا فأن هذه الوثيقة السومرية تشير الى الوجود الكوردي في كوردستان قبل أكثر من 4000 سنة.

قبل حوالي 2400 سنة، يذكر (زینفون) إسم الكورد ويُسمّيه (کاردۆخی) و قبل حوالي 2000  سنة، يذكر (سترابو) إسم الكورد قائلاً: بالقرب من نهر دجلة هي المناطق التي تعود لل(گوردیایی) الذين كان يُطلَق عليهم في السابق إسم "كاردوخي".

فيما يخص أصل الكورد، أوليا چلبي المولود في إسطنبول في سنة 1611 أو 1616 ميلادية يذكر ما يلي: حسب قول الرحالة المقدسي (إسمه محمد بن أحمد بن أبي بكر المقدسي والمعروف بإسم شمس الدين المقدسي، مولود في القدس سنة 947 ميلادية وصاحب الكتاب المشهور "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم")، أنه بعد طوفان نوح، تم في البداية إعمار مدينة (جودي) ومن ثم إعمار قلعة شنگار (سنجار) وبعد ذلك (ميافارقين). كان الملك (كوردوم) هو مالك مدينة جودي وكان من أمة نوح، عاش لمدة ستمائة سنة وتجوّل في كافة أنحاء كوردستان. عندما وصل الى مدينة (ميافارقين)، (تقع مدينة ميافارقين في شمال شرق مدينة آمد "ديار بكر" بين نهرَي دجلة والفرات)، أحبّ هذا الملك مناخ المدينة وإستقرّ فيها هناك. كان له أبناء وأحفاد كثيرون، حيث قاموا بإيجاد لغة خاصة بهم والتي هي ليست اللغة العربية ولا الفارسية ولا العبرية ولا الدرية، وهذه اللغة تُسمّى اليوم اللغة الكوردية و يتم التكلّم بها في كوردستان. هكذا يخبرنا الرحالة المقدِسي قبل 1067 سنة عن الوجود الكوردي في كلٍ من (جودي) و (شنگار) و(ميافارقين) ويخبرنا أيضاً عن وجود اللغة الكوردية.



49
مستقبل شعب كوردستان بعد إنهيار إتفاقية (SYKES -PICOT  سايكس – پيكو) (7) (الحلقة الأخيرة)

د. مهدي كاكه يي

النضال الكوردستاني في ظل إعادة رسم الخارطة السياسية للمنطقة
التطورات التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط وزوال الحدود السورية والعراقية التي تمّ رسمها تبعاً لإتفاقية سايكس – پيكو وظهور كيانَين سياسيين جديدَين في جنوب وغرب كوردستان اللذَين قائمَين الآن داخل الحدود المرسومة من قِبل الإتفاقية المذكورة ويُداران من قِبل إدارتَين كوردستانيتَين، وإنهيار العراق وسوريا كَكيانَين سياسيَين عملياّ، حيث أنهما اليوم عبارة عن كانتونات طائفية، تتحكم بها المجموعات الإرهابية والطوائف والميليشيات السورية والعراقية والأجنبية المختلفة. كل هذه التطورات أنهت إتفاقية سايكس – پيكو عملياً وأنّه أخذ يتبلور ظهور خارطة سياسية جديدة لمنطقة الشرق الأوسط، تأخذ التطورات الحاصلة في منطقة الشرق الأوسط الكبير وحقوق وحرية وتطلعات شعوب المنطقة بِنظر الإعتبار.

بناءً على ما تقدم، فأن منطقة الشرق الأوسط الكبير تمر بتطورات حاسمة تقود الى تفتت كيانات العديد من دول المنطقة، من ضمنها الدول المُغتصِبة لكوردستان وتأسيس دول جديدة على أنقاضها، أهمها كوردستان، حيث أنها ستصبح أكبر دولة في المنطقة. لذلك على القيادات الكوردستانية أن تتدارك التطورات الحاصلة في المنطقة وتهجر العقليات القديمة التي عفى عليها الزمن وتحمل عقلية العصر لكي تكون قادرة على رسم إستراتيجية إستقلال كوردستان وتوفير مستلزمات ومقومات نجاحها وذلك بإستثمار الفرصة التاريخية السانحة حالياً والتي خلقتها الظروف الكوردستانية والإقليمية والدولية وأن تضع مصلحة شعب كوردستان فوق المصالح الشخصية والحزبية. تتحمل هذه القيادات مسئولية تاريخية كبرى أمام شعب كوردستان وأمام التاريخ والضمير الإنساني في القيام بتوحيد الصف الكوردستاني وترتيب البيت الكوردستاني والإبتعاد عن المحاور الإقليمية وعدم التعاون والتحالف مع الدول المُغتصِبة لِكوردستان، وإلا ستقود القيادات الكوردستانية شعب كوردستان الى الكوارث والتراجيديا وستقود نفسها الى الفناء والسقوط و عندئذ سيلعنها التاريخ والأجيال الكوردستانية القادمة. لِتفادي التراجيديا الكوردستانية ولعنة التاريخ والضمير الإنساني ولِقيادة شعب كوردستان الى الحرية والإستقلال، يجب عقد مؤتمر كوردستاني عام بأسرع وقت ممكن، تشارك فيه على الأقل الأحزاب الكوردستانية الكبرى (حزب العمال الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني والإتحاد الوطني الكوردستاني وگۆڕان وحزب الإتحاد الديمقراطي) وشخصيات وطنية وأكاديمية وممثلو منظمات المجتمع المدني ويؤسسوا خلال المؤتمر مرجعية سياسية جامعة وقيادة عامة للقوات المسلحة الكوردستانية وتأسيس جيش مهني موحّد، بعيد عن الولاءات الحزبية ووضع دستور ينص على علمانية النظام السياسي الكوردستاني والمساواة والعدالة الإجتماعية وحرية المعتقد والرأي والتملك وتداول السلطة السياسية من خلال صناديق الإقتراع والمساواة بين المرأة والرجل وضمان  حقوق الطفل والمُسنّ.
 
رغم كون أكثرية مواطني كوردستان مسلمين، إلا أن شعب كوردستان هو شعب مسالم ومنفتح، توّاق للحرية وأنه شعب غير متزمتٍ دينياً وليس عنصرياً، يتقبل المبادئ والقيم والأفكار العصرية بسهولة، لذلك فهو قادر على التفاعل مع التطورات السياسية والإجتماعية والثقافية والفكرية والتكنولوجية الحاصلة في العالم. هكذا فأنه يُشكّل جزءاً من الشعوب المؤمنة بالديمقراطية والحرية. تُقدّر نفوس كوردستان بحوالي 50 مليون نسمة، وهي ثروة بشرية كبيرة في المنطقة والتي لا يمكن الإستهانة بها وأنّ كوردستان بلاد كبيرة، تُقدّر مساحتها بأكثر من نصف مليون كيلومتر مربع. كما أن لِكوردستان موقع إستراتيجي مهم وأنها غنية بمواردها الطبيعية من بترول وغاز طبيعي (يبلغ إحتياطي النفط في كوردستان 160 مليار برميل، أي أنها ثامن أغنى دولة نفطية في العالم وتملك 5,7 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي) وكذلك فأنها غنية بالمعادن والمياه، حيث تقع منابع نهرَي دجلة والفرات فيها. لذلك ستلعب كوردستان، عند إستقلالها، دوراً أساسياً في التوازنات الدولية في المنطقة و تساهم في تطويرها وتقدمها و في بناء جسر يربط بين العالم الشرقي والغربي في مختلف مجالات الحياة. هكذا فأن كوردستان بحاجة الى قيادة سياسية وطنية مخلصة ومحنكة لقيادة شعب كوردستان وتحريره من الإحتلال وتأسيس دولة معاصرة، يعيش في ظلها مواطنوها بِعزّ وكرامة وحرية و في رخاء وفي نفس الوقت يبدأ شعب كوردستان بالتواصل مع أمجاد أسلافه العظام ويساهم من جديد في بناء الحضارة الإنسانية.

ملاحظة: تمّ تقديم هذه الدراسة التي تمّ نشرها في 7 حلقات، الى الندوة التي أقيمت من قِبل المركز الكردي للدراسات في المانيا بتاريخ 22/5/2016 بمناسبة مرور مائة عام على إتفاقية سايكس- پيكو.


50
مستقبل شعب كوردستان بعد إنهيار إتفاقية (SYKES -PICOT  سايكس – پيكو) (6)

د. مهدي كاكه يي

إستحالة تعايش شعوب المنطقة في كيانات سياسية موحدة

لا يمكن نجاح النظام الفيدرالي في دول منطقة الشرق الأوسط التي تجتمع فيها شعوب وطوائف مختلفة، حيث أنها لم تنجح في إيجاد ثقافة موحدة وتكوين أهداف مشتركة لها طوال عيشها المشترك، ولم تتوفر ظروف ملائمة لهذه الشعوب في يوم ما، عبر تأريخها الطويل، ليكون كل شعب وطائفة وقومية وأقلية ومذهب ودين، حراً في إختيار حياته وطبيعة ونوعية علاقاته مع الآخرين ولم تتوفر العدالة والمساواة بين هذه الشعوب ولم تُتح الفرصة لها أن يشترك الجميع في الحكم ويمتلكون السلطة بشكلٍ متساوٍ وبشفافية، بل خلال تأريخها، تسلطَ فريق واحد على مقدرات البلاد وإستأثر بالحكم وأخضع الآخرين لِحُكمه بالحديد والنار. لذلك فشلت هذه الشعوب والقوميات والمذاهب والأديان في التلاقي والتفاعل والإنسجام.

يغضّ الطرف الكثير من السياسيين والمثقفين والكُتّاب عن واقع التنافر الذي يطغي على علاقات الشعوب التي تعيش ضمن الكيانات السياسية للدول المُغتصِبة لكوردستان والتي لم تعش معاً في يوم من الأيام بإرادتها وحريتها، وإنما فُرض عليها العيش المشترك بالقوة من قِبل الأجانب، إبتداءً من إتفاقية سايكس – پيكو ومعاهدة سيفر ومروراً بِمعاهدة لوزان والإستفتاء الصوري الذي تمّ إجراؤه والذي تمّ بموجبه إلحاق إقليم جنوب كوردستان بالكيان العراقي الجديد وإنتهاءً بإستخدام السلاح ضد شعب كوردستان واللجوء الى الإبادة الجماعية وإستعمال السلاح الكيميائي وتعريب وتتريك وتفريس كوردستان، بشراً وأرضاً، في محاولة للإستمرار في إغتصاب كوردستان.

خطورة رفع شعارات تُكرّس إغتصاب كوردستان

للأسباب السابقة الذكر، فأن رفع شعار الحكم اللامركزي أو الحكم الذاتي أو الفيدرالية أو الكونفيدرالية الديمقراطية من قِبل شعب كوردستان للعيش تحت حكم الإحتلال، هو خطأ تأريخي فادح، حيث لا يمكن تحقيق تمتع الكوردستانيين بحقوقهم في ظل حكم عنصري شمولي والعيش مع شعوب متخلفة لا تقرّ بحقوق شعب كوردستان. كما أن رفع مثل هذه الشعارات للقبول بالعيش في ظل الدول المُغتصِبة لكوردستان، هو إقرار صريح بقبول إغتصاب كوردستان وتجزئة شعبها. إن تجزئة القضية الكوردستانية تعني أيضاً تجزئة النضال الكوردستاني والتي بدورها تؤدي الى إضعاف هذا النضال وتقليل فرص تحقيق طموحات شعب كوردستان، بينما تقوم الدول المُغتصِبة لكوردستان بالتنسيق فيما بينها سراً وعلناً لتتمكن من الإستمرار في إغتصاب كوردستان وإستعمار شعبها والوقوف بوجه تطلعات الكوردستانيين في التمتع بالحرية والإستقلال ومن أجل الإستمرار في نهب ثروات كوردستان.

عدم ثبات الشعارات التي ترفعها الثورات والتنظيمات السياسية الكوردستانية وضبابيتها، تؤديان الى عدم تحقيق الأهداف الكوردستانية وإرباك شعب كوردستان ونضاله، حيث أن الثورات والأحزاب الكوردستانية تقوم بتغيير هدف نضالها بإستمرار كأنْ تناضل من أجل الإدارة اللامركزية أو الحكم الذاتي أو الفيدرالية أو حق تقرير المصير أو الإستقلال.

إن عدم رفع شعار إستقلال كوردستان تجعل القضية الكوردستانية شأناً من الشئون الداخلية للدول المُغتصِبة لكوردستان وبذلك تتقوقع القضية الكوردستانية داخل حدود الدول المُغتصِبة لكوردستان وتمنعها أن تصبح قضية عالمية لشعب مستعمَر وبلاد مُغتصَبة، تحتاج الى تدخّل الأمم المتحدة والدول الكبرى وتلقّي الدعم والمساعدة منها ليتحرر شعب كوردستان من العبودية والإحتلال.


51
مستقبل شعب كوردستان بعد إنهيار إتفاقية (SYKES -PICOT  سايكس – پيكو) (5)
 
د. مهدي كاكه يي

حقائق مُهمّة عن واقع القضية الكوردستانية

من خلال التمعن في الواقع الكوردستاني، يظهر بعض الحقائق المهمة المتعلقة بالقضية الكوردستانية والتي ينبغي أن تُشكّل هذه الحقائق ركائز أساسية للإستراتيجية الكوردستانية. تُحدد هذه الحقائق الخيارات الكوردستانية الهادفة الى تحقيق حرية شعب كوردستان وتحرير وطنه. لذلك ينبغي أن تؤخَذ هذه الحقائق بنظر الإعتبار عندما يتم البحث عن حل القضية الكوردستانية وإختيار الشعار الذي ستتبنّاه القيادة الكوردستانية لمثل هذا الحل ولوضع إستراتيجية متكاملة وناجحة للنضال الكوردستاني.

الحقيقة الأولى: إن كوردستان بلد مُغتصَب من قِبل عدة دول ولذلك فهي مجزأة، كل جزء يتبع سياسياً وثقافياً ولغوياً وإقتصادياً وإجتماعياً للدولة المُغتصِبة له و التي تنهب أيضاً الثروات الطبيعية الهائلة لكوردستان. نتيجة واقع التجزئة ومؤامرات الدول المُغتصِبة لكوردستان والإفتقار الى قيادة وطنية كوردستانية محنّكة، أصبح النضال الكوردستاني مجزأً ومشتتاً، حيث أن كل جزء من أجزاء كوردستان يناضل بمعزل عن الأجزاء الأخرى، بل أن الأقاليم الكوردستانية في أحايين كثيرة تُخاصِم وتحارب بعضها البعض بدلاً من توحيد نضالها ضد مُغتصِبي كوردستان.

كما أن كل جزء مُغتصَب من كوردستان قام بتأسيس تنظيمات سياسية خاصة به، بدلاً من تنظيمات سياسية موحدة تضم كافة أجزاء كوردستان وبذلك يقرّ القادة السياسيون الكوردستانيون عملياً بتجزئة كوردستان والإعتراف بالواقع الكوردستاني الحالي وبحدود الدول المُغتصِبة لكوردستان التي رسمتها الدول الإستعمارية وعمل هؤلاء القادة ولا يزالون يعملون على تجزئة النضال الكوردستاني وتفريق وإضعاف شعب كوردستان.

الحقيقة الثانية: إن الخطورة الكبرى التي يواجهها شعب كوردستان تكمن في أن إستعمار كوردستان هو إستعمارٌ إستيطاني، حيث تدّعي الدول المُغتصِبة لكوردستان بأن شعب كوردستان هو أجزاء من "الشعب التركي" و"الشعب العراقي" و"الشعب السوري" و"الشعب الإيراني" وأن كوردستان هي جزء لا يتجزأ من أراضي هذه الدول المُغتصِبة لكوردستان. أي بكلامٍ آخر فأن الدول المُغتصِبة لكوردستان تعتبر كوردستان مُلكاً لها وبذلك تُجرّد شعب كوردستان من هويته وتُلغي وجود كوردستان كوطن للكوردستانيين وتنهب ثرواتها.

هذا الإستعمار الإستيطاني يُشكّل خطراً جدّياً على وجود الشعب الكوردستاني كشعبٍ مستقل له حضارته وثقافته وتأريخه العريق. لِكي يدوم إستمرار الإستعمار الإستيطاني لكوردستان، يعمل المحتلون على إزالة آثار وجود الشعب الكوردستاني، حيث عملت الدول المُغتصِبة لكوردستان ولا تزال تعمل على تعريب وتتريك وتفريس كوردستان وشعبها، حيث قامت بتشريد ملايين الكوردستانيين من أماكن سكناهم في كوردستان وترحيلهم قسراً الى المناطق العربية والتركية والفارسية في كل من (العراق وسوريا) و"تركيا" وإيران على التوالي وتم إحلال العرب والترك والفرس محلهم وتم إغتصاب ممتلكاتهم. كما تم تغيير عشرات الآلاف من الأسماء الكوردية للشوارع والأماكن والقرى والمناطق والمدن الكوردستانية لإلغاء الوجود الكوردي في وطنه وعلى أرضه التأريخية. نتيجة هذه السياسة الإستعمارية الإستيطانية، تم تتريك وتعريب وتفريس الملايين من الكورد وتقلصت وإنكمشت مساحة كوردستان.

الحقيقة الثالثة: قامت الدول المُغتصِبة لكوردستان، بترسيخ الفكر القومي العنصري الإستعلائي في نفوس شعوبها وتلقينها بمعلومات كاذبة مشوّهة عن الشعب الكوردي وأصله وتأريخه وحضارته ضمن مخطط مبرمج لخلق عداءٍ قومي بين شعب كوردستان من جهة والشعوب التركية والفارسية والعربية من جهة أخرى لكسب شعوبها الى جانبها للمساهمة في إنجاح مخططاتها العنصرية بِمحو شعب كوردستان كشعب وتتريك وتفريس وتعريب كوردستان لسرقتها ونهب ثرواتها.

هذا المخطط العنصري لغسل أدمغة الشعوب التركية والفارسية والعربية تمّ ويتم عن طريق وسائل الإعلام ومناهج التعليم وعن طريق زج هذه الشعوب في حروب كارثية وتجويعها وتجهيلها ونشر الأمية في صفوفها لتسهيل عملية غسل أدمغتها وإنقيادها الى القبول والإيمان بالفكر العنصري وخلق مواقف عنصرية وعدائية تجاه حق الشعب الكوردستاني في الحرية والإستقلال كأي شعب آخر من شعوب العالم.

حكومات الدول المُغتصِبة لكوردستان نجحت الى حد كبير في إقناع شعوبها بأن كوردستان هي أرض تركية (القسم المُغتصَب من قِبل "تركيا") وعربية (القسم المُغتصَب من قِبل العراق وسوريا) وإيرانية (القسم المُغتصَب من قِبل إيران). هذا النجاح لحكومات الدول المُغتصِبة لكوردستان، خلق شرخاً كبيراً في العلاقة بين شعب كوردستان من جهة والشعوب التركية والفارسية والعربية من جهة ثانية والذي عمل على جعل تمتع كوردستان بإستقلالها من الأمور الصعبة من خلال الحوار والتفاهم والإتفاق و في نفس الوقت قاد الى جعل النضال الكوردستاني أكثر صعوبةً.

لو أُعطيت الشعوب التركية والفارسية والعربية فرصةً جيدة لتكون واعية ومُدرِكةً لمصالحها، لَكانت هذه الشعوب تتحالف مع شعب كوردستان لتحريره من الإحتلال وتحرير هذه الشعوب نفسها من حكوماتها الدكتاتورية والعنصرية لتحقيق الحرية والعيش الكريم لنفسها ولشعب كوردستان ولَقامت ببناء أنظمة ديمقراطية في بلدانها، تنعم بالحرية والسلم والأمان والإزدهار. إن مصالح شعب كوردستان تلتقي مع مصالح شعوب الدول المُغتصِبة لكوردستان للقضاء على الأفكار الشمولية والعنصرية المتخلفة وبناء دول ديموقراطية تعمل حثيثاً للإلتحاق بالدول المتقدمة المتحضرة والمساهمة في خدمة الإنسانية وتعمير وتطوير كوكبنا الأرضي، إلا أن تخلف شعوب الدول المُغتصِبة لكوردستان هو عائق أمام توحيد صفوفها مع شعب كوردستان لتحرير نفسها من براثن الدكتاتورية والشمولية والعنصرية من جهة وتحقيق إستقلال كوردستان من جهة أخرى.

الحقيقة الرابعة: إن الدول المُغتصِبة لكوردستان يتم حكمها من قِبل حكومات شمولية عنصرية متخلفة، حاولت و تحاول إلغاء وجود الشعب الكوردي وإلغاء هويته ولغته وتأريخه وثقافته وتراثه. إن هذه الحكومات العنصرية تستخدم العنف وكل الوسائل الأخرى للقضاء على شعب كوردستان وإعاقة نضاله من أجل التحرر وإستقلال بلاده، بما فيها القيام بالإبادة الجماعية وإستخدام الأسلحة الكيميائية وفرض الحصار الإقتصادي وإتباع سياسة الأرض المحروقة وهدم عشرات الآلاف من القرى والمدن الكوردستانية وتشريد سكانها وحرق غابات كوردستان وتدمير بيئتها والعمل على إلغاء الهوية واللغة الكوردية والتأريخ الكوردي العريق ومحو وإزالة هوية وثقافة وتراث شعب كوردستان.

الحقيقة الخامسة: إن شعوب الدول المُغتصِبة لكوردستان هي شعوب متخلفة نتيجة أسباب عديدة ولذلك فهي غير مؤهلةٍ لبناء أنظمة حُكمٍ ديمقراطية وقبول التعددية والرأي المختلف والإعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها، بما فيها تحرر شعب كوردستان. قد
يستغرق تأهيل هذه الشعوب وتطورها أجيالاً عديدة. لذلك ينبغي على الكوردستانيين أن يعرفوا هذه الحقيقة وعلى ضوئها يجب أن يُحددوا أهدافهم ويضعوا إستراتيجياتهم ووسائل نضالهم.

كمثالٍ، لِنأخذ النظام الفيدرالي في بلجيكا والتي هي دولة متطورة. لقد إجتاز المجتمع البلجيكي المراحل الإقطاعية والعشائرية ويعيش في المرحلة الرأسمالية وله نظام علماني، لا يتدخل الدين في شئوون الدولة والحكم وأنها عضوة في الإتحاد الأوروبي. بلجيكا مملكة صغيرة تقع في شمال غرب أوروبا وتبلغ نفوسها حوالي عشرة ملايين نسمة ومساحتها 33990 (89.8% منها يابسة و10.2% مياه). البلجيكيون يتألفون من الشعب الفلمنكي (Flanders)، الناطقون باللغة الهولندية ويُشكّلون 58% من سكان بلجيكا ويعيشون في شمال البلاد، ومن الشعب الوَلوني الناطق باللغة الفرنسية والذي يعيش في جنوب البلاد في مقاطعة (Wallonia)، ويُشكّلون 32% من مجموع سكان بلجيكا. هناك أيضاً مجموعة سكانية صغيرة ناطقة باللغة الألمانية تعيش في بلجيكا. الشعوب البلجيكية تُدين بالمذهب الكاثوليكي. الدستور البلجيكي ينص على حق الحكومات الفيدرالية في نقض قرارات الحكومة المركزية. قال الجنرال ديگول مرة "الفلمنكيون البلجيكيون يجعلون حياة الوَلونيين مزعجة لدرجة أنّ الوَلونيين يرمون أنفسهم في أحضاننا". قد يحدث هذا ما قاله الجنرال ديگول ويختار الشعب الوَلوني الإنفصال عن بلجيكا و الإنضمام الى فرنسا، حيث تمر الحكومة البلجيكية بإستمرار بأزمات سياسية حادة بسبب الخلاف المستمر بين الناطقين بالهولندية والفرنسية وصعوبة عيشهم معاً ضمن دولة واحدة. يُظهِر إستفتاء أجرته صحيفة (La Voix du Nord) الفرنسية و(Le Soir) البلجيكية، أنّ 49% من الوَلونيين يؤيدون إنضمام مقاطعتهم الى فرنسا، بينما يؤيد 60% من الفرنسيين هذا الإنضمام.

هكذا نرى أن الشعب البلجيكي المتحضر الذي يتقدم شعوب منطقة الشرق الأوسط بمئات السنين في التطور الإجتماعي والسياسي والإقتصادي والفكري، لا تستطيع القومية الفلمنكية و الوَلونية العيش معاً في دولة فيدرالية وكلتا القوميتين تشتركان في المذهب الكاثولوكي وتختلفان في اللغة فقط. إذن كيف تستطيع الشعوب المتخلفة في منطقة الشرق الأوسط أن تعيش في كيانات سياسية موحدة؟!

الحقيقة السادسة: تتعاون و تُنسّق الدول المُغتصِبة لكوردستان فيما بينها للوقوف بوجه تطلعات شعب كوردستان ومنعه من أن يتحرر من الإستعمار الإستيطاني والإحتلال والعبودية. رغم الخلافات السياسية والثقافية والمذهبية والإقتصادية والتأريخية القائمة بين الدول المُغتصِبة لكوردستان، فأنها تتعاون معاً للإستمرار في إستعباد شعب كوردستان والإستمرار في إغتصاب بلاده ونهب ثروات كوردستان.

هكذا نرى أنّ القضية القومية لا تزال تلعب دوراً كبيراً في دول ديمقراطية متقدمة ومتطورة، حيث أنه من المتوقع أن تنال شعوبٍ كثيرة في الدول الغربية المتقدمة التي تعيش ضمن كيانات سياسية مشتركة، حريتها وإستقلال بلدانها. القوميون الأسكتلنديون يناضلون من أجل إستقلال بلدهم عن بريطانيا وينظمون إستفتاء بعد آخر لتحقيق هذا الهدف. الشعب الكتالوني و الباسك في إسپانيا يعملان بدورهما من أجل إستقلال بلدَيهما عن إسپانيا. في بلجيكا، شعب الفلامان (الفلامنج) الناطق باللغة الهولندية و شعب الوالون (الوالس) الناطق باللغة الفرنسية، لا ينسجمان معاً في العيش المشترك في بلجيكا ومن المحتمل جداً أن يستقل هذان الشعبان في المستقبل المنظور ويؤسسان دولتَين مستقلتَين على أنقاض مملكة بلجيكا الحالية. شعب كيوبك الناطق بالفرنسية يناضل من أجل الإستقلال عن بقية سكان كندا الناطقين باللغة الإنكليزية. إذا كانت الدول الغربية الديمقراطية التي قد تسبق الشعوب المتأخرة، مثل الشعوب التركية والفارسية والعربية، في التقدم والتطور بمئات السنين، لا تستطيع حل التعدد الإثني في بلدانها فكيف يستطيع شعب كوردستان العيش مع الشعوب المتأخرة للدول المُغتصِبة لكوردستان ضمن كياناتها السياسية الحالية؟!!

الحقيقة السابعة: القضية الكوردستانية غير معنية بجزء مُعيّن من كوردستان وعلاقة ذلك الجزء بِحكومة الدولة المُغتصِبة لكوردستان، بمعزل عن الأجزاء الأخرى، وبكلام آخر فأن القضية الكوردستانية هي قضية واحدة لشعب واحد، مُغتصَب وطنه من قِبل عدة دول، لذلك لا يمكن حل القضية الكوردستانية بتجزئة هذه القضية الى عدة قضايا مستقلة وكل قضية تكون مرتبطة بإحدى الدول المُغتصِبة لكوردستان بحيث يتم عزل الأقاليم الكوردستانية عن بعضها البعض، بل أن القضية هي قضية شعب كوردستان بأسره وحل القضية الكوردستانية يتم فقط على نطاق كوردستان بأكملها لأن القضية الكوردستانية هي قضية الكوردستانيين جميعاً ولا يمكن حلها ضمن نطاق كل دولة مُغتصِبة لجزء من كوردستان بمعزل عن الأجزاء الأخرى.

مما سبق، يتوصل المرء الى إستنتاجَين مُهمّين، الأول هو إستحالة تمتع الشعب الكوردستاني بحقوقه في المستقبل المنظور والبعيد في ظل الدول المُغتصِبة لكوردستان، حيث لا تعترف حكومات وشعوب الدول المُغتصِبة لكوردستان بحق تقرير المصير لشعب كوردستان.

إن التطور الإجتماعي للمجتمعات البشرية عبارة عن عملية بطيئة جداً، لذلك فأن تطور شعوب البلدان المحتلة لكوردستان يستغرق أجيالاً عديدة، عندئذٍ قد يرتفع المستوى الفكري ووعي هذه الشعوب بحيث تتبنى النظام الديمقراطي وتتفاعل مع المفاهيم والأفكار الإنسانية المعاصرة و تعترف بحق شعب كوردستان في تقرير مصيره والتعبير عن إرادته.

الإستنتاج الثاني هو أنه لا يمكن حل القضية الكوردستانية في كل جزء مُغتصَب من كوردستان بمعزل عن الأجزاء الأخرى، حيث أن تجزئة القضية الكوردستانية تعني تجزئة كوردستان وتشتت شعبها ونضاله.   

الحقائق السالفة الذكر تؤكد على إستحالة بناء أنظمة سياسية ديمقراطية في الدول المُغتصِبة لكوردستان خلال المستقبل المنظور والبعيد، بحيث تعترف شعوب الدول المُغتصِبة لكوردستان بحق الشعب الكوردستاني في تقرير مصيره بنفسه وأن يكون ندّاً متكافئاً لهذه الشعوب.


52
مستقبل شعب كوردستان بعد إنهيار إتفاقية (SYKES -PICOT  سايكس – پيكو) (4)

د. مهدي كاكه يي

فشل الكيانات السياسية المصطنعة

دولة الهند الحالية التي كانت دولة واحدة والآن أصبحت ثلاث دول (الهند وپاكستان وبنگلادش)، الإتحاد السوفيتي السابق إختفى وإنبثقت منها دول عديدة. نتجت عن چيكوسلوڤاكيا دولتان، هما جمهورية الچيك وسلوڤاكيا، حيث أنّ هذين الشعبَين إنفصلا  عن بعضهما دون إراقة دماء. يوغسلافيا السابقة تجزأت الى عدة دول، كما إستقلت في الآونة الأخيرة كل من كوسوفو وجنوب السودان. هكذا تستمر الشعوب في فرض إراداتها وليست هناك قوة على كوكبنا الأرضي قادرة على قهر هذه الإرادات. شعب كيوبك الناطقون بالفرنسية في كندا (تبلغ نفوسه 23.2% من سكان كندا) والشعب الأسكتلندي الذي تبلغ نسبتهم 8.5% من نفوس بريطانيا والشعب الكتلاني والباسك في إسپانيا و شعوب في الشرق الأوسط وغيرها من مناطق العالم، بما فيها شعب كوردستان، هي في طريقها نحو إستقلالها.

الدول الكبرى والإقليمية والكُتّاب والمثقفون والسياسيون الذين يصرّون على صهر شعوب المنطقة وإرغامها على العيش المشترك في كيانات سياسية مشتركة، متجاهلين واقع هذه الشعوب، يتهربون مما ينقله لنا التأريخ عن العلاقات العدائية الموجودة بين شعوب وقوميات وأديان ومذاهب المنطقة. إن هؤلاء هم أُناس حالمون، يعيشون على الأوهام والتمنيات. بإصرارهم هذا، سواء عن فهم أو بدونه، فأنهم يعملون على إستمرار نزيف شعوب المنطقة ودمار دول المنطقة ودوام تخلفها وتناحر شعوبها. إنهم يصرّون على إستمرارية الموت والحروب والدمار والخراب والفقر والجهل والمرض، دون أن يردعهم ضميرهم الى التوجه الى حلول واقعية حكيمة لإنقاذ الإنسان في هذه البقعة الجغرافية من الحروب والمآسي التي يعيش فيها. على هؤلاء الإعتراف بفشل تجربة العيش القسري المشترك بين شعوب المنطقة بالضد من إرادتها ورغبتها. هؤلاء المتباكون على وحدة الكيانات السياسية المصطنعة في المنطقة، هم أناس يحملون عقليات فرض الإرادات بالقوة التي أصبحت جزءً من الماضي والتي تجاوزتها العقليات المتحضرة العصرية التي تتفاعل مع القيم والأفكار المُعبرة عن عالمنا الراهن. العقليات المتحجرة عاجزة عن التخلص من الأفكار الماضوية التي كانت سائدة خلال حُقب إزدهار الأفكار العنصرية وأنهم عاجزون عن فهم وإستيعاب التطورات الكبرى الحاصلة في الفكر والقيم والمفاهيم والإقتصاد والتكنولوجيا على كوكبنا الأرضي، فلذلك يصرون على تطبيق ما في عقولهم من أفكار بالية التي لا صلة لها مع واقع شعوب المنطقة، غير آبهين بمئات الآلاف من النفوس البريئة التي تفقد حياتها والدمار الذي تتعرض له بلدان المنطقة.

لِندع شعوب المنطقة تُقرر مصائرها بنفسها، دون وصاية، ونسمح لها في إستفتاء شعبي حر أن تختار هذه الشعوب مستقبلها ومصيرها، دون أن يدّعي أحد بتمثيله لها. في هذه الحالة فقط نحافظ على دماء هذه الشعوب وثرواتها ونفسح المجال لها للعيش بِحرية وأمان وطمأنينة، بعيدين عن أهوال الحروب ومآسي العنف. في هذه الحالة فقط ندع الجميع يتفرغون للبناء والإعمار والتقدم والتطور. بهذه الطريقة فقط نمارس الأساليب الديمقراطية ونحترم إرادة الشعوب وحريتها وتتحقق مساواة الشعوب وحرية الإنسان وسموّه.

يجب أخذ الدروس والعِبر من التأريخ، حيث عاشت شعوب المنطقة ضمن كيانات سياسية موحدة لِحوالي مائة سنة وخلال هذه الفترة الطويلة لم تلتئم لحمتها ولم تستطع الحفاظ على وحدة دولها الهشة المفروضة عليها من خلال البطش والإرهاب والعمل على إلغاء هويات وشخصيات ولغات وثقافات وتاريخ وتراث الشعوب المحكومة والمضطهَدة ونهب ثرواتها وغرق هذه البلدان في دوامة من الحروب والدمار والخراب والتخلف والجهل والجوع والمرض. كفانا نفاقاً و تباكياً على الوحدة القسرية لِدول المنطقة ولنكن جريئين صادقين مع أنفسنا ومع الآخرين ونضع النقاط على الحروف بأن نضع مصلحة شعوب المنطقة فوق أي إعتبار آخر ويكون هدفنا المركزي هو حرية ورُقي وتقدم ورفاهية الإنسان في منطقة الشرق الأوسط. يجب عدم التباكي على كيانات سياسية أصبحت بمثابة سجون كبيرة، حُشرت فيها الشعوب حشراً كالقطيع، تاركينها تعاني وتتقاتل فيما بينها وتموت و في نفس الوقت تتم مباركة وضعها الإنساني المزري بحجة الحفاظ على الحدود "المقدسة" لهذه الدول ومباركة قيام الحكومات الإقليمية الدكتاتورية الشمولية في سعيها لإطالة أعمارها عن طريق قهر إرادة شعوب المنطقة وعلى حساب حرية هذه االشعوب وتقدمها ورفاهيتها.


53
مستقبل شعب كوردستان بعد إنهيار إتفاقية (SYKES - PICOT سايكس – پيكو) (3)

د. مهدي كاكه يي

تقسيم جائر لمنطقة الشرق الأوسط

هكذا، تبعاً لإتفاقية سايكس – پيكو، تمّ تقسيم منطقة الشرق الأوسط بشكل قسري وظالم. على ضوء هذه الإتفاقية، تم تأسيس دول على أنقاض الإمبراطورية العثمانية ورُسمت حدودها دون الرجوع الى إرادة شعوب منطقة الشرق الأوسط ودون الأخذ بنظر الإعتبار خصائص شعوب المنطقة والإختلافات الإثنية والثقافية والتأريخية العميقة بين هذه الشعوب، بل فكرت بريطانيا وفرنسا بمصالحهما فقط. هكذا تم رسم حدود الدول المستحدثة والتي تمّ بها تمزيق أوطان الكورد والعرب السُنّة والشيعة وحتى أن هذه الحدود المصطنعة شتّتت العائلة الواحدة والقبيلة الواحدة ووزعتها بين عدة دول وحشرت شعوباً تعيش في مرحلة البداوة و القبلية وتشهد تخلفاً فكرياً وثقافياً وإجتماعياً، في كيانات جديدة في المنطقة، بالرغم من كونها شعوب متنافرة و متباعدة في لغاتها و ثقافاتها وتأريخها وأهدافها ومصالحها، وبذلك لم تفكر بريطانيا وفرنسا بمستقبل هذه الشعوب والمشاكل والخلافات والنزاعات والحروب المدمرة التي ستنتظرها نتيجة هذا الحشر العشوائي.

إبرام إتفاقية سايكس - پيكو كان جريمة كبرى بحق شعوب الشرق الأوسط وبِحق البشرية جمعاء. إجبار شعوب متخلفة ومتنافرة على العيش معاً في كيانات سياسية مشتركة دون أن تربطهم لغة وثقافة ومصالح وأهداف مشتركة وتأريخ مشترك، كان يحمل في طياته بذور المشاكل والتناحر والمآسي والحروب وبالتالي غياب أي أمل في تحسين حياة هذه الشعوب ومواكبتها للتقدم والتطور العالمي والمشاركة في ركب بناء الحضارة الإنسانية.

منذ رسم الحدود المصطنعة للمنطقة حسب إتفاقية سايكس – پيكو، لم تستقر الأوضاع في هذه الدول المصطنعة والذي كان سبباً في إزهاق نفوس الملايين من سكان المنطقة الأبرياء وتخلفهم وفقرهم بالرغم من توفر كل مقومات التقدم والرفاهية في هذه البلدان من بترول ومعادن وزراعة وسياحة وثروة بشرية، الا أنّ حكومات دول المنطقة المتعاقبة لم تستفد من هذه الإمكانيات الكبيرة وقامت عوضاً عنها بإهدار ثروات البلاد وزج شعوبها في حروب أهلية وخارجية كارثية. كانت تتوفر فرصة جيدة لِحُكّام المنطقة لخلق شعور وطني ومصالح وأهداف مشتركة لشعوبها المتنافرة والتي كانت ستؤدي الى تكوين شعوب متجانسة، تعيش في وئام وسلام ورفاهية، إلا أنّ الحكام هم جزء من المجتمعات المتخلفة، لذلك عملوا على تعميق التناقضات والخلافات والإختلافات بين شعوب وقوميات وأديان ومذاهب المنطقة.

فُرضت هذه الوحدة القسرية على شعوب المنطقة بالقوة والعنف والإكراه والإرهاب وبذلك سبّبت هذه الوحدة القسرية حروباً ومعارك مستمرة بين التجمعات السكانية المختلفة والتي لا تزال مستمرة وخلّفت وراءها الملايين من الضحايا الأبرياء وحولت بلدانها الى خراب وقادت الى الفقر والجهل والمرض والتخلف رغم الحضارة العريقة لِبلدان المنطقة ورغم خيراتها ومياهها وبترولها وثرواتها البشرية.

يجب أن يكون الإنسان ورُقيّه وحريته ورفاهيته هي الهدف الذي تناضل المجتمعات البشرية من أجله، حيث أنّ الحدود الدولية المصطنعة ليست "مقدسة" ولا تتطلب التضحية من أجلها، بل يجب إحترام إرادات الشعوب ورغباتها. القوة والإكراه عاجزتان عن فرض الوحدة على الشعوب بالضد من إراداتها، وإنْ نجحتا في ذلك، فأنهما تخلقان وحدة هشة تنهار وتختفي عندما تزول أو تضعف مصادر تلك القوة والإكراه، كما هو الحال في الوقت الحاضر في كثير من دول المنطقة.



54
مستقبل شعب كوردستان بعد إنهيار إتفاقية (SYKES -PICOT  سايكس – پيكو) (2)

د. مهدي كاكه يي


أسباب إلغاء معاهدة سيڤر


في الحلقة السابقة، تم ذكر المواد الثلاث المتعلقة بإستقلال كوردستان والتي تضمنتها معاهدة سيڤر. في هذه الحلقة يتم تحديد أهم أسباب إلغاء المعاهدة المذكورة وإحلال معاهدة لوزان محلها. يمكن أن يكون إلغاء معاهدة سيڤر للأسباب التالية:

1. نجاح مصطفى كمال أتاتورك في السيطرة على مناطق واسعة من تركيا  الحالية بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى. شكّل النصر الذي حققه أتاتورك في الحرب التركية – اليونانية منعطفاً رئيسياً في نجاح أتاتورك أن يصبح في موقف قوي بحيث يكون قادراً على إستخدام الضغوطات لإلغاء المعاهدة. لا شك ان الكورد لعبوا دوراً محورياً في نجاح أتاتورك في حروبه، حيث ألقى الكورد بِثقلهم الى جانب أتاتورك في حربه ضد الأرمن واليونانيين. ففي سنة 1920، قرر مؤتمر قادة الحركة الكوردية التحالف مع حركة كمال أتاتورك، فكان الكورد يُشكّلون القسم الأساسي من قوات كمال أتاتورك. لهذا السبب أشاد القادة الأتراك بالدور الكوردي في محاربة البريطانيين والفرنسيين واليونانيين و تحرير "تركيا" الحالية، بما فيهم أتاتورك وعصمت إينونو وفتحي بگ وحسين بگ هوني الذي قال في خطابٍ له في المجلس الوطني التركي الكبير: إنّ حق التكلّم من فوق هذه المنصة هو للأُمتَين التركية والكوردية. عند إلقاء خطابه على ضريح الجندي المجهول، قال وزير الدفاع التركي آنذاك: أغلب الظن أن هذا الجندي هو كوردي. هكذا إنخدع القادة الكورد بالوعود الكاذبة لأتاتورك ومساعديه وبذلك ساهموا بشكل غير مباشر في إلغاء معاهدة سيڤر.

2. لم يكتفِ الكورد بالتحالف العسكري مع الأتراك، بل ساهموا سياسياً في دعم إلغاء معاهدة سيڤر. في عام 1920م عندما تمّ إنعقاد مؤتمر سيڤر، في  الوقت الذي كانت الهيئة القومية الكوردية برئاسة شريف پاشا تشترك في المؤتمر المذكور، كان الپرلمان التركي يحاول جاهداً إبعاد هذه الهيئة عن تمثيل الشعب الكوردي، حيث كان يتصل برقياً بأعوانه وتابعيه والپرلمانيين في إستانبول، يحثهم على تقديم مذكرات بإسم الكورد ينفون فيها أن يكون شريف پاشا يمثّل الكورد وأن الكورد والأتراك إخوة وليس في نيتهم الإنفصال عن البعض. لقد لعب قسم من الپرلمانيين ورؤساء العشائر الكورد دوراً سياسياً كبيراً في إلغاء هذه المعاهدة.

3. اتفاق اتاتورك مع الحلفاء على الغاء الخلافة الإسلامية وبناء نظام سياسي علماني على النمط الغربي، ساهم في قبول كل من  بريطانيا وفرنسا أن يتم إلغاء معاهدة سيڤر وإحلال معاهدة لوزان محلها.

4. إختفاء روسيا القيصرية وتسلّم الشيوعيين للحكم في روسيا، أقلق دول التحالف بأن يتحالف مصطفى كمال أتاتورك مع الحكومة الروسية الجديدة ومنافستها لِدول التحالف في النفوذ في منطقة الشرق الأوسط.

5. تشتت القيادات الكوردية وإفتقارها الى مرجعية سياسية موحدة تقوم بِوضع إستراتيجية صائبة لترتيب البيت الكوردي وتوحيد قواه ليصبح الشعب الكوردي طرفاً مكافئاً للأطراف التركية  والعربية لِنيل إستقلال كوردستان.

6. خوف بريطانيا من مواجهة أعداء جدد جراء التمسك بإعلان الدولة الكردية ودعمها، مثل روسيا وتركيا الكمالية وإيران والقوميين العرب الذين كانوا حلفاء بريطانيا الأساسيين خلال الحرب العالمية الأولى.

7. قد يكون للعامل التاريخي أيضاً دوراً في إلغاء معاهدة سيڤر، حيث ان الغرب لم ينسوا ما فعله بهم  صلاح الدين الأيوبي الكوردي خلال الحروب الصليبية.

 



55
مستقبل شعب كوردستان بعد إنهيار إتفاقية (SYKES -PICOT  سايكس – پيكو) (1)

د. مهدي كاكه يي

إتفاقية سايكس – پيكو

إتفاقية سايكس - پيكو التي أُبرمت في سنة 1916، كانت إتفاقاً سرياً بين فرنسا وبريطانيا، بمصادقة الإمبراطورية الروسية، على إقتسام منطقة الهلال الخصيب بين فرنسا وبريطانيا لتحديد مناطق النفوذ في غرب آسيا بعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى والتي كانت تحكم هذه المنطقة. هذه الإتفاقية كانت حصيلة مفاوضات سرية بين الدبلوماسي البريطاني (مارك سايكس) والدبلوماسي الفرنسي (فرانسوا جورج پيكو) التي جرت خلال الفترة الممتدة بين شهر تشرين الثاني/نوڤمبر من سنة 1915 وشهر مايس/مايو من سنة 1916. كانت هذه الإتفاقية على صورة تبادل وثائق تفاهم بين وزارة الخارجية البريطانية والفرنسية والروسية القيصرية آنذاك. تمّ الكشف عن الإتفاقية عند تسلّم الشيوعيين للحكم في روسيا سنة 1917، والذي أثار إحتجاج ورفض الشعوب التي كانت الإتفاقية تتعلق بها، كما أن هذا الكشف أحرج كلاً من فرنسا وبريطانيا.

بموجب هذه الإتفاقية، تم تقسيم منطقة الهلال الخصيب، حيث حصلت فرنسا على الجزء الأكبر من الجناح الغربي من الهلال الخصيب (سوريا ولبنان وجنوب كوردستان)، بينما إمتدت المناطق التي سيطرت عليها بريطانيا من بلاد الشام الجنوبي، متوسعةً شرقاً لِتضم ولاية بغداد والبصرة وجميع المناطق الواقعة بين الخليج الفارسي والمنطقة الفرنسية في سوريا. كما أنه تقرر أن تصبح فلسطين تحت إدارة دولية، يتم الإتفاق عليها بالتشاور بين كل من بريطانيا وفرنسا وروسيا.  نصّت الاتفاقية أيضاً على منح بريطانيا مينائَي حيفا وعكا، على أن تكون لِفرنسا حرية إستخدام ميناء حيفا وتمّ منح بريطانيا من قِبل فرنسا بالمقابل إستخدام ميناء الأسكندرونة الذي كان سيصبح تحت إدارتها.

معاهدة سيفر وحق شعب كوردستان في الإستقلال
لقد تم التأكيد على نصوص إتفاقية سايكس - پيكو مجدداً في مؤتمر سان ريمو الذي تمّ إنعقاده في سنة 1920 والذي خلاله تمّ تحديد الحدود النهائية للمنطقة. بعد هذا المؤتمر، أقرّ مجلس عصبة الأمم وثائق الإنتداب على المناطق المعنية في 24 حزيران/يونيو 1922. في شهر آب/يوليو 1920، تمّ إبرام معاهدة سيفر التي عقدت بين الحلفاء و(تركيا). المادة 62 و63 و64 من هذه المعاهدة كانت تتعلق بِشعب كوردستان، حيث نصت هذه المواد على إنشاء دولة كوردستان والتي نصوصها هي:

المادة 62: ستقوم لجنة مكوّنة من ثلاثة أعضاء تُعيّنهم الحكومات البريطانية والفرنسية والإيطالية على التوالي وتتخذ إسطنبول مركزاً لها، بوضع خطة خلال ستة أشهر من تأريخ تنفيذ المعاهدة للإستقلال الذاتي للمناطق التي تسكنها أغلبية كوردية والتي تقع شرقي الفرات وجنوبي الحدود الجنوبية لأرمينيا، وشمال حدود تركيا مع سوريا والعراق. و ينبغي أن تشتمل الخطة على ضمان حقوق الأقليات الآشورية – الكلدانية والأقليات الدينية الأخرى التي تسكن في المنطقة.

المادة 63: توافق الحكومة التركية على تنفيذ قرارات اللجنة المذكورة في المادة 62 خلال ثلاثة أشهر من إخبارها بقراراتها.

المادة 64: إذا ظهر أنّ غالبية الشعب الكوردي، كما حُدّد في المادة 62، قد أظهر الرغبة في الإستقلال عن (تركيا) خلال عام واحد، وإذا إعتبر مجلس عصبة الأمم أن هؤلاء القوم قادرون على التمتع بهذا الإستقلال، فإنّ (تركيا) ستوافق على تنفيذ توصيات المجلس، وأن تتخلى عن جميع حقوقها وممتلكاتها في هذه المنطقة (أنظر الى هامش صفحة 40 من كتاب الدكتور شاكر خصباك المعنون "الكرد والمسألة الكردية"، الطبعة الثانية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1989).

معاهدة  لوزان
في 24 يوليو/تموز سنة 1923، تمّ إبرام إتفاقية جديدة التي عُرفت بإسم معاهدة لوزان والتي ألغت معاهدة سيفر وبذلك تمّ التراجع عن تأسيس دولة كوردستان. بموجب معاهدة لوزان، تم التنازل أيضاً عن معظم المناطق الكوردستانية التي كانت تحت الإنتداب الفرنسي  لتركيا الأتاتوركية، إضافة إلى منح تركيا بعض المناطق التي كانت قد أُعطيت لليونان في معاهدة سيفر.

في وقتٍ لاحق تمّ تأسيس لبنان خلال فترة الإنتداب الفرنسي على سوريا، وتمّ فصل شرق الأردن خلال فترة الإنتداب البريطاني على فلسطين، وأصبح الإنتداب البريطاني على العراق الذي تشكّل من ثلاث ولايات عثمانية وهي شارَزور (الموصل) وبغداد والبصرة. في سنة 1939، تنازلت فرنسا عن منطقة إيسوس (الإسكندرونة) لِتركيا.

حسب إتفاقية سايكس - پيكو، تم تأسيس الكيان العراقي من ولاية بغداد العثمانية مضافة اليها ولايتي شارزور ( الموصل لاحقاً) والبصرة، بعد إقتطاع أجزاء من الولايتين الأخيرتين وتوزيعها بين الكيانات الجديدة التي ظهرت في المنطقة، تركيا والسعودية وسوريا. كما تم تأسيس إمارات جديدة على أنقاض ولاية البصرة مثل إمارة الكويت وقطر.

كانت ولاية شارَزور تشمل آمد (دياربكر) و(وان) من الشمال وتحدّها ايران من الشرق ودير الزور من الغرب وولاية بغداد من الجنوب، أي أن ولاية شارَزور كانت تشمل كوردستان بأكملها ما عدا القسم الشرقي منها التي بقي تحت الحكم الفارسي حسب معاهدة أرض روم التي أُبرمت بين الإمبراطورية العثمانية والصفوية في عام 1639. تم تقسيم الجزء الذي كان تابعاً للإمبراطورية العثمانية من كوردستان، حسب إتفاقية سايكس - پيكو، بين كل من العراق وسوريا وتركيا و بذلك أصبحت كوردستان مقسمة الى أربع أقسام وكل قسم يتبع احدى الدول الأربع التي مر ذكرها. أما ولاية البصرة، فكانت تشمل جنوب العراق والكويت ونجد وقطر والإحساء والقطيف وديزفول، حيث أُعطيت نجد والإحساء والقطيف للمملكة العربية السعودية وديزفول تمّ ضمها من قِبل إيران.


56
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم  (38) – أسلاف الكورد: الميديون

ميديا بعد سقوط إمبراطوريتها (6)


د. مهدي كاكه يي

أصبحت كوردستان تؤلف جزء من الأمبراطوريات التي تعاقبت بعد إحتلال بابل من قِبل الأسكندر المكدوني. قام الملك السلوقي أنطيوخيوس السابع (حكم من 138 ق.م - 129 ق.م) بآخر حملة كبيرة له على ميديا، إلا أنه تمّ  إندحار قواته وكانت بمثابة كارثة كبيرة للإغريق في الشرق وللوجود الهيليني في بلاد ما بين النهرَين1.

في سنة 36 قبل الميلاد دخلت كوردستان في حكم القائد الروماني (مارك أنتوني) الذي كان في صراع مستمر مع الأشكانيين، والذي إنتهى بإندحار الجيش الروماني وإغتنام الأشكانيين لكثير من الأموال والعتاد والذخيرة الرومانية. كانت ( ميديا الأتروپاتية) في هذا الوقت مستقلة تماماً.

بعد فترة من الزمن هاجم الملك الأشكاني بِجيش كبير على ( ميديا الآتروپاتية) فقضى عليها بعد معارك دامية وتمّ أسر ملكها وإستولى أيضاً على أرمينيا، حيث أنه نصّب أحد أقاربه ملكاً عليها2. في سنة 1 قبل الميلاد عقدت الحكومة الأشكانية معاهدة مع حكومة روما تنازلت بموجبها عن مقاطعتَي أرمينيا و كوردستان لِحكومة روما.

في بداية القرن الأول الميلادي، نتيجة خلافات داخلية، تم قتل عدد من ملوك الأشكانيين. لهذا السبب طلب الأشكانيون من الروم أن يُعيّنوا أحد إخوة الملِك السابق ملِكاً للدولة الأشكانية، إلا أنه بعد تعيين هذا الملِك بفترة، تندّم الأشكانيون على إختيار ذلك الملك الرومي، حيث كان هذا الملِك يجهل تماماً العادات والتقاليد التي كانت سائدة في بلادهم وكان هذا الملِك غير مؤهّل لِحُكم الأشكانيين، حيث كان متغطرساً ويتعامل مع الناس بإستعلاء. لذلك في سنة 16 الميلادية، قدِم الملِك الميدي (آرتابانوس Artabanus) مع جيش ميدي الى العاصمة الأشكانية، ففرّ الملِك الأشكاني (ڤونونيس Vonones) وطلب الأشكانيون من (آرتابانوس) أن يصبح ملِكاً عليهم.

السُلالة الميدية الحاكمة (سُلالة آترپات) حكمت مملكة ميديا لقرون عديدة كمملكة مستقلة أو تابعة للسلوقيين ومن ثم للأرخميديين الذين إرتبطوا معهم بصلة القرابة عن طريق الزواجa. السلالة الميدية أصبحت العائلة الأرخميدية الحاكمة الجديدة من خلال زواج وريثة العائلة الأرخميدية من وريث العائلة الآتروپاتية. اليونانيون أطلقوا إسم (آتروپاتيني الميدية) أو (آتروپاتيني)، على الجزء الذي كان يحكمه (آترپات) من ميديا، بينما أطلق الأرخميديون عليه إسم (آتيورپاتاكان) وأطلق الساسانيون الذين حكموا بعد الأرخميديين نفس الإسم على ميديا آتروپات. هذا الإسم أصبح فيما بعد (أذربايجان).

آخر ذكر للحُكم الميدي في المصادر التاريخية، تمّ في نهاية القرن الثالث الميلادي، حيث أنه مذكور في سجل أعمال الملك (أردشير پاپەگان) المكتوب باللغة الپهلوية في القرن السادس الميلادي. في السجل يتم الحديث عن أول حرب قام بها (أردشير پاپەگان) في القرن الثالث الميلادي التي حصلت ضد ملِك ميدي، حيث يقول:  بعد أن قام الملك الساساني (أردشير) بقتل الملك الأشكاني (أردوان الخامس)، قام بِجمع جيش كبير في منطقة (زابول) وذهب لمقاتلة الملك الميدي الكوردي3. في البداية هُزم جيش الملك أردشير أمام جيش ملِك ميديا، إلا أنه بعد هذه الهزيمة، قام أردشير بتنظيم جيش أكبر وأقوى والذي به هاجم الميديين وإستطاع أسر الملك الميدي وأفراد عائلتهb.


على الأرجح أن إسم مدينة (المدائن) متأتي من الإسم "ماديان" و الذي يعني باللغة الكوردية "ماديون أو ميديون" الذين هم أسلاف الكورد، حيث تم تحويره من قِبل العرب الى "المدائن" و أطلق الفرس عليها إسم "تيسفون".


المصادر

1. (زينفون (1978). ساثيو بيدي لاسبيلاس. باريس، فرنسا، صفحة 241.

2. دياكونوف (1998). ميديا. ترجمة وهيبة شوكت، دمشق، الناشر محمود أيوب،  صفحة 173.

3. توفيق وهبي بك (2006). الآثار الكاملة. إعداد: رفيق صالح، سليمانية، كوردستان، صفحة 17.


المراجع

a. Schippmann, K. (1989), "Azerbaijan III: Pre-Islamic History", Encyclopaedia Iranica 3.1, London: Routledge & Kegan Paul.

b. Farrokh, Kaveh (2007). Shadows in the Desert: Ancient Persiaat War. Osprey Publishing, USA.



57

نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم  (37) – أسلاف الكورد: الميديون

ميديا بعد سقوط إمبراطوريتها (5)


د. مهدي كاكه يي
 

كانت (آتروپاتين) البلد الواقع في غرب آسيا، أقل تأثراً بالحضارة الإغريقية من جميع البلدان الأخرى. لا توجد حتى قطعة نقدية واحدة مسكوكة لِحُكام (آتروپاتين)، لكن يرى الباحثون المعاصرون بأن (آتروپاتين) كانت مكاناً خاصاً للديانة الزردشتية، ويستندون الى حد ما على الإتيمولوجيا الشعبية للإسم وعلى التقاليد الزردشتية (إسم "آتروپاتين" يعني "بلاد عبادة النار")، بما في ذلك التقاليد فيما يتعلق مسقط رأس زردشت، وذلك الى حد ما بسبب الظاهرة الطبيعية للهيب النيران المنبعثة من شقوق الصخور الموجودة في جميع أنحاء مناطق (آتروپاتين) (إتيمولوجيا هي عِلم متخصص في مجال أصل الكلمات وتاريخها). قد يكون الملوك الميديون بلا شك قد إعتنقوا الديانة الزردشتية، إلا أنه لم تكن العقيدة الزردشتية عميقة الجذور بين رعايا الإمبراطورية الأخمينية وكان الدين اليزداني سائداً بينهم.

ظل جنوب ميديا كمقاطعة من الإمبراطورية السلوقية لمدة قرن ونصف، وإنتشرت الهيلينية في المنطقة. كانت ميديا محاطة بالمدن اليونانية في كل مكان، وفقاً لِخطة الأسكندر المكدوني لحمايتها من الممالك المجاورة، حسب كلام (پوليبيوس Polybius)a. مدينة إكباتانا كانت المدينة الوحيدة التي حافظت على طابعها القديم. (سلوقس الأول نيكاتور Seleucus I Nicator)، الذي كان قائداً عسكرياً في جيش الأسكندر المكدوني، قام بتغييرإسم  مدينة (رَي Rhagae) الى (يوروپوس Europus). بالإضافة الى هذه المدينة، يذكر سترابو  أسماء مدن (لاوديسيا Laodicea) و (أپاميا هيراكليا Apamea Heraclea) أو (أچايس Achais)b. تم بناء معظم  هذه المدن من قِبل (سلوقس الأول Seleucus I)  وإبنه (أنتيوچس الأول Antiochus I).

في سنة 221 قبل الميلاد، حاول حاكم ميديا (مولون Molon) أن يجعل مملكته مستقلة (توجد عملات برونزية بإسمه مع لقبه الملِكي)، جنباً إلى جنب مع شقيقه أسكندر، حاكم (پيرسيس Persis)، إلا أنهم هُزِموا أمام جيش (أنتيوچس الكبير Antiochus the Great) وبعد هزيمته إنتحر (مولون). بنفس الطريقة، أصبح الحاكم الميدي (تيمارچس Timarchus) ملِكاً وقام  بِغزو بابل. في النقود التي سكّها، يُسمّي نفسه الملِك العظيم (تيمارچس)، إلا أنه مرة أخرى نجح الملك (ديمتريوس الأول Demetrius I)، في إخضاع ميديا وتمّ قتل (تيمارچس). مع بدأ حُكم (ديمتريوس الأول)، حلّ إنهيار الإمبراطورية السلوقية، والذي نتج في المقام الأول عن دسائس الرومان، وبعد ذلك بوقت قصير، في حوالي سنة 150 قبل الميلاد، قام الملك الپارثي (ميثراداتس الأول Mithradates I)  بِغزو ميدياc.

منذ ذلك الوقت ظلت ميديا تخضع للأشكانيين (الپارثيين) الذين غيّروا إسم (رَي  Rhagae)، أو (يوروپوس Europos)، إلى (أرساسيا Arsacia)t، وقاموا بتقسيم البلاد إلى خمسة أقاليم صغيرة (Isidorus Charac). في سنة 226 م، أصبحت هذه الأقاليم بالإضافة الى (آتروپاتين) تحت حُكم الساسانيين. قام الساسانيون بإحياء الديانة الزردشتية بالإكراه في كل مكان، ثم أصبحت (آتروپاتين) المركز الرئيسي لِعبادة النار، وبُنيت فيها العديد من معابد النار وأصبحت (رَي) أكثر المدن المقدسة للإمبراطورية الساسانية ومقراً لرئيس الهيئة الدينية الزردشتية و لِآڤيستا الساسانية وتقاليد معتنقي الديانة الزردشتية ولهذا السبب تُعتبر (رَي) موطن عائلة النبي زردشت.

بعد الإحتلال اليوناني للمنطقة، لعب الميديون دوراً فعالاً في الأحداث التي حصلت في المنطقة، حيث إشتركوا في العديد من الحروب التي إندلعت فيها وكانوا يحاولون تقوية سلطتهم وتوسيع مملكتهم. بعد ضعف السلطة اليونانية في المنطقة وإزدياد النفوذ الأشكاني، كان الملوك الميديون يستغلون الخلافات القائمة بين الأشكانيين والروم لتقوية حكمهم وكانوا يُقيمون التحالفات مع القوى الأخرى تبعاً للتغيرات التي كانت تحصل في ميزان القوى في المنطقة.

بعد وفاة الأسكندر المكدوني، تجزأت إمبراطوريته وأصبحت ميديا ضمن المنطقة التي كان يسيطر عليها أحد جنرالات الأسكندر المكدوني والذي كان إسمه (سلوقس Seleucus)، حيث قام بتأسيس السلالة السلوقية. بقيت ميديا تحت الإحتلال السلوقي لمدة 64 سنة (311 – 247 قبل الميلاد). في سنة 250 أو 249 قبل الميلاد، إحتل الأشكانيون بلاد ميديا. في عهد الملك الأرمني (تيگران الثاني) (توفي في سنة 55 أو 54 قبل الميلاد)، كانت ميديا محتلة من قِبل الأرمن، حيث أن الملك الأرمني بنى عاصمته الثانية (تيگران كيرتا) في الأراضي الميديا وهي مدينة (ميافارقين) الحالية1. في الربع الأول من القرن الأول قبل الميلاد أصبحت ميديا ساحة للصراع بين القوى الإقليمية الكبرى الثلاث المتمثلة  بالرومان والأشكان والأرمن، حيث تشكّلت جبهتان متصارعتان، الجبهة الأولى كانت تضم كلاً من الأشكان والأرمن والجبهة الثانية كانت مؤلفة من كل من الرومان والميديين، حيث تمّ إتخاذ مدينة (نصيبين) قاعدة عسكرية رومانية من قِبل القائد الروماني (لوكولس) ومن ثم القائد الروماني پومپَي2. تبعاٌ للتحالف الذي كان قائماً بين الميديين  والرومان، وقف الملِك الميدي أردافست (أرْدَوان) الى جانب القائد الروماني (أنتونيو) في حربه ضد الأشكان والأرمن، لذلك شنّ الملِك الأشكاني فرهاد الرابع والملِك الأرمني أرداشيس الثاني (حكم من سنة 30 الى 20 قبل الميلاد) هجوماً مشتركاً على الأراضي الميدية في المنطقة الواقعة بين تبريز وهمدان وخلال هذا الهجوم إستطاع  الملِك الأرمني أن يقتل الملِك الميدي أردافست. بين سنة 1 – 2 ميلادية سيطر الرومان على أرمينيا وعينوا عليها حاكماً ميدياً إسمه (أريوبازان) و بين سنة 2 – 11 ميلادية حكم أرمينيا شخصاً ميدياً آخراً إسمه أردافست الخامس3.

سلالة آتربات (atropat) حكمت بحزم لمدة خمسة قرون، وتمسكوا بعاداتهم الكوردية القديمة. الميديون في ميديا الصغرى أصبحوا أمة قوية والتي لم تتقهقر أمام جحافل الرومانيين. كان الآتروباتيون يفتخرون بأنفسهم عن جدارة، بعد ان قطعوا أوصال الإمدادات للإمبراطور الروماني (أنتونيو) في سنة 37 قبل الميلاد.

في سنة 220 - 222 قبل الميلاد، حصل ملك ميديا الصغرى( أرتبازان) على أراضي واسعة ليس فقط بإتجاه الجنوب ولكن أيضا بإتجاه الشمال من نهر آىراس. وعقد تحالفاً مع ثوار مرزبان ميديا العظمى (آرشيكوم) ضد السلوقيين. (أرشيكوم) باللغة الكوردية هو "آري شاك" أي "الرجال اﻷريين". الإسم الأرمني "أرتساخ" متأتي من هذا الإسم. في سنة 138 قبل الميلاد، ميديا الصغرى غزاها ملك الپارثيين (ميثراتديس الأول)، (ميثرا دال "إله الشمس ميثرا دال" باللغة الكوردية).

أصبحت كوردستان بعدها تؤلف جزء من الأمبراطوريات التي تعاقبت بعد إحتلال بابل من قِبل الأسكندر المقدوني. قام الملك السلوقي أنطيوخيوس السابع (حكم من 138 ق.م - 129 ق.م) بآخر حملة كبيرة له على ميديا، إلا أنه تمّ  إندحار قواته وكان بمثابة كارثة كبيرة للإغريق في الشرق وللوجود الهيليني في بلاد ما بين النهرَين4. 

يذكر الباحث مهرداد إيزادي بأنه خلال القرن الأول قبل الميلاد كانت هناك ثلاث ممالك كوردية قائمة في آسيا الصغرى وهذه الممالك كانت مملكة (كاپادوكياCappadocia ) ومملكة (كوماجين Commagene) ومملكة (پونتPontus )d. خلال حُكم الملك الكوردي (ميثريدات Mithridates) العظيم (حكم من سنة 120 – 63  قبل الميلاد) ، إمتدّ نفوذ مملكة پونت من اليونان إلى جنوبي أُوكرانيا. كان ملوك مملكة (پونت) يحملون لقب ميثريدات. تمّ إسقاط هذه الممالك الثلاث من قِبل الرومان. في حديثه عن وقائع القرن الأول قبل الميلاد، يذكر المؤرخ اليوناني (پلوتارچ Plutarchus ) (120 – 40 م) أن زوجة الملك الكوردي (ميثريدات Mithridates) ملك مملكة (پونت Pontain) كانت تقود وحدة عسكرية وتقاتل إلى جانب زوجها ضد القائد الروماني (پومپَى Pompey) (106 – 64 ق.م) الذي كان يحاول غزو مملكة (پونت)d.

المصادر

1. أرشاك سافراستيان (2008). الكرد وكردستان. ترجمة الدكتور أحمد محمود الخليل، االطبعة الثانية، صفحة 48.

2. مروان المدوّر (1982). الأرمن عبر التاريخ. دار مكتبة الحياة، صفحة 155 – 157.

3. المصدر السابق، صفحة 158 – 162.


4. (زينفون (1978). ساثيو بيدي لاسبيلاس. پاريس، فرنسا، صفحة 241.


المراجع

a. Polybius x. 27.

b. Strabo xi. 524.

c. Justin xli. 6.

d. Mehrdad R. Izady: The Kurds :A Concise History And Fact Book. First Edition, page 194.

 


أرمينيا في ظل الملك الأرمني تيگرانا




أسكندر المكدوني









 

  محاربون ميديون







 مملكة آتروپاتينا







  أسكندر المكدوني في معركة ضد الملك الأخميني دارا الثالث

58
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم  (36) – أسلاف الكورد: الميديون

ميديا بعد سقوط إمبراطوريتها (4)


د. مهدي كاكه يي

 
 
في خريف وشتاء سنة 324 أو 323 قبل الميلاد، إستضاف (آترپات) في مدينة إكباتانا الأسكندر المكدوني و أحد أقرب أصدقاء الأسكندر الذي كان إسمه (هيفايستيون Hephaestion) والذي كان الشخص الثاني في القيادة. يذكر بعض المصادر أن (آترپات) عرض على الأسكندر تقديم هدية ثمينة له والتي كانت عبارة عن مائة مُحارِبة (أمازونيات)، إلا أن (آريان Arrian) ينفي حصول هذا الشئa. الملك المكدوني ربما إحتاج للترفيه عن نفسه لأن صديقه المقرّب (هيفايستيون Hephaestion) قد توفي بعد وصوله الى مدينة إكباتانا بفترة قصيرة. لاحقاً، بعد 8 أشهر، مات الأسكندر وذلك في شهر يونيو/حزيران من سنة 323 قبل الميلاد.

بعد وفاة الأسكندر المكدوني، أصبح صهر (آترپات) الذي كان إسمه (پيرديكاس) وصياً على العرش للأخ غير الشقيق للأسكندر المكدوني الذي كان إسمه (فيليپ الثالث). بعد تقسيم بابل، قام القادة المكدونيون بتقسيم المقاطعات خلال المؤتمر الذي تم عقده في (تريپاراديسوس Triparadisus) وذلك في سنة 323 قبل الميلاد. تم تقسيم ميديا، حيث مُنِح القسم الجنوب الشرقي الذي كان يُشكل الجزء الأكبر من ميديا الى شخص مكدوني إسمه (پيثون Peithon) والذي كان جنرالاً في جيش (پيرديكاس) وهذا القسم كان يسيطر على الطريق الرابط بين الغرب والشرق، بينما إحتفظ (آترپات) بالقسم الشمال الغربي من ميديا كمملكة له والذي كان يقع حول حوض نهر آراس، حيث أن (آترپات) رفض الولاء لخلفاء الأسكندر المكدوني، فأسس مملكة مستقلة وحصر الحُكم في عائلته. كانت (ميديا الأتروپاتية) بلداً عظيماً نظراً للقوة العسكرية الكبيرة التي كانت تملكها، حيث كان الجيش الميدي مؤلفاً من عشرة آلاف فارس و أربعين ألف مشاة.

تمّ قتل (پيرديكاس)، الذي كان صهر (آترپات)، من قِبل (پيثون) في صيف سنة 320 قبل الميلاد.

كان (آترپات) الحاكم الوحيد الذي تمكن من الإحتفاظ بِحُكمه، كما كان الحال في عهد أسكندر وبعد وفاته، ومع ذلك ظلت أراضي واسعة من كوردستان مثل آسيا الصغرى وبلاد ما بين النهرَين (ميزوپوتاميا) وجنوب ميديا، بما فيها (لورستان) و (أفرومان) وقسم من (أردلان)، تحت سيطرة الغزاة المكدونيين، حيث أنهم أنشأوا هناك مستوطانات إغريقية (يونانية). حكم (آترپات) فقط شمال ميديا، من ضمنها المنطقة الواقعة حول بحيرة (أورميه) و شمال مدينة (إكباتانا) والمناطق الواقعة على جانبَي نهر آراس. هكذا تمخضت عن فترة حكم الأسكندر المكدوني قيام دولة (آتروپاتينا) في جنوب آذربايجان وقيام دولة ألبانيا في الشمال.

أصبح جنوب ميديا مع إكباتانا تحت حُكم (أنتيگونوس Antigonus) وثم أصبحت تحت حُكم سلوقس الأول في حوالي سنة 310 قبل الميلاد، بينما حافظ (أترپات) على حُكمه ونجح في المحافظة على إستقلالية مملكته.

هذا هو آخر الأخبار عن (آترپات) في المصادر اليونانية. لم يتم ذكره في تأريخ حروب الممالك الهيلينية (ديادوچي Diadochi) التي تم إنشاؤها على أنقاض الإمبراطورية المكدونية بعد وفاة الأسكندر المكدوني. من خلال الأحداث يتبين أن (آترپات) توفي بعد سنة 320 قبل الميلاد. على كل حال فأن إسم (آترپات) يظل باقياً في إسم (آذربايجان) التي هي في الوقت الحاضر مقاطعة تقع في شمال إيران الحالية.

ليست هناك معلومات عن الوظائف التي شغلها (آترپات) في سنّه المبكر، إلا أنه من المؤكد أن والدَيه كانا من مُعتنقي الديانة اليزدانية. يمكن الإستدلال من إسمه الذي يعني (حامي النار)، على أنه كان أحد أبناء اليزدانيين. من الجدير بالذكر أن النار مقدسة في الديانة اليزدانية التي سبقت الديانة الزردشتية بفترة زمنية طويلة، وأن الديانة الزردشتية إقتبست الكثير من فلسفتها وطقوسها من الديانة اليزدانية، ومنها تقديس النار، إلا أن الكثير من المؤرخين والباحثين يجهلون أو يتجاهلون الديانة اليزدانية التي كانت الدين الرسمي للإمبراطورية الميدية وينسبون كل ما له علاقة بعبادة وتقديس النار الى الديانة الزردشتية. من المرجح جداً أن عائلة (آترپات) كانت غنية وذات نفوذ كبيرة، حيث أن إبن العائلة كان حاكماً لميديا.
 
يذكر المؤرخ اليوناني (بوليبيوس) بأن عاصمة ميديا الآتروپاتية في ذلك الوقت كانت مدينة (گازاكا) الواقعة في منتصف الطريق بين مدينة (إكباتانا) و(أرمافير) على نهر آراس. إمتدت مملكة (آترپات) من بحر قزوين الى منابع (ريوبي العليا) الذي هو نهر(فاسيسا) الواقع في جمهورية جورجيا الحالية، حيث كان من المقرر أن تشمل أيضاً (أرارات) و(إفيريا)1.

تقع عاصمة (أتروپاتين)، (گازاكا)، في السهل الأوسط. تمّ إكتشاف قلعتها (فرآسپا Phraaspa)، على نهر آراس من قِبل علماء الآثار في أبريل/نيسان 2005. كان الملوك الميديون لهم جيش قوي ومولعون بالفنون الحربية، خاصةً في سلاح الفرسانb، c. مع ذلك، في سنة 220 قبل الميلاد، تمّ إجبار الملك الميدي (أرتابازانيس Artabazanes) من قِبل (أنتيوچس الكبير Antiochus the Great) على إبرام معاهدة مجحفةb. في الأوقات اللاحقة، أصبح الحكام الميديون يعتمدون بدورهم على الپارثيين، وعلى الملِك الأرميني (تيگران Tigranes). في عهد (پومپَي Pompey) الذي هزم ملِكهم (داريوس)d، إعتمد الملوك الميديون على (أنتونيو Antonius) الذي غزا آتروپاتين و على ملِك روما (أوغسطس Augustus). في زمن سترابو (سنة 17 ميلادية)، كانت السلالة الملكية الميدية لا تزال باقية.


المصادر

1. تاريخ العالم القديم. موسكو، 2000، صفحة 389.


المراجع


a. The Anabasis of Alexander; or, The history of the wars and conquests of Alexander the Great. Literally translated, with a commentary, from the Greek of Arrian, the Nicomedian, Published 1884.
 
b. Polybius v. 55.

c. Strabo xi. 253.

d. Appian, Mithr. 108.






 

الملك الميدي آترپات


خارطة آتروپاتينا




نقود مملكة آتروپاتينا


 

نقود مملكة آتروپاتينا



الإمبراطورية الأخمينية في أوج عظمتها


 
نقوش رومانية




خارطة الإمبراطورية الميدية



موقع مملكة آتروپاتينا



فرسان ميديين

59
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم  (35) – أسلاف الكورد: الميديون

ميديا بعد سقوط إمبراطوريتها (3)


د. مهدي كاكه يي


عندما توجّه الأسكندر المكدوني الى المنطقة لإسقاط الدولة الفارسية، كان الملك الميدي (آتَرپات) يحكم جزءاً من كوردستان. المصادر التأريخية تذكر بأنه في خريف عام 333 قبل الميلاد، هزم (أسكندر المكدوني) جيشاً ضخماً للملك الفارسي (دارا الثالث) في معركة (إسسوس). هرب (دارا الثالث) الى بابل، وبدأ في جمع جيش جديد. وصل القائد الكوردي (آترپات) إلى بابل مع وحدة عسكرية تم تشكيلها في ميديا. إختار (دارا) قرية كوردية إسمها (گاوگامیلا Gaugamela) الواقعة قرب مدينة أربيل مقراً لجيشه. في 1 تشرين الأول/أكتوبر سنة 332 قبل الميلاد، حدثت معركة كبرى في هذه القرية بين الأخمينيين والمكدونيين والتي حددت مصير آسيا الصغرى عبر قرون عديدة وسُميّت هذه المعركة بإسم هذه القرية. إشتركت ميديا، تحت قيادة الملِك (آترپات) في معركة (گاوگامیلا Gaugamela) التي دارت بين الملِك الأخميني (دارا الثالث) والأسكندر المكدوني. في هذه المعركة، كان (آترپات) قائداً عسكرياً للجناح الأيمن من الجيش الأخميني والذي كان يُشكّل الوحدات العسكرية المهمة جداً في هذا الجيش. شارك الكادوشيون والألبان والسكيثيون الذين كانوا من سكان آذربايجان، مع الميديين تحت قيادة (آترپات) في هذه المعركة. قاد حاكم مقاطعة باكتريا (بيسوس Bessus) الجناح الأيسر من الجيش الأخميني في هذه المعركةa. نتيجة الضغط الذي تعرض له (دارا الثالث) من قِبل (أسكندر المكدوني)، ﻻذ (دارا) بالفرار، وبعد ذلك ﻻذ الجيش الفارسي أيضاً بالفرار. قاتل (آترپات) ومعه الكورد الخيالة (الفرسان) في هذه المعركة و حقق نجاحاً، حيث إستطاع فرسان (آترپات) الوصول الى مؤخرة الجيش المكدوني وقاموا بِنهب أمتعتهم، إلا أن هروب (دارا) حدّد نتيجة المعركة، حيث بقيت قوات (آترپات) تواجه القوات المكدونية لوحدها. بعد إختراق فرسان (آترپات) لمؤخرة الجيش المكدوني، تراجعت القوات الميدية الى عُمق ميديا. كان جيش (آترپات) يتألف أيضاً من الخيالة النسائية (أمازونيات Amazones).

بعد هزيمة الجيش الأخميني أمام الجيش المكدوني، أصبحت الإمبراطورية الأخمينية عاجزة عن الإستمرار في القتال والمقاومة، فهرب الملِك الأخميني (دارا الثالث) الى العاصمة الميدية (إكباتانا) (مدينة همدان الحالية)، حيث أنه أصبح في ضيافة الملِك الميدي (آترپات). حاول (دارا) تشكيل جيش جديد، لكن هذا الجيش لم يكن جاهزاً عندما إقتربت قوات الأسكندر المكدوني من عاصمة الإمبراطورية الأخمينية، (پيرسیپولیس) التي تم تدميرها من قِبل الأسكندر المكدوني في شهر حزيران/يونيو من سنة 330 قبل الميلاد. إضطر الملك الأخميني أن يهرب من مدينة (إكباتانا) الى الشرق. بعد مرور شهر على هروبه، تمّ قتله من قِبل (بيسوس) حاكم مقاطعة باكترياa، b.  بعد أن إستطاعت قوات أسكندر المكدوني من دحر قوات (بيسوس) التي كانت متمركزة في باكتريا، إستسلم كبار قادة الفرس والكورد الواحد تلو الآخر لقوات أسكندر. من بين القادة المستسلمين كان الملِك الميدي (آترپات). قام أسكندر بِالإطاحة بِحُكم (آترپات) وإختار رجلاً ميدياً إسمه (أوكسيداتس Oxydates) حاكماً على ميديا، إلا أنه في سنة 328 أو 327 قبل الميلاد، بعد أن شكّ الأسكندر في ولاء (أوكسيداتس) له، تمت إعادة تعيين (آترپات) في منصبه السابق كحاكم لِميديا لأن الأسكندر المكدوني أراد أن يكون هذا النبيل الأصيل الى جانبه.

هكذا أنهت معركة (گاوگامیلا) حُكم الفرس الأخميينين التي دامت حوالي 220 سنة. بقي قسم من كوردستان متمتعاً بإستقلاليته، حيث أن المقاطعة الميدية التي حكمهما (آتَرپات)، إحتفظت بإسمها ك(ميديا الآترپاتية) وحافظت على إستقلالها. في البداية كانت (ميديا الآترپاتية) تحت الحكم اليوناني، إلا أنه بعد فترة قصيرة إستطاع (آتَرپات) أن يستقل بمقاطعته وأصبح ملِكاً لهاc.

بعد النصر الذي أحرزته قوات (أسكندر المكدوني)، إتجهت هذه القوات الى العاصمة الميدية (إكباتانا)، وفي طريقها إحتلت مدينة (أوش كاني). لقد تمّ حرق ونهب عاصمة بلاد فارس (پاسارگادَي Pasargadae). أصبحت مدينة إكباتانا (همدان الحالية) العاصمة للدولة الجديدة.

كانت مدينة (إكباتانا) الجسر الذي يربط بين ميزوپوتاميا والبحر الأبيض المتوسط والحكام الشرقيين، حيث كان الأسكندر المكدوني يخطط للقيام بحملة عسكرية في الشرق ولذلك كان من المهم له أن يكون حاكم ميديا شخصاً يمكن الإعتماد عليه. كان (آترپات) في الواقع شخصاً يمكن الإعتماد عليه. عندما تم قتل (پارمینیون Parmenion) في مدينة (إكباتانا) الذي كان اليد اليمنى للأسكندر المكدوني، تمكن (آترپات) من المحافظة على أمن وإستقرار البلاد. في سنة 324 قبل الميلاد قام (آترپات) بإعتقال رجل متمرد إسمه (بارياكسيس Baryaxes) الذي إدعى بأنه ملك الميديين والفرس وقام بتسليمه الى الأسكندر المكدوني عندما قام بزيارة العاصمة الدينية لبلاد فارس، (پاسارگادَي Pasargadae)1. هذا أدى الى زيادة إحترام وتقدير (الأسكندر) ل(آترپات) بشكل كبير الى درجة أنه بعد وقت قصير تم تزويج جوتاپا (Jotapa)، إبنة الملِك الميدي (آترپات)، من (پيرديكاس Perdiccas) الذي كان أهم جنرال مُقرّب للأسكندر المكدوني والشخص الثاني في المرتبة بعد القيصر في الإمبراطورية المكدونية، حيث تمت إقامة حفلة زواج كبيرة في مدينة (سوسه) في فبراير/ شباط 324 قبل الميلاد. هذا الزواج كان يهدف الى تقوية التحالف المكدوني – الميدي.
 
المصادر

1. دياكونوف (1998). ميديا. ترجمة وهيبة شوكت، دمشق، الناشر محمود أيوب، صفحة 416.


المراجع.

a. Heckel, Waldemar (2008). "Who's Who in the Age of Alexander the Great": 67–73. doi:10.1002/9780470757604.ch2.1waw.

b. Gershevitch, Ilya; William Bayne Fisher; J.A. Boyle The Cambridge History of Iran, Volume 2 Cambridge University Press 1985 ISBN 978-0-521-20091-2 p.449.

c. Gmirkin, Russell E. (2006). Berossus And Genesis, Manetho And Exodus: Hellenistic Histories And the Date of the Pentateuch, T & T Clark International, New York, USA, page 153.


60
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم  (34) – أسلاف الكورد: الميديون

ميديا بعد سقوط إمبراطوريتها (2)


د. مهدي كاكه يي

يُرجع بعض الباحثين تسمية (آذربايجان) إلى إسم الملك الميدي (آتَرپات) والذي يذكره اليونانيون بإسم (آتَروپاتيس)a، b، c، d، e.

رافق الجغرافي والمؤرخ اليوناني (سترابو) (مولود في سنة 63 أو 64 ميلادية) الحملة الرومانية بقيادة (يوليوس جالوس Julius Jalus)، وقام بزيارة بلاد ما بين النهرَين أثناء حكم (أوگوست August) (26 قبل الميلاد – 14 ميلادي). قدّم (سترابو) وصفاً لبلاد ما بين النهرَين في كتابه السادس عشرi، كما تحدث عن الكورد في مصنفه الجغرافي وأطلق عليهم إسم (Kyrtioi).
 
يذكر (سترابو) في "جغرافيته"، بأنه تم تقسيم ميديا الى قسمَين، أحدهما كان يُسمى (ميديا العظمى) والثاني (ميديا الأتروپاتية) التي أخذت إسمها من إسم الملِك الميدي (آترپات) والذي لم يسمح أن تخضع بلاده للمكدونيين، كما حصل لميديا العظمى. في الوثائق التاريخية اللاحقة تمّ ذكر هذه البلاد بإسم "ميديا الصغرى Medes Minor " و "ميديا الآتروپاتية  Atropatenian Medes " و "آتروپاتينا الميدية Medes-Atropatena".

كما أن بعض الباحثين يقولون بأن أصل إسم (آذربايجان) يرجع الى الديانة الزردشتية. في الكتاب الزردشتي، آڤيستا، تحتوي (فراواردين يشت) التي تعني "ترنيمة إلى الملائكة الحامية"، على الجملة "أتريباتاه فرافاشيم أتريباتاه يازامايدي أشاونو"، والتي تعني "نعبد فرافاشي من أتاري- باتا المقدسة"j. الإسم "أتروپات" هو الترجمة الحرفية اليونانية لِلعبارة الميدية "محمية بالنار المقدسة".

(آترپات) هو إسم هذا الملك باللغة الميدية والذي يصبح (آتَرپاس أو آگرپاس) في اللغة الكوردية الحالية والذي يعني (حماية النار). كلمة (آتَر أو آگر) التي تعني بالكوردية (نار) هي نفسها باللغة الميدية، وكان الميديون يكتبونها (آتر).

هكذا فأن معظم الباحثين يرون أن إسم (آذربايجان) متأتٍ من إسم الملك الميدي (آتَرپات)، حيث كان اليونانيون يطلقون على (آذربايجان) الحالية إسم (آتروپاتیان). لهذا السبب فأن هذا الإسم اليوناني لآذربايجان ينتهي بِ (يان) التي تعني باللغتَين الهورية والكوردية (بلاد أو منطقة) وهكذا يعني (آتروپاتیان) (بلاد آترپات)، أي بلاد الملك الميدي (آتَرپات) الذي كان اليونانيون يُسمّونه (آتَروپاتيس). الإسم اليوناني لآذربايجان الذي هو (آتروپاتیان) يتألف من ثلاث كلمات كوردية، وهي (آدر أو آتَر) التي تعني (نار) وكلمة (پاس) التي تعني (حراسة أو حماية) والكلمة الثالثة (يان) التي تعني (بلاد) وبذلك فأن الإسم (آتروپاتیان) يعني (بلاد حماية النار). لقد تمّ تحوير إسم (آتروپاتیان) الى (آذربايجان) من قِبل العرب وبذلك إختفى الإسم الكوردي لها. هكذا يعني إسم (أذربايجان) (بلاد حماية النار) والتي تحورت من قِبل العرب الى (أذربيجان) لتسهيل تلفظها عند العرب، حيث أن اللغة العربية تفتقد لحروف مثل (گ) و (پ) و (چ) و (ژ) و لا يستطيع العرب تلفظ مثل هذه الحروف التي كانت موجودة في الإسم الأصلي ل(آذربايجان).

من الصعب رسم صورة كاملة لآذربايجان في عهد الأسكندر المكدوني. على كل حال هناك بعض الأدلة التي تساعدنا في الحصول على بعض الحقائق حول هذا الموضوع. المصادر التأريخية تذكر بأن (آترپات) شارك الى جانب الأخمينيين ضد المكدونيين في كلٍ من معركة (إسسوس) التي جرت في سنة 333 قبل الميلاد و في معركة (گاوگامیلا Gaugamela) التي حصلت في سنة 332 قبل الميلاد وكان يقود جيشاً ميدياً كبيراً في هاتين المعركتَين. هذا يعني بأن (آترپات) كان حليفاً للمملكة الأخمينية خلال غزو (الأسكندر المكدوني) لهذه المملكة. كما أن هذه المساهمة الكبيرة تشير الى أن ميديا كانت مملكة قوية من الناحية العسكرية، حيث أن الملك الأخميني (داريوس الثالث) إلتجأ الى (آترپات) بعد هزيمته أمام الجيش المكدوني في معركة (إسسوس) وطلب من (آترپات) تقديم مساعدة عسكرية له لمواجهة الغزو المكدوني والذي لبّى طلبه1.


المصادر

1. دياكونوف (1998). ميديا. ترجمة وهيبة شوكت، دمشق، الناشر محمود أيوب، صفحة 415.

المراجع

a. Schippmann, K. (1989), "Azerbaijan III: Pre-Islamic History", Encyclopaedia Iranica 3.1, London: Routledge & Kegan Paul.
   
b. Houtsma, M. Th. (1993). First Encyclopaedia of Islam 1913–1936 (reprint ed.). BRILL. ISBN 978-90-04-09796-4.

c. de Planhol, X. (1989), "Azerbaijan I: Geography", Encyclopaedia Iranica 3.1, London: Routledge & Kegan Paul.

d. Minorsky, V.; Minorsky, V. (2007). "Ādharbaydjān (Azarbāydjān)." Encyclopaedia of Islam. Edited by: P.Bearman, Th. Bianquis, C.E. Bosworth, E. van Donzel and W.P. Heinrichs. Brill, Brill Online. EncIslam.brill.nl.

e. Encyclopedia Iranica, "Azerbaijan: Pre-Islamic History", K. Shippmann.
















61
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم  (33) – أسلاف الكورد: الميديون

ميديا بعد سقوط إمبراطوريتها (1)


د. مهدي كاكه يي

يذكر المؤرخ (حسن پيرنيا) بأن العشائر الكوردوخية (الكوردية) إحتفظت بإستقلالها في جميع أدوار التاريخ، حيث أنها كانت مستقلة في عهد الحكومات الكيانية والمكدونية والأشكانية والعربية والتركية1.

تمّ ذكر الكوردوخيين في كتاب (أناباسيس Anabasis) لمؤلفه المؤرخ والفيلسوف والقائد اليوناني (زينفون Xenophon) (430 – 355 قبل الميلاد)a. يذكر (زينفون) في كتابه المذكور بأنه في سنة 401 قبل الميلاد أي بعد سقوط الإمبراطورية الميدية بـ(49) سنة، نشب صراع بين الملِك (أردشير الثاني) وأخيه (كورش)، فإستعان كورش بِجيش من مرتزقة يونانيين وإندلعت المعارك بين الجانبَين المتخاصِمَين في موقعة (كونكاس) شمال غرب بابل، حيث لقى (كورش) مصرعه في هذه المعركة. كان يتوجب على الجيش اليوناني بقيادة (زينفون) أن يعود التقهقري إلى بلاد الإغريق عبر أرمينيا2. سلك المرتزقة اليونانيون مجرى نهر الفرات، متجهين نحو منبعه. عبر المرتزقة اليونانيون جبال كوردستان وأرمينيا، متّجهين نحو البحر الأسود. إستغرق عبورهم لِجبال كوردستان سبعة أيام والذي واجهوا خلالها الأهوال، حيث أنهم بعد عبورهم مدينة مسبيلا (مدينة الموصل الحالية) وخرائب نينوى، جوبهوا بمقاومة شديدة من قِبل قوم أشداء يدعون (كوردوخ) {الترجمة الإنكليزية لكتاب (الأناباسيس) يُسميهم (kurds) حيث أن الحرفَين (و) و (خ) في نهاية كلمة (كوردوخ) هما لاحقة الجمع في اللغة اليونانية القديمة، ففي حالة المفرد تصبح الكلمة (كوردوس) أي (الكورد) في اللغة اليونانية الحديثة}. كانت بلاد (الكوردوخ) تمتد آنذاك من مدينة (تبريز) إلى مدينة آمد (ديار بكر) وإلى جنوب بحيرة وان. تكبّد الإغريق في معركتهم خسائر بشرية جسيمة إلى ان وصلوا إلى أرمينيا، أكثر مما ألحقه بهم الملِك الأخميني (أردشير الثاني). يذكر (زينفون) تفاصيل مهمة عن الكوردوخ وكيف أنه سمع من جنوده ان هؤلاء قوم شرسون وقد كبّدوا جيشاً فارسيا تعداده مائة ألف جندي خسائر فادحة حينما حاول هذا الجيش مهاجمة معاقلهم الجبلية وكيف أن هذا الجيش قد أُبيد عن بكرة أبيه. كما أنّه يذكر بأنّ تضاريس بلادهم جبلية وأنهم غير خاضعين لأية دولة أجنبية3.

يرى المؤرخ الإغريقي (تيودورس) أنه من الأفضل إبقاء الكورد في معاقلهم الجبليه بدلاً من إحتلال بلادهم لأن ذلك سيسبب للإمبرطوريات والجيوش التي تحتلها خسائر تفوق ما يمكن تحقيقه من مكاسب. كما يذكر الكاتب الأمريكي (جوناثان راندل) بأنّ أستاذ التاريخ القديم في جامعة كولومبيا الأمريكية (ويليام لين ويسترمان William Linn Westermann) أكد قبل نصف قرن أن بإمكان الكورد الإدعاء بأنهم حافظوا على نقاء عرقهم وحافظوا على السمات الرئيسية لثقافتهم لمدة زمنية أطول مما فعله أي شعب يعيش في أورپا اليوم)4.

مملكة آتروپات الميدية


في ظل الحكم الأخميني، تم تقسيم ميديا إلى قسمين: القسم الجنوبي، الذي كان يشمل إكباتانا و (رَي Rhagae)، الذي غالباً ما كان يُطلق عليه ميديا الأصلية أو ميديا العظمى، والذي شكّل الحاكمية الحادية عشرة في ظل نظام حُكم (داريوس)b. مقاطعات (Paricanians) و (Orthocorybantians)، القسم الشمالي، و مقاطعة (Matiane) مع المناطق الجبلية لِزاگروس ومملكة آشور الأصلية (شرق دجلة)، توحدت مع كل من (Alarodians) و (Saspirians) في شرق أرمينيا، وشكّلت الحاكمية الثامنة عشرc.

عندما إضمحلت الإمبراطورية الأخمينية وإستقلت قبيلة (كادوسي Cadusii) وغيرها من القبائل الجبلية، أصبح شرق أرمينيا حاكمية خاصة، بينما إتحدت منطقة آشور مع ميديا ولهذا السبب  يطلق (زينفون) دائماً على (آشور) إسم (ميديا) في كتابه (أناباسيس Anabasis).

في الثلث الأخير من القرن الرابع قبل الميلاد كان (آترپات) ملِكاً على ميديا الصغرى، حيث أن البلاد تمت تسميتها بإسم "آتورپاتكان Atoorpatkan" أو "آتروپاتينا Atropatena"، حسب الكتابة اليونانية القديمة. هذه البلاد هي مقاطعة آذربايجان الحالية في إيران والتي تقع شمال نهر آراس.


المصادر

1. مشير الدولة، حسن پيرنيا (1921). تاريخ ايران القديم، صفحة 321 (باللغة الفارسية).

2. دياكونوف (1998). ميديا. ترجمة وهيبة شوكت، دمشق، الناشر محمود أيوب، صفحة 36 – 37.

3. باسيلي نيكيتين (2007). الكرد – دراسة سوسيولوجية وتاريخية. ترجمة وتحقيق الدكتور نوري طالباني، الطبعة الثالثة، صفحة 47.

4. جوناثان راندل (1997). أمة في شقاق: دروب كردستان كما سلكتها. ترجمة وتحقيق فادي حمود، الطبعة الأولى، دار النهار للنشر ص34.


المراجع

a. Ancient History Sourcebook: Xenophon: Anabasis, or March Up Country.

b. Herodotus. iii. 92.

c. Herodotus. iii. 94; cf. v. 49, 52, VII. 72.



62
محاولات إيران السيطرة على كركوك والموصل لِإستكمال الهلال الشيعي

د.  مهدي كاكه يي


إيران مستمرة في جهودها لِخلق وحدة جغرافية مترابطة، تضّم الشيعة في منطقة الشرق  الأوسط، والتي هي على شكل هلال، يمتد من إيران، ماراً بالعراق وسوريا وينتهي بِلُبنان. لهذا السبب نرى الدفاع المستميت لإيران عن النظام  السوري وإستقدام قوات عسكرية تابعة لِحزب الله وميليشيات شيعية عراقية للدفاع عن النظام العلوي في سوريا والمحافظة على هذا الجزء المهم من الهلال الشيعي.

أهداف الهلال الشيعي

1. ربط لبنان وسوريا والعراق وإيران والمناطق الشيعية في دول الخليج واليمن وأذربيجان و أفغانستان وباكستان والهند، لتكوين جغرافية شيعية مترابطة، تُشكّل قوة سياسية  وإقتصادية وعسكرية كبرى في المنطقة والعالم، حيث تُقدّر نفوس الشيعة في العالم بِحوالي 400 مليون نسمة، أي ما يعادل ربع نفوس المسلمين في العالم.

2.  منع إستقلال وتحرر كوردستان، بشكل خاص أجزاء كوردستان المحتلة من قِبل إيران والعراق وسوريا.

3. السيطرة على الثروات الطبيعية للدول والمقاطعات ذات الأكثرية الشيعية.

4. قيام الفرس بِقيادة العالم الشيعي وسيطرتهم على المرجعية الدينية في النجف وعلى المراقد الشيعية في العراق وسوريا.

5. الإستحواذ على الكميات الضخمة من  البترول والغاز الطبيعي والمعادن في محافظات كركوك والموصل وديالى (منطقة خانقين) وكذلك في غرب كوردستان.

بالإضافة الى منع قيام دولة كوردستان والسيطرة على الثروة الطبيعية في كل من غرب وجنوب كوردستان، فأنّ من الأسباب الأخرى لإختيار إيران أن يكون جنوب كوردستان ممراً للهلال  الشيعي هي تواجد تجمعات شيعية (تركمانية والشبك) في جنوب كوردستان في المنطقة الممتدة من إيران الى سوريا، حيث تقوم إيران بإستغلال التركمان والشبك في هذه المناطق لتحقيق أهدافها وذلك بالتركيز على العامل الطائفي. المناطق الأخرى من العراق المجاورة لِسوريا يقطنها العرب السُنّة، حيث لا يستطيع الإيرانيون فتح ممر في مثل هذه المناطق التي تحمل سكانها العداء لإيران، سواء في الجانب العراقي أو السوري. كما أن أقصر مسافة بين إيران وسوريا تمر في جنوب كوردستان. سبب آخر لهذا الإختيار هو أنّ جنوب كوردستان يربط  إيران بِمناطق العلويين من خلال إقليم غرب كوردستان المحاذي للمناطق العلوية في سوريا، حيث تستطيع إيران بهذه الطريقة إفشال التجربتَين الكوردستانيتَين في إقليمَي غرب وجنوب كوردستان. وقوع مناطق ديالى الكوردستانية وكركوك تحت نفوذ الإتحاد الوطني الكوردستاني الذي يحكم الجزء المحاذي لإيران من إقليم كوردستان وبذلك تستخدم إيران ضغوطاً على هذا الحزب للتعاون معها والسماح للحرس الثوري الإيراني وميليشيات الحشد الشعبي في العراق، التي تخضع للنفوذ الإيراني وحتى السماح لحزب الله اللبناني إذا تطلّب الأمر ذلك، بالتواجد في مناطق محافظة ديالى وكركوك التي تخضع لِسلطة الإتحاد الوطني الكوردستاني.

يلقى الهلال الشيعي التأييد والدعم من روسيا والصين في المنطقة لترسيخ نفوذها بالمنطقة والحفاظ على مصالحهما فيها و منع إحتكارها من قِبل الولايات المتحدة الأمريكية.

الموقف التركي من الهلال الشيعي موقف صعب وحرج، من جهة فأن المصالح التركية والإيرانية تلتقيان في الإستمرار في إغتصاب كوردستان ومنع تحررها، بينما تتعارض مصالح البلدَين في المنافسة بينهما على النفوذ السياسي والإقتصادي في المنطقة و كذلك في الإنتماء المذهبي  والطائفي، بالإضافة الى العداء التاريخي الذي بينهما والذي يقف عقبة أمام تطبيع العلاقات بين الجانبَين. لِخلق توازن بين الجبهة الشيعية والسُنيّة في المنطقة، تم إنشاء حلف عسكري مؤخراً بقيادة المملكة العربية االسعودية، كما أن تركيا بدأت بإنشاء قاعدة عسكرية في دولة قطر. قد تقدِم تركيا أيضاً على إحتلال أجزاء من محافظة نينوى و مناطق من إقليم غرب كوردستان، لِمنع إستقلال كلٍ من إقليم غرب وجنوب كوردستان وإضعاف السلطة الكوردستانية وكذلك للتصدّي للتمدد الإيراني في المنطقة ومواجهة الخطر الذي يُشكله ظهور الهلال الشيعي على الأمن الوطني التركي.

بالنسبة الى الولايات المتحدة الأمريكية، فأنها قد تقف ضد مشروع الهلال الشيعي الذي قد يهدد مصالحها في منطقة الشرق الأوسط ، إلا أنه من الصعب التكهن بإستراتيجية أمريكا المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط وخاصة بعد الإتفاق المُبرَم مع إيران حول برنامجها النووي. قد تهدف إستراتيجيتها الى خلق توازن في ميزان القوى بين الطرفَين الشيعي بقيادة إيران والسُنّي بقيادة السعودية وتركيا لإستنزاف القوى البشرية والمادية لِدول المنطقة وبعد إنهاك دول المنطقة وإضعافها، القيام بإسقاط إتفاقية سايكس - بيكو ورسم خارطة سياسية جديدة للمنطقة، أو قد تكون إستراتيجية أمريكا تسليط إيران على الحكومات السُنيّة في المنطقة لإضعافها ومن ثمّ تقسيم دول المحور السعودي – التركي وإعادة رسم الخارطة السياسية لهذه الدول وبعد إنجاز هذه المُهمّة، ستنفرد أمريكا بإيران وتقوم بإسقاط حُكم  الملالي وتقسيمها تبعاً لتركيبتها الإثنية. من المرجح أن تكون إستراتيجية إستنزاف الطاقة البشرية والمادية لِدول المنطقة، هي الإستراتيجية الأمريكية، حيث أن إستراتيجية تسليط إيران على دول المنطقة، هي إستراتيجية تحمل مخاطر تحالف إيران وحليفاتها في المنطقة مع روسيا والصين ضد أمريكا والدول الغربية الأخرى، بعد ضعف وتفكك الدول التي تحكمها حكومات سُنيّة مثل تركيا والسعودية. تطبيقات إستراتيجية الإستنزاف جارية الآن في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن ومصر وليببيا وتونس والإستنزاف المكثف للموارد البشرية والمادية والتسليحية لإيران في كلٍ من سوريا والعراق ولبنان والى حد ما في اليمن وكذلك تحطيم الطاقة البشرية والتسليحية لِحزب الله اللبناني في سوريا.

بكل تأكيد تقف إسرائيل بكل قوة ضد ظهور الهلال الشيعي في المنطقة، حيث أنه في هذه الحالة سيجاور دول الهلال إسرائيل من جهة لبنان وسوريا. إسرائيل ستكون العقبة الكبرى أمام نجاح المشروع الإيراني وستستخدم إسرائيل كل الوسائل المتاحة لديها لِمنع قيام الهلال الشيعي الذي يهدد أمنها الوطني. 

الجهود الإيرانية الحثيثة لإستكمال الخارطة السياسية للهلال الشيعي تظهر بوضوح من خلال إيجاد نفوذ قوية في العراق، من خلال الأحزاب السياسية الدينية الشيعية العراقية وإستغلال الحشد الشعبي الذي تأتمر ميليشاته بأوامر قائد فيلق القدس الإيراني السيد قاسم سليماني. بشكل مباشر، عن طريق الحرس الثوري وبشكل غير مباشر، من خلال ميليشيات الحشد الشعبي، بدأت القوات العسكرية الإيرانية بالتمدد داخل إقليم كوردستان بِحجة محاربة المنظمة الإرهابية داعش، بادئةً من مناطق في محافظة ديالى التي تحت سيطرة القوات العراقية و پیشمەرگة الإتحاد الوطني الكوردستاني، ومارةً بِمدينة خورماتو وقرية البشير وستتمدد القوات الإيرانية وحليفاتها من القوات الشيعية العراقية لاحقاً الى كركوك ومنها الى الموصل، مُستغِلةً وجود تجمعات سكانية تركمانية شيعية في هذه المناطق. إنّ لإيران في الوقت الحاضر نفوذ عسكرية في منطقة شنگال من خلال حلفاء لها. كما أن الدعم العسكري الهائل للنظام العلوي في سوريا ولِحزب الله اللبناني، هو حلقة من حلقات إنجاح مشروع الهلال الشيعي في المنطقة.

من الجدير بالذكر أنّ أسلاف الكورد الهوريين (الخوريين) قاموا بِبناء مدينة خورماتو، حيث يذكر المؤرخ البروفيسور كمال مظهر أحمد بأن الهوريين قد بنوا عدة مدن في منطقة كركوك وكانت مدينة خورماتو من أهم هذه المدن. إسم مدينة خورماتو يتألف من كلمتَين هما "خور" أي "الخوريون" وكلمة "ماتو" التي تعني بالأكدية "مدينة" وبذلك فأن "خورماتو" تعني "مدينة الخوريين / الهوريين"1. يقول المؤرخ (سيتون لويد) بأن مدينة خورماتو إحتفظت بإسمها الأصلي الى مطلع القرن التاسع عشر2، حيث بعد ذلك أُضاف العثمانيون إليها كلمة "دوز" التركية التي تعني "ملح" لِتتريك إسم المدينة، فأصبح "دوزخورماتو" و بمرور الوقت تغيّر الإسم الى "طوزخورماتو". كان يظن العثمانيون خطأً أن كلمة "خورماتو" مؤلفة من كلمتّي "خورما" و"تو" الكورديتَين والتي تعنيان "تمر" و"توت" على التوالي ولذلك أضافوا كلمة "دوز" التركية الى إسم المدينة، حيث كانت كوردستان والعراق تحت الحكم العثماني آنذاك.

هذه هي صورة منطقة الشرق الأوسط والتحديات والمخاطر التي تواجهها كوردستان. هذه المخاطر تتطلب وحدة القوى الكوردستانية لحماية الأمن الوطني الكوردستاني الذي يتعرض الى تهديد خطير من قِبل الدول المُغتصِبة لِكوردستان. على القيادات الكوردستانية في جميع أجزاء كوردستان أن تفكر بهذه التحديات بِجدية وأن تتحمل مسؤولياتها الوطنية بأن تترك التناحر والتنافس الكوردي – الكوردي في الوقت الذي تتعرض كوردستان وشعب كوردستان، بما فيها القيادات السياسية الكوردستانية نفسها الى مؤامرات لها عواقب خطيرة وقد تتسبب في دفن  الحلم الكوردستاني في  الحرية والإستقلال. كما أود هنا أيضاً أن أذكّر القيادات السياسية في جنوب وغرب كوردستان بأن لا تكون قصيرة النظر ومغرورة، تفرح بالإنجازات والمكتسبات الوقتية المنجزة، فإذا تبقى القوى السياسية الكوردستانية غير موحدة في مرجعية سياسية مشتركة وتبقى القوات المسلحة الكوردستانية مجرد ميليشيات حزبية، فأنّ كل المكتسبات المتحققة ستختفي وتنهار الإدارتَين في غرب وشمال كوردستان. على هذه القيادات أن تستعيد وعيها الوطني وحسّها الإنساني وتترك أفقها الحزبي الضيق المُدمّر ومصالحها الشخصية والعائلية والعشائرية والحزبية جانباً وأن لا تُعرّض الشعب الكوردستاني العريق الى مزيد من الإبادة والأنفالات والأهوال والمآسي، حيث أنّ هذا الشعب له تاريخ مأساوي طويل، ينزف دماءاً ودموعاً.
 
المصادر

1. الدكتور كمال مظهر أحمد: كركوك وتوابعها - حكم التاريخ والضمير - دراسة وثائقية عن القضية الكردية في العراق، وزارة الثقافة، كوردستان، 2004، صفحة 8.

2. سيتون لويد: بلاد الرافدين. ترجمة الدكتور سامي سعيد الأحمد، دار الرشيد، بغداد، 1980، صفحة 208.






63
آن الأوان لإعلان إستقلال كوردستان

د. مهدي كاكه يي

إقليمياً، تعاني منطقة الشرق الأوسط بشكل عام والدول المُغتصِبة لكوردستان بشكل خاص، من الحروب الأهلية وتعجز حكوماتها عن السيطرة على الأوضاع المنفلتة في دولها وتنتشر الحروب والفوضى فيها. في سوريا، الحرب الأهلية جارية منذ عدة سنوات والقوى الإسلامية الإرهابية تسيطر على أجزاء كبيرة منها وأجزاء كبيرة من إقليم غرب كوردستان تمّ تحريرها وتمّ بناء إدارة كوردستانية فيه ويواجه هذا الإقليم تحدّيات كبيرة المتأتية من الدسائس التركية وتدّخل الحكومة التركية في شؤون الإقليم الداخلية ومحاولتها إفشال هذه التجربة الكوردستانية بشكل مباشر أو من خلال عملائها ومرتزقتها.

يسود الإنفلات الأمني والتناحر السياسي بين مختلف القوى السياسية في العراق، ويستحيل العيش المشترك بين الكورد والعرب الشيعة والعرب السُنّة في ظل كيان سياسي عراقي، بالإضافة الى إنتشار الفساد المالي والإداري فيه. كما أنّ معظم أراضي إقليم جنوب كوردستان متحررة الآن ويتمتع الإقليم بإستقلال شبه تام. من جهة أخرى فأن المنظمة الإرهابية داعش تحتل أراضٍ واسعة من كلٍ من العراق وجنوب كوردستان.

بالنسبة الى تركيا، فأنّ الثورة مندلعة في شمال كوردستان التي تهز الكيان التركي وأن حكومة إسلامية قائمة فيها، تعمل على إلغاء النظام العلماني في تركيا وإحلال نظام إسلامي فيها ويحاول الرئيس التركي بشكل دؤوب أن يغيّر الدستور التركي ليخلق عن طريقه حُكماً دكتاتورياً فردياً. كل هذا يهدد المصالح الغربية والإسرائيلية. كما أنّ تركيا فقدت أهميتها الإستراتيجية للدول الغربية بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي وإنخفاض أهمية النفط للولايات المتحدة الأمريكية بعد إكتشاف النفط فيها بحيث يسد إحتياجات البلاد.

في إيران، يتحكّم الملالي في هذا البلد بالِشعوب الإيرانية وقاموا ببناء نظام سياسي طائفي مذهبي فيها والذي هو نظام بدائي متخلف، عاجز عن الإستمرار والبقاء في عالم العولمة والتحضَر الذي نعايشه اليوم وأن هذا النظام بدون أدنى شك في طريقه الى الزوال في المستقبل المنظور.

 ترتبط إسرائيل بِصلات تاريخية تعود الى أكثر من 2600 عاماٌ مع الشعب الكوردي، حيث عاش اليهود مع الكورد في الإمبراطورية الميدية وإلتجأوا الى الشعب الميدي خلال المجازر التي تعرضوا لها من قِبل الآشوريين الذين قام الميديون والبابليون بإسقاط إمبراطوريتهم في سنة 612 قبل الميلاد. كما أن الشعب الكوردستاني، رغم كون أكثرية مواطنيه مسلمين، إلا أنه شعب مسالم ومنفتح، توّاق للحرية وأنه شعب غير متزمتٍ دينياً وليس عنصرياً، يتقبل المبادئ والقيم والأفكار العصرية بسهولة، لذلك فهو قادر على التفاعل مع التطورات السياسية والإجتماعية والثقافية والفكرية والتكنولوجية الحاصلة في العالم، كما أنه بذلك يُشكّل جزءاً من الشعوب المؤمنة بالديمقراطية والحرية. تُقدّر نفوس كوردستان بحوالي 50 مليون نسمة، وهي ثروة بشرية كبيرة في المنطقة والتي لا يمكن الإستهانة بها و وأنّ كوردستان بلاد كبيرة، تُقدّر مساحتها بأكثر من نصف مليون كيلومتر مربع، لذلك فهي تلعب دوراً أساسياً في التوازنات الدولية في المنطقة و تساهم في تطويرها وتقدمها و في بناء جسر يربط بين العالم الشرقي والغربي في مختلف مجالات الحياة. كما أن لِكوردستان موقع إستراتيجي مهم وأنها غنية بمواردها الطبيعية من بترول وغاز طبيعي ومعادن ومياه، حيث تقع منابع نهرَي دجلة والفرات فيها. من جهة أخرى، فأن إسرائيل بلد صغير، تبلغ نفوس اليهود فيها أقل من 8 ملايين وذات مساحة صغيرة، إلا أنها دولة متقدمة سياسياً وإجتماعياً وإقتصادياً وتكنولوجياً وعلمياً وعسكرياً. إسرائيل وكوردستان تشتركان في كونهما محاطتَين بالأعداء ووجودهما مهدّد من قِبل هؤلاء الأعداء. عليه فأن تحالف إسرائيل وكوردستان والتعاون والتنسيق معاً في مجالات مختلفة، يخلق منهما قوة إقتصادية وعسكرية كبرى في المنطقة، قادرة على حماية الأمن الوطني لهما وسيغيّر التوازنات والمعادلات الإقليمية القائمة في منطقة الشرق الأوسط ويعمل على ترسيخ الديمقراطية وقبول العيش المشترك بين شعوبها ويقضي على الإرهاب وثقافة الكراهية والعنف والإنتقام المنتشرة بين شعوب المنطقة. هكذا فأنّ مصالح إستراتيجية بعيدة المدى، تربط بين الشعب الإسرائيلي والكوردستاني، بل أن لهما مصير واحد، أيّ نصرٍ أو إخفاقٍ لِأحدهما يؤثر بشكل كبير على الآخر. لذلك لا بد أن ترتبط كوردستان وإسرائيل بِحلفٍ إستراتيجي يمتد لِعشرات أو مئات السنين لضمان أمنهما وتقدم ورخاء شعبَيهما ودمقرطة المنطقة وتطويرها ونشر السلم والمحبة بين شعوبها والتي تُهئ الظروف لإقامة إتحادٍ كونفدرالي بين دول المنطقة في المستقبل البعيد.

دولياً، بالإستناد الى ما جاء أعلاه، فأنّ قيام دولة كوردستان يحافظ على مصالح الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية وحتى روسيا والصين، حيث تصبح منطقة الشرق الأوسط منطقة آمنة لا تتهدد مصالح الدول الكبرى فيها وسوقاً لمنتجات الدول الصناعية ومصدراً للمواد الأولية وللطاقة لها ومنطقة لإستثمارات شركاتها. كذلك سيختفي الإرهاب الذي يهدد مصالح دول العالم في المنطقة و سيُبعِد التهديدات الإرهابية التي تهدد الشعوب الغربية في داخل بلدانها.

التطورات التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط وزوال الحدود السورية والعراقية التي تمّ رسمها تبعاً لإتفاقية سايكس – بيكو وظهور كيانَين سياسيين جديدَين في جنوب وغرب كوردستان اللذَين قائمَين الآن داخل الحدود المرسومة من قِبل الإتفاقية المذكورة ويُداران من قِبل إدارتَين كورديتَين و إنهيار العراق وسوريا كَكيانَين سياسيَين عملياّ، حيث أنهما اليوم عبارة عن كانتونات طائفية، تتحكم بها المجموعات الإرهابية والطوائف والميليشيات السورية والعراقية المختلفة. كل هذه التطورات أنهت إتفاقية سايكس – بيكو عملياً وأنّه أخذ يتبلور رسم خارطة سياسية جديدة لمنطقة الشرق الأوسط، تأخذ التطورات الحاصلة في منطقة الشرق الأوسط الكبير وحقوق وحرية وتطلعات شعوب المنطقة بِنظر الإعتبار.

بناءً على ما تقدم، فأن منطقة الشرق الأوسط الكبير تمر بتطورات حاسمة تقود الى تفتت كيانات العديد من دول المنطقة، من ضمنها الدول المُغتصِبة لكوردستان وتأسيس دول جديدة على أنقاضها، أهمها كوردستان، حيث تصبح أكبر دولة في المنطقة. لذلك على القيادات الكوردستانية أن تستوعب التطورات الحاصلة في المنطقة وتهجر عقلياتها القديمة البالية التي عفى عليها الزمن وتحمل عقلية العصر لكي تكون قادرة على رسم إستراتيجية إستقلال كوردستان وتوفير مستلزمات ومقومات نجاحها. من أجل تحقيق هذا الهدف، يجب عقد مؤتمر كوردستاني عام بأسرع وقت ممكن، تشارك فيه على الأقل الأحزاب الكوردستانية الكبرى (حزب العمال الكوردستاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني والإتحاد الوطني الكوردستاني و گۆڕان وحزب الإتحاد الديمقراطي) وشخصيات وطنية وأكاديمية وممثلو منظمات المجتمع المدني ويؤسسوا خلال المؤتمر مرجعية سياسية جامعة وقيادة عامة للقوات المسلحة الكوردستانية.

يجب الإقرار بأنّ غالبية القيادات الكوردستانية هي قيادات متخلفة، نرجسية، عائلية، قبلية، جشِعة وعبدة الدولار وأسيرة كرسي الحُكم والسلطة. بكلام آخر أنها ليست مؤهلة لقيادة شعب كوردستان نحو الحرية والإستقلال، من خلال إستثمار هذه الفرصة التاريخية السانحة لشعب كوردستان الذي قدّم مئات الآلاف من الأرواح كقرابين لتحرير شعب كوردستان ووطنه، إلا أن على هذه القيادات أن تعي بأن التطورات العالمية والإقليمية والكوردستانية ومصالح الدول الكبرى وإسرائيل، تفرض نفسها على هذه القيادة وتضغط عليها من أجل تأسيس دولة كوردستان وما على القيادات الكوردستانية إلا الإستجابة لهذه الإرادات وعدم عرقلة قيام دولة كوردستان، وإلا فأنّ شعب كوردستان سوف يُطيح بكل الرؤوس العفنة التي تقف في طريق حريته وإستقلال كوردستانه.



64
ملاحظات حول بعض القضايا الساخنة المتعلقة بالدين اليارساني واليارسانيين (الدين الكاكائي والكاكائيين)
د. مهدي كاكه يي

أود التحدث هنا عن بعض القضايا الساخنة التي تخصّ الدين اليارساني واليارسانيين.

كُتمان أسرار الدين اليارساني
يجب إستيعاب حقيقة أنه نحن نعيش في عصر العولمة وثورة المعلومات والإتصالات وأن جميع أسرار الدين اليارساني مكشوفة ومعروفة للجميع، حيث أنها منشورة على شكل كُتب ودراسات ومقالات وموجودة في مختلف مكتبات العالم ولذلك ينبغي عدم الحديث عن المحافظة على أسرار الدين اليارساني، حيث أن الحديث عنها هو عبارة عن جدل عقيم لا فائدة منه لأنّه في الوقت الحاضر ليست هناك معلومات دينية غير مُعلَنة وغير مكشوفة وهكذا ليست هناك أسرار دينية باقية حتى تتم المطالبة بحفظها وعدم إفشائها.

من الجدير بالذكر أن لجوء اليارسانيين الى كُتمان أسرار دينهم جاء بسبب عمليات القتل والسبي والإرهاب التي تعرضوا لها بعد إحتلال كوردستان من قِبل العرب البدو بإسم الدين وهكذا بمرور الوقت أصبح كُتمان أسرار الدين اليارساني جزءاً من الواجبات الدينية والتي نرى جدلاً عقيماً حوله الآن.

اليارسانيون واليارسانيون المتأسلمون
قسم من اليارسانيين الذين ينكرون دينهم ويدّعون بأن اليارسانيين هم مسلمون، هم عبارة عن بعض رجال الدين اليارسانيين الذين باعوا ضميرهم لِحُفنة من الدولارات أو نتيجة جُبنهم، فيضعون أنفسهم في خدمة الجهات الإسلامية التي وضعت خطة مبرمجة لِصهر الأديان غير الإسلامية. هؤلاء رجال الدين المتأسلمون بِدورهم يستغلون موقعهم ونفوذهم الديني، فيؤثرون على عامة اليارسانيين وهكذا نجحوا في خلق مجموعة كبيرة من عامة اليارسانيين المتأسلمين. القسم الثاني من اليارسانيين المتأسلمين يدّعون بأن الدين اليارساني هو مذهب إسلامي بِسبب خوفهم على حياتهم وهذا الخوف غير مقبول، حيث نرى أنّ المسلمين يفجّرون أنفسهم في سبيل دينهم، بينما هؤلاء اليارسانيون ينكرون دينهم ومستعدون لِترك دينهم للحفاظ على حياتهم وأموالهم بالرغم من أنّ حياتهم غير معرضة للخطر بشكل كبير بِسبب دينهم. كما يجب القول بأن اليارساني الحقيقي يجب أن يكون مستعداً أن "يموت" في سبيل دينه وعقيدته ويُضحي بنفسه وبِماله في سبيل دينه. أضع كلمة (يموت) بين قوسَين لأنه ليس هناك موت في الدين اليارساني، بل عند ما يُسمّى "موت الإنسان"، يتم إنتقال الروح من جسد الى آخر. القسم الثالث من اليارسانيين الذين ينكرون دينهم، يقومون بذلك نظراً لوقوعهم تحت تأثير الدين الإسلامي، حيث أن المسلمين هم الأكثرية وبيدهم الحُكم والسلطة والثروة والإعلام منذ 1400 سنة. هكذا يساهم اليارسانيون المتأسلمون في تنفيذ الخطط الرامية للقضاء على الدين اليارساني.

في محاربتهم لليارسانيين المتمسكين بِدينهم وعقيدتهم، ينشر اليارسانيون المتأسلمون دعايات بائسة، بأنّ اليارسانيين يتمسكون بِدينهم من أجل المال والمناصب، وهذا أمر غريب جداً لأنّ اليارساني الذي يحمي دينه وعقيدته، يُعرّض حياته للخطر في سبيل الإحتفاظ بِدينه وتتم محاربته من قِبل القوى الإسلامية ومن قِبل اليارسانيين المتأسلمين معاً، بينما اليارسانيون المتأسلمون يُلاقون الترحيب والتشجيع ويتلقون الأموال من القوى الإسلامية في محاولتهم القضاء على الدين اليارساني وجعله مذهباً إسلامياً.

الدين اليارساني هو فرع مهم من الدين اليزداني الذي ظهر في كوردستان منذ ما قبل التاريخ. إنه من أوائل الأديان والعقائد البشرية التي ظهرت في العالم. لذلك فهو دين كوردستاني أصيل، يُمثّل جزءاً مهماً من عقائد ولغة وثقافة وتاريخ وتراث الشعب الكوردي العريق. إنّه حامي اللغة والثقافة الكوردية والتراث والتاريخ الكوردي. اليارسانيون الأصلاء يواصلون نضالهم دون هوادة في سبيل إحتفاظ الدين اليارساني بِهويته وجعله من الأديان الرسمية في كوردستان وديناً مُعترفاً به عالمياً، حيث أن قوتهم وإرادتهم الفولاذية تكمنان في قوة وصلابة وعُمق عقيدتهم وإمتداد جذور الكوردايەتي في أعماق نفوسهم. إنهم يحملون كافة المخاطر والمصاعب في سبيل عقيدتهم ووطنهم ويتشرفون بِتحمل هذه المسؤولية المقدسة.


65

نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم  (32) – أسلاف الكورد: الميديون

ثورات الميديين بعد سقوط إمبراطوريتهم (2)


د. مهدي كاكه يي

ثورة (فارڤارتيش Farvartish أو فراورتيس Phraortes)
مع إطلالة عام 522 قبل الميلاد، بدأت تنتشر إنتفاضات عارمة، قامت بها الشعوب غير الفارسية التي كانت ترزح تحت الحُكم الأخميني، ضد الملِك الأخميني (دارا الأول) لِتحرير بلدانهم من حُكم الفرس، حيث في جنوب البلاد، ثار الإيلاميون بقيادة زعيمهم (أشين) و في غرب البلاد بدأت الإنتفاضة في أرمينيا وثار البابليون في جنوب البلاد بقيادة زعيمهم (تي دين توبل) الذي كان إبن (نابونيد) آخر ملِوك بابل قبل إحتلالها في سنة 538 قبل الميلاد من قِبل الفرس. في شرق البلاد، إندلعت ثورة بقيادة زعيم كان إسمه (فرادا) في مقاطعة (مرگيانا) التابعة لِ(باكتريا) الواقعة في شرق بحر قزوين والتي مُقسمة الآن بين كل من إيران وأفغانستان. كما أنه في نهاية سنة 522 قبل الميلاد إنتفضت شعوب أخرى في مصر وبلدان أخرى ضد الأخمينيين1.

بالنسبة للميديين، بعد مقتل (گاؤوماتا)، حاول أحد ملوك الميديين في سنة 522 قبل الميلاد والذي كان إسمه (فارڤارتيش Farvartish أو فراورتيس Phraortes) و الذي كان أحد أحفاد الملك الميدي (كَيخَسرَو)، إستعادة السلطة الميدية من الأخمينيين، حيث أنه نصّب نفسه ملِكاً للميديين، وأيّده وسانده الأشكانيون والهَركانيون والأرمن وأصبح ملِكاً قوياً يتحدى الأخمينيين2. إنتهز (فَارڤَارتیش) إنشغال الملِك الأخميني (دارا الأول) في حربه في بابل لإخماد ثورة البابليين، فقام بقيادة ثورة كبيرة ضد الأخمينيين. أرسل (دارا) الأول قوات عسكرية أخمينية بقيادة أحد أقرب أصدقائه الذي كان إسمه (ويدرانا) لِإخماد ثورة الميديين القائمة في غرب ميديا. بِتأريخ 12 كانون الثاني/يناير من سنة 521 قبل الميلاد، إندلعت المعارك بين قوات (دارا) وقوات (فَارڤَارتیش) التي كان يقودها أحد قادة الجيش الميدي، إلا أن الجيش الأخميني فشل في مسعاه للقضاء على الثورة الميدية ولذلك طلب قائد القوات الأخمينية من الملِك الأخميني إرسال المزيد من القوات لِزجّها في الحرب التي كانت دائرة ضد الميديين.

كان والد (دارا) الذي إسمه (هَايستاسپ Hyestaspes) حاكِماً لِمقاطعة (پارثيا) المتاخمة للحدود الشرقية لِميديا. هاجمت قوات (هَايستاسپ) القوات الميدية وبذلك إضطر الميديون خوض حرب في جبهتَين في آن واحد، في غرب وشرق البلاد3. كما أنّ الملِك الأخميني (دارا)، بعد أن قضى على ثورة البابليين، توجّه مع قسمٍ من قواته الى ميديا لِمساندة الوحدات العسكرية التي كانت تخوض الحرب ضد الملِك الميدي (فَارڤَارتیش). إندلعت معركة بين جيش (فاَرڤَارتیش) وجيش (دارا) الفارسي بالقرب من مدينة (رَي) الواقعة قرب مدينة طهران الحالية و في هذه المعركة التي جرت في قرية (كوندورا) والتي سُميّت المعركة بإسم هذه القرية، تمت هزيمة الملك الميدي (فَارڤَارتیش). لم يستطع (فَارڤَارتیش) الصمود بِوجه القوات الأخمينية التي كانت تهاجم ميديا من الشرق والغرب، فإضطر أن يتسلل مع قوة ميدية صغيرة الى منطقة (رَي) الميدية، متأملاً حصوله على مساعدات من الهركيين والأشكانيين4. شكّل (دارا) قوة خاصة لتعقّب (فَارڤَارتیش) التي إستطاعت أسر الملِك الميدي (فَارڤَارتیش) في نهاية شهر حزيران من عام 521 قبل الميلاد. في إحدى النصوص، يسرد الملِك الأخميني (دارا) عن مصير الملِك الميدي (فَارڤَارتیش) بعد أسره كالآتي: "لقد تمّ أسر (فَارڤَارتیش) وجلبوه لي. قمتُ بِقطع أنفه وأذنّيه ولسانه وفقأتُ عينَيه. قمتُ بتعليقه على البوابات الخارجية وقام جميع الناس بمشاهدته. بعد ذلك، قمتُ بِتعليقه في همدان على شجرة وقمتُ بِحرق مُساعديه في قلعة همدان4، a.

ثورة (چَيتْران تَخْمَه)

بعد فشل ثورة (فَارڤَارتیش)، قام أحد أحفاد (كَيخَسرَو) الذي كان إسمه (چَيتران تَخْمه) بالثورة ضد الحُكم الأخميني، حيث أنه نصّب نفسه ملِكاً لِميديا4. إستطاع الملِك الأخميني (دارا) أن يُغري بعض النبلاء الميديين بالمال والمناصب، فقاموا بإلقاء القبض عليه وتسليمه الى الملك (دارا) في مدينة هولير (أربيل) و كانت نهايته ليست أفضل من نهاية سلفه (فاَرڤَارتیش)، حيث تمّ تعذيبه وقطع أنفه ولسانه وأُذنَيه ومن ثمّ قتله4.


المصادر

1. دياكونوڤ(1998). ميديا. ترجمة وهيبة شوكت، دمشق، الناشر محمود أيوب، صفحة 407 – 408.

2. المصدر السابق، صفحة 408.

3. المصدر السابق، صفحة 409.

4. المصدر السابق، صفحة 410.


المراجع

a. Burn, A. R. (1984). Persia and the Greeks: THE DEFENCE OF THE West, c. 546 – 478 B.c.Standford University Press, UK, 102.

66

نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين والعلاقة بينهم  (31) – أسلاف الكورد: الميديون

ثورات الميديين بعد سقوط إمبراطوريتهم (1)


د. مهدي كاكه يي

خلال حُكم الملِك الأخميني (كورش) الذي أسقط الإمبراطورية الميدية وأسّس المملكة الأخمينية، لم يقم الميديون بِثورات ضد حُكمه لإستعادة السلطة الميدية. تعود أسباب إحجام الميديين عن القيام بالثورات ضد الأخمينيين الى أن (كورش) عاش وترعرع في كنف الشعب الميدي وتشبّع بالثقافة الميدية وكان قائداً عسكرياً كبيراً في الجيش الميدي، حيث كانت أُمه إبنة أستياگ، الذي كان آخر ملِك ميدي، لذلك كان في الحقيقة ملِكاً ميدياً وليس فارسياً، فكان الكثير من ملوك المنطقة ينظرون إليه كملِك ميدي، على سبيل المثال، كانت ملِكة (ماساگيتاي) تُخاطبه في مراسلاتها بِلقب "ملِك الميديين"1. لهذا السبب، بعد إنهيار الإمبراطورية الميدية وظهور الدولة الأخمينية وإستلام الحُكم من قِبل (داريوس)، أبقى (كورش) القادة الميديين المدنيين والعسكريين، الذين كانوا في السلطة خلال عهد الإمبراطورية الميدية، في مناصبهم في إدارة الدولة الأخمينية و في قيادة جيشها، وبذلك أشرك الميديين في حُكم البلاد.

في سنة 530 قبل الميلاد، تمّ قتل الملِك الأخميني (كورش) خلال الحرب التي نشبت بين الأخمينيين وشعب (ماساگيتاي) التوراني في آسيا الوسطى. بعد مقتل (كورش) خلّفه في العرش إبنه (قمبيز الثاني)، الذي خلال حُكمه، إزدادت هيمنة الفرس على الحُكم، حيث أنه بعد إستلامه الحُكم بدأ (قمبيز) بإبعاد الميديين تدريجياً عن إدارة شؤون البلاد وإحلال الفرس محلهم.

يُروى بأن (قمبيز) رأى في الحلم أن شخصاً كان إسمه (سميرديس) أصبح ملِكاً للأخمينيين بدلاً منه. كان ل(قمبيز) أخ بهذا الإسم ولذلك أثناء قيام (قمبيز) بِحملة عسكرية لغزو مصر في سنة 525 قبل الميلاد، أمر (قمبيز) قائد جيشه (بركساسبيس) بالعودة إلى بلاد فارس والقيام بقتل أخيه (سميرديس) ودفنه سراً ليتخلص منه للإحتفاظ ِبِعرشه2.

ثورة (گاؤوماتا Gaumata) سنة 522 قبل الميلاد
بعد هيمنة الفرس على حُكم الدولة الأخمينية وتراجع الدور الميدي في المشاركة في الحكم، أدرك الميديون بأنهم فقدوا سلطتهم وأصبحوا تابعين للفرس ولذلك بدأوا ينتهزون فرصة سانحة لإسترداد حُكمهم. أثناء غياب (قمبيز) عن البلاد، حيث كان يقود حملة عسكرية لِغزو مصر، إنتهز كل من الكاهن الميدي (پيرتزيثيس) الذي كان رئيس ديوان القصر الملكي الأخميني و أخيه (سميرديس Smerdis) الذي كان يُدعى أيضاً (گاؤوماتا)، فرصة غياب (قمبيز) عن البلاد للإستيلاء على الحكم وإستعادة السلطة الميدية من الفرس. كان (پيرتزيثيس) هو مُخطط الثورة الميدية لإستعادة الحكم الميدي من الفرس. كما مرّ، كان ل(قمبيز) أخ إسمه (سميرديس) والذي دبّر (قمبيز) قتله بسبب الحلم الذي رآه في المنام. كان (گاؤوماتا) يشبه في الشكل (سميرديس) المقتول. نظراً لِكون الفرس كانوا يسيطرون على جميع مفاصل الجيش الأخميني، فكّر (پيرتزيثيس) بإيجاد وسيلة ناجحة للسيطرة على الحكم، فقام بِدهاء بإستغلال مقتل (سميرديس) الأخميني من قِبل أخيه (قمبيز)، فإتفق مع أخيه (گاؤوماتا) على إعلان الأخير بأنه (سميرديس) أخ (قمبيز) ويُنصّب نفسه ملِكاً على العرش الأخميني، وبذلك جعل (گاؤوماتا) نفسه ملِكاً على البلاد وأصدر بياناً بعد إستيلائه على الحكم. يتحدث (هيرودوت) عن هذا البيان قائلاً:
"وأرسل بياناً لجميع القوات في أنحاء فارس ومصر كافّة، مفاده أن عليهم في المستقبل تنفيذ الأوامر الصادرة عن (سميرديس)، وليس عن قمبيز"3.

في سنة (522 ق.م)، بينما كان (قمبيز) في سوريا، عائداً إلى فارس، وصلته نسخة من بيان إستيلاء (گاؤوماتا) على الحكم. بعد التأكد من مقتل أخيه (سميرديس) من خلال قيامه بالتحقيق مع قائد جيشه (بركساسبيس) الذي كان قد أوكل إليه مُهمّة قتل أخيه (سميرديس)، تأكد له بأن الأخوَين (پيرتزيثيس) و (گاؤوماتا) قد قاما بِثورة ضده، وأنهما يحكمان البلاد بإسم أخيه المقتول (سميرديس). إستشاط (قمبيز) غضباً من جراء الإنقلاب الميدي، فركِب حصانه للتوجّه إلى بلاد فارس للقضاء على الثائرَين الميدييَن، وحينما وثب على حصانه، سقط غمد سيفه، فإنكشف نصل السيف، فأُصيب بطعنة في فخذه، فمرِض نتيجة ذلك. بعد عشرين يوماً شعر (قمبيز) بدنوّ أجله، فأمر بحضور قادة الجيش الفارسي، وعند حضورهم خاطبهم قائلاً:

"يا رجال فارس، إن الظروف لَتفرِض عليّ أن أبوح لكم بما كنتُ قد بذلتُ قُصارى جهدي لإخفائه. ثم روى لهم الحلم الذي رآه في منامه، وقيامه بقتل أخيه (سميرديس) بسبب الحلم. إستطرد (قمبيز) في حديثه الى قادة جيشه، حيث أخبرهم بأن المجوسيَين يحكمانهم الآن "4.

مضى (قمبيز) في حديثه للقادة الفرس قائلاً: " لزامٌ عليّ أن أبيّن لكم وأنا أَلفِظ أنفاسي الأخيرة، ما أرغب إليكم القيام به، فبإسم الآلهة التي تحرس أسرتنا الملكية أأمركم، وخاصةً الحاضرين منكم من الأخمينيين، ألاّ تَدَعوا الميديين يستردّون السلطة، فإذا حصلوا عليها عن طريق الغدر والخيانة، فاستردّوها بالسلاح نفسه، أما إذا استردّوها بالقوة فكونوا رجالاً، واستردّوها بالقوة. إذا قمتم بما آمركم به، فإني أدعو لكم بأن تغمركم الأرض بخيراتها، وأن تُرزَقوا بالأطفال، وتتكاثر قطعانكم، وأن تكونوا أحراراً مدى الدهر، أما إذا فشلتم في إسترداد السيادة، أو لم تقوموا بأيّة محاولة لإستردادها، فلتنزلْ لعنتي عليكم، وليكن مصيركم عكس ما أدعو لكم به الآن، وعِلاوة على ذلك فلتكن لِكلّ فارسي نهاية بائسة مثل نهايتي"4، a.

بعد سماع وصية (قمبيز)، خيّم الحزن على القادة الفرس وأشفقوا على ملِكهم عندما رأوه وهو يبكي والدموع تنهمر من عينيه، فأخذوا يمزّقون ثيابهم ويبكون. توفي (قمبيز)، دون أن يترك وراءه ورثة له، حيث لم يكن له أبناء أو بنات يُخلفونه في الحكم.

دام حُكم (گاؤوماتا) سبعة أشهر، حيث قام خلال حكمه القصير بتحرير الشعوب المُضطهَدة التي كانت خاضعة للفرس وألغى الضرائب الباهظة عن كاهلها وأعفى أبناء المملكة من أداء الخدمة العسكرية، حيث يذكر (هيرودوت) بهذا الصدد ما يلي:

" خلال عهد المجوسي حصل رعاياه على منافع عظيمة، ولذلك أسف لموته جميع الآسيويين التابعين، باستثناء الفرس؛ إذ أنه بُعَيد اعتلائه العرش أعفى جميع الأمم الخاضعة له من الضرائب والخدمة العسكرية لِمدة ثلاث سنوات"4. (هيرودوت: تاريخ هيرودوت، صفحة 249).

تحرّكت النخب الفارسية بسرعة لتنفيذ وصية (قمبيز)، حيث قام سبعة منهم بتشكيل قيادة سرية وكان (دارا الأول) أبرز هؤلاء السبعة وأكثرهم شجاعة ودهاء، وهو الذي رسم خطّة الهجوم على الأخوَين الميدييَن في القصر الملكي. خلال إجتماعهم، تحمّس زعيم فارسي آخر كان إسمه (گوبرياس) لِخطة دارا، حيث خاطب الحاضرين قائلاً:
"يا أصحابي، هل تُتاح لنا فرصة أفضل مما لدينا الآن لإنقاذ العرش؟ إذا فشلنا فلنمتْ في المحاولة، أفحتمٌ على فارس أن يحكمها ميدي؛ ذلك المجوسي الذي قُطعت أذناه؟ ولن ينسى من كان منكم واقفاً بجانب قمبيز، وهو على فراش الموت، اللعنةَ التي أنزلها بالفرس إذا لم يقوموا بأي جهد لإنقاذ العرش، ... وأعتقد أن علينا الأخذ بنصيحة داريوس، وان ننهي الإجتماع، ولنذهب فوراً إلى القصر، ونهاجم المجوسيين"5.

شنّ الزعماء الفرس السبعة هجوماً مفاجئاً على القصر الملِكي، ولم يعترضهم حُرّاس القصر لِكونهم من كبار الزعماء الأخمينيين، إلّا أن خصيان القصر إستوقفوهم، ولكنهم أصروا على الدخول الى القصر الملِكي، حيث أخرجوا خناجرهم وبدأوا بِطعن الخصيان وقتلهم. عند حصول المعركة التي جرت عند بوابة القصر، أدرك الأخَوان (پيرتزيثيس) و (گاؤوماتا) أنهما مُستهدفان من قٍبل الفرس، فإستعدّا للتصدي للمهاجمين، وقاتلا المهاجمين السبعة، إلا أنه تمّ قتلهما خلال هذه المواجهة، حيث يقول هيرودوت:
"بعد أن تمّ قتل المجوسييَن، قطع المتآمرون رأسيهما، وخرجوا إلى الشارع وهم يصرخون، مُحدِثين ضجّة عظيمة، حاملين الرأسَين المقطوعين، ثم بدأوا بقتل كل مجوسي صادفوه في طريقهم، وسرعان ما أصبح الفرس الآخرون على أهبة الإستعداد لأن يحذوا حذوهم، بعد أن علِموا بالعمل البطولي الذي إضطلع به الحلفاء السبعة، والخدعة التي قام بها المجوسيان، فإستلّوا خناجرهم، وقتلوا كل مجوسي وقعت أنظارهم عليه، وكادوا يبيدون المجوس لولا حلول الظلام، فتوقفت المجزرة، وقد أصبح هذا اليوم يوماً مشهوداً في التقويم الفارسي، حيث يُقام إحتفال سنوي بإسم قتل المجوس، ولا يُسمح خلال ذلك اليوم لأيّ مجوسي بالظهور، فيبقون جميعاً في بيوتهم طوال اليوم، لا يبرحونها"6، b.

في المواجهة بين النخب الفارسية بقيادة (دارا الأول) من جهة، والأخوَين الميديين (پيرتزيثيس) و (گاؤوماتا) من جهة أخرى، كان يتم ذكر (الميديين) بإسم (مجوس)، وأنه بعد مقتل الأخوَين الميدييَن، إقتصر إنتقام الفرس على قتل (المجوس)، حيث يذكر ديورانت عن (گاؤوماتا) ما يلي:

"كان أحد رجال الدين المتعصبين من أتباع المذهب المجوسي القديم، وكان يعمل جاهداً للقضاء على الزردشتية، الدين الرسمي للدولة الفارسية "7.

من جهة أخرى، فأن (Young) يسرد قصة ثورة (گاؤوماتا)، حيث يذكر بأن (گاؤوماتا) أراد إسترجاع الحكم الميدي وأنه إستطاع خلال فترة قصيرة إسترجاع معظم المناطق التي كانت تحت الحكم الميدي وبذلك شكّلت ثورة (گاؤوماتا) تهديداّ خطيراً للحكم الفارسي الذي كان حكماً حديث العهد. أصبح الملك الأخميني (دارا الأول) قلقاً على حكمه، بالإضافة الى نفسه، إختار 6 رؤساء قبائل فارسية للتعاون معه في التصدي لثورة (گوماتا)، حيث قاموا بالهجوم على قوات (گاؤوماتا) وإستطاعوا قتله في إحدى القصورالميدية في اليوم الأول من الشهر الجديد سنة 522 قبل الميلادc.
 
ينقل (Cook) عن (هيرودوت) حول مقتل (گاؤوماتا) بأنه في كافة أنحاء آسيا أُقيمت المآتم والتعازي لِموت (گاؤوماتا)، بإستثناء سكان المنطقة الفارسيةd. إقامة التعازي على روح الملِك الميدي (گاؤوماتا) من قِبل سكان منطقة غربي آسيا قد يُبيّن بأن سكان هذه المنطقة كانوا يعتنقون الدين الميدي (الدين اليزداني) وكانت لهم ثقافة مشتركة مع الميديين وأن الفرس كانوا يعتنقون ديناً آخراً (الدين الزردشتي) ولم تربطهم صلات ثقافية مع سكان غربي آسيا. كما أن موالاة سكان غربي آسيا للملِك الميدي (گاؤوماتا) تُشير الى أنه بالإضافة الى إعلان نفسه ملِكاً لميديا، كانت ل(گاؤوماتا) سلطة  دينية على سكان المنطقة. كما أن إقامة المآتم من قِبل سكان غربي آسيا بإستثناء الفرس، بسبب مقتل (گاؤوماتا) كانت تعود الى حُكمه العادل وإنصافه للشعوب غير الفارسية التي كانت مُضطهَدة من قِبل الحكم الأخميني. هدف الفرس من عمليات الإبادة التي قاموا بها ضد رجال الدين الميديين، كان إضعاف الميديين والتقليل من سلطتهم ومنعهم من العودة الى حُكم المنطقة كالسابق عندما كانت لهم إمبراطورية كبيرة وقوية تحكم المنطقة، بما فيها منطقة الفرس، وإبقاء الحكام الميديين كملوك محليين، يحكمون ممالك صغيرة.

المصادر

1. الدكتور أحمد محمود الخليل (2011). مملكة ميديا. الطبعة الأولى، مؤسسة موكرياني للبحوث والنشر، مطبعة ڕۆژهەڵات، أربيل، صفحة 126.

2. هيرودوت: تاريخ هيرودوت، ترجمة عبد الإله الملاح، المجمّع الثقافي، أبو ظبي، 2001. صفحة 233، 234.

3. المصدر السابق، صفحة 246.

4. المصدر السابق، صفحة 249.

5. المصدر السابق، صفحة 253.

6. المصدر السابق، صفحة 255- 256.

7. ول ديورانت (1957 - 1958). قصة الحضارة، ترجمة محمد بدران، زكي نجيب محفوظ، الإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، القاهرة، صفحة 406.


المراجع

a. Young, T, Cuyler, JR (1988). The Cambridge Ancient History: Persia, Greece and the Western Mediterancean c. 525 to 479 B.C. Volume 4 of  The Cambridge Ancient History, Cambridge University Press, Darius and the re-establishment of Achaemenid Power, Cambridge University Press, Cambridge, 55 p.

b. Boyce, Mary (1982). Handbuch Der Orientalistik: Der Nahe und der mittlere Osten, Part 1, Volume 2 of A history of Zoroastrianism by Mary Boyce, Brill, Netherland, pages 86-87.

c. Young, t. Cuyler, JR (1988). The Cambridge Ancient History: Persia, Greece and the Western Mediterancean c. 525 to 479 B.C. Volume 4 of  The Cambridge Ancient History, Cambridge University Press, Darius and the re-establishment of Achaemenid Power, Cambridge University Press, Cambridge, p. 54.

d. Cook, J. M. (1985). The Cambridge History of Iran: The Median and Achaemenian periods. Volume 2 of The Cambridge History of Iran, The Rise of the Achamenids and The Establishment of their Empire. Cambridge University Press, Cambridge, page 218.



67
مستقبل الكيان التركي (5)(الحلقة الأخيرة)


د. مهدي كاكه يي

في الحلقات السابقة، تم الحديث عن أزمة الهوية والإنتماء التركية و الفكر العنصري التركي والصراع بين العلمانيين والإسلاميين ومشكلة خرق حقوق الإنسان وحرية التعبير وتراجع النهج الديمقراطي في ظل الحكم الإسلامي في تركيا والتمهيد لِترسيخ حكم فردي دكتاتوري من قِبل الرئيس التركي أردوغان والصراع الطائفي في منطقة الشرق الأوسط والقضية الكوردستانية والتخلف الإقتصادي والعلمي التركي. هذه المشاكل كلها عوامل مهمة تُشكّل تهديداً كبيراً لِتركيا ككيان سياسي. في هذه الحلقة نستمر في تشخيص العوامل المتبقية التي تساهم في إنهيار تركيا.

العلويون
تبلغ نفوس العلويين (الكورد و الأتراك) في تركيا حوالي 20 مليون نسمة أي نسبتهم هي حوالي 30% من المجموع الكلي لسكان تركيا. إن نصف العلويين في تركيا أي 10 ملايين نسمة، هم كورد، بينما الملايين العشرة الباقية هم أتراك. يُعاني العلويون من التفرقة المذهبية و الإضطهاد في تركيا و لا يتمتعون بحقوقهم الدينية و المدنية. لذلك فأن العلويين الأتراك المضطهدين هم حلفاء طبيعيين للكوردستانيين و يمكنهم التحالف مع البعض للنضال معاً في تحقيق أهدافهم.

كما أن هناك أقليات دينية و مذهبية و قومية في تركيا. أعداد الشيعة في تركيا تصل الى حوالي ثلاثة ملايين نسمة. إستناداً الى هذه الأرقام و مع أخذ نفوس القوميات الأخرى غير المذكورة هنا بنظر الإعتبار المقدرة بحوالي 3 ملايين نسمة، نتوصل الى أن نفوس الأتراك السُنة الذين يحكمون تركيا تبلغ حوالي 26 مليون نسمة أي حوالي 37% من المجموع الكلي لسكان تركيا و بذلك فأن نفوس الأتراك السُنة هي أقل بكثير من نفوس الكورد و العلويين معاً التي تبلغ حوالي 35 مليون نسمة أي حوالي 50% من المجموع الكلي للسكان. كما أنّ هناك دراسات تشير الى أن نفوس الكورد في إقليم شمال كوردستان و تركيا ستصبح أكثر من نفوس الأتراك بحلول عام 2020.

القوى الإسلامية الإرهابية
تُمثّل تركيا بيئة خصبة لنمو و ترعرع تنظيم القاعدة و الحركات الإسلامية المتطرفة الأخرى. إن شعبية حزب العدالة و التنمية الإسلامي خير دليل على قوة العامل الديني للمجتمع التركي و ضعف الفكر الليبرالي و العلماني فيه. لهذه الأسباب فأن تركيا هي مرشحة لتكون قاعدة كبيرة للمتطرفين الإسلاميين و أن يُشكلوا خطراً كبيراً على الأمن في تركيا و في المنطقة من خلال عمليات عسكرية و تفجيرات تقود الى زعزعة الكيان السياسي التركي.

العيش في أحلام الإمبراطورية العثمانية
إنّ الأنظمة التربوية التركية و المؤسسات الثقافية و الإعلامية فيها، خلقت أجيالاً تركية خيالية، تم تخديرها بأمجاد الأتراك و تأسيسهم للإمبراطورية العثمانية و حُكمهم لكثير من الشعوب و الدول في كل من قارة آسيا و أوروبا خلال تلك الحقبة الزمنية. هذه العملية التربوية خلقت عقليات تتوهم بأنّ الزمن قد توقف منذ الحكم العثماني و أنّ الأتراك لا يزالون قادرين على التحكّم بمصائر الشعوب و القوميات، كما كانوا يفعلونها خلال الحكم العثماني. هذه التربية رسخت في عقل المواطن التركي التفكير بعقلية زمن الإمبراطورية العثمانية. كما أن هذه التربية خلقت، بشكل عام، شخصية تركية متغطرسة، تؤمن بتفوقها على الشعوب الأخرى و بكونها أحسن و أرقى من هذه الشعوب. من نتائج هذه التربية أيضاً هي إعتقاد الأتراك بأنّ الشعوب و القوميات غير التركية هي أدنى مستواً منهم و ما على هؤلاء إلا أن يكونوا تابعين لهم، كما صرح بذلك بعض القادة الأتراك بكل صراحة. من جهة أخرى، فأنّ هذه التربية الإستعلائية تُسبب الإحباط و اليأس عند المواطن التركي، حينما يتأكد من أنّ الواقع يُفنّد ما غُرس في عقليته، حين يكتشف بأن تركيا هي بلد شرقي فقير و متأخر، تتحكم فيه الدول الكبرى و أنّ الكثير من الشعوب الأخرى لها مستواً معاشياً أعلى بكثير من ذلك الذي لدى الشعب التركي.

الإستنتاج
من خلال دراسة المخاطر التي تواجهها تركيا و التي تم تحديدها في هذه السلسلة من المقالات، يمكن الإستنتاج بأن القضية الكوردستانية و العلوية و الصراع الطائفي بين شعوب الشرق الأوسط والعولمة وإنخفاض أهمية تركيا بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية وإسرائيل، ستكون عوامل حاسمة في التسبب في إنهيار الدولة التركية، حيث أن تركيا، ككيان سياسي، تتجه نحو التفكك و أن شمال كوردستان في طريقه نحو الإستقلال، كما لا يمكن الإستهانة بدور العوامل الأخرى المذكورة في هذه السلسلة من المقالات في إضعاف الكيان التركي و بالتالي إنهياره.







68
مستقبل الكيان التركي (4)

د. مهدي كاكه يي

الصراع الطائفي في المنطقة


تنقسم سكان دول منطقة الشرق الأوسط الكبير الى فريقَين طائفييَن عدوَين، الفريق السُنّي بقيادة كل من السعودية و تركيا و الفريق الشيعي بقيادة إيران. بالرغم من الإتفاق المؤقت الذي تم إبرامه بين إيران و الدول الغربية حول الحد من البرنامج النووي الإيراني، فأنه من المتوقع أن تفشل هذه الإتفاقية لأسباب عديدة، و من أهمها معارضة إسرائيل لها لتخوفها من إستغلال إيران لهذه الإتفاقية و التمكن من أن تصبح دولة نووية، كما أن السعودية، بأموالها الضخمة تحاول بكل قوة إفشال الإتفاقية المذكورة و بلغ بها الذعر و الهلع لدرجةٍ تفكر بشراء سلاح نووي من باكستان. كما أن الطموحات الإيرانية في صنع أسلحة نووية و خلق توازن في القوة مع إسرائيل، لا يمكن أن تتوقف، بل سيستمر الإيرانيون بشكل سري في تطوير برنامجهم النووي لأغراض عسكرية. هذا التخندق الطائفي و إمكانية إندلاع حروب مذهبية مدمرة في المنطقة، سيؤثر على تركيا و على مستقبل وجودها ككيان سياسي، بالإضافة الى إضطرارها تخصيص مبالغ طائلة لتطوير قوتها العسكرية و التي بدورها تؤثر سلباً على إقتصادها المتدهور. 

تعارض المصالح الغربية و الإسرائيلية مع المصالح التركية   

بدأت تظهر معالِم تعارض المصالح التركية مع المصالح الغربية في المنطقة، و خاصة الأمريكية و مع مصالح إسرائيل في مسائل عديدة. بالنسبة للمشكلة السورية، تريد تركيا إزالة الحكم العلوي في سوريا و إستلام الحكم فيها من قِبل جماعة إخوان المسلمين الرديفة لحزب العدالة و التنمية التركي. لهذا الغرض بدأت حكومة أردوغان بمساعدة التنظيمات الإسلامية الإرهابية في سوريا لإيجاد نفوذ لها في توجيه مسارات التغيير في سوريا و في محاولة منها لمنع السكان الكوردستانيين من التمتع بحقوقهم في الحرية و الإستقلال في غرب كوردستان، بينما الدول الغربية و إسرائيل لا تريد مجئ حكم إسلامي متشدد في سوريا و إنتشار الفوضى في بلد يجاور إسرائيل. الخلاف التركي – الغربي يدور أيضاً في مسألة إزاحة الرئيس المصري السابق مرسي عن الحكم من قِبل الجيش المصري و كذلك في مسألة الإتفاق المؤقت بين الدول الغربية و إيران حول البرنامج النووي الإيراني، بالإضافة الى علاقات تركيا مع كل من جنوب كوردستان و الحكومة العراقية. من المتوقع أن تتعمق هذه التقاطعات في المصالح مع تطور الأحداث في المنطقة.

نمو الإحتجاجات الشعبية
توجّهْ حزب العدالة و التنمية الحاكم في تركيا نحو تطبيق الشريعة الإسلامية بالتدريج و تدهور الإقتصاد التركي، حيث البطالة، و خاصة في صفوف الشباب و فشل السياسة الخارجية التركية فيما تخص العلاقات التركية مع دول الجوار و دول المنطقة و تخلف عقلية الحكام الأتراك عن مواكبة التطورات العالمية و الإقليمية، قد تؤدي الى إندلاع إحتجاجات و تظاهرات شعبية كبيرة تُطيح بحكومة أوردغان و تنتشر الفوضى و تندلع حرب أهلية بين الأتراك و الكورد و بين العلويين و الأتراك السُنّة و التي قد تقود الى إنهيار الكيان السياسي التركي و إستقلال شمال كوردستان و ظهور دولة علوية و دولة سُنية تركية. في هذه الحالة قد تتدخل كل من بلغاريا و أرمينيا و اليونان لإستعادة أراضيها التي تحتلها تركيا.

تعاظم الدور الكوردستاني في المنطقة
إن الكوردستانيين بعد أن كان يتم إستغلالهم من قِبل محتلي كوردستان في ظل الحرب الباردة، برزوا كقوة مؤثرة في المنطقة بعد إنتهاء الحرب الباردة و ظهور إقليم جنوب كوردستان و أخيراً تأسيس الإدارة الذاتية في غرب كوردستان. إن تطور القضية الكوردستانية و تعاظم دورها سيؤديان بكل تأكيد الى إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط بشكل منصف، تحترم إرادة شعوب المنطقة و تتجاوب مع تطلعات شعوب المنطقة في الحرية و الإستقلال. في هذه الحالة، فأن شمال كوردستان سيستقل و بذلك يؤثر في الصميم على تركيا ككيان سياسي في المنطقة، حيث تُقدّر نفوس سكان إقليم شمال كوردستان بحوالي 25 مليون نسمة أي بنسبة 36% من المجموع الكلي لسكان تركيا البالغة حوالي 70 مليون نسمة و هذا العدد الكبير لكوردستانيي الشمال سيُغيّر المعادلات و التوازنات في القوة في المنطقة. في هذه الحالة أيضاً قد تتدخل دول جوار تركيا لتحرير أراضيها من الإحتلال التركي. 

علاقات تركيا مع دول الجوار

بالنسبة الى الشعوب المسيحية الجارة لتركيا مثل الشعب اليوناني و البلغاري و الأرمني، فأنّ العداء التأريخي و الحضاري و الديني و التباين الثقافي بين الأتراك و هذه الشعوب من العوامل المهمة التي أدت إلى إستفحال حالة العداء المزمن بين الشعوب المذكورة و الأتراك. إنّ الأتراك قد إحتلوا العديد من البلدان الأوروبية في عهد الدولة العثمانية، و وصلت القوات التركية الى أسوار مدينة فيينا. كما قام العثمانيون بقتل الكثير من الأوربيين و إختطفوا عشرات الآلاف من الأطفال الأوروبيين و قاموا بعزلهم و تربيتهم و ترسيخ الأفكار الإسلامية في عقولهم و من ثم تشكيل الجيش الإنكشاري منهم و إستعمالهم وقوداً لحروب العثمانيين لإحتلال الدول الأخرى و إستعباد شعوبها. كما أن التأريخ يُحدثنا عن الإبادة المروعة التي تعرض لها الأرمن من قِبل العثمانيين، حيث تمت إبادة أكثر من مليون أرمني.

العثمانيون إحتلوا العراق و سوريا و السعودية و غيرها و تم إستعباد شعوب هذه الدول، بالإضافة الى الخلاف الطائفي للأتراك مع شيعة هذه الدول. أما العلاقة السيئة لتركيا مع إيران، فأنها ناتجة عن أسباب تأريخية و مذهبية، حيث خاضت الدولتان العثمانية و الصفوية حروباً كثيرة ضد بعضهما البعض. كما يعود الخلاف بين هاتين الدولتين الى المنافسة بينهما على النفوذ و المصالح الإقتصادية في المنطقة.


69
مستقبل الكيان التركي (3)

د. مهدي كاكه يي

التخلف الإقتصادي و العلمي


في الحلقتين السابقتين، تم الحديث عن أزمة الهوية والإنتماء التركية و الفكر العنصري التركي والصراع بين العلمانيين والإسلاميين ومشكلة خرق حقوق الإنسان وحرية التعبير وتراجع النهج الديمقراطي في ظل الحكم الإسلامي في تركيا والتمهيد لِترسيخ حكم فردي دكتاتوري من قِبل الرئيس التركي أردوغان. هذه المشاكل تُشكّل تهديداً كبيراً لِتركيا ككيان سياسي. في هذه الحلقة يتم التركيز على التخلف الإقتصادي والعلمي التركي الذي هو عامل مهم، يساهم في إنهيار تركيا.

العداء التركي المتزايد للرأسمال الأجنبي في تركيا و الإنتفاضة الكوردستانية في إقليم شمال كوردستان والمشكلة السورية و إندلاع الإحتجاجات الأخيرة المناهضة للحكومة التركية التي حصلت في مدن تركية عديدة، و خاصةً في إسطنبول، والتفجيرات التي حدثت في أنقرة، دفعت الكثير من المستثمرين الى ترك تركيا، حيث أنهم لا يودون المخاطرة بإستثمار رؤوس أموالهم في تركيا بسبب الظروف غير المستقرة فيها.

للأسباب الآنفة الذكر، لقد فقد مؤشر بورصة إسطنبول ثلث قيمته و إنخفضت قيمة الليرة التركية إلى مستويات قياسية، حيث فقدت 20 ٪ من قيمتها مقابل الدولار و إرتفعت عائدات السندات إلى 10% و فشل البنك المركزي التركي في وقف هذا الإنخفاض الناتج عن إخراج المليارات من الدولارات من البلاد، بالرغم من صرفه أكثر من 15% من الإحتياطي الصافي له.

الإنكماش الحاصل في نمو الإقتصاد التركي، يفنّد إدعاء الحكومة التركية بأن الإقتصاد التركي قد تفادى الكساد الإقتصادي. يذكر السيد (ميرت يلدز)، كبير الإقتصاديين في بنك (برقان) تركيا بأن الإقتصاد التركي يواجه أزمة كبيرة و سينمو بشكل بطئ يُشبه الركود الإقتصادي لسنين عديدة. في عام 2011 إزداد العجز في الحساب الجاري في البلاد الى مستوى قياسي الذي كان مقداره 78,4 مليار دولار أي 10% من إجمالي الناتج القومي التركي و إنخفض النمو الإقتصادي من 8,8% الى 2,2%. وصلت نسبة التضخم في تركيا إلى 6.1 في المائة في عام 2013.

كانت الأزمة الإقتصادية العالمية تؤثر بشكلٍ سلبي أكثر على الإقتصاد التركي، إلا أن التطورات السياسية التي حصلت في العراق و بلدان شمال أفريقيا ساعدت الإقتصاد التركي على الصمود، حيث أن هذه البلدان أصبحت سوقاً رائجة للمنتوجات و الشركات التركية، لا سيما في جنوب كوردستان و العراق، حيث عقدت الحكومة التركية إتفاقيات مجحفة مع حكومة جنوب كوردستان، من خلال الضغط السياسي و العسكري، و تقوم بشراء البترول و الغاز الكوردستاني بأسعار رخيصة جداً قياساً لأسعار النفط و الغاز في الأسواق العالمية.

في محاولة لِتضليل الرأي العام التركي والإقليمي، تنشر الحكومة التركية والإسلاميون السائرون في الفلك التركي، معلومات كاذبة ومضللة عن الإقتصاد التركي للإستدلال على نجاح الحكم الإسلامي. لذلك أود هنا أن أشير الى بعض الحقائق عن الإقتصاد التركي لفضح أكاذيب حكومة أردوغان وحلفائه. الناتج القومي لتركيا عام 2013 لم يكن ترليون ومائة مليار دولار كما تدّعي الحكومة التركية، بل كان 819,4 مليار، وهو لا يساوي
مجموع الناتج المحلي لأقوى إقتصادات ثلاث دول في الشرق الاوسط ايران والسعودية و الإمارات فضلاً عن الأردن وسوريا ولبنان كما يدّعون، حيث أن الدخل القومي الإيراني كان 489,6 مليار والسعودي 748,4 مليار دولار في عام 2013 وهذا يعني ان الناتج القومي الإيراني والسعودي كان 1238 مليار أي أكثر من الدخل القومي التركي بنسبة أكثر من 50%. لو كانت إيران لم يُفرض الحصار الإقتصادي عليها ولم يتم إستنزاف إقتصادها على التسلح والمساعدة المقدمة لكل من النظام السوري وحزب الله وحكومة العراق واليمن والفلسطينيين، لَكان دخلها القومي أكثر من تركيا. كما يجب الإنتباه الى أنه لا يمكن المقارنة بين إقتصاد بلد صغير مع إقتصاد بلد كبير مثل تركيا وفي هذه الحالة يمكن مقارنة الإقتصاد التركي مع الإقتصاد الإيراني في المنطقة. تركيا تحتل المرتبة 18 في العالم من حيث الدخل القومي والمرتبة 77 من حيث حصة الفرد من الدخل القومي.
 
كيف يكون الدخل القومي التركي أعلى من الدخل القومي الفرنسي كما تدّعي تلك المعلومات المضللة؟!! في عام 2013 كان الدخل القومي الفرنسي 2806 مليار دولار والذي هو 3,4 مرة أكثر من الدخل القومي التركي وأن حصة الفرد الفرنسي من الدخل القومي في عام 2013 كان 43520 دولار أي ما تعادل تقريباً 4 أضعاف حصة الفرد التركي. تحاول التقارير التركية والإسلامية تضليل الرأي العام التركي والإقليمي، حيث أنها تذكر بأن تركيا غير مُدينة لأحد، بل أنها أقرضت البنك الدولي مبلغاً قدره 5 مليارات دولار، في الوقت الذي بلغت الديون التركية للدول والمصارف الأجنبية في سنة  2013 388,2  مليار دولار أي ما تعادل 47% من الدخل القومي التركي. يدّعون بأن مطار إسطنبول هو أكبر مطار في أوروبا، وهذا غير صحيح، حيث أنه رابع أكبر مطار في أوروبا.

إن تقدم البحث العلمي في أي بلد هو من أهم الشروط المحددة لتقدم ذلك البلد و تطوره و أنه من أهم مستلزمات و متطلبات تطور البلدان و رفاهية شعوبها، غير أنّ (تركيا) لا تزال تفتقد الى الإيفاء بهذا الشرط الأساس لتستطيع مواكبة الدول المتقدمة، حيث أن تركيا هي من الدول المتخلفة في هذا المجال و تفصلها عن الدول الصناعية المتطورة مسافات طويلة. على سبيل المثال، هناك 70 عالِماً لكل عشرة آلاف شخص في الدول الغربية، بينما يقابله سبعة علماء فقط في تركيا. في الدول المتقدمة، يتم تخصيص نسبة تتراوح بين 1 و 3% من الدخل القومي للأبحاث العلمية، بينما تبلغ هذه النسبة في (تركيا) 2 في الألف (0.002). يُشكل البحث العلمي في مجال القطاع الصناعي في الدول الغربية 70% من البحوث، بينما لا تتجاوز هذه النسبة 10% في تركيا.


70
مستقبل الكيان التركي (2)

د. مهدي كاكه يي

في الحلقة السابقة، تم التطرق الى أزمة الهوية والإنتماء التي تواجهها تركيا و التي تُشكّل إحدى العوامل المهمة التي تهدد تركيا ككيان سياسي. في هذه الحلقة تتم مواصلة تشخيص عوامل أخرى قد تساهم في تغيير الخارطة السياسية الحالية لتركيا و الذي يتمخض عنه تحرر إقليم شمال كوردستان وإستعادة اليونان وأرمينيا لأراضيها المُغتصَبة من قِبل تركيا. 

العنصرية
يتم تلقين الطفل التركي، منذ صغره في المدارس بالأفكار العنصرية و يتم تعليمه ترديد عبارة (يكون سعيداً مَن يكون تركياً!!). هذا الفكرالعنصري الذي يتشبع به الإنسان التركي، يجعله لا يعترف بحق الآخر غير التركي في الوجود. من نتائج هذه الآفة الشوفينية هي إنكار الأتراك لحقوق الشعوب والقوميات الأخرى في تقرير مصيرها، بل ينكرون وجودها و يعتبرون هذه الشعوب و القوميات أتراكاً، كما هو الحال مع الكورد في الشمال الكوردستاني الذين يُطلق عليهم إسم "أتراك الجبال". هذه العقلية العنصرية أكسبت الشخصية التركية العنف و العدوان و رفع شعار إخضاع الشعوب و القوميات الأخرى بكل الوسائل و منها إستخدام العنف و القوة.

العلمانيون و الإسلاميون
إن الإسلام السياسي لا يؤمن بالديمقراطية و تداول السلطة لأنه يحمل فكراً شمولياً، و دخوله معترك السياسة و التظاهر بقبول النظام الديمقراطي ما هو إلا وسيلة للإنقضاض على الحكم و من ثم فرض أفكاره البدائية على الشعوب التي يحكمها. بعد تسلّم حزب العدالة و التنمية الإسلامي الحكم و إستمراره في السلطة لسنين عديدة، بدأ الحزب يحاول تطبيق القوانين الإسلامية في تركيا، مثل إرتداء النساء للحجاب و تشجيع الناس على الإمتناع عن تناول المشروبات الكحولية و غيرها، حيث أن الفكر الإسلامي السياسي يستغل المبادئ الديمقراطية لإستلام الحكم و ينتهز الفرص المناسبة لفرض نفسه على المجتمع. الصراع بين الإسلاميين و العلمانيين، سيؤثر سلباً على الحياة السياسية و الإقتصادية لتركيا و يُؤدي الى حالة من الفوضى و عدم الإستقرار و بالتالي يقود الى إضطراب الحياة السياسية و التأخر في التنمية الإقتصادية و الإجتماعية و يُضعف مقومات الأمن القومي التركي.

الديمقراطية و حقوق الإنسان
إن إنتشار المبادئ الديمقراطية و مبادئ حقوق الإنسان و حرية التعبير و الفكر و الصحافة، يُشكّل تهديداً جدّياً لإستمرار الكيان السياسي التركي، حيث أن نمو وعي الشعب الكوردي و القوميات الأخرى و كذلك الطوائف الدينية غير المسلمة مثل العلويين و الإيزيديين و غيرهم، و الطوائف الإسلامية غير السُنّية، مثل الشيعة الذين تبلغ نفوسهم في تركيا أكثر من ثلاث ملايين نسمة، و عيش هؤلاء في ظل حكم ديمقراطي حر، سيقود الى المطالبة بالتمتع بحريتهم و حقوقهم و بالتالي إستقلال شمال كوردستان و فقدان الأتراك السُنّة لمقاليد الحكم، الذي يتربعون عليه منذ الحكم العثماني الى الآن.

من جهة أخرى فأن القيادات السياسية التركية عاجزة عن الوقوف بوجه إنتشار المبادئ الديمقراطية و مبادئ حقوق الإنسان و حقوق الشعوب و القوميات و الأقليات الإثنية و الدينية و المذهبية في عصرنا الحاضر، عصر العولمة.

التغييرات العالمية و الإنجازات العلمية جعلت من كوكبنا مجرد قرية صغيرة يتواصل و يتفاعل سكانها مع البعض. هذا الواقع المستجد يعطي زخماً كبيراً لمنظمات المجتمع المدني و المنظمات الإنسانية و الدينية المدافعة عن حقوق الشعوب و كرامة الإنسان و عملَ و يعمل على تقوية نفوذ و دور الرأي العام العالمي و المحلي في التأثير على القرارت العالمية المتعلقة بحقوق الشعوب و القوميات و الطوائف الدينية و المذهبية و الأفراد، و تحسين الظروف السيئة اتي تعيش فيها. كما أنّ هذه التطورات العالمية منحت دوراً محورياً للإعلام و الصحافة للتأثير على الأحداث و كشف الواقع السئ الذي تعيش في ظله الشعوب و القوميات و الأقليات المضطهدة و واجب الدفاع عن حقوقها. هذه الثورة الإنسانية  تعمل أيضاً على تسهيل إيصال صوت الشعوب و الأفراد المضطهدة و المستعبدة الى العالم لإنصافها و تحريرها من الإستعباد و إنقاذها من الظلم و الإضطهار و القهر.

العولمة و ثورة المعلومات و الإتصالات أزالت الحدود الدولية و جعلت شعوب الأرض في تواصل مستمر و دائم مع بعضها. هذه الثورة أثرت و تؤثر بشكل سلبي على الكيان السياسي التركي بطريقتين؛ الأولى: أنها تفضح الجرائم التي ترتكبها الحكومة التركية بحق شعب كوردستان و العلويين و الأقليات الدينية و القومية في تركيا و تكشف الإضطهاد و خرق حقوق الإنسان الذي يتعرضون لهما. الطريقة الثانية هي من خلال توعية الشعوب و الأفراد التي تقوم بها هذه الثورة المعلوماتية و الإتصالاتية من إنترنت و فضائيات و موبايل و التجمعات الإقتصادية و السياسية و حرية و سرعة إنتقال الرأسمال و الأفراد و زيادة التواصل و التلاقح بين الأفراد و الشعوب و الجمعيات و الثقافات و تشابك المصالح و تلاقيها. هذه الثورة الإنسانية الكبرى لا تدع النظام التركي أن ينفرد بالشعب الكوردي في الشمال و العلويين و غيرهم، و أن يخنق صوتهم بعيداً عن أنظار العالم. من جهة أخرى فأن العولمة تُزيد من الوعي القومي لهؤلاء المضطهدين و الذي يدفعهم الى زيادة وتيرة نضالهم لتحقيق أهدافهم في الحرية و التمتع بحقوقهم. كما أنّ العولمة و ثورة الإتصالات و المعلومات ستؤثر بشكل إيجابي على الإنسان التركي و تُغيّر عقليته العنصرية و غطرسته.


71
مستقبل الكيان التركي (1)

د. مهدي كاكه يي

أزمة الهوية و الإنتماء


تواجه تركيا الكثير من المشاكل التي تهدد وجودها ككيان سياسي في المنطقة. إنّ بعضاً من هذه المشاكل لها جذور تأريخية تعاني منها تركيا منذ أن نزح الأتراك من بادية الصين الى منطقة الشرق الأوسط، حيث إستوطنوا و إستقروا فيها و من ثم أقاموا الإمبراطورية العثمانية على أوطانٍ تعود لشعوب عاشوا فيها منذ فجر التأريخ. كما أن القسم الآخر من هذه المشاكل هي عبارة عن مشاكل تتعلق بأزمة الهوية و الإنتماء و إنتشار الفكر العنصري بين الأتراك و التأخر الإقتصادي و العلمي و العداء التركي مع جيرانها و شعوب دول المنطقة و قضية عدم الإعتراف بحقوق الشعوب و القوميات و الأديان و الطوائف العائشة ضمن الكيان التركي و تقييد حريات المواطنين الأتراك و عدم إحترام حقوق الإنسان و العيش في أحلام الإمبراطورية العثمانية و بروز بيئة ملائمة لنمو الفكر الإسلاموي وتعشعش المنظمات الإسلامية الإرهابية و إزدهارها في تركيا.

إن الأتراك يجدون أنفسهم غرباء في المنطقة و يعيشون على أراضٍ تأريخية تعود للكورد و الأرمن و اليونانيين و البلغاريين و يفتقدون الى جذور تأريخية و ثقافية و حضارية تربطهم بالأرض التي يعيشون عليها و تشدّهم الى الشعوب الساكنة في المنطقة. لهذا السبب و لأسباب ثقافية و دينية و مذهبية و سياسية و إقتصادية، فأنهم يجدون أنفسهم وحيدين محاطين من كل الجهات ب"الأعداء"، من قِبل الشعوب الكوردستانية و اليونانية و البلغارية و الأرمنية و العربية و الفارسية. هذه الأسباب تجعل الأتراك قلقين، يشعرون بشكل دائم بأن وجودهم مهدد في المنطقة ككيان سياسي و هذا ما يدفعهم الى التلويح بالقوة و تهديد الغير و الإستيلاء على أراضي الآخرين و العمل على تقييد الحريات و الحد من الممارسات الديمقراطية في البلاد كوسيلة لضمان الأمان و الإطمئنان النفسي على إستمرارية الوجود و مواصلة البقاء.

من جهة ثانية، تجد تركيا نفسها تفتقد الى الإنتماء، حيث أنها تائهة لا تعرف هل أنها دولة أوروبية أو تركية أو إسلامية أو شرق- أوسطية أو تنتمي الى الدول المطلة على البحر الأسود! هذه مشكلة حقيقية تؤرق الأتراك و تهدد الكيان التركي في المنطقة، لغربتهم عنها و لضياعهم بين إنتماءات عديدة، لا تتوفر فيهم شروط الإندماج في إحداها و كسب هوية محددة و إنتماء معيّن ينقذهم من الضياع و المستقبل المجهول.

العداء التأريخي و الحضاري و الديني و التباين الثقافي بين الأتراك و الأوروبيين بالإضافة الى العامل الإقتصادي، من العوامل المهمة التي تقف حجر عثرة أمام تركيا في طريقها الى الإتحاد الأوروبي، حيث أن الأتراك قد إحتلوا العديد من البلدان الأوروبية في عهد الدولة العثمانية. الإختلاف الديني بين تركيا المسلمة و أوروبا المسيحية عقبة كبيرة أخرى أمام حصول تركيا على عضوية الإتحاد الأوروبي، حيث أن الكمالية التي أصبحت شعاراً ونهجاً للحكم التركي، فشلت في خلق مجتمع علماني في تركيا. يقتصر الفكر الكمالي في الوقت الحاضر على مدينة أنقرة و بعض المدن الأخرى، بينما لا زال القرويون و الريفيون محتفظين بثقافتهم الإسلامية و خير دليل على ذلك هو تسلّم الإسلاميين الحكم في تركيا بأغلبية ساحقة من الأصوات في الإنتخابات البرلمانية التي تم إجراؤها في السنين الأخيرة. لذلك فأن عضوية تركيا في الإتحاد الأوروبي سيهدد الأمن الوطني الأوروبي من خلال إنتقال إرهابيين مسلمين أتراك الى أوروبا بحرية وبشكل قانوني وقيامهم بعمليات إرهابية هناك. كما أنه بسبب التخلف الإقتصادي التركي وتدّني المستوى المعيشي للأتراك، فأنه في حالة إنضمام تركيا الى الإتحاد الأوروبي، فأن الملايين من الأتراك سيهاجرون الى الدول الأوروبية ويشكّلون عبئاً إقتصادياً كبيراً على هذه الدول.
 
بحكم الموقع الجغرافي لتركيا و كون غالبية شعبها مسلمون و الثقافة الإسلامية و الشرقية للشعب التركي، فأن تركيا تجد نفسها جزءاً من منطقة الشرق الأوسط و المجتمعات الإسلامية، حيث أنها عضوة في منظمة المؤتمر الإسلامي. عوامل عديدة تعرقل تكامل تركيا مع محيطها في المنطقة. من أسباب ضعف الوشائج التركية مع بلدان المنطقة هو إنقطاع التواصل التركي مع شعوب الشرق الأوسط منذ تأسيس تركيا الحديثة، حيث إتجهت نحو الغرب بإنتهاجها نظاماً علمانياً غربياً و محاولتها القضاء على الثقافة و العادات و التقاليد الإسلامية و العمل على تبنّي الثقافات الأوروبية و التي نتجت عنها ضعف العلاقات الثقافية و السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية بينها و بين دول المنطقة و المجتمعات الإسلامية. كما أن عضوية تركيا في الحلف الأطلسي، ربطتها سياسياً و عسكرياً بالعالم الغربي. العداء التأريخي بين الأتراك و شعوب المنطقة، و خاصة العرب و الكورد و الفرس هو عامل آخر يلعب دوره في التنافر بين الأتراك و هذه الشعوب، حيث تعرضت هذه الشعوب للإستعمار التركي خلال حكم العثمانيين و عانت هذه الشعوب من مظالم و بطش و تنكيل و تجويع و حروب لا نهاية لها على أيدي الأتراك.


72
الوسائل السلمية للنضال الكوردستاني (2) (الحلقة الأخيرة)

د. مهدي كاكه يي

هناك الملايين من الكوردستانيين الذين يعيشون في المدن الكبيرة للدول المُغتصِبة لكوردستان، حيث يُقدّر عدد الكورد الذين يعيشون في إستانبول لوحدها بأكثر من سبعة ملايين نسمة و تعيش عدة ملايين من الكورد في كل من أنقره و إزمير و قونية و مناطق و مدن أخرى في "تركيا"، بالإضافة الى الملايين من الكورد الذين يعيشون في المدن الكبرى للدول المُغتصِبة الأخرى، مثل مدن طهران و شيراز و خراسان و بغداد و دمشق و حلب و غيرها. هذه الأعداد المليونية للكورد الذين يعيشون في مدن الدول المُغتصِبة لكوردستان، يمكن أن يلعبوا دوراً حاسماً في شل الحياة في المدن الكبرى في كل من تركيا و إيران و العراق و سوريا من خلال إعلان العصيان المدني و الإضراب عن العمل و الإضراب عن الطعام و تنظيم التظاهرات المليونية و قطع خطوط المواصلات من خلال تكوين عوازل بشرية في الشوارع الرئيسية و الساحات العامة. بهذه الوسائل النضالية في عقر دار المحتلين سيفرض شعب كوردستان إرادته على المحتلين و يجبرهم على الإستسلام و الإعتراف بحق الكوردستانيين في الحرية و الإستقلال.

يعيش في الدول الغربية أكثر من مليون كوردي و هؤلاء يمكنهم أن يلعبوا دوراً كبيراً في النضال الكوردستاني و يكونوا سنداً قوياً لنضال الكوردستانيين في كوردستان و في الدول المحتلة، حيث أنهم يعيشون في دول ديمقراطية تسمح لهم بالقيام بمختلف الفعاليات من إضراب عن الطعام و تنظيم المظاهرات و إيصال الصوت الكوردستاني الى مسامع منظمة الأمم المتحدة و عواصم الدول الكبرى و إقامة الندوات و المهرجانات و الحفلات و المعارض للتعريف بالشعب الكوردستاني و بإحتلال بلده و حرمانه من حق الإستقلال و التمتع بحقه في تقرير مصيره بنفسه كالشعوب الحرة الأخرى في العالم و التعريف بتأريخه و تراثه و فنونه.

هكذا فأن الجاليات الكوردستانية في الخارج تستطيع إيصال الصوت الكوردستاني الى الرأي العام العالمي و الأمم المتحدة و حكومات الدول الكبرى و منظمات المجتمع المدني و الشخصيات الدينية في البلدان التي يعيشون فيها و في نفس الوقت يكونون سفراء كوردستان في هذه الدول للتعريف بالشعب الكوردستاني و بحضارته و تراثه و الإستعباد الذي يعاني منه في ظل الإحتلال و إلغاء الهوية و اللغة و التأريخ و التراث.

أود أن أذكر هنا بأنه كان ينبغي على قيادات الأحزاب السياسية الكوردستانية تغيير إستراتيجيتها منذ إنتهاء الحرب الباردة في بداية العقد التاسع من القرن العشرين، أي قبل أكثر من عشرين عاماً و جعل الكفاح المسلح يأتي في المرتبة الثانية و التركيز على العمل السياسي و توعية و تنظيم الجماهير الكوردستانية و مساعدتها لتعلم اللغة الكوردية و تعريفها بالتأريخ العريق للأمة الكوردية و تأسيس منظمات المجتمع المدني و ترتيب البيت الكوردستاني في كافة أجزاء كوردستان، و من ثم القيام بالنضال السلمي الذي نتحدث عنه لتحقيق نقلة نوعية في النضال الكوردستاني و بالتالي تحرير كوردستان و تحقيق إستقلالها.

هناك نقطة مهمة أخرى أود الحديث عنها هنا وهي تحديد الجهات و القوى و الدول التي يمكن للكوردستانيين أن يتلقوا التأييد و الدعم منها و الجهات و القوى و الدول التي تقف ضد حق شعب كوردستان في التحرر و الإستقلال.

في البداية يجب القول بأنه في السياسة ليست هناك صداقات و عداوات، بل مواقف الدول و المنظمات السياسية تحددها مصالحها. على ضوء هذه الحقيقة، فأن الدول المُغتصِبة لكوردستان و المنظمات السياسية العربية و التركية و الفارسية التي تحمل الفكر العنصري، هي القوى التي تقف بوجه تطلعات شعب كوردستان في الحرية و الإستقلال و لذلك يجب على القيادات السياسية الكوردستانية عدم الإعتماد على هذه الجهات في النضال الكوردستاني بأي شكل من الأشكال و تجارب كثير من الثورات الكوردستانية التي حدثت في السابق تظهر أن إنهيارها كانت بسبب إعتمادها على "المساعدات" المقدمة من قِبل الدول المُغتصِبة لكوردستان. من جهة أخرى، كما ذكرتُ آنفاً بأن السياسة و العلاقات بين الشعوب و الدول هي علاقات مصالح بحتة، فأن الدول الكبرى و الدول الغربية الديمقراطية تتحدد مواقفها من القضية الكوردستانية على ضوء تقاطع أو تلاقي مصالحها مع إستقلال كوردستان، إلا أنه في نفس الوقت فأن الرأي العام في هذه الدول و منظمات المجتمع المدني و الصحافة و الكنيسة تلعب دوراً كبيراً في تحديد سياسات حكومات هذه الدول. لذلك من الممكن الحصول على دعمٍ معنوي و مادي للقضية الكوردستانية من هذه الدول.

في الحقيقة أن مواقف الشعوب و الدول و المنظمات السياسية و حتى منظمات المجتمع المدني في هذه الدول، من إستقلال كوردستان، تعتمد بالدرجة الرئيسية على العامل الذاتي لشعب كوردستان، حيث عندما تكون للكوردستانيين مرجعية سياسية موحدة و دستور ديمقراطي و أحزاب سياسية عصرية و قوة إقتصادية و عسكرية لا يمكن الإستهانة بها، حينئذٍ يستطيع شعب كوردستان فرض إرادته على الآخرين و إثبات وجوده كشعب له الحق في التحرر و الإستقلال. إن العوامل الذاتية الكوردستانية تلعب الدور الرئيس في النضال الكوردستاني لتحقيق أهدافه، بينما العوامل الخارجية هي عوامل مساعدة، حيث أن وحدة الكوردستانيين و قوتهم قادرة على تغيير سياسة و إستراتيجيات الدول الكبرى و الدول المُغتصِبة لكوردستان تجاه القضية الكوردستانية.

73
الوسائل السلمية للنضال الكوردستاني (1)

د. مهدي كاكه يي

تميّز النضال الكوردستاني عبر مراحله المختلفة بإتباع النضال المسلح من خلال حرب العصابات في جبال كوردستان، حيث كان الكوردستانيون يلتجئون الى جبالهم المحصّنة في نضالهم من أجل التمتع بحقوقهم على أرضهم التأريخية، كوردستان. كانت الإستراتيجية المتبعة هي إستراتيجية دفاعية و كانت كوردستان الساحة الوحيدة لكافة الحروب التي خاضها الكوردستانيون ضد المحتلين. لهذا السبب تعرضت كوردستان و شعبها لأضرار بشرية و إجتماعية و إقتصادية و بيئية و صحية كبيرة جداً خلال النضال المسلح الذي جرى على أرض كوردستان. هكذا إستمر هذا النضال المسلح الكلاسيكي في القرن الماضي و القرن الحالي، حيث لم يعمل القادة الكوردستانيون على تطوير وسائل نضالهم لمواكبة التطورات الذاتية و الموضوعية للقضية الكوردستانية و لم يتواصلوا مع التغيرات العالمية الكبرى التي حصلت والتي كانت قد تقود الى تحقيق الهدف الكوردستاني في الحرية و الإستقلال. هكذا جُعِلتْ من كوردستان ساحةً للحروب و الدمار، حيث تحطمت البنية التحتية لها و تشرّد و تسمّم شعبها و تسممت أرضها و هواؤها و مياهها و مزارعها و غاباتها، بينما سكان الدول المُغتصِبة لكوردستان كانوا يعيشون في أمان، بعيدين عن أهوال الحروب و المعارك و كانت مدنها و قراها و مزارعها و مصانعها بعيدةً عن الحروب و لم تتعرض للخراب و الدمار.

ظهور عالمٍ جديد بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي و إنتهاء الحرب الباردة و قيام ثورة كبرى في وسائل الإتصالات و تلقّي المعلومات، تجعل الوسائل السلمية الحضارية في النضال وسائل فعالة لتحقيق أهداف الشعوب في الحرية و الإستقلال، حيث تعيش البشرية اليوم في عصر العولمة و عصر تحرر الشعوب و تغيّرت على ضوئها أساليب النضال التحرري و يمكن إحلال الأساليب السلمية محل النضال المسلح و ها أن شعوب تونس و مصر وغيرهما أسقطتْ حكوماتها الدكتاتورية عن طريق التظاهرات و الإحتجاجات و العصيان المدني.

هكذا فأن التطورات العالمية التي حصلت في الأعوام الأخيرة أوجدت وسائل جديدة للثورة و الدفاع عن النفس التي قد تكون أكثر فعّالية من الإلتجاء الى السلاح و في نفس الوقت فأن الوسائل السلمية هي أقل ضرراً بكثير من الثورات المسلحة.

تُقدّر نفوس كوردستان بحوالي خمسين مليون نسمة و تُقدّر مساحتها بحوالي نصف مليون كيلومتر مربع. لو يتم إستغلال جيد لهذا العدد السكاني الكبير من خلال توعيتهم و تنظيمهم، فأنهم، من خلال النضال السلمي سيتمكنون أن يفرضوا إرادتهم على مُغتصِبي كوردستان و على الدول الكبرى و سيكونون قادرين على التحرر من الإستعمار الإستيطاني و الإحتلال و إقامة دولة مستقلة و يصبحون قوةً بشرية و إقتصادية عملاقة في المنطقة، يلعبون دوراً محورياً فيها و يُغيّرون المعادلات و التوازنات الإقليمية القائمة و سياسة و إستراتيجيات القوى العالمية في المنطقة.

يجب وضع إستراتيجية صائبة لتوعية المجتمع الكوردستاني، و خاصةً الشباب، من خلال تعريفهم بالتأريخ العريق لأسلافهم و مساهماتهم الكبيرة في بناء صرح الحضارة الإنسانية و كذلك تعليمهم اللغة الكوردية و تثقيفهم من خلال تزويدهم بالعلوم و المعارف و المعلومات في مختلف المجالات لمساعدتهم في خلق شعبٍ مثقف، مؤهل لتحرير نفسه و بلاده. كما أن إيجاد لغةٍ كوردية موحدة هو من العناصر الأساسية في توحيد الكوردستانيين و جعلهم يتفاعلون مع البعض و يتجانسون في الفكر و الثقافة.

إن تنظيم الكوردستانيين يكون سهلاً عندما يكونون واعين و مشبعّين بالمبادئ الوطنية و يعيش في أعماقهم حُب الوطن و الشعور بالإنتماء لكوردستان و الإستعداد الكامل للدفاع عنها. يتم تنظيم الجماهير الكوردستانية من خلال التنظيمات السياسية و الطلابية و الشبابية و النسوية و المهنية و منظمات المجتمع المدني. إن تنظيم الجماهير الكوردستانية سيُحقق إستقلال كوردستان و حرية شعبها من خلال تنظيم المظاهرات و الإضرابات و إعلان العصيان المدني و الإضراب عن الطعام. على سبيل المثال، قيام عدة ملايين من الكوردستانيين بالإضراب عن الطعام سيهزّ الرأي العام العالمي و يضطر بسببه المجتمع الدولي و الدول الكبرى التدخل لإنقاذ حياة الملايين من الكوردستانيين المضربين عن الطعام و تضغط على الدول المُغتصِبة لكوردستان للإعتراف بحق الشعب الكوردستاني في الحرية و الإستقلال. كما أن الجماهير الكوردستانية المليونية تستطيع إيقاف الحياة في كافة أرجاء كوردستان و في الدول المُغتصِبة لكوردستان من خلال الإضراب العام عن العمل و التظاهرات و قطع طرق المواصلات.

















74
تأسيس جيش كوردستاني موحّد (4) (الحلقة الأخيرة)

د. مهدي كاكه يي

إن كافة الثورات الكوردستانية إتخذت إستراتيجية عسكرية دفاعية و جعلت من كوردستان الساحة الوحيدة لحروبها مع المحتلين. هذه الإستراتيجية الخاطئة أدت الى دمار و خراب كوردستان و قتل مواطنيها و تشريدهم و قادت الى كارثةٍ إجتماعية و صحية و نفسية و بيئية، يحتاج الكوردستانيون الى عشرات السنين و مئات المليارات من الدولارات لمعالجتها و محو تأثيراتها السلبية. لذلك في حالة الإضطرار للقيام بالكفاح المسلح ضد الدول المُغتصِبة لكوردستان، ينبغي نقل الحروب الى داخل البلدان المُغتصِبة لكوردستان، بدلاً من جعل كوردستان ساحة للحروب، لمنع قتل و تشريد سكان كوردستان و تدمير البنى التحتية فيها و خلق مشاكل إجتماعية و إقتصادية و نفسية و صحية و بيئية كارثية التي تمتد آثارها المدمرة لأجيال عديدة.

يمكن الإستفادة من الملايين من الكورد الذين يعيشون في المدن الكبيرة للبلدان المُغتصِبة لكوردستان مثل إستانبول و أنقره و إزمير و طهران و خراسان و بغداد و دمشق و حلب و غيرها من المدن التي فيها جاليات كوردستانية كبيرة، من خلال تنظيمهم و تدريبهم لنقل الحرب الى قلب الدول المُغتصِبة لكوردستان و جعل موازين القوى تميل لصالح شعب كوردستان. هذا يتطلب  العمل منذ الآن لتهيئة القوى البشرية و السلاح و الأوكار و وسائل النقل و الإتصالات و وضع الإستراتيجيات و الخطط و كل مستلزمات العمليات العسكرية التي ستُجرى على أرض العدو.

نظراً للإختلال في توازن القوة العسكرية بين الكوردستانيين من جهة و الدول المُغتصِبة لكوردستان من جهة أخرى، ينبغي أن يكون معظم وحدات الجيش الكوردستاني عبارة عن قوات خاصة مدرّبة على خوض حرب العصابات و حرب المدن، حيث يمكن دراسة الحرب الأخيرة التي إندلعت بين إسرائيل و حزب الله اللبناني للإستفادة من الإستراتيجيات و التكتيكات العسكرية التي إتبعها حزب الله في الحرب المذكورة.

نتيجة هذا الخلل في ميزان القوة بين الكوردستانيين و محتليهم، فأن خوض حروب جبهوية ضد القوات المُغتصِبة سيكون في صالح الدول المُغتصِبة لكوردستان. لهذا السبب فأن الإستراتيجية العسكرية الصحيحة ستكون الإعتماد على حرب العصابات في المناطق الجبلية و حرب المدن و التركيز على الأسلحة الدفاعية مثل الأسلحة المضادة للطائرات الحربية و طائرات الهليوكوبتر و الدبابات. كما ينبغي إستخدام الألغام المضادة للدبابات و العربات العسكرية و إستعمال الأسلحة الدفاعية الخفيفة التي يمكن حملها و نقلها و إستخدامها بسهولة و كذلك تأسيس مجاميع قتالية خاصة للقيام بعمليات نوعية خلف القوات المعادية و في مناطق تواجد هذه القوات لتدمير مخازن الأسلحة و مصادر التموين و قطع الإتصالات بين مختلف الوحدات العسكرية للدول المُغتصِبة لكوردستان و الإهتمام النوعي بجهاز المخابرات لجمع المعلومات الضرورية عن أهداف العدو و خططه و عدد و عُدة قواته العسكرية و مواقع إنتشارها و تحركاتها و أماكن تواجد قياداتها و عن خططها و إمكانياتها و غيرها. ينبغي على حكومة جنوب كوردستان أيضاً إتباع إستراتيجية حرب العصابات نظراً للخلل في توازن القوة العسكرية بين جنوب كوردستان و الدول المُغتصِبة.

من شروط النجاح في الحرب التي تخوضها كوردستان، يجب تحقيق الإكتفاء الذاتي في إنتاج المواد الغذائية و مصادر الطاقة و الألبسة و الأسلحة الدفاعية اللازمة.

ينبغي على القيادة الكوردستانية، و خاصةً حكومة جنوب كوردستان وضع خططٍ إستراتيجية للحصول على أسلحةٍ نوعية يمكن عن طريقها ردع المحتلين من الإستمرار في إحتلالهم الإستيطاني لكوردستان و إستعمارهم لشعبها. إنّ كوردستان بلد غني بثروتها البشرية و خبرات و كفاءات مواطنيها و بمواردها الطبيعية من مياهٍ و بترول و غازٍ و معادن و أراضي زراعية خصبة و بآثارها و مقومات السياحة فيها، لذلك تتوفر فيها كل الإمكانيات لإبتكار أسلحةٍ إستراتيجية رادعة. إستطاع الإسرائيليون أن يصنعوا قنابل نووية في عام 1959 أي بعد 11 عاماً من تأسيس دولة إسرائيل.

75
تأسيس جيش كوردستاني موحّد (3)

د. مهدي كاكه يي

يجب أن يتم قبول المواطنين الكوردستانيين في الجيش الكوردستاني على أساس الوطنية و الكفاءة  و اللياقة البدنية، بعيداً عن الحزبية و العشائرية و المحسوبية و أن يتم من خلال تطوع المواطنين الكوردستانيين في الخدمة فيه. أقترح أن يخدم قسم قليل من أفراد هذا الجيش بصورة دائمية، بينما أن تكون أكثرية أفراد الجيش عبارة عن أفراد إحتياط، تتم دعوتهم للخدمة العسكرية عندما تكون كوردستان بحاجة الى خدماتهم، مثلاً في حالة الحروب و الطوارئ. بهذه الطريقة يتم تخفيض الإنفاق العسكري و في نفس الوقت تتم الإستفادة من قوات الإحتياط في أوقات السلم للمساهمة في بناء كوردستان و خدمة الشعب من خلال العمل، كلٌّ في مجال إختصاصه و تبعاً لخبراته و مؤهلاته و قدراته و إمكانياته، كما هو الحال بالنسبة لباقي المواطنين المدنيين. يجب أن يتم تحديد فترة زمنية لتدريب أفراد الجيش الى أن يصبحون مؤهلين للقيام بمهامهم العسكرية. بعد إتمام التدريب الأولي، يتسرح الأفراد الإحتياط، فيعودون الى أعمالهم أو دراساتهم و الى حياتهم الإعتيادية السابقة.

بالنسبة لقوات الإحتياط، ينبغي إستدعاؤهم للتدريب بين فترة و أخرى، مثلاً مرة واحدة كل ثلاث أو كل ستة أشهر، ليتدربون لفترة زمنية محددة ليتواصلوا مع تدريباتهم و يقوموا بتطوير علومهم العسكرية و يحافظوا على إستعداداتهم النفسية و البدنية. يمكن أن تتم مراعاة ظروف قوات الإحتياط عند الإستدعاء لكي لا يؤثر على حياتهم الشخصية و معيشتهم و معيشة عائلاتهم، كأنْ يتم مثلاً إستدعاء الطلاب أثناء عطلهم الصيفية أو عطل نصف السنة الدراسية و بالنسبة للأفراد العاملين، يمكن أن يتم ترتيب و تنظيم إلتحاقهم بالتدريب، بحيث لا يؤثر على أعمالهم، كأنْ يتم إستدعاؤهم خلال الأوقات التي لا يعملون فيها. ينبغي تخصيص رواتب للعسكريين الدائميين بحيث تكفي لمعيشتهم. كما ينبغي تفضيل الكوردستانيين الذين كانوا جنوداً و ضباط صف و ضباطاً في جيوش الدول المحتلة لكوردستان في الإنضمام الى صفوف الجيش و مراعاة الأصناف العسكرية التي خدموا فيها و التي أتقنوها و بذلك يتم توفير الكثير من المال و الوقت و الجهد، مقارنةً بقبول أفرادٍ لا يمتلكون خبرات عسكرية.

هناك نقطة مهمة جداً ينبغي الإهتمام بها وهي أنه يجب على الجهات المسئولة عن إختيار المتطوعين أن تكون حذرة جداً و دقيقة في قبول المتطوعين لمنع إختراق الجيش من قِبل حكومات الدول المُغتصِبة لكوردستان التي ستحاول مخابراتها بكل تأكيد أن تزرع و تدّس عناصرها في الجيش الكوردستاني. لذلك ينبغي دراسة خلفيّة كل شخص يرغب بالتطوع في الجيش، دراسة دقيقة لإفشال محاولات المحتلين.

بالنسبة الى مصادر تمويل الجيش الذي يتم تأسيسه، فأنه يتم تأسيس صندوق خاص يتم عن طريقه تمويل نفقات الجيش، بالإضافة الى إستخدامه في تمويل إحتياجات الكوردستانيين في كافة المجالات. في البداية ستُشكّل تبرعات المواطنين الكوردستانيين المصدر الرئيس لتمويل الصندوق و فيما بعد سيصبح التمويل بشكل رئيسي عن طريق أرباح الإستثمارات التي تُقام. كما يمكن لحكومة جنوب كوردستان تغطية جزءٍ من النفقات العسكرية للجيش الكوردستاني.

جيوش الدول المُغتصِبة لكوردستان ستكون إحدى المصادر الرئيسية لتعلّم الكوردستانيين للفنون العسكرية على مختلف أصناف الأسلحة و بذلك يتم الإقتصاد في الأموال و الوقت و الجهد و حل قسمٍ من مشكلة إيجاد أماكن للتدريب و توفير مختلف أنواع الأسلحة و مُدرّبين، حيث يتم تدريب المواطنين في هذه الجيوش "مجّاناً". كما أن جنوب و غرب كوردستان سيكون لهما دوراً محورياً في تدريب الكوردستانيين و توفير الأسلحة اللازمة لهم. يمكن إستخدام  مقرات و معسكرات حزب العمال الكوردستاني لتدريب قسم من الجيش الكوردستاني و أن تلعب هذه المعسكرات دوراً كبيراً في تدريب المواطنين على الفنون الحربية و خاصة حرب العصابات. يمكن القيام بإقامة معسكرات التدريب في المناطق الجبلية في مختلف المناطق الكوردستانية و حتى أنه يمكن تنظيم دورات تدريبية في البيوت لمجموعات صغيرة (كل مجموعة تتألف مثلاً من أربعة أو خمسة أشخاص) في مختلف مناطق كوردستان، بل في مدن و قصبات و أرياف الدول المُغتصِبة لكوردستان.

كما يمكن تهيئة كوادر عسكرية في مختلف الصنوف، و خاصة في مجال القوة الجوية عن طريق الحصول على زمالات و بعثات عسكرية في دول محددة و لدى تنظيمات و منظمات صديقة أو من الدول و المنظمات المعادية للدول المُغتصِبة لكوردستان، مثل بلغاريا و اليونان و أرمينيا و إسرائيل غيرها. قد يكون ممكناً شراء أسلحة من الدول المذكورة و من تنظيمات و منظمات عديدة. كما يجب القيام بتصنيع الأسلحة محلياً في إقليم جنوب كوردستان و في المناطق التي يتواجد فيها حزب العمال الكوردستاني و كذلك في إقليم غرب كوردستان.



76
تأسيس جيش كوردستاني موحّد (2)

د. مهدي كاكه يي

في البداية أود أن أتحدث عن واقعة تُبيّن كيف يقوم محتلو كوردستان بسرقة تأريخ و ثقافة و تراث الشعب الكوردي لإلغاء وجوده و هويته. قبل عدة سنوات قمتُ بزيارة سياحية لشمال كوردستان مع مجموعة من المواطنين الغربيين. كان من ضمن برامج هذه السفرة هو القيام بزيارة لأحد معامل صناعة السُجّاد هناك. خلال زيارتنا للمعمل، أخذ أحد الموظفين العاملين في المعمل يسرد لنا تأريخ صناعة السجاد في "تركيا" و خلال حديثه ذكرَ بأن تأريخ صناعة السجاد "التركي" عمره حوالي ثلاثة آلاف سنة. بعد الإنتهاء من حديثه، سألتُه عن تأريخ قدوم الأتراك الى المنطقة و أضفتُ بأن الوجود التركي في المنطقة لا يتجاوز 900 عاماً و أن أسلاف الكورد هم الذين قاموا في ذلك الزمن البعيد بصناعة السُجاد في هذه المنطقة، حيث كان لا وجود للأتراك في المنطقة في ذلك الوقت. أضفتُ بأن أسلاف الشعب الكوردي على هذه الأرض التي نقف عليها الآن، قاموا بحياكة أقدم قطعة قماش في العالم في عام 7000 قبل الميلاد أي قبل أكثر من تسعة آلاف سنة و التي تم العثور عليها في شمال كوردستان، في موقع "چيانو" الذي يعني "الجبل الجديد" بالكوردية و أن إسم هذا الموقع الأثري يدل على كورديته.

لذلك فأن تأسيس جيش مهني موحد، ينخرط في صفوفه المواطنون الكوردستانيون من كافة أنحاء كوردستان، هو حاجة مُلحّة ينبغي القيام به بسرعة لحماية شعب كوردستان و وطنه و للإستعداد الكامل لكافة التطورات السياسية و العسكرية الكبرى التي تمر بها المنطقة بشكل خاص و العالم بشكل عام و إغتنام هذه الفرصة التأريخية لتحرير كوردستان و شعبها و ترسيخ الدور الكوردستاني في توازن القوى في المنطقة و تثبيت الحضور الكوردستاني في كافة الإستراتيجيات التي يتم وضعها للمنطقة و فرض الوجود الكوردستاني القوي في كافة الإتفاقيات و المعاهدات التي يتم إبرامها بشأن مصير منطقة الشرق الأوسط الكبير لتظهر دولة كوردستان على الخارطة الجديدة للمنطقة و تبزغ شمسها في سماء المنطقة و يُبنى نظام ديمقراطي فيها يتم الإقتداء به من قِبل شعوب المنطقة و لتنتشر معالم الرخاء و الرفاهية و العدالة الإجتماعية في المجتمع الكوردستاني للتعويض عن المآسي و الإبادة و الأنفالات التي تعرض لها و ليأخذ مكانته في صفوف الشعوب المتحضرة و المتقدمة لمواصلة رفد البشرية بالإنجازات و الإبتكارات و الإختراعات و الخدمات من جديد كأسلافه الذين أوجدوا النار و الزراعة و تربية الحيوانات و الصناعة في كهوف كوردستان و كأسلافهم السومريين و السوباريين و الإيلاميين و غيرهم الذين قدموا خدمات كبرى للإنسانية من خلال إبتكاراتهم و إكتشافاتهم العظيمة.

يُقترح أن تقوم المرجعية السياسية الكوردستانية الموحدة المؤمّل إيجادها، بالإشراف على تأسيس جيش كوردستاني و أن تقوم هذه المرجعية بتشكيل لجنة عسكرية مهنية للقيام بهذه المهام و تحديد أصناف الوحدات العسكرية و أعدادها و أنواع و كميات الأسلحة و برامج التدريب و أماكن تواجد القوات و ميزانية هذا الجيش و مصادر المال اللازم له و كيفية الحصول على الأسلحة التي يحتاج إليها الجيش الكوردستاني المُقترح تشكيله و القيام بعقد إتفاقيات التدريب و شراء الأسلحة و وضع الإستراتيجيات العسكرية و غيرها من الأمور العسكرية الضرورية التي يحتاجها الجيش، حيث أن العسكريين هم أكثر إلماماً بها.


77
تأسيس جيش كوردستاني موحّد (1)

د. مهدي كاكه يي


في البداية نؤكد على أنّ خيرات و موارد الكرة الأرضية هي مُلك للبشرية جمعاء و كل إنسان له الحق في التمتع بحصته من هذه الثروة و يكون حراً و سيد نفسه و مساوياً للآخرين بِغض النظر عن لونه و قوميته و جنسه و دينه و معتقده و مهنته وقابليته البدنية و العقلية، إلا أن هذا لا يحصل، حيث أنه تندلع الحروب بين المجتمعات البشرية على كوكبنا الأرضي منذ عصور سحيقة، فيحاول الإنسان القوي إستغلال الإنسان الضعيف و تحاول الشعوب و الجماعات القوية فرض هيمنتها و سيطرتها على الشعوب و الجماعات الأضعف منها و التحكّم بحياة هذه الشعوب و الجماعات و نهب ثرواتها و يعود السبب في ذلك الى جشع الإنسان و تخلفه و رغبته في الحكم و السيطرة و الشهرة و الإستحواذ على الثروة. لذلك تضطر الدول و الشعوب الى إيجاد وسائل للدفاع عن نفسها و لحماية ثرواتها.

الحرب تعني الموت و الدمار و الخراب، إنها الجنون، وهي جريمة ضد الإنسانية و ضد التمدّن و التحضّر، إلا أن الإنسان قد يضطر لخوضها من أجل الحفاظ على حياته و ممتلكاته. لذلك تحتاج كوردستان الى بناء قوةٍ دفاعية تدافع عن شعب كوردستان، حيث أن بلاده مُحتلة إستيطانياً و مجزأة و أن الظروف الإقليمية غير مستقرة و يُرى في الأفق تبلْور إنبثاق خارطة جديدة للشرق الأوسط الكبير و لذلك ينبغي على شعب كوردستان أن يُهئ نفسه و يستعد لمواجهة كافة المستجدات و التطورات التي قد تحصل في هذه المنطقة المضطربة و التي تسودها الفوضى و ضبابية المستقبل الذي ينتظر سكانها.

إن لكوردستان موقع إستراتيجي مهم، حيث أنها الجسر الموصل بين الشرق و الغرب. كما أنها تقع في قلب منطقة الشرق الأوسط التي تحتوي بواطنها على أكبر إحتياطي البترول في العالم. منطقة الشرق الأوسط هي أيضاً سوق كبيرة مربحة لمنتجات الدول الصناعية و مصدر مهم لتصدير المواد الأولية الى الدول الصناعية. كما أن كوردستان غنية بمواردها الطبيعية، حيث تقع منابع نهرَي دجلة و الفرات فيها، بالإضافة الى أنها تطفو فوق بحارٍ من البترول و الغاز الطبيعي و تحتوي بواطن أرضها على الكثير من المعادن.

تُقدّر نفوس سكان كوردستان بحوالي 50 مليون نسمة و يمكن القول بأن غالبية الكوردستانيين يؤمنون بالنظام الديمقراطي و منفتحون على الحداثة و القيم و المفاهيم المعاصرة.

كل هذه العوامل الآنفة الذكر توفّر فرصة عظيمة لشعب كوردستان في لعب دورٍ محوري في رسم خارطة المنطقة و في تحديد التوازنات الإقليمية و الدولية و المساهمة في بناء و تطور الحضارة الإنسانية.

القوانين الدولية تعطي الحق لكل شعب و كل إنسان في الدفاع عن نفسه و عن أسرته و شعبه و ممتلكاته و وطنه. لذلك فأن شعب كوردستان ينبغي أن تكون له قوات عسكرية ليحمي بها نفسه و وطنه و ثرواته و مكتسباته و ليدافع عن وجوده و هويته و لغته و ثقافته و تراثه و ليحرر وطنه من الإستعمار و الإحتلال الإستيطاني وليردع المحتلين و كل الطامعين و منعهم من إبادة شعب كوردستان و إستعباده.

إن شعب كوردستان من أكثر الشعوب التي تحتاج الى إمتلاك قوة عسكرية رادعة، حيث أن بلاده مُجزأة و محتلة من قِبل عدة دول و أن هذه الدول لا تقرّ بأنها دول محتلة، بل تعتبر كل دولة من هذه الدول الجزء الذي تحتله من كوردستان جزءاً لا يتجزأ من بلادها، و الذي يعني أنها تُلغي الوجود الكوردستاني شعباً و وطناً و هويةً و لغةً و ثقافةً و تراثاً و تأريخاً.


78
ترسيخ الديمقراطية و تطبيق مبدأ المواطنة في كوردستان (4)  (الحلقة الأخيرة)

تأسيس أحزاب سياسية عصرية و منظمات المجتمع المدني

مهدي كاكه يي

إن معظم الأحزاب الكوردستانية هي أحزاب تقليدية "تعبانة" و لا تزال تعيش في زمن الحرب الباردة التي كانت سائدة في القرن الماضي و أن قيادات هذه الأحزاب متأثرة بالأفكار الشمولية و الدكتاتورية و الشعور بالدونية و أن قسماً كبيراً من الأحزاب الكوردستانية  قائمة على أسس شخصية و عائلية و عشائرية و مناطقية. لهذه الأسباب فأن هذه الأحزاب عاجزة عن الإنفتاح على الأفكار و المبادئ و المفاهيم و القيم المعاصرة و قاصرة عن مواكبة التطور و المستجدات السياسية و الإقتصادية و الفكرية في كوردستان و في الدول المُغتصِبة لكوردستان و في مراكز القرار الدولية.

إن قيادات هذه الأحزاب قد ترسّخ فيها التعصب الحزبي و الفكر التقسيمي (الفكر الذي يُقسّم كوردستان الى أقاليم مستقلة و يعزلها عن بعضها، حيث يربط كل جزء من أجزاء كوردستان بالدولة المُغتصِبة له و بذلك يعمل هذا الفكر التقسيمي على تقسيم القضية الكوردستانية و تشتيت النضال الكوردستاني) اللذان يهددان النضال الكوردستاني و وحدة كوردستان. لذلك فأن هذه الأحزاب تعيش في عصر غير عصرها، تفتقد الى القدرة على قيادة شعب كوردستان و تحقيق إستقلال كوردستان و أن هذه القيادات قد تجاوزها الزمن و العصر الذي نعيش في ظله وتعيش خارج الزمن، وهي في طريقها الى الزوال.

نتيجة عجز غالبية الأحزاب الكوردستانية الحالية في قيادة شعب كوردستان نحو التحرر و الإستقلال، فأن شعب كوردستان ، بحاجة الى تأسيس أحزاب سياسية عصرية، يُشكّل الشباب العمود الفقري لها، ليتسلم جيل الشباب المسئولية الوطنية و ليصبح جيلاً للإدارة و البناء و الدبلوماسية و تنظيم الجماهير و قيادة النضال الجماهيري الحضاري. مثل هذه الأحزاب السياسية العصرية ستكون قادرة على التفاعل مع الأفكار و المبادئ و القيم الجديدة و مواكبة التطورات العالمية و الإقليمية الكبرى التي حدثت و تحدث في العالم و المنطقة و مؤهلةً لوضع إستراتيجية صائبة للنضال الكوردستاني و بالتالي تحقيق إستقلال كوردستان و تأسيس نظام سياسي ديمقراطي يُلبّي طموحات الشعب في الحرية و المساواة و العدالة الإجتماعية و الرفاهية و التقدم.

ينبغي أن يعمل كل حزب سياسي على نطاق كوردستان كلها، في كل أجزاء كوردستان، و بذلك يتوحد النضال الكوردستاني على مستوى كوردستان كلها و يتم إنهاء الفكر التقسيمي الخطير الذي لا يزال يسود في كوردستان. من الأفضل أن يكون لكل حزب فرع رئيسي في كل إقليم كوردستاني، إضافةً الى قيادة عليا يتمثل فيها كل أجزاء كوردستان و كوردستانيو المهجر.

كما ينبغي إنشاء منظمات المجتمع المدني من نقابات و جمعيات و إتحادات مختلفة تقوم بنشاطاتها لتحقيق الأهداف الكوردستانية. يجب أن تكون هذه المنظمات مستقلة عن السلطة التنفيذية في حالة جنوب كوردستان و غير مرتبطة بأحزاب سياسية بالنسبة الى بقية أجزاء كوردستان التي تفتقد الى حكومات. تستطيع هذه المنظمات عقد لقاءاتها و إجتماعاتها و تواصلها مع البعض عن طريق اللقاء المباشر و الإنترنت و الفضائيات. كما ينبغي تأسيس جمعية لحقوق الإنسان للدفاع عن حقوق الكوردستانيين. ينبغي أن تكون هذه المنظمات موحدة، تضم النقابات و الإتحادات و الجمعيات الكوردستانية في مختلف أنحاء كوردستان.



79
ترسيخ الديمقراطية و تطبيق مبدأ المواطنة في كوردستان (3)

خلق مجتمع كوردستاني متجانس

مهدي كاكه يي

يجب إستخلاص الدروس من التجارب الفاشلة لحكومات كثير من دول العالم، خاصة دول منطقة الشرق الأوسط و التي تتألف شعوبها من مجموعات إثنية و قومية و دينية و مذهبية متعددة، حيث حاولت الحكومات العنصرية و الدينية و الطائفية أن تُذيب القوميات و الأديان و المذاهب الأخرى في قوميتها و دينها و طائفتها، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل و خلقت مجتمعات متنافرة، عبارة عن خليط من المجاميع الإثنية و الدينية و المذهبية التي لا تربطها ثقافة و أهداف و مصالح مشتركة أو مصير مشترك، و بذلك عاشت هذه الشعوب و القوميات و الأديان و الطوائف ضمن كيانات سياسية واحدة لفترة زمنية طويلة دون أن تتمكن أن تصبح مجتمعات متجانسة، كما في حالة العراق و سوريا و "تركيا" و إيران و البحرين و السعودية و غيرها من الدول.

إن كافة القوميات و الديانات و المذاهب يجب أن تتساوى في كوردستان و أن تتمتع هذه القوميات و الإثنيات و الأديان و المذاهب الكوردستانية بحريتها و كافة حقوقها. لذلك يجب الإهتمام بثقافات و لغات و تأريخ و تراث و شعائر و طقوس و مناسبات القوميات في كوردستان و تطويرها و فتح مدارس و معاهد لتعليم أطفال القوميات غير الكوردية لغاتهم و تعريفهم بتأريخهم و تراثهم و أن يكون جميع مواطني كوردستان متساوين في الحقوق و الواجبات.

كذلك ينبغي أن تتمتع الأديان و المذاهب و المعتقدات في كوردستان بكافة حقوقها و حريتها في ممارسة طقوسها و شعائرها و الإحتفاء بمقدساتها و مناسباتها الدينية و المذهبية و تعريف أطفالها في المدارس بأديانهم و تأريخ هذه الأديان و الإهتمام بمزاراتهم و معابدهم و تكاياهم و كنائسهم و حسينياتهم .

مبدأ المساواة بين المكونات الكوردستانية ينبغي أن يتم التمسك به من قِبل الأحزاب الكوردستانية و حكومة إقليم جنوب كوردستان، لخلق مجتمع كوردستاني متجانس، تتمتع فيه كافة مكوناته الإثنية و القومية و الدينية و المذهبية و العقائدية بحقوق متساوية دون أي تمييز. إن هذا الأمر مهم جداً و ينبغي الإهتمام الكبير به لنشر ثقافة الديمقراطية و حقوق المواطنة و حرية التعبير و الإعتقاد و إنفتاح المكونات الكوردستانية على بعضها و التآلف بينها لخلق مجتمع ذي ثقافة و مصالح و أهداف مشتركة و مصير مشترك و ليشعر الجميع بالإنتماء الى وطنهم، كوردستان.


80
ترسيخ الديمقراطية و تطبيق مبدأ المواطنة في كوردستان (2)

مبدأ المواطنة في كوردستان

مهدي كاكه يي


إن بناء أنظمة سياسية على مبدأ المواطنة، بعيداً عن التمييز الإثني و القومي و الديني و المذهبي و الجنسي، يخلق مجتمعاً متجانساً، يشعر المواطنون في ظلها بروح الإنتماء الى الوطن و الدفاع عنه و يشترك أفراد الشعب في الثقافة و المصالح و الأهداف و المصير و هذا بدوره يقود الى التقدم و الإزدهار و الرفاهية. من هذا المنطلق، ينبغي أن تؤمن الأحزاب الكوردستانية بمبدأ المواطنة و تطبيقه عملياً في التعامل مع مختلف مكوّنات شعب كوردستان.

حرصاً على التجربة الكوردستانية في الجنوب و على نجاح النضال الكوردستاني، أود هنا أن أشير الى ثلاث حالات لخرق مبدأ المواطنة و الكفاءة في جنوب كوردستان. هناك أعداد كبيرة تُقدّر بعشرات الآلاف من أعضاء الحزب الديمقراطي الكوردستاني و الإتحاد الوطني الكوردستاني، تمت إحالتهم على التقاعد و يحصلون على رواتب تقاعدية من أموال الشعب. أغلب هؤلاء المتقاعدين لم يخدموا في صفوف البيشمەرگه و أنهم من الشباب القادرين على العمل. تمت إحالة هؤلاء على التقاعد فقط لكونهم ينتمون الى الحزبَين المذكورَين. هؤلاء الآن يؤدون مهام حزبية مقابل الرواتب التقاعدية التي يحصلون عليها، حيث يداومون ك"موظفين" في المقرات الحزبية. هذا الإجراء يخرق مبدأ المواطنة، حيث يتم تفضيل الحزبيين على المواطنيين الكوردستانيين الآخرين، كما تعمل الأنظمة الشمولية و الدكتاتورية. كما أن دفع أموالٍ طائلة كرواتب تقاعدية لهذا العدد الهائل من أعضاء الحزبَين الذين معظمهم قادرون على العمل، يستنزف خزينة الإقليم و يؤثر سلباً على تنمية الإقليم و تطويره و بناء البُنية التحتيه له و تقديم الخدمات للمواطنين و يؤدي الى إنخفاض مستوى المعيشة لسكان الإقليم.

إحالة هؤلاء على التقاعد، خلقت جيشاً من العاطلين عن العمل الذين يتم إبعادهم عن المساهمة في بناء الإقليم و خدمته و زيادة الإنتاج و الإنتاجية. ينبغي أن يتم التفكير بالمصلحة الوطنية قبل أي شئ آخر و التفكير ببناء و تنمية و إزدهار كوردستان بدلاً من المصالح الحزبية. يمكن تشريع قوانين عامة للتقاعد و الضمان الإجتماعي و ضمان التعويض عن البطالة في الإقليم ليحصل جميع المواطنين الذين أعمارهم ضمن سن التقاعد على رواتب تقاعدية طبقاً لخدماتهم الوظيفية. بالنسبة للذين لم يكن لهم عمل، أي لم يخدموا كموظفين أو عمال، ينبغي منحهم رواتب تقاعدية مقدارها يُعادل المبلغ المخصص للضمان الإجتماعي الذي مقداره يُعادل الحد الأدنى من مستوى المعيشة في الإقليم لضمان حياة معيشية كريمة للمواطنين. مبلغ الحد الأدنى لمستوى المعيشة يتغير بإستمرار تبعاً لتغيّر مستوى المعيشة في الإقليم. بالنسبة للعاطلين عن العمل، ينبغي إقرار قانون لتعويض العاطلين عن العمل بنسبة معقولة من رواتبهم ليكونوا قادرين على العيش بها.

الحالة الثانية هي عدم إستفادة الإقليم من خبرات و معلومات عشرات الآلاف من الأكاديميين و المهنيين الكوردستانيين المغتربين في الدول الغربية و الذين يحملون شهادات دراسية في مجال إختصاصاتهم و عدم إتاحة الفرصة أمامهم للمساهمة في بناء الإقليم و دمقرطة المجتمع، بسبب عدم إنتمائهم الى أحد الحزبَين الحاكمَين في الإقليم. إن هؤلاء ثروة بشرية نادرة لا يمكن الإستغناء عنهم، حيث أن العلماء و الباحثين هم الركيزة الأساسية في بناء و تطور و تقدم البلدان.

الحالة الثالثة هي ظاهرة هجرة الشباب من كوردستان ومطالبة حكومة إقليم جنوب كوردستان للحكومات الغربية بعدم إعادة طالبي اللجوء من مواطني الإقليم الى وطنهم و بمنحهم اللجوء في البلدان الغربية. إن حياة هؤلاء لا تتعرض للتهديد و المخاطر في كوردستان و هذا يعني بأنهم غير مستحقين للحصول على اللجوء في بلدان أخرى حسب بنود الإتفاقيات و المعاهدات الدولية. كما أن مطالبة حكومة الإقليم بمنح اللجوء الى هؤلاء، تُسئ لحكومة الإقليم لأن منحهم اللجوء يعني أن النظام السياسي في الإقليم هو نظام مستبد، يضطهد مواطنيه. غالبية طالبي اللجوء من سكان الإقليم هم من الشباب و أن كوردستان بحاجة كبيرة لهم لبنائها و تطويرها، لذلك ينبغي إيجاد فرص الدراسة و العمل للشباب في الإقليم و إشباع إهتماماتهم و هواياتهم ليعيشوا في كوردستان و يخدموا شعبهم و بلدهم.

هنا يجب التأكيد على أن الإنتماء الحزبي هو عمل تطوّعي، حيث أن المواطن ينتمي الى حزب سياسي مُعيّن ليقوم بخدمة شعبه و لذلك فأن هدف الإنتماء الحزبي هو ليس التفرّد بالحكم والسلطة والثروة والحصول على الإمتيازات على حساب الشعب، بل هو المساهمة في خدمة الشعب من خلال خلق الرفاهية للشعب و تنمية البلاد و تطويرها.



81
ترسيخ الديمقراطية و تطبيق مبدأ المواطنة في كوردستان (1)

ترسيخ الديمقراطية

مهدي كاكه يي

إن تبنّي الديمقراطية و التعددية و العلمانية و قبول الآخر، تُعتبر الحجر الأساس لضمان تحقيق أهداف النضال الكوردستاني، حيث لا يمكن للكوردستانيين تحقيق تحررهم و إستقلال بلدهم بإتباع النهج الشمولي و الدكتاتوري و خلط الدين بالسياسة. ينبغي أن يكون المواطن الكوردستاني حراً في خياراته و تفكيره و قراراته ليكون قادراً على الإبداع و الخلق و التطور و التطوير و المساهمة في خلق مجتمع متحضر منتج، تسوده العدالة الإجتماعية و المساواة. الإنسان المُقيّد و مقهور الإرادة لا يمكنه أن يكون عضواً نافعاً في المجتمع، حيث يكون عاجزاً عن الإبداع و الإنتاج.

ينبغي أن تسود الديمقراطية و الحرية في إقليم جنوب كوردستان لتكون قدوةً للأجزاء الأخرى من كوردستان و لضمان نجاح التجربة الكوردستانية في هذا الجزء و الذي بدوره يُمهّد الطريق لتحقيق تحرر كوردستان بأكملها و بنائها بكل عزم و سرعة للحاق بالدول المتحضرة و المتقدمة.

ينطبق هذا الأمر أيضاً على التنظيمات السياسية الكوردستانية لخلق أحزاب سياسية ناجحة، قادرة على العطاء و تقديم المنجزات و تجديد نفسها بإستمرار لمجاراة التطورات المحلية و الإقليمية و الدولية و التفاعل مع المستجدات من الأفكار و المبادئ و المفاهيم و القيم، ليضمن بقاءها و إستمرارها و لكسب ثقة الشعب و القدرة على تحمل أعباء النضال الصعب الذي تتطلبه القضية الكوردستانية و لتتحرر المواهب و الطاقات الفكرية و الإبداعية الكامنة في أعضاء هذه الأحزاب لخدمة شعبهم و بلادهم.

كما ينبغي أن تسود الديمقراطية و الحرية في منظمات المجتمع المدني و المحافظة على إستقلالية هذه المنظمات عن السلطة التنفيذية في جنوب كوردستان و عن الأحزاب السياسية في كافة أرجاء كوردستان، لخلق ظروف جيدة لهذه المنظمات لأداء مهامها و دورها في المجتمع الكوردستاني.

سيادة الجو الديمقراطي في داخل الأحزاب الكوردستانية، تعمل على خلق قيادات جماعية منسجمة في هذه الأحزاب و بذلك يوفّر فرصاً أكبر و أفضل لإتخاذ قرارات صائبة و تجنّب الأخطاء. كما أن القيادة الجماعية تسد الطريق أمام ظهور الدكتاتورية الفردية و بروز ظاهرة "الزعيم الأوحد" أو سيطرة العائلة و القبيلة على مقدّرات و قرارات الحزب. القيادة الجماعية تمنع أيضاً حدوث فساد مالي و إداري في الحزب أو تحدّ منه. الديمقراطية الحزبية تعمل كذلك على خلق و تنمية و تشجيع الكفاءات و المواهب الفردية التي تكون ثروة بشرية خلّاقة للحزب و للشعب على السواء. من الجوانب الإيجابية الأخرى للديمقراطية الحزبية هي أنها تعمل على الحد من النزاعات و الخلافات بين الأحزاب الكوردستانية و ذلك من خلال إسهامها في الحدّ من دور الخلافات الشخصية و العشائرية والآيديولوجية في علاقة الأحزاب السياسية مع بعضها و وضع المصالح الوطنية فوق المصالح الشخصية و الفئوية و الحزبية.

إن سيادة الديمقراطية في تنظيم سياسي ما أو نظامٍ ما، تقود الى تبؤ الأشخاص للمواقع الحزبية أو الإدارية بالإستناد الى الكفاءة و الخبرة و المقدرة و وضع المصلحة الوطنية فوق كل المصالح الأخرى، حيث يتم إختيار المسئولين بطريقة ديمقراطية و بقرارات جماعية التي تضع الشخص المناسب في المكان المناسب. بالنسبة الى الديمقراطية في النظام السياسي، التي تنطبق على جنوب كوردستان و الى حد ما على غرب كوردستان، فأنه ينبغي إناطة المسئوليات و المهام و فتح أبواب التعيينات أمام الكوردستانيين على أساس المواطنة و الكفاءة، بعيداً عن أسس الإنتماء الحزبي.

82
رفع شعار إستقلال كوردستان (3) (الحلقة الأخيرة)

مهدي كاكه يي

نقطة مهمة أخرى لابد الإشارة إليها وهي أن القضية الكوردستانية غير معنية بجزء مُعيّن من كوردستان و علاقة ذلك الجزء بِحكومة الدولة المُغتصِبة لكوردستان، بمعزل عن الأجزاء الأخرى، و بكلام آخر فأن القضية الكوردستانية هي قضية واحدة لشعب واحد، مُغتصَب وطنه من قِبل عدة دول، لذلك لا يمكن حل القضية الكوردستانية بتجزئة هذه القضية الى عدة قضايا مستقلة و كل قضية تكون مرتبطة بإحدى الدول المُغتصِبة لكوردستان بحيث يتم عزل الأقاليم الكوردستانية عن بعضها البعض، بل أن القضية هي قضية شعب كوردستان بأسره و حل القضية الكوردستانية يتم فقط على نطاق كوردستان بأكملها لأن القضية الكوردستانية هي قضية الكوردستانيين جميعاً و لا يمكن حلها ضمن نطاق كل دولة مُغتصِبة لجزء من كوردستان بمعزل عن الأجزاء الأخرى.

مما سبق، يتوصل المرء الى حقيقتَين مهمتَين، الأولى هي إستحالة تمتع الشعب الكوردستاني بحقوقه في المستقبل المنظور في ظل الدول المُغتصِبة لكوردستان، حيث لا تعترف حكومات و شعوب الدول المُغتصِبة لكوردستان بحق تقرير المصير لشعب كوردستان.

إن التطور الإجتماعي للمجتمعات البشرية عبارة عن عملية بطيئة جداً، لذلك فأن تطور شعوب البلدان المُغتصِبة لكوردستان يستغرق أجيالاً عديدة، عندئذٍ قد يرتفع المستوى الفكري و وعي هذه الشعوب بحيث تتبنى النظام الديمقراطي و تتفاعل مع المفاهيم و الأفكار الإنسانية المعاصرة و تعترف بحق شعب كوردستان في تقرير مصيره و التعبير عن إرادته.

الحقيقة الثانية هي أنه لا يمكن حل القضية الكوردستانية في كل جزء مُغتصَب من كوردستان بمعزل عن الأجزاء الأخرى، حيث أن تجزئة القضية الكوردستانية تعني تجزئة كوردستان وتشتت شعبها و نضاله. 

للأسباب السابقة الذكر، فأن رفع شعار الحكم اللامركزي أو الحكم الذاتي أو الفيدرالية أو الكونفيدرالية الديمقراطية من قِبل شعب كوردستان للعيش تحت حكم الإحتلال، هو خطأ تأريخي فادح، حيث لا يمكن تحقيق تمتع الكوردستانيين بحقوقهم في ظل حكم عنصري شمولي و العيش مع شعوب متخلفة لا تقرّ بحقوق شعب كوردستان. كما أن رفع مثل هذه الشعارات للقبول بالعيش في ظل الدول المُغتصِبة لكوردستان، هو إقرار صريح بقبول إغتصاب كوردستان و تجزئة شعبها. إن تجزئة القضية الكوردستانية تعني أيضاً تجزئة النضال الكوردستاني و التي بدورها تؤدي الى إضعاف هذا النضال وتقليل فرص تحقيق طموحات شعب كوردستان، بينما تقوم الدول المُغتصِبة لكوردستان بالتنسيق فيما بينها سراً و علناً لتتمكن من الإستمرار في إغتصاب كوردستان و إستعمار شعبها و الوقوف بوجه تطلعات الكوردستانيين في التمتع بالحرية و الإستقلال و من أجل الإستمرار في نهب ثروات كوردستان.

إن عدم ثبات الشعارات التي ترفعها الثورات و التنظيمات السياسية الكوردستانية و ضبابيتها، تؤديان الى عدم تحقيق الأهداف الكوردستانية و إرباك شعب كوردستان و نضاله، حيث أن الثورات و الأحزاب الكوردستانية تقوم بتغيير هدف نضالها بإستمرار كأنْ تناضل من أجل الإدارة اللامركزية أو الحكم الذاتي أو الفيدرالية أو حق تقرير المصير أو الإستقلال.

إن عدم رفع شعار إستقلال كوردستان تجعل القضية الكوردستانية شأن من الشئون الداخلية للدول المُغتصِبة لكوردستان و بذلك تتقوقع القضية الكوردستانية داخل حدود الدول المُغتصِبة لكوردستان و تمنعها أن تصبح قضية عالمية لشعب مستعمَر و بلاد مُغتصَبة تحتاج الى تدخّل الأمم المتحدة و الدول الكبرى و تلقّي الدعم و المساعدة منها ليتحرر شعب كوردستان من العبودية و الإحتلال.

فيما يتعلق بهذا الموضوع، يجب التأكيد على أنه لا يحق لفرد أو حزب أو مجموعة ما أن تقرر مصير شعب كوردستان بمفردها، بل يجب رفع شعار إستقلال كوردستان ليتحرر من الإحتلال الإستيطاني و يعيش بكرامة و عزة في وطنه، حيث أنه ليس هناك شعب على كوكبنا الأرضي يرضى أن يكون عبداً في وطنه و يوافق على أن يتم إغتصاب بلاده و إلغاء و محو هويته و لغته وثقافته و تراثه وتأريخه و نهب ثروات بلاده.


83
رفع شعار إستقلال كوردستان (2)
مهدي كاكه يي

في الحلقة السابقة تم الحديث عن ثلاث حقائق و التي ينبغي على شعب كوردستان أخذها في الإعتبار في مسيرة نضاله، وهي كون كوردستان بلد مُغتصَب من قِبل عدة دول و أنّ الدول المُغتصِبة لكوردستان تدّعي بأن شعب كوردستان هو جزء من شعوبها و أن كوردستان هي جزء لا يتجزأ من أراضي الدول المُغتصِبة لكوردستان. أي بكلامٍ آخر فأن الدول المُغتصِبة لكوردستان تعتبر كوردستان مُلكاً لها و بذلك تُجرّد شعب كوردستان من هويته و تُلغي وجود كوردستان كوطن للكوردستانيين. كما تم الحديث عن حشو أدمغة شعوب الدول المُغتصِبة لكوردستان بالفكر القومي العنصري الإستعلائي.  في هذه الحلقة نستمر في سرد الحقائق الأخرى.

الحقيقة الرابعة: إن الدول المُغتصِبة لكوردستان يتم حكمها من قِبل حكومات شمولية عنصرية متخلفة، حاولت و تحاول إلغاء وجود الشعب الكوردي و إلغاء هويته و لغته و تأريخه و ثقافته و تراثه. إن هذه الحكومات العنصرية تستخدم العنف و كل الوسائل الأخرى للقضاء على شعب كوردستان و إعاقة نضاله من أجل التحرر و إستقلال بلاده، بما فيها القيام بالإبادة الجماعية و إستخدام الأسلحة الكيميائية و فرض الحصار الإقتصادي و إتباع سياسة الأرض المحروقة و هدم عشرات الآلاف من القرى و المدن الكوردستانية و تشريد سكانها و حرق غابات كوردستان و تدمير بيئتها و العمل على إلغاء الهوية و اللغة الكوردية و التأريخ الكوردي العريق و محو و إزالة ثقافة و تراث شعب كوردستان.

الحقيقة الخامسة: إن شعوب الدول المُغتصِبة لكوردستان هي شعوب متخلفة نتيجة أسباب عديدة لا مجال هنا في الخوض فيها و لذلك فهي غير مؤهلةٍ لبناء أنظمة حُكمٍ ديمقراطية و قبول التعددية و الرأي المختلف و الإعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها، بما فيها تحرر شعب كوردستان.

نظراً لتأخر شعوب الدول المحتلة لكوردستان و عدم أهليتها لبناء أنظمة سياسية ديمقراطية في بلدانها في الوقت الحاضر و في المستقبل المنظور و قد يستغرق تأهيل هذه الشعوب و تطورها أجيالاً عديدة و لهذا السبب على الكوردستانيين أن يعرفوا هذه الحقيقة و على ضوئها يجب أن يُحددوا أهدافهم و يضعوا إستراتيجياتهم و وسائل نضالهم.

الحقيقة السادسة: تتعاون و تُنسّق الدول المُغتصِبة لكوردستان فيما بينها للوقوف بوجه تطلعات شعب كوردستان و منعه من أن يتحرر من الإستعمار الإستيطاني و الإحتلال و العبودية. رغم الخلافات السياسية و الثقافية و المذهبية و الإقتصادية و التأريخية القائمة بين الدول المُغتصِبة لكوردستان، فأنها تتعاون معاً للإستمرار في إستعباد شعب كوردستان و الإستمرار في إغتصاب بلاده و نهب ثروات كوردستان.

هذه الحقائق السالفة الذكر تؤكد على إستحالة بناء أنظمة سياسية ديمقراطية في الدول المُغتصِبة لكوردستان على الأقل خلال المستقبل المنظور، بحيث تعترف أنظمة الدول المُغتصِبة لكوردستان بحق الشعب الكوردستاني في تقرير مصيره بنفسه و أن يكون ندّاً متكافئاً لهذه الشعوب.

لا تزال القضية القومية تلعب دوراً كبيراً في دول ديمقراطية متقدمة و متطورة، حيث أنه من المتوقع أن تنال شعوبٍ كثيرة في الدول الغربية المتقدمة التي تعيش ضمن كيانات سياسية مشتركة، حريتها و إستقلال بلدانها. القوميون الاسكتلنديون يناضلون من أجل إستقلال بلدهم عن بريطانيا وينظمون إستفتاء بعد آخر لتحقيق هذا الهدف. الشعب الكتالوني و الباسك في إسبانيا يعملان بدورهما من أجل إستقلال بلدَيهما عن إسبانيا. في بلجيكا، شعب الفلامان (الفلامنج) الناطق باللغة الهولندية و شعب الوالون (الوالس) الناطق باللغة الفرنسية، لا ينسجمان معاً في العيش المشترك في بلجيكا و من المحتمل جداً أن يستقل هذان الشعبان في المستقبل المنظور و يؤسسان دولتَين مستقلتَين على أنقاض مملكة بلجيكا الحالية. شعب كيوبك الناطق بالفرنسية يناضل من أجل الإستقلال عن بقية سكان كندا الناطقين باللغة الإنكليزية. إذا كانت الدول الغربية الديمقراطية التي قد تسبق الشعوب المتأخرة، مثل الشعوب التركية و الفارسية و العربية، في التقدم و التطور بمئات السنين، لا تستطيع حل التعدد الإثني في بلدانها فكيف يستطيع شعب كوردستان العيش مع الشعوب المتأخرة للدول المُغتصِبة لكوردستان ضمن كياناتها السياسية الحالية؟!!


84
رفع شعار إستقلال كوردستان (1)

مهدي كاكه يي

من خلال التمعن في الواقع الكوردستاني، يظهر بعض الحقائق المهمة المتعلقة بالقضية الكوردستانية. هذه الحقائق هي عوامل مؤثرة جداً على القضية الكوردستانية، بل أنها تُحدد الخيارات الكوردستانية الهادفة الى تحقيق حرية شعب كوردستان و تحرير وطنه. لذلك ينبغي أن تؤخَذ هذه الحقائق بنظر الإعتبار عندما يتم البحث عن حل القضية الكوردستانية و إختيار الشعار الذي ستتبنّاه القيادة الكوردستانية لمثل هذا الحل و لوضع إستراتيجية متكاملة و ناجحة للنضال الكوردستاني.

الحقيقة الأولى: إن كوردستان بلد مُغتصَب من قِبل عدة دول و لذلك فهي مجزأة، كل جزء يتبع سياسياً و ثقافياً و لغوياً و إقتصادياً و إجتماعياً للدولة المُغتصِبة له و التي تنهب أيضاً الثروات الطبيعية الهائلة لكوردستان. نتيجة واقع التجزئة و مؤامرات الدول المُغتصِبة لكوردستان و إنعدام قيادة وطنية كوردستانية محنّكة، أصبح النضال الكوردستاني مجزأً و مشتتاً، حيث أن كل جزء من أجزاء كوردستان يناضل بمعزل عن الأجزاء الأخرى، بل أن الأقاليم الكوردستانية في أحايين كثيرة تُخاصِم و تحارب بعضها البعض بدلاً من توحيد نضالها ضد مُغتصِبي كوردستان.

كما أن كل جزء مُغتصَب من كوردستان قام بتأسيس تنظيمات سياسية خاصة به، بدلاً من تنظيمات سياسية موحدة تضم كافة أجزاء كوردستان و بذلك يقرّ القادة السياسيون الكوردستانيون عملياً بتجزئة كوردستان و الإعتراف بالواقع الكوردستاني الحالي و بحدود الدول المُغتصِبة لكوردستان التي رسمتها الدول الإستعمارية و عمل هؤلاء القادة و لا يزالون يعملون على تجزئة النضال الكوردستاني و تفريق و إضعاف قوة شعب كوردستان.

الحقيقة الثانية:
إن الخطورة الكبرى التي يواجهها شعب كوردستان تكمن في أن إستعمار كوردستان هو إستعمارٌ إستيطاني، حيث تدّعي الدول المُغتصِبة لكوردستان بأن شعب كوردستان هو جزء من الشعب التركي في "تركيا" و من الشعب العراقي في العراق و أنه جزء من الشعب العربي في سوريا و جزء من الشعب الإيراني في إيران و أن كوردستان هي جزء لا يتجزأ من أراضي هذه الدول المُغتصِبة لكوردستان. أي بكلامٍ آخر فأن الدول المُغتصِبة لكوردستان تعتبر كوردستان مُلكاً لها و بذلك تُجرّد شعب كوردستان من هويته و تُلغي وجود كوردستان كوطن للكوردستانيين.

هذا الإستعمار الإستيطاني يُشكّل خطراً جدّياً على وجود الشعب الكوردستاني كشعبٍ مستقل له حضارته و ثقافته و تأريخه العريق. لِكي يدوم إستمرار الإستعمار الإستيطاني لكوردستان، يعمل المحتلون على إزالة آثار وجود الشعب الكوردستاني، حيث عملت حكومات الدول المُغتصِبة لكوردستان و لا تزال تعمل على تعريب و تتريك و تفريس كوردستان و شعبها، حيث قامت بتشريد ملايين الكوردستانيين من أماكن سكناهم في كوردستان و ترحيلهم قسراً الى المناطق العربية و التركية و الفارسية في كل من (العراق و سوريا) و "تركيا" و إيران على التوالي و تم إحلال العرب و الترك و الفرس محلهم و تم إغتصاب ممتلكاتهم. كما تم تغيير عشرات الآلاف من الأسماء الكوردية للشوارع و الأماكن و القرى و المناطق و المدن الكوردستانية لإلغاء الوجود الكوردي في وطنه و على أرضه التأريخية. نتيجة هذه السياسة الإستعمارية الإستيطانية، تم تتريك و تعريب و تفريس الملايين من الكورد و تقلصت و إنكمشت حدود كوردستان.

الحقيقة الثالثة: قامت الحكومات العنصرية الحاكمة للدول المُغتصِبة لكوردستان، بترسيخ الفكر القومي العنصري الإستعلائي في نفوس شعوبها و تلقينها بمعلومات كاذبة مشوهة عن الشعب الكوردي و أصله و تأريخه و حضارته ضمن مخطط مبرمج لخلق عداءٍ قومي بين شعب كوردستان من جهة و الشعوب التركية و الفارسية و العربية من جهة أخرى لكسب هذه الشعوب الى جانبها للمساهمة في إنجاح مخططاتها العنصرية بِمحو شعب كوردستان كشعب و تتريك و تفريس و تعريب كوردستان لسرقتها و نهب ثرواتها.

هذا المخطط العنصري لغسل أدمغة الشعوب التركية و الفارسية و العربية تمّ و يتم عن طريق وسائل الإعلام و مناهج التعليم و عن طريق زج هذه الشعوب في حروب كارثية و تجويعها و تجهيلها و نشر الأمية في صفوفها لتسهيل عملية غسل أدمغتها و إنقيادها الى القبول و الإيمان بالفكر العنصري لحكوماتها و خلق مواقف عنصرية و عدائية تجاه حق الشعب الكوردستاني في الحرية و الإستقلال كأي شعب آخر من شعوب العالم.

هذه الحكومات نجحت الى حد كبير في إقناع شعوبها بأن كوردستان هي أرض تركية (القسم المُغتصَب من قِبل "تركيا") و عربية (القسم المُغتصَب من قِبل العراق و سوريا) و إيرانية (القسم المُغتصَب من قِبل إيران). هذا النجاح لحكومات الدول المُغتصِبة لكوردستان خلق شرخاً كبيراً في العلاقة بين شعب كوردستان من جهة و الشعوب التركية و الفارسية و العربية من جهة ثانية و الذي عمل على جعل تمتع كوردستان بإستقلالها من الأمور الصعبة من خلال الحوار و التفاهم و الإتفاق و في نفس الوقت قاد الى جعل النضال الكوردستاني أكثر صعوبةً.

لو أُعطيت الشعوب التركية و الفارسية و العربية فرصةً جيدة لتكون واعية و مُدرِكةً لمصالحها، لَكانت هذه الشعوب تتحالف مع شعب كوردستان لتحريره من الإحتلال و تحرير هذه الشعوب نفسها من حكوماتها الدكتاتورية و العنصرية لتحقيق الحرية و العيش الكريم لنفسها و لشعب كوردستان و لَقامت ببناء أنظمة ديمقراطية في بلدانها، تنعم بالحرية و السلم و الأمان و الإزدهار. إن مصالح شعب كوردستان تلتقي مع مصالح شعوب الدول المُغتصِبة لكوردستان للقضاء على الأفكار الشمولية و العنصرية المتخلفة و بناء دول ديموقراطية تعمل حثيثاً للإلتحاق بالدول المتقدمة المتحضرة و المساهمة في خدمة الإنسانية و تعمير و تطوير كوكبنا الأرضي، إلا أن تخلف شعوب الدول المُغتصِبة لكوردستان هو عائق أمام توحيد صفوفها مع شعب كوردستان لتحرير نفسها من براثن الدكتاتورية و الشمولية و العنصرية من جهة و تحقيق إستقلال كوردستان من جهة أخرى. في الحلقة الثانية من هذه السلسلة من المقالات، نستمر في سرد هذه الحقائق المؤثرة على شعب كوردستان والتي يتحدد على ضوئها النضال الكوردستاني والشعار الذي ينبغي رفعه والإستراتيجية الصائبة التي يجب تحديدها.


85
الفكر الوطني الكوردستاني (7) (الحلقة الأخيرة)

د. مهدي كاكه يي

في الحلقة السابقة، تمّ الحديث عن 6 مجاميع من المجاميع الكوردستانية التي ترفع شعار العيش المشترك بين الكورد و الشعوب المغتصِبة لِكوردستان في كل من إيران و "تركيا" والعراق و سوريا، و الإبقاء على الشعب الكوردستاني مجزأً و مقسّماً، فاقداً لهويته. في هذه الحلقة نواصل الحديث عن القسم الثاني من هذه المجاميع والتي مكرّسة لأصحاب مشروع الأمة الديمقراطية.

7. أصحاب مشروع الأمة الديمقراطية:
في الآونة الأخيرة، ظهر مصطلح "الأمة الديمقراطية" الذي هو عبارة عن مشروع لإقامة إتحاد كونفيدرالي بين شعوب منطقة الشرق الأوسط، بضمنها شعب كوردستان. هذا المشروع هو مشروع غير واقعي وسابق لأوانه وغير قابل للتطبيق في الوقت الحاضر وعلى المدى المنظور والمتوسط والبعيد، لأنه لا يراعي تخلّف شعوب المنطقة، من ضمنها شعب كوردستان و شعوب الدول المُغتصِبة لكوردستان ولا يأخذ في الحسبان التراكمات التاريخية والثقافية في هذه المجتمعات والتربية العنصرية والعدائية المترسخة في فكر شعوب المنطقة. مجتمعات منطقة الشرق الأوسط المتخلفة التي تتألف من شعوب وقوميات وإثنيات وأديان ومذاهب متنافرة ومتعادية، لا تجمع بينها وحدة المصالح والأهداف والمصير والثقافة لأسباب تاريخية وسياسية وثقافية متراكمة. لذلك فأن أي محاولة للجمع بين هذه المجتمعات المتضادة، ستفشل لأنها لا تستند على البُنية الفكرية والثقافية والسياسية المتنافرة لهذه المجتمعات. الهجمة الوحشية لإرهابيي داعش في هذه الأيام على غربي وجنوبي كوردستان وسوريا والعراق والفوضى السائدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والتطاحن والحروب المندلعة بين الشعوب والقوميات والأديان والمذاهب فيها والخراب والدمار اللذان تعرضت لهما بلدان المنطقة بسبب هذه الحروب، تكشف بِوضوح عن العلاقة العدائية بين إثنيات وقوميات وطوائف المنطقة و سيادة الفكر القومي والديني والمذهبي في هذه المجتمعات وهذا يُثبت سذاجة النظرية القائلة بِإمكانية العيش المشترك بين المكونات القومية والدينية والمذهبية ضمن كيانات سياسية واحدة.
 
المجتمعات المتحضرة الهجينة عرقياً أو مذهبياً، تعاني من مشاكل كبيرة نتيجة التعدد القومي أو المذهبي فيها. حيث نرى أن دولاً متقدمة و متحضرة تعاني من المشكلة القومية، على سبيل المثال، يطالب كل من الشعب الباسكي و الكتلاني بالإستقلال عن إسبانيا. في بلجيكا، الخلاف مستمر بشكل متواصل بين سكان القوميتين الرئيسيتين الناطقتين بالهولندية و الفرنسية اللتين تعيشان في إقليمَي فلاندرز و والونيا. إفتقار القوميتين للإنسجام و التفاهم على العيش المشترك، يجعل الظروف السياسية في بلجيكا أن تكون غير مستقرة بإستمرار. حزب التحالف الفلمنكي الجديد (N-VA) للسكان الناطقين بالهولندية، الذي هدفه إستقلال فلاندر عن بلجيكا، حصل في الإنتخابات البرلمانية الأخيرة على حوالي 20 بالمائة من أصوات المقترعين (30 مقعد من مجموع 150 مقعد في مجلس العموم البلجيكي) و بذلك يصبح أكبر حزب في البلاد، مما ستجعل البلد أن تتجه نحو التقسيم. يتكهن بعض المؤرخين و المحللين السياسيين بأن بلجيكا ستنشأ منها دولتان مستقلتان خلال 10 الى 15 سنة القادمة. في بريطانيا، هناك أحزاب أسكتلندية و إيرلندية شمالية و ويلزية تناضل من أجل إستقلال كل من أسكتلندا و إيرلندا الشمالية و ويلز على التوالي. في الوقت الحاضر يقود الحزب القومي الأسكتلندي، الذي يرفع شعار إستقلال أسكتلندا، الحكومة الأسكتلندية. في كندا، هناك حركة مستمرة في إقليم كيوبك، الذي سكانه من الناطقين باللغة الفرنسية، تطالب بالإستقلال. لا تزال إيرلندا الشمالية تواجه مشكلة العداء بين الكاثوليك والبروتستانت و التي تتسبب في حوادث الإقتتال بين الجانبَين ووقوع الضحايا بينهما. في هذه البلدان الديمقراطية المتحضرة توجد أحزاب و حركات تعمل من أجل إستقلال أوطانهم عن تلك الدول بسبب الإختلاف القومي والمذهبي، بالرغم من الحقوق التي تتمتع بها هذه الشعوب الطامحة في الإستقلال. كيف يكون الأمر بالنسبة للشعب الكوردي في الدول المُغتصِبة لبلاده الذي تعرض و يتعرض للإبادة الجماعية و الإلغاء و التعريب و التتريك و التفريس؟!

لذلك يجب أن يستوعب شعب كوردستان و خاصة أحزابه و قياداته بأن القبول بإغتصاب كوردستان و الإعتقاد بإمكانية العيش المشترك لشعب كوردستان مع الشعوب المُغتصِبة لكوردستان ضمن الكيانات السياسية المصطنعة لتلك الشعوب، هو إعتقاد خاطئ مبني على الوهم و بعيد جداً عن الواقع و أنهم في حالة إصرارهم في المضي في هذه السياسة، فأنهم يقومون بالعمل على إستمرارية العبودية التي يعيشها شعب كوردستان و سيلعنهم التأريخ و يطيح بهم الشعب الكوردستاني و يستلم زمام قراره بنفسه.

إن طرح هذه الفكرة يشبه تماماً الطرح الشيوعي لنشر أفكاره في المجتمعات الزراعية القبلية المتخلفة التي تفتقر الى الطبقة العاملة بسبب عيشها في المرحلة الإقطاعية وشبه الإقطاعية والتي فشلت فشلاً ذريعاً في أوروبا الشرقية و في العالم بأسره بسبب عدم أخذها بِنظر الإعتبار لِواقع المجتمعات المعنية. كذلك فأن فكرة الكونفدرالية الديمقراطية تلعب دوراً تخريبياً مماثلاً لِشعار الإخوة الإسلامية الذي يرفعه العرب و الفرس و الأتراك، خدمةً لمشاريعهم القومية الشوفينية للإستمرار في إغتصاب بلدان الشعوب الأخرى و من ضمنها كوردستان وذلك عن طريق التخفّي وراء مثل هذه الشعارات الخادعة.

إن رفع شعار الكونفدرالية الديمقراطية قد يكون صحيحاً على المدى البعيد جداً (بعد مئات السنين) عندما تتقدم شعوب المنطقة فكرياً وثقافياً وإجتماعياً وإقتصادياً وتكنولوجياً، وبعد أن تتحرر كوردستان من الإحتلال وتحقق إستقلالها ويتمتّع شعبها بهويته الثقافية والسياسية. عندئذ قد تحتاج شعوب المنطقة الى التعاون والتنسيق والتكامل فيما بينها لأسباب إقتصادية وأمنية وسياسية، فتقوم بإنشاء علاقة متكافئة بينها من خلال تأسيس إتحاد كونفدرالي. خير مثال على تطبيق الكونفدرالية الديمقراطية هو الإتحاد الأوروبي الذي ترتبط دولها ببعضها بنظام كونفدرالي، حيث أن هذه الدول متقدمة صناعياً وعلمياً وإقتصادياً، وتتمتع بِنظام رأسمالي ويسود فيها حكم القانون وحق المواطنة وأن شعوب هذه الدول متحضرة ومتخطية للعلاقات القبلية والأفكار العنصرية والطائفية.
 
إن رفع شعار الكونفدرالية الديمقراطية في الوقت الحاضر، قبل نضوج شعوب المنطقة وتقدمها وتوفر الظروف الذاتية والموضوعية لتطبيقها، يشكّل خطراً جدّياً على نضال شعب كوردستان ويُحرّف النضال الكوردستاني ويعرقله ويعمل على إفشال تحقيق إستقلال كوردستان. قبل كل شئ، يجب أن تتحرر كوردستان من الإحتلال وأن تصبح دولة مستقلة و نداً متكافئاً لدول المنطقة وبعد تحضّر وتقدم شعوب المنطقة، قد تصبح الظروف مؤاتية للتنسيق والتحالف بين شعوب المنطقة لتشكيل نظام كونفدرالي.

كما أن شعب كوردستان هو شعب مُستعمَر ووطنه مُغتصَب من قِبل عدة دول، لذلك فأنه بحاجة الى إدارة مركزية قوية لتحرير كوردستان وتأسيس دولة كوردستان. بعد إستقلال كوردستان يمكن تأسيس نظام لامركزي وتأسيس كانتونات إذا ما تطلبت الظروف.

هناك مَن يُعيب النضال الكوردستاني ويقول بأنه نضال قومي عفا عنه الزمن. النضال الكوردستاني ليس نضالاً قومياً بحتاً، بل أنه نضال تحرر وطني من إحتلال إستيطاني بشع. إن شعب كوردستان يئنّ تحت إستعمار إستيطاني و نضاله هو لتحرير وطنه من هذا الإستعمار الخبيث. كما أن شعب كوردستان مكوّن من قوميات عديدة، لذلك فأن نضاله هو نضال وطني لتحرير وطنه ونفسه بكافة مكوناته القومية والإثنية.




86
الفكر الوطني الكوردستاني (6)

د. مهدي كاكه يي


يمكن تصنيف الكورد الذين يرفعون شعار العيش المشترك بين الكورد و الشعوب المغتصِبة لِكوردستان في كل من إيران و "تركيا" والعراق و سوريا، و الإبقاء على الشعب الكوردستاني مجزأً و مقسّماً فاقداً لهويته، الى المجاميع التالية:

1. الإسلاميون: ينطلق هؤلاء من فكرة الدين المشترك بين الكورد المسلمين و الأتراك والعرب والفرس المسلمين وعدم إعتراف هؤلاء بالفكر القومي الكوردي والفكر الوطني الكوردستاني. هؤلاء قد تم غسل أدمغتهم و ينطلقون من شمولية الفكر وفرضه بالعنف والقوة. طيب، إذا كان الإسلام يساوي بين المسلمين، بِغضّ النظر عن لغاتهم و ألوانهم و قومياتهم، لماذا يتعرض الكورد للأنفالات و الإبادة و تُهيمن الثقافة و اللغة العربية على نظيرتها الكوردية؟ لماذا تم حرمان الكورد من أبسط الحقوق الإنسانية طيلة الحكم الإسلامي لكوردستان؟ إن شعار الإخوة الإسلامية المرفوع من قِبل هؤلاء الكورد المنخدعين الغافلين، هو شعار خادع و مُقنّع، هدفه تكريس إغتصاب كوردستان من قِبل العنصريين العرب و الفرس و الترك. العنصريون العرب و الفرس و الأتراك يستغلون الدين الإسلامي في خدمة أفكارهم القومية العنصرية و في إحتلال بلدان الشعوب الأخرى و نهب ثرواتها. العرب أوجدوا الدين الإسلامي وبه خدموا العرب وإستولوا على بلدان كثيرة وعرّبوها. الفرس إعتنقوا المذهب الشيعي وعن طريقه خدموا القومية الفارسية. إعتنق الأتراك المذهب الحنفي و تمسكوا به لأن هذا المذهب لا يلتزم بحديث النبي محمد القائل "الأئمة في قريش" و عليه فأن تمسكهم بهذا المذهب خدمهم و أعطاهم الشرعية الدينية لأخذ الخلافة الإسلامية من قبائل قريش العربية و نقل مركز الخلافة الى إستانبول. هكذا أوجد الأتراك شرعية دينية لإحتلال بلدان العالم الإسلامي و إقناع الكثير من المسلمين بأن الدولة العثمانية هي إمتداد و إستمرار للخلافة الإسلامية. فقط الكورد لم يقوموا بذلك، بل قاموا بخدمة مُغتصبي وطنهم. كان بإمكان الكورد على سبيل المثال إحياء الدين اليزداني الآري لخدمة القومية الكوردية أو تبنّي الطريقة القادرية أو النقشبندية وجعلها مذهباً خاصاً بالكورد، الا أنهم لم يعملوها.

2. اليساريون المتزمتون: يؤمن هؤلاء ب"وحدة الطبقة العاملة" في كل من (تركيا) و إيران و العراق و سوريا، بدلاً من العمل على وحدة الطبقة العاملة الكوردستانية و توحيد كوردستان. هؤلاء أُناس تقليديون يحفظون نصوصاً مرّ على كتابتها أكثر من قرن، دون أن يستطيعوا أو يرغبوا في القيام بتطوير هذه النظريات الإنسانية الرائعة و جعلها تنسجم مع التطورات الكبرى التي حصلت للإنسان و لحياته و معيشته منذ ذلك الوقت. كما أن مجتمعات دول الشرق الأوسط هي مجتمعات متخلفة، تفتقد الى المصانع و المعامل ولذلك نجد هناك طبقة عاملة قليلة و ضعيفة في هذه الدول و التي تعني إنعدام طبقة عاملة حقيقية في الدول المُغتصِبة لكوردستان لكي يجعل هؤلاء من الشعب الكوردستاني ضحية لِفكرهم الطوباوي. أما ترديد هؤلاء نظرية الوحدة الإقتصادية لكل دولة من الدول المُغتصِبة لكوردستان و عدم الجواز بتفككها، فهي نظرية بائسة لا تحتاج الى الرد. كل ما يمكن ذكره هو التساؤل كيف نجحت الوحدة الألمانية بين ألمانيا الشرقية "الشيوعية" و ألمانيا الغربية الرأسمالية؟ كيف نجح إستقلال بنغلادش و دول الإتحاد السوفيتي السابق و دول يوغسلافيا السابقة و كل من التشيك و سلوفاكيا و تيمور الشرقية وأخيراً جنوب السودان؟

3. المتأثرون بثقافات و أفكار الشعوب المحتلة لكوردستان: نتيجة لِطول فترة إغتصاب كوردستان، تأثر قسم كبير من الكورد بِثقافات و أفكار مُغتصِبي كوردستان. تعتبر هذه الفئة من الكوردستانيين الواقع التقسيمي لكوردستان أمراً واقعاً يقبلونه و يُسلّمون به. هؤلاء يعوزهم الوعي القومي والوطني، حيث يفتقرون الى المعلومات التأريخية عن شعبهم. نتيجة الإفتقار الى هذا الوعي، يرى هؤلاء أنفسهم جزءً من شعوب الدول المحتلة لكوردستان.

4. الإستسلاميون: هذه الفئة ترى أن إستقلال كوردستان غير ممكن بسبب إحتلال كوردستان من قِبل أربع دول و تعاون حكومات هذه الدول فيما بينها لكبح جماح أي تطلع كوردستاني نحو الإستقلال و يعتقدون بأن الدول الكبرى لا تشجع أو تؤيد طموحات الكوردستانيين في الإستقلال. هؤلاء أناس سوداويون لا يرون بصيص أمل الإستقلال أمام الشعب الكوردستاني. الكوردستانيون السوداويون متأثرون بالظروف التي كانت سائدة في فترة الحرب الباردة و لذلك أنهم غير قادرين على فهم الواقع الإقليمي و العالمي الجديد و عاجزين عن تحليل مسارات التطورات الكوردستانية و الإقليمية و العالمية الجارية ويرون أن تحرر كوردستان هدفاً مستحيلاً.

5. المنتفعون و الوصوليون: هؤلاء يرتبطون بالحكومات المحتلة بأواصر إقتصادية أو سياسية أو تبعية أو نفعية، التي تجعلهم يفضلون الإبقاء على الواقع التقسيمي لكوردستان للحفاظ على مصالحهم الشخصية.

6. التقليديون: هؤلاء المجموعة من الكورد يقبلون إحتلال كوردستان و يتغنون بالإخوة الكوردية مع العرب و الترك و الفرس و يعتقدون بأنه من الممكن أن يتمتع الكورد بحقوقهم القومية ضمن البلدان المصطنعة التي تحتل كوردستان.


87
الفكر الوطني الكوردستاني (5)

د. مهدي كاكه يي


قد يتساءل البعض قائلين، بأن هناك شعوباً تعيش ضمن كيانٍ سياسي واحد فلماذا يتم إستثناء شعب كوردستان من العيش مع شعوب أخرى ضمن كياناتٍ سياسية؟ للإجابة على هذا السؤال نقول:

1. الشعوب العائشة ضمن كيان سياسي واحد قد تشترك في العيش معاً بمحض إرادتها أو بالقوة. كوردستان مُغتصَبة من قِبل عدة دول و يعاني شعب كوردستان من التعريب و التفريس و التتريك و العبودية و تتم إبادته و نهب ثروات بلاده.

2. لا تنحصر المسألة الكوردستانية في كيان سياسي واحد، حيث أن كوردستان مُغتصَبة من قِبل عدة دول، لذلك لا يمكن جمع شعب كوردستان وتوحيد كوردستان ضمن إحدى الكيانات التي تغتصبها.

3. كلما تطول تجزئة كوردستان و عُزلة الأقاليم الكوردستانية عن بعضها، كلما تزداد خطورة التباعد الثقافي واللهجوي بين الكوردستانيين.

4. لا يمكن نجاح العيش المشترك بين شعوب متخلفة ضمن كيان سياسي واحد، حيث أنه من الصعوبة للشعوب المتحضرة أن تعيش ضمن كيانات سياسية موحدة، كما في حالة شعوب بلجيكا و كندا و إسبانيا والمملكة المتحدة و غيرها، فكيف يكون الأمر بالنسبة لشعوب متأخرة كالشعب الكوردستاني و التركي و العربي والفارسي؟
 
ه. بعد إستقلال كوردستان و تقدم وتحضّر شعوب منطقة الشرق الأوسط، قد تتطلب المصالح الإقتصادية و الأمنية لهذه الدول تأسيس كيان كونفيدرالي بينها.

بالنسبة الى الكُتّاب والمثقفين الكوردستانيين الذين يحملون الفكر الوطني الكوردستاني، هناك مشكلة في خطاب قسم منهم، حيث تطغى عليه الضبابية و الإزدواجية و التناقض و التذبذب و يفتقر الى الفكر الوطني الثابت. في الوقت الذي يتبنّى هؤلاء تحرير كوردستان وإستقلالها، يساهم هؤلاء في نفس الوقت، على سبيل المثال في إصدار بيان يؤكدون فيه على عراقيتهم و أنهم (يُقدّسون) العَلَم العراقي. إن الإزدواجية و ضبابية الأهداف عند الكاتب و المثقف الوطني الكوردستاني تخلقان تشويشاّ و إرباكاً في الفكر عند المواطن الكوردستاني، لذلك علينا، ككًتّاب و مثقفين و صحفيين، أن نتبنى الفكر الوطني الكوردستاني بوضوح و الذي يهدف الى تحرير و إستقلال كوردستان، و أن نتبنى خطاً فكرياً محدداً و واضحاً، بعيدين عن العفوية و المجاملات و التخبط و أن نختار مفرداتنا و مصطلحاتنا بدقة، لتُعبّر عن أفكارنا بشفافية، لكي تكون قادرة على إيصال أفكارنا الى القارئ و السامع بِدقة و وضوح.

الفكر الوطني الكوردستاني يرى كوردستان مُغتصَبة ومقسّمة ويتبنى النضال بكافة الوسائل، من فكرية و ثقافية و إجتماعية و علمية و سياسية و دبلوماسية و إعلامية و عسكرية، لتحرير كوردستان و توحيدها. كما أنه يعترف بالحقوق القومية والثقافية لكافة المكونات القومية والإثنية لشعب كوردستان و يعمل على صيانة لغات وتراث و تاريخ هذه المكونات و تطويرها والمساواة بينها في الواجبات والحقوق. كما أن الفكر الوطني الكوردستاني يتبنى النظام الديمقراطي العلماني الذي يؤمن بالتداول السلمي للسلطة وذلك طبقاً لإرادة الشعب الكوردستاني، و فصل الدين عن السياسة وإستقلالية السلطات التشريعية والتنفيذية و القضائية و حرية الصحافة والتعبير والإعتقاد وكافة الحريات الشخصية الأخرى و المساواة بين المرأة و الرجل و رعاية الطفل والمسنين وتحقيق العدالة الإجتماعية. الفكر الوطني الكوردستاني يتبنى أيضاً الإعتراف بكافة الأديان والمذاهب والمعتقدات في كوردستان و إحترامها والمساواة بينها و قيام أصحابها بممارسة طقوسهم و شعائرهم الدينية بِحرية لخلق مجتمع كوردستاني متجانس، له أهداف و مصالح و ثقافة مشتركة و مصير واحد. الفكر الوطني الكوردستاني يؤمن بالتقدم العلمي والإجتماعي و الثقافي ويناضل من أجل خلق مجتمع كوردستاني متطور و عصري، يكون مؤهلاً للمساهمة في رفد الحضارة البشرية بالإختراعات و الإبداعات في مختلف نواحي الحياة، ليواصل عطاءه كأسلافه العظام.

مما تقدم، فأن حاملي الفكر الوطني الكوردستاني الذين يعتبرون شعب كوردستان شعباً واحداً و مُستعمَراً و أن كوردستان هي بلاد مُغتصَبة يجب تحريرها، هم المؤهلون لِتأسيس وقيادة تنظيمات سياسية، لِتناضل و تقود شعب كوردستان نحو الحرية و الإستقلال، حيث أنها تنظيمات وطنية كوردستانية، تؤمن بالنضال الكوردستاني الموحّد في كافة أرجاء كوردستان. مثل هذه الأحزاب الوطنية الكوردستانية العصرية المؤمنة بِوحدة الهدف و النضال والمصير الكوردستاني والحاملة للفكر الديمقراطي، هي التي ستحرر شعب كوردستان و وطنه من براثن الإحتلال والإستيطان، بينما الأحزاب الكوردية المحلية التي هي أحزاب سورية و تركية و إيرانية و عراقية، فأنها تعيش خارج العصر و ستنهار و تختفي لأنها قاصرة عن تحقيق أهداف شعب كوردستان في الحرية و الإستقلال والديمقراطية و التقدم و الرفاهية.

عليه، يجب تعرية الأحزاب الكوردية المحلية الكلاسيكية المتخلفة و التي تجعل القضية الكوردستانية قضية داخلية للدول المُغتصِبة لكوردستان و تعمل على تشتيت النضال الكوردستاني و تجعله نضال قوميةٍ، تعيش على أرضٍ سورية و تركية و إيرانية و عراقية، بدلاً من نضال شعب مُستعمَر، وطنه مُغتصَب، الذي يكافح في سبيل تحرير نفسه و وطنه. بالإضافة الى محليّة هذه الأحزاب الكوردية، فأن هذه الأحزاب هي أحزاب متخلفة تعيش خارج الزمن، ترتكز على الفردية و العشائرية و المناطقية و يسودها الفساد والمحسوبية، و تستخدم وسائل نضالٍ بالية، عفا عنها الزمن. لذلك فأن شعب كوردستان بحاجة الى أحزاب وطنية عصرية مخلصة وشجاعة، تحمل الفكر الوطني الكوردستاني وقادرة على التفاعل مع المفاهيم والقيم والأفكار المعاصرة ومؤهلة لمواكبة التطورات والتغيرات المحلية والإقليمية والعالمية وبذلك تضمن تحرير كوردستان وتوحيدها.


88
الفكر الوطني الكوردستاني (4)

د. مهدي كاكه يي

إن مساحة كوردستان تنكمش مع مرور الوقت بسبب زحف الأقوام التركية و العربية و الفارسية عليها و إحتلالها و الإستيلاء عليها والإستيطان فيها، حيث أن كوردستان التاريخية تشمل العراق الحالي و إقليم غرب كوردستان الحالي و قسم من دول الخليج الفارسي و أجزاء كبيرة من كلٍ من إيران وبلاد الأناضول (تركيا)، إلا أن كوردستان فقدت مساحات كبيرة والتي تُقدر بأضعاف المساحة الحالية لكوردستان و اليوم يكافح الكوردسانيون جاهدين من أجل تأمين إنضمام محافظة كركوك و مناطق أخرى تابعة لمحافظتي الموصل و ديالى الى إقليم جنوب كوردستان و يتأملون أن يصوّت أهالي هذه المناطق لصالح إنضمامها للإقليم.

كما أن عشرات الملايين من الكورد تم تعريبهم و تتريكهم و تفريسهم خلال القرون الماضية، حيث أن معظم المستعربين الشيعة و الفرس و الملايين من المستتركين الذين نراهم اليوم، ينحدرون من أصول كوردية، فقدوا هويتهم و لغتهم الكوردية و تراثهم الكوردي وشعورهم القومي والوطني بمرور الوقت، نتيجة إفتقار الكورد لدولة تجمعهم و تحافظ على وجودهم و هويتهم و لغتهم و تراثهم و تحميهم من التعريب والتفريس والتتريك. أذكر هذه الحقائق المُرّة و المأساوية لتبيان مدى خطورة الخطاب الكوردي الذي يُكرّس واقع إحتلال كوردستان، على الوجود الكوردي كشعب و هوية و ثقافة و تراث و تأريخ و جغرافية.

في الوقت الحاضر، ترفع الغالبية العظمى من الأحزاب السياسية الكوردستانية شعارات كلها تلتقي في تكريس إغتصاب كوردستان والإعتراف ضمنياً بتجزئة كوردستان وتبعية كل جزء منها للدولة التي تغتصبه وكون شعب كوردستان جزءاً من شعوب الدول المُغتصِبة لِكوردستان. ترفع هذه الأحزاب شعارات مثل الحكم الذاتي والفيدرالية والإدارة الذاتية والتي كلها قبول بإغتصاب كوردستان وتجزئتها وجعلها قضية داخلية للدول المُغتصِبة لِكوردستان. هذه الشعارات لها آثار سلبية كبيرة على حركة التحرر الوطنية الكوردستانية.

رفع الأحزاب السياسية الكوردية شعارات "اللامركزية" و "الحكم الذاتي" و "الفدرالية" و"الإدارة الذاتية"، يجعل القضية الكوردستانية قضية داخلية للدول المُغتصِبة لكوردستان و هذا إعتراف صريح بشرعية إغتصاب كوردستان وتجزأتها وهذا الأمر خيانة عظمى تجاه شعب كوردستان ويجب محاكمة القائمين بهذه الجريمة الوطنية الكبرى. من جهة أخرى فأن هذه الشعارات تروّض شعب كوردستان على القبول بإغتصاب كوردستان وقبول تقسيمها ومن جهة أخرى تُقسّم شعب كوردستان من خلال إلتفافه حول شعارات مختلفة وكذلك تُشتّت النضال الكوردستاني بجعلها نضالاً محلياً يُجرى في كل إقليم كوردستاني بمعزل عن الأقاليم الأخرى.

لذلك من المفروض أن تهتم التنظيمات السياسية التي لا ترفع شعار "إستقلال كوردستان"، بالمسائل السورية و الإيرانية و التركية و العراقية، حيث أن هذه التنظيمات هي تنظيمات محلية في الكيانات السياسية التي تغتصب كوردستان وأن تشمل برامج هذه الأحزاب أهدافاً تعني بشئون الدولة المُصطَنعة التي تعمل فيها، مع التركيز على الحقوق الكوردية والعمل على تحقيقها مثل الحكم الذاتي أو الإدارة الذاتية و غيرهما.

بما أن الأحزاب الكوردية التي لا ترفع شعار "إستقلال كوردستان" هي أحزاب محلية في الدول المُغتصِبة لكوردستان، تابعة لهذه الدول، فأنّ هذه الأحزاب ضمنياً تعتبر (الكورد) قومية وليسوا شعباً، لأن الشعب له وطن يعيش فيه و له الحق أن يؤسس دولة مستقلة خاصة به، بينما هذه الأحزاب، من خلال عدم نضالها في سبيل تحقيق إستقلال كوردستان، فأنها تعتبر كوردستان أجزاءً من الدول المُغتصِبة لكوردستان وتعمل ضمنياً على ترسيخ إحتلال كوردستان وتجزئتها. هذا يعني أيضاً بأن هذه الأحزاب هي أحزاب كوردية و ليست كوردستانية، حيث أنها تُمثّل (القومية الكوردية) و لا تُمثّل (شعب كوردستان) بمختلف مكوناتها، الذي يعيش على أرض كوردستان. هذه الأحزاب تحمل الفكر القومي و تُجرى نشاطاتها ضمن حدود الدول المُغتصِبة لِكوردستان.

نظراً الى أن الأحزاب الكوردية الإنهزامية والمستسلمة لواقع إغتصاب كوردستان وتجزئتها، يقتصر عملها ضمن الدول المُغتصِبة لكوردستان، فأنها تُشتّت النضال الكوردستاني، حيث تفصل الأقاليم الكوردستانية عن بعضها وتقزم القضية الكوردستانية وتجعلها "قضايا" داخلية للدول المُغتصِبة لكوردستان و تجعل نضال كل إقليم بِمعزل عن نضال الأقاليم الأخرى. بِكلام آخر أن هذه الأحزاب تُشتّت النضال الكوردستاني وتمنعه أن يكون نضالاً كوردستانياً شاملاً، يشمل كافة الأقاليم الكوردستانية، بحيث يكون النضال الكوردستاني موحّداً، ذا إستراتيجية موحدة و يهدف الى تحرير شعب كوردستان و إستقلال كوردستان.



89
الفكر الوطني الكوردستاني (3)

د. مهدي كاكه يي

يؤمن الفكر الوطني الكوردستاني بأن شعب كوردستان شعب واحد و أن بلاده، كوردستان، مُغتصَبة و مجزأة و مقسمة بين عدة دول و أنه يجب تحريرها وتوحيد كافة أجزائها، لجمع شمل شعب كوردستان في كيان سياسي ديمقراطي موحد. كما يؤمن بأن شعب كوردستان يتألف من مكونات قومية وإثنية ودينية ومذهبية متعددة وهذه المكونات تتمتع بحقوق متساوية وتُنيط بها واجبات متكافئة. كما أن الفكر الوطني الكوردستاني يتبنّى العلمانية والديمقراطية والعدالة الإجتماعية. حاملو الفكر الوطني الكوردستاني يُشكّلون الغالبية المطلقة من شعب كوردستان، حيث أظهر الإستفتاء غير الرسمي الذي جرى في جنوب كوردستان في بداية عام 2005، بأن 98% من المواطنين الكوردستانيين يريدون إستقلال كوردستان.

يرفع حاملو الفكر الوطني الكوردستاني شعار (إستقلال كوردستان) الذي يُخرِج النضال الكوردستاني من كونها قضايا داخلية للدول المُغتصِبة لكوردستان الى قضية وطن مُغتصَب وشعب مُستعمَر، يناضل من أجل تحرير نفسه ووطنه وبذلك تصبح قضية دولية. عندئذٍ يكون الشعب مستعداً للتضحية بأرواح الكوردستانيين وبأموالهم في سبيل حريته وإستقلال بلاده.
 
إن شعار (إستقلال كوردستان) هو شعار إستراتيجي، وليس شعاراً آنياً أو وقتياً وتحقيقه غير محدد بوقتٍ معيّن أو بفترة زمنية معينة، بل أن تحقيقه يتم خلال فترة زمنية مفتوحة و في الوقت المُتاح له. لذلك فأنّه قد يتم تحقيق إستقلال كوردستان وتوحيدها بعد عدة سنوات أو بعد عشرات أو مئات السنين. المهم هو رفع هذا الشعار كهدف إستراتيجي والعمل على توفير الظروف الملائمة للوصول إليه.

كما أن هذا الشعار غير مقيّد بالظروف الذاتية الكوردستانية والإقليمية والدولية الحالية، بل أنه يتم العمل على إستثمار تغيير الظروف الذاتية إيجاباً لتغيير المعادلات الإقليمية والدولية لِصالح إستقلال ووحدة كوردستان. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فأن الظروف الإقليمية والدولية هي ظروف غير ثابتة، بل تتغير بإستمرار نتيجة التغيرات السياسية والإقتصادية والإجتماعية لدول المنطقة ودول العالم.

التاريخ يُخبرنا عن إمبراطوريات ودول تهاوت وإختفت وإمبراطوريات ودولٍ جديدة تظهر وتحل محلها وهذه العملية مستمرة بلا إنقطاع. من هنا فأن الموقع الجيوسياسي لكوردستان والمواقف الحالية للدول الكبرى والدول الإقليمية من إستقلال كوردستان، لا يمكن جعلها تبريراً للقبول بإغتصاب كوردستان وتجزئتها، حيث أن مواقف هذه الدول في تغيير مستمر وأنه بتحرير كامل تراب كوردستان، ستطلّ كوردستان على البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود والخليج الفارسي.

على النقيض من الفكر الوطني الكوردستاني، هناك فكر إستسلامي وإنهزامي، يحمله بشكل خاص السياسيون الكورد و قسم من "المتثقفين" والكُتّاب الكورد. هؤلاء يوافقون ضمنياً على أن شعب كوردستان هو جزء من الشعوب المحتلة لكوردستان و تابعاً لها و أن الأقاليم الكورستانية هي أجزاء لا تتجزأ من الدول المحتلة لكوردستان، أي أن أرض كورستان هي أرض تابعة لكل من (تركيا) و إيران و العراق و سوريا. هؤلاء الداعون الى تكريس إحتلال كوردستان، يعتبرون أنفسهم من مواطني تلك الدول و التي تعني أنهم يقرّون و يعترفون بواقع تجزئة كوردستان و يقبلون الواقع التقسيمي لها، و عليه فأنهم ينطلقون في أفكارهم و أعمالهم و ممارساتهم و طروحاتهم من منطلق القبول بالأمر الواقع، أي بقاء كوردستان بلداً محتلاً و مقسّماً، يفتقد شعبه الى هوية يُعرّف بها نفسه للعالم و لِتبقى الشعوب المحتلة لوطنه، تهيمن عليه و تسلبه هويته و لغته و تأريخه و تراثه و حريته و ثرواته.
موقف هؤلاء الإستسلاميين الإنهزاميين ناتج عن تأثرهم بِثقافة الشعوب المُغتصِبة لِكوردستان وإصابتهم بحالة اليأس والإحباط من تحرير كوردستان وتوحيدها، حيث أن الشريحة الكوردية المتعلمة هي أكثر الشرائح الكوردية تأثراً بِثقافة المحتلين نتيجة تلقينهم بها في المدارس والمعاهد والجامعات وعن طريق وسائل الإعلام المختلفة، كما أنها الشريحة الأكثر تذبذباً للحفاظ على مصالحها وإمتيازاتها.
 
قسم من هؤلاء متأثرون بالفكر الأممي والفكر الإسلامي، حيث أنه من خلال رفع شعار الإخوة الأممية والإسلامية المضللة من قِبل مُغتصبي كوردستان، يتم إستغلال هؤلاء، لِيستمر المحتلون الإستيطانيون في إذلال شعب كوردستان وإحتلال وطنه ونهب ثرواته. هكذا يساهم هؤلاء في ترسيخ الإحتلال وترويض الشعب للعيش في ظل العبودية والتبعية.
إن الشخصية الكوردية هي شخصية تبعية بشكل عام بسبب تسلط الشعوب الفارسية و العربية و التركية على الشعب الكوردي لفترة طويلة، حيث أنها خلال هذه الفترة، هيمنت ثقافات تلك الشعوب على الثقافة الكوردية، لذلك نرى الكوردي يكون تابعاّ للعربي أو الفارسي أو التركي، وهذا ناتج عن التراكمات التأريخية المكوّنة لشخصيته و ثقافته. علينا أن نبدأ بِخلق شخصية كوردية مستقلة، تثق بنفسها و تعتز بِوطنها وقوميتها و تأريخها و لغتها و ثقافتها و تراثها و تتخلص من آثار ثقافات الشعوب المحتلة لكوردستان. ظهور مثل هذه الشخصية قد يحتاج الى جيل أو جيلين و الى جهود تربوية و ثقافية و إعلامية كبيرة.
لا شك أن الكُتّاب و المتعلمين و السياسيين الكورد، الداعين ضمنياً الى تكريس إحتلال كوردستان، وذلك بالترويج لفكرة إندماج الشعب الكوردي، كل في إقليمه، مع الشعوب التركية و الفارسية و العربية المحتلة لكوردستان و فرض واقع التجزئة و التشتت على الشعب الكوردي، يلعبون دوراً سلبياً خطيراً ضد المصالح الوطنية الكوردستانية. دور هؤلاء هو أخطر بكثير من النتائج الكارثية لعمليات الأنفال و الإبادة الجماعية التي تعرض لها شعب كوردستان و لا يزال يتعرض لأهوالها لأن الخطاب الإستسلامي الذي يحمله هؤلاء، يعمل على زرع روح الإستسلام في نفوس شعب كوردستان و القبول بواقع الإحتلال و التجزئة و إستمرارية عمليات التعريب و التتريك و التفريس للشعب الكوردي و لأرضه. إن نتائج محاولة هؤلاء في تدجين شعب كوردستان و تلقينه بأفكار إنهزامية و تقسيمية و إبعاده عن الفكر الوطني التحرري، هي تهديد خطير لوجود و مستقبل هذا الشعب المكافح الشامخ لأن تربية و غرس روح اليأس و الإستسلام في نفوس الأجيال الكوردية بقبول و ترسيخ واقع الإحتلال و التقسيم، تؤدي الى هزيمة شعب كوردستان بدون إبداء أية مقاومة أو أيّ رفض لواقعه المأساوي.




90
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين و العلاقة بينهم (30) – أسلاف الكورد: الميديون

سقوط الإمبراطورية الميدية

د. مهدي كاكه يي

بعد أن نجح كورش في ضمان دعم قائد الجيش الميدي (هارپاك) له ونجاحه في التحالف مع الممالك الأخرى في المنطقة، في مسعاه للإطاحة بِحُكم جدّه (أستياگ) وإسقاط الإمبراطورية الميدية، قام كورش بقيادة جيش ضخم في هجومه على  الإمبراطورية الميدية. إستمرت الحرب بين الجانبَين  لمدة ثلاث سنوات. بعد أن إنضم إليه أعداد كبيرة من القبائل الفارسية والكوردية وغيرها، المُستاءة من حُكم الملك الميدي، زحف كورش على رأس جيش جرّار نحو العاصمة الميدية وبالقرب منها نشبت معركة كبيرة  بين الطرفَين  المُتحاربَين، وكان (أستياگ) يقود قواته بنفسه، حيث دافع عن عاصمته دفاعاً مستميتاً للحفاظ على عرشه ومملكته، إلا أن قائد الجيش الميدي (هارپاك) حسم مصير الحرب الدائرة، عندما إنضمّ مع مَن كان معه من قادة وجنود الى صفوف جيش العدو وبذلك وجّه طعنة قاتلة الى صدر الملك الميدي (أستياگ) وجيشه، حيث أدى الى ضعف الروح المعنوية للجيش الميدي، الذي لم يستطع الصمود أمام جيش العدو وبدأ ينهزم في ساحة المعركة. هذا قاد الى إندلاع ثورة عارمة في مملكة ميديا والتي تمخضت عنها إسقاط حُكم (أستياگ) في عام 550 قبل الميلاد. 
 
هكذا لعبت الخيانة دورها في رجحان كفة جيش (كورش)، حيث أن عدداً قليلاً فقط من أفراد الجيش الميدي، لم يكونوا على علم بالمؤامرة التي أحاكها (هارپاك) ضد الملك الميدي (أستياگ) ولذلك فأن هؤلاء القلة حاربوا ببسالة، بينما الباقون والذين كانوا يُشكلون أكثرية أفراد الجيش الميدي، فأنهم أما فرّوا من ساحات القتال أو إستسلموا وإنضموا الى الجيش الغازي1. هكذا دخلت القوات الفارسية الغازية العاصمة الميدية وأسقطعت الإمبراطورية الميدية وتم خلع الملك (أستياگ) عن عرشه2.

لقد عامل (كورش) جده الملك (أستياگ) بإحترام كبير وأبعده الى (هيركانيا) الواقعة في شمال إيران الحالية، حيث أنه قوبل بإحترام كبير من قِبل حاكم (هيركانيا). قام (أستياگ) بالإلتقاء بإبنته (ماندانا) وبعد ذلك، بناءاً على أوامر (كورش)، تمّ أخذ (أستياگ) من قِبل أحد القوّاد الذي كان إسمه (بتسياك) الى منطقة صحراوية وتركه هناك وحيداً، فمات من الجوع والعطش3. هكذا إنقرضت الإمبراطورية الميدية وتمت إقامة إمبراطورية فارسية على أنقاضها والتي حملت إسم (الإمبراطورية الأخمينية) وذلك في سنة 550 قبل الميلاد.

لقد أحسن كورش معاملة (هارپاك) وقام بتكريمه، حيث أنه هو الذي حسم الحرب لصالح الأخمينيين وساهم في إسقاط الإمبراطورية الميدية وتأسيس الإمبراطورية الأخمينية.

لما وقع أستياگ في الأسر، جاءه (هارپاك) يقرّعه ويهينه، فرماه الملك الميدي بنظرة إزدراء، وسأله إن كان شريكًا لكورش في مؤامرته، فصرّح هارپاگ أنه هو الذي حرّض كورش على الثورة، فقال له أستياگ:

"إذاً فأنت لستَ الأشدَّ لؤمًا بين البشر فقط، بل أكثرَ الرجـال غبـاءً، وإذا كان هـذا من تدبيرك حقاً، كان الأجـدرُ بك أن تكون أنت الملك، ولكنك أعطيتَ السلطانَ لغيرك، واللؤمُ فيك جليّ، لأنك بسبب ذلك العَشاء حملتَ الميديين إلى العبودية، وإذا كان لا بدّ لك من أن تُسلّم العرشَ لآخر غيرك، لَكان الأجدرُ بك أن تقدّم هذه الجائزة لِميدي، بدلاً من فارسي، لكنّ الحال القائمة الآن هي أن الميديين الأبرياء من كل جُنحة، أصبحوا عبيدًا بعدما كانوا أسياداً، وأصبح الفرسُ سادةً عليهم، بعد ما كانوا عبيداً عندهم"4.

هكذا إختفى الميديون مبكراً من المسرح السياسي لِغرب آسيا بعد أن كانوا أسياداً لهذه المنطقة، حيث أن حكمهم دام لمدة مائة وثمانية وعشرين عاماً. كانت الإمبراطورية الميدية تحدها من الشرق أفغانستان، بل كان بعض أراضي أفغانستان جزءاً من ميديا، ومن الغرب البحر الأبيض المتوسط ومن الشمال مناطق (كادوس) فيما وراء نهر (آراس) ومن الجنوب الخليج الفارسي، حيث أنها كانت تضم كلاً من فارس و أرمينيا و آشور و إيلام و هيركاني و جزء من باكستان على المحيط الهندي و كذلك غربي كوردستان.

المصادر
1. هيرودوت. تاريخ هيرودوت. صفحة 93.

2. المصدر السابق.

3. دياكونوف. ميديا. صفحة 115.

4. أرنولد توينبي. مختصر لدراسة التاريخ. الجزء الثاني، صفحة  187.




91
الفكر الوطني الكوردستاني (2)

د. مهدي كاكه يي


يمكن تعريف القومية بأنها مجتمع طبيعي من البشر ترتبط أفراده مع البعض بوحدة الأرض والأصل، والعادات واللغة من جراء الإشتراك في الحياة و في الشعور الإجتماعي. أما الشعب فيمكن تعريفه بأنه مجموعة من البشر تعيش على أراضي معينة و لهم عاداتهم وتقاليدهم الخاصة بهم. ليس شرطاً أن تكون للقومية وطناً خاصاً بها، بل قد تشاركها قوميات أخرى، حيث أن هناك قوميات كثيرة ليست شعوباً، أي أنها لا تمتلك وطناً خاصاً بها، بينما الشعب له وطن خاص به يعيش فيه. الشعب قد يتألف من قومية واحدة أو عدة قوميات. هكذا فأن القومية قد لا تمتلك أرضاً محددة تعيش عليها، بينما الشعب له أرض معينة يعيش عليها. على سبيل المثال، شعب كوردستان مؤلّف من عدة قوميات ويعيش في وطنه كوردستان، بينما التركمان قومية تعيش مع القوميات الكوردستانية الأخرى في كوردستان، إلا أنهم ليسوا شعباً. لذلك فأن مصطلح "الوطني الكوردستاني" مرتبط بِكوردستان كَوطن وبِشعب كوردستان بمختلف قومياته، بينما يرتبط مصطلح "القومي الكوردي" بالقومية الكوردية فقط وليست له صلة بالقوميات الكوردستانية الأخرى.

من هنا نرى بأن "الفكر الوطني الكوردستاني" هو فكر شامل، مادته هي كوردستان كَوطن وشعب كوردستان بِمختلف قومياته، بينما " الفكر القومي الكوردي" هو فكر، مادته القومية الكوردية ويهمل القوميات الكوردستانية غير الكوردية. هذا يعني بأن مجال عمل "الفكر الوطني الكوردستاني" هو الفضاء الكوردستاني الواسع، بينما ينحصر مجال عمل "الفكر القومي الكوردي" في الفضاء الكوردي، أي في جزءٍ من الفضاء الكوردستاني.
 
هكذا يُحدِث "الفكر الوطني الكوردستاني" نقلة نوعية للقضية الكوردستانية، فيجعلها قضية كوردستانية بدلاً من قضية كوردية، وقضية شعبٍ بدلاً من قضية قومية، وقضية شعبٍ مستعمَر ووطن مغتصَب بدلاً من قضية قومية مضطهَدة، قضية شعبٍ يناضل من أجل حريته وإستقلال وتوحيد وطنه بدلاً من قضية قومية تناضل من أجل حقوقها القومية.

مع ظهور العولمة والأفكار الديمقراطية والإعتراف بِحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها والمساواة بين مختلف القوميات العائشة ضمن كيان سياسي واحد، فأنّ الفكر القومي الكوردي بِدوره أصبح بِحاجة الى تطوير لِيتفاعل مع المفاهيم والقيم الإنسانية الجديدة ليستطيع مواكبة العصر، وإلا سيكون مصيره الفشل والإنهيار.
 
يجب إستدراك حقيقة مهمة وهي أنه الى جانب الكورد، تعيش في كوردستان قوميات أخرى، مثل الآشوريين والسريان والكلدان والتركمان والعرب والشركس وغيرهم. المنتمون لهذه القوميات، هم مواطنون كوردستانيون و أن جميع مواطني كوردستان، بِغض النظر عن قومياتهم، هم متساوون في الحقوق والواجبات ويجب الحفاظ على هوياتهم القومية ولغاتهم وتراثهم وتطويرها. على سبيل المثال، في معظم الدول الغربية، يتم منح الجنسية للشخص الأجنبي بعد إقامته لعدة سنوات هناك، إلا أنه بالنسبة لكوردستان، فأن الوضع يختلف، حيث أن كوردستان لا تزال مُغتصَبة ومُقسّمة، لذلك فأن المواطنين الأصلاء الذين يعيشون في كوردستان منذ عشرات السنين، هم مواطنون كوردستانيون. يُستثنى من المواطنة الكوردستانية العرب والفرس والأتراك المستوطنون في كوردستان، الذين جلبتهم الحكومات العراقية والسورية والتركية والإيرانية الى كوردستان لِغرض تعريب وتتريك وتفريس كوردستان على التوالي.

لا يمكن للأمة الكوردية العريقة التي تعيش تحت الإحتلال الإستيطاني منذ زمن طويل، خلاله تتعرض هويتها ولغتها وثقافتها وتراثها وتاريخها للإنكار والإلغاء والتزييف والتحريف والتشويش والسرقة، أن تحذو الفكر العنصري العربي والتركي والفارسي بِنُكران هويات ولغات وتاريخ وتراث القوميات الكوردستانية غير الكوردية. من هنا يبرز الفكر الوطني الكوردستاني ويتصدى لهذه المسألة الهامة التي تخص شعب كوردستان والذي يٌعطي مدلولاً شاملاً، يرى شعب كوردستان شعباً ذا قوميات متعددة ويعترف بِكافة القوميات والأديان والمذاهب الكوردستانية ويساوي بينها ويناضل من أجل حريته وإستقلال بلاده، بينما الفكر القومي الكوردي يضع القومية الكوردية لوحدها، بأديانها ومذاهبها المختلفة، موضع إهتمامه وتهمل القوميات الكوردستانية الأخرى. الفكر الوطني الكوردستاني يربط شعب كوردستان، بِمختلف قومياته بالوطن الكوردستاني ويخرج من النطاق الضيق المقتصر على القومية الكوردية الى الفضاء الكوردستاني الواسع، كَوطن وأرض وشعب متعدد القوميات والأديان والمذاهب والمعتقدات وبذلك يخلق مجتمعاً كوردستانياً متجانساً، ذا أهداف واحدة وثقافة ثرية مشتركة ومصير واحد ومصالح مشتركة، التي يعجز الفكر القومي عن تحقيقها.


92
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين و العلاقة بينهم (29) – أسلاف الكورد: الميديون

تعاون قائد الجيش الميدي (هارپاك) مع الأمير الأخميني (كورش) لإسقاط الإمبراطورية الميدية


د. مهدي كاكه يي


إن سياسات أستياگ الاستبدادية جرّت عليه نقمة بعض أعضاء الطبقة العليا في المجتمع الميدي، ومنهم كبير قادة الجيش (هارپاك)، بعد أن قتل (أستياگ) إبنه وقدّم له لحمه طعامًا في وجبة عشاء حسبما زُعم؛ الأمر الذي جعل الأخير يقف ضد الملك ويقنع بعض الكهنة الموغ والنبلاء والقادة الميديين بالانضمام إلى كورش، حيث دارت الحرب بين أستياگ وكورش، وأخيرًا خسر أستياگ الحرب نتيجة خيانة هارپاگ وأتباعه، وإبتهج الميديون أنفسهم بالخلاص من طغيانه، وخسرت بذلك ميديا إستقلالها وأصبحت تابعة للإمبراطورية الأخمينية في عام (550 ق.م)1، 2.

بعد حادثة تقديم لحم إبنه كطعام له من قِبل الملك (أستياگ)، أخذ (هارپاك) ينتظر فرصة للإنتقام من الملك والقضاء عليه وعلى حُكمه. وجد (هارپاك) في (كورش) إبن (ماندانا) الذي كان ضابطاً في الجيش الميدي آنذاك، الشخص القادر على القضاء على حكم (أستياگ)، فأخذ يتودد له ويغدقه بالهدايا. هذا التقرّب جعل (كورش) يقوم بِتقوية نفوذ الفرس في الجيش الميدي والذي مهّد الى علو شأن الفرس وطموحهم في الاستقلال، حيث أخذوا ينتهزون فرصة للتخلص من سلطة الميديين، وشرعوا في تكوين جبهة قوية ضد الحكم الميدي3. نجح الفرس في التحالف مع أقوام أخرى من الشعوب الخاضعة لميديا والتي تمردت على المملكة الميدية. أرسل (هارپاك) رسالة الى (كورش) يحثه فيها على القضاء علىى حُكم جدّه وإستلام الحكم بنفسه وأنّ نص الرسالة هو الآتي: يا إبن قمبيز قد أحاطتك الآلهة بِرعايتها، ومن دونها لما بلغتَ مما أنت فيه من نعمة وبات عليك أن تُسدد لٍ(أستياگ) دَينهُ وإلا كان قاتلك ولو تحقق ما أراد، لكنتَ الآن من الأموات. يعود الفضل في إنقاذ حياتك للآلهة و لي وبدون شك تعلم بتفاصيل ما حدث لك وكيف حاول (أستياگ) معاقبتي وكيف أعطيتُك الى راعي البقر بدلاً من قتلك. إعملْ بما أنصحك به وسوف تصبح سيد مملكة (أستياگ) كلها. هيئ الفرس للثورة وإمضي  لمُلاقات  الميديين ولا يضيرنك إنْ كنتُ أنا أو أحد المُقدّمين منهم على رأس الجيش الذي سيرسله الملك لملاقاتك، فالنصر لك في كل الأحوال لأن أشراف الميديين أول مَن يهجرونه للإنضمام إليك في جهدك للإطاحة به ونحن جميعاً جاهزون للعمل، فإفعلْ ما أنصحك به وبادرْ بالعمل سريعاً وسوف أقوم أنا بمؤازرتك للسيطرة على عرش جدك، علماً بأن غالبية قادة الجيش هنا معنا. أدعوك للقدوم الى ميديا للسيطرة عليها قبل ان يثور الشعب على جدك وساعتها سيذهب عرش أمك ويستولي غيرك على عرش ميديا. أنت أولى به من غيرك لأنك ابن مندانا العزيزة 4.
       
بعد قراءة الرسالة من قبل (كورش)، قام بدعوة رؤساء العشائر التالية الى وليمة وهم:
العشائر المستقرة: باسارگاداي و مارفيان و ماسبيان و بافثيالايان و ديروسيايان و جيرمانيان. العشائر الرحل: دان و مارديا و دروبيكان و ساگارتيان5، 6. عشيرة (باسارگاداي) كانت أهم هذه العشائر لأنها كانت تضم فخذ (الأخمينين) الذي كان يبحث عن السلطة السياسية والعسكرية والذي كان يحاول الإستيلاء على الممالك المجاورة، وخاصةً تلك التي كانت خاضعة للحكم الميدي. كان (كورش) يُحرّض سكان هذه الممالك على القيام بالتمرّد على حُكم جدّه (أستياگ)، والتخلص من ظلمه. تجاوب سكان هذه الممالك بِحماس مع نداءات (كورش) الداعية الى التمرد على حكم الميديين.

قام (كورش) بِدعوة أبناء هذه العشائر وأعطاهم مناجل للقيام بِحصاد مساحة واسعة من الأرض من الصباح حتى المساء حتى أنهكهم التعب. دعاهم في اليوم التالي الى وليمة أكلٍ وشربٍ ولهوٍ كبيرة وخلال هذه الوليمة سألهم أيهما كان الأفضل، الحصاد المُضني أم هذه الوليمة الفاخرة. قال الجميع بأنه كان هناك فرق كبير بين الوليمة والحصاد المُتعِب، فأخبرهم بأنهم إذا نفذوا ما كان يريده منهم، ستكون أيامهم كلها بذخ وراحة وعز، فأبدى الحاضرون حبهم للراحة والثراء والعز. عندئذٍ طلب منهم القيام بالثورة ليصبحوا أسياد ميديا وآسيا وسوف تكون كل كنوزها وأموالها تحت تصرفهم وسوف يكونون الأسياد وتتم خدمتهم بدلاً أن يكونوا خدماً وعبيداً. بعد إنتهاء كلمة (كورش)، هتف الجميع للثورة والعز والمجد7. هكذا بثّ (كورش) الحماس والعزيمة في نفوسهم.

كذلك نجح (كورش) في إثارة القلاقل في مناطق ميدية مختلفة و في كسب دعم قيادات ميدية له و إنضمام أقوام، مثل البارث و الهيركيا إليه. أقام (كورش) تحالفاً مـع الملك البابلي (نابونيد) ضد الميديين، وكان (أستياگ) قد هاجم بابل قبل إقامة هذا الحلف وبذلك تحولت بابل من مملكة حليفة لميديا الى مملكة مناوئة لها. كما أن (كورش) أفلح في إقامة تحالف مع حاكم أرمينيا (ديگْران الأول) الذي كانت مملكته في ظل النفوذ الميدي8. هكذا خلق (كورش) ظروفاً ممتازة له من خلال التحالف مع قيادات ميدية متنفذة ومع الممالك الخاضعة للإمبراطورية الميدية والمجاورة لها، حيث إستطاع إستثمار هذه الظروف  وإزاحة جدّه (أستياگ) عن الحكم وإسقاط الإمبراطورية الميدية.

كانت زوجة كبير كهنة الموغ التي كان إسمها( مينا) قد كشفت مؤامرة (هارپاك) و كورش ضد (أستياگ)9، إلا أن الملك الميدي لم يتمكن من التصدي لها، حيث أن الوضع الداخلي الميدي كان قد أصبح مُقلقاً وخطيراً، إذ إنقسم الجيش الميدي الى قسمَين، قسمٌ كان موالٍ ل(أستياگ) والقسم الآخر كان ضده، ولذلك وقعت مجابهات بين الطرفَين. رغم عِلم (أستياگ) بالمؤامرة القائمة ضده، قام في أواخر حكمه، بالتخطيط للهجوم على بابل والإستيلاء على حرّان، حيث قام بتحريك جيشه نحو مدينة حرّان والذي قاده بنفسه، إلا أنه قبل إقدامه على الهجوم، تمّ إبلاغه بِخبر تمرّد القبائل الفارسية بقيادة حفيده (كورش)، فإضطر أن يوقف هجومه على بابل ويعود الى العاصمة، أكباتانا. 

المصادر
 
1. هيرودوت. تاريخ هيرودوت. صفحة 96، 259.

2. دياكونوف. ميديا. صفحة 343، 386، 392، 412.

3. هيرودوت. تاريخ هيرودوت. صفحة 90-91. 

4. اولمستيد (1928). تاريخ اشور. نيوريوك ، صفحة 117.

5. دياكونوف. ميديا. صفحة 93، 214.

6. أرشاك سافرستيان. الكرد وكوردستان. صفحة 40.

7. هيرودوت. تاريخ هيرودوت. صفحة 92-93.

8. حسن محمد محيي الدين السعدي. في تاريخ الشرق الأدنى القديم. صفحة 253.

93
الفكر الوطني الكوردستاني (1)

د. مهدي كاكه يي

مع تطور الحياة البشرية، تتطور وتتغير النظريات والأفكار والمفاهيم والقيم الإنسانية، حيث يتم تعديلها أو تختفي وتحل محلها نظريات وأفكار ومفاهيم وقيم جديدة، تستجيب للظروف المستجدة وتتفاعل معها. تنعكس هذه التطورات والتغيرات الجارية أيضاً على الفكر القومي الكوردي الذي ظهر مع نشوء الأفكار القومية في المنطقة والعالم وبدأ الشعب الكوردي يستلهم من هذا الفكر روح النضال في تحقيق حريته. ظهر الفكر القومي الكوردي لإستنهاض الأمة الكوردية لتحريرها من الإحتلال الإستيطاني وتحرير كوردستان وتوحيدها.

من جهة أخرى، تمّ نشوء الفكر القومي العربي والفارسي والتركي بشكل مشوّه، حيث أخذ مساراً عنصرياً منحرفاً، يعمل على فرض سيادة اللغة والثقافة العربية والفارسية والتركية على التوالي على الشعوب والقوميات الأخرى ويقوم بإلغاء هويات ولغات وتراث وتاريخ الشعوب التي قام العرب والفرس والأتراك بإغتصاب أوطانها ونهب ثرواتها.

دلائل هذه الأفكار العنصرية واضحة في تسمية البلدان التي يحكمها العرب والأتراك، كما في تسمية مصر ب(جمهورية مصر العربية) وسوريا ب(الجمهورية العربية السورية) وبلاد الأناضول وشمال كوردستان ب(تركيا). تعريب و تتريك و تفريس الأسماء الكوردية للمدن والقصبات والقرى والمناطق الكوردستانية، هو شهادة أخرى على الفكر القومي العنصري المنتشر في البلدان المُغتصِبة لِكوردستان. هذه الأعمال العنصرية تؤكد على إنكار القوميين العنصريين لِوجود الشعوب والقوميات الأخرى في هذه البلدان المصطنعة من جهة وتدل في نفس الوقت على أن الأتراك والعرب والفرس هم غرباء مغتصِبون لهذه الأوطان ولهذا السبب يقومون بِعمليات التعريب والتتريك والتفريس في محاولة مفضوحة ويائسة لِطمس وجود الشعوب التي إغتصبوا بلدانها. كما أن أصحاب الفكر العنصري يحاولون فرض لغتهم وثقافتهم على الشعوب والقوميات التي لا تنتمي الى شعوبهم.

أصحاب الفكر العنصري الفارسي يقومون بإستغلال الإنتماء الآري لقسمِ من هذه الشعوب التي يغتصب الفرس أوطانها، مثل الشعب الكوردي والبلوشي، للإستمرار في إحتلال هذه الأوطان. كما أن أصحاب الفكر العنصري العربي والتركي والفارسي يقومون بإستغلال الدين الإسلامي والمذاهب الإسلامية لإستعباد الشعوب الأخرى. الفكر العنصري بدأ يعيش خارج الزمن، ولذلك فهو عاجز عن الإستمرار في البقاء وإنتهى به المطاف الى الفشل والإنهيار والسقوط. زوال الفكر العنصري في جنوب أفريقيا مثال حيّ على بؤس هذا الفكر وعجزه عن مواصلة الحياة.

قد يقول المرء بأن إطلاق إسم "كوردستان" على بلاد الكوردستانيين هو تسمية عنصرية أيضاً، حيث يتم بموجبها إلغاء القوميات الكوردستانية غير الكوردية. للإجابة على هذا التساؤل المشروع نقول بأن المنطقة التى تُسمى "كوردستان" اليوم عُرِفت ب"بلاد الكورد" منذ آلاف السنين، حيث كان السومريون يسمّون المنطقة (كورا قوتيوم) و التي تعني "أرض كاردا" و الأشوريون كانوا يسمونها (كورتي) و البابليون كانوا يطلقون عليها إسم " قاردو" و الإغريق سموها "قاردوتشوي" و الرومان أطلقوا عليها إسم (كوردرين) و تم ذكر إسم كوردستان في التورات بإسم (منطقة کاردو/قاردو). أول من أطلق إسم "كوردستان" على موطن الكورد هو السلطان السلجوقى سنجر و ذلك فى أواسط القرن السادس للهجرة (القرن الثاني عشر الميلادي) أي قبل أكثر من 850 سنة1. من هنا يُدرَك بأن "كوردستان" هي تسمية تأريخية ليست لها أية صلة بالعنصرية، حيث أن الفكر القومي لم يكن له وجود في تلك العهود القديمة، بينما المصطلحات العنصرية التي نحن بصددها، تم إبتكارها على أسس قومية عنصرية بعد ظهور الفكر القومي في المنطقة.

المصادر

1. لى سترينج (1930). الأراضي فى شرق عصر الخلافات.


94
تأريخ تقسيم كوردستان في العصر الحديث

د. مهدي كاكه يي



قبل معركة جالديران التي حدثت بين الإمبراطورية الصفوية والعثمانية، كانت كوردستان مقسمة الى إمارات كوردية مستقلة ضمن الإمبراطورية الصفوية، على سبيل المثال كانت إمارة أردلان الكوردستانية تمتد من مدينة أصفهان الى مدينة الموصل ودام حكمها لمدة  700 سنة (1169 - 1869 ميلادية). عند نشوب معركة جالديران بين الإمبراطوريتَين العثمانية و الصفوية في سنة 1514 وإنتصار العثمانيين في هذه الحرب، تمّ تقسيم كوردستان لأول مرة، حيث تم إحتلال قسم منها من قِبل العثمانيين والقسم الآخر إحتله الصفويون. في 17 مايس سنة 1639، تمّ تثبيت ذلك التقسيم نهائياً بموجب معاهدة قصر شيرين (زهاب) التي أُبرمت بين الإمبراطوريتين المذكورتَين1.

كان للكورد دوراً حاسماً في إنتصار الدولة العثمانية على الدولة الصفوية، حيث تحالف معظم الأمراء الكورد مع العثمانيين. لعِب العامل الطائفي دوراً بارزاً في التحالف الكوردي – العثماني، حيث أن أكثرية الكورد والأتراك ينتمون الى المذهب السُنّي، بينما الصفويون كانوا يعتنقون المذهب الشيعي. من الجدير بالذكر أن حُكّام الإمبراطورية الصفوية كانوا كورداً، حيث كان نادر شاه كوردياً و أنّ الصفويين كانوا ينتمون الى عائلة كوردية من شيوخ الدراويش و لم يكونوا فرساً2، إلا أن حُكّام الإمبراطورية الصفوية خدموا الفرس ولم يعملوا لِصالح شعبهم الكوردي.

بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى وزوال الإمبراطورية العثمانية، تمّ تقسيم كوردستان من جديد بموجب إتفاقية سايكس – بيكو، فتمّ ضمّ القسم الكوردستاني الذي كان تحت حكم الإستعمار العثماني، الى ثلاث كيانات سياسية مصطنعة التي تم تأسيسها في المنطقة، وهي تركيا و العراق و سوريا.

قبل الحرب العالمية الأولى، كانت إيران الحالية يحكمها القاجاريون وكانت الإنتفاضات والتمردات العشائرية قد خلقت فوضى كبيرة فيها ولم تكن للحكومة القاجارية سلطة فعلية في البلاد، بينما كانت بقية منطقة الشرق الأوسط واقعة تحت الحكم العثماني. لذلك لم تكن هناك دول مستقلة في المنطقة، بل كانت المنطقة مقسمة الى ولايات عثمانية، على سبيل المثال، كان العراق الحالي عبارة عن ثلاث ولايات وهي ولاية شهرزور وبغداد والبصرة وكانت ولاية البصرة تضم منطقة القطيف والإحساء الشيعيتَين الغنيتَين بالبترول واللتين تم ضمهما للمملكة العربية السعودية و هما الآن جزء من أراضي هذه المملكة وكانت الكويت أيضاً جزءاً من ولاية البصرة.

بعد الحرب العالمية الأولى أصبح الشيخ محمود الحفيد ملِكاً على جنوب كوردستان، إلا أن الإستعمار البريطاني قام بإحتلال مملكته وضمها للمملكة العراقية التي قام الإنكليز بإستيراد رجل سعودي الى العراق ونصّبوه ملكاً عليه.

العنصريون الأتراك والعرب والفرس يتبجحون بأن كوردستان لم تكن مستقلة في السابق في العصر الحديث ولذلك لا يحق لها الإستقلال، بينما كانت كوردستان جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، كغيرها من المناطق وأن العراق الحالي وسوريا وتركيا ولبنان والسعودية والأردن الحالية وغيرها من دول المنطقة، لم يكن لها وجود قبل الحرب العالمية الأولى ككيانات سياسية، حالها حال كوردستان. هكذا بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى ظهرت هذه الدول المصطنعة في المنطقة بحدودها الحالية التي أصبحت الآن حدوداً "مقدسة" والتي خلالها تمّ ضم الجزء العثماني من كوردستان الى الدول التي تم إصطناعها بموجب إتفاقية سايكس – بيكو الإستعمارية وهي تركيا والعراق وسوريا. حسب قوانين الأمم المتحدة، فأن لكل شعب الحق في تأسيس دولته المستقلة وبذلك يحق لشعب كوردستان أن يحرر وطنه ويؤسس دولة مستقلة على أرضه التأريخية.

المصادر

1. محمد أمين زكي (1948). تاريخ الكورد وكوردستان – تاريخ الدول والإمارات الكردية في العهد الإسلامي. الجزء الثاني، ترجمة: محمد علي عوني، مطبعة السعادة، القاهرة، مصر.

2. جەمال نەبەز (2002). ناسنامه و كێشەی ناسيونالي كورد له چەند سەمينار و كۆرێكي زانستيدا. بڵاوكراوەی بنكەی كوردنامە، لندن، صفحة 106 و 107.



95
تأريخ (إسم كوردستان)

د. مهدي كاكه يي

تُظهر الآثار القديمة المُكتشَفة بأن (كوردستان) عُرِفت ب(بلاد الكورد) منذ آلاف السنين، حيث كان السومريون يسمّون المنطقة (كوردا قوتيوم) و التي تعني "أرض كاردا" و الأشوريون كانوا يسمونها (كورتي) و البابليون كانوا يطلقون عليها إسم "قاردو" و الإغريق كانوا يسمونها "قاردوتشوي" و الرومان أطلقوا عليها إسم (كوردرين) وتم ذكر إسم كوردستان في التوراة بإسم (منطقة کاردو/قاردو). أطلق الآراميون إسم (بیت قاردو) على كوردستان والتي تعني (بلاد الكورد). كما أنه في حوالي سنة 1760 قبل الميلاد، قام الكاشيون بقيادة زعيمهم (خانديژ)، بالتعاون مع أسلاف الكورد الگوتيين واللوليين، بتأسيس دولة (كاردوينا) في جنوب ميزوبوتاميا1.  دولة (كاردوينا) تعني دولة (الكورد).

كان (مارسيلينيوس)، مؤرخاً وجندياً رومياً في القرن الرابع الميلادي، أي قبل حوالي 1700 سنة، عندما يصل الى الهذبانيين، يشير بوضوح الى الخارطة الجديدة لكوردستان، حيث يقول بأن المنطقة الممتدة من نينوى، مارةً بأربيل حتى مدينة همدان هي بلاد الهذبانيينa. هذه هي أقدم إشارة للجغرافية الجديدة لكوردستان في التأريخ. علماً بأن نينوى كانت في ذلك الوقت مقاطعة أكبر بكثير من تلك التي نجدها اليوم، حيث كانت تضم أيضاً أجزاءً من شرق و شمال كوردستان الحالية، بينما كانت الأقسام الأخرى من شرق وشمال كوردستان تحت الحكم الرومي آنذاك. هكذا نرى بأن (مارسيلينيوس) قبل حوالي 1700 عاماً يشير الى جغرافية كوردستان الحالية. من الجدير بالذكر هو أن الهذبانيين كانوا ينتمون الى قبيلة قامت بتأسيس دولة كوردية قديمة، حيث يعود أصلهم الى العهد الهوري، قبل مجئ الآشوريين الى المنطقة، وأن أصل عائلة صلاح الدين الأيوبي يعود الى هذه القبيلة، حيث كانت كوردستان تُعرف ببلاد الهذبانيين في القرن الرابع الميلادي، أي قبل الإحتلال العربي الإسلامي لِكوردستان بِحوالي 300 سنة.

خارطة العالم الإسلامي التي رسمها محمود كشغري في سنة 1076 ميلادية أي قبل 939 سنة، تتضمن كوردستان بإسم (أرض الأكراد)b. هذا دليل آخر على العمق التأريخي للكورد في كوردستان.

أول من أطلق إسم "كوردستان" على موطن الكورد هو السلطان السلجوقى (سنجر) و ذلك فى أواسط القرن السادس للهجرة (القرن الثاني عشر الميلادي) أي قبل أكثر من 800 سنة2. من هنا نرى بأن إسم (كوردستان) قديم جداً.


المصادر

1. محەممەد مەردۆخی كوردستانی (1991). مێژووی كورد و كوردستان. وەرگێڕانی عەبدولكەریم محەممەد سەعید. مطبعة اسعد، بغداد.

2. لى سترينج (1930). الأراضي فى شرق عصر الخلافات.

a. Ammianus Marcellinus (1862). Res Gestae (Rerum gestarum Libri XXXI). Translated by C.D. Yonge.

b.

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D8%B4%D8%BA%D8%B1%D9%8A

96
مستقبل كوردستان في المدى المنظور


د. مهدي كاكه يي



مستقبل كوردستان يعتمد على الظروف الداخلية لكوردستان والظروف الإقليمية والدولية. الظروف الدولية جيدة بالنسبة للقضية الكوردستانية، حيث تلتقي المصالح الغربية في الوقت الحاضر مع المصالح الكوردستانية في المنطقة. منطقة الشرق الأوسط تمرّ الآن بمخاض ولادة خارطة سياسية جديدة لها وأن المصالح الكوردستانية والإسرائيلية تلتقيان في المنطقة وبهذا فأن الظروف الإقليمية متاحة لقيام دولة كوردستان مع مواجهة مشروع الإستقلال لبعض التحديات والتهديدات من الجانب التركي والإيراني والتي يمكن التغلب عليها من خلال ضغوط إسرائيلية وغربية أو تحسين الأداء الكوردستاني.

الظروف الذاتية الكوردستانية سيئة، حيث أن القوى السياسية الكوردستانية مشتتة ومعادية لبعضها ومقسّمة بين التبعية لكل من تركيا وإيران. كان بإستطاعة المسئولين في جنوب كوردستان بناء مرتكزات دولة كوردستان من خلال الإهتمام بالبُنى التحتية والإهتمام بالصناعة والزراعة لتحقيق الإكتفاء الذاتي في هذين المجالَين وبناء مصافي تكرير النفط والسدود لتحقيق الإستقلالية في مجال المياه والطاقة من كهرباء ومشتقات بترولية وبناء جيش كوردستاني مهني والتعاون والتنسيق مع غرب كوردستان لتحرير الأراضي الكوردستانية الممتدة الى البحر الأبيض المتوسط التي توفر منفذاً بحرياً لكوردستان وتكسر الحصار الذي تفرضه كل من تركيا وإيران والعراق على كوردستان، إلا أن أفراداً جهلة ومتخلفين وفاسدين وجشعين يحتكرون السلطة في جنوب كوردستان، همّهم السلطة وجمع الثروة وإرتهنوا بترول كوردستان لدى تركيا لمدة 50 عاماً وبعد هذه المدة سينضب بترول كوردستان أو ينخفض مستواه الى مستويات أرضية عميقة بحيث يصبح إستخراجه غير إقتصادي أي تصبح كلفة إستخراجه أعلى من وارداته وحينئذ سيصبح جنوب كوردستان بلداً فقيراً كالصومال، تنتشر فيه المجاعة والفقر والمرض.

الوضع في غرب كوردسستان ليس أحسن من جنوبها، حيث أن أصحاب السلطة هناك إبتكروا نظام الكانتونات التي تشتت القوة الكوردستانية وأنهم لا يؤمنون بإستقلال كوردستان، بل يعادونه، بالإضافة الى تفرّد جهة شمولية بالحكم، لا تسمح لغيرها بالمساهمة في العمل السياسي والعسكري. نفس الحالة تنطبق على شمال كوردستان، حيث تراجع حزب العمال الكوردستاني عن رفع شعار إستقلال كوردستان ويرفع الآن شعار الكونفدرالية بين شعوب المنطقة والذي هو شعار غير واقعي وغير ممكن تحقيقه. الحركة الكوردستانية في شرق كوردستان ضعيفة ومتفرقة.

هناك شرطان أساسيان لتقديم التضحيات الكوردستانية من أرواحٍ وممتلكات وهما: 1. أن تكون هذه التضحيات في سبيل تحرير شعب كوردستان و إستقلال كوردستان. 2. أن يضمن النضال الكوردستاني تحقيق حرية شعب كوردستان وإستقلال وطنه، وإلا فأن تقديم التضحيات هو جريمة بِحق شعب كوردستان، يرتكبها قادته وأحزابه السياسية.

للأسباب آنفة الذكر فأن العوامل الدولية والإقليمية قد تساهم في تحرير كوردستان وإستقلالها إذا تطلبت المصالح الغربية والإسرائيلية ذلك، وإلا فأن إستقلال كوردستان لن يحصل في المستقبل المنظور وسيتم ذلك على أيدي الجيل الجديد من الكوردستانيين الذين يحملون الفكر الوطني الكوردستاني ويتصفون بالنزاهة والوطنية ويستوعبون المتغيرات والتطورات العالمية والإقليمية والكوردستانية.

97
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين و العلاقة بينهم (28) – أسلاف الكورد: الميديون


أسطورة محاولة الملك الميدي (أستياگ) قتل حفيده (كورش)

د. مهدي كاكه يي


في الحلقة السابقة، تم الحديث عن أن الملك الميدي (أستياگ) رأى في حلمه أن أن إبنته (ماندانا) قامت بِجلب مياه كثيرة ملأت بها المدينة وأغرقت كل آسيا وأن الكهنة الموغ فسروا الحلم وقالوا للملك بأن رجلاً سيخرج من صلبه ويقوم بالقضاء على حكمه وإمبراطوريته. لذلك قرر الملك الميدي التخلص من الرضيع (كورش) الذي ولدته إبنته (ماندانا)، فأمر قائد جيشه (هارپاك) بقتل الرضيع، إلا أان (هارپاك) لم يقتل الطفل بنفسه، بل سلّمه لأحد رعاة القصر الملكي ليقوم بقتله. الراعي لم يرغب بقتل الطفل، بل إحتفظ به وجعله إبناً له. في هذه الحلقة تتم مواصلة الحديث عن ترعرع الطفل (كورش) مع أفراد عائلة الراعي.

عندما علِمت (ماندانا) بأمر إختفاء إبنها، أقامت الدنيا، حيث تمّ البحث عن الطفل في كل أرجاء المدينة دون العثور عليه. على ضوء حِلم أبيه، إتهمت (ماندانا) أباها بقتل إبنها. رجعت (ماندانا) مع زوجها الى (أنشان) وأقسمت بأن لا تعود الى العاصمة الميدية مرة أخرى.

ترعرع الطفل في كنف الراعي وزوجته. كان طفلاً  ذكياً، ذا بُنية قوية. بعد أن أصبح عمر الطفل عشرة سنوات، أخذ الراعي يصطحبه معه الى ردهات الخدم في القصر الملكي لكي يساعده في بعض أعمال القصر. لقد حذّره من الإقتراب من أبناء الأمراء والوزراء والقادة والذوات واللعب معهم لأنه من أبناء العامة ولذلك لا يجوز له الإختلاط معهم. أخذ الصبي ينظر من بعيد الى الصبيان الذين يشكلّون مجاميع للعراك والمصارعة والمبارزة بالسيوف الخشبية في باحات وحدائق القصر الملكي وهو يتحسر ويتألم لحرمانه من الإقتراب منهم واللعب معهم. عند غياب أبيه الراعي، كان يقترب منهم وينظر إليهم، وكان الأطفال يدعونه للعب معهم، تكملةً لعددهم، فيقوم باللعب معهم بِحذر. كان يبتعد عنهم عندما يشاهد والده قادماً من بعيد. بمرور الوقت أخذ يلعب معهم حتى بوجود أبيه، حيث أن الصبيان كانوا يطلبون منه ويلحّون عليه أن يلعب إبنه معهم. نظراً لِقوة الطفل ونباهته وشخصيته القيادية، كان يترأس مجموعته من الصبيان والتي كانت تتبارز وتتعارك مع المجاميع الأخرى من الصبيان، حيث تمّ إختياره رئيساً لمجموعته. بعد ذلك أصبح رئيساً لِكل المجاميع، حيث كان يقوم بتوزيعهم في اللعب والعراك والمصارعة وغيرها من الألعاب. كان الأطفال ينادونه (الملِك). نسي الطفل بأنه إبنُ راعٍ، فأخذ يوجّه الأوامر إليهم ويعاقب كل مَن لا يطيع أوامره وكان يُذكّرهم بأنه الملِك. في إحدى المرات قام بمعاقبة صبيٍ كان إبناً لأحد الأعوان الذي كان إسمه (أرتمبارس) بعد أن رفض هذا الصبي تنفيذ أمره، حيث قام بضربه بالسوط وآذاه. ذهب الصبي الى بيتهم باكياً وأخبر والده بما حدث له. أغضب هذا الأمر (أرتمبارس) فإصطحب إبنه معه الى الملك وأخبره بأن إبنه قد تعرض الى إهانة ومعاملة قاسية من أحد أبناء الرعاة وأظهر له آثار الضرب التي كانت بادية على ظهر وكتف إبنه.

قام الملك بإستدعاء الراعي وإبنه (ديسوس). دار الحوار التالي بين الملك والصبي:

الملك : من أين أتيت أنت بهذه الوقاحة وكيف تتجرأ وأنت إبن عبد، أن تعاقب بوحشية إبن من أبناء أسيادك؟
الصبي : سيدي لم أرتكب عملاً خاطئاً.
الملك : كيف ذلك وأنت ضربته بالسوط؟
الصبي : سيدي الملك لقد عيّنوني زعيماً وملكاً عليهم بسبب إعتقادهم بأنني الأصلح لهذا المنصب وكان الجميع يطيعون أوامري ماعدا هذا الصبي، حيث أنه تمرّد ولم يُنفّذ أمري فقمتُ بِمعاقبته، حيث أنه بصفتي ملِكهم فمن حقي معاقبة مَن يخرج عن أمري كما تفعل أنت سيدي. هذا كل ما حدث وإذا كنتُ أستحق العقاب لِفعلتي، فانا أقبل ذلك.

    تعجب الملك من فصاحة الصبي فإبتسم وسأله : مَن ولّاك عليهم زعيماً وملِكاً؟
الصبي : هم سيدي الملك إنتخبوني زعيماً وملكاً عليهم
الملك  : إذن أنت الملك تضرب وتعاقب كيفما تشاء
الصبي : ألا تفعل أنت ذلك مع مَن يخرج عن أوامرك سيدي الملك؟
الملك: هل يوجد في المملكة ملِكان؟
الصبي : نعم سيدي أنت ملك الكبار وأنا ملك الصغار

ضحك الملِك كثيراً لشجاعة الصبي وهو الملك الذي لا يتجرأ أحد الوقوف أمامه مرفوع الرأس. نظر الملك الى الصبي وتأمله فتذكر إبن إبنته (ماندانا) الذي إعتقد بأنه قتله، فندِم على ما فعل، حيث أنه بسببه خسر إبنته فلم يرَها منذ تلك الحادثة. عنذئذٍ شكّ بأن الطفل هو من نسل نبيل وليس إبناً للراعي. تمعّن الملك في ملامح الصبي جيداً، فلاحظ أن ملامح وجه الصبي ذات شبه كبير بِملامحه وملامح وجه إبنته (ماندانا)، ولذلك شكّ بأن الطفل قد يكون إبن (ماندانا) وأنه لم يتم قتله.
 
أصاب الملك القلق والإضطراب بسبب ذلك ولذلك أراد التأكد بصورة شخصية عن أصل الصبي من الراعي. أخبر الملك (أرتمبارس) بأنه سيُتابع الموضوع ويقرر بِما يُرضيه ويُرضي إبنه وصرفهما.

بعد مغادرة (أرتمبارس) وإبنه، دار الحوار التالي بين الملكِ والراعي:

الملك : هل أنّ هذا الصبي إبنك؟
الراعي : ( بإرتباك) نعم سيدي       
الملك : (غاضباً) لا تكذب، أنا أحبك وأنت تخدمني بإخلاص منذ سنين طويلة، كما خدمني أبوك. لا تجعلني أغضب عليك وأنت تعرف ماذا أفعل حين أغضب. ثم أمر بإخراج الطفل من ديوانه.
الملك  : الأن تكلّم بِصراحة عن قصة هذا الطفل
الراعي : سيدي إنه إبني من زوجتي (سباكو)
الملك : أنت لا تعترف ولا تقول الحقيقة. أشار الى حُرّاسه بأن يُجبِروه على الإعتراف. بدأ الحُرّاس بتعذيبه ولذلك إضطر أن يعترف ويطلب العفو من الملِك.

عندما عرف الملك بالقصة، أمر بإحضار قائد جيشه (هارپاك). نظر الراعي المسكين الى (هارپاك) الذي طأطأ رأسه وكان الذعر والإرتباك باديان عليه. أخبر الراعي الملك بأن (هارپاك) أعطاه الطفل ليقتله إلا أنه لم يستطع قتله لأنه كان طفلاً بريئاً ولذلك قام بإخفائه و ثمّ أخذ على عاتقه مُهمّة تربيته. غضِب الملك كثيراً من (هارپاك) ودار الحديث التالي بينهما:
 
هارپاك: سيدي عندما إستلمتُ الطفل، أخذتُ بِنظر الإعتبار تنفيذ أمرك و في نفس الوقت لم أرغب في قتل حفيدك الصغير، حيث فكرتُ بأنك قد تندم يوماً ما على قتله. كما أنني لم أستطع قتله بِنفسي بسبب كونه قريبي ولذلك طلبت ُ من هذا الراعي أن يقوم بِقتله بدلاً مني. أقسم بأنني ذكرتُ لك الحقيقة.

الملك : ما دامت النتيجة أصبحت بهذه الصورة السعيدة التي هي إرادة الآلهة التي قامت بِحماية الطفل، أعفي عنكما. ثمّ أخبر الراعي بأنه عمل شيئاً جيداً بالحفاظ على حياة حفيده وأمره بِكُتمان السرّ الى أن يعلنه بنفسه. فرِح الراعي كثيراً بهذا الأمر ووعد الملك الراعي بالقيام بِمُكافئته لقيامه بتربية الصبي تربية جيدة ثم أمر الملك بإنصراف (هارپاك) والراعي.
   
إحتضن الملك حفيده وأخبره بأنه حقاً أنه ملِك، حيث أنه إبن ملِك. أمر الملِك بإحضار الكهنة لإستشارتهم في الأمر. أخبروه بأن حلمه قد تحقق وأن الطفل قد أصبح ملِكاً حقيقياً، إلا أنه أصبح ملك الصبيان وأن الصبي سيكون له شأن عظيم وسيساعد أمه في إدارة مملكته من بعده ولا هناك شئ يدعو للقلق والخوف من الطفل. فرِح الملك (أستياگ) بِتفسير الكهنة وإستدعى إبنته (ماندانا) لرؤية إبنها الذي لم ترَه منذ إختطافه وأخبرها بأن أحد الخونة قد قام بِسرقة طفلها من القصر الملكي ورماه في العراء لِتأكله الذئاب وأن هذا الخائن هارب من وجه العدالة وأنه سيتم العثور عليه ومعاقبته وأن الراعي قد عثر على الطفل في العراء وقام بتربيته تربية حسنة وأنه كافأه على ذلك. بعد ذلك قام  (أستياگ) بِذبح القرابين للآلهة التي يعود لها الفضل في ذلك وعمّت الإحتفالات والأفراح في البلاد لمدة ثلاث أيام إبتهاجاً بهذه المناسبة، حيث دعا الملك الوزراء وكبار المسسئولين الى وليمة كبيرة أقامها في ديوان قصره لهذه المناسبة. بعد الإنتهاء من الأكل والشرب، نهض الملك من مكانه، وهو ثمل لِحدٍ ما وسأل (هارپاك) فيما لو أنه شبِع فأجابه بالإيجاب وثم أخبره الملِك بأنه أكل لحم إبنه الذي كان في الثالثة عشر من عمره، فسقط (هارپاك) متهالكاً على كرسيه وأفرغ ما في معدته. أخبر الملك الحاضرين بأن هذا هو جزاء كل مَن يتهاون في عمله وطلب من (هارپاك) عدم إفشاء هذا السر.

بعد إنتهاء الإحتفالات، رجعت (ماندانا) مع إبنها الى (أنشان) خوفاً عليه من أية مكيدة أخرى. وعمت الإحتفالات والأفراح في منطقة (أنشان) أيضاً وتمّ نحر الذبائح. هكذا بدأ الطفل يترعرع في كنف والدَيه الى أن أصبح شاباً يافعاً.


98
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين و العلاقة بينهم (27) – أسلاف الكورد: الميديون


ميديا في ظل حُكم الملك أستياگ (584 – 550 قبل الميلاد)

د. مهدي كاكه يي

بعد وفـاة كَيخَسرَو سنة 585 قبل الميلاد، خلّفه على العرش إبنه أستياگ (أستياگيس Astuages)، الذي دام حكمه لمدة 34 سنة (584 – 550 قبل الميلاد). كان البابليون يسمّونه (اشتوميكو)1.

بعد إختفاء الإمبراطورية الآشورية، كانت الإمبراطورية الميدية لها علاقات ودية مع كل من مملكة بابل ومملكة ليديا، وبذلك ساد الإستقرار والأمن والسلام في غربي آسيا، حيث إزدهرت التجارة وعمّ الثراء في المنطقة, وخاصة في ميديا. عن الثراء الميدي، يذكر (ويل ديورانت Will Duarant) ما يلي: أصبحت الطبقات العليا أسيرة الأنماط الحديثة والحياة المُترَفة، فلبس الرجال السراويل المطرّزة الموشّاة، وتجمّلت النساءُ بالأصباغ والحليّ، بل أنّ الخيول نفسها كثيراً ما كانت تُزيّن بالذهب، وبعد أن كان هؤلاء الرعاة البسطاء يجدون السرور كلَّ السرور في أنْ تحملهم مركبات بدائية ذات دواليب خشبية غليظة، مقطوعة من سيقان الأشجار، أصبحوا الآن يركبون عربات فاخرة عظيمة الكلفة، ينتقلون بها من وليمة إلى وليمة2.

نتيجة ثراء الإمبراطورية الميدية، إنصرف الملك الميدي (أستياگ) الى الترف والبذخ وأهمل  شئون شعبه وبلاده، حيث أنه طوال حكمه أحجم عن حماية مملكته من العصيان والتمرد. وقاد الإنصراف إلى الترف والبذخ في العيش، الى ظهور مراكز قوة في ميديا والتي أصبحت تطمح الى إستلام السلطة وتُشكّل تحديات كبيرة تُهدد عرش الملك الميدي (أستياگ)، إلا أن الملك الميدي لم يعمل على التصدي لمراكز القوة التي أصبحت أحد أهم أسباب فقدان (أستياگ) لعرشه وسقوط الإمبراطورية الميدية.

بعد سقوط الدولة الإيلامية ، سيطر (تايسبس بن هاخامنيش) الذي كان أحد رجال قبيلة (باسارگاداي الأخمينية ) الأقوياء على دويلة (أنشان) وقام بتأسيس حكومة جديدة بإسم الحكومة الأخمينية وأصبحت هذه الدويلة فيما بعد تابعة للإمبراطورية الميدية ، كان ل(تايسبس)3 ولدَين حكما في جنوب إيران الحالية، هما (كورش الأول) و(أريارامنا). خلّف (كورش الأول) ولداً إسمه (قمبيز) الذي كان خلال حكم الملك الميدي (أستياگ)، أميراً لمنطقة (أنشان) (لورستان الحالية) والتي كانت جزءاً من الإمبراطورية الميدية.

لم يكن للملك (أستياگ) ولداً ليُخلّفه في الحكم. يروي هيرودت في قصة أسطورية بأن (أستياگ) حلِم أن إبنته (ماندانا) قامت بِجلب  مياه كثيرة ملأت بها المدينة وأغرقت كل آسيا. إستيقظ (أستياگ) من النوم مفزوعاً و دعا  في الحال الكهنة الموغ  لتفسير حلمه. أخبره الكهنة بأن رجلاً سيخرج من صلبه ويقوم بالقضاء على حكمه وإمبراطوريته. عند سماعه هذا الكلام، تملّك (أستياگ) الذعر والخوف وقرر حينذاك عدم تزويج إبنته (ماندانا) من أي رجلٍ ميدي ذي شأن ومنزلة، لمنع إنهيار إمبراطوريته وزوال حكمه4.

كانت مملكة  ميديا تحتفل سنوياً بذكرى إنتصارها على الإمبراطورية الأشورية والقضاء عليها وتدعو ملوك  وأمراء ممالك المنطقة لحضور الإحتفالات، حيث كان يتم  في القصر الملكي حفلة راقصة كبيرة و إحتفالات شعبية عارمة في كافة أرجاء الإمبراطورية الميدية.

كان الأمير (قمبيز) من بين المدعوين لإحدى الإحتفالات الميدية والتي كانت الأميرة الجميلة (ماندانا) حاضرة فيها أيضاً. كان الأمير (قمبيز) شاباً يافعاً وسيماً. عندما رأى (قمبيز) الأميرة (ماندانا)، أخذ يلاحقها بنظره وأن (ماندانا) إستمالت هي بدورها إليه. في إحدى مباريات المصارعة التي كانت تُقام بين المصارعين الميديين والأجانب، كانت الأميرة (ماندانا) جالسة بجوار أبيها الملك (أستياگ)، أخذ  الأمير (قمبيز) يلاحقها بنظراته وردّت الأميرة بأن إبتسمت له، فإبتسم الأمير بدوره فرحاً لتجاوبها معه. هذا ما شجعه على طلب يدها من أبيها بعد إنتهاء مراسيم الإحتفالات، حيث وافق أبوها على تزويج إبنته من (قمبيز) لِكونه لا تجري في عروقه الدماء الملكية، بل كان ينتمي الى الطبقة الوسطى، حيث كان الأمير ( قمبيز) رئيس أحد أفخاذ القبيلة الأخمينية وأمير على منطقة صغيرة (أنشان).

كان من عادة الملوك أن يحصروا زواج أبنائهم  وبناتهم ضمن الأُسر الملكية، إلا أن الملك الميدي بسبب الحلم الذي رآه، خرج عن هذا التقليد ورأى أنه من الأفضل عدم حرمان إبنته الجميلة  (ماندانا) من الزواج وتزويجه للأمير (قمبيز) الذي ينتمي للسلالة الأخمينية التي هي بدورها تنتمي للسلالة الإيلامية الكوردية، حيث كان يحبّذ تزويجها من رجل كوردي ليبقى الدم الكوردي نقياً.
 
يذكر " هيرودوت بأنّه بعد تفسير الكهنة Mages))  لرؤيا (أستياگ) بخصوص كريمته (مانداناMandane ) ، فضّل تزويجها من( قمبيز) بدلاً من أحد النبلاء الميديين لكي يتجنب أية محاولة يقوم بها نبلاء قومه لإزاحته عن الحكم في المستقبل . يذكر (هيرودوتس) أيضاً بأنّ (ماندانا) أنجبت ولداً من قمبيز أسمته (كورش Kurush ) الذي عاش في كنف الميديين و تربّى بينهم. عندما أصبح كوروش بالغاً، إستطاع الإطاحة بجدّه " أستياگ " بمساعدة أحد القادة الميديين الذي كان إسمه (هارباگ Harpage) وأسقط الإمبراطورية الميدية وأسّس المملكة الأخمينية.
 
من جهة أخرى، فأن المؤرّخ (ستيسياسStesias ) يذكر بأنه لم تكن هناك أية رابطة عائلية تربط كوروش بالملك الميدي5. أمّا المؤرّخ (كزينفونXenophon") فأنّ له رأي مشابه لرأي (هيرودوت) في هذه المسألة، حيث يذكر بأنّ كورش كان إبن (ماندانا) الميدية وقمبيز الفارسي، ويضيف بأنّه تربّى، وأقام صباه بين الميديين في كنف جدّه (أستياگ) إلى أن بلغ سنّ الرشد6.

كما ان التنقيبات الأثرية المكتشفة تدل بأنّ كورش كان ينتمي إلى العائلة الأخمينية، وأن والده كان ملكاً، حيث يمكن قراءة الكتابة المسمارية على أحد الألواح التي تتضمن النص التالي: "إبن قمبيز، الملك القوي"، يتبعه "أنا كورش، الملك الأخميني" وهناك إشارة أيضاً إلى أنّه كان ملكاً على مملكة ( الشوش Susiane) قبل إطاحته بـ (أستياگ) و إسقاط الإمبراطورية الميدية.

جرى مراسيم الزواج في حفل مهيب وأُقيمت إحتفالات جماهيرية واسعة بهذه المناسبة، وإنتقلت الأميرة (ماندانا) مع زوجها الى (أنشان). بعد مُضي عام من زواجهما ولّدت (ماندانا) طفلاً ذكراً في قصر أبيها في ميديا، أسموه (كورش).

شاهد الملك (أستياگ) حفيده لأول مرة فوجده، كما وصفه له الكهنة، فعلٍم بأن رؤياه كان صحيحاً وأن زوال حكمه وإمبراطوريته سيكون على يد هذا الطفل. أمر بإختطاف المولود الجديد من أمه سراً من القصر وإعطائه لأحد أقاربه الذي كان إسمه (هارپاك) وكان قائد جيشه وأمره أن يقوم بِقتله والتخلص منه بعيداً عن القصر.

أخذ (هارپاك) الطفل الى بيته وهو حائر من طلب الملك بِقتل هذا الطفل البريء. فكّر مع نفسه بأنه لا يريد تنفيذ أمر الملك ولا يريد أن يُلطّخ يديه بقتل طفلٍ كان يرتبط به بِصلة رحم  ورابطة الدم. كما أنه فكّر بأن الملك رجل مُسّن و أنّ (ماندانا) هي الوريثة الشرعية للحكم من بعد والدها وأنها سوف تنتقم منه عند علمها بهذا الأمر. لذلك فكّر (هارپاك) في إيجاد حلّ لهذه المشكلة العويصة. أرسل جنوداً لإحضار أحد رعاة الملك الذي كان إسمه (ميترادات)، حيث أن هذا الراعي كان يرعى قطعانه في مناطق نائية، بعيدة عن المدينة ومليئة بالحيوانات الوحشية. طلبَ من (ميترادات) أن يرمي الطفل في تلك المنطقة الموحشة لِتأكله الحيوانات البرية هناك أو قتله، بعيداً عن المدينة. كما أن (هارپاك) أفهم الراعي بأن طلبه هذا جاء بناءً على أوامر الملك و أن الملك سيعاقبه عقاباً شديداً إذا لم يقُم بتنفيذ الأمر.

كانت زوجة الراعي (مترادات) إسمها (سباكو) وحامل في شهرها الأخير آنذاك. عند إقتياد جنود الملك لِزوجها بطريقة مخيفة، أُصيبت(سباكو) بالصدمة وخشيت على زوجها، فإستفسرتْ من أحد الجنود عن سر هذا الإستدعاء، فلم يُجِبها الجندي وعندما ألحت عليه وحاولت منعهم من أخذه، دفعها أحد الجنود فسقطت على الأرض. نتيجة الهلع والفزع الذي أصابه ونتيجة إسقاطها على الأرض، سقط منها جنينه ومات.

خوفاً على حياته أو فقدان عمله، حمل (ميترادات) الطفل مُجبَراً وهو يردد عبارة (الويل للعوام من غضب الملوك)، وهو في حيرة من أمره، حيث كان يفكّر كيف يمكنه قتل طفل بريء. أخذ الطفل الى كوخه ووجد زوجته طريحة الفراش وهي تبكي. سألها عن سبب بكائها، فأجابت بأن الجنين قد سقط منها ومات. سألته زوجته عن طلب إستدعائه فأجابها أنه لغرض مصيبة أخرى، التي سيواجهونها فأصبحت عندهم مصيبتان بدلاً من مصيبة واحدة. ثم سألته زوجته عن المصيبة الثانية، ففتح الراعي السلّة التي كان يحملها فإندهشت المرأة حينما وجدت طفلاً يرفس داخل السلة بعد أن نهض من نومه وهو يلبس الملابس الثمينة  المرصعة بالجواهر والذهب، فسألت الزوجة عن الطفل، فأجاب زوجها بأنّه طفل الأميرة (ماندانا) إبنة الملك، حيث أنهم أمروه بقتله. فسألت المرأة مندهشة عن سبب قتله، فأجابها الزوج بأنه لا يعرف السبب. بعد أن أكمل الرجل كلامه، نهضت زوجته وقامت بإحتضان الطفل و أجهشت بالبكاء وقالت لزوجها: ويحك كيف يمكنك قتل طفل! ، فأجابها زوجها بأن ليس لديه خيار آخر. ركعت المرأة على الأرض ومسكت ركبة زوجها، متوسلةً به للإبقاء على الطفل وعدم قتله، فأجابها بأنه ليس لديه خيار آخر، حيث أنه مُهدّد بالقتل إذا لم يقُم بتنفيذ أوامر الملِك، إلا أن زوجته أخبرته بأن هناك خيار آخر. قالت بأن طفلها قد سقط منها وهو الآن ميت، ينتظر الحرق، وأنه يستطيع حرقه بدلاً من حفيد الملك والإحتفاظ بإبن (ماندانا) وسوف لا يعرف أحداً بهذا الأمر. فرِح الراعي (مترادات) بِفكرة زوجته. بعد يومين قام بإحراق طفله الميت وثم ذهب الى بيت (هارپاك) في المدينة وأخبره بأنه ترك الطفل في مكان نائي، إلا أنه لم تأكله الحيوانات البرية، بل مات جوعاً، فقام بِحرقه. طلب الراعي من (هارپاك) أن يبعث أحد رجالاته للتأكد من ذلك. بعد ان تأكد (هارپاك) من موت الطفل، تم الإنتهاء من الموضوع.


المصادر

1. توماس بوا. تاريخ الأكراد، ترجمة محمد تيسير ميرخان، دار الفكر المعاصر بيروت، صفحة 240.

2. ويل ديورانت (1988). قصة الحضارة. ترجمة الدكتور زكي نجيب أحمد، االمجلد الأول، الجزء الثاني، صفحة 402.

3. د. زيار (2000). إيران ثورة في إنتعاش. طُبع في باكستان، صفحة 115.

4. هيرودوت. تاريخ هيرودوت. صفحة 90.

5. د. زيار (2000). إيران ثورة في إنتعاش. طُبع في باكستان، صفحة 165.

6. المصدر السابق، صفحة 170.


99
نبذة تأريخية عن الكورد والآشوريين و العلاقة بينهم (26) – أسلاف الكورد: الميديون

تأسيس الإمبراطورية الميدية

د. مهدي كاكه يي

في هجومهم على نينوى، إختار المهاجمون الزاوية الشمالية الشرقية من سور نينوى وهو القسم الأعلى والأضعف لإقتحام المدينة. بعد القيام بِتدمير القوات الآشورية خلال ثلاث معارك جرت بين الطرفَين المتحاربَين، إستولى المهاجمون على منظومة التحصينات الأمامية والسدود والقناطر التي بواسطتها تعود مياه نهر الخوصر الى الخنادق وبِتجفيف الخنادق، إستطاع المهاجمون الوصول الى المنطقة الملاصقة لِسور المدينة الذي كان يبلغ إرتفاعه أكثر من 20 متراً وقاموا بتقريب الأكباش إليه، حيث قام المهاجمون بِردم قطاع الخندق الملاصق للزاوية الشمالية الشرقية من نينوى، بأنقاض الفجوة الكبيرة المتكونة بالسور، والتي تدل عليها التنقيبات. دافع الآشوريون بقوة ومهارة عن مدينتهم وأقاموا خلف الفجوة خطاً جديداً من التحصينات وأحبطوا هجوم المحاصِرين الميديين والبابليين، إلا أن المهاجمين إستغلوا تركيز إهتمام الآشوريين على الفجوة المعمولة في السور، فقاموا بِتحويل نهر (الخوصر) الى الخنادق التي تغطي الوجه الجنوبي للسور الشرقي وإندفعوا على حين غرة الى داخل المدينة في مجرىً عبر القنطرة النهرية، عندئذٍ جرت في شوارع العاصمة الآشورية عمليات قتل الآشوريين1.

فيما يتعلق بِمصير الملك الاشوري (سين – شار - اشكن)، فأن هناك نص يذكر بأن الملك الآشوري قد هرب من المدينة2، إلا أن المصادر الإغريقية تقول بأن (سين – شار – اشكن) قد لقي حتفه في الحرائق التي دمرت نينوىa. يستند الباحث (جورج رو) على نصٍ يذكر مقتل الملك الآشوري، حيث جاء في هذا النص ما يلي: ( فإحتلوا المدينة وأنجزوا  هزيمة الرئيس وفي ذلك اليوم تم قتل الملك الآشوري (سين – شار - اشكن) f. كل الدلائل تشير الى ان الملك الآشوري قد لقي مصرعه في  خضم المعارك الدامية التي جرت في  مدينة نينوى أثناء إستيلاء الميديين والبابليين عليها، بِدليل أن (آشور- اوبالط الثاني) إعتلى العرش الاشوري. في 20 أيلول|سبتمبر من عام 612 قبل الميلاد، ترك الملك الميدي (كَيخَسرَو) وجيشه مدينة نينوى المتحولة الى أنقاض، عائدين الى بلادهم، حاملين معهم الغنائم والأسرى، بينما إستمرت قوات (نبوبلاصر) في تقدمها حتى وصلت مدينة (روسابو). تقع (روسابو) غرب نينوى قرب جبل سنجار3، حيث كانت في طريقها تنهب وتحرق. بعدها عاد الملك البابلي الى نينوى وإستقطع لنفسه منطقة آشور، بينما إستولى الاسكيثيون وزعماء آسيا الدنيا على القسم الأكبر من الغنائم، إلا أن الدولة الآشورية لم تنتهِ بعد، حيث أن مجاميع من الجيش الآشوري والنبلاء الآشوريين بقوا على قيد الحياة وإستمروا في المقاومة وإتخذوا مدينة (حران) ملاذاً لهم. (حران) مدينة قديمة تقع في أعالى نهر الفرات في إقليم شمال كوردستان، حيث أنها تقع على طريق تجاري مهم وإسمها يعني (طريق) وكانت مركزاً لعبادة إله القمر (سين) 4. في (حران) أصبح (آشور- اوبالط الثاني) ملِكاً لِبلاد آشور، حيث طلب المساعدة من حليفه الملك المصري (أمازيس) الذي قام بِتلبية طلبه. أسرع (أمازيس) بإرسال المعونات العسكرية لحلفائه الآشوريين.

من مجريات الأحداث، يظهر أن الملك البابلي (نبوبلاصر) لم يقف مكتوف الأيدي تجاه هذا التطور السياسي الخطير، حيث أنه في تموز عام 611 قبل الميلاد، زحف نحو بلاد آشور التي سار حولها بدون أية مقاومة تُذكر، ثم إلتقى بجيوش بلدان (حازو) و (هان) و (سو) فإستولى على غنائم وإقتاد الأسرى من هناك. في شهر تشرين الثاني من نفس السنة، توجّه نحو مدينة (أوكولتيو) وتمكن من الإستيلاء عليها في عام 610 وقام بقتل جميع سكانها بحيث لم يتمكن رجل واحد من الهرب من المدينة، إستناداً الى النص البابلي. (أوكولتيو) هي مدينة تقع في إقليم غرب كوردستان، قرب تل (بارسيب) شرق نهر الفرات وقد سيطر عليها الاشوريين في عهد (شلمنصر الثالث) عام 856 قبل الميلاد5. قد يكون الملك البابلي قام بهذا القتل الجماعي لترهيب وتخويف سكان المدن الأخرى وإجبارهم على الإستسلام5. بعد معارك عديدة دامت بين سنتي (612 – 605 قبل الميلاد)، والتي إستطاع الحلف الميدي - البابلي إنهاء الوجود الآشوري السياسي في منطقة الشرق الأدنى القديم بشكل نهائي في معركة (كركميش)، وبذلك خسر الحلف الآشوري - المصري الحرب أمام الحلف الميدي - البابلي، وإختفت من الوجود إحدى أقوى الإمبراطوريات التي عرفها العالم القديم.

تمّ تقسيم أراضي الإمبراطورية الآشورية وآسيا الصغرى بين الميديين والبابلين، فكانت حصة الميدين كل البلاد القريبة من ميديا وغرب كوردستان الحالي ودجلة العليا والفرات وإمتدت حدودهم الى البحر الأسود، أما البابليون فقد إستحوذوا على جنوب سوريا وجنوب بلاد الرافدين. بعد هذا النصر التاريخي، رجع الملك كَيخاسرَو مع جيشه المظفر، حاملاً معه الثروة الطائلة التي تركها الآشوريون، الى عاصمة مملكته، جمزان.

يذكر النبي العبراني (ناحوم) عن سقوط نينوى أمام الهجوم الميدي - البابلي، بأن الشعوب التي كانت تخضع للآشوريين، عبّرت عن إرتياحها وفرحها لهذا السقوط، حيث كان (ناحوم) حينذاك أسيراً في نينوى ولذلك  كان شاهداً على سقوط نينوى: (نَعِست رعاتُك يا ملك آشور. إضطجعتْ عظماؤك. تشتّتَ شعبُك في الجبال ولا مَن يجمع. ليس جبرٌ لإنكسارك. جرحُك عديم الشفاء. كلُّ الذين يسمعون خبرك يصفّقون بأيديهم عليك؛ لأنه على من لم يمرّ شرُّك على الدوام)6.

بعد سقوط الدولة الاشورية وإختفائها، بدأ (كَيخَسرَو) يطمح  في التوسّع الى تخوم
آسيا الصغرى، بعد أن تفككت وتلاشت ممكلة أورارتو بالتزامن مع إنهيار
الإمبراطورية الآشورية. إستغل الملك الميدي (كَيخَسرَو) الفراغ السياسي الحاصل في الجهة الشمالية الغربية لمملكته، فتوجّه نحو مملكة (ليديا) التي كانت آنذاك من أهم الدول المتمتعة بموقع إستراتيجي مهم وكانت أيضاً مركزاً تجارياً مهماً. إندلعت حروب عنيفة بين الميديين والليديين، بقيادة كل من الملك الميدي (كَيخَسرَو) والملك الليدي (ألياتسAlyaates ). إستمرت الحروب بين الجانبَين لمدة خمس سنوات دون أن ينتصر أحد الجانبَين. في سنة 575 قبل الميلاد، إندلعت معركة ،أُطلِق عليها إسم (معركة الكسوف)، حيث أنه أثناء هذه المعركة حصل كسوف الشمس طيلة يوم كامل، فخاف منه الجيشان المتحاربان وإعتقدا بأنه نذير شؤم لهما من السماء؛ لذلك قام الطرفان بتوقيع  معاهدة للصلح التي تم إبرامها بعد أن شرِب كل من الملِكَين جرعة من دم الآخر7. إستناداً الى بنود هذه المعاهدة، أصبح (نهر هاليس Halys)، الذي يصب في البحر الأسود والواقع قرب مدينة أنقرة الحالية، فاصلاً حدودياً بين المملكة الميدية والليدية8. توطدت هذه المعاهدة بزواج ولي العهد الميدي ( أستيا گ Astyages)، إبن الملك الميدي (كَيخَسرَو) من (أرينيس Arenes)، إبنة الملك الليدي (ألياتس).

تذكر مصادر أخرى بأن الحرب التي إندلعت بين مملكة ميديا و ليديا (Lydie) التي كانت عاصمتها (ساردSarde )، كانت بسبب السكيث الذين كانوا قد غزوا ميديا قادمين من شمالي البحر الأسود، وتحالفوا مع الدولة الآشورية، ولما سقطت الدولة الآشورية لجأوا إلى ليديا، وحماهم الملك الليدي إلياتس9.

في هذه الفترة، تميزت العلاقات بين الممالك الثلاث، الميدية ، والبابلية ، والليدية بالهدوء والسلام في عهد الملك (كَيخَسرَو) الذي إستمر حتى وفاته في عام 585 قبل الميلاد. هكذا خيّم الإستقرار والإزدهار على غربي آسيا لفترة دامت حوالي نصف قرن9.
 
هكذا أصبحت الدولة الميدية إحدى الإمبراطوريات الأربع التي تقاسمت فيما بينها زعامة الشرق الأدنى القديم وهي الدولة البابلية والدولة المصرية والدولة الميدية والدولة الليدية، حيث بلغت ميديا أوج عظمتها و إزدهارها و إمتدت حدودها من (بخاري) شرقاً الى نهر (قزيل إيرماق) غرباً ومن بحر قزوين شمالاً الى الخليج الفارسي جنوباً. بعد أن أصبحت ميديا دولة قوية أخذت الدول المجاورة لها تخاف منها، وخاصة البابليون، حيث قام ملكهم (نبو خذ نصر) ببناء سد ضخم وتحصينات كبيرة على طول الحدود الشمالية الذي عُرف بالسد (الميدي) نسبة الى الميدين، لحماية بابل من أي هجوم ميدي من الشمال.

المصادر

1. سليمان، عامر (1991). الموصل في النصف الأول ق.م. موسوعة الموصل الحضارية، الموصل، المجلد 1، صفحة 106.

2. بليافسكي، ف أ (2007). أسرار بابل. ترجمة توفيق نصار، الطبعة الثانية، دمشق، صفحة 168 – 169.

3. محمد، حياة ابراهيم (1983). نبوخذ نصر الثاني (604- 562 ق.م). بغداد، صفحة 050

4. الكيلاني، لمياء الآلوسي (1999). أول الرب من القرن التاسع وحتى القرن السادس قبل الميلاد. بيروت، صفحة 73.

5. غزاله، هديب. الدولة البابلية الحديثة (626-539ق.م). صفحة 64.

6. الكتاب المقدّس. العهد القديم، سفر ناحوم، الأصحاح 3، الآية 18- 19.

7. دياكونوف (1956). تاريخ ميديا. موسكو. صفحة 302.

8. الأحمد، سامي سعيد (1983). الصراع العراقي الفارسي خلال الألف الاول قبل الميلاد (933-331ق.م). صفحة 79.


9. هيرودوتس (1886). تاريخ هيرودوتس. ترجمة حبيب افندي، مطبعة القديس جاورجيوس، بيروت. 

المراجع

a. Heick, Gwendolyn (1999). whos who in the Ahcient Near East. London and New york, p .