عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - عبدالمنعم الاعسم

صفحات: [1] 2
1
المنبر الحر / حرب اليمن.. قف!
« في: 09:26 01/03/2015  »

حرب اليمن.. قف!

* عبدالمنعم الاعسم


بوجيز الكلام، ثمة في اليمن حرب اهلية كلاسيكية: الكل يحارب الكل.. الحوثيون يحاربون الجماعة الارهابية المسلحة "القاعدة" وكلاهما يحاربان الدولة التي تحاربهما بوسائل الاستقواء المستعارة من وراء الحدود، لكن الشيء الآخر الخطير الذي تطرحه الحرب اليمنية يتعلق بالحرب نفسها كوسيلة لحل الخلافات، او وسيلة للوصول الى السلطة، في وقت دخل العصر مرحلة بدت كما لو انها فتحت الافاق نحو الطريق السلمي السلمي البديل للعنف، الاحتجاجات. العصيان المدني. المفاوضات. التعبئة الشعبية، كمعبر آمن الى التغيير.
واللافت هنا بان الازمات اليمنية الدورية تنطلق من نقطة غامضة ثم لا تلبث ان تشغل العالم بوصفها قدرا أو كابوسا، لكأن الهدهد لا يزال يخاطب سليمان حتى اليوم "وجئتك من سبأ بخبر يقين" ومعلوم ان فريدريك انجلز سجل ــ عن اليمن ــ منذ ما يزيد على مائة وخمسين عاما في رسالة الى كارل ماركس انه كان "يكفي ان تنشب حرب واحدة حتى يتم اخلاء البلد من سكانه" ووصف ما يحدث من اضطرابات غامضة هناك بالقول "ان تدميرا مباشرا وعنيفا يجري الى درجة لا يمكن تفسيره الا بالغزو الحبشي".
لا جديد في القول ان الحرب اليمنية الجديدة "الكل يحارب الكل" كانت قد دشنت طريقها على نحو واضح في سوريا، ما يحمل المحللون على الاعتقاد ان مثل هذه الحروب " القذرة والمعقدة" ستعم مناطق كثيرة من العالم التي تعاني من اثار  اللاعدالة في نظام العولمة الجديد، والمهم، ان اسباب اندلاع الحروب لا تزال، كما في السابق، موضع دراسة واختلاف، وهناك من يحاول التقليل من أثر البعد الاجتماعي الداخلي لها، مع انه يتجدد في اشكال كثيرة.
في غضون ذلك اكتشف الكثيرون وصفة "سحرية" لتأويل حروب غير عادلة، لا أخلاقية، أو لا داعي لها، وفي الغالب تكون النزعات المغامِرة واجهة للعنجهية والطموحات الشخصية المفرطة والمريضة، لأنها تهيء الاسباب الواهية للكثير من الحروب. كاليغولا، كان يقول: "أريد الحصول على القمر. أغرق السماء في البحر. أمزج الجمال بالقبح. أصدر مرسوما بتعيين حصاني رئيسا لمجلس الشيوخ" أما صدام حسين فانه عدّ الحرب "كونه" يثبت خلالها قوته وتفوقه، وأول اسم تمثّل فيه، كمحارب، هو "محمد الفاتح" الذي نجح في فتح القسطنطينية، لكن التمثيل التجسيدي لصدام وُجد، بوضح، في المركيز دي ساد (أبو السادية) الذي قال: كي يكون المرء محاربا فتاكا، ولا أخلاقيا، فان عليه ليس الانغماس في فعل الشر، بل عدم السماح لنفسه بارتكاب فضيلة واحدة"، وثمة الكثير مَن يتذكر كيف خرج الدكتاتور بعد هزيمته بحرب الكويت وهو يستعرض قوته في احتفال جماهيري معتمرا فوطة سوداء عليها قبعة كالتي يعتمرها رعاة البقر ممسكا بندقيته، فيطلق الرصاص مزهوا بكسب الحرب التي كانت كارثة للبلاد، في واقع الحال.
الاقوال في الحرب كثيرة، واطرفها قول جورج ارويل بان "أ سرع طريقة لإنهاء الحرب هي أن تخسرها" أو قول ويلز " في الحرب يُكثر اللصوص, وفي السلام يشنقون" وحكمة أجاثا كريستي القائلة "الانتصار في الحرب مشؤوم مثله مثل خسارتها" وقول فولتير " ليس القوي من يكسب الحرب دائما، إنما الضعيف من يخسر السلام دائما" والشاعر بول فاليري في قوله "الحرب مجزرة تدور بين أناس لا يعرفون بعضهم البعض لحساب آخرين يعرفون بعضهم البعض ولا يقتلون بعضهم البعض" وحكمة جون مل ستيوارت "الحرب شيء سيئ، لكن الشعور بأن لا شيء يستحق القتال من أجله هو أسوأ بكثير" اما اينشتاين فقد كان يقول "لا أعلم بأي سلاح سيحاربون في الحرب العالمية الثالثة، لكن سلاح الرابعة سيكون العصي والحجارة".
وفي تاريخ هذه المنطقة ثمة سجل ضخم للحروب. اسبابها، ظروفها ونتائجها، وتعد بلاد اليمن بحد ذاتها ارشيفا لحروب في عمق التاريخ حتى ليبدو تاريخ اليمن كسلسلة من الحروب لتغيير السلاطين والحكام من بلقيس ملكة سبأ حتى علي عبدالله صالح، فمن الكثير من المدونات نعلم ان اليمن لم تنعم باستقرار الا ونزلت عليها نازلة الفتن، ولم تنصرف الى البناء الا وأغارت عليها الفيضانات والاعاصير والدوامات، وكانت الدورات الكونية قد منـّت عليها بجنتين "فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم"
وفي كتابه رحلة اثرية الى اليمن رصد الدكتور أحمد فخري امجاد اليمنيين اذ فرضوا سيطرتهم على خط القوافل التجارية من الجوف الى الشام، كما انهم فرضوا ثقافتهم وابداعاتهم الصناعية والحياتية في زمن كانت الامم تغط في ظلام دامس الامر الذي عبرت عنه آثار مدن قرنو وقتبانو ووائل حتى القرن العاشر قبل الميلاد، حيث شيدت مملكة سبأ العريقة التي عرفت اعرق ديمقراطية في مجالس المشورة والجدل، وتمثل نقوشها الآن مفاتيح معارف للدخول الى مغاليق تاريخ الشرق وفصوله الأكثر مثاراً للجدل حيث انهارت المملكة اليمانية الاولى تحت سنابك خيول الممالك المجاورة، ورحل ملوك وجاء ملوك غيرهم.
وليس مبالغة في اجماع المؤرخين على ان الظاهرة السبئية من حيث الصعود الى المجد والهبوط الى الخراب استمرت في حقب التاريخ اليمني باشكال مختلفة حتى تحولت هذه البلاد العريقة الى حكمة بالغة الدلالة، فثمة لديها جواب لأي سؤال.. ولديها دواء لكل داء، ولديها حرب لكل سبب.
هذا في الماضي.. أما في الحاضر.. غداة القرن الواحد والعشرين فقد خاضت اليمن ثلاثة حروب أهلية تحت شعار توحيد الأرض وانهاء التشطير.. وحربا رابعة بلا شعارات محددة، عناوينها الارهاب واختطاف السياح وحرية التعبير وانهاء الامبراطوريات القبائلية وترويض الغزال الجنوبي لضمه الى العائلة اليمنية التي طالما ارهقها الحنين الى مملكة سبأ المهيبة الجانب، ثم دخلت حربها الخامسة: جمهورية وراثية، وذلك قبل ان تندلع الحرب السادسة قبل ثلاثة اعوام مع اندلاع حروب الربيع العربي التي شهدتها شوارع المدن  العربية الكبرى، وقد اصبح واضحا بان مطالب  اليمنيين  لم تبتعد عن تلك الصبوات النائمة منذ آلاف السنين: دولة تنعم بالرفاه والعدالة.
لم تكن تلك الحروب اليمنية، والحرب الدائرة الآن، بالنتيجة، غير سيناريوهات لمستقبل يسهل فيه تعريف معنى الحرب.. كسياسة قذرة بوسائل اخرى، اكثر قذارة.
********
  "يمكنك الذهاب إلى مدى بعيد بابتسامة، ويمكنك الذهاب إلى مدى أبعد بكثير بابتسامة ومسدس".
آل كوبوني- رجل العصابات الامريكي



2
المنبر الحر / تعالوا نتمنى
« في: 14:35 05/01/2015  »

تعالوا نتمنى

*عبدالمنعم الاعسم


 في مطلع كل عام نزاول لعبة التمنيات، كجرعة عقار نستقوي بها على حموضة الاحداث ونكد الايام، ثم ندسها في حشوة اضطراباتنا لنجعل منها اسئلة صالحة لحسن الظن، والى احتمالات لا تتعارض مع منطق الاشياء، والى تهانٍ نبيلة ونظيفة مثل دمع العين.
 وفي كل عام، منذ نيف والفين، نعيد قراءة حكمة الطفل النبي، ونشوف منها احوالنا وامتعتنا وسجلاتنا، ونستشرف منها طالعنا وايامنا المقبلة، فنتساءل أي عالم عجيب حل  فينا؟ واية زلازل عصفت بنا؟ وماذا ينتظرنا من عالم واعوام؟ ثم نتواكل على غريزة البقاء بمواجهة تحديات الفناء والردة لنعطي المسيح بعض دين في رقابنا يوم حضنا على المسرات، وان يكون خبزنا كفافا "وعلى الارض السلام".
 وهكذا ارتبطت هذه المناسبة، بالتمنيات زالمستقبل، فلو تأملنا دلالة ان يتمنى الانسان خيرا فاننا سنجد هناك مشغولية في المستقبل، فليس ثمة امنية موضوعة على توقيت الماضي الذي استنفذ اماني كثيرة كنا قد اطلقناها عشية اعوام سقطت من التقويم، عدا عن ان في ماضينا، القريب، روائح غير طيبة.
 تتخذ الامنيات شكل جرعة من عقار مسكّن، إذ نقف على صفيح ساخن، بين ان نستأنف مشوارنا على الخارطة، او ان نستقيل منها الى شراذم، فيما نحن متعددون في الانتماء والعقائد والاديان والملل والمراتب والاجور، وموحدون في الجغرافيا وفصيلة الدم وحنفيات الماء. نقبل بذلك لنربح انفسنا، او نرفضه لنخسر الحياة.
 العام 2015سيكون عام مخاضات عسيرة.. اليست هذه قراءة بلاغية إخبارية مكررة؟ فهل لهذه المخاضات علائم؟ يقولون، نعم، ثمة مؤشرات مسبقة لاحداث وتحولات في تقاويم هذا العام إذ  تسبق بلوغ الاجنة أجَلها إذ بعلامة الانقباض على الرحم والتمرد على مساحته وقدره، ويقولون، لا مفر من الاستعداد لاستقبال الوليد، والسعي الى تغيير معدات المشهد وتجديد مضامينه، وبخلاف ذلك-كما يقولون- فاننا حيال مصير اسود كانت قد سبقتنا اليه امم نسيها التاريخ المكتوب.
 تمنياتنا تتسع الى اغصان زيتون كثيرة، ورطب، لزوم ان نجددها ونتجدد فيها، بوصفها العلامة الدالة على اننا مخلوقات مسالمة، او على وجه الدقة، اننا ولدنا مسالمين قبل ان نتوزع الى اقدار متناحرة: ابرياء وجناة، مثلما توزع اصحاب يسوع الى ملائكة وشريرين .
********
"الى الجحيم.. ألمْ تشبعوا تصفيقا بعد؟".
محمد الماغوط


3

المصالحة.. اشكاليتان على الطاولة*

عبدالمنعم الاعسم
 
دائما يجري التأكيد، عند الحديث عن المصالحة الوطنية، على ضرورة اعتماد مسارين لطيّ صفحة الاحتقانات والمواجهات الاجتماعية والسياسية بين العراقيين(جماعات وأفراد) وهما، اولا، عقد مؤتمر مسبوق بلقاءات موسعة واجتماعات ومشاورات بين ممثلي الفئات السياسية والدينية والعشائرية لتقريب وجهات النظر المتنافرة حيال شكل وهوية وإداء النظام السياسي، وثانيا، اجراء وتكييف وتعديل التشريعات الدستورية والقوانين المعلنة لاستيعاب الشكاوى والمخاوف والتظلمات المختلفة المسجَلة في حافظة السنوات العشر الماضيات.
  الاشكالية الاولى تتمثل في التقليل من شأن المسار الثالث، الاهم، والموصول بمعالجة إنعدام ثقة الملايين العراقية بسلامة النيات  المعلنة، إذْ يتطلب تعبئة مجتمعية استباقية لخيار المصالحة، بوصفها المَعْبَر الى دولة المواطنة والسلم الاهلي، وذلك عبر شبكات الاعلام والمنتديات ودور العلم والتعليم والمساجد والوحدات العسكرية والهيئات والجمعيات الثقافية، وقبل هذا في داخل الاحزاب والمكونات والطوائف، في حملة منهجية منظمة تنأى عن الشعارات والخُطب والاهابات والاعتبارات السياسية والفئوية والشخصية، وتفتح البصائر والعقول على الاعتراضات والتحفظات والخصومات، وتشجع على صياغة الافكار والتعاملات التي تمهد الى المصالحة الناجزة، وبما يساعد على تبديد الصورة السابقة، الاستهلاكية، لمؤتمرات المصالحة الباذخة، والعقيمة.
  اما الاشكالية الثانية، فهي الاكثر تعقيدا، وتتصل بطبيعة وشكل وأحوال التحول السياسي الاجتماعي الذي يخضع لتجاذبات واعمال عنف واضطراب الرؤى ولم يستقر حتى الآن على مسار واضح، وبخاصة ما تعلق منه بالجانب الامني حيث تخوض الدولة حربا شاملة ضد العصيان الارهابي المسلح الذي يبسط سلطته الاجرامية على اراض شاسعة من البلاد، والسؤال التفصيلي هنا: كيف يمكن تحقيق المصالحة قبل ان تُهزم عصابات داعش وتهدأ اصوات المدافع والتفجيرات واعمال القتل اليومية؟ اخذا بالاعتبار ان المصالحة لم تتحقق في جنوب افريقيا قبل ان يتم قبر نظام الابارثيد، ولم تتحقق في تشيلي قبل اسقاط فاشية بينوشيت، اوفي الارجنتين قبل الانتقال الى الاستقرار المجتمعي بعد سقوط دكتاتورية خورخي فيديلا ، وحتى المصالحة اللبنانية وجدت ارضية لها بعد ان سكتت مدافع الحرب الاهلية غداة اتفاق الطائف العام 1989
 بعد هذا، ثمة تشوهات سياسية رافقت وترافق الدعوة الى المصالحة من بينها القول بان الخصومة المجتمعية في العراق (الطائفية والفئوية) ولدت بعد العام 2003 لكن الحقيقة ان عهد التغيير ورث عن نظام صدام حسين ملفا زاخرا بسياسات التنكيل والتمييز واثارة الكراهية والمخاوف بين السكان، وزادته، وكرسته، الطريقة التي اعتمدها الاحتلال في لبننة السلطة (المحاصصة) فيما ساهم الخطاب (والسلوك)  الطائفي للاحزاب المتنفذة، في ترويج مفاهيم مشوشة عن المصالحة الوطنية، فهي مرة مصالحة مع البعثيين، واخرى مصالحة بين العشائر العراقية، وثالثة مصالحة بين الشيعة والسنة، ورابعة مصالحة مع معارضي الحكومة المقيمين في الدول المجاورة وخامسة مصالحة بين عراقيي الداخل وعراقيي الخارج، وسادسة مصالحة مع الجماعات التي تحمل السلاح، وكلها انتهت الى ولائم وشبهات الرشوة والدعاية الانتخابية، على الرغم من العبارات والشعارات والتعهدات التي خرجت بها.. والصور التذكارية التي تداولتها الكاميرات.
******
"لن تجد قوس قزح ما دمت تنظر إلى الأسفل".
شارلي شابلن



4

عيب.. يا سعادة الوزير


*عبدالمنعم الاعسم

 قالت الاعلامية التونسية الاسلامية، كوثر بشراوي، في لقاء تلفزيوني، ما كنت ساقوله، ان شركائها في القضية خذلوها بعد ان اعتلوا الكرسي، فصاروا يتنكرون لكل الصداقات ولكافة اخلاقيات الشراكة، وقالت- ما كنت ساقوله ايضا- انهم خسروها، برغم انها راهنت على جدارتهم، واتضح لها (كما اتضح لي) انها ضيعت عمرا ثمينا في صحبة من لا يستحق ان يوثق بصحبته.
 وكنت قبل سنوات قد كتبت عن سياسي "قريب" ملامة خفيفة بعنوان "أيدناك فخذلتنا" شعورا مني بالخذلان من اصدقاء ينقلبون على اصدقائهم حال جلوسهم على كرسي الوزارة، متوهمين انهم يكبرون على استحقاقات الصداقة وفروضها، فيما هم يتضاءلون في اختصاصات المكانة ورصيد السمعة وقياسات الجاه، ويقبلون-في نهاية الامر- ان يكونوا نموذجا لاولئك الذين جاءتهم الكراسي في غفلة الزمن والاقدار، وجاءهم الجاه في اضطراب الانواء والمعايير.
 هذا لا يخصّ وزيرا بعينه، أو زعيما بذاته، انما هي عاهة ضربت طابورا من وزراء العهد الجديد: يغلقون ابواب مكاتبهم بحراس ومرافقين وابناء عمومة وأصهار ومحازبين لا ترمش لهم عيون، وعندما تريد ان تقابل سيدهم، يدحرجونك بينهم، مثل اية شبهة، ويجرون عليك، بفروسية امنية متغابية، اختبارات اللياقة من حيث اللباس واللغة وسلامة النية ووجاهة طلب اللقاء، ثم يدوّنون رقم هاتفك لكي يبلغونك في ما بعد بالموقف من طلبك الذي كنت قد افضتَ في شرح دواعيه، وابلغتهم ان سعادته يعرفك ولا يجهل حسن مقصدك.
 هذا اذا نجحتَ في اختراق الفتحة الضيقة لبناية الوزارة من بين الالواح الكونكريتية وصف الشرطة ورجال الامن، فان طلبك لمقابلة الوزير سيصطدم بالرد الجاهز بان سعادته لم يصل اليوم الى مكتبه، وفي اليوم الثاني سيقال لك بان الوزير في مهمة خارج الدائرة، وفي اليوم الثالث انه سافر، وبعد اسبوع ستفاجأ من ينصحك بالقول: اخي لا تتعب نفسك، أكتب عريضة بقضيتك ودعها في صندوق الشكاوي.
 اقول، هذا ما حصل لغيري من الاصدقاء والمعارف (وبعضهم كفاءات علمية مهاجرة) ضاعت قضاياهم وحقوقهم وأوراقهم وفرص تعيينهم في شبكات الرشوة والاهمال والبيروقراطية وانعدام الرحمة والانصاف والغيرة، في هذه الوزارة او تلك، فلم يجدوا حلاً إلا بطرق باب الوزير، وبعضهم يعرفونه، وتجمعهم به علاقات عمل أو سياسة أو محن، فيعودوا خائبين.
 كتب لي صديق اعلامي يقول: اتصلت بسعادته على الرقم الذي كنا نتهاتف عليه قبل ان يصبح وزيرا، لطلب اللقاء (15 دقيقة لشأن من اختصاص وزارته ومسؤولية الوزير حصرا) وارسلت له رسالتين على قناة كنا نتواصل عبرها، بل وتركت له على مكتب سكرتيره طلبا للقاء، ولم يكلف نفسا للجواب وكنت سأتفهمه، وحتى للاعتذار وكنت سأقبله.. واختتم الاعلامي رسالته بالقول: آخ من لساني.
*********
"الحقيقة، هي بذاتها، افضل نكتة"
                           برنارد شو


5

المالكي.. تصريحات خارج الصدد

*عبدالمنعم الاعسم

 أقل ما يقال عن التصريحات الاخيرة لرئيس الوزراء السابق، نائب رئيس الجمهورية نوري المالكي بانها انفعالية، وخارج الصدد، ومُربكة، وذلك في الاصرار على فتح جروح واتهامات وملفات ودفاعات تخص المرحلة السابقة، في محاولة استباقية لتبييض صفحات تلك المرحلة وإلقاء مسؤولية الخطايا والاخفاقات على الآخرين، خلاف ما يُفترض ان يكون خطاب رجل الدولة منسجما مع موجبات التعبئة وتحشيد القوى، كمهمة اولى، لالحاق الهزيمة بالمشروع الارهابي، الخطر المحدق بالبلاد، وحماية وحدة الصف والمواقف حياله.
 فان حديث المالكي حول "مكونات" مسؤولة عن احتلال الموصل وإعفاء ادارة القرار السياسي وكبار العسكريين من ذلك، والاشارة الى "العافية" التي كانت عليها ميزانية الدولة غداة تشكيل الحكومة الجديدة وعدم وجود إهدارات وفساد وسوء انضباط، وعن "رجاحة" الموقف من ملف العلاقات مع الاقليم وشؤون النفط والتصدير والموازنة، ثم، الطعن بسياسة الانفتاح الاقليمي وإطلاقه الريب القديمة ضد دول مجاورة في وقت تجري محاولات ترشيد العلاقات معها، كل ذلك يصلح لوجهات نظر أو تعليقات صحفية عابرة، لا ان تُنسب الى مسؤول مرموق في الدولة.
 لكن المهم، كما يبدو، ان المالكي، يتحسس من اية اشارة الى "اخطاء" الحكومة السابقة، ولا يقبل المساس بتلك السياسات والمواقف التي انتهت الى الخسائر الفادحة في الارواح والثروات والسمعة، وهذا يتعارض مع البرنامج الحكومي الملزم للجميع باعتماد التغيير في السياسات والهياكل، بل ويتعارض مع منطق الاشياء ووظيفة اية حكومة جديدة في تنشيط وتصويب الاداء والتخلص من العقائد والادوات التي أعاقت وتعيق عملية التغيير.
 على ان المشكلة في تصريحات المالكي ليس في افتراقها عن السياسات المعلنة للحكومة وعن فروض التغيير الذي تتطلع اليه الملايين، بل، ايضا،  في منهج اثارة معارك ومخاشنات مع فئات و"مكونات" وشخصيات في ظروف بالغة الحساسية، إذ تلتقطها اصوات من الاطراف الاخرى لتضعها في ماكنة ردود الافعال وطاحونة الاتهامات والشتائم والتعريضات، تتجاوز عما هو شخصي الى ما هو طائفي، بما يقدم خدمة مجانية لعصابات داعش ومشروع الردة والتطرف والعنف، وبما يعيد المشهد الى مشارف المواجهات التي جرب الجميع عبثها ودفع الشعب فواتيرها.
 اقول، قد يجد البعض اسبابا ومبررات وحقوق لدفاع المالكي عن ادارته السابقة، لكن اية اسباب ومبررات وراء تصريحاته التي حملت اعتبارات الشحن الطائفي، كانت قد استُهلكت بما فيه الكفاية.. وحذّر من ايقاظها المحذرون.
*********
"إنَّ أوصلَ الناسِ مَنْ وصَلَ مَنْ قَطَعَهُ".
  الحسين بن علي بن ابي طالب
 


6
تبريد..
على نقطة تماس ساخنة

*عبدالمنعم الاعسم

 الاتفاق المعلن عن لقاء وزير النفط الاتحادي عادل عبدالمهدي ورئيس حكومة اقليم كردستان نيتشرفان بارزاني لجهة حل الخلاف حول واردات نفط، وميزانية، الاقليم خطوة الى تبريد الموقف على نقطة تماس ساخنة ومعقدة، طريقا الى حلحلة جدية على نقاط تماس اخرى، بين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كردستان كانت تهدد بأعمدة دخان ومواجهات وحرب مواضع، إذا ما شئنا ان نستخدم اللغة العسكرية الشائعة هذه الايام.
 على نقطة التماس هذه، ونقاط أخرى، لعلعت اصوات كثيرة خارج الانضباط وروح المسؤولية، وأطلقت تهديدات لم تكن لتحصد غير تهديدات مقابلة ومخاوف وتعميق الخندقة واساءة لروابط الشراكة بالوطن الواحد، فضلا عن تدخلات من قوى واطراف ليست وطنية غذّت موقد التوتر بالكثير من الحطب والتأليب والغُل، وبالنتيجة، عادت التوترات والقطيعة وانعدام الثقة بالضرر على الجميع، والاخطر، ان سوء ادارة هذا الملف وتضاعيفة واجواء الافعال وردود الافعال اعطى قوى الارهاب والتكفير والشوفينية فرصة توجيه ضربات خطيرة الى دولة الشراكة ومستقبلها على الخارطة.
 وكان الامر سيزداد تعقيدا، وربما سينجم عن كوارث تحلّ بالجميع، لو استمرت العلاقات بين المركز والاقليم في مسارها المتوتر، على مشارف ما حدث من غزو خطير ومذابح واعمال سبي وتدنيس وتنكيل جماعية ارتكبها العصابات الارهابية، وصارت تهدد الاقليم والعاصمة بغداد بعد ان احتلت مناطق شاسعة من البلاد، وشاءت الكابينة الحكومية الجديدة في بغداد وقيادة الاقليم ان تتداركا المخاطر الجديدة وتفتحا معبرا الى التفاهم بترشيد لغة الخلاف، وإعادة نشاط الجسور والاتصالات المباشرة بين الجانبين، وصار واضحا بان حل المشكلات المستعصية بين المركز والاقليم يتمثل بتقريب الرؤى وتقديم بدائل عن المقترحات والشروط المطروحة، غير المقبولة.
 ويمكن القول ان المبدأ الذي سهل اتفاق عبدالمهدي- البارزاني المستند الى الحوار والبحث في الحلول الوسط المقبولة من الجانبين بصدد آليات تصدير نفط الاقليم يصلح كوصفة لحل بقية الملفات العالقة ذات الصلة بالنصوص والتفسيرات الدستورية وصلاحيات حكومة الاقليم وقضية المناطق المتنازع عليها والشؤون المالية والتعامل مع الثروات وعائداتها، وكلها أشبعت نقاشا وجدلا وقدمت حيالها تصورات ومقترحات، ونقائض، وادخلت في اكثر من مرة في مطابخ الخلافات السياسية والريب التي غذتها، الامر الذي وصل مفترقا حساسا بحيث أصبح كل طرف يعرف هواجس وسقوف الطرف الاخر، والمفترض، ان يكون هذا عاملا ايجابيا لإنهاء الدوامة التي استمرت اكثر من اربعة اعوام، غير ان الافتراض الصحيح وُضع جانبا وحلت محله فروض الهروب من الحل.
 في كل الاحوال، ستسجل خطوة التبريد هذه في رصيد حكومة حيدر العبادي، سوية مع قيادات الاقليم، كونها شقّت واحدة من الطرق غير الآمنة لحلٍ كان يبدو مستحيلا، لتجد نفسها على طرق اكثر اماناً لحلول ممكنة.. وبين ما كان مستحيلاً واصبح ممكناً كانت خسائرنا فادحة.
********
"عجبت لمن يغسل وجهه عدة مرات في النهار، ولا يغسل قلبه مرة واحدة في السنة".
ميخائيل نعيمة

 

7

المؤامرة..
ونظرية المؤامرة

*عبدالمنعم الاعسم


 رفْض نظرية المؤامرة، في الاقل بالنسبة لي، لا يعني الاعتقاد بعدم وجود مؤامرات وراء الكثير من الصراعات، او لا وجود لسياسيين وفئات وقيادات وزعامات دول يتآمرون علينا، وعلى بعضهم البعض، فالمؤامرة وسيلة قديمة لكسر شوكة الخصوم منذ تكون المجتمعات، وفي عمق الموروثات والأخيلة والروايات التاريخية والدينية، اشارات وفيرة الى "المؤامرة": قابيل تآمر لقتل اخيه هابيل. يوليوس قيصر "مسرحية شكسبير صرخ وهو يحتضر: حتى انت يابروتس، شكوى تُردد من تآمر الاقربين.
كما تطورت ادوات تنفيذ المؤامرة من حجر قابيل الى خنجر بروتس، عبر الحربة والسيف والسهم واصابع اليدين والنار والحبال والسكين، ومن التآمر بالسم الى احدث تقنيات القتل والاغتيال واحتلال الدول وإحلال الاقدار. 
المؤامرة في الاصطلاح المدرسي هي "مكيدة" وهى من اصل الفعل "أمَرَ" وتأتى بمعنى التشاور و"الامارة". وأمرَ محمد فلانا بمعني كلّفه بشيء، والقول (القاموسي) انهم تآمروا، يعني انهم تشاوروا حول أحدهم، اي اتفقوا على ايذائه، وفعل الايذاء يعطي للتشاور صفة التآمر، مسبوقة بايحاءات مطَمْئنة للضحية (شخصا أو جماعة) تؤدي به الى الغفلة، وكلما كان الضحية قليل التحسب والحذر واليقظة كان اسهل للوقوع في شباك المؤامرة.
 اما نظرية المؤامرة فهو اصطلاح حديث في علوم السياسة، وقد دخل في الاستخدام منذ العقد الثالث من القرن الماضي على هامش الانشقاق في النظام الدولي بتاسيس الاتحاد السوفيني، وانتشار اعمال الاغتيال السياسي وتراجع الفكر الموضوعي والتحليلي المستقل، وقد اصبح هذا المصطلح منهجا لتفسير الاحداث مع صعود الحرب الباردة، وشمله "قاموس اوكفورد" بالاهتمام فصاغه بالكثير من الحذر بوصفه "محاولة لشرح السبب النهائى لحدث او سلسلة من الاحداث السياسية والاجتماعية او التاريخية على انها اسرار" وغالبا ما يحال الحدث الى عصبة متأمرة.
 الى ذلك، قدمت نظرية المؤامرة (كل حدث وراؤه مؤامرة) خدمات جليلة للذين اختلطت عليهم الامور وصعُب عليهم البحث الصبور الواعي والموضوعي في خلفيات الاحداث، أو الذين ولعوا في توليف الروايات وجمع النتف العابرة من الحقائق لتقديمها كحقائق خافية، كما ساعدت المسؤولين عن الاخفاقات والفشل والنكسات على رفع اللوم عن النفس وإبراء الذمة عنها وإلقاء الخطايا على متآمرين، وفي النتيجة تحولت "نظرية المؤامرة" من رؤيا سياسية لتفسير الاحداث الى مخدر ومثبط للعقول، والى عقار للتعايش مع العجر، باعتبار ان المؤامرة اكبر منّا.. ونحن صغار، لا حول لنا ولا قوة.
********
" إصْبر على كيد الحسودِ فإن صبرَك قاتله".
عبدالله بن المعتز-خليفة عباسي

 

8

إعلام الحكومة..  محامٍ تحت الاختبار

* عبدالمنعم الاعسم

اعني باعلام الحكومة، خطابها اليومي ذات الصلة بالاحداث والحرب ضد تنظيم داعش والموجه لمختلف الفئات والساحات، وليس الخدمة الاعلامية التي تقدمها شبكة الاعلام العراقية، فلهذه حديث آخر، مستقل، ولا يشمل طبعا خُطب وتصريحات رئيس الوزراء، فهي تدخل في باب الخطاب السياسي للكابينة الحكومية الجديدة.. وبمعنى أدق، فان المعالجة هذه تتناول ما يقال عن توجهات اعلامية حكومية جديدة، وما يروّج من بيانات وايضاحات صادرة من المكتب الاعلامي "الجديد" والمواجيز التي تقدمها الجهات الامنية والعسكرية والناطقين عنهما حول آخر مجريات جبهة الحرب.
 يمكن القول، بدءا، بان الاجراء الاداري بتعيين اثنين جُدد من المتحدثين الاعلاميين في مكتب رئيس الوزراء كان سليما من ناحية كفاءة وسمعة الزميلين رافد جبوري وسعد الحديثي، وأيضا بالاستناد الى تصريحات مبكرة لجبوري تفيد بالعزم على بناء إعلام حكومي مهني، واتباع "طريقة مختلفة" في التواصل مع وسائل الإعلام والإعلاميين، والتخلي عما اسماه بـ "الاعلام التعبوي، المشكوك بنجاحه" والمهم هو قوله بان "العراق بلد كبير ومتنوع، وفيه مستويات اجتماعية متفاوتة وبيئات مختلفة تتطلب التواصل معها".
 ويشاء المراقب الموضوعي ان يتوقع حدوث تغيير وانعطافة ملموسة في الاداء الاعلامي للحكومة، وفي مكونات الاعلام المسجل كاعلام للدولة، لا تغييرات طفيفة أو نيات في التغيير، فيما يلاحظ بروز اختلاف في تجهيز الصفة الرسمية للناطقـَين، بين كونهما عن رئيس الوزراء، أم عن مجلس الوزراء، لأنه من الطبيعي بان يكون لكل توصيف وظيفي وصفة وإداء وآليات، كما هو معروف، لكن في جواز استباق الحدث يمكن القول ان تغييرا طفيفا حدث مقارنة مع اعلام الكابينة السابقة للحكومة، موضع الشكوى والنقد، شملَ شيئا من ترشيد اللهجة، والمعلومة، ومحاولات بسيطة في تهذيب الخدمة الاعلامية المتوازنة البعيدة عن المخاشنات الفئوية والشخصية (المتوارثة) وتجانس زوايا النظر والتعقيب، مقابل تحسن في ضبط الخطاب الاعلامي الامني والعسكري الذي توارث منقولات المبالغة وانصاف الحقائق واستعراض القوة الخطابية.
 ويمكن ان يشار، هنا، الى الطريقة الاحترافية والانضباطية التي نقلت الى الرأي العام تصويبا اعلاميا (من المكتب) حول تصريح منسوب لوزير المالية بشأن ميزانية الحشد الشعبي، إذ يتحدث بطريقة تحافظ على هيبة الحكومة وتأكيد التزاماتها ووحدة توجهاتها من دون استطرادات خارج الموضوع، وقبل ذلك، في التعامل مع قضايا الميزانية والنظام الداخلي لمجلس الوزراء وتأشيرات العلاقات مع الاقليم، بين العراق وجيرانه، وكلها التزمت حدا من المهنية والموضوعية.
 على ان ما تحقق، من تطورات، لا يزال في صورة بعيدة جدا عن ايقاعات الاحداث التي يدخل اعلام الحكومة في سباق مع اعلام داعش من جهة والاعلام الموازي، المحلي والاقليمي والعالمي، من جهة ثانية، ومن يتابع المواجيز الاعلامية اليومية للمكتب، من الزاوية المهنية يحبطه الاصرار على تقديم وجه واحد من مجريات الاحداث، الوجه المرضي عنه، الموصول بالانتصارات المسجلة للقوات الحكومية والحشد الشعبي، فيما اعلام العالم يعرض وقائع اخرى سلبية هي من حقائق ما يجري عن الارض، مع وجوب التذكير بان إنكار الهزائم هنا وهناك من شأنه ان يُسقط المصداقية عن اعلام الحكومة، وبالتالي يخفق في ان يكون محاميا ناجحا في الدفاع عن القضية الوطنية الملتهبة، ما يعيد الى الذاكرة قصة القضية والمحامي: فثمة قضية ضعيفة لكن المحامي الذي يرافع عنها ناجح، فكيف إذا ما كانت القضية عادلة مثل قضية حرب العراق على أشنع مشروع للتطرف والارهاب والجريمة؟
 ان عالم اليوم يموج بتياراتٍ مختلفة، ومصالح متعارضة ومعقدة، وارتباطات متداخلة، وقد حول الوظيفة الاعلامية الى صناعة خطيرة، وأداة حرب وتغيير وإقناع ما يضع على العاملين فيها لزوم الوعي بكل هذه الحقائق، واستيعاب الاستحقاقات التي تفرضها، بدل الاغتراب عنها.
  فالارتباط بين هذه  الوظيفة والوقائع على الأرض ارتباط موضوعي مثل الارتباط بين المطبخ وحجرة الطعام، فما يقدم على المائدة هو نتاج لعملية الطهي مهما كانت درجة اتقانه، وقسوة مكوناته.. فلننتظر.
***********
" قوة الإرادة بالنسبة للعقل مثلها مثل رجل قوي أعمى يحمل على كتفيه رجلاً كسيحاً يستطيع أن يرى".
آرثر شوبنهاور- فيلسوف الماني


9
ماذا يعني
انتصار جرف الصخر؟

*عبدالمنعم الاعسم
 بهزيمته في معركة جرف الصخر، ثم الفاضلية، وقبلها في بيجي والعظيم، بدأ تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام "داعش" في رحلة العد التنازلي، على الارض، وبانتظار الحملة السياسية والاعلامية المنهجية لاستئصال نزعة العنف والتدمير والكراهية الشنيعة التي سوقها الى وسط من الشراذم المحليين، ولمواجهة التطرف الديني والطائفي المجتمعي، وهو الارضية الايديولوجية لمشروع الردة الذي يبشر به هذا التنظيم وسعى ويسعى الى ترجمته الى الواقع العراقي.
 قاعدة جرف الصخر أعدت من قبل الارهابيين، طوال اكثر من عام، كنقطة ربط استراتيجية بين خطوط غرب العراق (الانبار والفلوجة) وشرقه (ديالى..) وبعبارة اخرى، هي الجسر بين الحدود مع سوريا وبين الحدود مع ايران، كما انها أعدت من قبل داعش، وفلول التصنيع العسكري لنظام صدام حسين، كنقطة وثوب الى العاصمة بغداد وخاصرة اختراق للنظام الامني الوطني بعزل مناطق الوسط في ساتر منيع، ويعزز هذا المنظور ما كشف في جرف الصخر من انفاق ومعامل وآليات تدخل في عداد التعبئة الاستراتيجية للارهابيين.
 الى ذلك، فان دروس الحروب والمعارك تحذر من النظر الى "العد التنازلي" للعدو على انه مضيّ ميكانيكي مستقيم الى نقطة الهزيمة، فان المهزوم الجريح عادة ما يرتكب شنائع بكل ما يعترض سبيله، فكيف إذا كان هذا العدو، هو داعش، الذي يعتبر الشنائع جزءا عضويا من مشروعه "الجهادي" وقد ارتكبها في صعوده الى معادلة الامن والسياسة، في وضح النهار، الامر الذي ينبغي على القيادات المعنية، واصحاب الرأي والمراقبين السياسيين ان يتوقعوا ردود افعال داعشية لا سابق لوحشيتها وانفلاتها، وقد تشمل شرائح ومشايخ وزعامات مقربة منها، أو متواطئة معها، او متفرجة على
 ما يجري، في حال من الريبة وانتشار الشكوك، وفي هوس مضاعف للانتقام الاعمى.
 وبموازاة ذلك، فان معركة جرف الصخر سجلت فضيلة الصبر وتحمل الصعاب والتضحيات بالنسبة للمقاتلين، وتجنب المعارك الاعلامية الهامشية التي كانت وصفة قديمة للحرب على الارهاب، الى جانب النأي عن التمضهر البطولي الاستعراضي للعسكريين والقيادات السياسية المعنية.
 مع ضرورة التذكير بان الوقت لم يفت على تصويب اتجاهات التعبئة الوطنية، بعيدا عن الطائفية وقصر النظر ومحذور التكسب السياسي، فكلما جرى ترسيخ هذه المبادئ في المواجهة  سيكون عمر داعش على الارض العراقية قصيرا.. وأقصر مما نظن.
********
"ما يكتب دون مجهود يُقرأ، على العموم، دون استمتاع".
صموئيل جونسون- اديب انكليزي



10
الاعلام المعادي..
قف

*عبدالمنعم الاعسم

 لا احب عبارة "الاعلام المعادي" واحذر كثيرا من استخدامها، ليس لأنها مستهلكة، وقوانة قديمة، ولا لأنها تذكرنا بحملات اعلام صدام على كل اقنية وخدمات اعلامية تنتقد وتفضح سلوك الدكتاتور على انه إعلاما معاديا، بل، ولسبب بسيط، ان لا وجود لإعلام معادٍ في واقع الامر، فكل خدمة اعلامية تعادي جهة او زعامة او سياسة ما، هي معادية من زاوية تلك الجهات، على تناقض مواقعها، واختلاف جنس الخدمة المتداولة في هذا الميدان.
 حتى الاعلام التجاري، فان توصيفه كإعلام معادٍ، يفتقر للدقة الموضوعية، أهذا بالاعتبار ان هذا الاعلام يخدم، عادة، اكثر من جهة، بحسب فاتورة الاتعاب، ويوالي اكثر من طرف، بحسب اشكال الحماية، فهو معادٍ لتلك وصديق لهذه، والنتيجة، ان هذا الاعلام يبيع الحملة عليه (من خصومه) كإعلام معاد، الى أصدقائه، فيرفع سعر العرق الذي يهرقه في الدفاع عن صاحب النعمة، ويسعى الى إثارة خصومات ومعارك مستمرة، ويسرّه ان يتلقى تهديدات او إحالات للقضاء، فإن ثمة جهات تعهدت بشد ازره والذود عنه.
 والشكوى من الاعلام المعادي تظهر، في غالب الاحيان، حين يجد الشاكون انفسهم في موقف الضعف من مواجهة الاعلام الذي يهاجم اداءهم وسلوكهم ومواقفهم، بالحق أو بالباطل، ويعجزون عن تقديم سياق اعلامي منافس وفعّال ومُقنع، ليكون ساترا رصينا يتولى صد اختراقات الاعلام الآخر، والحق، ان لا قيمة للشكوى حين يكسب الاعلام "المعادي" الجولة لأن الشكوى هنا تفاقِم ازمة الشاكي، وفي العام الماضي، القت الشرطة الكولومبية القبض على اكبر مهرب ايطالي للمخدرات، هو روبيرتو بانونزي، ونقلت الصحافة عنه القول .."انا ضحية الاعلام المعادي" فكان ذلك بمثابة مديح
 لأصحاب تلك التقارير الصحفية الاستقصائية التي لاحقت جرائم بانونزي، ومنافذ تحركاته.
 موضوع الاعلام المعادي يشمل قطعا الاعلامي المعادي، وقد صدرت في الاونة الاخيرة قوائم باسماء "الاعلاميين المعادين" جنب "الاعلاميين الاصدقاء" من مصادر مختلفة تبدو في الظاهر انها وهمية أو عفوية، لكن التمعن فيها يُرشد الى حقيقة انها مسربة من جهات تسعى الى تهديد كتاب الراي الذين ينتقدونها، أو إرشاء غيرهم، ومرة، قبل سنوات، وجدت اسمي موصوفا بـ"إعلامي معادي" مع حوالي خمسين من الكتاب والاعلاميين والسياسيين، مع سيل من البذاءات والشتائم والتلويح بالقصاص.. لدرجة اعتبرت هذا الاتهام وساما.. وليس كل اتهامٍ وسام.
***********
"ومَنْ يَكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مَريضٍ ... يَجدْ مُرّاً به الماءَ الزُّلالا"
المتنبي

11
جملة مفيدة
ـــــــــــــــــــــ

هكذا تكلم الزهاوي
قبل مائة عام

*عبدالمنعم الاعسم

 مائة عام بالضبط، ففي مايس من عام 1914 القى شاعر العراق جميل صدقي الزهاوي خطابا مدويا في مجلس المبعوثان في اسطنبول (مجلس النواب) وكان نائبا منتخبا عن لواء العمارة، بدأه بالسؤال التالي: "لماذا تجبى الضرائب من الفقراء عن دورهم ولا تؤخذ عن قصور ومضيفات (تكيات) أسرة آل عثمان وسائر املاكهم، مع انهم يتقاضون رواتب ضخمة من خزينة الدولة؟" ولم يسبق ان تجرأ خطيب او نائب ان عرض بالنقد امتيازات الحكام وصفوة المتنفذين كما عرضها الزهاوي الذي عرض نفسه، فيما بعد، للتنكيل.
 ثم أردف القول، في قضية اخرى: "لقد أثبت تاريخ الامم انه كلما أشتد تضييق الخناق على أصحاب الاقلام والافكار كلما كان الانفجار عظيما وسريعا وها نحن اليوم نشرع قانونا يرمي الى محاكمة الكتاب والمفكرين قبل محاكمة المجرمين واللصوص".
 ومن المفارقة القول بان الحكومة الحالية، وفي العام 2014 دفعت الى مجلس النواب "مسودة قانون حرية التعبير عن الرأي والاجتماع والتظاهر السلمي" وهو نفس القانون الذي قدمته الحكومة السابقة، من دون تعديل، واثار استياء واسعا في الصحافة وبعض الاصوات النيابية، بالنظر لما يحتويه من نصوص تكبل حرية التعبير، وتبيح اعتقال المتظاهرين السلميين في عبارات استدراكية مثل "على ان لا تتعارض التجمعات والتظاهرات مع القانون او المصلحة العامة".
 وفي لفتة اخرى قال الزهاوي: "لقد جاء في الآية الكريمة" إن الارض يرثها عبادي الصالحون" فلا يظنن أحد بان القصد من الصالحين هم العُبّاد والنساك، وانما
القصد الصالحون لاعمارهم" وهنا ضج النواب الذين يتخذون الدين وسيلة للاثراء وصاحوا "إنزل يا يا كافرا" وهذه المواجهة تنفع اولئك الذين يبحثون باصول وموارد الغبار التكفيري الذي يهب على العالم، وينفذ اشنع فصوله في محاكم الشوارع التي تعقدها حثالات داعش في العراق ضد كل لا يبايع الردة.
 وفي مناقشة اخرى مسّت، على الخفيف، شبكة فساد المؤسسة العسكرية العثمانية، حيث قدم جنرالات سلاح البحرية اعتراضا على تعطيل "اوقاف" وهمية تُصرف على "دعاة دينيين" قالوا انهم يؤمنون "تسيير البواخر بالادعية" فنهض الزهاوي وقال: "إننا نعرف بان البواخر تسير بالبخار فلماذا لا ننفق تلك الواردات على نشر التعليم ليتقن الناس استعمال البخار مادام هو الذي يسير البواخر." فعاد التكفيريون الى الصراخ وتهديد الشاعر بالقتل، فاضطر، بعد ذلك الى تقديم استقالته والعودة الى العراق، وفي بعض المحاضر ان نوري السعيد كان من بين الذين دافعوا عنه ومنع الهمج من قتله.
********
" نحن نفكر فقط عندما تواجهنا مشكلة".
جون ديوي- الفيلسوف وعالم النفس الامريكي



12

قطر. المانيا.. وداعش

*عبدالمنعم الاعسم

في البداية كانت عبارة من خمس كلمات للوزير الالماني جيرد مولر من على شاشة التلفزيون الالماني سرعان ما أثارت عاصفة من الدخان في بيت المستشارة انجيلا ميركل وجاء الرد اسرع مما كان يتوقعه احد، ولم يكن مثل هذا الرد وحماسته قد حدث سابقا في برلين تحت قيادة المحافظين حتى في أزمة العلاقة مع واشنطن عندما كشف مسؤول الماني كبير عن وجود جاسوس أميركي  داخل وزارة الدفاع حيث اعترف بتسليمه وثائق تتعلق "بالأمن وحماية البيانات الشخصية" الى وسيط امريكي، فاكتفت المستشارة بتطييب الخواطر وردود الافعال بكلمات عن بلدين حليفين يمكن ان يختلفا.
 لقد سؤل الوزير الالماني من قبل محاوره التلفزيوني عن التمرد المسلح في العراق و"لغز" التمويل الاسطوري الذي يتلقاه، فرد قائلا: "إنني أفكر في دولة قطر" وهنا اندلعت اعمدة الدخان وقامت القيامة على ميركل ووزيرها وحكومتها (كيف يمكن لوزير الماني ان يفكر، مجرد التفكير، بالاشتباه في علاقة قطر بالارهاب؟) وبرز على الفور "لوبي" قطري في اروقة السياسة والمال والصحافة الالمانية والاوربية الامر الذي دفع المستشارة الى الاعتذار من الدوحة وتوبيخ الوزير، مع ان التحليلات الاخبارية المهنية اعتبرت تصريح الوزير مولر خال من الاتهام المباشر للدولة القطرية.
 بل ان وزيرا المانيا آخر هو وزير المالية الاشتراكي الديمقراطي سيغمار غابريال اطلق حيرة مدوية على الرأي العام بقوله "أن الأسرة الدولية أمام جدل حول الجهة التي تقوم الآن، وقامت في الماضي، بتأمين الوسائل المالية لتسليح الدولة الإسلامية فلا يمكن أن يتم ذلك بدون أموال" وكان واضحا، كما يقول معلق في صحيفة "بيلد" الالمانية بان اسم قطر كمشتبه في دعمه لداعش على كل لسان، وطبعا، لم يقل المعلق ان ثمة رادع غير معروف يمنع المسؤولين الغربيين من اتهام قطر بالاسم، قبل الوزير مولر.
 الفصل الاخر من هذه المفارقات يمكن ان نطالعه في البيان الذي اطلقه وزير الخارجية القطري خالد العطية ونشر على نطاق واسع في الصحافة واقنية التلفزيون البريطانية وروجت له وكالات دولية نافذة، وأدخل البيان في خدمة التعليقات بالاتجاه الذي يبرئ قطر من ظنة الاتهام بدعم عصابات داعش ومن كونها راعية هذا التنظيم منذ كان صغيرا ومنبوذا في قرية على الحدود السورية التركية، ومما له مغزى، ان يُفرش بيان العطية على اوسع مديات الاعلام في بريطانيا وامريكا فيما احتل حيزا صغيرا وهامشيا في اعلام دولة قطر ويكاد لايُرى بالعين المجردة، ونفس الشيء حدث بالنسبة للصحافة والفضائيات العربية الممولة من الدوحة، او التي تتطلع الى صدقات الدوحة، او التي تخاف الدوحة وتتكفى شرها.
 بيان الوزير العطية عن براءة  قطر من التعامل مع الارهاب عبارة عن نص مسرحي كوميدي يبدأ من القول " ان رؤية الجماعات المتطرفة لا تتفق مع رؤية قطر لشؤون المنطقة" فيما الجمهور يعرف دور قطر وعلاقتها بالجماعات التكفيرية في ليبيا ومصر والصومال وسوريا والجزائر واخيرا العراق، وثمة في الكذب ما يُضحك حتى تدع العيون.. وفيه بعض صلافة.
********
"اذا كنت لا تستحي فافعل ما تشتهي"
حكمة


13
المنبر الحر / خيمة فؤاد معصوم
« في: 17:38 13/08/2014  »
جملة مفيدة
ـــــــــــــــــــــ


خيمة فؤاد معصوم 

/اقطع القول، وعلى مسؤوليتي، ان خيمة فؤاد معصوم لم تكن لتضيق امام رئيس الوزراء، المنتهية ولايته، نوري المالكي، فقد كان للرجل مكان في تلك الخيمة، وفي موسوع صدر رئيس الجمهورية الجديد وسعة مراصده للامور، وكان المالكي سيبقى، على نحو ما، على مسافة قريبة من مركز القرار السياسي ولن يكون بعيدا عن ادارة الدولة والسياسات، بصرف النظر عن "الذنوب" التي يحشدها عليه خصومه، وعن الاعتراضات الوفيرة على خيار "الولاية الثالثة" وعن الاصوات التي تطالب بالقائه خارج المعادلة وتلك التي تطالب بمقاضاته والقصاص منه وفتح ملفات الاعوام الثماني العجاف عليه.
/ولا اتجاوز مهمتي هنا كمحلل، اكثر من الافتراض بان المالكي سيحصد رصيدا طيبا من السمعة والرضا لو انه تفاعل مع نصائح الرئيس في لقائهما (السبت 26 تموز) بوجوب احترام التداول السلمي للسلطة، قولا وعملا، ولو انه قرأ جيدا دلالات وصول معصوم الى هذا المنصب المحوري الخطير من المعابر الضيقة، كردستانيا وعراقيا ودوليا، ومستدلات شخصيته وعقائده الفكرية والسياسية، ولو انه تجنب القراءة بالمقلوب لما يعني بان الرئيس ضامن للدستور وما تعني الكلمات "البرقية" التي اطلقها غداة ادائه القسم بالعمل على تشكيل فريق حكومي على اساس الشراكة الوطنية الواسعة.
/الذين تابعوا عن قرب اراء وتصورات وإدارات رئيس الجمهورية للمهمات و"الوظائف" التي نهض بها يعرفون جيدا نأيه عن منحرفات ومنزلقات وإغواءات فكر الاقصاء والتسقيط والاستعداء، وقد سمعته اكثر من مرة وهو يدافع عن خيار "التوافق" في مرحلة ما بعد الدكتاتورية، وتحذيره من سياسات الاستفراد والاستئثار والتحكم، كما يعرفون انه، حين يكون في موقع المسؤولية والقرار، يفضل السكوت والانتظار على ان يدلي برأي أو تقدير أو موقف يفاقم الخلافات ويؤجج الخصومة، في وقت لعب الكثير من الساسة والمسؤولين هذا الملعب العبثي وحصدوا ما حصدوا، بل وحصدت البلاد جراء ذلك كوابيس وخرابا وبلاءات وطوابير ضحايا لا اول لها ولا آخر.
/على ان الوقت ينفذ امام المالكي لينضمّ الى خيمة الرئيس معصوم ويحظى بوسام "الانسحاب المشرف" إذ الآن يحاول خوض معركة دستورية فقدت عناصر الانتصار والقدرة على إعادة عقارب الساعة الى الوراء، ويّرجح انه سيبقى في الموقع الملتبس بعنوان "الاكثرية العددية المغدور بها" تحت مؤشرات سياسية تتراجع بالاتجاه المعاكس لحساباته، ووابل من النيران الصديقة التي تتزايد على مدار الساعة، وهو مآل كان يتوقعه الكثير ممن تابعوا "سقوط" الزعامات الحاكمة في هذا القوس من خارطة العالم، فمنهم من خسر السلطة ونجا بحياته، ومنهم من خسر السلطة وحياته معا.
***********
"بِذا قَضَتِ الأَيَّامُ ما بينَ أَهلِها ...
                       مَصائِبُ قَومٍ عِنْدَ قَومٍ فَوائِدُ"
 ابو الطيب المتنبي



14
المنبر الحر / عن الوصاية*
« في: 20:49 10/08/2014  »

عن الوصاية*

عبدالمنعم الاعسم

دول كثيرة، في العقدين الماضيين، اخذها منزلق الصراعات الى وصاية دولية مُذلة فوجدت نفسها  (تذكروا يوغسلافيا السابقة) تشحذ الصدقات على ابواب الدول "المحْسنة" بالرغم من ان بعضها يعدّ من دول الكفاية، ثم شاءت بعض "ابواب جهنم" ان تنفتح على اسياد الخراب من السياسيين وذوي الرؤوس العنيدة الذين قادوا دولهم الى هذا المآل ليكونوا مطلوبين للعدالة في قفص محكمة الجنايات الدولية، فيما انتهت دولهم الى تكيات وخيام وكيانات مجهرية، وشعوبهم الى طوابير امام فرق الاحسان الدولية.
 الوصاية الدولية، أو التدويل، كما يعرف خبراء القانون الدولي، ليس مرخص لهما إلا في حالة تشرذم الدولة وفقدان قدرتها على حماية سيادتها، أو، في مفاهيم العلاقات الدولية، حين يصبح النظام السياسي للدولة شأنا دوليا مباحٌ البحث فيه والتدخل في مصائره، وبمعنى أدق، يصبح مستقبل الدولة التي تمر في دوامة الانشقاقات والاضطرابات (وتشكل خطرا على جيرانها وامن الاقليم) تحت التاثير المباشر للقوى والتحالفات الدولية الكبرى التي تقرر شكل الوصاية والتدويل والتدخل ومدياتها.
 والحق، ان  رحلة التدويل (بالنسبة الى العراق) بدأت، في حقيقة الامر،منذ ايلول العام 1980حيث قرر صدام حسين، آنذاك، اجتياح الاراضي الايرانية، وخلق مأزقا اقليميا وفراغا، سرعان ما شغلته الاساطيل الامريكية والغربية، ثم، تكامل التدويل مع مغامرة صدام حسين الثانية باجتياح الكويت، بل كُرّس على الارض وفي قرارات، زادت على العشرين، لمجلس الامن الدولي اجمعت على تحميل العراق المسؤولية عما ترتب على هذه العملية، وكان العراق سينأى عن خطر التدويل والوصاية بعد انسحاب قوات الاحتلال العام 2010 لولا الصراع الفئوي على السلطة واندلاع اعمال العنف والارهاب وسوء ادارة السياسات وملف الارادات، ما اعاد احياء هذا الخطر على طاولة البحث. 
 اقول، كان يمكن احتواء قيود ولوازم وتاثيرات خطر الوصاية، فقط، عن طريق بناء ارضية لدولة مواطنة اتحادية تحترم التنوع ولا تقصي او تهمش (أو تُسلّط) مكونا من مكوناتها، وبمعنى ادق، بناء مرجعية عراقية وطنية مؤهلة، ومفوّضة من مكونات وشرائح وعقائد المجتمع، وتهيئة الملايين لممارسة "تمارين" اولية من الديمقراطية والحريات العامة، وتحقيق تحسينات جدية في سبل المعيشة والدورة الاقتصادية.
 وإذ يشار الى اخطاء ومنزلقات الطبقة السياسية التي ادارت لعبة الحكم ومسؤوليتها في تأثيث المسرح للوصاية والتدويل فان علينا ان لا نقع في التبسيط فنتغافل عن استبصار التأثيرات التي ترتبت على اندلاع دورة العنف والعصيان المسلح والجريمة المنظمة وانتقال البؤرة الارهابية العالمية الى شمال العراق والاعتداءات الاجرامية ضد المسيحيين والايزيديين والمذاهب المختلفة وتدنيسها الحريات والانتماءات وحقوق العبادة والوجود، وتدفق الانتحاريين من كل مكان، حيث خلقت كل هذه المعطيات خطر تدويل المستقبل السياسي للعراق، وقد فاقم ذلك انانية ونفاق وتدخل واطماع شركاء العراق في الاقليم.
 باختصار، يقف العراق فوق برميل من البارود، قد ينفجر فتتناثر اشلاؤه، وتُسبى ملايينه، ويتحول الى استغاثة مدوية ومثيرة للشفقة، فيما اصحاب الادارة السياسية إذنٌ من طين وإذن من عجين.
********
"ليس من الضروري أن تنصح الحكيم، فالحمقى هم من يحتاجون النصيحة".
بل كوسبي-ممثل وناشط امريكي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 



15
جملة مفيدة*
غزاة من فصيلة دم واحدة

عبدالمنعم الاعسم

 من الناحية النظرية، يُفترض ان "المجاهدين" الذي يحتلون الموصل باسم الدولة الاسلامية في العراق والشام"داعش" اعداء طبيعيين لاسرائيل ولحكومة نتنياهو التي تغير بطائراتها ودباباتها على غزة وسكانها الفلسطينيين الآمنين، وان داعش حليفة طبيعية لـ"المجاهدين" الاسلاميين من حماس والجهاد، تقاتل في خندقهم وتتحشد على تماس مع قضيتهم، وتُعدّ لهم ما استطاعت "من رباط الخيل" وتتقاسم واياهم ما قسم الله من بنوك الموصل التي سطت عليها والحراس نيام.
 وللفرضية هذه، طبعا، لوازم حركية وسياسية ودينية، في الموقف، على الاقل، من بيوت العبادة، واحترام دم المسلم وعابر السبيل واصحاب الكتاب، ولها احكام صارمة موصوفة في فقه الجهاد "في سبيل الله" سلوكا وورعا ورحمة وامتناعا عن الولوغ بالدم والجريمة وقتل الناس على هويتهم وانتمائهم.   
 اقول، نظريا تُعد "داعش" عدوة لجيش الاحتلال الاسرائيلي الذي ينفذ خطة تدمير منهجية لمقومات الوجود الفلسطيني على ارض فلسطين، لكن هذه العداوة تنقلب الى تحالف جهنمي غير مكتوب، حين تنفذ داعش الصفحة الاخرى من هذه الخطة بتدمير مقومات الشعب العراقي في العيش على ارضه، وليس تهجير اتباع الديانة المسيحية عن منازلهم وارض اجدادهم غير مثال واحد من بين مئات الامثلة على همجية تتمثلها داعش هي الفرع الآخر من همجيات الغزاة، تمارسها بابداع ايضا قوات الاحتلال الاسرائيلي.
 ثمة من يقع في السذاجة، او لا يرى عناصر التعقيد والتشابه والتداخل في اللوحة فيذهب الى منطوقات سهلة بالقول ان داعش صنعتها "الصهيونية" ويخلط بين صناعة الجهاد الارهابي وبين مصنوعات الالة الاسرائيلية. بين التابع والحليف. بين الحلف المكتوب والتحالف بالوكالة.. وتستسهل هذه السذاجة ابتلاع معلومات نيئة عن حاضنات اقليمية تقوم بالجمع ما بين جيش نتنياهو وعصابات داعش.
 نعم، الغزاة، من كل الاجناس والالوان والرطانات هم متشابهون في الهوية وفصيلة الدم. انهم مختلفون في الجغرافيا ومتشابهون في التاريخ. مكانهم مختلف وبصمتهم  موحدة. متشابون في وسائل القتل الاعمى وتنظيم المذابح واذلال المدنيين واشاعة الخوف، ومتشابهون في ما يتركون من مآسي وخراب وخوف وطوابير القتلى.
 جنود نتنياهو يغسلون ايديهم، بعد كل حفلة من القتل الجماعي للفلسطينيين بماء يستوردونه، كذبا، من عبارات التوراة، وقطعان داعش يتوضأون، بعد كل مذبحة بتراب يزعمون انه من صفحات القرآن، وكأن بين اولئك وهؤلاء عقد باعلان الحرب.. من اجل الحرب.
*********
"مَن لا حِكمة له، لا حُكم له".
ابن عربي





16
تصورات لشخصيات سياسية واكاديمية وثقافية..
حول الاحداث الخطيرة في العراق وسبل مواجهتها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عقدت مجموعة من الشخصيات العراقية المعنية بالديمقراطية والدولة المدنية ومن نشطاء لجنة دعم الديمقراطية في العراق سلسلة من المشاورات واللقاءات لتدارُس  الوضع السياسي والامني والاجتماعي المتفجر في العراق، واجمعت على استثنائية هذه الاوضاع وخطورة الحال الذي وصلت اليه البلاد، وتوصلت الى مجموعة من التصورات تعلنها على الرأي العام والجهات السياسية في العراق والدول والمنظمات الاجنبية منعا للمزيد من التدهور والانشقاقات:

اولا: العراق يمر في مفترق طرق بين ان يبقى دولة موحدة او يتشظى الى دويلات طائفية واثنية وعشائرية متحاربة، بعمل وترحيب جهات اقليمية ودولية عديدة، الامر الذي ينبغي تكوين حركة اجتماعية وسياسية وطنية فاعلة في مستوى هذه الاخطار لقطع الطريق على خطر التقسيم والتفتت، وحرصا على سلامة  الشعب والوطن.
ثانيا: ان العملية السياسية التي تكونت بعد الاحتلال وسقوط الدكتاتورية على اساس المحاصصة السياسية (شيعة. سنة. كورد) قد فشلت، وجرّت البلاد الى كوارث، واننا إذ ندعو الى إصلاح البنية السياسية للدولة، فاننا نعتقد ان مكونات العملية السياسية وزعاماتها النافذة ارتبطت عضويا بنظام المحاصصة ولن ننتظر منها مبادرة للمراجعة وتصويب الاوضاع، والمطلوب تفعيل دور الشعب ومنظمات المجتمع المدني والكفاءات الوطنية، قدما نحو بناء الدولة المدنية.

ثالثا: ان قوى الوسط الديمقراطي والوطني، ونحن منها، هي الحليف الطبيعي للشعب الكردي وقضيته التحررية وحقه في تقرير المصير ، لكن السياسات الرسمية للاحزاب الكردية المتنفذة حاليا اضعفت هذا التحالف من جانب، واتخذت سياسات ومواقف انعزالية من جانب آخر، ولهذا فاننا، من هذا الموقع، نعارض طرح قضية استقلال اقليم كردستان كورقة  مساومة واستخدامها لتحسين شروط المحاصصة، وفي هذا الملف نأمل ان تبادر جهة موثوقة للوساطة بين الحكومة الاتحادية وحكومة الاقليم للبحث عن حلول مرضية للقضايا موضع الخلاف والتجاذب.

رابعا: ان مواجهة الاعمال الارهابية المسلحة، وذروتها المتمثلة في اجتياح الموصل واعلان الخلافة الاسلامية المزعومة فيها، تستلزم (اولا) اعتماد سياسات وطنية واجراءات عملية لانهاء حالات الاقصاء والتهميش لفئات من المجتمع العراقي، والحذر من معاقبة السكان المدنيين في مناطق تشهد اضطرابات واعمال ارهاب بجريرة الجماعات الاجرامية المسلحة، كما تستلزم(ثانيا) استخدام اقصى الردع العسكري والامني للنشاط الارهابي مع ضرورة بناء قوات مسلحة  وطنية واحترافية ومؤتمة الولاء للوطن، وتستلزم (ثالثا) حل وقطع دابر المليشيات الطائفية المسلحة.

خامسا: اننا ننظر بقلق الى ما تعرض  له مسيحيو الموصل من قبل العصابة الارهابية ونعدها جريمة تطهير عرقي وديني وتطورا خطيرا يضاف الى  التنكيل  باتباع الأديان والطوائف والقوميات، والى اعمال تفجير المشاهد الحضارية والمراقد، كما تقلقنا  انباء انتشار السلاح بعيدا عن مسؤولية الدولة في المدن  والقرى والاحياء على خلفية حملة التطوع، ودخول مجموعات مشبوهة في صفوف المتطوعين، وندعوا الى حملة وطنية واسعة لمعالجة اوضاع النازحين من سكناهم في البلدات والمناطق التي واجهت اعمال الارهاب والعنف والإجلاء تحت السلاح.

سادسا: ان بلادنا تتعرض الى تدخل اقليمي منهجي، ولم يكن لهذا التدخل ان يتم بهذا الشكل السافر والاستفزازي لولا تغطيته  وتبنيه من قبل فئات وزعامات سياسية، في داخل الحكومة وخارجها، ويتم وسط مواقف وسياسات رسمية ارتجالية وانتقائية، من غير نسق وطني او دبلوماسي في مستوى هذا التحدي.

سابعا: وفي هذا الوقت جاء مؤتمر عمان لمعارضي العملية السياسية في العراق ليشكل تبريرا وترويجا للعنف والارهاب وخطوة اضافية في التخندق الطائفي المقيت.

ثامنا: تتضح لنا ضرورة الاسراع بتشكيل حكومة على قاعدة الوطنية والكفاءة، من التكنوقراط والمهنيين ذوي الخبرة والنزاهة، بعيدا عن الاعتبارات الطائفية والدينية والعرقية.
*****************

الموقعون:
غانم جواد (مدير مؤسسة الحوار الانساني)
د. محمد علي زيني (اقتصادي نفطي وباحث)         
د. كاظم الطريحي (أكاديمي)
د. عالية  الحمداني (مهندسة)         
مؤيد الالوسي (مهندس)                 
د. سعد عبدالرزاق (باحث)
فوزية الاعسم (ناشطة نسوية)
محمود شكارة (ناشط)               
د.عبدالحسن السعدي (اكاديمي)       
د. علي حنوش (اكاديمي)             
كريم السبع (مهندس)
د. فاروق رضاعة (طبيب)           
د. كاظم حبيب (باحث علمي)
عبدالمنعم الاعسم (صحفي)
د.توفيق الانصاري - طبيب استشاري
د.خالد ياسر الحيدر - استاذ اكاديمي في الكيمياء العضوية وكيمياء النفط
همام عبد الغني المراني - شاعر وصحفي وسفير السلام في العالم
د.جبار ياسر الحيدر - طبيب جراح استشاري اقدم
د.عاقب الهاشمي - جراح اختصاصي
د. عقيل الناصري (باحث)
د.صادق البلادي (طبيب وكاتب)
د. بلقيس محمد حسن- اكاديمية
منذر عبدالمجيد- مهندس
طالب عواد- ناشط سياسي
د. غالب العاني –طبيب
صلاح النصراوي- ناشط سياسي
د احمد الربيعي- جراح استشاري واكاديمي
عبدالرزاق مهدي الحكيم- ناشط مدني
عدنان حاتم السعدي- ناشط مدني
سمير فريد- رجل أعمال
خالد بابان- مهندس معماري
ناهدة شفيق- مدرسة
وهاب المرعب- خبير ،مهندس
عبد الرزاق توفيق-   مهندس
جاني كساب- اكاديمي
نعمان منى- معماري
طارق الخضيري- اكاديمي
صلاح الدين محمود (مدرس)
عادل حبة- كاتب
ابتسام الظاهر – كاتبة
د. عبدالجليل البدري- باحث جامعي
د. محمد الربيعي- بروفيسور ومستشار علمي
نظير زكي- مهندس
حيدر البدري- باحث طبي
باسمة هادي حسن- اكاديمية
د. علي الاسدي- اكاديمي وكاتب
غسان نجم- مهندس
قاسم محمد غالي- التجمع العراقي الحر
بارق شبر- خبير اقتصادي
فهيم عيسى السليم- مهندس وشاعر
د. مي الاوقاتي- أكاديمية
مثنى الحمداني- رجل اعمال
انور البدري- مهندس


17


صموا آذانكم.. انها ساعة الصفر

 ثمة في اللحظة التاريخية التي يمر بها العراق، على خلفية الاستعصاء الامني والسياسي الخطير،  ما يشبه ساعة الصفر التي تقرر مصائر الكثير من المعارك الجارية، في حلقة الحكم وفي خارجها، وبموازاة ذلك ثمة معبر ضيق (ويضيق) الى السلامة واحتواء الاخطار وتصويب مسيرة العملية السياسية، إذ تتمثل شروط العبور بتغيير سريع في معادلات كثيرة، ابرزها جملة المحاصصات الافقية ذات الصلة بالامتيازات ومحاصيل الوظائف ومقابض سلطة القرار ومفاتيح لي الايدي..   

وباختصار فان ساعة الصفر قد تنفتح على وعي انقلابي ايجابي (اختراق) يعود اللاعبون فيها الى حكمة العقل والتخلي عن "التشبث بالمواقع والامتيازات" او انها تنكفئ الى الكارثة الشاملة، حيث الكل يحارب الكل لتحويل ساعة الصفر الى كنية للحرب الاهلية، وهذا ليس تحذيرا قدر ما هو قراءة لصراعات مستفحلة قد لا يقدر اصحابها النتائج التي تترتب على مفاعيلها.
 
 ساعة الصفر هنا ليست عنوان الفيلم الوثائقي الشهير عن عملية اعتقال صدام حسين، حين داهمته قوة امريكية كانت تستدل الى حفرته بمساعدة مخبر من حراسه في تلك المزرعة السرية على اطراف بلدة الدور، كما انها ليست بحثا فلكيا مجردا في حركة الزمن نحو نقطة افتراق افتراضية بين زلزالين، أو كما تـَرِد، عادة، في الخطط العسكرية او في متابعات الانواء العاصفة، او في خلال الحاجة الى تصفير الوقت او تسويفه او الاحتيال عليه، او في خلال التحضير لمؤامرة، او عملية سطو معقدة، ولا هي تحبيذ لفكرة البطل الذي يقاتل حتى النفس الاخير والمولع بتعيين ساعات صفر كثيرة، او تلفيق لصورة المنقذ  الاسطورة  الذي ارسلته الاقدار لينتشل القارب من الغرق.. انها توقيت جدي لتغيير مؤشرات الصراع وسلوك التعاطي مع الالغام، في وقت لم تعد الساعة تخفي احتقان المشهد، ولم يعد سجل الضحايا يتسع لمزيد من القتلى، وليس في مقدور الوقت ان يتمدد خارج الغليان الذي تتسارع مؤشرات انفلاته.
/من زاوية تحليلية يبدو ان ساعة الصفر تنشق الى ساعات صفر تفصيلية: ساعة الصفر في أعلان مستقبل التحالف الوطني(الاكثرية البرلمانية). ساعة الصفر في اختيار رئيس الوزراء والكتلة النيابية الاكثر عددا. ساعة الصفر في  معركة دحر العصيان الارهابي المسلح في الموصل. ساعة الصفر في  فضّ او تفعيل عقد الشراكة السياسية في ادارة الدولة. ساعة الصفر في تحديد مصير العلاقة مع اقليم كردستان. ساعة الصفر في كشف مستورات مثيرة مطعون بنزاهتها وقد مرت من تحت الطاولات. 
 عندما وقف موسوليني في شرفته ورأى روما في مفترق طرق، وعلى شفير الهزيمة التفت الى الكاردينال شوستر يسترشد فيه الى الخطوة القادمة، قال له الرجل الحكيم: "حانت ساعة الصفر للاعتراف بخطاياك" ومما له مغزى ان طلب الاعتراف هذا جاء متأخرا، فقد كانت روما تعبر ساعة الصفر الى الهزيمة، فالخراب.
*****
"إذا المرء لم يُدَنس من اللؤم عرضه ...
فكل رداء يرتديه جميل"
السموأل بن عاديا- شاعر جاهلي

18


ليست حربا أهلية..
لكن شيئا من هذا يحدث*


عبدالمنعم الاعسم

 لا يهم ماذا يُطلق على احوال امنية وسياسية مضطربة، وانشقاقات في "الوطنية" ومقومات السلام الاهلي، وقتل على مدار الساعة حصة المدنيين منه هائلة ومخيفة، هل انها حرب اهلية، ام منازعات، ام عصيان ارهابي مسلح، مقابل ترخيص منفلت لجماعات مسلحة خارج القانون، ومحاكم شارع تصدر احكاما بالموت والابادة والاستئصال في كل شبر تفرض سلطتها عليه.
 اقول، سواء كان مصطلح الحرب الاهلية الكلاسيكي ينطبق على الاحوال السائدة في العراق، ام ان ثمة مصطلح آخر اكثر تطابقا، فان العراق انضم الى اسرة الدول التي تشهد حروبا داخلية تشترك فيها اكثر من جهة ضد اكثر من جهة، وكان فيلسوف القرن السابع عشر الانكليزي توماس هوبز قد وصف هذا الحال بقوله "ان الحرب الأهلية هي حرب الكلّ ضد الكل".   
 فمنذ حرب الوردتين التي دارت قبل خمسمائة واربعين سنة في انكلترا حول الأحق بالسلطة والعرش بين طائفتي لانكستر ويورك انشغل المؤرخون والمحققون والقانونيون في مفهوم ومصطلح ومحركات الحرب الاهلية، وكان شكسبير الذي اطلق اسم الوردتين على تلك الحرب قد حضّ على احتقار  تبريرات إشعالها في مسرحيته الشهيرة هنري السادس، وبقيت مفردة "أسياد الحرب الاهلية" من السياسيين وزعماء المليشيات والعصابات المسلحة كنية لحفنة من المجرمين الذين ارتبطت اسماؤهم باعمال القتل المجاني للمدنيين الابرياء.
 وإذ اندلعت الآف الحروب الاهلية منذ ذلك الوقت، فقد ضمت صفحات التاريخ كما هائلا من التأويلات المغشوشة لوجاهة القتل الجماعي تحت شعارات دينية وإثنية، وثمة القليل من الانتباهات أخذت البُعد الانساني لهذه الحروب وحدة قياس وحُكم، وشاءت الفوضى الاعلامية المعاصرة ان تختزل المذابح الجماعية للمدنيين الى عناوين تتسم بالرشاقة المغشوشة، مثل اللبننة والعرقنة والصربنة والليبنة، فيما هي ملفات لأشكال مروعة من الصراع السياسي على السلطة الحقت بشعوب لبنان والعراق وصربيا وليبيا افدح الخسائر بالارواح والثروات وبنى الدولة.
 ولم يعد مصطلح "الحرب الأهلية" شائعا في المحافل الدولية المعنية منذ تثبيت ميثاق الأمم المتحدة  منع استعمال القوة في الخلافات السياسية في المادة 2 الفقرة الرابعة، حيث اتخذت لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة قراراً بعدم الحاجة  لقانون لمثل هذه الحال طالما أصبحت الحرب محرمة وممنوعة، في حين تكفلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر ترسيم مصطلح الحرب الاهلية عبر سلسلة من المعاينات والمتابعات واستقر على مسمى "نزاع مسلّح غير دولي" والمهم انها وضعت اسسا لملاحقات قضائية لـ"اساد الحرب"  بموجب القانون الدولي.
 وبوجيز الكلام، ومن هذه الزاوية، يصح (وينبغي) بناء هيكلية من الحراك السياسي والاجتماعي والثقافي تتعامل مع الاحوال السائدة ومضاعفاتها  في التجييش الطائفي والشوفيني  والديني واجراءات الاستئصال اليومي كحرب اهلية غير تقليدية، ومع ابطالها كأسياد تحت طائلة القضاء.. القضاء غير المدجّن.
********
" .. تعددت الأسباب والموت واحد".
ابن نباتة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


19


تقسيم العراق في العقل الظني

*عبدالمنعم الاعسم 

تقسيم العراق الى سيادات (دويلات. امارات..) واحد من الاحتمالات التي يمكن ان يتمخض عنها الصراع القائم، ينحسر أو يتسع، بحسب آثار ومديات الانشقاق في النسيج الوطني، وكذلك بحسب موقف الدول صاحبة الثقل والتاثير في هذا النسيج، وبمعنى آخر، فان تقسيم العراق (ولا نعني الى فيدراليات) تفرضه جملة من المعطيات التي ينبغي (لمن يتصدى للموضوع) ان يمعن النظر فيها، وفي حقائقها. 
 لكن العقل الظني يضع هذا جانبا، ويعلن "لا تتعبوا انفسكم.. العراق سيُقسم، لأنهم يريدونه كذلك" وينصرف الى توليف هذا الحكم على اساس النيات المبيتة للقوى الخارجية، غير المعلن عنها، او جرى الإفصاح عن نقيضها "للتضليل" او جاء ذكرها بين السطور وفي زلّات اللسان، والنتيجة، ان التقسيم هذا (كما يقطع العقل الظني) مشروع سري "جهنمي" يجد طريقه الى التنفيذ بتوقيتات محددة، ولا فائدة من ذمّ هذا القادم الكريه، مثلما لافائدة من ذمّ الشيطان الرجيم.
 موضوعنا يتناول اشكال النظر الى احتمال التقسيم، ومحاولات ترسيم تجلياته (من قبل العقل الظني)على اساس منظور المؤامرة المبيّته للدول المجاورة، او القوى الكبرى، فيما يتأكد للمحلل (المتحرر من هذا المنظور) ان هذه الدول الموزعة في تعاطفها على المكونات السكانية تنظر الآن بهلع الى خيار تقسيم العراق لأنها تعرف بان الدويلات المنبثقة عن الدولة الام ستكون عبئأ عليها، وقد تشكل منزلقا لها الى ساحة حرب لا حدود لنتائجها الكارثية، وأهوالها.
 هذا لا يعني تشجيعا منّا للنظر الى الدول المجاورة كجهات مُحسنة، بل يعني حصرا القول بان هذه الدول (بحسب مصالحها الاستراتيجية) تريد عراقا  مضمون الجانب، كفيلا لنفوذها، موحدا، يكفيها شر الاضطرابات، ولا يصدر لها أزماته وفضلات احتقاناته الطائفية. اما الثروات التي يقال انها مطمع تلك الدول فان دولة عراقية موحدة اضمن لذلك المطمع من ان تكون دويلات تخوّض في حرائق تحول الثروات الى كومة من القش، ثم الى اعمدة دخان.
 العقل الظني مغرم بالحديث عن التاريخ، بطريقة انتقائية، فيقول لك ان "تدمير" العراق وتفتيته الى دويلات حلقة من مسلسل بدأ من الاندلس على يد "الغرب المسحي" حين تزوج فرديناند ملك أراغون من إيزابيلا ملكة قشتالة في القرن الخامس عشر واتحدت المملكتان لتدمير وحدة غرناطة العربية، لكن الرواة  الظنيين لم يتحدثوا عن احزاب الطوائف "الاسلامية" التي فسدت حتى النخاع، وتقاتلت على السلطة حتى في غرف النوم، ثم باعت اوطانها برقائق ذهب اكتشفت انها مغشوشة، لكن بعد عبور البحر.. وفوات الاوان.
*********
"يأتي على الناس زمان لا تـُقرّ فيه عينُ حليم".
لقمان الحكيم

20

سياسة تلغيم المعابر.. الى اين؟

*عبدالمنعم الاعسم

 اتهامات رئيس الوزراء نوري المالكي لادارة اقليم كردستان بايواء الارهابيين، اخذتها الجماعات السياسية المختلفة بعدم الاكتراث وطالب وتشكك بعضها بالواقعة والطلب بتقديم بيّنات على هذا الاتهام، فيما عدّه المراقبون والمحللون المحايدون كمحاولة تصعيد، غير ذي حكمة، على جبهة حساسة  لا تتحمل مثل هذه المخاشنات إلا في حساب تلغيم المعابر الى الحل السياسي لأزمة العراق ومنع تغيير الادوات والسياسات والوجوه التي تسببت في الكوارث الامنية والسياسية التي تعصف بالبلاد.
 وإذ لا يتفهم المتابع الموضوعي جدوى وحصافة بعض التصريحات التي سجلت نفسها على الجانب الكردستاني بصدد التصورات الاستباقية لمستقبل الاقليم، وحول تعاطي اربيل مع الرموز المشجعة للتطرف والعنف والطائفية المضادة، فان الشكوى من هذا الاستطراد إذ تعالج، عادة، وكما ينبغي، في القنوات السياسية والدستورية فهي لا تبرر تزييت ماكنة التهديدات وتبشيع مواقف الاقليم والكرد وزج عقد الشراكة في الوطن وسلطة القرار والمصير الواحد الى شكل من اشكال الفرضية القابلة للإنكار، وسيكون هذا الموقف شديد الخطورة عندما يتبناه الرجل الاول في ادارة الحكومة والدولة.
 اقول، بدلا من تنشيط المعابر المختلفة لحل ازمة الرئاسات بما يعبئ الدولة والمجتمع لدحر الارهاب والعصيان المسلح في الموصل ومناطق اخرى فان التقويم اليومي للاحداث والمواقف يحمل على الاعتقاد بان كابينة رئيس الوزراء تقود المعركة هذه (واكثر من معركة اخرى) خارج ساحاتها الرئيسية، وتنشغل في تسويق مظلومية، مشكوك فيها، من مؤامرة مزعومة ينخرط فيها كل من يرفض الولاية الثالثة للمالكي، ويشاء اصحاب هذه المعارك العبثية ان يوسعوا دائرة الخصوم، بل ويصطنعوا المزيد من الخصوم، بفتح معركة مع الاقليم، مصحوبة بفيض من الريب والشكوك والطعون في جدوى الاخوة  بين العرب والكرد.
 على ان العلاقة بين الحكومة الاتحادية واقليم كردستان لا ينبغي ان تُختزل الى لعبة التلغيم، واستعداء الجمهور وشحنه بالكراهية القومية والتهديد، والتصعيد الاعلامي، والاتهامات المرتجلة، لأن هذه العلاقة لا تتصل بالاعتبارات والصلاحيات الادارية الدستورية فقط بل هي وثيقة الصلة بجوهر هيكلية الدولة العراقية ومستقبلها كدولة متعددة القوميات والعقائد والانتماءات، ويلزم ان يجري التذكير بخطورة البناء على ردود الافعال والمراهنة على الكسب الاعلامي القائم وعلى توليف الشائعات والتسريبات المغشوشة، واعادة انتاجها كحقائق.
 في السياسة، وكذلك في التكتيك العسكري، لا يُعد تلغيم المعابر ضروريا، ونافعا، إلا حين تكون قد اشرفتَ على الهزيمة، أو تصبح الدائرة وهوامش المناورة اكثر ضيقا من حولك، فتسعى الى عرقلة  تقدم "العدو" وتُشاغله ريثما تنجو، او تُحسّن شروط الاستسلام.
 وفي كل الاحوال، يعكس تلغيم المعابر الى الحل هشاشة تقنيات المناورة، وانهيار الدفاعات النوعية، لكن التجارب اكدت ان تلك الالغام "الوقائية" قد تنفجر باصحابها وتلحق بالمدافعين، المنسحبين، افدح الاضرار، وهذا  (كمثال عسكري) ينطبق على تلغيم الملفات السياسية في محاولة لخلط الاوراق واثارة الريب والشكوك والتهديدات، بدل فتحها والاعتراف بالاخطاء والفشل، والبحث عن مفاتيح واقعية لتسوية الخلاف الذي يقال انه لا يفسد للود قضية.. إلا حين يهدد كرسي السلطة.
********
"نظام الفرد الواحد ليس سوى اختراع ابتدعه الشيطان ليخلـّد بين الناس عبادة الأصنام ويروّج بضاعة الوثنية".
توماس بين- كاتب ومخترع انكليزي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 


21

حكومة.. بالتلقيح المجهري

*عبدالمنعم الاعسم

الحديث، يخرج الآن من الكواليس الى الفضاء الاعلامي الطلق، عن حكومة جديدة في العراق ينبغي ان ترخّص لها دول اخرى، او تولد عبر التلقيح المجهري في «انابيب» دقيقة من حوامل خاصة (إملاءات) مستوردة من خارج الحدود لغرض مساعدة السياسيين العراقيين الذين لم يبلغوا سن الرشد بعد، او في المصطلح الطبي يعانون من «العقم» ويتعذر عليهم «إنجاب» حكومة سليمة العود والهوية والسمعة والأهلية، ثم، لكي يسجلوا سبقا في براءة اختراع، لم يسبقهم له أحد، بعنوان «حكومة الانابيب» اعترافا منهم بهذا العقم، وإعلانا بالعجز (العجز!) في ادارة شؤون البلاد.
حكومة التلقيح المجهري العراقية (انتباه) تفتتح مرحلة اقامة مثل هذه التجارب الجديدة وتضعها امام العلم والعالم والامم، بأخذ بويضات من (الأم) الحاضنة العليلة للازمة السياسية وحيوانات منوية من فحل اجنبي (الأب) له سطوة ومليشيات وقواعد في الخليج ونقـْلها الى حيازات مناسبة في مختبرات وكواليس ودرابين شبيهة بقناة فالوب حيث يتم التلقيح وترتفع الصلوات والتبريكات وتبدأ مرحلة انشطار واعادة تركيب وولادة المشروع- الحكومة الجديدة، هكذا، بالضبط، وُلدت «لويز بوران» التي قصّت شريط اطفال الانابيب قبل 36 عاما، كحلّ لمشاكل الرحم (أكرر: مشاكل الرحم) واستعصاءات الولادة الطبيعية.
لكن العالم البريطاني «روبرت إدواردز» الحائز على جائزة نوبل في الطب عن هذه العمليات الجينية الرائدة يحذر من «أن نمو بويضة الأنبوب في ظرف غير طبيعي قد يتسبب في تشوه ما للطفل فيما بعد» كما تؤكد عالمة الاستنساخ الفرنسية «بريجيت بواسولييه» رئيسة مؤسسة «كلون ايد» ان الكثير من الولادات التي يتم تحقيقها بالتلقيح المجهري لا تحمل بالضرورة صفات امهاتها، بل تنشأ في الغالب غريبة في اطوارها، والمهم، قد تكون عليلة، ضعيفة الارادة.
وبعيدا عن هذا، نحتاج هنا الى فهم المنطق الذي يسوّق هذه الاستعانة المذلة بالاخرين، او الاستخذاء امامهم، او القبول باملاءاتهم لاختيار منصب رئيس الوزراء وتعيين شكل الحكومة ومكوناتها، وذلك بالقول، ان على هذه الدول (هكذا يزعمون) التزامات لا توفيها إلا مع حكومة تذعن الى شروطها وأهوائها ومع رئيس للحكومة لا يخرج على فروض التبعية لسياسات هذه الدول، ولا يتخذ قرارات او يعقد تحالفات لا تحظى بموافقتها، بدل ان يعكف اصحاب الازمة على تشكيل حكومة من كفاءات ورجال علم وخبرة ووطنية ومن الاطياف التي تشكل هوية البلد، وبرنامج وحلول عابرة للمحاصصة والطائفية والفئوية وهوس الزعامة والكسب الحرام.
منطق، عدا عن انه يسيء الى اصحابه، فهو يضع جانبا سيادة الدولة العراقية، ويُسقط جملة من المعايير والاليات ذات الصلة بالدستور والبرلمان والاستحقاق الانتخابي.. وقطرة الحياء.
*********
"أتعس أنواع الحكومات هى التي تفرض عليك أن تذكرها صباح مساء".
همنغواي
14

22
المنبر الحر / سقوط "العربية"
« في: 17:30 21/06/2014  »

سقوط "العربية"


*عبدالمنعم الاعسم

 ثمة امر معروف في المعايير المهنية الاعلامية، ومعلومة، منذ زمن طويل، ان قناة العربية لا تتمتع بالاستقلال الذي يرفعها الى مستوى الاعلام المستقل، ومردّ ذلك الى رعايتها من قبل الاسرة الملكية السعودية الحاكمة، تمويلا وتسهيلات، والى الخطوط الحمر التي تتحرك بها مراعاة لجهة التمويل، فضلا عن التسويق الاعلامي المفروض على القناة وما له صلة بالعلاقات والمحاور التي تلتزمها السياسة السعودية، وقد تزايدت بصمات "الراعي" على إداء القناة وامسك بخناقها، بحيث انتهت، في اكثر من واقعة وخدمة وحدث، الى محض بوق حكومي حالها حال الابواق الحكومية الاخرى، ملتحقة بقناة الجزيرة، الواجهة الاعلامية النافذة لحكومة قطر.
 ولا بد من الاستدراك، للقول، ان القناة حاولت الافلات من الإملاءات الفاقعة للسلطات السعودية، وقدمت خدمات خبرية وتحليلية استثنائية لأحداث  في المنطقة خارج موصوف التبعية والتزامات التابع، وانها بنت بعض (اقول بعض)السمعة والاحترام على اساس تلك الاستثناءات القليلة التي نأت عن الرطانات الفقهية والمذهبية والاتوقراطية لسلطة الافتاء المتحالفة مع الاسرة الحاكمة، واستضافت عددا من الاعلاميين والكتاب والمفكرين المستقلين واصحاب مشاريع التحديث والعلمانية ومناهضة الاستبداد والدكتاتورية.
 ولعل علاقة العربية بالملف العراقي، وحصيلة الخدمة الاعلامية للاحداث والصراعات السياسية في العراق شكلت امتحانا قاسيا لمهنية القناة، إذ حاولت ان تلبي، بشيء من المهارة القلقة، ثلاثة فروضات (او ضغوطات) سياسية، الاول، هو إكساء المواقف السعودية الرسمية من الشؤون العراقية باكبر قدر من المساحيق واللاحرفية، والثاني، منح الحصة الاكبر من الخدمات (برامج. لقاءات. تقارير. دعاية انتخابية) لأحد التيارات العراقية المنخرطة في الصراع السياسي وتبني ارائه وتسويق زعاماته ومشاريعه بعيدا عن التوازن المهني واحترام المشاهد وعقله وحاجته الى التعرف على اراء الجميع، والثالث، ما تقدمه القناة من و"بعض" المواقف المستقلة و"الجمل" الاعلامية الاحترافية، وفي مرات كثيرة اخفقت في اقناع المشاهد والمراقب بصدقية ادائها ورسالتها "العراقية".
 ومنذ احداث الانبار، ثم الفلوجة، وبعدهما الموصل، سقطت الستارة بين "العربية" والموضوعية الاعلامية وصارت اقرب الى الجماعات المسلحة وشعاراتها ومشروعها الاجرامي، حتى من قناة الجزيرة، والاخطر، انها تحولت الى محمول طائفي يفيض بالتأجيج والتاليب، وأدخلت مصطلحات عنصرية وارهابية في حشوة خدمتها الاخبارية والتحليلية فيما تراجع الى مناسيب فقيرة ذلك الهامش من المهنية الاعلامية المتوازنة، تكفي الاشارة الى ان الناطقين باسم داعش والنقشبندية والواجهات التابعة لفلول صدام حسين صاروا ضيوفا دائميين على شاشاتها، ومصدرا لتقاريرها وخدماتها الاخبارية.
 لا حاجة لأن نسأل: مَن دفع "العربية" الى هذا السقوط؟ وما هو عمق البالوعة التي تخوّض فيها.
*********
"من لم يكن حكيما لم يزل سقيما".
سقراط

23
المنبر الحر / الحل السياسي.. كيف؟
« في: 16:43 19/06/2014  »

الحل السياسي.. كيف؟

*عبدالمنعم الاعسم 

يتزايد الكلام عن الحل السياسي لأزمة الموصل والمناطق الغربية، ويتشعب الى سلسلة من التصورات والمطالب تبعا للموقع السياسي الذي تنطلق منه الجهة صاحبة الكلام، وقد دخلت الامم المتحدة على خط البحث، وقيل ان المبعوث الدولي ميلادينوف يتحرك لتشكيل، او لتشجيع تشكيل  "مجموعة حكماء مقررين" لجهة وضع الأولويات العاجلة للحل السياسي، بهدف مواجهة الجماعات الارهابية وانهاء وجودها وتجنيب البلاد المزيد من الانشقاقات والتوترات والحروب.
 
ويأتي كلام الرئيس الامريكي باراك اوباما عن استبعاد التدخل العسكري الامريكي في الازمة قبل وجود "اتفاق بين الفصائل في العراق" وقوله ان "على القادة العراقيين اتخاذ قرارات صعبة والتوصل لحلول وسط للحفاظ على وحدة بلادهم" بمثابة رسالة امريكية لتحبيذ الحل السياسي، فيما يتناوب معارضون (النجيفي وعلاوي..) ومشايخ ورجال دين من المناطق الغربية على اطلاق نداءات الحل السياسي بديلا عن الحملة العسكرية التي تحاول طرد الجماعات الارهابية المسلحة من الموصل وغيرها.

على الارض سقطت آخر بروفات الحل السياسي الصادرة عن كابينة الحكومة بعنوان "المؤتمر الوطني لعشائر الانبار" حيث تقرر عقده في الخامس عشر من الشهر الجاري، وماتت المحاولة قبل ان تر النور، واللافت انه لم يكن مرحب بها من شركاء المالكي في "التحالف الوطني" ولا من الجماعات السياسية والدينية النافذة في الانبار، وبقيت على الطاولة، بدلا من ذلك، سلسلة من بيانات وتصريحات عن الحل السلمي من جميع الاطراف من دون ترسيم لمحتوى واتجاهات هذا الحل، باستثناء المرور على خيار المصالحة الوطنية مرّ الكرام، كجثة مأسوف على حالها.
/اجتياح الموصل من قبل داعش وحلفائها اضاف تعقيدا جديدا على خيار الحل السياسي، فبدلا من ان يعزز موقف المعارضين من الاحزاب والزعامات "الغربية" الموصوفة بالإعتدال والقريبة من العملية السياسية فقد اضعف مواقفها وحجتها وجعلها في موضع الاتهام بالتواطؤ مع المسلحين الارهابيين، وتقلص نفودها الى ادنى منسوب له مع صعود التطرف وشعارات التجييش ومشاعر الخوف والهلع من اندلاع حرب اهلية ضروس.
 
الحل السياسي للازمة يتحول الآن الى لغز او تمنيات لا ارضية لها في ظل طبول الحرب، وتمركز تنظيم داعش الذي، أصلا، لا يؤمن بالحوار (حتى مع حليفه زعيم القاعدة ايمن الظواهري فكيف مع اعدائه) وهناك من يؤكد ان حلا سياسيا متاحا  فقط حين يتخلى رئيس الوزراء عن منصبه وبدء الحوار مع الجماعات المسلحة (أو بعضها) كطريق لاستعادة الحد الادنى من الثقة بين فرقاء الصراع السياسي، والبعض الآخر يروج للحل السياسي ضمن اعادة بناء تجمع (او تحالف) لجميع الفئات والتكتلات المناهضة للارهاب والجماعات المسلحة خلف الحكومة الحالية مع تعليق مشروع الولاية الثالثة للمالكي.. والبعض الثالث يراهن حرب اهلية وتقسيم البلاد على قاعدة "كلما زاد اوارها تنطفي" والبعض الرابع يتحدث عن وصاية دولية مؤقتة تُبطل الصراع الفئوي على السلطة وتضع العالم امام مسؤولياته لمواجهة الارهاب والتمزق، والبعض الخامس يتطلع الى حل لا يمر من خلال هذه الحول والتشكيلات والزعامات السياسية المتصارعة، بل من الشارع، الذي يطيح بالجميع.

الم نقل ان الحل السياسي للازمة لغزٌ او حزورة؟.
*************
بمن يثق الإنسان فيما نواه؟ ...
                                    ومن أين للحرّ الكريم صحاب؟
ابو فراس الحمداني

24
المنبر الحر / الموصل.. قبل وبعد
« في: 19:15 12/06/2014  »
الموصل.. قبل وبعد

*عبدالمنعم الاعسم

كل من يعبر عن استغرابه حيال أحداث الموصل واجتياحها من عصابات الردة لم يكن ليتابع ما كان يجري من مواجهات وصراعات في الانبار، طوال عام كامل، وكيف تنامت قوة هذه العصابة بالطول والعرض، فما حدث في الموصل صباح الثلاثاء الماضي لم يكن اكثر دقة وتعبئة واجراما من عملية اقتحام سجن ابوغريب في تموز من العام الماضي واطلاق ما يزيد على الف من عتاة الارهابيين، وهروب القيادات والحراس، وانسحاب المهاجمين من دون خسائر
 
أقول، قد يصاب احد بالحيرة والاستغراب حيال ما جرى في الموصل، إذا ما كان هذا "الأحد" غير معنيّ بسلسلة الاحداث التي سبقته، او غير منشغل فيها، أو غير ذي صلة بالمسؤوليات او المواقع او الادارة القريبة منها، وقد نتوقع ان مثل هذا “الاحد” موجود في العراق، وهو افتراض ضعيف، لكن الأمر الخطير يتمثل في ان مسؤولين على تماس مباشر بادارة الصراع مع الهمجية المسلحة يقفون الآن مشدوهين في النقطة الرمادية من استيعاب الحدث الموصلي، ويصرون على تجنب المراجعة او الاعتراف بالتقصير او الغيبوبة عن حقائق الارض، بل انهم، ومن مواقعهم ومسؤولياتهم المختلفة، يواصلون اللعبة السمجة في تقاذف المسؤولية على بعضهم واعفاء النفس مما حل بواحدة من اكبر مدن وحواضر العراق.

ثم.. إذا كان اجتياح الموصل من قبل عصابات داعش هو حلقة من مواجهات سابقة بين القوات الامنية وسكان مدن غرب العراق فمن اين، إذن، جاء الداعشيون بهذا العدد الغفير من المتطوعين، المعبئين بالرطانات الدينية وبالكراهية الطائفية؟ بل ومن اين جاءوا بهذه الشحنات والحافلات والاليات اذا كانت قد سُدت عليهم منافذ الاوكسجين ووسائل الاتصال عبر الحدود؟
المشكلة، اولا، انه بدلا من التعبئة الوطنية واعداد النفس والقوة والشكيمة من اجل الحاق الهزيمة بالغزاة الكهفيين في الموصل فاننا نرصد هروبا متعمدا، بالصوت والصورة، للطبقة المسؤولة عن ادارة السياسة والحكم في البلاد من خط المواجهة، ومن ملازم القتال الوطني ووجوب الوقوف مع السكان المنكوبين، سبقهم في هذا الهروب جنرالات الادارة العسكرية والامنية حيث استقلوا طائراتهم واختاروا السلامة في الخطوط الخلفية بدلا من القتال الذي هو وظيفتهم وموصوفهم وسبب وجودهم في المدينة المسبية.

المشكلة، ثانيا، اننا مقبلون على مهزلة اخرى: المهزومون يصبحون ابطالا، بنياشين اضافية، كما حدث بعد مخازي ابو غريب.. وان علينا، مرة اخرى، ان نلقي عليهم الورود.. بدلا من الزبالة.
*********
“يكون البشر أقوياء فقط طالما يمثلون فكرة قوية، وتزول قوتهم عندما يتخلون عنها”.
سيجموند فرويد



25
المرجعة الدولية..
رحيل مبكر

*عبدالمنعم الاعسم

 البصيرة التي تتملى بيان مجلس الامن الدولي حول العراق، الصادر نهاية الاسبوع الماضي، لابد ان تجفل، بحيرة، في مواضع لافتة تتعلق بالرضا المفرط عن "مفوضية الانتخابات" والثقة، الاكثر إفراطا، بالحكومة "وقوات الامن" والجماعات السياسية وما اسماه  البيان"المؤسسات الديمقراطية" والامل المعلق على "ايجاد عملية سياسية شاملة نحو تشكيل حكومة تمثل ارادة الشعب" ولابد، بعد ذلك، إذا ما أرادت البصيرة تسجيل موقف تشكر عليه المرجعية الدولية، ان تعيد قراءة الفقرة ذات العلاقة بكارثة الانبار حيث تخلى العالم والحكومة عن مسؤوليتهم ولم ينفذوا إلا 10 بالمئة من التزاماتهم لمساعدة البشر النازحين هناك في محنتهم الانسانية.
 ومرة اخرى، واخرى، القت الامم المتحدة مسؤوليتها المثبتة في ميثاق العام 1945 جانبا، وتنازلت عن دورها في تسمية الاشياء باسمائها، واكتفت بدور شرطي المرور الذي يعنيه انسياب السيارات، لا انسياب الدم.
 على ان بيان مجلس الامن "الباهت" حيال الانتهاكات والنواقص في مجالات الحريات وحقوق الانسان وعدالة القضاء وشفافية الانتخابات لا يختلف كثيرا عن الدور "الباهت" لممثل الامين العام للامم المتحدة السيد "نيكولا ملادينوف" في العراق، خلافا لقرار مجلس الامن 1546 (2004) الزم بعثة الأمم المتحدة بتقديم المساعدة إلى العراق في مجال "تعزيز حماية حقوق الإنسان والمصالحة الوطنية والإصلاح القضائي والقانوني من أجل تعزيز سيادة القانون في العراق" واذا شئنا الدقة، فان هذا الموقف لا يختلف كثيرا عن حال "التفرج" والشلل الذي انتهت اليه المرجعية الدولية على مستوى مشكلات العالم والمحن التي تعصف بدول كثيرة.   
  فلم يسبق للامم المتحدة، منذ امينها العام الاول النرويجي تريغف هالفان لي(1946) ان وقفت متفرجة على ما يحدث في العالم من كوارث وانشقاقات وحروب واعتداءات كما هي الان في عهد الكوري الطيب بان كي مون الذي لا يتحمل، طبعا، وزر هذا المآل المؤسف للمرجعية الدولية،ومنذ ايام احصى معهد غربي ما يزيد على مائة وستين مشكلة تعصف بالاقاليم والدول الاعضاء(آخرها مذابح نايجيريا) مما تدخل معالجتها في مسؤولية المنظمة الدولية، لكنها تقف عاجزة عن تقديم اية مساعدة لتلك الاقاليم والدول، إما لأنها لا تملك اموالا كافية، او ان احدا لم يطلب منها التدخل، او ان اطراف الازمات لا يسمعون ما تقوله الامم المتحدة ويفضلون تدخل اعضاء اكثر هيبة وتأثيرا و"فلوسا".
 لنتذكر ان مندوبي الدول الأعضاء اضطروا في سبتمبر من عام 1968 الجلوس على مقاعدهم أربع ساعات كاملة للاستماع الى خطيب واحد سمح له بالاستطراد كل هذا الوقت وسط ذهول مسؤولي الجلسة الذين لم يستطيعوا التدخل، وكان الخطيب فيدل كاسترو لا يمثل في الواقع بلداً مؤثراً على خارطة العالم وليس له ثقل عسكري أو اقتصادي ذو قيمة استراتيجية.غير انه في عام 1995، وفي الشهر نفسه، لم يسمح لكاسترو الا بسبع دقائق ليلقي خطابا لم يلفت نظر أحد، وتلاشى صوته الجهوري في قاعة خلت مقاعدها من كثير من المندوبين، ولم يكن نفسه آسف على مصير هذه المرجعية.
العام المقبل 2015 ستحتفل الامم المتحدة بميلادها السبعين، واغلب الظن سيكرر كي مون الطلب من الدول الاعضاء دعم المنظة لتنهض في مهمة اطفاء بؤر الارهاب والعنف واشاعة اجواء الثقة والبحث الموضوعي لتكوين ارادة السلم والاستقرار، وربما سيوحي بما كان قد اوحى به الامين العام السابق كوفي عنان  لبعض مندوبي الدول التي تطلب النجدة من الامم المتحدة: "لا تحرجونا.. لقد مضى ذلك الزمان" وكأنه يشير الى تلك الأيام الغابرة للمنظمة الدولية، حيث كان كاسترو يتحدث لساعات طويلة من دون مقاطعة، وان يقذف خروتشوف بحذائه الى الصالة.. وسط تصفيق عاصف.
********* 
"ما أحسن تذلل الأغنياء عند الفقراء، وما أقبح تذلل الفقراء عند الأغنياء".
سفيان الثوري- فقيه قديم



26
حكومة جديدة..
كوميديا من ثلاثة فصول

*عبدالمنعم الاعسم

 نحتاج الى علم جديد للسياسة، غير هذا العلم الذي نعرفه وتدرّسه الجامعات والمعاهد، لكي يفكك لنا الغاز واستعصاءات وتشابكات تشكيل الحكومة الجديدة، فهي حكومة واحدة (فقط) لكن لها عشرة اسماء متضاربة قد لا يجمعها جامع: حكومة قوية. حكومة اقوياء. حكومة اغلبية سياسية. حكومة شراكة. حكومة توافق. حكومة اكثرية، حكومة منسجمة. حكومة للمكونات. حكومة اتحادية. حكومة مركزية.
 وللايضاح، فانه من الناحية النظرية ثمة فرق بين حكومة قوية وحكومة اقوياء، فتلك تدخل في مطلوب جميع الحكومات، وهذه تدخل في موصوف الكتل القليلة النافذة التي تمسك بدفة (أو بخناق) القيادة، كما ان حكومة أغلبية سياسية غيرها حكومة اكثرية، فالاولى (هكذا يُفترض) تتشكل من اغلبية نيابية عددية لا يشترط ان تمثل الكتل الكبيرة، والثانية يشكلها المكوّن (الطائفي. الفئوي) الذي نال اكثرية المقاعد في المجلس الجديد.
 العلم الجديد (المطلوب) تُسجل براءة اختراعه لصالح متحدثين سياسيين ومعلقين كُلفوا بمهمة التشويش على المتفرجين، الذين هم نحن، وقد كُتب بيدين، واحدة للاعلام، واخرى للكواليس، وما يجمعهما محاولة تشكيل حكومة تحظى باوسع تمثيل يرخّص لها المرور من البرلمان، وستكون هذه الحكومة (في آخر ما سمعناه) تضم ممثلين لأكثر من ثلاثين كتلة وفريقا وتجمعا، يتطلع الى مقاعد في قطار الحكومة بما يناسب حجمه ونفوذه، وسطوته في الشارع، والثروة النقدية التي يملكها في اكياس الزبالة (غسيل اموال) ومصادر قوته المستوردة عبر الحدود، هذا يعني ان الحكومة قيد الانشاء، وفق هذا السيناريو، يلزمها اكثر من مائة مقعد وزاري يغطي طلبات المشاركين.
 وهذا ليس سوى فصل واحد من كوميديا تشكيل هذه الحكومة، فيما الثاني يبدأ عاصفا ومتوترا في معركة تسمية المرشح لرئاسة الحكومة، إذ تلبس الجهود هنا خوذة  واقية للرصاص، وتتدرع بلغة هجومية تطلق عشرين تهديدا في الزفير الواحد، ويظهر الى الواجهة سياسيون يقولون الشيء ونقيضه، وآخرون يقولون كل شيء باستثناء الشيء المفيد، فتُختزل محنة ثلاثين مليون من البشر، يموت منهم العشرات كل يوم، في عملية تعيين فرد واحد لمنصب واحد، بين من يعتبر الامر (حقا) له  واستحقاقا عليه دون سواه، ومن يعتبره حقا قابلا للتفاهم، او من ينفي فكرة الحق والاستحقاق، او من يروّج لـ"المنقذ" الذي لا أحد غيره سيحل مشاكل العراق، او من يفتي باضحوكة "القيادة الجماعية" التي عفا عليها الزمن، او من يُذكّر بنهاية صدام حسين وموقف سوار الذهب وحكمة حسني مبارك ورعونة القذافي وحكاية الخنفسانة التي قبلت ان تتسابق مع ارنب.. فسبقته.
اما الفصل الثالث من هذه الكوميديا فهو لقطة من مسرحية الكراسي للكاتب الفرنسي يوجين يونيسكو حيث يوجد امبراطور، لكن من غير امبراطورية.
 ستارة.. تصفيق.
 **********
"حين تتعثر مرتين بالحجر نفسه لا تتهم سوء الحظ"
                                                     مثل الماني

 

27
رأيي في التوافق.. بهدوء

عبدالمنعم الاعسم

عض الاصابع ولي الايدي وجس النبض واستعراض القوة والتهديدات والتهديات المضادة، كلها مقدمات لـ"صفقة" يعدها اصحاب معادلات الحكم لابقاء نظام المحاصصة في حشوة المرحلة وقد تتخذ هذه المحاصصة اسما مستعارا انيقا هو التوافق، برغم ان التوافق –في علم السياسة- لا يعني بالضرورة عملية تقسيم المغانم كما جرى، ويراد له ان يجري الآن.
 فمن يعده ضروريا في مرحلة الانتقال التي يمر بها العراق لتجنيب البلاد المزيد من التمزق والصراعات، ومن يراه خطيئة تتعارض مع مبدأ الديمقراطية، ومفرخة للمحاصصات، وبدعة من بدع العهد الجديد والاكثرية الحاكمة.
واحسب ان مناقشة هذا الموضوع تفترض، اولا وقبل كل شي، تحصينه من التبسيط، وتقلّب المواقف، ومزايدات سوق الاعلام، كما تفترض، في المقام الثاني، الاعتراف بان التوافق هو نقطة الوسط في الخيارات المتضاربة، وقد يكون اتفاقا يضم منسوبا متقاربا من المصالح والاهداف، يدرأ فيه المتصارعون خطر الانزلاق الى العنف في ما بينهم، او انهم يضعون فيه الغاما لسينياريوهات حرب واقصاءات ضد جبهات اخرى.
  التوافق، من جهة اخرى، ابن شرعي لعصر التحولات، والاستقطابات الجديدة، لكن المشكلة تتمثل في انه قد يصبح ابنا عاقا حين يُختزل الى صفقات مشبوهة تهدف الى تكريس الدكتاتوريات والمظالم، وقد يخرج هنا من التعريف المدرسي للتوافق الى معنى آخر اقرب الى التآمر.
وبخلاف ذلك فانه لا مفر من التوافق على حلول وسط، متوازنة ومشرفة، بين الفئات والخيارات السياسية العراقية المختلفة وهي تقف عند منعطف تاريخي مفتوح على احتمالات تمتد بين الجحيم والمعافاة، والبديل عنه يتمثل في مواجهات كارثية لن تعود بالخير على ايّ منها، فيما تدخل قضية تشكيل الوزارة الجديدة في مختبر النوايا، وصدقية الالتزام بالعهود، والرغبة في ترجمة شعارات التعايش الى الواقع، على الرغم من ان الكثير من عناصر هذه الازمة مستمدة من ارث السنوات المحاصصية العجاف، وبعضها من فضلات الدكتاتورية الشوفينية.
 التوافق، طبعا، ليس مبدأ للمحاصصة. الاول عملية تقريب وتجسير لوجهات النظر والمطالب والمشاريع والشروط المتباعدة والمتصارعة وفق قواعد سياسية تتسم بالحرص على نزع فتيل حريق قد يشب في اية لحظة وتجنيب البلاد المزيد من الانشقاقات والحروب، والثاني تقسيم للفرص والوزارات والمواقع والنفوذ والوظائف الحكومية وملازم الثروة والجاه على اساس طائفي وفئوي. الاول، ينطوي على تضحيات مبررة ببعض المصالح، والثاني يبرر التشبث، غير المبرر، بالامتيازات. الاول، يتقرب من معالجة حالات التهميش بالنسبة لمكونات او فئات وكفاءات، والثاني يكرس حالات التهميش لمكونات وجماعات وكفاءات.
 الى ذلك فان التوافق كادارة  لمصالح متضاربة، او متجاورة، دخل ويدخل في صلب العلاقات الدولية وفي اساس المعاهدات والمواقف التي تعالج  الازمات الدولية والاقليمية، ويعود له الفضل في تجنيب البشرية الكثير من الويلات، ويعود اليه العقلاء لتسوية صراعات دموية وتداخلات معقدة.. وقد يعود اليه مجانين ركبوا رؤوسهم ردحا من الزمان، فاكتشفوا عبث الاوهام التي يمتطونها.
********
"الهي.. أشكوك.. هؤلاء عبادك اجتمعوا لقتلي.."
                                      الحلاج
 

28
رأيي في التوافق.. بهدوء

عبدالمنعم الاعسم

عض الاصابع ولي الايدي وجس النبض واستعراض القوة والتهديدات والتهديات المضادة، كلها مقدمات لـ"صفقة" يعدها اصحاب معادلات الحكم لابقاء نظام المحاصصة في حشوة المرحلة وقد تتخذ هذه المحاصصة اسما مستعارا انيقا هو التوافق، برغم ان التوافق –في علم السياسة- لا يعني بالضرورة عملية تقسيم المغانم كما جرى، ويراد له ان يجري الآن.
 فمن يعده ضروريا في مرحلة الانتقال التي يمر بها العراق لتجنيب البلاد المزيد من التمزق والصراعات، ومن يراه خطيئة تتعارض مع مبدأ الديمقراطية، ومفرخة للمحاصصات، وبدعة من بدع العهد الجديد والاكثرية الحاكمة.
واحسب ان مناقشة هذا الموضوع تفترض، اولا وقبل كل شي، تحصينه من التبسيط، وتقلّب المواقف، ومزايدات سوق الاعلام، كما تفترض، في المقام الثاني، الاعتراف بان التوافق هو نقطة الوسط في الخيارات المتضاربة، وقد يكون اتفاقا يضم منسوبا متقاربا من المصالح والاهداف، يدرأ فيه المتصارعون خطر الانزلاق الى العنف في ما بينهم، او انهم يضعون فيه الغاما لسينياريوهات حرب واقصاءات ضد جبهات اخرى.
  التوافق، من جهة اخرى، ابن شرعي لعصر التحولات، والاستقطابات الجديدة، لكن المشكلة تتمثل في انه قد يصبح ابنا عاقا حين يُختزل الى صفقات مشبوهة تهدف الى تكريس الدكتاتوريات والمظالم، وقد يخرج هنا من التعريف المدرسي للتوافق الى معنى آخر اقرب الى التآمر.
وبخلاف ذلك فانه لا مفر من التوافق على حلول وسط، متوازنة ومشرفة، بين الفئات والخيارات السياسية العراقية المختلفة وهي تقف عند منعطف تاريخي مفتوح على احتمالات تمتد بين الجحيم والمعافاة، والبديل عنه يتمثل في مواجهات كارثية لن تعود بالخير على ايّ منها، فيما تدخل قضية تشكيل الوزارة الجديدة في مختبر النوايا، وصدقية الالتزام بالعهود، والرغبة في ترجمة شعارات التعايش الى الواقع، على الرغم من ان الكثير من عناصر هذه الازمة مستمدة من ارث السنوات المحاصصية العجاف، وبعضها من فضلات الدكتاتورية الشوفينية.
 التوافق، طبعا، ليس مبدأ للمحاصصة. الاول عملية تقريب وتجسير لوجهات النظر والمطالب والمشاريع والشروط المتباعدة والمتصارعة وفق قواعد سياسية تتسم بالحرص على نزع فتيل حريق قد يشب في اية لحظة وتجنيب البلاد المزيد من الانشقاقات والحروب، والثاني تقسيم للفرص والوزارات والمواقع والنفوذ والوظائف الحكومية وملازم الثروة والجاه على اساس طائفي وفئوي. الاول، ينطوي على تضحيات مبررة ببعض المصالح، والثاني يبرر التشبث، غير المبرر، بالامتيازات. الاول، يتقرب من معالجة حالات التهميش بالنسبة لمكونات او فئات وكفاءات، والثاني يكرس حالات التهميش لمكونات وجماعات وكفاءات.
 الى ذلك فان التوافق كادارة  لمصالح متضاربة، او متجاورة، دخل ويدخل في صلب العلاقات الدولية وفي اساس المعاهدات والمواقف التي تعالج  الازمات الدولية والاقليمية، ويعود له الفضل في تجنيب البشرية الكثير من الويلات، ويعود اليه العقلاء لتسوية صراعات دموية وتداخلات معقدة.. وقد يعود اليه مجانين ركبوا رؤوسهم ردحا من الزمان، فاكتشفوا عبث الاوهام التي يمتطونها.
********
"الهي.. أشكوك.. هؤلاء عبادك اجتمعوا لقتلي.."
                                      الحلاج
 

29
المنبر الحر / التاريخ..
« في: 18:20 27/05/2014  »

التاريخ..

عبدالمنعم الاعسم

 ماذا سيقول التاريخ عن هذه المرحلة "العراقية"؟ سؤال يطرح نفسه كلما التبست مجريات السياسة، وتداخلت وتشظت ارادات العراقيين، وظهرت على السطح علامات مخيفة عن المستقبل الذي ينتظر هذه الدولة.
 والسؤال التفصيلي، الاكثر اهمية، هو من سيكتب التاريخ الذي نتحدث عنه؟ هناك من يستبعد سلامة المدونات التاريخية المكتوبة من قبل السلطات او منظومات العقائد الدينية او الوضعية فهما معا سيكتبان اساطير وبطولات وحقائق عليلة. وهناك من يرى، ونحن منهم، ان التاريخ الاقرب الى الحقائق يكتبه اولئك المغضوب عليهم، المجلودة ظهورهم، من الشهود والرواة والعلماء والشهداء، الفارّين من الطوائف والعصبيات والولاءات، الذين اشتغلوا على كيمياء الاحداث وسجلوا الوقائع من دون ان ينظروا خوفا الى نوافذ الحاكم، او ينتظروا “عفارم” زبانيته، بل انهم اصحاب فكرة مزبلة التاريخ حين دحرجوا الطغاة وانظمة الاستبداد والمزورين واعداء الحرية الى نهاية تليق بهم.
 غاليلو والكندي واسحاق نيوتن وليوناردو دافنشي وفيكتور هيجو والحلاج، وغيرهم كثيرون قلبوا سياق الكتابة عن التاريخ فلم يرووا لنا اساطير منفوخٌ في ملامحها ولا مكائد القصور ومؤامرات الخلفاء والاباطرة، ولم يكن ليعنيهم مرضاة صاحب النعمة، ومجد اولئك انهم علموا الكتبة من اية زاوية يقرأون الاحداث والوقائع وفي اي مكان يضعونها، لنتذكر المشكلة التاريخية التالية: عندما احترقت روما (هكذا كتب المؤرخون) كان نيرون يعزف، متسليا، بقيثارته، ودخلت هذه المفارقة ( وقل القيثارة) في كراسات المدارس وكتب التاريخ، ثم اكتشف بعد ذلك ان القيثارة لم تكن قد اختُرعت آنذاك في عصر نيرون، ثم، وهذا المهم، لم يعتذر احد من الذين دسوا هذه الكذبة في كتب التاريخ، او في ذاكرتنا.
 بل ان هناك شكوك في سلامة ومصداقية المدونات التي ارخت الثورات، من ثورة سبارتوكوس وثورة الزنج وثورة اكتوبر حتى الثورة العلمية التكنولوجية، وثمة نصف تلك الشكوك ( كما يقول الروائي الامريكي المصلح هيرثورن) يمكن ان يكون صحيحا، ولو عدنا الى رواية “وداعا يا غولساري” لجنكيز ايتماتوف، والى رواية “السيد الرئيس” لاوسترياس سنجد اننا لم نلتقط كفاية تلك الحقائق العميقة في ما بين السطور، يكفي ان نتذكر ان ايتماتوف كان يسأل ثائرا عما دفعه الى الثورة فكان الاخير يجيب “ لا اتذكر” ولكن ايتماتوف، مثلنا، كان سليم النية، بل وكان صادقا في كفاحه من اجل الحرية الى ابعد الحدود.
 ان العلوم الحديثة تحذرنا مما يقال على انها حقائق تاريخية، يكفي هنا ان يشار الى حكاية دموع التماسيح، إذ نكتشف ان التماسيح لا تذرف الدموع لسبب بسيط هو انها لا تملك غددا دمعية.
********** 
"لا تسقط التفاحة بعيداً عن شجرتها"
                                              مثل روماني 



30

نتائج الانتخابات..
6 لقطات منهجية

عبدالمنعم الاعسم

1ـــــــــــــــــــــــــــ
كلمة رئيس المفوضية تضمنت، بخلاف المسؤولية المستقلة، إطراء فوق العادة لمجريات الاقتراع ودور السلطات واجواء التنافس، على الرغم مما نعرفه من شوائب وفجوات وشكاوى خلال يوميات التحضير والسباق، وما سجلته المفوضية في وثائقها وبياناتهاعن موظفين مسؤولين في المفوضية تركوا مواقعهم، وآخرين قاموا بمخالفات لصالح جهة نافذة، فضلا عن الطعون حيال اجراءات اتخذتها الجهات الامنية والحكومية حالت دون وصول الالوف من الناخبين الى الصناديق، وكان على رئيس المفوضية ان يحاذر بان تكون كلمته صدى مباشرا لكلمة السلطة.
2ــــــــــــــــــــــــ
لا أعرف انتخابات يكتسح فيها وزير داخلية، او من يقوم مقامه، نتائج التصويت إلا ولاحقته شبهة التلاعب.. هذا في دول لا مجال فيها لتداخل السلطة بالممارسة الانتخابية، فكيف في دولة تعاني من هشاشة التأسيس وسطوة المؤسسة الامنية والسلطات والاموال الاسطورية التي تتحكم فيها وزارة الداخلية في العراق؟
3ـــــــــــــــــــ
من بين المرشحين ثمة من خاضها بفروسية، إذ قدم نفسه وعائلته وممتلكاته وقناعته الى الناخبين بالالوان الطبيعية، ونزل الى الشوارع والمزدحمات من غير حمايات ولا استعراضات ولا "مكرمات" يوزعها يمينا وشمالا، ولا بذخٍ في الدعاية والتعريف، وقد فاز بعض اولئك الفرسان، وخُذل بعضهم.. فلا تباهى اولئك بفوزهم ولا زعل هؤلاء لفشلهم، وعند الجميع، اولئك وهؤلاء، انها معركة واحدة لبناء دولة لا تغدر بابنائها.. تلك هي الفروسية.
4ـــــــــــــــــــــــــ
ثمة القليل من الزعامات من اعلن قبوله بالنتائج "على علاتها" على الرغم من انه سبق وان اكد التزامه بأحكام الاقتراع وحكم الصناديق حتى وإن جاءت بالضد من تمنياته وتقديراته. المشكلة ان اجواء ما قبل الانتخابات استمرت على ما هي عليه حتى بعد إعلان النتائج.
5ـــــــــــــــــــ
لو ان اعلان النتائج يوم الاثنين تأخر يوما آخر لكانت قوائم النتائج قد وصلت الى جميع دكاكين بيع الفواكه والخضرة، ففي صباح الاحد كان جميع اعضاء المفوضية، وهم أتباع كيانات متنافسة وموالون لها، قد سربوا تلك القوائم كاملة الى كياناتهم، وطوال اليوم السابق للاعلان اصبحت تلك النتائج متداولة على نطاق واسع، فيما نشطت صفحات التواصل الاجتماعي والهواتف النقالة في توزيع تلخيصات كاملة عنها في حين كان ينبغي ان تكون طي الكتمان حتى ساعة اعلانها، وحين اعلنت لم يفاجأ أحد، ولم يكن هذا التسريب ليهم المفوضية نفسها، كما يبدو، وربما اعتبرته من باب الشفافية.
6ــــــــــــــــــــ
لم تعجبني عبارات التشفي في فشل متنافسين.. انها بعض من تراث التخلف وثقافة شفاء الغليل الرثة.
***********
" مشكلة العالم أن الأغبياء والمتشددين واثقون بأنفسهم أشد الثقة دائما، أما الحكماء فتملأهم الشكوك".
برتراند رسل



31

التغيير..
ومصير التغيير

عبدالمنعم الاعسم

لدينا الآن صورة مقربة عن نتائج انتخابات نيسان الماضي: القوى المتنفذة التي امسكت بمعادلات السياسة والامن والاقدار طوال العقد الاخير من عمر "العراق الجديد"عائدة الى موقعها في السلطة، مع تغييرات طفيفة في المناصب والوجوه والسياق الخطابي، مقابل تحسن طفيف في امكانيات ظهور تمثيل للفئات الللاطائفية والمهمشة ودعاة مشروع التغيير النوعي في ادارة شؤون البلاد، وقد لا نكون مفرطين في التفاؤل إذا ما رصدنا ملامح اولية لتحالف (أو تقارب او تنسيق) بين نواب من كتل متفرقة يشكل قوة ضغط واعتراض برلمانية، ليصبح موئلا لحركة الشارع المتطلع الى  التغيير.
 المشكلة الاولى تتمثل في ان شعار التغيير نفسه انتهى الى سلعة اعلامية رخيصة بعد ان تداوله جميع المتنافسين، وتخفى تحت لافتاته عتاة الفاسدين وحُماتهم، وجرى اختزاله الى تعريفات وفروض ومطالب مشوبة بالغموض والمخاتلة، والى سيناريوهات توحي بحلول للازمة السياسية والخروج منها ومعالجة آثارها لكنها في جوهرها تزيد في تفاقم هذه الازمة، لسبب بسيط هو ان اصحاب الازمة وابطالها هم انفسهم يتجهون الى القبض على ادارة القرار وليس ثمة ما يشير، لا في برامجهم وتصوراتهم ولا في أسمائهم المرشحة للولاية المقبلة، الى ان البلاد ستدخل عهد التغيير الجدي.
 والمشكلة الثانية هي ان التغيير الحقيقي لا قيمة له إن لم يتضمن خطوات جدية ومنهجية نحو تحويل الدولة من دولة المحاصصات الفئوية والطائفية الى دولة المواطنة. من دولة المنصب المستعار من الولاء والانتماء السياسي الى دولة المنصب القائم على السجل المشهود له بالكفاءة والعفة والوطنية. من دولة المكونات التي يجب ان تحكم الى دولة المكونات التي يجب ان تتعايش في ظل المساواة واحترام الخصائص، ومن الطبيعي ان لا يقبل(ولا يؤمن) بهذا التغيير اولئك المهووسون بالسلطة والتزاحم على المقامات والذين يعكفون على الوثوب الى ادارة الحكم من معبر الصفقات، ويعرضون، منذ الآن، ملاكات الدولة ومشيئاتها في سوق العرض والطلب السياسي نظير الولاء والترخيص والتحالف.
 على ان التغيير، كخيار تتطلع له الملايين العراقية، ووجد تعبيره في نداءات وتجمعات واحتجاجات في كل مكان سيبقى يحتفظ بزخمه الى حين، وقد يتحول الى حركة فاعلة وناشطة ومهيبة في البرلمان وخارجه، ويمكن، بالمقابل، ان نتهجأ محاولات تضليل المتطلعين لهذا الخيار بتقديم وصفات مغشوشة لفكرة التغيير، ومن بينها قول البعض بان التغيير قد تحقق فعلا  بهذا التنافس الانتخابي المفتوح بين السياسيين وتحالفاتهم، وقول البعض الثاني بان التغيير يحتاج الى سنوات طويلة فلم العجلة؟ فيما البعض الثالث لا يزال يحلم بالتغيير عن طريق الانقلاب العسكري والبيان رقم واحد، ما يتعارض مع دوران عقارب الساعة.
   


32
رأيٌ في.. "الولاية الثالثة"

*عبدالمنعم الاعسم

 لا مستحيل في السياسة، لكن للمستحيلات ثمن باهض، بينها ماء الوجه احيانا، وكان ميكافيلي يقول انك عندما تقدم على التنازل في ميدان السياسة فلا تضع باعتبارك اعتراضات الاخلاق ولا تتمترس عند ما كنت تقوله في وقت سابق، فان المصلحة العليا –يقول ابو البراغماتية- تبرر لك كل شيء.
 لكن اسوء السياسيين، في النتيجة، هم المتقلبون، المنكفئون عن اقوالهم ومواقفهم، ولم تستطع كل تبريرات ميكافيلي انقاذ سمعة سياسي واحد بلا مصداقية.
 في الحديث عن الولاية الثالثة لرئيس الوزراء نوري المالكي- إذ جاء في المرتبة الاولى بين المتنافسين في انتخابات نيسان- تنزل كلمة "التنازلات" منزلة العملة في السوق: لكل خطوة سعر، فيما تنزل مفردات وحدود واشكال التنازلات منزلة البضاعة: هات وخذ.
 وتشاء اللعبة ان تطرح وكلاء ينادون باعلى الاصوات عن وجوب التعجيل بعقد صفقة الولاية الثالثة، أو صرف النظر عنها، قبل ان تصبح البضاعة بائرة ويذهب فوز "الشيعة" ادراج الرياح، وفي غضون ذلك يجري الحديث عن حاجة المالكي، لكي يطيّب خواطر منافسيه، الى التخلص من بعض الوجوه والادوات والاسماء المحيطة به عربونا اوليا للصفقة.
مؤشرات كثيرة على ان المالكي يبحث الآن في تنازلات "ثقيلة" امام منافسين قد يوافقون على الولاية الثالثة، وهو المعبر، باهض التكاليف، اليها، حيث يتوزع المنافسون بين التمنع والتردد والرفض فيما تحيط الشكوك حدود التنازلات المطروحة، لكن لا شك حول تخلي المالكي عن جزء كبير من سلطته ونفوذه وصلاحياته ومواقفه لتحقيق شراكة  الولاية التي يتطلع اليها، وسيكون معروفا بان البيئة البرلمانية والشعبية (في حال تمت الصفقة) ستشهد حركة معارضة اشد مما كانت عليه، وان يد المالكي لن تحتفظ بكفاية من وسائل الردع والادارة، كما كانت عليه في السنوات الاربع الماضية.
المحلل الموضوعي، يقرأ نيات متضاربة حيال محاولات تجسير الولاية الثالثة، ويتهجأ مستحيلات جمة تعترض سبيلها، لكن كابينة المالكي تروج لفكرة "الاغلبية السياسية" من دولة القانون وشظايا الكيانات وبعض الزعامات الطامحة بكثير من التبسيط، وهي، إذا ما تحققت، فهي تنطوي على محاولة زج المشهد السياسي، وكل الدولة، في دوامة جديدة واحتراب مفتوح، بوجود الكتل والمكونات والشرائح السكانية والجماعات الجديدة الفاعلة في صف المعارضة، هذا عدا عن ان القضم من ماعون الاخرين، لن يكون حكرا على كابينة المالكي، ولا  طريقا له وحده، فستستخدم من قبل المنافسين، كما تابعنا وقائعه في الدورة السابقة.
 في هذا نحتاج ان نتوقف عند فكرة مهمة ومفصلية ذكرها نائب رئيس الجمهورية  حول الولاية الثالثة.. قائلا: "كنا نتمنى على السيد المالكي ان ينأى بنفسه عن الولاية الثالثة مصداقاً لتصريحات له في ولايته الاولى".
 انها اكثر من تمنيات.. واقل من نصيحة.
*******
" لا تسل طفلك عما يريده على العشاء إلا عندما يكون هو الذي سيدفع الحساب".
فران ليبوتز- أديبة امريكية



33
المنبر الحر / بين الجد والهزل
« في: 22:47 03/05/2014  »

بين الجد والهزل

عبدالمنعم الاعسم

يبدأ الجد حين ينتهي الهزل، هكذا كان يقول شارلي شابلن، الذي كان يعلن انه لا يحب الجد، لكن الجد، مثل الدم، يجري في عروقه، فلا يمكن للحياة ان تمضي في طريق الهزل واللعب والمقالب الى ما لا نهاية، ولا يمكن لها ان تكون جادة، متجهمة، مُستنفرة على الدوام.
لقد انشغلنا، واستغرقنا، بالهزل زمنا طويلا، واطول مما هومُحتمل، وشاهدنا فنونا من المضاحك والتسليات السياسية فيما بعض الهزل كان كوارث طاحت على رؤوسنا مصحوبة بالعويل والخراب والدماء، وبالمقابل ظهر لهذا الهزل ابطال ومخرجون وجمهور، وتجار خردة عكفوا على ترويج وعي عام مهزوز، وقد حذر على الوردي من اغواءات الجمهور حين يستسلم الى ثقافة مهزوزة.
 ولأسباب معروفة، فان لاعبين كثيرين في ساحة السياسية عملوا، ويعملون، على إطالة شوط الهزل، ومنّوا النفس ان لا يخرج العراق الى فضاء الجد والبناء والسلام،  ومن زاوية يبدو اننا انتجنا سياسيين للهزل اكثر مما انتجنا سياسيين للجد، وهذا يفسر لماذا اطلقت مبادرات التسوية السياسية او التهدئة، كانت اقرب للهزل منها الى الجد.. لنتذكر "ميثاق الشرف" مثلا.
عمليا، ومن الناحية المنطقية، ينبغي ان تتوقف، الان، سيناريوهات الهزل السياسي والمسرحيات التهريجية وتمارين التسقيط ولي الايدي ولغة استعراض القوة ذات الصلة بالحملة الانتخابية، فقد أغلقت الصناديق بعد ان امتلأت بالاصوات، وصار ثمة مرجع معترف به ، هو النتائج، ليقرر مصائر السياسة والسياسيين، ويُفترض (اقول يُفترض) ان يتعامل المتنافسون مع تلك النتائج باعتبارها حكما، او تمثيلا لأرادة الناخبين، او تجربة تخضع للمعاينة والتقييم والاصلاح والاعتراض، وكل ما عدا ذلك يدخل في عداد العناد السياسي. 
 وبما ان الديمقراطية ليست انتخابات فقط، لكن حصيلة تجاربنا في ممارسة الانتخابات تكشف، عن جملة التشوهات، واغتراب الرؤى  بين من يعتبرها خيارا لبناء دولة العدالة والخبز والحريات والمساواة ومن يتعامل معها كجسر الى السلطة والامتيازات.
/بين من يخشى الخروج من الهزل هاربا من استحقاق النقاط والحروف.. وبين مَن يتطلع الى مرحلة الجَدْ، ليضع النقاط على الحروف.
********
"من يجلس فوق مقعدين يسقط بينهما".
                                              حكمة ايرانية



34


تأجيل الانتخابات..
العلن والسر

عبدالمنعم الاعسم

 على واجهات الاعلام والتصريحات، عابرة الكواليس، لا أحد من الكتل النافذة يحبذ تأجيل الانتخابات عن موعدها، الثلاثين من الشهر الجاري. معارضو المالكي (متحدون وغيرهم) يسوّقون التبرير التالي: ان رئيس الوزراء نفسه يفضل تأجيل الانتخابات، لأن ذلك يضمن له تحوّل حكومته الى حكومة تصريف اعمال، ويعني ذلك تحرره من قيود ورقابة ومرجعية البرلمان حيث وصلت العلاقة بينهما الى نقطة المواجهة في اكثر من ملف، واصبح البرلمان-والقول للمعارضة- شوكة في خاصرة المالكي.
 اما كابينة رئيس الوزراء فانها تطالعنا بالقول ان المعارضين يشعرون بالحرج وتراجع وتشتت قاعدتهم التصويتية، لذلك يدفعون الامور الى تأجيل الانتخابات  بانتظار حلول الوقت الانسب لإجرائها، درءا لهزيمة مؤكدة، وهروبا الى الامام-يقول انصار المالكي- قدما حتى اشعال الفتنة الطائفية.
/معسكر المالكي ينفي سعيه الى تأجيل الانتخابات ودفعه الامور الى تعويم السلطة التنفيذية بواسطة حكومة تصريف الاعمال، موحياً، ان الوقت مناسب جدا لكي يحصد إئتلاف دولة القانون نتائج يطمح لها قد لا تتوفر في اي وقت آخر، اما معسكر رئيس مجلس النواب فانه يؤكد ان حظوظه في تحقيق اختراق في المعادلة السياسية والطائفية جيدة، الآن، ولا يريد ان يفرط بها.
 هذه هي الاطر التي تتحرك فيها السجالات بين الجانبين. في العلن، الجميع، الحكومة ومعارضوها، يعلنون التمسك بتوقيتات مفوضية الانتخابات، وان الاخرين يسعون الى عرقلتها، والتآمر عليها، والتهرب منها، وانها بعيدة عن شبهة الحفر من تحت الموعد الدستوري، لكن الذين يتابعون خفايا الاشياء، ونشاطات الكواليس يعرفون ان المعنيين بهذا السجال لا يستبعدون خيار التأجيل، وان هناك خطط وقائية لاحتواء هذا الخيار، بل والدفع سرا لتأجيل الانتخابات وتحميل المسؤولية على الطرف الآخر.
 وفي السر ايضا، يجري الفرقاء حسابات الربح والخسارة من تأجيل الانتخابات، حتى لا يتفجأوا بالمحذور، ومنذ ايام تشابكت خطوط الاتصال والاعتراض، والتقط مراسلون اشارات غامضة عن اتفاق غير مكتوب بين معنيين ومراجع دولية يقرر مصير الانتخابات، واضاق البعض القول، ومصير الحكومة، والعامل الجديد هو مسعى رئيس الوزراء للحصول على صلاحيات استثنائية قد تسهل له تأجيل الانتخابات وتشكيل حكومة طوارئ، فنشر، هذا العامل، الذعر بين المتنافسين، وتحسس البعض رقابهم.
********* 
" الشجرة العاقر لا يقذفها أحد بحجر ".
                                      ليوبولد سنغور


35
تكذبون ايها السادة

عبدالمنعم الاعسم

إنها الحرية، إذ تصبح جسرا الى خطايا اقل ما يقال عنها انها تدنس هذا الرداء الابيض البريء الذي دفعت البشرية ملايين الانفس من اجل تحقيقها، ومنذ اكثر من مائتين من السنين، وكان ذلك في حزيران من عام 1793 حين اطلقت السيدة الفرنسية الشهيرة مدام رولان صيحتها المدوية يوم وقفت امام المقصلة بالقول: “آه ايتها الحرية.. كم من الجرائم ترتكب باسمك”.
وإذ بدأت الملايين العراقية تستنشق نسائم الحرية بعد احتباس (في غيبوبة القمع والدكتاتورية) لعقود وعقود، فقد فاجأتها حيتان المرحلة باستخدام هذا الفضاء الانساني الرحب لتقديم اسوأ نموذج من ممارسة الحرية وصل حد الكذب العلني بالصوت والصورة، باعتباره دعاية انتخابية.
وتشاء الايام القليلة الماضية من بدء الحملة الانتخابية ان تسجل، وبخاصة من على الشاشات الملونة “وصلات” دعائية هي اقرب الى الوصلات الخاصة بحفلات الملاهي، من حيث الاثارة والالوان وعبارات الاقتدار والالمعية، وذلك في تلك الاعلانات الفاقعة المدفوعة الاجر عن “منقذين” ارسلتهم العناية الالهية الى العراقيين الجياع والمعوزين والعاطلين والمهددة حياتهم من الارهاب والكراهيات الطائفية، ولم يكن اصحاب هذه الاعلانات ليتورعوا عن ايذاء ذائقتنا وذاكرتنا بالكذب الصريح عن براءتهم مما حل بنا من نوائب وحرمانات (ولا يزال) على ايديهم او على ايدي اصحابهم، او على ايدي اصحاب اصحابهم.
اما المقابلات والحوارات (مدفوعة الاجر ايضا) فقد بلغ الكذب فيها من الاسفاف بحيث تبدأ المقابلة بكذبة واحدة (اموال الدعاية عراقية مئة بالمئة) ثم تتسلسل الاكاذيب، من غير توقف، حتى تصل الى القول: لا علاقة لنا بدول الجوار. ليس لدينا مليشيات. جيوبنا نظيفة. كنا نريد ان نقدم الخدمات للشعب. لكن الذنب على غيرنا. ضحينا كثيرا من اجل الشعب.
وتشاء الحمية الدعائية ان يدخل الحلبة طرفان يحمّل كل منهما الاخر مسؤولية ما حل بالعراقيين، ويختار كل منهما عبارات منتقاة على هيئة لائحة من الاكاذيب تبرئ النفس، وتزكي السيرة، وتلمّع الرصيد، وترفع الجاه.. لكنها لا تعدو عن “كذب مصفط” برع اصحابه في ..وتذكيرنا بصاحبهم القديم مسيلمة.. سيء السمعة والصيت.
*********

“من كان كلامه لا يوافق فعله ، فإنما يوبخ نفسه”
ابن مسعود
 


36



منازل المسيحيين المهجورة..
مباحة "شرعا"


 الاخبار مؤكدة عن جماعات طائفية مسلحة اجتاحت منازل المسيحيين المهجورة في بغداد ورفعت فوقها بيارغ النصر وصور اولياء وزعامات دينية، واحاطتها بالحراسات. اما السلطات فانها مشغولة عن ذلك، والانشغال هنا محيّر ومريب، ومسجل بحساب الحملة الانتخابية، إذا شئنا الدقة.
 لكن الامر المتعلق باجتياح بضعة منازل غادرها مالكوها المسيحيون، هربا، الى الخارج، ليس سوى فاصلة في مسلسل الاعتداءات المنهجية على "المكون المسيحي" تتقاسمها الجماعات المسلحة الارهابية المرتبطة بالمشروع التكفيري او بالمليشيات المدللة، ويعرف هذا المسيحيون انفسهم، بل انهم يحتفظون بوقائع مرعبة عن اعمال التنكيل والتضييق التي تعرضوا لها طوال اكثر من عقد من الستين في بغداد ومحافظات الجنوب وكركوك والموصل، وقد بُحّت اصوات المنادين بوجوب التحرك لحمايتهم، فلا الحكومة ولا الامم المتحدة ولا غيرهما سمع الاستغاثات.
 طبعا، من السذاجة السياسية التساؤل عن السبب الذي يدفع الجماعات الطائفية المتطرفة الى استهداف المسيحيين في العراق، وغيره، هذا إذا كان التساؤل بريئا وباحثا، بحق، عن اجابة شافية، لكن ثمة من يثير هذا السؤال، وعن قصد، لتعويم المسؤولية في متاهات نظرية المؤامرة، وتصريفها في اقنية ورطانات، ولا يتوانى هذا البعض، الذي يتقن الضجيج واللغو، عن إبداء الشفقة الباردة واللفظية والمغشوشة على المسيحيين، والتذكير المكرر والممل بان الاسلام "برئ" من هذه الاعمال اللاانسانية ليوحي ان المهاجمين ربما من اتباع ديانة اخرى، أو انهم "مدسوسون" من قبل قوى مجهولة، او- في افضل التبريرات نعومة- ان الفاعلين لم يقرأوا كتاب الله جيدا.
 وباستثناء السذج الذين لا يعرفون حقا لماذا يستهدف التطرف الديني المسيحيين وكنائسهم، وكذلك باستثناء الذين "يعرفونها ويحرفونها" فان خطابات شيوخ مساجد التطرف، المكتوبة والمصورة والمسموعة، لا تبقي مجالا للشك في ان استهداف المسيحيين جزء من أحلام الدولة الدينية القائمة، اساسا، على فكرة الحرب بين الاسلام والنصارى. بين دولة الخلافة الجديدة والدول الكافرة. متفرعة عنها حروب تفصيلية اخرى بحسب ما يتاح للجماعات المسلحة من فرص للضرب والتفجير واقامة المذابح واجتياح المنازل المهجورة بما يبقي "حرب التقوى" مستمرة، وحرائقها مشتعلة.
علينا هنا ان نتوقف قليلا عند واحدة من اركان الخطاب الارهابي التعبوي، التجييشي، وهي عبارة "الاحتلال الصليبي" او "التحالف الصهيوني الصليبي" التي وضعها ابن لادن في وقت مسبق وجسدها في بيت من الشعر كان قد ارسله لانصاره في العراق، يقول فيه:
 بغدادُ يا دارَ الخلافةِ ويحكِ ..... ما بالُ طهركِ دنّسَته طُغَامُ
 ترى ما الفرق بين اولئك وهؤلاء؟.
**********
"تزداد الكلاب السائبة دائما، لاننا نرمي بقايا الموائد دائما".
حكمة مترجمة





 

37
المنبر الحر / غوغاء
« في: 17:26 03/04/2014  »

غوغاء

عبدالمنعم الاعسم

 منذ ان حشرتها ماكنة التهريج الاعلامية للدكتاتورية في غير محلها صارت كلمة "الغوغاء" تستفز الذاكرة الشعبية واللغوية، لانهم الصقوها غُلا وصفا مغشوشا لابطال انتفاضة آذار، فيما هي شيء آخر في المعنى والدلالة، بل انها اقرب لموصوف ازلام الدكتاتور نفسه الذين ملأوا الفضاء بالتزوير والغش لكي يتوافق التفسير مع المصلحة، وقد توارثها البعض، سوية مع موروثات بغيضة اخرى.
 يظهر الغوغاء في الانعطافات والاحداث والفواجع، كما يظهرون، اكثر من ذلك، في ظروف السلم والاستقرار، وعلي حواشي الساسة والطامحين والمتآمرين: يجلسون علي الارصفة بانتظار من يصفقون له، ومن يستقوون به، ومن يسعون اليه.. ولا يتورعون عن الايذاء أو المنكر أو العصيان أو شهادة زور، ولا عن معارضة محسوبة بالامتيازات، أو عن ولاء محسوب بالربح.
/والغوغاء نرصدهم في الثقافة مثلما في السياسة، فهم بارعون في المديح متطرفون في الهجاء. يزنون الموقف بالتكسب والمصلحة، ويبيعون (الضمير) بالمفرق والجملة.
 حاضرون في الصخب والفوضي، ومتصدرون في الولائم والفضائيات. يغيرون على هذا من غير دالة، ويدافعون عن ذاك من دون حق. أصواتهم أعلي الاصوات، وشتائمهم أرخص الشتائم. يتقدمون حيثما يكون التقدم مضمونا بالسلامة، وينسحبون حيثما يكون الانسحاب مكفولا بالنجاة:
 في كتاب (العزلة) لأبي سليمان البستي مقاربة عن (الغوغاء) يقول:
/عن ابي عاصم النبيل ان رجلا أتاه، فقال له: إن امرأتي قالت لي "يا غوغاء". فقلت لها: إن كنتُ غوغاء فأنت طالق ثلاثا، فما العمل؟ فسأله ابو عاصم النبيل:
 ــ هل انت ممن يحضر المناطحة بالكباش والمناقرة بالديوك؟
 قال: (لا).
 قال النبيل: هل انت ممن يحضرون يوم يعرض الحاكم الظالم أهل السجون فيقولون فلان أجلد من فلان؟(أي ينافقون)
 قال الرجل: لا.
 قال ابو عاصم: هل انت الرجل الذي إذا خرج الحاكم الظالم يوم الجمعة جلست له علي ظهر الطريق حتي يمر، ثم تقيم مكانك حتى يصلي وينصرف؟
 قال الرجل: لا.
 قال ابو عاصم النبيل للرجل: لستَ من الغوغاء، إنما الغوغاء من يفعل هذا.
 لنبحث عن الغوغاء بين الذين يصفقون للمسؤول لقاء أجر او جاه او منصب، والذين يجلسون على قارعة الطريق ينتظرون مرور أحدهم ليوغلوا صدره ضد الخصوم ، والذين يحضروا حفلات المناطحة بالكباش والمناقرة بالديوك.. وتقديم رشاوي الانتخابات باكياس الزبالة.
******** 
"إذا اعتاد الفتى خوض المنايا ...
فأهون ما يمر به الوحول"
المتنبي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


38

السعودية هل هي مع الارهاب..
أم ضده ؟

عبدالمنعم الاعسم

 من دون شك، الحكومة السعودية تحارب الارهاب، ومسمّاه القاعدة، وهذا واضح من سلسلة طويلة من المواقف والمواجهات والتفجيرات والمحاكمات، لكنها (انتباه)  تحاربه على اراضيها فقط، وبخاصة حين يستفحل وينشط بالاتجاه الذي يضر بالمصالح التجارية والمالية والسياسية للحكم، فيما تدعمه في مستويين، الاول، في التسهيلات اللوجستية التي تقدمها الى الخلايا والافراد لكي تمارس نشاطاتها الارهابية خارج الحدود، وفي الدول "غير المريحة" للسعوديين حصرا، معبّرٌ عن ذلك في دفاع السعودية عن حمَلة جنسيتها الذين يقبض عليهم من قبل دول اخرى (غوانتانامو. العراق. باكستان. لبنان..) فتسعى بكل الوسائل الدبلوماسية والمالية والاستخبارية الى استعادتهم وفي كتاب وثائقي عنوانه "مقاتل مكة" ثمة وقائع مثبتة عن الاساليب التي كانت تستخدمها السلطات السعودية (بواسطة مشايخ او اجهزة امن) لإقناع الشبان السعوديين المتأثرين بفكر القاعدة بالقتال خارج الاراضي السعودية، بل وتسهل نقلهم وترعى عائلاتهم.
 اما المسار الثاني، فيتمثل بالتمويل المالي السخي الذي تقدمه هيئات دينية ناشطة ومرتبطة بالسلطة الى منظمات الارهاب التي تقاتل في عدد من الساحات، ولم تعد هذه التمويلات شبهة او فرضية او اتهامات لجهة الرياض، بل انها موثقة في مراسلات وكشوفات بنكية وفضائح نشرت على نطاق واسع، ويمكن لفت النظر الى 
وثيقة نشرها موقع ويكلكس وتعود الى السابع من ديسمبر العام 2011 عن برقية لوزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون تؤكد فيها على وجود محاولات لاقناع الجهات السعودية بمعالجة تدفق الاموال من مؤسسات سعودية الى الارهابيين، واضافت كلينتون ان من ابرز الجماعات التي تحصل على تلك التبرعات تنظيم القاعدة، وحركة طالبان، وتنظيم "لشكر طيبة".
 وفي برقية سرية  دعت الدبلوماسيين الامريكيين الى مضاعفة جهودهم لوقف تدفق الاموال السعودية الى الجماعات المسلحة  وذلك عن طريق" اقناع المسؤولين السعوديين بالتعامل مع التمويل الصادر من السعودية على انه اولوية استراتيجية بالنسبة لنا" وفي برقية اخرى ورد فيها ان جمعية خيرية باكستانية، وهي جماعة الدعوة، المتهمة بانها واجهة لجماعة "لشكر طيبة" الارهابية استخدمت شركة سعودية واجهة لها لتمويل نشاطاتها في عام 2005.
 لكن التطور في هذا الملف يمكن ملاحظته في تعليمات زعيم القاعدة ايمن الظواهري في نوفمبر العام الماضي ويتضمن الالتزام بالامتناع عن مهاجمة انظمة دول تقدم "مساعدات" مختلفة لـ"المجاهدين".. ويعني السعودية ومن لفّ لفها.. إذ ردت القاعدة على تحية المملكة بهذا الصدد باحسن منها.
**********
""دعونا لا ننسى أن من نقتلهم اليوم كنا ندفع لهم الأموال قبل عقود"
هيلاري كلينتون

 

39
الولاية الثالثة.. جسور وألغام

عبدالمنعم الاعسم
 
 الدستور، وقد اصبح واضحا للجميع، لا يمنع، بالنص أو بالتاويل، ان يعود رئيس الوزراء نوري المالكي لولاية ثالثة بعد انتخابات نيسان في حال حصل على نسبة من المقاعد تؤهله ان يتصدر التكليف، او في حال تمكن من بناء تحالف برلماني يتبنى ويقبل رئاسته للحكومة لدورة جديدة، وصار من العبث البحث في ما يُبطل حق المالكي هذا، او يحول دون طموحه، الذي صار واضحا، في التمسك بادارة الحكومة للسنوات الاربع المقبلة.
 المشكلة هنا، ليس في الترخيص الدستوري للولاية الثالثة، بل في امكانية المالكي الوصول الى منصب رئيس الوزراء عبر جسر "النصف زائد واحد" من مقاعد البرلمان لحسم التكليف نحو حكومة الاغلبية من دون حليف (كبير) يقاسمه سلطة القرار، الامر الذي يعتبر مُستبعدا، إن لم يكن مستحيلا، في ظل التنافس (الصراع) داخل بيت الاكثرية (التحالف الشيعي) إذ تتوزع قوى هذا البيت التصويتية، عرَضياً، على الزعامات والتجمعات المشاركة في الحكم، ولا يقلل من فروض هذه الخارطة، ومؤشرات توازن القوى، تنامي قاعدة التأييد والولاء لصالح المالكي بنسبة ملحوظة، بل وتزايد القناعة بين جمهور "الاكثرية" ونخبها بعدم وجود بديل مناسب "قوي" يحل محل المالكي من سياسيي هذه الاكثرية المعروفين، وربما، لا بديل من بينهم يمكن ان يحظى بقدرة الادارة، او بالكاريزما، التي يتمتع بها المالكي، او بموافقة دولتين متنفذتين تلعبان دورا معروفا في الشأن السياسي العراقي، الجارة ايران، والولايات المتحدة.
 اقول، ان الفرص ضيقة الى حد كبير امام طموح المالكي نحو حكومة يستفرد بها ائتلاف دولة القانون من دون حليف قوي آخر يقاسمه السلطة، ويقضم من نفوذه، هذا إذا ما نظرنا الى حقائق الوضع القائم في الزمان المحدد بكتابة هذا الاستطلاع، وضمن فرضية ان يستمر هذا الوضع بعناصره المعروفة حتى موعد الانتخابات من غير تغييرات دراماتيكية، وهذا يفتح احتمالات التحالف لأدارة الحكومة بعد انتخابات نيسان على مصراعيها، فان على المالكي ان يبحث عن حلفاء يؤمنون له الولاية الجديدة، وسيكونون في الاغلب من بين خصوم الامس، او من اصحاب الشروط القاسية، اخذا بالاعتبار ان جميعهم (من الكتل والزعامات) يحملون شكاوى حيال المالكي من تجربة الشراكة السابقة، والبعض اعلن العزم على منع المالكي من ولاية ثالثة، وثمة معلومات تفيد بان اتفاقا عقد بين زعماء نافذين بقطع الطريق على ولاية ثالثة للمالكي.
 وفي النتيجة، فانه، في حال نجح المالكي بعقد صفقة مع شركاء غير مريحين، لن يستطيع أدارة حكومة الولاية الثالثة بالطريقة والصلاحيات والادوات التي تتوفر له الآن، وبمعنى ثانٍ، لن تبقى سلطة القرار حكرا له كما هي الآن، وبمعنى ثالث، ان شريك الولاية الثالثة سيكون من نوع "العدو" الذي "ليس من صداقته بد" وبمعنى رابع ان كعكة السلطة لن تكون من نصيب واحد لوحده .. هكذا هي السياسة، وهكذا كانت يوم خاطب رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرتشل شريكاه، ستالين، رئيس الاتحاد السوفيتي، وروزفلت الرئيس الامريكي، وهم يبحثون قضية تقاسم النفود لما بعد احتلال برلين: ايها الزملاء، لنترك رغباتنا خارج هذه الطاولة، ولنعكف على تقاسم المانيا في ما بيننا.. انها لن تكون لواحد منا".
*********
"اذا عظـُم المطلوبُ قلّ المساعدُ".
المتنبي
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


40

دول الجوار..
والانتخابات

عبدالمنعم الاعسم

في اكثر من تصريح وتلميح نجد عبارات وبصمات تكشف عن اهتمام دول الجوار بالتنافس الانتخابي في العراق، معبرُ عن ذلك بالاعلام والصحافة واللقاءات التي تجري في عواصم المنطقة بين مسؤولي هذه الدول وسياسيين عراقيين معنيين بالانتخابات، الامر الذي يعدّ مفهوما، ومتوقعا، وحتى مقبولا، إذا ما جرى كل ذلك في اطار البحث عن سبل تطبيع العلاقات بين دول المنطقة وضبط احداثها، والتأكيد على احترام ارادة الناخبين العراقيين، وعدم التدخل في هذا السباق او التحيز لفريق بمواجهة فريق آخر.
بل انه امر طبيعي ان تسعى كل دولة الى ان تكون جارتها مريحة لها، وان لا تشكل مصدرا للمشاكل الامنية والسياسية، او معبرا للتهريب والتأزم واشكال التعدي على السيادة والاخلال بالتوازن بين المكونات، كما انه أمر معروف في احوال الاستقطابات الدولية والمنازعات الاقليمية ان تنظر الدول بريبة وقلق الى استقواء جاراتها ونمو هيبتها وقدراتها العسكرية فتتعامل مع هذه المعطيات بردود افعال قد يكون من بينها (وهنا الخطورة) التعامل بالمثل، ثم بالرد الانفعالي، ما يفاقم التوتر ويخلق الارضية للازمات الحدودية ويضع علاقات الجيرة في مهب الريح.
لكن الامر المثير للاستغراب يتمثل في تحوّل بعض السياسيين العراقيين الى وكلاء للدول المجاورة التي، يعرف الجميع، انها تتصارع على النفوذ في العراق، وتسعى الى تحويل اراضيه الى ساحات لتصفية الحساب، كما تتحول بعض التجمعات السياسية والطائفية الى سواتر مسلحة أو ماكنات دعاية لهذه الدولة او تلك، فلا تتورع عن اعمال التجييش والتعدي والاغتيال والاختطاف مسجلة في حساب دول التمويل والرعاية، فيما تقف الدولة وكأنها شرطي مرور يسهل عبور الفاعلين الى حيث يريدون من دون تأخير.
اما الفصل الاكثر اثارة، فيمكن قراءته في لجوء وكلاء الدول المجاورة الى مهاجمة دولة مجاورة بعينها والتأليب عليها والتشكيك في نياتها حيال المصالح الوطنية  واعتبارها العدو الرئيسي للعراق، وتفيض لغة الهجوم بالروايات المفبركة والتوصيفات الاستفزازية والسيناريوهات الملفقة، وبالحض على المقاطعة والحرب، ولا يحتاج المراقب الموضوعي الى الكثير من الفطنة لرصد خلفيات هذه الحمية و"اجورها" وتأشير اخطارها على العلاقات بين العراق وجيرانه، في وقت احوج ما يكون الى التهدئة وبناء علاقات حسن جوار مع الجميع.
نعم، ثمة على سطح الاحداث العراقية، الامنية والطائفية بخاصة، وقائع لتدخلات الدول المجاورة، تؤدي الى تفاقم الفتنة الطائفية وتأليب الشرائح العراقية على بعضها، وقد ظهرت وتظهر، صارخة، في اجواء الانتخابات، وفي اثار البذخ والنعمة على بعض المتنافسن، وأيضا، في الاستنفار الذي نتابعه في لغة السجالات والاستعراضات، إذ يجري عرض العراق في سوق النخاسة.
***********
" كن حذراً من الرجل الذي صفعته، لا يرد لك الصفعة".
برنارد شو


41
الصدر والتيار الصدري..
بهدوء

عبدالمنعم الاعسم

 من الطبيعي ان تكون تطورات الاوضاع الداخلية للكتلة الصدرية وموقف زعيمها السيد مقتدى الصدر موضع جدل ومناقشات في المحافل السياسية والاعلامية، ومن الطبيعي ان يكون هناك من يسعى الى الانتفاع من هذه التطورات، أو مَن عمل على درء الضرر الذي قد يصيبه منها. كما ان هناك من يمنون النفس بتفتت الكتلة وتشرذمها لتصبح اسلابا للكتل الموازية، بمقابل مَن يرغب بتماسك الكتلة واستئناف دورها السياسي على خارطة الاحداث من اجل حماية التوازن السياسي، وثمة توقعات وقراءات متضاربة لهذه التطورات: البعض يراها مسرحية دعائية للفت الانظار، والبعض الآخر يعتقد انها إفرازات لواقع حال السياسة والاحزاب في العراق.
 بعض الذي حدث في داخل الكتلة الصدرية لم يكن ليشبه ما يحدث في الكتل الاخرى، من زاويتين، الاولى، تتعلق باصرار السيد الصدر على التزام ممثلي الكتلة في مجلس النواب والحكومة ومجالس المحافظات ومواقع الدولة بالتوجيهات والضوابط المركزية الصارمة، وبخلاف ذلك فانه لا مكان في صفوف الكتلة لمن لا يلتزم او لا ينفذ تلك التوجيهات، وقد حدث ان جرى إبعاد دعاة ومسؤولين كبار من الكتلة، علنا، وعوقب اخرون من دون رحمة، فيما شق عصا الطاعة على زعيم الكتلة أتباع ضاقوا بالتوجيهات والمساءلات والعقوبات.
 والزاوية الثانية، هي ان الصدر لم يكن ليسكت او يغطي حالات الفساد المالي في صفوف ممثليه في السلطة او المواقع العامة ذات العلاقة بالمصالح في حال وقعت حقائقها بين يديه، وقد أبعد اكثر من شخص او مسؤول ثبت عليه التورط في مفاسد، الامرالذي يختلف عن الزعامات السياسية الاخرى التي تتفرج او تتواطأ أو تغطي مفاسد اتباعها، وقد تضطر احيانا الى لومهم بالسر، او تهريبهم، مع منهوباتهم، من الساحة  الى مكان آمن"معززين مكرمين" بل ان بعض زعامات الكتل تتحدث عن الفساد المحسوب على الخصوم السياسيين، وتسكت عن فساد اصحابها، والبعض يدير بنفسه، او بواسطة مقربين، ماكنات التعدي على المال العام وانتاج اجيال من المفاسد.
 وإذ نرصد خصوصيات ازمة التيار الصدري وما يميزها عن أزمات الكتل السياسية (الدينية) الاخرى، فانه من الموضوعية الحديث عما هو مشترك في تجليات الازمة السياسية بين الكتل والحركات التي تقوم على قواعد دينية، ومنطلقات تنتمي الى المذاهب، إذ اكدت تجربة السنوات العشر الماضيات مأزق هذه الحركات وتخبطها واستحالة الجمع بين منظورات اقامة دولة دستورية اتحادية، متعددة الاعراق والديانات والقوميات والمذاهب، وبين التزام المقولات والنصوص الدينية وتفرعاتها المذهبية، وتكمن هذه الاستحالة، ليس في فشل ادارة السياسات العامة الذي حصدت وتحصد البلاد نتائجه المرة، بل وايضا في الصراع الشرس بين حركات وزعامات الوسط الديني والمذهبي الواحد، حيث يُضرب عرض الحائط بابسط محذورات العنف والفساد والتسقيط والتكفير، وتطلق (في الممارسات العيانية) كل اصناف الجشع والبهتان والتابعية للطامع الاجنبي وما لا حصر له من المدنسات في عرف الاسلام وجميع الاديان، وقد بدا ان الوازع الديني لا يكفي لتقويم مسؤول يؤتمن على قوت الشعب ومصالحه وثرواته.
 استطيع ان اجزم بان رغبة السيد مقتدى الصدر بان ينأى عن السياسة انطلقت وتنطلق من محصلات تجربة مريرة في الجمع بين ما لا يُجمع في الواقع: السياسة كمعادلات للواقع، والدين كنصوص للعبادات، وقد كان صادقا في التعبير عن المرارة حيال ما يجري من افتراق بين ما هو كائن وما يجب ان يكون، في الممارسة والتأمل، هذا بصرف النظر عما سيتخذ من مواقف في المستقبل.
*********
" للزنابق الفاسدة رائحة اشد فسادا".
شكسبير



42
تمرير قانون التقاعد..
نص كوميدي

وقائع الجلسة البرلمانية التي مُرر خلالها قانون التقاعد الموحد، والملاسنات التالية لها، تصلح ان تكون موضوعا مسرحيا كوميديا، في المعنى الموصول بعملية التصويت نفسها وما رافقها من نفاق مصمم له، وفي المبنى الذي يتصل بالنص والابطال والكومبارس والاقنعة والسيناغروفيا.. لكن، ثمة ما يسمى بالكوميديا السوداء التي تثير البكاء والعويل قدر ما تثير من الضحك والسخرية: منتفعون قليلون ومتضررون بالملايين. هناك حفنة وهنا وطن. ممثلون يضحكون على بعضهم، وجميعهم يضحك على الجمهور.
 توم ستوبارد، كاتب مسرحي بريطاني، كتب نصا ساخرا وآسيا، من الكوميديا السوداء، عن ممثلين وجمهور تحولوا الى حالة من الجنون بعد ان اوصلهم تجار السياسية ووكلاؤها الى انعدام الوزن، بقوة القمع والكذب.
 حسنا ما الذي حدث في قاعة مجلس النواب يوم الاثنين، الثالث من شباط عام الفين واربعة عشر؟ في الفصل الاول، مُرر قانون التقاعد الموحد، لكن المهم هو ما حدث خارج القاعة، وقبل التئام المجلس، إذ تحلّق رؤساء الكتل والماسكين بأواح النواب، من القوى المقررة، حول طاولة رئيس مجلس النواب ووقعوا وثيقة القانون التي تضم المادة 38 موضع الجدل والانتقاد بما تتضمنه من امتيازات مفرطة وغير مقبولة لأعضاء المجلس والرئاسات، ثم اعطي النواب الاشارة الخضراء للتصويت بـ"نعم".
 حتى الآن لا شيء خارج سياقات التصويت الاصولية، لكن الكوميديا تتمثل في ان بعض رؤساء الكتل والكثير من النواب لم يكونوا ليفضلوا ان تُظهرهم الشاشات الملونة وتقارير الصحف والاذاعات باعتبارهم موافقين على القانون وذلك لدواعي الدعاية الانتخابية، وكان مسرح الاحداث، بما يحتفظ به من مرافق (صالة. اجهزة تصويت الكترونية. كافتيريا. ممرات..) قد اعطى النص هامشا للنفاق والضحك على الذقون، فقد كان جميع الحاضرين (باستثناء افراد بعدد اصابع اليد الواحدة) موافقين على تمرير القانون لأنه يؤمن لهم منافع اسطورية، منتزعة من قوت الشعب، لكن البعض منهم اختار الانتظار، وتجنب التصويت  ريثما تتضح مناسيب الـ"نعم" لينعم بالادعاء الزائف بمعارضة القانون إذا ما هبت العاصفة. اما البعض الآخر فقد فضل متابعة المعركة من الممرات او من الكافتيريا ليكون حاضرا وغائبا بحسب الموقف.   
  الفصل الثاني،  ينفتح على مجلس النواب وهو يشرّع  قانون التقاعد الموحد والمادة 38 منه بـ120 صوتا، لكنه يؤشر على بعض النواب المحسوبين علنا على (لا) وهم يصوتون بـ(نعم) والمشكلة ان طريقة التصويت الالكتروني قامت بواجبها في اخفاء الاسماء وتركت المجال امام المهاترات والادعاءات والتخاشن بالكلام والتهديد باللجوء الى القضاء والتسقيط، حتى ان نائبة اضطرت الى اعلان "الاعتذار الى الشعب العراقي" لكنها، وفي نفس الوقت، هاجمت الذين كشفوا عن تواطئها مع مادة الامتيازات وشكت من انها ضحية لمحاولات التسقيط (لماذا اعتذرت إذن؟) وكُشف عن موقف نائب كان يريد التصويت بـ(نعم) لكنه حين رصد وصول الموافقين الى العدد المطلوب لإمرار القانون صوّت بـ(لا) لتسويق معارضته للقانون، في وقت لا قيمة لهذه المعارضة، إلا لخداع الجمهور.
 اما الفصل الثالث، فهو ثيمة المعارك على الشاشات وفي كواليس البرلمان، إذ تتسرب قذائف من الشتائم المتبادلة، تصلح ان تكون مؤثرات صوتية للمسرحية الهزلية التي عرضت، ولا تزال تُعرض، في صالة مجلس النواب الذي يفترض ان يكون مكانا مهيبا ومقدسا، والحق، انه لم تحل قدسية القبة البرلمانية، عبر التاريخ، دون ان تنشب مشادات من العيار الثقيل، فقد شهدت كاتدرائية القديس بارثولوميوس في فرانكفورت العام 1562 عراكا بالايدي والالواح على خلفية تمرير قرار بتتويج احد الاباطرة الجرمانيين.
 المعركة واحدة كونها تجري بين حرامية، لكن ادواتها تختلف.
ستارة.. تصفيق.
*******
"ان اسوأ ما يواجه الانسان من مصاعب يبدأ عندما يتاح له ان يفعل ما يريد".
فلاطون

 



43

8 شباط..
كأنه حدث امس*

 لم أتعوّد ان اكتب للمناسبات السوداء، فكيف لمناسبة تثير شجونا واسئلة ودروسا تحتشد بالمرارة والبغض والاستياء، لم يمحها نصف قرن من الزمان يكفي لتضمّد الامم جروحها وتنس، حتى، امجادها ونكباتها، معا.
 اقول، ايضا، وعلى صعيد شخصي، احاول ان امرّ على يوم 8 شباط  من كل عام، وكأنه حدث امس، وذلك عن طريق ما يُكتب عنه، وما يتذكره الشهود والضحايا و"الابطال" من وقائع أولدته، أو وُلدت في مستنقعه، أو ما يترسب في ذاكرتي من ذلك الحدث، إذْ كنت واحدا من ضحاياه، حين وجدت نفسي في قبضة الانقلابيين الفاشست، ولا أدري حتى الآن، كيف نجوت من رصاصهم الذي كانوا يطلقونه على الاشجار والبشر وصور عبدالكريم قاسم باعتبارهم اعداء، فارسلوني، بدلا من القتل، عامين الى المعتقلات والسجون، ثم اربعة اعوام اخرى من البطالة والتسكع والملاحقة،هي اجمل اعوام شبابي، أو هكذا يُفترض.
 وبهذه المناسبة، أتوقف في العادة عند مراجعات "موضوعية" للحدث، وهي قليلة و"مذمومة" وغالبا ما تحلّ  في زحمة استذكار اسماء الضحايا والابطال الذين سقطوا في الشوارع وبيد الجلادين، وفي ساحات الاعدام، والموضوعية هنا تنطلق من الاسئلة المشروعة حيال هو مثير ومحيّر: كيف يمكن لحثالة انقلابية مغامرة، محدودة العدد والنفوذ، من العسكريين واعضاء حزب قومي يميني، ان تلحق الهزيمة بنظام حكم شعبي وبقوى وتنظيمات واحزاب ونخب عريقة ومؤثرة، وان تغرق البلاد في لجة ظلام وحفلات دموية، ثم، تستطيع ان تقهر شعب تمرّس بالكفاح ضد الظلم والعنجهيات الحاكمة على مرّ التاريخ؟.
 ثم، كيف ولماذا استقبل العرب ودولهم ونخبهم الوطنية انقلاب شباط بالصمت، والارتياح، والتأييد، ولم يكن لتثيرهم اخبار المجازر التي ينظمها الانقلابيين؟ وما هي الثغرات التي نخرت صفوف القوى المناهضة للانقلاب وعيوب الاصطفافات والعلاقات الوطنية، ما يدخل في اسباب الهزيمة امام الانقلاب؟ ولماذا تحالفت (أو تواطأت) قوى قومية عربية وكردية وجهات اسلامية، شيعية وسنية، مع الانقلابيين، قبل ان ينفرط هذا الاصطفاف الى مواجهات بالسلاح؟.
 الحقيقة الاولى التي تثيرها هذه الاسئلة  ان شهداء الثامن من شباط ثابتون في المكان المشرق من صفحات التاريخ، نستذكرهم باعتزاز وانحناء في كل عام وفي كل معبرٍ يلجأ فيه الطامحون الى السلطة لذبح خصومهم ومعارضي منهجهم السياسي،  وبعض الانقلابيين الان من منتسبي العملية السياسية.. والبعض الآخر يتوعدون بتكرار تجربة 8 شباط، وكأن شيئا لم يحدث.
اما الحقائق الاخرى فهي لم تكتب حتى الآن، بانتظار شجاعة المراجعة.
******
" تفرض ممارسات الشر على مرتكبيها حياة صعبة شبيهة بحياة راسماليي مرحلة التراكم البدائي لراس المال".
رياض رمزي


44

"البغدادية"
مع احترامي لها*

عبداالمنعم الاعسم

 لفضائية البغدادية جمهور ومتابعون، ولها بصمة على سطح الخارطة الاعلامية العراقية، وانها، بالاضافة الى ذلك، تحتفظ بسمعة طيبة في خدمتها الاخبارية، وفي بعض برامجها التي تلتزم المهنية والاحاطة والجرأة، والحيادية في الغالب.. اكرر: النشرة الاخبارية وبعض البرامج.
 الى ذلك، فالمتابع لفضائية البغدادية لا يعنيه كثيرا الجهة التي تموّل القناة، و"الفوائد" التي تحققها للممول، ولا الاهداف "الخاصة" التي تسعى الى تحقيقها، طالما ان تلك الفوائد والاهداف لا تدخل (كدعاية) في ثنايا الخدمة، ولا توظف الجملة والصورة في مشروع سياسي او طائفي او شخصي او فئوي او مناطقي، وفي حالة انزلاق (اية فضائية) الى محذور التحيز الى هذه المفردات، فان كل ما تقدمه من خدمة (حتى تلك المفردات المهنية) يصطدم بعدم المصداقية الاعلامية.
 البغدادية، مع احترامي لها، تقع احيانا في هذا المحذور، ويبلغ الامر ببعض فعالياتها الاعلامية الى التصرف كـ"جهة" من الجهات السياسية المتصارعة، ويبدو انها قبلت بهذا الانزلاق، واستهوت اللعبة، حين ظهرت علينا بما اسمته "مبادرة" لحل مشكلة الانبار، تتضمن اجراءات وضمانات وخطوات على الارض، ولم تكتفي بترويج افكار المبادرة بل انها قدمت آليات استباقية، بالضبط، كما يبادر اي حزب او زعيم أو مرجع او طرف خارجي الى التدخل كوسيط لاطفاء الخصومات والتوترات.
 طبعا، من حق أي حريص على تطبيع الحال العراقي وخائف على مستقبل العراق مما يحيط به من اخطار ان يفكر في حلول لأزمة الساحة السياسية وصراعات رؤوسها وحافاتها، ودور الاعلام هنا (وفق ما تعلمناه في المدارس) ان يقدم حقائق الازمة، من زوايا مختلفة، ويحشد اصحاب العقول والكفاءات واصحاب الرأي والجمهور لمنع تفاقمها، وينأى بمسافات محسوبة عن ان يكون محسوبا على جهة او "مكوّن" وينبذ قاعدة "صاحبك دائما على حق" وهي قاعدة تمشي على رجلين في ساحتنا السياسية والاعلامية، لشديد الاسف.
 اقول، ان البغدادية في هذا تتصرف كحزب سياسي، جهوي، وعلىّ ان اشير الى طائفة من المسلكيات الاخرى التي تبعد البغدادية عن وظيفة المشروع المهني الى وظيفة المشروع السياسي حين تعرض علينا جمهورا ملفقا يرفع صور احد مقدمي برامجها، واصواتا  مُعدة على عجل لشباب ورجال ونساء يتحدثون عن البغدادية وصاحبها كمنقذ وملهم و"رحمة" من السماء، كما هو حال التجمعات التي تخصص لتلميع الزعامات السياسية وأسياد الحرب الاهلية، وفي هذا السياق، لا اعرف مدى صحة ما يقال بان البغدادية انخرطت تماما في فريق من الفرق السياسية المتصارعة، لكني اعرف انها، اعلاميا وسياسيا، صارت محسوبة على خط سياسي معين، وابتعدت، في هذا حصرا، عن المهنية الاعلامية.. مع احترامي لها.
********
"عندما اريد ان احقق الفوز الاكيد لفريق ما فإنني أبحث عن لاعبين يكرهون الهزيمة "
                                                                               روبرتو كارلوس

45

خمس ثغرات في نظرية النجيفي..
عن داعش

عبدالمنعم الاعسم

 تقوم نظرية رئيس مجلس النواب اسامة النجيفي على إمكانية انهاء النشاط الارهابي المسلح في مناطق غرب الانبار، لكن "بشروط" مسبقة التنفيذ ، وقال، في ثنايا هذه النظرية، ما نصه: "سنخرج القاعدة من الأنبار خلال أيام إذا أعطيت حقوق ا لمحافظة" ودعا كخطوات استباقية الى "الفصل بين مسلحي العشائر وتنظيم داعش" و "تعويض المتضررين من الأعمال العسكرية".
 الثغرة الاولى في هذه النظرية تتمثل في ان رئيس المرجعية التشريعية يتحدث بلغة اسياد الحرب، إذ يوظف نشاطا اجراميا دمويا، مناهضا للسلام الاهلي والسيادة، ويستخدمه عاملّ ضغط وابتزاز  في الخلافات السياسية التي ينبغي ادارتها بشكل سلمي، وهكذا تسقط نظرية الرئيس النجيفي في وحل التطبيق الكيفي، وظنة التواطؤ مع النشاط المسلح الخارج على القانون.
 الثغرة الثانية في قول السيد النجيفي "سنخرج القاعدة من الانبار" ما يكشف ان وجود هذا التنظيم الارهابي الذي نظم المذابح المروعة لعشرات الالوف من المدنيين الابرياء واشاع العنف والخراب محميّ بعلم ومعرفة رئيس البرلمان، او انه تحت السيطرة، او ان القاعدة تنفذ عمليات لأهداف سياسية "مشروعة" وان النجيفي و"الجماعة" التي تحدث باسمها في دلالة "سنُخرج" تحتفظ بوجود هذه الجماعات المسلحة حتى تتحقق المطالب السياسية.   
 الثغرة الثالثة، نرصدها في دعوة رئيس مجلس النواب الى الفصل بين مسلحي العشائر وتنظيم داعش، وهو اعتراف بوجود مسلحين من عشائر "معروفة لدى الرئيس النجيفي" يقاتلون مع داعش في الانبار والفلوجة، وطبعا في الموصل وحمرين وكركوك، ونفذوا تفجيرات واعمال ترويع وقتل جماعي، لكنهم يستحقون الثواب بدل العقاب عما ارتكبوا من مذابح، وهو الامر الذي لا ينبغي ان يتساهل به رئيس المرجعية الدستورية التي تحمي القانون وتمنع ابقاء المجرمين طلقاء، او إثابتهم.
 الثغرة الرابعة، نتابعها في ما تتضمنه نظرية الرئيس النجيفي المطالبة بتعويض "المتضررين من الاعمال العسكرية" إذ ينقصها التعاطف مع المتضررين من اعمال الارهاب الاجرامية، وهؤلاء مثل اولئك عراقيون وابرياء، وكلاهما، امانة دستورية في عنق رئيس مجلس النواب.
 الثغرة الخامسة في هذه النظرية تدخل في باب الاستدراك غير السليم، مثل قول النجيفي بانه ضد الاعمال الارهابية، لكن..الخ، فان الاستدراك بـ"لكن" ابطلَ ما قبله، مثلما يقول البعض اننا نتعاطف مع محنة اهالي الانبار، لكن..
 النتيجة واحدة: ثمة غش في القول، هنا، بمناهضة الارهاب، وايضا، هناك، في التعاطف مع سكان الانبار.
********* 
"إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته"
                                                                      محمد (ص)


46
الاعلام والحكومة.. تأشيرات اولية*

عبدالمنعم الاعسم

لا اظن بان رئيس الوزراء، او مكتبه، أمر (كما نشر في مواقع) بمنعي من الظهور، ضيفا، من على فضائية العراقية، لكن قرأت نداء منشورا على موقع مقرب من "دولة القانون" يسميني مع ثلاثة زملاء كمناهضين للعملية السياسية، وطلب تدخل السيد المالكي لوقف استضافاتنا، واستطرد النداء الى التحريض على رئيس الشبكة بتهمة الاصرار على "تسويق" اسمائنا وافكارنا، وإلزام اقسام الشبكة بالتعامل معنا، ويربط خائفون على مستقبل حرية التعبير هذا النداء واجراءات ضد النقد الاعلامي  بسلسلة تضييقات على عمل الصحافة الحرة وكتاب الرأي من قبل السلطة التنفيذية.
 اكرر القول، لا أظن ذلك.. وأثق بصحة ما ذكره لي صديق من فريق رئيس الوزراء بلندن "ان المالكي المنغمر في حرب مصيرير بالانبار، لا يملك وقتا، الآن، لمثل هذه الامور، وانه لا صحة لما نشر".
 كما لا اظن ان هناك من يعتقد انني من كتاب الرصيف، والفرص، والتسلق، والترزق بحيث ارمي نفسي امام "مايك" الفضائية العراقية التي اعتبرها، وفق الدستور، مؤسسة عراقية مستقلة، وان علينا ان نعيد لها إدائها الموضوعي، وهويتها الاعتبارية، وحيادها بين التجاذبات والاجتهادات و"المكونات" واحسب ان رئيس الشبكة (وبعض موظفيها) يؤمن مثلي بهذه المنطلقات، وقد حاول تجسيدها في الممارسة.. اقول: حاول.
 ومع ان الموضوع لا يشغلني، ولا احبذ ان يشغل احدا، بجانب مشغولياتنا الكبرى حيال الامتحان الخطير الذي يدخل فيه وطننا، بين ان يبقى على الخارطة، وطنا للشراكة والحرية، او يتوزع على بلاليع طائفية، بحراسة اسياد التجييش والبغضاء، لكن لا ينبغي القبول بانزلاق موازٍ  خطير ايضا، يتمثل في جرجرة صحفيين وكتاب رأي الى محاكم النشر، والشاكي رئيس الوزراء، نفسه، بشخصيته الاعتبارية، والسياسية، بدعوى التشهير وتسويق معلومات ومعطيات ليست صحيحة، وهو خروج على تقاليد يلتزمها زعماء دول بالنأي عن مقاضاة اصحاب الرأي في المحاكم، بل ويحرصون على تشجيع النقد، قدما حتى الى التجريح والسخرية واستطرادات اللغة والقسوة ليتهجأوا من خلال ذلك مجسات الشارع واتجاهات المزاج العام، ورصد اخطاء الحكومة ومناسيب سمعتها. أما اذا ما عبرت الكتابات حدود التعبير السلمي للاراء بالدعوة الى العنف او الكراهية فان هذا من شأن القضاء المستقل وجهات وشخصيات ومراجع غير حكومية معنية بحماية السلام الاهلي.
 وما نعرفه، ان رؤساء الحكومات في دول الديمقراطيات، يتركون ما ينشر عنهم الى تقدير الرأي العام وكتاب الرأي الاخرين ولن يكونوا طرفا في ما يُنشر، ونستطيع ان نشير الى عشرات الامثلة الحية عن زعماء وحتى ملوك، استقبلوا الانتقادات والتجريحات ورسوم الكاريكاتير المهينة والساخرة بكل رحابة صدر، ويوما سُئل رئيس الارجنتين كارلوس منعم ماذا عليه ان يعمل أزاء كاريكاتير نشر عنه وهو يجلس بشكل مهين في حضن الرئيس كلنتون، فقال: ليس عليّ ان اقاضي الرسام، بل عليّ، إن كان ولابد، ان استقيل. 
 ان احالة فخري كريم وثم سرمد الطائي ومنير حداد، من قبل رئيس الوزراء الى محكمة النشر، يحرر كتاب الرأي في العراق من التزام الثقة بمستقبل حرية التعبير في بلادهم، ويضيف دالة اخرى على تخبط ادارة الدولة التنفيذية في مجال الاعلام، الى جانب دالات اخرى، في السياسة وملفات الامن والاجراءات على الارض نتابعها بالألوان الطبيعية، ولا يصح ان نسكت حيالها.
******
"قل كلمتك وامش".
امين الريحاني

47
المنبر الحر / المسؤول عما يحدث*
« في: 16:00 26/01/2014  »
المسؤول عما يحدث*

عبدالمنعم الاعسم
 
 الجملة الاعلامية الجاهزة والمتداولة، بين فرقاء الازمة السياسية، وعلى نطاق واسع تعطينا المعادلة التالية: كابينة رئيس الوزراء نوري المالكي، وحليفاتها الاكثر قربا، تتهم خصومها ومعارضيها (زعماء العراقية ومشتقاتها) وانصارهم وامتداهم الطائفي مسؤولية التدهور الامني، وتغطية المشروع الارهابي، وعرقلة عمل الحكومة ووقف عملية بناء الدولة، وانها ضحية، وعُرضة للتآمر، واستطرادا، تؤكد انها تتمتع بتفويض الشعب في مواجهة هؤلاء الخصوم، وانشطتهم.
 وفي المقابل، يطلق المعارضون والخصوم، بمسمياتهم الحزبية والسياسية، وشخصياتهم النافذة، القول بان المسؤول عما يجري، وعلى جميع المستويات والملفات، هو رئيس الوزراء ومقربوه، بتحيّزه الطائفي، واحتكاره سلطة القرار، وإخضاع الاجهزة المستقلة والجيش والشرطة الى مشيئته، والى لون واحد، وتوجيهها ضدهم وما يمثلون من امتداد طائفي، ومناطق نفوذهم، وهم، كما يكررون القول، يمثلون الاغلبية المتذمرة مما يجري.
 وفيما سعى ويسعى كل طرف الى تسويق حجته وخطابه ومشروعه السياسي بحشوات من التاليب والتهديد والمخاشنة، وبزخم من المعلومات والروايات وأنصاف الحقائق، فان المراقب الموضوعي يجد من المستحيل ان يصدّر حكما عادلا ومتوازنا، وأن يحدد المسؤول عن "تدمير فرص بناء الدولة المستقرة" من دون ان يسجل انتهاكات وممارسات بائنة ولا دستورية يرتكبها الطرفان، بوازع طائفي مكشوف، وتصميم سياسي فئوي اناني، وثمة الكثير من هذه الانتهاكات المتبادلة حدثت في خلال معادلة الفعل ورد الفعل بينهما..
تلك المعادلة الكارثية التي شهدنا واحدة من اخطر فصولها في حادث القبض على حماية وزير المالية رافع العيساوي والتي انتهت اخيرا (في تداعيات الفعل من طرف ورد الفعل عليه من الطرف الآخر) الى اجتياح الانبار والفلوجة من قبل العصابات المتطرفة باسم الدولة الاسلامية في العراق والشام- داعش، فيما كل طرف يبعد مسؤوليته عن هذا المآل.
 اما الظهور بمظهر البرئ، والضحية، والاكثر حرصا وشعورا بالمسؤولية، فانه يسقط في اول خطوة لترجمة هذه الإدعاءات الى الواقع حين يتطلب الامر نوعا من التنازلات المتبادلة بينهما، أو الاستعداد لها، إذ يتمترس الطرفان في خندقة اعمق فاعمق، بل انهما يخوّنان ويشهران بشركاء لهما يدعون الى حكمة العقل وبناء الجسور بين الحكومة وخصومها، ويفضلان معا (وهذا موضع الغرابة) حل الازمة على اساس "صفقة" غير معلنة برعاية طرف خارجي له قوة النفوذ والتأثير والاختراق، وتتحدث الكواليس، هنا، عن دور للولايات المتحدة، واخرى عن دور ايراني، وثالثة عن دور مشترك (لا غرابة في السياسة) لواشنطن وطهران. اما المبادرات التي اطلقتها جهات عراقية (عمار الحكيم. البارزاني..) فقد ارتدّت، بسرعة الى الرفوف العالية.
 في ضوء ذلك، لا يعتبر براءة اختراع القول بان المسؤول عن كل ما حدث لعملية التغيير وبناء الدولة وبسط الامن من انتكاسات وكوارث هو الطبقة السياسية النافذة والشريكة في الادارة بزعاماتها وفئاتها والقوى الدولية التي تقف وراؤها، كل من موقعه، والمساحة التي يتحرك عليها، لكن التحليل الموضوعي، الذي يستشرف الحل، لابد ان يضع المسؤولية الاولى، دستوريا ووطنيا واخلاقيا، على عاتق كابينة الحكم. وإذا ما شئنا الدقة، والتلخيص، فان مسؤولية الحل لإخراج البلاد من حافة الإنهيار والمواجهة المفتوحة تقع على الحكومة، وراسها حصرا.
 وقد يسال سائل عما هو المطلوب لتدارك الانهيار، لينفتح المشهد على خطوة محددة وقائية عاجلة: مباردة حل وطني من رئيس الوزراء، كمسؤول اول في الدولة، عابرة للطائفية والانانيات والامتيازات والخنادق، ومن دون ذلك فاننا قاب قوسين أو ادنى من العاقبة.. وما أدراك ما العاقبة.
********
""ستتعلم الكثير من دروس الحياة أذا لاحظتَ ان رجال اطفاء الحرائق لايكافحون النار بالنار".
    شكسبير


48
ماذا بين السعودية وبعث الدوري؟ *

عبدالمنعم الاعسم
 
 نحتاج، اولا، لكي نقرأ جيدا، وبموضوعية، السياسات السعودية حيال العراق، ان نفسر المصاهرة القائمة الآن بين الرياض وحزب البعث العراقي المنحل بقيادة عزة الدوري، وما يقال (وهو صحيح الى حد كبير) عن اقامة الدوري في الاراضي السعودية، وانه يتلقى العلاج هناك منذ سنوات تحت رعاية الملك السعودي الذي قيل انه حظر على الدوري في البداية الاتصالات والنشاطات والتصريحات، ثم رفع الحظر مع اندلاع التوتر مع العراق، بل ان العلاقات بين الجانبين اخذت منحى وطيدا ومكشوفا في الاونة الاخيرة حينما وصف الدوري السعودية، في تصريح للاهرام المصرية، بانها "تمثل قاعدة الصمود والتصدي للمؤامرات".
 ومع ان المصاهرات في السياسة والحروب ونزاعات الدول لا ينبغي ان تثير العجب، بخاصة في هذه المنطقة حيث تشهد المعايير واخلاقيات السياسة غيبوبة مديدة، لكن مصاهرة مشروعين احدهما اوتوقراطي اقطاعي، وثانيهما قومي ثوري شمولي (سبق ان احتربا وجرا العالم الى خصومتهما) تُعدّ طورا جديدا في انسحاب المناهج والمعايير التقليدية امام منهج واحد، ومعيار واحد، هو المصالح السياسية الآنية للمتحالفين في مواجهة عدو شاخص (ايران او العراق) خلال لحظة تاريخية شديدة التعقيد والتداخل قد يصبح معها العدو حليفا في منعطف آخر، طالما ان المصلحة المتمثلة بالحكم، او السعي اليه، او تحطيم خصومه، هي مفتاح التحالفات والمواقف.
 ونحتاج ثانيا، لكي نرصد خلفيات الموقف السعودي حيال العراق ان نتيقن مما يقال عن البعد الطائفي لهذا الموقف، إذ يتحسس السعوديون من "هوية" الحكم في العراق، ويخشون من تصديرات هذه الهوية الى الداخل السعودي المجاور للعراق، ويعملون على تدميره او تحجيمه او إضعافه عند نقطة تسمح فرض الاملاءات عليه، وطبعا، يمنّي السعوديون النفس بوصول بعث حزب الدوري (الطائفي الفاقع) الى حكم العراق كبديل عن حكم متحالف مع ايران.
 لكن، البعد الطائفي لتحالف السعوديين مع بعث الدوري  ليس سوى شكل مهلهل لتحالفات المصالح الآنية، غير المتكافئة، او التحالف مع الشيطان بين دولة لها موقع محسوب في الاستراتيجيات العالمية وحزب منبوذ فقد دوره وطعمه ومستقبله، فالسعودية لا تتوانى عن تفكيك تحالفاتها، حتى التاريخية (مع اخوان مصر مثلا) حين تفقد تلك التحالفات فائدتها وتصبح عبئا عليها، وقد تتعامل يوما مع هذا الحزب كخرقة مسح لا اكثر.
*تحت بند "العقد مع الشيطان" يحدثنا قاموس جامعة تومبسون عما يسمى في السياسة بـ"التحالف مع الشيطان" استعارة من قصة "فاوست" الالمانية الشهيرة حيث يستعين الشاطر الذكي بالشيطان لكي يحصل عن طريقه ما لا يمكنه الحصول عليه عن طريق العقل والفروسية، لكن المشكلة، في تحالف بعث الدوري والرياض، ان الطرفين يتحدثان عن تحالفهما مع الشيطان للاستقواء على العراق، فاي منهما الشيطان.
*********
" الإنسان هو الكائن الطفيلي الوحيد الذي ينصب مصيدته الخاصة ويقوم بوضع الطعم فيها ثم يخطو داخلها".
جون شتاينبك


49


جنيف 2
عندما لا يكون ثمة بديل عن جثة

 ثاني أعقد مشكلة انسانية، بعد قضية فلسطين، في الشرق الاوسط الآن.. هذا ما ذكره الكاتب والخبير البريطاني في شؤون الشرق الاوسط روبرت فيسك عن الحرب السورية الجارية، فثمة نحو 6 ملايين سوري نازح ممن اضطروا إلى مغادرة بيوتهم بسبب النزاع المسلح، وتمكن نحو 2,3 مليون منهم من عبور الحدود ليصبحوا لاجئين في دول الجوار، فيما نصف هذا العدد الكبير من النازحين هم من الاطفال. اما الحل فقد بات على عاتق المؤتمر الذي ينقعد اليوم الاربعاء في جنيف برقم 2.
 لكن المؤتمر، وهو المبادرة الوحيدة المدعومة من المجتمع الدولي والجامعة العربية، سيبدا على هيئة جثة ميتة بحاجة الى جلسات، وجلسات، لكي تدب في اوصاله الحياة، والسبب، لا يتمثل في تنافر طرفيه الاساسيين، المعارضة والحكم،وعدم اتفاقهما على حل وسط، بل ويتمثل، ايضا، في التنافر العميق والمتفاقم داخل المعارضة، بين الجناحين الاسلامي والمدني، ثم التنافر داخل الجماعة الاسلامية (بين النصرة وداعش) واستطرادا، التنافر في صفوف الائتلاف الوطني المدني مُعبرا عنه في انسحاب 40 من اعضائه عشية انعقاد المؤتمر.
 وفي قلب الصورة لا يظهر الانسجام (والعزم) إلا بين راعيي المؤتمر، الولايات المتحدة وروسيا، وفي خلفية هذا الانسجام وقائع مقلقة لسيطرة المتشددين الجهاديين على المعارضة والارض، وخروج "الثورة" عن الانضباط باتجاه اقامة حكم سوري بديل مسالم، غير ان هذا الانسجام تصدع في نقطتين، الاولى آنية، تتصل بمشاركة ايران في المؤتمر إذ يتبنى الروس دعوتها الى المؤتمر، بخلاف الامريكيين، والثانية، مؤجلة، حول مكان الرئيس السوري بشار الاسد في التسوية السياسية الناجزة، بين انْ يرحل وان يكون جزءا من التسوية.
 على ان الامر الذي يتفق عليه جميع المشاركين في جنيف 2 الدوليين والاقليميين والنظام والجيش الحر، هو إقصاء الجماعات "الجهادية" المسلحة المرتبطة بالقاعدة والارهاب من معادلات الحل، وبخاصة التنظيم الجديد الذي اطلق عليه اسم"الدولة الاسلامية في العراق والشام- داعش) وفصائل متطرفة من جبهة النصرة، وليس في هذا الموقف ما يثير الاستغراب حيث اعلنت هذه الجماعات معارضتها للمؤتمر وعدم استعدادها للالتزام بقراراته، على الرغم من انها مُوّلت واحتُضنت من دول واطراف اقليمية ودولية متحمسة للمؤتمر وحل توفيقي للأزمة السورية، ويلزم، هنا التذكير بان الأطراف المتشددة غالبا ما خرجت عن ممولها وراعيها، كما حدث مع تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن، بعد انسحاب القوات السوفييتية من أفغانستان، حيث وجه التنظيم بندقيته للجهات التي سلحته ومولته ومدته بالمعلومات والدعم اللوجستي الضخم.
 مؤتمر جنيف 2ولد ميتا لكنه يمكن ان يستيقظ من كفنه بعد ان يدحر قوى التشدد والردة، في العقول وعلى الارض.
******
"" كيف يمكنك أن تحكم بلداً فيه 246 نوعاً من الجبنة؟" 
شارل ديغول
 

50
المنبر الحر / هل نترحم على صدام *
« في: 09:30 19/01/2014  »

هل نترحم على صدام *

عبدالمنعم الاعسم

 قبيل ان يبدأ غزو العراق في التاسع عشر من آذار 2003 لم يكن احد في العالم يعتقد ان عراقيا واحدا سيأسف على رحيل صدام حسين، فقد ارتبط اسمه ببطش وحروب ومجاعات وعزلة وذنوب وحكم فوق جماجم ما لا يبقي للاسف مكانا، ولم يتصور احد بان الطبقة السياسية الجديدة التي ستتصدر الادارة والحكم  لن تأخذ العبر من تجربة صعود وسقوط  صدام، إذْ كشفت عن انانيات كارثية اكتوت، بنتيجتها،  الملايين الآمنة بعواصف الغبار الطائفية وبتردي الخدمات وانعدام الامن والاستقرار ودفعت الالوف من العائلات ثمنا باهضا من التضحيات والتنكيل في مجرى انتشار الاعمال الارهابية والاستئصال الطائفي والديني، بل وحُشر الراهن العراقي كله في طريق مجهول مثير للقلق والذعر.
 يضاف الى ذلك ان الكثير من السياسيين واصحاب القرار كرروا ممارسات صدام حسين وطريقته في ادارة الشؤون العامة والاستئثار بالسلطة والتصرف بالمال العام، بل واهداره، وتكوين البطانات والحبربشية من ابناء القرية والعشيرة والطائفة، فضلا عن إقامة الانصاب والحداريات والتعالي على المواطن، ومخاطبته من وراء حزام الحراسات السميك، والصارم،  ثم، إبقاء الغالبية الساحقة من القوانين التي اصدرها صدام حسين، والتي شكلت قيدا على حياة الملايين العراقية، قيد التطبيق.
 في هذه المفارقة التاريخية، وتناقضاتها وفجاجاتها، بدا ان الدكتاتور سقط ولم يسقط.. سقط، كنظام سياسي لا رجعة له، لكنه استمر في جانبين،الاول، في ما يتعلق بايتام واتباع بقوا  ينفخون في "امل" انهيار التغيير وعودة السلطة اليهم، والثاني، في استمرار فن الحكم الصدامي، ممارسات واخلاقيات وقواعد حكم، وحتى في ضيق الرؤيا للعلاقات مع العالم والدول المجاورة.
 كان سقوط صدام مدويا، في الزمان والمكان، وكان سيكون اكثر دويا واثرا لولا هوس التسلط المنفلت للاعبي عهد ما بعد السقوط، ولولا نعرات التشفي والانتقام الطائفية وسلسلة المحاكمات، هابطة المضمون والاداء والمستوى، ولولا "خربطات" برايمر ونزقه، وتخبطات جيش الدولة الغازية، وكل ذلك ترك لـ"الساقطين" هامشا يلعبون فيه لإعادة تركيب هزيمتهم الشنعاء باقل ثمن، ولكي يحاولوا احياء ارث عتيق من النحيب على الاطلال وعلى ضياع الاندلس، ثم ليجعلوا منه ذكرى آسفة، او عنوانا لاعادة عقارب التاريخ الى الوراء.
 على انه لم يكن صدام حسين يتصرف، ولا لمرة واحدة، انه سيترجل عن السلطة، بل انه لم يكن يعتقد ان قوة على الارض بمقدورها القائه خارج اللعبة، فقد دس اسمه، صريحا او مؤشرا له، في رقائق وزخارف واحجار دينية وآثارية ترفعه الى مصاف الانبياء، وتختزله الى اية سرمدية من آيات الكون، وثمة عند "جامع ام المعارك" الذي تركه "على العظم" منارات اشبه براجمات الصواريخ، على ارتفاع 43 مترا بعدد ايام القصف الجوي في حرب الكويت فيما عدد المنارات الداخلية الاربع تشير الى شهر ولادته (نيسان) وارتفاعها البالغ 37 مترا يؤرخ العام الذي ولد فيه، فيما الفسقيات البالغ عددها 28 فسقية فهي يوم ميلاده، وهكذا اختصر هذا البناء الذي شاء له ان يكون اكبر جامع في العالم الى مفردة تشكيلية تتحدى القدر، وتنتصر عليه، وعندما كان يزور العتبات المقدسة كان يحرص على سماع رواية انه من سلالة النبي، وفي التاريخ كان الاسكندر الكبير قد فرض على الكهنة الاعلان عن كونه ابنا للالهة زيوس.
 من زاوية معينة بدا لبعض الفئات الجديدة التي تصدرت المسرح السياسي بعد التغيير ان مشكلتها مع النظام السابق ليست سلوكية في جوهرها، بل هي من النوع الذي يتصل بالصراع على السلطة: من هو احق بها من غيره.. وفي هذه النقطة سقطت الستارة بين نمطين من الحكم: نمط قديم، متوحش، لم نتأسف على سقوطه،  ونمط جديد يقتفي اثر سابقه في الكثير من الاخلاقيات.
**********
"وإذا أصيب القوم في أخلاقهم ... فأقمْ عليهم مأتماً وعويلا"
احمد شوقي


51

تذكيرات..
لحكومة الشراكة في الاقليم

عبدالمنعم الاعسم

 اولا، بناء حصانة راسخة حيال تدخل انظمة دول مجاورة في خارطة تشكيل حكومة الاقليم، وحماية القرار الكردي "المستقل" من التجاذبات والصراعات بين الدول ذات العلاقة.
 ثانيا، لا يصح ممارسة الشراكة من خلال المعارضة، ولا ينبغي لأحزاب هذه الحكومة ان تضع رجلا فيها ورجلا في صفوف مناوئيها، ولتكن قراراتها موضع التزام الجميع بصرف النظر عن ملاحظاتهم المتباينة.
ثالثا، لكي تنجح الحكومة في تنفيذ برامجها ووعودها للمواطنين مطلوب ان تعمل كفريق واحد متضامن، وليس كفريق متنفذ وآخر بلا نفوذ، وبمعى آخر الحذر من تسويق الحكومة كحكومة "حجوم" أو كتل مؤثرة وغير مؤثرة، أو كبار وصغار، او وزراء سياديين ووزراء خدمات.
 رابعا، انهاء التنافس الدعائي بين احزاب الشراكة وإحلال التنافس الجمعي على تقديم الخدمات ومعالجة شكاوى السكان، وبخاصة البطالة، محل التنافس على النفوذ والمصالح الفئوية.
 خامسا، التذكير بالاهمية الاستثنائية للخطاب الحكومي لكي يكون موحدا ومقنعا ومطمئنا للمواطنين، وبعيدا عن الوعود غير القابلة للتنفيذ، وضبط إعلام احزاب الحكومة وخطابه لكي يخدم تجربة الشراكة من خلال التنوع الايجابي والتعددية البناءة، والتذكير بالمضار التي لحقت بالاقليم من "إعلام" التشهير واساءة استخدام المعلومات، وتسويد صفحات الماضي.
 سادسا، ادارة الاختلافات بين فرقاء الحكومة ، بحيث تصبح عامل قوة وحيوية وإبداع، بدل ان تكون سببا لاضعاف الثقة بين مكوناتها، الامر الذي يحبط المواطن ويدفعة الى السلبية والشك في الالتزامات المعلنة.
 سابعا ، ينبغي الحذر من تكرار تجربة حكومة  الشراكة الاتحادية في تحويل الوزارات الى تشكيلات خلفية لحزب الوزير، وإغراق الوزارة بالاتباع والمحازبين والانصار والاقارب.
ثامنا، بناء نظام رقابة حكومية جدي، مع التفاعل السليم والمنهجي مع الرقابة الشعبية لمنظمات المجتمع المدني والرقابة النيابية للسلطة التشريعية، بما يخفف الاهدار السائد للمال العام ويكبح بؤر الفساد ويضع الجميع متساوين امام القانون والقصاص والحساب.
تاسعا، انها تذكيرات بتجربة خطيرة، اذا ما فشلت، فشل معها العقل الجمعي الرشيد، وفاز، بالمقابل، خيار الانانيات السياسية الكارثي.
*********   
"الحجر الكبير ليس حجرا للضرب".
مثل كردي



52
منتصرون ومهزومون.. في الانبار

عبدالمنعم الاعسم

 يقع الكثير ممن يتحدثون عن الانتصار والهزيمة في ازمة الانبار في الخلط بين ما يتمناه وما هو في الواقع، وهذه إشكالية بنيوية في العقل السياسي العراقي السائد، إذ نتهرب من رصد الحقائق التي لا نريدها، فيما القاعدة العلمية تؤكد انه لايمكن بناء السياسات والمواقف السليمة إلا بالنظر الى الواقع كما هو، والى النتائج في صورتها الحقيقية، ثم بالاعتراف باحكامها، والعمل على تفكيكها وتغييرها.
 القول بان الطرفين (الحكومة وخصومها) كسبا معركة الانبار والخاسر هو الشعب، كما ورد في إجابات كثيرة، هو الأقرب الى القبول (الحذر) بمعناه الآني، اي في ضوء النتائج المتحققة على الارض في الاسبوع الاول والثاني من "غزوة" داعش الى الانبار والفلوجة، لكن ثمة حاجة للنظر الى الموضوع بالمعنى التاريخي، اي الى التوثق مما اذا ستصمد النتائج عند معطياتها الحالية، والى الاحتمالات (تناسب القوى. التدخلات الخارجية. الاصطفافات أو الانشقاقات السياسية الجديدة) التي يمكن ان تقلب المعادلة الى ضدها فينتهي الامر بخذلان الطرفين و"انتصار" الشعب على إرادة الحرب والتجييش. اقول، الاحتمالات، ولا ارجم هنا بالغيب، فان السنوات العشر الماضيات من الصراع اكدت على ان ثمة محركات (أصابع. قوى. مصالح) تبدو خافية في طور ابتدائي من الاحداث ثم سرعان ما تتحرك لتغيير مسارات تلك الاحداث.
 ينبغي الاستدراك للقول، حتى الآن لم تلعب الارادة الشعبية، إلا جزئيا، كفاعل في لجم الاتجاهات المناهضة للسلام الاهلي والحياة المدنية أو في ترشيد السياسات، وغياب هذا العامل تسببَ في إغواء اسياد الازمة للمضي قدما في تدمير فرص التغيير الديمقراطي للنظام السياسي، وقد دخل الارهاب والفساد وتدخل دول الجوار من هذه الفجوة ايضا.
 اما القول بان احداث الانبار مفتعلة، وقد خُطط لها بغرض تعبئة القوى الطائفية التصويتية، فهو يتسم بالتبسيط الى حدما، وربما بصبح صحيحا اذا ما اعدنا تركيبه على الوجه التالي: حاولت جميع اطراف الازمة توظيف الاحداث (الناجمة عن سلسلة عوامل واسباب كثيرة) في السباق الانتخابي الذي بدأ مبكرا، وثمة عدد كبير من المشاركين حاول التوصل الى هذه النتيجة الصحيحة، وإن بعبارات مختلفة وموجزة.
 نحتاج، هنا، الى التذكير بـ (النسبية) الكامنة في ثنائيات الربح والخسارة. الإنتصاروالهزيمة. الفوز والخذلان. الصعود والنزول، إذْ لم يحتفظ الرابحون والمنتصرون والفائزون والصاعدون، دائما، بمواقعهم ونياشينهم وجدارياتهم.. وبعضهم (للتذكير والاتعاظ) تزحلق الى مزبلة التاريخ.
*********
" أن يصل المرء في الوقت المناسب خير من توجيه الدعوة إليه". 
غابرييل غارسيا ماركيز

53

الانبار..
الرابح والخاسر

عبدالمنعم الاعسم
 
على صفحتي للتواصل الاجتماعي "الفيسبوك" طرحت  على اصدقائي وزوار صفحتي السؤال عمن كسب "سياسيا" معركة الانبار ضد تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش) معسكر رئيس الوزراء نوري المالكي، ام معسكر خصومه في داخل العملية السياسية،  القائمة العراقية ومشتقاتها؟ .
اجاب عن السؤال حوالي 300 من المهتمين بالامر، مثقفون وصحفيون وناشطون ومراقبون، وهي عينة تمثل غالبية (اقول غالبية) من مستقلي الرأي، واصحاب المشغولية بقضية الحرية والحقوق المدنية والنأي عن الطائفية، وغير موالية للحكومة وللاحزاب النافذة، وليس راضية عن سياستها ومواقفها، وبحسب المعايير العلمية لاستفتاءات الرأي فان الاجابات لا تتطابق، بالضرورة مع اتجاهات الرأي العام في العراق، انما تعبر عن شريحة، من هذا الوسط، محدودة، فاعلة ومؤثرة، ويُحسب لها الحساب بمقاييس التأثير والنفوذ، وليس بمقاييس الحجم، في بيئة تتسم بالاستقطاب الطائفي والتفتت المجتمعي، وبغياب مؤسسات محترفة لتأشير مواقف الرأي العام.
 في كل الاحوال، فان الاجابات التي حصلنا عليها، وهي تنفرش على مساحة مهمة من التقديرات، يمكن ان تساعد الباحث والكاتب والمنشغل برصد الموقف الضميري لفئة من المواطنين (وانا اول المستفيدين والممتنين للمشاركين) لكي يضيفها الى مكونات المشهد السياسي المأزوم، وصولا الى مقاربة واقعية عن ردود الافعال المجتمعية حيال احداث الانبار وافرازاتها، وعندي، ان مستقبل "الدولة العراقية الاتحادية" لن يفلت مستقبلا من تأثير هذه الافرازات، إذا ما تمعنا في مدلولاتها الطائفية والقومية والعشائرية والحقوقية، فان "غزوة" داعش لم تكن معزولة عن جملة احداث ومواقف وصراعات عراقية، واقليمية، وتتركز اهميتها الاستثنائية في تسليط الضوء على "اهلية" كابينة الحكومة وحسن ادارتها للصراع السياسي-العسكري، إذ وجدت نفسها في امتحان اكبر من شكيمتها، وكذلك، الضوء على اوضاع كتلة الخصوم السياسيين الذين راهنوا على حراك الانبار، واستيقظوا على مدينة صارت، فجأة، جيباً لمشروع ارهابي خطير على جميع المستويات، والطرفان(الحكومة وخصومها) وقفا امام معادلات امنية لم يحسبوا لها الحساب.
 ان غالبية الاجابات، نفت التوصيف "والتوظيف" الوطني للمعركة، أو قللت من طابعها الاستثنائي واعتبرتها صراعا فئويا او طائفيا او صراع زعامات (اسياد الحرب) لكن هذه الغالبية شددت على خطورة مشروع داعش وحبذت القضاء عليه وانتقدت موقف (تواطؤ. مراهنة. احتضان) الكتلة السياسية لخصوم المالكي من هذا المشروع، وثمة ثلث الاجابات، وربما اكثر بقليل ذهبت الى ان كابينة المالكي ربحت المعركة وستقطف ثمارها "الطائفية" في إحراج حلفائها في التحالف الوطني، وفي التنافس الانتخابي، ايضا.
 في ثنايا الا جابات ثمة برقيات وانتباهات وتأشيرات تدخل في باب "اللّـُقـَطْ" التي تفيد في رصد ردود افعال اصوات عراقية مهمشة ومقصية ومتذمرة ويائسة ولم تسعف اللغة اصحابها (ولا المعطيات) لبناء منظور للتغيير، وهو ما تتطلع له بالتأكيد، او الحكم في مَنْ كسب المعركة، المالكي أم خصومة.. وسنحاول الخوض في هذا الوحل لاحقا.
*******
"إن التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار، ولكن في باطنه نظر وتحقيق".
ابن خلدون..


54



8 عناوين فرعية..
لحرب الانبار *

عبدالمنعم الاعسم

اولا، لنتذكر ان حرب الانبار الجارية هي آخر حلقة (وليست الاخيرة) من مسلسل طويل بدأ في 19/12/2012 بازمة حمايات وزير المالية المستقيل رافع العيساوي ولو انها عولجت بالحكمة السياسية، لا الفئوية، لوفرت الدولة والمحافظة والساحة السياسية الكثير من الدماء والخراب والاخطار.

 ثانيا، الاعتصامات الشعبية في الانبار حظيت بالتعاطف، وكسبت معركة المواجهة الدستورية مع الحكومة، وكانت ستحقق غالبية اهدافها المعلنة لولا السباق المحموم بين ممثليات المحافظة السياسية والدينية والعشائرية لتحويلها الى معركة معادلات طائفية مجهولة النتائج.

 ثالثا، كان واضحا عدم رغبة، وانعدام حماس فئات حكومية نافذة، لإنهاء ازمة الاعتصامات وخشيتها من ان تُسجل المعركة نصرا في الحساب الطائفي للمعسكر المعارض، وكان تعنت سياسيي الانبار ذريعة للتنصل من تعهدات الاستجابة لمطالب المعتصمين.

 رابعا، تنامي "مغذيات" التجييش الطائفية  في الجانبين، ففي ساحة الاعتصام تشكلت (واستُوردت) مجاميع مسلحة اراهبية مع انطلاق شعارات الزحف الى بغداد، وفي احياء بغداد وبعض محافظات الوسط والجنوب نشطت مليشيات مدنية مسلحة تمارس الاغتيالات وتلوح بالانتقام الطائفي، مع تظاهرات لاتباع الاحزاب الحاكمة بشعارات التوعد بالانبار والمعتصمين.

 خامسا، كان يمكن ان يستمر الحال (توتر. تهدئة. توتر..) بين الحكومة والانبار حتى انتخابات نيسان، بعد ان تحولت ساحة الاعتصام الى مطبخ سياسي للصفقات والتحضيرات الانتخابية، غير ان الدخول المفاجي للتنظيم الجديد "داعش" عبر الحدود السورية في ايلول من العام الماضي الى ساحة الاعتصام وانتشاره في صحراء الانبار وامساكه بخط الحدود العراقية السورية الاردنية، خلق معادلة امنية جديدة وخطيرة في المنطقة وعلى مستوى العراق، وبدأت على الفور حملة الصحراء العسكرية التي كان لها ما يبررها، إن لم تكن قد تأخرت.

 سادسا، اضطرب المعتصمون وخطباؤهم وسياسيوهم ومشايخهم القبلية، بين ان يسقطوا رهائن في مشروع "الدولة الاسلامية" الكارثي او يتخلوا عن الاعتصام، وظهرت، على نطاق واسع، اتجاهات جادة لنبذ العنف والعودة الى الى التسوية عبر التفاوض، مقابل اتجاه معاكس لبعض السياسيين نحو ركوب مركب الحرب خلف داعش، لكن القوات الحكومية لم تنئ بنفسهاعن حدود مدينة الانبار ولم توفر الفرصة الى مزيد من الفرز المحلي قدما الى إحياء الصحوات لمقاتلة مجموعات الارهابيين.
 
سابعا، لقد الحقت حركة داعش ذات الهوية الطائفية المتطرفة ابلغ الضرر بمصالح محافظة الانبار ومستقبلها، وبسمعة مراجعها، وبمطالب سكانها المشروعة، مثلما اعطت للانتقاميين الطائفيين في الجبهة الاخرى افضل الفرص لتعميق الاحتقان الطائفي، ونشر شعارات الحرب على الانبار وما تمثله.

 ثامنا، جرى ويجري استخدام ملف ازمة الانبار في التأليب والتسقيط والتزاحم على المواقع، وفي التعبئة الانتخابية، وظهر الى العلن سباق بين فرقاء الأزمة على ارتكاب الخطأ نفسه: اهلا بمقاعد البرلمان والامتيازات.. ووداعا للعراق.
********
"ان اخطر فترة في حياة اي كيان سياسي هي الفترة التي يقرر فيها ان يكون واقعيا".
                                                                    محمد حسنين هيكل



55


الاخوان والبعث..
والسلطة


 لا تختلف كثيرا الطريقة والادوات والمقدمات لسقوط الاخوان المسلمين في مصر عن انهيار حكم بعث العراق، فكلاهما ازيحا (بسبب الخطايا والآثام التي ارتكباها)عن طريق قوة عسكرية، من خارج السياسة ومؤسساتها، او من خارج الحدود، بالتحالف مع المعارضة الواسعة، وكان سقوطهما موضع ترحيب من الشارع والملايين المتذمرة.
 كما لا يختلف الطريق الذي سلكه اخوان مصر لاسترداد حكمهم الزائل عن سلوك بعث العراق لإعادة النظام المنهار، فكلاهما كانا قد اختطفا السلطة في غفلة من التاريخ، الاول عن طريق انتخابات "والناس نائمون" والثاني عبر مؤامرة لمجموعة صغيرة من عساكر القصر وفئة سياسية صغيرة مغامرة، والناس يغطون بالنوم.
 وبصرف النظر عن "نوعية" البدائل السياسية التي حلت محل الاخوان والبعثيين، والمسارات التي قطعتها هذه البدائل، ومواقف الراي العام في البلدين من الفريقين الحاكمين، فان الآمر الواضح هو لجوء الاخوان والبعثيين معا الى السلاح وكل اشكال العنف في محاولات لأستعادة سلطتيهما، وبلغت ردود افعالهما الى حد العمل على معاقبة الملايين من المدنيين والسكان الآمنين وتقويض الاستقرار وتدمير الاقتصاد واشعال الحرائق والكراهيات والاحتقانات الدينية والإثنية، على قاعدة "عليّ وعلى عبادي".
 لكن اللافت، والاخطر، والاكثر تشابها في سلوك الاخوان والبعثيين يتمثل في تحالفهما مع المشروع الارهابي الدولي المتمثل في تنظيم القاعدة والجماعات الجهادية المتطرفة، والاستطراد في هذا المنحدر نحو جملة خطابية تجييشية ارهابية في قطيعة مع موصوف حكمهما وهويتهما، فقد كان اخوان مصر، قبل ذلك، يصنفون انفسهم في خانة الاسلام السياسي المعتدل، الناقد للعنف وجعجعة السلاح والجهاد المسلح، فيما كان بعث صدام حسين يزعم انه تنظيم علماني مناهض لمشروع القاعدة والسلفية المسلحة.
 وأذا ما امعنا النظر في عمق هذا التشابه فاننا سنهتدي الى الخلفية الاستبدادية، اللاديمقراطية، لموروث الحركتين وعلى الساحتين المصرية والعراقية، ففي حافظة الاخوان المسلمين سلسلة من المحاولات التآمرية الدموية للوثوب الى السلطة في مصر، وفي سجل بعث العراق طائفة من الانقلابات واعمال التآمر وتنظيم الاغتيالات طريقا الى السلطة، وكلاهما لم يتورعا عن التحالف مع القوى الخارجية، والاستعانة باستخبارات الدول لتسهيل وصولهما الى الحكم.
 الغريب ان اخوان مصر وبعث العراق، وبعد كل ما حدث، يدعوان معا الى عودة الشرعية.. فيما الشرعية لا تمشي بالعكس من عقارب الساعة.
*****
"تعملت منذ زمن ألا أتصارع مع خنزير أبداً، لأنني سأتسخ أولاً، ولأنه سيسعد بذلك"
                                                                                  برنارد شو 


56

المحذوف ..
من معلومات سورية خطيرة

عبدالمنعم الاعسم

المعلومات التي نقلتها المستشارة السورية بثينة شعبان عن الرئيس بشار الاسد بانه كان قد تلقى من سياسيين عراقيين كبار قبل سنوات رجاءات بوجوب فتح الحدود السورية امام "المجاهدين" تُعد خطيرة بكل المقاييس، على الرغم من انها، بالنسبة لمتابعي احداث السنوات العشر العراقية الماضية عن قرب، ليست مفاجئة، ولا تضيف لمعلوماتهم فاصلة واحدة غائبة عن تورط اولئك السياسيين الذين المحت لهم شعبان، ومعروفة اسماؤهم واحدا واحدا، من الالف الى الياء قبل ان يعلنها الرئيس السوري "في الوقت المناسب" كما قالت المستشارة.
 وخطورة هذه المعلومات تتوزع على مستويين، الاول، انها تستند، بالتأكيد ودون مواربة، الى اتصالات مسجلة، ورسائل قيد الحفظ، وبصمات جنائية بعضها الكثير لدى الجانب العراقي، والثاني، انها تكشف عن خارطة جديدة من الخنادق التي تتقاتل على الارض السورية، فمن كان حليفا للاسد بمواجهة التغيير في العراق انتقل لقتاله بشراسة بالرجال والمال و"رباط الخيل"، ومن كان ضحية له وشيع طوابير متواصله من قتلى الارهاب، عابر الحدود السورية، انتقل الى خندق الاسد لقتال الآخرين، وذلك في انقلاب مثير لمزاد الولاءات الاقليمية.
 من هذه الزاوية، قد يبدو أنْ لا قيمة لخزانة المعلومات السورية اذا ما كشفت، مثلا، ان طارق الهاشمي الذي يقاتل دمشق من موقعي قطر وتركيا كان قد اتصل بالاسد طالبا تسهيل تسلل مقاتلي القاعدة من السعودية وليبيا وفرنسا الى الاراضي العراقية، فالرجل (الآن) في حال لا ينكر معه هذه المعلومات، وربما ينظر لها من باب الأمجاد الشخصية، كما لا تعني شيئا بالنسبة لأقنية إعلامية كانت تغطي من دمشق كل النشاطات الاجرامية لفلول القاعدة والنظام السابق وتكرمها بلقب المقاومة ثم نقلت بندقية الحرب الاعلامية الى الكتف الثاني نحو نظام دمشق نفسه، وهذا الامر يشمل سياسيين عراقيين يتنقلون بين الخنادق والولاءات والتبريرات ولا تعنيهم العملية السياسية إلا بالقدر الذي تؤمن لهم مصالحهم الفئوية الانانية.
 اما الامر الاكثر خطورة في معلومات بثينة شعبان فانها تتمثل في الجزء المحذوف (قصدا) من هذه المعلومات التي سوّقت فجأة الى دورة الاخبار، وهو موقف الرئيس بشار، آنذاك، من رجاءات الساسة العراقيين المعنيين، فهل أمر بتسهيل عبور المجاميع الانتحارية التي القت بها فضلات الدول على حدود العراق لقتل المدنيين والسكان واثارة الفتنة الطائفية بزعم محاربة الاحتلال، وهذا ما حدث فعلا؟ أم انه رفض رجاءاتهم وانبرى الى منع "المجاهدين" وحماية دم العراقيين من هذا الغبار الصحراوي الخانق، وهذا لم يحدث؟.
 نعم.. كان الرئيس بشار سخيا مع "المجاهدين" قبل ان ينقلبوا عليه.. والمحذوف يدين حاذفه، بسوء القصد.
*****
"سامح أعداءك، لكن لا تنس أبدا أسماءهم".
جون كندي


57
المنبر الحر / مشاهير رغم انوفنا
« في: 21:28 09/12/2013  »

مشاهير رغم انوفنا

عبدالمنعم الاعسم

 تزدحم اقنية المعلومات والاخبار بفضائح دورية عن شبهات ومطاعن تحوم حول سلامة اختيار اسماء المشاهير ولا حيادية ونزاهة الجهات المعلنة عنهم.. وإلا كيف يمكن ان نصدق، مثلا، بان امير قطر السابق حمد بن خليفة جاء في المرتبة السابعة من قائمة زعماء العالم "المؤثرين بالاحداث ومصائر الشعوب" ثم يليه في القائمة رجب طيب اردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بل ان الامير القطري يسبق الرئيس الصيني "شي جين بينغ" بخمس نقاط؟.
 هذه الفضيحة سجلت وقتها  (انتباه رجاء) باسم كلية "ويلدنبرغ" الدولية وعلى لسان المسؤول في الكلية محمد محمود الجمسي الذي (انتباه ايضا) يحمل الالقاب التالية: المدير الاقليمي لكلية ولدنبرج الدولية. الامين العام المساعد للمجلس الدولي لحقوق الانسان. سفير البعثة الدولية لاحياء السلام العالمي.
 هذه،  ليست سوى عملية تلفيق واحدة لانتاج مشاهير، او دس اسماء في حشوة المشاهير لا شك انها مدفوعة الثمن، أدت فيما ادت اليه، الى سقوط سمعة هيئات محترمة، مثل لجنة جائزة نوبيل، في وحل الطعون بسلامة الاعتبارات والمعايير التي تعتمدها، كما اصبحت نفسها مفتاحا لأعمال النصب بالنسبة لمهووسين بالشهرة،
فقد أجرت الشهرية الفكرية البريطانية "بروسبكت" قبل سنوات استفتاء حول أفضل مثقف في العالم، وكانت المفاجأة أن الذي فاز بالمرتبة الأولي هو التركي "فتح الله غول" الذي اعترف رئيس تحرير المجلة أنه لم يكن قد سمع باسمه من قبل.
 لكن ينبغي هنا الاستدراك لنشير الى ادباء ومفكرين حقيقيين رفضوا تقبل جوائز والقاب تحت موصوف الشهرة، فقد امتنع "برنارد شو" عن قبول جائزة نوبل لأنه كما قال "لم اجد فيها ما يزيدني قدرا" فيما رفض الكاتب الانجليزي الشهير توماس كارليل مطلع القرن الماضي ترشيحه الى لقب "لورد" من قبل رئيس الوزراء دزرائيلي قائلا.."سامحوني لا قبل لي على تحمل هذه المطرقة".
 حب الشهرة والسعي اليها عبر الاستفتاءات والصفقات والرشى يتحول في بعض الاحيان الى نوع من الشعوذة او النصب، إذ نطالع على صفحات الشبكة العنكبوتية اسماء لاشخاص مجهولين يحملون القابا "ثقيلة" لا احد يعرف من اين حصلوا عليها، وظنهم ان الالقاب ترفع من شأنهم، فيما نجد اشخاصا اخرين، علماء ومبدعين ومنتجين للافكار والمآثر يتواضعون حيال منجزاتهم ويتركون تقدير تلك المنجزات الى التاريخ يتحدث عنها بلسان فصيح ومُنصف، ومرة، سمعتُ، ان  استاذا (دكتورا) في جامعة لندن كان يتجول في احد المتاجر فناداه صديق له من بعيد "يا دكتور" فانزعج من ذلك قائلا للصديق"يا عزيزي، اولا، لا يصح إزعاج الاخرين بتمييزي عليهم بلقب الدكتور، وثانيا، الدكتور لقب علمي ينبغي تداوله في مجاله الاكاديمي وليس في سوق الخضرة".

********
" غلبة القدرة تزول بزوالها وغلبة الحجة لا يزيلها شيء".
المأمون



58
هل ماتت الامم المتحدة؟

عبدالمنعم الاعسم
 
احصى معهد غربي قبل فترة ما يزيد على مائة وستين مشكلة تعصف بالشرق الاوسط والدول الاعضاء في الامم المتحدة مما تدخل معالجتها في مسؤولية المنظمة الدولية، لكنها تقف عاجزة عن تقديم اية مساعدة لتلك الاقاليم والدول، إما لأنها لا تملك اموالا كافية، او ان احدا لم يطلب منها التدخل، او ان اطراف الازمات لا يسمعون ما تقوله الامم المتحدة ويفضلون تدخل اعضاء اكثر هيبة وتأثيرا و"فلوسا".
 والحق انه لم يسبق للامم المتحدة، منذ امينها العام الاول النرويجي تريغف هالفان لي(1946) ان وقفت متفرجة على ما يحدث في العالم من كوارث وانشقاقات وحروب واعتداءات كما هي الان في عهد الكوري الطيب بان كي مون الذي لا يتحمل، طبعا، وزر هذا المآل المؤسف للمرجعية الدولية، واغلب الظن، لا يتحمله اي امين عام سابق على تفاوت الجهود والطاقات والمحاولات التي بذلها اولئك الرجال الذين تتالوا على منصب قيادة المجتمع الدولي.
 واللافت ان حماسة زعماء العالم لاستخدام منبر الامم المتحدة تراجع في غضون السنوات الاخيرة خلاف ما كان في السابق حيث اضطر مندوبو الدول الأعضاء في سبتمبر من عام 1968 الجلوس على مقاعدهم أربع ساعات للاستماع الى خطيب واحد سمح له بالاستطراد كل هذا الوقت وسط ذهول مسؤولي الجلسة الذين لم يستطيعوا التدخل، وكان الخطيب فيدل كاسترو لا يمثل في الواقع بلداً مؤثراً على خارطة العالم وليس له ثقل عسكري أو اقتصادي ذو قيمة استراتيجية، غير انه في عام 1995، وفي الشهر نفسه، لم يسمح لكاسترو الا بسبع دقائق ليلقي خطابا لم يلفت نظر أحد، وتلاشى صوته الجهوري في قاعة خلت مقاعدها من كثير من المندوبين، وكان نفسه غير آسف على ذلك.
 وفي الذكرى الخمسين لميلاد الأمم المتحدة عام 1995 تأمل كثيرون في الدور الذي يمكن ان تلعبه في اطفاء بؤر التوتر وتجسير الخيارات المتضاربة بين الدول واشاعة اجواء الثقة والبحث الموضوعي لتكوين ارادة السلم والاستقرار، وتوسيع الفرص أمام الدول الصغيرة لتساهم في صناعة القرارات المصيرية للعالم. غير ان قليلا من المتنبئين توقعوا ان الامم المتحدة سينتهي بها المطاف الى ما هي عليه الان، وكان الامين العام السابق كوفي عنان كثيرا ما يقف حائرا أمام استعصاء الحل للتوترات الناشئة، وكان يوحي لبعض مندوبي الدول التي تطلب النجدة من الامم المتحدة قائلا: "لقد مضى ذلك الزمان" وكأنه كان يحنّ الى تلك الأيام الغابرة للمنظمة الدولية، حيث كان كاسترو يتحدث لساعات طويلة من دون مقاطعة وان يقذف خروتشوف بحذائه الى الصالة من دون عقاب.

*******
" لا يمكنك الارتحال في طريق إلا حين تصبح أنت الطريق".
بوذا

 


59

سوريا، ايران.. والعراق

عبدالمنعم الاعسم

 ثمة الكثير من الترابط بين احوال كل من العراق وسوريا وايران، ولهذا الترابط تجليات في السياسة والحدود والتحالفات غير المعلنة، وشاءت الحرب الداخلية السورية طوال عامين ان تعزز وتعمق هذا الترابط، فيما حاولت اطراف دولية واقليمية ان تلعب على بعض عناصر الاختلاف في الخصوصيات السياسية والتاريخية للدول الثلاث، وانتهى الامر، في هذه الايام، الى نقطة حرجة فرضها تطوران مهمان، الاول، التوجه نحو عقد اتفاق جنيف2 لتسوية الصراع السوري والتوجه الى تكوين نظام سياسي وسطي بين حكم البعث والمعارضة، والثاني، الاتفاق المعلن بين الدول الغربية وايران لإنهاء ازمة البرنامج النووي، وتبعاته ذات الصلة بالعقوبات الاقتصادية.
 هنا، ينبغي ملاحظة ان الكتلة الخليجية، تنظر بعين الريبة الى هذا التطور، فهي وضعت ثقلها المالي والدبلوماسي من اجل اطاحة نظام الاسد وفرض نظام موال لها، وضمنا عارضت عقد مفاوضات جنيف2 للحلول الوسطية، كما سعت بكل جهودها الى استدراج الولايات المتحدة واسرائيل الى توجيه ضربة عسكرية الى ايران تمهد الى تغيير النظام القائم او، في الاقل، الى تحجيمه، ومن الطبيعي ان يكون النفوذ الخليجي في معادلة امن المنطقة مؤثرا، وقد ينجح هذا النفوذ في تخريب عملية التحول الى التهدئة والمفاوضات وسياسة التنازلات التي ابداها كل من الرئيس الايراني روحاني والرئيس الامريكي باراك اوباما ورحبت بها بغداد على لسان رئيس الوزراء نوري المالكي، فيما تتحدث التسريبات الخليجية عن صفقة بين طهران وواشنطن يضحّي كل جانب بأصدقاء او حلفاء له.
 وعلى الرغم من الاعلان الرسمي عن حيادية بغداد حيال الازمة السورية وملف النووي الايراني، فان الاستقطاب الذي تشهده المنطقة وتداخل المصالح والسياسات والاعتبارات المذهبية وضع العراق في المحور السوري الايراني، او، على وجه الدقة، وضعه في حسابات النظام الامني الاقليمي كطرف بمواجهة النفوذ السعودي القطري التركي الاكثر تاثيرا على الاحداث السورية، أخذا بالاعتبار انه ليس بمقدور العراق، في المفترق الذي يقف فيه، والحرب المعلنة عليه من قبل جماعات الارهاب والسلفية التكفيرية، وحساسية علاقاته مع الولايات المتحدة، ان يكون في موقف آخر، لكنه قادر على ان يلعب دورا "مستقلا" وعلى مسافة من أجندات اللاعبين من الجانبين، في تبني خيارات التهدئة وعقد صفقة تاريخية تنزع فتيل المواجهات العسكرية في المنطقة .
 اولا، لأن للعراق مصلحة في منع تحول سوريا الى افغانستان اخرى فسيكون الضحية الاولى للارهاب، وثانيا، ان العراق لا يملك من الثقل العسكري والامني والاهلية الداخلية (الحكم والمكونات والصراعات..) ما يسمح لكي يكون طرفا في فرض معادلات على الارض، وثالثا، ان القوى المتصارعة في المنطقة تريد العراق ساحة لتصفيات الحساب او ورقة للمساومة، وانه يمكن ان ينـْفذ من هذا المصير في حال انحسرت اجواء التهديات العسكرية في المنطقة، وضُيقت الفرص على نشاط الجماعات المسلحة الاجرامية على حدوده الغربية.
 مشكلة العراق هي في جبهته الداخلية، حيث يعاني من فساد وانانية وتناحرات طبقته السياسية، ومن ولاءات وتابعية جهات سياسية متنفذة لقوى اقليمية متصارعة، فثمة من يرتهن نفسه لهذا الطرف، أو ذاك .. اما الكوارث التي جناها ويجنيها العراق من هذه الولاءات فحدّث ولا حرج.
**********
" من الأفضل أن تكون مكروهاً لما فيك، على أن تكون محبوباً لما ليس فيك".
اندريه جيد



60
المنبر الحر / علم نفس الازمة
« في: 20:25 27/11/2013  »

علم نفس الازمة

عبدالمنعم الاعسم

 ليس اكتشافا جديدا، ولا ينطوي على براءة اختراع القول بان الازمة السياسية في العراق التي ابتدأت في ثمانينات القرن الماضي (الحروب) وتفاقمت في العقد الاخير خلقت بيئة اجتماعية مأزومة، بما يعني انتشار اعراض مرضية في مفاصل كثيرة من السلوك العام، لكن الجديد يتمثل في ما يقال عن ضرورة استخدام علم النفس المعاصر في معالجة بعض آثار هذه الازمة، وذلك بعدما اخفقت علوم السياسة في كبح اندفاع عناصر الازمة (بعد سقوط النظام) الى تدمير نفسها وزج المشهد الى الدوامة والاستعصاء.
 موجبات التحليل النفسي للازمة تنطلق من حقيقة انها انتقلت، في طورها الاخير، من خلافات في وجهات النظر حيال السلطة والمستقبل والمصالح الى حالة سلوكية انفعالية، كما تنطلق من الحاجة الى علاج النتائج الكارثية لهذا السلوك وبخاصة لما يجري رصده في عالم الطفولة في البلاد إذ يظهر العنف والتخلف والتشوّه السلوكي في بصمات ومعطيات لا تخطئها العين ولا تعبرها البصيرة التحليلية، والاخطر، انها قد تتحول الى مشكلة سلالية في المستقبل.
 ان البعد السايكولوجي للازمة، واستمرار بقاء المجتمع العراقي رهن تأثيراتها لمدة طويلة سيؤدي الى ان يفقد المجتمع بعض سماته الابداعية التي كسبها عبر التاريخ ويصبح بلا ذاكرة ايجابية، حاله حال النزيل في السجن الانفرادي لمدة طويلة، وقد لاحظنا ذلك في قصة تشارلز ديكنز (بين مدينتين) إذ فقد الدكتور "مانيت" مهنة الطب بعد سنوات من مكوثه في سجن الباستيل.
 لكن اية نظرية من نظريات علم النفس المعروفة يمكن ان تستوعب هذه الاعراض السايكولوجية المرضية وتستطيع تفكيكها؟ هل النظرية السلوكية للعالم جون برودوس واتسون بالتقليل من شأن البواطن والتُقيات وردود الافعال؟ أم النظرية التركيبية  لكارل جوستاف يونج الذي طور استنتاجات دارون حول اللاشعور؟ أم النظرية الترابطية لبافلوف وزميله ثورندايك عن الانعكاسات الشرطية للسلوك؟ ام ان الاعراض الاجتماعية للازمة السياسية التي تضرب سلوك المجتمع العراقي وتهدد بتدمير لوازمة الابداعية والاخلاقية، يلزمها علم خاص بها، ام حزمة من العلوم؟.
/قال لي اخصائي في علم نفس المجتمع، عندما كنت ابوح له بملاحظاتي هذه، نعم، هناك حاجة لامعان النظر في السلوك المضطرب للجمهور الناتج عن الازمة السياسية.. لكن ينبغي البدء باحالة ابطال الازمة نفسها من السياسيين والوكلاء والدعاة والمهرجين الى الكشف في مستشفيات التأهيل النفسي.
 وهكذا دخلنا حقل الالغام.
*******
"نعيب زماننا والعيب فينا ...
              وما لزماننا عيب سوانا".
الامام الشافعي





61
الاتحاد الوطني الكردستاني، مرة ثانية:
إغواء السلطة.. وغدرها

 ينتمي الاتحاد الوطني الكردستاني الى مجموعة الاحزاب الثورية لدول "العالم الثالث" التي قارعت السلطة الغاشمة، واطاحت بها، واستلمت السلطة عنها، مع خصوصيات الحال السياسي والقومي لاقليم كردستان العراق غير الخافية على احد، ومنها ما استقرت عليه قيادة الثورة، وسلطة الاقليم، بين حزبين نافذين، تقاتلا، ثم ائتلفا اخيرا لتقاسم الادارة في لزوميات شديدة الحساسية، وحدود شديدة التعقيد، وتطبيقات شديدة التداخل، تضاف لها الضغوط  والاختراقات والاملاءات الايرانية والتركية، ثم استحقاقات التغيير على مستوى العراق.
 وما كان لمثل هذه الشراكة بين الحزبين النافذين ان تمضي لعقد ونصف من العواصف، ويدخلان بها الى مرحلة التغييرات الدرامية على هيكلية الدولة العراقية بعد الاطاحة بنظام بغداد الدكتاتوري الشوفيني لولا مهارة وحُسن التحسبات التي صاغتها والتزمت بها زعامتا الحزبين، جلال طالباني ومسعود بارزاني، ولن تعتبر ملاحظة خارج الصدد القول بان لمام جلال فضيلة خاصة، معترف بها، على انضباط هذه الشراكة، وحمايتها، قدر الممكن، من سلبيات  وعوارض الانتقال من الثورة الى السلطة.
 ان تجارب انتقال احزاب الثورة الى السلطة غزيرة بالعثرات والانحرافات والصراعات، ويمكن التوقف عند ما حصل في جبهة التحرير في الجزائر، والحركة الشعبية "يونيتا" في انغولا، وغيرهما كثير، إذ استفحل الصراع في الحلقات الثورية القائدة، واستشرى الفساد في مفاصلها وانتهى كل ذلك الى انتكاس برامج التنمية ونمو الفئات الطفيلية بمحاذاة الطبقة السياسية المتنفذة، واندفاع الفوارق الطبقية الى مناسيب خطيرة، عدا عن النتائج السلبية لثقافة العنف (المقاومة) التي كانت مقدسة في مرحلة الثورة، وصارت عائقا في مرحلة البناء.

على ان شيئا من هذا حدث في تجربة الثورة الكردية وفي ساحتها قيد النظر: ادارة السليمانية والاتحاد الوطني الكردستاني، ومن البديهي ان نستدرك القول بان الساحة الثانية (اربيل) لا تخرج عن احكام هذه النتائج إلا في حدود التفاوت في الوقت، وربما في عوامل ذاتية معروفة.
 
احسب ان هذه المطالعة في التشابهات تقربنا من رؤية المعالجة المطلوبة لاوضاع الاتحاد الوطني الكردستاني، طالما ان هذه المعالجة ينبغي ان تتجه الى إصلاح القيادة ثم الى اجتثاث الفساد الذي يضرب مفاصلها ويفتت وحدتها، فالنظر الى مصلحة الشعب الكردي ولوازم حماية ادارة السليمانية تفرضان اجراء مراجعة نقدية صريحة يتخلى خلالها اقطاب "المصالح" عن امتيازاتهم وحيازاتهم التي حصلوا عليها خلال تبوؤهم المناصب غداة تحرر الاقليم (وتوزيعها على الفئات الشعبية الفقيرة) وليعودوا الى صف الشعب برصيدهم النضالي وسجلهم العريق في القتال والافتداء وخبرة السياسة والادارة، وضمان فتح ابواب القيادة امام الشبيبة المبدعة من النساء والرجال.
 بوجيز الكلام، إن إبقاء الحال القيادي على حاله والاكتفاء بالترضيات والتسويات الاخوية لن يبعد الازمة عن حافة الخطر.. ويمكن لاصدقاء القضية الكردية ان يراهنوا على انتصار الحكمة وروح التضحية في صفوف القادة الكرد الذين يديرون قارب الاتحاد الوطني الكردستاني.. والوقت يغري، ويغدر أحيانا.
********
" يمكن للمرء أن يفعل ما يشاء، لكنه لا يستطيع أن يريد ما يشاء".
شوبنهاور
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اهمية هذا المقال انه نشر نصا في جريدة (الاتحاد) الناطقة باسم الاتحاد الوطني الكردستاني وذلك يوم الثلاثاء 12/11/2013


62
الاتحاد الوطني الكردستاني..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعض ما حدث*

عبدالمنعم الاعسم

 قراءات كثيرة تناولت، وتتناول، دلالات التراجع المثير لتمثيل الاتحاد الوطني الكردستاني في برلمان الاقليم على ضوء نتائج انتخابات ايلول الماضي، وسيكون من السذاجة إفتراض الموضوعية والحيدة وعدم التشفي في جميع تلك القراءات، ومن السذاجة المفرطة القبول بالنظرية القائلة بان "هزيمة" الاتحاد ما كان لها انْ تحدث لولا الغياب الصحي لزعيمه ومؤسسه جلال طالباني، فان التصدعات في بنية الحزب حدثت منذ العام 2006 حين استقال نائب السكرتير، والمسؤول الثاني في الحزب، وبدأ يشيّد مشروعه السياسي الانشقاقي، ثم بدأ التهرؤ في هرم القيادة بعد سنوات  كان اكثرها مثارا للجدل تهديد جملة من القادة الحزبيين تصل الى تسعة بالاستقالة، وقد عولجت جميع تلك الارهاصات بالترضيات والمكرمات، لا بالاصلاح الجدي والجذري.

 سنقول ما يمكن اعتباره امرا معروفا بان وقفا سريعا لتدهور بنى وسمعة الاتحاد استعصت على قيادة مام جلال، الذي عرف بـ"التبصّر في السياسة واستشفاف الغاطس منها" كما قال باحث في الشؤون الكردية، وكان كل ما استطاعت طاقته الفذه هي إطفاء بعض التوترات في صفوف الحزب و"إصلاح البين" المؤقت بين زعاماته المتنافرة، والمراهنة على الوقت لكي يدير الرؤوس المتخاشنة في الحزب عن مدارها، لكن الانتكاسة الصحية للرئيس قلبت مسار المراهنة الى الضد منها وفتحت ابواب المخاشنات على مصراعيها.
 
وإذا ما شئنا تسمية الاشياء باسمائها فانه يجب القول بان ازمة الاتحاد الوطني الكردستاني تتمثل وتتمحور في قيادته السياسية وحلقات النفوذ في صفوف الكادر، وان مظاهر الفساد المالي وصراع المصالح والتنافس على المواقع والامتيازات لم تضرب الصف القيادي فقط، بل وفاقمت الصراع بين اجنحته وزعاماته ايضا، وسيكون مفهوما لأي محلل وجود استقطابات عشائرية وشللية في مثل هذه البيئة الحزبية، وفي مثل هذه التجربة التي تنتمي الى منطقة اقليمية تعاني من تدني مستويات الوعي الجمعي وتقاليد الحياة المدنية الحزبية الديمقراطية، كما تعاني من تغلغل الفساد في اوصالها.
 
والحال، فان المعطيات المتداولة عن الفساد المستشري في الحزب وادارته تفسر ما يؤكده قياديون في الحزب بان الجمهور المؤيد والمناصر له رد بمعاقبته (أو الانقلاب عليه) في الانتخابات الاخيرة حين لم يمنحه صوته، علما ان هذا الجمهور كان قد أطلق رسائل تحذير الى الحزب منذ زمن أبعد تتضمن الاحتجاج على السباق المحموم بين بعض القياديين الذين يشار لهم بالبنان على جني الثروة والقصور وتاسيس الشركات والمتاجر، حتى نُقل عن مام جلال (وانا أثق بمصدره) قبل مرضه الاخير قوله "لم اكن لأصدق يوما اني سأكون عاجزا عن مواجهة هذا الفساد والتخلص من المتورطين فيه".
حتى الآن، نحن ندور في توصيف الحال "المَرَضي" الذي يعانيه الاتحاد، وكأننا لا نقول شيئا جديدا، سوى التفكير في العلاج، وهو الامر المطروح للمناقشة في صفوف الحزب وخارجه، وبخاصة بالنسبة للذين ينظرون الى اهمية وخطورة الدور الذي يضطلع به كردستانيا وعراقيا، وحتى إقليميا، ويأملون اصلاحه ونهوضه على اسس راسخة، اخذا بالاعتبار انه يرث باسم زعيمه الكبير طالباني خبرة وسمعة ومكانة، وتقاليد ادارة، ورؤى موصولة بزخم قابل للتجديد، عدا عن عبقريته في التناغم مع متناقضين في آن واحد.

اما العلاج، والحل، فان المنطق المتفق عليه يؤكد بان العلاج ينبغي ان يستنبط من جنس المرض.. ولهذا حديث آخر.
*******
" الجنون هو أن تفعل ذات الشيء مرةً بعد أخرى وتتوقع نتيجةً مختلفةً.".
اينشتاين



63
الحل..
افكار للنقاش

عبدالمنعم الاعسم
 
 دائما، وفي كل مناسبة تخوّض فيها البلاد في بركة دم كارثية، أو تقف على حافة المواجهة والانفجار، يطرح السؤال "ما الحل؟" على طاولة الحوارات وعلى الشاشات والمنتديات، وعلى عيون المواطن. ودائما، نجد هذا الحل بسيطا ومتاحا في الجملة العمومية التي يقذفنا بها اصحاب الازمة: "الحل بان نجلس جميعا ونتفق!!" فمن (وما) الذي يمنعهم من اللقاء والجلوس، وثم الاتفاق؟ وهنا، فكل "آخر" يلقي بالمسؤولية عن استحالة اللقاء والحل على "الآخر" الثاني، فيتدثر سيناريو الحل بالجلوس المستحيل، ليصبح نفسه مستحيلا.
 
 وفي التفاصيل نسمع منهم ان الحل يلزم نقطة واحدة، لاغير، ان يتخلى "الآخرون الخصوم" عن عنادهم، ويتراجعوا عن منهجهم وانانيتهم و"ارتباطاتهم الخارجية" فيسقط هذا الحل من عالٍ في نفس البالوعة السابقة: "انا على حق، والاخر المذنب" فيما يتبارى فرسان الطرفين في لعبة موازية تتضمن تحشيد الخطايا التي يرتكبها "الاخرون" وتبشيع صورهم وتخوين نياتهم، وانه لا نفع في الانتظار، وآن الوقت لاستئصالهم والالقاء بهم الى المزبلة.. كيف؟ الجواب لا نقرأه ولا نسمعه في طي الكلمات والتصريحات، لكننا نترصده في السلوك الفئوي اليومي والتأليب الطائفي، ومن قراءة النوايا وزلات اللسان والايحاءات والتسريبات، كل "آخر" من موقعه.
 
 من هذه الجدلية، شديدة التعقيد والتداخل، سنكتشف، ونحن نقف على هاوية سحيقة من الاحتمالات المخيفة، اننا لا ينبغي ان ننتظر الحل من فرقاء الازمة، حيث عودونا على ان تكون حلولهم بمثابة حُقن للتهدئة، مرة، وللتجيش على بعضهم مرات، كما انهم (انتباه) لا يرغبون بنسف بيت العملية السياسية على الرؤوس، فهم الآن يقطفون من شجرتها الوارفة المناصب والشرعية السياسية معا، وان سحب بساط هذه العملية سيدفع القارب الى الغرق، وستكون الخسارة (وهنا يتمتعون جميعا بحسن التقدير) مكلفة وشاملة، وسيغرق "الاخرون" من الطرفين جميعا من غير استثناء، وربما خارطة البلاد معهم، ايضا.
 
 علينا ان نضيف لجملة التعقيدات هذه تعقيدا آخر لا يقل شأنا عنها ويتمثل في الصراعات العميقة الموازية داخل الكتل نفسها، فالحل المطروح لا ينبغي ان يسحق او يقلص او يقضم من نفوذ الجماعات والزعامات التي تشكل قوام الكتل.
 وبالنتيجة، فانه لا آفاق لحل الازمة السياسية في البلاد على يد اصحابها الذين، إذ يختلفون على كل شيء، فانهم يتفقون، حتى الآن، على امر واحد هو الحيلولة دون تفليش البيت (بيت الثراء والسلطة والوجاهة)على ساكنية، فيما تطلق البديهيات السياسية سؤالها المشروع "ما هو الحل البديل؟" السؤال الذي يتردد خارج حلبة الصراع بموصوفها، الفئوي والطائفي، ويُناقش في محافل ومنتديات واقنية، على نطاق واسع، ويمكن اجماله بمستويين:
                 
*المستوى الاول، هو الحل الذي يقدم كمقترحات الى اصحاب الازمة لكي يأخذون به، مثل المؤتمر الوطني، او اعادة النظر بالعملية السياسية بالتخلي عن المحاصصة، او الانتخابات المبكرة، او إقامة حكومة تكنوقراط محايدة، او اجراء التنازلات المتقابلة، وطبعا لم يأخذوا باي واحد منها، وينتهي هذا الحل الى شعارات سياسية معلقة على جاهزية الرأي العام لكي يفرضها عليهم، من غير كلفة ولا تكليف.
 
*المستوى الثاني، الذي يناقش بحذر شديد، ويتضمن حل التغيير السلمي في المعادلة السياسية وتركيبة نظام المحاصصة عن طريق حركة احتجاج توحد المجتمع، ريفا ومدينة وعسكرا، وتنخرط فيها قوى من العملية السياسية لكي يلقي باصحاب الازمة خارج المعادلة، وهو الحل الاكثر استجابة لمصالح الشعب ومطلب اقامة دولة العدالة والديمقراطية، وقد جُرب هذا الحل بمجموعة تمارين احتجاجية محدودة، واجهتها السلطات بالقمع والتضييق وتعاملت معها الكتل المتنفذة بالاهمال والتشكيك والتأليب، وانضم هذا الحل، في نهاية المطاف، الى سابقاته بموصوف الشعار، او الحلم.
 
 مشكلة الحل البديل تتمحور، لا في مبرراته وضروراته، بل في ادواته، فلا يصح ان تقترح معبرا للازمة لا تملك عدة كافية للعبور، وهنا يكمن الوجه الآخر لجدلية ومأزق الحل، أخذا بالاعتبار حقيقة ان ليس كل حل للازمة مأمون الجانب، فالبعض يتحدث، مثلا، عن الانقلاب العسكري، كمعبر، وهذا بعيد عن نقاشنا، وقريب من الخيال المستحيل.. الآن في الاقل.
********* 
"علامة العقل المتعلم هو قدرته على تداول الفكرة دون أن يتقبلها.". 
ارسطو   


64

آخر المهازل:
تسييس السياسة 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالمنعم الاعسم

 عندما نقول ان السياسة ابتُذلت وتمرمطت وانتـُهكت سمعتها على يد سياسيين ركبوها في غفلة من الزمن، وفي دورة الاقدار ومصادفاتها، فاننا نشير بذلك الى السياسة كعلم من علوم الاجتماع يعني بتوزيع وإدارة القوة والنفوذ في مجتمع ما، او في نظام من الانظمة، له استقلالية وتعريفات ومحددات وتطبيقات، شأن العلوم الاخرى.
 وعندما نتابع كيف يتسابق سياسيو الازمة في  تسييس قضايا لا تمت للسياسة بصلة مثل قضية تبليط شارع في حي مهمل، ونعبر عن احتجاجنا على ذلك العبث، فاننا نقوم برصد مشهد من مشاهد الفظاظة الصوتية للاختلاف بين السياسيين، ومحاولات نقل الصراع من مسار المشكلات ذات العلاقة بخيارات بناء الدولة الجديدة الى مسار التزاحم على كسب ود الناس او على تأليبهم، باساليب بالية وقصيرة النظر، بين مَن يعتبر مبادرة التبليط مِنّة على سكان الحي من الحكومة ومرجعيتها، ومَن يراها "حركة" دعائية مغشوشة لأصحاب الحكومة.
 والنتيجة الصارخة، هي ان الحكومة تشكو من محاولات خصومها (وهم شركاؤها ايضا) عرقلة اي اجراء او مشروع بناء او محاسبة موظف او تغيير ملاك اداري (وهو من حقها بل ومن واجبها) عن طريق تسييسهم الاعتبارات والاعتراضات واثارة الريب من حولها، فيما يشكو الخصوم، الشركاء، من ان الجهات الرسمية توظف كل خطوة او "منجز" يتحقق لصالح المواطن والبلد في الدعاية السياسية لقيادة الحكومة، مع انه التزام دستوري لها.   
 لكن المشكلة، تعدّت حدود القضايا غير السياسية التي تسيّس عن قصد وتدخل في عداد الخلافات والمماحكات والدعاية بين الحكومة وشركائها ، الى قضايا سياسية كبرى لا يصلح ان "تـُسيّس" الى الحد الذي يضيع معه الفاصل بين قضة التهديد الخارجي للبلاد وبين تبليط شارع في حي من الاحياء، او بين قضية الارهاب وبين محاسبة موظف مرتش في البلدية.. حتى بلغ الامر بعقد صفقات على النحو التالي: مرّر لي ميزانية العقد (س) أمرّر لك تبرئة الموظف (س) من العقاب الاكيد.
 قد يقال بان السياسة صالحة للتسييس، او انها تسييس في التطبيق العملي، وهي تبرر استخدام مختلف الاوراق  للوصول إلى تحقيق الأهداف، وذلك هو لب العمل السياسي لذا قيل السياسة فن الحكم و فن إدارة الصراع، غير ان ساحة الصراع السياسي في العراق اضرمت النار في كل المصطلحات السياسية ومعارفها، وبات الامر بالنسبة للملايين العراقية كما لو ان السياسة ضحك على الذقون، او كما انها عادت الى حقلها الاول الذي عرفت بها بالقول ان السياسة هي سوس الخيل. 
  وربما سوس دواب اخرى.
********
" الدجاجة هي أذكى الحيوانات، فهي تصيح بعد أن تضع البيضة".
ابراهام لنكولن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


خبر خاص


رائد حركة التنوير والتجديد والدفاع عن المساواة بين الجنسين 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشاعر الزهاوي.. في ندوة السبت

خاص
يقيم مركز الزهاوي للثقافة والتراث ندوة "الحملة العراقية لاحياء تراث ومكانة شاعر العراق الكبير جميل صدقي الزهاوي" وتشارك فيها وزارة الثقافة العراقية في اطار برنامج بغداد عاصمة الثقافة العرابية 2013 يتحدث فيها مختصون في تراث الشاعر الذي عرف بتمرده ودفاعة عن التنووير والتجديد وتوزع شهادات تقدير لشعراء بالمناسبة..
وذلك في الساعة الرابعة من مساء السبت 2/11/2013 على قاعة دجلة في فندق بغداد الدولي
وابلغ مدير المركز السيد عبد المنعم الاعسم "الاتحاد" ان هذه الفعالية ستكون باكورة فعاليات برنامجية  تستهدف احياء تراث الشاعر الزهاوي وانهاء فترة طويلة من الاهمال والتعتيم، واضاف، ان التركيز سيكون على الدور التنويري للشاعر ومساهمته في الدفاع عن مساواة المرأة بالرجل وتبوئه حركة التجديد والتخلص من الافكار البالية.
وقال الاعسم، ان احفادا للشاعر بادروا الى رعاية صنع تمثال كبير له كان قدد صممه الفنان الكبير الراحل محمد غني حكمت ونفذه الفنان سهيل الهنداوي وان مباحثات تجري مع مسولين في محافظة بغداد بهدف نصب التمثال في احدى ساحات العاصمة.





65
المنبر الحر / أشبه بفيلم كارتون
« في: 17:10 27/10/2013  »

أشبه بفيلم كارتون

عبدالمنعم الاعسم 

 مناقشات قانون الانتخابات تكشف عن فجوة عميقة في العملية السياسية اكثرر مما يتصوره العقل، وحتى الخيال. انهم يخفون انانياتهم طي الكلام عن الشفافية والعدالة والاصلاح، ويذهبون الى تحويل المناقشات الى فوازير تصلح لافلام الكارتون اكثر من أي شيء آخر. فما الفرق بين القانون الجديد قيد الجدل، وبين القانون القديم المنبوذ؟ المهم، ما يتسرب من زلات اللسان، ان المواطن في واد والخلافات المطروحة بين الفرقاء في واد آخر، حتى ان الجبنة التي يتقاتلون عليها سيجدونها قد تعفنت في نهاية المطاف.

 هذه السجالات وقبلها موضوع قانون الاحزاب، وقبل ذلك، ملف الاستجوابات، ومحاربة الفساد، ومناصب الوزارات الامنية، تدور وتدور وتدور ثم ترجع الى نقطة البداية، ثم تنام، وهكذا اصبحت صالحة للكتابة الكوميدية عن احوال السياسة في العراق، وقل مادة مثيرة لفيلم كارتوني مسلّ نتابع امتع مقدماته  ومفاجآته في الحديث عن تحالفات بين خصوم الامس، وطلاقات بين زيجات البارحة، الامر الذي يضع بين يدي كاتب النصوص مادة وفيرة، فسيعثر على كنز ثمين من المفارقات ولقطات المتعة والطرائف والمغامرات، واضطراب الاقدار والحظوظ، وتداخل العناد بالاستفراد بادعاءات القوة الفارغة والفضيلة الزائفة، واستعراض العضلات، مما يستهوي الاطفال ويحملهم على الالتصاق إزاء الشاشات الملونة وعيونهم مفتوحة على وسعها.

 ويمكن لفيلم الكارتون المقترح هذا، ان يجري مجرى المسلسلات التركية المدبلجة الباذخة من حيث غزارة الدموع وقصر التنانير، وفخامة صالات الاستقبال، ووجود اكثر من بطل يجلب الشفقة، لكي يتوزع الاطفال المشاهدين عليهم ويصفقوا لاي واحد يكسب جولة في التنافس، كما يمكن لهذا الفيلم ان يحاكي قصص ارسين لوبين من حيث احتشاده بالبطولات الفارغة والصفقات المفضوحة والتحالفات الفاشلة والنداءات الفضفاضة، وكلها في الاخير تقع في حبائل رجل الشرطة الذي لا يقهر، ولا يقلل من شأن هذه الافكار الكبيرة ان تحملها طيور صغيرة مشاكسة او حيوانات منزلية اليفة، فالصغار المولعون بمثل هذه الافلام يحبذون القطط والعصافير والفئران التي تناقش قضايا كبيرة تهم مصائر بني جلدتها.

 ويستطيع المؤلف الحاذق ان يستخدم تأثيرات صوتية من النوع الذي يجيّش عواطف الصغار. طبول. زعيق خفيف. حفيف اشجار. رعد. وذلك من خلال سيناريو يأخذ بالاعتبار الابعاد المكانية للحدث، مع مراعاة الحبكة والاقناع واللقطات المقربة في ثيمة الفيلم الذي يراد له ان يهيئ الاطفال الى النوم من غير كوابيس.
 ويحسن بكاتب السيناريو ان يركز على الهدف الذي تتصارع عليه، وتتسابق نحوه، جحافل القطط والفئران والطيور، وان لا يثقل رؤوس الصغار المشاهدين بالمقولات الفلسفية مثل السيادي والسيادية، او الوطن والوطنية، او المصطلحات الدستورية مثل الاستحقاق والفراغ، فان مكانة الفلسفة قد تراجعت، وسمعة الدستور قد تردت، وقد يجد بدائل عنها في اغان خفيفة لجوقة من الزرازير تردد اغنية “اللي شبكنا يخلصنا” بصوت كورالي منعش.
 
في احد افلام الكارتون الامريكية كان الهدف هو “جبنة” أخفيت طي سلة ملابس قديمة، فيما يبحث عنها اثنان من القطط كانا يعتزمان العثور عليها ويتسابقان اليها ليستأثران بها، وطوال وقت العرض يقدم مخرج ومؤلف وسيناريست الفيلم مشاهد شيقة، كان آخرها العثور على الجبنة وقد تعفنت.
*******
"البلبل لا يبني عشا في القفص حتى لا يورث العبودية لفراخه".
جبران


 

66
الظواهري والبغدادي.. اين الاختلاف؟

عبدالمنعم الاعسم
 
 رسالة زعيم تنظيم القاعدة العالمي ايمن الظواهري الاخيرة الى “المجاهدين” تُعد طورا جديدا في عمل وفكر وتكتيكات المشروع الارهابي الدولي، يختلف في صراحته (ليس في الجوهر) عن النهج المعلن للتنظيم، وربما ينحى (او يحاول ان ينحى) الى الواقع بتحريك الثوابت المعلنة عن مجاهدة “الكفار اينما كانوا” من خطوطها الحمر الى منطقة المناورة، وترشيد استخدام الرصاص والقتل بحسب الاولويات وعلى وفق التفريق بين عدو مهادن وعدو مقاتل، وحتى الى تحبيذ وقف النار مؤقتا على خطوط تماس بعض الانظمة “الكافرة” تبعا لدرجة عدائها أو لتوقيتات وضرورات الحرب على الجبهة الامريكية التي يصفها بـ “رأس الكفر العالمي”.

يتحدث الظواهري عن الجهاد بلغة المجادلة ويظهر ذلك جليا عندما يشير الى حلفاء امريكا فان قتالهم كما يقول “يختلف من مكان إلى آخر، والأصل ترك الصراع معهم(أي مهادنتهم) إلا في الدول التي لا بد من مواجهتهم فيها” ويتوقف عند الحالة الفلسطينية بقوله “الاشتباك الرئيسي والأساسي مع اليهود، وينبغي الصبر على الحكام المحليين في سلطة أوسلو قدر الإمكان”.

وفي عبارات وجيزة ومهمة وواضحة يرسم الظواهري خطوط التعامل مع الطوائف الاسلامية انطلاقا من تجديده التزامه بـ“اهل السنة” بوصفهم الدين الاسلامي الحقيقي وسواهم “منحرفون” لكنه يدعو بالنص  الى “عدم مقاتلة الفرق المنحرفة مثل الروافض (ويقصد بهم الشيعة) والإسماعيلية والقاديانية والصوفية ما لم تقاتل أهل السنّة” ويقضي “فليكن الرد مقتصرا على الجهات المقاتلة منها، مع بيان أننا ندافع عن أنفسنا، وتجنب ضرب غير مقاتليهم وأهاليهم في مساكنهم، وأماكن عبادتهم ومواسمهم وتجمعاتهم الدينية” وفي هذا يتأكد انه يعني خط زعيم تنظيم دولة العراق والشام الاسلامية ابو بكر البغدادي الذي يزاول كل هذه المفردات الاجرامية.

ويدعو الظواهري  إلى “عدم التعرض للنصارى والسيخ والهندوس في البلاد الإسلامية، وإذا حدث عدوان منهم، فيُكتفى بالرد على قدر العدوان، مع بيان أننا لا نسعى إلى أن نبدأهم بقتال” لكن اوضح صورة للتكتيك الجديد في رسالة الظواهري تظهر في الموقف من الانظمة الخليجية  وايران دون ان يذكرها بالاسم قائلا: “حيثما أتيحت لنا الفرصة لتهدئة الصراع مع الحكام المحليين لاستغلال ذلك للدعوة والبيان والتحريض والتجنيد وجمع الأموال والأنصار فيجب أن نستثمرها لأقصى درجة، فإن معركتنا طويلة، والجهاد بحاجة لقواعد آمنة، وإمداد متصل من الرجال والأموال والكفاءات”. 

يبدو من هذا السياق ان ترشيد الجهاد المسلح وإدخال مبدأ “العلاقات” في اولويات الجهاد يتضارب مع منهج مؤسس التنظيم وملهمه اسامة بن لادن الذي كان يقول “فغير السيف لا يجدي يميناً فتية الجيل” كما يتعارض مع التطبيقات اليومية لتنظيم القاعدة في العراق الامر الذي يطرح سؤالا مهما عما اذا كانت صحيحة التقارير التي تفيد بان ابو بكرالبغدادي انفصل عن الظواهري واتحد بقوى اقليمية وكيلا لها، تحت الطلب، على ارض العراق؟.

***********
“تأبَى صروفُ الليالي أن تُديمَ لنا ...
                       حالا، فصبرا إِذا جاءتْك بالعَجَبِ”.
الطغرائي- شاعر فارسي
 

67
المكالمات.. من يتنصت على من؟

عبدالمنعم الاعسم
تتداول كواليس السياسة والتنافسات كلاما حذرا عن انتشار ظاهرة التنصت "التكنولوجي" على المكالمات الشخصية، ليس فقط من الجهات الرسمية على الساسة وغير الموالين، بل وايضا، من قبل الجماعات السياسية على بعضها، بل ان الامر لا يقتصر على تنصت الكتل والزعامات على بعضها بغرض جمع المعلومات والتجاوز على الخصوصيات بل ويجري داخل التكتلات السياسية نفسها وبين الحلفاء انفسهم، .
 
وكان الموضوع قد اثير في وقت سابق من العام الماضي، والجديد الآن، هو ان معلومات صحافية كشفت عن سوق في عواصم غربية لاجهزة التنصت المتطورة، يرتاده سياسيون عراقية ووكلاء لهم لشراء اكثر تلك الاجهزة كفاءة مع اقتراب الانتخابات النيابية، الامر الذي يدخل في معارك الدعاية والتشهير وكسر العظم والتهديد بافشاء معلومات خاصة.
 
التنصت على المكالمات الشخصية جريمة يعاقب عليها القانون، ويرخص للحكومات ممارستها بقرار من محكمة معتبرة، ولأغراض محددة تتعلق بالامن الوطني وحالات الحروب والتهديدات الخارجية، وهي جريمة نكراء اذا ما استخدمت في الصراع السياسي والتشهير بالاشخاص، وقد قضى بتجريمها الاعلان العالمي لحقوق الانسان (المادة12) والعهد الدولي للحقوق المدنية (المادة 17) وحتى الدستور العراقي في مادته السادسة عشرة حين اكد احترام خصوصيات الافراد"
 
وبصرف النظر عن دقة دقة المعلومات المتداولة ومدياتها، فان تقنيات التنصت على المكالمات دخلت، بالتأكيد في الخدمة الحكومية، ومنها الى ساحة الصراع السياسي، كما ان استخدام هذا الشكل من جمع المعلومات، وتوظيفها ضد الاشخاص كبراهين اتهام يخالف مخالفة صريحة الاخلاق والمواعظ الدينية والكتب المقدسة، فقد حُرم التجسس على الناس  في القرآن الكريم بالقول: "ولا تجسسوا، ولا يغتب بعضكم بعضا- سورة الحجرات" وذُمّ ذلك من قبل الرسول في قوله: "إذا تناجى إثنان فلا يدخل معهما غيرهما حتى يستأذن منهما- نقله ابن عمر" والسؤال هو على اي فتوى اباح الساسة الاسلاميون لانفسهم التنصت على الاخرين؟ 
 
كثيرا ما نسمع الساسة المتصارعون انهم يملكون معلومات خطيرة "ودامغة" عن خصومهم، وبلغ الامر بتجار اعلام  واصحاب فضائيات ان يبتزوا سياسيين ورجال اعمال برسائل تؤكد انهم يملكون اسرارا "حية" سيمتنعون عن نشر وقائها في حال دفعوا الثمن، لكن بعض الوقائع جريمة..وبعض الثمن قطرة حياء.
*****
" لا تفتش عن عيب الصديق فتبقى بلا صديق".
جعفر الصادق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



68


الدكتاتورية سقطت..
الدكتاتورية لا تزال

عبدالمنعم الاعسم

 استمرار الميل الى "منطق" ولغة وسياسات صدام حسين من قبل المعارضين السابقين الذين يديرون شؤون الدولة الجديدة وينتسبون الى عهدها، وايضا بالنسبة الى  جمهور من الضحايا السابقين، ليس فقط امرا من مضاعفات خيبة الامل حيال حلم التغيير أو رد الفعل على اضطراب الاوضاع وعلى الحلل الذي يضرب مفاصل الادارة وقيم الوظيفة والشعور بالامن، بل هو ايضا اشتقاق من الاثر السايكولوجي العميق لحقبة الدكتاتورية  في الوجدان الجمعي للضحايا، وسيبقى هذا الميل قائما ومُعبرا عنه باشكال مختلفة، طالما يوضع في خانة "المسكوت عنه".
 في التجارب التي سبقت الحالة العراقية عكف المحللون الاجتماعيون على بحث مخاطر الاثار التي تتركها الدكتاتوريات  في سلوك الاجيال التي عاشت الاهوال تحت حكم القمع الطويل ومصادرة الحريات، وبين ايدينا نماذج من الدراسات والحلول القيمة من الارجنتين وجنوب افريقيا واسبانيا، والكثير منها انتج معارف طبية تطبيقية جديدة لمعالجة الضحايا والحيلولة دون ان يمارسوا حياتهم تحت تاثير تلك الحقب السوداء، والاهم دون ان يعاد انتاج ثقافة الدكتاتورية المهزومة. 
 وقبل تلك التجارب بعقود طويلة كانت تجريدات التأثر بالبيئة الضاغطة موضع دراسة طليعية من قبل العالم البايالوجي الروسي إيفان بافلوف في القرن التاسع عشر ونال عنها جائزة نوبل العام 1904 وتقوم على رصد تفاعل الانسان، والحيوان أيضا، مع التأثيرات الضاغطة واستمرار هذا التفاعل مع غياب مصادر التأثير واشكالها (سقوط الدكتاتورية) وكانت تجارب بافلوف على الفئران والكلاب في غاية الاهمية حول تحول المنعكس الشرطي (المظالم) بالتكرار لسنوات طويلة الى منعكس لاشرطي حيث يثير غضب الضحية حالما يتذكر المظالم مرة اخرى، وقد يقع في حالة الاعجاب الخفي بها.
 لكن ابو حامد الغزالي صاحب (تهافت الفلاسفة) لاحظ في إحدى بحوثه طغيان (الروح الخيالي) لدى الانسان مستشهدا بالكلب الذي يهرب بعيدا كلما رأى العصا إذا كان يضرب بها في السابق باستمرار، ما يبقي هاجس الالم قائما في اللاشعور حتى مع ابتعاد خطر العقاب، وقد اعتبر رد الفعل هذا بمثابة حشوة لنظرية ابن خلدون عن لجوء الضحية في حالات معينة الى الاعجاب بجلاده.
 وفي انتباهة لرسول حمزاتوف، يقول، ان أبناء قريته في اقاصي داغستان كانوا قد هجروا نبعا من الماء كان قد شهد مذبحة لعشرين من نسائهم، وكان الجيل الثالث من ابنائهم يرتعبون ذعرا كلما مروا بالنبع، وكان كثير منهم يضطرون للمشي يومين بدل ان يسلكوا الطريق عبر النبع مخافة ان يتذكروا بشاعة المجزرة، وقبل سنوات قليلة قال مراسل اجنبي كان قد التقى العشرات من العراقيين وتحدث اليهم عن مستقبل بلادهم، إن الناس هنا لم يخرجوا بعدُ من الكوابيس، وهم يتصرفون كما لو انهم في زنزانات.. وكدت أعد هذه الصورة فرطا من المبالغة، لولا ان بافلوف والغزالي وحمزاتوف سبقوا المراسل، الى تأويل ما تتركه القسوة في الاعماق.
 الدراسات الحديثة عن اثار الحقب الدكتاتورية على الشعوب تحذر من ميلين خطرين، اولهما، الاستمرار بالخوف من شبح الجلاد ، كما لوانه لا يزال حاكما، وثانيهما، الانحراف الى الاعجاب الخفي بالجلاد، كما لو انه كان بريئا.
*******
" من أَسْرَعَ إلى الناس بما يكرهون قالوا فيه ما لا يعلمون".
الاحنف بن قيس- صحابي
 

69
الاتحاد الوطني الكردستاني..
نتائج قيد المعاينة

عبدالمنعم الاعسم
 
لم أفاجأ بالنتائج التي اسفرت عنها انتخابات اقليم كردستان، ولم افاجأ، ايضا، بتراجع نصيب الاتحاد الوطني الكردستاني من المقاعد وانتقاله الى المرتبة الثالثة من حيث مناسيب القوى في الهيكل التشريعي للاقليم، لكنه من الصعب عليّ، كمتابع من موقع مستقل، ان اسجل ذلك التراجع على حساب رصيد مام جلال، الزعيم الوطني  والشخصية السياسية النافذة في تاريخ المرحلة، فلا اعده تراجعا في مكانته كردستانيا او عراقيا. ذلك شيء وهذا شيء آخر.
 ومن زاوية التحليل الموضوعي فان مبادرة قيادة الاتحاد بالاعتراف بالنتائج، حتى قبل اعلانها رسميا، والقبول بها على مرارتها، والتأكيد انها "لا تليق بتاريخ الحزب وموقعه ونضاله" تعني التفاعل مع استحقاقات هذه النكسة واستيعابها ، ليس من باب الاستقواء بالسلطة او التحالفات او ادوات التنافس التي استخدمت في السباق الانتخابي، بل بالمراجعة الجدية لمنظومة الحزب، السياسية والفكرية والقيادية، انطلاقا من الحقيقة التي يعرفها الجميع بان هيئة اركان الحزب كانت تقدم نفسها، في غياب مام جلال الصحي، كمجموعة غير متضامنة كفاية، ولا تعمل في نسق منسجم مع متطلبات معركة الانتخابات، في الاقل.
 في علم التعبئة المعاصر، يمكن ان يكون "الصراع" في الحلقة القيادية عامل قوة عندما يجري ادارته كنوع من التعددية في التفكير والمزايا والاختصاصات، بديلا عن الواحدية ومشيئة الفرد، لكن يبدو ان الاتحاد الوطني الكردستاني لم يستطع بناء هذه المعادلة بمهارة كافية، على الرغم من التأكيدات التي طالعناها عن وحدة القيادة ونفي وجود صراعات في صفوفها، وساكون اكثر وضوحا بالقول ان الاتحاد لم يتعامل مع الغياب الصحي لزعيمه الكبير ومع الفراغ الذي حصل بهذا الغياب بطريقة واقعية، ولا بخطوات جريئة، وبقي يدور حول الموضوع في تردد افقده ثقة جمهور واسع، عدا عن اصدقاء كثيرين له.
 وعلى الرغم من ان نتائج الانتخابات "السلبية" ليست الحكم النهائي على اهلية ونفوذ اي مشروع سياسي، ولا تغلق ابواب المستقبل امامه، إلا انها تكون حاكما فيصلا في حال لم توضع موضع المعاينة الصريحة، لكشف الخلل الذي حال دون تجنب التراجع والهزيمة، وبخاصة فيما تعلق بكفاءة القادة والكوادر، وفي المقام الثاني، في كفاءة الخطاب السياسي والتعبوي، وهذا ما تلجأ له الاحزاب العريقة التي تقرر تحويل الاخفاقات الى نجاحات، وبخلاف ذلك، فان إبقاء الحال على حاله، وتسويق التبريرات اللفظية، والتقاذف بالمسؤوليات، سيلحق الضرر بالمشروع  الطموح للاتحاد الوطني الكردستاني.
 وبانتظار المراجعة.
*****
"علمتني التجارب أن أولئك الأنقياء من الخطايا ليس لهم فضائل تذكر".
ابراهام لينكولن



70
المنبر الحر / من ملصقات 31/8
« في: 18:49 03/09/2013  »

من ملصقات 31/8

عبدالمنعم الاعسم

1- امناء بين قوسين
الاجهزة الامنية التي هُزمت في سجن ابو غريب، على نحو شنيع، امام قطعان منفلتة بلحى ودشاديش قصيرة، ارادت ان ترد هيبتها بطريق معكوس، ليس في ساحة المواجهة مع الارهابيين، بل في استعراض القوة و"العين الحمراء" امام متظاهرين يطالبون بحماية ثروة البلاد من التبديد والاهدار والفساد، فامعنت في مخاشنتهم، وايذائهم وتقطيع اوصال الطرق حيالهم، واستعمال العصي الكهربائية لجلد الفتيان واعتقال الناشطين، في واحدة من اختبارات الادعاءات بالتزام القانون والدستور والديمقراطية، وصدقية "التعاطف مع مطايبهم" كما نُسب الى رئيس الوزراء.

2- سيدة لا تخاف
في ساحة الاندلس كان ضابط قوة مكافحة الشغب متوترا ومستوفزا، يذكرني بضباط نظام الدكتاتورية في طريقة تعاملهم مع الناس. دفع سيدة ترفع علما عراقيا لم تكن قد عملت شيئا إلا اصرارها ان لا تتزحزح من الشارع. اقتربتُ منه لاطلب منه مراعاة القانون وحق الناس بالاحتجاج وتذكيره ان التظاهرة سلمية ومتحضرة وعادلة. تركني ليقول للسيدة المتظاهرة باستفزاز: "شتسوين هنا ويّه الزلم؟ انتي مره.. اكعدي ببيتج" احتجت السيدة المتظاهرة بأدب جم وقالت له: هل انت تعرف هؤلاء الزلم؟ انهم اشرف ابناء الشعب العراقي. انهم وطنيون ويحبون شعبهم. انظر لهم.. من منهم يحمل سلااحا او عصى . كلهم يحملون علم العراق وشعارات تطالب باشياء هي في صالحكم ايضا. بعدين.. ليش ما تروحون للارهابيين اللي يفجرون الناس.؟. ليش تعتدون علينا.؟. وهنا اغادر عليها مرافق للضابط بهراوة وضربها، واطاح بها على الارض.

3- جريمة ان تكون متحضرا
وعلى مرمى من هذا المشهد، في شارع النضال، كان شابان من المتظاهرين يجمعان القناني الفارغة من الارض في اكياس كبيرة، هي جزء من التزامات شبيبة التظاهرة ان يحافظوا على نظافة الشوارع والساحات التي يتجمعون فيها. يبدو ان ذلك لم يكن مريحا لصف من قوة "مكافحة الشغب" التي قبضت على احد الشابين، ومصادرة هاتفه، والتحفظ عليه، باعتباره ارتكب جريمة "يعاقب عليها القانون" ومن بين ايديهم كان الشاب يهتف: عاش العراق. لا تقاعد للنواب. لا مكان للارهاب. سلمية. سلمية.. كلهم حرامية. ما نتراجع.. ما نتراجع.. وضاع صوته الراسخ في ما وراء صف القوة السوداء.

4- الحق يتظاهر
هل رأيتم العائلة البصرية.. الأب وزوجته وابناءه.. التي سارت لوحدها في شوارع فرضت الشرطة عليها ما يشبه منع التجوال، متظاهرة ضد المهانة التي تعانيها الملايين، في ظل سلطات الفساد والمحاصصة والنهب واحتكار الامتيازات والخدمات والوجاهات؟ لقد مثلتنا هذه العائلة جميعا في صورة التحدي المُلهم بكفالة حق التظاهر والاحتجاج والتعبير الحر عن الرأي، واقترحت علينا ان نتعلق بأمل ان تقول الملايين كلمتها الفصيحة .. غدا ؟.
*********
"إننا بحاجة إلى الخيال كي نواجه تلك الفظاعات التي تفرضها علينا الأشياء".
خورخي بورغيس- روائي ارجنتيني


71
لم يكن العراق جميلا..
كما كان صباح السبت

عبدالمنعم الاعسم

 في استيقاظة، تحدث دائما في التاريخ، تستطيع الملايين المقهورة والمهمشة والمقصية تغيير اقدارها، وقد تتمكن من زحزحة بلاء يجثم على انفاسها، او، في الاقل، توخز رجل السياسة من موضع غطرسته لتقول له: قف، انت تتمادى.

في تلك وهذه، تجدد الشعوب دورتها الدموية، وتُحسّن صورتها كصانعة لمصيرها، وترفع مضنة القبح التي الصقها بها بعض ابنائها الموغلين بالفساد والغطرسة والتخلف ممن يديرون لعبة السياسة والصراع.
 طوال عقد من السنين توقف العراق عند صورة مستقبحة جرى تسويقها لكل الشاشات الملونة: هنا الفساد بكل اشماله وابطاله. هنا الطائفية بالالوان الفاقعة. هنا الارهاب والانتحاريين وحثالات القاعدة. هنا الموت اليومي الذي يرتكبه محترفون وهواة. هنا نصف الشعب موسر ومسؤولون وحمايات وحرامية ونصفه الاخر مدقع وشحاذ وخارج الصدد. هنا القتل على الهوية وعلى الشبهة وعلى الفراسة والقتل المخطط له بكاتم الصوت. هنا القضاء والعدالة والعقل في اجازة. هنا الثروات والعائدات الاسطورية والبطالة ايضا. هنا الصراعات الفئوية الشرسة علة كرسي او مقعد او مكان على شرفة المستنقع. هنا الوصاية والتدخل والاملاءات من كل دول الجوار وكل استخبارات العالم. هنا احتلال تُرصد بالعين، واحتلات لا ترى بالعين المجردة. هنا الساسة الذين يبيعون سمعة البلاد في اسواق الخردة. هنا وكلاء دول وممثلو مافيات وتجار مخدرات. هنا البلاد في عتمة ولا تصل الكهرباء الى المنازل فيما تستعد الدولة لتصديرها الى الخارج. هنا تباع الوزارات ومقاعد النواب والعقود والوجاهات بادنى سعر لها في العالم. هنا الحكومة والمعارضة والصحافة لا تملك اجوبة عن سؤال واحد: ما الحل؟. هنا الحل رهان ودوخة راس ودعوة مفزعة لجميع اللاعبين في ساحة الازمة السياسية. هنا معامل لانتاج الكراهيات للطوائف والقوميات والعقائد. هنا الذين يفجرون الكنائس والمساجد والحسينيات هم انفسهم يفجرون محلات بيع الخمور. هنا اجيال تولد ومعها حزام ناسف وقذيفة هاون. هنا القُبح، بوجيز الكلام
هكذا تحالفت فرقُ كثيرة، ومن منحدرات متضاربة، لإذلال الوطن، وتسويق هذه الصورة المخزية عنه الى العالم، فيما القى التاريخ مسؤولية تصحيح المشهد على حفنة صغيرة شجاعة من الابناء الذين آمنوا بان خلف تلك الصورة القبيحة المُصنعة لبلادهم خلفية تفيض بالجمال والرقة والعذوبة.. فخرجوا الى الشوارع صباح الامس الاول، الحادي والثلاثين من آب،  بارادة لا تقهر، وصوت كورالي صاف: العراق جميل. نحن هنا لتصويب المعادلة.. ولم يتراجع هتافهم النبيل بمواجهة صف من الشرطة كانت قد هزمتهم، قبل ذلك، حثالة من قطعان القاعدة في محيط سجن ابو غريب.
*******
"من يتصرف بدافع الخوف يظل خائفا".
روجر فريتس- اديب فرنسي





72
صمّوا آذانكم..
دوي في سوريا

 يبدو ان ساعة التدخل العسكري الخارجي في سوريا تقترب بخطوات متسارعة، مع تدفق التقارير عن  المذبحة الكيمياوية المروعة في غوطة دمشق، ويظهر للمتابع، بان العالم وحكومات المنطقة والغرف العسكرية الاستراتيجية منشغلة في حساب حال سوريا وجيرانها بعد الضربة التي يجري الحديث عنها بوصفها زلزالا سيغير الكثير من المعادلات.
فما هي مؤشرات الحرب الخارجية على نظام الرئيس الاسد؟.
*اجتماع عشرة من رؤساء اركان جيوش عربية واجنبية في عمان بغرض بناء تصورات للتعامل مع سوريا.
*تأكيد الرئيس الامريكي باراك اوباما في حديث مع سي أن أن بان الوقت الى "موقف نهائي" حيال سوريا.
*التحاق سفينة رابعة حاملة لصواريخ كروز الى الاسطول الامريكي في البحر المتوسط، والغاء اعادة سفين (ماهان)  العاملة في المنطقة الى قاعدتها في فرجينيا.
* تأكيد وزير الدفاع الامريكي تشاك هاجل على اعداد "خيارات التدخل" في سوريا  ووضعها على طاولة اوباما.
 على ان بغداد وحدها، من بين دول المنطقة، تتصرف كما لو ان الامر السوري لا يشغلها، بالرغم من انها الاولى على قائمة الاطراف التي ستدفع فاتورة التدخل، ففيما الغى اردوغان تركيا وملكا السعودية والاردن عبدالله بن عبدالعزيز وعبدالله الثاني جميع التزاماتهما وانصرفا الى ادارة الترتيبات الجديدة حيال سوريا، ، فان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي حمل نفسه الى خارج العراق في زيارة بروتوكولية الى الهند، في وقت تتزايد التقارير عن تدفق المزيد من النازحين عبر الحدود مع سوريا، ويشار في الاعلام الامني الرسمي الى تسلل مسلحي القاعدة الى العمق العراقي من سوريا، الامر الوحيد الذي يشغل الجهات الامنية.
 وعلى الارض، لا شيء يوحي باجراءات  عراقية وقائية تتناسب مع قادم الاحداث السورية الخطيرة، ما يثير استغراب المراقبين، عدا عن انه يثير تساؤلات حول تقارير مبكرة عن اتصالات بين واشنطن وبغداد لم تسفر عن اتفاقات على الارض، لكن تقارير امريكية تؤكد ارتياح الجانب الامريكي ازاء الموقف العراقي من الملف السوري، وهي تقارير لا تدخل في عداد الحقائق، لان الكثير منها يستهدف جس النبض ومراقبة ردود الافعال.
 في كل الاحوال نحتاج ان نصم آذاننا، فان انفجار سوريا سيكون مدويا، وثمة الكثير من شظاياه سيقع على رؤوسنا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ


73
باسم القضية..
المقدسة

عبدالمنعم الاعسم
 
لم يكن برام ستوكر قد تخيل ان هناك مخلوقات تمص دماء البشر قبل ان يلتقي عام 1890 بشكل عابر برجل يمص دماء ضحايا ليخترع من مشهده شخصية دراكولا التي تثير الفزع فرط قسوتها.
ان  ورثة دراكولا يبتدعون قضية مقدسة، صنمية، دينية او قومية او أخلاقية، ثم يستبيحون دماء الناس بذريعة الدفاع عنها، بلا محاكم، او تحقيق، أو اسباب لها ظلال على الارض، ولا يتورعون عن استخدام افظع الاسلحة واشنع الاحكام واتفه المخلوقات لتنظيم مذابح مسلية لهم باسم تلك القضية.
 مجزرة ريف دمشق اعادت السؤال عن سر اعجاب الحكام الطفاة بالسلاح الكيمياوي، وقبلها انفال حلبجة التي اتت على حياة خمسة الآف من القرويين الابرياء في رمشة عين، بين اطلاق الصواريخ وارتطامها بالارض، وقبلهما قرية جيرنيكا التي ارسلت الفاشية الفاجرة الى مزبلة التاريخ، ابطالها جميعا مصاصو دماء اخذوا امتيازات الجريمة من فتاوى ونصوص سوداء.
 اما "قضية" اسامة بن لادن التي ذبح من اجلها عشرات الالوف من العابرين واصحاب الحظ العاثر فهي بسيطة جدا.. تقوية عمود الدين.. بالسيف والتفجيرات والمذابح الجماعية وليس بالانتخابات والتصويت، ويحرص ان ينشد صبيان القاعدة بيتا كان قد الّفه من بحر الرمل، يقول:
 عمود الدين لا يقوى بتصويتٍ وتخذيلِ...........
                  فغير السيف لا يجدي يميناً فتية الجيلِ
 وامس الاول كشفت السلطات البريطانية عن مخالفة تحت طائلة القانون سجلت على الداعية الاسلامي الباكستاني المتطرف (اكاد اقول المنحرف) محمد فاروق نظامي الذي يقدم برنامجا في "الجهاد الشرعي" من اجل الدين من فضائية النور الاسلامية المرخص لها في لندن، وكان  يجيب عن أسئلة متعلقة بالإسلام يرسلها المشاهدون من كل أنحاء العالم، ولم يرمش جفنه وهو يفتي بانزال قصاص الموت بكل من لا يحترم العقيدة الاسلامية.
 "القضية" التي تستباح الدماء من اجلها تصنيع قديم لوحشية سكان الغابات، حين كان القانون الوحيد للبقاء على قيد الحياة هو ان تقتل، وتقتل.. القانون الذي يقول.. اذا لم تقتل فانك ستُقتل..
 والآن يريدون بنا العودة الى الغابة.. هذه هي القضية.
***********   
"لم يكتشف الطغاة بعد سلاسل تكبل العقول".
لورد توماس

74

المالكي..
والخطاب الاسبوعي

عبدالمنعم الاعسم

 القرار الذي اتخذه رئيس الوزراء نوري المالكي بتقديم خطاب اسبوعي "الى الامة" ينبغي ان ينظر اليه من زاوية الدواعي التي تقف وراء الاتصال الاعلامي بالمواطن، وبهذا الوقت بالذات الذي يسجل فجوة كبيرة بين الخطاب الرسمي (السياسي والامني) والجمهور، وهي دواعي صحيحة في العموم، اذا ما اعتبرنا بان الخطاب الاعلامي لكابينة رئيس الوزراء والسياسيين المقربين منه اخفق في تقديم اجوبة اعلامية مقنعة للاسئلة التي تدور في الشارع، وانه بقي يلهث وراء الاحداث، وتخلف عن الحضور الفاعل وسط الفواجع التي عصفت في اوساط الملايين العراقية.
 
الافتراض بان كابينة رئيس الوزراء تلمست (ثم اقتنعت بـ)عجز وتناقضات وتخلف ماكنتها الاعلامية مشكوك فيه، حتى الآن، فثمة تسويقات توحي بالرضا، والاقتدار، والاطمئنان ازاء الحال الاعلامي الرسمي او الممول من الحكومة، وثمة محاولات تهريب هذا العجز الى خانة الظروف الاستثنائية، او الى الهجمة الاعلامية "التآمرية" الخارجية، وثمة اصرار على التقليل من شأن ضعف وتضارب مكونات هذا الاعلام، وبخاصة السياسيين المقربين من المالكي الذين يطلقون رسائل متناقضة وانفعالية، ويتعاملون بفوضى وانتقائية مع اقنية الاعلام، ويخفقون كثيرا في الوصول الى دائرة مشغولية الرأي العام.
 نعم، هناك حاجة ماسة للاتصال المكثف بالجمهور من قبل الرجل الاول المسؤول عن القرار السياسي، وسيكون هذا الاتصال ناجحا ومثمرا كلما كان بعيدا عن لغة التبريرات وإعفاء النفس من المسؤولية ودفعها الى جهات اخرى، وكلما ارتبطت هذه اللغة بتحسن ملموس في اداء السلطات وتجانسها وبالخدمات التي تقدمها للشعب، وكلما اتسمت بالمراجعة والنقد والشجاعة في تحمل المسؤولية وبالاعتراف بالاخطاء والتقصير، وكلما نأت بنفسها عن ملف الصراع الفئوي والخصومات والمخاشنات بين الكتل واستخدام مفردات التهديد وليّ الايادي، وكلما ارتقت بالجملة الخطابية الى مستوى الوضوح والمباشرة وتسمية الاشياء باسمائها وتجنب الاشارات الموحية الشائعة بالتصريحات الرسمية والصحافة.
 وبكلمة، ننتظر ان لا تكون كلمات رئيس الوزراء الاسبوعية بمثابة تعليقات على الاخبار..وقد شبع العراقيون منها.. ولا هي مبالغات بما تحقق من "انجازات" .. ولا تفخيم لتدخل "نوع" معين من الجيران في شؤون العراق، وليس من شك في ان الرجل يعرف مثل هذه الموجبات، والخشية ان يقع في بروفات مقترحة من محيطين قد لا يقدرون معنى ونتائج النفخ في قربة مثقوبة.


75

فرضيات الهجوم
على المنطقة الخضراء

عبدالمنعم الاعسم

نصف ما قيل عن هجوم يُعدّه تنظيم القاعدة على المنطقة الخضراء لا يعدو عن كونه شائعات ومبالغات، وربما تمنيات ايضا، والنصف الثاني يتصل باجراءات بالغة الافراط  والتوتر لحماية المنطقة التي تضم مباني ومراكز حساسة اخطرها ادارة الحكومة والسفارة الامريكية، وكلاهما اتخذا احترازات استثنائية، فوق الاحترازات التي تتخذها اجهزة الجيش والشرطة في محيط المنطقة ومداخلها.
اما الحقيقة فهي التالية: ان تنظيم القاعدة الذي نجح في اختراق النظام الامني الوطني بعملية اقتحام سجن ابي غريب واطلاق المئات من عتاة الارهابيين والمجرمين صار على مشارف المنطقة الخضراء المحصنة، بل ان الكثير من المراقبين والدبلوماسيين والمحللين العسكريين اعتبروا المنطقة الخضراء ساقطة أمنيا، وان ثمة اكثر من خلية ارهابية منتشرة فيها تسهّل لهجوم استراتيجي يكسر شوكة كابينة رئيس الوزراء في عقر دارها، ويضرب هيبة الدولة في رمزها السياسي.
واللافت ان المواقع القريبة من تنظيم القاعدة على شبكة الانترنيت لم تشر الى عزم التنظيم على اقتحام المنطقة الخضراء، ولم تهدد بذلك، واكتفت طوال الفترة الماضية بترويج "مأثرة" ابي غريب لاثارة حماس مقاتليها وانصارها، في وقت يشهد التنظيم انتكاسات في شمال افريقيا واليمن وتتراجع مناسيب تطوع  الانتحاريين في عدد من دول العالم التي كانت ممولا بشريا للمشروع الارهابي العالمي.
وقد تكون احتمالات هجوم القاعدة على المنطقة الخضراء مبنية على قرار الولايات المتحدة غلق سفارتها في المنطقة بعد ايام من الهجوم على سجن ابي غريب، وايضا على تسريبات استخبارية عراقية عن خطة لهذا الهجوم، لكن واشنطن عادت الى نفي العلاقة بين قرارها وحادث اقتحام سجن ابي غريب، كما ان الجهات الامنية العراقية لم تعد تتحدث عن خطة القاعدة لاقتحام المنطقة الخضراء على الرغم من الاستنفار المضروب من حول المنطقة والذي يتزايد كل يوم.
والسؤال التفصيلي الذي يطرحه المراقب هو: هل تنوي القاعدة حقا القيام باقتحام المنطقة الخضراء؟ الجواب: نعم.. لكن مما هو معروف للمتابعين والخبراء ان هجمات القاعدة تتسم بالمباغتة دائما ولا تهاجم هدفا صار قيد التداول الاعلامي، فهي قد تهاجم المنطقة الخضراء لكنها ستتحكم بساعة الهجوم في الوقت الذي تتراجع اليقظة الامنية الى حد مناسب، وينصرف الساسة الى عراكهم الذي يُشغل الجمهور.
الحل، كما يشير خبراء مكافحة الارهاب، يتمثل في خطة عسكرية، مدعومة من الطبقة السياسية والمجتمع تتجه الى مداهمة اوكار الارهابيين قبل ان يتحركوا لتنفيذ هجماتهم الاجرامية..
وقبل ان يصلوا الى مكاتب الحكومة قبل موظفيها.
********   
"" الإنسان هو الكائن الطفيلي الوحيد الذي ينصب مصيدته الخاصة ويقوم بوضع الطعم فيها ثم يخطو داخلها". 
جون شتاينبك



76
المنبر الحر / قرأت لك: عن الحكام
« في: 11:07 14/08/2013  »
قرأت لك:
عن الحكام

 
عبدالمنعم الاعسم
 
*الحاكم الاكذوبة
“الجاي من العوجة. خيوله مسروجة. الضارب اسرائيل. خله دمها يسيل”.
من اغاني صدام حسين

*الحاكم المخدوع
“حينما ينعم الحاكم في أي دولة بالترف والنعمة، تلك الأمور تستقطب إليه ثلة من المرتزقين والوصوليين الذين يحجبونه عن الشعب، ويحجبون الشعب عنه، فيصلون له من الأخبار أكذبها، ويصدون عنه الأخبار الصادقة التي يعاني منه الشعب”... “يقلب الحاكم توجسه وغيرته من شعبه إلى خوف على ملكه، فيأخذهم بالقتل والإهانة”.
ابن خلدون- المقدمة

*الحاكم الطاووس
“الإنسان مجبول أن يرى في نفسه الفضل أو الامتياز على أقرانه في أمر من الأمور, فهو إذا وجد الناس يحترمون أحد أقرانه لصفة ممتازة فيه, حاول أن ينافسه فيها, فإذا عجز عن ذلك ابتكر لنفسه المعاذير وأخذ يقول بأن تلك الصفة لا أهمية لها, وأن هناك صفة أخرى أهم منها  وأنفع للمجتمع”.
علي الوردي-
مهزلة العقل البشري

*الحاكم المهووس بالعنف
 أن اللجوء إلى وضع الثقة في أساليب ‫العنف إنما يعني استخدام أسلوب للنضال يتميز الطغاة دائما بالتفوق فيه .تتميز الأنظمة الدكتاتورية باستعدادها ‫لاستخدام العنف الذي تستطيع به سحق الحركات الديمقراطـــــية مهما طال الزمن “.
جين شارب-
من الدكتاتورية الى الديمقراطية

*الحاكم المتآمر
“تحدثت إلى الفلاحين كفلاح. وإلى العمال كعامل. وإلى التجار كتاجر. وإلى اليمينيين كيميني. وإلى اليساريين كيساري. وإلى المزايدين كمزايد. وإلى المعتدلين كمعتدل. وإلى العجائز كعجوز. وإلى الأطفال كطفل ... وقلت لهم أن اتفاق شولتز مثله مثل اتفاقيات كامب ديفيد واتفاق سيناء وكل الاتفاقات تمت من وراء ظهوركم”
محمد الماغوط-
ساخطون ياوطني
 
*الحاكم العادل
“اهدي الى عمر بن عبدالعزيز تفاح لبناني، وكان قد اشتهاه، فردّه، فقيل له: قد بلغك ان النبي كان يأكل الهدية. فقال: إن الهدية كانت لرسول الله هدية، ولنا رشوة”.
التوحيدي-
البصائر والذخائر
 

جملة مفيدة
ـــــــــــــــــ
قرأت لك

/"حينما ينعم الحاكم في أي دولة بالترف والنعمة، تلك الأمور تستقطب إليه ثلة من المرتزقين والوصوليين الذين يحجبونه عن الشعب، ويحجبون الشعب عنه، فيصلون له من الأخبار أكذبها، ويصدون عنه الأخبار الصادقة التي يعاني منه الشعب"... "يقلب الحاكم توجسه وغيرته من شعبه إلى خوف على ملكه، فيأخذهم بالقتل والإهانة".
/ابن خلدون- المقدمة

/عجز
/"الإنسان مجبول أن يرى في نفسه الفضل أو الامتياز على أقرانه في أمر من الأمور, فهو إذا وجد الناس يحترمون أحد أقرانه لصفة ممتازة فيه, حاول أن ينافسه فيها, فإذا عجز عن ذلك ابتكر لنفسه المعاذير وأخذ يقول بأن تلك الصفة لا أهمية لها, وأن هناك صفة أخرى أهم منها  وأنفع للمجتمع". 
/علي الوردي- مهزلة العقل البشري
 أن اللجوء إلى وضع الثقة في أساليب‬ ‫العنف إنما يعني استخدام أسلوب للنضال يتميز الطغاة دائما بالتفوق فيه .تتميز الأنظمة الدكتاتورية باستعدادها‬ ‫لاستخدام العنف الذي تستطيع به سحق الحركات الديمقراطية مهما طال الزمن ".
/جين شارب- من الدكتاتورية الى الديمقراطية
/"تحدثت إلى الفلاحين كفلاح. وإلى العمال كعامل. وإلى التجار كتاجر. وإلى اليمينيين كيميني. وإلى اليساريين كيساري. وإلى المزايدين كمزايد. وإلى المعتدلين كمعتدل. وإلى العجائز كعجوز. وإلى الأطفال كطفل ... وقلت لهم أن اتفاق شولتز مثله مثل اتفاقيات كامب ديفيد واتفاق سيناء وكل الاتفاقات تمت من وراء ظهوركم"
محمد الماغوط- ساخون وطني


77
المنبر الحر / بغداد مساء السبت
« في: 22:54 12/08/2013  »

بغداد مساء السبت

 اينما تكون في بغداد هذا المساء، السبت العاشر من آب 2013 الرابع (الثاني. الثالث) من عيد رمضان ستكون على بعد ياردات من احد التفجيرات الثلاثة عشر التي ضربت المدينة، هذا إذا ما كتبت لك الحياة ان تكون سالما(بالصدفة طبعا) حيث وزعتها غرف عمليات "العدو" على ثلاثة عشرة ساحة ومزدحم وتقاطع طرق  وارصفة اوقعت مئات القتلى والجرحى.
 دعونا نبتعد عن اسئلة السياسة حول العدو الذي يعربد في الشوارع بلحى ودشاديش قصيرة ويقود سيارات انتحارية فتاكة، وحول سلطات سقطت في وحل العجز والتبريرات المكررة والاجراءات الوقائية المضحكة، وحول خطط امنية اختزلت الى عمليات اجلاء القتلى والجرحى وتنظيم وادارة الفوضى والهلع، وحول معارضي الصالات والكواليس النيابية الذين عكفوا على تسجيل النقاط على مخاصميهم وحساب مدخولهم السياسي مما حدث ويحدث، وحول ازمة سياسية صمم اصحابها (جميعا) على الحيلولة دون انهائها وعذرهم انها مفيدة لهم لجني الارباح حتى وإن كانت تلك الارباح مغمسة بالدم، وملوثة بالحرام والعلقم.
 ففي لحظات من هذا المساء، وبعيدا عن السياسة أعلاه، انتسبت بغداد الى مسرح الحرب، وسجلت نفسها في قائمة الدول المسبية على مر التاريخ. الممثلون والجمهور والقتلة والحراس يؤدون ادوارا خارج النص. حتى في المشهد الجنوني الغريب الذي تشكل من مواكب سيارات "اعراس" تصعد الى جسر الجادرية، وتنزل منه، وعلى سطوحها، ومن فتحات ابوابها، يمد صبيان اجسادهم وهم يرقصون بانفعال على صوت طبول مبحوحة، تختلط باصوات الانفجارات التي لاتبعد اعمدة دخانها سوى عشرات او مئات الامتار عنهم. حتى العرسان بدوا كممثلين في مشهد ميلودرامي. اما شرطي المرور في تقاجع جامعة بغداد فكأنه لم يسمع اصوات الانفجارات المروعة، فانصرف الى تسهيل مرور سيارات الاسعاف و ناقلات القتلى والجرحى بوجه خال من التعبيرات.
 بغداد لم تحارب، لكنها انهزمت هذا المساء في معركة غير متكافئة، مع قراصنة  متعطشين للدماء ومحترفي جرائم أغاروا عليها من سطور قرآنية فهموا انها تكفر امم، وتبيح القتل والتمثيل بالجثث، وقد رفعوا اشارة النصر فوق بركة دم وكومة اجساد محترقة.
 لقد القت المدينة المسبية بثوبها الذي فقدَ الوانه ولبست رداء يرتديه المهزومون من ساحة الحرب. هالت التراب على رأسها وناحت على موتاها الذين تساقطوا بلا معنى. وفي منتصف الليل، كان موعدها مع ساعات الصمت المخيف، حيث كفت المدينة عن التجوال، ونام ساسة المرحلة وسط حمايات يقظة.. لا يرمش لها جفن.
  بغداد، هذا المساء، ادارت عيونها في فضاء ملبد بالكوابيس.. وكأنها تشد الرحال للنزول من مجدها التليد الى الأسر.
*********
"تأبَى صروفُ الليالي أن تُديمَ لنا ...
                            حالا فصبرا إِذا جاءتْك بالعَجَبِ"

مؤيد الدين الطغرائي

 







78
كابوس في مجلس الوزراء
اسمه: "لجنة التحقق" 


عبدالمنعم الاعسم

 القضية تخص معاملات المفصولين السياسيين في مرحلتها النهائية، إذ اخترعت العقلية العقابية اغرب طريقة لإذلال اصحاب الحق بوضع شروط ومعابر مستحيلة تتزايد تعقيدا وغُلا كل يوم، وتلزم بها اللجان الوزارية التي هي الاخرى تمعن في ترويض صاحب المعاملة الذي القى به حظه العاثر على ابوابها. اما الاستشارية القانونية في الوزارات فانها تحولت من عنوان الاستشارة الى ساطور يقطّع اوصال الحق البائن للضحية على يد موظفين لا احد يعرف من اية مدرسة قانونية تخرجوا، وتشاء الظروف الكوميدية، ان يضطر معارضون سابقون (ادباء كبار ومقاتلون للدكتاتورية وقادة رأي وعلماء واكاديميون- اعرف العشرات منهم بالاسماء والوقائع) الى التخلي عن حقوقهم بمواجهة اجراءات المرمطة والاستهتار في سلسلة طويلة من الدوائر والموظفين المعبئين ضدهم، والبعض منهم شركاء سابقون لكباء مسؤولي الدولة في معارضة النظام السابق، ولم تشفع لهم اسماءهم وامجادهم في تسهيل اعادة حقوقهم ولا اقول تكريمهم بما يليق.. ثلاثة امثلة فقط  اسوقها معتذرا لاصحابها (الشاعر مظفر النواب. السياسي الكبير احمد الحبوبي. عائلة الشهيد صفاء الحافظ) 
 ساقطع مجرى الموضوع لاثارة فاصلتين حساستين، الاولى، لم اكن شخصيا ضحية للجنة التحقق، كما اشار زميلي الكاتب في (المدى) علاء حسن فقد تصبرت بالعناد على مراجعات مذلة ومضنية وماراثونية لثلاث سنوات متواصلة حتى احصل على قرار اللجنة، والثانية، هي حصول عشرات الالاف (وربما اكثر بكثير) على حقوق كمفصولين سياسيين ولم يكونوا كذلك، وقد مرّت معاملاتهم "الملتوية" بسهولة وشفافية من لجان الوزارات والاستشارية القانونية ولجنة التحقق وعليها تواقيع وزراء وموظفين كبار واعضاء لجان، وبعض اصحابها ممن كسب فرصا وامتيازات مطعون بسلامتها في جميع العهود، وبعضهم، حتى لم يراجع دائرة ولم يتحمل شقاء التدافع والمهانات ولعبة "صحة الصدور" سيئة الصيت، ويبدو ان قرارات لجنة التحقق غطّت هذه الحالات بضمير وظيفي بارد، ولا اغامر بالقول: بضمير فئوي او حزبي متواطئ.
 ولعل آخر ما توصلت له اللجنة من فنون التنكيل هو احتساب مدة الفصل من تاريخ اللجوء في بلدان اللجوء واهمال ما يزيد على عشر سنين كان صاحب المعاملة قد ترك وظيفته والبلاد قسرا وموثقة بكفاية من الشهادات.
 لجنة التحقق (ولديّ عشرات الامثلة والحالات والاسماء المعنية لضحاياها) هي جهة شبحية، او هي مقبرة سحيقة لحقوق مواطنين ينبغي تكريمهم ولا تطالهم شبهة التلاعب، وقد قامت برصد الوانهم السياسية، بمهارة انتقائية متناهية، فما إن تقلّب بضعة اوراق من المعاملة حتى تستيقظ لديها مجسات التمييز والتنكيل بهم، حيث لا يكفي ان يقدم اصحاب المعاملات وثيقة واحدة او اثنتين معتبرتين دليلا على حقهم في استرداد وظيفتهم، بل وصلت الى اكثر من عشرة وثائق من مختلف الجهات ومن اطراف الدنيا لتأكيد هذا الحق دون جدوى، فترفض جميعها. اما معاملات الاعتراض على قرارات اللجنة فانها اقرب ما تكون الى مضيعة للجهود والوقت والكرامات وطرق الابواب وهذه مفردات كوابيسية اضافية بالنسبة للمئات من اصحاب الاعتراضات.
لقد علمت من مصادر عديدة اثق بها بان اعضاء لجنة التحقق غير كفوئين (اعتذر عن توصيفات اخرى قاسية) ودون مستوى تحمل مثل هذه المهمة التي تتعلق بكرامات ومقامات وحقوق، وقد اطلعت على "نماين" متفرقة من عسفها والايغال بايذاء اصحاب المعاملات السليمة الوقائع، وسأذكر مثالا واحد، هو اعتراض سيدة (اسمها الكامل معروف عندي) لدى اللجنة على قرارها بشطب نصف مدة فصلها، للفترة من خروجها من العراق (1979) الى تاريخ قبولها لاجئة في بلد اوربي(1990) وذلك بالتشكيك في مغادرتها الاضطرارية للبلاد قبل وصولها الى بلد اللجوء. والمعاملة برقم (19248) بتاريخ(21/7/2013) والوثائق التي تثبت اضطهادها  ومغادرتها وموثقة من جهات رسمية هي الآتية مع تأشيرات اللجنة حيالها:
ــ شهادة اثنين من موظفي دائرتها لازالا في وظيفتهما كونها اضطهدت من البعثيين واضطرت الى ترك الوظيفة عام 1979(غير مقنعة من لجنة التحقق)
ــ كتاب رسمي من وزارة الهجرة والمهجرين بانها غادرت العراق قسرا عام 1979(غير مقنعة للجنة) .
ــ شهادات ميلاد اثنين من ابنائها ولدا خارج العراق في اعوام الثمانينات، موثقة من وزارة الخارجية العراقية(غير مقنعة).
ــ شهادة من حزب سياسي معتمد وعريق بان السيدة كانت عضوا فيه ملاحقة من اجهزة النظام السابق وطلب اليها الحزب الهروب الى خارج العراق.
ــ شهادات موثقة عن عملها خمس سنوات كمحاسبة لدى الحكومة السورية في الثمانينات(غير مقنعة)
ــ اكثر من شهادة تؤكد ان عائلتها تعرضت لتنكيل البعثيين في مختلف العهود بينها استشهاد اثنين من اشقائها واعتقال اربعة اشقاء اخرين. (غير مقنعة للجنة).
وفي الاخير ردت اللجنة برفض التماس اعادة النظر بقرارها.
/تفيد السيدة انها شكت لدى "مكتب شكاوى المواطنين" في مجلس الوزراء فنظر الى شكواها باهمال.. وقالت انها ستطرق باب ممثل الامين العام للامم المتحدة والاتحاد الاوربي ومنظمات حقوق الانسان بعد ان تأكدت بان لجنة التحقق وُضعت لمعاقبتها والاف غيرها.
   

79

سلبية المواطن..
محاولة تحليل

عبدالمنعم الاعسم

عندما يجري الحديث عن اخفاق الخطط والجيوش والاستحكامات الامنية الحكومية في لجم النشاط الارهابي الاجرامي لا يُسـَلط الضوء كفاية على موقف المواطن من هذا النشاط، حيث يحرص الخطاب الامني الرسمي على تسويق جملة اعلامية مبهمة وشكلية وافتراضية وغير موثقة عن التعاون بين المواطنين والجهد الامني، ومقابل ذلك، لم تعالج البحوث والمعاينات واقنية الاعلام والصحافة هذه القضية الخطيرة بالمراجعة والتدقيق والصراحة، فان الكثير من التفجيرات والتحركات المريبة للارهابيين تمر من غفلة المواطن، إذا ما شئنا تسمية الاشياء باسمائها.
نعم، المواطن مسكون بالخوف والقلق والغضب والحقد على المجرمين، لكن جميع هذه المفردات تنصرف بعيدا عن الاستعداد للتعاون مع السلطات، واحيانا تنصرف الى الغليان ضد تلك السلطات.
 علينا ان نثبت حقيقة وجود "إشكالية" في العلاقة بين المواطن واجراءات محاربة الارهاب، على الرغم من ان هذا المواطن هو ضحية لجرائم الارهابين ، بل الضحية رقم واحد لهم، حين تُصمم غالبية الهجمات لتكون مذابح جماعية وانتقامية للسكان والحياة المدنية، الامر الذي يفترض (نظريا) ان تتجه ردود افعال المواطنين الى مزيد من اليقظة والتعاون مع الجهات الامنية وان يصبحوا عينا راصدة للتحركات الارهابية، لكن شيئا من هذا لم يحدث في الواقع، وهو الشرخ البائن في النظام الامني الوطني الذي لا يقوم فقط على التشكيلات العسكرية وخطط الملاحقة والردع والقصاص، بل يدخل تعاون المواطنين مع الدولة في صلب عملية المواجهة، ولعله الاخطر والاهم من الاركان الاخرى لهذا النظام.
  سلبية المواطن حيال الحملة على الارهاب تتسم بالتعقيد، فالبعض الكثير منها يعود الى الموروث التاريخي للخصومة بين السلطة والمواطن وانعدام الثقة بينهما، وقد تكرست هذه الخصومة مع تنامي الشعور بثراء الفئات المتسلطة ورموزها وبذخ حياتها وتوسع امبراطورياتها المالية والعقارية، وتعالي وغطرسة وفساد حلقاتها في السلطة، فمن غير المعقول ان تطلب من المهمش والعاطل عن العمل والمهموم بتردي الخدمات ومصاعب المعيشة ان يتعاون مع سلطات يشعر انهافاسدة، وتذله وتحرمه فرص العمل والعيش الكريم، هذا عدا عما تتركه الخطط الحكومية الفاشلة من احباط بين المواطنين وفتور في الحماس للمراقبة والتعاون مع السلطات.
 على انه ينبغي ان ينظر لسلبية المواطن هذه بجدية وصراحة، وان تخضع للتحليل الموضوعي، على خلفية الانقسام الذي يضرب النسيج الوطني، فان إضرام حمية الانتماء الطائفي من قبل الاحزاب والزعامات السياسية اوجد ثغرات خطيرة في الشعور بالمسؤولية الوطنية إذْ تسلل الارهابيون عبرهذه الثغرات الى تنفيذ اعمالهم الشنيعة من دون اية رقابة مجتمعية، وليس من دون مغزى ان تجد الجماعات الاجرامية قواعد انطلاق لها في مزدحمات سكانية او احياء بعيدة عن حواضنها الريفية والقبلية.
 بوجيز الكلام، لا يمكن دحر المشروع الارهابي الاجرامي بالاجراءات الامنية والعسكرية وحدها، فان المواطن يشكل الركن الثاني في موجبات دحر الارهاب.. المواطن الذي يشعر ان الدولة بثرواتها وخيراتها هي دولته، وان السلطة في خدمته حقا.
******
" رحم الله أمرأ أعان أخاه بنفسه"
 ابو بكر


80

معادلة البارود والانفجار

عبدالمنعم الاعسم

 برميل البارود لا ينفجر لحاله ما لم ينغلق على احتقانات اكبر من طاقة سدّاده، آنذاك  لا بد ان ينفجر.. لهذه المعادلة الفيزيائية تجليات كثيرة:
 فان تحت سطح المأزق السياسي السائر الى المجهول، تتنامى قوى وشرائح، قبلية وحزبية وفئوية ودينية نافذة، تقيم في وضح النهار مستعمرات من المصالح المحمية التي لا يردعها قانون، ولا تصدها عن جشعها وسطوتها سلطة، فيما تمسك بعصب الحياة الاقتصادية وحركة التجارة والكثير من خطوط المال، وتشكل، بالاضافة الى ذلك، مفرخة للفساد والإفساد والجريمة والتهريب وتسميم الحياة السياسية.
 ويتابع المواطنون معالم ومشاهد البذخ الاسطوري والاثراء الفاحش لهذه الطغمة الفاسدة وافرادها، ويتناقلون روايات ووقائع عن النفوذ الذي تملكه في داخل الشبكة الحكومية وخطوط التعامل مع الجهات الاقليمية والدولية، والمفاتيح التي تديرها في السياسات العامة والتوظيف، وشراء الذمم، والواجهات والتشكيلات التي تتستر تحتها، والشركات الموهومة التي تدبر من خلالها اعمال السمسرة والنهب والنصب والتهريب واحتكار قطاعات تجارية ناشطة.
 وليس خاف على الجميع ان بعض ابطال هذه الشريحة الاخطبوطية يتمتعون بحصانة نيابية او سياسية او دينية، وان الكثير منهم يقومون ببيع وشراء الوظائف والتعيينات بما فيها المقاعد الوزارية، ومنهم من يحتكر القنوات المالية للمناسبات والمواسم، ولا يتورعون، مع كل ذلك، عن الظهور كدعاة ومبشرين للفضيلة والعبادة والدين.
 هذا مقابل تزايد افواج العاطلين والمهمشين والمحرومين والارامل والايتام وسكان احياء الفقر الذين يشكلون عالما آخر كأنه ينتمي الى عصور سحيقة او الى بلدان لم تصلها المدنية، بانتظار ان تتصدق عليهم الدولة المتخومة بعائدات النفط المليارية الاسطورية بفتات من فرص التشغيل وبعض المكرمات المغمسة بالاذلال.
 اننا حيال برميل من البارود والاحتقانات والجور، لا احد يعرف نتائج انفجاره، فيما يمضي النهابون في غيهم، وكأنهم لايعرفون معادلة برميل البارود والانفجار.
*******
" إن حظي كدقيق فوق شوك نثروه ...
                           ثم قالوا لحفاة، يوم ريح، اجمعوه"
ادريس جماع- شاعر سوداني


81

اتهمهم.. من دون استثناء

عبدالمنعم الاعسم
 
المذابح الرمضانية اليومية تنقل دائرة الضوء على وجوه الساسة الذين يديرون لعبة الحكم والمعارضة والتفاهمات والانتقادات والحمايات.
 السادة الذين يواصلون ملاعيب رفع الايدي والتحفظات والتصويت والزعل والتراضي، ثم  يعكفون على التلاعب بالالفاظ، وليّها،  وهم يستنكرون ما يحدث من فواجع.
 اصحاب السياسة والقرار الذين يتعاطفون مع الثكلى من الامهات والابناء والاباء، وتنقبض اساريرهم امام مهرجانات العويل، وضرب الصدور، ونشر التراب على الرؤوس، ويتابعون تجميع اشلاء الضحايا في الاكياس السوداء، ويعلقون عليها في عبارات من نشارة الخشب.
 اولئك الذين يعودن الى منازلهم وقد قاموا بواجبهم في الضحك على الذقون، قبل ان يطووا ملف المذحة في طي النسيان، ويستعدوا ليوم آخر يتشابكون فيه على خرقة مسح اسمها السلطة.
 عليهم، اولا، تدقيق فصيلة دمهم ما اذا تحمل قطرة من الغيرة الانسانية والشجاعة ليعلنوا انهم مساهمون بهذا الكرنفال الدموي، بتسهيل الاجواء والانشغال عن النشاط الاجرامي لقطعان الجاهلية والهمجية والانتقامية لكي تغير على الاسواق والمساجد والارصفة والمقاهي المزدحمة بالمواطنين الآمنين، وليعترفوا (وليعرفوا) ان الاجيال القادمة ستتبرأ من اصرة النسب اليهم.
 وحتى تتطابق الاقوال بالافعال، عليهم ان لا يبتسموا امام الكامرات، وان لا يتبادلوا رسائل التبريكات، ولا يتقبلوا تهاني العيد، ولا يظهروا على الناس بوجوههم وليستعيروا وجوها تصلح لاخفاء قطرة الحياء عن جباههم.
 السادة الذين تخرج فرق الموت والاجرام والطائفية الهمجية والتكفيرية من تحت قنفاتهم، او من مواخير ملحقة بمكاتبهم، او من قنوات للصرف الصحي ترتبط  بهرطقاتهم الدينية، او من عشيرتهم التي لملمت فروعها من سقط المتاع وانصاف المخلوقات الادمية.
 عصابات منظمة تقدم خدمتها لفريق متصارع، لكي يستقوي على فريق آخر، في لعبة  جمهورها هم ضحاياها، تتغير فيها الامكنة واسماء الفرق واهداف الهجمات، ورسائلها.
 السادة الذين تقول بيانات استنكارهم كل شيء، ولا تقول شيئا واحد هو الصحيح، انهم يتحملون مسؤولية هذه الدماء، دماؤنا، التي ليست ماءا، وليست رخيصة، وليست بلا فصيلة دم.
****
"من السهل أن تكون شجاعا عن بُعد".
ايسوب- اديب اغريقي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ



82

لماذا تصاعدت التفجيرات؟

عبدالمنعم الاعسم

 عاملان، داخلي واقليمي، وراء التصاعد الخطير في وتيرة التفجيرات الاجرامية، اما الذين يقللون من شأن احد العالمين فانهم إما لا يرون حقائق الاشياء على الارض، او انهم يتقصدون ذلك لتوظيف الموضوع في الصراع السياسي ومحاولة تحميل الخصوم السياسيين المسؤولية عما يجري، فقد خرج علينا ساسة ودعاة يتحدثون عن هذا التصعيد كمؤامرة اعدت في عواصم مجاورة بغرض تفليش الدولة الجديدة وضرب سلطتها، كما خرج علينا من الجانب الآخر من كان يتحدث عن مؤامرة للقابضين على السلطة لغرض خلق معادلات سياسية وامنية تتيح لهم الاستفراد بالقرار والحكم.
 العامل الداخلي مفتوح على التصدع الخطير في العملية السياسية  وتناحر مكوناتها وانخراط الطبقة السياسية في الصراعات الانانية والفئوية وتخليها عن المسؤولية التضامنية حيال الاستقرار واستتباب الامن،بل ولجوؤها الى تشكيل مجموعات ردع مدنية "طائفية" او التواطؤ مع جماعات ارهابية مسلحة والتنسيق معها، يضاف الى ذلك الفساد الذي يضرب ماكنة الدولة وحلقات خطيرة من المنظومة الامنية وعدم كفاءة الكثير من ملاكاتها وغياب الولاء الوطني للكثير من كبار الموظفين، وكل ذلك اعطى قوى الجريمة مساحة كبيرة للتحرك والاختراق واختيار الاهداف والتوقيتات بسهولة  لافتة للنظر، وليس ادل على ذلك من تكرار هروب عتاة المجرمين من السجون.
 اما العامل الخارجي، فانه يتعلق بتعقيدات الحرب السورية وظهور المجاميع الارهابية المسلحة على افضل ما يكون التسليح والدعم، والبعض منها مرتبط بالمشروع الارهابي في العراق حيث وجد ظروفا مواتية (في الجانبين السوري والعراقي) لاعادة بناء قواعده وشراء بعض شيوخ وابناء العشائر وتوجيه ضربات استعراضية للايحاء بان التنظيمات الاجرامية المسلحة عائدة الى القبض على معادلة الاستقرار في العراق، ويدخل في مكونات العامل الخارجي هذا الانشقاق الكبير في النظام الامني الاقليمي على خلفيات الاحداث السورية بين معسكري النظام السوري المدعوم من ايران وحزب الله من جانب، ومعسكر الثورة الذي يدعمه الخليجيون وتركيا من جانب آخر، وتحول الاراضي السورية، وبخاصة الحدودية مع العراق، الى متاريس اسلحة من كل الانواع الفتاكة.
 اللافت ان ادارة الحكومة في العراق تواجه صعوبات جمة في احتواء التداعيات الارضية لهذا الصراع ومستقبله، وتجنب اثارها، أو النأي عن دائرة النار التي تخرج يوميا عن الانضباط ، ويوما بعد آخر يصبح العراق مستوردا رئيسيا لفضلات ومنتوجات البعد الطائفي للحرب السورية، وتصطدم سياسته "الوسطية" المعلنة باستحالات يومية، اخذا بالاعتبار تدفق مقاتلين من العراق الى سورية ليتوزعوا بين قطبي الحرب هناك، وثمة الى جانب ذلك كله، غياب خطة طوارئ وطنية شاملة، تتجاوز الاعتبارات الفئوية والطائفية، وتحشد الطاقات والقوى والارادات لدحر الارهابيين ومنعهم من مواصلة تنفيذ حربهم الاجرامية ضد الشعب العراقي.
**** 
"في لحظات معينة لا تعني الكلمات شيئا، بل النغمة التي تقال بها"   
بول بورجيه- اديب فرنسي   

83
امريكا ..
وقضايا المنطقة

عبدالمنعم الاعسم

منذ زمن بعيد كان كيسنجر ينصح زعماء الشرق الاوسط"اذا ما ارادوا كسب ود العقل الامريكي" بوجوب التمعن في اتجاهات المصالح الامريكية والعلاقة بين تلك المصالح والسياسات التي تطبقها الادارات المختلفة في البيت الابيض، واللافت ان القليل من اولئك الزعماء اخذوا بالنصيحة، والبعض الاخر تعثر بها كما يتعثر الصبيان في اذيالهم، والنتيجة ان شيئا لم يتغير في تلك القاعدة، لكن الذي تغير هو الظروف التي عصفت بالمنطقة وادارت موازين الصراع من استقطاب الى استقطاب، وبخاصة بعد تراجع التحول في مجرى الصراع الدولي لصالح استفراد الولايات المتحدة بتقرير مصائر العلاقات الدولية.

وحين هبت عاصفة الربيع العربي، وُضعت السياسة الامريكية تحت الضوء الساطع، بين من يعتقد ان تلك السياسة تغيرت الى كفة حقوق الانسان والى تحقيق نظام دولي للعلاقات اكثر عدالة باعتبار ان استقرار العالم وانتصار الخصوصيات الوطنية من شانها ان تدحر الارهاب ودورات العنف وان تفتح اسواق العالم للشركات والاستثمارات والاملاءات الامريكية الجامحة.
 وبين من يعتقد انها لم تتغير، كقوة شريرة لصناعة نكبات الشعوب وزج الدول الصغيرة في حروب اهلية، وذهب الكثير من محللي وساسة المنطقة الى اعتبار ان الربيع العربي صناعة امريكية بامتياز، او انها خدعة امريكية انطلت على شعوب المنطقة لاشغالها بالثورات بعيدا عن مشغوليتها التاريخية في استعادة الحق الفلسطيني وتحرير الارادة القومية من الهيمنة الامريكية.
 وإذ اتسعت الهوة بين رؤى المحللين، جاءت الاحداث المصرية، المتمثلة بصعود وسقوط حكم الاخوان المسلمين، لتزيد تلك الرؤى تبعثرا وتباعدا، وكانت الاشارات الحذرة التي اطلقتها ادارة الرئيس اوباما حيال رئاسة محمد مرسي قد عمقت الخلاف في رصد طبيعة وآفاق السياسة الامريكية حيال مشروع الاسلام السياسي، واعاد الكثيرون الاذهان الى ان واشنطن هي من صنع ورعى نشوء الاحزاب الاسلامية في مفتتح الحرب الايديولوجية الامريكية ضد الاتحاد السوفيتي والشيوعي، وهي نفسها من سهل ودعم وجود تنظيم القاعدة وسلّحه في الثمانينات من القرن الماضي، وانه لاجديد في السياسة الامريكية حين تفصح عن تعاطفها مع اخونة الدولة المصرية.
 
اقول ان جميع هذه الرؤى تصطدم بنصيحة كيسنجر المبكرة، وهي نصيحة جديرة بالقراءة دائما، والآن على وجه التحديد، لان الادارات الامريكية، وإن تضاربت بعض مواقفها، لن تفرط بمصالح بلادها.. وهي إذ رعت التنظيمات الاسلامية الجهادية(مثلا) ثم انقلبت عليها، ثم عملت على ترويضها والحوار مع تيارات منها، ثم دعم بعضها، لم تكن تخذل تلك المصالح، كما اننا سمعنا (في السنوات الاخيرة) من يقول في واشنطن بانه ليس لدى الامريكان ثابت غير مصالحهم، وانهم لا يحتفظون بحلفاء مدى الدهر، بمن فيهم اسرائيل، في حال قررت مصالحهم ذلك.
 امريكا لا تحب شعوب المنطقة.. لكن هذه الشعوب لديها مصالح في ان تكسب الولايات المتحدة الى قضاياها..
 
والحكمة، ان تتكفى شرها.
***** 
"من لم يكن حكيما لم يزل سقيما".
سقراط




84

سؤال ساذج:
لماذا لم يثر العراق كما ثارت مصر؟

عبدالمنعم الاعسم

 ما حدث في مصر، من فعالية مجتمعية- عسكرية لتغيير السلطة "الاسلامية" لا يصلح ان يكون وصفة لمعالجة الازمة السياسية المستعصية في العراق، واحسب ان ثمة تبسيط وسذاجة وراء بعض الكتابات والتعليقات التي طالعتنا في الايام الماضية والتي تحضّ على تطبيق "ثورة" الثلاثين من حزيران المصرية في شوارع بغداد، أو تتمنى تحقيقها، فلا يمكن التعاطف مع هذه "التمنيات" إلّا في جانب تفعيل دور الملايين المهمشة واليائسة والمقسّمة لتصحيح مسار السياسة في العراق والحاق الهزيمة بمشروع العنف والتجييش والمليشيات والطائفية والارهاب.
 في مصر كانت سلطة القرار قد احتكرت من قبل حركة الاخوان المسلمين وعهدت الى رئيس الجمهورية محمد مرسي الذي بدأ تنفيذ خطوات "اخونة" النظام السياسي والقضم في الدولة المدنية العريقة حيث اصطدم بالجدار السميك للمعارضة الاهلية المدنية وسرعان ما تكونت جبهة سياسية واسعة لجهة انهاء حكم الاخوان، اخرط فيها الجيش والازهر والشارع فضلا عن احزاب وقوى المعارضة، الامر الذي يختلف، في عنوانه الرئيس وتفاصيله، عن احوال العراقز
 فليس في العراق سلطة قرار واحدة، ولا يمسك رئيس الوزراء (صاحب القرار من الناحية الدستورية) إلا جزءا من هذا القرار الذي يصطدم، في غالب الاحيان، بمعارضة السلطة التشريعية، وهي الاخرى تقبض على لعبة ادارة السياسة والقرارات من جوانب كثيرة ومتداخلة، زائد ان محاولات و "خطوات" اسلمة الدولة العراقية لا تتم وفق الصيغة الاخوانية، واحيانا تتم عن طريق مليشيات وهيئات وفتاوى بعيدا عن دائرة سلطة القرار، وبعضها يصطدم بعدم رضى اصحاب القرار السياسي.
 الى ذلك، فان المشروع الاخواني لاسلمة مصر اصطدم بمتانة المجتمع المدني(السوق. الجامعات. الثقافة. السياحة. المغتربون. موظفو الدولة..الخ)  وتماسكه وفاعليته، الامر الذي لا يقارن بالمجتمع المدني العراقي الذي يتسم بالهشاشة والضياع والسلبية لاسباب كثيرة اهمها، وابرزها، حالة الترييف الواسعة، المنهجية، التي تعرضت لها مجمعات المدن والحواضر، طوال ثلاثة عقود من الزمن، وجعل من محاولات بناء ركائز (منظمات) للمجتمع المدني عرضة لاختراق وباء الفساد والترزق والتسييس، بل ان الكثير من هذه الركائز تحولت الى عبء على المجتمع المدني.
 اما دور الجيش في في الاستجابة الى ارادة المجتمع المدني وتغيير اقدار السياسة فانه من السذاجة المفرطة التساؤل المقارنة، هنا، بين الحالتين المصرية والعراقية.. واما الذين فتحوا هذا الملف فانهم لم يقرأوا السطور جيدا.
******* 
"اليدري يدري".
مثل عراقي 

85

بعد مصر..
ماذا ينتظر الاسلام السياسي؟

عبدالمنعم الاعسم
 
ما حدث في مصر، الثلاثين من حزيران، دورةٌ ذا مغزى في التاريخ، كان الاسلام السياسي يقدم، حينه،  احدث نموذج تطبيقي له من على ماكنة جامحة، ظهر ان زيتها ليس كافيا للمضي اكثر من عام واحد.

هذا التوصيف لايمت بصلة الى البلاغة السياسية، انما الى بلاغة رد الفعل وقوانينه الفيزيائية (قانون نيوتن الثالث) والاجتماعية (التراكم) على حد سواء، حين يكون الفعل قد عبَر هامش المناورة الى حقل المواجهة، حيث حاول الاخوان إستعجال الغاء الدولة المدنية المصرية وتأسيس بنية دولة الخلافة على انقاضها، فاصطدموا بجدار المعارضة الموحدة، فلم يتراجعوا في الوقت الصح، وعندما تراجعوا بعد حين كانت الفرصة قد نفذت، وجاء حُكم رد الفعل وقراره في سيناريو يتكرر دائما، لكن باشكال مختلفة.

 وبعيدا عن بيانات الترحيب التي تواترت على العهد الجديد، فان الاسلام السياسي الحاكم (والمحكوم) في دول مختلفة اصيب بذهول وخيبة وهو يتابع كيف تتحطم حصون نموذجه المصري الذي بدا كوصفة مشجعة لدولة اسلامية تتحقق عبر "جهاد" الانتخابات، بدل جهاد المعارك  و"رباط الخيل" طالما تتمكن صناديق الاقتراع من تسويق شرعية ديمقراطية تتمدد  الى سلطة وتشريعات واجراءات دينية، وهذه الشرعية كانت آخر ما تبقى في جعبة الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي ليعيد، في اللحظات الاخيرة من حكمه، عقارب الساعة الى الوراء: انا الشرعية والشرعية انا.

 من اسطنبول وطهران والخرطوم جاءت اولى إشارات الامتعاض حيال انهيار حكم الاخوان المسلمين في القاهرة، الامر الذي يدخل في منطق الشراكة الطائفية غير المعلنة  في مشروع حكم الاسلام السياسي، وحتى الرياض، لم تكن بعيدة عن دائرة هذا الامتعاض، ولم يقلل ترحيبها المبكر بمبادرة الجيش المصري من الاضطراب المعبر عنه في مواقف انصارها وإعلامها وأقنيتها الدبلوماسية، هذا فضلا عن اضطراب مراكز الدعوة للاسلام السياسي واحزابه ومرجعياته، وليس من غير مغزى ان يطلق دعاة من باكستان وشمال افريقيا نداء المراجعة لما حدث.
 
وفي هذ المشهد يدخل نعي قوى التطرف والجهاد المسلح والتكفير والتجييش الديني تجربة الانتخابات وصولا الى حكم الخلافة، وهو موقف متوقع، اخذا بالاعتبار حقيقة ان هذا المعسكر (القاعدة وكل مسمياتها) قد فشل، قبل ذلك، في اقامة دولة الاسلام السياسي (افغانستان. العراق) وانتهى الى وصفة للرطانة والجريمة والعنف، ليتشكل، في نهاية الامر، سؤال تفصيلي.. الى اين سينتهي مشروع الاسلام السياسي بعد ذلك؟

انه سؤال لم يتأخر عن اوانه.. وليس سابقا للأوان، فان فشل اخوان مصر في التهيئة لدولة الخلافة قلـَب احشاء هذا المشروع وقذف بها الى كومة العقائد (والخيارات) المأزومة على مستوى العصر الجديد، اخذا بالاعتبار حقيقة ان التجربة المصرية الاخوانية العريقة تشكل محور هذا المشروع ومصدر الهاماته ومفرخة الجماعات والفِرَق التي تتبنى خيار اقامة الدولة الدينية، بما فيها تنظيم القاعدة. وليس سرا ان طلائع المقاتلين الاسلاميين في افغانستان  كانوا من اعضاء تنظيم الاخوان المصريين، وان فتاوى التنظيم بشرعة القتال كانت خميرة تجربة حركة طالبان واقامة الدولة الدينية هناك.
 
ومن منظار موضوعي، ينبغي القول ان مشروع الاخوان لم يُقبر الى الابد، كما لم يبق الباب مواربا امام عودة الاخوان الى السلطة، وقد يحتاجون الى ثمانين سنة اخرى من الجهاد تحت الارض وفي محافل المعارضة لكي يعودوا الى القبض على معادلة السياسة في مصر، ولنلاحظ، ان عاما واحدا من الحكم كشف عن تلك العاهة التي ضربت وتضرب المنظومات السياسية حين تصل الى الحكم فتقوم بطي وعودها التي تقدمها الى الجمهور، فلم يختلف حكم الاخوان من الصراع الفلسطيني الاسرائيلي (مثلا) عما كان عليه في حكم مبارك، حتى انه دخل وسيطا بين حركة حماس (التنظيم الفلسطيني للاخوان المسلمين) وحكومة نتنياهو في تشرين الثاني من العام الماضي غداة الهجمات العسكرية العقابية الاسرائيلية على غزة.

لقد حاول الاسلام السياسي المصري في عام واحد من الحكم ان يطبق بدائل ادارية حذرة تختلف عما كانت حركة طالبان قد اعتمدته وانتحرت فيه، وايضا عما يقوم به حكم الاخوان في السودان والذي انتهى الى نظام لا طعم له، والى عزلة خانقة وتخبط في السياسة والمواقف، غير ان جملة من الاجراءات والتعيينات الفئوية والاستعراضات الدينية، وطائفة من التأسيسات والتشريعات المبكرة لدولة الخلافة، استفزت القاعدة المتينة والراسخة للمجتمع المدني المصري الذي سرعان ما اتحد لسد الطريق على الاسلام السياسي من ان يحقق اهدافه، وسرعان ما انضمت اليه المؤسسة العسكرية، وثمة القليل من المتابعين من وقف عند مغزى وقوف الجيش المصري حائلا دون مرور مشروع الاسلام السياسي، فان "الجيش العقائدي" وحده مستعد للانخراط في مثل هذا المشروع، والجيش المصري لم يصبح بعد عقائديا في ظل حكم الاخوان.
 
لقد اصيبت عقيدة الاسلام السياسي، بهزيمة حكم اخوان مصر، في مفصلها الرئيس الذي يتمثل في  ترجمة الشعارات والمنظورات الى الواقع عن طريق السلطة "الشرعية" واخصاء المجتمع المدني، وستترك هذه الهزيمة اثارا عميقة في هذه العقيدة، لا يُستثنى منها فرقٌ اسلامية اخرى تجرب اقامة دولة دينية من بوابة صناديق الاقتراع، فان التمرين المصري افتتح العد التنازلي لهذا الخيار.
*****
 "يمكنك الذهاب إلى مدى بعيد بابتسامة، ويمكنك الذهاب إلى مدى أبعد بكثير بابتسامة ومسدس".
آل كوبوني- رجل عصابات امريكي



86
"الدوني" إذا استقوى

عبدالمنعم الاعسم

توقفت عن كتابة القصة القصيرة منذ ما يزيد على الاربعين سنة، قبل ان اتجه الى الصحافة والكتابة السياسية، واتذكر ان آخر محاولة قصصية لي، لم تكتمل، وكانت تتضمن محاولة موظف صغير “عيّن بالواسطة” وترقى بالمصادفة وصار يتحكم بزملائه ويمعن في إذلالهم، لكنه بقي يشعر بالدونية بسبب مؤهلاته المتدنية وكفاءته الضعيفة، بل ان الكثير من زملائه كانوا ينعتونه سرا فيما بينهم بما يشبه الوشوشة بـ”الدوني” فجاء الدوني، وذهب الدوني، وتغيّب الدوني، ويريدك الدوني، وقال لي الدوني..وهكذا، وقد توقفت عن اتمام القصة، عند هذا الحد، بعد ان اخفقتُ في تطوير الحدث وتنمية شخصية البطل قدما نحو الهدف الذي وضعته للقصة، آنذاك، وهو التحذير من الكلب إذا استكلب، ومن الدوني إذا استقوى.
الكثير من الناس المكافحين، الصادقين مع انفسهم، المشهود لهم بالكفاءة والمثابرة والنزاهة والنضال والفروسية، الواثقين من انفسهم، يمكن ان يترقوا، ويصعدوا سلالم الوظائف، او ان يشقّوا طريقهم الى ذرى المواقع الوظيفية او الاجتماعية، وهم يكسون موقعهم الرفيع بالحياء والتواضع ونكران الذات والعفة، ويتصرفون كما لو ان المرتبة العليا قد تزول يوما، وان فلك الاقدار قد يدور على نفسه خارج ما هو متوقع او منظور، فيسقط الاعلون اذلاء، ويرتفع الادنون كرماء، ويحل الحساب بمن تجبّر وطغى، فلم يجد اياما كافية للبكاء، فيما تجازي الحياة مَن عَدِل وعفّ فيجد متسعا من الوقت للحبور والرضى عن الحال والاعتزاز بالنفس. يلوم نفسه الناكر للجميل، الفاتك بالضعفاء، ويقنع بمصيره سليم السيرة نظيف الضمير.
في تلك القصة، التي بقيت عالقة في منتصف الطريق، طوال اربعين سنة، يركب الدوني كل ريح حتى وإن كانت تلك الريح صادرة عن مروحة، وهو يُظهِر لك وجها بشوشا وكلاما ناعما لمّا يكون مغلوبا، ويشهر لك اسنانا وخناجر حين ينقلب غالبا.
تربكه السلطة حين لا تكون في متناول يديه، وتسكره السلطة حين يمسك بخناقها.
يحترمك بافراط لمّا تدوس على رقبته وهو في موقع الضعف، ويبطش بك بلا رحمة حين تطأ ذيل ثوبه وهو في موقع القوة.
مشرع الابواب حين لا نحتاج اليه، وبلا ابواب عندما يعتلي اقدارنا.
ينادينا بالنشامى عندما يريد ان يصعد على اكتافنا، ويسمينا بالنفايات حين ندافع عن حقنا في ان نعيش بكرامة.
القصة التي كتبتُ بدايتها قبل اربعين سنة لم تكتمل، مثلما ترون، كما لو اني اكتبها الآن، إذ يقف "الدوني" بيني وبين الخاتمة.

87

متى يحكمنا الفلاسفة؟

عبدالمنعم الاعسم

 تستعد محافل اكاديمية وهيئات وورش تفكير في العالم للاحتفاء باليوم الدولي للفلسفة الذي سيحل في منتصف تشرين الثاني المقبل، وهو يوم اعتمد قبل تسعة اعوام من قبل منظمة اليونسكو التابعة للامم المتحدة لتشجيع المجتمعات على احياء علوم وادوات الفلسفة في حل مشكلاتها.. وبمعنى آخر تشجيع الناس على التفلسف.
كانت رسالة المديرة العامة للمنظمة، عام 2009 ايرينا بوكوفا  قد اكدت في كلمتها بالمناسبة "تقضي الضرورة أكثر من أي وقت مضى بأن يعاد التفكير في الأسس الحالية التي يقوم عليها التداول الحر للتنظيرات والممارسات".
 إذن تعالوا نتفلسف في ازمتنا، على الاقل بهذه المناسبة، ونقتحم دهاليز الرطانات والاسلاك الشائكة والمواقف المثيرة للاستغراب، والقرف ايضا، فان بامكان الفلسفة، كما تؤكد مديرة اليونسكو في رسالتها "أن تساعد، جنباً إلى جنب مع العلوم الإنسانية والاجتماعية الأخرى، في تجديد النقاش بشأن طرائق مزاولة هذا الحوار" ولنُدخِل الاوكسجين الى الغرف المغلقة التي يجري فيها طهي الحصى، وانتاج الصفقات، وتقاسم الغنائم، في وقت، كما تقول بوكوفا "غدت فيه المجتمعات تتعلم أكثر فأكثر العيش في بيئات متعددة الثقافات".. و "بات ينبغي بالفعل أن نستجلي مدى قدرتنا على أن نستفيد معاً من إمكانيات الربط بين ذهنيات جماعية وذهنيات منفردة".
  مرة اخرى، تعالوا نتفلسف قليلا، او نتحاور حول مأزقنا في رحاب الفلسفة وفضيلتها الذهبية ذات الصلة بالعقل ومبدأ الحوار، فان السياسة تأخذنا الى منحدر سحيق، وان بعض اللاعبين يستخفون بعقولنا، وبقدرتنا على ان نتفلسف، وان نقلب الطاولات، ونحتج، ونثير الاسئلة، وكما تشير السيدة بوكوفا فإن "إقامة حوارات فلسفية.. يعني أيضاً وقبل أي شيء آخر، أن توضع قضايا التنوع والكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان في صميم جدول الأعمال".
 كان حراس الحلقات الفلسفية الرومانية يمنعون السحرة من المشاركة بالجدال.. وكان اخوان الصفا والمعتزلة، قد سبقونا الى التفلسف في ما كان يستعصي حله بالسحر لنكتشف اننا (في العراق بخاصة) احوج ما نكون الى وصفة فلسفية لحالنا تتأسس على "التأمل" وهي الكلمة التي استهلت بها السيدة البلغارية رسالتها ذائعة الصيت، واضافت لها حشوة دسمة من الفروض، ستكون من عناصرها نصيحة ذهبية: لا ينبغي ان نسلم مقاديرنا لمن لا يعرفون احكام الفلسفة وقيمتها.. احكام استخدام العقل في حل المشلات التي تواجهنا.
فمتى يحكمنا الفلاسفة؟
*******   
" من النادر أن نفكر في ما بين ايدينا، بل نحن نفكر فيما ينقصنا".
شوبنهاور

88
المنبر الحر / لقاء اربيل.. بهدوء
« في: 11:02 11/06/2013  »

لقاء اربيل..
بهدوء

عبدالمنعم الاعسم
 
لا يمكن ان نعتمد على الكلمات الطيبة التي تبادلها رئيس الوزراء نوري المالكي ورئيس اقليم كردستان مسعود بارزاني، على اهميتها، لبناء مقاربة زاهية عن علاقة جديدة ستبنى بين المركز والاقليم، طالما ان النتائج الحقيقية للقاء ستتحقق، في الواقع، عبر ما تتمخض عنه اجتماعات اللجان المشتركة من تسويات ومعالجات للمشاكل ومن قرارات والتزامات قابلة للتنفيذ.
 وإذ يمكن اعتبار اللقاء بحد ذاته اختراقا لحالة التوتر بين الطرفين، وعودة حكيمة الى طاولة الحوار وامعان العقل في القضايا- الالغام  المعلقة قبل ان تتفجر، فاننا لا ينبغي ان نتجاهل السؤال التفصيلي عن الظروف التي سهلت هذا اللقاء، واضطرت القيادتين الى وقف استطرادات المخاشنة السياسية والامنية بينهما، وايضا، عن حاجة كل منهما الى التهدئة وتغيير المعادلات في الاتجاه الايجابي، في حسابات صحيحة في نهاية المطاف، فيما الظروف ليست دائما ايجابية لتحمي التسويات والاتفاقات من التحديات والاختراقات المضادة.
  فلا بد للمراقب الموضوعي، ان يقرر بان ثمة شعور تنامى في بغداد واربيل، بالخشية من نتائج القطيعة، ومن عقم ادارة الصراع والخلافات عبر الاعلام والتسريبات ولغة التهديد والوعيد واستعراض القوة، في وقت استنفذت هذه الادوات وظيفتها وكفت ان تكون ذي فائدة مضمونة لاصحابها، بل انها الحقت الضرر بهما معا، حيث اضعفت الحكومة الاتحادية والعراق كدولة وعرضت سيادته الى الخطر، وبموازاة ذلك، اضافت للتحديات التي يواجهها الاقليم تحديات اضافية، وهددت بعزلته وإشغاله بصراعات محلية واقليمية كارثية.
 ولعل تأكيد المالكي وبارزاني على الاحتكام للدستور كمرجعية للنظر في المشكلات المختلف عليها بين الحكومة الاتحادية والاقليم انما يضع العلاقة بينهما في السياق السليم، بحيث يمكن التقدم خطوات اخرى، عملية، الى وضع التفاهمات التي تستلهم روح الدستور، وبخاصة ما تعلق بمبدأ الشراكة في ادارة الحكم والقرارات موضع التطبيق، بعد ان ركنت جانبا وكادت ان تطوى، بل وحل محلها جوٌ من الارتياب وضعف الالتزام بموجبات الوحدة الوطنية، ودخل كل ذلك في استثمارات دول الجوار السياسية ومصالحها.
 على ان القول بان العبرة ليس في اللقاء ذاته بل في اهميته والتزام اطرافه بتعهداتهم، صحيح في جميع الاحوال، وقبل ذلك العبرة في ترجمة النيات الطيبة الى اجراءات ومواقف على الارض، وقبل هذا وذاك، فان العبرة من هذا اللقاء تكمن في ما يقوم به الطرفان من احترازات تضمن لجم الجيوب والاصوات التي عملت وتعمل على تلغيم معابر العلاقة بين الدولة والاقليم.. ولن ترم سلاحها، بسهولة، على اي حال.
******
" خير الدروب ما أدى بسالكه إلى حيث يقصد".
ميخائيل نعيمة 


89

الشيء ونقيضه..
في تحالفات المجالس

عبدالمنعم الاعسم

ما اعلن حتى الان عن الاصطفافات لتشكيل الحكومات المحلية، والتجاذبات، والمزاد العلني للمقاعد، يعطي المؤشرات الكافية على ان الشعارات التي رفعتها الكتل التي ادارت وستدير غالبية مجالس المحافظات حول مكافحة الفساد وذمّ المحاصصة والتركيز على الخدمات ليست مطروحة للتطبيق، والمجادلة، والخلاف، وليست من ضمن القضايا الرئيسية التي تحدد المناصب واختيار المسؤولين لها، في حين تتناقل الكواليس معطيات "مسلية" عن صراعات شرسة داخل الكتل نفسها لمن يجري تنصيبه في مواقع الحكومة المحلية، وليس لما ينبغي ان يحققه ذلك المسؤول من مكاسب للسكان والناخبين.
 قال النافذون واصحاب الحظوظ في دعاياتهم الانتخابية انهم سيكرسون جهودهم لتحسين اوضاع محافظاتهم، وسيسعون الى تحريك ماكنة الاصلاحات والعمل والاستثمارات والترميمات واستيعاب العاطلين عن العمل، فظهر، منذ البداية، انهم قالوا الشي، وينفذون نقيضه تماما: المنصب اولا، والمصالح الفئوية والذاتية والحزبية والعشائرية فوق مصلحة المحافظة وامنها واستقرارها، وعاطليها ومرضاها، وبعيدا عن معاناة سكان الاحياء الفقيرة والمهمشة  والمقصية عن المدنية وابسط مستلزمات الحياة.
 فاذا كانت البداية تؤسس لمنهج التحايل على الرأي العام، واستغفاله، والتعامل مع الوعود الانتخابية والتزامات الخدمة العامة كخرقة مسح، او تمارين للخطابة، فانه لا داعي للتساؤل عن النهاية، ومن حق المواطنين (كما اظهرت امرأة من على شاشة التلفزيون) ان يتشكى من شلل الادارات المحلية، وانشغال المسؤولين في توزيع المناصب، واعمال الزجر التي تزايدت على ابوب المسؤولين، وربما عن خيبة امل، اشار لها شاب عاطل عن العمل بقوله لمراسل تلفزيون "صدقنا وعودهم عندما قالوا انهم سيخدمون المحافظة فظهر انهم يخدمون جيوبهم".
 ولم تكن هذه التعريضات والانتقادات المبكرة بمثابة استباق متعجل لما سيحدث، او رجما بالغيب عما ستكون عليه الاحوال، لكنها استشعار مبكر لعلل الحكومات المحلية التي يراد لها ان تقوم على صفقات فئوية لاختيار مسؤولين في مواقع الخدمة بدل ان تقوم على ضرورة تشكيل فريق من الخبراء والاكفاء واصحاب الايادي العفيفة والمجربين في احترافيتهم ومثابرتهم وغيرتهم على مصالح السكان، من داخل الكتل وخارجها، وهو الامر الذي توقعناه..وراهنا عليه.
 ثمة، الى ذلك، مهزلة يجري توليفها بعناية، عنوانها (الاختيارات تجري في المركز) و"التحالفات تقرر في المركز"على الرغم من ان المركز يتخبط في الازمة التي انتجها.. وبضاعة المأزوم معروفة.
*******
"الدجاجة هي أذكى الحيوانات، فهي تصيح بعد أن تضع البيضة." 
ابراهام لينكولن

90


الجريمة هوية صاحبها

عبدالمنعم الاعسم

نحتاج دائما لنحلل شخصية هذا الذي يفجر السيارة المفخخة بمواطنين عابرين(او هؤلاء الذين يقومون بهذا الفعل الشنيع) لاهداف ليست ذاتية او فئوية،على اية حال، وهذا الحال، في رأيي، يدخل في دراسات السادية الاجرامية من اوسع ابوابها، وإن بذات خلفيات تتصل بالصراعات السياسية.
تعتقد كارين هورني مؤلفة كتاب “صراعاتنا الباطنية” الشهير ان القاتل من هذا النوع (الذي يقتل للقتل) يظن بان الضحية تابع لغيره، فيقتله او يروضه (يثير فيه الذعر) مثلما يروض البروفيسور هيجينز شخصية اليزا في رواية “بيجماليون” وتضيف “في تلك الحال تبرز قرون الشيطان اذا عبّر الضحية عن اية اشارة الى انه يرغب في الذهاب في سبيل حاله”.
الموجات المتوحشة التي اغارت على البشرية كانت تبيد شعوبا لا تخاصمها، وتتلذذ في ممارسة هذه النزعة. كان المغول، قبل سبعمائة وخمسين سنة، يتفنون في التنكيل بمن يصدف ان يكونوا في طريقهم، وكان الشر–يقول المؤرخ الالماني بيرتولد شبولر- يتطاير من عيونهم واعطافهم وهم يغيرون على السكان الامنين من غير تحديد، يقتلون ويحرقون ، لكي يجعلوا من ذلك رسالة الى كل من تلقي به الاقدار على طريقهم، وكانت عقيدة المغول بسيطة قدر ما هي وحشية: “اقتل اكبر عدد من البشر ممن تحت متناول يديك لتخيف غيرهم فيستسملون لك” .
وفي النظريات الجنائية يشار الى ان الجريمة من جنس مرتكبيها، وان الاسلوب الذي يستخدم في ارتكاب الفعل الجنائي يُستدل به الى عقيدة المجرم وافكاره، ولعل الكثير من محللي اسباب واحوال ودواعي ارتكاب اعمال الابادة الانسانية يعرفون ان ابشع الجرائم واكثرها فظاعة ووحشية، ولا يجوز التهاون حيالها، هي الجرائم التي يقدم عليها الفاعل بحق انسان يعرف انه بريء، وليس بينه وبين الضحية خصومة او حتى سوء ظن، وان الاقدار والصدف جمعتهما في مسرح الجريمة، وقد توصف هذه الافعال بالجرائم الانسانية، ويوصف مرتكبوها بالمجرمين المحترفين.
المهم، ان ثمة عينات اجرامية بين ايدينا، قد تساعد، اذا ما اخضعت الى معاينة الاخصائيين النفسانيين، في كبح هذه الموجة المغولية قبل ان تكرس نزعتها الاجرامية في التربة العراقية، الى الابد.
**********
“ليست حقيقة الانسان بما يظهره لك، بل بما لا يستطيع أن يظهره”.
        جبران خليل جبران
 ـــــــــــــــــــــــــــــــ


91
المنبر الحر / كلام الدم..
« في: 10:48 29/05/2013  »

كلام الدم.. 

عبدالمنعم الاعسم

 ما يجري على الارض هو الدم. بركة دم. اصوات ناقلات الجثث دم. سيارات الاسعاف وعربات الباعة دم. الارصفة دم. سلال الخضروات وحقائب التلميذات وواجهات دكاكين ملابس الاطفال دم.
 من اليمين رجال ملثمون بوجوه صفراء من فضلات البشر، وقد غسلوا ايديهم توا بزيوت الجاهلية وفتاوى اهل الدين الجديد، والغل الطائفي، وتخفوا عن الانظار حال انهيار المباني وتطاير الاجساد.
 من الاقصى، ساسة يكشرون عن افواه تفيض بالدم. يبحثون عن مكان على جلد الضحايا المحترق لتوقيع بيان استنكار يقول كل شيء عن مرتكبي الجريمة ولا يقول شيئا شيئا واحداعن مسؤولية اصحابه في هذه المذبحة.
 في الادنى، ساسة آخرون يتسلون سرا بلوحة بركة الدم. يتبادلون التهاني، ويبحثون في صور هذا المهرجان من الاشلاء عن ديباجة محبوكة يدسون فيها شفاء غليلهم.
 الى الشمال عويل نساء واطفال يكتبون بالدم فجيعتهم، ويتلون بالدم نشيد الاباء والابناء الذين سقطوا توا في المذبحة، ويحملون اسئلتهم الى مجالس عزاءعما جناه القتلى ليكونوا طعما للتفجيرات. 
 على نقالات الجثث دم ضحايا عابرو سبيل. احدهم شاب بنصف جسد  بعينين مفتوحتين في مدينة الحرية، وهناك  امرأة  في حي الصدرية حُملت بلا يد. تمزقت عباءتها ولا تزال لم تمت وهي تنقل الى مستشفى قريبة من الحي. قالت لرجال الانقاذ بصوت خفيض ومتقطع ومكلوم..اعطوني قطرة ماء.. وقبل ان يأتوها بالماء لفظت انفاسها.
 الليلة، السابع والعشرون من ايار، مات كثيرون في هذا المهرجان الدموي، وفقد المئات اطرافا لهم واجزاء من اجسامهم وبعضهم يحتظر مع اسئلته عما جناه، وعمن سفك دمه.
 نامت الملايين  العراقية هذه الليلة على مشاهد مفزعة ومروعة ومخيفة عرضتها الشاشات الملونة..
 ونام القتلة على  حافة بحيرة الدم يتبادلون كلمات الله في القصاص من الكفار والمرتدين.
 ونام اركان اللعبة السياسية متعبين من التفكير في تحويل بركة الدم الى لعبة سياسية.
*******
"المجرمون انواع.. واحد يرتكب القتل بيده.. وآخر يرتكبه بتبرير القتل، وثالث يستغله للحصول على الميراث".
مانديللا


 

92
المنبر الحر / الماضي
« في: 12:57 26/05/2013  »

الماضي

عبدالمنعم الاعسم
 
لا اعرف وصفة ناجعة لتنسيق الماضي. اعرف ان ثمة في الماضي بقع ضوء كثيرة بجانب بربريات كثيرة. واعرف ان موقفين متطرفين يطرحان نفسهما على طاولة الحوار دائما: الاول يحضّ على طيّ الماضي تماما بوصفه كابوسا، او عائقا، والاخر يدعو الى الاقامة فيه ابدا باعتباره ملاذا او ضرورة..تلك هي المشكلة التي تواجه ضمائرنا التي توخزها الاعمال الدنيئة التي ارتكبت باسمنا في معابر خطيرة للتاريخ، وتعترض مستقبلنا الذي نحتاج الى توطيد مسبقاته الرصينة والانسانية..
/في تجارب الاخرين ذات الصلة بهذا الموضع، عثرت على رسالة كان قد بعث بها الشاعر والروائي الالماني، ذائع الصيت "غونتر غراس" الى الكاتب الياباني الاكثر شهرة في بلاده والعالم "كينزابرو- أوي" ويتطرق منها الى الموقف من ماضي بلديهما، اللذان يتشابهان في إشعال حروب التوسع والعنصرية قبل انكفائهما الى الهزيمة النكراء.. يقول غراس:
"عزيزي أوي
قد يحدث لك الشيء نفسه: تتدفق الطلبات من جميع الجهات راجية أن أبجل، بكلمات أو بنص طويل، تلك التواريخ التي شهدت منذ خمسين سنة كيف انتهت الحرب العالمية الثانية باستسلام لا مشروط لألمانيا أولا ولليابان ثانيا. وبما أنني لا أحب أن تكون ردود فعلي تلبية لطلبات متعلقة بأحداث الساعة، فقد ارتأيت أن أكتب اليك، لأنك مثلي، فأنت من الجيل الذي عاش الحرب في سن الطفولة والمراهقة ودمغتنا منذ أبكر سني الصبا. كان علينا نحن الاثنين، إدراك أن ما بعد الحرب قد لا ينتهي أبدا. ومن عقد الى عقد، أصبحنا نحن الاثنين، ندرك أكثر بأن الجرائم التي ارتكبها الألمان واليابانيون تلقي ظلالا بعيدة المدى.
بودي أن أعرف كيف يتعامل الجمهور عندكم في اليابان، مع الماضي. ما الفوائد التي نجدها، عندكم، وراء مطلب - وهو غالبا مطلب عدواني عندنا في ألمانيا- أن توضع نقطة الختام النهائية على هذا الجدل.. فمن الذي يعارض، عندكم في اليابان، فكرة تنسيق الماضي بأقصى سرعة ووضعه في أرشيفات التاريخ؟
في ألمانيا الآن نقاش ساذج: هل ينبغي الإحتفال بالثامن من أيار بصفته تاريخ انتهاء الحرب ام بصفته يوم التحرير: أذكر أننا كنا في السنوات الأول لما بعد الحرب نتكلم بمراوغة عن "الاندحار" إندحار المانيا، وكنا نريد تحويل نهاية الرعب - التي لم تتحقق إلا بقوة السلاح - الى "ساعة الصفر" كما لو أنه كان بمقدورنا الاستئناف مجددا كوردة غضة، وكما لو أنه كان بإمكاننا الخروج من كل هذا بلا عقاب أو عاقبة. من المؤكد أن السؤال غير معقول. صحيح أن ألمانيا واليابان بلدان غنيان، لكن "خزينتهما" الثقافية أصيبت بفقر شديد. وحتى الآن لم يتجاوزا الانقطاع الذي حل بحضارتيهما. وهما لا يزالان مهددين من قبل متطرفيهما،على الأقل، بالعودة مجددا الى البربرية.
وهكذا، يمكن الاسترشاد بما كتبه غراس الى الحقيقة التالية: الماضي دروس.. وكل من يجعل منه تجربة ينبغي ان تُستعاد لا يعرف حكم عقرب الساعة.

93


فاشية حزب البعث.. وتجريمه

عبدالمنعم الاعسم
 
قانون تجريم البعث، الذي حكم العراق بقيادة صدام حسين اكثر من ثلاثة عقود، قيد المناقشة في مجلس النواب، من حيث المبدأ، وقبل الخوض في تفاصيله، امر سليم وصحيح وضروري ومبرر، ليس فقط بالمقارنة مع تجارب دول حكمتها فاشيات  ودكتاتوريات وانظمة عنصرية (المانيا الهتلرية. ايطاليا. اليونان. جنوب افريقيا..) وقضت بتجريم احزاب نظمها الفاشية غداة سقوطها، بل وايضا، لأن حفنة من البعثيين (جلادين سابقين. قتلة. ضباط اجهزة القمع. مقربين من صدام..) لا يزالون ينشطون لأعادة نظام القهر الفاشي بالسلاح والتفجيرات والتجييش واثارة الكراهيات الطائفية والقومية والاجتماعية والتحالف مع اكثر جماعات الارهاب توحشا وهمجية واجراما.
  فمثلما كان القتل والترويع والتمييز القومي والطائفي واستئصال الآخر واثارة الحروب منهجا في اساس نظام الفاشية الصدامية، ومكونا عضويا في سياساته وتطبيقاتها على الارض، فان التشكيلات البعثية، من ايتام صدام حسين، تواصل هذا المنهج، والترويج له، والتشبث به، وهي خارج الحكم، وطوال عشر سنوات من عمر السقوط ارتكبت هذه التشكيلات من جرائم العنف والاغتيالات واللصوصية ما يفرض على الدولة، والمجتمع،  والجماعات السياسية والاعلام التصدي لها وتجفيف مواردها البشرية والمعنوية والعمل على تفكيكها، ويعد التشريع الخاص بتجريم البعث الفاشي واحدا من فروض الوقاية إزاء الخطر الذي يمثله.
 وبموازاة هذه الضرورات، تبرز ضرورة، لاتقل خطورة واهمية عن تشريع قانون تجريم البعث ، وتتصل بالمعايير والمنظورات، ثم الاجراءات، التي تعالج فكرة التجريم والمشمولين بها، سيما ان السنوات العشر الماضية سجلت  وقائع وفيرة عن التخبط واللاعدالة والكيفية والكيدية "وحتى الطائفية" في التعامل مع افراد حزب البعث وكوادره وفي سبل وخلفيات اعادة ضباط ومسؤولي الحكم السابق من اعضائه الى مواقع الحكم الجديد، الامر الذي جعل هذا الملف فاصلة ساخنة في الصراع السياسي بين الفئات المتنفذة، والحق ضررا كبيرا بالمعادلة الامنية، بعد تسلل بعثيين مرتبطين بالمشروع الارهابي الاجرامي الى اكثر شبكات المنظومة الامنية والعسكرية  حساسية، وبالمقابل، جرى التنكيل والعزل لبعثيين سابقين، لاعتبارات طائفية او كيدية، فيما لم تجر مراعاة لاحوال بعثيين مدنيين وعسكريين انقلبوا على الدكتاتورية والبعض منهم حاربها، بل ان الكثير من هؤلاء أبعدوا عن مجالات الخدمة وجرى التفريط بخبراتهم في وقت البلاد احوج ما تكون لها.
 ولعل اكثر صور النفاق السياسي في التعامل مع حزب البعث وفلوله وانصاره برزت في لجوء كتل سياسية الى لغة التعاطف الزائف مع البعثيين، ومع الجمهور المحسوب على النظام السابق لغرض ضمان التصويت لها في الانتخابات، وبلغ بهذه الكتل ان تعارض حتى تجريم صدام حسين، وبعض زعاماتها صار يتمثل شخصية الدكتاتور وخطاباته خلال الحملة الدعائية الانتخابية، وهذا هو الوجه الآخر من النفاق السياسي لكتل وزعامات سياسية اخرى راحت تقرّب البعثيين، بمن فيهم الجلادين السابقين، وتزكيهم، وتدفع بهم الى مواقع حساسة لاعتبارات طائفية او عشائرية او مناطقية.. وثمة حالات رشوة وفساد وسمسرة مرت من هنا.
 غير ان ملف التجريم القانوني يفتح نفسه على ملف آخر اكثر اهمية وخطورة وتتصل بمستقبل ومصير حزب البعث في العراق.. فقد توفرت له فرصة تاريخية للانتقال من صيرورته حزبا فاشيا تحت قيادة صدام حسين الى اصوله كتنظيم سياسي مدني قومي حركي، وذلك حين سقط  الدكتاتور واخذ معه الى المزبلة دولة فاشية، بكل بُناها الايديولوجية والاقتصادية والادارية، وكانت الظروف الجديدة مهيأة لهذا الخيار، فيما كان الحديث يجري عن تغييرات في منهج واسم وقيادات الحزب وحصر مسؤولية جرائم النظام السابق بحفنة من جلاديه، لكن فلول الحزب وما تبقى من انصاره(من تشكيلات اجهزة القمع والسطوة والمنافع) تخندقوا في الالهام الصدامي الكاذب، ومضوا على طريق التجييش والرطانة الثورية والتآمر..
 وهل الفاشية غير سلسلة من عمليات تآمر ونداءات مثيرة للعواطف بغرض الوثوب الى السلطة، كما يعرضها موسوليني في كتابه عن "الفاشية والثورة الاجتماعية"؟.
 وأليس الفاشية غير وصفة،  كما يقول تولياتي "لحزب يدق طبول الحرب بلا كلل ودولة تحارب على الدوام"؟ وتلك هي المصاهرة الابدية بين حزبي هتلر وصدام لتجد تعبيرها في اساليب قهر المواطن ووأد وعيد وتعصيب عينيه، ثم العمل على اخصاء الحياة السلمية والتعددية والليبرالية في المجتمع، واستئصال القوميات والخصوصيات والعقائد ووضع الشعب كله قيد ارادة القائد الفرد الذي لا يُناقش ولا يكشف عن خططه لاقرب المقربين .
 ففي هذا العام 2013 يمرّ ثمانون عاما على صعود هتلر الى السلطة في المانيا (1933) وخمسون عاما على صعود البعث العراقي،لأول مرة، الى الحكم (1963) ولم تختلف اشكال هذا الصعود في الجوهر.. التآمر.. كما لم تختلف(إلا في التفاصيل) سبل بناء السلطة ودور الحزب الحاكم، وسطوة الفرد صاحب القرار الاول والاخير في مصائر البلاد، ومثلما ترك هتلر فلولا فاشية مؤتمنة على افكاره، ومسحورة بقوته و"وبطولته" لكنها صغيرة وهامشية ومنبوذة حيث حوصرت بطوق من التشريعات والثقافة والتعليم والاحتواء المنهجي، فقد ترك صدام حسين حفنة من اتباعه المهووسين باسمه و"امجاده" ممن شاءت ظروف التغيير بعد العام 2003 والسياسات العفوية واللامنهجية والطائفية والارتجالية التي سلكتها حكومات التغيير ان تكون لهم مكانة في المعادلات السياسية والامنية في مرحلة ما بعد سقوط النظام.
 وإذ انفض ملايين من اعضاء حزب البعث عنه، بعد سقوط الدكتاتورية قبل عشر سنوات وظهرت بوادر مراجعة جدية بين قياداته المدنية وبعض مثقفيه لانتقاد وتجريم الحقبة الدكتاتورية القمعية ولجهة تأهيله للانخراط في العمل السلمي والمدني، غير ان تلك البوادر سرعان ما ارتدت الى الوراء، وانتهت الى "صمت" المنادين بالمراجعة وهزيمتهم امام صعود نداءات الانتقام والحرب والمقاومة الارهابية والمضي قدما بقيادة عزة الدوري الى اشكال من الطائفية الهمجية والشعوذة (جيش النقشبندية) واوهام اعادة عقارب الساعة الى الوراء.
 في العام 1933 كان هتلر يقول.. ساجعل العالم ينتحر في هذه الصالة.. وفي العام 2003 كان صدام حسين يكرر ان الحملة عليه ستسقط لا محال.. فمن الذي انتحر؟ ومن الذي سقط؟.
 والمعاينة الموضوعية تكشف ان فاشية حزب البعث الذي حكم العراق ليس في منظومته العقائدية المجردة التي تضم نصوصا ورؤى ولوازم تعالج الشان القومي وقضايا التجزئة والوحدة العربية والنظام الاقتصادي المقترح للدولة، بل في الممارسات والتطبيقات التي جرت في ميدان السياسة والحكم، وفي الوصفة الصدامية للبعث على وجه الخصوص، ولا حاجة للاستطراد كثيرا في الفاصلة الصحيحة التي تقول ان الطغيان السياسي كثيرا ما يستند الى نصوص عقائدية مثالية (أو اجزاء منتقاة منها) يجري ليّها ومطّها وتأويلها لكي تلائم مشروع الاستبداد.
 تكفي الاشارة السريعة الى ان ابن لادن استند في بناء مشروعه الارهابي التكفيري الاجرامي على نصوص في القران والعقيدة الاسلامية، وقبله وظـّف ستالين وماو وبول بوت مقولات لماركس ولينين في بناء حكم الاستبداد والبطش، كما ان الرأسمالية من حيث هي نظرية للحرية ولنظام مجتمعي بديل للاقطاعية الهمجية تمخضت في اطوارها الصاعدة عن اقبح وابشع التطبيقات متمثلة بالاستعمار وسياسات إخضاع الامم وانظمة النازية والفاشية، والامثلة كثيرة على نماذج حكم وادارة وزعامة شرّعت للقهر بالاستناد الى مدونات نظرية للعدالة والمساواة والثورة.
 لقد أنشأت الصدامية نموذجا فريدا وصارخا للدولة الفاشية.. دولة يحكمها فرد واحد مستبد، وتديرها اجهزة مخابرات فوق القانون، وينأى الحزب الحاكم فيها عن موارده العقائدية المثالية ليصبح اداة امنية عمياء لقهر الشارع واستئصال التنوع وتكميم الافواه وسوق الملايين الى ساحات الحرب التي ما إن تتوقف في جبهة حتى تندلع في جبهة ثانية، وكانت حرب القهر القومي للكرد ابشع تلك الحروب، فيما حرصت هذه الدولة على ضبط الولاء لها بقوة الحديد والنار، وعلى ارشاء مواطنيها (او شرائح منهم) بفتات رخاء مؤقته ومكرمات مُذلة، تقدمها بسخاء حين تشعر بخطر التمرد عليها ثم تصادرها حين يبتعد هذا الخطر. اما في مجال الثقافة فقد اغارت الدولة الصدامية الفاشية على مواطن التعددية في الثقافة الوطنية ووضعت غالبية المثقفين الذين لم يتسن لهم الافلات من قبضتها تحت المراقبة والتهديد او الصمت او في صناعة التوصيفات المغشوشة للقائد المستبد.
 ومع حالة الاعداد للحرب، وهي حالة "طوارئ" غطت العقود الثلاثة من صعود الفاشية الصدامية (ولو بقي صدام لاستمرت الى الابد) فان اية معارضة او شبهة للاحتجاج حتى في ابسط اشكال لها تُعد خيانة وطنية تكلف اصحابها حياتهم، وبمرور الايام صارت الملايين العراقية، بالنسبة لصدام،  قطيعا ووجودا نسبيا، او كوسط مريب ينبغي مراقبته وترويضه على الدوام، بل انه (وعلى خطى هتلر) عني بالاطفال والصبيان على نحو استثنائي لكي يشبوا صداميين ووقودا لحرائق المستقبل ومتشبعين بالولاء المطلق له عبر قطعهم عن عائلاتهم وابائهم وحياتهم الطفولية البريئة.
فاشية البعث، في تطبيقاتها الصدامية، ليست تجربة سقطت مع سقوط صاحبها.. انها تظهر الآن في اشكال كثيرة من النوازع والانحرافات، والممارسات التي التي تتكشف في ميادين السياسة والثقافة والمجتمع، وتسعى الى اعادتها عن طريق العنف والتآمر والارهاب فلول منفلتة.
اقول تسعى، وليس كل من يسعى يصل.


94
عودة ممثلي الكرد..
اختبار للجميع

عبدالمنعم الاعسم
 عودة نواب ووزراء التحالف الكردستاني الى مواقعهم تعني اشياء كثيرة من ابرزها جدارة الحوار والاتصال المباشر والمصارحة في ايقاف التدهور في العلاقات بين الحكومة الاتحادية واقليم كردستان عند نقطة ملتهبة، بديلا عن القطيعة واطلاق الشكوك والتهديدات، وعن مخاشنات على الارض، تكاد، في كل مرة، ان تضرم نيرانا لا احد يعرف كيف يتم إخمادها.
 والمهم في هذه العودة، اولا، هو محصول الاتفاق المعلن بين التحالف الوطني، الحاكم، وممثلي حكومة الاقليم وتسمية الخطوات والاجراءات التي من شأنها نزع فتيل المواجهة وتهدئة خطوط التماس ثم الشروع بتنفيذ الالتزمات التي تقاسمها الطرفان.
 وثانيا، في ما ظهر من انضباط اعلامي ساعد ويساعد، اذا ما استمر، في استعادة الثقة عند الحد الادنى من الممكنات، ولجم محاولات التعكير والتجييش والتاليب والترويع، وتطمين الراي العام الى جدية التفاهمات التي تم التوصل اليها.
 وثالثا، في تنشيط فاعلية وعمل البرلمان ومجلس الوزراء والتقدم الى تسهيل عودة المقاطعين الاخرين على اساس التفاهم والحوار والتنازلات المتقابلة، ثم معالجة الملفات المعطلة واستئناف العمل الناشط في اطارات الحكومة بعد شلل وتوتر ضرب مفاصلها بالطول والعرض.
 ورابعا، في تأمين الحد الادنى من فروض ومستلزمات التهيئة للانتخابات البرلمانية التي يقترب موعد اجرائها، على اساس التنافس في الخدمة والوفاء للتعهدات بعيدا عن الخندقة والاثارة والتهميش  والاعتبارات الفئوية ومحاولات الاستئثار بالسلطة والامتيازات.
 معروف في السياسة، ان توقيع الاتفاقات بين فرقاء الازمات اسهل بكثير من ترجمتها الى اجراءات والتزامات وخطوات على الارض، وان الصعوبات تكمن في توفير النيات الجادة لتنفيذ نقاط الاتفاق، وكانت تجارب عقد من السنين العراقية قد اكدت ان الكثير من التفاهمات والاتفاقات التي تم التوصل اليها على طاولات البحث والتفاوض سرعان ما مزقت وطويت، ولم تجد طريقها الى التنفيذ.
 لماذا؟
 بوجيز الكلام، لأن البعض من الموقعين على تلك التفاهمات لم يكونوا مؤمنين بها.. وكانوا يتعاملون معها كقيود يتحينون الفرص للتخلص منها..
 فهل تغير الامر.. لنجرب ان نتفاءل.
*******
" ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه: البغي والنكث والمكر" .


95
جامعة كرينج البريطانية تفتح فرعا في جامعة جيهان/السليمانية


صوت العراق:
في خطوة الاولى من نوعها في أقليم كوردستان والعراق تم الاتفاق على برنامج مشترك بين جامعة جيهان/السليمانية وجامعة كرينج البريطانية ( ومقرها في لندن) بموجها يفتح جامعة كرينج فرعا في جامعة جيهان/السليمانية في تخصص:
Business Information Technology
فبعد اتصالات ومراسلات وزيارات متكررة بين الجامعتين استمرت لعدة اشهر قام لجنة متخصصة مشتركة (ووفق متطلبات معايير ضمان جودة التعليم في بريطانيا)  مكونة من 3 اكاديميين  من جامعة كرينج وعضو خارجي من احد الجامعات البريطانية الاخرى وممثل عن ضمان جودة التعليم في بريطانيا بزيارة رسمية الى جامعة جيهان في مدينة السليمانية في 13/04/2013. حيث تم خلال الزيارة عقد لقاء مع السيد رئيس جامعة جيهان/السليمانية الدكتور شيرزاد الطالباني والدكتور محمد صادق (المكلف بالاشراف على تنفيذ البرنامج) والدكتور ماركوس (المكلف ببرنامج تطوير الكوادر) وتم خلاله التداول في تطابق الجوانب الادارية والتنفيذية لهذا البرنامج لدى الجامعتين وأهم الاسباب الموجبة التي دفعت الجامعتين لعقد هذا الاتفاق وكيفية تنفيذ الجوانب الادارية والعلمية...للبرنامج, كما عقد الوفد لقاء مع اساتذة قسم علوم الحاسبات والتداول معهم  في المناهج الدراسية  وشروط ومتطلبات الاشتراك ومعاييرالتحاق الكادر التدريسي بهذا البرنامج وسير العملية التعليمية في  جامعة جيهان/السليمانية بعدها تم اللقاء مع مجموعة من طلبة جامعة جيهان/السليمانية والتداول معهم في الخدمات التعليمية والاكاديمية المقدمة من قبل الجامعة ....وكذالك اطلع اللجنة على الوثائق والاوليات المطلوبة لجميع تلك الجوانب.
بعدها تجول اللجنة برفقة السيد رئيس الجامعة واعضاء الهيئة التدريسية في الجامعة والاطلاع على القاعات الدراسية والمختبرات العلمية والمرافق الاخرى في الجامعة....
 
وقد صرح رئيس جامعة جيهان/السليمانية الدكتور شيرزاد الطالباني ان تنفيذ هذا البرنامج كان حلمه منذ اكثر من 6 سنوات وحاول جهده انجاحه وتطبيقه وبعد جهود مضنية تحقق الحلم الان حيث يستهدف العمل على خدمة البناء الاكاديمي على مستوى العراق وكردستان. وقال : بامكان الطلبة في جميع جامعات كوردستان والعراق الالتحاق في البرنامج المذكور ومن فئتين:
1-   من الناجحين من المرحلة الاولى في اختصاص علوم الحاسبات وبمعدل 60% فاكثر بعد معادلة المواد التي درسوها مع مواد السنة الاولى (التحضيرية) في جامعة جيهان/السليمانية واكمال باقي المتطلبات في المواد العلمية المطلوبة واللغة الانكليزية خلال العطلة الصيفية قبل بدء الموسم الدراسي في 01/09/2013.
2-    سيتم قبول الخريجين الجدد من الثانويات العلمية من اقليم كوردستان والعراق للعام الدراسي الحالي في هذا البرنامج في السنة التحضيرية في 01/09/2013 حيث يتطلب من الطالب دراسة السنة الاولى التحضيرية واللغة الانكليزية وبعد اكمال السنة الاولى وحصول الطالب على معدل 60% فاكثر سيكمل السنوات الدراسة المتبقية على اساس منهاج جامعة كرينج.



96
بيان عن التيار الديمقراطي العراقي حول احداث الحويجة
 
لا للارهاب والتجييش الطائفي.. لا لأراقة الدماء

 منذ ما يزيد على اسبوع فوجئ الرأي العام العراقي بتصاعد مفاجئ للتوتر بين السلطات الحكومية وحركة الاعتصامات في مناطق غرب العراق وتمركز هذا التوتر في مدينة الحويجة بمحافظة كركوك على خلفية التلكؤ من جانب الحكومة في الاستجابة للمطالب المشروعة للمحتجين والتردد في فتح مسارات الحوار مع مراجعهم الاهلية السلمية، ومقابل ذلك، ظهور انشطة مسلحة في ساحات الاعتصام لعصابات القاعدة وفلول النظام السابق، واطلاق شعارات طائفية متطرفة ودق طبول التجييش والحرب على النظام السياسي من قبل دعاة ورجال دين وسياسيين عبر وسائل الاعلام والمحافل المختلفة.
 كل هذا اضاف تعقيدات جديدة للازمة السياسية المتفاقمة اصلا، وضاعف من مظاهر الانشقاق السياسي في داخل العملية السياسية، لكن التطور الاكثر خطورة تمثل في الانزلاق الى خيار حل مشكلة الاعتصامات عن طريق القوة، فقد لوح معتصمون في الحويجة بالاسلحة والزحف الى العاصمة واطلقوا النار على القوات الحكومية، فيما اتسم رد الفعل الحكومي بالردع المفرط، بدأ بتهديد اجتياح ساحة الاعتصام وانتهى الى مجزرة راح ضحيتها مدنيون غالبيتهم من المعتصمين المسالمين، الامر الذي وضع المشهد على حافة المجابهة المفتوحة بين اهالي وعشائر منطقة الحويجة والقوات الحكومية، مفتوحة على مجابهة اوسع بين الحكومة الاتحادية ومناطق غرب العراق، مع ما حملته هذه التطورات من احتقان طائفي خطير ايل للانفجار في اية لحظة.
 وفي هذا المنحدر الجديد من الازمة السياسية برزت اصوات من طرفي المواجهة تتوعد بكسر الآخر واستئصاله، مهما كلف الامر من دماء وخراب، وتفكيك للسلم الاهلي، وتعرض سيادة ومستقبل البلاد الى الضياع، كما ساهمت اقنية اعلامية متحيزة، وتصريحات سياسية غير مسؤولة، في صب الزيت على النيران وإذكاء الكراهيات بين ابناء الوطن الواحد، وشاركت عواصم اقليمية في تأجيج الصراع باعلان انحيازها الى هذا الطرف او ذاك، فيما اكتفت مرجعيات سياسية واجتماعية بالتفرج على ما يجري،  او باعلان الاستنكار البارد وتقديم النصائح العمومية التي لا فائدة منها.
 ان التيار الديمقراطي العراقي، بقواه وشخصياته، ينظر الى ما جرى في الحويجة باعتباره طورا خطيرا في الازمة السياسية ومنزلقا الى خيار العنف والمجابهة الطائفية، ويدعو الى التعجيل بالعمل في اتجاهين، الاول، تعبئة الرأي العام وقواه ومنظماته وشخصياته في اعمال منظمة لسد الطريق على المهووسين بخيارات القوة والردع والتجييش الطائفي، ومنع زج الجيش في الصراعات الداخلية بعيدا عن مهماته الوطنية، والثاني، احياء وتنشيط مسارات الحوار بين الحكومة وحركات الاحتجاج السلمي في مناطق غرب العراق، واتخاذ الخطوات العاجلة لنزع فتيل التوتر وتحريم اراقة دماء العراقيين.
 
التيار الديمقراطي العراقي-
بغداد 25 نيسان 2013   


97

تمرين للحرب الاهلية

عبدالمنعم الاعسم

ما يجري في الحويجة خطوة اخرى الى الحرب الاهلية المفتوحة. حرب الطوائف ضد نفسها، والعقائد بمواجهة العقائد،والزعامات مع الزعامات، والمراجع ضد المراجع،  والاحياء الفقيرة بمواجهة احياء الموسرين، وباعة البسطات ضد تجار المخدرات ونهابي الثروة الوطنية، والجنرالات الذي تركوا حماية الحدود ودخلوا بدباباتهم الى الحارات ومفارق الطرق ضد الاشباح والملثمين. اما المسرح فهو بلاد تمتد من نقطة في اعلى زاخو يحرسها رجل من البيشمركة الى ساحل في ادنى الخارطة يحمل اسما انثويا، ام قصر.
كل الحروب الاهلية تندلع من شرارة صغيرة في وقت ما قد يكون غير مناسب ولا احد يعرف من الذي اختاره، وفي مكان ما قد يكون مزبلة، لا احد يجهل رائحتها وسمعتها، وسرعان ما تتحول هذه الشرارة الى لهيب عارم تلقمه الافعال وردود الافعال حطبا وضراوة، لكي تنتهي الى حرب الشعب الشاملة مع نفسه.. آنذاك فان الدم لا قيمة له.. ارخص من الماء.
 وفي كل الحروب الاهلية ثمة شعارات ومطاليب تبدو انها مشروعة وعادلة وتستحق التضحية  وضرورية بالمقاييس السياسية (المصلحة العليا. هيبة الدولة. حقوق الانسان. وقف التمييز. تحقيق العدالة. فرض القانون. الكرامة. غسل العار. التغيير السياسي..الخ) لكنها تنسحب من مبرراتها شيئا فشيئا، وتتساقط مفراتها الخادعة يوما بعد اخر حتى تصبح مارشات عسكرية وهوسات ونداءات انتقام وقتل  وطبول حرب، واسياد مدججون بكل نذالات السياسة.
الحروب الاهلية يلزمها تمرين، او سلسلة تمارين، يتدرب فيها المقاتلون على استرخاص الدم، ويختبر فيها الاسياد والوكلاء والدعاة طاقاتهم الخطابية الرنانة،  وتنشط خلالها خطوط التجارة الخلفية عبر الحدود، فترفع فواتير السلاح وحبوب الهلوسة، وتخفـّض، بمقابل ذلك اسعار البشر، فيما تجد مصدر عيش مجزٍ لحفاري القبور وباعة الاكفان وقراء ديباجات توديع القتلى في حفر تعد على عجل.
في الحويجة مسرح اللامعقول لتمرين خطير على حرب اهلية شاملة.. او -في حقيقة الامر- مسرح المعقول في نسخته العراقية: جنرات يهددون بالزحف الى الحويجة، ومهووسون في الجهة الثانية يهددون بالزحف الى بغداد، وفي ساعة الصفر حقق التمرين على حرب اهلية اولى نجاحاته، فقد سال الدم وارتفعت الاصوات بالانتقام.. وبدأت معامل الكارثة بتصنيع جيل جديد من الاصنام، وخارطة للعاقبة.. وما ادراك ما العاقبة.
********
"لا يمكنك مصافحة يد مقبوضة".
انديرا غاندي


98
المنبر الحر / بلاد.. في المزاد
« في: 22:55 11/04/2013  »

بلاد..
في المزاد

عبدالمنعم الاعسم

الصورة مفجعة، لكنها كوميدية ايضا.
 انهم ينتشرون في العواصم في مهمة لبيع البلاد في مزادات السياسة. اللقاء التلفزيوني لوزير المالية السابق رافع العيساوي يكشف هذه المفارقة السوداء. الكل يسعى الى "دولة صديقة" ليجد كرسيا له تحت حمايتها وعطفها، في وقت لم يعد العراق ندا، بالنسبة لجيرانه وشركائه في الامن الاقليمي، او دولة ناجزة الاستقلال والحقوق، وهو حسبهم يحتاج الى الوصاية و"الأرشاد" والحِجر، ولم يعد، مثل بقية الدول الاعضاء في الامم المتحدة، متحكما في مصيره،  وهو "دولة مشاكل" كما كتب عنه صحفي كويتي واضاف "يجب وضعه في غرفة العناية المشددة" او انه كما قالت صحيفة اخوانية مصرية (العدالة) خرج عن الانضباط ، فيما كشف روبرت فيسك كاتب الانديبندنت عن اتصالات تجري بين عواصم الخليج لبحث "تغييرات" في العراق.
 الغيرة على البلاد هي نقطة حياء.. هذا في الاخلاق، أما في المصالح فانها ضمانة  بان العراق دولة مستقلة، وليس ملكا مباحا لتفرض عليه مشيئات من الخارج.
 اقول: في كل الاحوال، وقبل منع الدول المجاورة من ان تدوس بنعليها على ميثاق الاعضاء في الامم المتحدة وتأخذ لنفسها حق الوصاية على بلد مستقل كالعراق، يجب منع اهل العراق من الساسة والمتنفذين واللاعبين واصحاب القرار والكواليس، من الاستطراد في الشحادة باسم العراق، وساكون واضحا بالقول: ان الدول المجاورة تستضعف العراق ليس في حلقات قوته العسكرية او البشرية او الاقتصادية، وإنما في جوانب اخرى تتعلق بالسياسات والصراعات الداخلية التي لم تُرَشّد، وهي نفسها تفتح شهية الدول المجاورة في خيرات العراق.
 وساكون اكثر وضوحا لاقول: نعم، ان العراق ليس ضيعة لأحد، ولا يجوز، في الظروف الطبيعية او في غيرها، ان تتعامل اي دولة، او اية جهة مسؤولة فيها، وكأن العراق معروض للبيع.. لكن (انتباه) سيكون كل هذا صحيحا لوا ان اصحاب الشأن والنفوذ تعاملوا مع العراق باعتباره عراقهم، وليس بلادا معروضة في المزاد.
***
" المنافسة تؤدي إلى أفضل المنتجات وأسوأ الأشخاص".
ديفيد سارنوف- رجل اعمال امريكي

99

دعوات الاقاليم..
هل هي مؤامرة؟

عبدالمنعم الاعسم
 إذا كان الدستور العراقي قد شرع في مادته الـ116 الى "النظام الاتحادي" الذي يتكون  "من عاصمةٍ واقاليم ومحافظاتٍ لا مركزيةٍ واداراتٍ محلية" وانه اعطي الحق لسكان اية محافظة تحويل ادارتها الى اقليم، فلماذا تكون الدعوات التي يطلقها البعض من ممثلي سكان محافظات الانبار وصلاح الدين والبصرة والنجف وغيرها بمثابة "مؤامرة خارجية" او هي محاولة "تقسيم للدولة العراقية" كما يذهب المعارضون، فيما يقول الدستور في مادته الـ119 ان تلك الاقاليم تقام وفق استفتاء مباشر من السكان.
 التناقض هنا يحتاج الى تأمل في خلفيات الاعتراض على اقامة اقاليم دستورية، لكن قبل ذلك ينبغي التذكير بان بعض المعترضين مشاركون اساسيون في وضع الدستور العراقي، في اطار العملية السياسية، وانهم يؤكدون على ضرورة الإلتزام به نصا وروحا، و(الى ذلك) اقسموا على تطبيق الدستور وحمايته من التشويه والتعدي، الامر الذي يحمل على القول ان المعترضين هؤلاء يتعاملون مع الدستور بوصفه قطعة من المطاط، يمددونها من الجانب المناسب لمصالحهم ومعاركهم السياسية، ويضيقونها من الجوانب التي تناسب مصالح غيرهم، وان الحديث عن "مؤامرة" او "تقسيم العراق" لا يعدو عن كونه شعارا في المماحكات السياسية والصراع الفئوي، وإثارة الشارع، بل واستغفاله.
 اننا نتحدث عن معارضين لدعوات الاقاليم من اصحاب العملية السياسية حصرا، اما معارضو هذه الدعوات من عصابات الارهاب وفلول النظام السابق وهيئة علماء المسلمين وجماعات التجييش والقبلية العمياء والاسلام المتطرف، فانه لا حاجة لمناقشتهم وتفسير معارضتهم، اخذا بالاعتبار انهم لا يعترفون بالدستور ولا بالعملية السياسية ولا بالدولة الاتحادية ولا بالتغيير ولا باية مؤسسة من مؤسسات الدولة الجديدة، وليس لديهم اي بديل معلن عن المشهد القائم بل موزعون على خيارات كوميدية، بين اقامة الخلافة، أو العودة الى نظام الحزب الواحد، أو تشييد دولة القبائل والطوائف والحروب.
 طبعا، لا يصح التقليل من شان تدخلات دول الجوار، ولا من الخطر الناجم عن وجود قوى وزعامات تنسق مع حكومات هذه الدول في غير صالح البلاد، لكن لا يصح ايضا تحويل ورقة الاقاليم والمطالبة بها الى مكب للشتائم والصراعات الفئوية.. او الى تمرين على تأليب فئات شعبية ضد خيار يحتاج الى مناقشات دستورية بناءة.. وفضاءات لا تسممها المخاوف المغشوشة على وحدة البلاد.
*******
" أيتها النفس إجملي جزعا ...
          إن الذي تخشين قد وقع"
آوس بن حجر 

100
المنبر الحر / الطائفية.. لغة ايضا
« في: 11:09 27/03/2013  »
الطائفية..
لغة ايضا

عبدالمنعم الاعسم
 
للطائفية لغة خاصة بها. لغة مخاتلة. زئبقية. متآمرة. مشحونة بالتأليب والغل والتعبئة ضد الآخر، لكن بمفردات وعبارات تفيض بالرحمة المغشوشة، والموضوعية الشكلية، وبالاستطرادات المنتقاة بعناية من محضر الانشقاق السياسي الذي عصف بالخلافة والدولة والادارات الاسلامية المتعاقبة.
 والاكثر دقة، انه صار لكل فريق طائفي لغته وايماءاته وتاويلاته وادبه الفقهي–السياسي . يتجه بك من العام المتفق عليه(او هكذا يبدو) الى الخاص المختلف فيه (وهو المهم) لكن عبر انشاءات شديدة التعرج، لنكتشف في النهاية ان (العام) الديني لم يكن عاما، بل ديباجة افتتاحية لحشوة (الخاص) الطائفي الاستئصالي.
اللغة الطائفية ليس سوى جملة تتخذ من الدين رداء (أو هوية) لها.. جملة متكلفة البناء، مشوّهة العرض، متضاربة الترجيع والتنصيص. الاخر بالنسبة  لفريق طائفي  موضع اتهام بالخطل، وهو شخص ما، او جهة، لا يريدان الاعتراف بالحقائق المدعومة بالايات القرآنية الموثقة، وبالاحاديث المتفق عليها. والآخر، نفسه، قد يبدو (لفريق آخر) فكرة مشيدة على الضلال والبُدَع والانحراف والجهالة.
 قد تلجأ الجملة الطائفية الى تسفيه الاخر بواسطة تسفيه طريقة تفكيره، او طريقة التعبير عن قناعاته. تقول لنا: انظروا لهم كيف يجمعون حججهم من قمامات الكتب..او: كيف يتعاملون مع الدين المشترك.. انهم يسيئون له.
 في هذه الجملة لا يبدو الحق (في بعده الطائفي) إلا بوجه واحد، نهائي، شامخ، لا يطاله الشك، ولا يصمد امامه اعتراض، وهو هنا يساجل اضعف حجج الآخر لتدعيم منظوره الطائفي، وليس اقواها او اكثرها قربا للمنطق، ويعكف على ليّ المعاني لتتطابق مع مسطح التحريض السياسي.
الفقه في خدمة المشروع السياسي للطائفية، والسياسة في خدمة المشروع الطائفي للفقه. شيء من الفقه وشيء من السياسة في نسق طائفي. اما التاريخ فانه يبدأ في المساجلات تاريخا واحدا، مدرسيا، لجميع المسلمين لكن سرعان ما يفترق، على يد الجملة الطائفية، الى تاريخين (والدين الى دينين) يخطئ كل منهما الآخر، إذ تقوم هذه  الجملة بواجبها في انتاج البضاعة الطائفية، وفي تدعيم الحجج المتقابلة، من خلال مبان لا أركان لها، ومعان لا اوتاد فيها.
اللغة الطائفية، المعاصرة، بحاجة الى معاينة كيميائية، معرفية، معملية، استقصائية، فهي اخطر من الطائفية، نفسها.

****************
 
 

101
المنبر الحر / الموصل.. لغماً
« في: 15:42 12/03/2013  »

الموصل.. لغماً

عبدالمنعم الاعسم

 لا يصح النظر الى ما يحدث في الموصل على انه إفراز لصراعات جانبية تخوضها اطراف سياسية تتخذ من الطائفية ملاذا وشعارا وهوية لها. فهذا جزء من المشكلة التي تثيرها المواجهات في هذه المدينة، اما المكونات الاخرى من المشكلة فانها تتوزع على مساحة واسعة من التاريخ والخصوصيات القومية والثقافية والاجتماعية فضلا عن التركيبة القبلية الحساسة للمدينة.
 فهي المدينة الوحيدة من بين مدن العراق كانت، في خلال قيام الدولة العراقية المعاصرة في اواخر العقد الاول من القرن الماضي،  موضع جدل في حقيقة انتمائها الجغرافي الى النسيج الوطني العراقي، ومنذ ذلك الوقت شقت المدينة سبيلا مميزا في بناء حاضرها الثقافي والعمراني، يستمد قسماته من تجليات التنوع، حيث كانت مهداً للأشوريين ومحجا للبابليين ومركزا للآراميين سكنها الجرامقة القدماء واقترن اسم  نينوى بامبراطورية الآشوريين في حين سقطت عام 612 قبل الميلاد على ايدي الكلدانيين والميديين فاتجهت الهجرات صوب تل قليعات بالموصل على الطرف الايمن من دجلة،  ثم سيطر الفرس الأخمينيون على المنطقة بعد القضاء على الأمبراطورية الكلدانية عام ( 537 قبل الميلاد) وشجع كورش العرب والفرس علي السكني في هذه المنطقة لما تمثله من أهمية استراتيجية أمام الأغريق وصارت الموصل المعاصرة مدينة ذات شأن بسبب التنوع القومي والديني لسكانها، من عرب وكرد وتركمان وسريان وكلدان وآثوريين وارمن ، سنة وشيعة وايزيدية وشبك ويهود، ويشهد علي هذا الأمر وجود المئات من المآذن الاسلامية وعشرات من الأديرة والكنائس والمزاراتلاتباع الديانات والأقليات.
 ان محاولات تكييف احوال المدينة لتكون حاضرة مسجلة في مشروع سياسي لفريق من الفرقاء المتصارعين اصطدمت دائما بجدار من الاستحالة، وانتهت تلك المحاولات، في الغالب، الى حروب محلية كارثية، لكن سرعان ما يعود ميزان القوى الى حالته الاولى، والى حقيقته الصلدة: لايمكن للمدينة ان تدار إلا من خلال تعايش جميع المكونات ووسطية الحكم، وشاءت هذه الحقيقة ان تعيد نفسها هذه الايام وسط محاولات لتحريك معادلات التوازن عن وسطيتها واخذها رهينة  في مشروع واحدي الى حافة حرب اهلية جديدة.. كارثية بكل المعاني.
والدرس نفسه يبقى ماثلا: الموصل لن تبقى موصلا من دون هذا التنوع.

 على ان السؤال الذي تطرحه احداث الموصل الاخيره هو: من اين انطلقت شرارة الازمة؟ والجواب بسيط جدا: من محاولات فرض نمط معين من الادارة عليها،  والامعان في ايذاء مشاعر ومصالح المكونات، وغياب حكمة التوافق على الحد الادنى من المشتركات السياسية بين تلك صناع السياسة، وعدم مراعاة خصوصيات المدينة وحساسية اوضاعها من قبل بغداد والاغلبية الحاكمة.
 لكن، وعلى الرغم من ان هذا الجواب عمومي، وقد يتجه بالاتهام الى اكثر من جهة، علينا ان نتتبع محركات الاحداث في هذه المدينة من مرحلة ما قبل سقوط الدكتاتورية، حيث اخضعت الموصل الى مشيئة الحزب الحاكم وصارت احدى اهم مصادر شبكاته الضاربة، وانتج ذلك كتلة من المدنيين والعسكريين، من الاغلبية العربية، وبعض المتحدرين من مكونات اخرى، اندمجت بمصائر النظام ودافعت عنه بشراسة متناهية، والنتيجة ان تعرضت المدينة الى نوع من العقاب والتهميش، كرد فعل، أدى بالمقابل الى رد فعل محلي، انكفائي، وفي خلال سلسلة من الافعال وردود الافعال، انحشرت الموصل في برميل آيل للانفجار في اية لحظة فيما أذكت الجماعات المسلحة، من عصابات القاعدة وفلول النظام السابق، شرارة الكراهيات بالحرب التي اعلنتها ضد الكرد والمسيحيين والشيعة والايزيديين والحياة المدنية عموما، ونظمت مذابح واجلاءات ضد هذه المكونات، وخلقت معادلات امنية وسايكولوجية واجتماعية خطيرة.
 لقد تأخرت اعتصامات الموصل عنها في مناطق غرب العراق، ولم تندلع إلا حين برز دور التيار المتطرف في اعتصامات الفلوجة وصلاح الدين وبعض فعاليات الانبار، وقد لاقت شعارات التجييش و"إسقاط الدستور والنظام" صدى واسعا في الموصل الامر الذي تلقفته الجماعات "الجهادية المسلحة" ونزلت بها الى الشوارع، لا لعرض مطالب السكان المشروعة في الخدمات وتأمين فرص العمل للعاطلين وانهاء التمييز والاجراءات الامنية التنكيلية، بل اتجهت الى دعوات الانتقام وطبول الحرب وشعارات النظام الصدامي، قابلتها القوات الحكومية باجراءات تتسم بالتخبط وانعدام التحسب لاستخدام القوة المفرطة، فضلا عن العمليات العسكرية الحدودية الانفعالية التي سجلت نفسها لصالح فريق الحكم في الحرب الاهلية السورية، حيث القى هذا الموقف بظلاله القاتمة على الوضع في الموصل.
/الكثير من المؤشرات تكشف ان الموصل سقطت في اسر التحالف المتطرف "اللاسلمي" الذي يتكون من القاعدة وبعثيي صدام حسين، وهي تخوض معركة معقدة للخروج من هذا الاسر، فلا بغداد تساعدها في احتواء مخاطر اللغم، ولا الحكومة المحلية تنهض بواجب ضبط المعادلة السياسية – الامنية بما يمنع انفجار اللغم.. تلك هي المشكلة.
*******   
" إياك وكثرة الاعتذار، فإن الكذب كثيراً ما يُخالط المعاذير".
  لقمان الحكيم 

 




102

المنقذ.. كذبة قيد التداول

عبدالمنعم الاعسم

 كذبة رائجة بدأت تنتشر مبكرا في الساحة الانتخابية: “واحد ينقذ العراق.. لا غيره” يقال انها جاءتنا من الخارج على هيئة نصيحة، ويقال انها طبخت في غرف مظلمة، ويقال ان المنقذ نفسه صدق الكذبة مثلما صدق اشعب كذبته يوم قال للاولاد ان ثمة وليمة باذخة في منعطف اقصى البيوت، وحين هرعوا الى صوب الوليمة المزعومة ركض وراءهم وهو يردد: ربما الامر صحيحا فانال وجبة دسمة.
 الجدل الدائرحول من ينقذ العراق من الهاوية ينزلق شيئا فشيئا الى التقليل من شأن وجدوى وضرورة وشرط مبدأ الشراكة، والحاجة الى العقول الجمعية، كما يتجاوز حقيقة ان مشاكل العراق الكبيرة اكبر من ان يستوعبها عقل لوحده، أو ارادة شخص واحد، ويلاحظ من بعض التصريحات المراهِقة والكتابات المدّاحة والاعلانات التلفزيونية الفاقعة ترويجٌ متصاعد لخرافة ان هذا المرشح او ذاك هو "المنقذ" الذي سيأتي بالحلول، وبالامن والكهرباء وراحة البال، لأنه الوحيد الذي يعرف فوق ما يعرفه الاخرون، ويعمل ما لا يستطيع ان يعمله غيره، ويخطط ما لم يكتشفه احد من المخططين والاستراتيجيين من الخطط، وانه الذي سوف يجترح المعجزات، و"يمشي فوق الماء".. ولخرافة المشي فوق الماء قصة نأتيها في خاتمة المقال.
 المشكلة، ان الذين جربناهم، والذين لم نجربهم، جاءتهم الفرص المواتية لكي يكونوا منقذين حقا فاخفقوا في ان يكونوا كذلك، ولنقل(للموضوعية) انهم قدموا (على نحو متفاوت) بعض الاعمال والمنجزات والمبادرات بالحدود التي اتاحتها طاقاتهم المحدودة وامكانياتهم وتجاربهم الذاتية، وبالقدر الذي سمحت بها ظروف العراق، مقابل اخفاقات وخطايا وعثرات وتخبطات نجني كوارثها وثمارها المرة على مدار الساعة.
 اما حكاية المشي فوق الماء، فقد جاء رجل من مريدي الصوفي سهل التشتري المتوفى عام 886 ميلادية وقال له: ان الناس يقولون ان بمقدورك ان تمشي فوق الماء، فكان رد سهل بان طلب منه الذهاب الى مؤذن في المدينة معروف بصدقه كي يسأله عن الامر، وحين ذهب المريد الى المؤذن تلقى الجواب الشافي منه إذ قال له: انا لا اعلم إن كان شيخنا سهل يمشي على الماء، ام لا، لكن ما اعلمه هو ان الشيخ الجليل حين قصد حوض الماء ذات يوم بغية الوضوء سقط فيه وكاد ان يموت غرقا لو لم اسارع الى نجدته وانقاذه.


103

جولة المالكي.. بموضوعية

عبدالمنعم الاعسم
 كل جولات رئيس الوزراء نوري المالكي في المحافظات تثير عاصفة من الاعتراضات والشكوك والتعليقات، ثم، وفي كل مرة، يظهر معسكران، واحد يدافع ويبرر، وآخر يهاجم ويتشكك، كما يظهر، في المقابل، متفرجون يديرون وجوههم بين هذا وذاك، فلا يقبلون ولا يرفضون.. وهم بالملايين.
 زيارة البصرة منذ ايام، وما إنْ حط المالكي رجليه على ترابها، انفتحت صالات البرلمان واعمدة الصحف والشاشات الملونة على تعليقات و "اعتقد.. ولا اعتقد.." وقد كان صوت معارضيها والمرتابين في اهدافها هو الاعلى من بين جميع الاصوات، حتى ان المراقب المحايد، بدأ يتساءل (ربما عن موضوعية باردة) هل ثمة ما يمنع ان يقوم رئيس حكومة (اية حكومة) بزيارة المدن التي تقع تحت مسؤوليته وتتبع ادارته؟ واليس من واجب المالكي، مثل كل رؤساء الحكومات، ان يتفقد احوال المدن والمناطق واللقاء بمواطنيها والتعرف على مشاكلها او افتتاح مشاريعها؟ بل، اليس من حق المالكي (وأي رئيس حكومة) ان يدافع عن سياسة و"منجزات" حكومته عبر وسائل الاعلام، او من خلال الاتصال بالجمهور، اعني،  اليس من حقه ان يعمل دعاية لادارته وولايته، طالما لا يزال في منصبه؟.
 اقول، ان هذه الاسئلة موضوعية، وإن اتسمت بالبرودة، واضيف لها السؤال التالي الاكثر اهمية بحسب رأيي: لماذا لم ينتظر المعارضون نتائج الزيارة وحصيلتها في ما يتعلق بشؤون احوال المنطقة، وردود افعال الجمهور حيالها قبل ان يستبقوها بتلك التعليقات الاعتراضية النارية؟ وهو الامر الذي قد يعزز اعتراضاتهم ويعطيها مصداقية ويجنبها شبهة الكيد والخلط بين الموضوعات والملفات والمواقف.
 بوجيز الكلام، كانت زيارة المالكي الى البصرة ولقاء محافظي الوسط والجنوب، مبررة بحدود مسؤوليته الدستورية، وبمنطق الواجب الرسمي عليه.. لكن المشكلة.. ان رئيس الوزراء نفسه لم يُبق هذه الزيارة في حدود تحريك عمليات البناء وشحذ العمل الاداري وحل المشلات التي يعاني منها الملايين من سكان الوسط والجنوب، بل انه أدخل عليها، ومنها، رسائل خلافية تدخل في صلب الدوامة السياسية التي تعصف بالبلاد.. الامر الذي سهّل لمعارضيه القول ان الزيارة مكرسة للدعاية الانتخابية، واضطر حلفاءه في الاكثرية البرلمانية ان يتركوه لوحده في مواجهة الحملة التشكيكية المضادة، بل ويسربون انتقادات للزيارة، وبعضهم اطلقوا عليها النار.
 اما نتائج هذه الزيارة ذات الصلة بملفات الخدمات والمشاريع والامن والفساد، فقد ضاعت تحت نيرانٍ معارِضة.. ونيران صديقة.
******** 
" كيف يمكنك أن تحكم بلداً فيه 246 نوعاً من الجبنة؟" 
شارل ديغول 


104
الطائفية..
هل تكافحها الشرطة؟

 رئيس الوزراء محق في تحذيره من تداعيات "الكلام بالطائفية" وخطورة انخراط "جهات سياسية" في التأجيج الطائفي، بل انها مسؤوليته، قُدما، حتى استخدام "الردع" لوقف الاستطرادات والشعارات والخطب التي تؤجج الحساسيات الطائفية، واحسب ان هذا الموقف السليم يثير جملة من الاشكاليات، يمكن إجمالها بالآتي:
 اولا: ان الطائفية لا تُستأصل بالشرطة والقضاء، إلا في ما يتعلق بالمخالفات الجنائية المشار لها بالقانون، مثل إجبار السكان على تغيير منازلهم، او التمييز بالتعيين في الوظائف، او التعدي على حق الانتماء للطائفة والمذهب.. وما سواها. انها تحارب قبل كل شئ عن طريق الارادة (والادارة) التي تضع مصدات صارمة للطائفية لكي لا تدخل في شعاب السياسة والصراعات السياسية، وبواسطة الاعلام الهادف والموضوعي والاحترافي، وايضا، من قبل مراجع الطائفة ودعاتها، وهي تحارب بواسطة مناهج التعليم واروقة الجامعات والمدارس، وفي اطار برنامج حكومي واضح ومتوازن يقوم على فروض الادماج وحقوق المواطنة، وهي تحارب (بالاضافة الى ذلك ) من قبل اشخص غير طائفيين.
 ثانيا: ان الجيش ومحافل القضاء العراقي، في ظل الاستقطاب الطائفي وما نتج عن هذا الاستقطاب من صراعات  وهياكل وحروب و"ثقافة" ليس بعيدا عن ممارسة الطائفية، أو عن الترويج لها، وهناك الكثير من الحقائق (إذا ما شئنا الصراحة) عن البعد الطائفي في تشكيل الملاكات الامنية والقضائية، وهي مصدر شكوى اتباع الطوائف الاخرى، وقد يقال بان هذه التشكيلات خاضت معارك ضارية ضد مليشيات الطائفة التي تنتمي لها، وهذا صحيح جزئيا، لكن الصحيح كله ان تلك المعارك كانت سياسية في المقام الاول، اي بين اتجاهات سياسية في داخل الطائفة.
 ثالثا، ان الخطاب (والكلام) الطائفي الذي حذر منه رئيس الوزراء، عن حق، تمرّس في وظيفة الاثارة، وكوّن معابر مخاتلة الى الجمهور، ولغة دينية وفقهية وسياسية غاية في التمويه والغل والمناورة، واساليب (فقهية) ملتوية في الاستعارة والتضمين والتفسير والشرح والتعليق والاعتراض، وهو في وظيفته هذه يجسد مقولة "كلام حق اريد به باطل" اوضح تجسيد، وكل ذلك يمارسه متشددو الطائفتين من دعاة وساسة بابداع ومهارة، بحيث يصبح احيانا "كلمة سر" لا يعرفها غير الاتباع، ولا يمكن رصدها بالمجسات التقليدية، او بمراقبات الشرطة او عيون المحققين، حتى وإن كانت تبيح إهدار الدم وتتبنى الاستئصال الطائفي، وتحضّ على التجييش واعمال الذبح.
 على ان اكثر المخاطر التي تترتب على الخطاب الطائفي  تأتي من الساسة الذين عملوا، ويعملون، على ركوب الموجة الطائفية وصولا الى البرلمان والسلطة.. والى إذلالنا في نهاية المطاف.  
*****  
" واجب الحكومة تجاه الدين ينبغي أن يقتصر على حماية رجاله المؤمنين به، ولست أعرف عملا آخر للحكومة في هذا السبيل".
توماس بين
صحفي ومصلح ومخترع إنجليزي



105
اعتدال في معسكر الانبار

عبدالمنعم الاعسم
 شأن اي حراك اجتماعي فقد ظهرت على سطح الاحداث العاصفة في محافظة الانبار مخاضات اعتدال تتجه الى ترشيد الشعارات والمطالب ووضعها في السياق الدستوري وحمايتها من لغة العنف ونزعات الانتقام والطائفية، وقد حمل الاسبوع الماضي مؤشرات مشجعة للقول ان المخاوف من انزلاق الاحتجاجات الى مشروع للانقلاب على التغيير ووكالة لدول مجاورة بدأت تنحسر.. اقول بدأت.
 ففي وقت واحد ظهر خطباء وشبان مثقفين ووجهاء يتحدثون بلغة مغايرة تؤكد على جدوى وضع الاحتجاجات في سياق بناء يغلق الطريق على التنظيمات المسلحة وفلول النظام السابق وجيوب الطائفية، وذهب احد المتحدثين الى الدعوة لمراجعة مضامين هذا الحراك على خلفية  النتائج التي تحققت حتى الان، والامر اللافت، انه تحدث عن مخاضات وصعوبات لتصويت العملية الاجتماعية للاحتجاجات لكنه كشف عن تزايد قاعدة الشرائح المعتدلة، او الداعية الى الاعتدال.
 ان الدعوة الى الاعتدال في الحكم والتفكير تمليها فروض الحاجة الى عبور المرحلة الدموية  العاصفة  التي انقذفنا اليها ودفعنا عن ذلك طوابير من الضحايا وسلسلة من الاهوال واعمال القتل والاختطاف والتخريب، في وقت صار قادة السياسة يغذون الفتنة الداخلية بزيت الكراهية الطائفية او القومية، ويثيرون الشكوك في جدوى التسامح.
يكفينا ان نمعن النظر في المصادر اللغوية للاعتدال بوصفه فضيلة حماية التنوع والاختلاف فكلمة "العدل" تعني: "تقويم السهم" وفعل "عَدّلَ" معناه "جعل الشئ موزونا" والعدل في قواميس اللغة "ضد الجور والظلم"  و"العدل" غير "الانعدال"  فالاول معناه "النظير. المثيل" والثاني بمعنى "الانحراف عن الطريق".
والغريب في اشتقاقات اللغة ان "العادل" تاتي احيانا بمعنى الظالم، وينقل الرازي في (مختار الصحاح) بهذا الصدد قول امرأة للحجاج تشتمه: "انك لقاسط عادل".. وربما لهذا السبب، يغرم غلاة الطغاة ومهندسو التطرف  والارهاب وزعماء الجريمة المنظمة بصفة العادل فيطلقونه على انفسهم وعلى غلاظ القلوب من اتباعهم، ولهذا السبب ايضا، كما يبدو، تعين الجماعات الارهابية جلادين دمويين بوظيفة(العادل) الذي يشرف على ذبح الضحايا "على الطرقة الاسلامية". 
 هذا الاستطراد مهم حين يتعلق الامر بالنظر الى خطايا التطرف في حياتنا.. التطرف الذي ما زال يعبر عن نفسه في تشكيل جيوش دينية طائفية استئصالية في زمن وضع التاريخ الحروب الدينية في خانة الكوارث.


106
المنبر الحر / تهميش السنة العرب
« في: 22:36 15/02/2013  »
تهميش السنة العرب 

عبدالمنعم الاعسم
لا أحب الكتابة بمنطق.."كنتُ قد قلتُ يوما وقد صحّ ما قلت" ولا بطريقة "هذا ما ذكرته قبل عام ولم ينتبه له أحد".
اقول، لا احب مثل هذه الكتابات والاقوال، لكني هذه المرة ارتكبها, بحذر، وبكفاية من التوثيق، وما له صلة بقضية حساسة لا يكتب فيها الكثيرون، مع انهم يعرفونها جيدا..
للكلام زمن محدد هو 22/11/2012 اي قبل أقل من ثلاثة اشهر، والمكان مدينة السليمانية، والمناسبة هي مؤتمر للدفاع عن اتباع الديانات والطوائف العراقية، والشهود مائة وخمسون من المشاركين في المؤتمر.. والمتحدث هو كاتب هذه السطور.. وهذا ما جرى بالضبط.
كان صديقي الاعلامي جورج منصور يدير الجلسة، فطلبتُ الحديث من ضمن من طلبوا، وقبل ان اتحدث ذكـّرني بالوقت المسموح "لك دقيقتان فقط" قلت: لديّ قضية حساسة. رد: "دقيقتان فقط" فقبلت على مضض، وقلت: "حسنا" ثم اوجزت في الكلام قدر ما املك من موهبة في الايجاز، لأقول "انكم تحدثتم عن جميع الاديان والطوائف التي تعاني من تضييقات وتشعر بالقلق على حقوقها وعباداتها، لكنكم لم تتوقفوا عند اتباع طائفة السنة العرب التي تشعر بالتهميش والضغوط، واظن اننا مقبلون على انفجار ازمة طائفية تتراكم عناصرها بسرعة مخيفة إن لم تتدارك الدولة هذا الخطر..وهناك حقائق على السطح، إذا لم يتجرأ الساسة على طرحها فان هذا المؤتمر معنيّ بالتوقف عندها وعدم إغفالها، واليكم بعض مؤشرات هذه الازمة.. هنا جاءني صوت مدير الجلسة.. "انتهى وقتك استاذ.. متأسفين.. شكرا".
 وما لم يتسن لي الوقت لاقوله آنذاك هو: ان شعور مكوّن عراقي بالظلم والتهميش يستمد مصادره من قناتين، الاولى، سياسات الدولة واجراءات الحكومة لجهة التطبيق الكيفي للقوانين، والثانية، الدور الذي يلعبه سياسيو المكون الطائفي في تأجيج وتأطير هذه المشاعر.. ولكن، بعيدا عن تأثير هاتين القناتين، ينبغي ان ننظر الى الحقائق التي تتصل بشعور (او هواجس) ملايين من السنة العرب انهم مواطنون من الدرجة الثانية، وخطورة هذه المشاعر، سواء كانت مبررة او غير مبررة، بل والحاجة الى التعامل معها بحذر وحكمة، وتحاشي اتخاذ اجراءات تفاقم هذه المشاعر، وتضعها في تصادم مع المكوّن الآخر.
 وما لم اقل ايضا بان "حافات" سياسية ودعوية (محدودة لكنها مؤثرة) لها مصلحة في تسويق فكرة القطيعة (والتقاتل) بين المكونين الطائفيين وتحقيق الطلاق بينهما.. حافات منها تنظر الى الحكم باعتباره ملكا بالطابو لها.. واخرى تنظر اليه باعتباره وديعة ينبغي استردادها.
 اقول حافات.. اما الملايين، ونحن منها، فحالها حال المغلوب على امره، حتى  يستعيد أمره.
**********
" علامة العقل المتعلم هو قدرته على تداول الفكرة دون أن يتقبلها".
ارسطو



107
المنبر الحر / بلد المفاجآت
« في: 19:34 20/01/2013  »

بلد المفاجآت

عبدالمنعم الاعسم

عراق المفاجآت شاء ان يُنبت هاجس المفاجأة في دواخل كل مواطن من مواطنيه، فنسمع دائما من يقول بعفوية "لا ندري ماذا يحدث غدا" أو "لا استطيع ان اتعهد بالتزام انفذه بعد اسبوع .. فما ادراك ما يحدث آنذاك؟" او من يقول لك "خذ ما يتوفر في متناول يديك الآن فقد يستحيل عليك الحصول عليه في وقت آخر" أو "انها فرصة لك.. إقتنصها..فانت في العراق بلد مضيعة الفرص".
 اما التاريخ، فلا شأن به للعراقي الذي يعيش هذه الاحداث العجيبة والتحولات الغريبة بالاقدار، والسياسات، والمصائر، وقد لا تهمه دروس التاريخ اصلا، إلا في حدود مناكدة خصمه السياسي، وكأنه يعرف ويؤمن بما كان  يقوله فولتير من ان التاريخ هو الكذبة المتفق عليها من الجميع.. وقد لا تتفاجأ من العراقي المتعلم، بخاصة، ان يقول لك "عمي، يا تاريخ، دعنا من هذه القوانة" او يقول لك آخر متحذلقا: "يمعود.. لو التاريخ صحيح ما كانوا علموه لنا في المدارس بالعصا" وينقل لك عن سقراط قوله "الصحيح لا يحتاج الى الهراوة لكي تتمثله".
 والغريب ان العراقيين صدروا هاجس المفاجأة الى العالم، فقد كتب صحفي لـ  "بي بي سي" غداة انتخابات 2010 يقول عندما خرج العراقيون من هذه الانتخابات لم يتركوا للعالم فرصة لتحليل النتائج، فسرعان ما فاجأونا انهم ينظرون الى الانتخابات خلاف ما ننظر اليها.. فتركوا النتائج لنا لندوخ بها وراحوا الى الكواليس ليلتفوا عليها ويخرجون لنا بحكومة جديدة، لكن بعد 248 يوما من التصويت واعلان النتائج التي لم يصادقوا على شرعيتها إلا بعد 90 يوما.
 والاغرب ان بعض نشطاءالانتخابات والسجالات الساخنة على الشاشات الملونة من اصحاب شعار اقامة الدولة الدينية في العراق فاجأوا المراقبين، بعد حماستهم للتنافس الانتخابي وتحشيد الاتباع والموالين والمصلين، انهم تحولوا الى التجييش من اجل "حماية الدين المهدد بالضياع" ولسان حالهم يقول:
 عمود الدين لا يقوى بتصويتٍ وتخذيلِ.........
                      /فغير السيف لا يجدي يميناً فتية الجيلِ
 ويبدو ان معدة العراقيين صارت تهضم هذا الحجر القاسي الذي "حطّ من علِ".. وإلا كيف يمكن لشعب ان يتحمل هذه الطبخة النيئة والفاسدة التي تجري امامه، الآن، وبالحشوة الطائفية المسلحة، لو لم تكن معدته من الكونكريت المسلح؟.
 اليست هي مصادفة اخرى؟.
***
"ان الانسان اختراع حديث العهد".
فوكو



108

قانون العفو العام..
تحفظات

العفو العام إجراء سياسي، قبل ان يكون اجراء قانونيا، لجهة ترسيخ السلام الاهلي على قاعدة طي صفحات الماضي وتحقيق اركان العدالة الانتقالية، وبناء مقدمات دولة المواطنة، وهو الى ذلك عقد اعتباري وحقوقي بين الاطراف المعنية به: السلطة والضحايا والجلادين والموالين والمعارضين والفئات السكانية والاجتماعية على حد سواء.
تجارب العفو العام في العالم مختلفة، لكنها جميعا، تتحقق في حال واحدة هي وجود ارادة لتصويب وترشيد البيئة السياسية واحتواء الصراعات السياسية وانهاء اجواء الاحتراب.. هذا ما حدث في جنوب افريقيا والارجنتين (نموذجان جديران بالدراسة) والكثير من الدول التي خرجت من دوامة النزاعات الداخلية واتجهت الى اعادة البناء وتأمين الثقة ومد الجسور بين مكوناتها وفئاتها السياسية والدينية والاجتماعية المتقاتلة او المتنافرة.
 في بعض الدول المستبدة تعلن السلطات عفوا عاما مغشوشا بهدف خداع العالم والراي العام لتجهيز انطباع انها تغير من نهجها وتتجه الى نظام العدالة والرحمة والواقعية وإنهاء التنكيل بالمعارضين، وبعضها تعلن العفو العام كفخ لمناهضيها للايقاع ببعض المطلوبين منهم او لشق صفوف المعارضة وإضعافها، او التعامل مع المشمولين بالعفو كمذنبين عادوا الى الطاعة، وكل هذه البروفات جربها النظام السابق في العراق حتى صار يصدر العفو العام كلما شعر ان سمعته تتدهور اكثر فاكثر..
 وبمعنى ما فان العفو العام ينبغي (لكي يكون راسخا وقابلا للتطبيق والنجاح) ان يكون مسبوقا بارادة ونيات وتشريعات تاريخية تكون قد سجلت نهاية مرحلة مضطربة ومتوترة وعدوانية وبداية مرحلة  اخرى من الشراكة والصفح والبناء والسلام الاهلي والتداول السلمي للسلطة.
 االعراق، الان، احوج ما يكون الى عفو عام، لكن السؤال الاعتراضي الذي يثير اسئلة تفصيلية هو هل سيضمن قانون العفو العام قيد المناقشة في مجلس النواب الانتقال الى مسار جدديد في الحياة السياسية؟ وهل فعلا ستنتهي اعمال العنف، وتتحول الجماعات المسلحة الى تنظيمات مدنية للبناء والشراكة؟ وهل سيخرج المذنبون من السجون الى مزارع ومواقع العمل والحياة الطبيعية؟ ثم، هل ان اصحاب قانون العفو سيقولون ما كان يقوله نلسون مانديلا: علينا نحن الضحايا ان نتعلم ثقافة العفو قبل غيرنا.
***
"لا تنتهي جميع الفرضيات الى الهندسة".
اقليدس


109
لماذا نكتب في السياسة..
بل لماذا نكتب اصلا؟

عبدالمنعم الاعسم
 
هذا السؤال ، كما ترون مركّب، وإشكالي، وله ما يبرره، ومطروح على سطح اهتمامات العصر والكتاب والدراسات المختلفة، فقد اصبحت الكتابة في السياسة مشكلة بحد ذاتها، لانها، من جانب، دخلت في متطلبات السياسة، وشرطها لتزييت ماكنة المصالح حتى في ابشع تطبيقاتها، ومن جهة اخرى، اصبحت مسؤولية لا فكاك منها بالنسبة للكاتب، واداة خطيرة يستخدمها لتصويب مجرى الاحداث ودحر الاغاليط، او خلاصا له مما يحيطه من اسئلة، أو وقاية مما يداهمه من اخطار، او حلّا لاشكاليات التعامل مع الواقع في وقت يزداد هذا الواقع تعقيدا واحتقانا.
عندما حُرمت فيرجينا وولف من الكتابة واجبرت على العودة إلى مصحة الأمراض العقلية بدعوى عدم انسجامها مع المجتمع الذي كان يلزم عقل المرأة بالمشغولية النمطية في مسائل الإنجاب وتدبير المنزل، لم تجد بدًا من الانتحار. فقد جربت دون جدوى تحدي الحرمان من الكتابة، ولم تعد قادرة على مجرد التفكير بالعودة إلى المكان الذي سيسلبها حريتها في ممارسة حرفتها الوحيدة.
وقبل عقدين من السنين فاجأني رجل الامن البريطاني وهو يسجل طلبي للجوء الى المملكة المتحدة، بالسؤال: اذا كانت مشكلتك مع صدام حسين هي الكتابة، وهي مصدر عيشك، فلماذا لم تفكر في تغيير هذه الحرفة الى حرفة اقل خطرا وابعد عن يد الملاحقة؟ فلم اجد جوابا جاهزا للرد، واتذكر اني اجبته بما لم يكن مقنعا، ولهذا فانه وضع امام طلبي علامة استفهام كانت السبب في تعليق حالتي لفترة اطول من فروض الموافقة على طلب اللجوء، لكن المهم، هو انني وبعد اكثر من عقد من السنين، التقيت محاميا متخصصا ليخبرني ان سؤال رجل الامن كان يتعارض مع حقوق الانسان، لان الكتابة مسؤولية، ورجل الامن البريطاني كان يقلل من شأن هذه المسؤولية، بل يعطي للدكتاتورية مبررا في التنكيل بالكتاب الاحرار.
الكاتب البريطاني الشهير “سومرست موم” في كتابه (الخلاصة) يتحدث عن تكاليف الكتابة في زمن المسؤولية التي تحولت الى معنى التضحية من اجل قيم الحياة، وسجل “لقد وجدت نفسي على صفحات الورق، فمن يستطيع ان يرفعني عنها”
وسئل الأديب والكاتب أورهان باموك الفائز بجائزة نوبل في الآداب هذا السؤال: لماذا تكتب؟ فقال: أكتب لأنني غاضب منكم جميعا.. أكتب لأنني لا أستطيع تحمل الحقيقة إلا وأنا أغيّرها”.
اقول: نكتب، لان الكتابة لا تزني.. ونكتب في السياسة، لأنها تزني احيانا.
 
****
" من الصعوبة أن تحرّر السذّج من الأغلال التي يبجّلونها".
فولتير

110
المنبر الحر / ما الذي يحدث؟
« في: 12:27 29/12/2012  »


ما الذي يحدث؟

عبد المنعم الاعسم   
 
ما نستمع اليه من توصيفات للأزمة السياسية الجديدة (حمايات العيساوي) على لسان اطرافها، لا تعدو عن انصاف حقائق وإن اَجمَعتْ، اذا ما اعدنا تركيبها على نحو موضوعي، على اسباب تتعلق بعلل ادارة الدولة واللجوء الى الشجن الطائفي وعيب المحاصصة والاستفراد بالقرار والتعدي على استقلال القضاء ودعم الارهاب.
بين ايدينا بيان اطلقه مكتب رئيس الوزراء  بصدد اعتقال حمايات وزير المالية وخطاب القاه الوزير امام تظاهرة الفلوجة الغاضبة، يحاول كل منهما أن يبرئ نفسه مما تمر به البلاد من احتقان سياسي وطائفي، ويلقي بها على الاخر،  ولا يخلوان (البيان والخطاب) من عبارات الوطنية والغيرة على مصالح البلاد ولحمة الشعب، وشتم الفتنة، والتزام الحوار واحترام القانون، كما لا يخلوان من لغة التهديد والوعيد ضد بعضهما ، والايحاء بلا جدوى الشراكة بينهما.
وبين البيان والخطاب بيانات وتصريحات عدة عاينت الازمة من زوايا مختلفة، فقد شدد الصدريون على مسؤولية رئيس الوزراء واتهامه بالدكتاتورية، وحذر التحالف الكردستاني من الفتنة الطائفية ودعا الى التخلي عن سياسات الاستفراد بالقرار السياسي، لكن بيانا للاكثرية الحاكمة (الائتلاف الوطني) كان الاكثر اضطرابا ومدعاة للتأمل، فقد مشى بجوار بيان رئيس الوزراء باثارة الشكوك في سلامة نيات معسكر العيساوي، وجدد تمسكه بالمالكي لكنه افترق عنه في جملة ناعمة لا تخلو من دلالة، وذلك بالدعوة الى “عدم التفرد في أي قرار يتعلق بإدارة الدولة العراقية والشؤون السيادية، انطلاقا من حماية المصالح الوطنية والعمل بمبدأ التوافق الوطني وتحكيم الدستور في حل الإشكاليات القائمة” وهي عبارة تُقرأ كنصيحة موجهة الى رئيس الوزراء بوجوب الادارة الجمعية التوافقية لشؤون الدولة الحساسة.
الحقيقة التي لا يمكن اخفاؤها في هذا السجال ان للازمة حساب في ملف الانتخابات الذي يطرق الابواب، وان الاطراف الفاعلة في المعسكرين تسعى الى اختطاف اصوات الجمهور من اتباع هذه الطائفة او تلك وتوظيفه في اللعبة البرلمانية حتى لو ادى ذلك الى تدمير ما تبقى من اركان الدولة ووحدة مواطنيها، فثمة تكتل يروج لطائفته ان فرصتها للحكم مهددة من الطائفة الاخرى وزعاماتها السياسية، وان عليها شحذ الالتفاف حوله والتصويت له والمراهنة عليه، فيما التكتل الثاني يجهّز للطائفة الاخرى شعورا بالمهانة وضياع السلطة والدولة من بين يديها، وان رأسها مطلوب وشريكها يتمدد خارج ساحته، والحل بتوحيد الصف حول المشروع السياسي  الاعتراضي للتكتل.
المنطق يقول انه من نقطة التماس بين المشروعين تندلع شرارة الفتنة والمواجهة والحرب، لكن ليس كل الاشياء تمضي في انبوب المنطق، فثمة الى جانب ذلك ما يسميه علم السياسية حساب الربح والخسارة.. فالمواجهة تعني الكارثة، والكارثة، كما نعرف ويعرف الطرفان ايضا، عمياء لا تعرف، حين تحلّ، مَن كان على حق، ومَن كان على باطل.. وبين الحق والباطل شعرة واحدة واكاذيب كثيرة.
 ***
"من لم يحمدك على حسن النية لم يشكرك على جميل الفعل".
المأمون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


111


مام جلال..
لم نكمل الحديث.. بعد

عبد المنعم الاعسم  
 
حمّلنا قلبكَ فوق ما يستقوي، وحمّلنا عصاكَ فوق ما تحتمل، والقينا عليهما ظنونا ومخاصمات عمرها عمر الخارطة التي نقيم، فيما نحن ندور حول ذواتنا، ونمسك بتلابيب بعضنا، ونقف معجبين عند آخر شتيمة صريحة قالها فينا التاريخ: امة الشقاق والنفاق.
 نقف طويلا، لا نتقدم ولا خطوة واحدة مخافة ان نسقط من علوّ شاهق الى قاع من الزفت، تلك هي حقيقتنا العذراء، العلقم.     
في هذه اللحظات، وانت بين رمشة حياة واغفاءة ابدية، اكتشفنا مأزقنا: يحاذينا من اليمين منحدر، وتحاذينا من اليسار هاوية. اما شركاؤك فانهم في غيّهم ماضون، وياما حذرتهم مما ينتظرهم من شؤم إن تمادوا في الهروب من الاسئلة التفصيلية وفروض العدالة.
نعرف انك بشر، لك ما لك وعليك ما عليك، ونعرف اننا لسنا ملائكة، ولسنا اول المتعلمين او المتحضرين كما كنا نوحي للاخرين في كراريسنا وشعاراتنا البالية.
الآن، وفي هذا المنعطف يسألنا المستقبل من انتم؟ والى اين ماضون؟ فنرد له جوابا من نشارة الخشب: لا نعرف.
هكذا القت بك التقاويم والاقدار في طريقنا، وهكذا شاءت اعوامك الثمانون ان تخوض المعركة المستحيلة لترشيد السياسات وتقريب وجهات النظر وتطويع حجر العنجهيات حتى آخر ما تملك من حَيْل وحكمة، وبين احشائك فضلة قليلة من العمر.. وانت بشر.. تحاول في كل مرة ان تلوذ بالطرفة، و”آخر نكتة” تصلك من افئدة المحتارين والغاضبين وابناء الحسجة، وانت تعرف ان لا مكان في المقام من هزل، ولا موضع في المقال من جد.. فالمقام والمقال يحتضران بيد لاعبي المرحلة، الماضون في رطاناتهم، في ما بين الجد والهزل.
لم يصدِقك إلا قليلون، اضطر بعضهم الى الصمت، يا للفجيعة.
كانت مشكلتكَ معنا نحن المحسوبون عليك، لا المحسوبين على غيرك.. لقد ارهقناك في ما نختصم، وما نريد، وفي ما نعاني.. وكان لنا الحق.. هكذا كنتَ تقول لنا، وتقول لهم، لكننا كنا نريد حصتنا منك. الست رئيسا لنا ولهم؟. تلك واحدة من التباساتنا معك، وواحدة من المهن التي برعتَ في توليف ابجدياتها، وواحدة من المسارات الخطرة التي قطعتَ وعورتها.
مساء الاثنين، عندما انتقلتَ من مهابة ادارة السياسة الى هيبة استطالة السرير، اوقعتَ الجميع في فضيحة، ربما لن يخرجوا منها قبل ان يهزموا انفسهم بانفسهم، بقطرة الحياء.. اين هي قطرة الحياء؟.
انهض مام جلال. لم نكمل الحديث..فسيذبحون بعضهم.
 ***
“اين هي شجرة الصندل التي تعطر الفأس التي تقطعها؟”.
  سعدي شيرازي




112
المنبر الحر / نائبة
« في: 20:47 12/12/2012  »
نائبة

عبد المنعم الاعسم
 
 
 نائبة برلمانية اختصت منذ زمن باطلاق التصريحات عن الاخطار التي تحدق بالعراق من اقليم كردستان والكويت، وتحرض الحكومة عليهما، وتزايد عليها، مع انها في صف المعارضين  وفي قوام المعارضة. مرة قالت ان الحكومة متواطئة مع اولئك وهؤلاء، ومرة اخرى ظهرت تلوح بملف انتهاكات حدودية مسجلة على الكويت، وشوهد نفس الملف، مرة ثانية، وهي تقلبه وتتحدث تحت قبة البرلمان عن خروج اقليم كردستان على “الانضباط  الوطني”.
لم يرد عليها الكرد، عفة منهم حيال سيدة لها مكانة ما على مقاعد البرلمان، او تقديرا على انها تتشوق الى الرد منهم لتبيعه الى كتلة “ضامنة” على قاعدة رغيف ابيض لليوم الاسود. اما الكويتيون فقد اكتفوا بعمود صحفي هابط المستوى اساء لها ولنا نحن العراقيين، وقيل ان البضاعة الكلامية الكويتية هذه غير صالحة للتسويق لفساد في الطعم والرائحة، وقيل ان زملاء للنائبة زعلوا على استطراداتها إذ اشتمّوا فيها رائحة غير طيبة وبعضهم حشرها في تأويلات وروايات، والجميع متفقون على انها تسعى الى ضمان مقعد لها في القبة القادمة عن طريق اثارة معارك بعضها يثير الشفقة.
قال لي مثقف من المدينة التي انتخبت عنها السيدة النائبة ان ناخبيها نسوها منذ زمن بعيد، فلم يكن احد يعرف انها دافعت مرة (ولو بالخطأ)عن عائلة منكوبة، او تبنت تعيين احد العاطلين، او اعانت ارملة على مشاق الحياة، او قادت عابر سبيل ليصل الى مكان يقصده، او سهلت لحي من الاحياء الحصول على الخدمات، بل ان الوفود التي التقتها وتحملت عناء السفر من البلدة الى العاصمة عادت خائبة بعد ان سمعت من االنائبة كلاما “خارج الصدد” وتساءل هذا المثقف (الذي اكتب هذه الكلمة بطلب منه وبعد تردد مني) عن مسؤولية النائب الدستورية، هل هي اطلاق التصريحات وخوض معارك بالنيابة، ومشاجرة دول(وهي مسؤولية الجهات الدبلومسية الرسمية) ام هي الرقابة على عمل السلطات والسعي الى خدمة اولئك الذين انتخبوها الى البرلمان؟.
على انه قبل عام كانت السيدة النائبة (اكرر: السيدة النائبة) قد انصرفت الى مهاجمة “مؤامرة” ايرانية وجيوش تزحف نحو العراق، ثم ، فجأة اوقفت مدافعها الثقيلة على الجبهة الشرقية لتنقل البندقية من هذا الكتف الى كتف آخر، والتصويب من الشرق الى الشمال والجنوب..
السيدة النائبة، عالية نصيف تجرب ان تعبر نهر المعارضة بدون تكاليف كما عبرت نهر الاجتثاث من دون كلفة.. وآخ من لساني.
 ***
“كل الطرق الآسنة تؤدي الى المزبلة”.
زكريا تامر


113


لا.. يا رئيس الوزراء

عبدالمنعم الاعسم
الخصومة التي يخوضها رئيس الوزراء نوري المالكي مع (والاصح: ضد) شركائه الكرد في الحكم والعملية السياسية، وقبلهما في معارضة الدكتاتورية، محيرة، ومثيرة، وتفتقد الى عناصر الدراية والحكمة والتحسب للاخطار، وهي اكثر حيرة وتعقيدا وخطورة، في منحاها التصعيدي اليومي، وفي اللهجة المتوترة والحانقة والتعبوية التي جميعا تؤثث المسرح لمواجهة، أو “منازلة” مع المكون السياسي والقومي الكردي ربما تخرج عن الانضباط، ولتعيد الاذهان الى تقاويم الحروب الكارثية المسجلة باسم حكومات العراق الملكية والجمهورية والبعثية التي تساقطت تباعا وفي سجلها خطيئة القفز من فوق فروض الشراكة في الوطن، وخطأ استخدام القوة لفرض مشيئة المركز، الذي لم يكن إلا فردا في حقيقة الامر.
لكن الاكثر خطورة، في ادارة السيد المالكي للخصومة مع الشركاء الكرد، يتمثل في لجوئه الى لغة التهديد، في بيئة سياسية ملبدة بغيوم سوء الظن وانعدام الثقة وتحفز المشيئات الاقليمية، وفي وقت يقف المالكي وحيدا في هذه الزاوية إذا ما اخذنا بعين النظر معارضة اقرب حلفائه في التحالف الوطني (التيار الصدري. المجلس. المؤتمر الوطني..) لهذا المنهج فضلا عن الكتل الاخرى التي تشكل قوام حكومته.
كل هذا يفتح السؤال الاستباقي المهم: على من يراهن رئيس الوزراء في حراكه هذا؟ والجواب السهل الذي نسمعه من اركان خيمته يقول ان هذه السياسة تحظى برضى الشارع، او في الادق، بتأييد ابناء الوسط والجنوب من الجمهور الشيعي، وبعض شرائح العرب من سكان كركوك لاسباب تتصل بحساسيات قومية مستعارة من عهد الدكتاتورية، فيما يتشكك كثيرون بصحة (او رسوخ) هذا التأييد.
اما اذا كان  التجييش ضد الكرد يستهدف الى حسم الصراع السياسي على السلطة لصالح المالكي، فهو الاخر منزلق نحو نفق مظلم لا آفاق له في الحسابات الانتخابية المعروفة، وثمنه باهض، فالقوى التصويتية هذه جربت وعود كابينة رئيس الوزراء بتحقيق الرخاء والاستقرار والإدارة الرشيدة، وقد سقطت جميع تلك الوعود في وحل سنتين ونيف من ولايته، الامر الذي يستخدمه منافسوه، ايضا وعلى نطاق واسع، في حملتهم الاعتراضية الانتخابية  كما نشاهد ذلك على واجهات الاعلام، وعلى مدار الساعة، وليس من غير مغزى ان تقف مرجعية النجف الدينية في صف الحسابات الاخرى.
خطوط التماس مع الاقليم، بعد ذلك وقبله، لا تصلح ان تكون ورقة انتخابية، او مفتاحا لزيادة مناسيب الاصوات، او ميدانا لتجريب كفاءة الدبابات.. او حتى التهديد باللجوء اليها..
لا، يارئيس الوزراء.. بالتهديد لا تدار مثل هذه الامور.
 ***
“ ما يسلب بالعنف لا يحتفظ به إلا بالعنف”.
                        المهاتما غاندي
 


114
المنبر الحر / الغطرسة
« في: 21:27 21/11/2012  »

الغطرسة

عبد المنعم الاعسم  

الغطرسة مركب من مركبات السايكولوجية المعتلة تاخذ صاحبها الى ادعاء القوة، او الاستيهام بها. تمثيلها او الشعور بها.
في الحياة العامة، تظهر الغطرسة على شكل سلوك طاووسي. الخيلاء الفارغة. الزهو بالمظهر. الاستعراضية. الانفة. تصغير الاخرين، وإذا ما أمكن قهرهم، وتحفظ الذاكرة الشعبية الفلوكلورية روايات كثيرة عن الفجائع والمفارقات والمعارك المسرحية او الكارثية التي ترتبط بمتغطرسين.
الغطرسة في بعض انحرافاتها جُبن، فليس غير الجبان من يحتاج الى الزعم بانه قوة لاتقهر، ولاتُكسر، ولاتبارى. الفارس يتحدث الاخرون والتاريخ عن مآثره وشجاعته وانتصاراته.
والغطرسة لاتعرف التواضع، ولا الاعتراف بقوة الآخر، ولا حتى بخذلانات صاحبها. انها، في بعض ممارساتها، ذرائعية مقيتة، ولاتتورع عن تسمية الاشياء بنقائضها. الهزيمة انتصارا، مثلا، وحين يُمرغ انف المتغطرس بالتراب، لايشعر بالعار. انها، من زاوية معينة، قناع يتوسل به ضعاف النفوس لاخفاء حقاراتهم وهوانهم واضطرابهم النفسي.
خارج السياسة تترك الغطرسة اثارا مؤذية محدودة قد تقتصر على صاحبها، او على دائرة من المضللين والاتباع، لكنها في السياسة قد تلحق الاذى بدائرة اوسع. اوطان كثيرة وامم دفعت ثمن غطرسة ضربت قادتها، فالسياسي المتغطرس عدو للحسابات الواقعية للامور والقوى والحجوم. عدو للنصيحة والتبصير والاستشارة. عدو للحكمة ودروس الاخرين وخبرتهم.
السياسي المتغطرس يضيق بحكم التغيرات وتقلبات الاقدار واتجاهات الرياح فينزل منزلة دون كيشوت في مقارعة الانواء بسيف من خشب، ويخوض معاركه حتى نهايتها على الرغم من انها خاسرة.
والسياسي المتغطرس مولع بالخطابات والتصريحات. انها توحي له بالقوة الاسطورية الماحقة لـ”العدو” واكثر ما يعنيه من ذلك ان يسمع مديحا لما يقول، ثم يتوهم ان ما يقوله يتحول الى نص ساحر، مقدس، سرعان ما يدخل افئدة الملايين فتذعن له.
اعداء السياسي المتغطرس نشارة خشب، لا قيمة لهم، وهو بخطاب واحد، كما يتوهم، سيجعل كل واحد منهم تحت نجمة.. والنجوم بين يديه.
الغطرسة السياسية، عندما تتحكم بالامور، تبدو كما لو انها عقوبة للامم التي لم تتعظ من التاريخ.

*********
" من يأبى اليوم قبول النصيحة التي لاتكلفه شيئا فسوف يضطر في الغد إلى شراء الأسف بأغلى سعر".
افلاطون


115
المنبر الحر / تاريخ
« في: 11:07 14/11/2012  »
تاريخ
عبدالمنعم الاعسم
 
في عام ما قبل الميلاد  ومضت نجمة في برج الثور، ثم هاجرت الى مدار آخر، غير انها بقيت تومض، وتومض، طوال ثلاث وعشرين يوما قبل ان تنطفئ، والى الابد.
لكن؛ ثمة في عدن من يتحدث عن تلك النجمة بوصفها حصانا من الضوء انشطر الى مسارين، سقط الاول منهما على قلعة صيرة التاريخية في عدن، وحط الثاني في آثار بابل المهيبة في العراق، وذكر الشاعر اليمني الحميم محمد حسين هيثم الذي سمى ديوانه الثاني (الحصان) ان اسطورة النجمة لا ثبت لها في المدونات التاريخية او العلمية، لكن امرأة عدنية نسجتها منذ زمن بعيد وصارت على كل لسان، والاصل ان ابنها هاجر الى العراق ومات هناك فجُنت عليه وتخيلته نجمة على هيئة حصان شارد، وضحك هيثم وهو يروي القصة بيننا، نحن اصدقاؤه المهاجرين من العراق قائلا: قد تُجن واحدة من امهاتكم لتعيد نصف حصاننا الينا.
في مجالس(مقايل) اليمنيين يحضر العراق طالما نكون ضيوفا عليها، وما اكثر ما كنا نشارك اليمنيين، ملاطفة، سهرات القات، وندخل معهم في دورة السجالات والطرف، ومرة قال الصديق الدبلوماسي احمد ابكر الذي يعد نفسه خبيرا في تاريخ العراق: انكم شعب استوطنته الاحزان وصرتم لا تبكون على انسان عزيز فقدتموه فقط، بل وايضا على الجماد، ولكي يعزز رايه فقد استطر الى التأكيد بان ابن الجوزي ذكر في كتاب المنتظم ان عراقيي واسط حزنوا على منارة مدينتهم التي انهارت العام 497 هجرية وكانت قد بنيت في عهد المقتدر وعمّرت مائة وخمسون عاما، ولم يهلك جراء انهيارها احد، لكن اهل المدينة عمهم حزن عظيم وارتفع بينهم عويل استمر سبعة ايام.
غير ان مهاجرا عراقيا اختص في التاريخ اليمني رد بالقول: ان اليمنيين القدامى كانوا يحزنون حزنا شديدا على موت الحيوان، لا الجماد كما هو حال اصحابنا، فقد اورد صاحب المستبصر قبل ما يزيد على سبعمائة عام ان عرب اليمن كانوا يقيمون مجالس العزاء ومناسبات الحزن للغزال الميّت لعدة ايام، وانهم اذا ما وجدوا غزالا ميتا اخذوه وغسلوه وكفنوه ودفنوه وأقاموا له واجب العزاء، مشققين الجيوب، مقطعين الشعور، ذارين التراب فوق مفارق الرؤوس.
وحين يقول قائل من اليمنيين: انكم ايها العراقيون من بلاد مسكونة بالكوارث منذ القدم، فانهم ينسون انهيار سد مارب الذي جرف المال والحلال وترك البلاد خرابا تنعق على اطلالها الغربان.
***
 " كل شيء يمكنك أَنْ تتخيله هو حقيقي بالنسبة لك".
بيكاسو

116
المنبر الحر / محنة الوزراء
« في: 14:37 13/11/2012  »
محنة الوزراء

عبدالمنعم الاعسم
 
كشفت قضية البطاقة التموينية عن سلسلة من المفارقات العجيبة، لايمكن لها ان تحدث إلا في بلد (ليزعل من يزعل) سقط توا من مجرة بعيدة، او لفقته الصدف على عجالة.
فان رئيس الوزراء، كما قال اقرب مقربيه، لم يكن راضيا او متحمسا لقرار مجلس الوزراء بالغاء البطاقة التموينية، لكن اتضح لاحقا ان جدول اعمال المجلس كان خاليا من فقرة البطاقة التموينية، وقد اقحمت الفقرة بالغاء البطاقة التي تهم معيشة ما يزيد على عشرين مليونا من العراقيين، وجرى التصويت عليها في غضون دقائق من قبل الجميع باستثناء وزير واحد  وأحد المستشارين.
ثم، بعد ذلك فوجئنا بالتراجع “المنظم” بسلسلة من البيانات والتصريحات تنبذ القرار وتتقاذف المسؤولية عنه، وتهاجم “الشيطان” الذي اغوى اصحاب القرار، وذكرنا ذلك بحديث الرسول، بحسب الصحابي ابي سعيد، إذ قال الشيطان “بعزتك يارب، لا ابرح اغوي عبادك”.. وهو من دون غيره وراء هذه المكيدة  التي عادت الى نحرها بقوله تعالى في سورة النساء “إن كيد الشيطان كان ضعيفا” ثم، جرت عملية قيصرية على القرار تحتفظ  بنصف ماء الوجه، ونصف الفضيحة..
كل هذا وضع على وزراء الحكومة مسؤولية كبيرة، وعلى رئيسها مسؤولية اكبر. وعلى الوزارة متضامنة من زاوية ما. المشكلة انه في كل مرة يُلقى باللوم على الوزراء وحدهم، ويقفون منفردين تحت قذائف النقد والتشهير حتى من كتلهم التي رشحتهم الى مقاعدهم، ومن انصار تلك الكتل ايضا.
جميع الوزراء وافقوا على القرار.. ثم انفسهم تراجعوا عنه.. فمن سيحمل الملايين على الثقة بقرارات ستصدر من هذه المرجعية التنفيذية مستقبلا؟ وماذا تبقى من سمعة الوزير؟
الى هذه الحكاية من مستطرف العلوي (ص69):
حدّث ابو الحسين بن عياش (القرن الرابع) قال: رايت في شارع الخلد ببغداد قردا مدربا يجتمع الناس عليه فيقول له (صاحبه) القراد: تشتهي ان تكون بزازا؟ فيومئ القرد براسه: نعم.
تشتهي ان تكون عطارا؟ القرد: نعم.
تشتهي ان تكون ... ويعدد مجموعة من الصنائع والقرد يومئ بالموافقة.
ثم يسأل القرد:
تشتهي ان تكون وزيرا؟
فيومئ القرد براسه: لا! ويردف بالصياح والركض محاولا الهرب!
 
***
"سيبقى الفشل مرا إذا لم تبتلعه".
انيس منصور

117

العراق واوباما.. الثاني

عبدالمنعم الاعسم

الذين يعتقدون بان اوباما في ولايته الثانية هو نفسه اوباما، كما كان، في الدورة السابقة، واهمون، ولا يقرأون إشارات التغيير في خطاباته واجراءاته وتلميحاته كفاية، كما يتجاهلون حقيقة ان رؤساء الولايات المتحدة، يرجئون عادة بعض خططهم المثيرة للجدل  ومعاركهم الحساسة الى الولاية الثانية.
وما دمنا في شأن العراق فقد عُرف عن الرئيس الامريكي انه وضع جانبا خيار “التدخل” في سياقات الازمة السياسية، ونأى عن التحيز الى جانب هذا الفريق او ذاك، وقد تَرجم هذا الموقف خلال تجاذبات سحب الثقة عن رئيس الوزراء، فيما فُهم نأيه عن دائرة الصراع السياسي العراقي، خطأ، بانه معارضة للقاءات اربيل ومفاعيل سحب الثقة.
بل ان ادارة اوباما لم تتخاشن مع بغداد في مواقف حساسة، مثل التعامل مع الاحداث السورية، او التوجه نحو روسيا في التسليح، او في قضايا الاستثمار في الصناعة النفطية، وتركت الامر الى تعليقات الصحافة الامريكية، والى طاولة ما بعد الانتخابات، وعذرها، ان المعركة الانتخابية لا تتحمل عناوين تصعيد في الملفات الاقليمية والدولية، وتجب الاشارة الى محاولات اوباما منع استخدام الخيار العسكري ضد ايران، على الرغم من الضغوط الاسرائيلية والخليجية لجهة كسر شوكة القوة الايرانية الجامحة.
الرئيس الامريكي، بوجيز الكلام، سيجري تغييرات على سياسته العراقية، بعد ان رفع الحذر من دواعي الانتخابات وتحدياتها، اما الجهة التي ستمضي فيها هذه التغييرات فانها ستتركز على البقعة ذات العلاقة بالصراع على السلطة، وعلاقة ذلك بانتخابات العام 2014 فقد تسربت من البنتاغون وبعض حلقات الاستشارة في البيت الابيض نصائح بوجوب “التدخل” من قبل الرئيس في تلك البقعة لمنع صعود قوة “عدوة” للولايات المتحدة الى سلطة القرار واستفرادها بادارته، ودعت مطالعة عسكرية الى استباق انزلاق العراق الى محور اقليمي مناهض بسلسلة من “المعالجات” في حين اكدت مؤشرات بان اوباما ارجأ اقشتها الى الولاية الثانية، والمهم انه ابدى تعاطفا مع تلك التحذيرات، بحسب التقارير المنشورة.
ارتياح الطبقة السياسية العراقية حيال عودة اوباما الى البيت الابيض، كما يبدو، ينطلق من تمنيات، بين السطور، بان يواصل سياسة ولايته الاولى حيال العراق وشؤونه، لكن التمنيات في السياسة مثل اي بالون تطلقه من نافذة الى الفضاء، قد يعود اليك.. وقد لا يعود.

***
" نحن نقدر الصراحة ممن يحبوننا، أما الصراحة من الأخرين فنطلق عليها وقاحة".
اندريه موروا







118
المنبر الحر / الى اين؟
« في: 13:35 08/11/2012  »

الى اين؟

عبدالمنعم الاعسم

إذا قلنا بان وضع العراق يتجه الى التطبيع فاننا سنكون ساذجين، اما اذا صدّقنا اولئك الذين يقولون بان هذا الوضع مرتد الى الخلف ليقع بيد حلفاء السلاح من القاعدة والبعث فاننا سنكون أكثر سذاجة.
اذا لم نتقدم  نحو التطبيع ولم ننكفئ الى مشروع الردة، فما الذي سيحدث؟ او الى اين تتجه سفينة العراق؟
آخر تصريحات رئيس الوزراء نوري المالكي من شاشة السومرية اعطتنا مبرر القول ان بيننا وبين حل الازمة السياسية استحالات كثيرة لعل ابرزها إرادة الحل الذي لا يتحقق من دون تنازلات متقابلة بين اطراف هذه الازمة، ويبدو ان الجميع طووا فكرة التنازل والحلول الوسط.
في بغداد، يقول سياسيون ان الامر بحاجة الى وقت طويل حتى تنكسر بعض حلقات التوازن التي تحكم معادلات الصراع، وبخاصة تلك الحلقات ذات العلاقة بالاحداث السورية، وثمة بينهم من يأمل ان ينتهي  الملف السوري الى شكل من اشكال الحل، وقل الصفقة، بين ايران والولايات المتحدة لكي ينعم العراقيون بعدها بالامن والاستقرار والاستقلال.
ساسة آخرون يتخوفون من فكرة التقارب الآن ويعدونه “مؤامرة” ذات ابعاد اقليمية  تستهدف تقاسم النفوذ، ويقولون بان الرئيس اوباما في حال فوزه سيمضي قدما في هذا الخيار الذي –كما تؤكد التسريبات- سيحظى بترحيب ايراني، وهذا بحد ذاته يضيف بلبلة الى سلسلة البلبلات التي تعانيها عقول الساسة هنا.
“الى أين نتجه؟” قذفنا بهذا السؤال الى استاذ في كلية العلوم السياسية في بغداد، فقال: تعال نبتعد عن الجواب قليلا.. ان الازمة تخترق جميع القوى المتشابكة في العراق. الكيانات السياسية تتفتت وتزداد تناحرا. الحكومة تتبعثر وتمر بحالة استقطاب وتدار من غرفة واحدة محروسة جيدا، وموعد الانتخابات يضرب على الابواب، ويهرع الجميع الى حساباتهم ومسرحياتهم الدعائية. اعتقد اننا-كما قال- نتجه بـ”حكومة الشراكة” هذه حتى انتخابات العام 2014 وسنحتاج الى عشرين شهرا من الصراعات الفئوية الطاحنة.
محلل أكاديمي  ايده وافاد القول: خلال هذه الشهور العشرين ستتكون على السطح قوة شعبية غير طائفية.. انها بدأت تنمو منذ الان، وتظهر في امثلة كثيرة. زميل ثالث رد بالقول: انها قراءة متعجلة. الطائفيون يملكون امكانيات وآليات وامبراطوريات ستعمل جميعا للحيلولة دون ولادة هذه القوة.
الى ذلك تكونت مؤشرات عن سلبية الشارع الحائر بين ارتفاع اصوات الملعب وانخفاض سمعة اللاعبين.
**********
"من سرّه زمنٌ ساءته ازمان".
ابو البقاء الرندي- غفيه اندلسي


119
لماذا لم يندحر الارهاب في العراق؟

عبدالمنعم الاعسم
النظرية التي تقول بان النشاط الارهابي غريب عن المجتمع العراقي، او انه طارئ على بنية الدولة العراقية تحتاج الى مراجعة. العكس هو الصحيح تماما إذا اخذنا بالاعتبار بان اللازمة الاولى لهذا النشاط هو التطرف، وان التطرف، كممارسة مجتمعية وحكومية وتشريعية، له جذور وهياكل في المجتمع العراقي والدولة العراقية على حد سواء.
في الكثير من المنعطفات التاريخية والسياسية يحارَب الارهاب بواسطة ادوات ارهابية، فتستخدم الدولة ونظامها السياسي اساليب مفرطة في القسوة وتطال جمهورا محايدا ومصنفة في خانة “ارهاب الدولة” لقمع تيار يستخدم شكل او اكثر من وسائل العنف، وفي منعطف آخر، تندفع مجموعة مناهضة للسلطة في ترويج العنف والتجييش الارهابي ضد “ارهاب الدولة” القمعية، ومن هذا التقابل (الفعل ورد الفعل) تنشأ، موضوعيا، ذريعة التطرف التي تصنع لوازم النشاط الارهابي في المجتمع، في أي مجتمع.
النتيجة الاكثر وضوحا تتمثل في الاتي: ففيما يتمسك كل فريق متطرف بوجاهة الاسلوب الذي يستخدمه ويدافع عنه بوصفه خيارا وقائيا واخلاقيا، وضروريا للمصلحة العامة، فان المجتمع بمرور الايام سيفقد حصانته ضد التطرف، او في الاقل، سيوفر بيئة مناسبة لتبرير التطرف. الغريب ان المجتمع نفسه يدفع الضريبة الباهضة لهذه النتيجة الكارثية، ومن زاوية معينة، يبدو ان المجتمع هنا كما لو انه يعاقب نفسه بنفسه.
لكن لاينبغي ان يضيع، في هذه المعادلة، حق الشعوب في الدفاع عن نفسها، بالاساليب الوقائية، حيال ارهاب الدولة وحروبها  الداخلية او بمواجهة العدوان الخارجي، كما لاينبغي تحريم استخدام الردع من قبل الدولة للجم قوى الارهاب والجريمة.. وفي هاتين الحالتين ضوابط ومعاهدات وتشريعات تراعى بقدر استيعاب المتصارعين لها وبقدر فاعلية الرقابة الدولية لها، واخلاقياتها.
اقول، اذا ما اعترفنا بان ثقافة التطرف مورست وتمارس في المجتمع العراقي، دينيا وقوميا وسياسيا، فاننا بذلك اعترفنا بوجود واحدة من اهم لوازم الغبار الارهابي الذي هب ويهب على العراق، وهذا الاعتراف يساعد (ولايعرقل) المشروع البديل، مشروع الدولة المدنية السلمية القائم على اشاعة خيار التسامح والمصالحة والشراكة وتكافؤ الفرص واحترام خصوصيات وحقوق المكونات.
فمتى؟.
 *****
“ القطة التي ترتدي القفازات لا تصطاد الفئران”.
 فرانكلين
 **************


120

لقاء المالكي- النجيفي

عبدالمنعم الاعسم

لا يمكن القبول بالقراءات التي تذهب الى ان لقاء رئيسي الوزراء والنواب، نوري المالكي واسامة النجيفي، قد تمخضا عن اتفاق على خارطة طريق لحل الازمة السياسية في البلاد، فأنهما لا يحتكران  قنوات الحل هذه، كما ان المسرح لا يزال عند فصل اللقاء الوطني الذي لم يتحرك من نقطة المشاورات والتجاذبات حتى الآن.
أقول ايضا، ليس صحيحا الاطمئنان الى تسريبات عن “صفقة” بين الرجلين تعيد هيكلة التحالفات وتشطرها الى مكونات جديدة، ولا ينبغي الاستسلام لخيالات معلقين تحدثوا عن تحالف  بين المالكي والنجيفي في سباق مجالس المحافظات  الذي يبدأ في نيسان المقبل، وعلينا ان نهمل القول بأن النجيفي طلّق القائمة العراقية الى الابد، فالقائلون بذلك، من دولة القانون بخاصة، يعبرون عن تمنيات، ليس إلا. اما التقارير التي تحدثت عن اتفاق رئيسي الوزراء والنواب على بعض الإجراءات لتحريك بعض مشاريع القوانين النائمة ولاحتواء ازمة البنك المركزي فانها تتضمن قراءة يمكن تصديقها بحذر.
إذن ماذا حدث بين المالكي والنجيفي؟ وكيف يمكن النظر الى هذا الحدث اللافت؟ وما هي آفاقه؟.
التحليل الواقعي يضعنا امام استنتاج بأن اهمية هذا اللقاء، وأبعاده ونتائجه، تكمن في ذاته نفسه كلقاء بين اثنين من الزعماء السياسيين  المتنفذين بعد قطيعة طويلة وملامات وانعدام ثقة، حتى وإن جرى مجرى الاختراقات السياسية، وبمعنى آخر، يمكن تشبيه هذا المبادرة بإعادة العلاقات الدبلوماسية المقطوعة بين دول متخاصمة وقررت انهاء الجفوة بينها كخطوة اولى نحو فتح ملفات الخصومة والتقرب من إمكانيات حلها، وهو الامر الضروري لإيجاء بيئة علاقات نافعة للطرفين، وتأمين خط اتصال مباشر بينهما بدل تحميل الرسائل عبر آليات إعلامية او تسريبات او طرف ثالث.
نعم، تبادل الطرفان العتاب عن تأخر مثل هذه اللقاءات وبعض الامور ذات الصلة بالتشابك بين الوظائف الدستورية للسلطتين التنفيذية والتشريعية، وربما اعتذرا لبعضهما عن محاولات “اسقاط” وسحب الثقة واتهامات بالخيانة والفشل اطلقت منهما او من بعض المقربين منهما، وقد تظهر مؤشرات على تحرك في الجبهتين الحكومية والنيابية نحو تطييب خواطر الرأي العام، لكن المهم هو ان كلا من رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب، وجها رسالتين غير مكتوبتين الى كتلتيهما، التحالف الوطني والقائمة العراقية، بانهما يملكان اوزانا اضافية ينبغي الاخذ بها عند حساب الاوزان.
والاوزان هي حصص في نهاية الامر.. وهكذا عدنا الى النقطة التي بدأت منها المصائب: المحاصصة.
 
***
"لا يمكن لمعاهدة أن تدوم إلا إذا انتصر الطرفان".
جيمي كارتر




121

ابطال رياضة
يبيعون الخضار على الارصفة

عبدالمنعم الاعسم

اتحاشى، في كثير من المرات ان اثير موضوع إداء وزارة الرياضة والشباب، لسبب واحد، هو معرفتي لعدد من مسؤولي الوزارة ممن لا أشك في نزاهتهم وحماستهم لتقديم خدمات لهذه الشريحة التي تعد من اخطر شرائح المجتمع واكثرها حساسية وعلاقة بمستقبل اي مجتمع.
ومنذ حين تجمعت لدي الكثير من المعطيات عن اهمال وفساد في شبكات الخدمة التي تقدمها الوزارة الامر الذي لاينال من سمعة اولئك الموظفين النزهاء والمتحمسين، ولايمكن السكوت عليه او العبور من فوقه، وقد فتح لي النائب المهندس شروان الوائلي الباب للحديث عن ذلك بعد ان كشف بان هناك ابطالا عراقيين على المستوى الدولي لايزالون خارج اهتمام وزارة الرياضة والشباب وهم يضطرون الى بيع الخضرة على الارصفة بدل ان يكونوا في اروقة الوزارة وملاعبها، وتأكيده على ان الوزارة لم تلبي طموح شريحة الشباب في دعم الرياضة وانها اخفقت في ادارة بناها التحتية، وان اندية رياضية عديدة وقطاع واسع من الشباب ناشدوه للتدخل لدى وزارة الرياضة للتخفيف من معاناتهم، وقال  ان هنالك رياضيين عراقيين حققوا نتائج عالمية مبهرة لم يجر تكريمهم من الوزارة.
وإذا ما تشككنا في صدقية التقارير المبكرة التي اطلقتها هيئات الرقابة والنزاهة ومنافذ اعلامية حول وجود فساد في مشاريع كبيرة للوزارة فاننا لايمكن ان نتشكك في معلومات موثقة عن حقيقة ما يعانيه الرياضيون وشباب الرياضة من اهمال منهجي لمتطلباتهم واحتياجاتهم، حيث بلغ الامر باطلاق دعوات ونداءات للرياضيين وشباب الرياضة بوجوب  التظاهر احتجاجا على موقف الوزارة، وشللها، على الرغم من الاموال الطائلة التي تحصل عليها من ميزانية الدولة.
احسب ان وزارة الرياضة والشباب من بين اكثر الوزارات العراقية التي تصدر بيانات نفي لما ينشر عن فساد في اروقتها، ما يطرح السؤال الوجيه.. هل كل اعمدة الدخان هذه من غير نار ما؟.
النائب الوائلي على حق في اثارة قضية اهمال الابطال الرياضيين من قبل وزارة الرياضة والشباب، ثم، لا مكان للاعتراض هنا والقول انه لا علاقة بين الفساد والاهمال.. فكلاهما ابناء شرعيون للازمة الشاملة التي تضرب البلاد.

***
"لا تقل القليل بكلمات كثيرة، بل الكثير بكلمات قليلة".
فيثاغورس





122

"القاعدة" هل ستحكم سوريا؟

عبدالمنعم الاعسم
 لاشك في ان الجماعات "الجهادية" المتطرفة (خلايا القاعدة بخاصة) تمكنت من ان تجد لها مواقع مهمة في صفوف الثورة السورية، وان الكثير من اعمال التنكيل "الطائفية" والتفجيرات الانتقامية ضد السكان المدنيين مسجلة باسمها، وقد تتقاسم مسؤولية بعضها مع قوات السلطة وتشكيلاتها المدنية، في لعبة الافعال وردود الافعال الدموية وتكتيكات تحويل الاحياء السكانية الى ميادين مواجهة.
 ولاشك، ايضا، في ان اية ترتيبات سياسية لما بعد الحرب الاهلية ورحيل نظام الحزب الواحد ستفرض وجودا (نفوذا) ما للجماعات الاسلامية المسلحة في تلك الترتيبات، وسيتقرر مستقبل نفوذها على تناسب القوى في صفوف القوى الجديدة التي تقبض على زمام الامور.
 الصورة شديدة التعقيد، وغير قابلة للقطع في ما ستفرزه من صراعات وتدخلات خارجية، سيما وان قوى المعارضة المدنية المعترف بها اقليميا ودوليا (المجلس الثوري) لم تستطع ان تحشد قوى واطياف المعارضة  المدنية وبقيت على مسافة من الحقائق على الارض، كما ان انشطة الجماعات الاسلامية المتطرفة اثارت وتثير مخاوف الكثير من الشرائح الاجتماعية والدينية والقى ذلك بظلاله على التفويض الشعبي للثورة.
 ومن داخل هذه الصورة المعقدة يبرز السؤال: هل يمكن لقوى القاعدة وفلول الارهابيين ان يفرضوا سيطرتهم على سلطة ما بعد نظام الاسد؟ وهل بامكانهم ان يجددوا تجربة طالبان في سوريا؟ وما هو موقف الولايات المتحدة والدول الخليجية وتركيا، آنذاك، بعد ان تهاونت مع نشاطهم وسهلت لهم توسيع النفوذ؟.
 مرة اخرى، من الصعوبة وضع مقاربة عما سيجري في المستقبل، لكن دعونا نتوقف عند احتمال واحد من الاحتمالات، وهو اقامة نظام طالبان جديد في سوريا، الامر الذي يتحدث عنه، بهلع، بعض ممثلي الاسلام السياسي لائتلاف الاكثرية في العراق، ويحاولون إثارة مخاوف وحساسيات الطائفة الشيعية وتعبئتها لمواجهة "دولة عدوة" قد تظهر من جهة الغرب، لكن التحليل الموضوعي هنا يصطدم بحقيقة اعتراضية تفيد بان الجماعات الجهادية المسلحة لا تملك برنامجا، ولا تصورات لاقامة نظام سياسي يتعايش مع جيرانه والعالم، بل ولا تملك خططا (باستثناء محاربة الكفر والكفار) لحل المشكلات السياسية والاقتصادية والامنية للمجتمع السوري، وانها، اغلب الظن، ستصطدم مع نفسها في النقطة التي يتحول فيها الحال السوري من الحرب الى السلم، فهي لا تؤمن بالسلم ولا بالقاء السلاح، ولا باحترام الخصوصيات المدنية السلمية للملايين السورية، ومن المؤكد انها ستفتح من الارض السورية (اذا ما فرضت حكمها الاصولي) الحرب على المنطقة والعالم.
 ثم، هل يمكن للقاعدة ان تقيم حكم الخلافة في سوريا حقا؟.. ذلك هو السؤال.
***
" إن الإنسانية كالجيوش في المعركة، تقدمها مرتبط بسرعة أبطأ أفرادها".
غابرييل غارسيا ماركيز


123
العراق والمحاور السورية

عبد المنعم الاعسم 
يجمع المحللون الموضوعيون على ان محاور الصراع في المجتمع السوري (حكومة وطائفة، مقابل معارضة وطائفة) التي انتقلت الى حرب مكشوفة وشاملة جرّت وتجر معها المنطقة والقوى الدولية الى حالة صدام ومواجهة  لا احد يعرف نتائجها على الارض، لكن التقدير الواقعي  لاتجاهات الاحداث يشير الى تنامي تأثير الجماعة الخليجية في النظام الاقليمي، الامني والسياسي، لأمد معين في مرحلة ما بعد سوريا حتى تنكسر حلقة التوازن في الوقت والمكان للاطاحة بتلك المعادلة.
وإذ لا مفر من سقوط نظام الاسد، على نحو ما، فان اللحظات التاريخية التي تسبق سقوط هذا النظام ستدخل في سلسلة التباسات وتداخلات ومواجهات لا تقل شراسة عما يجري على الارض السورية، وذلك على الرغم من محاولات الدبلوماسية واناملها الناعمة ورسائلها الاخلاقية تلطيف قبح عمليات التدخل الى جانب هذا الطرف او ذاك.
لكن الحقيقة الاولى يجب ان تقال دائما وهي ان جميع تجارب نظام الحزب الواحد (العائلة. الفرد. الطائفة) في حال تستمر (وتتحَمّض) لعقود من الزمن، تحيل البلد الى مثل هذا المآل، وقد تحيله الى الاستقالة من الخارطة، وبين ايدينا امثلة عن بلدان وامم استقالت من التاريخ بعد ان حشرها الاستبداد المفرط في نقطة الانتحار.
الحقيقة الثانية تتمثل في ان محاور الصراع السورية (في الداخل والخارج) اخذت شكل جبهات حرب بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، فيما تضيق، اكثر فاكثر، فرص المناورة، والوقوف على الحياد، او انتظار ما تسفر عنه الحرب، وبخاصة بالنسبة للدول المجاورة والتجمعات السياسية (والدينية) الاقليمية.
الحقيقة الثالثة ان العراق من بين الدول الاكثر تاثرا بالصراع السوري ونتائجه، ولعل مشكلته تتمثل في ان مصلحته، ولوازم امنه واستقراره وسيادته تفرض (او تفترض) ان يكون محايدا، وعلى علاقات متوازنة مع جميع المحاور، غير انه لا السياسات الرسمية التزمت خط الحياد، ولا الجماعات السياسية ومكونات الراي العام نأت بنفسها عن الحريق السوري، وكل ذلك اظهر حالة الانقسام في المجتمع العراقي حيال الحدث السوري، بل واظهر ما هو اكثر فزعا، وهو ان العراق، كحكومة ومكونات سياسية ودينية وقومية، توزع على محاور الحرب السورية.
الحقيقة الرابعة ان الحرب السورية قدد تتوقف يوما، لكنها ربما ستستمر في العراق، إذا لم يعمل العراقيون على ترشيد مواقفهم من الملف السوري ويضبطوا التفاعل من تطورات الاحداث على اساس من النظرة "الوطنية" الى المستقبل، حتى لايدفعوا ثمنا باهضا للعجالة العاطفية.. كما في كل مرة. 
 
***
" ويبقى العود ما بَقِيَ اللحاءُ".
ابو تمام



124

حكومة الاغلبية..
فرضيات استباقية

عبدالمنعم الاعسم

سنفترض بان  تشكيل حكومة اغلبية بريء من ظنة محاولات “ليّ الايدي” او جس النبض او رصد ردود الافعال، وسنتعامل (مؤقتا) هنا مع  خيار خرج من اعتبارات المناكفة السياسية والدعائية الى حل له ما يبرره للخروج من الدوامة السياسية، وسنفترض، ثانيا، ان النخب السياسية المعنية والممثلة في البرلمان بلغت سن الرشد الان وهي مهيئة لخوض تجربة “حكومة ومعارضة” بلياقة ديمقراطية ناجزة.. اقول نفترض.
طبعا لا غبار دستوريا على  خيار اقامة حكومة اغلبية من تكتلات سياسية تتمتع باغلبية برلمانية، ولا قيمة للقول بانه انقلاب ابيض، او عملية قيصرية، لكن قبل ذلك (حتى يكون هذا الخيار مبررا) ينبغي ان ننعى العملية السياسية للمرحلة الانتقالية التي جاءت بالدستور نفسه وبالكثير من الهياكل والالتزامات والمناصب والحلول وتشييعها جميعا الى مثواها الاخير، بالمراضاة او من دونها، وقد يقال، افتراضا، بان الدستور يبقى صالحا لطور حكومة الاغلبية، لكن ثمة من يعترض هنا بالقول، انه فيما تعذر توصل الكتل البرلمانية الكبيرة، وهي شريكة في الحكم، الى تفاهم لتحويل العشرات من النصوص الدستورية الى قوانين، فما مصير تلك القوانين في حال تفكيك هذه الشراكة وانتقال كتل نافذة الى المعارضة، وحلول المقابلة محل الشراكة؟
قد تكون الحاجة ماسة الى بناء عملية سياسية مصغرة، بديلة، على مقاس حكومة الاغلبية قيد الجدل، وبمعنى آخر، اعادة انتاج قواعد المحاصصة السابقة، سيئة الصيت، وفق حسابات جديدة لحجوم القوى التي تتشكل منها هذه الحكومة، واستحقاقات الشراكة الجديدة، وهو امر واقعي قدر ما هو افتراضي،  ليفاجئنا السؤال التفصيلي الاعتراضي: إذن ماذا فعلنا اكثر من ان شكلنا حكومة اقل تمثيلا والتزامات، مقابل معارضة اكثر تحررا وتحللا، الامر المشكوك في آفاقه وفي الشوط الذي سيقطعه.
على ان الفرضية الاكثر تعقيدا تتمثل في الآتي: حكومة الشراكة لانتخابات العام 2010 كانت قد مثلت “مكونات” قومية وطائفية، وقد آن الاوان (بتشكيل حكومة الاغلبية) كسر هذا التمثيل واحتكار سلطة القرار من قبل “مكوّن” واحد يمثل اغلبية مقاعد البرلمان (طبعا لا قيمة تمثيلية لأشراك افراد او جماعات صغيرة من مكونات مقصية في هذه الحكومة) والنتيجة هي ان الازمة السياسية ستفتح مسارا سافرا لصراع المكونات، بعد ان كان طي سجادة من المجاملات والديباجات الزاهية.
حكومة الاغلبية، اذا نظرنا لها من خارج هذه الفرضيات، ستحقق لاصحابها اجواء حكومية هادئة، لكن الاجواء الهادئة، سياسيا وفيزيائيا، لاتصمد دائما في بيئة مسكونة بالانواء المحلية غير المنضبطة، وبالعواصف.. من كل مكان.
 ***
“حذار.. نحن نبني الكثير من الجدران والقليل من الجسور”.
 اسحاق نيوتن


125
فيلم الاساءة..
اربع زوايا

عبدالمنعم الاعسم
 
الزاوية الاولى في النظر الى الفيلم الامريكي (براءة المسلمين) وما أثاره من ردود افعال، تتعلق بمستوى تقنيات وسلامة البناء الفني والموضوعي، حيث لخصها كاتب سيناريو امريكي (ستيف بلاكون) بالقول:”فيلم اقل من هابط ولايستحق ان يُضم الى تاريخنا السينمائي” والغريب في هذا الامر ان الفيلم عرض في صالات السينما قبل اكثر من ثلاثة اشهر ولم يكن ليلفت النظر او يستقطب الجمهور، وبدا انه سيلحق باصحابه خسارة فادحة، قبل ان تدخل ردود الافعال في حقل التجييش والتفجيرات ونسف السفارات وطبول “الحرب على الغرب” ففي بضعة ايام من هذه التطورات كسب الفيلم ما كسبته اربعة من اشهر الافلام الامريكية.
الزاوية الثانية يمكن ان نقرأها في موضوع الفيلم نفسه إذ يقدم رسول الاسلام بشكل بعيد عن حقيقته وخارج المنصوصات والمدونات وحتى الاستطرادات التي تجمع على عبقريته ورباطة جأشه في ادارة الانقلاب الثوري في مجتمع الجزيرة، وإضرام النار في العلاقات الاجتماعية القبلية المتخلفة، فيما الشخص الذي شاهدناه مهزوزا وصاحب نزعة مصنوعة من الاساءة المتعمدة.
الزاوية الثالثة، وتتعلق بشعارات الحملة الاحتجاجية على الفيلم إذ تراوحت من الدعوة الى حوار الاديان الى الدعوة الى مقاطعة الغرب وشن الحرب عليه، وانزلقت الى مواجعات وحرائق واعمال قتل ضد المبعوثين الدبلوماسيين، وهي، بكلمات وجيزة، لا علاقة لها بالفيلم نفسه، بل بمشاريع سياسية إذ استُغلت من جهات “الاسلام السياسي” لتقديم تمارين في التعبئة لإخضاع الشارع وضبطه على ايقاع الردة عن الربيع الديمقراطي، وثمة اخطر منحى في هذه الزاوية الدعوة الى “إجلاء المسيحيين” من “بلاد الاسلام” وهم اهل البلاد الاصليين.
الزاوية الرابعة، وتتمثل في حقيقة ان الفيلم يعد واحدا من المنتوجات الدعائية للتيار العنصري المتشدد في الولايات المتحدة والغرب، وهو تيار جامح ويستمد اندفاعه من الصورة المتوحشة التي تعرضها الجماعات الجهادية والتكفيرية للاسلام.
من هذه الزوايا يحاول لاعبون كثيرون ان يركبوا الموجة قبل ان تنطفئ وتصير منظرا لايستحق النظر.
 
 ***
“إن كثير الكلام يُنسي بعضه بعضا”.
                        ابو بكر الصديق
 
 

126



جملة مفيدة
ـــــــــــــــــــ


تفجيرات الاحد
وتسمية الاشياء باسمائها


/هوية تفجيرت الاحد الدموية، طائفية، بالمعنى السياسي والفقهي، والمسؤول عنها عصابات "الجهاد" الاجرامية من تنظيم القاعدة وفلول النظام السابق، بالقدر الذي يوزع المسؤولية عنها على كل الطائفيين وبناة الخارطة السياسية الطائفية وعار المحاصصة، فلو لم تتأثث هذه البيئة الطائفية السياسية في البلاد ما استطاعت شراذم من فضلات هذه المرحلة ان تفتح بركة الدم والاشلاء ومهرجان العويل والاسى لمواطنين عابري سبيل وآمنين.
/هذا في حال سمينا الاشياء باسمائها، فالتفجيرات الوحشية هذه ليست عمليات عشوائية، او محاولات استعراض القوة، او ارهاصات اجرامية عن احتضار تنظيمات القاعدة وفلول النظام السابق كما توحي تصريحات المسؤولين عن الامن، وليست -في كل الاحوال- من صنع جهة بلا امتداد اقليمي، تدخل في سباق محموم مع  سقوط النظام السوري، بل هي تمرين استباقي على تشكيل عراق آخر تتناحر فيه الطوائف وتشترك فيه وتغذيه اكثر من جهة داخلية وخارجية على اختلاف مقرداتها الطائفية.
/اننا لا نحتاج الى عملية “نمذجة” في خارطة ضحايا التفجيرات لنضع ايدينا على حقيقة  ان هذا التمرين الاجرامي  مرسوم بعناية كيميائية مركزة هدفها تمهيد الارض لدولة الحرب الطائفية وذلك بعد ان سقطت الخرقة القديمة عن مقاومة الاحتلال وظهرت معالم مشروع "الجهاد" على حقيقتها كفاصلة للردة، إذ تتولى مشاريع طائفية اخرى بناء استحكامات هذه الردة وتحويل العراق الى ساحة تصفيات وميدان تبادل الرسائل عبر مذابح واعمال تدمير منهجية.
/بعض إدانات التفجير  والتأسي على الضحايا تحمل منشطات للاحتقان الطائفي، إذ تفيض، من جهة، بزيف المشاعر الانسانية، بل وبالتشفي بالسلطات الامنية وشريحة الضحايا، ويكشف بعضها الآخر عن كراهيات تعصبية وانحرافات نحو الانتقام وتوسيع طعون المسؤولية عن الجريمة لتشمل اوسع دائرة من الابرياء.
/على مفترق هذا الطريق ثمة متفرجين يتابعون منافعهم مما يحصل من كوارث.. انهم اصحاب الازمة السياسية.
***
" عجبت لمن يفكر في مأكوله، كيف لا يفكر في معقوله".
الامام الحسن بن علي




127
المنبر الحر / سمعة الحكومة..
« في: 13:36 10/09/2012  »

سمعة الحكومة..

عبدالمنعم الاعسم
 عندما تكون خارج العراق، وتلتقي اشخاصا مهتمين بالسياسة والاحداث من جنسيات مختلفة، ستجد، إذا ما كنت عراقيا، ان سمعة بلادك لا تنفصل عن سمعة حكومتها، بصرف النظر عن بديهيات الاختلاف بين الحكومة والدولة والشعب، وقد تُفجع حين تُفاجأ بان سمعة الحكومة العراقية، سيئة ام جيدة، تنسحب، في نظر الاجنبي، على مكانة وسمعة اي مواطن عراقي ، وقد تجد ما يخفف عليك او يساعدك على تفكيك هذه المعادلة التمعن في المقولة المحمدية البليغة "كما تولّون يولى عليكم" أو بحسب الكناية الشعبية "هذا الرغيف من ذاك العجين".
 على مسؤوليتي، وفي ضوء لقاءات شخصية بسياسيين واعلاميين وقراءات في المدونات والتلميحات والاستبيانات والمعلومات المتداولة بحدود ضيقة، اقول، ان سمعة الحكومة العراقية في الخارج لا تُسر اصحابها، ولا تريح المواطن العراقي الذي تعنيه سمعة بلاده، وله مصلحة بحسُن هذه السمعة، وقد يروي تجار ومهنيون وحتى دبلوماسيين عراقيين قصصا مؤسفة عن "إحراجات" يواجهونها بسبب تردي سمعة الحكومة في المحافل التجارية والديلوماسية والثقافية في هذه العاصمة او تلك.
 في لندن، قال لي إعلامي عربي، ومقدم برامج تلفزيونية، اثق في مصداقيته، انه صار يتردد في الدفاع عن مواقف حكومة بغداد، حتى المواقف التي لا غبار على سلامتها "لأن احدا لا يصدق ما اقول" واضاف "ان اصحاب حكومتكم وممثليها ومبعوثيها السياسيين يقدمون اسوأ انطباع عنها في الخارج" الامر الذي ينعكس في تقارير واستطلاعات تنشر على نطاق واسع "فتأتي سمعة حكومة العراق في طلائع الحكومات الاكثر سوءا في العالم".
 معهد "يبوتايشن اينستيتوت" الامريكي المستقل اجرى العام الماضي استطلاعا لقياس ثقة الناس وتقديرهم، وإعجابهم "ببلد ما"  باعتبار أن قوة البلد وتقدم ترتيبه في الاستطلاع يفيد في جذب السائحين، والاستثمارات الأجنبية المباشرة إليه، وقد شمل الاستطلاع 42 ألف شخص في مختلف أنحاء العالم، وأهتم بقياس مستوى 50 دولة حول العالم، وقد حظي العراق، لشديد الاسى والاسف والمرارة والحزن بصفة الدولة  "الأسوأ سمعة" في العالم بسبب ما يعصف به "من الفساد، واهانة الحريات، وغياب القانون".
 نعم، حكومتنا سيئة السمعة في الخارج.. لشديد الاسف الف مرة.
***
"قل كلمتك وامش".
امين الريحاني




128
المنبر الحر / طبول حرب.. برلمانية
« في: 10:42 03/09/2012  »

طبول حرب.. برلمانية

عبدالمنعم الاعسم
تابعنا هذا الاسبوع تصريحات نارية من تحت قبة البرلمان يعلن فيها نواب (كلٌ من موقعه الفئوي) الحرب المقدسة على دول وكيانات واطراف اخرى، وشاءت ان تقع تحت نيران مدافع هؤلاء النواب دول مثل تركيا والسعودية وايران وامريكا وسوريا كما شملت نيران البعض اقليم كردستان ومناطق غرب العراق وأحياء في قلب العاصمة بغداد.
 وكأننا انتخبنا هؤلاء النواب، لا للرقابة وتشريع القوانين ومراقبة إداء الحكومة (وهي واجباتهم الدستورية)، بل لارسال البلاد، المنهكة من الحروب والصراعات واعمال الارهاب، الى ميادين حروب جديدة.
 على اية حال، يمكن ان نبتلع هذه المهزلة في حالة واحدة هي ان نعتبر هذا البرلمان برلمان حرب، او برلمان تحضير لوقود الحرب، وليس في هذا الامر غرابة او سابقة في التاريخ العراقي، فقبل خمسة الاف سنة، وفي عام ثلاثة آلاف قبل التاريخ، كما يذكر عالم السومريات صموئيل كرومر، التأم اول برلمان في التاريخ على ارض العراق القديم وقد كان هدفه اعلان الحرب طبقا لمشيئة الملك حمورابي، اخذا بالاعتبار ان حرب ذلك الزمان كانت عنوانا للفروسية التي نفتقدها الآن.
 إلا أن الآثاريين كشفوا عن شريعة سبقت شريعة حمورابي في الزمن باكثر من مائة وخمسين سنة، وهي على هيئة قوانين بصدد تنظيم حروب الاجلاء والاستئصال أصدرها الملك (لبت ـ عشتار) الذي اعتبر اول مشرع لقوانين الحرب بوصفها فروسية، او معبرا الى التفوق.
 ومنذ ان استدل المشرعون الاوائل الى "اختراع" تجربة البرلمان، كميدان لتبادل الرأي والمشورة وخبرة الحرب، فقد كان في بالهم إشراك الجمهور في ادارة الحكم، وكان هذا المعنى الاصلاحي المجرد قد دخل في اساس اول برلمان في العصر الحديث انشئ في جمهورية ايسلندة التي لم تكن لتفكر بالحرب مع احد، بل ولم تكن لتملك جيشا آنذاك.
 احد نوابنا دعا الحكومة الى تزويد الجيش بمعدات استراتيجية (ربما يقصد ذرية) وتسليح العشائر والعاطلين عن العمل والمتقاعدين لخوض الحروب المقترحة.. قدما حتى تحرير الاندلس.. تصوروا.
***
" يمكنك أن تحصل بالكلمة الناعمة والمسدّس على أكثر مما يمكنك الحصول عليه بالكلمة الناعمة وحدها."
آل كابوني- رجل عصابات إيطالي أمريكي












129
المنبر الحر / ضمير المدعو "سين"
« في: 22:55 30/08/2012  »
ضمير المدعو "سين"


عبدالمنعم الاعسم


لسنا اوصياء على ضمائر الناس. لكن المشكلة ان الضمير غدا واحدا من الممتلكات القابلة للبيع مثل اية سلعة.

تستطيع ان تشتري ضمير، وتدفع، مثلما تستطيع ان تشتري حذاء وتلبس. والضمير الذي تشتريه يمكن ان يبلى فتلقي به الى سلة المهملات، مثل اي حذاء يعتق فتشمره الى كيس الزبالة.

حتى الان لا حق لنا في ان نمنع عملية بيع وشراء الضمائر، فقط حين نكون ضحايا لهذه العملية، وليس ثمة بيع للضمائر لا يسقط بعدها ضحايا، وقد يكون ضحية ذلك قوت الشعب، او المال العام، او قطرة الحياء، او ساحة للعدالة، وقد يكون الضحية وطن باكمله.

الضمير لايبيعه فقط المحتاجون الى المال او الطامعون بالثروة. ثمة من يدنس ضميره في الاعيب يضلل بها الجمهور لصالح فكرة غاشمة.

 يرتفع سعر الضمائر حسب سوق التداول، وفي السياسة تنتعش هذه السوق، ولها تجار ومافيات وشاشات ملونة.

 المدعو "سين" يظهر في وضح النهار على ابهى ما يكون على اقنية الاعلام واروقة المحافل: داعية للعدالة والفضيلة وحماية حقوق الفقراء وصاحب غيرة على الايتام والثكالى. الارامل. الاطفال. العاطلين عن العمل. المعوقين جراء التفجيرات، ثم لا يتأخر عن التبرع لبناء دار عبادة، او الاحسان الى عابري سبيل.. هذا في النهار. اما في الليل فان المدعو "سين" يُخرج سجل العائدات الحرام ليعيد تنظيمها وتوزيعها، ثم يفتح خط الصفقات والمشاريع عابرة للقوانين والشرائع والضمائر: نهب ممتلكات وحقوق الدولة. تزوير اسماء وشركات ووثائق وصفقات. عقارات قيد التحويل. وساطات مدفوعة الاجر. شراء وبيع اصوات وولاءات وأزلام ودعاة ومهرجين.

الضمير وازع، مانع، رقيب. حين يغيب فانك تخرج عن فضاء القيم الى جاذبية الدناءات. هو قدرتك على التّمييز فيما إذا كنت على خطأ أم صواب، والتفريق بين ما هو حقّ وما هو باطل، وهو الّذي يستدرجك الى الندم عندما تتعارض الأشياء التي تفعلها مع قيم الشرف.

 المدعو "سين" يندم احيانا على فعل مخز، لكنه سرعان ما يندم على انه ندم.

****

"الشرف لا يجب أن يُكتسب، بل يجب فقط ألا يُفقد".

آرثر شوبنهاور-فيلسوف الماني

ـــــــــــــــــــــــــ

جريدة(الاتحاد) بغداد

 

130

الكتابة في السياسية

عبدالمنعم الاعسم
 
يجدر، في البداية، الاعتذار لقرائي مرتين، مرة لأني لم ابلغهم، مسبقا، عن هذا الغياب المفاجئ الذي امتد لاكثر من اسبوعين، ومرة اخرى لأن محرر الجريدة هو الآخر اهمل المسؤولية حيال القارئ الذي يتابع هذه الزاوية، ولم يستبق الغياب بإشعار له ما يبرره.

اقول ذلك تعقيبا على استفسارات وصلت على عنواني الالكتروني من اصدقاء وقراء عن سبب الاختفاء المفاجئ لـ"جملة مفيدة" للمرة الاولى (كل هذا الوقت) بعد ما يزيد على ثماني سنوات من دون انقطاع.
 
الى ذلك فان الكاتب السياسي لا ينبغي ان يشغل قراءه بشؤونه الشخصية. ذلك حقهم عليه، وفرض من فروض امانة الكتابة في الشان العام، حتى وإن أخذت خصوصياته شكل احتجاج على مسار الاحداث، أو زعل حيال استطراد استفزازي في الادارة السياسية، إذ يخشى ان يضع قدمه في الموضع الذي ينتهي الى منزلق، وبالنهاية الى خيانة مسؤوليته.
 
قد يصمت الكاتب، ذلك من حقه، لكن ذلك الصمت يصبح كتابة عندما يكون ثمة ما يضطره، وما يتصل بحساسية المواقف واحتشاد الاخطاء والاغاليط والسباق المحموم لخداع الناس، الامر الذي قد يجعل منه شاهد زور، او في الاقل متواطئا مع الضلالة السياسية. الصمت هنا استراحة للضمير.

الكتابة السياسية مسؤولية لانها تضع عناوين لما يجري من احداث. تحركها. تحيي خلاياها. تحولها الى مصائر، وهي ايضا ذاكرة لانها لا تعيش خارج التقاويم واليوميات والاحداث والمصائر.
 
مرة طلبوا من الكاتب والسينمائي الاسباني الشهير خورخي سيمبرون، الذي عاش حرب الجمهورية الاسبانية عام 1936وحمل شرف الانتماء لها حتى وفاته في مثل هذه الايام قبل عام، ان يتحدث عما يعانية من مواجع، وقد بلغ الخامسة والثمانين من العمر، قال: "الذي يحدث في اجساد المقموعين والضحايا هو ما يوجعني" وشاءت صحيفة البايس الاسبانية الشهيرة ان تصف سيمبرون بالقول انه "ذاكرة القرن العشرين" أما غوستاف غافراس اكبر روائيي العصر فقد قال ان خورخي سيمبرون كان على درجة عالية من "النزاهة الفكرية والسياسية" فيما اعتبر شارل غو رئيس أكاديمية الغونكور الفرنسية أن للرجل "حساسية خارقة" فهو من الرجال الذين جعلهم الألم يتكلمون من غير نطق ويصمتون كلاما.
 
اقول، لقد جرّت الازمة السياسية في البلاد الكاتب السياسي الى مطبّ ضميري حرج، محيّر،عندما جعلت الجميع ينظرون الى المنافع والعوائد الشخصية والفئوية من اية تسوية، وعندما غاب "المثال" الذي يعلن استعداده للتنازل ولو عتبة واحدة عن سقف الشروط والمكاسب التي يتخندق بها، واحسب ان هذه الازمة وضعت الكاتب السياسي في نقطة المراجعة. التأمل. اعادة تنظيم المعلومات.
 
اقول: الكاتب السياسي، وليس المهرج السياسي.
*********

"الطريقة الوحيدة لاكتشاف حدود الممكن هي تخطي هذه الحدود قليلا إلى المستحيل".
آرثر سي كلارك- مؤلف قصص خيال علمي     



131
المنبر الحر / للاسرار حرمة
« في: 07:53 27/08/2012  »
للاسرار حرمة


عبد المنعم الاعسم 



ازدادت حالة تهديد السياسيين لبعضهم بكشف “اسرار نائمة” ستطيح بخصومهم، بل ان بيانا اصدرته كتلة سياسية ضد احد اركانها خرج، في مفردات الاتهام والتخوين والعمالة وسوء الاخلاق، عن كل ما نعرفه من الادب السياسي واصول ادارة الخلافات، وشاءت المهزلة ان يعلن “الضحية” لجوءه الى المجالس العشائرية لاستعادة الاعتبار اليه.

يعيد هذا “الحادث” الى الاذهان تلك الشكوى المريرة  من عدم نضوج بعض زعامات الطبقة السياسية العراقية التي تنزل بالصراع والخلافات السياسية منزلة الابتذال والضحالة، كما يعيدنا (وهو المهم) الى السؤال التفصيلي عما اذا بقيت اسرار خافية حقا حتى الان في العراق.

 قبل سنوات قليلة كتب الصحفي الالماني جيروم هولش الذي زار بغداد “لا اسرار في العراق.. الصندوق مفتوح على مصراعيه” وذلك في نطاق ما سجله عن مشاهداته في “اسبوعية برلين” مؤكدا ان “المعلومات” التي يسعى الصحفيون والمراسلون الوصول اليها في بغداد تتيسر بطريقة سهلة “واحيانا من غير كلفة” أو “من دون ثمن” ويعيد ذلك الى ما اسماه  بقلة تحسب العديد من السياسيين ازاء “امور حساسة” ينبغي ان يكون مكانها “صندوق الاسرار”.

مقابل هذا وقبل هولش باكثر من عشر سنوات كتب مراسل لصحيفة اللوموند الفرنسية من بغداد “ان العراق بلد من دون ارقام” وذلك بعد اعياه البحث عن ارقام ومعطيات تساعد في تكوين قراءة عن احوال العراق، فقد كان يتلقى جوابا واحدا من مسؤولي النظام السابق “الارقام سيادية وغير مسموح تداولها” وهي ذريعة سخيفة تستهدف التعتيم المقصود على المعلومات الخاصة بتحكم الجماعة الحاكمة بثروة البلاد ومسؤوليتها عن تردي الاوضاع،  ولاحظ المراسل باستغراب ان السلطات الحاكمة آنذاك منعت تداول الارقام حتى في  نشرات الانواء الجوية في العراق “كي لا يستغلها العدو” ثم، بعد ذلك، راحت تتلاعب بارقام درجات الحرارة، وتحرف المعلومات الخاصة بالتنبؤات الجوية.

الحقيقة تتمثل في انه ليس ثمة بلد في العالم لا يعنيه حماية “نوع” من الملفات الخاصة بقضايا الامن والمصالح القومية والعسكرية والاقتصادية  واسرار الناس من العبث، وليس ثمة دولة لا تملك صندوقا للاسرار تهتم بحراسته والحيلولة دون الوصول اليه، والسرية هنا لا تخص ظروف الحرب فقط بل انها من لوازم الحماية الوطنية في ظروف السلم ايضا.

اقول، اكاد اصدق ما كتبه الصحفي الالماني عن صندوق الاسرار العراقي المفتوح على مصراعيه، فقد حضرتُ مساجلة قدم فيها موظف سابق”مغضوب عليه” الى محدثيه، ، حزمة من اسرار”خطيرة” عن المرفق الذي كان يديره، وعن ملفات وارقام واسماء وعائلات وصفقات ودول كان قد اؤتمن عليها وينبغي ان تكون في مأمن من التداول، بل وهدد ان يكشف المزيد للاطاحة بخصومه، ويقال ان لاولئك الخصوم سجلات كبيرة من الاسرار تدين المتحدث وقد ترسله الى المقصلة .

**********

 

“ فقلْ لمنْ يدَّعِي في العلمِ فلسفةً

           حَفِظْتَ شَيئاً، وغابَتْ عنك أشياءُ”.

       ابو نؤاس

132
ما أحوجنا الى فرسان

 عبدالمنعم الاعسم

 الحل يحتاج الى قرار شجاع يتقاسمه اركان الازمة، وذلك بعد ان تيقن الجميع ان لا احد قادر على شطب الاخر، ولا باستطاعة فئة ان تهزم فئة اخرى متربعة على ركن من اركان الازمة، وانه لا مصلحة لمنازع في ان يزيح شريكا له من المعادلة، بل ولا ثمة امكانية لتحقيق ذلك.

 المناورات استنفذت قيمتها وفائدتها، والحل يتمثل في كشف الحساب والصراحة والبدء من حيث وصل الجميع الى الحائط.

 ومن غير هذا فان شوطنا الى الاستقرار وراحة البال عسيرا متواصلا، وباهض التكاليف، ونزيفنا متصلا، وستتناسل محننا عن محن، وسيبقى دارنا الطاهر مسكونا بالنحس، ومرابعنا موبوءة بعوارض العنف وسرطانات الشر، وحدودنا مفتوحة للتهريب والغارات والقرصنة، وممتلكاتنا عرضة للنهب والتعدي، وحواضرنا ساحات للفواجع والحروب، فهي، جميعا، من بعض نتائج العقيدة التي طبقت لادارة الازمة، فضلا عما ورثناه من عهد قضى.

 ثلاثة عقود من الزمن قام ذلك العهد الشيطاني باختزال حاضرنا الى بضعة سطور كهنوتية فوق اكاذيب عن معارك "شرف" جاءتنا بطوابير التوابيت والمقابر والارامل والكوابيس، وتولى ذلك العهد تهريب تاريخنا وماء وجهنا الى اسواق العالم الخلفية مقابل كلمات اعجاب متسخة بالرشى.
 والحال، إذن، كما تقول امثالنا: الفاس بالراس، وكما تقول امهاتنا: تدبغت جلودنا.. أو كما يقول المتنبي العظيم:
 فصرتُ إذا اصابتني سهام..... تكسرتْ النبالُ على النبال
 وهانَ فما ابالي بالرزايا   ...... لأني ما انتفعت بان ابالي

 الفروسية هي طريقنا في البحث عن الحل، وهي تلزم- في ما تلزمة- شجاعة المراجعة والاعتراف، فوق شجاعة القول الفصل، وقد جرب الجميع اساليب الغش، فعادت عليهم(وعلينا) بالخراب والفواتير الموجعة.

 الفروسية قتال بالادوات النزيهة. للهزيمة مكان في توقعات الفرسان وللانتصار احتمال في وجدانهم.
 على اصحاب الازمة اختصار الدوامة كما اختصرها ذلك الشيخ في الحكاية القديمة، إذ توقف طويلا تحت ميزاب كان يقطر ماء متسخا فاخذته الحيرة وطاله الوسواس ما إذا كان قد طاله نثار النجس ام لا، حتى إذا اشتدت به الحيرة، واستطالت به المعاناة تقدم ووقف تحت سيل الماء المتسخ، وهو يقول: الآن اصبح الشك يقينا.
اختصار المعاناة يحتاج الى لاعبين  فرسان، لا الى مناورين.. فاين هم؟.

***

"لا يكفي أن تكون في النور لكي ترى، بل ينبغي أن يكون في النور ما تراه".

العقاد

133

المغيبون..
الجريمة المسكوت عنها

عبدالمنعم الاعسم

لا تزال الاف العائلات تكابد فجيعة اختفاء ابنائها منذ العام 2003وقد تقطعت بها السبل في البحث عن مصائرهم، او في الاقل، الاسترشاد الى جثثهم لكي تكون لهم قبور مثل قبور الاخرين، واكثر فجائع هذا الملف تُقرأ في ما تركه الغائبون من ابناء صغار كبروا يكبرون على امل عودة ابائهم، وفي امهات يعشن عاما بعد عام تحت جمرة الانتظار الحارقة، وقد قضت امهات واباء تحت لوعة هذه الفجيعة.
 وإذ يعرف المغيبون قبل العام 2003 الجهة التي غيبتهم (حكم الدكتاتورية) فان مغيبي عقد التغيير ضائعون بين جهات عديدة، لا تكشف عن مصائرهم، ولا تعترف حتى بمسؤوليتها عن اختفائهم، وفي هذا يكمن مشهد الجريمة الانسانية بالالوان الطبيعية، بالرغم من ان عائلات الضحايا ويوميات الاحداث الامنية التي مرّ بها العراق توجه اصابع الاتهام الى هذه الجهة(او الزعامة) او تلك ، لتصبح لدينا لائحة اتهام لا تعفي احدا من لاعبي المرحلة من المسؤولية، بل ان القوانين والمعاهدات الدولية تقضي باحالة كل من يشتبه بمسؤوليته المباشرة وغير المباشرة عنها(او يتماهل في واجبه حيالها) الى العدالة حتى تثبت براءتهم، وفي المقدمة منهم المسؤولين عن السلطة التنفيذية.
 ان الامم المتحدة ووفق “الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 2006” تحمل الحكومات المسؤولية المباشرة عن مصائر اولئك الذين اختطفوا وغيبوا، وتضعها تحت طائلة الحساب والمساءلة في حال اهملت هذه المسؤولية او حتى عجزت عن ملاحقة المجرمين،وقد تتولى المنظمة الدولية (وفق معاهدات اخرى) مهمة التحقيق والتجريم بدلا عن الحكومات في حالات لا تستطيع الحكومات القيام بمثل هذه المهمة، وفي السجل الدولي ثمة الكثير من الحالات التي اضطرت فيها حكومات الى الاستقالة في حال لم تتمكن من اقناع الرأي العام بجدية البحث عن المختفين قسريا، ويمكن بهذا الصدد قراءة ملف مختطفي الحرب العالمية الثانية، ثم قضية المغيبين في تشيلي بامريكا اللاتينية
 ففي المادة 12 من الاتفاقية(الفقرة 1) تلتزم الدول الموقعة بالتحرك على وجه السرعة لملاحقة المجرمين بان “تكفل لمن يدعي أن شخصا ما وقع ضحية اختفاء قسري حق إبلاغ السلطات المختصة بالوقائع وتقوم هذه السلطات ببحث الادعاء بحثا سريعا ونزيها وتجري عند اللزوم ودون تأخير تحقيقا متعمقا ونزيها. وتتخذ تدابير ملائمة عند الاقتضاء لضمان حماية الشاكي والشهود وأقارب الشخص المختفي والمدافعين عنهم، فضلا عن المشتركين في التحقيق، من أي سوء معاملة أو ترهيب بسبب الشكوى المقدمة أو أية شهادة يدلى بها” ثم، في (الفقرة 2) تجري السلطات “تحقيقا حتى لو لم تقدم أيةشكوى رسمية” ويشار ايضا الى ضرورة تامين الصلاحيات والموارد اللازمة لسلطات الملاحقة والتحقيق “بما في ذلك إمكانية الاطلاع على الوثائق وغيرها من المعلومات ذات الصلة بالتحقيق الذي تجريه” فضلا عن “سبل الوصول، وعند الضرورة بإذن مسبق من محكمة تبت في الأمر في أسرع وقت ممكن، إلى مكان الاحتجاز وأي مكان آخر تحمل أسباب معقولة على الاعتقاد بأن الشخص المختفي موجود فيه” كما جاء في (الفقرة 4) .
ويعد (موقف التفرج ) من قبل الحكومات على هذه الجريمة (والتباطؤ) في ملاحقة المجرمين بمثابة شبهة تقع عليها او على ركن من اركانها.
 جريمة التغييب القسري لاسباب سياسية شنيعة، ولدينا في العراق ضحايا لها يستيقظون في منازلهم صباح كل يوم، يتساءلون عما حل بقضيتهم العادلة .

***********
"اذا عظم المطلوب قل المساعد".
المتنبي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


134

هل الازمة ذكرأ..
أم انثى؟

عبدالمنعم الاعسم

لحسن الحظ، ولسوئه في ذات الوقت، ان اللغة تتكفل احيانا تهريبنا من موقف الحرج، وانها تقدم لنا وجبة دسمة من الخداع في اللحظة التي نحتاج فيها الى من يخدعنا.. وقدرة اللغة في ذلك هي قدرة الساحر الذي يأخذنا الى النهر ونحن عطاشى ويعيدنا الى مكاننا من غير ان نشرب الماء.
ويشاء الجدل حول الازمة السياسية المتفاقمة في البلاد ان يكتشف معبرا سريا الى رطانة جديدة حول ما إذا هي ازمة، ام صراع سياسي، ام احتقان سياسي، ام استعصاء، مشكل، معركة، تعاضض، حرب اهلية، سوء فهم، مخاشنات، أم هي لا هذا ولا ذاك، حيث لا تعدو عن خلافات  عادية بين اهل البيت، او سحابة عابرة سرعان ما تنقشع، ولا يحتاج الامر سوى استبدال عبارات التهديد والتخوين والتشكيك والطعن بعبارات اخرى خالية من التشنج والتعصب والغل، وكفى الله المؤمنين شر القتال.
من جانب آخر، فان الازمة هي الازمة، مهما حُشرت في اسم  ناعم، او دُسّت في رداء مخادع. او جرى ترحيلها من خانة الاحتقان الى الاستعصاء الى الخلاف العائلي. الصفة، مهما كانت رشيقة وشفافة وانيقة، لا تخفي بشاعة الخطايا التي ترتكب بموصوفها، ولا يهم اسم الخطيئة بعد ذلك ان تكون ذكرا ام انثى، كما لايهم ان يكون ضحاياها قد قتلوا بالتفجيرات او كواتم الصوت او بالامراض الفتاكة، فان احدا لا ينكر بان ما حدث من انشقاق سياسي (سمّه ما شئت) قد دفع ثمنه المواطن الذي لم يكن معنيا بمن هو على حق ومن هو على باطل في الموقف من اداء الحكومة او إداء مناهضيها.
بل ان الازمات السياسية  تعرف جيدا” افضل منا” سبل التصرف بمصائرنا، انها الى ذلك ”لا تـُدجن” بحسب نوع المعلف الذي نعده لها. الازمات قوانين تتحرك في مسارات قد لا تثير رضانا، لسبب بسيط هو اننا لم نضع تلك القوانين انما وضعتها سلسلة من العمليات والارادات والافرازات ثم خرجت من الانضباط.
اذا كنتم، حقا، ترغبون عبور الازمة (سموها ما شئتم) فلاتمروا من تحت جسورها، فان ذلك لايفكك مخاطرها، ولا ينزع فتيلها. اعبروا من فوق الجسور ترون الازمة على حقيقتها, البلد ينزف من جروحه، انظروا الى التفجيرات والاغتيالات والمذابح التي تنظم لسكان الاحياء الفقيرة. انها من النتائج العضوية والمباشرة والكارثية لهذه الازمة. امسكوا ا لازمة من هنا، ثم بعد ذلك سموها ما شئتم.
ذكرا ام انثى.
 ***
“ أشد الناس حماقة أقواهم اعتقاداً في فضل نفسه”.
ابو حامد الغزالي




135
المنبر الحر / هواء فاسد
« في: 10:57 24/07/2012  »

هواء فاسد

عبدالمنعم الاعسم

كيف يحدث كل هذا؟ اعني ما يحدث في بعض كواليس السياسة: خصوم الامس صاروا سمنا على عسل، وحلفاء البارحة طلّقوا بعضهم بالثلاث، وكثير من الماء جرى على هامش السباق الى المجهول. اما الشعارات والبرامج والمواقف القديمة فقد تخلى عنها هؤلاء وصاروا اخف من الريشة، ومن زاوية يبدو ان المطلوب هو تصفيات الحساب: تلوي يدي هنا، الوي يدك هناك.

حتى الآن، تجري فصول اللعبة في الكواليس، وكأنها تجري بين اشباح (اين كتاب اللامعقول؟) ولاينبغي الاطمئنان كفاية الى القول الشائع ان النية تتجه الى تصفية القلوب والعودة الى حكمة التوافق والتكافل والتضامن والاخوة والشراكة، فان شيئا قليلا من هذا يحدث في الواقع حتى الآن، وان من يقترب من دائرة تلك الكواليس، ومن يمعن النظر في تسريباتها، سيعرف كيف يلوي البعض ذراع البعض الاخر من المواضع الحساسة، والهدف إجبار الاخر على التنازل عتبة عن قاسم المشهد ومقسوم الامتيازات، وطبعا سيكون المراقب بحاجة الى تفكيك بعض الالغاز والرطانات عما يقال حيال العملية السياسية والمصالحة الوطنية، والتضحية في سبيل الشعب، ومكافحة الفساد، واعادة الاعمار.

 الذي يجري باختصار، محاولات حميمية لاعادة هيكلية المصالح الفئوية، وترتيب مصالح هذا الجار او ذاك، وبهدف توظيف نتائج هذه المعركة، في حساب جديد للحجوم والمقامات، وثمة في السياق الكثير من الابتزاز والضغط والتلويح باجراءات وتعديلات وتحالفات جديدة، وثمة بالمقابل ايماءات عن تحريك ومراجعة قواعد وثوابت وتعهدات واستحقاقات سابقة. المتقدمون يتصرفون كاصحاب حق اضافي، والمتأخرون غير مستعدين للتنازل عن مساحاتهم، فيما يبحث الاخرون عن معابر قصيرة وآمنة للامساك بالحصان الجامح.

 وبكلمة موجزة، فان المراقب الموضوعي لهذا الصراع يلاحظ ان ثمة اندفاع متعجل لفرض معادلات جديدة يتساقط عنها منافسون او طامحون او خاسرون، وان هناك ليّ اذرع، واصوات توجع واستغاثة، لكن ثمة فرص محدودة للكسبٍ على السطح من دون ثمن.

 المزاحمة، سياسة آنية، إملائية، يستخدمها المتصارعون ووكلاؤهم من موقع قوة، او من زاوية ظرفٍ مواتٍ، حرج ٍ، لمعاقبة الآخر او اقصائه او حمله على الاذعان لمشيئته، ويساعد الاشتقاق اللغوي والدلالي للمزاحمة والتزاحم والازدحام على الاستطراد في كشف قدرة هذا الفعل في ان يلهم علوم السياسة استخراج معاني غاية في الاهمية مثل مزحوم وبمعنى اضطرته المنفعة ، او متذرع، او ذرائعي، والذرائعية (مذهب النفعية) التي جاء بها وليم جيمس وتشارلس ساندر بيرس وتوسع فيها جون ديوي، وتعني ان قيمة كل شيء تتمثل في منفعته وهدفه.
وهذا ما اعنيه بالهواء الفاسد.
 ***
"جميل ان تكسب الرهان، لكن الاجمل ان تكون فارسا في السباق".
هولاند- الرئيس الفرنسي الجديد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ


136

"نحن شرقيون"
سامحونا

عبدالمنعم الاعسم

كنا وما زلنا شرقيين، (سامحونا) فعبادة الافراد متأصلة في هواجسنا وثقافتنا، ونذهب الى إضفاء الالقاب والاوصاف الفانتازية على من نواليهم ونتبعهم ونتخلق بهم، ولا نقتصر في هذا على المصلحين او شيوخ الطرق او رجال القبائل او الشخصيات الاجتماعية او الرياضية بل صرنا نتفنن في ترقية السياسيين الى موصوف “الرقم الذي لا يقهر” و”المنقذ الوحيد” و”من دونه تنهار البلاد ويتقاتل العباد” ولا نتورع، في حمية الولاء الاعمى، عن ان ننسب لهذا السياسي اعمالا ومعجزات فوق ما يتحمله العقل، وخلاف ما ترخصه دروس الماضي القريب.
ويوما جاء احد مريدي الصوفي (الذي اشتهر برجاحة العقل) سهل التشتري المتوفى عام 886 ميلادية حائرا ليسأله قائلا: ان الناس يقولون ان بمقدورك ان تمشي فوق الماء، فكان رد الرجل الحكيم بان طلب من سائله الذهاب الى مؤذن في المدينة معروف بصدقه كي يسأله عن الامر، وحين ذهب المريد الى المؤذن تلقى الجواب الشافي منه إذ قال له: انا لا اعلم إن كان شيخنا التشتري يمشي على الماء، ام لا، لكن ما اعلمه هو ان الشيخ الجليل حين قصد حوض الماء ذات يوم بغية الوضوء سقط فيه وكاد ان يموت غرقا لو لم اسارع الى نجدته وانقاذه.
ولأننا شرقيون، ولا نحترم دروس الماضي، فقد ادخلنا الخرافة الى سوق السياسة، فنردد دائما: “واحد يصلح لانقاذ العراق.. لا غيره” وكأن العراق ثوب فصل على طول هذا "الواحد" وعلى  مقاس هذه الخرافة التي طبخت في غرف مظلمة، والغريب ان مصنع الخرافة هذا انتج منقذا لكل جماعة، تتمسك به حتى الموت، حتى ان “المنقذ” نفسه صدق الكذبة مثلما صدق اشعب كذبته يوم قال للاولاد ان ثمة وليمة باذخة في منعطف اقصى البيوت، وحين هرعوا الى صوب الوليمة المزعومة ركض هو وراءهم وهو يردد: ربما الامر صحيحا فانال وجبة دسمة.
الجدل الدائر حول قيادة هذه المرحلة واهلية الزعامة المطلوبة ينزلق شيئا فشيئا (لأننا شرقيون) الى التقليل من شأن العقل وجدوى وضرورة وشرط مبدأ العمل الجمعي، كما يتجاوز حقيقة ان مشاكل العراق الكبيرة اكبر من ان يستوعبها عقل لوحده، أو ارادة شخص واحد، او رئيس حكومة بعينه، وانه لا صحة في الواقع لوجود “المنقذ” الذي سيأتي بالحلول، وبالامن والكهرباء وراحة البال، بوصفه الوحيد الذي يعرف فوق ما يعرفه الاخرون، ويعمل ما لايستطيع ان يعمله غيره، ويخطط ما لم يكتشفه احد من المخططين والاستراتيجيين من الخطط.
المشكلة، ان الذين جربناهم، والذين لم نجربهم، جاءتهم الفرص المواتية لكي يكونوا منقذين حقا فاخفقوا في ان يكونوا كذلك، ولكن لأننا شرقيون فاننا نكره دروس الماضي القريب وعبره.
***
"الجنون هو أن تفعل ذات الشيء مرةً بعد أخرى وتتوقع نتيجةً مختلفةً".
اينشتاين







 
 

137

اسمعوا وعوا.. ايها السادة


عبدالمنعم الاعسم
 
جميعكم في مركب واحد مطلوبٌ لقراصنةٍ وامواج عاتية ولحساب الملايين، إنه في منتصف الطريق، وقد يغرق بكم وبنا، والحل في الاتفاق على حل وسط، وقبل ذلك في الاستعداد للتضحية بالامتيازات وتقديم التنازلات. انها فرصة النجاة والعبور الى ضفاف السلامة، والبديل عنها هو المقامرة.
السياسة تجيز لكم التصارع، لكنها في ذات الوقت لاتجيز المقامرة. المقامرة في السياسة قضت على دول وامم كاملة، والغت خرائط من الوجود، والعراق الجديد لايتحمل، الآن، اختزال مصيره الى طاولة قمار.
نعم، تمتد نزعة المقامرة في عمق التاريخ وتجد إشارات لها لدى هيرودوتس وفي آثار الفراعنة والفرس والصينيين القدماء والبابليين والاغريق حتى حروب الاندلس، حتى استخدمها الفرنسيون في القرن الرابع عشر كعلاج للمرض العقلي الذي أصيب به الملك شارل السادس، لكن ارسطو صنف المقامرين في كتابه (الاخلاق) في طبقة اللصوص وقطاع الطرق.. أكرر اللصوص وقطاع الطرق.
تذكروا ان مستقبلكم يتحقق على ارض اعلى من مستوى الماء واكثر امنا من الامواج واللف والدوران، وخذ وهات، وقد مضت مرحلة جس النبض، واختبار النيات، وحان وقت الفعل الشجاع.
القضية، انكم كتبتم الدستور، وها انتم تختلفون في تفسير ما كتبتم.. وتحرقون الكثير من الورق بما فيه وعود قدمتموها الى الناخبين.. هكذا يقول العالم عنكم.. وكتب معلق اجنبي عنكم ”في العراق يهزون يدك قبل الانتخابات، وثقتك بعدها..” وقال ماثيو هيوز استاذ العلوم السياسية في جامعة لندن “المشكلة ان الطبقة السياسية العراقية الجديدة غير متصالحة، لا مع نفسها ولا مع بيئتها”.
لكن، تستطيعون ان تغيروا هذه المقولات، وحتى المعادلات، بحكمة الخروج من الخنادق واللاءات والمطالب المستحيلة، وتشييد خشبة النجاة من صلب معاناة الملايين، وجاء في احدى الروايات بان نوحا عليه السلام شيد سفينته، اول الامر، في صحراء قاحلة، لا ماء فيها، وحين اغارت مياه الفيضان دفع الغرقى ثمن استهتارهم، واستهانتهم بالاخطار والانواء.
لا تتبادلوا القبل. هذا لم يعد يهمنا. يقول المصريون القدامى” قبلة من غير محبة تحرق الشوارب” نريد ان تتبادلوا الثقة، لا القبل، وحينذاك، ستعبرون بنا الى فضاء المحبة الحقيقية، والود الجميل.
وحين لا تعبرون بنا، على خشبة النجاة، الى تلك الضفاف الآمنة، سنضطر الى رفع نخب انتصاركم علينا.
وهزيمتكم المؤسفة.
****
“ كل مرض، معروف السبب، موجود الشفاء”.
      ابقراط

138
المنبر الحر / كنت سأقول للمالكي
« في: 22:27 05/07/2012  »

كنت سأقول للمالكي

عبدالمنعم الاعسم
دعيتُ لحضور لقاء مقرر لزملاء اعلاميين مع رئيس الوزراء السيد نوري المالكي يوم الاثنين الماضي، لكن احكام السفر في نفس يوم اللقاء حالت دون ان اكون بينهم، واسمع منه بدل ما اسمعه عنه،  وان اشارك في إبداء الرأي حول ما حدث ويحدث، ولا استبعد ان يكون بعض هؤلاء الزملاء قد عبـّروا عما كنت اريد ان اقوله في هذا المحفل.
 كنت سأرحب بمنحى لقاء رئيس الوزراء بالنخب الاعلامية، متعددة الرؤى والقراءات، إذ يتاح له، ولهم، فرصة معاينة الازمة السياسية وامتدادها في العقول والهواجس بصوت مسموع، ومباشر، وعياني، في وقت تتناسل الاحداث عن اسئلة شائكة ومشروعة واستباقية لم تعد الجملة الاعلامية الرسمية تُشبع اصحابها، وإلا ما حاجة الاعلامي الى هذا اللقاء لو انه حصل على اجابات شافية من اقنية الحكومة. 
 وكنت ساقول للمالكي: لا احد، من اصحاب الانصاف والنظرة الموضوعية ينكر، او يتجاهل، انكم حققتم خطوات مهمة على الارض، بالمقارنة مع اعوام 2004 وحتى 2008 في مجرى استتباب الامن وتجفيف بؤر الاستئصال الطائفي وانهاء سطوة المليشيات، وهي منظورات ومحسوسات يعود تحقيقها الى قرارات اتخذتها في داخل حلقة صغيرة اجزم (واعرف جيدا) انها ليست حزبية ولا طائفية، دون ان تفوتني الاشارة الى الاسترخاء الشعبي العارم الذي حصل لصالحك، ودخل في رصيدك، كرجل دولة، لا كزعيم حزب، وكان سيكون رافعة لعملية بناء، واعادة بناء، متسارعة، لولا ان انتخابات العام 2010 وتحديات اعتراضية حالت دون ذلك.
 وكنت ساقول: نعم، اتخذتَ، دولة الرئيس، سلسلة من القرارات المهمة في مجال تحريك ماكنة الدولة ما كانت تتحقق لو انك عدت فيها الى رؤساء الكتل السياسية، الامر الذي الحّوا عليه. اعرف هذا جيدا. واعرف ان بعض تلك القرارات غير موفقة كفاية، وبعضها يدخل في موصوف الفردية او التأهيلية للحزب الحاكم، وينطبق هذا على بعض التعيينات، غير انه، في جميع الاحوال، لا مفر لرئيس الوزراء من ان يتخذ قرارات، ويبدو ان اصحاب الازمة السياسية لا يريدون رئيسا للحكومة يقرر قبل ان يرخصوا له ذلك، على الرغم من انك احجمت (لأسباب معروفة)عن اتخاذ قرارات لجهة بناء دولة المؤسسات والعدالة والمساواة، واخرى لانهاء بؤر التوتر مع اقليم كردستان وثالثة نحو تطمين اتباع الطائفة الاخرى ومعالجة شعورهم بالتهميش، ورابعة في مجال الخدمات وتوفير الكهرباء كاولوية، وخامسة باتجاه حماية الحريات العامة وكبح التعديات الامنية واللاقانونية على الحياة المدنية.
 وكنت ساقول للسيد المالكي، بانني، ومن موقع المراقب المستقل، لا اجد حكمة بازاحتك عن منصبك في هذا الظرف، لأن إحلال بديل عنك لن يمر بشفافية وقائية، والبديل نفسه بالنسبة لي غامض، ومجهول، ومحمول على ظنون غير مريحة، لكن ولأصارحك القول ان الامر الاكثر فائدة لك ولرصيدك السياسي وللعراق ان تتخذ بنفسك قرار الانسحاب من المنصب، قبل الذهاب الى قبة البرلمان، حين يكون غالبية شركائك قد سحبوا ثقتهم بك.. وبانتظار هذا القرار الشجاع.
***
" وأَتعَبُ مَن ناداكَ مَن لا تُجيبُهُ ... وأَغَيظُ مَن عاداكَ مَن لا تُشاكِلُ".
المتنبي


139

تصريحات رئيس الحكومة

عبدالمنعم الاعسم

اولا، وقبل كل شيء، لا يصح ان يكون رئيس الحكومة معلقا سياسيا، يدلي برأيه حول كل شاردة وواردة من الاخبار، أو يناقش الاراء الاعلامية، أو يرد على وجهات النظر المتداولة في الصحافة، فهو قائد السلطة التنفيذية التي تقف في وسط الاراء والخيارات والمواقف، وعليه ان يراعي اثر كل تصريح، وان يحرص على توقيته، لكي يكون ذا تأثير ايجابي على مواطنيه، بصرف النظر عن ارائهم، وعلى موظفيه على حد سواء، وأن لايكون مشحونا بالتأليب والغل والاثارة.
وتصريحات رئيس الحكومة تنأى، كما يفترض، عن ردود الافعال، فهذا منزلق الى ساحة رخوة لايدخلها رؤساء الحكومات الواثقون من انفسهم، إذ يختزل وظيفته الخطيرة الى ملاسنات سياسية يومية تستهلك وقته الذي ينبغي ان يكون للعمل والبناء وحماية ارواح الناس، عدا عن ان رد الفعل (في علم السياسة) يعني انك تنقاد الى صاحب الفعل فهو يختار الميدان والوقت والموضوع، والادوات المناسبة للمعركة الكلامية.
والتصريحات المسجلة لرئيس الحكومة ينبغي ان تصمم على مقاس كيمياوي، في اللغة والبناء والهدف، بحيث لايشم منها اعتبارات حزبية ولا فئوية ولا طائفية، وحين يستخدم عبارة الشعب فانه يحاذر ان تكون العبارة كنية عن الحزب او الطائفة، او انها تتجه الى كسب العواطف وإحراج الخصوم السياسيين، فقد ملّ المواطن ادعاءات الغيرة على الشعب التي استهلكها الحكام المستبدون وحولوها الى خرقة يمسحون بها وجوههم.
رئيس الحكومة لا يستخدم لغة التهديد في الصراع السياسي، فهي مقتله، ونهاية سمعته، ومنحدر وظيفته.
تصريحات رئيس الحكومة تهدئ لا تصعّد، تطمئن لا تقلق، تبني لا تسوّي، تفيد لا تضر، تنطلق من فروسية في التعامل مع الخصوم، ومن مصداقية في تجهيز المعلومات، ومن ثقة بالنفس في الاعتراف والاعتذار واحترام الآخر، ومن نقطة في الوسط نحو الاطراف، والاطراف عند رئيس الحكومة متساوون بحكم الدستور ودولة القانون.
احسب ان رئيس الحكومة لدينا عبَرَ، هنا وهناك، من فوق لوازم ما يلزم.
 
***
"صدرك يتسع للنقد.. فانت على طريق النجاح".
نهرو


140

الكرة في ملعب المالكي

عبدالمنعم الاعسم  
أصبح واضحا، الان، بان سحب الثقة عن رئيس الوزراء نوري المالكي دخل في مسار آخر لا يتجه بالضرورة الى خيار التصويت، وذلك بعد ان بادر الرئيس جلال طالباني، الى تذكير الجميع بمسؤوليته في حماية السياقات الدستورية، ومنع اندفاع الاوضاع الى نقطة اللاعودة، ودعوتهم الى البحث عن بدائل تعبر بالاحتقان السياسي الى التهدئة والشراكة وتصويب السياسات والمواقف.
لا ينبغي تبسيط المعادلة الى حد القول بان الازمة اخذت طريقها الى الحل، فان الانانيات الفئوية لا تزال تضرب في عمق المواقف والنيات والكواليس، فمن جهة يسعى معسكر المالكي الى اعادة المعادلة الى مربع الاستفراد وسياسة تسريع الركض الى الانتخابات من غير تنازلات، ومن جهة اخرى لا يزال الطرف الاخر من ازمة سحب الثقة في محاولات إنزاله من القاطرة او إثارة الاعاصير السياسية وتحويل الساحة الى فوضى وكوابيس.
في هذه المحطة المشحونة بالترقب واطلاق الرسائل وليّ الايدي تكون الكرة قد تدحرجت الى المربع الاول ذي الصلة بموقف المالكي، فهو يستطيع تأسيس قاعدة آمنة (بحدها الادنى) لرئاسة الحكومة بقيادته حتى نهاية هذه الولاية عبر سلسلة من القرارات والاجراءات والاصلاحات التي من شأنها تكييف وتحسين عهد الشراكة في ادارة الدولة، وبديلا عن ذلك يمكنه ان يستأنف ادارة السلطة التنفيذية والدولة وكأن شيئا لم يكن، وفي هذا الخيار يمكن ان يتوقع المراقب صراعات مستفحلة ومشاكل اقليمية  والى هزة او سلسلة من الهزات، التي لا احد يعرف نتائجها  ا لكارثية.
الكرة في ملعب المالكي، بين الوقوع باغواء (ومخاطر) الشعور بالانتصار في معركة سحب الثقة ودحر الاخرين، او التقدم نحو معالجة شكاوي الكتل المعارضة  التي التقت في اربيل والنجف والبحث عن وسائل تطبيع المشهد السياسي من دون اقصاء او تهميش.
مرة اخرى فان تحويل مسار السباق من وجهته نحو السلطة الى وجهة التنازلات المتقابلة هو القرار الوقائي الذي ينقذ الجميع، والوضع السياسي، من الانحدار الى الهاوية.
وبصراحة، لا فائدة من الضجيج الاعلامي
***
"لا صوت يطربني اكثر من اللاصوت".
مالارميه

141


ثلاث مشكلات في
"سحب الثقة"

عبدالمنعم الاعسم

سحب الثقة، او التلويح به، عن الحكومات او الرئاسات او الوزراء او رؤساء الهيئات القضائية، من خلال السلطة التشريعية، ممارسة ديمقراطية برلمانية لا شائبة عليها، وحدثت وتحدث في الغالبية الساحقة من الدول الدستورية، وتدخل في عداد اجراءات الوقاية من الانزلاق، وشحذ الرقابة النيابية على سلوك السلطات الاخرى، وتكريس مبدأ المراجعة والمحاسبة والتصويب.
 وقد مورس هذا الخيار، عراقيا، او طـُرح في التداول السياسي، منذ انتخابات العام 2005، ومعروفة للجميع الاسباب التي كانت تقف وراء الحديث عن سحب الثقة، وكانت الصراعات الفئوية والشخصية (وبنسبة اقل ما يتعلق باداء واخطاء رئيس الحكومة) تفرض نفسها في الغالب، فيما يتفاجأ الراي العام والمراقبون بان الامور لاتزال معتلة، وكأن شيئا لم يحدث.
 هذا، اذا ما شئنا الصراحة حقا، او اذا ما نظرنا الى تجارب تشكيل الوزارات العراقية في عهد التغيير من زاوية مقربة وموضوعية، وهي احداث ليست بعيدة في الزمان والمكان، على اية حال، وعلينا ان نضيف، بذات الصراحة، ان ثمة محاولات لاختزال الازمة السياسية "البنيوية" لنظام ما بعد الدكتاتورية الى ازمة زعامة او اهلية زعامة.
 وإذ يجري الان، وعلى نطاق واسع، مناقشة اللجوء الى "سحب الثقة" من حكومة "الشراكة الوطنية" فليس من قبيل كشف السر القول بان هذه المناقشة تتركز على شخص رئيس الوزراء نوري المالكي، سياسة وإداء، ومن هنا تبدأ اولى مشكلات هذا الخيار، فان التجربة اكدت بان استبدال الاشخاص لا يحل ازمة الحكم القائمة على معادلات افتراضية خاطئة، ومنتجة للازمات، كما ان "الرجل المنقذ" البديل وصاحب الحلول السحرية كف عن الخروج من زاغور تلك المعادلات، بديلا عن "الارادة الجمعية" التي اضاعت زخمها في سياق الصراع على السلطة.
 ثاني هذه المشكلات يتعلق بالبرنامج الحكومي، البديل، فليس بين ايدينا إلا تسميات عمومية وانشائية لما هو مطلوب، وبعضها اشارات وصفية (صحيحة) للعلل والعثرات والاخطاء، واحسب (وهذا هو موضع هذه المشكلة) ان طاولات البحث في سحب الثقة عن المالكي لم تتناول العـُقد والملفات الاكثر خطورة في المشهد السياسي للحظة التاريخية، وهي ملفات يعرف المتابعون عن قرب وعورة المداخل اليها، ومنها، وفيها.
 المشكلة الثالثة، يمكن قراءتها في هوامش "حركة" كابينة رئيس الوزراء لاحتواء قرار سحب الثقة، وهي هوامش يغطيها الدستور وتتيحها خارطة الكتل والمكونات البرلمانية، ويجري الحديث عن حكومة اغلبية او، في ما يقال عن حكومة تصريف اعمال تبقي ازمة تشكيل الحكومة لاطول فترة متاحة.
 نعم، هناك ما يستوجب اعادة النظر بماكنة الحكومة، وقيادتها، لكن من اية زاوية ننطلق الى ذلك؟ تلك هي القضية.
***
"الثرثار، انسان تسأله عن الوقت فيشرح لك كيف صنعت الساعة".
حكمة مترجمة




142
ما شكل الحكومة.. الآن؟

عبدالمنعم الاعسم

لم استطع الاجابة عن سؤال فاجأني به مراسل لاحدى القنوات الفضائية قائلا: ما شكل الحكومة العراقية الآن؟ ولما لاحظ حيرتي،  وترددي في الاجابة،حاول ان يسهّل علي الجواب، قال: هل الحكومة موحدة، ام هي منشقة، ام هي معطلة ولا بصمة لها على ارض الواقع؟ ثم اطلق آخر اسئلته المحيّرة: أعني، هل هناك حكومة قائمة، فعلا، تجتمع وتتخذ القرارات المصيرية وتدير شؤون البلد وتضبط اداراته؟.
حتى اللحظة التي اكتب فيها هذه الكلمة، لم يكن لدي جواب محدد، فلا استطيع ان انفي وجود حكومة، لها هياكل ووزارات ورئاسة، وأعرف ان لا احد من الدول طعن في وجودها، او كتلة من الدول، او مرجعية دولية او اقليمية تشككت في شرعيتها، وهي فضلا عن ذلك تستند الى دستور لم يرخص حلها، والى برلمان لم ينه تفويضه لها، حتى اللحظة.
كما لا استطيع ان اؤكد وجود حكومة بالمعنى الاكاديمي، المتعارف عليه بين الدول، فهي متشظية بالطول والعرض. اركانها لا يشاركون رئيسها منهجه وسياساته، والكثير من وزرائها يتلقون شكل مواقفهم، وحتى ادارتهم لمرافقهم، من رؤساء كتلهم، وليس ثمة حكومات اعضاء كثيرة في الامم المتحدة (كما هو حال الحكومة العراقية) ترسل الى العالم وجيرانها رسائل متناقضة عن اوضاعها، فقد اصبح معروفا، كما قال زميلي المراسل، انك اذا اردت معرفة ما يجري في العراق فان عليك ان لا تكتفِ بمطالعة مسؤول واحد، فان لكل مسؤول جواب ولكل منهم رؤيا.
لست بصدد تشريح الجسد العليل للحكومة لتسمية المسؤول عن عللها وشللها، ولكن، من المهم هنا، الاعتراف بان هذه الحكومة لا تعدو عن هيكلية (دستورية. نعم، ولكن) مفرغة من شبكات وموجبات وسياقات العمل الحكومي، وان سياساتها المفصلية وقراراتها الاكثر مساسا بالسياسات العامة (وهذا ليس اتهاما او تجنيا) تدار من غرف موازية وعبر مفاتيح شديدة التعقيد والخصوصية، وبمعنى ما ان هناك حكومة اخرى من المستشارين والمقربين تتولى ادارة عجلات الدولة المشلولة في الاصل، فيما يواصل وزراء الكتل المتصارعة دوامهم اليومي مثل بقية الموظفين باستثناء طوابير الحمايات التي تشق لهم الطريق الى مكتاتبهم.
قال لي زميلي المراسل: بالامس سألت مسؤولا مهما عن شأن يتعلق بصلب وظيفته، فلم يقدم لي جوابا شافيا واكتفى بالقول: إسأل غيري، لكن ارجوك لا تخبر احدا انني لم اجبك عن هذا السؤال، واضاف زميلي في الختام: الحكومة العراقية غير موجودة، لا تزعل، واضاف ضاحكا، لكنها تفكر كثيرا في ان تكون موجودة، وهذا في صالحها إذا ما اعدنا مقولة ديكارت: انت تفكر، فانت موجود.
 ***
“ تبا لسطحية سكنت عقول البشر”.
                               شكسبير
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


143

اين فشلت
تجربة "الشراكة" في الحكم؟


عبدالمنعم الاعسم

احسب ان الحلقة الرئيسية لحل الازمة السياسية تتمثل في اعادة بناء “حكومة الشراكة” على وفق تجربة عامين ونيف من الصراعات والتوافقات والاحداث، إذ افرزت جملة من الحقائق يمكن الاشارة الى ابرزها:
* ان ادارة الحكومة وكابينة قيادتها انعزلت تماما عن غالبية مكونات الشراكة، بمن فيها داخل تحالف الاكثرية، وقامت بالتفاف من حول التعهدات والاتفاقات المعلنة وخاضت طوال هذه الفترة “معارك” مع جميع تلك المكونات، وفي اوقات مختلفة، كانت هي تضع بعض توقيتاتها وبعض ميادينها.
* بروز نزعة “الحزب الحاكم” وتوسيع هيمنته على مفاصل حكومية وامنية ومالية واعلامية، ومحاولات استخدام مجسات وامكانات السلطة في تكوين هياكل وتجمعات معدّة لحسابات النفوذ والانتخابات المقبلة.
* استقواء بعض مكونات الشراكة السياسية بالدول المجاورة في صراعاتها مع الحكومة، وزاد ذلك في تعقيد الازمة، الامر الذي شجع دولا اخرى على التمدد السياسي والامني في خواصر المشهد العراقي القائم.
* تورط فئات وزعامات محسوبة على العملية السياسية في انشطة امنية ميليشياتية وارهابية وفي اعمال اغتيال وتفجير وضرب مفاصل الاستقرار.
* دخول جميع مكونات الشراكة، وإن بنسب متفاوتة، في سباق التصعيد والاثارة وكسر العظم واثارة الريبة بنيات الاخرين ورفع سقوف الشعارات والمطالب والاجندات، واطلاق حملات التشهير الشخصي، مما اضر بالجميع واساء الى سمعة العملية السياسية معا.
* سقوط هيبة الدولة على يد المسؤولين الحكوميين والكثير من النواب وبعض الاقنية الاعلامية النافذة، وزاد ذلك استشراء الفساد الذي وجد مناصرين له وحماة من اركان الحكم ومن معارضيه على حد سواء.
* فشل جميع السيناريوهات لتصويب مسار الشراكة في الحكم، مثل حكومة الاغلبية، انتخابات مبكرة، التزام صيغة اربيل، المؤتمر الوطني، لقاء زعماء الكتل، نصائح وتحذيرات وتوقيتات وتهديدات باسم مراجع وزعامات.
*انفلات الحالة الاقتصادية وغياب الدولة التام عن السوق وعجز السلطات عن احتواء المظاهر المدمرة للتوازن المعيشي (فئات تزداد غنى، واخرى تزداد فقرا) وتعطل مشاريع الخدمات واخفاق معالجة البطالة وبناء السلام الاهلي عابر للطائفية.
* من زاوية معينة يبدو ان كابينة الحكومة تمسك اكثر من ملف ذي صلة بالاختلال السياسي، لكن الموضوعية تلزم القول بان عددا من ملفات الازمة تقع خارج ارادة الحكومة، وبعضها بيد معارضيها على وجه التحديد.. وان تكرار التنصل من المسؤولية لن يغير من المعادلة شيئا.
***
“ ليس للاقتناع قيمة إذا لم يتحول إلى سلوك”.
توماس كارليل


144
في انحطاط الشعور بالمسؤولية..

عبدالمنعم الاعسم
 
المسؤولية علم. من مسؤولية ادارة فندق الى مسؤولية ادارة حكومة. ومنذ اكثر من مائة عام بدأ علم الادارة والمسؤولية يغزو المعاهد والاكاديميات ورفوف الكتب، حتى ان العالم الفرنسي “سان سيمون” فضّل ان يشحذ شعوره بالمسؤولية دائما، حيث املى على حارسه ان يوقظه، كل صباح، بعبارة”إنهض سيدي الكونت.. فان امامك مهام عظيمة لتؤديها الى البشرية” فيستيقظ بهمة، ممتلئا بشعور الغيرة على شعبه ومسؤوليته الادبية التي لم تكن سوى القراءة والتاليف والتبشير بفكرة السلام الاهلي.
وفي برنامج تلفزيوني امريكي عنوانه “علّمي طفلك المسؤولية” يحرص مقدّم البرنامج ان يقدم نماذج من مسؤولي الدولة الذين فشلوا في مهمتهم، وذلك لانهم لم يوفروا الثقة باعمالهم بين المحيطين بهم، وفي حوار ذي مغزى مع طفل (لم يكن ذكيا بالضرورة) عن رأيه في رئيس حكومة ولايته، يقول: لا احبه. انه يتكلم كثيرا. ويعد كثيرا. ويفزعني حين يطوّح بيديه كثيرا وهو يخطب”.
في علوم المسؤولية، ان الحاكم يصبح خارج المسؤولية الاخلاقية والادبية عندما يعمل لـ”حساب نفسه وابناء فئته” واحسب ان الامام على سبق منظري هذا العلم بالف واربعمائة عام بمخاطبة مسؤولي ادارة شؤون المسلمين قائلا لهم: “اتقوا الله في عباده وبلاده، فانكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم” ويحذر الخليفة ابن الخطاب من المسؤول “الذي لا ينام إلا على الرضا، ويضحك عند الغضب، وهو يتناول (يسرق) من فوقه ومن تحته” ويقول عن نفسه حين اصبح مسؤولا: “لو ان شاة هلكت ضياعا في شاطئ الفرات لخفتُ ان اُسأل عنها”.
في عهد الامبراطور شن الذي حكم الصين قبل اربعة آلاف سنة كان حكام الولايات يتخلون عن حراسهم واعضاء بطانتهم عندما يتسلمون مسؤولياتهم، وكان الامبراطور الحصيف قد منع الحكام التنفيذيين من “التحيز” لطائفة او ابداء العداء لاخرى. اما كونفوشيوس فقد كان يقول لقادة الجيش والحكومة: انتم مذنبون حتى يرضى عنكم الجميع، جميع السكان. وكانت افكار الحكيم الصيني تدرس في معاهد الادارة وتلزم رؤساء الحكومات بحفظها، عن ظهر قلب وبخاصة ما يتعين منها في ان يكون المسؤول مقبولا من مرؤوسيه، موثوقا منهم، وان لا يتعامل برد الفعل مع الاحداث.
علم المسؤولية يحرّم ادارة الدولة من خلال ردود الافعال.. هل نحدثكم عن مصائر الذين وضعوا سياساتهم وفق تلك القاعدة البدوية.. وماذا حدث لهم، وحل بنا؟.
***
“لا تشكّ في من يقول لك انه خائف، بل خفْ ممن يقول لك أنْ ليس عنده شكوك”.
اريك فريد


145
المنبر الحر / عن حُماة الامن
« في: 17:24 21/04/2012  »

عن حُماة الامن

عبدالمنعم الاعسم

مرة اخرى تثير الجرائم الارهابية السؤال، المشروع، بصدد مسؤولية الحكومة عن بسط الامن في البلاد، وقدرتها على لجم عصابات وجيوب الجريمة، ويتكرر السؤال بصيغ عديدة ومختلفة، فيما تذهب معايير الحكم الفاشل الى حصر الفشل (اولا، وقبل كل شيء) في عجز الحكومة (اية حكومة) عن حماية ارواح المدنيين، ولايقلل من دقة هذا المعيار ما يعرفه الجميع من معلومات عن ايغال المشروع الارهابي في فنون التنكيل بالمدنيين، وسقوط شعارات الجهاد ضد الاحتلال في وحول معاقبة المواطن، لا المحتل.
تفجيرات الخميس وفواجع المئات من العائلات، وأسى الملايين التي تابعت صور الاشلاء والنواح والمرارات، كشفت من جانب آخر، ما هو اكثر فجاعة ومرارة وإمعانا في التهرب من المسؤولية، إذ ظهر "حماة الامن" في صورة من لايعنيه عمق المأساة التي ضربت البلاد، ولاتشغله النتائج المروعة التي حلت بالضحايا وعائلاتهم، فتواروا ساعة المحنة وراء مكاتبهم وحصونهم وسياراتهم المصفحة، يتلقون المعلومات من مراسلي الفضائيات، ثم قاموا، كما في كل مرة، باستعراض القوة الفارغة في الشوارع وحول مسرح المذبحة، واختتموا المسرحية بتصريحات هي اقرب الى الرطانة منها الى الخطاب الامني المسؤول.
اعرف مراسلا اتصل بمسؤول امني ليستفسر منه عن دوي انفجارات تهز بغداد فرد عليه المسؤول انه خارج الدوام ولايستطيع مساعدته، او التقصي عما يحدث، فرد عليه صاحبي بالقول ان المسؤولية الامنية ليست وظيفة. فقـُطع الاتصال.
بعض “حماة الامن” ظهروا على المسرح، وهم يتوعدون عصابات الجريمة التي انسحبت الى اوكارها، وغسلت خراطيم المياه آثار غارتها الاجرامية، ما يذكرنا بقصة “اشقياء الطرف” التي اوردها علي الوردي في محاورة مطولة له مع حميد المطبعي ونشرت في كتاب “على الوردي يدافع عن نفسه” يقول:
“اشتهر في بغداد في اواخر العهد العثماني رجل لايملك الصفات التي تؤهله لأن يكون شقيا ناجحا، انه كان قصيرا نحيفا تنقصه الشجاعة، غير انه كان مصرا على ادعائه الشقاوة والتظاهر بها، فكان يحمل مسدسين يشدهما الى جنبيه لكي يتباهى بهما في المقهى، او عند مروره في الازقة، فاذا سمع في الليل صراخا يدل على وجود لص في محلته ظل في بيته ساكنا لايتحرك، حتى إذا هرب اللص، او القي عليه القبض، خرج هو من بيته وقد شهر المسدسين بكلتا يديه يطلق منهما الرصاص، ويصرخ: “اين هو؟.. دلوني عليه”.
“اللهم انا نعوذ بك من التكلف لما لا نُحسن”.
الجاحظ
 


146

قبل ان ينكفئ القارب

عبدالمنعم الاعسم

يبدو ان اصحاب ازمة الحكم ورؤوسها اضافوا الى علم التحالفات السياسة مفهوما جديدا، بل مفاهيم جديدة، اقرب الى حكاية اولئك الرجال المتنافرين الذين وجدوا انفسهم في قارب آيل للغرق وسط الامواج المتلاطمة، فتركوا واجب الحذر والعمل لانقاذ حياتهم، وانصرفوا يترصدون اخطاء وزلات بعضهم لساعة تصفية حساب على الشاطئ، او ليوم حساب في الآخرة. انهم يتحدثون مع الخصوم بكل ما يمليه عليهم واجب التضامن لدرء الكارثة التي تهددهم، فيما يتحدثون مع غيرهم بكل ما يسهل إغراق القارب بمن فيه.
قصة القارب ومآل رحلته المثيرة يمكن الاطلاع عليها في فيلم كارتون فرنسي، واحسب انها قصة تاريخية مدرسية واخلاقية، فان المخاشنات وسوء الظن والنميمة والاغتياب والتآمر وانعدام الثقة والريبة والتعدي والتنافر ادى الى اطالة امد الرحلة لأيام طويلة عرضتهم للغرق جميعا، وحين وصل القارب للشاطئ على ذلك الحال من التعب والشقاء والانشقاق والجوع والعداء الشرس هتف شيخ كان طوال الوقت يحاول اعادة المتخاصمين الى رشدهم: “يا ليته غرق.. ياليتنا لم نصل”.
المفارقة السياسية التي نتابعها يوميا تتمثل في ان الكثيرمن المحسوبين على كابينة الحكومة، ومن اركانها حتى، يدلون بتصريحات وتحفظات واعتراضات وتهديدات من موقع اللامسؤولية، او من موقع طائفي، او من موقع فئوي، خلافا لقواعد الشراكة والائتلاف والتحالفات السياسية، وفي هذا تكمن الاضافة غير المسبوقة لعلم التحالفات بين الحكومات، في وقت تمر البلاد في ظروف شديدة الحساسية والحرج تشرف خلالها على مصير مجهول.
والاغرب من ذلك كله ان بعض رموز التحالف الحكومي برعوا في إطلاق خطابين ولغتين وموقفين متناقضين في وقت واحد، ولكن في غرفتين متجاورتين، ففي غرفة الاهل والاعلام نسمع كلاما متشددا ودعوات للتجييش وشكوكا في نيات الاخرين وترويجا للكراهية والحذر والخوف، وتأجيجا سافرا للفتنة الطائفية، وفي غرفة الحكومة والجمهور يتحدثون، بلغة اخرى تماما، عن فروض التهدئة والتسامح والتكافل، وقيم الشراكة، والعودة الى العقل، وامكانيات عبور المرحلة بسلام، حتى ان المتابع المحايد يجد نفسه في حيرة ازاء ما يسمع هنا وما يقرا هناك، فيما المسافة بين العين والاذن ليست شاسعة.
ان النتيجة المؤكدة لمثل هذا العبث المدمر ولمثل هذه الاضافة المشوهة الى علم التحالفات السياسية، هي اطالة فترة المخاض والمعاناة في العراق، حتى ان الحكماء منا سيقولون،كما قال شيخ القارب الفرنسي يوم وصلوا الى الشاطئ: ليتنا غرقنا.. ليتنا لم نصل.
*
“الجنون هو أن تفعل الشيء مرةً بعد مرةٍ وتتوقع نتيجةً مختلفةً”
اينشتاين
 

147
المنبر الحر / عمركم طويل
« في: 08:11 05/04/2012  »
عمركم طويل
عبدالمنعم الاعسم

 محللون امنيون يؤكدون بان العصابات المسلحة التابعة لفلول القاعدة وحزب النظام السابق دخلت في تنفيذ سلسلة من الاغتيالات تطال شخصيات وعاملين في مهن او منتسبين الى وظائف محددة، وهي خطة اجرامية سبق ان جـُربت (بنجاح) بحق قضاة واكاديميين وحلاقين وصاغة وخبازين واعلاميين وغيرهم، ومعروف ايضا (انتباه) بان عصابات اخرى ومن جماعات متطرفة مختلفة ومأجورة دخلت على الخط لتنظيم اغتيالات "موازية" والنتيجة ان بركة الدم  اتسعت لضحايا من جميع الهويات العراقية المتآخية.
 وتفيد بعض القراءات الصحيحة وتسريبات الاجهزة الامنية بان كواتم الصوت تستهدف هذه المرة شخصيات نافذة في اللوحة السياسية الامر الذي يلزم اطلاق صافرات الإنذار واليقظة، ففي هذا الجو المتوتر حيث تمتلئ خزانات السياسة وأقنيتها وشعاراتها بالاحتقان والريبة وانعدام الثقة، يمكن (وهذا احتمال وارد) أن تتسبب رصاصة كاتم صوت واحدة، لزعيم سياسي محوري، في تفليش كل ما تم بناؤه، وتغيير مسار الأحداث الى كارثة، ومَن لا يصدق (أو يتوقع) ذلك يمكنه الاستدلال إليه من سلسلة الاغتيالات المشهورة في التاريخ إذ غيّر البعض منها أقدار أمم وبلدان ومسارات (اغتيال الخليفة عثمان بن عفان) وأضرم بعضها الآخر نيران لم يُخمد لهيبها حتى الآن، كما هو الحال في اغتيال السياسي اللبناني رفيق الحريري.
 لنفتح هذا الملف، حيث خرج قابيل من كهفه، قبل مائة الف عام، وانتحى جانباً وبيده صخرة ليفج بها رأس أخيه هابيل الذي مر في ذلك الوقت من أمامه، ويقتله في الحال، ثم، بعد ذلك ابتليت الخليقة في سلسلة من المكائد والاغتيالات فسال دم كثير، وحُزّت رقاب وقتلت أنفس، وسُمم واغتيل وذُبح دعاة ومصلحون وساسة وزعماء وقادة جيوش ومغامرون، في أجواء مُغبرة وملبدة بالريب والأحقاد فيما عوقب مارة وعابرو سبيل ومشتبه بهم بجريرة غيرهم، جناة أو ضحايا أو شهود، لكن الكثير من تلك الأحداث تركت آثاراً وجروحاً وخراباً وفتن  اغتيال غاندي. اغتيال الملك عبدالله. اغتيال السادات) وثمة الكثير منها أصبح مضرباً للأمثال، أو عنواناً لإثارة عورات الماضي، كما حدث في نهاية حياة راسبوتين وما حدث لكليب وجساس في قصة داحس والغبراء.
كما لا تزال حوادث موت مثيرة حسبت في عداد المكائد وجرائم الاغتيال، وما جرى للأسقف بيكيت الذي اغتاله هنري الثامن ملك انكلترا، وكيف مات أبو الطيب المتنبي في الصحراء، أو موت ملك العراق غازي أو سقوط طائرة الأمين العام للامم المتحدة داغ همرشولد، أو مقتل الرئيس العراقي الأسبق عبد السلام عارف وموت الرئيس المصري جمال عبدالناصر، والغريب ان بعضها ضُمّ الى ملفات التاريخ كألغاز، منها استمرار البحث في خفايا اغتيال الرئيس الأمريكي جون كندي ثم اغتيال قاتله أوزوالد، والبحث حتى الآن حول جمجمة توت عنخ آمون لمعرفة أسباب الكسر في مؤخرتها ما إذا كان وراؤه حدث عابر أم جريمة اغتيال بالساطور.
 عمركم طويل ايها الساسة.. لكن ماذا ينفعكم دعائي لكم،  وعلى ابوابكم طوابير ممن يدعون عليكم.
*
"التاريخ سيناريو سئ للغاية".
نورمان مايلر

148
المؤتمر الوطني..
لا وقت للمناورات

عبدالمنعم الاعسم

اصبح الطريق سالكا، الآن، الى المؤتمر الوطني لحل الازمة السياسية في البلاد، والانتقال الى ترميم التصدع في البنيان السياسي للمرحلة وتصويب المواقف حيال مفهوم الشراكة في ادارة شؤون البلاد، مثلما اصبح واضحا لجميع الاطراف، واكثر من اي وقت مضى، الجسر الذي ينبغي العبور من فوقه الى ضفاف الحل والسلامة وكفالة التهدئة بعيدا عن نزعة الخندقة وكسر العضم ومحاولات التخوين والتهرب من المسؤولية والمزاحمة والاقصاء والتهميش واللّيّ من اليد التي توجع الطرف الآخر والتمارين الاعلامية اللامسؤولة، وغيرها من قواعد اللعبة التي اضرت بالجميع، من غير استثناء، وبالاستقرار والعملية السياسية والعراق.
وإذ ارجئت اجتماعات القيادات السياسية، اكثر من مرة، فانه يفترض ان تكون هذه الارجاءات فرصة لاطراف النزاع السياسي لكشف النيات والتعرف على السقوف السياسية لمطالب وشروط الفرقاء، والتوصل الى قناعة بانه لا وقت للمناورات واللف والدوران، ولا مفر من البحث في المشتركات ووضع التوقيتات للحلول، والنظر الى الاخطار المحدقة بمسيرة التغيير، بجدية ومسؤولية، على اساس ان الاستفراد بالقرار السياسي لا مكان له في المعادلات ذات الصلة بالتوازن السياسي القائم، وان الانتقال للمعارضة لانصيب له من التوفيق في ظل الحقائق السياسية النافذة.
وعلى خلفية التجاذبات التي جرت وتعقدت غداة تعيين موعد المؤتمر برز الى السطح ما يبدو انه تناقض بين مساري الدستور ونصوصه والتوافقات واحكامها، فكل طرف يمسك بطرف واحد من المسارين، فيما تأكدت للمراقبين الموضوعيين، بانه لا الدستور وحده يمكن له (بسبب الكثير من النصوص الغامضة والمتناقضة) ان يعالج المشكلات السياسية الناشئة والمتفجرة، ولا التوقفات في ذاتها كافية لتأمين اجواء الثقة بين المتصارعين السياسيين، وانه، بعد ذلك، من العبث التمسك بالنصوص الدستورية او التوافقات، إذا ما اريد نزع فتيل الازمة السياسية، وبناء شراكة راسخة تحول دون تعريض البلاد الى هزات او تصدعات.
وبكلمة موجزة، المطلوب، ايجاد مسار جديد، بديل، للمناقشة والبحث في الحلول والمفاتيح والمسؤوليات، يسترشد بالدستور وبالتوافقات، معا، ويضع خارطة واضحة للالتزامات والاجراءات المطلوبة من خلال تسميات كيميائية للخطوات المطلوبة.
الجميع في زاوية المسؤولية، والحرج، والاستقطاب، والجميع في حاجة الى الجميع، فلا وقت للمناورات.
بل وليس ثمة وقت للتفريط بماء الوعود.. وماء الوجه.
*
"تسلـّمَ بالسكوت من العيوب ... فكان السكـْتُ أجلب للعيوب"
مكي بن سوادة


 

149

حانت ساعة  المراجعة..


عبدالمنعم الاعسم


لا أحد خارج الورطة السياسية التي ندور فيها.
ولا فائدة من الدموع التي تطلق من اجل الشعب: “ألمْ يأت إخوة يوسف أباهم عشاء يبكون؟ وجاءوا على قميصه بدم كاذب”.
النجاة بالمراجعة لا بالتصعيد. بالدخول في شجاعة الحساب، والساعة ساعة الاعتراف.. وكما يقال: جد نفسك في ساعة الحقيقة.
ساعة الحقيقة، هذه، يبلغ فيها السيل الزبى ويتمايز فيها الخيط الابيض عن الخيط الاسود، وتتحر عندها الفروض من مزاد المساومة على الحق، وقبل أن يحل ذلك الموعد.. “يوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون عليها” يقف أولئك الذين فرطوا بالحظوظ الذهبية التي نالتهم، في حرج أكيد، فإن”ساعة الحظ لا تعوّض” وان مآل الاقدار الى حساب: فهذا لك، وهذا عليك.. آنذاك ستهرب العيون الى دقات الساعة، والعاقبة لمن انتصر على نفسه، واحسن المراجعة والتراجع.
لنتذكر ان حلول الساعة يطلق على يوم القيامة، وان ساعة الحقيقة نطلقها عندما نكف عن (او نفقد الصبر على) مزاولة اللف والدوران. سنعرف، آنذاك،ان اكبر سجن لساعة الحقيقة هو سجن المسكوت عنه، وان اكبر المستفيدين من اعتقال ساعة الحقيقة هم اولئك الصغار الذين صعدوا، وصعدوا، وصعدوا في غفلة، او صفقة، او طربكة، من غير كفاءة الصعود، ولا حقوق الوجاهة.. “فاذا جاء اجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون” ثم اولئك الذين حَطوا انفسهم (او حُطوا) في حيّز اوسع من مقاسهم، واكبر مما يستحقون، فصدقوا انهم كبار او “طناطل” وانهم في مأمن من “الساعة” التي لا تعدوعن كونها ذرات متناثرة من الاقدار شاءت الحياة ان توحد اسرارها وتبعث بها الينا حين نكون بامس الحاجة اليها، يوما.
بعد هذا فان ساعة الحقيقة غير “ساعة الصفر”.. الاولى، لحكمة المراجعة، والثانية لخيار التآمر.. الاولى للسلام المؤجل، والثانية للحريق المعجل.. الاولى لاعادة انارة الزوايا المعتمة، والثانية الى اضرام النيران والكراهيات في كل الزوايا.. الاولى محاولة لاحياء الصحيح قبل ان يستشهد، والثانية لوضع الصحيح على مرمى المدافع، وثمة في ساعة الحقيقة وساعة الصفر، حين يتشابكان، ويتسابقان، الكثير من حكم التاريخ المثيرة.. هل تتذكرون كم من امبراطور انتهت به الاقدار الى ان يبحث عن ملجأ ينهي فيه بقية حياته، فلا يتاح له؟.
وبعضهم ندم.. ولات ساعة مندم.

*
"الانتحار هو المشكلة الفلسفية الوحيدة".
البير كامو


150

قمة المستحيلات..
الاربعة

عبدالمنعم الاعسم

قمة بغداد العربية ليست مثل بقية القمم السابقة، فهي تنعقد في غياب المحاور، وحصرا، في غياب المحور المصري السعودي الذي طالما لعب دور المقرر و”القائد” طوال عقدين من السنين، وهي الى ذلك، تقف في منتصف الحلبة التي يتصارع فيها النظام العربي المتوارث بمواجهة الشارع في طوره الاكثر التهابا، وهي اخيرا مسبوقة بجدول عمل يتضمن، لاول مرة، مفردات لم تكن تحظى بالاتفاق، وبعضها موضع اختلافات تتعمق اكثر فاكثر مع اقتراب موعد الانعقاد.
ويشاء التدهور الامني والسياسي المتفاقم في سوريا، على خلفية حركة الاحتجاج والاصرار على خيار الردع، ان يشكل المستحيل الاول الذي يواجه القمة بالنظر لحساسيته وانشقاق المواقف الرسمية العربية حياله وانتحار الحلول الوسط والتسويات السلمية من شاهق دورة العنف، وانزلاق المواجهة الى استخدام القوة المسلحة على نطاق واسع، وليس من قبيل القراءة المتعجلة القول بان سوريا لن تحضر القمة على اغلب الاحتمالات وان غيابها هذا سيكون بمثابة حضور ثقيل على طاولة البحث والنقاش والخلاف ايضا، وقد يتسبب في مجادلات ومشكلات.
وإذ يُعدّ الملف السوري من بعض افرازات الربيع العربي الذي جاوز، الآن، عمره العام، والذي احدث ، ويحدث، تغييرات كبيرة و”انقلابية” في السياق التاريخي لدول المنطقة، فان عنوانه، في الاقل، سيكون متداولا ومعنيا من قبل اصحاب القرار الرسمي العربي، مسبوقا بتفاوت واضح لاستيعاب دلالاته، واستحقاقاته، من قبل الحكومات والحكام والنخب السياسية والفكرية عموما، اخذا بالاعتبار الرغبة المعلنة من قبل عواصم المنطقة لبحث هذا الملف والتجاوب مع مطالب الحركة الاحتجاجية بدل التنكر لها لتقع رهن القوى الخارجية او الجماعات الارهابية الاجرامية.
اما المستحيل الثالث فيمكن رصده في العلاقة المتوترة والمتداخلة والمشحونة بالشكوى واللوم والارتياب بين دول القمة العربية والدول المجاورة، وبخاصة مع كل من تركيا وايران اللتين دخلتا، بدواع كثيرة، في شبكة الصراع الجارية بين الانظمة وشعوبها، وتركتا بصماتهما هنا وهناك، ما يمكن ان يكون موضوعا مثيرا للجدل والتجاذب، وتحت معاينات ورؤى مختلفة.
المستحيل الاخير يكمن في استمرار حالة اللاسلم واللاحرب في الشرق الاوسط.. فلا السلم على الطاولات، ولا الحرب على الابواب.
*
“كلما اقتربت القوانين من الثبات اصبحت غير واقعية”.
اينشتاين
 

151

ملصقات الساسة..
الجدران تخجل

عبدالمنعم الاعسم

 جميعهم يبتسمون للمارة: إطمأنوا. انتم امانة في اعناقنا. وجميعهم، في صورهم، يحظون بالوان الطيف بكل سخائه وفضاءاته وبهجته وإلفته، الاخضر والاحمر والاصفر والرمادي، وأحيانا كثيرة يتشكل مشهد فجائعي: جدارية السياسي، بابتسامته العريضة، من جانب، وكومة اشلاء من ضحايا تفجير حدث توا، من جانب آخر، وعويل يسد مساحة المشهد، من جانب ثالث، حتى ان الجدران وحوامل الملصقات تبدو انها تشعر بالخجل حيال هذا التشكيل الاستفزازي.
 وهنا يقفز سؤال ساذج، وربما بطران وخارج الصدد: هل حصل اصحاب الملصقات والصور، بمن فيهم الاموات، على ترخيص للاعلان من الجهات المعنية، امانة العاصمة مثلا؟. 
 في حمية التحزب، والانحياز الاعمى للقبيلة أوالنوع أوالمذهب أوالدين أوالزعيم، قد يضطرون –وانا اتحدث عن ظاهرات سياسية- الى النزول منزلة الاساءة الى الممدوح، والمرء، كما يقول الامام علي، يتسخ بالمديح وبالتزلف، الامر الذي يؤشر مأزقا سياسيا وذوقيا بالغ الاثر.
 اقول، الانحطاط السياسي في العراق فتح الباب(منذ العهد السابق) امام استباحة الجدران والساحات العامة واعمدة الكهرباء بملصقات وصور وجداريات توزع بشكل عشوائي مضحك، والغريب مما نسمعه، هذه الايام، ان الجهات المسؤولة تعتبر مناقشة موضوع ملصقات الساسة محرما وأن بعض تلك الملصقات محاطة بالتقديس والخطوط الحمر، والاغرب ان بعض بلديات المدن (او جيوب فئوية)اقامت مباريات لمن يرغب برسم صور كبيرة لساسة متنفذين ومُطاعين، وهناك الى جانب هذا سباق محموم على الجدران الكبيرة و"الاستراتيجية" بين اتباع الساسة، فكل ملصق للسياسي (أ) ينبغي ان يقابله ملصق للسياسي(ب) وبقربهما ملصق للسياسي(جـ).. وهكذا.
 بصراحة، كنا نعتقد ان المشهد المقرف لجداريات وصور صدام حسين سيحل في ذاكرة ساسة العهد الجديد كمخلفات استفزازية بائدة، وستشكل وحدها عقدا سياسيا واخلاقيا ضد هذه الظاهرة المعيبة، وليس من دون مغزى ان يهتم المراسلون الاجانب بنقل الجداريات والصور الجديدة من على جدران المدن الصماء ومنعطفات الشوارع الكونكريتية واعمدة الكهرباء الباردة بالكثير من الاستغراب.
 لم يتوان مراسل فرنسي كان قد زار بغداد قبل سنوات، من القول بعد ان زار العراق "شاهدتُ صورة كبيرة لسياسي محلي تنتشر من حولها مستنقعات من الصرف الصحي، وتنام تحت قوائمها الحديدية نعاج ضعيفة وجائعة".
*
"كل فعل له رد فعل مساو له في القوة، ومعاكس له في الاتجاه".
اسحاق نيوتن





152
المغتربون والعودة..
والقوانة المستهلكة

عبدالمنعم الاعسم

 مرة اخرى يطرح هذا السؤال نفسه في اروقة الحكومة ومجلس النواب: لماذا لم تستجب النخب العراقية المغتربة الى الدعوات الرسمية المتكررة بالعودة والمساهمة في اعادة اعمار البلاد؟ او: لماذا لم تترجم الى اجراءات تلك التوصيات والافكار والمقترحات العملية التي قدمت الى الجهات المعنية حول تسهيل عودة (والاستفادة من)النخب العراقية المثقفة؟ بل، ولماذا عاد صفر اليدين(وبمرارات) الى اماكن هجرتهم الالوف من الاكاديميين والمهنيين والخريجين والعاملين في مجالات الثقافة والفن والصحافة والابداع؟ ثم: الم تقتنع الجهات المعنية، حتى الآن، بفشل الإهابات العاطفية لاقناع النخب العراقية بالعودة الى الوطن؟.
 نعم، لقد عاد بضعة مئات من الاطباء والمهنيين والخبراء، ووجدوا طريقهم الى مراكز عمل وبناء (وهناك شكاوى من تعامل يواجهها العديد منهم)غير ان الامر يتعلق بمئات الالوف من الكفاءات العلمية والمهنية ممن تحتاجها(او تفتقر لها) الدولة وحركة البناء والتغيير في جميع المجالات، فيما انحسرت، الى حد بعيد، تلك الحساسيات الاهلية المبكرة حيال المغتربين والكفاءات العائدة، وبعض المخاوف من المزاحمة على المراكز والفرص، بعد ان اصبح واضحا بان العراق الجديد بحاجة الى ملايين من الكفاءات والخبرات الوطنية التي تتوفر لدى المغتربين.
 وبصراحة، فان العائق الاداري الاول (عدا عن الظروف الامنية العامة) يتمثل في طبيعة واثر قواعد المحاصصة الفئوية السياسية في شبكة ادارة الدولة، إذ يصطدم العائدون (والذين ينوون العودة) وغالبيتهم الساحقة من المستقلين وغير المحسوبين على  الكتل الحزبية او القوى المتنفذة في الحكم، بضيق(وطائفية وفئوية)الاقنية التي يدخلون منها الى الخدمة، فلكل قناة مدخل، ولكل مدخل قابض ارواح، ولكل قابض ارواح حارس، ولكل حارس صيغة واليات وقواعد وتعليمات وحبربشية.. والكلام كثير عن ذلك، لا تتسعه مجلدات.
 وليس من دون مغزى ان يُعارَض (او يُهمل) الاقتراح العملي الذي تقدمة جميع المؤتمرات والندوات المتخصصة بالنخب بتشكيل مركز وطني او مرجعية ادارية وطنية، واحدة، مهنية ومستقلة وبصلاحيات واضحة، لتنظيم استقبال العائدين ومراجعاتهم وتسهيل تعيينهم او إشراكهم في عملية البناء ومرافق العمل، وذلك بديلا عما يجري بترك العائدين يطرقون ابواب الوزارات والادارات (المؤجرة للطوائف) لتتفنن في التعامل معهم بوسائل الزجر والتشكيك والتطفيش، وتضطرهم الى خيانة قيمهم وكفاءاتهم العلمية باللجوء الى الرشوة والواسطات.
 اغلب الظن، ان احدا من هذه النخب لا ينتظر ان يستقبل بالحفاوة والتصفيق، لكن لا يصح ان يستقبل بمن يقول له: إشجابك، يمعوّد.. مو كاعد هناك ومستريح؟.

*
" إذا أردت إلقاء نظرة على المستقبل فتخيل حذاء يطأ وجه إنسان.. إلى الأبد.".
جورج ارويل

.

153
المنبر الحر / الايمو.. قف
« في: 10:09 12/03/2012  »

الايمو.. قف

عبدالمنعم الاعسم

 سواء كانت ظاهرة الشباب العراقي المديني المتمرد على نفسه وعلى العادية الاجتماعية "الايمو" صحيحة ولها ظلال في الواقع والممارسات والظروف، ام انها مفتعلة مثل غيرها من الفقاعات الاجتماعية العابرة، فان ظهورها (كفاصلة اعلامية) وفي هذا الوقت بالذات، ثم انتشار الحديث عنها، واتساع الجدل حولها، بالطول والعرض، يكشف عن عمق الالتباس في اللحظة التاريخية العراقية المهيئة لتفريخ ازمات وارهاصات ومفاجآت خارج الانضباط، وردود افعال اكثر التباسا ومخاتلة وبموازاة ازمة البناء واستعادة الاستقرار وترشيد النظام السياسي.
وبمعنى آخر، فان ثمة مؤشر آخر، اكثر اهمية وخطورة يتجه الى طاولة البحث عن مخرج من الدوامة السياسية في البلاد، فالتقارير التي نشرتها وسائل الاعلام المحلية عن وجود شريحة صغيرة من شباب وشابات بغداد ومدن اخرى بدأت تظهر في جيوب واحياء ومحافل على نحو متمرد في ارتداء الملابس والهيئة والممارسة، وعن مجموعات تأديب دينية مسلحة تولت مطاردتهم والتنكيل بهم وقتلهم والتمثيل بجثثهم، وسط تفرج وربما تواطؤ الجهات الامنية، لـَتؤكد (حتى وإن لم يكن ذلك صحيحا) بان استمرار الازمة السياسية، ومحاولات تجميدها، سيخلق المزيد من الهزات والتصدعات في البنيان الاجتماعي للدولة، الذي يعاني، اصلا، من الهزات والتصدع، مما يعرفه ويعلنه المحللون الاجتماعيون.
 الوجه الآخر التفصيلي، لقضية الايمو يسمح بالقول ان الاحوال الاجتماعية والسياسية العراقية تنتج(بالتأكيد) شرائح شبابية مهمشة، متمردة، تنطلق الى التمايز والاحتجاج الشكلي من نقطة الافتراق عن دولة المحاصصة التي تسحق جيلهم بعجلاتها القاسية، وتضيّق امامهم هوامش الحرية وتجبر الملايين منهم على مقايضة الفعاليات الابداعية بالتخريف، الحرية بالصمت، فرص العمل بالولاء، وفي هذا الوجه نقرأ ما هو ابشع في ردود الافعال حيث يتصدر حراس الورع والفضيلة الزائفون، والجهلة، حركة اعادة الشباب الساخط الى "بيت الطاعة" بالقوة، او التلويح بها.
 احسب ان ملابسات قضية الايمو اعطتنا رسالتين، الاولى، احتمال ظهور شرائح شبابية ساخطة على الاحوال التي تحيطها إذ تضيق امامها السبل الانشائية للمساهمة بقيادة الدولة او للتعبير عن احتجاجاتها، والثانية، ان ثمة خنادق دينية سلفية، متشددة، استغلت الامر للتلويح بقتل الشباب المتمردين، الخارجين على الموالاة، ووضع رؤوسهم على الارصفة وتكسيرها بحجر من سجيل.. ليصبحوا "كعصف مأكول" عبرة للاخرين.
*
"تتحقق الكثير من الأشياء المهمة في هذا العالم لأولئك الذين اصروا على المحاولة على الرغم من عدم وجود الأمل".   
ديل كارنيجي     

154

كذبة هابطة اسمها:
 الدكتاتور العادل

عبدالمنعم الاعسم

 لا شئ يجمع الفجور بالعدالة. الاستبداد بالعدالة، الجلد بالعدالة، فالفاجر والمستبد والجلاد ابعد ما يكونوا عن فكرة العدالة وتطبيقاتها في الواقع. عدالة الحكم او عدالة القضاء.
 لكن المجتمعات الزراعية الرعوية التي رُهنت بالتبعية لصاحب الارض وشيخ العشيرة ونمط الاسرة البطريركية اخترعت توصيف الطاغية العادل بواسطة ممثليها من الكتبة والمثقفين الدجالين.
 ومنذ قرن ونصف تحدث فرويد في "الطوطم" عن الاب القوي القدرة والذي تآمر عليه ابناؤه وقتلوه، ثم عادوا وعبدوه من بعد ان شعروا باحتياجهم الى تلك القوة "لغرض التوازن".
 ثمة بيننا من الذين قاتلوا صدام حسين عادوا الآن ليعلنوا حاجتنا اليه، او اعجابهم بدكتاتوريته، او تمثلهم لسلطة القوة الباطشة التي استخدمها، بزعم ان العامة لا تلتزم القانون إلا بالخوف والبطش.
 بل ان نائب رئيس الوزراء صالح المطلك اعطى صدام حسين صفة الدكتاتور الذي بنى، في مقارنة لم تكن موفقة مع رئيس الوزراء نوري المالكي الذي قال انه دكتاتور لا يبني، والغريب ان الاحتجاج على هذه المقارنة لم يكن ليشمل تزكيته لصدام بل اقتصر على الشق الثاني من المقارنة.
 ان كاليغولا الذي اتقن حرفة نشر الرعب والموت واصدر مرسوما بتعيين حصانه رئيسا لمجلس الشيوخ وجد من يقول عنه انه كان (احيانا) عادلا، بل ان عشيقته قالت انه طفل برئ لا حدود لاحلامه.
 اما صدام الذي كان اول "رئيس" في التاريخ المعاصر رمى شعبه بالسلاح الكيمياوي وحكم بلاده بالحديد والنار وعصّب عينها وزجها في ثلاثة حروب كارثية فقد وجدنا كاتبا اسمه امير اسكندر يجعل منه وريثا لحمورابي في عدله، بل انه حمورابي عصره.
 لم يكن اباطرة الصين وحكام روما القديمة وفراعنة مصر وفرسان المغول وملوك اوربا في القرون الوسيطة وسفاحو الثورة الفرنسية بحاجة الى تشريعات ودساتير وعهود تمنعهم من التنكيل الجماعي بالمعارضين وابادة امم كاملة، غير ان الماركيز دي ساد رخّص لهم جميعا ولغيرهم ممارسة هذا الطغيان الاعمى الى اقصى ما يمكنهم "فكل ممارسة تجلب النشوة مبررة" كما افتى.
 عدالة الدكتاتور فكرة تآمرية يتورط فيها مثقفون ودعاة وسياسيون، والبعض منهم، في حالة ستالين مثلا، يضعون حشوة ايديولوجية فاقعة في مبررات التنكيل بالضحايا والتمثيل بجثثهم. اما بول بوت الذي ارسل مليونين من كمبوديي المدن الى حفلات الموت في الغابات القصية المرعبة، فقد كان عادلا بالمعنى الذي يلفقه اصحاب نظرية الدكتاتور العادل، حيث كان سكان العاصمة فنوم بنه الناجون من الإجلاء القسري يجدون ماء صالحا للشرب ورعاية صحية طيبة وحرية في التجول من على مقربة بقصر الرئيس.

الى ذلك كان الرومان، منذ القرن الخامس قبل الميلاد، يطلقون كلمة الدكتاتور على قياصرتهم ورهبانهم بموازاة النظر لهم بعين الرهبة والاحترام؛ ولم يشك احد في وحشيتهم وقسوتهم؛ كما لم يشك احد في انهم يعدلون احيانا في قضايا لا تمس سلطتهم وجاههم، وكان موصوف الدكتاتور شكليا من الناحية القانونية، ولم يكن ليمتد الى معنى الدولة الدكتاتورية، وبمعنى ما، استمر تداول كلمة الدكتاتور، قرون وقرون، من غير مطعن سلبي بصاحب السلطة، بل وكان يقبل به باعتباره اعترافا بهيبة اسمه ومكانته، ولم يكن، مقابل ذلك ليتشبث به.
وفي عصور الاقطاع استخدمت الدكتاتورية كتدابير شبه قضائية وظهرت في القرن الرابع الميلادي هياكل ادارية هدفها حل مشاكل مدنية بدون حاجتهم لاستخدام الجنود والعساكر، وكان يتم انتخاب مجلس قنصلي”دكتاتوري” لتسوية الأزمات والخلافات بين السكان والمقاطعات، وكان كل عضو من اعضاء هذه المجالس دكتاتورا بذاته ولم يكن النظام الاقطاعي ولا مؤسساته ديكتاتورية بل هي مهمة محددة لفترة زمنية معينة، وتنتهي صلاحية الدكتاتور بانتهاء المهمة أو عند حل الأزمة.
غير انه بمرور الوقت وتغيّر الحكام والاباطرة والصراع بينهم هجرت صفة الدكتاتور والحاجة اليه، لتعود الى الاستخدام بدلالتها الاستبدادية المتوحشة خلال الثورة الفرنسية والصراع الدموي على السلطة وكان روبيسبير اول من لصقت به بهذا المعنى السلبي، وفي القرن التاسع عشر شاع استخدام البونابارتية اشارة الى الحكم المطلق، المستبد، الدكتاتوري، وذلك قبل ان يأتي ماركس بمفهوم “دكتاتورية البروليتارية” تمييزا عن دكتاتورية الطبقات الراسمالية المستغلة، وهكذا انفتح الطريق لجدل طويل حول مفهوم الدكتاتورية كنظام سياسي.
ومنذ عشرينات القرن الماضي بدأت مفاهيم الدكتاتورية تطرح نفسها، في المؤلفات ومعاهد السياسة، والمناقشات، وذلك مع نشوء انظمة الحكم العسكرية السافرة، ثم انظمة الحكم الفردية المستبدة، والشمولية، وصعود الفاشيات الاوربية، والانقلابات العسكرية، حتى استقر المفهوم في جملة من المحددات تتفرع من سلطة الفرد المطلق الذي يملي ارادته على الشعب ويستفرد بالقرارات المصيرية للبلاد ويستخدم القوة والبطش والتآمر لاخضاع العامة لمشيئته، ويستعين، في الغالب، بحلقة صغيرة من الاتباع (حزب. عسكر. عائلة) لمواجهة المعارضة، وقد يأذن باجراء انتخابات مسبقة النتائج في محاولة لاضفاء الشرعية على حكمه.
واستطاعت انظمة الدكتاتورية النموذجية (هتلر. سالازار. بول بوت. صدام. القذافي.) بناء انظمة تبدو قوية ومهيبة من خارجها، كما مكنتها اليات التحكم بالثروات من تشييد مرافق ومدن وجسور وبيئات امنية وصناعية وتجارية مبنية على الرقابة والتدخل والخوف، وعلى طي حقائق معاناة الملايين ومصادرة الحريات واعمال القتل المنهجية وابادة الاقليات وقوى المعارضة تحت غلالة من الدعاية المنهجية والرشوة التي توظف لها الاموال الطائلة.
بكلمة، صارت الديكتاتورية عارا في جبين التاريخ. اما عدالتها فلا تعدو عن كونها كذبة يسوقها انصار الدكتاتوريات الجديدة.. قيد الانشاء.
*
“يكفيك من الزاد ما بلغك المحلّ”.
اكثم بن صيفي التميمي




.

155
اختراق شبابي للركود السياسي
 
 
عبد المنعم الاعسم 
 
لا يجري هذا إلا في بلد مثل العراق، كان قد قذفت به الدكتاتورية والحروب والصراعات السياسية الى مكان محرج في التاريخ، بحيث تداخلت فيه الاجيال والارقام والحسابات، وانتهى به المطاف الى الصورة الاتية: شابات وشبان بعمر الزهور يعكفون، طوال ساعات، وفي يوم عطلتهم واستراحتهم ،على مناقشة الاخطار والخطايا السياسية التي صنعها الكبار، بدل ان ينصرفوا في هذا اليوم، الجمعة الثاني من آذار، الى مواعيد الصداقات وصالات السينما والبليارد وضفاف الانهار ومشاوير المحبة والرياضة والسفرات ودور الثقافة والهوايات، كما في كل العالم.
 
كان موعدنا في ذلك الصباح الحميم مع المئات من الشابات والشبان في صالة كبيرة بقلب بغداد، جاءوا من احياء العاصمة واطرافها واقليم كردستان، مبكرين، وبقسمات صارمة ومتفائلة، واوراق، ومناديل، وايادي ناصعة، ووشوشات تتألق برسائل الثقة بالنفس، وحسنا فعل أصحاب الدعوة بأن وضعوا الضيوف “الشيوخ” من انصار قضية الديمقراطية في جناحين متقدمين من القاعة، شهودا ومستمعين وحكماء، إذ بدوا، في صورة متخيلة، وكأنهم يقولون للمؤتمرين الشباب: تقدموا ايها الابناء النجباء، ها نحن نفسح لكم الطريق لكي تكملوا المشوار الذي قطعناه.
 
ما اشجع هؤلاء “الاولاد” وهم يتسلقون طريقا وعرا عنوانه “تشخيص الازمة السياسية في البلاد وتقديم حلول لها” الامر الذي عجزت عنه جحافل الاحزاب والجيوش والعقول.
 
كانوا يتلمسون الطريق، يتعثرون، يستأنفون، يختلفون، يتفقون، يقبـّلون بعضهم، يصفقون برنين له مغزى، يهتفون، يناقشون من غير خندقة او وجل او مجاملة، من خلال ادارة تعرف قيمة الوقت وحساسية المهمة المطروحة.
 
وما اجملهم، وهم يصافحون الكبار، باحترام لمقاماتهم، واعتراف بفضيلة الافكار التي توارثوها عنهم، وعزمهم على العبور بها الى افكار اضافية، ورؤى جديدة، وصياغات نوعية بديلة للحياة والواقع.   
 
هكذا، بادر شباب التيار الديمقراطي الى اقامة مؤتمر اختاروا له شعار: “نحو رؤية شبابية ديمقراطية لحل الأزمة السياسية في العراق” وعلى مدى ثلاث ساعات متواصلة تناوب العشرات من المتحدثين، من الشابات والشبان، على تسليط الضوء باتجاه اختلالات السياسة القائمة وعقم المناهج التي تطبقها القوى المتنفذة، والمخاطر المحدقة بالعراق، وثقوب القارب الذي يحمل اسم العراق، ماضيه وحاضره، في رحلته الشاقة لبناء حاضرة مدنية اتحادية ديمقراطية منشودة.
 
كان ، بوجيز الكلام، اختراقا شبابيا للركود السياسي، وقل للضياع السياسي، بانتظار ان يتطور هذا الاختراق الى فعل حركي بمستوى الاحلام الجميلة التي حلقت بنا في ذلك الصباح الآذاري الرائع.

“ اِعقد العزم على التصرف بدون تردد وتحمل تبعات تصرفك، فليس من خير يأتي به التردد إلى هذا العالم”.   
توماس هكسلي
 

156
 
وزراء يسيئون لنا.. في الخارج

عبدالمنعم الاعسم

مزيد من الاخبار والمعلومات المتداولة الآن، وآخرها ما حدث في عاصمة مجاورة، تؤكد بان بعض وزراء الحكومة الذين يقومون بواجب السفر لحضور مؤتمرات وفعاليات خارج العراق، او لغرض ادارة مفاوضات مع دول اخرى، او لتمثيل البلاد في محافل ومناسبات، يجهلون اصول التعامل مع بيئات مغايرة، حساسة، وتعوزهم معارف وموجبات ومبادئ العلاقات العامة، الضرورية، باعتبارها من مكونات شخصية رجل الدولة في ابسط ملامحها.
فان اساءة تصرف الوزير في بلد ضيف وبالضد من خصوصياته وتقاليده، وخلافا لأعراف المحافل ، جهلا او عمدا، من شأنها ان تسيء الى سمعة الدولة العراقية، شعبا وحكومة، وهذا ما يتكرر حدوثه بين وقت وآخر، في اكثر من عاصمة يزورها وزراء، وما يتسرب الى الصحافة او الاقنية الاعلامية او الى منتديات وسفارات وهيئات دبلوماسية وتصبح مدار استهزاء وتندر، وتعبـّر جميعها عن حاجة هؤلاء الوزراء الى انضباط التصريحات وفروض الكلام  الموزون والتزام لياقات الادب والدبلوماسية والذوق وحتى الملبس بما يفرض الاحترام على الاخرين، ويحملهم، بالضرورة، على احترام البلد الذي يمثله، وتبدأ لوازم الانضباط المطلوب من ركوب الطائرة والنزول في صالات المطارات،  وتمر باماكن وفنادق الاقامة وتنتهي في القاعات التي تجمع الوزراء بنظرائهم، بالاضافة الى مشاوير التبضع ولقاءات المعارف.
ففي احد المطارات في عاصمة بشمال افريقيا شوهد وزير عراقي زائر يعبث ومرافقوه بمرافق صالة الضيوف ويخلقون جوا من الاضطراب والفوضى ورفـْع الكلفة والضجيج مما حمل احد ضيوف العاصمة تلك، وبعبارات مؤدبة وحريصة على سمعة العراق والعراقيين، الى لفت نظر الوزير العراقي، لشكوى موظفي المطار من هذا السلوك، والى ذلك نشرت مواقع واقنية صورا متحركة وحية لتصرفات هابطة اللياقة، واستخذائية، لوزير عراقي كان يزور مسؤولا نافذا لأحد الدول المجاورة، ويشير مواطنون عراقيون مقيمون في بلد اوربي الى وزير حضر مؤتمرا دوليا، وكان، بدلا من ان يكسب تعاطف ممثلي الدول الاخرى، قد اساء التصرف بالمخاشنة مع ممثل دولة اخرى في قضية هامشية شكلية، ويذكر موقع على شبكة الانترنيت اسم وزير استخدم كلمات نابية وغير لائقة مع صحفيين التقوا به للاستفسار عن قضايا عراقية موضع اهتمام الاعلام، ويشار ايضا الى وزير عراقي زائر لعاصمة اقليمية سُمع وهو يشتم حكومته واشخاصها في حلقة من الاشخاص تضم عربا واجانب.
الاغرب، والافجع، من كل ذلك، هو ان بعض الوزراء المبعوثين بمهمات رسمية الى الدول الاخرى يتصرفون كمبعوثين لفئاتهم السياسية، وإلا ما معنى قيام احد الوزراء بنقل تحيات مرجعه الحزبي الى افراد من الجالية العراقية كانوا يرحبون به؟.
احسب ان الاشياء الغلط  تتناسل، بين ثيابنا، بطريقة شيطانية من دون حسيب او رقيب.
*
“ لا يجب استعمال كل من المعرفة والحطب إلا بعد أن يتم تجفيفهما”.
اوليفر وندل هولمز
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت




157
من اجل استعادة الاندلس

عبد المنعم الاعسم 
 
الكثيرون تحدثوا عن اهداف هجمات الخميس الدموية الاجرامية، مسؤولون ونواب وسياسيون، فوزعوها على طائفة كبيرة من الجهات والمشاريع والمناسبات:
فالبعض اكد انها تستهدف مؤتمر القمة العربية المقرر عقده في بغداد نهاية الشهر المقبل ومنع القادة العرب من حضور المؤتمر.
والبعض الاخر قال بان الهدف هو المؤتمر الوطني للازمة السياسية الذي قطعت التحضيرات له شوطا كبيرا.
والبعض الثالث شدد على ان الانفجارات مصممة على تدمير العملية السياسية التي دخلت في غرفة العناية المركزة.
والبعض الرابع اعلن انها تستهدف الاساءة الى نجاح الخطط الامنية التي تحققت في الاسابيع الاخيرة.
والبعض الخامس شاء ان يربطها بملف نائب الرئيس طارق الهاشمي الذي يعدّ القضاء لمحاكمته بتهم التورط في هجمات ارهابية.
والبعض السادس اعادها الى جهات دولية تأمل من خلالها إضعاف حكم الاغلبية الطائفية وتكريس فصل الاستعانة بخدماتها الامنية.
والبعض السابع القى باللائمة على دولة مجاورة، واكد انها متورطة بالتفجيرات بهدف ابقاء البلد ضعيفا لتسهيل التمدد في خواصره.
والبعض الثامن افترض بان اهداف الهجمات الدموية نوعا من استعراض القوة من قبل الجماعات الجهادية المسلحة التي تحتضر.
وثمة البعض التاسع من اصحاب الازمة السياسية يغمزون خصومهم ويصنعون من المذبحة فاصلة في الصراع والتسقيط والمزاحمة.
وثمة آخرون اكدوا، ما هو متداول في الشارع، بان القضية برمتها لا تخرج عن تورط اصحاب الازمة السياسية بالتفجيرات، إذ يتبادلونها من اجل استمرار الحال على حاله ومنع اقامة عهد مستقر وآمن ومعافى، وآخرون غيرهم القوا بالمسؤولية على مافيات وتجار المخدرات وعصابات التهريب “الاستراتيجية” واخرون غير اولئك وهؤلاء وضعوا الجريمة على رقبة الفاسدين في اجهزة الدولة وفي المرافق الامنية على وجه الخصوص.
اما المجرمون القتلة فانهم يضحكون، يضحكون، حتى يتطوحوا ضحكا إذ يتابعون هذا الضجيج وتقاذف المسؤولية عن الجريمة والفوضى في تعيين مرامي المذبحة، ويتسلون بمشاهدة رجال النجدة والاسعاف وهم يلملمون ايادي واشلاء الضحايا في نعوش يجللها السواد الى مقابر مجهولة.
على موقع يروّج للجهاد الاجرامي نقرأ القول عن مذابح الخميس: انها خطوة اخرى نحو استعادة الاندلس.
 *
“كثرة الكلام شيء، وحُسن توقيته شيء آخر”.
سوفوكليس


158
تضارب الاحصائيات..
فوضى المصادر

عبد المنعم الاعسم 
 
كم عدد نفوس العراق 24 مليونا ام 26 مليونا أم 27,139585 ملونا؟
كم لدينا من الارامل مليون أرملة عراقية، ام مليونان و432 الفا؟.
 أربعة ملايين طفل عراقي يتيم، أم مليونان و117 الف؟ .
800 الف مغيب عراقي في السجون ام 117 الفا فقط؟ .
أربعة ملايين ونصف مواطن مهجر خارج العراق، ام مليونان وبضعة الآف؟.
 76 الف اصابة ايدز في العراق أم 14 آلف و200 اصابة، ام 850 اصابة فقط؟.
 ثم، كم لدينا من المواطنين تحت خط الفقر 40 بالمائة من السكان ام 20 بالمائة أم 32,56 بالمائة؟.

اما مصادر هذه الاحصائيات فان العشرات من الجهات والمفردات والمراجع (الكثير منها غير معروف) تسابق وزارة التخطيط  والانماء وهي الجهة الرسمية التي تأخذ على عاتقها اجراء وتصويب الاحصائيات والارقام الخاصة بالاحوال السكانية والاقتصادية والاجتماعية الى تزويد الاعلام والمواقع الالكترونية وحلقات البحث والمعاهد والندوات بالارقام والمعطيات، وحتى الوزارة فانها تعتمد في اخطر بياناتها الاحصائية عن عدد سكان العراق، مثلا، على ما تسميه بـ”الفرضيات الاحصائية” فيما تنسب بعض الاحصائيات الى جهات دولية مثل منظمة اليونسكو والامم المتحدة وصندوق النقد الدولي والعفو الدولية من غير توثيق اصولي، وثمة بعض المصادر مشكوك في علاقتها بالامر مثل هذه المعلومة المنشورة: هناك مليونان ونصف قتيل عراقي حسب إحصائيات وزارة الصحة العراقية والطب العدلي.

ثم، بالاضافة الى ذلك، نجد المئات من المعلومات والاحصائيات المثيرة التي تقرب من الفضائح الوطنية منسوبة الى جهات معروفة لا احد يعرف مدى صحتها وماذا ترتب عليها من اجراءات، مثلا، هناك 220 صحيفة تصدر في العراق و67 اذاعة محلية تمولها جهات اجنبية مخابراتية بحسب ما منسوب الى نقابة الصحفيين، أو ان هناك ثلاث حالات طلاق لكل أربع حالات زواج بالأسرة العراقية بحسب ما قيل انها احصائية صادرة عن وزارة شؤون المرأة، وتتداول الاقنية الاعلامية معلومات كارثية (وتمر مرور الكرام..) منسوبة الى جهات وهيئات عالمية تفيد ان العراق بلد الجريمة والفساد وانعدام الامن الاول في العالم، وبغداد اقذر عاصمة في المنطقة، وان نصف عائدات النفط تسرق من قبل السياسيين.
المشكلة ، ان العراق انتقل من الدولة المقفلة امام الاحصائيات الى دولة مستباحة بالاحصائيات المتضاربة، ولعل الاكثر خطورة يتمثل في دخول الاحصائيات حلبة الصراع السياسي، فلكل جهة معلوماتها واحصائياتها وارقامها توظفها بحسب ما تسعى اليه، وآخر ما قرأناه بان ثلثي نساء العراق، بحسب “استقصاء” اجرته جماعة اكاديمية يعتبرن الدعوة الى المساواة بالرجال غير منطقية..
وهكذا دخل المنطق الى الحلبة، كخرقة مسح، فتحرك ارسطوطاليس في قبره.
*
 
“اعلم اني لا اعلم شيئا”.
                                    سقراط

159
المنبر الحر / صناعة الاوهام..
« في: 09:37 22/02/2012  »
جملة مفيدة
ــــــــــــــــــــ

صناعة الاوهام..

/ للاوهام، منذ القدم، صناعات وماركات ومصالح، وبراءات اختراع، ويتطور انتاجها وتسويقها في مسارات معقدة حتى بلغت عصر النت والحكومات الالكترونية والعلم في موصوفات مناهضة لحقائق الاشياء وللواقع، وآخر منتوجات هذه الصناعة، لدينا مثلا، القول ان كل شئ على ما يرام، فوق كومة الخراب والمسافات الشاسعة بين الغنى الفاحش والفقر المدقع، وعلى براميل البارود الايلة للانفجار في حال استمرار هذا المنحدر، ليصبح المرام كارثيا غير هذا الذي يتدثر به اصحاب الاوهام.
/على انه ليس بالضرورة ان يكون صانعو الاوهام موهومين، فثمة الكثير ممن يعمل في هذه الصناعة موظفون في مؤسسات اعتبارية، سياسية ودينية وطائفية، مهمتهم حشر الملايين في غيبوبة الهروب من الحال، او الرضا عن الحال لصالحها ولقاء اجور مجزية، وهم، بالضرورة، يمتلكون مواهب الصنعة، وتقنيات الاقناع، واساليب الوصول الى جموع الضحايا، فضلا عن "ثقافة" تناسب هذه الوظيفة، وتؤهل صاحبها لفرصة عمل غير منتجة عنوانها: تجهيل الجمهور حتى تدمير صفاته الانسانية والنوعية، وليصبح مريضا في داء لا دواء له.
/ وفي هذا ينقل هادي العلوي في مستطرفه عن احد الدعاة في تسويق الوهم قوله "من تحركت همته بالتصرف في نهاره بتدبير ما يفطر عليه (معاشه)كتبت عليه خطيئة، فان ذلك من قلة الوثوق بالقدر (الايمان) وقلة اليقين برزقه الموعود" فيما يدعو الحسن بن محمد الديلمي الفقير ومسلوب الحقوق، كما يشير العلوي، الى سعادة موهومة بالانصراف الى التعبد تماما "فان نصيبك من الدنيا يأتي من غير فكر ولا حركة".
/فالصناعة هي صناعة، كما يقول تشارلس كامان صانع طائرات الهليوكوبتر الشهير، اما الاوهام فهي مرض لم يكتشف العلم علاجا له حتى الآن، سوى وجوب الاقامة بمصحات بالنسبة للذين يعانون من اعياء التفكير في ما لاطائل منه، ومنذ القدم لاحظ العالم اليوناني هيبوقراط أن الإعياء الذي لايعرف له سبب يندر بمرض ، وان الذي يوخزه شيء من بدنه ولايحس بوجعه في أكثر حالاته فعقله مختلط ، والإحساس بوجود مرض دون التوجع منه  يشير إلي علة في القوي الإدراكية.
/في الغالب لا تصبح الاوهام صناعة رائجة إلا حين يكون وراء ذلك مصلحة، او مشروع سياسي، او  ترتيب في امور البلاد والامم من الخارج، فان تعصيب العيون وتبليد العقول وتعطيل مفاعيل الارتقاء  والنشاط الجمعي للتغيير لا تتم من غير فاعل او منظومة من العقائد تتاجر بغفلة الملايين، حين تقبل ان تتمتع برزاياها وكوارثها وحياة الذل والعطالة والانتظار.
*
"إذا ما مضى يومٌ ولم اصطنع يداً............
                                  ولم اقتبس علماً.. فما هو من عمري"
ابو الفتح البستي

 

160

اي مستقبل للعملية الساسية؟

عبدالمنعم الاعسم

 في مقال سابق طرحت نفس السؤال ولم اجب عنه، منشغلا في منهج النظرة الى المستقبل، وملازم هذه النظرة، وتطور علوم وبحوث واشكال قراءة المستقبل، تمايزا عن علوم اخرى قديمة تتصل بالفلك واتجاه التغييرات في الطبيعة والانواء.
 العملية السياسية، باتفاق اطرافها، المرتاحين اليها والمتضايقين منها، تعاني من اعتلالات عميقة، وتفتت مضطرد، وقد استنفذت الجهود والمحاولات والمبادرات كل زخمها دون ان تنجح في معافاتها وإنعاش مفاصلها وإعادة الحياة لفاعليتها، كما لم تتكون ارادة واضحة للتخلي عنها، لسبب بسيط يتمثل في حقيقة ان البديل عن العملية السياسية، هو عهد الحكم والمعارضة: الحكم من قبل اكثرية برلمانية، والمعارضة من الاقلية، فيما تنعدم امكانيات هذا التوزع في ظل الخارطة السياسية القائمة تحت قبة البرلمان، بانعدام امكانية تكوين تحالف حكومي من داخل العملية السياسية، وانعدام جدوى المعارضة من داخل البرلمان.
 يعتقد كثيرون بان مشكلة العملية السياسية الرئيسية هو الدستور، كنص وروح ومرجعية، فان سياقات التوافق تصطدم بنصوص دستورية في اكثر من موقف، او تلتف عليه، او تتجاوزه، فيما يرى آخرون بان مشكلتها في العلاقة مع البرلمان حيث تخضع عمليات التصويت والاعتراضات والمناقشات الى اتفاقات فوقية من زعامات الكتل وتتنازل الهيئة التشريعية عن وظيفتها الى القيادات السياسية، وطبعا، حين يتعذر الاتفاق والتوافق على صيغة تطبيقية للدستور او القوانين او المعالجات الملحة او إقرار السياسات العامة فان ذلك يشل ماكنة الدولة ويعطل عمليات البناء والتشريع وتطبيع الاوضاع، بل ويتعذر، في الحد الادنى، تحقيق الرقابة وكبح الفساد وضبط الامن والاستقرار وترشيد السياسات العامة.
 لكن الراي السائد يعيد ازمة العملية السياسية الى غياب الثقة بين الفرقاء السياسيين الذين التزموا مبدأ الشراكة في ادارة الدولة وسلطة القرار، ويعبر هذا الغياب عن نفسه في التشابك الاعلامي بين الكيانات وتصاعد الشكاوى والريب والاتهامات والمخاشنات والاساءات في ما بينها، إذ بلغ الامر ان يصعب، غداة كل ازمة، عقد لقاء بين اركان العملية السياسية، ويصبح اللقاء نفسه، اذا ما تحقق، حدثا كبيرا، فيما الظروف التي يمر بها العراق تفترض ان يكون زعماء العملية السياسية في اجتماع دائم ومفتوح.
 ان جميع هذه المعاينات بصدد اسباب تصدع العملية السياسية وضعفها صحيحة بمقدار ما تقدمه من وقائع ملموسة، ما يعني بان مستقبل هذه العملية سيبقى يدور في مستويين، الاول، استحالة إحياء وتجديد قواعد التوافق السياسي التي ارسيت في اساس هياكل مرحلة الانتقال وإحلال الثقة في مفاصل وفروع سلطة القرار، والثاني، استحالة انهيار العملية السياسية أو إسقاط مبدأ التوافق، ومردّ ذلك ان جميع الاطراف لها مصلحة  باستمرار الشراكة في حدّها الادنى، المعتل.
 العملية السياسية ستعبر، اغلب الظن، جملة العثرات والحروب الصغيرة، وستصل بالوضع السياسي الى انتخابات 2014 وهي مثخنة الجراح..
آنذاك، لكل حادث حديث.
*
"كل طريق، حتما، يؤدي الى طريق".
جمال غيطاني
         




161
جملة مفيدة
ـــــــــــــــــــــ


سياسة..
وراءانتشار المخدرات

 لا اعني، فقط، ان ثمة جهات اقليمية ودولية تتولى، على نحو مباشر او غير مباشر، تسهيل ترويج المخدرات الى العراق فان الخلفيات السياسية لانتشار هذه السموم في العراق تتجاوز مسؤولية الدول المجاورة الى ما هو اخطر حين تتجه اصابع اليد الى تنظيمات سياسية، وشبه سياسية، تقوم بحماية زراعة المخدرات وتأمين انتشارها وتهريبها، وليس من قبيل الاسرار القول بان لبعض هذه التنظيمات نفوذ في مرافق الدولة، وان الاموال الطائلة المتحصلة من تجارة المخدرات تسمح بشراء سكوت مسؤولين في اجهزة المكافحة والادارة والرقابة.. وكل هذه الحقائق تدور في مطبخ السياسة وفي ماكنة الصراعات على السلطة، وفي الشبكة المعقدة التي تربط هذه الصراعات بعواصم المنطقة
 من جهة أخرى، لا موجب للاستغراب حيال انتشار المخدرات في العراق، ولا موجب للتوقف كثيرا عند آخر المعلومات التي اطلقتها وحدة الابحاث الدولية بجامعة كربلاء قبل حوالي ثلاثة اشهر من ان العراق "بات يتحول تدريجيا إلى بلد مستهلك ومنتج للنخدرات" وان الجهات المحكومية "اكتشفت العديد من المزارع الخاصة بالمخدرات خلال السنوات الماضية في محافظات عديدة" فان سوق هذه السموم يزدهر في الدول التي تشهد اضطرابات امنية وسياسية ودينية، وان زراعتها تنتشر في ظروف تتسم بالاستقطابات وضعف فعالية السلطة ووجود كانتونات موازية (عشائر) تفرض سلطتها شبه المستقلة على مناطق صالحة لزراعة المخدرات.
 ويدخل في هذا التأشير السياسي لانتشار المخدرات ما نُقل عن مسؤول عسكري حديثه عن "استشراء ظاهرة تعاطي الحبوب المخدرة بين العناصر الامنية اثناء تأدية الواجبات المناطة بهم في نقاط التفتيش او مواقع المرابطة فضلا على تواجدهم في الثكنات" الامر الذي يفسر كثرة اختراق الحلقات الامنية الحساسة من قبل الجماعات المسلحة، بل ان الباحث المعروف في الشؤون النفسية الدكتور قاسم صالح حسين اكد بهذا الصدد  قوله "ان انقطاع التمويل المالي عن الجماعات الإرهابية أدى إلى توجهها إلى زراعة أشهر نبتة مخدرات (الداتواره) في مناطق من محافظة ديالى" وفي التفاصيل سنعرف بان مافيات المتاجرة بالمخدرات، واكثرها مرتبط باقطاب سياسيين تعمل على تحويل طريق الحرير القادم من آسيا عبر العراق ممرا للمتاجرة بالمخدرات.
 هنا تتكامل دائرة الخلفيات السياسية لانتشار المخدرات في العراق، وستكون اكثر وضوحا، كلما اقتربنا من موعد الانتخابات.
 فمن الذي سيمنعها من التصويت؟.
*
" العيون الضعيفة أكثر مَن يحب الأشياء اللامعة".
توماس كارليل







162

وزارة الخارجية..
على حق

عبد المنعم الاعسم 
 
وجه الحق هنا يتمثل في التحذير الذي اطلقته وزارة الخارجية الى الكتل السياسية ونوابها بوجوب النأي عن ملف التحضيرات للقمة العربية المقرر عقدها في بغداد والكف عن التصريحات التي، كما لاحظت الوزارة عن حق “غالبا ما تكون اجتهادية تؤدي الى التشويش على موقف العراق الرسمي من بعض القضايا المطروحة على الصعيد العربي” خشية “ ان تؤثر تلك التصريحات على مستوى تمثيل بعض الدول المتوجسة اصلا من المشاركة في قمة بغداد”.
وإذ اختارت الوزارة في هذا التحذير لغة دبلوماسية تذكّر اصحاب التصريحات الخارجة عن الانضباط بالمسؤولية الوطنية وفروض تهيئة الاجواء المناسبة لعقد القمة وحضور جميع رؤسائها وتوظيف المناسبة في صالح العراق وسمعته ومكانته، فانها  وضعت بذلك عنوانا اعتراضيا مشروعا لسلسلة المواقف والخطب التي تناوب عليها نواب في الكتل البرلمانية المتصارعة اقل ما يقال انها تعبر عن منطلقات ضيقة، طائفية، وفئوية، حيال قضية  حساسة لا تتحمل مثل هذا العبث، بل هي في امس الحاجة الى رسائل  مسؤولة وحكيمة من شانها طمأنة الدول المعنية في القمة الى سلامة نوايا العراق ورحابة صدره، وبأنه (وهذا هو المهم) هجر منهج النظام السابق في اثارة العداوات والريب وطبول الحرب في المنطقة.
المثير للقلق، هنا، ان بعض التصريحات النيابية “الفئوية” تذهب مذهب الجهالة في معرفة دور الهيئة التشريعية في حماية التزامات الدولة حيال شركائها الاقليميين، او في التعامل مع قواعد واصول والتزامات عقد القمم العربية، فلا تتورع من اعلان الحرب، باسم العراق، على حكومات وزعامات وسياسات دول ليس مجالها مناسبة انعقاد القمة، ولا  مكانها ان تنطلق من بغداد، وهي عدا عن ذلك تربك الحركة الدبلوماسية المفترضة لبناء جسور الثقة مع الآخرين، وتسبق هذه الحركة الى رمي الحجارة العشوائية في طريق نجاح القمة.
الحديث هنا يتناول تصريحات نواب واقطاب سياسيين من منظور الاختلاف او العجالة او سوء التقدير، وبعضها يدخل في فرضية زلة اللسان او ضعف تحَسّب للنتائج ، لكن المراقب لا يمكنه إلا ان يرصد كلاما منشورا ومذاعا لأقطاب  ونواب تتجاوز موصوف حسن الظن الى اعتبارها مواقف مستعارة من خارج الاعتبارات العراقية، وانها تـُطلق على دولة من دول القمة بالنيابة عن دولة اخرى تخاصمها، ويلتقي هذا الموقف، شاء اصحابه ام ابوا، مع الحملة الارهابية المنظمة التي تهدد رؤساء الدول المعنية وتحذرهم من المشاركة في قمة بغداد.
وبعض اصحاب التصريحات بحاجة الى معرفة معايب الاستطراد وإغواء الشاشات الملونة وما يسميه الشيخ الجاحظ  “التكلف لما لا نحسن”.
 *
“أحترم من يقاومونني، لكني لا استطيع احتمالهم”.
ديغول


163
عندما تهين وزيرة المرأة.. المرأة

عبدالمنعم الاعسم

هذا ما حدث بالضبط، بل هكذا يكتب الانكفاء قصته، فصلا فصلا. اما الخاتمة فان ثمة صفحات تفصلنا عنها، بانتظار ان يقول المتفرجون على المهزلة كلمتهم:
 فلأول مرة، ربما من عهد اول وزيرة في التاريخ هي الوزيرة الفرعونية "نِبـْتْ" قبل ما يزيد على سبعة آلاف سنة، لم تجرأ امرأة في وظيفة وزيرة شؤون النساء، كما يجري لدينا في عراق ما بعد نظام الحزب الواحد، على ان تنصب من نفسها مرجعا يعلن معارضته (او تحريمه) لمساواة النساء بالرجال، والاصرار على ان ترهن المرأة نفسها في "معلف" الرجل بموصوف القوامة الابدية، فان الوزيرة السيدة ابتهال الكاصد اخذت هذا "الامتياز" برهاوة، وزادت عليه باوامر الحجاب وتكفين النساء بزيّ تختاره هي.
 لابد ان نحفظ للوزيرة الكاصد هذا الاختراق التاريخي المسجل، في الاقل، باسم نساء كثيرات في دول كثيرة ممن يعارضن المساواة مع الرجال، ويقدن حملات تدعو لترخيص تعدد الزوجات، وتشريع عبوديتهن، لكن، ليس بين هؤلاء الكثيرات، حتى الان، وزيرة للمرأة، مثل السيدة الكاصد.
  لسوء حظنا، اننا فقدنا برحيل نزيهة الدليمي، الوزيرة الاولى في العالم العربي، زخم هذا التميّز على جيراننا وشركائنا الاقليميين، بل اننا، لسوء هذا الحظ، صرنا ننكفئ الى الوراء فننتج اجيالا من النساء الدعاة اللواتي لا يعرفن من حقوق المرأة غير تأمين "مِنـّة" الرجل عليهن بفتات العيش، وشفرات غسل العار، ولا يذكرن من امجاد المرأة غير مشاركتها بالحروب والفتوحات لتضميد زنود الرجال وتجديد فحولتهم، ولا يرين من مستقبل لنصف الخليقة الجميل غير منازل مزدحمة بالاولاد الرّضع وبالمكانس والطشوت واسرة النوم، فيما تقطع نساء العالم الآخر مراقي العلم والتصنيع والاكتشافات، وتُبهر العيون والعقول بابداعات لا تقل ائتلاقا عن ابداعات الرجال، وفي الكثير من الاحيان تتخطاها.
 كانت البولشفية الكساندرا كولونتاي، الوزيرة الاولى في عصر الدولة ما بعد القيصرية تحضّ النساء على حماية الكرامة الانسانية وتنمية الذوق العام وبناء معارف الجمال والتمرين على تحقيق العدالة، وكانت تخاطب المرأة بقولها: لا تقبلي سيدتي ان يعاملك الرجل كوصيفة، ولم تكن تعرف ان زمنا نحسا سيأتي تتولى فيه نساء وظيفة صـُنع العبودية، وتجميل الذل لبنات جنسها نيابة عن الذكور
 قلت.. نيابة عن الذكور، ولم اوضح عن ايّ جنس من الذكور تنيب.






164

دولة خميس الخنجر..
ماذا بعد؟

عبدالمنعم الاعسم

اصبح واضحا ان رجل الاعمال (والمال) السياسي العراقي خميس الخنجر لم يعتقل في عمان، كما قيل، على خلفية قضية غسيل اموال عراقية بمئات الملايين من الدولارات كان قد تورط فيها رئيس مخابرات اردنية سابق، لكن هذا الاستدراك لم يكن لينتزع اسم الرجل من دورة الاخبار التي تلاحق الاحداث العراقية، ولا يمنع المعاينة في دلالات وخفايا الصعود الصاروخي لاسم (او دولة) الخنجر الى موقع المقرر في مسار الصراع بين القائمة العراقية وكابينة رئيس الوزراء نوري المالكي، وفي البعد الطائفي لهذا الصراع.   
 سنضطر الى شطب نصف ما كـُتب في سيرة خميس الخنجر من علاقات ملتبسة بالحلقة الضيقة الحاكمة في عهد النظام السابق او بصدد مصادر الثروة التي يديرها من العاصمة الاردنية، او ما قيل عن شبكة علاقات معقدة ونافذة له في محطة الاقامة الاردنية وروافع تلك الشبكة، فان النصف الآخر المتبقي من المعلومات يكفي ليشكل قاعدة رصد لمشروعٍ سياسي عراقي ذي هوية اقليمية ليست بريئة الاهداف، ابطالها اسماء كبيرة في عالم المخابرات والسياسة والمال و"المقاومة" وميدانها العراق وضحيتها خيار اقامة دولة مدنية مستقرة، فيما بعض المحسوبين عليها لاعبون في الساحة السياسية والصراع على السلطة والمحاصصات، وحصرا، في (بعض) ملاحق القائمة العراقية ومشايخ في الانبار وكركوك وصلاح الدين وديالى والموصل والبصرة.
 كل ذلك  يفرض اعادة تركيب سلسلة الروايات والمنشورات عما قدمه الخنجر من دعم مالي و"لوجستي" سخي الى الحملة الانتخابية لرموز معروفة في القائمة، وما كشف على نطاق واسع عن عمليات "مزاد" كان الخنجر يديرها بعد الانتخابات لتمليك وزارات من حصص العراقية على متنافسين معروفين، وما قيل ايضا عن تجسير في الجغرافيا الطائفية بين العراق ورافعات خليجية، سجلت باسم الخنجر.
 من زاوية تحليلية موضوعية، يبدو ان الخنجر، الذي لا يملك مدوّنات واضحة (او توثيقات اكاديمية)عن كفاءاته وخبرته في ادارة السياسات والرؤى والمشاريع ذات الصلة باحوال الدول، صعد الى منصة الاحداث بسرعة لافتة ومثيرة للغرابة، وصار في غضون اقل من عامين، مقررا ، من بين مقررين قليلين، في مسار الصراع السياسي في العراق، وليس من دون مغزى ان يرعي بنفسه، ومن على واجهات الفضائيات وتقارير وكالات الانباء، محفلا عراقيا- دوليا عـُقد في تركيا الشهر الماضي لبحث مستقبل الدولة العراقية، ويبدو ان الخنجر، في هذا المحفل، بلغ الذروة في الصعود، ما تبلغه الظواهر الغامضة، وقل القنابل الصوتية، من اهتمام وعلامات استفهام، ثم الوقوف عند نقطة النزول وبدء السقوط.
 لا ينفعنا كثيرا، بهذا الصدد، الاستطراد في تأويل هذا السخاء والبذخ لصالح معسكر سياسي وطائفي دون غيره، ففي هذا روائح كثيرة غير طيبة، ومظنات وفيرة ومؤشرات عن مصادر اموال اقل ما يقال انه مطعون بنزاهتها، حال جميع "هويات" الثروة التي تغير على العراق من وراء الحدود ويستخدمها آخرون في التنافس الانتخابي لارشاء دعاة وناخبين وتجار إعلام، لكن الامر المهم، ذي صلة بالمشروع الذي سوقته القائمة العراقية والحامل لشعارات "المشروع الوطني" هو التساؤل عن الثمن الذي ينبغي ان تدفعه رؤوس متورطة كانت قد دنست ذلك المشروع، عن طواعية وعمد ودراية وسبق الاصرار،  في بـُركة خميس الخنجر التي يشرب منها، ايضا، ابطال السيارات المفخخة ومرتكبو المذابح المروعة للمدنيين باسم المقاومة.
 وما خفي كان اعظم، لو تعلمون.
*
" وإذا أصيب القوم في أخلاقهم ... فأقمْ عليهم مأتماً وعويلا".
احمد شوقي             






165

محنة الهيئات المستقلة
 في بيئة الاستقطاب

عبدالمنعم الاعسم

تعد هيئة الاعلام والاتصالات من الهيئات المستقلة الست للدولة العراقية الجديدة، مفوضية الانتخابات. النزاهة. الاجتثاث. البنك المركزي، مجلس القضاء ، وقد نظمّ عملها تشريعان، الاول، الصادر من ادارة الدولة المؤقتة في 20/ 3/ 2004 برقم (65) ويعهد الى الهيئة مسؤولة إعطاء التراخيص والاجازات بشأن البث واستخدام الفضاء في العراق وثانيهما الوارد في الدستور العراقي، المادة (103) وسمّى هيئة الاعلام والاتصالات كهيئة مستقلة إدارياً وثبّت إرتباطها بمجلس النواب على أن ينظم عمل هذه الهيئة بقانون.
وإذ خولت المادة (61) من الدستور رئيس مجلس الوزراء سلطة “ترشيح وإقتراح أصحاب الدرجات الخاصة لشغل وظائف الدولة” فانها حصرت بمجلس النواب حق الموافقة على الترشيح والمقترح ليصبح نافذا، أخذا بالاعتبار بان  سلطة الائتلاف المؤقتة نقلت صلاحياتها بالقرار رقم (100) في حزيران 2004  الى رئيس الوزراء، بما فيها تعيين رئيس مجلس مفوضي هيئة الاعلام وأعضاء المجلس وإنهاء خدماتهم، ويعتقد خبراء في القانون بان مصادر تشريع صلاحيات هيئة الاعلام، وعدم صدور القوانين التي تنظم عملها، شكلت ارضية لاضطراب إداء هذه الهيئة، يضاف الى ذلك سبب آخر اكثر اثرا هو اختيار الرؤساء التنفيذيين على اساس المحاصصة الفئوية.
وبالاستناد الى تجارب دولية سبقت العراق في هذا المجال فان الهيئات التي تتولى تنظيم استخدام الفضاء من قبل اقنية الاعلام والاتصالات، وتتكفل رسم قواعد البث وصناعة الرأي العام  وضبط مفاتيح الاتصالات وتنظيمها تعد من اخطر مؤسسات الدولة ذات الصلة بقضايا السيادة، وحماية حقوق الفضاء الوطنى، والسلوك الاعلامي، وتُعهد قيادتها وادارتها في العادة الى خبراء في مجالات الاعلام والاتصالات، مشهود لهم بالنزاهة والحيدة السياسية والمهنية والخبرة الطويلة، مع تأمين حمايتهم من تدخل الحكومات والاحزاب السياسية وجماعات المال والضغط، فضلا عن تحصين هذه الهيئات ضد اختراقات الدول الاخرى.
لقد اخفقت هيئة الاعلام والاتصالات، منذ تأسيسها في يونيو 2004  في ان تكون مستقلة حقا، وصارت نقطة تجاذب ونفوذ وتدخل، وجرى تلغيمها بالمجسات الفئوية المتصارعة وتحولت في مرحلة من مراحلها الى تكية لتزجية وقت العاملين، فيما يقوم بضعة اشخاص من جيشها الاداري في تمشية امورها على النحو المعتل، وفاقم الامر اضطراب السياقات المالية وسوء ادارة الموارد وتدني الرقابة وغياب البرامج والرؤى الاستراتيجية للنهوض بمستوى الخدمة، وبالترهل والبيروقراطية والمكتبية، وانعكس ذلك في ضعف قوام مجلس المفوضين وإغراقه بالحزبيين والموالين السياسيين، وفي تراجع تدفق الخبرة والكفاءة والمهنية المستقلة في الدورة الدموية للهيئة.
اتحدث في هذا من زاوية تجربة شخصية، إذ عملت عضوا في لجنة المستشارين الاعلاميين لعام او يزيد قليلا، خرجت من بعد ذلك بحصيلة الرأي الذي يقول ان استقلال هيئة الاعلام والاتصالات فرضية لا وجود له إلا في كراس الدستور، وان معافاتها من العلل بحاجة الى وقفة مراجعة.. جدية.
*
“خير لنا ان نسعى الى تقوية ظهورنا بدل ان نسعى الى تخفيف اثقالنا”.
       حكيم


166

القمة العربية ..
محاولة استباق

عبدالمنعم الاعسم

القمة العربية المقرر عقدها في بغداد بعد أقل من شهرين تُعدّ، في رأي الاستراتيجيين، الاخطر من بين جميع القمم العربية الـ22 ليس في الجوانب ذات الصلة بالاوضاع العربية المتغيرة والمندفعة الى تهديم النظم المتوارثة، لكن أيضا، وبالاضافة الى ذلك، في وظيفة هذه المرجعية الاقليمية، وأطارها الاوسع، الجامعة العربية، التي قطعت 67 عاما من عمرها من غير ان تهزها الاحداث والاستحقاقات وبات ميثاقها وجملة قراراتها وقواعد صياغة مواقفها وادارتها للازمات والخلاقات في مهب الريح، فضلا عن تصدع قوى التحكم والتأثير والتوجيه في حلقتها النافذة وأنهيار المحاور التي بقيت تتجاذبها وتفرض عليها “هوية” وعلاقات وتحالفات وصفقات وتبعيات، مثيرة للجدل، مع التكتلات والقوى الاقليمية والدولية.
على أنّ إنعقاد القمة العربية في بغداد، حصرا، لم يكن من غير مغزى كبير في هذا الوقت بالذات، فهو الاخر يدخل في قوام العناصر الاستثنائية، والخطيرة، لدور ومستقبل القمم العربية ومؤسسة الجامعة العربية، وذلك من زوايا عديدة، في الصدارة منها، العلاقة المضطربة والمشوبة بالملامات والالغام وسوء الظن والريبة والكيفية وانعدام الانضباط والشكاوى المتبادلة بين بغداد وعواصم الجامعة العربية، حيث شهدت السنوات التسع الماضية، مواجهات ووقائع تـَدَخـّل وتحريض وتمحور كان العراق طرفا فيها، وضحية لها، في غالب الاحيان.
حتى سلسلة التأجيلات، واسبابها، تلقى الكثير من الشكوك، او الغموض، على امكانية نهوض القمة الـ23 بمهمة تصويب القواعد القديمة وإنشاء هياكل عصرية وحيوية لاحتواء متطلبات المستقبل وطي صفحة المحاور والوصاية والاملاءات في العمل العربي، فيما المراهنة في نجاحها وتأمين انطلاقها الى ذرى ارقى تعوّل، اولا، على الزخم الشعبي العارم المتطلع للتغيير، وثانيا، على الارادة الجمعية البناءة للانظمة والزعامات الحاكمة، وثالثا، على حسن ادارة العراق، كدولة مضيفة، لاجواء وفروض وحاجات المناقشة والحوار وتبادل الاراء. اما معيار النجاح فانه يتمثل في مسارين، الاول، اعادة هيكلية وترشيد وتحديث هذه المرجعية الاقليمية بما يتناسب مع الحقائق العربية والدولية الجديدة، والثاني، في بناء منظومة مواقف وقرارات وسياسات نوعية وحيوية وانتقادية، وغير ذي ديباجات تتمدد على جميع المقاسات والاهواء والظروف.
وقدر ما تعلق الامر بالمطلوب من العراق، فانه يكفي التذكير بان نجاح القمة في مساريها يعني نجاحا للعراق احوج ما يكون له راهنا، وان فشلها سيلحق افدح الاضرار بمصالح العراق وسمعته وتطلعاته الى استعادة موقعه الاقليمي النافذ، وتحْسن الاشارة هنا الى التحذير من مخاطر التعاطي مع القمة واعمالها من زاوية الاعتبارات والشعارات والولاءات الفئوية، الامر (الخاطئ والضار) الذي نتتبع الآن بعض بصماته الفاقعة في تصريحات بعض السياسيين والنواب وفي استباقات اعلامية ينقصها النضوج وبُعد النظر، وأقل ما يقال فيها، انها تجهل معاني انعقاد مثل هذه الفعالية، وفي هذا الوقت، في بغداد.. والجاهل عدو نفسه، كما يقال.




*
"الحُلم يرفع بيتاً لا عماد له........
والجهل يهدم بيت العز والكرم".
شعر


167
المنبر الحر / حل.. ام تهدئة ؟
« في: 19:42 05/02/2012  »
جملة مفيدة
ــــــــــــــــــ


حل..
 ام تهدئة ؟

/شكل الازمة القائمة، وحال العملية السياسية، استقرّا (بالمفهوم الفيزيائي للاستقرار) على نوع من التوازن القلق، الهش، الملغوم، الذي سيستمر، أغلب الظن، على هذا الحال، الى إثنين وعشرين شهرا مقبلة تفصلنا عن السباق الانتحابي لعام 2014 ويعتقد ان حسابات القوى التي تقبض على معادلة الصراع انتهت الى الامتناع عن "تفجير" ذلك التوازن وتدميره، لأن البدائل مخيفة وكارثية للجميع من غير استثناء، كما انتهت الى عزم غير معلن (بواسطة عض الاصابع ومعارك الكر والفر) على منع الخصم- الشريك من ان يكسب، أو يحسّن نفوذه وموقعه، في خلال الفترة التي تسبق الانتخابات، أخذا بالاعتبار بانه ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.
/في هذا المشهد، يبدو ان فكرة التنازلات المتقابلة بين فرقاء الازمة السياسية اصبحت تمنيات للشارع او الخائفين على مصائر العملية السياسية، او امست شعارا لا رافعات مادية او اعتبارية له على ارض الواقع، فان ثمة مشكلة اجرائية، اعتراضية، طرحت نفسها على بساط البحث عمن يبدأ بالتنازل اولا قبل غيره، او من هو على استعداد حقا للتنازل، او عن حدود هذا التنازل في مساحة النفوذ والامتيازات وقياساته، وبموازات ذلك، ظهرت مشكلة اخرى على هيئة سؤال تفصيلي: ما الذي يسبق الآخر، التنازلات ام اجواء الثقة؟ وهكذا، فان مفتاح حل الازمة لبناء حكم الشراكة الوطيد ابعد عن متناول اليد والرصد، والمطروح الآن، كما يبدو مفاتيح للتهدئة   
/وبحسب قراءات ميدانية لتناسب القوى وتشابكها وضغوط الشارع وحِراك الكواليس، وترشيحات الحظوظ، ورسائل (واملاءات..) من وراء الحدود، فانه كلما اقترب موعد الانتخابات التشريعية ستخذ التحالفات، والصفقات، والخصومات والاستقطابات السياسية والاجتماعية والطائفية والقومية  مسارات اكثر فرزا ودراماتيكية واختلافا، وربما مفاجأة ايضا، ويمكن القول بان الكثير من "التشكيلات" والتعهدات والمواثيق والزعامات ستأخذ طريقها الى خارج المشهد، وان استعراض القوة سيبقى سيّد الاحكام، واكثرها حضورا، محسوبا فيها ما تتطلبه القوة من مال واعلام وتشكيلات مسلحة وشبه مسلحة، ومن مهارة في اللعب بالشعارات والوعود، وطبعا، من اساليب في الوصول الى القوى التصويتية واستدراجها الى صناديق الاقتراع.
/بكلمة موجزة، يبدو ان اصحاب الازمة السياسية يحبذون تهدئة تقوم على تجميد الملفات.. تهدئة تدس مشروع الحل تحت بساط التأجيل بانتظار الكلمة الحاسمة لنتائج الانتخابات المقبلة، او بانتظار مغامرة كارثية.. من يدري؟.
*
 "لا احب كلمة التسامح، لكن لا أجد كلمة افضل منها".
غاندي










 

168
المنبر الحر / سوريا.. الى الزلزال
« في: 17:50 01/02/2012  »

سوريا..
 الى الزلزال

عبدالمنعم الاعسم

بدأ الكثير من الخائفين على مصير سوريا من التفتت والحرب الاهلية ومن وقوعها في حاظنة التطرف الديني “الجهادي” ينظرون بعتاب وانتقاد مرّ الى اداء السلطة القائمة ومنهجها في احتواء الازمة إذ اتسم بالردع السافر الدموي المفتوح مما حدث ويحدث في اية حرب اهلية اندلعت في بلدان الاستبداد، وقل، هي مقدمات كلاسيكية لحرب اهلية ضروس ستزلزل قواعد الاستقرار في المنطقة، وتضرم النيران في معادلات الحرب والسلام القائمة فيها منذ حوالي نصف قرن من الزمان.
الجديد، بان الاعلام الرسمي في دمشق بدأ يتحدث عن معارك في صفوف الجيش الحكومي، وعن “تحرير” مناطق تقع الى اميال من العاصمة، وبدأت لغة التتبع لما يجري مثقوبة بالغموض والهذيان والتناقضات بصرف النظر عما يطلقه هذا الاعلام من تسميات مسبقة التخوين للمنشقين عن الجيش الحكومي ومن عبارات دعائية واستعراضية عن الاقتدار الذي يتمتع به الجانب الحكومي.
هذا اعتراف متأخر بتصدع آخر الدفاعات الاستراتيجية عن نظام الحزب الواحد بعد تفتت الكيان الحزبي الى وحدات طائفية ضائعة، لكن الشيء المشكوك فيه هو ما إذا ستتمكن آلة المواجهة الحكومية من اعادة الامور الى نصابها، وما اذا ستضطر القيادة الى الموافقة على مبادرة خشبة النجاة العربية لانقاذ ما يمكن انقاذه من دولة الاستقلال بديلا عن صورة مجهّزة لدولة اخرى لا احد يشك بان الخارطة ستضيق بها، وان مستقبلها سيكون في علم الغيب.
من السابق للاوان الحديث عمن تسبب في مآل سوريا الى هذا المفترق الخطير من الطرق، لكن لا ينبغي تقليب الامور كثيرا عندما يتعلق الامر بتعيين مسؤولية النظام السياسي، ضيّق التمثيل، والقائم على مفردات الواحدية الصارمة في الحكم وعسف التعامل مع العقائد والحريات والقوميات المحلية، بل ولا يمكن، حتى لتلاميذ السياسة، وضع المسؤولية الاولى عما حدث ويحدث على عاتق الجهات الخارجية، الغربية والخليجية، مثلما لا يمكن اعتبار المتدخلين الخارجيين على انهم محسنين، او هيئات إنقاذ انسانية بريئة من الاطماع والاجندات وتصفيات الحساب وتسويق المصالح والتحالفات.
حتى لجوء المعارضة الى العالم وتحبيذها التدخل الخارجي، فان الادارة الحكومية تتحمل، في تدميرها رسوم الثقة وحشرها المعارضين في الخيارات المستحيلة، مسؤولية هذا الانزلاق، ونتائجه، وكان بمقدورها منع تدهور الاحداث الى هذا الخيار الكارثي.
مع ذلك فان الاعلام الحكومي السوري، إذ يعترف بانتقال المعارك الى خاصرة العاصمة دمشق، فانه لا يزال يتحدث عن الخسائر بلغة صدام حسين الكارثية: اغارت طائرات العدو على قرية آمنة. قتلت الكثير من سكانها. خسائرنا لا شيء.
الخسائر عندهم، فقط، تلك التي تلحق بالرئيس.
 *
“الكذب في بعض الاحيان غريزة”.
صلاح عبدالصبور     

169

عودة نواب العراقية..
تصويب أول

عبدالمنعم الاعسم

 عودة القائمة العراقية عن قرار مقاطعة جلسات البرلمان خطوة  تتجه الى تصويب العمل السياسي المضطرب والمتشابك، وشديد الاحتقان، وهي تسجل نفسها في عداد عناصر ثقافة المراجعة والترشيد المـُفتقدة والتي تراجعت الى ادنى منسوب لها في خلال التجاذبات الساخنة بين المعسكرين السياسيين، العراقية ودولة القانون، وإنْ كان الكثير من المراقبين يعتقدون ان القائمة العراقية كانت في نقطة التجاذب الشديد بين خيارين، العودة واستمرار المقاطعة، احلاهما بالنسبة لمستقبلها مرٌّ.
 لكن، وللوهلة الاولى، يمكن القول، استباقا، بان عودة نواب العراقية الى الخيمة التشريعية، ستعطي دفعة الى مشروع المؤتمر الوطني الذي طرحه الرئيس جلال طالباني وتوقف عند نقطة مقاطعة العراقية للبرلمان والحكومة على خلفية ازمة الاتهامات الموجهة الى نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي، وتتوقع المجسات السياسية انصراف الجهود، بعد ذلك، الى مفردات نقاط البحث وسقوف الحلول المقترحة وتأشير القواسم المشتركة بين اصحاب الازمة، واقناع القيادات السياسية على الرمي بثقلها لانجاح المؤتمر.
 البداهة السياسية تؤكد، من جانب آخر، بان انهاء مقاطعة نواب العراقية لجلسات البرلمان، ثم استئناف الوزراء لاعمالهم سيمهد الطريق امام تنازلات متقابلة، او هكذا يفترض، حيث يشجع  ترحيب كتلة الحكومة بقرار العراقية على الاستطراد قدما في توقع حدوث اختراق ايجابي على جبهة الازمة اخذا بالاعتبار بان الاسباب التي ذكرتها العراقية لمقاطعة مجلس النواب هي نفسها التي وقفت وراء مقاطعة اجتماعات الحكومة، ما يعني اننا ننتظر القرار الآخر في اية لحظة.
 لكن الامر الاكثر اهمية لهذا القرار، في بعده الذاتي، يتمثل في انه سيتدارك المزيد من التصدع في صفوف القائمة العراقية، وسيحول دون تمرد نواب او وزراء او مكونات اكثر مما حدث طوال اسابيع من المقاطعة، ويبدو، ان خيار الانتقال الى المعارضة النيابية، الذي طرح على طاولة المناقشة في كواليس القائمة اصطدم بتقدير عدم فاعليته والشكوك في جدواه ونجاحه، وبمخاوف جدية من ان تفقد العراقية، بما تمثله من شرائح ومناطق وقوى تصويتية، موقعها في المعادلة السياسية، وستفقد بالتالي فرص التنافس المتكافئ والمضمون في الانتخابات المقبلة.
 علم السياسة الحديث يحذر من ردود الافعال التي تقوم على الكيدية والتجريب، ومن اتخاذ القرارات تحت ضغوط الاستئثار للكرامات، فربما تقود تلك وهذه الى المهالك. لنتذكر ، في هذا، كيف تعامل الرئيس الامريكي جورج بوش الابن لحظة تلقيه فردة حذاء ذلك الصحفي العراقي الغاضب..
 مع ان الامثال تضرب ولا تقاس.
*
"التاريخ هو علم الاشياء التي لا تتكرر".
بول فاليري

         

170
المنبر الحر / هل هو عفو عام.. حقا؟
« في: 23:11 29/01/2012  »

هل هو عفو عام.. حقا؟

عبدالمنعم الاعسم

حماسات الدفاع عن قانون العفو العام قيد المناقشة والتجاذب والتشريع، وحماسات الهجوم عليه والطعن في سلامة نياته وديباجاته، وحماسات الصمت عليه والتفرج على لعبة القط والفار من حوله، جعلت من هذا القانون لغزا، بالنسبة لذوي النيات الطيبة والسليمة والانسانية الذين ينظرون الى فكرة العفو العام باعتبارها واحدة من لوازم المصالحة وثقافة التسامح وطي صفحات الاحتراب والمكاره، ويتطلعون الى تشريعات اخرى تؤسس للسلم الاهلي والعدالة والحياة الآمنة.
وعندما يعود اصحاب النيات الطيبة الى مشروع القانون نفسه، ويطالعون مواده يكتشفون بان المدافعين عنه والمعارضين له والمتفرجين عليه، منشغلون في نصوص معينة، جزئية، فيما يضم المشروع مواد ونصوصا وتعيينات تدخل في تعقيدات الواقع الاجتماعي وافرازات عقود طويلة من السنين لايمكن معالجتها بالردع والقصاص المفرط بالقسوة قبل اخضاعها للبحث والدراسة ومعالجة الاسباب والظروف التي تقف وراءها.
غير ان ما يلفت نظر المراقب تلك العبارات والسطور التي تتقافز من التصريحات والتعقيبات ومن حماسات الدفاع والمعارضة والتفرج وتفيد ان لمشروع قانون العفو خلفية لا علاقة لها بالاتجاه نحو طي صفحات الاحتراب وظروف ما قبل انسحاب القوات الاجنبية بل تتصل باتفاقات سياسية فئوية سابقة، وانه فـُصّل على مقاس وعود بالعفو عن “محكومين” من جهة سياسية حصرا من دون ان يشمل محكومين من جهات اخرى، عدا عما يقوله مدافعون عن الحقوق المدنية عن تعارض بعض النصوص مع حملة مكافحة الارهاب او مع الشرائع والمعاهدات الدولية.
نعم، ثمة حاجة لقانون عفو عام  يُنصف ضحايا الاضطرابات والتعقيدات السياسية وحالة الطوارئ والاحتقانات الطائفية والسياسية والفئوية، لكن المشكلة التي يواجهها القانون وهو يتنقل بين البرلمان والحكومة من مستويين، الاول، ان الظروف الامنية الاستئنائية والمتوترة لاتزال قائمة الآن، وفي حالة تفاقم، وان هذا العفو (بديباجته ومواده ومراميه) لن ينزع فتيل هذه الاخطار ولايسد فجوات الوضع الامني، بل وليس في نصوصه ما يعالج ظروف ارتكاب تلك الجرائم التي يتجه مشروع القانون للعفو عن المحكومين عنها، والثاني، انه لايعتبر جزءا من اجراءات المصالحة والتسامح والسعي الى حل الازمة السياسية المستفحلة، وتهدئة خواطر الشارع.
العفو العام، في تجارب الدول، خطوة خطيرة في بناء السلام الاهلي، تنطلق بعده الدولة الى التشييد، من دون ان تلتفت الى الوراء.
اما الذي تجري مناقشته، الآن في اروقة الحكومة ومجلس النواب، والتحمس لاصداره، او لعرقلته، او التفرج عليه،  فهو، بصراحة، لايمت الى فكرة العفو العام بصلة.. انه اقرب الى صفقة سياسية، في وقت خنقتنا الصفقات السياسية ولم نعد نتنفس غيرها، لشديد الاسف.
*
“العقل كالبراشوت، يجب ان ينفتح”.
   انيس منصور


171
المنبر الحر / حكومات.. في حكومة
« في: 17:10 25/01/2012  »

حكومات..
في حكومة

 قد يتفهم المراقب ان تقوم جهة معارضة للحكومة ولا علاقة لها بالعملية السياسية، بإعلان الحرب على دولة من الدول والتجييش ضدها، او إعلان التحالف مع طرف اقليمي ودولي وتبني مواقفه، او التلويح بعقوبات تطال جهات او شرائح او شعوب، وقد لا يستغرب المراقب عندما يفاجأ بقيام  جهة مطلوبة للقضاء ومتمردة على القانون وبعيدة عن الحكومة او مناهضة لها باصدار فرمانات بتنظيم العلاقات بين المواطنين وتوجيهات ذات خصوصيات ادارية وتعيين خطوط حمراء في ممارسة الحريات وحقوق التنقل والملبس والسفر والتدخل في شؤون ادارية ودبلوماسية وعسكرية هي من صلاحيات الحكومة حصرا.
 لكن الغرابة تتمثل في ان جهات وشخصيات محسوبة على الحكومة وتدير خواصر كثيرة وخطيرة من شبكاتها وسياسياتها وتساهم في وضع خططها وخياراتها تتصرف ، من جهة اخرى، كحكومات مستقلة تماما في التعامل مع الدول الاخرى ومع ملفات محلية واقليمية حساسة تدخل في قوام وظائف الحكومة، ومن بين اهم اختصاصاتها، حتى ان المراقب يجد في نفسه حيرة في تعيين اي من هذه المواقف هي سياسة الحكومة، واي منها يحسب على معارضيها او خصومها او اعدائها الالداء.
 وإلا ماذا يمكن تفسير صدور توجيهات من مرفق سياسي قريب من الحكومة الى موظفي السفارات الاجنبية في العراق؟
 وما هي معاني هذه الاتصالات الناشطة، الخلفية، بسفارات دول تمارس اعتداءات منظمة على العراق؟
 وأي عنوان يمكن ان نضعه لجملة الملاحقات التي تتعرض له عائلات وشخصيات على يد مراجع سياسية ليست معارضة للحكومة؟
  ولماذا يجري السكوت على تصرفات ادارية وتعيينات وتوظيفات "وحتى اقصاء وفصل" هي شؤون حكومية لكنها تشرّع وتنفذ من قبل "اصحاب الحكومة".
 ولو ان الامر يجري في حدود ضيقة، او يدخل في موصوف التصرفات الفردية، او يحتسب على مظنة الخطأ غير المقصود، او قلة الخبرة، لهان كثيرا، ولأمكن السكوت عنه والعثور على تبريرات له، لكن القضية خرجت عن كل هذه التأويلات، ودفوع حسن الظن، وذلك عندما صار الخروج على فروض الانتماء الى الحكومة حالة يومية، ومعلنة، ومروَّجٍ لها، ومسكوت عليها، كما ان تلك التوجيهات والتصرفات والاعلانات(انتباه!) تأخذ طريقها الى التنفيذ عبر اقنية الحكومة، او في الاقل، تحت سمعها وبصرها، الامر الذي لا يمنع المراقب من الاعتقاد بان هناك حكومات مستقلة داخل الحكومة المركزية، او ان تلك التراخيص غير الشرعية مأذون لها باتفاقات غير معلنة، او تحظى بالتغطية، او بالسكوت في نهاية المطاف.
 اليس السكوت من الرضا، كما تقول جداتنا. 
*
"الحق يحتاج الى شخصين، واحد يفهمه، والاخر ينطق به".
جبران

172
جملة مفيدة
ـــــــــــــــــــ

أي ذاكرة نريد؟

على متن طائرة، من لندن الى استانبول، جاءني السؤال ناعما ومتأسيا من المقعد المجاور: الم يكن افضل لكم البقاء في ظل حكم صدام حسن من هذه السلسلة من الابتلاءات والخراب والدماء والانشقاقات السياسية. صاحب الصوت تاجر كويتي كان يعلق على خبر يقرأه في صحيفة انكليزية عن اعتبار بغداد اكثر عواصم العالم إهمالا، والعراق من الدول العشر الاولى في انتشار الفساد، واختتم الرجل سؤاله باستدراك لا اشك بصحته، قال "علما اني لا احب صدام".
 المشكلة ان السايكولوجية تعقد احيانا تحالفا غير مقدس مع التاريخ، فيبدو للضحية ان الماضي مضى "وعلينا بما يجري" وهي اخطر نتيجة ترتبت على ذلك التحالف اذا ما كان بعض اكثر سوءات الماضي تستمر في يوميات الحاضر، ويتبناها جمهور ومتعلمون واصحاب سلطة ونفوذ وملاعب سياسية، على حد سواء.
 وبمعنى آخر، نحتاج الى ذاكرة شريفة وعادلة ومُنصفة لكي نتعامل مع منتوجات عهدين، الاول رحل بسجل اسود مثقل بالخطايا، والثاني، لا يزال يخوّض بخطايا العهد الاول وخطايا اضافية كارثية انتجتها ماكينات كثيرة.
 وما دام هذا الموضوع الشائك والحساس قد ابتدأ بصدام حسين فقد رويت لجاري الكويتي كيف التقيت به، لأول مرة  وآخر مرة، يوم كان بمنصب نائب لرئيس الجمهورية وبسلطة رئيس ونص. ربما كان ذلك في مؤتمر عقد عام 1974 او قبله إذ وقفتُ في صف طويل حتى جاء دوري. كان شعوري خليط من القرف والبغض والخوف. مدّ يده اليّ بوجه بارد. كانت يده ووجهه شيئا واحدا، حظرت في ذهني حكاية ذلك الرجل الضرير الذي التقاه مروان بن الحكم في الكعبة وصافحه ثم سأله: هل تعرف من انا؟ فرد عليه الرجل الضرير بالقول: حقا لا اعرفك، لكن قبضتك قبضة جبار.
 قلت لجاري: حتى الان فيّ بقايا من ذلك اللقاء، يتفاقم الى سلسلة من التداعيات، ما كان يسميها العالم البايولوجي الروسي ايفان بافلوف بالمنعكس الشرطي، حين يحاصر الانسان(وأي مخلوق) في سلوك قهري يملى عليه من الخارج، فيبقى تحت ميكانيزم الشعور بالظلم حتى مع مرور الوقت وانحسار ذلك التاثير، بل ان ابو حامد الغزالي صاحب (تهافت الفلاسفة) قد لاحظ في إحدي بحوثه طغيان (الروح الخيالي) لدي الانسان مستشهدا بالكلب الذي يهرب بعيدا كلما رأي العصا إذا كان يضرب بها في السابق باستمرار، ما يبقي هاجس الالم قائما في اللاشعور حتى مع ابتعاد خطر العقاب.
 وفي انتباهة للكاتب الداغستاني الشهير رسول حمزاتوف، يقول، ان أبناء قريته في اقاصي داغستان هجروا نبعا من الماء كان قد شهد مذبحة لعشرين من نسائهم، وكان الجيل الثالث من ابنائهم يرتعبون ذعرا كلما مروا بالنبع، وكثير منهم يضطرون للمشي يومين بدل ان يسلكوا الطريق عبر النبع مخافة ان يتذكروا بشاعة المجزرة.
 قبل سنوات قليلة قال مراسل اجنبي كان قد التقي العشرات من العراقيين وتحدث اليهم عن مستقبل بلادهم، إن الناس هناك لم يخرجوا بعد من الكوابيس، وهم يتصرفون كما لو انهم في زنزانات.. وكدت أعد هذه الصورة فرطا من المبالغة، لولا ان بافلوف والغزالي وحمزاتوف سبقوا المراسل وصاحبي الكاتب، الى تأويل ما تتركه القسوة في الاعماق، من مرارة ، وايضا من اضطراب في سلوك وتفكير الضحية.
 جاري الكويتي لا يحب صدام، فهو ضحية مثلي من ضحيا صدام لكنه يقترحه دواء شافيا للعراقيين.. هذا ما اسميته بالتحالف غير المقدس بين السايكولوجيا والتاريخ.
*
" ليس أقوى أفراد النوع هو الذي يبقى، ولا أكثرهم ذكاء، بل أقدرهم على التأقلم مع التغيرات".
داروين


173
المنبر الحر / هذا الهذيان..
« في: 08:30 23/01/2012  »

هذا الهذيان..

عبدالمنعم الاعسم

 رحم الله ابي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ الذي ابتدأ كتابه "البيان والتبيين" بالقول الحكيم: "اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول" و.. "ونعوذ بك من التكلـّف" ثم "ونعوذ بك من السلاطة والهذر" وينقل الجاحظ ايضا عن الشاعر زبان بن سيار قوله في اصحاب الهذر والهذيان:
/يريغون في الخِصب الأمور ونفعهم ... قليل إذ الأموال طال هزالها.
 ويذكّرنا الجاحظ بقول النبي محمد "أياي والتشادق" وقوله: "أبغـَضكم إليّ الثرثارون المتفيهقون" ويقف إعجابا عند حكمة الإمام علي قوله: "وقيمة كل انسان ما يُحسِن" ويؤكد في نهاية الامر بان لكل زمان "شكل من المحنة" ويبدو ان محنتنا الآن تتمثل في فتنة القول العابر لحدود المنطق والمسؤولية، ما يوصف بالهذيان.
 ونعرف من أقوال المتنورين والمصلحين، ومما مرّ ويمرّ من صراع وتشابك بين فرقاء الأزمة السياسية في العراق، بان الهذيان في الكلام قد يكون مرضا، لكنه في جميع الاحوال مكروه، مذموم، وبخاصة في حالات التأزم والتوتر واحوال التجييش وانعدام الثقة بين اصحاب الحل والربط والمشيئة والقرار، فهو، إذ يكرر الرطانات والمطولات والديباجات في غير ذي فائدة يزيد من اخطار الاحتقان ويقربه من الانفجار، ويجعل منه بابا الى الفتنة بالنظر الى لجوء "الهاذي" الى وسائل الاثارة واللجاجة والايحاءات والاسهال في الكلام غير المنضبط واللامعقول، والمنبري بمناسبة وبدون مناسبة.
 الهذيان السياسي اصبح سمة الخطب والتصريحات التي تكرر نفسها على مدار الساعة مما يثير الملل، ويوجب القرف، او تلك التي تخرج على انضباط الكلام في المقصود، وعلى حدود الخلافات في المعلوم، ويقوم صاحبه، او اصحابه، بالحديث المهذار الذي لا طائل منه، ولا نهاية له، ولا هدف ياتي من استطراده غير ملء الفراغ الاعلامي المتاح، واستعراض اللياقة الخطابية وإشغال الخصم في دوامة الردود والتعقيبات، ولا يتواني "الهاذي" من ان يعيد اليوم ما قاله امس بافإضة، كما لا يتواني عن تكذيب ما قاله بالامس.
 والهذيان ضد المحددات والاولويات وثقافة المناقشة بالصريح والمباشر من الامور وتبادل الرأي بالصبر، وهو عدو التأمل وإمعان النظر وتقليب الامور، وصاحبه لا يعرف الاقتضاب والتكثيف والايجاز، وقد يشتهر الهاذي في هذيانه، لكنها شهرة لا  تحمي صداقة ولا تدرأ عداوة.   
 اما في منجد اللغة فان الهذايان هو "التكلم بغير معقول أو مفهوم لمرض أو غيره" وفي الطب: "هو مرض عقليّ مؤقَّت يتميّز باختلاط أحوال الوعي واضطرابها، ويحدث نتيجة لمجموعة من العوامل، أهمّها إدمان المخدِّرات والعقاقير" ومن تجليات هذا المرض "الإحساس المُبالَغ فيه بالأهميّة والعظمة، وإذا تعدَّى هذا الإحساس الحدّ المعقول أصبح وهمًا بالعظمة" واما الاستغراق بالهذيان قـُدما فهو "التَّكَلُّمُ مِنْ غَيْرِ وَعْيٍ وَالِاسْتِرْسَالُ فِيهِ" ويعقب الشيخ الجاحظ على هذا بقوله: " مِنَ الْهَذيَانِ مَا يَكُونُ مَفْهُوماً، وَمِنَ الْمُحَالِ مَا يَكُونُ مَسْمُوعاً".
 انه، بالوجيز من الكلام، بعض ادوات الفتنة إن لم يكن اداتها الفاعلة، حين يكون الهذيان خزان كبريت، وتكون الفتنة بحاجة الى عود ثقاب، فقط.
*
"مالي أرى علماءكم يذهبون وجُهّالكم لا يتعلمون".
ابو الدرداء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


174
"العراقية" وعلاقتها بالارهاب

عبدالمنعم الاعسم

لا يمكن للمحلل الموضوعي ان يستند الى “اعترافات المعتقلين” وحدها في تعيين الجهة التي تدير الاعمال الارهابية او تشجعها او تحبذها او تستثمرها او تتفرج عليها، فان لدينا إرثا (قديما- جديدا)غير مريح عن عدم سلامة ومهنية وحيادية التحقيق مع المعتقلين، وعن تدخـّل “اهواء” السلطة، وصراعاتها الجانبية، في سياقات تقصي اثر الجرائم الارهابية، ويحصل، في النتيجة، ودائما، ما يشبه الانشقاق في العملية السياسية: الاول يتهم الثاني بالتورط في اعمال الارهاب، والثاني يرفض الاتهام ويعيده الى الاول متهما اياه بالتصرف في وجهة معلومات التحقيق.
هذا ما يحصل دائما بين كابينة الحكومة والقائمة العراقية، وما يتكرر في الفواجع المروعة، وما يترك اثره السلبي على الرأي العام، وليس من دون مغزى، ان تسمع من يقول لك من المواطنين وسط اجواء الفاجعة ان الامر لايعدو عن كونه صراعا بين السياسيين انفسهم، مع ما تعنيه هذه العبارة من مؤشرات خطيرة وضارة بالتعبئة لهزيمة الارهاب.
من جانبي، وبعد كل تفجير وهجوم انتحاري واختراق امني ابحث في رد فعل القائمة العراقية وفي تصريحات المحسوبين عليها للاسترشاد الى موقفها من ملف الارهاب والجهات التي تقف خلفه، واتوقف كثيرا عند التشكيل اللغوي الذي تطلقه القائمة على مذابح وحشية تطال المواطنين او مزدحمات واسواق منتخبة ضمن حسابات طائفية، واتوصل، كما في كل مرة، الى ان الجاني يبقى، بالنسبة للعراقية، جهة رمادية تتمدد، وتتموضع، خارج تحمُّل المسؤولية كشريك سياسي في كابينة الحكم، كما تلقي على الحادث من الصفات والملامح بحيث تبعده عن ظنة الفعل الاجرامي من قبل تنظيمات القاعدة او فلول النظام السابق، وهما الجهتان اللتان تأخذان على نفسهما هذه المهمة “الجهادية” وتعلنان صراحة تبنيهما لهذه الهجمات، ولم اعثر، ولا مرة، على تأشير باسم العراقية عن مسؤولية هذه القوى عن المذابح والتفجيرات واعمال الاغتيال المنظمة.
وايضاحا، فالحديث هنا لايشمل تلك الاعمال الاجرامية التي تحمل بصمات واضحة لمجموعات مسلحة تنفذ “اشواق” جهات اقليمية، حيث الامر معروفا بالنسبة للمحللين والجمهور والسياسيين معا.
وفيما تكتفي العراقية، في اغلب الاحيان، بإدانة الاعمال الارهابية فانها تبتعد عن اية اشارة للفاعلين الحقيقيين للتفجيرات والهجمات والاعمال الانتحارية والذين يعترفون بارتكابهم لها، بل وتتفنن في خلط الاوراق وزحلقة الكلام الى شبهات تتجه الى مسؤولية جهات اخرى غير التكفيريين والمتطرفين الاسلاميين الجهاديين وبقايا افراد اجهزة النظام السابق القمعية، ثم تنصرف، وكما في كل مرة ايضا، الى اللعب في ساحة اخرى تتصل بمشاكلها مع رئاسة الحكومة، في محاولة للتأكيد على فشلها في حماية ارواح الناس، وهي نصف الحقيقة فيما نصفها الآخر نجده في الدعم الذي تتلقاه العصابات الاجرامية من خارج الحدود ومن جيوب داخلية لم تعد خافية على احد.   
وفي هذا التشكيل اللغوي المصمم على مقاس الصراعات التي تخوضها القائمة العراقية، يصبح العمل الارهابي، في بعض الاحيان، مطلوبا، ومبررا، بالنسبة لها لتحسين موقعها في موازين المواجهة السياسية، ويمكن استباق الاتهام بالعجالة في هذا الاستنتاج، بالقول، ان القائمة العراقية تضم الى جانب الخطوط المعتدلة والمناهضة للطائفية والارهاب والحريصة على العملية السياسية خطوطا اخرى سعت وتسعى الى المراهنة على اعمال الارهاب، والى توظيفها، بمختلف الاشكال، في الصراع السياسي، وبينها من يمتد، بشكل من الاشكال، الى شبكة المشروع الارهابي عبر اقنية موصولة باحد مكوناته او احدى ساحاته، الامر الذي لم يعد افتراضا.. كما لم تعد تلك التصريحات التي تنفي عن القاعدة وفلول النظام السابق المسؤولية عن اعمال التفجير، على لسان بعض زعامات العراقية، بمثابة زلات لسان، إذا ما امعنّا النظر في توقيتها وفي الجهة التي يراد ايصال الرسالة لها.
 *
“حتى بأفضل وأغلى معدات التصوير، قد تكون صورك مملة للناظرين”.
   احدهم

 

175

المسؤول..
 حين لا يكون مسؤولا

عبدالمنعم الاعسم

 لم يعد مكان للعتاب على الفضائيات والتقارير وشبكات الاعلام حين تتمادى في نقل المعلومات غير الدقيقة وغير الواقعية، وغير المعقولة احيانا، عما يجري في اقنية الادارة  وخطوط الازمة الازمة السياسية، فقد سقط الخطاب الرسمي الحكومي، في محذور العجالة والحمية والتضارب، وامتلأت خزانة الاعلام بمؤشرات عن ضعف انضباط التصريحات التي تصدر عن كابينة الحكومة ومرافقها، وغياب الانسجام  المفترض والمطلوب بين مستوياتها.
 والمتابع عن قرب ما يصدر عن مسؤولي الحكومة والمحسوبين على رئاستها والمقربين منها والمتحدثين باسم رئيس الوزراء، سيكتشف حقيقة مروعة عن فوضى التعامل مع حساسية الاوضاع وغياب الالويات الضرورية والتوقيتات اللازمة لعرض المواقف والتعليقات والمتابعات، عدا عن هشاشة اللغة والكيفيات التي تؤطر تصدي كابينة الحكومة للاسئلة والتحديات الملحة، وقد بات، في هذا الوضع، من المتعذر معرفة ما هو يعبر عن رأي رئيس الوزراء وما هو يعبر عن رأي المتحدث، او ما هو يحظى برضا المسؤول التنفيذي للدولة، وما هو بالضد من مشيئته.
 والمشكلة الاكثر إرباكا وغرابة تتمثل في تصريحات مسؤولين كبار، يمسكون مصائر البلد ودفة الصراع السياسي تتسم بالانفعال والعجالة والمناكدة وتنحى الى التبسيط وروح السجال الاعلامي الكيدي والاستهلاكي وبعدم الوضوح، وتُعدّ حمّالة اوجه وتعبير عن فقدان الصبر وعجز عن تقديم الحجج والاثباتات، فضلا عن تلك العبارات الفضفاضة والانشائية والغامضة مما يقع تحت مسمى التعليقات الصحفية، لا مواقف وايضاحات تعبوية.
 يضاف الى ذلك، ما يمكن اعتباره تسريبات من اعلى المسؤوليات الحكومية، ويتولى مهمتها موظفون يفتقرون للكفاءة وحسن الاداء، وهم يعبثون بعقل المواطن ويسيئون الى وعيه ويلحقون الضرر بالوضع الامني والاجتماعي والسياسي، والغريب، انهم يكررون هذه التسريبات بالصوت والصورة، على الرغم من فشل هذه المهمة وانقلابها الى عبء على كابينة الحكومة. 
 اقول، ان ادارة الدولة، من اي موقع، علم شأن العلوم الاخرى، وفي مدارس هذا العلم يقولون للطلاب المبتدئين ان المسؤول وكلامه شئ واحد.. إذا انفصلا عن بعضهما، لم يعد المسؤول مسؤولا، ولا لكلامه ضرورة.
*
"ساعة وَكَسْرِ المجرشة والعن ابو راعيها"
الملا عبود الكرخي



176

تركيا..
سياسات قيد النظر

 السياسات التركية حيال احداث وشؤون الدول المجاورة والاقليمية، تثير الجدل والاستغراب معا، ومشكلتها انها تبالغ (وتتعجل وتتعسف احيانا)  في ممارسة حقها كشريك  امني واقتصادي وسياسي لشعوب ودول هذه المنطقة، وهو حق معترف به، لكن، كما هو معروف، له مديات وحدود ومحاذير، وله موانع وخطوط حمراء وضوابط في القانون الدولي وقواعد العلاقات بين الدول، كي لا يتحول حق الشراكة الى وصاية تعطيها الدول لنفسها للتدخل في شؤون الدول الاخرى، وفرض خيارات قسرية على اراداتها وأقدارها ومشيئاتها.
 وبصراحة، فقد عبَرت السياسات التركية الخطوط الحمراء في العلاقات الاقليمية من اكثر من موقع، واثارت اكثر من ملامة والكثير من الهواجس والانتقادات والتوترات، واعتـُبرت مواقف انقرة، المتحيّزة لبعض اطراف الصراع في هذا البلد او ذاك، مصادر لتأجيج الفتن والكراهيات والمشاكل، عدا عن انها تشكل اساءات للذين تفرط في مناصرتهم، ولم يتوقف الامر عند هذا الحد بل تعداه الى الامعان في تقديم وصفات حكم لشعوبٍ هي اقدر على اختيار الوصفات المناسبة لها .
 كان آخر مثال، تلك الازمة التي نشأت، ولا تزال تتفاعل، بين انقرة والجزائر على خلفية تذكير رئيس الوزراء التركي للجزائريين بـ"جرائم" فرنسا في بلادهم، اذ اعتـُبرت بمثابة "حمية" غير مقبولة او وصاية مرفوضة او محاولة لتصفية حسابات تركية مع فرنسا باستخدام الساحة الجزائرية منصة وثوب لها، وقبل ذلك كان قد كشف في مصر اصابع تركية مثيرة للاستغراب داعمة للتيار الاخواني في السباق الانتخابي، يضاف الى ذلك السلوك التركي، العابر للاصول، في التعامل مع الاحداث السورية، والتمادي في الانحياز لشريحة معينة من الشرائح التي تتطلع الى الاصلاح والتغيير. اما السياسات التركية حيال العراق والصراع بين فئاته السياسية فحدث ولا حرج، كما يقال.
 لا حاجة هنا للتوقف مليّاً عند التحولات الواقعية الكثيرة في منظومة الاستراتيجيات الاقليمية (والدولية) التركية، أو عند تلك المواقف المستقلة والحيوية التي اتخذتها حكومة اردوغان من قضايا العنف والارهاب والاحتلالات والعسكرة في المنطقة ومراجعاتها الدائمة للسياسات والخطط، أو عند ذلك الحضور التركي اللافت والحيوي والايجابي في الترتيبات الاقليمية امتدادا الى عمق القارة الافريقية، ولا عند اللغة الانشائية الجديدة التي تتسم بها الدبلوماسية التركية الاردوغانية.
 وطبعا لا حاجة لتكرار القول انّ على الجهات التركية التي تبذل هذه الجهود المتحمسة والمستميتة  لتصويب اوضاع دول المنطقة والانتصار للديمقراطية والتعايش والتهدئة فيها انْ توفر جزءا من تلك الجهود لترشيد سياساتها، هي، من ملفات متفاقمة في البيت التركي موضع شكوى شرائح مهمة، لكي يصبح مقنعا لدى المحلل القول بان اللفتات التركية الاقليمية تنطلق من الصدقية وروح الشراكة والشهامة وحسن الجوار..
/ثم، ان العلاقات بين الدول ليست، فقط، تجارة واستثمارات.. وكلام ناعم.

  "اينما وجد الظلم فذاك وطني".
تشي جيفارا


177
المنبر الحر / شئ من هذا سيحدث..
« في: 22:24 10/01/2012  »

شئ من هذا سيحدث..

عبدالمنعم الاعسم

الازمة تراوح في مكانها. هناك ارادة للحل باتجاه المؤتمر الوطني، مقابل ارادات للتصعيد باتجاه الكارثة. والسباق جار بين الارادتين، والامر ليس سهلا طالما لم يبدِ اصحاب الازمة، حتى الآن، اي استعداد للتراجع عن المواقف الفئوية. المشهد يقف على حافة الانفجار وعلى مسار الحلحلة في ذات الوقت. هذا ما يسمونه مفترق الطرق، وفي هذا ينبغي ان نخاف. نخاف على العراق وعليهم ايضا.
حتى الآن لم تملأ طوابير النساء والاطفال المسبية الشاشات الملونة، ولم يظهر المسلحون، الطائفيون والارهابيون وفلول الجريمة المنظمة، وهم يقرأون معا، في المصحف والمناشير والفتاوى مدوناتهم بتشييع الوضع الامني، القلق اصلا، الى مثواه الاخير، وغير مأسوف عليه.
ولم تصل الملايين الثلاثين الى حالة من العطش وبين ايديها غزير الماء من نهرين يمكن ان يسقيان مئات الملايين من البشر.
ولم  تتحول بعد  خارطة البلاد وتشكيلتها ومكوناتها وثرواتها الى خرقة يتقاذفها اسياد الحرب الاهلية الطائفية، وتعلس خواصرها دول الجوار، ويختزلها العالم الى خاتمة من الكوابيس المثيرة، ويشير لها المؤرخون باعتبارها واحدة من المحفوظات او المخطوطات او الذكريات القديمة.
وحتى الآن لم تُغلق نهائيا خطوط الاتصال بين المعسكرات السياسية المتناحرة ، ولم تتكشف اسنان الضواري التي كانت تنفلت في الشوارع والحارات ومفارق الطرق العام عامي 2005 و2006
ولم تزحف الملايين العراقية الى الحدود ومنها الى المنافي وارض الله الواسعة، او الى الخيام او المستوطنات التي ترتزق من تبرعات المحسنين في الامم المتحدة وشفقات مشايخ المنطقة، وتسجل نفسها في وثائق العفو الدولية والصليب الاحمر الدولي كجماعات من غير وطن .
وحتى الآن، لم يعلن العالم انه عاجز عن ضبط تدهور العراق نحو الغابة والى احتفالات الابادة، وانه لا يملك قرارا بالتدخل او قرارا بالسكوت، او قرارا بالاحتفاء  بما يجري كنهاية لصداع الرأس الطويل.
ولم يدق تجار النفط واصحاب الاسواق والناقلات والبورصات ناقوس الخطر حيال لما يحدث في العراق بسبب انشغالهم بما يحدث في بلدان تقع على مشارفه وهي شريكة له في الحرب والسلام، والامن والخراب. 
كل ذلك لم يحدث حتى الآن، لكن شيئا منه سيحدث في حال هرب اصحاب الازمة من الدائرة المستطيلة الى دائرة النار.. وربما سيحدث كله، من يدري؟.
 *
 ان اخطر فترة في حياة اي كيان سياسي هي الفترة التي يقرر فيها ان يكون واقعيا”.
 محمد حسنين هيكل


178
المنبر الحر / سفهاء المرحلة !
« في: 10:01 08/01/2012  »
سفهاء المرحلة !

عبد المنعم الاعسم 
لكل مرحلة سفهاؤها، وسفهاء مرحلتنا يختلفون عن سلفهم بصفات رنانة وفرص ومجالات ومسارح ومانشيتات يدسون من تحتها سفههم، فلا تستغرب انهم يضعون انفسهم موضع القضاة، وينزلون بها منزلة المهرجين، ويرفعونها الى شفاعة الصفات المقدسة، ولا ينبغي ان تتفاجأ من السفيه، في مرحلتنا الحرجة، أن يخرج على ادب المخاطبة والاختلاف، وعلى ثقافة الجدل والنقاش، ويتجه الى السب طريقا قصيرا الى الشهرة، والى اطلاق الاتهامات والظنون سبيلا في المزاحمة، وقد تطيش نوازعه الى احراج اصحابه، وارباك اهل بيته، والى خيبة المراهنين عليه، فالسفيه اول من يركب الزلات، وآخر من يقدر النتائج .
وسفهاء المرحلة يختارون عناوين سفههم من طراطيش الاحداث، لا من حقائقها، ولا يهمهم ان يكون كلامهم هذرا ينأى عن موجبات الانضباط والتزام الحكمة، فهم ابعد ما يكونون عن سلامة النيّة، وعن نظافة الهدف، وعن احتساب النتائج، وتـَحَسّب الردود، ولا يبالون ان يكون هذرهم فضيحة لهم بعد ذاك، وان تكون معاركهم مردودةً عليهم في نهاية المطاف، وهم، في كل الاحوال يكسبون اطراء من هم على شاكلتهم، ولا يدخل ذلك في رصيد، ولا يُحسب في سمعة.
السـَفـَهْ، يقول الجاحظ في “تهذيب الكلام” نقيض الحلم، وهو الطيش والسرف في ايقاع الضرر، والسّبّ الفاحش، وعند الجرجاني في كتابه (التعريفات) عبارة عن خفّةٍ تـَعـْرض للإنسان فتحمله على العمل “بخلاف العقل وموجب الشّرع”.
أما في اللغة، فان السفه والسفاهة والسفهاء في جميع القواميس والمناجد والصحاح مزاولة الكلام والسلوك خارج الشعور بالمسؤولية والاستعداد لتحمل التبعات، فإذا سـفـِه فلان فقد صار سفيها، والاشتقاق مأخوذ من كلمة(س.ف.هـ) الّتي تدلّ على الخفّة والسّخافة، ومن ذلك قولهم ثوبٌ سفيهٌ أي رديء النّسج، وتسفّهتْ الرّيح إذا مالت، والسّفه ضدّ الحلم،وقال بعضهم: أصل السّفه: خفّة الحلم. وقيل: السّفه: خفّة في البدن، ومنه قيل: استـُعمل السفه في خفّة النّفس لنقصان العقل، وقيل: أصل السّفه، الخفّة والحركة والطّيش، وقيل: الجهل والاضطراب، وكذلك، سـَفـِهتَ الشّراب إذا أكثرتَ منه ولم ترو، وسفـِه فلان على فلان فقد انحرف الى نوع من الجهل، فهوسفيه، أي جاهل، والسّفيه أيضا: الخفيف العقل.
وقد فرّق المناويّ في كتابه “التوقيف على مهمات التعاريف” بين السّفه والسّفاهة: فعرّف السّفه بما عرّفه به الجرجانيّ، ثمّ عرّف السّفاهة بخفّة الرّأي حيال رأي مقابل من المتانة والقوّة.
ويعرف المهتمون بهذا الامر بان “أذلّ الناس سفيهٌ لم يجد مُسافها له” في دعوة حكيمة انْ لا تردّوا على سفاهات السفيه، ويقال ايضا، السفيه هو من لا سفيه له، بمعنى لا سفيه مثله يرده عن سفهه، فالسفه في السفيه أصل، بينما في المتصدي للسفيه حالة طارئة يلجأ إليها إذا لزم الامر، وثمة الكثير ممن يتطاول عليهم السفهاء ينأون على الرد عليهم أخذا بحكمة الشاعر الذي يقول:
سكتُّ عن السفيه فظنّ اني....عييت عن الجواب وما عييتُ
أو قول آخر:
متاركة السفيه بلا جواب......أشدّ على السفيه من الجواب
او، بالقول البليغ:
وظنّ بي السّفاهَ فلم يجدني.....اسافهه وقلت له سلاما
*
“من الخطأ الاعتقاد ان كل شيء لا نستطيع فهمه او استيعابه خطأٌ”.
غاندي



179
المنبر الحر / حرب البسوس
« في: 12:38 05/01/2012  »

حرب البسوس

عبدالمنعم الاعسم

 
 أصل الواقعة القديمة التي تعرض لنا حكاية الخصومة التي طالت من الوقت ما تجاوز المعقول، واهدرت من الدماء والخسائر ما لا يرقى الى السبب الذي أشعل الحرب واذكى الخصومة، ما جعل منها مضرب الامثال حين تـُفتقد الحكمة، وينأى العقل، وتصعد حمية المكاره والانتقام، وتسود الضغائن والشكوك بين سكان فرضت الجغرافيا واحكام الحياة ان يكونوا متجاورين، متحدين، بقدر ما هم متنافرون:
لقد استعرت الحرب بين قبيلتي بكر وتغلب، وسبب استعارها ان وائل بن ربيعة التغلبي ويسمونه (كليب) سيّد قومه تكفل بامر حماية حي وكلأ القبيلة، وكان إذا حمى ارضا لا يقربها احد، وخرج يوما يتفقد مراعي ابله، فابصر ناقة غريبة، فانكرها وغضب على اصحابها، فرمى ضرعها وقتلها، وكانت تتبع  امرأة اسمها (البسوس) وهي خالة (جساس) بن مرة البكري ويمت للقاتل بصلة المصاهرة، فلما رأت البسوس ناقتها، وقد نفقتْ، صاحت طلبا للنجدة والثأر، فحمي ابن الاخت جسّاس وامتشق سيفه فقتل كليبا، فاستعرت الحرب بين القبيلتين، بكر وتغلب، وامتدت لاربعين سنة تحت شعار “دم كليب”.
وتشاء الحكاية ان تتسع بالطول والعرض، ويمسك الخطباء والدعاة وهواة المعارك امر التجييش، ولم يوقف مسلسل المهزلة الدامية نداءات جليلة بنت مرة، زوجة القتيل كليب، واخت القاتل جساس، بوجوب التهدئة وتذكير المتحاربين بفجيعتها.
ثم يأتي دور الملفقين والابطال المزيفين والمهووسين بطبول الحرب ويتفنن الرواة في تجهيز المسرح بالاحداث وقلب المدونات والسرد والتأويلات، ونقرأ الحادث في مرويات تجدد نفسها في كل حين،فحينما مرت إبل جساس بكليب وفيها ناقة البسوس(كما تفيد احدى المرويات) عرجت الناقة لترعى في أرض كليب، فقال: ما هذه الناقة ؟ قالوا: هي لخالة جساس، فقال: أو بلغ بـ جساس - أن يجير عليّ بغير إذني ؟ فامر برمي ضرعها بالسهام، فاختلط دم الناقة بلبنها.
ولـّت الناقة حتى بركت أمام البسوس، فلما رأتها صاحت: وا ذلاه ! فقال لها جساس، ابن الاخت: لك بناقتك ناقة أعظم منها، فأبت حتى زادها إلى عشر.
ولدينا غير هذه وتلك حمية اخرى نشأت بجوار حكاية حرب البسوس، فقد استطردت الذكورية العدوانية في لعبة التجييش لتحول الحرب هذه المرة ضد النساء بشخص البسوس بوصفها هي (وليس كليب وجساس)المسبب بالحرب.. الرجال رمز الشهامة والنساء شرارة الفتنة، وتفيد رواية حديثة قرأتها على موقع اسلامي مصري انه”عندما علمت البسوس بمقتل كليب على يد ابن اختها جساس ذهبت، هي والعبد، وقامت بفتح بطن كليب، واخذت كبده ، واكلتها احتفالا بمقتله.
حرب البسوس نتابعها، الآن، محظوظين، بين بكر وتغلب، على الشاشات الملونة.
*
“ما خسرته اليوم تكسبه غدا”.
                        سرفانتس


180

مساران مطلوبان..
العدالة والتوافق

عبد المنعم الاعسم
 
مرة اخرى، وكما جرى غداة اعلان انتخابات اذار من العام الماضي، فقد اصطدمت عملية اعادة بناء الدولة العراقية الاتحادية الجديدة بثنائية العدالة والتوافق، الدستور والتفاهمات، الاستحقاق الانتخابي وظروف مرحلة الانتقال، احكام الديمقراطية واحكام المرحلة، والجديد في العودة الى بداية التجاذب يتوزع على مستويين، الاول، فشل ادارة التوافق في بناء حكومة شراكة حقيقية (وزارة من غير وزيري الدفاع والداخلية لعشرين شهرا) والثاني، ان الكابينة الاقوى في الحكومة تروج الى بديل عن حكومة التوافق، حكومة الاغلبية، الامر الذي يبدو ان لا فرصة كبيرة امامه وفق حسابات الواقع الموصول بخارطة الارادات والمصالح المتضاربة للكتل السياسية.
ومرة اخرى، ظهرت استحالة ادارة حكم العراق الجديد من قبل حزب واحد، او مكوّن واحد، او لون عقائدي واحد، او زعيم سياسي واحد مهما احتفظ هذا الرقم الذي يرشح نفسه للاستفراد بالحكم من زخم ومكانة واسباب قوة تمثيلية او ادارية، وكان يمكن ان يتحقق ذلك فعلا لو ان مرحلة الانتقال من حكم الحزب الواحد القهري الى مرحلة التنافس الديمقراطي المفتوح، اسست لتجربة برلمانية وسياسية راسخة مصونة بمؤسسات وطيدة ووعي مجتمعي في مستوى هذا المخاض، ويمكن استعجال الاشارة الى ان دول اخرى (مثل حال العراق) نجحت في العبور الى ضفاف الدولة الجديدة بفترة وجيزة من مرحلة الانتقال، مثل جنوب افريقيا وماليزيا.
والمهم هنا، ان المجتمعات لا تحتاج الى الجمع بين العدالة والتوافق، إلا حين تجتاحها الاضطرابات والحروب الاهلية والكوارث الطبيعية التي تلزم تعبئة الشعب، بكل مكوناته القومية والدينية والاجتماعية، لدرء اخطار المرحلة، او في حالة اعادة بناء الدولة والانتقال الى نظام ارقى على اساس من الخراب الشامل وضعف محصلات الوعي وتدني الاستعداد المجتمعي للتجاوب مع متطلبات هذه العملية، وبمعنى ادق، الحاجة، في مرحلة استثنائية، الى تجاوز او تكييف نصوص دستورية وقانونية وهيئات قضاء مستقلة وتعطيل بعض احكام الديمقراطية والحريات العامة وفرض تقييدات تناقض العدالة من اجل العبور الى دولة العدالة المنشودة.
وبمعنى اكثر دقة، ان العدالة من حيث هي نصوص دستورية وقانونية وهيئات قضاء مستقلة هي القاعدة التي يجب تنميتها على الدوام فيما التوافق استثناء من حيث هو تفاهمات وحلول وهياكل تتجاوز بعض احكام العدالة ما ينبغي تقليصه على الدوام ثم تجاوزه.
العدالة ثابت والتوافق طارئ، والجمع بينهما، في مرحلة معينة، ليست بدعة عراقية، لكن البدعة المضللة تتمثل في محاولات تكريس العدالة والتوافق الى الابد وفي جميع الاحوال، وايضا في محاولات تفكيكهما في اطار مشروع فئوي، طائفي، من غير عدالة ولا توافق.
 *
"الشيء الذي نريده يفسد الشيء الذي لا يزال بأيدينا".
  دانيال دارك


181

بصراحة.. لم يكن الهاشمي مقنعا

عبدالمنعم الاعسم

 لم تكن مطالعة نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي، خلال مؤتمره الصحفي، مقنعة بالنسبة للمحلل الموضوعي لازمة "الطلاق" مع الحكومة، لا في حمية الدفاع عن براءة ضباط حمايته المتحدرين من تنظيم "الجيش الاسلامي" ومسؤوليتهم عن جرائم قيد التحقيق، ولا في صورة الضحية للكيد السياسي الذي حاول ان يطلقها على نفسه، وكانت رسالته مفككة ومتهافتة ولا تحمل ادنى روح المسؤولية حيال مصير العراق، باستثناء الدعاء اللفظي بان تحمي العناية الالهية هذا البلد.
 وإذ ينبغي التعبير دائما عن الخوف من انزلاق المشهد السياسي والامني الى كسر عظم طائفي وتصفيات حساب، والى توزيع غنائم، ونعرات استئصال وتجييش، او محاولات سلق الاجراءات الادارية والتهم الجنائية، فان هذا لا يعفي كابينة الهاشمي من ظنة التورط في زعزعة الاستقرار وحماية خلايا الاجرام، والحق، ان مثل هذا الاتهام لم يكن ليفاجئ المحللين الذين تابعوا الحروب الاجرامية للجماعات الجهادية المسلحة في الفلوجة وفي طول وعرض البلاد، إذ كان الهاشمي على راس حزب يضم في اطاره مجرمين تكفيريين محترفين، وقاد جزءا من تلك الحروب الدموية.
 وإذ اخفق السيد الهاشمي، مرة، في تقديم مطالعة دفاع وتبرئة نفس مقنعة، من موقع الغيرة على العدالة والقضاء، فانه اخفق مرتين في عرض انتمائه الى الدولة الجديدة، ودستورها، ومستقبلها، بوصفه نائبا لرئيس الجمهورية، وبخاصة حين اعترض، بحماسة انفعالية، على ما ذكره الرئيس الامريكي بان القوات الامريكية انسحبت من العراق وتركته بلدا ديمقراطيا، وذا حكومة منتخبة، بل انه تحدث بعبارات تفصيلية وبرقية عن عراق آخر، لا يعرف الديمقراطية، وكأنه لم يكن جزءا عضويا من ذلك العراق.
 وبصرف النظر عن "كم" الديمقراطية وشكلها وعثراتها في العراق فان السؤال هنا ينحصر في منطق السيد نائب رئيس الجمهورية، ما إذا كان العراق لا ديمقراطيا قبل شهادة الرئيس اوباما يوم كان السيد الهاشمي في مركز المسؤولية المرموقة، منتخـَبا في سباق ديمقراطي، أم ان موصوف الديمقراطية سقط من العراق، فجأة، حين اهتز هذا الموقع، واحيل صاحبه الى القضاء؟.
 الى ذلك كانت محاولة السيد النائب شطب "شبهة" الديمقراطية من النظام السياسي في العراق (وكان منصبه من نِعـَم هذه الديمقراطية) قد خرجت من اطار وجهة النظر، او الاجتهاد، او الشكوى من انتهاك للحقوق المدنية، الى تأليب متعمد على النظام السياسي في العراق، مسبوق بلغة تهديدية مبطنة، وبمشيئة مصممة، قبل ذلك وبعده، على جعل المنصب استحقاق منتَزَعٌ وليس مسؤولية حيال الدولة وأمنها وحياة مواطنيها.
 باختصار، فشل الهاشمي من منع المراقب والمستمع من اثارة السؤال التفصيلي التالي:
 هل ان العراق سيبقى لا ديمقراطيا ايضا حين يعود السيد طارق الهاشمي الى منصبه الرسمي؟.
*
"النجاح مثل القمح.. لا يحق لنا ان نصدره إذا لم نكن ننتجه".
برنارد شو
   

182

البـُعد الطائفي في الازمة..
حذار

عبدالمنعم الاعسم

 من يُسقط البعد الطائفي في ازمة العلاقة بين ائتلافي دولة القانون والعراقية كمن يدس رأسه في قارورة عطر ليتوهم ان الجو معطّر كفاية. تكفي الاشارة هنا الى تصريحات، عابرة الكواليس، يطلقها متحدثون من الجانبين تتهم الطرف الآخر بالطائفية او "اثارة الفتنة الطائفية" بحسب نائب عُرف بادمان الشاشات الملونة.
 اما لعبة المذنب والبرئ عما يحدث من تصعيد وتوتير بين كابينة المالكي وتحالف علاوي فانها لا تطوي ذلك الخيط الطائفي الذي بدأ من نقطة الاحتقان الذي راكمته سلسلة الازمات، بل وكشفت عن حقيقة موازية تتمثل في التعمد المبيّت لاثارة اتباع الطوائف وتخويفهم من المستقبل، ومن بعضهم البعض، وليس من دون مغزى ان يرتبط هذا التصعيد بانسحاب القوات الامريكية من العراق.
 ومن جانبي اتحمل مسؤولية الاستنتاج التالي: ثمة خطوط (تيارات. بؤر. زعامات..) طائفية ثقيلة لها نفوذ في معسكري الازمة تذكي، الآن وبنشاط لافت، حريق المكاره الطائفية بالوقود ونداءات التجييش والانتقام، وهي صاحبة المصلحة (او صاحبة الوكالة الخارجية) في اضرام النار على خط التماس بين الطائفتين واعادة المشهد العراقي الى معادلة التوتر وحافة الحرب الاهلية، وهي التي (على الدوام) تدفع كل حادث او فاصلة صراع الى نقطة تصفيات الحساب وتأليب الساحات والمكونات وتجهيز المسرح بشعارات الانتقام الطائفي.
 ولا يصح النظر الى الفصل الجديد من الازمة من غير مقدماته، فهو لم يبدأ تصعيدا غداة تفجير ساحة مجلس النواب نهاية الشهر الماضي اذا ما اعدنا قراءة تقويم الصراع خلال الشهور القليلة الماضية، كما لا يصح، ونحن نتابع المعلومات المتداولة عن ذلك التفجير، ان نتغافل عن حقيقة التسهيلات والثغرات المتوفرة للعصابات الارهابية في ساحة احد المعسكرين المتصارعين، وفي مواقع حساسة حصرا، الامر الذي يضع البعد الطائفي للازمة في تضاعيف التجاذب حول الشراكة السياسية في ادارة الدولة وجدواها، ويضاعف من مسؤولية الجهة المتهمة بالتورط في هذا الحادث الشنيع ليس فقط في اثبات براءتها، بل وايضا في مراجعة سياساتها المتخبطة ومواقفها السلبية من الملف الامني إذ تُسجل عليها شبهات كثيرة عن تغطية اعمال اجرامية في اكثر من مكان واكثر من واقعة.
 الامر اللافت في هذه اللوحة المعقدة نجده في انباء وفيرة عن حالة استقطاب تتخذ من اللغة الطائفية وسيلة للتعبئة ودق طبول الحرب، وتقوده، او تتولى توجيهه اقنية اعلام احترفت التجييش، ودعاة معروفون بمواهبهم التحريضية، بحيث ينغلق الافق امام المتفائلين حيال عودة المياه الى مجاريها، وتجنيب العراق والعملية السياسية خطر الهوة..
ومن الهوة الى الهاوية.. وما أدراك ما الهاوية.
*
"مارأيت نعمة كتقارب القلوب".   
حكيم



183

لـَيّ أيدي.. أم انقلاب؟

عبدالمنعم الاعسم

العنوان العريض لأزمة العلاقة بين كابينة رئيس الوزراء والقائمة العراقية، وبصرف النظر عن تفاصيل الاتهامات والاتهامات المضادة بينهما، يـُقرأ على النحو التالي: نار في ثياب العملية السياسية.
في التفاصيل، معروف للجميع  ان الازمة بين الجانبين بدأت، في طورها الجديد، غداة اعلان نتائج الانتخابات النيابية في آذار من العام الماضي، وأثر العملية القيصرية التي تمخضت عن تشكيل اغلبية نيابية حسمت الجدل حول الجهة التي تتولى تشكيل الوزارة، ثم تداعيات إشغال الحقائب الامنية، ودوامة مجلس السياسات، وتفاهمات اربيل، وبعدها حملة الاعتقالات ضد انصار النظام السابق والبعثيين والبعض من المحسوبين على القائمة العراقية، واخيرا قضية الاقاليم، وكل ذلك على خلفية حشوة من التجاذبات والاتهامات والتقاذف بالمسؤولية بصدد الملف الامني والتفجيرات والنشاطات المسلحة طالعنا فصولها في يوميات الاحداث طوال عشرين شهرا من عمر التوافقات الهشة بين اطراف العملية السياسية.
وشاء هذا الاستطراد في الصراع الذي سُجل على العلاقة المتوترة بين ائتلافي دولة القانون والعراقية، او على نحو ادق، بين رئيس الوزراء نوري المالكي وزعيم العراقية اياد علاوي، ان يتحدد في نهاية الامر في اتهامين يتبادلهما الطرفان الشريكان في الوزارة، فان دولة القانون تشكو من تصرف العراقية ككتلة معارضة وكغطاء للانشطة الارهابية وتحركات فلول البعث والتنسيق مع دول مجاورة، فيما تتهم العراقية معسكر المالكي بممارسة سياسة التهميش ضدها والتراجع عن التفاهمات والتعهدات السابقة والاستفراد في القرارات المصيرية واقامة حكم فردي والخضوع الى املاءات دولة مجاورة، وبين هذين الاتهامين، ظهر للمحلل الموضوعي ان طابع الازمة من النوع الذي خرج عن الانضباط وان الحلول الوسط فقدت الفرصة والارضية، ليس بسبب كثرة العناصر والالغام والملفات المطروحة بل وايضا بسبب سقوط الامل باستعادة الثقة بين الطرفين.
وبمعنى ما، فان قرار التصعيد من قبل العراقية بوضع العملية السياسية على فوهة زلزال، مسبوق بتصعيد مخطط له من الطرف الاخر يستعجل ازاحة العراقية من المعادلة بعد ان نأت بنفسها عن هامش الشراكة المتاح لها في السلطة التنفيذية. اما من هو على حق في موقفه، ومن هو الملوم عن دحرجة الوضع الى نقطة التوتر والقطيعة، فان بصمات الاحداث والوقائع تقدم للمحلل مؤشرات عن وجود حافات طائفية و”خطوط تطرف” وانانيات سياسية واوهام اقتدار  في المعسكرين تدفع الى مواجهة بين الطرفين والعودة الى مربع الصراع الطائفي، تبدأ من محاولة جس النبض لردود الافعال، وتنتقل الى لـَيّ الايدي، ولا مانع لها، في نهاية المطاف، من الانقلاب على الوضع.
يبقى السؤال التفصيلي واردا عما اذا كانت هذه الزوبعة صممت لتكون لي ايدي للهروب من استحقاقات مرحلة ما بعد الانسحاب: الأمن والخدمات وفرص العمل وكبح الفساد، ام انها انقلاب استباقي يؤثث الطريق الى انتخابات لا تكرر نفسها.
الى ذلك فان ثمة اسئلة تفصيلية اخرى بشأن عواقب ما يجري.. وللعواقب أحكام وعقوبات.
 *
“المتفائل، شخص يسقط من أعلى برج، ويردد القول قبل ان يرتطم بالارض: أنا لم أصب بعد”.
حكمة مترجمة


184
عزاء في صفوف "المقاومة"
 
عبدالمنعم الاعسم
 
المناسبة هي إنزال العلم الامريكي ورفع علم العراق محله في خطوة احتفالية تعلن انسحاب آخر جندي امريكي قبل موعد الانسحاب المقرر باسبوعين، الامر الذي يفترض(اقول يفترض) ان يكون، بالنسبة لأولئك  الذين حملوا السلاح لتحرير العراق من الاحتلال (هكذا قالوا) موضع فرح وتبادل تهان، في الاقل، ولا نطلب، بل ولا نتوقع، الاعلان عن وقف العمل المسلح والانخراط في النشاط السلمي الاهلي، فورا، فلهذه الخطوة اصحاب غير اصحاب هذه المقاومة.
من بيانات المحسوبين على “المقاومة” ونداءاتهم على مواقع الشبكة العنكبوتية ومقالات بعضهم في الصحف الخليجية نعرف انهم غير معنيين بهذه الخطوة، وغير مسرورين بانسحاب القوات الامريكية من العراق، وان قولهم بان هذه الخطوة وذلك الانسحاب شكليان، ومحض ترتيب لـلاحتلال، وان النظام السياسي لا يزال تابعا للولايات المتحدة، لا يخرج عن تبرير مثقوب بالنيات الشريرة لمواصلة اعمال العنف والقتل والتفجير، وسعيا للتحكم او المشاركة في المعادلة الامنية لما بعد الانسحاب، وربما، بالنسبة لبعض الجماعات المسلحة، محاولة لتحسين شروط وفواتير التفاوض مع الامريكان او مع كابينة الحكومة.
على ان القضية تخرج عن التبسيط عندما نقرأ موقف الجماعات الاسلامية الجهادية التي ارتبطت بالمشروع الارهابي الدولي على ضوء الصراع الاشمل بين هذا المشروع والولايات المتحدة والغرب، فان شكل وطبيعة الحكم في العراق، وفي اي بلد آخر، لا يعني هذه الجماعات بقدر ما تعنيها مواصفات وظروف وتسهيلات الساحة التي تتحرك عليها لتوجيه ضربات لـ”العدو” وبمعنى واضح، ينظر المجاهدون وحلفاؤهم الى الساحة العراقية، الرخوة سياسيا وامنيا، والمفتوحة الحدود والمضطربة الاحوال، كافضل ميدان، من اي ميدان آخر في العالم، لمواجهة الامريكان وجها لوجه، والانتقام منهم مباشرة على طريقة حرب العصابات التي لا تتوفر الآن لهم إلا في افغانستان، ومناطق اقل شأنا.
يبقى الحديث عن احتمال قلب الاوضاع العراقية على يد الجماعات المسلحة بعد انسحاب القوات الامريكية، يحتاج الى خيال سياسي جامح، او نظرية حتميات بالية، وسيبقى هذا الاحتمال العقيم في حدود التهويل السياسي الايحائي الذي احترفته بعض بطانات المشهد السياسي النافذ لتخويف الجمهور واخضاعه ونيل تأييده.
وبمعنى اكثر وضوحا، يمكن القول، ان تفكيك ثكنات القوات المحتلة في العراق، وسحب آخر جندي امريكي من الاراضي العراقية، سيترك “المقاومة” وجماعاتها المختلفة بلا عدو تواجهه في الشوارع او يقع تحت مرمى قذائفها، فقد كانت تأمل استمرار الاحتلال وجيوشه لاطول فترة ممكنة، وهكذا نصل بسهولة الى تفسير دلالة هذا الاستقبال البارد والحزين لانسحاب القوات الامريكية من قبل الجماعات المسلحة، وايضا، من قبل المراهنين عليهم من بيننا.. اكرر: المراهنين عليهم من بيننا.
 *
“وليسَ يصحّ في الإفهام شيٌ......
          إذا احتاج النهارُ الى دليلِ
المتنبي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

185
المنبر الحر / صدّق.. او لا تصدّق!
« في: 14:56 15/12/2011  »

صدّق.. او لا تصدّق!

عبدالمنعم الاعسم

بين يديّ خمس طرائف سوداء من حافظة الاخبار المحلية، نـُشرت في صحف امس، ومرّت، اغلب الظن، مرور الكرام وسط ضجيج سوق مجلس النواب ونشاطات كواتم الصوت، وتقارير حركة الاستثمار، وبورصات اللياقة الخطابية عن المستقبل، وسَأدسّ التعليق على هذه الطرائف العلقم في عنوان كل واحدة منها، تاركا للقارئ حق التمتع والتخيـّل والتعليق:
 
توتر بين دولتين: 
هدد مجلس محافظة كربلاء بمنع تدفق الرمال والحصى والجلمود من المقالع التي تقع في الحدود الادارية للمحافظة الى محافظة الانبار في حالة لم يُسمح لشركة لافارج الفرنسية بنقل المواد الاولية الخاصة بمعمل سمنت كربلاء من الانبار، وقال “من بين الاجراءات التي ستتخذها الحكومة المحلية في كربلاء، ايقاف المشاريع والنشاطات الاقتصادية المشتركة (مع الانبار) ومنها مقالع الرمل والحصى والجلمود والجص التي يقع بعضها في الحدود الادارية للمحافظة.
وكانت محافظة الانبار قد منعت قبل اسبوعين الشركة الفرنسية المستثمرة لمعمل سمنت كربلاء من نقل (عبر اراضيها) المواد الخام الى المعمل الكربلائي المهدد بالتوقف عن العمل نهاية الشهر الحالي.
 
عواقب سياسة التحريم
تشكو العوائل الزائرة لمتنزه (ابو نؤاس) شيوع منظر نوم وتسكع المخمورين في الحدائق العامة في بداية شارع ابو نؤاس قرب جسر الجمهورية والاكثر من ذلك اعتداءاتهم المتكررة على عمال نظافة القسم البلدي الرصافة/2 صباحاً بالاضافة الى محاولاتهم تحطيم الملكيات العامة في الشارع من مساطب واماكن جلوس وانتظار لحافلات النقل العامة.
 
لا عتب على المواطنين.. إذن
ذكرت دائرة توزيع كهرباء واسط، أن مجموع ديونها المترتبة بذمة الدوائر الحكومية في المحافظة تزيد عن 13 مليار دينار منذ التاسع من أيلول 2003 وحتى الآن، مطالبة تلك الدوائر بسرعة تسديدها تجنباً للمسؤولية القانونية وتحمل تراكمات إضافية. وقال مسؤول في الدائرة ان مديرية ماء المحافظة تقف على رأس المدانين تاتي بعدها الري والصحة والبلدية.
ونقل عن مسؤول قوله: اذا كانت الحكومة تتمرد على الدفع لنفسها فلماذا نعتب على المواطنين اذا امتنعوا عن ذلك.
 
 ؟
أعلنت وزارة الثقافة عن دفعها غرامة قدرها 5 ملايين دولار لفنان فرنسي مغمور كان قد رفع دعوة قضائية على الوزارة لإثباته استخدام لوحته في غلاف رواية “زبيبة والملك” التي كانت قد صدرت في عهد النظام السابق من غير اسم مؤلفها، واشيع ان مؤلفها صدام حسين نفسه. واضافت إن “دفع الوزارة هذا المبلغ للفنان الفرنسي جاء بعد أن قدم المستمسكات التي تثبت امتلاكه للأصول الفكرية التي تؤيد حقوقه”.
*
ماذا يعنيني من السفن التي كانت تعبر المحيطات وتشق عباب الموج وأنا لا أستطيع أن أعبر زقاقا موحلا ‏طوله متران”.
الماغوط

186
اعتقالات البعثيين..
وحقوق الانسان

عبد المنعم الاعسم
 
تتداول بعض الجماعات الدولية والاقليمية، المعنية بحقوق الانسان (وبعض الجماعات السياسية العراقية) مسألة الحملة على فلول تنظيمات حزب صدام حسين وتذكـّر بالعهود والمواثيق والدساتير المتحضرة، وتتساءل ما اذا تمس هذه الحملة الحريات العامة وحقوق التعبير عن وجهات النظر والتشريعات العراقية ذات الصلة بضمانات المعارضة، ويذهب البعض الى اعتبار الملف كله يتصل بقضايا الرأي، ويذهب آخرون الى افتراض ان المعتقلين ضحايا اجراء سياسي كيدي يدخل في نطاق السعي الى تقليص الحجوم ومساحات النفوذ بين اصحاب الازمة السياسية، او انها تتسم بطابع طائفي، وان عنوان “البعث الصدامي” للمطلوبين ليس دقيقا كفاية .
اقول، ان هذا الكلام يجري تداوله في محافل كثيرة، واظن بان الخطاب الرسمي والامني والاعلامي الذي يتصدر الدفاع عن دواعي ومبررات هذه الحملة لم ينجح كفاية في تقديم نظام معلوماتي سياسي مؤثر ومنهجي ومقنع، وان المعلومات الجنائية التي تبعت اعتقال المئات من “البعثيين” لا تكفي لاسقاط حق فلول النظام السابق واعضاء حزب البعث المنحل في حق التعبير عن الرأي وممارسة العمل السياسي كأفراد باعتبار ان حزب البعث الصدامي محظور دستوريا، وقد انتقل هذا الوضع واختلاف الرؤى الى اروقة مجلس النواب خلال مناقشة قانون ذي صلة بالموضوع.
وكما نرى، فان الملف ينبغي ان يناقش بحذر، وبروح المسؤولية، وقبل كل شيء، على هدى القواعد العامة للحقوق المدنية الثابتة، وازعم ان سطح المناقشات يزدحم، هذه الايام، بالاراء والتصريحات والمواقف الانفعالية التي لا تفيد-في واقع الامر- ترسيم حدود الملف والمبادئ التي ينبغي الانطلاق منها نحو التعامل مع عناصره الحساسة، واُجمل تلك المنطلقات في ثلاثة مستويات:
المستوى الاول، ان لجوء فلول حزب البعث (وبخاصة اجهزته القمعية السابقة) الى استخدام السلاح، وخيار القوة، وليس العمل السلمي المدني، لتحقيق الاهداف السياسية، قد اسقط حقها في الحماية الدستورية وما تفرع عنها من حقوق التعبير عن الراي، فان نشاطها السياسي والدعوي يدخل في باب اثارة الكراهيات والعداوة وتسميم السلم الاهلي والحض على الحرب الاهلية، ولا يقلل او يشطب هذا الحكم ما يقال عن “حق مقاومة الاحتلال” بعد ان اتضح بان الضحايا العراقيين المدنيين، ورجال الدولة والشرطة المحلية والموظفين الاهليين والشخصيات الاجتماعية والاعلامية والثقافية كانوا الهدف المباشر للا