عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - سامي مدالو

صفحات: [1]
1
8 أيار 1945 يوم سقوط النازية

سامي مدالو

انتهت في 8 ايار 1945 الحرب العالمية الثانية رسميّاً بالتوقيع مرتين على وثيقة "الاستسلام غير المشروط" من قبل قادة الجيش الالماني بحضور ممثلين عن الحلفاء الاربعة المنتصرين، المرة الاولى في مدينة ريمس الفرنسية، والمرة الثانية في العاصمة الالمانية برلين. وبهذا التوقيع اعطت المانيا للحلفاء السوفييت والامريكان والانكليز والفرنسيين (*) الحق في "تنظيم جميع الشؤون السياسية والعسكرية والاجتماعية في المانيا"، اي انها فقدت عمليّاً استقلاليتها. ولكن ما معنى هذا وكيف فَهِمَ وتَصرّفَ الحلفاء بهذا الحق المطلق على ارض الواقع؟

سألني صديق بعد قراءته لمقالي المعنون بـ ":المانيا: اقتصاد السوق الاجتماعي"، عن الدور الامريكي في المانيا غداة الحرب في القطاع الامريكي اولاً، وبعد ذلك في مجمل المانيا الاتحادية التي تشكلت بتوحيد القطاعات الغربية الثلاثة. سؤال مهم، خاصة لمكانة امريكا كقوة عظمى، ذات امكانيات مالية وعسكرية هائلة من ناحية، وقلة الاذى الذي اصابها في الحرب، مقارنةً بدول الحلفاء الاخرى وبالاخص الاتحاد السوفيتي من الناحية الاخرى.

حيث فقد الاتحاد السوفيتي 27 مليون شخصاً من مواطنيه، اكثر من نصفهم مدنيين، بالاضافة الى الخسائر المادية الجسيمة التي لا تحصى. في مقابل ذلك خسرت امريكا اقل من نصف مليون شخصاً، بدون خسائر مدنية ومادية تذكر داخل البلد، لعدم وقوع اي نزاع مسلح على اراضيها. الاّ اننا قبل الحديث عن الدور الامريكي، نرى ضرورة القاء نظرة تاريخية على مجريات الامور في السنين الاخيرة للحرب، وكذلك عن الافكار السائدة لدى الحلفاء المناهضين لالمانيا النازية حول مستقبل المانيا بعد النصر عليها.



 

بوابة براندنبرگ الشهيرة فی برلین فی ایار 1945

أن سقوط الديكتاتورية النازية، التي تسببت بحربها العنصرية الاجرامية وقوع عشرات الملايين من الضحايا، وحدوث أكبر كارثة ومأساة انسانية وماديّة في القرن العشرين، أدى بالنهاية الى تغيير جذري للوضع السياسي والاقتصادي في اوربا، بولادة المنظومة الاشتراكية في شرق اوربا، وقيام نظام عالمي ذو قطبين متنافسين: المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي من جهة، ومعسكر الديمقراطيات الغربية بقيادة الولايات المتحدة الامريكية من الجهة الاخرى.
 
في الحقيقة لا يمكننا ان "نرمي الحلفاء الاربعة في قدر واحد"، كما يقول الالمان. أي أن علينا التفريق بينهم بهذا المقدار او ذاك فيما يتعلق بوجهة نظرهم حول مستقبل المانيا. فهناك اسباب عديدة تدعونا للتمييز بين الحلفاء، من اهمها هو بلا شك شكل النظام السياسي والاقتصادي المتبع في كل دولة من دولهم. فمن السذاجة مثلاً، التوقع باتفاق الامريكان والسوفييت على برنامج سياسي واقتصادي واحد حول مستقبل المانيا.

نبذة تاريخية

خلال الحرب العالمية الثانية خاض الحلفاء الثلاثة، بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفيتي، حربهم تحت قيادة مشتركة ضد "قوى المحور"، المانيا وايطاليا واليابان. الا ان هذا التحالف، المسمى بـ "التحالف المناهض لهتلر"، بين الديمقراطيات الغربية والاتحاد السوفيتي الاشتراكي، كان منذ البداية تحالفاً موقتاً وهشّا، متعمّداً اهمال الاختلاف المبدئي بين الانظمة المتحالفة من اجل الهدف المشترك.

خطة تقسيم المانيا وتحويلها الى بلد زراعي

انطلاقاً من رغبتهم في اضعاف المانيا عسكرياً وصناعيا، وجعله مستحيلاً عليها القيام بحرب عدوانية اخرى في المستقبل، تبلورت لدى الحلفاء الثلاثة خلال اجتماعهم في طهران في كانون الاول 1943، خطة تقسيم المانيا بعد دحرها الى دويلات عديدة، الواحدة مستقلة عن الاخرى. الا ان تقريراً لفريق من المخططين البريطانيين توصل في خريف عام  1944، الى نتيجة هامّة مفادها، بأن تقسيم المانيا سيسبب مشاكل خطيرة ليس على الالمان فحسب، بل سيؤدي الى تبطيئ تعافي العالم من اضرار الحرب وسيضر بالنهاية بالمصالح الاقتصادية البريطانية.

واكد التقرير، بأن تقسيم المانيا سيُضعف القوة الاقتصادية للدويلات الجديدة ويسبب انخفاض مستوى معيشتها، ما قد يفقدها استقلاليتها ويزيد احتمال اعتمادها على دول اخرى، فتشكّل بالنهاية عبئاً اقتصادياً على الحلفاء المنتصرين انفسهم. اما من الناحية السياسية فستبقى نقاطاً ساخنة ومصدراً دائماً للمشاكل. كما سيكون من الصعب عليها تسديد تعويضات عن الخسائر الهائلة التي سببتها بحربها العدوانية على دول كثيرة. فتم على هذا الاساس في مؤتمر الحلفاء المنعقد في شباط 1945 في يالطا / شبه جزيرة القرم، التخلي عن خطة التقسيم.
 
اما "خطة مورگنتاو" الشهيرة، والمسماة هكذا نسبةً لوزير المالية الامريكي (Henry Morgenthau)، والتي اراد بموجبها تحويل المانيا الى دولة زراعية مجردة من الصناعة، فكان قد تم التخلي عنها مسبقاً في نهاية عام 1944، حيث أختفت نهائيّاً من على طاولة المباحثات. وعوضاً عن ذلك، اتفق الحلفاء، على ان صناعة المانيّة مُدارة ومحدودة، مقرونة بالمانيا المجرّدة من الجيش والسلاح، سيجلب الأمان ويأتي بالفائدة لاقتصاد بلدان الحلفاء كذلك.   

كونفرنس پوتسدام الهام  وخلافات تظهر على السطح

في كونفرنس پوتسدام (17 ايلول ـ 2 آب 1945)، الذي التقى فيه رؤساء حكومات الحلفاء الثلاثة للمرة الاخيرة، والاولى بعد الاستسلام الالماني، تم فيه اقرار ما سميّ بـ "اتفاقية پوتسدام". ولكن بالرغم من ان هذه الاتفاقية لم تكن اتفاقية دولية ملزمة حسب المفهوم القانوني، الا ان هذا لم يعرقل او يضعف بتاتا من تاثيرهاً وفاعليتها. فثبّت فيها ما يسمّى اليوم بـ "خارطة طريق" لالمانيا بعد الحرب. ومن اهم نقاط هذه الاتفاقية، هو اعتبار المانيا كيان اقتصادي واحد، بالرغم من تقسيمها الى عدة قطاعات خلال فترة الاحتلال.

كما وأتّخِذت قرارات تتعلق بشكل ادارة الحكم في المقاطعات الاربعة من قبل القائد العام للقوات المسلحة لكل حليف في مقاطعته. وكذلك تشكيل مجلس لوزراء خارجية الدول الخمسة الكبرى (الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفيتي والصين وفرنسا)، لاعداد معاهدات السلام مع حلفاء المانيا، لتنظيم القضايا الاقليمية العالقة وتقديم المشورة بشأن حل المسألة الالمانية.

 

خلال كونفرنس پوتسدام: تشرشل، ترومان، ستالين ومترجمين

كما تم في هذا الكونفرنس بالاضافة لذلك، تحديد المبادئ الاساسية، السياسية والاقتصادية، للتعامل مع المانيا خلال فترة الاحتلال، أهمها:
 
1.   حل الحزب النازي واجتثاث الايديولوجية النازية
2.   الغاء جميع القوانين النازية
3.   حل الجيش وجميع القطعات المسلحة الاخرى
4.   منع انتاج الاسلحة
5.   القاء القبض ومحاكمة مجرمي الحرب
6.   تحديد القدرة الصناعية وجعلها لامركزية تحت رقابة الحلفاء
7.   دمقرطة النظام التعليمي والقضاء والادارة والحياة العامة

ومن المهم ان نذكر هنا، بأن قرارات عديدة اتُخذت على ان تكون ذو فاعلية مؤقتة، وان پوتسدام تشكل فقط المحطة الاولى في الطريق الى تسوية سلمية شاملة، تصبّ، بمساعدة مجلس وزراء الدول الخمسة الكبرى، في معاهدة السلام مع المانيا. وبهذا علّق الالمان آمالهم على امكانية توحيد القطاعات الاربعة لتشكيل دولة المانية جديدة واسترجاع على الاقل جزء من الاراضي المفقودة. 

ظهرت في كونفرنس پوتسدام، للمرة الاولى، الخلافات بين الغرب والاتحاد السوفيتي علناً على السطح. ففي الوقت الذي تم فيه مثلاً الاتفاق مبدئيّاً على ضرورة معاقبة المانيا بتسديدها تعويضات عن الخسائر التي سببتها الحرب، اختلفت الاراء حول مقدارها وكيفية تنفيذها. كما ونشب خلاف حاد حول ادارة موحّدة لقطاعات الاحتلال. وبسبب ضعف الثقة والشك الدائم بالطرف الآخر، أزدادت الصعوبات كذلك في عمل "مجلس رقابة الحلفاء" في برلين والذي كانت من واجباته الاساسية العمل بادارة موحدة لجميع القطاعات.

الدور الامريكي في غرب المانيا واوربا الغربية ـ خطة مارشال

بما ان الحرب كانت قد دمّرت جزءاً كبيراً من القوة الاقتصادية الاوربية، ظهر للعيان بوضوح، بعد سنة ونصف فقط من نهاية الحرب، حجم الضائقة الاقتصادية في المانيا واوربا قاطبةً. فشتاء 1946 / 1947 القارس، تسبب في كارثة انسانية، حيث انهارت انظمة التغذية والطاقة وحركة المرور. ولولا تدخل الولايات المتحدة الامريكية، لكان قد حصل الأسوأ. فما العمل اذن ؟، وكيف يمكن تلافي ذلك في المانيا واوربا في المستقبل؟

في 5 حزيران 1947، اي بعد سنتين من نهاية الحرب، القى وزير الخارجية الامريكي جورج مارشال (George C. Marshall ) ـ الذي حاز على جائزة نوبل للسلام عام 1953ـ  كلمة تاريخية امام طلبة الصف النهائي لجامعة هارفارد، شرح فيها لاول مرة افكاره بخصوص اعادة اعمار المانيا واوربا، حيث كان مقتنعاً بأن بناء اوربا ديمقراطية وسلمية، لن ينجح بدون مساعدة اقتصادية خارجية. وافكاره هذه تجسّدت بعدئذٍ بما سمّي بـ  "خطة مارشال".

فبعد تحليله للاوضاع الكارثية في اوربا، توصل مارشال الى ضرورة تقديم مساعدات خارجية، والاّ ستكون النتيجة تفشي الفقر في القارة الاوربية باكملها، ما سيضر بالنهاية بمصالح الولايات المتحدة الامريكية.  ثم سيؤدي انحطاط التجارة الخارجية وشحة الانتاج الى ازمة اقتصادية عالمية. الا ان الشرط الاساسي الذي اقترحه مارشال لتقديم المساعدة الامريكية، كان وجوب الاتفاق بين الدول الاوربية على مدى الحاجة المالية لكل منها، ثم تقديم ذلك بقائمة واحدة كمقترح اوربي مشترك للادارة الامريكية. اي ان المبادرة كان يجب ان تكون اوربية.   



المانيا (وكذلك برلين) قسّمها الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية الى 4 قطاعات:
السوفيتي (احمر)، البريطاني (اخضر)، الامريكي (اصفر)، الفرنسي (ازرق)


مساعدات مالية ومادية: لا لألمانيا الغربية حصراً

شملت خطة مارشال، التي سميت رسمياً  بـ "برنامج الانتعاش الاوربي"، بدءاً من خريف 1948 وحتى نهاية عام 1952، مساعدات مالية ومادية تلقتها 17 دولة اوربية بمجمل 14 مليار دولار تقريباً (اي ما يعادل اليوم حوالي 100 مليار دولار). احتوت تلك المساعدات على بضائع ومواد غذائية ودعم تقني، وكذلك منحْ وقروض. وقد يكون مُدهِشاً للبعض، التاكيد هنا، بأن حصة المانيا الغربية كانت تعادل فقط عُشر ذلك المبلغ. اذن من هي الدول الاوربية الاخرى التي استفادت بصورة اكبر من المانيا من خطة مارشال؟

حصة الاسد من هذه المساعدات كانت بلا شك من نصيب بريطانيا بمقدار 3,5 مليار دولار، تليها فرنسا بما يقارب 2,8 مليار دولار. اما ايطاليا فكانت حصتها 1,5 مليار دولار تتبعها المانيا الغربية في المرتبة الرابعة بـ  1,4 مليار دولار. مع العلم بأن المانيا تلقتها بشكل قروض، سددت منها 1,0 مليار دولار حتى عام 1966، وأعفيت عن تسديد الباقي. اما الدول الاوربية الاخرى التي تلقت مساعدات عبر خطة مارشال فكانت (هنا بدون تسلسل معين) كل من: النمسا، بلجيكا، لوكسمبورگ ، الدانمارك، اليونان، اسلندا، ايرلندا، هولندا، النرويج، السويد، البرتغال، يوغسلافيا، تركيا.

اما عملية الاعمار فجرت في اوربا في عدة مراحل: في المرحلة الاولى تم التركيز على اعادة اعمار صناعات الحاجيات والسلع الاساسية والضرورية، بعد ذلك تم في المرحلة الثانية تطوير نظم الطاقة والنقل والمواصلات، واخيراً تركزت الجهود على دعم الصناعات "التصديرية" ومساعدة الشركات الصغيرة والمتوسطة.

ولكن كيف استفادت المانيا واوربا اقتصادياً من هذا البرنامج؟ وهل كانت الفائدة اقتصادية بحتة؟ ام هناك جوانب سياسية او نفسية؟ اسئلة مهمّة بلا شك. الا ان السؤال المهم برأينا هو: هل هناك اسباب اخرى لهذه المساعدة "السخية"؟

أسباب أخرى للمساعدة الامريكية

نعم، هناك برأينا اضافةً لما تقدم، حوافز مهمة اخرى للمساعدات الامريكية بعد الحرب العالمية الثانية لالمانيا واوربا، منها:

1 ـ خلق ثقلاً موازناً للنفوذ السوفيتي في اوربا. حيث كان التخوف كبيراً لدى الولايات المتحدة من انتصار الاحزاب الشيوعية في اوربا الغربية في الانتخابات المقبلة، خاصةً في فرنسا وايطاليا نظراً لشعبيتهما الكبيرة هناك.

2 ـ ايصال رسالة للعالم، تؤكد فيها الولايات المتحدة عن عزمها على خوض الصراع انطلاقاً من مركزالقوة في المواجهة التي بدأت تلوح في الافق بشكل "الحرب الباردة". وبالفعل، فأن غالبية الالمان الغربيين، كانوا ولمدة طويلة، ذو ثقة عالية بقوة ومصداقية الولايات المتحدة الامريكية. وخطة مارشال لعبت بالتأكيد دورها الايجابي في هذه القناعة.       
 
3 ـ المساعدة بولادة دول اوربية تتبع النظام الديمقراطي والاقتصادي الغربي، كحلفاء وكأسواق جديدة لتصريف البضائع الامريكية.

الموقف السوفيتي

رفض الاتحاد السوفيتي في مؤتمر لندن لوزراء خارجية الحلفاء، المنعقد في تشرين الثاني / كانون الاول عام 1947، عرض الولايات المتحدة عليه وعلى دول وسط وشرق اوربا، امكانية الاشتراك في "برنامج الانتعاش الاوربي"، معتبراً اياه تدخلاً سافراً في سيادة الدول الاوربية، مانعاً بذلك دول اوربا الشرقية من الاشتراك فيه، حيث كانت قد اعلنت بالفعل كل من بلغاريا وجيكوسلوفاكيا وبولندا وهنغاريا رغبتها بالاشتراك في هذا البرنامج.

 من جانبه، كان الاتحاد السوفيتي قد أعلن مسبقاً في تموز 1947 ما سمّي بـ "خطة مولوتوف"، التي اصبحت فيما بعد نواتاً  لـ "مجلس التعاون الاقتصادي" لدول المعسكر الاشتراكي. فالمانيا الديمقراطية (الاشتراكية) مثلاً، وصفت خطة مارشال بانها "تزيد من التبعية الاقتصادية والسياسية للدول الراسمالية الاوربية من الامبريالية الامريكية".     

كلمة اخيرة

لا زال مقدار الزخم الفعلي لخطة مارشال مثيراً للجدل لحد الآن. الا ان المساعدات التي تدفقت بعد عام 1948 الى المانيا، سارعت بلا شك الى حد كبير في الازدهار الاقتصادي في الخمسينات من القرن الماضي، ولها حصتها في تحقيق "المعجزة الاقتصادية الالمانية". من جهة اخرى، لايعني هذا اهمية تلك المساعدات في المجال الاقتصادي فحسب، بل كذلك أهميتها السايكولوجية الايجابية على المجتمع الالماني بعد الحرب التي دمرت بلاده ايضاً.

فخاصةً في المانيا الاتحادية، كانت وما زالت خطة مارشال، "اسطورة" ذات تاثير نفسي شديد على عامة الناس، كونهم يربطوها بعملية اعادة اعتبارهم والاعتراف بهم كـ "شعب متحضّر"، بعد كل ما سببوه من دمار وقاموا به من جرائم اثناء الحرب. كما تُعتبَر المشاركة في برنامج المساعدات كخطوة اولى لالمانيا الاتحادية نحو اندماجها في العالم الغربي، حيث كان اتفاق الدول الاوربية على خطة اقتصادية مشتركة، شرطاً اساسياً لتلقي تلك المساعدات. فشُكّلت لاجل ذلك "منظمة التعاون الاقتصادي الاوربي" (OEEC)، التي تحولت بعدئذ الى "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" (OECD).
________________________________________________

(*) لم تكن فرنسا في البداية احد الحلفاء ضد المانيا النازية. فلم تشارك في مؤتمرات الحلفاء التي عقدت خلال الحرب. بل لم تشارك حتى في كونفرنس پوتسدام، الذي عقد بعد الانتصار على المانيا من 17 ايلول حتى  2 آب 1945. الا ان الحلفاء الثلاثة قرروا، ولاسباب عدة، لا يسع المجال هنا لذكرها، اشراك فرنسا كحليف فعلي رابع. وتم على اثر ذلك اقتطاع الجزء الجنوبي الغربي من القطاع الامريكي ووضعه تحت السيطرة الفرنسية (انظر خارطة المانيا المقسمة الى 4 قطاعات).
   


2
القوش: الكهف والسنونو

مقدمة

كان يميز بيتنا على غيره من بيوت القوش موقعه المثالي على سفح الجبل كآخر بيت في شمال البلدة. فمن غرفة الجلوس التي كنا نسميها "ايوَن" كان باستطاعتنا القاء نظرة على كنيسة القوش ومناطق واسعة من القوش وسهل نينوى. فكان بمقدورنا مثلاً مشاهدة السيارات القادمة من الموصل قبل دخولها القوش بكيلومترات عديدة.

واما في الليالي المظلمة فكانت قابلية بصرنا في ما يخص السيارات القادمة الى مدينتنا تتضاعف او اكثر بسبب مصابيحها الكهربائية القوية الموجهة باتجاهنا. والاجمل من ذلك كله، هو ما نشاهده من البيت في ايام الربيع من الازهار الحمراء والبنفسجية التي كانت تشكل لوحة فنية رائعة حول دير السيدة الواقع شرق القوش.
 
الكهف كهفين

كان بيتنا يحتوي بالاضافة الى غرف عديدة كهفاً طبيعياً كنا نسميه " گپا"، نقضي فيه بسبب درجة حرارته الواطئة الجزء الكبير من ساعات ايام الصيف، بدءاً من الظهيرة وحتى غروب الشمس. قبلَ بناء بيتنا من قِبلْ والدي في الثلاثينيات من القرن العشرين، كان آباءه واجداده ـ اصحاب هذه الارض ـ  يستعملوه في قديم الزمان لوقاية ماشيتهم في ليالي الشتاء من البرد القارس، وفي ليالي بقية الفصول لحمايتها من الحيوانات المفترسة.

في الحقيقة كان كهفنا يتكون من كهفين متعاقبين. ففي حين استعملنا الكهف الاول للجلوس والاستراحة عند اشتداد وطأة حر الصيف القاسي، كنا نستعمل الكهف الداخلي  كثلاجة طبيعية لحفظ المواد الغذائية القابلة للتلف السريع في حر الصيف مثل جبن القوش الشهير، حيث كانت درجات حرارته اوطأ بكثير مقارنة بالكهف الخارجي. 

السنونو النادرالعندليب

لم اكن انا وأهلي الوحيدين الذين استمتعوا بحسنات هذا الكهف الفريد، بل كانت ترافقنا منذ القدم وكل صيف من جديد  ضيوفاً محبوبة لنا جميعاً، تقطع ربما مئات الكيلومترات لكي  تشاركنا  في السكن في كهفنا ونحن الشاكرون. كنا ننتظرها كل ربيع بفارغ الصبر وكاننا ننتظر احبائنا الذين فارقونا قبل سنة.... انها طيور فريدة من نوع السنونو النادر.




لم تكن هذه الطيور منتميةً الى نفس الفصيلة التي كانت تنتشر بالمئات كل صيف في القوش وفي مدن اخرى. كنا نسميها "صلوني بيرو". حدثنا والدي بانها تفضل العيش في كهوف جبلية فقط، لذا نستطيع تسميتها بالسنونو الجبلي. شكل جسمها وطريقة طيرانها كانا يميزانها كلياً عن السنونو المألوف. ولم يكن لنا علم بوجود مثيلاتها في القوش قاطبة او في اماكن اخرى. فكانت نادرة مثل كهفنا.

لهذا الطير صفات تميزه نوعياً عن اقربائه من السنونو العادي. فتصميم عشه مثلاً يختلف تماماً عن عش السنونو المألوف، شكله بيضوي مبني في وسط سقف الكهف تقريباً، ذو منفذ ضيق بشكل انبوب باتجاه باب الكهف الواسع.

ميزة ثانية لهذه الطيور عززت اعجابنا بها، وكيف لا، وهي نظافتها المطلقة بخلاف "ابناء عمها" المشهورين بمخلّفاتهم الغير المحبذة تحت عشهم. فكانت طيورنا تنقل فضلاتها وفضلات صغارها بالكامل لترميها بعيداً عن دارنا. ان هذا لم يكن بالطبع لغرض ارضائنا، بل بسبباً غريزياً بحتاً لتبديد الشك لدى اعدائها من الطيور والحيوانات المفترسة  والتمويه لها بعدم وجودها هنا.

عادة اخرى، قد تكون من احسن ميزاتها، اطربتنا واسرتنا في ذات الوقت، فقبل غروب الشمس بقليل، حيث تتراجع درجات الحرارة بعض الشيئ، كانت ضيوفنا هذه تجلس على الحبل الخاص بنشر الغسيل في فناء الدار لتغرد لدقائق كالعندليب بل واجمل، وكأنها تود انهاء يومها الشاق الذي تقضيه بأطعام صغارها بفترة ترفيهية لها ولنا لا بد منها، ربما مقتدية بالمثل القائل "كل عمل شاق يجب ان يعقبه الترفيه!". 

احلام الصغار

في احدى السنين، واظن انني كنت في العاشرة او الحادية عشرة من العمر، وبسبب كوني فضولياً كبقية الاطفال في هذا العمر، قمت "بالقبض" على اثنين من الصغار المساكين حال مغادرتهم للمرة الاولى العش وسقوطهم على ارض الكهف بسبب جهلهم بفن الطيران. فصبغت بتأني وحذر شديدين ريش صدرهم بحبر اخضر، كان والدي يستعملة لملئ قلمه الپارکر، "لأطلق سراحهم" بعد ذلك مباشرة. ولكن لماذا هذا؟  لقد أردت ببساطة معرفة: هل ان هذين الطيرين سيقومان بزيارتنا في السنة القادمة ام لا؟

فكم كانت كبيرة دهشتي وسعادتي في ربيع السنة التالية حين مشاهدتي لهاذين الطيرين الملونين بالحبر الاخضر وهما يحلقان فوق دارنا بصحبة اربعة طيور سنونو اخرى. اذن العائلة بكاملها اتت لقضاء الصيف في القوش او اطرافها وانجاب جيلاً جديداً من السنونو الجبلي اللطيف النادر.

ولكن، وبما ان لهذا الطير الفريد المذهل قاعدة تمنعه من السماح لابناء جلدته ببناء عشاً ثانياً في نفس الكهف، بقى بضيافتنا ككل سنة زوجاً واحداً فقط. واما الطيور الاربعة الاخرى ومن ضمنها طيورنا "الخضراء" فأختفت عن انظارنا بعد تحليقها فوق دارنا لعدة ايام، وطارت الى المجهول...

اين السنونو الجبلي اللطيف؟؟

كم كان ندمي وحزني كبيرين حين سماعي، وأنا في المانيا، بأن الدارالتي قضيت فيها طفولتي وشبابي هُدّمت من الاساس وبلا رجعة ليبنى بمكانها "قصراً" بالوان صارخة نشاز، لا تلائم برأيي ألقوش وطبيعتها. عذراً لسلبية رأيي في ما شيّد على انقاض بيتنا الذي ولدنا وترعرعنا فيه. فذكريات لاتحصى تربطني بهذا البيت وسكانه. المرحومين الوالدين العزيزين، المرحومة جدتي، ثم أخواتي وأخواني بأختلاف اعمارهم، بطفولتهم وشبابهم، وكذلك الاقارب والاصدقاء الذين قضوا معنا اوقاتا بالسراء والضراء.

بعد انتقال الوالدين مع بقية افراد العائلة الى بغداد في بداية الستينيات من القرن العشرين وتأجير البيت في الفترة الاولى، قرّرا، خاصة بسبب الاضرار الناتجة عن التأجير، بيعه للراهبات لاعتقادهما بانهم احسن المؤهلين للحفاظ عليه بأحسن صورة. ولكن . . .

لحسن الحظ تم تهديمه بعد وفاة والديّ. فكم كان سيكون مقدارالالم الذي كان سينتابهما في حال سماعهما بما جرى. ان ما يخفف من ألمي هو معرفتي بأن البيت الجديد ليس ديراً فحسب، بل ايضاً مأوى لبنات يتامى. فالمعذرة المعذرة ان كنت قد بالغت في نقدي لما حدث.
ولكن بالرغم من كل ذلك قررت زيارة البيت الجديد، بالاخص لاعتقادي بأن الكهف لا زال موجوداً. فهل من المعقول ان يُهَدّم كهفاً طبيعياً كهذا؟

في اثناء زيارتي لألقوش في تشربن الاول عام 2011  قمت بزيارة دير الراهبات لمعرفة مصير كهفنا التاريخي. بعد الترحيب بي وبأخي وزوجته من قبل راهبة شابة لطيفة المزاج، قادمة من بلدة كلدانية في كردستان لم اسمع بأسمها من قبل، متكلمة تقريباً لهجتنا الالقوشية، اقول بعد الترحيب بنا وتعريف انفسنا، عرضت علينا برحابة صدر التجول في الدير والميتم حسب رغبتنا. بعد القاء نظرة سريعة على بعض الغرف والقاعات اردنا بالواقع معرفة مصير كهفنا.

لقد كانت صدمتنا بالفعل كبيرة. فنعم، الكهف لا زال موجوداً كما توقعنا ولكن بأيّة صورة؟  بصورة لم نكن نتوقعها بتاتاً. ليس لانه الان يشكل كنيسة صغيرة، بل لانه غُيّر جذرياً من نواحي عديدة: مساحته صُغّرت بعُرضها، ارتفاعه قُلّل برفع قاعه (ارضيته) والاسوء من ذلك هو تعتيمه بدخان الفحم كما اظن. يا للاسف ما معنى هذا التعتيم؟ هل ليعطي انطباع مغارة في قديم الزمان، حرق ساكنيها الحطب للتدفئة شتاءً، ام ماذا؟ لست ادري. اما السنونو الجبلي الذي رافقنا كل صيف، فلم نعثر له عن اي اثر.... يا للأسف.

الكنيسة في كهفنا الصيفي

3
الى الاخوة الاعزاء في هيئة تحرير عنكاوا كوم المحترمين
 
تحية طيبة
 
لا ادري سبب فشل محاولاتي العديدة في الآونة الاخيرة في ارسال مقالاتي لموقعكم الموقر.
 
حيث قمت بارسالها دوماً على البريد الالكتروني المعتاد، وكل مرة يرد موقعكم فوراً بارجاع رسالتي مدعيا بأنها  spam؟
 
لذا ارجو رفع ذلك الفلتر(ان كان هذا هو السبب)، لكي اتمكن من ارسال مقالاتي لكم كالسابق، ولكم مني جزيل الشكر والامتنان.
 
سامي مدالو
Sami Madalo

4
المنبر الحر / برلين: قصر الدموع
« في: 11:08 25/08/2019  »
برلين: قصر الدموع


بعد الانتظار في بداية الستينيات من القرن العشرين في "قصر الدموع"(1) لاكثر من ساعة في طابور العابرين من برلين الغربية الى برلين الشرقية، طلب مني ضابط الحدود الالماني الشرقي، بعد تصفحه لجواز سفري العراقي، ان اصطحبه الى احدى الغرف المخصصة لاستجواب من يشكّون بهم من زوار عاصمتهم.

- ما هو غرض زيارتك الى برلين الديمقراطية؟

اراد الضابط معرفته مني، بعد ان عرض علي الجلوس على كرسي خشبي امام منضدة خشبية مربعة صغيرة، ليجلس هو في الجهة المقابلة.

- اود زيارة صديق عراقي من ابناء بلدتي يقوم لديكم بالتخصص ونيل شهادة الدكتوراه.

اجبته بعد الجلوس والقاء نظرة خاطفة على محيطي. ضابط الحدود، الذي كان يكبرني حسب تقديري سنوات قليلة فقط، سألني بعد ذلك عن مهنتي وأشياء اخرى لا اتذكرها الان، ليأمرني بعد ذلك:

- ضع كل محتويات جيوبك على المنضدة رجاءً، مؤشراً بيده اليمنى على المنضدة امامنا.

بعد تأمله بدقة لحاجياتي المبعثرة على المنضدة امامه، وكأنه يفتقد شيئاً معيناً، سألني مجدداً:

- هل بحوزتك نقود جمهورية المانيا الديمقراطية؟ 

- لا ، كان جوابي السريع والقصير.

- اذن ارجوك ان تخلع احذيتك وملابسك، عدا الداخلية منها.

بعد ان خاب امله ثانية في العثور على ما هو محرم ادخاله الى برلين الشرقية، طلب مني ان ارتدي ثيابي واجمع حاجياتي.

وربما كمحاولة منه لتلطيف جو التحقيق المتشنج وللاعتذار الغير المباشر مني عن الاستجواب والفحص المزعج ، بدأ يحاورني في السياسة.

- ما هو رأيك في نظامنا الاشتراكي؟

سألني، راغباً معرفة رأيي في المانيا الشرقية. لم اشعر في تلك اللحظة بتاتاً باية رغبة بالدخول بنقاش سياسي مع ضابط حدود دولة انوي الدخول الى عاصمتها.
 
- لندع النظامين، الاشتراكي والرأسمالي، يتنافسان مع بعضهما، لنرى بعد فترة زمنية كافية ايهما الافضل.

اجبته، محاولاً بالحقيقة التهرب من النقاش الجدي، بل متمنياً في اعماقي ان يكتفي بذلك و "يطلق سراحي!".  لحسن حظي انهى الان كلامه وطلب مني بلطف ملحوظ مغادرة غرفة التحقيق بصحبته...

غادرت "قصر الدموع" بمزيج من الغضب والفرح. منزعجاً من تصرف ضابط الحدود، وسعيداً بقرب لقائي بالصديق ابن بلدتي. اخبرت صديقي بما جرى وقررت تقليص عدد زياراتي الى "الجانب الآخر" من برلين الى الحد الضروري.
-------------------

 

(1) "قصر الدموع" اسم ساخري اطلقه سكان برلين على احدى اهم نقاط العبور بين برلين الغربية وبرلين الشرقية. هنا كان سكان برلين الشرقية يستقبلون زوارهم من الجانب الاخر ويذرفون الدموع حين وداعهم، حيث لا امكانية لهم بالقيام بزيارة معاكسة.

الا ان "قصر الدموع" هو الآن بالفعل الاسم الرسمي لذلك المنفذ الشهير بين برلين الغربية وبرلين الشرقية ويحوي معرض دائمي بعنوان "تجارب الحدود ـ يوميات المانيا المقسّمة".


5
المانيا: 13/8/1961 - جدار برلين والكذبة التاريخية

بمناسبة  مرور الذكرى السنوية على بناء جدار برلين، نعيد نشر هذا المقال، الذي سبق وأن نشرناه قبل بضع سنوات في عدة مواقع الكترونية.

مقدمة

"لا احد لديه نيّة ببناء جدار"
كان هذا جواب رئيس مجلس الدولة لجمهورية المانيا الديمقراطية (الشرقية)، فالتر اولبرشت، على سؤال صحفيّة المانية غربية بتاريخ 15/6/1961. المثير للدهشة هنا، هو ان سؤال الصحفيّة لم يتضمن كلمة "جدار" بتاتاً، بل كان سؤالاً عاماً بخصوص انشاء حدود على بوابة براندنبرك في برلين.

في 13/8/1961، اي بعد اقل من شهرين من هذا التصريح، باغتت القوات المسلحة لالمانيا الديمقراطية في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل بغلق الحدود كلياً بين برلين الشرقية والغربية من جهة، وبين برلين الغربية والمانيا الشرقية من جهة اخرى. لقد كانت هذه حقاً مفاجأة مؤلمة للشعب الالماني على طرفي الحدود، حيث تم سد كل ثغرة بين برلين الشرقية وبرلين الغربيةً.

 

"لا احد لديه نيّة ببناء جدار"
فالتر اولبرشت رئيس مجلس الدولة لجمهورية المانيا الديمقراطية (الشرقية)
في المؤتمر الصحفي الشهير بتاريخ 15/6/1961


ولكن، هل كانت هذه العملية فعلاً مفاجأة للعالم الغربي كذلك؟  وهل من المعقول ان قوى الغرب العظمى وبالاخص الولايات المتحدة الامريكية كانت تجهل نية المانيا الشرقية في بناء الجدار؟  اسئلة طُرحت انذاك ولا تزال تُطرح الى يومنا هذا، فهناك من كان يشك في ذلك، وفي مقدمتهم المؤمنون بما يسمى بـ "نظرية المؤامرة".

"لا احد لديه نيّة ببناء جدار" اصبح في المانيا منذ ذلك الحين ما يسمى بـ "القول المجنّح"، حيث يقال وبسخرية كمثل (بالتحوير المناسب)، كلما نقض سياسي او مسؤول وعده، وعمل تماماً بعكس ذلك. لا احد في المانيا لم يسمع هذه الجملة لمرات عديدة بالصوت الاصلي لقائلها فالتر اولبرشت، حيث تذاع تكراراً في المناسبات التي تخص جدار برلين.

 

Die Berliner Mauer
في صيف 2012: طفلان مندهشان بعلو الجدار
هذا احد الاجزاء الاصلية القليلة الباقية (كذكرى سيئة) من جدار برلين الكونكريتي
الارتفاع: 3,60 م ، الطول: 106 كم

لماذا الجدار؟

جدار برلين السيئ الصيت، الذي قسّم مدينة وسكانها الى قسمين، شيّد خوفاً من هروب سكان المانيا الشرقية وعاصمتها برلين الشرقية، خاصة الاكاديميين والاخصائيين، كالمهندسين والاطباء والعلماء، اي طليعة المجتمع، الى برلين الغربية ومنها الى المانيا الاتحادبة والعالم الغربي. كان هذا هو الرأي السائد في العالم الغربي. وهذا ما حصل فعلاً بعد تأسيس المانيا الشرقية وقبل بناء الجدار، حيث غادرها الالاف بسبب رفضهم للنظام الاشتراكي وعدم رغبتهم بالعيش في ظلّه.

اما المانيا الشرقية والمعسكر الاشتراكي، فكان لهما بالطبع تعليلاً اخراً لوجود هذا الجدار، تجسّد بتسميتهم له بـ " السور الحصين ضد الامبريالية". فوجود الجدار كان حسب قناعتهم،  أمر حتمي للتمكن من بناء المجتمع الاشتراكي بهدوء، بعيداً عن التشويش والتخريب الذي يقوم به العالم الغربي الرأسمالي. وبرلين الغربية كانت حسب رأيهم، الواجهة الرأسمالية المغرية ضد المعسكر الاشتراكي ككل. 

 

احد ابراج المراقبة على الحدود بين برلين الشرقية والغربية

برلين، بجزئيها الغربي والشرقي، كانت تقع بكاملها في وسط المانيا الشرقية (انظر الخارطة)، التي كانت بدورها احدى دول المعسكر الاشتراكي. فكانت برلين الشرقية (الاسم الرسمي: برلين الديمقراطية) عاصمتها. اما برلين الغربية والواقعة كذلك ضمن المانيا الشرقية والمحاطة بجدار محكم شيدته المانيا الشرقية، فكانت اقتصادياً وسياسياً، اي عمليا، تابعة لجمهورية المانيا الاتحادية (المانيا الغربية)، بالرغم من كونها مدينة مستقلة حسب اتفاقيات الحلفاء المنتصرين على المانيا النازية.



المانيا بعد الحرب العالمية الثانية كما قسّمها الحلفاء الى 4 قطاعات:
السوفيتي (احمر)، البريطاني (اخضر)، الامريكي (اصفر)، الفرنسي (ازرق)
الاسهم تدلّ على الطرق الثلاثة الواجب استعمالها للتنقل بالسيارة او بالقطار
 من برلين الغربية الى المانيا الغربية وبالعكس


 

وعلى نفس النمط قُسّمت برلين كذلك الى 4 قطاعات   
النقاط الحمراء تدل على نقاط العبور

نبذة قصيرة

في 23 ايار 1949 اتحدت القطاعات الغربية الثلاثة ـ الامريكية والانكليزية والفرنسية ـ  لتشكل جمهورية المانيا الاتحادية (الغربية)، متبنية اقتصادياً نظام "اقتصاد السوق الاجتماعي"، وادارياً نظام الدولة الاتحادية الفيدرالية. واما جمهورية المانيا الديمقراطية (الشرقية) فتأسست بتاريخ 7 تشرين الاول 1949 من القطاع السوفيتي فقط ، متبعة النظام الاشتراكي ومقتدية بالاتحاد السوفيتي، كالاخ الكبير، وعاملة  بشعار "التعلم من الاتحاد السوفيتي يعني تعلم النصر".

ليس موضوعنا الرئيسي هنا تقييم هذا النظام الاجتماعي والاقتصادي او ذاك، بالرغم من ان لنا بالطبع رأينا الشخصي بذلك، بالاخص بحكم معيشتنا في برلين الغربية بالرغم من الجدار. هدفنا هو اعطاء فكرة مبسطة ونبذة مختصرة عن جدار برلين، بكوننا عايشناه من بدايته حتى سقوطه، متجنبين بذلك التفاصيل بقدر الامكان.

فهناك كتب لا تحصى اُلّفت باللغة الالمانية وبلغات عالمية اخرى حول جدار برلين، تطرقت الى العوامل التاريخية والسياسية والاجتماعية التي ادت الى بنائه وثم سقوطه. فليس غرضنا هنا اضافة بحثاً اخراً موسعاً عن جدار برلين. كما وليست غايتنا تعداد او شرح المآسي الانسانية التي خلقها الجدار، حيث فصل عنوة افراد عائلة واحدة بين ليلة وضحاها.

 فكم من الاباء والامهات فصلوا فجأةً عن اولادهم، وكم من اخ لم يتمكن من لقاء اخوته لسنين عديدة، ناهيك عن الاصدقاء الذين فقدوا ولأجل غير مسمى اعز اصدقائهم. فالجدار قسّم شوارعاً طولاً واخرى عرضا،ً حسب الحدود الرسمية لمحلات برلين. فمن كان البارحة جارك او ابن شارعك، اصبح اليوم مواطناً تابعاً لدولة "اجنبية". فهكذا تمزّقت بلا رحمة علاقات القرابة والصداقة.

 

الجدار قطع هنا احد شوارع برلين طولاً


خطوة انسانية

في نهاية 1963 / بداية 1964، اي بعد سنتين و4 اشهر من تشييد الجدار، سمحت المانيا الشرقية سكان برلين الغربية لاول مرة منذ بناء الجدار، بزيارة اقاربهم في برلين الشرقية. بموجب معاهدة ابرمت بين حكومة المانيا الشرقية وحكومة برلين الغربية، تم الاتفاق بالسماح لسكان برلين الغربية بزيارة اقربائهم خلال اعياد الميلاد وراس السنة، بشرط حصولهم على موافقة من سلطات المانيا الشرقية في مكاتب انشأت لهذا الغرض في برلين الغربية. 700.000 برليني غربي انتهزوا الفرصة وقاموا بزيارة اقربائهم في برلين الشرقية.

ثلاثة معاهدات مماثلة ابرمت في السنوات التالية، زار بموجبها مئات الالوف من مواطني برلين الغربية اقربائهم بمناسبة الاعياد المسيحية في برلين الشرقية. وبدءاً من عام 1971 سُمح لسكان برلين الغربية لاول مرة بزيارة اصدقائهم ايضاً، لا في برلين الشرقية فحسب، بل في جميع مناطق المانيا الشرقية، بعد حصولهم على فيزا رسمية بذلك.

اما سكان المانيا الغربية، فكان نظريّاً بمقدورهم دوماً زيارة اقربائهم في المانيا الشرقية وعاصمتها برلين الشرقية بسمة الزيارة الرسمية. الا ان هذا لم يكن سهلاً وليس لكل من رغب بذلك. اما الاجانب، اي حاملي جوازات سفر غير المانية غربية، فكان بمقدورهم العبور الى برلين الشرقية بسمة دخول يومية، بغض النظر عن زيارتهم لشخص معين.       



Das Brandenburger Tor
بوابة براندنبرك تعتبر من اهم رموز برلين ـ  كانت تشكل جزء من الجدار الفاصل بين برلين الغربية والشرقية  وتقع بالكامل في برلين الشرقية



 

 Das Brandenburger Tor
والان: بوابة براندنبرك بعد سقوط الجدار ـ  مفتوحة للمشاة واالدراجات الهوائية

حرية التنقل

سكان برلين الغربية والمانيا الاتحادية كان عليهم استعمال احد الطرق الثلاثة للوصول بالسيارة او القطار الى الطرف المعاكس (لاحظ الاسهم في الخارطة اعلاه). هذه الطرق، التي كان اقصرها 200 كم تقريباً، كان متفق عليها بين الطرفين ولا يحق للغربيين والاجانب مغادرتها بالقط.

اما سكان المانيا الشرقية وعاصمتها برلين الشرقية فكانت حكومتهم، كحكومات الدول الاشتراكية الاخرى، تمنعهم من مغادرة بلدهم باتجاه العالم الغربي (الراسمالي). ومن حاول الهروب بالرغم من ذلك بالخفاء، جازف بحياته. وبالفعل سقطت ضحايا عديدة على مر السنين في محاولات الهروب.   

 

صلبان في برلين الغربية
كذكرى لضحايا الهروب من برلين الشرقية الى برلين الغربية

للذين يصعب عليهم فهم هذا الوضع الشاذ، اود ذكر تلك المقارنة البسيطة التي كنت احبذها انذاك لتبسيط الفهم. لنفرض ان بغداد مقسمة الى قسمين: بغداد الغربية (الكرخ) وبغداد الشرقية (الرصافة). والان علينا التصور بأن بغداد الغربية، اي الكرخ، محاطة بجدار حصين غير قابل للاختراق وتابعة سياسياً واقتصادياً لسورية.

قد يسأل عاقل: الم يكن ذلك جنوناً؟ نعم، لقد كان، ولهذا انهى سكان المانيا الشرقية وبرلين الشرقية في التاسع من تشرين الثاني 1989  بـ "ثورتهم السلمية" هذا الوضع الشاذ.

الحياة في برلين الغربية 

كيف استطاع سكان برلين الغربية يا ترى تحمل الحياة لمدة 28 سنة في مدينة يحيطها سور حصين وينقصها محيط طبيعي (ريفي) مباشر ككل المدن المليونية الاوربية الاخرى؟ وهل نستطيع تشبيه وضعهم بوضع نزلاء سجن كبير؟ هذه أو اسئلة مشابهة اخرى تبادرت بلا شك على ذهن اولئك الذين لم يسكنوا في برلين الغربية، او على الاقل لمن لم يتسنى لهم زيارتها.

ميزات ايجابية ساعدت على تحمّل سكان برلين الغربية لوضعهم الشاذ. فلحسن حظهم، تشكل  بحيرات وغابات وحدائق عديدة نسبة كبيرة من مساحتها. هذا ما كان يلاحظه كذلك السواح الالمان والاجانب وينال اعجابهم. فلم اتعرف او اسمع بمدينة كبيرة اخرى في المانيا واوربا، لها في داخلها هذا العدد وهذه المساحة الكبيرة من البحيرات والغابات مثل برلين الغربية.

ثم هناك حوافز مالية ساعدت على بقاء وقدوم شركات وايادي عاملة من المانيا الغربية اليها. وبما انها لم تكن تابعة رسمياً لالمانيا الغربية، فكان شبابها معفيّون من الخدمة العسكرية الاجبارية في الجيش الالماني الغربي. هذا ما شجّع ايضاً الكثير من الشباب الالماني الغربي للقدوم الى برلين الغربية لغرض الدراسة او العمل. 
 
 

Der Reichstag
 شارع بقرب بوابة براندنبرك ـ على اليسار الرايشستاك التاريخي الشهير
الان مقر البرلمان الاتحادي الالماني

الثورة السلمية وسقوط الجدار

"اننا الشعب" و "نحن شعب واحد"، بهذين الشعارين بدأت الانتفاضة الشعبية في المانيا الشرقية في نهاية الثمانينات من القرن الماضي. فبعد تأزم الوضع الاقتصادي وبمساعدة الزخم المعنوي الذي اعطته حركة اعادة البناء  (البروسترويكا)  والشفافية (الكلاسنوست)، التي اطلقها القائد السوفيتي ميخائيل غورباتشوف في تلك الايام، تجرأت في البداية مجموعات صغيرة من سكان المانيا الشرقية وعاصمتها بالتظاهر علنية، معلنة عدم رضاها بالوضع السياسي والاقتصادي في البلد.

 

سكان برلين "يحتلون" الجدار بجانب بوابة براندنبرك

بعد فترة قصيرة نسبيا، تحولت هذه الحركة الى حركة جماهيرية عارمة، ادت بالنهاية بالاطاحة السلمية بالنظام وسقوط جدار برلين قي 9 تشرين الثاني 1989. البرلمان الالماني الشرقي الجديد، المنتخب بعد ذلك ولاول مرة بحرية وبمشاركة احزاب عديدة،  قرر انضمام المانيا الشرقية الى المانيا الاتحادية. فتم توحيد جزئي برلين وانضمام المانيا الشرقية رسمياً في 3 تشرين الاول 1990، كخمسة "ولايات اتحادية" جديدة الى جمهورية المانيا الاتحادية. وبتاريخ 20 حزيران 1991 قرر البرلمان الاتحادي الالماني نقل العاصمة من بون الى برلين.



 

هكذا سقط جدار برلين بعد 28 سنة
جنود من المانيا الشرقية واقفون في الثغرة ومنذهلون بما يحدث

 

برلينيون يحطمون الجدارالمكروه ويحتفظون بقطع كونكريتية منه
كذكرى لهذا الحدث التاريخي العظيم


 

سكان برلين الغربية يستقبلون بحفاوة سكان برلين الشرقية
                         

6
المانيا: مارتن لوثر

ملاحظات اولية لا بدّ منها

بالطبع ليس خافياً علينا، بأننا قد نلمس حديداً ساخنأ بتناولنا لهذا الموضوع الحساس. لذا نود التأكيد قبل البدء، بأننا سنحاول قدر الامكان بحث هذا الموضوع من ناحيته التاريخية. الا اننا، ان شئنا ام ابينا، سوف لا نستطيع تجنب الامور الدينية. والاّ ما معنى، او بالاحرى ما فائدة الحديث عن لوثر بدون التطرق الى الاسباب الدينية التي ادت في نهاية المطاف الى تأسيس كنيسة مسيحية ثانية بجانب الكنيسة الكاثوليكية؟ ونود كذلك التأكيد، باننا سنعتمد في مقالنا هذا حصريّاً على المصادر التاريخية الالمانية، لكون لوثر المانيّاً ابّاً عن جد، وُلدَ وترعرع وقضى حياته كلها في المانيا.

لسنا راغبين بالاسائة الى طائفة ما، او الثناء على طائفة اخرى. كما وليس هدف هذا البحث التاريخي المقتضب، محاولة للدعاية أوالتبشير بما دعى اليه لوثر. فنحن واثقون من ان الوضع الحالي للكنيسة الكاثوليكية لا يمكن تشبيهه قطعاً بوضعها في العصور الوسطى في اورپا. وهذا يعني بالطبع، بأن كل ما سيذكر هنا عن الكنيسة الكاثوليكية، يخصها فقط في تلك الفترة في اورپا، اي لا يجوز بأي حال تعميمه عليها لفترات وأماكن اخرى. حيث قامت بمرور الزمن، متأثرةً بافكار ناقديها من امثال لوثر وغيره، او باجتهاد ذاتي، باصلاحات عديدة. وشخصية الپاپا الحالي فرانسيسكوس (فرنسيس) وتواضعه وتصرفاته خير دليل على ذلك.

تعمّدنا بكتابة أسماء الاشخاص وأسماء المدن بالاحرف اللاتينية إضافةً الى العربية، لتسهيل المهمة للقراء الراغبين في البحث حول هذا الموضوع في الانترنت او في مصادر أخرى مكتوبة بالأحرف اللاتينية.

مقدمة

احتفلت الكنائس الپروتستانتية/الانجيلية في جميع انحاء العالم في عام 2017 بمرور 500 سنة على تأسيس كنيستهم.  ففي 31 من تشرين الاول/ اكتوبر عام 1517 ارسل الپروفسور في علم اللاهوت في جامعة ڤتّنبرگ (Wittenberg)، الكاهن الكاثوليكي الالماني مارتن لوثر (Martin Luther)، رسالة الى رؤسائه الكنسيين (والى عدد محدود من الاصدقاء)، محتجاً بها بشدة على بعض ممارسات الكنيسة، خاصة في موضوع "صكوك الغفران"، ومطالباً بالكف عنها. وأرفق برسالته هذه تلك الـ 95 اطروحة/فكرة (Thesen) الشهيرة، معبراً بها عن رأيه وقناعته، كقواعد اساسية  للنقاش والجدال الذي توخاه بهذا الخصوص، والذي كان مألوفاً آنذاك.

إلاّ ان الكنيسة الكاثوليكية لم ترفض مقترحاته فحسب، بل بدأت بمحاربته فكرياً، محاولةً اجباره على ان ينقض افكاره ويتخلى علنيّاً عنها. فرفض لوثر الانصياع لتهديدات رئاسة الكنيسة بسبب قناعته المطلقة من صحة افكاره التي توصّل اليها بعد دراسته المعمقة للانجيل، وتأكده من المسار الخاطئ للكنيسة المخالف لتعاليم المسيح، وبالاخص فيما يتعلق بموضوع الغفران والتبرير.

ان هذا التاريخ (31/10/1517) يعتبر رمزاً لبداية التصدّع في الكنيسة الكاثوليكية، الذي انتهى، كما نعلم، بتأسيس كنيسة مسيحية اخرى. ان هدف مارتن لوثر الاساسي لم يكن، كما تؤكّده جميع المصادر التاريخية الالمانية المتاحة، الانفصال عن الكنيسة الكاثوليكية، بل اصلاحها وارجاعها بحسب قناعته الى جذورها، الى تعاليم الانجيل، أي الى تعاليم مؤسسها يسوع المسيح.

 


تمثال لمارتن لوثر في مدينة ڤتّنبرگ، ماسكاً الترجمة الالمانية للانجيل بيديه

ولكن من كان ذلك الكاهن المجهول، الاستاذ في علم اللاهوت في مدينة ڤتّنبرگ الصغيرة والغير المهمة، الواقعة في شمال شرق المانيا، الذي تجرّأ بتحدي رؤسائه واخيراً حتى الپاپا والقيصر؟ إن ذلك الكاهن، الذي قام في نهاية المطاف بتأسيس كنيسة جديدة بسبب فشله في اصلاح كنيسته الكاثوليكية وتعنّت رؤسائها في نهجهم، لم يغير مجرى الحياة الدينية في المانيا فحسب، بل كان له تأثيراً كبيراً على الحياة الدنيوية، من نواحيها الفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية حتى يومنا هذا، ليس في المانيا فقط. أن لوثر دخل التاريخ عن غير قصد ان صح التعبير، فلم تكن نيته الثورة ضد الكنيسة أو تأسيس كنيسة منافسة، بل اصلاح كنيسته الكاثوليكية.

لوثر التلميذ والطالب

وُلد مارتن لوثر في 10 تشرين الثاني/نوڤمبر من عام 1483 ككاثوليكي روماني، في مدينة آيسليبن (Eisleben) الالمانية، التابعة آنذاك لـ "الامبراطورية الرومانية المقدّسة للامة الالمانية". كان والده فلاحا في بداية الامر، تمكن بذكائه واجتهاده ان يصبح شريك في منجم صغير للنحاس، وأحد وجهاء مدينة مانسفلد (Mansfeld)، التي انتقلت اليها العائلة بعد ولادة مارتن لوثر بفترة قصيرة. داوم مارتن لوثر في المدرسة الابتدائية اللاتينية في مانسفلد، ذات النظام التدريسي الصارم، كما كان معتاداً في تلك الفترة الزمنية. تعلم هنا القراءة والكتابة والحساب والغناء والمبادئ الاساسية للّغة الاّتينية. وُصف مارتن لوثر من قبل معلميه، كتلميذ موهوب، ولكنَه هادئ وخجول ومنطوي على نفسه.

ارسله ابويه في عام 1498 الى مدينة آيزيناخ (Eisenach) للسكن عند اقربائه والدوام في مدرسة الابرشية، حيث تمكن هنا من اتّقان اللغة اللاتينية كتابةً وتكلّماً. وبسبب ذكاء لوثر والحالة المالية الجيدة للعائلة، ارسله والده في عام 1501 للدراسة في جامعة ارفورت (Erfurt)، آملاً ان يحصل الابن الموهوب على شهادة في القانون، تؤهله لبناء مستقبلاً جيداً. فنال في عام 1505 شهادة الماجستير في الدراسة الاساسية الضرورية في العصور الوسطى  للبدء في دراسة القانون او الاختصاصات الاخرى. تضمنت هذه الدراسة مواد عديدة مثل القواعد اللغوية للالمانية واللاتينية، البلاغة، الرياضيات، الهندسة، الديالكتيك، الموسيقى وعلم الفلك.

لوثر الراهب (1505ـ1511)

 عوضاً عن دراسة القانون، التي تركها بعد عدة اشهر من البدء بها، اصبح لوثر في عام 1505 راهباً. ولكن لماذا هذا القرار الذي يبدو مفاجِئاً للوهلة الاولى؟  يحكى ان عاصفة رعدية فاجئته في 2 تموز من عام 1505 وهو في طريقه وحيداً من دار والديه الى محل دراسته. فأنيرتْ الليلة المظلمة فجأةً بسبب الصواعق التي حولتها الى نهار مضيئ. واذا ببرق يضرب بجواره، فأنتابه الفزع والخوف من الموت القريب. ولكونه شديد التديّن، بدأ حال سقوطه على الارض، يصلي بصوت عالي، راجياً من القديسة حنّة (ام مريم العذراء) ان تنقذه، متعهداً ايّاها بدخول سلك الرهبنة، ان تحقّقَ ذلك ونجا من الموت.

وبالفعل، بدأ لوثر حياته كراهب عام 1505 في ارفورت  في دير القديس اوغسطين للرهبان الشحاذين بالرغم من غضب والديه واستغراب اصدقائه، الذين عرفوه كشخص منفتح على الحياة الدنيوية بالرغم من ايمانه العميق. ادّى لوثر في عام 1506 النذر الرهباني. كانت الحياة الرهبانية في ذلك الدير قاسية للغاية، تركزت على الصوم والصلاة والعمل. فكان مثلاً موعد الصلاة الاولى الثالثة صباحاً. إن هذه الحقبة الزمنية تركت انطباعاتها على لوثر، حيث وجد هنا الهدوء والوقت الكافي لدراسة معمّقة للكتاب المقدس، التي كانت لها تأثيراً كبيراً على اعماله اللاحقة ومؤلفاته.

لوثر الپروفسور (1512 ـ 1517)

لفتَ لوثر بذكائه واجتهاده نظر رئيس الدير، فرُسم في عام 1507 كاهناً كاثوليكيا (كان ذلك ممكناً في العصور الوسطى بدون دراسة اللاهوت). ثم اُرسل في نفس السنة لدراسة علم اللاهوت في جامعة ڤتّنبرگ (Wittenberg)، التي تضمنت دراسة الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد بمصادره الاصلية المتاحة آنذاك، العبرية واليونانية. حاز على شهادة الدكتوراه في علم اللاهوت عام 1512، وعيّن مباشرةً استاذاً في علم اللاهوت في نفس الجامعة. تميزت هذه الفترة بصراع لوثر النفسي والذاتي للتوصل لصلب الحقيقة والتخلص من الشكوك التي رافقته طوال عمره، اذ كان يعتبر نفسه غير جدير بنيل رحمة الله، ممّا دفعه ضميره الى الكآبة في احيان كثيرة. فبقي يبحث بتلهّف على جواب مقنع لأهم سؤال اشغله منذ سنين، وهو:

ما هو المهمّ حقّاً لنيل رضا الله ورحمته؟

عثر لوثر اخيراً الجواب على سؤاله هذا خلال دراسته المعمّقة لرسالة الرسول بولص الى اهل روما (رومية 17:1)، التي كانت احدى مواضيع محاضراته:
 
"لأن فيه (اي في الانجيل) معلن بر الله، الذي يأتي من الايمان ويؤدي الى الايمان، كما هو مكتوب: البار يحيا بالأيمان"

فَهِمَ لوثر من هذه الجملة، بأنه من غير الممكن اكتساب رحمة الله بالاعمال التي يقوم بها الانسان، بل هي بالاحرى هبة يمنحها الرب بنعمته لمن يمارس الايمان، اي الايمان بالمسيح، وبالايمان وحده. والاعمال الصالحة تنبع بدورها من الايمان. كانت هذه بالنسبة للوثر "المعرفة الحاسمة"، او "الباب الى الفردوس" كما سمّاها هو بعدئذ. وجد مقاطع اخرى في الانجيل تؤكد اكتشافه هذا، بل ولم يعثر بالمقابل على ما يعارضها. وفي عام 1514 عيّن لوثر واعظاً في كنيسة ڤتّنبرگ.

الاطروحات والعواقب (1517 ـ 1519)

كان لوثر مسيحياً شديد الإيمان ولاهوتياً واسع العلم والثقافة. ويوماً بعد يوم تنامت لديه الشكوك في مصداقية تعاليم الكنيسة. فكيف يمكن للمرء أن يشتري خلاص روحه بالمال؟ بعد قرائته لتعليمات جديدة صادرة من رئاسة الكنيسة لبائعي صكوك الغفران، قرر لوثر في 31/10/1517 ارسال رسالة احتجاجيّة الى رؤسائه الاساقفة والى عدد قليل من اصدقائه، مرفقاً بها اطروحاته الشهيرة. لم تكن هذه هي المرة الاولى التي ينتقد بها لوثر بيع صكوك الغفران وممارسات سلبية اخرى للكنيسة حسب قناعته، بل كان  قد انتقدها وندّد بها مراراً في وعاظه في الكنيسة. فبدلاً من شراء العفو عن الخطايا بالمال، ينبغي على المرء أن يظهر للرب الندم الحقيقي في قرارة نفسه.

إن ما قرأه الآن كان كقطرة الماء التي تؤدي الى طفح الاناء، كما يقال. وما يحكى عن استعماله لمطرقة ومسامير ليعلن بها اطروحاته بضربات قوية على الباب الخشبي لكنيسة ڤتّنبرگ، قد تكون على الارجح من الاساطير العديدة التي تحكى عن لوثر لغاية اليوم، بالرغم من وجود لوحات فنية عديدة لذلك الحدث، رسمت كلها بعد وفاته. تمحورت الاطروحات بالدرجة الرئيسية حول موضوع الغفران والتبرير ومدى صلاحية رجال الدين وعلى رأسهم الپاپا من العفو عن بعضها او الغائها، بالمال او بدونه. (انظر الملحق الثاني: بعض اطروحات لوثر المختارة في نهاية البحث).

 


يحكى ان لوثر اعلن بهذا الشكل اطروحاته على الباب الخشبي لكنيسة ڤتّنبرگ

لم يتوقع لوثر بالطبع رداً سريعا من رؤسائه الكنسيين، اذ كان يعتبر اطروحاته كأساس لنقاش مبدئي. الا ان نسخاً منها طبعت ـ بعلمه او بدونه ـ في مدن عديدة منها لايبزيگ (Leipzig) ونورنبرگ (Nürnberg) الالمانيتين وبازل (Basel) السويسرية. فنالت من جهة موافقة عارمة من بعض المثقفين والنبلاء، ومن جهة اخرى جابهها الرفض القاطع من قبل اطراف عديدة في الكنيسة الكاثوليكية، وبالاخص من قبل مسؤول الواعظين بشؤون صكوك الغفران تيتسل (Tetzel)، الذي تمنى للوثر الحرق على الحطب، كالمألوف للمهرطقين آنذاك.

لم يكن رد فعل الاساقفة الالمان عنيفاً في بادئ الامر، بل اكتفوا باخبار الپاپا عن "المتمرد" في صفوفهم، وقاموا بايعاز المشرفين المباشرين عليه بالتأثير عليه وحثّه على الاعتدال. وادراكاً من بعض الاساقفة من صحة بعض الاخطاء التي ندّد بها لوثر في اطروحاته، رحب بعضهم في البداية بمقترحاته.

الكنيسة الكاثوليكية خلال العصور الوسطى (500 م ـ 1500 م)

بعد انهيار الامبراطورية الرومانية الغربية، تولت الكنيسة الكاثوليكية القيادة في محلها. فما لا نستطيع تصوره اليوم، كان جارياً واعتياديّا في العصور الوسطى. فكانت للكنيسة السلطة المطلقة لا في الامور الدينية فحسب، بل في الشؤون الدنيوية ايضاً، تضع الخطوط الحمراء للمفكرين والعلماء، التي لا يجوز اجتيازها مطلقاً. غاليليو غاليلي مثلاً، اجبرته الكنيسة على نقُض افكاره بكروية الارض، بحجة انه يناقض نصوص الكتاب المقدس، والاّ لكان مصيره الحرق.

كان الناس في تلك الازمنة شديدي الايمان، يخشون بالاخص  نار المطهر(Fegefeuer) الحارقة، التي يتوجّب على كل شخص تذوّق مرارتها بعد الوفاة. فأستغلت الكنيسة ايمان البسطاء وخوفهم من المطهر، فقامت ببيع صكوك الغفران المشبوهة لهم، لتغفر خطاياهم وتنجيهم من تلك النار الأبدية. وطمعأ من الكنيسة في جباية اموال اضافية، زعمت بامكانية طلب الغفران ايضاً للموتى وتخليصهم من نار المطهر، ان اشترى لهم اقربائهم صكوك الغفران.

 


بيع صكوك الغفران: نحت على الخشب، لوحة من القرن السادس عشر

لم يكن لوثر الناقد الاول أو الوحيد للكنسية الكاثوليكية في تلك الازمنة. بل سبقه بمئات السنين نقّاد مميّزين ومشهورين، تَذكُر المصادر التاريخية اسماء بعضهم:

 الفرنسي  پيير ڤالدو (1140– 1217) Pierre Valdo
الانكليزي جون ويكليف John Wyclif  (1300-1384)
 التشيكي جان هوس  Jan Hus  (1370-1415)

 وغيرهم من هم اقل شهرة منهم. كان القاسم المشترك لكل هؤلاء، إعتبارهم الانجيل المصدر الوحيد للايمان وليست الاوامر والقوانين الكنسية. بالاضافة الى انتقادهم الشديد لأساليب الاكليروس الكنسي في ادائهم تجاه الرعيّة، وإمكانية شراء المناصب الدينية، بدءاً من الكاهن البسيط وصعوداً الى الاسقف والكاردينال.

قام كثيرون من هؤلاء المصلحين بترجمة الانجيل الى لغاتهم المحلية، كي يفهمه عامة المؤمنين. وثمة مصلحون اخرون، عاصروا لوثر وقاموا ايضاً ـ باستقلالية عنه ـ  بانتقاد المؤسسة الكنسية. من اشهرهؤلاء الفرنسي کالڤين Calvin (1509ـ1564) والسويسري تزڤنگلي Zwingli (1484ـ1531)، حيث توجد لحد اليوم كنائس پروتستانتية تتبعهما. والمجال لا يسمح لنا هنا بذكر نقاط التشابه او الفروق بينهم وبين لوثر.

و "إراسموس من روتردام" Erasmus von Rotterdam (1466-1536)، الذي راسل لوثر، يعتبر كذلك من المصلحين الكبار ومنتقدي الكنيسة الكاثوليكية، لكنه لم يرغب أو لم يجرؤ الانفصال عنها، آملاً امكانية حل الخلافات بالنقاش. واليوم يعتير إراسموس من روّاد الحركة الانسانية الاورپية، حيث تسمّى بأسمه شوارع ومدارس ومؤسسات في بلدان اورپية عديدة. وباسمه ايضاً سمّيَ اكبر برنامج في العالم للزمالات من تمويل الاتحاد الاورپي، مُنحت بموجبه لحد الان اكثر من مليون زمالة للدراسة في جامعات بلدان الاتحاد الاورپي، بشرط ان لا تكون واقعة في بلد طالب الزمالة.
 
انّ جميع هؤلاء النقّاد اصطدموا في النهاية بالمؤسسة الكنسيّة ودخلوا معها في صراعات خطيرة، فقدَ بعضهم حياته بسببها.  فـ"جان هوس" التشيكي المذكور اعلاه، اتهمه المجلس الكنسي بالهرطقة واُحرق حيّاً في عام 1415 في مدينة كونستانس (Konstanz) في جنوب المانيا، بالرغم من إعطائه ما سمّي آنذاكَ بـ "الممرّ الآمن". واذا تمعنّا بتاريخ هذا العقاب الغير الأنساني والمخالف للمبادئ المسيحية، فسنرى بأنه حدث 102 سنة قبل ان يعلن مارتن لوثر عن اطروحاته الشهيرة في عام 1517.

حرية الانسان المسيحي

اذن كان هناك الكثيرون ممن سبقوا لوثر ومهدوا لأفكاره، إلا أنه تمكن من البروز والتقدم بفضل شخصيته ومهارته في جذب الانتباه إليه في مختلف أنحاء أوروبا، مستفيدا من الظروف الموضوعية السائدة آنذاك، فانتشرت أفكاره بسرعة فائقة. وبحدود عام 1520 كان لوثر قد اصبح معروفاً على نطاق المانيا وبلدان اورپية اخرى. ومن اهم العوامل التي ساعدت على شهرته الاعلامية الاستثنائية وتقبل افكاره، بالاضافة الى شخصيته المتميّزة هي:

ـ سهولة طبع الكتب بفضل اختراع گوتنبرگ (Gutenberg) بالطباعة بالحروف المتحركة
ـ رغبة العديد من النبلاء التخلص من سلطة الكنيسة المهيمنة دينيّاً ودنيويّاً
ـ عدم رضا غالبية الناس عن الوضع الاجتماعي السائد والاستعداد للاصلاح السياسي

 اصدر لوثر لغاية عام 1520 81 كراساً حول امور دينية، ترجمت معظمها الى لغات اخرى، وصل عدد طبعاتها الى المئات.

بعد ان باءت بالفشل جميع محاولات سفير الپاپا بأقناع لوثر بنقض افكاره، هدده الپاپا ليو العاشر شخصيّاً في 1520/6/15 بمرسوم پاپوي بطرده من الكنيسة، ان لم يقم بنقض افكاره ويعلن خطأه علناً في غضون 60 يوماً. وكجواباً على هذا التهديد، كتب لوثر في تشرين الاول من نفس السنة مذكّرته الشهيرة "حرية الانسان المسيحي" وارفقها برسالة الى الپاپا، راجياً منه عدم تصديق ما يشاع عنه من بعض رجال الدين وغيرهم، فكتب: "من شأنهم ان يسيئوا فهم كل ما يُقال لهم وأن يعملوا على إفساده مهما كان ذلك الكلام حسناً". واقترح لوثر عقد مجمع كنسي لبحث افكاره التي شرحها باسهاب في مذكّرته المرفقة وخصم الخلاف بالنقاش.

ان مذكّرة "حرية الانسان المسيحي"، التي تقع في 10 صفحات باللغة الالمانية، تعتبر من اهم واشهر مؤلفات لوثر، حيث يشرح بها باسهاب مجمل افكاره، بالاخص ما يتعلق بمواضيع الايمان والغفران والتبرير. فالانسان المسيحي، برأي لوثر، هو من ناحية "سيد حر فوق كل شيء ولا يخضع لأحد"، وهو من ناحية ثانية "عبد خادم لكل شيئ وخاضعاً للجميع". وهنا يقوم لوثر بالتفريق بين الإنسان "الروحي" والانسان "البدني". وبهذا يصبح الإيمان في محور المسيحية، وليست الأعمال والقوانين او الكنيسة كمؤسسة. فالعوامل والعناصر الخارجية، ليست هي المهمة للراحة النفسية، وإنما الإيمان وحده والاعتقاد برحمة (نعمة) الرب.

فيقول لوثر مثلاً في الفقرة 23 من مجموع 30 فقرة في نفس البحث:

"ان الأعمال الصالحة لا تصنع ابداً رجلاً صالحاً، بل الرجل الصالح هو الذي يعمل الأعمال الصالحة. كما ولا تصنع الأفعال الشريرة رجلاً شريرا، بل الرجل الشرير هو الذي يقوم باعمال شريرة. إذن يقتضي الحال دائماً ان يكون الشخص نفسه صالحاً، قبل ان يقوم بأيّة اعمال صالحة، فتصدر الأعمال الجيدة عن الشخص الصالح" ويستشهد بقول المسيح "لا تستطيع شجرة جيده ان تنتج ثمراً رديئاً، ولا شجرة فاسدة ان تثمر ثمراً جيداً (متى 7 : 8)".

اراد لوثر هنا التأكيد على ان البر يأتي فقط بالايمان وليس بالاعمال التي يقوم بها الانسان، ايّاً كان شكلها. وبعد يأسه من عدم تمكنه باقناع رئاسة الكنيسة بتصحيح اخطائها، بل قيامها بحرق كتبه، أحرق هو بدوره علناً المرسوم الپاپوي بحقه وبعض الكتب الصادرة من ادارة الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. فطرد على اثر ذلك في 1520/1/3 من الكنيسة الكاثوليكية.

المثول امام القيصر ـ الرحلة الى ڤورمس

كانت سلطة القيصر في العصور الوسطى دنيوية ودينية في آن واحد، وكانت للكنيسة الكلمة الاخيرة بتعيين القياصرة. نظراً لأهمية وخطورة افكار لوثر على الكنيسة الكاثوليكية، اُجبرَ بأمر من الفاتيكان المثول ونقض افكاره امام القيصر كارل الخامس في  نيسان 1521 في اجتماع للرايشستاگ (Reichstag) في مدينة ڤورمس (Worms) في غرب المانيا، بحضور من لهم كلمة الفصل الاخيرة من كبار رجال الدين والسفير الپاپوي وكبار النبلاء (Kurfürsten) الذين لهم الحق في انتخاب القيصر.

 


لقطة من فلم عن لوثر
الممثل يوسف فينّس يمثل لوثر امام القيصروالرايشستاگ في ڤورمس في نيسان1521
على المائدة نسخ من مؤلفاته العديدة

استغرقت رحلة لوثر للمثول امام القيصر 14 يوماً في عربة الخيل. وبعكس ما كانت الكنيسة الكاثوليكية تتوقع، لم تكن رحلته رحلة توبة، بل تحولت في الواقع الى رحلة نصر له ولأفكاره. حيث استقبل بحماسة وتشجيع في كل الاماكن والمدن التي مر بها في طريقه. فوعظ مثلاً في ارفورت و گوتا و آيزيناخ. وحتى في ڤورمس، مدينة محاكمته، التي وصلها في 16 نيسان، استقبل من قبل الاهالي بحفاوة وترحيب حار.

توجّب على لوثر المثول مرتين امام القيصر، طُلبَ منه في كلاهما القيام بسحب افكاره. الا انه بقي متمسّكاً بها، اذ لم يجد اي دليل يقنعه للقيام بنقض اطروحاته وآرائه. وُصِف موقفه بدفاعه عن اراءه أمام القيصر بكونه "واقعيا ورزينا ومتعقّلا"، حيث قال للقيصر وللحضور بهدوء كلمته الاخيرة الشهيرة:

"ان لم تكن هناك اقوال من الانجيل او ادلّة عقلانية واضحة تقنعني، فلا الپاپا ولا المجالس الدينية يستطيعون اقناعي، فهم غالباً ما اخطؤا وناقضوا اقوالهم بانفسهم. ان المقاطع من الانجيل التي ذكرتُها، طغت على ضميري وجعلتني اسيراً في كلمة الله. لذا لا استطيع ولا ارغب بنقض اي شيئ، لأن اي عمل ضد الضمير لا يمنح الأمان او يشفي. ساعدني يا رب، آمين."

الاختطاف "التمويهي"

بعد مغادرته لقاعة المحكمة قال لوثر وهو مرتاح الضمير: "لقد عَبِرتُ". وبالفعل لم يُعتقل، بل سمح له بالمغادرة، واعطيت له "رسالة الحماية"، التي ضمنت له الحرية لمدة 21 يوماً. ولكن بعد مغادرته ڤورمس في 25 نيسان بمعية انصاره من النبلاء، اصدر القيصر مرسومه الشهير (Wormser Edikt)  بأعتباره  "خارج عن القانون"، ما يعني، بأن لكل شخص الحق بالقبض عليه وتسليمه للسلطات او حتى قتله.

كبير النبلاء وصاحب النفوذ، فريدريش الحكيم (Kurfürst Friedrich der Weise)،  احد الحاضرين في محاكمة لوثر، والذي كان منذ البداية من مؤيديه، قام في الرابع من ايار، وهم في طريق العودة من ڤورمس، بتدبير عملية "اختطاف تمويهي" للوثر. كان هذا من ناحية لضمان سلامة لوثر، ومن ناحية ثانية لجعله يختفي في الحال من المشهد، حيث رُوّجت لنفس الغرض اشاعة بوفاته. واختفاءه من الوجود، كان يعني من جهة ثالثة بالنسبة لفريدريش الحكيم، التخلص مسبقاً من عواقب اتهامه بايواء شخص هرطيقي منبوذ وخارج عن القانون.

آملاً منه بانقاذ حياة لوثر وتهدئة الهجمات المستمرة ضد حركة الاصلاح، أمر فريدريش الحكيم بجلبه الى قلعة ڤارتبورگ (Wartburg) المعزولة، حيث قضى فيها متستراً بشخصية اخرى ما يقارب السنة، قام خلالها بترجمة الانجيل (العهد الجديد) من اليونانية الى الالمانية خلال 11 اسبوعاً، لقي بعد طبعه في عام 1522  انتشاراً واسع النطاق في المناطق الپروتستانية، مشكلاً في ذات الوقت مساهمة كبيرة في تطوير لغة المانية مكتوبة وموحّدة. ان فترة اختفاء لوثر عن الانظار لم توثر سلبياً على حركتة الاصلاحية، بل بالعكس، حيث ازدادت زخماً وقوة وتمكنت من تثبيت الجذور والازدهار.

مثّلَ حدث محاكمة لوثر امام القيصر وتبعياتها، نقطة الفصل الكلي بينه وبين الكنيسة الكاثوليكية. فقام بعد مغادرته لقلعة ڤارتبورگ، بمساعدة مؤيدي افكاره من الكهنة والمؤمنين والنبلاء، بتوطيد كنيسة مستقلة تماماً عن الكنيسة الكاثوليكية.
 
كان الانجيل بالنسبة لمارتن لوثر دوماً المصدر الوحيد لدى المسيحيين للرؤيا والعمل. والفكرة الرئيسية للايمان الپروتستانتي (الانجيلي) تتمركز في ما يسمّى بمذهب الرحمة/النعمة. اي ان الانسان يستطيع فقط بايمانه الراسخ والتوبة ورحمة الله التخلص من جميع خطاياه. وانطلاقاً من قناعته هذه، صاغ لكنيسته (باللاتينية) المبادئ الاساسية الاربعة، التي يتوجب على كل مسيحي مؤمن العمل بموجبها:

1. بالنصوص (الانجيل) وحدها"sola scriptura" =
2. بالرحمة (النعمة) وحدها = "sola gratia"
3. بالايمان وحده = "sola fide"
4. بالمسيح وحده = "solus Christus"

 بالطبع ليس باستطاعتنا في هذا البحث التاريخي المقتضب، الاسهاب في مجمل التطورات التي جرت بعد مغادرة لوثر لقلعة ڤارتبورگ ولغاية وفاته  في 18/2/1546 . لذا سنحاول هنا، بقدر الامكان، التركيز على تلك النقاط التي نعتقد باهميتها بالنسبة له، لم نقم بذكرها فيما تقدم.

موقف لوثر من اليهود

يجمع المؤرخون بوجود تطور ملحوظ في موقف لوثر تجاه اليهود بمرور الزمن، الا ان ذلك لم يغير بالاساس من موقفه السلبي تجاههم، باعتبارهم المسؤولين عن صلب يسوع المسيح. فاليهودية بالنسبة للوثر ديانة خاطئة، لا لزوم او ضرورة لوجودها، فقدت أهميتها بظهور المسيحية. ففي عام 1514، حيث أعلن لوثر  للمرة الاولى خطياً رأيه بهم، وقف بالضد من غيره من رجال الدين، ضد حرق مؤلفاتهم. واصدر في عام 1523 مؤلفاً بعنوان "المسيح وُلدَ يهودياً".

لحد ذلك التاريخ كان لوثر يأمل بأن كثير من اليهود "سيصبحون مسيحيين جيّدين"، ويعترفون بيسوع مسيحاً. بعد فقدانه كليّاً لذلك الأمل، تحول رأيه "التسامحي" تجاههم الى موقف عدائي. فألف في عام 1534 كرّاساً بعنوان "ضد السبتيين". وبمرور الزمن وتقدمه في العمر، صاعد لوثر من اسلوبه العدائي ضد اليهود. فأصدر في عام 1543، اي 3 سنوات قبل وفاته، بحثه التاريخي الشهير "اليهود وأكاذيبهم"، الذي يدعو فيه اصحاب القرار في المناطق الپروتستانتية، بطرد اليهود وحرق دور عبادتهم وبيوتهم.

استغل النازيون اثناء الحرب العالمية الثانية، عداء لوثر لليهود كذريعة لمحاربة وقتل وحرق ملايين اليهود الاورپيين لأسباب عنصرية. وبالفعل وقع كثير من الپروتستانتيين الألمان في هذا الفخ النازي وصدّقوا تلك المزاعم. الاّ أن لوثر لم يعادِ اليهود لأسباب عنصرية مطلقاً، كما ادّعى النازيون، بل دوماً لأسباب دينية بحتة، خاصة بعد يأسه وفقدان أمله بأعتناقهم للدين المسيحي. وأمّا ما يعرف الآن بمصطلح "معاداة السامية" (Antisemitismus) ، فقد ظهر لأول مرة في القرن التاسع عشر.

موقف لوثر من الاسلام

بالعكس من موقفه العدائي تجاه اليهود، الذي كان لأسباب دينية بحتة، انطلق لوثر في تقييمه للاسلام من الرأي العام الاورپي السائد في تلك الايام حول دور العثمانيين، الذين يغزون اورپا بالقوة، لاحتلال البلدان واخضاع الناس ووضع الاسلام فوق المسيحية، كما كانوا قد فعلوا من قبل في اسيا الصغرى المسيحية. فالاحداث الخطيرة التي عايشها لوثر شخصياً، دعته لتوجيه اهتمامه على الاسلام والمسلمين. ففي عام 1453، اي قبل 30 سنة من ولادته، حدثت الكارثة الكبرى للمسيحية بسقوط القسطنطينية في يد العثمانيين، تلك العاصمة الكبرى للمسيحية.

تبع تلك الكارثة التي كانت لا تزال حية في اذهان اورپا المسيحية، في عام 1521، اي في زمن لوثر، سقوط بلغراد في يد الاتراك. وفي عام 1526 احتل العثمانيون هنغاريا. وبعدها بثلاثة اعوام، أي في عام 1529، وقف الجيش التركي للمرة الاولى على ابواب ڤيّنا، احدى العواصم الاورپية الكبرى. فكان اذن الخوف والهلع من الاتراك يسيطر كلياً على اذهان مسيحيي اورپا. في ظل تلك الاوضاع المرعبة، لعب لوثر دوره في الدفاع عن الثقافة الاورپية والدين المسيحي، فأبدى رأيه بالغزاة الاتراك المسلمين كرجل دين مسيحي ولاهوتي في نشرات عديدة، ألّفها بين 1529 و 1541، داعياً بها الى الدفاع بدلاً من الهجوم، ومؤيداً لقيصر "الامبراطورية الرومانية المقدّسة للامة الالمانية" بصد الهجوم العثماني.

اعتمد لوثر في رأيه عن الاسلام على ترجمة لاتينية متوفرة للقران. فكتب في احدى نشراته "ان الايمان التركي لم ينتشر بالوعاظ والأعاجيب، بل بالسيف والقتل". وأبدى دهشته بأن القران لا يعترف بيسوع كإبن الله، بالرغم من اعتباره نبيّاً. وكتب كذلك "أن القرآن يحتوي ايضاً على الكثير من الحقائق، لكن محمد أضاف اليه مغالطات واضحة وفقاً لتقديره الخاص". ووصف الإسلام بأنه "البدعة الأكثر نجاحاً في تاريخ المسيحية". الاّ ان لوثر دعى في الوقت نفسه الى ترجمة القرآن الى الالمانية وطبعه، لكي يتأكد المسيحيون بأنفسهم من محتوياته الباطلة.   

لوثر والثورة الفلاحية

بسبب الوضع الاقتصادي السيئ للفلاحين الالمان، الذين كانوا يشكلون انذاك غالبية الشعب ويحتلّون الدرجة السفلى من السلّم الطبقي، اندلعت في عام 1524 انتفاضات فلاحية، بالاخص في جنوب وغرب المانيا وبعض المناطق المجاورة في النمسا وسويسرا. في بداية الانتفاضة، صاغ فلاحون في مدينة مَمِّنگنْ (Memmingen)  في جنوب غرب المانيا، مطالبهم بتحسين حياتهم المعاشية في 12 فقرة، مؤكدين بأن نيتهم سلمية وراغبين في النقاش للوصول الى حلول. تعتبر اليوم تلك الفقرات كمطالب اولية بحقوق الانسان الاساسية.

فطالبوا بالحق في اختيار رجال الدين، تخفيف ضرائب الكنيسة، انهاء القنانة، حق الصيد في الانهار والغابات، التقليل من اعمال السخرة، عقوبات محددة عوضاً عن عقوبات اعتباطية، تحديد الضرائب التي تدفع لاصحاب العقارات وغيرها من المطالب لتحسين ظروف المعيشة. وفي الفقرة الاخيرة أكّد الفلاحون استعدادهم للتنازل عن كل مطلب، إن كان يخالف كلمة الله.

لم تفلح تلك الجهود السلمية في تلبية مطالب الفلاحين، فاندلعت انتفاضات مسلحة بين 1524 الى 1526، سميت بـ "حرب الفلاحين الالمان"، شارك في ذروتها نحو 300.000  فلاح، انتهت بسحقها من قبل النبلاء بمقتل 100.000 منهم. على الرغم من أن وجهات نظر الاصلاح كانت مبرراً اساسيّاً وحافزاً للفلاحين المنتفضين، الا ان لوثر نأى بنفسه بوضوح عن حرب الفلاحين. وبالفعل كان لوثر قد سبق وميّز في عام 1521 بين العالمين الدنيوي والروحي، حيث اراد اصلاح الكنيسة وليس تغيير النظام الاجتماعي العلماني.

بالرغم من ذلك، كان يلام لوثر على نحو متزايد على الاحداث في تلك الحرب من قبل السلطات، ربما لأنه لم ينتقد بوضوح مطالب الفلاحين السلمية العادلة. فحتى في أواخر 1525، كان قد انتقد في دعوته للسلام، السلوك "المتغطرس" للنبلاء. الاّ انه وقف بعد نزيف الدم بوضوح الى جانبهم وأدان المنتفضين بشدة. وبهذا فقدت الپروتستانتية روحها "الثورية" المفترضة، وعززت بدعم من لوثر شخصياً، الظروف الاجتماعية السائدة تحت شعار "اذعنوا لأولياء الامر".

 والجدير بالذكر هنا، ان احد مؤيدي وأتباع لوثر المخلصين، الكاهن توماس منتسر (Thomas Müntzer)، كان احد قادة الثورة الفلاحية البارزين. أختلف مع لوثر في تقييم معنى "حرية الانسان المسيحي"، اذ فهمها، بعكس لوثر، ليس دينياً فقط، بل اجتماعياً وسياسياً. قبض عليه بعد سحق الثورة الفلاحية وأعدم حرقاً. لا تزال في عدة مدن في القسم الشرقي من المانيا شوارعاً باسم توماس منتسر، الذي كانت تعتبره حكومة "المانيا الديمقراطية" المنقرضة من الثوار الالمان.   

وما معنى الپروتستانتية ؟

لم يطلق لوثر على كنيسته تسمية معينة. اذن لماذا تسمّى الكنائس التي تتبع ذلك المذهب بالكنائس الپروتستانتية (Protestantismus)؟

أجبرَ انتشار مبادئ لوثر السريع السلطات الالمانية بإصدار قرار في الريشستاگ الاول في مدينة شپاير(Speyer)، المنعقد عام 1526، السماح لكل نبيل بتقرير مذهبه ومذهب مواطنيه حسب ما "يستطيع تحمّل مسؤوليته امام القيصر والله". إلاّ ان الريشستاگ الثاني، المنعقد عام 1529 في نفس المدينة، وافق على اقتراح القيصر كارل الخامس بالاكثرية، بإالغاء ذلك القرار، وإجبار الجميع باعتناق المذهب الكاثوليكي. فإحتجّ اتباع لوثر من النبلاء وممثلي المدن الكبيرة بشدة على ذلك القرار، فاطلقت عليهم تسمية الپروتستانتيين، اي المحتجّين. فكانت هذه بداية استعمال هذا المصطلح، لا على اتباع لوثر فقط، بل على كل  الخارجين عن الكنيسة الكاثولية.

هل مجرّد صدفة ام مشيئة الله؟

 إستجابةً لطلب التسوية في نزاع الميراث الطويل بين نبيلين من مدينة ولادته آيسليبن (Eisleben)، غادر لوثر مدينة  إقامته ڤتّنبرگ (Wittenberg) في 23 /1/ 1546. كان لوثر يعاني الآن من من أزمات قلبية ومشاكل صحية اخرى، فارهقته هذه السفرة جداً واعتبرها غير ملائمة لميوله الروحية وليست مريحة لعمره المتقدم. فقال متحديّاً لتلك المصاعب "لقد وُلدّتُ وتعمّدتُ في هذه المدينة، فربّما أرسلني الله لكي أموت هنا".



 



في مدينة آيسليبن (Eisleben)  وُلد وتوفى لوثر

أقام لوثر أثناء مكوثه في آيسليبن 4 قداديس ووعاظ في كنيسة سانت اندرياس، لم يستطع تكملة آخرها بسبب اصابته بنوبة ضعف. بعد هذا الحدث ببضعة ايام، توفى لوثر في 18/2/1546 على أثر سكتة قلبية تبعت عدة ذبحات صدرية. كان محاطاً في ساعاته الاخيرة بأبناءه الثلاثة، يوهانس ومارتن وپاول، بالاضافة الى العديد من الاقارب والاصدقاء ورفاق دربه. وكان من بين الحاضرين ايضاً، كاهن كنيسة سانت اندرياس وطبيبي المدينة والنبيل (Graf) ألبرشت من مدينة مانسفلد (Mansfeld) مع زوجته. ووفقاً لآرائه اللاهوتية، تخلى لوثر قبل وفاته عن سر الطقس الكاثوليكي الأخير بالمسح بالزيت، فصلّى عوضاً عن ذلك صلاته الاخيرة، مؤكداً فيها إيمانه المسيحي.
 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
ملحقات

الملحق الاول


اهم المحطات في حياة مارتن لوثر

10/11/1483   الولادة في مدينة آيسليبن (Eisleben)
1490   المدرسة اللاتينية في مانسفلد (Mansfeld)
1498   مدرسة الابرشية البلدية في آيزيناخ (Eisenach)
1501 ـ 1505  الدراسة الاساسية في جامعة ارفورت (Erfurt) 
1505   الدخول في سلك الرهبنة
1507   الرسامة ككاهن
1510 ـ 1511 السفر الى روما
1512   دكتوراه في علم اللاهوت
1512 ـ 1517 بروفسور في علم اللاهوت في جامعة ڤتّنبرگ (Wittenberg)
1517   الاطروحات الـ 95
1521   الاختطاف التمويهي والهرب الى قلعة ڤارتبورگ (Wartburg)
1521   ترجمة الانجيل (العهد الجديد) من اليونانية الى الالمانية خلال  11 اسبوعاً
1522   الرجوع الى مدينة ڤتّنبرگ (Wittenberg)
1525   الزواج  بـالراهبة السابقة كاتارينا فون بورا
1534   اصدار الكتاب المقدس (العهد القديم) باللغة الالمانية (ترجمة من العبرية)
18/2/1546 الوفاة في  آيسليبن (Eisleben)


الملحق الثاني

بعض اطروحات لوثر المختارة  (من مجموع 95 اطروحة)

5 ـ الپاپا لا يستطيع الغاء اية عقوبات، الاّ التي فرضها بنفسه، مستنداً على سلطته الخاصة او تلك التي اقرها القانون الكنسي.

8 ـ لا تُفرض القوانين الكنسية المتعلقة بالتوبة إلاّ على الأحياء فقط ، ولا يجوز أن تُفرض على الأموات.

21 ـ اذن يخطئ وعّاظ الغفرانات الذين يقولون أن غفرانات الپاپا تحلّ المرء من كل العقوبات وتؤاتيه الخلاص.

27 ـ إن قول بعضهم أنه حالما ترنّ النقود في صندوق بائع الغفرانات، تطير النفس من المطهر، ما هو إلاّ كذب وخداع.

28 ـ من المؤكّد أن الطمع والجشع يزدادان عندما ترنّ النقود في الصندوق، الاّ ان شفاعة الكنيسة فهي في حكم الله.

32 ـ إن مَن يعتقدون أنّ رسائل الغفران توصلهم الى الخلاص الأكيد، سيكون مصيرهم ومصير معلميهم الهلاك الأبدي.

33 ـ على الإنسان ان يحذر للغاية أولئك الذين يقولون أن الغفران الذي يمنحه الپاپا هو تلك الهبة الإلهية التي لا تُقدّر بثمن، إذ بها يتصالح الإنسان مع الله.

36 ـ كلّ مسيحي يشعر بالتوبة الصادقة هو محقّ بالمغفرة التامّة وبإلغاء العقوبة إلغاءً كاملاً  بدون صكوك الغغران.

43 ـ يجب تعليم المسيحيين أن إعطاء الفقير وإقراض المحتاج أفضل من شراء الغفرانات.

62 ـ ان كنز الكنيسة الحقيقي هو الإنجيل الفائق القداسة، إنجيل مجد الله ونعمته.

79 ـ ان القول بأن الصّليب المزيّن بشعارات النبالة الپاپويّة، الذي يرفعه وعّاظ الغفرانات عالياً، يُعادل قيمة صليب المسيح، إنما هو قول تجديف.

 86 ـ سؤال آخر: لماذا لا يبني الپاپا كاتدرائية القديس بطرس، هذه الكنيسة الواحدة على الأقلّ، من ماله الخاص، بدلاً من مال المؤمنين الفقراء، وهو يملك مالاً يفوق مال كراسوس أغنى الأغنياء؟

 87 ـ سؤال آخر: ما هو قدر الغفران الذي يمنحه الپاپا أولئك الذين ندموا الندامة الكاملة، ومحقين بالمغفرة التامّة؟

 94 ـ يجب حث المسيحيين على أن يجدّوا في اتّباع رئيسهم المسيح ، وذلك بسيرهم على طريق الآلآم والموت والجحيم.

95  ـ وهكذا ينالون الثقة بدخولهم ملكوت السماء بالهموم الكثيرة، وليس بشعور الطمأنينة الزائف للسلام.


7
المانيا: كيف تمكن هتلر من اعتلاء السلطة؟

سامي مَدالو

مقدمة

تقلّد هتلر من 1933 الى 1945 منصب مستشار(رئيس وزراء) الرايش الالماني واعلن نفسه قائداً وزعيماً لالمانيا. فأرتكبت بأسمه ابشع الجرائم، مثل اضطهاد وقتل ملايين اليهود والمعارضة السياسية من احزاب ونقابات، ولم ينج منه حتى المعوقين جسميّاً او عقليّاً. وبغزوه  لبولندا في 1/9/1939(1)، اطلق هتلر العنان لاحدى اكثر الحروب تدميراً في التاريخ البشري، ذهب ضحيتها اكثر من 60 مليون انسان، وانتهت رسميّاً في 8 ايار 1945 بتوقيع وثيقة "الاستسلام غير المشروط" من قبل ممثلي الجيش الالماني بحضور ممثلي الحلفاء في العاصمة الالمانية برلين.

ان هتلر لم يستولِ على السلطة في المانيا عن طريق انقلاب عسكري، مثلما حصل ذلك مراراً في العراق وسوريا وتركيا ومصر وغيرها من دول العالم الثالث. كما ولم يأتِ نتيجة ثورة جماهيرية تحت قيادة حزبه النازي (حزب العمال القومي الاشتراكي الالماني). بل أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي والنفسي المتردي للشعب الالماني بعد الخسارة الفادحة لالمانيا في الحرب العالمية الاولى، وما نتج عنها من عواقب وخيمة لالمانيا، هو ما يفسر بالدرجة الرئيسية تمكن تلك الفئة الهامشية والصغيرة عدديّاً في بداياتها، من الصعود الى قمة القيادة في المانيا في انتخابات حرة، بالاضافة الى اساليب الخداع والمكر والترهيب.

 

رئيس الرايش الالماني هندنبورگ يعيّن آدولف هتلر في 30/1/1933 مستشاراً لالمانيا

لاشك بأن من يراقب الوضع السياسي الراهن في عديد من البلدان الاورپية وغير الاورپية، قد لاحظ في الفترة الاخيرة نمو وازدياد قوة الاحزاب والتيارات اليمينية والشعبوية في بلدان تمتعت شعوبها منذ عقود بنظام ديمقراطي برلماني. وقد يطرح هذا المراقب على نفسه الاسئلة التالية: هل من الممكن ان يعيد التاريخ نفسه، ويستطيع مرة اخرى حزب قومي عنصري من استلام الحكم في بلد متقدم صناعيّاً مثل المانيا، ويستولي هتلر جديد على السلطة؟ وهل نستطيع تشبيه الوضع الحالي بالوضع آنذاك؟   

ان سنوات الحرب العالمية الثانية الستة (1939ـ 1945)، تركت المانيا وبلدان اورپية اخرى، ماديّاً مليئة بالانقاض، ونفسيّاً بوضع ليس احسن من ذلك. والسؤال الذي طُرحَ سابقاً، ولا يزال يُطرح، هو: كيف كان ذلك ممكناً في المانيا بالذات، ذلك البلد التي كان قد بدأ يسير خطواته الاولى في طريق الديمقراطية البرلمانية؟ ثم ألم تتعلم المانيا من الدرس القاسي الذي تَلقّنته في الحرب العالمية الاولى (1914ـ 1918) (2) والمآسي التي تبعتها ؟

فالمطّلع على اوضاع وظروف المانيا في الفترة التي تلت الحرب العالمية الاولى وسقوط القيصرية بسببها، يفهم بلا شك ما حدث. أذن فعلينا القاء نظرة على المانيا آنذاك واستعراض تلك العوامل التي ساعدت، بل وأدّت في نهاية المطاف الى استلام السلطة من قبل هتلر وحزبه. فليست غايتنا الاساسية في هذا البحث اذن، عد الجرائم التي اقترفتها المانيا النازية تجاه االشعب الالماني والشعوب الاورپية الاخرى، اذ اُلّفت حول هذا الموضوع رُبّما آلاف الكتب والافلام والمقالات.

شيئ لا يُعقل: مقتل شخصين يشعل فتيل الحرب العالمية الاولى

ان احد اهم اسباب تمكن هتلر من الاستيلاء على السلطة كان بلا شك الحرب العالمية الاولى، التي بدأت عمليّاً في 28 حزيران 1914، اي في اليوم الذي اغتال فيه القوميون الصرب في ساراييڤو ولي عهد العرش القيصري النمساوي/المجري وزوجته، انتقاماً لما حدث قبل 6 سنوات من هذا التاريخ، باحتلال الامبراطورية النمساوية/المجرية البوسنة ومن ضمنها مدينة ساراييڤو، مما اغضب الصرب، لكونها في نظرهم جزءاً من صربيا.

 وبعد شهر واحد من الاغتيال، اعلنت النمسا/المجر الحرب ضد صربيا. ومن جانبها قامت روسيا على اثر ذلك، بكونها حليفة صربيا وحاميتها، بأتخاذ الاجراءات الضرورية للبدء بالحرب ضد النمسا/المجر. المانيا القيصرية، التي كانت من ناحية حليفة لامبراطورية النمسا/المجر، ومن ناحية اخرى تسعى للارتقاء الى قوة عالمية تضاهي بريطانيا وفرنسا، انتهزت هذه الفرصة وقررت الاشتراك في الحرب الى جانب النمسا/المجر.
 
 


القيصر الالماني ڤيلهلم الثاني

فاعلن القيصر الالماني ڤيلهلم الثاني في الاول من شهر آب 1914 الحرب على روسيا وبعد يومين الحرب على فرنسا، لكونها حليفة لروسيا. وبريطانيا، التي كانت منذ 1907 احد اطراف "الوفاق الثلاثي" مع روسيا وفرنسا، أصبحت تلقائياً عدوّة المانيا. اما حلفاء المانيا فكانوا، بالاضافة الى امبراطورية النمسا/المجر، الامبراطورية العثمانية والمملكة البلغارية، او ماسُمّيَ بـ "دول المركز".

الحزب الاشتراكي الديمقراطي والصراع حول نظام الحكم

ومن الغريب بل والمدهش، بأن ينال هذا القرار القيصري الخطير التأييد من الحزب الاشتراكي الديمقراطي(3)، الذي كان آنذاك يمثل اكبر قوة سياسية شعبية في المانيا، وكان دوماً ومبدئياً ضد الحرب. الا ان الموجة الجماهيرية العارمة المؤيدة للقرار القيصري ببدء الحرب، جرفت بتيارها حتى المناهضين الكلاسيكيين للحرب، ومن ضمنهم الحزب الاشتراكي الديمقراطي، معلّلا ذلك علنيّاً بوجوب وضع مصلحة الوطن فوق المصالح الطبقية، وساعياً في في الاساس بتأييده للحرب، التخلص من تهمة خيانة الوطن، التي كانت تطلق عليه دائماً من المعارضين لسياسته.

لم ينال موقف الحزب الاشتراكي الديمقراطي هذا بالطبع تأييد جميع نوابه في البرلمان. ففي بداية الحرب رفض علنيّاً نائب واحد فقط هذه السياسة. بمرور الزمن وازدياد الخسائر الالمانية في الحرب وارتفاع اعداد القتلى والمعوقين واشتداد الضائقة المالية، ازداد عدد نواب هذا الحزب المناهضين للحرب، فوصل عددهم الى 45 نائباً في عام 1917. اما قيادة الحزب فبقيت متعنّدة ومصرّة على موقفها بتأييد الحرب وفصلت هولاء النواب جميعاً من الحزب.

وعلى اثر ذلك، شكّل هؤلاء النواب مع انصارهم حزباً مستقلاً  باسم "الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل". اما الحزب الام، فسمى نفسه الان "الحزب الاشتراكي الديمقراطي ـ الاغلبية". وفي فترة لاحقة، حُذفت كلمة "الاغلبية" من اسم الحزب، الذي لا يزال احد اقوى الاحزاب في المانيا، ويأتي حاليّاً في المرتبة الثانية بعد حزب "الاتحاد الديمقراطي المسيحي"، ويشكل معه الحكومة الالمانية الحالية (2013 ـ 2017).
 
ثورة نوڤمبر ـ الفوضى والتخبط

في اوائل نوفمبر 1918، اي قبل نهاية الحرب بأيام، تمردت قطعات من البحرية الالمانية على قيادتها ورفضت الاوامر بالاستمرار في الحرب، لقناعتها بعدم جدوى ذلك، وتيقنها بقرب خسارة المانيا للحرب. فانتشرت شرارة هذا التمرد بسرعة البرق في عموم المانيا وأدت الى ما سُمّي بثورة نوڤمبر، حيث شُكّلت في عموم المانيا "مجالس العمال والجنود"، التي طالبت بالدرجة الرئيسية بانهاء الحرب وسقوط القيصرية.

تحت الضغط الجاهيري، ولانقاذ النظام القيصري من السقوط، وافق القيصر ڤيلهلم الثاني مكرهاً على بعض الاصلاحات الديمقراطية، التي جاءت ناقصة ومتأخرة جداً، ولم تنقذ النظام القيصري من السقوط. بعد تأكده من قرب خسارة المانيا للحرب، تنازل عن العرش في 9/11/1918، وعاش كلاجئ ذو امتيازات لدى العرش الهولندي حتى وفاته في 4/7/1941.

ان الحرب ضد روسيا وفرنسا وبريطانيا وخاصة بعد مشاركة الولايات المتحدة الامريكية الى جانب الحلفاء، لم تجرِ لصالح المانيا وحلفائها، كما كان غالبية الالمان يتوقعون. فأنتهت بخسارة المانيا في 11/11/1918، اي بعد يومين من تنازل القيصر الالماني عن العرش، بتوقيع ممثلي الرايش الالماني مع بريطانيا وفرنسا وثيقة وقف اطلاق النار في عربة قطار في شمال فرنسا.

 


توقيع وثيقة وقف اطلاق النار في 11/11/1918 في عربة قطار في شمال فرنسا
وراء المنضدة عن الحلفاء: (من اليمين) ضابطان فرنسيان وضابطان بريطانيان
الواقفون امام المنضدة عن الجانب الالماني: 3 مدنيون وضابطان

وفي اليوم الذي تخلى فيه القيصر عن الحكم، اي في 9/11/1918، اُعلِنَ النظام الجمهوري في برلين مرتين. المرة الاولى كـ "جمهورية ديمقراطية" من قبل "فيليپ شايدَمان" عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي ـ الاغلبية، والمرة الثانية كـ "جمهورية اشتراكية حرة" من قبل "كارل ليبكنشت"، قائد الجناح اليساري الرادكالي في الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل واحد مؤسّسي رابطة شپارتاكوس.

ان المؤرخين وصفوا بحق هذه المرحلة بفترة "الفوضى والتخبط الثوري"، حيث تأجج الصراع حول شكل نظام الحكم القادم. فالسؤال المهم المطروح الان، كان: هل يكون نظام الحكم الجمهوري القادم، ديمقراطي برلماني، كما نادى به الحزب الديمقراطي الاشتراكي ـ الاغلبية، أم على شكل نظام المجالس الشعبية، المشابه للنظام السوفيتي، كما دعى اليه الحزب الديمقراطي الاشتراكي المستقل؟

 



"فيليپ شايدَمان" عن الحزب الاشتراكي الديمقراطي
يعلن النظام الجمهوري من شباك الرايشستاگ

معاهدة ڤرساي والعواقب السلبية

وقِّعت معاهدة ڤرساي (ضاحية قريبة من پاريس) في 28/6/1919 من قبل الحلفاء المنتصرين في الحرب: فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الامريكية و23 دولة اخرى متحالفة معها او مرتبطة بها، واُجبرت المانيا على التوقيع عليها، لتدخل في 10/1/1920 حيز التنفيذ. وبموجبها:

1.   اعتُبرت المانيا المسؤولة الوحيدة عن نشوب الحرب العالمية الاولى
2.   فقدت سُبع مساحتها وعُشر سكانها
3.   فقدت جميع مستعمراتها
4.   توجّب عليها دفع 132 مليار مارك ذهبي الماني خلال 30 سنة، كتعويضات للخسائر التي لحقت بالقوى المنتصرة
5.   توجّب عليها تقليص جيشها بمقدار 8 ملايين عسكري

وبما ان المانيا اُجبرت على الموافقة والتوقيع على ما قررته القوى المنتصرة، هذا بالرغم من عدم السماح لها بالاشتراك في المباحثات، رفضت عدة احزاب المانية وجماهير غفيرة تلك المعاهدة. فشكّلت بهذا عقبة كبيرة امام جمهورية ڤايمار الديمقراطية وهي في بداياتها. فاتهمت القوى المعادية مبدئياً للنظام الجمهوري، القوى الديمقراطية بخيانة المصالح الالمانية لتوقيعها على تلك الاتفاقية الجائرة، حسب رأي تلك القوى، بل واعتبرتها عار على الموقعين.
 



تظاهرة جماهيرية في 15/5/1919 امام البرلمان الالماني ضد شروط معاهدة ڤرساي
قبل توقيعها من الجانب الالماني

وبالفعل، ان شروط تلك الاتفاقية القاسية لالمانيا وعدم اشراك الجانب الالماني في المباحثات، شكّل خطأً كبيراً، أتى بنتائج سلبية لا تقاس للجمهورية الالمانية الفتية، التي تشكلت بالاساس كنتيجة حتمية لخسارة النظام القيصري للحرب التي كان المسؤول الرئيسي في نشوبها. ففقدت للأسف جماهير غفيرة ثقتها في امكانية النظام الديمقراطي الجمهوري الحديث من تمثيل المصالح الالمانية الرئيسية بصورة صحيحة. مما تسبب بدوره في رفض فئات كبيرة من الشعب الالماني للنظام الجمهوري مبدئيّاً. فاستغلت هذا السخط الشعبي بالاخص القوى القومية النازية، لاثارة الغضب ضد جمهورية ڤايمار والدول المنتصرة في الحرب.     

جمهورية ڤايمار والمشاكل منذ "ولادتها"

جرت في 19/1/1919 لاول مرة بعد سقوط القيصرية، انتخابات الجمعية الوطنية لتقر دستوراً للجمهورية الالمانية الفتية. قاطع الحزب الشيوعي الالماني(4)، الذي كان قد تأسس قبل 3 اسابيع من هذا التاريخ، هذه الانتخابات، واشترك بدلاً عنها في انتفاضة كانون الثاني ضد بعض قرارات الحاكم الفعلي "مجلس ممثلي الشعب" برئاسة "فريدريش ايبرت"، رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي ـ الاغلبية. سُحقت هذه الانتفاضة بمساعدة قطعات من الجيش القيصري، واعتُقل في 15/1/1919 اثنان من اهم قادة الحزب الشيوعي ومؤسسيه "كارل ليبكنشت" و "روزا لوكسمبورگ"، وقتلا غدراً والقيت جثتيهما في احدى قنوات برلين.   

بسبب الوضع المتأزم في برلين في تلك الايام، اجتمعت الجمعية الوطنية المنتخبة ديمقراطياً، في تموز 1919 في مدينة ڤايمار(5) واقرت بالاكثرية ـ ضد اصوات الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل وحزبين اخرين صغيرين ـ ما سمّي بعدئذٍ بدستور ڤايمار، الذي دخل حيز التنفيذ في 14 آب من نفس السنة. ان هذا الدستور كان بجوهره، قياساً بالظروف آنذاك، دستوراً ديمقراطياً، تضمن نقاطاً مقتبسة من التقاليد الديمقراطية الالمانية ودساتير دول ديمقراطية اخرى. فأقرّ لاول مرة في التاريخ الالماني فصل السلطات الثلاثة الواحدة عن الاخرى والمساواة بين الرجل والمرأة في حق الانتخاب والترشيح(6)، وعناصر ديمقراطية اخرى. الا انه احتوى على نقاط ضعف ونواقص، مقارنة بالدساتير الديمقراطية الحالية.

ولكن، بالرغم من نجاح "الحزب الديمقراطي الاشتراكي ـ الاغلبية" في نهاية المطاف من فرض رأيه حول شكل النظام، ادّت عواقب الانقسام السلبية من المناحرات والعداوات، الى تفتيت وتشتت قوى اليسار، مما كان له في السنوات التي تلت، دوراً هامّاً في اضعاف اهم القوى السياسية المناهضة للقوى اليمينية النازية.

الاسباب الاخرى في تمكن هتلر من اعتلاء السلطة

في عام 1923 بلغ الصراع على السلطة ذروته، حيث ادى دفع التعويضات المقررة في معاهدة ڤرساي الى التضخم المالي، الذي افقد السكان مدخراتهم وكذلك ثقتهم في الدولة الديمقراطية. فانتهز الحزب النازي (حزب العمال القومي الاشتراكي الالماني) هذا الوضع  بنشر نظريته عن "الدكتاتورية الشرعية"، وقام بالفعل بمحاولة انقلاب فاشلة، اشترك فيها رئيس الحزب هتلر شخصيّاً. 

بعد اصلاح العملة في نوڤمبر من نفس السنة، وابرام عقود جديدة لصالح المانيا مع الحلفاء بخصوص التعويضات الباهضة، تحسّن الوضع السياسي والاقتصادي نوعاً ما. كما وتم اعادة اعتبار المانيا وقبولها عضواً في عصبة الأمم. الا ان الاستقرار السياسي والاقتصادي لم يدم طويلاً، حيث أدّى أنهيار بورصة نيويورك للاوراق المالية في 1929/1930، الى ازمة اقتصادية عالمية، طالت المانيا بشكل خاص، فأنخفض الانتاج الصناعي الالماني بنسبة 40 في المئة وارتفع عدد العاطلين عن العمل الى 6 ملايين، مما ادى الى فقر وبؤس جماهيري واسع.
 
ان استمرار القلق وعدم الطمأنينة في الوضع الاقتصادي، اثرَّ بالطبع بدوره على الوضع السياسي. فخلال 11 سنة فقط، تقلد 10 اشخاص رئاسة الوزارة الالمانية. وهذا ادّى بدوره الى أزدياد التأييد الشعبي لقوى التطرف اليميني واليساري، المعادية بجوهرها للنظام الديمقراطي البرلماني. ففي الوقت الذي انشغلت فيه القوى اليسارية بالانشقاقات الواحدة عن الاخرى، وتكوينها احزاب وتنظيمات عديدة، ومحاربة بعضها البعض لا فكرياً فقط، تمكن اليمين القومي العنصري توحيد صفوفه تحت راية الحزب النازي بقيادة هتلر، وتمكن من زيادة نسبة منتخبيه من 2,6% في عام 1928 الى 18,3%  في عام 1930، اي  بمقدار سبعة اضعاف خلال سنتين فقط ، واصبح بهذا ثاني اكبر حزب بعد الحزب الاشتراكي اليمقراطي في البرلمان، واصبح هتلر، بين ليلة وضحاها، من اكبر المنافسين على االسلطة.         

وفي السنوات التي اعقبت الازمة الاقتصادية العالمية، تمكن الحزب النازي، بالاضافة الى نجاحه على المستوى البرلماني، من فرض سلطته على الشارع الالماني ايضاً، مستغلاً مجدداً الاستياء الشعبي ضد معاهدة ڤرساي و خسارة المانيا للحرب العالمية الاولى، وتمكّن من ترويج فكرة "هتلر سيكون المنتقم للشعب الالماني". فنال في انتخابات 6 تشرين الثاني 1932 على 33,1% من اصوات الناخبين واصبح بذلك اقوى حزب في البرلمان. ان هذا يعني ازدياد هائل لاصوات منتخبي الحزب النازي خلال 4 سنوات فقط (من 2,6% في عام 1928 الى 33,1% في عام 1932). وكل محاولات رئيس الرايش الالماني ومستشاره بتحييد هتلر وربطه بهم، بائت جميعها بالفشل.

واما النسبة المئوية لاصوات منتخبي الحزب الاشتراكي الديمقراطي والحزب الشيوعي الالماني، اللذين تقلدا المرتبة الثانية والثالثة في عدد الاصوات في الانتخابات الثلاثة الاخيرة التي سبقت تسليم السلطة لهتلر في عام 1933، فكانت، مقارنة باصوات منتخبيي الحزب النازي كالاتي:



 من الجدول اعلاه يمكننا ملاحظة وجود امكانية عددية للتصدي للحزب النازي، وافشال تسليم مقاليد الحكم لرئيسه هتلر. الا ان هذين الحزبين اليساريين، بالرغم من جذورهما التاريخية والاجتماعية والسياسية المشتركة، كانا، بسبب انعدام الثقة بالآخر والتناحرات والخلافات الاديولوجية والشخصية، وتبعية الحزب الشيوعي الالماني للاتحاد السوفيتي، غير قادرين، او بالاحرى غير راغبين على الاتفاق والتآلف حتى في هذه اللحظة التاريخية الحرجة، وانقاذ بلادهم من الخطر النازي المحدق. فالحزب الشيوعي الالماني، الذي كان قد اصبح حزباً ستالينياً قحّاً، اعتبر الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وليس الحزب النازي، من الدّ اعداءه، مطلقاً عليه تسمية "سوتسيال فاشسموس" اي الفاشية الاجتماعية. يا للاسف.

هتلر يستلم السلطة

وفي نهاية المطاف ونظراً لنتائج الانتخابات الاخيرة والضغط الشعبي، اضطر رئيس الرايش الالماني هندنبورگ في 30 كانون الثاني 1933 الى تسليم السلطة رسميّاً الى هتلر، بتعيينه مستشاراً لالمانيا. ان هذا الاجراء الرسمي يشكّلَ حقّاً نهاية النظام الديمقراطي البرلماني في المانيا وبداية الدكتاتورية العنصرية، التي جلبت الكوارث والمآسي ليس لالمانيا فحسب، بل لاورپا والعالم.

كلمة اخيرة

طرحنا في بداية هذا البحث الاسئلة التالية:

 هل من الممكن ان يعيد التاريخ نفسه، ويستطيع مرة اخرى حزب قومي عنصري من استلام الحكم في بلد متقدم صناعيّاً مثل المانيا، ويستولي هتلر جديد على السلطة؟ وهل نستطيع تشبيه الوضع الحالي بالوضع آنذاك؟

ان جوابنا القاطع لكل تلك الاسئلة هو: كلا
 
وهذا ليس بسبب عدم قناعتنا بالقول الشائع "التاريخ يعيد نفسه"، بل لأن الظروف الانية في المانيا لا يمكن مقارنتها بتلك الظروف التي ادت الى استلام هتلر لمقاليد الحكم. فاذا نظرنا الى تلك الاسباب التي ادت الى تسليم السلطة له، لوجدنا ان لا احدها ينطبق او يشابه الوضع الحالي الالماني في: الاقتصاد، البطالة، تناحر الاحزاب الشعبية الكبيرة، الوضع الدولي. وعلينا الا ننسى هنا ذكر نقطة اخرى في غاية الاهمية، وهي: التجربة الديمقراطية الناجحة في المانيا خلال 70 سنة الماضية،


الهوامش

1.   أمر يجلب النظر: قبل ذلك باسبوع واحد فقط (23/8/1939)، عقدت المانيا  مع الاتحاد السوفيتي معاهدة "عدم الهجوم"، التي سُمّيت بعدئذ بـ "معاهدة هتلرـ ستالين". سؤال يتداوله المؤرخون لحد الان هو: هل لهذه الاتفاقية دور ما في الهجوم الالماني على بولونيا والحرب، خاصة لانها تضمنت بروتوكولات سرية (ظهرت لاحقاً)، تحدد مناطق نفوذ البلدين على البلدان الواقعة بينهما (اسكندنافيا، دول البلطيق، بولندا ورومانيا).

2.   قُتل في الحرب العالمية الاولى اكثر من 9  ملايين عسكري و ما يقارب 8  ملايين مدني. وتعدى عدد الضحايا العسكريين الالمان 2 مليون واكثر من 4 ملايين جريح و 600 الف اسير حرب. اما عدد القتلى من المدنيين الالمان فكان يقارب 1 مليون شخص. وبهذا كان لالمانيا العدد الاكبر من الضحايا، مقارنةً بالدول الاخرى المشاركة في الحرب.

3.   الترجمة العربية المتداولة لأسم هذا الحزب (Sozialdemokratische Partei)، الذي لا يزال احد اكبر الاحزاب الالمانية حالياً، خاطئة برأي الكاتب. الترجمة الصحيحة لاسم هذا الحزب يجب ان تكون "الحزب الاجتماعي الديمقراطي"، حيث ان كلمة سوتسيال (Sozial) في الالمانية، تعني "اجتماعي"  وليس "اشتراكي"،  امّا كلمة (Sozialistisch) فهي التي تعني بالضبط "اشتراكي". الا اننا سنستعمل في بحثنا هذا،  بالرغم من ذلك، ما هو معتاد في الادبيات العربية.

4.   تأسس الحزب الشيوعي الالماني في 30/12/1918 من اتحاد رابطة شبارتاكوس اليسارية مع مجموعات رادكالية يسارية صغيرة ولاحقاً اجزاء من الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل. كان هدفه بناء المجتمع الشيوعي في المانيا. من اكبر اخطاءه كانت محاربته للحزب الاشتراكي الديمقراطي ووصفه بالفاشية الاجتماعية، مما ادى الى عدم الاتفاق لصد هتلر.


5.   ڤايمار مدينة المانية، تم فيها اقرار ذلك الدستور. ونسبة الى ذلك، سمّيت الفترة التي تلت، حتى استلام هتلر للسلطة، بـ "جمهورية ڤايمار".

6.   للمقارنة مع دول اورپية اخرى في حق الترشيح والانتخاب للنساء: فنلندا (أول دولة اورپية): 1906، المانيا: 1918، السويد: 1921، بريطانيا: 1928، فرنسا: 1945، سويسرا: 1971.



8
المانيا: مدى المسؤولية عن ابادة الارمن واقليات مسيحية اخرى

سامي مدالو

مقدمة


ليس هدفنا في هذا البحث التاريخي القصير تناول الدور الرسمي للدولة العثمانية في الابادة الجماعية للارمن قبل 101 سنة، أو أضافة معلومات او ارقام تفصيلية حديثة عن المجازر البشعة التي أٌقترفت بحقهم. فقد كٌتبت في هذا المجال ربما مئات الدراسات والبحوث عن الجرائم المبرمجة تجاه الشعب الارمني. ان ما نبغيه هنا، هو بالدرجة الرئيسية تسليط الضوء على دور المانيا القيصرية في تلك الاحداث اثناء حدوثها، كونها حليف الامبراطورية العثمانية خلال تلك الفترة. كما ويهمنا موقف المانيا من تلك المجازر كدولة  عبر التاريخ، وكذلك مدى علم الشعب الالماني بها.

لعلنا لانبالغ اذا قلنا بأن الغالبية العظمى من الالمان المعاصرين تظن بأن العلاقات الالمانية التركية بدأت مع قدوم الوجبات الاولى من العمال الاتراك الى المانيا في الستينات من القرن العشرين. فقلة قليلة منهم لها بالفعل العلم  بتواطؤ المانيا القيصرية في حوادث القتل الجماعي للارمن ولاقليات مسيحية اخرى مثل اليونانيين والسريان والكلدان والاشوريين.

شهود عيان المان

ابتداءً من شهر ايار عام 1915 وتباعاً، تلقى السفير الالماني في القسطنطينية (اسطنبول الحالية)، البارون هانز فرايهر فون فانگنهايم، تقارير من قنصليات المانية عديدة في شرق البلاد وجنوبها، تؤكد بأن عمليات النفي والتهجير للارمن، التي تطبقها السلطات العثمانية تحت ما سمّي بـ “أعادة التوطين”، لا تراعي بتاتاً النواحي الانسانية للمهجّرين، الذين كان معظمهم من النساء والاطفال وكبار السن من الرجال، بل بالعكس. فمثلاً يصف نائب القنصل الالماني في ارضروم حالة الارمن في مسيراتهم الاجبارية باتجاه الجنوب بانها كارثية، ويتحدث عن نساء واطفال جياع يلقون بأنفسهم امام سيارته طالبين الخبز.

 
 


في نيسان 1915 بدأت المجازر العثمانية بحق الارمن
الصورة تظهر اعدام الارمن في اسطنبول

اما القنصليات الالمانية في الجنوب فتتحدث في تقارير عديدة عن العثور على جثث للارمن عائمة على مياه دجلة والفرات، مما يؤكد لهم حدوث مجازر بحق هؤلاء الناس اثناء ترحيلهم القسري من ديارهم. أن التقارير العديدة والمفصّلة التي استلمها السفير الالماني فانگنهايم لغاية حزيران 1915 من قنصليات عديدة، ارغمته في نهاية الامر على اخبار السلطات المسؤولة في العاصمة برلين عن الاوضاع المأساوية للارمن المهجًرين، والجزم بأن الغاية الاساسية من الابعاد القسري هي بالفعل “أبادة العنصر الارمني”.

السفير يخبر حكومته


في السابع من تموز سنة 1915 ارسل السفير الالماني في القسطنطينية  فانگنهايم تقريراً خطيراً الى حكومته في برلين يتضمن ما يلي:

“ أن الظروف والطريقة التي يتم بها توطين الارمن في أماكن اخرى، تُظهر جلياً غرض الحكومة الفعلي في ابادة العنصر الارمني في الامبراطورية التركية”.

أن هذا التصريح من قبل كبير الدبلوماسيين الالمان في الامبراطورية العثمانية، يُؤكد بوضوح لا يقبل الشك، بأن  الدبلوماسيين والعسكريين الالمان لدى الدولة العثمانية، كانوا على علم بوقت مبكر بالمشروع العثماني بالابادة الجماعية للارمن.

ثمة نقاط تستحق الملاحظة في هذا التقرير:

1 ــ الاعتراف الصريح بأن قيادة الامبراطورية العثمانية، وهي احدى اهم حلفاء المانيا في الحرب العالمية الاولى، تقوم فعلاً بتنفيذ عملية الابادة الجماعية للاقلية المسيحية الارمنية (واقليات مسيحية اخرى).

2 ــ ان هذا السفيرالذي يصف الان حملات اعادة توطين الارمن بأنها “ابادة للعنصر الارمني”، كان بالذات لحد ذلك الحين يقوم بالدفاع عنها وتبريرها.

3 ــ بسبب العواقب السلبية لهذه الافعال، والتي كان السفير يخشى بأنها قد تضر بسمعة المانيا، قام في نفس الرسالة بتقديم اقتراحات للسلطات الالمانية حول كيفية تجنب ذلك. الا انه لم يقدم اي اقتراح لانقاذ الارمن.

أن ما تقدم يعني بأن تموز عام 1915 يشكل تاريخاً مهماً، حيث يثبًت فيه رسمياً تواطؤ الدولة القيصرية الالمانية مع الاتراك في الابادة الجماعية للارمن، وتحملها بهذا جزءاً من المسؤولية. فحتى ذلك التاريخ، كان من الممكن افتراض جهل السلطات الرسمية الالمانية لحقيقة ما يجري للارمن. 

فحملات ترحيل الارمن من مناطق حربية مهمة، كخط المواجهة مع العدو  الروسي، أو ترحيلهم من شواطئ البحر المتوسط، التي كان مخططي الحرب الاتراك والالمان يتوقعون قيام الاساطيل الانكليزية والفرنسية المعادية الهجوم من خلالها، كانت تعلل رسمياً بضرورات تقتضيها العمليات العسكرية الدائرة او المحتملة.


 




وزير الحرب العثماني انور باشا (في اليسار) يتفقد احد المواقع في القسطنطينية
 مع منظم الابادة الجماعية وزير الداخلية طلعت باشا

أن القيادة التركية ومعها ضباط المان كبار، يتقلدون مناصب هامة في التخطيط الحربي في هيئة الاركان للجيش العثماني، كانوا مقتنعين بأن الاقلية الارمنية والاقيليات المسيحية الاخرى يتعاطفون مع الاعداء ضد الامبراطورية العثمانية. فلذا يجب ترحيلهم الى مناطق اخرى، غير قادرين فيها القيام بإضرار الامبراطورية العثمانية. أن ما سمّي “بأعادة توطين الارمن” والذي كان يعني عمليّاً طردهم من بيوتهم وبلداتهم ومن الارض التي سكنوها منذ اجيال، قد بدأ بالفعل في نيسان 1915.
 
مواقف مخزية

الم يكن من واجب السفير الالماني بعد علمه بحقيقة ما يحدث، تقديم احتجاج شديد اللهجة بأسم الرايش(*) الالماني ضد الابادة الجماعية للارمن والتهديد بالعواقب اذا لم يتم ايقاف القتل الجماعي؟ نعم، كان هذا واجبه، خاصة وأن الدولة العثمانية كانت حليف مهم لالمانيا في الحرب. الا ان هذا لم يحدث للاسف. فبأستثاء مذكرتين احتجاج بسيطتين من قبل السفير لدى السلطات العثمانية، والتي تمت حسب اعترافه بالدرجة الرئيسية “لغرض القول لاحقاً، بأننا قمنا بالاحتجاج”.

ان قوال وتصريحات كبار الضباط في الجيش الالماني القيصري، تبين مدى الحقد والعداء الذي كانوا يكنّوه ضد الشعب الارمني. فرئيس الاركان الالماني فرتز بونزارت فون شلّندورف، وصف الارمن بأنهم “مصاصي دماء الشعب التركي وهم أسوأ من اليهود”. والادميرال فيلهلم سوشون دوّن في مذكراته ان “تركيا سترتاح بقتلها لآخر ارمني”. اما الملحق البحري في القسطنطينية هانز هومان، الذي كانت تربطه علاقات صداقة حميمة مع  انور باشا، وزير الحرب العثماني واحد كبار المسؤولين عن ابادة الارمن، علق على تقرير للقنصل العثماني في الموصل، الذي يبدي فيه تذمّره عما يحدث للارمن، بالعبارة “ان الارمن سيمحون. ان هذا صعب ولكنه مفيد”.

موقف انساني نبيل لم يجد صداه في برلين


بعد الموت المفاجئ للسفير الالماني فانگنهايم على اثر سكتة دماغية في تشرين الاول من عام 1915، عٌيّن بعد شهر پاول گراف فولف مترنيش كسفير جديد لدى السلطة العثمانية. السفير الجديد لم يكن كسابقه غير مكترثاً بمصير الارمن. فبعد شهر من تسلمه مهام السفارة، وجه خطاباً الى برلين، مطالباً فيه بوجوب اطلاع الرأي العام الالماني بحقيقة ما يحدث للارمن في الامبراطورية العثمانية ويطالب الحكومة الالمانية بأن تقوم بالتهديد الجدي للحليف العثماني بالعقوبات في حالة الاستمرار في سفك الدماء. ويرى “بأننا اذا اردنا ان نوفَّق في ذلك، فعلينا تخويف الحكومة التركية من مغبة العواقب”. وان لم يحصل هذا، “فليس لنا خيار، الا التفرج كيف ان حليفنا يواصل الذبح”.

الا ان رد مستشار الرايش الالماني تيوبالد فون بيتمان هولفيگ كان مخيباً للآمال. فأكّد في جوابه “أن هدفنا الوحيد هو الحفاظ على تركيا كحليف بجانبنا حتى نهاية الحرب، بغض النظر إن أٌبيد الارمن ام لا. وأن استمرت الحرب لمدة اطول، فسنكون بحاجة ماسة للأتراك”. من اجل فهم سياسة المانيا القيصرية اللاابالية تجاه مصير الارمن، بل والمعادية لهم، لحد مشاركة بعض منتسبيها الفعلي في عمليات الترحيل، يتوجب علينا القاء نظرة خاطفة على الحقبة التاريخية التي سبقت الحرب العالمية الاولى.

 



مستشار الرايش الالماني تيوبالد فون بيتمان هولفيگ (في اليمين) مع القيصر الالماني فيلهلم الثاني
تقلّهم سيارة في مدينة سْوينَه مُندة في شمال المانيا


اسباب التحالف الالماني العثماني


لم تكن الامبراطورية العثمانية من قبيل الصدفة حليفاً مهماً لالمانيا القيصرية في الحرب العالمية الاولى. ففي الوقت الذي كانت فيه لبريطانيا ولفرنسا مستعمرات عديدة، وفي الوقت الذي كانت فيه روسيا القيصرية هي الاخرى قد وسعت  سلطتها في القرن التاسع عشر باتجاه سيبيريا والقوقاز واسيا الصغرى، وقفت المانيا، كما يقول المثل الالماني بـ “ايادي فارغة" بعد توحيدها (المتأخر) عام 1871، بالرغم من امكانياتها الاقتصادية والصناعية والعسكرية.


 




“قوى متحدة تؤدي للهدف”

بطاقة بريدية تصور رؤساء دول “المركز” المتحالفة اثناء الحرب العالمية الاولى.
من اليسار الى اليمين: القيصر الالماني فيلهلم الثاني، قيصر نمسا ـ المجر فرانس يوسف،
السلطان العثماني محمد الخامس، القيصر البلغاري فرديناند الاول.


فهذا هو إذاً السبب الحقيقي، او بالاحرى الخيار الوحيد المتاح، بالقيام بكسب الامبراطورية العثمانية الضعيفة آنذاك كحليف استراتيجي، إذ انها ارادت منافسة الدول الكبرى الاخرى على الصعيد العالمي. ان النمو الاقتصادي السريع لالمانيا بعد توحيدها، جعلها تبحث لنفسها بجد كبقية الدول الاوربية الكولونيالية الاخرى عن “مكان تحت الشمس”، كما سمّاه مشتشار الرايش الالماني برنهارد فون بيلو عام 1897. ومن اجل اللحاق بالدول الكولونيالية الاخرى، حاولت المانيا توسيع نطاق نفوذها في الشرق، وأن لم يكن ذلك بالضرورة كقوة استعمارية.

ففي نهاية القرن التاسع عشر، حيث لم يكن بمقدور السلطنة العثمانية المتقهقرة، المحافظة على المناطق الشاسعة التابعة لها، والتي كانت تمتد من البلقان، مارة بالاناضول الى بلاد مابين النهرين وفلسطين ومصر، استغلت المانيا الفرصة بعرض  امكانياتها الكبيرة لوقف تراجع وانحطاط الامبراطورية العثمانية، مقابل الحصول على شروط تفضيلية من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية.

تعبيراً لهذه السياسة تجاه الدولة العثمانية، بدأ أزدياد عدد المستشارين العسكريين الالمان الذين تولّوا مناصب هامة وفعالة في الجيش العثماني خاصةً قبل بداية الحرب بفترة قصيرة. وفكرة السكة الحديدية من برلين الى بغداد وتمديدها الى الخليج العربي/الفارسي، كانت نابعة من رغبة المانيا بأمكانية ايصال البضائع والقطعات العسكرية بسرعة من برلين الى الشرق، وبالعكس جلب المواد الخام من هناك الى المانيا.

وبأندلاع الحرب، اصبحت تركيا اكثر اهمية بالنسبة لالمانيا لعدة اسباب، منها:
 
1 ـ الرغبة في الهجوم على الانكليز في مصر وايران انطلاقاً من الامبراطورية العثمانية.

2 ـ قطع امكانية العبور للقوات الروسية من البحر الاسود الى البحر المتوسط، اي قطع اتصالها بالحلفاء الغربيين.

3 ـ والاهم من ذلك، هو الحلم الالماني بأن تصبح المانيا في نهاية المطاف قوة عظمى تضاهي بريطانيا. اذن هذا هو السبب الحقيقي للتواطئ الالماني في مسألة ابادة الارمن وتحملهم جزء من المسؤولية بذلك.   

من الحهة الاخري، كانت النخبة المثقفة الارمنية في الامبراطورية العثمانية تميل بالفعل للغرب، كونها درست عبر عشرات السنين في مدارس الارساليات الانكليزية والفرنسية والامريكية. وعلينا ان نذكر هنا، بأن الدول الثلاثة، انكلترا وفرنسا وروسيا كانت تعتبر كقوة حامية للارمن، طالبت مراراً بتحسين اوضاع الارمن في الامبراطورية العثمانية، ولكن بدون جدوى.

اما المانيا فلم تحرك يوماً ما ساكناً وتطالب بذلك. وعندما اضطرت الدول الحامية للارمن سحب دبلوماسييها من القسطنطينية عند اندلاع الحرب، رفض السفير الالماني فانگنهايم تجاه بطريرك الارمن تولّي القيام بحماية الارمن لكون المانيا آنذاك هي "القوة المسيحية الوحيدة الباقية على البوسفور". فابرق السفير تعليله بهذا الخصوص الى برلين قائلاً "اننا اذا قمنا بذلك، قد نجازف بوضع مصالحنا القريبة والاكثر اهمية في خطر".

ذروة التواطؤ والتورط

في تشرين الثاني من عام 1918 تمكن منظم الابادة الجماعية، وزير الداخلية العثماني طلعت باشا، بمساعدة الجيش الالماني من التملّص والهروب من تركيا على متن مدمّرة المانية بأتجاه المانيا، حيث وصل الى برلين في العاشر من نفس الشهر. في عام 1919 اصدرت محكمة عثمانية في القسطنطينية عليه حكم الاعدام غيابياً. خوفاً من انتقام الارمن، استعمل انور باشا خلال اقامته في برلين اسماً مستعاراً. الا ان هذا لم ينقذه من الثأر الارمني. ففي 15/3/1921 اطلق عليه الناشط الارمني سوغومون تهليريان، قرب محطة تسو للقطارات في برلين، طلقة من مسدسه وأرداه قتيلاً.

موقف المانيا الرسمي عبر التاريخ من ابادة الارمن

 
عندما أمر آدولف هتلر، الدكتاتور النازي الجزارفي 22/8/1939 ، اي قبل بدء غزو بولندا بـ 9 ايام، قادة الجيش الالماني بتنفيذ خطته بأبادة البولنديين “رجالاً ونساءً واطفالاً وبلا رحمة”، وتغطية هذه الجريمة امام الرأي العام، لم ينسى ان يضيف كتبرير لخطته، بأن لا احداً يهمه الان مصير مئات الالاف من الارمن، وطرح السؤال المجازي على الحاضرين “من يتكلم اليوم عن ابادة الارمن؟”.  قاصداً بذلك، ان ما ينوي القيام به من مجازر وجرائم بحق الشعوب الاخرى، ستصبح يوماً ما في طي النسيان. وكان متيقناً بأن لا احداً من المجتمعين له الجرأة بالاجابة على ذلك.

أن المانيا المعاصرة بدأت رسمياً في وقت متأخر نسبياً بالتحدث عما جرى للارمن في الدولة العثمانية. فالحربان العالميتان اللتان ادتا الى تدمير المانيا اقتصادياً ومعنوياً، والمشاكل والصعوبات الناتجة عن ذلك، ثم الانشغال الرئيسي في بناء دولة جديدة على الانقاض، قد تبررالى حد ما عدم الاهتمام في امور مهمة اخرى.

من جهة ثانية، ولقول الحقيقة والانصاف، نود ان نذكر هنا بأن المانيا قد تكون فريدة من بين الدول التي قامت بتقييم جدي لفترات مظلمة من ماضيها الاسود والاعتراف كدولة بالجرائم التي اقترفتها المانيا النازية بحق الشعوب الاخرى. وما الاعتراف بالابادة الجماعية لليهود الالمان والاوربيين والتعويضات السخية لهم، الا احسن مثال لذلك.

موقف شجاع وآخر جبان

بتاريخ 23/4/2015 القى الرئيس الالماني يواخيم گاوك كلمة تاريخية جريئة في اعقاب القدّاس الكاثوليكي ـ الانجيلي المشترك في كاثدرالية برلين بمناسبة ذكرى مرور 100 عام على بدء المجازر بحق الارمن، واصفاً اياها بـ "ابادة جماعية". فكانت هذه هي المرة الاولى في تاريخ المانيا، يستعمل فيها مسؤول الماني كبيرمصطلح “الابادة الجماعية”، تعبيراً لما جرى للشعب الارمني ولاقليات قومية مسيحية اخرى.

 




الرئيس الالماني  يواخيم گاوك
يلقي كلمته الشجاعة في كاثدرالية برلين بتاريخ 23/4/2015

 ان الرئيس گاوك يبرهن هنا، وكما عهدناه، جرئته وصراحته في تسمية الاشياء بما هي عليه، غير مكترثاً بما قد تجلبه له ولبلده من ملابسات ومشاكل  دبلوماسية مع بعض البلدان. وفي سياق كلمته يرد على تساؤل مجرم الحرب هتلر عن “من يتكلم اليوم عن ابادة الارمن؟”  بقوله الجريئ:
 
“نحن نتكلم عنها! نحن! اليوم، بعد 100 سنة، نتكلم عنها وعن جرائم اخرى ضد الانسانية وضد حقوق الانسان. نفعل هذا لكي لا يبقى هتلر على حق. ونفعل هذا، لكي لا يظن اي دكتاتوراو حاكم مستبد او اي فرد آخر، الذي يعتقد بشرعية التطهير العرقي، بأن اعماله سيتم تجاهلها ونسيانها”.

وبعكس ذلك:

 في جلسة البرلمان الاتحادي الالماني، التي عقدت في 2/6/2016، من اجل الاعتراف بمسؤولية المانيا القيصرية بما حدث قبل 101 سنة من مجازر بحق الشعب الارمني وبحق اقليات قومية مسيحية اخرى، غابت  المستشارة أنگيلا ميركل (بالرغم من وجودها في برلين) عن الحضور، كما وغاب كل من نائبها (وزير الاقتصاد) گابريل ووزير الخارجية شتاينماير، لعلمهم الاكيد بأن البرلمان سيقوم بأدانة تلك المجازر وينعتها بـ “ابادة جماعية”.

ان السبب الحقيقي في غياب المستشارة ميركل واعضاء وزارتها، معروف لدى الصغير والكبير في المانيا، حيث كانت، كما يقول الالمان، ومنذ ايام “تغرّده العصافير من فوق السطوح”. أنه بوضوح الانحناء امام “السلطان التركي الجديد”. وبالفعل، فقد أدان البرلمان تلك المجازر وسمّاها “ابادة جماعية”. على اثر ذلك القرار، كاد السلطان ان ينفجر من الغضب، مهدداً اعضاء البرلمان الالماني ذو جذور تركية بعواقب شخصية وخيمة لموافقتهم على القرار ومتّهماً اياهم، بأن ما يجري في شرايينهم ليس من المعقول ان يكون دماً تركياً، وعليهم فحص دمهم لاثبات جذورهم. اية وقاحة سلطانية هذه؟

ان اعتماد الحكومة الالمانية التام على تركيا في قضية اللاجئين، هو سبب خوف ميركل وحكومتها من انقرة، هذا الخوف الذي بات يخيم منذ فترة غير قصيرة على الحكومة الالمانية ويعرقلها في اتخاذ القرارات بحرية واستقلالية. والانكى من الغياب في الجلسة، هو ما جرى بعد أقرارالبرلمان الالماني تسمية “الابادة الجماعية”. فأنصياعاً لطلب اردوغان، صرح الناطق بأسم الحكومة الالمانية في مؤتمر صحفي امام الملأ، بأن الحكومة غير ملزمة قانونياً بقرارات البرلمان. يا للخجل!!  ألا نستطيع تسمية ذلك بأنه طعنة في ظهر البرلمان الالماني المنتخب ديمقراطياً من الشعب الالماني؟

كلمة اخيرة   


بالرغم مما تقدم ذكره من مواقف رسمية غير انسانية لالمانيا القيصرية، بل مشاركة بعض منتسبيها في الجرائم البشعة تجاه الارمن والاقليات الاخرى، يجب علينا ان نذكر في الوقت ذاته ومن اجل الانصاف وقول الحق، بوجود المان بضمير انساني، قاموا اثناء تلك الفترة بحملات دعائية وتوعوية وتسليط الضوء على حقيقة ما يجري في السلطنة العثمانية وفضح الدور الرسمي الالماني هناك.

فمثلاً عالم اللاهوت د. يوهانّس لبسيوس، الذي القى في تشرين الاول عام 1915 كلمة نارية في البرلمان الالماني، والتي على اثرها وضعت الحكومة القيصرية كل ما يتعلق بموضوع الارمن تحت الرقابة الرسمية. ومثلاً الكاتب الشاب ارمين فيگنر، الذي تطوع كمضمد عسكري لدى الجيش الالماني في الدولة العثمانية، واصبح شاهد عيان لما جرى هناك. فوجّه رسالة مفتوحة الى الرئيس الامريكي ويلسون، يشكو فيها عن تذمره الشديد عن حملات الترحيل الاجباري للارمن الى الصحراء السورية ـ العراقية وما تعنيه بالحقيقة. كما قام بتصوير ما شاهده، مجازفاً بذلك بحياته. ان تلك الصور تعتبر اليوم من اهم الوثائق الفوتوغرافية لتلك الجرائم.   

والتاريخ ينقل لنا كذلك اسماء شخصيات المانية عديدة، عملت ما بوسعها لايقاف تلك المجازر او على الاقل الحد منها. فهناك المان نشطاء في حقوق الانسان، اصدروا في فترات عديدة كتباً تحتوي على تفاصيل عن العمليات الاجرامية والمجازر التي ضاح ضحيتها حسب التخمينات لحد مليون ونصف مليون ارمني واتباع اقليات مسيحية اخرى مثل اليونانيين والسريان والكلدان والاشوريين. واشهر كتابين في هذا المجال هما للكاتبين فرانس فيرفل و ادگار هلسنرات.

المانيا /  تشرين الثاني 2016
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) اللفظ الصحيح في الالمانية هو “الرايش” وليس “الرايخ”



9
المانيا: ازمة اللاجئين والتصدع الاوربي

سامي مدالو

14/1/2016

"أنگيلا ميركل ـ مشتشارة العالم الحر"

هكذا لقّبت مجلّة تايم الامريكية الشهيرة رئيسة الحكومة الالمانية واختارتها كـ"شخصية لعام 2015"، باعتبارها اهم شخصية في العالم الحر، حتى قبل اوباما. وعلّلت ذلك بسياسة ميركل بالاخص في مسألتين رئيسيتين هما: قضية تدفق الاف اللاجئين الى اوربا وازمة اليورو. الا ان موقف المانيا في هاتين المشكلتين، اللتين هيمنتا على جدول اعمال الاتحاد الاوربي خلال عام 2015، كانتا بالضبط ما اثار الجدل والانتقاد الغير المألوف لسياسة المانيا.

فوجه قادة دول اوربية عديدة انتقادات شديدة ضد المانيا، متهميها بأستعلائها الخطابي والعملي تجاه دول اليورو المثقلة بالديون كاليونان، التي جرى بالفعل تهديدها الغير مباشر بالطرد من مجموعة دول اليورو، اذا لم توافق على تنفيذ الشروط التي تم وضعها بالدرجة الرئيسية من قبل الحكومة الالمانية. وبخصوص ازمة اللاجئين، اتهم رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور اوربان ـ اثناء زيارة له لولاية بافاريا الالمانية ـ  الحكومة الالمانية بـ "الامپريالية الاخلاقية".

في كلا الازمتين ظهرت خلافات واضحة، ليس بين اعضاء الاتحاد الاوربي المتكون من 28 دولة فحسب، بل وكذلك في مجموعة دول اليورو التي تضم 19 بلداً اوربياً. فبعد ان اشتدّ الخلاف في مجموعة اليورو حول المساعدات المالية لليونان ووصل الى ذروته في الصيف، ادى تدفق مئات الالاف من اللاجئين في النصف الثاني لعام 2015 الى الانهيار الكامل لنظام اللجوء النافذ في الاتحاد الاوربي وتعميق الخلاف بداخله بصورة دراماتيكية ونشوء ازمة حقيقية.

فشل التضامن الاوربي

في الوقت الذي تؤكد الارقام دخول 1,1 مليون لاجئ الى المانيا وحدها عام 2015  و1,55مليون الى الاتحاد الاوربي، لم تتمكن الدول الاعضاء الاتفاق بالاجماع على توزيع  160 الف لاجئ فقط، العالقين في ايطاليا واليونان، على دول الاتحاد بموجب مفتاح يراعي عدد نفوس الدولة المضيفة ووضعها الاقتصادي ونقاط مهمة اخرى. فبعكس المعتاد في الاتحاد الاوربي، حيث يتم اتخاذ القرارات التي تخص الجميع بالاجماع، اتُخذ هذا القرار بالرغم من معارضة 4 دول له، هي: هنغاريا والتشيك وسلوفاكيا ورومانيا.



ان هذه الحادثة، التي هي الاولى من نوعها، فسرها الخبراء بانها تدل على عمق الصراع والتفتت داخل الاتحاد الاوربي في حل ازمة اللاجئين العويصة. والنتيجة كانت سلبية للغاية، اذ لم يتم حتى نهاية 2015، اي بعد مرور اكثر من 3 اشهرعلى القرار، الا توزيع بضع مئات من اللاجئين على قلّة من الدول، لم تكن بينها واحدة من الدول المعارضة للقرار. وما زاد الطّين بلّة هو اعلان الحكومة اليمينية البولونية الجديدة بعد تسلمها للسلطة مباشرةً، بأنها غير ملزمة بقرار التوزيع الذي وافقت عليه سابقتها، مما دعى احد خبراء الاتحاد بالتصريح بأن "خطة التوزيع اصبحت ميتة". وهي الحقيقة.
 
"ان فشل الاتحاد الاوربي هو سيناريو واقعي"

لم ينطق بهذه الجملة المتشائمة شخص قد لايفهم اهمية وخطوره ما يقوله، بل مارتِن شولتز رئيس البرلمان الاوربي. ووزير خارجية لكسمبُرگ، جان اسّلبورن، الذي ترأست بلاده الاتحاد الاوربي في النصف الثاني لعام 2015، يضيف: " تفكك الاتحاد الاوربي امر ممكن". وهناك اقوال مشابهة لشخصيات اوربية رفيعة اخرى. والواضح للعيان هو ان الاتحاد الاوربي واقع في ازمة عميقة بسبب:

ــ  مشكلة اللاجئين التي تحتل حالياً رأس قائمة المشاكل
ــ  نجاح القوى اليمينية في انتخابات دول اوربية عديدة في الاونة الاخيرة
ــ  التهديد البريطاني بالخروج من الاتحاد الاوربي في استفتاء شعبي حتى 2017
ــ النزاع مع روسيا بسبب اوكرانيا
 
كل هذه المشاكل العالقة تصيب الاتحاد الاوربي في الصميم.

السؤال المهم الذي سيطرح نفسه في القريب سيكون: هل ستؤدي هذه الازمة فعلاً الى تفكك وانهيار الاتحاد الاوربي، كما يتوقعها البعض؟  ام ان الازمة ما هي الا واحدة من الازمات المعتادة التي سيجتازها الاتحاد وهو اقوى من السابق؟ سؤال مهم اخر هو: هل هناك من هو المسؤول عن تأجيج الصراع بين دول الاتحاد بسبب مشكلة اللاجئين؟

التصرف الالماني الفردي في مشكلة اللاجئين

اتهم قادة دول اوربية عديدة مستشارة المانيا، انگيلا ميركل، بتصرف فردي غير مسؤول في مشكلة اللاجئين وبارتكاب اخطاء فضيعة، التي من الصعوبة،  بل ربما من المستحيل تصحيحها.

اخطاء ميركل في هذه المشكلة: 

الخطأ الاول:
دعوتها بفتح الحدود امام اللاجئين الهاربين من الحروب الاهلية والسماح لهم بعبور عدة دول اوربية بدون تسجيل انفسهم للوصول الى المانيا. بهذا القرار عطّلت ميركل عملياً اتفاقية دبلن، التي تحتّم تسجيل كل لاجئ في اول دولة يصلها من دول الاتحاد الاوربي، وتقديم طلب اللجوء هناك حتى يتم النظر فيه واتخاذ القرار المناسب.

وبهذا لم تضرب ميركل عرض الحائط احد قوانين الاتحاد الاوربي فحسب، بل ما كان اكثر سوءاً من ذلك، هو ارسالها بذلك دعوة واضحة لكل طالب لجوء من الشرق الاوسط بحزم امتعته والتوجه الى المانيا، وكأنها تقول: تفضلوا، نحن بأنتظاركم. والنتيجة؟  1,1 مليون لاجئ قدموا الى المانيا عام 2015. وتدفق اللاجئين، ونحن الان في بداية عام 2016، لم يفقد شيئاً من ديناميكيته، فالارقام تخبرنا بقدوم 3000 الى 4000 لاجئ يومياً الى المانيا. وهذا يعني قدوم مليون الى مليون ونصف لاجئ الى المانيا عام 2016.

في مقابلة لمجلة "دِر شبيگل" الالمانية وصف عالم السياسة الانگليزي(Anthony Glees)  المانيا، بعد ابطالها لاتفاقية دبلن، بانها اصبحت دولة الهيبيز (Staat-Hippie)، مضيفاً انها تطبق سياسة المشاعر بدلاً من سياسة العقل، وتخلت بذلك عن الدور الذي لعبته منذ عام 1949، دور شريك موثوق به وملتزم بالقواعد.
 
الخطأ الثاني:
التقاطها صور مشتركة (selfies) مع اللاجئين، رأسها بجانب رأس لاجئ، نُشرت بعد دقائق في وسائط التواصل الاجتماعي، فدارت دورتها حول العالم بسرعة الانترنت المعروفة ووصلت بالطبع بعد لحظات الى العالم الشرقي، وفُهمت ايضاً كأيماءة للترحيب من قبل رئيسة الحكومة وكدعوة شخصية منها للاسراع في القدوم.


الخطأ الثالث:
اصرت على التأكيد مراراً بعدم وجود حداً اعلى لعدد اللاجئين الذين يستطيعون تقديم طلب اللجوء في المانيا، وكأن المانيا تستطيع استقبال 60 مليون لاجئ في العالم، الذين ذكرتهم الامم المتحدة في اخر احصائياتها. وهذه ايضاً دعوة صريحة اخرى للقدوم.

هورست زيهوفر، رئيس حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي (CSU) البافاري، المشارك حالياً كاحد الاحزاب الثلاثة في الحكومة الالمانية الائتلافية، والذي يعتبر "كالاخ الصغير" للاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) (حزب ميركل)، طالب، ولا زال يطالب ميركل بتحديد عدد اللاجئين الذين تستطيع المانيا عملياً استيعابهم. فحدد من جانبه عدد اللاجئين بـ 200 الف شخص سنوياً، كسقف أعلى، قادرة المانيا على ادماجهم وتطبيعهم في المجتمع الالماني.

الا ان ميركل لازالت ترفض ذلك بعناد مستميت، مكررة لرأيها، بأن حل مشكلة اللاجئين غير ممكن على نطاق المانيا، بل على النطاق الاوربي. والكل، وكذلك ميركل، يعلم بأن اوربا فشلت لحد الان فشلاً ذريعاً في ذلك. فليس هناك الكثيرون في المانيا الان من يصدق هذه الرواية. الا ان عجز حزب ميركل بالاستغاء عنها، هو السبب في بقائها واستمرارها في سياستها المبنية على "مبدأ الامل"، بدلاً من مراعات الضروف الموضوعية.   

العواقب الداخلية لهذا التصرف

لم تكن المانيا في الواقع مهيئة، لا سايكولوجياً ولا عمليا،ً لاستقبال هذا العدد الهائل من طالبي اللجوء في عام واحد فقط. فنتجت عن ذلك بطبيعة الحال عواقب عديدة، نتمكن من ذكر اهمها، بدون تسلسل مقصود، في ما يلي:

ــ انتقادات من برلمانيين المان لميركل بأتخاذها للقرار الفردي بدون الرجوع للبرلمان الاتحادي الالماني.

ــ  الولايات الالمانية والمدن والقرى باتت تئن تحت ثقل القادمين الجدد وتطلب باستمرار مساعدات مالية او موظفية او لوجستية من الحكومة الاتحادية. وكمثال بسيط على ذلك هي برلين، حيث استقبلت لوحدها في عام 2015، حسب الاقام الرسمية، 80 الف لاجئ. فالوضع السكني الذي كان متأزماً  قبل وصول هذا العدد الهائل من اللاجئين، تأزم بالكامل بعد ذلك.

ــ انزعاج وتذمر اولياء التلاميذ والنوادي الرياضية بمصادرة القاعات الرياضية للمدارس ونوادي الرياضة كحل "وقتي"، لحين العثور على مأوى افضل لسكن اللاجئين.

ــ  تنامي ملحوظ للقوى والاحزاب اليمينية التي هي مبدئياً ضد الاجانب وخاصة الشرقيين والمسلمين، مستغلة بذلك التخوف المتزايد لدى فئات واسعة من الشعب الالماني، بتغيير طبيعة العيش والقيم في المانيا، خاصة المساواة بين الرجل والمرأة. حيث تدل الاستفتاءات الاخيرة على حصول حزب "البديل لالمانيا" (AfD) اليميني الشعبوي، الذي تأسس في ربيع عام2013، على 9% من الاصوات على نطاق المانيا، و 13% في بعض الولايات الشرقية. وهذه نسب مشابهة لما تحصل عليه عادة احزاب ذات تاريخ عريق مثل الخضر واليسار. وعدم وجود معارضة حقيقية لسياسة حكومة ميركل في مشكلة اللاجئين داخل البرلمان الاتحادي، سبب ايضاً تنامي واستقواء القوى اليمينية. فحتى احزاب المعارضة (الخضر واليسار) تؤيد مبدئياً سياسة الحكومة بهذا الخصوص.

ــ المان كثيرون لا يبدون رأيهم المعارض الصريح لسياسة ميركل في مشكلة اللاجئين بسبب تخوفهم من "حشرهم في الزاوية اليمينية"، كما يعبر عنها الالمان. وهذا اتهام خطير ناتج عن التاريخ الالماني في النصف الاول من القرن العشرين. فنجد تعليقات معارِضة كثيرة في وسائل الاعلام باسماء مستعارة، لا علاقة لمحتواها بالفكر اليميني بتاتاً. 

ــ حسب المعلومات الرسمية لم يتم التسجيل الرسمي لحوالي 300 الف لاجئ في المانيا لحد الان. اي ان السلطات ليس لها علم بهوية هؤلاء واين هم الان. ياللعجب! وهذا في المانيا، بلد النظام والقوانين والمؤسسات!

العواقب الاوربية

ــ استياء قادة دول الاتحاد الاوربي من القرار الفردي لميركل بتعطيل اتفاقية دبلن، مما ادى الى نشوء اكبر ازمة في تاريخ الاتحاد الاوربي، التي ادت الى تصدعه، وقد تؤدي الى تفككه.

ــ نشوء فوضى لا مثيل لها في دول اوربية عديدة وخاصة الدول الواقعة على ما يسمى بـ "طريق البلقان"، مما اغضب حكومات هذه الدول الى حد بعيد.

ــ بسبب السياسة الالمانية الغير المنسّقة في ظل الاتحاد الاوربي، رفض معظم قادة دول الاتحاد الاوبي مساعدة المانيا في محنتها في حل مشكلة اللاجئين، مصرّحين علانية بأن هذه "ليست مشكلة اوربا، بل مشكلة المانيا لوحدها"، كما نعتها فيكتور اوربان، رئيس الوزراء الهنغاري، في اجتماع خاص لرؤساء دول الاتحاد الاوربي. وفي الواقع تحملت دولتين من مجموع 28 دولة معظم ثقل اللجوء المليوني الى اوربا وهي: المانيا والسويد. ولعدم وجود ارقام اكيدة، قد تكون النمسا الدولة الثالثة.

اما الدول الاخرى فبقيت على الاغلب متفرجة وكأن المشكلة لا تهمها لا من قريب ولا من بعيد. فوصف جان كلود يونكر، رئيس المفوضية الاوربية، اي ارفع شخصية في الاتحاد الاوربي، على اثر ذلك الوضع السيئ للاتحاد الاوربي بقوله الشهير امام البرلمان الاوربي: إنّ "الاتحاد الاوربي يفتقد الى مقدار كافي من اوربا، كما ويفتقد الاتحاد الى مقدار كافي من الاتحاد".

ــ بسبب تأزم المشكلة بتدفق مئات آلالاف من اللاجئين بالاخص الى المانيا، اضطرت ميركل بمضض مقابلة الرئيس التركي اردوغان قبل الانتخابات البرلمانية التركية باسبوعين، لرجائه بتقليص عدد اللاجئين باتجاه اوربا، مما جلب لها انتقادات المانية واوربية لاذعة، بتهمة تدخلها بالشأن الداخلي التركي لصالح طرف واحد وفي وقت غير مناسب بتاتاً، مع علمها بان اردوغان كان قد بدأ حملته السياسية والعسكرية الوحشية ضد المعارضة الكردية. ومن لاحظ في التلفزيون نظرة اردوغان الاستعلائية تجاه ميركل، التي لقبتها "تايم" بمستشارة العالم الحر، يتصور بأنها قادمة للاستجداء لدى "السلطان العثاني". يا للخجل!!

ــ اتفاقية شینگن التي تعتبر احدى اهم الاتفاقيات الاوربية التي بموجبها يمكن التنقل بحرية بين 26 دولة اوربية، معظمها منتمية للاتحاد الاوربي، بدأت هي الاخرى تفقد شيئاً فشيئاً من فاعليتها. فدول عديدة اقامت بسبب مشكلة اللاجئين نقاط مراقبة وتفتيش على حدودها، معلّلة ذلك بعدم قدرتها على حماية اراضيها ومواطنيها من الاذى الذي يسببه ما شبّهه بعضهم بغزو بلادهم من قبل مئات الالاف من المهاجرين الهاربين من الحروب الاهلية في الشرق الاوسط ومن مناطق اخرى. واخر مثال لذلك هي مشكلة الحدود بين السويد والدانمارك التي وصلت الى ذروتها في بداية عام 2016.

كلمة اخيرة: التصرف المشين لمئات اللاجئين العرب

وصلتنا ونحن نكتب هذه ا الاسطر، اخباراً مقلقة جداً عن تصرفات غير اخلاقية مشينة لشباب من اللاجئين العرب تجاه نساء المانيات في مدينة كولون في احتفالات عيد رأس السنة. المواطنون الالمان، الذين رحّبوا ولا زالوا يرحبون باللاجئين بصورة لا تجد مثيلها في دول اخرى وبدون التفرقة على اساس القومية او الدين، انصدموا اشد انصدام.

حيث قام اكثر من 1000 (الف) شاب عربي، غالبيتهم من شمال افريقيا وبعضهم من الشرق الاوسط، في الساحة المقابلة لمحطة قطار مدينة كولون بالتحرش الجنسي بالنساء والاساءة لهن وضربهن ومحاولة اغتصابهن. ان هذه افعال لا سابق لها في المانيا وتدل عن تدني اخلاقي وحضاري. وحسب معلومات الشرطة، وصل عدد الدعاوي المقدمة من النساء المعتدى عليهن بالتحرش الجنسي والسرقة ومحاولات الاغتصاب لغاية  11/1/2016 اكثر من 561 دعوى، 237 منها تتعلق بجرائم العنف الجنسي و107 من هذه الجرائم الجنسية رافقتها سرقات. اما بقية الدعاوي فتتعلق بجرائم السرقة والأذى البدني.

 

ان هذا الحدث الطاغي منذ ايام على جميع وسائل الاعلام والشاغل الرئيسي لدى جميع السياسيين الالمان، ستكون له عواقب وخيمة على سياسة المانيا اللبرالية تجاه الاجانب وبالاخص تجاه طالبي اللجوء من الدول العربية. فالاحزاب الحاكمة في المانيا تفكر بتشديد قوانين اللجوء والعقوبات القانونية بحق المذنبين بجرائم كولون وما يشابهها. ولم تكن حوادث كولون الوحيدة في في تلك الليلة، بل حدثت جرائم مشابهة لها في هامبورگ و شتوتگارت.

على اثر ذلك، اعلن قبل ايام رئيس الوزراء السلوفاكي بان بلاده ترفض دخول اي لاجئ مسلم الى بلده بعد اليوم، معلّلًا ذلك بحوادث كولون ومضيفاً: "نريد كبح امكانية التحرش بنساءنا في الساحات العامة". وطلب في ذات الوقت عقد اجتماع فوري لرؤساء دول الاتحاد الاوربي لبحث هذا الموضوع لاهميته القصوى.
وفي مقالة حول حوادث كولون بعنوان "هم ضيف وهم يدبچ على السطح"، ينتقد الاستاذ كاظم حبيب تصرفات اخرى لفئات من اللاجئين العرب:

"يشير العرب الذين يعملون في الترجمة مع المؤسسات الحكومية الألمانية المختصة بشؤون اللاجئين إلى أن سلوك وطريقة تعامل جمهرة غير قليلة من اللاجئين غير ودية وغير طبيعية، إذ يطرحون مطالب غير معقولة وغير ممكنة التحقيق وكأنهم قادمون للنزهة وليس هروباً من واقع مرير وحروب شعواء كانت تهدد حياتهم. فهم يؤكدون بأنهم جاءوا للحصول على المال كلاجئين ولا يريدون العمل ولا تعلم اللغة الألمانية!"
 
للكاتب مقالات اخرى حول المانيا:
المانيا: الدور الامريكي بعد الحرب العالمية الثانية
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,786748.0
المانيا: اقتصاد السوق الاجتماعي
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,778387.0
المانيا: التجربة الديمقراطية
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=763698.0
المانيا: سر النجاح والتقدم
http://www.ankawa.com/index.php/ankawaforum/index.php?topic=739390.0
جدار برلين والكذبة التاريخية
http://www.ankawa.com/index.php/ankawaforum/index.php?topic=716578


10
المانيا: الدور الامريكي بعد الحرب العالمية الثانية

سامي مَدالو

سألني صديق، بعد قراءته للمقال المعنون بـ ":المانيا: اقتصاد السوق الاجتماعي" (انظر الرابط ادناه)، عن الدور الامريكي في المانيا غداة الحرب، في القطاع الامريكي اولاً، وبعد ذلك في مجمل المانيا الاتحادية التي تشكلت بتوحيد القطاعات الغربية الثلاثة. سؤال مهم، خاصة لمكانة امريكا كقوة عظمى، ذات امكانيات مالية وعسكرية هائلة من ناحية، وقلة الاذى الذي اصابها في الحرب، مقارنةً بدول الحلفاء الاخرى وبالاخص الاتحاد السوفيتي من الناحية الاخرى.

حيث فقد الاتحاد السوفيتي 27 مليون شخصاً من مواطنيه، اكثر من نصفهم مدنيين، بالاضافة الى الخسائر المادية الجسيمة التي لا تحصى. في مقابل ذلك خسرت امريكا اقل من نصف مليون شخصاً، بدون خسائر مدنية ومادية تذكر داخل البلد، لعدم وقوع اي نزاع مسلح على اراضيها. الاّ اننا قبل الحديث عن الدور الامريكي، نرى ضرورة القاء نظرة تاريخية على مجريات الامور في السنين الاخيرة للحرب، وكذلك عن الافكار السائدة لدى الحلفاء المناهضين لالمانيا النازية حول مستقبل المانيا بعد النصر عليها.

استسلام غير مشروط

انتهت في 8 ايار 1945 الحرب العالمية الثانية رسميّاً بالتوقيع مرتين على وثيقة "الاستسلام غير المشروط" من قبل قادة الجيش الالماني بحضور ممثلين عن الحلفاء الاربعة المنتصرين، المرة الاولى في مدينة ريمس الفرنسية، والمرة الثانية في العاصمة الالمانية برلين. وبهذا التوقيع اعطت المانيا للحلفاء السوفييت والامريكان والانكليز والفرنسيين (*) الحق في "تنظيم جميع الشؤون السياسية والعسكرية والاجتماعية في المانيا"، اي انها فقدت عمليّاً استقلاليتها. ولكن ما معنى هذا وكيف فَهِمَ وتَصرّفَ الحلفاء بهذا الحق المطلق على ارض الواقع؟

 


بوابة براندنبرگ الشهيرة فی برلین فی ایار 1945

أن سقوط الديكتاتورية النازية، التي تسببت بحربها العنصرية الاجرامية وقوع عشرات الملايين من الضحايا، وحدوث أكبر كارثة ومأساة انسانية وماديّة في القرن العشرين، أدى بالنهاية الى تغيير جذري للوضع السياسي والاقتصادي في اوربا، بولادة المنظومة الاشتراكية في شرق اوربا، وقيام نظام عالمي ذو قطبين متنافسين: المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي من جهة، ومعسكر الديمقراطيات الغربية بقيادة الولايات المتحدة الامريكية من الجهة الاخرى.
 
في الحقيقة لا يمكننا ان "نرمي الحلفاء الاربعة في قدر واحد"، كما يقول الالمان. أي أن علينا التفريق بينهم بهذا المقدار او ذاك فيما يتعلق بوجهة نظرهم حول مستقبل المانيا. فهناك اسباب عديدة تدعونا للتمييز بين الحلفاء، من اهمها هو بلا شك شكل النظام السياسي والاقتصادي المتبع في كل دولة من دولهم. فمن السذاجة مثلاً، التوقع باتفاق الامريكان والسوفييت على برنامج سياسي واقتصادي واحد حول مستقبل المانيا.

نبذة تاريخية

خلال الحرب العالمية الثانية خاض الحلفاء الثلاثة، بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفيتي، حربهم تحت قيادة مشتركة ضد "قوى المحور"، المانيا وايطاليا واليابان. الا ان هذا التحالف، المسمى بـ "التحالف المناهض لهتلر"، بين الديمقراطيات الغربية والاتحاد السوفيتي الاشتراكي، كان منذ البداية تحالفاً موقتاً وهشّا، متعمّداً اهمال الاختلاف المبدئي بين الانظمة المتحالفة من اجل الهدف المشترك.

خطة تقسيم المانيا وتحويلها الى بلد زراعي

انطلاقاً من رغبتهم في اضعاف المانيا عسكرياً وصناعيا، وجعله مستحيلاً عليها القيام بحرب عدوانية اخرى في المستقبل، تبلورت لدى الحلفاء الثلاثة خلال اجتماعهم في طهران في كانون الاول 1943، خطة تقسيم المانيا بعد دحرها الى دويلات عديدة، الواحدة مستقلة عن الاخرى. الا ان تقريراً لفريق من المخططين البريطانيين توصل في خريف عام 1944، الى نتيجة هامّة مفادها، بأن تقسيم المانيا سيسبب مشاكل خطيرة ليس على الالمان فحسب، بل سيؤدي الى تبطيئ تعافي العالم من اضرار الحرب وسيضر بالنهاية بالمصالح الاقتصادية البريطانية.

واكد التقرير، بأن تقسيم المانيا سيُضعف القوة الاقتصادية للدويلات الجديدة ويسبب انخفاض مستوى معيشتها، ما قد يفقدها استقلاليتها ويزيد احتمال اعتمادها على دول اخرى، فتشكّل بالنهاية عبئاً اقتصادياً على الحلفاء المنتصرين انفسهم. اما من الناحية السياسية فستبقى نقاطاً ساخنة ومصدراً دائماً للمشاكل. كما سيكون من الصعب عليها تسديد تعويضات عن الخسائر الهائلة التي سببتها بحربها العدوانية على دول كثيرة. فتم على هذا الاساس في مؤتمر الحلفاء المنعقد في شباط 1945 في يالطا / شبه جزيرة القرم، التخلي عن خطة التقسيم.
 
اما "خطة مورگنتاو" الشهيرة، والمسماة هكذا نسبةً لوزير المالية الامريكي (Henry Morgenthau)، والتي اراد بموجبها تحويل المانيا الى دولة زراعية مجردة من الصناعة، فكان قد تم التخلي عنها مسبقاً في نهاية عام 1944، حيث أختفت نهائيّاً من على طاولة المباحثات. وعوضاً عن ذلك، اتفق الحلفاء، على ان صناعة المانيّة مُدارة ومحدودة، مقرونة بالمانيا المجرّدة من الجيش والسلاح، سيجلب الأمان ويأتي بالفائدة لاقتصاد بلدان الحلفاء كذلك.   

كونفرنس پوتسدام الهام  وخلافات تظهر على السطح

في كونفرنس پوتسدام (17 ايلول ـ 2 آب 1945)، الذي التقى فيه رؤساء حكومات الحلفاء الثلاثة للمرة الاخيرة، والاولى بعد الاستسلام الالماني، تم فيه اقرار ما سميّ بـ "اتفاقية پوتسدام". ولكن بالرغم من ان هذه الاتفاقية لم تكن اتفاقية دولية ملزمة حسب المفهوم القانوني، الا ان هذا لم يعرقل او يضعف بتاتا من تاثيرهاً وفاعليتها. فثبّت فيها ما يسمّى اليوم بـ "خارطة طريق" لالمانيا بعد الحرب. ومن اهم نقاط هذه الاتفاقية، هو اعتبار المانيا كيان اقتصادي واحد، بالرغم من تقسيمها الى عدة قطاعات خلال فترة الاحتلال.

كما وأتّخِذت قرارات تتعلق بشكل ادارة الحكم في المقاطعات الاربعة من قبل القائد العام للقوات المسلحة لكل حليف في مقاطعته. وكذلك تشكيل مجلس لوزراء خارجية الدول الخمسة الكبرى (الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفيتي والصين وفرنسا)، لاعداد معاهدات السلام مع حلفاء المانيا، لتنظيم القضايا الاقليمية العالقة وتقديم المشورة بشأن حل المسألة الالمانية.



خلال كونفرنس پوتسدام: تشرشل، ترومان، ستالين ومترجمين

كما تم في هذا الكونفرنس بالاضافة لذلك، تحديد المبادئ الاساسية، السياسية والاقتصادية، للتعامل مع المانيا خلال فترة الاحتلال، أهمها:
 
 ـ حل الحزب النازي واجتثاث الايديولوجية النازية
ـ الغاء جميع القوانين النازية
ـ حل الجيش وجميع القطعات المسلحة الاخرى
ـ منع انتاج الاسلحة
ـ القاء القبض ومحاكمة مجرمي الحرب
ـ تحديد القدرة الصناعية وجعلها لامركزية تحت رقابة الحلفاء
ـ دمقرطة النظام التعليمي والقضاء والادارة والحياة العامة

ومن المهم ان نذكر هنا، بأن قرارات عديدة اتُخذت على ان تكون ذو فاعلية مؤقتة، وان پوتسدام تشكل فقط المحطة الاولى في الطريق الى تسوية سلمية شاملة، تصبّ، بمساعدة مجلس وزراء الدول الخمسة الكبرى، في معاهدة السلام مع المانيا. وبهذا علّق الالمان آمالهم على امكانية توحيد القطاعات الاربعة لتشكيل دولة المانية جديدة واسترجاع على الاقل جزء من الاراضي المفقودة. 

ظهرت في كونفرنس پوتسدام، للمرة الاولى، الخلافات بين الغرب والاتحاد السوفيتي علناً على السطح. ففي الوقت الذي تم فيه مثلاً الاتفاق مبدئيّاً على ضرورة معاقبة المانيا بتسديدها تعويضات عن الخسائر التي سببتها الحرب، اختلفت الاراء حول مقدارها وكيفية تنفيذها. كما ونشب خلاف حاد حول ادارة موحّدة لقطاعات الاحتلال. وبسبب ضعف الثقة والشك الدائم بالطرف الآخر، أزدادت الصعوبات كذلك في عمل "مجلس رقابة الحلفاء" في برلين والذي كانت من واجباته الاساسية العمل بادارة موحدة لجميع القطاعات.

الدور الامريكي في غرب المانيا واوربا الغربية ـ خطة مارشال

بما ان الحرب كانت قد دمّرت جزءاً كبيراً من القوة الاقتصادية الاوربية، ظهر للعيان بوضوح، بعد سنة ونصف فقط من نهاية الحرب ، حجم الضائقة الاقتصادية في المانيا واوربا. فشتاء 1946 / 1947 القارس، تسبب في كارثة انسانية، حيث انهارت انظمة التغذية والطاقة وحركة المرور. ولولا تدخل الولايات المتحدة الامريكية، لكان قد حصل الأسوأ. فما العمل اذاً ؟، وكيف يمكن تلافي ذلك في المانيا واوربا في المستقبل ؟

في 5 حزيران 1947، اي بعد سنتين من نهاية الحرب، القى وزير الخارجية الامريكي جورج مارشال (George C. Marshall ) ـ الذي حاز على جائزة نوبل للسلام عام 1953ـ  كلمة تاريخية امام طلبة الصف النهائي لجامعة هارفارد، شرح فيها لاول مرة افكاره بخصوص اعادة اعمار المانيا واوربا، حيث كان مقتنعاً بأن بناء اوربا ديمقراطية وسلمية، لن ينجح بدون مساعدة اقتصادية خارجية. وافكاره هذه تجسّدت بعدئذٍ بما سمّي بـ  "خطة مارشال".

فبعد تحليله للاوضاع الكارثية في اوربا، توصل مارشال الى ضرورة تقديم مساعدات خارجية، والاّ ستكون النتيجة تفشي الفقر في القارة الاوربية باكملها، ما سيضر بالنهاية بمصالح الولايات المتحدة الامريكية.  ثم سيؤدي انحطاط التجارة الخارجية وشحة الانتاج الى ازمة اقتصادية عالمية. الا ان الشرط الاساسي الذي اقترحه مارشال لتقديم المساعدة الامريكية، كان وجوب الاتفاق بين الدول الاوربية على مدى الحاجة المالية لكل منها، ثم تقديم ذلك بقائمة واحدة كمقترح اوربي مشترك للادارة الامريكية. اي ان المبادرة كان يجب ان تكون اوربية. 

 
 

المانيا (وكذلك برلين) قسّمها الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية الى 4 قطاعات:
السوفيتي (احمر)، البريطاني (اخضر)، الامريكي (اصفر)، الفرنسي (ازرق)


مساعدات مالية ومادية: لا لألمانيا الغربية حصراً

شملت خطة مارشال، التي سميت رسمياً  بـ "برنامج الانتعاش الاوربي"، بدءاً من خريف 1948 وحتى نهاية عام 1952، مساعدات مالية ومادية تلقتها 17 دولة اوربية بمجمل 14 مليار دولار تقريباً (اي ما يعادل اليوم حوالي 100 مليار دولار). احتوت تلك المساعدات على بضائع ومواد غذائية ودعم تقني، وكذلك منحْ وقروض. وقد يكون مُدهِشاً للبعض، التاكيد هنا، بأن حصة المانيا الغربية كانت تعادل فقط عُشر ذلك المبلغ. اذاً من هي الدول الاوربية الاخرى التي استفادت بصورة اكبر من المانيا من خطة مارشال؟

حصة الاسد من هذه المساعدات كانت بلا شك من نصيب بريطانيا بمقدار 3,5 مليار دولار، تليها فرنسا بما يقارب 2,8 مليار دولار. اما ايطاليا فكانت حصتها 1,5 مليار دولار تتبعها المانيا الغربية في المرتبة الرابعة بـ  1,4 مليار دولار. مع العلم بأن المانيا تلقتها بشكل قروض، سددت منها 1,0 مليار دولار حتى عام 1966، وأعفيت عن تسديد الباقي. اما الدول الاوربية الاخرى التي تلقت مساعدات عبر خطة مارشال فكانت (هنا بدون تسلسل معين) كل من: النمسا، بلجيكا، لوكسمبورگ ، الدانمارك، اليونان، اسلندا، ايرلندا، هولندا، النرويج، السويد، البرتغال، يوغسلافيا، تركيا.

اما عملية الاعمار فجرت في اوربا في عدة مراحل: في المرحلة الاولى تم التركيز على اعادة اعمار صناعات الحاجيات والسلع الاساسية والضرورية، بعد ذلك تم في المرحلة الثانية تطوير نظم الطاقة والنقل والمواصلات، واخيراً تركزت الجهود على دعم الصناعات "التصديرية" ومساعدة الشركات الصغيرة والمتوسطة.

ولكن كيف استفادت المانيا واوربا اقتصادياً من هذا البرنامج؟ وهل كانت الفائدة اقتصادية بحتة؟ ام هناك جوانب سياسية او نفسية؟ اسئلة مهمّة بلا شك. الا ان السؤال المهم برأينا هو: هل هناك اسباب اخرى لهذه المساعدة "السخية"؟

أسباب أخرى للمساعدة الامريكية


نعم، هناك برأينا اضافةً لما تقدم، حوافز مهمة اخرى للمساعدات الامريكية بعد الحرب العالمية الثانية لالمانيا واوربا، منها:

1 ـ خلق ثقلاً موازناً للنفوذ السوفيتي في اوربا. حيث كان التخوف كبيراً لدى الولايات المتحدة من انتصار الاحزاب الشيوعية في اوربا الغربية في الانتخابات المقبلة، خاصةً في فرنسا وايطاليا نظراً لشعبيتهما الكبيرة هناك.

2 ـ ايصال رسالة للعالم، تؤكد فيها الولايات المتحدة عن عزمها على خوض الصراع انطلاقاً من مركزالقوة في المواجهة التي بدأت تلوح في الافق بشكل "الحرب الباردة". وبالفعل، فأن غالبية الالمان الغربيين، كانوا ولمدة طويلة، ذو ثقة عالية بقوة ومصداقية الولايات المتحدة الامريكية. وخطة مارشال لعبت بالتأكيد دورها الايجابي في هذه القناعة.       
 
3 ـ المساعدة بولادة دول اوربية تتبع النظام الديمقراطي والاقتصادي الغربي، كحلفاء وكأسواق جديدة لتصريف البضائع الامريكية.

الموقف السوفيتي

رفض الاتحاد السوفيتي في مؤتمر لندن لوزراء خارجية الحلفاء، المنعقد في تشرين الثاني / كانون الاول عام 1947، عرض الولايات المتحدة عليه وعلى دول وسط وشرق اوربا، امكانية الاشتراك في "برنامج الانتعاش الاوربي"، معتبراً اياه تدخلاً سافراً في سيادة الدول الاوربية، مانعاً بذلك دول اوربا الشرقية من الاشتراك فيه، حيث كانت قد اعلنت بالفعل كل من بلغاريا وجيكوسلوفاكيا وبولندا وهنغاريا رغبتها بالاشتراك في هذا البرنامج.

 من جانبه، كان الاتحاد السوفيتي قد أعلن مسبقاً في تموز 1947 ما سمّي بـ "خطة مولوتوف"، التي اصبحت فيما بعد نواتاً  لـ "مجلس التعاون الاقتصادي" لدول المعسكر الاشتراكي. فالمانيا الديمقراطية (الاشتراكية) مثلاً، وصفت خطة مارشال بانها "تزيد من التبعية الاقتصادية والسياسية للدول الراسمالية الاوربية من الامبريالية الامريكية".     

كلمة اخيرة

لا زال مقدار الزخم الفعلي لخطة مارشال مثيراً للجدل لحد الآن. الا ان المساعدات التي تدفقت بعد عام 1948 الى المانيا، سارعت بلا شك الى حد كبير في الازدهار الاقتصادي في الخمسينات من القرن الماضي، ولها حصتها في تحقيق "المعجزة الاقتصادية الالمانية". من جهة اخرى، لايعني هذا اهمية تلك المساعدات في المجال الاقتصادي فحسب، بل كذلك أهميتها السايكولوجية الايجابية على المجتمع الالماني بعد الحرب التي دمرت بلاده ايضاً.

فخاصةً في المانيا الاتحادية، كانت وما زالت خطة مارشال، "اسطورة" ذات تاثير نفسي شديد على عامة الناس، كونهم يربطوها بعملية اعادة اعتبارهم والاعتراف بهم كـ "شعب متحضّر"، بعد كل ما سببوه من دمار وقاموا به من جرائم اثناء الحرب. كما تُعتبَر المشاركة في برنامج المساعدات كخطوة اولى لالمانيا الاتحادية نحو اندماجها في العالم الغربي، حيث كان اتفاق الدول الاوربية على خطة اقتصادية مشتركة، شرطاً اساسياً لتلقي تلك المساعدات. فشُكّلت لاجل ذلك "منظمة التعاون الاقتصادي الاوربي" (OEEC)، التي تحولت بعدئذ الى "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" (OECD).


___________________________________________________

(*) لم تكن فرنسا في البداية احد الحلفاء ضد المانيا النازية. فلم تشارك في مؤتمرات الحلفاء التي عقدت خلال الحرب. بل لم تشارك حتى في كونفرنس پوتسدام، الذي عقد بعد الانتصار على المانيا من 17 ايلول حتى  2 آب 1945. الا ان الحلفاء الثلاثة قرروا، ولاسباب عدة، لا يسع المجال هنا لذكرها، اشراك فرنسا كحليف فعلي رابع. وتم على اثر ذلك اقتطاع الجزء الجنوبي الغربي من القطاع الامريكي ووضعه تحت السيطرة الفرنسية (انظر خارطة المانيا المقسمة الى 4 قطاعات).
   

المصادر:

ـ فولفگانگ بنز: المانيا 1945 ـ 1949 /  بالالمانية
ـ موقع "كونفرنس پوتسدام" /  بالالمانية
ـ موقع "مؤسسة البيت التاريخي لجمهورية المانيا الاتحادية" / بالالمانية
ـ موقع "المركز الاتحادي للتربية السياسية" / بالالمانية

مواضيع اخرى ذات صلة:


جدار برلين والكذبة التاريخية
http://www.ankawa.com/index.php/ankawaforum/index.php?topic=716578

المانيا: سر النجاح والتقدم
http://www.ankawa.com/index.php/ankawaforum/index.php?topic=739390.0

المانيا: التجربة الديمقراطية
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=763698.0

المانيا: اقتصاد السوق الاجتماعي
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=778387.0



11
المانيا: اقتصاد السوق الاجتماعي

سامي مَدالو

لم يكن في المانيا (الاتحادية لاحقاً)  في عام 1946 من يحلم بالانتعاش والازدهار الاقتصادي، ناهيك عن ما سميَّ بعدئذ بـ "المعجزة الاقتصادية الالمانية". فسنة واحدة فقط بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت المانيا لا تزال تئنّ تحت الدمار الكامل الذي اصاب مختلف نواحي الحياة المادية والانسانية، من جهة، والحلفاء يتحكمون كليّاً في الاقتصاد الالماني من الجهة الاخرى. فسلع كثيرة كانت غير متوفرة بتاتاً في السوق، او انها وبسبب شحتها، واقعة تحت نظام التموين الرسمي وبأسعار محددة. فالازدهار الوحيد الذي كان ظاهراً للعيان انذاك، والذي ولّدته بلا شك تلك الظروف الاستثنائية، طرأ حصراً على ما يسمىّ شعبيّاً بـ "السوق السوداء".


 

برلين غداة الحرب العالمية الثانية ... هل تحتاج هذه الصورة لتعليق؟

الصراع حول الطريق الصحيح لاعادة بناء المانيا؟


من المعروف بأن المانيا قسّمها الحلفاء بعد سقوط النازية الى 4 قطاعات. بالنسبة للقطاع السوفيتي (الشرقي جغرافيّاً)، كان الامر منذ البداية واضحاً وضوح الشمس بخصوص الطريق الصحيح لاعادة بناء المانيا: الطريق الاشتراكي على النمط السوفيتي بقيادة الحزب الشيوعي (وأن كانت تسميته ليست هكذا)، مبنيّاً على ما يسمّى بـ " الاقتصاد المُخطّط ". فلا حاجة اذاً هنا للجدال والتخاصم حول الطريق الصحيح للوصول للهدف.

امّا السؤال حول الطريق الصحيح لاعادة بناء المانيا، وبأي نظام اقتصادي يمكن تحقيق ذلك، ادّى في القطاعات الثلاثة الاخرى (الامريكي والانكليزي والفرنسي) الى نشوب صراع حاد  في الاوساط السياسية والاقتصادية الالمانية، بالاخص بين انصار السوق الحرة الغير المنَظّمة (المطلقة)، اي على الطراز الانكلوساكسوني من جهة، وبين دعاة الاقتصاد المُدار من قبل الدولة، من الجهة الاخرى، حيث كانت النزعات المعادية للرأسمالية انذاك منتشرة على نطاق واسع.

الاتحاد الديمقراطي المسيحي: اشتراكي أم رأسمالي محافظ ؟

والذي يقرأ اليوم مثلاً البرنامج المقرر في 3 شباط 1947 للاتحاد الديمقراطي المسيحي في القطاع البريطاني، قد لا يصدق بأن ما يقرأه هو بالفعل جزء من تاريخ هذا الحزب، الذي قاد لحد الان اغلبية الحكومات منذ تأسيس جمهورية المانيا الاتحادية. فهو حزب الشخصيات الشهيرة على النطاق العالمي مثل: اديناور و كول و مركل. وسيندهش القارئ لا محالة من المقطع التالي، الذي تصدّر ذلك البرنامج، وكأنه يقرأ برنامج لحزب اشتراكي وليس لحزب محافظ. وبالفعل، فقد اطلق مؤيدي هذا البرنامج عليه انذاك تسمية "الاشتراكية المسيحية"، كتسمية غير رسمية.
 
اقتباس:
"ان النظام الاقتصادي الراسمالي كان عاجزاً عن تلبية متطلبات الدولة والمصالح الاجتماعية للشعب الالماني. فبعد الانهيار السياسي والاقتصادي والاجتماعي المريع كنتيجة لسياسة القوة الاجرامية، يتوجب اعادة تنظيم الاقتتصاد من الاساس. فالمحتوى والهدف من نظام اقتصادي واجتماعي جديد، لم يعد الربح الراسمالي والسعي من اجل السلطة، بل فقط رخاء شعبنا".
انتهى الاقتباس.

لا شك بأن المقصود هنا هي الراسمالية المطلقة التي ادت في المانيا الى كارثة اقتصادية واجتماعية في العشرينات من القرن الماضي، التي كانت بلا شك احد الاسباب الرئيسية التي مكّنت "الحزب القومي الاشتراكي العمالي الالماني" (النازي) من الصعود الى دفة الحكم، حيث تمكنوا من خدع جماهير واسعة من الشعب الالماني باشتراكيتهم المزعومة والمثبتة في اسم حزبهم.

كما ودعى البرنامج المذكورالى تأميم جزئي للصناعات الثقيلة وطالب بحقوق فعّالة للعاملين(*)  باتخاذ القرارات. ولكنه كان في الوقت ذاته ضد اشتراكية الدولة. الا ان هذه المبادئ الاساسية في ذلك البرنامج، لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق التاريخي، حيث كانت سلطات الاحتلال الغربية، الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وفرنسا، متشككة أوعدائية تجاه الصناعة الالمانية والشركات الكبيرة بسبب علاقتهم وارتباطهم الماضي بالنازيين.

 

اقتصاد السوق الاجتماعي ـ مبتكره ومنفّذه

وبالتحديد في عام 1946، اصدر البروفسور في علم الاقتصاد في جامعة مُنستر"الفريد مُلرـ أرماك" كتابه المعنون بـ "ادارة الاقتصاد واقتصاد السوق"، يصف فيه امكانية التوفيق بين نظام اقتصاد السوق الحر والعدالة الاجتماعية، معتقداً بأن مصير الحضارة  الاوربية متعلقة بهذا "الطريق الثالث". والمهمة المركزية للنظام الجديد، الذي اطلق عليه "اقتصاد السوق الاجتماعي"، هي  برأيه "الربط بين مبدأ حرية السوق مع مبدأ التكافؤ الاجتماعي". فهو بحق مبتكر هذا النظام الاقتصادي الالماني وأول من استعمل هذا التعبير.

الاّ أن المُدهش في الامر هو أن غالبية الالمان لا يعرفون من هو هذا الشخص، في حين انهم يدينون له بلا شك الكثير في حياتهم. فنادراً ما قد نصادف شخصاً المانيّاً سمع على الاقل بأسم هذه الشخصية المتميّزة. ولكن، ما هو سبب هذا التجاهل العام  يا ترى؟



       
     وزير الاقتصاد الالماني لودفیگ ايرهارد                 البروفسور في علم الاقتصاد
المطبّق الاول لنظرية اقتصاد السوق الاجتماعي                    الفريد مُلرـ أرماك
           يتصفح كتابه "رخاء للجميع"                     مبتكر نظام اقتصاد السوق الاجتماعي
               (1897ـ 1977)                                        (1901ـ 1978)
                                                                 

الغالبية العظمى من الالمان واثقة لحد الان بأن وزير الاقتصاد الالماني الشهير لودفیگ ايرهارد، هو من ابتكر نظرية اقتصاد السوق الاجتماعي. الا ان الحقيقة التاريخية هي غير ذلك. حيث دعا ايرهارد عام 1952 البروفسور ألفْريدْ مُلّرـ أرماكْ الى العاصمة (انذاك) بون وعيّنه رئيساً لقسم "االمبادئ الاساسية" في وزارة الاقتصاد، ليتقلّد في عام 1958 منصب "سكرتير دولة"، اي برتبةً اعلى موظف في الوزارة بعد الوزير. فاصبح ما يسميّ  بـ "اليد اليمنى" للوزير ايرهارد، ليساعده في التطبيق العملي لما كان لحد الآن مجرد هيكل نظري. فالمنفّذ العملي لهذه النظرية كان رسميّاً الوزير ايرهارد. اما ألفْريدْ مُلّرـ أرماكْ فكان يعمل مخفيّاً، وكما يقال "من وراء الكواليس".

كتكريم للبروفسور ألفْريدْ مُلّرـ أرماك، تُمنَح منذ عام 2002 جائزة سنوية تحمل اسمه للخريجين المتفوقين بعلم الاقتصاد في جامعة مُنستر، تلك الجامعة التي عمل فيها لسنين كأستاذ في علم الاقتصاد. وللانصاف، لا بد من الذكر هنا، بأن علماء اقتصاد المان اخرين لعبوا ايضاً دوراً فعّالاً في تطوير نظرية اقتصاد السوق الاجتماعي، لا مجال لذكرهم في هذا المضمار.   

ما معنى اقتصاد السوق الاجتماعي؟

كما ذكرنا اعلاه، فأن الفكرة الاساسية في اقتصاد السوق الاجتماعي، هي الربط بين مبدأ حرية السوق مع مبدأ التكافؤ الاجتماعي. فالهدف هو الاستفادة من ايجابيّات السوق الحرة مثل القدرة الاقتصادية والامكانية العالية لانتاج السلع، مع تجنب سلبيّاتها، مثل المنافسة المدمّرة او تركيز القوة الاقتصادية في ايادي قليلة او التسبب في البطالة. وبالتالي فان هدف اقتصاد السوق الاجتماعي هو تحقيق اقصى حد من الرخاء مع افضل ضمان اجتماعي ممكن. ومن اجل تحقيق ذلك، لا تبقى الدولة مكتوفة الايدي، بل تتدخل في العملية الاقتصادية من اجل المصلحة العامة اذا اقتضت الضرورة ، كالتدخل في العرض والطلب باجراءات مناسبة ومقبولة لحماية المستهلكين او القيام بتشريعات بخصوص المنافسة.

وكيف يتم تطبيق اقتصاد السوق الاجتماعي عمليّاً؟


انّ اهم واجب للدولة هنا، هو وضع اطار قانوني لمجمل العمل الاقتصادي في البلاد. وهذا يعني:

ـ الحق في حرية النشاط الاقتصادي لكل شخص
ـ امكانية انشاء شركات ومصالح خاصة
ـ ضمان الملكية الخاصة لوسائل الانتاج
ـ الحق في تكوين جمعيات لحماية المصالح الاقتصادية والاجتماعية مثل منظمات لاصحاب العمل ونقابات للعاملين
ـ ضمان المنافسة الحرة في السوق من خلال نظام فعّال يمنع تقييدها او عرقلتها
ـ حرية تسعير السلع والخدمات بأستقلالية عن الدولة
ـ السعي للربح كحافز مادي
ـ ضرورة وجود بنك مركزي مستقل عن الحكومة
ـ حق اصحاب العمل والعاملين التفاوض فيما بينهم عن طريق منظماتهم للاتفاق على شروط العمل والاجور دون تدخل من قبل الدولة
ـ سياسة فعّالة للدولة في الاقتصاد وتطوّره وتشريعات بخصوص الضرائب
ـ وجود شبكة من الخدمات الاجتماعية لغرض مساعدة المحتاجين ماليّاً عند الحاجة،
  ككبار السن او المرضى او العاطلين عن العمل او ذوي الدخل الصغير،
  وحمياتهم من السقوط في الحضيض الاجتماعي

نجاح اثبته التاريخ

لقد اثبت سوق الاقتصاد الاجتماعي نجاحه منذ البدء بالعمل به بعد عام 1948، حيث ادى الى زيادة الرفاهية لقطاعات واسعة من السكان بصورة غير مسبوقة في التاريخ الالماني، مقرونة بمستوى عالٍ من الضمان الاجتماعي. الاّ انّ طبيعة ومدى تدخل الدولة في شؤون السوق بحجة الحفاظ على "دولة الرفاه"، كانت ولا زالت في كثير من الاحيان مثيرة للجدل.   

كما وساهم سوق الاقتصاد الاجتماعي بلا شك في الحفاظ على السلام والأمن الاجتماعي حتى في اصعب الظروف الاقتصادية، حيث يظهر ذلك جليّاً في قلّة الصراعات بين العاملين وأرباب العمل، مقارنةً بالدول الصناعية الاخرى، حيث تمثل الشراكة الاجتماعية بين النقابات وأرباب العمل الآلية المناسبة لتفادي الأزمات ضمن قوانين العمل. فهناك قوانين يشارك بموجبها ممثلون عن العاملين في الشركات في صياغة القرارات التي تخص بالدرجة الاولى من يمثلوهم، اي العمال والمستخدمين. ومقدار الشراكة والتأثير يتعلق بكبر الشركة، اي بعدد العاملين فيها.   

كلمة اخيرة

الديمقراطية التقليدية الغربية كنظام سياسي ليست قطّاً بالمثاليّة، الا انها برأينا، بالرغم من ذلك، افضل نظام للحكم، مقارنةً بكل الانظمة الاخرى التي جُربت لحد الآن (لنا حول ذلك مقالة خاصة ـ انظر الروابط ادناه). والامر مشابه الى حد كبير فيما يتعلق بأقتصاد السوق الاجتماعي كنظام اقتصادي. فهو كذلك ليس نظاماً مثاليّاً، بل نحن واثقون من تفوقه على الانظمة الاقتصادية الاخرى التي نالها حظ التطبيق العملي، بالرغم من عدالة أوانسانيّة نظريتها. فالتطبيق العملي اذاً هو المحك للحكم على نظام ما. وهل سَنُدهِش احداً اذا ادعينا، بأن نظام اقتصاد السوق الاجتماعي لا يمكن تطبيقه بنجاح الا في نظام ديمقراطي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) العاملون: هي ترجمتي للمصطلح الالماني (Arbeitnehmer)، وتعني الجمع بين العمال (Arbeiter) والمستخدمين (Angestellte). اما كلمة موظّف (Beamter)، فتطلق في المانيا فقط على بعض العاملين لدى الدولة وبشروط  خاصة.

المصادر:
ـ برنامج آلن للاتحاد الديمقراطي المسيحي في القطاع البريطاني بتاريخ 03/02/1947
ـ موقع "المركز الاتحادي للتربية السياسية" / بالالمانية
ـ جريدة "الاسبوع الاقتصادي" بتاريخ 11/06/2008 / بالالمانية
ـ موقع "جمعية العمل ـ اقتصاد السوق الاجتماعي" / بالالمانية
ـ موقع "حقائق عن المانيا" / بالعربية
 واهم مصدرهو بالطبع: التجربة الشخصية
 
للكاتب مقالات اخرى ذات صلة:

1ـ  جدار برلين والكذبة التاريخية
http://www.ankawa.com/index.php/ankawaforum/index.php?topic=716578

2 ـ المانيا: سر النجاح والتقدم
http://www.ankawa.com/index.php/ankawaforum/index.php?topic=739390.0

3 ـ المانيا: التجربة الديمقراطية
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=763698.0

12
المانيا: التجربة الديمقراطية

سامي مَدالو

"الديمقراطية هي اسوأ شكل للحكم، بأستثناء جميع الاشكال الاخرى التي جُرّبت من وقتٍ لآخر."

كان هذا هو رأي ونستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني الشهير والمنتخَب ديمقراطياً، عن النظام الديمقراطي.

ما معناه: عدم وجود شكل مثالي لنظام الحكم في اي مكان من العالم. ولكن على الرغم من كل النواقص ونقاط الضعف الكامنة في الديمقراطية، الاّ انها افضل من غيرها كنظام للحكم.

مقدمة

في عام 2007  جرى احتفال امام قصر هامباخ، الواقع في غرب المانيا، بذكرى مرور 175 سنة على التظاهرة الاحتفالية التاريخية التي اقيمت هناك، التي تعتبر بحق احد اهم الاحداث في تاريخ الديمقراطية الالمانية المعاصرة والوحدة الاوربية. ويصدر البريد الالماني عادةً طوابع بريدية بالمناسبات اليوبيلية لهذا الحدث.

 


تظاهرة المانية تاريخيّة من اجل الحرية والديمقراطية والوحدة الوطنية

من 27 ايار حتى 1 حزيران عام 1832 تظاهر هناك ما يقارب الـ 30.000 شخص للاعراب عن سخطهم واحتجاجهم على سياسة القمع والرقابة الصارمة للسلطات البافارية، التي كانت تلك المنطقة انذاك تابعة لها. وبالاضافة للسكان المحليين المنتمين لجميع فئات المجتمع، شاركت كذلك وفود كبيرة من دول اوربية اخرى مثل فرنسا وبولندا وانكلترا.

ومن اهم شعارات الجماهير المحتشده هناك، كانت المطالبة بالوحدة الوطنية لالمانيا (تحققت عام 1871 بتأسيس الدولة القيصرية)، فرفعوا عالياً راية الوحدة الالمانية بالوانها الثلاثة: الاسود والاحمر والذهبي. وطالب المتظاهرون بالحقوق المدنية الاساسية مثل حرية الصحافة وأبداء الرأي والتجمع والتسامح الديني والمساواة بين الرجل والمرأة، وكذلك بأعادة تنظيم اوربا على اساس سيادة الشعوب والمساوات بينها. كما ونادى بعض الخطباء بتوحيد اوربا تحت نظام كونفدرالي ديمقراطي. فهم  تظاهروا اذاً من اجل الحرية والديمقراطية والوحدة الوطنية.

ولكن ما معنى الديمقراطية؟


من المعروف ان كلمة الديمقراطية مقتبسة من اللغة اليونانية القديمة ومركبة من كلمتين وتعني حرفياً "حكم الشعب"، اي ان الشعب يحكم نفسه بنفسه. ولكن كيف يتم ذلك بالضبط ؟ وهل هناك قواعد اساسية وصفات يتميّز بها النظام الديمقراطي؟

نعم، هناك صفات يتميز بها كل نظام ديمقراطي، واهمّها برأينا هي:

ـ  اختيار الشعب لحكومته من خلال انتخابات سرية، حرة ودورية
ـ  القبول بقرارات الاكثرية، اي امكانية تبديل حكومة بأخرى في حالة عدم الرضى عنها
ـ  الفصل بين سلطات الدولة الثلاثة: التشريعية والتنفيذية والقضائية
ـ  تأمين الحقوق الاساسية المدنية الغير القابلة للتساوم، مثل ممارسة الحريات:
  الدينية، المعلوماتية، التعبير عن الرأي، التجمع، التظاهر والتنقل
ـ  حرية تأسيس الاحزاب (التعددية الحزبية)
ـ  الجميع متساوون امام القانون في الحقوق والواجبات 
ـ  احترام وحماية الاقليات (ايّاً كانت: قومية، سياسية، دينية، جنسية وغيرها) 
ـ  القبول بمعارضة سياسية وحمايتها
ـ  فصل الدين كليّاً عن الدولة في دستورها وسياستها، فالاديان بطبيعتها غير ديمقراطية
ـ  سلطة الدولة يجب ان تكون مبنية على دستور.
***
الا ان كل هذه الميّزات التي يجب ان تتسم بها الانظمة الديمقراطية، ليست بالطبع ذات قيمة، اذا بقيت حبراً على ورق، اي انها مذكورة فقط في الدستور، بل يتوجب تطبيق جميعها عملياً، والاّ لا معنى لها وغايتها خداع الشعب.

وهل هناك اشكال مختلفة للديمقراطية؟

من الواضح ان للنظام الديمقراطي شعبية واسعة وجاذبية شديدة على معظم الشعوب. فنادراً ما نجد دولة في العالم لا تعتبر نفسها ديمقراطية. فبالاضافة الى الدول الديمقراطية التقليدية في العالم الغربي، تصف كثير من الأنظمة الاستبدادية والدكتاتورية في اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية حكمها بالديمقراطي. والتسميات التي اطلقتها بلدان المعسكر الاشتراكي المنهار في شرق ووسط اوربا على انظمتها كانت تحتوي غالباً على كلمة الديمقراطية، مثل "الديمقراطية الشعبية" او "االديمقراطية الاشتراكية". وأسم "جمهورية المانيا الديمقراطية" لا زال عالقاً في ذاكرتنا.

كما ان هناك مصطلحات اخرى مثل الديمقراطية المُدارة  او الديمقراطية الموجّهة وغيرها. ففي هذه الانظمة تستمد الحكومات عادةً شرعيتها (الشكلية) من الانتخابات، الا ان ذلك لا يعني في الواقع قدرة الشعب على تغيير سياسة الدولة. فهنا يسود ما نستطيع تسميته بـ "ذرّ الرماد في العيون"، حيث تقوم الحكومة بالتحكم في الانتخابات عبر طرق ووسائل كثيرة، مثل التهديد او شراء الاصوات او التحكم في قائمة اسماء المرشحين لمجلس النواب وغيرها.

 فليس للناخب في نهاية المطاف تأثير يُذكر على نتائج الانتخابات او سياسة الحكومة، ناهيك عن امكانية التأثير في اختيار حكومة جديدة للفترة القادمة بسبب فشل الحكومة الحالية في انجاز مهامها. لا حاجة هنا لذكر امثلة انيّة كثيرة عن انتخابات لا تستحق ان تسمى حرّة او نزيهة. كما وان مجرد اجراء انتخابات، بشكل ما، لا يعني بالضرورة ديمقراطية النظام. بل ان الانتخابات (الحرة طبعاً)، هي فقط احد الاركان الرئيسية للديمقراطية التي يجب ان ترافقها المزايا الاخرى المذكورة اعلاه.

لمحة تاريخية

تعتبر اليونان مهد الديمقراطية. فخلال العصور القديمة، كان "الرجال الاحرار" في الدويلات اليونانية الصغيرة، يجتمعون عادةً  في ساحة عامة ليتفقوا ويصوتوا على القوانين التي تصبح بعدئذٍ ملزمة للجميع. ولكن بما ان الديمقراطية اليونانية (وكذلك الرومانية) كانت مبنية اقتصادياً واجتماعياً على العبودية، فلا يمكن مقارنتها بالمفهوم الحديث للديمقراطية، فهي بذلك غير مؤهلة اصلاً بأن تكون نموذجاً للحكم الديمقراطي الحديث.

بالاضافة الى ذلك، فأن هذا النوع من الديمقراطية المباشرة لم يعد اليوم عمليّاً في الدول الكبيرة التي يقطنها ملايين الاشخاص. فبدلاً من ذلك تمارس اليوم الشعوب في الدول الديمقراطية حكمها عادةً بشكل غير مباشر، اي عن طريق انتخابها لممثليها (النواب) بصورة دورية كل عدة سنوات، وتخولهم تشريع القوانين باسمها.

تعتبرالولايات المتحدة الامريكية اقدم دولة ديمقراطية حسب المفهوم الحديث للديمقراطية. اما في اوربا فقد جرت في فرنسا محاولة لتشكيل اول دولة على اسس ديمقراطية عام 1789 خلال الثورة الفرنسية. وعموماً نلاحظ تطوراً متبايناً للديمقراطية في البلدان الاوربية المختلفة. ففي الوقت الذي تطور فيه نظام الحكم الملكي في بريطانيا في القرن التاسع عشر تدريجياً الى نظام ديمقراطي، كان هذا ممكناً في فرنسا فقط تحت ظل النظام الجمهوري (الجمهورية الثالثة ـ 1870).

اما في المانيا فتأسّست بعد سقوط القيصرية سنة 1919 ما سُمّي  بجمهورية فايمار (نسبة الى مدينة فايمار) كنظام ديمقراطي. الا انها فشلت في البقاء لاسباب عديدة لامجال لذكرها هنا، وسقطت عام 1933 بعد استيلاء "الحزب القومي الاشتراكي العمالي الالماني" (النازي) على السلطة (عن طريق الانتخابات!) وتأسيس حكم دكتاتوري عنصري وتحريم جميع الاحزاب الاخرى والقضاء التام على كل المعارضين.     

غداة الحرب العالمية الثانية


في عام 1949 تأسست جمهورية المانيا الاتحادية على نمط الدول الغربية كدولة ديمقراطية برلمانية تتصف بالمزايا الديمقراطية المذكورة اعلاه ومثبته في دستورها (القانون الاساسي). اما "جمهورية المانيا الديمقراطية" فقد تأسست على النمط السوفيتي كدولة "ديمقراطية شعبية"، يحكمها كبقية دول المعسكر الاشتراكي حزب شيوعي (الحزب الاشتراكي الموحد) يحتكر جميع السلطات في الدولة. والقرارات كانت تُسنّ مشياً على مبدأ "الديمقراطية المركزية"، اي ان القرارات كانت تُسن في المركز وعلى الجهات السفلى تنفيذها.

وقد يعترض احدهم بهذا الخصوص قائلاً: ولكن كانت هناك 4 احزاب اخرى مشتركة مع الحزب الحاكم في جبهة. نعم، هذا صحيح من الناحية الشكلية، الا ان السلطة الحقيقية كانت بيد الحزب القائد، اي الحزب الاشتراكي الموحد. اما الاحزاب الباقية فكانت مجرد غطاء ديمقراطي لنظام الحزب الواحد، حيث كانت في الواقع، كما يقول المثل، "لا تحل ولا تربط".

بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار المعسكر الاشتراكي (1990ـ1991)، تحولت معظم بلدان اوربا الشرقية الى دول ديمقراطية على غرار النموذج الديمقراطي الغربي، تسودها التعددية الحزبية وانتخابات حرة وحقوق مدنية. ان هذه الصفات تعتبر كشرط  ضروري للعضوية في الاتحاد الاوربي.

وبالفعل حصلت اكثر دول اوربا الشرقية، مثل بولندا وهنغاريا والتشيك وسلوفاكيا وسلوفينيا وكرواتيا وبلغاريا ورومانيا ودول البلطيق الثلاثة، على عضويته. ولكن لحداثة الديمقراطية في هذه البلدان، نلاحظ فيها نواقص مقارنة بالدول المؤسسة للاتحاد الاوربي او المنتمية اليه قبل انهيار المعسكر الاشتراكي.

المانيا الان: النظام السياسي

تم وضع دستور المانيا الاتحادية في 23 ايار عام  1949 وسميّ بـ "القانون الاساسي" كتسمية مؤقتة، أملاً باستبداله بدستور دائمي في حالة توحيد جزئي المانيا. الا ان هذه التسمية لم تُغيّر بعد التوحيد حيث جرت عليه تعديلات قليلة فقط. والتعديلات على الدستور يجب ان تتم بأغلبية ثلثي الاصوات في في كلا غرفتي البرلمان (البرلمان الاتحادي ومجلس الولايات).

ان دستور المانيا الاتحادية اصبح رمزاً للنجاح ومثالاً يحتذى به. فقد جاء بالسلام والاستقرار بعد الحرب العالمية الثانية، بالرغم من انه كان نافذ المفعول حتي عام 1990على الشطرالغربي فقط من المانيا المقسمة.  فهو يؤكد على اهمية الحقوق الاساسية للانسان والتمسك بالمبادئ الديمقراطية والاجتماعية للدولة الاتحادية، بالاضافة الى سلطة قضائية عليا تسهر على مراقبة تنفيذ الدستور والالتزام بمبادئه. كل هذا شكّل نقطة ارتكاز الديمقراطية الالمانية الحديثة.

تعتبر الفقرة الاولى من المادة الاولى من اهم فقرات الدستور، حيث يتم ترديدها والاشتشهاد بها في مناسبات كثيرة، وتنص على انه "لا يجوز المساس بكرامة الانسان. والدولة، بكل سلطاتها، ملزمة باحترامها وحمايتها". وفي الوقت الذي تُعرّف الفقرة الاولى من المادة 20  المانيا الاتحادية كـ "جمهورية ديمقراطية واجتماعية". تعطي الفقرة الرابعة من هذه المادة الحق لكل الالمان مقاومة اي كائن يحاول القضاء على هذا النظام، في حالة عدم وجود امكانية اخرى لعمل ذلك.

ان هذه الفقرة تُظهر جليّا مدى تعلّم واضعي الدستور من التجربة المريرة مع النازيين الذين تمكنوا من الاستيلاء على الحكم عن طريق الانتخابات وثم القضاء على النظام الديمقراطي الذي اوصلهم للحكم. بالاضافة الى ذلك، يقضي قانون الانتخابات في المانيا بحصول الاحزاب المشاركة في الانتخابات ـ كحد ادنى ـ  على 5% من اصوات الناخبين، لكي تتمكن من المشاركة في البرلمان. سبب ذلك هو القناعة بأن احد الاسباب المساعدة لتمكن النازيينن من الاستيلاء على الحكم، كان التشظي والتفتت الحاصل في البرلمان الالماني عام 1933، الذي ضم انذاك 17 حزباً، مما عرقل الاتفاق من اجل صد مطامع النازيين  وجعله مستحيلاً.   

 

الرسم البياني للنظام السياسي في المانيا الاتحادية
ة

اذا تمعنا النظر في الرسم البياني اعلاه، ستتضح لنا بعض الميزات الرئيسية لنظام الحكم في جمهورية المانيا الاتحادية:

1ـ السلطات الثلاثة منفصلة الواحدة عن الاخرى: البرلمان، الحكومة، القضاء
2ـ الفدرالية: المركز والولايات (الجزء الاسفل على اليمين يمثل نموذج لـ 16 ولاية)
3ـ التشابه بين المركز والولايات من حيث فصل السلطات الثلاثة عن بعضها البعض

بالرغم من ان الرسم البياني لا يحتاج الى شرح مسهب، او كما يقول الالمان: يشرح نفسه بنفسه، الا اننا نود في ما يلي التركيز على بعض التفاصيل:

الرئيس الاتحادي (رئيس الجمهورية)


يتم انتخاب الرئيس الاتحادي من قبل المؤتمر الفدرالي، الذي يجتمع لهذا الغرض فقط. يضم هذا المؤتمر جميع اعضاء البرلمان الاتحادي بالاضافة الى عدد مماثل من مندوبين ينتخبهم مجلس الولايات من اعضائه ومن اشخاص اخرين يتمتعون بالاحترام والتقدير، تكريماً لهم لاعمال وخدمات متميزه قدّموها للمجتمع الالماني في مجالات مختلفة.
 
بالرغم من ان رئيس جمهورية المانيا الاتحادية يعتبر أعلى سلطة في الدولة، الا انه لا يمتلك صلاحيات تنفيذية مماثلة لصلاحيات رؤساء بلدان ديمقراطية غربية مماثلة، مثل الرئيس الامريكي او الرئيس الفرنسي. من واجباته مثلاً ترشيح المستشار (رئيس الوزراء)، المؤهل لنيل اكثرية الاصوات في البرلمان الاتحادي.

ومن واجباته المصادقة على القرارات البرلمانية وعلى مقترحات الحكومة المتعلقة في التعيينات في المناصب العليا. كما ويمثل المانيا في الخارج ويستقبل رؤساء الدول الاخرى ويوافق على تعيين السفراء الاجانب وغير ذلك من صلاحيات تمثيلية. وللرئيس حق ابداء رأيه في المسائل الهامة التي تشغل المجتمع، وان كان ذلك مخالفاً لرأي الحكومة.

المستشار (رئيس الحكومة / رئيس الوزراء)


مستشار المانيا الاتحادية هو العضو المنتخب الوحيد في الحكومة، حيث ينتخب بالاكثرية في البرلمان الاتحادي. وحسب الدستور، له الحق في تعيين جميع الوزراء بصفته اعلى سلطة تنفيذية في الدولة. لعدم امكانية حزب واحد من حيازة اكثرية الاصوات في البرلمان الاتحادي،  تقتضي الضرورة عادةً على تشكيل الحكومة من ائتلاف حزبين، يتقاسما بينهما الوزارات حسب عدد نوابهما في البرلمان.

نظام الانتخاب الالماني يجعل من الصعوبة بمكان قيام حزب واحد بتشكيل الحكومة، الامر الذي حدث مرة واحدة فقط منذ تأسسيس جمهورية المانيا الاتحادية. فيقوم عادةً احد الحزبين الكبيرين بتشكيل الحكومة بالاشتراك مع حزب ثاني صغير. هذان الحزبان الكبيران هما حزب "الاتحاد الديمقراطي المسيحي"  و "الحزب الديمقراطي الاجتماعي".

هذا يعني بأن جميع المستشارين، منذ تأسيس المانيا الاتحادية عام 1949 ولحد الان، كانوا من احد هذين الحزبين فقط. ونادراً ما يشترك هذان الحزبان بتآلف لتشكيل حكومة تسمى حكومة "التآلف الكبير"، كما هو الحال في الدورة التشريعية الانيّة (2013 ـ 2017).

المحكمة الدستورية الاتحادية


المحكمة الدستورية الاتحادية لها كيان دستوري مستقل، فلا توجد هيئة عليا مشرفة عليها. تعتبر راعية الدستور الالماني، حيث تقوم بفحص اعمال الهيئات التنفيذية ومدى توافقها مع مواد الدستور الالماني والقانون الدولي، واحكامها ملزمة للحكومة ولجميع مؤسسات السلطة التنفيذية.

يتم انتخاب نصف قضاة المحكمة الدستورية من قبل هيئة خاصة من البرلمان الاتحادي، اما النصف الاخر فينتخب من قبل مجلس الولايات. مدة خدمة القضاة  في هذه المحكمة 12 سنة، ما يؤكد استقلاليتهم عن الحكومات التي تنتخب لاربع سنوات فقط. كما لا يجوز انتخابهم لفترة ثانية. ويشترط عليهم حيازة شهادة المحامات على الاقل، بل وهم في احيان كثيرة اساتذة في القانون في احدى الجامعات الالمانية.

قضاة هذه المحكمة يعدون من الشخصيات البارزة ويتمتعون باحترام كبير في المجتمع الالماني. لا يحق لهم الانتماء الى الحكومة الاتحادية او لحكومة احدى الولايات. كما لا يحق لهم عضوية البرلمان الاتحادي او برلمان احدى الولايات.



النظام الفدرالي

 


الولايات الالمانية

تتألف المانيا من 16 ولاية (بندسلاند)، 5 منها انضمت بعد الوحدة الالمانية عام 1990. لكل ولاية دستورها الخاص ومحكمة دستورية تحرص على تطبيقه، كما ولها علمها الرسمي. تتمع الولايات الالمانية بحكم شبه ذاتي فيما يتعلق بتنظيمها الداخلي، فلها برلمانها، الذي ينتخب بصورة دورية حصراً من قبل سكانها. والاكثرية البرلمانية تنتخب الحكومة، التي تتألف على الاغلب من حزبين او اكثر. لاسباب تاريخية وسياسية، هناك 3 مدن تعتبر ولايات وهي برلين و هامبورغ  و بريمن.

في الوقت الذي يتعامل فيه مواطنو الدول الديمقراطية الاخرى في حياتهم اليومية غالباً مع المركز، يخضع المواطنون في المانيا في كافة الاعمال تقريباً لسلطة الولاية او للدائرة التي تمثلها. فالولايات تتمتع بسلطة مطلقة في ثلاث مجالات هامة هي: الادارة الذاتية، التعليم والتعليم العالي، الامن الداخلي ومن ضمنه الشرطة. وفي مجلس الولايات، ذو النفوذ السياسي الواسع، تجد الولايات تعويضاً عن الدور التشريعي الكبير لسلطة الاتحاد، المسؤولة عن سن القوانين.

مجلس الولايات (بندسرات)


يمثل جميع الولايات ويعتبر هيئة ثانية او غرفة ثانية بجانب مجلس النواب الاتحادي (بندستاغ). من مهامه الاساسية مناقشة القوانين الاتحادية والتصديق عليها. نستطيع تشبيهه بـ "مجلس الشيوخ" او "مجلس الاعيان" في الدول الاتحادية الاخرى. ويتناسب عدد ممثلي كل ولاية بعدد نفوس سكانها، على ان يكون لكل ولاية 3 اصوات على الاقل، في حين قد يصل عدد ممثلي الولايات الاكثر سكاناً الى 6 اصوات.

الديمقراطية وتباين الدخل


بالرغم من ان هذا ليس من صلب موضوعنا هنا، الا اننا نود ان نضيف، بان الديمقراطية لا تعني بالضرورة المساواة في مستوى الدخل والمعيشة بين السكان. فحتى في المانيا، التي تعتبر من الدول الغنية في العالم، هناك تباين واسع بين دخل الافراد. فحسب دراسة حديثة صادرة عن "منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي (OECD) " في كانون الاول 2014، يعادل دخل اغنى عُشر من سكانها اكثر من 7 اضعاف دخل العُشر الفقير منهم.

كلمة اخيرة


بالرغم من كل ما تقدم من ميزات النظام الديمقراطي، الاّ اننا واثقون من صحة ما جاء ذكره في بداية المقال من:
"عدم وجود شكل مثالي لنظام الحكم في اي مكان من العالم. ولكن على الرغم من كل النواقص ونقاط الضعف الكامنة في الديمقراطية، الاّ انها افضل من غيرها كنظام للحكم."

***
لكاتب المقال مواضيع اخرى ذات صلة:
1ـ  جدار برلين والكذبة التاريخية
http://www.ankawa.com/index.php/ankawaforum/index.php?topic=716578

2 ـ المانيا: سر النجاح والتقدم
http://www.ankawa.com/index.php/ankawaforum/index.php?topic=739390.0


14
المانيا: سر النجاح والتقدم

 

سامي الياس مدالو

هل هناك من يصدق اليوم الخبر التالي:

بتاريخ  23/8/1887  قرر البرلمان الانكليزي ضرورة وجود هذه الكلمات الثلاثة  "Made in Germany " على كل البضائع المستوردة من المانيا لتمييزها عن البضائع المصنوعة في انكلترا وكأشارة غير مباشرة على ردائتها انذاك، مقارنة بالمنتوجات الانكليزية.

نعم، علينا تصديق ذلك، فهذه حقيقة مثبتة في التاريخ. اذاً فالانكليز وليس الالمان هم من ابتكرهذا الشعار لتحذير مواطنيهم من سوء المنتجات الالمانية الرخيصة التي بدأت تنافس انذاك منتجاتهم في بلدهم بالذات. حسناً، اذا كان الامر كذلك، فاذاً ما سبب انقلاب الاية، حيث الكل يعلم الان بأن عبارة "صنع في المانيا" تعني بالدرجة الاولى جودة البضاعة الالمانية.

مقدمة

غالباً ما يفسر نجاح الاقتصاد الالماني وجودة البضاعة الالمانية بخصائص وفضائل الالمان مثل الدقة / النظام / الاجتهاد / مراعات المواعيد / الاخلاص / الشعور بالمسؤولية والامانة تجاه الواجب وغيرها الكثير. ولكن هل هذا يكفي لتعليل النجاح والتفوق الاقتصادي؟ باعتقادي ان لهذه المزايا بلا شك تأثيرها الايجابي، الا انها لوحدها غير كافية لتفسير ذلك. اذاً ما هي العوامل المهمة الاخرى التي تلعب دورها في التقدم الاقتصادي الالماني؟ 

ان سر تقدم ونجاح المانيا اقتصادياً له اسباب عديدة وليس سبباً واحداً، فليس هناك بلداً ثانيا على سطح الارض قاطبةً يملك اكثر من المانيا شركات تتزعم السوق العالمي. فمستشارون وعلماء الاقتصاد في الدول الصناعية الاخرى يبحثون الان عن اسرارهذا النجاح، حيث لم تكن اهمية فهم "النموذج الالماني" في يوم ما اكبر مما هي عليه اليوم. فخلال الـ 25 سنة الماضية احتلت المانيا 10 مرات الدرجة الاولى في العالم بالتصدير. فالتصدير اذاً وليس الطلب المحلي هو سبب الازدهار وقلة البطالة.

اسباب قوة المانيا في التنافس الاقتصادي

مقدماً نستطيع القول بأن سبب النجاح والتقدم ليست الشركات "العملاقة" كما قد يظن البعض، فالولايات المتحدة الامريكية لها، حسب قائمة مجلة فورتيون الذي تضم 500 من اكبر الشركات العالمية، اربع مرات ولليابان ضعف عدد الشركات الكبيرة مقارنة بالمانيا. وحتى فرنسا تتفوق على المانيا بعدد الشركات "العملاقة".

السبب الرئيسي لنجاح المانيا المستمر في التصدير يكمن في قوة الشركات ذات الحجم المتوسط ، او بالاحرى في قوة نخبة من تلك الشركات المسماة بـ "البطلات المخفيات". فما يقارب نصف عدد الشركات المصدرة في العالم ذات الحجم  المتوسط هي المانية، وربع صادرات المانيا هي بالضبط من حصة هذه الشركات.

انها حقاً ظاهرة فريدة في العالم، فالمانيا لها 16 من هذه الشركات لكل مليون نسمة، بالمقابل: في فرنسا 1,1  في الولايات المتحدة 1,2  وفي اليابان 1,7 شركة لكل مليون نسمة من سكان البلد. فقط النمسا وسويسرا لهما ما يقارب الـ 14 شركة من هذا الطراز لكل مليون نسمة، اي ما يضاهي تقريباً عددها في المانيا.

ولكن ما هو سبب وجود هذا العدد الكبير من الشركات "الوسطية" قي المانيا بالتحديد؟

هناك باقة من مؤثرات وعوامل لهذه الظاهرة النادرة، فعلينا لفهم ذلك الرجوع بعيداً الى الوراء في التاريخ الالماني والذي يفسر في نهاية المطاف قوة المانيا في التصدير.
   
خصوصية تاريخية

على عكس فرنسا مثلاً، لم تكن ألمانيا حتى نهاية القرن التاسع عشر دولة قومية موحدة، بل تتكون من دويلات صغيرة مستقلة. فكان اصحاب العمل الذين يرغبون في النمو والتوسع مضطرين الى "تدويل" نطاق نشاطهم التجاري، اي الرغبة في ايجاد اسواق لبضائعهم خارج حدود دويلاتهم. فالرغبة في تدويل النطاق التجاري كانت ولا زالت احدى الميزات الرئيسية للشركات الالمانية. فهي تبدأ بالتصديرقبل مثيلاتها في الدول الاخرى بكثير، حتى  وان كان حجمها اصغر من نظيراتها الاجنبية. فهذه هي اذاً الارض الخصبة التي  تزدهر فيها ما يسمى بـ "البطلات المخفيات".

المهارات التقليدية

هناك في العديد من المناطق الألمانية مهارات يمتد عمرها الى عدة قرون والتي لا زالت تلقي ضوءها على وقتنا الحاضر. فمنذ زمن طويل تُنتج في شفارتز فالد (الغابة السوداء) -   الواقعة في جنوب غرب المانيا - الساعات التي تتطلب مهارات عالية في صناعة الالات الدقيقة.

فصناعة الساعات تعتبر لحد اليوم كمفتاح للدخول في العصر الصناعي الحديث. ففي محيط مدينة توتلينجن الواقعة في اطراف الغابة السوداء توجد اليوم أكثر من 400 شركة لانتاج الأجهزة الطبية، انبثقت من شركات انتاج الالات الميكانيكية الدقيقة، بعضها ذو تاريخ عريق بانتاج الساعات.

 أو لنأخذ مثلاً مدينة غوتنغن. فسنجد هناك 39 شركة تصنع الات القياس، بعضها تتصدر السوق العالمي في هذا المجال. ولكن ما سبب التفوق في هذه المدينة بالذات التي لا تقع في الغابة السوداء المذكورة اعلاه؟  التفسير هنا يكمن في الدور القيادي عبر قرون لكلية علوم الرياضيات في هذه المدينة. فبعض هذه الشركات لا زالت تتبع القواعد التي اكتشفها عالم الرياضيات الالماني والشهير على النطاق العالمي "كارل فريدريش غاوس" (1855-1777).

فالمانيا لا زالت اذاً تستخدم القواعد التكنولوجية التي قد يصل تاريخها الى العصور الوسطى، لتحقق النجاح في القرن الحادي والعشرين. هذا ما يراه احد الرؤساء السابقين لشركة سيمنس.

الابتكار المتميز

للتبسيط، دعونا نأخذ كمؤشرعدد براءات الاختراع التي يمنحها المكتب الاوربي للبراءات.
فألمانيا لديها من براءات الاختراع، مقارنةً بالنسبة لعدد السكان:
اكثر من ضعف عدد البراءات الممنوحة لفرنسا
واربعة اضعافها لايطاليا
وخمسة اضعافها للمملكة المتحدة
و18 ضعفها لاسبانيا
و56 ضعفها للبرتغال
و110 ضعفها لليونان

فقط سويسرا والسويد يتقدمان المانيا في عدد براءات الاختراع نسبةً لعدد السكان. اذاً فالمانيا متميزة في مجال الابتكار على النطاق الاوربي، ومثيرة للاعجاب على النطاق العالمي.

تكاليف الانتاج


استفادت الصادرات الالمانية في العقد الاول من القرن الحالي على نطاق واسع من التطور الايجابي لتكاليف الانتاج، التي ارتفعت باعتدال او تراجعت في هذه الفترة بأستثناء اعوام الازمة 2008/2009 .  ففي حين ارتفعت تكاليف الانتاج في فرنسا بمعدل 26%  وفي منطقة اليورو ككل بمعدل 22% ، ارتفعت في المانيا بمعدل %6 فقط.

المنافسة الحادة

بالاضافة للمنافسة على النطاق العالمي، ترى ثلث "البطلات المخفيات" ان اقوى منافسيها هي شركات المانية، وغالباً ما تكون هذه شركات من نفس المنطقة. فالمنافسة الداخلية تساهم هي ايضاً بشكل كبير بتحفيز وتقوية القدرة الصناعية والتصدير للشركات الالمانية.

التجمعات الصناعية

هنا في المانيا تجمعات صناعية تقليدية تتركز في مناطق معينة مثل صناعة الات القطع في مدينة سولنغن وصناعة اقلام الرصاص في نورنبرغ، وهناك مناطق اخرى تركزت فيها صناعات حديثة العهد مثل صناعة الات واجهزة لكسب طاقة الرياح التي نشأت في شمال المانيا. هذه التجمعات تعني جمع الاخصائيين من ذوي اعلى مستوى للكفاءات على النطاق العالمي في منطقة واحدة  للقيام باقصى قدر من الاداء.

تجمعات اصحاب العمل

بالإضافة إلى التجمعات الصناعية في قطاعات محددة، نجد نوعا اخرا مختلفا من التركيز في مناطق معينة. فمثلاً توجد في مدينة وندهاغن، التي يبلغ عدد نفوسها 4260 نسمة فقط، ثلاثة شركات ذو الحجم المتوسط  وبمنتوجات مختلفة، وكل واحدة منها تتصدر السوق العالمي في فرعها. وهناك امثلة عديدة اخرى لهذه الظاهرة، التي يسببها التحفيز الناتج من نجاح شركات في نفس المنطقة ومحاولة الاقتداء بها. قد نستطيع تسمية هذه الظاهرة بـ "العدوى الاجتماعية"، الايجابية طبعاً.

التدريب المهني المزدوج

التدريب المهني المزدوج في قطاعي التجارة والصناعة يعد تقليدا ثقافيا ألمانيا ناجحاً يرجع تاريخه لعام 1869، وهو فريد من نوعه في العالم، حيث يحوي الجانب النظري في المعهد الدراسي والممارسة العملية في قطاعات الإنتاج. التدريب يستغرق عادةً سنتين إلى ثلاث سنوات ونصف، يحصل الشباب على الكثير من المعرفة التخصصية التي تعينهم في طريقهم العملي.

التدريب المهني في ألمانيا مفتوح أمام جميع الشباب ممن حصلوا على شهادة المرحلة المتوسطة او الثانوية. المميز في ذلك: يمكن للشباب الجمع بين التدريب في شركة مع الدراسة النظرية في مدرسة مهنية، ولهذا يسمى بالتدريب المهني المزدوج.

وحالياً يمكن للشباب الاختيار بين 344 مهنة في قطاع التجارة أو قطاع الحرف اليدوية والمهن الطبية وغيرها. وهذا ما تستفيد منه الشركات، حيث يحصل المتدربون على المعلومات التي يحتاجوها في عملهم، الذي يمكنهم الشروع به بعد انهاء التدريب مباشرةً.  حالياً يتدرب حوالي 1,5 مليون شاب في ألمانيا وفق هذا النظام.

الموقع الجغرافي الاستراتيجي


لالمانيا موقعا جيوستراتيجيا ممتازاً، مقارنة مثلاً بامريكا واليابان. فاصحاب الاعمال الالمان يستطيعون الاتصال هاتفياً باليابان وكاليفورنيا اثناء ساعات الدوام العادية. بينما الاتصال بين امريكا واسيا ليس سهلاً بسبب فرق التوقيت من 10 الى 12 ساعة. هذا بالاضافة الى قصر مسافة السفر بين المانيا وبين اهم مراكز العمل والتجارة في العالم، مقارنة بالمسافة التي يتوجب على الامريكان واليابانيين والصينيين قطعها. وحتى بالنسبة لاوربا فالمانيا تقع في وسطها.

لغة الزبائن

التعامل التجاري الدولي يحتاج دوماً الى توسيع الافق الثقافية. وكما يقال فان "افضل لغة في المعاملات التجارية هي لغة الزبون". واللغة هنا لا تعني فقط اللغة بالمعنى المألوف، بقدر ماتعنيه من فهم ما يقصده ويحتاجه الزبائن وتفهم خلفيتهم الثقافية وبالتالي طريقة تفكيرهم. مقارنة بالدول الصناعية الكبرى الاخرى تحتل المانيا بلا شك احد المقاعد الامامية في هذا المجال.

المصادر:
1ـ  هرمان سيمون: البطلات المخفيات ـ الرحيل الى العولمة / بالالمانية
2ـ بلانيت فسّن: تطور الصناعة في المانيا / بالالمانية
3ـ  دويجة فيلاّ: مثال يحتذى في العالم: التدريب المهني المزدوج في المانيا / بالعربية


15
ذكريات في الغربة (3) ... "قصر الدموع" وذكريات اخرى


سامي الياس مدالو

بعد الانتظار في "قصر الدموع" لاكثر من ساعة في طابور العابرين من برلين الغربية الى برلين الشرقية، طلب مني ضابط الحدود الالماني الشرقي، بعد تصفحه لجواز سفري العراقي، ان اصطحبه الى احدى الغرف المخصصة لاستجواب من يشكون بهم من زوار عاصمتهم. "ما هو غرض زيارتك الى برلين الديمقراطية؟" ، اراد الضابط معرفته مني، بعد ان عرض علي الجلوس على كرسي خشبي امام منضدة خشبية مربعة صغيرة، ليجلس هو في الجهة المقابلة. هذا ما جرى في بداية الستينات من القرن العشرين.

"اود زيارة صديق عراقي من ابناء مدينتي يقوم هنا بالتخصص ونيل شهادة الدكتوراه"، اجبته بعد الجلوس والقاء نظرة خاطفة على محيطي. ضابط الحدود، الذي كان يكبرني حسب تقديري سنوات قليلة فقط، سألني بعد ذلك عن مهنتي وأشياء اخرى لا اتذكرها الان، ليأمرني بعد ذلك: "ضع كل محتويات جيوبك على المنضدة رجاءً"، مؤشراً بيده اليمنى على المنضدة امامنا.

بعد تأمله بدقة لحاجياتي المبعثرة على المنضدة امامه، وكأنه يفتقد شيئاً معيناً، سألني مجدداً: "هل بحوزتك نقود جمهورية المانيا الديمقراطية؟".  "كلاّ"، كان جوابي السريع والقصير. "اذاً ارجوك ان تخلع احذيتك وملابسك، عدا الداخلية منها" ...  بعد ان خاب امله ثانية في العثور على ما هو محرم ادخاله الى برلين الشرقية، طلب مني ان ارتدي ثيابي واجمع حاجياتي.

ربما كمحاولة منه لتلطيف جو التحقيق المتشنج وللاعتذار الغير المباشر مني عن الاستجواب والفحص المزعج ، بدأ يحاورني في السياسة. "ما هو رأيك في نظامنا الاشتراكي"، سألني، راغباً معرفة رأيي في المانيا الشرقية. لم اشعر في تلك اللحظة بتاتاً باية رغبة بالدخول بنقاش سياسي مع ضابط لحدود دولة انوي الدخول الى عاصمتها.

"لندع النظامين، الاشتراكي والرأسمالي، يتنافسان مع بعضهما، لنرى بعد فترة زمنية كافية ايهما الافضل"، اجبته، محاولاً بالحقيقة التهرب من النقاش الجدي، بل متمنياً في اعماقي ان يكتفي بذلك و "يطلق سراحي!". لحسن حظي انهى الان كلامه وطلب مني بلطف ملحوظ مغادرة غرفة التحقيق بصحبته...

غادرت "قصر الدموع" بمزيج من الغضب والفرح. منزعجاً من تصرف ضابط الحدود، وسعيداً بقرب لقائي بالصديق ابن بلدتي. اخبرت صديقي بما جرى وقررت تقليص عدد زياراتي الى "الجانب الآخر" الى الحد الضروري.


 


"قصر الدموع"
اسم ساخري اطلقه سكان برلين على احدى اهم نقاط العبور
بين برلين الغربية وبرلين الشرقية
ـــــــــــــــ
هذه لقطة في الجانب الشرقي ـ هنا كان سكان برلين الشرقية
 يستقبلون زوارهم من الجانب الاخر
ويذرفون الدموع حين وداعهم، حيث لا امكانية لهم بالقيام بزيارة معاكسة
***

 


"قصر الدموع"
هوالآن الاسم الرسمي لذلك المنفذ الشهير بين برلين الغربية وبرلين الشرقية
ويحوي معرض دائمي بعنوان
"تجارب الحدود ـ يوميات المانيا المقسّمة"
***

8 شباط 1963 ـ الكارثة الوطنية

وقع علينا خبر الانقلاب العسكري في 8 شباط 1963 ضد حكومة عبدالكريم قاسم الوطنية كالصاعقة. اسئلة كثيرة شغلتنا في تلك الايام حتى الارهاق الفكري ونحن نبعد الاف الاميال عن مجرى الاحداث. لعل اهم سؤالين لنا انذاك كانا: ماذا يجري بالفعل في الوطن؟ وما هو مصير الاهل والاقارب والاصدقاء؟ 

تناقلت وسائل الاعلام الالمانية المختلفة التطورات في العراق بشكل اخبار وتعليقات، ولكنها عجزت عن اشباع عطشنا كعراقيين على معرفة الحقيقة في الوطن النائي. ولشدة تلهفنا لسماع اخبار الوطن بالتفصيل، أصبحنا كالمدمنين بسماع الموجات القصيرة العربية، علّنا نسمع خبراً يسرنا بفشل الانقلاب ودحر الانقلابيين. قلما غادرنا المذياع في اوقات فراغنا. فخاب املنا، وبدأنا نصدّق اسخف الاشاعات عن "مقاومة الشعب العراقي الباسل" ضد الانقلابيين... وصدّقنا ما لا يصدّقه عاقل في الزمن العادي، حالنا حال الغريق المتشبث بالقش.




الزعيم الوطني الشهيد عبد الكريم قاسم
اغتاله الانقلابيون في 9 شباط 1963
***

 


علم الجمهورية العراقية من 1958 الى 1963
الغي بعد انقلاب 8 شباط 1963
***

 


هل هناك من يتذكرهذا الشعار؟
***

بعد فترة غير قصيرة وببطئ، بدأت تصلنا رويداً اخبار الوطن والاهل المحزنة والمخيفة. لا اتذكر هنا، كيف ومتى بالضبط علمتُ بأعتقال اقربائي. كنا نقرأ الرسائل القليلة التي تصلنا من الاهل مرات عديدة، علّها تحوي بين سطورها معلومات يود كاتبها اخفائها على الرقيب العسكري وايصالها لنا.

زملاء من جمعيتنا ـ جمعية الطلبة العراقيين في المانيا الاتحادية وبرلين الغربية ـ  نظموا بعد ايام مظاهرة احتجاجية ضد الانقلاب القومي البعثي امام السفارة العراقية في العاصمة الالمانية بون، محاولين دخولها لتسليم عريضة احتجاج على ما يجري في الوطن. لعدم اخذ الموافقة مقدماً بالتظاهر، قامت الشرطة الالمانية بأعتقال عدداً  منهم وتوقيفهم لبضعة ايام.

صندوق التضامن

تفاجأ عدد من طلاب البعثة في مطلع شهر اذار 1963 بقطع رواتبهم لاسباب سياسية وبحجة معارضتهم للانقلاب والحكومة الجديدة. كما ومُنع ذوي طلاب اخرين من امكانية تحويل نقود لابنائهم الذين يدرسون على حسابهم الخاص. ولحسن الحظ لم يتم قطع رواتب جميع طلاب البعثة المعارضين للوضع الجديد في الوطن.

بعد نقاش مسهب في الهيئة العامة لفرع الجمعية في برلين الغربية، قررنا تشكيل ما سميناه بـ "صندوق التضامن مع الزملاء المتضررين من اجراءات الحكومة". تعهّد في هذا الاجتماع طلاب البعثة الذين لم تقطع مخصصاتهم، بالتبرع الاختياري بعشر راتبهم الشهري لصندوق التضامن، ليتمكن المتضررون من مواصلة دراستهم حتى التوصل الى حل اخر.

اتذكّر هنا الكلام المازح لزميل ذو روح عراقية اصيلة مرحة ، حيث لم يبخل علينا يوماً ما بكلام  فكاهي جميل حتى في اصعب الاوقات واكبر المحن. على خلفية نقاشنا الدائم في كل اجتماعات الهيئة العامة تقريباً بصدد اهمية تأجير مقر للجمعية في برلين الغربية، نهض هذا الزميل، الذي كان دوماً من اشد المتحمسين لفكرة المقر، ليدلي بمداخلته المازحة.

بجدية مصطنعة حاول زميلنا العزيز اقناع الحضور بأهمية ايجاد مقر للجمعية، ليقول كلامه الذي انعشنا ودعانا ننسى محنتنا للحظات: "زملاء، لازم نشوفلنا باسرع وقت ممكن مقر للجمعية. زين اذا ما عدنا مقر، وين راح نحط الصندوق (وكأنه يصف صندوق خشبي كبير!). يعني قابل نظل شايليه على جتافنا ونتمشى بيه ليل نهار؟ وبعدين ... يعني انتو ما خايفين عليه مثلاً ينباگ، لو يوگع  وينكسر؟". ما احوجنا لمثل هذا الزميل في هذا الزمان.

ما العمل؟

بعد ان خاب املنا نهائياً بأمكانية قوة ما في العراق بصد الانقلاب وقهر الانقلابيين، بدأنا نفكر في ما نستطيع القيام به بأمكانياتنا المتواضعة في الغربة. تنوير الرأي العام الالماني بالوضع في العراق اعتبرناه من اهم واجباتنا في هذه الفترة، فطبعنا بيانات باللغتين الالمانية والعربية ووزعناها في الجامعات والمعاهد الدراسية. كما قمنا بتنظيم اجتماعات تنويرية باللغة الالمانية حضرها عشرات الاشخاص، وزعنا خلالها بطاقات بريدية للاحتجاج لدى السفارة العراقية ضد الاعتقالات العشوائية الواسعة النطاق في العراق.




الماني يعلن تضامنه مع الشعب العراقي المنكوب بتبرعه
لدى كاتب المقال (واقف في اليمين)
***

بعد فترة وجيزة من الانقلاب، ، شكلت شخصيات وطنية عراقية معروفة "اللجنة العليا للدفاع عن الشعب العراقي" في براغ، وتم اختيار الشاعر العراقي الوطني الكبير محمد مهدي الجواهري لرئاستها. اصدرت هذه اللجنة مجلة فكرية سياسية بأسم "الغد"، قامت جمعيتنا بنشرها في الاوساط  العراقية والعربية في المانيا. كما وشرفنا الجواهري الخالد بحضور اجتماع تضامني مع الشعب العراقي في برلين الغربية، حيث القى بهذه المناسبة عدداً من قصائدة الشهيرة.


***
سلاماً وفي يقظتي والمنام ، وفي كل ساع ٍ وفي كل عام ِ
تهادي طيوف الهداة الضخام ، تطايح هاماً على اثر هام ِ
ودقت مسامير خجلى عطاشى ، بكف ِ المسيح فطارت رشاشا
بقايا دم للعصور التوالي تخضب بالمجد هامَ الرجال
حماة الحمى والليالي تعودُ ، وخلف الشتاء ربيع جديدُ
سيورق غصنٌ ، ويخضر عودُ ، ويستنهض الجيل منكم عميدُ

***

الحلقات السابقة للذكريات في الغربة:

1 ـ شباب في الغربة وقصة الزميل الضائع
http://www.ankawa.com/forum/index.php?PHPSESSID=qk39oaqq0ph4op9op37ah1ssd4&topic=668668.0

2 ـ الايام الاولى في الغربة
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,702296.0.html

3 ـ وكانّنا في لقاء عالمي للشبيبة
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,704817.0.html

 4 ـ  ذكريات في الغربة ... برلين قبل نصف قرن (1)
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,712019.0.html

5 - ذكريات في الغربة (2) ... جدار برلين والكذبة التاريخية
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,716578.0.html
 


16
ذكريات في الغربة (2) ... جدار برلين والكذبة التاريخية


سامي الياس مدالو

"لا احد لديه نيّة ببناء جدار" كان هذا جواب رئيس مجلس الدولة لجمهورية المانيا الديمقراطية (الشرقية)، فالتر اولبرشت، على سؤال صحفيّة المانية غربية بتاريخ 15/6/1961. المثير للدهشة هنا، هو ان سؤال الصحفيّة لم يتضمن كلمة "جدار" بتاتاً، بل كان سؤالاً عاماً بخصوص انشاء حدود على بوابة براندنبرك في برلين.

في 13/8/1961، اي بعد اقل من شهرين من هذا التصريح، باغتت القوات المسلحة لالمانيا الديمقراطية في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل بغلق الحدود كلياً بين برلين الشرقية والغربية من جهة، وبين برلين الغربية والمانيا الشرقية من جهة اخرى. لقد كانت هذه حقاً مفاجأة مؤلمة للشعب الالماني على طرفي الحدود، حيث تم سد كل ثغرة بين برلين الشرقية وبرلين الغربيةً.




"لا احد لديه نيّة ببناء جدار"
فالتر اولبرشت رئيس مجلس الدولة لجمهورية المانيا الديمقراطية (الشرقية)
في المؤتمر الصحفي الشهير بتاريخ 15/6/1961


ولكن، هل كانت هذه العملية فعلاً مفاجأة للعالم الغربي كذلك؟  وهل من المعقول ان قوى الغرب العظمى وبالاخص الولايات المتحدة الامريكية كانت تجهل نية المانيا الشرقية في بناء الجدار؟  اسئلة طُرحت انذاك ولا تزال تُطرح الى يومنا هذا، فهناك من كان يشك في ذلك، وفي مقدمتهم المؤمنون بما يسمى بـ "نظرية المؤامرة".

"لا احد لديه نيّة ببناء جدار" اصبح في المانيا منذ ذلك الحين ما يسمى بـ "القول المجنّح"، حيث يقال وبسخرية كمثل (بالتحوير المناسب)، كلما نقض سياسي او مسؤول وعده، وعمل تماماً بعكس ذلك. لا احد في المانيا لم يسمع هذه الجملة لمرات عديدة بالصوت الاصلي لقائلها فالتر اولبرشت، حيث تذاع تكراراً في المناسبات التي تخص جدار برلين.

 



Die Berliner Mauer
في صيف 2012: طفلان مندهشان بعلو الجدار
هذا احد الاجزاء الاصلية القليلة الباقية (كذكرى سيئة) من جدار برلين الكونكريتي
الارتفاع: 3,60 م ، الطول: 106 كم

لماذا الجدار؟

جدار برلين السيئ الصيت، الذي قسّم مدينة وسكانها الى قسمين، شيّد خوفاً من هروب سكان المانيا الشرقية وعاصمتها برلين الشرقية، خاصة الاكاديميين والاخصائيين، كالمهندسين والاطباء والعلماء، اي طليعة المجتمع، الى برلين الغربية ومنها الى المانيا الاتحادبة والعالم الغربي. كان هذا هو الرأي السائد في العالم الغربي. وهذا ما حصل فعلاً بعد تأسيس المانيا الشرقية وقبل بناء الجدار، حيث غادرها الالاف بسبب رفضهم للنظام الاشتراكي وعدم رغبتهم بالعيش في ظلّه.

اما المانيا الشرقية والمعسكر الاشتراكي، فكان لهما بالطبع تعليلاً اخراً لوجود هذا الجدار، تجسّد بتسميتهم له بـ " السور الحصين ضد الامبريالية". فوجود الجدار كان حسب قناعتهم،  أمر حتمي للتمكن من بناء المجتمع الاشتراكي بهدوء، بعيداً عن التشويش والتخريب الذي يقوم به العالم الغربي الرأسمالي. وبرلين الغربية كانت حسب رأيهم، الواجهة الرأسمالية المغرية ضد المعسكر الاشتراكي ككل. 

 



احد ابراج المراقبة على الحدود بين برلين الشرقية والغربية

برلين، بجزئيها الغربي والشرقي، كانت تقع بكاملها في وسط المانيا الشرقية (انظر الخارطة)، التي كانت بدورها احدى دول المعسكر الاشتراكي. فكانت برلين الشرقية (الاسم الرسمي: برلين الديمقراطية) عاصمتها. اما برلين الغربية والواقعة كذلك ضمن المانيا الشرقية والمحاطة بجدار محكم شيدته المانيا الشرقية، فكانت اقتصادياً وسياسياً، اي عمليا، تابعة لجمهورية المانيا الاتحادية (المانيا الغربية)، بالرغم من كونها مدينة مستقلة حسب اتفاقيات الحلفاء المنتصرين على المانيا النازية.

 



المانيا بعد الحرب العالمية الثانية كما قسّمها الحلفاء الى 4 قطاعات:
السوفيتي (احمر)، البريطاني (اخضر)، الامريكي (اصفر)، الفرنسي (ازرق)
الاسهم تدلّ على الطرق الثلاثة الواجب استعمالها للتنقل بالسيارة او بالقطار
 من برلين الغربية الى المانيا الغربية وبالعكس


 


وعلى نفس النمط قُسّمت برلين كذلك الى 4 قطاعات   
النقاط الحمراء تدل على نقاط العبور
نبذة قصيرة

في 23 ايار 1949 اتحدت القطاعات الغربية الثلاثة ـ الامريكية والانكليزية والفرنسية ـ  لتشكل جمهورية المانيا الاتحادية (الغربية)، متبنية اقتصادياً نظام "اقتصاد السوق الاجتماعي"، وادارياً نظام الدولة الاتحادية الفيدرالية. واما جمهورية المانيا الديمقراطية (الشرقية) فتأسست بتاريخ 7 تشرين الاول 1949 من القطاع السوفيتي فقط ، متبعة النظام الاشتراكي ومقتدية بالاتحاد السوفيتي، كالاخ الكبير، وعاملة  بشعار "التعلم من الاتحاد السوفيتي يعني تعلم النصر".

ليس موضوعنا الرئيسي هنا تقييم هذا النظام الاجتماعي والاقتصادي او ذاك، بالرغم من ان لنا بالطبع رأينا الشخصي بذلك، بالاخص بحكم معيشتنا في برلين الغربية بالرغم من الجدار. هدفنا هو اعطاء فكرة مبسطة ونبذة مختصرة عن جدار برلين، بكوننا عايشناه من بدايته حتى سقوطه، متجنبين بذلك التفاصيل بقدر الامكان.

فهناك كتب لا تحصى اُلّفت باللغة الالمانية وبلغات عالمية اخرى حول جدار برلين، تطرقت الى العوامل التاريخية والسياسية والاجتماعية التي ادت الى بنائه وثم سقوطه. فليس غرضنا هنا اضافة بحثاً اخراً موسعاً عن جدار برلين. كما وليست غايتنا تعداد او شرح المآسي الانسانية التي خلقها الجدار، حيث فصل عنوة افراد عائلة واحدة بين ليلة وضحاها.

 فكم من الاباء والامهات فصلوا فجأةً عن اولادهم، وكم من اخ لم يتمكن من لقاء اخوته لسنين عديدة، ناهيك عن الاصدقاء الذين فقدوا ولأجل غير مسمى اعز اصدقائهم. فالجدار قسّم شوارعاً طولاً واخرى عرضا،ً حسب الحدود الرسمية لمحلات برلين. فمن كان البارحة جارك او ابن شارعك، اصبح اليوم مواطناً تابعاً لدولة "اجنبية". فهكذا تمزّقت بلا رحمة علاقات القرابة والصداقة.


 



الجدار قطع هنا احد شوارع برلين طولاً


خطوة انسانية

في نهاية 1963 / بداية 1964، اي بعد سنتين و4 اشهر من تشييد الجدار، سمحت المانيا الشرقية سكان برلين الغربية لاول مرة منذ بناء الجدار، بزيارة اقاربهم في برلين الشرقية. بموجب معاهدة ابرمت بين حكومة المانيا الشرقية وحكومة برلين الغربية، تم الاتفاق بالسماح لسكان برلين الغربية بزيارة اقربائهم خلال اعياد الميلاد وراس السنة، بشرط حصولهم على موافقة من سلطات المانيا الشرقية في مكاتب انشأت لهذا الغرض في برلين الغربية. 700.000 برليني غربي انتهزوا الفرصة وقاموا بزيارة اقربائهم في برلين الشرقية.

ثلاثة معاهدات مماثلة ابرمت في السنوات التالية، زار بموجبها مئات الالوف من مواطني برلين الغربية اقربائهم بمناسبة الاعياد المسيحية في برلين الشرقية. وبدءاً من عام 1971 سُمح لسكان برلين الغربية لاول مرة بزيارة اصدقائهم ايضاً، لا في برلين الشرقية فحسب، بل في جميع مناطق المانيا الشرقية، بعد حصولهم على فيزا رسمية بذلك.

اما سكان المانيا الغربية، فكان نظريّاً بمقدورهم دوماً زيارة اقربائهم في المانيا الشرقية وعاصمتها برلين الشرقية بسمة الزيارة الرسمية. الا ان هذا لم يكن سهلاً وليس لكل من رغب بذلك. اما الاجانب، اي حاملي جوازات سفر غير المانية غربية، فكان بمقدورهم العبور الى برلين الشرقية بسمة دخول يومية، بغض النظر عن زيارتهم لشخص معين.       


 


Das Brandenburger Tor
بوابة براندنبرك تعتبر من اهم رموز برلين
كانت تشكل جزء من الجدار الفاصل بين برلين الغربية والشرقية  وتقع بالكامل في برلين الشرقية


 


 Das Brandenburger Tor
والان: بوابة براندنبرك بعد سقوط الجدار ـ  مفتوحة للمشاة واالدراجات الهوائية

حرية التنقل

سكان برلين الغربية والمانيا الاتحادية كان عليهم استعمال احد الطرق الثلاثة للوصول بالسيارة او القطار الى الطرف المعاكس (لاحظ الاسهم في الخارطة اعلاه). هذه الطرق، التي كان اقصرها 200 كم تقريباً، كان متفق عليها بين الطرفين ولا يحق للغربيين والاجانب مغادرتها بالقط.

اما سكان المانيا الشرقية وعاصمتها برلين الشرقية فكانت حكومتهم، كحكومات الدول الاشتراكية الاخرى، تمنعهم من مغادرة بلدهم باتجاه العالم الغربي (الراسمالي). ومن حاول الهروب بالرغم من ذلك بالخفاء، جازف بحياته. وبالفعل سقطت ضحايا عديدة على مر السنين في محاولات الهروب.   

 



صلبان في برلين الغربية
كذكرى لضحايا الهروب من برلين الشرقية الى برلين الغربية

للذين يصعب عليهم فهم هذا الوضع الشاذ، اود ذكر تلك المقارنة البسيطة التي كنت احبذها انذاك لتبسيط الفهم. لنفرض ان بغداد مقسمة الى قسمين: بغداد الغربية (الكرخ) وبغداد الشرقية (الرصافة). والان علينا التصور بأن بغداد الغربية، اي الكرخ، محاطة بجدار حصين غير قابل للاختراق وتابعة سياسياً واقتصادياً لسورية.

قد يسأل عاقل: الم يكن ذلك جنوناً؟ نعم، لقد كان، ولهذا انهى سكان المانيا الشرقية وبرلين الشرقية في التاسع من تشرين الثاني 1989  بـ "ثورتهم السلمية" هذا الوضع الشاذ.

الحياة في برلين الغربية 

كيف استطاع سكان برلين الغربية يا ترى تحمل الحياة لمدة 28 سنة في مدينة يحيطها سور حصين وينقصها محيط طبيعي (ريفي) مباشر ككل المدن المليونية الاوربية الاخرى؟ وهل نستطيع تشبيه وضعهم بوضع نزلاء سجن كبير؟ هذه أو اسئلة مشابهة اخرى تبادرت بلا شك على ذهن اولئك الذين لم يسكنوا في برلين الغربية، او على الاقل لمن لم يتسنى لهم زيارتها.

ميزات ايجابية ساعدت على تحمّل سكان برلين الغربية لوضعهم الشاذ. فلحسن حظهم، تشكل  بحيرات وغابات وحدائق عديدة نسبة كبيرة من مساحتها. هذا ما كان يلاحظه كذلك السواح الالمان والاجانب وينال اعجابهم. فلم اتعرف او اسمع بمدينة كبيرة اخرى في المانيا واوربا، لها في داخلها هذا العدد وهذه المساحة الكبيرة من البحيرات والغابات مثل برلين الغربية.

ثم هناك حوافز مالية ساعدت على بقاء وقدوم شركات وايادي عاملة من المانيا الغربية اليها. وبما انها لم تكن تابعة رسمياً لالمانيا الغربية، فكان شبابها معفيّون من الخدمة العسكرية الاجبارية في الجيش الالماني الغربي. هذا ما شجّع ايضاً الكثير من الشباب الالماني الغربي للقدوم الى برلين الغربية لغرض الدراسة او العمل. 

 


Der Reichstag
 شارع بقرب بوابة براندنبرك ـ على اليسار الرايشستاك التاريخي الشهير
الان مقر البرلمان الاتحادي الالماني

الثورة السلمية وسقوط الجدار

"اننا الشعب" و "نحن شعب واحد"، بهذين الشعارين بدأت الانتفاضة الشعبية في المانيا الشرقية في نهاية الثمانينات من القرن الماضي. فبعد تأزم الوضع الاقتصادي وبمساعدة الزخم المعنوي الذي اعطته حركة اعادة البناء  (البروسترويكا)  والشفافية (الكلاسنوست)، التي اطلقها القائد السوفيتي ميخائيل غورباتشوف في تلك الايام، تجرأت في البداية مجموعات صغيرة من سكان المانيا الشرقية وعاصمتها بالتظاهر علنية، معلنة عدم رضاها بالوضع السياسي والاقتصادي في البلد.

بعد فترة قصيرة نسبيا، تحولت هذه الحركة الى حركة جماهيرية عارمة، ادت بالنهاية بالاطاحة السلمية بالنظام وسقوط جدار برلين قي 9 تشرين الثاني 1989. البرلمان الالماني الشرقي الجديد، المنتخب بعد ذلك ولاول مرة بحرية وبمشاركة احزاب عديدة،  قرر الانضمام الى المانيا الاتحادية. فتم توحيد جزئي برلين وانضمام المانيا الشرقية رسمياً في 3 تشرين الاول 1990، كخمسة "ولايات اتحادية" جديدة الى جمهورية المانيا الاتحادية. وبتاريخ 20 حزيران 1991 قرر البرلمان الاتحادي الالماني نقل العاصمة من بون الى برلين.

 


سكان برلين "يحتلون" الجدار بجانب بوابة براندنبرك


 


هكذا سقط جدار برلين بعد 28 سنة
جنود من المانيا الشرقية واقفون في الثغرة ومنذهلون بما يحدث

 


برلينيون يحطمون الجدارالمكروه ويحتفظون بقطع كونكريتية منه
كذكرى لهذا الحدث التاريخي العظيم


 


سكان برلين الغربية يستقبلون بحفاوة سكان برلين الشرقية
 
                       
الحلقات السابقة للذكريات في الغربة:


1 ـ شباب في الغربة وقصة الزميل الضائع
http://www.ankawa.com/forum/index.php?PHPSESSID=qk39oaqq0ph4op9op37ah1ssd4&topic=668668.0

2 ـ الايام الاولى في الغربة
http://www.ankawa.com/index.php/ankawaforum/index.php?topic=702296

3 ـ وكانّنا في لقاء عالمي للشبيبة
http://www.ankawa.com/index.php/ankawaforum/index.php?topic=704817

 4 ـ  ذكريات في الغربة (1) ... برلين قبل نصف قرن
http://www.ankawa.com/index.php/ankawaforum/index.php?topic=712019


17
ذكريات في الغربة (1) ... برلين قبل نصف قرن

سامي الياس مدالو

"تستطيع السؤال عن ذلك في مكتب صغير يقع في شارع مجاور للمحطة مباشرةً". قال هذا احد المسافرين الالمان الجالس بالقرب مني  قبل وصول القطار بقليل الى برلين الغربية مساء يوم الاحد، السادس من ايار عام 1962،  كجواب على سؤالي له عن امكانيات السكن بأجور مناسبة لبضعة ايام في برلين الغربية. ثم كتبَ بناءً على رجائي، اسم المكتب والشارع على قصاصة من مجلة دورية تصدرها مصلحة القطارات في المانيا الاتحادية واعطاها لي.

وقفت امام المكتب، الذي كان بالحقيقة كشكاً خشبياً متوسط الحجم يسع لشخص واحد فقط ، موضوع امام عمارة، بدت لي لاول وهلة كبيرة. لسوء حظي لم اكن الوحيد الذي يبحث عن مأوى لقضاء ليلته في برلين. فعليّ اذاً الصبر برغم تقدم الوقت وحلول الظلام، الذي بدأت تقارعه مصابيح الشوارع الكهربائية القوية.

حينما اتى دوري، اخبرت صاحب المكتب عما ابغيه بجملة كنت قد كونتها في فكري وانا واقف في طابور المنتظرين، آملاً ان يفهمني بالرغم من لغتي الالمانية الحديثة العهد. تلعثم ببضع كلمات بصوت واطئ لم افهمها، ثم اعطاني بطاقة صغيرة، قائلاً الان بصوت واضح: "هذا عنوان لفندق صغير بسعر مناسب قريب من هنا".

ليلتي الاولى في برلين


بسبب جهلي بالمواصلات العامة في برلين، اجّرتُ سيارة اوصلتني بعد عدة دقائق فقط الى العنوان الذي كنت قد اعطيته للسائق قبل ان نبدأ السفرة. تبين لي بعد خروجي من السيارة وقراءة قطع الاسماء المثبتة بجانب البوابة، بأن الفندق المنشود يقع في الطابق الثاني من العمارة ذات الطراز المعماري الكلاسيكي الجميل.

فيما بعد فهمت بأن في المانيا نوعين من الفنادق. النوع الاول، المعروف في بلدان العالم باسم  Hotel. اما النوع الثاني الذي يتبع له فندقي هذا، قد لا يكون معروفاً في بلدان اخرى. هذه الفنادق التي تسمى  Pension  هي عادة صغيرة، تحتوي على عدد قليل من الغرف وتدار من قبل اصحابها الذين يسكنون فيها. لصغرها لا تحتاج على الاغلب الى عمارة بكاملها، بل قد تكتفي بطابقاً واحداً او ببيتاً صغيراً بكامله. الا ان اهم ما يميزها ايجابياً على الفنادق الكبيرة هي اسعارها المناسبة.

استقبلتني صاحبة الفندق بلطف واعطتني، بعد ان عرّفتها بنفسي، المعلومات الضرورية للسكن، من ضمنها طرق النجاة في حالة حدوث حريق في المبنى. بعد مغادرتها لغرفتي التي اصطحبتني اليها، طغت على قلبي الكآبة والحزن، فشعرت لاول مرة بوحدة حقيقية منذ توديعي للاهل في مطار بغداد قبل نصف سنة. فستكون هذه ليلتي الاولى بعيداً عن زملائي العراقيين الاحباء، الذين عوضوني لحد الان بقدر كبير عن الاهل والوطن.

لقائي بأول عراقي

بعد تناول الفطور في صباح اليوم التالي، شرحت لي صاحبة الفندق كيفية الوصول الى محل التدريب العملي بعد قرائتها للعنوان الذي استلمته من الملحق الثقافي العراقي قبل مغادرتي ايبرسبرك. تركت امتعتي هنا واخذت حسب نصيحتها الباص ثم الترام. لبعد المسافة وبسبب الانتظار حتى قدوم وسائل النقل، استغرق طريقي ما يقارب الساعة.

في طريقي مشياً على الاقدام بعد مغادرتي الترام باتجاه محل التدريب، جلب نظري شخص بعمري ذو ملامح شرقية ووجه بشوش، كأنه يود سؤالي وتنقصه الجرأة لذلك. بادرت المحادثة وسألته بالعربية فيما اذا كان عراقياً. نعم، لقد كان، وهو كذلك في طريقه الى نفس الهدف. كانت فرحتي كبيرة بالتعرف بهذه السرعة على شاب من وطني، الذي بدا لي فوق ذلك منذ اللحظة الاولى مرح المزاج وطيب القلب. 

لا يخطر ببالي الان اسم ذلك الزميل اللطيف الذي كان اول عراقي التقي به في هذه المدينة الكبيرة الغريبة عليّ. قد يكون سبب ذلك مغادرته لنا بعد عدة ايام فقط، بعد استلامه رسالة مستعجلة! من الملحقية الثقافية العراقية، تخبره فيها بأنه اُرسل سهواً! الى هنا، وعليه حزم امتعته والتوجه الى احد الموانئ الالمانية للقيام هناك بالتدريب العملي. زميلي هذا كان ينوي دراسة الهندسة البحرية حسب ذاكرتي، اما التدريب العملي هنا فهو مخصص فقط  لفرعي الميكانيك والكهرباء بمختلف تشعباتهما.

الورشة وغرفة السكن

"هل لكم مسكن دائمي أو انتم بحاجة الى ذلك؟" سألنا المسؤول في الورشة بعد ان تم تسجيلنا فيها كمتدربين لمدة نصف سنة. بما ان جوابنا كان سلبياً، زوّدنا بعدة عناوين لدلاًلين لهم مكاتب قريبة. لحسن حظي تمكنت بعد ساعات قليلة وبفضل احد الدلالين من تأجير غرفة مؤثثة لدى عائلة المانية، تبعد ما يقارب الربع ساعة بالترام عن محل التدريب العملي. عائلة لطيفة وغرفة جيدة بسعر مناسب. بعد موافقتي على الغرفة وتوقيع عقد الايجار، توجهت مباشرةً للفندق لدفع الحساب وجلب امتعتي.

صاحبة الفندق لم تكن بالطبع سعيدة لمغادرتي دارها بعد ليلة واحدة. بقائي هناك لايام اخرى، كان يعني افناء راتبي لذلك الشهر بالكامل. لبعد المسافة بين الفندق وغرفتي الجديدة، وبفضل معلوماتي البدائية الحديثة عن "جغرافية" برلين، قررت نقل امتعتي في وضح النهار بالمواصلات العامة: الباص ثم الترام. سيارة اجرة كانت تعني هي الاخرى احداث خلل في ميزانيتي. لتأخر الوقت حال وصولي لمأواي الجديد، لم ارجع ثانية الى محل التدريب العملي. هذا ما كنا قد اتفقنا عليه مع المسؤول في الورشة مسبقاًً.

يوميات التدريب العملي

في تمام الساعة الثامنة من صباح اليوم التالي بدأت رسمياً بالتدريب العملي، المفضل القيام به قبل بدأ الدراسات الهندسية في الجامعات الالمانية. الاسابيع الاولى قضيناها في البرادة اليدوية. وما ادراكم ما معنى البرادة. الصعوبة تكمن في الدقة المتناهية المطلوبة في انتاج قطعة العمل المعدنية التي تبردها والتي تقاس بعُشرْ المليمتر. فشتان ما بين هذه الدقة والدقة التي تقاس مشياً على التوصية "اضبطها بضبط العگال".

فبعد البرد لساعات وايام واقفاً على قدميك، قد ترى المدرب يرمي عملك لرداءته في سلة المهملات، ليعطيك قطعة خام ثانية لتجرب بها حظك مرة اخرى. فتهانينا مقدماً بالنجاح والموفقية هذه المرة. قد لا تصادفك في مهنتك بعد تخرجك الجامعي فرصة واحدة لاثبات مهارتك في البرادة بحد ذاتها. فالغاية الرئيسية من هذا العمل المزعج والممل هي قبل كل شيئ تمرين وتهذيب قابلياتك اليدوية والنفسية على الدقة الضرورية والمطلوبة في الفروع الهندسية. وهنا قد يكمن احد اسرار نجاح الصناعة الالمانية على النطاق العالمي.

 



اسابيع في البرادة المتعبة ـ كاتب المقال مبتسماً بالرغم من ذلك

التدريب العملي تضمن تعلم صناعات ومهارات يدوية واخرى على مكائن، مثل النجارة والخراطة والحدادة واللحام بانواعه المختلفة وتصليب الفولاذ وغيرها، بالاضافة الى كتابة التقارير التكنيكية حول كل عمل قمنا به. هنا كما في معهد اللغة، اجتمع طلاب من مختلف بلدان العالم للقيام بالتدريب العملي. تعرفت في الايام الاولى على 4 زملاء عراقيين من نفس المجموعة التي قدمت معي الى المانيا في نفس الطائرة، لم اكن قد تعرفت عليهم من قبل. 

 


المتدربون العراقيون في احد منتزهات برلين الغربية
كاتب المقال: الثاني من اليسار

لا اتذكر متى كان ذلك بالضبط ، حينما فاجئني زميلي وصديقي سعد بمجيئه من ايبرسبرك للقيام هنا بالتدريب العملي. الا ان عمله استمر حسب ذاكرتي اسابيع قليلة، حيث استلم هو الاخر رسالة "مستعجلة" من الملحقية الثقافية تخبره فيها بانه ارسل سهواً الى هنا، ففرع سعد لم يكن الكهرباء او الميكانيك، بل الجيولوجيا! لحسن حظه وحظي لم يُرسلْ الى مدينة اخرى، بل سُمحَ له بالبقاء في برلين الى "اشعار آخر". واما عمله في الورشة فذهب كما يقال: في مهب الريح.

من الجهة الاخرى، ولقول الحقيقة والانصاف يجب ان اذكر ايجابياً، بان الملحق الثقافي العراقي، الاستاذ الدكتورعبد الحميد الهلالي، قام بزيارتنا في محل تدريبنا لتفقد احوالنا والتنسيق مع ادارة الورشة. لقد ترك لدينا انطباعاً جيداً بمزاجه اللطيف وطبيعته المرحة. كان يتقن الالمانية بصورة حسنة، هذا ما لاحظناه خلال حديثه مع المسؤولين على التدريب العملي. صورة لا زلت احتفظ  بها لحد الان، التقطت لنا مع سيادته في احد مطاعم برلين الغربية، حيث دعانا لتناول العشاء معه والنقاش حول اوضاعنا ومشاكلنا.



الملحق الثقافي العراقي الدكتور عبد الحميد الهلالي مع طلبة البعثة في احد مطاعم برلبن الغربية
كاتب المقال: الثاني من اليسار

جمعية الطلبة العراقيين

نحن الان في عام 1962، وفي العراق حكم وطني بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم. طلبة عراقيون كانوا قد اسّسوا عام 1959 جمعية باسم "جمعية الطلبة العراقيين في المانيا الاتحادية وبرلين الغربية". كانت هذه الجمعية كبقية جمعيات الطلبة العراقيين في الدول الاوربية الاخرى، وطنية، يسارية الاتجاه، لها فروع في مدن عديدة من جمهورية المانيا الاتحادية. كانت تربط هذه الجمعية علاقات وثيقة بجمعية اخرى للطلبة العراقيين في جمهورية المانيا الديمقراطية (الشرقية). بسبب الانظمة الاجتماعية المختلفة في كلا الدولتين الالمانيتين، كانت هاتين الجمعيتين مستقلتين تنظيمياً الواحدة عن الاخرى.

كانت هناك جمعيات طلابية اخرى تضم في صفوفها ايضاً طلبة عراقيين مثل رابطة الطلاب العرب وجمعية للطلبة الاكراد. كل هذه الجمعيات كانت بغض النظر عن واجباتها المهنية والاجتماعية والثقافية تميل الى اتجاه سياسي معين. فرابطة الطلاب العرب كانت ذات اتجاه قومي عربي، ناصري انذاك، وجمعية الطلبة الاكراد كانت تمثل الاتجاه القومي التحرري للشعب الكردي، وتميل سياسياً "حسب تخميني" الى الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي كان انذاك الحزب القائد للحركة القومية التحررية الكردية في العراق. 

بواسطة احد المعارف في مدينة اخرى، تمكنت من الاتصال بفرع  جمعية الطلبة العراقيين في برلين الغربية، التي كنت قد سمعت عنها ولم يكن لدي عنوانها، كما لم تكن لي معرفة باحد اعضائها. بحكم كوني بعد ذلك لسنين عديدة عضواً في الهيئة الادارية لفرع الجمعية في برلين الغربية، كنت اعرف شخصياً جميع الاعضاء، فنشأت لي صداقات بكثير منهم. ثم بما انني كنت لسنين اخرى مسؤول الفروع  في اللجنة التنفيذية للجمعية على نطاق المانيا الاتحادية، تعرفت على عشرات الزملاء المقيمين في المدن الالمانية الاخرى.

كان لنا في برلين الغربية  اجتماع شهري للهيئة العامة، حيث كان عدد الحاضرين يتراوح بين الثلاثين والخمسين شخص. وعلى نطاق المانيا الاتحادية كنا نلتقي مرة واحدة كل سنة لعدة ايام خلال الربيع في احدى المدن الالمانية، وكل سنة وبالتناوب في مدينة اخرى. كان يحضر هذه "المؤتمرات السنوية" عشرات الزملاء من مختلف مدن المانيا الاتحادية وبرلين الغربية، بالاضافة الى ضيوف من جمعيات الطلبة العراقيين في البلدان الاوربية الاخرى ومن جمعيات صديقة المانية واجنبية، طلابية وغير طلابية. فكان كل لقاء مؤتمر ومهرجان في ذات الوقت.

((بعد عقد من الزمن: احتجاجاً على سياسة الجمعية بخصوص الوضع في العراق وعدم اتخاذها موقفاً واضحاً معارضاً تجاه حكم البعث الدكتاتوري في الوطن، تركت مع زملاء اخرين الجمعية في نهاية الستينات/ بداية السبعينات. اشتدت هذه الخلافات وتعمقت بالاخص بعد مشاركة قوى وطنية ويسارية سنة 1973  بما سمي بــ "الجبهة الوطنية والقومية التقدمية" مع حزب البعث الحاكم. التطورات في الوطن بدءاً من نهاية السبعينات والنتيجة المعروفة لكل عراقي، اثبتت لاحقاً صواب مخاوفنا.))

مهرجان الشبيبة العالمي وصديقي سمير


لعل اهم حدث اتذكره من سنتي الاولى في برلين الغربية، هي مشاركتي في مهرجان الشبيبة العالمي في بداية شهر آب عام  1962 كعضو في جمعية الطلبة العراقيين، حيث شاركنا كجزء من وفد الشبيبة الديمقراطية العراقية. بعد سفرنا بالقطار من برلين، مارين ببولندا والاتحاد السوفييتي، وصلنا بعد عدة ايام الى هلسنكي عاصمة فنلندا، محل اقامة المهرجان لتلك السنة. استمر المهرجان حسب ذاكرتي عشرة ايام، تخللتها مختلف الفعاليات الاجتماعية والفنية والثقافية.

مفاجئة سعيدة في المهرجان سوف لا انساها طول عمري هي لقائي بصديقي العزيز سمير، احد زملائي في الثانوية الشرقية في بغداد، الذي كان يدرس الان كطالب بعثة في المملكة المتحدة. قضينا فعلاً اياماً سعيدة مع بعضنا في مهرجان الشبيبة ونحن في اوج شبابنا. صورة لا زلت احتفظ بها تجمعني به في احدى المسيرات في هلسنكي.


مهرجان الشبيبة العالمي في بداية شهرآب عام 1962 في هلسنكي / فنلندا
وسط الحافة اليسرى المرحوم سمير(نجمة) وبجانبه كاتب المقال

كم كان المي وحزني كبيرين وصدمتي شديدة، حين سماعي بعد ذلك بفترة قصيرة برحيله المفاجئ من هذه الدنيا. كان المرحوم سمير بالاضافة الى ذكائه الفائق، شاباً  يتحلى باسمى الاخلاق والاخلاص، ذو احساس في منتهى الرقة. بسبب وضعه النفسي الصعب وعدم تحمله لحياة الغربة، انهى وللاسف الشديد حياته القصيرة بكمية كبيرة من الحبوب المسكنة. هذا ما علمناه من زملائه بعد ذلك.

تذكرت الفقيد العزيز سمير فجأةً في خريف 2011 اثناء زيارتي لاخي وعائلته في بغداد. جلب نظري كتاب حول النفط العراقي في مكتبتهم. بدا لي وكأنّ  قلبي توقف للحظات عن النبض حين قراءتي لاسم المؤلف على غلاف الكتاب. فأسم والد المؤلف ولقبه يتطابقان بالضبط مع والد ولقب سمير. ابن اخي، لكونه بالصدفة صديق ابن المؤلف، تمكن من اثبات تخميني بان مؤلف الكتاب هو بالفعل اخ صديقي المرحوم سمير.

العمال الاتراك في المانيا


حين قدومي لبرلين الغربية في بداية ايار 1962 لاحظت وجود عدد ضئيل من العمال الاجانب. هؤلاء كانوا بالدرجة الرئيسية من سكان دول اوربا الجنوبية، مثل ايطاليا واليونان واسبانيا ويوغسلافيا. نعم، يوغسلافيا ايضاً، فبالرغم من ان يوغسلافيا كانت منتمية نظرياً للمعسكر الاشتراكي، الا ان رئيسها تيتو كان له، كما كان معروف، طريقه الخاص للاشتراكية، او ما كان يسمى بالطريق الثالث.

في نهاية 1962 لاحظت لاول مرة بعض العمال الاتراك في برلين. حسب الاحصائيات كان عدد الاتراك (عمال وغير عمال) في عموم المانيا الاتحادية عام 1962  6.800  فقط ، وفي عام 2011 وصل عددهم الى 2.956.000 ، اي ما يقارب الثلاثة ملايين نسمة. ولكن لماذا هذا العدد الهائل الان للعمال الاجانب في المانيا الاتحادية بالذات؟ هل الحرب العالمية الثانية وخسارة المانيا فيها 8 ملايين شخص السبب الوحيد في ذلك؟ ام هناك اسباب اخرى؟  ان قصة العمال الاجانب في المانيا الاتحادية وبالاخص قصة العمال الاتراك، تستحق بحثاً خاصا،ً وهي مؤهلة فعلاً لتشكل عنواناً لمقال آخر. فعذراً للاكتفاء هنا بهذا القدر.

وماذا عن جدار برلين السيئ الصيت؟
عذراً، فهذه ستكون قصة اخرى...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحلقات السابقة للذكريات في الغربة:


1 ـ شباب في الغربة وقصة الزميل الضائع
http://www.ankawa.com/forum/index.php?PHPSESSID=qk39oaqq0ph4op9op37ah1ssd4&topic=668668.0

2 ـ الايام الاولى في الغربة
http://www.ankawa.com/index.php/ankawaforum/index.php?topic=702296

3 ـ وكانّنا في لقاء عالمي للشبيبة
http://www.ankawa.com/index.php/ankawaforum/index.php?topic=704817


18
وكأنّنا في لقاء عالمي للشبيبة ـ (مصوَّر)

سامي الياس مدالو

"يابا هذا شدا يخرط" همس باذني سامي "الكربلائي" الواقف بجانبي الايسر باللهجة العراقية الدارجة، معلقاً بذلك على الكلمة الترحيبية بالانكليزية لمدير معهد گوته في ايبرسبرك (Ebersberg)، التي القاها بمناسبة افتتاح الفصل الدراسي الجديد في صباح الاول من تشرين الثاني (نوفمبر) 1961. لم يقل سامي هذا بسبب عدم موافقته على محتوى الكلام، بل بالاحرى لرداءة فهمه، ككلنا، لمعظم ما قاله الهر ماير، بالرغم من دراستنا 7 سنوات لهذه اللغة في العراق.

سنقضي هنا 3 فصول، ينتهي ثالثها مع نهاية نيسان 1962. الفصول الدراسية تستغرق هنا شهرين وتبدأ دوماً في الاشهر الفردية. وبما ان المدة لتعلم اللغة الالمانية محددة لنا بنصف سنة، فسنقضي اذاً هنا الشتاء ببرده القارس ونصف الربيع. سنفحص مجبرين قابليتنا بتحمل الشتاء الالماني، وبعضنا سيرى ويلمس الثلج لاول مرة في حياته. ولكن ماذا سينتظرنا بعد ذلك، وبأي اتجاه ستهب الرياح؟ لا احد منا يدري الان ذلك.


مدرّستنا "بن عمّار"!

فاجئتنا مدرّستنا في الدرس الاول بلقبها العربي عند تعريف نفسها لنا باللغة الانكليزية وكتابة اسمها على اللوحة السوداء: Ben Ammarبن عمّار!  لثواني ودماغي يفكر بسرعة الضوء: بن عمّار؟ هل هي عربية يا ترى وتتقن الالمانية بدرجة تؤهلها لتدريسها لنا؟  مظهرها لم يكن بالفعل وحسب تصورنا انذاك المانيّاً بحتاًً: شعراً اسوداً، عيوناً كستنائية وملامح قد تكون شرقية. كلاً، تخميننا كان خاطئاً، فهي المانية ابّاً عن جد، ولقبها العربي اكتسبته من زوجها الجزائري، الذي تحادثه بالفرنسية كما اخبرتنا. يا للاسف، فلا امل اذاً بالاستفادة على الاقل في الايام الاولى من الترجمة الى العربية.

فيما بعد غيرنا فكرتنا كلياً عن المظهر والملامح الالمانية، فليس لكل الالمان شعر اشقر وعيون زرقاء وملامح محددة. هذا الوصف قد يتطبق على الاكثرية ولكن ليس بالضرورة على الجميع.

لقاء لشبيبة العالم

شاركنا في في الفصل الاول زملاء من بلدان عديدة. ستة طلاب من العراق (سابعنا انتقل بعد فترة قصيرة الى مدينة اخرى)  و12 طالباً اخراً من 11 دولة اخرى. مجلة المعهد الفصلية التي لا زلت احتفظ بنسخة منها، تذكر اسماء 18 طالب ودولهم: العراق، كونغو، نيجيريا، سيراليون، موزمبيق، انغولا.  ثم ، مصر، فرنسا، اليونان، ايطاليا، اليابان، فنزويلا.

طلاب من جميع البلدان تقريباً (بأستثناء البلدان الاشتراكية انذاك) قصدوا هذه المدينة لتعلم اللغة الالمانية  وبعضهم غادرها بعد شهرين فقط ، فلم يكن هدف الجميع الدراسة في احدى الجامعات الالمانية. واسباب تعلم هذه اللغة كانت كثيرة. في ذاكرتي عدة زملاء وزميلات من ايطاليا قدموا لتعلم اللغة الالمانية لاستعمالها في عملهم كموظفين في فنادق ايطالية يقصدها السواح الالمان.

سهولة وصعوبة اللغة الالمانية

ما يسهّل تعلم اللغة الالمانية هو ان لها قواعد ثابتة للفظها وبدون شواذ تقريبا. اي انها تُقرأ كما تُكتب بعكس لغات اوربية (عالمية) اخرى مثل الانكليزية والفرنسية. فللمرء في هاتين اللغتين تعلم اللفظ مع تعلمه للكلمة نفسها. وخاصة الفرنسية مشهورة بترك مقاطع مكتوبة بكاملها اذا اراد المرء لفظها بصورة صحيحة. هذا من جهة، ومن الجهة الاخرى تكمن احدى اكبر صعوبات اللغة الالمانية باداة التعريف. كيف هذا ولجميع اللغات الاخرى ايضاً ادوات للتعريف؟

لنقارن هنا بسرعة الالمانية بالانكليزية (التي تعتبر من اللغات الاوربية البسيطة بقواعدها). فيقابل The كأداة التعريف الانكليزية  16 اداة تعريف باللغة الالمانية. يا للعجب، كيف هذا؟  السبب يكمن في ان كل شيئ (حي او ميت) له بالضرورة واحدة من ادوات التعريف الثلاثة. فأما هو مذكر او مؤنث او حيادي. طبعاً الرجل مذكر والامرأة مؤنثة. ولكن: الشارع مؤنث والمنضدة مذكر والغرفة حيادي. والشجرة مذكر والشباك حيادي والسقف مؤنث والطفل حيادي ...والخ.

  قد يسأل البعض: ما هذه الفوضى؟ اليست هناك قواعد ثابتة لتفرقة المذكر عن المؤنث والحيادي؟ الجواب ببساطة: نعم، هنالك عدة قواعد، تتخللها بعض الشواذ. فالاسماء المنتهية بـ (e)  او (ei)  هي عادة مؤنثة، والمنتهية بـ (chen)  تكون حيادية. ولكن ليس كل مؤنث او حيادي ينتهي بالضرورة بهذه الحروف. فأذاً يجب تعلم اداة التعريف مع تعلم اسماء الاشياء. ومن يرفض هذا لاي سبب كان، "فتهانينا" له على لغته الركيكة، حتى وان قضى عشرات السنين في المانيا. وكم من امثلة باستطاعتي ذكرها الان عن هؤلاء.

 وقد يقول احدهم: حسناً، سأتعلم كل شيئ مع اداة تعريفه، فما صعوبة ذلك؟. ولكن، ولسوء حظنا فللالمانية ما يشابه العربية عدة حالات: الرفع والنصب والجر والمضاف اليه. وفي كل حاله تتغير اداة التعريف. واذا اخذنا الجمع بعين الاعتبارفنأتي في النهاية الى 16 اداة تعريف: (مذكر+ مؤنث + حيادي + جمع) × 4  = 16.  فهنا اذاً تكمن احدى اكبر صعوبات اللغة الالمانية. هناك طبعاً صعوبات اخرى تحويها اللغة الالمانية لا مجال هنا لذكرها.

ملاحظة: بعض ادوات (كلمات) التعريف تُستعمَل لعدة حالات، اي ما معناه ان ليس هناك 16 كلمة مختلفة، بل 6 فقط ، بالرغم من وجود 16 حالة للتعريف.

مراهق ياباني ابتليت به

بناية المعهد كانت تحوي بالاضافة لصفوف التدريس غرف القسم الداخلي التي لم تكن كافية لجميع  الطلبة. فسكن قسم كبير منهم مع عوائل المانية في البلدة. انا وسامي كان نصيبنا السكن سويةً في احدى غرف القسم الداخلي، الحاوية لسريرين ودولابين بالاضافة الى مغسلة صغيرة. ان ما كان يميز غرفتنا برغم صغرها، هي كونها مطلة على بحيرة ايبرسبرك الجميلة. فكان بامكاننا الخروج من الباب الزجاجي الكبير الى الشرفة المشتركة لعدة غرف والتمتع بمنظر خلاب، ان كان خريفياً، شتويا او ربيعياً.

بعد بدء الفصل الدراسي بعدة ايام، غادر امام معهد گوته سيد ياباني انيق مع ابنه سيارة فخمة قدمت مباشرةً  من مطار ميونيخ. بعد ذلك بقليل دعاني مدير المعهد الى مكتبه ليخبرني بأن الشاب الالماني سيشاركني السكن في غرفتي، ذاكراً بان زميلي الجديد هاياشي ينتسب الى عائلة غنية مشهورة في اليابان. اصطحبه والده الى هنا ليتأكد بنفسه من امكانيات المعهد وطاقمه بتوفير ما هو مهم لنجله. مديت يدي مصافحاً ومرحباً بـ هاياشي الاب وابنه.

الا ان المشاكل مع رفيق غرفتي الجديد بدأت منذ الليلة الاولى تقريباً.  كان هذا الهاياشي الصغير جسمياً لا زال مراهقًاً ومدللاً حتى النخاع، لا يبالي قطاً بالاخرين وبراحتهم. فيقوم في منتصف الليل بفتح الضوء الكهربائي للقيام بتمارين رياضية، او بسماع الموسيقى بصوت عالي، او يوقضني احياناً ليسألني عن اشياء تافهة. بعد ان فشلت جميع محاولاتي معه لتغيير سلوكه، نُقلَ الى غرفة اخرى، بعد ان قدّمتُ شكوى لدى مدير المعهد. فعاد زميلي سامي لحسن حظي ليشاركني السكن حتى مغادرتنا ايبرسبرك.

ميونيخ والموسيقى الكلاسيكية

اعجابي، بل حبي للموسيقى الكلاسيكية الغربية بدأ بلا شك في الباص الذي كنا نقلّه ايام السبت للسفر من ايبرسبرك الى ميونيخ. الدوام كان ينتهي يوم السبت بعد تناول وجبة الغذاء مباشرةً، اي حوالي الواحدة بعد الظهر. سوف لا انسى ابداً تلك الساعة الممتعة والباص يسير بنا بهدوء وبسرعة متوسطة في تلك الطبيعة ذات الهضاب الخلابة، المغطاة بلباس ثلجي ابيض، متلألاً  تحت اشعة الشمس كالالماس او اجمل. ما اطيب حرارة الشمس وهي تتخلل النوافذ الزجاجية، تدفئنا وتجعلنا ننسى برد الشتاء القارس واتعاب الاسبوع المنصرم.

والموسيقى الكلاسيكية الاوربية القادمة من راديو الباص، كانت تنقلنا بدورها الى عالم آخر غير واقعي، قد يكون "حلم اليقظة" اقرب وصف له، آملين ان لاينتهي بوصولنا الى ميونيخ.  كنا انذاك، فيما يخص الموسيقى الكلاسيكية، في "الصف الاول الابتدائي"، لا نفرق بين بيتهوفن وموتسارت او شوپان  وفيفالدي. ما يهمنا كان اللحن الهادئ الملائم للطبيعة المحيطة بنا، واللحن فقط !

ولكن، ما لنا وميونيخ؟ ميونيخ، عاصمة مقاطعة بافاريا ( كانت في فترة تاريخية سابقة عاصمة لدولة ملكية)، مدينة قديمة وكبيرة، يقطنها ما يقارب 1,5 مليون نسمة، ذات معالم تاريخية شهيرة، يزورها سنوياً ملايين السواح من جميع انحاء العالم. هنا كنا نلتقي احيانا بزملائنا العراقيين الذين قدموا معنا الى المانيا ويدرسون اللغة في مدن اخرى، فنتبادل معهم تجاربنا في الغربة. بعد تجوّلنا في المدينة وزيارتنا لمعالمها وشراء بعض الحاجيات الضرورية، كنا نأخذ الباص المسائي للرجوع الى "مسقط رأسنا" ايبرسبرك.

الحنين للوطن والموجة القصيرة

بدأت من الشهر الاول لقدومنا بتوفير ما استطعت توفيره من راتب البعثة لرغبتي القوية بشراء راديو شيّال باسرع وقت ممكن، بشرط ان يحتوي على موجة قصيرة قوية. بعد استلامنا لراتبنا في بداية الشهرالرابع، اي بعد 3 اشهر من قدومنا، تحققت بالفعل امنيتي الكبيرة  بشراء راديوGrundig  الالماني الصنع والمزود بعدة موجات قصيرة جيدة. غايتي الرئيسية كانت بالطبع سماع الاذاعات العربية وبالاخص اذاعة بغداد ومن خلالها متابعة اخبارالوطن النائي. كم كانت كبيرة فرحتنا حينما كنا نتمكن التقاط اذاعات عربية او راديو بغداد، بالرغم من الرداءة التكنيكية للمسموع بسبب تداخل الموجات والضجيج (الخرخشة) الذي يميز الموجات القصيرة بصورة خاصة.

من يستطيع في عالم اليوم تصور ذلك العصر الذي نستطيع تسميته ببساطة بالعصر "القبل المعلوماتي"؟  فلا قنوات فضائة ولا الانترنت الرخيص نسبياً، الذي غزا العالم خلال السنوات الاخيرة. واما المخابرات الهاتفية فكانت، وخاصة بسبب اسعارها الباهظة، شبه مستحيلة. الطريقة الوحيدة للاتصال بالاهل والاصدقاء كانت الرسائل البريدية، التي تحتاج الى ايام عديدة للوصول الى الهدف. فكان يوم استلامنا لرسالة من الاهل يشبه يوم عيد. من منا يكتب اليوم وبانتظام رسائل بريدية؟

بين الحين والاخر كان الاهل يرسلون لي بعض الصحف العراقية اليومية، التي كان يقرأها وبشغب واحدنا بعد الاخر. لا اعتقد بأن هناك من يغادر اهله ووطنه الى بلد يختلف كلياً من نواحي كثيرة عن وطنه، وهو في ذلك العمر الذي كنا فيه انذاك، لا يعاني من داء الحنين للوطن والاهل بهذا الكم او ذاك. لحسن حظي لم اكن وحيداً في هذا المجتمع الغريب، فزملائي العراقيين عوضوني عن الوطن والاهل الى حد كبير.


حان الاوان للرحيل

قبل نهاية الفصل الثالث والاخير استلمت رسالة من الملحق الثقافي العراقي في بون (آنذاك عاصمة المانيا الاتحادية) يطلب مني السفر في بداية الشهر القادم الى برلين الغربية للقيام هناك بتدريب عملي ضروري لغاية بدء الفصل الدراسي في الجامعات الالمانية. بعد توديعي لزملائي العراقيين، غادرت في بداية ايار 1962 فجراً ايبرسبرك بالقطار باتجاه ميونيخ، ومن هناك بقطار ثاني الى برلين الغربية. وصلت برلين الغربية مساءً، بعد قضاء اليوم وحيداً جالساً في القطار. ولكن ماذا الان؟ والى اين؟ وانا لاول مرة لوحدي في الغرية، أجنبي وغريب في اكبر مدينة المانية؟ لا احد استقبلني، لا احد اعرفه هنا. اذاً ما العمل؟

لقاء بعد 52 عاماً

بحكم عملي في شركة المانية ذات فرع رئيسي في ميونيخ، كنت انتهز دوماً فترة وجودي هناك لاقوم بعد العمل بزيارة قصيرة "لموطني الاول في الغربة". اتجول فيه شمالاً وجنوباً، طولاً وعرضاً، متذكراً تلك الايام مع زملائي واصدقائي العراقيين الاعزاء. ذاكراً صعوباتنا الاولى في هذا المجتمع الغريب وتغلبنا عليها بشبابنا وبعزيمتنا وتضامننا. لا علم لي متى اُغلقتْ ابواب "معهدنا" بوجه طلبة اللغة الاجانب ليصبح الان فندقاً؟

في كانون الثاني 2013 سكنت خمسة ايام في هذا الفندق، كايام زمان في غرفة مطلة على البحيرة المغطاة الان بالجليد، مثلما كانت في شتاء 61 /62 من القرن الماضي. ذكريات فوق ذكريات تربطني بهذه الديار. تذكرت، وانا اشرب القهوة في مطعم الفندق، كم كنت ومعي سامي فخورين باول شاي عراقي (سيلاني) قمنا بتحضيره في غرفتنا. وفي كل خطوة اخطوها الان متمنياً اللقاء باحد زملائي واصدقائي الاعزاء: سامي / سعد / عبد الرسول / عبد الوهاب / عصام. الثلاثة الاوائل منهم رافقوني بعد ذلك لسنين طويلة في الدراسة الجامعية. ولكن هذه قصة اخرى، كما يقول مثل الماني.




صور تاريخية 1961 / 1962:
   

 

هكذا شاهدنا ايبرسبرك ـ بطاقة بريدية اشتريتها انذاك

 

امام المعهد
من اليمين: زميل اردني، عبد الوهاب، كاتب المقالة، عبد الرسول، عصام، فائق
الواقف: سامي الكربلائي

 

نحن والبحيرة خلفنا
في الاسفل كاتب المقالة (منحني) مع زملاء عراقيين وغيرهم

 

مرح الشباب ـ في ربيع 1962على البحيرة
من اليمين: عبد الوهاب، سامي، سعد، كاتب المقالة

 

في غرفة سعد عند عائلة المانية
من اليمين: كاتب المقالة، زميل فنزويلي، سعد

 

امام المعهد
من اليمين: كاتب المقالة مع "رفيقه" الراديو، زملاء: امريكي، سويسري، افغاني


صور ايبرسبرك ومحيطها في شتاء 2013




معهد گوته، الان فندق. في المقدمة بحيرة ايبرسبرك

 

خمسة ايام في شتاء 2013: الفندق الذي كان معهدنا ومسكننا

 

كما شاهدناه انذاك من غرفتنا: بحيرة ايبرسبرك مغطاة بطبقة جليد

 

بحيرة اخرى في محيط ايبرسبرك الجميل

 

ما اجمل الطبيعة
محيط ايبرسبرك في الشتاء، بالضبط كما عشناه انذاك



بعض مناظر ميونيخ في شتاء 2013



بنايات تاريخية على جانب من الساحة الرئيسية

 

مسرح ودار الاوپرا

 

احدى الساحات العامة

 

منظر بقرب الساحة الرئيسية

 

اهم رمز لميونيخ: كنيسة كاثوليكية قديمة، في اليمين دار البلدية

الروابط :

 القسم الاول ـ شباب في الغربة وقصة الزميل الضائع
http://www.ankawa.com/forum/index.php?PHPSESSID=qk39oaqq0ph4op9op37ah1ssd4&topic=668668.0

القسم الثاني ـ الايام الاولى في الغربة 
http://www.ankawa.com/index.php/ankawaforum/index.php?topic=702296


19
 الايام الاولى في الغربة ـ مُصوَّر

سامي مدالو

الليلة الاولى

استغربنا لتوقف سيارة الاجرة الكبيرة التي اقلتنا نحن الستة الباقين مساء يوم  24 اكتوبر 1961 عن السير بعد بضع دقائق فقط من مغادرتنا لمحطة القطار في ايبرسبرك. اطفأ سائقنا المحرك، فتح الباب بجانبه وخرج من السيارة طالباً منا بأشارة من يده مغادرتها ايضاً. لم نفهم في البدء معنى هذا التصرف الغريب. بعد خروجنا من السيارة رفع السائق يده اليمنى مؤشراً بسبّابته الى المبنى بجانب السيارة، ناطقاً بكلمة واحدة فقط وكأنه يتكلم مع اطفال: هوتيل. اكتشفنا فيما بعد بأن المسافة بين محطة القطار والفندق لا تتعدى بالفعل عشر دقائق مشياً على الاقدام.

بعد وصولنا "سالمين" الى الفندق الواقع في الساحة الرئيسية في ايبرسبرك واستقبالنا هناك من قبل زميلنا "الضائع" عبد الوهاب (انظر الرابط ادناه)، رافقتنا موظفة الفندق المسؤولة عن استقبال الضيوف الى الطابق الاول لترينا الغرف المخصصة لنا. انا وسامي "الكربلائي" قررنا السكن في غرفة واحدة.

 

فندقنا في الاسبوع الاول في الغربة ـ الآن مطعم صيني

بعد ذلك بقليل قدم للترحيب بنا والتعرف علينا مدير معهد گوته السيد ماير. لا اتذكر الان وبعد اكثر من نصف قرن تفاصيل الحديث معه باللغة الانكليزية. لا شك اننا وبسبب ضعف لغتنا الانكليزية لم نفهم كل ما قاله لنا، فكنا صاغين له اكثر من كوننا متحدثين. فكل ما اتذكره من هذا اللقاء هو اعلامه لنا عن موعد بدء كورس اللغة في الاول من الشهر التالي، ما يعني ضمنياً بوجوب مكوثنا في هذا الفندق لمدة اسبوع.

يعد توديع الهر ماير وقبل الذهاب للنوم، قمنا بفحص وعد النقود الالمانية الغريبة بالنسبة لنا التي استلمناها من الملحق الثقافي العراقي في مطار ميونيخ كراتب البعثة لما تبقى من الشهر. وهل ستكون يا ترى كافية لسد نفقات الفندق والاكل حتى نهاية الشهر؟ هذا ما اردنا التأكد منه في اليوم التالي. اتذكر ملاحظة زميلي سامي ونحن نفحص نقودنا، بأن كل شيئ يختلف هنا، فحتى النقود الورقية لها رائحة اخرى!

السرير الزوجي والتسمم اثناء الليل!

الغُرفْ في هذا الفندق وكالمعتاد في فنادق المانيا، كانت مزودة باسرة مزدوجة، تتكون هنا من سريرين منفردين متطابقين، لا فاصل يفصلهما. لعدم رغبتنا للنوم في مثل هذه الاسرة الزوجية، بدأنا بفصلها الواحد عن الاخر، مكونين بذلك ممر بينهما. بسبب الضوضاء التي سببناها بهذا العمل، قدمت احدى موظفات الفندق للبحث عن سبب الضجيج. لحسن حظنا لم تمنعنا من تتمة عملنا، طبعاً بعد ان حاولنا افهامها بلغة الاشارات وخليط من الانكليزي والعربي  باننا سنرجّع الاسرّة الى حالتها الاصلية قبل مغادرتنا النهائية للفندق.

شيئاً اخراً في غاية الاهمية اشغلنا قبل ذهابنا للنوم في الليلة الاولى لا زال عالقاً في ذاكرتي: احدنا كان قد قرأ قبل مغادرتنا العراق في احدى الصحف العراقية عن حوادث تسمم عديدة في انكلترا بسبب الغازات السامة الناتجة عن عدم اطفاء المدفئة ليلاً. فما كان منا وتجنباً لوفاتنا في ليلتنا الاولى في المانيا، الاّ غلق صمامات المدافئ وثم اطفاء الضوء الكهربائي والذهاب مرتاحي البال للنوم بعد يومنا المتعب هذا.

ضحكنا فيما بعد كثيراً على تصرفنا هذا في ليالينا الاولى في المانيا، بعد ان علمنا بأن نظام التدفئة المركزية المتبع هنا لا علاقة له بالمدافئ الغازية الانكليزية التي يحرق بها الغاز مباشرةً، مشكلاً لهيباً داخل الغرف ومستهلكاً للاوكسيجين الضروري للتنفس. فهذا يشكل بحد ذاته خطراً في حالة قلة او انعدام التهوية.  وما يشكل بالتأكيد خطراً اكبر من ذلك بكثير، هو احتمال انطفاء اللهيب ليلاً وبدون قصد وتسرب الغاز السام الغير محروق بحرية الى غرفة النوم مثلا. اما في نظام التدفئة المركزية في المانيا فيُستعمَل الماء الحار الذي يجري تسخينه في مكان آخر بعيداً عن الغرف الواجب تدفئتها، فلا امكانية ما اذاً للتسمم.
 



جانب من الساحة الرئيسية في ايبرسبرك ـ  في كانون الثاني 2013
(في الجهة اليسرى المسلة مع رمز البلدة: رأس ذكر الخنزير)



رمز ايبرسبرك على مسلّة في الساحة الرئيسية ـ  في كانون الثاني 2013
(ايبرسبرك تعني جبل ذكَر الخنزير)



      
قبل البدء بتعلم اللغة
     
اذا قمنا بجمع ستة سنوات كعمرالبدء بالمدرسة الابتدائية مع ستة سنوات اخرى للمرحلة الابتدائية، ثم (انذاك) خمس سنوات متوسطة وثانوية، نحصل على نتيجة بمقدار 17 سنة. اذاً كلنا كنا انذاك في الثامنة عشرة من العمر، او اقل او اكثر من ذلك بقليل. هذا الواقع بالاضافة الى ظروف الغربة وصعوباتها حوّلنا بسرعة الى اصدقاء يشارك احدهم الاخر بكل ما يقلقه ويسره بالرغم من ان عمر تعارفنا كان قد لا يتعدى بضعة ايام. ولكن، وبمرور الزمن وحسب تقارب وجهات النظر وتشابه الميول والطبائع بين هذا وذاك، تبلورت صداقات بين بعضنا بكل ما للكلمة من معنى.
 
لم نقضي الاسبوع الاول بالتعرف على محيطنا الجديد فحسب، بل كذلك بتعرف احدنا على الاخر. اما ايبرسبرك فهي بحد ذاتها بلدة صغيرة لا يحتاج المرء اكثر من بضع ساعات للتجول فيها طولاً وعرضاً، شمالاً وجنوباً متعرفاً على معضم "معالمها". هدفنا الرئيسي في اليوم الاول كان بالطبع معهد گوته الذي سنقضي فيه نصف سنة لتعلم اللغة الالمانية التي نجهلها تماماً.

شكراً جزيلاًً على الازهار

اتذكر انني حال قدومي الى المانيا كنت اعرف بضع كلمات المانية فقط ، سمعتها بالصدفة في اغنية المانية في اذاعة "دويجة فلّة" وانا في العراق، ترجمها المذيع بعد بثها وكانت تعني "شكراً جزيلاًً على الازهار" اما زميلنا عبد الرسول "الكظماوي" فظهر لنا وكأنه قام وهو في بغداد بحفظ نصف "القاموس الوحيد" (القاموس الالماني العربي)، مما دعانا لتسميته بــ "القاموس".

بمغادرتنا للعراق ونحن في مقتبل عمرنا فقدنا بلا شك مظلتين حاميتين لنا في آن واحد: مظلة العائلة ومظلة الوطن. فبين ليلة وضحاها اصبحنا حقاً اسياد انفسنا اذا صح التعبير. فلا مراقب من الاهل يحصي حركاتنا ويحاسبنا في  حالة تقاعسنا او اساءتنا التصرف. هذا من ناحية، ومن الناحية الاخرى ليس هناك "الكبار" الذين نتمكن من استشارتهم والاستفادة من خبرتهم وتجاربهم عند الضرورة. فهل لهذه الاستقلالية والحرية يا ترى فائدة او مضرة؟ الجواب يكمن بالطبع في شخصية الفرد ونضوجه. اتذكر ان احدنا بدأ في اليوم الاول من قدومنا بالتدخين وشرب البيرة "مستفيدا" بذلك من الحرية الجديدة!! ولكن اهم شيئ كان بالنسبة لنا انذاك تعلم اللغة واجادتها كوسيلة رئيسية لعبور الدراسة الجامعية بنجاح.


 


جانب من الساحة الرئيسية في ايبرسبرك مع الكنيسة ـ في كانون الثاني 2013


 


قاعة الكنيسة الكاثوليكية في ايبرسبرك ـ في كانون الثاني 2013


ذكاء الالمان

في صباح احد ايامنا في الفندق فاجئنا زميلنا عبد الوهاب بأكتشافه لذكاء الالمان، مبرهنا  ذلك بشكل وتصميم اللحاف الالماني. فأدعى بأن اللحاف الالماني وبسبب البرد القارس في الشتاء، مزوّد بجيوب كبيرة يستطيع الفرد ادخال جسمه بالكامل فيها، مما يساعده على التمتع بالحرارة المنشودة. وبما اننا كنا جميعاً خريجي الفرع العلمي وقادمون لغرض دراسة التكنيك في بلد التكنيك، قمنا بالحال بفحص وتدقيق اكتشاف عبد الوهاب للتأكد من ذكاء الالمان.

ضحكنا كثيراً ومن اعماق قلوبنا حينما توضح لنا جلياً لغزاللحاف الالماني ذو "الجيوب" الذكية. فلم نكتشف بالقط  "لا جيوب ولا هم يحزنون". بل كل ما اكتشفناه هو اللحاف الالماني التقليدي المحشو بريش الوز الناعم والموضوع لاسباب النظافة في غطاء شبيه بكيس كبير ابيض بحجم اللحاف نفسه ومزود بعدة ازرار لتسهيل عملية تبديله وغسله عند الضرورة. بعد فحصنا للحاف الاخ عبد الوهاب، تبين لنا بأن اغلب ازراره مقطوعة ومبعثرة في فراشه وبجانب سريره على ارض الغرفة!

((في السبعينات من القرن الماضي، اي بعد سنوات عديدة من تاريخ قدومنا الى المانيا تأكدت نهائياً من جودة اللحاف الالماني على المستوى العالمي. جودته لا تكمن طبعاً في  "جيوبه" الذكية كما ظن زميلنا عبد الوهاب، بل في محتواه. في تلك الفترة كنت عضواً في هيئة ادارة كومبيوتر ضخم  في جامعة برلين الهندسية. خبير امريكي من الشركة المنتجة لهذا الكومبيوتر قدم لحل بعض المشاكل وتبديل عدة برامج رئيسية بأخرى اكثر فاعلية. الوصية والامنية الوحيدة لوالدته الامريكية ذات الاصل الالماني، كانت لحاف الماني تقليدي، اي المحشو بالطبع بريش الوز الناعم. فحسب رأي والدته، ليس هناك في الولايات المتحدة  ما يظاهيه مطلقاً. ))        






ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رابط : شباب في الغربة وقصة الزميل الضائع
http://www.ankawa.com/forum/index.php?PHPSESSID=qk39oaqq0ph4op9op37ah1ssd4&topic=668668.0


20
المنبر الحر / الكهف والسنونو
« في: 20:45 27/07/2013  »
الكهف والسنونو

سامي الياس مدالو

بيتنا

كم كان ندمي وحزني كبيرين حين سماعي بأن الدارالتي قضيت فيها طفولتي وشبابي هدمت من الاساس وبلا رجعة ليبنى بمكانها "قصراً" بالوان صارخة نشاز، لا تناسب برأيي القوش وطبيعتها. عذراً لسلبية رأيي في ما شيّد على "انقاض" بيتنا الذي ولدنا وترعرعنا فيه. فذكريات فوق ذكريات تربطني بهذا البيت وسكانه. المرحومين الوالدين العزيزين، المرحومة جدتي، ناهيك عن أخواتي وأخوتي بأختلاف اعمارهم، بطفولتهم وشبابهم،  وكذلك الاقارب والاصدقاء الذين قضوا معنا اوقاتا بالسراء والضراء.

لحسن الحظ تم تهديمه بعد وفاة والديّ. فكم كان مقدارالالم الذي ينتابهما في حال سماعهما بما جرى. ان ما يخفف من المي هو معرفتي بأن البيت الجديد ليس ديراً للراهبات فحسب، بل ايضاً مأوى لبنات يتامى. فالمعذرة المعذرة اذا كنت قد بالغت في نقدي للبيت الجديد.
 
الموقع المتميز

كان يميز بيتنا على غيره من بيوت القوش برأيي موقعه المثالي على سفح الجبل كاخر بيت في شمال البلدة. فمن غرفة الجلوس التي كنا نسميها  "ايوَن"  كان باستطاعتنا القاء نظرة على كنيسة القوش ومناطق واسعة من القوش وسهل نينوى. فكان بمقدورنا مثلاً مشاهدة السيارات القادمة من الموصل قبل دخولها القوش بكيلومترات عديدة.

واما ليلاً فكانت قابلية بصرنا في ما يخص السيارات القادمة الى مدينتنا تتضاعف او اكثر يسبب مصابيحها الكهربائية القوية الموجهة باتجاهنا. والاجمل من ذلك كله، كان ما نشاهده ايام الربيع من الازهار الحمراء والبنفسجية التي كانت تشكل لوحة فنية رائعة حول دير السيدة الواقع شرق القوش.
  

الكهف كهفين

كان بيتنا يحتوي بالاضافة الى غرف عديدة كهفاً طبيعياً كنا نسميه " گپا"، نقضي فيه بسبب درجة حرارته الواطئة الجزء الكبير من ساعات ايام الصيف، بدءاً من الظهيرة وحتى غروب الشمس. قبلَ بناء بيتنا من قِبلْ والدي في الثلاثينات من القرن العشرين، كان آباءه  واجداده ـ اصحاب هذه الارض ـ  يستعملوه في قديم الزمان لوقاية ماشيتهم في ليالي الشتاء من البرد القارص وفي ليالي بقية الفصول لحمايتها من الحيوانات المفترسة.

في الحقيقة كان كهفنا يتكون من كهفين متعاقبين. ففي حين استعملنا الكهف الاول للجلوس والاستراحة عند اشتداد وطأة حر الصيف القاسي، كنا نستعمل الكهف الداخلي  كثلاجة طبيعية لحفظ المواد الغذائية القابلة للتلف السريع في حر الصيف مثل جبن القوش الشهير، حيث ان  درجات حرارته كانت اوطأ بكثير مقارنة بالكهف الخارجي.  

السنونو النادرالعندليب

لم اكن انا وأهلي الوحيدين الذين استمتعوا بحسنات هذا الكهف الفريد، بل كانت ترافقنا منذ القدم وكل صيف من جديد  ضيوفاً  محبوبة لنا جميعاً، تقطع ربما مئات الكيلومترات لكي  تشاركنا  في السكن في كهفنا ونحن الشاكرين. كنا ننتظرها كل ربيع بفارغ الصبر وكاننا ننتظر احبائنا الذين فارقونا قبل سنة.... انها طيور فريدة من نوع السنونو النادر.

لم تكن هذه الطيور منتميةً الى نفس الفصيلة التي كانت تنتشر بالمئات كل صيف في القوش وفي مدن اخرى. كنا نسميها "صلوني بيرو".  حدثنا والدي بانها تفضل العيش في كهوف جبلية فقط، لذا نستطيع تسميتها بالسنونو الجبلي. شكل جسمها وطريقة طيرانها كانا يميزانها كلياً عن السنونو المألوف. ولم يكن لنا علم بوجود مثيلاتها في القوش قاطبة. فكانت نادرة مثل كهفنا.

كانت لهذا الطير صفات تميزه نوعياً عن اقربائه من السنونو العادي. فتصميم عشه مثلاً يختلف تماماً عن عش السنونو المألوف، شكله بيضوي مبني في وسط سقف الكهف تقريباً، ذو منفذ ضيق بشكل انبوب باتجاه باب الكهف الواسع.

ميزة ثانية لهذه الطيور عززت اعجابنا بها، وكيف لا، وهي نظافتها المطلقة بخلاف "ابناء عمها" المشهورين بمخلّفاتهم  الغير المحبذة تحت عشهم. فكانت طيورنا تنقل فضلاتها وفضلات صغارها بالكامل لترميها بعيداً عن دارنا. ان هذا لم يكن بالطبع لغرض ارضائنا، بل بسبب غريزي بحت لتبديد الشك لدى اعدائها من الطيور والحيوانات المفترسة  والتمويه لها بعدم وجودها هنا.

عادة اخرى، قد تكون من احسن ميزاتها، اطربتنا واسرتنا في ذات الوقت، فقبل غروب الشمس بقليل، حيث تتراجع درجات الحرارة بعض الشيئ، كانت ضيوفنا هذه تجلس على الحبل الخاص بنشر الغسيل في فناء الدار لتغرد لدقائق كالعندليب بل واجمل، وكأنها تود انهاء يومها الشاق الذي تقضيه بأطعام صغارها بفترة ترفيهية لها ولنا لا بد منها، ربما مقتدية بالمثل القائل "كل عمل شاق يعقبه الترفيه!".  

احلام الصغار

في احدى السنين، واظن انني كنت في العاشرة او الحادية عشرة من العمر وبسبب كوني فضولياً كبقية الاطفال في هذا العمر، قمت "بالقبض" على اثنين من الصغار المساكين حال مغادرتهم للمرة الاولى العش وسقوطهم على ارض الكهف بسبب جهلهم بفن الطيران. فصبغت بتأني وحذر شديدين ريش صدرهم بحبر اخضر، كان والدي يستعملة لملئ قلمه الپارکر، "لاطلق سراحهم" بعد ذلك مباشرة. ولكن لماذا هذا؟  اردت ببساطة معرفة: هل ان هذين الطيرين سيقومان بزيارتنا في السنة التالية يا ترى ام لا؟

فكم كانت كبيرة دهشتي وسعادتي في ربيع السنة التالية حين مشاهدتي لهاذين الطيرين الملونين بالحبر الاخضر وهما يحلقان فوق دارنا بصحبة اربعة طيور سنونو اخرى. العائلة بكاملها اتت لقضاء الصيف في القوش او اطرافها  وانجاب جيلاً جديداً من السنونو الجبلي اللطيف النادر.

ولكن، وبما ان لهذا الطير الفريد المذهل قاعدة تمنعه من السماح لابناء جلدته ببناء عشا ثانياً في نفس الكهف، بقى بضيافتنا ككل سنة زوجاً واحداً فقط.  واما الطيور الاربعة الاخرى ومن ضمنها طيورنا "الخضراء"  فأختفت عن انظارنا  بعد تحليقها فوق دارنا لعدة ايام، وطارت الى المجهول...المجهول ....


جميع الصور (باستثناء الاولى) التقطت في خريف 2011

[/color]


بيتنا في وسط الحافة اليسرى (باللون الابيض)، صورة من گوگل بعدسة سائح اوربي ـ  تاريخ التصوير مجهول

 


اين السنونو الجبلي اللطيف؟؟

الكهف التاريخي لا زال موجودا داخل الديرولكن بصورة تختلف تماماً عن الماضي، فهو يشكل الان كنيسة صغيرة، وغُيّر للاسف جذرياً من نواحي عديدة: مساحته صُغّرت بعُرضها، ارتفاعه قُلّل برفع قاعهُ (ارضيته) والاسوء من ذلك هو تعتيمه بدخان الفحم كما اظن. يا للاسف ما معنى هذا التعتيم؟ هل ليعطي انطباع مغارة في قديم الزمان، يحرق ساكنيها الحطب للتدفئة شتاءً؟  ام ماذا؟ لا ادري.  




في اعلى الصورة دير الراهبات مع ميتم البنات (بالوان غير مناسبة!)، بني على انقاض بيتنا

 

دير الراهبات مع ميتم البنات. في المقدمة خرابة ضريح النبي ناحوم



 

هذا ما كنا نشاهده من بيتنا


 

وهذا ما كنا نشاهده من بيتنا ايضاً



 

هذا المنظر لجبل القوش (قورزي) كان يجابهنا حال الخروج من الباب الشمالي





21
ملاحظات حول نظرة سكان اوربا الغربية الى الانسان الشرقي

توضيحيات:

ــ  ليست هذه دراسة بمعنى الكلمة او بحث حول رأي سكان اوربا  الغربية بسكان البلدان الشرقية وخاصة العربية منها، كما وليست نتيجة استفتاء تم بضوابط علمية، بل هي مجرد ملاحظات منفردة بدون تسلسل مقصود، نعتقد بامكاننا سردها بسبب كوننا نعيش في اوربا الغربية (المانيا) منذ عقود عديدة من الزمن.

ــ  ما نقوله هنا ينطبق بالدرجة الرئيسية على رأي الالمان والذي برأينا يتطابق او يشابه  في معظم الحالات رأي سكان بلدان غرب اوربا الاخرين. الا انني لست متأكداً فيما اذا كان هذا ينطبق كذلك على رأي سكان امريكا الشمالية.

ــ  ليس هناك بالطبع رأي واحد فقط  لجميع سكان البلد الواحد في اي موضوع كان، ناهيك عن رأي موحد لعدة شعوب، فهذا متعلق بالدرجة الرئيسية بثقافة الشخص ومدى اهتمامه وتعمقه في الموضوع، ومتعلق كذلك بتاريخ الشعب الاوربي المعين.  فلنسمي ما نطرحه هنا بأنه رأي الشخص "العادي"  ذو الثقافة المتوسطة  او رأي "الشارع"  ان صح التعبير.

ــ  ليست غاية هذا الموضوع مقارنة عادات وتقاليد او سلوك الاوربيين بمثلها لدى الشرقيين. فهذا قد يصلح لمواضيع اخرى. 

ــ  ان عرضنا لهذه النظرة لا يعني بتاتاً موافقتنا او تأييدنا لها في كل الاحوال. فليس المهم هنا موافقتنا او معارضتنا لهذه النقطة او تلك، بل السماع والتأمل. او بتعبير آخر استعمال الرأي الاخر كمرآة من نوع خاص قد تظهر لنا ما لم نكن لاحظناه لحد الان.

ــ  حاول كاتب هذه الاسطر دائماً وبقدر المستطاع  التنوير بالواقع في بلداننا وتصحيح النظرات الخاطئة السائدة لدى عامية الناس.


هذه بعض الاراء السائدة :

التباهي بالماضي والغرور الشخصي

الرأي السائد:
الانسان الشرقي يميل للتباهي بالماضي البعيد وما كان عليه لقومه في غابر الزمان من حضارة وتقدم وعظمة وامبراطوريات، كما هو في نفس الوقت مغرور بنفسه وبشخصيته.
 
ملاحظة الكاتب:
قد يكون هذا ناتج عن ما يسميه علماء النقس بعقدة النقص، حيث يحاول الشخص الاثبات للاخرين بحوزته لقابليات وصفات لا يملكها هو نفسه ولا بلده او قومه حالياً.

 فقد لاحظت مثلاً كتّاب في الانترنت يؤكدون دوماً على انهم اكاديميون وذلك بذكرهم لأسم محل عملهم (الجامعة مثلاً) في مقدمة جميع كتاباتهم التي تعبر عن رأيهم الشخصي ولا علاقة لمحل عملهم بها بتاتاً. ان هذا الاسلوب غير معتاد بتاتاً في اوربا، اي ان ذكر اسم محل العمل في مقدمة الموضوع يعني بالضرورة ان هذا الموضوع يعبر رسمياً عن رأي محل العمل، والا قد تكون عليه عواقب قانونية. فهل لصاحب العمل علم بهذا الشيئ يا ترى؟ او هو على الاقل موافق على محتوى المقال؟ لا اعتقد. ام أن هؤلاء انفسهم ليسوا مقتنعين بما يطرحوه، والا لماذا التأكيد بكل مقالة على الوظيفة؟

وهناك اشخاص آخرون يسطرون مقالاً بعد آخر يملؤون بها للاسف بعض المواقع الالكترونية وكانهم عائشون في حلم قذفهم مئات بل الاف السنين الى الوراء ليعيدوا باوهامهم امجاد امبراطوريات اجداد اجدادهم، غير مبالين بالواقع الحالي المحزن لقومهم، "مناطحين" في نفس الوقت الاقوام التي حاربت اسلافهم في غابر الزمان وكانهم ينوون الان الانتقام ممن انتصر على اسلافهم انذاك!

احد هؤلاء الكتاب يذكرني جداً بقصة "دون كي شوت"، ذلك الشخص الحالم الذي ظن طوال حياته بأنه من اعظم الفرسان الذين كان زمانهم (لسوء حظه!)  قد انقضى قبل ولادته بمئات السنين، فكان هذا الفارس الوهمي المسكين واثقاً ً بأن حماره (روزينانتا) هو من اعظم واسرع الحصن وان باستطاعته مقارعة اقوى جيوش زمانه، فمعركة طواحين الهواء المبكية المضحكة وبقية الرواية معروفة بلا شك للقارئ.

المبالغة

الرأي السائد:
الانسان الشرقي يبالغ بما هو او بما لديه، فالتواضع ليست من الصفات التي تميزه.

ملاحظة الكاتب:

هذه النقطة تشابه النقطة السابقة وقد تكون اسبابها نفسها او مشابهة لها. فلنراجع انفسنا بصراحة اوننظر الى افراد مجتمعنا ونكون صادقين باصدار حكمنا. فهل الاوربيون محقون في رأيهم هذا؟  ولكن من الناحية الاخرى: ما فائدة المبالغة، اذ  ان الزمن سيكشف الحقيقة لا محالة.

الثرثرة

الرأي السائد:
 الانسان الشرقي يستطيع جلوس ساعات طويلة يقضيها باحاديث بغض النظر عن اهميتها، فالمهم هو الجلوس والحديث ليس الا.  فهو يحبذ الاعادة والتكرار، ويكره الاختصار والتركيز.

ملاحظة الكاتب:
الاعادة والتكرار تنطبق كذلك على ما هو مكتوب او مذاع. ، فالانسان الشرقي عادة ليس مهتماً باقوال مثل: "ما قل ودل" او "مختصر مفيد".  اما الاوربي فينبّهك وبلا خجل في حال قيامك باعادة شيئ سمعه منك مرة سابقة، او يقول لك بصراحة بأن الموضوع الذي تتناوله
 حالياً لا يهمه بتاتاً، اي ما معناه (بلطف) رجائه لك بالكف عنه.  في اللغة الالمانية مثلاً مشابهاً للمثلين اعلاه، ما معناه "قصير ومركّز".

فحتى في خبر واحد، وهذا ما يجلب نظري في احيان كثيرة عند قرائتي (بالاخص في الانترنت)  او سماعي للاخبار بالعربية، تجد المعلومة مكررة في نص الخبر. واما في المقالات فحدث ولا حرج. لم افهم لماذا؟  فهل القراء اغبياء لايفهمون المقصود الا بالتكرار، او عملاً بالمثل الاخر القائل:  في الاعادة افادة؟

كم من مرة انهيت فجأةً قرائتي لمقالات مملة وانا في وسطها بعد تأكدي من احتوائها للاعادة والتكرار اكثر مما استطيع تحمله، والكاتب "يعيد ويصقل" غير مبالياً بأعصاب وبوقت قرائه!

المواعيد

الرأي السائد:

الانسان الشرقي لا يعير للمواعيد اية اهمية وخاصة في المجال الخصوصي اي غير الرسمي.

ملاحظة الكاتب:
مثال: حين يدعوك الاوربي لداره لتناول الغذاء معه مثلاً او الاشتراك في حفلة بمناسبة ما، يحدد لك وقت القدوم وذلك بالساعة والدقيقة، وينتظر قدومك بالوقت المتفق عليه.
وهو ينتظر مخابرتك له في حالة تأخرك عن الموعد ولو بقليل (لنقل اكثر من ربع ساعة مثلاً)، والا فعليك الاعتذار حال القدوم.
ففي حالة الدعوة لتناول الطعام عند الاوربيين مثلاً، كن واثقاً بأن البدء بالاكل يتم بعد وصول المدعوين مباشرةً او بعد ذلك بقليل.

واما عندنا نحن الشرقيين فتختلف الحالة تماماً. ففي كثير من الحالات لا يحدد لك الداعي الوقت المضبوط للحضور(لا ادري لماذا لا؟)، فيدعوك مثلاً لتناول الغذاء معه، وعليك التخمين وتحديد وقت الحضور كما تشاء!
قد تقول: هذا جيد، فالمسألة اذاً في يدي. ولكن، وهذه تجربتي المريرة، كم من مرة لبيت الدعوة وحضرت (حسب تخميني لوقت الغذاء) مثلاً في الساعة الثانية عشر ظهراً.

الا اننا بدأنا بتناول الغذاء في الرابعة عصراً او بعدها. فتقدم لك قبل ذلك القهوة الشرقية مع قطعة بقلاوة، ثم بعد فترة قدح ماء بارد، لتشرب بعدها قدح او قدحين شاي سيلاني مع كيك او بسكت وهكذا. هل هذا كله لاجل المجاملة؟  او لان صاحب الدعوة لم يكن متأكداً بتلبيتك لدعوته؟  ام ان دعوته يا ترى لم تكن بالحقيقة جدية، فاراد التأكد اولاً من مجيئك ليقوم بالبدء بتحضير الطعام؟  لست ادري.
 

 
النقد تهجم

الرأي السائد:
الانسان الشرقي لا يقبل النقد برحابة صدر، بل يعتبره في الكثير من الحالات تهجم على شخصه.

ملاحظة الكاتب:
لا استطيع شخصياً تعميم هذا الرأي. فقد لاحظت اشخاصاً شرقيين مستعدين لسماع النقد واخذه بنظر الاعتبار والتعلم منه بجدية. وهناك اخرون يدًعون بتحمل النقد (لم اصادف لحد الان احداً ادعى بصراحة بأنه لا يتقبل النقد)  ولكنهم في الحقيقة يعتبرونه تهجماً وينتظرون اقرب فرصة مناسبة للرد بالمثل او بأكثر والنيل من الناقد حتى وان كان نقده نقداً بناءً.

كل السكان عرب ومسلمون

الراي السائد:
برأي عامية سكان اوربا الغربية كل سكان البلدان العربية عرب ومسلمون.

ملاحظة الكاتب:

هذا لا ينطبق طبعاً على المثقفين والمهتمين بالسياسة الدولية. فهؤلاء لهم في بعض الاحيان معلومات دقيقة عن بلداننا قد تدهشك.
فمثلاً كلما سمع شخص بأنني من العراق، ظن بالحال بأنني طبعاً عربي ومسلم. وحينما اعلًمته بأنني لست عربياً، فيقول في احسن الحالات: اذاً انت كردي. الى هذا الحد تصل على الاكثر معرفة الاوربي العادي بتعدد القوميات في بلد مثل العراق. فحين سماعه بأنني كلداني وديانتي مسيحية، قد يسأل: من هم المبشرون الاوربيون اللذين قاموا بتبشيركم بالمسيحية، متناسياً بذلك بأن المسيحية ولدت في الشرق الاوسط وليس في اوربا!

نظرة جديدة نتجت خاصة بسبب حوادث 11 سبتمبر تجاه المسلمين والعرب بصورة عامة. فقبل زمن الارهاب كان الاوربيون يعتبرون الاسلام مجرد احد الاديان السماوية بخصوصياته، اما بعد ذلك فازدادت المخاوف تجاه المسلمين فيما يخص الاعمال الارهابية، وهذا ما تستغله الاحزاب العنصرية للاسف بدعايتها ضد الاجانب بصورة عامة وسكان البلدان العربية والمسلمين بصورة خاصة. 
   
المرأة

الرأي السائد:
ليست للنساء اية حقوق تذكر وعليهن استعمال الحجاب. وبما ان جميع سكان الشرق مسلمون حسب رأي الانسان الاوربي البسيط، فيحق للرجل الشرقي زواج اربعة نساء حسب الشريعة الاسلامية ويستطيع الطلاق متى ما يشاء وبسهولة.

ملاحظة الكاتب:
في هذا المجال حاول كاتب هذه السطور دوماً توضيح الامر بأن مكانة المرأة وحريتها متعلقة بأمور عدة. فالحاالة قد تختلف من دولة الى اخرى (اي حسب نظام تلك الدولة ودرجة التطور والوعي السائد)، ثم علاقة هذه النقطة بثقافة الرجل والمرأة في المجتمع ككل او ثقافة العائلة التي ينتميان لها  "كمجتمع مصغر" داخل المجتمع. وثم اقليات مسيحية  كبيرة او صغيرة في دول عربية عديدة فيها للمرأة مكانة تختلف عن مكانتها في المجتمع الاسلامي المتدين.

وهناك صفات سلبية اخرى تطلق علينا نحن الشرقيين نذكرها في ما يلي تاركين التعليق عليها من قبل القارئ، منها:

ــ عدم الدقة والجدية في العمل مقارنة بالاوربي
ــ تأجيل الواجب عمله حالياً الى المستقبل
ــ انعدام ثقافة الاعتذار والتشبث بالرأي الشخصي في كل الاحوال
ــ عدم نضوج ثقافة الجدل والنقاش مثل مقاطعة المتكلم قبل انهاء كلامه
ــ العشائرية في اتخاذ المواقف
 

   

[
/color][/b]

22
شكراً يا استاذ اشور،

 لقد وضعت حقاًً النقاط على الحروف في بحثك التنويري هذا. الظاهر انني عشت طول عمري في حلم بنفسجي وتصورت نفسي كلداني.
بس استاذي عندي فد مشكلة صغيرة بلكد تساعدني بيها اذا ممكن وما تصير عليك زحمة: يعني عندي هواية اصدقاء كلهم كايللهم من زمان اني كلداني.
 
زين شلون افهمهم هسة ترى اني مو كلداني لأن حسب ما قريت من واحد عالم بالتاريخ ما كو اصلاً  كلدان باقين بهالعالم وكل واحد يكول اني كلداني متوهم لومقشمره عليه كنيسة الفاتيكان الاستعمارية. زين شكللهم هسة يعني اني اشوري لو اثوري؟

يعني اسمي يمكن هم لازم ابدله واخذ اسم اشوري اصلي؟  فكرت اقلبه من سامي الى صاموئيل، بس ما متأكد كلش باسم  صاموئيل هل هو اشوري اصلي؟  ارجوك فهمني اذا ما تصير زحمة.

وبعدين كلت اذا ماكو كلدان اصلاً فلازم نسجلها بالويكيبيديا باللغات العالمية. زين ردت ابدي بولايتي القوش، لأن المساكين هناك يمكن بعدهم يحلمون ويتصورون نفسهم كلدان وكلدان اساساً ماكو.
 
لكن شأكلّك، شفت ماكو حاجة نبدل القوش للاشورية. روح وعاين وشوف بعينك: مكتوب بالانكليزي وبالالماني وبلغات اخرى: القوش بلدة اشورية. عفيا عليكم وتهانينا. هاي شلون دبرتوها؟

رابي العزيز اشور: عندي سؤال اخير حاير بيه يمكن تساعدني بحلّه اذا ما تصير زحمة: يعني هم لازم ابدل الكنيسة لأن باسمها كلمة كلدان وكلدان ماكو مثل ما تفضلت سيادتكم وفهمتونا. وبعدين سمعت اكو كنيستين ثنيناتها تسمي نفسها اشورية. زين يا هو منها تقترحون علينا؟

اعتذر اذا كنت قد ازعجت حضرتكم واخذت من وقتكم الثمين.
بوش بشلاما رابي اشور
ومزيداً من هذه المقالات البناءة!
سامي


23
بغــداد بعد نصف قرن ـ تقرير مصوَّر

سامي الياس مدالو
 
 
من القوش الى  بغــداد 

 
نحن الان في اواسط تشرين الاول من سنة 2011. اصدقاء المان كثيرون حذروني من المجازفة بالذهاب الى بغداد حين سماعهم بنيتي بزيارة الاهل في العراق، متأثرين بما  يُنشربين الحين والاخر في وسائل الاعلام. استطعت طمأنتهم بالقول بأني بصحبة اخي الذي ينال ثقتي المطلقة، فأن اقترح الذهاب فسأذهب بدون جدل. وبالفعل، بعد 5 ايام في القوش حان الاوان بسبب ضيق الوقت للمغادرة باتجاه تلك المدينة الخالدة التي اُلفتْ عنها عشرات القصائد وغُنيت اغاني لاتحصى عن محاسنها وجمالها وشهرتها وما يميزها عن امثالها من مدن تاريخية وعواصم شرقية.
 
ايقظني اخي في الفجر الباكر حيث لا زالت الشمس تقارع الظلام وهو في انفاسه الاخيرة، فعلينا الاستعجال بانهاء تحضيراتنا والاقلاع قبل ان تفاجئنا حرارة الشمس، فتمكنا بالفعل من ترتيب امورنا وتوديع الاقارب والجلوس في السيارة حسب خطة اخي.
 
فارقت القوش بشعور من الالم  بسبب عدم معرفتي بموعد اللقاء القادم، وهل سنلتقي بالفعل ثانيةً ومتى ياترى؟ ريتني عرفت. غادرنا محل سكنانا في جنوب القوش والشمس تبذل قصارى جهودها لاحراز النصرالنهائي على فلول الظلام. ما اجمل شروق الشمس. . .  كنت منشغلاً بالتقاط صوراً لسهل نينوى قبيل وخلال شروق الشمس عندما  فاجأني اخي بهاتفه المحمول قائلاً: "خذ وتحدث مع اختنا في الولايات المتحدة!". 
 
بسبب فرق الوقت كانت ساعتها تشيرالان الى ما يقارب العاشرة مساءً. اندهَشتْ حين سماعها اين نحن الان،  فحاولتُ ان أصف لها ببضع كلمات شعوري وعن ما اشاهده هذه اللحظة من خلال نافذة سيارتنا. جواباً على سؤالها عن زيارتي لالقوش:
 
قلت لها: "عليّ الرجوع ثانيةً لعدم تمكني من زيارة معالم في غاية الاهمية"
"ما هي هذه الاماكن؟ " ردّت متشوقة للجواب 
فأجبتها مازحاً: "مثلاً شيّوختا (مزلقة) و گپه مگرگما (كهف الرعد) و قرزي (الجبل المجاور لبيتنا السابق) والاهم من كل ذلك  شويثا دگناوي (فراش اللصوص)"

 
 فضحكنا سويةً. هذه الاماكن تذكرني بطفولتي وبشبابي الاول، فمثلاً كنا في وادي (گپه مگرگما) نصتاد بالمصيادة (جطل) وننصب الفخاخ (أقلياثا) بالاخص لصيد طير بأسم  (زرخا) الذي يضاهي بحجمه الحمام. واما (شيّوختا) فكانت احدى وسائل لهونا كأطفال.   
 
بسبب الظروف الامنية تجنبنا هذه المرة ايضاً المرور بالموصل مما سبب بالطبع اطالة ساعات سفرنا. في منتصف الطريق تقريباً تناولنا الغذاء في احد المطاعم المشيّدة خصيصاً للمسافرين في كلا الاتجاهين. مطاعم لا بأس بها مع امكانية الطلب بغسل السيارة بأجور اثناء تناول الطعام. ولكن ما ادهشني حقاً هو العرض المجاني لاقراص ضد وجع الرأس (ما يشبه الباراسيتامول). شيئ مستحيل في المانيا، فأدوية مثل هذه متوفرة في الصيدليات فقط. بعد ساعات من الصبر داخل سيارتنا، وصلنا اخيراً "سالمين" الى هدفنا المنشود: بيت أخي. لاول مرة اقابل الان بعض افراد عائلته، فلأجلهم قدمنا في الاساس الى هنا. فرحّبنا بهم في دارهم.
 
 
 
 

في سهل نينوى قبل شروق الشمس
 
 
 

الشمس تداعب الغيوم اثناء الشروق
 
 
 

النهار قادم لا محالة
 
 
 

لم الاحظ  بتاتاً نقصاً في السيارات في جميع انحاء العراق
 
 
 
 

 

 

 
 

خدمة ذكية: سيارتك تُغسل وانت تتناول الطعام

بغـداد
 

غادرت بغداد  في تشرين الاول 1961 للدراسة في المانيا الاتحادية. وبسبب تردي الوضع السياسي وتدهوره من سيئ الى اسوء وعملاً بنصيحة الاهل بقيت في المانيا للعمل بعد التخرج. كنت هنا مرة واحدة فقط لزيارة الاهل في ربيع عام 1968. سمى البعض تلك الفترة بفترة الانفتاح السياسي!!  فبعد السنين المظلمة التي تلت شباط 1963، ظن الكثيرون، وخاصة الذين ذاقوا الامرين من سجن وعذاب وتشريد، بان عهد القهر قد ولّى بلا رجعة، فقد سمعتُهم  يُنظّرون ويتفائلون بأمكانية تشكيل جبهة وطنية!؟  لست ادري الان جبهة من مع من؟ 
 
نبذة تاريخية
 
لا حاجة هنا لتفصيل ما حدث منذ صيف عام 1968 ـ اي بضعة اشهر فقط بعد زيارتي لبغداد ـ  من مآسي وكوارث: القضاء على الخصم السياسي، 8 سنوات حرب طاحنة مع ايران، احتلال الكويت وما تبعه من الحصار والانهيارالاقتصادي واخيراً وليس اخراً ازاحة النظام الصدّامي عام 2003  بقيادة الولايات المتحدة والضحايا بعد ذلك.  فمن يدري كم من مئات الالوف بل ربما ملايين من الضحايا سقطوا في كل هذه الكوارث؟ من المسؤول؟
وهل هناك على الاقل احصائيات تتضمن عدد الضحايا، ناهيك عن معلومات شخصية عنهم؟  ومن اجل من او من اجل ماذا فقدوا ارواحهم؟ لا اعتقد، فما قيمة الانسان في مجتمع كهذا؟
 
الوضع الحالي
 
قيل اثناء الحرب التي اعقبت احتلال  الكويت (لست متاكداً فيما اذا كان القائل بوش الاب شخصياً)، بأن العراق سيرجّع في تطوره 50 سنة الى الوراء. لم اصدق انذاك هذا القول واعتبرته مجرد حرب اعلامية. والان ونحن نتجول في بغداد (بالسيارة عادةً لاسباب امنية)  تذكرت هذه العبارة ثانيةً، فيا ترى هل كانوا مبالغين بذلك؟ لست ادري فيما اذا كان التطور العكسي يعادل فعلاً الخمسين سنة.  فخذ الكهرباء كمثل، وماذا عن ماء الشرب؟  هل من الممكن شربه بدون تعقيمه؟ 
 
والاهم من هذا وذاك هي وبلا شك الحالة الامنية او بالاحرى اللاامنية. فهل من يوم ينصرم  بدون قتلى في تفجيرات او اغتيالات؟ وماذا عن الطائفية ومعاملة الاقليات؟ وهل من مَخرج من هذه الكارثة الانسانية؟  ليست غايتي هنا الدخول في التفاصيل عن الوضع، ان كان عمرانياً او انسانياً بوجوهه المختلفة، فاولاً لست مؤهلاً بذلك حسب رأيي، وثانياً هناك العديد من الدراسات والبحوث اُلّفتْ من قبل اخصائيين في هذا الشأن. لذا سأحاول ابداء رأيي بقدر الامكان بواسطة عدستي، فلندعها اذاً "تتحدث" عما شاهدته.
 
ملاحظة: الصور التي تلي  ذو عنوانين متضادين، فعنوان القسم الاول هو "ما افرحني". هذه الصور تركت لدي انطباعاً بأن الوضع لا بأس به او "على مايرام".
اما عنوان القسم الثاني فهو العكس من ذلك، اي "ما احزنني". وهنا نستطيع طرح السؤال: هل هذه عاصمة بلد من اغنى بلدان العالم؟
بعض الصور المعروضة تتحدث عن نفسها، فتركتها بدون تعليق.

 
تمنياتي الصادقة لهذه المدينة الخالدة بأن تستطيع ازالة  كل ما يُحزن
 
1 ـ القسم الاول من الصور: ما افرحني . . .
 
 










 
2 ـ القسم الثاني من الصور: ما احزنني . . .
 
 

 


لماذا؟
 
 
 

محزن
 
 
 
 

 

 
 

الشبكة العنكبوتية يا ترى؟
 
 

 
 
 

شارع الرشيد الخالد!
 
 
 

في شارع الرشيد
 
 


في شارع الرشيد

 
 
 

في شارع الرشيد

 
***** الأمل آخر شيئ يفقده الانسان، فأذاً سنبقى نأمل *****
الروابط:
 
1 ـ رابط الحلقة الاولى (اربيل / عنكاوا / الوصول الى القوش)
http://www.ankawa.com/forum/index.php?PHPSESSID=dd3q6s09k6s38ueae8j9dd46e1&topic=669153.0
 
2 ـ رابط الحلقة الثانية (القوش والاديرة)
http://www.ankawa.com/forum/index.php?PHPSESSID=dd3q6s09k6s38ueae8j9dd46e1&topic=670573.0
 
3 ـ رابط الحلقة الثالثة (القوش: المعالم الاخرى)
http://www.ankawa.com/forum/index.php?PHPSESSID=l34s02medb2okfdpvorde5aej1&topic=671860.0
 
4 ـ رابط "شباب في الغربة وقصة الزميل الضائع"
http://www.ankawa.com/forum/index.php?PHPSESSID=qk39oaqq0ph4op9op37ah1ssd4&topic=668668.0
 
 


24
لقاء بعد نصف قرن ـ تقرير مصوَّر
(3)

سامي الياس مدالو
 
 
معالم القوش

 
دير السيدة ودير الربان هرمزد كانا بالطبع في مقدمة نقاط برنامجنا لزيارة معالم القوش، وهذا ما انعكس في الحلقة السابقة التي تناولت هاذين الديرين المتميزين. الا ان القوش، وكما هو معروف، تفتخر بمعالم كثيرة مؤهلة جميعها للزيارة، خاصة اذا افتقدها زائر مثلنا لسنين طوال. الا ان ضيق الوقت حال وللاسف بين النية والممكن، فاكتفينا بالذهاب الى تلك الاماكن التي اعتبرنا زيارتها لنا شبه واجب وهي:
 
1ـ گپه دمايا (كهف الماء) 
2ـ بندوايا 
3ـ منتزه توما توماس   
4ـ بيتنا
   
1ـ گپه دمايا (كهف الماء)
 
اصرّ ابن اخي وبسبب حرارة الجوعلى ايصالي مع اخي بالسيارة من جنوب القوش الى مركز الشرطة السابق الواقع في شمالها. ولكن أبتداءً من هنا، أن شئنا ام ابينا، لا ملاذ لنا الا استعمال اقدامنا اذا اردنا الوصول الى هدفنا المنشود. الجو كان لسوء حظنا احر مما كنا نتمناه. فبعد مغادرتنا السيارة والقاء نظرة حزينة على خرابة مركز الشرطة السابق، بدأتُ بصحبة أخي "بعملية" الصعود الى ذلك الكهف الذي انعشنا في قديم الزمان بمائه العذب الزلال، يهبه لنا بدون مقابل وبدون كلل على مدارالساعة  بشكل قطرات منفردة، تتحد لتشكل حوضاً كافياً لاشباع العطش او لطبخ الشاي الممتاز. فلست اتذكر نزهة واحدة ايام طفولتي الى گپه دمايا مع الاهل تمت بدون طبخ الشاي بمائه اللذيذ.   
 
بستان على الجانب الايمن  في اسفل الوادي جلب انتباهنا حال البدء بمسيرتنا، يضم العشرات من اشجار الزيتون ويسقى بماء يجلبه انبوب غليظ  متصل مباشرةً بخزان الماء المركزي الواقع شرقاً من هنا.  ليس بعلمي ما عمر هذا المشروع الزراعي المفيد والجميل في ذات الوقت.
 
بدأنا الصعود بتأني بسبب الحر، فالصخور وكما يظهر بدأت تشع ما اكتسبته منذ الشروق ولحد الان من طاقة الشمس المجانية. هنا تذكرت ما تعلمته في المدرسة المتوسطة: بأن الطاقة، اياً كان نوعها، لا تُفنى ولا تُستحدث. ياترى، من اكتشف هذه المعلومة كأول شخص؟  لست ادري. ومن هم اولئك الذين قاموا بتشييد هذا الطريق الصخري الازلي ومتى ولاي غرض؟  هل للقيام مثلنا في ايام شبابنا بنزهات ايام الربيع؟ وهل من كتب تاريخية او سجلات تدلنا على معلومات بهذا الخصوص؟ لا اظن. فالانسان هنا كان في قديم الزمان (ولا يزال) منهمك قبل كل شيئ بتمشية امورحياته اليومية المعيشيه الصعبة.  لا مجال هنا اذاً لمثل "ترف" كهذا!
 
اذا كان "الانطباع الاول هو الحاسم" كما يقال، فحال الكهف وللاسف ليس على مايرام. ان وضعه لم يبعث لي بالحقيقة بالطمأنينة ـ  كأنه مهجور ومتروك منذ زمن. . . فلم نقابل هنا احداً جاء لقضاء فترة راحة اوعائلة تحتفل بمناسبة ما و"تخدّر" الشاي واطفالها يتسلقون الصخور المحيطة. ان حال الحوض لم يشجعني  بالشرب من محتواه.
 
 
 


بستان الزيتون على اليمين من اسفل الوادي وعلى اليسار الطريق بشكل قوس
 
 
 
 
 
الثمرة تؤكد النجاح
     
 
الطريق الحجري الخالد / القوش والشارع المؤدي الى الموصل في اعلى الصورة
 
 
 

الكهف المائي في اكتوبر 2011
 
 
 

"الجنائن المعلقة": نباتات طبية في جدار الكهف
 
 
 
 
قطرة فقطرة تتحد لتملأ الحوض

 
2ـ بندوايا
 
بما ان بندوايا تبعد مسافة لا بأس بها من القوش، فليست لديّ بالحقيقة ذكريات كثيرة من ايام الطفولة عنها. والديّ كانا يحذروننا نحن الصغار دوماً من الذهاب الى هناك بدون مصاحبتهم بسبب خوفهم علينا من الغرق. كل ما اتذكره عن بندوايا هي محاولاتي الاولى هناك لتعلم السباحة برفقة "الكبار". شيئان جلبا انتباهي الان: اولاً وجود مقاهي وثانياً خرابة طاحنة الحنطة (ارخل)، التي كانت تعمل ايام زمان بالطاقة المائية. اتذكر جيداً من ايام طفولتي كيف كان بعض رجال القوش ينقلون الحنطة بأجور بكيسين كبيرين على ظهور الحمير قبل شروق الشمس الحارقة بساعات ليرجعون بها كدقيق قبل شروقها كذلك ان أمكن.
 
   

 
ماءٌ بلون السماء و"قبرانات" على الضفاف
 
 
 

ما اروع الماء اينما كان... يا ريت لو كان لنا في القوش جدولاً مثل هذا
 
 
 

ماء كالزجاج
 
 
 

بقايا المطحنة المائية (ارخل)
 
 
 

سمات التقدم: مقهى على الشاطئ

 
3ـ منتزه الفقيد توما توماس
 
كنت قد قرأت وسمعت كثيراً عن منتزه المرحوم  توما توماس الذي يمثل احد المعالم الحديثة في القوش. اذاً لا بد لنا من زيارته، خاصة وانه حسب اعتقادي يضم  التمثال الوحيد في القوش لانسان علماني، سمعنا من بُعد عنه وعن اعماله البطولية بين الحين والاخر. دخلت الى المنتزه قبل الظهر ولاحظت لدهشتي انني الزائر الوحيد هنا. لحسن حظي كانت البوابة مفتوحة بسبب اعمال الترميم والصيانة. وقبل تمكني من التقاط اول صورة، اقترب مني شخص بملابس العمل ناظراً بريبة وبالتناوب عليّ وعلى كامرتي وكانه يريد سؤالي:
 
من انت وماذا تنوي هنا بالرغم من ان المنتزه مغلوق للزوار حالياً؟
 
 فهمت قصده من خلال وجهه المستفسر، فأخذت المبادرة وسلّمت عليه باللهجة الالقوشية التي حافضت عليها بالرغم من قضاء عشرات السنين في الغربة، لكي لايشك في نيّتي الحسنة قائلاً: " شلاما الّوخ"،  ثم عرفته بنفسي ومدة غيابي عن بلدتي وما انويه هنا. فرد السلام وحال سماعه باسمي وبلقبي، سألني بنوع من الدهشة: "ابن الياس بابا؟"   (هكذا كان يسمّى والدي في القوش)، اجبته: "نعم". بالحال تبدّلت ملامحه وطغت ابتسامة عريضة على وجهه، ماداً يده لمصافحتي قائلاً: "نحن اقارب، والدتي (ذكر لي اسمها)  ووالدتك بنات عم"، ثم عرفني بنفسه وبمهمته في هذا المنتزه.
 
اصرّ قريبي، بالرغم من معارضتي، ان يفتح لي صمام النافورة الرئيسي لاقوم بتصويرها وهي تعمل. فما جمال نافورة بدون ماء حسب رأيه؟  اقول: له كل الحق. بعد انتهائي من التصوير دعاني الى مكتبه لتناول مشروباً بارداً وقطعة بقلاوة وللتحدث حول الماضي والحاضر والاهل والاقارب وعن هذا وذاك. خلال حديثنا قدم عدة تلاميذ في الصف السادس الثانوي. استغلينا الفرصة وتناقشنا حول مناهجهم ومواد دروسهم واساتذتهم ومستقبلهم. نقاش لطيف وشيق، ذكرني بأيام طفولتي وشبابي هنا.       
 
 

 

من المعالم الحديثة في القوش: منتزه المرحوم توما توماس
 
 
 

النافورة والتمثال

 
4ـ بيتنا، بيتنا ثم بيتنا . . .
 
كم كان ندمي وحزني كبيرين حين سماعي وانا في المانيا بأن الدارالتي قضيت فيها طفولتي وشبابي الاول هدمت من الاساس وبلا رجعة ليبنى بمكانها "قصراً" بالوان صارخة نشاز، لا تناسب برأيي القوش وطبيعتها. عذراً لسلبية رأيي في ما شيّد على انقاض بيتنا الذي ولدنا وترعرعنا فيه. فذكريات فوق ذكريات تربطني بهذا البيت وسكانه. المرحومين الوالدين العزيزين، المرحومة جدتي ـ دادي هيلوـ ناهيك عن أخواتي وأخوتي بأختلاف اعمارهم، بطفولتهم وشبابهم،  وكذلك الاقارب والاصدقاء الذين قضوا معنا اوقاتا بالسراء والضراء.
 
اعتقد بأنني لا ابالغ اذا ادعيت بأن بيتنا كان في زمانه من احدث بيوت القوش اذا اخذنا بنظر الاعتبار بأنه شيّد في الثلاثينات من القرن الماضي. وثم شي اخر كان يميزه على غيره وهو برأيي موقعه المثالي على سفح جبل القوش كآخر بيت في شمال البلدة. من غرفة الجلوس التي كنا نسميها بـ "ايوَن" كان باستطاعتنا القاء نظرة على مناطق واسعة من القوش. كما كان بمقدورنا مثلاً مشاهدة السيارات القادمة من الموصل قبل دخولها القوش بكيلومترات عديدة. 
 
بعد انتقال الوالدين مع بقية افراد العائلة الى بغداد في بداية الستينات وتأجيره في الفترة الاولى، قرّرا، خاصة بسبب الاضرار الناتجة عن التأجير، بيعه للراهبات لاعتقادهما بانهن احسن المؤهلين للحفاظ عليه بأحسن صورة. ولكن . . .
 
"لحسن الحظ" تم تهديمه بعد وفاة والديّ. فكم كان مقدارالالم الذي ينتابهما في حال سماعهما بما جرى. ان ما يخفف من المي هو معرفتي بأن البيت الجديد ليس ديراً فحسب، بل ايضاً مأوى لبنات يتامى. فالمعذرة المعذرة اذا كنت قد بالغت في نقدي لما حدث. بالرغم من كل ذلك قررت زيارة البيت الجديد، بالاخص لاعتقادي بأن الكهف ( گپا ) لا زال موجوداً.  هنا بالضبط كنا نقضي بسبب درجات حرارته الواطئة ومناخه المعتدل ايام الصيف.  فهل من المعقول ان يُهَدّم كهفاً طبيعياًً مثل هذا؟
 
 
الزيارة:
 
بعد الترحيب بي وبأخي وزوجته من قبل راهبة شابة لطيفة المزاج، قادمة من بلدة كلدانية في كردستان لم نسع بها من قبل، متكلمة تقريباً لهجتنا الالقوشية، اقول بعد الترحيب وتعريف انفسنا بها، عرضت علينا برحابة صدر التجول في الدير والميتم حسب رغبتنا. بعد القاء نظرة سريعة على بعض الغرف والقاعات اردنا بالواقع معرفة مصير كهفنا.
 
نعم، الكهف لا زال موجوداً كما توقعنا ولكن بصورة لم نكن نتوقعها بتاتاً.  ليس لانه الان يشكل كنيسة صغيرة، بل لانه غُيّر جذرياً من نواحي عديدة: مساحته صُغّرت بعُرضها، ارتفاعه قُلّل برفع قاعه (ارضيته) والاسوء من ذلك هو تعتيمه بدخان الفحم كما اظن. يا للاسف ما معنى هذا التعتيم؟ هل ليعطي انطباع مغارة في قديم الزمان، يحرق ساكنيها الحطب للتدفئة شتاءً؟  ام ماذا؟ لا ادري.   
 
 

 
 
بيتنا ايام زمان، وسط الحافة اليسرى. صُبغَ باللون الابيض بعد تأجيره
(صورة من "گوگل ايرث" بعدسة سائح اوربي، تاريخ التصوير مجهول)
 
 
 
 
 
الان: الكنيسة في كهفنا الصيفي ـ ما معنى التعتيم ؟
 
 
 
 
دير الراهبات مع ميتم البنات / خرابة ضريح النبي ناحوم في اسفل الصورة
   
 
 

مدخل دير الراهبات وميتم البنات

 
 
5ـ ما جلب انتباهي ايضاً:
 
 


ما العمل؟ فهذا "ثمن التقدم" / أأمل بان شباب القوش وجدوا "يداً بيد" الحل المناسب
 
 
 
 

محزن جداً: حال ضريح النبي ناحوم
 
 
 
 
 
أدهشني: في القوش وباللغة الالمانية مامعناه:
"تجهيزات من المانيا للحدائق  وبائعي الزهور" !

>>>  الحلقة القادمة: بغداد بعد نصف قرن
 
الروابط:
 
1 ـ رابط الحلقة الاولى (اربيل / عنكاوا)
 
http://www.ankawa.com/forum/index.php?PHPSESSID=dd3q6s09k6s38ueae8j9dd46e1&topic=669153.0
 
2 ـ رابط الحلقة الثانية (القوش: الاديرة)
 
http://www.ankawa.com/forum/index.php?PHPSESSID=dd3q6s09k6s38ueae8j9dd46e1&topic=670573.0
 
 
 


25
لقاء بعد نصف قرن ـ تقرير مصوَّر
(2)

سامي الياس مدالو
 
 
5 ايام في القوش ـ البرنامج
 
القوش كمدينة /  دير السيدة / دير الربان هرمزد / بندوايا / گپه دمايا / دير الراهبات المبني في محل بيتنا (بسبب الكهف بداخله) / محيط بيتنا السابق / منتزه الفقيد توما توماس ومعالم اخرى في حال توفر الوقت. وبالفعل تمكنت من تنفيذ كل هذا ولو بأختصار.
 
سنتناول في هذه الحلفة النقاط الثلاثة الاولى وهي: القوش كمدينة  /   دير السيدة   /   دير الربان هرمزد
 
القوش كمدينة
 
كنقطة اولى، قمت في عصر يوم  قدومنا وبمصاحبة ابن اخي بقطع القوش مشياً على الاقدام (كثيرون من اهالي القوش يفضلون الان استعمال سيارتهم بدلاً من اقدامهم حتى  لمسافات قصيرة لا تعقل. ما العمل؟  فهذا هو كما يظهر "ثمن" التقدم، أليس كذلك؟).  اقول قطعنا القوش من جنوبها الى شمالها، اي من محل اقامتنا في المحلة التحتانية (القوش الجديدة)، مارين بمحلة سينا واصلين الى  ما تبقى من مركز الشرطة السابق، الذي كنا نسميه بـ "القشلة" وكذلك  ضريح النبي ناحوم، لنرى باعيننا ولشديد الاسف  بان "الدهر قد اكل عليهما وشرب" كما يقول المثل. فالدماروالخراب هو ما يميزهما الان بالدرجة الاولى.
 
ومن هنا لم يبقى ما يفصلنا الا بضع خطوات عن موقع بيتنا الذي هُدّم ولللاسف قبل عدة سنوات (سنعود اليه في سياق الحديث). وهنا تنتهي  جغرافيّاً  بيوت القوش شمالاً، بالضبط كما كان الحال عليه قبل 50 سنة. ولغاية الحصول على انطباع اولي اكثر شمولاً عن القوش، اخترنا لرجوعنا من الشمال الى الجنوب  طريقاً اخراً وهوالطريق المؤدي خلال محلة قاشا. (بالحقيقة ليست لدي معلومات مضبوطة عن حدود محلات القوش المختلفة)  
 
اشياء عديدة جلبت انتباهي في تجولي الاول هذا في بلدتي ومنها:
 
ـ  محلة "القوش الجديدة" في جنوب القوش
ـ  عدد وتصميم  البيوت الجديدة المبنية خارج حدود القوش القديمة (الوانها مسألة ذوق)  
ـ  كثرة الاشجار والخضار (يا للعجب، حتى اشجار النخيل!)
ـ  عدد السيارات الخصوصية (كنت دائماً في حذر منها، لعدم معرفتي بقابليات سواقها)
ـ  الخراب والدمار الذي اصاب وللاسف الكثير من البيوت القديمة في القوش
ـ  الشوارع والطرق المبلطة
ـ  الكهرباء والماء الجاري (في حالة جريانه فعلاً)  
وثم شيئاً آخراً لم يجلب نظري فحسب بل وحاسّتيّ السمع والشم، الا وهي المولدات الكهربائية الاهلية و"العامة" المنتشرة في كل مكان تقريباً.
 
ولتعميق انطباعي عن ما شاهدته في اليوم الاول، نهضت في اليوم الثاني مبكراً لاقوم بجولة ثانية قبل الفطور بدأتها بالطبع من محل سكني في جنوب القوش (القوش الجديدة)  باتجاه الشمال سالكاً هذه المرة ذهاباً واياباً طريقين آخرين. من جملة ما نال ملاحظتي وكذلك اعجابي اليوم وقبل كل شيئ هم التلاميذ والتلميذات كجماعات صغيرة في طريقهم الى مدارسهم منهمكين في احاديثهم غير  مبالين بغريب مثلى "المسلح" بكامرته. تذكرت جيدا مرحلتي الابتدائية في القوش وزملائي بالرغم من مضي عشرات السنين. التقطت عددا لابأس به من الصور التي ارفق بعضا منها هنا.
 


القوش،  صورة باتجاه الشمال
 
  
 

دور حديثة باتجاه دير السيدة
  

ما تبقى من ضريح النبي ناحوم / دير الراهبات بالوان صارخة
    
 
 
 
الشارع المحاذي للمقبرة
 
  
 

بيت عصري في "القوش الجديدة"
 
 
 

السوق القديم
 
 
 

السوق الجديد
 
 
 

من سيسكن  في هذا "القصر" يا ترى؟
 
 
 

ما احلى الخضار والازهار
 
 
 

شباب القوش اثناء العمل
 
 
 

ما تبقى من مركز الشرطة السابق (قشلة)
 
 
 

شارع مبلط
  
 
 

مخازن حديثة
  
 
 
السيارات تلاحقك في اصغر الدرابين
  
 
 

هنا بالضبط كان موقع  "قمطر" محلة اودو ـ من هدّمه يا ترى ولماذا؟
 
 
 
 
كان هذا بيت عائلة من اقربائي في محلة اودوـ يا للاسف
 
 
 

الساحة امام مدرسة مار ميخا
 
 
 

ما احلى الخضار

 
 
معالم القوش
 
تحدثنا اعلاه عن انطباعاتنا عن القوش كمدينة وما جلب انظارنا فيها  ان كان ذلك ايجابياً او سلبياً، قد لا يشعر بها من يعيش فيها دوماً.  فأهل المدينة، اية مدينة كانت، يركزون عادة على ما يخص حياتهم اليومية بالدرجة الاولى، غير مبالين بامور اخرى وخاصة السلبية منها، التي قد لا تجلب انتباههم في ما اذا كانت لاتمسهم مباشرةً. فبما انهم تعوّدوا العيش مع هذه السلبيات، فهم يتجنبون تلقائيا ملاحظتها ناهيك عن  التفكير في ازالتها او على الاقل العمل من اجل تغييرها.
 
فكم فرحت بفكرة شباب القوش بتنظيف وتجميل بلدتهم واطلاق حملتهم الطوعية "يداً بيد لالقوش". فبالضبط حول هذا الموضوع كنت قد تحدثت مع اخي اثناء تجولنا في بعض احياء القوش. فما فائدة الانتظاراذاً عسى ان تقوم الجهات المسؤولة بهذا العمل الذي نستطيع انجازه بتوحيد جهودنا؟  وبصفتي  "كسائح غريب"  اكثر من كوني "من اهل البلد"، قمت اعلاه بعرض صور لتلك الاماكن التي جلبت اهتمامي قبل غيرها، ايجابية كانتً او سلبيةً.
 
ديرالسيدة ودير الربان هرمزد
 
بعكس ما لاحظته من تغيّرات  في القوش كبلدة ، كانت التغيّرات في المعالم التي زرتها، قليلة برأيي. تضمنت بالدرجة الاولى اعمال الترميم والصيانة التي لا بد منها اذا اردنا الحفاظ على هذه المعالم . وهذا لايعني بالضرورة شيئاً سلبيا بالقطع، بل قد يكون العكس صحيح، خاصةً ان كانت هذه المعالم اثرية وذو تاريخ عريق مثل  دير السيدة او دير الربان هرمزد.
 
دير السيّدة (ديرا ختايا)
 
منظراً خلاًباً حقاً هذا الذي جابهني بعد غروب الشمس وحلول الظلام وانا واقفٌ امام دار اقاربنا في "القوش الجديدة". لم يكن هذا ممكنا بالطبع في "قديم الزمان"، الزمان الذي عشناه هنا حتى  بداية الستينات من القرن الماضي بدون كهرباء. بودي هنا أبداء اعجابي بالطاقة الكهربائية التي لا توفر لنا الرفاهية فحسب، بل ايضاً هذه اللحظات الجميلة من حياتنا التي تُطبع في ذاكرتنا.
 
بالرغم من اننا الان في اواسط تشرين الاول، الا ان المناخ هنا يذكرني باحر ايام الصيف في المانيا، حيث تعدت درجات الحرارة في بعض الايام الـ 35 درجة مئوية. بالرغم من تحذيرات اقربائي بالتريث حتى انخفاضها بعض الشيئ، لم يكن بمقدوري الصبر والانتظار مدة اطول لشدة تشوقي بزيارة دير السيدة. من محل اقامتي ومشياً على "خط مستقيم"، خلال اراضي خالية من بناء او زرع، لم يكن يفصلني عن الدير الا ربع ساعة او اكثر بقليل.
 
افتقدت، وانا على بعد امتارمن ديرالسيدة، تلك الازهار الحمراء والبفسجية الزاهية المسماة بازهار نيسان (بيبوني دنيسن)، التي كنا نشاهدهنا  "في قديم الزمان"  ايام الربيع من بيتنا الواقع في شمال القوش وكأنها لوحة فنية بريشة  فنان قديراو سجاد محبوك بقدرة سمائية. تأسفت لعدم تمكني من القدوم الى هنا في فصل الربيع كما كانت خطتي الاولى. دير السيدة ذكرني كثيراً باديرة في جنوب اوربا. التقطت صورا لا تحصى خارج وداخل الدير، اخترت هنا بعضا منها.
 
صور لدير السيدة
 
 
 


دير السيدة مساءً  / الواقع كان حقاً اكثر جمالاً من الصورةً
 
  
 

في الطريق المستقيم من "القوش الجديدة" باتجاه دير السيدة
 
 
 

دير السيدة مع الميتم
 
 
 

ما اجمل هذا المنظر! هل هذا في القوش ام  في ايطاليا؟
 
 
 
 
وهذا ايضا ما ذكرني بالاديرة في جنوب اوربا (ايطاليا، فرنسا، اسبانيا)
 
 
 

كنيسة دير السيدة، صغيرة ولكنها رائعة حقاً ـ  نالت فائق اعجابي
 
 
 

رونقة الهية حقاً ـ هل هناك من لا يرغب في المكوث هنا؟

 
دير الربان هرمزد (ديرا علايا)
 
بالرغم من امكانية الذهاب الى دير الربان هرمزد بالسيارة، قررت كعادتي بقطع المسافة  مشيا على الاقدام. فمثل الماني يقول: الطريق هو الهدف.  شابتان من اقربائي ولدهشتي ايدتا الفكرة وقررتا على الفور مصاحبتي في مسيرتي. هذا ما اسعدني بالطبع، فكانت حقاً مسيرة ممتعة  في مناخ  لطيف.
 
لم نلتقي وللاسف باي راهب في الدير، فكلهم انتقلوا حتى الانتهاء من ترميمات ضرورية الى دير السيدة. و بالرغم من ذلك تسنى لنا التجول في معظم معالم الدير بحرية تامة  وتمكنا من التقاط صور لها حسب رغبتنا. لم نستطيع المكوث للاسف طويلاً  بسبب قصر الايام في هذا الموسم وقرب حلول المساء. وبالفعل فاجئنا الظلام ونحن في طريق الرجوع الى مسكننا.
 
 
 


صورة لدير الربان هرمزد، التقطناها من امام دير السيدة
 
 
 

هل تحتاج هذه الصورة لشرح؟
 
 
 
 
الكهف الاحمر في مدخل الوادي
 
 
 

شمس وظل ـ ما احلى هذا التباين!
 
 
 

درب الصليب ـ  في دربنا للدير الخالد
 
 
 

كأنه عش طيور بني فوق الصخور. . .
 
 
 

دير السيدة، التقطناها من "توأمه" دير الربان هرمزد
  
 

بثلاث لغات: الدير يعرّف نفسه
ـ يتبع ـ
 
  "رابط الجزء الاول من "لقاء بعد نصف قرن
http://www.ankawa.com/forum/index.php?PHPSESSID=0atel81dmkacqvs6ukggce8rf1&topic=669153.0
 
 
 
 
 


26
لقاء بعد نصف قرن ـ تقرير مصوَّر
(1)

سامي الياس مدالو
 
قضاء الابتدائية في القوش، المتوسطة والثانوية في بغداد، السفر في بعثة للدراسة في المانيا الاتحادية عام 1961 والبقاء هناك بعد التخرج بسبب سوء الوضع السياسي وتدهوره من سيئ الى اسوأ ثم زيارة الاهل في بغداد مرة واحدة  فقط عام  1968  وعدم التمكن خلال هذه الزيارة للاسف من السفر الى القوش ...  كل هذا قد نتناوله في حلقات قادمة.  فلتكن حلقة اليوم خاصة بزيارتنا لالقوش في خريف عام 2011 بالرغم من وقوعها في المؤخرة حسب التسلسل التاريخي.
 
ميونيخ - اربيل/عنكاوا - القوش
 
بعد مغادرتنا للطائرة التي اقلتنا من ميونيخ/المانيا الى مطار اربيل بعد منتصف الليل، اعتذرت لضابط الجوازات بعدم فهمي لسؤاله باللغة الكرديه، فحوّل نظرهُ فجأة ًمن جواز سفري الالماني الذي كان يتصفحه، ليلقي  نظرة عابرة على وجهي، سائلا الان بالعربية عن غرض وهدف سفرتي؟  انوي زيارة اهلي في القوش، كان جوابي،  فسألني ثانيةً وكأنه لم يسمع بالقوش من قبل: قرقوش؟  كلا، القوش، كان ردي السريع. اكتفى بذلك وختم جوازي بسمة الدخول بعد فحصه بدقة ومقارنته للصورة مع وجهي. بعد الترحيب الحار باخي وابنه قضينا الباقي من هذه الليلة وليلة ثانية في احد فنادق عنكاوا. وبالرغم من ان هدف سفرتي هذه هي بلدتي الحبيبة القوش، استغلينا وقت مكوثنا هنا للتجول في عنكاوا واربيل والاطلاع على معالم هاتين المدينتين اللتان تشكلان في الواقع مدينة واحدة.
  

شارع حديث في عنكاوا
 
  

حديقة عامة في عنكاوا

 

حركة عمرانية مدهشة في كل زاوية من عنكاوا ـ  للخبراء: هل هذا في كل حال ايجابي؟

((مجرد فكرة: مدينة بودابست عاصمة هنغاريا تكونت في سنة 1873 من مدينتين متجاورتين، واقعتين على طرفي نهر الدانوب، الاولى كانت تسمى بودا والثانية بست، فاتحدتا وسميت بالاسم المركب المتداول حاليا: بودابست.  فلماذا يا ترى لا يتم توحيد اربيل وعنكاوا وتسمى المدينة الجديدة على غرار بودابست مثلاً  "عنكربيل" او بصورة ابسط "عنكبيل"؟ الا انني شبه متأكد بأن اقتراحي "المعقول" هذا سوف لا يلاقي تجاوباً، لا من المواطنين ولا من ذوي القرارـ مع الاسف.  وان كنت بسبب جهلي للحساسيات في هذا المجال قد تجاوزت باقتراحي هذا  خطاً احمراً، فالمعذرة مسبقاً من كل الذين قد اكون جرحت شعورهم!))  
 
حدثني اخي حول الوضع هنا في بداية السبعينات من القرن الماضي حيث قضى هنا فترة زمنية لغرض العمل، فكانت عنكاوا بلدة منفصلة تماماً عن اربيل، تفصلهما مساحات شاسعة من اراضي غير مبنية. وبالرغم من انني لاول مرة هنا، فقد ادهشني التقدم العمراني وحركة البناء الذي لم اكن اتوقعه بهذه الدرجة. ولكن ما ادهشني من الناحية الاخرى هو ملاحظتي بدايةً  في المطار بان كثير من العاملين هناك هم من بنغلاديش، بالرغم من ان كثير من الشباب الاكراد "يشتغلون" في السوق كبائعين لحاجيات بسيطة لا اظن بان محصولها كافٍ لمعيشة حتى شخصا واحدا. لم افهم  ذلك، فالكثير من العاملين في مطاعم عنكاوا مثلاً هم كذلك من بنغلاديش!
 
  

سوق شعبي في اربيل

  

ساحة حديثة في اربيل

 
حان الاوان
 
توجهنا منذ الصباح الباكر بالسيارة الى القوش. ليس بمستطاعي هنا بسهولة وصف شعوري خلال تلك الساعات القليلة التي بقيت تفصلني عن بلدتي الام التي غادرتها قبل نصف قرن. شعورالفرح الجسيم بلقاء حبيبة شاء القدر ان يفصلني عنها، ممزوج بشعور آخر قد يكون الحزن اقرب تسمية له، الحزن بمرور عشرات السنين بدون لقاء. جلست بجانب السائق لأتمكن من التقاط احسن الصور الممكنة للطريق وبالاخص حال الدخول الى القوش. لاسباب امنية تجنبنا المرور في الموصل. وبعد بضع ساعات والقوش امام انظارنا. بدأت التقط صورة بعد صورة حتى وصولنا الى بيت الاقارب.
 
 
 
 


من اربيل/عنكاوا الى القوش

اللقاء الاول
 
هل نحن الان حقاً في القوش؟  شعور غريب بعد كل هذا الزمن. نعم،  بلا شك  نحن الان هنا ... لا  في الخمسينات من القرن الماضي، بل في خريف عام 2011، اي بعد مضي  نصف قرن من الزمن!  في صيف عام 1961 كنت هنا اخر مرة قبل سفري الى المانيا الاتحادية للدراسة  في بعثة جكومية.
 
لولا الجهود المحمودة  لأخي وابنه اللذين تحملا الاتعاب والمصاعب بالقدوم من بغداد لاستقبالي في مطار اربيل ومن ثم مرافقتي الى القوش وبغداد وثانية الى اربيل، اقول لولا تلك الجهود الكبيرة وجهود بقية افراد عائلته وحسن ضيافة الاقارب في القوش ورحابة صدرهم، لما تمكنت من تنظيم مثل هذه السفرة. فبالرغم من انني الان في ارض آبائي واجدادي الا ان غيابي لعشرات السنين جعلني اشعرحقاً بالغربة في وطني هذا، شخص غريب في بلده!
 
5 ايام في القوش
 
بعد وصولنا لهدفنا في القوش وترحيبنا الحار بالاقارب وتناول الشاي والقهوة ومن ثم الغذاء، حان الوقت للتفكير بتنفيذ برنامع مبسط كنت قد وضعته مسبقاً لزيارة الاماكن والمعالم التي اردت زيارتها في كل الاحوال. فالسؤال هنا كان: هل من الممكن زيارة كل تلك الاماكن التي اود زيارتها في ايام معدودة؟  نعم، هذا ممكن بشرط ان ابدأ مباشرة  بتنفيذ برنامج زيارتي. لم يكن لي في القوش حسب معلوماتي اصدقاء قدماء يتوجب عليّ زيارتهم. ولذا كنت متفرغاً لزيارة ما كنت انويه مسبقاً. للاسف سمعت بعد عودتي الى المانيا بأن احد زملائي من المرحلة الابتدائية مقيم الان ثانيةً في القوش.
 
-  يتبع -
 
  
 


27
شباب في الغربة وقصة الزميل الضائع

سامي الياس مدالو
 
بعد وداع الاهل والاقارب في مطار بغداد القديم، اقلعت طائرة خاصة في صباح يوم  24/10/1961، حاملة في باطنها طلاب البعثة للدراسة في جمهورية المانيا الاتحادية وبرلين الغربية. كنا حسب ذاكرتي 33 طالباً، بعضنا لم يتجاوز سن البلوغة، انهينا كلنا قبل بضعة اشهر المرحلة الثانوية بدرجات عالية اهّلتنا للدراسة غلى حساب الدولة العراقية في الخارج. بلغة اليوم نستطيع تسمية تلك الفترة الزمنية بحق "بالربيع العراقي" الذي تلاه بعد فترة قصيرة ويا للاسف، لا خريفاً واحداً فحسب بل شتاءً قارصاً طغى كالكابوس على العراق عشرات السنين.
 
 جلست في الطائرة بجانب طالب من كربلاء تعرفت عليه في بغداد اثناء المراجعات الضرورية لدى دوائر الدولة لترتيب امور السفر، كان اسمه بالصدفة سامي ايضاً. لتخميني باننا سنطيراولاً باتجاه تركيا، فضلت الجلوس بجانب الشباك لأملي بامكانية القاء نظرة اخيرة ونادرة بمنظار طائرعلى القوش. كنت انذاك واثقاً بان امنيتي تحققت وتمكنت من رؤية بلدتي كما يراها النسر من الاعالي. هل كان ذلك يا ترى مجرد امنية وخيال ام الواقع الاكيد؟ هل كان ما رأيته انذاك لربما قرية اخرى واقعة كذلك عل سفح الجبل؟ لست ادري.
 
بعد تناول الغذاء وفترة استراحة قصيرة في انقرة واصلت طائرتنا سفرتها باتجاه اوروبا. وصلنا قبل غروب الشمس بقليل الى هدفنا المحدد: مطار ميونيخ، عاصمة مقاطعة بافاريا في جنوب المانيا. بعد مغادرة الطائرة وانهاء معاملات تدقيق الجوار وسمة الدخول والكمارك، كنّا واثقين، وحسب ما كان مخططاً، من لقاء الملحق الثقافي العراقي او من يمثله ولكن. . .
 
لدهشتنا: لا احد ينتظرنا!  اذاًً ماالعمل يا ترى؟ هل هذا ممكن؟ "وين نروح وين نجي" في بلد غريب بلغة غريبة ولا أحد منا يجيد الالمانية او له معلومات اولية بها او يملك اية خبرة عملية تذكر في بلد اوربي؟  بعد نقاش قصير اخترنا احدنا كمتحدث باسمنا لكونه يتقن اللغة الانكليزية نوعاً ما. ولكن ما فائدة هذا واغلبية الالمان العاديين كانوا انذاك لا يتكلمون الانكليزية. بالرغم من ذلك، بدأ "ممثلنا" بمحاولاته البسيطة للاستفسار لدى موظفي المطارعن معلوماتهم عنا او عن من سيقوم باستقبالنا. محاولات بلا جدوى، لا احد يدري، لا احد يستطيع حل مشكلتنا. . .
 
اتذكر هنا "حادثة"، دعتنا ننسى او نتناسى مشكلتنا العويصة ولو للحظات قليلة. أمرأة مسنة راكبة دراجة هوائية، لاحظناها خلال شباك المطار. انذهل الجميع.  ياللعجب! هل هذا واقع ام خيال؟  في بلدنا العراق من خامس المستحيلات. بعد اختفاء راكبة الدراجة بعد ثواني من انظارنا، رجعنا الى ارض الواقع والى مأزقنا، اذاً مالعمل؟  بينما نحن منشغلون في جدالنا حول امكانية الاتصال الهاتفي بالسفارة العراقية في بون رغم تأخرالساعة، قدم رجلان باتجاهنا، احدهما ذو ملاح شرقية والاخر اوربي المظهر: الملحق الثقافي العراقي بصحبة المدير العام لمعاهد گوته لتعليم اللغة الالمانية.
 
بعد اعتذارالملحق الثقافي عن تاخره بسبب الازدحام  في الطرق، طلب منا تشكيل مجموعات من ستة الى سبعة اشخاص بغية توزيعنا على معاهد اللغة الواقعة جميعها في قرى ومدن صغيرة محيطة بميونيخ. شكّلتُ مع ستة من الطلاب الذين كنت قد تعرفت عليهم اثناء مراجعاتنا في بغداد مجموعتنا لتعلم اللغة الالمانية في نفس المعهد وهم: سامي من كربلاء، عبد الرسول من الكاظمية، سعد من الحلة، عبد الوهاب من جبايش، عصام و وجدي من الموصل وانا من بغداد. بعد ذلك اعطانا الملحق الثقافي أسم المدن التي علينا السفر اليها بالقطار ودفع لنا قبل مغادرتنا المطار راتب البعثة للايام المتبقية من الشهرالجاري.
 
بتاكسيين وصلنا الى محطة القطارفي شرق ميونيخ. لا مترجم يساعدنا ولا من يتكلم الانكليزية من الالمان الذي نستطيع سؤاله بأنكليزيتنا المدرسية الركيكة. ومما اصعب الموضوع علينا، هو ان الملحق الثقافي لم يكتب لنا اسم مدينتا كما يجب، بل اكتفى بأملائه علينا شفوياً! (شيئ  في غاية الذكاء!). مثل الماني يقال في مثل هذه الحالة ما معناه: جعلنا "نقفز في الماء البارد لكي نتعلم السباحة". تمكنا بمشقة بالغة بالعثور على القطار الصحيح  وذلك بدقائق قليلة قبل مغادرته المحطة، فتمكنا في اخر لحظة من الصعود الى احدى العربات حاملين حقائبنا الثقيلة. وما ادراك ما وزن هذه الحقائب وما محتواها وكأننا ذاهبون الى الصحراء! ومن يعتقد الان بأن مصاعبنا انتهت  بصعودنا القطار، فهو مخطأ.
 
ما هذا؟  الظاهر اننا وبسبب استعجالنا تسلقنا بالخطأ العربة الخاصة بالحقائب والدراجات، اي ما يسمى بعربة الحمل! لحسن الحظ تمكنا في المحطة التالية التحول الى عربة المسافرين. ولكن من هم هؤلاء المسافرين يا ترى؟ هذا ما فهمناه بعد اسابيع من قدومنا: مواطنون يسكنون في قرى ومدن صغيرة محيطة بميونيخ، يسافرون صباحاً للعمل باتجاه ميونيخ وفي المساء يسلكون الاتجاه المعاكس. وبالضبط مع هؤلاء الراجعين الى بيوتهم قضينا سفرتنا الاولى  بقطار الماني.
 
كانوا جالسين كمجموعات حول منضدات يتناقشون او يلعبون بالورق للتسلية اولربما لمجرد قتل الوقت كما يقال. محاولاتنا كانت في غاية الصعوبة لمعرفة وقت وصولنا الى "مدينتا" المنشودة. كل مافهمناه من مدقق التذاكر هو وجوب تكملة سفرتنا بقطار ثاني. لاحظنا نظرات الركاب الفاحصة لنا ولملابسنا وكأنهم يرغبون سؤالنا: "هل انتم ذاهبون لحفلة زواج جماعي؟" بالحقيقة شعرنا نحن ايضاً بنشاز ملابسنا الغير مناسبة في هذا المحيط. نحن ببدلاتنا السوداء والرباط المناسب لها، وهم بملابسهم "االاعتيادية" اليومية.
 
لم يدم فخرنا وفرحنا كثيراً بتمكننا من ركوب القطار الثاني بابسط مما كنا نتوقعه، فبعد لحظات قلائل كانت دهشتنا كبيرة حين تأكُدنا بأن زميلنا عبد الوهاب لم يعد بيننا! اين عبد الوهاب يا ترى؟ لم نصدّق هذا، فلا احد منا يستطيع تفسير "ضياع" عبد الوهاب، ولا احد لاحظ بالقط ابتعاده عنا اثناء عملية تبديل القطارحيث الكل منشغلون بانفسهم وبامتعتهم. مالعمل اذاً ونحن في هذا الوضع الغير الاعتيادي؟ لم يبقى لنا الا التوسل بالله والتمني بنهاية سعيدة لعبد الوهاب ولنا.
 
تاكسيين اوصلانا الى فندق قريب بعد مغادرتنا القطار في ايبرسبرك (Ebersberg)، هذه البلدة التي سنقضي فيها نصف سنة لتعلم اللغة الالمانية. (ايبرسبرك مدينة صغيرة يبلغ عدد سكانها 6000 نسمة تقريباً وتبعد عن ميونيخ ما يقارب الـ 35 كم ). وهنا تفاجئنا حقاً: عبد الوهاب ينتظر قدومنا!!! هل استعملت طيارة او لك عصاً سحرياً يا عبد الوهاب؟ كلا لاشيئ مثل هذا ـ  لقد اجّر لوحده تاكسي في المحطة التي بدلنا فيها القطار لتكملة سفرته الى هنا. اليس هذا حقاً عملاً "بطولياً" تحت هذه الظروف الشاذة؟ الكل انذهل من جرأة هذا الشخص الذي قدم من بلدة صغيرة في جنوب العراق. لا اعرف لحد الان لماذا فعل ذلك ولم يبقى معنا، ولماذا لم يخبر احداً منا بما ينوي فعله؟ وثم كيف عرف اسم وعنوان الفندق؟ عجائب غرائب! لا اعتقد بان احدا منا غيره كانت لديه الجرأة الكافية للقيام بمثل هذا العمل "البطولي!". فحمدنا الله وشكرناه على هذه النهاية المفرحة.
 
بعد تناول العشاء والتفاهم مع العاملين في الفندق والمطعم بالاشارات والرموز، قدِمَ مدير معهد كوته في ايبرسبرك للترحيب بنا (باللغة الانكليزية). لا ادري الان كيف عرف بوصولنا وبالضبط الى هذا الفندق. وللانصاف يجب علينا الاعتراف بان الملحق الثقافي وكما يظهرقد احسن هنا بالتحضيرات اللازمة لاستقبالنا. اخبرنا مدير المعهد بأن علينا البقاء هنا لمدة اسبوع، اي لغاية الاول من الشهر التالي، حيث يبدأ الفصل الدراسي الذي علينا الانضمام اليه، فيتم توزيعنا على محلات السكن: اما في القسم الداخلي للمعهد او عند عوائل المانية. حصتي وحصة سامي الكربلائي كانت القسم الداخلي، اما بقية الزملاء العراقيين فتم توزيعهم على عوائل المانية. وفي الاول من تشرين الثاني بدأنا بتعلم اللغة الالمانية مع طلاب من جميع انحاء العالم


 

ايبرسبرك(Ebersberg) في شتاء 2013، كأنّ شيئاً لم يتغير منذ نصف قرن
 


معهد گوته لتعليم اللغة الالمانية في ايبرسبرك يقع على بحيرة صغيرة، في شتاء 2013

 
    
 
 

صفحات: [1]