عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - يوسف أبو الفوز

صفحات: [1] 2
1
إصدار جديد
د. ماركو يونتنين و“السفر في فنلندا الإسلامية”


طريق الشعب ـ هلسنكي                      تصوير: شادمان علي فتاح
 العدد 189 الجمعة 28 آب 2020

في العاصمة الفنلندية، هلسنكي، صدر مؤخرا باللغة الفنلندية كتاب” السفر في فنلندا الإسلامية” تأليف د. ماركو يونتنين، الباحث والمحاضر في دراسات الشرق الأوسط والإسلام بجامعة هلسنكي. ونظمت دار النشر “عِيَارُ الميزان”(Vastapaino  )،المهتمة بنشر الكتب الواقعية Nonfiction Books، مثل كتب السير الذاتية ، التاريخ وبحوث أنثروبولوجية، حفل توقيع الكتاب، شهد نقاشات واستفسارات غنية وحيوية وقرأ المؤلف فيه بعض الفقرات من كتابه. وتحدث الكاتب العراقي يوسف أبو الفوز، عن فترة عمله المشترك مع الباحث يونتنين، لصالح جامعة تامبيرا.
وأشار أبو الفوز:
ـ هناك صعوبة عند الحديث عن صديق وزميل، ووصفه بانه بارع في عمله وناجح، وفي الوقت نفسه هناك سهولة لأن العمل المشترك يكشف لك العديد من المزايا الشخصية للأخر، وطيلة أيام العمل بينت ان ماركو يتمتع بذاكرة قوية وقدرة على الإمساك بجوهر الأمور، وأيضا القدرة على رصد التفاصيل، مما يؤهله ليكون كاتبا روائيا ناجحا الى جانب كونه أنثروبولوجي متميز.
الناشر في كلمته، أشاد بجهود المؤلف ماركو يونتنين، وبين ان الواقع الجديد في فنلندا والوجود المتزايد للمسلمين وتباين اراء الفنلنديين حول ذلك تستوجب نشر مثل هذا الكتاب.
المؤلف ماركو يونتنين، قال لـ“طريق الشعب”:
ــ ان ثمة تغير ملحوظ في ديموغرافية البلد، وتزايد في عدد المسلمين بسبب من الهجرة وموجات اللجوء، هذا الواقع الجديد يفتح منظورا ثريا للحياة الجديدة في فنلندا، في تحولها الى بلد متعدد الثقافات. وان تزايد عدد المسلمين في كل منطقة سكنية وبسرعة احيانا لابد ان يثير مختلف الآراء.. والكتاب يتحدث عن الناس الذين هربوا من العنف والنزاعات المسلحة في بلدانهم، وتسليط الضوء على واقع معاش يمكن ان يجيب على أسئلة مثل: هل يجلب المهاجرون معهم الى فنلندا صراعاتهم المذهبية التي عاشوها في بلدهم الأصلي؟ وكيف ستؤثر على الحياة في فنلندا؟ هل حقا سينتج المهاجرون المسلمون تحديات امنية ام هم قلقون على سلامتهم؟
السيد رياض قاسم مثنى، الناشط في البيت العراقي في مدينة توركو، قال لنا:
ـ ان معرفتنا بالباحث ماركو، تجعلنا نؤمن بأن أي من اعماله البحثية، تهدف لتقديم الجانب المشرق من حياة المهاجرين، وفي كتابه الحالي خصص الفصل الثاني منه للشأن العراقي، وهو متابع جيد للواقع العراقي، وسبق له وزار العراق أكثر من مرة، فمتابعته لاوضاع الجالية العراقية، تستند الى معرفة عميقه، وهو لا يخفي تضامنه مع تطلع العراقيين، داخل وخارج الوطن، الى حياة آمنه ومستقرة.
من الجدير بالذكر ان الدكتور ماركو يونتنين المولود عام 1966 في مدينة سافولينا (340 كم شمال شرق العاصمة هلسنكي)، درس اللغة العربية في هلسنكي والمغرب والأردن، ونال الدكتوراه عام 2002، وترجم كتابين للكاتب المغربي محمد شكري عامي 1998,1999، وكتاب للكاتب العراقي يوسف أبو الفوز 2000، وفي عام 2007 أصدر كتاب عن قصة ومعاناة المناضل رياض قاسم مثنى الذي حكم بالإعدام في سنوات الحكم الديكتاتوري السابق وقضى ثمانية أعوام في سجن أبو غريب سيئ السمعة. والباحث يونتنين منذ أكثر من عقدين مهتم بشؤون الشرق الأوسط والأسلام وأصدر عن ذلك العديد من الكتب، بمفرده أو بالاشتراك مع باحثين اخرين.

2
وجدت جماهير الشعب في صحافة الحزب الشيوعي العراقي آمالها وطموحاتها وهمومها

يوسف أبو الفوز

لم يكن صدور، «كفاح الشعب»، أول صحيفة شيوعية عراقية، في31 تموز 1935، وبشكل سري، رغبة شخصية لقائد سياسي، وإنما جاء تنفيذا لسياسة حزب بدأ بمد جذوره عميقا في تربة الوطن وحاجته إلى صحيفة مركزية ناطقة باسمه لتنشر أفكاره وسياسته وبرامجه، وليكسر احتكار الأفكار ونشر المعلومات الذي كانت تقوم به الصحافة الرسمية الحكومية المرتهنة سياساتها بعجلة الاستعمار والاحتكار، والتي كانت تظلل جماهير الشعب بأفكارها الرجعية والعميلة. هكذا أصبحت “كفاح الشعب” أول صحيفة عراقية تصدر سرا، لتفتح السجل النضالي الحافل للصحافة الشيوعية في العراق، التي لعبت دورا نضاليا بارزا في نضال القوى الوطنية المكافحة من اجل سعادة الشعب وحرية الوطن، ووفقا للمبدأ اللينيني، في العمل السياسي والفكري، الذي آمن بأن «الصحيفة ليست فقط داعية جماعيا ومحرضا جماعيا، بل هي في الوقت نفسه منظم جماعي». ان المؤرخ والمتابع لتاريخ الصحافة الشيوعية في العراق، لا يمكنه تجاوز دورها المجيد في ارساء تقاليد عمل جديدة في تاريخ الصحافة العراقية، ولا يمكنه الا ان يذكر دورها الريادي في كشف وفضح سياسات الحكومات العميلة المرتبطة بسياسة الاستعمار وقوى الاحتكار، وتبنيها لتطلعات الكادحين. ومع توالي اصدار الحزب الشيوعي، العديد من الصحف السرية والعلنية، التي تعددت مسمياتها، ارتباطا بالظروف النضالية والسياسية التي عاشها، فإن الصحافة الشيوعية ظلت وفية ومخلصة للمبادئ التي ارساها الرواد الأوائل، فلم تكن مجرد صوت لإيصال سياسة الحزب وبرامجه فقط، بل كانت ميدانا لنشر الفكر التقدمي في مختلف جوانب الحياة. أصبحت جماهير الشعب تقرأ في صحافة الحزب الشيوعي العراقي آمالها وطموحاتها وهمومها، ولهذا كان انتظام صدور صحافة الحزب يشكل معنى كبيرا لدى جماهير الكادحين وأعضاء وأصدقاء الحزب، ولهذا السبب كانت صحافة الحزب السرية في فترات نضالية عديدة توزع أعدادا أكثر من الصحف العلنية الرسمية، واصبحت مدرسة لأجيال من الصحفيين والمثقفين العراقيين، الذين على صفحاتها تعلموا وشقوا طريقهم في ميدان العمل في الصحافة والأدب. وخلال مسيرتها النضالية الحافلة بالأمجاد من اجل مستقبل أفضل لأبناء شعبنا، قدمت صحافة الحزب الشيوعي العراقي كوكبة خالدة من الشهداء المناضلين والصحفيين، نستذكر منهم الشهداء محمد الشبيبي، عبد الرحيم شريف، محمد حسين أبو العيس، جمال الحيدري، نافع يونس، عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)، عدنان البراك، ولا ننسى زكي خيري وشمران الياسري وعامر عبد الله وغيرهم كثيرون ممن يطول تعداد أسمائهم.
هذا الملف، تقدمه طريق الشعب، تحية للذكرى الخامسة والثمانين لصدور اول صحيفة شيوعية، وإجلالا لذكرى الرواد الأوائل، وشهداء الصحافة الشيوعية الذين بدمهم قبل الحبر سطروا مجد الكلمة المناضلة الصادقة.
تحية التقدير لآلاف المراسلين المجهولين الذين كانوا يغذون صحافة الحزب بالمعلومات والوقائع ويجعلونها صحافة الناس التي تعبر عن امالهم وتطلعاتهم وقريبة الى نبض الكادحين.
تحية للجهود المثابرة التي تواصل العمل، رغم كل العوائق، لتبقى صحافة الحزب ميدانا للأفكار الشجاعة والتقدمية، التي تعمل لأجل بناء عراق ديمقراطي، فيدرالي، تعددي، ينعم فيه المواطن بحياة حرة كريمة تحت ظل القانون، بعيدا عن أي فكر تعسفي ظلامي، يصادر حق الإنسان في الحياة الحرة الكريمة الآمنة.



 ** البوستر للفنان المبدع فراس البصري


3
الشرف العسكري ما بين جندي وجنرال!
يوسف أبو الفوز

يتذكر أفراد عائلتي واصحابنا المقربون، في فترة سبعينات القرن الماضي، ونحن في مقتبل العمر، على مقاعد الدراسة الاعدادية، كيف ان أحد اقاربي التحق بالخدمة العسكرية الإلزامية، وفي أول إجازة له، وفي أي حديث أصبح يقسم بشرفه العسكري! اثار أيامها بيننا موجة من التعليقات الطريفة، وتحول الامر الى شيء من نكتة في جلساتنا الصداقية والعائلية، الا ان أهل العقل افهمونا، بضرورة عدم الاستخفاف بمفاهيم لها معنى جليل، وشرحوا لنا بان "الشرف العسكري"، يعني الشجاعة والشهامة والالتزام بالوعد  وحماية ظهر الصديق والحفاظ على عرض الناس، وهو مفهوم انساني أكبر من البدلة الخاكي وان كان يرتبط بها بشكل ما.
مرت السنوات، وسارت من تحت جسور الحياة الكثير من المياه المخضبة بدماء ضحايا حروب داخلية وخارجية، فقد فيها الجيش العراقي شخصيته الأساسية، كسور للوطن وحامي للشعب ومفجر لثورة 14 تموز 1958، وأصبح أداة بيد ديكتاتور فاشي ومخبول، منح نفسه اعلى الرتب العسكرية، وجاء بسقط المتاع لينصبهم جنرالات وقادة. ليستبيح بهم جنوب وشمال العراق بحروب داخلية سفح فيها دماء الأبرياء والأطفال والنساء والشيوخ، بسرف الدبابات وغازات الخردل، واقتحم أراضي الجيران في حروب عدوانية، لا ناقة ولا جمل، للشعب العراقي بها. وإذ برزت بالمثل النوايا التوسعية عند الحكومة الإيرانية الإسلامية، تحولت الحرب الى عدوانية من الطرفين لتسحق ملايين الضحايا وتخلف لنا جيشا من المعوقين والارامل، وبعد قمع انتفاضة اذار 1991، تحول العراق الى مزرعة للمقابر الجماعية.
أين كان جنرالات الجيش من كل ذلك؟
سيبرز من يقول بأنهم يطيعون الأوامر العليا، أوامر القادة! لكن ماذا عن الشرف العسكري؟
لقد تبخر عند البعض منهم، مع التماهي بشخصية الجلاد والتحول الى نسخة مصغرة منه، والتمتع بالامتيازات وحصة من السلطة في التحكم برقاب وحيوات بسطاء الناس، وفي اسوأ الأحوال أصبحوا عبارة عن إمعات يحركهم الديكتاتور وفق رغباته المجنونة.
هكذا نفذت عمليات جرف الاهوار في الجنوب، وهكذا نفذت عمليات الانفال في كردستان في كل فصولها الوحشية والقذرة، وهكذا ...
في واحدة من سنوات الحرب الصدامية ـ الخمينية ــ ولا أقول العراقية الإيرانية، لأنها لم تكن برغبة الشعوب ــ كنت شخصيا ومجموعة من المقاتلين الشيوعيين، المقاومين للنظام الفاشي الصدامي الدموي، نتوسد صخور جبل سورين، ونلتحف السماء، في ريف السليمانية، حين وصلنا خبر هروب اربعة من الجنود من أحد معسكرات الجيش في مدينة كركوك، وحظهم العاثر جعلهم يقعون بيد الانضباط العسكري. صدر الامر مباشرة بإعدامهم، أراد الجنرال هناك، ان يلقن الجنود وعموم الناس درسا مهما، فأختار مجموعة عشوائية لتنفيذ حكم الإعدام علنا، وجمع اهل المدينة ونصبوا صلبان الإعدام في الساحة العامة. أحد الجنود المكلفين بتنفيذ الإعدام، رفض الرضوخ للإمر. فهددوه بأنه سيعدم معهم. وهذا الذي حصل. آبى ان يساهم بإعدام أصحابه وزملائه الذين سبق وتقاسم معهم الهموم والقلق والجوع وضحكات فرح ربما قليلة. هذا الجندي، الذي الهمني شخصيا يومها للكتابة عنه في كتابي "عراقيون" ـ صدر 1985ـ، كان مفعما بالإنسانية أكثر من كل الجنرالات الإمعات، وأمينا لشرفه العسكري، حد انه دفع حياته ثمنا لذلك!

19 تموز 2020
   

4
مجدا ذكرى ثورة 14 تموز 1958 الوطنية !
يوسف أبو الفوز

في يوم الرابع عشر من تموز 1958، اندلعت ثورة الجيش والشعب الوطنية، التي فجرها الضباط الاحرار وأحتضنتها الجماهير منذ ساعاتها الأولى في سرعة مذهلة لتحولها الى ثورة شعبية. كان قيام الثورة وانتصارها تتويجا لنضال طويل وصعب، خاضه الشعب العراقي، جسد فيه وحدته بعربه وكرده وقومياته الأخرى، في طموح مشروع للتحرر من الحكم الملكي ـ الاستعماري، لتأتي الثورة من بعد عقود من بطش واستبداد هذا النظام المرتبط والتابع للسياسة الاستعمارية، والمستند الى تحالف مكشوف من قوى الاقطاع والقوى الظلامية الرجعية وكبار الرأسماليين والموظفين والعسكريين.
منذ الساعات الأولى، أغاض إنطلاق الثورة قوى الاستعمار والإمبريالية، وحلفاءهم من الأنظمة الرجعية في المنطقة، السائرة بركابها، فكان الإنزال البريطاني في الأردن والامريكي في لبنان وإعلان القوات التركية حالة التأهب القصوى، ولكن الإنذار السوفياتي الواضح قطع الطريق عليهم، فأعلن بانه لن يترك الثورة لوحدها، ولن يسمح بالقضاء عليها، وأجرى مناورات وتعبئة عسكرية عند الحدود التركية، وفعلت بلغاريا الشعبية الامر ذاته عند الحدود التركية، والتفت جماهير الشعب وقوى “جبهة الاتحاد الوطني” لدعم الثورة وحمايتها.
كانت ثورة 14 تموز ، ثورة ديمقراطية، أرست في أشهرها الأولى نظاما ديمقراطيا، واطلقت طاقات الجماهير في عملية التغير والبناء، فأقدمت في فترة زمنية قصيرة على الكثير من الإنجازات التاريخية والمصيرية : الخروج من حلف بغداد العدوني وبالتالي أعلان موته، الخروج من منطقة الإسترليني المرتبط بقوى الاستعمار في خطوة لدعم الاقتصاد الوطني، إصدار قانون الإصلاح الزراعي في ضربة جريئة لقوى الاقطاع ، رفع شعار الوحدة العربية الكردية وتضمين ذلك في الدستور المؤقت كشركاء في الوطن، اطلاق حرية تأسيس النقابات والاتحادات المهنية وأيضا اصدار القانون 80 لاستثمار ثروات البلد خصوصا النفط، وانتزاع 99,5 من الأراضي الخاضعة لامتيازات الاحتكارات النفطية، وغيرها من الإنجازات التي دفعت جماهير الشعب للإيمان بالثورة والالتفاف حولها.
ان ثورة الرابع عشر من تموز، شكلت منعطفا مهما في تاريخ العراق المعاصر، كونها جاءت ثمرة تراكم للكفاح المتواصل لجماهير الشعب وقواه الوطنية التقدمية، وفي مقدمة ذلك الشيوعيون العراقيون وحزبهم، الذي تصدر نضالات الشعب وقادها في المعارك الوطنية والاجتماعية، وسجل صفحات مشرقة لا يمكن لاحد انكارها، وحيث قدم قادته المؤسسون الخالدون: يوسف سلمان يوسف (فهد) وزكي بسيم ومحمد الشبيبي، حياتهم قربانا على مذبح الشهادة، لأجل وطن حر ينعم فيه الشعب بالكرامة والسعادة، وبذل الحزب قبيل الثورة جهدا استثنائيا من اجل تقارب الاحزاب السياسية لتشكيل تحالف وطني يعزز المستلزمات الذاتية للثورة بعد نضج شروطها الموضوعية.
وإذ أثارت الإجراءات الحاسمة وانجازات الثورة الرعب عند فلول الاقطاع والقوى الرجعية والظلامية المتضررة، مدركين كون قيام الثورة جاء ضربة موجعة لمواقع حماتهم الإمبرياليتين في المنطقة، وبالتالي أعاق مخططاتهم، فتحرك الجميع لإحياء تحالف شرير وتنسيق العمل، بشكل سري وعلني، بدعم وتوجيه مباشر من مراكز المخابرات الدولية، سواء الامريكية أو الفرنسية، كما بينت الوثائق التي كشفت لاحقا. وتمهيدا للانقضاض على الثورة، عملت القوى المضادة للثورة، التي وجدت لها مواقع مهمة في أجهزة الدولة، ببراعة شريرة، في إثارة الخلافات بين الاحزاب السياسية، وداخل قيادة الثورة نفسها، ونجحت في دفع قيادة الحكم للدخول في صراع مسلح مع قيادة الحركة الكردية. أضعف كل ذلك زخم تقدم الثورة وأدى لتراجعها، ومع تزايد أسلوب نهج الحكم الفردي لقيادتها ما تسبب في انعزالها عن الجماهير، مع بروز الموقف السلبي من إطلاق طاقات الجماهير والقوى الديمقراطية واليسارية، فجعل القيادة تتخبط في نهجها ويغيب عنها الوضوح في أهدافها، مما شجع قوى النظام القديم لاستعادة بعض من أماكنها وقوتها. ووجدت القوى المضادة وشركات النفط الغربية، في حزب البعث العفلقي المطية التي ركبوها لينفذوا من خلالها انقلابهم الأسود الدموي في 8 شباط 1963 لوأد الثورة وأغتيالها واعدام قادتها، في مقدمتهم الزعيم عبد الكريم قاسم، والعديد من الضباط الشيوعيين. وكانت مصادر الحزب الشيوعي العراقي بينت لاحقا أنه في الأيام الثلاث الأولى من الانقلاب تم قتل وتصفية أكثر من خمسة آلاف شخص من أعضاء الحزب ومؤيديه، كرد انتقامي لدور الحزب الشيوعي في دعم ثورة تموز وانجازاتها، وكانت إذاعة سرية ـ حسب شهادة الملك حسين للكاتب محمد حسنين هيكل ـ تبث قوائم بأسماء الشيوعيين، حصلت عليها وكالة المخابرات المركزية الامريكية من ضابط سابق في العهد الملكي، كان يعمل في مكتب بهجة العطية سيء الصيت.
كانت ثورة الرابع عشر من تموز حدثا عظيما في تاريخ شعبنا ووطننا، غير التأريخ، وان التقييم المنصف لها يتطلب التوقف بمسؤولية امام نجاحاتها واخفاقاتها لاستخلاص الدروس المهمة، ليكون ردا شافيا على من يعتقد ان “ما كان لها ان تقع”، و”ان نظام صدام الديكتاتوري جاء نتيجة لها”، متغافلين عن ان النظام المقبور ما هو الا نتيجة لنظام قوى الردة التي انقضت على منجزات ثورات 14 تموز، الذين اغتالوا الثورة وجاءوا بقطار امريكي، حسب اعترافات قادة انقلاب 8 شباط، ليعيدوا العراق بشكل أو آخر الى عهد ما قبل الثورة.
ستبقى شعلة ثورة الرابع تموز منارا لكل الخيرين من أبناء شعبنا، ولم تستطع كل محاولات النظام المقبور من محو ذكرى الثورة من تقويم الاحداث التاريخية.
المجد لشهداء الثورة ومناضليها الابطال، وفي مقدمتهم الشهيد سلام عادل، سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ورفاقه الميامين.



5
فنلندا وجائحة الكورونا


سانا مارين رئيسة الوزراء الفنلندية
هلسنكي ــ يوسف ابو الفوز

 ظهرت مؤخرا، الأثنين 15 حزيران، على شاشات التلفزيون، رئيسة الوزراء الفنلندية، الشابة المتألقة سياسيا سانا مارين (34 سنة) لتعلن رفع حالة الطوارئ في البلاد التي أعلنت أواخر اذار الماضي، كإعلان من الحكومة الفنلندية والمتكونة من تحالف أحزاب اليسار ( الديمقراطي الاجتماعي، الخضر و اتحاد اليسار) مع أحزاب الوسط ( حزب الوسط ، الشعب السويدي )، عودة الحياة في البلاد الى الوضع الطبيعي، لكنها لم تنس التأكيد على ان هذا لا يعني ان الوباء انتهى، وان مخاطر الإصابة بالفيروس التاجي (كورونا) ما تزال قائمة، وعلى المواطنين الالتزام بإجراءات السلامة في الوقاية والنظافة الشخصية والبعد الآمن والتي اقرت في العديد من التوجيهات الحكومية للفترة الماضية، وتم التأكيد على استمرار تنفيذ عدد كبير من التوصيات المتعلقة بنشاطات مثل المناسبات العامة الجماعية، والعمل من المنزل(online)، والسفر بغرض السياحة والترفيه.
مع بدأ انتشار الفايروس وتحوله الى جائحة، في مختلف انحاء العالم، لجأت الحكومة الفنلندية، التي يقودها الحزب الديمقراطي الاجتماعي الى اعلان حالة الطوارئ في البلاد بعد ان اقرها البرلمان الفنلندي، وعلى اساسها عطلت المدارس وتوقف العمل في العديد من المؤسسات الحكومية والخاصة، وتم الانتقال الى أسلوب العمل عن بعد من المنزل، الذي شمل العديد من المؤسسات، إضافة الى اتباع سياسة الحجر الارادي للمواطنين، واغلاق مراكز الخدمات العامة كالمسابح، صالات الرياضة، المطاعم، الحانات، المراقص وغيرها. وتم منع التجمعات الرياضية والاجتماعية والفنية وإلغاء العديد من المهرجانات والحفلات الموسيقية، وقامت الدولة بمجهود كبير لنشر الوعي الصحي، فانتشرت اللافتات التحذيرية وبمختلف اللغات في معظم الأماكن التي يضطر لزيارتها المواطنون خصوصا المستشفيات.
في مواجهة جائحة انتشار الفايروس، لجأت الحكومة الفنلندية والجهات الصحية العليا الى اعتماد خطة ابطاء حالة انتشار الفايروس بشكل متسارع، وهكذا حين سجلت العاصمة هلسنكي وضواحيها حيث يقيم ثلث سكان فنلندا (يبلغ عدد سكان فنلندا  5,5  مليون نسمة) أكثر من نصف حالات الإصابة بالفيروس التاجي (كورونا) المؤكد في فنلندا، تم عزلها عن بقية البلاد ومنع السفر ومنها واليها أعتبارا من 26 اذار ولمدة ثلاثة أسابيع.
كان الهدف من كل التشريعات والاجراءات ولضمان الحفاظ على صحة المواطنين، هو عدم ارباك المؤسسات الصحية وكادرها لتكون جاهزة لاستقبال الحالات الحرجة بعدد يتناسب مع امكانياتها، ولجات الدولة الى استيراد المعدات الصحية اللازمة لمواجهة انتشار الفايروس على وجه السرعة مستخدمة احتياط الطواريء المقر في خطة الحكومة الأساسية وبلغت قيمته مليار يورو، كما تم توجيه العديد من المؤسسات الصناعية لإنتاج مستلزمات التعقيم والكمامات وأجهزة مختلفة لسد جزء من حاجة البلاد.
أبدت السلطات الصحية ارتياحها من تفاعل المواطنين مع خطة الحكومة ، ويمكن القول ان ما ساعد على نجاح خطة الحكومة كان هناك العديد من العوامل ، منها كون البلاد تقاد من حكومة لجأت الى إجراءات سريعة وحازمة ومسؤولة، وأيضا مستوى الوعي الصحي وروح الانضباط العالية عند المواطن الفنلندي، واحترامه لمؤسسات الدولة وأجهزتها التنفيذية، فعلى ضوء الازمة في الولايات المتحدة الامريكية واعمال الاحتجاجات ضد ممارسات الشرطة هناك بينت الاستفتاءات ان للمواطن الفنلندي ثقة عالية بالشرطة الفنلندية، ولم تحصل أي احتكاكات ومخالفات للقانون خلال فترة اعلان الطوارئ. ويمكن القول أيضا ان طبيعة المواطن الفنلندي، ساعد على بطء انتشار الفايروس، وفي جانب اخر لوحظ ان بعض الجاليات الأجنبية المعروفة بنشاطها في التزاور واللقاء انتشر الفايروس بين صفوفها بسرعة.
وحتى يوم اعلان رفع حالة الطوارئ كان هناك 7108 إصابة مؤكدة مختبريًا، تعافى منهم 6200 مواطن، ويرقد في المستشفيات 22 شخصا ثلاثة فقط منهم في العناية المركزة. وتوفي في فنلندا 326 شخصا، كان اغلبهم من الكبار في السن وممن لديهم امراض مزمنة. ولم تسجل حالات وفاة جديدة منذ يوم السبت 14 حزيران.
حول استخدام الكمامة، لم يتم فرضها على المواطنين، وظل الامر اختياريا، لكن ينصح باستخدامها في الأماكن المغلقة ووسائل النقل العام، الباصات والقطارات والترام، التي لم تتوقف عن تقديم خدماتها ضمن شروط الوقاية والسلامة ومسافة البعد الآمن بين المواطنين بمسافة متر الى مترين، وفقط في المستشفيات كان المراجعين عادة يلزمون بلبس الكمامة التي تقدم لهم عند بوابة المستشفى.
واعتبارا من الأول من حزيران بدأت الحكومة تخفف من إجراءات العزل والحجز، فسمحت للمطاعم بفتح أبوابها بشرط إستخدام  % 75المقاعد في المكان، مع المحافظة على مسافة البعد الآمن، وفتحت بعض المسابح أبوابها والمكتبات العامة والبلاجات.   وضمن الإجراءات التي شملها رفع حالة الطوارئ هو سماح فنلندا لمواطنيها للسفر الى دول الشمال الأوربي، النرويج وايسلندا والدانمارك، ولكنه منعت السفر من والى السويد بحكم اختلاف الطريقة في التعامل مع الفايروس، فالسويد لجأت الى أسلوب "مناعة القطيع"، الذي سجلت منظمة الصحة العالمية ملاحظاتها حوله، لكونها سمحت باستمرار الحياة العادية لأجل انتشار الفايروس وتحقيق مناعة عامة عند الناس! وترافقا مع رفع حالة الطوارئ، أعلنت الحكومة الفنلندية ميزانيتها التكميلية الرابعة، وبقيمة 5,5 مليار يورو، وإذ لجأ الاتحاد الأوربي الى اعلان ما سماه " صندوق الإنعاش" لاقتصاد أعضاء الاتحاد بقيمة 750 مليار يورو، توزع 500 مليار منها كمنح و250 مليار كقروض، فان فنلندا لجات الى إقتراض   18,8 مليار من الصندق لدعم ميزانيتها التكميلية لأجل تنفيذ خطتها الاقتصادية ومعالجة الاضرار الناجمة عن الجائحة، وأعلنت وزيرة المالية بأن حالما تستقر الاوضاع فان الدولة ستضطر لرفع الضرائب وخفض قيم الانفاق ولكن دون المساس بمخصصات المتقاعدين والعاطلين عن العمل، حيث تم تخصيص 60 مليون لدعم المداخيل عموما و20 مليون لتعزيز خدمات العاطلين عن العمل.  وتم تخصيص 750 مليون يورو لاستثمارات النقل وان 600 مليون منها لسكك الحديد والترام ، و مبلغ  1,4 مليار للبلديات لأجل تحسين الخدمات العامة، وأكثر من 200 مليون للتعليم و310 مليون لرفاهية الأطفال والشباب و300 مليون للعامل المناخي.
تجدر الإشارة الى ان الحكومة الفنلندية، اشارت الى كونها تدارست مع رئيس الجمهورية والبرلمان، قضية التشريعات التي ستحتاجها الحكومة مستقبلا للتصرف بسرعة، دون انتظار جلسات البرلمان لاقرارها ، في حال ظهور موجة وباء ثانية في الخريف والشتاء، كما تتوقع بعض الدوائر الصحية، وبدت الحكومة الفنلندية راضية من إجراءاتها ومستقبل الحد من الوباء ، فتم الإعلان ان المصادر الطبية تتابع باهتمام الجهود الاوربية لإيجاد لقاح ناجح للفيروس التاجي (كورونا)، وضمن إجراءاتها تدرس تهيئة خطة لتوزيع اللقاح على المواطنين في حال توفره. ومن الجدير بالذكر ان اخر الاستقصاءات سجلت تصاعد شعبية الحكومة، التي مر تقريبا عام من عمرها، خصوصا رئيسة الوزراء وحزبها الاجتماعي الديمقراطي (23,2)، مقابل الانخفاض الواضح والمتواصل في مستوى التأييد لأحزاب اليمين، مثل حزب الفنلنديين الحقيقين المتطرف (18,1)، وحزب الاتحاد الوطني الفنلندي (17,5).




6
بأي اتجاه يتحرك النازيون الجدد في فنلندا؟

 
يوسف أبو الفوز
في الأيام الأخيرة ، وشوارع مدن الولايات المتحدة الامريكية تلتهب بالاحتجاج الغاضب، بحيث أدخلت الرعب في قلب الرئيس الامريكي الشعبوي دونالد ترمب فأختبأ تحسبا في ملجأ محصن في البيت الأبيض ــ كما افادت صحيفة نيويورك تايمز ــ ، ورغم جائحة الكورونا، شهدت كثير من مدن العالم اجتماعات وتظاهرات تضامنية، ومنها العاصمة الفنلندية، هلسنكي، تطالب بالمساواة والعدالة وتدين الممارسات العنصرية بحق المواطنين السود في أمريكا، والتي صار إختناق المواطن الأسود جورج فلويد حتى الموت بحادث بشع على يد مجموعة من رجال الشرطة الامريكية، في مدينة مينيابوليس الأمريكية الشرارة لاندلاعها، وسط كل هذا خرج علينا النائب في البرلمان الفنلندي أنو تورتيانين Ano Turtiainen عن حزب الفنلنديين الحقيقين، اليمني المتطرف، بتغريدة على موقع تويتر سخر فيها من وفاة رجل أسود نتيجة لعنف الشرطة وأشار إلى "أن حياة الشخص الأسود ليست ذات قيمة مثل حياة الآخرين".
اثار هذا التصريح العنصري الشارع الفنلندي، ووسائل التواصل الاجتماعي، ووضع حزب الفنلنديين الحقيقين في موقف محرج ومساءلة، وفي البال حديث رئيس الحزب يوسي هالا أهو Jussi Halla-aho في لقاء تلفزيوني في شهر فبراير / شباط الماضي، وامام الانتقادات لمواقفه المتطرفة بحق اللاجئين والمهاجرين واعتبارها مواقف عنصرية، تعهده للجمهور بأنه "لا يوجد مكان للعنصرية في حزبه". ومع النجاحات التي تحققها الحكومة الفنلندية الحالية في مواجهة جائحة كورونا، بوجود مجموعة من احزاب اليسار، بقيادة الشابة المتألقة سياسيا سانا مارين (34سنة) التي حازت اعجاب العالم والشارع الفنلندي وتصاعد المؤشرات ـ حسب اخر الاستقصاءات ـ في تأييد الحكومة واحزابها خصوصا الحزب الاجتماعي الديمقراطي ( 23,2 )، حزب رئيسة الوزراء، وانخفاض نسب التأييد لأحزاب اليمين ومنها حزب الفنلنديين الحقيقين (18,1)، وحزب الاتحاد الوطني الفنلندي (17,5)، لجأ الحزب اليميني المتطرف ، في محاولة واضحة لأجل التقرب من الشارع الفنلندي ، الى اجراء طرد النائب من مجموعته وعدم القبول باعتذاره الذي قدمه لحزبه.
رد الفعل من النائب أنو تورتيانين على هذا الطرد والاقصاء، جاء بإعلان نفسه مجموعة برلمانية بأسمه ومستقلة وأعلن عن رئاسته لهذه المجموعة بنفسه، واختارا سكرتيرا للعمل في هذه المجموعة النائب السابق جيمس هيرفيساري، وهو نفس النائب الذي طرده حزب الفنلندييبن الحقيقين من صفوفه عام 2013 بعد اعترافه بدعوته صديقه الناشط اليميني المتطرف سيبو ليتو الى قاعة البرلمان، والتقاط صورة له هناك وهو يقدم التحية النازية وتم نشر الصورة لاحقا في صفحات الانترنيت، وهذه قضية شغلت الراي العام في حينها.
أية أسئلة تثير كل هذه المعلومات؟
لو تابعنا الاخبار والتقارير الإعلامية ، التي تفيدنا عن نشاط النازيين الجدد في فنلندا، الذين عملوا كذراع ضمن فصائل " حركة مقاومة دول شمال أوروبا" النازية ، وكونهم لم يستسلموا وحاولوا الالتفاف على قرارات القضاء الفنلندي، الذي حرم نشاطهم رسميا في اذار عام 2019 ، فأن اكبر الصحف الفنلندية ، هلسنكي سانومات، اشارت في تقرير لها، عن نقلا عن الصحيفة السويدية افتونبلاديت واسعة الانتشار، بأن جماعات من حركة النازيين الجدد الفنلندية، الذين اصبحوا ينشطون تحت ستار اسم " باتجاه الحرية" ـ Kohti vapautta ـ يساهمون منذ عام 2016 في دورات عسكرية على مقربة من مدينة بطرسبورغ، يقدمها معسكر بإدارة المنظمة العنصرية الروسية المعروفة باسم "الحركة الإمبراطورية الروسية " والمصنفة أمريكيا كمنظمة ارهابية. المعلومات تفيد بان المعكسر أنشأ عام 2012، ويقدم دورات عسكرية قتالية. وإذ اعتذرت المخابرات الفنلندية عن التعليق حول هذه الانباء، رغم إعلانها اهتمامها بالأمر، فأن السؤال هو: اذا كان النازيون الجدد يعدون انفسهم عسكريا، فأي اذرع سياسية ستجد لها مجموعة "بأتجاه الحرية" ارتباطا بكل ماضيها وعلاقاتها، بسياسيين فنلنديين داخل صفوف اليمين المتطرف. هل ستتوجه ليكون النائب أنو تورتيانين ، بدعم من سكرتيره ، صوتا لها دخل البرلمان الفنلندي؟



7
مكاشفة : مرحبا بالموت ان كان أسمي على القائمة!

يوسف أبو الفوز

أيها الأصدقاء في كل مكان ... الان يمكنني الموت بسلام.
أكملت فجر اليوم، 16 نيسان 2020، كتابة "المسودة الأولى" من روايتي الاخيرة!
تبين لي بأن الكلمة اقوى من الموت، ويمكن ان تكون علاجا لمقاومة اشد الامراض، فقد كان "الرفيق الأعلى" طيلة الشهرين الأخيرين، يدور حولي ويشاكسني، يطرق موظفيه الباب مرة بخفوت، مرات يحاولون التسلل عبر النافذة، فكان هناك أطباء ومستشفيات وسيارات اسعاف، وقلق ودموع شادمان، فلم استسلم. لاعترف لكم بأن فكرة الموت كانت تحوم حولي بشدة، وانا اتعرض لنكسات صحية متكررة، في ظل أجواء ينشغل العالم كله بوباء الكورونا. تعلمت ان لا أخاف من الموت واكون مستعدا له، فشخصيا اعرفه جيدا وسبق وقابلته مرارا، واعرف أن اسوأ ما فيه أن يأتيك في الوقت والمكان غير المناسب، هذه المرة، كنت قلقا جدا ان يباغتني وانا لم أكمل كتابة الرواية بعد.
واصلت حبيبتي شادمان حارسي الأمين، وملهمتي، بمدي بالعزم والقوة للتمسك بالحياة، فمنحت جهازي المناعي المزيد من القوة ليقاوم المرض، فكانت تذكرنا بخطط وضعناها للسفر ومشاريع لقاءات مع أصدقاء واحباب. وحين علم الاصدقاء والمحبون، بوجودي في المستشفى، انهالت علينا تحيات المحبة وجرعات الامل من كل صوب: ( يمعود بعد وكت كدامك مشروعين على الاقل! ) ، كان ذلك مذهلا ومترعا بالعاطفة: (يا يوسف كل هذه الناس تنتظرك وانت تفكر بالموت ؟) . وكان هاجس أكمال كتابة الرواية قبل ان أموت، عامل اخر يشدني للتمسك بالحياة. لقد وصلت المراحل الأخيرة من العمل. فكانت شخصيات الرواية تدور حولي وتصرخ بي: (لن ترحل، لا تتركنا معلقين هكذا ، لم يبق لديك سوى صفحات قليلة لترتبط الاحداث مع بعضها)!
كنت اتغافل مع اوجاع جسدي، وأسرق حتى الدقائق القليلة، وسط استغراب من حولي، كنت حتى في المستشفى اغافل الممرضات لأفتح الكومبيوتر، لأضيف كلمة هنا، وادقق حدثا هناك. كنت مصرا لإكمال الرواية قبل ان يقتحم ملك الموت المشهد غصبا عني! هذا الإصرار منحني طاقة لمقاومة المرض، لإكمال هذه الرواية، بل وللتفكير بفكرة رواية أخرى أن تكرم علينا ملك الموت ورفع أسمي من القائمة الذهبية لعام 2020 !
منذ أكثر من عامين ونصف وانا في عمل متواصل مع هذه الرواية، بحثا وتأملا وكتابة!
بدأت فكرتها الأولى معي عام 1978 وانا مطارد في العراق وضباع البعث العفلقي الصدامي تطاردنا من شارع لشارع!
كتبت اول الصفحات منها خلال وجودي بشكل غير شرعي في الكويت عام 1979، حيث تركت وطني مضطرا، ووصلت الكويت مشيا عبر الصحراء، لكن السلطات الكويتية صادرت أوراقي، مع مسودات أخرى، حين داهمت منزل أحد اخواني وأجبروه على مغادرة الكويت.
خلال وجودي في اليمن 1980-1982 لم أنجح، رغم محاولاتي المتكررة، في العودة الى أجواء العمل وكتابة صفحة واحدة منها. في السجون الإستونية عام 1994 كتبت مشاهدا متفرقة من العمل وسكيتشات وملاحظات لمشاهد مقترحة.
وطيلة هذه الفترة، لم اتوقف في البحث في عالم الشخصيات، فازدحمت طاولتي بمختلف أنواع الكتب، التي لها علاقة بهذا الشكل وذاك بالاحداث والشخصيات والامكنة والأجواء التي تجري فيها الرواية. أجريت وسجلت عشرات اللقاءات مع مختلف أبناء جيلي للحوار وسماع حكاياتهم التي اعتقد لها علاقة بموضوع الرواية. قرأت العديد من المذكرات الشخصية عن الفترة الزمنية التي تجري فيها احداث الرواية. راجعت الكثير من الخرائط والصور الفوتوغرافية لأمكنة وشخصيات واحداث، وكتب عن الطبيعة والحيوانات والنباتات والزهور والاساطير والامثال والحكايات والخ، وفي كل هذا وشادمان معي، تمنحني الإصرار والقوة للاستمرار، وكنت أفكر أحيانا معها بصوت عال واتسمع لملاحظاتها واقتراحاتها، فهي على الدوام كانت "المستشار النسوي"، الذي يدقق التفاصيل بخصوص الشخصيات النسائية. قبل عامين ونصف، اقتنع عقلي ـ أو شيطان الكتابة! ـ بأني جاهز للمغامرة فأطلق لي العنان لأكتب، وبدون توقف، ولأنجز أخر اعمالي الروائية.
الطريف أن أول ما كتبت من هذا العمل، كان الصفحات الاخيرة منه، وكل عملي وجهدي طيلة هذه الفترة، كان منصبا على الكتابة وفق سياق يتطابق منطقيا مع احداث المشهد الأخير.
أثبتت الفحوصات قبل اسبوعين، كوني سليما من فايروس الكورونا. غادرت المستشفى لأن البيت أكثر أمانا من خطر الإصابة بالكورونا، أبذل جهدي لاتباع وصايا شادمان والأطباء، وأأمل التعافي ومواصلة حياتي بشكل طبيعي.
لن "احرق" الرواية وأعلن عنوانها ولن اتحدث عن عوالمها، ولكنها رواية بإحداث وشخوص عراقية ١٠٠٪، حيث قيل عن رواياتي السابقة بأنها تطير بجناحين عراقي وفنلندي.
لقد منعني الطبيب هذه الأيام من الاقتراب من الكحول، فأرفعوا أيها الاصدقاء نيابة عني نخب الكلمة!

  *  (الصورة المرفقة بعدسة شادمان علي فتاح : مباغتة خلال مراحل العمل)



8
ملاحظات عن العمل بين الشبيبة والطلبة

يوسف ابو الفوز
   
من خلال تجربتي المتواضعة الملموسة في اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية في سبعينات القرن الماضي في لجانه المختلفة في مدينة السماوة، ومن خلال نشاطي اللاحق عضوا في اللجنة التنفيذية في اتحاد الشبيبة الديمقراطي العراقي "اشدع " للفترة ( 1998 ـ 2005 ) ، وكوني سكرتيرا للجنة العلاقات الخارجية لاشدع للفترة المذكورة، كتبت هذه المساهمة، ونشرتها في طريق الشعب ايامها والحزب الشيوعي على أبواب مؤتمره الثامن. اعيد نشرها الان ونحن نحتفل بعيد تأسيس اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية، وفاء للشهداء الذين قدموا حياتهم لأجل المثل العليا، وتحية لكل الزملاء، من كل الأجيال في كل مكان.
(1)
في تاريخ الحركة الوطنية العراقية ، وفي سنوات النضال من اجل التحررالوطني والاستقلال والانعتاق من الاستعمار ، وفي كل عهود التخلف والاضطهاد والحكومات المتسلطة التي تعاقبت على مقاليد الحكم ، واخرها فترة النظام الديكتاتوري الدموي المقبور ، لعبت منظمات العمل الديمقراطي المهني ، منظمات الشبيبة والطلبة والمراة ، دورا وطنيا رياديا لا يمكن لاي مؤرخ او مراقب تجاوزه واهماله ، وقدمت قوافل من الشهداء خلال سنوات عملها من اجل اهدافها الوطنية النيرة ، ولتحقيق الطموحات المشروعة لمنتسبيها في حياة حرة كريمة للشبيبة والطلبة . وخلال الفترة المعقدة ، سنوات ما بعد سقوط النظام الديكتاتوري ، واحتلال العراق ، وتشكيل حكومات عراقية من اجل بناء مؤسساتي جديد ، لعراق جديد ، والدعوة لبناء المجتمع المدني ودولة القانون فأن المنظمات الديمقراطية المهنية ، وبالتحديد منظمات الشبيبة والطلبة والمرأة ، يتضاعف دورها وتزداد مسؤولياتها ، بل ويستوجب ان تلعب دورا مهما ، لا يمكن التقليل من شأنه ، بل ويمكن ان ينافس الى حد دور الاحزاب السياسية ، فأن العصر الحالي يمكن القول ووصفه انه عصر منظمات المجتمع المدني ، التي تلعب في المجتمعات الديمقراطية المتطورة دورا بارزا ومؤثرا في الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية ، ومن هنا تبرز الحاجة اكثر لاعادة النظر بأساليب بناء وتنظيم منظمات الشبيبة والطلبة والمرأة ، وطرق عمل الشيوعيين فيها ، وفقا لمعايير العمل الجديدة الملائمة للظروف الجديدة في العراق الجديد المزمع بناءه ، والذي تطمح له غالبية ابناء الشعب العراق وقواه السياسية التي عانت من جور وظلم سنوات القهر الديكتاتوري. وتبرز الحاجة اكثر من اي يوم للتنسيق العالي والفعال، وبناء اسس جديدة للعلاقة ما بين منظمات الشبيبة والطلبة ـ موضوع بحثنا ـ والاحزاب الوطنية الديمقراطية، وفي المقدمة من ذلك الحزب الشيوعي العراقي، كحزب وطني، علماني، ديمقراطي، لعب، ويلعب دورا طليعيا في الحركة الوطنية الديمقراطية ، وباعتبارهذه المنظمات تعتبر وسائل فعالة للحزب الشيوعي العراقي للعمل بين الجماهير .
(2)
عند دراسة الفقرات التي يتضمنها برنامج الحزب الشيوعي العراقي المقدم للمؤتمر الثامن، لابد من ادراك انها تعني اساسا كل الشبيبة والطلبة في العراق ، سواء المنتمين الى صفوف الحزب او خارجه ، وسواء من عملوا في منظمات مهنية او خارجها ، فالحزب حريص على ايصال صوته وبرامجه الى اوساط الشبيبة والطلبة ، بشكل مباشر من خلال اعضاءه ، او من خلال نشاطهم في المنظمات المهنية الديمقراطية . وقبل تقديم اي ملاحظات بشأن عمل الحزب الشيوعي العراقي بين الشبيبة والطلبة ، لابد الاشارة من انه لايمكن الحديث عن نشاط وعمل منظمات الشبيبة والطلبة التي ظهرت في تاريخ العراق المعاصر، دون التوقف عند مساهمة ودور الحزب الشيوعي العراقي الفعال والتأريخي في دعم هذا النشاط والعمل ، بل ونكاد نجزم بأن منظمات عريقة مثل اتحاد الطلبة العام في الجمهورية العراقية ( تأسس 14 نيسان 1948 ) واتحاد الشبيبة الديمقراطي العراقي "اشدع " ( تأسس 15 تشرين الثاني 1951 ) لم يكن لها ان تتأسس وتواصل نشاطها وحياتها لولا دعم ومساهمة الشيوعيين العراقيين . اذ رفد الحزب الشيوعي العراقي، هذه المنظمات بخيرة كوادره الطلابية والشبابية ، والتي قدمت عصارة جهدها ، وزهرة شبابها من اجل تحقيق هذه المنظمات لاهدافها وبرامجها ، وقدم الكثير من الشيوعيين حياتهم قربانا للوطن خلال عملهم في صفوف هذه المنظمات ، وقائمة الشهداء طويلة لو تم استذكارها . وكانت سياسة الحزب الشيوعي تحرص على ان تكون هذه المنظمات طوقا جماهيرا حول الحزب يسنده ويدعمه في تنفيذ سياسته وبرامجه
ولكن هل كانت سياسة الحزب الشيوعي العراقي ، في اطار العمل بين الطلبة والشبيبة ، على صواب دائما ؟ هل كان تاريخ العمل المهني دائما يمر بفترات عمل ذهبية ، كالتي شهدتها سنوات ما بعد ثورة 14 تموز المجيدة ، يوم صار لاشدع مقرات في كل حارة وشارع ؟ ماذا تقول كتب ذكريات بعض القادة من الحزب الشيوعي العراقي بهذا الخصوص؟
(3)
لو القينا نظرة متفحصة على ما حمله البرنامج المقترح للحزب الشيوعي العراقي، المقدم لمؤتمره الثامن، وفي باب "الشبيبة والطلبة " ، فأننا :
•   سنتوقف عند مهام جسيمة وكبيرة وان كانت الوثيقة جمعتها واجملها في اربعة نقاط وتتحدث عن الطلبة والشبيبة في ان واحد بالرغم من هموم ومتطلبات الطلبة تختلف عن الشبيبة رغم اتفاقهما على نقاط مشتركة هنا وهناك ، وكان الاجدر في البرنامج ان يتناول اوضاعهما ومطاليبهما وهمومهما بشكل منفصل ، ويفّصل فيها .
•   وبحكم كون البرنامج موضوع لفترة ما بين مؤتمرين ، والتي تحدد حسب النظام الداخلي بفترة اربعه سنوات ، باعتقادي ان من الممكن تقسم هذه المهام الى محورين او بابين :
اولا : المهام الانية : وهي هنا المهام التي تتعلق بمعالجة الاثار التي تتعلق بتركة النظام الديكتاتوري المقبور ، وما برز بين صفوف الشبيبة والطلبة من اثار سلبية ، اهمها حالة تجهيل وتغييب الوعي ـ هي حالة عامة يعيشها الشعب العراقي ـ والنتائج السلبية المترتبة على ذلك في دفع الشبيبة والطلبة للعمل باتجاه طائفي وقومي ، وايضا الاثار التي برزت خلال فترة الاحتلال وما تركت من تاثيرات بين صفوف الشبيبة والطلبة . وما يتعلق بتحسين حياة الشبيبة والطلبة وفي مقدمة ذلك معالجة مشكلة البطالة التي تعتبر حاليا احد الاسباب الرئيسة الحاضنة للارهاب ، اضافة الى غالبية المهام المجملة في النقاط الاربعة المذكورة .
ثانيا : المهام المستقبيلة : التي تتعلق بدور الشبيبة والطلبة في بناء وتعزيز المجتمع المدني ودولة القانون ، واعادة بناء الوطن واعماره وبطريقة تضمن الحقوق والحريات التي ناظلوا من اجلها طويلا .
(4)
وان تنفيذ المهام التي حددتها الوثيقة البرنامجية المقترحة للحزب الشيوعي العراقي، بخصوص الشبيبة والطلبة ، لا يمكن تنفيذها وبابداع دون التوقف عند نقاط اساسية ، منها :
اولا : استقلال المنظمات الديمقراطية
في كتاب " الاختيار المتجدد " * وهو مذكرات الفقيد رحيم عجينة ( 1925ـ 1996 ) ، القيادي في الحزب الشيوعي العراقي ، وهو واحد من ابرز الكوادر التي عملت في اشدع في سنوات خمسينات وستينات القرن الماضي ، وتبوأ فيه مواقع قيادية مهمة ، ومثل اشدع في العديد من المحافل الدولية وخصوصا سكرتارية اتحاد الشبيبة الديمقراطي العالمي ، يشير الى كون استقلالية المنظمات الشبابية كثيرا ما يهدد بسبب الكوادر القيادية ، فاذ يكونوا عاملين في احزاب شيوعية ( فانهم يطرحون في العادة مواقف احزابهم ) ويؤكد ( بان هذا احد امراض المنظمات الديمقراطية سواء كانت وطنية او عالمية اذ غالبا ما تفقد استقلاليتها وتمسكها برغبات وقرارات اعضاءها ) . وفي مذكراته يؤكد الفقيد رحيم عجينة على ضرورة ( العمل وبجد لتعزيز استقلالية هذه المنظمات لتكون منظمات ديمقراطية ، كاملة الاستقلال، وليس تابعا ملحقا لتنظيم الحزب الشيوعي العراقي ، ودون السماح لهيئات حزبية وكوادر قيادية من ان تفرض وصايتها على الهيئات القيادية تحت ذرائع ومبررات لا حصر لها ) .
ولو راجعنا مذكرات المناضل ، جاسم الحلوائي ** ـ المنشورة على مواقع الانترنيت وصدرت مؤخرا في كتاب ـ والذي تبوأ مواقع قيادية عديدة في قيادة الحزب الشيوعي العراقي ، وتحديدا الفصل المعنون (الإصدام) ، نجده يشير وبجرأة الى ( إن نزعة الهيمنة على المنظمات الديمقراطية والمهنية والإنفراد بقيادة الجماهير الشعبية لم تكن نزعة طارئة وإنما من صلب أيديولوجية الحزب ، وإن الحرص على مبدأ وحدانية المنظمة الديمقراطية أو المهنية الذي كنا ندافع عنه يصب في هذا الإتجاه. إن هذه النزعة كانت موجودة في المواد الخمسة الأولى من النظام الداخلي القديم، التي كنا نشرحها للعناصر الجديدة قبل ضمها للحزب وقد جرى تعديل تلك المواد في المؤتمرين الثاني والثالث . وبدأ الحزب بالتخلص من هذه الأيديولوجية منذ مؤتمره الخامس "مؤتمر الديمقراطية والتجديد" حيث ثبت في نظامه الداخلي الجديد حرصه على إستقلالية المنظمات النقابية والمهنية والإبداعية وغيرها. وواصل دمقرطة الحزب وبرنامجه وسلوكه مع الآخرين وتبنى التعددية والتداول السلمي للسلطة ) .
ان ابرز ما يواجه الحزب الشيوعي العراقي في هذا المجال ، ومن خلال تجربتي المتواضعة الملموسة من خلال نشاطي عضوا في اللجنة التنفيذية لاشدع ( 1998 ـ 2005 ) ، وكوني سكرتيرا للجنة العلاقات الخارجية لاشدع للفترة المذكورة، هو ان الهيئات المختصات الحزبية ، وبحكم حاجة بعض العاملين فيها الى مزيد من الوعي والثقافة النقابية بسبب من قلة تجاربهم في العمل المهني ، ورغم اعلان هذه الهيئات المختصة الدائم عن عدم تدخلها بشؤون عمل المنظمات الديمقراطية والمهنية ، فانها عمليا تعمل بطريقة تكون فيها مقام الهيئات القيادية لهذه المنظمات المهنية ، وما يساعدها على ذلك هو ان الروح الانجازية ـ الانجاز لاجل الانجاز ـ التي تملكها هذه المختصات الحزبية وتجعلها تنجز فعاليات ونشاطات تنظيمية تكون النتيجة فيها أختيار هيئات قيادية ضعيفة الخبرة والتجربة ، فتكون دائما بحاجة ماسة الى الدعم والمشورة ، مما يساعد ويسهل لبعض الكودار القيادية العاملة في الهيئات الحزبية المختصة ان يتحولوا من مقدمي مشورة ونصائح الى موجهين وقادة فعليين للمنظمات الديمقراطية ، وهذا بالتأكيد يتم "تحت ذرائع ومبررات لا حصر لها " كما اشار الفقيد الدكتور رحيم عجينة . ومع ذلك لا يمكن هنا اغفال تجارب ايجابية عملية في التنسيق العالي بين هيئات قيادية من المنظمات العمل الديمقراطي ، وهيئات مختصة حزبية استوعبت جيدا موضوعة استقلالية المنظمات الديمقراطية ومارست بشكل خلاق وحقيقي دور تقديم المشورة والدعم المناسب فكانت نتائج العمل طيبة ومثمرة.
ثانيا : العمل السياسي والعمل المهني
ان قراءة متفحصة لتاريخ نضالات منظمات الشبيبة والطلبة تجعلنا نتوقف عند تلك الصفحات المشرقة في النضال الوطني ، من اجل الاستقلال والديمقراطية والحرية وحياة افضل ، حيث قدمت هذه المنظمات قوافل من الشهداء الابرار من منتسبيها ، في كل الانتفاضات والوثبات والثورات والاحتجاجات ، وفي مختلف سوح النضال ، في المظاهرات وفي ساحات العمل السري ، وفي السجون والمعتقلات ، وفي سنوات الكفاح المسلح ، وسنوات النفي الاجباري . ان النضال المطلبي والمهني متشابك جدا مع المطالب الديمقراطية، فأن العمل من اجل تنظيم فريق كرة قدم يحمل معه ضمنا نضالا من اجل حياة ديمقراطية ، وهذا ما يجعل هذه المنظمات في صدام مستمر مع انظمة الحكم التعسفية الشمولية . والملاحظ ان العديد من الظروف الموضوعية والداخلية جعلت المنظمات المهنية تتحول الى منظمات سياسية ، تتحدث بذات الخطاب الذي تتحدث به الاحزاب الوطنية وخصوصا الحزب الشيوعي العراقي ، مما يسبب الخلط بينها وبين تنظيمات الحزب الشيوعي ، ولهذا نتائجه السلبية على التوجه للعمل بين اوساط الشبيبة والطلبة. ان من الضرورة التأكيد على ان يكون للمنظمات الديمقراطية برامجها المهنية الديمقراطية ، التي تحمل هموم ومطالب الشرائح التي تمثلها ، وان تنشط المنظمات الديمقراطية بأتجاه تعزز فيه النشاط والعمل المطلبي وترسم برامج واقعية تلف حولها غالبية من تمثلهم وتتحدث باسمها . ان الاستقلال في العمل والخطاب النضالي لا يعني تعارضا مع الاحزاب الوطنية والحزب الشيوعي العراقي، وكما ان التنسيق في العمل والالتقاء في الاهداف يجب لا يعني التبعية والذوبان . ان تعزيز الجانب الديمقراطي في حياة وبرامج وعمل هذه المنظمات يجب ان يساهم في جعلها منظمات ديمقراطية مهنية حقيقية وليست منظمات سياسية تابعة وذيلية. ان التنوع الفكري لمنظمات الشبيبة والطلبة يدعو الى العمل لتوحيد جهودها ضمن مظلة تنسيق واحدة، تكون اداة لجمع طاقات الطلبة والشبيبة من اجل اهداف مرحلية انية تدعم العملية السياسية وتتصدى للعمل الارهابي والتخريبي ، وهنا يمكن للشيوعيين العاملين في منظمات الشبيبة والطلبة ان يلعبوا دورا اساسيا استنادا الى تجربة حزبهم في العمل المشترك والتحالفات .
هوامش
* ـ الاختيار المتجدد . الدكتور رحيم عجينة . توزيع دار الكنوز الادبية 1998 . بيروت
** ـ جاسم الحلوائي . ذكريات / موقع الناس / فقرة الاصطدام


سماوة القطب
18 تشرين الاول 2006

9
المنبر الحر / إشهدوا أني بلغت!
« في: 12:44 10/04/2020  »
إشهدوا أني بلغت!

 

يوسف أبو الفوز

نتجول كل مساء في الغابة القريبة من بيتنا، هاربين من وحشة العزل الذاتي بسبب جائحة فايروس الكورونا، وتتوفر لنا الفرصة لشم هواءا نقيا، مراقبة مظاهر الربيع على أغصان الأشجار، والتلذذ بسماع خرير الماء في الجدول والاستمتاع بالطيور محلقة حولنا، تتناجى فيما بينها بأعذب موسيقى، غير دارية بما يجري على الأرض من أهوال. ومثل كل يوم، كانت شريكة حياتي تعزز هوايتها بالمزيد من الصور لما حولنا، لتختار فيما بعد أفضلها لتنشرها على حسابها في الانستغرام. ومن لا مكان ظهرت أمامنا. كانت نبضات قلبي موسيقى طبول مصاحبة لظهورها. أيعقل ان المرأة ـ الوطواط حقيقة وليس خيالا؟ بحثت عن الكاميرات حولي، فربما يصورون هنا فيلما ما، أو اعلانا للحبة الزرقاء يقدم بعد الساعة التاسعة مساء! ليس سوى الهدوء ، فهو الغالب. غابت حتى السناجب والارانب التي يستهويني متابعة ردود فعلها على ظهور الانسان قريبا منها! كانت المرأة تتحرك برشاقة لا تخفي جسمها الملفوف بأحسن تكوين، الامر الذي جعلني أتذكر حيلة رجالية عتيقة، بافتعال ربط شريط حذائي لأحظى بزاوية أفضل للتمتع بهذا الجمال المكنون وكسب بعض الوقت في تملي المرأة التي حيت زوجتي وهي تعبر مسرعة تاركة في المكان زوبعة من عطرها الفاغم. بدلا من نيل اللوم والتقريع من زوجتي لأفعالي الصبيانية، ولان حركتي كانت مكشوفة، تفاجأت بها تسألني:
ـ هل عرفتها؟!
ازدردت بلعومي مرارا أبحث عن جواب ما، لكنها وفرت عليّ ذلك:
ـ كنت اظنك حقا هراكيل بوارو لكثرة ما تتحدث عنه!
ـ أتعرفينها؟
وضحكت زوجتي، تلك الضحكة التي تعادل القبضة اليسرى من مايك تايسون قبل إعلان إسلامه. فحاولت ان اتماسك والشعور بالهزيمة والعجز بدا واضحا يرسم حركتي البطيئة:
ـ هذه جارتنا، صاحبة الجرو الذي ...
ـ مستحيل، لا يمكن، ان تكون هي!
ـ مثلما تريد، لكنها هي!
بعد عودتي للبيت وقفت عند شباك المطبخ، متابعا كل من يمر امام منزلنا. نادرا ما مر أمامي رجل او امرأة بدون كمامات أو قفازات. لاحظت مبالغة البعض بارتداء ملابس مغلقة، مثلما فعلت جارتنا، بأرتدائها ملابس داكنة واسعة، غطت فيه رقبتها مع كمامات ونظارات وعززت ذلك بقفازات بحيث بدت لي كأنها المرأة ـ الوطواط فلم اتعرف عليها وانا الذي طالما تباطأت في خطواتي كلما صادفتني تتسكع مع جروها الذي يطلق نباحا مزعجا لا يتناسب مع حجمه كأنه قطة!
ولمع في بالي خاطر. يا آلهي. ايتها الآلهة عند الكفار والمؤمنين.. أنه الوقت الملائم تماما. هل أخبر بذلك الشرطة، أم أنشر تحذيرا عاما على فيس بوك فيتوزع أسرع من بوستات " جمعة مباركة"؟؟
كيف لم يخطر ببال الكثيرين أنه الوقت الملائم لسرقة البنوك!
نعم! سبق وشاهدنا كيف تجري سرقات البنوك في الأفلام الهوليودية : يرتدي اللصوص أقنعة لإخفاء معالم الوجه، قفازات لعدم ترك البصمات وملابس داكنة واسعة لتخفي طبيعة الاجسام !
لقد حولتنا جائحة الكورونا، كلنا نساءا ورجال، اخيارا واشرار، اغنياء وفقراء، مؤمنون وملحدون الى اشكال تبدو كأنها مشاريع لصوص. لو دخلت هذه الأيام أي مجموعة بشرية لأي بنك لن يشك بها أحد أبدا. لن يستنفر الحراس وتطلق صفارات الأنذار، فالجميع في الهوا سوا! سوف يمكنهم بسهولة سلب البنك ما يريدون والانصراف بهدوء كبير. لا حاجة لسيارة تنتظر والمحرك شغال. يمكن المغادرة من الباب الامامي، ولن تتمكن الشرطة من العثور على شهود لوصف اللصوص، فالجميع في بيوتهم يمارسون حقهم في العزل الذاتي!
إشهدوا أني بلغت!  إشهدوا أني بلغت!  إشهدوا أني بلغت!     


٩ نيسان
هلسنكي ـ عزلة الكورونا

   

10
هل كان العالم بحاجة لأزمة وباء فايروس الكرونا؟

يوسف أبو الفوز

ان المتابع للتطورات السياسية في مختلف دول العالم، والمصاحبة لأزمة فايروس الكورونا، بالتأكيد لاحظ كيف ان الازمة هزت الأنظمة الرأسمالية وكشفت خوائها الإنساني، ففي الولايات المتحدة الامريكية، في يوم وليلة تحول جميع المرشحين للانتخابات الرئاسية، من جمهوريين وديمقراطيين،  ليقفوا على يسار المرشح الديمقراطي بيرني ساندرز الذي قبل ازمة الكورونا كان يدعو في برنامجه الانتخابي الى الرعاية الصحية للجميع، لقد  أصبح الجميع فجأة اشتراكيين ويدعون لتوفير الرعاية الصحية مجانا، بل ودعا البعض من الجمهوريين الى تأميم بعض شركات المستلزمات الطبية !
فما الذي جرى؟ وهل حقا كنا بحاجة لأزمة الكورونا ؟هذا السؤال الغريب صار يتردد على لسان الكثيرين، مع استمرار الأيام الصعبة، التي يواجهها الناس في مختلف بقاع العالم، من بعد اكثر من مئة يوم من تفشي الوباء، خصوصا البلدان التي ارتفع فيها عدد المصابين والموتى، حيث وحتى كتابة هذه السطور، تتحدث الانباء عن أصابة أكثر من 1.2 مليون شخص وموت أكثر من 69000 شخص في مختلف البلدان، وبسبب من عدم اكتشاف علاج ناجع للمرض، فإجراءات العديد من حكومات العالم، صار هدفها ليس إيقاف الوباء، بقدر ما الابطاء من انتشاره لتستطيع المستشفيات والوحدات الصحية القيام بواجبها خاصة مع الحالات الخطرة.
تقودنا طبيعة السؤال، الى حال كون وباء فايروس كورونا، وضع الكثير من الأنظمة والحكومات على المحك، وكشف مساوئها في طريقة ادارتها للازمات، وفضح النواقص في كفاءة الأنظمة الصحية، اضافة الى عجز سياسيين وقادة دول وقصورهم في فهم حجم الخطر الذي يهدد بلدانهم والعالم، حيث ادلى البعض بتصريحات قللت من شأن الأزمة، أو تحتوي على معلومات مضللة عن فيروس الكورونا وتنصح باتخاذ اجراءات غير مفيدة إلى حد بعيد، ويقف في مقدمة هؤلاء السياسيين الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بتهريجاته التي تتناقلها وسائل الاعلام بسخرية وغضب!
لقد واجهت البشرية، على مر العصور والتأريخ، مجاعات وحروب واوبئة أدت بحياة الملايين وانهيارات في الاقتصاد، وتجاوزتها محاولة، ولأجل المستقبل الأفضل، الاستفادة من دروسها الأساسية، فهل ستتوقف الشعوب والأنظمة السياسية عند الدروس المستخلصة من ازمة وباء الكورونا بعد إيقاف الوباء والقضاء عليه واستعادة الحياة الطبيعية؟ هل ستتم مراجعة نظام العولمة الرأسمالية الذي اثبت فشله لأجل نظام أكثر إنسانية؟ هل آن الأوان لتنتبه مختلف الأنظمة السياسية بأن الدولة يجب ان تأخذ دورها الكبير في رعاية مؤسسات التعليم والصحة والسكن والغذاء، والتخلي عن مجرد كونها جهاز بيروقراطي يعمل لصالح أصحاب الثروة ورأس المال؟ هل سيتم الانتباه، على صعيد الحكومات والدول، الى ان الشعوب ليست بحاجة الى ميزانيات عسكرية ضخمة بقدر الحاجة للصرف على المنظومات الصحية؟ وان الامن الصحي هو في مقدمة المهمات وهذا لا يتحقق بالجيوش والصواريخ؟ هل ستنتبه الحكومات والأحزاب الى ان شعوبها سوف لن ترحمها إذا لم تكن تتعامل معها بشفافية ونزاهة وتضع مصلحة المواطن والبلد في المرتبة الأولى؟ وان تحقيق نظام العدالة الاجتماعية بين مواطني البلاد يحمي كرامة المواطن ويضمن أمنه الاجتماعي؟ هل ستنتبه احزاب المعارضة في الحكومات الديمقراطية، الى ان التعامل يجب ان يتم وفق معادلة "نقد ـ تضامن" لأجل مستقبل الشعب والوطن، وليس وفق سياسة النبش عن الهفوات واستغلالها لكسر عظم الاخر؟
وعلى الصعيد الاجتماعي والإنساني كشفت أزمة الوباء، خصوصا في البلدان الفقيرة وبلدان العالم الثالث، حاجة الناس لبعضهم البعض، واهمية التكافل والتعاون الاجتماعي، بإشكاله المادية والروحية، فهو من جانب سيساهم بشكل كبير في سد النقص في عجز المؤسسات الحكومية في القيام بدورها لسد الثغرة الكبيرة في الفرق بين حياة الأغنياء والفقراء. إضافة الى انه سيمنح الناس عموما شعورا بالأمان، لكونهم لا يواجهون مصاعب الحياة لوحدهم وان التضامن الشعبي يرسخ مفاهيم المسؤولية الجماعية. وان حركات الاحتجاج الجماهيرية، وتماشيا مع سياسات العزل والحجر الصحي، يجب ان تبتكر اساليبا جديدة لأجل الإبقاء على قوة الضغط ومن اجل انتزاع حقوق الناس في تحقيق التغيير المنشود لأجل عالم جديد يختلف عن عالم ما قبل ازمة الكورونا!


6 نيسان  2020
هلسنكي ـ عزلة الكورونا


11
المنبر الحر / الفرح أيام الوباء
« في: 21:45 31/03/2020  »
الفرح أيام الوباء
يوسف أبو الفوز

هذه الأيام، يعيش العالم مع محنة الوباء الفايروسي، وباء كورونا، واخباره في كل مكان ووضع كل العالم في عزلة، لكنه لا يمكن قطع حبال ذكرياتنا.
في العراق، نهاية سبعينات القرن الماضي، مع تزايد قبضة صدام حسين وجناحه على مقدرات السلطة وشؤون العراق، كنا نواجه وباءا من نوع اخر، وباء العسف السياسي، بأرهابه العلني ضد الشيوعيين والديمقراطيين وعموم الشعب العراقي تحت شعار: انت بعثي وان لم تنتم!
لم يرضح المئات من شيوعيين وديمقراطيين لإملاءات حزب البعث العفلقي الحاكم، السادر في سياسة تبعيث المجتمع وتزوير التاريخ فأضطر عدد ليس قليل منهم لمغادرة العراق، واضطر قسم ليس قليل لترك جامعاتهم ومواقع عملهم والانتقال لمدن ثانية، انتحلوا أسماء أخرى ومارسوا اعمالا لا تمت لاختصاصهم بسهولة، وعاشوا أيام رعب وتوتر وضباع الاجهزة الأمنية تطاردهم من شارع لشارع في انتظار حل ما.
لم يكن مخطئا من سمى حياة التخفي بانها، حياة تحت الأرض. فعليك ان تقطع علاقاتك مع معارفك القدامى، تتجنب لقاء اهلك واصحابك، متمسكا بالشخصية التي صنعتها لنفسك.
وصلت بغداد في ربيع 1978، تاركا دراستي الجامعية، باحثا لنفسي، مثل كثيرين، عن شخصية جديدة، وعمل مناسب، لوقاية نفسي من وباء الاعتقال وتبعاته، اتنقل بين مختلف الامكنة لأبيت ليلة او ليلتين باحثا عن مستقر. كانت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي قد أصدرت بلاغها عن اجتماعها، الذي طالب بوقف حملات الاعتقالات والشروع في ارساء دعائم النظام الديمقراطي وانهاء الفترة الانتقالية واجراء انتخابات لجمعية تأسيسية تضع دستورا دائما للبلاد وجن جنون قيادة وجلاوزة حزب البعث.
حل العام 1979، ونحن نعيش تحت الأرض في بغداد ومدن أخرى وضباع البعث تطاردنا من شارع لشارع. كان يوم الثلاثين من اذار يصادف يوم الجمعة. كانت شوارع العاصمة بغداد، مزدحمة بالناس، تعيش أجواء مباريات كرة القدم في دورة الخليج العربي الخامسة (من 23 اذار إلى 9 نيسان 1979). وعبر رفاق وأصدقاء، كان لدي موعد مع صديق عزيز ـ ربما يقرأ هذه السطور ويبتسم! ــ لم تفارقنا روح التحدي، وانطلاقا مما ذكره رجب بطل رواية "شرق المتوسط " لعبد الرحمن منيف لحبيبته هدى " ان أكثر الأماكن سرية هي الأماكن المكشوفة"، كان موعدنا عند صالة سينما بابل. وصل صاحبي على الموعد تماما، فلم ينتظر بعضنا الاخر كثيرا. اخذني بالأحضان وهو يسخر من هيئتي الجديدة، بذقني النامية ونظاراتي الطبية المزيفة. قال انه يعرف مكانا هادئا يمكن ان نحتفل به سوية، اتفقنا ان تستخدم اسمائنا المستعارة، ونتجنب العبارات والاغان الثورية، حتى لا نكشف أنفسنا للعيون. كنا لا نزال نقف عند بائع الفستق في باب السينما، حين وجدت انه اتفق مع صديقين أخرين لينضما الينا. لم يكن الامر حصيفا بالطبع ومخالفا لتقاليد العمل السري. الأكثر من هذا هو ان صاحبي كان متحمسا وقرر كما يبدو بدأ احتفاله ونحن هناك، فراح يدندن بصوت مسموع الاغنية التي تملأ الشارع يومها:
ـ "يا بورجل الذهب يا فنان العرب
هلا بيك هلا وبجيتك هلا!"
لم يكن خافيا عني مقصده. وسرعان ما ارتفع صوته يرافقه صاحبانا. بدا الامر وكأنه مزاج شباب محبين للرياضة. كان يفترض ان نترك المكان بسرعة، لكن صاحبي راح يكمل الاغنية بحماس أكبر:
ـ إلنا يبه الكأس وأسمنا يلوگ أله!
يكرر الجملة متوجها للناس القريبين اليه كمن يشركهم بالأمر، يغني وكأنه يطالبهم بالتصديق على كلامه. لا نعرف كيف التف علينا بعض الشباب في المكان، وصارت مجموعة من الشباب يغنون معه الاغنية بحماس ويدبكون، وتوسطهم صاحبنا. لم يكن صعبا إدراك ان صاحبي تحت ستار الاغنية الرياضية أراد ان يحتفل بطريقته الخاصة. بدأت دائرة الملتفين حولنا تكبر، وبدا الامر يكتسب شيئا من الخطورة حين اقترب مني أحد الوقوف في المكان وهمس لي محذرا:
ـ اخذوا صاحبكم واتركوا المكان بسرعة!
وهذا ما حصل. تركنا المكان أشبه بالهرولة، ووجدتني مع صاحبي، ونحن نبتعد ونضيع في الازقة القريبة اشاركه الغناء:
ـ "إلنا يبه الكأس وأسمنا يلوگ له"

25 اذار 2020
عزلة الكورونا

12
قصة قصيرة : المُعَلَّمُ !

الى رفاقي الأنصار الشهداء والشهداء ـ الاحياء في الذكرى 86 لعيد حزبهم العتيد ، ووفاءا ومحبة.
 نشر النص في الثقافة الجديدة العدد411- 410 آذار 2020/ من مخطوط " بعيدا عن البنادق" المعد للنشر

يوسف أبو الفوز

كل شيء كان مدهشا. الفرقة الراقصة التي قدمت رقصاتها بحيوية ومرح وجمال، شدت اليها الانظار، وطغى الاعجاب برقصاتها على كل شيء أخر. أزدحمت القاعة بالكثير من الانصار القدامى واصدقائهم الذين يحملون تقديرا لنضالات الانصار وتضحياتهم. كانت الوجوه مفعمة بالسرور، والانصار يجلسون مزهوين كونهم الضيوف النجوم في الاحتفال والذين سيتم تكريم المبدعين والفنانين منهم. عريف الحفل، رغم قصر قامته، يشعر بنفسه أطول من الاعمدة التي ترفع سقف القاعة، التي أزدهت بالاعلام والشعارات والبالونات الملونة، مزهوا لنجاحه مع المجموعة المنظمة للحفل، في ضمان مشاركة الفرقة الراقصة. بعض الهمس قال ان المجموعة المنظمة للاحتفال ضمنت ذلك بمكالمة هاتفية قصيرة للمسؤولين المعنين من قبل "الدكتور"، الذي ما أن وصل قاعة المهرجان تحيط به حمايتة الخاصة، وثمة من يركض أمامه مؤشرا بيده ان " افسحوا الطريق"، حتى ركض اليه البعض، يدلونه الى مكان جلوسه في الصف الامامي، ليس بعيدا عن قيادات حزبية وسياسية، الذين حضر بعضهم مبكرا واختلطوا مع الضيوف متبادلين معهم احاديثا ودية سادتها ضحكات مرحة، بينما جلس البعض الاخر منهم صامتا بشكل حيادي. لاحظ سالم من مكانه كيف ان البعض من القادة الحزبيين تعكر وجهه من رؤية "الدكتور"، وكيف نهض البعض وصافحه بحرارة، بينما رد البعض التحية مجاملة وهو جالس في مكانه. واذ تفحص سالم وجوه الحاضرين من حوله، عرف الكثير من اصحابه، قادمون من مختلف مدن البلاد، وبعضهم قادم من دول اوربية بعيدة، لكنه انتبه الى غياب معلمه. أيعقل ألا يحضر في مثل هذا اليوم، وهو الذي ظل يسأل عن موعد الاحتفال طوال الاسابيع الماضية؟ ما ان حلت الاستراحة حتى ترك سالم مقعده ووقف جانبا يتفحص القاعة بهدوء. لاحظ اخت الشهيد التي احتضنته قبل عام، في مهرجان سابق، بحرارة وشهقت على صدره حين علمت بانه ساهم بدفن اخيها في احد أودية كردستان. بعض أصحابه الانصار، وقد التقوا بعد فراق لفترات معينة، ربما شهورا وقد تكون سنينا طويلة، غرقوا ، وحتى خلال فقرات الحفل، في احاديث عميقة هامسة تقطعها ضحكات مكتومة، يمسحون الدمع بأطراف اصابعهم عن عيون اتعبتها ليالي السهر في الجبل، وخمن بأن الكثير منهم لم يسمعوا كلمة من قصيدة الشاعر، الذي ابتل قميصه المزركش بالعرق في حر تموز اللاهب، وبحت حنجرته وهو يشيد بحماس بنضالات شهداء العراق وشهداء الانصار، الذين نسي منظمي الاحتفال، ان يضعوا ولو صورا لبعضهم ضمن معرض صور الطبيعة التي استأجروها من معرض للوحات والصور القديمة، بعد ان تعالت الاصوات محتجة بضرورة ان يضم الاحتفال معرضا للوحات، فأنتبه منظمي الاحتفال الا انهم نسوا انه كان بين المقاتلين الانصار العشرات من الرسامين البارعين وسيتم تكريم بعضهم هذا اليوم. واخيرا أنتبه سالم، وعثر على المعلم جالسا في اخر القاعة، بملابسه المتواضعة وقبعته القماشية، التي صار يرتديها في الفترة الاخيرة كمحاولة لاخفاء صلعه النامي. كان يبدو مثل عامل وصل المكان من موقع العمل مباشرة. كان الجالس بجانبه يهمس له بشيء ما، وهو يبتسم له بهدوئه المعتاد. ذات الابتسامة التي ما فارقت محياه منذ تعارفا في تلك الزنزانة العفنة. في تلك الليلة البعيدة، حين جرجره الفاشست من سرير نومه، واذاقوه العذاب وحين عجزوا من معرفة ولو اسم واحد من رفاقه، رموه كخرقة بالية على ارضية الزنزانة. أحس بيد حانية، تمسد له جروحه وتمسح دمه المتخثر، وصوت تحمل نبراته كل حنو العالم يهمس له بكلام لا يفهم منه شيئا. تحدث الصوت معه كثيرا تلك الليلة وظل ساهرا معه، فلقد منعته جراحه من النوم، ومن كل كلامه بقي يتذكر تلك الجملة التي سحرته كثيرا:
ـ بسيطة ... بسيطة .. غدا كل شيء يكون أحسن !
بعد يومين، حين افاق قليلا، ميز جيدا الوجه الفتي الذي لم يتركه لحظة واحدة. بأبتسامة حية، وبعينين متعبتين، تحملان كل حزن العالم وحكمته :
ـ بسيطة ... بسيطة .. غدا كل شيء يكون احسن !
سأله بحياد :
ـ هل انت معلم ؟
ضحك الرجل حتى بانت جذور أسنانه :
ـ هل طريقة كلامي توحي لك بذلك، اتصدق أني بالكاد تعلمت القراءة والكتابة !
ومن يومها قرر ان يسميه "المعلم". فعلى يديه تعلم كيف يمكن ترجمة المحبة الى أفعال :
ــ لا يكفي ان تقول لمن تحب أنك تحبه، عليك ان تجعله يتلمس ذلك!
ـ والكراهية يا معلمي ؟
ـ هذه لابد ان نعرفها، لكن يجب ان لا نمارسها !
ـ لكن الذي وشى بك وسلمك للضباع، كيف يمكن ان لا تكرهه ؟
ـ سيكره نفسه، حتى لو صار ... !
ـ ماذا ؟
ـ الذي وشى بي، يطمح لان يحصل على شهادة الدكتوراه يوما !
ـ وماذا تظن ؟
ـ سيحصل عليها، وسيناديه الناس "يا دكتور"، وسيكون له شأن ما، وبدل سن الذهب سيكون له أثنين، ولكن ...
ـ ماذا ؟
ـ سيكره نفسه قبل ان نكرهه أنا واياك. وغدا حين ننشغل بالمحبة والاحباب وعذوبة حياتنا الجديدة، سوف لن يكون لنا وقت كاف لنكره هذا "الدكتور" وأمثاله !
 لم يكن المعلم يحب الكلام الكثير، لذا تعب منه جلاديه. بعد جولات الاستجواب والتعذيب، كان يمسح لهم جراحهم بأبتسامته التي كانت تدفع بجدران الزنزانة ليروا خلفها جمال الايام القادمة :
ـ ترك لي ابي قطعة ارض صغيرة، صحيح انها اصغر من حصة أخي الأكبر، لكنها تناسب امكانياتي جيدا. سأبني لي فيها غرفة صغيرة واجد بنت الحلال التي تشاركني خبزتي، وسازرع الارض بكل ما ينفع الناس. يمكنك ان تزورني الى هناك. سأعطيك العنوان !
حين وجدا نفسيهما خارج السجن بعفو رئاسي مفاجيء، تسللا معا الى كردستان . كان للمعلم خبرة بارعة في معرفة الناس والدروب. في الجبل عاشا لفترة على مقربة من بعضهما البعض. تلقيا تدريبا على عمل الانصار، كان القائد الانصاري العجوز وهو يذرع الارض امامهم، ذهابا وايابا، يحرك اصبعه في الهواء
ــ عيوني ... تذكروا دائما، ان الجنود هم أخوتنا، والنظام هو عدونا !
اشتركا معا في عمليات انصارية مختلفة، واذ لاحظ المعلم يوما ارتباكه وتردده خلال عملية عسكرية، همس له وهو يحيط كتفه بذراعه :
ـ لا تخاف يا صاحبي من الرصاصة التي تسمع صوتها، فالتي ستقتلك لن تمنحك الفرصة لذلك !
وفي يوم صحو مريع، حين انهمرت القذائف عليهم بشكل مباغت، من طيران العدو، الذي صب حمم غضب النظام الفاشي على المواقع المحتملة للانصار، أصيب المعلم بساقه، وقرر طبيب الانصار بترها من تحت الركبة. كانت ليلة عصيبة. استخدم الطبيب منشار قطع الخشب وبمخدر موضعي قطعوا العظم. لم تنم القاعدة الانصارية ليلها. كانوا يسمعون زئير المعلم والطبيب يمارس مهمته الشاقة. في اليوم التالي قال الطبيب للأنصار :
ـ هذا ليس رجلا، قلبه من صخر !
ترك القاعدة ليلتها، لم يحتمل سماع الزئير، صعد الى ربيئة المراقبة والاسناد، ربيئة الدوشكا، اعلى الجبل، بعد يومين زار المعلم ودفن وجهه في صدره وشهق.  وهما يحتضنان بعضهما، قال له :
ـ انا اسف يا معلم !
وحرك عينيه اشارة الى ساقه. لم يستطع أن يقول الكلمة. أبتسم المعلم :
ـ  بسيطة ... ماذا كان سيحدث لو أن الشظية اختارت رأسي، ها انت تراني حيا، وبإمكاننا غدا ان نفعل كل شيء، سيكون لي ابناء بسيقان صحيحة، وستكون الارض عامرة بكل ما يسرك، فقط عليك ان تزورنا!
انتهى الحفل، وتدافع الحضور للخروج . حاول سالم ومعه المعلم الانتظار حتى يخف الازدحام. كان سالم يراقب بألم كيف حمل المعلم نفسه مكابرا على ساقه الاصطناعي مستندا الى عكاز خشبي قصير. كان المعلم يسير الى جانبه يحاول اقناعه بزيارتهم الى مدينتهم الصغيرة ليعرفه على من تبقى من أهله وزوجته، حين جرى كل شيء بسرعة، اذ خرج عليهم فجأة جماعة من ممر جانبي يؤدي الى غرفة دورة المياه ، وصاح احدهم بعدائية:
ـ افسحوا الطريق !
واندفع مجموعة من الشباب المتنمرين يبعدون الناس جانبا، رغم ان لا أحد يسد ممر الخروج الواسع. مد أحد افراد الحماية يده القوية جانبا وازاح سالم الى الخلف. لم يلحق ليقول شيئا. فثمة من قفز يدفع الاخرين ببندقيته ليفتح ممرا أكبر بين بقية الناس :
ـ افسحوا الطريق للدكتور!
مال احد الضيوف الخارجين متحاشيا عقب البنادق المشرعة، ومن دون ان يقصد دفع المعلم، فانزلقت عكازه على الكاشي الاملس. حاول المعلم ان يستند لشخص قريب، لكنه لم يلحق فتكوم على الارض مطلقا أهة حاول ان يكتمها وغطى وجهه حتى لا يرى الاخرين ألمه. اندفع سالم واخرين أليه وهم يشتمون لا على التعيين . وقف الدكتور جانبا وصاح بأحد افراد حمايته :
ـ أعمى، أغبر ، ما شفت هذا المسكين !
وألتفت الى سالم وسأله :
ـ أخي، هل كل شيء تمام ؟
ثم سأل بسرعة  :
ـ من هذا ؟
نظر سالم الى الدكتور ملياً، حدق جيدا الى لمعان سن الذهب في فكه الاعلى، قال له وشيء يخدش له قلبه
ـ بسيطة دكتور ... هذا نصير شيوعي !





22 ايار 2012
السماوة


13
كورونا والناس وبعض الفنانين!
يوسف ابو الفوز
اذ يجتاح وباء الكورونا البغيض العالم، اشبه بهجوم مباغت من الفضاء الخارجي، على طريقة أفلام الخيال العلمي، فينثر القلق والرعب والفوضى في كل مكان، تبان متانة الأنظمة الصحية لمختلف الدول، وقدرة الحكومات لأداره الازمة وأيضا معادن الناس!
وبعيدا عن التفاصيل، ولماذا نجحت الصين في احتواء الازمة، وتفوقت على أمريكا، والامر هنا بالتأكيد ليس له علاقة بالأيدلوجيا ابدا وانما بعوامل أخرى، لفت انتباهي انقسام الناس الى فئات مختلفة في تعاملها مع الازمة، ويمكن لمس ذلك ببساطة على صفحات فيس بوك.
الطرف الاول هم الذين يراقبون من بعيد، وكان الامر لا يخصهم، وكأنهم ليس من هذا الكوكب، لا تعرف ماذا يفعلون وماذا يقولون او يفكرون.
الطرف الثاني الاخطر هم من أصابه الذعر وراح ينشر ويوزع كل ما يصل تحت يديه، من اخبار كاذبة، ومفبركة، ومتضاربة، ناثرا دون ان يدري الارتباك والخوف بين الناس من حوله.
أن الازمة ليست هينة. لا يمكن التقليل من مخاطرها. ليس بإجراءات صار تكرارها مملا، فغسل اليدين والتعقيم ليس حلولا سحرية، وما دام لم يكتشف العلاج بعد، فالمهمة الأولى امام الدول والمواطنين، هي الحد من انتشار المرض، بنشر الوعي الصحي والالتزام الكامل بالإرشادات الرسمية من المراكز الطبية، والاهم هو عدم التطير ونشر روح التماسك بين الناس والاخبار الإيجابية عما يجري. فالى جانب عدد المصابين والموتى علينا ان نتحدث عن الناجين وعن الذين تماثلوا للشفاء بهذا الشكل او ذاك.
هذا يقودنا الى الطرف الثالث من الناس، الى من جند نفسه لنشر الاخبار الطبية الموثقة، والارشادات الصحية المطلوبة، وأيضا نشر الاخبار الإيجابية هنا وهناك لرفع معنويات الناس وتذكيرهم بأن هذه الازمة ستمر مثلما مرت غيرها وانها ستحمل معه الامها وتقدم لنا دروسها لنتعلم منها لنعيش بشكل افضل.
لا اود التحيز لأسماء معينة فأعرضها هنا كمثال ، لكن امامي جملة من الأسماء التي لفتت انتباهي، بمتابعتها الاخبار من مصادرها الاكيدة، وحتى لو كانت الاخبار حزينة فتعرض من قبلهم بشكل موضوعي بعيد عن هالة الهلع ونثر الخوف بين الناس.
استوقفني أيضا نشر بعض الأصدقاء والمعارف اخبارا عن مبادرات فنانين معروفين في اماكن اقامتهم، وجهودهم في دعم مكافحة الوباء، سواء بالتبرعات المالية او العينية او بمواقف تشد من عزم الناس وترفع معنوياتهم.
ما تقدم اثار في بالي سؤال، اين يقف يا ترى فنانينا؟ مع أي طرف نضعهم؟ خاصة أولئك الذين يصفهم الجمهور بالكبار؟ لن أتناول أسماء هنا، فالأمر ليس ارتياحات شخصية لهذا أو ذاك، فكل الأسماء خاضعة لهذا السؤال. فحين حرم واحد من اثرى رجال العالم، بيل غيتس، عائلته من ميراثه وتبرع بها للمشاريع الخيرية، كان يدرك ان ما جناه، بشكل أو اخر هو جزء من ايمان الناس به، واقبالهم على منتجات شركاته، فشعر ان لهم حقا بهذا، فأعاده اليهم بطريقته، فيا ترى أولئك الفنانين العراقيين، الذين أصبحت لهم ارصدة محترمة في بنوك خارج وطنهم، هل فكروا في ينقصوا حساباتهم بعض الاصفار ليتركوا اثرا طيبا خلفهم؟

14

قطاف تشرين (61): أن الحياد في المواقف المصيرية شكل من اشكال الخيانة!
يوسف أبوالفوز

قبل أكثر من اربعين يوما، حين بلغني خبر اختطاف الكاتب والنشر مازن لطيف كتبت للعديد من الزملاء والأصدقاء، مناشدا التضامن والعمل لكشف مصيره، لأن هذا "يمنح العصابات المسلحة فرصة للاستهتار بحياة الجميع، ولا نعرف من  سيكون التالي".
صديق من بغداد كتب لي أن لدى الجماعات المسلحة قائمة بأسماء المثقفين المدنيين، والناشطين في دعم الاحتجاج وانتفاضة تشرين.
لم يتأخر الانتظار كثيرا لإثبات صحة هذا الكلام، اختطفوا توفيق التميمي!
لا حديث عن الدولة هناولا عن أجهزة امنية ولا كرامة المواطن. ومن المخجل على سياسي الصدفة الحديث عن الإنسانية وحقوق الانسان والمستقبل والخ، ان كان المواطن في زمنهم لا يضمن سلامته اليوم، وعائلته لا تملك تفسيرا لاختفاء معيلها!
أن العصابات المنفلتة، المستهترة، المجرمة والمرتبطة بأجندة تهدف لتخريب البلد، تعرف كيف توجع أبناء شعبنا. لاحظوا أنها تضرب في الخاصرة، في العظم، توجه ضرباتها لمثقفي البلد باغتيالهم واختطافهم ومحاولة شراء ذمم البعض بطرق مختلفة لضمان سكوتهم.
أن المحزن هو سكوت البعض ممن يحسبون انفسهم مثقفين ومبدعين، كنا ننتظر ان يكونوا في مقدمة المنتفضين، ليس للمطالبة بالكشف عن مصير زملائهم المختطفين، ولكن لضمان ان لا يأت دورهم قريبا.
أيها المثقف العراقي تذكر بأن السكوت والحياد أمام هذه المحنة شكل من اشكال الخيانة.


15

من العاصمة التشيكية
يوسف أبو الفوز: على المثقف الاصطفاف إلى جانب المنتفضين

براغ – طريق الشعب

عن طريق الشعب العدد 131 ليوم الاثنين 24 شباط 2020
 
ضيّف المنتدى العراقي في الجمهورية التشيكية، الخميس الماضي، الكاتب والإعلامي العراقي المغترب يوسف أبو الفوز، في حوار مفتوح حول تجربته الأدبية ورؤاه في شأن انتفاضة تشرين المتواصلة في العراق.
حضر الأمسية التي أقيمت على قاعة المنتدى في مركز العاصمة براغ، جمهور من المثقفين والمهتمين في الشأن الأدبي من أبناء الجالية العراقية. فيما أدار الأمسية الأستاذ علاء صبيح، الذي قدم باختصار، سيرة الضيف، وتناول أهم انجازاته الأدبية.
أبو الفوز، القادم من فنلندا، استهل إجاباته عن أسئلة الحوار، متناولا الأوضاع السياسية في بلده العراق، وتقلباتها وانعطافاتها، وكيف أن ذلك ترك بصمات على مسيرة كل فنان أو أديب.
وتطرق إلى مدينته السماوة، وعائلته التي عرفت بارتباطها بنضال قوى اليسار، الأمر الذي ترك تأثيرا كبيرا على مجمل نشاطاته وتوجهاته الفكرية.
وألقى الضيف الضوء على بداياته في مجالي الإعلام والكتابة، وعلى نشاطه السياسي في صفوف الحزب الشيوعي العراقي، وما تعرض له من اضطهاد على أيدي أزلام النظام البعثي المباد، ما اضطره إلى الاختفاء واللجوء إلى المنفى، لينتهي به الحال في فنلندا التي يقيم فيها منذ عام 1995.
كذلك تحدث عن تجربته في صفوف الأنصار الشيوعيين، أبان فترة الكفاح المسلح في جبال كردستان، ضد النظام الدكتاتوري.
وفي جانب آخر من الأمسية، تحدث أبو الفوز عن مفهوم المثقف، والفرق بين مفاهيم الثقافة والمعرفة، والعلاقة بين المثقف والسياسي. ثم تطرق إلى انتفاضة تشرين، وحيّا شهداءها، والمنتفضين الذين يواصلون مواجهة القمع ببسالة وصدور عارية.
وأشار الى ان الانتفاضة أبرزت القدرات العالية للشباب العراقي في تطوير الوعي الجمعي، والانتماء للهوية الوطنية، مؤكدا بروز الروح التشاركية والتضامنية بين الثوار، ومثمنا المساهمة المتميزة للمرأة العراقية في الحراك الاحتجاجي.
وأكد الضيف أنه "في المنعطفات التاريخية يعتبر الحياد صنفا من الخيانة. فالواجب الوطني يفرض الاصطفاف الى جانب الثوار في سعيهم للتغيير نحو عراق مدني ديمقراطي"، مشددا على أن "من اهم واجبات المثقف، دعم سلمية الانتفاضة بما يضمن نجاحها، ويساعد في إفراز قيادات كفوءة لها".
وأشار أبو الفوز إلى أن عددا ليس قليلا من المثقفين، يقف اليوم في المنطقة الرمادية من دون أن يصدر عنه موقف تجاه انتفاضة تشرين، لافتا إلى أن "الانتفاضة لا تزال مستمرة من اجل التغيير، وأن الفرصة متاحة أمام المثقفين للخروج من المنطقة الرمادية، وإعلان موقفهم الصحيح". 



16
قطاف تشرين (60): Once Upon a Time in Iraq

يوسف أبو الفوز

هل تتذكرون جوليانو جيما؟ (سلسلة أفلام رنغو)،
تشارلز برونسون؟ (حدث يوما في الغرب)،
كلينت إيستود (الجيد والسيء والقبيح)
وفرانكو نيرو (سلسلة أفلام جانغو) وغيرهم!
كانوا ممثلينا المفضلين، نحن الأطفال والصبيان، المولعين بالسينما، وافلام العصابات ـ رعاة البقر ـ ولا نمل من مشاهدة هذه الأفلام. ما ان تعلن سينما المدينة عن فيلم جديد، حتى نقف طابورا امام بواب السينما، الرجل الطيب، الذي يعرفنا ويعرف عوائلنا جيدا. يستجيب لتوسلاتنا ويسمح لنا بالدخول كل اثنين وثلاثة ببطاقة، بل احيانا أربعة ببطاقة واحدة لنشاهد ممثلينا المفضلين، وهم يعتلون خيولهم ويرسلون النيران يسارا ويمينا ... بنغ.. بنغ.. دون ان يصيبهم خدش، ليفوزوا بالغنيمة لأنفسهم، بعد سطوهم على بنك المدينة او نهبهم لقافلة مارة بالمكان، لكنهم سرعان ما يختلفون على اقتسام الغنيمة وتبدأ بينهم معارك التصفيات!
أتذكر كل هذا الان، والاخبار تقول بأن المجاهد أبو فلان، هدد المجاهد أبو علان، بأنه سيكشف المستور عن عمليات السطو التي نفذوها وخطط تقاسم الغنيمة، وان هذه الفضيحة ستطيح برؤوس كبار. وكان أحدهم يستولي على كذا نسبة من عائدات مطار النجف، وان كذا مليون من ميزانية الوزارات حولت الى بنك لبناني لاستثمار هذه الأموال في قطاع الفندقة (لم تذكر الاخبار، هل الفنادق تحوي كل انواع الخدمات؟)، وأن...
أننا نشاهد فيلم كابوي حقيقي ـ عزيزي القاريء ـ، كل العناصر متوفرة: عصابات مسلحة... زعيم عصابة ... سطو ... غنائم ... أقتسام غنيمة ... حرب تصفيات...!
ولكن، في الكثيرمن هذه الأفلام، يظهر رجل القانون ـ الشريف ـ في الوقت المناسب ليضع حدا لكل هذه الفوضى، وليقود الجناة المجرمين الى العدالة.
ان انتفاضة تشرين ستكون الأسرع في التسديد، وستوجه الرصاصة الحاسمة، لتطيح بكل هذه العصابات وتكنسهم من شوارع مدننا، وترسل كل هؤلاء المستهترين بحقوق الناس ال مزبلة التاريخ!
و ... بنغ .. بنغ!!

17
دعوة عامة
م/ أمسية ثقافية مع الكاتب والصحفي العراقي يوسف أبو الفوز
نتشرف بدعوتكم لحضور الامسية الثقافية (لقاء حواري) مع الاستاذ الكاتب والصحفي العراقي يوسف أبو الفوز.
التاريخ : 20/02/2020.
الزمان : الساعة الخامسة مساءا.
المكان : منطقة براغ الاولى - بالقرب من المركز التجاري (تسكـو)
RESTURACE- EVALD
NÁRODNÍ-28/60- PRAHA-1
مع التقدير والاعتزاز
المنتدى العراقي في الجمهورية التشيكية
براغ في 8/02/202

18
المنبر الحر / رسالة!
« في: 21:47 12/02/2020  »
رسالة!

يوسف أبو الفوز

لن أسألك عن اسمك، وليس مهما بالنسبة لك معرفة اسمي ـ كما أعتقد ـ يكيفنا اننا كلانا نعرف، بأن ما يجمعنا هو الكثير، وان اختلفنا في بعض التفاصيل.
ما يجمعنا ـ يا صاحبي ــ هاجس كبير، نكاد نستنشقه مع أنفاسنا، كل لحظة، ألا وهو ان يكون غد العراق هو الأجمل. هاجس ان ننعم بالحرية، وان لا نكون اذلاء، خاضعين لأحد وسلطة غاشمة، لهذا سلكنا هذا الدرب بدون تردد وغير هيابين. يسميه كتاب المراثي وشعراء الندب: طريق الشهادة، وبالنسبة لنا هو طريق الحرية!
سكب احبتنا الدموع، ورفعوا صورنا، واوقدوا الشموع مترنمين بالأغاني والاناشيد الحزينة، وكنا نتسمع لهم، ونحن نستغرب كيف يعتقد البعض اننا رحلنا؟! ها أنا ارى ارواحنا تطوف في كل مكان، واسماءنا تحولت الى رايات تحملها حشود الشباب تطالب بما حلمنا به انا وإياك دوما!
رغم اختلاف ظروف استشهادك عن ظروفي، الا أني أجد ــ يا صاحبي ــ ان هناك الكثير يجمعنا!
تعال انظر معي. أولا سأتوقف عند سماء الوطن، فكلانا استشهد وحلقت روحه كطير سنونو ـ كما يقول الكتاب ـ في سماء وطن أحببناه معا، وكنا مستعدين لبذل كل ما نملك ــ وهذا رابط آخر يجمعنا ــ الا وهو اننا وهبنا هذا الوطن أعز ما نملك: حياتنا!
قد نختلف بيننا انني اضطررت مع صحبي الى رفع السلاح ومقاومة نظام دكتاتوري شوفيني فاشي، يقوده جنرال مزيف، ومقاتلة المرتزقة المؤتمرين بأمره. ايامها رفعنا شعار " النظام عدونا، والجنود إخواننا". وعلى ذكر الجنود، مثلك أيضا كنت أحب كرة القدم، ولأننا نعيش حياة بدون كهرباء وتلفزيون، حياة الكهوف في الجبل، كنت وبعض صحبي من المقاتلين الأنصار، نعقد علاقات الصداقة مع جنود الربايا، أبناء مدننا الفقيرة، ونتسلل بدعوة منهم الى الربايا لنشاهد معهم اهم المباريات! بينما اعرف أنك تابعت مباريات كرة القدم من على شاشة كبيرة نصبت في ساحة التحرير. وأعرف بأن تظاهراتكم كانت سلمية، وكنتم ترفعون العلم العراقي سلاحا أوحد، وتنادون بالانتماء الى الوطن، وليس غير الوطن، لكن "الطرف الثالث " ـ هكذا سمته وكالات الاخبارـ كان يستهدفكم انت واصحابك واسقطوك غيلة وانت تتحرك في محيط ساحة التحرير وقيل إنك كنت تنقل بعض الطعام لأصحابك في المطعم التركي، حيث اعتصموا!
قد نختلف في بعض التفاصيل، لكن قاتلنا يبدو ـ يا صاحبي ـ واحدا، مهما تغيرت هيئته ولباسه وكنيته: انه ذاك الطرف ـ الثالث او الرابع ـ الذي يكره الحياة، الكاره للتسليم بالحق، الذي لا يستوعب أفكار الآخر المختلف، المخدوع بكرسي السلطة والقوة، الذي لا يفهم بأن غضب الشعب سيكون يوما سيلا جارفا لا يسلم منه في الوادي الا الحجارة، وان مستقبل الوطن الموعود، المدني الديمقراطي، تعمده دماء الشهداء، وكان شرف لنا ــ انا وإياك ــ ان نكون منهم!
تحية أيها الشهيد!


 *مساهمة في الملف الخاص بيوم الشهيد الشيوعي . طريق الشعب العدد 124 ليوم الخميس 13 شباط 2020
** البوستر المرفق للفنان فيصل لعيبي

19
الفنان كيرك دوغلاس وفيلم سبارتاكوس الذي تحدى المكارثية

يوسف أبو الفوز

أعلن مؤخرا، عن رحيل الممثل المخضرم، كيرك دوغلاس، عن عمر ناهز 103 عاما، (2020-1916) بعد ان قضى حوالي ستين عاما منها في مجال الفن، وأشهر ما عرف به فيلم سبارتاكوس، الذي أنتجه وقام بتمثيل الدور الرئيسي فيه، والذي يعتبر نقطة مهمة في حياته.  بلغت أرباح الفيلم في حينه حوالي ستين مليون دولارا وكانت تكاليف أنتاجه لم تبلغ 12 مليون، بالرغم من اعتبارها في حينه واحدة من أغلى تكاليف الإنتاج. والاهم ان الفيلم ترشح لـ 17 جائزة سينمائية، منها جائزة الاوسكار لأفضل ممثل بدور رئيس لكيرك دوغلاس، لكنه لم ينلها، بينما نال الفيلم أربع جوائز اوسكار، منها اوسكار أفضل ممثل مساعد لبيتر أوستينوف (2004-1921)، بالإضافة لأربع جوائز سينمائية أخرى مثل جائزة أفضل فيلم درامي من جوائز الجولدن جلوب.
أيام انتاج وعرض فيلم سبارتاكوس عام 1960 كانت أمريكا تعيش اياما عصيبة بتأثير سياسة الإرهاب الثقافي، التي عرفت بالمكارثية، حيث قاد عضو مجلس  الشيوخ الأمريكي ،من الحزب الجمهوري، جوزيف مكارثي  (1908 - 1957)، في ظل سعار الحرب الباردة ، بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، حملة لتوجيه الاتهامات بالتآمر والخيانة دون ثبات الأدلة، للكثير من الفنانين والمثقفين والنشطاء الاجتماعيين، وتسبب في اعتقال وحبس البعض بتهمة الشيوعية وكونهم يعملون لمصلحة الاتحاد السوفيتي، وتسببت الحملة المكارثية بطرد اكثر من 10 الف شخص من وظائفهم وتم التنكيل بعشرات الشخصيات الشهيرة ، منهم مارتن لوثر كينغ و ألبرت أينشتاين وآرثر ميللر وتشارلى تشابلن.
من الأسماء التي شملتها الحملة المكارثية، كان الروائي وكاتب السيناريو الشيوعي الناجح جيمس دالتون ترامبو، (1976-1905)، الذي كان ضمن أشهر الكتاب في هوليوود في فترة الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين. وتسببت الحملة المكارثية بسجنه لأنه ابدى شجاعة فائقة، في مواجهة الحملة، ورفض الاتهامات وتقديم أي اعتراف ضد زملاءه. فجاء الحكم بسجنه لمدة 11 شهرا، مع قرار منعه من العمل لمدة عشر سنوات، فاضطر بعد إطلاق سراحه، للكتابة بأسماء مستعارة، والطريف ان بعض أفلامه التي كتبها بأسم مستعار فازت بجوائز الاوسكار مثل عطلة رومانية (1953) والشجاع (1956) واضطرت أكاديمية الفنون وعلوم الصور المتحركة، للاعتراف بحقوقه كفائز بجائزة الأوسكار عن أحسن سيناريو في فيلم الشجاع، وقدمت له الجائزة باسمه عام 1975.
يذكر أن الروائي هوارد فاست (1914 – 2003)، كتب رواية سبارتاكوس في السجن عام 1951، بعد ادانته كونه شيوعي ورفضه تقديم اعترافات وافادات، لتأتي الرواية صرخة أدانه للعبودية وتمجيدا للنضال من اجل الحرية، ولرفض حملة الإرهاب الثقافي، التي يقودها جون مكارثي. وقام دالتون ترامبو، واستنادا للرواية، بكتابة سيناريو فيلم بنفس العنوان، وبعد ان حصل كيرك ديكلاوس على حقوق السيناريو، قرر التعاون مع المخرج ستانلي كوبريك (1928 – 1999) لإخراجه، وأصر عند عرض الفيلم على كسر حظر المكارثية لأسم دالتون ترامبو ووضعه على إعلانات الفيلم ككاتب لسيناريو الفيلم. كانت خطوة شجاعة تحسب لكيرك دوغلاس اذ ساهمت في تفكيك حملة الإرهاب الفكري وإلغاء القوائم السوداء.
وبعد نجاح الفيلم، منح كيرك دغلاس الفضل الأكبر في ذلك لكاتب السيناريو، وصرح بأنه حتى سبارتاكوس كان عمل أكثر من 85 فيلما، "لكن الشيء الأكثر فخورًا به هو العمل لكسر القائمة السوداء". ومن الجدير بالذكر ان الرأي العام تصاعد بعدها في ادانة المكارثية، وعزل جوزيف مكارثي نفسه، الذي أدين بالفساد وتوفي فيما بعد مدمنا على المخدرات.
في موقفه اعتبر كثيرين كيرك دوغلاس متماهيا مع موقف بطله العبد المصارع سبارتاكوس الثائر ضد الحياة اللانسانية التي عاشها العبيد في أيام الإمبراطورية الرومانية، والذي قاد ثورة انضم اليها الاف منهم مطالبين بحريتهم. يذكر ان من الأشارات التي كانت لصالح كيرك دوغلاس في تحديه للقوائم السوداء للحملة المكارثية، هو ان الرئيس الأمريكي المنتخب حديثا حينها، جون كيندي، حضر عرض الفيلم وأشاد به، فكانت أشارة مهمة لمعارضة الحزب الديمقراطي الامريكي للمكارثية وعلامة للانفراج السياسي نوعا ما في حياة المجتمع الامريكي.



20
أصدار جديد للشاعر العراقي عبد الكريم هداد
يوسف أبو الفوز

صدر مؤخرا للشاعر العراقي المقيم في السويد عبد الكريم هداد، في القاهرة، وعند دار الادهم للنشر والتوزيع، ديوان شعري جديد تحت عنوان (أنسكبُ شبيهاً لروحِكِ...!)، وذلك ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب المقام في الفترة 26 كانون الثاني/ يناير- 4 شباط / فبراير2020. ضم الديوان 46 قصيدة باللغة الفصحى، كتبها الشاعر ما بين الأعوام 1995-2006. صمم لاف الديوان الفنان عبد الكريم سعدون موظفا لوحة رسمتها ليلى ابنة الشاعر.
ويحمل هذا الإصدار الرقم 16 في سلسلة الكتب الشعرية والدراسات الأدبية التي أصدرها، وله أيضا عدة كتب مخطوطة تنتظر فرصة النشر، وأخرى قيد الإنجاز.
ويذكر ان الشاعر عبد الكريم هداد أضطر لمغادرة العراق لأسباب سياسية عام 1982، وبحثا عن سقف آمن تنقل في العديد من البلدان العربية والأوربية قبل ان يستقر به المقام كلاجئ في السويد منذ عام 1990. ظهرت نصوص الشاعر الشعرية ومقالاته في العديد من الصحف والدوريات العراقية الصادرة في المنفى، ومعروف عنه اهتمامه في كتابة أغنية عراقية مشاركة وبعض الفنانين العراقيين الذين شاركوه المنفى مثل فلاح صبار، كمال السيد، طالب غالي وسامي كمال. في عام 1990 أنتج التلفزيون السويدي فلما تسجيليا عن اللاجئين القادمين في السويد، واعتمدت في الفلم قصيدة للشاعر كسيناريو للفيلم. 
جاء في الغلاف الاخير من الديوان الجديد:
لا نفعَ في وَشْمِ القبيلَة
ونذور التمني
تعالي...
نبحثُ عن سِرِكِ
في صحرائي
واكتشفي ينابيعَكِ العذبَة
في حدائقِ لغتي
تعالي...
لنثملَ بفرحٍ مرشوش من ملح الدمعِ
عندَ قصبِ بحر المدنِ الأولى
لأمنحَكِ زهرَة البابونَج...!
سأكونُ في نشوةٍ
من الأغنياتِ الراقصة
وفيضٍِ من طفولتي
حيثُ مهرجانُ (بيتِ أكِيتو (
هناك...


 


21
قطاف تشرين (58): هناك شيء ما يحدث؟
يوسف أبو الفوز
أحدهم، من هؤلاء الذين لم تهتز ضمائرهم، لسقوط المئات من الشهداء، والالاف من الجرحى، في إحداث إنتفاضة تشرين، هذا من غير اختطاف وترهيب وتعنيف الاف اخرين، من قبل القوات الأمنية للحكومة المستقيلة، بمساندة القوى الخفية من" الطرف الثالث"، كتب على صفحات "فيس بوك" بأن ثمة شخصيات ناشطة في الانتفاضة "تسلمت كذا مبلغ من الدولة الفلانية"، وغير ذلك من الاراجيف التي تتداولها جيوش الانترنيت المدفوعة الثمن، ناوين من خلالها تشويه صورة الانتفاضة ونشطائها.
لم يثيرني هذا الكلام، أبدا، فهو المتوقع جدا، من شخص غارق بالطائفية بحيث أعمت عينيه عن رؤية حقيقة نفسه، هو الذي يخفق قلبه يوميا رعبا خوفا على فقدان المنافع غير المشروعة التي جناها من قرارات برلمان الفساد ودولة المحاصصة البغيضة. ما لفت انتباهي هو ما كتبه له أحد المعلقين، من صنفه:
ــ ما يحدث ليس طبيعيا، هناك شيء ما !
يا للعجب!! أخيرا أجد واحد من هذه "الهرملة" ، من سقط المتاع، ينتبه، ويعرف ويعترف بأن ثمة شيء غير طبيعي يحدث!
نعم يا هذا. هناك شيء عظيم يحدث. انها انتفاضة شعب ضد جوقة الحرامية وقتلة الشعب. افتح عينيك وانظر أبعد من دكة الرووخون، وأقرب من مسيرات الفقراء للزيارة الاربعينية التي أصبحت تجارتكم الرابحة!
انظر الى حقيقة كونكم لفظيا تناصبون العداء لأمريكا عدوة الشعوب، وهي التي جاءت بأسيادكم الى كراسي الحكم!
نعم أن شيئا هناك يحدث وغير طبيعي تماما، فشباب العراق، مقتحمي السماء، بصدورهم العارية يواجهون ميلشيات الطرف الثالث، التي عاثت في البلد فسادا باسم الدين، بحيث صار البعض يتمنى أمريكا ان تأتي لتزيحكم مثلما إزاحة خنزيرها المجرم صدام!
نعم، هناك شيء غير طبيعي يحدث، ونحن نرى حرائر العراق يكسرن اطواق التقاليد والعيب البالية، ويهدمن جدران المنازل ويفحن ثغرة في جدار الحصار الذي فرضتموه باسم الدين، فوقفن جنبا الى جنب مع اخوانهن الثوار مطالبات بوطن أختطفتموه تحت عباءة الدين، وهذا ما ارعبكم كثيرا، أن يكون للمرأة صوت مسموع وفاعل، وهي التي تريدونها حبيسة جدران غرف النوم والمطبخ!
هناك شيء غير طبيعي يحدث أيها الفاني، الفاسد، الغشاش، المزور،الانتهازي، المرائي، الطفيلي و السفيه ، وان خيارى ابناء الشعب يهبون طواعية لمساندة ودعم المنتفضين ويقاسمونهم قوت يومهم .
هناك شيء عظيم يحدث وان سيل غضب الشعب قادم، ليجرفكم الى بالوعات النسيان، ولن يبقى على الأرض الا الحجارة.
ان شيئا عظيما يحدث، وان جيلا غاضبا نهض ليكنس كل افاعيلكم ودنسكم وفسادكم، في سرقة قوت شعبنا، الذي يعيش تحت خط الفقر على ارض بلد يطفو على بحار من النفط!
أن شيئا عظيما يحدث بأن صباح جميل قادم، هو صباح سقوط القتلة!

22
قطاف تشرين (57): جذوة الانتفاضة لا تنطفيء!

يوسف أبو الفوز

ألم يتسائلوا ولو لبرهة عن أسباب اندلاع انتفاضة تشرين؟ هذه الأسباب التي صار القاصي والداني يعرفها، ويتحدث عنها؟
كل هؤلاء الذين صاروا يتباكون على السيادة الوطنية، ناسين انهم جاؤا الى الحكم على ظهر دبابات الاحتلال الأمريكي الذي أطاح بطاغية مجرم ساهموا بصناعته مثلما ساهموا بصناعتهم؟
الم يتسائل عن ذلك:
ــ حكام "دولة القناصة" القابعين في "منطقة العار"؟
ــ امراء الحرب من زعماء المليشيات المجرمة التي صار ثابتا انها "الطرف الثالث" الذي يخطف ويقتل الشباب من ثوار تشرين؟
ـ لا ننسى بالطبع هذا اللفيف من المدافعين عن المذهب ـ بوعي أو مغرر بهم ـ، خصوصا اللذين يضعون أيديهم على قلوبهم خشية ضياع المكتسبات (!!) غير المشروعة التي نالوها بقرارات من برلمان وحكومات المحاصصة الطائفية، وصار همهم الاول البحث عن ثغرات فردية هنا وهناك يمكن ان تحدث، ويسعون لتعميمها لأجل تشويه الانتفاضة والثوار؟
ـ لا نتوقف بالطبع عند الزعماء الشعوبيين، هؤلاء الذين كل يوم لهم موقف تبعا لطموحاتهم بالزعامة ومصالحهم وتحالفاتهم مع هذا الطرف او ذاك ـ خارج أو داخل العراق ـ؟
كل هؤلاء ألم يتسائلوا عن أسباب اندلاع الانتفاضة؟ ولو عرفوا بعضا منها ـ هم يعرفون! ـ هل يعتقدون ان الاسباب زالت او اختفت بعصا سحرية لمجرد ان طرفا غادر الساحة لأسباب ليست خافية عن المراقب الواعي؟
أيعتقد أعداء الانتفاضة ومن لف لفهم، ان نيران مطالب التغيير يمكن اطفائها والقضاء عليها بأرهاب المنتفضين بقوة السلاح وكواتم الصوت، أو بخطف وقتل اعداد من المنتفضين؟
أن جذوة الانتفاضة والمطالب بالتغيير لأجل عراق مدني علماني، جمرة متقدة في قلوب شباب العراق، الذي لم تلوثهم أفكار البعث الفاشية وسموم الطائفية المقيتة، هذه الجذوة ليست بحاجة لأيدي خارجية لتحريكها، فدماء الشهداء هو الوقود الذي يغذي نار المطالب المشروعة بالتغيير!
وما دامت الاٍسباب قائمة ومشروعة، فأن الانتفاضة، ستستمر، وتجدد نفسها، وتطور اساليبها، وتتجاوز العثرات والنواقص، وسيلتحق بها المزيد من أبناء الشعب، الذين سيدركون يوما بعد أخر حجم الكارثة وبشاعة جرائم أحزاب الإسلام السياسي بحق الشعب والوطن، وان فترة حكمهم للعراق، لم تكن الا وصمة عار على كل من وقف الى جانبهم وساندهم ودافع عنهم، بالضبط مثلما هو الحال مع حكومة البعث الفاشي الصدامي، الذي رماه الشعب في مزبلة التاريخ، حيث هناك دائما متسع للطغاة المجرمين ومن يساندهم.

23
على هامش احتجاز إسرائيل لنائبة من اتحاد اليسار الفنلندي:
هل تنتصر مصالح تجارة السلاح على المبادئ الانسانية؟
يوسف أبو الفوز                   
تتواصل في فنلندا، ردود الأفعال، حول قضية احتجاز النائبة الفنلندية اليسارية آنا كونتولا (42 عاما) يوم 13 كانون الثاني/ يناير في إسرائيل لمدة عشر ساعات، بتهمة التحريض على أعمال غير قانونية. وكانت النائبة أفادت بأنها توجهت مع مجموعة ناشطين دولية لتنظيم مظاهرة عند حدود غزة تهدف الى لفت الانتباه الى الوضع البائس وانتهاكات حقوق الإنسان هناك. ويُعرف عن النائبة نشاطها الدؤوب في مناصرة القضية الفلسطينية، ومعارضها صفقات السلام ما بين إسرائيل وفنلندا.
فمنذ عام 2007٧، حين حاصرت اسرئيل، قطاع غزة الفلسطيني، نشأت ازمة إنسانية واجتماعية واقتصادية تزداد سوءا تبعا للمراقبين، هذا إذا عرفنا بأن 97٪ من احتياطيات المياه الجوفية في غزة غير صالحة للشرب، ويعيش في القطاع حوالي مليون شخصا، 70٪ منهم لاجئين ونصفهم من الأطفال. ويعيش أكثر من نصف السكان في فقر شديد، ويعتمد 80٪ منهم على المساعدات الإنسانية ويعيش حوالي 70٪ منهم في حالة من انعدام الأمن الغذائي. وتشير المعلومات بأن ه بسبب سوء التغذية، يعاني 31٪ من الأطفال في سن ما قبل المدرسة في غزة من فقر الدم، يقابل ذلك نقص خطير في الأدوية الأساسية.
بعض من أحزاب اليمين الفنلندية، انتقدت نشاط النائبة الفنلندية، وانضمت لهم السفارة الإسرائيلية في فنلندا ببيان احتجاج أرسل الى وسائل الأعلام، وكذلك ناطق باسم الجالية اليهودية في فنلندا، اعتبر نشاط النائبة معاد للسامية. من جانبها ردت النائبة، بان "اليهودية والصهيونية امران مختلفان، وان انتقاد الحكومة الفنلندية لا يعني معارضة للديانة اللوثرية". ويذكر ان رئيسة حزب أتحاد اليسار ووزيرة التعليم لي اندرسون، ثمنت نشاط النائبة آنا كونتولا واعتبرته منسجما مع سياسات وقيم الحزب في دعمه للقضية الفلسطينية.
واعادت هذه القضية للأذهان موضوع تجارة الأسلحة ما بين فنلندا وإسرائيل، فالمعلومات الرسمية، التي تابعناها، ومن عدة مصادر تشير، الى ان فنلندا اشترت اسلحة من إسرائيل بقيمة وصلت الى حوالي 400 مليون يورو، منها أنظمة راديو ميدانية، وصواريخ سبايك المضادة للطائرات عامي 2000و 2002، بل وتفيد المعلومات بأن شركات سلاح فنلندية ساهمت في عامي 2006 و2007 بتوفير قطع غيار لهذه الصواريخ المرخصة للتصدير الى العديد من دول العالم، وتبعا لمنظمات حقوق الانسان العالمية ان بعض أنواع هذه الصواريخ استخدم في الهجمات ضد المدنيين في غزة. ولا تشير المعلومات الرسمية بان حجم التبادل التجاري في مجال الأسلحة يتباطأ لسبب ما، بل حددت وزارة الدفاع الاسرائلية في نهاية عام 2019 فنلندا باعتبارها واحدة من الدول الست التي كانت صادراتها اليها من الأسلحة واسعة النطاق وذات أهمية خاصة.
من هنا نجد أهمية وحساسية نشاط النائبة اليسارية، التي احرجت الحكومات السابقة المسؤولة عن كل هذه الصفقات. فالنائبة اليسارية تعارض التبادل التجاري في مجال الأسلحة، انطلاقا من معاهدة تجارة الأسلحة للأمم المتحدة وقوانين الاتحاد الأوربي، التي تقيد هذا النشاط في الدول التي تخوض حروب وتسجل فيها انتهاكات لحقوق الانسان. والنائبة اليسارية صريحة في اتهام السلطات الإسرائيلية وشركات السلاح بكونها تروج لمنتجاتها مستخدمة الاراض الفلسطينية المحتلة كمجال واقعي لاختبار وتطوير انظمة أسلحتها. وادلت بتصريح مباشر لوسائل الاعلام اشارت فيه الى "أن استمرار تجارة الأسلحة ما بين فنلندا وإسرائيل يبعث رسالة بان انتهاكات إسرائيل الخطيرة والمتواصلة للقانون الدولي ليس لها أي عواقب "
يذكر ان العلاقات بين فنلندا وإسرائيل تشهد نشاطا متواصلا في المجالات الدبلوماسية والتجارية والثقافية، ويقدر عدد الفنلنديين الذين يزورون إسرائيل كل عام بحوالي 10 آلاف فنلندي. وكانت فنلندا اعترفت رسميا بإسرائيل في 1949، وتم بدأ العلاقات الدبلوماسية عام 1950، وتأخر فتح السفارة الفنلندية في تل ابيب حتى عام 1952 وافتحت إسرائيل سفارتها في هلسنكي في عام 1956.
ومواقف فنلندا من القضية الفلسطينية، متوازنة وتتبع طبيعة الحكومات التي تدير دفة البلاد، فقد أيدت فنلندا اتفاقية أوسلو وتناصر حل الصراع في الشرق الأوسط على أساس الدولتين، وتنسج سياستها بهذا الشأن مع سياسة الاتحاد الأوربي، وهكذا افتتحت ممثلية لدولة فلسطين، دون الاعتراف الرسمي بها، كما أدانت فنلندا، مع الاتحاد الأوروبي ، الحصار الإسرائيلي ضد قطاع غزة ، وسجلت فنلندا العديد من المواقف الإيجابية والمشهودة في الأمم المتحدة وكان اخرها التصويت لصالح تجديد تفويض وكالة الأونروا ومواصلة عملها في توفير اساسيات الحياة للاجئين الفلسطينيين، إضافة الى الدعم المباشر المتواصل للقطاع الصحي والتعليمي في مناطق مختلفة من فلسطين.
أعتقد ان الجالية الفلسطينية، والعربية عموما، في فنلندا، مدعوة للاحتفاء، وتكريم النائبة اليسارية الشجاعة آنا كونتولا، وقد قدمنا اقتراحا بهذا الخصوص الى جهات معنية ووصلتني اتصالات أكدت السعي بهذا الاتجاه.

24

قطاف تشرين (56): نحب لو ما نحب؟
يوسف أبو الفوز
في الثورات، كما في الحب، ليس هناك منطقة وسطى. لا توجد منطقة رمادية. "نحب لو ما نحب"؟ ومحزن محاولة البعض من المتثاقفين، انصاف المثقفين، ان يجدوا لهم منطقة رمادية، مكانا خاصا بهم، يذكر بتلك النكتة عن الحاج الذي لم يكمل رمي الجمرات على الشيطان، وحين سأل عن السبب، أخبرهم بانها خط رجعة، تنفع يوما! 
في هذه السلسلة من الخواطر السياسية، فيما يتعلق بشؤون انتفاضة تشرين الباسلة، وبالضبط في الحلقة 44 وفي العنوان تسائلت: (هل يتحمل شيعة العراق جرائم حكومات المحاصصة؟) حاولت يومها الدفاع عن عامة الناس، من المذهب الشيعي، الذين تعرضوا للخداع والتضليل من قيادات وكوادر أحزاب الإسلام السياسي التي تتدثر بثياب الدين، ولم تحمل برنامجا لتطوير البلد أكثر من تسيير المواكب الحسينية وزيارات المراقد الدينية وغير ذلك من الطقوس الدينية. وكان انطلاق هتاف: "باسم الدين باگونا الحرامية"، والذي ردده الالاف من أبناء المذهب الشيعي، في المحافظات التي يسكنها غالبية من أبناء الشيعة، تعبيرا دقيقا عن حالة الخراب التي وصلت اليها البلاد على يد حكومات الفساد والنهب والقناصة المتسترة ب“الطرف الثالث" وهي ترتكب جرائمها بحق أبناء شعبنا من المتظاهرين والناشطين المدنيين.
أعود ثانية الى هذا السؤال، بعد ان لاحظت رواج مصطلح " شيعة الحكومة" في بعض الكتابات.
واجد ان هذا المصطلح منصفا ومكملا لجواب سؤالي، ويكشف بشكل ما عن فئة محددة، ويحاول فصلها عن عامة الناس من أبناء المذهب الشيعي، المتضررين من سياسات حكومات "منطقة العار". حيث نجد ان غالبية الملتحقين بساحات الاحتجاج بهذا الشكل او ذاك، هم من أبناء المذهب الشيعي، من المحافظات الفقيرة، ناهيك عن فئة أخرى تحاول الوقوف في المنطقة الرمادية بانتظار النتائج.
أما جماعة " شيعة الحكومة"، فهذه الفئة من المستقتلين، في التشكيك بالانتفاضة باسم حماية المذهب، وتجد بينهم مسعورين لا يخجلون من تخوين كل متظاهر، وإطلاق الاتهامات عن التمويل الخارجي للانتفاضة واصابع "الجوكر" التي تحرك المتظاهرين، وإشاعة الأحاديث عن "الطرف الثالث"، الذي يخطف ويغتال المتظاهرين، والمثابرة في البحث عن أي ثغرة او خطأ يرتكبه متظاهر، باجتهاد شخصي، لتسليط الضوء عليه وتعميمه ليكون المعبر عن طبيعة الانتفاضة التي تطمح لأجراء تغيير شامل.
قد نتفهم الحماس الطائفي للبعض ممن ترتبط مصالحهم، بهذا الشكل او ذاك، مع حكومات المحاصصة والحرامية وميلشيات الإسلام السياسي، وامراء الحرب من قادة هذه المليشيات، لأن التغيير المنشود القادم لو حل، سيعيد النظر بالكثير من القرارات الصادرة عن حكومات المحاصصة وبرلمانها السيء الصيت، وسيتم الغاء الكثير من المكتسبات غير المشروعة، وربما بأثر رجعي، لكن ما لا يفهم هو سلوك البعض ممن يناصبون الانتفاضة والثوار العداء بشكل مسعور، وممن ركبهم وهم الدفاع عن قتلة أبناء الشعب، وراحوا يتخبطون في وحل الديماغوجيا المذهبية، دون الاحتفاظ بخط رجعة تحسبا للأيام القادمة ، ولو دققت في أحوالهم ستجدهم  من ضحايا هذه الحكومات الفاسدة التي يدافعون عنها !

25
قطاف تشرين (55): أنتفاضة تشرين بين أمريكا المنحوسة والحشد الشعبي!
يوسف أبو الفوز
غبي و"أعمى قلب "من يستهين بتضحيات قوات الحشد الشعبي ودوره المتميز في الدفاع عن العراق ضد قوى الإرهاب الظلامي الطائفي الداعشي!
والأغبى من لا يفصل بين مقاتلي الحشد، أبناء العراق الفقراء البررة، وقادته من أمراء الحرب الذين حاولوا ان يستثمروه كورقة انتخابية لمصالحهم الطائفية، التي تتماشى واهداف قوى إقليمية طائفية.
اما أمريكا، التي قصفت مقر "اللواء 45"، التابع لقوات "الحشد الشعبي" في مدينة القائم بمحافظة الأنبار غربي العراق ومواقع في البوكمال، فهي تبقى"عدوة الشعوب" التي طالما غنى أبناء جيلنا عنها: "أمريكا يا منحوسة هدني قمرنا العالي "، فهي أساس البلاء أولا وتاليا، ولابد من أدانة تحركاتها ودورها في تخريب بلادنا.
نفخت أمريكا الامبريالية في صورة المجرم صدام حسين كقائد للامة العربية، وبدفع وتخطيط جهنمي من دوائرها في المنطقة، توالت حروب صدام الكارثية نيابة عن الاخرين، ضد إيران وثم غزو الكويت، وقمع الشعب العراقي، شمالا وجنوبا، ليجني العراق في" الزمن الجميل " ــ كما يتبجح البعض ـ، الخراب والدمار الاقتصادي والاجتماعي وليتقهقر الى عصر ما قبل الصناعة.
وسرعان ما نفخت أمريكا صدرها حبا وهياما بالشعب العراقي وراحت تبيع علينا بضائعها من سوق الديمقراطية الامريكية، فازاحوا نظام المجرم صدام حسين باحتلال البلد بعد ان أدركوا كونه استنفذ مهماته في المنطقة (في سيناريو مماثل لما حصل في بنما مع رجلهم الجنرال اورتيغا عام 1989). كان العراقيون قد شبعوا ضيما وموتا من انظمة البعث الفاشي، فكان بسطاء الناس يتمنون حتى لو يأتي الجيش الاسرائيلي لإنقاذهم (ترددت هذه الامنيات حرفيا حتى من قبل قادة سياسين!)، فجاءت الدبابات الامريكية لتحريرهم، فجلبت معها "مجلس الحكم"، وسلمت قيادة البلد بيد أحزاب الإسلام السياسي، وفق معادلات المحاصصة الطائفية، وكانت أمريكا مدركة جيدا لما تفعل، فهي تعرف ماذا ستفرخ أمثال هذه الحكومات!
وسرعان ما كشفت أمريكا عن براعتها في صناعة "داعش"، كمؤسسة إرهابية ظلامية لاستنزاف البلاد والمنطقة لتبقى هي الأطفائي الطيب الذي يهب دائما لاخماد بعض الحرائق هنا وهناك عند الضرورة. في المقابل، ونتيجة منطقية لنشاط الاحزاب الطائفية، ظهرت لدينا أيضا "ماعش" ـ حسب التعبير الشعبي ـ، التي تدور في فلك الطائفية الظلامية ومصالح الجمهورية الإسلامية في إيران وتمددت أذرعها العسكرية، لتكون في مواجهة رغبات عموم أبناء الشعب في ان يكون لهم وطن مستقل، ودولة مستقلة وحياة حرة كريمة.
وبما ان المصالح هي من تقود، وهي من تحرك بوصلة السياسة، نجد الفرز يستمر دائما، بين طرفين، الطرف الأول: شعب عانى كثيرا، وافرز جيلا متمردا عانى من حكومات الحرامية الطائفية، والطرف الثاني مؤسسات "الدولة العميقة" وأذرعها العسكرية، التي التهمت الدولة العراقية وأصبحت بجدارة "الطرف الثالث " المسؤول عن الاف الجرحى ومئات الشهداء من ثوار الانتفاضة، معلنين تشبثهم بكراسي السلطة بكل ما يملكون.
وإذ تهاجم امريكا مواقع قوات الحشد الشعبي، فان العم سام، الاطفائي، المُخلص، يحاول عامدا خلط الأوراق، وليحول العراق الى ميدانا للصراع الإيراني ـ الأمريكي في المنطقة، مع تواصل عجز الحكومات العراقية. ان الثأر لمقتل ضابط أمريكي على أثر قصف جماعة مسلحة، موالية للسياسة الإيرانية، لا يمكن ان تتحمله كل قوات الحشد الشعبي، إذ سيوفرون بذلك حجة للطائفيين المتباكين على المذهب للإساءة لانتفاضة تشرين وثوارها، بأشكال مختلفة، وقدة بدأت الجيوش الاليكترونية لعبتها.   
ان انتفاضة تشرين الباسلة، وهي تكمل يومها التسعين، ستكون سلميتها، واستمرارها، عاملا لفضح هذا الخلط في الأوراق الذي تمارسه قيادات المليشيات الطائفية ورجالات "المنطقة الغبراء" وحيتان الدولة العميقة، فهم اذ يتهمون كل ثائر لأجل حقه بكونه بعثي او عميل امريكي، ليخدعوا بسطاء الناس بكون المذهب في خطر، فأن أبناء الفقراء في القوات الأمنية والحشد الشعبي لابد ان يتجاوزون حيرتهم، ويدركون انهم لا يمكن الاستمرار كأدوات بيد أمراء الحرب ممن يسعون لأجل مصالحهم التي لا تصب في مصلحة الشعب العراقي.

 
 


26
قطاف تشرين (54): يا ثوار تشرين.. حانت ساعة العمل!

يوسف أبو الفوز

أكتب من بعد حوارات وتبادل وجهات نظر مع العديد من الناشطين في ساحات الاحتجاج، في بغداد وبعض المدن العراقية، وكنت حريصا ان استمع لهم واسمعهم وجهة نظري. وانطلاقا من أن الانتفاضة هي ليس بغداد وحدها، وأن الانتفاضة ليس هذه الخيمة في ساحة التحرير، او تلك وحدها، وأنها ملك لكل الشعب، حتى أبناء العراق من يعيشون خارج الوطن لأسباب مختلفة، أسجل هنا وجهة نظري التي تحاورت حولها مع أصدقائي من المنتفضين.
نتفق بأنه واهم ـ وجدا ـ من يظن ان قوى الإسلام السياسي الطائفي، والمليشيات النذلة، وابواقهم العاهرة، داخل وخارج الوطن، يمكن ان يستسلموا بسهولة. الامر ليس حزورة، لأنه لا يتعلق بزوال سلطتهم وتحكمهم برزق وحياة الناس، بل لأن أي حكومات قادمة وفق رؤية الانتفاضة ستكون مجبرة لمساءلة شلة حرامية "المنطقة الغبراء" ومحاسبتهم عن نهب ثروات البلد وتخريبه.
وهكذا وجدنا، رجال الدولة العميقة، يناورون بمختلف الطرق، من اغتيال أبرز الناشطين، الى تنفيذ عمليات الأختطاف والاعتقال، لمحاولة نشر الخوف وبث الهوان في قلوب المنتفضين من ثوار تشرين. ومع اقتراب الانتفاضة من نهاية شهرها الثاني، بدأ سياسي الصدفة المراهنة على تعب المتظاهرين ومللهم، فبدأوا اشغالهم بمسلسل أسماء المرشحين لرئاسة الوزراء، مع نشر الافتراءات والاكاذيب عن انسحابات من ساحات الاحتجاج، ومحاولة الظهور بروح الحرص على المدارس المغلقة والاعمال المتوقفة وأيضا افتعال أزمات ما تتعلق بأمن وحياة الناس وطبيعة الانتفاضة السلمية (جريمة ساحة الوثبة مثلا) لتحميل الانتفاضة المسؤولية! وربما نرى قريبا مناورات أخرى تنفذ بروح نذلة وبدون أي رادع أخلاقي.
من جانب اخر، ليس سرا، لازالت الانتفاضة وقواها المحركة ـ الثوار، ترواح في مكانها، دون ظهور خطاب موحد، يعكس تنسيق وتنظيم محسوس يمكن الارتقاء بالروح الثورية للانتفاضة، وتصعيد نشاطها السلمي، لأجل كسب جولة أخرى في الصراع لأجل التغيير الشامل. لازالت ساحة التحرير تعيش حالة "الخيم الثورية"، ولم يتعد الامر اجراء زيارات وحوارات واتفاقات لم تنتج عن أشياء ملموسة على صعيد إيجاد لجنة تنسيق موحدة شاملة.
نكرر هنا، بان دماء الشهداء، معاناة ألاف الجرحى، وجهد أبناء كل المدن المشتركين في الانتفاضة، هو مسؤولية برقبة وذمة العقلاء والناشطين من ثوار الانتفاضة. ونكرر بان الانتفاضة ملك لكل الشعب، وعليه، آن الأوان للعمل بروح الايثار، الاستماع للآخر، التحاور مع من يرغب، استشارة الأكاديميين والخبراء، والعمل الجاد لإيجاد ذراع تنظيمي ديمقراطي، مرن، يرتفع بجهد الانتفاضة ويستطيع ان يصل بها الى أهدافها في التغيير الشامل.
لم تكن دماء الشهداء من اجل تغيير رئيس وزراء فاشل لحكومة فاشلة، ولا لأجل إنجاز اعمال ترقيعية في قوانين نظام سياسي كان سببا في خراب العراق طيلة 16 عاما.
حان الأوان للعمل الجاد لاجل التغيير، والكرة في ملعبكم ايها الثوار، يا حاملين الامل. حانت ساعة العمل يا أبناء العراق البررة!

*البوستر للفنان فراس البصري

27

قطاف تشرين (53): لغة كاتم الصوت
يوسف أبو الفوز
لجأ المجرم صدام حسين الى الغدر بالشيوعيين ومحاولة إبادتهم بحملات منظمة متواصلة، لأنه أدرك انه لن يصمد امام انتشار افكارهم وتأثيرهم في المجتمع العراقي، فصحف الشيوعيين واعلامهم الحمراء صارت تخفق في سماء كل مدن وقصبات العراق، وثم انتقل للغدر وتصفية خصومه من بقية القوى السياسية، وحتى داخل حزب البعث ليخطف حياتهم قبل ان يخطفوا منه الكرسي.
وواجه المهاتما غاندي، الزاهد المتصوف، والزعيم الروحي لاستقلال الهند، امبراطورية لا تغيب عن اراضيها الشمس، تملك الجيوش الجرارة، بسلاح العصيان المدني السلمي فألهم بذلك حركات حقوق الانسان والحرية في كل مكان في العالم بأسلوبه الرافض للعنف والداعي للسلمية.
اليوم، وبشكل محموم ومريض تلجأ قوى الإسلام السياسي وميلشياتها النذلة، الى اغتيال نشطاء الانتفاضة، في مسلسل غدر جبان ونذل يبدو لن يتوقف، ألا بعد ان يلفظ نظامهم انفاسه الأخيرة، وهذا الامر بات قريبا.
حان الأوان لثوار ساحات الاحتجاج ان يرفعوا من اشكال نضالهم السلمي، ان يرصوا صفوفهم، ويوحدوا جهودهم، ويكون لهم صوتهم الموحد، الذي يدعوا الى تطوير نضالهم السلمي لأجل التغيير الشامل وزوال نظام الدولة العميقة ومليشياتها النذلة.
ان الجبان يلجأ الى الغدر فهذا طبعه لأنه يخشى مواجهة الفكرة.
ان الذي لا يصمد امام فكرة يلجأ الى غدر السكين فهي لسان حاله.
لكنه ينسى أنه دائما وابدا كانت الوردة تهزم السكين!
دائما وابدا كانت الفكرة تهزم الرصاصة!
دائما وابدا كانت الشعوب تنتصر وينهزم الطغاة مجللين بالعار!

* الكاريكاتير للفنان الراحل مؤيد نعمة
 

 

28
قطاف تشرين (51): جريمة ساحة الوثبة وانصار المذهب!
يوسف أبو الفوز
واهما من يظن أن مليشيات الدولة العميقة، وأحزاب المحاصصة الطائفية (دائما اقرئها: المعاصصة!) سوف تستسلم بسهولة، وتغادر كراسي الحكم في "المنطقة الغبراء"، وتسلمها ببساطة الى الشعب العراق وثوار تشرين.
أنهم يعرفون جيدا، ان مجيء حكومة خارج إطار المحاصصة الحزبية الطائفية المقيتة، وترسيخ مؤسسات الدولة والعمل بالقانون، يعني فتح كل ملفات الفساد واستغلال السلطة، وهذا يعني ان وجوها كثيرة ظلت لسنوات طويلة تلغُو على شاشات التلفزيون ـ وعلى صفحات الفيس بوك والصحف ـ ستقف في قفص الاتهام لتنال جزائها العادل، وامامها سؤال: من اين لك هذا؟
لهذا ستكون مهمة ثوار تشرين ليست سهلة، وستواجههم الكثير من السيناريوهات لتشويه ثورتهم والنيل منها .
ان ما يلفت الانتباه عندي، هو ليس هؤلاء الحرامية ـ الحيتان ـ الذين شفطوا المليارات والملايين وفتحوا حسابات بنكية بأسماء احفادهم وزوجات أبنائهم، في اغلب بنوك العالم، ليكون ضميرهم مرتاحا حين يجأر أحدهم على شاشات التلفزيون: اتحداكم إذا وجدتم لي حسابا بنكيا خارج العراق!، المثير للشفقة هو هؤلاء المدافعين عن هؤلاء الحرامية ويشككون بالانتفاضة ويصدقون بكل السيناريوهات المغرضة، وهم لم ينالوا من الحيتان شيئا، او ربما بعض الفتات.
ان وهم الخوف على المذهب من ان تصادره الدولة المدنية، هذا الوهم الكاذب، الذي يعبر عن قصور فكري، تغذيه بقوة شلة الحرامية من سياسي الصدفة ، من حيتان أحزاب الإسلام السياسي لخداع الناس البسطاء وابقائهم حولهم سورا يحميهم من رياح الانتفاضة التي ستقتلعهم من جذورهم، لهذا لم استغرب نباح البعض وهم يتحدثون عن جريمة ساحة الوثبة، ناسين مئات الشهداء من ثوار الانتفاضة ودمائهم التي لم تجف بعد، وراحوا يتباكون على جريمة ساحة الوثبة التي تبين فيما بعد انها جاءت وفق سيناريو خبيث مرسوم لتشويه الانتفاضة وتقديم مبررات لقمع ثوار الانتفاضة ، لهذا ترى ان أنصار المذهب في كل صفحات الفيس بوك يتباكون على ما جرى في ساحة الوثبة ، سواء عن عدم دراية او عن قصد !
ولابد لي ان اذكر هنا ملاحظة، بان ثوار الانتفاضة، استعجلوا في اصدار براءتهم من جريمة ساحة الوثبة، اذ كان واضحا ان البيان ، الذي وصلني ونشرته، مكتوبا على عجل، إذ كان يتوجب على الثوار انتظار موجة الفيديوهات التي انتشرت وبينت جليا حقيقة السيناريو، وكيف جرت الجريمة، ومن نفذها، وكيف سلمت القوات الامنية جثة القتيل المغدور للجماهير الغاضبة ليجري ما يجري.

* ستبقى الصورة المرفقة عندي رمزا لانتفاضة تشرين السلمية



   

29

قطاف تشرين (50): مليشيات الغدر تعيد أخراج فيلم بعثي دموي
يوسف أبو الفوز
إذ تتواصل أخبار الاغتيالات الغادرة بكاتم الصوت، لمناضلين، ناشطين في الانتفاضة، فتثير الحزن والقلق، دفعني ذلك للتواصل، صباح اليوم مع أصدقاء، من المثقفين، الناشطين في انتفاضة شعبنا، للاطمئنان عليهم ومتابعة الاحداث من مصادرها، بدل دوخة مطابخ الفيس بوك، التي تصنع بعض الاخبار حسب هوى ثوار الكيبورد.
ذكر لي أحدهم بالنص: "صرنا ما نرجع بالطريق اللي أجينه بيه، ولا نبات بنفس المكان يومية".
أستوقفني هذا الكلام. خطر في بالي أقول لصديقي الشاب وعلى طريقة العراقيين: "سبق وشاهدت هذا الفيلم "!: لكنني لجأت الى تعزيز معنوياته واعطاءه بعض التوصيات من تجاربنا المتواضعة، ورحت مع نفسي استعرض أياما عصيبة عاشها جيلنا أيام النظام البعثي العفلقي الصدامي، حين اضطررنا فيها للاختفاء وضباع البعث تطاردنا من شارع لشارع، وهي تستبيح الوطن وتصادره لصالح سلطات نظامهم الشوفيني الفاشي، الذي حاول مصادرة حياة الناس وافكارهم وواجه المعارضين بالاعتقال وممارسة أبشع أساليب التعذيب وثم التصفية بمختلف الطرق. أيامها اجبرنا ارهاب البعث ان "ما نرجع بالطريق اللي أجينه بيه، ولا نبات بنفس المكان يومية"، وصرنا نخفي حركتنا وتنقلاتنا عن أقرب الناس لنا، ليس من باب عدم الثقة بهم، لكنا تحسبا ان يكونوا مراقبين بدون علمهم، او حتى يكونوا صادقين عند استجوابهم فيما لو اعتقلوا بأنهم لا يعرفون شيئا عنا.
واذا عدنا الى فيلم الرعب، بالمزدحم بأحداث الخطف والاعتقال والتعذيب بمختلف الأساليب الدنئية وثم الاغتيال بكواتم الصوت، الذي تعرضه شاشات العراق هذه الأيام بالسينما سكوب، من اخراج أحزاب الأسلام السياسي ومليشيات الدولة العميقة بالتعاون مع "الطرف الثالث"، وباشتراك كادر من هواة التمثيل والاجرام من سياسي الصدفة وضباعهم المغرر بها، فلابد من القول بان هذا الفيلم الدموي الرديء ، سبق وأخرجه حزب البعث العفلقي الصدامي مع أبناء الشعب العراقي، وعاش جيلنا اغلب فصوله واحداثه، ولكنه اصبح من التأريخ، لكن يبدو ان قادة مليشيات الدولة العميقة وحثالاتهم ينتمون الى نفس المدرسة الاخراجية في الغدر وخيانة شعبهم.
أنها نسخة جديدة، رديئة، من فيلم سيسدل عليه الستار قريبا بعزم الثوار وسلمية انتفاضتهم، التي ستكنس كل ضباع الغدر الى مزبلة التأريخ، وتركنهم الى جانب قتلة الشعب العراقي الذين بال عليهم أبناء الشعب!
صديقي الشاب من بغداد، انهى كلامه لي: لن يرعبونا، انهم يجعلونا نشعر انها ايامهم الأخيرة .


 















30
أصغر رئيسة وزراء يسارية في تأريخ فنلندا

هلسنكي ـ يوسف أبو الفوز
أخيرا، حسم الامر أعضاء المجلس الحزبي، للحزب الاجتماعي الديمقراطي في فنلندا، وحصلت سانا مارين (34 عامًا) على 32 صوتًا، مقابل 29 صوتًا لمنافسها، رئيس المجموعة البرلمانية للحزب، وبهذا تكون أصغر رئيس وزراء في تاريخ فنلندا. جاء الأمر، إثر تنحي رئيس الوزراء السابق أنتي ريني عن موقعه، إثر ازمة إضرابات عمال البريد، احتجاجا على محاولة انهاء عقود عمل 700 عامل وموظف، إضافة الى اتباع إجراءات في تخفيض الرواتب وزيادة ساعات العمل دون تعويض مما اثار غضب النقابة، ثم ما رافقها من سلسلة إضرابات التضامنية معهم، والتي نفذها عمال النقل، فكانت سببا في شل حركة المواصلات من والى خارج فنلندا، ولتكبد الحكومة خسائر كبيرة غير متوقعه. خلال معالجته الازمة حاول رئيس الوزراء التهرب من معرفته المسبقة بنوايا وإجراءات شركة البريد، وحاول تحميل وزيرة البلديات المسؤولية، لكن استقالتها ككبش فداء لم تعالج وتحل الازمة، فمن جهة كانت المفاوضات الصعبة بين شركات البريد والنقابات تسير ببطء لإيجاد حلول مقبولة من الطرفين، ومعها بدأت تتصاعد الأصوات المنتقدة لرئيس الوزراء، الذي هو في الوقت نفسه زعيم الحزب الاجتماعي الديمقراطي ، وطريقة تعامله مع الازمة والتشكيك في اداءه، وبدا للبعض انه وقع في شرك ما بناه بنفسه، فهو القيادي النقابي المخضرم، إذ كان مساهما في إيجاد أسلوب التضامن النقابي، بإعلان اضرابات مرادفة تضامنية، ليمنح النقابات قوة ولا يجعلها تكون منفردة في الساحة.
بعد فوزه في الانتخابات الربيع الماضي، قاد انتي ريني تشكيلة حكومية في تحالف ضم حزبين من قوى اليسار، هما حزب الخضر وحزب اتحاد اليسار، إضافة الى حزب الوسط وحزب الشعب السويدي، مع برنامج حكومي حمل الكثير من الوعود للفنلنديين، إثر ما عانوه من حكومة أحزاب اليمين السابقة التي قادها حزب الوسط، ومارست سياسة تقشف اضرت كثيرا بذوي الدخل المحدود. لاحظ المراقبين ان حزب الوسط، رغم وجوده في تشكيلة حكومة أنتي ريني، الا انه شارك بقوة في انتقاد أداء رئيس الوزراء، إذ وجدها فرصة ليثبت أنه وان خسر في الانتخابات لصالح الحزب الاجتماعي الديمقراطي ، لكنه لا يزال رقما قويا في الساحة السياسية. وأضاف متابعين بانه اجراء انتقامي من قبل حزب الوسط موجه الى الاجتماعي الديمقراطي ، الذي كان كذا مرة سببا في تنحي وخسارة زعماء الوسط اثر أزمات مماثلة ، فاعلن حزب الوسط عن عدم رضاه وثقته بأداء رئيس الوزراء، واصطف الى جانب المعارضة، لمسائلة رئيس الوزراء في البرلمان وهذا بالتأكيد كان سيقود الى جلسات التصويت على سحب الثقة من الحكومة، وهنا وللخلاص من الذهاب الى انتخابات مبكرة، قد تكون نتائجها لغير صالح قوى اليسار، بحكم إشارات الاستطلاعات عن تقدم قوى اليمين المتطرف، لجأ الاجتماعي الديمقراطي ، الذي يملك دستوريا حق تشكيل الحكومة، الى المناورة، وإزاحة زعيمه عن رئاسة الوزراء، مع بقاءه في زعامة الحزب، والاعلان عن نيته انتخاب رئيس وزراء جديد من داخل الحزب. قبل رئيس الجمهورية استقالة رئيس الوزراء، مع انتظار اختيار البديل من داخل الاجتماعي الديمقراطي . جرت الأمور سريعا، وفق شفافية العمل الديمقراطي في فنلندا ، فتم تكليف انتي ريني باعتباره زعيم الحزب بقيادة المفاوضات لتشكيل الحكومة البديلة، والتي بعد مفاوضات قصيرة، اعلن انه لم يحدث تغيير كبير فيها، اذا بقت نفس تشكيلة التحالف، مع إمكانية تغيير بعض الوزراء، وأيضا مع الموافقة على البرنامج الحكومي الذي سبق وقدمه انتي رينيه بنفسه، التغيير الاساس كان الاتيان برئيسة وزراء جديدة، امرأة شابة وجميلة، تحمل ماجستير في الدراسات الإدارية، وكانت وزيرة النقل والاتصالات ،وقادمة من عائلة عمالية، ومعروفة بمواقفها المعارضة لانضمام فنلندا الى حلف الناتو ، إضافة الى دعمها برامج الحفاظ على البيئة، وفي حملتها الانتخابية داخل حزبها ، للفوز بمنصب رئيس الوزراء ، أرسلت رسالة قصيرة لأعضاء حزبها تقول فيها : "تعيش فنلندا وضعا استثنائيا، علينا التركيز ومواصلة عملنا في بناء مجتمع أكثر عدالة وأكثر مساواة".
 

31
رئيس الوزراء الفنلندي يقدم استقالته 

هل أطاح الحزب الديمقراطي الاجتماعي الفنلندي بزعيمه؟!

يوسف أبو الفوز

حين أصبح انتي ريني رئيسا للوزراء في فنلندا، بحكومة تحالف تضمن حزبين من قوى اليسار، هما حزب الخضر وحزب اتحاد اليسار، مع حزب الوسط وحزب الشعب السويدي، بدا أنه سيسير قدما بدون عوائق كثيرة لتنفيذ برنامجه الذي حمل الكثير من الوعود للفنلنديين، إثر ما عانوه من حكومة اليمين السابقة التي مارست سياسة تقشف اضرت كثيرا بذوي الدخل المحدود.
ما دفع للاعتقاد بسهولة، عمل حكومة انتي ريني، هو تاريخ الرجل، فهو قائد نقابي لسنوات طويلة، لديه خبرة في عمل النقابات مع مختلف الحكومات، بل كان من عرّابي أسلوب التضامن النقابي، ليمنح النقابات قوة ولا يجعلها تكون منفردة في الساحة، وما ان برزت أزمة إضرابات عمال البريد، حيث اقدمت شركة البريد على محاولة انهاء عقود عمل 700 عامل وموظف، إضافة الى اتباع إجراءات في تخفيض الرواتب وزيادة ساعات العمل دون تعويض مما اثار غضب النقابة ، حتى وجد نفسه يقع في فخ ما بناه بنفسه، ويواجه سلسلة إضرابات تضامنية، زعزت من ثقته بنفسه، وابعدت عنه حلفاءه في الحكومة، ووجدها حزب المركز فرصة ليثبت أنه وان خسر في الانتخابات لصالح الحزب الديمقراطي الاجتماعي، لكنه لا يزال رقما قويا في الساحة السياسية.
فقد انتي ريني ابتسامته، التي عرف بها، خلال أيام المفاوضات الصعبة بين بين نقابات عمال البريد وشركة البريد، وجاءت سلسلة الإضرابات التضامنية معهم، والتي نفذها عمال النقل، فكانت سببا في شل حركة المواصلات من والى خارج فنلندا، ولتكبد الحكومة خسائرا كبيرة غير متوقعه، لتزيد من قلق رئيس الوزراء مع تصاعد الأصوات الناقدة لقيادته للحكومة حتى من داخل حكومته.
فلم تكن استقالته مفاجأة للكثيرين، فما حصل جرى في إطار أليات العملية الديمقراطية الفنلندية المعروفة بشفافيتها.
ان الحزب الديمقراطي الاجتماعي دستوريا لا يزال يملك الحق بتشكيل حكومة بديلة، وسوف يرشح شخصية من قيادته لتشكيل حكومة جديدة، والمرشح الأكبر هنا أحد نواب رئيس الحزب، إذ لا يبدو خيار الانتخابات المبكرة مرغوبا من قبل أحزاب اليسار، بما فيها الحزب الديمقراطي الاجتماعي، ارتباطا بنتائج الاستطلاعات التي تشير الى التقدم في شعبية اليمين المتطرف في الشهور الأخيرة.
لقد ارتكب أنتي رينيه أخطاء في طريقتة للتعامل وحل ازمة إضرابات البريد، ولم ينجح معه التضحية بوزيرة البلديات لتحميلها المسؤولية، ورغم ان الاستطلاعات تبين بان 74 %من الفنلنديين راضين عن سياسة الحكومة، الا ان حسابات أمكانية سحب الثقة من الحكومة والذهاب الى انتخابات مبكرة، يبدو دعت الحزب الديمقراطي الاجتماعي التضحيه بزعيمه، وإزاحته من منصب رئيس الوزراء مع احتفاظه بموقعه كرئيس للحزب.


32
أم زياد وانتفاضة تشرين
يوسف أبو الفوز
عودت شادمان، ان أقدم لها بين الحين والأخر هدايا بسيطة، بدون إنتظار أي مناسبة. حملت اليوم، في طريق عودتي الى البيت، باقة ورد وقدمتها لها. بعد ان حصلت قبلة الشكر، اخبرتها انها بمناسبة عيد ميلاد " أم زياد"!
طيلة حياتنا الزوجية، لأكثر من احدى وعشرين عاما، اجتهدت ان لا أوفر سبباً لشادمان، كشريكة حياة، لتشعر بالغيرة من امرأة أخرى، لكني فشلت في علاقتي مع أم زياد!
تتصل بي شادمان هاتفيا لتطمأن علي، فأخبرها: لا تقلقي حبيبتي، وصلت البيت، حاليا اشرب قهوتي مع أم زياد!
أكره ان اجلس الى مائدة الطعام وحدي، تعلمت ان يشاركني ألاخرين ذلك، وهكذا حين أجد نفسي مضطرا لاكون وحدي، اسارع لدعوة أم زياد التي تلبي الدعوة بكل سرور فتضيف للطعام نكهة أخرى.
وعلمت أن أحد أصدقائي عبر عن ولهي بأم زياد بقوله: تصوروا أنه يتحدث معها!
وماذا في ذلك اذ استأذنها حين الأبتعاد عنها وأخبرها:
ـ عفوا ام زياد، سأعود حالا!
كيف لا أحدثها واناغيها واستمع لها دون ملل وهي التي لم تتركني وحدي طيلة عام ونصف، من بعد ان غدر حزب البعث الصدامي بحلفائه عام 1978، واضطررت للاختفاء، وصارت ضباع البعث تطاردنا من شارع لشارع، لإرغامنا على الانضمام لمؤسسات حزب البعث الفاشي، كانت أم زياد سميري الذي يهدهدني كلما توفرت لي الفرصة للاختلاء بها؟
وفي تلك الأيام البهية، يوم توهجت زهرة شبابنا بين جبال كردستان، أيام التحفنا صخورها، ضمن صفوف أنصار الحزب الشيوعي لمقارعة نظام البعث الصدامي المجرم، كنا ننتظر مساء الأربعاء على أحر من الجمر لنسمعها ساعة كاملة تشدو ضمن برامج إذاعة الكويت!
في أيام الغربة، صارت رفيقي حين اختلي الى نفسي او الى الورق لأكتب شيئا ما، وتسير معي خطوة خطوة في جولاتي في الغابة القريبة، محاولا تنفيذ وصايا الدكتور لانزال وزني بضع كيلوغرامات، وسمير الليالي اذ يصيبني الأرق، اما قهوتنا الصباحية فحتى شادمان تعترف بأن لا مذاق لها دون صوت ام زياد.
هذه الأيام، وشوارع المدن العراقية تلتهب تحت اقدام ثوار انتفاضة تشرين لقبر نظام المحاصصة البغيض، وإذ يحل يوم عيد ميلاد ام زيادة، الساحرة فيروز، لم أجد الا تلك الاغنية التي كنا نطرب لسماعها بصوتها إذ تبثها إذاعة "صوت الشعب العراقي"، إذاعة الحزب الشيوعي العراقي، من بعد كل عملية انصارية ناجحة لأهديها لثوار انتفاضة تشرين:
ــ خبطة قدمكن عالأرض هدارة    إنتوا الأحبا وإلكن الصدارة
خبطة قدمكن عالأرض مسموعة     خطوة العز وجبهة المرفوعة


33

دردشة مع السفير الفنلندي في العراق

يوسف أبو الفوز
منذ سنوات طويلة، تعرفت الى السيد فيسا هاكنين، أحد المدراء النشطاء في وزارة الخارجية الفنلندية، في قسم الاعلام والاتصالات منذ عام 2014، وعمل في وزارة الخارجية منذ عام 1999 وشغل العديد من المناصب الدبلوماسية، في تايلند، السويد ، بولونيا وروسيا ، درس التاريخ السياسي ويحمل ماجستير في العلوم السياسية.
حضرنا معا العديد من المناسبات السياسية والثقافية والاجتماعية. تميز في عمله وعلاقاته بالحزم والدقة، ولم يفوت فرصة من لقاءاتنا للسؤال والحديث عن الأوضاع في العراق. وأخيرا قررت الدبلوماسية الفنلندية، إرساله سفيرا مقيما الى بغداد، ليكون اول سفير لفنلندا في بغداد من بعد اغلاق سفارتها عام 1991، أثر غزو نظام صدام حسين للكويت. ألتقيته مؤخرا للتهنئة والتشاور. تحدثنا كأصدقاء عن العديد من الموضوعات، منها مجريات انتفاضة تشرين، وما يخص مهمته القادمة في العراق وتطورات الموقف في العراق. استأذنته في نشر جزء من حديثنا، اذ لم يكن لقاءنا مخططا لأجراء حوار صحفي:
ـ أشار الى انه سيسافر الى العراق قريبا ليلتحق بعمله، رغم توتر الاحداث، وسيعمل في بناية البعثة السويدية، والتي تشغلها البعثة النرويجية أيضا.
ـ يقدر عاليا ان مهمته ليست سهلة، لكنه متفائل بأنه وفريق العمل الصغير (خمسة اشخاص) سيبذلان الجهد لنسج علاقات طيبة مع الشعب العراقي وحكومته. وبين بان طاولة عمله الان فارغة من أي مشاكل سابقة، وهذا ربما يساعده قليلا، ويأمل ان تمتلا طاولته بالمشاريع التجارية.
ـ يعتقد ان العراق سيكون سوقا خصبا للشركات الفنلندية المعنية بالطاقة والاتصالات ووجود سفارة فنلندية سيشجع رجال الاعمال الفنلنديين للتوجه نحو السوق العراقي، وان فنلندا لديها الكثير لتقدمه الى العراق.
ـ تمنى ان يعم السلام العراق، وتهدأ الأوضاع، وعندها يمكن العمل بحرية بعيدا عن المخاوف والتوجسات.
ـ حول موضوع اللاجئين، أشار الى انه رغم أهمية الموضوع، الا انه ليس مهمته الأولى، فالأمر يخص دائرة الهجرة أساسا التي سيلتحق موظف منها في السفارة الفنلندية مطلع العام القادم. وكرر ما قاله للصحافة الفنلندية مؤخرا، بان للسويد اتفاقية مع الحكومة العراقية لإعادة اللاجئين المرفوضين، لكنها غير فاعلة، لان الامر ليس ميكانيكا.

34
المنبر الحر / لافتة جواد سليم
« في: 19:08 09/11/2019  »

لافتة جواد سليم

يوسف أبو الفوز
يعتبر نصب جواد سليم، أحد معالم بغداد الشهيرة، فهو سجل مصور لنضالات الشعب العراقي، صاغة الفنان جواد سليم مثل بيت شعر يقرأ من اليمين الى اليسار. يتكون النصب من 14 قطعة (يرمز الى ثورة 14 تموز) استلهم فيها الفنان تاريخ العراق ومزج بين القديم والحديث حيث تخلل النصب الفنون والنقوش البابلية والآشورية والسومرية القديمة، إضافة إلى رواية أحداث ثورة تموز 1958 ودورها وأثرها على الشعب العراقي. حين اكتملت قطع النصب وجاء وقت عرضها في مكان عام، جاء دور المهندس المعماري رفعة الجادرجي ليقترح ويصمم القاعدة على شكل لافتة.
أنظروا الصور هذه الأيام، من بعد اندلاع انتفاضة تشرين، ولاحظوا كيف الشعب يحتضن ويرفع لافتة جواد سليم من اجل الحرية!   

35
 
علوج المنطقة الخضراء..
يوسف أبو الفوز
قادني الى هذا التعبير، كلمة العلوج، وهي كلمة عربية، تكاد تكون قاموسية، أي غير متداولة كثيرا، لولا ان محمد سعيد الصحاف، وزير اعلام نظام المجرم صدام حسين، بعث فيها الحياة، وهو يصف بها جنود الاحتلال الأمريكيين، الذين جاؤا نتيجة لسياسة نظام البعث المجرم الذي اذل الشعب العراقي كثيرا، بحروبه الكارثية والحصار الاقتصادي وسياسته القمعية.
في قواميس اللغة العربية مثل قاموس المعجم الوسيط، قاموس اللغة العربية المعاصرة، القاموس الرائد، قاموس لسان العرب، القاموس المحيط. قاموس عربي عربي، وجدنا ان للكلمة عدة معاني: عِلْجُ تعني حِمارُ الوَحْشِ السَّمينُ القَوِيُّ، والرَّغِيفُ الغَليظُ الحَرْفِ، والرَّجُلُ من كُفَّارِ العَجَمِ، الجمع: عُلوجٌ وأعْلاجٌ ومَعْلوجاءُ وعِلَجَةٌ. ذكر صحيح البخاري انها وردت في حديث الخليفة عمر بن الخطاب بعد ان عرف بأن من طعنه هو غلام المغيرة فقال لابن عباس: قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة.
والان، ومع اندلاع انتفاضة تشرين، ردا على 16 عاما من تسلط حكومات الإسلام السياسي التي عاثت في البلاد فسادا وواصلت اذلال الشعب العراقي، لا اعتقد اننا نختلف بان المنطقة الخضراء تعج بعلوج الإسلام السياسي، وان أي من معاني كلمة علوج نجدها تنطبق عليهم مباشرة، بل وحتى على من يناصرهم ويدافع عنهم باي شكل كان!

36
في فنلندا.. حكومة أنتي ريني من بعد 150 يوما!


كتابة وتصوير : يوسف أبو الفوز

في اليومين الماضية، تكون مرت 150 يوما على حكومة رئيس الوزراء الفنلندي الحالي أنتي ريني(مواليد1962)، زعيم حزب الديمقراطي الاجتماعي والقيادي النقابي السابق، فما الذي حققه من برنامج حكومته الذي جاء به للحكم؟ هذا السؤل طرحته العديد من الصحف الفنلندية والعديد من المعلقين في عدة برامج تلفزيونية.
أجاب العديد من المعلقين، بان الحكومة لم تستنفذ بعد وقتها للإيفاء بالعديد من تعهداتها، وأشار اخرين الى ان الائتلاف الحكومي يشهد تناقضات وتوترات عبرت عنه قضية انتخاب مسؤولة مؤسسة الضمان الاجتماعي KELA، اذ اصطف حزب الوسط، وهو حزب عضو في الحكومة الحالية، الى جانب حزبي المعارضة الاتحاد الوطني الفنلندي (يمين تقليدي) الفنلنديين الحقيقيين (يمين متطرف)، لتفوز مرشحة اليمين بثمان أصوات مقابل اربع أصوات. ورغم التعارضات البارزة بين أحزاب الحكومة خصوصا بين حزبي الخضر والوسط، فيما يخص سياسة البيئة، فأن بعض المراقبين يعتقدون ان رئيس الوزراء ، واستنادا الى خبرته السياسية الطويلة، في العمل النقابي وتوليه العديد من المناصب الحكومية الرفيعة،  نجح في اعتماد سياسة التوفيق، وهي سياسة طالما مورست سابقا في الحكومات التي قادها الديمقراطي الاجتماعي، بإعتماد ما عرف في السياسة الفنلندية بنهج "حكومة المساء"، وهي طريقة غير رسمية للعمل، ولا يوجد نص دستوري لها، لكنها ناجحة في عقد اجتماع وزاري غير رسمي، يسبق عادة اجتماع الحكومة الرسمي بيوم، ولا توجد فيه قرارات رسمية ولكن تحصل توافقات بين الأطراف تساعد رئيس الوزراء على إدارة الجلسات الرسمية لصالح برنامج الحكومة.
من القضايا الأبرز، التي ناقشها الاعلام، كان تعهد الحكومة برفع معدل التوظيف إلى 75 ٪ بحلول عام 2023، وتوفير 30 ألف وظيفة عمل، لكن المراقبين يعتقدون ان صعوبات عديدة ستواجه الحكومة إذا لم تقدم حلول جديدة، وامام الضغوط المتواصلة من الشارع والمعارضة هناك اعتقاد بلجوء الحكومة الى تقليص صلاحيات دائرة الهجرة فيما يخص عقود العمل ومنحها الى وزارة الشؤون الاقتصادية، وهذا برأيهم سيصب في مصلحة العمال الأجانب ذوي المهارات العالية حيث سيسرع من الموافقات على عقودهم. 
  وحول تراجع شعبية حزب رئيس الوزراء وتقدم الحزب اليمني المتطرف، في استطلاعات الراي العام، فقد أشار العديد من المعلقين، في لقاءات أجرتها الإذاعة الوطنية الفنلنديةYLE ، ان ذلك جاء رد فعل على عدم وجود خطة واضحة لدى الحزب لتنفيذ برنامجه الانتخابي كما أكد الصحفي السياسي روبرت سوندمان، الذي بين ان ذلك كان مثابة احتجاج من الناخبين غير الراضين عن الحكومة الحالية. بينما اشارت زميلته هلمينا سوهينين، إلى أن الحكومة لا تزال متماسكة بشكل جيد ولم تحدث أزمات كبيرة، وقالت إنها أعطت الحكومة درجة محترمة، سبعة من أصل عشر درجات!
يبدو جليا ان أمام أنتي ريني وحكومته مهمة كبيرة لكسب الشارع الفنلندي من جديد، وليس أمامه سوى الاقدام على خطوات جريئة لتنفيذ وعوده، فالشعب لن يرحم، فإمامه العديد من الإضرابات القادمة، ولن ينفعه حينها انشغاله برئاسة الاتحاد الأوربي فحتى هذه قد يفقدها إذا لم ينجح في تجديد الثقة للحكومة فيما لو طالبت المعارضة بذلك.

 



 

 
 

37

رسالة مفتوحة من الجمعيات العراقية في فنلندا

رسالة مفتوحة إلى من يهمه الأمر: أوقفوا الجرائم ضد الشعب العراقي!
لمدة شهر، تستمر الانتفاضة العراقية ضد النظام الطائفي والفاسد الحالي في العراق، بهدف تغيير الأوضاع الحالية التي لا تطاق.
على الرغم من الاحتجاجات السلمية، فإن الحكومة الحالية توجه قوات الأمن لمواجهة المظاهرات بالرصاص الحي وقنابل الغاز المسيل للدموع الموجهة إلى رؤوس المحتجين، مما يؤدي إلى مقتلهم في معظم الحالات، حتى الآن، قتل أكثر من 260 محتج وأكثر من 12 ألف جريح، وأيضا اختطاف الناشطين واعتقالهم.
نحن ندعوكم للتدخل الفوري لوقف هذه الجرائم والتضامن مع الشعب العراقي للمطالبة بحقوقه.
الشعب العراقي يستحق حياة أفضل.
هلسنكي 2019.11.5
التواقيع:
شخصيات مستقلة
جمعية البيت العراقي في فنلندا
الجمعية المندائية في فنلندا
الجمعية الاشورية في فنلندا
جمعية مسيحي المشرق
جمعية عشتار الاجتماعية في فنلندا
 
 *  تم ترجمة هذه الرسالة وجاري العمل على نشرها وتوزيعها بشكل واسع   
 

38
المنبر الحر / قرمشة!
« في: 17:10 05/11/2019  »
قرمشة!
يوسف أبو الفوز
بصراحة جدا، ان علاقتنا ودية وفيها احترام لخصوصية بعضنا الاخر، رغم كونه "متلزم"، حسب المفهوم المتداول عن الانسان المتدين، فصديقي يؤدي صلواته في اوقاتها، وان كان بسبب مشاغله، ووفق فتوى شرعية طبعا، غالبا ما يؤديها مرة واحده في فترة تناسبه تكون عادة في المساء، كما أخبرني. عليّ القول هنا بأن صديقي وإن كان لا يشرب الخمر ولا يأكل لحم الخنزير، فهو يحترم جدا حريتي الشخصية، فلا يعترض في لقاءتنا الدورية، في الأماكن العامة، ان طلبت كأس بيرة ويضعها النادل على طاولتنا المشتركة الى جانب فنجان قهوته المرة التي يشربها بدون حليب او سكر، بل هو يشاركني قرمشة حبات الفستق المالح الموضوعة بين كأس البيرة وفنجان القهوة وبشهية طيبة احسده عليها مما يدفعني عادة لطلب صحن ثاني.
الأهم من هذا كله، هو يعرف بكوني علماني الهوى، وهذا يعني مطالبتي بدولة مدنية ديمقراطية، تكون فيها السلطة لمؤسسات الدولة والقانون، وأكرر دوما أمامه موقفي في ضرورة فصل الدين عن الدولة. للأسف صديقي لا يفرق بين العلماني والملحد، فهو يعتقد ان العلمانية هي الالحاد وعبثا حاولت ان اشرح له بأن الفرق كبير وشاسع، فالإلحاد معناه عدم الاعتقاد أو الإيمان بوجود الآلهة، بينما العلمانية تعني فصل الدين عن الدولة وعن الممارسات في الحياة الشخصية، وان الانسان الملتزم دينيا يمكنه ان يكون علمانيا، لان الامر يتعلق بشكل إدارة الدولة والمجتمع، لكن صديقي أصم أمام كل الحجج والتوضيحات.
صديقي مثلي ينتقد الفساد المستشري في مؤسسات الدولة، لكنه لا يشعر مثلي وغيري بالعار من سياسي الصدفة الذي جاءوا على الدبابات الامريكية، وتحولوا الى حيتان فساد واكلوا الأخضر واليابس في بلد يسبح على بحيرة من النفط ونسبة خط الفقر تجاوزت 35٪، وما ان نتحدث عن الموضوع حتى يقول:
ـ يمكن استبدالهم بناس أنزه منهم، نحن بلد ديمقراطي!
صديقي مثلي يكره البعثيين والمجرم صدام حسين، وما ارتكبوه بحق أبناء شعبنا في الوسط والجنوب وكردستان ـ هو عادة يسمي كردستان شمال العراق ـ، وهو مثلي يشعر بالغيض من ممارسات القيادات الحزبية في كردستان، التي تستغل مشاعر أبناء شعبنا الكردي القومية وتحاول ان ترسم لنفسها صورة البطل القومي المنقذ والخ، لكن ــ هذا أول لكن! ـ ما جعلنا نختلف في نقاشنا حول موضوع كردستان، فهو يخلط الأخضر باليابس، ولا يفصل ما بين الشعب الكردي، صاحب الحقوق المشروعة بتقرير مصيره، وبين القيادات التي تسلطت عليه وأصبحت جزءا من أسباب مصائبه. يتحدث صديقي او يكتب ــ نعم هو أحيانا يكتب على فيس بوك بوستات نارية، قصيرة وسريعة ــ فنجده يدين "الاكراد" لكونهم كذا ومذا. اخبرته مرارا بأن استخدام مفردة "الاكراد" يشابه استخدامنا لمفردة "العربان"، فكلمة   "الكرد" تقابل مفردة "العرب"، للأسف لم يصحح ذلك يوما ـ وهكذا بدأت بيننا "حرب المفاهيم".
اختلفنا حول مفهوم "المليشيات"، هو يسميها "الجماعات المسلحة"، ويعتقد بأحقية الاحزاب بامتلاك "ذراعها العسكري"، وطالما كرر بأنه لولا فصائل "الحشد الشعبي" لدخلت "داعش" الى بغداد و"نامت" مع العراقيات بحضور ازواجهن. ـ كلمة "نامت" هذه من عندي انا "المثقف الثوري " ــ حسب وصفه ــ، لأن صديقي عادة يستخدم تعابير أخرى أكثر واقعية وقريبة لحديث بسطاء الناس ـ، وحين اخبرته بأن غالبية الاحزاب تنادي بأن السلاح يجب يكون بيد الدولة، وان وجود " الجماعات المسلحة" يضعف أداء الدولة، ويساعد على نشوء "الدولة العميقة" حيث ان السياسي الفاسد يستند الى سلاح جماعته لفرض سطوته وحماية فساده، راح يكرر بأن داعش والبعثيين ما زالوا يملكون خلايا سرية ونشاط عسكري في المنطقة، وان حماية "المذهب" تسستوجب ذلك!
وما ان تردد مفهوم المذهب في أحاديثنا، حتى بدأت اول خلافتنا الكبيرة، فهو يرى ان المذهب بخطر، وان هوية العراق تحددها سلامة المذهب:
ــ وماذا عن الاخرين؟
لا يقدم صديقي إجابات مقنعة عن الكثير من اسئلتي، خصوصا من بعد انتفاضة تشرين/ أكتوبر إذ صرنا نختلف كثيرا، فأنا اتحدث عن انتفاضة، وهو يتحدث عن مجرد مظاهرات. اتحدث عن الفقر والبطالة وغياب الخدمات الأساسية وتجهيل المجتمع والخ، وهو يتحدث عن فيديو بنت مراهقة غنت كلمات مفككة عن التظاهرات على لحن اغنية مكروهة عندي وعند كثير من الناس من أيام الحرب الكارثية. أصبح صديقي يقضي وقتا طويلا في البحث عن نواعم هنا وهناك، وتصرفات فردية ليعممها وينشرها للاستهانة بالانتفاضة والتعريض بها، وصار همه البحث عن الأصابع الأجنبية التي تحرك المتظاهرين، حسب اعتقاده.
اعترف بأني لم استمع لبعض من معارفنا الذين يتحدثون عن تحسن أحوال اخ لصديقي، وكون ارتباطه بإحدى المليشيات المسلحة قد حسن احواله كثيرا وأصبح اسمه كمقاول نار على علم، وغضضت النظر عن التلميحات الى كون صديقي بهذا الشكل او ذلك لابد وان يصيبه شيء من قطعة الحلوى التي يتشارك بها أخيه مع "زعماء الحرب" كما يصف الشارع العراقي بعض قادة المليشيات. حرصت على أواصر الصداقة بيننا رغم اختلافنا في الكثير من المفاهيم متجاهلا كل الانتقادات التي تواصلت من بعض المقربين. اعترف بأن صديقي ذكي ومثابر، فهو يجيد المناورة للحفاظ على علاقتنا، ويفوت عليّ دائما فرصة قطعها لسبب ما بامتداحه لروحي الديمقراطية، ولكن قبل أيام وحين اخبرته على الهاتف باختطاف طبيبة شابة من شباب ساحة التحرير وهي في طريقها الى بيتها، والتهمة موجهة لاحد الفصائل المسلحة، رد بصلافة:
ـ هل تعتقد ان جماعتي هم الخاطفين، وحتى لو كانوا هم هذا ذنبها، الاخبار تقول خطفت في الليل وليس بالنهار، ماذا يعني هذا حسب عاداتنا وتقاليدنا؟ ماذا تفعل بنت حلوة مثلها بساحة التحرير حتى ساعة متأخرة من الليل؟ كان الأفضل ان تجلس في بيتها وتمارس حقها بتأييد التظاهرات بكل حرية وديمقراطية!
وجدت نفسي، في اليوم التالي، أقرمش حبات الفستق المالح لوحدي، وطلبت هذه المرة صحنا واحدا فقط!
4.11.2019 هلسنكي

39
 
عن المثقفين في ساحات الاحتجاج ـ استطلاع جريدة المدى
عدد يوم الخميس 31 اكتوبر 2019

يوسف أبو الفوز ــ كاتب روائي واعلامي

في البدء من الواجب تحية الشباب العراقيين، وهم يواجهون عنف الحكومة الحالية غير المبرر بصدور عارية، والانحناء امام ارواح الشهداء الذين سقوا بدمهم درب الحلم بعراق مدني ديمقراطي، بعيدا عن نهج المحاصصة الطائفية والاثنية البغيض، الذي هو أس البلاء في كل ما جري طيلة ستة عشر عاما. أن هذه الأيام، مصيرية في حياة شعبنا، ولا توجد فيها امام المثقف منطقة رمادية، فإما الاصطفاف مع الشعب ومطالبه المشروعة، واما الاصطفاف مع الحكومة الحالية ونظام المحاصصة. ويبرز اليوم أكثر دور المثقف العراقي، في الوفاء لتأريخ مفعم بالمواقف الثورية والوطنية لأجيال المثقفين من رواد الثقافة العراقية وصانعي مجدها، الذين اصطفوا الى جانب الشعب في منعطفات مهمة، في وثبة كانون 1948، وثبة تشرين 1956 وثورة تموز 1958وغير ذلك. يبرز هذه الأيام دور المثقف، ليعزز سلمية التظاهرات ليكون ضمانة لنجاحها ويساعد على فرز قيادات كفوءة لها. أيضا ان مساهمة المثقف تساعد في تحديد شرعية المطاليب، ويكون فاعلا في توجيه حماسة الناس لإذكاء الروح الثورية وديمومة الاحتجاج بشكل حضاري، بعيدا عن الانجرار للأفكار العدمية التي تخلط الأخضر باليابس وتوفر الفرصة لأنصار الجماعات الطائفية بالتشكيك بثورة الشباب والاتكاء على احداث حصلت بفعل الغضب وقلة الخبرة.
 للأسف في أيامنا الحالية، نجد بعض المثقفين، وعددهم ليس قليل، يقفون في المنطقة الرمادية، بدون موقف عمليا، وهذا عمليا لا يصب لصالح الاحتجاج السلمي، بل وان البعض يحرض على العنف، حتى دون ان يكون متواجدا في الساحات والشوارع، وهو بذلك يسترخص أرواح الشباب. في نفس الوقت يجب الا نغمط حق من تواجد في الساحات والشوارع من الفنانين والادباء، بشكل واخر، رغم عدهم المحدود، وتعرضوا للقنابل المسيلة للدموع، واحتمالات الاستشهاد برصاص القناصة "المجهولين"، ويتطلب تحيتهم. كنت انتظر شخصيا دورا أكبر، وفاعلا، من قبل الاتحادات والنقابات للأدباء والصحفيين، بالاستفادة من دروس شعبنا في الثورات والانتفاضات. كنت انتظر فيضا من قصائد الشعر والاغاني واللوحات وغير ذلك، ولكنها كانت قليلة ومعدودة جدا، وحتى هذا لم يتم تسليط الضوء عليه بشكل مناسب. واعتقد لم يفت الأوان أما الكثيرين، فثورة الشعب من اجل التغيير مستمرة، والفرصة متاحة أمام الكثير من المثقفين لينهوا ترددهم والخروج من المنطقة الرمادية واعلان موقفهم الصحيح، فالأمور بخواتيمها.       



40
لماذا المطالبة بسلمية التظاهرات؟
يوسف أبو الفوز

لا نختلف بان التعرض للمظاهرات السلمية باي شكل، وقمعها من قبل أي جهة، رسمية او "ميليشاوية"، هو مخالفة للدستور والقوانين التي تقر بحق المواطن بحقه في التظاهر والتعبير عن رأيه. ولا أقف شخصيا مع أي اعمال حرق وتخريب تقع خلال التظاهرات، حتى لمواقع ومقرات الجماعات المسلحة، فكل هذه الممتلكات يفترض ان تعود للشعب وللدولة ويمكن استثمارها بشكل نافع يوما ما.
ويغيظني جدا البعض، خصوصا الموجودين على مسافات الاف الكيلومترات من ساحة التحرير وشوارع التظاهرات، ويشجعون على استخدام العنف ضد القوات الأمنية العراقية. أقول لهؤلاء، في أي مكان كانوا، الذين قرؤوا كراسات عن الثورة عن تجارب شعوب أخرى، بان الثورات لا تستنسخ، وان ما يصح في أمريكا اللاتينية مثلا، لا يمكن ان ينجح في الشرق الوسط ومنها العراق، فلكل بلد ظروفه الخاصة الموضوعية والذاتية المطلوبة لقيام الثورة، ناهيك عن الاختلاف في العادات والتقاليد.
ان المطالبة بالحفاظ على سلمية التظاهرات لا يضمن لنا حفظ أرواح أبنائنا وبناتنا فقط، بل ويقطع الطريق على أجهزة الحكومة الحالية، ومعها مليشيات الدولة العميقة، في توفير الحجج لتصعيد قمعها واتخاذ إجراءات ما بحجة حفظ الامن العام والى اخر الأسطوانة المعروفة والمشروخة. سيقول لي هذا المنظر الثوري، بان الأجهزة الأمنية من اول أيام انطلاق الاحتجاجات وهي تستخدم العنف المفرط حتى من دون قيام المتظاهرين باي استفزاز لها، وسقط لنا مئات الشهداء والاف الجرحى. نعم يا صاحبي، مثلك اتابع وارى واشعر بالغضب والحزن، ولكن فماذا تنتظر من حكومة فقدت شرعيتها عمليا، ولا تعير اهتماما لمطاليب شعبها، وتستمر في الاستخفاف بشعبها وتصر على البقاء في مواقع السلطة وتحاول ان تناور لإطالة عمرها بإجراءات ترقيعية؟ ان علينا الالتزام بالسلمية في نشاطنا، رغم كل الخسارات، لفضحها أكثر وتجريدها من أي حجج لتنفيذ إجراءاتها القمعية والعمل لفضح اسلوبها العنيف لتحجيمه من خلال الإدانة الشعبية المتواصلة، وكسب التضامن مع ثورة شعبنا من قبل مختلف الجماعات والشعوب المحبة للحرية والتقدم والمؤسسات الدولية فهذا سيضفي شرعية أكثر على ثورة الشعب.
ان سلمية التظاهرات ستكون الضمانة الكبيرة لاستمرار ونجاح الحراك الشعبي وتحقيق أهدافه في التغيير الشامل، وتوفير الفرصة لفرز قيادات ناضجة للحراك الشعبي، ويساهم في مراجعة وتصحيح الشعارات والتكتيكات لإدامة الاحتجاج. ان سلمية التظاهرات تساهم في تشجيع الكثير من قطاعات الشعب لكسر ترددها والانخراط في الحراك الجماهيري وبالتالي يشجع على انجاز الاعتصام الشعبي ليشل أجهزة الدولة ويدفع لإسقاط الحكومة الحالية وبالتالي المنظومة الطائفية الفاسدة كلها.
ان مشكلة الشعب العراقي لا تكمن في وجود الحكومة الحالية فقط، فذهاب هذه الحكومة ووجوها المعروفة بفسادها، وبقاء آليات المحاصصة الطائفية والاثنية البغيضة سيجلب لنا حكومة بديلة، وان كانت الحكومة الحالية تقتل المواطن بالسكين فستأتي الحكومة القادمة بمن يقتل المواطن بخيط من القطن كما يقول المثل. ليس لنا إلا المطالبة والعمل على الحفاظ على سلمية الحراك الجماهيري وتوفير الفرصة للمتظاهرين لتنظيم أنفسهم بشكل افضل، فلو تصاعد العنف من الجانبين ، سيحل التخبط والضياع حين يختلط الحابل بالنابل ، وعند ذلك ستتوفر الفرصة لمن هب ودب لركوب الموجة الثورية، ومحاولة سرقة الحراك الشعبي وثورة الشعب لصالح أهدافه.

28 أكتوبر 2019


 

41
اليمين المتطرف الفنلندي يواصل هجومه ضد المهاجرين واللاجئين
يوسف أبو الفوز
ينشط النائب الفنلندي يوكا ماكينين (مواليد، 1961، من مدينة فاسا)، عضو حزب الفنلنديين الحقيقين، اليميني المتطرف، بشكل مستمر في عرض مواقفه ضد اللاجئين والمهاجرين وضد أي إجراءات إيجابية تتخذ من قبل حكومة رئيس الوزراء أنتي ريني (من الحزب الديمقراطي الاجتماعي) في هذا الخصوص. يجتهد النائب في مقالاته ولقاءاته وتصريحاته، التي يوزعها بنشاط محموم لكل مكان، والتي تلقيت بعضها على بريدي الاليكتروني، لعرض ارقام التكاليف التي تتحملها الدولة في استقبال وايواء اللاجئين. اثار قبل فترة قضية تكلفة الترجمات الشفوية، في مختلف مؤسسات الدولة، التي تتحملها الدولة كخدمات يضمنها القانون لمن لا يجيد السويدية والفنلندية، لغات البلاد الرسمية دستوريا واورد عن عام 2018 أرقاما فلكية تجاوزت الواحد وعشرين مليون يورو، ومع ذلك يعتقد بان الحكومة الحالية لا تقدم كل البيانات عن ذلك.
مؤخرا، وارتباطا بالأحداث في تركيا، وسياسة الديكتاتور العثماني، رجب أردوكان، وتهديده لفتح باب الهجرة نحو أوروبا إذا لم يساير الاتحاد الأوربي جرائم واعتداءات الحكومة التركية بحق الشعب الكردي لإنشاء منطقة أمنية في سوريا، نشر النائب ماكينين تصريحا، عن توجيهه في العشرين من أيلول الماضي سؤالا مكتوبا الى الحكومة الفنلندية عن جاهزيتها لغلق الحدود امام توقع ازمة مهاجرين ولاجئين جديدة مثلما حدث اعوام 2017- 2015.
يعتقد هذا النائب، تماشيا مع سياسة حزبه، ذي التوجهات العنصرية، بأن فنلندا ارتكبت خطا كبيرا ودفعت الثمن باهظا لاستقبالها 32000 طالب لجوء. ويطالب النائب ماكينين حكومة ريني بإتخاذ تدابير استباقية لضمان استعداد قوات الدفاع الفنلندية لمنع قدوم اللاجئين، فهو يحث على غلق الحدود بأنتشار قوات الجيش، حتى لو تطلب ان تخرق فنلندا اتفاقية شنغن، القاضية بكون حدود الاتحاد الأوربي واحدة، فالنائب ماكينين يرى " إن أمن الفنلنديين ووجود بلدنا ككل مهددون بشكل خطير عندما تبدأ أزمة هجرة جديدة".
مؤخرا تلقى النائب ماكينين رد الحكومة الفنلندية الحالية، من قبل وزيرة الداخلية ماريا أوهيسالو (حزب الخضر) على سؤاله المكتوب حول ما إذا كانت الحكومة لديها خطة لمنع اللاجئين ولمهاجرين إلى فنلندا. ذكرت الوزيرة في جوابها القصير بان الحكومة تقوم باستمرار بالتخطيط للطوارئ فيما يخص اللاجئين. اثار الجواب غضب النائب ماكنين وذكر في منشوراته تصريحات الحكومة المجرية بكونها ستستخدم القوة عندما يبدأ تدفق جديد للاجئين باتجاه الحدود المجرية، وهو يعتقد بان الحكومة الفنلندية الحالية غير مؤهلة لحماية مواطنيها من ازمة جديدة.
في مرات سابقة، ذكرنا بأن أحزاب اليمين في اوربا عموما تستغل ورقة اللاجئين والمهاجرين كورقة ضمن سياستها لتقويض "دولة الرفاه"، النموذج الذي تسعى قوى الرأسمال العالمي لتقويضه بأدواتها السياسية، فها هو يواصل هجومه لاستغلال ورقة اللجوء، ولا ينس ان يكرر في أحاديثه سياسة حزبه بكون فنلندا عليها استقبال فقط من يكون قادرا على دفع الضرائب للدولة. وبنفس الوقت وبحكم كونه فاز مؤخرا برئاسة نادي أصحاب الدراجات النارية، هذه الهواية التي بدأها قبل عشرين عاما حين كان يعيش في أمريكا، فهو وإذ يعتقد بان اعداد راكبي الدراجات النارية تزداد في فنلندا، فهو يتطلع ان يكون لهم دور في " صنع القرار السياسي" ولم ينس بان يطالب الحكومة الحالية بضرورة " أن يتحرك كل سائقي الدراجات النارية دون التعرض لضرائب ورسوم مختلفة"!

42
رباط الكلام (2) : الى نهاز متثاقف!
يوسف أبو الفوز
 
كنت مؤخرا مع شادمان في زيارة لاحد العوائل الصديقة، نبارك لهم انتقالهم الى بيتهم الجديد.  تحدثنا في شؤون العراق، وسمعنا منهم حكايات مختلفة، لكن ما علق في بالي، حادثة طريفة روتها الزوجة المضيافة. حين افرد الزوج البومات الصور لأصدقاء كانوا في زيارتهم قبل أيام، وشاركهم في التفرج على الصور طفليهما الجميلين، الذين لم يتجاوز اكبرهم الست سنوات. انخرط ابنهم ذو السنوات الخمس في بكاء عميق احتجاجا لأنه لم يكن موجودا في الصور!
قال لأمه بلوعة: لست موجودا في الصورة؟ أين انا؟ لماذا لم تأخذوني معكم الى حفل زواجكم؟
هل لهذا الكلام من رباط؟ نعم، عزيزي القارئ، لا يوجد شيء في هذه الحياة بدون معنى!
إذ تشتعل شوارع العراق بهتافات ابناءه الشرفاء والمحتجين، ضد حكومات الإسلام السياسي، حكومات المحاصصة والفساد، التي اختطفت الوطن من ابناءه، وترسم دماء الشهداء والجرحى زهور المجد على حجر الشوارع، ينبري فجأة متثاقف، نهاز فرص، ليزايد على المناضلين، خصوصا المقيمين في المنفى (البعض يسميه الخارج!)، ويشكك بمواقفهم بطرق ملتويه (أين موقف فلان من الاحداث؟) باحثا لنفسه عن فسحة ليتسلق المشهد، ويدعي لنفسه ما لا يملك!
لن استغرب شخصيا أمثال هذا النموذج الحربّاوي. قابلت أمثاله في محطات كثيرة من حياتي. لن اتحدث عن البعثيين عشاق المجرم صدام ابن "أم الرجولة"، فهؤلاء خبر الناس اساليبهم المنحطة، أعنى هنا اشباههم الذين يعانون من عوق فكري يجعلهم يناطحون تاريخ مناضلين يشمخون كالنخيل.
هذا التاريخ الذي صلبته مطارق الاحداث، ويصرخ: اين كنت يا هذا في عرسنا يوم نزفنا دمنا وزهرة شبابنا لأجل وطن حملناه في قلوبنا طول مسيرة العمر ولم نفرط به رغم كل المغريات والصعوبات؟!
 أين كنت في سنوات إرهاب البعث العفلقي المجرم وضباعه تطاردنا من شارع لشارع نتخفى بمشقة في وطن مستباح من قبل البعثيين ومرتزقتهم؟
أين كنت عن الوطن في سنوات الجبل يوم اقتحم السماء الاف الشباب العراقي، في حركة الأنصار الشيوعيين، حالمين بثورة تساهم بإشعالها بنادقهم؟
اين كنت في سنوات غربتنا من بلد الى اخر، وزنازين الأنظمة العربية ودول الجوار ـ وحتى الاوربية ـ  تستضيف الاحرار من المناضلين، لكونهم لا يحملون جوازات سفر من بلدهم الأم؟
اين كنت حين ...؟
كان عليك يا حصيف، يا نهاز، ان تعرف حجمك وتاريخ تلونك الحربّاوي، والوان قمصانك الرثة التي ترتديها عند كل موقف، وايضا تتذكر ان بيتك من زجاج هش .. وجدا!
 وسنلتقي! 


43
المنبر الحر / مذاق عراقي!
« في: 20:39 15/10/2019  »
  مذاق عراقي!


يوسف أبو الفوز

لغف بدقيقة صحن المخلمة الذي أعدته زوجته قبل خروجها للعمل في شركة التنظيف. يقدر لها كثيرا تحقيق رغبته في الحفاظ على المذاق العراقي في الطبخ. شفط كوب الشاي السيلاني الاسود بدون سكر حسب وصايا الطبيب. تصفح بسرعة بريد الماسنجر. توقف أصحابه من أيام عن مده بتلك الصور اللذيذة لحوريات وفاتنات لا يعلم سوى الله كيف كُوِّرَتْ صدورهن واردافهن، وصاروا يمدونه بفيديوهات كئيبة لإحداث ما يجري في شوارع بغداد. قتلى وجرحى واباء مكلومين وامهات ثكلى وقوات امنية غاضبة. لقد تجاوزت الحكومة الفاسدة حدودها كثيرا. نهض ممتعضا.  وصلته البارحة من ابنه في لندن رسالة يخبره بانه وصديقته سيسافران الى فينيا في إجازة الخريف القادمة، ويطلب منه المساعدة بمده بمبلغ لاستكمال تكاليف اجازتهم. كبروا وصاروا يطالبون بحقوقهم. تلفه الحيرة وتثقل عليه. أيكتب بوستا جديدا عن تظاهرات الاحتجاج ام يستكمل كتابة قصيدته الأخيرة عن الاحداث؟ استلهم فكرة القصيدة من حديث جارته بنت البلد التي تعلمت العربية في مصر:
ــ "العراق صاير حريئه"!
اثارت كلماتها نخوته. كتب قبل أيام بوستا في فيس بوك بالألوان عما يجري من قتل في شوارع بغداد:
ــ ستستخدم الحكومة كل الاساليب القذرة لإسقاط ثورتكم وكل انواع الاسلحة لقتلكم فماذا أنتم فاعلون يا شباب العراق؟
 مد بصره عبر زجاج النافذة. تبدو البحيرة القريبة ساكنة وثمة زوراق رياضية تبتعد. المنظر جميل من الطابق الخامس. كان محقا حين أصر على دائرة الشؤون الاجتماعية ان تساعده للحصول على هذا الشقة بالذات ومساعدتهم له في دفع قسم من الايجار. في الحديقة امام العمارة ثمة امرأة يخفي شعرها الأشقر ملامح وجهها، تجلس تراقب طفلها يلعب بالرمل. لقد نظف بواب العمارة الممر الجانبي من بعض أوراق الخريف، لكن أشجار "البتيولا" تستمر اوراقها في التساقط. لابد للاحتجاجات ان تستمر، وان بقت سلمية معناها موتها. جلس الى الكومبيوتر وركضت أصابعه على الكيبورد:
ــ لماذا لا نقاتل هؤلاء الحكام الخونة بالسلاح؟ يبدو انه لا مفر من ذلك.. لا نريدها سلمية بعد الان. العين بالعين والسن بالسن لن نتركهم يقتلونا وبإمكاننا حمل السلاح للدفاع عن وطننا وبيتنا واهلنا!
وحتى لا ينس، قبل ذهابه الى صالة الرياضة، بسرعة كتب لابنه رسالة على الماسنجر:
ـ سأطلب من أمك تحويل مبلغ من المال، لكنه قرض وعليك اعادته سريعا!

5 أكتوبر 2019



44
رباط الكلام: الدب العراقي!


يوسف أبو الفوز

رويت ذلك مرارا، وان بأساليب مختلفة، حسب المكان والمناسبة، لكن ملخص الحكاية هو واحد. إذ تحفظت شادمان في اول لقائي وتعرفي بها على العيش وطبيعة الحياة في فنلندا، فكان عليّ، انا العاشق المتلهف لكسب قلبها وعقلها ان أقنعها بأن ما سمعته عن هذا البلد فيه الكثير من المبالغات. لا اعرف من روى لها وكيف اقتنعت بان فنلندا، البلد المرمي عند حافة القطب، تعيش ستة أشهر في ليل طويل وستة أشهر نهار دائم. وإذ تجاوزنا هذا كان عليّ اقناعها بالتهويل في الامر بان الدببة تجوب شوارع المدن الفنلندية!
بعد عام، ومن وجود شادمان في فنلندا، ومعيشتنا معا، في بيت في مركز مدينة كيرافا، في ضواحي العاصمة هلسنكي، أطلق التلفزيون الفنلندي إشارة تحذيرية، وتكون هذه بصوت حاد كالمورس يلفت الانتباه مع شريط عريض مقروء، وهي عادة متبعة في هذا البلد:
ـ الى سكان مدينة كيرافا. احذروا. الزموا بيوتكم، شوهد دب يتجول في أحد شوارع مدينة كيرافا. أبلغونا بالمستجدات.
حصل ذلك مرتين، وفي كلتا الحالتين، صرخت بي شادمان:
ـ الم أقل لك!
رباط الكلام..
من المعروف ان الدببة من صنف السباع، وهي تدخل في سبات عميق لكنها تستيقظ وتكون نشطة، ورغم انها عموما خجولة، الا انها تدافع بشراسة عن اطفالها إذا ما تعرض لها أحد.
فيا حكومات المحاصصة والفساد والحرامية بلا ضمير وسياسي الصدفة من كل لون. ان الدب العراقي الغاضب، نهض من سباته، وهاهو يجوب شوارع المدن العراقية، لأجل حياة كريمة، وسيدافع بشراسة عن مستقبل ابناءه، فعليكم ان تتدبروا حالكم والتصرف بحكمة. الزموا بيوتكم، او اهربوا الى اسيادكم. ولات ساعة مندم!

45
حين تحتفي السينما ببطولة ناس عاديين ... وحيدون في برلين أم في.. بغداد؟
يوسف أبو الفوز

شاهدت مؤخرا فيلما ( نشر رابط له على موقعه في فيس بوك الفنان هادي ياسين) ، بإنتاج مشترك ، فرنسي الماني بريطاني ، وبطاقم عمل أممي من مختلف الجنسيات، وطيلة ساعة وثلاثة واربعون دقيقة، زمن الفيلم، الذي يقدم لنا قصة شجاعة هادئة بدون صخب، يجترحها عامل في ورشة نجارة لصناعة التوابيت مع زوجته التي ساندته لأخر لحظة، فوجدت ذهني لا اراديا  يدور في بغداد، او أي مدينة عراقية أخرى، في زمن الطاغية المجرم صدام حسين ونظام حزبه الفاشي الاشتراكي القومي، رغم ان احداث الفيلم تدور في المانيا، برلين الغربية، في سنوات الحرب العالمية الثانية تحت ظل نظام الحكم الهتلري الفاشي والسلطة الوحشية لقوات الغستابو، فوجدتني، من اللاوعي، اضع لشخصيات الفيلم والاحياء والشوارع أسماءً عراقية، فلم يكن هناك اختلاف كبير، فهذا الفيلم بين لي بشكل واضح وصريح، ان الديكتاتوريات الشوفينية، مهما كان ثوبها ولونها، والمعادية للإنسان وحقه في الحياة الكريمة، تتناسل، وان عسفها الفاشي واحد وتتشابه طرق تنفيذها للجرائم بحق الناس الأبرياء، إضافة الى ذلك بين لي الفيلم جيدا القدرة الهائلة التي تمتلكها السينما لإدانة العسف والظلم وأيضا لتمجيد البطولة .
 الفيلم هو "وحيدون في برلين" انتاج 2016 من اخراج فنسنت بيريز (مواليد 1964) مصور وممثل ومخرج سويسري، كتب السيناريو بالتعاون مع الألماني آخيم فون بوريز(1968)،  صاحب سيناريو فيلم "وداعا لينين" 2003 الذي ترشح للعديد من الجوائز حينها. كُتب سيناريو فيلم "وحيدون في برلين" عن رواية للكاتب الألماني هانز فالادا (1893 - 1947)، صاحب الحياة المثيرة للجدل، وكانت بعنوان "كل رجل يموت لوحده"، وتذكر لنا سيرته الذاتية (موقع ويكيبيديا مثلا)، انه كتب الرواية خلال 24 يوما، قبل موته بأشهر قليلة مخبراً اهله انه كتب قصة عظيمة. كتب فلادا روايته استنادا الى واقعة حقيقية، وجدها في ملفات جهاز الغستابو، عن قصة رجل وزوجته، العاملان أوتو وإيليز هامبيل، المواطنان الالمانيان، الذين لم يكونا عضوين في الحزب النازي لكنهما مجبران على الاشتراك في نشاطاته، بعد مقتل ابنهما الوحيد في الحرب في فرنسا، وجدا في ذلك ظلما كبيرا لهما، واكتشفا خداع الفكر الفاشي، فتحول الحزن في روحيهما الى غضب بارد، جعلهما ينتفضان ضد الحرب والفاشية فابتكرا أسلوب فرديا للمقاومة، وذلك بكتابة نصوص تحريضية قصيرة، على بطاقات بريدية، تطالب بنشر الحقيقة وإيقاف الحرب، وصارا يوزعانها في كل مكان في احياء برلين، يضعانها على السلالم والمداخل حيث يمكن رؤيتها من قبل المارة، واستمرا بنشاطهما الذي استنفر جهاز الغستابو ضدهم بين عامي 1940 و1943. يذكر ان هذ القصة سبق واخرجت للتلفزيون والسينما في المانيا الديمقراطية والغربية في أعوام1962 و1970، والفيلم موضوع حديثنا يحمل اهداء لذكراهما وان كان السيناريو غيّر أسميهما الى أوتو وآنا كوانجيل.
يبدا الفيلم، الذي تم تصويره في عدة مدن المانية عام 2015، بانتصار القوات الفاشية في فرنسا ومقتل الابن، وعند ابلاغ الاب أوتو كوانجيل بمقتل ولده حافظ على رباط جأشه بشكل يثير الاعجاب، وأدى دوره ببراعة الممثل الأيرلندي برندان غليسون (1955) الذي لعب دور ونستون تشرشل في فيلم " في العاصفة" 2009، وشارك في أفلام هاري بوتر (2004-2010)، قلب شجاع (1995)، وافلام أخرى قادته لنيل عدة جوائز رفيعة والترشيح لأخرى. كانت حوارات الفيلم قصيرة وعميقة ودالة، ربما من أبرزها حوار الزوج مع زوجته الذي استمد منه الفيلم العنوان حين يخبر أوتو كوانجيل زوجته آنا، بعد ان بدأ في كتابة البطاقات البريدية: " من الآن فصاعدًا، نحن لوحدنا". لعبت الممثلة البريطانية إيما تومسون (1959) دور الزوجة آنا، التي تناغمت في هدوءها ورباطة جأشها وشجاعتها مع زوجها وان كانت لامته على موت ابنها (انت الملام وحربك اللعينة، انت وزعيمك اللعين) فأثر على حميمية علاقتهما الزوجية، لكن الحزن بفقدان ولدهما الوحيد ولجوئهما الى ابتكار طريقة لمقاومة ماكينة الحرب النازية، يساهم بإحياء علاقتهما الزوجية. وفي مشهد رائع بتنفيذه وتمثيله، في قاعة المحكمة وقبل ان يرسلهما القاضي للموت بالمقصلة، تقترب آنا من زوجها فيسألها: تعرفين ماذا سيحدث؟ فتخبره بالإيجاب، فيقول لها "انه أمر لا يمكن تغييره"، ويقصد حكمهما القادم بالإعدام، فتنظر اليه بحب وتقول بثبات: "أعرف. أوتو، لا يهم". ان الفيلم يقول لنا في هذا المشهد بأن الخوف يتلاشى عندما نقوم بالفعل الصواب ونقف بوجه الظلم والطغيان.
كان الفيلم يتحرك بايقاع هادئ لكنه يحبس الانفاس، إذ تضافر أداء برندان غليسون وإيما تومسون بابتعادهما عن صنع فيلم ميلودرامي يستدر العواطف، الى صنع فيلم يقدم صورة للغضب البارد كدافع لتنفيذ اعمال مقاومة وانتقام من سلطة غاشمة. وكانت كاميرا السينمائي والممثل البلجيكي كريستوف بياوكارن (1965) الحائز والمرشح كمصور لعدة جوائز، تنتقل بحساسية وبراعة في شوارع مدينة برلين، في أيام الحرب محيطة بكل التفاصيل التي يبدوا واضحا ان الفيلم كان حريصا على ابرازها، حيث نشاهد شارع كامل تدور به السيارات من فترة الاربعينات بكل تفاصيل الحياة التي كرسها النظام الفاشي، والكاميرا تتحرك بدون صخب مع موسيقى عميقة، بضربات خفيفة من البيانو، التي تعكس توتر داخلي في احداث الفيلم وروح المتفرج، والموسيقى من تأليف الفرنسي ألكسندر ديسبلا (1961) الذي سبق وتم ترشيحه لثلاث جوائز أوسكار، وفاز بجائزة غولدن غلوب ، ورُشح لعدة جوائز أخرى. ان مصيبة أتو كوانجيل وزوجته بفقدان ابنهما، وانشغالهما بأخفاء نشاطهما التحريضي السري، لم يمنعهما من ابداء التعاطف مع جارتهم العجوز اليهودية روزنتال (أدت دورها الممثلة الفرنسية مونيك شوميت مواليد 1927)، التي تعرضت شقتها للنهب والاعتداء من جيرانها أعضاء الحزب النازي من كتاب التقارير والوشاة! (هل يّذكر هذا العراقيين بشيء؟)، والتي يتعاطف معها أوتو كوانجيل وزوجته آنا، لكن محاولة اعتقال العجوز رزونتال من قبل قوات الغستابو بمشاركة ابن جارتها الذي رعته حين كان طفلا، وشب ليصير فتى في الشبيبة النازية، يدفعها للانتحار برمي نفسها من اعلى العمارة السكنية. 
شخصية محقق الشرطة، الذي  يتابع قضية توزيع البطاقات البريدية ، ادى دوره بتمكن الممثل الألماني ـ الاسباني  دانيال برول ( 1978) ، الذي عرف في أفلام عديدة منها "وداعا لينين"  2003، و" المستعمرة كولونيا" 2015 ، وافلام عديدة أخرى نال عنها العديد من الجوائز، في هذا الفيلم نجح في تقمص دور محقق الشرطة الذي يؤدي دوره في البدء بحماس أيديولوجي وحرفية مهنية في البحث عن كاتب وموزع البطاقات البريدية، ونجح في تحديد طبيعة شخصيته من خلال دراسة نصوص البطاقات، فتوصل الى كونه شخص مفجوع بفقدان ابنه الوحيد في الحرب في فرنسا، له علاقة بالمكائن لأنه يكرر عبارات " ماكينة الحرب" و " ماكينة النظام"، وشخّص ان هناك تطورا في أسلوبه التحريضي، إذ بدأ من عبارات " هتلر كاذب" و"هتلر قاتل" وانتقل الى طرح جمل طويلة تطالب بالبحث عن الحقيقة وإيقاف الحرب والنضال ضد النازية :"كل فكرة ضد الاشتراكيين القوميين مثل حبات الرمال في الة حرب النظام المجرم ". خلال التحقيق أطلق المحقق سراح مواطن مشتبه به كونه كاتب البطاقات لعدم تطابق المعلومات فالرجل المتهم لديه ولدين في جبهات الحرب، فأثار غضب ضابط الغستابو المستثار (لعب دوره الممثل السويدي ميكايل بيرسبرانت 1963) فأهان المحقق واعتدى عليه بوحشية، وطالبه بإعادة اعتقال المشتبه به، مما عصّف بشخصية المحقق واثار تعاطفه مع المشتبه به، إذ وجد نفسه تحول الى خائف ومهانا من ماكينة النظام مثل الذين يطاردهم، فيخبر المشتبه به بانه يدرك كونه بريء وانه ليس كاتب وموزع البطاقات، وبالاتفاق معه يقوم بتصفيته في غابة، لتجنبيه عذاب التحقيق وطرق التعذيب  الوحشية لأنه في كل الأحوال ميت، ويدعي امام رجال الغستابو انتحاره. كان الممثل دانيال برول بارعا في عكس التحول في شخصية المحقق، وتصاعد روح القلق، وحيرته في المضي قدما في تنفيذ واجبه، فحين يتم القبض على أوتو كوانجيل، بعد ارتكابه خطأ بإسقاطه بطاقات بريدية تحريضية في محل عمله بسبب اهتراء جيب معطفه، يشعر المحقق بالغضب لكونه قام بفعل قاده الى الموت. وحين يرفع ضابط الغستابو نخب النجاح في القاء القبض على كاتب البطاقات ويحطمون كؤوسهم على رأس كوانجيل يتردد المحقق ويتأخر في فعل ذلك علامة على التصدع الداخلي الذي أصابه. وإذ كان أوتو كوانجيل كتب ووزع 285 بطاقة، فيخبره المحقق غاضبا بأنهم استلموا 267 من البطاقات وجلبها الناس لهم طواعية، وهناك فقط 18 بطاقة لم تسلم لهم ويصرخ به: "لم  يمكنهم الانتظار حتى يسلموها لنا . كيف يمكنك حقا ان تصدق أنك ستغير أي شيء؟"، لكن كوانجيل لا يأبه بهذا، ففي حديث سابق مع زوجته عن مصير البطاقات البريدية، وتساؤله هل سيقرأها الناس؟ هل سيمررونها للأخرين؟  أخبرها "ان القليل من الرمل لن يوقف الماكينة لكن المزيد سيعطلها". في مشهد اخير في الفيلم، بعد اعدام كوانجيل وزوجته يمسك المحقق بالبطاقات البريدية ويصرخ بانه الوحيد الذي قراها جميعها، وينثرها عبر الشباك من اعلى العمارة الى الشارع، ويخرج مسدسه من درج مكتبه، وإذ تنثر الريح البطاقات على ارض الشارع ويلتقطها الناس نسمع صوت اطلاقة، فنعرف بأن حبيبات الرمل قامت بدورها!

 

   


 




46
الفن ينتصر للمرأة في معرض تشكيلي مشترك في  هلسنكي
هلسنكي ــ يوسف أبو الفوز   
تصوير : شادمان علي فتاح

في العاصمة الفنلندية، هلسنكي، وفي "ليلة الفن"، التي تقام كل عام، في الأسبوع الأخير من شهر آب، حيث تنظم العشرات من النشاطات الثقافية والفنية التشكيلية والموسيقية والقراءات الشعرية، وبتنظيم من (شبكة الفنانين المهاجرين في أوروبا) بادارة واشراف الفنان العراقي أمير الخطيب (مواليد النجف 1961) رئيس الشبكة ، اقيم معرض تشكيلي تحت عنوان (المرأة مصدر الحياة) ، وعلى قاعتين في مبنى كابلي، الذي هو مركز غرب العاصمة للفنون والنشاطات الثقافية، وباشتراك 46 فنانا مغتربا في الولايات المتحدة الامريكية وكندا والسويد وفنلندا وألمانيا، وبمعدل عمل فني او عملين لكل فنان. وما عدا عملين نحتيين ، كانت كل الاعمال رسوم تشكيلية بمواد مختلفة ومرتبطة موضوعاتها بعنوان المعرض، خصوصا ان من مجموع المساهمين كان هناك 31 امرأة فنانة، حيث عرضت الاعمال الفنية تفاصيل من هواجس واحلام وهموم المرأة عموما سواء في البيت او مواقع العمل او حملت أسئلة كبيرة عن عموم معاناة المرأة ونضالها من اجل حريتها وواقع اجتماعي افضل خصوصا ان الفنانين المشتركين أساسا هم من خمسة بلدان عربية هي : العراق ، مصر، تونس، المغرب وفلسطين، فجاءت اللوحات محملة بهموم المرأة ارتباطا بواقع حياتها في بلدها والظروف التي يعاني منها عموم المجتمع اجتماعيا وسياسيا . هكذا حملت مساهمة الفنان بلال السكوتي النحتية، من الخشب اسم "نا.. دية"، في تلاعب مقصود بالاسم ومعبرا في العمل عن انتهاك حقوق النساء الايزديات أثر جرائم عصابة داعش الإرهابية ضد الإنسانية. يذكر ان المعرض تم افتتاحه من قبل الفنان المفاهيمي الفنلندي يوها ـ بيكا فايسانين الذي هو أيضا رئيس الحزب الشيوعي الفنلندي، وقدم في الافتتاح كلمة مهمة اشاهد بها بالجهود المنظمة وبالأعمال المشاركة واعتبر المعرض " مساهمة في النقاش الفنلندي والأوروبي والعالمي حول دور المرأة في المجتمع، وتبيان مسؤولية الفنان وحق الأقليات والمهاجرين في ابراز ثقافتهم"   وأضاف بان المعرض " حمل رسالة سياسية واضحة تنتصر للمرأة إضافة الى قيمه الفنية".          
الفنان امير الخطيب، رئيس (شبكة الفنانين المهاجرين في أوروبا) أخبرنا بان المعرض، يشكل إضافة جديدة لنشاط الشبكة المتواصل، وانه سيستمر مفتوحا امام الزوار حتى نهاية شهر آب. ومن الجدير بالذكر ان الخطيب وفي عام 1997 وبالتعاون مع بضعة فنانين تشكيليين أسس (شبكة الفنانين المهاجرين في أوروبا)، والتي مقرها هلسنكي، وتصدر مجلة شهرية باللغة الانكليزية اسمها ( ألوان كونية) ، بلغ أعضاء المنظمة قرابة 500 فنان ينتمون لأكثر من 40 بلداً، يشكّل الفنانون العراقيون نسبة كبيرة بينهم، ومنهم اسماء لامعة في الحركة الفنية العراقية، واستطاعت شبكة الفنانين أن تنظم العديد من المعارض المشتركة في بلدان أوروبية. وللشبكة مساهمة فكرية فاعلة في حوارات حضارية تختص بمفهوم " الثقافة الثالثة " ونشاط الفنانين المنفيين والمغتربين في أوروبا.


 








الفنان الخطيب يتوسط الفنانين من العراق عدوية الربيعي وبلال السكوتي



47
الصحافة الشيوعية في العراق..
من اجل سعادة الشعب وحرية الوطن *

يوسف ابو الفوز
صدرت "كفاح الشعب"، اول صحيفة شيوعية عراقية، أواخر تموز 1935، لتكسر احتكار الأفكار الذي تمارسه الصحافة الحكومية الرسمية، واصبحت أول صحيفة عراقية تصدر سرا متحدية الأعراف التقليدية بضرورة الحصول على إجازة، ولتفتح السجل النضالي الحافل للصحافة الشيوعية في العراق، التي لعبت دورا نضاليا بارزا في نضال القوى الوطنية المكافحة من اجل سعادة الشعب وحرية الوطن. ان المؤرخ والمتابع لتاريخ الصحافة الشيوعية في العراق، لا يمكنه تجاوز دورها في ارساء تقاليد عمل جديدة في تاريخ الصحافة العراقية، ولا يمكنه الا ان يذكر دورها الريادي في كشف وفضح سياسات الحكومات العميلة المرتبطة بسياسة الاستعمار وقوى الاحتكار، وتبنيها لتطلعات الكادحين. ومع توالي اصدار الحزب الشيوعي، العديد من الصحف السرية والعلنية، ارتباطا بالظروف النضالية والسياسية التي عاشها ، مثل  صحيفة "الشرارة" في مطلع الاربعينات، صحيفة "القاعدة" في كانون الثاني 1943، ، صحيفة ئازادي " الحرية "الناطقة باللغة الكردية في نيسان 1944، "العصبة"  في 1946 ،"الاساس" في 1948، " اتحاد الشعب" في منتصف 1956 ثم صحيفة "طريق الشعب" نهاية 1961 والتي واجهت ظروف نشر متعددة، فإن الصحافة الشيوعية ظلت وفية ومخلصة للمبادئ التي ارساها الرواد الأوائل، فلم تكن مجرد صوت لإيصال سياسة الحزب وبرامجه، بل كانت ميدانا لنشر الفكر التقدمي في مختلف جوانب الحياة. أصبحت جماهير الشعب تقرأ في صحافة الحزب الشيوعي العراقي آمالها وطموحاتها وهمومها، ولهذا كان انتظام صدور صحافة الحزب يشكل معنى كبيرا لدى جماهير الكادحين وأعضاء وأصدقاء الحزب، ولهذا السبب كانت صحافة الحزب السرية في فترات نضالية عديدة توزع أعدادا أكثر من الصحف العلنية الرسمية، واصبحت مدرسة لأجيال من الصحفيين والمثقفين العراقيين، الذين على صفحاتها تعلموا وشقوا طريقهم إلى ميدان العمل في الصحافة والأدب. خلال مسيرتها النضالية الحافلة بالأمجاد من اجل مستقبل أفضل لأبناء شعبنا، قدمت صحافة الحزب الشيوعي العراقي كوكبة خالدة من الشهداء من المناضلين والصحفيين، نستذكر منهم الشهداء محمد الشبيبي، عبد الرحيم شريف، محمد حسين أبو العيس، جمال الحيدري، نافع يونس، عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)، عدنان البراك، ولا ننسى زكي خيري وشمران الياسري وعامر عبد الله وغيرهم كثيرون ممن يطول تعداد أسمائهم.
هذا الملف، تقدمه طريق الشعب، تحية لذكرى صدور اول صحيفة شيوعية، وإجلالا لذكرى الرواد الأوائل، وشهداء الصحافة الشيوعية الذين بدمهم قبل الحبر سطروا مجد الكلمة المناضلة الصادقة.
تحية التقدير لألاف من المراسلين المجهولين الذين كانوا يغذون صحافة الحزب بالمعلومات والوقائع ويجعلونها صحافة الناس التي تعبر عن امالهم وتطلعاتهم وقريبة الى نبض الكادحين.
تحية للجهود المثابرة التي تواصل العمل، رغم كل العوائق، لتبقى صحافة الحزب ميدانا للأفكار الشجاعة والتقدمية، التي تعمل لأجل بناء عراق ديمقراطي، فيدرالي، تعددي، ينعم فيه المواطن بحياة حرة كريمة تحت ظل القانون، بعيدا عن أي فكر تعسفي ظلامي، يصادر حق الإنسان في الحياة الحرة الكريمة الآمنة.




48
رحيل الشخصية الفذة كلاوس أندرسون
يوسف أبو الفوز

اعلن اليوم في هلسنكي، عن رحيل الشخصية الفذة كلاوس اندرسون (شاعر، موسيقي، عالم نفس، قائد سياسي يساري، وزير ثقافة سابق، برلماني) عن عمر 82 سنة. وتميز بمواقفه المبدئية والرائعة في دعم قضايا الشعب العراقي ايام حكومة الديكتاتور السافل صدام حسين، وعبر دوما عن دعمه لقضايا المهاجرين واللاجئين، ويشرفني ان جمعتني واياه لقاءات ونشاطات ثقافية وسياسية متعددة، وتميزت شخصيته الثرية بالتواضع الجم. في اخر نشاط مشترك لنا اقامته جمعية الادباء السويديين في شهر نوفمبر 2015 دعما للاجئين وصل المكان متأخرا، كنت وشادمان نجلس في طرف الصف الرابع فرفض تركي مقعدي لاجله وجلس في اخر الصفوف في المسرح. قبلها بسنوات كنا في وسط المدينة وكان يتمشى في الطرف الثاني من الشارع وكانت أيام أعياد الميلاد، رفعنا أيدينا له بالتحية، فعبر الشارع باتجاهنا ليقدم التهاني والامنيات بالعام الجديد. اشعر شخصيا بالحزن والخسارة، اذ كنت دائما مبهورا بعبقريته ونشاطه المتعدد وتعلمت من ذلك الكثير.
أسمه الكامل كلاوس يوهان رودولف أندرسون هو طبيب نفساني فنلندي ـ سويدي، روائي، شاعر، موسيقي، وعضو سابق في البرلمان الفنلندي. دخل الحياة البرلمانية عام 1987 كمرشح لرابطة الشعب الديمقراطية في فنلندا (الحزب الشيوعي) الذي تفتت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي الى عدة كيانات سياسية منها "اتحاد اليسار" الذي تأسس عام 1990 وأصبح اندرسون أبرز شخصياته وأول سكرتيرا له، وترأس الحزب لمدة ثماني سنوات. أصبح وزيرا للثقافة للفترة 13 نيسان 1995 - 4 أيلول 1998، وكان مرشحًا في الانتخابات الرئاسية لحزبه في عام 1994. وكان عضوا في البرلمان الفنلندي في 1987-1999 و2007-2008. ثم استقال كعضو في البرلمان لأسباب صحية في خريف عام 2008 وكان النائب الذي جمع أكثر الأصوات في الانتخابات وعند استقالته كان رئيسا للبرلمان الفنلندي.
عرف عنه غزارة الإنتاج، فإضافة الى كتابته الشعر كتب العديد من الروايات وعدة سيناريوهات لافلام أصبحت معروفة، وأصدرت مذكراته التي كشف فيها الكثير من اسرار حياته، منها ادمانه لفترة على القمار، ومحاولته الانتحار عندما شك بنفسه كونه مصابا بالايدز لانه أصيب بمرض له اعراض مشابهه.
لقد فقدنا صديقا رائعا طالما عرف بمواقفه الثابتة ضد العنصريين وطالما قدم دعمه لقضايا المهاجرين واللاجئين.

 

49
يا أولاد الحرام أكرمونا بسكوتكم!
يوسف أبو الفوز

حين اتصل بي اخي الأكبر فجر الأول من أيلول عام 1997 لينقل لي خبر وفاة والدتي، التي عانت كثيرا من النظام البعثي المقبور بسبب كون لها ثلاثة أبناء شيوعيين، رفضوا الرضوخ لسياسة التبعيث الفاشية، وان يطأطؤوا رؤوسهم بمذلة لنظام العهر الدموي، وغادروا البلاد مضطرين تباعا مشيا على الاقدام عبر الصحراء الى الكويت، لم أبك ساعتها بقدر شعوري بالغضب، فغادرت المنزل لأجري في الغابة القريبة من بيتي حتى عثر علي راكبو دراجات منهارا من التعب عند جذع شجرة.
اليوم، وانا اطالع ما نقلته الاخبار ووسائل التواصل الاجتماعي من صور العظام لأطفال ونساء، في مقبرة جماعية، اكتشفت في صحراء مدينتي السماوة، لم أستطع حبس دموعي واجهشت بالبكاء، وانا اكتب هذه السطور الغاضبة.
قبل أيام، في ذكرى ثورة ١٤ تموز، كتبت مع نشر بوستر للفنان فراس البصري عن المناسبة، هتافا طالما سمعته من ناس أحبهم " تموز عايش للأبد.. موتوا يا بعثية “، فوصلتني رسائل ومكالمات وهناك من كتب على صفحتي العامة، يطالبني بان اتجاوز هذه اللغة واني " مثقف" وعلي تجاوز لغة الموت والخ، بل هناك من يذكرني بنيلسون مانديلا وسياسته في التسامح، وهناك من ...
يا بشر ... حين أعلن مانديلا سياسته في التسامح كانت مقرونة باعتذار الجلادين، ومحاسبة المجرمين. هاتوا لي بعثي واحد اعتذر عما جرى للناس من مآس بسببه أو بسبب حزبه. هاتوا لي مثقف صفق وردح ودجل وغنى وكتب شعرا ـ حتى لو كلمة ــ وقال اعذروني كنت مخدوعا، خائفا، جبانا أو على الأقل كنت أبن كلب!
وانا انظر الى العظام في الصور، واقرا سطور، بعض من اهالي من غيبت عوائلهم بالكامل ــ اقروأ ما يكتبه مثلا الأخ كفاح كنجي الذي فقد عائلته وافراد قرية كاملة من اقربائه ولا يزال يبحث عن عظامهم ـ اريد ان أمزق ثيابي والطم وجه كل من يشفق على أي بعثي حقير، وسأبول على راس كل من يدافع عن بعثي حقير من حملة الفكر العفن الدموي الفاشي الذي خلف أخلاقيات خرا.  سأنعل ابو حتى الشريف منهم.  وأبصق على كلمة "مثقف" إذا تستر خلفها من صنعوا امجاد الديكتاتور العفن "ابن أم الرجولة". قولي عني ما شئتم فأنا غاضب جدا الان، لكني في وعيّ الكامل. لن ارحم بشتائمي كل من يفتح بابا للتسامح مع من لا يريد الاعتذار من هؤلاء البعثيين السفلة الذين لبسوا ثوب الدين وثوب الوطنية واندسوا في كل الأحزاب ـ كل الأحزاب!-، وعملوا من أنفسهم ضحايا، ويتباكون أولا الحرام على "الزمن الجميل". كان المجرم صدام حسين يتنعم في قصوره مع جواريه وخدمه وكنتم أنتم يا أولاد الحرام من ترتكبون الجرائم باسمه وتصنعون أسمه ديكتاتور. فتف على كل من يترحم لكم!
انظر الى هذه العظام وانا احبس دموعي واتخيل هل هي عظام أطفال قرية مراني الذين عرفتهم وعايشتهم، ومزحت معهم واخرجت لهم مسرحية، أطفال قرية مراني: هل هذه عظام زخاروف، زوزك، فيدل، خليل، وفاء، عاصف، خمي، ديمتروف، فؤاد، حبيب، سيتاف، ريناز، زكي، فينوار، رينوار وسلسلة الأسماء طويلة يا أولاد الحرام.  إكرمونا بسكوتكم ودعونا نكفف دموعنا بصمت.

50
الشيوعي الفنلندي يعقد مؤتمره العام وينتخب قيادته الجديدة

متابعة ــ طريق الشعب

في مدينة بورفو، التاريخية، ( شهدت جلسات اول برلمان فنلندي عام ١٨٠٩ بعد تمتعها بالحكم الذاتي في زمن الحكم القصيري الروسي) ، الواقعة حوالي60    كم شمال شرق العاصمة هلسنكي، ولليومين  15- 14 حزيران الجاري، وتحت شعار (اليوم هو الوقت المناسب - الوقت والمكان المناسبان للتعاون والتقدم) عقد الحزب الشيوعي الفنلندي مؤتمره الدوري، الذي يعقد كل ثلاث سنوات مرة، بمساهمة 68 مندوبا و 10 مراقبين وبحضور ضيوف ممثلين من 12 حزبا شيوعيا ويساريا ، منهم الحزب الشيوعي العراقي الذي مثله الرفيق يوسف أبو الفوز من منظمة الحزب في فنلندا . وكان من ضمن الضيوف سفراء بعض البلدان. تلقى المؤتمر برقيات ورسائل تهنئة من العديد من الاحزاب الشيوعية واليسارية، ومنها رسالة تهنئة من اللجنة لحزبنا الشيوعي العراقي.
وبعد ان تم إقرار شرعية المؤتمر وثم أنتخاب هيئة الرئاسة وبقية اللجان العاملة، تم تشكيل وإقرار لجان ورش العمل المقترحة لمناقشة وثائق المؤتمر، والتي روعي في تشكيلها ان تضم في عضويتها مندوبين ممثلين عن مختلف المدن الفنلندية، ودعي لحضورها والمساهمة في النقاش خبراء ومختصون من أصدقاء الحزب من الشخصيات الاكاديمية المعروفة.
أفتتح الرفيق يوها ــ بيكا فايسانين، رئيس الحزب، جلسات المؤتمر باستعراض التقرير السياسي الذي أشار الى انه في السنوات الثلاث الماضية حدثت تغيرات عديدة في العالم وفنلندا، وانه لمواجهة الرأسمالية، يجد ان هناك حاجة الى جمع التقدمية والديمقراطية للعمل الجاد لأجل تغيير جذري في العمل ضد السياسات الرأسمالية والعنصرية والفاشية وانتهاك حقوق الفقراء وذوي الدخل المحدود، وضد الحرب والعسكرة ولأجل تحسين ظروف عمل العمال. وبين ان الحزب الشيوعي الفنلندي مستعد للتعاون مع قوى اليسار ضد سياسات التقشف ولأجل السلام ليس في فنلندا فقط بل وعلى نطاق عالمي. واضاف الى ان نشاط الحزب الشيوعي الفنلندي ضد سياسات حكومة اليمين السابقة، ساهم في التغيير في الانتخابات وفوز عديد من أحزاب اليسار التي شكلت الحكومة الحالية،  لكن التقرير اكد تحفظات الحزب الشيوعي الفنلندي على مشاركة حزب الوسط في الحكومة حيث يمثل سياسية البرجوازيين الليبراليين الجدد ، ومخاطر ذلك تتبين من توليه وزارة المالية ( حسب العرف في فنلندا وزير المالية عادة يتولى موقع نائب رئيس الوزراء ـ المحرر) ، وحيث لا تزال خطوط السياسة الخارجية مرتبطة بسياسات الاتحاد الاوربي ، فيما يخص عسكرة البرامج وترك الباب مفتوحا في العلاقة مع حلف الناتو. وتناولت عموم وثائق المؤتمر التحديات الرئيسية في المستقبل؛ إلغاء الهيكل والنموذج الاجتماعي الرأسمالي، ومكافحة الأزمة البيئية، والعنصرية، والفاشية والفقر، وكذلك تعزيز سياسة السلام، وتعزيز المجتمع المدني والديمقراطية التشاركية. وشهدت قاعة المؤتمر، ولمدة يوميين متتاليين، سجالات ومناقشات بأجواء ديمقراطية مسؤولة وثم تم إقرار التقرير السياسي واوراق العمل التي غطت مختلف مجالات عمل الحزب الفكرية والسياسة والاجتماعية.   
وقوبلت رسالة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي الى المؤتمر، التي تلاها الرفيق يوسف أبو الفوز بعاصفة من التصفيق والترحيب، وحملت الرسالة الى المؤتمر التحيات من الشيوعيين العراقيين والامنيات بنجاح المؤتمر والثقة بأنه سيعزز من دور ونفوذ الحزب الشيوعي الفنلندي، الذي يواجه تحديات محلية وعالمية عديدة، وان المؤتمر سيساهم في رسم استراتيجيات لمكافحة سياسات احزاب اليمين والليبرالية الجديدة ومقاومة الهجمات على حقوق العمال التي أدت إلى تخفيضات شديدة في الضمان الاجتماعي والخدمات المحلية. وأشارت الرسالة الى إن هذه المعركة التي يقوم بها الشيوعيون الفنلنديون من أجل فنلندا أخرى، أوروبا العمالية وعالم أفضل، مرتبطة بشكل وثيق بالكفاح، إلى جانب قوى يسارية ـوخضراء يسارية وتقدمية في بلدان الشمال الأوروبي الأخرى وفي أوروبا ضد الحروب الإمبريالية والفاشية والعنصرية وضد تغير المناخ الذي يجبر الناس على الهجرة من أوطانهم.
وأكدت الرسالة انه في هذا الصدد، من الأهمية بمكان مواصلة تطوير وتعزيز التضامن الدولي ضد سياسات دعاة الحروب الإمبريالية، وتقديم دعم حقيقي للنضال المستمر في جميع أنحاء العالم من أجل السلام والحرية والديمقراطية والتقدم الاجتماعي، وكذلك تعزيز الأفكار الاشتراكية وأهداف. واوضحت رسالة التحية دور الشيوعيين العراقيين في نضالهم في ظل ظروف صعبة ومعقدة، لوضع حد لنظام المحاصصة الإثنية الطائفية الذي تم تثبيته بعد الحرب الأمريكية، وغزو العراق واحتلاله قبل 16 عامًا، حيث لا تزال البلاد تعاني من عواقب أزمة سياسية هيكلية عميقة مستمرة، مع تفشي الفساد.
وبينت الرسالة بان الحزب الشيوعي العراقي وحلفائه، يدعون إلى إصلاحات سياسية عميقة، للتخلي عن نظام الحصص الإثنية الطائفية والعمل على إقامة دولة قائمة على مبدأ المواطنة والديمقراطية الحقيقية والعدالة الاجتماعية. وختمت الرسالة بان الشيوعيون العراقيون ومؤيدوهم يواصلون المشاركة النشطة في حركة الاحتجاج الجماهيرية ضد الفساد والسياسة الطائفية التي بدأت في صيف عام 2015. وفي هذا الصراع الصعب وفي ظل الظروف المعقدة الحالية، يتطلعون إلى دعم أوسع وتضامن دولي مع الشعب العراقي وقواته الديمقراطية، بما في ذلك حزبنا الشيوعي، في الحرب على هزيمة الإرهاب والطائفية السياسية، ومكافحة الفساد، وتحقيق الوحدة الوطنية والسلام، وبناء دولة ديمقراطية مدنية تقوم على العدالة الاجتماعية.
وفي اخر جلسات المؤتمر تم اعلان انتخاب اللجنة المركزية الجديدة للحزب الشيوعي الفنلندي، التي روعي فيها التنوع الجغرافي لتغطي عموم البلاد، والمكونة من 35 عضوا ونسبة تقارب النصف منهم من الشباب وأعضاء جدد. وانتخب المؤتمر سكرتيرا عاما جديدا للحزب هوالرفيقة تينا ساندبيرغ ( 56عاما )بستانية ، بينما احتفظ الرفيق الفنان يوها ــ بيكا فايسانين (53 عاما) بمهمة رئيس الحزب ، وانتخب نائبان للرئيس الاول الرفيق ميغيل لوبيز (58 عاما) مدرس جامعي من أصول فنزويلية، والرفيقة ليزا تاسكنين (67 عاما) وتعمل طبيبة.

 وعلى هامش اعمال المؤتمر قام ممثل الحزب الشيوعي العراقي باللقاء مع وفود الاحزاب الشيوعية للحديث عن ظروف عمل الحزب ونضاله الدؤوب ، وتم توزيع بشكل واسع للضيوف وغالبية المندوبين باللغة الانكليزية، ملف ضم رسالة اللجنة المركزية إضافة الى مجموعة من أخر بيانات الحزب الصادرة ، بخصوص الاعتداءات الغادرة على مقرات الحزب، التضامن مع الشعب السوداني، التهديدات الامريكية بالاعتداء على الجدارة ايران ، ومن الوفود التي تم اللقاء بها الحزب الشيوعي في فنزيلا، الحزب الشيوعي الايراني، حزب اليسار في المملكة المتحدة، الحزب الشيوعي الألماني، السفير الكوبي الى فنلندا، السفير الفلسطيني في فنلندا، واضافة الى ممثلي العديد من منظمات المجتمع المدني الفنلندية.

 


51


 
قادة الاحزاب السياسية في حالة ترقب في متابعة النتائج
هلسنكي ــ يوسف أبو الفوز
في مساء 14 من نيسان الجاري أغلقت صناديق الاقتراع في الانتخابات البرلمانية الفنلندية، التي شهدت تنافسا بين 22 قائمة وحزبا على مقاعد البرلمان البالغ عددها 200 مقعد.
وشهدت الانتخابات مشاركة واسعة بلغت 72 في المائة، ورافقتها مخاوف من فوز حزب "الفنلنديين الحقيقيين" اليميني المتطرف في الانتخابات، بعد ان شغل في استطلاعات الراي التي سبقت يوم الاقتراع الموقع الثاني. وكانت المخاوف شديدة من تشكيله الحكومة القادمة، وكانت أكبر في أوساط المهاجرين. فاليمين المتطرف عرف بتشدده ومعارضته سياسة الهجرة ودعوته المستمرة الى المزيد من الإجراءات المتشددة، وعزل اللاجئين في إحدى الجزر. وكان زعيم اليمين المتطرف قد صرح مرارا بانه ينوي تشكيل حكومة تحد من "الهجرة الضارة بفنلندا". وجاء اعلان النتائج تباعا مقلقاً للفنلنديين، لاسيما وان النتائج كانت متقاربة جدا وكانت ترتفع وتنخفض بين الحين والأخر.
النتائج النهائية أظهرت تقدم الحزب الاجتماعي  الديمقراطي بحصوله على 40 مقعدا (+6) محققا نسبة 17,7 في المائة، بينما حصل منافسه حزب الفنلنديين الحقيقيين( يمين متطرف) على 39 مقعداً (+1) بنسبة 17,5 في المائة ، وحصلت بقية أحزاب اليسار على نسب متقدمة قياسا بالانتخابات السابقة ، اذ حصل اتحاد اليسار على 16 مقعدا(+4) ، وكانت زعيمته الشابة لي اندرسون من الأسماء الأربعة التي حصلت على اعلى الأصوات، وحصل حزب الخضر على 20 مقعدا (+5) ، مما يجعل الآراء تشير الى ان الحزب الفائز سيميل الى تشكيل حكومة بمشاركة قوى اليسار وبالتعاون مع  حزب "الوسط" (المزارعين سابقا) وهو حزب رئيس الوزراء السابق وقد تعرض الى هزيمة ، بحصوه على  31 مقعدا (- 18).
أن أهمية نتائج الانتخابات النهائية لا تنحصر في فنلندا فقط، بل تتعدى الى عموم القارة الأوربية المقبلة على انتخابات البرلمان الأوربي. فقد نجحت قوى اليسار في ابعاد اليمين المتطرف، من سدة الحكم، والذي كان سيدخل البلاد في فترة عصيبة، وينقض على مكتسبات "دولة الرفاه"، والمكتسبات الاجتماعية التي ناضلت من اجلها اجيال من الفنلنديين.، واعتماد سياسة خصخصة الخدمات الصحية والاجتماعية، وان فوزه كان سيساعد على نشر خطاب الكراهية والعداء للأجانب.
وقبيل موعد الانتخابات بأيام نظم لقاء لقادة الاحزاب مع الصحافة، وكانت "طريق الشعب" هناك وطرحت موضوع تشكيل الحكومة. أجاب قادة أحزاب اليسار بان نتائج الانتخابات هي الحاكمة، وستحدد مع من يتم التفاوض، وعولوا جميعهم على احياء تحالف الخضر ــ الحمر. وتفيد النتائج الحالية في حالة عدم التمكن من جمع الأغلبية (100+1)، ستكون هناك مفاوضات مع أحزاب أخرى. ورفضت أحزاب اليسار مسبقا اي إمكانية للتعاون مع حزب اليمين المتطرف لتشكيل الحكومة، لهذا تتجه انظار رئيس الحزب الاجتماعي الديمقراطي الى حزب "الوسط"، وكذلك الى حزب الشعب السويدي الذي حافظ على مواقعه السابقة ونال 9 مقاعد.
 المراقبون يشيرون الى انه في حال لم يتم التوصل مع حزب "الوسط" الى اتفاق مناسب، فربما يلجا الاجتماعي الديمقراطي الى حليفه السابق وهو الاتحاد الوطني الفنلندي (يمين معتدل) الذي حصل على 38 (+1)، والذي طالما اشترك معه في حكومات متتالية ضمت أحزابا من اليسار واليمين، مما دفع الشارع الفنلندي في حينها الى تسميتها حكومات قوس قزح.
ان النتائج الجيدة التي حصلت عليها أحزاب اليسار مجتمعة تشير الى ان الناخبين ملوا من وعود الحكومة السابقة (حكومة الاغنياء) التي اتبعت سياسة التقشف وكانت وبالا على ذوي الدخل المحدود، ويأمل الناس من الحكومة القادمة ان تنفذ وعودها وتحقق نمواً اقتصاديا يضمن لهم حياة أفضل.
يسجل لهذه الانتخابات انها عززت دور النساء البرلمانيات، فهناك 92 امرأة من بين 200 نائب إضافة الى صعود وجوه شابة جديدة في مختلف الاحزاب واختفاء وجوه تقليدية مخضرمة.
يذكر ان هذه الانتخابات شهدت فوز اول نائب من أصول عراقية هو الشاب حسين الطائي ابن محافظ النجف السابق اسعد أبو كلل، وقد وصل الى فنلندا طفلا من مخيمات رفحا في بداية تسعينات القرن الماضي، ودرس في المدارس الفنلندية وعمل في منظمة فنلندية داعية للتعايش والسلام. ويأمل المهاجرون ان يكون صوتا لهم داخل قبة البرلمان.




 

مراسل طريق الشعب في مركز اعلان النتائج                   الشاب حسين الطائي



52
وماذا بعد ذلك؟
يوسف أبو الفوز

 أحتفل الشيوعيين العراقيون، واصدقائهم بالعيد ٨٥ لتأسيس حزبهم، وعاشوا أياما استذكروا فيها شهداءهم وامجادهم وصفحات من نضالاتهم الباسلة، وعبروا عن فرحتهم بأشكال عديدة، خارج وداخل الوطن، ورافق ذلك تطورات الاحداث في الجزائر والسودان، حيث قالت الجماهير هناك كلمتها بوضوح وبصوت عال لأجل التغيير والدولة المدنية، وتناقلت وكالات الانباء التفاصيل أولا بأول.
انتهت الاحتفالات، وهدأت الموسيقى وعاد الشيوعيون العراقيون الى مواجهة الأسئلة الكبيرة التي تشغلهم دائما: وماذا بعد ذلك؟
كنا نتحدث في بيت صديقي الصدوق أبو سكينة، عن كل ذلك وعن تطورات العملية السياسية في بلادنا التي ما زالت تبدو مستعصية، أشار جليل الى ان هناك قوى سياسية تعمل بالخفاء والعلن لعرقلة الإجراءات الرامية الى احداث إصلاحات وثم التغيير لمغادرة معادلة حكومات المحاصصة التي لم تجلب سوى الخراب لبلادنا. أكدت من جانبي بأن الشيوعيون مستلهمين امجاد حزبهم، لا يتوقفون عن المطالبة بأجراء إصلاحات بشأن الدولة وعملها، الخدمات الصحية والتعليمية والإسكان ومياه الشرب والكهرباء وحصر السلاح بيد الدولة، وتوفير فرص العمل، وإصلاح القوانين الانتخابية بعد دراستها وتقديم التعديلات المطلوبة عليها. أشارت زوجتي بأن جماهير الشعب تعول كثيرا على عمل الشيوعيين ونشاطهم، ولكن لا ننس ان من الجانب الاخر لا زالت تعمل بنشاط مدروس منظومات الفساد وسراق المال العام لعرقلة أي جهد وطني نبيل ساعين لإجهاض أي نجاح.
كان أبو سكينة يتسمع ناقلا بصره بين المتحدثين دون ان أي تعليق. حاولت اشراكه في الحديث وسألته عن رأيه. فبادر لسؤالي: أتذكر يوم حكيت لي عن لعبة لغوية كنتم تمارسونها أيام المدرسة الإعدادية انت واصحابك، تسألون بعضكم البعض عن اشتقاق كلمات من أسماء الدول، وتختارون أسماء دولا غريبة لتوريط اصحابكم ليقوموا باشتقاق الكلمة المطلوبة على غرار الكويت تكون تكويت، العراق تصبح تعريق، لبنان تكون لبننه وهكذا..
تبادلنا النظر فيما بيننا نحاول ان نخمن ماذا يريد القول، فضحك وواصل كلماته: اعتقد اننا في العراق بحاجة لأن تتسودن الناس، ويجب نعمل بجد لأجل ذلك، فبدون سودنة الوضع في العراق لا يمكن تحقيق التغيير المطلوب ونبني الدولة المدنية، ان منظومات الفساد لن تستسلم بسهولة، وان الشارع هو الكفيل بإيقافها، ووحدها الجماهير من ستقول الكلمة الفاصلة والى جانب من سيقف عموم الناس المبتلين بحكومات المحاصصة؟ وسيحددون هل يقفون الى جانب منظومات الفساد وسراق المال العام ام الى جانب القوى الديمقراطية والمدنية الساعية لبناء دولة القانون والمؤسسات لأجل تحقيق العدالة الاجتماعية؟ 

53
والانتخابات الفنلندية البرلمانية على الأبواب
ظهور وصعود اليمين المتطرف في فنلندا وعموم أوروبا
يوسف أبو الفوز
كان المعتقد بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وهزيمة هتلر وحزبه النازي، بأن أوروبا ستواصل السير باتجاه مغاير، خصوصا مع النجاحات التي صارت تحصدها أحزاب اليسار، والتي نجحت في شمال أوروبا ببناء نموذج "دولة الرفاه"، الذي يعتبر نموذجا متقدما قياسا ببقية الدول الرأسمالية في الغرب حيث الدولة هي المسؤولة عن القيام بالدور الأساسي في حماية وتوفير الرفاه الاقتصادي.
وساعد انهيار الاتحاد السوفياتي، الحليف القوي لليسار العالمي، وظهور نظريات مثل "نهاية التأريخ" التي تروج لكون الرأسمالية هي الحل، ساعد كثيرا في اشتداد تأثير ونمو قوى الاحزاب اليمينية التي تدعو "لإصلاحات" اقتصادية، تقف في مقدمتها الدعوة لخصخصة قطاع الدولة في ظل العولمة الرأسمالية، وان تحقيق نجاحات ميدانية جزئية في حل معضلات اقتصادية تتعلق بالتضخم والبطالة، ساعد قوى اليمين للنمو والصعود لتكون طرفا مشاركا ومهما في العديد من الحكومات الاوروبية. هذا الدور الذي سرعان ما تطور بحيث حققت الاحزاب اليمينية، صعودا أهلّها لتقود الحكومات في العديد من البلدان الاوروبية.
وساهم انهيار الاتحاد السوفياتي، في كشف ان احزاب اليسار تملك مشاكلها وأزماتها الذاتية، فيما يتعلق ببناها الداخلية والفكرية، وواقعية برامجها وشيخوخة آليات عمل يتطلب منها استيعاب المتغيرات السريعة في العالم مع تزايد تأثير ثورة الاتصالات. هذا الانهيار أيضا، جعل خارطة الأعداء والأصدقاء، تتغير، فنهاية الحرب الباردة، كانت الايذان لبدء حرب جديدة. فبروز الاتحاد الأوروبي كقوة اقتصادية وسياسية، ونموذج دولة الرفاه أصبحا مما يقض مضاجع الشركات الاحتكارية والبنوك الكبرى ومنظري "الليبرالية الجديدة" الذين تشير اصابع الاتهام لهم في اغتيال "اولف بالمه"، الاشتراكي الديمقراطي السويدي، الذي اغتيل بشكل غامض عام 1986 وكان من اشد المعارضين والمكافحين ضدها ومدافع بقوة عن نموذج" دولة الرفاه".
نجحت أحزاب اليمين المتطرف في اللعب على المشاعر القومية للمواطن الأوروبي، وتقديم برامج انتخابية محملة بالوعود، مستثمرة أخطاء حكومات أحزاب اليسار، ونتائج الازمات الاقتصادية العالمية والمحلية، خصوصا الأزمة المالية العالمية عام 2008 وعام 2011، وارتفاع عدد العاطلين عن العمل، والاسعار في المواد الغذائية ووسائل النقل والسكن والخ.
تحركت قوى اليمين بطرق مبتكرة وحيوية، تعتمد التواصل المباشر والاثارة، بين صفوف الشباب خصوصا، وطرح شعارات صارخة حول معالجة التفاوت في الدخل ورفع الضرائب على ذوي الدخول العالية، وتحسين المعاشات التقاعدية وتحديد سن التقاعد ومعالجة سياسة الهجرة وضرورة خفض معدلاتها مزايدا حتى على برامج القوى اليسارية. فنجحوا في الوصول الى برلمانات العديد من دول الاتحاد الأوروبي، ونجحوا في اخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، مدعومين بشكل مباشر وعلني من الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" ممثلا للتيار الشعبوي اليميني.
في فنلندا، كان وجود حزب الاتحاد الوطني الفنلندي (يمين معتدل)، في حكومات مشتركة متعاقبة، فرصة لليمين المتطرف للاستفادة من الحياة الديمقراطية، لإيصال عناصر متطرفة للعمل تحت قبة البرلمان الفنلندي للترويج لأفكارهم ومفاهيمهم، هذا إذا اعتبرنا "الإسلام فوبيا" ومعاداة السامية وخطاب الكراهية برامج أيديولوجية. لهذا لم يكن مفاجئا تأسيس حزب يميني متطرف في فنلندا مثل"الفنلنديين الحقيقيين"، بعد انسلاخ شخصيات متطرفة من حزبي الوسط والاتحاد الوطني الفنلندي والتحقت بهم أسماء نشطة في صفوف منظمات النازية الجديدة، وكان نصرهم الأكبر يوم الفوز في انتخابات 2015، واشتراك ثلاثة أحزاب يمينية في تشكيل الحكومة، التي سماها الشارع الفنلندي "حكومة الأغنياء".
وساعد وجود احزاب اليمين في الحكومة الفنلندية، ونشاط شخصيات شعبوية متطرفة، في نمو خطاب الكراهية لتتبناه وتعتاش عليه قوى متطرفة، تعتمد اساليب الاثارة السياسية والتصريحات النارية، وترفع شعارات تلائم مزاج الشارع المتذمر، اضافة الى اعتماد برامج تعارض الهجرة ووجود الاجانب عموما، ساعد كل هذا على خلق أجواء مناسبة لنمو الحركات العنصرية وانتشار افكارها بشكل واسع، وثم تأثيرها على مزاج الشارع الفنلندي.
 وعضدت ذلك موجة الهجرة في عامي 2016 --2015 التي لم تكن فنلندا مستعدة ومتهيئة لها لوجستيا وفكريا. يمكن القول أيضا انه خلال العقدين الأخيرين تغيرت شخصية وسائل الاعلام الفنلندية، اذ تسلل خطاب الكراهية الى بعض الصحف الفنلندية. ولابد من الإشارة الى أن هناك قطاعاً من المهاجرين للأسف بخرقهم للقوانين وتجاوزاتهم المتكررة وارتكابهم جرائم التحرش والاعتداء الجنسي، ساهموا في إعطاء الفرصة لقوى اليمين والعنصريين والاعلام الموجه، لنشر خطاب الكراهية، الذي خلق الخوف والتوجس عند الكثير من الفنلنديين.
وهناك سؤال يمكن مواجهته كثيرا: ألم يكن المهاجرون القدامى يرتكبون مخالفات وجرائم مختلفة؟ الجواب نعم بالتأكيد، لأنهم بشر وغالبيتهم جاءوا من نفس المجتمعات التي جاء منها المهاجرون الجدد، لكن يجب ان نعرف أن عدد المهاجرين لم يكن كبيرا، وعليه فالمخالفات كانت تبدو نسبيا محدودة العدد، والاهم لم يكن هناك نشاط ملموس للجماعات العنصرية تعتاش على هذه المخالفات، ولم تكن هناك وسائل تواصل اجتماعي تعمل ليل نهار في نقل الاخبار والمبالغة بها لأهداف سياسية.
ان فنلندا، كدولة مدنية دستورية، لا يزال نظامها يحرّم العنصرية ويمنع التفرقة بين المواطنين، وتحكمها المؤسسات والقوانين، وان الاحزاب اليمينية، التي شكلت الحكومات الأخيرة، هي المسؤولة عن التغيرات السلبية في المجتمع الفنلندي. وباعتقادي انه ومع تزايد اعداد حملة الجنسية الفنلندية، من بين صفوف المهاجرين،  فأن هذا يجعلهم  ورقة انتخابية مهمة، فبإمكانهم ان يكونوا عاملا حاسما في قطع الطريق على قوى اليمين وعدم عودتها للحكم مرة اخرى، وذلك بالتوجه الى صناديق الاقتراع في 14  من نيسان الجاري، واختيار المرشح المناسب من أي قوى يسارية، لأجل الحفاظ على نموذج دولة الرفاه، التي تحاول قوى اليمين، التي تعزز وجودها بتشكيل أحزاب جديدة، تقويضه والقضاء عليه، ولأجل قطع الطريق على استمرار خطاب الكراهية وسياسة معاداة المهاجرين، والاهم لأجل ان يعيش الجميع بوئام وسلام ويساهموا في بناء حياة سعيدة للأجيال القادمة.



54
قصة قصيرة بمناسبة يوم المرأة
إجتياز ــ بقلم النصير يوسف أبو الفوز
نص قصصي كتب تحية لرفيقاتي النصيرات البطلات وأرواح الشهيدات الخالدات، اللواتي احببن الحياة وتعلقن بها وتميزن بالشجاعة والريادة والقدرة على التضحية، ورسمن بزهر شبابهن ودمائهن تأريخا متميزا تتعلم منه الأجيال اللاحقة. من كتاب " تلك القرى.. تلك البنادق" مجموعة قصصية عن تجربة وحياة الأنصار الشيوعيين والكفاح المسلح في كردستان العراق، اربيل ـ وزارة الثقافة في كوردستان العراق 2007. لوحة الغلاف الفنان النصير ستار عناد " أبو بسام"
***

ـ اليوم!
صباح ربيعي، كل شيء يبدو زاهيا يبعث الانشراح والاحساس بالانتماء. تجول قليلا في ارجاء المقر، تابع تفاصيل الحياة اليومية للوادي الصغير، حيث قرية الأنصار التي شيدوها بسواعدهم لتكون مقرا لهم قاعدة لنشاطاتهم. توقف عند المطبخ الصغير ن المكتظ بأكوام الحطب اليابس، شاكس الخفيرة حول مهارتها في طبخ العدس. حيا حراس السجن، ومر عند فرن الخبز ارتشف مع الخبازين شايا اسود.
ـ اليوم!
من غرفة الاعلام، ومن مجموعة الكتب التي يصر مسؤول مكتب الاعلام على تسميتها “المكتبة" استعار كتاب (سعدي يوسف ـ الاعمال الكاملة). قرب قاعة نوم أنصار فصيل المقر تفرج قليلا على لعبة شطرنج بين نصيرين من أيام وهم في تحد متبادل.
ـ اليوم!
ليس بعيدا عن القنطرة الخشبية الصغيرة، التي ساهم في اجازته الماضية في إعادة تشييدها، استند الى جذع شجرة جوز عملاقة يتهامس مع سعدي بن يوسف: (يكفي ان نتنفس، كي نتفرس في الأفق المفتوح).
ودفعه واحده يجد نفسه يرتمي في نهر جارف، تحمله برفق أمواج وجد متداخله، بين اجفانه تتراقص اقواس قزح، وفي اعماقه ينهض عملاقا، شفيفا كأغاني الأمهات، يزهر في خلاياه عشبا ومطرا و...
ــ اليوم!
ولكن هذا القلق اللعين؟ الارتباك الذي تتسم كل افعاله؟ ترى هل انتبه رفاقه الأنصار الى كل ذلك؟ هل انتبهت النصيرة الخفيرة الى ان تحت الحوارات المرحة، الساخرة، التي تبادلها معها كانت تختبئ نيران القلق. تحرق كل ما اعد من كلام لهذا اليوم، وان كل مهارته في تحضير المفردات قد تتلاشى في لحظة واحدة؟ و...
ـ اليوم!
ان كل شيء صار واضحا، جليا، كرشقة رصاص مذنب في سماء ليل ساكن. الامر لم يعد يحتمل التأجيل. نضج بما فيه الكفاية. ولم يعد يحتمل التأخير. سيبدو مغفلا كبيرا لو مر اليوم مثل البارحة، مثل الأيام التي سبقته. كل هذه الأفعال الصغيرة الدافئة المتداخلة، تجعل الروح محتشدة بالأغاني والازهار والالق. كل هذه الايماءات المتوهجة بالدهشة والاسئلة، التي تخترق القلب برشقات متواصلة من النضارة والفرح، تجعله محتدما في التداعي، يندلع في خلاياه حريق من الهواجس، تتجمع من كل الزوايا، تحاصره، ترميه في مساحة شاسعة من الأضواء الملونة، فتكون في داخله شيئا عذبا، واضحا ومبهما في الوقت نفسه، بهيا كنجمة قصية، وحيدة، مشرقة في السماء، و...
ــ اليوم!
ليس بعيدا عن موقع المشجب جلس بعض الأنصار الجدد، ينظفون أسلحتهم التي استلموها حديثا، اختلط صوت طقطقة المعادن بضحكاتهم المرحة، منذ يومين وهو ينوي تنظيف بندقيته لكنه اجل الامر عدة مرات، و..
ـ اليوم!
لماذا هذا التأجيل؟ لطالما تساءل مع نفسه، فهذا التردد سيفسد كل شيء. لماذا التردد، وهو المعروف بين الأنصار بالجرأة؟ هل هو حالة ضعف مشروعة؟ حتى الخوف حالة مشروعة، فبدون اشواك الخوف لا يمكن جني حلاوة الشجاعة. هكذا علمته الحياة، وهو النصير المتقدم رفاقه دوما في المسير واقتحام مواقع ربايا العدو؟ من ماذا يخاف تحديدا؟ و...
ــ اليوم!
يوميا يجتاز القنطرة عدة مرات بين جانبي المقر، يزور غرفة مكتب قيادة الفوج في شان ما، يدخل قاعة نوم أنصار السرايا، ويراجع الطبيب للفحص الدوري. اليوم يجد في نفسه خشية حتى في الاقتراب من القنطرة. لم يبد له احتيازها عصيا هكذا؟
ــ اليوم!
سار بمحاذاة الساقية التي تخترق المقر كولا كخيط من الفضة، ينشر الطراوة والندى على جنباته. ما ان تحرك قليلا حتى لمح بين الأعشاب بعض الازهار البرية تطل مشرقة، قطف بعض منها، و ...
اليوم!
رآها تغادر غرفة النصيرات تقترب من قاعة المستشفى. هل هي مريضة؟ عصر أمس كانت، في ساحة كرة الطائرة، تنظ مصل ارنب بري. اجتازت قاعة المستشفى. تنفس الصعداء. توقفت عند المخزن، تبادلت واداري المقر المتواجد هناك حوارا قصيرا، رأها تشرق بضحكة جذلة، تدفع راسها للخلف، تهتز ضفيرتها. فتورق في كفه باقة الازهار. على شفتيه يحس طعم لاذع لخمرة معتقة. تتجاوز في سيرها غرفة المخزن. الى اين ستتجه؟ الى اين؟ بحق السماء؟ ارجوك الى ...
ــ اليوم!
هل ستتوجه الى غرفة اللاسلكي ام الى غرفة مكتب الفوج؟ بخطى واثقه، تتجه نحو القنطرة. بإتزان مترع بالأنوثة والبهاء تجتازها. قلبه يدق بعنف. الى اين ستمضي؟ هل ستذهب الى غرفة مكتب الاعلام؟ ترفع كفها النحيلة وبأصابعها الخالية من طلاء الأظافر ترفع عن عينيها خصلة شعر متمردة. تضج في روحه مهدهدة موجه من فرح طفولي. تستدير. ازداد لهاثه، كمن يرتقي عدوا قمة جبل وعرة. قلبه يكاد يثب من مكانه. لماذا؟ كل يوم يقضيان واياها اوقاتا طيبة، منفردين او بمعية بقية الأنصار، لم اليوم يغزوه هذا الاضطراب؟
ــ اليوم!
تتجه نحوه تماما، تسبقها ابتسامتها المشرقة، أراد ان يرفع باقة الازهار ويشمها بشهيق عميق الا انه أحجم عن ذلك. اصلح وضع حملات الرخت  جيدا . سوى ياقة قميصه بحركة يجيجها منذ أيام دراسته الثانوية. استكان: سعدي يوسف" تحت ابطه الايسر. تقترب منه أكثر، حاول ان يستعيد بسرعة الكلمات التي قضى الليل كله في تهيئتها والاضطراب يجتاح كل خلاياه.
ـ اليوم سأخبرها الحقيقة المعروفة من قبل الجميع!
حين أصبحت قبالته ووجهها الباسم الخالي من الاصباغ، الأكثر سحرا والفه هذا اليوم، يحتل اطار عينيه الملتهبتين قلقا ، ملأ ألق عينيها روحه المتوفزة ونثر في خلاياه نضارة روحها. البدلة الكردية الرجالية، وبندقية الكلايشنكوف "السيخوي"  لا يمنحناها مظهرا خشنتا ، انها تبدو اكثر مهابة ، بهاؤءا وجمالا ، و...
ــ صباح الخير!
لا يعرف كيف واتته الكلمات:
ـ ص.. صباح .. النور!
ـ هل كنت بانتظاري؟
ـ انا ؟ لا .. نعم .. كنت ..
أراد ان يقول شيئا، الا ان الكلمات تتعثر عند شفتيه المرتجفتين. لماذا؟ وهو المتصدر جلسات السمر الانصارية مرحا ومشاكسة. أكثر من سنة وهما يعرفان بعضهما كنصيرين في فود انصاري واحد. يوم بعد اخر تبادلا ثقة أكثر وزاد ميله اليها. ازداد احساسه بان احدهما ضروروي للاخر . كان متاكدا انها تملك ذات الإحساس، وكلما طالت فترة غيابه مع السرية خلال جولتها في المنطقة، ازدادت رسائلهما المتبادلة ، رسائل شفيفة، تحمل احاديثا  في مختلف الشؤون ، الا شانا محددا ، قرر اليوم ان يتحدث معها حوله .
ــ يالله ما أجمل باقة الازهار؟
انتبه لباقة الازهار التي كان نسيها. بيد مرتجفة قدمها لها. كاد " سعدي يوسف" ان يفات من تحت ابطه. ازدرد ريقه. اين الكلمات؟ اين الجراة يا مقتحم الريايا ؟ اين ...؟
ـ شكرا.. ان لك ذوق شاعر!
ــ انــ .. نها ..
امامه تقف رشيقة مثل شجرة اسبيندار .  صوتها الهاديء ذو النبرات الرخيمه، يشعره بالخوف الذي يسخر منه، والذي افقده الان لسانه، وجعله يتعثر ، و..
ـ مالذي جرى؟  ما بك؟
ــ أ .. أقول أن .. اريد .. ان انظف بندقيتي. من يومين وانا عازم على ذلك، هل تشاركيني؟
لم يستطع ان يتحرك رغم انه هم بذلك. كانت قد ركزت نظراتها في عينيه. في داخله كانت كل انهار العالم تصخب، تتلاطم، وفي عينيها الساحرتين ثمة هدوء عميق.. عميق. وصدى لكلام كثير، اجبره على ان لا يتزحزح من مكانه امامها. بسمه ساحرة تزين الوجه الأكثر قربا من القلب اليه..
ـ اهذا الذي تريد ان تقوله لي؟
ـ أ ..أ
ـ منذ يومين وانت تتهرب من مواجهتي!
ـ ا..انا ..
ـ وانت في جولة السرية، كتبت لي انك في اجازتك، وحالما تصل المقر ستحدثني بموضوع مهم جدا!
ــ نـ ..نعم !
ـ انا التي اريد ان احدثك!
ــ ...
اتعتقد ان الامر بات يحتمل التاجيل والاختباء خلف الكلمات؟ والى متى؟ كل منا حولنا يعرفون ويدركون الامر ويتحدثون عنه باسمه الا انا وانت!
ـ اني..
ـ تعال، لنذهب هناك، ثمة مكان جيد عند ساحة كرة الطائرة، لنتبادل حديثا صريحا ومباشرا، علينا اليوم ان نضع حدا لكل هذا التردد وان نسمي الأشياء باسمائها !

أيلول ١٩٨٧ / قرية بيرموس  (سهل الموصل )

55
المنبر الحر / البحث عن الأدلة!
« في: 17:04 25/02/2019  »
الكَلامُ المُباح (179)
البحث عن الأدلة!
يوسف أبو الفوز
في الزيارات الأخيرة، الى بيت صديقي الصدوق أبو سكينة، صرنا نخوض أحاديث متشابكة، وتحديدا، حول أهم المخاطر التي تواجه بلدنا. تناول أبو سكينة ظاهرة الفساد مرارا، واعتبرها أخطر من عصابات الإرهاب التي أستباحت ودنست ارض وطننا،  لكون الفساد غطاء مناسبا لعودة "داعش" بثياب جديدة.
كان جليل، يكرر بأن المواطن العراقي، يوما بعد اخر، بات متاكدا من أن الفساد اصبح مستشريا في كل مفاصل الدولة، كظاهرة سياسية- اقتصادية – اجتماعية تتفاقم نحو الأسوا دون وجود حلول ناجعة وحاسمة. وراح يشرح اشكال ظاهرة الفساد المتعددة عارضا حكايات مريعة عن استشراء ظاهرة الرشاوي وانتشار الشهادات المزورة والنهب المنظم للمال العام مع تهريب العملة والتهرب الضريبي، من غير تهريب النفط والغش في ادخال السلع وغير ذلك، ليصل الى ظاهرة بيع الوظائف والاستحواذ على أراضي وممتلكات الدولة، وبيع مناصب الدولة العليا والمتاجرة بها، وتورط  اطراف سياسية متنفذة بحماية اذرعها المليشياوية المسلحة، مما يجعل أي مواطن يشعر بالحيف عن عدم وجود إجراءات رادعة لكل هذه الجرائم من قبل السلطات والاجهزة الرقابية والحكومية والتشريعية والقضائية، التي يتعلل بعضها في البحث عن "الأدلة"!
وفي نفس الأيام، وضمن ما انشغلنا به أيضا، كان ما اثارته سوزان ابنة جليل، عن صورة طريفة بالاسود والأبيض، تناولتها وسائل التواصل الاجتماعي، لها قصة ممتعة. كيف هرب مجموعة من الصبيان الامريكان، من المدرسة ذات يوم، ليشاهدوا حفلا لفرقة الخنافس "بيتلز". لم ينجحوا في دخول الحفل، لكن طبال فرقة البيتلز رنكو، المعروف برنكوا ستار، مر بجانبهم،وكان يهوي التصوير، وحدث وان التقط  لهم صورة بكاميرته. حكوا كل ذلك لزملائهم واصدقائهم، لكن لم يصدقهم احد بل وصاروا يسخرون منهم . بعد خمسين عاما من الحدث نشر رنكو ستار كتابا ضمنه بعض الصور التي التقطها عن جولاته، وكان ضمنها، صورة الشبان، الذين اصبحوا كهولا، فقرروا اللقاء وإعادة تصوير اللقطة بنفس الحركات، وتداولت وسائل الاعلام الصورتين وأصبحت قصة.
سعل أبو سكينة، وهو ينظر الى الصورة، ويتملى الوجوه الفتية في الصورة الأولى وكيف اصبحوا شيوخا وعجائز في الصورة الثانية ، وضحك :
ـ  والله يمكن سالفتنا راح تصير مثل قصة هذه الصورة، مساكين هؤلاء التلاميذ الامريكان، انتظروا خمسين عاما، عجزوا وشبعوا شيب وقهر، حتى يتوفر الدليل على مصداقية حكايتهم الطريفة، وفي بلادنا اشوف الجهات الباحثة عن أدلة عن حقيقة الفساد، اذ استمرت باساليبها في التعامل والبحث عن "الأدلة" الخفية، ستنقرض أجيال من الشعب العراقي، دون ان تتوفر الفرصة لالتقاط صورة للفاسدين في قاعة محكمة او امام القضاء !   
 

56
في عنكاوا بأربيل: يوسف أبو الفوز.. عن تجربته و"كوابيس هلسنكي"

   
عنكاوا – طريق الشعب
ضيّفت اللجنة الثقافية التابعة إلى منظمة كلدوآشور للحزب الشيوعي الكردستاني في مدينة عينكاوا – أربيل، أخيرا، الكاتب والصحفي المغترب يوسف أبو الفوز، الذي تحدث عن تجربته الأدبية وروايته الموسومة "كوابيس هلسنكي"، بحضور جمع من المثقفين والكتاب والمهتمين في الشأن الأدبي.

الجلسة التي أدارها الكاتب عبد المسيح سلمان يلدا، استهلها الضيّف طالبا من الحاضرين الوقوف دقيقة صمت حدادا على شهداء الوطن والفكر، آخرهم الروائي والناقد الكربلائي المغدور د. علاء مشذوب.
 بعدها تحدث أبو الفوز عن بداياته في فضاء الكتابة، وعن تأثيرات عائلته ومدرسته ووسطه الاجتماعي والسياسي في مدينة السماوة، كعوامل ساهمت في تشكيل شخصيته الأدبية، مبينا ان تجربته الأدبية ارتبطت بالتطورات السياسية، كتجارب غالبية أدباء العراق.
وتابع قائلا، انه وبحكم انتمائه للحزب الشيوعي العراقي، تعرض وعائلته لمضايقات واضطهاد من النظام البعثي الدكتاتوري، ما اضطره، وبعد فترة اختفاء وملاحقات استمرت حوالي سنة ونصف السنة، إلى مغادرة بلده مشيا على الأقدام، متوجها نحو الكويت، لافتا إلى انه، وفي الصحافة الكويتية الديمقراطية التي كانت قد احتضنت الأقلام العراقية المهاجرة، ولد اسمه المستعار "أبو الفوز"، الذي عرف به.
وأشار الى ان اختياره القصة والرواية كجنسين أدبيين أساسيين في نشاطه الكتابي، لم يأت بشكل مباشر، اذ كان في بداياته المبكرة مشتتا بين انواع ادبية عديدة. وعند انتقاله للدراسة في جامعة البصرة عام 1975، وعمله مراسلا لصحيفة "طريق الشعب"، قاده كل ذلك إلى الخوض في حياة الناس ومشكلاتهم وهمومهم وآمالهم، وقد صاحبت ذلك قراءات عميقة في صنوف الأدب والنقد والاقتصاد وعلم الاجتماع، ما دفعه إلى الاهتمام بالكتابة النثرية، ورسخ عنده القناعة أن النثر، والقصة تحديدا، هي مجاله الارحب.
وذكر الضيف ان الصحافة علمته الإحاطة بالتفاصيل وملاحقتها واستنباط الاسئلة والسعي إلى المزيد من المعرفة، والتحلي بروح التلمذة والرغبة في الاستزادة المعرفية والاطلاع الدائم لتعزيز قدراته في الكتابة، موضحا ان تجربته الحياتية كانسان وكاتب، اغتنت خلال المراحل والمحطات المختلفة التي مر بها.
وألقى أبو الفوز الضوء على فترة التحاقه بقوات الأنصار الشيوعيين العراقيين في جبال كردستان، والتي كانت من أغنى فترات حياته، كونها علمته الكثير، بعدها بدأت مسيرته في محطات المنفى، حتى استقر في فنلندا عام ١٩٩٥، حيث توفرت له الفرصة الكافية لإنجاز اعمال روائية عدة، تتناول شؤون العراق وهمومه، من خلال حياة المهاجرين واللاجئين الى الدول الاوربية.
وأشار أبو الفوز إلى ان كتاباته الروائية تسلط الضوء على موضوعات تتعلق بالتلاقح الحضاري واشكاليات الهوية والجذور والاندماج، لافتا إلى ان الأمر الذي ساعده في الولوج إلى هذه العوالم، هو عمله لفترات كمنسق برامج ثقافية، وباحث جامعي.
وبيّن الضيف ان تجربته قادته، وبحكم كونه كاتبا ماركسيا، الى التفكير دائما بمنح مساحة للقارئ المتلقي في كتاباته، فأصبح ميالا الى طرح الأسئلة أكثر من تقديم الإجابات، والى ترك نهايات رواياته مفتوحة، ليتسنى للقارئ ايجاد الإجابات والحلول، استنادا لمستواه المعرفي.
وعن روايته "كوابيس هلسنكي" الصادرة عن "دار المدى" عام ٢٠١١، قال انه "على الرغم من ان العنوان يقود الى عاصمة اوربية، إلا انه يمكن القول ان الرواية تتضمن كوابيس عراقية بامتياز. فهي تتحدث عن عراقيين مقيمين في فنلندا يعانون العنف والإرهاب، ونشاط الجماعات التكفيرية المرتبط بالعنف والإرهاب في العراق"، مضيفا ان "الرواية تتناول تجارب شخوصها ومعاناتهم مع تعسف النظام الدكتاتوري السابق، وفترة الاحتلال الأميركي وما نتج عن ذلك. إذ تسلط الضوء على أساليب دعم الجماعات التكفيرية الناشطة في أوربا دورة العنف الطائفي في العراق، وتحذر من مخاطر هذه الجماعات المتطرفة".
وفي الختام وقع يوسف أبو الفوز نسخا من روايتيه "تحت سماء القطب" و"كوابيس هلسنكي"، ووزعها على الحاضرين.



57
المنبر الحر / البنادق الغادرة!
« في: 17:38 11/02/2019  »
الكَلامُ المُباح (178) 
البنادق الغادرة!
يوسف أبو الفوز
كانت الأيام الماضية في بيت صديقي الصدوق أبو سكينه، مليئة بالأوقات الحزينه، فذكرى انقلاب 8 شباط 1963 الأسود وحدها كفيلة بان تعيد للبال أسماء كوكبة من رفاقه واصحابه الذين استشهدوا على يد العفالقة الفاشست، وفق ما رسمه البيان 13 الدموي والسيء الصيت، حيث تحول العراق على يد الانقلاببيين الفاشست، الى مسلخ كبير لتصفية الشيوعيين والديمقراطيين، من مختلف أطياف الشعب العراقي، المخالفين بالرأي لنهج الانقلاب الدموي الذي اعدت له المخابرات المركزية الامريكية مع عملائها المحليين والاقليميين.
في يوم ذكرى الانقلاب الأسود المشؤوم، الذي غدر بثورة الرابع عشر من تموز ، قال جليل : انظروا ها قد ذهب الانقلابيون الفاشست الى مزبلة التاريخ، والشعب وقواه الوطنية بقيت صامدة تواصل العمل لاجل مستقبل افضل لعراق جديد.
شاركته الحديث، وعلقت سكينه أيضا، لكن أبو سكينة، ظل صامتا يتسمع، فهو من يوم جريمة اغتيال الكاتب علاء المشذوب، يتحدث بعصبية وغضب، ولايرد على احد مباشرة. تابع تفاصيل جريمة الاغتيال، ورغم انه لم يعرف الشهيد سابقا، فقد طلب من سوزان ابنة جليل كذا مرة ان تريه ما ينشر من صور الشهيد وأسماء كتبه. يومها هاتفني وطلب مني زيارته بأسرع ما يمكن مع حزمة من الصحف ورحت اقرأ له تقريبا اغلب الموضوعات الصحفية المتعلقة بالجريمة.
وهو يتابعنا، ومن مجلسه، سعل أبو جليل وقال: وشنهو راح يفيدكم معرفة التفاصيل، الشهيد كامل شياع، شبع موت، وعرفنا الكثير من التفاصيل، ولحد اليوم لا يوجد أي نتيجة للتحقيقات ولا فائدة من المعلومات.
لم يرد أبو سكينه، كان الغضب يجعل شفاهه ترتجف وعيونه تختلج، مما جعل أم سكينه تقول: يمعودين لا يصعد عنده الضغط ويروح بيها.
ويبدو انه سمعها جيدا. فصاح فجأة : اروح بيها؟؟ ليش بس أني وحدي راح أروح بيها؟؟ اذا ما يتم حصر السلاح بيد الدولة، وإلغاء أي وجود ميليشاوي مسلح خارج مؤسسات الدولة، فالوطن كله رايح بيها. في كل تصريح من تصريحات واحد من سياسي الصدفه راح نشم روائح البيان 13 الفاشي. ويمكن  تكون عندنا 8 شباط أسود غادر بثوب اخر. لازم يكون عندنا دولة قانون حقيقي، في دولة مؤسسات حقيقية تضمن العمل السلمي الدستوري، وتضبط الخلافات في الآراء وفق اطار آليات ديمقراطية حقيقية تحمي المواطن، خصوصا المثقفين، حتى يقولوا رأيهم المختلف بصوت عال، بثقة، غير هيابين من بندقية مجرمه تتربص بهم في عطفات الازقة. ان بناء دولة مؤسسات دستورية حقيقية هو ضماننا للمستقبل، بدون هذا سنبقى تحت رحمة البنادق الغادرة التي تسجل جرائمها الشنيعة ضد مجهول وتركن ملفاتها على الرف.


59


إصدار شعري جديد للشاعر العراقي عبد الكريم هداد


صدر للشاعر العراقي عبد الكريم هداد، هذا الشهر، عن دار الأدهم في القاهرة، ديوان شعري جديد بعنوان "أكبر من الجنة، أصغر من البلاد “، وشارك الديوان في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الخمسين. يضم الديوان 53 قصيدة، جاءت في 124 صفحة من الحجم المتوسط.  ظهر الديوان بغلاف انيق من تصميم الفنان العراقي عبد الكريم السعدون بالاستفادة من لوحة من رسوم آدم عبد الكريم هداد. يذكر ان الشاعر غادر البلاد لأسباب سياسية، وتنتقل بين العديد من البلاد العربية والاوربية بحثا عن سقف آمن، قبل ان يستقر منذ عام 1990 في السويد. الديوان الجديد هو الإصدار هو الخامس عشر له ما بين مجموعات شعرية وكتب أدبية نقدية. عرف عن الشاعر اهتمامه بكتابة نصوص لأغاني عراقية لحنت على يد مجموعة من الموسيقيين العراقيين والعرب. من أجواء الديوان نقرأ:
 انَا..
الَّذِي حُمِلَ رَأسُهُ مَسْبيّاً
فِي هَذَا الزَمانْ
وقَصِيدَتي بَقايَا دَمِ الوُضُوءْ
للرَكْعَتِينِ الأخِيرَتَينْ
بَيْعَةً لِلحَقِ.
أنَا..
الّذِي آزَرَني هُتَافُ أرْضِ السَّوَادْ
النَّابِتُ عَلَى ألوَاحِ الطِّينْ
عُشْباً لِلخُلوُد.
أنَا..
الّذِي التحف جِرَاحَهُ
فِي خَرَابِ البَصْرَة
حِينَ خُبِئَتْ الآياتُ
فِي جَوَامِعٍ
بَنَاهَا المُخْتَلسُون فِي عَصْرٍ
كانَ الجُوعُ فيهِ كافِراً...!

60
المنبر الحر / اغتيال وطن!
« في: 17:15 14/01/2019  »
الكَلامُ المُباح (177)
 
اغتيال وطن!
يوسف أبو الفوز
كان جليل منزعجا جدا،وهو يتسمع الى سكينة تحكي لزوجتي تفاصيلا عن سلسلة الاغتيالات التي حصلت مؤخرا في بغداد، وكيف راحت جهات سياسىة عراقية تتبادل الاتهامات فيما بينها، وتحمل كل منها الطرف الاخر مسؤولية  التشهير والتعرض لها وغير ذلك.
فقال جليل : من بعد سقوط النظام الصدامي الشمولي، ومرور كل هذه السنين، يفترض ان بلادنا تكون قطعت شوطا طويلا في بناء عراق جديد. فمتى ستنتهي هذه الاخبار المحزنة؟
قالت سكينة: المحزن أكثر ان وزارة الداخلية، التي يتطلب ان تقف موقفا حاسما من وجود مليشيات وسلطات خارج اطار الدولة، تطلق تصريحات تبدو فيها وكأنها تحاول ان توفق وتصالح بين المتخاصمين وكأنها مقتنعة بوجود سلطات خارج اطار الدولة!   
عاد جليل ليقول وبحزم : أبناء الشعب العراقي يدركون جيدا، بأن دحر الإرهاب، وضمان الامن والاستقرار وتأمين الحياة الطبيعية في بلادنا، لا يمكن ان يتوفر الا بأقامة مؤسسات الدولة المدنية والأمنية والعسكرية على أسس ديمقراطية، وفقاً لقواعد المواطنة والكفاءة والمهنية والنزاهة، بعيداً عن المحاصصات ونزعة التحزب الضيق، مع التأكيد على حصر السلاح بيد الدولةً. وهذا كله لا يتم الا بمحاربة الفساد وتفكيك منظومته التي أصبحت تعطل كل شيء.
قالت سكينة : كيف يمكن ان يحصل هذا والحكومة العراقية لم يتم تشكيلها رغم مرور عدة اشهر على تكليف رئيس وزراء جديد؟، وهذا سيكون في مصلحة كل قوى الفساد والدولة  العميقة ليواصلوا نشاطهم  في تخريب الدولة والدوران في دوامة التحاصص الطائفي والاثني.
سعل صديقي الصدوق أبو سكينة، فالتفتنا أليه فقال: يعني هاي النكتة التي قرأتها اليوم لي سوزان ابنة جليل من صفحات الانترنيت راح تتكرر وتبقى  علامة للأوضاع السائدة في بلادنا؟   
والنكتة المقصودة ـ عزيزي القاريء ـ هو ان سياسيا عراقيا سأل سياسيا في بلد راسمالي غربي: انتم كيف تسرقون شعبكم؟ فأجاب السياسي الغربي : هل ترى هذا المشروع امامك؟ فقال العراقي : نعم اراه جيدا. فقال السياسي الغربي : هذا كلف إنجازه الفعلي مليار دولار، لكننا رتبنا الموازنة بأنه كلف مليار ونصف وتقاسمنا الفرق فيما بيننا. ثم التفت السياسي الغربي الى السياسي العراقي : وانتم كيف تسرقون شعبكم؟ فرد السياسي العراقي: هل ترى هذا  المشروع الموجود هناك؟ فقال السياسي الغربي : لا أرى شيئا امامي. فرد السياسي العراقي بأريحية: يا عيني عليك، هذا المشروع كلفنا خمسة مليارات ! 
 


61
الكَلامُ المُباح (176) 
معنى السيادة الوطنية!
يوسف أبو الفوز
ألتهبت مواقع التواصل الاجتماعي، ووسائل الاعلام، في متابعة تفاصيل الزيارة السرية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الى قاعدة عين الأسد في العراق، وكرر علينا جليل  قوله بأنه يقف الى جانب الموقف الرافض للطريقة التي تمت بها الزيارة لكونها غير طبيعية وتؤشر الى انتقاص واضح من السيادة العراقية، وهذا يلقي على عاتق القوى الوطنية مهمة العمل الجاد لتهيئة مستلزمات إنهاء وجود القوات الأجنبية في بلادنا، واحترام سيادة العراق من أي دولة أخرى.
قالت سكينة: اعتقد إن احترام سيادة العراق مطلوبة من أي دول أخرى، وهذا عندي يعني أيضا رفض أي تدخل خارجي في الشأن العراقي الداخلي.
كان صديقي الصدوق أبو سكينة صامتا، لم يشاركنا الحديث واكتفى بالسماع. حين سالت أم سكينة زوجتي عن برامجنا للاحتفال بنهاية السنة واستقبال السنة الجديدة، رفع رأسه وسعل عدة مرات مبديا اهتماما اكثر بما صارت تحكيه سوزان أبنة جليل عن الأصوات التي دعت الى عدم جواز  الاحتفال برأس السنة أو تقديم التهنئة للمسيحين.
قالت زوجتي: ان أصحاب هذه الدعوات يتناسون ان المسيحين كمواطنين عراقيين لهم السبق في وجودهم التاريخي في بلادنا، فهم أبناء واحفاد الكلدان والاشوريين وبناة الحضارات الأولى على ارض الرافدين.     
حاولت المساهمة في الحديث فقلت : ان هذه المواقف تعزز من خطاب الكراهية والفتنة الطائفية وعدم قبول الاخر، فأصحابها يتناسون التنوع الذي يمتاز به الشعب العراقي والذي يجب ان يكون مفخرة وقوة للوطن.
 سعل أبو سكينة فالتفتنا جميعا اليه، فقال مخاطبا الجميع: أتذكر حديثا موثقا عن الشهيد البطل حسين محمد الشبيبي (صارم)، وهو ابن احد ابرز بيوتات مدينة النجف مجدا ووجاهة، اذ قدم للعراق مجموعة من علماء الدين المتنورين والمناضلين، ووالده الشيخ محمد الشبيبي عضو مجلس السلم أبان العهد الملكي وصاحب المنبر الحسيني المشهور في شارع الخورنق، حيث حث الشهيد رفاقه وهم نزلاء في السجن معه، على احياء المناسبات الدينية مهما كانت لأنها حسب تعبيره أصبحت مناسبات شعبية، فيحق لكل مواطن، المشاركة فيها واحيائها،لادامة ألاواصر بين أبناء الوطن الواحد. هذا من جانب، ومن جانب اخر، ان هذه المواقف اجدها مجحفة بحق وحدة الدم العراقي، فلقد قدم المسيحيين ومثلهم الايزيدين والمندائين وغيرهم من ديانات أخرى، التضحيات الغالية للخلاص من ديكتاتورية البعث الشوفيني، وثم من عصابات  داعش الدموية الإرهابية. ان هذه الأصوات عندي هي التي تنتقص من  روح السيادة الحقيقية للوطن وللشعب، وهي الأخطر ويجب التصدي لها بحزم وبمختلف الوسائل، والا فهم مثل الداعشي الاثول المحشش الذي وضع العبوات الناسفة المدمرة في الطابق الأسفل للبناية وصعد ليختبأ في الطابق الأعلى .


62
شادمان علي فتاح.. تهنئة وتقدير
 
هلسنكي 20.12.2018

نتقدم بأصدق التهاني ومشاعر التقدير للرفيقة شادمان علي فتاح، بمناسبة نجاحها ونيل شهادة البكالوريوس وبتفوق وبدرجة جيد جيدا، في الترجمة من جامعة العلوم التطبيقية (Diak) في هلسنكي، وكان عنوان بحث التخرج: (الإجراءات العامة في المنازعات والجرائم / مقارنة الإجراءات في القانونين الفنلندي والعراقي ـ مع قاموس مرشد: فنلندي ـ عربي ـ كوردي "سوراني") ، وتكريمها من ضمن مجموعة الطلبة المتفوقين، متمنين لها المزيد من النجاحات والتفوق.
أن من دوافع تقديم التهنئة هو أعجابنا بمثابرتها وأصرارها وإجتهادها لتعويض ما فاتها بسبب الظرف النضالية والحياتية الصعبة التي عاشتها في وطنها العراق ومحطات المنافي المتعددة، وحرمانها بسبب ذلك من الدراسة الجامعية والاستقرار، وما حققته في التوفيق بين عملها ودراستها ونيل التفوق وهذا سيكون دائما محط تقديرنا واعجابنا دائما.
باقة ورد معطرة بالمودة للرفيقة الغالية والى المزيد من النجاحات والتألق.

الحزب الشيوعي العراقي / منظمة فنلندا
الحزب الشيوعي الكردستاني ـ العراق/ منظمة فنلندا


63
الكَلامُ المُباح (175) 
عن "داعش" و"ماعش" ومابينهما! 
يوسف أبو الفوز
تابعنا، معنا، ونحن في بيت صديقي الصدوق أبو سكينة، خطاب الناشطة العراقية الأيزيدية ناديا مراد، خلال حفل قبولها وتسلمها جائزة نوبل في العاصمة النرويجية أوسلو. كان صوتها الخافت النبرات والشجاع، المحمل بالألم والحزن المتراكم يشق صمت الحفل ويصفع الوجوه اللامعة لعلية القوم ممن تحلقوا حولها يسمعونها وهي تصرخ بهم:
ــ لا توجد جائزة في العالم يمكن أن تعيد لنا كرامتنا إلا بتحقيق العدالة ومحاسبة مرتكبي جرائم الإبادة.
أظهرت لقطات من الحفل بعض الحاضرات وهن يمسحن دموعهن تأثرا، وتعالى التصفيق مرارا لكلمات ناديا وهي تطالب بحماية أبناء شعبها الأيزيدي من المتطرفين المتاجرين بالدين. قالت نادية مراد في كلمتها بأن هناك مجتمعات ضعيفة تتعرض للتطهير العرقي والتمييز أمام أنظار المجتمع الدولي، مشددة على أن حماية الأيزيدين مسؤولية كل المجتمع الدولي.
ظلت الديانة الأيزيدية ـ عزيزي القارئ ـ وهي من أقدم العقائد الدينية في العراق وتؤمن بالله وتوحيده وتدعو الى التسامح والمحبة، مجهولة للكثيرين من أبناء شعبنا العراقي، بل وتعرضت للكثير من التشويه والافتراء، من قبل الأنظمة الحاكمة، خصوصا في فترة النظام الديكتاتوري الصدامي، الذي مارس سياسة شوفينية ميزت بين مكونات الشعب العراقي. وبعد سقوط النظام البعثي الشوفيني، تأمل كل العراقيين، ان يعمل الجميع بإخلاص لبناء عراق ديمقراطي فيدرالي يضمن حقوق جميع مكونات الشعب العراقي، الاثنية والدينية، لكن الذي حصل ان سياسة المحاصصة الطائفية والاثنية، التي كرسها المحتل، وسعت اطراف منتفعة لإقرارها واستمرارها سببت ان  التنظيم الإرهابي التكفيري والمشبوه، العامل تحت اسم "الدولة الإسلامية" الذي يُعرف اختصاراً بـ "داعش"، تمكن من احتلال مساحات شاسعة من سوريا والعراق وتنفيذ ابشع الجرائم بحق أبناء شعبنا وفي مقدمة ذلك جريمة الإبادة لأبناء شعبنا من المكون الأيزيدي سواء بالقتل المباشر للرجال والنساء والأطفال أو بسبي واستباحة النساء.
قال جليل: لن ننسى أحاديث أبو سكينة المتكررة، عن "داعش" و"ماعش" وما بينهما.
تنحنح أبو سكينة وقال: يعني تريد مني لازم أحجي وأعلق. أنتم تعرفون بالنسبة لي أن "داعش" وجرائمها المدانة معروفة وواضحة، أنا اكرر دائما بأن خوفي الدائم هو من "ماعش"، فهؤلاء يمكن ان تجدهم في كل مكان يتعالى فيه صوت طائفي يسحق كلمة الوطن ويخرق الدستور والقانون، يعتدي على مكونات الشعب، يقمع المتظاهرين المطالبين بحقوقهم، يزايد على نضالات المناضلين الحقيقين، يتباكى على الديمقراطية ويلغف حقوق غيره مرتديا لبوس الضحية، وتشوفه مثل الحية ناعم.. ناااااااااعم وعلى غفلة ويلدغك! 


64
الكَلامُ المُباح (174) 
تغيير الصورة النمطية!

يوسف أبو الفوز
كان جليل يرفع صوته، حتى يسمعه والده، الذي جلس في طرف المكان، ليس بعيدا عن صديقي الصدوق أبو سكينة، الذي بدا متلهفا لينتهي هذا الحديث الذي طالما تكرر في الأيام الأخيرة عن الصعوبات امام تشكيل الحكومة الجديدة. كان جليل يكرر بحماس أن من يريد الخلاص من المحاصصة الطائفية والاثنية، باعتبارها مفرخة للفساد وتدهور أوضاع البلاد وتوالي الازمات، لابد ان يضع في باله ان الطرف الاخر لن يستسلم بسهولة.
وحين سأل أبو جليل: وما هو الحل والسلوك مع المدافعين بحماس عن النهج التحاصصي الفاشل؟
 قال جليل: الكرة الان في ملعب المنادين بالإصلاح والتغيير، أن يكونوا على مسؤولية عالية امام الشعب الذي انتخبهم وصدق وعودهم، ويستكملوا تشكيل الحكومة بحيث تكون قوية وفاعلة، وكفؤة لأجل تنفيذ البرنامج الحكومي الاصلاحي في اوقات زمنية محددة.
 كانت سكينة من بداية الحديث تضع اللوم على البرلمان الذي ترى أنه يتطلب ان يكون اعضاءه على قدر عال من المسؤولية لتلبية طموحات المواطنين، وان يضعوا حدا لما يشاع عن الصراع والدفوعات المالية الخيالية لشراء هذه الوزارة او تلك، لأجل تحقيق مكاسب خاصة على حساب المصلحة العامة.
بدت زوجتي متشائمة أكثر من كل مرة في حديثها حين أشارت الى ان البدايات لتشكيل الحكومة جاءت دون مستوى الطموح والوعود، وان قوى الإصلاح ستضيع منها الفرصة ان لم تقترب أكثر من نبض الشارع ومطالب المواطنين والعمل بكفاءة وتعاون على التمسك بالبرنامج الإصلاحي.
ولابد من القول ـ عزيزي القارئ ـ أني كنت السبب في ان اندلاع هذا النقاش، اذ علقت على حديث أحد النواب الذي ظهر على شاشة التلفزيون وراح يتخبط في كلامه دون ان تفهم منه جملة مفيدة، وقلت بأنه إذا لم يجرأ النواب على تغيير صورتهم النمطية في نظر المواطنين، ويحاولون الاقتراب من هموم ومطالب الشعب، فان الخلل سيبقى قائما في تشكيل أي حكومة.
لحظتها قال أبو سكينة ممتعضا: كيف يمكن ان يكون تغيير الصورة النمطية لسياسي الصدفة؟ إذا كان سياسي فاسدا ويسرق من أموال الشعب بالملايين، ويحفظ ما سرق في حسابات خارجية بالدولار هل تريده ان يحفظها باليورو؟ أو إذا كان يحضر جلسات البرلمان بربطة ملونه وبدلة فاخرة، فحين يسافر خارج الوطن تريده أن يلبس اليشماغ الأحمر أو العمامة؟

 
 

65
المنبر الحر / قميص أبو سكينة؟
« في: 17:30 19/11/2018  »
الكَلامُ المُباح (173) 
قميص أبو سكينة؟
يوسف أبو الفوز
بحماس كان جليل يقود حديثا متواصلا اشتركت فيه زوجتي وسكينة عن التطورات الجارية في بلدنا، وعن مسار العملية السياسية فيه التي يشير لها الدستور بانها عملية انتقال نحو العراق الديمقراطي الاتحادي. وكونها عملية انتقال من واقع الدكتاتورية الى وضع جديد، حيث تشهد العملية السياسية صراعات بينها وبين اعدائها المعروفين وخاصة من بقايا النظام المقبور الذين يجدون في التغيير الذي حصل بعد 2003 تهديدا لمصالحهم.
كانت زوجتي تكرر ان المهم معرفة ان هناك صراعا داخل العملية السياسية ذاتها حيث هناك اتجاهات بشأن مسارها وحتى في رؤى تشكيل الدولة. كانت سكينة تقول ان العملية السياسية فيها طيف واسع من القوى والشخصيات، ومن الفئات والشرائح الاجتماعية التي ليس بالضرورة مصالحها متطابقة ومتماثلة في كل المراحل.
لم أجد انهم مختلفون في حديثهم ووجهات نظرهم وكدت أقول لهم لماذا أنتم تتجادلون، ثم انتبهت الى ان جليل يقود هذا الحديث لإثارة صديقي الصدوق أبو سكينة ولأجل اشراكه معهم واخراجه من صمته ومزاجه العكر. فعند دخولنا بيته تأخر علينا قليلا وسمعته يكرر بانزعاج لأم سكينة وهو يغادر غرفته: يا بنت الناس راح يصير عمره من عمر نوح.
جلس الى جانبنا متأففا دون كلام كثير، رغم محاولاتنا لإشراكه في الحديث، فبادر جليل لإثارة الحديث عن العملية السياسية في العراق وكونها أقيمت على منهج المحاصصة، وكيف جاء بذلك المحتل الامريكي بعد 2003 وكيف لاقى الامر قبولا من عدد من الأطراف العراقية خاصة التي أصبحت متنفذة في قيادة الدولة.
فحاولت من جانبي الاشتراك في اللعبة التي يقودها جليل فقلت: من جانبي اعتقد ان أي رغبة للتغيير في النظام السياسي في العراق يجب ان تتقدمها عمليات اصلاح جادة، ان تكون هناك ممهدات وفق برامج واضحة مدعومة بإجراءات قانونية. ان عملية التغيير يعني تغيير نمط التفكير، تغيير في بنية المؤسسات والخلاص من نهج المحاصصة الطائفية والاثنية الذي أدى الى انتشار الفساد والتشظي المجتمعي.
سعل أبو سكينة فالتفتنا نحوه جميعا: والله وألف تلاه اعرف انكم تريدون تحجوني، صار لكم ساعة وأنتم تكررون اصلاح لو تغيير؟ وشلون يصير التغيير؟ عيوني أنتم.. يا بعد روحي. سالفتكم عندي كلش بسيطة وواضحة، مثل سالفة هذا القميص اللي معكر مزاجي واجبرتني ام سكينة على لبسه. أقول لها يا بنت الناس بعد ما يفيد بيه لا تقلبين الياخة، ولا تخيطين له ازرار جديدة، يا بنت الناس هو نفس القميص. الحل الوحيد هو قميص جديد وأخلص، بعد ما يفيد، لا تظلين تركعين بالقميص وهو تعبان أساسا، حتى لونه كشف وصار مكانه الوحيد في ...
سعل بصوت عال وضاعت الكلمة الأخيرة، لكني فهمتها!


66
الكَلامُ المُباح (172) 
من المسؤول عن تليف غلاصم الشعب؟
يوسف أبو الفوز
حين وصلت بيت صديقي الصدوق أبو سكينة، وجدته ساهما يتابع شاشة التلفزيون الذي كان يعرض تقريرا عن ظاهرة النفوق الجماعي للأسماك في الاحواض والمزارع ومياه الأنهر. لم ينتظر أبو جليل جلوسي حتى بادرني غاضبا: تعال انت، يا كاتبنا المتفائل، تعال شوف، شنو اللي بعد ما لحقه الموت بهذه البلاد؟
بدا لي ان جليل تعب من الحديث معهم، فجاء وصولي انقاذا له، فحاولت تغيير الاجواء الى موضوع اخر، فقلت لجليل: هل سمعت بما نقلته الاخبار عن أن البرلمان الفنلندي رصد لترميمه خلال عدة سنوات 125 مليون يورو ولكن الترميمات كلفت فقط 115 مليون فتم إعادة 10 ملايين الى ميزانية الدولة؟
ابتسم جليل وقد فهم قصدي تماما، فنحن قبل وصولنا بيت أبو سكينة تحدثنا طويلا على الهاتف: هذا الخبر عادي جدا ان يحصل في بلد مثل فنلندا عرف بتقدمه دوما في مقاييس الشفافية على بلدان كثيرة. لكن الخبر الأهم عندي هو ما نقل عن أن بلدة صغيرة في العراق، اسمها المحاويل، اكتشف أحد الموظفين فيها وجود زيادة في رواتب الموظفين فأعاد وبأمانة يشكر عليها الى مصرف المدينة مبلغ 68 مليون دينار عراقي.
ضحك أبو جليل: أنتم ترفعون وتكبسون بينا على كيفكم، بالقوة تريدونا نغني وإياكم "باجر أحسن من أمس" وشنهي يعني 68 مليون امام المليارات التي انشفطت ولا زال الحرامية عينك عينك يتحركون بحرية؟
ضحك أبو سكينة، وسعل فتوجهت له الأنظار: فعلا يا أبو جليل.. وما بهذل احوالنا غير اللي السنتهم في التلفزيون أطول من ارقام ارصدتهم في البنوك الأجنبية.. تعرفون من هو أكثر شخص في العراق كان يتحدث عن الديمقراطية؟
ولم ينتظر جوابا من أحد بادر للقول بصوت عال: كان صدام حسين.. نعم الديكتاتور المجرم الدموي الشوفيني الـ.. عندكم بعد وصف ما ذكرته ويناسبه؟ نعم كان "القائد اللاضرورة" ينام ويصحى وهو يتحدث عن الديمقراطية ولكن أي ديمقراطيته؟ وشنو كانت نتائجها؟ ثمان سنوات حرب مع الجارة إيران وغزو الجارة الكويت وابادة جماعية للشعب في كردستان مع استخدام أسلحة كيمياوية محرمة دوليا وحملات تنظيف السجون واعدامات بالجملة لشباب العراق ومقابر جماعية في كل مكان وحصار اقتصادي..  هل نسيت شيء لم اذكره بعد؟
صاح به أبو جليل: كل هذا نعرفه ونتفهمه وتحدثنا به أكثر من مرة.. شنو الربط؟
صاح أبو سكينة: الربط مو كلمن صخم وجه صار حداد.. ومو كلمن تحدث عن الإصلاح راح يكون مصلح.. احنا مشكلتنا وحده، احنا والسمك، كلنا راح يصير بنا مرض تليف الغلاصم ونموت جماعي إذا بقوا الحرامية يلعبون بينا شاطي باطي وهم الذين يتحدثون عن الإصلاح والنزاهة والقانون.
 أعطوني شوية ماء لساني نشف!

 

67
قريباً.. مارسيل خليفة في فنلندا!

يوسف أبو الفوز
يقام في العاصمة الفنلندية، هلسنكي، قريبا * حفل فني للفنان اللبناني مارسيل خليفة (مواليد ١٩٥٢)، والذي التزمت اغانيه الوطنية، قضايا التحرر الوطني، وقضية حقوق الشعب الفلسطيني، وهي فرصة للجالية العربية للاستماع الى طراز أغان تختلف عن السائد الذي تبثه القنوات الرسمية العربية، خصوصا أغانيه التي ارتبطت بالقضية الفلسطينية، التي تمتزج فيها صورة المرأة الحبيبة بالأرض والوطن، ويتجلى ذلك بشكل واضح في قصائد محمود درويش المغناة.
نعتقد ان الحاجة للفن الهادف والواعي، تبرز بشكل ملح، في ظل الأوضاع التي تعيشها المنطقة العربية، من انتشار الحركات التكفيرية والظلامية، وانتهاك حقوق الانسان في ظل حكومات تسلطية، تمارس القمع السياسي والاجتماعي باستمرار، وغياب الامن والحريات والعيش بكرامة، وموجات الهجرة المتواصلة بحثا عن سقف آمن في دول الشتات، ليعيش المواطن العربي غربته مضاعفة، حيث التفكك والتمزق الذي تعاني منه عموم الجاليات في غربتها القسرية.
ففي ظل كل هذه الاوضاع تبرز الحاجة الماسة لهذا النوع من الغناء ليلامس جراح الروح، ويغسل أحزان الناس ويمنحهم شيئا من الامل وشحنة إيجابية للتمسك بالجذور والعمل الجاد لأجل مستقبل أفضل وحياة حرة وكريمة. فلطالما كان الفن الهادف ردا مباشرا على تهافت الفن وحالة الانحطاط في المشهد الفني الموسيقي والغنائي الذي يبدو متحالفا ضمنيا مع الأنظمة القمعية والحركات الظلامية التي تجيش مؤسساتها الفنية لتغيب وعي الوطن العربي، وصرف انتباهه تماما عن الاهتمام بهمومه ومتطلباته وحرياته ولينشغل بالسطحي من القضايا. وحيث سمحت الأنظمة وقنوات النفط لتسيّد فنانين وانصاف فنانين، عرفوا بموالاتهم للأنظمة القمعية، وطالما غنوا وردحوا لجلادي شعوبهم فأنتجوا الغث من الأغاني الرديئة والهابطة في الكلمات واللحن والأداء.
 وإذ يتفق النقاد الجادون في ان الأغاني الرديئة السائدة صارت تطبخ على عجالة، يساعد على انتشارها التطور التكنولوجي وانتشار فضائيات النفط، الذي يخلط الأوراق، ويطبل وينشر ما يريد وما يساهم في افساد الذوق العام والترويج للأغاني الهابطة التي تعتمد على الإيقاع السريع وكلمات هابطة وفرق راقصة، فأن الأغاني التي يقدمها مارسيل خليفة، تعيد للبال دوما بأن بالموسيقى والغناء هي علم وذوق وابداع، كما يشير اساطين الموسيقى العربية الاصيلة والعالمية، ولو اختلت زوايا مثلث الإنتاج الفني، تضيع القيمة الإبداعية والإنسانية من عملية الابداع الفني، ومعها الرسالة الإنسانية وبالتالي الوطنية التي يمكن ان تقدمها الاغنية والموسيقى عموما.
تحية للفنان المبدع مارسيل خليفة واهلا وسهلا به بين أصدقائه ومحبيه، وهو ينثر أينما حل، بين مستمعيه ومريديه روح الجمال والتفاؤل بان المستقبل هو للإنسان الطموح وللشعوب المناضلة لأجل حقوقها ومهما كثرت الصعوبات والعراقيل.


*
مكان الحفل: Savoy teatery
التاريخ: يوم21 .10.2018
الوقت: الساعة السابعة مساءا

68
المنبر الحر / ثلاثة بسعر أثنين!
« في: 21:43 14/10/2018  »
الكَلامُ المُباح (171)
ثلاثة بسعر أثنين!
يوسف أبو الفوز
متابعي حكاياتنا في هذا العمود يتذكرون أن أَبو جليل سمعه ثقيل وبصره ضعيف مما يضعه في مواقف يستغلها صديقي الصدوق أَبو سكينة ليمطره ـ ويمطرنا ـ بتعليقاته، فالحديث عن "هيبة الدولة" يكون عنده "هيبة الدولمة" و"حل الأمور باللجوء الى ساحات القضاء العراقي" تكون عنده:"هذه مشكلة سياسية فضائية، يمكن حلها بتصريح فضائي من أبو فلان وتصريح فضائي أخر من أبو علان في ساحات الفضاء العراقي وأبوكم الله يرحمه". وحالما عرف أبو جليل بإستلامي لرسالة من القارئة المتابعة "وداد م" أشارت فيها الى كوني خلال سرد حكايات عائلة "الكلام المباح" لا أعطي مساحة متساوية لبقية الشخصيات قياسا بالمساحة التي يحتلها أبو سكينة عادة، فراح يقدم ملاحظاته وتعقيباته عن كل شيء نتحدث به، ظنا منه ان ذلك يمنحه الفرصة لمنافسة أبو سكينة، مما أجبر ابنه جليل الى تنبيهه كذا مرة.
أخذ موضوع تشكيل الوزارة المقبلة جل وقتنا، في زيارتنا الأخيرة لبيت أبو سكينة، وكان جليل يعرض موقفه بضرورة ان تضم التشكيلية الوزارية شخصيات تكنوقراط تراعي التنوع في مكونات الشعب ولكن بعيدا المحاصصة الطائفية والاثنية، وان المطلوب من التشكيلة الوزارية المرتقبة استثمار الفرصة لتجاوز فشل الحكومات السابقة والشروع في عملية اصلاح على ارض الواقع مدعومة ببرنامج إصلاحي واقعي يقدم الخدمات الأساسية التي يحتاجها عموم أبناء الشعب ويحصر السلاح بيد الدولة ويكافح الفساد عمليا وبدون إطلاق الوعود والشعارات الرنانة. وعلقت شخصيا مازحا عن الوقت والآلية الخاصة التي يحتاجها رئيس الوزراء المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة لفحص ملفات اختيار الوزراء بعد ان وصل عدد المرشحين أنفسهم إلكترونيا كذا ألف لكل وزارة.
 حين دخلت زوجتي ومعها سكينة وزوجة جليل بشكل صاخب بعد مشوار تسوق استهلك منهن كل النهار اذ ذهبن الى محلات افتتحت مؤخراً وأعلنت عن تنزيلات في بيع الملابس والاحذية وعدن محملات بالأكياس مما اثار فرحة الأطفال.
 كانت زوجتي تخاطب سكينة بصوت سمعناه جميعا: هذه فرصة ثمينة كان عليك استثمارها وكان يمكنك توفير الجهد والمال واتخاذ قرارك سريعا بجد ودون تردد.. قال لك بوضوح يمكنك ان تأخذي ثلاثة بسعر اثنين.
من مكانه سأل أبو جليل زوجتي بكل ثقة: ممكن نعرف هذا في أي حزب أو جماعة سياسية؟



   

69
الكَلامُ المُباح (169)
في أيلول تأتي بطولاتهم!
يوسف أبو الفوز
حين فرضت الأمم المتحدة حصارها الإقتصادي الكارثي على العراق، وفق قرارها 661 الذي صدر آب 1990، وما تبعه من قرارات عقابية أثر غزو النظام الصدامي للجارة الكويت، قالت تقديرات بعض المراقبين أنه في محصلته النهائية، كان طوق نجاة للديكتاتور الحاكم. ففي الوقت الذي كان صدام راضياً بالبقاء حتى لو حاكماً لدولة في مساحة بغداد، على أن تتركه القوى الدولية يبنّي قصوره الفارهة، يوزع عطاياه الدسمة لعوائل الإنتحاريين في فلسطين، يقيم الولائم الباذخة بعيد ميلاده المفبرك ويوزع الأوسمة والمكارم لزبانيته والردّاحين من إنصاف المثقفين، فأن أبناء شعبنا عانوا الامرّين، وباعوا حتى أبواب وشبابيك بيوتهم لوأد جوع أطفالهم، طيلة فترة الحصار ومابعده، إذ إفتتقدوا الغذاء والدواء وأبسط وسائل الحياة بعيداً عن التقدم والتكنولوجيا التي وصل إليها العالم أيامها. كان فارس الأمة العربية وزبانتيه والردّاحين لنظامه يراهنون على ان مواطن يتضور أبناؤه جوعاً لا وقت لديه للتفكير بتغيير النظام والنشاط السياسي، وأن نظامهم الشوفيني قادر على المضي في سياساته الديماغوجية في إكتشاف الطرق المؤدية الى القدس، تارة عبر عبادان، مرة عبر حلبجة وتارة أخرى عبر العبدلي!
قبل أيام، ونحن في زيارة بيت صديقي الصدوق أبو سكينة، قال جليل بأن سياسي الصدفة من القوى المتنفذة، التي حكمت بلادنا بعد سقوط نظام المجرم صدام حسين، والتي أثبتت فشلها في حكم البلاد وفق معادلة المحاصصة الطائفية والأثنية، يحذون الآن حذو النظام الصدامي الفاشي، فأَملقوا شعبنا وحرموه من الحياة الكريمة وحقوقه المشروعة، وجعلوه يعاني من غياب الخدمات الأساسية، كالماء الصالح للشرب والكهرباء وغيرها من الخدمات بينما ينعمون بثروات البلاد وإمتيازات المناصب ويمرحون ويستعرضون في قصور وبيوت مسؤولي النظام البائد التي إحتلوها بدون وجه حق، والمفترض أن تكون تحت تصرف مؤسسات الدولة التي أختفى وجودها في الشارع العراقي تاركة صلاحياتها لمن يمتلك السلاح، ويظن سياسو الصدفة ـ عزيزي القاريء ـ أن كل هذا سيشغل ويمنع الناس من التفكير في مستقبل حياتهم!
قالت زوجتي: الغريب أن ما يحدث الآن يكاد يكون نسخة مما عاناه شعبنا، ولأن تصورات الحكام دائماً تكون خاطئة في تقدير قدرات الشعوب للنهوض مطالبةٍ بحقوقها المشروعة ونيل كرامتها، وعندكم إنتفاضة البصرة البطلة!
سعل أبو سكينة وقال: صدقتم جميعكم، والغريب عندي،إن بطولات أمثال هؤلاء الساسة والحكام تأتي في أيلول دائما. لاحظوا.. كان نظام البعث يتفرج على مذابح أيلول للفدائيين الفلسطينين في الاردن عام 1970، أبتدأ بالعدوان على الجارة إيران في أيلول 1980٠ الذي سرعان ما تحول الى عدوان من الطرفين، وشن أبشع فصول مجازر الأنفال في كردستان العراق في أيلول 1988، وهذه الايام شهد شهر أيلول صولة من بطولات القوى الأمنية ضد الشباب العزل في تظاهراتهم الإحتجاجية السلمية. هكذا.. في أيلول تأتي بطولاتهم! 


70
تحية تضامن من فنلندا مع إنتفاضة البصرة الفيحاء

نتابع بقلق بالغ الأنباء القادمة من بصرة العراق، الفيحاء، حيث ينتفض أهلها، مطالبين وبشكل سلمي، بحقوقهم المشروعة التي كفلها الدستور العراقي، في توفر ماء صالح للإستخدام الإنساني وبقية الخدمات الإساسية، ولجوء القوات الأمنية لقمع التظاهرات الاحتجاجية بشكل دموي منفلت، بإستخدام الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع، الذي أدى الى استشهاد العديد من المتظاهرين الأبطال وعشرات الجرحى، وكل ذلك مترافقا مع الاعتقالات العشوائية مصحوبا بالتنكيل وتعذيب المعتقلين.
نعلن عن وقوفنا الكامل إلى جانب أهالينا في مطالبهم المشروعة ونستنكر بشدة القمع الوحشي لإنتفاضة أهل البصرة الابطال الذي أدى الى سقوط الشهداء والجرحى. ونطالب بالوقف الفوري للإعمال المدانة والتجاوزات على المواطنين العزل، ونحمل الحكومتين المحلية والاتحادية مسؤولية وتبعات الكارثة المستمرة، وندعو البرلمان العراقي الجديد ومجلس الوزراء لحكومة تصريف الاعمال لتحمل مسؤوليتهم أمام ما يجري، والقيام بإجراءات سريعة وفاعلة لمعالجة الأوضاع في البصرة المنكوبة التي عانت طويلا من نقص الخدمات وتدهورها في مجالات حياتية عدة منها ملوحة المياه وضعف الكهرباء وتدهور التعليم بمختلف مستوياته الأكاديمية وتدني مريع في الوضع الصحي وغيرها.
 أن الاستمرار في ممارسة الأساليب القمعية الدموية لن يوقف الجماهير عن المطالبة بحقوقها بل سيفاقم الأوضاع، ونطالب المتظاهرين الابطال بضبط النفس وعدم الانجرار خلف أساليب القمع وضرورة الحفاظ على ممتلكات الدولة العامة وعدم تخريبها وعدم توفير الحجة للنيل وإنتقاص أنتفاضتهم البطولية.
المجد للشهداء الابطال والشفاء العاجل للجرحى والمصابين
تحية للمتظاهرين البواسل أبطال الانتفاضة المجيدة.
مجدا بصرتنا الفيحاء وانت تكتبين صفحات مجيدة في تاريخ وطننا العراق.
الموقعون:
شخصيات مستقلة
البيت العراقي في فنلندا
الجمعية الاشورية في فنلندا
الحركة الديمقراطية الاشورية في فنلندا
الحزب الشيوعي الكردستاني ـ العراق / منظمة فنلندا
الحزب الشيوعي العراقي / منظمة فنلندا
 
هلسنكي 6 أيلول 2018



 

71
المنبر الحر / شاي أم حسين!
« في: 17:12 03/09/2018  »
الكَلامُ المُباح (168) 
شاي أم حسين!
يوسف أبو الفوز
طلب مني صديقي الصدوق أبو سكينة، موافاته بتطورات الأوضاع في البصرة، أولا بأول. فكان عليّ اصطحاب حزمة مختارة من الصحف أثناء زيارته لأقرأ له عن أخر التطورات. لم يعد أبو سكينة يصدق بمعظم وسائل الاعلام العراقية، إذ يعتبر العديد منها أبواقا لأحزاب وجماعات سياسية تحاول تمرير رسائل تمويه ودخان لحجب الحقائق:
ـ عمرك كله، شايف واحد حرامي وفاسد ينشر في جريدته أو فضائيته أخبارا فيها مصداقية؟
ضحكنا، ولكن ذلك لم يطل، فأخبار تطورات ما يحصل ويجري في البصرة تزيد القلق يوميا، فالأزمة فيها متعددة الجوانب وتتفاقم بأستمرار لتأخذ أبعاداً خطرة، خصوصا بعد إنتشار الامراض وحالات التسمم حيث الالاف من المواطنين الأبرياء دخلوا الى المستشفيات.
قالت سكينة بغضب: ان الخلل الأساسي سببه فشل الحكومتين الاتحادية والمحلية في توفير الحلول الجذرية للمشاكل التي تعاني منها البصرة على مدى سنوات والتي صارت تزداد تفاقماً مع مرور الزمن.
قال جليل: أعتقد إن الكثير من الحلول متوفر لحل الازمة لو كانت هناك أرادة وطنية حقيقية،  تسعى لرؤية مشتركة تحدد الأولويات وتنهي التقاطعات والتجاذبات بين الحكومة الاتحادية والسلطات في المحافظات في ما يتعلق بتنازع الصلاحيات، إضافة إلى الصراعات الفئوية الضيقة داخل مجالس المحافظات والتي سببت الشلل والتعثر الشديد في العمل مع استشراء الفساد.
سعل أبو جليل وقال بحنق : هذا سمعته منكم أكثر من مرة، اريد أعرف ماذا نعمل تحديدا لحل الازمة، بالعراقي الفصيح شنسوي؟
من مكانه قال أبو سكينة بصوت مترع بالحزن رغم محاولته أن يكون مرحا : شاي .. سوا لنا شاي!
وأبو سكينة هنا ـ عزيزي القاري ـ يعود بنا الى حكاية حقيقية، حصلت في سبعينات القرن الماضي، يوم راحت قطعان ضباع البعث العفلقي تطارد الشيوعيين والديمقراطيين وكل معارض، وتعتقلهم بهدف تصفيتهم جسديا أو انتزاع البراءات السياسية منهم تحت التعذيب والاكراه. وحصل ان أعتقل طالب جامعي شيوعي أسمه "حسين ع". دوهم بيتهم مساء، وهم يتهيئون لتناول العشاء، وأقتيد الشاب حسين بأعقاب البنادق الى سيارات الامن، التي انطلقت مبتعدة تاركة الاب المسن غارقا في الحزن والدهشة، والأم كمن أصابها مس، فراحت تدور في البيت وهي تصرخ:
ــ أويلي وليدي .. شأسوي .. قولوا لي شأسوي؟
ثم التفت لزوجها أبي حسين، الجالس بهدوء، صامتا مفكرا بما يجري، فقد شهد مثل هذه الاحداث عام 1963 ، فالأنظمة القمعية لا تحتمل رأيا معارضا ووجهة نظر مختلفة. صاحت به بحرقة:
ــ أبو حسين.. ليش ساكت.. قول لي. شبيك ساكت؟ مو هذا أبنك الذي أخذوه الامن؟ قول شأسوي ؟ قول شأسوي؟
وبكل هدوء رفع أبو حسين رأسه وقال لها:
ــ سوينا لنا شاي!

 



 
 


72
في هلسنكي التشكيلي أمير الخطيب يقيم معرضا شخصيا


هلسنكي - متابعة
ضمن فعاليات "ليلة الفن" التي تشهدها العاصمة الفنلندية هلسنكي سنويا في الاسبوع الأخير من شهر آب، افتتح الفنان التشكيلي المغترب أمين الخطيب معرضا فنيا شخصيا، استقطب جمهورا متميزا من الفنانين والأدباء والإعلاميين العراقيين والعرب والفنلنديين.
أدار المعرض الكاتب يوسف أبو الفوز، وافتتحه بكلمة قدم فيها نبذة عن سيرة الخطيب ونشاطه الفني، مسلطا الضوء على موضوعات أعمال معرضه الذي حمل عنوان "الربيع العربي".
وأضاف قائلا ان المعرض ضم إحدى عشرة لوحة، واحدة منها تنتمي إلى أسلوب "فن التركيب".
وعكس الخطيب في أعماله وجهة نظره حول الحراك الاحتجاجي العربي الذي عرف بـ "الربيع العربي"، وكيف ان البعض قاموا باستغلال هذا الحدث سياسيا، وباعوا أوطانهم. إذ جسد بعض الأعمال صورا لأعلام بلدان عربية حملت إشارات "البيع" مع علامات تحدد نسب التخفيضات مثلما معمول به في المحال التجارية.
فيما أظهرت لوحات أخرى أجساد راقصات من دون وجوه، كإشارة إلى ضياع الهوية الوطنية.
وأثارت أعمال المعرض نقاشا بين الحاضرين، حول الأوضاع في بلدانهم، وتظاهرات الاحتجاج ومصيرها، والحكام والسياسيين الذين يتلاعبون بمصائر شعوبهم.
يشار إلى ان الفنان أمير الخطيب المولود في مدينة النجف عام 1961، يقيم في فنلندا منذ العام 1990، وانه أسس في العام 1997 بالتعاون مع بضعة فنانين تشكيليين "شبكة الفنانين المهاجرين" في أوربا، ومقرها هلسنكي.
وتصدر الشبكة التي تضم اليوم 400 عضوا ينتمون إلى أكثر من 40 بلدا، ويشكل الفنانون العراقيون نسبة كبيرة منهم، مجلة شهرية باللغة الانكليزية تحمل اسم "ألوان كونية".
وقد استطاعت الشبكة تنظيم العديد من المعارض الفنية المشتركة في بلدان اوربية، وتحقيق مساهمة فكرية فاعلة في حوارات حضارية تختص بمفهوم "الثقافة الثالثة".
 

73
المنبر الحر / خدمات خاصة!
« في: 16:29 20/08/2018  »
الكَلامُ المُباح (167) 
خدمات خاصة!
يوسف أبو الفوز
أذهل اتساع جموع الشباب والمحتجين في محافظات الجنوب والوسط سياسو الصدفة في الجماعات السياسية المتنفذة في حكم العراق. لم يترك الشباب شعارا لم يرفعوه في المطالبة بحقوقهم ورفض منهج المحاصصة الطائفية والاثنية الذي قاد الى فشل ذريع في أداء الدولة لمهامها المنوطة بها ما سبب تدهورا مريعا في المستوى المعيشي وتقديم الخدمات الأساسية المترابط مع تفشي الفساد في كل مفاصل مؤسسات الدولة وسرقة المال العام.
توقف جليل مرارا عند التنوع المحسوس في نوعية المساهمين في التظاهرات الاحتجاجية، واشار الى ان اعدادا ليست قليلة من الشباب تنتمي الى الجيل الذي نضج من بعد زوال النظام الديكتاتوري البعثي، الذين أحتدم لديهم السخط من عدم وجود أفق واضح للتغيير على يد الجماعات السياسية التي يشكل وجودها بحد ذاته أسباب الازمة، وعكست ذلك الشعارات التي رفعها المحتجون. قال جليل : لذلك علينا عدم الاستغراب عند ظهور أصوات عدمية رافضة حتى للنظام الديمقراطي البرلماني، لكونهم لم يتلمسوا نتائج لصالحهم إذ يستمر التردي العام وارتفاع معدلات البطالة وتراجع كبير في القطاعين الصناعي والزراعي في ظل ذلك.
قالت سكينة: وبدلا من الاستماع الى هذه الأصوات الغاضبة المطالبة بحقوقها يتم مواجهتها بالرصاص الحي والغازات المسيلة للدموع والاعتقالات الواسعة مصحوبة بممارسات قمعية مخالفة للقانون والدستور.
اضافت زوجتي: وهذا العدد الكبير من الشهداء والجرحى ماهو يا ترى تبرير اهماله؟ من المسؤول عن دمائهم ومستقبل عوائلهم؟
طوال فترة الحديث المتشعب، كنت أرمق صديقي الصدوق أبو سكينة، وهو يتسمّع بإهتمام لمجريات الحديث. فكنت ــ عزيزي القاريء ــ أدرك مشاعره ومحاولته كظم غيضه، فطوال الأيام الماضية وإذ كنا نتحدث عن ذات الأمر، ومع كل اسم شهيد تتداوله وسائل الاعلام كان يطلب مني ان أريه صورته فيطلق حسرة غيض مصحوبة بسيل من الشتائم ضد الجميع، بدون استثناء، وحين عاد جليل ليقول: المفارقة أن مسؤولين كثار في الدولة يقولون ان ٩٩ في المائة من المتظاهرين سلميين وان التظاهرات يكفلها الدستور، ومع هذا ..
فقاطعه أبو سكينة : ومع هذا فهم يعاملونهم بالحديد والنار .. انتم لا تعرفون الهدف من ذلك.. هؤلاء السياسيين يهدفون لتقديم خدمة إستثنائية لابناء الشعب. تابعوا خطبهم واحاديثهم، انهم يتحدثون كثيرا عن الجنة والنار ويوم الحساب، وعن كرامات الشهداء وافضليتهم يوم الحساب عند رب العالمين، فهم يساعدون أبناء وطنهم في التعجيل للذهاب للجنة. ان اسهل طريقة للمواطن هي سحب بطاقة شهيد فيكون مثواه الجنة .. آخ لو بيه حيل وصحة وأقدر أتظاهر كان نافستكم كلكم على نيل الجنة.


74
الصحافة الشيوعية في العراق ميدانا للنضال من اجل حقوق ومطالب الجماهير 
يوسف ابو الفوز
 لم يكن إصدار "كفاح الشعب"، أول صحيفة شيوعية عراقية، أواخر تموز 1935 ، إلا تعبيرا عن حاجة الحزب الشيوعي العراقي، أعرق الأحزاب السياسية في العراق الذي تأسس في آذار 1943 ، إلى صحيفة مركزية ناطقة باسمه لتنشر أفكاره وسياسته وبرامجه، وليكسر احتكار الأفكار ونشر المعلومات الذي كانت تقوم به الصحافة الرسمية الحكومية المرتهنة سياساتها بعجلة الاستعمار والاحتكار، والتي كانت تظلل جماهير الشعب بأفكارها الرجعية والعميلة. وأصبحت "كفاح الشعب" أول صحيفة عراقية تصدر سرا، لتفتح السجل النضالي الحافل للصحافة الشيوعية في العراق، التي  لعبت دورا نضاليا بارزا في نضال القوى الوطنية المكافحة من اجل من سعادة الشعب وحرية الوطن .
جاء إصدار "كفاح الشعب" في حينه انطلاقا من المبدأ اللينيني، في العمل  السياسي والفكري، الذي آمن بأن "الصحيفة ليست فقط داعية جماعي ومحرض جماعي، بل هي في الوقت نفسه منظم جماعي"، وهكذا وبالرغم من كون العديد من أعضاء الحزب وأصدقائه وبعض أعضاء قيادته كانوا ينشرون مقالاتهم في العديد من الصحف الوطنية، وأحيانا بإسماء مستعارة، إلا ان إصدار صحيفة مركزية ناطقة باسم الحزب صار من المهام الأساسية لقيادة الحزب الشيوعي العراقي انذاك، والذي تطلب إصدارها تذليل كم هائل من الصعوبات الفنية. لم يكن سهلا أيجاد المطبعة المناسبة، ثم تدبير المبالغ الكافية لشرائها، ثم أيجاد المكان المناسب لنصبها، والاصعب من كل ذلك هو أيجاد العاملين المؤهلين الذين تطلب وجود صفات نضالية خاصة لعملهم. كل هذا كان يحصل    ضمن الظروف والمتطلبات الصارمة في العمل السري وفي مقدمة ذلك شدة اليقظة والحذر. ويعتبر صدور"كفاح الشعب" السرية، في تلك الايام، حدثا فريدا في تأريخ الصحافة العراقية، لكونها تحدت الأعراف التقليدية من ضرورة الحصول على إجازة لإصدار صحيفة، وبصدورها أرست تقاليد عمل جديدة في تاريخ الصحافة العراقية.
 ان المؤرخ والمتابع لتاريخ الصحافة العراقية، لا يمكن الا ان يذكر بأن  صحافة الحزب الشيوعي العراقي السرية، لعبت دورا مؤثرا وأساسيا في كشف وفضح سياسات الحكومات العميلة المرتبطة بسياسة الاستعمار وقوى الاحتكار وحملت تطلعات أمال جماهير الكادحين. وإذ توالى بعد "كفاح الشعب" صدور العديد من الصحف السرية والعلنية، ارتباطا بالظروف النضالية والسياسية التي عاشها الحزب مثل  صحيفة "الشرارة" في مطلع الاربعينات ، صحيفة "القاعدة" في كانون الثاني 1943، ، صحيفة ئازادي " الحرية "الناطقة باللغة الكردية في نيسان 1944، "العصبة"  في 1946 ،"الاساس" في 1948، " اتحاد الشعب" في منتصف 1956 ثم صحيفة "طريق الشعب" نهاية 1961 ، فأن الصحافة الشيوعية ظلت وفية ومخلصة للمباديء التي ارساها الرواد الاوائل.
ومن الجدير بالذكر، أنه وطوال كل سني نضالهم المجيد ومنذ تأسيس الحزب الشيوعي العراقي، ساهم الشيوعيين العراقيين في صدور العديد من الصحف العراقية الوطنية، الديمقراطية اليسارية، والتي صدر بعضها لفترات قصيرة وتوقفت، أضافة الى كونهم نشروا مقالاتهم في الصحف الوطنية مستثمرين أي فرصة وظروف ملائمة للنشر.
 ويجدر بنا ان نثبت حقيقة، بأن صحافة أجل حقوق الجماهير والأفكار التقدمية النيرة، وكانت بحق مدرسة لأجيال من الصحفيين والمثقفين العراقيين، الذين على صفحاتها تعلموا وشقوا طريقهم إلى ميدان العمل في الصحافة والأدب. وقدمت صحافة الحزب الشيوعي العراقي، خلال مسيرتها النضالية الحافلة بالأمجاد من اجل مستقبل افضل لابناء شعبنا، كوكبة خالدة من الشهداء من المناضلين والصحفيين، نستذكر منهم الشهداء محمد الشبيبي، عبد الرحيم شريف، محمد حسين أبو العيس ، جمال الحيدري ، نافع يونس، عبد الجبار وهبي( أبو سعيد ) ، عدنان البراك، ولا ننس الفقيد زكي خيري وشمران الياسري وعامر عبدالله وغيرهم كثيرين ممن يطول تعداد أسمائهم. لم تكن صحافة الحزب الشيوعي العراقي طيلة سنوات نضالها مجرد صوتا لإيصال سياسة الحزب وبرامجه، بل كانت ميدانا لنشر الفكر التقدمي في مختلف جوانب الحياة. كانت صحافة الحزب الشيوعي العراقي أمينة للمبادئ اللينينية في العمل الصحفي ، حيث كتب لينين "لابد لنا ان نشرع بالعمل بانتظام لخلق صحافة لا تسلي وتخدع الشعب بالتوافه والإثارة السياسية، بل تخضع قضايا الحياة اليومية الاقتصادية لحكم الشعب وتساعد على الدراسة الجادة لهذه القضايا". وكانت جماهير الشعب تقرأ في صحافة الحزب الشيوعي العراقي آمالها وطموحاتها وهمومها، ولهذا كان انتظام صدور صحافة الحزب يشكل معنى كبيرا لدى جماهير الكادحين وأعضاء وأصدقاء الحزب، ولهذا السبب كانت صحافة الحزب السرية في فترات نضالية عديدة توزع أعدادا اكثر من الصحف العلنية الرسمية. وفي ظل الظروف الجديدة، بعد زوال النظام الديكتاتوري الشوفيني، يواصل الشيوعيون العراقيون نضالهم أمينين لمبادئهم وتضحيات رواد الصحافة الشيوعية في العراق، ومن اجل ان تكون صحافة الحزب ميدانا للأفكار التقدمية، ومعبرة عن هموم جماهير الشعب الكادح وطموحاته وأماله، وقريبة الى نبض الكادحين، وتنادي ببناء عراق ديمقراطي جديد، فيدرالي، تعددي، ينعم فيه المواطن بحياة حرة كريمة تحت ظل القانون، بعيدا عن اي فكر تعسفي ظلامي، يصادر حق الإنسان في الحياة الحرة الكريمة الآمنة.


75
الكَلامُ المُباح (165) 
التخلص من الأعراض الجانبية !
يوسف أبو الفوز
أهتم صديقي الصدوق أبو سكينة جدا بأخبار تظاهرات الاحتجاج التي عمت مختلف المدن العراقية، أحتجاجا على أستمرار تردي الاوضاع عموما، وعجز وفشل حكومات المحاصصة الطائفية والاثنية في الإيفاء بوعودها وتوفير الخدمات من كهرباء وماء، مع التدهور المستمر والمريع في قطاعات الصحة والتعليم والنقل، وارتفاع نسبة البطالة والفقر، مما افقد عموم الناس ثقتهم بالقوى المتنفذة التي اثبتت فشلها في ادارة البلاد منذ 15 عاما، دون ان تحقق اياً من وعودها التي كررتها خلال حملاتها الانتخابية، مما زاد من شدة الاحتقان الاجتماعي ، فكانت التظاهرات الاحتجاجية اسلوب جماهير الشعب لاشهار مطالبها المشروعة، التي طالما سبق وكررتها بوسائل متعددة دون ان تلاقي آذانا صاغية.
 أن مواجهة هذه التظاهرات، وهي حق دستوري، بالرصاص الحي وأساليب القمع المختلفة من إستخدام الرصاص الحيّ والاعتقال والتنكيل، ما تسبب في سقوط شهداء وجرحى، لهو فعل مدان، وغير مقبول وعلى الجهات المسؤولة والمعنية، التوجيه بالحفاظ على أرواح المواطنين، كما ان المتظاهرين مطالبون بالحرص على ان تكون تظاهراتهم سلمية، ودن الاضرار بممتلكات الدولة والمواطنين.
في زيارتي الاخيرة، لبيت صديقي الصدوق أبو سكينة، لم أره غاضبا مثلما رايته في الايام الاخيرة. كان منزعجا من استخدام القوة والقمع في مواجهة التظاهرات. كان يحدث ابو جليل، وعيناه تقدح شررا ويرفع صوته عامدا حتى نسمعه:
ـ في زمن صدام كنا نقول نظام ديكتاتوري وفاشي، زين انتم اللذين ناضلتم ضد ازاحة نظام صدام ليش تلبسون ثوبه وتنكلون بابناء شعبكم؟
كنت ساعتها أحدث جليل عن زيارتي الاخيرة الى طبيبي المعالج، الذي كتب لي دواءا جديدا، اذ أستبدل أدويتي لضغط الدم، مرتين خلال فترة الشهور الاربعة الاخيرة، فكل دواء كان يصفه لي تكون له اعراض جانبية مزعجة، فالدواء الاول سبب عندي  تورم الساقين بمجرد الجلوس لاكثر من ساعة، أما الدواء الثاني فسبب سعالا مزعجا يمنع النوم. كان ابو سكينة يجلس  ليس بعيدا عنا يتسمع، وبنفس الحماس والعصبية واصل حديثه وهذه المرة معي مباشرة:
ـ هذا طبيبك يجرب برأسك وصفات، شرق وغرب، مثل حكومات المحاصصة، جعلت من شعبنا العراقي حقل تجارب لوعودها ولم توفر له الحياة الحرة والكريمة، والاعراض الجانبية لوعودها خربت البلد، اهدرت المال العام ورهنت مستقبل شعب ووطن الى المجهول. بوية انت مثقف وعارف اذا ما تغير طبيبك بواحد فاهم ومعدل راح تكون النتيجة كارثية ،فلازم يكون هناك حل عاجل وشاف!


76
القمة الروسية الامريكية في فنلندا : إستعراضات سياسية دون إتفاقات ملموسة !


الرئيسان بوتين وترامب يتوسطهما الرئيس الفنلندي
هلسنكي ــ يوسف ابو الفوز            
في العاصمة الفنلندية، هلسنكي، انعقد الاثنين، السادس عشر من تموزالجاري، أجتماع القمة، الذي جمع رئيس الولايات المتحدة الامريكية، دونالد ترامب، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وسط اجراءات أمنية مشددة، لم تألفها فنلندا من قبل، شملت مطارات وحدود البلاد وأماكن اقامة الرئيس الامريكي، حيث أغلقت العديد من الشوارع القريبة من مكان الاجتماع في القصر الجمهوري، واغلقت باحكام حتى منافذ المجاري الصحية المؤدية الى القصر الجمهوري.
 وصل الرئيس الامريكي الى فنلندا مساء الاحد قادما من اسكتلندا، حيث قام بجولة اوربية توقف خلالها أيضا في بروكسل ولندن، وسادها التوتر، حيث انتقد حلفاء الولايات المتحدة بشدة فيما يتعلق بالتجارة والإنفاق العسكري.
 بينما وصلها الرئيس الروسي يوم الاثنين، الساعة الواحدة ظهرا بتوقيت فنلندا، متأخرا بعض الشيء عن موعده المحدد مما أجرى تغييرا في مجمل جداول العمل، وعلقت بعض الصحف الفنلندية بأنه جزء مما سمته "الحرب النفسية". ووصل العاصمة هلسنكي، حوالي 1800 صحفيا، من 61 بلدا، لتغطية أعمال القمة، علاقات فنلندا، البلد المضيف، مع كل من روسيا وامريكا، وتسليط الضوء على الزيارات السابقة التي قام بها كل من بوتين وترامب الى فنلندا. وأذا كان الرئيس ترامب قد زار البلاد عام 1992 وعام 2006 ،كرجل اعمال ولاغراض تجارية، فأن الرئيس الروسي الجار، والذي خلال توليه مهام رئيس الوزراء ومهام رئيس الجمهورية في روسيا الاتحادية، كان قد زار فنلندا اكثر من عشر مرات، لاغراض سياسية واقتصادية، وعرف بأرتباطه بعلاقات ودية مع الكثير من سياسي البلاد بمن فيهم الرئيس الفنلندي الحالي، ساولي نينستو، الذي تحضى سياسته برضا الدوائر الروسية، مما دفع البعض الى القول بأن فوزه  في الانتخابات الرئاسية، مطلع هذا العام ومن المرحلة الاولى، وهذا حصل لاول مرة في تاريخ فنلندا ، كان بدعم من الرئيس بوتين، لكون الرئيس الفنلندي لا يزال يمانع من دخول بلاده عضوية حلف الناتو، بالرغم من رغبات حزبه الذي يدعو لأنضمام فنلندا الى الحلف.
ومن بين كل الاسئلة، التي سلطت وسائل الاعلام عليها الضوء كان : لماذا هلسنكي مكانا للاجتماع؟.
كل الاطراف المعنية بالاجتماع، اوضحت بان هناك عدة اسباب، منها التأريخ الذي تمتع به فنلندا  في استضافة مؤتمرات وقمم دولية تعني بالسلام العالمي، ودورها كدولة خارج المحاور، فهي ليست عضوا في حلف الناتو، وان كانت لها علاقات تنسيقية معه في نشاطات متعددة، وحسب ميكا أتولا، مدير معهد السياسة الخارجية الفنلندي، فأن الرئيس الفنلندي، ساولي نينيستو، حافظ على خط حيادي واضح للسياسة الخارجية مع توازن في الالتزامات تجاه موسكو وواشنطن، وفق ما يسمى بـ "سياسة الاستقرار النشطة"، التي تشمل ركائز أساسية: منها الحفاظ على سياسة دفاعية، علاقات طيبة مع روسيا، احترام حلف شمال الأطلسي"الناتو" ودعم المؤسسات الأوروبية. وايضا قرب هلسنكي الجغرافي من العاصمة الروسية، حيث أرتبط الرئيس بوتين بحضور نهائيات كأس العالم في كرة القدم، التي جرت مبارياتها على ارض بلاده، من جانب اخر كان الرئيس الامريكي يقوم بجولتة الاوربية على مقربة من مكان القمة.
ويعتبر هذا الاجتماع رسميا، الاجتماع الاول، الذي ضم الرئيسين بشكل مستقل وليس على هامش مؤتمرات واجتماعات دولية، فقبل عام التقى بوتين وترامب لأول مرة في هامبورغ بألمانيا على هامش اجتماع مجموعة العشرين، ثم اجتمعا لفترة وجيزة في فيتنام في تشرين الثاني / نوفمبر 2017 في قمة أبيك. وكان الكرملين قد قال في وقت سابق إن الرئيسين يعتزمان خلال القمة مناقشة آفاق إعادة العلاقات الثنائية المتدهورة إلى طبيعتها، والقضايا الدولية الراهنة على الساحة العالمية.
في اول ظهور صحفي لهما معا، في القصر الجمهوري في فنلندا، قبيل اجتماعهما المنفرد بدون مساعدين، اشار الرئيس الروسي الى ان التواصل مع الرئيس الامريكي كان مستمرا، سواء عبر التلفون، او على  هامش بعض اللقاءات الدولية ، واكد ان اللقاء المباشر سيوفر الفرصة للحديث في الكثير من الملفات المهمة. من جانبه قال الرئيس الامريكي إنه يتوقع علاقة "استثنائية" مع فلاديمير بوتين. وابتدأ حديثه بالثناء  على روسيا في تنظيمها بطولة كأس العالم، واشار الى ان هناك الكثير من الملفات للحديث عنها في الاقتصاد والسياسة ،الترسانة النووية وايضا الصين. واكد ان العلاقات مع روسيا في السنوات الاخيرة مرت بمواقف صعبه، ولكنه متأكد ان العلاقة ستتحسن. وشمل برنامج اللقاء محادثات ثنائية بين ترامب وبوتين بدون مساعدين، كان مقررا لها ان تستمر ساعة ونصف، لكنها استمرت ساعتين وربع،  ثم تواصل الاجتماع بوجود مساعدين، ثم المؤتمر الصحفي المشترك.
في المؤتمر الصحفي، الذي طرد قبيل بدأه صحفي، كان بحوزته لافتة صغيرة ضد الاسلحة النووية، أشاد الرئيسان ترامب وبوتين بأجواء المباحثات التي وصفاها بالصريحة، ووصف الرئيس الروسي القمة بـالناجحة والمثمرة، وان اجواءها كانت بناءة وإيجابية، وأنها مثلت الخطوة الأولى في سبيل إزالة الأنقاض في العلاقات بين البلدين. وبنفس الوقت أكد أن هناك مشاكل كثيرة بين البلدين، وان توحيد جهود روسيا والولايات المتحدة سيساهم في مواجهة التحديات وهي كثيرة، واشار الى الازمات الاقليمية، استقرار الامن الدولي، الارهاب الدولي وأيضا مشاكل الاقتصاد العالمي .
وأشار الرئيس الامريكي دونالد ترامب، من جانبه ، الى أن العلاقات الروسية الامريكية كانت في اسوأ حالاتها قبل القمة، محملا الادارات السابقة مسؤولية ذلك، وانها ستكون بشكل اخر بعد  اربع ساعات من المفاوضات، التي قال انها شهدت حوارا مثمرا ومنفتحا لاجل ايجاد سبل للتعاون وفق القواسم المشتركة.
في المؤتمر الصحفي المشترك للرئيسين، احتلت قضية 12 روسيا اتهموا بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الامريكية 2016، حيزا ليس قليلا في اجوبة الرئيسين، وبدا الرئيسان متوافقان في الرد حول هذا الموضوع . تحدث الرئيس الامريكي عن الموضوع بانفعال واعتبر القضية مثارة من قبل الديمقراطيين لانهم خسروا الانتخابات وانه فاز بحملة انتخابية متميزة، ومن جانبه نفى الرئيس بوتين أن تكون روسيا قد تدخلت في الشؤون الداخلية الأميركية، وخاصة في الانتخابات الرئاسية، وأشار الى ان تدخل افراد بصفتهم الشخصية لا يمكن تحميله لأي دولة، ووجه الدعوة للمحقق روبرت مولر ان  يطلب من روسيا استجواب المتهمين وفق الاتفاقات الدولية بين البلدين.
ولم ينس الرئيسان تناول موضوع الشرق الاوسط ، فاشارا الى انهما عازمان لايجاد حلول دبلوماسية سياسية لاحلال السلام في المنطقة . وقال الرئيس بوتين انه بما يتعلق بسوريا، فإن مهمة إحلال السلام والوفاق هناك قد تكون أول فرصة لإبراز نموذج للعمل المشترك واكد على ضرورة تنشيط الجهود لتقديم المساعدات الانسانية واعتبر ان عودة الكثير من النازحين الى مناطقهم  سيخفف الضغط على اوربا . ومن جانبه قال الرئيس ترامب ان البلدان يريدان مساعدة الشعب السوري ، وشدد على أهمية الضغط على إيران ، من جانبه قال الرئيس بوتين إنه يدرك معارضة الولايات المتحدة للاتفاق النووي الدولي المبرم مع إيران والذي تؤيده روسيا وبين ان الاجتماع تناول ضرورة الحفاط على امن اسرائيل ، وبادر الرئيس الامريكي للقول بان لجانبين يودان في توفير الأمن لإسرائيل.
يذكر ان اجتماع القمة، استقبل في الشارع الفنلندي بتظاهرات حاشدة قبل واثناء وبعد عقد الاجتماع، ساهم فيها مختلف منظمات المجتمع المدني، التي تنادي بحماية وضمان حقوق الانسان ، حرية التعبير، الديمقراطية  وحرية الصحافة وكانت منظمة العفو الدولية نشرت بيانا  قبيل القمة تمنت فيه ان يتدخل الرئيس الفنلندي لتذكير ترامب وبوتين بواجباتهما في حماية حقوق الانسان. وكانت استطلاعات سبقت القمة بينت ان هناك شيء واحد يوحد معظم الفنلنديين بغض النظر عن الجنس أو الدخل أو مكان الإقامة، وهو وجهة النظر الحذرة بشأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فان هناك فقط 4 % من الفنلنديين ترى أن ترامب جعل العالم أكثر أمنا ، وان حوالي 70% يعتقدون بأن الرئيس الأمريكي قد أضعف الالتزام بحماية البيئة.
من الطريف ايضا ان الصحافة الفنلندية اثارت خلال ايام القمة كون ملكة جمال فنلندا لعام 2006 ، ضمن قائمة النساء، اللواتي اتهمن الرئيس دونالد ترامب بالتحرش الجنسي وكونه لمس مؤخرتها بشكل اثار اشمئزارها، اثناء تسجيل برنامج تلفزيوني خلال وجودها في الولايات المتحدة الامريكية.




77
المنبر الحر / قيامة تموز
« في: 13:54 12/07/2018  »
قيامة تموز 
يوسف أبو الفوز
قدر تموز في اساطير وادي الرافدين ان يكون رمزا للخصب فيمتلك محبة قلوب العراقيين من عهد سومر واكد واشور وبابل . في الرسوم البابلية يقف تموز وخلفه وعلان يتعاركان بحماس وفحولة وثمة نخلة سامقة تعبيرا عن الخضرة وبهاء الحياة، فمن الاف السنين عاش تموز مع العراقيين معادلا لخصب لحياة وبهائها. فهو المخلص الذي ينتظرونه كل ربيع، فدخل اعتقاداتهم الروحية ونصوصهم الادبية من اساطير واغان وملاحم. هكذا حمله الاحفاد التواقون للحياة الجديدة المترعة بالامل، وهكذا حمله ابناء العراق البررة معهم صبيحة يوم "اثنين" عراقي خالد، يشبه معجزة نادرة المثال، لينطلق البيان الاول لثورة الرابع عشر من تموز الظافرة، ثورة الجيش والشعب، التي فجرها الضباط الاحرار واحتضنتها الجماهير منذ ساعاتها الاولى، لتكون بحق ثورة الشعب بأسره، ثورة فقرائه وكادحيه، التي حضيت بدعم من القوى التقدمية في المنطقة، وقوى المعسكر الاشتراكي يومها. كانت ثورة ، خالدة، انهت حكما رجعيا فاسدا ارتبط بعجلة الاستعمار سنوات طويلة، وارست دعائم استقلال العراق السياسي والاقتصادي ، واضافت لحركة التحرر الوطني في المنطقة قوى جديدة .
كانت ثورة 14 تموز وطنية ديمقراطية ، ساهمت فيها مختلف قوى الشعب ، وفي فترة عمرها القصير، حققت للشعب العراقي انجازات ومكاسب عديدة على كافة الصعد ، من هنا جاء تكالب القوى الاستعمارية والرجعية العربية عليها ، حتى تمكنوا من أغتيالها بأنقلاب دموي فاشي ، نفذه حزب البعث الفاشي وحلفاؤه الرجعيون من قوى مضادة دينية وعسكرية ، وذلك في الثامن شباط 1963 .
ان من واجبنا ، احياء ذكرى هذه الثورة المجيدة ، والاحتفاء بها بثورة وذكرى جنود العراق الشجعان الذين فجروا الثورة بمساندة شعبهم العراقي وطلائعه السياسية، الممثلة حينها في قوى " جبهة الاتحاد الوطني "، وان هذا يدعونا ، قبل كل شيء ، الى التوقف عند دروس هذه التجربة الكفاحية، بايجابياتها وسلبياتها، فهي لا تزال تشكل حافزا مهما لمواصلة العمل من اجل اطلاق طاقات شعبنا العراقي وحرياته لبناء العراق الجديد، العراق الديمقراطي الفيدرالي الموحد كامل السيادة ، وان ننبذ المحاصصة الطائفية والاثنية ، التي  قادت شعبنا الى الويلات وسهلت لقوى الفساد وحيتانه ان تنهب ثروة البلاد، ومهدت لقوى التطرف الظلامية ان ترفع رأسها وتستبيح حرمات وطننا وشعبنا .
واذا احتفلنا ، بذكرى ثورة الرابع عشر من تموز 1958 ،  وفاء لهذا الحدث العظيم والخالد في تاريخ العراق والمنطقة ككل ، فلابد ان نستذكر الشهداء والمناضلين ، الذين كانوا جسرا لهذا اليوم العظيم ، ولنتذكر دائما،  بأن سعفات النخيل لا تخضر الا تحت صهد تموز، وان وردة "كلالة سور" لا تبرق الا تحت شمس تموز، وان حصان جواد سليم لابد ان يترجل ليملأ العراق صهيلا، من اجل قيامة تموز ومن اجل بهاء الارض واحياء الكائنات والطبيعة !


78
الكَلامُ المُباح (164)
مرة أخرى .. كرة قدم وسياسة !
يوسف أبو الفوز
غاب عنا جليل، في الايام الاخيرة، لأنشغاله بمتابعة مباريات كأس العالم 2018 المقامة على الملاعب الروسية، الا انه لم يفوت لقاءاتنا الدورية في بيت صديقي الصدوق ابو سكينة. لاحظنا جميعا أنزعاج جليل، من خروج فرق رياضية، طالما شجعها واعتبرها كبيرة، من تصفيات كأس العالم، وكان أبو جليل، وبروح التشفي والمشاكسة يردد :
ـ هذا زمن غدار، مدور مثل الكرة، ينزل فيه الكبير ويصعد الصغير.
وبشكل ما، أعاد لذاكرة أبو سكينة، موضوعا طالما تحدثنا به سابقا، عن مفاهيم حاول البعض ترويجها عن ما يسمونه "الاحزاب الصغيرة" و"الاحزاب الكبيرة"، تبعاً لعدد المقاعد التي تنالها في الانتخابات والوزارات التي يشغلها هذا الحزب او ذاك. كنت ــ عزيزي القاريء ـ دائما اعارض هذه المفاهيم واشير الى عدم دقتها، وأبين بأن هذا يهدف بشكل مقصود الى أرباك وتضليل الناس، والتقليل من شأن قوى سياسية اخرى وفقا لحسابات مغلوطة، ناسين ان بعضا مما مايسمونها "الاحزاب الصغيرة" تشكل تيارات فكرية عريقة وعميقة ضمن بنية المجتمع العراقي.   
كنت في احاديثي استخدم دائما مفهوم " الاحزاب المتنفذة " بدلا من مفهوم "الاحزاب الكبيرة"، لان عندي النفوذ لا يأت دلالة على عمق تيار فكري في المجتمع لهذه القوى السياسية، أو من ايمان الناس بمبادئ ورسالة الحزب المسيطر على دفة الحكم او من يملك النفوذ، فلقد كان حزب البعث العفلقي الفاشي "حزبا كبيرا" لأنه ادار شؤون العراق لاكثر من ثلاثين عاما، ومعروف جدا للقاصي والداني من اين كان يستمد البعث المجرم كل هذا النفوذ الذي بموجبه ارتكب ابشع الجرائم بحق ابناء الشعب العراقي بعربه وكرده وانتماءاته القومية الاخرى.
استرجعت وابو سكينة والحاضرين بعضا من هذه الاحاديث، وزاد ابو سكينة موجها  حديثه الى جليل بشكل مقصود :
ـ  تحلى بالروح الرياضية يا وليدي، ولا تزعل من مشاكسات ابوك، انت العاقل والفاهم،  لازم تعرف ان عالم كرة القدم مثل عالم السياسة، كل النتائج والمفاهيم متحركة.  هذه هي قوانين الحياة ، فمن يكون "كبيرا" وفي الصف الاول ، يوما ما ، لابد ان يكون "صغيرا"  ويجلس على مقاعد الاحتياط . فعندما تتغير عوامل وظروف خلق النفوذ فأن "الكبير" قد يتلاشى ليكون "مجهريا" فيسكن كتب التاريخ فقط، وعندك الحزب النازي الهتلري الذي يعتبر من اكبر الاحزاب السياسية المتنفذة في اوربا، أين هو الان؟ وأيضا عندك اسماء لاعبين كرة قدم مشهورين، كانوا مثل الاساطير ويعتبرون انفسهم مختارين وخالدين، ولكن ظروف عديدة دفعت بهم ليكونوا بين صفوف المتفرجين. أنت تعرف عن من اتحدث. انطوني شوية ماي أبرد قلبي !


79
المنبر الحر / كرة قدم وسياسة !
« في: 21:15 24/06/2018  »
الكَلامُ المُباح (163) 
كرة قدم وسياسة !
يوسف أبو الفوز
تتسارع الاحداث السياسية في بلادنا،  وتتشابك الخيوط ، في السعي لتشكيل الكتلة البرلمانية الاكبر لغرض تشكيل الحكومة القادمة، واشتعلت صفحات "فيس بوك" التي طالما سميتها "المقهى العالمي الافتراضي"، لعرض وجهات نظر واراء جريئة وعقلانية مع أو ضد التحالفات المعلنة، وهي تحتكم الى العقل وحرية الرأي،  في طرح  اراء تساهم في مراجعة مواقف وسياسات، من اجل تحالفات فاعلة وسياسة واضحة تشدد على العمل لاجل الاصلاح والتغيير في بناء دولة المواطنة، ونبذ المحاصصة الطائفية والتصدي للفساد ، وان لا تكون هذه التحالفات على حساب الاستقلالية الفكرية لاي طرف يشارك فيها. الا ان هذا لم يمنع ظهور منظرين، يبحثون عن الشهرة او لاسباب اخرى، صاروا يرسمون خارطة لمستقبل العراق ومستقبل قوى سياسية وطنية، وهم يعتقدون ان كلمة "الليبرالية" جاءت من "ليبيا"، وان ارتفاع اسعار معجون الطماطة له علاقة بثقب الاوزون. فعافت نفسي فيس بوك ومنظريه وفلاسفته، واعلنت أن الافضل ان انشر صوري مع زوجتي ونحن نأكل كباب وطرشي، على الاقل احصل على عشرات اللايكات وقلوب الحب وبعض كلمات "منور" !
 كان صديقي الصدوق ابو سكينة لاحظ كيف اني في الايام الاخيرة، امتنعت عن الخوض في الامور السياسية، ورغم كوني لست من متابعي كرة القدم الا اني صرت اعرف شيئا عن تصفيات كأس العالم لكرة القدم في موسكو  للعام 2018. وصرت اعرف اسماء بعض اللاعبين، وشاركت الجمهور العربي خيبتهم من اداء ونتائج المنتخبات العربية في اولى مبارياتها، وكل ذلك ــ عزيزي القاريء ـــ لان العديد من الأصدقاء المقربين، من حولنا، منغمرين جدا بالمتابعة وتبادل توقعات الفوز والخسارة واقحامي احيانا في احاديثهم. تتصل زوجتي هاتفيا مع زوجة جليل، وتسألها عن احوالهم، فتخبرها بأن جليل جالس في الصالة يلعب كرة قدم. وسرعان ما تزول دهشة زوجتي اذ تعرف ان جليل وهو يتابع ويشاهد اي مباراة فهو يحرك يديه ورجليه اكثر من اللاعبين في الساحة. وهكذا حين وصلت بيت ابو سكينة، وجدت موضوع كرة القدم هو الاول. قال لي ابو سكينة مازحا بشكل مفاجيء :
ــ لن اسألك عن تفجير العتاد في مدينة الثورة ، ولا عن حرق صناديق الانتخابات ، ولا عن اخر التطورات في التحالفات السياسية، اريد اعرف منك هل صحيح ما يقوله ابو جليل عنك بأنك بيدك ورقة وقلم وتسجل عدد الفاولات ؟
فاجأني بالسؤال ، لكنه ظل ساهما، متفكرا،  عندما قلت له :
ـ  اخطر الفاولات التي ستؤثر على كل النتائج ، تلك التي لن يتحدث عنها احد في صفحات فيس بوك ، والتي دائما لا ينتبه لها الحكام ولا ترصدها الشاشات !


80
المنبر الحر / ماركس أبو الكشيده !
« في: 17:34 04/06/2018  »
الكَلامُ المُباح (162) 
ماركس أبو الكشيده !
يوسف أبو الفوز
أثار انتشار خبر أقامة تمثال برونزي ضخم للمفكر كارل ماركس ( أيار 1818- 14 آذار 1883) في مدينة ترير جنوب المانيا، وهي مسقط رأسه، الكثير من التعليقات، المؤيدة والمعارضة، لكن الجميع لم يستطيعوا كون العالم، واذ يحتفل بالذكرى المئتين لميلاد هذا المفكر العظيم، انما يعترف بدوره بالأتيان بطريقة تفكير جديدة، اصبحت، بشهادة الكثيرين، التحليل الاشمل للتاريخ والواقع ومصير الراسمالية ونتائج الصراع الطبقي.
واثار الخبر انتباه سوزان أبنة جليل، فراحت تحاور والدها، واصبحت بحكم وجودي، طرفا في الحوار، بينما كان صديقي الصدوق أبو سكينة، والى جانبه ابو جليل وزوجتي، يتّسمعون لنا.
كان جليل متحمسا لضرورة ان يطلع شبيبتنا على افكار هذا المفكر العظيم، الذي عادت به ازمات الراسمالية ذاتها الى الواجهة من جديد ،بحيث ان محطة ال" بي بي سي" نظمت استفتاءا اختار ماركس ليكون " فيلسوف الالفية الثانية " الذي تشهد مكتبات العالم المتحضر اقبالا، خصوصا من قبل الشبيبة، على اقتناء كتبه والاطلاع على فكره .
وبيّن جليل أنه من بعد فشل النموذج السوفياتي لبناء الاشتراكية طبّل وفرح اعداء الاشتراكية واعتبروها نهاية الحلم الاشتراكي وموتاً لماركس ونهاية الاحزاب الشيوعية في العالم. لكنهم تناسوا بان مفكري ورواد الماركسية انفسهم يتحدثون باستمرار عن حركة الظاهرة لا سكونها، وان فريدريك إنجلز ( 18 تشرين الثاني 1820 ــ 5 آب 1895)، رفيق وصديق ماركس، تحدث مرارا عن المفاهيم التي تشيخ في الحياة وضرورة التجديد ومواكبة التطور.
 من جانبي أكدت بأن ماركس وانجلس عملا طوال اكثر من نصف قرن على تطوير النظرية التي وضعاها وذلك بالارتباط الوثيق مع كافة ظواهر عصرهما الاجتماعية، وفيما يتعلق بالحزب الشيوعي العراقي،الذي تشير وثائق مؤتمراته الى كونه يسترشد في سياسته وتنظيمه ونشاطه بالفكر الماركسي، فهو يحدد كونه حزبا ماركسيا ولكنه ايضا لا يغلق الباب امام الانفتاح على المدارس الاشتراكية الاخرى والتجارب الانسانية، فالاشتراكية بالنسبة للشيوعين العراقيين كهدف ، ليست حلما طوباويا ، بل انها مطلب جماهيري ، يعملون لاجله بنفس طويل وقدموا لاجله التضحيات وقوافل من الشهداء فهو بالاساس .. حلم انساني .
لكز أبو جليل خاصرة أبو سكينة وقال له بصوت سمعناه جميعا: يتحدثون عن صاحبك، أبو البلاوي، تتذكر يوم سجنوك من بعد انتكاسة ثورة 14 تموز، وسألك مفوض الشرطة : هل تعرف هذا؟ وكان بيده صورة ماركس. وانت قلت له ببرود : وهل يوجد واحد ما يعرفه؟ فغضب لجسارتك وبعد ان لطمك سأل: من هو؟ فقلت انت ببرود اكثر : هذا ابن محلتنا ملا عمران. فقال لك : اذا هذا ملا عمران زين وينهه كشيدته؟ انت قلت له بكل بساطة : يجوز ماخذ الصورة بالصيف !.


81
فوز رواية الكاتب الفنلندي ياني ساكسيل بالجائزة السنوية للخيال العلمي

الكاتب الفنلندي الفائز ياني ساكسيل مع الكاتب العراقي يوسف ابو الفوز .. صداقة لحوالي عقدين من الزمن
يوسف أبو الفوز ــ هلسنكي
اعلن في العاصمة الفنلندية، هلسنكي، عن فوز رواية "قافلة القيامة" للكاتب الفنلندي ياني ساكسيل بالجائزة السنوية لافضل رواية للخيال العلمي مكتوبة باللغة الفنلندية في العام 2017 . تمنح الجائزة من قبل لجنة خاصة من النقاد والصحفيين وتمنحها جمعية هلسنكي للخيال العلمي،  وانشات الجائزة عام 1968 ، وفي عام 2007 تقرراختيار خمس مرشحين يتم اختيار الفائز من بينهما.
الكاتب ياني ساكسيل من مواليد 1972 في هلسنكي، حامل شهادة الماجستير في الفلسفة، تخرج عام 2006 ، درس واهتم بالأدب العام والفولكلور والدراسات الدينية والفن والتاريخ الاجتماعي والاتصال والبحوث في أمريكا اللاتينية وروسيا . عمل سكرتيرا لصحيفة الاخبار الثقافية ، ونشط في العديد من التجمعات الثقافية، وكان لعدة دورات عضوا في الهيئة الادارية منظمة الكتاب والفنانين الفنلندية (كيلا) المعروفة كجمعية لمثقفي اليسار في نشاطها وبرامجها الثقافية وعرف بمواقفه التضامنية مع الشعب العراقي وقواه الوطنية في نضاله من اجل الديمقراطية والحرية والسعادة .
كصحفي مستقل نشر الكاتب ساكسيل مقالاته في العديد من الصحف الفنلندية ، اضافة الى العديد من الصحف العالمية . في عام 2000 فاز بجائزة اول عمل ادبي منشور لمجموعة قصصية ، واصدر عدة  كتب ما بين الرواية والقصص القصيرة تناول فيها الواقع الفنلندي ، خصوصا واقع الجماعات المهمشة في المجتمع الفنلندي ، والاسئلة التي تواجه الشباب خلال معاصرتهم لموضاعات مثل الحرب والعولمة والعنصرية ، وفي كل أعماله الادبية انتصر للانسان المهمش وللحلم الانساني بحياة كريمة وسعيدة . وتميزت بعض كتبه بكونها خليط من الواقعية والخيال ، أما رواية "قافلة يوم القيامة " الصادرة 2017، ووفقا للجنة الخبراء التي منحت الجائزة اعتبرتها، عملا ملحميا عن ماضي أوروبا ومستقبلها، وفيها" دفاع كبير عن الانسانية والعدالة الاجتماعية، وجاءت كمزيج مزيج فريد من عناصر الخيال العلمي القوية ونقاط المعاناة التاريخية الحقيقية".

 
 
 

82
المنبر الحر / فيروز وسانت ليغو
« في: 16:56 07/05/2018  »
الكَلامُ المُباح (160) 
 
فيروز وسانت ليغو
يوسف أبو الفوز
لم يكن لدي مزاج طيب في الاسابيع الماضية، وكنت أبدو ساهما وحزينا، هذا ما قاله ابو جليل، وهو يراني جالسا صامتا أكتفي بالاستماع الى الاخرين، وانا الذي عُرف عني ان صوتي عالي النبرة في مجالس الاصدقاء، بحيث ان زوجتي أحيانا تلجأ للاشارة لي بكفها لان اخفضه قليلا، حتى لا يسيء البعض فهمي، ويتصورني غاضبا كما حصل كذا مرة.
وليس في الامر سرً، في أسباب تعكر المزاج، فقد رحل تباعا العديد من الاصدقاء الاعزاء، من الاسماء البهية والطيبة، بشكل متتابع، بحيث لم يجف حبر نعي أحدهم حتى يرحل الاخر تاركين في القلب غصة وفي الروح وجعا لا شفاء منه.
حاول صديقي الصدوق أبو سكينة، ان يخرجني من دائرة الحزن، فحاول ان يزجني في نقاشات سياسية،  واذ لاحظ عدم حماسي انتقل للحديث عن ظروف الانتخابات وحملات المرشحين وما يرافق ذلك من محاولة الضحك على الناس وخداعهم لشراء ولائهم، باجراءات نالت السخرية اكثر من التأييد، وانتشر عنها الكثير من الطرائف سواء التي حصلت فعلا او اخترعها الناس.  وطلب مني ان اقرأ له ما يرسله لي الاصدقاء عادة على البريد الخاص في الماسنجر من مفارقات وقفشات تخص الاوضاع في العراق عموما والانتخابات خاصة. فقرأت له عن ذلك المرشح  الضرغام الذي زار احد القرى  ونادى على اهلها:  "ما هي مشاكلكم؟" ، فاخبره اقرب الناس له ان لديهم مشكلتين، الاولى انهم ليس عندهم كاز للتراكتوات لتعمل . قال لهم النائب : "هذه حلها عندي بسيط ". واخرج  تلفونه الموبايل وصاح بأعلى صوته :" انتم يا من تسمعوني،  فورا.. فورا يجب ان تجلبوا تنكرين كاز للقرية الفلانية بدون تاخير . نعم ولن اتسامح معكم ". انتهى من كلامة، ووضع تلفونه في جيبه والتفت وسأل "" وما هي المشكلة الثانية؟ " ، فصاح اهل القرية بصوت واحد : " من شهور لا يوجد عندنا شبكة موبايل بالقرية ". ضحك الجميع ودمعت عيون ابو جليل من الضحك ، واكتفيت بالابتسام ، ولكني سرعان ما انضممت لهم حين طلب مني ابو سكينة ان اسمعه المطربة فيروز حين لاحظ صورتها في احد رسائل الاصدقاء :"سمعنا ام زياد اذا ممكن ؟" وعلا صوت فيروز الساحر، يزرع السكينة والمحبة في الروح وكانت اغنية :
ـ تعا ولا تجي !
انتهت الاغنية ، والتفت لي ابو سكينة والحيرة في عينيه : من بعد اذن ام زياد ولا زغرا بيها .. تعال مفهومة .. لا تجي أيضا مفهومة .. بس مرة وحدة "تعال ولا تجي" ، هاي شلون تصير؟ هذا يمكن قانون سانت ليغو المعدل في الانتخابات البرلمانية  العراقية؟


83
مجداً لطبقتنا العاملة في عيدها الأممي
يوسف أبو الفوز
تحتفل العمال، في كل مكان في العالم، بعيدهم الاممي، في الاول من أيار، مستعيدين الذكرى الخالدة التي رسمها بدمائهم عمال شيكاغو عام 1886 حين تظاهروا تحت شعار " يوم عمل من ثماني ساعات فقط ".
ومن بعدها جرى ما جرى من ظهور أنظمة وزوالها وحروب وحروب،وتحقيق انتصارات وحصول انكسارات، والطبقة العاملة العالمية تواصل نضالها من اجل انتزاع المزيد من حقوقها المشروعة، فهي ادركت ،والتأريخ علمها ، ان الحقوق تنتزع بالنضال ولا توهب كمكرمة من سلطة او حاكم. ولهذا تواصل النقابات والاتحادات العمالية، وبمختلف الطرق والوسائل النضال في مواجهة قوى الرأسمال والليبرالية الجديدة وخياراتها اللانسانية، التي تحاول الالتفاف على ما تحقق من منجزات الشعوب ونضالات الطبقة العاملة في البعض من بلدان العالم المتحضر.
في العراق، كانت الطبقة العاملة العراقية، ايام العهد الملكي ،ضمن ظروفها الخاصة تبتدع  الاساليب في الاحتفال بهذا اليوم لمواصلة المطالبة بحقوقها النقابية والزيادة في الاجور وتحسين ظروف العمل والتمتع بالحريات الديمقراطية. وبعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958، نجحت  في تحويل يوم الاول من ايار، الى عيد شعبي، يشارك في الاحتفاء به ليس العمال وحدهم، وانما مختلف شرائح المجتمع العراقي، وفي ذاكرة التاريخ المسيرات المليونية الاحتفالية بهذا اليوم المجيد.
وفي عهد الانظمة الحاكمة المتعاقبة على حكم الشعب العراقي، خصوصا ، حكومات البعث الفاشي ، الاولى والثانية، انتكست احوال الطبقة العاملة، وتراجعت الحياة النقابية، وحتى حاول النظام الديكتاتوري الصدامي الغاء صفة العمال، هذا من غير انه حولهم الى وقود لحروبه المجنونة التي لم تتوقف الا بسقوطه على يد قوى الاحتلال الامريكي التي كانت سياسات نظامه الرعناء سببا أساسيا في استقدامها وغزوها العراق .
والان ، ومن بعد مسيرة ومخاض عقد ونصف، فأن العراق يعيش ازمة عامة تتعمق بأستمرار وتتجلى باشكال مختلفة،  اولها الفشل في اقامة بديل ديمقراطي حقيقي يكون سدا امام اعادة بناء نظام شمولي تحت اي ذريعة. ان الازمة البنيوية للدولة التي يعاني منها ابناء شعبنا، قادت الى ظهور حكومات المحاصصة الطائفية والاثنية، التي عانى منها كل شعبنا العراقي، وفي مقدمة ذلك ابناء طبقتنا العاملة وكادحي الشعب من ذوي الدخل المحدود .
ان الطبقة العاملة العراقية ، لن تتوقف في النضال من اجل الارتقاء بعملها النقابي، وانتزاع المزيد من حقوقها ، وان يكون لها كلمة فاصلة في احتدام الصراع بين خيارات المستقبل وتحديد شكل الدولة ، التي تضمن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية لعموم الناس وعلى اساس المواطنة.
تحية لنضالات الطبقة العاملة العراقية، وشهدائها الذين عمدوا بدمائهم المسيرة النضالية الخالدة . وتحية للعمال المناضلين وهم يواصلون الكفاح والعمل دون كلل ، حالمين بغد سعيد للجميع .. غد المواطنة والعدالة الاجتماعية.
المجد للاول من أيار عيد العمال العالمي ورمز الكفاح من اجل العدالة .
عاشت الطبقة العاملة العراقية وحركتها النقابية الديمقراطية المكافحة .
مجدا لكل شهداء الطبقة العاملة العراقية .
النصر لنضال عمال وكادحي العالم من اجل مستقبل انساني ، بلا حروب واستغلال .
*   طريق الشعب العدد 177 ليوم الاثنين 30 نيسان 2018 /  كلمة ملف طريق الشعب بمناسبة اعياد الاول من ايار 
 

 


84
صفحات مجيدة من نضالات الطبقة العاملة العراقية
أيام إضراب ومسيرة " كي ثري " البطولية
عواطف رمضان
تظل المأثرة التي سجلها عمال K3 "كي ثري" ، محطة ضخ النفط العراقي ، الى البحر الابيض المتوسط ، القريبة من مدينة حديثة، في نيسان 1948 ، صفحة مشرفة ومشرقة في تاريخ نضالات طبقتنا العاملة العراقية ، فالقرار الذي اتخذه العمال خلال اضرابهم بالتوجه بمسيرة سلمية صوب العاصمة بغداد، لمسافة تبلغ حوالي 250 كيلو متر ، يظل درسا نضاليا مشرفا، يعكس قيم التحدي والابداع في ابتكار طرق نضالية سلمية لاجل تحقيق المطاليب المشروعة. ولم يكن اضراب عمال "كي ثري" حاملا فقط زخم احداث وثبة كانون في نفس العام، وانما جاء ايضا نتيجة لنضال مستمر ومعاناة متواصلة لعمالنا الذي خرجوا بالكثير من الدروس من الاضرابات التي نفذها عمال السكك في البصرة وبغداد وموانيء البصرة  واحداث كاورباغي 1946 وغيرها، فكانت رصيدا نضاليا دافعا للعمال لابتكار اساليب نضالية اخافت الحكومات العميلة يومها.
تخبرنا الوثائق المتنوعة ، وبعض اللقاءات المنشورة مع قيادات عمالية، بانه في يوم 23 نيسان أعلن 700 عاملا من عمال ضخ النفط في محطة "كي ثري" اضرابا عن العمل، وكان منظما بحرفية عالية ، اذ شكلت لادارته لجان عمالية وزعت وتقاسمت المهام فيما بينها . فكان هناك لجان توزيع المواد الغذائية ولجان للتواصل بين مختلف منشات المحطة، واجراءات لحماية المنشآت من العبث ولحماية ارواح المشاركين في الاضراب. واحد اهم هذه اللجان ، كانت لجنة التفاوض التي راسها العامل "شنور عودة" والى جانبه المناضلون كاظم عبد الرضا، باكيف سركيس واسطيفان تريكان . كانت اللجنة القيادية للاضراب، التي تضم كوادار مجربة من قيادات الحزب الشيوعي العراقي، اكتسبوا الخبرة في نضالات مطلبية عديدة ، تعقد اجتماعاتها بشكل يومي،  وحيوية في التواصل مع جماهير المنطقة ، في القرى القريبة من موقع الاضراب ، لدعم اضراب العمال وفي التحرك لكسب تعاطف عموم جماهير الشعب وتضامن العديد من الشخصيات الوطنية ، خصوصا بعد انتشار اخبار الاضراب في عموم البلاد . كانت المفاوضات بين العمال وشركات النفط عسيرة بسبب من تزمت الجهات المسؤولة في الاستماع الى مطاليب العمال المشروعة المتعلقة بتحسين ظروف العمل والاجور والاعتراف بالحركة النقابية والتعامل معها ، فلم يتم التوصل الى نتيجة  ملموسة. وعلى العكس من ذلك ارسلت السطات قوات الشرطة الملكية التي احتلت مخيمات العمال المضربين ونصبت رشاشاتها قرب مساكن العمال وفي طرق تنقلهم لغرض ارهابهم كوسيلة لكسر عزيمتهم واضرابهم . وهنا قرر العمال ارسال مندوب عنهم الى بغداد ، ليس فقط لايصال مطاليب العمال، بل ولاجل استثارة تضامن المساندين لحركتهم من القوى الوطنية . مع تواصل استفزاز قوات الشرطة للعمال المضربين المسالمين ، قررت قيادة الاضراب دعوة العمال للتوجه بمسيرة سلمية تتوجه الى بغداد رافعين لافتة  (نحن عمال النفط قد قدمنا للمطالبة بحقوقنا المهضومة). بدأت المسيرة الراجلة يوم 13 ايار باتجاه بغداد ، استمرت ثلاث ايام ، مرورا بمدينة هيث وثم الفلوجة.  وطوال الطريق كانت جماهير القرى من الفلاحين والكادحين تهب لتحية العمال وتقديم مختلف اشكال الدعم من الطعام والشراب ، ليسهل عليهم تحمل مشاق الطريق، فارتفاع درجات الحرارة ، خصوصا منتصف النهار كان مرهقا للعمال الراجلين ، وكل ذلك كان مصحوبا بالهتافات والهوسات . وكانت المسيرة منظمة ومتماسكة وسلمية في كل ايامها ولم يستسلم العمال لاستفزاز قوات الشرطة في بعض نقاط تواجدها. وخوفا من وصول المسيرة الى بغداد، ورعب الحكومة العميلة من ان تكون شرارة لانطلاق انتفاضة شعبية جديدة ، وهذا كان متوقعا جدا ، قامت السلطات بالتمركز على جسر الفلوجة ، وقطع الطريق وايقاف المسيرة قبل وصولها بغداد . ولاجل انهاء الاضراب والمسيرة لجات الحكومة العميلة ، وبتهاون من الاحزاب الذيلية لها ، الى اعلان حالة الطواريء بذريعة حماية القوات العسكرية المتوجهة الى فلسطين.  واشار الى ذلك كتاب الرفاق زكي وسعاد خيري ( دراسات في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي 1984 / صفحة 182 ) بكون الحكومة العراقية " لم تسخدم الاحكام العرفية لحماية مؤخرة الجيش العراقي وانما لضرب الحركة الوطنية والثورية ، فمن اول يوم لاعلانها بدات الادارة العرفية  تصدر البيانات والقرارات بحظر الاجتماعات العامة ومنع الاضرابات وغلق الصحف الوطنية وغلق النقابات واعتقال قادتها وغلق النوادي ومقرات المنظمات الاجتماعية ومصادرة ممتلكاتها " . وقد نشرت جريدة "صوت الاهالي " مذكرة كامل الجادرجي الى الحكومة التي انتقد فيها اعلان الاحكام العرفية و" كونها تستغل لغير الغرض الذي اعلنت من اجله ".
 ومع مرور الايام والسنين ، بقي اضراب ومسيرة عمال "كي ثري "مثلا ملهما في دروسه  النضالية للاجيال في العمل والكفاح لاجل مستقبل سعيد وضمان حياة كريمة لكل الناس.
*    طريق الشعب العدد 177 ليوم الاثنين 30 نيسان 2018 / ملف خاص بمناسبة عيد العمال العالمي

 


85
الكَلامُ المُباح (159)
  ما بين ميشيل باشيت و"لصقة جونسون"!
يوسف أبو الفوز
خلال زيارتي الاخيرة لبيت صديقي الصدوق أبو سكينة، تفرجنا معا على فيديو تداولته وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الاليكترونية، عن الوداع المؤثر لابناء الشعب التشيلي لرئيسة الجمهورية ميشيل باشيت (مواليد 1951)، والتي غادرت المنصب رافضة طلب انصارها تعديل الدستور ليسمح لها بولاية ثانية أسوة برؤساء اخرين في بلدان العالم. فبعد أن تولت المنصب كرئيسة تشيلي التاسع والثلاثين للفترة 2014 ـ 2018، وسبق وان كانت الرئيس السابع والثلاثين للفترة 2006ـ2010، وحيث ينص دستور تشيلي في الفصل الرابع الخاص بالحكومة في المادة 25 بأن"ﻳﺒﻘﻰ رﺋﻴﺲ اﻟﺠﻤﻬﻮرﻳﺔ أرﺑﻊ ﺳﻨﻮاﺕ وﻻ ﻳﺠﻮﺯ إﻋﺎدﺓ اﻧﺘﺨﺎﺑﻪ ﻟﻔﺘﺮﺓ رﺋﺎﺳﻴﺔ ﺗﺎﻟﻴﺔ"، فأنها رفضت بشكل قطعي التدخل لتغيير الدستور والاضرار بعملية تداول السلطة، وغادرت القصر الرئاسي بحفاوة بالغة، دون ان يسجل عليها أشارة للفساد او الاثراء من خلال عملها.
كنت أحدث الحاضرين شيئا عن تاريخ هذه السيدة المناضلة، التي انضمت  للحزب الاشتراكي التشيلي، في عامها الاول كطالبة جامعية (1970)، واعتقلتها سلطات الانقلاب العسكري ومعها والدها ووالدتها عام 1973 وتعرضوا جميعا للتعذيب، واستشهد والدها تحت التعذيب. وبعد ان ساعدها اصدقائها للهرب من تشيلي تنقلت ما بين استراليا والمانيا الديمقراطية حيث واصلت دراسة الطب، وعادت من المنفى عام 1979. وفي 1995 اصبحت عضوا في اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي، ثم عضوا في المكتب السياسي. واضافة لنشاطها السياسي فهي طبيبة في الجراحة وعالمة في الوبائيات ودرست اكاديميا الاستراتجية العسكرية ضمن اهتمامها بالعلاقات المدنية العسكرية، وتقلدت مناصب وزارية مختلفة، ووصفت خلالها بالاخلاص والنزاهة. فخلال توليها مهمة وزير الصحة (2000ـ 2002) نفذت خطة اصلاح في نظام الرعاية الصحية في البلاد، وخلال توليها مهمة وزير الدفاع (2002 ــ 2004) تم الاعلان عن ان الجيش لن يتدخل في السياسة ويخرب الديمقراطية. وداعها المؤثر من قبل حشود المواطنين وسط الاناشيد والدموع ، واحساسهم بالامتنان والمحبة لها، جاء كونها عملت بأخلاص كرئيسة لكل التشيليين، وقادت ائتلافا حكوميا ضم طيفا سياسيا من اليساريين والشيوعيين. وقامت بالعديد من الاصلاحات والمنجزات وتشريع القوانين في المجالات الاجتماعية والاقتصادية لصالح الناس الفقراء وذوي الدخل المحدود وعموم المواطنين. وبذلت جهودا لمواجهة مشاكل التمايز الاجتماعي عن طريق اصلاح نظامي التعليم والصحة وتمويل هذه الاصلاحات عبر اصلاح النظام الضريبي.
قاطعني ابو سكينة هازا يده: طبعا يتظاهرون الناس، ويريدوها تجدد ولايتها، ما دام سيرتها نظيفة ومليئة بالمنجزات لصالح عموم المواطنين، ليش قابل مثل حظ الشعب العراقي، سياسي الصدفة عندنا واحدهم بس يجلس على الكرسي، اي كرسي، حتى لو في مقهى، يتحول الى الاستاذ "لصقة جونسون"،بالمناسبة تعرف هاي اللصقة؟ عساك ما تحتاج تجربها .. لانها حسب مختصين ذات تأثير وقتي ولا تقوم بمعالجة أسباب العلة.


86
المنبر الحر / جحا العراقي !
« في: 09:37 02/04/2018  »
الكَلامُ المُباح (158)
جحا العراقي !
يوسف أبو الفوز
أزعم بأنه، عبر الشبكة العنكبوتية، وبدون اتفاق مسبق، قد تشكلت أكثر من  مجموعة تتداول أهم الاخبار والتقارير وروابط الكتب الجديدة والافلام، بل وبعض النوادر والحكايات الطريفة،  وفيهم من لا يعرف او لم يقابل الكثير من اعضاء المجموعة. فحين تقوم ــ مثلا ـ بأرسال  تقرير صحفي أستهواك عن  انتشار المخدرات في المدن العراقية، الى ايميل احد اصدقائك ليطلع عليه، فيقوم بدوره ،من باب تعميم الفائدة والمعلومة، بتوزيعه الى قائمة أيميلات مجموعة من اصدقاءه، ويصدف ان بينهم صديق مشترك بينك وبينه، فيقوم هو الاخر بتوزيع المقال الى قائمة اصدقاءه، وتعود انت لتستلم المقال الذي أنت اساسا قمت  بتوزيعه.
حكيت هذا، للحاضرين ، في لقائنا في بيت الصديق الصدوق أبو سكينة، فقال أبو جليل : صحيح بيها فائدة ، بس يعني يطعمونك من لحم ثورك.
وضحكنا، ورحنا نتحدث عن بعض المفارقات، التي حكاها لنا جليل، وقال انه احيانا يستلم نفس المقال عدة مرات، مثلما حصل مؤخرا مع مقال يتحدث عن شخصية جحا في  تراث شعوب اسيا والشرق الاوسط والخلاف حول اصول ومنشأ هذه الشخصية. كنت ايضا استلمت نفس المقال، وسبق وحكيت لأبي سكينة تفاصيله، فوجدتها فرصة لاحكي للاخرين شيئا عن هذه الشخصية الطريفة، الشعبية والمشهورة عند شعوب كثيرة ، والتي تعددت اسمائها من قارة الى اخرى، ويتواصل النزاع حول اصولها، وفي كل الاحوال يتم تداول نوادره وحكاياته على طول منطقة جغرافية واسعة تمتد من هنغاريا عبورا بالهند، وصولا إلى الصين، ومن جنوب سيبيريا إلى شمال أفريقيا،  حيث تروى دائما قصصه وسخريته من الاحداث التي تجري حوله، والتي يظهر في بعضها كشخص حكيم ومغفل في آن واحد ، لكن في حكاياته دائما هناك عبرة ما وفي غاية الحكمة .
قال أبو سكينة : ليش يتم التنازع على اصوله، واضح جدا ..جدا أنه من اصول عراقية ،أليس احدى حكاياته تتحدث عن عدم اتعاضه وتعلمه من تجاربه ولا يسمع نصائح الناس؟ الم يقطع الغصن الجالس عليه، وتقولون ان هناك تمثال يصور هذه الحكاية ؟
وهذه حكاية ـ عزيزي القاريء ـ  لها تمثال في مدينة (أكسيهير) التركية ، حيث  تفيد بأن جحا قام ذات يوم بتسلق شجرة، ثم جلس على أحد الأغصان وبدأ بقطعه بواسطة منشار، رآه أحد المارة فصاح فيه متعجبا: ” أنتبه يا جحا ، ستتسبب في سقوطك لو قطعت الغصن"، لكنه تجاهل التحذير، وأكمل قطع الغصن، وبالفعل سقط جحا على الأرض، ورغم جراحه هرع إلى الرجل الذي حذره: "بما أنك قد علمت مسبقا بأنني سأسقط، فأنت إذن بإمكانك أن تخبرني أشياء اخرى ستحصل لي"!


87
84 عاما لأجل الدولة المدنية والعدالة الاجتماعية والانتماء للوطن!

يوسف أبو الفوز
حين اطلق يوسف سلمان يوسف "فهد" ( 1901 ـ 1949)، مؤسس الحزب الشيوعي العراقي، القائد الشيوعي الميداني، الذي سماه الباحث حنا بطاطو بـ " القائد الاسطورة "، صرخته الشهيرة عند لحظات تنفيذ حكم الاعدام به وبرفاقه الخالدين :
ـ الشيوعية اقوى من الموت واعلى من اعواد المشانق.
كان قد سبق ذلك، وفي معرض دفاعه عن افكاره في قاعة المحكمة، التي حكمت عليه بالاعدام ان قال :
ـ انا وطني، وحين صرت شيوعيا صرت اشعر بمسؤولية اكبر تجاه وطني.
وكان ذلك، وصار دستورا عند الشيوعيين العراقيين وانصارهم، يرددوه ويمارسوه في كل الفترات والمراحل السياسية.
هكذا وجد ابناء العراق، في هذا الحزب المناضل، العريق، حامل لقب" حزب الشهداء "، بسفره الخالد، ملاذا يظللهم بمبادئه وانتمائه الى الوطن، بغض النظر عن انتمائهم القومي والديني. فالحزب الشيوعي العراقي، وكما تثبت وثائق مؤتمره العاشر المنعقد في كانون الاول 2016 هو (تجسيد حي لوحدة نضال الشعب بقوميتيه الرئيستين العربية والكردية وقومياته الاخرى واديانه وطوائفه وهو يكافح بلا هوادة الشوفينية وضيق الافق القومي والنعرات لطائفية والعنصرية من اي مصدر كان)، وكأتحاد طوعي فلوائحه الداخلية لا تشترط سوى الانتماء الى الوطن والفكر الانساني التقدمي الحر، وهكذا فعضو الحزب الشيوعي العراقي حين يسمع تلك الاسئلة المقيتة:
ـ من اي طائفة، من اي عشيرة، من اي قومية، من ...؟
لا يجد جوابا يتلاءم مع انتمائه وارتباطه بقضية الناس ومستقبل الوطن، افضل من عبارة :
ـ انا شيوعي، مواطن عراقي !
وفي ظل السياسة الطائفية التي اتبعتها بعض القوى السياسية الطائفية، محاولة التعكز عليها لتحقيق مكاسب آنية، مضللة بذلك فئات معينة من ابناء شعبنا خلف شعارات ديماغوجية طائفية، يكون الحزب الشيوعي العراقي من الاطراف السياسية القليلة المحلقة بعيدا عن سماء الاحتقان الطائفي المقيت، وبهذا وعن جدارة واستحقاق فهو الحزب العراقي الذي يشكل وجوده ونضاله تجسيدا حيا للوحدة الوطنية العراقية.
ان الارتباط بالوطن ومصالح كادحيه، لم تكن هبة جاءت من احد، من خارج الوطن او من الجوار، ولم تأت بفتوى من قائد او هيئة حزبية، وانما هو حصيلة النضال العسير لجماهير الحزب واصدقائه والمرتبطين به فكريا وسياسيا، والذين قدموا قوافل لم تنته من الشهداء ، اختبروا فيه برامجهم وشعاراتهم، وادراكهم من كل هذا بأن شجرة الحزب لا يمكن ان تعيش وتأتي ثمارها الطيبة دون الارتباط بتربة وهواء الوطن، فتمر العراق لا يثمر دون صهد شمس الوطن.
هذا الملف تقدمه "طريق الشعب" في الذكرى 84 لتأسيس الحزب ، احتفاء بهذا السفر الخالد ، الذي صنع بهاءه مناضلون اشداء.. وتحية للشهداء الذين عمدوا بدمائهم المسيرة الخالدة .. وتحية لمناضلين يواصلون النضال ، داخل وخارج الوطن ، رغم كل المعوقات والصعوبات ، حالمين بالهدف الاسمى بوطن حر وشعب سعيد ، وطن دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية .
مجدا لكل شهداء الحزب الابطال ..
تحية لكل المناضلين من اجل الغد القادم ...
عاش الحزب الشيوعي العراقي !

( كلمة الملف الخاص الذي نشرته طريق الشعب احتفاءا بذكرى تأسيس الحزب)

88
المنبر الحر / طريق السعادة !
« في: 21:25 21/03/2018  »
الكَلامُ المُباح (157) 
طريق السعادة !
يوسف أبو الفوز
كان جليل يحدثنا عن التظاهرات الاخيرة في بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية للمطالبة بالاصلاح ومحاربة الفساد، حين اقتحمت أبنته سوزان المكان، تحمل جهاز الأي باد، وبدون انتظار راحت تقرأ علينا منه وبصوت عال خبرا عن التقرير السنوي لشبكة التنمية المستدامة، التابعة للأمم المتحدة،حول مؤشر السعادة العالمي، الذي نشرته وسائل الاعلام، والذي احتلت فيه فنلندا، المرتبة الاولى كأسعد بلد في العالم من بين 158 دولة. وان التقرير جاء حسب المعطيات التي أعتمدها في تقيمه، والتي ترتبط بنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ومستوى الرعاية الاجتماعية ومتوسط الأعمار والحريات الاجتماعية والكرم وغياب الفساد في الدولة والمجتمع. جميعنا انصتنا لسوزان، التي قالت بنبرة واضحة ان العراق جاء في التقرير في المرتبة 117، فتركنا ذلك ننظر احدنا بوجه الاخر. قال جليل: هل هناك مفاجاة في هذا؟ مع الخراب الذي قادتنا له سياسات المحاصصة الطائفية والاثنية، ماذا كنتم تنتظرون؟ هل يمكن لنا ان ننافس هذه البلدان المتقدمة والمتحضرة؟
كنت اطلعت مسبقا على الخبر بتفاصيله،وللمشاركة حكيت لهم بأن فنلندا، حتى خمسينات القرن الماضي،كانت بلدا زراعيا،لا تملك من الثروات غير غابات الاشجار ومياه البحيرات وسواحلها المطلة على بحر البلطيق، وما يدره ذلك عليها من ثروة سمكية. والاراضي الصالحة للزراعة في فنلندا محدودة، ففيها يوجد 178 الف بحيرة، وتغطي الغابات مساحة 86% من مساحة عموم البلاد، واراضيها صخرية، يضاف الى ذلك المناخ القطبي، الذي يجعل الصيف قصيرا والشتاء طويلا، والنهارات قصيرة والليل طويل. فالشمس نادرة عندهم، والمنطقة الشمالية من البلاد (منطقة لابلاند) التي تشكل 30% من مساحة البلاد، هي صحراء ثلجية وتصل درجات الحرارة فيها الى خمسين تحت الصفر، وعليه يتركز سكان فنلندا في المناطق الجنوبية. ورغم انها تعد البلاد الثامنة من حيث المساحة في أوروبا (338,424 كم مربع) الا انها أقل بلدان الاتحاد الأوروبي كثافة سكانية (16 نسمة/كم مربع). ونجح الشعب الفنلندي وبجهد ونضال، مستندا الى دستور علماني، في بناء دولة مدنية تكون المؤسسات فيها هي المسؤولة عن حماية وتوفير الرفاه الاقتصادي ويكون المواطن مساهما في تطوير المجتمع وخلق السلام والامن الاجتماعي. وهذا قاد الى ان فنلندا تحتل دائما المرتبة الاولى في العديد من مقاييس المقارنات الدولية كالشفافية والنزاهة والبيئة ومستوى التعليم وخدمات الطيران والصناعات الاليكترونية وغيرها.
صفن صديقي الصدوق ابو سكينة وقال وهو يجر حسرة طويلة: من بين 158 دولة جاء بلدنا في المرتبة 117، اوووف .. يعني اذا ردنا نصعد شوي درجة أعلى لازم أما نتعلم من تجارب هذه الشعوب، أو نبقى نرواح بمكاننا ونصدق بسياسي نص ردن يقول أنطوني هذه الشغلة مقاولة بالباطن واصعدكم أعلى .. ونرجع ننتخبه من جديد وما نعرف وين ماخذنا.


89
المنبر الحر / العنز
« في: 20:58 18/03/2018  »
الكَلامُ المُباح (156)
العنز 
يوسف أبو الفوز
الموضوع الاثير عند جليل، هذه الايام، هو متابعة مناورات بعض الاحزاب السياسية، والسياسيين، للظهور بثوب غير ثوبهم الحقيقي، الذي عرفوا به كمروجين للمحاصصة الطائفية والاثنية، ومدافعين بالتالي عن الفساد والفاسدين ان لم يكونوا هم من ضمن ذلك.
كنا منغمرين بالنقاش وكنت استعرض لهم بعض التفاصيل التي نقلتها وسائل الاعلام، حيث دب النشاط فجأة عند البعض من سياسي الغفلة، فتذكروا ان هناك شيء اسمه ابناء الشعب وقرروا التواجد بينهم، دون ان ينسوا اصطحاب حماياتهم الخاصة ومجاميع من مؤيدين مدفوع لهم جيدا، مدججين بشعارات وهتافات جاهزة، ولكن ـ عزيزي القاريء ـ ليس دائما تسلم الجرة كما يقال، فقد برز غضب وعدم رضا ابناء الشعب هنا وهناك وان كان بمظاهر فردية او بمجاميع محدودة.
ومن المطبخ، كان تصلنا بعض اصوات من جدال دائر، لاحظت انه اثار قلق جليل، لانه سمع صوت زوجته وهي تنهر مرارا أبنتها سوزان، التي فجأة اندفعت الى مجلسنا، وهي تغالب دموعها، وجثت قرب أبيها :  أمي بعدها تعاند وما تقبل، وانت وعدتني ستحكي معها؟.
حاول جليل ان يتدارك الموقف، فمسد على رأس أبنته بحنو حقيقي، وقال لها كاظماً غيضه : عزيزتي .. اعتقد الوقت غير مناسب الان، ممكن نتحدث عن الموضوع من نرجع الى بيتنا؟
ما ان انسحبت ابنته، حتى قال جليل لنا : العفو يا جماعة، هاي الاولاد ومشاكلهم، صار اسبوع وسوزان تريد تصبغ شعرها بلون أخر وأمها ترفض . 
أبتسم صديقي الصدوق أبو سكينة بتآمر، وقال موجها كلامه للجميع : فعلا مشكلة،  صحيح أنها قضية شخصية، أقصد سالفة الصبغ والعناية بالنفس و .. لكن الذي يصبغ  شعره شراح يتغير منه؟ لأن جوهره باقي نفسه وحتى ...
وفجأة علا صوت أبو جليل مقاطعا : ها يا صاحبي ، تريد ترجع لسالفة الشيب والعمر، و ..  لأن تعرفني مرات اصبغ شعري ، ويعني أتريد ...
قاطعه أبو سكينة بدوره ضاحكا وهو يغمزنا : لا يا أبو جليل، أنت ليش تصير مثل الذي يقولون "تحت أبطه عنز"، هل تعتقد أني اقصدك بكلامي؟ هاي مو مقصودة، تريد احلف لك لو أبوس راسك، ترا أنا اعرفك من قالوا بلى، يعني تصبغ أحمر ... تصبغ اصفر، تلبس بنطرون  لو نص ردن، تبقى هو أنت .. أنت.  ذاك الذي أعرفه، نفس الطاس والحمام، وخشيت بالعمرين، وتبقى تحتاج عكازة حتى تعبرك الشارع، تهدا بالرحمن ولا تحجيني اكثر .


90
في موكب الشمس

أغنية ليست أخيرة
النصير يوسف أبو الفوز

حبيب الأماني والأغاني .

حبيب لي .

لرفاقه جميعا،

لنخيل السماوة.

لجبال الوطن المعشوقة حد الموت.

اذكره ... ،

يجئ لمقهى " علي زغير " مرحا،

يتأبط " طريق الشعب " وذراع صديق جديد،

يغرقنا في ذاكرة مؤرقة بالقصائد،

يهمس لي عن عيون "سهيلة"،

يعترض على مسرح اللامعقول،

ينبه إلى صدور كتاب جديد،

وينسل إلى موعد حزبي دون استئذان .

اذكره ... ،

يقطع "أبو الستين "(1) برشاقة،

91
المنبر الحر / العنز
« في: 21:00 04/03/2018  »
الكَلامُ المُباح (156) 
العنز 
يوسف أبو الفوز
الموضوع الاثير عند جليل، هذه الايام، هو متابعة مناورات بعض الاحزاب السياسية، والسياسيين، للظهور بثوب غير ثوبهم الحقيقي، الذي عرفوا به كمروجين للمحاصصة الطائفية والاثنية، ومدافعين بالتالي عن الفساد والفاسدين ان لم يكونوا هم من ضمن ذلك.
كنا منغمرين بالنقاش وكنت استعرض لهم بعض التفاصيل التي نقلتها وسائل الاعلام، حيث دب النشاط فجأة عند البعض من سياسي الغفلة، فتذكروا ان هناك شيء اسمه ابناء الشعب وقرروا التواجد بينهم، دون ان ينسوا اصطحاب حماياتهم الخاصة ومجاميع من مؤيدين مدفوع لهم جيدا، مدججين بشعارات وهتافات جاهزة، ولكن ـ عزيزي القاريء ـ ليس دائما تسلم الجرة كما يقال، فقد برز غضب وعدم رضا ابناء الشعب هنا وهناك وان كان بمظاهر فردية او بمجاميع محدودة.
ومن المطبخ، كان تصلنا بعض اصوات من جدال دائر، لاحظت انه اثار قلق جليل، لانه سمع صوت زوجته وهي تنهر مرارا أبنتها سوزان، التي فجأة اندفعت الى مجلسنا، وهي تغالب دموعها، وجثت قرب أبيها :  أمي بعدها تعاند وما تقبل، وانت وعدتني ستحكي معها؟.
حاول جليل ان يتدارك الموقف، فمسد على رأس أبنته بحنو حقيقي، وقال لها كاظماً غيضه : عزيزتي .. اعتقد الوقت غير مناسب الان، ممكن نتحدث عن الموضوع من نرجع الى بيتنا؟
ما ان انسحبت ابنته، حتى قال جليل لنا : العفو يا جماعة، هاي الاولاد ومشاكلهم، صار اسبوع وسوزان تريد تصبغ شعرها بلون أخر وأمها ترفض . 
أبتسم صديقي الصدوق أبو سكينة بتآمر، وقال موجها كلامه للجميع : فعلا مشكلة،  صحيح أنها قضية شخصية، أقصد سالفة الصبغ والعناية بالنفس و .. لكن الذي يصبغ  شعره شراح يتغير منه؟ لأن جوهره باقي نفسه وحتى ...
وفجأة علا صوت أبو جليل مقاطعا : ها يا صاحبي ، تريد ترجع لسالفة الشيب والعمر، و ..  لأن تعرفني مرات اصبغ شعري ، ويعني أتريد ...
قاطعه أبو سكينة بدوره ضاحكا وهو يغمزنا : لا يا أبو جليل، أنت ليش تصير مثل الذي يقولون "تحت أبطه عنز"، هل تعتقد أني اقصدك بكلامي؟ هاي مو مقصودة، تريد احلف لك لو أبوس راسك، ترا أنا اعرفك من قالوا بلى، يعني تصبغ أحمر ... تصبغ اصفر، تلبس بنطرون  لو نص ردن، تبقى هو أنت .. أنت.  ذاك الذي أعرفه، نفس الطاس والحمام، وخشيت بالعمرين، وتبقى تحتاج عكازة حتى تعبرك الشارع، تهدا بالرحمن ولا تحجيني اكثر .


92
المنبر الحر / العراقي الطائر
« في: 21:14 18/02/2018  »
الكَلامُ المُباح (155) 
العراقي الطائر
يوسف أبو الفوز
حين وصل جليل وزوجته كنا مشغولين بمتابعة تقرير مصور طريف يعرضه التلفزيون عن  الاسماك الطائرة . استغربت سكينة من وجود خمسين نوعا من الاسماك التي تطير، وهي لا تعتبر طيورا وانما اسماك تستطيع القفز من الماء والطيران باستخدام زعانفها أذ تضربها بالماء بقوة وتقفز ثم تفردها فتتحول الى اجنحة تحمل اجسامها الصغيرة وتجعلها تحوم لعشر ثوان في الهواء وتعود ثانية للماء لتضرب ثانية بقوة وتقفز وهكذا. وشرح التقرير بان هذا النوع من الاسماك  يضطر لحيلة الطيران هروبا من الاعداء ، فعند اقتراب عدو منها تخرج من الماء وترتفع في الهواء على ارتفاع يصل لمتر ونصف المتر وتحوم في الهواء وتكرر طيرانها للابتعاد عن اعدائها. التقرير بين ان حيلة الاسماك للهروب من الاعداء في الماء والطيران في الهواء يقودها الى اعداء جدد ، اذ تكون مختلف انواع الطيور بأنتظارها لتصطادها، ناهيك عن الانسان الذي استطاب لحوم بعض اصناف هذه الاسماك .
ومع بدء الحديث في شؤون الساعة عرّج جليل للحديث عن التحالفات الانتخابية  في الساحة السياسية في البلاد وخروج اسماء معينة من تحالفات والانضمام لتحالفات اخرى ،وحركة التحالفات بين الكتل والأحزاب وبعض الانشقاقات ، وكل ذلك استعدادا لخوض الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في ايار المقبل. والجميع بدأ بتقديم الوعود للمواطن العراقي، بان يجعل حياته جنة على الارض .
كان جليل يكرر بأن الوعي الانتخابي عند الناس هو الكفيل بأن يفهم بأن حياته ستسمر مثلما كانت ان لم تصبح اسوأ ان لم يقم بأختيار البديل المناسب، القادر على تجاوز سياسة المحاصصة الطائفية وعلى بناء دولة مدنية ديمقراطية، وهو البديل الذي يهتم بانجاز برنامجه الانتخابي بدل الانشغال في تكرار اطلاق الوعود .
وكعادة صديقي الصدوق ابو سكينة ، بان لا يفوت شيئا الا ويربطه بالاوضاع بالعراق ، اطلق ضحكة وقال : شفتوا هذا السمك الطاير ، شكله حلو وطيرانه يفرح الروح بس  الله يكون بعونه لان حاله مثل حال المواطن العراقي، محير وعذابه ما يخلص ، هذا السمك المسكين يطير بالهواء تاكله الطيور، ينزل الى الماء تاكله الاسماك الكبيرة ، والعراقي طول هذه السنين محير، كل الذين انتخبهم لم يوفروا له الامان وشيء من الوعود التي اطلقوها، واكلوا كل حقوقه وحياته، وما عليه الان اذا يريد يعيش الا ان يختار بديل يخرجه من دوامة المحاصصة وطلايبها ، البديل الذي هو ضد المحاصصة الطائفية قولا وفعلا ، والا راح يظل طول عمره مثل هذا السمك، محير ومهددة حياته ومستقبل اطفاله ،  لا هو حاط ولا هو طاير.

 

93
أدب / أسماء
« في: 18:22 14/02/2018  »
في عيد الحب .. هذا النص ينشر لاول مرة

أسماء

                                        يوسف أبو الفوز
لوجه أمي ،
ــ دائما ــ
أرسم أستدارة رغيف خبز .
وفي ذكراكم ،
أرسم لكل وجه،
مداراً للوجع !
في ذكراكم،
تزخ الهواجس على  وجنات الأغاني ،
دمعها .
وتهمس لي الروح : كفى !
وأنا الموله بالقمر المشتهى،
بالذكرى،
الحلم،
الأسماء !
كل يوم اعبر خطوط النار،
لاحفر على أديم القلب ،
أسمائكم !
*****
مرات ..
ومرات عديدة ،
ــ يا للدهشة ! ــ
 أكاد أنسى ،
إن للعين دمعها ،
ولكم كل هذا الالق !

                                                                   كتب في موسكو   14/4/1991
 

94
بطاقات انصارية  في يوم الشهيد  *   
النصير يوسف أبو الفوز
لكل الأشياء مداراتها،
ولكل المدارات ابتداء ،
وللشهداء ــ دوما ــ مدار الدهشة والانتماء !
***
حلم
 "بشت ئاشان "
 تضيق كفوهة بندقية ،
 وتنحني كأغنية حب،
فيها أمتد الأنصار بأستقامة الحلم الشيوعي والأمنيات !
 أحلام (1)
للقلب شكل القنبلة .
وللرصاص هجس الأصابع ،
لم يعرفوا ــ ولن يعرفوا ــ أن المبادئ وقوفا عن موقعها تدافع !
 أبو حاتم (2)
الجميع قالوا لي : " لا تبك ".
وكنت أبكيك ،
 استنطق الدم في شفتيك ،
 الالق المتطامن في عينيك ،
 وصرخاتك في  بشت ئاشان  :
" اثبتوا أيها الرفاق ، أنها ساعة مصير"
الجميع قالوا لي : " لا تبك ، كان ابنا للحزب ومضى شيوعيا"

جبار (3)
في الصحف السرية التوزيع يطالعني أسمك ،
 محملا وردا ورياحين وياس،
" جبار خضير عباس " ،
 هل يعرفك كل الناس ؟
أنا أعرفك ،
 من الأيام الأولى للمحنة ،
 لم تملك سوى جذور النخل وبطاقتك الحزبية .
أيلول 1983    سهل شاره زوور

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مساهمة في ملف يوم الشهيد الشيوعي . طريق الشعب العدد 129 ليوم الأربعاء 14 شباط 2018
 *     النصوص من كتاب " تضاريس الايام في دافتر نصير " يوسف ابو الفوز .  دمشق. دار المدى 2002.
1 . احلام : "عميدة عذبي الخميسي". مواليد بغداد 1956 . طالبة في كلية الزراعة . قطعت دراستها وغادرت العراق عام 1978 أبان الحملة الارهابية للاجهزة الامنية للنظام البعثي الديكتاتوري المقبور . عادت مع زوجها الى الوطن ، الى كردستان العراق ، والتحقت بصفوف الأنصار الشيوعيين في 28 / 5 / 1982. أستشهدت في الأول من أيار 1983، على يد مسلحي الاتحاد الوطني الكردستاني، في مجزرة " بشت آشان" الأولى !
2 ــ أبو حاتم : علي حسين بدر . مواليد السماوة . ( 1947 ؟) . خريج معهد السكرتارية ــ  بغداد ، من عائلة عمالية . متزوج .  موظف في الإدارة المحلية لمحافظة المثنى ، كان رياضيا بارزا وخلال دراسته الإعدادية والجامعية كانت له مساهمات ونجاحات في لعبة القفز بالزانة . كان نشطا في العمل في صفوف اتحاد الشبيبة الديمقراطي ، وكان عضوا في مكتب سكرتارية الشبيبة لمحافظة المثنى في منتصف السبعينات ، غادر إلى بلغاريا للدراسة الحزبية ، ومن هناك التحق بكردستان ، وهو من الأنصار الأوائل والذين كان لهم شرف الريادة في تأسيس القواعد والمفارز الأولى للأنصار في 1979 . استشهد في احداث بشت ئاشان  في 2/5 /1983 وكان متواجدا هناك بمهمة  نقل بريد من منطقة الفوج التاسع  السليمانية إلى الهيئات القيادية .
3  ــ  جبار خضير عباس : الاسم الحزبي "  سلام " . مواليد السماوة 1956 . خريج اعدادية السماوة . شاعر مبدع . في نهاية السبعينات حصل على زمالة دراسية في جامعة براغ  اليوغسلافية ، لكنه عاد الى الوطن تحت ثقل مرض الحنين للوطن،  وذلك في فترة تدهور الاوضاع  الامنية ، وتصاعد الحملة الارهابية ضد كل القوى الديمقراطية في العراق ،  اعتقل في اوائل الثمانينات ، بتهمة اعادة تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي في مدينة السماوة ، ثم  اطلق سراحه ، وتم سحبه الى جبهات الحرب مع ايران ، وبعد اسابيع وبظروف غامضة اعيدت جثته الى اهله وقد ثقبت جمجمته رصاصة من الخلف. شغل لفترة في اواسط السبعينات مسؤولية سكرتير المكتب التنفيذي لاتحاد الطلبة العام ــ محافظة المثنى .

 

95
في ذكرى انقلاب 8 شباط الأسود في 1963
صورة الدم !
يوسف أبو الفوز
سنوات طويلة من طفولتي، قضيتها في بيت جدي، في محلة شعبية، في واحد من الازقة المعروفة والمشهورة في مدينة السماوة، التي تغنى الشعراء بنخيلها ، وانجبت الكثير من الكتاب والفنانين والمربين والقادة السياسيين، ومن بين صفوف فلاحيها ظهر ابطال ثورة العشرين، ومن بين صرائف فقراءها ظهر البطل الاسطورة حسن سريع . الزقاق المذكور معروف باسم "عكد اليهود "، ولمن تصعب عليه كلمة "عكد " ـ بالكاف المعجمة ـ فهي تعني زقاق. وعكد اليهود زقاق في مركز مدينة السماوة القديمة، وقريب الى نهر الفرات، ويطل على السوق المسقوف، من عند سوق الحدادين، وهو ذو مدخل واحد، فلم يكن يشهد مرور غرباء، والعوائل المقيمة فيه ومع مرور الزمن صارت مثل عائلة كبيرة واحدة . كان الطفل اذا تعثر وهو يلعب، تمتد اليه عدة ايدي في ان واحد لتنهضه، ومن يكون عنده فرح فهو فرح لكل ساكني الزقاق ، ومن تكون عنده مصيبة، فالحزن يعم بيوت كل ساكني الزقاق .
ذات يوم اضطرب كل شئ في الزقاق. كنت لا ازال طفلا، في اول سنوات المدرسة الابتدائية. ما بقي في ذاكرتي، وتعزز فيما بعد بروايات الكبار هو مشهد الدم. صورة الدم ولا غيرها.
كان نهارا مضطربا، لا يمكن ابدا نسيانه. من الصباح وفي كل الزقاق ثمة فوضى، وقلق، وبكاء، والجميع يتحركون من بيت الى اخر، والرجال يتصايحون ويدخنون بشراهة، والجميع الى جانب المذياع يستمعون الى اخر البيانات، وكلمة "انقلاب" تطوف فوق الشفاه مثل غول طالما خوفنا اهلنا بحكاياته. في بيت جدي كانت هناك ظلال من الخوف يكبر مع تقدم النهار. لم اكن ادرك سبب كل هذا الاضطراب والخوف. لم تسعفني سنوات عمري حينها لفهم ما يجري. وحتى ساعة ان تدفق العسكر الغرباء الى زقاقنا واغلقوا مداخله، وتوقفوا عند باب بيت جدي ليقتادوا خالي " علي حلو بايش "، صاحب "مكوى علي " وهو يشتم. وكان هناك اكثر من معتقل، وتعالى الصياح من اكثر من بيت. في اخر الزقاق يقيم مدرس الرياضيات، الذي على يديه درس غالبية ابناء السماوة ، وصار استاذي فيما بعد في المدرسة المتوسطة، وعلى يديه فككنا اسرار وطلاسم المعادلات الرياضية، ومنه تعلمنا ايضا اسرار معادلات الظلم والفقر والغربة داخل الوطن . المربي الرائع " حسين الغرة". ذلك اليوم ، تعالى الصياح ايضا من اخر الزقاق. الرجال المسلحين ببنادق، قيل انها قصيرة واسمها "بور سعيد"، رجال غرباء عن زقاقنا، يقودهم بعض الوجوه المعروفة لنا، بينهم وجوه مكروهة، فيما بعد حين كبرنا عرفنا انها ايضا وجوه مشبوهة بسلوكها الاجتماعي ايضا. كانوا يقتحمون البيوت عنوة، ووقف بعضهم عند باب بيت جدي، حتى بعد اعتقال خالي. فجأة ظهر مجموعة منهم من اخر الزقاق يقتادون شخصا. هالني رؤية الاستاذ حسين الغرة بين الرجال المسلحين بالبنادق القصيرة ، يقاد عنوة حافي القدمين، والدم يسيح من جبينه ويغطي وجهه، وكان احدهم يواصل ركله بينما كان هو يواصل الاحتجاج .
وسمعت يومها ربما لاول مرة بكلمة " البعث "!
وهكذا ارتبطت الكلمة بذاكرتي، وذلك اليوم بصورة الدم .
صورة الاستاذ حسين الغرة ، مدمى الوجه، بين رجال مسلحين، بقت ساطعة في ذاكرتي من بين كل صور ذلك اليوم البغيض الاسود. مع نفسي، حين احادثها، واناقش ما علق بذاكرتي من صور، أجد ان العديد من الصور، تشكلت بتأثير من حكايات اهلي، ومن خلال احاديث الاخرين، لكن صورة العسكر والدم، هي صورة اصيلة، صورة خاصة بي، هي صورة حفرتها اللحظة عميقا على سطح ذاكرة طفولتي، وحتى بعد ان كبرت كانت وفي فترات معينة تتكرر في كوابيسي. صار كلما يرد امامي اسم 8 شباط ، تسطع تلك الصورة في بالي، ويوما بعد اخر تتعزز بالكثير من التفاصيل .
كتب الكثير، وقيل الكثير، عن انقلاب 8 شباط 1963، ووصف بما يستحقه من النعوت من ضحاياه ورجال التأريخ المنصفين. واذ اعتبر قادة العفالقة ما حدث يوم 8 شباط هو "عروس الثورات" ، فهذه "العروس" صارمعروفا لابناء الشعب العراقي انها جاءت من احضان المخابرات الامريكية وبزفة في قطار امريكي. وكتب التاريخ بجرأة كلمته بمن وأدوا حلم العراقيين بجمهورية ديمقراطية، وبمن سرقوا فرح تموز. وسيكتب رجال التاريخ والباحثين المزيد من الدراسات وستكشف المزيد من الاسرار. وعلى قلوب العراقيين طرزت وبحروف من نار تلك الاسماء الخالدة، التي حاول انقلابيوا 8 شباط حجب نورها من خلال الموت، فسستبقى اسماء سلام عادل وعبد الكريم قاسم ووصفي طاهر ورفاقهم شعلة نور في سفر المجد الخالد ، وستبقى اسماء شهداء انقلاب 8 شباط الاسود اجراس ترن في ذاكرة الزمن لتشير دائما الى دائرة الدم التي بدأت في ذلك اليوم ، ونجحت في ان تكبر ، وتكبر ، لتعم العراق والمنطقة لسنوات طويلة .
سيبقى ليوم 8 شباط ورجاله معنى واحد، وصورة واحدة ، في ذاكرتي هو : الدم !
بعد سقوط نظام البعث العفلقي المجرم، صاحب حقوق ولادة ذلك العرس ـ الفضيحة، هل سيتجرأ احد لاعادة انتاج ذلك اليوم وصوره من جديد ؟
ويا ترى بأي زي ، وبأي قطار ستصل العروس المصون؟
سماوة القطب
7 شباط 2005

(الصورة لمعتقلي 8 شباط عام 1963 في سجن العمارة.يبدو فيها خالي علي حلو كتب خلفها :
ذكرى للمحبة والصداقة، الأخوين سالم داوود وعلي الحلو.
أهدي تصويري الى علي الحلو.
سالم داوود من ناحية تكليف محطة شمكر الجديد )

96
الكَلامُ المُباح (154
عَلَى الطَّرِيقَةِ ألإيِطالّية!
يوسف أبو الفوز
كررَ جَلِيل وبصوتٍ عال، غيضه واِعتراضه، على التعديلاتِ المُجحفةِ في قانونِ الإنتخابات التي أقرها مجلس النواب مؤخراً، والتي أشترطت ان يكونَ المرشح لعضوية البرلمان حاصلاً على شهادة البكالوريوس على أقل تقدي، والتغيير في طريقةِ سانت ليغو المعدل لتوزيع المقاعد بإعتماد تقسيم الأصوات بدءاً من (1,7) بخلافِ ما كانَ في القانونِ السابق حيث يبدأ التقسيم بالرقم واحد.
 قالَ جَلِيل: كشفت القوى المتنفذة عن وجهها الحقيقي عبر صياغة قوانين تُديم وجودها وتكرس نفوذها ومصالحها بالضدِ من مصالحِ الشعب.
قالت زَوجّتي : أينَ صراخ بعضّهم عبرَ الفضائيات والمنابر ومطالبتهم بالاصلاح، كل ذلك تبخرَ في يومٍ وليلة؟!
عقبت سُكينْة: يعتقدون أنهم بهذه الإجراءات يقطعون الطريق أمام القوى السياسية التي تساند الحراك الإحتجاجي الجماهيري وعارضت الفساد وتريد التغيير الحقيقي.
ومساهمة مني في الحديث ،أعربتُ عن إتفاقي معَ وجهات النظر المعترضة وأضفتُ: ومع هذه التعديلات المجحفة يسعى بعض الساسة لخداع الناس بالحديثِ بدِيماغوجِيَّة مكشوفة ضد الفساد والفاسدين،  وإستخدام شعارات براقة، بقميص مَدَنِيّ، لا بل وأستخدام كلمة " مَدَنِيّ" أحيانا بشكلٍ يفرغها من محتواها الحقيقي، بل ان بعض القوائم الإنتخابية التي ...
وهنا قاطعني صدّيقي الصَدّوق أَبُو سُكينْة ليقول بصوتٍ مليء بالسخرية: هل تقصد بحديثك قوائم إنتخابية عَلَى الطَّرِيقَةِ ألإيِطالّية ؟
وضحكتُ كثيراً قبلَ ان أفسرَ للحاضرين ما يَرمي اليه أَبُو سُكينْة، فهو يذكرني بأيام الدراسة الجامعية في البصرة في سبعينات القرن الماضي، يوم كان لدي قميص سماه أصدقائي ومن يعيشون معي في بيت الطلبة تندراً "القميص الايطالي". فبسبب من ضيقِ الحال، وإذ تعودنا على إستعارة ملابس بعضنا البعض صارت للقميص الإيطالي حضوة طيبة بين اصحابي وصار يستعيره ويلبسه أكثر من صديق. وفي أول يوم لبسته سألتني أحد الزميلات في الكلية: من أين لك هذا القميص الجميل؟ وعنّ لي ان أجيبها وبثقة بانه وصلني هدية من إيطاليا. وحقيقة الأمرــ عزيزي القاريء ـــ، التي يعرفها اصدقائي المقربين، هو اني أشتريته بثمن بخسٍ جداً من سوقِ "البالات"، وكانت أكْواعه مثقبّة، ويَاقَتة واكمامه مهترئة. وأعطيته لصديقة وزميلة خياطة شاطره، كانت تساعدنا دائما في مثل هذا الحالات، فقامت مثل كل مرة، بأعادة إنتاج القميص القديم، وتغيير أزراره، وخاطت أجزاء منه من جديد، وقلبت ياقة القميص المهترئة ودعمتها بقطعة قماش قريبة اللون وقصت أكواعه وأكمامه المهترئة وبخبرتها حولته الى قميص نص ردن،مودرن ،...، و... صدّق البعض كونه من إيطاليا!


97
أول رئيس جمهورية في فنلندا يفوز من الجولة الاولى

  يوسف ابو الفوز
في العاصمة الفنلندية، هلسنكي، وفي احد المباني التأريخية في العاصمة الذي شيد عام 1891م ليكون مقر مجلس عموم دوقية فنلندا، تم الاعلان عن نتائج الانتخابات الفنلدية الرئاسية، لاختيار رئيس البلاد، والتي كما كان متوقعا، فاز فيها رئيس الجمهورية ساولي نينستو (مواليد1948) ، لولاية ثانية لمدة ست سنوات، ومن الجولة الاولى، وهذه اول مرة تحصل في البلاد ، حيث نال 62.7% من الاصوات .
خاض الانتخابات الى جانب رئيس الجمهورية سبعة مرشحين ينتمون الى احزاب من اليسار والوسط واليمين ، ونتيجة اقرب منافسيه كان مرشح حزب الخضر بيكا هافيستو والذي نال 12.4 %، وبلغت نسبة مشاركة الناخبين 69.9 % لهذا العام مقابل 72.8% فى عام 2012 .خاض الانتخابات الى جانب رئيس الجمهورية سبعة مرشحين ينتمون الى احزاب من اليسار والوسط واليمين ، ونتيجة اقرب منافسيه كان مرشح حزب الخضر بيكا هافيستو والذي نال 12.4 %، وبلغت نسبة مشاركة الناخبين 69.9 %  لهذا العام مقابل 72.8%  فى عام 2012.
 ولم يتجاوز بقية المرشحين نسبة 10% . جاء بالمرتبة الثالثة  لورا  هتاساري  بنسبة 6.9% مرشحة الحزب اليميني المتطرف الشعبوي "فنلندا الاساس"، الذي اعتبر رئيس الحزب نتائج الانتخابات بالنسبة له كارثية ، اذ ان حزبه كان يطمح بأن تنال مرشحتهم اصواتا كافية تؤهلها للاشتراك في جولة ثانية.
واشار المراقبون الى ان رئيس الجمهورية ساولي نينستو نجح في حملته الانتخابية بتقديم نفسه بصورة السياسي المعتدل والزوج الآمن القادر على التعامل مع الجارة روسيا، ويذكر ان رئيس الجمهورية متزوج من شاعرة فنلندية يكبرها ب 29 عاما و ينتظران الان طفلا ، واخذت قصة الطفل القادم  مساحة واسعة خلال الحملة الانتخابية لتخلق له صورة محببة عند الناخبين .
 وساولي نينستو هو محامي تخرج من جامعة توركو و قد شغل عدة حقائب وزارية ، ورئاسة الوزراء والبرلمان الفنلندي، قبل توليه رئاسة الجمهورية في 1 اذار 2012 . وهو احد اعمدة حزب الائتلاف الوطني الفنلندي (يمين تقليدي) ، وبأسم حزبه تولى العديد من المسؤليات في الدولة الفنلندية ،  لكنه في هذه الانتخابات شاء دخولها كمرشح مستقل ينتمي الى ما سماه التيار الوطني، وكان لهذا اسبابه، اولها تمييز موقفه عن حزبه المؤيد لانضمام فنلندا لحلف الناتو ، بينما يعتبر ساولي نينستو من مهندسي سياسة "الباب المفتوح " في العلاقة من الناتو والتي تتلخص بعدم الانضمام الى حلف الناتو ، ولكن عدم غلق الباب وامكانية التعاون المشترك، وهذا الموقف الى حد ما ينال رضا الجار الروسي، الذي عبرت عنه اللقاءات المتكررة والزيارات الودية بين نيستو وفلاديمير بوتين، التي اعتبرت دعما غير مباشرا لنينستو في الانتخابات الرئاسية ، الذي في لفتة ربما محسوبة، جامل الصحفيين الروس في اول مؤتمر صحفي له بجمل روسية متقطعة. ونتائج الاستطلاعات تشير الى ان اربعة من كل خمسة فنلنديين يعارضون انضمام فنلندا لحزب الناتو، وهذا الذي جعل الناخب الفنلندي يعاقب مرشح حزب "الشعب السويدي في فنلندا" فنال اقل الاصوات كونه المرشح الوحيد الذي ينادي بالانضمم لحلف الناتو ، مما جعل الانتخابات الرئاسية تكون كأعلان واضح لموقف الشعب الفنلندي من حزب الناتو، وهذا الذي اشارت له مرشحة حزب اتحاد اليسار التي قالت بأن فوز رئيس مؤيد للسلام وضد الناتو يرضيها. ويأتي فوز نينستو اعلانا بقبول الناخب الفنلندي بطريقته في الحفاظ على علاقات متوازنة مع الجيران ، وكون فنلندا على الصعيد الاوربي، لعبت بنجاح دور الوسيط في استقرار العلاقات مع روسيا ، خلال الازمة الاوكرانية ، ومع تركيا لتوقيع اتفاقيات خاصة بأزمة اللاجئين .   
وفي الواقع لم يجد الناخب الفنلندي نفسه في حيرة كبيرة ،  الى درجة ان جريدة النييورك تايمز وصفت الانتخابات الرئاسية الفنلندية كونها "انتخابات مملة "، فلم تكن المنافسة شديدة ، وكل الاستطلاعات المبكرة كانت تتوقع فوز نينستو من الجولة الاولى،  فخلال الحملة الانتخابية ورغم تعدد المرشحين الا ان البرامج كانت متقاربة ، فسبعة من المرشحين كانوا ضد انضمام فنلندا لحلف الناتو، ولم تكن الحوارات في المناظرات التلفزيونية حامية ، وكان مرشحي احزاب الوسط واليمين المعتدل يتحدثون بعقلانية أحيانا افضل من مرشحي اليسار( حزب الخضر، الديمقراطي الاجاتماعي ، اتحاد اليسار) ، الذي يم يكونوا فاعلين خصوصا في الحديث عن ملفات مهمة تتعلق بسياسة الحكومة اليمينية الحالية وموقفها من العاطلين عن العمل والهجرة واللجوء.
ما يمكن الاشارة له هنا ان وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورا فاعلا في الحملة الانتخابية،  واستخدمت عوامل اخرى خارج اللوائح السياسية، مثلا  انتظار الرئيس انتظار  نينستو وزوجته  لولادة طفل ، حيث  نالت اهتمام قطاع واسع من الناخبين. وفي اول تصريحاته بعد اعلان فوزه قال الرئيس الفنلندي بانه لم يكن يتوقع هذه النتيجة ، وانه ممتن للناخبين ، وسعيد ليكون رئيسا لبلد جميل مثل فنلندا ، وردا على تشكيك بالبعض بأن هذا الفوز السهل قد يكون مسيئا للعملية الديمقراطية ، قال بأن الانتخابات جاءت وفقا لمباديء الدستور والقانون الفنلندي .

98
أسماء وأتجاهات في السينما الفنلندية
يوسف ابو الفوز
تشير الاحصاءات الرسمية، في نشريات الجهات المهتمة بصناعة السينما في فنلندا، الى انه في فنلندا يتم سنويا انتاج 12 ــ 15 فيلما سينمائيا، وهذا الرقم يعتبر عاليا قياسا لعدد سكان فنلندا الذي يبلغ 5,5 ملايين نسمة، وذلك لان سوق الافلام الفنلندي تغطيه افلام اوربية مستوردة وخصوصا من الولايات المتحدة الامريكية، ولذلك فأن ما ينتج من الافلام الفنلندية ، في غالبيته، لايزال سوقه داخلي، وبسبب من هذه المنافسة فان الفلم الفنلندي يعاني من شدة التنافس وايضا عدم القدرة على التنافس، فاغلب موضوعات الفلم الفنلندي، ولسنوات طويلة كانت محدودة، وظلت تدور في موضوع الحرب الاهلية عام 1918 وحرب الاستمرار (1941 ـ 1944) وموضوعات كوميدية، وافلام تدخل في سياق موجة الافلام الامريكية التجارية ذات الخلطة من مطاردات وعنف وجنس. ولم  يتسن للسينما الفنلندية ان تخرج كثيرا للمهرجانات الا في فترة متأخرة وبجهد فردي من اسماء محدودة لمخرجين مخلصين للسينما والثقافة الفنلندية .
ويشير باحثون الى ان ظهور التلفزيون وانتشار اجهزة الفيديو كان له تاثير على سوق السينما المحلية، خصوصا في الخمسينات من القرن الماضي، وأثر بشكل كبير على ارقام الانتاج بل وعلى نوعية الافلام المنتجة التي راح بعضها يساير الموجات الهوليودية السائدة. ان الدعم الحقيقي من قبل الدولة للسينما الفنلندية جاء في بداية 1960، اذ تم تأسيس صندوق السينما الفنلندية بميزانية دعم من الدولة. هذا الصندوق لايقوم بانتاج الافلام بنفسه وانما يقدم الدعم المالي والفني. ساعد ذلك على  ظهور حركة ما سمي بالموجة الفنلندية الجديدة، حيث بدات موجة من الافلام الجادة تقترب من العالمية، وبعضها سعى للوصول الى السوق العالمية عبر الاشتراك بالمهرجانات الاوربية. نذكر على سبيل المثال فلم (الارض ... الاغنية المحرمة 1973) للمخرج راوني  مولبيرغ (1929 ــ 2007) والذي يعتبر  من المخرجين المشهورين في فنلندا ، فلمه هذا  حصل على اهتمام عالمي وبعد فترة صمت طويلة عاد الى الواجهة من جديد بفلمه الثاني ( الجندي المجهول 1985)، وهذا الفيلم عن قصة للكاتب الفنلندي الشهير فاينو لينا (1920 - 1992) الذي يرويها من وجهة نظر الجنود العاديين، وقد اخرجت للسينما أكثر من مرة على يد اكثر من مخرج. وتتناول هذه الرواية ما يسمى "حرب الاستمرار" بين فنلندا والاتحاد السوفياتي، وكانت استمرت من 25 حزيران 1941 حتى 19 ايلول 1944، وارادت فنلندا، المتحالفة حينها مع النظام الهتلري، استعادت اراضي كان الاتحاد السوفياتي احتلها في هجوم أستباقي. يذكر ان النسخة الاولى من فيلم الجندي المجهول كانت اخرجت عام 1955 بأدارة أدفين لايني (1905–1989)، وعاد أكو لوهيميس (مواليد 1986) عام 2017 لاخراج النسخة الثالثة من الفيلم بمؤثرات حديثة كمحاولة للاقتراب من السوق العالمية، ومن الجدير بالذكر انه ومنذ عام 2000، وسنويا، تبث قنوات التلفزون الفنلندي هذا الفيلم، بنسخه المختلفة، وذلك في يوم استقلال فنلندا، المصادف في 6 / 12 / 1917.
ومنذ بداية الثمانينات في القرن الماضي، توقف عن العمل تماما مخرجون مثل يورن دونير (مواليد 1933)، وهو منتج ومخرج وكاتب وناقد فنلندي، من القومية السويدية ، ورغم انه من عائلة غنية ومعروفة كثيرا في فنلندا، الا ان اعتناقه الافكار اليسارية في فترة شبابه ترك تاثيرا على كتاباته وافلامه. وتميز بغزارته في الانتاج، فله تقريبا اربعين عملا ادبيا منشورا، وحاز دونير عام 1985على جائزة فنلنديا في الادب عن روايته (الاب والابن)، وهي ارفع جائزة رسمية ، ويعتبر اول فنلندي يحوز الاوسكار عام 1982 وذلك لانتاجه الفيلم الدرامي السويدي "فاني وأليكسندر" من اخراج السويدي انغمار بيرغمان (1918 ـ 2007) الذي حصد اربع جوائز اوسكار منها جائزة افضل فيلم بلغة اجنبية اضافة لأفضل تصميم إنتاج ،لأفضل تصميم أزياء  ولأفضل تصوير سينمائي. واخرج دونير بنفسه اول افلامه الروائية" الاحد في سبتمبر" عام 1963  وتلا ذلك بحوالي 24 فيلما اخر بعضها يستند الى اعماله الادبية، وثم اشتغل في السياسة واصبح نائبا في البرلمان الفنلندي لثلاث دورات برلمانية، اعتبارا من عام 1987 ثم البرلمان الاوربي (1996 ـ 1999) وعمل في السلك الدبلوماسي (1995 ـ 1996) ، لكنه ترك السياسة عام 2015  وتحول الى الانتاج السينمائي والادبي. وتوقف عن العمل ايضا مخرجون اخرون لاسباب مختلفة، مثل ايركو كيفاكوسكي  (1936 ـ 2005) وماونو كوركفارا (1926) ، ومع نهاية الثمانينات مات بعض اشهر مخرجي السينما الفنلندية مثل ريستو يارفا (1943 ـ 1977) ، ميكو نيسكانين (1929 ـ 1990) و هيكي بارتانين (1942 ـ 1990).وكل هذا ترك اثره على ساحة العمل الفني والسينمائي شيئا ما، الا أن الانتاج السينمائي لم يتوقف، اذ شهدت الثمانينات من القرن الماضي وبشكل ساطع ولادة جيل جديد من المخرجين . يتصدرهم الاخوين كاوريسماكي: ميكا كاوريسماكي (مواليد 1955) واكي كاوريسماكي (مواليد 1957)، الذين تميزا بكتابة افلامهما بانفسهما واخراجها بشكل مشترك او على انفراد، وخلقا افلاما متميزة، اذ كان ابطالهما الناس البسطاء من العمال والعاطلين عن العمل، وحافظا في حياتهم العامة على التصاقهم بما يقوله ابطالهم  بمواقف حياتية اذ ظلا يترفعان عن حضور المجالس الرسمية لرجالات الدولة والسياسيين، وادانا السياسة الامريكية في الشرق الاوسط وغزو العراق والعولمة الراسمالية والحركات العنصرية، وخرجا بافلامهما الى مهرجانات عالمية، فمشاركتهما في المهرجانات العالمية خرجت بالفلم الفنلندي الى العالم،  وهما معروفان ليس في اوربا فقط بل في امريكا واليابان.  كان اول افلامهم (الكاذب 1981) و(المفلسون 1982) والتي كتبهما اكي كاوريسماكي واخرجها  ميكا كاوريسماكي، وبافلامهما التي اشتركا فيها معا، أو عملاها على انفراد، حاولا التأسيس للموجة الجديدة في السينما الفنلندية، ومنحها  الفرصة لتتنفس هواءا جديدا، فهما الى جانب اعتمادهما ميزانيات محدودة، تناولا موضوعات شائكة تهم المجتمع الفنلندي وتناولاها برؤية سينمائية واقعية جادة ومتميزة . والى جانب ذلك فان تعاملهم وبحساسية عالية مع الكاميرا جعل من اعمالهما دوما تحسب في خانة الافلام المتميزة بجودتها الفنية، وشئ يحسب لهما دائما ، انهما قدما صورة الانسان الاجنبي، والملون خاصة، بشكل مخالف لما اعتادته السينما الفنلندية التقليدية، حيث دائما نرى الافارقة خدما للرجل الابيض، والغجر دائما سراق ومحتالين والروس دائما من رجال المافيا وهكذا،أما الاخوة كاوريسماكي  قدما  وجهة نظرهما الموضوعية واحيانا بلقطات قصيرة معبرة، وكأنها برقية اعلان عن وثيقة، فقدما من اخراج ميكا قصة عن الجريمة في فيلم (الزمرة 1984) وفلما عن السباقات ( روز 1985) وفلما كوميديا  (جا ... جا ... جا 1989) وفلما عن افراد العصابات التقليدية (هلسنكي ــ نابولي : طول الليل 1987) وفلم (الامازون 1990)، وقد تميز الاخ الاصغر أكي كاوريسماكي بكونه ميالا للكوميديا السوداء والجرأة في النقد الاجتماعي للتفاوت الطبقي، هكذا قدم من كتابته واخراجه فيلم ( ظلال في الجنة 1986) وقدم فيلم (أريل 1988) وفيلم (فتاة لعبة  النصر1990) وكان أكي قد بدأ مسيرته الاخراجية مع اقتباس عن الكاتب الروسي فيدور ديستيويفسكي فقدم برؤية معاصرة فيلم ( الجريمة والعقاب  1983) وبنفس المنحى  اقتبس عن شكسبير وقدم (هاملت رجل اعمال 1987) وثم تنقل خارج فنلندا وقدم اعمالا عديدة ، من خلالها خلق له اسما في الاوساط الفنية العالمية وعرف العالم بالسينما الفنلندية،  ففي امريكا وبالاشتراك مع الفرقة الموسيقية الساخرة والانتقادية (لينيغراد كاوبي)، التي ظهرت في بداية الثمانينات، قدم فلم ( لينغراد كابوي في امريكا 1989) وانتجه في امريكا وحاول فيه ان يقدم رؤية ساخرة للحياة الامريكية،  وثم انتقل الى بريطانيا ومن لندن قدم فلما ممتعا عن الحب  (سمعت بأتفاق للموت 1990) ومن باريس قدم ( حياة بوهيمي 1992) ثم قفل عائدا الى فنلندا والى موضوعاته الطبقية وتفاصيل الحياة الفنلندية، فقدم (تاتيانا، انتبهي الى وشاحك 1994) وثم (الغيوم المندفعة 1996)، وتوالت افلامه ، فرشح عام 2002  فيلمه (رجل بدون ماض) لجائزة الاوسكار عن فئة الافلام الناطقة بلغة اجنبية ، وثم في مهرجان كان السينمائي 2002 فاز الفيلم بجائزة لجنة التحكيم ، وفازت ممثلة الفيلم كاتي أوتينن (مواليد 1961) بجائزة افضل ممثلة لدور نسائي رئيسي . والفيلم دراما كوميدية ، عن رجل فنلندي يسافر يبحث عن عمل في العاصمة،هلسنكي، فيتعرض للاعتداء ويفقد ذاكرته ويجد نفسه بين مجموعة من الناس المهمشين في المجتمع ويتعرف الى امراة فنلندية تتطور علاقته بها مع احداث الفيلم ، وايضا تم اختيار الفيلم من قبل اسبوعية "Telerama" الفرنسية وهي مجلة ثقافية مختصة بالاعمال الفنية تأسست عام 1947 ،كواحد من افضل عشرة افلام لعام 2002 .وفي عام 2016، وفي مهرجان برلين السينمائي، فاز فيلمه (الجانب الاخر من الامل) بجائزة بجائزة الدب الفضي لافضل مخرج ، وفي مهرجان دبلن نفس العام، نال ممثله الشاب السوري شيروان حاجي (1985 مواليد ) جائزة افضل ممثل . والفيلم ، كوميديا سوداء عن موجة اللجوء الى اوربا ، والصعوبات التي يواجهها طالبي اللجوء من سوريا والعراق في فنلندا، واسند المخرج في الفيلم الادوار الرئيسة والثانوية الى مهاجرين ولاجئين من سوريا والعراق فمنح الفيلم صدقية عالية. ومن مهرجان برلين فاجأ اكي كاوريسماكي الجميع ، باعلانه اعتزال العمل في السينما وان هذا الفيلم سيكون اخر اعماله .
ومن ابرز الاسماء التي سارت بالتوازي مع افكار واسلوب الاخوين كاورسماكي يأتي المخرج فايكو التونين (مواليد 1955) الذي ومن انتاج الاخوين كاورسماكي قدم فلمه الاول (التسوية النهائية 1987) ، واشترك معه اكي كاوريسماكي في كتابة السيناريو ، عن صديقين يشتركان في عملية سرقة ، يهرب احدهما ويصاب الاخر بمواجهة مع الشرطة ويلقي القبض عليه ويرفض الاعتراف على شريكه ويدخل السجن، بعد الافراج عنه يلتقي بشريكه وقد اصبح عمدة لمدينة صغيرة،  لكن نجاحه الحقيقي والباهر كان مع فلمه الثاني ( ابن المبذر 1992) والذي تناول فيه علاقة صداقة بين رجلين ، محتال وطبيب نفسي ، ومن خلالها قدم تشريحا عميقا لواقع المجتمع الفنلندي، وكان فلما مشحونا بالتوتر والعاطفة. وبنفس التوتر والشحنات العاطفية قدم (صلاة الراهب 1993 ) حيث تناول مشكلة البطالة واثارها على المجتمع الفنلندي. ايضا يمكن الحديث عن  ماركو بولونين (مواليد 1957)  الذي عاد بافلامه الى مرابع طفولته، منطقة كاريليا الشمالية وعن طفولته وعن الفلكلور ، والهجرات من هذه المنطقة وتاثيرات الحرب ، ويذكر انه بعد الحرب العالمية الثانية وبسبب من اشتراك فنلندا الى جانب المانيا الهتلرية في الحرب، وبقرار محاكم الحلفاء المنتصرون، فقدت فنلندا، لصالح الاتحاد السوفياتي، تقريبا 12 % من اراضيها وتدخل في قوام ذلك اجزاء كبيرة من منطقة كاريليا. في عام 1995 قدم  بولونين فلم ( الزواج الاخير ) لتتشابك في فيلمه المعاناة الانسانية مع الحنين والموسيقى بالطبيعة والحلم الانساني بالواقع الثقيل الاقدام، مازجا ماهو مأسوي بما هو كوميدي برؤية تتسم بالشفافية والعمق .
 يمكن القول ان جيلا جديدا من السينمائيين،  ولج عالم السينما الفنلندية، وساعد على اعادة اكتشاف موضوعة من يعيش على الهامش، خارج السائد، الى جانب معالجة موضوعة الجذور والتاريخ بروح نقدية وكسر المالوف. فظهرت افلام عن حياة الشباب وافلام تعيد محاكمة التاريخ الفنلندي ، وكلها تحاول ان تخرج بالسينما الفنلندية من سوقها المحلي الى العالمية .



99
تعازٍ ومواساة برحيل الرفيق  (أبو الندى)

ببالغ الاسى والحزن ننعى رفيقنا المناضل الشيوعي، والنصير البطل، الرفيق ابو الندى (فالح عبد الحسن عبد علي) الذي توفي في العاصمة النرويجية اوسلوا في 21/1/ 2018 من بعد صراع مع مرض عضال .
عرفنا ابو الندى مناضلا شيوعيا ملتصقا بمبادئه وحالما بمستقبل سعيد لشعبه ولوطنه، ولاجل تحقيق الحلم قدم قصارى جهده في العمل المتفاني، فعانى من مضايقات وعسف النظام البعثي المقبور، ولم ينحن لهم واضطر نهاية سبعينات القرن الماضي، لمغادرة الوطن ليختار ساحة نضال اخرى، فالتحق بصفوف قوات الانصار الشيوعيين (البيشمه رگة)، ليساهم في حركة الكفاح المسلح حتى عمليات الانفال المشؤومة في نهاية الثمانيات، واضطر الى اللجوء الى النرويج، وهناك واصل بكل تفان في تأسيس منظمة الحزب الشيوعي العراقي، ومثلها في العديد من الفعاليات الحزبية، حيث عرفه رفاقه محاورا ماهرا، ذو اخلاق دمثة، يحترم وجهات نظر الاخر مهما اختلف معه، وايضا كان ناشطا بارزا في تنسيقية التيار الديمقراطي العراقي في النرويج .
ان رحيل ابو الندى يشكل خسارة لكل من عرفه من المناضلين، وهز رحيله محبيه ورفاقه،  ونقدم هنا التعازي الحارة الى العزيزة ام الندى ولابنتيه ندى ويارا، والى افراد عائلته في العراق ولكل محبيه ورفاقه داخل وخارج الوطن، متمنين للجميع الصبر والسلوان .
هلسنكي 22 /1/2018
منظمة الحزب الشيوعي العراقي في  فنلندا
منظمة الحزب الشيوعي الكردستاني ـ العراق /  فنلندا
رابطة الانصار الشيوعيين العراقيين في فنلندا

100
رفيقنا الغالي أبو الندى .. معنا دائماً



 
يوسف ابو الفوز
بحزن كبير بلغنا نبأ رحيل الرفيق العزيز أبو الندى ـ فلاح علي (فالح  عبد الحسن عبد علي مواليد الديوانية)، النصير والمناضل، الذي عرفناه ملتصقاً بمبادئه بصدق كبير وأمل متواصل بوطن حر وشعب سعيد. وكان الرفيق محاورأ كبير القلب، يجيد التعامل مع من يختلف معه في الرأي بدون ان يفسد علاقته الودية مع الاخر.
عرفته شخصيا في ايام الكفاح المسلح، مقاتلا ضمن انصار الفوج الاول للحزب الشيوعي العراقي، في منطقة بهدينان، ومنذ تلك الايام البهية، عشت شخصيا معه في محطات نضالية مختلفة، وحضرنا معا فعاليات حزبية وسياسية عديدة، وكنا مهما اختلفنا في الرأي، لم أجد ان ذلك يؤثر على طيبته وهدوئه واحترامه للاخرين . ولم يعتذر يوما عن انجاز مهمة توكل اليه، وكان يكابر ويبذل قصارى جهده رغم ان جسده يخذله احيانا.
في احداث معارك كانون الثاني 1987 في الفوج الاول، اذ خاض انصار الحزب الشيوعي العراقي معارك ضارية، وعلى عدة محاور، وفي ظل ظروف جوية قاسية، ضد الحملة العسكرية الشرسة التي شنتها قوات النظام الديكتاتوري المقبور، على مناطق نشاط أنصار الفوج الأول (الحزب الشيوعي العراقي)، ومناطق لجنتي عقرة والشيخان لمقاتلي (الحزب الديمقراطي الكردستاني)، وسكان القرى في المنطقة المجاورة لمقرات مقاتلي الأحزاب، حيث زجت فيها السلطات بوحدات عسكرية مدرعة من الجيش والجحوش، وساهم فيها الطيران الحربي والهليكوبتر،وأبدى الأنصار آيات من البطولة والمقاومة والصمود والبذل، وكانت أياما أسطورية، حافلة بالمجد، غدت أحاديث جماهير قرى المنطقة ونسجت عنها حكايات كثيرة !. كان النصير ابو الندى معنا، واحدا من الانصار الذي سطروا ايات المجد والصمود والتحمل. وفي معركة شرق كانيكا (عند ناحية اتروش في الايام 5 ـ 6 / 1 / 1987)، في نفس الاحداث وضمن مفرزة من اثني عشر نصيرا، حيث كانت القلعة محور الهجوم الاول والشرس... كان ابو الندى معنا.
وفي أيام "حصارالعكنبوت" التي عاشها الانصار الابطال، في " سلسلة جبال كارة" المعروفة بوعورتها وقسوتها، ولاكثر من شهر، صيف 1988، حيث واجهوا العطش والجوع منقطعين عن اي اتصال مع العالم ... كان ابو الندى معنا.
وفي مخيمات الحجز والعزل الايرانية، التي وصلها الانصار بعد كسر الحصار، وسياسة الاهمال التي عاشوها من قبل السلطات المعنية ، حيث تساقط الثلج عليهم وهم في الخيم ووسط محنة البحث عن طرق للخروج من ايران ... كان ابو الندى معنا.
وفي المؤتمرات الحزبية والانصارية، وفي ساعات السجال والجدل حول كثير من المواضيع، ولاجل ايجاد الافضل وتجاوز ما عفى عليه الدهر من أليات عمل، وايجاد صيغ أكثر ديمقراطية  في العمل الحزبي والسياسي ... كان ابو الندى معنا.
هاتفني يوما فرحا، حين نشرت لنا مجلة "رسالة العراق"، الصادرة من لندن قبل سقوط النظام الديكتاتوري، مقالين في صفحتين متجاورتين، وهو يضحك، بصوته المتهدج، كوننا جيران في صحافة الحزب ايضا.
غادرنا الغالي ابو الندى، لكن ابتسامته الوديعه وضحكته الخافتة ونظرته الذكية ومبادئه التي عاش وعمل بجد لاجلها ستظل حية معنا .
اقدم التعازي الحارة لعائلة الرفيق، أم الندى، وابنتيه " ندى ويارا " ولعائلته في العراق ولجميع أصدقاء الرفيق الراحل.
نم قرير العين رفيقي ابو الندى .. مثلك لا يغادرون .
هلسنكي     22 / 1/ 2018

101
الذكرى 31 لأحداث كانون الثاني 1987 في منطقة بهدينان*
هناك ... شرق " كاني كه " ! (1)
النصير يوسف أبو الفوز

تنويه للقاريء الكريم من الكاتب :
المادة من كتاب (تضاريس الايام ـ المدى 2002 دمشق) سبق ونشرت قبل عدة سنوات، على بعض مواقع الانترنيت، ويعاد نشرها الان من اجل توفير الفرصة لمن لم يطلع عليها لمعرفة اجواء حياة الانصار الشيوعيين، وايضا لاعادة استذكار احداثها والاسماء البهية الواردة فيها .

لحظة الرثاء ،
غادرني الحزن والدمع والمخاوف .
وحدها القصائد خضراء سكنت روحي ،
فاستفزت التوهج ! (2)
1
لي في الصداقات النبيلة ، قصيدة اسمها أنت ِ .
وأنت ِ أميرة الذكرى ،
جراح السنين ،
خلاصة الخيبات .
امرأة صمتي المنتهك باتهام العشيرة ،
وقلقي المضمخ بمرارة حزنك .
وأنا المداهم بالامل حينا ،
بالمخاوف حينا ،
وبك في كل لحظة !
ما اخترت غيرك امرأة لقصائدي ،
رغم أحزاني ووحشة هواجسي .
كنت معي ،
دوما معي ،
في استدارات العواطف والعواصف ،
في وحشة المنفى ،
في زهو الجبل،
في التماعات البنادق ،
في ابتداءات الأغاني والمطر !
كنت معي ،
في شرق كاني كه معي ،
وجهك يأتيني مخضبا بالدمــ ... ع ،
وصوتك مكابرا :
ــ " كيف نسيتني ،
يا وتر الأحزان ،
يا نزق الطفولة ،
كيف ... ؟ "
كنت ِ معي في شرق كاني كه !
ــ " إذن ... شدني إلى صدرك ،
إلى قوس حزنك ،
واطلقني مرتين .
مرة إلى حفنة امان ،
وأخرى إلى فجر الصداقات النبيلة ،
وسأنتظر ! "
أنتظري ...
" انتظري ما شئت ،
وعند اللزوم ، إن شئت موتي " (3)
ولكن عليك أن تعرفي :
من الدمع والنار والدم أش فاض الصخر وشجرا
وبشرق كاني كه ، شلي حصل وشجرا
وشلون واحدنه يموت ، وهو واكف مثل شجرا
وصوته يظل للابد ... بيرغ يرف للمجد !
2
هناك ... شرق كاني كه ،
كان عصفور الأماني ،
منخوبا بزخات الهواجس .
كان الرصاص يبني للمخاوف مظلة من ريش القلب ،
وكان الثلج ينهمر.
كان الــ " ره به نوك " (4) ينهمر...
وكان الشيوعيون ، أغصان الطفولة ،
يمدون على الصخر ظلالا من صبوة العشاق .
متربة بالحزن ،
بهم الناس ،
بالبارود ،
هذي الوجوه ،
ومتألقة بنجوى الأغاني والحنين :
ــ " هيه ... هيه ، شطيب العشك ، وشحلوه ساعاته ! " (5)
كان " سالم ر ش " بين القصف يغني .
يا هذا المضاع ،
لم تضيع ،
قلبك عصي على التلمس وتلك الراحلة ،
لك عندها انكفاء الدمع وعذابات صغيرة ،
ولك وحدك كل ما تشتهيه السفائن في مرافئ لم تصلها .
وكان " ياسين " (6) هناك .
وياسين محتشدا بالرصاص ،
العشق ،
الطموحات الكبيرة ،
ليس إلا فتى واسع العينين ،
شاعر" يغني رغم الحزن " (7) .
فتى لاحلام الأماني ،
الصبايا ،
نخل العراق ،
ورق الرسائل والقصائد .
في عيون الــ " فيافي " تضئ هواجسه .
وعلى وسن عينيه " وسن " (8) قصيدة .
لضحكته نزق الرسائل ،
ولكفيه رائحة الأماني .
وكان هناك كثيرون ...
وكنت أنا !
أنا المداهم بالامل حينا ،
بالمخاوف حينا ،
وبالأميرة في كل لحظة .
لي عندها استدارات العواطف والعواصف ،
هجس الأصابع والعصافير ،
حد الجرح والسكين ،
وامان صغيرة !
وكان " جنان " !
زهو البنادق حين تمنح العصفور جنحيه وعشه .
" به نده وايه " تنهض في عينيه نرجسة ،
وبين أصابعه تمتد أشرطة الرصاص ،
ضفائر " هبه " وخيوط طائرات الورق !
وهناك ... شرق كاني كه ،
صار جنان ، قطرة دم في كف الطفولة !
3
هل تنكفئ فينا الأماني عند صخرة في شرق كاني كه ؟
و كاني كه قلعة في القلب ، وعلى استدارة شفاه هبه .
و هبه امرأة الصدمات في عسف الشظايا والبلايا ؟
هل تنكفئ فينا الاما ... ؟
هناك ... شرق كاني كه ،
دم جنان افترش الثلج والحدقات .
وصرختي مرت على الصرخات ...
يا كلس الأماني ،
بأسناني سأكشط نذالتك ،
وسأمزق الصمت ،
ما أثقل الصمت ،
ما أعمقه ،
أواااااااه ،
صمتي كدموع أمي ،
ودموع أمي في كفي رصاصة ،
وأميرة الذكرى ما فتأت تبارك خطوتي .
الأميرة ... يا الأميرة ،
الثلج هنا ابيض ... احمر ... اسود !
الثلج ابيض يا ازاهير الأماني ،
الثلج احمر يا هبه الدموع ،
الثلج اسود يا أماه ،
واسود ليل الطغاة وليلنا المنكفئ ... قطرة ، قطرة ، ...
قطرات منقوعة بالبارود والصراخ .
وفي شرق كاني كه ،
قطرة دم كقمر الصبايا امتصت الأرض روحي ،
وأنا السجين في كفي الأميرة .
يا أميرة هواجسي ،
يا طلقة للروح لم تصدأ ولم احسب عيار عتابها ،
هل تنكفئ فينا الأماني عند صخرة في شرق كاني كه ؟
هل ساورتني لحظة الدمعات ؟
لو رفت رموشك ،
وامطرت ريح ...
احط عيوني لك ،
نجمات ،
بالظلمة ،
ضوه اتصيح !
شرق كاني كه اتكأ الرصاص على حد الشهادة ،
وأنكفأ التساؤل :
هل تنكفئ فينا الاما ... ؟
سولفلي جدي يوم عن شجرة المنتهى
وكلي اليحب الناس اسمه ابد ما انتهى
لو يبس كل الورق وعمر الاسامي انتهى
اسمه يظل لللأبد ... بيرغ يرف للمجد !
4
اسميك العذب ... يا رشفة الأحزان
اسميك الدفو ... يا ورد نيسان
يا سحر الطفولة وموقف الانسان
اسمك للمجد ... يبقه ابد عنوان !
وصخرة في شرق كاني كه ستظل في القلب صرخة ،
وستظل " فارسا " مدججا بالاماني ،
على صهوة " العفاروف " (9) أورقت نرجسا في كف الشهادة .
فتى الشهادة ،
كروم هواجسي التفت على أمانيك وأزهرت دمعتين ورصاصة .
دمعتان لعصفور الأماني ،
ورصاصة لفجر قادم يحمل اسمك !
فتى الشهادة ،
فتى الشجاعة ...
حين صرت قطرة دم في كف الطفولة ،
كان الثلج ينهمر ،
كان الــ " ره به نوك " ينهمر .
هناك ... شرق كاني كه ،
كان الثلج ينهمر ،
وظل الثلج ينهمر !
ظل الثلج ينهمر !
ظل الثلج ينهمر !
ظل الثلج ...
كانون الثاني 1987 مه راني (10)

* من 5/1/ 1987 وحتى 16 /1/1987 خاض مقاتلي انصار الحزب الشيوعي العراقي (حشع ) ، في منطقة أنصارالفوج الأول / قاطع بهدينان ، ورفاقهم المقاتلين من قوات الدعم ، التي هبت لإسنادهم ، ووصلت على مراحل ، من مقر قيادة قاطع بهدينان ، والفوج الثالث ، والسرية الخامسة ، ومقرقيادة قاطع اربيل ، وبالاشتراك مع مقاتلي الحزب الديمقراطي الكوردستاني ( حدك ) ، ومقاتلي المقاومة الشعبية من فلاحي القرى في المنطقة ، خاض الجميع معارك ضارية ، وعلى عدة محاور، وفي ظل ظروف جوية قاسية ، ضد الحملة العسكرية الشرسة التي شنتها قوات النظام الديكتاتوري المقبور ، على مناطق نشاط أنصار الفوج الأول (حشع)، ومناطق لجنتي عقرة والشيخان لمقاتلي( حدك ) ، وسكان القرى في المنطقة المجاورة لمقرات مقاتلي الأحزاب ، حيث زجت فيها السلطات بوحدات عسكرية مدرعة من الجيش والجحوش، وساهم فيها الطيران الحربي والهليكوبتر،وأبدى الأنصار آيات من البطولة والمقاومة والصمود والبذل ، وكانت أياما أسطورية ، حافلة بالمجد ، غدت أحاديث جماهير قرى المنطقة ونسجت عنها حكايات كثيرة !
(1) كاني كه : قرية تقع عند اطراف ناحية " ئه تروش" ( قضاء الشيخان ــ محافظة الموصل) ، وموقع القرية ستراتيجي بالنسبة للمنطقة، لذلك شيدت السلطة هناك قلعة كونكريتية، وضمن سلسة قلاع ومواقع عسكرية ، شيدت بتصميم وتنفيذ من شركات رومانية منذ سبعينات القرن الماضي. كانت القلعة مقرا لفوج عسكري ، وقبيل الاحداث المذكورة كانت السلطة الدكتاتورية قد اضطرت لأخلائها ارتباطا باوضاعها العسكرية على جبهات الحرب مع الجارة ايران وايضا لتنامي نشاط ومقاومة قوات الأنصار في كوردستان ، ومع بدء الحملة العسكرية كانت منطقة القلعة محور الهجوم الاول والاشرس .
(2) كتب هذا النص في رثاء الشهيد جنان، والقي في الحفل التأبيني الذي أقيم له ايامها. والنصير جنان هوالشهيد (فارس جرجيس موسى)، مواليد 1964، من قرية "به نده وايه" (منطقة القوش ــ الموصل ) كان يعمل سائق بلدوزر.التحق بقوات الأنصار في 1983 . استشهد خلال الاحداث يوم 6/1/1987 في اشتباك قريب وشرس جرى عند منطقة قلعة كاني كه .
(3) من قصيدة للشاعر والمناضل التقدمي الجزائري بشير الحاج علي .
(4) ره به نوك : كلمة كوردية ، وهو اسم زهور بيضاء تنمو في كردستان .
(5) من أغنية عراقية للمطرب حسين نعمة .
(6) النصير ياسين هو ( جماهير امين الخيون ) شاعر. مواليد 1961 ابن المناضل الشيوعي الاسطوري امين خيون الذي اغتيل في سبعينات القرن الماضي من قبل النظام الديكتاتوري البعثي . ساهم ياسين بفعاليات في مختلف النشاطات الثقافية الانصارية . في اثناء اداءه لمهام حزبية في بغداد نهاية ثمانينات القرن الماضي ، اعتقل وغيبت اخباره ، حتى سقوط النظام الديكتاتوري حيث عثر على اسمه في سجلات المعدومين من قبل النظام المقبور .
(7) اصدر أعلام قاطع بهدينان للانصار، كراسا شعريا للنصير الشاعر ياسين بعنوان " لنغن رغم الحزن " ، لم يوزع لان طباعته ترافقت مع بدأ حملة الأنفال ، صيف 1988 ، من أجوائه وجدت في ارشيفي سطورا منه: ( ما الفرق ؟ بين الحزن في عيون النيل ، والحزن المؤبد على أزقة الكرك الندية . بين الحزن الهائم بالنخيل والحزن المتكئ على غصن زيتون أو في قلب بيروت ، شظية بين الحزن الممتزج بالمطر يغسل بيوت الطين في البحرين والحزن المنبعث في شحوب القمر، فوق ماردين ، بين الحزن في عيون " بشت ئا شان " والحزن في عيون الناصرية ، لنكاشف الكلمات مرة في الاغنية ! )
(8) وسن و فيافي : هي أسماء عزيزة على الشاعر .
(9) العفاروف : رشاش متوسط عيار 62, 7 ملم ، سوفياتي الصنع. استخدم في الحرب العالمية الثانية ، مداه 1200 متر ، ومؤثر على تجمعات المشاة والاليات الخفيفة التصفيح ، يركب عليه من الاعلى مخزن اطلاقات دائري الشكل يسع خمسين اطلاقة ، تميزت مفارز الأنصار الشيوعيين العراقيين في كوردستان بامتلاكه واستخدامه، وحاز العفاروف كسلاح على سمعة طيبة بين الفلاحين ، وزرع الرعب بين صفوف قوات النظام الديكتاتوري المقبور  .
وكان الشهيد جنان قد تميز بحمله للاسلحة الرشاشة المتوسطة ، التي تحتاج الى مهارات عسكرية وامكانيات جسدية ، ويوم معركة كاني كه كان يحمل رشاش العفاروف .
(10) مه راني : هو المقر الاساسي الخلفي ، لمقاتلي الفوج الاول ، من قوات قاطع بهدينان لانصار الحزب الشيوعي العراقي ، تأسس مقر مه راني في 2 /10 / 1982 ، كقاعدة أنصارية في عمق الوطن ، فهو يعتبر من اهم مقرات الأنصار في تحديها لسلطات النظام الديكتاتوري ، اذ يتوسط بموقعه مجموعة من الاقضية والنواحي المهمة ، وهو قريب الى سلسة جبا ل كاره الوعره ، وشيد المقرعلى انقاض قرية تحمل الاسم نفسه تقع في وادي ضيق يخترقه مسيل ماء نبع عذب بارد دوما ، ومن المفارقات ان وادي مه راني مزدحم بــ 99 (تسعة وتسعين !! ) شجرة جوز معمرة ، وبالاضافة الى موقعه المميز فان كثافة الاشجار ساعدت على تمويهه عن طلعات الطيران الدائمة !




102
في ذكرى عيد الجيش:
 في الحرب : جنود ... عر فاء ... ضباط ... والخ

(الى المتباكين على "الزمن الجميل " !)

 

يوسف أبو الفوز

 ( من مخطوط ينتظر النشر انجز عام 1992)


حارق ... خارق  !
ركب مخزن ذخيرة جديد ، كل رصاصاته حارق ... خارق ، وضع البندقية على حالة الرمي رشا ، استند إلى جدار الخندق ، غرس كعب البندقية في الأرض ، وضع الفوهة في فمه ، وضغط الزناد  !
لم يفهم الكثيرون لماذا ؟
 كان قد قال لأحد الجنود قبل يومين  :
ــ لم اعد أطيق ذلك ، لم اعد احتمل اكثر ، كل يوم ، ليل ونهار ، ما أن أغفو قليلا ، حتى يأتيني السيد الرئيس المهيب ، يكشف عجيزتي و  ...
خشخشة
دخل الدار متعبا ، منهكا ، يجرجر نفسه ، استقبلته زوجته تخشخش بأساورها الذهبية ، وعدها بان يجعل ذراعيها لا تتسعان لهن ، وكانت واثقة تماما من وعده  :
ـــ  " يا بنت الحلال ، الله فاتحها علينا ، الشغل ماشي ، أنت بس تدللي "!
أدخلته الحمام . ساعدته على نزع ثياب العمل . دلكت له ساقيه وذراعيه ثم جلفت له جلده بصابون معطر وصبت عليه نصف زجاجة من الكولونيا ، ثم نشفت له جسده مثل طفل ، وساعدته على ارتداء ثوب نظيف ، قبلها على وجنتيها عرفانا بالجميل ، وقال بإخلاص  :
ــ لولاك ، ولولا رعايتك لي لما استطعت مواصلة العمل ، أتدرين اليوم غسلت ودفنت  ...
لم تسمع الرقم الذي ذكره ، غلا شئ في المطبخ فهرولت إلى هناك وأساورها تصدر خشخشة تذكرها بوعوده الصادقة  !
هأ .. هأ ... هأ    !!
توفي والده بالسكتة القلبية . لم يبك !
ورد اسم أخيه في قوائم المفقودين . لم يبك !
 فقد ذراعه الأيمن شرق البصرة . لم يبك !
فسخت ابنة خالته خطوبتها معه . لم يبك !
جن صديق طفولته . لم يبك !
اعدم أستاذ التاريخ في كليتهم . لم يبك !
البارحة ، على شاشة التلفزيون ، في لقاء مع صحفي أجنبي ، روى السيد الرئيس ـــ حفظه الله ـــ  نكتة ، ضحك لها كل مرافقي الرئيس من حرسه الخاص والوزراء وأعضاء مجلس قيادة الثورة وقادة فرق الجيش وممثلي مجلس الشعب الوطني ومسؤولي منظمات الطلبة والشباب والنساء ورؤساء تحرير الصحف ورؤساء العشائر ، و... شبعوا ضحكا !
وجد نفسه يبكي ، يبكي ، يبكي ، يبكي بحرقة !
عناكب
في زاوية الملجأ الرطب ولأكثر من ساعة ، جلس القرفصاء ، صامتا وثمة رغبة عارمة الى التدخين ،  لكن سجائرهم نفدت . أمامه يجلس صاحبه ، شارد اللب ، صامتا مثله ، محدقا الى سقف الملجأ ببلاهة . قبل أسبوع همس إليه :
ــ ثمة عنكبوت يدب هنا !!
ونقر على صدغه بأصابعه المسودة . البارحة عاد وقال له :
ــ انه ينسج له بيتا بنشاط !
ومنذ أسبوع وهو يستعيد معلوماته عن العناكب ، ويتخيل أشكالها ، وألوانها و ... لكن اليوم ، ومع بدء القصف المدفعي من الجانب الأخر ، أحس ثمة شيئا ، ناعما ، صغيرا ، يدب داخل تلافيف رأسه!         

***
منذ أيام وثمة عنكبوت يبني له عشا داخل رأسه . يحس به وهو يدب بنعومة ، ويتخيله كيف يعمل بنشاط . البارحة اكمل العنكبوت بناء عشه ، تماما مع بدء نوبة حراسته الليلية . كان الجو باردا ، الريح تصفر في المنطقة الحرام . مد رأسه في الملجأ ، كان أصحابه ينامون بوداعة الأطفال ، ملتمين على أنفسهم ، يلتصقون ببعض طلبا للدفء، فشعر بالشفقة تجتاحه ، ومشاعر من المحبة تطغي على كل كيانه ، وكان العنكبوت يتحرك بنشاط ، بنشاط مثير ولم ينتظر طويلا ، كانت مشاعر الشفقة تجعله يرتجف من الحب ، وبهدوء وحتى لا يزعج النائمين سكب كل ما بداخل زجاجات النفط على الأشياء القابلة للاشتعال ، ثم نثر بعضه على بطانيات النائمين ، واشعل النار.



103
الكَلامُ المُباح (152) 
رَّايَاتُ بالعُمُلاتِ الصَّعْبَةِ
يوسف أبو الفوز
بسببٍ من إنشغالي بأمور سَفر زوجتي لزيارة أخواتها، وصلتُ بيتَ صدّيقي الصَدّوق أَبُو سُكينْة من دون حزمةِ الصحفِ التي أعتدتُ  حَملها معي كل مرة. قال  أَبُو  جَلِيل وهو يَكتمُ ضحكتة:
ـ اليوم سوالفكم  بلا جرايد راح تكون يابسة وتمن ، وبلا ...
فقاطعه جَلِيل ممازحاً : لا أتفق معك يا والدي، الحمد لله عندنا سياسيين من أخر طراز، طول اليوم، ليل نهار، ساكنين التلفزيون، فلا نحتاج الصحف لمعرفة أخبارهم، وتصريحاتهم النارية، ويمكنك بعد سماعهم ان تطمئن وتنام رغد بأن كل الأمور في العراق سوف يكون لها حل سريع،هكذا هم مع كل أقتراب لموعد الأنتخابات.
قالت سُكينْة : هؤلاء السياسيون، الذين أبتلى بهم الشعب العراقي، هم سبب كل هذا الخراب من حولنا،والتظاهرات الاحتجاجية للمطالبة بمحاسبة الفاسدين وتقديم المسؤولين الفاسدين إلى القضاء وتنفيذ الإصلاحات في مؤسسات الدولة، اتمنى ان لا تهدأ وان تتطور ،لانها رسالة واضحة تعلن لهم موقف أبناء الشعب منهم ومن فسادهم .
قال جَلِيل : كلامك صحيح جدا، لان سياسي الصدفة، قادرين على التناسل بشكل غريب،والتلون وتغيير أثوابهم وشعاراتهم،وإذ نقترب الان من موعد الانتخابات التشريعية،هاهو البعض منهم بدأ وبشكل ديماغوجي فج يحاول أرتداء لبوس المدنية لخداع الناس،وبدأ البعض منهم بشكل صلف بنهش أصحابه من الفاسدين ناسياً أنه فاسد مثل من ينهشه، في صراع مستميت على مواقع النفوذ والثروة.
قلت مشاركا :هؤلاء الفاسدون كانوا وجهاً أخر للارهاب طيلة السنوات الماضية، وكنت أنوي ان أقرا لكم تقاريرا تفصيلية ومعلومات جديدة ،عن محاولات جماعات أرهابية اعادة تنظيم نفسها،فهاهم جماعة "الرايات البيضاء" أو "السفيانيون" بدأوا برفع رؤوسهم في قرى محيط قضاء  طوزخورماتو.ومثلما شكل استشراء الفساد في مؤسسات الدولة عاملا داعما لنشاط داعش،فأن عدم القيام باجراءات فاعلة وجريئة لمحاربة الفساد سيمنح هذه الجماعات الارهابية الفرصة لتنشط وتكون تهديدا جديدا لشعبنا وبلادنا.
تنحنح أَبُو سُكينْة  وقال: كررنا القول كثيراً بأن جبهة "ماعش" هي من دعم  وقوى من شوكة "عصابات داعش"،الان اهل "الرايات البيض"، الاخبار تقول ان رايتهم بيضاء وفي وسطها صورة رأس أسد، وعندنا سياسيي الصدفة الفاسدون، "الماعشيون"، راياتهم من كل الالوان، لكن بالوسط بدل صورة الأسد يضعون صورة واضحة للدولار واليورو وكل العملات الصعبة المعروفة، والصغار منهم يتواضعون ويكتفون بصورة الدينار!


104


الرَّجُلُ  صَّاحِب الكَلَبِ
قصة ــــ يوسف أبو الفوز 


بعد سهرة طيبة، في مساء صيفي ساحر، في احد نوادي مدينة عينكاوة، حيث توفرت لنا الفرصة لارتشاف كؤوس بيرة مثلجة، والتقطنا مجموعة من الصور التذكارية، كان رزكار اثنائها بمزاج لا يتناسب مع عمره، يتفنن في اختيار زاويا التصوير لتبدو في عمق المشهد فتيات، بملابس عصرية، ببنطلونات جينز ضيقة، وفانيلات قصيرة تكشف عن مقاطع مغرية من بطونهن اللدنة، يجلسن بأسترخاء نازعات احذيتهن يدخنن الناركيلة، بمشهد لا يمكن لفتاة شرقية ان تحلم به ولا حتى في أي بلد اوربي. قال رزكار :
ـ في مدن جنوب العراق ليس للنساء الا بيوتهن ليشعرن بشيء من الحرية. الله يكون في عونهن.
 عدنا الى مركز مدينة اربيل منتشين بالفرح . طوال الطريق كنت امزح مع رزكار :
ـ لم ار سيارة واحدة توقفت عند اشارات الاحمر، حتى انت ... يا متمدن، يا من عشت سنينا في اوربا،  فما الحكمة من وضع الاشارات الضوئية ؟
ويضحك صديقي، الذي عرفته سنوات النضال في الجبل وارتبطنا بعلاقة حميمة، حرصنا على تواصلها رغم تباعد المنافي. كان رزكار أجرأ مني في اتخاذ قرار العودة الى البلاد بعد سقوط النظام الديكتاتوري، وبشهادة الحقوق التي حصل عليها من المانيا، حصل على وظيفة مرموقة، وتزوج من أبنة عمه بعد ان رفضت زوجته الالمانية السابقة الالتحاق به الى كردستان، كانت التفجيرات حينها لا تغيب عن شاشات التلفزيونات العالمية، فصاحت به غاضبة :
ـ طلقني، اتريد ان تأخذني الى الموت؟
ومات الحب الذي ظنه ابديا. عاد الى اربيل تاركا لها أبنه، حاملا غصة سرعان ما نساها بعد لقاءه بأصغر بنات عمه. أمرأة فاتنة وطموحة، ولم تتوقف كثيرا عند فارق السن بينهما:
ـ اربعة عشر عاما، لا شي مقابل العشرين التي يكبر أبي فيها أمي وعاشا حياتهما سعداء جدا بالتفاهم والحب !
 ظل رزكار محتفظا ببساطة وشهامة عرف بها، كانت تقربه دوما الى الناس. لم يفارقه تواضعه الذي قربني اليه منذ سنواتنا الاولى في الجبل، مما شدني للتمسك به اكثر. ضحك وقال :
ـ اشارات المرور؟! انت تحسب نفسك في أوربا، نحن هنا يا صاحبي بحاجة لاجيال جديدة حتى نتفهم مفردات الحضارة،  ويصبح كل ذلك جزءا من سلوكنا العام .
من الايام الاولى لي في مدينة أربيل رحت اتفحص بفضول شديد ما حولي. زالت الديكتاتورية وزالت حروب الابادة ضد الشعب الكردي ، اذا لم يصعد حكام شوفينين من جديد الى سطح كراسي الحكم. هناك افاق لتقدم البلاد. ان تتحرك نحو مستقبل طالما حلم به الناس وقدموا لاجله تضحيات جسيمة. تأكدت بنفسي مما كان يقوله لي رزكار على  الهاتف :
ــ نعم، نحن بلد ديمقراطي كما تعلن احزابنا في الصحافة، لكنها ديمقراطية لا تشبه اي ديمقراطية في العالم ، تعال وراح تشوف بنفسك !
وجاء لير بنفسه. مدن كردستان تغرق في النزعات الاستهلاكية مع توقف العملية الانتاجية. الفلاح يهجر قريته ويتحول الى شرطي. رواتب تجري من اماكن مختلفة من خزينة الدولة. بنايات فنادق ترتفع عالية، وزبالة بضائع دول الجوار تملأ الاسواق، ويظهر سياسي في التلفزيون متأنقا بربطة عنق فاقعة اللون، وجهه ينضح بالعرق ،  ليصرخ بالناس :
ـ سنحول البلاد الى دبي جديدة !
ويعفط  رزكار كلما تذكر ذلك :
ـ نعم ، سنكون دبي اخرى بأستيراد الخادمات الآسيويات !
رزكار ناقم على كل شيء، وكل مرة أهاتفه اتوقع ان يقول لي بأنه سيعود الى المانيا فورا. نصحني بعدم الاستعجال بالعودة :
ـ كان قراري صائبا ولكن يبدو مستعجلا. حاول ان تستفيد من تجربتي، رتب امورك كلها بشكل محكم قبل ان تحزم حقائبك.
وها أنا قادم لاستطلاع الامور من جديد . قابلت كذا مسؤول. سمعت وعودا بالتوظيف. تركت سيرتي الذاتية على اكثر من طاولة، بقي لي عدة ايام لاعود حيث اقيم في اوربا المترفة التي صار البعض من معارفنا يكرهنا  لمجرد اقامتنا هناك :
ـ انتم ، متنعمون في اوربا، لا تعرفون حجم معاناتنا هنا، فكفوا عن اطلاق الملاحظات والانتقادات، ان ايدينا في النار وايديكم في الرماد !
مرت السيارة ببيوت فارهة ، قال رزكار وهو يشير بيده :
 ـ فقراء الناس سمو هذا الحي "حي الحرامية "، فهنا يقيم موظفون كبار وقادة سياسيون ورجال اعمال!
 يمكن لمس الفرق بين هذا الحي ومناطق اخرى يسكنها فقراء الناس من ملاحظة نظافة الشوارع ونوع الارصفة. حين تجاوزنا "حي الحرامية "بقليل، ترك السيارة احد معارف رزكار ممن رافقونا في سهرتنا، بينما واصلنا الطريق. اصر رزكار، رغم معارضة زوجته واهلها، ان يبقى في البيت الذي تركه لهم ابيه في المنطقة الشعبية، اشترى حصة اخيه بثمن مناسب ورمم البيت ليكون واحدا من بيوت الحي النظيفة والبارزة :
ـ هنا بين بسطاء الناس اتعلم كل يوم ان لا انسى نفسي واتكبر على الاخرين، وسينشأ ابنائي على منوالنا .
انعطفت السيارة بنا عند دكان مفتوح رغم ابتعاد الليل عن منتصفه، نزلت زوجة رزكار اشترت شيئا ما وعادت وهي تتذمر من غلاء الاسعار. خلالها مص رزكار نفسين من سيكارة مطفأة اشعلها بسرعة قبل عودة زوجته التي طالما عاركته على اصراره على الاستمرار في التدخين. فجأة لمحت الكلب.  كلب منزلي من نوع أمريكي، بشعر ابيض قصير، ولمة شعر عند الرأس كأنها لمة اسد. على رقبته تلمع خرز فسفورية يتدلى منها قطعة معدنية مربعة، خمنت انها رقم هاتف صاحب الكلب. اعرف مثل هذا المشهد جيدا في الديار الاوربية. انه مشهد يومي عادي. لم ار وجه صاحب الكلب جيدا. كان يسير محني الظهر بخطوات قصيرة متسارعة ليلحق بالكلب الذي كان يتشمم كل شيء امامه بشراهة. خمنت ان هذه من مظاهر حمى الاستهلاك في المدينة. هواتف نقالة اخر موديل، ملابس اخر صرعة، سيارات فارهة، مولات فارهة،  خادمات اسيوية ... وكلاب من كل الانواع! ما ان تحركت السيارة، وحاذينا الكلب، حتى رايت رزكار يرفع يده بالتحية، التي رد عليها صاحب الكلب بحرارة وراح يواصل هز يده رغم ابتعادنا. كانت لحظات كافية لارى بوضوح وجه الرجل. خيل لي اني اعرفه، او قابلته في مكان ما. في اربيل او بغداد او في البصرة . خلال الاسبوعين الذين قضيتهما في اربيل، لم يترك رزكار مكانا لم يأخذني اليه. خيل لي ان الرجل صاحب الكلب كان هناك حين لعبنا البولينغ، ساعة تركتنا زوجة رزكار لتتبضع هي وأختها، واقترح رزكار "ان نحرك عضلاتنا قليلا". وانه كان في بناية البريد حين سألت عن امكانيات ارسال بطاقات بريدية مباشرة الى اوربا.  اذكر في المقهى المجاور لسوق تصريف العملة حين شربنا فنجاني قهوة وجدنا ان احدهم قد دفعها بدلا عنا، وذكر لي رزكار اسمه. انه ذات الشخص . في كل مكان تجد نسخة منه. كأنه يتناسل من الظلال. استغرب رزكار كوني لا اميز شكله وليس لي معرفة بذلك، وهو الذي طالما تردد أسمه في الجبل وفي المدينة.  في اليوم التالي ، قال لي رزكار:
ـ نحن مدعوين عند صاحب الكلب ، ستسمع الكثير مما ينفعك لتفهم الحياة الجديدة هنا!
ـ أهو صديقك الان؟
ـ معارف وعلاقات مشتركة مع معارف أخرين. هو يظن أنه قد يحتاج محل عملي يوما، فيحرص على علاقته معي.
في الوقت المحدد، كنا هناك. كان بأبهى حلة. ملابس اوربية ناصعة الالوان . موسيقى كلاسيكية تصدح في الصالة المفروشة بالسجاد الوثير. من أول وصولنا دارت كؤوس النبيذ الاحمر. شربت على حذر. كانت زوجته ببنطلون جينز قصير الساقين وقميص عريض الاكمام وحرصت على سد فتحة الصدر بفانيلة قطنية مشابهة لقماش قميص زوجها. بدأ يحدثنا عن خصال كلبه " بوبي" وجعله يرينا بعض الحركات التي دربه عليها، كان فخورا جدا لأن " بوبي" يفهم الاوامر باكثر من لغة وينفذها :
ــ    هل تعلمون ان الكلاب التي تقود مكفوفي البصر تعتبر من المعجزات، ولذلك هي في اوربا غالية الثمن، فبعد ثلاث شهور من التدريب يمكن ان تعرف الطرق وإشارات المرور وأماكن عبور المشاة ومساكن أصحابها، بل وتعرف أماكن التسوق. والأغرب أنها تعرف أرقام الحافلات التي يركبها أصحابها، فتراها لا تقفز إلاّ في المركبة التي يريدها صاحبها، وتغادرها في المكان المطلوب تماماً، الا توافقوني في اعتبار هذا من المعجزات؟
وسرعان ما نسي موضوع الكلاب وراح يتحدث عن فكرة مشروع استثماري، فهو يريد بيع البيت ويجمع ما لديه ويشتري قطعة ارض خارج المدينة، يحولها الى بيت ساحر على طراز بيوت النبلاء في القرن التاسع عشر. زيارات وحفلات بمواعيد ثابتة. مكتب تجاري للاستيراد والتصدير. استثمار قطعة ارض باشجار الزيتون. كان يرسم مستقبلا مشرقا لما يفكر به. يحرك يديه ويرسم خطوطا وهمية. يؤشر عند نقطة في الفراغ ويذكر بأنها بئر مياه ارتوازي :
ـ الارض غنية، تحتاج لمن يجهد نفسه في استثمارها .
تركت الزوجة حقيبة يدوية لها بالقرب من مقعدي حيث اجلس. لم أكن ميالا للأكل. تناولت طبق سلاطة خفيف، وجدتني ورزكار نمتدح الطعام اكثر من مرة ارضاءا للزوجة . اعتذرت زوجة رزكار عن مصاحبتنا، زمت شفتيها وقالت لزوجها بصوت خافت لكني سمعته :
ـ اكره المبالغات و ... !
وبلعت الكلمة التالية لكني فهمتها.
لم أشأ ان اخرب لرزكار فرحته بلقائي، ولا اتدخل في برنامجه الذي رسمه لي . في اول يوم وصلت أربيل وجدت انه حجز  صالة كاملة في مطعم وكان هناك اكثر من عشرة مدعوين. كان يريد ان يقول لهم شيئا. لانه حين وقف في صدر الطاولة تحت هواء المكيف الذي كان يطلق صوتا كالصفير، قال وهو يوزع نظراته بمعنى خاص :
ـ يسرني ان تشاركوني احتفائي بصديق حقيقي لم يفكر يوما في خذلاني !
وبحثت في الوجوه ، من منهم عليه ان يفهم ان الحفلة اساسا اقيمت له لكي يسمع من رزكار هذه العبارة ؟ لم المّح حتى لرزكار بأنه يستغل وجودي لتمرير رسائل ما  لاخرين . تركته على سجيته. وحين قادني الى  بيت صاحب الكلب، وسألني قبلها عن الاكل المفضل ليعده لنا مضيفنا، قلت له :
ـ  مثلما يعجبك !
 ما ان تم رفع الصحون، ودارت فناجين الشاي والقهوة ، حتى وجدت زوجة صاحب الكلب تجلس الى جانبي :
ـ قالوا لي انك تعيش في ... !
وكدت ان ابتسم، اذ ادرك انها تعرف جيدا اين اقيم ، فلم هذا التصنع في الجهل ؟ فقلت لها :
ـ نعم ، منذ ستة عشر عاما.
زحزت نفسها بأتجاهي، ومالت علي بحيث لامس كتفها ذراعي :
ـ اخبرني بصراحة، من خلال تجربتك، ايهما افضل الحياة في السويد او الدانمارك او عندكم؟
ولمحت زوجها، صاحب الكلب، يشرئب بأذانه نحونا، يحاول ان يتسمع حديثنا، وخمنت انه لا يسمع شيئا من الحديث الذي يدلي به رزكار عن قضية ما . لم تتركني اجيب على سؤالها الاول ، حتى الحقته بسؤال اخر:
ـ  هل صحيح ان معاملة "لم الشمل" في السويد تكون اسرع ؟
وحرت على أي سؤال اقدم الجواب؟ زحزحت فنجان القهوة امامي محاولا لم أشتات فكري لاجيب، لكنها التصقت بي اكثر وقالت بصوت هامس لا اظن احدا غيري يسمعه :
ـ لا يغرك كل هذا الكلام عن المشاريع المستقبلية، انا وزوجي مطلقان عمليا منذ سنة، هو يعيش ويعاشر كلبه اكثر مني، القضية مجرد توقيع اوراق ويكون كل منا حر بحياته الجديدة. أنا امراة عملية، قررت البحث عن مشروع زواج سريع ومناسب في احد الدول الاوربية للانتقال الى هناك، لا استطيع تحمل خداع المهربين ولا اختلاق قصص الاضطهاد من اجل اللجوء. لي معارف في السويد اوصيتهم بالبحث لي عن عريس مناسب. أرجوك ضع الامر في بالك ان كان يمكن ان تساعدني!
نظر رزكار بأتجاهي وهو يرى صاحب الكلب شاردا لا يستمع اليه ونظراته موجهة اليّ. كان وجهه  ممتقعا، يبدو انه فهم كل شيء قالته لي زوجته. نهض فجأة، فتح زجاجة نبيذ جديدة وصب في  الكؤوس، ورفع كأسه :
ـ صحة المستقبل !
عينكاوة
12 حزيران 2012

*  النص من مخطوط " بعيداً عن البنادق" ، المعد للنشر، يجتهد لتسليط الضوء على حياة الانصار ما بعد نهاية حركة الكفاح المسلح ، ورصد امالهم وذكرياتهم وخيباتهم وطموحاتهم .

105
الكَلامُ المُباح (151)
الشَّعْبُ يُريد إِسْقاطُ الفَسَاد !
يوسف أبو الفوز
لم يكن بدونَ معنى ترحيبَ عموم ابناء الشعب العراقي بتصريحات السيد رئيس مجلس الوزراء بشأن نيته محاربة الفساد، والتي دعت العديد من القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدنيً إلى تحويلها من تصريحات إلى إجراءات ملموسة. فهناك ايمان عميق ناتج عن المرارات المتراكمة ومعاناة ابناء الشعب طوال السنين العجاف للحكومات المتعاقبة منذ سقوط الصنم ، بأن الفساد هو أحد النتائج الخطيرة لنهج المحاصصة الطائفية والاثنية وانه تحول الى منظومة سرطانية شلت اجهزة الدولة وافقدتها هييبتها . ومن هنا فان المراقبين يحذرون من ان القوى السياسية المتنفذة والمتهمة بالفشل في قيادة البلاد تسعى لتكريس هيمنها داخل الدولة باشكال ومناورات مختلفة ، لانها تصطدم بالرفض الشعبي وان بعضا من رموزها متهمون بالفساد . من هنا ايضا فأن القوى الوطنية الديمقراطية ، التي تدرك بأن محاربة الفساد عملية شاقة ولا تقل اهمية عن محاربة الارهاب، تدعو وتعمل لتوحيد صفوف القوى الديمقراطية الداعية لبناء دولة المؤسسات والقانون والمواطنة ،واستنهاض ابناء الشعب لاجل ايجاد البديل الكفيل بانجاز التغيير المنشود.
حين وصلت بيت صدّيقي الصَدّوق أَبُو سُكينْة، وجدت ان الجميع منشغلون في التعليق على  ما تناقلته وكالات الانباء عن اقدام مسؤول عسكري صيني كبير متهم بالفساد ، على الانتحار شنقا في بيته ، مع  البدء بالتحقيق معه عن علاقته بمسؤولين اخرين سقطوا بسبب الفساد، اثر اطلاق الرئيس الصيني حملته المناهضة للفساد قبل اعوام وتشديده عليها في المؤتمرات الاخيرة .
 قالت سُكينْة مازحة : هل تريدون ان نوزع حبالا للفاسدين في العراق، هذا معناه سنخلق ازمة حبال.
ضحك الجميع وقال جَلِيل: العراق للاسف دائما يحتل ذيل القائمة في القوائم التي تصدرها منظمة الشفافية الدولية ، وان الكتل المتنفذة رغم كل ما جرى لا تزال تتصارع على مواقع النفوذ والثروة .
قالت ابو جَلِيل: ما اختلفنا نصير بالذيل ، بالجانب اريد اعرف فلوس العراق المنهوبة بيها مجال ترجع لنا بطريقة ما ؟ وهاي الحملة على الفساد ممكن تجيب نتيجة مع الحيتان الصلفة ؟
تنحنح أَبُو سُكينْة وقال : ترجع الفلوس المنهوبة اذا تغيرت عقلية الناس وخلصنا من الحيتان ، ومن امثال هذا الذي راح للخطاط وطلب منه ان يخط له لافتة يكتب بيها (محاربة الفساد واجب ديني ووطني)، والخطاط قال له هذه اللافتة تكلف عشرين الف ، فقال له ولا يهمك بسيطة ، بس اكتب لي بعدين وصل بستين الف !
طريق الشعب العدد 80 ليوم الاثنين 4 كانون الأول 2017


106


وزير الخارجية الفنلندي وموضوع  اللاجئين العراقيين واشكالية الوضع الامني في العراق

 
هلسنكي  ــ يوسف ابو الفوز

صباح الخميس 30  / 11 / 2017، دعت الدائرة الاعلامية في وزارة الخارجية الفنلندية  ، مجموعة من الصحفيين الاجانب العاملين في فنلندا الى فطور صباحي مع وزير الخارجية الفنلندي السيد تومي سويني ( الزعيم السابق لحزب فنلندا الاساس اليمني المتطرف)  وكانت فرصة للقاء الوزير والتحدث معه مباشرة حول مختلف الامور. في حديثه تطرق الوزير الى الكثير من المحاور والنقاط  عن سياسة ومستقبل الاتحاد الاوربي والعلاقة مع روسيا ، وحلف الناتو وموضوعات اخرى سياسية واقتصادية وعلاقات فنلندا الخارجية. وتحاور معه الصحفيين حول نقاط عديدة وردت في حديثه او لم ترد . لفت الانتباه الى ان الوزير لم يتحدث شيئا عن موضوع اللاجئين، فبادرت شخصيا لسؤاله. واثبت هنا سؤالي وملخص اجابته، الذي ساعد مشكورا على تفريغه وترجمته من شريط التسجيل المهندس مصطفى شاهباز .

يوسف أبو الفوز : حتى الان لايوجد سفارة فنلندية في العراق نتيجة لمخاوفكم الأمنية، لكن مع ذلك تقولون أن العراق بلد آمنة ويمكن ترحيل اللاجئين العراقيين إليه، هل يمكنك توضيح الأمر لنا؟

الوزير تومي سويني: هنالك اختلاف في الوضع الأمني بين مناطق العراق المتعددة، في فنلندا نحن نتبع طريقة لتقييم المخاطر الأمنية الممكنة لسفاراتنا حول العالم ولا يمكن مقارنة المخاطر الأمنية التي يتعرض لها دبلوماسي أجنبي في العراق مع المواطنين العراقيين العاديين المرحلين إليه، كما أننا لا نملك سفارات في كل دول العالم وفتحنا مؤخرا سفارتين في مينمار وكولومبيا ورغبتي الشخصية هي بفتح المزيد من السفارات والعراق بالتأكيد محط اهتمامنا لكننا لانملك خطط حالية لفتح السفارة هناك. هنالك سفيرة مخصصة للشؤون العراقية موجودة في هلسنكي وتزور العراق بصورة منتظمة ونملك استشاريين في العراق وهنالك تعاون مع العراق. كما ان هنالك خلاف مع العراق بشأن عقد اتفاقية لترحيل المرفوضين. العودة للعراق من فنلندا طوعية حاليا ولا نملك اتفاقية للترحيل الاجباري واعتقد أن من المهم أن ننجز هذه الاتفاقية لكن كوزير للخارجية ليس لي موقف مع أو ضد الترحيل نحن بلد قانون وأمر الحصول على الإقامة أو الترحيل مرهون بقرارات المؤسسات القضائية الدستورية الفنلندية.

107
يوسف ابو الفوز في ضيافة اتحاد كتاب وادباء الامارات
 

دبي ـ   متابعة المدى

استضاف أتحاد كتاب وادباء الامارات  ، الكاتب العراقي  يوســف ابو الفوز ، المقيم في فنلندا ، ، في ندوة ثقافية ادبية ، بمقر الاتحاد ، ادارتها الشاعرة العراقية كريمة السعدي ، تناول فيها الضيف ملامح من المشهد الثقافي العراقي والعربي وتجربته الادبية في القصة والرواية ومعاناة المثقف عموما .
وأذ تحدث عن بدايات تجربته في وطنه الام العراق والعوامل التي ساهمت في تبلورها ، فأنه تحدث عن تجربته خارج الوطن في محطات الغربة التي تعددت ، واخرها استقراره في فنلندا ، حيث اثرت كثيرا تجربته الحياتية والادبية . واشار الكاتب الى كون العراق كان ولا يزال همه الاول في أعماله الادبية وان تناولت في جوانب منها الحياة الاوربية . واشار الى ان تكريمه بجائزة الابداع الفنلندية لعام 2015 جاءت تتويجا لمجمل جهوده ككاتب عراقي مقيم ويعمل في فنلندا ، حرص على بناء الجسور بين الثقافات المتعددة ونشر روح التسامح والتعايش بين فئات المجتمع وتقديم الصورة الايجابية عن ثقافة وطنه الام العراق .   
الامسية تميزت بحضور جيد ، ساهم في المداخلات والحوار ، وفي سياق الاجابة على اسئلة الجمهور اشار الكاتب ابو الفوز الى انه يحرص في اعماله الادبية الاخيرة على ان لايقدم اجوبة جاهزة للقاريء ، فهو يعتقد ان مهمة الادب هو خلق الاسئلة ، ودفع القاريء للتفكير وايجاد الاجوبة المناسبة بنفسه، وهذا ايضا يدفعه الى عدم وضع نهايات لاعماله الروائية ، ويترك النهايات مفتوحة ، لان منطق الحياة مستمر ، وانه يحاول ان يقدم دائما شخصية الانسان الذي لا ينهزم رغم تحطمه، ويقدم صورة المرأة القوية، رغم كل معاناتها، والانسان الكادح ذا الكبرياء رغم كل ذل الفقر. واشار الى كونه يؤمن بقوة بالمستقبل، انطلاقا من التجربة التأريخية الانسانية، ورغم معرفته بانه لن يشهد هذا المستقبل، فهو بعيد الى حد ما، لكنه يؤمن به ويعمل لاجله بكل تفاؤل، ويحاول ان يساهم بخلق وعي جمعي للعمل من اجله، من اجل غد الانسان.

 
 

108
المنبر الحر / زِلّزال وفَسَاد !
« في: 21:29 19/11/2017  »
الكَلامُ المُباح (150)
زِلّزال وفَسَاد !
يوسف أبو الفوز
خِلال زيارتنا الدَورية الى بيت صدّيقي الصَدّوق أَبُو سُكينْة، ، أشتركَ تقريباً جميع الحاضرين في الاحاديث، وفتحنا تقريبا اغلب الملفات السياسية، تحدثنا عن اهمية مباشرة الحوار بين الحكومة الاتحادية وحكومة اقليم كردستان استنادا الى بنود الدستور العراقي، وضرورة الاحتكام للعقل والمسؤولية امام الاجيال القادمة وتفويت الفرصة على تجار الحروب والمتصيدين في الماء العكر .  وتحدثنا عن المعركة ضد الفساد وكونها معركة سياسية قبل اي شيء أخر. قال جَلِيل: أن خوض هذه  المعركة وانجازها من قبل الحكومة الاتحادية بحاجة الى قرارات جريئة تستند الى الدعم الجماهيري ومطاليب حركة الاحتجاج .
واخذت حيزا كبيرا اخبار الزلزال العنيف الذي ضرب المنطقة الحدودية بين العراق وايران مؤخرا ، قرأت لهم ، من حزمة الصحف معي ، تقاريرا بينت  ان مركز الزالزال كان في مدينة كرمنشاه الايرانية، وقد شعر به عموم الناس في العراق ، واحدث اضرارا بليغة في المناطق القريبة الى مركز الزلزال، وكانت اقرب نقطة عراقية مدينة حلبجة في كردستان العراق.
كانت زوجتي ولايام حين تتحدث تكاد تغص بكلماتها، من شدة حزنها وانفعالها، وهي تتحدث عن احوال صديقة مقربة لها تضررت من الزلزال :  الانباء تقول انه حدثت انزلاقات في الجبل المجاور لسد دربندخان، وسقطت قطع أحجار في المسيل المائي للسد، وانهارت بعض البيوت المجاورة جراء الهزة الأرضية، وحظ صديقتي ان ينهار بيتها بالكامل وهي بالكاد اكملت بناؤه  وكادت ان تفقد زوجها تحت حطام البيت ونقلوه للمستشفى متاثرا بجراحه.
وراحت سُكينْة تخفف عنها : هذه اوضاع الناس في العراق كلها متشابهة ، من لم يصبه الزلزال بضرر هناك سبب اخر . وكأننا شعب قدر لنا ان لا نعيش براحة .
تنحنح أَبُو سُكينْة وقال : صح لسانك يا أبنتي . تتحدثون عن زلزال مدمر، دمر بيوت وسبب وفاة عشرات الناس في ايران والعراق، وتنسون الزلزال الذي نعيش معه كل يوم . يصبح ويمسي علينا وللاسف كثير من الناس راضيه به. زلزال المحاصصة، الذي هو اساس البلاء في بلادنا وحياتنا ، فهذا لا يهدم بيوت فقط ، هذا سيهدم البلد بأكمله وسينقرض شعب بسببه ، ان لم ينهض الشعب العراقي  ويتغير كل شيء ، وتطير حيتان الفساد وسياسيي الصدفة ويمشي العراق على السكة الصحيحة ، سكة دولة المواطنة والقانون الحقيقي .

 
 



109
يوسف ابو الفوز في ضيافة اتحاد كتاب وادباء الامارات –  دبي

دبي ـ  د.حسام آل زوين

  مع أختتام فعاليات مهرجان معرض الكتاب في امارة الشارقة – دولة الامارات العربية المتحـدة ، والممتدة من 1-11 نوفمبر الجاري 2017 ، اكسبو الشارقة ، استضاف أتحاد كتاب وادباء الامارات –  دبي ، يوم الاحد المصادف 12 منه ، الكاتب العراقي  يوســف ابو الفوز ، القادم من محل اقامته في فنلندا ، في ندوة ثقافية ادبية ، بمقر الاتحاد ، ادارتها الشاعرة العراقية كريمة السعدي ، تناول فيها الضيف ملامح من المشهد الثقافي العراقي والعربي وتجربته الادبية في القصة والرواية ومعاناة المثقف عموما .
 وتحدث عن ابرز ملامح كتاباته سـواء في وطنه العراق ، منذ  كتب اول قصة قصيرة وهو في سن الثالثة عشر من العمر، وثم عن تعدد وتنوع محطات هجرته بعد اضطراره لمغادرة وطنه عام 1979 مرورا بالكويت ومحطات عديدة حتى استقراره عام 1995 في فنلندا  ، حيث ظهرت كتاباته الصحفية والقصصية في العديد من الدوريات والنشريات العراقية والكردستانية والعربية والفلندية. وتحدث عن اهمية تجربته في فنلنـدا، حيث التجربة الحضارية المتطورة والتعدد الثقافي وحوار الحضارات ومواضيع الهجرة واللجوء والحركات العنصرية وتواجد الجاليات العربية والاسلامية.  تطرق الكاتب الى كتاباته  الصحفية ونتاجاته الادبية مثل  مجموعته القصصية "طائر الدهشة" والتي ترجمت الى اللغة الفنلندية ، ورواياته "تحت سماء القطب " و"كوابيس هلسنكي "، وجهوده واسهاماته الفعالة في المشهد الثقافي ومنها اهتمام المدارس الفنلندية بتدريس بعض قصصه ومسرحتها لانها مبنية على لغة التسامح والحب والتعايش بين فئات المجتمع، وتوجت نشاطاته بالتكريم بجائرة الابداع للعام 2015 كذلك تكريمه براية المدينة من محل اقامته وكلتا الجائزتين لاول مرة تمنحنان في فنلندا لكاتب من اصول اجنبية .
 تخلل النـدوة مداخلات وحوارات مهمة ، واجابات الكاتب الضيف على اسئلة واســتفسارات الحضور الذي تميز بحضور نسوي متميز . وفي الختام وزعت الشهادات التقديرية من قبل رئيسة الهيئة الادارية للاتحاد الشــاعـرة الاماراتية الهنوف محمد  تكريماً للكاتب يوسف ابو الفوز وكذلك للكاتبة كريمة السعدي ، وقد نالت الامسية الثقافية هذه استحسان واستمتاع الحضور والمهتمين بهذا الشأن ، وبنهاية الندوة وقع الكاتب الضيف بعضا من كتبه هدية للحضور، واخذت الصور التذكارية بهذه المناسبة .


110
ندوة للكاتب يوسف ابو الفوز في دبي

يدعوكم اتحاد ادباء وكتاب الامارات ـ فرع دبي ،

لحضور ندوة عن تجربة الكاتب يوسف أبو الفوز

تدير الندوة الكاتبة كريمة السعدي

وذلك يوم الاحد 12 / 11 الساعة السابعة مساءا

في مقر الاتحاد بمكتبة دبي العامة فرع الطوار الطابق الاول

والدعوة عامة

111
المنبر الحر / أَكْو .. ماكْو !
« في: 18:02 06/11/2017  »
الكَلامُ المُباح (149)
أَكْو .. ماكْو !
يوسف أبو الفوز
بَحثتٌ طَويلاً عن كِتاب «مِن تُراثنا اللُغَويّ القَديم» للعَلاَّمة البِاحث والمُؤَرِّخ العراقي طَه باقِر (1912 ـ 1984)، صاحِب أَفْضَل تَرْجَمة لمَلحَمةِ جلجامش. وأخيراً أعارني أيّاه، مشكوراً، صَديق عَزيز، فمَنحني فرصةً جَميلةً للسياحةِ مَع الكَثير من المفْرداتِ، الَّتي دخلت تراثنا اللُغَويّ في العراق،ونَظُنُّها دَّخِيلّة وَأَعْجَمِيّة بَيْنَمَا يوَضَّحَ الكِتاب اِسْتِناداً إِلى الأبْحَاثْ وَالتَّحَرِّيَاتُ الأثَرِيّة، بأنها في حقِيقَتها ذاتُ أُصولٍ لُغَويّة أَكدّية وَسومّرية. وَمَن أَشّهر ذلك رُبَما ما عُرف عن اِسْتَخْدَام العراقيين لمفْردات مثل «أَكو .. ماكّو» ،الَّتي وحسَب الكِتاب، تُبين النُّصُوص المِسمارّية أنها تعني « يوجد .. لا يوجد» والَّتي ظَلَّ العراقيون مُنذ ذلكَ الحِين يَسْتَخْدِمُونَها في حَدِيثهم اليومي بنفس اللَّفْظ والمَعْنَى. وتوقفتُ عندَ العَديدِ من المُفردات، ورحتُ أتبادلَ الحَدِيث حولها معَ جَلِيل، وإذّ لاحظَ الجَمِيع أني أحملُ الكِتاب مَعي، راحوا يَنبشّون ذاكرتهم اللُغَويّة ويَسألّون عن مُفْرَدَاتُ من هُنَا وهُنَاك وكنت أحاولَ جاهداً ان أبحثَ لهم عنها في صَفحّات الكِتاب.
ومن ساعة دخولنا بيت صدّيقي الصَدّوق أَبُو سُكينْة، فهمتُ أنه مَهموم بمتابعة أخبار أقرباء لأم سُكينْة، تمّ نقل أطفالٍ لَهم مصابين بالربوِ الى المستشفى، كانوا ضمنَ المتضرّرين بحالات الأختناقِ الّتي أعلنت عنها الدَوائر الصحية في العديدِ من المُدن العراقية بسبب العواصفِ الترابية، الّتي ضربت البّلاد مؤخراً. وإذ عَبرتُ عن أسفي قال أَبُو جَلِيل: مدن تضرّبها عواصف ترابية ومدن بدون ماء ومدن مستشفياتها تعاني من نقص في الادوية ومدن ...
قال جَلِيل: ولهذا تأسس تَحالف القوى الديِمقراطّية المَدنية (تقدم). فضمن أهدافه توفير الأمن والأستقرار والنهوضِ بالواقعِ المعيشي والثقافي والصحي والخدمي عموماً، لأن احوال البلاد لم يعد يمكن السكوت عن تدهورها.
قلتُ مشاركاً في الحديث: ولن يتحقق أي تغيير في البلاد ان لم نتخلص من نهج المحاصصة الطائفية والاثنية، وما جره على بلادنا من مآس وويلات، ونبني الدولة المدنية الديمقراطية، الضامنة لحقوق وحريات سائر أبناء الشعب العراقي، على اختلاف انتماءاتهم وهوياتهم، ومعتقداتهم الدينية والمذهبية والقومية والفكرية، وثقافتهم الاجتماعية، بعيداً عن كل أشكال التعصّب الديني والطائفي والقومي والعشائري والمناطقي، والسياسي الضيق.
قال أَبُو سُكينْة: بروح موتاك ما تفتح لي هذا الكِتاب الّذي بيدك وشوف لي المرحوم طه باقر ماذا يقول عن السومريين، هلْ كانوا يتوقعون ان بلاد «أكو ..ماكو» وبلاد حمورابي، صاحب أقدم وأشمل القوانين في العالم، وبلاد ما بين النهرين، راح يعيشون أيام تشح فيها المياه وتنشف نهرانه ويصير بلاد «ماكو» وبدون " أكو "!


112
الكَلامُ المُباح (148)
فَوْقَ السَّبْعَة .. تَحتَ السَّبْعَة !
يوسف أبو الفوز
إِرْتبَاطاً بنتائجِ الاسْتِفْتاءِ في كُردستان،الّتي أَنْتَجَت وَضْعاً مُربِكاً في الاقليم وعموم البلاد، ما زالت تداعياته تتواصل. كان جَلِيل غَاضِباً، وهو يتحدث عن ما سماه "الْعَمَى السّيِاسّي" عند البَعْض ممن سماهم"ساسّة الصُّدْفة"في عمومِ البلاد، شّمالاً وجَنوباً، خصوصاً الّذين يَخْلطُون الأمور، وينشغلون بصغائرها تاركينَ ماهو أساسّي.وأكثر غضبه كان من البَعْض الّذين  يقودهم الاِخْتِلال في الرُّؤْية الى التحدث بلغة عِدائَّية ضِدّ الاخر،ومنهم من يطالب بمحاسبة ومعاقبة شعب بجَرِيرَةِ ممارسات قادته السياسيين.
من جانبي كان يغيضني، البَعْض الذي يحاول دسَ السُّم في العَسَلِ، ويتباكى على التَّيَّار المَدَنِي، ويَتجاهل موقفهم المُبكّرمن الازمة، ويبني أحكامه على أحاديث مقاهي، وتصريحات افراد، ويتجاهل المَوقِف الرّسمي، الذي أعلنه التَّيَّار المَدَنِي والحِزْب الشُيوعيّ، بالتحذير من إجراء الاسْتِفْتاءِ من جانبٍ واحد، كونه سيَقُود البِلاد الى أَزْمة ترمي به الى المجهولِ،وتكرار الدعوة الى الحوار وفق الدستور واضيف اليها مؤخرا الدعوة الى مقاضاة مرتكبي العنف والتهجير القسري في المناطق المتنازع عليها.
قالَت سُكينْة: لا أعتب على بسطاء النّاس من الجانبين،الّذين ينجرّون للتصريحات المستفزّة، فيكون ردهم بسلوك وتصريح اكثّر استفزازاً، مثل حرق الأَعْلَام أو اطلاق شّتائم شوفينية أو متعصبة ضيقّة، أن ما يغيضني جداً، هو أشباه المثقفين،ومن الجانبين بالطبع، فطرف منهم يتحدث بلغة عدائية مقيته، موروثة من قاموس البعث الشوفيني تجاه شركاء الوطن، والطرف الاخر يتحدث بروح تعصب ومظلومية ترى في الشريك محتلاً!   
قالَ صديقي الصَدوق أَبُو سُكينْة: أذا كان مطلوب مني المشاركة في الحديثِ، فلابد ان اذكركم، بأن لا تنسوا بَعْض السياسيين، في عموم البلاد، صغارا وكبارا، الّذين واصلوا دق طبول الحرب، ضد "عدو" أكتشفوه تواً، وكانوا لحد الامس القريب يتحاصصون معه السلطة والثروة. وقبل كل هؤلاء جميعاً لاتنسوا المتياسرين،الذين بزّوا الشيخ "كارل ماركس" وصاروا ملكيين أكثر من الملك.وحتى أكون أكثر عدلا لا تنسوا أيضا من صار يتباكى على وحدة الوطن، وهو لحد الامس القريب، يمسح الجوخ ـ بأقتدار وطني ـ للمسؤولين في دول قضمت حصتها من ارض العراق بموافقة نظام صدام حسين المقبور في سنوات حربه مع الجارة ايران. ولا تنسوا.....! فهؤلاء جميعاً يظنون السياسة، عبارة عن لعبة "فَوْقَ السَّبْعَة.. تَحتَ السَّبْعَة"، فلا تستغربوا منهم ان لا يفهموا مواقف التيار المدني وسياسة الحزب الشيوعي، ونظرته الواقعية للاحداث، فهم يستسهلون جرّ البلاد الى الحرب وخطاب الكراهية بين مكوناته لأن مصالحهم تكمن في هذا، ويحاولون التشويش على حقيقة باتت واضحة وجلّية تماما، بأنه بدون بناء الدولة المدنية الديمقراطية لا يمكن حل اي قضية والخروج من الازمات المتوالدة بسبب دولة المحاصصة الطائفية والاثنية !


113
ثلاث دقائق غيرت فنلندا !

لحظة القاء القبض على المعتدي
هلسنكي ـ يوسف أبو الفوز
في مدينة توركو الفنلندية، العاصمة التأريخية للبلاد، وفي سوق شعبي مفتوح، وسط المدينة، في 18 من آب الماضي، هاجم شاب من أصول اجنبية، تبين فيما بعد أنه طالب لجوء مغربي الجنسية (مواليد 1994)، المواطنين العزل بالسلاح الابيض، فقتل امرأتين وجرح ثمانية اخرين، وتمكنت الشرطة من الوصول الى المكان خلال ثلاث دقائق واطلقت النار على فخذ المهاجم واستطاعت توقيفه. وكانت الشرطة الفنلندية حذرة جدا في تصريحاتها حول الحادث، فلم تستبق الامور، وحرصت على عدم تسريب المعلومات الا بعد ان قطعت التحقيقات مع المعتدي شوطا كافيا لتعلن انها تتعامل مع الحادث كعمل ارهابي، ليسجل الحادث الاول من نوعه في فنلندا، ولتغير هذه الثلاث دقائق من الحياة في فنلندا بشكل كبير، ففنلندا ما قبل الحادث هي غير ما بعد ذلك !
حصل الكثير من التغيير في الجانب الامني، انعكس بشكل كبير على  مجمل ايقاعات الحياة في فنلندا وخلق نوعا من التوتر المجتمعي. فرغم أن الجهات الامنية أبقت مستوى التهديد الأرهابي للبلاد عند مستوى "مرتفع"، وهي الدرجة الثانية على مقياس من اربع درجات (منخفض ، مرتفع ، مرتفع للغاية وشديد) ، وكانت رفعت ذلك اثر الاحداث الارهابية في اسبانيا، الا ان الشرطة الفنلندية أصبحت في حالة تأهب دائم، وعلى حد تعبير وزيرة الداخلية "باولا ريسكو" (حزب الاتحاد الوطني الفنلندي ـ يمين تقليدي) :" لا يوجد لدينا شرطي بدون عمل". ولاول مرة في فنلندا، وبشكل لم تشهده البلاد سابقا، صار عناصر الشرطة يتجولون في الاماكن العامة وهم يحملون اسلحتهم النارية، وبجاهزية كاملة، في اجواء ومظاهر ترقب غير مشهودة سابقة، مع الصلاحيات الكاملة بأطلاق النار عند الحاجة، اضافة الى اعلان وزارة الداخلية عن  دعوة من يرغب من الشرطة المتقاعدين للعودة للعمل، والاعلان عن توظيفات جديدة في الوزارة وزيادة مخصصات عموم الوزرات الامنية، وتبعا لوزارة المالية فقد خصصت الحكومة أموالا إضافية لضمان الأمن الداخلي. واشار وزير المالية الفنلندي، وهو عمليا يشغل مهام نائب رئيس الوزراء، "بيتيري أوربو" (حزب الاتحاد الوطني الفنلندي ـ يمين تقليدي) إلى أن الحكومة ستصرف 17 مليون يورو إضافية لتشديد الإجراءات الأمنية وتخصيص 5 ملايين يورو إلى وزارة العدل و12 مليون يورو إلى الشرطة والأمن. من جانبه اثنى رئيس الجمهورية الفنلندية  "ساولي نينيستو" (الاتحاد الوطني الفنلندي ـ يمين تقليدي) ، في خطاب له ، أمام الاجتماع  السنوي للبعثات الدبلوماسية الفنلندية ، على جهود الجهات الامنية الفنلندية، ورغم انه بين أن فنلندا فيما يخص تطبيق قوانينها ملزمة بالاتفاقات الدولية، ما يخص حقوق الانسان، الا انه وبنفس الوقت أثنى على سياسة الحكومة الحالية، وكرر تصريحات رئيس الوزراء "يوها سيبلا" (حزب الوسط) في دعوته لتوسيع قوانين المراقبة وتغير الدستور وايجاد تشريعات تقر  للحكومة بذلك. وكان العديد من المسؤولين الامنين سبق وان اشتكوا من الحاجة الى قوانين تسمح لفنلندا باللحاق بباقي دول اوربا في مجال الرقابة الاليكترونية لمكافحة الارهاب، حيث لا تسمح  القوانين الحالية في البلاد للسلطات واجهزة الاستخبارات بمراقبة المجرمين والارهابيين المحتملين على الانترنت قبل أن يرتكبوا جريمة ما. وبينت تصريحات لوزيرة الداخلية الفنلندية في الايام الاخيرة، ان الاجهزة الامنية تقوم بمراقبة أكثر من الف شخص، بينهم  350 تحت المراقبة الخاصة من قبل جهاز المخابرات الامنية الفنلندية (سوبو)، مشيرة الى كون الاجهزة الامنية نجحت منذ عام 2012 بأحباط العديد من النشاطات الارهابية بما ذلك مهاجمة سياسيين او مدارس.
 واذ يرى بعض المراقبين ان توجهات الحكومة الحالية وإذ تدفع بأتجاه لتكون أجراءتها اكثر بوليسية، فأن هناك الخشية من ان الاجراءات الامنية لمكافحة الارهاب قد تستغل لتهديد التجربة الديمقراطية في البلاد وتنتهك حقوق الانسان، حيث تجد الجماعات العنصرية، واحزاب اليمين المتطرف فرصتها لتغذية روح الكراهية ضد المهاجرين واللاجئين واثارة الخوف والرعب في نفوس المواطنين الفنلنديين ، ودعا "يوسي  هالا آهو"، رئيس حزب الفنلنديين الحقيقيين، اليميني المتطرف، الذي يعتقد بأن الهجرة احد الاسباب الرئيسة للمشاكل الامنية للبلاد، الى احتجاز طالبي اللجوء، االذين حصلوا جوابا سلبيا والذين لا تزال ملفاتهم تحت الدراسة، في جزر خاصة لانهم وحسب اعتقاده يصبحون عاملا خطرا يهدد امن البلاد.
 وحاولت منظمات حقوق الانسان والمجتمع المدني وبعض الاحزاب اليسارية، من تهدئة الاوضاع، سواء بالتصريحات وانتقاد اجراءات وسياسة الحكومة اليمينية الحالية او بحضور الفعاليات التي ينظمها المهاجرين واللاجئين للتعبير عن التضامن، وتقديم خطاب متوازن يدين خطاب الكراهية ويؤكد على اهمية الحفاظ على حقوق الانسان بالرغم من كل شيء .
من جانب اخر نجد ان الاحداث المتتالية تلقي مهمات كبيرة على عموم المهاجرين واللاجئين المقيمين في فنلندا،قدامى وجدد، اهمها تقديم الصورة الحسنة والالتزام بقيم المواطنة وادانة اي سلوك مخالف للقانون، فالصحف الموالية لليمين المتطرف والجماعات العنصرية استثمرت كثيرا التجاوزات التي ارتكبها البعض من اللاجئين والمهاجرين، كحوادث السرقة والتحرش الجنسي والاغتصاب، وتم المبالغة فيها، لرسم صورة سلبية عن عموم الاجانب المقيمين في البلاد ولتغذي خطاب الكراهية الذي يخدم توجهات قوى اليمين الراغبة في البقاء في مواقع السلطة في الانتخابات التشريعية القادمة عام 2019 ولتستخدم موضوعة المهاجرين واللاجئين والارهاب كأوراق انتخابية.

 

114
خواطر لمن يهمه الامر : في القطار مساء الاربعاء !
يوسف ابو الفوز
كنت عائدا بالقطار الى هلسنكي من مدينة تامبيرا ( تقع 180 كم شمال العاصمة هلسنكي)، وتوجهت لمطعم القطار ،لأكل واشرب شيئا، من بعد نهار طويل ازدحم بأجتماعات عمل ولقاءات اصدقاء فنلنديين وعراقيين، من المقيمين او الوافدين الجدد . كان المطعم مزدحما، ورأى حيرتي بالبحث عن مكان مناسب ، رجل فنلندي يجلس وحيدا الى طاولة بمقعدين فدعاني لمشاركته طاولته، وبدأ الحديث باسئلة التعارف التقليدية، من اين انت ؟ وكم سنة لك في فنلندا، وماذا تعمل ؟ والخ. أعلن جليسي عدم أجادته الحديث بالانكليزية، وهذا اثار استغرابي، بحكم كون الشعب الفنلندي من افضل الشعوب الاوربية تحدثا بهذه اللغة، فأخبرته "بأن ذنبك على جنبك "، لان فنلنديتي، وحسب المثل الشائع تطلق دخانا، فقال ان دخان انكليزيته سيوقف القطار. ضحكنا وكانت بداية طيبة لحديث ودي استمر طيلة الرحلة لاكثر من ساعة ونصف. وانظم خلاله لحديثنا اشخاص من الطاولات المجاورة فصار اشبه بالندوة. محور الحديث كان : اللجوء الى فنلندا. كان حديثا عميقا ومتشعبا، ساعدني ان لي ذاكرة لا بأس بها، فكنت اتحدث بالارقام وبالوقائع الموثقة مما اعطى مصداقية لحديثي اكثر امام السامعين .
ومن خلال هذا الحديث، يتأكد لي ان جمهرة ليست قليلة من مواقف الاوربيين، ومنهم الفنلنديين، من عموم الاجانب مبنية في جوانب منها على تأثيرات الاعلام الموالي للحكومات اليمينية والاحزاب العنصرية، وتاتي في مقدمة ذلك صحف "التابلويد" الصفراء، التي تبحث عن الاثارة و"تعمل من الحبة قبة" كما يقال في بلداننا، وتنشر الكثير من التلفيقات وتغيّب الاسباب الحقيقية لاي قضية وتظل تنبش في الامور الثانوية.
انتهت الرحلة بشكل ارضاني جدا، فلقد وافقني جليسي على اغلب وجهات النظر التي طرحتها ووعد بان ينقل ذلك للاخرين . اعلن تفهمه لاسباب اللجوء والهجرة من بلدان الشرق الاوسط، التي تعاني من الاضطرابات والنزاعات لاسباب طائفية وعرقية وضعف الدولة وسطوة المليشيات المسلحة. وتفهم ان سياسة الحكومة الفنلندية الحالية بخصوص اللجوء بحاجة للمراجعة الجادة. وان الجهات المسؤولة عن مراكز استقبال اللاجئين عليها ان تبذل المزيد من الجهد لرعايتهم، نفسيا وصحيا، خصوصا فيما يخصص معالجة " الصدمة الثقافية". اتفق مع ادانتي لاي سلوك مخالف للقانون الفنلندي يصدر عن اي لاجيء. واتفقنا انه لا يوجد شعب سيء وانما هناك اشخاص سيئين يجب محاسبتهم وعدم ادانة الاخرين بجريرتهم. واتفقت معه بان الشرطة الفنلندية يجب ان تكون اكثر حزما مع "المخالفات الجنائية "، كالسرقات والاغتصاب، ان حدثت من قبل اللاجئين وان تدخل في ملف اللجوء. واشياء عديدة اخرى تناولها الحديث الودي المتشعب.
من خلال هذه اللقاء اجد ايضا ان الاخوة اللاجئين عموما ، قدماءا وجدد ، مطالبين اكثر للعمل الجاد للمساهمة في تبديد مخاوف الناس وخصوصا البسطاء من الفنلنديين، حتى لا يقعوا تحت تأثير الصحف الصفراء واكاذيب الجماعات العنصرية والاحزاب اليمينية وايضا الجماعات النازية. هناك أكثر من باب للدخول في الحياة الفنلندية وفي كسب الاصدقاء واقناعهم بكونهم اناس مسالمين باحثين عن حياة امنة بعيدا عن العنف والظلم، ويحترمون الاخر المختلف لكونه انسانا. ان المدن الفنلندية، تغص بالمكتبات والمراكز الثقافية، ويمكن زيارتها ومحاولة التعرف على ثقافة وتأريخ هذا الشعب وتجربته في بناء دولة متحضرة ونظام متقدم . وان البحث عن فرصة عمل، ممكن جدا، رغم كل الصعوبات وما يرافق ذلك. وشخصيا اتابع باعتزاز تجارب وجهود البعض من الاخوة العراقيين خصوصا من اللاجئين الجدد ، سواء حصلوا على جواب ايجابي او الرفض، ومثابرتهم ليبنوا حياتهم والاستفادة من فرصة وجودهم في بلد متطور وحضاري مثل فنلندا.
شيء اخر : حين توادعت مع جليسي والاخرين وغادرت القطار لحق بي على رصيف المحطة ينادي باسمي وقال : نسينا شيئا مهما : لنتبادل ارقام التلفونات!. ووعدني بأنه سيقرأ كتاباتي المنشورة باللغة الفنلندية ويكتب لي رأيه عنها. فعلنا ذلك وتعانقنا. كنت مسرورا لكوني كسبت صديقا جديدا لنفسي ولقضايا أبناء شعبي !
   

115
وجهة نظر : عن تمثال الكاتب غائب طعمه فرمان في موسكو

يوسف أبو الفوز

نقلت الاخبار من العاصمة الروسية،  موسكو، خبر ازاحة الستار عن تمثال نصفي من البرونز للأديب الروائي الرائد غائب طعمة فرمان  (1927 ـ 1990) ، في مكتبة اللغات الاجنبية في موسكو، وهي من المكتبات المهمة، وتعد قبلة لطلبة الدراسات العليا، لوفرة وتنوع الكتب فيها. ويأتي تدشين التمثال أعترافا بأنجازات فرمان الادبية كمؤلف ومترجم عن اللغة الروسية الى اللغة العربية ، وحيث يعد بشهادة معاصريه، واحدا من أبرز مترجمي "مدرسة موسكو" للترجمة من اللغة الروسية الى اللغة العربية .
رعا المشروع، وبلمسة وفاء للصداقة والاعتزاز بأنجازات فرمان ، صديقا الاديب الراحل، المترجمان عبدالله حبه وخيري الضامن، حيث دفعا من جيبهما الخاص تكاليف انجاز المشروع بالبرونز، بعد ان قام النحات المصري اسامة السروي بانجاز النسخة بالجبس ودون مقابل. وبين السيد عبدالله حبه في لقاء مباشر بالفيديو أجراه الصحفي سلام مسافر، ونشر على الموقع الاليكتروني لتلفزيون "روسيا اليوم "، ان الكثير من الجهات وعدت بالمساهمة المالية لانجاز المشروع ولكن للاسف لم يلتزم احد بوعده، وجاء في حديثه على ذكر اسماء وزارة الثقافة العراقية، الاتحاد العام للكتاب والادباء في العراق وجمعية المقيمين العراقيين في روسيا وايضا بعض الافراد.
الملفت للانتباه ، وكما بينت الصور المنشورة، ان النحات المصري لم يوفق في خلق أي شبه مع الروائي غائب طعمه فرمان (ربما ما عدا نظارته الطبية !) ، ورغم ان القائمين على المشروع افادوا بأن المهم  في المشروع هو أنه رمز من خلاله يمكن الاشارة الى اسم فرمان ودوره الريادي في الرواية العراقية، الا ان الامر يثير العديد من الاسئلة منها : الم يكن بالامكان ان يبادر فنان عراقي لعمل التمثال؟ وهل يا ترى تم الاتصال بفنانين عراقيين نحاتين معروفين لهذا الغرض، وفي البال عدة اسماء من محبي فرمان وكتاباته، وتم طرح الفكرة عليهم لاجل انجاز عمل فني يحمل شيئا من روح وملامح الاديب الراحل ؟
واذا سلمنا بمحدودية الامكانيات المالية للاتحاد العام للكتاب والادباء في العراق، فيا ترى الم يكن بامكان الاتحاد العام تبني الدعوة للمشروع والبحث عن داعمين ومانحين؟ وأيضا اليس من  المؤلم ان المؤسسات الرسمية العراقية المعنية، سواء وزارة الثقافة، أو السفارة العراقية في موسكو، لا تقوم باي مبادرة مالية للمساهمة ولو رمزية، والاخبار  والمعلومات تشير دائما الى حجم الصرفيات على الولائم والدعوات العامة، ويبين لنا ذلك انه بالامكان انجاز تمثال كامل وليس نصفي فقط  ان توفرت القناعة والارادة؟
ايضا، والمهم هنا، اود ان أثبت وللتأريخ، بأن الفنان الموصلي الراحل الدكتور احمد النعمان، الذي رحل عنا عام 2012 ، في لندن ، اخبرني شخصيا، وفي احدى احاديثنا الهاتفية، انه قام بنفسه بعد وفاة الاديب فرمان بإنجاز قناع جبسي لوجهه. مما يعني انه يحمل ويحفط ادق ملامحه، فيا ترى الا يستحق  انجاز تمثال مُقنع ومقبول، الاتصال بعائلة الفنان الراحل النعمان والاستفسار منهم عن القناع ومحاولة استعارته او اقتنائه بشكل ما والاستفادة منه فنيا، خصوصا وان القائمين على المشروع وبحكم قربهم من الراحلين، الاديب فرمان والفنان نعمان، أكيد لهم علم ما بموضوع القناع ؟ وما هو يا ترى مصير هذا القناع الان ؟ الا  يمكن الان لفنانين عراقيين اخذ زمام المبادرة والاستفادة من ذلك ؟
بأعتقادي أن الاشكالية التي ترافق هذا الحدث، واحوال الدولة العراقية، ومؤسسات الثقافةعموما، لا تقف عند وجود تمثال لا يشبه الاديب الراحل غائب طعمة فرمان، وانما ان ما يجري كله لا يشبه المطلوب حضاريا في تقدير وتقييم الثقافة والمثقفين .

 



116
الكَلامُ المُباح (146)
كُردّي مِن السَماوّة!
يوسف أبو الفوز
لطالما مازحني أصدقاء مقربين بكوني مستكّرد، إرتباطاً بما كتبتُ ويتعلق بالقضيةِ الكُردّية، هذا الأمرُ نفسه أستغله ضدي البعّض ليتهموني بموالاة الكُرد، ومنتقدين دفاعي عن حقوق الشعب الكُردي. وصار الاصدقاء يمزحون معي وينعتوني بكوني"كُردّي مِن السَماوّة"،فيوماً، وقُبيلَ سقوط النظام المقبور، وفي سجّال مع أحدهم في محفلٍ عام، أخبرته بأني أعتبر نفسي كُردياً أكثر منه، لأن الأنتماء لقضية وشعب ما،لا يكون عندي بالدم واللغة، وإنما بالأيمانِ بقضية هذا الشعب ومشروعيتها، وإلا كيفَ ننظرُ لإنتماء الالاف من المرتزقة الجحوش الذين باعوا ضمائرهم وكانوا عوناً لقواتِ النظام الفاشي ضد أبناء جلدتهم؟وعليه فأني أفتخر كوني كردياً من السماوة وأن كنت منحدراً من قبيلة عربية، ولأني دفعت لهذا الأنتماء سنوات زهرة شبابي في جبال كٌردستان، خلال فترة التحاقي بحركة الكفاح المسلح ضمن قوات الأنصار الشيوعيين، في نضالها المشرف ضد النظام الشوفيني البعثي، وتبنيت قضية الشعب الكُردي بحكم أيماني بحق الشعوب في تقرير مصيرها.
حكيتُ كل هذا، بعد أن تلقفت سُكينْة تذمّري، من ما يطفو من خطاب الشوفينية والتعصب القومي عند فئات معينة من الناس، يغذيه الصراع السياسي المتعلق بموضوع إستفتاء كُردستان، فنجحت في دفعي للحديث.
قال جَلِيل: أن من الخطأ الجسيم اللجوء إلى مواقف تصعّد روحية العداء بين الشعبين العربي والكُردي،وإطلاق التهديدات المتقابلة،  مما يشجع أطراف خارجية على التدخل في شؤون بلدنا الداخلية، ويوفر الفرص لقوى الارهاب ايضا وللمجموعات غير المنضبطة لتنفيذ مشاريعها المزعزعة للأمن والاستقرار.
قالت سُكينْة تضامناً معي: بغض النظر عن موضوع الإستفتاء، وتوقيته،وهل الظروف المؤاتية متوفرة؟وهل سبقته تهيئة واجبة؟ فهذه قضية سياسية قبل كل شيء، ولكن الا يفكر هؤلاء الساسة، خصوصاً ممن يغذّون الفتنة، بمستقبل الاجيال القادمة وهم ينشرون خطاب الكراهية بين شعبين لطالما أمتزجت دموعهم ودمائهم في دروب الكفاح لاجل حياة أفضل؟
سعل صديقي الصَدوق أَبُو سُكينْة، وكنت أراه كيف يزّم بشفتيه لأخفاء غضب يتصاعد في داخله:لا أناقش في مشروعية حقوق اي شعب، ومنها الشعب الكُردي بالتأكيد، لكني أشعر بالغيض من تجار السياسة وتجار الحروب وتجارالــ ...،هؤلاء إلا يفكرون بمستقبل هذا التعايش والتعاشق التأريخي بين الشعب العربي والكُردي؟ لا تزعل يا صاحبي أنت يا كُردي السماوة.. أعتقد ان هؤلاء السياسين والتجار الخردة يجهلون أن أكبر مدينة كُردية في جغرافية العراق هي بغداد... لا تفتحوا عيونكم وتستغربوا هذه المعلومة.. هذه حقيقة سمعتها بأذني من قادة كُرد تأريخيين لاكثر من مرة وهم لا ينطقون جزافاً. فيا ترى كيف سيكون مصير بغداد الكُردية مستقبلاً أمام خطاب الكراهية والشوفينية والتعصب القومي اذا أصبح هو السائد في حياتنا ؟


117
الفنان عبد الامير الخطيب وحوار عن "الثقافة الثالثة"

هلسنكي ـ كتابة وتصوير :  يوسف أبو الفوز
في العاصمة الفنلندية ،هلسنكي ، وفي مساء 21 أيلول ، وبالتنسيق بين "مركز الثقافات العالمي" ـ Caisa)) و"بيت الثقافة في مالمي" ـ (Malmitalo) اقيمت أمسية للفنان العراقي عبد الامير الخطيب تحت عنوان : "حوار مفتوح حول الثقافة الثالثة". وحضر الامسية نخبة من المشتغلين بجوانب الابداع المختلفة ومعنيين بموضوعة الثقافة والهجرة، بحكم انتمائهم لجنسيات وثقافات مختلفة . وبعد ان تحدث الفنان الخطيب عن مفهومه للثقافة الثالثة كمصطلح افتراضي كمرحلة متقدمة في عمل المشتغلين بالثقافة خصوصا المهاجرين الذي يحملون معهم ثقافة بلدهم (الثقافة الاولى) ويعملون وسط ثقافي اخر في المهجر (الثقافة الثانية) فالنتائج تؤدي الى ظهور منتج ثقافي يتسلح بالتزاوج ما بين الثقافات المتعددة لينتج ثقافة جديدة بعمق اخر هي (الثقافة الثالثة )، والتي هي حسب الفنان الخطيب " حصيلة خليط واسع الوفرة من نظم ادراكية ومنظومات لا ادراكية خاضع للتطور عبر تفكيك منظومات الأساليب التقليدية الموروثة". وجرى حوار وسجال حيوي حول افكار المحاضرة ، واحتل موضوعة دور اللغة في رسم الهوية الثقافة للاعمال الادبية حيزا مهما، اشترك فيه العديد من الحاضرين ، الذين تنوعت جنسياتهم ونوعية الاشتغالات الثقافية التي يهتمون بها .
تجدر الاشارة الى ان الفنان عبد الامير الخطيب من مواليد النجف 1961 ، وصل فنلندا عام 1990 ،اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة . أسس عام 1997 مع خمسة اشخاص مشروعه الفني "شبكة الفنانين المهاجرين في اوربا" ـ (EU- MAN) ، والتي مقرها هلسنكي ، والذي يضم الان اكثر من اربع مئة فنانا محترفا ينتمون لاكثر من 40 بلدا ،  يشكل الفنانون العراقيون نسبة كبيرة منهم ، واصدر مجلة فنية فصلية تعني بالثقافة التشكلية بعنوان (ألوان كونية)  وصدر منها اكثر من 80 عددا ، واهتمت الشبكة بتنظيم المعارض الفنية المشتركة في في اكثر من اثني عشر بلدا اوربيا.

 


118
وجهة نظر : إنفصال أم تقرير مصير؟
يوسف أبو الفوز
لم أقدم سنوات زهرة شبابي، والتحق بحركة الكفاح المسلح في جبال كردستان، لاشهد مثل هذه الاجواء المشحونة بدق طبول الحرب وتصاعد مشاعر الكراهية، بين شعبين، عاشا عقودا طويلة، بتاريخ وهموم واحلام مشتركة، ولطالما غنينّا للشراكة بينهما التي تحطمت على صلابتها مخططات الاستعمار والصهيونية في المنطقة !
وبأعتقادي ان قضية أقليم كردستان، وما يجري الان، لا يمكن ان تمر ببساطة عبر الجواب "لا" أو "نعم" في الاستفتاء الذي تنادي به القيادة الكردية الحالية للاقليم، حيث تتصاعد روح التعصب القومي  في الاقليم ، تساعد على ذلك مناورات بعض الاحزاب الكردية مستغلة مشاعر الناس واحلامهم المشروعة، وتنتفض من الجانب الاخر في المناطق العربية الروح الشوفينية، مغلفة بالشعارات الوطنية ومتباكية على وحدة العراق.
وسط هذه المعمعة، أجد ان بقايا البعثيين واترابهم لا يستحقون حتى الرد، فبعضهم يحاول استغلال الفرصة والاساءة لمواقف القوى الوطنية، التي طالما ناضلت وقدمت التضحيات لاجل مستقبل الوطن الحر والسعيد ، فهولاء وحين ثلم "القائد اللاضرورة" الخارطة العراقية من جهة الاردن وتنازل عن حقوق العراق في المنطقة المحايدة، التي اختفت بعدها من الخرائط، بسبب رغبته في كسب تأييد الاردن والسعودية في حربه مع الجارة ايران، لم ينطق احد منهم بكلمة عن حرمة التراب العراقي. الان صار الجميع يتغنون بحب العراق، بل وثمة من يدعو القائد العام للقوات المسلحة للتصرف للحفاظ على وحدة العراق. أنهم يدقون طبول الحرب والكراهية ويدفعون بمستقبل الاجيال القادمة الى الهاوية المجهولة.
من جانب اخر، لا احد يستطيع انكار مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، وكون الشعب الكردي صار ضحية الاتفاقات الدولية الاستعمارية ما بعد الحرب (سايكس ــ بيكو 1916) ، بملايينه الموزعة على تركيا وسوريا وايران والعراق، وان له الحق، بل وكل الحق، بأن يمتلك دولته الوطنية، ولكن السؤال الكبير عندي هو : متى وكيف ؟
بعض القيادات الكردية ـ بمختلف الالوان السياسية ـ تريد ان تدخل التأريخ مستثمرة مشاعر الكرد وحلمهم المشروع بالدولة القومية، فراحت تنادي للاستفتاء ملوحة بالانفصال عن الدولة العراقية الاتحادية التي ارتضوها وصوتوا على دستورها وكانوا عاملا حاسما في اقراره، وباركوا الحكم وفق مبدأ المحاصصة الطائفية والاثنية طالما كان مفيدا ونافعا لهم .
اعتقد ، بأن احد اطراف المشكلة الحالية ، هو كون ان البعض يفهم " حق تقرير المصير" وكأنه " الانفصال"  الفوري فقط ، دون ان يكلف نفسه الرجوع الى الادبيات الكلاسيكية، ماركسية أو غيرها ــ حول ذلك  ويراجع تجارب الشعوب، ليجد ببساطة ان "الانفصال" هو أخر العلاج. في أدبيات الحزب الشيوعي العراقي (تأسس 1934) وهو أعرق حزب سياسي عراقي، واول من رفع شعار تقرير المصير للشعب الكردي، طالما قرأنا عبارة مثل " النضال من اجل حقوق الشعب الكردي بتقرير المصير بما في ذلك حق الانفصال وتأسيس دولته المستقلة"، والقراءة المتمعنة لهذا تعني ان هناك تدرجا في اشكال تقرير المصير واخرها هو الانفصال. فتقرير المصير،  الذي هو مصطلح في القانون الدولي ويعني منح الشعب أو السكان المحليين إمكانية أن يقرروا شكل السلطة التي يريدونها وطريقة تحقيقها ، يبدأ من التمتع بالحقوق الثقافية، يليه اشكال من الحكم الذاتي ( كتالونيا ــ الإسبانية)، يتطور ذلك الى شكل الحكم الفيدرالي (العراق بعد 2003)، أو الحكم الكونفيدرالي (الاتحاد الاوربي)، واذا نضجت الظروف وتكاملت يمكن ان يحدث الاستقلال الناجز. ومن الضروري الانتباه الى ان الماركسية تعلمنا بأن وجهات نظر ماركس ولينين عموما، وحول تقرير المصير أيضا، اذا كانت صحيحة وصائبة في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، فأن كثير منها قد يفقد صحته مع حلول القرن الواحد والعشرين، وان حرق المراحل يدخل اي طرف تحت مظلة التطرف اليساري .
ما يجري الان ، وان كان في اطار مناورات سياسية، فهو بالحقيقة القفز على كل المراحل وحرقها ليكون الامر أشبه بولادة طفل في مرحلة مبكرة للغاية (مثلا في 27 أسبوعاً أو أقل بينما الولادة الطبيعية هو 37 اسبوعا)، ، دون ان يكتمل نمو اجهزته الداخلية، ليكون طفلا صحيحا ينمو بدون اي مشاكل ليكون انسانا بالغا، حيث سيظل يحتاج إلى رعايته في وحدة العناية المركزة ويكون عرضة لخطر كبير وقد يموت.
وأذا اقررنا باعتبار  استقلال شعب، بكيان سياسي مستقل هو ثورة ، فهل يمكن للثورة ان تحدث دون ان تتوفر شروطها الموضوعية والذاتية ، كما تعلمنا ابجديات النضال الثوري؟ ان تأسيس دولة كردية هو ثورة بحق، سواء ان كانت بحركة مسلحة او باستفتاء سلمي، ولكن ما هي ظروفك الذاتية يا شريكي في الوطن، وما هي ظروفك الموضوعية التي ستحيط بدولتك القادمة التي نحلم بها معك؟
طيلة سنوات الاحتراب بين العراق وايران وتركيا، لم يتوقف التنسيق وحتى اللقاءات المباشرة بين الجهات الامنية ـ مؤسسات وزارة الداخلية وغيرها ـ وعبر قنوات مختلفة ، حين يتعلق الامر بالقضية الكردية ، فهم متفقون دائما على ذلك وان احتربوا على قضايا اخرى. وأن اسرائيل ، الدولة العنصرية، التي تضطهد وتسلب حق الشعب الفلسطيني لا يمكن لها ان تكون سندا حقيقيا لشعب أخر يناضل لاجل حقوقه، فالامر بكل بساطة هو استثمار خاص بسياستها في المنطقة، واما الولايات المتحدة الامريكية، التي اسقطت نظام الطاغية صدام حسين لم تأت بجيوشها لسواد عيون العراقيين والكرد، او لاكل التين المجفف ـ على حد قول احد القادة الامريكان ـ بل لاجل مصالحهم في المنطقة، والتاريخ يبين لنا بانها حليف غير مؤتمن لقضايا الشعوب العادلة، ولا يمكن ان تكون حاميا لدولة كردستان المستقلة.
يجب ان نتذكر دائما ، من تجارب الشعوب ، بأنه لا يمكن لاي قائد سياسي، مهما كانت براعته، ان يحقق اهدافه المشروعة ان لم يلتف حوله ابناء شعبه، وتكون جبهته الداخلية متراصة وموحدة، وبنظرة خاطفة نجد ان الشعب الكردستاني حاليا بمكوناته المختلفة منقسم بشكل واضح، سياسيا واداريا وماليا، والاقليم في العراق يعاني من مشاكل اقتصادية وسياسية عميقة، وقوى الفساد الاداري والمالي تتحكم بمقدرات الناس وتنخر في حياة الاقليم على عدة مستويات.
وأن الحكومات المتتالية في بغداد ، من بعد سقوط الصنم ، خصوصا حكومات نوري المالكي، العاملة وفق نظام المحاصصة الطائفية والأثنية، أثبتت فشلها في التعامل مع حكومة الاقليم، وكانت سببا مباشرا في صعود "داعش" وأحتلال الموصل، لكن هذا لا يمنح الحق للقيادات الكردية الحالية، ان تتعامل مع الشراكة في الوطن العراقي وفقا لرد الفعل على سياسة طرف من العملية السياسية، لانهم ببساطة لا يمثلون كل العراق، مثلما ان قيادات الاقليم الحالية لا تمثل كل الشعب الكردستاني !
ان الاستجابة لدعوات الحوار، ما بين الاقليم والمركز في بغداد ، وحل الامور بالمفاوضات، ووضع خطة طريق بضمانات لمستقبل البلاد وشكل تقرير المصير، هو الحل الذي يضمن السلام في المنطقة والتعايش بين شعوبها، ويجنبها ويلات قادمة تنعكس على مستقبل اجيالنا القادمة .
12 أيلول 2017
 

 

119
المنبر الحر / الإِعْصَارُ !
« في: 16:57 11/09/2017  »
الكَلامُ المُباح (145)
الإِعْصَارُ !
يوسف أبو الفوز
حينَ دَخلتُ بيتَ صديقي الصَدوق أَبُو سُكينْة، كان السكون يعمُ الجميع، وإذ القيت التحية، ردَ الجميع بخفوتٍ وهم منشغلين بمتابعة تقريرٍ تلفزيونّي عن إِعْصَارِ "إرما"، الذي ضربَ مناطق مختلفة من منطقة بحر الكاريبّي وتسبب بأضرارٍ واسعة وفيضانات وهدم مباني وأدى الى مقتلِ البعض من الناسِ لاسبابٍ مختلفة.
كنتُ وزوجتي تابعنا تفاصيل ذلك مسبقاً، وقرأتُ لها ما نشرته وكالات الانباء عن كون "المركز الوطني الأمريكي لمراقبة الأعَاصِير" أعلنَ أن المنطقة لم تشهد  إِعْصَاراً مدمراً مماثلاً منذ العام 1928،  فالأعَاصِير المصنفة في الفئة الخامسة، تكون نادرة، وان سرعة رياح إِعْصَار إرما والمصنف في نفس الفئة  تبلغ 300 كيلو متر في الساعة، وتبعاً لذلك فأن العديد من الدولِ الأوروبية أبدت مخاوفها مسبقاً من نتائجِ الإِعْصَارِ، وتوقعت أن يضرب بالاضافةِ لسواحلِ مدن أمريكية بعضا ً من السواحلِ والجزر الأوروبية، ولهذا أعلنت فرنسا حالة التأهب القصوى، وأستعدت بريطانيا وهولندا وغيرها، وقدرت "الأمم المتحدة" أن نحوَ 37 مليون شخصاً قد يتضرّرون جراء هذه الكارثة الطبيعية وأن التعافي من هذه الكارثة سيستغرق شهوراً طويلة.
ما ان أنتهى التقرير حتى قالت أم سُكينْة: هذا غضب من رب العالمين، على الجورِ والظلمِ في العالم.
سارعت سُكينْة وقالت لامها: وما هو رأيك بالذي يقول ان هذا غضب الارض على البشر، لانهم أخلوا بالتوزان الموجود في الحياة، كثرة أعداد البشرِ والتلوث والاحتباس الحراري والحروب و ...
 كنتُ أتابع الحوار الذي تعددت وتقاطعت فيه الاراء، وبنفس الوقت أراقب صديقي أَبُو سُكينْة الذي كان صامتاً وحزيناً، وإذ أنتبه لي سعل وقال: أعرفك تنتظر وتريد مني تعليق  حتى تكتبه، لكن مثل ما تعرف أحاول دائما ربط الامور بما يجري عندنا في وطننا، وكنت أفكر صحيح ان العراق بعيد عن منطقة الكاريبي لكن أيضا عندنا أعَاصِيرُ مدمرة، ونادرة ولا تعرفها بلدان العالم، إِعْصَارنا لا يدمر ويفجر خطوط الكهرباء مثل ما قالوا بالتلفزين لان والحمد لله كهرباء ما عندنا مثل دول العالم،وإِعْصَارنا سرعتة عالية جداً ومثالية، لانه يشفط في طريقه الملايين والمليارات، واذا قُتل بالعشرات بسبب إِعْصَار إرما، فإِعْصَارنا من بعد سقوط الطاغية صدام ولحد الان تسبب في حصدِ ارواح الاف العراقيين، وبمختلف الطرق، واذا إِعْصَار إرما دمرَ مباني فإِعْصَارنا دمرَ بلد، واذا التعافي من إِعْصَار إرما يستغرق شهوراً طويلة،فتعال نحسب معاً  كمْ سنة حتى يقدر وطنا ان يقف على رجليه من نتائج إِعْصَار المحاصصة الطائفية والفساد وغياب القانون ؟!


120
أمسية الشاعر كريم هداد في هلسنكي

كتابة : يوسف أبو الفوز                
تصوير : حسنين رسول

من "مشروع الضوء الجانبي الثقافي  ـ Sivuvalo " وعلى قاعة مركز الثقافة العالمي"Caisa" في العاصمة الفنلندية ، هلسنكي ، احيا الشاعر العراقي القادم من السويد كريم هداد امسية شعرية تميزت بالحضور العراقي والفنلندي وحضور اسماء بارزة من الكتاب والفنانين العاملين في حقول الثقافة في فنلندا، تحدث فيها الشاعر الضيف عن تجربته الشعرية والظروف المؤثرة عليها ولخصها بالاجواء الفكرية والسياسية في عائلته واهتمام مدرسيه في مرحلة الدراسة الاعدادية، وبادر احد مدرسيه ونشر له نصا وعمره 16 عاما، والاجواء العامة الثقافية والسياسية في مدينته السماوة وعموم العراق، وتحدث اضطراره لمغادرته بلده عام 1982 الى الكويت، اثر سياسات القمع التي اتبعها نظام صدام حسين الديكتاتوري في سبعينات القرن الماضي ، حيث عانى وعائلته ظروفا صعبة من المراقبة والملاحقة البوليسية، واعتقل وعمره 17 عاما وتعرض للتحقيق التعسفي وللتعذيب لرفضه الانضمام لحزب البعث . وتناول محطات رحلته مع المنفى التي بدأت من الكويت التي وصلها سرا في رحلة مشيا على الاقدام عبر صحراء العربية السعودية ، مرورا بالاقامة والعمل في سوريا وليبيا وهنغاريا وثم لجوءه الى السويد عام 1991 .
وتحدث عن قصيدته التي قال انه اجتهد لتكون قصيدة عراقية بأفق انساني، وكون اقامته في السويد ، كبلد اوربي متطور ، منحه مساحة واسعة من الحرية في التعبير عن افكاره مما حوله وما يجري في بلاده والعالم .  وقرأ نماذجا من قصائده باللغة العربية، وقرأ الشاعر اخلد المظفر بعض القصائد للشاعر الضيف باللغة الانكليزية، بينما قرأت الشاعرة البيروية زويلا زوس قصائد للشاعر الضيف مترجمة الى اللغة الفنلندية والاسبانية .
اعقب ذلك حوارا حيويا بين الشاعر والجمهور العراقي والفنلندي تناول وجهات النظر ، وقام بالترجمة خلالها الشاعر اخلد المظفر .
وادار الامسية ببراعة وحيوية المترجم الجزائري حمزة عماروش ويذكر ان فرقة بغداد صاحبت قراءة الشعر بعزف مقاطع موسيقية وقدمت بعض الاغاني العراقي خلال التوقفات .
الامسية ابتدات بحديث للكاتب يوسف ابو الفوز عن طفولة الشاعر الضيف مع عرض بعض الصور عنه ، واختتمت بوقفة صمت على ارواح الضحايا في حادث الاعتداء بالطعن الذي حصل في مدينة توركو مؤخرا .
اعقب الامسية جلسة مفتوحة في الحوار مع الشاعر مع الشاي والقهوة والمعجنات والموسيقى العراقية . وحضر الامسية العديد من ممثلي وسائل الاعلام .
ومن الجدير بالذكر ان الشاعر العراقي الضيف من مواليد مدينة السماوة 1961 ، وصدر للشاعر العديد من الدواوين الشعرية منها  "جنوبا..هي تلك المدينة.. تلك الأناشيد ـ شعر ـ دار ورد ـ دمشق 2001" ، حيث لا ينبت النخيل ـ شعرـ دار المدى ـ دمشق 2005 الذي كتب له مقدمة الشاعر سعدي يوسف ، وترجمت بعض دواوينه الشعرية الى اللغة السويدية .



121
المنبر الحر / الملاكمة والسياسة!
« في: 17:09 28/08/2017  »
الكَلامُ المُباح (144)
الملاكمة والسياسة!

يوسف أبو الفوز
كانت سُكينْة منزعجة ، كون اقتراب موعد الانتخابات دفعت قوى سياسية لشن حملة سياسية ظالمة ضد القوى المدنية والديمقراطية، ومنها الحزب الشيوعي في اطار الصراع السياسي حول مستقبل البلد.

قال جَلِيل : وللاسف ان البعض يحاول ان يلبسه ثوب صراع "مدني اسلامي "، متناسين ان المطالبة بالاصلاح والتغيير ومحاربة الفساد وتوفير الخدمات والمطالب المرتبطة والمتفرعة عنها لا تخص المدنيين فقط ، وإنما هي مطالب شعبية ووطنية .

قالت زوجتي : والبعض يفتري بأن المدنيين والشيوعيين لم يقدموا شيئا تجاه المعركة ضد الارهاب ، ويتناسون الشهداء الذين ساهموا بدمائهم في المعركة، وكون المعركة ضد الارهاب معركة وطنية، وأيضا انها ليس فقط معركة عسكرية ، بل متعددة الجوانب، لها أبعاد سياسية وثقافية واقتصادية – اجتماعية ، وكان المدنيون في الطليعة دوما في فضح قوى الارهاب والعوامل المساندة لاستمراره .

مساهماً في الحديث قلت: وماذا تتوقعون من قوى تصارع لأجل الحفاظ على مصالحها ومراكزها، هل تستسلم بسهولة، ان أي خطوة أصلاحية ستهدم جدار نفوذها وتقرب المسافة نحو التغييرالمطلوب، لذا فهي تلجأ الى ذر الرماد في العيون واللعب الخشن والضرب تحت الحزام حتى تضمن فوزها و ...

قال أَبُو جَلِيل : شنو احنا بحلبة ملاكمة .. تايسون ومحمد علي كلاي و ...

سعل صديقي الصَدوق أَبُو سُكينْة، بصوت عال فالتفتنا اليه وتوقف أَبُو جَلِيل عن كلامه ، فقال أَبُو سُكينْة :

ـ والحالة أتعس يا صاحبي ... رياضة الملاكمة بيها قوانين وبيها أصول وبيها أخلاق فرسان لكن في حالتنا، واذ يتعلق الامر بكشف الفاسدين وخسارة المصالح وسيادة القانون ومؤسسات الدولة وعودة الهيبة للدولة، هذه القوى مستعدة لعمل كل شيء، يمكنها ان تلبس يوميا ثوبا جديدا، وتفهم السياسة بانها فن الكذب والأفتراء والتشهير واتباع مبدأ الغاية تبرر الوسيلة بالضبط مثل ايام نظام البعث المقبور، سياسة بلا اخلاق ولا دين والمهم الوصول للغاية مهما كانت النتائج، والواحد منهم يعتقد نفسه يفهم بكل شيء ، ويعتقد انه يستطيع خداع الناس طويلا.

122


في هلسنكي ورشة عمل عن أهمية الثقافة في التعايش بين الشعوب


هلسنكي ـ متابعة

على حدائق المتحف الوطني الفنلندي، وبالاشتراك بين مركز الثقافات العالمي والمتحف الوطني الفنلندي ومكتب منظمة اليونسكو في فنلندا (UNESCO  منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة)، في يوم السبت 12 اب ، ولمدة ثلاث ساعات ، نظمت ورشة عمل اشترك فيها نخبة من الناشطين والمنتجين في المجالات الثقافية ، كتاب وفنانين تشكيلين وموسيقين، من فنلندا ومن المهاجرين المقيمين في فنلندا، ومن مختلف البلدان (العراق، الصين، فلسطين، الاردن، الهند ، رومانيا ، الجزائر ، سوريا ، تركيا وبيرمانيا ).  افتتحت ورشة العمل السيدة لينا مارسيو، مديرة مكتب اليونسكو في فنلندا حيث اكدت في كلمتها، على كون منظمة اليونسكو اهتمت كثيرا بالشؤون الثقافية ، ومن ذلك تحقيق التوسع في مفهوم التراث الثقافي وحمايته والحفاظ على التنوع الثقافي، وكون فهم التراث الثقافي غير المادي للمجتمعات المحلية المختلفة  سيساعد على تعزيز الحوار بين الثقافات.


كان الموضوع والسؤال الأساس الذي تحاور المشاركين في الورشة حوله ، والتي ادار الحوار فيها ببراعة المترجم الجزائري حمزة عماروش، منسق البرامج في مركز الثقافات العالمي : ماذا تعتقد انك جلبت معك يُعرف بثقافتك الام للمجتمع الفنلندي؟. في الورشة قدم مجموعة من أعضاء من "فرقة بغداد" Bäghdad Band من العراق مجموعة من الاغاني العراقية الفلكورية ، وتحدثوا عن اهمية الموسيقى كلغة عالمية يمكن ان تعزز الحوار والتعايش بين الشعوب وتساهم في بناء عالم بدون حروب . وكان للكاتب العراقي يوسف ابو الفوز مساهمة بالحديث عن أهمية الادب في الحوار الثقافي وتعزيز السلام والتعايش بين الشعوب، وقدرة الادب في التشجيع على فهم الاخر وتعزيز الاحترام المتبادل للعيش معا ووجهت اليه العديد من الاسئلة حول اصدارته الادبية التي اهتمت بموضوع حوار الحضارات. وبدورهم قدم بقية المشتركين احاديثا ترتبط بمجال اختصاصهم، مثل الرسم ، الرقص ، الموسيقى والغناء ، الازياء ، الادب وغير ذلك . وبادر المتحف الوطني الفنلندي لتوثيق وقائع ورشة العمل لاجل انتاج فيلم وثائقي سيتم عرضه لزوار المتحف الوطني الفنلندي، يرافقه عرض مقتنيات فلكلورية وصور عن تراث مختلف الشعوب التي شارك ممثليها في ورشة العمل.





123
الكَلامُ المُباح (143)

اَلْفُجُلُ فِي اَلسِياسُةِ اَلْعِراقِيَّة!

يوسف أبو الفوز

وصلتُ بيتَ صديقي الصَدوق أَبُو سُكينْة، محملاً بحزمةٍ من الصحفِ والمجلات، مُخمناً إن جَلستنا سَتكون محتدمةً بالاسئلةِ والموضوعاتِ السياسية، أمام التطورات المتلاحقة والساخنة في أوضاع بلادنا، والتي يمزحُ أَبُو سُكينْة بانَ درجات حرارة الصيف الجهنمية ترفعُ من سخونةِ كل الاحداث في بلادنا.

ومن أيام وجَلِيل، مهتم بمتابعة وعرض المواقف الرافضة لتصويت مجلس النواب على قانون انتخابات مجالس المحافظات وإعتماد طريقة (سانت ليغو 1.7)، التي أجمع المعارضون لها، على وصفها توجهاً أقصائيا من قبلِ القوى المتنفذة التى تريد الأستئثار بالسلطة والحفاظ على نهج المحاصصة وقطع الطريق أمام أي أفقٍ للتعددية السياسية.

قال أَبُو جَلِيل: هل يمكن ان تفيدونا من أين جاءنا هذا السانت لوغو ؟

ضحكَ جَلِيل وقال: يا والدي أسمه الصحيح "سينت-لاغوي" ، والاسم الكامل "أندريه سينت –لاغوي"، وهذا عالم رياضيات فرنسي، يعتبر رائدا في مجال نظرية الرسم البياني، ولد عام 1882 وتوفي عام 1950، نشر أبحاثه عام 1910 حول اساليب تخصيص المقاعد، وسميت الطريقة بأسمه، وكان هدفه تسهيل حساب التناسب في النتائج الانتخابية واعتمدتها العديد من دول العالم .

قالت زَوجَتي: ولكن يبدو أن القوى المتنفذة عندنا منطقها الاساسي هو وضع المزيد من الصعوبات أمام أيّ تغيير لا يكون من صالحها، لتبقى متنفذة ومتفردة ويتواصل الفشل السياسي وأنتشار الفساد وسوء الادارة وتستمر معاناة أبناء شعبنا مع تردي الخدمات في كل مجالات الحياة.

كان صديقي الصَدوق أَبُو سُكينْة، يصغي بإهتمام لكل ما يجري، وكان قبل أيام قد طلب مني أن اشرحَ له الملابسات المتعلقة بطريقة "سينت-لاغوي" في حساب الاصوات والمقاعد، فلم يكن ما سمع جديدا عليه. تنحنحَ ومدَّ ساقه قليلاً، وقال:

ـ لابد من حل، ولا تتعبوا انفسكم وتأملوا من القوى المتنفذة ما يرضيكم . سانت ليغو أو سينت لاغوي .. الجماعة عندهم الأمور كلها "سلة لغف"، بمعنى سد الطريق أمام أيّ إصلاح أو تغيير، والاستمرار في سدّ أذانهم عن سماع أصوات المطالبات الشعبية، بل والاستهانة بالارادة الشعبية، ويعملون بحماس تحت ظل شعار: " رغيف خبز لاتكسرين .. باقة فجل لاتفلين .. وأكلي حتى تشبعين" !

124
أمسية مع الشاعر كريم هداد في هلسنكي

مشروع الضوء الجانبي الثقافي (Sivuvalo) يستضيف الشاعر العراقي كريم هداد، القادم من السويد، في أمسية شعرية، على قاعة مركز الثقافات العالمي (   Kulttuurikeskus Caisa) في وسط العاصمة الفنلندية، هلسنكي ، يوم الخميس 24 آب الساعة الخامسة مساءا. يدير الامسية الشاعرة الفنلندية أوتي كارهونين، حيث سيتحدث الضيف عن تجربته الشعرية، ويقرأ باللغة العربية نماذجا من نصوصه الشعرية . وسيرافق ذلك قراءة بعض من نصوص الشاعر الضيف المترجمة الى اللغات السويدية، الفنلندية والانكليزية يقدمها عدد من الشعراء من منظمي الأمسية. وسيعقب كل ذلك حوار مفتوح مع الضيف، ولتنتهي الامسية بجلسة حرة مع الشاي والقهوة.
التأريخ : 24 أب 2017
الوقت : 17:00–19:00
العنوان :   Kulttuurikeskus Caisa
Mikonkatu 17 C, 00100 Helsinki
الدعوة عامة للجميع

125
نبذة سريعة من قصتي مع الراحل مخلص العطار

يوسف أبو الفوز
رحل الصديق المخلص "مخلص هادي العطار"، وخلف في نفوسنا الحزن الشديد ، ولكن ذكراه عند اصدقائه ومحبيه، لن تزول. فهو الانسان الخلوق والجندي المجهول الذي ساعد العديد من المناضلين في ظروف حرجه وكان الصديق الوفي لهم. تعرفت شخصيا الى مخلص في احلك الظروف التي صادفتني في حياتي وكان احد الجنود المجهولين الذين وقفوا معي وشدوا من ازري وتعرضوا للمخاطر بسببي.
أرتبطت مع عائلة الشهيد هادي بحر العلوم بعلاقة طيبة منذ تعرفي على ابنهم جمال (ابو انجيلا)، في منتصف سبعينات القرن الماضي، حين درسنا معا في جامعة البصرة، ومن خلاله تعرفت الى بقية الاخوة (اموري ، جواد ، مخلص ، سلام وثم حسين ) الذين اصبحوا اكثر من اصدقاء مقربين.
كان مخلص عندي، في بداية معرفتي به، اكثر اخوانه غموضا، اذ كان غير ميالا للحديث ومشغولا دائما مع عمله في الخياطة، الذي علمه الدقة والتأني، وفيما بعد توفرت لي الفرصة لاتعرف الى مخلص جيدا وعن قرب، وفي ظروف غير عادية. حين اضطررت لترك دراستي الجامعية واللجوء الى بغداد للاختفاء بعد محاولة اعتقالي في البصرة في اذار 1978، اثر تصاعد "الحملة البعثية للقضاء على الشيوعية"، التي تزامنت مع الحملة الوطنية للقضاء على الامية فاختلطت الاسماء. كان مخلص واحدا من القلائل الذين وثقت بهم، خلال فترة اختفائي ، التي امتدت حتى تموز 1979 حيث اضطررت لمغادرة العراق سرا، ومشيا على الاقدام ، عبر الصحراء السعودية لاصل الكويت.
في بغداد ، في تلك الايام الصعبة ، التي بسببها سجن وعذب ناس لمجرد مساعدتهم سياسين مطلوبين ،  واذ ساد الرعب بين الناس بسبب شدة العسف البعثي العفلقي ، ساعدني مخلص بكل نكران ذات ، لاجد عملا عند احد معارفه من الخياطين في "منطقة المربعة"، واذ كنت بحاجة لمكان للمبيت، اذ كانت القضية الاصعب يومها ، وبمعرفة " ابو الخلص" ، كنت اتسلل ليلا لمحل الخياطة حيث اعمل، عبر باب جانبي، استنسخنا معا مفتاحه، لاقضي الليل هناك بدون علم صاحب المحل. وبعد عدة شهور، وحين راح يحوم حولي احد مخبري البعث من العاملين في مجال الخياطة ،وصار يسأل عني كثيرا ، ساعدني مخلص لانتقل لاعمل عند خياط اخر في شارع النهر، مخفيا اخباري عن اقرب الناس اليه ومحافظا على حياتي، وكنا نلتقي سرا في اماكن مختلفة حتى اضطررت لترك بغداد الى مدن اخرى .
خلال فترة اختفائي تلك، واذ كانت ضباع البعث تنبش شوارع بغداد عن مئات الشيوعيين واليساريين المختفين، تطوع مخلص لمساعدة العديدين مثلي ، لاجل الحفاظ على حياتهم، متحديا كل شيء .
وفي تلك الايام، واذ عشنا على مقربة، وكنا نلتقي كثيرا، وجدت فيه الدماثة والخلق النبيل، والتطلع للمعرفة، وحب النكتة والحياة، وكان عاملا مساعدا لاعيش حياتي بشكل طبيعي رغم المخاطر من حولنا، ودفعني سلوكه عموما لاثق به أكثر واكثر.
ومرت السنين، والتقينا خارج الوطن، واذ زارني عام 2000 الى محل اقامتي في فنلندا (الصورة المرفقة)، استذكرنا معا تلك الايام الصعبة، وبقينا على تواصل دائم محافظين على دفء العلاقة الصداقية رغم اختلافنا في الكثير من الموضوعات السياسية في السنوات الاخيرة .
رغم كل السنوات العجاف، ورغم رحيله، ستظل صورة مخلص،  من تلك الايام الصعبة ، وهو يسرع امامي بين درابين منطقة المربعة متوجهين لمكان ما ، متفحصا الدرب والوجوه ، حذرا اكثر مني،  مثل ملاك حارس ليحميني ، راسخة في بالي للابد.
نم صديقي قرير العين ، مثلك لا يرحلون !




 


 


126
الكَلامُ المُباح (142)

التنمّر في السِياسَةِ العِراقِيَّة !

يوسف أبو الفوز

أحتدم حديث متشعب، بين زوجتي و سُكينْة، خلال زيارتنا الاخيرة لبيت صديقي الصَدوق أَبُو سُكينْة، حول ظاهرة "التنمّر" التي أتفقتا على انها نالت اهتمام الباحثين. كانت زوجتي ترى أن للحروب والاضطرابات السياسية تأثيراً في انتشارها في المجتمعات وخصوصا بين الاطفال في المدارس. ولمن ألتف حولهما، لخصت سُكينْة "التنمر" بكونه سلوكاً عدوانياً متكرراً، يشكل ظاهرة، ويعني أساسا شكلا من اشكال الاساءة التي يوجهها فرد أو مجموعة من الافراد للاخرين، ويحمل معها أيذاء نفسيا وجسديا للاخر، واللغة العربية تفيدنا بان الشَّخصُ اذا وصف بالتنمَّرَ فمعناه غضِب وساء خلقُه، وصار كالنَّمِر الغاضب. قالت زوجتي: ويمكن تعريف التنمّر بعدة أشكال، منها مهاجمة مجموعة افراد لمجموعة اخرى اقل قوة منها. وأضافت سُكينْة : أو ان يكون عن طريق تهديد الاخرين وارهابهم، اذ يمكن ان يكون بين فئات اجتماعية مختلفة.

واستهواني الحديث فقلت : أرتباطا بكلامكما، فان التنمّر يمكن ان يمارس بين الشعوب أيضا، وأعتقد ان "الشوفينية" خير مثال على ذلك. لم يستطع جَلِيل الصبر، فقال: هذا يعني ان التنمّر يمكن ان يسود في الاوساط السياسية، فالباحثون يخبرونا بأن المتنمرين عادة تكون لهم شخصيات استبدادية، تساعدهم على ممارسة الفساد السياسي والانقلاب وممارسة الكلِبتوقراطية ...

فقاطعه أَبُو جَلِيل: ماذا قلت .. هاي الأخيرة شنو ... كلاب قراطية ...؟

ابتسمنا جميعا ورفع جَلِيل صوته حتى يسمعه والده : قلت الكلِبتوقراطية .. وهو مصطلح يعني نظام حكم اللصوص. وهو نوع خاص من الحكم، حيث تُراكم الثروة الشخصية وتُحتكر السلطة السياسية من قبل القلة الحاكمة من المسؤولين الحكوميين،على حساب الجماعة، واللفظ مركب من مقطعين يونانيين؛ أولهما " الكلِبتو" بمعنى لص، وثانيهما "قراط" بمعنى حُكم.

صاح أَبُو جَلِيل : لحظة .. لحظة . هاي الكلابتو والنمور .. صارت عندي مثل الرطينة .. عوزها بس ذئاب وثعالب وتفتحون حديقة للـ ...

وضاعت كلماته الاخيرة بين ضحكاتنا. سعل أَبُو سُكينْة وقال : يا صاحبي .. أعتقد التنمّر كلمة تناسب سلوك بعض سياسيينا الذين ما زالوا يريدون ان يعتاشوا على ترهيب الاخرين وتخويف الناس، وبعض التصريحات من قبل شخصيات قيادية في احزاب وكتل نافذة في العراق، كشفت بأنها لا تزال تراهن على تأجيج المشاعر الطائفيةً وزرع المخاوف إزاء الآخر، لانها الرأسمال الأساسي لقوى الطائفية السياسية، وحين تستمع للبعض من سياسيي الصدفة في التلفزيون، تشعر وكأن أضراسه، تتحول الى أنياب ذئب مفترس، وأصابعه الى مخالب ضبع، وشفاهه الى

براطم كائن خرافي يبدو النمر الى جانبه قطا مسكينا، واذا تريد هات كلمة الـ"قراطية" وضع امامها الكلمة التي تعجبك !


127
فنانون عراقيون و ذاكرة الحرب في هلسنكي


هلسنكي ــ يوسف أبو الفوز
*************************
(تنويه للقاريء .. نشر التقرير بشكل مختصر في جريدة المدى عدد السبت 29 تموز 2017، وللاسف أسقط المحرر فقرات تناولت اعمال بقية الفنانين المبدعين المساهمين في المعرض . اسجل اعتذاري لهم و أنشر التقرير كاملا على مواقع الانترنيت والتواصل الاجتماعي ، مع كامل الاحترام لكل الاسماء الطيبة الواردة في التقرير )
************************
أختتم مؤخرا في هلسنكي، العاصمة الفنلندية، المعرض التشكيلي بعنوان "ذاكرة الحرب" والذي أستمر لفترة أسبوعين، بمشاركة مجموعة من الفنانين الفنلنديين مع فنانين ينتمون الى بلدان الشرق الاوسط، بينهم  مجموعة من الفنانين العراقيين (مهند الدروبي، مروى حمودي، عبد الرزاق الجواري، أحمد الالوسي، حذيفة صالح، محمود نديم، عمر البجاري ، جمال الغزي)، وهم من المهاجرين أو اللاجئين الذين بعضهم ما زال ينتظر قرار القبول أو الرفض، اضافة الى فنانين من روسيا وكردستان ايران وسوريا. وتوزعت اعمال المعرض بين أعمال الفن التركيبي (Installation) والتصوير الفوتوغرافي والرسم بالزيت وباقلام الخشب وافلام فيديو .   والمعرض جزء من مشروع ثقافي يستمر لمدة عامين، شمل الى جانب هذا المعرض، معارض اخرى، وبرنامج زيارات الى المتاحف واقامة ورش عمل فني ونقاش حول جدوى الحروب وتاثيرها على المجتمعات والفن ، وهدف البرنامج الاساس مساعدة الفنان المهاجر واللاجيء لرسم خطوة صحيحة باتجاه الاندماج في المجتمع الفنلندي وايصال افكاره. ونال المشروع دعما ماديا من مؤسسات ثقافية فنلندية واهتماما ملحوظا من وسائل الاعلام الفنلندية، وسينتقل المعرض الحالي ليعرض في أماكن اخرى في فنلندا.
 الفنانة الفنلندية النحاتة هيدي هانينين (35 عاما)، منسقة المعرض، واحدى المساهمات به، اخبرتنا بأن هدف هذا المعرض ان يجد التواصل ما بين الفنانين القادمين كمهاجرين ولاجئين جدد والقدامى ، بين من يحمل ذاكرة طرية عن الحرب والذين لهم ذاكرة تكاد تكون بعيدة شيئا ما عن احداث الحرب والعنف ، وان  يساهم في تبادل الخبرات بين الفنانين القادمين من مختلف التجارب، خصوصا من خلال الاعمال المشتركة التي نفذت  بمساهمة من فنانين فنلندين مع زملائهم من الفنانين المهاجرين او اللاجئين ، ليساهم ذلك كله في تقديم قضايا شعوب الشرق الاوسط للجمهور الفنلندي ، وتوق الشعوب للحرية والسلام .
الفنان العراقي مهند الدروبي (مواليد بغداد 1979) احد المساهمين في المعرض، خريج اكاديمية الفنون الجميلة في بغداد عام 2003 ، وله في فنلندا العديد من المعارض الفنية الشخصية والمشتركة ، كانت له في المعرض مساهمة بثلاثة اعمال فنية ، اثنان منهما من الفن التركيبي ، اضافة لشريط فيديو  مدته 5 دقائق ، حمل عنوان " الى اين تذهب يا كلكامش؟ "، وهو عمل مشترك مع الفنانة هيدي هانينين وفنانين اخرين. أهم وأبرز أعمال الفنان مهند الدروبي في المعرض كانت لوحة من القماش الاسود بقياس 10 X 5 متر تحت عنوان "احتراز" ، حاكى فيه شكل علم وراية تنظيم "الدولة الاسلامية في العراق والشام  ـ داعش"، متبعا اسلوب الفن المفاهيمي، فللمشاهد الاجنبي ، ومن بعيد ، تبدو اللوحة بحجمها الكبير كراية لتنظيم "داعش" وعند الاقتراب منها سيجد انها مجرد قائمة طعام "Menu" يمكن أن تكون في أي مطعم، فأسماء الأكلات من كباب وتمن وباميا وغيرها حلت محل الشعارات والرموز الدينية، لكن المشاهد المعبأ بفكرة مسبقة بسبب من تأثير وسائل الاعلام والدعايات العنصرية وسياسة الفوبيا من الاجانب ، خصوصا من مسلمي الشرق الاوسط  حين يرى اللون الاسود والدوائر البيضاء والكتابات بالحروف العربية سيترجم المشهد وفقا لافكاره المسبقة، والعمل هنا يدين بشدة  حملة الافكار المسبقة لكل مواطن بشعر اسود وسحنة من الشرق الاوسط حين يضعونه في قائمة الارهاب دون التحقق من انتماءه المذهبي  وتوجهه الفكري. عمل اخر للفنان الدروبي عن التفجيرات الارهابية بعنوان " بغداد حلال "، مشترك   مع الفنانة هيدي هانينين، حيث جلبا سيارة قديمة الى ارض المعرض ليجعلاها جزءا من مشهد التفجير مصحوبة بمؤثرات صوتية وبصرية .الفنان مهند الدروبي بين لنا ان مجموع اعمال الفنانين العراقيين مجتمعة تحاول ان تقدم المشهد العراقي والعنف الذي ادى بحياة الكثير من الناس الابرياء وتثير الاسئلة من خلال تسليط الضوء على المشكلة .
الفنان حذيفة عبد الله صالح (مواليد بغداد 1976) ، الذي وصل فنلندا عام 2015 ، والذي لم يحصل بعد على حق الاقامة في فنلندا،  شارك في العديد من المعارض الفنية حيث لاقت اعماله اهتماما ملحوظا من قبل الوسط الفني الفنلندي ووسائل الاعلام ، وله مشاركات  في معارض قادمة ، وفي هذا المعرض شارك بعمل قياس 1.6 × 10 متر، استخدم فيه مواد مختلفة على قماش الكانفاس ونفذ ايضا بتقنيات متعدده . ويظهر الواقع اليومي في العراق بطريقة "السكرين شوت" ( تصوير المادة الاخبارية التلفزيونية) وحرص الفنان على ابراز كلمة لايف LIVE  باللغة الانكليزية كأشارة لاستمرار مشهد العنف، وهناك خط احمر عريض في الاسفل يذكر المشاهد بـ " السبتايتل" الذي يظهر على الشاشات وفيه الاحصائيات لضحايا التفجيرات  ، وبين لنا الفنان ان عمله يقع ضمن مجموعة تحمل نفس الاسم وهو ( تخيل نفسك مكانهم او ضع نفسك مكانهم) وكان قد شارك به في معرض شخصي  في شهر ابريل الماضي.
 المصور الفوتغرافي الفنان جمال الغزي (مواليد بغداد 1991) شارك بمجموعة من الصور الفوتغرافية الملونة المعمولة باسلوب تصوير الميكرو ( التصوير عن قرب للاشياء بمسافة قريبة جدا، وعادة يكون للاجسام الصغيرة جدا وتظهر عادة أكبر من الحجم الحقيقي ) فعلى حد تعبيره ان اعماله جاءت كحالة هروب من عنف الحرب الى تفاصيل الحياة الجميلة ، الى قطرة ندى او جناح فراشة، لتغمر المشاهد بجمال الوان الطبيعة البراقة بعيدا عن دمار الحروب .
 
 

128
الكَلامُ المُباح (141)

مابين اللَّوْعَةُ و الفَرْحَةُ

يوسف أبو الفوز

سادت الايام الأخيرة مشاعر مضطربة، ومتعارضة في بيت صديقي الصَدوق أَبُو سُكينْة، يمكن اختصارها بكونها تمتد ما بين مساحات اللَّوْعَةُ والفَرْحَةُ.

اللَّوْعَةُ الممزوجة بالخوفِ والقلقِ أثرَ اِستمرار نشاط الجماعات المسلحة الخارجة عن القانونِ، المعروفة من قبل الجميع، والتي يتجاهل الجميع ذكر أسمها، وهي تستمر في فرض سيطرتها على الشارع، وتتحكم بحياة المواطنين،مع غياب دور مؤسسات الدولة، خصوصاً الأمنية، لتوقفِها عندَ حدها، وبان ذلك واضحاً أثر المقتل البشع والغادر للفنان الشاب الوسيم "كرار نوشي" (السبت/1/تموز/2017)، والتساؤل الكبيرالذي أثاره : هل سيكون أخر الضحايا القتلى من الشباب المسالمين البعيدين عن التخندق الديني الطائفي والحالمين بعراق مدني ديمقراطي؟!

أما الفَرْحَةُ، فهي بالتأكيد أثر الاعلان الرسمي عن سقوط "دولة الخلافة الاسلامية" المزعومة، وتحرير الموصل (الأثنين/10/تموز/2017)، بجهود أبناء القوات المسلحة العراقية، بمختلف صنوفها، والتي فتحت الطريق واسعاً أمام قواتنا المسلحة لتطهير كامل تراب الوطن من رجس العصابات الأرهابية الظلامية المستترة بعباءة الدين.

اللَّوْعَةُ.. بأن نصرنا في الموصل يبقى ناقصاً ما لم يتم اِتخاذ الأجراءات القانونية العادلة بحق الذين كانوا سبباً في تسليم الموصل لقوى الأرهاب المجرمة ومحاسبة كل الفاسدين والمفسدين الذين عاثوا بالعراق والموصل فساداً.

اللَّوْعَةُ.. لأن الشعب العراقي يستحق حياة أفضل من هذه المعاناة المستمرة بسبب غياب الخدمات الأساسية ، خصوصا الكهرباء.

واللَّوْعَةُ .. لأن ، .....

عرضت كل أفكاري وبالتفاصيل أمام الجميع، خلال زيارتي الأخيرة لبيت أبُو سُكينْة، فقال جَلِيل: أن أمام الحكومة العراقية الحالية والمؤسسات التشريعية فرصة لأستثمار هذا النصر التأريخي لنبذ سياسة المحاصصة الطائفية والاثنية البغيضة، وتمتين اللُّحْمَة الوطنية لينهض العراق وطنا للجميع على أساس المواطنة والمساواة.

ولأننا نعاني دائما من ضعف سمع أَبُو جَلِيل، فقد كان من الطبيعي أن تأتي تعليقاته مثيرة للأبتسام وحتى الضحك. قال أَبُو جَلِيل بجد واستغراب : صحيح ان اللَّحْمَة الوطنية، أحسن من اللَّحْمَة المستوردة، ولذيدة خاصة اذا كانت مطبوخة مع تمن عنبر ومرشوش عليه شوي زعفران، يا سلاااام ... بس شنو علاقة اللّحَم بــ ...

ضحكاتنا لم تجعله يكمل كلامه، فألتفت الى "أبُو سُكينْة" وسأله : أقول .. بس لا تعليقي كان خارج الموضوع ؟

فقال له أبُو سُكينْة بصوت عال وهو يكتم ضحكته: لا وحقّ الحَقّ، أنت الوحيد الذي في داخل الموضوع، والذين في بالي وبالك كلهم ...عَظّامْه !

129
تحرير الموصل .. فرحة النصر لها لون قوس قزح عراقي
مبروك لكل العراقيين . الموصل حرة . فرحتنا لها لون قوس قزح عراقي من زاخو الى الفاو.
النصر العراقي، ملحمة الفخر، سطّر بدماء وعرق أبناء الشعب العراقي، أبناء قواتنا المسلحة، بمختلف صنوفها، وارسل "دولة الخرافة" الى أحقر مزابل التأريخ.
قري عيني يا أم الشهيد .. دماء ابنك ترسم للاجيال القادمة دربا نحو الامان والحرية والسعادة .
المقاتلون الابطال .. ضباط وجنود، ومعكم المتطوعين في الحشد الشعبي والمقاتلين المحليين وقوات البيشمركة، سجلتم أعظم آيات البطولة والتضحية والفداء، في سبيل تحرير الإنسان والأرض، وان التراب الذي عفر وجوهكم خلال المعارك سيكون مجدا دائما لابنائكم ومن سياتي ليعيش في حضن الوطن المسالم. المجد كل المجد للشهداء الابطال، والشفاء العاجل لكل الجرحى والمصابين منكم .
النازحون عن دياركم.. حان الاوان للدولة العراقية الاتحادية، لان تأخذ مسؤوليتها وتوفر مستلزمات عودتكم الامنة والمشرفة الى بيوتكم، وتعمير المدن والقصبات التي تضررت جراء الأفعال المشينة لدولة الخلافة المزعومة .
المجرمون الذين باعوا الموصل .. حيتان الفساد المتباكين على الوطن الذي غدروه، لابد ان تنالوا جزائكم العادل يوما.
العراق، مهد الحضارات، لابد ان ينهض من جديد، وينفض عنه وباء المحاصصة الاثنية والطائفية، ويشمخ مدنياً ديمقراطيا لاجل حياة سعيدة لكل مواطن عراقي.
تهاني من القلب لكل عراقي غيور يتمسك بعراقيته، ويعلو على السفائف التي ينثرها المتاجرون بالدين والقيم الرجعية والظلامية ..
 الطامعون بأرض العراق، قوى اقليمية ودولية، ليتعظوا ويعرفوا ان العراق ينهض من الرماد دائما ليكون ابهى بعرق ودماء ابناءه، فخلال حوالي عقدين من الزمن ارسل العراقيون، نظام البعث المجرم بكل مؤسساته البوليسية لمزابل التأريخ، وهاهي "دولة الخرافة" بكل ديماغوجيتها الدينية الدموية تلحق به، فليتعظ من يريد  أن يفهم الدرس.
المجد للشعب العراقي .        المجد للشهداء ..

منظمة الحزب الشيوعي العراقي في فنلندا
    9 تموز 2017

130
صادق البلادي .. ستبقى ذكراك ومثلك حيّة بيننا!


يوسف أبو الفوز

هكذا، أسما اخر، من أساتذتي اللذين لم التقيهم، واحدا من الرعيل الذي لا يعوض غيابهم، يرحل عنا مخلفا في القلب غصة !

الدكتور صادق البلادي،الأنسان والكاتب والمناضل، وعضو هيئة تحرير "الثقافة الجديدة"، لم يحصل لي الشرف لألتقيه يوما، لكن كأنه معي، يجاورني ويحاورني دائما في أفراحي واحزاني. كنت ألجأ اليه في مختلف الظروف للأستئناس برأيه حول أمور ما خلافية سياسية أو فكرية. لم يعتذر يوما من تعب أو مرض. وتأتيني دائما أجوبته سريعة وواضحة ومفصلة كتابة او على الهاتف. وسواء اتفقنا او اختلفنا لم يؤثر ذلك على تواصل مراسلاتنا واحاديثنا. لم يتوقف يوما في أرسال مقالات يطلع عليها لمختلف الكتاب، من مختلف التوجهات الفكرية، فيرسلها مصحوبة بكلمة: للأطلاع ! مانحا الفرصة للتفكير وتحديد الموقف. لم يعتذر يوما حين توجه له الدعوة للمساهمة في أحد الملفات الصحفية، التي تنشرها "طريق الشعب" بين الحين والاخر، ودائما تكون مساهمته محل اهتمام ونقاش واثارة الاسئلة، وبكل روح التواضع يقبل بأقتراحات التحرير للتعديل في مساهمته، سواء في اختصارها او تعديل عنوانها، ولطالما اقترح عليّ شخصيا موضوعات للكتابة مشجعا ومعتقدا أني قادر على ذلك.

قبيل سقوط نظام المجرم صدام حسين وغزو امريكا للعراق، حين نجحت جهودالشيوعيين في فنلندا، بتأسيس"لجنة التضامن مع الشعب العراقي" بمساهمة من احزاب سياسية فنلندية ومنظمات عديدة، التي ساهمت في التهيئة لاكبر تظاهرة شهدتها فنلندا منذ الحرب الفيتنامية، إذ خرج اكثر من 15 الف متظاهر يهتفون ضد الحرب وضد الديكتاتورية، أتصل فرحا ومهنئا وطلب مني الكتابة عن تجربة تشكيل اللجنة لاجل الاستفادة من ذلك في بلدان اخرى . كان حريصا على نشر المعرفة والتجارب الايجابية، وان يتعلم من الاخرين مثلما هو يعلمهم بروح الصديق والرفيق وبدون تعال .

سأفتح صندوق بريدي، وافتقد تلك البطاقات المرحة من قطع الموسيقى والرقصات العالمية، والتهاني الصادقة التي يرسلها في مختلف المناسبات العائلية والوطنية والعالمية .

رحل أبو ياسر لكن طيب روحه باق يطوف بيننا، وكلماته ترشدنا لما هو اجمل .

الى الخلود معلمي ورفيقي ..

لكل محبيك وذويك التعازي الحارة ..

هلسنكي ليل 7 تموز 2017

131
الكلام المُباح (140)
أَبُو سُكينْة و أَلبرت أَينشتاين واَلفَسَاد !
يوسف أبو الفوز

مع الاعلان عن سقوط "دولة الخرافة"، كما سماها الاعلام الرسمي، ومع الفرحة الغامرة، كان عليّ مخابرة صديقي الصَدوق أَبُو سُكينْة، وتهنئته اولا، ثم الاعتراف بصحة بعد نظره وتفاؤله، فرغم ان الاخبار في بلادنا تحمل لنا كل يوم مفاجأة حزينة، من تفجيرات وحوادث محزنة، تعذب حياة الناس وتجعلهم في ترقب دائم لما يأتي،الا انه اصر ان نلتقي في بيته، في اول يوم عيد رمضان، وطوال جلستنا كان متفائلا ويؤكد ان تحريرالموصل بات اياما معدودة، وأنه يتأمل خيرا في المستقبل فالناس ويوما بعد اخر صارت تتساءل بصوت عال، من المسؤول عن خراب الوطن، وضياع الموصل واستمرار تردي الاوضاع وغير ذلك؟
يومها اتفق غالبية الموجوين على ما قاله أَبُو سُكينْة، رغم تعليقات أَبُو جَلِيل المشككة، الذي قال: لكن قوى الفساد، التي كانت سببا في احتلال الموصل، لن تسكت، وسوف تصاب بالسعار للتنافس على سرقة النصر وتضحيات قواتنا المسلحة بكل صنوفها وتوظيفه لاغراضها الدعائية والانتخابية.
قالت زوجتي: صحيح، وربما تواجهنا ايام صعبة بسبب ذلك، ولكن ان المزيد من الاصوات المخلصة لوطنها بدأت ترتفع، ولا يمكن ان يستمر الحال مثلما تريد قوى المحاصصة والفساد.
قال جَلِيل: أن العالم الفيزيائي العبقري أَلبرت أَينشتاين يقول "ان العالم ليس بمكان خطير بسبب الذين يرتكبون الاذى، وانما بسبب الذين ينظرون ويشاهدون ولايفعلون شيئا".
ضحك أَبُو سُكينْة وقال: الله يرحمه لعمك أَلبرت أَينشتاين، هذا يفهم مو بس بالفيزياء وأنما حتى بالنفوس البشرية، أسمعوا هاي السالفة قرأتها لي سوزان أبنتك يا جَلِيل في الانترنيت قبل ايام، وقالت (ان سياسي ذهب الى محل خطاط وطلب منه ان يخط له لافته كبيرة بحيث يقرأها الاعمى، وأعطاه القياسات وطلب ان يكتب له فيها "محاربة الفساد واجب ديني ووطني" فطلب الخطاط 40 الف دينار سعرا لها، فقال له السياسي: ولا يهمك، بس أريد وصل تكتب لي بيه ان سعرها 70 الف !)
ضحكنا جميعا، الا ان أَبُو جَلِيل قطع ذلك بسؤاله : وشنو يعني .. شتريد تقول؟
قال أَبُو سُكينْة: "الذي اعتقده، اننا مقبلون على أيام غير شكل، صحيح ان قوى الفساد راح تتصارع وتتهاوش فيما بينها لاجل مراكز السلطة والثروة، لكن وعي الناس بدأ يرتفع، وهذا الخطاط ما اعتقد راح يسكت، يجي يوم راح بشجاعة يطرد أمثال هذا السياسي الفاسد ويفضحه، لان الخطاط يريد أطفاله يأكلون خبزتهم بالحلال. يعني يا صاحبي أن ايام الفساد لازم تصير معدودة مثلما ايام النصر الكامل القادم في الموصل على قوى الارهاب الظلامية الدموية التي لم تحتل الموصل لولا الفساد المستشري الذي اطال من سنوات وجودها وسنوات عذاب ابناء شعبنا!"


132
تصدع اليمين المتطرف في فنلندا !

هلسنكي ــ يوسف ابو الفوز
 توترت الاجواء السياسية في فنلندا، حالما اعلن الحزب اليميني المتطرف (الفنلنديون الحقيقيون) عن انتخاب قيادة جديدة، في التاسع من حزيران الجاري، حيث تنحى عن رئاسته، أبرز مؤسسي الحزب ورئيسه لعدة دورات، تيمو سويني (تولد 1962) الذي يشغل حقيبة وزارة الخارجية في الحكومة الحالية، التي تشكلت أثر انتخابات نيسان 2015. وفاز برئاسة الحزب  القومي واليميني المتطرف وذو النزعات النازية، يوسي أهو هالا ( تولد 1971)، الذي عرف بمناهضة للهجرة وعدائه للاجانب وتصريحاته العنصرية التي طالما اثارت الامتعاض في الشارع الفنلندي، حتى من قبل شركاء حزبه في الحكومة. وفاز الى جانبه لقيادة الحزب مجموعة من مؤيدي النازية الجديدة، وبعض منهم سبق وتعرض للمساءلة القانونية اثر تصريحاتهم العنصرية، مما دفع رئيس الوزراء يوها سيبلا ( تولد1961) وهو سكرتير حزب الوسط ، ومن بعد اجتماعه مع الرئيس الجديد للحزب اليمني المتطرف، والاستماع اليه، الى الاعلان عن عدم قدرته الاستمرار في حكومة مع الحزب اليميني المتطرف بطاقم قيادته الجديدة، وتبعه حالا بيتري اوربو (تولد 1969) الشريك الثالث في الحكومة، ويشغل حقيبة وزير المالية ونائب رئيس الوزراء، وهو رئيس حزب الائتلاف الوطني الفنلندي (يمين تقليدي)، وسرعان ما اعلنا معا، حزب الوسط والائتلاف الوطني ، في مؤتمر صحفي مشترك، عن اعتبار اتفاقهما وتحالفهما الحكومي مع اليمين المتطرف ملغيا. فادخل ذلك البلاد في ازمة سياسية حملت العديد من التوقعات. رئيس الجمهورية ساولي نينستو (تولد 1948) وهو من حزب الائتلاف الوطني، اعلن عن استعدادة لاستلام استقالة الحكومة على ان يتم تشكيل حكومة جديدة باسرع ما يمكن، وتجنب البلاد من الوقوع في فراغ سياسي. واقترح دعوة اطراف ما من المعارضة للتفاوض، فاستجاب لذلك الحزب الديمقراطي المسيحي وحزب الشعب السويدي الفنلندي، واعلنا عن استعدادهما للتفاوض والاشتراك في الحكومة المزمع تشكيلها، شرط ان يتم اقرار برنامج حكومي جديد.
لكن المفاجئة جاءت من داخل اليمين المتطرف ذاته، اذ اعلن 20 نائبا من 35 نائب للحزب المذكور في البرلمان، عن تقديم استقالاتهم من الحزب وانشقاقهم عن القيادة الجديدة، وتشكيل مجموعة برلمانية جديدة تعمل باسم " الخيار الجديد". يذكر ان رئيس الحزب السابق ووزير الخارجية تيمو سوينى من بين المجموعة المنشقة، اضافة الى نواب بارزين اخرين مثل زعيم المجموعة البرلمانية والوزراء الاربعة في الحكومة بالاضافة الى رئيسة البرلمان الفنلندي، مما اسقط في يد القيادة الجديدة لحزب اليمين المتطرف، التي بدت مذهولة امام التطورات السريعة. واعلنت الجماعة المنشقة عن استعدادها للعمل مع الحكومة الحالية وفقا لبرنامجها الحكومي المتفق عليه اساسا، مما انقذ رئيس الوزراء، الذي كان في طريقه الى المقر الصيفي لرئيس الجمهورية لتسليم استقالة حكومته وفقا للدستور، فعدل عن الزيارة واعلن عن استمرار حكومته بالتعاون مع المجموعة البرلمانية الجديدة. رئيس الوزراء في مؤتمره الصحفي، كان صريحا بالقول ان  الاسباب بالغاء التحالف مع اليمين المتطرف لا تتعلق فقط بشخصية رئيس الحزب الجديد، ولكن التراكمات في الممارسة السياسية، والمطالبات  بسياسة متشددة في فيما يخص العلاقة مع الاتحاد الاوربي وسياسة الهجرة واللجوء، وقال بان الحكومة يهمها ان تحافظ على معايير حقوق الانسان التي عرفت بها فنلندا.
قوى احزاب اليسار المعارضة، ومع اعلان رئيس الوزراء موقفه بالانفكاك من تحالفه مع اليمين المتطرف، دعت الى انتخابات مبكرة، وهذه لو كانت حصلت لكان ان شهدت البلاد تغيرا كبيرا في المعادلات السياسة، فتبعا لمؤشرات نتئج الانتخابات البلدية، في نيسان / ابريل الماضي، اذ تراجعت قوى اليمين لصالح قوى اليسار، فربما تهزم احزاب الحكومة مجتمعة، وتتشكل حكومة جيدة ويتغير حتى رئيس الوزراء الحالي. المراقبون ، اشاروا الى ان حركة الانشقاق، التي انقذت الحكومة من السقوط، وبدت وكأنها حصلت بسرعة، لم تكن عملا مفاجئا، بل كان ممهدا ومخطط له، مع توقع فوز المجموعة الاكثر تشددا داخل الحزب اليميني المتطرف، التي اتهمت من قبل المنشقين بانها "خطفت الحزب ".
ان الكثير من التساؤلات برزت عن مستقبل العملية السياسية ومصير حزب الفنلنديين الحقيقيين، فأنشقاق اليمين المتطرف وتصدعه سيرمي بشظاياه على جسد العملية السياسية في فنلندا، ويصيبها بجراح بارزة، وان استطاع رئيس الوزراء الاستمرار بحكومته الحالية، وبرنامجها المعلن، وحتى وان اجتاز جلسة التصويت بالثقة المقررة في الايام القريبة القامة، فان الايام ستحمل معها مفاجئات اخرى، خصوصا ان كل هذا لم يكن بمعزل عن تنامي حركة الاحتجاج الشعبي، حيث عانى ذوي الدخل المحدود، من سياسة الحكومة الحالية، التي سماها الشارع الفنلندي بـ"حكومة الاغنياء"، التي تملك حاليا 106 فقط  نائبا في البرلمان من اصل 200، مما يعني انها اغلبية بسيطة وهشة وعرضة للتحطم تحت تاثير الكثير من التوقعات المفاجئة والازمات القادمة ، في الوقت الذي تظاهرت منظمات مجتمع مدني وقوى سياسية مطالبة  برحيل الحكومة واجراء انتخابات برلمانية مبكرة.
* طريق الشعب العدد 209 ليوم الاثنين 19 حزيران 2017

133
الكلام المُباح (139)
أحْذَرُوا قَاضي الدَجّاج !
يوسف أبو الفوز
تابع معنا صديقي الصَدوق أَبُو سُكينْة، وقائع المؤتمر الصحفي، الذي عقدته مجموعة من الاعلاميين يعملون بأسم"تحالف المادة 38 "،وهي ـ عزيزي القاريءـ مادة في الدستور العراقي الدائم لعام 2005 ضمن فصل "الحريات"وتفيد: (الفصل الثاني ـ الحريات: المادة (38) تكفل الدولة وبما لايُخلُّ بالنظام العام والآداب: اولاً: حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل. ثانياً: حرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر. ثالثاً: حرية الاجتماع والتظاهر السلمي وتنظم بقانون). وجاء المؤتمر الصحفي، الذي شارك فيه مجموعة من الصحفيين الفاعلين في الساحة العراقية تضامنا مع زملائهم من قناة NRT الذي امر القضاء بحجزهم على خلفية اجراء تحقيق صحفي عن الاب الذي سجن أحد عشر عاما  لسرقتة حليبا وحفاظات لاطفاله.
قال أبُو جَلِيل: هذا المسكين لو ما مبهذله الفقر كان يضطَرَّ للسرقة؟.
 قالت زوجتي: الحرامية الكبار الفاسدين يصولون ويجولون في ارجاء البلاد والقضاء مشغول مع الصحفيين لمنعهم من كشف اسباب لهذه الحوادث.
 ومتفقا معهم اضفت : الوقائع تثبت عندنا يوما بعد اخر ان مشكلتنا ليست مع القوانين، بل مع من ينفذها، فاذا استمر حالنا دون تغيير أساس واقع حكومات المحاصصة الطائفية والاثنية، لا يمكن لنا اصلاح القضاء وتحقيق استقلاله ليكون حاميا للدستور.
سعل أَبُو سُكينْة، فالتفتنا اليه، فقال: وعندها يبقى حاميها حراميها، ورقابنا تصير بيد قاضي الدجاج !
وهذه حكاية معروفة عن قاض مدينة مر ببائع دجاج وعنده دجاجة أخيرة مذبوحة، وكان باعها توا لرجل ذهب لشراء الخبز، فقرر القاضي اخذها وطلب من البائع بأن يقول للمشتري بأن دجاجته طارت، وان لا يخش شيئا، فحتى لو اشتكى عليه فانه سيخلصه من المشكلة. حين عاد مشتري الدجاجة نشب العراك. فاخذوهم عند قاضي المدينة. في الطريق مرا برجلين يتعاركان، احدهما يهودي، حاول البائع التفرقة بينهما لكن اصبعه فقأت عين اليهودي، الذي ركض يشتكي عند القاضي. في بناية المحكمة أراد بائع الدجاج ان يتملص ويهرب فقفز من الشباك فوقع على عجوز يركب حماره فقتله فورا، فامسك ابن الرجل الميت بالبائع واقتاده الى القاضي، حيث وجد عنده المشتري واليهودي. حالما شاهد القاضي بائع الدجاج ضحك وتذكر وعده له بتخليصه من مشاكله مقابل الدجاجة، وحاول ان يحلها له واحدة بعد الاخرى. فسأل المشتري: هل تؤمن بالله؟واذ اجاب الرجل بنعم، قال القاضي اذن لا حق لك بالمطالبة بالدجاجة لأن "الله يحي العظام وهي رميم". والتفت القاضي الى اليهودي ليذكره بان دية المسلم للكافر هي النصف،وهذا يعنى أن يفقأ له عينه الثانية اولا، حتى يفقأوا عينا واحدة لبائع الدجاج المسلم، فتنازل اليهودي عن حقه صاغرا وترك المحكمة هاربا. وحين طالب ابن الرجل الميت بحقه، قال القاضي ضعوا بائع الدجاج على الحمار وليقفز الابن عليه من النافذة، فقال ابن الميت ولو تحرك البائع يمينا او يسارا وسقطت على الارض ومت؟ فقال القاضي هذه مشكلتك، ولماذا لم يتحرك ابيك يسارا او يمينا لينجو؟ فتنازل أبن الميت وهرب، وحكم القاضي ببراءة بائع الدجاج !


134
هلسنكي ــ متابعة
منحت المنظمة الثقافية " رابطة طاقة الشباب الفنلندية " جائزتها التقديرية لعام 2017 لمشروع   Sivuvalo (الضوء الجانبي) وناشطيه، والمعني أساسا بأدب متعدد اللغات، الذي يعني بالنشاط الادبي للمثقفين الاجانب المقيمين في فنلندا ويبدعون وينتجون بلغاتهم الام ، ويذكر ان المشروع يضم العشرات من المثقفين الاجانب المقيمين في فنلندا ، والقادمين من مختلف البلدان، ويضم المشروع عددا من المثقفين العراقيين  منهم سعد هادي، يوسف ابو الفوز، هاشم معتوق، احمد زيدان، أية القيسي ، صادق لازم ، اخلد المظفر، ومهند الدروبي واخرين.
وذكرت منسقة المشروع، الشاعرة روكسانا كريسولوغو، من بيرو، اثناء استلام الجائزة : ان هدف مشروعنا هو توسيع مفاهيم الادب الفنلندي وتحقيق توافق كبير والتعاون لتحقيق مساواة كاملة في العمل.
 وكان المشروع بدأ نشاطه عام 2013، ونال دعما واسعا من منظمات ثقافية، ونظم العديد من الامسيات الادبية للمساهمين في المشروع، وفي مختلف المدن الفنلندية، من قراءات شعرية وقصصية ومعارض تشكيلية، حضيت باهتمام وسائل الاعلام الفنلندية واثارت الكثير من التعليقات حول هوية الادب الفنلندي، وامكانية تعدد لغاته، فالعديد من المبدعين ممن يعيشون في فنلندا، صارت اعمالهم بشكل او اخر تتناول الواقع الفنلندي وهمومه وان كتبت بلغة اخرى. يذكر ان " رابطة طاقة الشباب الفنلندية " تاسست عام 1908 وتعني بالنشاطات الشابة والافكار الجديدة، وتمنح الجائزة سنويا للعمل الاكثر استحقاقا في مجال الادب والثقافة، والذي تختاره لجنة خاصة ، وبدأت بمنح الجائزة منذ عام 1993.

135
الكلام المُباح (138)   
الشَّعْبُ هوَ اَلقُوَّة العُظْمى !
يوسف أبو الفوز
حملتٌ معي ـ عزيزي القاريء ـ ومثل كل مرة، في زيارتي الى بيت صديقي الصَدوق أَبُو سُكينْة، حزمة من الصحف والمجلات ورحنا ننتقل خلالها من موضوع الى اخر يحكي عن اوضاع بلادنا والعالم من حولنا. أهم الاخبار عن انتصارات قواتنا المسلحة، بمختلف اصنافها، وتواصل اندحار عصابات داعش، وانعكاس ذلك على مزاج ومعنويات ابناء شعبنا، وكونه هزيمة لقوى الارهاب في كل مكان في العالم، التي راحت شراذمها، وبعض ضباعها، تحاول مسعورة ان تعلن عن وجودها في اعمال اجرامية في بعض الدول الاوربية. أن تقليد قراءة الصحف دوريا لأَبي سُكينْة، صار يستقطب الاخرين، فيلتفون من حولنا. ان الامر الذي سرني، هو أهتمام الشباب من ابنائنا بالنقاشات التي تجري على هامش القراءة، وتقديم وجهات نظرهم بكل صراحة. فمثلا كنت أشعر بالفخر يملأ صدر جَلِيل وهو ينظر الى ابنته سوزان، حين تناولنا أخبار جولة الرئيس الامريكي دونالد ترامب في المنطقة، وكيف كانت تساهم بكل جرأة قائلة : صحيح هو قول طريف، لكنه مثلما يقول جدو أَبُو سُكينْة، يحمل الف معنى.
اتجهت اليها كل الانظار، فواصلت : كتبوا في "فيس بوك" ان الرئيس الامريكي ترامب خلال زيارته الى المملكة العربية السعودية، حصل مع عائلته، على هدايا وعقود عمل تعادل قيمتها كل ما دفعه المسيحيون والتركمان وغيرهم طوال قرون للمسلمين كجزية.
ضحك أبُو جَلِيل وقال : "جيل فيسبوكي"، لسانك طويل مثل ابوك.
 فقالت سوزان ، بجدية ونبرة محتجة : جدو أنا يهمني المعنى من هذا، انتو هكذا علمتونا !
فتدخلت مناصرا : كل التقارير والمراقبين يشيرون الى المعنى الذي تحمله هذه النكتة او القول الطريف. هناك حكومات تقدم الرشى للقوى الكبرى لأجل استمرارها في مواقعها.
 فتنحنح أَبُو سُكينْة، وقال : صح لسانك يا جدو، لذلك ان بعض السياسيين الفاسدين في بلادنا، ومع تزايد نشاط حركة الاحتجاج وتبني قطاعات واسعة من الناس مطاليبها، مثل تغيير مفوضية الانتخابات وقانون الانتخابات، وبالتالي اقتراب موعد الانتخابات صاروا يبحثون عن الوسائل التي يمكن ان يقدموا بها الرشاوي للناس، رشاوي مادية مباشرة، وعود ما، أو خطابات تتستر بالروح الوطنية والطائفية، حتى يضمنوا استمرارهم في مواقع السلطة، لأنهم اخيرا بدأوا يتعلمون ويدركون بأن الشعب، خاصة اذا وعى وفتح عيونه جيدا وقال كلمته الحق ،فهو القوة العظمى التي يمكن ان تزيحهم من مواقعهم وتغير الموازين!


136
المنبر الحر / إن ولكِنَ و .. !
« في: 20:53 14/05/2017  »
الكلام المُباح (137) 
إن ولكِنَ و .. !

يوسف أبو الفوز

 طغى حدث اختطاف عدد من الطلبة والناشطين في الايام الماضية، من قبل مجموعة خارجة عن القانون، على كل الاحداث التي تابعها صديقي الصَدوق أَبُو سُكينْة، خصوصا وانه يعرف بعض الشباب المعتقلين، ويعرف اهاليهم، فصار يسأل متجهماً عن كل شاردة وواردة، خصوصا مواقف رجالات الدولة والقوى السياسية التي تتشدق بالديمقراطية وحرصها على تطبيق الدستور. وحين أعلن عن اطلاق سراح المختطفين، ظهرت البسمة على وجهه، لكنه لم يخف قلقه.
قال جَلِيل:ان عملية الاختطاف أثارت الكثير من الاسئلة القلقة عند الناس، والمهم أن اطلاق سراح الناشطين المدنيين المختطفين يعتبر انتصارا باهرا على قوى الظلام وحلفائها من قوى الفساد والمحاصصة. فقاطعه أبُو جَلِيل:لا تتفلسفون براسي،إن ولكن، السالفة وما بيها، نحتاج حضور ووجود ملموس للدولة. قالت زوجتي:ان بعض كبار مسؤولي الدولة وبرلمانيين أعلنوا ادانتهم لجريمة الاختطاف وطالبوا في التحقيق بالحادث، وان نصرنا سيبقى ناقصا ان لم يتم تقديم الجناة للعدالة وفق قوانين الدولة.
تنحنح أَبُو سُكينْة، فأنتبهنا الى انه يريد الكلام، فالتفتنا اليه فقال: سمعت بالاخبار ان رئيس الوزراء، اعلن إنه حين تم اغتيال مسؤول في شركة غاز الشمال،أمر باجراء تحقيق سريع في الحادث، وذهبت لجنة خاصة من وزارة الداخلية إلى السليمانية وإطلعت على الأدلة، وكشفت أن عناصر في شرطة السليمانية هم من نفذوا العملية. وطالب بتسليمهم الى الجهات المعنية في بغداد لينالوا جزائهم العادل، وأكد انه من غير المسموح انتهاك أمن المواطنين، فهو من موقعه لا يفرق بين مواطن وآخر، ويجب حماية كل مواطن .
 وسعل أَبُو سُكينْة، من جديد، وجر شهيقا عميقا واكمل: هذا كلام حلو ومعّدل،أتمنى من الاجهزة المعنية ان تعمل بنفس الهمة، مثلما عملها في السليمانية، وخصوصا ان الجناة قريبين منهم، شمرة عصا، وان لا تترك اسئلة عديدة ومهمة يتداولها العراقيون بدون جواب، مثل من هي الجهة التي نفذت جريمة الاختطاف؟ ومن هي الجهة المعنية التي ستتولى التحقيق مع الجناة، ومتى يتم تقديمهم الى القضاء لمحاسبتهم؟والا سنبقى بإن ولكن، وتتكرر جرائم  الاختطاف، وربما تتحول الى اغتيالات، وتتكرر سالفة محيسن.
وهذه حكاية ـ عزيزي القاريء ـ يتداولها الناس بتفاصيل مختلفة، وفحواها واحد يعود الى ايام أحد الانظمة المقبورة، حين زاراحد مسؤولي الدولة الكبار قرية ، مع الكاميرات والصحفيين، فتقدم منه الفلاح محيسن بأسم القرية، وطالب بفتح مدرسة، وشارع مبلط الى القرية، ومستوصف، وكف يد الشرطة من الاعتداء على الناس واخذ الخاوة من الفلاحين المساكين. سجل المسؤول الكبير كل المطاليب ووعد بتنفيذها باقرب فرصة. وبعد عام، جاء مسؤول آخر وبنفس الهرجة من المصورين والصحفيين، فتقدم منه احد رجال القرية وقال له: وعدتونا ولم تنفذوا وعودكم.. وين المدرسة، وين الشارع المبلط، وين المستوصف و .. وين محيسن!


137
في جامعة هلسنكي الفنلندية ندوة حوارية وامسية قراءات ادبية حول ادب المهاجرين

هاسنكي ـ طريق الشعب

في العاصمة الفنلندية ، هلسنكي ، نظمت جامعة هلسنكي بالتنسيق مع العديد من المؤسسات الاكاديمية والثقافية ، منها المكتبة الالمانية في فنلندا ندوة حوارية حول "ادب المهاجرين في فنلندا ،المانيا والولايات المتحدة الامريكية " بمساهمة مجموعة من الباحثين المختصين من عدة جامعات اوربية ، وللايام 11 ـ 12 ايار، وساهم فيها ايضا مجموعة من الكتاب المقيمين في فنلندا في الحوارات وامسية قراءات ادبية ، ومنهم الكاتب العراقي يوسف ابو الفوز ، اضافة الى نيفيل كومارات (المانيا)، بولينا كوبولوفا (روسيا) و محسن عمادي (ايران).

جرت وقائع الامسية الادبية في قاعة المكتبة الالمانية، حيث ادارتها وقدمت المساهمين الكاتبة الفنلندية "اوتي كارهونين" ، وهي بنفس الوقت منسقة برنامج التعدد الثقافي في شمال اوربا . قرأ المساهمون بعضا من نصوصهم الادبية بلغتهم الام، وقرأت ترجمات النصوص ايضا، وتحدثوا عن ظروف ومناسبات كتابة هذه النصوص، التي في غالبتها تناولت موضوع الهجرة والهوية والجذور .

الكاتب يوسف ابو الفوز قرأ باللغة العربية مقتطفات من قصتين قصيرتين له وصاحبته الكاتبة الفنلندية اوتي كارهونين بقراءة الترجمة باللغة الفنلندية ، وتحدث ابو الفوز عن دور الادب في تسليط الضوء على هموم الانسان المهاجر وارتباطه بجذوره، واهمية فهم الاخر لنجاح عملية الاندماج ليعيش الجميع بسلام.

138
في جامعة هلسنكي ندوة حوارية وامسية قراءات ادبية حول ادب المهاجرين

في فنلندا ، تنظم جامعة هلسنكي بالتنسيق مع العديد من المؤسسات الاكاديمية والثقافية ، منها المكتبة الالمانية في فنلندا ندوة حوارية حول "ادب المهاجرين في فنلندا ،المانيا والولايات المتحدة الامريكية " بمساهمة مجموعة من الباحثين المختصين من عدة جامعات ، وللايام 11 ـ 12 ايار، ويساهم فيها ايضا مجموعة من الكتاب المقيمين في فنلندا في الحوارات وامسية قراءات ادبية ، ومنهم الكاتب العراقي يوسف ابو الفوز ، اضافة الى نيفيل كومارات (المانيا)، بولينا كوبولوفا (روسيا) و محسن عمادي (ايران).

الندورة الحوارية تكون على قاعة جامعة هلسنكي يوم الخميس 11 ايار ،

وامسية القراءات تكون يوم 12 ايار الساعة السادسة والنصف مساءا في قاعة المكتبة الالمانية ... والدعوة عامة للجميع .

العنوان ...

Helsinki,

Pohjoinen Makasiinikatu 7

Deutsche Bibliothek Helsinki / Saksalainen kirjasto

139
في هلسنكي دعوة للتضامن مع الشعب العراقي والطبقة العاملة العراقية

طريق الشعب
في الاول من ايار ، في العاصمة الفنلندية ، هلسنكي ، ساهم نشطاء منظمة الحزب الشيوعي العراقي واصدقائهم ، بمسيرة الاول من ايار الحاشدة، التي امتدت لعدة كيلومترات، والتي نظمتها قوى اليسار الفنلندي ونقابات العمال، واخترقت شوارع العاصمة وسط مظاهر احتفالية وترديد الاغاني الثورية والشعارات المطلبية .
وبعد المسيرة ، كان لكل حزب ونقابة منصته الخاصة، وليس بعيدا عن البرلمان الفنلندي كان للحزب الشيوعي الفنلندي ، منصته التي قدمت من خلالها الاغاني والاناشيد الثورية والخطابات من قبل العديد من المساهمين من نشطاء سياسين وبرلمانيين . وساهم الكاتب يوسف ابو الفوز، من العراق ،بتقديم كلمة تحية وتهنئة بمناسبة الاول من ايار، واشار فيها الى ان الطبقة العاملة العراقية تعاني شأن عموم الشعب العراقي، من سياسات حكومات الاسلام السياسي وادارتها للبلد وفق نظام المحاصصة الطائفية والاثنية الذي قاد الى نفوذ المليشيات المسلحة وغياب دور الدولة، وبين ان الشعب العراقي في محنته الحالية في مواجهة قوى الارهاب وتفشي الفساد المالي والاداري في الدولة ، وخصوصا الحركة الاحتجاجية السلمية المتواصلة، بحاجة الى التضامن والدعم لاجل بناء دولة مدنية ديمقراطية ، دولة المؤسسات والقانون، حيث يمكن للعمال ان يملكوا حقوقهم وتنشط نقاباتهم بحرية،وبدون هذا فأن موجات هجرة الشباب، فاقدي الامل بحياة كريمة سوف لن تتوقف بالتوجه الى اوربا وفنلندا. وتم في الاحتفال توزيع النسخة الانكليزية من كلمة الحزب الشيوعي العراقي بمناسبة الاول من ايار على نخبة الحاضرين من النشطاء السياسين والبرلمانيين الفنلنديين .
يذكر ان احتفال العيد الاول من ايار في فنلندا ، يعتبر من الاعياد الوطنية الشعبية، ويحتفل به في كل البلاد وسط مظاهر بهجة باذخة، وتبعا للحالة الامنية في اوربا وفنلندا ، فقد لوحظ هذا العام تشددا امنيا وانتشار كبير لرجال الشرطة وووحدات الطواريء، تحسبا للتوقعات بعمل ارهابي.
ومن الجدير بالذكر انه في مجمل الخطابات التي قدمتها قوى اليسار والنقابات كان هناك انتقاد لسياسة الحكومة الفنلندية اليمينية الحالية، وبكلمات غاضبة، وكانت التظاهرات هتفت بضرورة ازاحتها وتغيرها عبر الانتخابات القادمة. واذ انتقدت كلمة الحزب الشيوعي الفنلندي ارتفاع نسبة البطالة ودعت الى رفع الحد الادني للاجور، فان كلمة حزب اتحاد اليسار سمت الحكومة الحالية بالحكومة البرجوازية التي تريد خصصت قطاع الصحة وتهديد مستقبل الناس ، بينما اكدت كلمة الحزب الديمقراطي الاجتماعي على ان الحكومة الحالية لم تف بوعدوها حتى لناخبيها.


140
الكلام المُباح (136) 
مَاَ لْكْمْ .. مَاَ تْهبّونْ؟ 
يوسف أبو الفوز 
مع حلول الاول من ايار، عيد العمال العالمي، وتكرر المرات التي صار صديقي الصَدوق أَبُو سُكينْة، بمعية أَبُو جَلِيل، يستذكران فيها شيئا من نضالات الطبقة العاملة، خصوصا تلك التي تسنى لهما المساهمة فيها، برزت أمامنا الاسئلة عن الاحوال الحالية للطبقة العاملة، والعوائق امام نهوضها لتعيد تلك الايام البهية التي كان فيها صوت العمال ونقاباتهم يخيف الحكومات والانظمة. وخلال غمرة الاحاديث قال لي أَبُو سُكينْة وعيناه تومضان بتآمر: آآآخ لو يهبون .. هبوااا .. مالكم ما تهبون؟
وهو هنا يعود بي الى ذكريات سنوات الكفاح المسلح للشيوعيين ضد النظام البعثي الديكتاتوري. وكان ذلك في ايار 1982، في مقر انصار الفوج التاسع في مناطق ريف السليمانية، على مقربة من قرية حدودية أسمها "دولكان"، حيث نظم المقاتلين الانصار حفلا بمناسبة عيد العمال، وكان عريف الحفل الشهيد أَبُو رِياض ــ محسن شنيشل، الشخصية الآسرة والمربي ذو التجربة، الذي أعتقل وأعدم عام 1983 أثناء اداءه مهامه الحزبية في مناطق الفرات الاوسط أثر وشاية من خائن. في هذا الحفل أراد أَبُو رِياض ان يقدم شيئا جديدا، فوزع مجموعة من الانصار بين صفوف حضور الحفل، وهؤلاء الانصار تم تجميعهم واعتبارهم "الفرقة الفنية" إذ تدربوا سريعا على بعض الاغاني الثورية ومنها النشيد الاممي. أخبرهم الرفيق أَبُو رِياض بأنه ما ان تنتهي دقيقة الحداد على ارواح الشهداء ويقول "شكرا" حتى يبدؤون معا غناء النشيد الاممي : هبوا ضحايا الاضطهاد .. الخ .
تقاطر سكان القرى القريبة ،حضر ممثلي بعض القوى السياسية من المعارضة الايرانية والعراقية، وكان هناك رفيقان من قيادة الحزب الشيوعي العراقي، وقد زين المكان بشكل يليق بألمناسبة، والروائح الزكية تهب من المطبخ، حيث ينتظر الجميع بعد الحفل وجبة طعام مع اللحم وهذا أمتياز لا يتكرر في حياة الانصار الا ثلاث مرات في الشهر. كان البرنامج حافلا بالكلمات السياسية والفقرات الفنية، واداره أَبُو رِياض ببراعة وظرافة. يملك أَبُو رِياض صوتا جهوريا مما أهله لعرافة الحفل لعدم وجود ميكروفات ومكبرات صوت، ويحب رفاقه لكنته الريفية التي تتسلل رغما عنه الى لغته العربية القويمة. بدأ الحفل بترحيب أَبُو رِياض بالحضور والضيوف واعضاء قيادة الحزب، وقرأ كلمة استهلال قصيرة تحييّ المناسبة، وطلب من الحضور الوقوف دقيقة حداد على ارواح شهداء الطبقة العاملة والانصار والحركة الوطنية.   ثم رفع راسه ودار بين الوجوه باحثا عن اعضاء "الفرقة الفنية" وقال "شكرا". لم ينشد أحد! غمز بحواجبه للنصير "أبو سيف" وقال بصوت أعلى "شكرا". لم ينطق أحد. رفع يده مثل مايسترو وقال بصوت غاضب "شكرا". لكن أحد من اعضاء "الفرقة الفنية " لم يبادر للغناء. سادهم الارتباك وزاد من ذلك انفعال أَبُو رِياض وطريقته بتحريك حواجبه لتذكيرهم بواجبهم فغص بعضهم بالضحك، ففار الدم في عروق أَبُو رِياض  الفلاح، وصاح بصوت عميق وغاضب: يا أبو سيف.. يا هدى .. وأنته يا.. أشبيكْم .. وينكْم ..هبوا.. هبوا .. مالكْم ما تهبون .. هبووووووا ضحايااااا الاضطهااااااد !


141
المنبر الحر / حالمة حد الاشتعال
« في: 19:12 29/04/2017  »
حالمة حد الاشتعال
يوسف أبو الفوز

كان دجلة شاهدا حين عرفت ان تلك الغادة التي يتناثر الليل على كتفيها اسمها ( عميدة عذبي الخميسي )، وكانت بنادق الانصار شاهدا وهي تلمح قامتها الرهيفة تخطر بين نساء قرى منطقة ( روستي) تنثر المحبة وشموسا صغيرة، وعبر تضاريس الايام ضلت تلك الغادة حالمة حد الاشتعال، راحلة ابدا في شموس الاماني، في تويج الروح، في شرايين الفرح ، ...

كان ليل عدن الساحر يلمنا في شرفة مقمرة. زوجها يسترخي قريبا منا، "ناظم حكمت" واشعاره، وحبيبته منوّر، يشاركونا جلستنا،التفتت "عميدة" الى زوجها، وفي عينيها بريق أخاذ :

ـــ اذا صار لدينا طفلة سنسميها "منوّر"!

هل لي ان اتبارك من عيني "منوّر" ؟ ان اجدل شرائطها، وارتب لها حقيبتها المدرسية؟ ان اسهر لاجل عينيها مرة، ليلة واحدة اسأل فيها النجمة التي اري، ليلة اسهر، ارسم لها الاماني عصفورا لجنحيه شواطئ دجلة والفرات؟

الحمى تحرق جسدي، وامي بعيدة ... بعيدة، وحزن المنفى له ملمس الحجر، حين افقت، كانت امي تجلس عند سريري ساهرة والليل يتناثر على كتفيها!

كل ليلة تراني النجمة ساهرا مع بندقيتي، اوقد هواجسي شموعا و(حلومه) المتألقة على خافي الوميض تتقد شموسا، وذات يوم سأزهر عند مفرق شعرها ورد رازقي له عطر الاماني وسيكون" ناظم حكمت " ضيفنا !

الايدي الاثمة الغادرة ، كانت تستهين بامرأة تحمل بندقية يشتبك زنادها احيانا بالضفائر، لكنهم في "بشت آشان" عرفوا ان أمراة كـ" احلام " يمكنها بسهولة ان تترك خلفها امشاطها ومرآتها وان تتفجر بعنفوان الفرات، وان يكون لاصابعها قوة الصخر وهي تضغط الزناد دفاعا عن شرف المبادئ !

للقلب شكل القنبلة .

وللرصاص هجس الأصابع،

لم يعرفوا ــ ولن يعرفوا ــ أن المبادئ وقوفا عن موقعها تدافع !
في معارك الانصار، حين ينحني الرصاص متكسرا عند الصخور، ويهوم صداه في الوديان وحنايا الروح، اراك يا "عميدة" ، على خط التسديد، عند كتفي "الفرضة" ، تسندين ذراعيك وتبتسمين.

لرصاصي سيكون استدارة شفتيك، وبريق بسمتك. ومنور ستأتي، وسأضع صورتك وخصلة من شعرك في حقيبتها المدرسية !

احلام ...

قد نلتقي وأضع بين كفيك الرصاصة التي ستحولني الى "سر الليل"، وقد انتظر لأجدل ضفائر "منور"، واهمس لها عن امراة يتناثر الليل على كتفيها، حالمة حد الاشتعال، ظلت الشموس تتناثر من بين اصابعها حتى اخر لحظة من حياتها !

6/ 3 / 1988

كردستان / مراني .. مقر انصار الفوج الاول

* النص من كتاب "تضاريس الايام في دفاتر نصير" . دار المدى . دمشق 2002

** الشهيدة احلام : "عميدة عذبي الخميسي " . مواليد بغداد 1956 . طالبة في كلية الزراعة . قطعت دراستها وغادرت العراق عام 1978 أبان الحملة الارهابية للاجهزة الامنية للنظام البعثي الديكتاتوري المقبور . عادت مع زوجها الى الوطن ، الى كردستان العراق ، والتحقت بصفوف الأنصار الشيوعيين في 28 / 5 / 1982. أستشهدت في الأول من أيار 1983 ، على يد مسلحي الاتحاد الوطني الكردستاني، في مجزرة " بشت آشان" الأولى !

*** روستي : منطقة تابعة الى محافظة اربيل ، كان فيها مقر لسرية من الأنصار ، عملت الشهيدة أحلام هناك لفترة ، وقدمت خدمات مشهودة في التوعية والتمريض لنساء قرى المنطقة.

**** دأب الأنصار عادة على اختيار أسماء الشهداء ككلمات لسر الليل

142
المنبر الحر / شهادة المصداقية
« في: 10:22 17/04/2017  »
  الكلام المباح 135

شهادة المصداقية
يوسف أبو الفوز

ما ان دخلتُ بيت صديقي الصَدوق أَبُو سُكينْة، حتى وصلتني الأصوات العالية والمتداخلة، وكان صوت أَبُو جَلِيل هو الاعلى: يا بعد رويحتي، أنت تعتقد انهم من النوع الذي يفهم القانون، ذولة يعرفون بس السرقة وثم السرقة وثم ... وكل من يفضحهم يعتبرونه ...

أنتبه الجميع لوصولي، ومن بعد السلام والتحيات افرد لي أَبُو سُكينْة، مكانا بجواره وقال: تعال شوف أَبُو جَلِيل شلون يريدها تصير ؟

التفتُ الى جَلِيل مستفهما فبادر لتوضيح الموقف: الجماعة صار لهم اكثر من ساعة يتحدثون عن الاعتداء الغادر الذي جرى على مقر منظمة الحزب الشيوعي العراقي في الديوانية. اخبرتهم بأن حملة الاستنكار الواسعة والتضامن مع الشيوعيين تثبت صواب موقفهم في التعامل مع الاعتداء الاجرامي، وان بيان قيادة الحزب كان واضحا في مطالبته بحصر السلاح بيد الدولة وان الحزب سيستخدم الوسائل السلمية والقانونية للدفاع عن شرعية عمله وحق اعضاء حزبه في التعبير عن ارائهم بالطرق الدستورية، لكن والدي يرى ...

وعاد أَبُو جَلِيل ليرفع صوته:اليوم قنبلتين باجر ...

فضحك أَبُو سُكينْة، مما جعل أَبُو جَلِيل يتوقف عن الاسترسال بكلامه: شنو حكيت لك نكتة؟

فقال أَبُو سُكينْة بصوت عال حتى يسمع أَبُو جَلِيل جيدا : يا صاحبي، يا صديق العمر، انا واياك عاصرنا نضال الحزب في مختلف العهود، وشفنا شلون هكذا اعمال موتورة لا يمكن لها ان تثني المناضلين عن مواصلة نضالهم . سجون ومطاردات و قوافل شهداء وراية الحزب باقية ترفرف بكل مكان ...

فصاح أَبُو جَلِيل:أكيد تريد تفرها وتقول لي بأن جدك ماركس قال اذا امتدحتك البرجوازية فأنت على خطأ؟

واصل أَبُو سُكينْة ضحكته :وهاي جدا صحيحه وبمكانها، لكن عندي كلام اخر ومو بعيد عن جدنا ماركس !

هدأ أَبُو جَلِيل، فقال أَبُو سُكينْة بصوت عميق: اعتقد لو ندفع للمجرمين فلوس قنابلهم ونشكرهم؟

واذ توجهت له الانظار مستغربة واصل كلامه : أكيد هاي مزحة، لكن أساسها ان هذه الجماعات الموتورة، التي طبعا لازم تتحاسب وفق القانون، غصبا عنها تقدم شهادة المصداقية لسياسة الشيوعيين، وخلت الناس تتأكد جيدا بأن الشيوعيين على حق في فضحهم للفاسدين ومطالبتهم في بناء دولة القانون والمؤسسات، وهذا كله خطرعلى قوى التخلف والظلام، فماذا تتوقع ردهم يكون ؟ ايضا ان هؤلاء الموتورين الظلاميين أغبياء لدرجة أن السحر أنقلب على الساحر، فبدلا من أخافة الشيوعيين بعملهم الجبان، الذي تحدثت عنه كل وسائل

الاعلام، مما دفع كل الناس لتسأل عن الاسباب، وهذا جعل الذي ما يعرف يعرف بأن الشيوعيين يناضلون من اجل العدالة الاجتماعية ولاجل حقوق الناس ولا يخافون من احد!

143
حلفاء "داعش" لن يثنونا عن مواصلة نضالنا !

تحلم المجاميع المنفلتة والخارجة على القانون في وطننا، الحليفة الموضوعية لعصابات داعش، انها في اعمالها الارهابية والموجهة ضد الشيوعيين العراقيين وانصارهم، ستثنيهم عن مواصلة نضالهم لاجل سعادة الشعب وحرية الوطن.

وهكذا جاء الاعتداء الغادر، على مقر حزبنا الشيوعي العراقي في مدينة الديوانية ، ليلة 11 نيسان / ابريل ، ليعبر عن قصر نظرهم في قراءة تاريخ العراق، ليتعلموا منه ان حزبا بكل هذا التاريخ النضالي البهي طيلة 83 عاما ، والذي قدم فيها قوافلا متواصلة من الشهداء ، لا يمكن ان يرعب مناضليه عمل ارهابي دنيء يرتكب تحت جنح الظلام .

ان مؤسسات الدولة العراقية والقوى السياسية العراقية ، مطالبة ليس فقط باعلان أدانتها لهذا الاعتداء المشين وامثاله، بل وللعمل الجاد لاجل ان يكون السلاح حصرا بيد مؤسسات الدولة الامنية، وان كل من يحمله خلافا للقانون، يجب ان يحاسب بشدة .

اننا في الوقت الذي نستنكر هذا الاعتداء الاثم، نقدم تحيات التضامن مع رفاقنا الاعزاء في الديوانية، ومع طلابها البواسل، ولتعرف قوى الظلام والتخلف ان الشيوعيين العراقيين سيكونون اكثر عزما في النضال والعمل لاجل بناء دولة المواطنة الضامنة للحريات والحقوق، وارساء اسس الدولة المدنية الديمقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية .

منظمة الحزب الشيوعي العراقي في فنلندا

الحزب الشيوعي الكردستاني ـ عراق / فنلندا

هلسنكي ــ 12 أبريل 2107

144
الانتخابات البلدية الفنلندية: خسارة مدوية لليمين المتطرف لصالح قوى اليسار

يوسف أبو الفوز
أعلنت في العاصمة الفنلندية، هلسنكي، مساء الأحد الفائت، نتائج الانتخابات البلدية الفنلندية، التي بلغت نسبة المشاركين فيها 58,8 في المائة، بزيادة ملحوظة عن الانتخابات البلدية السابقة.
وفي هذه الانتخابات مُنيّ اليمين المتطرف الفنلندي بخسائر بارزة ، لصالح عموم قوى اليسار، التي تقدمت في مواقعها، خصوصا حزب الخضر الذي اعتبر اكبر الفائزين في هذه الانتخابات. وجاء ذلك نتيجة لتجاهل الحكومة يمينية مطالب ذوي الدخل المحدود والغائها للمكتسبات الاجتماعية المتحققة طيلة عقود طويلة.
وبينت النتائج ان اليمين المتطرف الشعبوي (حزب الفنلنديين الحقيقيين) فقد تقريبا نصف ناخبيه قياسا بالانتخابات البلدية السابقة عام 2012 ، اذ حقق الان فقط 8,8 في المائة بخسارة قدرها 3,5 في المائة . ويذكر إن اليمين الشعبوي قد حقق أفضل نتائجه في 2011، عندما حصل على 17 في المائة. وتأتي هذه الخسارة نتيجة ايضا لسياسة الحكومة الفنلندية التي يشارك اليمين المتطرف فيها.
وبالنسبة لحزب الائتلاف الوطني الفنلندي اليميني التقليدي، حزب رئيس الجمهورية الفنلندية الحالي، وهو طرف شريك في الحكومة الحالية، فرغم تراجعه بـ1,2 في المائة قياسا للانتخابات البلدية 2012 الا انه استطاع ان يحافظ على موقع الصدارة في عموم البلاد. وأما حزب الوسط ، حزب رئيس الوزراء الحالي، فقد تراجع بنسبة بـ 1,1 في المائة ليحتل المركز الثالث بحصوله على 17,5 في المائة.
أن حزب الخضر الفنلندي ، كان الرابح الاكبر في هذه الانتخابات ، ومعروف عنه سياسته ومواقفه اليسارية الجريئة، والذي ينال دعما من قطاعات الشبيبة والطلبة، وتميز هذه العام بحملة انتخابية نشطة اعترف بها خصومه تمخضت عن حصول الحزب على 12,4 في المائة، بزيادة قدرها3,9في المائة قياسا بالانتخابات السابقة مما اهلته لتخطي حزب اليمين المتطرف، واعلن رئيس الحزب بأن هذه النتائج تشير الى ان الناخب الفنلندي يميل الى سياسات اصلاحية اكثر انسانية ضد سياسة التقشف التي اعتمدتها الحكومة الحالية واضرت بقطاعات محدودي الدخل ومنهم الطلبة والمتقاعدون.
من جانبه حصل حزب اتحاد اليسار على 8,8 في المائة بزيادة 0,8 في المائة . وصرحت رئيسة الحزب بأن وجود حزبها ونشاطه في المعارضة جاء بنتائج طيبة واثبت صحت سياساته في انتقاداته الجريئة لسياسة الحكومة ومعارضته لسياسة التقشف وخفض الانفاقات والسياسات الضريبية التي اضرت بالمساواة بين الناس ، وبينت ان سياسة حزبها واضحة في دعوته الى اصلاحات في الرعاية الاجتماعية والصحية. وحصل الحزب الديمقراطي الاجتماعي فاحتل الموقع الثاني بحصوله على 19,4 في المائة، وبخسارة قدرها 0,2 في المائة.
وان هناك احزابا يسارية اخرى تعتبر صغيرة، ولأول مرة حققت نتائج طيبة ، اضافة الى فوز شخصيات ثقافية وسياسية معروفة بمواقع مهمة ، مثل فوز الرفيق أوريو هاكنين الرئيس السابق للحزب الشيوعي الفنلندي كعضو عن العاصمة هلسنكي ، التي يملك فيها المجلس البلدي عادة صلاحيات كبيرة وواسعة ، والتي حصدت فيها قوى اليسار الغلبة في المقاعد.
ان نتائج الانتخابات البلدية الحالية تدفع للقول بأن الخارطة السياسية الفنلندية، في العامين الاخيرين شهدت تحركا بشكل ملموس لصالح قوى اليسار، ويمنح الامل بانها ــ قوى اليسار ـ اذا استمرت في الحفاظ على هذا النجاح وتطويره وتفعيل تحالف اخضر ـ احمر ، فأنها ستكسب المعركة البرلمانية القادمة بدون شك

145
يوسف أبو الفوز ضيفا على المكتبة العامة  في يونسو الفنلندية
يونسو – طريق الشعب
ضيّفت المكتبة العامة الأساسية في مدينة يونسو الفنلندية، أخيرا، الروائي والإعلامي المغترب يوسف أبو الفوز، الذي تحدث عن تجربته الأدبية في لقاء مفتوح مع جمهور من أبناء الجالية العراقية وأهالي المدينة واللاجئين.
أدارت اللقاء الآنسة ميركا سيبلا التي رحبت بالحاضرين ودعتهم إلى الغناء معها احتفاء بالضيف الذي صادف عيد ميلاده في يوم اللقاء نفسه.
بعد ذلك تحدث أبو الفوز عن تجربته الادبية ومراحل تطورها، وربطها بالاوضاع السياسية والاجتماعية لبلده العراق، وشرح كيف ان دكتاتورية حزب البعث، وخصوصا مع صعود جناح صدام حسين الشوفيني الشعبوي، قادت البلاد الى كوارث الحروب والحصار الاقتصادي وحملات الابادة الجماعية، وغيّبت الديمقراطية السياسية والاجتماعية، ما تسبب في هجرات متتالية للعديد من رافضي سياسة النظام.
وأضاف ان تغيير هذا النظام الذي حدث بواسطة احتلال الولايات المتحدة الامريكية للبلاد، والذي ساهم في وصول قوى الاسلام السياسي للحكم ضمن نظام المحاصصة الطائفية والاثنية، ادى إلى استمرار تردي الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في البلد، الأمر الذي دفع الكثير من الشباب إلى الهجرة.
وسلط أبو الفوز الضوء على محطات تنقله وترحاله، حتى استقراره في فنلندا مطلع عام 1995، ما ترك تأثيرا على كتاباته، مبينا انه في كتابه "طائر الدهشة" المنشور عام 1999، والذي ترجم إلى الفنلندية عام 2000، تحدث عن تجربة اللجوء العراقي واسبابها ومعاناة اللاجئ حين يكون بين اسئلة الذاكرة والمستقبل المجهول. ثم قرأ مقطعا من قصة قصيرة له باللغة العربية، أعقبته مديرة اللقاء بقراءة المقطع ذاته باللغة الفنلندية.
وتحدث الضيف أيضا عن روايته "كوابيس هلسنكي"، التي صدرت بالعربية عام 2011، والتي هي الآن تحت الترجمة إلى اللغة الفنلندية، مشيرا إلى انها تتحدث عن العنف والارهاب في العراق، وعن هموم العراقيين المقيمين في فنلندا، وأفكار الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تقيم في أوربا، وتحديدا في فنلندا.  وساهم الجمهور في تقديم المداخلات، وطرح أسئلة أجاب عنها الضيف بإسهاب.





146
الكلام المُباح (134)  
الرَّايَةُ الحَمْراء!
   
يوسف أبو الفوز 
أحد الاصدقاء ذكر بأنه صباح 31 اذار، اعتقد أن "فيس بوك"، اكتسى باللون الاحمر، لكثرة ما رأى من ورود حمراء ورايات حمر تبادلها الشيوعيين واصدقائهم، كبطاقات تهنئة بمناسبة الذكرى الثالثة والثمانين لتأسيس الحزب الشيوعي العراقي. ولأن علاقة صديقي الصَدوق أَبُو سُكينْة، بالتكنولوجيا عموما لا تتعدى شاشة التلفزيون والهاتف، ورغم اني مشغول بالانتقال الى بيت جديد ومن ايام انام بين الصناديق والاكياس، توجهت وزوجتي الى بيته لتهنئته، وكنت اخبرت جَلِيل بفكرتي فسبقنا الى هناك حاملين معنا باقة ورد احمر وعلب الحلوى، فوجدنا ان توجيهات أَبُو سُكينْة قد حولت البيت الى مكان احتفال.
 قالت أَمُّ سُكينْة من الصباح طلب منها ان تضع صور الشهداء مؤسسي الحزب في صدر قاعة الضيوف، وما ان وصلت سُكينْة طلب منها تزيين صالة البيت بنشرة اضوية ووضع بعض البوسترات التي يبدو طبعتها من موقع الحزب الاليكتروني، وكانت الاغاني الثورية تهدر في البيت من مكان لا تراه. فتحول المكان الى قاعة احتفال حقيقية.
ما ان دخلنا وشاهدنا البيت الذي يلهث بالنظافة وتفوح منه روائح البخور حتى قالت زوجتي مازحة: اليوم يومك يا أَبُو سُكينْة !
تحامل على نفسه ونهض ليستقبلنا وهو يرفع صوته : "اليوم يوم كل العراقيين والناس المخلصين". تشابكت الايدي وطقت القبلات في الهواء وارتفعت الضحكات، وكان أَبُو جَلِيل اكثرنا صخبا وهو يواصل حديث سابق صار يوجهه الان للجميع: لو كنتم عشتم معنا  تلك الايام واحنا ندور في الليالي وننشر الرايات الحمر على اسلاك الكهرباء؟
كان أَبُو سُكينْة، قد روى لنا مرارا كيف كانوا في شبابهم، ايام الحكومات السابقة، يرسمون على قطعة قماش حمراء منجل وجاكوج او نجمة خماسية، وشعارات ثورية ويضمونها مطالب الناس بالحرية والديمقراطية والخبز وحق العمل، ويثبتون قطعتي خشب على طرفي قطعة القماش، ومن طرف يربطون حبلا قصيرا ويضعون في نهايته حجرا او ما يناسب، ويتسللون في الليل، ويختارون أمكنة في وسط المدينة ويرمون الحجر بأتجاه اسلاك الكهرباء فيلتف عليها ويثبت وتبسط الخشبة قطعة القماس، وتتدلى الراية عاليا. وكانوا يقومون برمي اكثر من راية في عدة امكنة. وفي اليوم التالي، المصادف ذكرى تأسيس الحزب، تكون الرايات الحمر ترفرف في اكثر من مكان. ورغما عنها تساهم الحكومة بتنبيه الناس الى المناسبة ووجود الرايات حين ترسل سيارة اطفاء ومعها الشرطة لانزالها، فيتجمع الناس وتبدأ الاسئلة، ويكون بعض الشيوعيين جاهزين وكأن وجودهم صدفة لاخبار الناس عن المناسبة وما هية الرايات الحمراء.
وفكرت كم من مناضل استشهد لاجل ان تبقى هذه الراية خفاقة دائما ، وكم مناضل زج لاجلها في السجن، وكم مناضلين ساروا على هداها في ظل مختلف الظروف. هي ليست مجرد قطعة قماش وشعار، انها رمز لنهج وفكر يهدي الناس الى حياة جديدة، حرة وسعيدة ، وتشير ليس الى التضحيات والامنيات فقط بل والى العبر والدروس خلال سنوات النضال المتفاني في خدمة الشعب والوطن للتعبير عن مصالح الكادحين .


147
المنبر الحر / تّفّاح حَلبجّة !
« في: 17:43 20/03/2017  »
الكلام المُباح (133)  
   تّفّاح حَلبجّة !
يوسف أبو الفوز
في بيت صديقي الصَدوق أَبُو سُكينة، كنت اتحدث عن تفاصيل أمسية تأبينية بمناسبة ذكرى جريمة حلبجة الشهيدة، حضرتها وبينت في مساهمتي وفي كلمة قصيرة التأكيد بأن جريمة حلبجة، وأذ ستبقى وصمة عار في جبين مرتكبيها، فأن الغضب وليس الحزن يجب ان يتلبسنا في ذكراها. الغضب الذي يجفف الدموع ويثير الاسئلة. الاسئلة التي تبدأ بلماذا حدثت الجريمة؟ ومن المسؤول الاساس عن ذلك؟ وهل هناك أمكانية لتكرارها؟ وذكرت ان فكر البعث الصدامي الشوفيني وسعيه لاقصاء الاخر بأي وسيلة، هو السبب خلف الجريمة، وان من اصدر الامر بالقاء القنابل الكيماوية، بعطر التفاح، على المدينة الوادعة ليغتال الحياة فيها، كان يريد أقصاء الاخر من المشهد والحياة لانه يريد الساحة لنفسه وحده. وهذا الفكرالاقصائي اذ لبس في زمن الديكتاتور صدام حسين بدلة زيتوني يمكنه ان يلبس أي زي اخر، حين تتوفر له الظروف المناسبة والدوافع.
وبدا جَلِيل غاضبا، وهو يعلق بأن هناك من تاجر بمأساة حلبجة وترك الضحايا دون انصاف بشكل حقيقي. حاولت التخفيف من غضبه، وانا ادور في اجواء افكار الكلمة التي قدمتها، فقلت : أن انصاف الشهداء والضحايا دائما يتجسد في محاربة الفكر الذي  يقف خلف اسباب المأساة !
سألتني سُكينة : حسب كلامك ، هل تعتقد بأمكانية تكرار مأسأة حلبجة مرة اخرى؟
من مكانه اجاب جَلِيل بذات النبرة موجها كلامه للجميع : طبعا، وماذا تظنون بمأساة الموصل وما حصل؟ اليست هي حلبجة ثانية؟ انظروا عدد الشهداء والضحايا والنازحين في هذه المأساة؟ أنظروا أسباب حدوث المأساة وكيف ان عصابات داعش الارهابية احتلت بسهولة واحدة من اكبر مدن الوطن؟ الا توافقوني بأن ان الاحتراب الطائفي والصراع على المغانم ومحاولة أقصاء الاخر، كانا من الاسباب الاساسية لهذه المأساة ؟ ولذا انا اشعر بالغضب حين اجد هناك من يستثمر مأساة شعبي ويتاجر بها لاغراض سياسية.
سعل  أَبُو سُكينة فالتفتنا اليه جميعا فقال : ذكرت لي أم سُكينة، انها قابلت أمراة من الناجين، وكانت طفلة في يوم جريمة حلبجة. هذه المراة، حرمّت على نفسهاوطول عمرها، ان تأكل التفاح، لأن السلاح الكيماوي الذي استخدمته طائرات المجرم صدام  وقتل الالاف من الناس الابرياء كان له رائحة التفاح . يا بوياااااااا يا سُكينة ، هاي احنا شلون راح نموت من الجوع !
واذ نظرنا اليه باستغراب، واصل وبشكل جاد تماما : بعد الان مو بس تفاح ما راح ناكل، يجوز راح نتعقّد وما نقدر نشتهي ناكل كل شيء، لان عدنا بعض الجماعات تريد تقصي الاخر بأي وسيلة، حتى هي تبقى تحوش الاكو والماكو، يعني عندها أستعداد تضرب كيماوي بكل الروائح... بروائح البطيخ، روائح الباذنجان وحتى بروائح البصل !


148
مدينة يونسو الفنلندية تستضيف الكاتب يوسف أبو الفوز
الروائي والاعلامي العراقي يوسف أبو الفوز تستضيفه المكتبة العامة في مدينة يونسو (437 كم شمال شرقي العاصمة هلسنكي) ، يوم الاثنين 20 اذار الساعة السادسة مساء ، في "لقاء مفتوح" مع رواد المكتبة وسكان المدينة، للحديث عن تجربته الادبية وقراءة بعض من نصوصه القصصية بالعربية والفنلندية، والنقاش حول موضوعات ثقافية واجتماعية. 
العنوان :
 Joensuun seutukirjasto
Koskikatu 25, 80100 Joensuu
الوقت : 1800 ـ  1900
 

149
رأي صريح : المهاجرون والأنتخابات في فنلندا والموقف المطلوب!
يوسف أبو الفوز
أكتب هذه السطور بعد ان وجه لي العديد من الاصدقاء اسئلة عن هذا الموضوع، وكيف يكون موقف المهاجرين عموما والعرب خصوصا ، والمسلمين منهم، في فنلندا من موضوع الانتخابات؟ ما الفرق بين برامج أحزاب اليسار واليمين؟ ولمن الافضل ان نصوت؟ وما هو الموقف من المرشحين الاجانب في قوائم مختلف الاحزاب؟ واسئلة عديدة اخرى تتعلق بموضوع الانتخابات في فنلندا. واسجل ملاحظاتي هنا، وهي وجهات نظر شخصية، وهذا يعني انها اراء قابلة للنقاش، ولكني اسجلها من خلال تجربة الحياة والعمل في فنلندا لفترة تتجاوز الان احدى وعشرين عاما والقرب من المشهد السياسي وعلاقتي بمختلف الاحزاب ككاتب وصحفي وناشط سياسي. علما انه كل موسم انتخابات، ومنذ  سنواتي الاولى في فنلندا، كانت توجه لي الدعوات، ومن قبل عدة احزاب يسارية، للاشتراك في قوائمها الانتخابية سواء للانتخابات البرلمانية او البلدية، وكنت اعتذر لاسباب خاصة، ولكني كنت أعلن دعمي لعموم احزاب اليسار في حملاتها الانتخابية، انطلاقا من كون هذه الاحزاب، تتوافق مع معتقداتي الفكرية، وتحاول ان تحافظ على نموذج "دولة الرفاه"، الذي بناه الاجداد والاباء الفنلنديين من احزاب اليسار بعد نضال وتضحيات، والذي بسببه اخترنا هذه البلاد ولجأنا اليها.
وفي ظل الظروف الصعبة التي تمر بها اوربا وفنلندا، في السنوات الاخيرة، خصوصا بعد فوز"دونالد ترامب" كرئيس للولايات المتحدة الامريكية، الذي اعطى دفعة قوية وللامام للاحزاب اليمينية والشعبوية في اوربا، اتمنى من كل مواطن مهاجر او لاجيء يحق له التصويت ان يشارك في الانتخابات، لان عدم التصويت سيكون لصالح الطرف الاخر. ان من الضروري التفكير جيدا بالمستقبل البعيد. وأذ اطرح وجهات نظري ، وهي ليست محايدة ، بل ومنحازة ، فبالتأكيد ان التصويت ، ولأي حزب، اتمنى أن يخضع لقناعات الشخص بذاته، سواء اتفق أو اختلف معي في رأيه . ولكن بعد ان يسأل كل شخص نفسه : أي حزب يقف الى جانب المهاجرين ويدعم وجودهم في هذه البلاد؟اي حزب يقف الى جانب حقوق ذوي الدخل المحدود؟ اي حزب يحافظ على نظام الضمان الصحي والاجتماعي؟ قد يكون قاريء هذه السطور ، انسان ملتزم دينيا ، فهل يصح له ان ينتخب انسان علماني أو ملحد ، لكنه يحمل برنامج يحفظ له حقوقه ويحمي مستقبل اطفاله في هذه البلاد؟ اي حزب يا ترى يتاجر بقضايا اللاجئين والمهاجرين ومن هو صاحب الموقف الحقيقي من مجتمع متعدد الثقافات؟ من يعتقد ان مجتمع متعدد الثقافات يعني مجتمع تعدد المجرمين؟ ومن يضمر العداء الكامن للملسمين وان تبجح بالديمقراطية؟ واسئلة كثيرة ترد في البال قبل التوجه لصندوق الانتخابات. وفي كل الاحوال اتمنى ان تكون للمهاجرين مشاركة واسعة، لان صعود مرشحين يحملون برامج تقف الى جانب قضايا المهاجرين وفقراء الناس سيكون ضمان للمستقبل والاستقرار في هذه البلاد.
ولو اردنا الحديث عن مفهوم "دولة الرفاه"، الذي تسعى احزاب اليمين لتقويضه اولا وثم تهديمه تماما، من خلال اتباع سياسة الخصصة، فهو نظام كانت مجموعة دول الشمال الاوربي، وفنلندا منها، السباقة لتبنيه، وهو يسمى ايضا بدولة الرعاية وهو نموذج الدولة التي توفر لمواطنيها ووفق القانون الرعاية الاقتصادية والصحية بنظام ضمان أجتماعي متطور، فهذه الدول وان كانت تتبع نظام "اقتصاد السوق"الرأسمالي، لكنها تعتمد نظام ضمان حقوق مواطنيها بالحصول على خدمات اجتماعية وصحية تكفل لهم حياة طبيعية ومرفهة.
ان الفرق بين الاحزاب اليمينية واليسارية في الموقف من "دولة الرفاه" هو ان احزاب اليسار (في فنلندا : حزب اتحاد اليسارVAS ، حزب الخضرVIHR، الديمقراطي الاجتماعيٍSDP والحزب الشيوعيSKP) ترى ان المجتمع مسؤول تجاه الفرد ومن واجب الدولة حمايته من خلال نظام التضامن الاجتماعي. بينما احزاب اليمين والوسط ( في فنلندا : حزب الكوكمس KOK، حزب الوسط KESK، حزب الفنلندين الحقيقين PS  والحزب المسيحي الديمقراطي KD وحزب الشعب السويدي SFP) يرون ان الفرد مسؤول عن وضعه الاقتصادي والاجتماعي، ولهذا تتبنى سياسة اقتصادية بتصفية القطاع العام وخصصته وتبني نظام اقتصادي واجتماعي يكون اساسه المنافسة بين الافراد والغاء نظام الضمان الاجتماعي وان لا يكون للدولة اي دور في رفاهية الافراد.
وهنا اجدني اعود الى تكرار ما اردده دائما، اننا يجب ان نفصل في احاديثنا بين الدولة الفنلندية والحكومة الفنلندية، خاصة حين نوجه الانتقادات ونكشف ونفضح السلبيات، حتى لا يكون هناك خلط. فالشعب الفنلندي وخصوصا ذوي الدخل المحدود، وعموم المهاجرين واللاجئين صاروا يعانون كثيرا من سياسات الحكومات اليمينية السابقة والحالية. وان الازمة الحالية في البلاد  لم تكن وليدة هذه الحكومة الحالية فقط، وانما هو تراكم من خلال ما فرضته ونفذته احزاب اليمين، خصوصا حزب الكوكمس KOK، خلال مشاركاتها او تزعمها الحكومات السابقة.
ان الانتخابات البلدية والبرلمانية، هي التي تجلب وتحدد نوع الحكومات المحلية ولعموم للبلاد، يسارية او يمينية، والشعب الفنلندي هنا مسؤول عن ذلك، فهو الذي يتوجه الى صناديق الاقتراع. لكننا يتطلب ان ننتبه، الا ان الشعب الفنلندي،المسالم، المتحضر، وفي السنوات الاخيرة، خضع لمؤثرات اقتصادية واجتماعية كثيرة، خصوصا الشباب منهم، فاثرت على القناعات والخيارات في التصويت، مما سبب نمو وصعود الاحزاب اليمينية التي صارت تهدد طبيعة النظام الاقتصادي والسياسي في البلاد، واقصد هنا تجربة "دولة الرفاه". استطاعت احزاب اليمين، وخصوصا الشعبوية منها، ان تنشط مستثمرة الازمات الاقتصادية والسياسية في عموم اوربا لترفع شعارات ديماغوجية وتظليلية سحبت بها القدرة التصويتية من صناديق احزاب اليسار. ان احزاب اليمين المتطرف الفنلندي، صاحبة الافكار الشعبوية (على غرار شعبوية دونالد ترامب) لم تأت من فراغ، بل جاء جمهورها الغالب اساسا من بين صفوف احزاب اليمين والوسط ومناصريهم، وساهمت في تشجيع نشاط الجماعات العنصرية والنازية الجديدة. ان نجاح احزاب اليمين سيوفر الفرصة الكبيرة لنمو التيار المتطرف الشعبوي اكثر، والذي وحسب مواقف منظمات حقوق الانسان، سيساعد على انتشار خطاب الكراهية وبالتالي سيكون تهديدا جادا لمجمل حقوق الانسان في البلاد خصوصا التشدد في سياسة اللجوء والعلاقة مع عموم المهاجرين. 
من هنا تأتي اهمية، الناخب ذو الاصول الاجنبية، ليكون عاملا مؤثرا في الانتخابات لصالح قوى اليسار التي تتبى قضاياه وهمومه بشكل صادق وحقيقي . فلفترات طويلة، ظل المهاجرين للاسف بعيدين عن المساهمة في الحياة السياسية،  رغم ان احزاب اليسار هي المبادرة لتبني قضاياهم ومشاكلهم انطلاقا من برامجها ومبادئها، ومع ارتفاع عدد الاجانب في البلاد التفتت الاحزاب اليمينية الى وجودهم ككتلة انتخابية وبدأت تتوجه لهم، بل ونجحت حتى في ان تحصل على مرشحين ضمن قوائمها قادمين من خلفيات اجنبية ليكونوا ديكورا براقا ، مستغلين عوامل عديدة ذاتية وموضوعية تخص المرشحين ذاتهم.
فكيف يتطلب ان يكون موقف المهاجرين الاجانب من الانتخابات والاحزاب في فنلندا ؟
اعتقد علينا ان ندرك ان احزاب اليسار تسعى لبناء مجتمع متعدد الثقافات حقيقي وهذا يدفعها لتبني قضايا المهاجرين باعتبارها جزء من برامجها، بينما نجد ان احزاب اليمين تتذكر المهاجرين في ايام الانتخابات فقط وتسخدمهم كورقة انتخابية، وطوال السنة تحملهم مسؤولية الازمات الاجتماعية والاقتصادية، لاثارة خوف المواطن الفنلندي العادي، خصوصا المتردد وغير المسيس (في مصر يسمونهم بفكاهة حزب الكنبة)، لكسب صوته، وان بعض احزاب اليمين تحاول ان تحسن من صورتها فتضع بعض المرشحين من اصول اجنبية في قوائمها ليس فقط كمجرد ديكور يحسن صورتها، بل لانها مستفيدة جدا، لأن هذا المرشح وضمن قوانين النظام الانتخابي المتبع في فنلندا في انتخابات مجالس البلديات ، فحتى لو حصل اصوات قليلة جدا ولم ينجح فان اصواته ستحسب لصالح قائمته ويستفاد منها مرشح اخر، وذلك حسب طريقة عالم الرياضيات البلجيكي "فيكتور دي هوند" (1841 ـ 1901)، اذ ان دور الاصوات مهما كان عددها متواضعا يكون لها تأثير داخل ترتيب القائمة الانتخابية، والامر الحاسم يكون في مجموع الاصوات لكل القائمة. ومن المعروف ان العديد من الدول اضافة الى فنلندا تستخدم هذه الطريقة، ومنها بريطانيا ودول الاتحاد الاوربي، ودول في امريكا اللاتينية.
قد يختلف البعض منا مع احزاب اليسار في بعض من مواقفها، فعلينا ان ندرك ان هذه المواقف هي نتيجة لطبيعة هذا المجتمع وثقافته (مثلا الموقف من مثلي الجنس وحقوقهم) لكن يجب ان نتذكر ان هذه الاحزاب اليسارية، وحتى اعضاء الحزب من مثلي الجنس وملحدين ، هم بالنتيجة يقفون الى جانب حقوق محدودي الدخل وحقوق المهاجرين واللاجئين، وقد تابعتم بالتاكيد وقفاتهم التضامنية المعلنة مع اعتصام اللاجئين المرفوضين، بل وحضور قادة هذه الاحزاب الى ساحة الاعتصام بينما رفض قادة اليمين حتى التعليق لللصحافة ان لم يكن يريدون طرد اللاجئين باسرع ما يمكن، واستنادا الى هذا فأني اشجع كل مهاجر ان يختار اي حزب من احزاب اليسار ليصوت له فهو بالتالي سيكون الى جانب "دولة الرفاه"، التي وفرت له كلاجيء ومهاجر ولاطفاله الحقوق والامان والكرامة!
 



150
الكلام المُباح (132) 
 
مُناَوَرةُ .. مُناَوَرَاتْ !
يوسف أبو الفوز 
كان جَلِيل غارقاً في حديث متشعب مع صديقي الصَدوق أَبُو سُكينة، يستعرضُ له أخر التطورات السياسية في البلاد ، وركز على الانتصارات الأخيرة للقوات المسلحة العراقية ، بكل صنوفها ، في المعركة ضد عصابات داعش وقوى الإرهاب في محافظة نينوى. وثم عرج على اقتراب موعد الانتخابات لمجالس المحافظات، وملاحظة مُناورات بعض القوى السياسية في طرح مشاريعها بثوب مدني، وفي حقيقتها تعبير عن الازمة المتواصلة وفشل النظام السياسي الطائفي التي هي جزء فاعل منه. كذلك مواصلتها تجاهل حاجة البلاد الى الاستقرارالسياسي والاقتصادي والاجتماعي، بما يؤسس لدولة المواطنة والعدالة الاجتماعية، يحدث قطيعة مع النهج الطائفي والاثني الذي حكم البلاد طيلة السنوات الماضية، وتسبب في ازمة بنيوية شاملة .
وتدخلتُ في الحديثِ للاشادة بمواصلة جماهير شعبنا وعلى مدى الأشهر الطويلة الماضية ، ورغم الشهداء والضحايا ، هبتها الاحتجاجية على سوء الأوضاع المعيشية والخدمية، ومناداتها بإصلاح النظام السياسي وتخليصه من المحاصصة، ومحاربة الفساد وإبعاد الفاشلين عن مراكز القرار.
قالت زوجتي غاضبة : ان القوى المتنفذة تواصل صم اذانها وتتجاهل مطالب الناس المحرومة من خيرات الوطن المنهوبة من قبل الفاسدين، وان فشل هذه القوى السياسية المؤيدة لنظام المحاصصة تعبر عنه بوضوح مواقفهما العدائية من الحراك السلمي الجماهيري .
تدخلت سُكينة في الحديث وقالت بأن هذا الموقف العدائي من الحراك السلمي ماهو الا تعبير واضح عن حقيقة هذه القوى ويعكس طبيعتها وايضا يعبر عن عمق مخاوفها من امكانية تأثير الاحتجاجات السلمية، فهم يخشون النتائج، خصوصا التي ستؤدي الى ازاحتهم من مواقعهم بشكل ما، فيخسرون عندها كل المواقع والامتيازات، ولهذا فانهم لابد ان يعبروا عن خوفهم ، ومن هنا تظهر مناورات البعض منهم لتوحيد قواهم ومنها سعيهم حتى لسرقة شعارات الاحتجاج السلمي والحركة المدنية.
قالت زوجتي : من هنا ، اعتقد ان رأي جَلِيل صحيح جدا، بأن القوى المدنية التي تنشد التغيير الحقيقي في بلادنا لابد ان تخلق اصطفاف اجتماعي وسياسي قادر على احداث تغيير في موازين القوى، فبسبب الخوف من هذا التغيير القادم ونتائجه، وحسب تجارب السنوات الماضية، التي بانت للناس بشكل واضح بأن الفرقاء المتنفذين مهما اختلفوا، فانهم حين تتهدد مصالحهم سيلتقون ضد مطاليب ورغبة الشعب !
ضحك أَبُو سُكينة وقال يا بنتي وكأنك بقلبي، البارحة كنت اتذكر سالفة عن العلاقة بين بعض سياسيي الصدفة عندنا وبعض من أصناف الحيوانات في الغابة، التي تعيش بقوانينها، فأذا اختلفت هذه الحيوانات، تدخل في عراك فيما بينها، تخرب به الغابة وتسلب راحة كل ما حولها، واذا اتفقت، أجتمعت وأكلت كل الثمار من حولها وحرمت الاخرين منها بل وتطردهم وتترك فقط فضلاتها في المكان!


151
في هلسنكي .. ندوة عن الادب والمنفى  في العراق   !

هلسنكي ـ متابعة المدى
في العاصمة ، هلسنكي ، يوم 13 شباط ، استضاف مركز الثقافة العالمي في هلسنكي، وفي قصر دار الثقافة (Kanneltalon) ، في ضاحية كانيلماكي  الكاتب الروائي والاعلامي العراقي يوسف ابو الفوز والشاعر "يي تين ثيت زوى" من بورما  في امسية ثقافية تحت عنوان "الادب والمنفى ". ادارت الندوة بتألق وحيوية الكاتبة الفنلندية "أوتي كورهونين" وهي بنفس الوقت منسق برنامج التعدد الثقافي في شمال اوربا .
ابتدأت الامسية بترحيب ممثل مركز الثقافات العالمي، المترجم الجزائري حمزة عمروشي ، بالضيوف وجمهور الحاضرين الذي تميز بحضور نوعي لعدد من الكتاب والاعلاميين والناشطين في برامج تعدد الثقافات .
ثم ابتدأت قراءات شعرية للشاعر يي تين تيث زوى بلغته الام ، وقرأ بعده الكاتب ابو الفوز مقتطف من قصة قصيرة باللغة العربية عن الحنين للوطن، وتولت الكاتبة اوتي كورهونين قراءة الترجمات باللغة الفنلندية. ثم بدأ الحوار بين الكاتبة كورهونين والضيوف ، حيث وجهت اسئلة للضيفين عن بداياتهما في الكتابة وتأثير المنفى على  انتاجهما الابداعي ووجهات نظرهما في مفهوم التعدد الثقافي . وساهم الجمهور باغناء الحوار باسئلته العميقة التي تناولت محاور ادبية مختلفة تخص تجارب ونشاط الضيفين .
الشاعر البورمي تحدث عن الرقابة البوليسية على الادب والقوانين المجحفة التي تحد من حرية التعبير، وقرأ بتاثر قصائد اهداها لزملائه واصدقائه في السجون في بلاده وبينهم اخوه، وتحدث عن رحلته في المنفى وتأثيرها على نتاجه الادبي وبحثه الدائم عن افاق جديدة لقصيدة المنفى عنده .
الكاتب يوسف ابو الفوز ، في اجاباته ، تحدث عن مفهوم المنفى وتأثيره على الكاتب ، وكون المنفى ليس فقط الابتعاد عن ارض الوطن الام ، بل يمكن للكاتب ان يكون في وطنه ويعيش "المنفى الداخلي" باغترابه عن محيطة بتاثيرات الاجواء السياسية والاجتماعية والدينية التي تضع امامه الكثير من الخطوط الحمر، وبين ان تجربته الادبية في "المنفى خارج الوطن" أغتنت بتجاربه الحياتية في محطاة حياته المتعددة، وان "المنفى الخارجي" فتح له افاق أكثر من الحرية للكتابة بعيدا عن التابوات التي عرفتها الثقافة في بلاده ، فالمنفى الخارجي كضربة عنيفة على ظهر اي كاتب، لم تكسر له ظهره بل اجبرته للتقدم للامام. وعن سؤال حول اشكالية اللغة، كونه يكتب بالعربية ويعيش في بلد غير عربي، قال ان هذا منفى اخر  يؤرقه دائما، فهو يكتب باللغة العربية، ويتعايش وينشط مع المحيط حوله بلغات اجنبية مختلفة، فهو لا يستطيع التعبير عن افكاره ونفسه بشكل ابداعي الا بلغته الام، ومن هنا تاتي أهمية الترجمة المتقنة ليصل الى الجمهور الذي يعيش وسطه ليتعرف على افكاره، فالمترجم هنا لا يكفي ان يكون متقنا للغة الكاتب بل يتطلب ان يكون ذا حس ادبي يجعله بمصاف ان يكون مؤلفا ثانيا للكتاب المترجم .
وكان العراق حاضرا بقوة من خلال الاسئلة التي تكررت عن اسباب ترك الكاتب (ابو الفوز) بلاده الى المنفى، وعن سؤال حول تطورات الاوضاع الحالية في بلاده  وموجة الهجرة الاخيرة من البلاد . اجاب الكاتب يوسف ابو الفوز باسهاب عن تعقد الاوضاع السياسية في العراق نتيجة حكومات المحاصصة الطائفية وتفشي الفساد في مؤسسات الدولة العراقية ونشاط الجماعات الارهابية  في غرب البلاد والمليشيات الطائفية التي ينتشر نشاطها في كل مكان، والقمع الذي تتعرض له حركة الاحتجاج لاجل المطالب المشروعة بالاصلاح والتغيير، وبين ان الهجرة من العراق الى مختلف بلدان العالم، لن تتوقف لان اسبابها لا تزال قائمة، فالشباب العراقي فقدوا الامل في حياة حرة كريمة يسودها الامان ويحميهم القانون، وان الشباب القادمين الى فنلندا واجهوا سياسات تشدد من قبل الحكومة الحالية مما  حول الامر الى ازمة حادة للمجتمع الفنلندي وجعل طالبي اللجوء يعيشون في مأزق.
اعقب نهاية الامسية لقاء مفتوح بين ضيوف الامسية والجمهور، الكاتب ابو الفوز التف حوله مجموعة من  الشباب العراقي من طالبي اللجوء في فنلندا ومن المقيمين الجدد وانفتح حوار صريح ومباشر حول الاوضاع في العراق و ازمة اللجوء وومشاكلها وافاقها ، وحول كل ما يثار في الصحافة الفنلندية من اسئلة حول واقع وحياة طالبي اللجوء في فنلندا ، والافاق القادمة امام ذلك ، وشدد الكاتب ان سياسة الحكومة الفنلندية اليمينية الحالية تجاه اللاجئين تلاقي نقدا شديد من قبل جهات عديدة ولكن اللاجئين انفسهم مطالبين بتقديم صورة طيبة عن افعالهم وحياتهم ، يساعد على نبذ كل الخروقات التي تنسب لهم سواء بشكل مبالغ او مفتعل ، والعمل لخلق روح تضامن مع قضيتهم بين اوساط اوسع من الشعب الفنلندي .
 
 


152
الكلام المُباح (131)   
أَبُو سُكينة يَطْلبُ اَلمُساعَدة !

يوسف أبو الفوز 
كنت وجَلِيل نخوض حديثا متشعبا حول انتخابات مجالس المحافظات التي بدأ يقترب موعدها في شهر ايلول القادم . كان جَلِيل يؤكد بأن الانتخابات القادمة سوف لن تكون سهلة أرتباطا بتصاعد أهمية دور مجالس المحافظات خصوصا بعد نقل صلاحيات العديد من الوزرات اليها، وذلك يعني الكثير من المسؤوليات وخطط استثمارية والتوظيف ومبالغ مالية كبيرة ستكون تحت تصرفها. وهذا بالنسبة للقوى المتنفذة ساحة اخرى للصراع لأجل أقتسام المناصب والغنائم. شاركتنا سُكينة الحديث وقالت : وهل تعتقدون انه في ظل الازمة العامة التي تعيشها بلادنا وتعاظم الجوانب السلبية مع استشراء الفساد والمحسوبية والمنسوبية يمكن لقوى التيار المدني النجاح في تعديل موازين القوى؟
قال جليل: سؤال مشروع جدا وفي وقته، فالقوى المدنية والعلمانية امام تحد كبير ومسؤولية مضاعفة امام جماهيرها والتأريخ. فهناك قطاعات واسعة من الجماهير صارت تعول على دور عموم قوى التيار المدني ومنها الحزب الشيوعي العراقي، لاجل تعديل المسارات وتحقيق الاصلاح والتغيير وانقاذ البلاد وبناء منظومة الحكم على اسس المواطنة والنزاهة والكفاءة. والا فأن نهج المحاصصة والفساد سيقود البلاد الى مخاطر لا قرار لها وافاق مجهولة. ولهذا فأن التيار المدني مطالب باستنفار كافة الطاقات والامكانيات والاستثمارالافضل والعلمي لكل الامكانيات.
اتفقت مع جليل واضفت : أن اي مراقب يمكنه ان يرى ان هناك هوة كبيرة تتسع بين الفئات الحاكمة وعموم ابناء الشعب خاصة المتضررين من سياسات حكومات المحاصصة، واعتقد أن القوى المدنية مؤهلة كثيرا لتحقيق نتائج طيبة تصب في مصالح مطالب الحراك الجماهيري الذي صارت شعاراته واهدافه تتفق مع مطالب قطاعات واسعة من ابناء الشعب .
اقتربت زوجتي منا لتقول : اود ان اذكركم بأنه رغم الانتصارات المتحققة على عصابات داعش الارهابية الا ان الامن والاستقرار لم يتحققا بعد، حيث التفجيرات والعمليات الارهابية تحصد الارواح البريئة بين الحين والاخر، وان سقف مطالب الناس بدأ يرتفع !
سعل صديقي الصَدوق أَبُو سُكينة ، فالتفتنا جميعا نحوه ليقول : هذا لأن الناس صارت تعرف بأن داعش بلاء سلط على الشعب العراقي، ولكن هناك بلاء أخر هو ماعش، هاكم انظروا ، لم تجف بعد دماء شهداء ساحة التحرير على يد قوى مجهولة ــ مثلما قال البعض ــ ومعلومة ــ مثلما يعرف الشعب ــ حتى وجهت داعش ضربتها الارهابية الاجرامية في منطقة البياع ، وسقط شهداء وجرحى على ايدي هؤلاء وهولاء . اذا تذكر الناس المثل الذي يقول "ما بين حانه ومانه ضاعت لحانا " واستبدلوا كلمة "لحانا" بكلمة "دمانا " راح يقولون " ما بين داعش وماعش ضاعت دمانا و ...." ، الله يرحم موتاكم ويطول أعماركم  ممكن تساعدوني وتكمّلون الجملة بكلمة مناسبة ؟


153
مشروع سيناريو : موكب الشمس شرق كانيكا ! *
يوسف أبو الفوز
التخطيطات  للفنان الفقيد اياد صادق
أستهلال
 ــ في ايام 5 الى 16 كانون الثاني 1987 خاض انصار الفوج الاول / قاطع بهدينان ، من قوات انصار الحزب الشيوعي العراقي( حشع )، ورفاقهم من قوات الدعم، التي هبت لاسنادهم،  ووصلت على مراحل ، من مقر قيادة قاطع بهدينان، الفوج الثالث، السرية الخامسة، ومقر قيادة قاطع اربيل، وبالاشتراك مع "بيش مه ركة" الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) ، ومقاتلي المقاومة الشعبية من فلاحي القرى في المنطقة، خاض الجميع معارك ضارية، وعلى عدة محاور، وفي ظل ظروف جوية قاسية، ضد الحملة العسكرية الشرسة التي شنتها قوات النظام الديكتاتوري، على مناطق  نشاط  انصارالفوج الاول (حشع)، ومناطق لجنتي عقرة والشيخان لمقاتلي(حدك) ، وسكان القرى في المنطقة المجاورة لمقرات الاحزاب ،  حيث زجت فيها السلطات بوحدات عسكرية مدرعة من الجيش والجحوش ، وساهم فيها الطيران الحربي والهليكوبتر، وابدى الانصار آيات من البطولة والمقاومة والصمود والبذل، وكانت اياما اسطورية، حافلة بالمجد، غدت احاديث الجماهير ونسجت عنها قصصا كثيرة !
ــ  كانيكا ( بالكردية : كاني كه) : قرية تقع عند اطراف ناحية اتروش( قضاء الشيخان ــ محافظة الموصل)، وموقع القرية أستراتيجي بالنسبة للمنطقة، لذلك شيد النظام الديكتاتوري هناك قلعة كونكريتية، ومنذ السبعينات ، وضمن سلسة قلاع ومواقع عسكرية، شيدت بتصميم وتنفيذ من شركات رومانية، وكانت القلعة مقرا لفوج استخبارات عسكري، واثناء الاحداث  المذكورة كانت السلطة قد اخلتها ارتباطا باوضاعها العسكرية على جبهات الحرب مع ايران وايضا تنامي نشاط  ومقاومة الانصار في كردستان !
ــ لأستقبال العام الجديد  1987، صمم الرفاق العاملون في مكتب الاعلام لانصار الفوج الأول ( النصير أبو ايار، النصير أبو طالب ، النصير أبو رعد) ، بطاقة بيضاء كبيرة، وضعوها في مكان بارز في مقر " مه راني" ، كتبوا في اعلاها ( أحلم ! ) و تركوا الحرية لكل نصير ليسجل أمانيه بمناسبة العام الجديد !
مشهد في ذمة التأريخ
ثلاثة ... 
ثلاثة أنصار  ...
ثلاثة أنصار شيوعيين  ...
ثلاثة أنصار شيوعيين يتقدمون  ...
ثلاثة أنصار شيوعيين يتقدمون نحو  ...
ثلاثة قلوب مترعة بالأحلام، والعنفوان، والهواجس !
ثلاث قامات مدججة بالرصاص والمبادئ والأماني !
ثلاث بنادق شيوعية تتقدم نحو لحظة تاريخية !
الأول : النصير ياسين ( جماهير أمين الخيون ) يحمل بندقية كلاشينكوف ، وقاذف R B G 7 جاهزللاطلاق، ويحلم بـ :  "...التسكع في شوارع بغداد، مصابا بالحرية، وبأمي مختنقة بالسعادة " .
 الثاني : النصير جنان (فارس جرجيس موسى ) يحمل على كتفه العفاروف، وثلاث وعشرين نرجسة، وفي قلبه تتزاحم الفرحة ببطاقته الحزبية، وشهادة الدورة الحزبية التي انجز ، ويحلم بــ : "  ... امان لا حصر لها " ‍
الثالث : النصير كاتب هذه السطور . بالاضافة لبندقيته الكلاشينكوف المرقمة 1425 ، والقنابل اليدوية على حزامه، كان يحمل قذيفتي  R B G 7 ويحلم بــ : " ... تجاوز حدود الاماني واللوعة ‍ " !
ثلاثة أنصار شيوعيين يتقدمون نحو هاجس اللحظة القادمة ‍!
ثلاثة أنصار شيوعيين يتقدمون ...
ثلاثة أنصار شيوعيين ...
ثلاثة أنصار...
ثلاثة ...
لكنهم ... عادوا اثنين ‍!
الأول  و ... الثالث، عادا !
لماذا تخلف الثاني ؟
لماذا ؟
لماذا ا ا ا ا ا ا ا ا ؟
قطع ..
يوم 6 كانون الثاني وبسبب كون بناية القلعة نقطة دلالة لقصف الطائرات والمدفعية اضطر الانصار الى اخلائها من المقاتلين. عند الساعة الواحدة والربع ظهرا، والثلج يتساقط بغزارة، أفاد مقاتلي الحزب الديمقراطي الكردستاني "حدك"، بوجود جماعة داخل القلعة، فتوجه ثلاثة أنصار لاستطلاع الامر. أقتربوا من القلعة وسط ضباب كثيف. ثمة أصوات تصلهم باللغة العربية والكردية. من هم؟ هل هم رفاقهم الانصار الذين طلبوهم برسالة من المقر؟ أم رجال من المقاومة الشعبية ؟ صاروا على بعد عشرين او ثلاثين مترا  حين انقشع الضباب فجأة. صارت الرؤية واضحة تماما. حدث كل شيء بلمح البصر. لا مجال للتراجع. وجها لوجه بمواجهة حوالي ثلاثين من قوات المرتزقة الجحوش ورجال الاستخبارات. صاح الجحوش بالأنصار ليستسلموا : "تعالوا.. تعالوا  لا تخافوا". رد الانصار السريع كان النار . كان اشتباكا سريعا وضاريا . الرد السريع للانصار نفعهم كثيرا وخلق حالة من الارتباك بين المرتزقة الجحوش . أحتمى الانصار بالصخور والاشجار القريبة التي راحت أغصانها تتساقط بسبب كثافة النيران. حالما بدأ الاشتباك هب الرفيق النصير "أبو نصير" المتمركز جيدا على بعد حوالي مائتي متر للمساندة ودعم الرفاق للانسحاب.
نجمة تطرز السماء
لكن جنان ... على صهوة العفاروف، وبالسرعة الابتدائية لسقوط نجمة، انطلق ثابت الجنان، "فارسا" نحو سماء المجد، وكانت هواجسه من عيار السنة الجديدة، فاصل 1987.
صور اضافية :
ــ  الشهيد النصير ابو ايار : فؤاد يلدا سلمان  ،  مواليد  1951، خريج معهد الفنون الجميلة ـــ بغداد / معهد الفنون فلورنسا ــ ايطاليا . التحق بقوات الانصار في اواخر عام 1982 ،  عمل في اعلام الفوج الاول ، تولى مهام مستشار سياسي في السرية الرابعة ، جرح في ساقه في معركة قرية شيخكا  تموز 1988 ، استشهد في 11/9 /1988 حين حاصره الاعداء  ، بعد أصابته بجراح ، فأبى الاستسلام ،  وانهى حياته بيده مسجلا مأثرة خالدة !
ـ الشهيد  النصير ياسين ( جماهير امين الخيون ) شاعر. مواليد 1961 ابن المناضل الشيوعي المعروف امين خيون الذي اغتيل في سبعينات القرن الماضي من قبل النظام الديكتاتوري البعثي . ساهم ياسين بفعاليات في مختلف النشاطات الثقافية الانصارية . في اثناء ادائه مهام حزبية في بغداد نهاية ثمانينات القرن الماضي، اعتقل وغيبت اخباره، حتى سقوط النظام الدكتاتوري حيث عثر على اسمه في سجلات المعدومين من قبل النظام المقبور.
ــ الشهيد النصير جنان هو ( فارس جرجيس موسى ) مواليد 1964 ، من قرية " بنداويه " (القوش ــ الموصل ) سائق بلدوزر . التحق بقوات الانصار في 1983 ‎،   وكان  الشهيد جنان قد تميز بحمله للاسلحة الرشاشة المتوسطة، التي تحتاج الى مهارات عسكرية وامكانيات جسدية ، ويوم معركة " كاني كه "  كان يحمل رشاش العفاروف.
ـ الشهيد النصير ابو نصير (هرمز خوشابا هرمز) كان امرا للسرية الرابعة / انصار الفوج الاول . من قرية بقري ـ سهل الموصل . مواليد 1951 .عامل قالب . كان اصغر نصير في تشكيلات الانصار في الستينات . التحق بقوات الحزب من جديد نهاية السبعينات وتحمل عدة مسؤوليات عسكرية. تعرضت عائلته للابتزاز والمضايقات باستمرار، واضطرت زوجته واطفالها الخمسة الى الالتحاق به الى الجبل . استشهد في 23 تموز 1987 في معركة قرية شيخكا في سهل الموصل  والتي كانت مقرا في المنطقة لاستخبارات النظام الديكتاتوري. في حملات الابادة المسماة بالانفال في شهر اب 1988 ومع  عشرات الالاف من سكان القرى التي هدمها النظام الديككتاتوري تم تغيب وأضاعة اثار زوجته ام نصير واطفالها الخمسة.
ــ العفاروف : رشاش متوسط عيار 62 , 7 ملم ، سوفياتي الصنع . استخدم في الحرب العالمية الثانية ، مداه 1200 متر ، ومؤثر على تجمعات المشاة والاليات الخفيفة التصفيح ، يركب عليه من الاعلى  مخزن اطلاقات دائري الشكل يسع خمسين اطلاقة ، تميزت مفارز الانصار الشيوعيين العراقيين في كردستان بامتلاكه واستخدامه ، وحازالعفاروف كسلاح على سمعة طيبة بين الفلاحين ، وزرع الرعب بين صفوف العدو . 
ـ الجحوش : من كلمة جحش ، وباللغة الكردية تكون "جاش" وهذا تعبير ساخر يحمل استهانة واحتقار الشعب الكردي لابناء جلدتهم الذين يشكلون قوام وحدات المرتزقة التي يديرها النظام الديكتاتوري تحت اسم (قوات الفرسان).
  موسيقى
لكل الأشياء مداراتها ،
ولكل المدارات ابتداء ،
وللشهداء ــ دوما ــ مدار الدهشة والانتماء !


* أعد النص بالاستفادة من مؤلف الكاتب "تضاريس الايام في دفاتر نصير" المدى دمشق 2002


154
الكاتب يوسف أبو الفوز : أحترم القاريء ولا أقدم له أجوبة جاهزة !
من الخطأ ان نتعامل مع المهاجرين ككتلة واحدة !
ان خطاب الكراهية لا يمكن ان يكون شكلا من اشكال حرية التعبير !

حوار وتصوير يان بيبنغسكولد
نشر في آن واحد في جريدتي  "فيكو اوتسيت" و"كيسكي اوسيما" الفنلندية في 28/1/2017
ترجمة واعداد صنوبر قادر 
اتفقت على اللقاء مع الكاتب العراقي يوسف أبو الفوز في مكتبة مدينة كيرافا ، وحين وصلت وجدته بأنتظاري واخترنا مكانا هادئا للحوار عن عالم الكتابة. أسمه الصريح (يوسف هدّاد ) لكنه معروف ويعمل بأسم يوسف أبو الفوز . ويقيم في مدينة كيرافا لاكثر من عشرين عاما، لذا يقال عنه أنه "كيرافي من العراق". في كتاباته يهتم بقضايا العالم وايضا قضايا الساعة، وان موضوعات الحرية والحياة الكريمة، حرية التعبير والعدالة الاجتماعية، تكررت كثيرا في حوارنا، وكان قد ترك بلاده مثل غيره من العراقيين بحثا عنها، وهو أيضا يتناولها في المحاضرات والندوات العامة، وفي جزء من نشاطاته يهتم بهموم ابناء وطنه العراق الذين اضطروا الى اللجوء الى فنلندا.
يقول الكاتب : أن الشباب في العراق، فقدوا الامل بحياة حرة كريمة، ولهذا نسبة كبيرة منهم تفكر في مغادرة العراق. أن هؤلاء الشباب عند وصولهم فنلندا لا يعرفون عادات البلاد وثقافة المجتمع جيدا . لذا فهم بحاجة الى الكثير من المعلومات لاجل التكيف مع الحياة الجديدة. أن تعلم اللغة الفنلندية مهمة جدا لذلك ، ولكن هناك حاجة لتعلم امور أخرى أكثر .
ـ في فنلندا ، توجد المساواة الحقيقية بين الرجل والمراة، وان المرأة الفنلندية لها استقلالية وحرية كبيرة ، ولا يوجد مثل هذا في العراق، فبالتأكيد يحصل الكثير من سوء الفهم .
عاش الكاتب في فنلندا لفترة طويلة. ويعتقد انه لاجل التكيف مع الحياة من الضروري الحصول على عمل. يعتقد ان العمل يساعد على الحصول على اصدقاء فنلنديين ومن الضروري للمهاجر عدم الاكتفاء بالاصدقاء من بلده الاول فقط . ان العزلة والتهميش خطأ كبير.
ويقول الكاتب ان الشباب اذا لم يملكوا الامل في حياتهم فأن الكراهية تكبر في نفوسهم . ويعتقد ان من الخطأ ان نتعامل مع المهاجرين او اللاجئين ككتلة واحدة ، لانهم ذوي خبرات وتجارب مختلفة في الحياة.
ــ ان الجماعات الاسلامية المتطرفة، واليمين الفنلندي المتطرف ، وجماعات مثل "جنود اودين"  توجد بينهم خطوط مشتركة كثيرة وهي كلها لغير صالح المجتمع الفنلندي .
يقول ان خطاب الكراهية لا يمكن ان يكون شكلا من اشكال حرية التعبير. ويجب ان نميز جيدا بينهما، وللاسف ان الحكومة الفنلندية الحالية لا تفعل الكثير لمنع هذا.  اننا بحاجة الى ضخ المزيد من المعلومات عن الجماعات المختلفة لخلق فهم مشترك متبادل وعلاقات توافق وسلام .
ـ شخصيا ككاتب بادرت كثيرا لزيارة المدارس الثانوية والمتوسطة وحتى بعض رياض الاطفال بشكل تطوعي للحديث عن مختلف المواضيع التي تصب في اطار فهم معنى واهمية التعدد الثقافي .
في العراق، في عهد صدام حسين، ان المساواة والحلم بالحرية وحرية والكتابة لا تجلب الامان للشخص :
- كتبت مرة عن نصا عن فتاة جميلة اجتازت باب القاعة تحت الضوء بثوب ازرق . أستدعيت للاستجواب من قبل رجال الامن في الكلية :
- سألوا لماذا ملابس الفتاة زرقاء، هل هذا رمز لبدلات العمال، هل هو رمز للافكار اليسارية؟
-  ان الكلمة لها طاقة وتأثير. ان الكلمة لها قوة، وان حكومة قد خافت من قصيدة شعر عن فتاة.
أن أسلوب الكتابة هو المهم بالنسبة للكاتب يوسف أبو الفوز فهو يريد أن يعطي القارئ فرصة للتفكير:
- أحاول ان لا أعطي أجوبة جاهزة في اعمالي الادبية . أنا أحترم قاريء اعمالي الادبية، واعتقد انه ذكي وقادر على العثور على إجابات بنفسه. اعتقد ان القاريء يستطيع بنفسه ان يستنتج ما هي طبيعة هذه الشخصية، هل هي طيبة او سيئة، بعد ان اقدم له المواقف واصف الحالات .
- عندما أخلق شخصيات في رواياتي، ابحث كثيرا وبشكل جدي في تطورها وتكوينها، وخلال عملية الكتابة، فإنها تصبح بالنسبة لي شخصيات حية وارتبط بها. أن عملية الكتابة هي جهد معقد ومتعب جدا.
- عندما استغرق في عملية الكتابة، انقطع تماما عن العالم الخارجي ، لا أرى ولا أسمع شيئا من حولي . زوجتي شادمان تعرف ذلك وتعاني احيانا ، فأنه قد تنادي عدة مرات لكني لا اسمعها .
-  عملي الابداعي لا يمكن ان انجزه بدون دعم من شادمان وايمانها بي، نحن ليس فقط نحب بعضنا البعض نحن ايضا اصدقاء جيدين .
وقد ساعدت الخلفية الثقافية والخبرات الخاصة للمؤلف يوسف ابو الفوز أن يفهم  كيفية تأثير الإنسان بالمحيط لاختيار لغة الشخصيات الخاصة. فان مفردات تعبر عن الجمال عند صياد السمك  ترتبط بعمله.  يوسف ابو الفوز قادم من عائلة فقيرة، لها نضالاتها في العمل لاجل المساواة والعدالة الاجتماعية للجميع :
- بسبب من فقر العائلة، فاني اضطررت للعمل في مهن مختلفة، وقابلت الكثير من الناس، وتعلمت منهم، وفهمت ان لكل انسان له قاموسه الخاص، فأسمع الناس ومن نوعية وطبيعة مفرداتهم يمكن تشخيص طبيعة الشخصية وميولها السياسية او انتمائها، فكل أنسان لديه مفردات مختلفة.
 ــ ومع التقدم في عمل في اي كتاب ، فأني استغرق وقتا طويلا، في المراجعة والتصحيح، فكل جملة ، وكل كلمة تحتاج الى جهد خاص .
- أن كتاب من مائتي صفحة يمكن للقاريء يمكن يقرأه في يوم او يومين، لكنه قد يستغرق مني عمل سنتين وربما اكثر .
 عرف يوسف هداد في سن الثالثة عشر أنه سيصبح كاتبا. اعطاهم معلم اللغة العربية مهمة كتابة انشاء عن رجل طيب أسمه أحمد، وعليهم ايجاد مشكلة له ومساعدته على حلها في صفحتين .  كتب يوسف موضوعا اكتشف المعلم أنه قصة ولفتت انتباه المعلم :
- غيرت  هذه القصة كثيرا من حياتي .
وقال إنه كان يريد أن يدرس في مجال السينما، لكنه لم يستطع لأسباب سياسية. فدرس الاقتصاد، ولكن أيضا استمر بالكتابة. في وطنه العراق لم تكن هناك حرية التعبير والتفكير، لذلك كان عليه وهو شاب ان يذهب في رحلة طويلة حول العالم، والتي أتت به إلى مدينة كيرافا الفنلندية ، وعمل طويلا كصحفي  ومعلم تأريخ ولكنه دائما يكتب .




156
الكلام المُباح (130) 
حَيَوَانَاتٌ مُفترِسَةٌ !
يوسف أبو الفوز

لم تخفت الضحكات بعد وصولنا بيت صديقي الصَدوق أَبُو سُكينة، بل تصاعدت حين انضممنا للاخرين بعد ان عرفنا السبب. فأَبُو جَلِيل ـ عزيزي القاريء ـ يخلق المفارقات كعادته، بدون أفتعال بسبب ضعف السمع. فإذ جرى الحديث عن إتفاقية تنظيم الملاحة البحرية في خور عبدالله بين العراق والكويت، وقال جَلِيل يجب عدم التسليم بأن الاتفاقية لا يمكن التفاوض عليها من جديد، وان الحكومة العراقية الحالية مطالبة بدراسة الاتفاقية من جديد، وعدم التفريط بسيادة العراق واستقلاله. وقالت سُكينة : تأريخيا ان كثير من مشاكلنا بسبب من اجتهادات بعض السياسيين الذين فرّطوا بحقوق الشعب. فقال أَبُو جَلِيل بغضب : ايه والله عمي، لا عاب لسانك، كثير من مشاكلنا بسبب من هؤلاء الذين ضرطوا بحق الوطن والشعب !
تركتهم مشغولين مع أَبُو جَلِيل وتوجهت لسوزان ابنة جَلِيل وزميلة لها، اللواتي كنّ في وقت سابق طلبنّ مني المساعدة في استذكار بعض المعلومات وهنّ يستعدّن للامتحان. ورغم كوني غير ضليع بما طلبنّ إلا اني حاولت قدر الامكان الاستفادة من بعض ما موجود في منهجهنّ الدراسي وما يرد في بعض مواقع الانترنيت عن الحيوانات البرية وهو موضوع الامتحان.
 كنا نستذكر المعلومات مع بعض وكانت سوزان  ذكرت ان الحيوانات البرية  نوعان : الحيوانات البرية الاليفة والحيوانات البرية المفترسة، وراحت تعدد اسماءها على اطراف اصابعها. اما زميلتها فقد راحت تتحدث عن كون الحيوانات المفترسة غالبيتها حيوانات برية وحشية، تعيش بعيدا عن الانسان، ولكنها تسبب خطرا كبيرا على الانسان كون غالبيتها من اكلة اللحوم. حاولت ان أتوقف معهنّ عند التسميات العلمية لهذه الحيوانات حسب المنهج الدراسي، فالحيونات البرية الاليفة تسمى"المستهلكات الاولى"، حيث تتغذى على النباتات، والحيونات البرية المفترسة تسمى "المستهلكات الثانية " اذ تتغذى على "المستهلكات الاولى" .
كان أَبُو سُكينة ليس بعيدا عنا يتسمع لحديثنا فخمنت انه أعجب بالموضوع ولذا ترك قفشات أَبُو جَلِيل وما اثير من احاديث حول موضوع خورعبدالله ، لكنه فاجأني بقوله : لو رجعنا لكل مشاكل العراق امس واليوم وغدا راح نجد ان درسكم عن الحيوانات المفترسة ينطبق عليه تماما. فنحن عندنا من سياسيي الصدفة، ممن تنطبق عليهم كل هذه الصفات، فهم مفترسون وعدوانيون ولا يمكن للانسان التعامل معهم بسهولة، بل ويشكلون خطرا على الانسان وما حوله، وهم يتغذون ويعتاشون على فرائسهم الوديعة التي لا حول ولا قوة لها ، ويتفننون في تحديد فرائسهم ومكانها وطريقة مطادرتها والايقاع بها، وهم ينشطون ليلا ونهارا ، ولا يمكن الوثوق ببعضهم والاطمئنان لهم حتى وان تم ترويضهم !


157
المنبر الحر / الرِّهَان!
« في: 20:53 08/01/2017  »
الكلام المُباح (128)   
الرِّهَان!
يوسف أبو الفوز

رغم الحزن،الذي طغى على لقائنا، في بيت صديقي الصَدوق أَبُو سُكينة، أثر العمليات الارهابية الاخيرة في بغداد،والتي خطفت ارواح الكثير من الناس الابرياء،إلا ان جَلِيل، ظل متماسكا في حديثه عن أوضاع البلاد:
ـ هذه العمليات الارهابية لن تتوقف، وستعقبها ـ للاسف الشديد ـ عمليات ارهابية، هناوهناك، فالقوى المعادية لمستقبل العراق الآمن، المتحالفة مع بقايا البعث الصدامي والقوى الظلامية التكفيرية وفي مقدمتها عصابات داعش، ستكرر عملياتها الارهابية، مستغلة ضعف اجهزة الدولة، والنزاع السياسي الدائم بين القوى المتنفذه، وتعدد المليشيات التي تحكم الشارع، ولكن ...
وطاف جَلِيل بنظره في وجوه الجالسين، ليرى ردود الفعل، وأكمل كلامه :
ـ تابعتم بأنفسكم، كيف أحتفل اهل بغداد بالسنة الجديدة 2017، هذه الاحتفالات لم تكن بدون معنى، انها رسالة واضحة، وسكوب بالالوان كما يقولون، عن تمسك العراقيين بالحياة المدنية، وكون الحياة ستستمر رغم الموت وكل شيء، وان افراحنا تكمن في تمسكنا بالمستقبل ...
رفع أَبُو جَلِيل  يده ، وحركها ...
 ـ أفراح شبيها، مو اطلقوا سراحها، شنو خطفوها مرة ثانية؟
وكتم بعضنا ضحكاته، فسمع أَبُو جَلِيل الثقيل طالما أدخلنا في حيص بيص، لكن جَلِيل لم يتوقف عن كلامه :
ـ وهاكم قضية الصحفية والناشطة المدنية أفراح شوقي، أطلق سراحها ليس بتدخل "شخصيات كبيرة"، كما يحاول ان يوحي بذلك البعض، وفي بالهم تقييد ذلك بأسم ما،ولكن اطلق سراحها لأن القوى المدنية، المؤمنة بالتغيير، والباحثة عن حياة جديدة، لم تسكين ولم تضعف امام القوى المسلحة غير المنضبطة، والتي تظن انها بديل الدولة، طالما امتلكت السلاح !
سعل أَبُو سُكينة ومد رقبته، فعرفنا بانه يود التعليق، فتوجهت انظارنا اليه ، فقال :
 ـ قرأت لي سوزان، ابنتك يا جَلِيل، بعضاً من تعليقات المشككين بأختطاف الصحفية افراح شوقي، وكونها مسرحية، ومفهوم لنا ان غايتهم هي التقليل من دور التيار المدني ونشاطه وتأثيره. اعتقد واظن اني مطالب ان اكرر كلامي دائما، بأننا نحارب داعش في الموصل، ونحارب ماعش في بغداد وبقية المدن، ومثلما عمر داعش صار قصير بجهود وتضحيات قواتنا المسلحة، فماعش راح تشوف صولات وتشوف جولات من الجماهير، خصوصا وأن السنة الجديدة دايره على حصان ورهاننا راح يكون رابح بالتأكيد !

158
أغنيات للجنود ، العرفاء ، الضباط والخ !  *

يوسف أبو الفوز
 
 " العزيز أنت ... يا شمعتنا وأملنا "
طوال عمره وهو يكره مدرسي اللغة العربية ، ونحوهم وإعرابهم وفاعلهم وصفاتهم والمجرور بهم ، ولا يحب أن يتمنطق مثلهم ، و ... لكنه هاهو ، وفجأة عّن له أن يقلدهم ويتفاصح  مثلهم ، فكل نياشينه وأوسمته وطلعته البهية ، وصف الحراس الواقفين حوله ، والجنود المنشدين أليه ، جعلته يلوح بقبضته بحماس ويستطرد بثقة عالية  :
ـــ إن قضية حب الوطن هي الأولى ، وقضية حب السيد الرئيس هي الأَخرا !!
" أحنه مشينه للحرب ! "
وقع في الأسر بملابس الرياضة . جاءوا بهم ليلا ، قالوا لهم :
ــ غدا تلعبون مع منتخب الفيلق ، وعليكم أن تخسروا المباراة أمامهم  .
عند الصباح وجدوا أنفسهم في الطوق الإيراني . رغم الخوف من المجهول ، ومرارة لا يعرف لها قرار ، إلا أن في داخله  كان ثمة شئ يخشى الإفصاح عنه لأقرب زملائه . في داخله شئ من فرح طفولي ، بأنه لم يكن مضطرا ليلعب ويخسر عامدا أمام فريق منافس وفقط لأن العميد شاء ذلك  .
"جنة ..جنة .. جنة       جنة يا وطنه "
توفي والده بالسكتة القلبية . لم يبك !
ورد اسم أخيه في قوائم المفقودين . لم يبك !
 فقد ذراعه الأيمن شرق البصرة . لم يبك !
فسخت ابنة خالته خطوبتها معه . لم يبك !
جن صديق طفولته . لم يبك !
اعدم أستاذ التاريخ في كليتهم . لم يبك !
البارحة ، على شاشة التلفزيون ، في لقاء مع صحفي أجنبي ، روى السيد الرئيس ـــ حفظه الله ـــ  نكتة ، ضحك لها كل مرافقي الرئيس من حرسه الخاص والوزراء وأعضاء مجلس قيادة الثورة وقادة فرق الجيش وممثلي مجلس الشعب الوطني ومسؤولي منظمات الطلبة والشباب والنساء ورؤساء تحرير الصحف ورؤساء العشائر ، و... شبعوا ضحكا !
وجد نفسه يبكي ، يبكي ، يبكي ، يبكي بحرقة !
حارق ... خارق  !
ركب مخزن ذخيرة جديد ، كل رصاصاته حارق ... خارق ، وضع البندقية على حالة الرمي رشا ، استند إلى جدار الخندق ، غرس كعب البندقية في الأرض ، وضع الفوهة في فمه ، وضغط الزناد  !
لم يفهم الكثيرون لماذا ؟
 كان قد قال لأحد الجنود قبل يومين  :
ــ لم اعد أطيق ذلك ، لم اعد احتمل اكثر ، كل يوم ، ليل ونهار ، ما أن أغفو قليلا ، حتى يأتيني السيد الرئيس المهيب ، يكشف عجيزتي و  ...
عناكب
في زاوية الملجأ الرطب ولأكثر من ساعة ، جلس القرفصاء ، صامتا وثمة رغبة عارمة الى التدخين ،  لكن سجائرهم نفدت . أمامه يجلس صاحبه ، شارد اللب ، صامتا مثله ، محدقا الى سقف الملجأ ببلاهة . قبل أسبوع همس إليه :
ــ ثمة عنكبوت يدب هنا !!
ونقر على صدغه بأصابعه المسودة . البارحة عاد وقال له :
ــ انه ينسج له بيتا بنشاط !
ومنذ أسبوع وهو يستعيد معلوماته عن العناكب ، ويتخيل أشكالها ، وألوانها و ... لكن اليوم ، ومع بدء القصف المدفعي من الجانب الأخر ، أحس ثمة شيئا ، ناعما ، صغيرا ، يدب داخل تلافيف رأسه !       
***
منذ أيام وثمة عنكبوت يبني له عشا داخل رأسه . يحس به وهو يدب بنعومة ، ويتخيله كيف يعمل بنشاط . البارحة اكمل العنكبوت بناء عشه ، تماما مع بدء نوبة حراسته الليلية . كان الجو باردا ، الريح تصفر في المنطقة الحرام . مد رأسه في الملجأ ، كان أصحابه ينامون بوداعة الأطفال ، ملتمين على أنفسهم ، يلتصقون ببعض طلبا للدفء، فشعر بالشفقة تجتاحه ، ومشاعر من المحبة تطغي على كل كيانه ، وكان العنكبوت يتحرك بنشاط ، بنشاط مثير ولم ينتظر طويلا ، كانت مشاعر الشفقة تجعله يرتجف من الحب ، وبهدوء وحتى لا يزعج النائمين سكب كل ما بداخل زجاجات النفط على الأشياء القابلة للاشتعال ، ثم نثر بعضه على بطانيات النائمين، وأشعل النار !!
الركن الهادئ
بعد إحالته على التقاعد اصبح " الركن الهادئ " مشربه المفضل . تبدل الندل ومالكي المشرب مرات ، لكنه لم يستبدل زاويته القريبة من الشارع ، عند واجهة المشرب الزجاجية . نهاية كل أسبوع ، ومع كأسه يغوص في عوالم داخليه ، يسافر في الذاكرة ، مستعيدا تلك الأيام العذبه من شبابه ، وجوه أصحابه الذين رحلوا ، طلابه الذين صاروا رجالا وتبعثروا يراقب حياة الناس ويعود إلى بيته ممتلئا بقناعة أن الحياة تسير بشكلها الرتيب ، ولم تتبدل !
في الأيام الخوالي ، كان يستمتع بالاسترخاء في كرسيه ، يمد رجليه على طولهما ويخفض بصره بحيث لا يرى من المارة سوى سيقانهم ، ويمارس لعبة ابتكرها لنفسه ، لعبة غريبة ، لن يفهمها أحد ، أوحى بها له حديث روتيني مع جارهم الإسكافي ، يراقب أحذية المارة ويحاول تخمين شيئا عن شخصية ومزاج لابسي الأحذية ، وهكذا يمر أمامه الناس  :
 حذاء رجالي مهترئ الكعب ، حذاء رجالي مصبوغ بعناية ، حذاء نسائي أنيق بكعب عال ، حذاء رجالي مترب عادي ، حذاء نسائي عادي بدون كعب ، حذاء رياضي ، حذاء رجالي فاخر ، حذاء نسائي فاخر ، حذاء نسائي عادي ، حذاء رياضي ، حذاء رجالي ، حذاء رجالي، حذاء رجالي ، حذاء  ...!
هذه الأيام افتقد تلك المتعة ، السيقان تمر أمامه ويسجل  :
حذاء نسائي عادي ، بسطال ، بسطال ، حذاء نسائي ، بسطال ، بسطال ، عكاز ، حذاء نسائي ، عكاز ، بسطال ، حذاء رجالي ، بسطال ، بسطال ، عكاز ، حذاء نسائي ، بسطال ، ... !   
أيار ـ  تموز 1992
موسكو
*  من مخطوط قصصي ينتظر النشر

159
الكلام المُباح (127)  
العُرْسُ الشّيوعيَّ!
يوسف أبو الفوز
بعد انتهاء اعمال المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي العراقي بنجاح، والاصداء الطيبة التي نقلتها وسائل الاعلام، عن سير أعمال المؤتمر، والوثائق الاساسية التي ناقشها وصادق عليها، والشعار الواضح الذي رفعه (التغيير .. دولة مدنية ديمقراطية اتحادية وعدالة اجتماعية )، وانتخاب قياة جديدة للحزب، كان جَلِيل مفعما بمشاعر البهجة :
ـ ان القول بأن دماء جديدة  تغذي قيادة حزبنا بات امراً واقعاً، هاكم انظروا .. تجديد في قيادة الحزب بنسبة 42%  ، وهذا لم يكن ينتظره حتى بعض الشيوعيين!
كان أَبُو جَلِيل على مقربة منا فقال: الا تعتقد يا وليدي انها مجازفة بأنتخاب شباب، يعتقد البعض انهم بحاجة الى المزيد من الخبرة والمران !
فانتفض جَلِيل : يا والدي .. أن ساحات العمل بين الجماهير ستكون هي المعين، وان العبرة في تزاوج الخبرة بين شباب جدد يحملون معهم افكارا وطرائق عمل جديدة وقادة سابقين معروفين وذوي خبرات. وبوجود روح العمل الجماعي، ستكون هذه المجازفة محسوبة!
صديقي الصَدوق أَبُو سُكينة، كان يجلس على مقربة ينصت لما يدور، ومنذ انتهاء اعمال المؤتمر واصل مشاكستي، كوني اخفيت عنه خبر مشاركتي في المؤتمر، وارتباطا بالتوجيهات الحزبية كنت أبرر غيابي عنهم بسفري للمشاركة في عرس أحد الاصدقاء . فقال بصوت مفعم بالقوة : يا أَبُو جَلِيل، لا تخربون علينا فرحة العُرْسُ .. انت معي شفت حفل الافتتاح بالتلفزيون ، وسمعت كلمات الضيوف، جاؤا لك برجليهم، وصعدوا على منبرك، وقدموا التهاني ورفعوا شعارك وطالبوا بالدولة المدنية. شتريد بعد أكثر من هذا الاعتراف باهمية دورك وحضورك وتأثيرك ؟ أما سالفة الشباب والشياب فهذه مثل ما يقول جَلِيل تحلها ساحات الحراك الجماهيري والعمل المتواصل !
وأشار لي وهو يهز برأسه : وصاحبنا من اختفى وسافر وقال رايح للعرس، قلت يا هو هذا العريس اللي ما يريد يقول لنا اسمه؟ وفورا ــ وروح موتاكم ــ شميت ريحة شيء طيب، ومن شفته بالتلفزيون بقاعة احتفال الافتتاح يصفق ويهوس والناس داير ما دايره من كل شكل ولون، واربع فضائيات تنقل الاحتفال، قلت الخير جاي وصاحبي ما يكذب عليّ. وهاي عندك قيادة جديدة تضم، اربعة نساء وعشرة شباب، ولاول مرة أمرأة في المكتب السياسي ، وسكرتير جديد، مجرب بالنزاهة وعنده لغات وشهادات وخبرات ... شلونه العرس بعد يكون يا بعد شيبي ؟!

160
المنبر الحر / تُرابْ ... ترامبْ !!
« في: 18:23 28/11/2016  »
الكلام المُباح (126)  
تُرابْ ... ترامبْ  !!
كان فوز دونالد ترامبْ برئاسة الولايات المتحدة الامريكية، قد عكر مزاج صديقي الصَدوق أَبُو سُكينة لايام، فأبو سُكينة يعتقد أنه ما دام ترامب يحظى بدعم من منظمات فاشية وعنصرية، فأنه سيجعل العالم في حالة قلق  طيلة فترة رئاسته. وكنا تابعنا خلال الاسابيع الماضية كل ما يحيط بترامب من تصريحات وفضائح ومفارقات. ولم يكن فوزه مفاجئا بشكل كبير لنا ، فقد عبر  جَلِيل عن توقعاته بذلك اكثر من مرة :
ـ تبدو الشعبوية مثل موجة كريهة تنتشر في العالم، وترامب ممثلا لها في أمريكا، وان فوزه  المتوقع معناه فرصة اكبر للقوى الرجعية الشعبوية القومية !   
كنت عائدا من تعزية بوفاة والدة احد الاصدقاء ، ورغم طقوس الحزن لكن انباء انتصارات قواتنا المسلحة، بمختلف صنوفها ، على قوى الارهاب في معارك تحرير الموصل كانت تنعش النفوس . قلت لجَلِيل الذي رافقني الى مجلس الفاتحة ، وكان منزعجا لان احدهم ، وهو يعمل في احد المصارف الاهلية ، تصدر المجلس في جانب منه وراح يتشدق بأنجازاته في خدمة اقتصاد البلد :
ـ  وماذا كنت تتوقع من امثاله ليغطي على روائح فساده ؟ انظر هاهي جهات رسمية، تعتبر سيطرة المفسدين على عمل العديد من المصارف احد اسباب تلكوء عمل هذه المصارف . وان من بين خمسين مصرفا اهليا هناك فقط خمسة او ستة يمكن الاعتماد عليها !
قال جَلِيل بغضب : مرارا كررت أصوات غيورة على مصلحة الوطن ضرورة تشريع قانون المصارف لاجل ان يكون هناك رادع رقابي حكومي، لكن من يسمع ؟ ان الخلافات السياسية بين القوى المتنفذة، وسياسة هذه حصتك وهذه حصتي هي من تجعل امثال ترامب في بلادنا يتسيدون المشهد !
سعل أَبُو سُكينة  فعرفنا رغبته بالمشاركة في الحديث فقال بأنفعال واضح  : في أمريكا عندهم ترامب واحد، واحنا عدنا ترامبات. والواحد منهم، تجده الصبح يحكي شرقا والمساء تجده يحكي غربا. الحكي والتصريحات غير المسؤولة صايرة عندهم بسعر التراب .. الدنيا بيهم خربانه وصايرة ترا... مب ، بس تالله وبالله إلهم يوم قادم راح شعبنا يصخم وجوهم ويترس حلوكهم ترا.. ب !

161
الكلام المباح 124
عَنْ حِلاَقَةِ اللُحى !!
يوسف أَبُو الفوز

طيلة فترة وجودنا في بيتِ صديقي الصَدوق أَبُو سُكينة، كان موضوع تحرير الموصل هو الغالب في احاديثنا . كان جَلِيل لا يستطيع أخفاء قلقه وحماسه وهو يتابع الاخبار من على شاشات التلفزيون :

ـ معركة تحرير الموصل ستحمل معها الكثير من التحدي والالام والدروس والعبر !

كان يعلق على كل خبر دون انتظار سماع تعقيب او مشاركة من الاخرين .

ــ لم تعد هزيمة تنظيم "الدولة الاسلامية " الارهابي قضية تخص العراق وحده ، انها اكثر تعقيدا .

كنت اتفهم هذا القلق والحماس، فالكثير من العراقيين الذين خبروا وعانوا من الحروب واحداث العنف يدركون ان لا معركة ، حتى لو كانت عادلة ، بدون خسائر، فكيف بمعركة تتشابك فيها الخيوط الاقليمية والدولية ؟!

قالت زوجتي : هل سمعتم تفاصيل جديدة عن الوثائق التي عثر عليها قرب منطقة الغابات في الموصل ويعتقد انها صادرة عن خليفة تنظيم داعش الارهابي؟ قيل أنه يتحدث فيها عن اعتماده مشروعا لسفراء ما يسمونه بدولة الخلافة من خلال اعادة العشرات من قادته وعناصره من العرب والاجانب، خصوصا من حملة الجنسيات الاوربية والغربية ، من غير المعروفين للسلطات الامنية الدولية ، الى دولهم مرة اخرى ليكونوا "سفراء" بالنيابة والعمل لانشاء الخلايا النائمة واخذ البيعة من مؤيدي التنظيم ؟!

وكان لي ان اشارك فقلت : شخصيا تابعت الخبر، وقرأت ان احدى الوثائق تحوي معلومات عن وجود ما سموه بالنجاح في اختراق الانظمة الامنية في اوروبا وانشاء خلايا مؤيدة للتنظيم بقوة !.

تنحنح ابو سكينة وقال : اتعرفون، انا مثلكم سمعت اكثر من تقرير عن هذه الوثائق ، وسُكينة قرأت لي من الانترنيت بعض المقالات والتحليلات . وهذه جعلتني اعتقد انه حتى هذا الخليفة الاغبر "أبو الروليكس" يعرف جيدا ان ساعته حانت، وان معركة تحرير الموصل ستنتهي بالنصر لصالح قواتنا العراقية الباسلة والتشكيلات المساندة لها. وانا بقدر ما تقلقني مجريات الامور واخبار المعركة، فأني قلق مما يأتي بعد المعركة وتحرير الموصل. فهذه الوثائق تتحدث عن السفراء الى الدول الغربية والاوربية، فيا ترى ماذا عن سفراء دولة الارهاب للمدن العراقية؟ ماذا عن الذين سيحلقون لحاهم ويطيلون اثوابهم ويغيرون قمصانهم ويندسون هنا وهناك بين صفوف جماعات "ماعش"، من جماعات الفساد والمحاصصة والتزوير؟ فهموني يا جماعة الخير .. هؤلاء شلون راح نكشفهم ونتعامل معهم ؟!

162
المنبر الحر / أبنةُ جُحا !
« في: 22:25 09/10/2016  »
الكلام المُباح (123)  

أبنةُ جُحا !

يوسف أَبُو الفوز
حين وصلنا بيتِ صديقي الصَدوق أَبُو سُكينة، لم تستطع زوجتي أخفاء قلقها وتضامنها مع صديقة لها، تشكو كثيرا من زوجها، الذي بسبب ضغوطات العمل ومشاكل عديدة أخرى ،تنعكس على مزاجه، فصار يعاملها بخشونة، وسرعان ما ينتبه لنفسه ويشعر بالذنب فيغرق في الحزن والكأبة ! تكرر الامر لاكثر من مرة ، مما جعل الصديقة تلجأ لطلب النصيحة من صديقاتها، ومنهم زوجتي. كانت زوجتي تتحدث عن الحالة دون ان تذكر أسماءً محددة. وعلى عادته، حتى لو كان حديثك عن أكل الكباب والدولمة فأن جَلِيل يلويه ويدخلك في أبواب السياسة وعوالمها. علق مبتسماً :

ـ اعتقد ان هذا الزوج بحاجة الى إستجواب علني في البرلمان العراقي، ومن ثم تصويت سري و ... البقية تعرفونها !

أحتجت زوجتي لانها تصورت أن جَلِيل يسخر من مشكلة صديقتها. فتدخلتُ محاولاً تغيير الموضوع وفتح محور أخر بعيد عن هذا كله، فقلت : البارحة كنت اقرأ في كتاب ...

فقاطعني جَلِيل ضاحكا : أعرف مناورتك جيدا، دع كتبك الان جانبا، وأخبرني الا ترى ان هذه الزوج ناكر للجميل ويستحق المسائلة على ما يفعل مع زوجته ، رغم انها ــ كما تقول زوجتك ــ زوجة وفية ومحافظة على بيتها، وانها لا تستحق ما يجري لها؟! وأن حالها مثل حال شعبنا الذي يستحق حياة افضل وان لا يكون مصيره ومستقبله بيد سياسيين غير أبهين ولا ينتابهم حتى الشعور بالذنب لما يفعلوه ؟!

وضحك أَبُو سُكينة وهو يغالب سعاله، ومد ساقه وعيناه تلمعان وتوجه لي بالكلام : ما دام جَلِيل والجماعة خلطوا الموضوعين مع بعض وصار لكل شيء أسمه.. فالزوجة صارت بمحل شعبنا المبتلى بنتائج الاعمال الارهابية والفساد والمحاصصة، والزوج صار بمحل السياسيين واصحاب الامر ناكرين الجميل والخ .. فأعتقد ان الامر المناسب هنا ان تحكي لنا عن بنت "الملا نصر الدين" وزوجها وماجرى لها، لان حالها هو المثال الاصدق لحال شعبنا مع أهل الحل والربط الذين ... !

وكنت مرة ـ عزيزي القاريء ـ رويت لأبي سُكينة، كيف أن الكاتب الافغاني خالد حسيني (مواليد 1965)، أورد في روايته المعروفة "عداء الطائرة الورقية " ــ صدرت عام 2003 ــ أحدى حكايات "الملا نصر الدين" ،كما يسمونه في افغانستان وايران، والذي نسميه في العراق "جحا"، وكيف ان أبنة جحا عادت الى المنزل تشكو من ان زوجها ضربها، فضربها جحا ضربا شديدا هو الاخر، ثم ارسلها لتقول لزوجها ان جحا ليس احمقاً : اذا كان ابن الزنا هذا يضرب أبنته، فان جحا سوف يضرب له زوجته !

163
في هلسنكي
شبكة الهجرة الاوربية تنظّم ندوة عن عودة اللاجئين طوعا الى بلدانهم

 
في 30 ايلول 2016 نظّمت شبكة الهجرة الاوربية (EMN) (احدى مؤسسات المفوضية الاوربية)، بالتعاون مع مؤسسات جامعية اوربية ندوة مخصصة لموضوع "اللاجئين العائدين" من اوروبا طوعا الى بلدانهم.
افتتحت الندوة التي اقيمت في العاصمة الفنلندية هلسنكي بكلمة السيدة بريويز كيلوKielo Brewis مديرة الشبكة والمعروفة وتفهمها لمعاناة ومشاكل اللاجئين، والتي رحبت بجمهور الحاضرين الذي اكتضت به قاعة المؤتمرات في فندق "راديسون بلو رويال الدولي" Radisson Blu Royal hotelli، ورحبت بالباحثين المشاركين من جامعات اوربية مختلفة، من النرويج، ايطاليا، بلجيكيا، السويد وفنلندا.
اعقب ذلك كلمة مختصرة لوزير الداخلية الفنلندية السيدة باولا ريسيكو Paula Risikko (حزب الائتلاف الفنلندي).
وكان الباحث الايطالي اوغينيو امبروسي Eugenio Ambrosi، الذي ابتدأ حديثه بالتذكير بالهجرات الاوربية ايام الحروب واضحا في مداخلته في انتقاد السياسات الحكومية الاوربية الحالية، وقال: " إذا كان هناك أزمة لاجئين في أوروبا حاليا، فعلينا أن نجد كلمة أخرى لما يحدث في أماكن أخرى من العالم"، وأكد أنه " فقط حوالي 6٪ من السكان اللاجئين في العالم تأتي إلى أوروبا. وبالمقارنة مع موارد اوربا وبقية بلدان العالم فان أزمة اللاجئين ليست في أوروبا ".
اما الباحثة البلجيكية آني دوسارت Anne Dussart فقد اكدت: " ان قضية العائدين الى ديارهم هي بالحقيقية هجرة جديدة لان البلاد التي يعودون اليها بافتراض انها بلدهم، هي ليس نفس البلاد حين غادروها وهم ليسوا نفس الاشخاص".
في ختام الندوة ادارت الصحفية كيرسي هيكي Kirsi Heikel حوارا مباشرا مع عدد من ممثلي مؤسسات حكومية وغير حكومية ضم (ماري هيلينيوس Mari Helenius من دائرة الهجرة، ميا بوتنين Mia Poutanen من ادارة الشرطة الفنلندية، ماريا ليسا لايهيا Marja-Liisa Laihia من مجلس الكنائس، كايسا فاكيبارتا Kaisa Väkiparta من مجلس اللاجئين، بيفي كيسكيتالو Päivi Keskitalo من مجلس تمييز المظالم والكاتب والباحث من جامعة تامبيرا يوسف أبو الفوز).
تناول الحوار واقع سياسة الحكومة الفنلندية في التعامل مع موجة اللاجئين الاخيرة والعائدين طوعا الى بلدانهم، وكان واضحا ان العديد من الآراء عبّرت عن القلق من سياسة التشديد بحق اللاجئين، خصوصا الرفض وبشكل جماعي لطلبات الحماية المقدمة من قبل اللاجئين العراقيين، والعوائق والتشديدات امام لم شمل العوائل.
وكان الكاتب والباحث العراقي يوسف أبو الفوز اجاب عن عدة اسئلة تناول فيها اسباب العودة الطوعية من قبل المئات من العراقيين، حتى قبل معرفتهم الاجابة بالرفض او القبول لملفاتهم، واعتبر ان ذلك خيار اجباري امام العائدين، وهو تعبير عن خيبة امل ثانية من قبل اللاجيء، الذي فقد الامل بحياة حرة كريمة في وطنه، يحفظ فيها حياته وحياة عائلته امام تحديات العنف الطائفي التي تلف البلاد، وان التشديد في سياسة الحكومة الفنلندية الحالية مع قبول اللاجئين، وطول فترة الانتظاروكثرة حالات الرفض، دفعت بالمئات للعودة ومواجهة المخاطر من جديد، لان هذه المخاطر والتحديات التي اجبرتهم للمغادرة اول مرة لا تزال قائمة، ولكن كثير منهم لديهم مسؤوليات امام عوائلهم التي تنتظر ان يلتحقوا برب الاسرة.
وحول سؤال ان كان يعتقد ان العراق بلدا آمنا، اجاب يوسف أبو الفوز: بان الصراع السياسي بين الاطراف المتنفذة في العراق، ياخذ طابعا طائفيا، سنيا ـ شيعا او شيعيا ـ شيعيا وغير ذلك، ولكنه في حقيقته صراع سياسي من اجل المصالح، في بلد صار مثلا بارزا في درجة الفساد وسوء الادارة وفق نظام المحاصصة الطائفية والاثنية، الذي اسسته وبنت له سلطات الاحتلال الامريكي مستثمرة حجم الخراب الذي خلفه في المجتمع العراقي السنوات الطويلة للحكم الديكتاتوري لنظام صدام حسين. وان نظام المحاصصة سبب تراجعا بارزا في دور الدولة لحماية المواطن، وبروز سلطة الميلشيات والعشائرية ونشاط الارهابيين التكفيرين، وعليه فأن اي بقعة في العراق لا تعتبر آمنه امام المواطن العراقي، الذي تتعرض حياته للخطر بمختلف الاشكال.
اما عن المساعدات التي تقدمها الحكومة الفنلندية للاجئين العائدين لاجل بداية حياة في بلدهم فقال انهم بشكل اساس يعودون الى الموت، فبماذا ستفع هذه المساعدات؟، ناهيك ان ببعضهم باع بيته او دكانه او اخذ قرضا ليدفع للمهربين، وعليه تسديد كل ذلك حال عودته، وهذه المساعدات تبدو مثلما ان تمنح العاري وسط الثلج في درجات حرارة منخفضة نعالا حتى يلبسه.

164
الباحث يوسف ابو الفوز : على أوربا ان تعمل الكثير لاجل انجاز عملية اندماج حقيقية ، وعلى الاجنبي معرفة واجباته قبل ان يطالب بما له من حقوق !

تصوير وحوار : جمال الخرسان

في الاوساط الفنلندية ، الادبية والاكاديمية، صار اسم الكاتب الروائي العراقي يوسف ابو الفوز متداول كثيرا، وتتابع بعض وسائل الاعلام الفنلندية تصريحاته وتجري لقاءات معه للحديث عن محاور متعددة منها الاوضاع في العراق ونشاطاته الادبية والثقافية ، والاكثر بروزا في الفترة الاخيرة هي مجال عمله كباحث في جامعة تامبيرا الفنلندية، التي تعتبر واحدة من اهم المؤسسات الاكاديمية. حول موجات اللجوء الاخيرة ، سياسات الاندماج وما يجب على المهاجر ان يقدمه للمجتمع الذي يعيش فيه جاء الحوار التالي :

- باعتبارك باحثا في جامعة تامبيرا الفنلندية في قسم الأنثروبولوجيا (علم الانسان) ، في موضوع التعدد الثقافي والمهاجرين في فنلندا ... هل تجد ورش العمل في مجال الابحاث والعلوم عن مشكلات الاجانب في فنلندا مفهومة وواضحة وتعالج بشكل علمي ام ان تلك الورش غير مطلعة بما يكفي على المشكلات التي يعاني منها المهاجرون؟

ــ في السنوات الاخيرة يمكن القول ان هناك تقدم ملموس وملحوظ في هذا الامر، ارتباطا بظهور جيل جديد من الباحثيين الفنلنديين الميدانيين، ممن صاروا لا يكتفون بالجلوس في المكاتب، بل والعديد منهم يسعى بشكل جاد لتعلم اللغات الاجنبية وخصوصا الشرقية، ومنها اللغة العربية، والعيش والاختلاط مع المهاجرين واللاجئين وزيارة بلدان الشرق الاوسط وشمال افريقيا، للتعرف عن كثب على الواقع الاجتماعي وجذور المشكلات الاجتماعية، من هنا القول اننا يمكن ان نأمل في المزيد من التطور والنجاحات في هذا المجال، وهناك امثلة مشرقة في استيعاب مشاكل المهاجرين وعموم الاجانب في فنلندا واروبا، تعكسها العديد من الدراسات والنشاطات الاكاديمية التي انجزت مؤخرا في فنلندا.

- هل المؤسسات الفنلندية الرسمية وغير الرسمية ادت ما عليها في سبيل انجاح مشروع الاندماج ، وهل هناك ما ينقص جهود الجانب الفنلندي تجاه الاجانب؟

ـ للاسف ان عموم البلاد الاوربية، ومنها فنلندا، وخصوصا المؤسسات الرسمية، لم تنجح كثيرا في سياسة الاندماج، وابرز دليل هو عدد حاملي الجنسيات الاوربية من مواطنيها ،خصوصا من الشباب ومن مواليد هذه البلدان ، الذين التحقوا بالمنظمات المتطرفة والارهابية كالقاعدة وداعش. ان الاعداد الكبيرة من العاطلين عن العمل بين الاجانب وتهميشهم سهل للدعاة المتأسلمين المتطرفين للنشاط بين صفوف الشباب خصوصا. ان سياسة التوطين على شكل "غيتوات" معزولة، ساهم في تقوقع الاجانب على انفسهم. ومن جانب اخر، أن سياسة الدول الاوربية في التعامل مع الجماعات الدينية، على اختلافها، على اساس كونها مؤسسات ثقافية، منحها فرصة استغلال ألية الديمقراطية الاوربية لمد نشاطاتها لامتلاك اماكن خاصة بها، بحجة انها اماكن عبادة ولاداء الطقوس، لكنها تحولت الى اماكن للتقوقع والتنظيم وللتثقيف الخاص ، سواء للتثقيف ضد المدنية والتطور الحضاري او للتنظيم لاغراض تكفيرية وجهادية، خصوصا تلك الاماكن التي تم بناءها بمساعدة أموال خليجية. في لقاءات عامة ولوسائل الاعلام ، اقول دائما للفنلنديين ان التعدد الثقافي لا يعني تذوقك للكباب والدولمة وسماع شريط موسيقي عربي او افغاني، انه يتمثل في سياسة اندماج حقيقية، في محاولة فهم ان المهاجر لايقطع تذكرة بأتجاه واحد، وانه يبقى مرتبطا بجذوره وثقافته، ومن هنا ضرورة دعمه للحفاظ وتطوير ما هو ايجابي وانساني في ثقافته الاصلية ومساعدته لامتلاك معارف وتجارب حضارية جديدة، ومنح عموم الاجانب ، والشباب خصوصا، المزيد من الفرص في العمل والتوظيف في مؤسسات الدولة ليكونوا جزءا منتجا ومثمرا من المجتمع، وزجهم في النشاطات والفعاليات ليس باعتبارهم ديكورا او رقما انتخابيا وانما جزءا من نسيج المجتمع . ان اوربا ما زال بانتظارها الكثير لتعمله لاجل انجاز عملية اندماج حقيقية.

ـ وماذا عن مسؤولية الاجانب انفسهم في عملية الاندماج ؟

ــ نعم .. نعم ، شكرا للسؤال، ان المهمة هنا مشتركة تماما، فالاندماج مهمة متبادلة، وان الاجانب عموما مطالبين بأن يكونوا ايجابيين ومتسامحين في فهم متطلبات الحياة في هذه البلاد الاوربية المتطورة، ما داموا اختاروا بانفسهم القدوم اليها، فعليهم السعي لتعلم لغة البلاد واحترام قوانينها والسعي لاحترام ثقافة وعادات المجتمع. ان البعض من الاخوة الاجانب ، ومنهم العراقيين طبعا، يفهم الاندماج وكأنه التنكر لهويته الوطنية، وهو هنا يخلط بين ما نسميه "الانصهار" وبين عملية "الاندماج". ان الاندماج هو عملية طويلة وعميقة ولها عدة مراحل، واذ تحرص فيها على الحفاظ على الاساس الايجابي من هويتك وجذورك، يتطلب مراعاة قوانين وثقافة البلد الاوربي . وقبل ان تطالب بحقوقك عليك ان تعرف واجباتك اولا وعندها ستكون المعادلة متوازنة . ان فنلندا بشكل عام بلد يمكن للانسان فيه، ومهما كان عمره ، ان يبدأ حياته من جديد على كل الاصعدة . وبالتاكيد لا يمكن تحقيق كل شيء بسهولة ، خصوصا ان عموم البلاد الاوربية تعاني حاليا من ازمات اقتصادية وسياسية انعكست بشكل كبير على واقع هذه المجتمعات وافرزت ظواهر وقوانين غير معروفة قبل عقد من الزمان. ولكن عموما ان الاجنبي المهاجر واللاجيء عليه احترام المواطنة لهذه البلاد وان يكون مخلصا لها وعندها يمكنه المطالبة بحقوقه بصوت عال ويحافظ على هويته الثقافية.

- في خريف العام 2015 وبسبب موجات اللاجئين حصل تضخيم اعلامي لبعض السلبيات، وبالفعل كانت هناك اساءات من قبل بعض المهاجرين... ذلك ما اثار الخوف عند الشعب الفنلندي على مستقبل ابنائهم ثقافيا، امنيا واجتماعيا... هل استطاعت الجهات المعنية بما في ذلك الاجانب توضيح الصورة وتعديل الموقف؟

ــ يطول الحديث حول موجة اللاجئين الاخيرة الى اوربا وفنلندا ، ومن الضروري القول انها حصلت وفنلندا تحديدا لم تكن جاهزة لها، اذ وصلها العام الماضي اكثر من 32 الف طالب لجوء، بينهم اكثر من 22 عراقي ، وفنلندا كانت لا تملك سوى 25 مركز لاستقبال وايواء اللاجئين وهي لا تتسع سوى لاسكان بضعة الاف، ناهيك عن الحاجة الماسة لكم هائل من الموظفين والمترجمين والحراس والطباخين والممرضين الخ ، فدخلت البلاد بأزمة حقيقية . اضافة الى كون الحكومة التي امسكت ادارة الدولة بعد انتخابات نيسان 2015 ، جاءت الى السلطة بسياسة تقشفية نتيجة الاوضاع الاقتصادية المتردية للبلاد ، فمارست سياسة متشددة مع اللاجئين دوافعها اقتصادية اساسا. وللاسف ان الكثير من الاخوة من طالبي اللجوء، ومنهم اخوتنا العراقيين، كانت غائبة عنهم هذه الحقائق، فكانوا يريدون ان يحصلوا على كل شيء بسرعة، مثلما غشهم ووعدهم المهربون. يضاف الى ان الكثير من الاخوة طالبي اللجوء عاشوا حالة يمكن تسميتها "الصدمة الحضارية"، فالمجتمع الفنلندي قطع اشواطا بعيدة في تطوره الحضاري حتى مقارنة ببعض البلدان الاوربية . فمثلا شاب عراقي يحضر من بيئة محافظة ، ولم يسمع في بلاده امرأة تضحك في الشارع بصوت عال، ويجد نفسه يعيش وسط مجتمع يمنح المراة الحرية الكاملة والاستقلالية في الشخصية، فيسيء فهم ذلك والتعامل معه، فتحصل الكثير من المل