عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - جوتيار تمر

صفحات: [1]
1
كورونا تظهر ضعف الانسان وعياً وصحياً
جوتيار تمر/ كوردستان
24-3-2020
لقد وضع انتشار فايروس كورونا الجديد أوالحديث (COVID-19)  العالم في مختلف انحائه في موقف لايحسد عليه، وعلى الرغم من ان الفايروس كما تصفه المواقع الختصة بالصحة بانه يتكون في الاصل من مجموعة كبيرة من الفايروسات التي يمكن ان تصيب الحيوانات والبشر على حد سواء، حيث تسبب امراض الجهاز التنفسي سواء الخفيفة منها مثل نزلات البرد او الشديدة مثل الالتهاب الرئوي، الا انها في الاصل قد امتداد طبيعي لطبيعة الامراض الاخرى التي سبق وان وانتشرت في العالم بصورة عامة ، الانفلونزا الاسبانية 1918، الانفلونزا الاسيوية 1975، وانفلونزا الخنازير 2009، ولكن فيما يخص كورونا ففي الفترة بين 2002-2003 ظهر فايروس سارس ( المتلازمة التنفسية الوخيمة) والذي كان مثالاً على فايروس كورونا الذي انتقل من الحيوانات الى البشر، كما ظهرت في الشرق الاوسط في عام 2012 سلالة اخرى بارزة واحدث من فيروس كورونا تسمى MERS (متلازمة الشرق الاوسط التنفسية)، والتي بحسب المختصين انها انتقلت من " جمل " الى انسان وانتشرت بعدها بين البشر.
ولان كورونا اصبحت مهددة لغالبية دول العالم فيما يتعلق بالعدوى، فقط اطلق عليها جائحة فايروس كورونا، والجائحة تعني وباء ينتشر على تطاق شديد الاتساع يتجاوز الحدود الدولية، ومنظمة الصحة العالمية قسمت حدوث الجوانح الى ستة مراحل، تبدأ مع فايروس يصاب به على الاغلب الحيوانات، ثم حالات قلة لانتقال العدوى الى الانسان، ثم مرحلة انتقال المرض بين البشر من فرد لاخر مباشرة، فيتحول الى جانحة مع انتشاره عالميا و ضعف القدرة على  السيطرة عليه، ولايصنف مرض ما على انه جانحة بسبب انتشاره الواسع وقتله للعديد من الافراد، انما لابد ان يكون معديا ويمكن انتقاله من شخص لاخر ، وجانحة كورونا اعتبر جانحة عالمية لكونه جارية لمرض فايروس كورونا 2019 (
كوفيد-19) والذي يحدث بسبب كورونا 2 المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة الشديدة، وكما هو معلوم اكتشف المرض في ديسمبر 2019 في مدينة ووهان وسط الصين وصنفه منظمة الصحة العالمية في 11 مارس 2020 جانحة، ويعتقد بان الفايروسنشأ لدى الحيوانات البرية وانتقل الى البشر من خلال الاختلاط بالحيوانات المصابة، وبدأ ظهور الحالات المصابة في الدول الاخرى بسبب نقل الفايروس من خلال السفر، والمتتبع للاحداث سيجد بانه بعد ظهوره في الصين لاسيما في مقاطعتي ووهان وهوبي، فان معدل انتشار المرض اظهر لامبالاة الدول الاخرى، وعدم جاهزية الانسان لتقبل مثل ذلك الوباء على الصعيدين الوعي والصحة معاً، فمن 13 يناير / كانون الثاني الى 31 يناير انتقل الفايروس الى  25 دولة في كل من قارة اسيا واوربا وامريكا، واصبح الفايروس يهدد العالم في جميع البلدان والاماكن، وبحسب المنظمة العالمية للصحة ان سرعة انتشار الفايروس كان مرتفعا جداً بحيث اثار قلق العالم باجمعه.
 والغريب في الامر ان كل الجهود التي بذلت من اجل توعية الناس بخطورة الفايروس استقبلت باللامبالاة في البداية وحين باتت تلك الدول وشعوبها تحت مقصلة الفايروس اصبحت تترنح بين الاسى واطلاق الحملات الدعائية من اجل الزام الناس بالبقاء في بيوتهم وعدم الاختلاط وعدم المصافحة والحذر من التجمعات ومن الاشخاص الذي تظهر عليهم بعض الاعراض كالكحة والحمى ومشكلات التنفس، وغيرها من الاعراض حيث باتت الاعلانات منتشرة بشكل واسع  في جميع وسائل الاعلام المرئية وحتى السمعية حيث باتت تركز على بث النصائع والتعلميات والاجراءات اللازمة اتباعها للحد من الاصابة بالفايروس.
ونحن في اقليم كوردستان العراق وفي العراق بصورة عامة، وقعنا تحت مقصلة اللامبالاة الايرانية، التي اخفت عن وسائل الاعلام اصابة العديد من الاشخاص في " قُم " والتي تحولت بين عشية وضحاها الى مصدر اساسي لتصدير الفايروس الى كل من الاقليم و بغداد، ولان الاقليم كان يعتمد تجاريا واقتصاديا وحتى صحياً على كل من ايران وتركيا بالدرجة الاساس، فقط تعرض الكثيرين ممن كانوا في ايران للاغراض المذكورة سابقاً للفايروس دون علمهم، وعادوا الى الاقليم والى بغداد ومالبثت ايران ان اعلنت عن الاصابات في غالبية مدنها، وبذلك تحول الامر الى صراع ومعركة لانهاية لها ضد تفشي الفايروس بين الناس، ولذلك نجد تصاعدا رهيبا للاصابات في كل من الاقليم لاسيما في السليمانية المتاخمة لايران وصاحبة المعبر الرئيسي معها، فضلا عن الزوار الذين يتوافدون على بغداد والنجف وكربلاء من اجل اقامة الشعائر الدينية .
ومن خلال تتبع تزايد اعداد الاصابات يمكن التوقف على عدة ملاحظات، منها انه على الرغم من كل الاجراءات الحكومية في الاقليم مثلا للحد من انتشار الفايروس ولتوعية الناس بخطورة الامر " حيث قامت بغلق المعابر الحدودية مع ايران، وتدريجيا اوقفت رحلات الطيران مع غالبية الدول المصابة ، ومن ثم علقت نهائيا، كما اغلقت المعابر مع بغداد وسوريا وتركيا، واغلقت المدراس والجوامع والكنائس والمعابد ومنعت التجمعات الكبيرة والغت الحلفلات والتعازي، والغت الاحتفالات براس السنة الكوردية " نوروز " ومن ثم اقرت منع التجوال بين المدن، ومن ثم بين الاقضية ومراكز المدن، ومن ثم داخل المدن والاقضية، واطلقت حملة دعائية قوية في جميع الوسائل الاعلامية كما ان سيارات الشرطة جابت الشوراع والمحلات لتوعية الناس بعدم الخروج الا للضرورة القصوى، والبقاء في البيوت، وظهر رئيس الوزراء ورئيس الاقليم ووزير الصحة والداخلية في اكثر من مرة على الشبكات الفضائية وطالبوا الناس بالالتزام بالتعليمات واتباع الاجراءات الوقائية اللازمة . وان اللامبالاة ستعرض الناس للخطر.."، الا انه من الغريب جدا ان قلة الوعي وصل بالكثيرين الى حد  المتجارة بارواح الناس من خلال ادخال البعض بصورة غير قانونية الى الاقليم وحين بدأ هولاء بالاختلاط بعوائلهم وبالناس فتحوا ممراً للفايروس الى داخل المدن الكوردية، ناهيك عن اشخاص اخرين استغلوا موقعهم الادراي واستطاعوا تجاوز الفحوصات وباتوا يشكلون تهديداً خطيراًوحقيقياً على المجتمع بصورة عامة.. وبذلك اثبت هولاء انهم لاينتمون الى البشر وانهم اشبه بآفات معدية داخل الافة نفسها، اي وباء داخل وباء، والملاحظ انهم لم يستوعبوا خطورة الامر وبدا الاستهتار واضحا من افعالهم واقوالهم، وتصرفاتهم حيث اجبروا الحكومة على اتباع اجراءات صارمة تجاههم، ومن غرائب الدلائل التي اظهرت انعدام الوعي لدى البعض انهم جاؤوا من ايران ولم يعرضوا انفسهم للفحوصات وذهبوا بين عوائلهم واختلطوا مع الناس وكأن شيئاً لم يحدث، هذا الامر خلق تذمرا واضحا بين العديد من الفيئات داخل المجتمع، وكذلك شكل تهديداً لاجراءات الحكومة الحازمة تجاه خطر تفشي الفايروس، وبالتالي تحولت مدننا في الاقليم من حالة الاحتراز والاحتياط الى مرحلة المواجهة ، ليس فقط مع المسافرين العائدين من ايران والدول الاخرى المصابة مثل المانيا كما حدث مع الحالة الوحيدة التي ظهرت في " دهوك " باعتبار انها نقلت من المانيا من قبل شخص لا واعي لامبالي غير مسؤول ومتهور ومستهتر، وفي باقي المدن كانت اغلبها من ايران ومن ثم انتقلت من الشخص لافراد عائلته وبذلك تفشى المرض. 
اما في بغداد فالامر اشبه بمعركة مذهبية فعلى الرغم من القرارات التي اصدرت من قبل الحكومة بمنع التجوال وكذلك اغلاق الجامعات والمدارس والمساجد ومنع التجمعات العامة والاختلاط المباشر وفرض حضر التجوال، الا ان قرارات الحكومة اصطدمت ببعض اللامباليين وبعض ناقصي الوعي حيث قاموا بتسيس القرارات وجعلوها في اطار مذهبي ، وتحدوا تلك القرارات من خلال استمرار وفود الزوار على المراقد الشيعية بالذات في كل من بغداد والنجف وكربلاء، ناهيك عن الحالات الاخرى من خلال تهريب الناس من الحدود داخل المدن العراقية والتي ادت الى تفشي المرض في جميع مدن العراق الا ما ندر، والغريب في الامر انه مازال هناك من ينظر الى الامر بابنه مؤامرة من قبل الدول الغربية لفرض هيمنتها على العراق،وعلى موارد العراق والى غير ذلك من الامور التي تنم عن قلة وعي من حيث هو وعي وقلة الوعي الصحي لدى هولاء، فضلاً عن الصيحات التي تطلق بين الفينة والاخرى من قبل سياسيين تابعين لايران فكرياً ومذهبيا ًومصلحوياً بعدم اغلاق المنافذ مع ايران وزوارها.
لقد اثبت فايروس كورونا ان العقل البشري مازال يحتاج الى صدمات اقوى كي يستفيق من غيبوبته، تلك الغيبوبة التي ادخل فيها جراء التصارع بين الجهل واللامبالاة، والتي نتج عنها شعباً مستهتراً بالعلم وبالوقائع والاحصائيات والمقابر،فتحولوا من بشر الى آفات بشر، كل ما يملكون هو العودة الى امجاد الماضي والتي هي بنظر التاريخ والواقع الانساني ليست الا رخام ممتزج باقدام لاتنتمي الى قوم واحد، انما هي وليدة اقوام تشاركوا الارض والانهار والحدود، ولكن مع ذلك لم يزل هولاء الجاهلين المستهترين بالارواح يملؤون رؤوس العامة البسطاء بتلك الترنيمات الكاذبة التي لاتقيهم من الاوبئة واخر تلك الاوبئة " فايروس كورونا " ، والذي يتابع شبكات التواصل الاجتماعي سيجد ضالته من الظلالة التي يقومون بنشرها بشكل يتعدى المنطق والعقل البشري الواعي.


2
تركيا العثمانية وسلطانها الجديد
جوتيار تمر / كوردستان
3/3/2020
تمارس تركيا بحق الكورد وشعوب المنطقة سياسة لاتنم عن حقد وكراهية ودكتاتورية فحسب بل تنم عن الثقافة التي نمت عليها الاجيال التركية من ساسة وشعب اعتنق الظلم والاضطهاد كوسيلة لتحقيق اغراضه على جميع الاصعدة، باسم الدين والقومية والتعالي والنظر الى الاخرين بدونية متناسين بانهم ليسوا سوى قنبلة حقد موبؤة، منبوذون انسانياً ودينياً واخلاقياً وسياسياً واصبحوا عبرة اقتصادياً لكل من تسول له نفسه بالخروج عن مصالح المنظومة الدولية.. تركيا التي تحاول بشتى الوسائل ان تظهر نفسها برداء السلطنة وورثة الخلافة الاسلامية تحولت بافعالها واخلاقياتها السياسية واللاانسانية الى صورة مشوهة لكل التعاليم والشعارات الدينية التي تنادي بها اعلامياً.. وفي الوقت نفسه حولت بافعالها انظار العالم الانساني الى لاانسانيتها قومياً.. حيث تشير الوقائع التاريخية والشواهد الحالية والجارية على ان تركيا الحالية هي امتداد طبيعي للرؤية التركية العثمانية ومن ثم الاتاتوركية التي تحاول اخفاء همجيتها ومذابحها والابادات الجماعية لمخالفيها ومعارضيها من حركات واقوام وامم.
ان ما تمارسه تركيا تجاه الكورد وشعوب المنطقة هو نسخة عن ما فعله البابا اينوسنت الثالث عام 1209 حين جهز حملة صليبية ضد الكاثرية" الالبينية وهي حركة دينية مسيحية ظهرت في منتصف القرن الثاني عشر "  فعندما شعرت البابوية بان تلك الحركة باتت تشكل خطراً عليها أمر البابوية قامت بتجهيز حملةعسكرية سميت بالحملة الصليبية الالبينية ووجهها الى جنوب فرنسا كان قوامها ثلاثين الف جندي من المشاة والفرسان، وكان اجرهم هو ما يحصلون عليه اسلاب وغنائم اضافة الى صك غفران يضمن لهم مكانا في الجنة، وحين سأل قائد الحملة ممثل البابا الذي يرافقهم كيف نميز الهراطقة من المسيحيين في المدن التي يدخلونها قبل اعمال السيف فيهم، قال لهم ممثل البابا.... اقتلهم جميعا واترك الله بعد ذلك يميز رعيته بينهم ، وهذا ما حصل فعلاً حيث احرقوا المدن وافنوا سكانها دون تمييز، وكان ممثل البابا يرسل الى البابا رسائل تثلج قلب الفاتيكان قائلا ان السيف لم يميز ضحاياه تبعا للجنس او السن او المكانة الاجتماعية، ودام هذا الصراع بينهم لما يقارب العشرين سنة..حيث انسحب الكاثاريون الى المناطق الوعرة والصعبة ومن هناك كانوا يشنون حرب عصابات ارهقت الجيش البابوي.
من ينظر الى ما يفعله اردوغان الان هو نسخة مصورة لما فعله البابا انذاك، حيث يجهز اردوغان منذ وصوله للحكم كل قواته وكل امكانياته لمنع الكورد من الحصول على حقوقهم المشروعة، فاصبح يجهز عساكره ويوجه منظومته الاعلامية واسلحته نحو المعارضة التي تشكل بنظره خطراً على مصالحه ومشروعه السلطوي فيما يتعلق باعادة امجاد السلطنة والخلافة..ولم يعد يفرق بين المواطنين العزل وممن يحملون السلاح، بل لم يراعي القوانين الدولية فيما يخص تجاوز الحدود وخرقها، حتى اصبح ينظر لنفسه نبياً يجب على الجميع الانحناء له، وكل ما يقوله ليس الا تنزيل يجب على الجميع العمل به، فداخلياً يسجن من يريد بغير حساب، وبدون محاكمات عادلة بل بدون محاكمات اصلاً، فقط تهم ملفقة للتخلص من معارضيه سواء من الكورد – امثال القادة الكورد عبدالله اوجلان - صلاح الدين ديمرتاش- او غيرهم، وخارجياً طائراته تحلق وتقتل في سوريا – صراعه مع روسيا على حساب الشعب السوري - وجنوب كوردستان وفي ليبيا دون ان يردعه احد محلياً او دولياً، فكأن الكل مشارك او منصاع له، ولقد برهنت الاحداث في جنوب كوردستان على مدى تعنت ارودعان  ودكتاتوريته بحيث لم يتعدى على القوانين فحسب بل طائراته ومدافعه تسببت في استشهاد العديد من الابرياء العزل، وكل هذا تحت شعار محاربة المنظمة الكوردية الارهابية بنظره، ولايوجد في العالم الحالي من هو اشد ارهاب منه، بل يعد بلا منازع الداعم الرئيسي لكل العمليات الارهابية في منطقة الشرق الاوسط كلها، وهو الذي بافعاله وتحركاته وتصريحاته يبرهن يوما بعد بانه ليس الا طاغية يلبس رداء الدين والقومية، وهو الوريث الحقيقي لكل الجرائم العثمانية – مذابح الارمن - في كل المناطق التي وقعت تحت ايديهم ، فعلى الرغم من مرور عشرات العقود مازال الكورد واغلب القوميات الاخرى تعاني من ويلات  ورثة الخلافة وتبعيات سياتهم الهمجية، وفي الوقت نفسه مازال هناك من يطبل للنظام الدكتاتوري التركي الحالي ، متجاهلين بالتمام مدى وحشيتهم في التعامل مع قضايا الاخرين، تلك الوحشية المستمدة من ارثهم الهمجي، حتى اصبحت ملاذاً لاكثر التنظيمات الارهابية.
حيث لم يعد خافياً على احد وحشية النظام التركي وانه المهد الاول لوحشية التنظيمات الارهابية لاسيما داعش فتركيا الحالية التي نراها امتداد لوحشية نظام الخلافة العثمانية التي باسم الدين انتهكت جميع الاعراف والقوانين الدولية والانسانية، سواء من خلال بطشها بالامم والاقوام التي لاتنتمي اليها، او من خلال الممارسات الاخرى داخل الاسر الحاكمة في دولة الخلافة، فهي التي اثبتت للعالم بأن السلطة والكرسي اقدس من الانسان في العالم الاسلامي وقتها حيث سنت قانوناً هو الابشع طيلة حكم السلالة العثمانية باسم الخلافة والاسلام، حيث ذبح الاب ابنه، واريقت دماء الاخوة فيما بينهم من اجل التنافس على الكرسي، وبحجة الحفاظ على استقرار الدولة وقتل الفتن والقضاء على اية اطماع بين الاخوة بعضهم ببعض، والاباء والابناء حول كرسي العرش، وبذلك ابيح للاب ان يقتل ابنه ليبق هو في السلطة، وقتلت السلطانة حفيدها لكي تهيمن هي على كرسي الحكم، كما ان الاخ قتل اشقائه وابنائهم ليخلي الساحة لنفسه بدون منافس على العرش، واستخدموا كما تشير المصادر التاريخية على اساليب ووسائل كثيرة للقيام باعمالهم الشنيعة تلك سواء من خلال الخيط الابيض المصنوع من الحرير الذي كان امراً سائدا انذاك ويستعمل في خنق الامراء حتى لو كانوا اطفالا رضع. فهذا السلطان مراد الاول(1362-1389م) جد السلطان محمد الفاتح(1444-1446م)، قتل شقيقه محمود بعد ان اصدر الفتوى من شيخ الاسلام وقتها، بحجة انه يريد الانقلاب على السلطان، ثم اخرج ابنه " ساوجي" على رأس حملة لمواجهة البيزنطيين فاغرت الجواري السلطان واوهمته بان ابنه يريد التحالف مع الاعداء فاعد له كمينا بفتوى ايضاً واعدمه، وعلى سنته سار السلاطين من بعد فهذا حفيده الذي يتغنى به الجميع السلطان محمد الفاتح، فاتح القسطنطينية عام 1453م،  حيث تشير الكثير من الروايات على انه قام بقتل شقيقه الرضيع الامير احمد من زوجة ابيه خديجة خاتون عندما كان عمره " 6 " اشهر بحجة ان البيزنطيين يحاولون خطفه لتنصيبه سلطانا بعد ان يتخلصوا من الفاتح، وليبرر فعلته قام بسن قانون قتل الاخوة والابناء تحت مسمى " البغي "، واستكمالا للمسيرة قتل سليم الاول شقيقيه الاميرين احمد ولي العهد، وكوركود، اما سلطان السلاطين سليمان القانوني (1520-1566م) فقد خضع لتوهيمات حريمه لاسيما " هرم  - هويمام – التي اوهمته بان نجله الامير مصطفى المحبوب من العامة والخاصة  يريد الانقلاب عليه، فامر جلاديه بخنقه في خيمته، ولم يكتفي الاثنان لا السلطان ولا هويمام بذلك بل حرضته الاخيرة لقتل حفيده سليمان ابن مصطفى كي يتسنى لاحد اولادها للصعود على العرش، وانصاع السطان لحريمه بحجة اخماد الفتنة، وكل هذه الاعمال يتصدرها فتوى من شيخ الاسلام، واستمرت اعمال القتل داخل السلالة العثمانية لبعضهم البعض، حتى ان بعض المصادر تشير الى انه اتى اوقات لم يكن يوجد وريث للعرش.
سليم الثاني(1574-1595م) رابع ابناء السلطان سليمان القانوني حباً بالعرش قام بمحاربة اخيه بايزيد  " ابناء هويمام - الذي اضطر للهرب الى الصفويين فاوعز والده السلطان باعادته، وفي الطريق وحين علم سليم بمرض والده أغرَ حراسه فقاموا بقتله وابنائه اثناء عودته الى اسطنبول، اما الجريمة الابشع التي يؤكدها التاريخ ما قام به محمد الثالث الملقب بالعادل (1595-1903م) الذي ما ان تسلم كرسي العرش حتى قام بعدها بلحظات بتجهيز (20) قبراً، احدهم لابيه السلطان مراد الذي توفي، و(19) قبراً لاشقائه الامراء حيث تم خنقهم وكان بينهم (3) رضع و(5) اطفال اعمارهم بحسب المصادر لاتتراوح بين الثالثة الى السادسة، وبذلك اخلى الساحة لنفسه بدون منافسين، وفي الوقت نفسه لم يخرج عن المعتاد باعتباره عمل بالقانون الذي تم سنه من قبل لاخماد الفتنة " البغي " وعلى ذلك سار السلطان مراد الرابع فاتح بغداد ( 1623-1640م)الذي قتل اشقاءه الثلاث بعدما الغى القانون الذي سنه والده، حيث الغى تلك العادة السيئة وسن قانونا ينظم اعتلاء العرش وطرق وراثة السلطة درءاً للفتنة والقتال بين الاخوة والاباء والابناء، الا ان مراد الرابع نجله الغى ذلك القانون وطبق القديم، فقام بقتل اشقائه ( بايزيد – سليمان – قاسم )، ولم ينجو الا من بطشه الامير ابراهيم الذي قامت السطانة "كوسيم "  بحمياته خوفاً من انقراض آل عثمان، الا انها نفسها حين تسلم الامير ابراهيم(1640-1648م) العرش وهددها بالنفي ليتخلص من سطوتها على الحكم وتقليص صلاحياتها، قامت بتدبير مؤامرة لابنها واقنعت رجال الدين والباشوات بعزله ومن ثم اعدامه بعد عشرة ايام، وتشير المصادر بان شيخ الاسلام نفسه قاد الانقلاب وخنق في الاستانة بناءً على توصية الصدر الاعظم محمد باشا المولوي، وتنصيب حفيدها " محمد شاه زادة " صاحب الست سنوات حتى تكون هي الوصية عليه وتستمر في ادراتها للدولة العثمانية.
وكالعادة نجد في العالم الاسلامي بالذات من يطبل للسلاطين وينظر الى اعمالهم الى انها خير للامة ودعم لركيزة الاسلام وتقويته امام اعدائه الذي كانوا يتربصون به،  فيشرعون اعمال الخلفاء والسلاطين وحتى المدعين امثال ارودغان الذي يلبسون رداء الدين لتحقيق مقاصدهم وغاياتهم ، ولايخفى على احد ما يقوم به الان اردوغان من اعمال وحشية تجاه الشعوب الاخرى من الكورد وحتى العرب في سوريا وليبيا  والاقوام الاخرى - مسألة اطلاق اللاجئين نحو حدود اوربا - وكيف يحرض قطر على الوقوف بوجه الدول الاخرى التي لاتؤيده في اعماله كالسعودية والامارات ومصر والعديد من الدول الاخرى.
ان اعمال اردوغان وسياسة التبرير التي نجد الاعلام الاسلامي يتغنى به لاجل اعماله التي لاتتعدى لحد الان سوى التصريحات بشأن القضايا الاسلامية المهمة كقضية فلسطين باعتبار ان تركيا هي من الدول الحاضنة للتجارة والتطبيع مع اسرائيل، ان هذا الاعلام وكأنه يستمد تشريعاته من تلك التي قدمت لتبرير القانون الذي سنه محمد الفاتح، حيث ذهبت الاراء الاسلامية لتبرير اعمال فاتح القسطنطينية – احمد آق كوندوز و سعيد اوزتورك في كتابهم الدولة العثمانية المجهولة -  بان تطبيق واقامة الحد " البغي  " انما كان للحد من العصيان ضد الدولة ويمثل المرتكز الشرعي الاول لمسألة قتل الاخوة العصيان بالخروج على الدولة بالسلام وموالاة الاعداء، وتدخل هذه العقوبة بنظرهم في الاسلام ضمن جريمة البغي، الذي تتكون بنوده من محاولة الخروج على الامام او السلطان، ومحاولة الاستيلاء على الحكم بالسلاح والقوة والمغالبة، اي وجود هدف العصيان بشكل واضح، ومثلما وجد هولاء السلاطنة من يبرر اعمالهم وافعالهم الشنيعة التي اعتمدت على الاخذ بمبدأ الشك حتى في النيات كمرتكز لقتل الابناء، فقدم اعدم (16) امير بسبب ثوراتهم في حين قتل (7) منهم بسبب نياتهم للثورة ، من اصل ما يقارب (60) اميراً قد قتلوا من قبل ابائهم وامهاتهم واخوتهم واشقائهم، فاننا الان امام مشهد يكرر نفسه وذلك من خلال تصريحات  وتصرفات اردوغان الذي يحكم على نيات الاخرين ويراها لاتخدم الاسلام انما تخدم مصالح الغرب الصليبي واسرائيل، قيعزل من يشاء من اصحابه وقادته ويزج بمن يشاء في السجون بتهم باطلة وملفقة، ويبرر قتله للاطفال وحرقه للقرى وتدميره للمدن وخرقه لحدود الدول الاخرى ليس الا احتكاما بشرائع الاسلام ولحفظ الاسلام من مؤمرات الاعداء، وآخر  صولاته فتح الحدود امام الالاف من العوائل المهاجرة لغزو اوروبا كما يدعي ولتهديد امن واستقرارها – بعض هولاء المهاجرين يحمل علم تركيا ويهتف بالله اكبر  على حدود اليونان وبلغاريا- ، وفرض ايديولوجيته الدكتاتورية في تركيا – مع الكورد والمعارضين - و سوريا وليبيا والغريب ان هذا التطبيل لطالما وجد لنفسه اذان صاغية، وايدي تصفق ودعوات تتلى وصور ترفع في عالم قبلي مازل يعيش عصر السيف وقطع الرقاب، وتمجيد الاسلاف،  لم يستطع بعد كل هذه القرون ان يخرج من دائرته القبلية ويتسلح بمبدأ اكثر تماشياً مع حركية التاريخ في العالم الحاضر، وحقيقة ان التاريخ يسجل في الكثير من مراحله سير حكام امثال اردوغان، مع عدم التغافل عن ذكر النهايات التي آلت اليه امورهم لاسيما بعد ان يكون صلاحية وجودهم بالنسبة للمنظومة الدولية قد انتهت.

3
.

ولى عصر العنتريات الشرقية
جوتيار تمر/ كوردستان
29-1-2020
ليس بغريب علينا نحن الشرقيين ان نسمع في كل يوم يمر علينا بعض الشعارات التي تعتمد على قوة التعبير، ومتانة اللغة، وعلى الفراسة والشهامة والشجاعة الظاهرية، وفي الوقت نفسه على اشكالية تعدد التأويل ، بحيث ما ان يقع صاحبها في اشكالية مع جهة معينة داخلية كانت ام خارجية حتى يخرج للاعلام مفصلاً ومفصحاً بأنهم لم يفهموا القصد من وراء خطابه الذي لايريد به سوى خدمة الوطن، ناسياً ان العنتريات التي كان يتباهى بها لن تمر على الواعين مرور الكرام، وانما ستكون مأخذ عليه وعلى كل من يواليه.
العنتريات تلك الصفة التي تشتهر بها الاقوام الشرقية، وذلك المصطلح الذي كان ولم يزل هناك من يتباهى به، اصبحت وليمة ساخنة معدة مسبقاً من قبل جهات واجندات خارجية متحكمة بالداخل ضمن جغرافيات دول الشرق الاوسط بصورة خاصة، ودول العالم الثالث بشكل عام، فكلما تحركت نزعة تحررية في مكان ما حتى نجد اذناب الاجندات تخرج للاعلام بخطاب ناري تحريضي لااساس له ولا مقومات له ولا تخطيط فيه سوى العبث بعقول الشارع المسلوب الارادة، والغارق في الحياة دون سبيل نجاة، ولا اعرف لماذا لم يتوقف يوما احد من هولاء المنصاعين لتلك العنتريات امام ماهية الكلمة ليدرك تماما بانها انما كشعرة معاوية لاتستخدم اصطلاحاً الا للتحريض ولكسبهم ولجعلهم وقودا لاغراضهم وافكارهم الهدامة الممتلئة بالحقد والكراهية واللاانسانية لكل من لاينتمي اليهم.
العنتريات في معاجم اللغة تتفق على كلمة الشجاعة، ففي لسان العرب العنتر الشجاع، والعنترة الشجاعة في الحرب، وفي معجم الغني عنتر البطل، شجُعَ في الحرب، المغامر، وفي معجم اللغة العربية المعاصرة تعنتر فلان تشبه بعنترة في الشجاعة والاقدام، وفي المعجم الوسيط، شجُعَ في الحرب وسلك الشدائد، واغلب المعاجم كما سبق وان نوهت تتفق على صفة الشجاعة، فعنترة كما هو معلوم هو اسم رجل " عنترة بن معاوية بن شداد العبسي "، المهم في الامر ان غالبية الناس تنظر الى الامر من منظور الشجاعة والاقدام، وترى فيها الرجل القوي، وترى بان الساحة الشرق اوسطية تحتاج الى امثاله لاخراجها من ظلم الاجندات الخارجية، والتمزق الداخلي القبلي المذهبي الطائفي القومي اللاواعي، في حين لو وقف احدهم عند الكلمة بدقة وتمعن النظر فيها، لوجد ان الشجاعة التي تميز العنتريات هي في الاصل مرتبطة بشيء اخر وهو موجود في تلك المعاجم نفسها، فعنتر هو الذباب الازرق، كما في معجم الغني ومعجم الوسيط، وفي لسان العرب قيل العنتر الذباب الازرق، وقيل الاخضر، وتشبهه بالذباب جاء تصغيراً له وتحقيراً ، قيل في لسان العرب نفسه شبهه به لشدة اذاه، والغريب ان غالبية اصحاب العنتريات يتجاهلون هذا الامر اما تعمداً او اعتماداً على سذاجة الجماهير التي تتبع عنترياتهم، وبالتالي نجدهم سباقون في التحريض وسباقون في التهكم على الشارع ايضاً، حيث ان عنترياتهم لاتتعدى الخطابات الاعلامية ونزولهم للشارع لايكون الا بعد ان يتم تحصين الاماكن بالاسلحة والرجال، اما الشارع اللاواعي فانه يرمي بنفسه الى التهلكة ويقدم صدره للنار والرصاص لان عنترته قال له اخرج.
يقول علي الصراف في مقال له بعنوان " عنتريات لا عنتر فيها " ان مسألة العنتريات الحديثة هي انها لاتجافي الواقع من اجل البلاغة، بل من اجل السخافة، وهذه بحد ذاتها معترك هوائي ظلت بعض الدول تخوضه مع نفسها حتى انتهى بها الحال على انها لم تعد تعرف من الواقع واقعاً، ولم تعد تأبه للحقائق المادية بأي شيء، فبحسب " العنتريون الجدد " انهم اذا ما بالغوا في قدراتهم، فانهم يستطيعون ان يكسبوا دعم الجماهير المخدوعة بالشعارات، الا ان العالم الذي غدا قرية صغيرة لم يترك الا القليل من الفراغ للجهل، فالمعلومات متداولة على اوسع نطاق، والكل يعرف ما عي حقاً حدود الدعاية التي كلما بالغت في الادعاء اظهرت ضحالتها وضحالة الذي يقفون وراءها، وهذا ما يحدث في واقعنا الذي نراه احيانا كمحاكاة لعوالم الخيال العلمي جراء غموض الاحداث وسوداويتها، حيث اصحبت الجماهير تنقسم على نفسها، فهناك من يعي الامر ولاينقاد كالاعمى وراء تلك العنتريات الشعاراتية، ويحاول الصمود امام الاغراءات البلاغية، ويعلم بان العنتريات تلك ليست الا كطنين الذباب الازرق، وهناك من ينصاع اليها ويرى في الطنين طبول الحرب ضد اعداء الامة والدولة والدين والمذهب، فتتحول العنتريات تلك الى مجزرة تحدث على ارض الواقع، لان من يتبع العنتريات لايتوقف عند حدود القانون ولا التشريعات التي تبيح لهم في خروجهم للشارع امور وتحرم امور اخرى، امور تجعل من خروجه ظاهرة طبيعية سلمية واخرى تجعل من خروجه تهديداً على الامن القومي للدولة، حيث وقتها يرتفع دوي الرصاص ويسقط الالاف كما يحدث الان في اماكن متفرقة من الشرق الاوسط.
الحقائق حين تغلف بالعنتريات قد تجد الكثيرين ينخدعون بها، فيرون فيها طوق النجاة، لكنها في صورتها الاجمالية ليست الا ممراً لتلك الاجندات المتحكمة بعقول اصحابها، حيث يتحولون الى ممرات سلسلة سهلة لتمريرها لدولهم ولواقعهم العياني، وتدفع شعوبهم اللاواعية ثمن صفقاتهم مع تلك الاجندات، في حين البعض يتماسك ويراها بصورتها الاجمالية لكنه في الوقت نفسه يجد نفسه عاجزاً امام سطوة هولاء وعنتريتهم " أذاهم الشديد " صوت عنصريتهم، وعنجهيتهم، صوت حقدهم المذهبي الطائفي، صوت عصبيتهم القومية، فبذلك يحدث الخلل في موازين القوى داخل البلد الواحد، وتتجزأ المقدرات الداخلية وتنحاز في الغالب للاقوى سلاحاً وهدماً وتخريباً وتفريقاً وقتلاً، فتتحول البلاد الى ساحة فوضى ودخان اسود يلبس سماءها من كل صوب .
يقول محمد الشواهين في مقال له منشور في صحيفة الرأي بعنوان " العنتريات التي ولت " تعلمنا من التاريخ ان هناك ابطالاً ظل العرب يفتخرون بهم، في وقتنا الحاضر حتى لو ظهرت شخصية اسطورية كعنترة، فان الهزائم المتكررة التي منيت بها امة العرب خلال القرن الماضي، طمست كل المعاني الجميلة التي توصف البطولات والابطال، بيد ان ثمة اشخاصاً لاهم ابطال ولايحزنون ولايعرفون عن البطولات سوى الكلام الفارغ الخالي من اي مضمون، يريدون ان يكونوا في موقع الصدارة للتنظير على الاخرين فافكارهم السخيفة..."، وهذا بالطبع هو المفصل من الكلام، وبالطبع هنا ليس الغرض ان نخص العرب دون غيرهم من الاقوام الاخرى التي تسكن الشرق الاوسط، انما الرسالة موجهة للكل، لاسيما ان الاحداث التي تعصف بالمنطقة تعدت حدود الاعراب – العرب -  و الاتراك – الترك -  والفرس –ايران الحالية -  وحتى الكورد في بعض الاجزاء المحتلة من كوردستان – قمست كوردستان الى اربعة اجزاء بعد معاهدة لوزان 1923 بين كل من تركيا وايران والعراق وسوريا - .
ويبقى النداء الاسمى للواعين يجوب الازقة والاماكن المحترقة، والمكسوة بالدماء الزكية، الى متى ستبقون عبيداً للعنتريات التي يطلقها هولاء الذي لم يبيعوا اوطانكم فحسب، بل باعوكم انتم وباعوا قضاياكم وحياتكم لتلك الاجندات المتحكمة بهم، أ ليس الوقت قد آن لتؤمنوا بأن القضايا لم تعد تُحل بالولاء الاعمى، والانصياع الاعمى، ولا باتباع العنتريات، أ ليس الوقت قد آن لتعرفوا بأن عصر العنتريات قد ولى من غير رجعة..؟.


4
سيادة الدولة في الشرق الاوسط بين الوهم والواقع
جوتيار تمر / كوردستان
12-1-2020
اتسمت هذه الفترة من تاريخ منطقة الشرق الاوسط بصورة عامة والعراق بصورة خاصة بالمزيد من التوترات التي احدثتها التدخلات الواضحة والصريحة للقوى الاقليمية والدولية بشؤون دول المنطقة بشكل عام ودون حصر بالاخص تلك الدول التي لم تزل تعيش حالة من الفوضى السياسية وفراغ سياسي سيادي لاتحسد عليه، ومع تزايد الصراع بين تلك القوى الخارجية على دول المنطقة، اوجبت العملية العسكرية التي قامت بها الولايات الامريكية المتحدة تجاه بعض قادة الشيعة التابعين للحرس الثوري الايراني والحشد العراقي الشيعي الموالي تماماً لايران، اوضاعاً خاصة، حيث بلغ التوتر اقصاه، وتلى ذلك تصريحات وتهديدات ايرانية والاحزاب والمليشيات التابعة لها سوى داخل ايران او وخارجها لاسيما في كل من العراق وسوريا ولبنان وحتى اذناب ايران في فلسطين " حماس " ، فضلاً عن الموقف الدولي الذي وجدناه غير متوافق وغير واضح فيما يخص شرعية العملية لانها بلاشك ارضت الكثير من الدول باعتبار انها قضت على احد رموز الارهاب في المنطقة ككل، كما انها قصت اجنحة الحشد الشيعي العراقي وجعلت قادته الباقين يعيشون حالة من الفزع والذعر، ولم يكن خافياً على احد بأن تلك العملية كانت ردة فعل امريكية طبيعية تجاه ما كان قد قام به بعض قادة الحشد الشيعي والموالين لهم بالتوجه الى السفارة الامريكية في بغداد واقتحامها ، فكان ان جاء الرد الامريكي بشكل اكثر فعالية واعمق واكثر تأثيراً ليس فقط على العراق انما على ايران واتباعهم في المنطقة كلها.
نتج عن هذه التوترات عدة امور منها ماجرى داخل البرلمان العراقي الباحث عن السيادة الوطنية حيث خضع ممثلي الاحزاب الشيعية " غالبيتهم " للمنطق المذهبي الشيعي الموالي لطهران فبدل ان يبحثوا عن حلِ لمشاكل الشعب الخارج منذ اشهر للشارع في مظاهرات عارمة، وجدناهم يرددون " نعم نعم سليماني " في اشارة الى الجنرال قاسم سيلماني الايراني الذي استهدفته الطائرات الامريكية في تلك الضربة القاصمة للظهر فاردته مع ابو مهدي المهندس العراقي احد قادة الحشد الشيعي العراقي واخرين كانوا معهما، فضلاً عن قيام ايران باظهار عنترياتها من خلال اطلاق عدة صواريخ على ما سمته قواعد امريكية لاسيما في حدود اقليم كوردستان حيث اصابت تلك الصواريخ بعض الاماكن القريبة من مطار  " هه ولير " الدولي ، ومناطق اخرى بالقرب من ناحية برده ره ش الكوردية ، دون ان تسفر عن اية اصابات، كما انها اسقطت متعمدة احدى الطائرات الاوكرانية المدنية التي قضى فيها 176 شخص، وفي خضم هذه الاجواء المتوترة، والصراع المحتدم،  وجدنا الاحزاب الشيعية العراقية الموالية لايران يطالبون بعقد جلسة للبرلمان بهدف التصويت على اخراج القوات الامريكية من العراق، واجبار الحكومة العراقية على رفع مطلبهم بشكل رسمي للجهات المعنية على المستويين الدولي والامريكي، وتلى ذلك تصريحات وتهديدات  تتوعد القوات الاجنبية على ارض العراق، مع عدم نسيان بان ذلك العمل اللاسياسي – باعتباره حدث تحت ضغط ايراني صريح – احدث شرخاً في البنية السياسية والاجتماعية في العراق الفيدرالي، فكل من نواب الكورد والسنة لم يشاركوا في جلسة التصويت، مما يعني بوضوح ان الحاضرين كانوا ممن تم توجيههم من قبل ايران.
جرت كل هذه الاحداث بشكل سريع واخضعت المنطقة لقلق متزايد وخوف من ان تندلع الحرب بين امريكا وايران على ارض العراق، ولكن بلاشك ان الامر لم يكن الا مسرحية اخرى تهدف القوى الاقليمية والدولية من خلالها الى ترسيخ مصالحها بشكل اكثر على حساب شعوب المنطقة، وليس بغريب ان تخرج الشعوب للشارع ويبقى الساسة خلف المنصات المحمية ينددون ويحرضون  ويشيعون الفتنة بين اطياف الشعوب انفسها، كما انه ليس بغريب ان تخرج اذناب ايران في المنطقة لتعلن عن نفسها بشكل رسمي وتهدد الجهات التي تساند تواجد القوات الامريكية في العراق وفي المنطقة بشكل عام، منادين بحماية سيادة الوطن، والعمل على اخراج المحتلين للحفاظ على سيادة الدولة، والمناداة بالسيادة الوطنية المطلقة والى غير ذلك من الشعارات التي التحفت بها تلك الاحزاب الموالية لايران داخل العراق لتحريك الشارع العراقي، الذي وجدناه في ساحة التحرير اكثر ثبات وايمان بان هذه الشعارات لايراد منها سوى تفريغ الساحة لايران لكي تتحكم اكثر بكل موارد العراق، اي انها كانت بنظرهم كلمة حق يراد بها باطل، فمن يريد سيادة الدولة لايردد في جلسة رسمية للبرلمان نعم  لاحد قادة الحرس الثوري الايراني.
ولقد جعلتنا تلك الشعارات التي اطلقت تحت مسمى السيادة الوطنية، سيادة الدولة، السيادة المطلقة، الى النظر للموضوع بشكل اخر، ولعلنا من خلال الاسطر القادمة نعطي ملخصاً عن مفهوم السيادة، باعبتارها كما يراها " محسن افكيرين " تعتبر فكرة السيادة والاعتراف بها للدول من المبادئ المتفق عليها في ميثاق الامم المتحدة والاتفاقيات الدولية التي تصب في ذات الصدد، كم يرتبط مبدأ السيادة في قانون الامم المتحدة (القانون الدولي العام) مع انبثاق الدولة القومية الحديثة بعد معاهدة وستفاليا 1948 التي اقرت مبدأ السيادة (سيادة الدولة) باعتبار انها سلطة الدولة العليا والمطلقة على اقليمها – اي حدودها - ، اي حق الدولة في ممارسة وظائفها وصلاحياتها واختصاصاتها داخل اقليمها القومي دون تدخل من اية دولة اخرى (القانون الدولي العام)، وفي سياق الحديث عن الدولة يقول:  " محمد بلعيشة " اصبحت الدولة، وبحكم الصلاحيات الممنوحة لها، تتمتع بالسيادة التي تحدد علاقاتها بالدولة الأخرى؛ في فصل كل ماهو خارجي عن كل ما هو داخلي، واعتبرت القوانين والتشريعات التي سنتها الدول أثناء منشئها – سواء كان المنشأ ثورة أو انقلابًا أو انتقالًا- أن التدخل في شأنها الداخلي يعتبر أمرًا مرفوضًا يستدعي التصعيد والرد، وأصبح أمر التدخل في شؤون الدول، وإن خرقت المواثيق أو القوانين أمرًا صعب الحدوث، ان لم يكن مستحيلًا.( الدولة في الشرق الاوسط من القومية الى الهوية).
فالدولة بلاشك  كيان، وبناء استراتيجي، تضمن للمواطنين الأمن و الانتماء، وعبر العصور تطورت وفق متطلبات الفرد وفكره، لكن في الشرق الأوسط عصف بمفهوم الدولة وسيادتها، وساد منطق المرجعيات الدينية والعرقية، بدلًا من الدولة «الويستفالية»؛  لتشهد تصعيدًا يمكن توصيفه بالـ«حرب الباردة الشرق أوسطية»! توجهت من خلال هذه المنطلقات الجماعات العرقية والإثنية لتحمل مسؤولية بعض وظائف الدولة في تحقيق الأمن والمطالبة بالانفصال؛ وبالتالي الإنقاص من شرعية وسيادة الدولة في المنطقة ، وكما يقول "طلال العيسى": ان النظر الى مسألة سيادة الدولة وفق المذهب التقليدي يعطي الدولة حق الابتكار المطلق على اقليمها وشعبها دونما رقيب ولاحسيب على هذه السيادة ولكن الاخذ بالمذهب الحديث المعاصر الذي ينظر الى فكرة السيادة بواقع ما يشهده العالم من متغيرات بدأ يفرض نفسه حيث لم تعد هذه السيادة مطلقة بل على الاغلب لاتزال كذلك فقط على الاوراق او في نصوص المعاهدات والاتفاقيات الدولية بمعنى ان هذه النصوص مع مرور الزمن ماتت واصبحت مجرد حبراً على ورق، حيث نجد في ميثاق الامم المتحدة ابرز مظاهر التدخل في شؤون الدول والتي تحد من السلطات والصلاحيات السيادية للدول الذي جعل صلاحيات واختصاصات هذه المنظمة تشمل بالاضافة للنواحي السيادية والامنية والمجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها التي كانت تعتبر تقليديا من صميم الاختصاص الداخلي للدول ، ولقد استخدم حروشيوس مفهوم السيادة في كتابه قانون الشعوب ليدلل ان كل دولة تملك قرارها بنفسها وبذلك تصبح الدول متساوية السيادة وبذلك اكد على ان الدولة لها الحق في شن حروبها بدون مبرر او التنازل عن جزء من اقليمها او ضم اقليم من دولة اخرى وكل ذلك يعتبر هملاَ مشروعا في ظل مفهوم السيادة المطلقة، والواقع ان فكرة السيادة تقوم على انها مفهوم قانوني سياسي، بالمقصود بالسيادة : ان الدولة هي التنظيم السياسي الاجتماعي الذي يحق له وحده دون غيره ان يحتكر ادوات القوة التي يحتاجها، بما في ذلك ادوات القمع والاكراه لفرض سلطته على مجمل الاقليم الذي يشكل حدوده السياسية، وعلى الافراد الذي يقطنون هذا الاقليم.( السيادة بين مفهومها التقليدي والمعاصر).
على الرغم من وجود قوانين خاصة ومفاهيم سياسية خاصة تؤكد على وجود ما يسمى بسيادة الدولة، الا ان تلك المفاهيم وتلك القوانين ليست الا غطاء واضح للدول اصحاب المصالح  في المنطقة للتدخل بشكل واضح وتحت غطاء قانوني في شؤون الدول الاخرى، حيث ان هذه المفاهيم غير المتوافقة بين ما هو تقليدي ومعاصر، وبين ما هو مكتوب وما هو ماقعي ملموس، جعلت الشعوب تعيش حالة من الهذيان السياسي ولم تعد تعرف بشكل واضح ما هو سيادي مستقل وما هو سيادي مصلحوي وما هو سيادي تابعي، وبذلك دخلت شعوب المنطقة باكلمها في دوامة من موجبات المصطلحات التي لاتخدم سوى مصالح القوى الاقليمية والدولية دون اية اعتبارات لشعوب المنطقة، وهذا ما فرض وجهة نظر اخرى، حيث وجهت انتقادات كثيرة الى نظرية السيادة، حيث نجد بان هناك من يدعو الى استبدال مصطلح السيادة بمصطلح الاستقلال، فقد ذكر" هاشم بن عوض" ان السيادة مصطلح غير قانوني ولايشير الى اي معنى ثابت، ولكنه تعبير عاطفي بشكل كلي، كل شخص يعرف ان الدولة ذات سلطة، ولكن التأكيد على السيادة يؤدي الى المبالغة في سلطتها وتشجيعها على اساءة استخدامها.( السيادة بين مفهومها التقليدي وظاهرة التدويل).
وحين ننظر الى دول المنطقة من هذا المنظور الاستقلالي نجد عمق الهوة بين ما هو مدون ورقياً وبين الواقع العياني، فالعراق كأنموذج لايمكن ابداً ان نؤمن باستقلاليته لا ورقياً ولا سيادياً ولا واقعياً، لكونه ليس الا مستعمرة ايرانية من جهة، وساحة نزاعات بين القوى الاقليمية والدولية من جهة اخرى، ويفتقر الى اي نوع من انواع السيادة، فقراره السياسي ليس بيده، وتشريعاته لايتم تصديقها الا بمباركة اقليمية او دول ذات المصلحة، بل حتى انه يمكن ان نرى انموذجاً اخراً داخل ما يسمى بالسيادة الوطنية العراقية وهو ان العلاقات الخارجية التي تتبناها لاتقف على حاجات الشعب انما بما تفرضه عليه القوى الاقليمية كتركيا وايران، وهذا بالضبط ما حدث في موقف حكومة بغداد تجاه اقليم كوردستان أبان عملية استفتاء استقلال كوردستان 25-9-1917، حيث وافقت بغداد على دخول القوات التركية لعمق اراضي الاقليم التابع دستورياً لبغداد لضرب حزب العمال الكوردستاني المنتشر بشكل كبير في المناطق الحدودية، بالمقابل  ان تعلن تركيا معاداتها للاقليم والاستفتاء، في حين موقفها مع ايران واضح حيث ان الاخيرة وافقت على اغلاق المنافذ كلها بطلب من بغداد، بالطبع الامر ليس لان ايران خاضعة لبغداد ولكن لانها التي تعمل على وضع المسار الذي يجب ان تسير عليه بغداد، وبالتالي فان مفهوم السيادة المطلقة او الوطنية " الاستقلالية"  لم يكن موجوداً في اية مرحلة من مراحل تاريخ العراق المعاصر، لانها لم تكن  سوى اوامر خارجية تطبق داخل اروقة السياسة العراقية، وهذا ليس رأي شخصي انما هو واقع ملموس والناظر بعمق وبدون مذهبية او طائفية او عرقية قومية سيرى مدى خضوع العراق تحت تأثيرات هذه الجهات الاقليمية والدولية.
ولهذا نجد من حدد ماهية  "ميثاق مناحي العيساوي" الخرق السيادي الوطني وبحسب المفهوم السياسي من خلال ثلاث طرق: وهو إما اختراقها عن طريق الإغواء “من خلال توقيع الاتفاقيات السياسية والأمنية والاقتصادية والتحالفات العسكرية” وهذا مايحدث حالياً، أو اختراقها بالقوة العسكرية والأمنية “من خلال القوة الصلبة” كما حصل للعراق عام 2003، أو عن طريق اختراق مكونات الدولة الوطنية نفسها من الأسفل والتحكم بقواها الداخلية، وهي السياسة ذاتها التي تتبعها اليوم كثير من الدول الإقليمية ودول الجوار في العراق وسوريا، سواء من خلال دعمها للفصائل أو الحركات الداخلية المسلحة أو غيرها؛ من أجل أن تكون أداة سياسية وعسكرية متحركة وفقاً لأهدافها البراغماتية، وهذا الاختراق الأخير لمفهوم السيادة الوطنية يعد من أخطر أنواع الاحتلال الداخلي؛ لأنه يرتبط بروابط دينية أو مذهبية أو عرقية، مما يهدد الطيف الاجتماعي، ويضرب عملية الاستقرار السياسي في العمق.  (مستقبل السيادة الوطنية في ظل سياسة التحالفات والحرب على الارهاب).
والملاحظ لهذه لمفاهيم المطروحة حول السيادة الوطنية او سيادة الدولة سيجد بأن غالبية دول الشرق الاوسط تعيش تناقضاً واضحاً بين ما هو مدون في دساتيرها، وما هو مدون دولياً واقليمياً حول مفهوم السيادة الوطنية، وبين ما تقوم هي به من اعمال سياسية تذهب في كل اتجاهاتها الى الخضوع لمنطلق المذهب الديني او النزعة القبلية القومية، فكلما اشتدت الاوضاع داخلياً حتى تبرز الاصوات الخارجية التي تحرض اجنداتها الداخلية للقيام باعمال تعسفية تجاه المكونات الاخرى سواء من خلال تهميشها او محاربتها لكونها تطالب بحقوقها الدستورية المشروعة، او حتى من خلال ضربها بالقوة العسكرية، وبالتالي ينتج عن ذلك فوضى عارمة تهدد كيان الدولة الفاقدة في الاصل لسيادتها، وتهدد السلام المحلي والاقليمي والدولي معاً، فضلاً عن ظهور مدى ترابط القوى المنتهكة لحقوق السيادة الوطنية وتحالفاتها وتوحيد مساعيها وخطابها السياسي المعادي للمكونات الاخرى الرافضة للخضوع والتذليل، والداعمة للاستقلالية والحرية ، ولعل خطاب حسن نصرالله الايراني قبل ان يكون اللبناني وهجومه على حكومة اقليم كوردستان وعلى احد قادة الكورد البارزيين " البارزاني " ليس الا دليل محكم على تخبط هذه القوى " الموالية لايران " الخارقة لسيادة الدول الاخرى، والساعية لزعزعة اوضاع المنطقة ( لبنان – سوريا – العراق – اليمن )، كما انه دليل على فقدانهم لكل مقومات المقاومة الوطنية الحقيقية، وتمسكهم فقط بالخطابات والشعارات المحرضة التي لاتسمن ولاتغني عن جوع ، ونجد في رد حكومة اقليم كوردستان على نصرالله الايراني اللبناني ما يثبت الخرق السيادي الذي تمتهنه هذه القوى الموالية لايران " انك يا من لاتجرؤ على رفع رأسك خوفاً من اعدائك، مالذي يجعلك تتحرش بشعب لارابط يربطك به.."، موضحاً ان الرئيس بارزاني هو رمز صمود أمة وانت ايها الرعديد اصغر بكثير من أن تتطاول عليه..".


5
تظاهرات سلمية ام ثورية..؟
جوتيار تمر/كودرستان
5/12/2019
تعد المظاهرات السلمية احدى اهم انواع الاحتجاجات الشعبية كما يذهب اليه اسماعيل محمد البريشي في دراسة له عن المظاهرات السلمية بين المشروعية والابتداع، والتظاهر من حيث اللغة  كلمة مأخوذة من الظهير وتعني العون،واصطلاحاً تعني تجمع او سير عدد من الاشخاص بطريقة سلمية في مكان او طريق عام، بقصد التعبير عن رأي او الاحتجاج او المطالبة بتنفيذ مطالب معينة ومحددة، والتظاهر السلمي يعد احد ابرز الاساليب التي تستخدم للتغيير السلمي،  وعلى هذا الاساس هو تعبير جماعي عن الرأي، يهدف الى الضغط على جهة معينة، من اجل تحقيق مطلب معين، وقد تكون الغاية من التظاهر او الاحتجاج على او تأييد موقف او قرار معين، وحق التظاهر في المواثيق الدولية والقوانين المحلية امر منصوص عليه وفق مواثيق حقوق الانسان الدولية باعتباره جزء من حق التعبير عن الرأي او المشاركة السياسية، وقد اقرت اغلب دول العالم بحق التظاهر السلمي، والخلاف بينها هو في طبيعة القوانين المتعلقة بحق التظاهر السلمي، هل تنظم هذا الحق فقط، أم تلغيه فعلياً، كما يؤكد ذلك د.صبري محمد خليل في مقال له عن التغيير السلمي.
وتتفق اغلب المصادر القانونية ان السلمية  والتي تعني  - المسالمة -  كما وردت في معجم المعاني، وهي عقيدة تنفي اي مبرر للحرب وتعتبر ان كل النزعات بين الامم يجب ان تحسم بطريقة سلمية ، تعد ركن اساسي من اركان التظاهر، والسلمية بدورها تتخذ معايير  خاصة تجعل من المظاهرات قانونية لاسيما في الدول الديمقراطية، فمثلا ان يلتزم المتظاهرون بالامكان الخاصة بالتظاهرات التي لاتعيق سيرورة الحياة اليومية للافراد غير المتظاهرين ولا حتى المؤسسات الخدمية ولاتعطل الطرق ولاتخدش حياء الافراء بالفاظ نابية، كما انه من الضرورة ان تتوفر في اماكن التظاهر جميع المرافق والمسلتزمات التي لاتجعل من اماكن التظاهرات خراباً وموبؤة.
ومن الشروط الضرورية في التظاهرات السلمية في الدول الديمقراطية ان لاتؤثر في الاستقرار  والامن العام، وتكون بشكل حضاري ، والملاحظ في التظاهرات الشرق اوسطية بصورة عامة باستثناء تظاهرات لبنان الاخيرة، انها تسبب في اتلاف المال العام والخاص، حيث تتعرض بعض المؤسسات وبعض المقرات المخصصة للاحزاب السياسية وحتى بعض المحلات العامة للاتلاف كما انها تعيق مظاهر الحياة العامة من خلال اجبار بعض اصحاب المحلات لغلق محلاتهم خوفاً من استغلال التظاهرات والهجوم عليها وسلبها، وكذلك غالباً ما تسبب المظاهرات في تعطيل الطرق وحركة الجسور المؤدية الى المؤسسات الحكومية سواء الخدمية او غيرها، وبالتالي انها ترسم صورة سئية للدولة بسبب الامور التي ترافق التظاهر من حرق السيارات وحرق الاطارات وسد الطرق بالحواجز الكونكريتية ووالصخور والنفايات.
وبذلك لايمكن تصنيف تلك التظاهرات ضمن اية اعتبارات اصطىلاحية سياسية دولية او قانونية، غير انها تسبب الفوضى، فلاهي قادرة على البقاء ضمن الدوائر القانونية للتظاهر، ولا هي ثورة ، ففي علم الثورات يتم تعريف الثورة السلمية – كما ورد عن منظمة الحريات للتواصل بين موظفي قطاع العدل بالمغرب - على انها فعل مقاوم هدفه انهاء الاستبداد ويعتمد على المقاومة المدنية بهدف سلب السلطة قدرتها على اخضاع الشعب وذلك بدفعه للخروج للمطالبة بحقوقه واظهار العصيان المدني وايضاً سحب دعمه للنظام الحاكم، وفي اية دولة او مجتمع لاتستمد السلطة شرعيتها الا من خلال الدعم الشعبي لها، وذلك بعيداً عن العنف الذي يمثل اساساً في الهجوم العسكري وحرب العصابات والاغتيالات، ومن المفارقة ان نلامس بأن الشعوب الشرق اوسطية على الرغم من انها تدعي بانها تقود تظاهراتها سلمياً وبعيداً عن العنف الا انها سرعان ما تنخرط في اعمال التخريب من حرق السيارات واغلاق الطرق واستخدام الالفاظ النابذة والى غير ذلك، والمفارقة ايضاً انها في الغالب تخرج لمطلب صريح ومحدد، وسرعان ما يتحول ذلك المطلب الى مطاليب اخرى جزئية متفرقة تؤدي بالتالي الى عدم وجود نمط مستقر في الرؤية التظاهراتية ضمن دوائر ثابتة واهداف محددة، لكونها حتى حين تحصل على المطلب الرئيسي والذي خرجت في الاساس من اجله نجدها تستمر  في حركة العصيان ونفسر مطاليبها بتفسيرات اخرى تكون معقدة على المستوى السياسي باعتبار ان الدولة بسلطتيها التشريعية والتنفيذية لاتكون قادرة على تنفيذها لانها ستؤدي بالدولة الى السقوط ولايمكن تشكيل حكومة وطنية كما ينادي المتظاهرون بشخصيات لاتملك الدعم السياسي والمالي داخلياً واقليمياً ودولياً، لان الدول في الاساس قائمة على اعتبارات وطنية في قوالب دولية مكبلة بسلسلة من القوانين الدولية والمعاهدات التي ترسم لها ملامحها وقيمتها ككيان وسيادة.
على هذا الاساس يمكن النظر الى التظاهرات في الشرق الاوسط بصورة عامة وفي العراق الان بشكل خاص على انها خاضعة لتناقضات مطاليبية من جهة، ولضغوطات قانونية من جهة اخرى، فالتناقض في المطلب الاساسي الذي كان اسقاط الحكومة واستقالتها تحول الى  مطلب شعاراتي لايمكن تحقيقه على ارض الواقع، لانه في الاصل لا العراق ولا اية دولة اخرى في المنطقة كلها تمتلك تلك السيادة المطلقة بعيداً عن التدخلات الخارجية المتمثلة بالمنظومة الدولية ومصالح تلك المنظومة في المنطقة، لذا فان شعار نريد وطن امر اعتقد بانه أُطلق لاثارة العواطف الجياشة للشعب بالاخص الشرائح العاطلة عن العمل والشرائح المهمشة التي تنظر الى السلطة على انها السبب في ما هم فيه من فقر وبطالة وضياع، فتتحول تلك المشاعر الى عداء واضح تجاه الحكومة نفسها وقياداتها، ومن ثم الى الجهات الموالية والداعمة للحكومة داخلياً وخارجياً، فداخلياً تتجه انظار المتظاهرين الى المراكز والمقرات والمؤسسات الحزبية واحياناً الحكومية حيث تحرق وتنهب وتؤدي بالتالي الى وقوع ضحايا بين الجانبين، وخارجياً تتجه الانظار الى اكثر دولة مؤثرة على القرار السياسي الداخلي وتتدخل بشكل مباشر في سيادة الدولة فيبدأ المتظاهرون بالتنديد بها والمطالبة باخراجها من الدولة.
وهنا تبرز مفارقة اخر ففي حين يحتاج التغيير بالعنف بشكل اساسي للقدرة الجسدية والتفوق المادي فانه بالمقابل يحتاج التغيير باللاعنف الى الذكاء العقلي والتفوق الاخلاقي، فبالعقل يمكن ابتكار وسائل متجددة وضرورية لرفض النظام القائم المستبد، بينما يضمن التفوق الاخلاقي على الخصم اتساع تأييد الشعب وكسب التعاطف الدولي، فتتحول الثورة السلمية بخطوطها العريضة الى موضوع دولي وتدخل دولي اممي وفق القوانين المتفق عليها دولياً، والغريب في الامر انه لحد الان لم ترتقي التظاهرات الى مستوى الثورة بل ان الطبقة المثقفة والواعية والسياسية المعارضة نفسها لم تتفق على اطلاق تسمية موحدة على ما يحدث في العراق بالذات فبين قائل بالثورة واخر يردد شعار المتظاهرين نريد وطن واخرون يرون بان اسقاط الحكومة وتشكيل اخرى من الشعب داخل ساحة التحرير والى غير ذلك من الاقاويل والطروحات التي اطلقت خلال هذه الفترة حول التظاهرات في العراق.
وكوجهة نظر شخصية كان من المفروض ان يتم تكثيف العمل وفق آليات مقننة يتم من خلالها توجيه التظاهرات لهدف اساسي ومحدد وعدم السماح للتأويلات العامة ان تفسد الصورة الحقيقية التي خرجت من اجلها التظاهرات وهي استقالة الحكومة واعطاء المجال لتشكيل حكومة جديدة وفق الدستور والفترة المنصوص عليها دستورياً مع التأكيد على السقف الزمني المحدد لتشكيل الحكومة بعد الانتخابات ودون انتظار المخاصصة والمحاصصة كي تحكم على الواقع السياسي من جديد، فضلاً عن جعل قانون التظاهر سلاحاً بيد الشعب لتهديد اية سلطة مستبدة، والعمل على نشر الوعي بين الجماهير بالابتعاد عن ما يعكر صفو التظاهرات قانونياً وضلك من خلال التأكيد على العمل المدني، فضلاً عن التأكيد بأن الشعب مستعد للخروج مرة اخرى اذا ما وجد بأن التدخل الخارجي والدعم الخارجي لجهة معينة هي التي حسمت امور تشكيل الحكومة.
ولكي يتحقق كل هذا على الجماهير الشعبية ان تؤمن بقدرة بلدها على الدخول في هذا المعترك السياسي وفق اسس حضارية، وهذا لايتطلب الوعي فحسب بل تقنين التظاهرات كي لاتكون سلاحاً بيد احزاب سياسية معارضة تحرك الجماهير متى ما شاءت، لذا فانه من الحكمة ان تعي الجماهير بان ممارسة حقوقها السياسية يجب ان تكون من خلال قنوات شرعية، فالقانون يكون هو الحكم، وان العدالة لاتقف عند باب اصحاب النفوذ والمال والسلاح، وانها لاتفرق بين جميع فيئات الشعب، كما يذهب اليه شادي طلعت في دراسته عن معنى التظاهر واركانه، فضلاً على ان يشمل قانون التظاهر تحديد اماكن خاصة كي لاتعطل الحياة اليومية المؤسساتية والفردية، على ان تكون تلك الاماكن مجهزة لاغراض ومتطلبات التظاهر، بالاضافة الى ان تعي الجماهير بأن تتظاهر وفق دوائر ومطاليب محددة وان لاتتأثر عاطفياً بالشعارات التي يطلقها البعض لربما هي في الاصل تأتي لاثارة الشغب والتخريب مما يمهد للسلطة بأن تستخدم العنف والسلاح تجاه المتظاهرين مدعية بان تلك التظاهرات خرجت عن مسارها واصبحت تهدد الامن القومي، وحين يتعلق الامر بالامن القومي فانه لاقوة ستردع تلك الحكومات من استخدام كل الوسائل لاسكات الاصوات والقضاء على من تراها تعارض سياستها، ومن جملة القوانين التي يفترض ان تلتزم بها المظاهرات هي ما يتعلق باحترام الاجهزة الامنية والشرطة لحقوق المتظاهرين طالما هم محافظون على القوانين المتعلقة بحق التظاهر، ولعل التأكيد على اهمية التزام التظاهرات بالسلمية فعلاً وقولاً، ضرورة قصوى، بحيث لاتتعرض للمؤسسات الحكومة ولاتقوم بحرق مراكز الاحزاب حتى وان بدت لها احزاب فاسدة ناقمة حاقدة، فاتلاف المال العام يعد قانونياً امرً دافعاً للسلطات باستخدام القوة تجاه المتظاهرين، وحتى القيام بالكتابة على الحوائط والمحالات العامة والاماكن الحكومية امر يستحسن الابتعاد عنه لانه قانونياً يدخل تحت سقف اتلاف المال العام، والابتعاد عن اتلاف مال عيني للدولة او للافراد امر حضاري ويساهم في خلق صورة حضارية للمتظاهرين امام الرأي العام العالمي وبالتالي من خلال تلك المظاهر يمكن للمنظمات والقوى الانسانية التحرك من اجل دعم حق المتظاهرين فعلياً، اما غير ذلك فانه يتم تقييد تلك المنظمات والقوى الانسانية من التحرك، لان في الاصل التظاهرات تعد خارجة عن القوانين المسننة دوليا، ويعتبر اي تعامل للسلطات مع تلك التظاهرات امر داخلي.


6
لماذا لاتتوافق الوطنية الشرقية مع القومية
جوتيار تمر / كوردستان
15-10-2019
يثير مفهوم كل من الوطنية والقومية جدلاً واسعاً بين الاوساط الثقافية العامة، وعلى الرغم من الصعوبات التي تعتري طريق اي باحث للوصول الى مفهوم حتمي ومطلق لكل من الوطنية والقومية، الا ان السياقات العامة لشرح وتفسير وتوضيح معالم المفهومين تساهم ولو بشكل نسبي الى فرض ايديولوجية مقننة ومقنعة الى حد ما عنهما، مع الاعتراف بعدم التعميم والفرض القسري لذلك، لان حالة الاختلاف في الاراء وحتى الدراسات الاكاديمية لم تستطع ان تفرض ذلك اجمالاً.
تُقر الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية والاستراتيجية اثناء تعريفها لمفهوم القومية على تنوع واختلاف الاراء والدراسات والبحوث حول مفهوم القومية، الذي يعتبر من المفاهيم التي برزت الى الوجود مع عصر النهضة، بعد ان اضحت الدول القومية هي الوحدات السياسية الفاعلة مع المحيط الدولي، وعلاقاته المتصارعة، اذا لم تفلح جهود الباحثين التي بذلت خلال قرن كامل في دراسة القومية والتي هي حسب راي بويد شيفرد" نوع من الولاء للجماعة، يحرك الانسان ويحفزه الى ابعد حد ممكن"،  في الوصول الى تعريف دقيق مقبول لها، فضلاً عن ذلك فقد ظهرت حول القومية العديد من النظريات التي اوضحت اراء مختلفة حول سبب الخلاف بشأنها وبذلك لا يوجد اتفاق قطعي مطلق ايضاً بشأن اسباب الاختلاف حول مفهوم القومية.
اما ما قد يتفق عليه بصورة عامة ، هو ما يمكن ان يكون حول شكل القومية النسقي تاريخياً باعتبارها تقدم اولوية لادعاءات الولاء الفردي والسيادة الكاملة كهدف دائم لبرنامجها السياسي، وعن ذلك يذهب ميستشافيك نيناد في نص له حول نظرية القومية وتعريفها وانواعها وعن الجدل الاخلاقي حولها، الى انه يستعمل لفظ القومية عموما لوصف ظاهرتين، الاولى: موقف اعضاء أمة ما حين يهتمون بهويتهم القومية، والثانية: الحراك الذي يتخذه اعضاء امة ما في السعي لتقرير المصير او الحفاظ عليها، تتجه الظاهرة الاولى الى مفهوم الهوية الوطنية والتي يقول عنها ميستشافيك بانها تعرف غالبا باعتبار الاصل المشترك او الاثنية او الروابط الثقافية، وخصوصا عما اذا يجب اعتبار عضوية الفرد في وطن ما ارادياً ام غير ارادي، اما الظاهرة الثانية فتثير اسئلة عما اذا يجب فهم تقرير المصير على انه يتضمن امتلاك دولة معترف بها مع سلطة كاملة على القضايا الداخلية والخارجية، ام ان المراد شيء اقل من هذا الاعتبار.
تلك الاشارات تحيلنا الى اهمية البحث عن تعاريف اخرى للقومية، لادراك مدى التفاوت والتعارض بين الرؤية المقدمة حولها من قبل الاكاديميين والمختصين، فالقومية عند البعض هي فكرة سياسية، وجهة نظر فلسفية ترى انه توجد لكل شعب قومية هوية مشتركة، ويوجد لها حق في ان تكون لها دولة خاصة بها، وبذلك فانها – القومية – مجموعة ذات خصائص متجانسة ومميزة، تتطلع الى تجسيد حقها في تقرير المصير ضمن دولة سيادية وفي رقعة ارض محددة، وذلك بخلاف بعض المجموعات الاثينة التي لاتتطلع الى اقامة دولة خاصة بها.
وهنا يتم اثارة العديد من التساؤلات التي يمكن استنباطئها من التعريف السابق لاسيما فيما يتعلق بالتقسيم الحاصل حول الجماعات الاثنية، الاولى الساعية لتحقيق حق المصير، والثانية التي لاتتطلع لتحقيق ذلك، حيث تفرض علينا البحث عن الرؤية الاجمالية التي تعطي الحق للبعض في المطالبة بحق تقرير المصير والبعض الاخر عدم الحق، وهذا ما يتوقف في الاصل على المجموعات الاثنية التي توجد لها اسس انتمائية فقط فان للقومية اسس انتمائية ومكتسبة ايضاً، يمكن للهوية المشتركة لابناء القومية الارتكاز الى اساسين: اثنية ثقافية وسياسية مدنية اي اسس اثنية واسس سياسية، وبذلك تشير احدى الدراسات ان القومية ترتكز على اساسين: الاول هو الاعتراف والرغبة في العيش المشترك لابناء القومية " الاعتراف والوعي " ، والثاني الرغبة في اقامة دولة ذات سيادة لابناء القومية، والاساسين في حالة الشرق تكاد تكون معدومة تماماً، لانه لايوجد في الاصل اية ادعاءات نابعة من القيم الاخلاقية البعيدة عن التسلط والقسرية حول امكانية العيش المشترك عبر الاعتراف بالاخر ووعي وجوده بعيداً عن الاستغلال والتهكم والسخرية والتنقيص من اهمية وجوده باعتباره كيان اثني تاريخي متزامن مع وجوده او في الاصل سابق لوجوده في منطقة استيطانه الاصلي غير المكتسب مثل المتسلط، وهذا ما يحيلنا بالتالي الى مفهوم اخر وهو ما يتعلق بالوطن الذي يتعلق بقضية القومية في شكلها العام وذلك عبر تحديد معالم الفضاء بين المجال الاثني – الثقافي ويشمل الجماعات الاثنية الثقافية او الامم، وبين مجال التنظيم السياسي،حيث تعتمد الاسس الاثنية- الثقافية على مقومات الاصل، اللغة، الثقافة والتاريخ واحيانا على الدين المشترك ايضاً، حيث ان هذه المقومات هي ما تميز قومية عن مجموعة اخرى.
وبالتالي فان ادراك معالم القومية ضمن الاطر المتاحة لاتتم عبر اثارة المفاهيم الوطنية واقعياً، انما عبر اشكاليات اخرى من وعي وتقبل حق الاخر في اقرار مصيره طبعاً وفق منطق الرغبة في تحقيق ذلك، وهذا ما يمنحنا فسحة للبحث عن مجموعة اطروحات نافذة تخدم الرؤية والمفهوم والتي تؤكد عليها الدراسات الاكاديمية حول القومية ومفاهيمها ، ومن تلك الاطروحات ماتذهب الى الطرح من منطلق القيمة الداخلية، اي اللغة والعادات والتقاليد والى غير ذلك، ومن ثم الطرح من منطلق الازدهار، وهذا يتوقف على المجتمع الاثنوغرافي ومدى قابليته للتطور والازدهار، ومن ثم الطرح من منطلق الهوية والفهم الاخلاقي لاسيما فيما يتعلق بقيم المساواة والعدالة وكذلك من منطلق التنوع اي الاندراج ضمن المساهمة الفعلية للثقافة العالمية، والى غير ذلك من الاطروحات التي تساهم بشكل واخر لفرض رؤية واضحة حول الاشكاليات التي تمنح كل من القومية والوطنية مسارات متباينة وفق تداعيات واضحة المعالم لاسيما فيما يتعلق بالمرتكز القائم على الاثنو-ثقافي، وليس القومي-السياسي.
لانه اذا ما ارتكزت هوية دولة ما بصورة رئيسية على اسس اثنية مشتركة مثل التاريخ والثقافة واللغة والاصل او حتى الدين احيانا فاننا نطلق عليه اسم دولة قومية اثنية ثقافية، في حين اذا ما ارتكزت على اسس سياسية مشتركة، مثل القيم، المبادئ والولاء للدولة القومية السياسية، فاننا نطلق عليها اسم دولة قومية سياسية.
وعلى هذا الاساس فان معرفة  انواع القوميات التي يتفق عليها مجموعة من الاكاديميين والباحثين بشأن قضايا القومية والقوميات الاثنية، لربما تساهم في فتح اعين بعض الدول ذات السيادة القمعية للاثنيات المطالبة بحق تقرير المصير، ومن تلك الانواع ،القومية الكلاسيكية : وهي البرنامج السياسي الذي يرى بان الخلق والحفاظ على دولة ذات سيادة كاملة ملك لجماعة اثنية – شعب أو امة – كواجب أولي لكل اعضاء الجماعة، كما ان الالتزام بالثقافة الاثنو قومية المتعارف عليها في كل القضايا الثقافية هي من الواجبات الضرورية,والنوع الاخر القومية الكونية: وهي البرنامج السياسي الذي يدعي بأن على كل جماعة اثنية قومية ان تمتلك دولة شرعية وعليها تعزيز مصالح تلك الدولة، اما النوع الثالث القومية التخصيصية: هو البرنامج السياسي الذي يدعي بأن يجب على امة اثنية قومية ما ان تحصل على دولة خاصة بها، دون ان يشمل الادعاء نفس كل الامم الاثنية.
وعند النظر الى السياقات العامة لطرح انواع القوميات فاننا بصدد رؤية واضحة حول ما يحدث مثلاً  للكورد ضمن الدول التي تسيطر اولاً على الموطن الاصلي "للقوم"، ومن ثم حول السياسة التي تمارسها هذه الدول تجاه رغبة الكورد كأنموذج عام للقوميات والاثنيات في الشرق الاوسط في تحقيق حق تقرير المصير، لاننا اعلامياً نجد بأن غالبية هذه الدول تؤمن بهذه المفاهيم وهذا التقسيم حول انواع القوميات وقد تفرض دراستها في مناهجها الاكاديمية، ولكنها في الحقيقة تمارس بحق الاثنيات – القوميات الاخرى التخصيص، حيث تعطي لنفسها حق الحذف او الازالة، وذلك بعدم السماح لها بالمطالبة بحق تقرير المصير، كما حدث مع الكورد في العراق بعد مطالبة الكورد بحق الاستقلال عبر اجراء استفتاء استقلال كوردستان في 25-9-2017، وبالطبع هذا الرفض نابع من اولويات مقننة سابقة تاريخياً حيث تعطي السلطات الحاكمة " الدكتاتورية " الحق لنفسها باستبعاد جماعة اثنية عن حق المطالبة بانشاء كيان مستقل، واعطاء جماعة اثنية اخرى الحق في انشاء كيان مستقل، كما حدث بعد مؤتمر سيفر ولوزان المعروفين للعالم، كسابقة تاريخية حيث اعطي للحجاز العربي وللارمن الحق واستبعد الكورد من المعادلة " الحق " في اقامة كيان مستقل والحقت الكورد بمنظومة القوميات الجائرة.
وفي السياق التاريخي الذي تتبناه السلطوية القومية العرقية القبلية الشرقية، فانها تستند في جملة اعمالها على تلميحات ومواقف وحوداث مكتسبة عبر تخالطها مع اوروبا، حيث قامت بانشاء رؤيتها على البقايا التي افرزتها التجارب الاوربية سابقاً فيما يخص اقامة دول قومية لقومية واحدة على ارض دولة قومية، فالشرقيون استفادوا من الممارسات الاوربية باعتبارهم اسياد الديمقراطية وقاموا باسقاط تلك الاحكام على الجماعات الاثنية التي تعيش وفق المنطق التاريخي في اماكنها الاصلية، ولكنها وفق منطق الدولة القومية السياسية خاضعة لسيطرة قوميات اخرى احتلت او استوطنت ارضها لاحقاً، وهذه القوميات الغالبة تقوم بفرض سلطتها وفق ما يتطلب حماية مصالحها " القومية " دون اية اعتبارات فعلية وليست قولية للاثنيات الاخرى صاحبة الحق ، ومن المصادر التي تستقي منها التشريعات الشرقية من الغربية ما يحدث للباسك والكتالون في اسبانيا حيث الاخيرة غير مستعدة لتتنازل عن ارض لها ليقوم الباسك باقامة دولة اثنية على تلك الارض، وكل من تركيا وايران وسوريا والعراق ايضاً لايتنازلون عن ارض الحقت بدولهم بعد تقسيمات مصلحوية اجريت دون اشراك اصحاب الحق " الكورد " فيها بعد الحرب العالمية الاولى بالذات وضمن اتفاقيات مسبقة، لايتنازلون للكورد باقامة دولة اثنية على تلك الاراضي.
اجمالاً لايمكن في الغالب والدائم احالة اسباب فشل تلك القوميات لتأسيس كيان مستقل الى ذلك السبب لوحده، الا انه لايمكن التغاضي عن كونه الاهم والابرز، لان هناك جملة اسباب اخرى تشير اليها الدراسات الاكاديمية، ساهمت في فشل تلك القوميات في اقامة دولة لهم، مثل الهجرة المتزايدة التي ادت الى دمج الشعوب، ومن ثم اهمية ادراك ماهية الفصل بين القومية والمواطنة، نظراً لان مواطني الدولة هم ابناء قوميات مختلفة او ابناء مجموعات اثنية مختلفة، حتى ان كانت هناك قومية مهيمنة واحدة.
وعلى ضوء ذلك تثير احدى الدراسات سؤالاً مهماً وهو، هل تتطلب السيادة السياسية داخل قُطر أو عليه اقامة دولة او شيئا اقل بأسا من الدولة، وتضيف بان الجواب التقليدي هو ان الدولة مطلوبة، اما الجواب الاكثر تحرراً فهو بأن شكلاً من اشكال الاستقلال السياسي يكفي، ولكن بالطبع يكون كافياً اذا ما كانت الدولة واعية للقيمة الفعلية للعنصر الاثني الاخرـ لاسيما في العدالة والمساواة والشراكة الفعلية الديمقراطية في الوطن، وكما يقول " معقل زهور عدي " يقدم المفهوم الديمقراطي حلا للعلاقة بين الوطنية القطرية والقومية، فالانتقال من الوطني نحو القومي على الصعيد السياسي لا يمكن ان يكون قسريا بل لا بد ان ينبع من ارادة شعبية ديمقراطية، والمؤسسات الديمقراطية التي تتيح ذلك الانتقال هي وحدها القادرة على حمايته وتصويبه،
وفي مقال منشور في مجلة ثوت كو الثقافية ترجمها أنس ابو عريش بعنوان لماذا يكون الانتماء للوطن اكثر اهمية وجدوى من الانتماء القومي قدم تعريفاً مقنعاً الى حد ما للوطنية : فعرفها على انها الشعور بحب الوطن، واعتبر اظهار الوطنية امراُ ضرورياً للمواطن الصالح من وجهة النظر النمطية وقد يعتبر الشعور المشترك بين المواطنين بالارتباط والوحدة هو عنصر اضافي، وهذا الارتباط يحدث عبر العِرق المشترك، او الثقافة المشتركة، او المعتقدات الدينية او التاريخ، وهذه التشخصيات الواضحة غائبة تماماً عن التشكيلات الاثنية والقومية في الشرق الاوسط بالذات، بل تكاد تكون معدومة اذا ما نظرنا اليها بعيداً عت الصيغة الشعاراتية للافكار التي تطرحها الجهات ذات السيادة السياسية المطلقة والتي تخشى انفلات الاثنيات الاخرى من تحت سلطتها، وفي السياق ذاته قدم رؤية واضحة حول الفرق بين الوطنية والقومية، واعتبر ان كل منهما يستند على قيم ومشاعر مختلفة، حيث الوطنية تستند الى قيم ايجابية حول حب الوطن مثل الحرية والعدالة والمساواة ويشعر الشخص الوطني بنظام التعاون المشترك بين المواطن والحكومة من اجل حياة افضل في دولتهم، ولااعتقد بان مثل هذا المفهوم يمكن ان يسود في اية دولة شرق اوسطية بالذات لاستنادها على القيم التي تذهب الى اثارة وادارك المخاطر التي تنجم عن استغلال مفهوم الوطنية، حين تصبح عقيدة سياسية الزامية، وعندما تستخدم من اجل اثارة مجموعات سكانية ضد مجموعات اخرى بما يقود الى تقويض القيم الاساسية للدولة، كما يحدث في السودان والجزائر والعراق وسوريا وتركيا وايران ، على النقيض من القومية التي تستند الى الشعور بالتفوق العرقي على الاخرين – النظرة القبلية والعصبية القومية للاتراك والاعراب والفرس - ، كما تستند على عدم الثقة بالامم الاخرى، وعدم الموافقة على الانضمام لها، بما يقود الى الافتراض بان الدول الاخرى او الاثنيات الثقافية الاخرى هي منافس لها، وهذا الى حد ما وصف دقيق للحالة العامة للاثنيات التي تعيش في الشرق الاوسط بصورة عامةـ حيث انها تعيش ضمن دائرة المخاطر الوطنية، والقومية، وليس ضمن دائرة المواطنة العادلة والمتساوية بالحقوق والواجبات، وذلك ما يفرض علينا الايمان بالتناقض والتعارض والاختلاف بين مفهومي الوطنية والقومية.
يشير كمال غبريال في مقال له بعنوان بين الوطنية والقومية الى الاختلاف الواضح بين المصطلحين الوطنية والقومية ويشير الى كيفية استغلال العروبيون  -كانموذج لمقالنا هذا - لهذا المصطلح كما لو كان حد الوطنية مستغرقا في حد القومية بلغة المنطق، بمعنى اخر ان القومية العربية بنظرهم تشمل اوطاناً عدة، بما يؤدي بالتبعية الى انتفاء التعارض او التضاد بين المفهومين باعتبار ان الوطنية جزءاً من كل هو القومية، ولكن المتتبع للواقع العياني ضمن الاطار العام في العالم العربي سيدرك بان سعيهم لفرض الايديولوجية الوطنية هي ليس الا غطاء لفرض الهيمنة السياسية القومية على الاثنيات الاخرى داخل دولهم والتي وبحسب المفاهيم الدولية يحق لها المطالبة بحق تقرير المصير واقامة دول اثنية لها لما تملكه من مقومات اثنو-ثقافية من جهة، ومن رغبة في اقامة دولة مستقلة، كالامازيغ في الجزائر، والفور في السودان، والكورد في العراق وما حولها، وعلى الرغم من ان المفهومين يشتركان في كليهما عبارة عن شعور واعي لدى الفرد بالانتماء الى كيان اكبر من الذات، الا ان ذلك لاينفي الاختلاف الكبير بينهما، فالوطنية  بحسب غبريال ، شعور متوهم " واعي " لدى الفرد بالانتماء الى امتداد جغرافي بكل ما يضمنه من معالم جغرافية وبشر، تربط بينهم منظومة من العلاقات على اساس الملكية المشتركة لهذا الكل المسمى وطن، وذلك عبر مفهوم المساواة في الحقوق والواجبات، ليس من قبيل المثل الاخلاقية العليا او التقوى، انما بتطبيق قاعدة المساواة واعتبار ان اي خلل في تطبيق تلك القاعدة هو خلل في ابناء الوطن. في حين ان القومية تعني انتساب الفرد الى كيان اكبر هو " القوم " اي الى مجموعة من البشر يربط بينهم رباط محدد، كالعِرق او الدين او امتلاك الموطن بالوراثة، او ما يمكن ان نقول عنه استيطان، وهي ليست علاقة مواطنة. في السياق ذاته يؤكد على الفرق بين مفهومي الوطن والمواطن، ففي حين يكون انتماء الفرد للحيز الجغرافي في حالة وطن، فان علاقة الفرد بالموطن تكون علاقة غير مباشرة، بل قابلة للتغير مادام سيظل برفقة القوم  ومثال ذلك، ضمن الاطار التاريخي العالمي المهاجرين الى امريكا الذين تحولوا من بريطانيين كانموذج الى امريكيين وساهموا في حروب الاستقلال، وفي الاطار الشرقي الانتماءات المذهبية اقصد الولاء المذهبي، فعلاقة هولاء مرافقة لمصدر المذهب وليس للدولة.
وبذلك تكون القومية قائمة على مفهوم مغاير للوطن، ويستبدله بادعاء القوم امتلاك الموطن، ذلك المكان الجغرافي الذي يستوطنه دائما افراد او مجموعات لايندرجون تماما ضمن تعريف القوم المهيمن على الموطن، تماما كما يحدث في كل من السودان والجزائر والعراق وتركيا وسوريا، وهذا ما يؤكد نقص الوعي الشرقي – العربي – بما يخص الديمقراطية، بخلاف الوعي السياسي الاوربي وسويسرا كانموذج التي تجتمع اربع قوميات كبرى على الاقل يعيشون في اندماج وتوافق كامل، بينما في الشرق الاوسط " القومية " تتبع نهج التضييق على الجماعات الاثنية الاخرى ، بل ان محاولات اضطهادهم و ابادتهم  عرقيا قائم ومستمر كما هو الحال الكورد في كل من العراق وتركيا وسوريا وايران، وفي من غير الكورد في جنوب السودان وغربه، ومن خلال طمس معالم هويتهم الاثنية والثقافية –الامازيغ - في الجزائر .


7
قراءة في نص " طيفك والليل" للاديب والشاعر الكوردي عصمت شاهين الدوسكي

جوتيار تمر

النص: طيفك والليل
عصمت شاهين دوسكي
أتوسل بالليل
أن يجلي طيف محياك رقا 
ويبيح لإحساسي
أن يكون بين يديك رفقا
مالي ابحث بين أنفاسك مناديا 
وأرجو من آهاتك رحمة وشوقا
على سريرك المعنى ترسم أحلامي
وأنا بعيد بين الجبال والشعاب
حائرا ابحث عن طرقا
*************
آه من وجع الغربة
إن تفجرت حرمانا وعذابا وحرقا
آه من ربيع بلا ورود
وجنة بلا خل ودود
وبحر لا اغرق فيه غرقا
آه من طيفك لا يتركني
عن ذكريات يُحدثني
كنتِ فيه شمسا وأنا كنتُ غسقا
تيممي جمالا وفي محراب الليل
كوني امرأة تمسي لليل عشقا
***********
أنا يا سيدتي لا أتكرر ثانية
فابحثي عني بين الروابي صدقا
كل حروفي وكلماتي العارية معلقة
يتباهى بها العشاق لهفة ورمقا
لا تحملي طيفك عبئا بلا رتوش
طيفك ينساب كالماء ريا ودفقا
أينما كنتِ بين جدران مغلقة
تفتح الأبواب أمامي رمشا وحدقا
أنا الحب والتاريخ والعشق والبحر
ومن مثلي يعشق عمقا ورقا ..؟
القراءة : جوتيار تمر
حين يتخذ العنوان" طيفك والليل" مساراً ايحائياً قصدياً يجبر المتلقي على البحث في الماورائيات، وهنا لااقصد بها الماورائيات الميتافيزيقية، انما الماورائيات الصورية والمشهدية التي يمكن من خلالها نسج خيوط الصورة لاسيما حين تكون الخيوط في الاصل وجدانية قابلة للتعددية التأويلية والتخيلية، وهذا ما يدفعنا الى تقطيع العنوان الى ثلاث مشاهد تكاملية تعمل على استكمال الرؤية او النسج الصوري بدقة " طيف" حيث لامجال الا للتخييل حول ماهية الطيف ومحاولة التنصص من السؤال البديهي حول الاطياف انفسها خارج الادبيات، ولكن الجواب هنا لايتوقف على المسلمات التي يمكن ان يبحث عنها المتلقي في الكتب لانه موجود في " ك " التي الحقت بالطيف لتصبح الرؤية واضحة، بعمقها الوجداني التخيلي، فالشاعر هنا يناجي ملامح محفورة في وجدانه، لذا تعيش الذات مرحلة التجميع وليس البحث، لاسيما ان الشاعر الزمنا بجغرافية زمنية محددة " الليل " حيث تم عطف " طيفك" عليها ، فجعلنا نركب الصور الاجمالية للعنوان ونعيش التخييل وفق معطيات الشاعر الوجداني الذي يناجي طيف الحبيبة في الليل حيث السكون يجمع بين ملامح الصورة المنشودة والوقت الذي يناجي به الشاعر حبيبته وطيفها.
أتوسل بالليل
أن يجلي طيف محياك رقا 
ويبيح لإحساسي
أن يكون بين يديك رفقا
مالي ابحث بين أنفاسك مناديا 
وأرجو من آهاتك رحمة وشوقا
على سريرك المعنى ترسم أحلامي
وأنا بعيد بين الجبال والشعاب
حائرا ابحث عن طرقا
للمناجاة هنا مدخل بلاغي واضح " أتوسل " ، والجمع بين التوسل والليل امر مرهف، وحساس ، لاسيما حين يكون الشاعر على يقين بالحالة التي يعيشها، واليقين هذا لايأتي من الرؤية المباشرة للاخر، انما الفراغ المتروك في روح الشاعر جراء البعد ، اي بعد يكون، لذا لايجد الشاعر هنا غير المناجاة والتوسل ومن ثم البحث والمناداة ومحاولة استرجاع بعض الصور واللحظات الصوفية التي قضاها الشاعر مع حبيبته فيتوغل بلغة مفعمة بالحيوية وجادة في الوصف الصوفي بين الانفاس والاهات، والسرير ، حتى يشعر بحجم الهوة التي تفصله عنها، وحجم المسافات التي تبعده عنها، فلايجد نفسه الا وهو يعبر عن حالته المستعصية من خلال الرسم البلاغي والبياني لموقعه الجغرافي من جهة، ولحالته النفسية من جهة اخرى " الجبال / حائراً ".
آه من وجع الغربة
إن تفجرت حرمانا وعذابا وحرقا
آه من ربيع بلا ورود
وجنة بلا خل ودود
وبحر لا اغرق فيه غرقا
آه من طيفك لا يتركني
عن ذكريات يُحدثني
كنتِ فيه شمسا وأنا كنتُ غسقا
تيممي جمالا وفي محراب الليل
كوني امرأة تمسي لليل عشقا
ذلك الرسم البياني والجغرافي يتفجر لوعة في الذات، وتهيج الروح لتعيش غربتها على الوجهين البراني والجواني ، غربة المكانية ، وغربة الروح ، فتحيل الذات من مرحلة البحث والتقصي، الى مرحلة الشكوى، فها هي تبث شكواها "آه من ربيع ... وجنة بلا.. وبحر..." والجمع بين الربيع والورد وبين الجنة والخل، والبحر  امر ليس بالهين، لاننا امام تضاد حاد بين الدالة والمدلول، ذلك التضاد يخلق تماهياً واضحاً في نفسية الشاعر من جهة، وفي امكانية التخييل من جهة المتلقي، وهذا ما يعطي فرصة واضحة لتعددية التأويل والتخييل، وذلك امر اعتبره قسرياً احياناً لان الشاعر يجبر المتلقي على تلقي منطقه المخصوص دون السماح له بالابتعاد عن مساره وطريقه الذي يرسمه، ولكنه في الوقت نفسه في هذا النص يجعلنا نتعايش ونتعامل مع الحالة على انها استكمالية لجلب ورسم ملامح الطيف نحن كمتلقين، فذكرياته هي الان البوابة التي نستعين نحن بها لخلق تلك الصورة، التي سبق وان نطق بتفاصيلها الطيف والليل، فنراها متقدة ضمن دائرة ذكرياته، ومتوهجة كالشمس ومتيمة بالجمال الليلي.
أنا يا سيدتي لا أتكرر ثانية
فابحثي عني بين الروابي صدقا
كل حروفي وكلماتي العارية معلقة
يتباهى بها العشاق لهفة ورمقا
لا تحملي طيفك عبئا بلا رتوش
طيفك ينساب كالماء ريا ودفقا
أينما كنتِ بين جدران مغلقة
تفتح الأبواب أمامي رمشا وحدقا
أنا الحب والتاريخ والعشق والبحر
ومن مثلي يعشق عمقا ورقا ..؟
تحول الشاعر من وصف حالته وتوغل الطيف في ليله ، ومناجاته لها، بأن يعيد رسم الطريق الى عالمه المرهف والحساس والمنتظر لكي تنبلج صورتها من جديد، الى حدود اللأنا ، محاولاً بذلك ان يكمل نسج صورته، بجمالها هي، وبروحه العاشقة الصوفية الساعية لخلق عوالمها الثنائية معها هي، فأتت دون تلميح وتواري تعلن انها لاتتكرر، وهذا بلاشك دليل مصداقية الشاعر مع ذاته اولاً ومع الاخر ثانياً، ومن ثم يتوجه الشاعر الى التشبيهات والوصفيات التي تحدد ملامح روحه وذاته بحيث نجده يغالي في وصف وجوده وحروفه، التي من خلالها يحاول ان يعطي انطباعاً للاخر وللمتلقي بانها لاتأتي من فراغ ومن اللاجدوى العابثة، انما هي امتداد فطري لروحه التي تستمد قواها من الحب والتاريخ والعشق والبحر معاً، وعلى الرغم من امكانية وجود حالة من التضاد ايضا في الجمع بين هذه المسميات، الا انها تشكل في النهائية الوجه التكاملي للصورة التي اراد الشاعر ان ينسجها ويجعلنا نعيش اللحظات التي سعى فيها لجمع خيوطها، وكأنه من خلال سعيه اراد ان يبرهن لنا مهاراته التجميعية ومهاراته العشقية ومهاراته الصوفية للاخر وللذات ايضا، ومن ثم اراد منا ان نؤمن بأن عشقه لايتوقف عند حدود الظاهريات، انما عشقه اعمق من نلامسه بالظاهر، وهذا ما يعيدنا مرة  اخرى الى العنوان، حيث فرض الشاعر علينا منذ البدء البحث في الماورائيات الصورية والبلاغية كي نستطيع مواكبة رؤاها للنهاية.


8
العشيرة والعشائرية وجهان مختلفان
جوتيار تمر / كوردستان
19-8-2019
تحتل العشيرة مكانة بارزة في المجتمعات لاسيما الشرقية، بحيث اصبحت كما يراها البعض هي احدى اهم الاشكاليات التي تمر بها بلدان المنطقة، لاسيما من حيث نفوذها السياسي والاجتماعي والاقتصادي وحتى الديني المذهبي، ناهيك عن المجالات الاخرى كالعسكرية التي تحولت هي الاخرى الى مؤسسات عشائرية تمدها العشيرة نفسها بالكثير من الامدادات البشرية والمادية، وذلك ما يفرض على الدولة ان تتعامل معها وفق قواعد مغايرة تعتمد على التوافقية والمسايرة في اغلب الاحيان بعيداً كل البعد عن روح القانون الذي من المفترض ان يتسيد هو الواقع.
مرت البشرية سواء في الغرب ام الشرق بمراحل تاريخية تسيدت فيها العشيرة  والعشائرية مقاليد الامور، ففي الغرب كما يقول حسني عايش: وقبل قيام الدولة واندلاع الثورة الصناعية وظهور الاقتصاد والتعليم الحديثين، كانت العشيرة والعشائرية سائدة فيها، ولكن بعد التحولات التي ذكرناها حلت الدولة والاحزاب والتيارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية ومؤسسات المجتمع المدني محل العشائر والعشائرية، على الرغم من ان العشرة كرابطة دم وقرابة بقيت ولكن فقط كشجرة يعرف المرء من خلالها من اين جاء والى اين ينتهي، وبذلك لم تزل هناك العديد من العشائر موجودة او معروفة بسلسلتها او بشجرتها المدونة وليس المدعاة بالتاريخ الشفوي الذي لاسند له وهي على الرغم من نفوذها السياسي والاقتصادي خاصعة للقانون والدولة.
وفي الشرق تختلف الموازين والمفاهيم، فالعشيرة " العشائر " لم تزل متحكمة بامورها الاجتماعية وروابطها الدموية وتعمل على حل مشاكلها بنفسها، وذلك ما يجعل امورها تتداخل في الكثير من الاحيان مع امور الدولة نفسها لاسيما فيما يتعلق بتحقيق العدالة الاجتماعية، او حتى المسارات السياسية الانتخابية والى غير ذلك، ان هذا التداخل هو الذي اضفى على مفهوم العشيرة بعض المتغيرات الحالية، فحولتها الى وحدة اجتماعية فعالة ومهيمنة وفق منطق العشائرية، كما ان تلك التداخلات نفسها جعلت بعض العشائر تمارس سلطتها لاقامة وحدة عشائرية، هذا التحول غير من مفهوم العشيرة وجعلها تختلف كلياً عن ما سائد حولها وعن ما هي عليه في الاصل.
 فالعشيرة كما يراها د . محمد الخطيب في كتابه الاثنولوجيا " دراسة عن المجتمعات البدائية " : هي وحدة اجتماعية تعتبر امتداد للاسرة وتتميز بتسلسل قرابي معين يتفق مع نظام سكني خاص ولذلك فان العشيرة هي وحدة مكانية ويعتقد افراد العشيرة الواحدة في وجود جد واحد مشترك قام بتاسيس العشيرة واحياناً يكون ذلك الجد شخصية اسطورية ، وينقل د. محمد احمد غنيم في كتابه الضبط الاجتماعي والقانون العرفي " دراسة في الانثروبولوجيا الاجتماعية " عن العالم الاجتماعي الفرنسي "دوركايهم"  تعريفاً عن العشيرة على انها مجتمع تتعدد فيه الزمر الاجتماعية ولكنه لايزال يحتفظ بوحدته وتجانسه وعدم قبوله للانقسام الى عدة مجتمعات تتمايز على الرغم من انها تتكون من الاسر الصغيرة التي لاتكون اقساماً سياسية متمايزة.
وبذلك تبقى العشيرة ضمن جغرافيتها المكانية والزمنية وحدة قائمة، تساهم كثيراً في حل النزاعات الاجتماعية، كما تساهم في مد الدولة بالكثير من الطاقات والخبرات العملية، وهي طالما خاصعة للقانون فهي منتجة، فعالة، ومهمة لاستكمال عملية البناء التي تسعى اليه الدول، لاسيما في الشرق بصورة عامة والشرق الاوسط بصورة خاصة، فافراد العشيرة حين يخضعون لمؤسسات الدولة يساهمون في تطوريها، وهذا ما جعل علاء ناجي يذهب في دراسة اكاديمية له منشورة على الانترنيت بعنوان " الدور الاجتماعي للعشيرة في تحقيق السلم المجتمعي "،الى ان العشيرة كانت ومازالت وحدة سياسية واجتماعية واقتصادية  تمارس دوراً مهما في ضبط سلوك افراد المجتمع وكذلك تلعب دورا رئيساً في حفظ كيان المجتمع من الاخطار الخارجية، كما ان لها الدور الاكبر في فض النزاعات والصراعات وكذلك معالجة المشاكل التي تواجه الافراد، وهي تحافظ ايضا على تجانس وتماسك الافراد بصورة خاصة وباقي افراد المجتمع بصورة عامة. اذ ان العشيرة هي مؤسسة اجتماعية سياسية تهدف الى تحقيق الامن والاستقرار وبث الطمأنينة بين الافراد وزرع الألفة والمحبة وغرس المودة واصلاح والتكافل الاجتماعي ونبذ التطرف والعنف والصراع بينهم.
وعلى الرغم من قيامه بالخلط بين مفهوم العشيرة والعشائرية في دراسته الا انها اعطت رؤية واضحة حول اهمية الدور الذي يمكن ان تقوم به العشيرة داخل المجتمعات بصورة عامة، ومع ذلك يتوجب علينا البحث عن وجه الاختلاف الحقيقي بين تلك المفاهيم التي ذكرناها حول العشيرة و بين مفهوم العشائرية التي يراها حسني عايش على انها عقلية او اتجاه سياسي يسعى الى تحويل العشيرة الى نوع من الحزب السياسي في مواجهة العشائر الاخرى، والاحتكام اليها في العلاقات الاجتماعية والسياسية، بهذه العقلية او التحويلة تصبح العشائرية شكلاً من اشكال الايديولوجية يرجع اليها ويفسر بها كل امر مثل تشكيل الحكومات، والانتخابات البرلمانية، والبلدية والنقابية، والمقاضاة، والوظائف العامة، المدنية والعسكرية وربما الاستثمارات والاعمال في القطاع الخاص. اي كالايديوجيات الاخرى مثل الايديولوجية القومية والايدولوجيا الشيوعية والايدولوجية الاسلامية وهكذا، عندئذ تصبح كل عشيرة – بالعشائرية – حزبا في مواجهة بقية اجنحة الحزب العشائر الفرعية داخل العشيرة او العشائر الاخرى عداً ونقداً. ولقد  افرزت عن هذه التحولات مصطلحات اخرى في بعض الدول الشرق اوسطية مثل الدكة العشائرية والتي يُعرفها د. عامر صالح في مقال له بعنوان "الدكة العشائرية بين الارهاب واعادة انتاج العشيرة – ملاحظات سايكواجتماعية " على ان مفهومها يتخلص باقدام مسلحين ينتمون لعشيرة على تهديد عائلة من عشيرة اخرى، من خلال عملية اطلاق نار بمختلف الاسلحة..... على منزل المقصود، كتحذير شديد اللهجة لدفعها على الجلوس والتفاوض لتسوية الخلاف، وفي حال عدم موافقة الطرف المستهدف تتطور الامور لتؤدي الى وقوع ضحايا من الطرفين. وهذا بالضبط ما يخلق المفهوم الصحيح للعشائرية التي تتحول الى قوة سلبية على الساحة الاجتماعية، وتؤدي دوراً فوضوياً في المجتمع والدولة، ومما لاشك فيه ان هذه الظاهرة لاتخدم الرؤية الصحيحة للعشيرة كوحدة اجتماعية متماسكة انما تفكك العشيرة نفسها الى وحدات اخرى مغايرة تخدم مصالحها على حساب العشائر الاخرى وبذلك تُحول العشيرة وجودها الى عشائرية ساعية لفرض هيمنتها، وهذا لايحدث الا كنتيجة حتمية لضعف الدولة ووجود خلل في اجهزتها ومؤسساتها، حيث تصبح العشائرية مفهوماً وقانوناً في تلك الدولة ويرجع اليها حتى في الانتخابات وتوزيع المناصب والايرادات، وحين تعتمد الدولة في سن قوانينها على المرجعيات بصورة عامة تدخل في نفق مظلم لاتخرج منه الا بخسائر لايمكن تعويضها على جميع الاصعدة، فالتاريخ يؤكد على ان المرجعيات القبلية التي تضم داخل جغرافيتها العديد من العشائر، لم تستطع ان تسيطر على جميع تلك العشائر لاسيما التي امتلكت طموح السلطة والريادة فحولت مساراتها للتمرد والسعي للحصول على مكتسبات، وباتت تشكل تهديداً على النظام العشائري المتماسك داخل القبيلة نفسها، ما نتج عن ذلك فوضى داخل الدولة.
ووفق هذه المتحولات والمتغيرات التي طرأت على دور العشيرة – العشائرية – اصبحت الشعوب تنظر الى مفهوم العشيرة بسلبية وترجع اليها جميع الاخفاقات وجميع الانكسارات التي تحدث سواء على المستويات الجماعية او الفردية، على الرغم من ان الامر مجحف بحق تلك العشائر _ العشيرة – التي حافظت على كيانها ووحدتها الاجتماعية وتساهم بشكل ايجابي في مد الدولة بمقومات الاستمرارية من خلال دعمها والامتثال لسياستها وقوانينها،كمواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات، ولم ينخرطوا في تلك الاعمال التي تجعل منهم حزباً او ايديولوجية مناهضة للدولة، بالعكس تماما فانها تقدم نفسها انموذجا للتعايش السلمي. وهذا ما يفرض علينا البحث عن الظروف التي تحفز العشيرة لتقبل المتغيرات والتحولات السلبية، والتي تجعلها تتحول تدريجياً الى حزب سياسي او ايديولوجية فتخرج عن سلطة الدولة ولاتعترف بقوانينها، وتفرض وجودها بالقوة والسلاح كمكون اساسي ورئيسي للعملية السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الدولة.



9
جدلية العود الابدي للتاريخ
جوتيار تمر / كوردستان
1-8-2019
يعد التاريخ من الاولويات التي يهتم  به الانسان ويعمل على تدوينه لانه في وعيه العياني " الحاضر " يبحث عن منافذ يتسلل من خلالها الى مستقبله وهو يدرك بان ذلك الامر لن يتحقق دون العودة الى ماضيه ووعي تلك المراحل التي مر بها، وفلسفة التاريخ ليس الا مخاض هذا الوعي وهذه الرغبة للانسان في استنطاق ماضيه من خلال تلك الاثار التي خلفها على جميع الاصعدة، الحياتية اليومية ، الفكرية ، العمرانية ، وحتى الظواهر الطبيعية والى غير ذلك من تلك المخلفات الانسانية التي تعتبر في معطياتها مخلفات تاريخية. وهذا ما يمنطق بالتالي الرؤية الحداثية لمفهوم التاريخ او لنكون اكثر دقة فلسفة التاريخ وبعبارة اخرى مفهوم التاريخ في الفلسفة، باعتبار ان التاريخ فلسفياً ليس مجرد نقل ورواية وسرد الاحداث والوقائع ، انما هو دراسة  كُلية وتحليل تلك الاحداث وفق رؤية اكثر  عمقاً من الرؤية الظاهراتية ، ومن ثم تحليلها لادارك ماهية تلك الاحداث والاسباب التي كانت ورائها، ومدى التاثير الذي خلفه سابقاً وحديثاً على الانسان، ومن خلال ذلك يمكن النظر الى المستقبل وفق تداعيات نسبية، وهنا يكمن مكمن القول " نسبية " لان تلك التأثيرات في الحاضر يتحكم بها جملة متغيرات وتحولات غير قابلة للثبات، والقول بعدم قابليتها للثبات يأتي من خلال التحولات الاقليمية والدولية وفق الصراعات على جميع الاصعدة " القومية – الدينية المذهبية – الايديولوجية – الاقتصادية... " وبالتالي الرضوخ ل" بان مراحل التاريخ السابقة تحتم الحالية بكلية مطلقة امر غير مقبول، وغير منطقي" ، لأن القديم يمكنه فتح اعيننا على ما مررنا به لنصل الى هذه المرحلة الحالية، لكنها ليست شرطاً مطلقاً لان نبقى كما يفرض علينا تبعيات تلك المراحل، وهنا يأتي دور حركية المجتمعات التي تُقر دور الانسان في صناعة التاريخ ، وبالتالي فان الجدلية التي تفرضها احيانا الوقائع والاحداث وفق ما هو سائد " التاريخ يعيد نفسه " لايمكن اطلاقها وتعميمها اكاديمياً، فالشعوب التي تعمل على زيادة وعيها يمكنها اعادة تدوير المفهوم وفق قاعدة اخرى، وهي ان التاريخ لايتوقف عند نقطة التحول الوحيدة في حياة الشعوب، اي ان النقطة الاكثر تألقاً وعظمة عند الشعوب يمكنها ان البقاء كنقطة اكثر تألقاً وعظمة ولكن ليس الشرط ان تظهر النتائج بصورة فورية فالوقتية هنا خارجة عن زمنية تتعدى حدود الزمن الذي يحدد ملامحه الانسان بكامل وعيه، لذلك ادوات التطوير والنمو والسير نحو الحرية كما يراها هيجل تحتاج الى التأني في تأمل مفاهيم التاريخ وعدم الخضوع للمنطق السائد على انه قطعي ومطلق، التكرار يمكن ان يكون نقطة تحول مغايرة للشعوب حين يتعاملون مع المكررات بوعي اخر غير الذي تم التعامل معها سابقاً" التغيير "  وبذلك تحقق الشعوب نقلة موضوعية ومهمة في تاريخ وعيها البطيء للتاريخ نفسه، وللعملية التاريخية وصيرورتها ايضاً،وهذا هو ما يؤكده سارتر الذي يرى بأن التاريخ ليس قدراً او قوى تتحكم في الانسان، انما الانسان هو من يصنعه ويحوله عملياً ونظرياً، بمعنى اخر ان التاريخ يعتمد على وعي وارادة الانسان ، وهذا الوعي وتلك الارادة ليس شرطاً ان تظهر فجأة وبصورة واضحة المعالم لدى الشعوب، لكونها تحتاج الى الوقت الكافي للنمو والتطور وفق معطيات لاتنتمي للزمنية نفسها، فالانسان لايمكن ان يزرع بذرة ويتأمل ان تنبت في لحظتها، انما تحتاج الى نطاق زمني تتحكم به الظرفية من جهة، والبيئة من جهة اخرى، ومن خلال الامرين هذين يمكننا ان نحدد ملامح التاريخ بشكل اكثر وضوحاً، فالظرفية التي نسعى لتخطيها، يتحكم بها جملة متغيرات اقليمية ودولية وداخلية، وتلك المتغيرات هي وليدة الحركية، فالسائد ان الركود لايخلق متغيرات لاسيما على  مستوى الوعي، اما البيئة فلانها تمس المجتمعات وفق المتداول عنها والصادر منها، نجدها تحتم على الواعي والساعي لادراك او حتى تدوين تاريخيه ان يتأني في الحكم عليها، المجتمعات قد تكون في حالة سبات بنظر الكثيرين، وذلك حين ينظر اليها بمنظور شخصي ويسقط ما يمر به حياتياً شخصياً فكرياً عاطفياً على العام، وهنا تكمن الاشكالية التي تزداد سوءً يوما بعد  يوم  من خلال الانسلاخ التام من القيم الاجتماعية والبدء باتهام المجتمع بانه متخلف وغير واعي، ولعل النظر بعين اكثر عمقاً، والعمل بجدية لتحليل الوقائع والاحداث، ومن ثم الاخذ بنظر الاعتبار جملة المتغيرات على جميع الاصعدة، سيتبين للناظر بأن المجتمعات ليست راكدة، انما هي في نمو وتطور بطيء لاسيما مجتمعاتنا الشرقية لكونها تعيش وفق منطق مغاير للمجتمعات المتحررة من القيود الدينية والمذهبية والقبلية، وهذا التطور يجعلنا ان ننظر الى مسالة التكرار  وفق منطق اخر، ليس الذي يذهب على انه لايوجد شيء مختلف ومغاير في الحدث الاني الحاضر، بل هناك الكثير مما يجب ان نراه وراء الحدث نفسه، فعامل الخيانة مثلاً قد يكون متكرراً في تاريخ بعض الشعوب، لكنه في كل مرحلة يختلف عن سابقها، على الرغم من الهدف والنتائجية المتكررة وهي مثلاً زوال حركات تحررية لشعوب مضطهدة، والعامل المغاير يكمن في الوعي الذي يلتقط في كل مرحلة ذلك العمل الخياني ويسقطه على متغيرات ومتحولات مستقبلية، وهنا حتى ان لم يتغير الوضع انياً ولم تستطع تلك المجتمعات على التخلص من عقد الخيانة تلك، الا ان الوعي باسباب الخيانة ومن ثم الوعي بالنتائج المترتبة من الخيانة، ومن ثم تدويرها كمفهوم تاريخي يرافق ذلك الشعب بحد ذاته يعد تحولاَ مهماً، ويمكن عده ايضاً تغييراً ووعياً يمر بمرحلة تطور ونمو بطيء، وهذا ما يدفعنا الى القول بأن لكل حدث وواقعة تاريخية ملامح ظاهرية تتمثل بسرد اخبار تلك الحادثة والواقعة، وفي الوقت نفسه لها ملامح باطنية كما يؤكد ذلك ابن خلدون ، وهذه الملامح الباطنية تهدف الى التحقق ودراسة تلك الاحداث وتحليلها وفق معطيات آنية " الحاضر" وذلك ما يفتح لنا باب الكيفيات والاسباب، ومن ثم ملاحظة المتغيرات التي طرأت على جوهر الحدث او المتغيرات التي ترافق ماهية وكيفية التعامل مع الحدث، ومما لاشك فيه ان الشق الثاني " كيفية التعامل " يعد بحد ذاته نقلة موضوعية في الوعي وفي التطور والنمو لدى الشعوب بعيداً عن التفسير اللاهوتي الذي يقضي بأن التاريخ يسير وفقاً للارادة الالهية، او التفسير الدوري الذي يعتبر ان التاريخ يسير بمقتضى قانون العود الابدي،  فالتاريخ يخضع للعقل البشري المطلق الذي يتحكم في سيره ومجرياته فضلاً عن القيمة الاقتصادية التي تقود الصراعات وتؤثر على مجريات التاريخ، وهنا لايمكن الوقوف عند حتمية العود التاريخي والتكرار الا من خلال المتغيرات الترافقية التي تعطي لكل مرحلة قيمتها التاريخية من حيث التطور والنمو " الذي سبق وان قلنا عنه البطيء " ولكن ذلك لايمنع ابداً اننا نعيش وفق تداعيات متجددة، فبعض الشعوب مثلاً كانت تستخدم القبلية لحماية حدودها، لكنها تجاوزت ذلك الى توسيع حدودها، وتعاملت مع الخيانات وفق منطق خاص بها، ومن ثم تجاوزت العوائق لتبحث عن تأسيس الامارة ومنها الى الدولة ومنها الى الامبراطورية، هذا التطور لم يحدث بعيداً عن وقائع واحداث التاريخ المتكررة من خيانة وعوائق وحروب وفقر ومجاعات، لكنها لم تقف عند ملامح قانون العود الابدي ورضخت له، واستسلمت للواقع، بالعكس تماما، عوامل التكرار تلك نفسها تمر بمراحل تاريخية مغايرة ومختلفة وتتأثر هي الاخرى بالمتحولات الدولية والاقليمية لذلك لانجدها تصمد امام الرأي العام للشعوب، وبعيداً عن الصراعات الداخلية التي غالباً ما تكون بنظر الكثيرين هي السبب الاكثر تأثيراً لزوال المجتمعات، فاننا هنا بصدد معطيات ومقتضيات اخرى تضاف اليها لتكون بذلك مع الانحلال الداخلي قوة مضاعفة لهز الكيانات والمجتمعات، لكون المجتمعات التي تعاني داخلياً تهتز كثيراً بعدم وعي ابنائها بالضروريات التي تحتم عليهم لمساندتها، وعدم الانصياع للافكار الجانبية التي يتصورها هولاء بانها تمثل حرياتهم الشخصية وفي الحقيقة انها لاتتعدى كونها  الاخلال بالنظام والسخرية منه، بل حتى انها تجعل من النظام  هدفاً لهجماتهم، وبذلك تتسم المرحلة بالركود الظاهري وتبقى العجلة وكأنها تدور داخل دائرة ، فتظهر المقولات التي تمنطق ماهية العود الابدي للتاريخ، مع العلم بان التاريخ لم يتوقف بل ظل سائراً وانما عجلة التفكير لهولاء توقفت عند تلك النقطة التي يرونها سلبية " بنظرهم " الشخصي.

10
حكومتنا الجديدة "الرشيدة"
جوتيار تمر/ كوردستان
16-7-2019

نشرت الصحفية راشيل نوير مقالا بعنوان لماذا توجد حكومات فاشلة في عالمنا اليوم ؟ ، وذكرت في مقدمة مقالها ان المجتمعات الكبرى لاتنهض ولاتستقر من دون حكومة، حتى لو كانت هذه الحكومة عاجزة عن تحقيق تطلعات الشعب، وربما يرجع اصل المشكلة الى ان الكثير من هذه الحكومات لاتزال تتناول هموما كانت تؤرق المجتمع في القرن التاسع عشر، ولهذا فان اصلاح هذه الحكومات بات امراً حتمياً قد طال انتظاره، كما اضافت ان اغلب الحكومات في العالم رجعية، لاتواكب العصر الحالي، لكونها لم تزل تعكس هموم المجتمع في ذلك القرن المذكور مثل غلاء الاتصالات وصعوبة انتقال البيانات وصعوبات المعيشة، لذلك نجدها تتالف من وزارات واجهزة ذات هياكل تنظيمية هرمية التسلسل منغلقة على نفسها، تختص كل منها بوظائف محددة، وعلى الرغم من العالم اليوم اصبح اكثر ترابطا، وتسارعت وتيرة التطور، وزاد حجم البيانات بمعدلات غير مسبوقة، لكن حكوماتنا لاتزال تراوح مكانها، وهذا بالضبط ما دفع البعض الى القول بانه من سوء حظنا ان الحكومات الحديثة تشكلت منذ زمن بعيد ولم تعد تصلح للعصر الحديث من عدة نواحي، وبلاشك هذا لم يأتي من الفراغ او الوهم السياسي او حتى منطق الغباء السياسي المعارض دائما لكل الحكومات، انما اتت تلك الاقوال من منطق اخر صميمي متعلق بحركية الواقع الانساني داخل المجتمعات الحديثة والمعاصرة التي لم تعد تهاب من اسم الحكومات على اختلاف نوعياتها واختلاف سياساتها واختلاف الوسائل والاساليب التي تتبعها تجاه شعوبها، وبذلك فان المنطق السائد حول كون الحكومة يمكنها ان تفعل ما تشاء اصبح من الماضي البليد او لنقل اصبح من مخلفات القرن التاسع عشر، وحتى ان كانت قد نضجت في القرن العشرين، الا انها وصلت مرحلة الذبول الذهني والفكري والواقعي في وقتنا الحالي، لكونها لم تعد تمثل تطلعات الشعوب السائرة نحو تعاطي جرعات الوعي، وبما في ذلك محاولات تعاطي الوعي السياسي وان كان الامر مازال مقتصراً على النخبة دون العامة في الكثير من المسائل المتعلقة بالوعي السياسي.
وعلى هذا الاساس تتمخض عن ولادة الحكومات الجديدة عدة تساؤلات تتحكم بمصيرها من حيث تقبل الشعب لهاـ او اضافتها الى قائمة الحكومات اللاموجودة حتى وان كانت موجودة، وحين نقول لاموجودة، نقصد بذلك عدم ثقة الشعب بها، وعدم ايمان الشعب بها كحكومة تمثل تطلعاته،وبذلك يبقى فوبيا عدم الثقة بالحكومة امراً وارداً وسلاحاً ذو حدين، الاول انه يثير في عقل الحكومة الوعي بالمترتبات التي تقتضي وجودها كحكومة تمثل الشعب وتطلعاته، والثاني ان تتجاهل ذلك وتصبح مصدر سخرية وسخط الجماهير وتخلق عصراً جديداً من الفوضى التي وان كانت خلاقة تجاه الحكومات السابقة الا انها قد تتحول الى فوضوية تعبث بالقضية كلها وليس بمصالح وتسلط وجبروت الحكومة فحسب، وهذا بلاشك ما لاتريده الحكومة ولايحتاج اليه الشعب في ظل المتغيرات والتحولات المحلية والاقليمية والدولية.
ولاننا بصدد الحديث عن الحكومات الحديثة والمعاصرة فاننا نجدنا امام واقع ملموس ضمن السياقات السبقية التي تتبناها هذه الحكومات دون النظر الى الواقع بجدية وحكمة، ولعل النظر الى مقررات الجلسة الاولى لاحدى الحكومات المتشكلة حديثا يستوجب منا كواعين للعملية السياسية المحلية والعملية السياسية الاقليمية والدولية معا ان نسلط الضوء على اسباب فشل الحكومات السابقة في تحقيق الحلم المحلي، والحلم المستقبلي ، وحتى الحفاظ على المكتسبات، والتي اصبحت مهددة بالضياع التام، لاسيما مكتسبات الاستفتاء على استقلال كوردستان التاريخي، واعتقد بان امر الحكومة التي اتحدث عنها بات مكشوفاً، لكوني بصدد تسليط الضوء على مقررات حكومة اقليم كوردستان الجديدة، التي خرجت بعد مخاض عسير من صراعات داخلية وخارجية، ناهيك عن صراع استنزف الكثير من قوت الشعب الكوردي، واستنزف الكثير من حياته على المستويات المختلفة الاجتماعية والنفسية والاقتصادية وغيرها، هذه الحكومة الرشيدة التي تشكلت قبل ايام من المفترض انها ولدت من رحم الالم، لتكون نصيرة آلام الشعب، ولكنها للاسف خيبت في اولى جلساتها امال الشعب، بقراراتها التي لم تاتي ابدا لتدعم حقوق الشعب، ولتعيد للشعب ما تم اخذه منه طوال السنوات الماضية من الرواتب التي لااحد يعلم مصيرها، ولا الضرائب التي تراكمت بسبب نظام الادخار الذي اتبعته الحكومة السابقة اكيد في ظل ظروف سياسية اقتصادية صعبة، ولكن هذا لايمنع ابداً ان تتوضح الصورة للشعب عن مصير تلك الاموال التي ادخرتها الحكومة من رواتبهم واستحقاقاتهم الوظيفية، وبدل من ان تبدأ الحكومة الجديدة بمقولة ما ضاع سنعيده اليكم، بدأت باقرار ما يتوجب على الموظف وعلى الشعب فعله لاجلها، وليس ما يتوجب عليها كحكومة ان تفعله من اجل الموظف والشعب، فكانت قراراتها كلها في مصلحة الحكومة في اولى جلساتها، ولم نجد هناك ما يبشر بالخير للمواطن غير ما اقرته باهمية القضاء على الرشوة داخل المؤسسات وعدم الاهمال في سير معاملات المواطنين، وغير ذلك اتى بشكل متهكم لمشاعر الموظفين وعامة الشعب، فالحكومة لم تستطع الا ان تظهر المواطن على انه متسيب لايلتزم بالدوام الرسمي، وان عليه الالتزام بالدوام الرسمي وعدم الخروج من مؤسسته للقيام باية اعمال اخرى اثناء الدوام وغير ذلك من القرارات التي اراها كوجهة نظر شخصية سابقة لاوانها، لكون الحكومة لم تزل تدين للشعب والموظف " كل موظف " بالملايين التي لااحد يعرف مصيرها كما سبق وان نوهت لذلك ناهيك ان الشعب مازال يعيش فوبيا عدم دفع الرواتب، فوبيا الصراعات الداخلية الحزبية، فوبيا عدم الثقة بالحكومة التي تقر واجباتها وتنسى حقوق مواطنيها في اولى جلساتها، ومترتبات نظام الادخار في الاعوام السابقة التي القت بظلالها على حياة الشعب باكلمه، فغالبية الموظفين تراكمت عليهم الديوان، واصبحوا يحتاجون على الاقل لثلاث سنوات اخرى حتى يمكنهم استعادة بعض التوازن لحياتهم المادية والمعنوية .
لم يعد مخفياً على احد ان اسباب فشل الحكومات لم يعد فقط انها لم تزل تعيش على ما بنيت عليها في القرن التاسع عشر فحسب، انما لانها لاتريد ان تتجاوز تلك المرحلة لكون تلك المرحلة تحقق مقاصدها في الحفاظ على الكراسي من جهة، وزيادة ارصدت اموالها في البنوك من جهة اخرى، والشعوب تاتي كامور ثانوية لاقيمة لها امام القيم الاساسية السابقة، وهذا بلاشك ما يخلق اللاثقة، ويخلق عدم التوازن في فرض الواجبات واعطاء الحقوق لاسيما في حالتنا نحن في كوردستان حيث عانينا من تقاعس الحكومتين المركزية في بغداد والمحلية في الاقليم عن دفع مستحقات الموظفين والمواطنين، مع عدم نسيان الانشطة الاستفزازية التي تمارسها الحكومة نفسها محلياً تجاه المواطنين لاسيما فيما يتعلق بالضرائب الخدمية كاجور الكهرباء والماء وغيرها من الضرائب التي تأخذها قسراً من الشعب ولا تعطي املاً بتحسين معيشة الموطن، فحتى الفلاح لم يعد يؤمن بمقدرة الحكومة على احتواء محاصيله التي تذهب نصفها بدون ان يحصل ثمنها، لكون الحكومة الرشيدة وبسبب علاقاتها الخارجية والداخلية مع التجار الذين هم انفسهم جزء من تلك المنظومة لاتستطيع ان تقر مشروع قانون يعطي للبضاعة المحلية الاولوية، فضلاً عن الانتكاسات الاخرى التي كلها تخدم فقط السلطوية وتذبح الشعب بسكين القضية الكوردية وكوردستان اقوى، وهذا كله يدفعنا الى القول مناصرة للشعب مع عدم فقدان الامل بالحكومة بان تعيد ترتيب اوراقها من جديد وتقوم بتقييم مقرراتها قبل اطلاقها اعلامياً، فالشعب ينتظر ان يجد لمعضلته حلاً ولايحتاج الى تمارس الحكومة معها ممارسات تنم عن تسلط ودكتاتورية، فعصر التسلط والدكتاتورية دفن مع الطغاة الذين هم انفسهم كانوا يناضلون ضدهم.

11
الوعي السياسي الغائب
جوتيار تمر / كوردستان
28-6-2019
تنطلق اغلب الاراء والمقولات حول الوعي بصورة عامة والوعي السياسي بشكل خاص، وفق نمطية متكررة تتخذ من معطيات لونية بلاغية مغايرة شكلاً عن سابقتها كذريعة لفرض ممكناتها باسم التجديد والتطور، على الرغم من انها في الاصل تحمل المضمون نفسه، والنسق نفسه، والتوجه نفسه، بحيث يلاحظ المتابع الواعي ان تلك المقولات والاراء ليست الا كاسطوانة تكرر نفسها فما ان تنتهي حتى تبدأ بالدوران مرة اخرى، ولكن ربما بايقاع ظاهري مغاير يظهر لمن لديه الاستعداد بالتلقي بانها مختلفة، هذا الامر بات يؤرق العاملين على تطوير بنية الفرد داخل المجتمعات، ويؤرق في الوقت نفسه المختصين في المجالات الحياتية المنوعة والمختلفة من سياسة واقتصاد واجتماع، ولعل اكثر ما يؤرق حتى الشرائح المثقفة اصبح ما يتعلق بالوعي السياسي، حيث بات الكل محللين سياسيين، واصبح الكل من مكانه يطلق الاراء ويحكم على المسارات التي تتخذها الحكومات، وليس بمخفي عن المتابعين دور وسائل الاعلام اللاواعية ، والاعلام التجاري ، والاعلام الحزبي المعارض في هذه الاشكالية، بحيث تحولت المجتمعات التي لم تتبنى الوعي كمنطلق اساسي لصيرورتها التطورية اشبه بالمختبرات " فئران مختبرية " تمارس الدول الكبرى اختباراتها عليها وبمساندة واضحة من وسائل الاعلام التي لاتنتهج اية وسيلة اكاديمية في البحث عن مصدر الاشكالية وتقديم حلول منطقية تناسب الواقع ، لا للافكار الحزبية او حتى التوجهات الاقليمية والاجندات التي تعمل تلك القنوات الاعلامية تحت تصرفها، ووفق اهدافها، وذلك لأن مصطلح الوعي السياسي مرتبط من الناحية الواقعية بالوقائع والاخبار، باعتبارها افرازات قوى الواقع التي تقذف الى ساحة الاهتمام بقضايا متجددة.. تؤثر على الانسان تأثيراً مباشراً، ومن هنا يأتي الاهتمام الكبير بوسائل الاتصال " الاعلام " من قبل القوة المتعارضة والمتصارعة.. سواء في اوقات السلم ام في اوقات الحرب.. بل ويمكن ملاحظة ظاهرة الاعلام حتى في العلاقات الفردية والجماعية المحدودة ،(د.صلاح الدين النكدلي، الوعي السياسي ضرورة حيوية، مجلة الرائد، العدد 180،حزيران/يونيو 1996).
لايمكن حصر التعريفات فيما يتعلق بالوعي السياسي، لانها في الاصل تأتي وفق الرؤية الخاصة بالمجتمعات، ووفق الانظمة التي تتبناها تلك المجتمعات، ولكن غالباً ما توجد خيوط مشتركة بين تلك الاراء ، ومن تلك الاراء تعرف الوعي السياسي على انه مدى معرفة وادراك واهتمام الناس بالقضايا والمؤسسات والقيادات السياسية على مختلف المستويات المحلية والقومية والدولية فيما يرى البعض ان الوعي السياسي هو عملية تطورية لاكتساب المعلومات والقيم السياسية ومن هذه المعلومات يُكَون الفرد فهمه للمؤسسات والرموز والظواهر في البيئة السياسية من حوله، ليساعده على التطور والقيام بدور سياسي نشظ، باعتبار ان مرحلة الوعي هي التي يمكن ان تقود الفرد الى مرحلة اكثر تقدما، والتي تكمن في مرحلة الاهتمام والرغبة في متابعة المعلومات المتعلقة بقضايا البيئة السياسية، ومن ثم ليتطور ليصل الى مرحلة المشاركة السياسية، (عبدالله الفردي، الوعي السياسي في الاعلام،2010 ).
ويعرف الوعي السياسي على انه ايضا نمط من الافكار والقيم والاتجاهات التي تحدد من خلالها الاوضاع القائمة ويتجلى معها الشعور بالوجود الاجتماعي لطبقة او حركة اجتماعية متميزة، ومدى مواكبة موقفها السياسي لمفتضيات التغيير وتلبية اهدافها في السيطرة على المجتمع، كما يشار الى الوعي السياسي على انه حالة ذهنية تتمثل في ادراك الفرد للعالم من حوله على نحو عقلي او وجداني، ولاتتوقف تلك الاراء والافكار المتعلقة بالوعي السياسي عند تلك المحددات السابقة، بل تذهب الى ان الوعي السياسي عند المواطن والمجتمع هو نظرة الانسان تجاه محيطه وكيف يقرأه وما يتضمن هذه النظرة من معارف سياسية وقيم واتجاهات تتيح للانسان ان يدرك اوضاع مجتمعه ويحللها، ويحكم عليها، ويحدد موقفه منها والتي تدفعه الى العمل من اجل تغييرها وتطويرها والحفاظ عليها والابقاء على احسن الاوضاع المتطورة فيها بما يخدم مصلحة معينة وبالتالي تصبح الرؤية الشاملة للبيئة السياسية والاقتصادية والثقافية والوطنية والعالمية، ومن ادراك الواقع الداخلي المحلي والخارجي والاقليمي والعالمي والاحساس بالمسؤولية والتي جوهرها الالتزام بالثوابت الايجابية والاجتماعية القيمية والوطنية والانسانية والرغبة في التغيير مع الاحتفاظ بالثوابت الوطنية والاجتماعية والقيمية هي اهم المحددات للوعي السياسي،(د. محمد عيسى الكويتي ،الوعي السياسي واهميته لتطوير العملية الديمقراطية،جريدة اخبار الخليج، اكتوبر 2018 )،وعندما نتوقف لنقارن بين انفسنا داخل مجتمعاتنا وبين هذه المفاهيم المختلفة والمنوعة حول احدى اهم القضايا التطورية للبنى السياسية في المجتمعات الساعية لمواصلة ركب التطور العالمي، فاننا نجدنا امام احدى اهم المعضلات ايضاً لكوننا مازلنا نعيش طور ماقبل الوعي السياسي، ويتحكم بنا اما الاهواء والنزعات الاعلامية التي تحرك الرأي العام من جهة، او الحقد على المقابل لاسيما الحقد الحزبي الذي يتحول في غالب الامر الى وباء يجتاح مجتمعاتنا.
لذلك يعتبر الوعي السياسي عملية مركبة وتطورية لتداخل العديد من العمليات التكاملية الاخرى معها، ولعل جمع المعلومات وتشكيل الافكار وفق قاعدة منطقية وممنهجة تعبر بالفرد من منطقة الفوضى الاعلامية والفوضى الحزبية " المذهبية " الضيقة  وتجعله يتفاعل مع الاحداث ضمن بيئته وما يحيط به من احداث  ويعد ذلك من اهم وظائف الوعي السياسي.
تتداخل معطيات الوعي السياسي والثقافة غالبا في قوالب تساعد على انتاج رؤية اكثر شمولية، فالوعي السياسي اذ يصدر عن فكر، والفكر ينتج ثقافة معينة تؤسس لوعي سياسي يسود في المجتمع او في فئات معينة، واذا ما اعتبرنا ان الثقافة هي نتاج او تعبير عن مجموعة من الافكار والاشكال والقيم والهياكل السياسية المختلفة، فاننا نصل بالتالي الى نقطة تؤكد على ان الثقافة هي الاداة لخلق الوعي السياسي وتوجيهه، لذلك نجد بان المجتمعات الديمقراطية تجد في الوعي السياسي كمنطلق اساسي لها، وان اي انخفاض في مستوى الوعي السياسي للافراد والمواطنين يهدد الديمقراطية كمفهوم وسلوك، وبذلك يكون الوعي السياسي هو مصدر قيم من مصادر رفع مستويات الاحساس بضرورة المشاركة السياسية لدى الافراد، وذلك كي يبادروا في اتخاذ دور ايجابي في الحياة السياسية، من خلال المساهمة في وضع الاهداف العامة للمجتمع، وتقديم الاقتراحات، وجملة امور اخرى يمكنهم من خلالها المساهمة الفعالة في تطوير المجتمع، (الكويتي،الوعي السياسي؛ وينظر: فاروق يوسف احمد، السلوك السياسي،2010؛ صابر عبدربه، الاتجاهات النظرية فيتفسير الوعي السياسي،2002).
ووفق هذه الاسس يمكن ان نعتبر ان الوعي السياسي هو اكثر من ثقافة سياسية او مجرد مشاركة او تكوين راي وحوار وانشغال بقضايا المجتمع، فالوعي السياسي الحقيقي هو ان يشعر الانسان بانه ينتمي الى المجتمع " الوطن" ومن هذا المنطق يبدأ ببناء نفسه كفرد مساهم ومشارك في العملية التطويرية للمجتمع، وان لايكتفي بالسمع والمشاهدة " التلقي من الاعلام " بحيث تكون نظرته و رأيه مبنيان على اساس السمع والمشاهدة فقط، لانه بذلك لن يكون الا فأر تجارب تمارس تلك الوسائل اختباراتها عليه وفق اجنداتها التي تُملى عليها مسبقاً، ومن هذا المنطلق ندعوا الافراد داخل مجتمعاتنا الىى السعي والبحث من اجل اكتساب وخلق الوسائل التي تؤهله لكي يصبح فرداً منتجاً داخل المجتمع وان لايكون مجرد بوق اعلامي يستغله وسائل الاعلام والاطراف المتصارعة لبث سموم افكارها الهدامة التي تعيق سير العملية السياسية داخل المجتمع، لاسيما ونحن مدرك تماما ان وسائل الاعلام لدينا لاتبحث عن الانجازات السياسية اكثر مما تبحث عن الهفوات والتي تقع فيها الحكومات، بالطبع ليس من اجل اضفاء روح الديمقراطية والحرية الاعلامية انما فقط من اجل اثارة البلبلة والفوضى، بحيث تقوم بتضخيم بعض الامور اعلامياً وعبر جميع وسائل الاتصال الاجتماعي لاثارة السخط والغضب الجماهيري ضد الحكومات، بدل من طرح الاشكالية بشكل منطقي والبحث عن الحلول عبر الحوارات السياسية، والجماهير اللاواعية وعياً سياسياً تنصاع اليها وتصبح اداة لنشر الفوضى، ولذلك لايمكن للمجتمعات بافرادها ان تنضم لمواكب التطور والازدهار الا اذا ما تسلحت  وعياً وثقافة وعلماً من جهة، والابتعاد عن الببغائية الفكرية، والذبابية بحيث تنجذب فقط نحو المواد التي تزيد من تردي الاوضاع وانتشار الفوضى السياسية والاعلامية.


12
حرائق الطغاة دليل ضعفهم
جوتيار تمر/ كوردستان
11-6-2019
تشهد المناطق الكوردية في كل من جنوب وغرب وشرق كوردستان موجة حرائق تلتهم الاخضر واليابس من المحاصيل الزراعية، والقرى المتاخمة لها، وتحت الانظار الدولية والاقليمية دون اي حراك وسعي منها ومن المنظمات الدولية لوضع حد لتلك الحرائق التي التهمت لحد الان الاف الهكتارات من الاراضي الزارعية، وتتباين الاراء حول مسببي تلك الحرائق، بين من يرى انها من اعمال داعش الارهابي، واخرون يرونها انها ممنهجة ومنظمة وموجهة من قبل السلطات والحكومات المعادية للكورد في اجزاء كوردستان المقسمة، وهناك من يرى بانها مفتعلة من قبل بعض الاشخاص الخاضعين لاجندات فكرية وحزبية معادية للتوجهات الكوردية الساعية لنيل الاستقلال ونيل الحقوق القومية، وفي كل الاحوال يبقى هناك عامل مشترك وهو ان المتضرر الوحيد من تلك العمليات " الحرائق "  هو الكوردي او لنقل الفلاح الكوردي الذي كد واجتهد وصارع الوقت من اجل الزرع ليحصد فيما بعد ثمن ذلك الكد.
تنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي فديوهات وصور ، تمنطق ما يحصل بشكل شبه قطعي، وليس هناك الا صوت واحد يعلو من خلال تلك الفديوهات وهو صوت الحقد الموجه للكورد سواء من الجنود الاتراك الذين يحاولون حرق المحاصيل المتاخمة للحدود، او من الدواعش الذين تبنوا اكثر من حريق كاحدى عملياتهم الجهادية المؤدية الى الجنة والمزيد من حور العين اللاتي ينتظرونهم هناك، او حتى من القرى العربية المتاخمة للقرى الكوردية لاسيما في جنوب كوردستان حيث كانت تلك القرى باهلها جزء من عمليات الدعشنة التي اجتاحت الكثير من المناطق الكوردية اثناء الحرب الضارية التي خاضها الكورد ضد امتداد جبروت وطغيان داعش، فضلاً عن الممارسات الايرانية في شرق كوردستان والتي هي الاخرى ليست الا جزء من عمليات الابادة الجماعية التي تمارسها هذه الجهات ضد الكورد.
حين انتشرت حرائق اسرائيل قبل سنوات لامست من الاعلام العربي بالذات توهجاً وبريقاً وكأن لسان حالهم وقتها كان يقول طالما لانستطيع ان نواجههم وجهاً لوجه، فلندعوا من الله – الرب ان ينتقم لنا منهم بالحرائق ولااخفيكم سراً اني حين كتبت مقالي (حرائق اسرائيل هل هو الانتصار العربي المنشود..؟..) كانت امام عيني تلك التغريدات وتلك المقالات وتلك المقابلات التي تنوعت في الوسائل الاعلامية سواء مواقع التواصل الاجتماعي ام المرئية والفضائية والسمعية، حيث كان غالب اعتقادهم بأن تلك الحرائق هي غضب السماء على اسرائيل والتي تبين فيما بعد بانها كانت غير ذلك اكيد، انما كانت غضب وحقد الانسان على الطبيعة وعلى الانسان المقابل لكونه لاينتمي لدينه وعرقه قوميته، وعلى ذلك المسار اشاهد واعي ما يحدث لنا الكورد، حيث تتضاعف الاحقاد يوماً بعد يوم تجاهنا لكوننا لاننتمي - للعرق والقومية -  ولكوننا نريد العيش بحرية واستقلال بعيداً عن الثورات التي حولت الربيع الى حلقة دم مثل قلوبهم الممتلئة بكل ما هو لاانساني تجاه كل من لاينتمي اليهم، بل ضد كل من لا يخضع لشهواتهم السلطوية ولشهواتهم الاقتصادية ولشهواتهم المذهبية الدينية.
ان ما يحدث للكورد وللمناطق الكوردية ليس الا خليط حقد متوارث من ( الفرس – الاتراك – الاعراب "العرب " ) الذين تاريخهم يشهد لهم افعالهم البشعة تجاه القوميات الاخرى ممن لاينتمون اليهم سواء باسم الحضارة او باسم القومية او باسم الدين ، (نحن هنا لانعمم القول بلاشك)، لكننا فقط نحاول اظهار عمقه التاريخي الذي بدأ بما كان يسمونه توسع الامبراطوريات الكبرى ( الفارسية ) صاحبة التاثير على اغلب المكونات الشرقية لاسيما اثناء صراعها المستميت مع الامبراطورية البيزنطية، ومن ثم صراع الامبراطوريات الفتية والتي تمثلت بالعرب المسلمين حيث هي الاخرى تبنت نفس النهج التوسعي ولكن ليس باسم نشر الحضارة لانها في الاصل اقتبست فيما بعد جل معالمها الحضارية سواء الادارية او المراسيم من الفرس والبيزنطينيين، انما باسم نشر الدين ولطاما استشهدت بمقولة اوردها احد الكتاب المجتهدين " عبدالزراق الجبران " حول العجوز التي قالت لقائد جيش الاسلام لم أكن اعلم بان لله لصوص ، هذا العمق التاريخي لمحاولة وأد الاخر لم تتوقف ليومنا هذا، وهو يلبس في كل مرة لباساً كريهاً ملطخاً بالمزيد والكثير من دماء الابرياء والفقراء " وقود الثورات " ، ولم تنتج الا البلاء والوباء للناس وللامم الاخرى التي لاتنتمي الى امتهم وعرقهم وقوميتهم ومذهبهم.
تتمثل عمليات " حرائق كوردستان " احدى المراحل التاريخية الهامة لعمليات الوأد القومي العرقي المذهبي الذي تتبناه تلك القوى وتلك الاعراق ضد الكورد، وهي لم تزل تحمل نفس العمق التوسعي ، حيث تركيا لم تزل تريد استرجاع ما فقدته جراء هزيمة العثمانيين الطغاة على يد الحلفاء، في حين الامة العربية المقسمة على نفسها تريد استرجاع بهرجة الخلافة الاسلامية وقت ما كانت محصورة في بني قريش وبني امية، اما الفرس هم الاقدم وهم من رفدوا الاخرين بمعطيات الثقافة والحضارة واسس النظم والادارة فكيف يسمحوا بمن ينادي بغير اسمهم، على هذه الشاكلة تبدع هذه الامم في خلق الافات للاخرين ممن لاينتمون اليها من الامم، سواء بالقتل المبرمج والمنظم وفق اجندات خاصة تتمثل بالحروب او زرع الفتنة او الاعتقالات وزج القادة والمناضلين الثوار  في السجون او الضرب بالاسلحة الكيماوية او اطلاق علميات الابادة الجماعية " الانفال " او من خلال الاضطهاد الاقتصادي وضرب الحصار حولهم، او التدخل السافر والمباشر في شؤونهم، بل وصل الامر بهم لتقديم التنازلات لاعدائهم وتقبل المذلة فقط لضرب الحركة التحررية الكوردية، واخيراً وليس اخراً حرق قوت الفقراء ، وبالطبع  لا تهمهم القيم الانسانية حين يختلقون هذه الافات، فكل الوسائل مباحة لوأد المخالفين المارقين الملحدين الانفصاليين، حتى ان اعراضهم واموالهم وارضهم غنائم للفاتحين الجدد، وكأنهم بذلك يريدون طمس معالم السعي الكوردي لنيل الحرية، متجاهلين بأن الكورد مروا بظروف اصعب من هذه وتجاوزوا الامر بصمودهم وعزة نفسهم، وان لاشيء سيثني الكوردي عن سعيه لنيل حريته، فكلما كان الطغاة اكثر دموية كان في اعتقاد الكوردي ان طغيانهم دليل ضعفهم ودليل استنزافهم الداخلي.


13
نرفض العشائرية.... ولكن..؟
جوتيار تمر / كوردستان
25-5-2019
تختلف المفاهيم التي تعتمدها المجتمعات حول العشيرة والعشائرية، كما تختلف الاراء ووجهات النظر اليها داخل فيئات المجتمع نفسه، ناهيك عن الاختلافات التي تبرز حولها ضمن دوائر اكبر كالدولة والدين والقومية، فالعشيرة هي وحدة قائمة اساسها رابطة الدم، وهي موجودة قديماً قدم المجتمعات، ولاتزال كالاسرة قائمة الى اليوم حتى في اكثر بلدان العالم تقدماً، انها اشبه باسرة كبيرة ممتدة يربطها الدم لانها آتية من اب واحد في المجتمع الابوي، او من أم واحدة في المجتمع الاموي، وذلك ما يخلق تماسكاً وتجانساً نسبياً حول التكاتف والتعاطف بينها، بحيث حين يسعى فرد من افرادها لنيل مكانة يجد عواصر تلك الرابطة تسانده وتدعمه، في حين ان العشائرية هي عقلية او اتجاه سياسي يسعى لتحويل العشيرة الى نوع من الحزب السياسي قي نواجهة العشائر الاخرى، والاحتكام اليها في العلاقات الاجتماعية والسياسية، وبهذه العقلية او التحويلة تصبح العشائرية شكلاً من اشكال الايديولوجية يرجع اليها ويفسر بها كل امر مثل تشكيل الحكومات، والانتخابات البرلمانية والنقابية وغيرها وحتى الوظائف العامة والمدنية والعسكرية والاستثمارات والاعمال، كما يقول  " حسني عايش" ، وبذلك تصبح العشائرية نسق قيمي وسلوكي، سلبي في مجمله، لانه يحاول التدخل في مختلف جوانب الحياة بما فيها الرسمية متجاوزاً القانون والدين والقيم الإنسانية والحضارية ويستعمل العنف والإرهاب والقسر في تنفيذ جزاءاته لتصبح العصا التي تعيق عجلة الحياة المدنية، كما يشير الدكتور حميد الهاشمي الى ذلك، وبذلك تؤثث عوالم العشائرية وفق معطيات مغايرة لاتتوقف عند حدود السعي والدعم والمساندة بغية الوصول لهدف معين لاحد افراد العشيرة، انما تتحول هنا الى آلة فتاكة لفرض الواقع الذي تريده على المؤسساتية الديمقراطية باستخدام كافة الوسائل دون اية اعتبارات وطنية او حزبية معينة ومحددة، لأن الهدف الاساس لديها او الوصول الى غايتها، وبذلك تحول الواقع الى ساحة صراع دائمة، لاحدود لطموحاتها، وقانون يردعها، ولاسلطة يوقفها، فضلاً عن كونها تغير معالم الواقع السائر نحو مواكبة المتحولات والمتغييرات الدولية الى واقع يتراوح بين الهمجية القبلية والتسلط القبلي نفسه على جميع مرافق الحياة، فلاتتأثر دوائر ومؤسسات الدولة فحسب انما تتأثر البنية الاجتماعية ايضاً بذلك، فحتى اختيار المرأة لاي منصب اداري يكون وفق تطلعات العشائرية ونسقها الفوضي، لا على اساس التفوق والكفاءة العلمية او التخصصية.
لايختلف اثنان على ان دور العشائرية لايظهر الا عند غياب الدولة وضعف المؤسسة القانونية فيها، ناهيك عن تدخل الزعامات القبلية في ادارة شؤون الدولة نفسها وذلك بفرض وجودها الاقتصادي والجماهيري، وهذه السمة هي الغالبة في اغلب المجتمعات لاسيماالشرقية منها، ونحن الكورد كأحدى تلك المجتمعات التي تعيش تحت وطأة الاحتلال منذ قرون طويلة مازلنا احدى روافد القوى العشائرية التي نعاني من وطأتها ايضاً فضلاً عن الاحتلال، فالقوة العشائرية في مجتمعنا الكوردي باتت تهدد التطور الحاصل في البنية السياسية والنقلة الاجتماعية الحاصلة بعد زوال النظام الدكتاتوري البائد، بحيث ان الشريحة الواعية من الكورد صارت تصدح بضرورة الوقوف امام هذه الموجة كي نحافظ على المستويات البارزة التي وصلت اليها القضية الكوردية ككل من جهة، والانجازات والمكتسبات الحضارية العمرانية لاسيما في جنوب كوردستان من جهة اخرى.
ان اهم ما يثر الجدل بين هذه الاوساط المثقفة والواعية هو عدم اكتفاء الاحزاب السلطوية بالمعطيات الوراثية التي فاقت مفهوم العشيرة نفسها لتحل محلها المفهوم الفوضوي العشائري، وذلك من خلال عدم السماح للعقول النافذة والمتقدة بقيادتها، ومن ثم محاولة رصد المعارضين لها وتصنفيهم وفق رؤية خاصة بهم من عميل وخائن وتابع وارهابي ومن ثم تصفيتهم بشتى الوسائل، فضلاً عن محاولتهم وبشكل غير مبرر ومشين ايضا فرض ايديولوجيتهم العشائرية على الواقع العياني، وذلك من خلال اعطاء ادوار ولو ثانوية لبعض الاشخاص ضمن دائرة العشيرة بروح العشائرية وتفعيل الالة الاعلامية للوقوف على فعالياتهم التي هي في كل احوالها لاتعد سوى حركات مكشوفة لاتسمن ولاتغني من جوع، فالمجتمع يعيش حالة فوبيا رهيبة منذ ما يقارب العقدين ليس فقط من امكانية تحول الصراع الحزبي السياسي الى حرب اهلية بين الاحزاب العشائرية المتنافسة، انما ان تتحول الصراعات داخل الحزب العشائري الواحد ايضاً الى دمار للتجربة السياسية الكوردية، وذلك من خلال قيام طرف منافس لقيادة الحزب على حساب الاخر بتوطيد العلاقات مع الجهات المعادية للكورد وتقديم تنازلات كالتي حدثت بعد الاستفتاء فتكون وبالاً على القضية الكوردية، فضلاً عن استغلال تلك الصراعات الحزبية العشائرية التنافسية لتبرير حالة التلكأ الحاصلة ضمن ادوار الحكومة نفسها والاوساط الحزبية الداعمة لها  في دفع مستحقات الشعب وطمس حقوقهم تحت غطاء الظروف الاقتصادية والصراع مع المركز، وليس بخافي على احد ان هذا السوط هو  نفس السوط الذي تستخدمه السلطوية لترهيب الشعب من جهة، ولفرض ايديولوجيتها العشائرية من جهة اخرى.
ان العشيرة كرابطة دموية اسرية ليست بعبء على المجتمعات الحضارية، بالعكس تماما فهي تعد البنية الاساس لها، ومن خلالها يتم توطيد العلاقات الاجتماعية وتظهر معالم الاداور القيادية والتي يمكن استنباطها واستغلالها في العمل المؤسساتي، بالطبع ليس على اساس العشيرة واسمها، وانما وفق معطيات الاداء الذي تقوم به بعض الفيئات داخل العشيرة وذلك بعد تقييمها وفق معايير خاصة تخدم المصلحة العامة، ولكن العبء الاساسي الذي تنتجه العشيرة هو حين تتحول اواصرها الى توجهات قبلية ذات حمية عصبية لتصبح بذلك صاحبة تطلعات خارجة عن النطاق التنافسي القانوني، فتحاول فرض نفسها بالقوة، وذلك ما يولد ردة فعل سلبية من عشائر اخرى، فينتج عن ذلك اجمالا قوى تلبس رداء الوطنية وهي في الاساس تقوص العملية التحررية الوطنية وتجعلها تسير وفق مصالحها الخاصة، واهدافها العشائرية المسيسة سواء ضد الاتجاهات العشائرية المنافسة او لجعل مملكتها الحزبية العشائرية محصنة من اية اختراقات قد تضعفها، بالطبع هذا كله على حساب الشعب وعلى حساب القضايا القومية الوطنية الاساسية .
من هذا المنطلق اصبحت الاصوات تصدح بوضوح ضد هذا الاتجاه العشائري داخل المجتمع الكوردستاني، واصبحت تكتب وتثير الجدول حول سلبيات العشائرية والولاء الاعمى لها، وتنادي بضرورة ارساء قواعد اكثر متانة للعمل الديمقراطي في كوردستان، كي نتجنب خرق القوانين واضعافها، ونعطي للحكومة الديمقراطية والبرلمان المنتخب والوزارات الحق في اداء واجباتهم المؤسساتية بعيداً عن التدخلات العشائرية والحزبية ، وكذلك نعطي للحراك الاجتماعي تلك المساحة اللازمة للخق الابداعي، دون اية قيود تفرضها الايديولوجيات العشائرية.



14
المنبر الحر / من هم البيشمركة
« في: 22:30 03/05/2019  »
من هم البيشمركة
جوتيار تمر / كوردستان
1/5/ 2019
البيشمركة هو المصطلح الذي يطلقه الكورد في كوردستان للاشارة الى القوات التي تحمي الوطن، ولقد مرت التسمية بمراحل كثيرة كي تصل الى المفهوم والشكل الحالي، سواء من حيث الاستخدام او المعنى ، ولذلك نجد بان للكلمة اهمية كبيرة عند الامة الكوردية لاسيما في جنوب كوردستان حيث تم استخدام المصطلح اول مرة هنا، وفيما بعد اصبح هناك بيشمركة في شرق وغرب كوردستان مع تحفظ على التسمية في الغرب الى جد ما وكذلك في شمال كوردستان لكون الفكر القومي الكوردي السائد هناك يميل الى مفهوم الثورية الماركسية لذلك هم يتبنون تسمية الثوار " شه رفان " اكثر. ومع ذلك يبقى للبيشمركة مكانتهم وقيمتهم الكبيرة لدى جميع ابناء الامة الكوردية، لكونهم منذ بداية ظهورهم عُرف عنهم ميلهم الى التضحية والعمل الدؤوب وبنكران الذات من اجل حرية وحقوق الامة الكوردية.
للبيشمركة معاني كثيرة، ولكون الاسم كوردي فانه صعب على المفسرين من غير الكورد فهم معنى الكلمة والاسم بشكل صحيح، فهناك من قال بانها تعني الفدائيين ، وهناك من فسرها على انها تعني المقاتلين الاشداء، والبعض قال بان البيشمركة اسم يطلقه الكورد على المقاتلين  الذين  " يواجهون الموت "، ولكن يبقى للكلمة بريقها ورونقها بلغتها الاصلية لانها بنظر اصحاب اللغة تطلق على الانسان الذي يعمل بنكران الذات مضحيا بحياته وكل ما يملك من اجل تحقيق اهداف امته وتحرير كوردستان من الاحتلال الذي فرض عليه وفق معاهدات وصفقات دولية واقليمية لاسيما بعد كل من مؤتمري سيفر ولوزان. فالبيشمركة باللغة الكوردية تتكون من مقطعين الاول " بيش " وتعني الامام، والثاني " مرك " وتعني الموت ، لذا يمكن تفسيرها على انها تحدي الموت او امام الموت، " تيمناً بتاريخهم الحافل بالمعارك والقتال والشجاعة والبسالة  وذلك في حربهم لنيل الحرية وإعلان دولتهم الخاصة .
 تذهب غالبية الاراء الى ان الظهور الحقيقي للبيشمركة كان بعد اعلان الملا مصطفى البارزاني الحرب على حكومة عبدالكريم قاسم بعد توتر العلاقة بينهما، وذلك حين تجاهل الاخير المطالب التي رفعها البارزاني باسم الكورد الى حكومته، ولكن ذلك لايعد الرأي الراجح من حيث الدلائل والقرائن التاريخية التي سبقت تلك المرحلة بعقود كثيرة. حيث يذهب البعض الى ان قوات البيشمركة هي من اقدم القوات المسلحة في ما يسمى بالعراق الحالي حيث يعود تأسيسها الى عشرينيات القرن العشرين، بمعنى قبل سقوط الدولة العثمانية وانهيارها، مع وجود دلائل تؤكد بانه كان للكورد قوات قبلية نشأت في تسعينيات القرن التاسع عشر، حيث غلب في تلك الحقبة الزمنية المفهوم القبلي القومي على اغلب القوميات في الشرق الاوسط، وهناك من يرى بأن الكورد كباقي شعوب العالم يكافحون من اجل بناء دولة خاصة بهم، والتخلص من التبعية التي فرضتها الاجندات الدولية والمصالح الدولية حين الحقتهم بدول عنصرية ذات طابع قومي شرس، فانهم كانوا ومازالوا يحتاجون الى قوات عسكرية منظمة ومدربة ومسلحة باسلحة متطورة، وهذه القوات هي التي سميت منذ تلك الحقبة بالبيشمركة، ويمكن ارجاع تشكيلها الى سنة 1889 حيث كانوا وقتها مجرد قوات قبائل لحماية حدود الدولة العثمانية، وبعدما سقوط الدولة العثمانية اصبحت تلك القوات اكثر تنظئما واقوى واكثر عدداً، لاسيما حين بدأ الكفاح الكوردي المسلح ضد المستعمرين لارضهم وضد اصحاب المصالح ممن قسموا كوردستان الى اربعة اجزاء بعد معاهدتي سيفر 1921 ولوزان 1923.
تظهر الحقائق التاريخية ان الكورد قاوموا الكثير من الدول الاجنبية ممن عملوا على تأصيل عملية التقسيم وابعاد الكورد عن مساعيهم لتأسيس دولة قومية مستقلة، وبعيداً عن الظروف والاسباب سواء الداخلية التي تخص الكورد انفسهم من تشتت وعدم وجود قيادة موحدة وكذلك التبعية لاجندات خارجية للحفاظ على المصالح الحزبية فان تاريخ البيشمركة لايمكن انكاره في خوض معارك طاحنة مع الاتراك من جهة، والفرس من جهة اخرى والاعراب -الدول العربية كالعراق وسوريا - من جهة اخرى ، فضلاً عن المعارك مع الانكليز حين كانوا يسيطرون على المنطقة الكوردية، ورسيا القيصرية ايضا، وعلى مر التاريخ والكفاح الكوردي المسلح فقط تواترت الاحداث وتغيرت المعطيات وبقي المقاتلون الكورد بنظر الامة الكوردية مقدسين، لذا من الصعب جدا تحديد الفترة التي يمكن اعتبارها التأسيس الحقيقي للبيشمركة باعتبار ان الكورد يطلقون على مقاتليهم تلك التسمية، ولكن مع ذلك ومن خلال تتبع الدلائل التاريخية للتسمية نفسها كمصطلح يمكن اعتبار الفترة التي سعت فيها الحركة التحررية الكوردية لنيل حقوقها في ما يمسى بدولة العراق الحالية هي البداية الفعلية لظهور التسمية وليس الكفاح المسلح ضد الحكومات المتعاقبة والاطراف التي احتلت كوردستان واراضي الكورد، ولذلك توجد اراء كثيرة حول كيفية ظهور التسمية حيث يرى الدكتور محمد زايد -  أستاذ الشؤون الكوردية بجامعة الأزهر -  إن أحد افراد  قوات البيشمرگه القدماء أخبره إنه في عام 1933م، كانت إيران تقوم بحملات عسكرية شديدة ضد الحركة الكوردية التحررية، فتدارس زعماء الحركة الأمر، وتوصلوا إلى أنه لا بد من تشكيل جيش وقوات نظامية بهدف تنسيق النضال من أجل التحرر ، واثناء نقاشهم حول التسمية قال البعض  “الفرسان”، وبعضهم قال “المقاتلون”، وبعضهم قال “الفدائيون”، وبعضهم قال “المناضلون”؛  في أثناء ذلك كان الساعي أو العامل الذي يعد القهوة لهم، ويدعى أحمد دسمال، يستمع لما يقولون، فحين دخل عليهم سألوه باعتباره ايضاً احد افراد البيشمركة فاقترح عليهم اسم: “بيشمرگه” حيث نال الاسم إعجابهم وموافقتهم، ومن هنا جاءت التسمية، وفي رأي اخر مقارب لهذه الرواية وفي نفس الفترة الزمنية اي اثناء الصراع المحتدم مع الايرانيين الفرس اجتمعت القيادة الكوردية للعمل على تنظيم قواتها واطلاق تسمية عليها، حيث كان القاضي محمد واصدقائه يخططون لتأسيس جمهورية كوردستان، وهناك واثناء التباحث ذكرت احدى النساء الكورديات اللاتي شاركن في العمل السياسي وقتها، ان احد افراد اسرتها قد ضحى بروحه من اجل القضية الكوردية " مه رك بيشكر " فاتفق الحاضرون على تسمية " بيشمركة" مستوحين من كلامها.. في حين هناك رأي اخر يذهب الى انه عندما تأسست قوات البيشمركة في بداية عشرينيات القرن العشرين، كمجموعات مقاتلة، قد شاع استخدام اسم البيشمركة بعد أن أطلقه السياسي والمثقف الكوردي إبراهيم أحمد على الجناح العسكري للحزب الديمقراطي الكوردي الذي شارك في تأسيسه مما يعني بعد عام 1946، لاسيما وان البارزاني مؤسس الحزب كان ممن التحق بما يقارب الالفين مقاتل من البيشمركة بجمهورية كوردستان في مهاباد التي ترأسها القاضي محمد، وهناك رأي اخر يذهب الى التسمية ظهرت الى الوجود في ايلول سبتمبر 1961، عندما ثار الملا مصطفى البارزاني ضد حكومة عبدالكريم قاسم، مطالباً بمعاملة المنطقة الكوردية معاملة خاصة والاهتمام بوضعها المتخلف اقتصادياً واجتماعياً وتعليمياً، على هذا الاساس فان غالبية الاراء تجعل من الحركة التحررية التي قادها البارزاني هي المحطة الابرز لظهور التسمية وذلك ما يدفعنا الى القول بان مشاركة البارزاني في دعم الحركات السياسية والمسلحة التي قادها الشيخ محمود الحفيد 1919 تعد البداية الحقيقية لظهور البيشمركة وتسميتهم على الصعيد المحلي " جنوب كوردستان " حيث ان تلك القوات ناضلت فيما بعد الحكومات العراقية في العهد الملكي كما ناضلت ضد الانكليز والحكومات العراقية في اكثر من معركة وانتفاضة، لاسيما بين اعوام 1940-1945، واستمرت في نضالها وكفاحها الى ان مابعد حكومة عبدالكريم قاسم. حيث شهدت قوات البيشمركة تطورات نوعية بعد التحاق عدد كبير من ضباط الجيش العراقي من الشيوعيين والقاسميين بها، فتطورت تشكيلات البيشمركة واتسعت.
استمر النضال والكفاح المسلح لقوات البيشمركة ضد الحكومات العراقية المتعاقبة، ومر ذلك النضال بمراحل تاريخية عديدة وبظروف داخلية واقليمية متغيرة ساهمت بشكل واخر في تقوية جبهات البيشمركة احياناً وفي احيان اخرى في اضعافها، لاسيما بعد اتفاقية الجزائر 1975 حيث تخلت ايران وقتها عن دعم البيشمركة في حربهم ضد الحكومة العراقية، ولكن ذلك لم يمنع ابدا ان تظهر بين فترة اخرى قطاعات من البيشمركة لضرب الاهداف العسكرية العراقية بالذات، معلنة وجودها وعدم انتهائها، لاسيما بعد ان ظهرت احزاب وحركات كوردية اخرى على الساحة في جنوب كوردستان، حيث اصبحت التوجهات الفكرية والأيدولوجية للبيشمركة ترتبط بالأحزاب والحركات التي تنتمي إليها، وتراوحت الأطر الفكرية  للاحزاب الكوردية بين القومية واليسارية والإسلامية، وتمثل إقامة دولة مستقلة للكورد الخيط الناظم بين كل هذه الأطر الأيدولوجية، والهدف السامي الذي مازال البيشمركةيناضل ويضحي بنفسه وباغلى ما لديه من اجل تحقيقه.


15
المنبر الحر / أنس حامل الورود
« في: 21:19 13/02/2019  »
أنس حامل الورود
جوتيار تمر/ كوردستان
5/2/2019
حين تتحول الحياة الى كأس من السم يتسرب ببطئ الى جميع اعضاء الجسد فتجعلها تتآكل من الداخل شيئاً فشيئاً، حتى يصبح الانسان بمرور الزمن مجرداً من كل مقومات البقاء بعدما يتجرد من الامل، فان الحياة نفسها تغدو آلة دمار، ووهم قاتل يتغذى عليه الانسان منذ صرخته الاولى الى اخر نفس له، ولعل ذلك فعلياً كان وراء انجراف الانسان منذ البدء الى التمرد لا على الاعراف فحسب بل حتى على الهته، وتلك الشرائع التي تقضي بأن يموت الانسان جوعاً افضل من أن يخضع لمنطق المقبول واللامقبول وفق تشريعات الالهة والمجتمع.
لقد حولت الحياة بانيابها مسارات وجود الانسان وفق معطيات سبقية وجعلته خاضعاً لمنطق الماهية التي تسبق وجوده الحر، لذا حين نشأ وادرك ووعى، وجد نفسه محاطاً بالعديد من التساؤلات التي لا اجوبة لها، فاصبح بلا رغبة منه بين فك قسوة العيش وعدميتها وبين الاخذ بالاختيار كي يجنب نفسه الموت فوق ارصفة البلهاء ممن ارتضى اللاخيار ووقع فريسة الحياة والجوع ومنطق المقبول واللامقبول،وكأنها الحياة منذ البدء فرضت على الوجود الانساني ان يؤمن بان خلاص الانسان لن يتأتى من خلال ادارة ظهره للعالم والهروب منه، وانما حتم عليه الانغماس في العالم حتى النهاية بوعي كامل لمسؤولياته ووجوده، ووفق مخاض تلك الرؤى تحولت حياة الشاب " أنس " من غياهب الجوع، والخوف من اقتراف الخطأ الى حياة تدخل الفرح في نفوس الاخرين ممن هم بنظر المجتمع منبوذون ليس لانهم يتجارون بارواح الناس واعراضهم، او لانهم مارقون سارقون، او ممن يتعدون على حقوق الاخرين او كاذبين، انما فقط لانهم قرروا واختاروا اللجوء الى ما يبعدهم عن عفونة هذا المجتمع المارق الذي يعيش على النفاق الاخلاقي والسياسي والاجتماعي، نعم أنس صورة حية لمن اراد العيش والانغماس في العالم لا الهرب منه، حتى لو كان مَن شجعه هو نفسه الذي يهرب من الحياة باللجوء الى السُكرّ احياناً.
كان في مقتبل عمره، حين فقد والده، ولم يجد غير امه التي ضحت من اجله بكل ما تملك، وحين نضج عوده قليلاً، كانت الام تعيش على فتات الحياة، تلك الحياة التي تحولت بنظرها الى مادة ظلامية، تلك المادة التي منها نفسها خلق جسد هذا البشر حتى قام بتحويل العالم كله الى فساد وخداع وموت وآلام ، حيث المرض والفقر، والجوع والبكاء، تُدخل في كل فجر المزيد من الموت البطيئ في روحها، ويجبرانها على الشرب من ذلك السم المسمى بالحياة، كان أنس كلما ينظر اليها يحترق في داخله وينظر الى كل صوب وهو يتمتم بحزن وحرقة انها امي ايتها السماء انها امي ايها البشر،حتى بُح صوته دون مجيب، تكالبت عليه الاقدار والظروف وكان عليه الاختيار بين رؤية امه تحتضر جوعاً ومرضاً، وبين دراسته ولم يتردد لحظة وقتها، حيث اختار ترك الدراسة وكل شيء والبحث عن لقمة عيش كي يعيل بها امه المريضة التي تريد الهرب من العالم، ولانه لم يكمل دراسته فلا فرصة لعمل منظم ودائمي، وانما عليه ان يعمل اجيراً يستغله اصحاب الجشع البشري كلٌ وفق حاجاته، وحين ادرك تماماً بانه لن يستطيع الصمود امام تلك المطبات البشرية الحياتية، لجأ الى ابواب احدى الجوامع يطلب من اصحاب الايمان المساعدة ولو بالقليل ليس لاجل ان يعيش هو كباقي البشر انما ليعيل امه التي تحتضر بعدما اعطته كل شيء من روحها وقلبها وحياتها، كم كان الامر صعباً في بدايته بالنسبة له، ولكن براً بوالدته رضي بالمذلة ورضي بنظرات الاخرين، لاشيء عنده كان اهم من يعود الى البيت حاملاَ دواء امه، او لقمة يسد بها جوعها، توالت الايام وأنس يدرك تماما بان اهل الايمان ينظرون اليه باستصغار، وانهم يتمتون.. هو شاب لماذا لايذهب ليجد لنفسه عملاً شريفاً، وهولاء هم انفسهم اذا طلب انس منهم ان يوظفوه في وظيفة " شريفة كما يدعون" او يمنحونه اي عمل كان سيقبل، ولكنهم هم في الاصل من سدوا امام وجهه كل السبل فلم يجد غير ما يقوم به الان الجلوس امام باب الجامع ليقتات من فتات روداه، هذا ان وجد بينهم من يدرك في الاصل لماذا هو يدخل الجامع.
في ليلة شتوية باردة ، حيث المطر يغسل آلام الارواح الحزينة، ويزيدها في الوقت نفسه اوجاع البقاء، ييأس أنس من جلوسه امام باب احدى الجوامع، فتحامل على نفسه وقام يتجول في احياء المدينة وشوراعها عله يجد من يمنحه فقط ما يشتري به خبزاً لامه، قادته خطواته الى احدى الشوارع الرئيسية في المدينة، حتى مَرّ امام احدى البارات، البرد كان يعصف به، لجوعه ، ولحزنه على جوع امه التي تنتظر عودته ولو برغيف خبز، وبينما كان يمر بخطى مثقلة امام احدى البارات التي تملئ ذلك الشارع خرج منها شاب في منتصف عقده الثلاثيني، كانت رائحة المشروبات تفوح منه، لم يكن سكيراً ولكنه كان بين الامرين، نظر الشاب الى أنس وهو يمر مطأطئ الرأس وواضعاً يديه تحت ابطيه، لم يكن يعرفه، لكن انسانيته كانت تعرف بان الذي يمر امامه انسان، قال له هل تشعر بالبرد...؟ ، هل انت جائع...؟ ، نظر أنس اليه والدموع في تلك الليلة الباردة تغزوا عيناه.. قال نعم.. قال تعال خذ هذا المال واذهب لتشتري به لنفسك طعاماً ولتعُد للبيت ولاتبقى على الشارع لان البرودة ستقتلك..اخذ أنس المال وشكره على ذلك.. ومضى للبيت حاملاً لامه ما يسد به جوعها ويخفف عنها ألم مرضها، ولكن أنس ظل متسغرباً مندهشاً، وهو يردد في نفسه مع نفسه لم يقل احداً لي يوماً وانا امام باب الجامع هل تشعر بالبرد..؟ هل تحتاج الى المال..؟ ، مالذي جعلك تترك دراستك وتعمل على طلب المال ..؟، تلك التساؤلات غيرت بعض ملامح أنس،حيث ادرك بأن اله ذلك الشاب ليس كاله رواد الجوامع، لان اله الاول منغمس في شؤون العالم والانسان، بينما اله الاخرين متعال على كل ما يجري في العالم المادي، فقرر ان يقف امام البارات بدل الجوامع، وبعد ايام قليلة اعطى لنفسه حق خرق الاعراف الاجتماعية التي تمنعه من دخول البارات فدخلها، وبدأ يطلب المال من الجالسين على تلك الطاولات، وذات يوم، ناداه احدهم، لم يكن يعرفان بعضهما البعض، سأله ما اسمك، قال أنس.. قال لماذا تعيش على الطلب.. قال لاساعد امي المريضة ولادفع ايجار البيت الذي يأويني مع امي.. صفن الشاب وتمتم في نفسه وهل من انسان يأخذ من امثالك وامك الايجار..؟، ثم اردف  قائلاً: هل اقول لك شيئا يفيدك بشكل اكثر في عملك ويجعلك تعيش حياة افضل .. قال أنس مستغرباً نعم تفضل..! ، قال خذ هذا المال واذهب لتشتري به بعض الورود وقارورة عطر، وحين تدخل هنا او في اي بار اخر، ضع على كل طاولة وردة دون طلب المال من اصحابها، ولاترش عليهم العطر الا اذا طلبوا منك ذلك وليكن العطر هادئاً خفيفاً، قد لايعطونك في اول الامر، ولكنهم حتى وان كانوا سكارى سيدركون حجم ما تقدمه انت لهم من احترام ومودة وحب،  وذات يوم سيدفعون لك ما يسد به رمقك.. ويخفف من مرض امك..وما قد تدفعه لجشع ذلك البشري الذي يطالبك بالايجار، كما ستحافظ به على شخصيتك كانسان كادح.. اخذ أنس منه المال وعيناه دامعتان،شكره كثيراً.. وحين حل المساء في اليوم التالي دخل أنس البارات بحلته الجديدة، وطريقة عمل مستحدثة، لم يعد يمد يده لطلب المال، انما كان يمد يده لزرع المحبة، وبدأ يوزع الورود على الجالسين فيها، ويوماً بعد يوم تحسنت احوال أنس واستطاع من شراء بيت قديم يأويه ويأوي امه، بدل الايجار ، وبقي رغم ذلك مستمراً في عمله، و ذات ليلة بينما هو يوزع الورود ، استغرب احد رواد البارات الجدد، عندما شاهده يضع الورد امامه ولم يطلب منه ثمنها او شيء، قال لاصحابه من هذا، وماذا يعمل..؟، قالوا له هذا أنس الذي يهدي الورود للاخرين دون ثمن، تعجب من امره، وقال لاصحابه ما قصته، وكيف لايطلب ثمنها، انه من حقه، هل يمكنني التحدث اليه.. قالوا لابأس، نادى احدهم أنس فاتاه، قال لأنس اذا لديك وقت يريد صديقنا الذي عاد من الغربة ان يتحدث اليك.. رد انس لكني اعمل وهذه ساعات عملي.. قال الشاب العائد.. كم تكسب خلال عملك في الليل..فرد عليه أنس برقم محدد.. قال تعال اجلس واحكي لي قصتك وانا ساعطيك ضعف ذلك الليلة.. فجلس أنس وبدأ يسرد عليه قصته، دمعت عيناه، وحضن رأس انس وقَبَله، سأله هل تعرف ذلك الشاب الذي ارشدك لطريقة عملك.. قال منذ تلك الليلة وانا ابحث عنه لاشكره لكني لم اجده وكأنه كان طيفاً ظهر خصيصاً ليرشدني الى هذا العمل ويختفي بعدها.. قال الشاب هناك سكير يدرك كيف يمنح الحياة لعاجز فقير بكلامه اكثر من مدعي لايعطي حتى الصدقة الا امام انظار الناس تمجيداً لذاته.. ان ذلك الشاب لهو مدرسة حتى لو كانت رائحة المشروبات تفوح منه.. واولئك المُدّعون انما مارقين يمنعون الناس من كسب قوتهم حتى لو كانوا ممن يسجدون لربهم في اليوم مائة مرة.
تلك المفارقة الغريبة .. والجزئية البسيطة التي حولت حياة أنس الى حياة افضل، لم تأتي من اصحاب النصيحة " انما الدين النصيحة " ، انما اتت ممن ينبذهم اصحاب النصيحة ، مَن كان يرتاد البارات التزم بانسانية المقابل واعطاه الكلمة التي تحيي فيه الامل بالوجود ، والاخرون نظروا اليه باستخفاف، ولعل نظراتهم ودعواتهم وتمتماتهم هي نفسها التي قادت أنس الى البارات دون ان يشرب، ولم تدفعه للجوامع ليستصغر الاخرين مثلهم، هكذا بكلمة من سكير تحولت حياة الشاب، ومضى يعمل باخلاص، ويقتني اجمل الورود ويلبس افضل ما لديه اثناء عمله، حتى انقلبت عليه الاقدار و تداركته المنية ذات ليلة حالكة الظلمة عندما دهسته سيارة غني " لايشرب " حين كان أنس يتنقل بين اماكن عمله ليكسب قوت حياته.. فاقيم له عزاء حضره اصحاب البارات ممن زرع أنس المحبة على طاولاتهم ولم يحضر من اقاربه واصحاب ..... الا القلة لأن أنس بنظرهم كان ممن يرتاد البارات.


16
مشكلة الكورد اشكالية للجوار
جوتيار تمر / كوردستان
 21/2/2018
يبقى مفهوم الاشكالية والمشكلة بين الاوساط الاكاديمية مسألة تداولية واراء تخدم المصطلحان نفسهما، وتؤكد في الوقت نفسه على مدى تداوله على الاصعدة المختلفة ، لاسيما السياسية التي غالبا ما تطرح مفهوم الاشكالية وفق تداعياتها المصلحوية القائمة على تحقيق غاياتها بشتى الوسائل المشروعة وغير المشروعة، ونحن الكورد اذا نعيش فوق جغرافية تعد من احدى اهم المناطق التي تتداول عليها مصالح القوى العظمى، نتعرض الى هزات متتالية بسبب تلك الدوامة المصلحوية ، وبذلك اصبح وعي مفهوم المشكلة والاشكالية لدينا ضرورة ملحة، كي نقف على الحدود الجغرافية لتلك الدوامة المصلحوية ، ولكي لانلقي دائما باسباب تراجعنا الى ساحة الاخرين لاسيما واننا مازلنا لانعي اذا ما كان وجودنا بهذا الوضع الراهن "أ هو " مشكلة خاصة بنا ام اشكالية من حولنا والمنظومة الدولية المصلحوية..؟ ، لكوننا ننظر الى الامور دائما كما هي عادة الشعوب في هذه المنطقة من منظور قومي جغرافي تاريخي بحت، ولم نستطع يوما تجاوز ذلك المنظور الى افاق ابعد، وحتى ان بدا للكثيرين بأن الشعاراتية المتمرسة التي تتبناها الانظمة في هذه المنطقة هي دليل على تجاوزهم لذلك المنظور، ولكن الواقع الفعلي يثبت دوما بطلان تلك الشعارات وعمق الحس القومي الجغرافي التاريخي للاقوام والانظمة المستبدة في هذه المنطقة " الشرق الاوسط".
اذا ما نعني بالمشكلة والاشكالية وفق تداولنا لهذه المفاهيم وكيف يمكن اسقاطها على واقعنا الكوردي بصورة تتناسب وصيرورة الاحداث من جميع النواحي والاصعدة ، تعد المشكلة ضمن الرؤية الاكاديمية قضية اقل شمولا، وتخص صاحبها على الاغلب، ولاننا نتكلم بصيغة الجمع القومي فيمكننا ان نقول بان المشكلة هنا تخص الكورد وحدهم بحيث تجعلهم يبحثون عن حلول لقضيتهم، او حتى بان يكونوا قد وضعوا لانفسهم اهداف محددة، ولكنهم يواجهون عوائق وعقبات لتحقيق ذلك وللوصول الى تلك الاهداف، وبذلك فاننا هنا نعيش تحت وطأة مفهوم المشكلة داخلياً، واقصد بداخلياً كوردستانياً قومياً ، ولااعتقد بانه قد يحتلف اثنان واعيان على هذا الامر، فمشكلتنا تخصنا على وجه الخصوص قبل ان تتحول الى اشكالية لغيرنا، لكوننا ووفق المنطق الجغرافي التاريخي وبحسب المصادر التاريخية نفسها متزامنيين في الوجود مع اقدم الاقوام التي سكنت المنطقة، وكما هم كانوا يبحثون للتوسع كنا نفعل المثل، ومن باب التوضيح فاذا كان السومريون قدماء، فقد ذكر هولاء في كتاباتهم واثارهم اسم سوبارتو واسم الميتانيين وهولاء وبحسب النظريات الاكاديمية هم اسلاف الكورد، اذا تواجدهم تزامني ولانحتاج الى البحث والاثبات لذلك لان الامر مفهوم ومدرك من قبل الاكاديميين غير المتعصبين وغير المهرطقين الذين دائما ما يبحثون عن طعن الاخرين وتهميشهم كدليل على وجودهم وهم لايدركون بانهم انما يحاولون اثبات وجودهم مما يعني ان وجودهم مشكوك فيه في الاصل كي يبحثوا عن ذلك، المهم بعيداً عن الحفريات التاريخية الجغرافية في المنطقة، نحن الكورد توارثنا مناطقنا وحاولنا كغيرنا ان نتوسع ونتحالف من اجل البقاء، وهذا الامر كان ولم يزل طبيعياً بعيداً عن غرضنا، الا اننا وكباقي شعوب المنطقة لم نفكر يوما قديما وحديثا بان وجودنا في الاصل مشكلتنا، والحفاظ على وجودنا ليست مهمة او مشكلة الاخرين، وبذلك تعدينا من خصوصية مشكلتنا الى اشكاليتنا للاخرين، وكنا ولم نزل نلقي باللوم على الاخرين في عدم تماسكنا وعدم حصولنا ووصولنا لاهدافنا الخاصة بنا.
من هذا المنطلق كي نستطيع بناء وجودنا مرة اخرى كقوة تحاول التوسع والامتداد او حتى كقوة تحاول استعادة ما سلب منها قسراً، علينا وهي المشكلة الاساس التي نعاني منها، والتي بلاشك لايختلف عليها اثنان، وهو اننا لانملك هدفاً موحداً واقعياً بعيداً عن الشعاراتية واثارة العاطفة الكوردية على ارض كوردستان، واظهار مظلوميتنا دائما وعلى اننا امة وقوم تعرضوا للظلم والتهجير والتهديد والتشتيت، فكل ما تعرضنا له ليس الا هدف للاقوام التي تجاورنا اقصد بهدف انهم كانوا مثلنا لديهم مشكلتهم الخاصة بهم، وقضيتهم الخاصة بهم، وسعوا لتحقيق اهدافهم لايهم على حساب من، المهم عندهم ان يتوسعوا، ان يدعموا قضيتهم، لذا مصالحهم وسعيهم لتحقيق تلك المصالح مرت على ارضنا، وواجهونا نحن الكورد، اي نحن كنا الطريق الذي مروا عليه لتحقيق تلك الاهداف التي تخدم قضيتهم، اذا هم حاولوا حل مشكلتهم غايتهم بتلك الوسائل سواء أكانت مشروعة او غير مشروعة، لكنهم استطاعوا من خلق عوالمهم الخاصة، وكياناتها القومية الخاصة، ام نحن الكورد فبقينا غير واعين لمشكلتنا، وبقينا نعلق الامال على المنظومة الدولية والقوى العظمى لتحقيق مقاصدنا واهدافنا مشتتين داخلياً لانملك قيادات واعية تستطيع ان توحدنا، او ان توجهنا نحن افاق مستقبلية تخدم قضيتنا وتحل مشكلتنا، وهذا ما يحدث لنا الان ايضا، فجل اهتماماتنا لم تزل منصبة على ما يمكن ان يقدمه الاخرون لنا، وسعينا لتحقيق اهدافنا يواجهه تحدي داخلي ورفض من القوى السياسية الكوردية غير المتلاحمة، بحيث لم نعد نعي بأن امكانية نجاح جزء كوردستاني قد يساهم في نجاح الاجزاء الاخرى مستقبلاً، بل اصبحت بعض القوى السياسية الكوردية توجه جل غضبها نحو الانجح منها سياسياً واقتصادياً وعلاقتياً، وعلى هذه الشاكلة تحولت مقاصدنا الى لعبة بيد اصحاب القوى والمصالح في المنطقة يتم توجيهنا للدخول في نزاعات كوردية – كوردية ، بدل ان نسخر تلك القوة وذلك الغضب تجاه اعداء الكورد انفسهم ممن بنوا حصونهم على رقابنا، وبذلك لم نعد نعي مشكلتنا الاساس، ولم نعد نبحث عن العلاجات والحلول، بل اصبحنا نتزاحم على الانتقاد والتقليل من بعضنا البعض، وحتى الاعمال البطولية التي يقوم بها ممن يحملون السلاح في كل اجزاء كوردستان اصبحوا اداة بيد المنظومة الدولية التي ما ان تحقق اهدافها في المنطقة حتى ما تلبث ان تتخلى عنهم.
ان وعي المشكلة ومن ثم البحث عن تداعيات المشكلة هي من اهم الامور التي يجب علينا نحن الكورد الوقوف عليها والعمل عليها، كي نستطيع من تحقيق اهدافنا وفق منطق القضية الاسمى " كوردستان " ، وكنت ومازلت مؤمن بان نجاح جزء يعني دعم للاجزاء الاخرى في المستقبل، ولايمكن الحكم على نجاحهم بانه اتى على حساب الاجزاء الاخرى، او ببناء علاقات اقتصادية او سياسية مع ممن يتسلط على الكورد في الاجزاء الاخرى لأن ذلك بعيد عن المنطق في فهم المشكلة، وخلق مساحة مهيئة للانطلاق عليها لتحقيق الغاية الاسمى.
ووفقاً لهذه التداعيات فان مفهوم المشكلة الكوردية " الكوردستانية " قد اصبح بحق عائقاً كوردياً للوصول الى الغاية الاسمى، ولكنه في الوقت نفسه تحول الى اشكالية للجوار وللمنظومة الدولية، فباعتبار ان الاشكالية كمفهوم تعني قضية عامة ومعقدة، وينضوي تحتها عدد من التساؤلات، وقد توجد اجوبة لبعضها ولكن غالبيتها تظل بدون اجوبة واضحة وملموسة، لذلك فهي تسبب جدلاً واسعاً يقابل بالرفض من قبل الكثيرين ممن يسعون لفرض وجودهم الدكتاتوري القومي، وبحسب هذه الرؤية مشكلة الكورد هي بالفعل اشكالية للجوار القومي، لان وجود الكورد حقيقة وواقع ملموس ومؤثر على الرغم من شتاتهم، لانهم متداخلون ضمن المكونات الاساسية والمؤثرة داخل منظوماتهم القومية السياسية والتشريعية، سواء في تركيا التي تستخدم كل الوسائل لقمع الكورد، او ايران التي لاتقل شراسة وارهاباً ضد الكورد، او العراق حيث الكورد اصبحوا ووفقاً للمنطق السياسي معادلة صعبة لايمكن تجاوز وجودهم لفرض اية ايديولوجيات متطرفة، وفي سوريا حيث الشتات الكوردي لايعني زوالهم وغيابهم كواقع ومعادلة في الرؤية المستقبلية لوجودها، وكما ان الكورد تحولوا شيئاً فشيئاً الى اشكالية دولية لاسيما ان المنظومة استغلتهم في فرض نظامها على المنطقة بالاخص في مواجهة الارهاب الذي هدد مصالحهم بشكل واضح، وبذلك فان مفهوم الكورد وكوردستان مثلما هو مشكلة كوردية_كوردية ، اصبح اشكالية دولية واقليمية ، بحيث اصبحت قضيتهم تطرح على طاولة " مائدة " القوى العظمى والمنظومة الدولية والامم المتحدة وضمن حوارات تلك القوى مع دول الجوار وكذلك بين القوى الاقليمية نفسها حين تتشاور وتبني رؤيتها العلاقاتية والسياسية والاقتصادية مع الاخرين، وبذلك لابد للكورد من ان يستغلوا هذه الفرصة كي يوحدوا جهودهم لتحقيق غايتهم الاسمى، وهنا لاادعوا الى التنازل عن المبادئ الحزبية او خلق كيان حزبي كوردي عالمي، لان الامر مازال مبكراً للحديث عنه، فالكورد لم يستطيعوا لاسيما في شمال وغرب كوردستان من فهم اهمية الاستقلالية في التحرك السياسي والعسكري لخلق انموذج يلائم الجغرافية والتاريخية التي يعيشون فيها، ولكن اقول بان يفهم كل جزء اهمية مشكلته الجغرافية ومن ثم البدء بعمل يلائم تلك الجغرافية بتاريختها الحركية التحررية، ومحاولة دعم الحركات الكوردية الاخرى دون انتقادها او التحرك ضدها، وبذلك نستطيع خلق نماذج منوعة كل واحدة منها تلائم جغرافيتها، وان استطاع انموذج من تحقيق غايته الاستقلالية يتم دعمه من قبل الاخرين واحترام قادته، لكي يتم وضع الحجر الاساس لمشروع اكبر قادم بلاشك.


17
هوية الكورد ودول الجوار
جوتيار تمر / كوردستان
28-12-2018
لم يعد خافيا على احد بان انكار هوية الكورد هو احد اهم المرتكزات التي تتعامل بها دول الجوار مع الكورد وابناء كوردستان في كل اجزائها، ولم يعد خافياً بان تلك الدول بانظمتها الدكتاتورية تستغل وتوظف كل وسائلها المباحة وغير المباحة من اجل الحاق الاذى بالكورد ليس فقط كسباً لود شعوبها المنصاعة لسياستها فحسب انما تماشياً مع الحقد الموروث لديهم تجاه الشعوب الاخرى التي لاتنتمي اليهم لغة وارضاً وقومية ، وهذا بالذات ما يشير اليه الواقع بدقة ووضوح، حيث ان الشعوب المطبلة لحكامها هي الشعوب نفسها التي تحقد مثل سلاطينها على الاخرين وبنفس الوتيرة ، مما يعني بانها لاتكسب الحقد من سلاطينها، انما الحقد قد نمى معهم وبات متجذرا في عقولهم التي تحجرت جراء انغماسها بدماء الابرياء والظلم والكراهية والانانية والنظرة الفوقية.
تشير اغلب الدلائل والمعطيات الحالية لاسيما بعد قيام الكورد باجراء اول استفتاء حقيقي ومدوي لهم في جنوب كوردستان بان الموروثات والجينات الحقدية لدى الكثير من الشعوب المتاخمة " فيئات شعبية واسعة ليس كلها "  للكورد ليست فرضية او مجرد اقاويل واتهامات نطلقها نحن الكورد من ابناء كوردستان، انما هي ثوابت حقيقية يتم التعامل بها معنا سواء من الذين آويناهم حين رفضهم ابناء جلدتهم ودمروا مدنهم وقراهم فلم يجدوا سوانا ليلجأوا اليهم، او ممن يمتعض حقداً لاننا اصبحنا على هذا المستوى من التطور لاسيما الانساني والعمراني معاً، فالبناء لدينا لم يكن فقط عمرانياً انما جاء البناء الانساني ملازماً لقرينه العمراني، بحيث لم نخرق قانوناً دولياً ولم نضطهد القوميات الاخرى داخل كوردستان، وبالعكس تماماً كنا معهم يداً واحداً في البناء والتعايش والمحبة، ومن ينكر ذلك فانه لايأتي الا بباطل، لأن الحقائق تثبت بان الكورد في كوردستان تعايشوا مع الكوردستانيين بشكل ايجابي ومثمر، سواء من الكلد والاشور والاثوريين والتركمان والعرب وغيرهم من القوميات الاخرى ناهيك عن التعايش الديني والذي يثبته ارباب الدين في كوردستان من جميع الاديان، وفضلاً عن كون كوردستان تبنت ايواء النازحين والهاربين من بطش المنظمات الارهابية الخارجية والداخلية معاً فحتى بعد تحرير مدنهم مازالوا يعيشون داخل كوردستان وهذا خير دليل على مدى التعايش الانساني الذي يتبناه الكورد تجاه القوميات والاقوام الاخرى.
ان هذا التطور الملموس في التعامل الانساني والعمراني جلب لكوردستان اعداء كثر من الدول المجاورة التي تقوم انظمتها الحاكمة باستعباد شعوبها وغرس التفرقة بين الفيئات الاجتماعية على اسس الانتماء العرقي من جهة وعلى اسس الانتماء المذهبي الديني من جهة اخرى، وبالتالي فانها باستعبادها لشعوبها بتلك الصورة البدائية ترفض ان ترى بقعة امل قريبة منها قد تثير شعوبها التي هي خارج دائرة الفيئات الحاقدة، وبالتالي قد تطالب بحقوقها المهدورة والمسروقة، وذلك بالضبط ما يؤرق مضاجع السلاطين والملالي والدكتاتوريين من حولنا.
لقد أظهرت التفاعلات مع الاحداث المتعلقة بكوردستان حقائق كثيرة تتعلق بانظمة الحكم والكثير من الفيئات الشعبية، فكما نوهنا سابقاً بمسألة الاستفتاء وكل الاجراءات التي اتبعت ضد الكورد وكوردستان وقتها، لم تتوقف تلك الاجراءات حتى بعد تجميد نتائج الاستفتاء، بل توالت الويلات على الكورد في جميع اجزاء كوردستان ، ففي الجنوب استعملت بغداد القوة العسكرية ضد الكورد كاعادة للتاريخ الدموي الذي فرضه حكام بغداد على الكورد منذ بداية تاسيس ما يسمى بدولة العراق والتي كانت في بداية امرها لاتضم جنوب كوردستان انما فقط ولايتي بغداد والبصرة حتى عام 1925 حيث باعت تركيا ولاية الموصل للعراق مقابل النفط ومن ثم مقابل المال، هذا التاريخ الدموي لم يتوقف الا خلال حقب قصيرة وسرعان ما كانت الدكتاتوريات السلطوية تعود لممارسة اضطهادها وعنفها الدموي ضد الكورد، وما حصل في الاونة الاخيرة من عمليات لما يسمى بالحشد الشعبي الشيعي العراقي الممزوج بالايراني خير دليل على ذلك، وفي غرب كوردستان تمارس السلطات الحاكمة سواء من المعارضة او الحكومة نفس الممارسات اللا اخلاقية واللاانسانية تجاه الكورد فعلى الرغم من ان الكورد هم القوة الاكثر حضوراً في محاربة الارهاب الا ان المجتمع الدولي والحكام كلهم واقفين بنفس الخندق ضدهم متناسين ومتجاهلين حجم الدمار الذي لحق بالكورد جراء دفاعهم عن ارضهم ووقوفهم ضد الامتداد الارهابي لجماعات النصرة الموالية لتركيا وداعش التي تساندها تركيا ايضا ضد الكورد، في حين نجد الحكومة اشبه بما تكون دمية بيد القوى العظمى كروسيا وبعض القوى الاقليمية كايران ، وفي ايران نفسها نجد ابشع الممارسات التي تتخذها دولة الملالي تجاه الكورد فليس فقط هناك كبت لحقوقهم انما تمارس العنف المنظم تجاههم وباستمرار والاعدامات التي تطال الكورد في جميع انحاء شرق كوردستان خير دليل على ذلك ناهيك عن تعمدهم في ممارسة الضغوطات على بغداد الموالية لهم لتقوم الاخيرة بالضغط على جنوب كوردستان وحكومتها بكل الوسائل والاشكال ، اما في شمال كوردستان فالصورة ابلغ من ان نتحدث عنها، حيث ان السلطات التركية لم تنسى شيئاً ممكنا ولا مباحاً او غير مباحاً الا وقد مارسته ضد الكورد فالتهجير الذي هو من اسس الانظمة الدكتاتورية في الاجزاء الاخرى ايضا مازال مستمراً، والقتل مازال مستمراً، وتهميش القومية الاكبر بعد الترك داخل الدولة مازال مستمراً، محاربة اللغة الكوردية ومحاربة اسم كوردستان ، ومحاربة الحقوق الكوردية كل ذلك مازال مستمراً والادلة لاتتوقف عند زج الساسة والقادة الكورد في السجون بتهم ملفقة وباطلة فحسب انما وصل بهم الحقد الى اعلى مستوياته  حيث اصبحوا يمارسون دكتاتوريتهم حتى ضد حريات التعبير فخاطبوا ادارة المواقع الالكترونية بازالة اسم وخارطة كوردستان منها، وبذلك اثبتوا بانهم الاكثر دناءة، والاكثر حقداً ، والاكثر دكتاتورية بدون منازع ومنافس، والغريب ان تلك المواقع ترضخ لها، وكأنها هي الاخرى اداة بشعة بيد الحاقدين على كوردستان محاولين معاً طمس معالم قوم ربما هم الاكبر من بين الاقوام  التي مازالت بلا دولة وكيان مستقل، والاغرب من ذلك ان معظم من  دولهم مبنية على اسس قومية مازالوا يرددون بان الدول لاتبنى على اسس قومية، وكأنهم فوق غبائهم يزيدونها سذاجة وبلاهة بدرجة ان يحللوا لانفسهم ذلك ويحرمونه على الاخرين.

18
بين وعي وادراك الواقع
جوتيار تمر / كوردستان
14-12-2018
تحتل الدراسات حول الفرق بين الوعي والادراك مساحة كبيرة في الاوساط النفسية " علم النفس " ، مما يتيح للباحث ان يقف على مفارقات عديدة يمكنه اسقطاها على الواقع بحدثه العام وعلى تجربته بتفاعله الخاص، وبالتالي فان امكانية الوصول الى استنتاجات مبطنة واخرى ظاهرة امر ممكن ضمن حدود الادارك والوعي على ان الامرين ليسا بنفس الدرجة والتماسك في كل الحالات، وهذا ما يفرض اشكالية البحث الاكاديمي في الفرق بينهما،وكي لانخوض في تلك المعيات والفروقات نختصر القول بان الوعي وبحسب بعض الدراسات له علاقة كبيرة بالحالة الروحانية وهنا لانقصد بها الروحانية الدينية انما الاشارة الى تلك الدرجة من الادراك حين يصبح العالم الفيزئائي غير عائقاً لحدود الفهم وبمعنى اخر ان يكون المرء مدركا للعالم الميتافيزيقي حيث تأخذ التفاعلات الروحية والتعلم مكان التجارب المعرفية الفيزئائية وبذلك حين ان تكون في حالة وعي تصبح اكثر عمقا وتوسعا من ان تكون في حالة ادراك ، لان الادراك يعتبر شرطا مسبقاً للوعي، لانه لايمكن ان نكون واعين لشيء ما ان نكن مدركين له اولاً، وبذلك يكون الادراك هو في الاساس مفهوم ذو ارتباط ملموس اي ان له دلالة ذات تعبير جسدي، فحين تدرك قيمة الاشياء تقرر اي خيار تتخذه تجاهها او اي فعل تمارسه وفق معطياتها الادراكية السبقية وهذا بالتالي وبحسب بعض الدراسات يقودنا الى القول بان تكون مدركا ليس بالضرورة ان يقابل او يساوي معنى ان تكون واعياً ، وخلاصة القول يمكننا ان ننظر الى الوعي على انه نافذة صغيرة تسمح لنا بالولوج الى بعض المعلومات الحسابية القائمة في دماغنا لكن ضمن محدودية تنسجم مع تجربتنا القائمة وحاجتنا البقائية وبالطبع وفق ادارك ناجم عن عمليات حسابية بهدف رسم قالب يحاكي الواقع الفيزئائي المحيط بنا، ومشاركة المعلومات بين جميع الاقسام الحسابية وبذلك نكون على عتبة مستويات مختلفة من الادراك وبالتالي يمكننا القول بان الانسان قادر على ادراك بعض ادراكه وهو ما يرمز اليه بالوعي، ومع اختلاف وجهات النظر حول السبقية بين الوعي والادراك نجد وضوحا في رسم معالم خارطتهما،حين نقول بان الادراك متعلق بالحسيات والوعي بالميتافيزيقيات، وبينهما يكمن الصراع الذاتي او ما نسميه الوعي الذاتي.
وبعيداً عن تلك التقاطعات النفسية حول توضيح الماهيات المتعلقة بكل من الادارك والوعي، فاننا واقعياً وضمن جغرافية تجربتنا الحية نحتاج الى فهم العمق الحقيقي للتجربة التي نخوضها ونمر بها وفق تداعيات الحالة اولاً، ومن ثم وفق المعطيات التلازمية للحالة، وبذلك فان وعي المرحلة بعمقه الروحي ضرورة ، ولكن الادراك الحسي بمجريات الاحداث وتأثيراتها على المستويين الاني والمستقبلي ضمن سيرورة الاحداث وصيرورتها تتطلب منا ادراكاً يخرجنا من الميتافيزيقيات الى الوقائع  " الاصابع " التي تحرك احجار الشطرنج، وبذلك نكون امام معضلة كبيرة لاتمس الوعي الذاتي فحسب انما تمس الوعي الجمعي ايضاً، لكوننا نمارس الفعل ذاته الذي قد يكون في الاصل اشكالية سبقية تشكلت بسبب تجربة خضناها، وبالتالي فاننا امام صراع هو مخاض لتجاربنا، مما يعني ان الصراعات التي نحن بصدد خوضها في الواقع هي في الاصل ليست نتيجة ادراكنا للموجودات بصورة مباشرة، انما من خلال خارطة ادراكية معينة تتخلق من الطور الثقافي والاجتماعي الذي نشأنا فيه، فحين نقول بأن الحكومات لاتقدم شيئا لشعوبها، وانها تسرق قوت الوطن وتهدره في امور لاتخدم لا القضية ولا الشعب ولا السعي لتحقيق الاهداف المستقبلية فهذا لايكون الا من خلال ادراكنا للتجارب السابقة التي نشأنا في بيئتها، وبذلك نكون كما يقول توماس كوهن ان ما يراه الانسان على سبيل المثال يعتمد على ما يراه طبعاً ولكن ايضا على ما تعلمه من تجارب الادراك البصري السابقة بحيث تصبح هذه الخارطة الادراكية التي تنمو وتتشكل مع الانسان حاجزا وموجها لا مفر منه عندما يدرك حقيقة الاشياء، لذا فان مانعانيه في واقعنا الكوردستاني المرير بصورة خاصة والشرقي بصورة عامة مثلاً وما نراه من انتهاكات بحقوقنا والضرب بالحديد والرصاص لطموحاتنا وهدم لكل افاق تطلعاتنا من قبل الانظمة الدكتاتورية التي تحكم تلك الاجزاء التي فرضت علينا في مؤتمر لوزان وبعد اعمال خط بروكسل فان ذلك لايأتي من فراغ ادراكي او من خلال صور مباشرة نلتقطها في حياتنا اليومية ونشاهدها على شاشات القنوات الفضائية، انما هي وقائع نمت من تجارب سبقية وتحولت يوما بعد يوم الى ادراك بصري ذهني حسي ذاتي حتى اصبحت حاجزاً بيننا وبين تلك الانظمة الدكتاتورية بل تعدت ذلك الى كونها اصبحت تشريعاً نتعامل من خلال فرضياتها واحتمالاتها مع تلك الاقوام التي تساند انظمتها في اضطهادنا ، ولعل ما يحدث الان في تركيا العنصرية خير دليل على تفاقم هذه المعضلة الادراكية بين النظام الدكتاتوري والكورد فمنذ تأسيس الدولة التركية العنصرية الغت لغات جميع القوميات التي تعيش ضمن جغرافيتها، وكانت ولم تزل تقول تركيا دولة يعيش فيها اقوام متعددة ولكن لغتها واحدة وهي التركية منتهكة بذلك كل القيم التعايشية بين الاقوام لاسيما الكورد والارمن والعرب الذين يعيشعون ضمن حدود ذلك الجحيم التركي، وبالطبع الدكتاتوريات تشرب من معين واحد، فسوريا لم تكن يوما بافضل حال في تعاملها مع الكورد وايران ايضا التي تمارس بحق الكورد وبحق العرب في جنوبها ابشع الممارسات القمعية من اعدام وسجن وضرب للمتظاهرين اما في العراق فمع تغيرات ظاهرية طفيفة على مستوى الحضور الكوردي بالذات لاعتبارات مصلحوية تتعلق بالمنظومة الدولية فان الحكومات العراقية كانت وستبقى تنتظر الفرص لقمع وضرب الكورد كما فعلت سابقا وحاضراً، وبذلك فاننا لسنا بصدد خلق توهيمات صورية حديثة انما هي احداثيات نمت وتعمقت جذورها في الوعي والادارك والذات حتى تحولت الى ما يشبه الفوبيا تجاه تلك الانظمة فكل ما نعيشه اليوم عشناه في الامس بنفس القيمة التنكرية لنا، وبنفس القيمة القمعية لنا، ولكن بشكل اكثر تطوراً.
 وهذا ليس بحال الشعب الكوردستاني فحسب انما هو حال اغلب الشعوب الشرق اوسطية التي تعاني من المعضلة ذاتها لاسيما مع انظمتها الدكتاتورية التي تفرض قوانينها بقوة عساكرها والمنظومة الاستخباراتية التي تملكها بعيداً كل البعد عن القيم الوطنية الهادفة لخلق مواطن يؤمن بقضيته ووطنه، هذه المعضلة التي تطورت وعياً وادراكاً تحولت الى رمح في خاصرة الاوطان نفسها، فليس هناك وطن لايهرب مواطنوه منه الى اوطان اخرى بعيدة سعياً للامان والسلام والعيش الانساني و بعيداً عن التعنت القومي والديني المذهبي والقبلي الانتمائي والسلطوي الدكتاتوري.


19
الوعي الاختياري لشعوب دول الجنوب
جوتيار تمر / كوردستان
18-11-20018
لم يعد خافياً على احد بأن الشعوب التي لاتمتلك انظمة حكم ديمقراطية تعيش في حالة من الفوضى على جميع المستويات الداخلية والخارجية، فضلاً عن كونها تعيش حالة من ضياع الامن والاستقرار  بدرجة ان فوبيا الازمات تلاحقها في كل لحظة تمر من تاريخها، ولاتقتصر  الازمات على صعيد محدد انما تُطال جميعها خاصة حين يتعلق الامر  بحاجيات الشعب، وذلك ما يفرض بقوة قضية الاختيار الشعبي لقادته ولمن يتحمل مسؤولياته امامهم.
 ان تلك الفرضيات التي دائما نتناقلها عبر الكتابات ووسائل الاعلام المرئية والمسموعة والمقروءة  تعد  في الكثير من الاحيان رسائل مبطنة الى الشعب كي يدرك بأن الوقت قد حان لفهم العملية الديمقراطية وفق معايير مغايرة ، مفاهيم تستند على العمل لا على الاقول، على المنطق لا على الشعارات، فعلى الرغم من ايماننا باننا نعيش في واقع نحتاج فيه الى قاعدة متلاحمة وسلطة منظمة، نجدنا في الوقت نفسه نحاول تجاوز الكثير من الامور التي هي في مضمونها تشكل معالم السلطة وملامحها،
وبنظرة سريعة الى الانظمة السلطوية في الشرق الاوسط وغالبية دول الجنوب التي تتميز بتعدد مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية وعلى هذا الاساس سميت بدول الجنوب وفق خط  وهمي  يفصل الدول المتقدمة عن الدول الفقيرة منذ السبعينيات من القرن الماضي ، نجد هذه الدول تعيش حالة من الفوضى السلطوية بجميع تصنيفاتها سواء العلمانية منها او الثيوقراطية " الدينية " ، فليس هناك اية ضوابط تتحكم بها هذه الدول وهي منغمسة تماما في العدمية السلطوية ولايمكن اعتبار الدكتاتورية والقمع وحتى الاحتلال " الاستعمار " هي فقط الاسباب التي جعلت هذه الدول تعيش في تلك الدوامة الفوضوية، لان الشعوب ايضا تساهم وبشكل كبير ومباشر في ترسيخ تلك الانظمة وفق مسارات قد تكون مخططة لها من قبل تلك السلطوية احياناً، ومسارات اخرى تتعلق بوعي الشعوب بمفهوم السلطوية ضمن دائرة النعرات القبلية والانتماءات المذهبية والدينية .
ولو قارنا بين تلك الانظمة وبين غيرها في دول الشمال سنجد فارقاً واضحاً في البنية الاساسية التي تعتمدها الشعوب لمفهوم السلطوية، بحيث يكون الوعي في الاختيار هو الاساس في الشمال، والانتماء القبلي العشائري او حتى الجغرافي هو الاساس في الجنوب وبين الوعيين يكمن القيمة الفعلية للسلطوية نفسها، فحين تكون مختاراً لانك او حزبك يملك مشروعا قوميا يحافظ به على قوة الدولة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً وقتها سيكون ذلك الوعي الاختياري كالرقيب على جميع افعالك واعمالك وعلى ما تقدمه للدولة وما تنتجه للشعب،   وسيكون لديك اعتبارات قد يراها البعض قمعية لكنها تخدم في الاساس المصلحة العامة للدولة والتي هي فوق جميع الاعتبارات الاخرى فالامن القومي مثلا لايمكن المساومة عليه في هذه الدول، وقد تمارس الدولة احيانا قمع فيئة او جماعة او حزب او شخصيات من اجل تثبيت دعائم الامن القومي، وهذا ما قد يراه الاخرون لاسيما في دول الجنوب بانه ايضا قمع ودكتاتورية ولكنهم يتجاهلون تلك القاعدة الاساسية التي تبنى الدول المتقدمة عليها فيما يتعلق بالامن القومي لديها، فهذا الامن لايمس السيادة السلطوية فقط انما يمس الدولة باكملها وهذا ما يعني بالتالي ان حماية الشعب " الدولة " هي القيمة الفعلية للانطمة لديها، في حين تتجاوز دول الجنوب تلك القيمة الفعلية لانظمتها، التي الاساس الفعلي لديها هي قوام السلطوية وقدسية الاشخاص والاحزاب السلطوية بعيداً عن المعايير التي يمكن تتماسك بها الدولة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً، ومن ذلك يظهر ماهية الاختيار لدى شعوب الجنوب بحيث اللاوعي الاختياري يتسبب في خلق جدران وهمية يتم من خلالها تقديس الاشخاص " السلطوية " وتمجيدهم بشكل يتنافى كلياً مع ما تقدمه السلطوية للشعوب ، فالشمالي يختار السلطة وفق معايير ما تقدمه السلطة للشعب لاسيما في اهم حقول الحياة لديهم ولدى جميع المجتمعات ،المؤسسات التعليمية والمؤسسات الصحية باعتبارهما اهم عنصرين لبناء الفرد والشعوب والاوطان، والتي تعتبر اكبر فارق بين كل من دول الشمال و دول الجنوب حيث شعوب الاخيرة تختار وفق مسار لا يخدم الا فيئة صغيرة من فيئات المجتمع، ناهيك عن تجاهلها لاهم مقومات الحياة لدى الشعوب لاسيما على الصعيدين التعليمي والصحي.
ان تلك الفوارق ليست عرضية او هامشية يمكن تجاوزها من اجل سيادة السلطوية، وليست منعدمة القيمة للشعوب، بالعكس تماما فهي التي ترسخ مبدأ الديمقراطية الشعبية قبل السلطوية ومن خلالها يتم غرس المفاهيم الاخرى التي تعطي الدولة قيمتها الفعلية سيادياً وشعبياً، فالفرد في دول الشمال يعيش مقتنعاً بالسلطوية لديه لانه في الاصل صحياً مُهيأ وذهنياً ونفسياً مؤهل،  وهذا ما تفتقر اليه دول الجنوب حيث الاولوية لديه تقديس السلطوية الدكتاتورية" القومية "  او الدينية، حتى ان خروجها احياناً على السلطوية ليس الا لترسيخ قيمة انتمائية حزبية او عشائرية او مذهبية دينية اخرى تأخذ مكان الاولى، مما يعني الخروج من دائرة دكتاتورية قديمة الى خلق وصنع دائرة دكتاتورية جديدة وفق معطيات مستحدثة ظاهرياً، لتحقيق اهداف ومصالح فيئة على حساب الفيئات الاخرى داخل المجتمع الجنوبي.


20
امراء في الدولة الايوبية اصدار جديد للكاتب الكوردستاني جوتيار تمر.
صدر عن دار تموز : تموزي للنشر والطباعة والتوزيع كتاب (امراء في الدولة الايوبية ) للكاتب الكوردستاني جوتيار تمر ، ويضم الكتاب سيرة اربعة امراء استلموا مناصب مهمة وخطيرة في الدولة الايوبية ، ولقد جاء في مقدمة الكتاب:
حين تحدثت عن احدى القبائل الكوردية في كتابي " الكورد القَيمُرية " التي برزت في العهد الايوبي وتبوأت مكانة عالية ضمن التشكيلات الادراية والعسكرية والسياسية داخل الدولة وقتها وبصورة مباشرة اكدت ان تأسيس الدولة الايوبية وظهورهم كانت ضرورة ملحة، فقد شكل الأيوبيون ركيزة أساسية للتاريخ الكوردي في أواخر القرن السادس الهجري وحتى منتصف القرن السابع الهجري/ الثاني عشر والثالث عشر الميلادي،  فبعد انضمامهم الى معسكر نورالدين زنكي، واستلامهم لمهام إدارية وعسكرية كبيرة  التف حولهم الكثير من الأمراء الكورد، كما التحقت أغلب القبائل والزعامات القبلية الصغيرة بهم، وتبوؤوا مناصب عسكرية مهمة ضمن التشكيل العسكري الذي كان يقوده الأمير اسد الدين شيركو بن شادي (ت 564هـ/ 1169م)، وقد مهد الأخير بدوره ببروز العديد من زعماء تلك القبائل الكوردية، الذين شاركوا معه في حملاته على مصر، كما كان لاستلام ابن اخيه صلاح الدين الأيوبي (567- 589هـ/ 1171-1193م)، مقاليد الوزارة في مصر من بعده، أهمية  كبيرة واثر واضح على الصعيدين الإسلامي بشكل عام، والأيوبي بشكل خاص، وذلك لانضمام اعداد اخرى من الأمراء الكورد إلى صفوف الجيش الأيوبي في عهده ، وشكلوا قوة عظيمة في وجه التحديات التي تعرضت لها الدولة الإسلامية وقتها من قبل الصليبيين من جهة، والمؤامرات التي تحاك ضد الأيوبيون من جهة أخرى.
ومع بروز تلك القيادات الكوردية من الامراء وزعماء القبائل كانت نظرة الدولة الايوبية عميقة ومعاصرة للاحداث، فقد ادرك الملوك من البيت الايوبي ان الاعتماد على الكورد فقط سيشكل عائقاً امام امتدادهم نحو المناطق الاخرى، وكذلك ستكون تحركات القبائل غير الكوردية من العرب والتركمان خطراً ملموساً على امن وسيادة الدولة ، فضلاً عن ان هناك بحق امراء لهم باع طويل في الامور السياسية والادارية ، كما ان لهم قاعدة قبلية واسعة يمكن باسناد بعض المهام الحساسة اليهم كسب ثقة تلك القبائل وتلك القاعدة، وسواء أكانت الخطوة هذه هادفة ومحققة لطموحات البيت الايوبي، ام انها كانت السبب وراء الانهيار السريع لهم، فان الملوك الايوبية قاموا منذ بدايات تأسيس دولتهم باسناد بعض المهام الخطرة والحساسة الى امراء غير كورد، ساهموا بشكل واخر في توسيع المدارك السياسية للدولة من جهة، واعطوا زخماً عسكرياً وقوة من جهة اخرى امثال الامير جهاركس الصلاحي وجمال الدين بن يغمور وشمس الدين لؤلؤ الذين شكلوا علامات فارقة في تاريخ الدولة الايوبية من الناحية العسكرية والقوة التي تميزوا بها، وكذلك من الناحية الادارية التي استطاعوا من خلال سير الاحداث كسب ثقة السلطات الايوبية، بحنكتهم السياسية، ونفاذ بصيرتهم، وقوة حضورهم في الاحداث، وفي الوقت نفسه كان هناك امراء اخرين امثال زين الدين الحافظي كانوا وباء على الملوك والدولة حتى ان امثالهم اثاروا تساؤلات كثيرة حول المعايير والمقاييس التي يتبناها بعض الملوك والامراء المسلمين  بصورة عامة وقتها في اختيار وزرائهم وامرائهم.
ومع ذلك لايمكن انكار الدور المهم الذي لعبه هولاء الامراء في سياقات ادارة الدولة من جهة، وفي اضفاء روح التشارك من جهة اخرى، فالايوبيون كانوا كورد هاجروا من مناطقهم الى الشام ومصر، وشكلوا دولة على اراضي غير كوردية، بالتالي فان الاستعانة ببعض الامراء من تلك المناطق كان له اهمية قصوى في تغيير السياسة المتبعة تجاه غير الكورد ضمن الدولة الايوبية، وكذلك في ارساء مبدأ التعايش السلمي على اسس متينة قائمة في الاصل على الانتماء الديني، وبتلك الصورة شكل الأيوبيون انعطافة مهمة وكبيرة في التاريخ الكوردي على وجه الخصوص، والإسلامي بصورة عامة خلال العصور الوسطى الإسلامية.


21
حين يكون الدستور لادستورياً
جوتيار تمر / كوردستان
3-10-2018
لم يعد الدستور في العراق الا واجهة لتحقيق الاهداف التي يسعى اليها الاجندات المتحكمة بالحكم في العراق، وخلافاً لكل القيم الدستورية المتعارف عليها دولياً نجد بأن الدستور العراقي وحده يتم تأويله وفق المصلحوية السلطوية دون الاخد باية اعتبارات قانونية وتشريعية ولا حتى شعبية، فحين يتعارض الدستور مصالح الفيئات المتحكمة يلجأون الى التأويل الظاهري او الضمني لبعض الفقرات بما يتناسب رغبتهم وهدفهم ومصلحتهم، وبالطبع هذا ليس مجرد مفارقة آنية او حدث عرضي حصل وانتهى الامر، انما هي مفارقة تتكرر كل مرة تعترض فقرة قانونية دستورية طريق اصحاب المصالح في العراق.
لايوجد في دولة شيء يعيق تطبيق دستورها الا اذا ما تعارض مادة دستورية مع الامن القومي وهدد الاستقرار في الدولة ضمن ظرف مستحدث وطارئ وغير  ثابت، وقتها تلجأ السلطة الى اتخاذ قرار استشاري مع المجلسين التشريعي والتنفيذي وبذلك يتم معالجة الامر وفق تشريع اخر يسمح للسلطة للقيام بما يحفظ امن الدولة واستقرارها، والغريب انه في العراق اصلاً الدولة لاسيادة لها، والامن المشهد الواقعي هو الذي يتحدث عن نفسه لما فيه من فوضى وتفجيرات وقتل وتهجير ومظاهرات واغتيالات تشمل جميع فيئات المجتمع بحيث لم تعد الاغتيالات حكراً على الساسة والقادة العسكريين والمسؤولين انما شملت المواطنيين ممن لهم دور فعال في خدمة المجتمع المدني والانساني وحتى الشخصيات الفنية وغيرهم ، هذا اللا استقرار لست انا من يصوغه بكلماته، انما هو واقع حي وعياني يمكن لغير الاعمى ان يراه ويسمع عنه، لذا لايمكن ان يبرر اي خرق للدستور على انه للحفاظ على الامن القومي والوطني، على هذا الاساس تأتي الخروقات الدستورية بشكل واضح وجلي خدمة للمصلحة السلطوية والاجندات الخارجية المتحكمة بتلك السلطوية والساعية لبث سمومها لتفرقة الشعب المتفرق اصلاً، ولهدم البنية الاجتماعية والاقتصادية المنهارة والمتهدمة في الاساس.
وحين يتحول الدستور في اي بلد الى وسيلة لتحقيق اغراض واهداف جماعات تريد ان تتفرد بالسلطة والسيطرة على موارد الدولة وقتها لايمكن اعتبار الدستور دستوراً وقانونا ملمزماً لجميع الجماعات السياسية والقومية والمذهبية، وبذلك تتحول الدولة غير المستقرة الى ساحة صراع يتجدد في كل مرحلة يتطلب الامر اللجوء الى الدستور للفصل في الخلافات ، وهذا بالضبط ما يحدث في الخراب المسمى بالعراق.
الخلافات تبدأ بالتفسيرات والتأويلات ، وهما يأتيان عندما تكون السلطة دكتاتورية تريد التحكم بكل شيء بالعنف والقوة، دون الحوار والتفاهم ، ولعل ما حدث قبل عام تقريباً في كوردستان هو نتاج طبيعي لتلك السلطوية الدكتاتورية الساعية لفرض ارادتها على جميع الجماعات العرقية والقومية داخل جغرافية ما يسمى بجمهورية العراق، واقصد بذلك الاستفتاء الكوردستاني للاستقلال ، ولكن هذا لم يكن الامر الوحيد فيما يتعلق بالخروقات الدستورية للسلطوية لأن الاستفتاء في الاصل كان نتاج السياسة الخاطئة للسلطوية المركزية تجاه الكورد ككل، في حين استمرت الخروقات بعد الاستفتاء حيث حاولت السلطوية ان تمارس العنف واستخدمت الجيش ضد جماعة معترف بها دستورياً، وتعدى الامر ذلك الى نشوب حرب وقتال، ومن ثم الى استخدام الدستور للضغط على الكورد من خلال منع الطيران واغلاق الحدود ومحاولة استعادة المناطق الكوردية المتنازع عليها، وكل ذلك باسم الدستور.
واليوم حين ننظر الى السلطوية المصلحوية  فاننا امام مشهد يتكرر لاسيما فيما يخص التفسير والتأويل لفقرات الدستور، فقد اختلفت الاراء حول صحة اختيار رئيس البرلمان العراقي الحالي وذلك لعدم بلوغه السن القانونية، فرأت بعض الجماعات انه خرق قانوني وفق نص المادة 138/3/أ والتي تشترط في اعضاء مجلس الرئاسة "رئاسة الجمهورية " ما يشترط في عضو مجلس النواب على ان يكون أتم الاربعين عاما من عمره بينما ريس البرلماني الحالي عمره 37 سنة، وحول نفس الفقرة يرى اخرون هذا القانون لايشمل رئيس البرلمان اليوم، لان الدستور قرر عمر الاربعين لرئيس الجمهورية وفق المادة (68)، وعمر الخامسة والثلاثين لرئيس مجلس الوزراء طبقا للمادة (77) من الدستور الفقرة اولاً، وعمر النائب والوزير الثلاثين – لاتوجد فقرة تخص الوزير انما هو استنتاج - ولم يحدد الدستور عمر رئيس مجلس النواب كما فعل مع رئيس الجمهورية، وبالطبع كل هذا موجود ضمن آلية صياغة الدستور، ولكن التضاد يبدأ حين يتم المحاصصة والمخاصصة بين الاطراف المتصارعة على السلطوية، فانهم يجعلون الرئيسات الثلاث مقترنة ببعضها لتحقق اغراضهم وتقسيماتهم السلطوية، ولكن حين يتعارض ذلك مع غموض في التفسيرات الدستورية فان الامر ليس مهماً بتاتاً طالما انه يحقق تلك الاهداف التي يريدونها ويسعون لتحقيقها.
وما حدث قبل يومين ايضا جاء مكملاً لتلك الغرضية المصلحوية في اختيار رئيس الجمهورية، حيث دستورياً يجب ان يكون من الكتلة الاكبر " بالطبع الكتلة الكوردية الاكبر" ولكن سار وفق تأويلات اخرى وهو المتعارف عليه سابقاً وكأن الدستور باكمله ليس الا اداة فوضوية لايعتمد عليه الا حين يتعارض الامر ويعيق تحقيق اغراض السلطوية وجماعات الضغط التي تظهر بين حين واخر لتقوم بدورها الوحشي في وأد ارادة الدستور والقانون وفرض قانون المصلحة، فاذا استندنا على المتعارف عليه علينا ان نفعل ذلك كلياً اذاً وليس جزئياً لانه من المتعارف عليه ايضاً ان يتم الاختيار ضمن القوائم الكوردية داخل البرلمان وليس ان يصوت جميع مكونات البرلمان على اختيار رئيس الجمهورية، لكن حقاً الامر لم يعد يتعلق بالدستور وفرضه وتحقيق مقاصده القانونية، انما اللادستور المسمى دستور في الخراب المسمى بدولة العراق ليس الا سيف بيد الاجندات الخارجية وجماعات الضغط الداخلية التي دائما تكون على اهبة الاستعداد للخرق وشق الصف الوحدوي الكوردي بالذات تلك الجماعات التي لاتنتمي الى القضية الا بالاسم وهي في الاصل ليست الا اداة نتنة بيد السلطوية المصلحوية العراقية و الخارجية.





22
لماذا الكورد وليس الاكراد
جوتيار تمر/ كوردستان
22-9-2018
تتشكل معالم التاريخ الكوردي الحديث ضمن مسارات متنوعة، ويخوض الكورد صراعاً ونضالاً منقطع النظير على جميع تلك المسارات من اجل الحصوص على حقوقهم كاملة، ولايخفى على احد ان الصراع السياسي محتدم بصورة كبيرة في الاجزاء الكوردستانية الاربع، وهو الصراع الذي يحمل مع السعي السياسي الحثيث الكفاح المسلح، وبعيداً عن النتائج التي حصل الكورد عليها من تجربتهم السياسية والمسلحة، فاننا نعيش وقع صراع اخر ضمني وترافقي، وهو الصراع الذي بات يشكل معالم الرؤية الكوردية للاخرين، ورؤية الاخرين للكورد او كما يقول د. حيدر لشكري " جدلية النحن والاخر "، وذلك عبر استقراءات مختلفة ومنوعة، فالكورد ينظرون الى من حولهم بالاخص الى مضطهديهم من دول الجوار على انهم لايسعون فقط لابادتهم قومياً، بل اصبحوا يؤمنون بانهم يسعون لطمس معالم وجودهم الحضاري والانساني واللغوي والجغرافي والاثنوغرافي، وهذا ما يدفع غالبية الكورد الى رفض تلك السياسات الدكتاتورية، ورفض التفاعل والتعامل مع الاجندات الخارجية تلك حتى ثقافياً، حيث ليس بغريب ان نسمع بين فترة واخرى جدالاً وسجالاً مثلاً حول تسمية الكورد، حيث يصر اعداء الكورد على فرض ايديولوجيتهم الناقصة " ذات الطابع العنصري"  على الواقع الكوردي من باب السلطوية وباب ان الكورد خاضعين لحكمهم، دون اية اعتبارات تاريخية ليس فقط لجذور التسمية التي لاتمت الى اية اصوليات لسانية ولغوية متعلقة بالكورد ، وانما الى حيثيات تاريخية وتلازميات اشتقاقية يراها غيرهم بصورة تتناسب اكثر مع الرؤية الكوردية نفسها، في حين ينظر اصحاب الفكر القومي العدائي للكورد على انها من صميم لغتهم القومية، وذلك بالضبط ما يشكل نقطة صراع اخرى بينهم وبين الكورد.
يصر كل من الاعراب والاتراك والفرس على تسمية الكورد بالاكراد، او حذف الواو وكتابتها بما يتناسب قواعد لغاتهم، وفي اصرارهم هذا لايؤكدون عدائيتهم فقط انما يؤكدون ان تمسكهم بلغتهم وجذورها واصولها هي اساس تقدمهم، في حين ينكرون على الكورد من الجانب الاخر على تمسكهم ايضا بتسميتهم التاريخية الاصلية والمنسجمة تماما مع رؤيتهم لكينونتهم ووجودهم القديم والوسيط والحديث والمعاصر، وهذا ما فرض على المدافعين عن الكورد بهذه الصيغة على خوض السجال مع الاخرين، وهذا ما فرض ايضاً انقساماً كوردياً حول استخدام الابجديات انفسها، فغالبية الكورد الان يستخدمون الابجدية اللاتينية والتي يقول عنها بولات جان " الابجدية الكوردية اللاتينية هي ضمن محاولات عديدة لايجاد ابجدية تتناسب مع اللغة الكوردية باصواتها وخصوصياتها وحركاتها، وكانت الابجدية اللاتينية الاوفر حظاً فهي متداولة منذ اكثر من 2700 سنة، وكذلك فهي كانت لغة التجارة والتقنية والسياسة ومظهر من مظاهر التطور الحضاري نهاية القرن التاسع عشر، بالاضافة الى احتكاك المثقفين الكورد بالحضارة الغربية.."، وحين نقول بالاغلبية ذلك اذا اعتبرنا ان الكورد في شمال كوردستان وغربها معا يشكلون النسبة الاكبر  او النصف على اقل تقدير، في حين ان الكورد في الجنوب والشرق يستخدم غالبيتهم وليس كلهم الابجدية العروبية والفارسية ( مع خصوصية حذف بعض الاحرف المهمة، مثلا من الاحرف العروبية – ص- ط،ض، ظ  واضافة احرف كوردية - پ – چ - ژ - گ ) متأثرين بالانتماء الديني اكثر فحين اقتحم المسلمون الاعراب البلدان والامصار سواء بدافع الفتوحات او السيطرة والاحتلال "هجرت الامم لغتها والسنتها في جميع تلك الامصار والممالك واتخذت اللسان العروبي لسانا لها " كما يقول ابن خلدون،، وهذا ما فرض عليهم اتباع اصوليات لسانية تخضع لقوانين القوميات الحاكمة -  في حالة الكورد اقحمت بعض الاحرف في الابجدية الكوردية (ح – ع – غ) - ، تلك القوميات التي لا تتميز بتعصبها اللغوي فقط انما القومي والمذهبي الديني ايضاً، كما تتميز بالانظمة الدكتاتورية التي تحكمها منذ تأسيس دولها، فضلاً عن كونها تتميز بالارهاب الفكري والعداء المستمر للكورد ومحاولة فرض ايديولوجيتها على الواقع الكوردي حتى في التسميات التي يطلقونها على الكورد، فمن خلال استقراء الاعلام العروبي  والتركي مثلاً نجدهم يصرون على تسمية الكورد بالاكراد متجاهلين ردود الافعال الكوردية تجاه الكلمة حيث اصرارهم ليس مبني على اصول قواعد لغوية فحسب انما على نظرتهم للكورد ومحاولة اثبات ان الكورد هم مجرد بدو بعيدين عن التحضر ( اكراد تلائم رؤيتهم للاعراب الذين بنظرهم بدو واقل حضارة )، وهذا ما يحاولون اثباته من خلال تعنتهم واصرارهم في حين يرفضون ان يسمهيم الكورد اعراب واتراك ومجوس لان في ذلك عنصرية قومية متوحشة من الكورد، وليس مخفياً الا على اعمى ان النظرة العروبية الاسلامية الاممية -"نظرياً" فقط لانها لم تتحول الى فعل عملي واقعي مستقر الا لفترات متقاطعة - كانت تعتمد على التسمية العرقية الاثنونوميكية في حين نجدها فيما يتعلق بالكورد حملت مفهوما ودلالات اجتماعية شمولية تعدت تلك التسمية التي تطلق على مجموعة بشر ية معينة، فلم يطلق الاعراب المسلمين والفرس المجوس تلك التسمية على الكورد فقط انما وكما يذهب اليه المؤرخ ابو الحسن حمزة الاصفهاني كانت الفرس تسمي الديلم اكراد طبرستان وتسمي العرب اكراد سورستان،وذلك بسبب تشابه البناء الاجتماعي لهذه المجموعات وفي المقابل كان الاعراب المسلمين يطلقون على غيرهم ايضا اسم الاعراب تنقيصاً من شأنهم وتأكيداً على بدويتهم كما فعل اغلب المؤرخين المسلمين وهذا ما يتضح من خلال رواية حادثة حرق النبي ابراهيم حين سال احدهم عبدالله بن عمر"....... فاكد الاخير بان الكورد هم اعراب فارس.."، وهذا ما جعلنا نجد ترادفاً غرضياً مقصوداً وقسرياً لاسم الاكراد والاعراب مما يجعل الامر وكأنه حتمي ديني، وفي الحقيقة ان الامر كله نابع من المحددات المعرفية التاريخية الاسلامية نفسها، وكما يقول لشكري ان " تعيين بداية التسمية بال (كُرد) ياتي استجابة لحاجة آنية الى معرفة اصل التسمية ، اي بمعنى اخر محاولة اعطاء اصل للتسمية كي يتسنى لهم بعد ذلك صياغتها وفق مآربهم واغراضهم ومعتقدهم سواء القومي الفوقي او الديني الاممي، حيث من هذا المنظور تجعل من تسمية الكورد لفظاً عربياً، وهي بلاشك كانت ضمن المحاولة الشمولية الرامية الى رؤية العالم والتفكير به عربياً اي قولبتها خاصة فيما يتعلق باشتقاقات الاسماء كي تكون معروفة ضمن تلك اللغة، ومن ثم تصبح جزءاً مقبولاً في الواقع الاجتماعي.
وتثبت الدراسات التاريخية ان الكورد لم يكونوا بعيدين عن سمات التحضر والاستقرار خلال تاريخهم بالعكس تماما فحين ظهرت معالم الحضارة لديهم وعلى ارضهم كانت اغلب الحضارات المتاخمة تعيش حالة الترحال المستمر، فقد ضمت الجبال والاودية والسهول بين رحابها تكوين اولى المجتمعات الحضرية المعتمدة على الزراعة والرعي والانتاج معاً " جرمو" ، كما اصبح التداول الارضي سمة عصرية فحين تجبر الثلوج الاهالي للنزول من الجبل وتجعلهم يستقرون في السهول والادوية كان السعي لحياة اكثر انتاجاً ومحصولاً يجعلهم يعودون للجبال في اوقات الحر، مما يعني تنوعاً في توظيف الجغرافية حسب حاجاتهم ومتطلبات حياتهم دون هجر مراعيهم وانما الابقاء عليها وفق منظومة اجتماعية صالحة للعودة اليها، وذلك ما يفرض رؤية اكثر نضجاً على غرضية التسميات التي اطلقها المجوس والاعراب المسلمين على الكورد والتي كانت مبنية فقط على اصوليات ابجدياتهم بعيداً عن التصور التاريخي الواقعي للاسم نفسه ضمن السياقات الاكاديمية التي لاتتاثر بالمؤثرات العرقية واللسانية لان النظر بتمعن الى الواقع نجد بان لفظة الكورد (الواو بعد الكاف) تناسب الاستخدام الكتابي واللفظي بشكل افضل ولاتضر بقواعد اللغة لاسيما ان المصادر التاريخية غير الاسلامية العروبية  قد اوردت اللفظة بشكل يلائم استخدام الواو بعد الكاف ( KURD-KARDU)، متجاوزين تلك القولبة الحتمية التي فرضتها الاداة المعرفية العروبية الاسلامية والمجوسية والفارسية.
لقد اثبتت الدراسات التاريخية الاكاديمية ان الكورد استعملوا ابجديات كثيرة في مراحل مختلفة من تاريخهم ، وتلك الدراسات اثبتت في الوقت نفسه ان الكورد اضافوا الى تلك الابجديات احرف تناسب لغتهم وواقعهم المعيشي ومع الاعتقاد بان اللغة المنطوقة والمسموعة المتداولة في الحياة اليومية لاي مجتمع انساني تختلف الى حد ما عن الكتابة باللغة ذاتها باعتبار النطق الشفهي ظاهرة صوتية اما الكتابة فهي وسيلة تقريبية للتعبير عن تلك الظاهرة بمعنى ان الكتابة لم تصل بعد الى مستوى التعبير عن كل الاصوات فانه يبقى ان اللغات الحية استخدمت نوع من الكتابة ومن بين هذه اللغات كانت للغة الكوردية باعاً طويلاً في محاولات الكتابة.
وذلك ما يفسره الاضافات التي اقحمها الكورد على الابجديات المستخدمة لديهم، فحين استخدم الميديون الابجدية المسمارية ذات (36) حرف اضافوا اليها احرفاً اخرى لتصبح (42) حرف ، وكذلك فعلوا مع اغلب الابجديات الاخرى ، وذلك ما جعل الكورد في محاولتهم لخلق ابجديتهم ان يستعينوا  بما يلائم ويتناسب مع القدرات اللفظية لديهم وفي الوقت نفسه نجد سعيهم ذاك يؤكد اختلاف لغتهم مع اقرانهم من الشعوب المعاصرة لهم، لذا نجد الميديين انفسهم استخدموا ايضا الابجدية الافستائية ذات (48) احرف، كما استخدم الكورد الابجدية الارامية والازداهية وماسي سورتي والارمنية والكريلية والعربية واللاتينية.


23
يريدونها شراكة ولكن حسب قواعدهم
جوتيار تمر / كوردستان
3-9-2018
يعود المشهد العراقي المكهرب ليحتل الصدارة في حالة اللااستقرار التي تشهدها منطقة الشرق الاوسط باكمله.. حيث لم تزل سوريا تحترق بنيران الاخوة الاعداء النيران التي تصب كل من روسيا وامريكا وتركيا وايران الزيت عليها كل لمصلحته ودون اية اعتبارات انسانية للسوررين انفسهم بكل اطيافهم وقومياتهم من عرب وكورد ودروز وغيرهم...ناهيك عن فلسطين التي هي الاخرى تحترق بنيران اللاعقلانيين الذين يصرون على اراقة المزيد من الدماء وعدم الخضوم لمنطق انساني يجعل الجميع يعيش بسلام، فضلا عن المشهد اليمني المميت بكل تمفصلاته حيث الاخوة الاعداء هناك ايضا وبدعم طائفي مذهبي للعرب السنة وايران الشيعية يذبحون في بني جلدتهم بشكل يثير دهشة المتابعين لقضيتهم... ويضاف الى كل ذلك التظاهرات في ايران وازدياد الاصوات المناهضة لحكومة العمامات والملالي العاهات الدائمة في ايران والتي دمرتها سياسياً واقتصادياً، وفي مصر وليبيا والسودان وكذلك في تركيا التي تنهار اقتصاديا وسياسياً.. كل هذه التحولات على الرغم من كونها ضمن دائرة الرصد الاعلامي والحدثي الا انها الان تتوارى قليلاً ليحتل المشهد العراقي بصخبه الدائم المرتبة الاولى.
ففي العراق الطائفي يريد الحكام في بغداد ان يعقدوا شراكات متوازية لتحقيق اجنداتهم السياسية المدعومة سواء من امريكا او ايران لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة بعد دهر من انتهاء الانتخابات ،وهذا الصراع الامريكي الايراني في العراق جعلته يعيش حالة من الانفصام تعد الابرز خلال العقد الاخير، هذا الانفصام الذي القى بسمومه على الشعب العراقي بكل طوائفه ومذاهبة كما القى بظلاله السوداء على اقليم كوردستان الذي وبحسب اكثر الساسة والخبراء وصل الى مرحلة لن يكون حسم الكتلة الاكبر لتشكيل الحكومة الجديدة الا بدخولها الى احدى الجبهات المتنافسة.. وهنا تثار الاشكالية الابرز حيث يجمع المحللون والساسة على اهمية دخول الكورد الى جبهة ضمن مفهوم الشراكة السياسية في حكم العراق واقليم كوردستان، وفي المقابل الادبيات التي نراها داخل الدائرة اللاكوردية مازالت تعيش وهماً ازلياً لايمكن التعايش معه لاسيما ضمن الاوساط السياسية والفكرية وحتى الاجتماعية الكوردية.
فالعراقي يريد شراكة ومازال يصر على استخدام مصطلحات لاتؤثر فقط بالشارع الكوردي انما في كيفية تعامل الساسة الكورد ايضا مع المركز، فحين يصر بعض اشباه المفكرين والكتاب والساسة على قول شمال العراق مثلا ذلك المصطلح الشوفيني، او يقول بأن الكورد يتعمدون اثارة بعض المشاكل لتحقيق اغراضهم واهدافهم في العراق.. ويتناسى عمداً بان المشاكل في العراق لم تنتهي يوماً منذ تأسيسه الى يومنا هذا، فانه لابد ومن وقفة على مفهوم الشراكة التي يريدونها، هل هي شراكة اسمية تحقق اغراضهم واهداف اجنداتهم..؟ ، ام هي شراكة وهمية لاتحقق للكورد حتى حق الاعتراف بكيانهم الرسمي الدستوري كأقليم له سيادته وحكومته.
ان الانفصام العراقي لاسيما لاشباه الساسة واشباه الكتاب والمفكرين مازال يشكل عائقا كبيراً في اي تقارب يمكن ان يحدث بين الفئيات غير السياسية داخل الاقليم والعراق، لان هولاء هم مع الساسة الطائفين المذهبيين القوميين يشكلون العبء الازلي لاي عراق يعيش في سلام وتعايش مع الاقليم او مع اي مكونات اخرى داخل الحدود الجغرافية المفروضة وبحسب اتفاقيات دولية منذ تأسيس دولة العراق من اشوريين وكلدانيين وصابئة وتركمان وغيرهم، فعدم اعطاء اية اعتبارات لهم والبقاء على العقلية الانفصامية الشوفينية لاتخدم اية قضية ولاتزيد الطين الا بلة، لكون عقلية اقصاء الاخرين باسم الشعاراتية الوطنية تناقض وجودهم انفسهم  لكونهم ليسوا الا طائفيين مذهبيين قوميين، لايؤمنون بشراكة الاخرين الا وفق رؤيتهم ونسقهم ومسارهم الذي يرسمونه واية فئة او طائفة او قومية او مذهب خارج عن ذلك يعد انفصالياً او متامراً وعميلاً، مع ان المتتبع لصيرورة وجود هولاء سيجد بوضوح مدى عملاتهم لافكارهم التي لاتنتمي الا لانفسم وتلك الاجندات التي يمثلونها حتى وان اظهروا بانهم لايمثلون اية اجندة خارجية.
لم يزل مفهوم الشراكة في العراق مهمشاً، وغير منطقي، وغير مدروس بشكل يتناسب مع الواقع العياني والحي بعيداً عن الشعارات التي يريد بها الساسة تحقيق اهداف بعيدة عن خدمة المواطن.. فالشراكة لها اسس يجب ان تكون هي المقياس والمعيار الذي تبنى عليها المجتمعات، فاقليم كوردستان مثلاً لن يخضع لمفهوم الشراكة طالما يرى هولاء الانفصاميين بان الكورد يلعبون على الوتر الحساس لكسب بعض المصالح، متناسين ان تلك المصالح هي جزء من حقهم منعت عنهم لاسباب لايجهلها الا اعمى قومي متعصب، فحين يريد الكورد استعادتها فلانها حق دستوري لهم وليس استغلالا للوقت وللظرف، مع ان هذا الامر في السياسة مباح ومتاح لكل الاطراف السياسية، لذا على الاخرين تدوير بعض الامور في عقولهم وادراك ان الشراكة تعني ان تعترف بالاخر كما هو الان وليس كما كان في عهد الدكتاتوريات السابقة وحتى بعض الحالية، فالكورد لن يتنازلوا عن حقوقهم ومطالبهم لاجل بعض افواه حاقدة تريد ان تبرهن للحاقدين امثالهم بانهم يحملون عبء الوطن لوحدهم، هذه الامور لم تعد تشكل فارقاً في الواقع الكوردي وضمن دائرة الوعي القومي الكوردي، فصوت الواقع لايتمثل عند الكورد الا من خلال تطبيق دقيق لمفهوم الشراكة واحترام الكيان الكوردي بكل تمفصلاته ومكوناته فالاقليم يمثل قيمة شراكة حية بين مكوناته، لذا لن يقبل الا بشراكة كالتي يعيشها الجميع في الاقليم.


24
المنبر الحر / ليس لدينا دول
« في: 22:15 08/08/2018  »
ليس لدينا دول
جوتيار تمر / كوردستان
5-8-2018
ان المعايير التي نتبناها في الشرق الاوسط بصورة عامة، لايمكن ان تكون اساساً للاجيال القادمة لبناء دول ديمقراطية تقتات من التعايش السلمي بين مكوناته، وتكون دول مؤوسساتية يتحكم فيها القانون بعيداً عن النعرات القومية والدينية والمذهبية والايديولوجية الاحادية بكل تمفصلاتها، فنحن كنا ومازلنا نعيش وهم التاريخ السلبي ، الجائر المتسلط بقوة السلاح والسلطة الدينية و المذهبية او جبروت الدكتاتورية ، وحكم القبيلة والعشيرة، وهذا ما خلق شرخاً وهوة  عميقة في بنية المجتمعات ، وهي تتسع يوماً بعد يوم ليس على الصعيد السياسي فحسب، بل على جميع الاصعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحتى العسكرية.
لم يعد خافياً على احد ان التصورات التي تعتمدها دول الشرق الاوسط كمعيار دولة وسلطة وحكم، منغمسة بدماء الابرياء من الشعب، وجاحدة بحقهم، فلايكفي ان ما تسمى بالدولة تقوم بفرض قراراتها بالقوة، بل انها تعمل بشكل منظم (هي منظمة فقط في الارهاب على جميع المستويات ) على فرض ايديولوجيتها القمعية بالتهجير والتشتيت والتهميش والترحيل والسجن والترهيب والاغتيال والمحاصصة وتوزيع الثروات فيما بين السلطوية الفاسدة، وعدم وجود اية قيم اخلاقية ولا علمية ولا حتى اجتماعية يمكنها ان تحتكم اليها في اتخاذ القرارات، فاغرقت الشعب في وحل الفقر والتشرد والهجرة، تحت وطأة شعار الوطن، والدفاع عن الوطن، وسيادة الوطن ، والحقيقة لم تعد خافية على احد ان كل ذلك ليس الا وهم وخداع فالوطن انما كان ولم يزل سلعة تقدم لمن يدفع اكثر ، او لمن يدير المذهب او الطائفة او القبيلة.
لذا بعيداً عن الشعارات التي تطلق بين الاوساط القبلية المتعصبة المنتمية لافكار بالية التي لم تزل تقتات على النعرة العصبية القومية المتبلدة، لايوجد في دول الشرق ما يمكن ان يصنف بانه يمكن الاقتداء به لبناء دولة او حتى قرية او مؤوسسة صغيرة فكل المعايير انتهكت وتم اباحت الانسان فيه بشكل مخزي، حتى لم يعد للانسان قيمة، وتحولت السلطة العظمى للنزعات الانتمائية بعيداً عن المسائلات وبعيداً عن المؤهلات، وبعيداً عن الوطنية، فالمواطن في الشرق ليس مواطناً انما هو باحث عن حق المواطنة،طالما هو لاينتمي الى العصبة الحاكمة، او لاينتمي الى دين السلطة ومذهبها.
ومن هذا المنطلق فاننا نرى بان الهيكل الذي تبنى عليه الدول او ما تسمى بالدول في الشرق الاوسط هو قائم على ازدواجية المعايير، فالقائمين على امور الحكم مقتنعيين بمجموعة قرارات واعمال وفق رؤية مذهبية دينية او قومية وتتضمن هذه القرارات والاعمال احكام تختلف كثيرا عن مجموعات كثيرة اخرى تعيش في نفس الدائرة الجغرافية، وبذلك تبيح وفق معاييرها الازدواجية للمنتمين اليها او عصبتها القيام باعمالهم وفق النهج المذهبي او القومي دون السماح للاخرين الذين لاينتمون الى نفس العصبة القيام بتلك الاعمال، وفق مبدأ سياسة الكيل بمكيالين، بحيث ان ما هو حلال للعصبة واسيادها محرم على الاخرين وغير مقبول، وهذا بالضبط ما تقتات عليه الحكومات السلطوية ومن خلالها تستطيع ان تحرك الشارع المنتمي اليها، على حساب ما يسمى بالاقليات او المكونات الاخرى للشعب، ولقد لعبت تلك المعايير دورا بارزاً في تعميق الهوة بين السلطوية وبين الشعب سواء داخل المؤوسسات او خارجها، حتى وصل الامر الى الاجتماع الذي بدوره تأثر بها وجعلها حاجزاً في اقامة العلاقات وتوسيعها، فغالباً ما تصطدم تلك العلاقات بالمفهوم والحس السلطوي لدى بعض الشرائح فتتحول الى عائق في استمرار العلاقات او حتى تطويرها.
قد لايختلف اثنان على ان الحكومات الشرق اوسطية لاتعتمد على التنظيم الاداري والقانوني في حكمها للمنطقة ولكن مما لاشك فيه انها تعتمد تنظيما معقداً في التسمك بكرسي السلطة والابقاء على مكاسبه للعصبة التي تنتمي اليها وتدعمها في السراء والضراء، وهذا ما حول المجتمعات الشرق اوسطية الى بؤر حروب دامية يُسفك الدماء فيها بسخاء غير منظور مقارنة بالدول والمناطق الاخرى، كما ان الاشكاليات العرقية التي تعتمدها الحكومات التي هي في الاصل حكومات عرقية في بنيتها تحولت الى دمار شامل وفتاك لكل البنى التحتية لما تسمى بالدول ولكل المرتكزات التي يمكن بناء دولة عليها، وبالتالي فان الرؤية التي تقوم عليها مؤوسساتها والتي من المفترض انها القانون والمصدر التشريعي ليست الا وسيلة لكبح جماح غير المنتمين للعصبة، وهكذا قد غابت كل ملامح الدولة عنها، فهي ليست بدولة وليست بقرية ولا حتى مؤوسسة منظمة، انما هي اداة قمع واضطهاد ومصدر رعب لشعوبها التي كما اسلفت ليسوا بمواطنين طالما ليسوا منتمين للعصبة الحاكمة.
لقد لعبت النعرات التي تبنتها السلطوية الشرق اوسطية دورا هاماً في خروج الكثير من القوميات غير المنتمية للسلطة لاسيما غير العربية للمطالبة بحقوقها المهضومة ، لاسيما القومية الكوردية في كل من العراق وسوريا وايران وتركيا، حيث لامسنا انهم وتحت ظل الدكتاتوريات السلطوية من الدينية المذهبية الطائفية في كل من ايران والعراق والقومية المتعصبة في كل من سوريا وتركيا خرجت بحركات وانماط سياسية منوعة اعتمدت كلها على الصراع الحقيقي  بشقيه المسلح والسياسي ، وغير المحدد زمنياً و مكانياً مما خلق نوعاً من المتغيرات لاسيما في الرؤية السلطوية، ففي العراق تغيرت معالم القضية والكيفية التي تتعامل بها الحكومات مع الكورد ضمن هيكل يسمى بالدستور، وهذا ما فرض على الكورد وعلى الحكومة الالتزام بالكثير من المسائل التي لم تكن قبلها تؤخذ بعين الاعتبار، وفي سوريا بدات بوادر خلق انموذج سياسي يعترف بالكورد كمكون اساسي في المنظومة السياسية السورية تظهر للعيان ، اما في تركيا فان الجناج السياسي الكوردي مازال يخوض معركة اثبات وجوده بعزيمة وثبات على الرغم من التعامل العنصري والدكتاتوري للسلطوية التركية تجاه قادة الكورد، وذلك التعامل في حد ذاته جعل الكفاح المسلح يسير جنباً على جنب مع الكفاح السياسي، اما في ايران المذهبية الطائفية فالكفاح الكوردي مستمر من خلال العمليات المسلحة تجاه الجيش الايراني في المناطق الكوردية، والكفاح والنضال ضد السلطوية الايرانية المذهبية لم يعد يقتصر على الكورد فحسب بل ان العرب في الجنوب ايضا انتفضوا ضد السلطوية التي جمعت المذهبية والدكتاتورية معاً، ويضاف الى هذه الدول الصراعات الاخرى المذهبية والقومية الدائرة في كل من لبنان واليمن وحتى مصر فالصراع المذهبي متفشي في لبنان بدرجة لايمكن التغاضي عنه، كما في اليمن بشقيه الجنوبي والشمالي " السني- الشيعي " ، وفي مصر التي تحاول اخفاء معالم الصراعي القومي القبطي المتسلح بالدين والاصالة وبين المسلمين حتى وان اظهر الاعلام بان التوافق هو الاساس، ناهيك عن ما يحصل في فلسطين من صراع قديم حديث معاصر على الهوية بين اسرائيل والعرب، وبذلك فان المرتكزات اللاممنهجة واللامنطقية التي تبنتها هذه الحكومات في بناء دولها اللامؤوسساتية خلقت هذا الشرخ العميق داخل مجتمعاتها، وحولتها الى جحيم متنقل لايفتك الا بالشعب.

25
قراءة في نص " مواسم على كف غيمة " للشاعرة  الفلسطينية عبير هلال
بقلم: جوتيار تمر / كوردستان
3-8-2018
النص :
مواسم على كف غيمة
عبير هلال
كبرق نيسان تحتلهُ مساحات الوهم
تحلق في فضاءاته أسراب الارتحال
لوطن ليسَ يسكنها ..
تنسل من بين أصابعه خلسة ,,,
أفواجهم تأكل الحدود
وأية حدود؟؟
الأمطار تغسلهم ,,
تتربع في انحناءات رؤوسهم ..
هوياتهم مقاصل يشنقون عليها ..
تتلبسهم أحجية عشتروت
وسنابل حقولها
تستقرضهم من أيار يومين
لتغزلهم في بيادرها ..
شموسهم تسترخي بكسل
على مقاعدها الوثيرة تنفث دخان غربتهم
تعزفهم على أبواقها كصفير قطار لن يعود
تطحنهم دواليبها قبل التقاء الجدائل..
يعلقون غبار رحيلهم على المدى
ترسم مجددا أمواج بحورهم الهادرة
على محياها ..
تودع بذورهم ..
تمسك بواقي خيوطها
تطبطب عليهم قبل وسمهم بشعارها..
تذرف ُقبل الحنين كترياق على شظف ..
هي مواسمها المعدة لهم ..
يسرقون منها بضعُ أمنيات شفيفة
يطرقون بعصي أناملهم آخر ثمارها
يتأملون صورهم المنبثقة من إطارات توحدهم بها
على غيث استدانته من كف غيمة

 القراءة : جوتيار تمر
مواسم على كف غيمة
يأتي العنوان صادماً في النص، ومبرراً في الوقت نفسه، فالرؤية النصية حين تكون سبقية يجد الشاعر/ الشاعرة نفسه مجبراً على الانقياد للمسار الذي يجب سلكه لايجاد مدخل ذا علائقية متناغمة مع الرؤية التي يريد نزفها، وليس سكبها، لان الاخيرة ربما تاتي وفق دفقات شعورية متناثرة ومتباعدة، ولكن الاولى تأتي بصورتها الحيثية النابعة من صميم الانفعال الداخلي مع الحدث المراد رصده وتدويره وفق معطيات خاصة تعبر عن المكون الجواني للذات الشاعرة لتبرهن على تفاعله وانفعاله في الوقت نفسه، لذا نجدنا هنا امام محاكاة رائعة للذات مع العنوان المرتبطان ضمنياً داخل دائرة الزمنية المتحركة اللامحدودة.
عبير هلال
كبرق نيسان تحتلهُ مساحات الوهم
تحلق في فضاءاته أسراب الارتحال
لوطن ليسَ يسكنها ..
تنسل من بين أصابعه خلسة ,,,
أفواجهم تأكل الحدود
وأية حدود؟؟
البدء بالتشبيه اتى ضمن دائرة خاضعة للمنطق العنواني، حيث لم تجد الشاعرة ما تعلل به مواسمها وتوظفها كمدخل استعاري للنص، فلجأت الى التشبيه " كبرق نيسان " ليست العلة في البرق هنا، انما في نيسان فالبرق النيساني لايكتفي بوضع الصورة المتوحشة امامنا، انما يتخللها مساحات محتلة من الوهم، هذا الوهم ليس بساكن مقيد انما مرتحل، وليس من صورة ابلغ تفسر الارتحال مثل غيمة ، وهذا ما يثير التساؤل لماذا هذا الارتحال، والاجابة لاتتاخر " لوطن " انه اذا المعضلة والعلة الاساس في الحراك الموسمي النصي الذي تريد الشاعرة ان تجعلنا نعيشه ضمن دائرة الجغرافيا الزمنية " المواسم " وكأنها تريد ان تقول لاتقف حدود وطني عند موسم واحد انما وطني لاتتوقف فيه المواسم والارتحال لاسباب ليست بمجهولة فالاسراب ترتحل نعم ولكن افواجهم تأكل الحدود، ولايبرر فعل الارتحال الا ان يكون هناك ما يدفع لذلك، ولايوجد مثل القتل والتهجير سببا دامغاً لذلك.. هذه اللغة الساردة، تحتفظ لنفسها بالنسق الشعري ايضاً.
الأمطار تغسلهم ,,
تتربع في انحناءات رؤوسهم ..
هوياتهم مقاصل يشنقون عليها ..
تتلبسهم أحجية عشتروت
وسنابل حقولها
تستقرضهم من أيار يومين
لتغزلهم في بيادرها ..
شموسهم تسترخي بكسل
على مقاعدها الوثيرة تنفث دخان غربتهم
تعزفهم على أبواقها كصفير قطار لن يعود
تطحنهم دواليبها قبل التقاء الجدائل..
 التزام الشاعرة باسقاطات المواسم جعلتها تقحم في النص دلالات كثيرة موحية في مضامينها، وذات علاقة مباشرة بالعنوان، فالامطار لايمكن ذكرها دون الحاقها بموسمها واعادتها الى منطق " غيمة "، ولكن هنا اتت الاستعارة وفق رؤية متداخلة بين الانصياع لمنطق العنوان والمواسم، وبين المهمة التي كلفت الشاعرة الامطار بها، فهي هنا لكي تغسل، وهدفها الذين لديهم  يعيشون في ذواتهم وقع المقاصل والمشانق، فروح الانتماء تجبرهم على البقاء وعدم الانسلاخ من هويتهم، وفي الوقت نفسه تلك المقاصل حين توضع من قبل مسببي هجرتهم وارتحالهم تكون الامور مرتبكة وتجعلهم يعيشون انفصاما ذاتياً موجعا، لذا نجد الشاعرة قد استعانت بعشتروت الاسطورية كي تثبت وجهة نظرها ، وكأن لسان حالها تترنم بفجيعة وطن وضع الغرباء مقاصلهم على حدوده وبدأوا يحصدون رؤوس اهلها فتغرب ناسه واصبحوا يعيشون حالة تيه منسية، لقد استطاعت الشاعرة ان تثبت رؤيتها باستعارات متقنة، حتى انها في لحظات انجرافها من الشعرية الى الحكي، السردي استطاعت ان تحافظ على التوازن بينهما، فالحكي اتى وفق معطيات الخطاب الشعر النثري المهيمن على اغلب مستويات النص.
يعلقون غبار رحيلهم على المدى
ترسم مجددا أمواج بحورهم الهادرة
على محياها ..
تودع بذورهم ..
تمسك بواقي خيوطها
تطبطب عليهم قبل وسمهم بشعارها..
تذرف ُقبل الحنين كترياق على شظف ..
هي مواسمها المعدة لهم ..
يسرقون منها بضعُ أمنيات شفيفة
يطرقون بعصي أناملهم آخر ثمارها
يتأملون صورهم المنبثقة من إطارات توحدهم بها
على غيث استدانته من كف غيمة
استمالت اللغة هنا الى شيء من التواري خلف الصورة المبهمة والتي ارادت منها الشاعرة الانتقال من تلك اللمحات المنفلتة من التماسك اللغوي الشعري الى الحكائية، فعادت تؤثث عوالمها البلاغية بتدفقات بلاغية اختزالية، لاتظهر معالمها بصور مباشرة انما تفرض على المتلقي البحث والتعمق كي يستوعب التوظيفات البلاغية والصورية معاً، وهي على الرغم من تدويرها الاغترابي للرؤية واقحامها في مجاهيل صورية نابعة من الالتحام الذاتي بالمفردة من جهة والتحامها معا بالحدث النصي " الرؤية النصية" من جهة اخرى الا انها اجمالا تعيد رسم ملامح الذين تخاطبهم الشاعرة ضمن دائرة الحدود الاولى، وضمن دائرة الارتحال الاولى، وضمن دائرة اللاغتراب الذي تم فرضه عليهم بسبب المساحات المحتلة من تلك الدائرة، لذا فلا هي تستطيع التنكر لها، ولا تستطيع الانحلال منها فالتوحد هنا كأنه اية الصمود والانصياع في وقت واحد، ولذلك تجد انهم يسرقون بعض الاماني ويعلقونها داخل الاطارات التي يستدل منها علامات التوحد بالوطن على الرغم من الاغتراب، وكأن هذا السياق ما جعل الشاعرة لاتستطيع التهرب من المواسم ولا " الغيمة " واغلاق النوافذ بوجههما، فكأنها تقول على لسان المغتربين لو ان الوطن سقط غيثا علينا افضل من الغربة وتبعياتها ، لذا نجدها باقتدار تعيد القفلة على البداية، فكانت الختمة اشبه بخيط يعيد المتلقي بسرعة البرق النيساني الى العنوان نفسه، فتتراشق الصور بشكل درامي في ذهنه، وتجبره على ان يعيشها مرة اخرى.


26
التظاهرات في العراق بين التنظيم والفوضى
جوتيار تمر/ كوردستان
22/7/2018
يستمر الجدل حول المظاهرات العراقية، التي تشهدها مدن الجنوب والوسط، ضمن زيادة دائرة الحراك الشعبي المطالب بضرورة خضوع الحكومة في بغداد لمطاليبها والتي تتمثل في " تحسين الخدمات، الكهرباء، الماء، الصحة... وفي بعض الاماكن طرد ايران.. وفي بعض الاماكن الاخرى محاسبة الاحزاب والمسؤولين الفاسدين.. ومع مطالبة البعض لمحاكمة من تسببوا في سقوط المدن العراقية بيد داعش والابادة الجماعية في سبايكر.." ، وفي الوقت نفسه مع زيادة العنف الذي بدأ ينتشر بصورة سريعة في عمليات تفريق التظاهرات من قبل الحكومة، هذا الجدل الذي بات يؤرق مضجع الكثيرين في الداخل العراقي، وحتى في اقليم كوردستان لاسيما اذا علمنا بان هناك الملايين من اهالي مناطق الوسط يعيشون في الاقليم سواء كنازحين او مواطنين.
لايختلف اثنان على ان التظاهر " المظاهرات" تعبير عن رأي مجموعاً بضغط من اجل تحقيق مطالب المواطنين، وهي تعتبر كأحد الاشكال المتداولة في المشاركة السياسية، وتعتبر في الوقت نفسه فعل سياسي جماعي، وهناك ضوابط وشروط  تتميز بها التظاهر كالتنظيم وتحديد الاولويات التي تعد من السمات الرئيسية والمهمة فيها، وللتظاهر اهداف مختلفة منها للتأييد ومنها للاحتجاج " وتظاهرات العراق تنتمي للفيئة الثانية الاحتجاج"، وحين نكرر مقولة ان التظاهر حق منصوص عليه في مواثيق حقوق الانسان، فاننا هنا نجعل انفسنا امام مسؤولية كبيرة ينتج عنها الحق في التعبير عن الراي وايضا المشاركة في العملية السياسية، وهذه المقولات اصبحت ذات صبغة دولية عالمية، ولكن بلاشك فان لكل دولة  قوانينها الخاصة فيما يتعلق بحق تنظيم التظاهرات، سواء من حيث المكان والتوقيت والفترة ، وهذه الامور لاتحدث عبثياً وفوضوياً انما عن طريق لجان متخصصة، وكل هذا يجعلنا امام واقع خطير، ومقولة قد تغضب الكثيرين الا وهي  ان التظاهر ليس حقاً مطلقاً، طالما هناك قوانين خاصة تتحكم بها.
الجدل في المظاهرات العراقية الان لايرتكز على هذه القوانين التي تحص حق التظاهر، انما الجدل اصبح حول من هم الذين يقودون التظاهرات، هل هناك ايدي خفية تحرك الجماهير لتحقيق اجنداتها وفق منظومتها التي تنتمي اليها، ام انه حراك شعبي عفوي بدون تنظيم، ام ان هناك لجان متخصصة تقود هذه التظاهرات لتحقيق اهداف محدودة يمكنها ان تساعد على تحسين الوضع العام للشعب، كل هذه التساؤلات هي الان المحور الاساس للجدليات القائمة حول التظاهرات، وهي في الوقت نفسه تضعها على المحك لكوننا اذا سلما باي الامور السالفة الذكر فاننا امام واقع خطير، قد ينتج عنه تداعيات لاحقة، وتؤثر على صيرورة العمل السياسي في العراق.
فاذا ما كانت وكما يذهب اليه البعض موجهة من قبل اطراف خارجية لتحقيق اهداف تلك الاطراف، فبلاشك ان تلك الاطراف لن تبحث عن مصلحة الشعب العراقي انما ستفعل المستحيل وستستخدم كل الوسائل من اجل تحقيق اهدافها بما في ذلك القتل المتعمد للمتظاهرين واخضاعهم لابشع انواع التعذيب في سجونهم، وهذا ما يجعل من تلك التظاهرات آفة تنهش بجسد العراق وتسير به الى هاوية لارجعة فيها، لاسيما اننا امام واقع محتدم حيث لاثقة بين الشعب وبين القيادات السياسية والحزبية وبين القيادات والاحزاب وبين الحكومة، وبالتالي فان كل عمل ممنهج منظم تدعمه بعض القيادات والاحزاب ستكون بمثابة دعم للفوضى وتحقيق لمصالحها على حساب مصالح الحكومة التي تمثل الدولة، في حين اذا كانت التظاهرات عفوية غير منظمة ، فانها بذلك ستخرق القانون الدولي لحق التظاهر، لكونها ستفتقد الى التخطيط والتنظيم وتحديد الاولويات وكذلك التوجيه للتعبير السلمي في المكان والزمان المحددين وبالتالي سيحدث حرق ونهب للمؤسسات الحكومية وكذلك سيحدث غلق للطرق الرئيسية وغلق المعابر الحدودية، وبالتالي سيتوجب على الحكومة اتباع وسائلها التي قد لاترضي العديد من الاحزاب المعارضة لوقف هذه التظاهرات، والتي ستقوم بدورها في التحريض واثارة الفوضى.
اما اذا كانت التظاهرات لديها لجان متخصصة تقودها، وتحدد مواعيدها، وتعلن اولوياتها، وتحاور السلطات باسم الجماهير الغاضبة والمتظاهرة، فاننا هنا امام مفترق الطرق، لاسيما فيما يخص احقية تلك النخبة التي تقود هذه التظاهرات، ومدى اخلاصها للشعب ولاهداف المواطنين بعيداً عن الاحزاب والقيادات السياسية والاجندات الخارجية المتحكمة بزمام الامور في الدولة والحكومة، وبالتالي فاننا امام جدلية اخرى قد لاتظهر نتائجها في الوقت الحالي او في فترة التظاهرات بالذات، ولكن تلك النتائج ستظهر عاجلاً ام اجلاً، لاسيما حين يتخذ هولاء منحى اخر  يبعد التظاهرات عن اسبابها واهدافها، لتتحول شيئاً فشيئاً الى شوكة في جسد الدولة.
ان المتتبع للتظاهرات في العراق سيجد بان كل المعايير التي سبق وان ذكرنها متوفرة فيها، وهذا ما يلخصه شعاراتها التي اسلفنا ذكرها، فمن محاولة لتطهير الجنوب من دنس ايران وهمجيتها المتملثة في استغلال اهل الجنوب لمصالحهم الدينية والاقتصادية في تدخل سافر ومفضوح لشؤون العراق، نجد بان بعض الاهالي لايبالون بذلك انما فقط توجههم هو تحسين الحالة الاجتماعية واخراجهم من الفقر المميت المتحكم بكل حياتهم على الرغم من كونهم يعيشون في مدن تمثل المصدر الرئيسي للدخل الوطني العراقي، هذا التناقض يجعل من مقولة التوجيه المتعمد لبعض الاطراف حاضرة، بالطبع مع عدم التأكيد، انما فقط من خلال التحليل والمتابعة، في حين هناك في الوسط اصوات تذهب الى محاكمة الفاسدين واسقاط الحكومة، وفي نفس الوقت محاكمة الذين تسببوا في جريمة سبايكر وسقوط المدن، وهذا التوجه يختلف تماما عن التوجهات السابقة لاسيما توجهات تحسين الحالة المعيشية واخراج ايران، ولكي يبقي هولاء على نوع من الترابط الوهمي بينها وبين التظاهرات في الجنوب يزيدون على مطاليبهم السياسية القصاصية، ببعض المطاليب الجنوبية، وهذا ما يستدعي التأمل والتوقف حول مصداقية التظاهرات في بعض المناطق وعدم خضوعها لاجندات سياسية داخلية وخارجية في نفس الوقت.
ان المعضلة الحقيقية لم تعد تتمثل بماهية التظاهرات، انما بالرؤية التي تتبناها الجماهير المتظاهرة، فحين تكون المطاليب مشتتة ومسيسة ومستهدفة تكون خيارات الدولة وحكومتها محدودة في التعامل مع هذه التظاهرات، وهذا ما يستوجب على المتظاهرين تحديد سقف مطاليبهم بالاولويات وترك المهم والبدء بالاهم، واختيار ممثلين عشوائين وليس مسيسين ومنتمين لجهات تعارض الحكومة او منتمية ومُندّسة تعمل على التحريض لكسب الثقة ولاضعاف موقف الحكومة، وتكون مطاليبهم واضحة ومحددة ولا تزداد كلما وجدت موقف الحكومة اضعف، انما تكون ثابتة كي تستطيع الحكومة التفاوض وعدم اللجوء الى القوة مع المتظاهرين، وبلاشك هذه ليست الحلول المثلى لاسيما حين ترافق الفوضى التظاهرات وتخرج عن سلميتها لتصبح تهديداً حقيقياً على السلطة من حيث هدر الاموال العامة، ذلك الهدر الذي في الاصل يتخذه المتظاهرون كدافع للخروج على السلطة والحكومة، فيصبحوا هم والحكومة مساهمين في الجريمة نفسها.
تلك الرؤية التظاهرية الناجمة عن وعي تحقق مكاسبها ليس داخلياً فحسب، انما تكسب العطف الدولي، بحيث تتعالى الاصوات المساندة لها، والتي تحث الحكومة والدولة على تحقيق مطاليب المتظاهرين والقيام بالضغط عليهم للاستجابة لتلك المطاليب، ولكن في حالة العكس لاتأتي الاصوات الداعمة الا من تلك الاطراف المصلحوية التي اما تبحث عن ضرب بعض الجهات المعارضة لها داخل العراق، او اطراف مصالحها في العراق اكبر من مصالح الحكومة العراقية نفسها،مثل ايران وتركيا بالتحديد.


27
المنبر الحر / ما يسمى ب"دولة"
« في: 12:11 17/07/2018  »
ما يسمى ب"دولة"
جوتيار تمر/ كوردستان
13-7-2018
يختلف مفهوم الدولة عن الحكومة في جزئيات بسيطة، فعلى الرغم من كونهما مترادفان في احيان كثيرة الا ان  مفهوم الدولة يعد اكثر اتساعاً من الحكومة، فالدولة وبحسب اراء المختصين كيان شامل يتضمن جميع مؤسسات المجال العام وكل اعضاء المجتمع بوصفهم مواطنين، وذلك ما يفرض واقعاً حتمياً بكون الحكومة هي ليست الا جزء من الدولة، فالحكومة بتركيبتها ليست الا وسيلة او الالية التي تؤدي الدولة من خلالها سلطاتها، ومما لاشك فيه من المفترض ان تكون الدولة اكثر ديمومة مقارنة بالحكومات التي هي بطبيعة عملها مؤقتة، وبالتالي فان الحكومات هي في الاصل الوسيلة التي تحقق الدول غاياتها من خلالها، الا في حالات شاذة ونادرة حيث تحقق الحكومات غاياتها من خلال استغلال اسم الدولة لاسيما تلك الحكومات التي تعتمد النهج الطائفي والمذهبي والقومي القبلي المتعصب في سيرورة امور الدولة، وهذا ما يحدث بالضبط في اغلب الدول التي لاتتبنى النهج الديمقراطي لاسيما دول الشرق الاوسط وبعض الدول الاخرى في اوربا الشرقية وافريقيا واسيا وامريكا اللاتينية، وذلك ما يفرض واقعاً غير مستقراً وفوضوياً تتحكم فيه الايديولوجيات المتعفنة الدموية الساعية لتحقيق كل غاياتها دون ان يوقفها وحشية الوسائل التي تتبعها.
ووفقاً لمفهوم اللااستقرار يستمر الحراك الشعبي اللامنظم ظاهرياً والموجه باطنياً في اغلب المناطق الشرق اوسطية،ولم يعد خافياً على متتبع للوضع السياسي في هذه المناطق ان الاجندات التي تتحكم بالموارد الاقتصادية لهذه الدول هي نفسها التي تتحكم بالرؤية السياسية والتوجه السياسي لها ايضاً، ناهيك عن كونها هي التي تدير الدفة وتحدد اتجاها فمصالحها هي البوصلة وهي فوق كل اعتبارات سواء أكانت سيادية، او طائفية، او حتى حدودية وقومية.
ما يجري الان في كل من سوريا ولبنان والعراق واليمن وحتى في ليبيا ليس الا نتاج طبيعي للرؤية التي رسمتها المنظومة المصلحوية على المستويين الاقليمي والدولي تلك المنظومة التي دائما ما تتحفنا بالجديد المثير في خططها وتوجهاتها بحيث تأتي في الغالب عكس المتوقع، وعكس التيار السائد، فحتى التحالفات لديها ليست الا ممراً لتحقيق ما تريد، وهي بلاشك ليست مقدسة يمكنها التخلي عن من تشاء وقت ماتشاء وحسب مصلحتها الاسمى، ففي كوردستان العراق مثلاً تم التخلي عن اكبر حليف لها البيشمركة حين اصبحوا بقادتهم خارج المسار المصلحوي، وفي سوريا تكررت عمليات التخلي عنهم وعن مدنهم حين لم تتوافق توجهاتهم مع توجهات حلفاء اكثر تأثيراً من الناحية الاقتصادية والسلطوية، وكذا الحال في اغلب المناطق والدول ليس على مستوى الشرق الاوسط فحسب بل على المستوى الدولي.
لايختلف اثنان " واعيان" على ان هذه السياسة المصلحوية ادت الى شيوع الفوضى في اغلب الدول الشرق اوسطية، تلك الفوضى التي تتحكم بها اجندات خارجية من جهة، واخرى داخلية حزبية تابعة لتلك الاجندات، بحيث اصبحت البلاد مجرد ساحة للعب تلك الاجندات واحزابها الموالية لها، دون الاخد باية اعتبارات وطنية وسيادية، فلاشيء يمكنه ان يقف امام الغاية الاسمى لها، ولايهم الوسائل والضحايا طالما ان النتيجة هي التحكم وادارة الامور وفق نهجها، اما الفوضى وتدمير البنى التحتية الاقتصادية والاجتماعية وفقدان السيادة الوطنية فكلها امور لاتدخل ضمن جغرافية الاهتمام لتلك الاجندات المصلحوية.
ان ما يحدث الان في العراق خير انموذج على تلك الحالة، فالسيادة التي من المفروض ان تكون بيد الحكومة هي الان بيد الاحزاب، والحكومة التي من المفترض انها مستقلة وذات سيادة وطنية، هي ليست الا لعبة بيد الاجندات الخارجية لاسيما امريكا التي تحاول فرض رؤيتها السياسية للمرحلة القادمة في الشرق الاوسط في حين ان ايران وتركيا من جهتهما تحاولان بشتى الوسائل فرض واقعهما على العراق، وان كانت تركيا تحاول ان تتحكم باقليم كوردستان اقتصادياً، فان ايران تتحكم اقتصاديا وسياسياً وعسكرياً بالعراق من وسطه لجنوبه، وهذا التحكم لم يأتي عبر وجود قاداتها وقواتها العسكرية في العراق فحسب بل تعدت ذلك الى خلق ميلشيات تنتمي بولائها التام لها وعلى الرغم من محاولة هذه الميلشيات الظهور بصبغة وطنية عراقية الا انها لايمكنها ان تخفي ولائها الاعمى لاصحاب العمامات في ايران وذلك ما نتج عنه انفلات السيادة الوطنية وانفلات الامن والسلام في اغلب المدن العراقية التابعة للحكومة المركزية، ناهيك ان تلك الميلشيات في صراع وتنافس مستمر مع الحكومة لتحقيق مكساب اكبر ولو على حساب الشعب وامنه، فلايستبعد ان تتنافس الميلشيات والحكومة في السيطرة على المدن الجنوبية وسحب قواتها من الاماكن التي مازالت مهددة من قبل تنظيم الدولة داعش.
لااريد الخوض في المعيات بصورة اعمق لاني اعلم بان هناك من سيرى في كلامي عنصرياً وسياتي على ذكر الاقليم والازمة الاقتصادية التي يعيشها الاقليم، وبدون اية مقارنات اريد ان اوضح ان الفوضى التي تعم العراق الان والتي ادت قيام الشعب بقطع الطرق الرئيسية بين البصرة وغيرها من المدن وحتى المعابر الدولية، وكذلك التي ادت الى سيطرة الشعب على احدى المطارات الفعالة كمطار النجف وما يحدث في ميسان والديوانية وغيرها من المدن العراقية الواقعة تحت سلطة الحكومة المركزية لايمكنها ان تكون من باب الصدفة والعبث، انما هي ضمن رؤية ممنهجة وواقعية تديرها منظومة متكونة من احزاب داخلية تابعة لاجندات خارجية وتلك الاجندات نفسها هي قائمة باعمال المنظومة المصلحوية العليا التي لايمكنها السكوت على الانتهاكات التي تحصل للمواطنين اثناء تفريق وصد المظاهرات الا اذا كانت ترى بان ما يجري ليس الا ممر لتحقيق مصالحها الفوقية.
ومن هنا يأتي التساؤل السامي الذي بدأ يتسرب الى عقول الواعين في الدولة التي تسمى العراق، لااقول ذلك من باب الاستهزاء انما من باب الواقع، لانها في صورتها الحالية ليست بدولة انما هي مجرد ساحة لعب محلية للاحزاب المتصارعة للوصول الى سدة الحكم" اشبه بالانقلاب العسكري"، وللاجندات الخارجية المتمثلة اولا بالمذهبية والطائفية، ومن ثم بالصراع الاقليمي الاقتصادي، ومن ثم بالمصلحة العامة للمنظومة العليا الكبري، واخيراً بدولة ميليشيات يتحكم بها اشخاص اصحاب نفوذ ديني لا اكثر، لا خبرة لهم سياسياً ولا علاقات دولية لهم، يمكنهم الاستناد عليها في رسم ملامح السلطة والدولة، انما فقط لديهم الخبرة في قتل الشعب واثارة الفوضى والانفلات السياسي والعسكري والتحكم بالموارد الاقتصادية، وتحقيق رغبات المذهب الذي ينتمون اليه، واعتقد بانه سيوافقني الكثيرين بان هكذا وضع داخل رقعة حغرافية لايمكن ان يطلق على تلك الجغرافية بدولة، وبعيداً عن النعرات التي تأتي لتحفر في التاريخ والشعارات القائلة بان الوطن سينتصر والى غير ذلك من الشعارات التي لم تعد تؤتي ثمارها على ارض الواقع فالوطن اصبح مجرد هيكل عظمي، حيث اقتطع كل حزب جزء منه، وباعه للذي يدفع اكثر، والسيادة اصبحت بدون قيمة وبدون وصاية وبدون وجود فتركيا تدخل متى ما تشاء، حيث سابقاً كان الجميع يتهم الاقليم بانه متحالف مع تركيا، ولكن الان وبحسب توجهات سياسة بغداد وباتفاقيات معلنة تركيا تدخل، وايران لاتدخل فحسب بل تقود الجبهات، وتعطي الاوامر، ناهيك عن امريكا وغيرها من الدول التي تتحكم بكل موارد العراق.. فياترى هل توجد دولة تسمى العراق، ام ان الخيال وحده هو الذي يرسم جغرافية دولة تسمى العراق، والاماني والشعارات هي وحدها من تجعل ابناء هذه الارض تتوهم وجود دولة وحضارة.


28
القضية الكوردية بين الصراع الاقليمي والمصالح الدولية
جوتيار تمر/ كوردستان
5-7-2018
تعبتر القضية الكوردية احدى ابرز القضايا التي تم تدوالها منذ بداية انحلال الدولة العثمانية ومحاولة القوى العظمى تقسيم تركتها فيما بينهم، وفق الاجندات التي قدمت بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى من قبل فرنسا وبريطانيا كانت المسألة الكوردية تحتل مكانة بارزة ضمن الكثير من المسائل الاخرى، حيث افرز الواقع رؤية غربية متمثلة بتلك الدولتين حول امكانية انشاء كيان كوردي مستقل، لاسيما بعد مؤتمر السلام الذي انعقد في باريس والذي فيه رات الدول المشاركة بامكانية اقامة دولة كوردستان، ولكن تلك المسألة كبعض المسائل الاخرى لم تنجح في تحقيق مساعيها، وذلك لاسباب متعددة ولعل ابرزها ماهية المصالح الدولية لاسيما لكل من بريطانيا وفرنسا في المنطقة، ومن خلال هذا السرد الموجز سيتم الوقوف بشكل اكثر دقة وتفصيلية على اهم الاسباب التي وقفت وراء عدم اقامة دولة كوردية، على الرغم من وصول القضية الكوردية وقتها الى مستويات عالية في التداول الاقليمي والدولي، لاسيما فيما يتعلق بالحقوق القومية، ولقد لعبت الاوضاع العامة وقتها دوراً مهما في ايصال ذلك الصوت، ولكن في الوقت نفسه بقي دور القوى الاقليمية والدولية سلبياً تجاه القضية الكوردية، وبلاشك هناك اسباب عديدة وراء ذلك، فالاتحاد الاوربي والولايات المتحدة الامريكية كل من جانبها اثرت بشكل واخر على سير القضية الكوردية،  ولايمكن اخفاء ذلك حتى في وقتنا الحاضر لاسيما بعد دخول الكورد ضمن منظومة التحالف الدولي في حربها ضد احدى اشرس الجماعات الاسلامية " تنظيم الدولة داعش" في كل من سوريا والعراق، فقد اصبح الكورد في الحرب السورية الدائرة حالياً ورقة ضغط كبيرة على المسارات السياسية وذلك بتحالفهم مع الولايات المتحدة التي تقود بدورها التحالف الدولي ضد الارهاب، في حين نرى المساعي التركية والايرانية الجاهدة في ابقاء الكورد ضمن دائرة الارهاب في سوريا، هذا التضاد خلق نوعا من الامتعاض الكوردي ولكن في الوقت نفسه يتضح بان الولايات المتحدة لم تزل متمسكة بذلك التحالف، فضلا عن وجود تعاطف روسي حيال الكورد في هذا الشأن لاسيما بعد ان اتضحت معالم توجههم الحقيقي والذي يميل الى النظام السوري الحاكم المدعوم من روسيا، وفي الجانب الاخر حدثت تطورات كبيرة في مسالة الوعي القومي والمطالبة بالحقوق القومية للكورد في كوردستان العراق التي بدورها دخلت في تحالف مباشر مع القوى الدولية لمحاربة الارهاب، ذلك التحالف الذي اعطى للكورد مساحة واسعة للظهور الدولي بحيث اصبحت قضيتهم في العراق تتداول في العديد من المحافل الدولية، ذلك التداول الذي اسفر في النهاية الى قناعة لدى الاوساط السياسية الكوردية بضرورة اجبار بغداد على اتخاذ سياسة واضحة تجاههم، واعطاء حقوقهم الدستورية الامر الذي افضى الى اتخاذ الساسة في كوردستان العراق قراراً باجراء استفتاء للاستقلال، فعلى الرغم من هذا القرار التاريخي المهم للحركة التحررية الكوردية الا ان المواقف الدولية تغيرت تجاههم بحيث لم تقدم لهم الدعم اللازم مما جعلوا من تجميد نتائج الاستفتاء امراً وارداً.


مر الشعب الكوردي كغيره من شعوب المنطقة بمراحل تاريخية عديدة، وتثبت الدراسات التاريخية والاثرية برسوخ قدم الكورد في المنطقة سواء من الناحية الاثنية او الجغرافية، ولقد ترك الكورد خلال العصور التاريخية معالم حضارية واضحة تشهد لهم بامتلاكهم القدرة على البقاء والثبات امام الصعاب، وتعد مرحلة عاصفة الصحراء 1990  الى ما بعد سقوط بغداد وانحلال نظام البعث العراقي 2003 احدى اهم المراحل التاريخية والسياسية للكورد في كوردستان العراق حيث تم تقييد نظام البعث وجيشه وذلك من خلال اقامة منطقة عازلة باشراف دولي، وفي الوقت نفسه دخل الكورد بشكل فعال للمنظومة السياسية الداخلية بتشكيل حكومة كوردية وبرلمان كوردي ومن ثم التوافقات السياسية بين الاحزاب الرئيسية في كوردستان العراق، ومن الناحية الاخرى دخولهم وبشكل قوي في تحديد معالم وملامح السياسة العراقية واستطاعوا من فرض ارادتهم في صياغة العديد من المواد الدستورية الاولية التي تضمن لحد ما حقوقهم داخل الدولة الجديدة بالطبع من خلال دخولهم ضمن اللجان المكلفة باعداد مواد الدستور والتي استمرت لفترة طويلة قبل ان يتم الاعلان عنه، ولكن كل ذلك مرة اخرى اصطدم بواقع المصالح الدولية التي سعت بدورها الى تفعيل الورقة الكوردية للضغط على بغداد وايران من جهة وللحد من التوغل التركي ايضا من جهة اخرى، فمصالح تركيا هددت الى حد ما المصالح الامريكية على الرغم من التحالف الامريكي التركي، كما اصبح التواجد التركي في العراق لاسيما في كوردستان معياراً سلبياً بوجهة نظر الاتحاد الاوربي لتعارضها مع مصالح الاتحاد وكذلك لكون الاتحاد يدرك تماما المساعي التركية لضرب حزب العمال الكوردستاني من خلال هذا التوغل.
من خلال رسم الملامح السياسية عقب فترة سقوط النظام العراقي وبداية التحولات السياسية العراقية والتي سبق وان نوهنا عنها بتشكيل اللجان الدستورية ودور الكورد فيها، اصبح المشهد العراقي شبه واضح المعالم للغرب الاوربي والامريكي من جهة وللدول الاقليمية المجاورة لاسيما ايران وتركيا من جهة اخرى، حيث ان التدخلات الاجنبية في الشؤون العراقية لم يعد مقتصرا على جهة معينة بل تحول العراق ساحة لعب للمصالح الدولية لاسيما لتركيا التي باتت احدى اكبر الدول استثماراً في العراق وبالاخص في كوردستان العراق وباتت تتحكم اقتصاديا في العديد من المواقف السياسية، لكونها تتحكم في الاصل بالممر المهم والرئيسي لانفتاح كوردستان العراق على العالم الخارجي، ولقد سعت تركيا من خلال ذلك لفرض وجودها، وسياستها في الكثير من الاحيان وذلك لاعتبارات خارجية، فتركيا التي تعاني منذ عقود طويلة في مسالة الدخول للاتحاد الاوربي واجهت الامر بطريقة مغايرة وذلك بفتح قنوات اقتصادية وسياسية تعطيها حضوراً مميزا في الشرق الاوسط، مما يعني بالتالي امكانية الضغط على الاتحاد الاوربي لقبولها، ولكن في الوقت نفسه واجهت ضغوطات عديدة من منافسيها في المنطقة سواء ايران، او الولايات المتحدة التي وجهت للعديد من المرات انتقادات واضحة للتوجهات التركية وسياستها في المنطقة، وبلاشك ان تلك السياسة لم تلقِ استحسانا اوربيا ايضاً بل اثر كثيرا على المساعي التركية، ونتيجة هذا الصراع بين الدول الاقليمية والاتحاد الاوربي وامريكا دخل العراق مرحلة من الضياع السياسي استطاع الكورد من الاستفادة من تلك الظروف لبناء انموذج للحكم ضمن حكومة شبه مستقلة.

اصبح التوغل الاقتصادي التركي في كوردستان العراق محل شك للعديد من الاوساط المحلية والاقليمية، ولكنه في الوقت نفسه استطاع من اخراج حكومة الاقليم من العديد من الازمات، وبذلك فان هذا التوغل الاقتصادي منح الكورد فرصة كبيرة للانفتاح على الاسواق العالمية، فتركيا وحدها كانت تحمل تلك السمة الانفتاحية للكورد، لكون جغرافيا سوريا التي تعيش واقعا مأساوياً لايمكنها ان تمنح كوردستان العراق الممر الامن، ولا ايران التي تتحكم بزمام الامور السياسية في العراق وبذلك لم يعد امام الكورد الا تركيا، فعلى الرغم من التنازلات التي قدمها الكورد لتركيا الا انهم استطاعوا من استغلال ذلك لفرض واقع اقتصادي مؤثر، بحيث لم تعد تركيا تستطيع الى حد ما الاستغناء عنه، وهذا بلاشك يعد مكسباً لحكومة اقليم كوردستان، ومفتاحاً مهما للتنمية الاقتصادية لاسيما اذا ادركنا بان تركيا تنعم بموقع استراتيجي على الساحة الدولية سواء في المجال السياسي ام الاقتصادي، ولكن مع ذلك لايمكن انكار الاثار السلبية التي قد تتركها تركيا فيما يخص الواقع السياسي الكوردي الساعي لتحقيق دولة وكيان كوردي مستقل، فتركيا كانت ولم تزل من اشد الدول معارضة لهذا المسعى لادراكها بان استقلال كوردستان العراق يعني بالتالي فتح الممر والمجال مع الجنوب التركي للتحرك ضمن مساعي دولية وسياسية وحتى عسكرية لنيل حقوقها، وبالتالي فان تركيا كانت ولم تزل توجه كامل طاقتها للحد من استقلال كوردستان العراق ولقد شهدت الاحداث الاخيرة بعد الاستفتاء هذا السعي التركي حيث لاول مرة منذ عقود تاريخية نجد تركيا تقدم تنازلات واضحة لغريمتها ايران على حساب وقوف الاخيرة معها ضد المصالح الكوردية.
تتضح معالم الرؤية الدولية للقضية الكوردية وفق معايير المصالح المشتركة فيما بينها من جهة وعلى الوحدة الكوردية من جهة اخرى، فالقضية الكوردية تعيش واقعاً صعباً من خلال جغرافيتها الصعبة، حيث تستفحل الدول القومية في المنطقة بشكل واضح وجلي، وتتحكم تلك الدول بزمام السلطة ضمن جغرافيتها وفي احيان كثيرة تتحكم بمسارات اخرى للاحزاب الكوردية داخل حدود الدول المجاورة لها، وهذا يعني امكانية استغلال التيارات الكوردية من قبل تلك الحكومات القومية وفق مصالحها ومعاييرها واستراتيجياتها الخاصة واجنداتها، فتركيا الدولة القومية التي كانت ولم تزل تتحكم بقوة بزمام الحكم ضمن جغرافيتها تتدخل بشكل واضح ومؤثر في كوردستان العراق، وفي الجانب الاخر العراق نفسه المدعوم من ايران نراه يتحكم بمناطق كثيرة وفق نهجها الخاص، وبالتالي فان القضية الكوردية تعيش واقعاً افتراضياً موحداً، وواقعاً عيانياً مفترقاً، وهنا تبرز اللعبة الاكثر تحكما بالمساعي التركية لبسط نفوذها في المنطقة وهو الصراع التركي الاتحاد الاوربي حيث تشكل الاخيرة معلماً بارزا في تحديد المسارات السياسية التركية، بحيث كان الترك ومازالوا يستغلون ورقة التحكم بالعديد من الممرات الاقتصادية المهمة لكوردستان العراق لتوجيه الرأي العام الاقليمي، في حين لم يزل الاتحاد الاوربي يرى في السياسة التركية منافية لجميع القوانين الدولية والتي تفضي الى عدم اهليتها للدخول في الاتحاد.
فالتوغل التركي في سوريا ومساهمتها الفعالة في ايواء المعارضة السورية ومن ثم اتباعها النهج العسكري لتوثيق مواقفها ورغبتها التوغلية تجعل من مهمة قبول الاتحاد الاوربي لتلك الافعال والاعمال شبه مستحيل، لاسيما بعد ثبوت العديد من الادلة بارتكابها مجاز حقيقية وايوائها لبعض الجماعات الارهابية، ومن ناحية اخرى رفضها القاطع للتعامل مع الاحزاب الكوردية الفعالة والتي تدخل ضمن التحالف الدولي ضد الارهاب، كل هذا جعل من القضية الكوردية تدور في حلقة فارغة ضمن اطارات لم تحدد ملامحها المستقبلية بعد، ومن جهة اخرى فان التعامل الدولي مع الكورد على الرغم من ولولوجهم الى التحالفات الدولية معهم، بات امراً يعقد من ادراك معالم القضية الكوردية المستقبلية، فالكورد رغم كل ما قدموه مازالت قضاياهم يتم التعامل معها وفق سياق محدد وهو الدولة القومية التي يشكل الكورد جزء منها، فالتعامل مع اقليم كوردستان العراق يتم عبر بغداد، ومع الكورد في سوريا وفق المنظومة السورية ناهيك ان ايران وتركيا لايعترفان اصلا بوجود كوردستان، فكل التعاملات تتم عبر انقرة التركية وطهران الايرانية.
لقد ساعد التشتت الكوردي نفسه هذه الدول على الاستقواء عليها، وحصر قضيتهم في الدوائر الداخلية للدول نفسها، وعدم اعتبار القضية الكوردية قضية دولية او قضية قومية تحتاج الى حلول دولية، هذا التشتت له اسباب عديدة، ولعل ابرزها هو التحزب والانقسام في الرؤية الكوردية حيال قضاياه، وعدم وجود قيادة تستطيع ان تتحكم بالكورد وتوجههم الى بر الامان، فكل الاحزاب الكوردية لاتملك مشروعاً قومياً منطقياً وواقعياً يمكنه ان يتماشا مع رؤية اغلب الاحزاب المتحكمة الاخرى، بل ان اختلاف وجهات النظر الكوردية الكوردية ادت في العديد من المرات الى الاقتتال الداخلي فيما بينهم، وهذا ما وسع الشرخ بين الرؤية الكوردية لقضيتهم وبين الرؤية الدولية التي وبحسب مصالحها تريد وتيرة موحدة للرؤية الكوردية كي تقدم الدعم لها، ان التنافس الحاصل بين القوى الحزبية الكوردية اضرت بالقضية الكوردية بدرجة انها لاتستوعب مدى حجم تلك الاضرار، ولم يعد يهمها الا الشعارات القومية التي بدورها لاتنفع ولاتقدم للقضية اية حلول مناسبة، هذا الانقسام الظاهر في الجسد الكوردي لم تجعل الهوية الكوردية في خطر فحسب بل انه بات يهدد مستقبل القضية ومستقبل الجنسية الكوردية في دولها وفي المنطقة باجمعها، بحيث لم يعد التغني بالاسطورة الكوردية التي استطاعت الوقوف بوجه الظلم والارهاب تنفع، لان اساس اية اسطورة حية التوافق والالتحام والتوحد وهذا ما لايوجد في دائرة الساسة الكورد، وبالتالي فان الاسطورة بكل قوتها لاتستطيع ان تخلق واقع سياسي يتمكن فيه الكورد من تشكيل دولة او اقامة كيان مستقل.



29
لماذا الان...؟ انفلاتات
جوتيار تمر / كوردستان
5-6-2018
-سد اليسو احد اهم المواضيع التي تصدرت عناوين الصحف والمجالس والاجتماعات والمؤتمرات السياسية والاقتصادية والزراعية والاروائية والاجتماعية وحتى انه اجتاح الشارع وشبكات التواصل الاجتماعي ان لم يكن حديث قاطني شبكات الصرف الصحي ايضاً من الحشرات لان الموضوع يخصهم ايضا.
- اختلفت الاراء حول الغرض من بناء السد في البداية، واختلفت الاراء حول سبب ضخ المياه اليه الان، واختلفت الاراء حول القرائن السياسية والعلاقاتية بين تركيا وبغداد من جهة وبين بغداد وكوردستان من جهة اخرى، وبين تركيا وكوردستان ايضا، وبينهم جميعا وبين ايران.
- تذهب بعض الاراء على ان تركيا تعمدت قطع مياه نهر دجلة الان للضغط على الحكومة العراقية من اجل كركوك من جهة، ومن اجل عدم السماح للكورد باخذ موقع قدم في الحكومة الجديدة، ومن ناحية اخرى تريد بعث رسالة للحليف الرئيسي لبغداد حالياً ايران.
- تقول اراء اخرى بان هناك تزامن وتوافق بين ايران  والميلشيات الشيعية التي تتحكم بموارد العراق حيث قطعت هي الاخرى مياه نهر الزاب وبذلك تريد ان تبعث رسالة ضمنية لتركيا واخرى ظاهرية للصدر الذي ترأس الحدث العراقي بعد فوزه بمقاعد اكثر من غيره، ويعرف ظاهرياً ان الصدر لايريد لايران ان تتدخل بالشأن العراقي كما يعرف عنه ايضا معاداته لتواجد القوات الاجنبية على الاراضي العراقية، ويقال في الشارع العراقي والكوردستاني ظاهرياً لديه علاقات طيبة مع الكورد.
- يشاع ان هناك اتفاق بين ايران وتركيا معاً ايضاً بالشأن الانتخاباتي، وذلك بعد فوز الحزب الديمقراطي الكوردستاني بغالبية المقاعد الكوردية وهذا الحزب كان بنظر كل من ايران وتركيا انفصالياً ، وهو الحزب الذي ترأس عملية الاستفتاء في العام الماضي، الامر الذي ازعج الدولتين الراعيتين لمصالح الشعب العراقي في الدولة العراقية متخطية بذلك حتى رعاية الحكومة العراقية نفسها لشعبها ولمصالحها.
- ان توقيت قطع المياه من قبل تركيا وايران وتزامنها مع الحركة الدائرة لتشكيل الحكومة العراقية المقبلة يمكن ان يفسر وبحسب بعض الاراء انه رسالة مباشرة لمن سيأتي للحكم، حيث عليه ان يسير وفق المنهج المعد من قبل الدولتين كي لايتجرأ  احد على دنس معالم التوافق بين الدولتين والشعب العراقي الصديق لهما، فهما بلاشك اعمدة راسخة في التدخل السافر للشأن العراقي وورقة رابحة للضغط على الجهات الكوردستانية كي لاتحيد عن الخط.
-قبل سنوات او بالاخص ما يقارب العشر سنوات كنت قد ذكرت بان الاهتمام الكبير لتركيا ببناء السدود على دجلة والفرات ليس اعتباطياً انما هو مخطط وورقة يمكن ممارسة الضغط بها على جميع الحكومات العراقية من جهة، وعلى الكورد من جهة اخرى، ووقتها كان هناك من يقول لي هناك قانون دولي، وامم متحدة وامريكا وبريطانيا والى غير ذلك من الاسطونات السياسية الاعلامية الشعاراتية، ومع اني قلت وقتها والان ايضا اقول بأن الواقع المصلحوي هو الذي يترأس القانون الدولي..الا ان الاذان الصاغية تتهمني دائما باني انفصالي وغير مؤمن بالعراق الموحد.. للعلم لست الا مواطن كوردي يؤمن بقضيته ولكنه دائما يدعم موقف حكومته الكوردستانية سابقاً وحالياً في كل مساعيها.
-في الشارع الكوردستاني هناك تباين في الاراء حول ما يحدث للعراق ، فالبعض يقول بان هذا الامر سيؤثر على مصادر المياه تدريجيا لكوردستان ايضاً لذا فانه لابد من تحرك داخلي كوردي وعراقي واقليمي ودولي للحد من استبداد تركيا وايران وتحكمها بمصير العراق، وهناك من يقول بان الامر ليس الا مسرحية اخرى يمكن من خلالها فرض اجندتهما على الحكومة المقبلة وبعدها تعود الامور لنصابها، وهناك من يقول بان العراق يستحق ما يحصل له، ويردد اين هم اصحاب الصور الذين كانوا يتباهون بالمناورات المشتركة بين جيشهم العراقي الباسل وبين الجيش التركي الحليف، حين اجتمعوا على محاربة الكورد بعد الاستفتاء، لماذا الان لايتكلمون، هل بلع البحر لسانهم الخشن وشتمهم وسبهم للكورد.. ها هو حليفهم اردوغان التركي يقطع عنهم المياه.. وها هو حليفهم الايراني يقطع عنهم المياه، ويتساءل هولاء ماذا بعد ياعراقيين.. ماذا بقي ولم تفعله هاتين الدولتين المجرمتين بكم...؟.
- وفي راي مغاير يتحدث البعض عن امكانية تقسيم العراق بشكل ليس افتراضي انما واقعي بحيث تدخل القوات التركية الى مشارف كركوك والايرانية للمناطق الاخرى وبذلك يتحول العراق الى ساحة صراع عثماني صفوي من جديد ولكن بشكل اكثر تحضر.. حيث يتحكم فقط كمية النفط بمجريات الاحداث والسياسة وليس السلاح.. وبذلك تحقق ايران سعيها الابدي للوصول للنجف وكربلاء الاماكن المقدسة وكذلك تتمكن من نفط الجنوب وحركة الملاحة البحرية في الشط والخليج، ومن جهة اخرى تحقق تركيا غايتها في كركوك وتزعم الجبهة السنية الطائشة والمشتتة وتقضي في الوقت نفسه على معاقل حزب العمال الكوردستاني وعلى اي حركة كوردية سواء في جنوب كوردستان او غربها او شمالها، مما يحقق لها امنها كما تقول ويحقق لها اهدافها الاستراتيجية في المنطقة.
-هناك ملاحظة مهمة اود ان اذكرها.. كل الاراء والتكهنات حول ما يحدث في الشرق الاوسط هي مجرد اراء عبثية تأتي من واقع الحالة ، ومن الواقع النفسي والاجتماعي والاقتصادي وحتى السياسي العام الذي تعيشه المنطقة وهي في الاساس اراء واستنباطات وافتراضات انتمائية اي ان كل جهة تفترض ما تراه وفق اجندتها، وليس لها اية علاقة بالرؤية الدولية والمخطط الدولي المزعوم، والحقائق برهنت وتبرهن ذلك بوضوح، لاشيء حتمي في الشرق الاوسط الا من خلال ما يمكن ان تفرزه سياسة ومصالح المنظومة الدولية التي تديرنفسها بنفسها،  والسؤال يبقى من يتحكم بالمنظومة بعيداً عن نظرية التآمر وقريباً من الواقع العياني الذي تعيشه المنطقة من عقود طويلة..؟.

30
اعطوا للشعب حقه بعدما اعطاكم حقكم
جوتيار تمر/ كوردستان
19/5/2018
الى رئيس حكومة اقليم كوردستان: من باب وَ ذَكرّ....
بعد التحية:
تعيش كوردستان منذ ما يقارب الخمس سنوات وقع ظروف استثنائية، غير مسبوقة بعد التحولات السياسية على الساحتين الشرق اوسطية بصورة عامة، وعلى الساحة العراقية بصورة خاصة، فمن خضم الاحداث التي لايمكن فصلها بشكلها الاجمالي ولدت حالة يمكن القول بانها وليدة لحالة استثنائية كما سبق وان نوهنا الى ذلك، هذه الحالة التي اعطت لكل شيء بُعد اخر غير مرئي، على الرغم من تشابه الحدث الوضعي العياني، سواء باثارة الفتن في المنطقة او القتل المجاني الذي اصبح ماركة مسجلة باسم ساكني الشرق الاوسط ( سوريا- لبنان – العراق - كوردستان – اليمن – مصر – تونس – ايران – تركيا – ليبيا – فلسطين – اسرائيل....) والمزيد من الدول في هذه البؤرة الموبوءة، او التدخلات الخارجية ضمن تحالفات لاتجر على اهالي المنطقة الا المزيد من الويلات التي نكاد نؤمن تماما بانها لانهاية لها.
دخل أقليم كوردستان الشبه المستقل في دائرة هذه الاحداث بعدما توجهت احقاد ابناء الخليفة الاسلامي المُدعي " ابوبكر البغدادي" صوبها ضمن جغرافية اراد ابناء التنظيم الاسلامي داعش السيطرة عليها لاقامة دولة الخلافة الاسلامية بحيث تجاور تركيا الحليفة الخفية وايران الداعمة للارهاب، وسوريا المتخامة لاسرائيل العدوة في النصوص فقط، والصديقة في الواقع، وبعدما استطاع قوات التنظيم من السيطرة على مناطق واسعة في سوريا وهدد لبنان، وسيطر على الدائرة السنية في العراق توجهت احقادهم نحو كوردستان التي في البداية لم تستطع ان تستوعب حجم القوة التي تمتلكها داعش فتراجعت للوراء ولكن سرعان ما استعادت قوتها وبدعم دولي استعادت جميع اراضيها من تحت سيطرتهم، وكي لااخوض في تفاصيل تلك المرحلة لاسيما فيما يتعلق بالاعمال البطولية للبيشمركة الكوردستانية، اريد ان اتوقف عند المتغيرات الداخلية للسياسة التي اتبعتها الحكومة الكوردية لمعالجة قضاياها في تلك المرحلة.
فمع برزو سطوة داعش كانت كوردستان تعيش وقع صدمة سابقة لعمل لايقل عن اعمال داعش الارهابية، حيث كانت الحكومة العراقية التي كان المالكي يقودها قد فرضت واقعاً سياسياً اقتصادياً صعباً على العراقيين بصورة عامة وعلى كوردستان بصورة خاصة، فيما يتعلق بكوردستان فقد كان قطع الميزانية بحجة عدم ايفاء الحكومة الكوردية باستحقاقاتها من ارسال النفط المطلوب منهم الى بغداد، هذا المبرر كان دافعاً قوياً للمالكي ليجد الدعم من الموالين لسياسته تلك لاسيما الحاقدين على كوردستان بعدما وجدوا فيها التطور المذهل على جميع الاصعدة والرخاء الذي يعيشه الشعب الكوردي بعكس المناطق التي تحت سيطرتهم، فحولوا احقادهم الى صك سياسي في برلمان طائفبي بامتياز وقطعوا الميزانية عن كوردستان، فتحولت الظروف فيها بشكل سريع نحو متاهة يصعب على اية جهة التعامل معها لاسيما وان داعش كانت تنتهك كل ما يقع تحت يدها.
وضعت قطع الميزانية كوردستان في حالة استنفار واضحة، وبدأت الحكومة باتباع سياسة التقشف الذاتي، وبدأت بالموظفين الذين عانوا ومازالوا يعانون من تبعيات تلك السياسة التي يمكن ان توصف بشبه قمعية اضطرارية، ومع توالي الاشهر  و زيادة حدة الحرب مع داعش، كانت الاوضاع الداخلية تسير نحو هاوية لاعمق لها، فاتباع الحكومة سياسة الاستقطاع والنسبة في دفع رواتب الموظفين وجهت صفعة موجعة للجانبين، حيث اهتزت ثقة الشعب بالحكومة، وعانى الشعب الامرين من فقر وحاجة، وجعلت الحكومة تعيش حالة غير طبيعية ولربما لم تحسب لها اي حساب ضمن منظومتها وسياستها لاسيما الداخلية، وهذا بالطبع ما كان ولم يزل موضوع نقاش الطبقة المثقفة التي تتهم الحكومة الكوردية بعدم اتخاذ اية اجراءات احترازية وعدم وجود اية خطط لها يمكنها ان تواجه بها الازمة الاقتصادية التي مرت بها، ومع هذا الاهتزاز الحاصل داخلياً كان لابد من اتخاذ موقف حازم داخلياً في كوردستان وذلك عبر التعامل مع المعارضة بشكل حازم لاسيما بعدما حولت كل اهتمامها على الاتهامات بسرقة قوت الشعب وبدأت تثير القلاقل في بعض المناطق التي تحولت الى فوضى راح ضحيتها العديد من الارواح، وخارجياً مع العراق المتزمت والذي لم يعطي اي انطباع لامكانية حل المشاكل العالقة بين بغداد واربيل، حتى بعدما اوصل الكورد العبادي الى السلطة كما كانوا قد فعلوا مع سابقه المالكي، هذه الظروف خلقت حالة استثنائية في كوردستان، واصبحت الحكومة تعيش واقعاً مأساوياً، فالرواتب على الرغم من كونها استطقعت بشكل مبالغ جدا، فانها لاتوزع الا كل شهرين مرة، وبالتالي حالة الاستنفار الداخلية لم تعد تجدي نفعاً، وكان لابد من اتخاذ موقف مع بغداد يكون باباً لحراك اوسع، ويضع حداً لانتهاكاتهم بحق الشعب الكوردي، فكان الاستفتاء، الذي صوت فيه الكورد بحرية تامة وقالوا كلمتهم التي سجلها التاريخ في 25-9-2017، حيث المطالبة بصوت واضح بالاستقلال، هذا الصوت اوجع الكثيرين في العراق وايضا دول الجوار لاسيما تركيا التي تنازلت عن احقادها تجاه ايران لما يقارب الست قرون ومدت يدها لايران لضرب الكورد وتقويص اصداء الاستفتاء، وكانت بغداد تبحث عن منفذ لها لديهم فوجدته وبدأوا بالتلاعب بمشاعر الكورد، حيث هددوا مع قطع الميزانية  باعلان الحرب على كوردستان، وضمن صفقة ستبقى وصمة عار على جبين بعض الخونة دخلت القوات العراقية من الجيش والحشد الشيعي الشعبي كركوك بعدها دخلوا اغلب المناطق المتنازع عليها وفق مادة 140 في الدستور، ولولا بعض المعارك الحاسمة التي استطاع البيشمركة من وضع حد للحشد الشيعي لكانوا هددوا كل من دهوك واربيل، ومن ثم قاموا بقطع الطرق الخارجية ومنع دخول البضائع الى كوردستان وبالفعل استجابة ايران لهم وقطعت منافذ الحدود، ومنعت بغداد الطيران من والى كوردستان، كما قامت باجراءات تعسفية اخرى، كلها لطمس معالم الصوت الكوردي المنادي بالاستقلال في الاستفتاء، ولكن الشعب الكوردي معلوم تاريخياً بتحمله للظروف الصعبة بحيث لم يهتز منذ قرن امام احقاد ايران وتركيا والعرب في سوريا والعراق، بالعكس تماما ظل يناضل رغم الكوراث التي فرضت عليه من  حرق وابادة جماعية سواء في عامودا او قصف بالاسلحة الكيماوية في حلبجة ومن العمليات العسكرية المعروفة بالانفال في 1988 ومن العمليات العسكرية التركية الدائمة في المناطق الحدودية فضلا عن الاعدامات والتهجير والقتل الجماعي في مناطق شرق كوردستان، كل هذا لم يثني الكورد عن المطالبة بحقوقهم القومية، لذلك لم تؤثر في الكورد كل هذه الممارسات وبقي صوت الاستفتاء فعالاً لوقتنا هذا وسيبقى للابد طالما هناك كوردي يؤمن بالحرية.
لقد القى الاستفتاء بظلاله على الاوضاع العامة في كوردستان وفي العراق وفي دول الجوار، بحيث اصبح المعنين بالاستفتاء هم اشخاص فقط وتكالب الاعلام المعارض بتوجيه التهم اليهم وكما عمدت الاوساط الخارجية على اظهارهم بانهم انفصاليين، ولكن هذا لم يمنعهم من الثبات بوجه تلك التحديات، والغريب جدا ان بعض التحالفات الكوردية داخل كوردستان استغنت عن مواقفها ماعدا بعض الوطنيين منهم، فجلب موقفهم التخاذلي العار لهم، وهذا ما اثبتته الانتخابات العراقية في 2018 حيث ان اغلب الاحزاب والتيارات التي عادت الاستفتاء لم تنجح، كما دفعت الاطراف التي ساهمت في تسليم كوكوك ضريبة خيانتها، وحتى الاصوات المتجددة لم تستتطع ان تقنع الشارع الكوردي بان الاستفتاء كان عملاً خاطئاً، مع انهم وجهوا كل قوتهم الاعلامية نحو ذلك، فالنتيجة التي حصل عليها حزب الاستفتاء والاستفتائيون كانت صدمة لهم ولامثالهم سواء في داخل كوردستان او خارجها، وهذه كانت اكبر  رسالة توجه بالتصويت مرة اخرى الى القائمين في الحكم في بغداد وحتى الى الاحزاب الكوردية التي تعادي الاستقلال بان صوت الحرية لايمكن شرائه ببعض وعود عانى الكورد منها منذ القدم.
سيادة الرئيس: عذرا لهذه المقدمة الطويلة التي تعرف تفاصيلها جيداً، ولكن من باب "ذَكِرّ..."  ولعل هذه التذكرة تنفع في القادم، لاننا كشعب سواء من خرج وصوت في الانتخابات العراقية او من امتنع واصر بان صوته لن يكون الا للاستفتاء وللحرية والاستقلال، فاننا جميعا ننتظر منكم ان تُقدموا على ما يعيد اليكم الثقة كحكومة، وهذا لن يتم الا اذا بدات الاصلاحات دون الاعلانات، والشعارات، انما اذا بدت للعيان بشكل فعلي وواقعي، لاسيما فيما يتعلق بالرواتب " لاتؤخروها"  ، فالشعب مع كل ما مر به صوت للاستفتاء ولكم في حربكم مع بغداد، لذا لاتخذلوا الشعب مرة اخرى، وابدأوا العمل على وضع خطط مناسبة لاتخدم السلطوية فقط، انما تكون في صالح الشعب الذي عانى ولم يزل يعاني الكثير من الويلات، انهضوا بقوة واعطوا للشعب حقه بعدما اعطاكم الشعب حقكم بالوقوف معكم في كل محنكم.. انها رسالة من مواطن يؤمن بانه لا شيء اقدس من الوطن " كوردستان " ولااحد اقدس من البيشمركة ، لذا لاتخونوا كوردستان والبيشمركة وكونوا اهلاً لحكم هذين المقدسين، كي لايتجرأ حاقد ذليل على دنس علمنا الشامخ شموخ جبالنا.

31
مفارقات من الوحي الانتخابي
جوتيار تمر/ كوردستان
12-5-2018
-الصراعات الحزبية في حملاتها الدعائية لم تزل خلاقة بعيدة عن الاشتباكات الحقيقية ماعدا بعض الخروقات التي طالت بعض المرشحين والتي لاتعد موقفاً من الاحزاب، انما هي تصرفات شخصية، وكي لاننسى الواقع الاجتماعي في المنطقة فاننا شعوب شرقية وبالاخص شرق اوسطية حيث لم تزل النعرة القبلية فعالة حتى في ايديولوجياتنا.. وما يناقض هذه الصراعات ان جميع الاحزاب بلا استثناء لم يراعوا في حملتهم الدعائية اسس المجتمعات المتحضرة، لاسيما فيما يتعلق بنشر صورهم واماكن نشرها حيث طالت هذه الصور الارصفة والاماكن الحكومية التي لاتعد ملكاً لحزب دون اخر.
- التجمعات الجماهيرية كانت غير مقيدة، فعلى الرغم من ظن الجميع بان الاحزاب الحاكمة ستعيق تلك التجمعات الا انها سارت بشكل حضاري، وتحت حماية قوات الشرطة ومتابعة جدية من قوات الامن، فلم تحدث خروقات، ولم يحدث ما يشوبها.
- في كوردستان برزت ظاهرة ربما تكن موجودة من قبل، وهي الرفض الشعبي للخروقات المتعلقة باماكن تعليق الصور ووضعها، حيث خرج اكثر من شخص وبشكل مباشر صور قيامه بازاحة تلك الصور ولم ينظر هولاء الى مسألة الانتماءات الحزبية، انما فقط الى توعية المرشحين اولا والبلدية ثانيا بان الارضفة هي من حق المواطن وليس من حق صور المرشحين.
-ومن ضمن ما جذب انتباه الشارع الكوردي، هو التواصل الذي تم بين الشباب الكورد ذو الانتماء الديني الاسلامي، مع احدى المرشحات المسيحيات، وليس الامر هنا متعلق بامر لااخلاقي او تجاوز على المرشحة انما هو التواصل كان ضمن حوارات منشورة على الفيس والانتسغرام ، حيث كسر من خلالها بعض القيود التي ظلت تتحكم بالعلاقات الاسلامية المسيحية، لاسيما مع تحفظ المسيحين في التعامل المباشر مع المسلمين، فقد اظهرت احدى المرشحات جرأة واضحة في التواصل والتعامل وقالت في اكثر من مرة للشباب المسلم المتواصل معها بانها اختهم وابنتهم وابنة هذه الارض، وهذا ما لقي استحسانا كبيرا لدى الاوساط الثقافية، بالطبع بعيداً عن التحزب ، وهذا ما يمكن ان نعده من ايجابيات الانتخابات في المناطق الكوردستانية لكونها خلقت جواً مغايراً بعيداً عن النعرات القومية والحمية العصبية القبلية والدينية، طبعاً بغض النظر عن التحزب والصراعات الحزبية التي لايمكن الحد من انتهاكاتها في اي مجتمع شرق اوسطي بما فيه المجتمع الكوردستاني، لقد استطاعت الانتخابات ان تكسر حاجز التواصل بين المكونات الكوردستانية بما فيها الاشورية والكلدانية والمكونات الاخرى داخل كوردستان من العرب والتركمان وحتى الاطياف الكوردية المنوعة من الايزيدية والشبك والفيلية والكاكائية.
-بقيت التوقعات متأرجحة بين الاحزاب الشابة الفتية التي تأسست حديثاً وبين الاحزاب المعارضة للحكومة وبين الاحزاب اصحاب النضال الطويل، ولم يكن مخفياً على احد بان الصراعات الحزبية ستكون هي الفيصل في النتائج، ولكن ان يحصل حزب كوردي في مدينة الموصل على الاغلبية هذا ما يعد من احدى اهم المفارقات الانتخابية في العراق.
- اعتمدت الاحزاب وليدة الاحداث الاخيرة في كوردستان والعراق على الارقام الاعلامية وحسب استفتاءات غير رسيمة سواء من خلال قنواتهم الفضائية او من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، مما جعلها تعيش حلماً بعيداً عن الواقع الملموس حيث القاعدة الجماهيرية هي التي تتحكم بنتائج الانتخابات وليس المتابعين لشبكات التواصل الاجتماعي.
-في كوردستان كان متوقعا فوز الحزب الديمقراطي الكوردستاني ليس لانه صاحب قاعدة جماهيرية عريضة فحسب، انما لانه كان صاحب مشروع الاستفتاء والاستقلال، وهذا ما اعتمده قادة هذا الحزب في الكسب والفوز، بعكس الاتحاد الوطني الكوردستاني المتهم بخيانة 16 اكتوبر، والذي وكما ذكرت القنوات الاعلامية لست (6) احزاب مشاركة في الانتخابات في مدينة السليمانية بان حزب الاتحاد مارس الارهاب الفكري وانه اكثر حزب اعتمد على التزوير كي يظهر للشارع الكوردي بانه ليس خائن ولكن ذلك لم يمنع ابداً من تقديم العشرات من الشكاوي للاحزاب الاخرى للمفوضية العليا للانتخابات بالخروقات في المناطق التي يسيطر عليها ذلك الحزب.
- تعود الانسان منذ القدم على توجيه اللوم للسلطة اثناء فشله في الوصول الى مبتغاه، فحتى في الرياضة دائما نجد الخاسر يلوم التحكيم او اي شيء اخر يبرر به فشله، وفي الانتخابات العراقية 2018 برزت هذه الظاهرة التي هي ليست وليدة اليوم كما قلت، فبعد فشل العديد من الاحزاب التي راهنت على الفوز بدعم خارجي او فرض ايديولوجية محددة، لجأت الى رشق السلطات بالاتهامات والتزوير، ومع ان بعضها جاء من منطق وواقع ملموس وادلة واضحة الا انه في الاجمال يبقى الانسان يرفض الفشل ويبرر كي ينجي بعنقه من الغرق، ففي بغداد كانت الاتهامات كلها موجهة لائتلاف النصر" العبادي " ، وفي كوردستان غالبية التهم وجهت لحزب الاتحاد الوطني الكوردستاني، وضمن مناطقه، فضلاً عن ان ذلك الحزب نفسه اتهم الاحزاب الاخرى بالتزوير ووصل الامر بالاتحاد الكوردستاني الى استخدام العنف ضد حركة التغيير في السيلمانية.
- راهن في كوردستان الاحزاب كلها على فشل الديمقراطي الكوردستاني لكونهم كانوا اصحاب مشروع الاستفتاء والاستقلال مما يعني وبحسب اراء بعض القيادات الفتية ان هذا الحزب سبب في قطع الميزانية والظروف التي تمر بها كوردستان، كما ان هذه القيادات ركزت على مسألة الاستفتاء للتقرب الى بغداد والجماهير العربية الرافضة لاستقلال كوردستان، ولكن جاءت الرياح بما لاتطيقه السفن، حيث كان للصوت الحر صداه، فحصل الديمقراطي الكوردستاني على الاغلبية في كوردستان ويحتمل ان يكون رابع اكبر كتلة في البرلمان العراقي.
-كان الخطاب التبريري لقيادات الاتحاد الوطني الكوردستاني الرافض لتهمة التزوير مزدرياً بنظر الكثير من الساسة، فاتباع لغة التهديد والترهيب " قطع يد من يتهمهم" دليلاً قاطعاً على ان ما ذكرته الاحزاب الاخرى حول تعرضهم للارهاب الفكري حتى اثناء التصويت صحيح، وبالمقابل جاء خطاب الديمقراطي الكوردستاني مرناً بل متماشياً مع خطاب الاغلبية السياسية.
-اعتمدت بعض التيارات في بغداد والمدن العراقية على الدعم الخارجي وفتاوي المرجعيات لتحسين وضعيتهم الانتخابية، ولكن هذا لم يفدهم بشيء وذلك لعمق الفساد الاداري والمالي في ضمائرهم قبل افعالهم، لذا وجدنا تحالفاً شيعياً شيوعياً ييرز على حساب تلك التيارات الاخرى التي كانت في الفترات البرلمانية السابقة ليس لها الا الصراخ واثارة النعرات القومية والطائفية.



32
العلاقة بين المرشح والمواطن
جوتيار تمر/ كوردستان
21-4-2018
يمكن تعريف العلاقة الطردية على انها العلاقة بين متغيرين كلما زاد احدهما بمقدار معين يزيد الاخر بزيادة تتناسب مع زيادة الاول والعكس صحيح، ولعل المتتبع للفوضى الانتخابية في العراق واقليم كوردستان سيلاحظ بدون تشفيرات مدى العلاقة الطردية بين المرشحين الذين تمتلئ صورهم جميع الاماكن بدون استثناء، وبين وعي الشعب الذين سيدلون باصواتهم لاحد هولاء المرشحين، وباعتبار اني سبق وان كتبت عن الوعي الانتخابي في مجتمعاتنا، لن اخوض في غمار معنى الانتخاب واهمية الانتخاب والاختيار والى غير ذلك من المؤشرات الدالة على العملية الانتخابية بصورة عامة، لاني فقط اود ان اقارن بين طرفي المعادلة من خلال وجهة نظر شخصية واعتذر ان كانت قد لاتلائم مع رغبة المرشحين وبعض ابناء الشعب المتيمين بمرشحيهم.
لايحتاج الانسان الواعي او الباحث الاكاديمي لاجراء دراسة تفصيلية عن المستويين "الثقافي والوعي" لدى ابناء الشعب العراقي وابناء اقليم كوردستان لكي يحدد من خلال نتائجها ملامح هذا المجتمع المحافظ على طبائعه القديمة من انتمائية عشائرية وطائفية ومذهبية ودينية وقومية والى غير ذلك من الطبائع التي ترتبط بعضها ببعض وفق منظومة اللاتطور والمراوحة ضمن دائرة مساحتها تبدأ باللاشيء وتنتهي عند نقطة اسمها العلمي اللاشيء ايضا، وعلى الرغم من التفاوت الحاصل في البنية الاجتماعية في محافظات الاقليم مقارنة بمحافظات العراق الا ان الامور بجملتها لاتبشر بالخير، فلا الحكومات في الاقليم ولا الاحزاب استطاعت من احداث نقلة موضوعية في البنية الاساسية " الوعي " لدى ابناء شعب كوردستان الا بمقدار قليل لايتناسب مع حجم الطموح الكوردي، ولا الحكومات العراقية المتعاقبة استطاعت من خلق تلك الاجواء التوعوية والثقافية التي يمكن من خلالها ان يجتاوز المواطن العراقي مراحل الانتماء الاعمى والارتباط بالمذهب والقومية دون الارض ، وهذا ما يفسره حجم الماساة التي نشاهدها في هذه الفترة بالذات من خلال التعامل مع العملية الانتخابية وفق منظور ضيق جداً يبدأ بالترشيحات البعيدة كل البعد عن الاسس الاكاديمية والتي يحتاجها البلد، وكذلك التعامل مع العملية الانتخابية كسلعة رخصية لفرض ايديولوجيات لاتمت بالمواطنين الا شعاراتياً من خلال تأجيج مشاعرهم المذهبية والدينية والقومية ضد المكونات الاخرى داخل العراق نفسه.
وهذا ما يفرض علينا كمتابعين ان نحاول اجراء مقارنة للعلاقة بين المواطن والمرشح الذي هو يمثل حزبه – طائفته – قوميته والى اخره من هذه الدوائر المغلقة التي بنظري لاتخدم الدائرة الاساس والكبرى، هذه المقارنة هي وجهة نظر شخصية اسسها نابعة من خلال الرصد العياني للشارع سواء في العراق او في كوردستان بالطبع ليس من باب التعميم انما الطرح كفرضية يمكن للقارئ والمتابع ان يعاين الوضع وفق نظرته الشخصية، وسنبدأ مقارنتنا بالترشيحات في العراق وذلك من خلال رصد عقلية المرشحين بالدرجة الاساس واهمية وقوفهم على حملتهم الدعائية كجزء من القيمة الشخصية له كمرشح عن قائمة او حزب او جهة اخرى، وهنا تبدأ الطامة حيث اللاوعي الدعائي يمكن رصده من خلال اماكن تعليق الصور الدعائية ولعل من قارئ يقول ليس المرشح من يقوم بتعليق صوره، ونحن نقول له سبق وان ذكرنا بان متابعة الحملة الدعائية جزء من شخصيته، لذا هذا ليس بمبرر يمكن الاستناد عليه فالمرشح يجب ان يكون عليماً بمجريات حملته الدعائية ومسيطراً عليها ومدركاً باهمية عدم التجاوز على الممكنات والانجراف في المحضورات وبالتالي فان حملته الدعائية تمثل لدى الطبقة المثقفة والواعية شخصيته التي يمكن من خلالها اقناع هذه الشرائح بالتصويت له دون الانصياع لمبدأ القومية والمذهبية والطائفية والحزبية، ولعل الامر الصادم هو ان كل المرشحين من حيث وجهة نظري لايعلم بمجريات حملته الدعائية الا من خلال كمية الصور التي امر بتعليقها والمبلغ الذي دفعه لطبع تلك الصور من جهة والمبلغ الذي صرفه على القائمين بتعليق صوره من جهة اخرى، وهذا ما جعل الصراع بين المكونات الاجتماعية يتخذ شكلاً اخراً مضافاً الى الاشكال الموجودة والمتأصلة في البنية الاجتماعية العراقية، وليس بمخفي على احد نتائج هذه الفوضى التي خلقها اللاوعي واللاتنظيم الدعائي للمرشحين، والتي وصلت الى حد القتل بسبب اماكن وضع الصور الدعائية، وهنا تبدأ المقارنة الحقيقة حول العلاقة بين المرشح والمواطن، فالمرشح لايهمه التنظيم الدعائي والمواطن المنتمي لذلك المرشح لايملك الوعي الكافي لمعرفة اساسيات الحملة الدعائية الانتخابية لذا قد تجده يفقد السيطرة على نفسه ويهاجم على القائمين باعمال المنافس وبذلك تتحول المسألة من حملة دعائية انتخابية الى ازمة عشائرية مذهبية قومية قبلية، وهذا ما يجعلنا ان نقول بان العلاقة هنا تبدو بصورة جلية علاقة طردية بين المرشح والمواطن، لان العقلية الفوضوية التي يمتلكها المرشح الذي يتفاخر بوضع مثلا حرف الدال امام اسمه او حتى القابه العلمية الاخرى او العشائرية و الدينية والقبلية نجده يمثل تلك الشريحة التي تعلق صوره على حاوية الانقاض، او على جسر مكسور، او بيوت مهدومة ، وهذا الاخير انتمائه الاعمى يجلعه يفعل اي شيء كهذا من باب الوفاء والاخلاص دون ان يفكر بان الباقين من الناس ممن ليس له شأن بهذا الصراع سينظر ون الى المرشح ذاك على انه انتهازي والى غير ذلك من التصورات التي يمكنها ان تحفز المنافسين للقيام باعمال غير مرغوبة تجاه المواطنين البعيدين عن هذا الصراع، ناهيك عن تعليق الصور في الاماكن التي من المفترض ان لاتسلم للمرشحين الا بامر من الحكومة وباخذ موافقة البلدية وغيرها من المؤسسات، وهنا مقارنة اخرى المرشح الذي يتعدى على املاك الدولة بدون اذن وهو مازال مرشحا فكيف سيكون تصرفه بعدما يحصل على المقعد، بالتاكيد المقارنات كثيرة، ولكن اغربها والتي تعبر عن عقلية المواطن بعلاقته الطردية مع علاقة المرشح قيام بعض الشباب بتشويه صور المنافسين ناهيك عن تقبيل صور المرشحات الجميلات والى غير ذلك من التصرفات التي تؤكد فرضية ان العلاقة طردية بين المرشح وبين المواطن، فاعمال اتباع المرشح تمثل صورته طالما لايمكنه ان يسيطر عليها.
وفي اقليم كوردستان سنجد الصراع الحزبي هو الاساس في العملية الانتخابية بعيداً عن النعرات القومية والدينية والمذهبية، فالكورد يشكلون الغالبية العظمى من سكان الاقليم وبذلك التنافس الحقيقي يرتكز بينهم، بالطبع مع وجود تنافس على متسوى اقل بين المكونات الاخرى داخل كوردستان من الاشوريين والكدانيين والتركمان والعرب والكورد من المذاهب الاخرى وغيرهم، ولكن بالاجمال التنافس الحقيقي والكبير اصبح بين الاطراف السياسية والحزبية في كوردستان،  وهذا التنافس خلق جواً غريباً بين الاطراف المتصارعة لاسيما على مستوى المرشحين والمواطنين الذي اصبحوا يرفضون المساومات السياسية من جهة وكذلك عدم احترام حقوق المواطنين من جهة اخرى، وهذا ما ولد تنافراً واضحاً بين المرشح والمواطن، فالعديد من المرشحين ليس همهم الا نشر الصور ولايهم اين ، حتى باتت الارصفة ممتلئة بصورهم بحيث ان المارين اصبحوا اما ينزلون للشارع او يخرجون من على الرصيف للمرور، هذا من جهة ومن جهة اخرى وجدنا بعض المرشحين يسرف بدرجة غير منطقية في الاعلان والدعاية حتى استغل الجبل وكتب بالمصابيح الكهربائية اسمه ورقمه وقائمته عليه، ناهيك عن الاماكن الاخرى التي لايجوز استغلالها للدعاية الانتخابية باعتبارها تابعة للحكومة وليس لجهة حزبية، وهذا ما ولد نفورا اخراً لدى الطبقة الواعية والمثقفة في المجتمع الكوردي، بعكس المواطنين المنتمين لعشيرته او لحزبه، والغريب ان التنافس العشائري بين مرشحي الحزب الواحد ايضا وصل لذروته، وبالتالي فان العلاقة الطردية هنا مكملة للعلاقة الطردية في العراق، غياب الوعي التنظيمي لدى المرشح، يتبعه ويوازيه غياب او انعدام الوعي لدى المواطن المنتمي لقائمة المرشح والقائم باعمال الدعاية للمرشح، وهذا ما دفع الرافضين لهذه الفوضى بحرق الصور الموضوعة على الارصفة الرئيسية والاماكن الحكومية والتمثيل بالصور وحتى ان البعض خرج يصور قيامه باسقاط كل اللافتات والصور الموضوعة على الارصفة الرئيسية بشكل علني ومباشر عبر صفحته على شبكات التواصل الاجتماعي مطالباً اصحاب الصور بان يحترموا حقوق المواطنين.
تتواصل الحملات الدعائية ويتواصل نزف الاموال عليها مع الازمة الاقتصادية الخانقة التي يمر بها الاقليم، ويتواصل الصراع الحزبي بين الاطراف السياسية مع الحاجة الملحة لتوحيد الصوت الكوردي للثبات امام التيار القومجي والمذهبي والطائفي الذي ينتظرهم في بغداد، ويستمر المتعصبون لقوائمهم واحزابهم بمحاربة المنتمين للاحزاب الاخرى عبر كل الوسائل المتاحة لهم، دون وعي ودون ادارك بخطورة الامر، فالاخرين لاينظرون ولن ينظروا الى الكورد على انهم منتمين للحزب الفلاني وللجهة الفلانية، انما ستبقى نظرتهم الى الكورد على انهم ابناء كوردستان التي سعت للاستقلال عبر احدى اكبر واهم محطات التاريخ الكوردي " الاستفتاء " ، لذا ستبقى العلاقة الطردية بين الاحزاب الكوردية شوكة في خصر القضية الكوردية، وستبقى العلاقة الطردية بين المرشحين والمواطنين خنجراً في خصر العملية الانتخابية والوعي الانتخابي، كما ستبقى المذهبية والطائفية طاعوناً في جسد العراق، مضافاً الى كل ذلك الارواح الفاسدة التي تتغدى على اموال الناس وعقولهم للحافظ على مصالحهم الذي سيبقون وصمة عار على جبين الحكومات المتعاقبة في العراق وكوردستان.


33
اين الوعي الانتخابي في انتخاباتنا
جوتيار تمر/ كوردستان
15-4-2018
تعتبر الانتخابات اكثر المواد الدسمة للاعلام بعد فضائح الفنانين بشكل خاص والسياسيين بشكل عام لاسيما فيما يتعلق بالفساد والحروب التي يتسببون بها من اجل مصالحهم تحت غطاء ما يسمى بالدولة والحفاظ على سيادتها، ولم يعد مفهوم الانتخابات مخفياً على المتابعين لاسيما ممن يجيد استعمال شبكات التواصل الاجتماعي والشبكة العنكبوتية بصورة عامة، فالانتخابات هي العملية الرسمية لاختيار شخص لتولي منصب رسمي، أو قبول أو رفض إقتراح سياسي بواسطة التصويت. من المهم التمييز بين شكل الانتخابات ومضمونها. في بعض الحالات توجد الأشكال الانتخابية ولكن يغيب المضمون الانتخابي مثل حالة عدم توفر الخيار الحر وغير المزيف للإختيار بين بديلين على الأقل. معظم دول العالم تقيم الانتخابات على الأقل بشكل رسمي ولكن في العديد من الانتخابات تكون غير تنافسية (مثلا يحظر على جميع الأحزاب المشاركة باستثناء حزب واحد)؛ كما ان الانتخابات تعرف على انها إجراء دستوري لاختيار الفرد، أو مجموعة من الأفراد لشغل منصب معين، وتعرف أيضاً بأنها مجموعة من المبادئ القانونية التي تتكون من نظام تشريعي الهدف منه تنظيم عملية الانتخاب حتى ينتج عنها تطبيق قانون جديد، أو تعديل قانون قائم، أو فوز أحد المرشحين للانتخابات، أو غيرها من الأحداث الدستورية المرتبطة بالانتخابات ارتباطاً مباشراً.
 إن فكرة الانتخابات تعد من الأفكار الإنسانية القديمة، والتي تساهم في حل النزاعات، والاختلافات حول رأي ما لتضمن تطبيق الفكر الديمقراطي الذي يدعو إلى اختيار الشخص المناسب في المكان المناسب بناءً على رأي أفراد الشعب، أو المجلس النيابي، أو الهيئة المختصة بذلك، وهذا ما أدى إلى اعتبار الانتخابات حقاً من حقوق الناس، وواجباً عليهم تطبيقه لضمان تفعيل دورهم الإيجابي في الحياة السياسية في مجتمعهم، ودولتهم.
تلك المفاهيم والمدلولات هي اكثر ما ستواجهها حين تبحث عن مفهوم الانتخابات وعن اصولها واهميتها، ناهيك عن العشرات من التعاريف الاخرى التي تتباين في الشكليات وتتفق في الاصوليات حسب الدول والمناطق التي تقوم باجرائها، ولعل الامر الذي دعاني لاكتب عن الانتخابات هو ما اشاهده منذ عقود في مجتمعاتنا الشرقية بوجه الخصوص فيما يتعلق بالانتخابات، حيث تتحول المفاهيم السابقة الى مجرد كتابات وشعارات بعيدة كل البعد عن مغزاها الحقيقي من جهة، وتتحول شوارعنا الى مهرجانات شعبية حزبية سياسية من جهة اخرى، لاعلاقة لها بالانتخابات سوى استغلال الاسم لنشر المزيد من الاكاذيب والدعايات الحزبية فضلاً عن انتهاكات حقوق الاخرين بسبب التشهير والسب وتلفيق الاكاذيب كل حسب انتمائه الحزبي والقومي والديني والمذهبي والطائفي.
ان المتتبع لمجريات الاحداث على الساحة العراقية مثلاً سيجد بان الاصل في الانتخابات هو التشهير واظهار المنافس على انه ليس بوطنني وعميل ومنافق وفاسد وقاطع لارزاق الناس، ويمثل اجندات خارجية اقليمية، وفي الوقت نفسه حين تشاهد كيف تتملئ الشوارع والاماكن العامة والمقاهي والسيارات والاعمدة والتقاطعات بالصور واعلام الافراد والاحزاب المتنافسة ستجد بان التناقض هو عقيدة هولاء، وما ان تسأل احدهم عن السبب في هذا التشهير والتبذير والاسراف والتطرف سيقول لك بانه يعيش في بلد حر وديمقراطي ويحق للفرد ان ينافس الاخرين بصورة حضارية، وسيستشهد بالانتخابات الغربية وسيقول لك بان رؤوساء امريكا مثلاً يقومون بالتشهير من اجل كسب الاصوات وهذا حقهم ايضاً، والغريب انهم لايعتمدون الا على الصورة الظاهرة للواقع الانتخابي الغربي والامريكي مثلاً، ويتناسون عمداً او لايعلمون اصلاً بان تلك الانتخابات تمثل السيادة على العالم وليس على دولة اسمها امريكا فحسب هذا من جهة، ومن جهة اخرى فانهم يتناسون بان وضع مجتمعاتهم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والعسكري والنفسي لايمكن مقارنته بوضع تلك الدول فالمقارنة احجاف بحقهم وليس بحق مجتمعاتنا نحن، فحين تصل ايها الشرقي الانتخابي بمجتمعك الى المستوى المعيشي لتلك الدول يمكنك وقتها اخذ التجربة عنهم والقيام بالتشهير مثلهم، لكن حين يكون مجتمعك غارق في وحل فسادك وانانيتك الحزبية والطائفية والمذهبية والدينية والقومية فانه من الغباء السياسي ان تستند على التجربة الغربية لتحقيق مقاصدك السياسية التي هي بنظر الواعين من ابناء المجتمع دناءة ومذلة وخزي، فانت تسرق لتستمر بالتشهير، وانت تكذب لتستمر على الكرسي ، وانت تبيع وطنك من اجل الحصول على وسام من محتلي ارضك، فكيف تقارن نفسك بامريكا مثلاً وتدعي انك تعيش في بلد حر، وديمقراطي، ومن حقك ممارسة دعاياتك الانتخابية التي هي في الاصل محسومة لصالح اسيادك ممن يدير جيشك واقتصادك وممن اغرقك في الديون لدرجة انك لاتستطيع ان ترفع راسك.
وما يضيف الى ما ذكرته الدهشة والاستغراب هو الكيفية التي تعتمدها هذه الاحزاب في التنافس الاعلامي، لاسيما في نشر صور المنافسين، ولن اخفي عنكم، بان غالبية الاحزاب لا تعتمد فقط على المرشحين من ذوي النفوذ العشائري والديني فحسب، بل اصبحت تعتمد على ملامح الوجه ايضاً فغالبية الصور معدة بشكل سينمائي وكأننا نعيش وقع حفل توزيع جوائز الاوسكار ومهرجان كان الدولي، لاسيما المرشحات اللاتي يعرضن مفاتنهن في صورهن، والغريب ان هذا بنظرهن يوضع تحت خانة الحريات " الحرية الشخصية " وكأن مفهوم الحرية متوقف على قامتها الطويلة وخصرها وصدرها وشفتييها، دون وعيها وعقلها وعلمها، لذلك ستجد الدعاية الانتخابية في مجتمعاتنا الشرقية هي ادوات لعرض الصور ولعرض الامكانيات التصويرية والامكانيات المادية ايضاً، بحيث يصرف الملايين على تلك الدعايات في حين لم تزل الازمة الاقتصادية تمنع البسمة عن شفاه الموظفين والفقراء ممن لايجد القوت اليومي.
ان المنطق الانتخابي الشرقي لهو في جوهره وصمة عار على الانسان الشرقي، ليس لانها في الاصل انتخابات محسومة فحسب ، انما لكونها لاتمثل الا الفيئات المستفيدة من عمليات نهب البلاد لاسيما نفطها، فالنظريات الانتخابية في مجتمعاتنا تقلد اعلامياً ودعائياً النظريات العالمية الكبرى، الا انها لايمكنها ان ترتقي الى واحد بالمائة من القيم الانتخابية العالمية التي يقدم فيها الناخبون مشاريعهم على اسس واقعية مدروسة وممكنة دون الاجحاف بحق الاخرين من المنافسين ممن يمتلك مشروعاً اقوى واكثر نفعاً، وهذا ما لايمكن ان ينتجه العقل الشرقي لكون  كل حزب وطائفة ومذهب وقومية يدعي لنفسه العصمة والقوة والحضوة دون غيره، فكل الاحزاب لاشيء سوى الحزب الفلاني، وكل الشخصيات فاسدة وسارقة وعميلة سوى الشخص الفلاني، وعلى هذه الشاكلة تستمد العملية الانتخابية في مجتمعاتنا مقوماتها فتكون موءدة في المهد، اي انها تموت قبل ان تولد.. وهذا  الامر بلاشك منوط بشيء مركزي ورئيسي في اية عملية انتخابية على المرشحين والمرشحات والناخبين والناخبات، وبعبارة اخرى ان هذا الامر يتوقف على درجة الوعي الذي يمتلكه الشرقي حول مفهوم الانتخابات، وما يؤسف انه نظرياً قد يتفنن بالالفاظ والمفاهيم والمدلولات لكونه سليل البلاغة والبيان، ولكنه عملياً لايسعه الا ان ينافق، ويكون ممن يقول ما لايفعل؛ وهذا ما القى بظلاله على الواعين من ابناء مجتمعاتنا بحيث اصبح مقاطعة الانتخابات امراً شائعاً بين تلك الاوساط الواعية والمثقفة التي تعرف مسبقاً بحمسية الانتخابات وزيفها الايديولوجي والاعلامي والحزبي.


34
المنبر الحر / نحتاج عقول تتجدد
« في: 18:53 28/03/2018  »
نحتاج عقول تتجدد
جوتيار تمر/ كوردستان
26-3-2018
ان التحجر الفكري هو اساس التخلف والتلاشي الحضاري والزوال للقيم الانسانية في اي مجتمع،  كما يقول " بوقفة رؤوف " ، فحين نتوقف عن التفكير ، عن التطور ، عن الاستمرارية التأملية والتفاعل مع النفس ومع الاخر ومع الكون، نقحم انفسنا في دائرة ضيقة لا مخرج منها، واذا ما رافق التحجر الفكري ، التحجر العقائدي  والذي هو موقف فكري جامد وقاطع يقوم على فرض الافكار دون مناقشة وهي مرادفة لضيق الافق والجمود والتصلب والتشنج والتسلط والارهاب الفكري والعقائدي، فاننا بذلك ندخل طور التلاشي الحقيقي، بحيث يصعب معالجة حالتنا الوجودية، ونتحول الى ادوات هدم وخراب بل الى طفيليين نساهم في تدمير الوجود الانساني ببطئ من الداخل.. ويصعب في الوقت نفسه معاينة المرض فيتفشى في البنية الاساسية لوجودنا ونصبح مشللوين تماما وعاجزين عن التقدم والتطور والانتاج معاً.
على هذا الاساس حين نقيم المجتمعات الشرقية بصورة عامة والدينية فيها بشكل خاص، نلامس عمق الهوة التي تبعد هذه المجتمعات عن الركب الحضاري السائر في ارجاء المعمورة، بالطبع هذا لايعني ان الشرق وحده يعيش هذه الحالة المرضية المستعصية، لان اغلب مجتمعات العالم الثالث او دول الجنوب تعيش هذه الحالة كل واحدة وفق معاييرها الخاصة، ولكن حين اخص الشرقية " الشرق اوسطية" منها لاننا نتكلم بواقع الحال الذي نعيشه ونراه ونعاينه عن قرب بل ونساهم كفرد في صيرورته، وهذا ما يدعونا الى الخروج عن المألوف في الصياغات البلاغية احياناً، وحتى عن السياقات الوجودية الحاضرة والمؤثرة بشكل مستمر.
فالمجتمعات الشرقية لاتعيش التحجر الفكري الهادم لكل القيم الانسانية فيها فحسب، بل انها تستند في قتل الملكات الفكرية المتقدة بالتحجر العقائدي ايضا، ودون ان نمس الاصوليات العقائدية ضمن دوائر التشريع الاصل ، او الشارع الاصل، انما وبحسب المقتضيات الواقعية التي نجدها تتحكم في العقلية الشرقية منذ التكوينات البشرية الاولى، والتجمعات التي تحولت الى مُدينات ودويلات، تتحكم بالموجودات سواء عن طريق السلطوية التي ترتقي الى الالهوية او الكهنوتية التي تساهم السلطوية الاخرى في ترسيخ المبدأ القائل بالتحجر العقائدي المؤدي بالتالي الى التحجر الفكري والعقلي معاً.
والتاريخ الشرقي اوسطي لايشهد فقط على نمو الجوانب العمرانية والحضارية وحتى النظم السياسية والتي قد يستشهد بها الشرقي ليقول لي بالتناقض في المقولات التي اقوم بصياغتها الان، ولكن الامر لايتوقف عند البناء الشاهق، والعجائب التي تم تدشين الانسان الشرقي لخلقها لتخليد اسم الاله او السلطة الحاكمة، انما اتحدث عن الاساس في العمل الوجودي الانساني " البشري" على الخراب الارضي، ودون الاستشهاد بالامثلة التي يتبناها اغلب الشرقيين ويتباهون بها بكونهم كانوا رواد العلم والفلسفة والى غير ذلك من الترادفيات اللامنطقية .. انما التاريخ يشهد ايضا على الجمود العقلي والفكري للشرق، وليسأل كل شرقي نفسه الى اي درجة تغيرت العقلية الشرق اوسطية في القرن الحادي والعشرين..؟ ، انه السؤال الذي يجيب على تلك التحديثات اللامنطقية التي تستقي من التاريخ وتتوهج اعلامياً فقط، دون ان تعطي الامكانية على فهم واضح للصيرورة الحدثية التاريخية التي تخلق ذلك الانموذج التطوري الاستمراري " الديمومة والديناميكية"  والتأمل والتعامل مع النفس ومع الاخر،  فهذه المجتمعات على الرغم من انسياقها الواهم وراء ذلك التاريخ الذي حفل لفترة بنوع من التوهج والتطور العلمي والعمراني الذاتي، الا انها في الحقيقة والواقع مجتمعات " آفة " تستهلك اكثر ما تنتج، تعيش كالطفيليات على الغير، وتهدم اكثر ما تُعمر، ولم تزل تستند على مبدأ رفض الاخر انسانياً ودينياً وفكرياً وعقلانياً وعقائدياً، لانها باختصار لم تزل تحتفظ بالعقلية القديمة التي كانت تبحث عن كيانات قبلية مستقلة تريد ان تحكم باسم السلطوية الالهية او الكهنوتية التي تساهم في رفع منزلة السلطوية الحاكمة واحيانا الكهنوتية التي تسعى لفرض نفسها كسلطة واحدة لا غير .. فاصبحت تقتل وتدمر وتسخر البشرية لاغراضها كما كانت من قبل.
ووفق هذا التوهم وتلك التداعيات لم تزل المجتمعات الشرق اوسطية تعيش حالة من فقدان الذات والهوية، وكأنها لاتستطيع الاستناد على المنطق والعقل في صرف امورها وسيرها، فحتى الاديان لم تستطع ان تخلق داخل هذه المجتمعات ما يفضي الى التخلي عن تلك الوهميات والانسياقات غير المنطقية، والبدأ بمرحلة يمكن فيها للعقل ان يخرج من دائرة التحجر الفكري والعقائدي الى دوائر التطور التلازمية التي تفرضها الوقائع والحقائق والتجديد، وحين نقارن بين الممكن والواقع سنجد بلاشك عمق الهوة بينهما، فالممكن هو اخر ما يبحث عنه الشرقي كي يستحدثه، لكونه باختصار متمسك بواقعه الوهمي الخيالي الراسخ في ذهنيته المتحجرة والمتجذرة في كينونته اللاقابلة للتطور بسبب انسداد المسامات العقلانية والتفكيرية والتجديدية لديه، فاصبح مهوساً بتراثه وبتاريخه، دون ان يسعى لاعطاء سمة الديمومة والاستمرارية لتلك الموروثات ولذلك التاريخ، وهذا الجمود دفع باحد الكتاب ليشخص بعض التلازميات المتحجرة للفكر الشرق اوسطي، ضمن انموذج سلطوي ديني يعتبر اخر الاديان المتوارثة في الشرق( نحن نذكر هذه المقولة كمثال يمكن ان يساهم في توضيح ماهية التمسك بالقديم وفرضه على الحاضر المتجدد وليس من باب التنقيص للديانة الاسلامية )، حيث يقول " د.لؤي صافي " أن التيار الإسلامي  يتبنى مضمون التراث التاريخي ولكنه يسعى إلى تنزيله على أساس معاصر يتناقض معه في مستوى المقاصد والتكوين “فحركات الإسلام السياسي تتبنى نظريات الأحكام السلطانية التي طورها الفقهاء التاريخيون في القرون الأولى للإسلام، ولكنها تعمل على تنزيلها على بنية سياسية حداثية، وبالتحديد الدولة المركزية التي تتولى السلطة السياسية فيها مهمة تنظيم الحياة”، فحركات الإسلام السياسي هذه “لا تدعو إلى عملية تشريعية يرتبط فيها القرار التشريعي بالإرادة الشعبية الممثلة في المجالس النيابية، بل تصر على تطبيق الشريعة الإسلامية وفرضها على المجتمع السياسي وفق مؤسساتها التاريخية”.." ، وهذا بالطبع يمكن اسقاطه على باقي الديانات ايضا التي فيها الكهنوتية هي الحاكمة وهي التي يستمد منها السلطات السياسية مقاصدها باختلاف انواع تلك المقاصد، وهذا بالضبط ما يسبب التحجر الفكري ويعيق الاستمرارية والتطور، لكونه عائق غير طبيعي في المجتمعات الشرقية، فحين يتعلق الامر بالدين والتشريع تتوقف عجلة الكون في الشرق الذي يلبس رداء الدين ظاهرياً، ويبيح ما ليس للدين علاقة به باطنياً.
ومن هذا المنطلق نجد بان السمة التحجرية هي ليست مستحدثة او ضمن مايسميه البعض نظرية المؤامرة، انما هي امتداد طبيعي وموروث في البنية الاجتماعية والسلطوية والكهنوتية الشرقية، حتى اصبحت متمكنة في الفرد والاسرة والمجتمع والدولة معاً، وهذا ما يدفعنا الى القول باننا لانحتاج الى تيارات فكرية وسياسية مغايرة وجديدة ومختلفة،  لنقول للعالم باننا متحضرين ولدينا ديمقراطية وتعددية حزبية وفكرية ودينية وطائفية ومذهبية وقومية، انما نحتاج بالدرجة الاساس الى عقول متغيرة متجددة، تواكب الحدث الكوني وتساهم في احداث النقلة الايجابية للواقع العياني، دون الانقياد الى المعيقات التي لاتفسد التطور فحسب بل تجعل من الفرد والسلطة والكهنوت معا آفات تدمر المجتمعات من الداخل وتساهم في انحلالها على جميع الاصعدة..العقول المتغيرة التي تتغلب على التحجر الفكري والعقائدي، بشكل يتناسب مع الرؤية الاصلية للوجود الانساني.

35
التداعات المابعدية
جوتيار تمر/ كوردستان
5-3-218
تمر كوردستان الان بوقت عصيب ضمن امتداد تاريخي للمراحل السابقة التي اوجبت عليها ان تعيش ضمن جغرافيات لاتنتمي اليها، وبعض تلك الجغرافيات نفسها تكاد لاتنتمي الا الى عنصريتها القومية والمذهبية والدينية من جهة، والى احاقدها التاريخية المستمدة من شخصيتها المتزعزعة غير المستقرة من جهة اخرى، ولم تعد الاحداث التي تعصف بكوردستان تأخذ منحى تحليلي واضح، فكلما وصلت الى مرحلة ظن الكورد بانها تبشر بالخير لهم ولوطنهم المسلوب والمجزء، ضربها عاصفة هوجاء تحمل وسماً وشعاراً مصلحوياً واضحاً من قبل الدول المسيرة للمنظومة العالمية، والدول الخاضعة لتلك المنظومة، وبذلك يتراجع السعي الكوردي ليدخل مرحلة سبات اخرى او مرحلة يأس وانعدام ثقة، وبالتالي تنحصر الاماني بالمقولات والمدونات الوقتية التي تحاول بشتى الوسائل بث روح الصمود في ابناء الشعب الكوردي.
ولايخفى على احد مدى الحرص من دول الجوار على ابقاء كوردستان مقسمة مجزءة بلا امل وبلا منافذ حيوية للمضي قدماً، وكما لايخفى على احد اتباع هذه الدول كل الوسائل للابقاء على كوردستان خاضعة لسلطلاتهم القومية العصبية والمذهبية ناهيك عن استخدامهم كل الوسائل الممكنة للتفرقة بين الكورد انفسهم، كما تفعل ايران والعراق مع جنوب كوردستان وشرقها، وتفعل سوريا وتركيا مع شمالها وغربها، مستعينة بالتحالفات الاقليمية والدولية لفرض ارادتها على الكورد، ومستخدمة في الوقت نفسه قدراتها الاقتصادية والعسكرية لثني ارادة الكورد، منتهكة بذلك كل الاعراف والعقائد وحتى القيم الانسانية.
لقد عاشت كوردستان منذ ان تم تقسيمها في معاهدة لوزان بشكل رجعي ديكتاتوري، احلك الحقبات التاريخية مع الحكومات التي تسيدت تلك الدول التي تضم اجزاء من كوردستان، حيث تعاملت حكومات هذه الاجزاء مع الكورد على انهم خارجون عن القانون، ومتمردين، وملحدين، ناهيك عن نظرتهم الاستعلائية التي هي في الاصل نظرة انتقام للقوميات الاخرى التي لاتنتمي اليهم ولاتنصهر تحت بوتقة احتلالهم وجبروتهم، ولعل من يتابع تاريخ تلك الدول سيجد مع المساعي التحضرية لديها فجوات البداوة والهمجية لاسيما فيما يتعلق بالتعامل مع الاخرين، لقد ادت هذه النظرة الى ازدياد حجم الفجوة بين الكورد وبينهم، مما اصبح من الاستحالة الركون الى موقف توافقي معهم، حتى وان بدت الاوضاع السياسية الحالية على انها تذهب للتوافق، فالدول ليست مجرد حدود وجيوش، انما هي ايمان بتلك الحدود وايمان بتلك الجيوش، وهذا الايمان لم يعد موجوداً نهائياً لدى الكورد، ماعدا الذين باعوا انفسهم للحكومات لاسباب شخصية وطموحات شخصية وعداوات شخصية ، وهولاء تاريخياً مع انهم اثروا كثيراً على سير الحركة التحررية الكوردية الا انهم في عيون الشعب الكوردي ليسوا الا خونة، والخيانة لايمكن ان تسود وتحكم.
لقد اثبتت التجارب على ارض الواقع بان السعي الكوردي لتحقيق اهدافه الاستقلالية ليست مجردة من مضمونها القومي التحرري، وفي الوقت نفسه اثبتت تلك التجارب على عمق الهوة بين الحكومات العرقية القومية الدينية في تلك الدول التي تحكم اجزاء كوردستان وبين الشعب الكوردي من حيث التطلعات والقيم الانسانية، فعلى الرغم من سعي تلك الحكومات لسحق الكورد اقتصادياً " غلق المنافذ الحدودية – قطع الموازنة – اغلاق المطارات " وعسكرياً باستغلال القوة والسلاح كما في جنوب كوردستان " كركوك – شنكال – زمار – التون كوبري – طوزخورماتو – خانقين وغيرها من الاماكن.." وفي غرب كوردستان وشمالها ( المدن الكوردية داخل الجزء التركي وفي كوباني وعفرين الان " وفي شرق كوردستان (ماتفعله السلطات الايرانية من قمع واعدامات)، واجتماعياً من سياسة الترحيل والتهجير والتتريك والتعريب، فان الكورد مازالوا يؤمنون بقضيتهم، ومازالوا يسعون لتحقيق اهدافهم عبر الدبلوماسية السياسية، ولم يبادلوا تلك الاعمال باية ردة فعل ، بل كان خطاب الساسة الكورد واضحاً بان ابواب مدنهم مفتوحة لابناء شعوب تلك الحكومات(لكل منطقة خصوصيتها للاسباب الامنية)، وانهم لن يتوانوا في تقديم كل ممكن للنازحين غير الكورد الى كوردستان، وانهم مازالوا ينظرون الى شعوب تلك الدول نظرة اخاء لا عداوة فيها، بغض النظر عن مواقف حكوماتهم.
ومع ذلك فان تلك الحكومات والكثيرين من ابناء شعوبهم مازالوا ينظرون الى الكورد نظرة عدائية ممتلئة بالاحقاد، ومازلوا يحاولون اثارة الفتنة بين الاطياف الكوردية مستغلين وجود بعض اصحاب النفوس الضعيفة الذين باعوا القضية ولبسوا رداء الخيانة، فاصبحوا معاً (تلك الحكومات والخونة معهم) يطبلون على اسماع الكورد بان الساسة والقيادات الكوردية هي السبب فيما وصل اليه حال الشعب الكوردي في كل الاجزاء، ففي الشمال والغرب مازال الترك يثيرون زوبعة حول احد ابرز القيادات الكوردستانية في العصر الحديث ( عبدالله اوجلان) على انه السبب فيما وصل اليه احوال المدن الكوردية من تدهور وخراب ودمار، متناسين بانهم لم يحترموا قدسية برلمانهم وزجوا بالقيادات الكوردية السياسية غير المسلحة ايضا في سجونهم ( صلاح الدين ديمرتاش) والعديد من القيادات الاخرى، فضلا عن ادراجهم اسماء بعض القيادات الاخرى ضمن قائمة المطلوبين لمحاكمهم العنصرية ( صالح مسلم)، ولم يكتفوا بذلك فحسب بل كانوا ومازالوا يحاولون تسخير قدارتهم العسكرية في طمس المعالم الكوردية داخل مدن تركيا وفي الغرب السوري، كما يفعلون الان في عفرين الصامدة، اما في الشرق الكوردستاني فان ايران بهمجيتها لاتترك صغير ولا كبير ولا عالم او فقير ، امرأة او شيخ الا وتسلط عليهم جنودها واستخباراتها وجيشها الثوري، فاصبحت مشاهد الاعدامات تسود المناطق الكوردية والاغتيالات والتدمير وزج الناس في السجون امراً قد اعتاد عليه الكورد هناك، وفي الجنوب الكوردستاني الصورة لم تتغير كثيراً فقد صبت الحكومة المذهبية الطائفية حقدها على الكورد والبيشمركة بداعي انهم انفصاليون، واعتبرت قيام الكورد بالاستفتاء للاستقلال السبب الرئيسي في تدهور العلاقات بين الحكومة والكورد مع ان الامر بنظرنا نحن الكورد لا علاقة له بالاستفتاء، فالحقد على الكورد سبق الاستفتاء بعقود ، والعلاقات تدهورت قبلها بعقود، والاستفتاء لم يكن الا حصيلة تدهور تلك العلاقات، ونحن الكورد ننظر الى الاستفتاء على انه حق مشروع، وهو من ابرز المحطات التاريخية للحركة التحررية الكوردية منذ سقوط جمهورية كوردستان في مهاباد، والتاريخ سيشهد سواء عاجلاً ام اجلاً بان الصوت الكوردي اتحد لاول مرة وقال نعم للاستقلال عبر الاستفتاء وان الكورد في انحاء العالم توحدوا وخرجوا وهتفوا بصوت واحد نعم لاستقلال كوردستان، لذا فان المشككين بالاستفتاء والرافضين له، وحتى الذين يدعون بان الاستفتاء هو سبب ما يحصل للكورد في الجنوب الان، لان الوقت لم يكن مناسباً، ليسوا الا ابواق تحاول التقليل من قيمة العمل التحرري الكوردي في التاريخ المعاصر ملتحفين بشعارات لاجندات خارجية تعمل على شق الصف الكوردي، لان الاحداث التي تلت الاستفتاء اثبتت ان الحكومات التي تحكم اجزاء كوردستان لن تعترف بحقوق الكورد ابداً وانها مستعدة للتحالف مع اية جهات من اجل اجهاض الحركة التحررية الكوردية وانها مستعدة لتقديم التنازلات لاعدائها من اجل طمس معالم الوجود الكوردي، ولعل مافعلته تركيا وما قدمته من تنازلات لايران وللعراق خير دليل على ذلك ناهيك عن قيام ايران بغلق المعابر الحدودية مع كوردستان بعدما قامت الحكومة العراقية بالهجوم على المناطق الكوردية في كركوك وغيرها وفرضت حضراً جوياً على كوردستان، بالاضافة الى ان الدول الكبرى التي تراعي مصالحها هي نسفها التي كانت تشرف على مؤتمر لوزان، وانها هي مع دول الجوار لايهتمون بمسألة الوقت المناسب او عدمه، انما لديهم هدف واحد وهو الحفاظ على مصالحهم وعلاقاتهم وفق منطق ومسار يحفظ لهم امتيازاتهم وحضورهم القوي في المنطقة، لذا ليستاءل المطلبين لهذه الاجندات وتكرار قولهم بان الوقت لم يكن مناسباً متى سيكون الوقت مناسباً طالما تركيا وايران والعراق وسوريا ستبقى على نهجها العدائي ( تركيا تدمر عفرين الكوردية – سوريا تتخاذل للدفاع عنها – ايران تخمد المظاهرات في المدن الكوردية بالرصاص والاعدامات والسجون – العراق تفرض على الكورد والمدن الكوردية سياسة الاخضاع بالكره وتقطع كل سبل العيش لديهم وتفرض ارادتها عليهم والدليل اقرار الموازنة بدون حضور الكورد)، و تحت انظار الدول الكبرى، والامم المتحدة، التي ستبقى تقدم مصالحها على اية اعبتارات اخرى.
ان روح الاستفتاء لم تزل متقدة في نفوس الاوفياء من ابناء الشعب الكوردي، ومازالوا متمسكين بنتائجها، والتي بلاشك ستضاف الى رصيدهم الثوري والتحرري وستبقى تلك النتائج شوكة في عيون الحكومات التي تسعى لفرض جبروتها على الشعب الكوردي في كل مكان، كما ان روح الاستفتاء ستبقى شعلة يقتدي بها ابناء الشعب الكوردي في جميع اجزاء كوردستان، وان كل الادعاءات المابعدية التي تفرضها الاجندات من المتملقين لايران وتركيا وبغداد وكذلك الرافضين للاستفتاء لن تجني ثمارها في طمس معالم اهمية الاستفتاء، ولعل ما نشر مؤخراً بان المنظمات الاوربية والدولية تطالب الكورد بجعل يوم الاستفتاء عيداً قومياً هو خير رد على المشككين باهمية وعظمة الصوت الكوردي في يوم الاستفتاء.
لذا ليس للكوردي الخضوع لهذه المتاهات التي تصدع قوته، وتصدع صوته القوي، انما ليعلم الكوردي بان الحقائق التي اظهرها الاستفتاء هي تشكل الصورة الحقيقية لنظرة الجوار ( تركيا- ايران – العراق – سوريا – الدول الكبرى) الينا تاريخياً وحاضراً ومستقبلاً، وعلى هذا الاساس فان الاعتماد على التطبيل والتزمير لن يُقدم للقضية الكوردية سوى التراجع والانحناء والخضوع للواقع المُرّ الذي تريد هذه الدول فرضها على الكورد، ومن هذا المنطلق عليهم الايمان بنتائج الاستفتاء والاستفادة منها لتقوية عزيمتهم في نبذ كل الفرضيات التي تريد اجهاض الصوت الكوردي، وكذلك في رفض كل المستجدات التي تريد الاستهانة بالصوت الكوردي، والعمل على توحيد الصفوف وابعاد الخاضعين للاجندات الخارجية والمطبلين لهم، ومحاولة بناء منظومة داخلية لمقاومة اي عدوان واحتلال للمدن الكوردية من اية جهة كانت، فضلاً عن كرس كل الجهود من اجل تحقيق الاهداق الممنشودة وعدم الانصياع لماهية الوقت، فان الانسان الحر لابد ان يصل الى حريته طالما يسعى اليها ويكرس جهده للوصول اليها.. ولتبدأ في كوردستان انتفاضة بل ثورة جديدة من اجل حقوقها ومن اجل انهاء الحكم الدكتاتوري الحالي، كما فعلت في انتفاضتها الاذارية الكبرية ضد البعث ونظامهم وقائدهم المقبور.


36
المنبر الحر / هل نحن مواطنون
« في: 19:36 26/02/2018  »
هل نحن مواطنون
جوتيار تمر/ كوردستان
23-2-2018
لم يعد غريباً على الانسان الشرقي بشكل عام والشرق اوسطي بشكل خاص سماع التطبيل الحكومي الدائم فيما يخص وجوده كمواطن ضمن جغرافية سيادة دولة يتحكم بها آلية ديمقراطية ومؤسسات ذات نهج خدمي توفيقي توافقي مع متطلبات المواطن وحاجاته، ولم يعد خافياً كيف ان النبرة الشعاراتية هذه تحولت الى لجام حول عنق المواطن بحيث لم يعد يفرق بين ما هو مدون" اكاديمياً " عن المواطنة في الكتب والقوانين، وبين الشعاراتية التي ترفعها اغلب الحكومات، وبين الواقع المرير الذي يعيشه، حيث يشاهد امام عينه كيف ان هذه الشعاراتية في دول اخرى هي ادوات خدمية للمواطن بكل تمفصلاتها، في حين ان هذه الشعاراتية في موطنه ليست الا سُلماً ليصل السياسي الى عنقه ليضع اللجام حوله.
ان ادارك معنى المواطنة لم يعد احتكارياً كباقي الامور السلطوية، فاي شخص يمكنه وبواسطة وسائل الاتصال الاجتماعي او حتى المواقع المعلوماتية الوصول الى عدة مفاهيم وتعاريف للمواطنة،والتي نعرض امثلة منها "تعرف باللغة الإنجليزية (Citizenship)، وتعرف لغةً بأنها كلمةٌ مشتقّةٌ من مصطلح الوطن، والذي يعتبر المكان الذي يعيش فيه الإنسان، أما في اليونان القديمة فتصنف بأنها حقٌ من حقوق الإنسان المدنية، وهذا ما أدى إلى اشتقاق اسمها في اليونانية، والإنجليزية، والفرنسية من كلمة City أي المدينة، وتعرف المواطنة اصطلاحاً بأنها صفةٌ يتميز بها الأفراد الذين يعيشون على أرضِ دولةٍ ما، وبموجبها يحصلون على العديد من الامتيازات بصفتهم مواطنين في دولتهم. ومن تعريفات المواطن أيضاً حصول الأشخاص على مجموعة من الحقوق العامة التي تضمن لهم العيش بحياة كريمة في دولتهم، والتي تحافظ على توفير هذه الحقوق لهم، ومن أهمها: الحق في التعليم، والحق في العمل، والحق في المشاركة في الحياة السياسية، كالترشح للمناصب السياسية، والحصول على حق الانتخاب، والتصويت، كما أنها تضمن للمواطنين التمتع بالحريات الفردية التي يكفلها دستور الدولة كحُرية الاعتقاد الديني..".
من يقف عند جغرافية هذه المدلولات التعريفية بالمواطنة ويرجع بذاكرته الى الوراء القريب ليجلب الصور الترافقية لحياته ، ثم يقارنها بالموجودات الحالية من الصور التي يلتقطها يومياً، ويشاهدها، ويساهم في صنعها في الكثير من الاحيان، سيجد عمق الهوة التي تفصل بين المنطق والرؤية والفكرة التي قرأها ذات يوم عن المواطنة، والتي سمعها ويسمعها الان، وبين الواقع العياني، فكل المدونات تُسَخر الان لهدف واحد وهو اخضاع المواطن للصيرورة السلطوية دون اعطائه اي حق من الحقوق المنصوص عليها ضمن التعاريف والشعارات التي يروجونها حول المواطنة، وبالتالي يدفعونه ليعيش حالة من اللاوعي، فكأنهم يخدورنه للبقاء مكبلاً بالسلاسل السلطوية للابد، في حين بين فترة واخرى يمنحونه جرعة معنوية هي في الاصل منومة ان لم تكن مسمومة، فكل الشعارات التي يروجونها لاتخدم المواطن في شيء، انما هي سلالم خدمية توصلهم لمبتغاهم السلطوي " الكرسي" وحين يصلون تصبح المدونات السبقية والتي اوصلتهم الى ما هم عليه خارجة عن نطاق الخدمة وفي بعض الاحيان تتحول الى تهديد للامن القومي لكونها تدعم بنظرهم اشاعة الفوضى السياسية فتنقلب على المواطن ليعيش وطأة ايمانه بها، ومساهمته في ايصال السياسي للكرسي.
ومن اغرب الامور التي استوقفتني حول مفهوم المواطنة في العراق الحديث و" كوردستان" معاً ان المواطن كان ولم يزل هو اخر هم للحكومة السلطوية، وان المواطنة ليست الا سلعة آنية لايمكن الحصول عليها الا في الفترات الحساسة من تاريخ البلد، ففي الشدائد مفهوم المواطنة فعال وذلك لحاجة السلطة لمن يقاتل بدلاً عنها وباسمها، وكذلك في اوقات رسم الملامح السلطوية الجديدة " الانتخابات" بكل انواعها يعود المواطن ليشكل الهيكل الاساس للدولة والسلطة فتبدأ المنح وتبدأ المهاترات السياسية فيما يتعلق بالمسائل الاقتصادية التي تخص صميم حياة المواطن، وبذلك يتم تفعيل مفهوم المواطنة وفق اولويات السلطوية، وما ان يتم المراد، ويصبح الكرسي مضمونا، حتى تعيد السلطة المواطن الى النفق المظلم الذي يبقيه في حاجة وعوز كي يبقي اللجام حول عنقه وذلك حتى لايجد منفذاً للهرب، ويبقى السلعة التي توظفها السلطات للحصول على مكاسبها الشخصية.
لن اخوض في المهاترات السياسية فيما يتعلق بحكومة بغداد، لكون اي شخص سيقرأ الموضوع سيقول بانكم انفصاليون وانكم تدعمون تمزيق جسد الامة والوطن والى غير ذلك من المهاترات السياسية التي يطلقها ممن هم يحلبون الصخر العراقي لمصالحهم وليس الشعب فقط، لذا ساتحدث عن كوردستان باعتبارها الان تعيش حالة من الاستنفار العام لاسباب متعددة، فمن ناحية هناك غليان شعبي بسبب قطع الرواتب وعدم وجود برنامج محدد لتحسينها، وكذلك بسبب الصراعات السياسية التي اودت في النهاية الى ضياع الحلم الكوردي بعد الاستفتاء الناجح الذي اجري في كوردستان، ومن ناحية اخرى وصول الكورد الى مرحلة عرض السلعة " الانتخابات " على الصعيدين المركزي " بغداد " والمحلي " اربيل / هه ولير" ، وبلاشك المواطن هو الركيزة الاساس في كل المتحولات والمتغيرات التي تحصل والتي يُحتمل انها قد تحصل، والغريب كوجه مقارنة بان بغداد تصرف الرواتب بسخاء وتقرض الاموال بسخاء بالطبع على حساب البنية التحتية للاقتصاد العراقي والذي وبحسب المختصين يغرق تحت وطأة الديون، فيما نجد بان حكومة اقليم كوردستان تعيش في حالة من الهذيان السلطوي، وهي بعيدة كل البعد عن تحريك اية دوافع للمواطن كي يخوض تجربة الانتخابات مثلاً بالدرجة المطلوبة وبتلك الحماسية التي هي في الاصل تحدد وجوده ضمن هيكلة العراق العام وهيكلة كوردستان الخاص، وبذلك تقوم بقتل ما تبقى من الايمان بها، وبوجودها الفعلي، وبامكانية قيامها بوضع الحلول المناسبة لهذه الازمات المتوالية " السياسية – الاقتصادية – الحزبية – الاجتماعية ".
ان المنطق الذي تتبناه حكومة كوردستان ليس الا نتاج فعلي للعدمية التي تعيشها اغلب التيارات السياسية الكوردية، التي لاتبحث عن مصلحة المواطن بقدر ما تبحث عن اسقاط المقابل واخضاعه لمنظومة مغايرة عن ما استمرت عليه طوال السنوات الماضية، وبلاشك ان المواطن شعاراتياً هو الهدف الاساس للقدماء والجدد، وكل حزب بما لديهم فرحون، دون ان يقدموا اية مقترحات فعلية واقعية نابعة من الواقع العياني لتحسين الحالة السياسية والاقتصادية لكوردستان، فكل الموؤشرات تدل على ابداع هذه التيارات باختلافها فيما يتعلق بالشعاراتية " المواطنة" ، وانها وبحسب ما تقول تضع حقوق المواطن الكوردي ضمن اولوياته السياسية السلطوية والى غير ذلك التي كما سبق وان اشرنا اليها بانها السلعة، في حين نجدهم يتناحرون داخلياً، ولايتقبلون وجود احدهم للاخر، بل وصل الامر بهم الى التشهير بالقادة الكورد الذين خدموا القضية لعقود متوالية.
ان مفهوم المواطنة في العراق وكوردستان يتخذ منحنى متدني لدرجة بان الانسان لاقيمة لديه الا اعلامياً وظاهرياً في حين ان اي فعل قويم يخدم مصالح المواطن ليس الا حبر على ورق عتيق يستخدمه هولاء الساسة لمصالحهم ولفرض الاجندات التي يعملون تحت وطأتها، في بغداد التصريحات تاتي نحن لانحارب المواطن في حين تجد اغلب المناطق المنكوبة جراء سيطرة داعش لم تزل خراب، وبدون خدمات، فضلاً عن الاختطاف والقتل وخروج العصابات بل حتى ظهور خلايا داعشية جديدة، وفي الوقت نفسه، تمنع القوت عن كوردستان وذلك لفرض سياسة لوي العنق، وهذا كله لان الكوردي قال اريد ان اعيش حراً مستقلاً، وليس هذا فقط بل ان مقولة نحن لانحارب المواطن اوصلتهم الى منع المريض ان يسافر  في المطارات داخل كوردستان ناهيك عن المسائل الاخرى المتعلقة بالحدود ، وكل هذا باسم نحن لانحارب المواطن الكوردي او المواطن بصورة عامة، ولم تستقر الامور على هذا فحسب، بل زادت الطين بلة في التصريحات المتوالية للحكومة العراقية بكونها ستعمل على تقديم الرواتب للموظفين في كوردستان، كسلاح اخر اعلامي مؤقت يخدم المرحلة الدعائية للانتخابات المقبلة والتي اصبح العراقيون يترقبونها بشغف لا لانهم سيجدون تغيرات على المستوى السلطوي والفهم والادراك السلطوي ، انما فقط ليعرفوا موقعهم من اللوحة السلطوية القادمة التي تنادي وبصوت مسموع بان المواطن العراقي هو الهدف الاساس للحكومة وليس شيء اخر.
وفي الوقت نفسه نجد في كوردستان اهتمامات واضحة حول القوائم التي ستشارك في الانتخابات على الصعيدين المحلي والمركزي، وتذهب اغلب التلميحات  حول امكانية توحيد الصفوف بعد الانتخابات لجعل الصوت الكوردي مسموعاً في بغداد، ولكن على ما يبدو ان الكورد لم يعتبروا من التاريخ لا قديماً ولا حديثاً ولا حتى مجرياته في الامس القريب، فنجد الصوت الكوردي مبحوحاً غير مؤثراً كما اصوات اغلب المكونات الاخرى خارج منظومة الدعم الخارجي، والتي بلاشك هي " المنطومة" التي ستحسم الامور والاصوات، وبعدها سيبدأ العد التنازلي لحلب المواطن من جديد، وفرض اتاوات جديدة عليه بحجة الازمة الاقتصادية، وحجم الديون، ولاعتبارات مذهبية، واخرى حزبية، واخرى اجنداتية، واخرى لاعتبارات سبقية، فالحزب الفلاني كان معارضاً والحزب الفلاني كان موالياً لجهة معادية، والى اخره من هذه الشعارات التي ستظهر للمواطن، وكأن صوته ودعمه في الانتخابات كان مجرد وبال عليه، على هذا الاساس فالكورد لن يجدوا من بغداد سوى ما وجدوه في الامس القريب، حيث يكون صوتهم مهماً للوصول الى الكرسي وبعدها يتم فرض الاتاوات على الكورد بداعي انهم قاموا بالاستفتاء للاستقلال من جهة، وبداعي انهم لم يسلموا المطارات والمعابر والنفط للحكومة المركزية من جهة، وهكذا يكون الصوت الكوردي وبال على الشعب الكوردي" المواطن"، كما ان الكورد لم يعتبروا من التاريخ في اختيارهم للاسماء التي يمكن ان تمثلهم سواء في البرلمان العراقي او الكوردستاني.
 ولااخفيكم سراً بان اغلب المرشحين في القوائم الكوردية وعلى الرغم من تزيينها بالشهادات العليا لاتعدو  الا اسماء مستهلكة مسبقاً لكونها لم يتم ترشيحها على اساس خلق ابداعي، انما هي اسماء لارضاء جميع المكونات الشعبية داخل كوردستان، وحتى ان وجدت قائمة تقول نحن لانعتمد ذلك اساساً ورسماً للترشيحات فانه يقول ذلك من باب الشعاراتية المغايرة والتي يريد من خلالها اظهار نفسه على انه مختلف عن البقية في حين لو تفحصت الاسماء جيداً لوجدت انها ان لم تعتمد  على مسألة ارضاء جميع المكونات الاجتماعية فانها اسماء اختيرت لبعثرة اوراق المنافس داخل جغرافيته" الضد"، وبذلك يكون الترشيح ايضا غير ملائماً للمواطن الكوردي الساعي لخلق وجوده الفعلي ضمن الهيكل العام للدولة، لعله في وقت قريب يجد فرصة اخرى كي يوصل صوته العالم .
ان الصورة التي نجد عليها الان المواطن في العراق وكوردستان، لهي صورة مشوهة للانسان الحقيقي، الفعال، الساعي لتحقيق وجوديته، لكون تلك الصورة مرهونة بعدة عوامل، لعل ابرزها الانتماء الحزبي " المذهبي" ومن ثم الانتماء القومي، ومن ثم الولاء الاعمى، وهذا ما يفقد الانسان وجوديته الفعلية جراء ما يتم فرضه عليه من قِبل الدوائر المذكورة، وبذلك يتحول من انسان يفترض به ان يكون حراً في الاختيار، الى مُسير في جميع خطواته، بل حتى مسير في احلامه ، ولايقف الامر عند هذا الحد بل يتعداه الى كون وجوده مرهون بالاساس بكمية الحقد الذي يحمله تجاه منافسيه، وهذا كله يتم فرضه من الاجندات المتحكمة به وباسياده، وفي مرحلتنا الحالية نجد الشعارات المرفوعة التي تلقي استحساناً من قبل الاجندات المذهبية والقومية وقواعدهم الشعبية "المواطنون" هي الشعارات التي تعادي كوردستان والكورد" المواطن"، فكل جهة تتخذ من محاربة الكورد وقطع الميزانية عنهم وتهميش وجودهم تلقى شعبية واسعة بين الاوساط المذهبية والحزبية، ولا اعلم لماذا يصر الكورد على المشاركة في العملية السياسية" كمواطنين" في بلد فيه شعار محاربتهم والحقد عليهم هو الاساس الفعلي للنجاح والانتشار والقبول بين الاوساط الشعبية فيه.




37
الدين والبشر علاقة ود ام صراع مصالح
جوتيار تمر/ كوردستان
15-2-2018
ليست مفارقة ان تتحول الاديان الى مجرد اداة بيد البشر حيث يقومون بتوظيفه حسب متطلباتهم ورؤاهم الخاصة مبتعدين كل البعد عن الاصول والثوابت الرسالاتية التي تمجد الانسان وتعطيه قيمة تفاضلية على باقي المخلوقات الكونية، ولعل من ينظر الى الاديان بعين خارجة عن مصادرها التشريعية سيلاحظ عمق الهوة التي اصبحت ظاهرة للعيان بين النص الاصلي وبين التأويل البشري للنص والفعل البشري بمقتضيات النص نفسه، ناهيك عن عمق الهوة بين التيارات المفسرة للنص الاصلي، وحجم المعاناة التي يجدها الانسان في فهم وادراك ايهما الاصح، بعيداً عن المقولة التي دائماً ما يتمسك بها رجالات الدين ، "لديك المصدر الاصلي تمسك به تفلح "، في حين ان النص الاصلي المصدر لايمكن الاستناد عليه في كل المسائل لاسباب عديدة ومنطقية لعل ابرزها كونه في الكثير من الاحيان يُفسر على اكثر من وجه، او انه غير مفصل ولايمكن القياس من خلاله، او انه غير مُحَدث كي يناسب الوقت والمكان.
لقد شهدت النصوص الدينية ضمن السياقات التاريخية معارك عنيفة بين جذورها التأصيلية وبين حاملي راياتها بالاخص المفسرين( لانخص بكلمة مفسرين رجال دين دون اخر)، الذين سيطروا على مقاليد الحكم الديني وفق نزعاتهم الشخصية ونزاعاتهم الانتمائية في اغلب الاحيان، سواء أكانوا كهنة ام سدنة، ام رُسل، او حتى فقهاء وائمة، وبعيداً عن مقولة كونهم اصحاب اجتهاد ولهم اجرهم على ما قدموه من اجتهادات خدمت الانسان، في حين ان الامر لايمكن ان ينحصر بالاجر، انما هناك فكر وعقل وحتى عاطفة تجعل من تلك التفسيرات تحت المجهر، وتبرز السمة البشرية الرائدة في صياغة الامور حسب ما يحقق وجودها بعيداً عن التكليفات التعجيزية بنظرها، وهذا ما جعلنا ان نعيش وفق معيات متحولة ،لم تعد تحمل مساراً او نمطاً واحداً يمكن الاعتماد عليه لتحقيق الغاية من وجود الاديان نفسها، فالدين تحول من علاقة الانسان بالمُشرع الاصلي الى اداة يستغلها الانسان كي يحيل المشرع الاصلي الى التقاعد المبكر، ويحقق باستخدامه طموحاته الشخصية، والتاريخ ممتلئ بالامثلة سواء في عهود ما قبل التاريخ او مابعد التاريخ، ففي كلا المرحلتين جاءت الاديان متسمة بالصبغة البشرية الساعية لفرض الاتاوة على وجوده، فلانه موجود يجب ان يكون هناك دين يدعم وجوده، ولكن في البدء عليه ان يؤسس تعاليم تخلده على حساب بني جنسه، وتجعله بنظرهم اقرب الى الاله من كونه انسان، وهذا ما سعى اليه قديما، وضمن الصياغات التي تركتها الاثار القديمة لامسنا عمق الهوة بين مفهوم الدين كدين وبين العمل الذي يراد تحقيقه بالدين، ولم تتغير الصورة في الصياغات المابعدية التي جاءت ترسخ ما ترتب عليه في السابق، فكان الدين من حيث المبدأ وسيلة للتغيير، سرعان ما تحول الى وسيلة اخضاع وتهديد للبشر بيد البشر انفسهم الذي استطاعوا ان يتغلبوا على العوائق التي تفصلهم من الهيمنة على مصادر التشريع، ومن ينظر  بعمق الى السعي البشري عبر المراحل التاريخية كلها سيجد بلا شك هذا السعي وسيلاحظ كيف تحولت المعابد( نقصد بها دور العبادة لجميع الاديان) الى ادوات قمعية بيد البشر لاخضاع بني جلدتهم.
ودائما ما نستشهد بالملوك القدماء كيف اسسوا ممالكهم عبر تبني اديان وفرضها على ابناء الشعب بالقوة والترهيب، وذلك من خلال منظومة مؤسساتية من الكهنة والمعابد، وتلى ذلك ترسيخ مبدأ النبوة وما سعى اليه الانبياء في تحقيق مقصادهم الدينية والتي سرعان ما تحولت الى منظمات ومذاهب متفرقة كل واحدة منها تقوم بتأول وتفسير اقوال الانبياء حسب منطقهم ورؤيتهم التي تنافت وتعارضت وتقاطعت في بعض الاحيان مع الاخرى، وقد لايختلف اثنان على انه كلما زادت الفرق الدينية زادت صعوبة فهم الدين نفسه ، وذلك لوجود اختلافات جوهرية بين الفرق في العقائد والأصول، وفي الوقت نفسه انقسام الفرقة الواحدة إلى عدة طوائف، وزوال بعضها ونشوء اخرى جديدة، كما ان الاختلاط الذي يحدث بين تلك الفرق الدينية وغيرها مع المنظمات الدينية والحركات الاخرى يشكل عائقاً كبيراً في الفهم الصحيح للدين، وهذا ما تحول في برهة قصيرة الى صراع لاثبات الرأي والتفسير والتأويل والصراع  تحول الى عقيدة مذهبية هذه الاخيرة تحولت الى صراعات سلطة والسلطوية حين تتدخل تتحول الامور الى حروب وقتال وسبي وتدمير.
لم تتغير مفاهيم الدين بوجود الانبياء ولا حتى الكتب الرسالاتية بالعكس تماماً تحولت تلك الوثائق والمدونات والكتب الى اداوات اخرى بيد البشر استطاعوا من خلال تأويل ما بين السطور الى تحويلها لادوات قمعية اقصائية للاخر بدرجة ان الويلات نتجت عنها، سواء بين اصحاب الدين الواحد كما في فترة انقسام المملكة اليهودية بين مملكة الشمال ويهوذا الجنوبية وما تلاها بعد ذلك من تأويلات وتحويرات للرؤية اليهودية نفسها حول الدين والتي فرضت من خلال قوة السلطة الدينية المركزية القائمة على الانتقاء العرقي، والامر الذي تسبب بالتالي الى الانهيار الكامل الذي أصاب الحكومة الدينية وحكم الكهنة، او المفاهيم بعد اليهودية التي لم تتغير ،بالعكس تماماً فقد تحولت المسيحية السمحة بوقت قصير بعد (وفاة / صلب المسيح) الى صراع مذهبي وفرق ومن ثم تسلط بعض الرجالات الدينية باسم الرسل والبابوية والكنيسة فوجدت باسم الرب محاكم التفتيش لتعذيب الهراطقة ولقتل الخارجين عن الكنيسة، كما وجد باسم الرب جيوش وحروب ودمار وقتال ليس بين الدين الجديد والاديان الاخرى فقط، انما بين الدين الواحد بسبب الاختلافات والانقسامات في الرؤية والتفسير حول النبي نفسه وليس تعالميه فقط، هذا المنطق تحول الى اداة بشرية ساهم في احداث شرخ عميق بين الدين والبشر ( الحرب اللاايقونية – حرب المائة عام – الحروب الصليبية)، وحين اتى الاسلام كانت النظرة الظاهرية تعتمد على تحويل العبودية القائمة لغير الاله الى الاله نفسه، ولكن الالية التي اعتمدها اصحاب الدين الجديد لم تختلف عن سابقاتها، حيث حرمت هي الاخرى الانسان من انسانيتة لاعتبارات جبرية من جهة، واعطت الفرصة للساعين من البشر للاطاحة بهيكل الدين وتحويله الى اداة سمجة بيدهم لتحقيق رغاباتهم وطموحاتهم الشخصية، ولن يغير الامر الخوض في المعيات التي رافقت ما سمي وقتها بالفتوحات الاسلامية، لان الفتوحات لم تأتي وفق رغبة الاقوام الاخرى باعتناق الدين الجديد انما اتت بفرض رأي احادي من المسلمين على الاقوام الاخرى باعتبارهم على ظلال ويحتاجون الى نور الهدى، والسؤال هل كانت الشعوب تنتظر هداهم,,,؟ ان الامر لم يختلف تماما بل السعي البشري لفرض فكر ديني واحد واقصاء الاديان الاخرى رسخت مبدأ عمق الهوة بين التشريع الاصلي وبين التأويلات المابعدية التي ظهرت اللمسات البشرية عليها بشكل واضح، فكانت وبالاً ودماراً داخل جغرافية الدين الواحد، والتاريخ الاسلامي مليء بهذا الشرخ التأويلي منذ العهود الاولى، حيث قتل ثلاث خلفاء  راشدين من اصل اربعة، ناهيك عن الطوائف التي ظهرت وعن المعارك الاسلامية الاسلامية من (الجمل – صفين ) وما تلاها من انقسامات وشروخات اخرى اتسعت باتساع رقعة التسلط البشري باسم الله وتشريعات الله.
ساهمت الاديان في احداث شروخ بشرية اخرى، وذلك من خلال زعزعة البنية الاجتماعية في المجتمعات بصورة عامة، لاسيما تلك التي اعتمدت على الطبقية الدينية في علاقاتها، حيث حصنت الطبقة الدينية اسوارها بعدم السماح للاخرين بالتزواج مع المنتمين لطبقتهم من النساء والفتيات، في حين سمحوا لانفسهم بالارتباط بالنساء من الطبقات الاخرى كما في بعض الاديان الوضعية، وفي الوقت نفسه جاءت اديان تحرم التزواج ضمن الطبقة الدينية، مما ساهم في احداث خلل بايولوجي لدى هولاء فكانت الفضائح ترافق اماكن عبادتهم بسبب خروج البعض عن دائرة التحريم وعدم الانصياع للترهب الديني المفروض عليهم، وهذا ما ادى بالتالي الى خروج مذاهب وفرق منهم سمحوا بالزواج حتى ضمن تلك الطبقات الدينية، ناهيك عن البنى الاجتماعية الاخرى التي رافقت التحولات الدينية ضمن سعي الاديان للانتشار وفق منطق الحروب والتبشير والدعوة والاصلاح، فالسبي لم يقتصر على مرحلة واحدة من مراحل التطور البشري قديما وحاضراً، لذا كان السبي والجواري والمتجارة بالرقيق الابيض احدى اهم نتاجات العمل البشري ضمن سياقات استدلالية استمدوها من نصوصهم الدينية، وتلى ذلك تصدعات اجتماعية ونفسية اثرت على الرؤية البشرية نفسها للاديان.
ومن الشروخات الاخرى التي ساهمت في احداث متغيرات جذرية على الرؤية الدينية البشرية ما تعلق بالمذابح البشرية التي رافقت التطورات السياسية ولعل ما حدث للمسيحيين في اوربا ضمن الحملات الاسلامية عليها ، ومن ثم للمسلمين في الشرق بعد الحملات الصليبية عليها، وكذلك بعد مجيء المغول ومن بعدهم العثمانيين وما فعلوه بالارمن( مذابح الارمن)، وما فعله الارمن ايضا ضمن السياقات التاريخية الواضحة من مذابح تجاه المسلمين، كل ذلك حدث باسم الاديان ومحاولة اقصاء دين للاخر، ولم يكن النص الالهي الاصيل هو المحرك بقدر ما كان الطموح البشري لفرض ماهيته على الواقع الخرابي الارضي، وبالتالي نتج عن ذلك شرخ وهوة سحقية بين الدين والبشر مرة اخرى، ولم يكن العامل السياسي  والمصالح الاقتصادية والسياسية في الوقت الحاضر الا اداة اخرى بيد المتحدثين باسم الاديان، وذلك لفرض رؤيتهم الخاصة ، ولتحقيق رغباتهم وطموحاتهم الخاصة بعيدين كل البعد عن الممضمون الحقيقي للدين الاصلي ( النص الاصلي الالهي)، ولعل زيارة اردوغان المسلم للبابا المسيحي رسالة واضحة لايمكن الشك بها، رسالة مضمونها ان الاديان هي غطاء لمصالح واتفاقيات ... فالبابوية المسيحية التي لم تزل تطالب تركيا وريثة الدولة العثمانية الاسلامية بتقديم اعتذر بسبب تلك المذابح، تستقبل( البابا فرانسيس – اردوغان) احد اشرس القادة الترك في العقود الاخيرة الذي لايتوانى في فعل اي شيء من اجل تحقيق اهدافه حتى لو كانت على حساب شعبه بل حتى لو كان على حساب ابناء دينه، في خطوة تؤكد مرة اخرى ان الاديان ليست الا رداء عتيق هش يتوارى خلفه البشر لتحقيق مصالحهم واهدافهم التي لاتبت للدين بشيء، والامر لايحتاج الى توثيقات ورقية او تاريخية حديثة فقط يحتاج الى التأمل بالواقع البشري الحالي " ماحدث في البوسنة والهرسك والبانيا – ما يحدث بين المسلمين واليهود في اورشليم" القدس" وماحولها ، ما يحدث بين الروهينغا والبوذيين، ما يحدث في ايران والعراق من تطهير عرقي مذهبي طائفي باسم الدين ، وما تفعله تركيا بالكورد في عفرين باسم الدين والارهاب والالحاد والى غير ذلك من التفاهات والشعارات التي تلبس رداء الدين وهي لاعلاقة لها بالدين الا ظاهراً" .


38
المنبر الحر / تلازميات شرقية
« في: 18:45 13/02/2018  »
تلازميات شرقية
جوتيار تمر/ كوردستان
10-2-2018
تعتمد المقولات الشعاراتية في الكثير من الاحيان على موروثات تسمى في المعاجم التي وضعها البشر  بالحضارة، ووفق المنطق التاريخي ،الشرق وبالاخص الاوسط مهد الحضارات البشرية ومهد الاديان الرسالاتية، ومنها انبثقت التشريعات وسنت القوانين ، ونطقت الاحرف وبدأت الكلمة المرسومة المكتوبة، وتكونت اولى البنى للتجمعات البشرية، والحضرية، ومنها انتشرت الى باقي المناطق المجاورة، ناهيك عن ان في الشرق الاوسط بالذات ولد الانبياء والى غير ذلك من الاستدلالات الشعاراتية التي يستشهد بها كل شرقي سواء أكان متدينا ام قومياً او حتى ملحداً، تاركاً وراء مقولاته كماً هائلاً من التساؤلات التي قد تجابه من اصحاب الفكر الشعاراتي بالنكران.
حين نقف عند مفهوم الحضارة بالذات نشعر بشيء من الغبطة، ولكنها غبطة لاتستمر الا للحظات فما ان نستعيد قوانا الذهنية ونفكر  بشكل عقلاني في ماهيات الحضارة سواء القديمة ام الحاضرة، حتى نجدنا امام معضلة لاحل لها، حيث التضاد قد تسرب الى شرايين الشرقي في الشرق، واصبح يلهث وراء وَهم مدون فقط ولا وجود له على ارض الواقع، ولاننا لم نعد نعيش وفق منطق الغيبيات والتراجيديا الميثولوجية القديمة والشعارات، فاننا اصبحنا ننظر الى الامور وفق معطيات اخرى، بحيث لم تعد تلك البرمجيات القديمة بكل تمفصلاتها تؤثر فينا لا عاطفياً ولا حتى تبهرنا لاسيما بتلك الامثلة من المجتمعات القديمة والتي استمرت على نمطها في العصر الوسيط لبرهة قبل ان تتحول هي الاخرى الى وقائع لامسنا فيها عمق التضاد، فالشرقي المتنمق لايستند في حياته الا على المثالية المتعالية التي ورثها ضمن مدونات الاجداد ولو بحث عن التلازميات التي رافقت تدوين تلك المثاليات لوجد عمق التناقض الذي كان يعيشه هولاء، فعلى سبيل المثال لا الحصر، لم يزل الشرقي ينظر الى الاقوام المجاورة على نحو من التدني، لكونهم بنظره اقل شأن حضاري منه، ودائما نجده يستشهد بالبنى الرخامية التي تركها اسلافه واجداده في المنطقة ليقول للاخرين باننا كنا اصحاب حضارة وعمران، ولو وقف فقط برهة زمن واسترجع الكيفية التي جعلتهم يبنون تلك الصروح العمرانية مثلاً، لادرك بانهم استخدموا الالاف من العبيد"البشر" ومارسوا معهم الضرب بالسياط والتجويع والقهر والاستبداد حتى استطاعوا من بناء تلك الصروح التي يسميها" الشرقي" الان حضارية وهي في الاصل بنيت بدم الالاف وعرقهم، فكيف تقول عن صر ح ما حضاري وهو قد بني بعمل لاانساني، هذا التساؤل لايحتاج الى جواب منمق اخر مطعم بالشعاراتية التي فقدت عذريتها، انما تحتاج الى عمق عقلاني تأملي تأويلي حداثي وفق منهج انساني بحت ، لانه اذا ما اسلمنا بامر الواقع بانها سنة الحياة في ان يعمل ويكد البعض ويموتون جوعاً كي يخلد التاريخ اسماء مضطهديهم ومستغليهم فانه التضاد والتناقض بحد ذاته، لاننا بذلك ننفي عن وجودنا السمة والصفة الاسمى التي نفتخر بها عن باقي الكائنات وهي الانسانية. ناهيك عن الاستعباد فهناك حيث نسميه مهد الحضارات لم تمر عليه حقبة دون اراقة الدماء والقتل( الصراعات ما قبل التاريخ والصراعات في العصر اليهودي والمسيحي والاسلامي ومن ثم القومي)، و كل الاحداثيات المتعلقة بالصراعات تلك تدور ضمن منظومة واحدة وهي اقصاء الاخر، وبناء صرحه فوق جماجم الاخرين، بحيث تحول تاريخهم الى تمجيد للملوك المقاتلين والمحاربين وكل ما دون وقتها وكل ما رسم وقتها ونقش على الجبال والاحجار والرخاميات والطين واوراق البردي وغيرها هي رماح وسهام والات حرب ودمار، واسماء وحملات ملوك وجيوش واسرى واستعباد ونساء وقهر وحيوانات  كالاسود والنمور والاحصنة والثعابين والنسور تمثل السلطوية بدلالاتها ووحشيتها " قوتها " ، انه المنطق القديم الذي نستشهد به حديثاً لنقول للاخرين باننا كنا مهد الحضارات وكانت ارضنا ارض التشريعات.
والغريب في الامر بانه رغم كل التشريعات سواء الدنيوية او السماوية الرسالاتية فان الرؤية الاقصائية لم تتغير عند ابناء الشرق وظلوا يمارسون هوايتهم المفضلة وهي الحرب والقتل والسبي والخراب والدمار فمن سبي بابل الى وقتنا الحاضر ستجد الالاف من المُمارسات المتشابهة التي اقدَمَ عليها اصحاب الاديان والرسالات باسم نشر التحضر والقيم، وبالتالي فان المنظومة التي يرثها الشرقي لايمكن ان تخلوا في حقبة ما من هذا التناقض والتضاد اللامنطقي، فمن كان  وفق منطقه البداوة او البادية اقل شأن واقل تحضر من المدينة، وفي الوقت نفسه كان يرسل اولاده الى اليها ليتعايشوا لفترة ضمن دائرة البدو وذلك ليتعلموا منها الشجاعة وفصاحة اللسان والقيم والى غير ذلك من الامور التي هي ضمن التوثيقات الحضرية المستمدة من البداوة والتي كان ينظر اليها على انها اقل شأن منه،فانه لابد وان ولد من ماء امتزجت الملوحة والعذوبة فيه بحيث ورث جمع الاضداد منها.
ووفق هذا المنطق فان التلازميات الشرق اوسطية هي من اكبر الاوهام التي جعلت الانسان على هذه البقعة يعيش في خيال لاينم عن وعي وواقع عقلاني، ولعل اكبر دليل على ذلك ما ان تحدثه عن شيء حتى تجده يلجأ الى ماضيه ليستشهد به وهذا ما دفع احدهم الى القول "ليس الفتى من قال كان ابي..." وكأنه انتبه الى حجم التناقض الموروث في زمنه فما بالك بزمننا الذي مازال الشرقي يبني صرحه الحاضر فوق موروثاته القديمة التي ورثها حتى تحول الى مستهلك لانفع منه سوى ان يتحول الى اداة بيد الاخرين ليتم توظيفه وفق اجنداتهم،ومع  ان ماضيه كما اشرت اليه سابقاً لايخرج من دائرة التضاد العقلي النفسي العاطفي بل يصل الى حد الانفصام في احيان كثيرة.. فانه مع علمه بالخلل الكامن فيه الا انه لايستطيع الخروج من تلك الدائرة لكونه اقنع نفسه بنظرية المؤامرة ، وفي الحقيقة بان الشرقي هو في الاصل نواة المؤامرة نفسها وبذرتها التي استقت من نفسيته غير الصالحة وانفاسه الحقدوية، وسعيه الاقصائي للاخر، فتحول من ضحية للمؤامرة التي يعتقد بانها موجودة الى نبع يمدها بكل الوسائل وكل الحاجيات لكي يقصي الاخر، ولعل من يبحث في المحركات التاريخية القديمة ومن ثم في العصور الوسطى والحديثة وحتى المعاصرة سيجد كيف ان الحياة على هذه البقعة استسلمت لمبدأ اقصاء الاخر  ومحاولة بناء الصروحات العمرانية والسياسية التي يعتبرها حضارة على جماجم وجثث الاخرين ممن لاينتمون الى فصيلته سواء الدينية او المذهبية او القومية.
من هذا المنطلق نطرح تساؤلاً غير ملزماً ، ترى هل بناء صرح عمراني حضارة، ونحن ندرك تماما انه بُني بيد العبيد البشر ( من استعبدهم ) الذين وقعوا تحت مطرقة وسيوف ملوك ودول، بل حتى بيد شعوب حكمها أُسر سلطوية اجبرت شعوبها على العمل لتخليد ذكرى حروبهم وسلطتهم او كهنة مارسوا الشعوذة الدينية تجاه ابناء شعوبهم فالزموهم بالعمل تحت وصايتهم ولمصالحهم، وتركوا لنا هذه الصروح البنائية العمرانية وتلك الرسومات والاحرف بكل مراحلها التاريخية.. ونحن ندرك تماماً بان الالاف قد قضوا جوعاً وتعباً ومرضاً وخوفاً وضرباً وهم يبنون تلك الصروح..؟ .



39
أدب / عفرين
« في: 20:13 04/02/2018  »


عفرين



جوتيار تمر / كوردستان


السلطان موقظاً رماحه
في المدى الاخضر  وقامات الزيتون
هم طاعون التاريخ
يشبهون جرح الارض
يقول :
كاوه ساخرا وهو يتمطط كسهم
 باحثا عن ضحاياه
تكاثروا ياذئاب الارض سهمي
 يكسر نصركم
 يسقط الاسود والاحمر من فوق
 جباهكم
اشتعل كاوه وارخى سهمه
 نسائم ارضنا تأتي بزغاريد
صبايا عفرين "ئافيستا - بارين  "
جرحنا الواسع سيغرقكم
 وارض كي خسرو ترتفع في دمنا
في حقولنا... ولين الحديد فوق
 بيوتنا
 سلاما لارض خلعت رؤوسا فوق
 خشب الهزيمة
ليس دمنا طاعون الا لرياتكم
المرسومة في اكاذيب البيانات
جفلت منها جبالنا واخضرار
الاشجار
ها نحن نستيقظ على وقع حوافر
هي مزبلة الالهة
 ونعبر الى شموخ التاريخ وسيوف الفضة

40

حوار مع الكاتب الكردستاني جوتيار  تمر
" أنا فقط أنتظر اللحظة الشرسة والمكان لن يختلف معي سواء أكان الجحيم.
الخراب الأرضي الذي نحن عليه... أم الجنة الموعودة."
اعداد وتقديم: عائشة كمون

يعانق الجرح العنيد ويدمن اللحظة الواعية لا العابرة ليكشف لنا في أعماقه ناقدا أدبيا متوثبا يسعى الى تفكيك النّصوص وتحليل أعماقها الدفينة ... يطرح اراء يطرزها بجرأة وفهم، يعمل على إرساء ثقافة جادة في الساحة الأدبية لمواجهة الكم الهائل من الأقلام الدخيلة.
و لنا معه هذا الحوار الذي سنكتشف به أسئلة عديدة تفتح مجالا للنقاش العميق الذي نهدف اليه   :
حاورته : عائشة كمون-شاعرة  و إعلاميّة تونسية


- في البداية حبذا لو تعطي قراءنا نبذة عن سيرتك الذاتية، وتُطْلعهم على نشاطك و إنتاجك ؟
جوتيار تمر صديق من مواليد محافظة دهوك في اقليم كوردستان، حاصل على شهادة الدبلوم في اللغة العربية والعلوم الاجتماعية، وبكالريوس تاريخ كلية الادب في جامعة دهوك، وماجستير تاريخ عصور وسطى من جامعة دهوك ايضا.. مهتم بالدراسات التاريخية بالاخص فيما يتعلق بفلسفة التاريخ، لدي العديد من البحوث التاريخية المنشورة في المجلات الاكاديمية، كما لدي "تسع" مؤلفات بين تاريخية ( الكورد القيمرية – امراء في الدولة الايوبية ) وفكرية فلسفية ( بشر يمتهنون صناعة الالهة – قراءت حول الارهاب – قراءات حول اوضاع الشرق الاوسط والقضية الكوردية) وادبية ( ديوان شعري بعنوان سيبل sepal- مجموعة قصصية ومسرحية بعنوان موت اكبر من موت -قراءات نقدية حول نصوص كوردية معاصرة – قراءة في دوافع هلكورد قهار الشعرية وتنوع مصادره ومشارك في العديد من المؤلفات الاخرى ( ديوان شعري مشترك مع الشاعرة التونسية ضحى بوترعة " دم ميديا سقف قرطاج " ، ديوان اخر مشترك مع الاديبة المصرية د.عايده بدر ( العابران )، مشارك في ديوان شعري مشترك مع ادباء عرب من اصدارات منتدى انانا (الانفلاتات ) كما شاركت في العديد من الكتب الاخرى النقدية والشعرية، لدي مساهمات ادبية اخرى حيث قدمت للعديد من الدواوين الشعرية على مستوى الوطن العربي من المغرب الاديب الكاتب عبدالرحيم الحمصي من تونس الشاعرة سندس بكاره والشاعر محمد فرج الازرق من ليبيا الشاعرة غادة البشاري من مصر د. ثروت عكاشة السنوسي والاديبة د. عايدة بدر والشاعر محمد دحروج، ومن الاردن الشاعر الاديب محمد خالد النيبالي، ومن لبنان الشاعرة احلام الدردغاني والشاعرة فلورا قازان ومن سوريا الشاعرة املي القضماني والشاعرة مريم الصائغ.


قراءة الإبداع بمختلف أجناسه على الشبكة العنكبوتية/ الإنترنيت، هل عوضت فعلاً حميمية ودفء ومتعة الكتاب الورقي؟
لا ولن تفعل ابداً باعتقادي...

متى تقول: فليذهب الشعر إلى الجحيم؟
حين لايخرج  الشعر من الجحيم...

ماذا عن جديدك الإبداعي؟
ربما ذكرت جديدي فبعد " امراء في الدولة الايوبية " اعمل كتاب اخر هو الاخر بعيد عن الشعر والنقد والقصة .

أين أنت من الساحة الإعلامية؟
بعيد كل البعد... دائما اتوارى.. واجد في البعد عن الاعلام نقاء لتلك المبادئ التي أحب ان اكتب وفق نهجها .
زمان ومكان الكتابة يختلف من مبدع أو شاعر لآخر، منهم من يكتب في الليل، ومنهم في ساعات الصباح الأولى، بعضهم يفضل المقهى، آخرون عزلة في مكاتبهم، كيف هي طقوس الكتابة عندك زمنيًّا ومكانيًّا؟
لا ثوابت عندي ... فأنا فقط انتظر اللحظة الشرسة والمكان لن يختلف معي سواء أكان الجحيم.
الخراب الارضي الذي نحن عليه....أم الجنة الموعودة.

هل لديك مواقف شخصية ضد أحد الشعراء؟
نعم.. فانا انسان... ولكوني كوردي لا انتمي الى العروبة...وجدت بعد الاحداث الاخيرة في " اقليم كوردستان "  اقصد استفتاء كوردستان ،مواقف جعلتني اشمئز من تصرفات وكلام البعض تجاه قومي وشعبي الكوردي.. وحين واجهتهم بالمنطق نعتونا بأبشع ما يمكن ان يصدر من مَن يدعي كونه انسان.. لذا نعم لدي مواقف ضد العديد منهم... لكونهم فيما يخصهم محافظون.. ولكن فيما يخص غيرهم جاحدون.

قد نرى أن حضورك كناقد طغى على حضورك كمبدع هل هنالك ثمة علاقة جدلية بين النقد والابداع ا؟ وكيف وفقت انت في تجربتك الإبداعية في كلا المجالين بين نوعين مختلفين من الكتابة؟
الشمولية تعطي الناقد القدرة على خلق الكثير من الممرات الابداعية ضمن الداوئر والاجناس الادبية التي يعمل عليها فيستطيع ان يعطي لكل منها خصوصيتها النقدية، ولكن هذا لايعني ان درجة الابداع لاتأتي الا بعد بلوغ اعلى الدرجات لكون المعايير التي تعتمد لاختيار اعلى الدرجات هي نفسها مثار نقد ونقاش بين الاوساط الادبية، لذا اعتقد بان المعيار يعتمد على نوعية العطاء الذي يقدمه الناقد وليس كمية العطاء، فالنوعية هنا يمكنها ان تعطي للناقد تلك الصفة الابداعية العامة، على هذا الاساس لا يمكن ان اقيم نفسي بنفسي، كما لا استطيع ان انفي بان النقد والتحليل والتفكيك هي من السمات التي تجذبني اكثر كوني اوظفها كلها في دراسة التاريخ، وبذلك لربما يوجد العديد من الاعمال الادبية الاخرى لدي كالمسرحيات والقصص والمقالات وغيرها لكني حين امارس النقد اجدني انطلق بمنطق الخصوبة التحليلية والتفكيكية، وحقيقة انا للحظة التي اكتب فيها الان لا اعرف ما هي المعايير التي يمكنني ان الزم الاخرين بها كي يصنفوني مبدعاً،او ناقداً او شاعراً او قاصاً او حتى مختصاً بالمسرح، فانا امارس هذه الاجناس الادبية وفق معايير قلتها سابقاً وغرضي اوضحته، واضفت اني في الاساس اميل الى اختصاصي التاريخي.



هل يعتبر النقد الأدبي فنا؟
هذا السؤال جعلني استرجع في ذاكراتي كتاب "في نظرية النقد" للدكتور عبدالملك مرتاض حين يطرح سؤال مهم جدا هل النقد علم أم فن وهو سؤال يحرطه الباحث ويجيب عليه بنفسه حين يقول بأن النقد علم حين يسعى الى تاسيس احكامك وتعليل مقولاته وتأسيس نظرياته اما على الجمال واما على التاريخ واما على علم الاجتماع واما على علم النفس واما على اللسانيات واما على السيميائيات كما تتمثلها جوليا كريستيفا واما على طريقة جاك ديريدا واما على اشياء اخرى، والنقد يكون فن حين يتطلع الى ان يجعل من قراءة نص من النصوص الادبية تحفة ادبية يستحلص من خلال تجسيدها عناصر الجمال ومواطن الابتكار ومظاهر الجدة، خصوصاً ما يحمل القارئ على الاعجاب، وما يغريه بالتعلق بالنص المقروء.

- هل يعتمد الناقد مبدأ المفاضلة لغربلة المنتوج الأدبي؟
هذا السؤال وجه لي بصيغة اخرى في احدى الحوارات السابقة مع احدى المواقع الادبية حيث اعتمد المحاور بدل صيغة المفاضلة لماذا الشاعرات اكثر حظوظاً بالدراسات النقدية من الشعراء :وقتها قلت بانه علينا ان لانتجاوز بعض الخطوط ذات العلاقة بموضوع الاختيارات النقدية قبل ان اخوض في موضوع من يلفت النظر ، فلربما تجد الشاعرات اكثر حضوراً وانا سأتحدث عن تجربتي ولن اعمم ، لكونهن اكثر جرأة في الطلب والسعي لابراز اعمالهن، فالشعراء " الذكور " على الغالب يرى نصه وشعره ارفع من يكتب عنه مثلا اي ناقد، لذا يبقى ضمن دائرته الفوقية تلك ولا يبحث عن من يقرأ ويكتب عن تجربته الا ضمن حدود الفوقية نفسها، اي الا اذا استطاع من اقناع ناقد له شهرته ومكانته والى غير ذلك، اما الشاعرات فهن يدركن بان المسيرة يجب ان تبدأ بكسر الحواجز والمعيقات الاساسية التي تواجهها كعنصر ادبي، فتبحث عن من يكتب عن نصوصها لتدخل دائرة الرصد الادبي عبر النقد نفسه، وهذا ما يجعلهن بنظري اكثر حضوراً، ناهيك عن امر اخر فانهن يؤمن بان النقاد ليسوا كلهم نقاد ادب، بل ومن حلال تجاربهن اصبحن يؤمن بان الكثير ممن يدعي النقد لا يقدم لهن شيء دون مقابل، وهذا ايضا يفسر بحثهن عن من يحترم وجودهن ويثقن به.. أما ما يخص الملفت لنظر الناقد بالتأكيد نظرياً يجب ان يكون النص هو الاساس للتفاعل النقدي والاختياري، ولكن هذا لا يمنع ابداً ان يختار الناقد نص على الاساس الطلب او المعرفة الشخصية على ان يلتزم بالناقد بالاساسيات الممنهجة في دراسته، وشخصياً ارى ان النقد الذي يحاول ان يقتل الكاتب في نصه بعيداً كل البعد عن الرؤية الحداثية للنص الادبي، لانه لايوجد نص كامل فدائما هناك ما يشوب النص ولكن على النقاد التعامل مع ذلك بعين لاتحط من قيمة الكاتب.. فالنقد الحقيقي بنظري لايبنى على محاولة عرض العضلات اثناء كتابة الدراسة النقدية او القراءة النقدية، لكون النقد الحقيقي بنظري هو ما يمجد الفعل الانساني الادبي ومحاولته في ابراز مكنوناته الذاتية عبر تلك الدلالات التي قد تأتي ضمن دوائر النقد بصورة ايجابية او قد يشوبها بعض الخلل.

(النقد) موضوع مترامي الأطراف وشائك بين الشعراء فإذا تكلم أحدهم بملاحظه وأعتبرها نقد بنّاء ففي المقابل وأغلب الاحيان يكون هناك تفسير بإنها نقد هادم او تبرير الغلط بحجه واهيه اعتقاداً منه أن النقد لجنابه يعتبر نقصاً فيه ...
فما هو موقفك من النقد هل أنت مؤيد له؟
وإذا كنت مؤيد هل تتزعم أنك ترشد من ترى انه يسير في الدرب الخطأ؟
شخصياً ارى ان النقد الذي يحاول ان يقتل الكاتب في نصه بعيد كل البعد عن الرؤية الحداثية للنص الادبي، لانه لايوجد نص كامل فدائما هناك ما يشوب النص ولكن على النقاد ( ليس فرض رأي) التعامل مع ذلك بعين لاتحط من قيمة الكاتب.. فالنقد الحداثي و الحقيقي بنظري لايبنى على محاولة عرض العضلات اثناء كتابة الدراسة النقدية او القراءة النقدية، لكون النقد الحقيقي بنظري هو ما يمجد الفعل الانساني الادبي ومحاولته في ابراز مكنوناته الذاتية عبر تلك الدلالات التي قد تأتي ضمن دوائر النقد بصورة ايجابية او قد يشوبها بعض الخلل، وهذا ما يجعلني اقرأ النصوص بشكل بعيد عن الانفعالية المتحمسة التي تقصم ظهر النص وصاحب النص، انما احاول المزج بين التحفيز والتوجيه، فالنقد لايمكن ان يتعدى قيمه الجمالية الى ابعاد الشخصنة والتنقيص.

- النقد يهدف لإضاءة العمل الإبداعي، كيف تنظر للعلاقة القائمة بين القصيدة والنقد في مشهدنا الشعري الراهن؟
 العلاقة توافقة داعمة للاستمراية بين الجانبين لاسيما حين يتسم بالشاعر بالشغف الشعري والناقد بالموضوعية النقدية، المشهد الحالي والسابق والاتي لن يخرج عن الاطر والاسس التي بني الشعر والنقد عليها هذا من حيث النظرة الاكاديمية والمنهجية والتي من المفترض ان تكون عليه، ولكن دائما هناك خروقات تفجع المشهد الشعري والنقدي من خلال استغلال المسلكين لاغراض شخصية ولاهداف لاقيم لها " المصلحوية " وبعيدا عن ذلك فالمشهد تراكمي ابداعي ينفجر بين فينة اخرى بالابداعات.

في ظل الخراب الذي يعم العالم هل ما زالت القصيدة تحقق الحضور المطلوب لها؟
اي شيء يلامس كينونة الكائن الانساني يكون له حضور بلاشك، وطالما ان الانسان هو الكائن الوحيد الذي يصنع ويخلق ما يدمره ويفنيه، فانه دائما يلجأ الى تلك الاشياء التي تمجد صنيعته، سواء بالسلب او الايجاب، لذا بين افياء الخراب الارضي الذي تسبب به الانسان نفسه نجد للكلمة حضوراً تحفيزاً احياناً، وتحريضياً احياناً، ورثائياَ في احيان اخرى.

- درجة الوعي عند الشاعر بخطورة الانتساب بصدق للقصيدة، يجعله يتهيب للسفر في
مجهولها. كيف يستطيع الشاعر أن يتّق شراسة المصافحة الأولى مع النص لحظة الكتابة؟
القصيدة لربما تختلف عن باقي الاجناس الادبية كونها تأتي كومضة تخترق الجدران التي تأوي الشاعر فتجعله يخرج من دوائرها الى حالة خاصة تلك الحالة هي ما تسمى اللحظة الشرسة حيث تنقل الشاعر من ذهوله العياني الى حالة النرفانا فينقطع عن الموجودات الاخرى بصلاة خاصة ترهقه وجدانياً وتستفزه ذهنياً وتتعبه جسدياً انها لحظة اشبه بتلك التي تتناسل الالوان من ذاتها في لوحة سريالية.

- نلاحظ أن الشعراء يتجهون إلى الانتشار عبر الإنترنت مبتعدين عن الطباعة، فهل أنت منهم؟
احيانا تفرض الظروف عليك اتباع نمط ربما لاتحبه ولكنك مجبر.. وتتداخل عدة عوامل في خلق هذا النمط الانتشاري، وهي بلاشك معروفة لدى المتابعين بشكل جلي، وكنت ومازلت مؤمن بان ورقة مطبوعة تدخل في قلبي وعقلي راحة ربما لاتفعل العديد من الصفحات الالكترونية، بالعكس انا اغلب كتاباتي المدونة مطبوعة ورقيا.. وحتى ان اعتمدت الانترنت فانا افضل ان تكون كتاباتي مطبوعة ضمن كتب الكترونية مصنفة من قبل جهات مختصة، وهذا لايعني باني لم استفد من الانترنيت في الانتشار بالعكس تماما لانه لو كان هناك من يعرفني فانه من خلال الانترنيت بالدرجة الاساس.

- ما هو الباب الذي تفتحه القصيدة لك سريعًا عند لقائك بها في مُنحدر اللغة؛ باب الطفولة، باب الحنين، باب الحب، باب النسيان، باب المرأة، باب المكان، باب الأم، باب الدهشة، باب الذكرى، باب الوجع، باب الأمل... وللشاعر في أبوابه أسرار وألغاز؟
الأم بالدرجة وتأتي الابواب الاخرى متوالية، كالوطن ، الطفولة، الانسانية ،والعديد من الابواب الاخرى التي تقتحم عوالم الشاعر فيجد نفسه يعيش مخاضاً خاصاً.

- الكتابة الشعرية انخراط عنيف في الإنصات لعوالم الداخل المشبعة بالجرح والحلم، تعرية لتضاعيف الذاكرة بِشعلة القصيدة. هل تؤمن بأن الشعر قادر على تغيير العالم إلى ما هو أنقى وأصفى في ظل السلم والسلام بعيدًا عن الحروب وقتل الأبرياء والشيوخ والنساء والأطفال؟
حين نقرأ الممكن الانساني ضمن سياقات الميثولوجيا سنجده كان ولم يزل في صراع ازلي ليس من الهة الحرب والدمار والقتل والاغتصاب فحسب بل مع ذاته ايضاً، هذا الصراع المحتدم خلق من الانسان كائناً لايطاق.. الشاعر ايضاً انسان بالتالي هو يعيش حالة الصراع، ولكنه يحاول ان يصيغ رؤاه ببصيرة مغايرة، وعلى الرغم من محاولاته في انصاف انسانية الانسان وابعاده عن الخراب الا انه في الكثير من الاحيان طرف مشارك في التحريض والتهويل وتوجيه الاتهام وبذلك السلم والسلام امران نعيشهما في المعاجم اللغوية فقط، واقعاً لاشيء ينتمي اليهما، لكون الانسان سواء أكان شاعراً ام لا قد سلب منهما منذ اللحظة الاولى التي هبط بها الى الخراب المسمى الارض.


-الى متى ستظل تنثر ابداعاً بعيد عن الضوء؟
حين تكتب لغرضية محددة "تبدأ بنفسك وتنتهي عند عتبات ابواب ذاتك" فانك  وقتها بنظري تتحول الى كابوس تسعى لخلق عالمك الخيالي الاسطوري بالكلمة تمجيداً لشخصك وليس تمجيداً للكلمة التي من خلالها يمكن ان تخلق مجدك الشخصي، لذا انا اكتب لازيح عن نفسي فكرة الذنب التي قد تطال الانسان الانساني الواعي بثقل الوجيعة من حوله وليس بحثاً عن المجد الشخصي الذي قد يسعى اليه البعض.. لذا اروع الاضواء هي تلك التي تجعلني اشعر باني لامست وجيعة الانسان وحاولت ان اعبر عنها بالكلمة في لحظة انسانية فريدة.

-بعد ظهور كثير من الشعراء الشباب هل الشعراء الرموز المعروفين لم يعودو وحدهم في الساحه؟
لااحد يأخذ مكان أحد، فكل يعمل ضمن صيرورته، وضمن جغرافيته، الدلالية، الفكرية، الوجدانية، الانتمائية، المعجمية، والشعراء الرموز تركوا بصمتهم الابداعية، ولهم مساراتهم التي يسعى الكثير من الشباب الى معانقة حافاتها، ومع ذلك فان الشعراء الشباب جادون في خلق انموذج لربما مغاير من حيث الاسلوب والنمط لمسيرتهم الابداعية، واعتقد بان العملية الابداعية لن تتوقف عند رمز او عند سعي شاب.

- ترجمة الشعر، هل هي خيانة أنيقة للنص الأصلي، أم ترويض اللغة بدُربة المترجم(ة) للبحث عن ضيافة متخيل آخر يُغني حركية الإبداع الإنساني، ويفتح آفاق اشتغاله على كينونة لغة بلا حدود ولا تُخوم تستهدي بنور البصرَ والبَصيرة تمنحها الذاكرة لروح الكلمات والنصوص؟
الاشكالية التي نعيشها تجاه الترجمة تتعدى جغرافية الشعر الى الابعاد غير الشعرية ايضاً، فمع ان الترجمة ضرورة ملحة للتعرف وللتعريف الا انها تحتاج الى دراية خاصة باعتباره فن خاص، انا مؤمن بان الترجمة قد تعيق حركية الصورة الاصلية قليلاً وتحيدها عن المسار ولكني مؤمن ايضاً بان الترجمة تفتح امامك تلك الافاق التي تجعلك متأكداً بان سعيك الانساني الادبي وغير الادبي قد يصل الى اماكن ابعد مما تتخيله.

ماذا عن المشهد الشعري في الوطن العربي، وهل صحيح أن المعركة حسمت جماليا لصالح قصيدة النثر..؟
معركة الاقصاء هي من ضمن الموروثات العربية على جميع الاصعدة، لذا فان كل مغاير يتحول في اصول البلاغة والبيان عندهم الى حرب وصراع، مع ان الامر لايستدعي هذا التوحش وهذا التعامل الوحشي مع التغيير، لكون التغيير سنة الحياة نفسها، ومهما تعالت الاصوات بالرفض لجنس ادبي ما، فان العزيمة على الخلق والابداع هي التي تسكت تلك الافواه، لذلك لااعتقد بانها معركة وحرب، انما هو صراع التغيير ومحاولة "خلق ابداعي" وقصيدة النثر واقع ابداعي ان انكره البعض فذلك لن يتعدى رايه الشخصي ومن يشاكله اما المؤمنون بقصيدة النثر فمن المفترض ان يستمروا في عملهم الابداعي دون ان يلتفتوا الى الوراء.

ماذا عن الطقس الكتابي لك وخاصة وأنت معروف بأنك شاعر وقاص ولك العديد من المجموعات الشعرية والقصصية؟
لاطقوس ثابتة، انما هي اللحظة التي سبق وان قلت عنها الشرسة السريالية التي تمنحنا جغرافية خاصة فننتقل الى عالم اخر بصلاة عقلية ذهنية وجدانية فننزف الحرب ونجمعها ضمن هياكل بلاغية تسمى بالكلمة والجمل فتتحول بعد تناسلها الى قصائد وقصص وافكار تذهلنا نحن وننتظر كيف يمكنها ان توصل ما التقطناه للمتلقي.

ماذا عن قراءاتك الآن؟
حقيقة انا الان ابعد ما اكون عن الشعر وذلك لانشغالي ببعض الدراسات التاريخية، كما اعمل على كتاب قد يكون مشروع اطروحة الدكتوراه ان سمحت الظروف " جدلية المسيحين، هل هما مسيحان ام مسيح واحد " ، لذا اغلب القراءات منصبة حول الكتب التاريخية واللاهوتية بالدرجة الاساس لاسيما المترجمة.

- رسائل الشعراء والمبدعين فيما بينهم كنز عظيم، وتراث إنساني عميق، لماذا تغيب عنا أدبيات جمع الرسائل ونشرها على غرار رسائل محمود درويش مع سميح القاسم، جبران خليل جبران مع ماري هاسكل، أو مي زيادة، غادة السمان مع غسان كنفاني، فرناندوا بيسوا مع حبيبته أوفيليا الخ...؟
بالفعل تلك الرسائل هي من الابداعيات التي بنظري لايمكن للوقت ان يؤثر على جمالياتها، لا من حيث الاسلوب ولا من حيث المضمون ولا حتى من حيث الجرأة والنضوج، ولعل السبب الابرز في غيابها حالياً هو ان المجتمعات لدينا تتطور فقط ضمن دوائر التقليد الاعمى اقصد ظاهرياً ولكن البنى التحتية الاجتماعية فيها تبقى راكدة غير فعالة الا من خلال الموروثات المقيدة والعقيمة احياناً، وما ذكرتيهم هم الانفلاتات الزمنية الحاصلة في هذه البنية وعلى الرغم من القيمة الموضوعية لرسائلهم الا انها تكتسب شهرتها فقط لانها خالفت السائد في الاجتماع وليس المضمون والاسلوب وهذا جحود بحقها، ومع ذلك انا مازلت مؤمن بكون هذا الجنس الادبي ابداع يستحق ان لايخفت نجمه.

أنت ممن احترفوا النشر الالكتروني للإبداع من خلال المواقع الالكترونية ، هل لك أن تحدثنا عن هذه التجربة؟
اعتقد باني سبق وان ذكرت باني مؤمن بالنشر الورقي اكثر، مع عدم انكار النشر الالكتروني اذا صنف ضمن كتاب صادر عن جهة، ومع ذلك الانتشار السريع الذي يحققه الشاعر في المواقع الالكترونية مرهون بنوعية الكتابة ونوعية القراء " التلقي " لانه قد يجد الشاعر انتشاراً مبنياً على العلاقات ضمن دائرة المواقع اكثر من الانتشار النصي المتقن، وهذا من احدى اهم العيوب التي لامستها في المواقع والمتتديات الادبية، فاكثرها تتبنى سياسة الجذب ولااريد ان اخوض في معيات وماهية الكلمة " الجذب" لكني مؤمن بان الشاعر الواعي ينأى بنفسه عن هكذا انتشار وعليه ان يعتمد الانتشار النصي المعتمد على البناء المتين للنص واللغة السليمة والصور الحداثية ضمن هيكل شعري متقن شكلاً ومضموناً.

-موقف شعري لن تنساه وكان مؤثر !؟
في ورشة عمل لجمعية الشعراء الشباب بدهوك، كنت اقدم بعض نماذج الخلق والابداع في البنية النصية بعيداً عن المباشرة والسرد، وذلك عبر التكثيف وتحديث الصورة، وجدت احد الحضور يسألني عن بعض الدلالات التي يمكن ان يفهمها المتلقي لنص قام بالقائه، فبعد ان وضحت بعض المعالم للتفكيك النصي والبحث الماروائي، تدخل شاعر شاب وقال لا اعلم هل يمكن ان يقوم الناقد بتفكيك نصه الشعري بنفسه، فابتمست له وقلت بالفعل الامر جدلي وصعب، ولكن نحن في ورشة عمل اي نحاول ايصال الفكرة العملية الاكاديمية لكيفية تشريح النص، ولم اعرف بان تلك الومضة الشعرية كانت لاني حقيقة انسى ما اكتبه بعد الكتابة مباشرة.. ( الشاعر اعطاني ومضة لقصيدة لي ) وقتها وكنت احاول ان اقوم بتفكيك الومضة وتشريح النص..!!!!

- المهرجانات الشعرية، هل تخدم متخيل الشاعر، أم مجرد لقاء للأحباء والأصدقاء من جغرافيات متعددة، يجمعهم قلق القصيدة، وتفرقهم وحشة المسافة ؟
لا اعتقد بانه يمكن الفصل بين الامرين، لكونهما من ضمن الجغرافية التي يعمل عليها الشاعر ويحتاجها في نفس الوقت، هي تخدم مخيلته لاثرائها بالعديد من المشاهد الشعرية المنوعة من بيئات مختلفة واسلوبيات تختلف عن بعضها البعض، وفي نفس الوقت هي تجمعه بمصادر تلك المشاهد والرؤى بشكل مباشر.

-كلمه أخيره توجهها للشعراء والإعلاميين !؟
الشعر كغيره من الاجناس الادبية وجد لهدف أسمى من المصلحوية القائمة على الاستغلال والتشويه والتشهير وانقاص قيمة الاخرين سواء أكانوا اشخاص ام مجموعات او قوميات او اديان... لذا فقط اود ان اقول لهم شاركوا الاخرين انسانيتهم.. ودعوا ما يخدش صفاء الانسانية بعيداً عن المعترك الشعري والاعلامي...



41
نبذة مختصرة عن كيفية وصول الاسلام الى كوردستان
جوتيار تمر/ كوردستان
10-1-2018
ظهر الاسلام في بداية الامر كما هو معلوم في الجزئرة العربية، وفي مكة بالذات، وبعد ان هاجر نبي الاسلام الى المدينة، واسس هناك الدولة الاسلامية، بدأ العمل على دعوة الاقوام الاخرى وفق رؤية عالمية الاسلام التي تندرج ضمن اولويات الدولة، وبعد وفاة النبي وتسلم الخلفاء الراشدين السلطة ترجمت تلك الرؤية الى واقع، حيث ارسال الجيش وفق منظومة الدعوة الى الاسلام الى باقي الامصار ومحاربة الاقوام التي لاتدخل ضمن الايديولوجية الاسلامية، فكان الاصطدام المبكر بالبيزنطينيين والساسانيين، باعتبار ان تلك الدولتين كانتا تسيطران على اغلب المناطق المحيطة بالدولة الاسلامية انذاك، وكوردستان كانت خاضعة بالتمام لهاتين الدولتين، على هذا الاساس سنحاول تتبع الصيرورة التاريخية لمعرفة اولى المناطق التي وصل الاسلام اليها سواء أكانت تحت السيطرة البيزنطية او الساسانية.
1- معركة جلولاء وبداية وصول المسلمين إلى كوردستان.
   استمرت حروب الساسانيين والعرب المسلمين في عهد  الخليفة عمر بن الخطاب (13-24ه / 634-644م)لفترة طويلة، وكان  لهزيمة الساسانيين في معركتي القادسية والمدائن ومقتل روستم قائد الجيش في سنة 16 هـ / 637 م ،   اثر واضح على كيفية سير الاحداث التي ساهمت بشكل واخر في استمرار المسلمين للعمل على مشروعهم التوسعي بحيث طاردوا بقايا الجيش الساساني في كل مكان، وحين اعاد الساسانيون تنظيم انفسهم في جلولاء وحالوا استرجاع بعض الاراضي التي فقدوها امام المسلمين،حول الجيش الاسلامي انظاره الى " جلولاء" ، حيث كان يعيش فيها ويسكنها الكورد ، ومنذ تلك الفترة تحولت اغلب المدن والمناطق الكوردستانية الى ساحة قتال بين الساسانيين والعرب المسلمين، واستخدم الطرفان الاقاليم الواقعة تحت سيطرتهما لتحريك جيوشهما لاسيما في اقاليم أذربيجان والجبال وفارس وغيرها، والتي كانت اصلا مكاناً لتجميع القوات،  ولقد استمرت المناوشات بين الطرفين في مناطق حلوان وجبالها (كوردستان) حتى وصلت لخانقين ، وبدأت المواجهة الكبيرة في جلولاء وقد اختلفت الروايات التاريخية حول السنة حيث ذكر خليفة بن خياط (ت 240ه/854م) ان المعركة بدأت في سنة 17ه/638م ، وذكر البلاذري (ت 279ه/892م) انها وقعت في سنة 16ه/637م ، وذكر اليعقوبي (ت 284ه/897م) بان المعركة وقعت في سنة 19ه/340م، الا انهم جميعاً اتفقوا على ان المعركة وقتها حسنت لصالح المسلمين، وتفرق الجيش الساساني في انحاء الامبراطورية الفارسية وقتها.(تاريخ خليفة بن خياط، ص127؛ فتوح البلدان، ص264-265؛ تاريخ اليعقوبي، 2/104).
2- السيطرة على حلوان وماسبتان و شهرزور وكه رميان:
   بعد سيطرة المسلمين على جلولاء استمروا في عملياتهم بقيادة جرير بن عبدالله البجلي وتوجهوا إلى حلوان وخانقين وحاربوا بقايا الجيش الساساني وسيطروا أيضاً على مندلي وقصر شيرين وبأمر من الخليفة عمر بن الخطاب هاجمت قوة أخرى مناطق  كسيروان وبعد  عدة معارك مع اهالي المنطقة وبقايا الجيش الساساني استطاع الجيش الاسلامي من السيطرة على  مسبتان ووسط سيروان،( ابن الجوزي، المنتظم، 4/216)، أما حلوان فقط دخلها المسلمون بعد السيطرة على المناطق السابقة وذلك بعد عقد اتفاق بين قادة الجيش واهالي المدينة:
1- على اهالي حلوان أن يدفعوا الجزية للمسلمين .
2- أن لا يتعرض الجيش الاسلامي لاهالي حلوان .
3- أن لا ينهب المسلمون الأموال وأن يعطى الحرية لمن يريد أن يخرج من المدينة .
     اصبحت حلوان مركزاً للقوات الإسلامية ومنها انطلقت نحو المدن والقلاع والقرى التابعة لكرميان وشهرزور حيث سيطروا على الاولى من بعد معارك طويلة اما شهرزور فقد ظلت تقاوم حتى ان الجيش الاسلامي لم يستطع السيطرة على جميع قلاعها المتينة وقراها الا بعد ست سنوات ( 16 - 22 هـ / 637 - 643 م ). حيث اضطر أهل شهرزور على الاستلام مقابل شروط تركزت على عدم قيام الجيش الإسلامي بالنهب والسلب والقتل ، مقابل أن لا يقوم أهالي شهرزور باية اعمال عدائية ضد المسلمين .(خليفة، تاريخ خليفة، ص148؛ البلاذري، فتوح البلدان،ص ص 300-305، 328-329؛ ابن الاثير، الكامل في التاريخ، 3/31)
3- معركة نهاوند ( فتح الفتوح ) وفتح أقليم الجبال .
   بعد هزيمة الساسانيين بثلاث سنوات قام يزدجر الثالث ( 631-652م) مرة أخرى بإعادة تنظيم جيشه وطلب المساعدة من أغلب المناطق التابعة لهم واجتمعوا في نهاوند وفي المقابل اجتمع المسلمون ومعهم أغلب قياداتهم أمثال النعمان بن مقرن المزني وحذيفة بن اليمان والمغيرة بن شعبة وغيرهم وأصبحوا تحت قيادة والي البصرة أبو موسى الأشعري .( تاريخ خليفة،148؛ فتوح البلدان،ص300-305).
    وتذهب الروايات الى ان المعركة بدأت في سنة   19 هـ / 640 م  ورواية اخرى  سنة20 هـ / 641 م و انتهت في سنة  - 21 هـ / 642 م  واعتبر ذلك الانتصار "فتح الفتوح" لانه بعدها لم تستطع القوات الساسانية المتفرقة ان تصمد امام العرب المسلمين حيث تم فتح - ماستيان - ماستيزان – وقعت باقي مناطق سيروان  تحت سيطرتهم، ومن المعلوم ان العديد من تلك المناطق دخلت عنوة في الاسلام وبعضها دخلت تحت الحكم الاسلامي بالاتفاق والمعاهدات كما في حالة مدينة دينور،حيث تم السيطرة عليها بعد حصار  دام (5) أيام  ثم تم الاتفاق مع ابو موسى الأشعري على: .
أ-  ان يدفع اهالي دينور خراج الأراضي الى المسلمين .
ب- عدم قيام الجيش الاسلامي بممارسة اي نوع من انواع الظلم والاعتداء على اهالي دينور .
ج-  عدم  قيام الجيش الاسلامي بالقتل والنهب والسلب . ( الدينوري، الاخبار الطوال، ص1260129؛ الطبري، تاريخ الطبري، 4/114-136)، 
4- فتح خوزستان / الأهواز
-في سنة 17 هـ / 638م بدأت محاولات المسلمين لفتح خوزستان واستمرت محاولاتهم حتى سنة 22 هـ / 643م وبعد معارك طويلة وصل أبو موسى الأشعري في سنة 23 هـ / 644م  الى مناطق خوزستان، وكان اهالي المنطقة في انتظارهم حيث جرت مواجهات ومعارك بينهم حتى أن أحد قادة الجيش العربي الاسلامي كان قد أرسل إلى عمر  بن الخطاب رسالة يقول فيها ان في خوزستان (( عدداً من الأكراد والمشركين )) . واستمر المسلمون في فتح تلك المناطق عنوة  إلى عهد عثمان بن عفان ( 24 -35 هـ / 645 - 656م ) .(الطبري، 4/186-190)
5- فتح داسن وهكاري وأربيل .
   يُقصد بداسن وهكاري (بادينان وشمزينان) على حدود  كل من الموصل و اقليم الجزيرة، حيث بدأ فتح هذه المناطق منذ 620 هـ / 641م  بقياد القائد الاسلامي عتبة بن فرقد وكانت عملية الفتح تتم وفق مراحل حيث بدأ بمناطق ( برده ره ش – كه له ك - باعدرى - سيميل - دهوك ... )، ومن ثم مناطق ( بارزان وميركه سور...) وغيرها من المناطق ، ويتضح من خلال الروايات التاريخية ان الجيش الاسلامي لم يواجه اية صعوبات تذكر في فتح هذه المناطق. ( البلاذري، ص328؛ ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، 2/577).
6- السيطرة على الجزيرة ( اقليم  الجزيرة) :
تم تقسيم تلك المناطق  الى فترات زمنية  تولى في كل فترة احد القادة في فتحها فقد كان ابو عبيدة الجراح قاد الجيش الاسلامي خول السنوات  ( 17 هـ / 638م ، و 18 هـ / 639م ، و 19 هـ / 640م ) ، وفي سنة   20 هـ / 641 م بكان عياض بن غنم  هو القائد الاسلامي التي تولى فتح باقي المناطق بدون معارك تذكر لاسيما ( شنكال "سنجار"- ميافارقين - ماردين - بوتان - آمد - بدليس - ارزن - خلات  ) حيث رضوا بدفع الجزية مقابل الحفاظ على أموالهم وأسرهم ، ودفع الجزية يعني اما انهم بقوا على ديانتهم القديمة ولم يسلموا على الرغم من وصول الاسلام اليهم ، او انهم وقعوا تحت السيطرة الاسلامية ومع ذلك قام المسلمون وقتها باخذ الجزية منهم لان المسلمين كانوا وحسب الروايات التاريخية يأخذون الجزية من غير العرب حتى ان اسلموا.( تاريخ اليعقوبي، 2/103-104؛ ابن شداد، الاعلاق الخطيرة ،3/10).
7- السيطرة على اقليم اذربيجان
    بعد معركة نهاوند 21 هـ / 642م دخل بقايا الجيش الساساني  إلى اذربيجان، ولذلك طاردهم المسلمون وبعد القضاء على الساسانيين اصطدم الجيش الاسلامي باهالي اذربيجان، وبعد معركة كبيرة مع والي اذربيجان (ميرزبان ) توصل الطرفان الى اتفاق نذكر اهم ماجاء فيه:
1- على أهالي اذربيجان دفع8000 درهم ( عيار ذهب ) في السنة للمسلمين .
2- عدم قيام المسلمين بالقتل والنهب والسلب وحرق البيوت الزرادشتية.
3- عدم قتل الكورد في مدينتي  شجلان وسبلان ، لانهم قاوموا المسلمين بشدة.
4- فتح المجال أمام أهالي ( شيز ) المدينة المقدسة للزرادشتية للقيام بطقوسهم الدينية وعباداتهم الخاصة.
5-الحفاظ على المعابد الزرادشتية واعطاء الحرية الكاملة لهم باحياء احتفالاتهم الدينية.
   ولقد استمر العمل جاء في هذا الاتفاق  إلى سنة  24 هـ / 645م حيث قام المسلمون بعدها بالهجوم على باقي مناطق اذربيحان وسيطروا خلال سنوات /  26 هـ / 647م و   28 هـ / 649م و 29 هـ / 650م على اغلب اراضي اذربيجان.( فتوح البلدان، ص321-327، الكامل في التاريخ،2/481).
وباخضاع الجيش الاسلامي لاذربيجان تم السيطرة على كوردستان باكملها، وباتت كوردستان جزء من المنظومة الاسلامية الادارية وقتها حيث قسمت مناطقها وفق النظام الاداري انذاك واصبحت ضمن اقاليم الدولة الاسلامية لاسيما اقليم الجبال واقليم خوزستان واقليم الجزيرة واقليم اذربيجان. ( للمزيد عن هذا الموضوع ينظر: زرار صديق ، كورد وكوردستان ..... (هه ولير:2010)، ص ص10-25),

42
أدب / وطن
« في: 19:30 13/01/2018  »

وطن



جوتيار تمر / كوردستان



هذا الميت الحي....
يقول
لم يزل همي عسيرا
ودمي ينتشر على جدارن تابوت ينتظرني
 الموت تراود الجسد
ضاجع الألم وطني
ومدن تنمو فيه خطوات الشهداء
ثقيل بكاء الثكالى.......والشمس تسيل سوداء كدماء الموتى
تنام العصافير في الزوايا  المقفرة
وطني .....
هم علقوك  بخيوط يرتقها السواد
قالوا هذا الوطن .....وهذه مقصلة الآخرة
من جبال أعيتها حوافر الخيول الجامحة
تطل الذئاب برقصة الموت
قتلانا  يأتون بإسمك يا وطني
يا وطن حذو القلب
يا نصوص الشموخ
من يمنحنا الأمان إلا أنت
أنت فيض الأمكنة
أنت   الحدائق العالقة في شرفاتي
أنت نحن........
 ونحن أنت......
أحصي  رجفات النبض في عشقك
فهل لي ملاذ غيرك يا وطن يناولني الحياة

2005



43
ايهما اخبث السياسة ام الانسان..؟
جوتيار تمر/ كوردستان
24-12-2017
لن يختلف اثنان على مقولة ليس في السياسة الدولية عواطف بل عقول، ولا مجاملات بل مصالح، وليس في السياسة خصومة دائمة، ولا صداقة دائمة؛ فصديق اليوم قد يكون خصم الغد، وخصم الأمس قد يصبح صديق اليوم، هذه المقولة التي اصبحت من اهم ركائز الرؤية البشرية لمفهوم السياسة في اغلب اصقاع العالم الحالي بشطريه الشمالي والجنوبي، مع اختلافات في الصورية التي تتمثل بها السياسة من شطر الى اخر، فبين التنافس السياسي الحزبي الفكري الى افاق اضيق ضمن دائرة التنافس المغلف بالسياسي، وهو في الاصل التنافس الطبقي الديني المذهبي الطائفي القومي القبلي.
ولايجد المتتبع لمدلولات السياسة في الشطر المدني الديمقراطي الحزبي الفكري الساعي للوصول للسلطة اية صياغات تناقض شعاراتها المبنية على اساس الحفاظ على المصالح الوطنية والقومية بالدرجة الاساس والتي يعتبر المس بها انتهاكاً صريحاً لكل الشرائع واللوائح والقوانين بالنسبة لهم، وهو ما يستدعي بالتالي الوقوف بوجه تلك الانتهاكات بكل الوسائل وشتى السبل حتى لو كانت تتطلب العبور فوق جماجم الاخرين فالامن القومي لديهم فوق اية اعتبارات اخرى، وذلك ما يفرض عليهم اتباع بروتوكولات خاصة تحمي مصالحهم الامنية والقومية والوطنية والمدنية على حساب اتفاقاتهم ومعاهداتهم مع الاخرين، مما يعني ان لاثوابت سياسية تتعلق بالصداقات لديهم اذا ما مست ولو من بعيد الامن القومي لديهم.. وهنا قد ينظر الى تلك الرؤية بدونية من قبل الشعوب المستضعفة الساعية لبناء مجدها "اعلامياً"  على حساب اللاوفاء بالعهود والاتفاقيات من تلك الدول الاخرى، ولكن الحقيقة الواضحة هي ان الدول المستضعفة تعيش في وهم المجد الاعلامي فحسب والواقع يبرهن دائما على خلوها من اية مقومات يمكن الاستناد عليها والاعتراف بوجودها كدولة تستحق الاحترام سواء من الداخل او الخارج، وبعبارة اخرى سواء الشمال او الجنوب، فالمنطق هو الذي يفرض نفسه دائما والمصلحة الوطنية هي التي تعطي الثبات لدى الغير اما لدى هولاء فالثبات يكون في الابقاء على الكرسي مصوناً ومحفوظاً من اية هزات وتغيرات.
على ذلك الاساس تأتي الرؤية الثانية النابعة من السياسة الطبقية والدينية والمذهبية والطائفية والقبلية وفق معطيات تنتمي الى الوهم الشعاراتي المبني على اسس البيان والبلاغة والصراخ والتحريض واثارة العواطف الدينية والمذهبية وحتى القومية المكسوة بالرداء القبلي، فالبعض من هذه الدول تدَّعي كونها دول ديمقراطية وتستشهد باحزابها التي وفق رؤيتها تتنافس على ضوء البرامج البناءة وخلفية الخطابات السياسية "بتصويرها الاعلامي القومي القبلي"  والخطابات التوجيهية النيرة" بردائها المذهبي" والرؤى الاستشرافية " بكسوتها الدينية القومية " الظاهرة المعالم المحبكة التفاصيل، بحيث تجيش العواطف وتصعق القلوب وتفطرها فتخرج الجموع من اوكارها الى الشوارع ثائرة هائجة تحرق وتسرق وتنهب باسم الثأر والمقاومة والحرية والى غير ذلك من التداعيات التي لاتثبت غير الانكاسة النفسية وانعدام الثقة وغياب الوعي السياسي الحقيقي المبني على الحفاظ على الثوابت المتعلقة بالامن القومي والوطني، وامكانية الاستحداث في السياقات الاخرى التي لاتمس المصلحة الاساس، فتاتي شعارات هذه الدول على اسس واهنة ضمن تصوير عنكبوتي شائك، في الاعلام يصرخون بالضد، وتحت الطاولة يوطدون الاواصر التي تدعم بقائهم على الكراسي السلطوية دون الالتفات الى المعيات الاخرى التي يمكن ان تغير معالم الموجود الواهن والواقع المرفوض اجمالاً، فتأتي كل التحركات مناقضة للمفاهيم التي يمكن اعتمادها كوسيلة للمطالبة بالحقوق او حتى كسبها، فتخرج عن دوائر الرصد العالمي الدولي لتصبح مجرد حركات عابثة غوغائية في انطلاقتها وتصوراتها وعقائدها وافعالها والنتائج تكون في الغالب كارثية على الجميع دون استثناء.
ولايمكن ارجاع الهزائم المتكررة لهذه الشعوب الا الى المنظومة اللاواعية التي تنطلق منها مطالبة بحقوق ربما هي ضمن دوائر المصالح السياسية الدولية لاتخدم ثوابتها، لكونهم يدركون تماما بان تداول الانظمة وفق معايير هذه الدول الساعية للتغيير سواء الدينية المذهبية والطائفية او القومية القبلية لايمكن الاعتماد عليها، لكونه عاجلاً ام اجلاً ستتحرك النعرات وبحسب الظروف ما تسمح به الظروف في السياقات الدينية والقبلية التي ستدفعها إلى الواجهة والصدارة، معتمدة على القدرة التأويلية الموروثة من العقلية الغاباتية " منطق القوة" المبنية على اسس الحمية التي تتشكل منها معالم الوجود السياسي الفعلي والتي ايضا تأخذ زمام الأمور من الوهلة الاولى  مع الإحساس الجديد بالمكانة المكتسبة و من خلال خلاياها لتضع معالم وجودها السلطوي السياسي  وفق منطقها  الخاص "القبلي الجهوي التحالفي" حتى تؤول اليها السلطة المطلقة.

وكل هذا ما يفرض علينا البحث في العينات الاستدلالية والواقعية لمفعولية مفهوم خبث السياسة والنظر في الترافقيات التي تجعل الانسان يُقّر بخبث السياسة مع العلم ان الانسان نفسه هو الذي يمنطق المفهوم اساساً ويخلق المسار ويفتح امام المدلول بالتحول وتقبل المتغيرات والمتحولات على جميع الاصعدة سواء تلك التي تخدم مساعيه لفرض وجوده او لتحقيق غاياته وحاجاته ورغباته، فتأتي الرؤى بعد ذلك منطلقة من صميمه الواعي بالواقع لترسم ملامح السياسة التي يريد ان يتبناها ومن نفس المصدر نراه يطلق على السياسة التي لاتتطابق وحاجاته وسعيه بالخبث، وليس من شك لدى احد بان مهنة الساسية تتفرد على توفير أدلة براءة المتهم وتجريمه في آن واحد كما يقول "المامون حساين" لعدم ايمانها بصداقات ولا عداوات دائمة ولا تمنح الأصدقاء ثقتها وتتربص بالأعداء وتفرض قيمها الأخلاقية على ممتهنيها وتجردهم من أخلاقهم الاجتماعية، وتشترط إتقان أساليب الخداع، والمراوغة، والكذب، والغدر، والشك لاحتراف العمل السياسي يقول مكيافلي"على الامير أن يتصرف كالحيوان عليه أن يقلد الثعلب والاسد في نفس الان".
بدليل ازدواجية أخلاق السياسي فمن جهة يوحي التزامه بقيم المجتمع الأخلاقية ومن جهة أخرى سلوكه يعكس قيم السياسة الأخلاقية، ففي الأولى يكسب ولاء المغفلين والسذج وفي الثانية يخدع أقرانه السياسيين لتحقيق أهدافه الخفية... ومن هنا تأتي الاستدلالات الاجمالية التي يمكن الاعتماد عليها كوجهة نظر خارجة على السياقات السبقية التي فرضها المصطلح ضمن دوائر الواقع العياني من حيث التنظير الفعلي والفرضي، ويمكن اعتبار ان اساس الخبث هو البشر " الانساني " الذي تجبره رغباته وحاجاته ورغباته وميوله وطموحاته على اتباع نهج يفترض انه ضمن السياق الاصطلاحي " سياسته" لتحقيق تلك الحاجات والرغبات، ومن تلك الوهلة تبدأ المصاغات البلاغية برصد نوعية الحراك ونوعية الوسائل المتبعة والوجهة الاساسية لها لتطلق عليها ما يناسبها، ولكون الوقائع تاريخياً قديماً وحاضراً ومعاصراً لاتشير سوى الى المتغيرات التي لاثوابت  لها ضمن هذا المسار الرغبوي الحاجاتي الانساني فان المصوغة الاكثر انتشارا عن السياسة اصبحت الخبث، وفي الاصل ان الخبث هو الاساس الذي اعتمده الانسان الاول للسعي لتحقيق رغباته وحاجاته حتى وصل به الامر الى استخدام ابشع الوسائل لازاحة ازاحة المنافس.


44
المنبر الحر / تأجيج الحلم
« في: 17:46 10/11/2017  »
تأجيج الحلم
جوتيار تمر/ كوردستان
3/11/2017
خرجت الاوساط الشرق اوسطية بكل تكتلاتها القومية والدينية والمذهبية والطائفية والعرقية وبكل شرائحها الاجتماعية بما تحمله من مقومات التأويل والتفسير والتحليل حول الاحداث التي عصفت بالمنطقة عموماً وبالمنطقة الكوردية " كوردستان " خصوصاً، ولم تعد هناك مجموعة او تكتل او فيئة الا وابدت رؤيتها حول الماهيات والمعطيات والموجبات والمترتبات، وبالتالي اصبح بالامكان الوقوف على اهم ملامح تلك الاراء وفق منظور مغاير نوعاً، بحيث يمكن التعرف على الصالح من تلك المجموعات وعلى الفاسد بوجهة نظر كل قومية او دين او طائفة او مذهب، وعلى هذا الاساس يمكن الحكم عليها، اذا ما كان يمكن الوثوق بها في القريب الآجل ام انها اصبحت في خندق العدو الذي حتى ان مد اليك يده للمصافحة عليك ان تحذره لان سلامه مسموم وكلامه مسموم وانفاسه مسمومة.
وهذا ما اكدته الاحداث في المنطقة اجمالاً بدءاً باليمن "الحوثيون والجنوب العربي"، وصعوداً الى ما يسمى العراق " الايراني " والفيدارلي، ومروراً بسوريا المنكوبة بين فكي النظام والمعارضة من جهة وبينها وبين التيارات الاسلامية الارهابية كالنصرة وداعش وحزب الله من جهة اخرى، فضلاً عن التيار الكوردي الصاعد والمدعوم من التحالف الدولي، ووصولاً الى الاحداث في تركيا وتصاعد وتيرة المداهمات والقاء القبض على السياسيين والعسكرين وحتى اعضاء البرلمان والقيادات الكوردية ومن ثم في ايران التي تصاعدت وتيرة المظاهرات المؤيدة للاستفاء الكوردي والرافضة لنظام الملالي والى غير ذلك من الاحداث التي تعصف بالمنطقة اجمالا كالسعودية ومصر وقطر والبحرين واستقالة الحريري في لبنان وقرع طبول حرب اهلية وتحالفات ضد حزب الله  لاسيما تحركات السعودية بهذا الشأن.
هذه الاحداث اجمالاً احدثت شرخاً واضحاً بين الشعوب وقياداتها، واظهرت بان الحكومات لاتمثل الا جزء يسير من شعوبها لكونها لاتحقق مطاليبها، ولكونها مأجورة كغيرها من الحكومات الشرق اوسطية تقوم باعمال المنظومة الدولية نيابة ووكالة، دون الاخذ بالاعتبار شعوبها وتطلعات هذه الشعوب، والشعب الكوردي كغيره من شعوب المنطقة وقع تحت فخ المنظومة الدولية ومصالحها، ولكنه خلافاً للواقع السائد كان وراء حكومته في خطوتها " الاستفتاء " فالنسبة المؤيدة وصلت  ( 92%) وبذلك افترض الجميع بان الحتمية الصوتية ستأتي بثمارها، الا ان الوقائع تبدلت بين عشية وضحاها، ويمكن ارجاء تلك المتغيرات المفاجأة الى عدة عوامل نذكر بعضها على سبيل المثال ولا الحصر:
-   رئاسة اقليم كوردستان اعتمدت في سعيها لتحقيق اهدافها الاستقلالية او اهدافها المتعلقة بالحصول على امتيازات اكثر للكورد داخل العراق الفيدرالي على صوت الشعب، واعتقدت بان هذا كافي في تحريك المجتمع الدولي لتلبية مطاليب الشعب، فحين تجد في اية بقعة على الخراب الارضي هذه النسبة المؤيدة للاستقلال من المفترض ان تجد لها صدى بين الاوساط الدولية وان يلبي المجتمع الدولي مطاليب هذا الشعب، وعلى الرغم من كون رئاسة الاقليم قالت بانها لديها بدائل الا ان جميع تلك البدائل لم ترتقي الى المستوى المطلوب كي تحقق هدفها المنشود، وهذا فقط ما شاب الاستفتاء كون التوقعات لم تكن بالمستوى المطلوب والمدروس والمخطط له، لاسيما ان العوامل الداخلية هي الاخرى ساهمت في تأجيج الوضع وتحريكه لصالح القوى الخارجية وليس مطاليب الشعب الكوردي.
-   انعدام الرؤية الداخلية لاسيما حول المتاهات التي خلقتها التحالفات الحزبية داخل الحزب الواحد" الاتحاد الوطني الكوردستاني انموذجاً"، وهذا ما احدث الفارق في المسألة كلها، فبعيدا عن توقعات البعض منا حول امكانية خضوع جهة معينة الى الضغوطات الخارجية لاسيما ايران" قاسم سليماني"، فان الامر لم يكن بتصور الغالبية من المراقبين يمكن ان يتجه الى مسألة "الخيانة " لاسيما ان تلك الجهة شاركت في الاستفتاء وعَبَر  كبار شخصيات تلك الجهة الحزبية عن تأييدهم التام لتطلعات الشعب الكوردي، الا ان الغلبة في النهائية كان للتيار الموالي لايران واخضعت التجربة كلها الى واقع غير متوقع واصبحنا  في خندق الدفاع بعدما كان الكوردي في موقع المسيطر والذي كان بالامكان الحصول على مكتسبات اكبر بدل فقدان الكثير منها.
-   تردد رئاسة الاقليم والحكومة الكوردية في اتخاذ موقف حازم اثناء الاحداث التي عصفت بالقضية كلها، كان من المفترض ان تخرج الى الاعلام لتعلن في نفس الوقت للشعب الموقف العام وتقوم بشحن الرأي العام الكوردي وتوجه القوات العسكرية " البيشمركة " لوقف التمدد الحاصل جراء انسحاب بعض قطاعات البيشمركة الموالية للتيار المتهم بالخيانة.. ولكن غاب صوت رئاسة الاقليم والحكومة مما اتخذ الجانب الاخر حجة وتمددت داخل الاراضي الكوردستانية بداعي فرض القانون والامن وانتهكوا الحرمات وداسوا  بالدبابات على بعض افراد البيشمركة وكأنهم في حرب مع دولة اخرى معادية، وبعيداً عن السياقات القانونية في هكذا افعال لانها بلاشك تخالف جميع القوانين الدستورية والاعراف الدولية الا ان الامر حصل، ورئاسة الاقليم والحكومة الكوردية تتحمل مسؤولية الكثير من ذلك الانهيار لكونها دخلت في حالة الصدمة ولم تتوقع ان يتم الامور على هذا النحو وان يتم طعنهم من الداخل.. وبذلك ابتعدت عن اتخاذ الاجراءات اللازمة لوضع حد للخلل الحاصل الذي ادى الى" شبه "  انهيار الجبهة الداخلية بشكل نسبي.
-   يضاف الى ذلك موقف الاعلام الداخلي الذي هو من المفترض اعلامي كوردي يسعى لوضع الحقائق امام اعين المواطن الكوردي ويوضح الصورة له كي لايقع في المحظور وكي لايتاثر نفسياً ويظن بان اهم ركيزة في المجتمع الكوردي " البيشمركة " متخاذل، فالاعلام وضع البيشمركة في موقف محرج جداً واغلب القنوات الكوردية تحولت الى قنوات عدائية تحاول فرض وجهة نظرها حول ماهية الخيانة والانتقاص من الاخر بل وصل الامر الى ان يظهر جيل جديد من المتحدثين باسم احزابهم ويقومون بتشويه صورة الرموز الكوردية .. وهذا اثر سلباً على المجتمع بصورة كبيرة وساهم في تحول الراي العام الخارجي المستغل لهكذا اوضاع ليتوجه هو الاخر الى الطعن بالكوردي ويصفه بالخيانة والعمالة.. واعتقد بان الدوافع الحزبية والشخصية لبعض الجهات اصحاب الاجندات الخارجية ساهمت بشكل مؤثر في تأجيج هذه الحالة ، حالة الانفصام الاعلام الكوردي.. ولو لا الانتصارات التي حققها البيشمركة في بعض المواقع مثل " بردى وسحيلة وزمار" لكان الوضع النفسي قد وصل الى مرحلة الانهيار التام، ولكن تلك الانتصارات ردت الاعتبار للبيشمركة ورد الاعتبار للمؤمنين بهم.
-   الموقف الدولي والاقليمي ايضا ساهم بشكل كبير في تحريك المؤشرات المؤدية الى خلق شرخ كبير في الاوساط الكوردية لاسيما بعد اعلان ايران غلقها للمعابر وتهديد تركيا بانها ستفعل ذلك اذا طلبت منها بغداد ناهيك عن قيان بغداد بغلق المنافذ التابعة لها ومنع الطيران واطلاق التهديدات باقتحام المدن الكوردية ومن ثم المصوغات الحالية التي تنم عن حقد وكراهية واضحة من قبلهم للكورد ومحاولاتهم المستمرة لافشال تجربة الاقليم ومحو اسمه في الموازنة وتخفيض الموانة نفسها بشكل مريب ومستهدف.. فضلاً عن الصمت الدولي على الجرائم التي ارتكبت في بعض المناطق الكوردستانية ضد الكورد من قبل الاحتلال العراقي بلباس الحشد الارهابي الحشد الشيعي الذي غالبية اجنحته ضمن قائمة الارهاب العالمي.
كل هذه الامور اجتمعت لتحول تجربة الاستفتاء  الى صورة مأساة حقيقية للشعب الكوردي ظاهرياً،  حيث ازداد قائمة الشهداء الذين سقطوا في الحرب مع داعش واضيف اليهم شهداء الدفاع عن كوردستان ضد الاحتلال العراقي والحشد الايراني الشعبي ، كما ان ضخ النفط تراجع بشكل واضح فبدأت المخاوف من انهيار الاقليم وعدم دفع الرواتب يُستغل من بعض الجهات لبث الفوضى، وضاعت كركوك واغلب المناطق الكوردية التي استرجعها البيشمركة من داعش، كما ان التهديد مستمر باندلاع حرب اخرى، فضلاً عن الجانب المعنوي والنفسي الذي اثر سلباً على الكثير من شرائح المجتمع، ولكن حسبما قلت ظاهرياً ومن المفترض ان هذه الامور هي نتائج  طبيعية تراها بعض الاوساط للاستفاء، وفي الواقع انها كانت من الحتميات التي حشدت لها بغداد قواتها قبل الاستفتاء، والمؤشرات كلها كانت تذهب لوقوع هذه الحرب بين الحشد الشيعي المدعوم من ايران وبين قوات البيشمركة لاسيما ان الحكومة العراقية لم تزل تبحث عن منافذ لتغطيةعجزها والديوان المتراكمة عليها وانها ترى في كركوك وحقولها النفطية المخرج الابرز لازمتها، ناهيك عن ان الانتخابات العراقية الاتية كانت دافعاً قوياً لحكومة بغداد للقيام بهذه الاعمال كي ترجح كفتها على التيارات الاخرى التي نسبة ولائها لايران اكبر واقوى.
ومع ذلك فانه لايمكن الشك بأن الاستفتاء كان ولم يزل اهم خطوة قامت بها الحركة الكوردية التحررية منذ مايقارب الثلاث عقود، لكونها اوضحت بشكل واضح وبصوت مسموع ان الكورد مهما طال بهم الامد والبقاء تحت مظلة الاحتلال وسلطة هذه الدول لابد ان يصدحوا بصوتهم كي يعرف العالم بانهم يريدون انشاء كيان مسقتل خاص بهم، وان اية معطيات اخرى تبقى بنظرهم هي من الحتميات الاحتلالية السلطوية المفروضة عليهم، وسيبقى التصدع واقعاً في بنية اية مجتمع هم يشكلون جزء كبير منه دون نيل حقوقهم، وعلى هذا الاساس لايمكن النظر باعتقادي الى الاستفتاء الى انه كان خطأ وان الوقت لم يكن مناسباً،كما تذهب اليه بعض الجهات المحسوبة على القضية الكوردية والتي اصبحت رهينة للسلطة في بغداد، وهي نفسها الان التي تنذر بالخطر الذي يحيط بكوردستان جراء تحركات بغداد للنيل من الاقليم نهائياً، معللين بذلك ان الافضل كان القيام بحل الازمة " الحزبية" السياسية الداخلية، فالتجربة اظهرت بان الصدع كان موجوداً ولم يكن بالامكان القيام باي شيء لسد التشققات التي افرزتها التحالفات الحزبية مع الجهات الخارجية سواء مع بغداد او ايران " قاسم سليماني " الذي كان له دور كبير وبحسب رأي الاوساط العراقية والايرانية في سيطرة القوات العراقية بجيشها وحشدها على كركوك والمناطق الكوردستانية الاخرى، ومع كل المتحركات الوقتية وحتى التي تؤسس لمرحلة قادمة لايمكن التكهن بمعطياتها بشكل واضح وقطعي، فان الاستفتاء استطاع من اخراج الحلم الكوردي من مرحلة السبات وكان انعطافة مهمة وكبيرة في تأجيجه لتصبح هذه المرحلة للتاريخ الكوردي مرحلة الاستفتاء وايصال صوته بشكل رسمي ومعلن الى المجتمع الدولي بانه يريد الاستقلال ويريد كيان خاص به، على الاقل ليقوم المجتمع الدولي بالتكفير عن ذنبه تجاه الكورد حين وأد مشروع الكيان الكوردي في مؤتمر لوزان، ومع انه كرر فعلته الا انه الان اصبح مقتنع تماماً بان الاوضاع لن تستقر الا بحصول الكوردي على مطالبهم المشروعة.

45
أدب / دم الصبايا
« في: 19:43 27/10/2017  »

دم الصبايا


جوتيار تمر / كوردستان

25/2/2015
في المدى البعيد
 ومن لون الرماد تخرج غيمة
 من خفايا عزلتها
تسرق ألوان الدّم
 لتغدو نهرا تكتب على صفحات الأرض....
ميادين من التوابيت
في ظلّ التراب
فوق جسد التاريخ
تحمل حقد العابرين
فوق الصخور المرتعشة
 تحت ضجيج الخناجر
وزيف الكتب الصفراء
ليس في كفهم سوى التقاء الدّم والسواد
 جلادا يراقص دم الصبايا ....
يستدرج الخطيئة في بيان مقدس
 خناجر على جبين الصحراء
تلوث الهواء في رئة جثث تلمّع التراب
وطفولة ترتشف دموعا...
تضيع في سديم الخوف في صيحة الذبيح .....
كتائب السواد تنقش على جبين النرجس....
وذئاب ترتدي الحقيقة في قميص الزيف
وصيحة الموت في حنجرة الانسان


46
أدب / مدن الموت
« في: 17:11 23/10/2017  »
مدن الموت
جوتيار تمر/كوردستان
مدن تتشظى
 بين البراري والحجارة..
 حين يسيل النواح في علبة الرّيح
 وليل أرضعته الذئاب..
مدن تنصب خيام الجنائز
والدم وحده يعرف الشجن
تقتل ملائكتها
 والليل وحده يعرف
ورم الجبال...
 وجسد يغسله الماء
في ظلال الحديد..وبيانات السماء
مدن تسكن الموت
على ضفاف البراري
ونصوص أطردت الطهر
من سلالة الأنبياء
 أصحو في ضفافك والأشياء كما هي..
 رائحة الموت في سلّة الشمس
وصدور الصبايا... وخيام اللاجئين..
تصيح:
الى اين يا عشاق المراثي
هم القتلة باسم الدين

12/1/2015


47
أدب / جوف القلق
« في: 21:58 09/10/2017  »
جوف القلق
جوتيار تمر/ كوردستان
6/1/2016

تسكر الألوان في حنجرة الكلمات
وبوصلة القلم
كلما أستحضر وجهك
وأحمل بين أناملي نشوة رسمهِ..
هذا الوجود يلج وجودا يترنح بالحدائق
 فكوني هنا واتركي الهاوية...
افتحني للريح
لألتقط غيمات من ظلال أنفاسك
 لمّا تحط على وجهي وتغسلني
بأوتار رذاذها ...
فأرسمك في الأفق كتاب خلود
وأرتق جثتي بخيوط البعث من جديد
افتحي أسوارك المبعثرة فيَّ
 لتهبني خارطة الوصول
وهذه العبارة ستكتمل في الضوء
 فألج الأفق...
أستحضر وجهك...
 فتضج فيَّ العبارة
لأخرج من بحر يشبهني
وأتماهى في مداك
متمسكا بأوتار النشوة في عمق روحك
ذاك الشراع المعطّل فيك
ألا يشعرك بوجع الكلمة ..
الكلمة موت .... الروح موت ,,,,,
قومي من جوف القلق
وافتحي الفصول في مساحات القلب
 افتحي المرافئ المغلقة
وأغرقي في حنجرة أنفاسك الشجيّة

48
المنبر الحر / انها البداية فحسب
« في: 17:44 28/09/2017  »
انها البداية فحسب
جوتيار تمر/ كوردستان
26/9/2017
اتسمت عملية الاستفتاء في كوردستان بالتصعيد السياسي والاعلامي بشكل ربما لم يحدث الا حين تهاون حكام بغداد وسلمت الكثير من المدن العراقية لداعش، حيث كان التصعيد وقتها سياسياً واعلامياً وذا وتيرة مستفزة على المستويين الشرق اوسطي والدولي، ومنذ تلك اللحظة بات الانسياق وراء الحرب ضد الارهاب احدى ابرز معالم الحدث العالمي، وكأن الحدث قد اخذ كفايته سياسياً واعلامياً بحيث ان حرب الارهاب على الرغم من كونه لم يزل قائماً وغير منهياً تحولت الانظار الى حدث اخر ليس فيه ارهاب، وليس فيه اعتداء، وليس فيه اراقة الدماء، وليس فيه تجار الدم والاسلحة والمخدرات والرقيق، ولاتوجد اعدامات في الساحات علناً، هذا الحدث الذي حول الانظار من كل الدمار والدماء وتهديد الامن والسلام العالمي وتلك الشعارات التي كنا نسمعها في بداية ظهور داعش، الى الشعب الكوردي الذي قال للعالم دعونا فقط نذهب الى صناديق الاقتراع لندلي باصواتنا حول مسالة اذا كنا نريد التحرر من قيود الحكومات القومجية والطائفية المتعاقبة ام لا.
لم يكن بحسبان احد من دعاة الانسانية والتحرر ان العالم الذي يدعي بانه يساند الشعوب المتطلعة للحرية بان موقف هذه الدول سيتحول من محاربة الارهاب الى محاربة شعب يريد الحرية، ذلك الموقف الذي كشف الغطاء عن حجم النفاق الذي يحملها تلك الحكومات تجاه الشعب الكوردي، هذا الشعب الذي اجبرته المعاهدات الدولية الى الانصياع لمبدأ التجزأة والتقسيم ، هذه الامة ، هذه القومية ، التي يعترف الجميع بانها تتجاوز (45) مليون نسمة مشتتين بين دول كل واحدة منها اكثر كراهية وحقد على هذا الشعب، فطمس الهوية ومحاولة فرض امر الواقع وخرق كل القوانين والدساتير اذا ما تعلق الامر بهم كل هذا يحصل، ولم يزل يحصل، وتحت انظار تلك الدول التي تنادي بالقيم الانسانية والحرية وتحرر الشعوب المضطهدة، ولكن حين يتعلق الامر بالكورد فان الشأن داخلي، الامر يتعلق بالامن القومي لتلك الدول والامن القومي الاقليمي، والدولي، ناهيك عن ان مصطلح الوقت ليس بمناسب، محاربة داعش اولى، ترى لماذا حولتم احقادكم واسلحتكم باتجاه الكورد ولم تزل داعش تتبنى عمليات التفجير والتفخيخ داخل عواصمكم، الامر بلاشك ليس له علاقة بداعش ولا محاربته، فالكورد بجميع اجزائه شاركوا بقوة وفعالية كبيرة في محاربة داعش، واذا انتم تنكرون ذلك فالتاريخ سيشهد لهم بانهم كسروا شوكة داعش واسطورتها ببطولتهم وتضحياتهم، فالبيشمركة ووحدات حماية الشعب هما لحد اللحظة اكثر قوة برية استطاعت ان توقف مد داعش وتلحق بها الهزائم وتستعيد منها الاراضي دون ان ننكر الدعم الجوي للتحالف.. اذا فالمسالة ليست مسالة محاربة داعش، انما هي مسالة محاربة الكورد، وكأن الكورد هم سبب الدمار الذي الحق بالمنطقة كلها، بمعنى اخر كأن الكورد هم من سلموا الانبار والفلوجة وتكريت وصلاح الدين وبيجي وسبايكر وغيرها من المناطق في العراق الطائفي الى داعش، وفي سوريا كأن الكورد هم من سلموا الرقة وجميع الاراضي الاخرى التي لم تزل تحت سيطرة داعش ، بل كأن الكورد هم من ارسلوا الباصات المكيفة لحمل المئات من داعش مع عوائلهم وجلبهم الى حدود العراق داخل الاراضي السورية.
وكأن الكورد هم وحدهم سبب تفشي انتشار المخدارات والدعارة والارهاب والاعدامات والاضطرابات ورفض حكم الملالي في ايران، وكأن الكورد وحدهم هم السبب في تحول اردوغان من حاكم يدعي الديمقراطية الى دكتاتور ادى تسلطه على الشعب الى قيام انقلاب ضده – مع وجود اراء حول ان الامر مدبر من قبله ليقضي على المعارضة - ، ان هذا التحول الدولي ضد الكورد قد جعلنا نؤمن تماما بأنه لاصديق لنا سوى الجبال، وان البيشمركة وحدهم هم الحماة اما الباقون فانهم مجرد دمى تحركها مصالحها مع المنطقة، وليس مع الكورد، فحمياتهم لنا ليس الا لانهم يريدون توطيد اقدامهم في المنطقة ضمن صراع رباعي طويل الامد، بين امريكا وروسيا وتركيا وايران، هذا الصراع لايهم كيف يتم توثيقة وتثبيته في المنطقة، وبعبارة اخرى لايهم ان يتم الامر على جماجم الكورد وشعوب المنطقة طالما المصلحة ستتحقق، وهذا ما ظهر جلياً للكورد خلال الشهرين الماضيين، وكأن الكورد لم يعتبروا من التاريخ حيث دائما تخذل هذه الدول تطلعات هذا الشعب، ولكنه التوق للحرية دائما يعطي لهم الامل لعل ذات مرة يخرج انساني من بينهم ليمد لهم يد العون.
كشفت عملية الاستفتاء عن عورة العالم من حولنا، وكشفت الحقائق بان المصالح فوق المبادئ لاسيما تلك المبادئ التي تتعارض وتحقيق المصالح، ففي حين يذكر الجميع بطولة البيشمركة ووحدات الحماية بشقية نجدهم ما ان يتحدث الكوردي عن الحرية تتلكأ السنتهم وتبدأ حرب التصريحات، والتهديدات، والاجتماعات، والزيارات، وكأن الكوردي تحول من بطل يحارب داعش الى تهديد للامن العالمي، ان هذا التحول اجبر الكورد على اتخاذ موقف صارم لا ادعي بانه مستقل وليس هناك خلف الكواليس ما دعى الكورد لممارسة عملية الاستفتاء، لاننا نؤمن بكون المنظومة الدولية لم تزل فعالة وهي التي تدير الطاولة وليس حكام ولا شعوب المنطقة، ولكن ما حرك الامر باتجاه ربما اغضب الكثيرين وتسبب في اسراع تحقيق الاستفتاء هو الموقف اللاانساني من القوى العراقية المتباينة، لاسيما تصريحات بعض الساسة الذين هم في الاصل سبب دمار العراق وتحوله الى دولة طائفية بدون سيادة حقيقية، ناهيك عن القوى الاقليمية والدولية التي تدرك تماما بان عملية الاستفتاء ستكون في القريب العاجل معضلة حقيقية لهم وذلك لسياساتهم التعسقية تجاه الكورد، اما الموقف الدولي فانه مخزي بشكل جعل الكورد لايؤمنون بان هناك انسانية كما تدعيها تلك الدول,
عملية الكشف مستمرة ومواقف الدول تتباين الان، فالاستفتاء اجري وبنجاح ودون اية مشاكل وخروقات، ولعل نسبة المصوتين تربك حسابات اغلب تلك القوى، ولكن ما سيربك حسابات الرافضين للاستفتاء  واستقلال كوردستان هو هذه الجماهير التي خرجت طوال هذه الاسابيع تنادي بانشاء كيان كوردي مستقل هذه الجماهير التي لم تعد ترضى باي شكل من الاشكال الانصياع لاوامر بغداد، ولا العودة اليها، ستكون في المرحلة القادمة ورقة صعبة لايمكن خرقها، لاسيما ان الموقف الدولي من جهة والاقليمي من جهة اخرى ، والعراقي قد ساهم في تأجيج الصراع، فالجماهير الكوردية باتت مؤمنة بانها تريد ان تعيش بعيداً عن سلطات بغداد المنصاعة تماما لقرارات ايران، فضلاً عن  تركيا عدوة الامس هي الاخرى التي باتت تساندها، والغريب ان تصريحات قادة وساسة العراق تنادي بوحدة الاراضي العراقية، في حين نجد بأن الجنرال الايراني سليماني هو الذي يتجول بين الوية الجيش المسمى بالعراقي، وهو الذي يقود المعارك، فكأنه ليس في العراق كله شخص كفوء يمكنه قيادة الحرب ضد داعش فاستعانوا بسليماني كي يقوم بالامر.. ناهيك عن التصريحات والتهديدات التي تبثها قنوات الحقد لديهم، حتى تحول الامر الى رد فعل عنيف من قبل الجماهير الكوردية التي لو لا احترامها لقرار قيادتها بعدم التعرض للعرب لكانت ستحرق الارض من تحت اقدامهم لاسيما هولاء الذين لجأوا الى كوردستان بعدما داهم داعش اراضيهم وكانوا ولم يزال الكثيرين منهم تحت حماية البيشمركة، في حين ان قادتهم الان في بغداد يثيرون البغضاء والكراهية ويقررون باغلاق المنافذ وسد الطروقات على كوردستان، متناسين بان اكثر من مليونيين عربي سني متواجدين في كوردستان وان اعلاق المنافذ لن يركع الكورد، بل سيتسبب في اجاعة هولاء اولاً لانهم في الاصل محرومون من الذهاب الى بغداد.
ان اتباع سياسة التهديد اعتقد بانها باتت سياسة فاشية عديمة الجدوى، فصوت الشعوب هي الاقوى، انظروا الى كتالونيا الان فالحرب الشرسة التي تمارسها الدولة تجاههم لم تثنيهم لحظة، بالعكس ردة الفعل تصبح اقوى واكثر شراسة، كذا الامر مع الكورد، فردة الفعل قد لايتوقعها الكثيرون، ولكن حين يصدح برلماني كوردي  تركي داخل اروقة البرلمان بان اية حرب ضد جنوب كوردستان هي اعلان حرب على (40) مليون كوردي، وفي الشرق الكوردستاني تتعالى الاصوات والمظاهرات في سنه والكثير من المناطق الكوردية ضد حكام ايران وتهدد باشعال الحرب ضدها اذا انتهكت حقوق جنوب كوردستان ، وفي الغرب الكوردستاني تأتي التصريحات فور تهديد الجوار بغلق المنافذ بان منافذهم مفتوحة وانهم مستعدون بالدفاع عن جنوب كوردستان بالغالي والنفيس، فان هكذا ردة فعل ستربك الحسابات كثيراً، وستجعل من محاربة تجربة الاستفتاء اشبه بحرب داخل حرب اخرى، ولن تتوقف الاصوات الكوردية بالمطالبة بحقوقها تحت اية ضغوطات كانت.
ان الكورد مدركون تماماً بان عملية الاستفتاء ليست الا البداية التي من خلالها استطاعوا ان يقولوا بصوت صريح بانهم لايريدون العيش داخل دولة تسمى العراق، وان ولائهم كان ولم يزل وسيبقى لكوردستان فحسب، وهذا بحسب اعتقادي كان الغرض والهدف الاساس من الاستفتاء، لان الامور لم تحسم بعد وستحتاج الى قوة ودعم جماهيري كوردي عريض في جميع اجزاء كوردستان وجميع احرار العالم كي تتحول عملية الاستفتاء الى مراحل اخرى يبدو ان الصراع فيها سيكون محتدماً وقوياً ولاذعاً ، فلغة التهديد التي تتبناها دول الجوار واضحة المعالم وواضحة المقاصد، انهم يريدون ان يتكالبوا على الشعب الكوردي لارغامه للخضوع اليهم، وهذه اللغة التي لطالما سمعنا بان العالم الانساني الحر يندد بها ويجشب كل محاولة تعرض قوم او جماعة للتهديد والخطر، ولكن صمت هذا العالم سيكتبه التاريخ بانه وصمة عار اخرى فوق جبين القوى الدولية والمنادين بالانسانية كما وصمت جبينهم في مجزرة جلبجة وعمليات الانفال والهجرة المليونية.

49
أدب / قبلة التاريخ
« في: 18:39 26/09/2017  »


قبلة التاريخ


جوتيار تمر/ كوردستان

وطني .....
في الطابق الأعلى..
 من دم الشهداء
 يحصي العلم أخر انتصاراتك
فوق ارصفة أتعبها ثقل الأجساد
واغتسلت بالدم من السواد...
لك  كل معاني التاريخ الشامخ
بين اسطر الافيستا .. وفوق  نصوص القدسين
ولحاميك البيشمركة المجد
هم الحصن  هم الأسوار   ومآذن الحق
من هنا من ضلوع كوردستان
ذهول العدو وهو محتفل بنزيف الانكسار
من هنا  من قمم جبالك..
تعلو  ريح المجد
ويعانق أرضك شعاع الشمس
وعطر النرجس المترامي فوق كفك العالي
أيا بلادي 
يذبحون  فوق أرصفتك ضحكة طفل وخطوة مقاتل
و لك الطيور تعزف
لك بهاء العشق
وما تقوله الزهور للملائكة .....
فوق أرضك يسقط لؤلؤ من دمنا
وطني..
 أنت من يجمع الموسيقى ورفعة التاريخ الفاخر

25/9/2017

50
لا للاستفتاء – نعم للاستقلال
جوتيار تمر/ كوردستان
20/9/2017
تتخذ الاوضاع في جنوب كوردستان مسارات اكبر حدة من ذي قبل حيث لم يتبقى سوى خمسة ايام للبدء بعملية الاستفتاء وذلك لتقرير مصير الكورد في الدولة العراقية الفيدرالية وفق الصيغة التي اتفق عليها دولياً والدولة الطائفية العراقية المستسلمة نهائيا لارادة ايران وفق الصيغة المتعامل بها محلياً واقليماً ولربما تحت انظار المنظومة الدولية، تقرير المصير سيتم عبر الاستفتاء، وتاريخياً الحقت ولاية الموصل – جنوب كوردستان – بالدولة العراقية بالاستفتاء الذي تم اجراء بعد الاتفاقية التي وقعت بين تركيا والعراق وتحت اشراف بريطانيا وذلك لوضع حد لمشكلة الموصل  التي بدأت بعد الحرب العالمية الاولى، وهدنة مودريس بالذات واستمرت الى عام 1925، المهم في الموضوع ان جنوب كوردستان الحق تماما بالعراق بالاستفتاء الذي فضل الكورد وقتها التعايش مع العرب دون الترك لاعتبارات كثيرة ولعل ابرزها ما تعرض له الكورد على يد العثمانيين طول قرون حكمهم، ومن ثم تخاذل الترك معهم بعد القضاء على الخلافة العثمانية، ولاعتبارات اخرى دينية وربما اجتماعية ومذهبية فضل الكورد الانضمام للعراق وقتها.
الخوض في المعيات التاريخية سيجعلنا نبتعد كثيراً عن الغرض من المقال، لكني اردت من خلال المقدمة هذه ان اوضح ان الاستفتاء وقتها كان امراً عادياً للعرب بشقيه السني والشيعي، وحتى ان تركيا المعروفة بعنصريتها القومية رضخت لامر الواقع وقبلت صوت الاغلبية في جنوب كوردستان ولو باتفاق مادي اقتصادي، الامر الذي يثير الدهشة في وقتنا الحالي هو ان موضوع الاستفتاء تحول من موضوع لحقوق الشعب الكوردي في اتخاذ قراره الى ساحة حرب كلامية اعلامية شرسة من جهة، والى مسألة تقييم لمفاهيم الاخوة الكوردية العربية – السنية والشيعية –  من جهة اخرى، حيث اوضحت المواقف الحقائق التي ظلت الاجيال تتوراثها بدون ان تعرف ماورائها من دلالات اخرى ضمنية لاتلتقي مع الظاهرية الا شكلاً، فمن الناحية الاعلامية وجد الكورد انفسهم امام كم هائل من الحقد المدفون تحول الى سب وشتم وتهديد ووعيد من اشباه البشر لاسيما من التيارات الشيعية الموالية للمالكي وللفتناوي _ الفتلاوي – ولسليماني وحتى ان العبادي المعروف بهدوئه وتعامله الرصين تحول الى سياف يهدد باستعمال القوة، فضلاً عن مواقف بعض المكونات العرقية الاخرى كالتركمان والاشوريين والكلدانيين وغيرهم الذين تباينت رؤيتهم حول مسالة الاستفتاء و كشفت الغطاء عن المدفون واصبحت الصورة واضحة جدا للشعب الكوردي بحيث حتى اذا لم يتم الاستفتاء فان العلاقة لن تكون سليمة ابداً، والوضع سيكون مكهرباً لدرجة انه قد ينفجر في اية لحظة، لان الصورة حين انكشفت كشفت معها الملامح الحقيقية للكثير من هذه المكونات التي كانت تنادي بالاخوة والتعايش السلمي.
شكل الاعلام اللاواعي حلقة وصل سلبية في هذه المسألة حيث سلطت الاضواء على كل ما هو تنافري ضدي من خلال نشرها لوقائع واحداث تساهم في تفاقم الازمة الحاصلة بين الكورد وبغداد، وجاءت المواقف لتؤكد ذلك، وتبشر بزوال الدولة العراقية الطائفية، زوالها في قلوب الغالبية العظمى من الكورد، لانهم في هذا الامر لن يخضعوا مرة اخرى لاية سلطة من بغداد، بل ستنعكس الامور سلباً على العلاقات العامة، ولااظن بان الكوردي بعد اليوم سيتعامل مع العربي العراقي بدون حساسية، والعربي ايضاً لن يتعامل مع الكوردي بدون حساسية، وبالتالي فان المجتمع قد قرر حل المشكلة السياسية بنفسه، وكأنهم يقولون بوضوح الامر لايحتاج الى استفتاء لان الاستقلال قد حصل فعلياً ولم يعد احدنا يتقبل الاخر باي شكل من الاشكال، ومهما اتت المقولات والتصريحات سواء من القادة السياسيين او رجال الدين واصحاب اللحى من كل الاديان والمذاهب والطوائف والاعراق او العسكريين او المنظمات الدولية فان الامر بات محسوماً تماماً، فالشارع العربي امتهن السب والشتم والتنقيص من القيادات الكوردية وعمد الساسة العرب الى تأجيج ذلك الموقف من خلال خطاباتهم العنصرية القومجية المذهبية الطائفية البعيدة كل البعد عن القيم الاخلاقية والقيم الانسانية الساعية للتعايش، وبالتالي فان تصريحات القادة الكورد في عدم التعامل مع العرب بحساسية او تهديدهم وسبهم لم يعد مفعوله سارياً وجارياً، لان الشعب لايحتكم في علاقاته الاجتماعية الى الاصوليات والرسميات السياسية، فالطلاق قد حصل، ولم يعد بالامكان الرجوع الى ماكان ظاهريا موجوداً.
ولعل ابرز مسارات الطلاق التي حدثت هي التي اشعلتها تصريحات بعض قيادات "اغبياء " الحشد الشعبي الذين توعدوا الكورد والبيشمركة عبر فديوهات مسجلة مستعينين بابشع الالفاظ والصراخ القريب من البناح، بحيث اصبحت مثار سخرية عند الكورد في كل مكان، وبالتالي جاءت ردود الافعال حاسمة تتوعد هي الاخرى، فضلاً عن ما فعله السنة الذين لجأوا الى كوردستان عندما اجتاحت داعش امصارهم ومدنهم، وعاشوا خلال هذه الفترة العصيبة تحت حماية الكورد الذي تعاملوا معهم بكل احترام، وقدموا لهم يد العون، بل ان الحكومة الكوردية على الرغم من الضائقة المالية صرفت من قوت الشعب عليهم، ولكنهم في اول فرصة سنحت  - للبعض منهم - توجهوا الى بغداد وصوتوا ضد الاستفتاء وبذلك وخانوا كما هي عادتهم اليد التي مدت اليهم( الكثير من العشائر العربية خانت البيشمركة وطعنتها من الخلف ومهدت لداعش الاستلاء على قراهم)، وبنفس الوقت حملوا نعش اخوتهم التي كانوا يتخفون ورائها بيدهم، وقضوا على اي امال بان يتعامل الكوردي معهم بعد اليوم بحسن نية، بل لو لا قرار رئاسة الاقليم بعد التعرض للعرب لكان للشعب تعامل اخر معهم، وهذا التعامل الذي اتحدث عنه ليس منتهياً او يمكن القول بأنه قد تم وأده، لكنه فقط مؤجل الى وقت اخر، وقد ينفجر باية لحظة كالبركان حيث ستعصف بالخونة الذي اداروا ظهورهم للكورد حين كانوا يقتاتون من قوت الشعب الكوردي داخل كوردستان بامان وسلام.
ان الموقف الشيعي الموالي تماماً لايران الرافض للاستفتاء هو الاخر  تحول الى بغض وكره ونفور شديد بين الكورد وغالبية الشيعة، لاسيما الشيعة المتمثلة في بعض رموزها التي سبق وان ذكرناهم باسمائهم، ولم يتبقى منهم الا قلة ممن مازال خيطه مع الكورد غير مقطوع، وفي المقابل ان الخيط السني انقطع  تماما هو الاخر ماعدا مع بعض العشائر التي مازالت تحافظ على اصالتها ولاتقدم على خيانة من مدوا اليهم يد العون، تلك العشائر التي اعلنت موقفها المؤيد للاستفتاء بل قالت انها ستشارك بنعم في العملية الاستفتائية، في حين البقية او الغالبية من السنة اصبحوا في عداد الموتى عند الكورد، بحيث لن تعود العلاقة معهم الى مساراتها الطبيعية حتى لو  لم يتم الاستفتاء.
ان جملة الامور هذه توضح بشكل نهائي وقطعي ان القطيعة حاصلة واصبحت واقعاً ملموساً ستتشكل من خلالها ماهية العلاقة بين الكورد والشيعة والسنة والمكونات الاخرى في الحاضر، والتي تحولت الى بركان غير خامد هائج، قد ينفجر في اية لحظة فيحرق الاخضر واليابس، وهذا ما يدفعنا الى القول ان الاستفتاء تحول ذاتياً الى استقلال، هذا الاستقلال قد لا يكون من المنظور السياسي بشكل دولة فيدارية او كيان كوردي كونفدرالي، لكنه سيكون استقلالاً اشد تأثيراً على الحكومة العراقية في بغداد لكونه سيخلق ممرات تصادم مستمرة، فالجيش العراقي لن يدخل كوردستان الا بموافقة القيادة الكوردية مهما توعد بعض اشباه الرجال فيهم، والاوامر الصادرة من بغداد لن تنفذ في كوردستان، والصراع سيستمر  وستبقى المناوشات الكلامية واحيانا الميدانية حاضرة في نقاط التماس، ولن تحل مشكلة المادة 140 باي شكل من الاشكال لانها ستظل عالقة وستبقى الحكومة الفيدرالية تتلكأ وتبحث عن الاعذار لعدم تنفيذها بحجج واهية وفي المقابل سيتصلب الموقف الكوردي اكثر، وستزداد الحساسية تجاه الشيعة والسنة والمكونات التي دعمت بغداد ضدهم، واذا ما تمت الانتخابات العراقية ووصل المالكي واتباعه للحكم فان القطيعة حتمية، ولااعلم كيف يمكن ان تطلق اسم دولة على منطقة تأوي مثل هذا البركان وهذا التضاد السياسي والاجتماعي والعسكري والاقتصادي والنفسي وحتى الجغرافي .. وبالتالي فان مقولة لا للاستفتاء هي ممر لمقولة اكبر نعم للاستقلال الذي بنظري قد تم ولعل الكورد سيشكرون ذات يوم هذا الحقد العربي السني الشيعي تجاههم وسيشكرون هذه الاوضاع التي كشفت الغطاء عن اوجههم، لانهم قدموا للكورد الاستقلال دون اية مناورات سياسية او حتى تحالفات دولية او معارك دموية، فالدولة لاترسمها الحدود وبعض المؤسسات الادارية بكل اصنافها، انما الدولة هي ولاء والكوردي الغالبية العظمى من الكورد ولائهم لن يكون لبغداد حتى لو بقوا كرهاً وقسراً حاملين لجوازت سفر تحمل اسم العراق عليه.
ان ما اقوله هنا ليس بداعي الكره، او بداعي التعصب القومي، انما انقل الصورة بوجهة نظر خاصة اتعايش معها واقعاً واسمعها اعلامياً واراها قادمة، والكل قد ساهم بشكل واخر في خلق هذا الانموذج للاستقلال، لذا سواء أكانت دول الجوار بالاخص تركيا وايران مع الاستفتاء ام لا، واذا بالغت بعض القوى العظمى في ردت افعالها بوجوب عودة الحوار بين بغداد وهه ولير _ اربيل – فان الحتمية هي التي تسبق الان، والحتمية اوجبت ان الحوار والوعود والمواثيق والاتفاقيات كلها مجردة من قيمها ومن فعاليتها امام الواقع الذي خلفته الاوضاع وكشفت مدى الحقد الذي يكنه هولاء للكورد، لذا لاعودة من هذا الواقع، والامر سواء حسم بالاستفتاء ام لم يحسم فان الاستقلال محسوم تماماً.

51
الشرق الاوسط البركان الذي لم ولن يخمد
" مدخل "
يمر الشرق الاوسط بمرحلة تاريخية مهمة جداً، سواء على الصعيد الداخلي لاغلب الدول القاطنة في المنطقة، او على الصعيد الدولي والاقليمي، فاكثرية الدول في الشرق الاوسط الان تعيش حالة من الفوضى الداخلية التي تسببتها الحكومات المتسلطة الدكتاتورية ذات الفكر الاقصائي الخاطئ، سواء في تعاملها مع شعبها او مع جيرانها من الدول الاخرى، فحتى ابناء القومية الواحدة باتوا في يعيشون حالة نفورا تام تجاه بعضهم البعض ناهيك عن نفروهم اللامنطقي تجاه ابناء القوميات الاخرى، فضلاً عن كون المنطقة في الاساس تعيش على فوهة بركان لايخمد ابداً بسبب الصراعات الدينية القائمة في الاساس على اساس انكار الاخر، وتهميش وجود الاخر، واقصاء الاخر نهائياً من الوجود، وكل دين يعتبر نفسه الاول والاخر، وسدنته كهنته رجالاته هم وحدهم الصاقدين واتباعهم هم فقط الناجين، مما خلق بؤرة حقد بركانية ما تلبث ان تنفجر في مكان داخل المنطقة وتثير الفوضى والرعب في الارجاء، فلايمكن انكار ان اغلب التيارات الارهابية موطنها الشرق الاوسط عبر السلسلة الحديثة للجماعات الارهابية والفكر الاقصائي الحداثي لهذه الجماعات والنابع من صميم عقيدتهم، كل الاديان تعبث بالاخرى ولاتنتج سولا المزيد من البغض والكراهية، وبالتالي تبحث عن بؤر تفرغ غلها عليه، وبلاشك فان منطقة الشرق الاوسط هي اكثر البؤر في العالم الحديث يمكنها ان تجذب وتستقطب تلك النعرات المبغضة.
هذه المنطقة على الرغم من ادعاءاتها بانها مهد الحضارات الاولى ومهد البشرية ومهد الانبياء والرسل والاديان والتسامح والمحبة الا انها في الحقيقة مهد لكل ما هو لاانساني بغيض، بلاشك لايمكن التعميم هنا " في بعض مراحلها التاريخية - لكننا امام حقائق نلامس كينونتها من داخل المجتمعات ضمن نطاق الشرق الاوسط، فالصراع القومي الديني بين الفرس والعرب والترك واليهود والمسيحين امر لايمكن تجاوزه وانكار وجوده واستمراريته بمجرد اننا ندعي نحن في عصر الانسانية والحرية، فالامر ليس متروكاً للشعارات ولا الادعاءات، انما هو مبني على اسس حقيقية نابعة من صميم تاريخ المنطقة والصراعات الدائرة منذ البدء بين هذه الفيئات غير المتجانسة لا عرقياً اثنياً قومياً ولا دينياً طائفياً مذهبياً، بالتالي فاننا امام حقيقة لاتتغير بمرد تغير الشعارات التي يطلقها جهة او طائفة او مذهب او دين او قومية.. فتاريخياً كانت الحروب بين الفرس واثينا واسبرطة ومقدونيا ومن ثم الرومان ومن ثم دخول العرب المسلمين في سلسلة الحروب مع الجهات الاربع الشرق والغرب والشمال والجنوب، ومن ثم تدوير العجلة لتشمل المطبات الداخلية بين القوميات ذات الدين الواحد الصراع الروماني البيزنطي والحروب الصليبية ،ومن ثم الانشقاقات المذهبية والصراع الايقوني واللاايقوني داخل الجهة الواحدة والدين الواحد والانشقاق الكبير للكنيسة بين الشرق والغرب وفي الغرب ظهور البروتستانت وتاثير ذلك على الشرق الاوسط، وفي الجهة الاخرى ظهور الخوارج بعد الحرب الداخلية القومية الدينية الاموية العلوية، ونضوج الفكر الاعتزالي الفلسفي وظهور المذاهب السنية والمذاهب الشيعية، فضلاً عن ظهور الدويلات داخل الدولة الاسلامية وصراعاتها القاتمة والدموية وخضوع السلطة لتلك الصراعات لاسيما بين الدولة الاموية والعباسية وبين الاخيرة والفاطمية الشيعية، وداخل الدولة العباسية ظهور العشرات من الدويلات المتصارعة مثل  الاخشيدية والطولونية والسامانية والغزنوية والخوارزمية والزنكية والايوبية، بالاضافة الى ظهور القوة الفتية المغولية الكاسحة الاليخانية والتيمورية، ومن ثم المماليك بين البحرية والجركسية، واخيرا ظهور الصفويون والعثمانيون والانقسامات الاخيرة التي اكتسحت المنطقة بعد الحرب العالمية الاولى وانهيار العثمانيين.. هذا الصراع الدموي المقيت في الشرق الاوسط يراه البعض ضمن دائرة المؤامرة العالمية اليهودية الصهيونية الامبريالية والى غير ذلك من الشعارات المهمشة التي يستخدمونها لاخفاء ضعفهم وعدم قدرتهم على التعامل مع الواقع ومع هذا التنوع الاثني القومي الديني المذهبي في المنطقة، لذا كل هزائمهم ناجمة عن المؤامرات الخارجية، مع ان الانحلال الداخلي كان ولم يزل هو السلاح الفتاك لهذه المنطقة باجمعها.
كان التداخل القومي والتمازج بين الاديان والمذاهب مثل الطاعون في المنطقة، وباء لاعلاج له قديما ولا حديثاً ولا مستقبلاً فالهمجية التي تتبناها القوميات والاديان تجاه بعضها البعض لادواء لها، لاسيما حين تجد كيف تلتم بعضها مع البعض ضد الاخريات، وهذا ما يحيلنا الى نقطة مهمة وهو ان العنصر التركي لايمكن ان يجتمع مع الفارسي الا اذا وجد هدف مشترك، كما حصل بين معركة جالديران والتي بعدها تم تقسيم اراضي كوردستان بينهما، فضلا عن المعاهدات المستمرة بعدها بينهما لترسيم الحدود والتي وصل الامر فيها الى تقسيم العشائر الكوردية فيما بينهم.. فضلاً عن ان العرب والفرس لايجتمعون الى لهدف مشترك ايضاً كما فعلوا في اتفاقية الجزائر التي تنازل العرب عن مساحات واسعة من مياهها الدولية لصالح الفرس وذلك لكبت جماح الثورة الكوردية ، ولايمكن حصر الامثلة هنا، لانها لاتعد ولاتحصى، ولكن في الاجمال فان المنطقة هذه اصبحت وباء لكل القوميات التي ليس لها كيان مستقل فكما الكورد في صراع من اجل البقاء، نجد الاشوريين والكلد وغيرهم ايضا يعيشون تحت وطأة نفس الوضع، فالشتات لم يكن يوما يهودياً بحتاً انما الشتات اصبح سمة القوميات الاخرى ايضا التي نجدها وبفعل المصالح الدولية للدول الكبرى اصبحت خاضعة لمنطق التقسيم والتشتيت والتوزيع.
هذه المنطقة بهذه الصورة اضحت هي البؤرة الاكثر لا استقراراً على الاطلاق، فبين كل فترة واخرى ينفجر بركان في دولة ويجتاح المنطقة باكلمها، ويدخلها في حسابات وصراعات وتحالفات وتنازلات مقيتة تخدم اجندات خارجية في الدرجة الاولى وتخدم مصالح السلطوية القومية الدينية بالدرجة الثانية، وما تمر به المنطقة الان خير دليل على هذا الكلام الممنطق، فظهور التيارات الارهابية التي اجتاحت المنطقة بشكل رهيب وسريع دليل على ان المصالح الثنائية بين المنظومة الدولية والكراسي الحاكمة هي التي تسير الوضع وتسمح لهكذا تيارات ان تعبث بالمنطقة وبالشعوب فيها،
فمن ظهور الاخوان الى حماس الى منظمة بدر وحزب الله الى القاعدة وجبهة النصرة وتنظيم الدولة " داعش "  والحوثيين والعديد من التيارات الاخرى نلامس بوضوح مدى تفاهة القيادات  السلطوية في المنطقة ومدى تلاعبها بمشاعر ابناء شعوب المنطقة بالتالي فانها اصبحت مثار جدل وحراك شعبي اتجه الى العنف في الكثير من الدول حتى بات الدم هو العلامة الفارقة التي يعرف بها تلك الدولة او ذلك الشعب، ناهيك عن قيام تحالفات بين الاضداد للحد من وقوف بعض القوميات المضطهدة داخل المنطقة كما يحدث الان للكورد حيث اصبح الترك والفرس والعرب مجتمعين معاً تاركين احقادهم تجاه بعضهم البعض للوقوف بوجه الحراك التحرري الكوردي الساعي لخلق كيان مستقل لامة مشتتة في ارجاء الخراب الارضي.. وضمن السعي الكوردي لاثبات وجوده القومي تحركت تلك الاحقاد ضمن هيكل الارهاب الداعشي لضرب الكورد في مناطقهم.. مستندة في اعمالها على دعم الترك والفرس وبعض الدول العربية.. فكان لابد من تغيير شمولي على الصورة الكوردية في المنطقة وهذا ما حدث بفعل القوة الضاربة التي وجهها الكورد من خلال _ البيشمركة ووحدات حماية الشعب -  للارهاب الديني والقومي في المنطقة فبات الكورد معادلة صعبة لايمكن اتخاذ اي قرار بشأن التحولات الجغرافية في منطقة الشرق الاوسط الا بمشاركتهم الفعلية، وهذا ما يمكن ان يرصده القارئ من خلال متابعة وقراءة المقالات والدراسات ضمن هذا الكتاب.


52
رسالة الى السيد مسعود البارزاني (رئيس اقليم كوردستان)
جوتيار تمر/ كوردستان
9/9/2017
تحية ثورية:
لن اخوض في سرد التاريخ الحديث للكورد فانت اعلم به مني لكونك ممن صنع الكثير منه، ولكونك عشت اغلب مراحله سواء مع الاب القائد، او من خلال ممارستك للعمل الثوري والسياسي ضمن دوائر جغرافية حية متخمة بالانين الشعبي الكوردي جراء السياسات اللامعقولة والدكتاتورية والفاشية التي اتبعتها الحكومات التي تحتل ارض كوردستان في كل جزء، هذه الحكومات التي لم تكن تتنفس الصعداء الا بعد القضاء على اي عمل ثوري يطالب من خلاله الشعب الكوردي بحقوقه مع اختلاف آلية المطاليب في الاجزاء الاربعة وذلك حسب الاوضاع التي تعيشها المقاومة الكوردية.
ان التجربة الحية التي عشتها كثوري وسياسي من جهة وكأبن لقائد من قادة الحركة التحررية الكوردية، لابد وانها صقلت المفاهيم السياسية لديك بدرجة اصبحت تعرف ان الوعود والمعاهدات والمواثيق والاتفاقيات كلها مجرد ارقام ضمن معادلة غير مؤكدة وغير صادقة وغير موثوقة، لكون تلك الوعود والمواثيق والاتفاقيات نفسها اصبحت قيداً حول عنق الحركة التحررية الكوردية منذ البداية فجعلتها تثق بالكثير من الوعود وفي النهاية لا استطيع ان اقول ندمت، ولكن على الاقل انها ذاقت وبال مصداقيتها مع تلك الوعود والمواثيق، بالتالي فان اكبر الخاسرين سياسياً وواقعياً كانت الحركة الكوردية، تلك الحركة التي تبنت منذ البداية هموم الشعب الكوردي وحملت معها اوجاعها وانينها جراء الظلم والاضطهاد العربي(العراقي – السوري) التركي الفارسي، ولكنها في كل الاحوال كانت تسعى جاهدة لخلق ممرات تواصل تبعد هذه الصورة البشعة لحكوماتهم عسى ولعل ان تجد ممراً للتوافق وبناء علاقات طيبة معهم، وكما هي العادة كانت الخيبات اكبر من اي طموح ورغبة، حتى اصبح الشعب الكوردي يعيش حالة من التذمر حول اية محاولة من قادة الكورد للتواصل مع هذه القوميات اللا انسانية، بسبب ممارساتها اللاانسانية تجاه الكورد في كل الاجزاء.
ان المنطق الذي اجبر الكورد على تبنيه الان هو الخيار الانسب للتعامل مع هذه القوميات، ومع هذه الحكومات التي بدأت تتقارب بشتى الوسائل وتدفن احقادها تجاه بعضها البعض لطمس معالم الثورة الكوردية الحالية الساعية لخلق كيان كوردي مستقل، وبالتالي فان اي انتكاسة اخرى للحركة الكوردية ستكون بمثابة الابادة الجماعية ( الجينوسايد) الجديد للكورد، والذي لن يكون اعداء الكورد هم السبب في حدوثها، انما سيكون انصياع الحركة للواقع الذي تريد هذه الدول ان تفرضه عليها، ومن هذا المنطلق فان الحل هو الاستفتاء والاستقلال واعلان الدولة حتى لو مررنا بتجربة حرب معهم وضحينا بالمزيد من الشباب في سبيل تحقيق هذا الهدف والغاية الاسمى للشعب الكوردي في اجزاءه الاربعة، فصوت الكورد حول هذه المسألة موحد وواضح، وما تلك التظاهرات التي تستوعب الالاف من ابناء الشعب الكوردي في كل ارجاء المعمورة الا دليل ذلك، وحتى الاصوات الشاذة التي تنادي بالتأجيل فانها لاترفض الاستقلال ولكنها تتغطى برداء اخر ربما لاجندات لاتريد للحلم الكوردي ان يتحقق.
سيادة رئيس اقليم كوردستان ان الامر ليس مجرد لعبة سياسية يوجد فيها رابح واخر خاسر، او حرب تصريحات وشعارات، الامر تعدى ذلك كثيراً فالحرب الكلامية الاعلامية على الرغم من جبروتها وسطوتها وتأثيرها الا انها في النهاية مجردة من اهم قوائم النجاح الا وهو الفعل، الفعل الذي يحول تلك الاقاويل وتلك الحرب الى واقع ملموس وبرؤية حديثة معاصرة تحمل في طياتها مفاهيم الدولة السياسية المدنية المبنية على اساس التوافق بين جميع المكونات والاعراق والاديان والمتخذة من القاعدة الشعبية الجماهيرية ركيزة للاستمرارية ومن القوة العسكرية العظيمة للبيشمركة دعماً للوقوف بوجه اية اطماع خارجية او اية محاولات خارجية لوأد التجربة ولوأد الاستقلال .
سيادة الرئيس لسنا من يوضح لك مدى خطورة المرحلة ومدى خطورة التراجع عن قرار الاستفتاء والاستقلال، فانت ومن خلال لقاءاتك المتوالية للاطراف السياسية الداخلية والخارجية تدرك تماما حجم الحقد الذي يكنه لنا دول الجوار ، وتعلم جيداً بان سياسات تلك الدول هي التي اوصلتنا لهذه المرحلة والمطالبة بالاستقلال، لذا سيكون من الموجع والمؤلم التراجع عن هذا القرار التاريخي ليس لك كرئيس للاقليم انما للحركة التحررية الكوردية التي وصلت لاحدى اهم مراحلها التاريخية والسياسية على الصعيدين الداخلي والخارجي، فهذه التجربة التي تخطت حواجز القمع وكم الافواه وعلى مرأى من العالم الان لاتعارض خروج بعض احزاب المعارضة وبشكل مباشر رافضين للاستقلال ولن نقول لماذا هم يفعلون ذلك الان، ولكن سنقول ان الديمقراطية وحدها هي التي تجعلهم يقولون ارائهم وبصوت مسموع من خلال قنواتهم الاعلامية وبحرية تامة، وعلى الصعيد الخارجي نرى التحديثات التي افرزتها الحركة التحررية الكوردية وذلك من خلال رفع العلم الكوردستاني في اكثر من محفل دولي، ناهيك عن الزيارات المتواصلة للعديد من تلك الدول الى ارض كوردستان والجلوس تحت ظل راية كوردستان، ومع ذلك نجدها لاتحرك ساكناً.
سيادة الرئيس ان القرار الذي توصلتم اليه انتم قادة الحركة التحررية الكوردية في الاقليم بعد جلسات وتداولات واعلان الاستفتاء والاستقلال هو القرار الذي عاش الكوردي منذ عصور لسماعه، لذا نحن كابناء شعب كوردستان نطالبكم بل نتعدى الحدود نأمركم كشعب له الحق في ان يأمر  قادته بعدم التراجع، لان التراجع سيكون فيه موت الشعب وانهاء اية رغبة في البقاء داخل كوردستان ولايمكن ادراك العواقب الاخرى.. نحن الشعب نأمرك بان لاترضخ لاية تهديدات، وان لاثق باية وعود، وان تصر على اجراء الاستفتاء للاسقتلال تحت اي ظرف كان، لانه باختصار لابديل لنا سوى الاختيار ونحن الشعب اخترنا الاستقلال وليس لكم انتم القادة الا الرضوخ لارادة الشعب والا لن نؤمن الا بمساعنا كشعب يريد الاستقلال وسنرفض حلولكم هذا ان تراجعتم عن القرار وسنخرج الى الشوارع لنطالب بخروجكم من كوردستان وسنتهمكم بالخيانة، حتى لو اتيتم لنا بالف مبرر ومبرر.. وقلتم الواقع الدولي والاقليمي والداخلي والى غير ذلك من الاقاويل التي قد تجدون فيها مببراً للاستسلام.
سيادة الرئيس .. عذرا لتجرأي ولخروجي عن المنطق، ولكني ككوردي لايمكن ان اقبل غير الاستقلال ولايمكن ان اساوم بارواح الشهداء ودموع امهاتهم، لانني وقتها ساكون جاحداً بحقوقهم.. وانت تعلم ما يعانيه الشعب الان، وما يعانيه عوائل البيشمركة والشهداء ، فالكل متفق على ان اداء الحكومة الكوردية لم يكن بالمستوى المطلوب، والازمة التي نعيشها جميعا مع اختلاف وجهات النظر هي ازمة قتلت الكثير من المعنويات لدينا، ولكن في الوقت نفسه ما اعاد الينا الروح هو السعي للاستقلال وبدأ مرحلة جديدة نكون نحن فيها اصحاب القرار وليس بضع اشخاص في بغداد يتلاعبون بمصائر الملايين منا، هذا الاختيار هو الذي جعلنا نعود للصف الوحدوي بعدما كادت تفرق بيننا الحزبية والمصالح والتحالفات غير المنطقية، على هذا الاساس سيادة الرئيس نحن الشعب نأمر ك بان تستمر في الكفاح وتستمر في النضال لاجل الاستقلال بدون اية تأجيلات، وبدون الوثوق باية وعود ومواعيد لانك اعلم من الكل بانها تأتي لتهدأ الاوضاع وما تلبث ان تصبح مجرد حبر على ورق، ومعاهدة سيفر ليست ببعيدة عنا، ونحن جميعا نعلم كيف طمسوا باحقادهم مشروع كيان كوردي مستقل وقتها. وكذلك في الوقت الحاضر  الاتفاقيات مع بغداد  - المالكي – الذي تلاعب بالدستور وتلاعب بالارواح وادخلنا جميعا في صراع من اجل البقاء.
سيادة الرئيس الكلمة الاخيرة يجب ان تكون للشعب وليس للمصالح السياسية والاتفاقيات السياسية والوعود السياسية التي لم نجني منها سوى الخيبات، والمزيد من التضحيات والتراجع للوراء، لذا نأمرك نحن الشعب بان لاتثق باية وعود، وان لايقنعك اي وعد، او اية وثيقة حتى لو كانت مصدقة من الامم المتحدة نفسها، دع وعد الشعب يتحقق، دع اتفاقية الشعب توَقَع، دع كلمة الشعب تكون هي الدستور الجديد لكوردستان مستقل،ودع الاستقلال يكمم افواه الحاقدين.

53
التداعي الاسلامي بين الحقيقة والواقع
جوتيار تمر/ كوردستان
5/9/2017
تعتبر الديانة الاسلامية احدى اهم اربع ديانات موجودة على الصعيد العالمي، مع اليهودية والمسيحية والبوذية، وعلى الرغم من الانتشار الواسع لمعتنقي هذه الديانة التي تعد بنظرهم اخر الرسالات ونبيهم اخر الانبياء، الا انهم يعيشون منطقاً اشبه بالمنطق الطوبائي، فكل افكارهم تستند على التشريع القديم والمحصن من قبل بعض الائمة وبعض الفتاوي التي احيانا تندرج ضمن المعيقات الاجتماعية او التطرف الديني الساعي لخلق انموذج بعيد كل البعد عن التحصيلات والمدركات الوقتية التي تجتاح العالم، والامر الاكثر غرابة في هذه الامة انها تستند على القول اكثر من الفعل، فالفعل كان عندهم ما بدر من الاوائل، والانتاجية القيمة عندهم هي التي صدرت عن الاوائل، والقيم الاخلاقية التي افرزتها تجارب الاوائل هي الاساس والمصدر لكل فعل اتي، اذا فالسبقية تسيطر على مجمل الرؤى والمداخل والمسارات التي تنتهجها الامة الاسلامية بثوبها الحديث.
ومن المنطلقات الغريبة ضمن الاطر  الانتاجية الضعيفة للاسلام في الوقت الحديث الاعتماد على تحريك العاطفة بدل العقول في السيطرة على مقاليد السلطة، وهذا ما اتضح في اكثر التجارب الحديثة سواء في تركيا او تونس او مصر وحتى في السودان وايران وغيرها من الدول والمناطق الاسلامية، فاغلب هذه الدول لم تستطع ان تبني لها قاعدة فعلية مساهمة ومنتجة، بل اعتمدت على تحريك عاطفة القاعدة، والعاطفة لاتستطيع الوقوف امام المد العسكري والاقتصادي والسياسي البرغماتي والميكافيلي، وهذا بالضبط ما يمكن استدراكه من حدث تاريخي اسلامي في العصر الاسلامي الاول، وذلك في مقولة الفرزدق للحسين حين سأل الاخير عن اهل الكوفة " العراق " الحالي حيث ان هولاء كانوا ارسلوا للحسين بان يأتيهم ليبايعوه، فرد الفرزدق " قلوبهم معك وسيوفهم مع بني امية.." كانت الرؤية واضحة، بان تتوقف ولاتذهب، فالسيوف هي التي تحكم وليست القلوب لان القلوب متقلبة في احوالها ضمن الرؤية الشرعية التي تؤمن انت بها، ولكن السيوف ثابتة تؤتي دائما ثمارها، والجميع يعلم النتيجة لعدم اكتراث الحسين لقول الفرزدق حيث انتهى به المطاف مذبوحاً بالسيوف التي كان اصحابها يمتلكون تلك القلوب التي تسانده، وبذلك جرت العادة في اغلب المصاغات الدينية الحداثية الاسلامية، تحريك العاطفة والاستناد على القديم الذي بنظرهم لايتغير لكونه يناسب جميع الازمنة وجميع الامكنة، فكل حدث علمي جديد مثلا نرى اصحاب الرأي الديني الاسلامي يبحثون في اتون نصوصهم ليقولوا في النهاية بان هذا الامر مذكور عندهم في النصوص الدينية التشريعية ولكن بصياغة اخرى، هذا الامر حول المسلمين الى متلقين متكئين لايبحثون الجديد الا بمنظور ضيق.. ينتظرون انتاج الاخرين ليعلقوا عليه بانه مذكور في مصدرهم التشريعي، وانه مأخوذ من تشريعهم.
الامر الاكثر غرابة هو انهم في اصقاع الخراب الارضي يعتمدون على نفس الشعاراتية التي تندد وتهدد دون حراك فعلي ضد اي تهديد يصيب بني دينيهم في ارجاء الخراب الارضي، وهذا التنديد والتهديد لم يكن عند الاوائل الذين واجهوا المخاطر بسيوفهم في البدء قبل ان تتحول مساعيهم الى قيام نظام ما يسمى الخلافة التي اشتغلت بعد قرونها الاولى بالحفاظ على الكراسي على الرغم من ادراكهم بالافة التي تتفشى في جسد امتهم، وبالتالي كان الاخ يقتل اخاه من اجل الكرسي وابن العم يتحالف مع العدو لازاحة ابن عمه، بل الاب يقتل ابنائه للبقاء على الكرسي، والامهات يتدخلن في تنصيب هذا على حساب ذاك، وبذلك تحولت المسارات في التهديد للخارج الى التهديد للداخل حيث تحولت السيوف الى قتل غير الموالين للسلطة، بدل الدفاع عن مكتسبات الامة، وهذا ما افرز  بالتالي سجون ومحاكمات تعد الاغرب في العالم البشري.
وضمن المسارات نفسها تحولت الدول الاسلامية الى مجرد ارقام لاتقدم ولاتؤخر في الحركة الدولية او لنقل في دائرة النظام العالمي الجديد، فليس هناك دولة اسلامية ضمن هيكلة مجلس الامن الدائمي العضوية، وليس هناك دولة اسلامية قادرة على فرض قراراتها على المجلس والامم المتحدة وليس هناك قوة اسلامية يمكنها ان تصدر اوامر لمثيلاتها للقيام بتحدي للتهديدات التي يواجهها المسلمون في العالم، ولعل ما يحدث الان في" ميانمار" بورما ضد مسلمي "الروهنجيا "وهم قومية عرقية تنتمي الى عائلة الشعوب الهندية وتقطن في ولاية أراكان غربي بورما أو ميانمار. فحسب التقديرات الرسمية لسنة 2012 يوجد 800,000 روهينجي في أراكان، وتعدهم الأمم المتحدة أكثر الأقليات اضطهادا في العالم، خير دليل على ما اقول، فعلى الرغم من وجود ما يقارب "59" دولة اسلامية (5) منها تعد من حيث المساحة والسكان من الدول الكبرى في العالم الا ان الامر كله لاقيمة له على ارض الواقع لانه ليس فيها انظمة يمكنها ان تتحرك دون الانصياع لمنطق المصالح الدولية والحفاظ على الكراسي، وهذا بالتالي يجعلنا ننظر اليها كدول لاقيمة لها على المستوى الدولي، على الرغم من كون بعضها لها قيمة دينية كبيرة عند المسلمين، وكما سبق وان نوهت فما يحدث في بورما كمثال يمكن قياسه على باقي الامور حيث الابادة الجماعية التي يتعرض لها مسلموا بورما لم يجد لحد الان الا اعلاميا تنديداً وترهيباً اسلامياً وفي الواقع لايوجد اي حراك تجاه عمل منظم ورد فعل قوي تجاه تلك الانتهاكات الانسانية ضد الابرياء في تلك الدولة، بل بالعكس ربما يصفق العالم الاسلامي لرئيسة وزرائها بعد تسلمها جائرة نوبل.
الامر كله متعلق بالمعطيات السبقية التي تنتهجها الامة الاسلامية في قضاياها الحالية، التي تعتمد على بعض الانفلاتات الفقهية غير المنتجة، بل المعيقة للحرية ولحرية التطور والاندماج الكلي في المنظومة الدولية لكي تستطيع ان تجد لنفسها مكانة يمكنها من ذلك المكان ان تتحرك وتصدر قرارات تنفع الامة الاسلامية، ولكن الغريب انها مستعدة للاجتماع الف مرة وتنظيم الف مؤتمر اسلامي في شتى اصقاع الخراب الارضي واصدار الف قرار وتصريح وتنديد وتهديد الا انها لاتستطيع ان تتحرك للقيام لاي فعل منتج يخدم الاسلام والمسلمين بصورة عامة، ناهيك عن قدراتهم الفذة في التخاصم مع بعضهم البعض، وفي اتهام بعضهم البعض، لاسيما الدول التي لاتنتمي الى نفس المذهب، كالشيعة والسنة، والمذاهب الاخرى، فضلاً عن تناقضهم المقيت تجاه القوميات غير العربية والمذاهب غير الاسلامية بالاخص في منطقة الشرق الاوسط كاليهود والكورد المسلمين وغير المسلمين " الزردشتيين" والدروز والاشوريين وغيرهم فقد لايجتمع المسلم السني والشيعي على شيء الا اذا ما حاولت احدى هذه القوميات ان  تطالب باستقلالها مثلاً او ان تجد لنفسها ادارة ذاتية، ناهيك عن تخاذلها بشأن القضايا الاسلامية العامة وبنظرة سريعة سنجد ان اغلب الدول الاسلامية تعيش في حالة فوضى سياسية لامثيل لها على الصعيد العالمي، وسيجد المتتبع لقضايا هذه الدول منفذاَ ومبرراً واحداً لدى قادتها وهي نظرية المؤامرة وان الصهيونية العالمية والدول الصليبية والى غير ذلك هي التي وراء هذا التدهور الحاصل في البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والمذهبية داخل الدول الاسلامية.
ومن جملة المتعارضات الحاصلة في البنية الواقعية للعالم الاسلامي انه في كل مؤتمر وكل حادث وكل تهديد وخطر يرفع من القيمة الشعاراتية الاعلامية لديه، بوتيرة تصاعدية تدهشك من حيث الانفاق المالي، في حين لو ان نصف تلك المبالغ ارسلت لاماكن الحدث ربما لحلت ثلاثة ارباع المشاكل فيها لاسيما مشاكل الفقر والتهجير والتخييم واللاجيئين والى غير ذلك من المسائل الانسانية المهمة التي يحتاجها الناس في المناطق المنكوبة بالذات، ولكن لان القدرة الانتاجية متوقفة لديهم ولانهم يعيشون فقط على الانتصارات المبهرة لديهم في زمن الاوائل، وكيف فتحوا العالم شرقاً وغرباً وكيف اوصلوا رسالتهم الى العالم في ظروف الصراع المحتدم على الصلبيين، فانهم لايخرجون من دائرة الماضي وتلك المصوغات الشعاراتية القديمة التي سميت عندهم بالفتوحات ووصفها العالم المقابل بالاحتلال والاضطهاد، وكما يقول عبدالرزاق الجبران حين ينقل مقولة المرأة العجوز السمرقندية التي سألت فقيه جيش المسلمين الذي فتح" احتل" بلادها، بعد سلب ونهب.. مالذي جاء بكم الينا..؟ رد الفقيه: الله ارسلنا اليكم .. العجوز: لم اكن اعلم من قبل ان لله لصوصاً ، وحتى" الفتوحات" بالمصوغات الحديثة لاترتقي الى المسؤوليات التي ترتبت علىيهاـ فعندما توصل رسالتك الى اقصى الشرق يجب ان تكون كتشريع توحيدي  اهلاً لتقديم اي شيء ممكن لتدراك التدهور الحاصل في الجسد الاسلامي، فالمؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً او مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، والعالم الاسلامي الان يتداعى لنفسه بالسهر على مقت بعضهم البعض والتربص ببعضهم البعض واتهام وتكفير من لاينتمي اليهم كقومية او كمذهب او كدين، ولايفعل ولاينتج غير الجماعات الارهابية التي تهدد الامن العالمي وذلك عبر فتاوي بعض المحسوبين على العلم والفقه الديني، الذين بفتاويهم بثوا الغواية والفتنة بين الاوساط الاسلامية، ناهيك عن دعم فتاويهم للجماعيات الارهابية التي تقدم اسوأ انموذج للدين الاسلامي بلا منازع.
ان الواقع الحالي للعالم الاسلامي برهان على ان التدهور قد اصيب البنيان المرصوص ولم يعد هناك ما يشد بعضه البعض الا اعلامياً او ضمن صياغات ومقررات المؤتمرات الاسلامية العالمية، وفي الواقع ليس هناك اصلا بنيان الذي تهاوى منذ قرون، ولم يتبقى منه الا الصورة الظاهرية التي تتمسك ببعض الخيوط الواهنة كبيت العنكبوت، حيث ان اية ريح مهما كانت عادية تمزقها وتفرقها وتقسمها وتجعلها تذبح بعضها البعض باسم الدين نفسه، فضلا عن ذبحها لمن لاينتمي اليها، وهذا ما انتج ردة فعل قوية من اللامنتمين اليه، فاصبحت الثورات تفكك ما تبقى من هذا العالم المتداعي المتدهور، ومهما قال ويقول المتعصبون والمتطرفين منهم بان الامة باقية طالما مصدر التشريع الاساسي باقي، فان الامر لايغدو الا شعاراً غير ممول واقعياً وغير مقنع تداولياً، فالقيمة ليست في التصريح انما القيمة في التفعيل الواقعي للرؤية والنص عبر العمل الوحودي وهذا ما لن يحدث ابداً في العالم الاسلامي، وعلى هذا الاساس لايمكن الاعتماد على العالم في حل القضايا الحساسة والمهمة التي تعصف بالعالم ضمن الداوئر الاخرى غير المنتمية، فاذا كانت لاتستطيع ان تساهم في حل قضاياه فكيف بقضايا الاخرين، وتلك هي الصفة الرسمية التي من المفترض ان يعتمدها المسلمون انفسهم ضمن جغرافيتهم المنوعة والمقسمة ناهيك عن القوميات الاخرى المتداخلة ضمن تلك الجغرافيات فالمسلمون غير قادرين على احداث اي تغيير واقعي بعيد عن التصريح والتنديد، لانهم باختصار حتى في رؤيتهم للعودة الى الواجهة يعتمدون فقط على المقولات والمصوغات الموجودة ضمن تشريعهم بانهم سيتسيدون العالم مرة اخرى، وقياساً بالقيمة الموجودة ضمن هيكلة الواقع العياني فان الامر بعيد جداً وغير محتمل في هذا الوقت ربما في هذا القرن.


54
المنبر الحر / فوبيا الازمة
« في: 18:06 01/09/2017  »
فوبيا الازمة
جوتيار تمر/ كوردستان

15/12/2015

 ان مصطلحي الفوبيا والازمة هما اكثر المصطلحات التي تتلائم مع المرحلة التي نعيشها في كوردستان بصورة خاصة وفي والشرق الاوسط بصورة عامة، حيث ان كل الاحداث تسير وفق نسق تؤثر سلباً على الحالة النفسية للفرد وينتج عن ذلك الخوف من كل شيء وعلى كل شيء دون تحديد او وضع جغرافية تستثني شيء عن اخر، والفوبيا كما هو مُعَرَف اصطلاحياً: هو مرض نفسي ويعني الخوف الشديد والمتواصل من مواقف أو نشاطات أو أجسام معينة أو أشخاص. هذا الخوف الشديد والمتواصل يجعل الشخص المصاب عادة يعيش في ضيق وضجر. فوبيا القلق (أو الخوف اللامنطقي) يكون فيها المريض مدركا تماما بأن الخوف الذي يصيبه غير منطقي، فوبيا الخوف تتميز عن الأنواع الأخرى من أمراض القلق اللامنطقي، بأنها تحدث في مواقف متعلقة بأشياء أو ظروف معينة.. وبذلك يصبح الفوبيا احدى اهم سمات العصر لدينا، بل ويمكن ان نقول بانها احدى اهم مرتكزات الحياة التي نعيشها.

 لاسيما ان وضعناها تحت مظلة الاحداث التي تعصف بنا من كل جانب وعلى جميع الاصعدة، والتي بالتالي تجعلنا نعيش بين الفوبيا والازمة ومن ثم تتحول مسارات حياتنا كلها الى حلقات رعب متوصلة يفرضها الفوبيا من كل شيء يتخللها الازمات التي تأتي لتؤكد على مسارات الفوبيا وتناغمها الداخلي والخارجي معاً فالازمات كما يعرفها الدكتور الخضيري  تعبر عن موقف وحالة يواجهها متخذ القرار في احد الكيانات الادارية نعني بها هنا ( الاسرة) تتلاحق فيها الاحداث وتتشابك معها النتائج، ويفقد معها متخذ القرار قدرته على السيطرة عليها، او على اتجاهاتها المستقبيلة. ما تؤدي الى خلق حالة من الصدمة التي تعد في تفاصيلها احدى الصور الناقلة للازمة، وذلك لكونها تعني شعوراً فجائياً حاداً ينتج عن تحقق حادث غير متوقع الحدوث، او مطلوب احداثه او سلم حدوثه، وهو شعور مركب بين الغضب والذهول والخوف، وهذا بلاشك مسلك مهم لولوج الفوبيا في اواصر الحياة لدينا، باعتبار اننا نعيش على فوهة بركان يتحرك بين الفينة والاخرى ليقذف ببعض شرره الى الواقع فيحدث ما لايتوقعه الفرد، وبالتالي يعيش حالة من الذهول والغضب وينتج عنهما الخوف على المستقبل فيضطر الى القيام باعمال يدرك بانها احترازية لاتقيه الا مؤقتاً لكنه يقدم عليها ضمن تكتلات اجتماعية اوسع وبالتالي تتحول الحالة او الموقف الى ظاهرة سلبية تعصف بالكثيرين خوفاً ويجعلهم يعيشون فوبيا الازمة على جميع الاصعدة.

ولأن احدى الخصائص المعروفة للازمة هي المفأجاة والمباغتة غير المتوقعة والتي تؤدي عادة الى حالة من الارتباك والشلل قد يصاحبها قدر من التوتر والفزع مع تلاحق الاحداث وتتابعها، فأن الفوبيا المرافقة لها تصبح هي الاخرى عنصراً اساسياً ضمن دائرة محركات الوعي الفردي من جهة، ومسببات توسيع رقعة الازمة من جهة اخرى، ومن ينظر الى واقعنا في كوردستان بتمعن سيجد بأن الفوبيا من الازمة اصبحت تحرك كل شيء وفق تداعيات لامنطقية، ومع ذلك نجدها تسبب فوضى عارمة تهدد في الكثير من المرات موجبات الامان والاستقرار الداخلي للفرد وللاجتماع.

 ولعل الاحداث العامة على صعيديه الداخلي والمتمثلة بالصراعات الحزبية والحرب على الارهاب الداعشي وما يتوجبه من قلق وخوف، والاحداث الاقليمية سواء داخل كوردستان الكبرى او في دول الجوار كلها مكونات هامة في هرمي الفوبيا والازمة، مما يؤثر سلباً على الاوضاع الداخلية، وتفرض ايديولوجية مغايرة عن ما يتطلع اليه الفرد والاجتماع، وبالتالي تخلق حالة من الرهبة المفاجأة والتي تحولت بمرور الزمن الى رهبة مزمنة تنفجر جراء اي حادث داخلي او خارجي فتتحول الى ظاهرة سلبية تهدد كل مسببات الامان والاستقرار كما تؤثر على الحالة النفسية للفرد والاجتماع معاً.

ولأن نفسية الفرد تعيش وفق تداعيات الفوبيا من الازمة فانها تكون جاهزة لاستقبال اي عارض مفاجئ وتحوله بعملية سريعة الى خبر سلبي وتبثه عبر قنواتها واتصالاتها محدثة بذلك فوضى  واضحة، ولعل ما يحدث في كوردستان وبالاخص في بعض محافظاتها اثناء سماع اي خبر عن انقطاع الطرق الخارجية او توقف ضخ الوقود حتى ليوم واحد من الخارج ( تركيا- ايران)  خير دليل على ذلك، حيث يهرع الناس بسرعة الى محطات الوقود وكأن حرباً على وشك الحدوث وان الوقود مهدد بالانقراض، فيقفون لساعات في طوابير بشكل يثير القلق اللاممنطق ويثير الفزع من الحالة نفسها، وهذا الخوف اللامنطقي يسبب قلقاً مزمناً للفرد والاجتماع، ويحدث شرخاً نفسياً واسعاً، بحيث تصبح النفس مهيئة دائما لاستقبال هكذا عوارض وتفرزها بصورة سلبية دون القيام بمحاولة احتوائها وجعلها ممنطقة وفق الحاجات والظروف، ودون التفكير بآليات تساعدها على تجاوز الموقف والحالة، وانما نجدها تندمج بصورة تلقائية مع الفوبيا الازموية في كل الامور لتتحول تلقائياً الى فوبيا شمولية تحول كل خبر او كل حادث الى ازمة حقيقية، يعيش الفرد والاجتماع وفق تداعياتها ومطعياتها اللاممنطقة وضمن دائرة القلق اللامنطقي، وهذه الحالة لم تعد مقتصرة على اهالي كوردستان حصراً بل نجدها تقتحم حياة الفرد في الكثير من بقاع الارض لاسيما في مناطق الشرق الاوسط التي تعيش حالة من اللاامان واللا استقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والنفسي ايضاً بسبب الاحداث التي تعصف بها وتحول مناطقها الى ساحات صراع داخلية وخارجية تؤثر بكل نتائجها على الفرد والاجتماع المنصاع قسراً لنتائج الصراع.

55
الاديان حين تفقد عذريتها
جوتيار تمر/ كوردستان
24/8/2017
إن الأشياء التي يكتشفها الإنسان عبر حواسه، ومخيلته، تصبح هي من مكملات الإنسان نفسه، حيث تصبح أداته لفهم عنصري الزمان والمكان، (الزمكانية)، وتتخذ لديه شكلاً من أشكال وجوده ضمن دائرة الوجود العام، والإنسان يبقى في أي طور بحاجة إلى فهم مجريات الحدث التاريخي وصيرورته، وفهم مسيرة وتطور كل الفكر الإنساني، كي يؤنست الحواس ويثقفها، لتصبح حواساً إنسانية قادرة على معرفة العالم وتغيره، وهي باختصار في الاديان بحاجة إلى إعادة النظر في أنسنة الإله عبر الرسل والانبياء  والكتب السماوية، ورجال الدين والكهنوت واللاهوت.
لااحد يمكن ان يعيب على الكهنة في الاديان القديمة على تورايهم المخيف خلف جدران معابدهم ومحاولة اخفاء معالم الاله الحقيقي عن الناس برسم ملامح الهة اخرى من ابداع مخيلتهم التشكيلية او من ابداع مخيلتهم الحياتية اليومية لاسيما تلك التي تتعلق بالموجبات التي تفرضها الطبيعة " الطوطمية" على البشر بصورة عامة وانذاك، وكذلك على الكنهة الذين كانوا يريدون ان يستغلوا تلك النقطة او المعبر القسري الفرضي للطبيعة كي يمنطقوه ويفرضوه باسلوبهم الخاص على الناس العامة، هذه السمة التي رافقت الوجود البشري في مجتمعاته البدائية تقمصت الوان واشكال وافكار ومعيات مختلفة كلها كانت تؤكد ان الغاية تبرر الوسيلة، وبالتالي فان ذلك التواري او الحجب القسري لملامح الاله الحقيقي او حتى اظهار هيكله الرخامي كان من نتاج تحقيق الاسمى والذي كان يكمن في اخضاع الناس لمنطق الوجود الالهي، على هذا الاساس كانت تلك الاديان في الاصل عارية لاتملك من يجعلها تفقد عذريتها لانها كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بقيمة الحاكم السياسي القبلي المتحالف مع الحاكم الديني الكاهن، لذا الزواج كان ازدواجياً قسرياً..والعذرية كانت غائبة تماماً عنها منذ البداية.
وفي مراحل تطور التصور الديني للبشرية تحولت المصاغات الدلالية للالهة على لسان الكهنة ورجال الدين واللاهوت الى ادوات مستعصية لايمكن للبشر العادي ان يدركها لا بحواسه ولا عقله، فقط كان سدنة المعابد وكهنتها هم القادرين على ادراك الماهيات والمعيات والمستوجبات، لذا حولوا الاله الى اداة تحكموا بكل ما يتعلق به الا الموت ظل عصياً عليهم، ومع ذلك اصبحوا يمتهنون في احيان كثيرة باسم الاله صناعة الموت ايضا وذلك عبر تقديم الاضاحي والقرابين البشرية على نصب الاله، بشقيه الديني والسياسي، وهذا التصور لربما في وقتنا قد يجابه بالانتقادات والنفور لكونه لا انساني كما سيقال عنه، والغريب ان الانسان الذي خلق في عصور متاخرة دينه بنفسه وخلق الهته بنفسه من اجل التسامح والحفاظ على نقاء الروح البشرية، عاد ليغير ملامح الهه ليكون اداة اقصاء وقتل وتدمير للانسان نفسه، كما نعيش الان وقع تلك الترانيم الدموية التي تطلخ بها ايدي البوذيين ، مخالفين بذلك ليس فقط تعاليم الههم ومعلمهم وملهمهم، بل مخالفين بذلك كل مقدس سابق ولاحق لديهم، ناهيك عن الاديان الاخرى والالهة الاخرى التي استطاع الانسان من تدجينها تاريخياً وتوظيفها رغبوياً وفق غاياته التي لابداية ولانهاية لها، فتحولت السيخية مثلا الى اداة قهر لكل من لاينتمي اليهم، والهندوكية الى اداة قتل لكل من يعترضها، وتوالت الحقبات وتنامت الغايات، وتبدلت الوسائل، فصارت الحروب تقام باسم الاله، وصار للاله جيوش جرارة يقودها البشر المختارين من عند الاله والناطقين باسم الاله والحاكمين باسم الاله، وبذلك انغمس الشرق والغرب والشمال والجنوب برغبات الاله الجديد، وسفكت الدماء تحت وطأة اقدام جيوش الاله الجديد، فاضمحلت ما يسميه البشر بالحضارات في الغرب، وماوراء المحيطات" الهنود الحمر"، وفي كل الجهات، وكل ذلك يحصل باسم الاله على الرغم من كون الاديان  كانت قد اصبحت لديها معايير اخرى، معايير تستند على الرسالات السماوية، التي ارسلت من الاله الى البشر عن طريق المختارين، وليس بغريب ان تصبح مدنسة ما ان تطأ تلك الرسالات الخراب الارضي ويلسمها البشر بزواج غير شرعي حتى وان كان المختار قد تعمد بدموع الاله نفسه، فالاله اصبح كما تصوره الفلسفة القديمة محرك عاطل للكون جراء افعال البشر.
ليس هناك شك بان الكلام عن الرسالات والاديان امر سيغضب الكهنوت واللاهوت ورجال الدين بكل تصنيفاتهم، ولكن مع ذلك فالوقائع التي وجدت عبر تداولات كهنة الاديان للرسالات نفسها اوجبت ان نعترض على بعض ملاباساتها وموجوداتها الرغبوية كي نتيح لانفسنا فرصة الوقوف على حدود المنطق الرسالاتي، وبذلك ساستشهد ببعض المقولات من الاديان الرسالاتية الثلاث المسيطرة على اغلب اصقاع الخراب الارضي، ليس تناسيا وتجاهلاً للبوذية لكون الاخيرة قد تحولت بالفعل الى اداة قهر على يد اتباعها الحاليين وما يحدث الان في الشرق الاسيوي دليل على ذلك، لذا ساعتمد اليهودية والمسيحية ومن ثم الاسلام، وساحاول ان اضع بين ايديكم بعض النصوص التي وردت في كتب الاديان الثلاث او تناقلها الاتباع بعد سماعها من المختارين من الاله لحمل الرسالات.
لابد من غاية تبرر لي هذه الوسيلة، لانه لايمكن لعمل ان يخلوا من الغاية، واذا ما اتى احدهم بعمل وقال بانه بلا غاية فالعمل لن يكون في الاصل ذا قيمة، فقيمة الاشياء في غاية وجودها، وليس في كونها اشياء مجردة، لذا ساترك غايتي على مسرح التأويل لكل قارئ الحق في ان يقوم بتأويل غايتي ويحكم عليَّ بما يتناسب عقيدته ورسالته، ومع ذلك ادعوه بان يبحث عن كتابي" بشر يمتهنون صناعة الالهة" لادراك الرؤية التي اعتمدها في تفسير الظواهر الدينية الخاضعة ليكنونة الغاية البشرية.
في نصوص مفتوحة اتيح للبشر ان يقوموا بتأويلها حسب الحاجة والرغبة والغاية، ومن ثم فسرت جميع التبعيات التي نتجت عن تلك التأويلات على انها مجرد وسائل للوصول للغاية الاسمى، جعلتنا الاديان السماوية الثلاث نقف حائرين، فاذا كانت النصوص تبيح ذلك، فكيف بحاملي النصوص، المختصين بالابداع الفوضي، الابداع الشهواني، الابداع الدموي المقنن منذ بدء الخليقة، هذه النصوص كثيرة، لكن سنورد بعضها على سبيل المثال لا الحصر، ففي الديانة الرسالاتية اليهودية "ارميا  48 : 10  :  ملعون من يعمل عمل الرب برخاء، ملعون من يمنع سيفه عن الدم .." في المسيحية " لوقا   " 19: 27" ينقل لنا بعض النصوص التي يرويها عن الاصل المصدر لديه" اما اعدائي اولئك الذين لم يريدوا ان املك عليهم فاتوا بهم الى هنا واذبحوهم قدامي...." وفي موضع آخر " 22: 37"،  " فقال لهم لكن الان من ليس له كيس فلياخذوه ومزود كذلك ومن ليس له فليبع ثوبه ويشتر سيفاً.."، وفي الاسلام " ففي سورة التوبة (5) "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم"  ، وفي نفس السورة (36) " وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين.."  وفي اية اخرى من نفس السورة (29)"  قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ..".
تلك هي بعض النصوص الصادرة من الاله والمرسلة الى المختارين من البشر على الخراب الارضي، وضمن هيكلة دينية منظمة، لديها اسسها ومصادرها وكهنوتها ورجالاتها وليس اخيراً جيشها المنظم المدافع عن تلك النصوص باسم الاله وتحت راية الدين الالهي، اعلم يقيناً بان الخوض في المحكم والمشبه وفي الناسخ والمنسوخ وفي المتعلقات الرسولية التي وردت على لسان رجالات الدين والكهنوت واللاهوت، كلها ستعمل على تفسير المصوغات هذه وفق الدلالات الممغنطة التي تريد ان تصل الى الهدف الغاية عبر الوسيلة التأويلية المتاحة والمتناغمة مع صيرورة الحراكات والتوجهات الدينية لكل جانب، لكن هذا كله لن ينفع اذا ما عدنا الى الكتب التي تعد هي مصدر التشريع لدى هذه الاديان، باعتبارها مازالت كتب حية متداولة بشكل دائمي ومستمر وهذه النصوص لم تمسح ولم تتغيير فيها، وبالتالي فان الخوض في المعطيات التي وردت تلك النصوص من اجلها تكمن في الاصل في وجهة نظر القارئ وليس المفسر، لان المفسر لابد ان يكون منتمياً الى فرقة من الفرق الدينية التي لاتستسيغ الاخرى  ولاتتقبلها ولاتعطيها الحق ، اي ان كل فرقة تقصي الاخرى وفق منطقها، وهذا ما يعني ان الدلائل والقرائن التي قد تفسر المقولات الرسالاتية السابقة لكل الاديان ستكون في النهاية اراء حتمية من جانب المفسر، ولكنها ستبقى تداولية من جانب المتلقي، لكون المتلقي الواعي سيعرف طوعاً بان النصوص تنسب الى الاله، واذا كان الاله يريد ذلك على الرغم من تعارض الامر مع القيم التي تعرف بالانسانية الحديثة، فان المفسر لن يكون هنا اداة اعتراض للنص، بل سيحاول بكل الاشكال ان يبرر ويمنطق ويجمل ما قد يكون بنظر المتلقي القارئ مشوهاً او مثيراً للجدل، لذا بعيدا عن التنميقات الكهنوتية اللاهوتية الفقهية فاننا امام صورة شمولية للرؤية الالهية للعمل البشري على الخراب الارضي، هذا العمل الممنهج هو التقدير الاساس للحالة التي من المفترض ان يكون عليها البشر لا العكس، وبالتالي فان المصوغات الحديثة الساعية لاثبات الوجه الاخر للاله وللبشر هي في كل محاولاتها تدوير عكسي للمنطق الحتمي السبقي، والا فليقل لي احدهم كيف استطاع قابيل ان يبتكر سنة القتل دون الرجوع الى مصدر سبقي خالق للفكرة الجوهرية في عقله، كي يبحث العقل عن الوسيلة لتحقيق الغاية القتل.. لهذا نجد التفسيرات حول كيفية القتل او وسيلة القتل تتنوع بتنوع النظر الى الامر كأنه بشري مستسيغ اي بعبارة اخرى على انه امر عادي طالما انه صادر عن البشر الانسان، وعلى الرغم من التأويلات اللاحقة فانها كلها اتت لتصور الرؤية الطوبائية للحدث.
وكأن الوعي الانساني الساعي لتحقيق وجوديته وغايته عبر اية وسيلة متاحة ليس بامر قديم مرتبط بالوجود الاول للانسان، لذا فحين يقرأ النصوص الرسالاتية بتنوعها، وقد استساغت ماهية القتل، فانها في الاصل امور تبدو له طبيعية لكونه في البدء يميل الى الخروج على ما هو قيدي حتى ان حلت به رحاله في دوامة الانحطاط وهذا بالضبط ما استخلصه احد الحكماء حين قال" بان طبع البشر يميل الى الانحطاط والرذيلة والى الامراض غير القابلة للعلاج... حسبما يقول على شريعتي.." ، و الادهى والامر من ذلك هو ان الانسان دائما يبحث عن التبريرات لكل افعاله كي يقننها " يجد لها منفذ تشريعي"  من جهة ويجمل صورتها من جهة اخرى وهذا ما دفع بشخص مثل البير كامو ان يقول " انه من الواجب ان نشك في الانسان الذي يحتاج الى اسباب كي يبقى شريفاً.."، وليقل لي احد هل من انسان لايبحث عن طريقة ليبقى شريفاً بنظر الاخرين حتى وان كان غير ذلك، ان جملة المعطيات السابقة اثثت عوالم الانسان ضمن الرؤية الدينية، كما انها وقفت على معالم الاديان بعدما احتكرها الانسان، فتحول الاثنان الى اداة قتل ودمار مقننة وذلك للوصول بالاول " الانسان " الى عتبة الالوهية التي يبحث عنها منذ البدء وكي تصبح المعوقات مجردة من اسبابها فيحق له اتباع اية وسيلة مهما كانت وحشية ومنحطة ومبتذلة لتحقيق غايته، وهذا ما اسميه بالزواج العرفي بين الاديان والانسان، بحيث فقدت الاديان عذريتها على يد الانسان بدون ان تستطيع الاديان وضع تشريع يحد من استغلال الانسان لنصوصها وتحريفها وفق نهج ذاتي شخصاني.

56

انثيالات الرُّؤى وتجلِّيات التَّنوُّع عبر محيطٍ نثريٍّ شعريٍّ فيّ ديِوان" عابر الى القٌدس" للشاعر الكبير محمد خالد النبالي
جوتيار تمر/ كوردستان

في ديوان "عابر الى القدس" بعيداً عن الجدل حول ماهيَّة النَّثر الشِّعري ومقارنته بالشِّعر المنثور، إنّنا هنا أمام جدليّة أخرى استطاعت أن تمزج حقولاً منوّعةً من موجبات التّأمل الأدبي، سواء من حيث الأداء اللّغوي أو خلق الصّور أو فتح الأبواب أمام الإيقاعات الدّاخلية الشّعرية وفتح الآفاق والحقول أمام الرُّؤى ضمن تشكيلات بلاغيّة اعتمدت القوّة البيانيّة أحياناً والسّرد المحقّق للغاية أحياناً أخرى والتّكرار كنهجٍ وآليةٍ توكيديّة في محطّات وتداخلاتٍ أُخرى،وهذا ما يحقّق للدّيوان هدفه المنشود باعتباره أنه استطاع أن يجعل النَّثر يقول ما يقوله الشِّعر الحقيقي، وحرَّر النَّثر من نثريَّته، ممّا أوحى بإيلاء أهميّة للّغة لفظاً وتركيباً، وهذا ما يفسّر سيادة الخبر أحيانًا في النّصوص، والإحالة على العالم الخارجي والتّغاضي عن جمالية اللّغة الى جمالية الفكر حيث يطغى المدلول على الدّال في أحيــان أخرى، فقد برزت في الديوان التدفّقات الوجدانية وهيمنة الصّوت الباطن والمناجاة الغنائيّة المسترسلة والصّور الكليّة وشاعريّة الرُّؤى والتّرميز والتّكرارات والتّوازيات والتّكثيف، ممّا جعلنا نعيش الرؤُّى وفق تداعياتها ومعطياتها ومنطقها المخصوص في أحيان كثيرة، فبدءًا من العنــــــوان
( عابر إلى القدس) الّذي وجدته يحمل سمة الوظيفة الأنطولوجية حيث يقول د. خالد حسين عن هكذا عناوين بأنّها تهب النّصوص هويتّها ومكانها في الوجود، وتخرجها من العماء الى التميُّز والاختلاف، وتمثل دور التّعيين للنّصوص في الكينونة، وقد استطاع الشاعر من خلال توظيفه الأنطولوجي للعنوان أن يفتح أمام المتلقِّي تلك الآفاق التي يريدها كي يبحث عن الموصوفات والتّحديدات والتّراكيب الّتي ترسم ملامح هذا العابر.
ارتكزت معالم الدّيوان على معايير تعلِّل السَّببيَّة الَّتي جعلت الشَّاعر ينقاد إلى مثل هذه التّجربة باعبتارها تجربة خضعت لتنوّعات تجنيسيّة أدبيّة مالت في أغلبها إلى النَّثر الشِّعري مع انفلاتات أعطت سمة التّنوّع للدّيوان، فالشّاعر خلال توظيفاته الدّلالية استطاع أن يؤثِّث عوالمه عبر جملة مكوِّنات منها اللّغة المكثّفة كما في نص ( عابر إلى القدس)..
 مَـا ذَنـْبـُـهُ الـقُـدْسُ الـعَـتِـيـقْ
حِـينَمَـا أَضْحَـى غَـرِيـبَـاً
مِـثْـلَ طِـفْـلٍ فِـي ظَـلاَمِ اللَّـيْـلِ
يـَبْـكِـي يـُتْـمَـهُ فَـوْقَ الطَّـرِيـقْ
وفي نصوص اخرى كنص رأيت وما انتيهت..
رَاهَـنْـتُ أَنـِّي لَـسْـتُ أُهْـزَمُ
لَـسْـتُ أَخْـسَـرْ
أَنـَا مَـا خَـسِـرْتُ وَإِنـَّمَـا أَنـَا
لَـسْـتُ أُنـْصَـرْ
واللّغة السّردية الّتي حاول الشّاعر من خلالها توظيف رؤًى عبر سلسلة حكائيّة بلاغيّة متداخلة كي يستقطب من خلالها الزّمنية ليوظفها في الآنيّة الواقعيّة، كما في نص دنيا لاتعرف النّبلاء .." فِـي هَـذِهِ الـدُّنـْيَـا حِـكَـايـَاتٌ غَـرِيـبَـةْ .." ونص في ذات يوم " فِـي ذَاتِ يـَوْم حِـينَـمَـا سَـافَـرْتُ مِـنْ قَـوْمٍ لِـقَـوْم.. " فقد غاب هنا عنصر الانكسار البلاغي وبرز عنصر الرويّ الميم الّذي أغنى النّص بالإيقاع، وهذا ما لمسته في نصوص أخرى عديدة ، حيث السّرد البلاغي مهيمن ومثير في الوقت نفسه للصّور المتداخلة عبر الملامح الزّمنية. ومن ضمن ما اعتمده الشّاعر في مكوّنات ديوانه الإيقاع الّذي يدخل ضمن ما يميز النّثر الشّعري وهذا الإيقاع تفاوت في تشكيلاته وتناغمه بين ما يوحي بوزن وقافية وأخرى داخليّة متّقدة ..
وَأَنـَا بـِقَـلْـبِ اللَّـيْـلِ أَمْـشِـي
حَـائِـرَاً مَـا بـَينَ أَيـَّامِـي وَأَمْـسِـي
لاَ أَرْضَ لَـكْ ...؛لاَ أُمَّ لَـكْ
لاَ حَـقَّ لَـكْ
أَنـْتَ تـَارِيـخٌ هَـلَـكْ
إيقاع وزني متشكّل في نص عابر القدس وأطفال الملاجئ، وآخر داخلي متّقد كما في نص رأيت وما انتيهت ..
سَـكِـرْتُ  وَقَــدْ أَفَـقْـتُ
رَأَيـْتُ  وَمَـا انـْتَـهَـيْـتُ
وعلى هذه الشّاكلة تبرز في نصوص أُخرى الإيقاعات المنوّعة الّتي تتداخل في مضامينها معبّرة عن تلك التّدفُّقات الشُّعوريَّة المتَّقدة جوانيّا، داخليّا عند ذات الشّاعر وتتجسَّد إيقاعياً وتبرز كرؤًى مفجِّرة للكينونة البلاغية الدّلاليّة.. ويضاف إليها تلك الحقول الّتي تعبّر عن الملامح الفكريّة الّتي يتبّناها الشّاعر في نصوصه كي يضع المتلقّي في دائرة الحدث النّصي لا كشاهد وقارئ فقط، وهذه الحقول نجدها موزّعة بشكل تناسبيٍّ في نصوص الدّيوان ونختار ما رسمه الشّاعر في نص عرب في اتّجاه الرّيح ضمن ماهيّة هذه الحقول..
كُـلُّ الـعَـوَاصِـمِ فِـي بـِلاَدِي تـَجْـهَـلُالحُـرِيـَّةَ العَـصْمَـاءَ
تـُـتْـقِـنُ كَـيْـفَ (الصَّمْتُ يُباع)
هَـذِهِ الـبُـلْـدَانُ
 تساوي مَـا بـُعَـيْـدَ صِـفْـرٍ فِـي حِـسَـابِ الـقَـوْم
يـَا بـِلاَدِي لَـيْـسَ يـَنْـفَـع أَيُّ لَـوْم
وفي نص ماضِ في طريق الخوف " فِـي طَـرِيـقِ الخَـوْفِ تـَجْـرِبـَةٌ مَـرِيـرَةْ .." وأيضا في نص دورة حياة " كُـلُّ شَـيْءٍ فِـي بـِلاَدِ الـنَّـاسِ يـَأْتـِي كَـالـبِضَـاعَـةْ .."، فهذه الحقول لاتفتح أمام المتلقّي المساحات التخيّليّة فحسب إنّما تستفزُّ ذهنيَّته كي يواكبها عبر التداخلات الزّمكانية الّتي بدورها تُؤثِّث عوالمه الذّاتية لتتشابك مع عوالم الشّاعر، وهي بالتالي تفتح آفاقاً أخرى أمام المتلقِّي، والشّاعر نفسه يستغلّ تلك الحقول كي يحقق بالتقاطاته الصُّوريّة والبلاغيّة آفاقاً أوسع وهذا ما يتجلّى في نصوص عديدة حيث الآفاق تتَّسع باتّساع رقعة وجغرافية الرؤيا لدى الشّاعر ..
لأَنـَّـنَـا بـِالشِّـعْـرِ نـَشْـعُـرُ أَنـَّـنَـا فُـرْسَـانُ حَـقْ
كُـلُّ ذَلِـكَ حِـيـلَـةٌ
وَالحَـقِـيـقَـةُ أَنـَّـنَـا مِـن دُونِ تـَفْـرِقَـةٍ
محضُ رِقْ
 فهذا التَّجليّ الأُفقي يتّقد في نص عرب باتجاه الرّيح حيث يخرج الشّاعر من كينونة العنونة نفسها إلى آفاق تعدُّديّة الدّلالة لاسيما من حيث استغلال الرّقعة البلاغية فيما يتعلق بالشِّعر والانتمائيَّة الغريزيّة للماضي البياني البلاغي ومن ثمّ إلى الواقعية التي تبرز بانه لم يتبقى لهذه الانتمائية سوى التّفرقة.. والعبوديّة (الرّق)، ومثل هذه الرؤى المتنامية تكثر في نصوص الشّاعر لتفتح أمام المتلقِّي ممرَّات منها يَلِج إلى آفاق أبعد يتمخّض عنها ماهيّة وجوده وماهيّة ماحوله..وممّا ساعد الشّاعر على بلوغ مراده هو امتلاكه لتلك الرُّؤى الشِّعرية الَّتي تمنحه مع الانضباط الفكري الانتمائي الجرأة في الطَّرح وكسر القيود كما في نصوص وأطفال الملاجئ..
أَنـْتَ لُـعْـبَـةُ قَـادَةِ العُـرْبِ الأَشَـاوِسْ
مَـا عَـادَ فِـي أَرْضِ العَـرُوبـَةِ مِـنْ فَـوَارِسْ

 فالخروج عن المألوف والسائد لايتمُّ إلا من خلال الطّرح الجريء المنفتح على الواقع بجدليّة القائم والممكن والمتضادّ معهما، وهذا ما حقَّقه الشَّاعر أيضا في ديوانه حيث استطاع من قيادة ثورته البلاغيّة على ذاته اولاً وعلى انتمائه..ومستغلاً في الوقت نفسه تلك المساحات الخبرية المتاحة والصُّور الرّامزة الّتي تحيل المتلقي إلى استنطاق ما في اللّاوعي ليكتسب الوعي صورته الثورويّة ففي نص عابر القدس يعطينا الشّاعر عبر المنتج الخبري البلاغي " صَـلَـبَ الـيَـهُـودُ مَـسِيـحَـنَـا .." وفي نص فلسفة المحارب " الحَـرْبُ خُـدْعَـةْ الحَـرْبُ بـِدْعَـةْ.." لمحة خبرية متاحة لكنّها تجسّد في مضمونها حقائق عالقة في اللّاوعي وتبرهنها الوقائع الحدثية الآنية ، بصور متعددة تتجسّد في خبريات مشابهة مضموناً وأسباباً وأهدافاً، وذلك ما يحفز المتلقّي على التّلاحم مع الحدثيّة ولربّما تتّقد في دواخله محفّزات على النّهوض والتحرُّك.. وبهذا الأسلوب المتنامي تتنوع المكوّنات النثريّة الشّعرية في الدِّيوان لتصل بنا الى دائرة التّكرار الّتي اعتمدها في نصوصه، سواء من حيث التّكرار التدويري للرّؤيا او اللّفظي، فمن خلال تدوير فكرة القدس والتّخاذل الحاصل تجاهها نجد ماهيّة التّكرار التّدويري، أما التّكرار اللّفظي فهذا ما يبرز في نصوص أخرى نلامس فيها غرضيّة توكيديّة للرّؤيا كما في نص دنيا لاتعرف النّبلاء..
فِـي هَـذِهِ الـدُّنـْيَـا حِـكَـايـَاتٌ غَـرِيـبَـةْ
فِـي هَـذِهِ الـدُّنـْيَـا نـَرَى الأَحْـلاَمَ
وَالآمَـالَ وَالـبَـسَمَـاتِ
وفي نص شهيد ساخن الدّم .. ونص رأيت ذات يوم و نص أنا ونص فارس على سرير الموت حيث نلاحظ فيها تجسدات تُنمِّي بتكرار اللّفظ الرّؤيا وتعمل على تأكيدها عبر تلازميات منوّعة لصوريّة مختلفة.

#جوتيار_تمر                            18/11/2015
                                                       


57
الفضاءات الشعرية تنفتح في ديوان" حكاية تروي البحر"
جوتيار تمر
لايتجاوز الوعي الابداعي الانساني الموجودات التي تحاكي ذاته، وتنشأ علاقة وطيدة مع سياقه الوجودي من جهة، وسياقة التاريخي من جهة اخرى، هذا ما يقدمه لنا ديوان " حكاية تروي البحر"  المتضمن ل (35) نص شعري مميز، وذلك عبر حالة شعرية ذات خصوصية واضحة، وبراعة في ابتكار اللغة والصور بعيداً عن ما هو مألوف من خلال فضاءات شعرية متنوعة اثمرت نضجاً ووعياً متنامياً لدى الشاعر في ديوانه الرابع، من العنوان نلمس قيمة الوظيفة الاغوائية او التاثيرية  التي انتهجها الشاعر وذلك بوصفها آلية ذات طابع تحريضي، تنطوي على فعل القراءة الذي يعد بشكل من الاشكال ممارسة تفكيكية من حيث هي قراءة في دوال النص وآلياته، ومن ثم نلاحظ تلك المساحة والفضاءات الشعرية التي اشتغل عليها سواء من حيث فضاءات النفس او الواقع او التاريخ.
وتعتبر فضاءات النفس هي من مرتكزات هذا الديوان باعتبار ان الذات الانسانية تقبع في خضم هذه التجربة بين معطيات تفصيلية منوعة منها تلازمية ومنها تفاعلية واخرى شعورية لايمكن حصرها في اتجاه محدد دون الاخذ بنظر الاعتبار الاتجاهات الاخرى حتى ان كانت مغايرة ومتضادة معها، وعلى هذا الاساس عاش شاعرنا فى مهمة لا تنقطع، يبحث باستمرار عن ذاته الحقيقية، ويسعى لتعريف العلاقة بينها وبين العالم، ومن هنا كان يقدم ذاته ويطرح نفسه كمشروع إنساني لا يقف وراء ستارة بل تجد ذاته حاضرة في اغلب ان لم نقل كل نصوصه " وانا حبل ممزق انتظر / حورية البحر" و " ماعدت ادرك لي ارادة/ طيف" و " لكنك لاتأمرين بسوء وانا لاادري/ تزواج القناديل" و " أتسحر والغراب يأكل من رأسي/ تجلت الاقمار" و" انا اسافر لوحدي/ انفاس المطر" و" انا ظلم لنفسي/ اعصار الحب" ووردت انا بصورها المختلفة في نصوص اخرى كنص شمس اخرى وغياهب الشوق ورحيل النوارس مما يشير وبوضوح الى تجلي الذات في التماساته الوجودية وترويه الصوفي.
على هذا الاساس نجد بأن فضاءات النفس اخذت حيزاً كبيراً في الديوان بل وكما اسلفنا القول شكلت احدى اهم مرتكزاته وهذا ليس بامر غريب على الشعر الحداثي الذي تعتبر فضاءات النفس هي الاقرب الى وجدان الشاعر والاعمق في تشكيل تجربته الشعرية والاصدق في التعبير عن معاناته وهمومه واماله والامه واحواله واندهاشاته وقلقه واغترابه وانكساره وانتصاره وقوته وضعفه كما يقول " د. احمد الزعبي" .
لقد تمخض عن فضاءات النفس جملة قيم تقويمية ذات علائقية واعية بالذات الشاعرة وشكلت من خلال مكوناتها وتراكيبها الدلالية معالم صورية مبتكرة منتمية بوجوديتها الى الذات، ومعبرة بنسقها التوظيفي عن مدى المؤثرات البرانية والتي تمثلت في الكثير من الاحيان بالبحر وماسواه في السياق الاجمالي للنصوص.
اما فضاءات الواقع  فقد انبثق منها صور اغترابية اخرى تتناسب الانغماسات الذاتية في العمق الوجودي المنحاز هنا الى التشاؤمية او العدمية باعتبارها صورة مستنبطة من منطومات الواقع نفسه، سواء على المستوى الاجتماعي او العاطفي او الثقافي او غيره من المستويات التي ساهمت في تشكيل رؤية الشاعر وموقفه وفلسفته في الحياة والوجود، وكذلك في بلورة رسالته من خلال الشعر ففي قصيدة الدمع خارج المجاز تجلى هذا الاندماج الحتمي " كان العالم معطوباً وطال انتظاره للمعجزات.." لتعبر بوضوح عن رؤية الشاعر وعن فلسفته وموقفه من الواقع، الذي يمر بتحولات غير مسبوقة في منظومته القيمية على اغلب الاصعدة.
وفي سياق فضاءات التاريخ نجد توهجاً واضحاً في منظومة الشاعر الدلالية وتماهياً مع دوائر انتمائية موروثة واخرى انسانية تتناسب مع قراءة الشاعر للوجود لكون قراءته للتاريخ بلاشك ستختلف عن قراءة الاخرين فهو يقرأه من منظور وجداني تأملي ثم تخزن في اعماقه هذه التأملات والانفعالات حتى اذا ما جاءت لحظة ولادة القصيدة وجد هذا المخزون الوجداني المتراكم يتسرب الى عالم القصيدة ويشكل ارضية يبني الشاعر عليها رؤيته وموقفه واحلامه بل وتنفتح امامه افاق ومديات ربما لم يكن يتوقعها " تفتح كل بوابات التاريخ امامي، فانا من الاغريق، وظلي من مصر القديمة../كهرمان العقيق"، وفي قصيدة زجاج لايلين نراه يتقمص دور الصوفي الذي يرى في الذات الملهمة له بانها كل الوجود وكل الحضارات" انتِ الحضارة القديمة والجديدة..."، وبهذه المحاكاة وذاك التماهي نرى ان شاعرنا استغل تلك الفضاءات الشعرية بآليات وتقنيات حداثية موفقة.
كل تلك المرتكزات استطاعت ان تقدم لنا ديواناً شعرياً مميزاً ومتفرداً سواء من الناحية البنائية والتوظيفات الدلالية والصورية او من الناحية الشخصية حيث جعلتنا نلامس قوة شخصية الشاعر وموهبته التعبيرية التى تطرح ذاتا متفردة فى وجودها وعلاقتها مع الموجودات ضمن دائرة التشظى وكسر التابو.
كورستان العراق
26/7/2014

58
المنبر الحر / لا معقولية الرفض
« في: 17:33 14/08/2017  »
لا معقولية الرفض
جوتيار تمر/ كوردستان
10/8/2017
تسير الاحداث في الشرق الاوسط بوتيرة متصاعدة، حراكها فوضوي لاتعطي للمتتبع اية انطباعات حول ماهية المرحلة، او حتى حول المنطق الذي يمكن ان يتبناه لخلق فرضية يمكن من خلالها الاستدلال على الموجبات التي عليه اتباعها للتعامل مع المرحلة، فاغلب البؤر الشرق اوسطية تعيش وفق معطيات السبات الوقتي، فما ان تهدأ الاوضاع في بؤرة من بؤرها حتى تجدها تفور في اخرى، وهكذا تبقى المنطقة في فوران دائم، فوران يخلف ورائه الالاف من الجثث والايتام والارامل، فلاتخلق فقط الحقد القومي والديني والسياسي فحسب، بل تخلق حقداً وانفلاتاً اجتماعياً مبنياً على معطيات لايمكن تجاهل عواقبها، هذه البؤرة الموبوءة منذ البدء، لم تزل تفرض ايقاعها اللامنطقي على جميع القوميات المتجذرة فيها، ولم تزل تفتح ابواب الدمار وسفك المزيد من الدماء امام المتسلطين عليها باسم الاصالة والتجذر والقِدم، او لنقل الذين يعتقدون بانهم الاحق بالتواجد هنا على حساب الاخرين لكونهم اصحاب اديان رسالاتية او حتى حضارات من ورق ووهم لم يستفيدوا منها سوى بالاسم، بل حتى لم يكلفوا انفسهم باعطاء سمة الاستمرارية لها، فحولوها الى سهم في خصر البشرية اجمع، لكونهم لم يملكوا العقل الناضج المنتج الذي بامكانه الاضافة، فقط كان ولم يزل لديهم العقل الاستهلاكي الذي يقتات على بقايا الماضي من جهة، والتقليد الاعمى من جهة اخرى، فكل ما يستخدمونه ليس الا منتج غريب امتلكوه بالاموال التي بين ايديهم، تلك الاموال التي وقعت بين الايدي الخطأ منذ البدء، الايدي المتسخة المتآكلة الملطخة بدماء البشرية.
هذه الافة التدميرية لاتحتكر على شعب او قوم دون اخر، فاغلب القوميات التي توجد في هذه البؤرة تعيش نسقاً متناغماً قريباً الى حد ما، مع وجود فروقات بسيطة من حيث التأثيثات الانتمائية وفق منطق السلطوية، فكل من الفرس – المجوس والصفويون – حسب منطق العرب والترك ، والاعراب – العرب – حسب منطق الاخرين ، والاتراك – الترك- حسب منطق الاعراب والفرس ،هولاء كانوا ومازالوا يجدون انفسهم الاكثر حقوقاً في المنطقة سواء بأسم الدين او باسم السلطوية التي اعتمدوها منذ قرون طويلة، في حين تجد بأن الكورد – الاكراد – حسب الرؤية العروبية الاسلامية والفرس والترك ليس لديهم اية حقوق، كما ان اليهود- الصهاينة – حسب الرؤية العربية الاسلامية الفارسية التركية ايضاً دخلاء مغتصبين، وباقي القوميات كالاشوريين والكلدانيين وغيرهم كل هولاء عليهم تقبل الوضع الراهن كما هو، ودون اية مطالبات قد تخدش الحلم السلطوي للفيئات المغتصبة الاولى من المجوس الصفويين والاعراب والاتراك.
هذه الفوضى الدينية التاريخية والسلطوية المغتصبة اجبرت الكثيرين ان يعيشوا وفق منطقهم المخصوص وبالتالي ترسخت لديهم منطق الرفض للاخر بداعي الانتماء الوطني، وهذه التسمية الاخيرة المتعلقة بالوطني اضحت احدى اكثر الافات التي تضعف الداخل القومي والديني معاً، وحين نتتبع تاريخ المنطقة اجمالاً سنجد بان اغلب النعرات التي حدثت ووجدت لها صدى اوسع من حجمها كانت بسبب هذا الولاء المسمى الوطني مع انه في الاصل ليس الا احدى النعرات التهكمية التحكمية الاستبدادية التي تطمس معالم انسانية الانسان الحر وصاحب الفكر النير وصاحب قومية اخرى لاتنتمي باي شكل من الاشكال لتلك القومية صاحبة النعرة الا من باب الدين الذي تحول الى لجام حول اعناق القوميات الاخرى كي تبقى خاضعة لاصحاب النعرات والسلطات.
هذه الافة خلقت في النفوس نوع من الوهن التاريخي، بحيث تجد بان الدين المتسلط اصبح يجبر الاخرين على الانصياع باسم الخليفة والسلطنة، والنتيجة التي لايمكن الشك بها انها خلفت الملايين من الضحايا في اصقاع المنطقة، وخلفت تخلفاً وافات ووباء لايمكن الحد من انتشاره سابقاً وحالياً، وهذا الوباء تفشى لدرجة انه امتلك نفوس بعض ابناء القومية والدين الواحد تجاه بني جلدته ودينه وقبيلته وعشيرته ودولته، وهذا بالضبط ما جنيناه نحن ابناء الشرق الاوسط من تفاقم الرؤية السلطوية والدينية بحيث اصبحنا نعيش فقط على حيثيات تلك الرؤية وتبعياتها التي لاتمت بالواقع بشيء، انما هي اجمالاً فرضيات مبنية على وهم التاريخ ووهم السلطوية ووهم القِدَم ووهم الاحقية.. وبالتالي ما ان ننظر الى هذه البؤرة حتى نجد بأن كل الاثنيات القوميات فيها باتت مهددة بالتلاشي وفقدان الهوية فالترك في صراع ازلي لاثبات وجودهم للغرب، والفرس مازالوا يعيشون على حلم مد هلالهم الشيعي، والعرب وما ادراك ما العرب كانوا ومازالوا يعيشون على وهم " كان ابي "، وبالتالي فان الضحايا الابرز لهذه الحلقة الهيلامية هم الكورد واليهود والاشوريين وغيرهم من الاقوام التي تعيش في المنطقة حتى قبل ظهور ملامح تلك القوميات الاخرى، او على الاقل كانت تزامنية معهم.
الوباء الشرق اوسطي الوهمي المبني على اسس التفاضل الذاتي وتهميش الاخر او اقصائه بات الان اكبر تهديد على البشرية اجمع، وفي كل بقاع الارض، حيث انتشرت النعرات الفوضوية هذه لتصبح اداة مقيتة تزيح الاخرين وتهدد الامن والسلام العالمي، فمن خلال تمرير الفكر الاقصائي لهذه البؤرة انتشر الارهاب في العالم، ومن خلال تمرير الفكر السلطوي الاوحد لهذه البؤرة اصبح العالم ينام على وقع ضحاياه ويستيقظ على وقع طبول الحرب التي لانهاية لها، فمن حارب مائة عام من اجل "جَمل/بعير " لن يتوانى ان يفجر نفسه في اي مكان، ليس لكونه يحمل تلك الشجاعة التي يدعيها، لكن فقط لكونه يقتات على بقايا " كان بي " او يقلد بصورة اعمى شيئا اكبر منه بكثير.. فهو في الاصل لاينتج ولايضيف .. لكنه صاحب الفكر الاستهلاكي فحسب، وهذا الفكر يمكن ان يتم تمريره من خلال قنوات عديدة، كلها تصب في مصلحة من يمرر، وليس من يكون اداة تنفيذ فحسب.. ولعل ابرز سمة تجدها عند هولاء هو الرفض القاطع لاية استنتاجات تؤدي الى اظهار عيوبهم، او تخلفهم،او اندماجهم غير الشرعي بالواقع العالمي، او حتى انهم فقدوا هويتهم، واصالتهم الوهمية، هذا الرفض لا يتوقف عند القاعدة الشعبية فحسب انما هي اساس السلطوية التي تنشر هذا الوباء المقيت، وتلبسه رداء الهوية القومية والدينية وبالتالي نجد الملايين ينصاعون دون وعي لحركة الاقصاء والحقد.
سمة الرفض للاخر الاقصاء هي احدى اهم منتجات الشرق الاوسط، هذا المنتج بكل الالوان التي يظهر بها ليس الا نتاج مبني على اسس لاتنتمي الى الانسانية باي شيء، على الرغم من كونه صادر من البشر، ولكن يغلب عليه الطابع الفوضوي البشري الساعي لخلق الهتهِ بنفسه، كي يمرر قوانينه عبرها ويتسلم هو زمام  الامور فيقصي ويعدم ويسبي وينشر الوباء ويقتل ويفعل كل شيء باسم الهتهِ قوميته دينه.. ويرفض في الوقت نفسه ان يُتهم بانه خارج عن الدين او مقيت من بني جلدته، وعلى هذا النمط الاستهلاكي تعيش المنطقة باكملها على فوهة بركان لايحتاج الى وقت طويل كي ينفجر، لكونه منفجر في الاصل وبشكل دائم، لكن فقط درجة الانفجار تكون متفاوتة من وقت الى اخر.
سمة الرفض اداة اختزلها ابناء المنطقة فترسبت الى جميع القوميات، واصبحت كل قومية تستخدم تلك السمة وفق منطقها وحاجتها، فالرفض العربي لليهود يقابله رفض يهودي للعرب، والرفض التركي للفرس يقابله رفض فارسي للترك، ورفض الاثنين للعرب يقابله رفض العرب لهما، وكذا تستمر المعادلة دون توقف، ولكن في الوقت نفسه نجد رفضا عربياً عربياً وتركياً تركياً وفارسياً فارسياً........ وهذا ما يفرض قاعدة اخرى هو الرفض الداخلي لبني الجلدة الواحدة، هذا المرض تفشى بصورة سريعة، واصبح الان يغطي مساحات واسعة من المنطقة، وبات يهدد بانفجارات اخرى اكثر جسامة واكثر خراباً .. لكونه امتد الى القوميات الاخرى التي باتت هي الاخرى تعيش وفق منطق التصارع الذاتي، في حين ان ظروفها سواء على الصعيد السياسي او الاقتصادي او حتى الاجتماعي لاتسمح لها بالانقياد لهذا المنطق المعدي المقيت، فباستثناء اليهود لكونهم متماسكين وفق منطق ديني اثني بحت، نجد بان اغلب القوميات الاخرى تعيش فترة من الضياع الوجودي، فالاشوريين مثلاً منقسمين في المنطقة بين موالين للحكومات المركزية التي يتواجدن ضمن نطاق وحدودها، ورفض الانفصال عنها وبين حلم خلق منطقة محايدة لهم بحكم ذاتي  او ادراة ذاتية ك– سهل نينوى -، كما يحدث الان في العراق الطائفي، وفي الوقت نفسه نجد الكورد يعيشون هذا المنطق الغريب، فعلى الرغم من كونهم منقسمين في الاصل بين اربعة دول " تركيا – ايران – العراق – سوريا " نجد بأنهم في كل جزء من هذه الاجزاء منقسمين على بعضهم البعض، وفق تيارات غير منسجمة، فبين تيارات سلمية واخرى مسلحة نجد صراعا في تركيا وايران، وسوريا التي تيعش فوضى عارمة، اما في العراق وهذا الاكثر غرابة نجد ان الكورد في كوردستان الجنوبية يعيشون حالة من الاستقرار الامني والسياسي الذاتي باعتبارهم يحكمون انفسهم بانفسهم ولهم حكومة ومؤسسات شبه مستقلة عن المركز العراقي، الا انهم في هذه المرحلة بالذات يعيشون منطقاً غريباً، فالحلم الكوردي في الاستقلال بات وشيكاً ولم يتبقى سوى اقل من شهرين لاجراء الاستفتاء الذي ان حصل على اغلبية صوتية سيكون الاستقلال هو النتيجة الحتمية، ولكن مع ذلك تجد هناك اصوات تبرر رفضها للاستفتاء بامور مهما بلغت من مصداقيتها او واقعيتها لاتخرج من دائرة الحقد الشخصي والكره الحزبي، فتبحث الاصوات الرافضة عن المبررات الواهنة للرفض وهي في الاصل ليست الا الاقلية باعتبار ان الاغلبية ذات الانتماء الحزبي يشكلون قاعدة للاستفتاء والاستقلال، ولكن الغرابة تكمن في الرفض غير المبرر وغير الممنطق لكونه في كل ومجمل احواله متعلق برفض حزب او شخص،  وهذا ليس ابدا مبرراً لفقدان هذه الفرصة التاريخية التي يصعب ان تتكرر تحت ظروف مشابهة من تأييد دولي للبيشمركة الكوردية، ان الرفض وحسب اغلب المقالات والرؤى التي تابعتها شخصياً وجدتها تنصب في خانة واحدة، وهي ان الرافضين لايتقبلون الحزب الفلاني والشخص الفلاني كي يقود هذه المسيرة فتاتي كلماتهم كلها منصبة على افراغ حقدها على ذلك الحزب او الشخص، فمقولة ان الاستفتاء حزبي لايبت للواقع بشيء، كيف يكون يكون حزبياً ولدينا ثلاثة اهم احزاب كوردية في الجنوب الكوردستاني يسابقون الزمن لاجراء الاستفتاء ( الديمقراطي الكوردستاني – الاتحاد الوطني – الاتحاد الاسلامي – فضلا عن وجود ممثلين لبعض الاحزاب الاخرى من الانتماءات القومية المختلفة ) وبالتالي نجدهم يبحثون في الزوايا المعتمة عن كل ما يبرر رفضهم غير المنطقي، وجل ما يكتبونه او يصرحون به هو نابع عن هذا التصور اللامنطقي ايضاً، ناهيك عن التداعي المنحط في التصور نجدهم يثيرون القلق والفزع في الاوساط الداخلية ويعزفون على وتر حساس " فوبيا الازمة " التي جعلت روابط الحكومة بالشعب واهنة، لكون الازمات متوالية على الشعب منذ سنوات لاسيما بعد الحرب الضروس مع داعش الارهابي، والصراع الدائم مع المركز الطائفي، فبدأت الاصوات القليلة الرافضة تعزف لحن انقطاع المواد الغذائية واغلاق الحدود مع ايران والكثير من هذه المعطيات غير الممنطقة امام الحصول على الاستقلال وانشاء كيان كوردي مستقل، ناهيك عن عدم التفكير بان فشل الاستفتاء ليس الا عودة الى الحض الطائفي الذي يمقت الكورد تاريخياً، وفقدان المناطق الكوردية التي حررها ودافع عنها البيشمركة، فضلا عن انهاء مرحلة سياسية مفعمة بالنشاط الدولي للكورد، والتأييد العالمي للكورد.
 


59
أدب / سليلة أميديا
« في: 18:37 10/08/2017  »


سليلة أميديا


جوتيار تمر/ كوردستان

هكذا قالت تباريح الصباح
وهي تطوف في ظلّ أنثى
أنت يا سليلة أميديا
حولك يتطاير عطر الاساطير
ويغتسل التاريخ بالوان المجد
أنت البدء....
تحملين بكارة الأرض
متشحة بأسرار الملوك القدامى
مرّي هنا.. تحت شرفة الصبايا
عندما يلمع بريق الرصاص
فوق أرض تشكّلت من دم وبكاء
لتفتح لك الملائكة ابواب الكون
أنت يا سليلة حلم الأنبياء
آلهة محمّلة بمدى الاقمار
ترسمين وشماً في خضرة  الاشجار
اخرجي من صمتك..
فكِ قيود المسافات
انتفضي على اعراف القبيلة
وادفني وباء الولاء للصحراء
تعالي نعلن للرّيح...التّمرد
لأرسم ارضاً اخرى في عينيك
تعالي نكتب تاريخاً.. ليس فيه الا انتِ وأنا
وذاك الذي نخلفه من تمازجنا
من ارتواء الشمس بندى النرجس



60
المنبر الحر / انفلاتات بلا رقابة
« في: 11:15 31/07/2017  »
انفلاتات بلا رقابة
جوتيار تمر/ كوردستان
29-7-2017
بيركلس احد القادة اليونانيين في اثينا خطب في الناس بعد حرب طويلة مع اسبرطة وقال لهم :"نحن نستخدم ثروتنا، لا للمباهاة الباطلة، بل كأداة للعمل، ليس من العار عندنا ان يعترف احدنا بفقره، وانما العار ان لايحاول الافلات من ذلك الفقر، ولكم ترى من رجالنا من يخدم مصالحه الخاصة والمصالح العامة معاً، وكم منهم من يجيد فهم المسائل السياسية رغم عدم احترافه لها، وذلك لاننا لانعتبر من يتجنب السياسة رجلاً حريصاً على راحته ، بل كائناً لا فائدة منه، ونحن نعرف كيف نفهم مصالح الدولة، ونكشف عنها بانفسنا...".
في الشرق الاوسط فهم السياسة نابع من مصدر الانتماء القبلي والديني والمذهبي والطائفي، ولا سياسة خارج هذه الاطر، فالمصالح حتى داخل الدولة الواحدة هي للقبيلة الحاكمة، او الدين الحاكم، او المذهب والطائفة الحاكمة، ومن يقول لا..فلينظر الى جميع دول الشرق الاوسط بغير عينه القبلية او الدينية ليرى السمة الابرز والاكثر طغياناً على المفهوم السياسي في هذه المنطقة، فضلا عن ذلك ففهم السياسة في المنطقة منوط بامور اخرى خارجة عن الارادة الذاتية، بعبارة اخرى ان السياسي لايدعم مركزه بفكره التنويري، او مشروعه الانقاذي، او خلق انموذج عصري، انما يدعم مركزه بالسلطات المطلقة على الرغم من وجود البرلمانات والمجالس والى غير ذلك، ويضيف الى هذه السلطة التبعية لجهة خارجية نافذة وقوية يمكنها ان تتدخل وتغير وتقترح وتفرض في الاخير ما تريد، كما مفهوم السياسة عند بعض السطحيين من اصحاب الشهادات متعلق فقط بالدرجة العلمية للسياسي، كما ذهب اليه احد صغار الساسة الكورد اثناء تحدثه عن احد القادة اصحاب الخبرة النضالية، والمثال هذا ليس حكراً عليه هو انما في اغلب دول الشرق الاوسط دائما تجد بعض الاوساط المثقفة -شكلاً- بحكومات تكنوقراط، على الرغم من ادراكهم ان التكنوقراط في هكذا مجتمعات ستبقى مرهونة بالتقسيمات القبلية  - القومية -  والدينية والمذهبيةلا اكثر، فكل عشيرة او دين او مذهب يرسل متخصص في مجال ما ويكون صاحب شهادة، وهكذا.. لذا الفهم السياسي الشرق اوسطي مغلق لايمكن تجاوز دائرته الا بزواله ولايزول الا بالدم والدماء في الشرق الاوسط اكثر ما يراق دائما باسم السياسة والحرية.
في الشرق الاوسط الثروات لصنع الكراسي والدكتاتورية والتباهي بها، حرس خاص يفوق عددهم عدد الشرطة الذين من المفترض بهم حفظ الامن الداخلي والتنظيم وحماية الشعب، قصور واستثمارات فنادق وباخرات رحلات وسفرات، مجوهرات والماس، ارصدة وبنوك، سيارات وفتيات، وصيف لندن واوكرانيا واغلب الدول الاوربية تشهد على هذا الغباء اقصد التباهي، ناهيك عن ادوات القمع الداخلية واغلاف الافواه الرافضة والقدرة على الاغتيالات والتواري عند الازمات، فضلاً عن صحافة تطبل، وطرب يمجد، واتخاذ القرارات دون الرجوع الى اهل المعرفة والدراية والسياسة والاقتصاد، وتفضيل المصالح الخاصة على المصالح العامة، بل في الكثير من الفترات ظهر من يضحي بالعامة من اجل الوصول الى الكرسي لزيادة ثرواته، حتى العلم لاصحاب الثروات في الشرق الاوسط اصبح مرهونا بكم تملك من مال ورصيد وسيارات،هذا باختصار الصورة المنقولة من الواقع الشرق الاوسطي عن مَن يملك الثروات.
يعيش الشرق الاوسط  حالة من الفوران الذاتي منذ عهود متوالية، وحين تراجع المعطيات التاريخية ستجد بان هذه البؤرة هي التي مدت البشرية بابشع وسائع القمع والقتل واللاحرية.. ومع ذلك تبقى الابواق الشرق اوسطية تنادي بانها مهد الحضارات وانها مهد البشرية وانها مهد الرسالات وانها مهد الانبياء .. والسؤال هنا يبقى هل من الحضارة ان تقتل الاخرين لتبرهن على انك الاقدم وجوداً..؟ هل من المنطق ان تنكر الاخرين لانك لاتريد لاحد ان يخرج من قوقعة ظلمك وعنصريتك وتفاخرك باجدادك..؟ وهل الرسالات اتت لتحمي البشرية ام كي تجعلها تتصارع فيما بينها من اجل تحقيق رغباتها باسم الرسالات نفسها..؟ وهل الانبياء كانوا دعاة حرب ام دعاة سلم واذا كانوا دعاة سلم فلما يقتل اتباع كل نبي الاخر بدون هوادة..؟.
في الشرق الاوسط يكافئ العربي اذا طعن يهودياً او مسيحياً وتخرج القنوات العروبية القومجية نبع الفتن لتظهر الشخص القاتل على انه بطل قومي .. في حين لايتساءل احد عن الذي تم طعنه ، من هو ، هل لديه اطفال.. وعائلة.. من سيربي اطفاله.. من سيتكفل بتربية عائلته..؟ فقط الصورة تسلط على الجانب الاخر حيث ان اليهودي متهم باحتلال فلسطين.. ترى ماذا تفعل حماس بالاخرين.. لماذاجماعة فتح تؤيد التطبيع والسلام.. ولماذا حماس تؤجج الفتنة والقتل.. هل يحق باسم الشرع لحماس ان تذبح وتطعن اليهودي، ولايحق لليهودي ان يبيد امثالهم..؟ انها اجمالا امور غير مرئية لاصحاب البيان الذين لايجدون في خساراتهم سلوى غير الابتهاج بالطعن ، فتاتي البلاغة ثمارها وتخدر هزائمهم المتكررة وتحولها الى بطولات لاقيمة لها الا عندهم.. نصف غزة دمرت.. والقنوات العربية كانت تبشر العرب بالنصر المبين.
من المترتبات الشرق اوسطية ان بعض الكورد تورطوا فيما يسمى بازدواجية الشخصية، فتراهم باسمائهم ومكان ولادتهم وحتى لغتهم كورد، ويحاولون ان يبرهنوا للاخرين بانهم كورد لاسيما ممن يحاول ان يسخر نفوذه الاقتصادي من اجل تحقيق اغراضه الشخصية لا خدمة للقضية الكوردية بل للانتقام من جهات لاينتمون اليها حزبياً ولن اقول فكرياً لانهم في الاصل ليسوا اصحاب فكر، فتراهم يتطاولون على الشخصيات الرسمية والرموز الكوردية التي لها باع طويل في النضال التحرري، ويسخرون اعلامهم من اجل بث الفوضى والوقوف ضد تطلعات الشعب الكوردي ويصرفون الاموال للتحريض، هولاء اشبه بالعملاء الذين يتم شراء ذممهم واعراضهم، وعلى الرغم من انهم قلة قليلة جداً الا صوتهم الاقتصادي بارز، لاسيما عند من يحرضهم ويطبل لهم ويمد لهم يد العون ويفتح لهم قنوات الحديث، وكأنهم حلفوا بان يبقوا في الظل والتبعية وعبيد الحقد والعمالة والخيانة.
في الشرق يتصارع العرب فيما بينهم، ويتهم كل الاخر  بالعمالة والارهاب والخذلان والخيانة والى غير ذلك من التهم، في حين عندما نقف على مصدر تلك الكلمات ونرجعها الى الوقائع التي يمكن رؤيتها بالعين المجردة، وسمعها بالاذان الصاغية، ونحللها بالعقل النير، سنجد بأن كل كلمة من تلك تلائم تلك الدول الناطقة بها، لانها في الاصل عميلة لاجندات خارجية لصالح كراسيها، وارهابية في تعاملها مع الاخر من غير بني جنسها، بل وتمد بفكرها الاستبدادي جماعات الارهاب التي تعصف بامن العالم، وهي دائما تخذل شعوبها المتطلعلة للسلام والامان، وتخون حلفائها على حساب تحالفات جديدة اكثر ثماراً واكثر قوة وسلطة وسطوة.
من سمات الشرق الاوسط هو انعدام الرؤية الانسانية وانكار وجود الاخر، ففي حين تتناحر الدول القومية فيما بينها على الزعامة والسطوة والسلطة، نجدها تتحد على موقف المعادي لاية قومية اخرى تريد ان تجد لنفسها مكانة داخل هذه البؤرة الموبوءة التي تسمى الشرق الاوسط، والامثلة كثيرة، فناهيك عن ما يحدث في اسرائيل بين اليهود والعرب.. نجد اصحاب القيم والاخلاقيات داخل قوالب التاريخ المدون فقط، يتحدون على صد اية محاولة للكورد لبناء دولة لهم،  فعلى الرغم من انقسام العرب الى دول ودويلات عديدة، وهم اصحاب دين واحد واصحاب لغة واحدة واصحاب قومية واحدة، فانهم يتناسون ذلك ويتجاهلون ذلك ويرون بانه حق شرعي لهم بان تكون لهم دويلات وامارات.. لكن في المقابل حرام على اسرائيل دولة.. وعلى الكورد دولة.. وهذا بلاشك من القيم الاخلاقية التي توارثوها اباً عن جد.. حيث القبيلة ترفض منافس لها، وتحاول ابادتها.. فالبداوة هي الاصل.. ولاشيء يخرجهم من دائرتها.
من سمات الشعوب الشرق اوسطية انها لاتبني قوام وجودها على الفكر النير، لكونها في الاصل تعتمد على السبقيات المفروضة عليها وفق معطيات القومية " القبيلة" او الدين او المذهب او الطائفة .. لذا نجدها تتخذ من الشعارات البراقة مدخلاً الى عوالم الواقع، وتقوم بتحريف الوقائع بحرفنة ودقة، كي تبرر كل افعالها، وهي دائما تخرج خائبة من اية معركة تخوضها، لكونها مريضة داخلياً، ومن داخله موبوء لايمكنه مواجهة الخارج مهما كانت قوة الخارج ضئيلة.. وانظروا لتاريخ المنطقة كم دويلات ظهرت  وحكمت لقرون وما لبثت ان اضمحلت لكونها لم تتماسك داخلياً.
يعيش الكورد في الشرق حالة من التهميش منذ مابعد امبراطورية ميديا الكوردية، التي ارضخت بقوتها الواقع وفرضت نفسها قوة لايمكن الاستهانة بها، و هذا التهميش امتدد لاسباب قومية وسلطوية ودينية واضحة، فالكورد حين انقسموا على انفسهم بعد ميديا، توالت عليهم ويلات الفرس والترك والعرب، فالفرس قضوا على ميديا، وفرضوا انفسهم على مناطقهم، والترك لعقود وعهود حاربوا كل امارة وسلطة كوردية تحاول الاستقلال بنفسها، والعرب حين انقسموا الى دويلات واصبحت كل واحدة تحكم باسم قبيلة او زعامة او سلطة تشريعية نابعة من وجودها المستقل واصبحت تكيد للكورد وتحاول التحالف مع اية سلطة كانت كي تبقي الكورد خارج دائرة الاستقلال.. ولااعلم هل الكورد هم اعداء العرب، ام ان للعرب اعداء اخرين حسبما تذهب قنواتهم الاعلامية وتصريحات قادتهم السياسية..؟ .
يعيش الكورد في وقتنا الحالي حالة فريدة من نوعها، لكونهم بعدما استوعبوا ماهية التقسيم التي حصل في مؤتمر لوزان بعدما كانوا قد اخذوا وعدا بدولة مستقلة في سيفر، اصبحوا يتكلمون باسلوب اخر، خارج عن دوائر الخضوع، فالكورد في كل الاقسام والاجزاء لديهم قوة حضور الان، وصوت مسموع، وحراك شعبي وعسكري يبعث القلق في نفوس اعدائهم ممن لايرضى بان يأخذ الكوردي استقلاله، وحتى اصحاب الرأي التوافقي اصبحوا يحاولون البت في تحالفات  بغرض قصم ظهر القضية الكوردية لكنهم غالباً ما يصطدمون بجدار كوردي صلب، استطاع من ايصال صوته للمحافل الدولية وبالتالي فانهم يعيشون حالة فريدة، فمن الخضوع لمنطق الرأي الديني والتحالف الديني والاخوة والتعايش تحولوا الى فرض وجودهم القومي كمعادلة لايمكن التخاذ قرار بشأن المنطقة دون مشاركتهم.
الكوردي كشعب من الشعوب الشرق الاوسط يعيش في نفس الدوامة التي يعيشها القوميات الاخرى، فالصراعات الداخلية تشتت ذهنه احيانا نحو القضية الاسمى لديه، ولكن وبحسب الاحداثيات والاحصائيات فان هولاء اصبحوا قلة لايشار اليهم الى من باب التخاذل، والعمالة، والتاريخ لن ينصفهم لكونهم في احلك المراحل من تاريخ الكورد تحولوا الى ادوات بيد اعداء الكورد.. ومع ذلك فان الكورد مازالوا يقتاتون من نفس ما تقتات عليه اغلب  الاقوام المتواجدين في الشرق الاوسط.. مع اختلاف واضح كما يقول الشاعر العروبي الكبير محمود درويش" ييسألونني لماذا كتبت اشعارآ عن الكورد: فقلت :لاني قد وجدت شيئين في الكورد اذهلني كثيراً ،الاول لان الكورد لايحملون الحقد حتى امام اعدائهم ،وهم يعرفون جيداً بان اكثر من 70% من العرب يعادونهم ويعتبرون الكورد عدو في حين يقول الكورد بان العرب اقربائنا وحلفائنا...والامر الثاني الذي اذهلني هو ... الكورد يحملون اكبر عزيمه وارادة وقوميين الى اقصى الحدود ، العرب بصفعه واحده ينكرون عروبتهم ،اما الكورد بمرور التاريخ بقدر اوراق الشجر قتِل منهم ، في حين لاينكرون كورديتهم ويقولون :كنا كورداً وسنبقى كورداً..".

الترك والفرس من الاحداثيات القديمة والمتأصلة في الشرق الاوسط، وهما على الرغم من صراعاتمها الازلية الا انهما في احيان كثيرة يمكنهم التغاضي عن الحقد الذي يحمله احدهما للاخر، وذلك من اجل القضاء على اية قوة يمكن ان تساير وجودهم العنصري القومي وحتى الديني والمذهبي، والتاريخ يشهد على ذلك، فقواهما يعتمد على سلطتهما، وحين تهتز السلطة لديهما يلجأون لبعضهم البعض لدحر المنافس حتى وان كان المنافس داخلياً، ومن يقرأ التاريخ سيجد بين سجلاته ان احد شاهات ايران محمد علي شاه  طلب من السلطان العثماني عبد الحميد الثاني ان يسانده ويحاول ان يمده بالمال والعدة من اجل ان يقضي على معارضته المشروطيين، في حين نجد بان علماء النجف والحوزة هناك يرسلون الى السلطان العثماني ويطلقون عليه لقب امير المؤمنين ولاول مرة في تاريخ الصراعي السني الشيعي من اجل الحصول على مساعدته للقضاء على الشاه.. وهكذا فان دول الشرق الاوسط كانت ولم تزل تعيش هذا التضاد والانفصام الشخصي من اجل مصالحها والحفاظ على كراسيها.. ولو على حساب بني جلدتها فكيف وهم يجدون من لاينتمون الى بني جلدتهم يحاولون ان يهزوا عروشهم..؟ .
من الثوابت الشرق اوسطية ان اليهود عاشوا ومازالوا يعيشون فيه وهم اصحاب اقدم الديانات الرسالاتية التي يؤمن بها العرب لكونهم يرون ان رسالة الاسلام للنبي العربي من نفس المعين، واليهود بين الوجود الفعلي الباحث عن كيان مستقل آمن يعيش في سلام وود مع الاخرين " الجوار " وبين المنطق العربي تحولوا الى اشد اعداء الانسانية بنظر العرب، فاليهودي يقتل العربي ويهدم بيته ويقلع زرعه، ويشرد ابناء وطنه، وهذا في شرع العربي كفر وجحود ولا انسانية واغتصاب واحتلال وتدمير، في حين يفجر العربي نفسه بملهى ليلي يهودي جهاد، يطعن الناس على الشارع بطولة، يوجه الاعلام لابراز المشاهد الدموية التي تاتي جراء الحرب بين العرب واليهود ويوصف ذلك على انها وحشية وليست من الشرائع، فيركز الاعلام العربي على المشاهد التي يتطاول فيها اليهودي على العربي مثل ضرب جندي لعربي يصلي او اقتحام الحرم القدسي ومنع المصلين وما الى غير ذلك من المشاهد التي يراها العربي هتك لحرمته ولحريته، في حين يتجاهل موقف الجندي اليهودي الذي يجد امامه امرأة تمسك كتفيه وتهزه وتسبه دون ان يتحرك الاخر او يفعل اي شيء، مع ان الحدث في نفس المكان والتوقيت، ناهيك عن تجاهل العربي كيف يشرد العربي العربي في اليمن وهذا مقاومة للمد الصفوي، ويقتل العربي الامازيغي وهذا تأصيل لهوية العروبة، ويحارب العربي البوليساريو في الصحراء وهذا اعادة الهوية، ويقتل ويضرب العربي الكوردي بالكيماوي وهذا  لمنع الانفصال والتقسيم ووضع حاجز للحدود الشرقية للامية العربية، ويمحي العربي هوية القوميات الاخرى في سوريا وهذا ليس الا تأجيج للمشاعر القومية العروبية وحفاظ على سلامة جسد العروبة، وفي السودان يعارض العربي انفصال الجنوب وهذا للابقاء على تماسك الامة، وفي مصر تتحول القوميات والاديان غير التابعة للعروبة الى اعداء ويحاربون بشتى الوسائل وهذا ليس الا من اجل الحفاظ على ام الدنيا وسلامة اراضيها من كل دنس ومؤامرة، اي تناقض يعيشه المسكين العربي المتربع على عرش وهم قديم " كان ابي ..." ، وهو لايلاحظ ان البشر في المنطقة مثلهم يسعون للحفاظ على هويتهم ووجودهم.


61
المنبر الحر / لن يرضى عنك
« في: 11:34 24/07/2017  »
لن يرضى عنك
جوتيار تمر/ كوردستان
22-7-2017
ان المتتبع للنص الديني سيجد في هذا الاقتباس المحتكر دينياً خروجاً غير مرغوباً به على  الاصول الدينية المقدسة بالنسبة له، ولكنها احدى الاشكاليات التي دائما ما يتخذه اصحاب النص او من يظنون بانهم حاملي النص الديني باعتباره حكراً على امثالهم دون غيرهم، وبذلك يتحول النص الى ادات رخيصة لرغباتهم وطموحاتهم ومساعيهم لتحقيق ما يخدم قومياتهم، وهذا الحكر النصي مر بمراحل عديدة، ففي حين كانت الغلبة للكهنوت الديني القومي العربي كان رجالات السلطة وقتها يقربون رجال الدين ويفسحون لهم في مجالسهم مكاناً بارزاً كي تؤازر اقاويلهم افعال السلطة،و هم ما يمكن ان نسميهم وعاظ السلاطين كما تحدث عنهم الدكتور علي الوردي، وحين تحولت الامور وداهم السلطوية العربية الدينية الاسلامية بالاخص بعض الاطراف الخارجية مثل الفرس في اوقات كثيرة استطاع هولاء من بسط نفوذهم على السلطوية ووظفت الاقاويل حسب المعطيات الجديدة للحدث الديني انذاك، كما فعل كل من الفرس والترك حين استولوا على السلطة، وقلما نجد انطباعاً غير دينياً حول المسالك التوظيفية للنصوص المراد استغلالها لبسط السلطوية من جهة، ولبسط النفوذ القومي من جهة اخرى، كل تلك النصوص كانت تؤدي واجباتها الحتمية لخدمة القضايا الانتمائية وبشكل واضح ومستمر .
غالبية العاملين في الحقل الديني لامسوا هذا التوظيف التأويلي للنص الخادم لطموحات السلطوية في مراحلها الثلاث العربي والفارسي والتركي، ولكن حين آلت الامور في وقت ما لغير هذه القوميات الثلاث انتفضت الحمية القبلية لديهم، واصبح الكل يرمي بدسائسه كي يقلص مساحة السلطة الجديدة، وكي يدعم مقولة وجود هولاء على السلطة باطل، على الرغم من كون السلطة الجديدة استطاعت من تحقيق ما عجزت اجيال من السلطوية التابعة للقوميات الثلاث الاخرى في تحقيقه.
بلاشك المتتبع للتاريخ سيعرف باني اتحدث عن القومية التي وجدت تزامناً للقوميات الاخرى على هذه الارض ، ولكنهم وبحكم انصياع التاريخ لمبدأ القوة والسلطة لم يستطيعوا من خلق المساحة اللازمة "للم الشمل" من جهة، ولفتح قنوات سلطوية نصية دينية من جهة اخرى، فالكوردي حين استلم زمام الامور في الكثير من المناطق التابعة له قديما تكالبت عليه احقاد الجوار التزامني، فتحول الجوار الى رمح مسموم في خصر الوجود الكوردي كما فعل احفاد الفرس بميديا الكوردية، وضمن هياكل الوقت ومراحل التاريخ بقي هذا الحقد المتأصل ليس من قبل الفرس فقط للكورد متقداً ومساوياً للحقد القبلي بين اوساطهم، والتاريخ حين يستند على الوقائع دون الخضوع لمبدا السلطوية الدينية الشمولية سيعترف بذنبه بكونه لم ينصف الا اصحاب السوط والرمح والكرسي، وهذا بالطبع ما حصل حين استولى العرب على السلطة الدينية النصية حيث وجهوا رماح غلهم الى اراضي كوردستان بحجة ابادة واقصاء المجوس الفرس وقتها، وطمسوا معالم كوردستان تحت وطأة غلهم،  فادار الزمن دفته على الفرس و توالت السنوات وعاد الفرس" البويهيون" يسطون على مصادر النص التشريعي السلطوي اعادوا الكرة على الاخرين ومن ضمنهم الكورد، ولان الحراك البشري لايتوقف في تحقيق رغباته السلطوية تحول مسار الجدف واصبح الترك لفترة طويلة يمتلكون الدفة فاحرقوا من لاينتمي الى قوميتهم وكان الكورد والامارات الكوردية في العهد العباسي بالذات احدى اهم الاعمال التي يتفاخر به التاريخ السلجوقي واستمرت الحالة على هذا النمط الاقصائي لحين العثمانيين الذين حاربوا العرب والفرس والكورد ولم يجتمعوا الا في افراغ غلهم على الكورد سواء من خلال اسقاط الامارات الكوردية او من خلال اتهام الكورد بالخروج عن النص والدين، وكذلك في الاتفاقيات بين الدولة الصفوية والعثمانية، وفي اتفاقية الجزائر، حتى اصبح ولاء الكوردي الديني اشبه بالخنجر المسموم في خصره، بحيث لم يتخلص من عباءة السلطة العربية والفارسية والتركية المدعية بانها ظل الله على الارض.
وفي العهد الحديث والمعاصر هذه الاحقاد الثلاث لاتتوانى ابداً في ضرب اي هدف كوردي قومي يسعى لخلق نواة  تكون البداية لجمع شعب قوامه يفوق الخمس والثلاثين مليون منتشرين في اصقاع الخراب الارضي، دون ان يأويهم سقف وارض، حيث تتصدر عناوين صحفهم وخطاباتهم ان الكورد مارقون خارجون عن الدين يريدون تفكيك العالم الاسلامي وشق الصف الوحدوي الديني، متجاهلين الواقع وانه في الاصل ليس هناك ما يسمى العالم الاسلامي، انما هناك فقط عوالم قومية اثنية متناحرة فيما بينها على الزعامة والسلطوية، ولا يتحكمون الا بالنظم والاعراف القبلية التي كانت سائدة بينهم فتأصلت في عقولهم المغلقة تماماً باسم الشرع والدين واقصاء الاخر طالما فيه قوام التحرر والتطور، ولن ينكر واعي هذا الامر في وقتنا الحاضر، فكل الامور عند القوميات الثلاث متصلة بالجذور والجدود، وتردد في الخفاء والعلن الكورد لم يسلموا الا متاخراً وحاربوا من اجل اوطانهم، وبقي منهم من هو مستمر على دينه الزرادشتي لوقتنا الحاضر، الكورد هم من اسقطوا دولة الشيعة الفاطمية، الكورد هم من ازاحوا الزنكية التركية، الكورد هم من حرروا القدس التي يدعي العرب انها لهم، الكورد هم الذين وقفوا بوجه المقبور البعثي، الكورد هم من وقفوا بوجه داعش الاسلامية التي يترأسها عربي، الكورد هم من يسعون لانشاء كيان مستقل لانفسهم، الكورد هم من يسعون لتقسيم الخراب المسمى العراق، الكورد هم الذين يحاربون السلطان التركي الجديد، الكورد هم الرافضين لهمجية اصحاب العمائم في قم وطهران، الكورد هم طرف معادلة صعبة في الواقع السوري، الكورد لديهم علاقات جيدة مع اسرائيل وامريكا واوروبا، الكورد ليسوا ترك وعرب وفرس، الكورد هم الذين لن يرضى عنهم العرب والترك والفرس ابداً.
هذه الهمجية العلائقية تتسيد عقول هذه القوميات الثلاث  تجاه الكورد، وكأنهم يتجاهلون انهم في الاصل منقسمون بين انفسهم، ومن ينظر الى الواقع ويرصد الوقائع سيجد كيف ان الصف النصي الديني الاسلامي منقسم على بعضه البعض بل حاقد على بعضه البعض لدرجة لايمكن ان يتنبأ احد بما قد يحدث بينهم، فالعراق العربي الموحد ليس الا اسم ، حيث الواقع يبرهن على انقاسمه العرقي الديني الاثني المذهبي الطائفي العقلي العاطفي الانتمائي النفسي، وحتى في ولائه منقسم، وسوريا تعيش نفس الوقع العراقي، كما لبنان، واليمن المنقسم على نفسه بجنوبه الرافض لسلطوية الشمال الشيعي والمدعوم من القنوات السنية المهيمنة على مداخل النص الديني، والباحث عن الاستقلال، والجنوب المدعوم باموال طهران، ومصر المنقسمة بين الاقباط والفرعونيين والاسلاميين المتطرفين والعرب غير المنتمين لمذهب واحد، وفي ليبيا والسودان التي انفجر جنوبها بوجه السلطوية فاخذت استقلالها، وقضية الشعب الامازيغي في الجزائر بل في الشمال الافريقي عموماً الشعب المهمش عرقياً ولغوياً وتراثياً وعقائدياً، وكذلك قضية الصحراء الغربية والصراع الدائر بين البوليساريو والمغرب وتاثيرها حتى على العلاقات الجزائرية المغربية احياناً، فضلاً عن ما يحدث الان بين السعودية الامارات والكويت وقطر، وليس ببعيد عنهم ما يفعله السلطان التركي في سعيه لاقصاء اية عقبة تقف بوجه مطامحه ومطامعه وسلطاته، ودعمه لقطر على حساب علاقاته مع السعودية والامارات، وايران التي الحكم عليها من خلال الكلمات ظلم بالكلمات، مصدر الفكر الاقصائي منذ اقدم الازمنة ومحالاوتها الحالية في بث روح الانقسام بين البلدان التي تضم اتباعها " العراق – سوريا – لبنان – اليمن – اذربيجان - افغانستان - باكستان – الهند - كشمير....."، كل هذا المناطق هي بؤر للصراعات الداخلية بين المذاهب والاطياف الدينية المدعومة كل من جهة خارجية.
ان الاجمال والتفصيل قد لايسعه مجلدات لاظهار هذه العلاقات المعقدة بين الاطياف المدعية بانها ظل الله على الارض وانها الوريثة الحقيقة للسلطوية النصية الدينية، لذا فالمقولة الدينية التي يمكن ان تكون ذا مغزى واقعي وتنطبق على الواقع الكوردي الحالي هو ان اذا كانت اليهود والنصاري لن ترضى عن العرب والمسلمين، فانه في حالة الكورد اليهود والنصارى راضين عنهم، ولكن العرب والترك والفرس لن ترضى عنكم ياكورد لذا استغلوا الفرصة التي بين ايديكم وقرروا مصيركم بانفسكم وكفاكم العيش تحت عباءة الولاء الديني المقيت لكم، وانتفضوا على احقادكم لبعضكم البعض، واسسوا لانفسكم دولة تقيكم شر من حولكم، ولتكن صراعاتكم بينكم لتطوير فكركم القومي والنضالي، وليس صراعا يلبس اوجه الاخرين من اتباع "طهرغداد" او تركستان ولا من بقايا عربستان، ان التاريخ لايخلد الا من استطاع الخروج من عباءة هولاء، وعاش عيشة كريمة حتى وان كان قد ضحى بحياته من اجل ذلك.

62
المنبر الحر / أ مازلت تساوم..؟
« في: 15:23 09/07/2017  »
أ مازلت تساوم..؟
جوتيار تمر/ كوردستان
7/7/2017
حين تتفاقم الحوادث في بؤرة ما، تتخذ المسالك الكلامية تعددية واضحة في التوجيه والاسلوب والمضمون، ولكوننا نعيش الواقع بكل تمفصلاته، فاننا نجدنا نتأثر بالوقائع والمستحدثات والامور المعتمدة على القيل والقال ضمن هياكل متعددة الانتماء في الغالب، وهياكل اخرى ضمنية متناسلة من الواقع نفسه، بعبارة اخرى هياكل تناسلت منها الاحداث وانتشرت في بقاع الخراب المسمى الارض، لذا حين ترصد كل عين الحدث لابد انها ستقوم بتأويله حسب معطيات وجوده الانتمائي من جهة، الجغرافي من جهة اخرى، وعلى هذا الاساس ربما تكون  كلماتي هذه اشبه برسالة مفتوحة الى شعوب الشرق الاوسط بكل قومياته وطوائفه ومذاهبه وتناقضاته، وجغرافيته التي لم تكن يوما مستقرة، رسالة قد تستفز البعض فيخرجون بوابل من اللعنات والشتائم على صاحب الكلمات الذي هو أنا، ولكن في الاجمال  ارى بان هذه كلمة لابد من ان تقال كوجهة نظر شخصية، وكل شيء قابل للقبول والرفض.
بين كل حقبة واخرى تظهر في الشرق الاوسط نعرات لاتتبنى اسلوب الحوار والاخذ والعطاء، انما اول ما تظهر تحمل سمة الفتك بالاخر، هذه السمة هي من الخصال التي تعودت عليها المنطقة اجمالاً، فالتاريخ الذي لايسعني ان اختصره هنا، يشهد على ان هذه المنطقة لم تعش سلاماً دائماً ولا امناً دائماً الا في الخواطر الاعلامية والموشحات الشعربة والخطابية والبلاغية والخيال الميثولوجي ولربما احياناً في حقبات الخلايا الميتة ذات الطابع السباتي، كالخلايا الارهابية بسكل تصنيفاتها من قومية ودينية ومذهبية وطائفية وعرقية واثنية واقتصادية واجتماعية وعسكرية وثقافية، هذه الخلايا التي ان دخلت في سبات لاتموت انما تأخذ فترة استراحة واستعداد وتنظيم واعداد لكونها في مظهرها الحالي المرفوض- اقصد وقت ظهورها - لم تجد استحساناً او قبولاً او حتى نجاحاً، لذا تلجأ الى السبات المؤقت، وبهذه الشاكلة تبقى المنطقة على فوهة بركان خامد مؤقت، لااحد يعلم متى ينفجر بوجه الاخرين او باية صورة سيظهر وبأي لباس او فكر او دين او قومية.
وحين تظهر تلك الخلايا من جديد تتحول المصوغات والمقولات من مرحلة الدفاع الذاتي الى مرحلة التبرير في البداية وحين لايجد التبرير قبولا دولياً نجدها تتحول الى مرحلة نظرية المؤامرة وحين تنكشف الحقائق وتخذل نظرياتهم تلك يتحولون الى مرحلة التبرءة من تلك الخلايا التي هي في كل الاحوال وليدة وجودهم ومتناسلة من ترسبات افكارهم واعمالهم داخل مجتمعاتهم ومواقفهم تجاه الاخرين، ويبدأ العويل والنباح الاعلامي والغريب في الامر ان النعرات هذه تستشهد بالتاريخ غير المرئي الذي دونه السلطات سواء القومية او الدينية او المذهبية والطائفية وبذلك يحاولون التستر على الثغرات التي لانهاية لها في البنية الاجتماعية والوجودية والفكرية والسياسية داخل مجتمعاتهم المتناقضة، وكأنهم يعالجون احد الامراض المزمنة الفتاكة ببعض المهدئات لا للعلاج انما فقط لاطالة العمر بقدر الامكان، وأي مواجهة مباشرة سواء بين الاضداد المتآخية ذات البنية القومية المفترض انها واحدة، او ذات البنية الدينية والمذهبية والطائفية الواحدة، فانهم ينحلون بسرعة لايتخيلها من يرصد اعلامهم، فتشتغل البلاغة والبيان ضمن مجموعات متحالفة ضد مجموعات تراها عميلة وخائنة.
ان الحقائق التي يمكن رصدها من هذه الازدواجية على وجه الخصوص يمكن ارجاعها الى عدة امور ولعل ابرزها كون ان الوجود السبقي لهذه المنطقة عموما كان في الاصل  وجوداً قائماً على مبدأ المساومة والتناقض،  وحسب نعرات تعتمد على اذا امنت بنا تسلم من سوطنا، وان لم تؤمن يهدر دمك وعرضك ومالك وارضك وتصبح ملعونا وهذا لم يقتصر على حقبة زمنية محددة، انما الامر مستمد من الجذور البدائية للمنطقة، فسواء أكانت الاديان اتت لتنادي عكس ذلك ام لا، فان الواقع يؤكد ان مبدأ المساومة لم ينقطع تاريخياً في المنطقة في اية برهة دينية او سياسية، لهذا ما قد تأصل في الجذور سابقاً يصعب ان يتغير في النفوس لاحقاً، لكون اللاحق هو امتداد جذري للسابق في كينونته ووجوده وعرفه وتقاليده ودينه وسيادته وقبيلته وعشيرته وشيخه.. واي مقارنة تخرج من اطار العموم القومي الديني " المُدّعي انه وحدوي " الى فترات من الرخاء في بعض القرى والمدن المتفرقة ليس الا سخرية بعقول الاخرين، واستهزاء بالواقع الذي لاينكره الا المتعصب القومي الديني الاعمى الذي في الاصل اتبع نعرته القومية او دينه دون ان يتساءل او يبحث عن المضمون او المبدأ.
لذلك  تكثر التساؤلات حين تزداد المعوقات، او حين تظهر الخلايا بلباس وجلباب مختلف في الظاهر ولكنه في الجوهر مبني على تلك الاسس السبقية البدائية التي تناسلت منها تلك الخلايا، وهذا ما يجعل من كل ازمة في المنطقة اشبه بانفجار لبركان، حيث تنشغل الاوساط العالمية والدولية بها، لاسباب ان قلنا بانها نابعة من كون المنطقة هي اساس البشرية ومهد الحضارات ومهد الانبياء والاديان فاننا نخدع انفسنا لاسيما في القرنين العشرين والحالي، لكون المسألة واضحة، لاتوجد مؤمرات دينية صليبية بوذية سيخية اسلامية جانتية زرداشتية ميثرائية ولا هي من موروثات المايا والازتيك والانكا، انما هي مسألة النفط والحرب الاقتصادية التي اصبحت هي الاله الاكثر قبولا في معابد الوجود الانساني، وعلى هذا الاساس تحولت المسارات الادعائية ذات القومية الواحدة والدين الواحد الى اشكاليات اخرى ترافق هذا الوجود المتناقض لهذه البؤرة الدموية الشرق اوسطية، فالمساومات لم تعد مبنية على اسس شمولية انما تحولت الى ابناء القبيلة الواحدة، او لنقل دولة على حساب دولة، وداخل الدولة الواحدة نفسها اصبحت المساومات فوضى تهدد بزوال الكيانات كما يحدث الان في اغلب البؤر الشرق اوسطية، وهذا بلاشك نتاج التكوين البدائي للانسان في المنطقة وليس انتمائه الى تلك الخلايا الا تأصيل لهويته.
وضمن هذه الايقونة المتناقضة تحتل مشاكلات بعض القوميات التي فرضت المصالح الدولية قديما وحاضراً وجودها ضمن هياكل هذه الدول مكانة واضحة، فتلك المشاكل منذ خضوعها القسري للواقع الدولي لم تقف ساكنة، انما ظلت تتحرك ضمن دوائر متناقسة ومتناغمة وحسب الامكانيات التي توفرت لديها، دون البدء بخوض معترك الصراع المباشر في اوقات ضعفها، انما اعتمادها على هياكل متعددة في صياغاتها لخطابها القومي وكذلك في مساعيها لبلوغ مقاصدها القومية، وهذا بلاشك اضاف الى بؤرة الشرق الاوسط مشاكل اخرى، لن تنتهي الا بعدما تاخذ تلك القوميات حقوقها القومية من جهة والجغرافية من جهة اخرى، وبلاشك من يقرأ المقال سيعرف باني اقصد الكورد كقومية وكوردستان كجغرافية، فلان الكورد هم وجود سبقي ايضاً في المنطقة حالهم حال الترك والفرس والعرب، فان ما يحدث لهم لايخرج من دائرة الرصد المساواماتي، فحين تنظر الى الموجودات الاخرى تسعى لتحقيق اغراضها واهدافها على حساب المكونات والموجودات التلازمية السبقية في المنطقة، فان الكورد ليسوا بخارجين عن المعادلة في سعيهم للحصول على اهدافهم، واستغلال الظروف اجمالاً للوصول الى مقصدهم الاساس وهو بناء كيان لهم، وبلاشك هذا الكيان لن يكون انموذج فريد من حيث المنطق لوجود النعرات الداخلية كما في الدول الاخرى، ولكن من حيث المبدأ يقول الكوردي لماذا نعراتي لاتكون من بني جنسي وقومي، بدل ان تكون من اقوام لاتربطني بهم سواء فرضية الجوار وفرضيات ولربما فرضية الدين المنقسم ذاتياً.
انه المنطق الاكثر شيوعاً الان بين الاوساط الكوردية، ولعل من قائل يذكر رفض بعض الاحزاب الكوردية هذا المبدأ، ولكن اجمالاً وبالنسب المعتمدة على استحصالات الاحزاب فان الغالبية هي التي تتوحد في توجهم لاستغلال الظرف الدولي الحالي والقبول الدولي للكورد ضمن هياكل وتحالفات سواء أكانت وقتية او لا، وهذا ما يجعل من القلة المعارضة تخوض غمار معركة مع التاريخ القريب، لمساومتهم على الامر الاهم في المرحلة الحالية وهو ما يتعلق بكوردستان او بكيان كوردي يمكن ان يكون في الامد القريب البعيد نقطة انطلاق لتاريخ اشمل ورقعة جغرافية اوسع، على الرغم من المساومات التي تظهر في العلن والتي تحاك في الخفاء من اجل كبت وطمس معالم هذا الامل الكوردي، فان على الكورد ان لايساموا داخلياً في هذه المرحلة، مع امكانية قيامهم بمساومات اخرى خارجياً لتدعيم موقفهم الداخلي وليس للتعارض.

63
المنبر الحر / تساؤلات بدون اجوبة
« في: 19:03 03/07/2017  »
تساؤلات بدون اجوبة
جوتيار تمر/ كوردستان
30/6/2017
تتخذ الاحداث في الشرق الاوسط بصورة عامة مساراً درامياً غير واضحاً، حيث الغالب على السيناريوهات النهايات المفتوحة التي لاتعطي صورة واضحة للحدث، بل تترك المتابع يعيش في حالة من الدهشة، وكذلك تثير عنده الكثير من التساؤلات التي لا اجوبة لها، لكونها لاتحمل سمة الشفافية في الطرح من جهة، ولكونها لاتصدر عن وعي نابع الواقع الداخلي الملامس للشعب من جهة اخرى، فهي في الغالب تخرج من بين براثين التحالفات الخارجية الطائفية والدينية والقومية دون اية مراعات للمكونات الاساسية للمجتمع الشرق اوسطي، فلا السلطات تعمل على وعي تلك المكونات ومستحقاتها ولا الدول المتحالفة تعمل على خلق مسار ونسق داخلي لهذه المكونات، وبذلك اصبحت كل المقولات وكل القرارات وكل التحركات والتصريحات اشبه بالاجوبة للكثيرين، على الرغم من انها ليست الا تأويلات وقتية ربما تلتقي مع الحدث بصورة عارضة او بصورة مؤقتة دون ان تعطي الاجابة الحتمية التي يمكن للمتابع ان يستشهد بها على الصعيد الذاتي او الانتمائي القُطري.
ومن ضمن تلك الاحداث التي كانت ولم تزل تسيل لعاب الكثير من الوسائل الاعلامية من جهة والكثير من التيارات الحاقدة سواء العروبية او المذهبية الطائفية الدينية او حتى الفارسية والتركية، ما يتعلق بالكورد وكوردستان، لاسيما القرار الذي تم اتخاذه من رئاسة اقليم كوردستان باجراء الاستفتاء على استقلال كوردستان في 25-9-2017، الامر الذي احدث تغيراً في صيرورة الاحداث الشرق اوسطية من جهة، وفي صيرورة الاحداث القومية في المنطقة من جهة اخرى، فالشرق الاوسط وبحسب اغلب التأويلات والتحليلات الداخلية والخارجية مُقبل على تغيرات طوبوغرافية واثنية وجغرافية حتمية، لاسيما فيما يتعلق بالدول التي تشهد صراعاً داخلياً مريراً من قِبَل المكونات العرقية غير المتجانسة التي ضُمت الى تلك الدول بصورة قسرية وفق مخططات سبقية" معاهدات واتفاقيات" وضعتها اصحاب القوى المسيطرة على الموجود الكوني " المنظومة العالمية "، والتي لم تزل تمارس عملها بشكل واضح وليس بخفي على احد،تلك المنظومة تشكل الان اهم معلم سياسي اقتصادي عالمي، بحيث ان مصالحها تطغى على اية شعارات قومية او دينية او حتى انسانية.
هذه الدول ذات المكونات غير المتجانسة تضم بين حدودها الكثير من القوميات والمذاهب الدينية التي لايمكن ان تتجانس عبر الحوارات ولا عبر التدخلات العسكرية، بعبارة اخرى ان الانظمة الدكتاتورية التي توالت على المنطقة لربما استطاعت ان تكتم الافواه بالقوة والسجون والاعدامات والابادات الجماعية، الا انها لم تستطع ان توحد تلك المكونات ضمن اطار جغرافي يمكن ان يقال له دولة متجانسة، فكل من لبنان وفلسطين والعراق واليمن والمغرب والجزائر وتركيا وايران وسوريا والسودان كلها دول قد تظهر للعيان اعلاميا بانها دول يمكن ان تعيش وفق منطق التعايش السلمي بين المكونات التي تعيش فيها، ولكن في الغالب الامر شبه مستحيل، فكل مكون له تراثه وتقاليده القومية الخاصة به، وكل مكون له انتمائه العقائدي الذي لايمكن ان يتنازل عنه لاي طرف اخر.
وحين ننظر الى العراق من خلال الاطار المذهبي والقومي سنجد بانه لايوجد اي شيء يمكنه ان يوحد الافكار والتوجهات ولا حتى المساعي من اجل الابقاء على الداخل متجانساً مكملاً لبعضه البعض، فالعرب منقسمون مذهبياً الى سنة وشيعة، ومن يقول بانهما قد يجلسان على طاولة واحدة ويتنازل احدهما للاخر عن سيادته اعتقد بانه يعيش في عالم من الخيال، ومن جانب اخر من يقول ان الكورد والعرب قد يتقاسمون الوطن اي وطن كان امر مستحيل تاريخياً، ومن يقول بان المكونات الاخرى ستعيش وفق منطق محدد فهو الاخر لاينظر الى الواقع الا من خلال انتمائه العرقي المهمين عليه ولربما المثالية المتعالية، لان المكونات الاخرى لن تنظر الا الى مصلحتها وحسب التوجهيات التي تاتي اليها من الخارج اقصد من القوى الدولية التي تنتمي هي اليها.
وبالتالي هذا الانموذج الخرافي ينطبق على اغلب دول المنطقة، فلبنان لاتعيش بعيدة عن هذه النعرات غير المتجانسة، وكذلك فلسطين وسوريا واليمن والمغرب وحتى مصر، وبهذه الحالة تبقى كل المصوغات البلاغية الاعلامية الداعية الى الوحدة الوطنية هي ليست الا اشكاليات وهمية نابعة من تصورات قومية او مذهبية سلطوية حاكمة تريد الابقاء على مكتسباتها السلطوية التي تتحكم هي وحدها بمواردها وبكل مقتنياتها وحتى بتشريعاتها وبعبارة اخرى هي المستفيدة من تطبيقاتها، وليس بخافي على احد ان هذه الفيئات السلطوية القومية والمذهبية لاتملك لحد الان ادنى فكرة عن المعيات والتلازمات الدولية التي تجبر المنطقة على تقبل المتغيرات على جميع الاصعدة، وتلك الفيئات ايضا لاتملك اية اجوبة حول الماهيات التي تفرضها المنظومة الدولية على المنطقة لانها باختصار مشمولة بكل القرارات الصادرة من المنظومة، وعلى هذا النحو  الضبابي تسير المنطقة نحو ما هو مخطط لها مسبقاً، ونحو مستقبلها الذي غالباً ما يمهد له باراقة المزيد من الدماء سواء بظهور تيارات دينية ارهابية كالقاعدة وجند الاسلام والجيش الثوري الايراني وجبهة النصرة وحماس والتيارات الارهابية في الجزائر وكذلك داعش وبوكوحرام وغيرها من التيارات الدينية الارهابية، او من خلال الحروب القومية  والاهلية سواء داخل البلد الواحد او مع دول الجوار، كما سبق وان حدث ذلك في لبنان" المسيحيون بكل طوائفهم - المسلمون بكل طوائفهم-  الدروز " و"فلسطين التياري الفتحي والتيار الحماسي واسرائيل"، والعراق على المستويين "الاهلي بين الحكومات المتعاقبة والكورد -  والخارجي بينها وبين ايران – الحرب القومية المذهبية "، وفي "اليمن – الحرب الطائفية المذهبية "  والسودان التي انشق عنها جنوبها  وكذلك "سوريا- الكورد – العرب السنة – العرب العلوية "، و"تركيا – الحرب الطاحنة بين الحكومة والكورد – بين التيارات السياسية التركية ارودغان وكول – والصراع التركي الفارسي ، والصراع التركي الروسي.." وكذلك في " ايران – بين سلطة ولاية الفقيه والكورد – وبينها وبين العرب في الجنوب الايراني – وبينها وبين دول الجوار – وتدخلاتها في لبنان من خلال حزب الله – وتدخلاتها في سوريا من خلال العلوية – وتدخلاتها في العراق باعتبارها المرشدة والمهيمنة على تحركات الحكومة العراقية"  والى غير ذلك من الدول التي لن تتجانس وستبقى مهددة بالفتن الداخلية قبل الخارجية.
قد ينظر الاخرون الى مقالتي بعين غير مجردة، ويتهمونني باني اثير الفتنة بين الاطياف والقوميات " المكونات " داخل هذه المجتمعات التي اعلامياً يجمعها حدود او دين او حتى اصل وعرق، لكن الحقائق واضحة لمن يريد ان يخرج من داخل قوقعة الاعلام والشعارات والمثاليات الممغنطة باسم الوطنية والوحدة والقومية والدين الطائقي والمذهبي، الى الواقع العياني الذي لايحتاج الى تأويلات الفقهاء، وتحليلات الساسة، فما من قومية لديها الرغبة في التنازل عن حقوقها باسم الوحدة للاخرين، ومن مذهب او طائفة لديها الرغبة في التنازل عن اسبقيتها الدينية الفقهية للاخر، وما من مكون يريد التنازل عن الدعم الخارجي لها في سبيل الوحدوية الشعاراتية التي ينادي بها فقط اصحاب الكراسي السلطوية ليس من اجل بناء دولة قوية انما للحفاظ على سبقيتها السلطوية وتسلطها التشريعي.
ولهذه الاسباب لاشيء يمكنه ان يعيق التحركات والتحالفات على جميع الاصعدة بين هذه المكونات والقوى الداعمة لها خارجياً وداخلياً كي تستعيد حقوقها المهضومة من قبل السلطوية اللامستقلة، فالكورد مثلاً ليس لديهم ادنى شك بانه لن يحكم الخراب المسمى العراق الطائفي حزب او طائفة او قومية الا على حساب القوميات والمذاهب الاخرى، وبالتالي فان اي رضوخ لمنطق العراق الموحد ليس الا خيار الذين لديهم مصالح مادية اقتصادية داخلياً وتبعية خارجية، فالواقع يقول بانه لم تستطع اية حكومة عراقية ان تعطي اجوبة مقنعة للكورد الى وقتنا هذا، الا عبر وعود وهمية وتحركات داخلية وخارجية هدامة، تحاول من خلالها شق الصف الكوردي لابقائهم ضمن دائرة التبعية، فكل التحالفات التي تقوم بها الدولة" السلطوية"  لتحقيق هذا الغرض هي مقدسة، ولكن تحالفات الكورد للحصول على حقوقهم خيانة وعمالة، ووفق هذا المنطق ليس للكورد الا الخروج من دائرة ولاية الفقيه، ومن دائرة التبعية السنية، ومن دائرة الحكومات الطائفية ذات الطابع القومي تارة والطابع الطائفي المذهبي تارة اخرى، الى الحرية والتي لن تاتي الا من خلال الاستفتاء الحر الذي من المزمع اجرائه في "سبتمر" المقبل، وذلك لتحقيق المطلب الكوردي النضالي التحرري من جهة، وكذلك لوضع حد للوعود الوهمية التي لم تزل الالسنة ذات التبعية المذهبية والطائفية تطلقها بين فترة واخرى، فالكورد من خلال سعيهم الدوؤب للحصول على حقوقهم القومية والوطنية لم يحصلوا منذ عقود طويلة خلال مسيرتهم النضالية على اية اجوبة صريحة ومباشرة يمكنهم التشبث بها، لذلك لاامل للكورد الا الاستفتاء الذي من خلاله يقررون مصيرهم بايدهم، حتى ان فشلوا في اداء مهام الحكم فانهم بذلك يقررون مصيرهم بايدهم وليس بايدي الاخرين الذين لايسعون الى لبث الفتنة داخل المجتمع الكوردي لابقائه تابعاً لهم.


64
صدر للكاتب والاديب الكوردي جوتيار تمر كتاب " قراءات حول الارهاب " عن دار نور للنشر
الكتاب يسلط الضوء على معالم واشكاليات ظهور التيارات الارهابية والقيم التي تعتمد عليها سواء من حيث النهل من مصادر التشريع او من خلال التأويل والتفسير الشخصاني الرغباتي وبحسب حاجة التيارات تلك.
تثير المقولات الفلسفية الكثير من التساؤلات حول الماهيات والموجودات، وحول العديد من القضايا الاخرى التي تتعلق غالباً بقضية الاقامة الارضية او ما يمكن ان نسميه انسنة الانسان ، والتداعيات التي رافقت تطور الفكر الانساني منذ البدء الى وقتنا الحالي، وتظهر بين الفينة والاخرى بعض المصطلحات المثيرة للجدل في ذاتها، لكونها تسلط الضوء بشكل مكثف على الواقع البشري وما آل اليه من انحرافات وتوهيمات ادت الى خراب الخراب الارضي بشكل لايمكن التغاضي عنه، او تبريره بأي فعل او رؤية او حتى تفصيل ايديولوجي حر او ديني مقيد.
________________________________________
Détails sur le produit
•   Broché: 68 pages
•   Editeur : Noor Publishing (18 janvier 2017)
•   Langue : Arabe
•   ISBN-10: 3330840129
•   ISBN-13: 978-3330840126
•   Dimensions du produit: 15 x 0,4 x 22 cm
•   Moyenne des commentaires client : Soyez la première personne à écrire un commentaire sur cet article

والكتاب موجود الكترونياً على موقع دار النشر وبعض المواقع الاخرى



65
المفكك اصلاً لايجتمع
جوتيار تمر/ كوردستان
 5-5-2017
من يترقب الاحداث في الشرق الاوسط سيؤمن تماماً بان هذه البقعة – البؤرة – هي اشد المناطق تناقضاً وتفككاً في العالم اغلبه ، فحتى المناطق التي تطل علينا بعض القنوات الفضائية من حين الى اخر وتظهرها على انها بدائية مستكشفة جديداً هي بنظر الكثيرين اكثر استقراراً ووضوحاً  وتلاحماً وعدم تناقضاً من الشرق الاوسط، البؤرة التي اقلقت امن العالم وهدمت كل الممكنات التي يمكن للانسان ان يعيش من خلالها في آمان وسلام، فبثت سمومها للعالم اجمع من فكر ارهابي، الى عصبية قبلية ،او مصلحوية ،الى خيانة ، الى مذهبية طائفية،الى بيع كل شيء من اجل الحفاظ على الكراسي، والى غير ذلك من الامور التي يمكن لمخيلة اي انسان ان يتصورها ويصل اليها عبر بوابة الشرق الاوسط.
حين قلنا في مقالات سابقة عن ابناء هذه المنطقة "العروبة بالذات" انهم ينظرون فقط من النافذة التي تحقق همجيتهم المصلحوية القومية الظاهراتية الاعلامية، لم نقل ذلك من باب الصدفة، بل لقناعاتنا التي استمدناها من التاريخ اولاً ومن الواقع العياني ثانياً، فحين خرجت جموعهم المفككة قبلياً والموحودة اعلاميا على الكورد لعلاقاتهم المعلنة مع اسرائيل – التي مازلنا نفتخر بتلك العلاقات لكونهم اول  دولة اعلنت بانها تؤيد كوردستان مستقلة – انبعثت روح العصبية القومية والقبلية عند الكثيرين منهم واجتمعوا على عراق موحد لايفرقه شيء، وراحوا يصبون جام غضبهم وحقدهم وبغضهم على الكورد، بصورة عمياء واضحة،  ولطالما رد الكورد عليهم اذهبوا وانزلوا علم اسرائيل من قلب عواصمكم اولاً، كالدوحة وعمان والقاهرة والمغرب وغيرها من الدول التي تتعامل بالسر مع اسرائيل، وحاولوا ان تتفقوا بينكم وان توحدوا سعكيم لاجل قضاياكم ثم بعدها اهتموا بقضايا الاخرين، لكن مع كل البراهين والصور والادلة كان الحقد الاعمى هو الاساس في تعاملهم مع الكورد والقضية الكوردية، ولم يفكروا ابداً بان الحقد لايأتي الا برد فعل معاكس قوي ، فاصبحت الامور على هذا المحمل، من يؤيد وجود كوردستان مستقلة اهلا به، ومن لايؤيد فليشرب من مياه البحر ، وبات الكورد مقتنعين بان عقول هولاء ارتوت من الرمال وطبع الرمال تجرفها الرياح كيفما اتت، حيث لامستقر لها ولاثبات، لذا كان الكورد ومازلوا مؤمنين بان كل عربي سلطوي يكره الاخر بقدر كرهه لهم ككورد، مع ايمان مطلق بانهم لايكرهون اسرائيل الا اعلامياً.
 ولم يمهل الزمن الكثير حتى يبرهن على تلك الحقدوية الطاغية لهولاء  على بني جلدتهم ايضاً، فها هي قطر التي جلبت على نفسها كل الحقد والكراهية والبغض الذي كان ابناء القبائل – الدول – في المنطقة قد صبتها على الكورد، وهي تفعل ذلك فقط من باب العصبية والحمية القبلية لااكثر ولااقل، فليس في هذا الامر دواعي دينية لانه يمكن التفاهم معها على مسلمات ومحاولة جرها الى الوسطية في الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والحفاظ على انتمائها القبلي ايضا، قطر التي تحولت من دولة عربية خليجية الى دولة ارهابية سواء من خلال الطعن في تصريحاتها المتعلقة بايران ومحاولة بناء علاقات متينة معها والمطالبة بمعاملة افضل لها في المنطقة، او من خلال جعلها بؤرة الارهاب والداعم الاساسي والحقيقي للجماعات الارهابية، وهم بذلك يناقضون انفسهم، ففي حين يلبسون قطر رداء الارهاب وقطر هي بلد عربي " امة " عروبية "واحدة غير مفككة اعلاميا "، فانهم ينزعون ذلك عن ايران التي كانت حتى قبل احداث قطر  العربية هي الداعمة بنظرهم للارهاب بل كانت هي الارهاب بعينه هذا من جهة ، ومن جهة اخرى فانهم يستندون  في خطاباتهم الموجهة ضد قطر العربية على تداعيات سبقية، تمخضت عن زيارة ترامب الاخيرة للمنطقة بحيث خلق تحالف قوي ضد السعي الايراني للتمدد في المنطقة، وحين ننظر الى الواقع فان اي ممر لايران الى عمق الخليج لايمكن تقبله من قِيَل الاطراف التي تبنت قرارات المنظومة المتمثلة بالنظام العالمي الذي يتسيده الويلات الامريكية المتحدة.
لهذا نجد بأن الامة المفككة جوهرياً والمتحدة اعلامياً خرجت من تحت عباءة الامة الواحدة، لتظهر معدنها الاصلي والذي لم يكن في يوم من الايام متحداً اصلاً فالتاريخ يشهد، بانه حتى في ايام الدول الاسلامية  في عهد الرسول ومابعده كان التناحر والتنافر والمصالح والمحاولات الجاهدة للوصول الى السلطوية القبلية كانت موجودة ولم تزل تسري في عروقهم حتى وان اسسوا الف جامعة عربية وجلسوا الالاف المرات حول الطاولة، فان كل قرراتهم وكل مساعيهم هي فقط لتحقيق مصالحهم عبر تأكيد ما قم تم فرضه من قبل المنظومة العالمية، ولننظر الى ما حدث لقطر التي تحولت من دولة مساهمة في الحرب على الارهاب ، وحاضنة القاعدة الامريكية  على اراضيها التي منها وجهت الضربات للعراق أبان حرب الكويت والتي في الوقت نفسه المحور الاساس في التعامل مع التهديدات الايرانية للمصالح الامريكية في المنطقة تحولت بلمح البصر الى دولة مساندة للارهاب ، فاصبحت الدول العربية ذات الامة الواحدة تنظر اليها على انها تهديد لامنها القومي والوطني، وتحت شعار حماية لأمننا الوطني من مخاطر الارهاب والتطرف نقطع العلاقات مع قطر التي اصبحت بنظر هذه الدول العربية ذات الامة الواحدة تهديداً حقيقياً على وجودها السلطوي، ومن يقرأ التداعيات التي استندت عليها هذه الدول لفرض خطابها الحالي حول قطر سيجد بانها اجمالا تظهر مدى التفكك القومي اولاً والديني ثانياً الموجود بين هذه السلطات الساعية لتحقيق مصالحها فقط، فقطر بنظرهم تنتهك سراً وعلناً الشأن الداخلي السعودي من اجل بث روح الانشقاق فيها، وتستخدم وسائل الاعلام لتأجيج الفتن داخلياً " بحق الاعلام القطري اعلام فتنة " ، ومن ضمن السياقات الاخرى الداعمة لذلك الخطاب الموجه ضد قطر ان الاخيرة تروج لادبيات ومخططات الجماعات الارهابية عبر وسائل اعلامها بشكل دائم " مثلا قناة الجزيرة داعشية " ، والنقطة الاهم والتي تعبر عن المكنون الحقيقي للخطاب العروبي الحالي الموجه ضد قطر وهي ان الاخيرة تدعم نشاطات الجماعات الارهابية المدعومة من ايران في محافظة القطيف السعودية وفي مملكة البحرين، فضلاً عن دعمها لميليشيا – حسب رأيهم – الحوثي الانقلابية حتى بعد اعلان تحالف دعم الشرعية في اليمن، ناهيك عن دعمها للعمليات الارهابية الموجهة ضد البحرين.
لنتوقف عن مفهوم الامة الواحدة، ومجلس التعاون الخليجي العربي وتلك المليارات التي صرفت على هذا المجلس على كافة الاصعدة، والذي اعلامياً ظهر ولم يزل يظهر على انه البناء الوحدوي العروبي للخليج والساعي لحماية ابناء الامة العربية من اي تجاوز غير عربي على المنطقة، ولااخفيكم سراً بان المجلس في الاصل كان مفككاً، لكن الاعلام القوي ذا السمة السلطوية اظهرته على انه كبير وقوي، ففي حرب الكويت ظهر قوة المجلس الذي كان ولم يزل عاجزا عن التعامل مع اي حدث عالمي بقرار ذاتي دون اللجوء الى الحضن الكبير للبيت الابيض ومن هناك يتم الاقرار، هذا التفكيك القبلي للمنطقة ليس بامر مستحدث وكما سبق وان نوهنا بانه متجذر حتى في قمة السطوة العروبية على المنطقة كلها، فالتاريخ يشهد كيف تمردت القبائل على الاسلام منذ البداية وكيف انها سعت لخلق عالمها الخاص بعيدا عن ادبيات الاسلام وقتها، وتاريخياً تتصدر حروب الردة اية مطامح لانشاء كيان عربي موحد حين كان الاسلام في ذروته ايمانياً وروحياً، فتلك القبائل خرجت من عباءة السلطة لانها في الاصل كانت مؤمنة بان الاصل في الامر هو التفكيك وليس التجميع الاجباري القسري الذي كان يهدد بقطع الرؤس لمن لاينصاع وقتها، هذه البنية التفكيكية لازمت المنطقة الى وقتنا الحالي، فالقبائل التي تحكم باسم الدولة هي نفسها التي كانت تتناحر مع بعضها الاخر من اجل تثبيت سلطانها على المنطقة، واعتقد بان ما يحدث لقطر ليس فقط من باب الامن الوطني والسعي لسد منافذ الارهاب، انما هو السعي لاقصاء اي تمدد قبلي اخر في المنطقة يمكنه ان ينافس القبيلة المتسيدة على المقدسات، وذلك عبر تحالفات خارجية مع دول غير منصاعة لمنظومة المقدسات اولاً وغير منصاعة للمنظومة الدولية وهذا الاهم.
ان حالة التفكيك التي تظهر بشكل جلي عبر مسميات ارهابية لجماعات اسلامية هي في صميمها ارهاب مقنن موقوت، لايمكن اعتبارها الهدف الاساس والحقيقي لهذه الوفضى التفكيكية الموجودة في الواقع العياني، لان الاخوانجية المصرية هي نفسها الموجودة في كل الدول الاخرى من الكويت وقطر وسلطنة عمان وحتى البحرين وتركيا وسوريا والعراق، ناهيك عن الوهابية الموجودة في السعودية هي نفسها الموجودة في تلك الدول بالاضافة الى العراق، هذه الجماعات الاسلامية هي التي تتسيد الحالة السلطوية في المنطقة، فكيف بين عشية وضحاها تتحول اخوانجية قطر  الى اخوانجية داعمة للارهاب لكونها على علاقات جيدة مع ايران والاخوانجيات الاخرى تبقى متحدة، انه لسؤال محير حتى حول مفهوم الامة لدى هذه الجماعات الاسلامية فلا احد يشك بان احدى المعتقدات الاخوانية كانت ولم تزل الاممية، فكيف لتلك الاممية ان تتهاوى بهذه الصورة لمجرد ان قطر اقتربت من ايران، الا اذا كانت الاممية تلك في الاصل مبنية على المصلحوية السلطوية باعتبارها هي الفيصل في الحكم على الاخر ومدى ولائه.
الصورة الاجمالية للحدث مترابطة من حيث الحبكة السلطوية لكنها في الاصل مبنية على اساس مفكك قبلي قديم، لايمكن ان يجمع بين اجزائه شيء، سواء أكان دين او مصلحة الا ظاهرياً، ومن اجل ذلك اصبحت قطر  القاصية معرضة لتهديد الذئاب، ومن يعرف معنى الذئاب سيعرف بانها في اسلم حالاتها تقول لست من الذئاب لكن لااريد ان تفترسني الذئاب، تلك المقولة التي هي شبيهة بمقولة ميكافيلي الغاية تبرر الوسيلة، فالغاية واضحة وكبش الفداء الوسيلة الان هي قطر، واعتقد بانها البداية .. والسؤال يا ترى من التالي ضمن المتغيرات التي تفرضها المنظمومة على الواقع العربي الوحدوي اعلاميا التفكيكي جوهرياً، وما هي التداعيات التي سيفرضها التدخل الايراني لحل المشكلة من جهة، والتدخل التركي لنفس المغزى والغاية، وما تأثير كل هذا على القضية الكوردية باعتبار ان كل من ايران وتركيا والعراق المفكك الحالي لهم مصلحة في وأد الكورد من جديد...؟.


66
الاعلام العربي بين الفرقعات والواقع *
جوتيار تمر/ كوردستان
30/5/2017
ان المتمعن في ماهيات الاعلام سواء أكان من باب التخصص او الاطلاع او الفضول لابد ان يجد بعض المعالم والملامح التي تتسم به الاعلام الناجح المبني على اساس من الثقة في طرح المادة الاعلامية، وقوة المصادر التي يعتمد عليها سواء المالية الداعمة للاستمرارية او المصادر المعلوماتية التي تحقق لها المصداقية والثقة في آن واحد، والاعلام الجديد بكل مسمياته الإعلام الرقمي، الإعلام التفاعلي، إعلام المعلومات، إعلام الوسائط المتعددة، الإعلام الشبكي الحي على خطوط الاتصال ( Online Media)، الإعلام السيبروني ( Cyber Media)، والإعلام التشعيبي ، ( Hyper Media ) ، يمتلك عدة سمات وخصائص لايمكن التغافل عنها، كالكونية، والتفاعلية واللاتزامنية والانتباه والتركيز والحركة والمرونة ومن ثم اندماج الوسائط لديه وكذلك التخزين والحفظ وناهيك عن سمات وصفات وخصائص اخرى كلها توظف من اجل اخراج اعلام قوي ذا مصداقية وقبول لدى الشرائح الاجتماعية بكل تصنيفاتها، وحين ننظر الى الاعلام العربي ظاهرياً سنجد بانها تمتلك المساحات الاعلامية المذكورة ظاهرياً فهي لديها التقنيات الحديثة التي تعطيها الحق في امتلاك تلك الخصائص، ولديها الندرة الحدثية باعتبار ان الاراضي العربية هي مصدر لكل حدث لااقول شاذ عن الاحداث الاخرى لكنه مختلف عن المساحات الاخرى، فالمنطقة العربية قديما وحديثاً هي بؤرة الصراعات سوأء الصراعات القبلية للزعامة الدينية والقبلية او الصراعات الدموية التي لم تتوقف تاريخياً الا لحقبات زمنية قليلة وذلك من اجل اعادة التعبئة والتنظيم او بالاحرى من اجل الحصول على تحالفات جديدة تقدم دول المنطقة لها تبعيتها وتحقق السلطات مصالحها لتعود من جديد الى خلق المزيد من الدمار والقتل.
اذا لايمكن اخفاء المعالم الظاهراتية المتطورة للاعلام العربي، فتكدس الاموال في خزائن السلاطين العرب جعلت من اعلامهم يوازي صناديقهم " مواردهم المالية" وهذه الموارد جعلتهم يستعينون باحدث الاساليب العلمية والتقنية من اجل ايصال رؤيتهم – هذا ان كانوا في الاصل يمتلكون رؤية مستقلة – ولايمكن انكار هذا البذل الواضح في هذا المجال، ولكن في الوقت نفسه، دعونا ننظر بتمعن الى الامور الاساسية خارج الدعم السلطوي التي يركز عليه الاعلام العربي، سواء التي تمس القضايا الاساسية للشعوب العربية، او التي تخص السيادة العربية على مواردها، او تلك التي تخص الدول التي تسيطر على المنظومة العالمية وتقوم بادارتها وفق مصالحها ورؤاها النابعة من كيانها ومن عقليتها الساعية دائما لكسب المزيد من المكتسبات لشعوبها.
الاعلام العربي كان ولم يزل منشقاً على نفسه في دعم القضايا التي تخص بني جنسهم، وهذا واضح تماما في سير الاحداث التي ترافق المنطقة من جهة، والتي تدعمها السلطات اصحاب الاعلام الابرز في المنطقة من جهة اخرى، هذا الانشقاق لايمثل في صورته المرئية والعقائدية الا النعرة القومية الدينية معاً، فكل الاعلام قد يوجه للطعن في حزب الله اللبناني باعتباره يميل الى ايران، وكل الطعنات توجه الى الاعلام السوري لكونه ايضا يميل الى ايران، والاعلام اليمني المنشق على نفسه والقضية هناك واضحة لاتحتاج الى تفسيرات وتأويلات كثيرة، في حين ان الجزء الاهم في سير العملية الاعلامية والتي يتعلق بالمسائل والقضايا الانسانية غير مرئية لدى الاعلام العربي الا من منظور التعصب المذهبي الديني القومي، فصور الاطفال الذي يموتون جراء قصف الجيش السوري تظهر على الاعلام بشكل مستمر ولكن الاطفال الذي يموتون جراء تحركات القوات المفككة – اقصد غير المنسجمة قوميا وعقائدياً – هولاء ليس لهم حق او نصيب في هذا الاعلام، وهنا يفقد الاعلام مصداقيته لكونه يتحول من اعلام قضية الى اعلام سلطوية مذهبية دينية، والامر سيان في كل من فلطسين التي نجد بعض القنوات تركز على القصف الاسرائيلي وما يخلقه من دمار ويسميه وحشية في حين ان طعن مواطن اسرائيلي بالسكين على الشارع يعد لديهم عملاً بطولياً، وفي نفس السياق ما يحدث في العراق مثلاً، ان تذبح داعش المواطنين في الموصل امر عادي، ولكن دخول القوات العراقية للاحياء والازقة داخل الموصل ينذر بكوارث بشرية وانسانية وابادات جماعية مذهبية بنظر الاعلام العربي، وهذا كله ليس الا لان الجيش العراقي بنظرهم مدعوم من ايران، وفي ليبيا والصومال والسودان بشقيه (الجنوبي المتحرر) والشمالي وجيبوتي – اتساءل عن عروبية جيبوتي دائما – والكثير من الدول والمناطق الاخرى الداخلة ضمن الرقعة التي يطلق عليها الامة العربية.
ان الازدواجية التي يعيشها الاعلام العربي تحتلف تماما عن اية ازدواجية اخرى في العالم، وذلك باختصار شديد يجد العرب انفسهم  حاملي رسالة الاسلام – الرحمة – الى العالمين، ترى أ ليس الطفل الحوثي مشمول بالعالمين، أ ليس الطفل السوري الموالي لبشار الاسد من العالمين ، أليس الطفل الجنوب السوداني مشمول بالعالمين، أ ليس الطفل الذي ذبحه داعش في المناطق العراقية والسورية مشمول بالعالمين، ام ان العالمين هذه تخص فقط من يباركهم السلطوية الدينية القومية المذهبية العربية الحالية التي تتجسد في بعض الدول مالكي البترول " الدولار " والذين ينوبون المسلمين الاخرين في اصقاع الخراب الارضي ويتحدثون نيابة عنهم..؟ .
ان جملة التساؤلات هذه هي التي تعطينا المساحة الحقيقية لوجود الاعلام العربي، الذي هو كما اغلب الدول الاخرى تسخر كل امكانياتها من اجل ترسيخ مبدأ وجودها هي دون غيرها، وما تلك البرامج التي تقدم بين حين واخر تحت غطاء يسمى الاعلام الحر الا فرقعات يحاولون بها خداع المواطن العادي، مع ان المضمون الذي يقدم خلال تلك الفرقعات ايضا لايمكن الا ان تخدم مصالحهم السلطوية، فاعلام السلاطين كان ولم يزل فعالاً ولايمكن التغافل عنه بمجرد حوار مباشر او مسجل حول قضية من قضايا الحراك والحدث الحالي غير المنسجم من السلطوية، ناهيك عن امور اخرى التي تسلط الاضواء عليها، بعيداً عن الحدثية الداخلية، فتقوم بتضخيم الحدث وكأن القيامة قامة، مع ان الامر لايتعدى عند اصحاب الشأن سوى حدث بسيط جداً بحيث لايمكن التطرق اليه الا من باب الطرائف، ولعل ما وجدناه في الاعلام العربي المرئي وغير المرئي حول مسألة عدم مسك زوجة ترامب ليده اثناء بعض زيارته خير دليل على تفاهة هذا الاعلام من جانب، وعلى سذاجة متداولي الخبر في الشبكات الاجتماعية من جانب اخر، فالاعلام العربي ركز على الامر وكأنه حدث مهم بل وجدنا البعض يقول لقد فعلتها زوجة ترامب وقالت لا له، في حين تجاهل الاعلام عمداً وبامر سلطوي المكاسب التي اكتسبها ترامب من زايارته تلك، فلنتوقف هنا، المليارات السعودية، اطمئنان اسرائيل على انها ستبقى الراعية لمصالحها طالما اسرائيل ستدعم عي الاخرى مصالح الويلات الامريكية المتحدة، ومن ثم فرض الرؤية الامريكية على القمة الاسلامية وبحضور اغلب الرؤوساء المسلمين، وخلق جبهة تصدي لايران، وفي الجانب الاخر خلق ورقة ضغط مستحدثة على كل الدول في المنطقة، ناهيك عن المكتسبات الاقتصادية الاخرى، وحتى الاعلامية التي من خلالها يظهر لشعبه على  ان امريكا مازلت قوية ومسيطرة على زمام الامور، فضلاً عن توجيه ضربة الى اصحاب الرأي الديني المتشدد فيما يتعلق الشرع وتطبيقه وفيما يتعلق بالسنة النبوية الاسلامية – مصافحة الرجل للمرأة "كمثال" - ، وهنا تختلف النظرات وتختلف الرؤية فهم يحتفون بالمكاسب، ويجدون الامر الاخر مجرد طرفة، في حين الاعلام العربي يجد في الطرفة مكسباً سياسياً كبيراً وتتجاهل الحقيقة الواضحة للعيان، والتي تكمن في ان المليارات من اموال هذه الشعوب ستذهب طوعيةً الى خزائن امريكا.
ان جملة التناقضات والازدواجية التي تلازم الاعلام العربي ليس الا ممر الى خلق انسان عربي منفصم عن الواقع، يعيش الحدث بقشرته ويترك الجوهر لاصحاب المكاسب، وهذا بالتالي يخلق جواً من الهدوء السلطوي، بمعنى اخر ان السلاطين يبقون على كراسيهم لمدة اطول، وحتى ان تحركت الشعوب لهز العرش السلطوي فانها ستدفع الثمن غالياً، لانها مهما بلغت من تحوير وتحويل للحقيقة فانها لن تتخلص من تبعيات هذا الاعلام السلطوي الذي ساند الربيع العربي في اماكن كثيرة فحوله الى ربيع احمر بالدم ربيع الجماجم التي لم تزل تتساقط كامطار الشتاء، ومن هذا المنطلق يبقى التساؤل  للاعلام العربي ترى ايهما كان الاهم ان تركزوا عليهم يد زوجة ترامب ام المليارات التي كسبها ترامب..؟ ، ويا ترى  مفهوم العالمية لديكم لماذا لايشمل الا ممن ينتمون لبني جنسكم قومكم مذهبكم دينكم..؟ والسؤال الاخر هل بقاء الموصل مثلاً تحت سيطرة داعش هي عندكم اهم من ان تتحرر على ايدي الجيش العراقي..؟ .
*- لم اتطرق الى الشأن الكوردي بتاتاً في هذا المقال كي لايتم تحوير الموضوع على انه حقد قومي ، لأن اصحاب النفوس الضعيفة والحاقدة لن يتمهلوا في تحوير الامر لذلك المفهوم.
 


67
من اجل الحتميات" ايفانكا " تبيح المحضورات
جوتيار تمر/ كوردستان
22-5-2017
حين يتم استخدام مصلطح فقهي او لاهوتي او ميثولوجي او حتى ثيوقراطي وقتها ستنهال على صاحب الفكرة او المقال الكثير من اللعنات من اصحاب الفكر التشددي الذين دائما اراهم المصدر الاول والاساس لكل عنف ايديولوجي اوترهيب سياسي او ارهاب مسلح، ومع ذلك لايمكن التوقف عند مبدأ الاحتكارية الاصطلاحية" القواعد"  طالما ان الموجود الواقعي يتيح لنا فرصة استغلال تلك المساحة البلاغية لأبداء الرأي، او لاظهار بعض الرؤى المتناغمة مع الحدث البراني الواقعي الساعاتي، ومن هذا المنطلق كان استخدامنا  للقاعدة الفقهية " الضرورات تبيح المحضورات " التي لطالمنا سمعناها من اصحاب الفكر الديني بكل تصنيفاته واشكاله وانتماءاته ؛ وعلى الرغم من اننا وظفنا القاعدة وفق معايير مغايرة للسائد، باعتبار انها في الاصل استدلالات لاهوتية كهنوتية دينية فقهية تدل على وجود حالة تستدعي الافتاء لكونها لم ترد عن "السلف الصالح"، او لانها حالة لايوجد نص صريح بشأنها، الا اننا هنا امام واقع اخر للحتمية المحضوراتية تلك، باعتبار انها ربما تكون مدخل الى نهاية حقبة زمنية مليئة بالدم والقتل والسبي والتحجر الفكري والارهاب الديني والكبت الاجتماعي والمدني ،لاسيما بعد ان تنازلت مصادر الفكر الديني المتشدد عن مواقفها المتحجرة تجاه الشعوب الاخرى، وتجاه شعوبها الداخلية، بعيداً عن التملقات المنتشرة من اصحاب الفكر الديني او لنقل البعض منهم، ممن يجيز للسلطة الاستمتاع بالموجود، ويحضر على الرعية حتى النظر الى الممكن.. حيث الصمت على امر كان منكراً او غير جائز  بل كان يعد في حالات وعند البعض حراماً خارجاً عن السنة والشرع، لربما يتحول الان تلك القاعدة التحريمية بالتدريج السريع الى تشريع غير موثوق، وبالتالي فان التبعية لذلك التشريع يهتز داخلياً كما يهتز الثقة بحاملي لواء الفتاوي وقتها، ومن هذا المنطلق تتخذ الحتميات موقعها الاستراتيجي على ارض الواقع، بحيث ان علامات الساعة التي كانت ستصبح هي المقال الاوفر حظاً ، والخطب الدينية التي كانت ستصبح هي المادة الممنهجة خلال هذا الحدث والتي كانت ستقف عند حاجز الخروج عن الملة والتشريع والاتهام بالردة او حتى مخالفة السنة الشريفة، بسبب الفعل الخارج عن المأثورات السبقية التي لطالما نادت بها تلك السلطات وتلك العقول الفقهية التشريعية الدينية، نجدها امام الحتمي والواقعي اصبحت اشبه بالاصنام التي لاتطنق، ولا تتحرك ، اي انها هي نفسها التي كانت ستثور في مثل هذه المواقف على اصحاب الفكر التحرري، او حتى على عامة الشعب، لكونها اقترفت ذلك الفعل الخارج عن دوائر التشريع، نجدها الان تبارك وتستأنس مع السلطوية باقتراف الفعل، بل وتنشد باسم السلطة وتصفها بالواعية المسيسة، وانها تفعل كل ممكن من اجل مصلحة الشعب، وبلاشك الشعب هو الاساس او هو الحجر الذي يتحرك عليه اصحاب هذا الفكر .
الحتمية هي التي فرضت نفسها في النهاية بدل الضرورة، وباتت هي السمة الابرز للزمنية سواء الانية او المستقبلية، فمن ينظر الى المتغيرات السياسية بالاخص سيجد بان الامر لامناص منه، فكل بند او قانون، او حتى هدف من اهداف المنظومة الاستراتيجية اصبحت تشريعاً لاهوتياً دينياً يخضع له كل المنظومات المحلية والاقليمية، وبالتالي فان كل المقولات السابقة حول الضرورات تغيرت بمجرد ان اصبح الصمت سمة اصحاب الفكر اللاهوتي الديني امام هذا الكم الهائل من المستجدات على ارض الواقع، فتلك القواعد الصارمة التي كانت ترهب الناس وتجعلهم يتزهدون ويكبتون الرغبات، ويغضون النظر، ويمنعون انفسهم حتى من المصافحة، والخلو بجنس غير جنسه، نجدهم الان امام علامات اخرى للساعة" اقصد حتميات " او ضرورات ، فرضتها الحتمية التي تتسيد الوقت منذ بدء البشرية ولكن البشرية كانت تحاول ان تتغافل عن ممكناتها تجاه ذلك الامر، الحتمية بصورتها الحديثة ووفق المنطق الممنهج ضمن دوائر المنظومة العالمية اصبحت تجيز للرعية البدء بمرحلة جديدة، مستعينة بالفعل السلطوي" القياس" الذي خرج بنظرهم عن السائد الممنوع المحضور، الى الفعل المباشر مع ثبوت العقل واليقين في الفعل، وبالتالي فان الحتمية هذه سواء أكانت بنظر اصحاب الفكر اللاهوتي الديني استثنائياً كما ذهب الى ذلك احدهم حين تهجم على الذين يقومون بحلق اللحية " رسالة لاخي حالق اللحية: الشرع امرنا فقط بحلق شعر العانة والابط وحلقك للحيتك يجعل وجهك بمنزلة فرجك فهل ترضاها يامسلم.."، وحين واجهه احدهم بصورة لاحد افراد السلطة الحاكمة ممن لا لحية له وسأله ممكن ان تعيد الكلام لاني ما فهمت، اهتز عرشه التشريعي وقتها فكتب " طبعا يستثنى من كلامي ولاة الامر حفظهم الله.." ، فكأن التشريع الاصلي لايطبق على اصحاب الجلالة ولاة الامر، انما فقط على الرعية هذا من جهة، ومن جهة اخرى ام كان الامر برمته مجرد تحولات فقهية لاهوتية كهنوتية، فاننا امام حتمية وجدت نسقها في المحضور الديني لدى هولاء، وفتحت الابواب امام التأويلات بان تتخذ لنفسها الكثير من المسالك التي يمكن من خلالها ان تتفح عقولهم على موجودات اكثر قيمة من التحجر، وبذلك نجدنا امام الحتمية التي غيرت من ملامح القاعدة الفقهية الضرورات، وحتى من ملامح علامات الساعة ،حيث اصبحت  الحتمية هي العلامة الابرز للساعة باعتبارها تحدد معالم الوقت، وملامح المرحلة، والممكنات التي يجب اتخاذها، والممكنات التي يجب استحداثها، والمفروضات التي يجب تناسيها.
ان منطق التحجر السلطوي التشريعي بات مهزوزاً بنظر الكثيرين ممن كانوا يعتقدون بصلاح ولاة الامر، وبانهم يخدمون الرب على عروشهم المرصعة بالذهب، حيث اظهروا للعالم " الرعية " بان الضرورات لم تعد هي التي تتحكم في ميولهم ورغباتهم وحتى في افعالهم سواء أكانت ضمن النطاق الجغرافي السياسي او الاجتماعي او حتى التشريعي، بل وحدها الحتميات المصلحوية التي تفرضها المنظومة بكل تشكيلاتها وتصوراتها وتصنيفاتها وحتى قواعدها وتشريعاتها، هي وحدها التي كانت ولم تزل نافذة المفعول وبدون انتهاء للصلاحية، لكونها مفتوحة الامد، لحين ظهور قاعدة حتمية اخرى تفرض على الجميع الخضوع ، ولعل ما حدث مؤخراً في السعودية راعية مصالح المسلمين وخادمة الحرمين، وقبلة المسلمين في جميع انحاء الخراب الارضي، خير دليل على ان الحتميات هي القاعدة الاكثر قبولاً تشريعياً وفقهياً ومن الضرورات، لكون الاخيرة احيانا يتم تحويرها وفق منهج او مذهب مغاير يمكن الخروج من الفعل بفتاوى تبيح الفعل الادراكي اليقيني عندهم؛ لكننا هنا امام قاعدة مستحدثة "من اجل ايفانكا تبيح المحضورات".


68
المنبر الحر / دعونا نعالج انفسنا
« في: 20:21 24/04/2017  »
دعونا نعالج انفسنا
جوتيار تمر/ كوردستان
14-4-2017
حين ننظر الى البناء والعمارة والمؤشرات التكنولوجية ضمن دوائرها التوظيفة الظاهرية للقيَمّ العلمية سواء باسم الجامعات والمعاهد والمدارس او من خلال التباهي بالمتحولات العمرانية وتخصيص واجهات اعلامية براقة لها، ومن ثم اعتبار كل هذا هو اساس التمدن والتحضر ، وقتها نعيش آفة ذاتية داخلية يمكنها ان تنهي وجودنا بهزة او زلزال او موجة عاتية، فنصبح حينها اشبه بالبدو الذين اينما ارتحلوا تبقى سماتهم متجذرة ومتأصلة في سلوكياتهم وافعالهم على الرغم من تغير ردائهم ووسائل نقلهم وحتى اماكن سكنهم.. مما يؤكد ان المعضلة او العلة ليست في الاماكن انما في النمط السلوكي والوعي بالذات بعيداً عن كل الادعاءات الاخرى التي تنمط السلوكية وفق تداعيات الاصالة والمحافظة عليها، وتدوير الموروث وتفعيله ضمن هياكل عصرية مواكبة للحدث الاجمالي للوجود البشري على جميع الاصعدة.
كذا هو الحال بمن ترك الجبل ونزل الى السهل، فجلب معه طباع الحياة هناك حيث قسوة الطقس وصعوبة الارض والتضاريس والعيش زراعة او رعياً، فلم يستفد من السهل الا بالمتغيرات الظاهرية التي تتوافق مع الموجود الحضري "الاجتماعي" بعيداً عن الادراكات التفاعلية لغرضية التغيير، ولاهمية التغيير، ولوجوب التغيير، ولضرورة التعايش الداخلي الذاتي والواعي لتلك الموجبات والضروريات المتغيرة التي تطرأ على حياته ويقلبها رأساً على عقب.
والفرق بين البدو من الصحراء" العرب"  والاخرين يذكره ابن خلدون فيجد الصحراوي  " أنهم أعرق في البدو وأبعد عن العمران الحضري، وما يدعو إليه من الصنائع وغيرها. والعجم من أهل المشرق وأمم النصرانية عدوة البحر الرومي أقوم الناس عليها.... ولهذا نجد أوطان العرب وما ملكوه في الإسلام قليل الصنائع بالجملة، حتى تجلب إليه من قطر آخر..."، بين الاخرين الذين يمتهنون الزراعة   يقول عنهم " هذه الصناعة ثمرتها اتخاذ الأقوات والحبوب، بالقيام على إثارة الأرض لها وازدراعها، وعلاج نباتها،...ثم حصاد سنبله واستخراج حبه من غلافه وإحكام الأعمال لذلك، وتحصيل أسبابه، ودواعيه. وهي أقدم الصنائع..."، فمع ان البداوة كامنة في الاثنين الا ان الثانية على الاقل منتجة، ويمكن مزجها ضمن هياكل التحرك الواعي وفق مسارات التدرج" ان تقبلت ذلك"، وهي تعد اعرق واقدم ليس فقط لكونها تنتج القوت، انما لكونها تدرجت وفق مسارات الحياة منذ البدء الى وقتنا الحالي..وحتى لايؤخذ الامر ضمن اعتبارات تعصبية هنا لسنا بصدد التعرض لمكانة احد، ولا التقليل من منزلتهم.. انما فقط هذه محاولة لمعرفة موجبات التدرج والاندماج مع المدنية المتحضرة.
ومع كل ما ذكرناه عن ماهيات البداوة هناك في الامرين ما يجعلنا نحاول معاينة المعيقات المدنية التي تعبث بالوعي البدوي والجبلي معاً، لنجدهما ضمن سياقات لاتتخذ نمطاً تدريجياً في التحول في وقتنا الحالي، باعبتار ان التدرج لربما يساهم في اسقاط النعرات والقسوة ويمهد للوعي والفهم  حتى وان كان بطيئاً غير مستقراً، لكنه يحدث الفارق الضئيل في التحرك والتواجد والتساهم معاً، ولعل المتمعن في ايقاعات التفاعل الوجودي لهذه الفيئات البشرية داخل المجتمعات الحضرية سيلاحظ مدى التفاوت على جميع الاصعدة بين الوعي الممنطق للموجودات البرانية بكل مستوياتها وتوظيفاتهم لها، وبين اللاواعي الوجوبي القسري الذي يقلد السابق ويوظف الموجودات ضمن ممرات لاتنتج، ولاتبدع، بل تكرر وتتراوح ضمن دوائر قسرية غير فعالة.. مما يخلق نوعاً من الهمجية والقساوة في التعامل مع الاحداث بصورة عامة، ومع المواقف والاشخاص بصورة خاصة، وبالتالي تخلق شرخاً وتوسع الهوة بين الواقعي المنطقي وبين اللاواعي المقلد.. فتبرز المعيات التي تبرهن على ان الوعي بالذات ضمن مساراته التقليدية والحديثة يشكل نقطة اساسية في تحريك المنطق الوجودي للانسان ضمن دوائره وضمن مداراته الفهمية والادراكية معاً.. باعتبار ان الوعي بالذات يعتبر بعداً من الابعاد المهة للذكاء الانفعالي الذي يسهم في هندسة الذات وتفعيل مسارات حيويتها في التوافق مع الذات والآخرين واستثمار ذلك في تفعيل مسارات الطاقة اللا محدودة في مكنوناتها، كما يرى ذلك "جولمان".
ولكن حين تبقى تلك المدارات الانفعالية للذكاء ضمن هياكل وقوالب التأصيل الذهني وفق تداعيات الموروث المحافظ ومنع المس بمكنوناته باعتبارها مقدسة غير قابلة للتداول وقتها تتحول تلك الانفعالات الى انعكسات مضادة للتطور وتبقى الانفعالات " الافعال " ضمن دوائرها السبقية، فتصير الهوية غير مبرمجة على تقبل الاخر، انما كل شيء من الاخر لايتوافق مع الموروثات السبقية تصبح محرمة، وحينها تكون ردة الفعل عنيفة غير واعية وبعيدة عن كل الممكنات المتحضرة، وتصبح ادوات القمع والكبت هي الاسلحة التي يستخدمها اللاواعي وغير المتأقلم مع الموجودات، وهذا ما يجعلنا نقول بان الوعي بالذات هو في الاصل اساس البصيرة وان كل ردة فعل لايأتي من دائرة الوعي تلك تصبح وجدانية وكما يقول فرويد ان معظم الحياة الوجدانية لاشعورية اي ان كثيراً من المشاعر التي تعمل داخلنا لاتدخل عتبة الشعور، وان المشاعر الجياشة تحت عتبة الوعي يمكن ان يكون لها تأثيراً قوياً على ادراكنا للاشياء واستجابتنا حتى ولو لم يكن لدينا وعياً بتأثيرها.. وهذا بالضبط ما يحرك في الاساس تلك التجمعات غير الممنطقة التي تأخذ الانفعال الاني وسيلة للتعبير عن المكنون الداخلي سواء أكان شعوراً ام وجداناً، وبالتالي تتمظهر السلوكيات لديه وفق معطيات البيئة التي استقى منها في البدء، وتلك البيئة لم تكن يوماً مهيأة لتقبل الاخر وفق معطياته الحالية لكونها معطيات لاتتواكب بطء صيرورة الاخر، وقلة وعي الاخر، وعدم تفاعل الاخر مع المستجدات الحياتية بكل اشكالها، وفي الاخير تتحول ردة فعله تجاهها الى آفة غير منطقية تفتك بالبنية الاجتماعية داخلياً فتظهر العاهات المزمنة والترقيعات اللاواعية، والصراخات اللاهادفة، فيجد صاحب المنطق اللاواعي نفسه امام تيار جارف، لايمكنه الصمود امامه، فيعمل على ايجاد حلول تنتمي الى جذوره وموروثاته لمواجهة تلك العقبات، ولربما يخرج قوة انفعاله وهمجية ردة فعله بوجه من هو يفترض به وبامثاله التعلم منه، والاستقاء من نبعه الواعي، والاستدلالي الذي يُقَيّم الواقع عبر تجلياته وافكاره وانتاجاته الواسعة على جميع الاصعدة.
ان هذه الافة المزمنة هي التي تجعل من الممكنات اللاواعية حاضرة وبقوة في كل الافعال والانفعالات، وهي نفسها التي تخلق تلك التصدعات الناجمة من عدم التوازن والتوافق بين المقبول واللامقبول، وهي ايضا التي تجعل من الشرخ اوسع والهوة اعمق، فتتجلى الظواهر غير المتمدنة وتطغى على المعالم العمرانية والبنائية وعلى المسارات التكنولوجية الكبيرة، وحتى على السياقات المظهراتية الاخرى التي تجعل الناظر من بعيد يتمناها، ويمجدها، ويتغنى بها، في حين ان الذي يعيش فيها بوعي يجدها مقلدات زائفة لاجوهر لها، ولامناص من تغييرها، لكونها غير قابلة لتقبل الموجود وفق ما هو عليه بوعي، فيصبح مستهلكاً غير منتجاً، مؤخراً غير قابل للتقدم، مقعد متحرك بعشوائية النمطية السلوكية البدائية لايُقَدر الموجود الفعلي صاحب الذكاء المنتج المقدر لذاته، سواء على المستوى الشخصي او الاجتماعي أو  حتى السياسي والفكري .. وذلك ما يستوجب علينا البدء في البحث عن المعطيات التي نعمل نحن وفق انماطها سواء السلوكية او الانفعالية او حتى الفكرية الذهنية، كي نستطيع وضع ايدينا على اماكن نشوء العاهات والافات، وبالتالي نبحث وفق برمجية ممنهجة واعية لمعالجتها وذلك للحد من الظواهر غير المتمدنة وغير الحضارية داخل دوائرنا الشخصية والاجتماعية والسياسية والفكرية.

69
المنبر الحر / تناقضات شرق اوسطية
« في: 11:25 17/04/2017  »
تناقضات شرق اوسطية
جوتيار تمر/ كوردستان
12-4-2017
حين نبحث في المعيات التي تمنطق اي تصرف او حدث او حتى قرار يمكننا من خلال الاستدلالات ان نعي بشكل واضح ماهية المسار الذي يتخذه اصحاب القرار من جهة، والوجهة التي يتخذه القرار من جهة اخرى، وهذا ما يجعلنا في النهاية على دراية بالمحركات والمصوغات والاهداف وحتى المساعي التي تتبناها الجهات الصادرة للقرار، ولكن في الوقت نفسه حين نعيش وسط دوامة ممتلئة باللامنطق اللاواعي، فنكون وقتها اقرب الى اللاوضوع من اي شيء اخر، وبعبارة اخرى حين يكون المنطق مبني على اسس كاذبة غير صادقة وغير ثابتة لا مبدأ له وقتها نعيش حالة من الذهول التناقضي الذي لامفر منه ولاحل له ولا حتى ملاح يمكننا تقصيها لاثبات مبدأ او فكر او حتى مذهب ودين له.
على هذا الاساس اننا هنا نثير فرضية التناقض بعيداً عن ازدواجية الشخصية التي سبق وان طرحناها في احدى مقالاتنا، وخلال سعينا لاثبات رؤيتنا فاننا نخص البؤرة الاكثر تناقضاً في وجودها الخرابي الارضي ونقصد بها المنطقة الشرق اوسطية التي يفترض انها منطقة الاديان الرسالاتية وبعض الاديان السماوية وبعض الاديان الاخرى، الا انها بؤرة اللامبدأ واللاثبات والتناقض في الاصل واعتقد بانها تمد البشرية في جميع الاصقاع الاخرى بهذه السمة والصفة المشينة للوجود البشري..لكونها تظهر للعالم  اعلامياً وجهاً سمحاً ايمانياً وفي الباطن هي التي تمد العالم بكل ما يمكنه ان يكون دماراً وموتاً.
اذا ما هو التناقض..؟ ، حسب بعض التعريفات المختصرة التناقض هو اختلاف قضيتين في الايجاب والسلب يقتضي لذاته صدق احداهما وكذب الاخرى ، وبعبارة ادق واوضح هو أن يعمد المستدل إلى نقيض القضية (المطلوب البرهان عليها)، فيبرهن على صدقها أو كذبها، فإذا ثبت صدق القضية (النقيض) بالبرهان، يطبق عليها قاعدة النقيضين وهي: (النقيضان لا يصدقان معا ولا يكذبان معا) فينتج كذب القضية المطلوب، وإذا ثبت كذب القضية (النقيض) ينتج بعد تطبيق قاعدة النقيضين. صدق القضية المطلوب. لايتحقق التناقض بين القضيتين الا اذا روعي في كل واحدة منهما ما روعي في الاخرى بحيث يكون السلب رافعاً لما اثبته الايجاب، عندها فقط يكون اختلاف القضيتين في السلب والايجاب مقتضيا لذاته صدق احدهما وكذب الاخرى، لاستحالة اجتماع النقيضين في محل واحد، "بلاشك مثل هذا التعريف يمكن ايجادها في اغلب مواقع التواصل الاجتماعي".
السؤال هو ما يمكن ان نستفيد من تلك التعريفات الاستدلالية عن التناقض وكيف يمكن اسقاطها على البؤرة الشرق اوسطية، وهنا يلزمنا تحديد الهويات او الرقعات التي يمكن الاستشهاد بها لتأكيد المقولة، لذا التعميم افتراضي وليس حتمي، وكي لانبتعد كثيراً عن الموضوع الاصل نعود الى الاستدلالات الحدثية والصورية والشخصية التي تتكاثر يوماً بعد يوم في هذه البؤرة الفاسدة التي افسدها الساسة بمساعدة الشعوب المتطرفة فكرياً ، دينياً، مذهبياً، قومياً، طائفياً، وبالتالي اصبح يضرب بها المثل.
سنبدأ بالمستجدات المعاصرة ضمن الهيلكة التاريخية ولن نخوض في القديم والحديث، انما المعاصر كصورة تكاملية للحدثية السبقية ضمن هياكلها وتقسيماتها التاريخية ، واول ما سنبدأ به هو الهمجية الاردوغانية " التركية" في تعاملاتها مع الواقع الداخلي والخارجي والمؤثر بشكل واخر على المنقطة عموما سواء من خلال تحركاتها العسكرية او حتى تهديداتها الاقتصادية او تلميحاتها الدينية وايحاءاتها المذهبية، فتركيا ظهرت منذ بداية الازمة السورية والداعشية معاً على انها قوة مستعدة لمساندة الاحرار والثوار من اجل ازاحة الاسد السوري، وهنا وقفت موقفاً متضاداً ذاتياً في مضمونه وظاهره، السؤال كيف..؟ ، من تابع الحراك الاردوغاني سيجد بانه من حيث المبدأ وقف ضد روسيا المؤيدة للاسد السوري، وفي الوقت نفسه وقف موقفاً معادياً لبعض فصائل المعارضة السورية بالاخص الكوردية، وحين كان داعش يدمر بقايا الحياة في كوباني كنا نشاهد الدبابات التركية على مقربة من الحدث دون حراك، بل كانت فقط موجودة لمنع اي تقدم كوردي تجاه مناطقها وحدودها، وفي الوقت نفسه وجدنا الموقف التركي تجاه امريكا واضحاً حيث الاوبامية والترامبية الحالية تدعم الكورد في سوريا وبذلك هي على خلاف بذلك مع الحراك التركي الاردوغاني، ومن جهة فان تركيا المعادية لروسيا تكون بذلك قريبة من امريكا التي بدورها لاتتفق مع السياسة الروسية في سوريا، وهنا يبدأ التناقض الحقيقي حيث يتوجب علينا اظهار السلب والايجاب كي نؤكد مفهوم التناقض في الشخصية التركية الاردوغانية التي لامبدأ ثابت لها، ولاقيم لها، حيث تنازلت سياسياً وواقعياً لروسيا، وبذلك ستكون في محل شك امريكي، وظلت تعادي بعض الفصائل الكوردية التي تؤيدها امريكا، وهذه الفصائل بالذات ظهرت في مواقف كثيرة موالية للاسد السوري، وبذلك خلقت عدم توازن في الرؤية، فالاسد مرفوض من تركيا ولكنه مطلوب من روسيا، والكورد مطلوبون من امريكا ولكنهم مرفوضون من تركيا، اذا علينا ان نبحث عن الخيط التناقضي الصريح في الشخصية التركية الاردوغانية لاسيما اننا امام معضلة اخرى وهي الدعم التركي لداعش وللنصرة المتطرفة على حساب الفصائل السورية الاخرى، وتلك الجماعات الارهابية هي في الاساس المحور الذي يتحرك عليه كل من امريكا في بسط نفوذها على المنقطة وروسيا الساعية لتثبيت اقدامها في سوريا بهدف محاربة الارهاب الداعشي والنصري، ومن حيث المنطق لابد ان يتعارض محاربة امريكا وروسيا لداعش والنصرة الخطط الاردوغانية وبالتالي تم اقحام المنطقة في دوامة عنف لاحدود لها، ولازمنية يمكن ان تحدد مدة استمراريتها، ولامنطق يمكن ان يجعلنا نعيش وفق مساره.. لذا نرى بان تركيا اذا كانت لاتعيش التناقض فعليها ان تقوم باثبات الايجاب في سياستها هذه ، كي لانذهب نحن الى السلب المهيمن على مساعيها وحراكاتها والتي هي كلها تؤكد الوجه الكاذب لها على الرغم من التطبيل السني الخليجي لها.
وضمن الصياغات المتناقضة في البؤرة هذه ايضاً، سنجد تقبلاً  خليجياً واسعاً للضربة الامريكية على القواعد السورية الاسدية، وتقبلاً تركياً بل وترحيباً تركياً، في حين نجد امتعاضاً ورفضاً روسياً وايرانياً وتطبيلاً عراقياً شيعياً حشدياً لهما من خلال رفضهم للضربة باعتبارها اودت بالمدنيين، متجاهلين الالاف الذي قضوا وفق منطق محاربة الارهاب تحت وطأة الصواريخ الاسدية والروسية والتركية ومشاركة القوات الايرانية بشقيها الجيش الثوري وحزب الله اللبناني في ابادة الجموع البشرية على الارض السورية.
وضمن بؤرة اخرى من البؤر الشرق اوسطية سمعنا العبادي رئيس وزراء العراق يقول في مؤتمره الصحفي انه لولا البيشمركة والكورد لما استطعنا من تحرير اراضينا وكسر شوكة داعش، وفي الوقت نفسه نجد بأن البرلمان العراقي اجتمع في وقت سابق لرفض قرار رفع العلم الكوردستاني على كركوك، التي تركها الجيش العراقي خالية من الحماية بعد هجوم داعش على المنطقة، ولولا البيشمركة الكوردية التي تحمل ذلك العلم في حروبها على داعش وعلى اعداء الكورد لكانت كركوك الان سبية من سبايا الخليفة النكاحي الداعشي ولكان التركمان والعرب السنة بالذات ضمن الهياكل القيادية لداعش " كما هم ابناء الحويجة" او لكانت نسائهم الان سبايا تباع في اسواق النخاسة، لذا حين حماهم البيشمركة كان وقتها مسموحاً بذلك العلم ان يرفوف بحرية وشموخ، وبعدما اطمئن هولاء وركنوا الى الرفاهية الامنية اصبح ذلك العلم ملعونا من قبلهم لانه لايمثل جميع مكونات كركوك العرقية والاثنية كما يدعون، والسؤال هو من اي كوكب انتم يابشر.. واين كنتم حين استباح داعش المنطقة وكادوا يسبون نسائكم..؟.. وضمن النسق الاستدلالالي للتناقض في الوجود الشخصي والطائفي والقومي في المنطقة نستدل بامر واضح المعالم هو ان السنة مدعومون من تركيا والتركمان هم اصلا بقايا السلطة التركية في المنطقة، وهنا تأتي قضية اخرى وهي ان السلطة في بغداد تابعة لايران الشيعية، والمكونات الرافضة للعلم الكوردي في كركوك هم من بقايا السنة المؤدين لتركيا، وتركيا تاريخيا معادية لايران، ولكن التناقض يبدأ هنا، تركيا تقول ان المادة 140 من الدستور العراقي هي الحل وليس رفع العلم حسب القنصل التركي في بغداد، وفي المقابل المساعي الايرانية بواسطة الملعون الاخر المالكي واذنابه من المطبلين له يحاولون تمرير قرار برلماني بانزال العلم الكوردستاني واقالة محافظ كركوك الكوردي، وحين نشاهد هذه المسرحية على ارض الواقع سنجد بوضوح كيف الدمى تتحرك بثبات، مع يقينها بعدم ثبات عقيدة محركيها، فتركيا لامبدأ لها وتعيش حالة من التناقض المستديم في قراراتها وتحركاتها وتصرفاتها وما نراه ونشاهده داخل تركيا نفسها الان شاهد على ما نقول، وفي الوقت الذي نرى بان ايران نفسها تعيش ذلك على البعدين السوري والعراقي، ففي سوريا ايران داعمة للاسد السوري وتركيا رافضة تماما له، وفي البعد العراقي ايران داعمة للسطلة البغدادية وتركيا ترفض التدخل الايراني في شؤون العراق وتؤيد البقايا السنية، وفي الوقت نفسه البقايا السنية التي هي في الاصل لاتعيش في مدنها بسبب تسليمها الى داعش قبل الهروب منها بخطة مبرمجة من قبل الحكومة العراقية السابقة، هذه البقايا السنية هم الان نازحون في كوردستان، ويعيشون بامن وأمان داخل المخيمات والمدن الكوردية، وفي كل يوم يستيقضون فيه يرون ذلك العلم الكوردستاني يرفرف فوق رؤوسهم فيشعرون بالامان لانهم مدركون بان ايادي داعش وحسب ما يقولون الرافضية الحشداوية لن تصل اليهم، ولكنهم في الوقت نفسه يغدرون في البرلمان بمن يحميهم ويأويهم ويقفون ضد ذلك العلم في كركوك.
انها الالية التي يعتمدها الساسة في  هذه البؤرة، كي يستباح الكثير من الدماء الاخرى، وكأن التي سفكت لاتكفي طموحهم الغبي المتناقض مع القيم الانسانية التي ينادون بها والحرية التي يقولون بانهم يسعون لخلقها لجميع المكونات على هذه البؤرة، ان التناقض الواضح في الرؤية التي تتبناها هذه الجهات لايمكن انكاره لكونه يثبت وبالبرهان والامثلة والادلة الواقع الذي يعيشونه، وذلك عبر اللامبدأية والصور الكاذبة التي يطروحنها عبر خطاباتهم السياسية الممتلئة بالحقد على الاخر، على الرغم من تبريرها بالغطاء والرداء الديني السمح، فالكذب السلب هو اليقين الذي نحن نجده في كل تحركاتهم وما سبق ان قلنا واشرنا اليه هو البرهان على التناقض لكونهم يظهرون عبر خطاباتهم سمو اخلاقهم وانسانيتهم التي غالباً ما تغلف بالمعطيات المفبركة والادعاءات الاعلامية التي تظهرهم بوجه سمح انساني، وفي الحقيقة ان البراهين تثبت ضلوعهم في كل المصائب التي تلحق بشعوبهم اولاً وبشعوب المنطقة، لانه لايمكن اعتبار اي حراك لهم حراك ايجابي مثمر، انما كل حراكاتهم هدامة تعبث في الخراب وهذه البؤرة وتزيد من عدد الضحايا، وهذا ما يؤكد منطق التناقض لديهم، حيث كذب القضية الاساس لديهم بادعاءات تتمثل الانسانية والشرعية وغير ذلك، في حين يتبعون سياسة التهويل والترهيب والاقصاء والحقد ضد الجميع.

70


 عن دار  تمورز بدمشق صدر كتابي الجديد ( بشر يمتهنون صناعة الالهة ) مع ملحق يضم قراءات و مقالات عن الارهاب
مدخل: بشر يمتهنون صناعة الالهة

             منذ تكوين الانسان الاول وهو مستمر بخلق الازمات والاضطرابات التي تتسم احيانا بالعنف البهائمي غير المستدرج نهائيا ضمن دوائر الوجود البشري، لكونه عنف لاحدود له، ولا منطق له، ولا حتى نسق او نمط استبقاي يمكن ان يُعرف بانه الاساس لهذا العنف لكونه يتجدد في كل مرة بشكل يظهر وكأنه البدء، وذلك لكونه دائما ما يضيف اليه بعض من لمساته الابداعية الهدامة، فتأتي التسميات توالياً، من ارهاب ،ووحشية وعصبية قبلية والى غير ذلك من التسميات التي نجدها تتناسل كما يتناسل العنف والازمات الانسانية على الخراب المسمى بالارض، ولكن مع ذلك نجد بأن بعض العقول لاتعول كثيراً على مفهوم اللااستبقاية
( لااستباقية النسق او النمط او النص) فتأتي لترجع مثل هذه الاعمال العنفية والارهابية الى مصادر وجد الانسان منذ بداية تكوينه منصاعاً لها، بل حاملاً لافكارها ومبشراً بها ضمن نطاقات ودوائر مختلفة اتسمت بعضها بالقبلية او ما يمكن ان نطلق عليه محدودية المساحة، وبعضها اتسمت كما ادعت بالعالمية او لامحدودية المساحة.


71
أدب / كوردستان " وطني "
« في: 19:30 24/03/2017  »
كوردستان " وطني "
جوتيار تمر/ كوردستان
21/3/2017
يا وطناً جزئته الذئاب
في خنادق الرصاص
عصافيره ثكلى
 وفصوله رماد جثث بين اصابع الرّيح
جنائز وطني في كل زوايا الارض
شعب منهك وحرية ضائعة..
طفولة تعلو مع حشرجة
العتمة...
هم في رقعة وطني الواسع
يكتبون بيانات الموت
ويرسمون بالفحم احلام الالهة
الكاذبة...
هكذا من كل صوب
 يعزفون وجعنا تحت
حوافر الجِمال
وبكاء ضفائر النساء
في معابد أهملت نصوصها القديمة
وتنهيدة موسيقى صباحات الوطن
تعبر اجراس آيا صوفيا
وهم يرتلون سورة الانفال فوق
الرقاب..
الى اين يا ذئب الهزائم
وسطوى الصبّار
تنزع الارض من حنجرة البهجة
فيضيع الوطن

72
المرأة تحت وطأة المقارنة
جوتيار تمر/ كوردستان
13/3/2017
اثار موضوع المقارنة بين المرأة  والرجل من جهة والمرأة الغربية والشرقية من جهة اخرى الكثير من الجدل، ولم يزل الموضوع قيد التدوير والاثارة والتحريض سواء من خلال الدراسات او المقالات او المؤتمرات الخاصة بالمرأة، فالباحثون عن مجدهم فوق جسد المرأة يبدو  لي وكأنهم لن يتوقفوا يوماً في سعيهم لتحقيق اهدافهم واغراضهم وحاجاتهم طالما الامر في نظرهم صراع واثبات وجهة نظر او حتى فكر على حساب الاخر، على هذا الاساس نجد بأن المصطلحات تتكاثر بين الفيئات المتصارعة حول جسد المرأة " قضية المرأة " وكل طرف يستشهد بما يؤمن به وبما يريد ان يحققه من خلال شعاراته وتشريعاته وافكاره ومقاصده، ولأن هكذا مواضيع تحقق اكبر نسبة مشاهدة بين الاطراف المتنازعة فالاعلام يجد في ذلك فرصة كي يقوم هو الاخر بدوره الريادي في الاثارة والتحريض لتحقيق اهدافه سواء أكانت ترويجية او ربحية او حتى انحيازية.
والغريب ان الامر يلقي استحساناً كبيراً من بعض الجهات المدعية انها تعمل من اجل حقوق المرأة، اي انها تفرض نفسها كوصية على المرأة، فتتحدث باسمها وتظهر نفسها على انها تدافع عن حقوقها.. وضمن هذا السياق نجد بأن المقاربات والمقارنات تستمر بين الاطراف تلك وكل طرف يحاول ان يبرز الجوانب "النيرة " من تشريعاته وافكاره حول المرأة.. بالطبع سعياً للمزيد من المكاسب على جميع الاصعدة.
تأتي المقاربات والمقارنات كلها حول الشكليات والمظاهر التي بنظر البعض هي الفيصل في الحكم على الوجود الوجودي للمرأة منذ البدء الى وقتنا هذا، فتظهر تلك الشكليات وكأنها مقاصل يستخدمها طرف على حساب الاخر وذلك لاضعاف حجة المقابل، ولكن في الاجمال فان من يناظر ويتمعن في تلك المقاربات والمقارنات التي تتحول الى نظريات عند الاطراف المتنازعة سيجدها في الاصل اضغاث احلام، واوهام مهيمنة عليهم لكونهم يتناسون حتى في اعلاناتهم ودعواتهم جوهر القضية المتعلق بجوهر وجود المرأة كانسان تلازمي اصلي لكينونة الوجود نفسه، وليس كعنصر دخيل يفرض على الموجود الاسبق ان يقوم بالعمل على المقاربات والمقارنات كي يضع له مكانته التي هي بنظر الاسبق ما يستحقه المرأة.
ان هذه الاشكالية هي التي تعقد الامور دائما حين تسمح لنفسك وحسب تشريعات يتم تداولها بين الفيئات المتنازعة والمتصارعة بالحكم على الاخر من خلالها، فتكون النظرة هنا قاصرة على جهة معينة وغافلة تماما عن اغلب الجهات الاخرى، فالمرأة لم تكن يوماً موضع شك في وجودها، ولكنها كانت دائما موضع شك" بالنسبة للاطراف المتصارعة " في احقيتها بالوجود ام لا، لذا اتت النظريات تحفر في الممكنات كي تثير هذه الجدلية، وبالتالي كي تصنع من المرأة موضوعاً دينياً وفكرياً واقتصادياً وسياسياً واعلامياً، وسخرت  لهذا الامر الكثير من الامكانيات، وفي الحصيلة ان المنادين بالحقوق الكاملة والمساواة والطرف الاخر الذي يضع بعض القيود يصبحوا في خانة واحدة، وهي استغلال الموضوع " المرأة " كمادة اولية للصراع، دون تحقيق اية مكتسبات تخدم المرأة نفسها كمرأة موجودة ضمن التلازمية السبقية للوجود البشري اصلاً.
وحين تبحث عن المقاصد ستجد الامور الماورائية واضحة، والتي تنبع من الدين الى الفكر المضاد الى الفكر التحرري الى الفكر الازدواجي المستغل للظرفية وذلك للقفز فوق الاجساد سعياً لتحقيق اكبر قدر من المكسب الشخصي ( الاعلامي – الحزبي – الديني – السياسي)، وهذا ما يجعل من موضوع المقاربات والمقارنات في الاصل امور مشكوك في مقاصدها، لكونها في الاصل شكلية لاتخدم الا الاعلام وتلك الجهات المتنازعة والمتصارعة، ولاتخاطب الوعي الوجودي الاصلي للموجود الترافقي التلازمي لكينونة الوجود البشري اصلا، باعتباره وجودا اصيلاً وليس ملحقاً لغرضية اعلامية او لخلق صراع وجودي حول ذلك الوجود، فالوجود الاول لم يكن ليكون موضوع وجود بدون الوجود التكاملي التلازمي، لهذا حين نأتي لعمل مقاربات ومقارنات حول الموجود الاول وثم الوجود"  الملحق " هنا نفتح تلك الفجوة التي لانهاية لها، لان البشر بطبعه ساعي لخلق الماهيات التي تخدم وجوده المتعالي لايهم على من وكيف، المهم انه يريد تحقيق تعاليه وهذا التعالي يكسبه بنظره الحق في اتخاذ التشريعات التي تبحث في الموجودات السبقية واللاحقة، وبالتالي فانه يخلق الممر التشريعي الفكري اللازم كي يلحق الوجود التكاملي بالموجودات الخدمية اللاحقة التي اتت لتخدم الموجود الاول.
"وما يجعلنا نقول ذلك ( للمزيد عن هذا الموضوع ينظر كِتاب " بشر يمتهنون صناعة الالهة" من تأليف كاتب المقال نفسه)، هو كون طباع البشر الميالة الى الرذيلة لاتمنعه من الانجراف والانحراف نحو الغلو في كل المصوغات الاصلية التي بين يديه، وبالتالي يمكنه تجاوز الوسطية في الفهم والادراك، مما يعني عدم سيره نحو فهم تداولي متوقف على الفكرة وطريقة ادارتها وكيفية اظهار صلتها بالحدث والواقع، لانه اما يتخذ من السطحية كمدخل فهمي للمصوغات، فيكون وقتها معرضاً للهشاشة التعاملية مع الحدث والواقع ويبتعد كلياً عن المصوغ الاصل باعتبار الاخير لايعتمد السطحية في الوجود والموجودات، او يتخذ من التطرف كمدخل فهمي واستداركي توظيفي وفق تداعيات تلزم اتباع هذا التفكير الى استخدام كل الوسائل المتاحة والمباحة وغير المباحة من اجل تحقيق ما يصبون اليه..." ، بالتالي فان هذه الطباع هي نفسها التي تفرض على التقسيمات البشرية الدينية والفكرية والسياسية والمصلحوية في العمل على ايجاد الممرات التحصيلية القائمة على التدوير لكل الموجودات التي تلت الوجود الاول ومن ثم القيام بتوظيفها حسب الماهيات التي تحقق مكاسبها ومصالحها على حساب المقابل او بعبارة اخرى المنافس، ولعل من يتابع موضوع وجود المراة وسياقات هذا الموضوع سيلاحظ بالدرجة الاساس ان الصراع كامن بين الاديان المختلفة انفسها من جهة، وبين الاديان والافكار الحديثة التي تتغطى بغطاء حقوق المرأة من جهة اخرى.
واثناء البحث عن نوعية المقاربات والمقارنات بين المراة الشرقية والغربية كموضوع ديني فكري اعلامي وحتى سياسي، سنجد بان المواضيع المطروحة او الافكار المطروحة هي من السطحية ما يجعل من الواعي يدرك تماما المقاصد وراء الطرح نفسه، فما الذي سيتحقق للمرأة من وجود وكيان مستقل ونشط حين  يتم المقارنة بين الشرقية والغربية من حيث الفرعيات الوجودية المتعلقة بالحياة الاجتماعية مثلاً ان " المرأة الغربية معتادة على البخل بحيث لاتسمح لاحد ان يشاركها زوجها اما الشرقية معتادة على الكرم بحيث تسمح لثلاث نساء اخريات مشاركتها زوجها خدمة للمجتمع" ، السؤال هنا هل هذا جوهر الوجود الوجودي للمرأة...؟ ، ثم هل ان اختيارات المرأة في هذا الشأن هي التي تحكم ام ان هناك آلية تفرض عليها كي تقبل المحتوم..؟ ، وضمن السياقات التي يتم المقارنة بها المرأة الشرقية والغربية فيما يتعلق بخصوصياتها ايضا ان الغريبة تمنع من قيادة السيارة اذا كانت حامل او مخمورة حرصاً عليها وعلى الاخرين اما الشرقية تمنع " في بعض المجتمعات " من قيادة السيارة في جميع الاحوال حرصاً عليها وعلى الاخرين، وايضا الغربية سلعة بحيث تجدها في اي سوبر ماركت اما الشرقية لاتجدها الا في محلات المجوهرات... وهناك العديد من المواضيع التي يتم تناولها اعلاميا ودينيا وفكريا وحتى سياسياً فيما يخص المقاربات والمقارنات بين المرأة في المجتمعات البشرية.
 ولننظر الى الامر بوعي، ونتساءل اين المرأة نفسها من تلك المقارنات والمقاربات واللغط الكلامي والسعي المصلحوي والتحريض الاعلامي..؟، الاجابة هنا لاتفرض عليك مسبقاً ولكن في الاصل هناك ما يمهد لك بالحكم... حين نضيف التساؤل هل الوجود التكاملي " المرأة " للوجود يمكن ان يكون وجوده مخصوصاً لهذا الجدل..؟.
ان اكثر ما يعيق السعي الوجودي للموجود الاول لتحقيق وجوده التكاملي هو كونه يعطي لنفسه الحق في اصدار الاحكام السبقية لكونه السابق، ولكونه لايفكر بعقلانية في ان وجوده لم يكتمل بالا بالموجود الاخر " المرأة " لذا فان اي سعي منه وتحت اي غطاء لفرض ايديولوجيته السبقية على الاخر سيكون في محل شك، وفرصة لبعض الساعين لتحقيق مكاسب اعلامية او دينية او فكرية او سياسية او اجتماعية لاثارة المزيد من التكهنات التي تتحول الى موضوعات وحلقات نقاشية نجد المرأة نفسها تنقاد اليها احياناً تحت غطاء الحريات والتحرر او لتحقيق "الكوتا"، دون ان تدرك بأن الاصل في وجودها تكاملي اصلي ولايوجد وجود بدون وجودها، لان الوجود السبقي ناقص من حيث الكينونة الوجودية والحراك الفعلي للوجود بدونها.





73
هل الصراعات الداخلية ضرورة تاريخية..؟
جوتيار تمر/ كوردستان
7/3/2917

تعد مسألة الصراعات احدى اهم الموضوعات التي تتطرق اليها الدراسات الحديثة، لِما فيها من موجبات تقتضي التوقف عندها وتأمل الماهيات التي تستجذب هذه الصراعات، وبالتالي فان المجتمعات البشرية قاطبة لابد وان مرت بمرحلة الصراعات الداخلية سواء أكانت سياسية أم اجتماعية أم غير ذلك من انواع هذه الصراعات، والمجتمع الكوردي كغيره يمر منذ نشأة قوام حركته التحررية بحالة من الانقسام الذاتي، وحالة من الصراع الذاتي، بشكل أثر كثيراً على تطلعات الشعب، وحتى تطلعات بعض الاحزاب السياسية الساعية لتشكيل كيان كوردي مستقل.
وقبل الخوض في المعيات التراكمية حول الصراعات المؤثرة على صيرورة الحركة الكوردية المعاصرة لابد من تأمل بعض مفاهيم الصراع حيث يذكر د. منير محمود بدوى في دراسة له حول مفهوم الصراع ان البعد السياسي للصراع "يشير إلى موقف تنافسى خاص، يكون طرفاه أو أطرافه، على دراية بعدم التوافق فى المواقف المستقبلية المحتملة، والتى يكون كل منهما أو منهم، مضطراً فيها إلى تبنى أو اتخاذ موقف لا يتوافق مع المصالح المحتملة للطرف الثانى أو الأطراف الأخرى"، وهذا بالضبط ما يمكن تأمله ورؤيته من خلال البحث حول المسببات والماهيات المتعلقة بالصراع الداخلي الكوردي تاريخياً، فعلى الرغم من ان المتغيرات السياسية والاجتماعية حالة لايمكن تخصيصها لمجتمع بشري اثني قومي ديني طائفي فكري مذهبي دون اخر، فان الامر في كل مجتمع لابد من أن يختلف حسب المكونات الداخلية لتلك المجتمعات من جهة، وحول الماهيات والحراكات السياسية الممنهجة الرائدة لتلك المجتمعات، وبالتالي فان المجتمع الكوردي باعتباره يعيش وسط دوامة من الصراعات الاقليمية والدولية الخارجية فانه لابد وان يتأثر بتلك الدوامة سياسياً واجتماعياً وفكرياً ومذهبياً ودينياً، فالنظر الى كل من ايران وتركيا وما فيها من صراعات اثنية مذهبية طائفية وقومية من جهة والى المجتمع العربي من جهة اخرى باعتباره اكثر الشعوب تماساً بالكورد وذلك عبر الانتماء الديني اولاً واخيراً فان ذلك اثر كثيراً على الرؤية الداخلية للكورد انفسهم حول الماهيات السياسية والمحركات الاخرى التي تقودهم لتبني مواقف تختلف في قضايا كثيرة وتؤدي الى حدوث صراعات داخلية، لاسيما ان نقطة التماس لديهم بالاخص المجتمعات العربية كما يقول د. سامي الحزندار في دراسة له حول اسباب الصراعات " إن الصراعات الداخلية أو الأهلية العربية ذات طبيعة معقدة أو مركبة فهي ذات طبيعة سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية ودينية، بأبعاد داخلية وخارجية، وكذلك ذات امتدادات تاريخية ومن هنا فإن أسباب ومحركات الصراعات الداخلية العربية تتداخل مع هذه الطبيعة المركبة بكل جوانبها وأبعادها المشار إليها.."
واعتقد بأن اغلب المجتمعات الشرق الاوسطية تعيش هذا النسق اللامتناغم حول طبيعة الصراع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والديني، وبذلك نجد أن ما يجري على تلك المجتمعات من حيث الرؤية الشمولية والاجمالية يكاد يكون متشابهاً نسبياً بل بدرجة كبيرة، لهذا فان المجتمع الكوردي كواحد من المجتمعات الشرق الاوسطية لابد ان يعيش هذه المرحلة من التناقضات السياسية والاجتماعية والفكرية وحتى المذهبية باعتبار ان الكورد فيهم  الزرادشتي واليهودي والمسيحي" الكلدني – الاثوري – الاشوري " والمسلم( السني – الشيعي) والايزيدي وال " كاكه ئى "  وغير ذلك من الاطياف والمذاهب  الاخرى غير الكوردية التي تعيش داخل دائرة المجتمع الكوردي " التركمان" مثلاً، والتي هي  اجمالا من مكونات المجتمع الكوردي قديماً وحديثاً، لذا فان وجود الصراع امر حتمي على الرغم من ان الصراع نفسه ليست ظاهرة كوردية السلوك، الا انها ترتبط بالدائرة الاكثر شمولية والتي تضم الاثنيات والقوميات والاديان الاخرى في المنطقة باكملها، فالكورد لديهم موطن متناغم من حيث الطبيعة والجغرافية، وكذلك هذا التناغم والتوحد يشمل العادات والتقاليد والشخصية ايضاً، لكنه مجزأ سياسياً وبالتالي اقتصادياً وذلك لظروف دولية فرضت عليه قسراً وليس رغبة ولا طلباً، حيث تقسم ارضه وتوزيعه على اربعة دول بعد مؤتمر لوزان 1923 ( تركيا وايران والعراق وسوريا ) جعل من التجزأة السياسية والاقتصادية مفروضة عليه مسبقاً بحيث لم يجد الفرضة بعد انهيار الخلافة العثمانية ان يلتقط الانفاس ويحاول تقريب الرؤية الكوردية الكوردية لتأسيس كيان كوردي موحد، يمكن ان يكون نواة لكوردستان الكبرى وقتها.
 وهذا ما خلق انقساماً كوردياً واضحاً في الرأي وفي الرؤية النضالية المقسمة بين النضال المسلح والنضال السياسي داخل كل دولة ففي تركيا مثلاً هناك النضال الكوردي السياسي والفكري، وفي الوقت نفسه المسلح، بالطبع كما في الاجزاء الاخرى من كوردستان المجزأة، وحتى هذا الانقسام موجود في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية وبالتالي اصبحت المصالح السياسية الحزبية هي الفيصل والحكم في ادارة الصراعات الداخلية الكوردية الكوردية، يذكر د. منير  بدوي في دراسته ان (( كل من لوبز وستول  يذهبان إلى أن مفهوم الصراع يمثل أو يعكس في هذه الحالة "موقفاً يكون لطرفين فيه أو أكثر أهداف أو قيم أو مصالح غير متوافقة بدرجة تجعل قرار أحد الأطراف بصدد هذا الموقف سيئاً للغاية"، ومن هنا يمكن النظر إلى مفهوم الصراع باعتباره "نتيجة لعدم التوافق فى البنيات والمصالح، مما يؤدى إلى استجابات بديلة للمشكلات السياسية الرئيسية". وعلى ذلك يخلص الكاتبان إلى "أن الصراع بهذه الكيفية، يعد سمة مشتركة لكل النظم السياسية الداخلية والدولية"..)).
وهنا تبرز القيمة المعرفية لمفهوم الصراع الكوردي - الكوردي، لاسيما فيما يتعلق باتخاذ موقف سيء للغاية، وفي الوقت نفسه السمة المشتركة لكل النظم السياسية الداخلية والخارجية، فعدم التوافق صفة وسمة بشرية قائمة منذ البدء، بعبارة اخرى منذ بدء الخليقة، وبالتالي فان المجتمعات قاطبة لابد ان تمر بمراحل الاختلاف وعدم التوافق كضرورة وجودية مغروسة في كينونتها، ولاتوجد في التاريخ مجتمعات مستثنية من هذا الامر، لا المجتمعات الوثنية ولا الدينية ولا الفكرية المعاصرة وحتى المجتمعات التي تطلق على نفسها بالمجتمعات المدنية نجدها تعيش حالة من التناقض بين مفاهيمها ورؤاها وبين ممارساتها الفعلية، وما يعني ان المجتمع الكوردي كغيره من المجتمعات الاخرى يعيش الحالة " الصراع"  هذا وفق معطياته التاريخية ووفق تداعياته السياسية المفروضة عليه داخلياً وخارجياً، وحين يقول د.  عدنان الهياجنة الاستاذ بالجامعة الهاشمية في دراسته حول موضوع الصراعات العربية " إن اختفاء بعض الصراعات العربية أو توقفها لا يعني بالضرورة نهايتها وحلها. ووصول هذه المجتمعات إلى حالة من الاندماج المجتمعي في إطار قد يطلق عليه البعض المجتمع المدني قد يؤجل انفجار هذه الصراعات، إذ إن أسباب الصراعات العربية تعود لأسباب تاريخية وحضارية يعاني منها المجتمع العربي.."، فانه يمكن الاستدلال بمقولته حول اغلب المجتمعات الشرق الاوسطية،باعتبارها تتقات من معين متشايه ومتجذر في كينونتهم وعقليتهم، فالمجتمعات العشائرية والقبلية والدينية والمذهبية والطائفية غالباً ما تتوحد لديهم الاهداف والرغبات فيما يتعلق باقصاء المنافس الاخر، والمسك بزمام الامور ضمن هيكل موحد" الحزب الاوحد " سواء دينياً" مذهبي- طائفي" او قومياً او سياسياً حزبياً، وذلك لأن اغلب المجتمعات في المنطقة تفتقد لاساسيات البناء المنظم والهيكل السليم اصلا لبنائها، سواء من حيث الدور التوحيدي للمجتمع او التنيمة الاقتصادية او استقلال المجتمعات من العصبيات التي غالباً ما تكون هي المسبب الابرز للصراعات الداخلية وتؤثر سلباً على نظام المواطنة ، فالقضاء على العصبيات لايتم فقط عن طريق العنف والاقصاء انما القضاء على المعين الثقافي القبلي العصبي يعد مكسباً مهما في بناء المجتمعات، مما يؤدي بالتالي الى سد الثغرات لاستغلال هذه العصبيات من قبل الاطراف الخارجية، وهذا بالضبط ما نحتاجه ككورد في سد الفجوة المتعلقة بالصراعات السياسية الداخلية" الكوردية – الكوردية" سواء داخل الدول التي فرض عليهم التعايش والبقاء تحت جناحها او الصراع الكوردي – الكوردي الشمولي بين الجماعات السياسية الكوردية في كل الاجزاء، حيث ان اغلب النعرات تبدأ من خلال فرض بعض الاطراف الخارجية بالاخص كل من ايران" العراق"  وتركيا رؤيتها حول الوضع الكوردي وبالتالي استغلالها لبعض الجهات الداخلية الكوردية لتقوم بتنفيذ مخططها " اجندتها" او رغبتها الاقصائية للاخر، فتتحول الى صراع داخلي بين الكورد انفسهم، ولاننسى نشوء تيارات سياسية على حقد تيارات سياسية سابقة، فضلاً عن الانقسامات داخل التيار السياسي الواحد، حيث ينجم عن كل ذلك الابتعاد عن المسارات التنموية الديمقراطية والمدنية وبالتالي الى اضعاف البنية الاساسية للحركة الكوردية التحررية الساعية لانشاء كيان كوردي مستقل ولو في احد الاجزاء المقسمة اصلا، لتكون في المستقبل القريب النواة التي يمكن منها البدء بطرح مشروع  كوردستان الكبرى.




74
الابواق حين تُزمرّ بحقد ( الازدواجية)
جوتيار تمر/ كوردستان
7/3/2017
لايعتقد شخص واعي ويفكر بعقلانية ان كوردستان بكل احزابها السياسية ليست خارجة عن نطاق التحالفات الخارجية، تلك التحالفات التي هي غالباً ما تصب في مصلحة تلك الدول اكثر في مصلحة الشعب الكوردي، وهذا ما برهنه التاريخ من جهة، وبرهنه الكورد انفسهم من خلال سعيهم السياسي للحصول على مكانة ابرز وسيادة ونفوذ اكثر من جهة اخرى، و لااعتقد بأن انسان واعي يمكن ان يأتي ليقوم بتجزأة الخيارات التي يمتلكها الاحزاب الكوردية فيفضل خيار خارجي على اخر، لأن المعطيات واحدة، والاهداف واضحة، والمشاريع مفهومة، وادوات التنفيذ هي بيد الكورد انفسهم.
ومن خلال هذا المنطق البدء بالتزمير  وفق  منطق الحقد والكره لطرف يكون بلاشك خارج نطاق المقبول، ويعد ازدواجية في الشخصية  والمعايير وحتى في فكر الاحزاب والتيارات باختلاف تصنيفاتها، وهذا المصطلح في صيغته الحديثة وحسب ما تذهب اليه الأيكيبيديا هو التعامل مع المعايير بمكيالين باعتبار " ان الازدواجية أو الكيل بمكيالين هو مفهوم سياسي يشير إلى أي مجموعة من المبادئ التي تتضمن أحكاما مختلفة لمجموعة من الناس بالمقارنة مع مجموعة أخرى، حيث ينظر إليها على أنها مقبولة لاستخدامها من قبل مجموعة من الناس، ولكنها تعتبر غير مقبولة ومن المحرمات عندما تستخدم من قبل مجموعة أخرى. وهذا ما يصبح حسب المفهوم والمنطق السياسي الكيل بمكيالين أيضا.."، واصحاب هذه المعايير يتعبرون بالفعل آفة معدية في المجتمعات عموما وفي المجتمع الكوردي خصوصاً، لذا يجب بتر تلك الافة من الاساس كي لاتفسد ما يمكن اصلاحه في البنية الاساسية للمجتمع الكوردي، فالصراع موجود، وادوات الصراع تختلف من وقت الى اخر، ومصالح المتصارعين تتحول وتتغير من وقت الى اخر وتحالفاتهم ايضا لاتثبت على اساس واحد، انما هي تأتي حسب المحصلة الاقليمية والدولية التي تفرض وفق منظومتها تلك الاليات على الاخرين وسواء تقبلوا ذلك ام لا، فانهم مرغمون على التنفيذ والانصياع الكلي، مع حالات استثنائية يكسب من خلالها بعض الاطراف انتشاراً اوسع، وحضوراً اكثر، وتحقيق مصالح بشكل اكثر تأثير، وهذا بالضبط المعضلة التي يعيشها الكورد قبل الان، والان، واذا لم يتم تداركها في المستقبل ايضاً.
لعبة المصالح لاتتوقف عند جهة واحدة دون اخرى، فالكل مشارك في المشروع المصلحوي الذاتي الحزبي على حساب القضية الاساس والشعب، وحين نجد اقلاماً تزمر فقط لجهة، وتعادي جهة اخرى، فانها بلاشك اقلام باعت نفسها للحقد والكره الحزبي والشخصي، دون ان يكون لما تقول اية اسس عقلانية نابعة من المصلحة الكوردية العامة، بل هي مزامير في الجسد الكوردي تُفَرق اكثر ما تعالج، وهذه هي الافة التي تعيشها هذه الاقلام الان، لاسيما بعد الاحداث الاخيرة التي عصفت ببعض مناطق شنكال " سنجار " حيث لامسنا الابواق المليئة بالحقد على جهة معينة تُزمر بشكل غير عقلاني ولا واعي لتقوم بالتشهير بجهة دون ان تذكر ولو بمرور الكرام ما يحصل في الجهة المقابلة، فتقوم بفرض ايديولوجيتها المعفنة في نبعها الآسن غير المنطقي وغير المهتم الا بالمصلحة الحزبية الساعية في الاصل الى اقصاء الاخر وتبني مشروع واجندة وفق مصلحتها الشخصية داخليا وحسب المصلحة الخارجية التي فرضت عليها ان تتبنى هذا المشروع.
ان الانخراط في لعبة المصالح الحزبية اودت بالقضية الكوردية وارجعتها الى الحضيض حيث لايمكن الان الاستفادة من اية فرضة قد تأتي الا بلم الشمل، والشمل لايمكن لمه من خلال هذه الاقلام الحاقدة الساعية للتفرقة وافراغ غيظها الشخصي، بدل القيام بالعمل على سد الثغرات وانهاء النعرات التي تبدأ اولاً بالنعرات والصراعات الثقافية ومن ثم تتحول الى اجندات يمكن ان تستغلها الاطراف الخارجية ومن خلالها تلج الى عمق الاجتماع الكوردي فتفرض عليه انقسامات اخرى وهو في الاصل ليس بحاجة اليها لكونه في الاصل مقسم مجزأ سياسيا واجتماعيا واقتصادياً.
من يتابع الاقلام المصلحوية سيجدها الان تفرغ بكامل غلها على احدى الاطراف المشاركة في الفوضى الشنكالية " السنجارية" الحالية، فتطلق عليها دواعش تركيا ودواعش الحزب الفلاني وتقوم بالتشهير باحدى الشخصيات الكوردية مع اختلاف وجهات النظر حول الجهة المتحالفة معها، وتدعي الحيادية في طرحها للموضوعات السياسية المتعلقة بالقضية الكوردية، في حين نجدها في نفس الوقت تتجاهل عمداً "دواعش الطرف الاخر " الذين لايمكن لواعي ولا لعاقل ان يغفل عنها بانهم "دواعش" حلفاء ايران ودواعش " حلفاء" سوريا ودواعش " حلفاء" بغداد، فكهلم من خلال المنطق الداعشي الذي يفرضه اصحاب هذه الاقلام والافكار يقتاتون من نبع ومعين لايحب الكورد ولايمكن ان يساهم اي طرف منهم في انشاء مشروع كوردي استقلالي، فتاريخيا كل الثورات في تركيا العثمانية والاتاتوركية وأدت في عقر دارها مثل ثورة النهري وبيران وئارارات، وفي الوقت ذاته فعلت ايران الامر ذاته مع سمكو ئاغا شكاك وقاسملو وجمهورية كوردستان، وفي سوريا قانون التجنيس للكورد لم يضمي عليه سوى خمس او ست سنوات اي ان الكورد حتى ما قبل 7 نيسان 2011 كانوا في سوريا يعدون من الاجانب وقد تم اعطاء البعض منهم الجنسية حسب مرسوم رئاسي رقم 49 لعام 2011 وهذا المرسوم يقضي بمنح الجنسية السورية للمسجلين كأجانب في سجلات الحسكة، وفي العراق  وأدت ثورة الشيخ محمود الحفيد ومن ثم انفتاضات بارزان.. ولا اعلم متى تعامل احدى هذه الدول بلطف مع اية حركة قومية كوردية ساعية لتحقيق اهداف تتعلق بالمطلب الكوردي الاساسي وهو انشاء كيان كوردي مستقل، فلماذا يتم التشهير بطرف او حزب او شخص ولاينظر الى الاطراف والاحزاب والشخصيات الاخرى بنفس المعايير،ولكنها  بحق فقط الازدواجية في المعايير التي يتبناها اصحاب هذا الفكر الحاقد على الاخر، الازدواجية هذه متمكنة في عقولهم وفي ذواتهم ومنغرسة في نخاعهم الشوكي، بحيث لايمكنهم الحديث الا حقداً وكرهاً تجاه الاخر، ويرون اعمال الاخر كلها منصبة تحت سياسية الخضوع للخارج التركي مثلاً، ويتناسون جملة الافعال والاعمال الاخرى التي تنصب في المصلحة الايرانية السورية العراقية معاً وهي جملةً مصالحها ودائرة تأثيرها اشمل واكبر واوسع من الدائرة التركية التي يكرهونها، فدواعش تركيا التي يرونها لا ديمقراطية لهم، يقابلهم الدواعش الذين تسببوا بافعالهم واعمالهم باجهاض المشروع السلمي السياسي الكوردي داخل تركيا نفسها والزج باغلب قيادتهم في السجون جراء الحرب بين الاحياء والحرب بين المدنيين داخل المدن التركية، وفي الوقت نفسه يوجد دواعش كورد استمالتهم دمشق بحيث سلموا المدن التي حرروها من دواعش البغدادي النكاحي الى داعش اخر دموي قاتل مبيد لشعبه وجزار لقومه وللكورد في الوقت نفسه، وهناك في اماكن اخرى داخل كوردستان دواعش تعمل مع بغداد الايرانية لكي تقوم باجهاض اية حركة من التيار السياسي المقابل.
دواعش الكورد هي التي تقوم باجهاض المشروع الكوردي داخل كوردستان وبافكار خارجية لذا لاتقوموا بتفضيل داعشي كوردي على داعشي اخر، ولا داعشي خارجي يعمل على قتل الكورد بايدي الكورد، لان المعايير هنا تكون مجحفة غير صادقة بل بعبارة اوضح كاذبة وغير منطقية ابداً في تحليل الوضع الكوردي، فالانفعالات التي يبرزها هولاء اصحاب الاقلام التي لاتعي الا مصلحتها وكرهها للاخر لاتسبب الا ردود افعال جانبية تضر بالكورد انفسهم وتخدم الاطراف الخارجية التي تسمونها دواعش.. لهذا فقط ياكوردي حاول ان تنظر الى الامور بمنظور كوردي لاحقد فيه ولاكره فيه، ولامصلحة لجهة على حساب جهة اخرى، انظر الى الامور من خلال الابواب المتاحة التي يمكن من خلالها النفوذ الى عمل كوردي يصب في مصلحة الكورد بالدرجة الاساس.. فلا فرق بين تركي او ايراني او عربي قومي وعربي ملتحف برداء ايراني، لان الكل في الميزان العدائي واحد، ومصلحتهم واحدة.. وبلاشك تلك المصلحة لاتصب ضمن نطاق مصلحتك ككوردي.
لاتكون ايها الكوردي سلاحاً فتاكاً ضد الكوردي، لأنك باختصار تكره الحزب الفلاني، وتنتمي الى الحزب الفلاني، او لانك ترى بان مشروع الحزب الفلاني لايخدم بمنظورك الكورد، وتجد بان المشروع الذي يقدمه حزب اخر كوردي يخدم القضية اكثر، لان الامر نسبي، فهناك في المقابل كوردي مثلك يرى بان مشروعك لايخدم الا فيئة معينة، وهذا الاختلاف ليس في اصله الا مرحلة تاريخية لابد ان نمر بها حتى نصل الى النقاط الاساسية التي تخدمنا ككورد وليس كادوات لفرض الاجندات الخارجية، لذا ايها الكوردي فقط كن كوردياً وليس مساهما في اقحام الكورد ضمن دائرة الدواعش التي تحاول هدم جدران الداخل الكوردي.

75
المنبر الحر / غموض وتعتيم
« في: 14:08 05/03/2017  »
غموض وتعتيم
جوتيار تمر/ كوردستان
4/3/2017
تتسم المرحلة الراهنة فيما يخص الوضع الكوردي بالغموض واللاشفافية على الصعيدين الداخلي والخارجي ، فجميع المعطيات تشير الى الجمود الفعلي لمسببات الأزمات الداخلية سواء السياسية بين الأطراف المتناحرة علاقاتيا واعلاميا، أو من حيث المعوقات الاقتصادية لاسيما فيما يخص العائدات وتنامي الغموض في كل ما يتعلق بالنظام المالي والذي  بدوره اثر سلبا على المكونات الاجتماعية الداخلية لاسيما شريحة الموظفين بشكل أصبحت الاستمرارية أشبه بالمعجزة .
ووفق معطيات المرحلة نجد بان الأوضاع الداخلية المعتمة والغامضة تدخل في عامها الثالث أصبحت الان  هي من اهم المؤشرات التي يمكن ان تصنف وفق منظومتها الوضع الكوردي لكوننا امام معضلات متعددة لا يتم الإشارة اليها من الجهات المعنية بالأخص من الحكومة ومن رئاسة الإقليم وبالتالي فان التكهنات باستمرارية الوضع المتردي اقتصاديا مثلاً امر لا مفر منه.. لاسيما ان الحكومة ليست مشلولة فيما يخص جوانب اخرى قياسا بالازمة الاقتصادية ..جوانب لاتعد مهمة بل هي بنظر الاجتماع أمور شكلية لاتقدم ولاتؤخر في عمل الحكومات الواعية بحاجات شعوبها.. فمن يشاهد الاعلام الحكومي ويتمعن النظر في النشاطات التي تقوم بها الحكومة سيجدها مقتصرة على جوانب تخص قطاعات معينة وهي في صيغتها الحالية كمالية غير معنية باحداث تغيرات على الفرضيات الداعمة لتغيير الأوضاع المالية والاجتماعية ، وبعبارة اخرى ان الحكومة تنشط في مجالات بعيدة عن اهتمام المواطن لكون الأخير لا يلامس في خطابات الحكومة المتعددة والمتكررة اية نية أو سعي جاد لأحداث تغيرات تتناسب مع المتغيرات الاقتصادية الدولية والإقليمية مع حراكها اللامعني الموجود اصلاً بالنسبة له، وبالتالي فان حالة الركود بدأت تنفذ الى اغلب المؤسسات الحكومية وانهارت الى حد كبير الثقة بالحكومة وبالساسة ورجالات الأحزاب السياسية بل حتى ان الأحزاب نفسها بدأت تدخل في انفاق مظلمة وتكاد بعضها تفقد هيبتها ووطنيتها بالأخص تلك التي تلجأ وتتحالف مع جهات هي بنظر الغالبية معادية للحركة التحررية الكوردية، وذلك فقط لإعاقة حركة قريناتها من الاحزاب الكوردية المنافسة.
ووفق هذا التداول اللاواعي للمعضلات وللمعوقات أصبحت الأمور تخرج من نفق مظلم الى اخر اكثر عتمة وظلام.. ولاشيء مطروح حاليا كحلقة نقاش وتداول بين السلطات المعنية والجهات المختصة قد يعتبره المواطن كحلقة أمل يمكن التمسك بها كي يواسي معاناته الطويلة ووضعه المتردي والسائر من سيّء الى أسوأ وبالتالي فان الغموض بات السمة الظاهرة التي تكتنف كل الخطابات الحكومية والسياسية وحتى المالية والاقتصادية لاسيما تلك التي لا تهتم بوضع حد للازمة وبالأخص الأزمة الاقتصادية ناهيك عن الأزمات الاخرى بين الأحزاب.
اما على الصعيد الخارجي فانه على الرغم من الاهتمام الدولي بكوردستان كإحدى اهم مرتكزات الوقوف بوجه المد الارهاربي الداعشي، وانضمامها كحليف قوي للدول الكبرى كأمريكا وفرنسا وبريطانيا والمانيا وبعض الدول الاوربية الاخرى ،فان الامر مازال محل غموض بالنسبة للساسة والشعب معا.. حيث نجد في الأوساط العالمية صدى استقبال رئيس اقليم كوردستان بشكل رسمي ومهيب ونجد التعامل معه ضمن هياكل سياسية منظمة وباعثة على الافتخار، الا انها الدول نفسها التي لم تزل متحفظة فيما يخص انشاء كيان كوردي مستقل في "اقليم كوردستان" العراق حيث نجد في اغلب الخطابات السياسية والرسمية لتلك الدول دعمها للكورد وللبيشمركة في حرفهم ضد الارهاب، وفي الوقت نفسه نسمع ما يوحي برغبتهم بإبقاء الكورد ضمن الدولة "العراقية( الطائفية) الفدرالية" وتجنب الحديث عن استقلال كوردستان وقيام دولة كوردية وهذا الخطاب الغامض من جانبهم يضيف حيرة للمتابعين داخليا الذين يَرَوْن ذلك التعامل الرئاسي مع البارزاني من جهة ومن جهة اخرى التحفظ على مطاليب البارزاني، ويوازي ذلك الغموض عدم وجود خطاب داخلي من القادة الكورد أنفسم فيما يخص موقفهم من الاستقلال من ناحية وتكتم الرئاسة والحكومة عن فحوى وجدوى وغرض ونتائج تلك الزيارات بحيث اصبح الشك والغموض من مكملات الحدث الكوردي في هذا الشأن أيضا.. وهذا كله في وقت بدأت دول الجوار " تركيا وايران وبعض الدول العربية" تلقي بسمومها على الوضع الداخلي في كوردستان وذلك بقيامها بتفعيل حركات مناصريها ومؤيديها وذلك للقيام باحداث القلاقل والفوضى بين الأوساط السياسية وعقد تحالفات لاتخدم الوضع الكوردي الراهن، ولا تخدم القضية الكوردية، ومن ثم قيامهم بالتلاعب بمشاعر بعض المكونات الاجتماعية داخل كوردستان كي تقوم بتوثيق مطالب تلك الجهات الخارجية وزيادة الشرخ الحاصل بين الاحزاب السياسية الكوردية المتصارعة فيما بينها، ولعل ما حصل في شنكال" خانسور" بين بعض الاطراف الكوردية  دليل على هذه التوجهات القائمة اصلا على التفرقة بين وجهات النظر  لاسيما ان المكون الاجتماعي لتلك المنطقة يدعم هذا التوجه الخارجي سواء أكان مدفوعاً من الكورد انفسهم ام من الدول الساعية لخلق الفوضى داخل كوردستان كي تبعد اية احتمالية لاعلان كيان كوردي مستقل وضمن هيكل دولي اممي معترف به ومعد له بشكل متناسب مع التوجهات الدولية في المنطقة .

76
أدب / ملاك الغواية
« في: 16:13 04/03/2017  »


ملاك الغواية


جوتيار تمر/ كوردستان


ألبستني خلايا الغواية
بطقوس تشبه همجية الريح
وتراتيل السماء..
كأنني المختار على نصب القرابين
أصلب بين نهديها..
أشهى من دفئ القمر
يفيض دمي على خصرها
تختلس من النبض لون الماء
لتروي وجهها  بضوء يعبر الليل
والقلبَ بمياه العشق الشهية
 ملاك الغواية
 مرسومة على لوح السحرة..
 تجتاح قلاعي......
تهذي فوق السرير الخشبي
وتفتح ازار شهوتها
 لتصنع مواطن الدفء في دمي
وهي تعزف بزمامير من نسج الالهة
لتوقظ جموح انثى
تبيح لشهوتها
فتح اسواري المحصنة منذ البدء

15/2/2017

77
أدب / المومس المدعية
« في: 21:00 28/02/2017  »


المومس المدعية


جوتيار تمر/ كوردستان

ظلام ونشوة.........أنثى أنهكها حضن الغريب......
والتفاصيل عناق وجع طويل فوق سرير فوضوي
هذه لهثة عابر يلبس عريّها ويطلق صرخة العشق الوحشي
ذلك القادم .........تلك خطاه تأتيني محملة بالشهوة
ترسم فوق جسدي البدائي نقوش شبقية
أمارس حق التوغل في نقيض البكاء القدسي
تأتي ويبدأ الإنشاد مع جحيم الشهوة المغتصبة
وتنسجم رائحة العرق مع شهقات النفس
وكنت أسير  الى جهة النار
ما نفع انوثتي ..........تسقط وتعلو........تعلو وتسقط  في ذاكرتي...
والانتظار .......كلّما عاودني الأمل ......
يأتي دون   ضجيج  خطاه تفتح مقبض النور
اقترب........هذا الهواء تغسله يداك
دع كفك المبلل يؤثثني للخلود.........كمومس تستفيق
دعني أغلق شرفة الخطيئة واعلن الانتصار
أشتهي  الاسترخاء على حافة الجحيم.....لتهاجر الدمعة من
أسطورة الدّمع.........والأثام من صدر يتعرّى
في آخر المشهد.........
أيا سيدة الظلام.......نور يفضح المكبوت
ركعت........لهثت .........فتحت مملكة عشق
للشياطين ........لأني لم أسقط.......
خنتِ انوثتك .........فتحت كفك للغرباء
امرأة تقرع الأبواب .......تبحث عن فجر
ثم تهيء وجهها لسقوط.........
لا يخدعنّك   أقاليم الضياء في حدائقي
والحضور الخصب  في صرير بابك
ها أنت تعودين شاحبة النّبض
توزّعين الليل  فوق المعنى الجريح
ترثين  حقد العوسج للورد

78
من اية طينة  هو الانسان..؟
جوتيار تمر/ كوردستان
3-2-2017
ان اي خوض في المعيات التي تلازم حركية الوجود البشري على الخراب المسمى بالمعمورة " الارض" سيولد كماً هائلاً من التناقضات التي تتعدى حدود الاستكشافات العلمية والدراسات التخصصية، بل انها تعقد الامور الماورائيات نفسها لاسيما تلك التي تعتمد الطوبائية او الميتافيزيقية في توصيفاتها للحالات البشرية بصورة واخرى، فالبشر اللا انساني وجد بتصور سبقي، وهذا التصور السبقي حسب الميثولوجيا الطوبائية ليس قابل للنقض، ولكونه ليس قابل للنقض فانه حتمي والحتمية تستوجب وجود فعل مادي حركي لاثبات ذلك، ولان البشر هم الاداة الاكثر توظيفاً للحراك الميثولوجي المبني على المخيلة قديما والممنهج فيما بعد، فان افعاله واثارها هي التي توضع تحت المجهر لاجراء الدراسات ووضع المعايير واثبات وجهات النظر وفرض النظريات او طرح الافكار وفتح مساحات النقاش والجدل.
وليس بمخفي على احد ان انسنة الانسان وفق اية "معايير تبقى ناقصة غير متكاملة" ، وذلك لكون الانسان نفسه عنصر رغباتي شهواتي تفكيري عقلي عاطفي انفعالي غير ثابت، بل متقلب بدرجة لايمكن وصف معالم ورسم حدود لفيئات تعميمية، وبذلك تتحول الدراسات الى وجهات نظر حتى وان بدت علمية متقنة وفق معايير دقيقة وصارمة، لكنها في الاخير تبقى ضمن هياكل اجتماعية حتى ان بدت منوعة تبقى رهينة الميول والدوافع الذاتية للاشخاص الخاضعين للتجربة التقيمية، وهذا ما يجعلنا نوجه السؤال وبدون تردد ما هي طينة الانسان.. اذا سلمنا ميثولوجياً انه مخلوق من الطين..؟.
ان اية وقفة على الفعل البشري الانساني منذ بدء الخليقة الى يومنا هذا، سنجد بأن اكثر ما يوصف به الانسان هو اللاانسانية العدوانية العنف القتل العمل على ازاحة واقصاء الاخر سواء باسم رغبته الشخصية وميوله الذاتية ودوافعه النفسية وتراكماته العقلية العقدية، او من خلال رصد الموروثات الشعبية والدينية، وسنجد في الوقت نفسه ان اية ظاهرة او حركة اصلاحية وجدت وظهرت في الوجود الارضي لديها غرض واحد وهو كي تعيد الانسان الى الطريق القويم والصحيح، وهذا بالضبط ما يثير التساؤل السابق الذي اثرناه، وبالتالي كيف يمكن وقف هذا المد اللا انساني من الانسان الذي يفترض انه من اوجد المفهوم الانساني بفكره تبعاً للرؤية السبقية التي اوجدته كأنسان، وليس خضوعاً للسبقية الفرضية الحتمية التي اوجدته كمخلوق خاضع لسلسلة مفاهيم معقدة، او تصورات متشابكة كالتي وجدت عن المخلوق الاول حيث وصف مسبقاً، اي بينما كان مازال مجرد فكرة فوقية بانه سيسفك الدماء، ويفسد في الارض.
لابد من الرجوع الى جذور ومكونات تلك الطينة التي وجد الانسان منها ودراستها لمعرفة المترتبات السبقية والبعدية التي اوجدت الانسان البشري بهذا الشكل اللامنطقي واللاانساني المهيمن عليه النزعة الاغترابية الذاتية فتحول الى وحش كاسر منذ الوهلة الاولى تبعاً لشهوته حتى اصبح يؤثث عوالمه الذاتية بعيداً عن الجمعية التلاحمية، وتأكيداً على الرؤية السبقية التي ظهرت عنه تزامناً مع قرار خلقه، فلعل الدراسة تلك توضح بعض المعالم الغامضة التي لم يزل الانسان عاجزاً عن خرق جغرافيتها، لاسيما فيما يتعلق بقدرته الاقصائية وامكانياته الكبيرة في فعل اي شيء" القتل" من اجل الابقاء على نفسه ولو على حساب كل من حوله.
فوفق دراسة جديدة أعدها متخصصون نفسيون في جامعة "موناش بمالبرن" الأسترالية، أنه ليس من السهل الإقدام على القتل أو اتخاذ هذا القرار القاسي، فحتى القتلة المتسللين ينبغي عليهم أن يتغلبوا على الكثير من الضغوطات العصبية القوية، من أجل ارتكاب هذه الجرائم، فخلال اتخاذ قرار القتل، يميل العقل البشري إلى الشفقة والشعور بالذنب، بالإضافة إلى نوع من ألم التعاطف، يجعل الشخص يشعر بنوع من الأذى ودرجة من المعاناة تقترب من نفس درجة معاناة الضحية نفسها، وفق ما ذكرت مجلة "تايم" الأمريكية "، وهكذا حتى الدراسات نفسها عاجزة عن تحديد النمطية التي تتبعها العقليات الاقصائية، بالعكس تماماً فان هكذا دراسة تؤيد وتؤكد المقولة التناقضية السبقية التي اوردناها وتجعلنا نعيدها بصياغة اخرى، حول ماهية الميل البشري للشفقة اثناء ازاحة الاخر، فكأننا نعيش وهماً سبقياً يجعلنا نعيش التعاطف ونحن نقتل الاخر ونزيحه عن الوجود على الرغم من سماعنا لصراخه ومحاولاته المتكررة للنجاة واستعطافه لنا بالرحمة والى غير ذلك من الامور التي ترافق هذه العملية اللاانسانية من الانسان.. ان التناقض لايقتصر على المقولات الميثولوجية المنبثقة من تصور ديني فقط بل تنبثق من الاجمالية التي صنفت الانسان انساناً وهو لايحمل من معاني الكلمة الا الهيكل الخارجي، فكيف يمكنه ان يتعدى مكوناته السبقية الخلقية كأنسان سيحقق التصور السبقي عنه بانه سيسفك الدماء، انها المعضلة الاكثر تعقيداً من حيث التداخل والتشابك بين المفاهيم والاوامر والحتمية والجبرية وحتى التخيير والتسيير الممنهج دينياً.. بالطبع كل هذا بعيداً عن الرؤية القائلة بان تلك السمات الازاحية الاقصائية هي اكتسابية لاسيما من البيئات التي تتأثر بجملة امور خارجة عن هذا النطاق الحتمي، لاننا وقتها سنقول بان اللاحتمية نفسها هنا تناقض وجوديتها لكونها وفق السبق البيئوي وجدت تحت ظرفية لم تكن للبيئة وقتها اية تأثيرات عقدية او عقلية او حتى ظروف تعقيدية حياتية، بل اتت وفق منهجية الحتمية القائلة بالسفك السبقي لا اكثر، لكون تلك الرؤية كانت دقيقة كدراسة ممنهجة بدون معايير وقتية او تحديدات وسائلية، فكان البدء بالاقصاء استكمالاً لتلك المقولات او خضوعاً لتلك للحتمية.. ولم يكن للبيئة هنا اية مؤثرات وتأثيرات، انما فقط كان الامر متعلقاً بالرغبة والشهوة والبدء باحداث انموذج بشري لاانساني قائم على الوحدوية المتسلطة واخضاع ما ليس هو لكينونته..متنافياً بالمقولة ان البيئة او ان هناك من يدفع الانسان الى الجريمة خارج الاطر الذاتية الساعية لتحقيق الحتمية السفكية السبقية اولاً ومن ثم بعيداً عن الرغبة والشهوة التي اظهرت صورته الحقيقية منذ الوهلة الاولى،  وحين نغوص في التاريخ الانساني على الخراب الارضي سندرك تماماً ماهية الطينة التي خلق الانسان منها، حتى وان كنا لن نلامسها مادياً، فهذا التجذر العنفي الازاحي متغرس فيه فطرياً، وليس هناك من فسر هذه العفوية وهذه الحتمية واقعياً بشكل واضح مثلما فعله الفنان الرائع مايكل انجلو في احدى اعماله الرسمية حين رسم البراءة في صورة طفل، و ثم صورة لشخص يمثل الاجرام في صورة قبيحة تبرز كيان وهوية وسمات المجرم القاتل، والذي ادهش انجلو نفسه بعد حين هو ان الصورة الاولى التي كانت رمزا للبراءة متمثلة في طفل رضيع هو نفس الشخص الطفل البريء في الصورة الثانية التي تمثل الجريمة والمجرم، فالعملية هنا اتت تزامنية لااكثر،واعتقد انه ليس الا تصوير عفوي لتجذر العنف في النفس البشرية الانسانية منذ الوهلة الاولى " الفكرة " لذا كانت الحتمية وقتها مزامنة ومرافقة للهيئة او الهيكل الذي وجد الانسان عليه، فاصبحت المسارات التخييرية هي بوجود الانسان الشهواني الاقصائي مجردة من فعاليتها، اذا لم تكن اصلا غير مصوغة لتلائم حجم الكارثية التي سبقت الخليقة وتزامنت معها، ورافقتها لوقتنا هذا، وستبقى لاجل غير مسمى.


79
اراء ومقولات حول الاصل الكوردي
جوتيار تمر/ كوردستان
23-1-2017
لايتوقف التاريخ الكوردي عند محطة زمنية دون اخرى تسبقها، فالكورد متجذرون في التاريخ كما اغلب شعوب المنطقة، ولايمكن انكار هذا الامر فقط لانه لايوجد كيان كوردي موحد لحد الان، لان هذه النظرية عديمة وعقيمة من حيث المنشأ والتوجه والاثبات الاكاديمي، فكل الكيانات الحالية كانت في الفترات الزمنية السابقة مجردة من التسميات الحالية، اي ان حالها كحال الكورد كانت ضمن دوائر صراعية تنافسية تقاتل من اجل اثبات وجودها وغرس اقدامها في الارض التي تتواجد عليها، وبغض النظر عن المعطيات والاسباب التي ادت بالتالي الى خلق بعض الكيانات بالمسميات الحديثة والتي يدركها الواعي والمتفكر بانها كانت وليدة المصالح الدولية، فان الكورد كانوا يقطنون ارض كوردستان قبل الميلاد بل وبحسب المخطوطات والمصادر القديمة انهم غرسوا اقدامهم في ارضهم كوردستان بالاخص فيما حول جبال زاكروس والمناطق المتاخمة لها منذ العصور الحجرية القديمة، ولست هنا اريد ان اعرض الموجودات الاثرية التي وجدت على ارض كوردستان والتي يعود تاريخها الى تلك الحقبات الزمنية الغابرة ككهف شانيده ر وهزار ميرد وجرمو وجارستين والى غير ذلك من الاثار التي يمكن من خلالها توثيق ماهية الحياة التي وجدت على ارض كوردستان، وبالتالي فان انكار الوجود الكوردي على ارض كوردستان هو امر مناقض للعقل والعقلانية الحديثة ومناقض تماما للدراسات الاكاديمية التي اثبت هذا الوجود واثبت وجود العنصر الكوردي، كما انه في الغالب يناقض النظرية الدينية القائلة بالطوفان حيث ان الجبل الذي رست عليه سفينة نوح يقع على ارض كوردستان وبالتالي فان المهد الثاني للبشرية وبحسب اراء الكثير من المؤرخين والعلماء قد بدأ في كوردستان حيث ان جبل جودي الواقع في كوردستان الشمالية ( شمال كوردستان) من على سفحه بدأت البشرية بالانتشار ومن هناك بدأت النظرية القائلة بهندواوربية الكورد.
وبعيداً عن البحث في الوجود الكوردي القديم قدم المنطقة، كنا ولم نزل نعيش صراعاً مزدوجاً بين الاثنيات المجاورة للكورد قديماً وحديثاً من حيث تدوين النظريات حول الاصل الكوردي، حيث لايخفى على احد عمق الصراع العربي الفارسي حول هذا الامر بالاخص، ووجود العديد من الاراء والنظريات التي رفضتها النظريات الاكاديمية الحديثة، كما رفضها المنطق والعقل المستنير من ابناء تلك الاثنيات انفسها، لكونها رفضت طمس معالم شعب متجذر تاريخياً في الوجود البشري بسبب الصراعات القومية الشوفينية في المنطقة، وللوقوف عن قرب على بعض الاراء التي اوردتها المصادر العربية الاسلامية والفارسية ومن ثم المصادر الاكاديمية للمستشرقين ولبعض المؤرخين الاخرين نعرض بعضها كمدخل تدويني قابل للبحث العميق.. حيث يمكن تقسم الاراء حول اصل الكورد الى عدة نظريات منها:
1-   النظرية العربية: وهي تتمثل باراء عدة مؤرخين وعلماء الانساب ممن كتبوا عن الاصل الكوردي ونذكر من المؤرخين المسعودي الذي كتب عن اصل في كتابه مروج الذهب حيث ذكر فيها ثلاثة اراء تختلف كل واحدة عن الاخرى في تصورها من حيث المنطق والعقل:
-   الكورد من اصل الجن: اورد المسعودي رأياً يوضح فيه بان الكورد من اصل الجن حيث يورد قصة عن النبي سليمان الذي امتلك مجموعة من الايماء والجواري في بلاطه واثناء احدى غزواته وغيابه عن بلاطه دخلت الجن على تلك الايماء والجواري فحملن وعندما عاد سليمان ووجد تلك الايماء والجواري حاملات تفاجأ وسأل عن ما حدث فقالوا له بان الجن دخلوا عليهن فحملن بهن، فقال اكرودهن الى الجبال، وهناك وضعن حملهن ومن ما وضعن بدأ نسل الكورد ، ( لايحتاج هذا الرأي الى توضيح لكونه يناقض العقل والمنطق اولاَ والمنطق الديني ثانياً).
-   الرأي الثاني الذي يذكره المسعودي حول اصل هو ان اصلهم يرجع الى العرب، حيث كانت الجزيرة العربية يسكنها الكثير من القبائل التي كانت تتناحر وتتقال فيما بينها، مما ادى بقبيلة بني ربيعة ان تهاجر الى الشمال وبالاخص الى جبال زاكروس وما حولها وهناك اختلطوا باهالي المنطقة من الفرس فتشكل منهم ذرية جديدة وهم الكورد.
-   اما الرأي الاخر الذي يذكرة المسعودي حول اصل الكورد فهو ما اورده مختصرا حول انتساب الكورد الى الفرس لاعتبارات لغوية وهو تقارب وتشابه اللغتين الكوردية والفارسية بعضهما من البعض( اللغتين الكوردية والفارسية حسب رأي علماء اللسانيات ينتميان الى الاسرة اللغوية الهند و اوربية، القسم الشرقي التابع للغات الهندو ارية ومن هذا القسم ينتميان الى القسم الخاص باللغات الارية).
2-   النظرية الفارسية: وتصنف هذه النظرية بانتمائها الاسطوري لاصل الكورد، حيث تعيد النظرية اصل الكورد الى احد ملوك الفرس الذي يسمى (ضحاك – زوحاك-) وهذا الاخير كان مصاباً بمرض غريب حيث نبتت على كتفيه حسب بعض الروايات رأس ثعبانين كبيرين، فطلب منه الحكماء والاطباء انذاك بالاستعانة بدم بعض الشباب لمعالجة مرضه، وحينها امر الضحاك بذبح وقتل شابين كل يوم او بين فترة واخرى ، واستمرت الحالة معه لفترة واثناء ذلك اتفق وزيره مع الطباخ ان يقوم بتسريح( اطلاق سراح) شاب وذبح الاخر، حيث كان المُسَرح يفر الى الجبل وهناك وبعد مضي فترة كثر الفارين على الجبل واختلطوا بالاقوام القاطنة هناك وتزاوجوا ومنهم تناسل اصل الكورد.
3-   النظرية الاستشراقية: سلط المستشرقون الكثير من الضوء على اصل الكورد وعلى النظريات التي ذكرت ولكنهم اجمالاً خالفوا السائد من النظريات القائلة واعتمدوا اساليب اكثر دقة واكاديمية في بناء ارائهم ونذكر من المستشرقين المستشرق الروسي مار الذي قال بان اصل الكورد يرجع الى الكاردوخيين الذين ذكرهم زينفون في سنة 402 قبل الميلاد في كتبه اثناء رحلته الشهيرة (حملة العشرة الاف ).
        اما المستشرق مينورسكي الروسي ايضا فيذكر بان اصل الكورد يرجع الى الميدين الذين تحالفوا مع الدولة البابلية الاكدية سنة 612 قبل الميلاد ضد الاشوريين واسقطوا دولتهم ..كما انهم انفسهم سقطوا سنة 550 قبل الميلاد على يد الاخمينيين الفرس والميديون سكنوا اطراف بحيرة اورمية وامتدت سيطرتهم على الكثير من اجزاء كوردستان.
4-   النظرية الكوردية: وهي تتمثل باراء مختلفة نذكر منها ما ذكره البدليسي في كتابه شرفنامة الذي كتبها باللغة الفارسية حيث اورد نظرية تشبه في مضمونها الرواية الفارسية حين ارجع اصل الكورد الى عهد الملك ضحاك الذي كان مصابا بداء على كتفيه واضطر الى استخدام (مخ) شابين في كل يوم لعلاج مرضه، الا انه افرج بعد فترة عن شاب وقتل الاخر ، والذي كان يفرج عنه كان يلجأ الى الجبل ليحتمي وعندما كثر عددهم واختلطوا مع اهالي المنطقة ظهر منهم نسل جديد وهم الكورد.
           اما محمد امين زكي فيذكر رواية هي الاقرب الى العقل والمنطق من حيث الاستشهدات التاريخية سواء من الناحية الدينية او العقلية فيذكر بان البشرية مرت بعهد الطوفان في زمن النبي نوح حيث لجأ الناجون الى السفنية التي صنعها نوح وبما ان الطوفان اغرق العالم وقتها فان الناجين هم فقط من كانوا على السفنية وهذه السفنية رست على جبل اسمه جودي وهذا الجبل يوجد في كوردستان وهذا يعني بان كوردستان هي المهد الثاني للبشرية ومن جبل جودي بدأت البشرية تنتشر الى جميع انحاء العالم وهناك استقر الهندواوربيين الذي منهم ينحدر الكورد وسكنوا كوردستان منذ ذلك الوقت.
ولاتتوقف الاراء والنظريات حول الاصل الكوردي عند هذا المنعطف وهذا الحد لكون الكورد كشعب متجذر في المنطقة قد لقي الكثير من الاهتمام بالاخص من الاكادميين الغرب الذين تناولوا موضوعات الشرق بحرفية ودقة، فكتبوا عن الاقوام القديمة التي سكنت المنطقة وكان للكورد نصيب كبير في دراساتهم وكتاباتهم بالاخص فيما يخص الاصل الكوردي وكذلك اللغة الكوردية ومن ثم العادات والتقاليد والتراث الكوردي واغلب الموضوعات الاخرى المتعلقة بوجود الشعب الكوردي.. ومع ذلك فان بعض المنتمين الى دوائر قومية معادية للكورد مازلوا يصنفون الكورد ضمن المجموعات غير المستقرة ولايمكن اخفاء الاسباب التي تقف وراء عدم وضوح الاصل الكوردي عند هولاء بالاخص العربية والفارسية:
1-    وجود روايات "خرافية" متعددة حول الاصل الكوردي سواء أكانت فارسية او عربية وذلك تحقيقاً لاهدافهم الخاصة.
2-   الموقع الاستراتيجي لكوردستان اثر كثيراً على توجهات الاخرين حيث حاولوا الحاقها بممتلكاتهم ودولهم ومنع ذلك وجود قومية اخرى عليها " الكورد " مما دفعهم الى تشويه صورة الكورد لمصالحهم.
3-   بقاء الكورد في المناطق الجبلية والوعرة وعدم اختلاطهم المباشر بالعالم الاسلامي وذلك محافظة على وجودهم القومي من جهة ولكسب معيشتهم من جهة اخرى جعل المؤرخين الاسلاميين ينظرون اليهم نظرة تمرد على السلطة.
4-   تأثير الكيانات القبلية الكوردية وعدم وجود كيان سياسي موحد في المنطقة الكوردية ساهم بشكل واخر في اضعاف محاولات البحث الجاد حول الاصل الكوردي وتعرفيهم للاخرين.
5-   تحويل اراضي كوردستان منذ العصور القديمة الى ساحة معارك بين الامبراطوريات القديمة كالفارسية واليونانية ومن ثم الفارسية والرومانية ومن ثم الاسلامية والفارسية والاسلامية والبيزنطية واخيرا بين الدولة العثمانية والصفوية كل ذلك ادى الى اضعاف الجوانب الثقافية والاقتصادية وبالتالي ادى ذلك الى فقدان الكثير من المصادر والكتب التي فيها معلومات قيمة حول كوردستان مثل كتاب انساب الكُرد لابن قتيبة الدينوري.


80
لمحة عن تاريخ الكورد القديم
جوتيار تمر/ كوردستان
18/1/2017
عندما نحاول معرفة تاريخ شعب ما، نبحث عن الممكنات التي غالباً ما يؤرخها ويدونها ابناء ذلك الشعب عن تاريخهم، ولكن حين نجد صعوبة في ايجاد هذه المدونات لاسباب عديدة ومتفرقة، داخلية منها وخارجية، فاننا نجد انفسنا ملزمين بالبحث ضمن المدونات الاكثر قرباً من حيث الزمنية والمكانية، ومن خلالها نحاول رصد اكبر عدد من المعلومات، ومن ثم نأتي لنقارنها ببعض المعطيات التدوينية الحديثة والتي يقدمها بعض المؤرخين والكتاب من ذلك الشعب، وحيث نجد توافقاً اكاديميا نتبعه، ونحاول ان نعممه دون الاخذ بالاراء الاحادية النابعة من التصريحية والخطابية القومية سواء أكانت خارجية نابعة من الرؤية الدونية للاخر، او من حيث طمس معالم الاخر لاثبات وجود الانا لديهم.. او من حيث الاراء الداخلية الاتية كردة فعل على الخارجية، لان الممر الآمن لدينا هو الممر المؤدي الى الدراسة الاكاديمية والعلمية والتي يمكن من خلالها اقناع اصحاب الرأي الاكاديمي العقلاني بالمرويات التاريخية التي نحاول اثباتها.
تاريخياً لم نجد شعباً تعرض للظلم التدويني والنفي التاريخي، والتلاعب بالمصطلاحات المتعلقة باسمه وبكل تاريخه مثل تاريخ الشعب الكوردي، لاسيما من قبل المؤرخين الذين يعيش الكورد ضمن جغرافياتهم السياسية، الامر الذي خلق شرخاً واسعاً بين الفيئات الاجتماعية والشرائح المثقفة وحتى العامة وبين شعوب تلك الجغرافيات، ومهما كان التعايش امراً واقعاً فانه سيبقى تعايشاً مرهوناً بالوقتية، لكونه اصلاً تعايش لم يبنى على اسس التوافق الثقافي ولا القومي ولا حتى الديني " بدرجة اقل " ، فكل المؤشرات تذهب الى وجود هوة سحقية بين البنى التوافقية التي ينادي بها البعض ليس من اجل ترسيخ الرؤية الاكاديمية الصحيحة، انما فقط لابقاء الاخر ضمن دائرته الاستعبادية والتي اصلا لم تكن لتوجد اذا لم تفرضها المنظومة الدولية منذ بداية تأسيس الجغرافيات السياسية الحالية.
ومن يراجع التاريخ الكوردي القديم سيجد بأن هناك اختلافاً واضحاً فيما ورد في المدونات القديمة لاصحاب الحضارات القديمة التي استطاعت من بث سلطانها على الاراضي الكوردية في كوردستان، وبين الاراء الحديثة التي يتبناها بعض المهمشين ممن يريد الشهرة والتشهير بالاخرين، وعلى هذا الاساس نجد بأن الكورد كقوم ومكون اساسي لمنطقة الشرق الاوسط قد ذكروا تحت مسميات مختلفة ضمن الالفيات السابقة للميلاد  وضمن الحوادث المرتبطة ببعض المملكات والامبراطويات الحاكمة في المنطقة، لاسيما في المصادر السومرية والآشورية والفارسية والاغريقية والرومانية وفيما بعد في  المصادر الاسلامية العربية، فضلاً عن المدونات والدراسات الاكاديمية التي كتبها كل من الرحالة والمستشرقين وذلك من خلال كتابتهم عن الشرق بصورة عامة وعن الكورد باعتبارهم احد الاقوام الشرقية وعن كوردستان باعتبارها جغرافية تضمهم.
تعتبر المصادر اليونانية و الرومانية من اهم المصادر التي يعتمد عليها في دراسة التاريخ الكوردي قبل الاسلام، و ترجع اهميتها الى معاصرتها للاحداث والى تعايشها الزمني واحيانا المكاني مع الوقائع في المنطقة، بالاخص في كوردستان، ومن ابرز هولاء المؤرخين هيرودوت( 484-425 ق, م)  الذي ذكر  تسمية كارداكيس كدلالة عن الشعب الكوردي، كما انه ذكر اسم  اربائيلو ( اربل) كاحدى اهم مدن امارة حدياب في بلاد اشور القديمة ، ومن المؤرخين الاخرين زينفون (430-354 ق.م) الذي سمى الكورد بالكاردوخوي في كتاب سماه (اناباسيس(  وقد التقاهم بعدما مر الجيش الاغريقي بقيادته من خلال بلاد الكاردوخوي عند مضيق زاخو متجها الى ارمينيا والبحر الاسود ، وقال عنهم  بانهم قوم محاربون اشداء يعيشون في الجبال و لايطيعون الملك ولهم خبرات جيدة باستعمال القوس و المقلاع، ومن المؤرخين والجغرافيين الذين كتبوا عن الكورد خلال تلك الحقبات الزمنية سترابون (65 ق.م – 19 م) ، الذي كتب مؤلفاً عن جغرافية العالم الموسوم بـ(Geographica) في سبعة عشر جزءاً، وصف فيها الاقاليم المعروفة انذاك من بابل و اشور وكوردوئيين.
وممن كتب عن الكورد ايضا المؤرخ والفيلسوف اليوناني بلوتارخ ( 50 – 125 م) ومن الارمن المؤرخ الامني موسى الخوريني الذي اشار الى مار( ماد) والى نهر اراكس ( اراس) وقد اعتمد المشترق الروس مينورسكي كثيرا على اراء الخوريني في تحديد الاصل الكوردي من خلال طرحه لنظريته القائلة  بأن الميديين هم اسلاف الشعب الكوردي في مؤتمر بروكسل 1938 وفي لندن عام 1939  ويذكر مينورسكي انه "في زمن موسى الخوريني لم يكن هناك ميديون في الوجود وانما كان الكورد يحتلون سفوح جبل آرارات، كذلك تضمنت مخطوطة ارمنية غريبة نموذجا من الف باء ولغة دونت في وقت يسبق عام 1446م، وهي دعاء برموز كردية تمثل لغة الميديين (مار) مع استعمال لفظ لايزال يشاهد في القواميس"، كما كتب مؤرخوت اخرون عن الكورد خلال تلك الفترات المتلاحقة كالمؤرخ اليزيه وردبت.
ومع المصادر اليوناينة الارمنية يمكن  البحث في المدونات والمصادر الفارسية التي عاصرت وواكبت اغلب الاحداث في المنطقة باعتبار انها كانت اما ضمن ممتلكاتها التي سيطرت عليها، او منطقة صراع بينها وبين الاغريق اليونان وقتها، ومن اهم المصادر الفارسية حول الكورد كتاب "خداي نامه" ومن ثم كتاب " كارنامه اردشير بابكان، كما احتوت  الشاهنامه  لمؤلفها الفردوسي على معلومات متباينة عن الكورد لاسيما حول الاصل الاسطوري للكورد وكذلك على الصراعات التي كانت قائمة وقتها بين ملوك الفرس وملوك الكورد الميديين.. لاسيما في العهد الاخميني الذي توجد اشارات كثيرة عن  الميديين في هذه الفترة ، والتي ترد في المدونات الاشورية بالاخص في ماذكر الملك الآشوري شيلمنصر الثالث (858-824 ق.م) في غزواته على مناطق الهضبة الايرانية وجبال زاكروس (844 ق.م)، وجاء ذكر الميديين في حملة عام 836 ق.م، وماذكر ايضا في المدونات الفارسية تلك المتعلقة  بالتحالفات التي قام بها الملوك الميديين مع كل من الدولة الاوراتية ومن ثم التحالف مع الدولة البابلية في عهد كي اخسار (633-584 ق.م) والذي بموجبه تم القضاء على الدولة الاشورية 612 ق.م.
كما دونت المصادر الفارسية في العهد الفرثي الكثير من المعلومات عن الكورد والمناطق الكوردية باعتبارها كانت مسرحاً للمعارك الدائرة بينهم وبين الاسكندر المقدوني ( 336- 323 ق.م) حيث تذكر بالتفصيل المناطق التي سار فيها جيش المقدوني لاسيما التي تقع بمحاذاة نهر دجلة في اتجهاها نحو اربل، حيث التقى فيها مع الجيش الفارسي الاخميني بقيادة دارا الثالث (335-331 ق.م) في موقع تل يسمى (كوكميلا )، ووردت معلومات اخرى عن الكورد في المصادر الفارسية عن الكورد في العهد الساساني ولعل ابرزها تلك التي تحدثت عن قيام ملوك الفرس وقتها باخماد الحركات التي كانت تقوم ضدهم من قبل الكورد الميديين ولعل تمرد الملك مادك الميدي من ابرزها، كما انه في الحقبات التالية ثار الكورد في مناطق كوردوئيين ضد بعض ملوك الفرس.. ودونت المصادر الفارسية تفاصيل الصراع القائم وقتها مع الامبراطورية الرومانية ذكرت الكثير من حول المناطق الكوردية والكورد.. فحين هاجم الجيش الروماني عام 297 بقيادة كالريوس مناطق ارمينيا وكوردوئيين تصدى له الملك الفارسي نرسى(293-302م)، انتهت المعركة بالصلح وتقسيم تلك المناطق بينهم ، وظلت كوردستان مسرحا للاضطرابات وحركات العصيان والتمرد والرفض التي لم يستطع الساسانيون من اخمادها  الا من خلال الحملات العسكرية الكبيرة، والتي غالباً ما كان يليها مهاجمة الحاميات البيزنطية خلال صراعهم الطويل الامد في المنطقة.
ومن خلال متابعة هذه المدونات في المصادر القديمة سواء من خلال المخلفات  الاشورية والبابلية و الاغريقية اليونانية والارمنية ومن ثم الفارسية بكل عهودها القديمة من الاخمينية والفرثية والساسانية سنقف عند الكثير من المعلومات التي وردت عن كوردستان والكورد والتي غالباً ما سنجد بانها كتبت ضمن مؤشرات دالة على التعالي والنظر بدونية الى الاخرين، فالاغريقي لاينظر الى الكوردي او الفارسي الا من خلال نظرته الفوقية وكذا النظريات والمدونات الاخرى للاخرين.. والتي نتج عنها نظريات اخرى في العهود اللاحقة بالاخص في العهد الاسلامي العربي الذي لم يكن باحسن حال من مَن سبقهم ، وذلك لاغترافهم من نفس النبع الفوقي الاستعلائي بعيداً كل البعد عن الكثير من الحقائق التي كانت وقتها قد ظهرت كحقائق مؤكدة لاتحتاج الى التكهن والفرضيات، بل فقط كانت تحتاج الى الاستماع لاصحاب الشأن كي يوثقوا مقولاتهم عن انفسهم باعتبارهم كورد اصحاب ارض وامتداد تاريخي طويل.. واصحاب لغة وحضارة وعادات وتقاليد وتراث خاص بهم.


81
قراءة في نص "الخروجُ مِنْ قلْبِي" للشاعر والاديب صابر حجازي
جوتيار تمر/ كوردستان
10/1/2017
الخروج من قلبي
يتمثل عنوان النص "الخروج من قلبي" ضمن العناوين القصدية التي تميل الى الايحاء والشروع في نفس الوقت،  فيتدرج المضمون في ما يشبه العنوان أو اللازمة التي تقوم على تدشين النص وتدفع حركته وتجعله يتمفصل حوله " العنوان" ويتنامى ويتكامل، وعنه ينتشر وإليه يرتد فينغلق به على المساحات الرؤيوية فتتحول وتتوسع  تلك المساحات حسب ماهية القضية ،بالمعنى المنطقي التي تلازم الشعر، وتتخذ شكلا موحياً بالمعنى النحوي والدّلالي التداولي " الخروج..قلبي.." .

قلبي العارفُ بالأيام
 مازال يُجازفُ بالأحْلام
يخترقُ ظلامَ الليل ، وصمتَ الألَم
 يشُقُّ طريقًا للإبْحار
 فِي الخوفِ السَّاكِنِ بالأقْدار
 يُنَقِّبُ فِي صَمْتِ الأعْماق عَن الأزهار
 يفتش في هذا العالم
يسبح ضد التيار
**
 يبدأ النص بمماهاة واضحة مع حركية العنوان " الخروج من قلبي" فالقلب المقبل على تقبل فكرة الخروج، يحاول ان يتحرر من الحدث الاستباقي،   كي ينشأ خطاباً خاصاً به منحدر من الحالة الحلمية التي يعيشها، والتي من خلالها يتحدد رغبة دافعة لحركة ذهنية تصورية مشهدية ساردة، تنطلق من الشعور المتأثر بشكل واضح وكبير بالحتمية " الخروج" وفي الوقت نفسه العائم فوق كم هائل من الانجرافات النازحة من الجوانيات المتلاحمة طوعياً مع حركية الحدث نفسه، والمؤدية في جملتها الى خلق نوع من الخلل في التوازن الوجودي المهدد بالحرمان " يجازف ،ظلام ، الالم ، الخوف ، صمت، ضد,," كلها ايحاءات واضحة المعالم التي تهدد الكينونة الوجودية للقلب، ضمن هيكلة وجغرافية الحلمية الناجمة اصلا من التأثيرات الاتية من الحتمية " الخروج "، وبالتالي اثرت على الخطاب الشعري للذات الشاعرة حتى اكسبتها طابعاً رؤيوياً تأطيرياً مقترناً بتلك المفردات المتوحشة في صوريتها ودلالاتها.. والتي سنلامس امتداها وتأثيرها على المضمون النصي.



 مُحْتَالٌ خَدَّاع
.مَنْ قاَل بأنّ الإنسانَ الجَاسِر
لا يعرفُ إخْضاع
محتال خدّاع
مَن قال بأن الصُّبح الكاسرَ
 لا يعرفُ إخضاع

 فالحقّ
 الحقّ يُعَانِقُ صوتَ البَاطِلِ
يَرقُصُ
فَوْق أسي أوْتار الكذب
 يضاجع
جسم حقيقة حرف غادر

 مُحْتالٌ خدّاع
مَن قال بأنّ القاتَل
 يقتُل
 دون دِفاع
قتلوكَ أيا (يوسف)
 آه..لو نَظرُوا  في الجُبِّ
 لرأوْكَ حَزيِنا مُلْتاع

**
تتمثل الحركية المعتمدة من قبل الشاعر في طرح الرؤية النصية حول الاستعارات التي فرضت عليه ضمن السياق العنواني ومن ثم النسق الاستباقي المنحني تحت وطأة التأثير الانفعالي والشعوري معاً، فنجده يستمر في توظيف المفردات المتوحشة التي تعطي انطباعات واضحة حول الماهيات التي يستقي منها الشاعر مفرداته، والمسارات التي يريد خلقها وفق تداعيات التنامي الحدثي من جهة، والتنامي الصوري المشهدي من جهة اخرى، وهذا بالفعل ما يمثله الفعل الافتتاحي هنا" محتال..خداع.." حيث الحدث له مؤشرات دلالية توجيهية، وكأن الخطاب يريد ان يكتسب صفة الرسالة لانه يأتي مواكباً مع صيرورة التنامي الحدصي العام، والذي ينغمس بالانفلات الذاتي، حيث الصوتية تبرز من خلال التأثير المحتدم للحالة النفسية النابعة من التحولات التي فرضها الشاعر على النسق الشعري العام وعلى النسق المشهدي التصويري للحلمية الضمنية الى الظاهرية.. فضلاً عن الانصياعات الخطابية للتوجه البلاغي الشعاراتي فكأن الرؤية هنا  تبرر الحدث " الخروج " بجملة ادوات تضمن للفكرة استمرارية " ديناميكيتها" وانفلاتها،  "  من قال..."  التي تضعنا ضمن دائرة التدوير البلاغي اللفظي والصوري معاً فارتباطها بالانسان مرة وبالصباح مرة اخرى اعطت للصورة مدايات تخيلية متداخلة مع الحراك السبقي للحتمية المذكورة سابقاً، فكأن الشاعر يريد ان يوجه من خلال خطابه هذا رسالة مضمونها بانه لاشيء يمكن ان يستمر ضمن الحال نفسه، لذا فهو يمتنع عن الانصياع للسبقيات والحتميات لانه يدرك انحلالها وانحرافها، وبذلك تتحرر الرؤية لديه لتخرج من الاطار الحلمي الى اليقظة، وتنفتح امامه مجالات التعبير عن الحق تعبيرا واعياً واضحاً واعياً اثناء نقله من خطاب الى اخر .." فالحق ،،الكذب، غادر..."، ولكونها نقلة تحدث شرخاً في بنية الفكرة نفسها، نجد بان الشاعر اعتمد على الخطاب الرؤيوي النابع من مواجهة الحتمية بالحتمية نفسها، فالحكم على الحق جاء ضمن السياق الحتمي للخروج، وبذلك يجبرنا الشاعر على الانصياع لهذه الحتمية النابعة من منطقه المخصوص، وحين يزج بقصة يوسف في السياق الحدثي ويختمها بتلك النغمة الحزينة الدالة على انكسار الروح والنفس وصدمتها بالحق والخداع والغدر، فانها لاتأتي كأمر عرضي مبهم، غير مستدرك او مستوفي لرؤيته، بل نجدها تأتي من صميم الحدث الشعري نفسه، ومن صميم الحدث الحتمي السبقي ايضاً فالاستسلام لامر الواقع بات من الحتميات التي عليه ان يؤثث عوالمه ضمن دوائرها.. ولكن السؤال الذي يعتري ماوراء السطور.. الى متى الانقياد الحتمي..؟، وهذا بالضبط ما احال لغته من الخطابية المشبعة بالتمرد واليقين والشعاراتية الى الخطابية المنقادة للسكينة " لرأوْكَ حَزيِنا مُلْتاع.."، وتلك هي النقلة الاخرى التي احدثتها المؤثرات السبقية في ذهنية الشاعر من جهة، وفي الاحداث من جهة اخرى .
 

 قلبي قد عاشَ بِلاَ أضْلاع
 تمْخُرُة الدمعة ُ- والأعْوام...
ونبض الكلمة
 والبحث عن اللّقمةِ
 لكنْ فِي خوْف ِالعَصْر الأعْمَى
 مدّ ذراعا
ليفتِّش في نَبْضِ الأحْلام
عن موجةِ نُورٍ
 تَتخطَّي الدّيْجوُر
تمْحُو كل ظلاَمٍ طاف
تعيد ُخُطاَه
يَمُدُّ يديْهِ لِيَكْسِر َ
    قيْد الأسداف

من يقرأ للشاعر هنا سيشعر بأن الانفعالية والخطابية المتهيجة قد هدأت سواء على المستوى الدلالي " الفكرة " او على المستوى التوظيفي للبلاغة التصويرية، وهذه النقلة تحدث ضمن المتنقلات والمتحولات الرؤيوية فالخطاب المتهيج تحول فجأة الى خطاب يمزج بين الخبرية والمشهدية الساعية لختم الرؤية وفق نسق متحرر من المؤثرات السبقية، لينشأ في المضمون تاقبل بين الحدثية من حيث الزمنية وبين الحراك الارادي الا ان سعي الشاعر اصطدم بحاجز اللغة التي نجدها لم تزل  خاضعة لكينونة الحتمية، ولمنطق الرؤيا، فحين نجد ان الشاعر بدأ يلجأ الى " قد عاش " الى الزمنية الماضية فانه بلاشك لايريد استعادة الذكريات فحسب، انما يجري ضمن هيكلة الرؤية مقارنة بين ما كان وما هو عليه الان، ومايريد ان يكون عليه في الزمن الاتي وضمن النسق الخبري، وبذلك نجده يخضع لرهبة الزمنية، تلك الرهبة التي تفرض عليه الانصياع لمبدأ تخفيف الخطاب " البحث عن اللقمة..العصر الاعمى.."، ومن ثم البدأ بايجاد سبل اخرى لتخريج الرؤية ووضع مسارات مغايرة لها وكأنه نفسه بعد الهيجان البلاغي الخطابي الشعاراتي يعود من جديد ليبحث عن هذا المخرج " ليفتِّش...... تمْحُو كل ظلاَمٍ طاف،، تعيد ُخُطاَه ....يَمُدُّ يديْهِ لِيَكْسِر....قيْد الأسداف..."، انها بالفعل النقلة المهيبة ليس على المستوى اللغة فحسب، انما على المستوى التصويري المشهدي ايضاً، فمع وفق استعارة واضحة للمحاكاة السردية السيميائية ، ليبقى الحدث جاريا، واقعا فوق حكم الانقضاء والانصرام، كما يحدث في الأنواع السردية التقليديّة.



82
وقفة  عند مصطلح الكــــــــــوردنـــــــاســــــي
جوتيار تمر/ كوردستان
6/1/2017
        يعد مفهوم الكوردناسي من المفاهيم التلازمية التي ترافق الدراسات الاستشراقية والدراسات التي تبنتها الاكاديميات الشرقية ايضا حول اصل ولغة وتراث وفلكور وادب الكورد منذ ما يقارب القرن، و (الكورد ناسي) حسب ذلك المسار والمنهج تعني ذلك الموضوع الذي يهتم بالبحث والدراسة عن الشعب الكوردى، من حيث التاريخ واللغة والادب والفكلور و جغرافية كوردستان، وبلاشك ان الكوردناسي هو جزء من الاستشراق.
 فالمستشرقون " المستشرق" : صفة عالم متمكن من المعارف الخاصة بالشرق ولغاته وآدابه، اي انه الباحث الذي يحاول دراسة الشرق وتفهمه، ولا يتأنى له الوصول الى نتائج سليمة في هذا المضمار ما لم يتقن لغات الشرق كما يقول البرت ديتريش.  وبالتالي فان علم الاستشراق هو دراسة كافة البنى الثقافية للشرق من وجهة نظر الغرب، ولكن وفق قواعد لايمكن تجاوزها ولعل اهما اجادة لغات الشرق.
 ولأن اغلب المستشرقين كانوا رحالة من الغرب زاروا الشرق وكتبوا عنه.  فان الكورد كاحد الشعوب الشرقية، كتب هولاء دراسات و بحوث عنهم ايضا، وهم عند الكورد يعرفون بالكوردناس.
الكوردناس والمستشرقين كتبوا العديد من البحوث والدراسات حول الكورد قبل الكورد انفسهم  فمن المعروف ان التاريخ الكوردي كتب اغلبه بواسطة غير الكورد، لكن  مما لا شك فيه ان الكثيرين ممن زاروا كوردستان وكتبوا عنها وعن شعبها لم يكونوا ضمن نطاق البحث العلمي فقط" بمعنى ان مهامهم لن تكن تنصب حول الدراسات الاكاديمية العلمية فحسب" ، لان كان منهم رجال ينتمون الى الحكومات التي وظفتهم لدراسة الشعوب الشرقية، وكان منهم  رجال الاستخبارات ايضا وبعثات تبشيرية تمثل الكنائس الغربية، ومع ذلك فان الكثير من هولاء قدموا خدمات جليلة للشعب الكوردي من خلال الحفاظ على الفكلور الكوردي وذلك ضمن كتاباتهم ودراساتهم الاكاديمية، وكذلك تعريف العالم بالكثير فيما يخص اصل الكورد واللغة الكوردية والعادات والتقاليد الكوردية فضلاً عن كتاباتهم حول الادب والتراث والفكورد الكوردي.
يرجع بداية ظهور علم الكوردناسي الى ما يقارب ال" 300" سنة قبل الان، بالاخص الى القرن الثامن عشر ، حين بدأت أوروبا تتجه نحو الشرق، ويُعرف "د. عبدالله جودت" كأول من استخدام مصطلح الكوردناسي في كتاباته، و ذلك في سنة 1913، وبعده جاء "د. جلادت بدرخان" في سنة 1934 الذي استخدم المصطلح في العديد من الدراسات و المقالات بالاخص في مقالاته عن الكورد والكوردناسي بنظر الاخرين " الكورد بمنظور الاخرين" ، وفي نفس السنة عُقد اول مؤتمر عن الكوردناسي في" ييريفان " عاصمة أرمينيا، ومنذ الثلاثينيات من القرن الماضي، الى وقتنا هذا الكوردناس اصبح كمصطلح و علم و بحث، ومن اساسيات الثقافة والادب الكوردي.
 نورد هنا اسماء بعض (الكوردناس):-
1.ماركو بولو(1254-1324)، جغرافي و رحالة مشهور من إيطاليا وهو اول شخص  من الغرب يذكر اسم كوردستان في كتاباته .
2.زان بابتيسست تافرنية(1650-1890)،تاجر فرنسي ، في سنة 1632 زار كوردستان في احدى رحلاته، وألف كتاب بعنوان (ست رحلات من تركيا الى باريس).
3.كريستين نيبور: زار في احدى رحلاته العراق، و كوردستان، وألف كتاباً بعنوان (رحلة نيبور الى العراق) طبع الكتاب في سنة 1766.
4.الكسندر  زابا(1803-1894)،كان صديقاً مقرباً من ملا محمود البايزيدي، وعمل معه في الكثير من الاعمال واستطاعا معاً ان يحفظا العديد  من الكتابات الكوردية من الضياع، ويرى بعض الباحثين بان كتابات ذابا والبايزيدي تعد بدايه نهضة النثر والقصة الكوردية.
5.كريس كوجيرا: احد الكوردناس الذين مازالوا على قيد الحياة وله زيارات، ورحلات عديدة الى كوردستان وصاحب كتاب(الحركة القومية الكوردية وآمال الاستقلال).
6.ميريلا كاليتي: صاحبة كتاب(الفكلور الكوردي في الكتابات الإيطالية) ذكرت الكثير عن الكورد في كتابها.
7.القس كارزوتى: في سنة 1787 كتب عن قواعد اللغة الكوردية.
8.البرت سوسين ، الماني كتب في سنة 1898 عن اللغة الكوردية .
9.ليرخ: كتب عن اصل الكورد.
10.مينورسكي: روسي كتب الكثير من البحوث والدراسات عن اللغة واصالة الفكلور الكوردي، وهو صاحب الراي القائل بان اصل الكورد يرجع للميديين . أي ان  الكورد احفاد الميديين.
11.باسيل نيكتين(1885-1960)، صاحب كتاب(كورد، دراسة سيسيولوجية و تاريخية).
12.ميجرسون: يعد اول من اصدر جريدة كوردية في كوردستان و ذلك في مدينة السليمانية.
ونذكر معهم اسماء بعض الكتاب والمؤلفين الذين كتبوا عن الكورد:
1. ديظيد ادم سون:(حرب الاكراد) لندن   1964.
2.بيبكسون :(الكورد،والكوردولوجي في الاتحاد السوفيتي)،باريس1963.
3.جون بلو:(القاموس الكوردي – الفارسى – الانكليزى) ، باريس 1965.
4.سوزان ميسيلس:(الكورد و كوردستان) ، لندن ، 1964.
لايتوقف الامر عند هولاء بالتأكيد، لان الدراسات التي قدمها الغرب عن الكورد وقدمها الكوردناس من الشرق ايضاً لايمكن حصرها في مجال ضيق كهذا، ولكن الغرض الاساس من كتابة هذه الدراسة هو تعريف العالم ب