عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - كفاح الزهاوي

صفحات: [1]
1
أدب / النور المخادع
« في: 16:56 25/05/2020  »

النور المخادع

كفاح الزهاوي



يعيش في نفق مظلم، وحيدا، منعزلا، غافلا للنهارات المشرقة، متكلا، ينتظر حلولا من السماء... وفجأة تراءى له من بعيد ضياء خافت يتدفق. بعد ان قضى سنوات جحاف من العزلة في هذا الصمت الموحش، كصمت القبور، سار باتجاه النور. ما كاد ان وصل الى نهاية النفق، حتى وقع في حفرة سحيقة أشد عتمة.





2
الرسالة التي كشفت ظلّ امرأتي 
         
كفاح الزهاوي
       لم يصادفه من قبل شتاءً قاس وشديد مثل هذا الشتاء. يغلف البياض معالم المدينة. حدث هذا في اليوم السابع من شهر يناير عام 2007، بعد انتهاء احتفالات راس السنة بفترة قصيرة. انهمرت الثلوج بكثافة حتى الفجر، والطقس بارد.

دقت الساعة السادسة صباحا. كان يمشي في الممر الضيق الذي يؤدي إلى الباب الخارجي، ادخل بطاقته في الجهاز الالكتروني المثبت على الحائط، الذي يفضي الى فناء الشركة لتسجيل ساعة خروجه.

الثلوج المتراكمة على سيارته الواقفة عند موقف السيارات المخصص أمام الشركة، قد اخفى جسد السيارة ولونها الازرق الغامق.

بعد انتهائه من عمله ليلًا الذي يبدأ... من العاشرة مساءً حتى الساعة السادسة صباحا، عاد إلى البيت منهكًا. دخل الى الدار بعد ان اغلق الباب خلفه بحذر كي لا يقلق العائلة. كان ابنه دانيال البالغ من العمر اثنتي عشرة سنة وابنته ماريا ست سنوات يغطون في النوم. ولم ينتبه الى زوجته التي كانت تشارك ماريا غرفتها، بعد ان أصاب علاقتهما في الاونة الاخيرة بعض الجفاء والفتور.

طفقت سماء العلاقة الزرقاء تستحوذ عليها غيوم داكنة حتى انطفأ رويدا رويدا بريقها. تدهورت العلاقة بينهما بعد ولادة ماريا بستة أشهر وتفاقمت مع تقادم الزمن. زوجته أخذت تبحث عن المبررات من أجل تعكير صفوة العلاقة بينهما حتى وصلت الى الذروة. اولى بوادر الانهيار كانت، عندما تظاهرت بانها تعاني من الارق وقلة النوم، بسبب شخير زوجها المستمر اثناء النوم، الامر الذي دفعها الى نقل فراشها الى غرفة المعيشة في الطابق العلوي. ولم تدم مبيتها هناك طويلا، حتى انتقلت بعد يومين الى غرفة ماريا في الطابق الأرضي.

احيانا كثيرة أثارت تصرفاتها الشكوك من تكرار جلوسها غير المعتاد مع الأطفال. فهي لم تجرب قط الاهتمام بهم، وكانت تتجاهل دورها كأم. كانت تجلس مع الأطفال وتدردش معهم وتهمس في اذنهم. وقد اضحت حياتهم من جراء ذلك مشوشا. وما ان يفاجئها وهي تكلم الاولاد، حتى يجتاح الارتباك قسمات وجهها، وكانما تخطط لارتكاب جريمة.

كان يقول لها:

- ما بك وكأنك قد ارتكبت إثما.

تبقى صامتة كصمت الاموات، وهذا ما يعزز الشكوك حول سلوكها الخفي.

دخل الى غرفة النوم في الطابق العلوي و غط في نوم عميق. استيقظ على رنين الهاتف، وكانت الساعة الحادية عشرة وأربعين دقيقة قبل الظهر، مضى مسرعا الى مصدر الصوت ورفع السماعة. سمع صوت امرأة تقول :

- مرحبا.

- مرحبا.

- هل يمكنني التحدث إلى مادلين.

- هي في العمل الان.

- انا مديرتها، هي لم تأت الى العمل اليوم.

وبينما كان يتحدث الى مديرتها عبر الهاتف اختلس نظرة سريعة من نافذة المطبخ مندهشا، حيث لاحظ اختفاء السيارة، شعر بألم، وكان على وشك ان يبكي. وعبر عن قلقه بسبب الصقيع الذي يغطي سطح الأسفلت أشبه بالزجاج ، لان زوجته كانت غير ماهرة في قيادة السيارة، وقال:

- ربما تعرضت لحادث مروري وهي تقود السيارة في طريقها الى العمل، بسبب الصقيع ونقلت على اثرها الى المستشفى، فهي تعودت ان تستقل الحافلة بدلا من قيادة السيارة في مثل هذه الأجواء.

قالت :

- لا تقلق وتأكد من الموضوع ثم اتصل بيّ على هذا الرقم. بعد ان أبلغته عن رقم تلفونها.

بعد ان وضع سماعة الهاتف اتجه نحو المطبخ و القلق يساوره. وفجأة التقطت حدقاته ورقة على طاولة الطعام. كانت رسالة قصيرة قد تركتها زوجته قبل ان تغادر البيت. قرأ مضمونها:

( انا اخذت الاطفال الى جهة مجهولة، ان أردت معرفة الأسباب، عليك الاتصال بالجهات الحكومية التابعة لحماية الأطفال، حاول الاتصال بالباحثة الاجتماعية وهذا رقم تلفونها المذكور أدناه. )

ما أن انتهى من قراءة الرسالة حتى أصابه شلل فكري، وقف جامدا في مكانه، جاحظ العينين، ثقيل الرأس.

رفع الهاتف واتصل بمديرتها في العمل وأبلغها بحقيقة الأمر وعن سبب اختفائها.

حاول عدة مرات الحصول على الباحثة الاجتماعية المذكور اسمها في الورقة دون أية نتيجة. كان في حالة من الترقب والتفكير في كنف هذا الصمت الفاحش.

وفي الساعة الثانية ظهراً، رن جرس الهاتف وإذا بصوت نسائي يتسلل الى اذنه. بعد ان قامت بالتعريف عن نفسها. وكان نفس الاسم المذكور في الرسالة. قالت أن زوجته والأطفال في حمايتهم.

قال الزوج :

- هل هم في خطر؟. ومن يهددهم؟ .

أجابت بنبرة كالواثق من الأمر :

- عندما يشعر الإنسان بخطر معين ويبلغ السلطات لاسباب تمس حياته، من واجبنا ان نحمي هذا الشخص.

رد بشكل هاديء:

- ولكن لم اسمع ان احدا قام بتهديد اولادي. واذا يوجد شيء من هذا القبيل انا مضطر ان اطلب الحماية من البوليس. واعتبر تصرف زوجتي عملية اختطاف لاولادي.

قالت:

- رجاءً لا تفعل ذلك، وانما نحاول التحقيق في الأمر ومن ثم نقوم باستدعائك أيضا. إلى ذلك الحين لا عليك سوى الانتظار.

أيقن في سره يقينا راسخًا لا ريب فيه، انها خططت للأمر بتفاصيله في غفلة منه سعيا منها ان تنتقم دون أن تأخذ بنظر الاعتبار ما قد يترتب من آثار نفسية على الأولاد. لم يفهم أسباب انتقامها. كان في اكثر الأوقات بمثابة الأب والأم معاً. ما الذي يدفعها إلى الانتقام؟. أسئلة كثيرة كانت تسبح في اروقة فكره.

خرج إلى فناء الدار. رشقت الريح الثلوج المتراكمة على شجرة الأرز فتناثرت على وجهه. عاد إلى الداخل متجهما.

توغل في صمت الجسد وسكونه، هذا الجسد المتماسك الذي طالما كان جسرًا لهم للعبور الى ضفة المستقبل. اخذت المشاعر تحترق في منفى الرمال وتفتت القلب وتطفئ نور التواصل. انتابه شعور، بأن الزمن قد توقف عن الدوران وصار الحلم في قاع الظلام.

وفي الليل أصابه أرق، فقد الإحساس بالواقع احساس بقسوة ووطأة الصمت، هذا الصمت الناجم من غياب الأطفال. هل هذا فعلًا حلم عبثي؟. راحت الأفكار المتضاربة تتماوج في رأسه المصدوع.

شعر بعضلاته مشدودة و مفاصله جامدة وبالم قاس يخترق أوصاله. جلس متكئا بظهره على الحائط، وعيناه تحدقان في الصورة المعلقة على الحائط لولديه دانيال وماريا. أجهش بالبكاء كبائس فقد كل الأمل في الحياة. مرت عليه الليالي وكأنه في بحر الظلمات. هذه الغمة المفاجئة التي حلت بالزوج، دفعت به إلى التفكير مليا ان يكون أكثر يقظة وأشد صرامةً.

فجأة انتبه شعور بالوحدة القاتلة. كان يوما عصيبا، حيث رياح باردة قد هبت على شرفات عزلته. وسيل من لسعات البرد تجول على طول الجسد كصعقة كهربائية، صراخ ثقيل يكتنف صدره ويحبس أنفاسه. شعر ان لا معنى للزمن، حتى الحياة أصبحت الخرقة الوسخة تمسح بك الارض و تطعنك بسكين الغدر حالما يغفل المرء عنها للحظة.

راحت الأفكار تتغلغل في صميمية الشقاء، انقض عليه احساس بالإحباط، وكأنه مطوق بملايين الصفحات المعتمة، بينما تسهو زوجته في هذه اللحظات في الخارج مغرورة بفعلها غير المدروس وهي تتأرجح على شفا حفرة من الهدم والنسيان.

حاول ان يركز وعيه على نقطة واحدة وهي ان لا يفقد زمام السيطرة . قليل من الهدوء لكي يستعد لتركيز أكثر صعوبة . الان عليه ان يبعد عن نفسه المشاعر والحنين بعد ان قضت مادلين عليهما بغبطة اللامبالاة وأن لا يتمادى في قراراته. لم يستطع ان يخفي حقيقة معاناته. التعب والوهن جعله غافل الذهن، لم يكن لديه متسع من الوقت ليستدرك الموقف ويفوت الفرصة عليها في غفلة منه.

انهمرت من عينيه الدموع بصمت، والأسى العميق المرسوم على وجهه المضطرب، لتنبثق عنهما جداول من الاهات، كلما طفحت في ذاكرته تلك الأيام وهو يمنح العائلة جل حياته من اجل ان تعبق برائحة الربيع العذبة في سهل طموحاتهم.

وبعد عشرة أيام وهو يعيش في عزلة عن عائلته، اتصل دانيال بوالده عبر هاتف الجوال الخاص بوالدته معبرا عن اشتياقه، طالبا ان يلتقي به، تشاجر دانيال مع الموظفين التابعين الى دائرة الرعاية الاجتماعية، بعد ان أصابته حالة من الهستيريا وقام ببعثرة أثاث الشقة السرية، واثارة الفوضى، مما أجبرت السلطات على اتاحة الفرصة لهم ان يلتقوا بوالدهم. انفجر الأب بالبكاء حال سماع صوت ابنه.

وفي اليوم التالي التقى الأب بأولاده وزوجته في أحد المطاعم على بعد عشرة كيلومترات من مدينتهم، وهو يحمل في خلجانه اكاليل من الشوق والبهجة. لم يكن يتوقع ان يكون يوما قاتما، فاجأته أولى ضربات البرق حين أطبقت سيول الظلام على أجواء اللقاء. في لجة ذلك الظلام انقض عليه إحساس بالإحباط. وإذا به يصطدم بجدار التفاؤل وهو يتلقى ضربة موجعة تحطم سارية الامل، وتغرق زورق العائلة، بعد ان عرت مادلين نفسها وكشفت عن الدوافع الحقيقية الكامنة وراء تصرفاتها المهينة التي لا رجعة فيها. علاوة على ذلك لقنت الأطفال في ترديد الأكاذيب ضد والدهم للإيقاع به لرصيدها الخاص. وبهذا وضعت لمساتها الأخيرة على تلك العلاقة التي لم يصدق يوما ان تنتهي .




3
أدب / غارق في الظلام
« في: 18:59 05/04/2020  »
غارق في الظلام
كفاح الزهاوي

          فوق التلة المطلة على قرية الحياة يقع قصر فاخر، يعيش فيه رجل في غاية الثراء. خرج الى العالم في رحلة البحث عن معنى الحياة، حاملا بيده لوحة زيتية غالية الثمن ويرتدي نظارة سوداء. دخل الى دكان صغير يقع على أطراف القرية لشراء قداحة.
         وفي هذه الأثناء دخلت فتاة شابة قروية غير متعلمة، يتدفق من محياها سيماء التعب وفي راحتيها تتجلى آثار الشقاء. انزلقت نظراتها على اللوحة الزيتية في يد الرجل، اغرورقت عينا الفتاة بالدموع، حيث أضاء في نفسها فيض من العذوبة. سألتْ الرجل الغني عن ماهية اللوحة:
              أجابها :
           - لا تكترثي فليس هناك ما يثير الاهتمام… 
            إجابة الرجل قد ألقت  بظلال الغضب على وجه الفتاة القروية.
             قالت بصوت شجي :
          - لِمَ تسخر مني. هل لأنني فتاة فقيرة ؟.
            قال لها متجاهلا نظراتها المتوسلة: 
         - صدقيني لاشيء مهم في هذه اللوحة سوى انها تضم في ثناياها السماء، القرية، الطريق، النهر، الجبال، الوديان، الشمس، البيوت، الأشجار، الطيور، والبشر.
         انفجرت الفتاة بالبكاء وغادرت المكان بسرعة، بعد ان استولى عليها حزنا، عندما احست بان الرجل يهوي في الفراغ وانه غارق في الظلام.



4
أدب / استنفاد
« في: 18:43 26/03/2020  »

استنفاد

كفاح الزهاوي


في صباح يوم مشمس، الرياح ساكنة والاجواء يعتريها الصمت، كنت أرنو إلى سحر الطبيعة وعذوبتها من خلال الواجهة الزجاجية للمقهى الواقع وسط  حديقة كبيرة.  وبينما كنت احتسي رشفة من القهوة، فجأة أمطرت السماء بغزارة أطنان من الموز حتى امتلأ فضاء الحديقة، وإذا بعاصفة من الناس يهرعون من كل منافذ الحديقة سعيا منهم للحصول على أكبر كمية منه. ارتأيت أن اتلذّذ بشرب القهوة الى النهاية وأتريث حتى تهدأ العاصفة، عندها خرجت متفاءلا كي اغتنم بعضاً من الموز، وجدت فناء الحديقة الواسعة خاوي.





5
المنبر الحر / ذكرى من صمغ
« في: 17:18 31/12/2019  »
ذكرى من صمغ
كفاح الزهاوي

              سيتذكر عادل ذلك المساء العذب من شهر حزيران بعد سنوات طويلة وهو يتنقل من عالم إلى آخر، كالمتشرد الأعمى تحت الشمس المثقلة، يمضي أيامه دون ان يترك عنوانا على ارصفة الزمن. بينما كان يبحر في ضياء هذا العالم الجديد كسائح مجهول، تبدأ آثار الأقدام بالامحاء في الذاكرة. وفي زحمة الشوارع والسيارات المجنونة ينتابه الشعور بالضياع في متاهات الريح، مكسواً بغبار الكلل، منتظرا انقشاع الغمامة. كل ذلك يثير الكآبة، وكأنما في جوِ خانق من العزلة والنسيان. ورغم ارتفاع الموج، ولكن كان بإمكانه الشعور بأنه لا يزال يتنفس.
             كان يقضي يومه متجولا في أرجاء المدينة كجندي مجهول على أرض لا ينتمي لها ، غريب لا يحمل بطاقة تشير الى وطنه، الا ان جروح الوطن تطفح ندبات  انينها على مرافئ الانتظار.
             دُمَرْ گازية، المحطة الرابعة في حياته الصاخبة. منطقة صغيرة تقع على أطراف دمشق مؤلفة من بيوت ليست في تناسق هندسي. وعلى جانب الطريق و باتجاه المرجة، مركز المدينة، تزدحم بالمطاعم  الفاخرة في الهواء الطلق تعج بالزبائن ليلا مع جلسات ممتعة، تقدم فيها مشروبات روحية وعشاء طازج ، لذيذ. هذه الأماكن في الاغلب يختلف اليها رجال أغنياء وأصحاب اموال.
            في احدى الليالي والسماء يغطيها الصمت، يتوسطها القمر، تزينها النجوم المتناثرة، أنوارها  تشق غمار الليل. ارتاد عادل مع صاحبه صلاح الذي يعيش معه في نفس المنزل احدى المطاعم الراقية الواقعة على مسافة ليست بعيدة عن الدار، رغبة منهم ان يعيشوا بعض اللحظات الباهرة، الممتعة في جوِ مختلف، رغم انهم يعانون من وضع اقتصادي متردي. شعر في غمرة هذه اللحظات وكأنه تحرر من أعباء الحياة اليومية المعقدة. احس بنوع من الحماس يغزو قلبه ويسري في عروقه ، ويرسل الطمأنينة الى روحه.
             بعد ان تم الترحيب بهم ، طلبوا لكل منهما زجاجة بيرة. وظلوا لساعتين يتبادلون الحديث عن الأمور السياسية والادبية وصوت ام كلثوم مع اغنية لسه فاكر يصدح في ارجاء المطعم، يحتسون على مهل، وزجاجة البيرة لازالت مملوءة إلى أقل من نصفها. كان المستخدمون يراقبون المشهد عن بعد وكأن لا أحد في المطعم غيرهم . كانت علامات عدم الرضا واضحة على وجوههم من خلال الابتسامات المصطنعة. كانوا يحملقون فيهم عن بعد والزجاجة بالكاد تتناقص. وبين حين وآخر، يتم إحراجهم بالاستفسار فيما لو كانوا بحاجة الى المزيد. وكانت الإجابة : لا .. شكرا.         
            عادل شاب يبلغ من العمر ثلاثين سنة ، متوسط القامة، شعره الاسود كثيف مفروق في منتصفه بشكل مستقيم، نحيل الجسم، رشيق، طبعه عنيد، اجتماعي، بشوش، ابيض البشرة،  وتحت أنفه البارز شارب رفيع. وعلاوة على ذلك كان بالغ الاناقة والثقة بالنفس، يتصرف بجلالة جديرة، ملامح وجهه توحي للآخرين أصغر من عمره بكثير.. كان يتميز بصفة عدم الانجرار والاندفاع بسرعة نحو النساء، ويتعامل معهن باحترام وحذر.
               كالعادة استيقظ عادل صباحا على صخب الساكنين معه في نفس الدار، راح يتقلب ويتلوى في فراشه،  ويدس رأسه تحت  البطانية العتيقة، ربما تصد عنه الضوضاء والجلجلة في المطبخ، وصوت عدنان الجهوري، وكأنه يخطب الى جمهرة من الناس. كان يحلم ولكنه لا يتذكر منه شيئا. حاول ان يواصل التفكير في الحلم ولكن خانته الذاكرة، حتى الأحلام أصبحت ماركة غالية، تتلاشى مع اليقظة، سراب في صمت القبور، وكأن أحداثها  أحاطها  طوق من الجدار السميك. ومن خارج الدار تخترق الجدران صدّاح  المارة  في الدربونة الضيقة، حيث يقع  محل ابراهيم في نهاية الزقاق، وهو فلسطيني سوري. ابنته كانت مراهقة جميلة بعينيها العسليتين الواسعتين، وبنيتها الفارعة، ناصعة البياض، رشيقة. يراها أحيانا عندما تخرج إلى المدرسة او عندما تعود منها. والدكان يقع بجوار البيت.
              الحياة دبت في أحشاءه نوعا ما. في البداية كان يشعر بصعوبة ان ينام برخاء ويحاول استدراج النوم ليأتي اليه، لأنه لم يتعود على هذه الحياة العصرية لفترة طويلة ولم يلمس امرأة بعد ان أمضى عمره بين الوديان والجبال الشامخة والمنعزلة عن أي تماس مع التحضر.
              ما ان غطى الليل حتى يشعر المرء بحيوية الحركة في الشوارع والساحات العامة. ذابت ثلوج الحزن والقلق واستوطن الحلم والامل. زال الدم من الطريق ، ولكن بقع حمراء ، آثارها لا زالت باقية على جدران الذاكرة.
                كان ينظر الى السماء فوجدها زرقاء صافية، و اسراب من الطيور تلقي باعلى صوتها اغنية تتناثر الحانها الفضية في الفضاء على هدير نهر بردى، وكأنهما يوحيان بخبر مفاجئ . وبينما عادل عائد عبر الشارع المقابل لنهر بردى الشهير في دمشق من المركز الثقافي السوفيتي الواقع في وسط المدينة، في طريقه إلى البيت والكائن في منطقة  دُمَرْ گازية، مستغرقا تماما في تأملاته الخيالية والرياح راقدة في هدوء ساكن. وإذا بصوت نسائي ناعم يخترق الصمت. كانت هناك اشراقة عذبة تداعب وجهها وتضفي على نظرتها شيئا من الحزن ولكن ثغرها يضيء تفاؤلا :
                 - مرحبا   
                 - مرحبا.
      - ممكن ان تقول لي كيف لي بالذهاب الى مساكن برزة
      - عليك بالذهاب الى الجهة الثانية و تستقلي الحافلة…  وهو يشير بيده باتجاه المحطة.
        وبعد ان أوضح لها عن الطريق في بضع كلمات بلهجته.
        وفجأة قالت مستفسرا :
                - انت من دير الزور .
                - لا ، انا عراقي.
      - أهلا وسهلا . لان دير الزور يتكلمون بنفس اللهجة .
      - نعم.
      - يبدو عليك لست قديما هنا.
      - نعم وصلت الى سوريا قبل ستة أشهر.
      - صعب وبدون عائلة.
      - نعم.
      - ان لم  يضايقك الأمر، إلا ترشدني الى المكان . انا من مدينة درعة.
     - أهلا وسهلا ..  كلًا لا أمانع .
    بعد صمت قصير وهم يمشون جنبا الى جنب. هتفت بصوت خافت ومدت يدها نحوه وقالت مع ابتسامة عريضة :
     - انا اسمي رواء.
     وفعل هو  نفس الشيء وقال :
    - عادل.
   - تشرفنا.
   - اهلا وسهلا.

                رواء شابة في العشرينات من عمرها قصيرة القامة، ممتلئة، شعرها اسود كالفحم، لها بشرة صافية، سمراء كخبز التنور، عنقها بارز، جميل جدا، وتحت الحاجبين تبرز عينان سوداوان، واسعتان وهادئتان. ذقنها مستديرة. اما شفتها العلوية منتفخة قليلا بسبب طقم اسنانها الامامية، لكن اسنانها كانت جديدة لامعة، انفها عريض ولكن ليس كبير، اشبه الى حد ما بالفتيات من جنوب شرق آسيا ، أما جبهتها لا عريضة ولا ضيقة. جسمها رشيق يزينه الثديين البارزين.
             قبل ان يبحر الغسق في عتمة الليل ويتأرجح في نسيم المساء ، كان يشغله فكرة الرجوع الى البيت. اخر حافلة الساعة الحادية عشر مساءً.. كان يخشى ان لا يغيب عن الحافلة الاخيرة إلى دُمَرْ گازية .  والا فانه  سيتعين عليه العودة الى المنزل بسيارة أجرة. وهذا يعني انه بالنتيجة عليه دفع اموال اضافية لا يستطيع تحملها.
                رواء كما لو كانت في مقابلة تلفزيونية وعليها أن تخبره كل شيء عن دقائق حياتها. راحت تتحدث عن نفسها بالتفصيل. انها حامل في الشهر الثالث، وزوجها كان طيارا، وقد توفي بعد سقوط طائرته في دورة تدريبية، وأنها تبحث عن رجل كبير في المخابرات السورية وهو يعيش في مساكن برزة، وانها عانت الكثير من المتاعب بعد الحادثة .
            كانت تقوم بسرد حكايتها بشكل متسلسل ككاتب موهوب قادر على اختيار كلماته. وأمور أخرى كثيرة تتعلق بحياتها الخاصة دون انقطاع. وتموج فكره لايقاعات حنجرتها وهي تبث حكايتها اليومية بنهم. وفي نفس الوقت تابعوا طريقهم باتجاه موقع الحافلات. بينما عادل لم يكن في جعبته ما يثير رغبتها. ربما لم يتاح له الفرصة ليقول شيئا عن نفسه وإن اراد قد يبدو سرده شيء سخيف. هل يقول لها عن سنوات التحدي في مواجهة الموت أم عن حياته الحالية وهو يدور في الشوارع دون هدف، ويعيش في منزل يتقاسمه مع اربعة اخرين. بل كان يفضل نسيان الماضي والخوض في الحاضر والمستقبل. تراجع قليلا وضحك في نفسه. لم يملك حاضره، فكيف له ان يبحر نحو المستقبل الذي لايرى في الافق اي امتداد له. ومع ذلك كان يتمتع بصفة مؤثرة جدا، حيث مظهره الخارجي واسلوبه في الكلام يخلقان بسرعة جوا من الثقة. يجعل النساء ان يشعروا معه بالامان.
               وبينما يشق الاثنان الطريق كانت تتحدث معه وكأنما يعرفان بعضهما البعض منذ وقت طويل. وأثناء محاولة عبور الشارع توقفا لبرهة ومال عادل بجسده قليلا واشرأب عنقه الى الامام، مدّ يده الى الخلف باتجاهها كمن يطلب منها التريث وهو يلقي بنظره يمينا وشمالا ليتاكد من خلو الشارع من السيارات وفوجئ بتلامس راحة يدها بيده الممدودة الى الخلف حتى تشابكا، وكأنما طفلة تخشى ان تضيع في زحمة الطريق. شعر للحظة ان وهج جمرتها قادر على  تحريك الخيوط الصدئة التي ظلت راكدة لسنوات من الإهمال. خيط من الدفء تسرب من كفها ، انساب منه ومض مفعم بولادة علاقة انسانية ورسائل محمومة. وظل شابكا يدها على مدى مسافة الشارع الى الاتجاه الثاني. حرر عادل كفه بهدوء وتصرف بشكل طبيعي وكأن ماحدث لم يكن سوى لحظة عابرة. كان بعيدا عن أساليب الحيل، تصرفاته تنم عن البراءة المطلقة وحسن النية، ويؤثر على عقولهن بملاطفاته الهادئة.
                  وبعد ان  وصلا  إلى المحطة. كان هناك عدد قليل من الناس في انتظار وصول الحافلة . وظل واقفا معها وهما يتبادلان الاحاديث، وفي الاغلب كانت لرواء الصدارة. وعندما ظهر على مدى النظر وصول الحافلة، طلبت منه ان يكمل جميله وان يتابع الطريق معها من أجل البحث سوية عن الشخص المعني في المخابرات ان لم يزعجه الأمر .           
               والحقيقة أثار في نفسه بعض التحفظات وخاصة عندما أفصحت له عن غايتها من الزيارة. كانت ترعبه الأجهزة الأمنية وصيتها. ومع ذلك كان يثيره بعض الشيء ان يخوض غمار هذه المغامرة، علاوة على ذلك كان لدية فائض من الوقت، ولم يتجرأ على الممانعة. لم يعرف دوافعها، ربما بسبب ان الرقة الانثوية ، تُطلق رائحةً تطمئن القلب ويزداد عبقها كلما تسربت عبر مسامات الجسد وتثير الذهن ، أم هي لبوة صغيرة مثيرة للشفقة.
              كانت في الساحة الصغيرة مجموعة قليلة من الناس، سرعان ما امتلأت بحشود كبيرة  تقاطروا باتجاه موقف الحافلة من كل المنافذ المؤدية إليها مع صرخاتهم و قهقهاتهم تصدح في أرجاء المحطة. وصلت الحافلة وتزاحم الناس على الصعود، اصطفا في الطابور، و تحركا بخطوات وئيدة تتناغم مع حركة الآخرين. عادل وقف خلف رواء واضعا يده اليمنى على كتفها  اليمنى، ويخطو مع خطواتها، كما لو انها دليل الطريق. أما رواء لم تبدي اية ممانعة لتلك الحركة.  صعدا الى فناء الحافلة الذي كان مكتظا بالركاب من مختلف الاجناس والاعمار الى مساكن برزة. اتخذا مكانا بمحاذاة النافذة قريب من المقعد الأخير ووقفا هناك، عادل ظهره الى النافذة ويده اليسرى يمسك بالعمود  الممتد في سقف الحافلة وبينما رواء تقف على مسافة شبر من عادل، بعد ان وقفت وجهًا لوجه أمامه، تحركت أوراق هواجسه، فسمع منها حفيفا، بحيث تصل الى احساسه انفاسها الهادئة مع كل هزة تصنعها الحافلة .
        كانت نظراتها قد أيقظت عواطفه وأشواقه التي ظلت راكدة في مستنقع النسيان. ومع كل خاطرة موسيقية تنسل ايقاعاتها عبر خطوط وجدانية فتملأ فضاء الحافلة بعبق وجودهما. رواء شعرت في لحظة انها في كنف v أسره، وهذا الإحساس بات ينمو كلما طالت رفقتهما. عادل دفن مشاعره في اعماقه التي ظلت ساكنة دون ان تطفح على السطح. تجتاحه احيانا فكرة تحطيم هذا الجدار المصطنع لكبريائه المفرطة التي تعيقه من أجل الحصول على غمار اللذة.
           راح يتأمل قسمات وجهها وحركة شفتيها تحوم في الهواء في هذه الرحلة القصيرة الطويلة، وكأنه يدون ملامحها في مخيلته، وبينما هي في حماس شديد للبحث عن اية حكاية لتبقي خيوط التواصل مشدودة. بينما عادل غاص في العمق وذهنه شارد، بعيدا هناك تحت المياه، ودخان النشيج يتبدد في كثافة الضباب. كلما رفعت عينيها والتقت عينيه، اشاح عنها نظره وتظاهر بجدية الاستماع إليها. كان ما شد انتباهه تصاعد تنهداتها كالبخار الحار، وارتفاع صدرها أكثر مما هو اساسا مرتفع. وحيال مرأى هذا المشهد، احس بجلده يقشعر، وكأنه في العراء عاريا في جو جليدي. أسلم نفسه للصدفة مفعما  بشعور ملهم، ولحظات سرمدية.
          هذه اللحظات ربما بثت في نفس الفتاة بهجة الحياة، على عكس عادل الذي لم يتكامل لديه هذا الإحساس المفاجئ، لأن رأسه لم يكن ممتلئا بأفكار خيالية لا تمت بصلة الى الواقع. التجارب السابقة تمخض عنها موقف ثابت في نظرته الى العلاقات الغرامية.. بالرغم ان عادل كان بحاجة ماسة الى تلك العلاقة الانسانية، الا انه لم ير فيها المرأة المثالية أو فتاة أحلامه. انها مجرد نزوة عابرة ونسمات ناثرة تتبدد مع انتهاء دورتها. ربما كان يفكر أن يرتبط بها وخاصة هي كانت على اهبة الاستعداد لذلك، لولا انها كانت متزوجة طيار يرقد تحت التراب  وتبحث عن رجل مخابرات، علاوة على ذلك حامل في الشهر الثالث. وأثناء سير الحافلة واهتزازها، كانت تمسك بذراع عادل بين فينة وأخرى كي لا تتأرجح مع تأرجح الحافلة. وفي احدى المنعطفات الحادة كادت رواء على وشك ان تقع، بادر عادل بجرأة اكبر وذلك بوضع يده على كتفها العاري البعيد ناصع كضوء القمر، وطوقها نحوه، بذريعة مسكها كي لا تقع. هذا الاحتكاك سرب صعقة حميمية الى أوصالها وكأنما نفض عنها الغطاء ليكشف جسدها العاري. لصقت رواء راسها بصدره حتى ترامت اليها دقات قلبه، لم يدم طويلا. حرر عادل قبضته، ارجعت رواء جسدها الى الخلف قليلا مع ثبات قدميها دون حراك. رفعت راسها والتقت عيناهما في نهر من التساؤلات، وقعت نظراته على شفتيها النديتين، وفي هذه اللحظة انزلقت كفها اليمنى في راحته ووضعت راحتها الأخرى على يده بحنان حتى شعر عادل بقبضتها. هذه الحركة أغرقته في بحر من الذهول، وكأنها اخرجته من الازمنة الاخرى وجعلته متيقظا مصحوبا بحيوية المشهد. راح يؤنب نفسه على ممارسة الزهو بدلا من الاندماج في عالم الحب. ولكن ظل متمسكا بشروطه الذاتية في نظرته إلى الامور.
                توقفت الحافلة عند احدى المحطات في مساكن برزة، المنطقة التي كانت محطته الثالثة. عادل ورواء كانا قد وقفا قرب الباب استعدادا للنزول. سمح لها أولا بالترجل من الحافلة  وذهب خلفها. جالا سوية  في الازقة  بحثا عن منزل ظابط في المخابرات ورواء لا تعرف عنه شيئا، بل لم تلتق به سابقا، حتى لا تتخيل كيف يبدو مظهره. ولكن عادل كان له صورة اخرى عنه ، قصير الطول، له شارب ثخين وعريض، وكرش كبير، ومتعجرف. سألت رواء بعض المارة عن خليل عبد السلام، ينادونه : أبو راوية. كانت الإجابات واحدة .. لا نعرف. ودام البحث أكثر من ساعة دون جدوى.
              كانت المصابيح المضاءة من اعمدة المتراصة قد عكست ظلهما على أرض الشارع. وقد أقلقته الاحساسات الثقيلة ، والمخاوف المجنونه، وفتاة يائسة  تنتظر  منه الإنقاذ. وهو يحدق في ساعته القديمة. الوقت يمضي وهي لم تصل الى غايتها. نظر اليها وسيل من العرق المتصبب يتدفق من عنقه وينساب نحو عموده الفقري، وإذا بريح خفيفة تسربت عبر مسامات قميصه فاحدثت في جسده رجفة خفيفة. أحيانآ يشعر الانسان ان شيئا ما ينقصه ولكن يجهل اسبابه، نظراتها اليه وتقربها منه جسديا، ربما لم يكن لهما بُعد عاطفي، وإنما املاء الفراغ الكبير الذي تركه زوجها الراحل في حياتها، لاسيما لم يمض على وفاته سوى ثلاثة أشهر وفقا لبيانها. فهي بحاجة الى مَنْ يزيح عن كاهلها الأحزان المتراكمة. فهي اشارت ايضا من خلال قصتها عن التعامل السيئ معها من قبل عائلة زوجها. كان يعزي أسباب ملامستها له هو احساسها بالامان، احساسها بالحنان وكأنما تريد ان تعبر باللمس عن مشاعرها. كانت جملة من التكهنات قد توالت أفكاره.
             وفجأة وكأن حلقها قد جف وصوتها رانت عليه بحة غريبة. وسمة الخجل ارتسمت على وجهها. تزاحمت الكلمات على لسانها في باديء الأمر. تنفست الصعداء، عادت الى نفسها بعض الثقة وتتابعت كلماتها بانتظام :
               - الوقت متأخر وعليّ البحث يوم غد مجددا.
             وسكتت للحظة وكأنها تريد ان تقول شيئا او تفصح عن امر ، تشعر بثقله.
              واستغل عادل لحظة سكوتها، وسألها إذا هي بحاجة الى مساعدة أخرى.
               هبطت رأسها قليلا وعضت  شفتها السفلى من الداخل و فوجئ بسؤال لم يتوقعه :
           - انت كنت رائعا معي كل الوقت. وشعرت بإحساس جميل بانك انسان طيب وتحب الخير، وهذا الموقف خير مثال على ذلك. هل بإمكاني ان أقضي الليلة معك في بيتك؟.
              وقالت العبارة الأخيرة بصوت خافت.
           أردفت قائلة :
           - عفوا ، لحين يوم غد. لا اعرف احدا في دمشق سوى أبي راوية .
           اجاب عادل بنبرة فيها الاسف:
           - شكرا على اطرائك وانت ايضا كنت رائعة جدا . ولكن مع الأسف انا اعيش مع اربعة اخرين في الدار.
             قالت وبحزن :
          - لا. كنت اتصور تعيش لوحدك. شكرا… على كل حال… احاول ان اجد حلا.
وعانقها عادل بحرارة ، وأحس براحتيها تطوق ظهره بقوة . وقال لها :
           - اتمنى لك حظا سعيدا . الى اللقاء
           كانت عيونها تقول له اريد ان اراك مرة اخرى، لكن عادل كان في عالم آخر. وعاد ادراجه كالشبح يسلك نفس الطريق ، كما فعل قبل عدة ساعات، وانما بعكس الاتجاه، ولكن هذه المرة وحيدا. انتهت رحلة الصداقة في منتصف الطريق وهكذا  افترقوا.

6
هواجس في يقظة الحالم
كفاح الزهاوي
                                 نسمة من هواء البحر لفحت خدوده الندية في غمرة خياله المسافر. قسمات وجهه تعكس عمق التراكمات من الوجع الصارخ عبر سنوات الاغتراب والعزلة. سئم من المتاهات ودروب الانكسار، فعاد بذاكرته الى تلك السنوات القاتمة التي داهمت خيوط أفكاره المشتتة ، فسال لعاب الغدر عبر أخاديد الحياة البائسة ، فيتدفق في قلبه الظامئ ثقل الذكريات المزدحمة بالهموم. تلك الأيام أثارت في نفسه رياح الرعب الى حد اليأس ، فاستبدتْ به رغبة عارمة ، جامحة ، بإطلاق صيحة يائسة تشق جدار الزمن.

                تلك العزلة الأبدية وروحه المنقبضة خلقت لديه شعورا بالوهن ، بطء التفكير والحزن معا. كل محاولاته ذهبت أدراج الرياح في بناء جدار مانع يتحاشى رصاصات الغدر وهي تخترق خوالجه ، فتدوي أزيز الألم في جوف صدره ، فيملأ منحدرات أضلاعه قيح من الوجع. كيف لم ير تلك الصورة الخادعة لها وهي تخبئ وراءها دوافعها الحقيقية ، عيونها الساحرة التي تشع بريق الخيانة من مقلتيها.

              وفجأة بدا له قطرات تنزل على وجنتيه ، فنظر الى السماء فاستحال السحاب. اختلطت عليه معايير الألوان والهواجس المليئة بالمعاني الحزينة ، فأنتجت منه بركانا ثائراً على ذاته والزمن.

               كانوا معا يحلمون بعالم منزوع من كل أنواع التعقيد والهموم ، مجرد من شوائب الاسى ، تمنحهم الأمل والهدوء ، والحانا تصدح طربا مع إيقاعات الناي تحت ضوء القمر في ليلة سرمدية . وعلى الشواطيء الهادئة تنبهر الرؤية الى تلك المناظر المذهلة من حشد السفن الشراعية بمختلف ألوانها تتراقص في تناغم مع دوي امواج البحر. الشمس تلقي بأشعتها على السهول المنبسطة ، تداعب ببريقها البحر ، وطير النورس واضعا بطنه على الموجة ، يصعد ، ويهبط معها متلذذا بالسعادة والبهجة اللامتناهية.

                 مرت عليه سنوات من المعاناة ، ايام و ليالٍ قاسية. فأطلق ساقيه للريح متوجهاً نحو المجهول ، ذلك الفراغ الواسع و المتلاطم بشلالات الحزن تنساب على الأرض جداولها . لم يجد سبيلا في الخلاص من هذا الكابوس اللعين الذي أناخ على صدره طوال الليل ، يتأمل العينين وهما تشعان لهيبا يتحدى. كان يجد في نظرتها قوة صامتة تحاول إذلاله. واستمر يسير في الطريق ، يشق في احشائه عباب بحر من الظلام ، بل كلمات ترن في رأسه ثائرة عنيفة. سرعان ما استقرت قدماه على أرض الجسر توقف في وسطه لبرهة ، وكأن الأرض توقفت عن الدوران. تقدم نحو سياجه بخطى وئيدة ، حزينة ، كأن قسوة الزمن قد وسعت المسافات بسنوات ضوئية.
            مال بجسده قليلا ، استند بمرفقيه على الجزء العلوي من السياج. دفن وجهه في راحة كفيه وغاص في لجة الفكر ، شارد الذهن ، و نار الحزن تزداد سعيرا في خلجان صدره ، تنساب على جدران قلبه فيحترق ، والدم فيه يغلي ، فيطلق للعذاب عنانه ، يتسرب على مهل الى جسد الذاكرة. فتعود به إلى أيام الصبا.

                 ظل ذكرى الطفولة ، يلاحقه شعور جارف باللاجدوى ويرهق أفكاره. انتابه هاجس مزعج بعزلته في فضاء مأزوم يقف الانسان فيه عاريا بلا ارادة في دائرة الانغلاق ، محاطا بسور من الاسلاك الشائكة وحيدا ، مستسلما أمام ذلك السراب القادم من غياهب النسيان ، ليضيف على هواجسه شعورا أكثر فجاعة .

                كان الليل أَسْحَم عندما هرب من دار الايتام ، وقضى جل سنوات عمره بين الأزقة ودرابين الضياع . يبحث تحت الأنقاض في دهاليز الظلام عن النور ، عن تلك الحلقة التي اضاعت منه بوصلة النجاة ، ومن جراء ذلك اضحى مسار حياته مشوشا. أفرزت لحظات البؤس الحقيقية التي رست على مرافئ الحياة في غمرة الجوع والحرمان ، مكامن مدفونة. تذكر لحظة الفراق ، حتى امتلأت عيناه بالدموع وهو يرى من بين الأشجار الكثيفة وجه حبيبته ، كلوحة سوداء متخم بالاهات. هناك مصطلحات وكلمات جوفاء يقدسها الإنسان الى حد الملل و يكتشف بعدها ان للحب المقدس أسنان حادة تنهش الجسد.

               انسان التبست عليه مضامين الكلمات في معمعة الخيبات ، وانهاك البصيرة. غاب نفسه عن الإدراك ، وتضاعفت غشاوة الفكر وعتمة التقييم في الممارسة عن كيفية اتخاذ موقفا صارما من حريته ، فانتجت فكرتين : بين ان يكون حرا ممتزجا بالخوف والتردد أو ان يكون حرا دون رقيب . ولكن قرر ان يمضي في سبيله من أجل تحقيق هدفه دون تراجع والا تكون حريته ناقصة.

              كانت ندفات الثلج تنهمر مدرارا فتسقط على معطفه وتتجمع على شعره الأسود ، المجعد ، الكثيف ، وكأن الشيب قد غزا رأسه على حين غرة. الأضواء المنبعثة من أعمدة الشارع تنشر نورا باهتا وكأنما تتضامن مع أوجاعه. ذلك الشارع الذي قضى فيه ساعات من الإملاق والعوز، ساعات الانتظار للحصول على رغيف من الحنان ودفء القلب. رفع عينيه الى السماء. تخيل له بلورات الثلج المتساقطة كأنها دموعه المتجمدة في مقلتيه. وفجأة تراءى أمام ناظريه ذلك الطفل البريء وحيدا وسط الزحام ، في صمت مطبق ، حتى الاشجار هزلت اوراقها ، واشتد الضباب كثافة ، وبدا للعالم منظر البحر رتيبا مروعا ، يقذف بالسفن يمينا وشمالا ، والغيوم تتكاثر وكأنها في حرب قائمة مع الأرض. انبجست الدموع من عينيه السوداويين وراحت تسقط إلى الأسفل تحمل معها اوجاع الماضي الجريح ، وصعقات القلب ، لتختلط مع الثلوج الجاثمة على الأرض. كان صدى كلماته يرن في أعماق جوفه :
العالم طلسم ، ما اشد غموضه .


               وبينما قلبه يملؤه الحزن ، تناثرت السماء بالنجوم ، كان بوده ان يتشرب من بريق أنوارها حتى الارتواء ، كي تطفئ غليله ، تنتشله من عبء الجسد الثقيل المتسربل بوهم الخوف والوجس. احس بضيق التنفس وصعوبة التركيز. ضاقت به الحياة ومتاعبها .بل أصبحت أكثر سوداوية ، كألاطياف  السوداء التي ترسمها الأشجار في الظلمة ، تخفي في باطنها طموحات محبطة.

                المدينة ضربتها عاصفة هوجاء اغرقتها بأمطار غزيرة منذ يوم أمس ، وتوقفت عن الهطول قليلا في اليوم التالي أثناء النهار. ولكن الطقس بقي على حاله سيئا للغاية ، يحمل معه برودة الجبال التي تحتضن الثلوج على قممها ، كثافة الضباب جعلت من الرؤية شبه مستحيلة. وفي تلاطم هذا البحر من الفوضى المناخية ، ادى الى وقوع حادث مفاجيء ، حيث اصطدمت السيارة بشجرة البلوط الواقفة على الرصيف ، وتدحرجت بعدها نحو الحفرة الكائنة على جانب الطريق . حصل كل ذلك في لمح البصر. هرع الناس الى موقع الحادث وتجمعوا حول السيارة في محاولات جادة من أجل إخلاء المصابين وانقاذهم. القلق يساور البعض من منطلق انساني ، الجموع حاولوا فتح الأبواب.

               كانت الدماء قد تناثرت من وجوه القابعين في فناء السيارة ، وكأنها أحد المشاهد في افلام الاكشن الامريكية. والصمت قد خيم عليهم ، يخترقه صوت طفل بريء يبكي وهو في حالة صدمة و ينادي على امه :
ماما… ماما.
                اندفع من بين الجموع شاب بحماس لا متناهي عندما سمع صوت بكاء طفل باتجاه السيارة ومسك مقبض الباب الخلفي وسحبه بقوة . ما ان فتح الباب ، دخل الى جوف السيارة ، صار بظهر الطفل ، من خلف المقعد فتح حزام الأمان ، دفع رأس الطفل قليلا الى الأمام بكفه ، ومرر يديه من الخلف وامسكه بثبات من تحت منكبي الطفل وسحبه نحوه بجره من فوق مسند المقعد ، ثم حمله إلى الخارج.
 
                باسم طفل في السادسة من عمره كان يجلس على الكرسي في المقعد الخلفي من سيارة الجيب الخضراء. والده لقي حتفه مباشرة وهو غارق في بركة من دمائه ، كان رأسه مفتوحا وجزء من مخه ظاهر من صلعته. أما والدته كانت تتنفس ، ووجها مضرج بالدم وتحول بلوزها الأبيض إلى لون أحمر . سارع رجل على مقربة من الحادث يرتدي حلة سوداء نحو السيارة وأخرجها منها وبمساعدة رجلين اخرين بعد ان فتح بابها بصعوبة بالغة ووضعوها ممددة على الرصيف. بينما قام رجل آخر بوضع سترته تحت رأسها كوسادة ، دخلت في صدمة شديدة وعيناها محدقتان دون ان تعرف ماذا حدث . اخذت نبضات قلبها تزداد ضرباتها وتطلق الزفير بقوة والجسد يرتجف. ثم انخفضت تنهداتها. وصلت ثلاث سيارات الإسعاف إلى مكان الحادث وكذلك سيارتين للشرطة. تقدم رجل وهو يحمل الطفل باسم ، هو ذات الشخص الذي سحبه من السيارة قبل وصول سيارات الإنقاذ. وسلمه الى رجل الإسعاف ، بينما وجدوا والده قد فارق الحياة. وحال ان وصلت سيارة الاسعاف الى مكان الحادث ، حملوا والدة باسم إلى داخل السيارة مباشرة. وجرت محاولات حثيثة من اجل انقاذها ولكن فارقت الحياة وهم في طريقهم إلى المستشفى بسبب نزيف داخلي في الدماغ.

                وفي مركز الشرطة كانت امرأة لطيفة ، شعرها اسود قصير ، تملك من تحت حاجبيها الانيقتين عينين عسليتين . وترتدي بدلة جميلة ، أزرق اللون ، تجلس على الكرسي المقابل للضابط الذي كان حليقا وحريصا على هندامه وإظهار هيبته ووقاره أمامها. رحب بها
أهلا بك ، انا اسمي سالم ، الضابط المسؤول عن المخفر.
أجابته بابتسامة لطيفة :
شكرا لك. وانا اسمي ناهدة ، أعمل كباحثة الاجتماعية
نعم اعرف .أمس في وقت المغرب ، وقع حادث سيارة مؤسف لعائلة تسبب في فقدان الناس حياتهم. تتكون الأسرة من والدين وطفل عمره ست سنوات.
وما ان ذكر الضابط بأن الوالدين قد فارقا الحياة حتى بدت علامات الحزن ترسم ملامحها على وجه ناهدة. التي لم تستطع الانتظار :
والطفل ماذا حصل له.
أجابها الضابط :
لذلك أرسلنا في طلبك. الطفل بصحة جيدة ، وهو الآن في المستشفى. ولكن يبكي وينادي على امه. و هو بحاجة الى رعاية واهتمام.
قالت ناهدة :
نعم هذا واجبنا .
قال الضابط :
لنذهب سوية لكي تلتقين بالطفل ونقوم بالإجراءات اللازمة... وأضاف :
الطفل اسمه باسم.
فتح الضابط الباب ومد يده الى الإمام وقال :
تفضلي سيدتي.
أومأت ناهدة برأسها مع ابتسامة مصطنعة تعبيرا عن شكرها دون ان تنبس بكلمة .

                 ترك الاثنان مركز الشرطة ، ساروا باتجاه الساحة الصغيرة الكائنة خلف البناية التابعة للشرطة حيث موقف للسيارات المخصصة لهم الذي يتسع لسيارتين فقط.
                    السماء قد تلبدت بالغيوم. استقلوا السيارة وانطلقوا مع الريح صوب المستشفى. بدأت السماء تسكب دموعها على الأرض .غلب الصمت على اجواء السيارة .كان بمقدورهم ان يسمعوا وقع قطرات المطر على الزجاجة الامامية ، وهدير الماسحة. توقفت السيارة في احدى مواقف المخصصة الواقعة أمام المستشفى. خرجوا من السيارة باتجاه البوابة الرئيسية ودخلوا الى فناء المستشفى. وفي استعلامات المستشفى استقبلتهم موظفة شابة بابتسامة عريضة .ثم ارسلتهم الى الطبيب المشرف على باسم. . وبعد ان تمت الإجراءات المطلوبة . أرسل بعدها باسم الى دار الايتام.

                    دار الايتام يقع خارج المدينة بمسافة عشرة دقائق عن المركز ، في منطقة خضراء جميلة بطبيعتها ، تميزها وجود بحيرة كبيرة التي تقع خلف الدار. يتكون من طابقين ، فيها غرف مخصصة للترفيه. ولكن محتوياتها قديمة ، بحيث لا تشجع على جذب الأولاد اليها. غرفة المكتبة التي كانت تحوي على قصص وروايات ، الوحيدة التي كانت منارة اشعاع لباسم. كل خمسة اطفال ينامون في غرفة كبيرة على شكل قاعة ، نوافذها تطل على البحيرة. أما المطبخ وغرفة الموظفين والصالة تقع في الطابق الأرضي . وفي الطابق الثاني كانت هناك غرفتان نوم صغيرة للعاملين ، تحدها ممر صغير باتجاه غرف الاطفال ، مؤثثة للراحة ليلا. في دار الأيتام والتي ضمت في اروقتها عشرة أولاد صغار باختلاف أعمارهم. وقد اضناهم السقم ، وعلا وجوههم الشحوب ، والهموم اجتاحت جباههم ، وعيونهم ضعفت وأصبحت غائرة ، وكأن المجاعة قد ابتلعتهم بسبب حصار اقتصادي. كانت لديهم قواعد وشروط قاسية في متابعة الأولاد. احيانا كثيرة تعزى أسباب تمرد بعض الأطفال بسبب تلك القسوة. لا تتلمس معايير صحيحة في التربية ، فهي اشبه بالثكنات العسكرية تنم على الأوامر.

                 باسم كان قد بلغ الحادية عشرة من عمره ،قسمات وجهه تفيض بالبراءة ، قليل الكلام ، مظهره يوحي بانه خجول ، طوله لا يتناسب مع عمره ، طويل القامة قليلا. يحب الرسم. يتمتع بابداع متميز. له موهبة عظيمة في تصوير الأشياء ووضعها بريشته البسيطة على الورقة البيضاء. أذهل المعلمين بقدراته . كانت لوحاته حزينة تتجلى فيها الكآبة المغروسه في أحشائه الصغيرة.  كان شغوفا بالقراءة وملهما بالغوص في أعماق الكتب رغم صغر سنه. بعض العاملين في دار الأيتام لم يهتموا كثيرا بمعاناة باسم ، بل احيانا كثيرة تثير في نفوسهم الاشمئزاز وحالات النفور.

                 باسم خلال مكوثه الطويل في هذا الدهليز كما فضّل هو ان يسميه دائما كلما تردد اسم الملجأ في سياق الحديث ويتفوه به أمام صديقه المفضل مهند ، الذي يَكنْ لباسم مودة خالصة ، لم يرّب على القيم والحب ، وإنما عامل الخوف والغموض كان لهما حضور متميز في هذا المكان المكبوت. كانت تربيتهم تتصف بانعدام النوعية ، يتعاملون معهم بنفس المقاس. كانت حالة رديئة مزرية. التعليمات الصارمة دفعته الى خلق حالة من التمرد الداخلي والتعنت . مما اغاض البعض من العاملين منه ، ان يدفعهم إلى استخدام العنف الجسدي.

              كان باسم يختلف يوميا الى تلك البحيرة الواقعة على محيط الملجأ ليمتع ناظريه بجمال الطيور وهي تسبح على سطح الماء ، تصعد وتهبط . وينبعث من الأشجار المتراصة شذى حلو يملأ صدره بهذا الاريج ، ومن بعيد ايقظ في نفسه صوت الناي يصدح طربا ينقله الى عالم الخيال في فضاء رحب يطير ويطير لا يطوله بشر. عاش سبع سنوات جحاف من عمره في هذه البقعة المنسية من الأرض. شاهد مئات الطيور وهي تهبط على البحيرة وتنتشر على محيطها يوميا وكأن تلك المساحة عبارة عن مدرجات الهبوط.. يبقى باسم مبهورا أمام حيوية المشهد وبهاء حضوره.

            رحيم  موظف في أربعينيات من عمره . قصير القامة. مشعث الشعر ، أنفه ضخم ، سنحته غير لطيفة. شديد الغضب ، ووجهه ممتلئا بالندوب. في احدى الايام كان يعمل في نوبة ليلية. وبينما رحيم على وشك ان يستلقي في فراشه بعد منتصف الليل ، بلغ الى سمعه صراخا عنيفا أعقبته بكاء شديد على هيئة هيستريا. قفز رحيم من مضجعه ولبس الشحاطة وخرج مسرعا من غرفته متوجها نحو مصدر الصوت. عندما فتح الباب شاهد باسم وهو يعض البطانية بأسنانه ، لم يستطع تحمل بكاءه . دخل رحيم الى الغرفة وسحبه بقوة من مضجعه ودون الاخذ بنظر الاعتبار عن أسباب بكائه ، وادخله الى غرفته بعنف. و أسارير الفزع والصدمة رسمت معالمها على قسمات وجه الطفل ، وهو يتلقى من الرجل لطمة على خده هز كيانه. بحيث تحول شكل الغرفة أمام ناظريه الى خيمة قاتمة . وزمجر بوجه الطفل :
- لو صرخت مرة اخرى وايقظت بقية الأطفال ، سوف لن يحصل معك طيب.

             عاد باسم الذي كان يعيش حلما مخيفا عن الحادث الى الغرفة ولاذ الى السرير ودس رأسه تحت الغطاء ولم يبرحهه ، كأنه يحمي جسده خلف جدار محصن ، فيبعث في نفسه الامان. كانت نظراته عنيفة ، عاتية ، تعبر عن غضبه واشمئزازه. أطبق جفنيه وضغط عليهما بأصابعه محاولا ان يمحو ذلك المنظر الذي ظل مطبوعا في مخيلته .

              ظل باسم في حالة ارق مؤلم ، لم يغمض له جفن طوال الليل ، يتقلب ويتلوى ، والإهانة تجتاحه كالزنابير اللادغة تقرصه إلى حد العذاب ، و كأن شتاء عاصف وعلى حين غرة ارسله زيوس ، الالهة اليونانية ، فينزلق فوق عالمه المحطم كانهيار الثلوج. يبلغ صوت رحيم الى سمعه على شكل صراخ ، كأنه كلب سائب يعوي طوال الليل ، فيزيد من ثقل سواده. شعر بحالة احباط قاسٍ ، وظل يرن في رأسه هدير الصدمة بسبب لطمة رحيم على وجهه بكفه الغليظ . اخفى وجهه في الوسادة وراح يقي رأسه كمن يصد عن نفسه مزيد من الضربات ، وغاص في لجة الفكر ، تمنى لو كان صماء ولم يسمع صوته القبيح . دقات الساعة المعلقة على حائط الغرفة تؤرقه ، وكأن قطرات الماء تسقط من السقف على نقطة ثابتة في رأسه وهو في غرفة مظلمة. الأحلام و كوابيسها أصبحت شيئا واقعيا يعيشها يوميا. بل ترافقه كظله. كانت ساعات الليل تتحرك ببطء شديد ، كسلحفاة عليها قطع مسافة مئة كيلومتر.

               انتفخت مقلتيه ، بعد ان أغرقتها الدموع . ران الكرى في عينيه ، لم يجرأ ان يسدل ستار الجفن خشية ان ينام ويرى ذلك الحلم المخيف ثانية ويصرخ مجددا : مزقت الشمس الغيوم وظهرت ناعمة ، عذبة ، كان باسم جالسا في حضن والده وهو يقود السيارة ، ويمسك المقود والفرح يشع من وجنتيه ، وبينما اشاح والده عنه للحظة وهو يرسل نظراته عبر نافذة السيارة الى تلك البيوت المتسلقة على سفوح الجبل. اشار باصبعه نحو ذلك المنظر فترك المقود. أدار باسم السيارة إلى جانب الطريق وتدحرجت في عمق الوادي. الأمر الذي أفزعه وقاده الى الصراخ. حرك ذاك الحلم ذكراهم في داخله ، وهو في غمرة التفكير نزلت قطرات الدمع من مقلتيه ، وكأنه يود غرق هذا العالم البائس ، عالم تجتاحه الانانية ، والفردية ، والقسوة ، والظلم الإنساني.

               غاص في عمق الذاكرة يتأمل صورة والديه وقد قضى نحبهما في تلك الحادثة المشؤومة. أمه كانت امرأة شابة ، ممشوقة القوام ، شعرها اسود جميل ، وعلى وجهها ترتسم ابتسامة رقيقة على الدوام. كانت بمثابة البسمة الدائمة ، الحنان ، خضرة الروح ودفء الامل. أما ابوه ، كان طويل القامة ، شعره قصير ، وله صلعة بارزة من الخلف ، جبهته عريضة ، وسيم الوجه ، كان يضع نظارة على عينيه كلما شرع في القراءة. كان يتخيلهم وهم ينادون باسمه في زحمة الضباب الكثيف ، يحدق فيهما ليتاكد من أنهما ما زالا يتنفسان ، وإذا بهما يبتعدان وارتفع جثتهما عن الأرض ، كان يرى قدماهما قد حلقا في الهواء ، وكأن فوهات الريح تسحبهما و تحاول ابتلاعهما في تلك الهوة العميقة .وبعدها تواروا عن الأنظار .كان يلتقط عبر تلك المسافات أمواج من رسائل الاطمئنان ، لم يتذكر جيدا ما الذي حصل؟ ، لماذا لم يلتحق بوالديه؟. لماذا تركوه لوحده ، أسيرا لذاته؟. ينتابه شعور بأنه يقف دون سند. كان الأهل بمثابة سور منيع يحميه من التصدعات. كان يتجنب تلك الأماكن المزدحمة والتي تعج بالضجيج . يقلب مزاجه ويذكره ببقايا الزمن القديم ولحظات الوداع الابدي.

                  ما ان بدأت تباشير الصباح عن إعلانها ، تخللت خيوط أشعة الشمس عبر نافذة الغرفة لتسقط على سريره. كانت تبدو كقوس قزح من خلف الزجاج بالوانه المتعددة ، تلقي بريقها تساؤلات على حزنه. قفز باسم من مضجعه ليزيح عن كاهله ثقل الأرض ، ويلقي نظرة على تجمعات الطيور في ذلك الصباح. كان يقف على شرفة الغرفة وينظر الى البحيرة الواقعة خلف دار الايتام ، تتألق بصفاء مائها ، تجذب طيور البجع إليها ، تحلق في سرب متناسق بإيقاعات موسيقية تعكس ظلالها على زجاج النافذة ، يشعر وكأنه طير في وسطهم يتحلق مع تلك الطيور.

                  كانت إدارة الملجأ تسمح لباسم في أيام العطلة و بمرافقة أحد العاملين لزيارة المقبرة ، ذلك المكان الذي يرقد والديه الى الابد. كان يجلس القرفصاء ويدفن وجهه في باطن كفية وينفجر بالبكاء. وفي هذه اللحظة استولى الحقد عليه استيلاءا وناله الشعور بالوحدة القاتلة في وادي عميق ، هبت عاصفة ثلجية ملأت فناءه بالثلوج ، ويبدو إمكانية القضاء عليه بات قاب قوسين أو أدنى. ومع كل صرخة يرتطم الصدى بالسفوح الجبلية ، تنهار المزيد من الثلوج لتدفن كل ما هو حي. وفي احدى زياراته الى المقبرة ، طلب من العامل ان يبتعد عنه ويتركه لوحده مع والديه كي يتحدث إليهم. دنا العامل جانبا وتركه وشأنه.
قال وهو يجهش بالبكاء :
- لماذا تركتموني لوحدي في هذا العالم الموحش؟. لماذا لم تاخذوني معكم ؟. هنا لا يستطيعون تعويض حبكم لي. انهم يضربونني يا أبي. فانا اكن لهم كرها شديدا.
توقف قليلا ونظر الى قبر امه والالم يعتصر جميع اوصاله:
- وانت يا امي العزيزة . قلت لي لن اتركك لحظة واحدة حتى تكبر وتصبح رجلا ، وانا اقول لا ، اريد ان ابقى طفلا ، لكي لا اتعب مثل والدي ، ولكن يا امي اليوم ، اتمنى ان يمضي الزمن بسرعة كي اكون رجلا مثل ابي ، انا لا اطيق هذا المكان. الان عمري احد عشرة سنة واشعر وكأن ثقل الجبال جاثم على رأسي. كم تمنيت ان أكون معك الآن يا أمي.
كان العامل ينظر إليه من بعيد. ولاحظ شدة البكاء والشجن على وجه باسم. تقدم باتجاهه ونادى عليه من أجل العودة الى الملجأ.


                 كانت ثمة عالم كامل يتبدى له ، مصنوع  من الرفض ،  يعتقد ان الإنسان يتسم في كثير من الأحيان بالضعف والخوف من المجهول ، وهذا التراكم الكمي تجمع بفعل التأثير الخارجي المغلوب عليه ، مما يولد لديه حالة من الجبن أو التردد من خيبة الأمل ، من الظلم ، يرعبه عالم الحرية ، وقدرته على المواجهة الحقيقية  في ازاحة كثافة الغيوم السوداء في السماء وتمزيق أثوابها اربا اربا. ان ينسلخ عن ذاته ويصبح سيد قراره.  استمد شجاعته ونال بعضا من قوته ، وهو يقرأ كتاب عن العبيد و خنوعهم أمام أسيادهم البيض ، هؤلاء العبيد كانوا يعيشون تحت ظروف قاسية ، ومعاناة جمة . لا يملكون أي شيء حتى جسدهم مُلك لمعبوديهم. وفي احدى الليالي وفي غفلة من الحراس ، يتمكن أحدهم من كسر قيود العبودية ، يتسلق الجبال ، ويجتاز المروج الجبلية ، ويتحدى العواصف الثلجية ويعاكس الرياح وهي تواجهه كالمارد الأبيض ، ويهرب إلى عالم الحرية ، عالم يتنفس فيه هواء صاف ، عليل ، كروح نقية. رغم صعوبة الاهوال الا ان الثمن الذي حصل عليه فاق ما كان يحصل عليه من خلال كسرة خبز تحت  ضربات السياط. كان يعتقد ان هؤلاء المسؤولين والمشرفين في أسوار الملجأ يتجشمون طاقات الأطفال ، بل يساهمون في تدمير قابلياتهم وكظم عجلة التطور فيهم . الحياة تخبئ في ثناياها خفايا مثيرة ومتشعبة. والعشب لها ألوان متعددة  قد تغطي مساحة واسعة وفي لحظة تتحول الى اللامفيد قد تسبب كارثة.

             في احدى ليالي الربيع ، والغيوم المتفرقة في السماء ،  قد هربت ومنحت القمر فرصتها للظهور. باسم يتذكر ذلك اليوم جيدا كان يوم عطلة الأسبوع ، وهو يوم زياراته الروتينية الى المقبرة. تحدث الى والديه عن قراره التي صمم على تنفيذه في هذه الليلة والالم يعتصر كل جوانحه. لم يدرك احد معاناة هذا الطفل . وبينما كان الوقت مساءًا والظلام مخيما ، هو ذات اليوم الذي قرر باسم الهروب  من دار الايتام بعد ان أنعم النظر في الأمر مليا وترك كل شيء خلفه وعاش منذ ذلك الحين في الشارع . عندها كان قد بلغ الثالثة عشر من العمر.  بدأت بذرات المراهقة تنمو في أحشائه رويدا رويدا. ونضوجه الفكري قطع بعض الأشواط من مراحله .أراد بعمله هذا ان يحطم سطوتهم وكبرياءهم المفرطة. أمضى سنوات حياة المراهقة في ظل العوز والفاقة.


                كان الروتين اليومي الدارج في هذا الملجأ ، ان يقوم العاملين بتفتيش يومي للغرف والقاعات كل مساء. هاجر امرأة عانس متقدمة في السن ، على وشك التقاعد ، قسمات وجهها قاسية ، صوتها غير نسائي اقرب الى صوت رجل طاعن في السن . وهذا ما يخيف الأولاد وخاصة عندما تستولي عليها حالات عصبية غير مبررة واحيانا تنفجر لأشياء تافهة. وهي احدى العاملات في ذلك الملجأ . هاجر تفتح باب الغرف و تدخل خلسة اليها لتطمئن على ان الجميع ، قد غاب في نوم عميق في اسرّتِهم مندثرين بالأغطية.  لم تكن لوحدها في تلك الليلة ، حيث  شاركها العمل امرأة اخرى في الخمسينيات من عمرها ولكن تبدو أكبر من هذا العمر بسبب كثرة الأخاديد المرسومة على بشرة وجهها وغور خدودها. مكثت في الغرفة ولم تخرج.

                  رغم ان هاجر امرأة طاعنة في السن إلا انها كانت تدخن باسراف ، كأنها مدخنة موقد قديم. راحت تلقي نظرة ، كما يفعل الجميع كجزء من واجبهم الروتيني ، لم تعر اهتماماً كبيرا  وخرجت مباشرة من القاعة الى حديقة البيت ، دون ان تقفل الباب ، وبعدها دلفت الى خلف البناية كي تستنشق دخان سيجارته من النوع التبغ الرديء ، يتلمس المرء اثار الاضرار الناتجة من افراطها للتدخين في اسنانها المسوسة واللون الصفراء ، والرائحة الكريهة التي تفوح من فمها ، وتراكم البقع البنية الداكنة في الفراغات التي بين الأسنان وفي الأجزاء الخلفية منها. وكانت تتصف بعلامة سيئة ، تتطاير بعض اللعاب من فمها اثناء الحديث ، وتتحول الى رذاذ كلما تصاعدت حدة عصبيتها. بينما العاملة الثانية كانت في غرفتها مشغولة بقراءة التقارير عن مجمل ما دار أثناء نوبة النهار.

                    استطاع باسم في هذا الوقت ان يترك الدار ، وان يستغل خروج هاجر في هذا الوقت ، التي تعودت ان تقوم بهذه الأشياء كلما شرعت بعملها الليلي ويبدو ان باسم كان يلاحظ ذلك. باسم قام ببعض الإجراءات الاحترازية ، حيث وضع  الوسادة تحت الغطاء ليوهم القادم عن اختفائه ، باسم خطط للهروب منذ ان شعر ان الوان وطعم الحياة قد اختفت بعد ان فقد حنان الوالدين. واغصان النباتات قد وهنت عروقها وتراخت حتى فقدت قدرتها على الوقوف باستقامة ، فقد تقوست و انطرحت على الأرض مُستَسلِمة، كما لو كانت في حلبة المصارعة. كان يعيش رغم الجموع حوله بالعزلة والانفراد. كان ذكيا في المدرسة ولكن مهموما ، كئيبا. خرج خلسة من الباب واعاده الى حالتها السابقة لكي لا يثير انتباه العاملين.  كان يسرع الخطى ويتلفت يمينا ويسارا خشية من ان يكون احد في أعقابه و يكتشف أمره.  وفي غمرة الخوف والشعور الفطري بالخطر ، يحاول ان ينفض عن نفسه  فتور السكينة . رغم سوداوية الحياة إلا انها لم تنل من تعبه ، رغم الاعياء والظمأ والجوع الا انه وقف منتصبا ، واثقا على تجاوز هذه المرحلة..             

                    انتابته مشاعر غريبة أثناء وجوده خارج أسوار الملجأ دون رقيب ، كنسمة رقيقة ومنعشة مرت على عالمه الحر. فقدته القدرة على الشعور بالحزن ولو لبرهة . صار متشردا ،  يهيم في متاهات المدينة ، ذهب ولا يلوي على أحد وسط الشوارع  لم تصادف ان مر بها ، يبحث في النفايات ويدور على المحلات ، عمل على مرافئ السفن ، يقوم بحمل البضائع من اجل قروش يكفي لشراء رغيف خبز ، كي يقتل فقر الجوع ويسد رمقه. كان يرى الأشياء وهو يسير في الأحياء القذرة ببيوتها الصغيرة ، القديمة بمنظرها المهترئ وشبابيكها المرقعة ، تطل أغلبيتها على رصيف الشارع  وكأنها جحور الحيوانات الصغيرة . أما الأزقة الضيقة ، فكانت اكثر الأحياء بؤسا وتعج دائما بالضجيج والازدحام وتتكوم أعداد من الأطفال وهم يقضون أوقاتهم في ذلك المجال الصغير باللعب وقضاء الوقت والمشاجرات احيانا  . ومن مداخل تلك الأبواب المعتمة تتناهى الى السمع صيحات غضبى بسبب الشجار على أمور تافه  او طفل لم يذعن الى أوامر الكبار .

7
المنبر الحر / دهاليز الذاكرة
« في: 18:57 04/11/2019  »

دهاليز الذاكرة

    كفاح الزهاوي
    بدأت استار الليل تهبط رويدا رويدا، والغرفة مظلمة قليلا في هذا الوقت من الغسق. أخذت أصوات زقزقات العصافير تسكن شيئا فشيئا  في عتمة الليل وتختفي من الأفق، وتوارت عن الأنظار واختبأت في مضاجعها لتأخذ قسطا من الراحة في أعشاشها،بينما نشيج الثكالى تقذف من عمق الفؤاد تراتيل من الهموم لتسكن في أعماق الجروح معلنة عن وجودها، باعثة على الأسى في مثل هذه الكوة المظلمة.
      تلك الذكريات المشؤومة قد ترسبت عبر سنين مضت في قلبه الواجف والتي كادت ان تهدم جدران الأمل. على حين فجأة انبجست الدموع من عينيه وبدأت الأفكار تتلاحق وتتغير في حقائب الذاكرة  مبعثرة الأجزاء متخلخلة الروابط بسبب المشاعر المتصادمة في بحر المعاناة.
     كانت تلك المناظر البائسة تمر كشريط السينما أمام ناظريه ظنا منه أن الالوان قد نضت وباتت سوداء معتمة والوجوه جهمت من شدة الكآبة وتعذيب الذات، حيث تراءت للمرء اشباح تطلق صرخات حادة أقرب الى الهذيان مجسدة لوحة تعبر عن كارثة انسانية تؤلمه الى حد العذاب، حد الرعب، حد الانكسار. يكاد ان يفقد خيوط النور المتبقي من راسية الزمن التي اصبحت ارض هشة على شفا حافة الانهيار وهاوية متباعدة أقرب الى العدم.
      كان يدخل في صراع مع اليأس الذي ينهش خلايا طموحاته ويبدد اماله التي طالما جاهد في سبيلها كي لا تفلت بقايا المتناثرة من ثمار الانسانية من دهاليز أفكاره، ان لا يتحول الى وحش كاسر، قذر ضعيف غير متماسك ويخسر كل شيء.شعوره بالوهن جعل بصره مكسوة بغشاوة غير قادر لرؤية دقائق الحياة في وضح النهار.
         كان يشعر بطعم الهزيمة المرة في ذاته المتأصل بالإحباط. احاسيسه المتارجحة اضحت قاربا تتماوج وسط تلاطم الامواج وعواصف بحرية هائجة لا تسمعه اصوات النجاة.كان يسعى الى تفتيت عقد الاغلال ليخرج من عزلته الى الضوء هناك يرى التكامل في نظرته الناقصة الى العالم.
        حكايات الماضي تؤلمه دون أن يعرف أسبابها، يعيشها دون أن يدرك تفاصيلها .انه يمشي على خيط رفيع في عمق الذاكرة تعيده الى أحلام الطفولة المنسية.
         ساعات الزمن  تتسابق الى الأمام ما لبثت أن  تبددت بسرعة في غمار الصراع مع تناقضات الحياة. كان يطمح أن يرى هذا العالم العقلاني قد انتهى من تعذيبه واستمراره في معاناة الإنسان, أن ينتشله نشوة النجوم نحو فضاء الحرية من ثقل الهموم وان يرى بضيائها الأشجار الواقفة تعكس ظلالها على الأرض.
     أراد أن يفتح فمه ليقول ما يخبئها الدهر من آلام  ولكن قدرته خانته على المواصلة فأمسك عن الكلام مما زاد من شدة حزنه حتى احس انه فقد قواه في مواجهة العالم .
    كان يتفرس في العيون التي تقدح شرّا. حاول ان يدرك ما فاته من الاحداث ربما كأن شيئا غامضا لم يفهمه ويحاول الغوص في أعماقه. كانت عيناه جاحظتين الى حد الانفجار وكأنه يصعب عليه الرؤية ، انه تعبير عن العجز في كبح جماح نفسه.
                                                                   


8
المنبر الحر / هواجس كئيبة
« في: 21:50 20/10/2019  »
هواجس كئيبة
كفاح الزهاوي
            كان يصف نفسه رجلا مبهما يطارد الظلال، يبحث بين طيات الأسفار ضياع ساعات العمر. بحور من الجروح، تسبح في عالم الانين، تتنفس نسمات من الهواء الشجن، عبر جمرات المحن .
           القطارات القديمة، تتسابق مع الريح عبر تلك الغابات المنسية،  تصدر ضجيجا ثقيلا، يصطدم بجدار الرأس،  فتسمع صدى يوحي،  وكأنه قادم من وعاء فارغ.
          كان بحاجة إلى حضور الآخرين لكي يشرع في ابحاره، اتعبته مسالك الدرب،  و أنهكته مسلسلات الخيبة، فقد بوصلة التحدي،  واصبح قانطا في اختراقه لأهوال الحياة.
              كانت المشاعر المزدحمة، تتهيج تحت ركام العزلة، وتجعله فريسة الحنين لماضي، لم يبق منه سوى أوهام، تتناثر كندفات الثلج، لا تشعر بوجودها، عناكب الرعب تنمو و تغزو جسده المرتعب في كل خطوة.
            حدقاته المفتوحة على مصراعيها وهو يتفرس تلك اللوحة المشؤومة المعلقة على الجدار المتآكل وكأنما آيل للسقوط لتلك الطفلة البريئة وهي تمسك بنتوء بارز من قمة الجبل كقشة تحميه من الغرق.
          كان يتخيل باحة البيت، في هواجسه الوهمية، بدا له كبيت الاشباح، تحيطه حديقة معتمة ، والزهور القاتمة، والأسلاك الشائكة، مع الاثاث المبعثرة، و رياح الاهات، تتغلغل عبر مسامات الوجه، مخترقة عظام الجرح، لتستقر في عمق الفؤاد، فتشل قطار الفرح من حركته.
            وفجأة وهو يبحث بين سقوط الكلمات الملغزة، نقائضها. انه عالم غامض في معادلاته المعقدة، احلام ساذجة،  تتأجل الى مستقبل قاتم، ذي طريق مسدود. فوضى عارمة، أعدت لها بتفنن، واتقان، كل قبح الزمان تجمعت في دائرة النفاق.
              الشعور بالوهن الجسدي، بعث في نفسه، خريف قادم،  بسقوط وريقات الأشجار، وهي تغطي المساحة الخضراء بألوان زاهية، بلا حياة، لتجعل من تلك الأشجار الباسقة، جسد عاري، تتحمل مثاقل الشتاء القارس. إنها لحظات السبات القاتل في صمت طويل، تتخللها أصوات وهمية، غير مسموعة، ووجوه كالحة، تثير الرهبة، والفزع، في ليل اختفى القمر، خلف مجمعات السٌحٌب الداكنة، لبناء جدار عازل، تحجب عن الأرض نوره.
           كان ينتابه نوبات هيستيرية، مشحونة، برغبة البكاء، شعوره المتكرر بانه فريسة الزمن، وضحية القدر.تلك الأفكار الرهيبة، باتت ملازمة ومقيمة في زنزانته المعتمة، أفكار مقلقة، تسللت الى تلك الخلايا، كجرثومة قاتلة تكبح جماح عزيمته، عن البحث في ثنايا آلامه.
      كان يحاول الهروب، الى خارج اسوار الزنزانة الرهيبة، في رغبة جامحة، أن يغمره شيء من الهواء، والشمس، لكي يعيد الى حياته الحرية المفقودة. باتت خطواته ثقيلة، بسبب شعوره التام بالعجز، وكأن الأرض اشلته، من أن يخطو خطوة اخرى. خابت كل فرص الآمال في ترتيب تلك الجمل المبعثرة، والمفككة، ومحاولة نفخ روح الحياة فيها، وإعادتها الى نصابها.



9
المنبر الحر / لقاء القمر
« في: 18:32 11/10/2019  »

لقاء القمر
كفاح الزهاوي
 
   في غمرة التلهف للقاء القمر، بعد أن غاب عن الظهور دهراً من المحن.  يتصاعد شوقي متناغما مع القلق كلما تسربت خطوط ضوء القمر، عبر تناثر الغيوم المتفرقة في سماء عاتية،  نحو تلك الحدود المسيجة بأسوار الشجن، تصبح الصورة واضحة المعالم في دجى الليل.
    كنت أشعر بأن حياتي قد ابتدأت، وان ذكرياتي المدفونة والمتحررة من قيود الخوف قد أُحيّت، وصعد عطرها الى عالم الشغف، و رياحين الأمل . ما إنْ تلاشت كابوس الظلام حتى باتت جذوة الحياة تلتقط أنفاسها، و ترسل بدفئها رسائل السكينة بعد أن كانت على وشك الانطفاء .
     بدأت بوادر رياح الفرح تهب عليَّ . لحظات توحي بالهدوء والاسترخاء و يتناهى إلى السمع احيانا صفير الريح، يخترق الطرقات المتعبة، و ينساب بين الأشجار الصامتة، ويحسس أغصانها، فتسمع حفيف أوراق الشجر القادم من براثن الظلام، فتهتز بفعل هذه الزوبعة، و تسقط إحداها هاوية لتستوطن مثواها الأخير.
    كنت اتخيل نفسي وسط زحمة الطيور المتألفة في احدى ساحات روما وهي تتظاهر حولي وتلتقط الحبوب المتجمعة في باطن كف يديَّ. ونسيم ندي يلمس بشرة خدي، ليترك لمسات حمراء هادئة خلفه.
    كانت الليلة حزينة، بعد أن كانت سماؤها ترفل بكل النجوم الساطعة، وتمتعت بهدوئها المعهود. السعادة الحقيقية تكمن في غسل الذات من آلام الضمير، وان تشعر بقيمة ما تقدمه من إبداعات، نابعة من أعماق وجدانك، أن تبقى حرا طليقا بلا قيود.
     تتسارع الخطى نحو الشواطيء البعيدة المغطاة بالرمال الساخنة، وقد خفت حرارتها وقت الغروب حيث  منبع الراحة والتأمل.
    ما اجمل وجه الحياة، عندما تنطلق اعاصير النظر نحو الأفق البعيد، لترى مركب الصيد وهو يبحر باتجاه الشمس الهائمة، في وداعها اليومي وتختبئ لبرهة في قاع البحر، فتلتقي  الغسق والبحر في عناق احمر لتغطي زرقة السماء، قبل أن تهبط الظلمة بثقلها على أنفاس الطبيعة .
    هناك اشياء كثيرة، تعني لنا الكثير مهما ابتعدنا عنها فهي راسخة في جذورنا بكل تفاصيلها، لا تمحيها رغوات الأمواج الهائجة. فهي تشكل أفق الحياة، لأنها متماسكة، و متفقة لطموحاتنا .
    الدمار الوقتي لايعني اليأس والاحباط، وانما هي مرحلة  تعيسة في نهر الحياة . لا نجعل من الزمن الخطر المحدق يكتم الانفاس، فالخط الفاصل بين اليأس والأمل، ليس سوى جدار شفاف يمر عبره شاحنات الاصرار وقوة الارادة والصمود الحتمي أمام المطبات. أن لا نجعل من ايامنا اقنعة مرعبة توسع دائرة اليأس، ونترك القارب وسط إعصار هوجاء ونغمض عيوننا عن راسية الميناء الهادئ.
الحياة ليست سوى مرآة تعكس مواقفنا وسير أدوارنا، أن نتمسك بمضامين الحياة وأن لا نفرط بأبجدياتها، لأن التخلف عن ركابها تعني التفريط بالزمن وزواله، نعم نحن البشر نسعى بقدراتنا وادراكنا الحسي الى رسم لوحة الحياة لكي نرى القمر يتبختر بنوره وسط النجوم المنتشرة بأضوائها المتلألئة.







 




10
  الهزيع الأول من الليل

   كفاح الزهاوي
         
     كان الغسق رمادي أزرق في الهزيع الأول من الليل. قطرات الندى تستكين في مضجعها على الوريقات المتساقطة من اغصان الاشجار المبعثرة في غابة من النسيان. والاضواء الخافتة من الاعمدة المتراصة على جانبي الطريق، تعكس بنورها في تلك الحفرة المتروكة على حافة الرصيف، حيث امتلأت بمياه الأمطار التي اجتاحت المدينة منذ يوم امس.
     سادت الهدوء  أجواء المدينة والتي اضحت مدينة الاشباح، كأنما هجرت من سكانها. اطلّ مِنْ كُوَّةٍ خَلْفَ الجِدار المحاذية للشرفة على الشارع.  كانت نظراته تشوبها مزيج من التوتر و الإرتياع تتوجه كالسِهام  صوب نقطة غير مرئية في تلك البركة الغامضة. تتجمع الأفكار وتتلاشى على صخرة اليأس في ذات الوقت. 
    رغم برودة الطقس إلا أن لهيبا ضاجا اخترق اوصاله افقده قدرة الاحساس بلدغة البرد القارس .. نغمات، ناحت بشجن خفيا بعيدا عن الأنظار، تمزق أحشاء البدن، وتتغلغل في مسامات الشرايين فتفور الدم هيجانا. باغتته موجات من الاوهام تحولت الى فيضان من الفوضى انتجت بفعلها تناحرات فكرية تتصادم في اروقة الذهن الى حالة من القلق والاضطراب
    افكار تلو افكار، تلتقي وتتمايل كسفينة ضائعة خلف الافق البعيد، وسط عاصفة هوجاء هبت على حين غرة لتخترق صمت البحر الساكن، و صدى صرخات النجاة تتلاشى، وتذهب أدراج الرياح مع الأمواج الغاضبة، وتغوص في أعماق البحر،  لتفقد آخر بصيص الأمل. بينما الورود الحمراء تنثر أريج عطرها لتملأ المكان بنكهة الربيع.
    العصافير المغردة، تتجمع على أجمة الصنوبر، تصدر اصواتا فتبعث الى النفس الامل اكسير الحياة. 
    امنيات وامنيات، تتسابق مع الزمن، فتتراقص النغم المنسي القديم، وتشدها  الحنين الى المطر تارة . تبرز صمت سرمدي، عبر الضباب الليلي الحالك، وهذا الصمت يزيدها حزنا وخيبة  تارة اخرى.







11
المنبر الحر / العهد لم ينقض
« في: 17:36 23/09/2019  »
     
العهد لم ينقض

     كفاح الزهاوي
               
            في الوقت التي تنشر فيها أشعة الشمس ، شهر نيسان ، ألوانها الدافئة ، كانت ساعات الزمن ، تتضاءل مع هبوط الليل. تتحرك الأجساد ، في حذر ، وحيطة ، تلاحقها العيون المزروعة ، في كل شارع وأزقة ،  تشعر بكابوس مخيف ،  يوقف حركة الحياة ، يداهم الاجساد ، يجثم على الانفاس ، يشل الطاقات المنتجة ،  وكأن الوجود في ترقب وانتظار ، بسبب تلك الغمامة ، اللعينة التي سكنت في سمائنا ، لتحول كل شيء تحتها الى موت مؤجل. العنادل الصغيرة انطفأت أصواتها من البساتين ، بعد ان مرت عليها سحابة سوداء. ربما فقدوا الأمل في البحث عن أولادهم المفقودين ، في تلك الفسحة الواسعة ، والغابات الكثيفة. حالة الشجون غلبت على هواجسهم ، والصمت ملأ المكان حزنا.

        المدن احاطها غبار كثيف ، رغم التمويه بنقاوة المشهد إلا ان المرء يشعر بوجوده مع كل شهيق ، فتترك آثار السموم ، كترسبات الإرث القديم ، يقبض النفس ويتصاعد منسوب الشجن في اروقة الصدر ، فيرتفع جدرانه ، ليدنو من حدود الكون ، وإذا بزفير عميق يلفظه الجسم إلى الخارج ، كالحيتان الضخمة  في  البحار والمحيطات ، في كل لحظة  تطفو على السطح  ، تخرج الهواء بقوة من فتحة النفث مع صعود الرذاذ الضبابي. تلوح تفاصيل الوجع  ، على  ملامح  ، ووجوه الثكالى ، والأمهات اللاتي فقدن فلذات أكبادهن ، في صراع لا ناقة لهم فيها ولاجمل.

           كانت البلاد تئن تحت وطأة الحرب مع ايران ، وتنتشر عربات الرعب ، مدججة بالويل والثبور ، لاصطياد الشباب ، والهاربين ، من جحيم الموت. رجالات ببدلات عسكرية ، وأخرى تحت مسميات ، كالجيش الشعبي ، تنتشر في الأزقة ومداخل الطرق كالصراصير المنبوذة ،  يراقبون المارة. الحياة تشوبها مناظر مشوه تشعر ، وكأنك في سجن مفتوح ، مقيد الخطوات.
            وهناك سيارة الأجرة ، تحمل تابوتا ، ملفوفا بعلم البلاد ، دون أن يكترث الناس ، ما قد يتركه من آثار الوجع ، على محبيه بفعل الشعور الذائب في طاحونة اليأس ، ذهب حيا ورجع جثة هامدة ، يحيا القائد المنصور.
           مر يوم مشؤوم في تاريخ العائلة. تقتحم رجال الأمن ، بعد منتصف الليل البيوت الآمنة ، وتخطف ابناءها عنوة أمام أنظار محبيهم ، وأمهاتهم ، وتجعل من حياتهم مشروعا للحزن ، والمآتم.
           حوادث كثيرة ، من هذا القبيل أصابت العوائل في مدينة بغداد ، والتي أصبحت مثل روتين يومي ، تَعَودَ الناس على وقعه. ومنطقتنا ، لم تكن استثناء من هذه المطحنة .

          كنا نعيش في منطقة مشتل ، احدى المناطق المحيطة بمدينة بغداد وهي  تبعد عن مركز المدينة بمسافة ٤٠ دقيقة بواسطة حافلة لنقل الركاب ، وهي من المناطق شبه شعبية ، يقطنها مزيج من الناس ، ومعروفة بوجود شارع ، يسمى شارع المطبك ( المطبق ) ، لأن أرضية الشارع تم تصميمه بفرشه بالطابوق ، والذي أصبح نقطة دالة في منطقتنا ، ومع الزمن اختفى الجسد بتبليط الشارع ، ولكن الاسم بقي عالقا في ذاكرة الناس ، والأجيال.
         شارع المطبك محاذي إلى شارع الجامع ، انا لا اعرف لماذا سمي شارعنا بهذا الاسم ، ربما وجود الجامع ، سهل عليهم عناء البحث عن اسم آخر.
   
          إمام الجامع كان شابا لا اعتقد قد تجاوز الثلاثين من عمره . قصير القامة ، قسمات وجهه تعبر عن الطيبة. كان هادئا بطبعه ، و قليل الكلام ، أملس الوجه ، وشعره ، ذو خصلات قصيرة جدا. رأيته مرة  ، عندما كنت صغيرا اذهب مع إخواني الى الجامع لأداء الصلاة ، وهو جالس يتوضأ  ، فوضع عمامته على جنبه من الطرف اليمين . كنا نخشاه ان يكون رجل أمن بهيئة إمام. بيته كان بمثابة حاجز يفصلنا عن الجامع ، وبجانبه دكان ابو سعود البقال بمحتوياته الفقيرة.

          ابو سعود ، تجاوز الخمسين من عمره ، ضعيف البنية ، وكأنه كهلا ، ينتظر ساعات الوداع ، والتجاعيد قد اكتسحت وجهه على شكل أخاديد وبينما ملامحه تبعث على النكد ، ويشكو دائما من آلام الظهر، والبواسير. كان منظره وهو يمشي مثير للانتباه يبعث على الضحك أحيانا.. كانت امي الزبون المفضل له لأنها تشتري منه كل ما لديه من بضاعة.

        مع إسدال ستار الليل ، يخيم على الشارع ، قلة الحركة يكاد أن يخلو من المارة. أحيانا قد نسمع مرور سريع لسيارة ما. في بداية شارع المطبك ، مقابل ساحة الكبيرة لكرة القدم ، يقع مقر منظمة الحزب الحاكم ، حيث كان ذلك قاعدة المراقبة والتحري وكثيرا ما تستدعى الشباب المستقلين ، الى تلك المنظمة للاستفسار ، وتدوين المعلومات ، والضغط باتجاه استخدامهم ، كعيون التربص ، وكتابة التقارير.

         استيقظ ماهر، على أذان الفجر ، عبر مكبرات الصوت ، وهي تخترق أجواء البيت. ثم عاد مجددا ليلقي بنفسه في الفراش ، وكأنه لم ينل القسط الكافي من النوم ، حيث كان قلقا نوعا ما ، بسبب المضايقات المستمرة ، من قبل معاون عميد الجامعة ، احمد الحديثي ، الذي كان يمارس دور شرطي الأمن في مراقبة وتحركات ماهر ، اضافة الى اجتهاده في مضايقته اليومية.

       
       ماهر شاب عمره ٢٢ سنة ، طالب جامعي في السنة الأخيرة في كلية الطب البيطري ، وديع ، متوسط القامة ، نحيل الجسم ، قوي البنية  ومحبوب ، ومفعم بالنشاط ، وسريع البديهة ، فنان بالفطرة ، شخصية ذات مواهب متعددة ، يعشق الأدب ، والصحافة. كان  يكتب مواضيع مختلفة ، في تلك الصحيفة الذاتية ، التي دأب هو على انشائها بنفسه ، قدرته الخطية ساعدته كثيرا على أن تصبح كبديل ، لجهاز كتابة الطباعة ، في تدوين المواضيع  في الصحيفة.  لديه مواهب أخرى ، كالرسم ، والعزف على الجيتار.       

           كان  ماهر مرحا ، ويجيد صناعة النكتة. اروي هنا حادثة طريفة من أيام الاعدادية. عندما كنا في ملعب الكشافة ساهمنا كطلبة في سباقات المدارس في الساحة والميدان. كان الطقس ، في أروع حالاته ، تشعر وكأنك في مهرجان احتفالي ، تتخلله ألوان الصداقة ، تجمعات طلابية كبيرة من جميع الاعداديات ، وهناك بعض الأسماء المعروفة ، بقدراتها الفنية في سرعة الجري.

          كنا نتهيأ كطلبة في المشاركة السنوية في سباقات الساحة والميدان التي تقيمها الوزارة للاعداديات حيث تشمل جميع المدارس في بغداد.
       
           كانت الشمس تحرق الوجوه بحرارتها في ذلك اليوم. مضمار الجري كان من الحصى الخشن.
        أتذكر مرة ، سقطت أثناء الجري وانا اركض ١٠٠ متر عدو ، وتعرضت الى إصابات عميقة ، في راحة اليدين ، وفي فخذي اليمنى ، كنت انظر الى مدرجات المتفرجين لأكسب عطف أصدقائي ، بدلا من أن يهرعوا إلى مساعدتي ، ظلوا جاثمين في أماكنهم المخصصة غير عابئين ، والضحكات ، انفجرت ، من أفواههم تعبيرا عن خيبة أملي.
       
            وفي هذا اليوم رافقنا مدرس الرياضة استاذ مالك محمود ، كان إنسانا بسيطا ، اجتماعيا ، ويحب مهنته كمدرس رياضة ، مرح وكثير المزاح. بينما كان جالسا بطريقة غريبة ، وكأنه امرأة ، في حالة إنجاب ، .يتكئ على ذراعيه بتثبيت مرفقيه على الأرض ، في الجانب الأيسر من الكراسي ، وساقيه مسحوبين الى الخلف ، باتجاه الفخذين مفتوحين ، هنا تفاجأنا جميعا بمسرحية كوميدية مضحكة جدا ، وخاصة لنا نحن الطلاب.
       
        ماهر شارك لأول مرة في سباقات الساحة والميدان ، معلوماته كانت بسيطة حول ذلك ، بادره بسؤال بعد أن جلس على أصابع قدميه ، ووضع يده اليسرى على ركبة أستاذ مالك محمود ، لساقه اليمنى  ضاغطا ليحافظ على توازنه ، وبينما ماهر كان يحمل عصا البريد بيده اليمنى ، عن كيفية وطريقة عدو ٤٠٠ متر بريد ، استقبل أستاذ محمود ، السؤال بسخرية ، ولم يتوقع ردة فعل ماهر :
- تدري اشلون
- اشلون استاذ
- تاتي تواتي، تاتي تواتي.
 أعقبته ضحكة صفراء ، التي لم تدم طويلا ، وبسرعة البرق ،  فاجأه  ماهر ، بحركة سريعة ، من خلال إرسال العصا، بدفعه بين فخذيه ، مخترقا مؤخرته وقال وابتسامته العريضة على وجهه :
- لا.. لا تشاقه أستاذ
قفز أستاذ محمود من مكانه مندهشا ، وانفجر الجميع قهقهاتهم.

        لم يكن  ماهر مهتم بسباقات العدو وكرة القدم ، أو يشعر برغبة في متابعة هذه اللعبة الشعبية ، ربما بسبب انغماسه في السياسة ، وشغفه ، في متابعة الأحداث السياسية  في العالم ، وخاصة تلك الأحداث التي انفجرت ، بوادر حركتها الثورية ، في أمريكا اللاتينية ، وكنت تتلامس هذا الشعور ، من خلال لوحاته ، التي رسمها بريشته البسيطة ، لشخصيات ثورية ، أمثال تشي جيفارا ، كان يعتبره رمزا يدافع عن الفقراء ، والمظلومين ، في كل العالم.


             ماهر هذا الشاب الوسيم ، لطيف المعشر. . لا يتأثر بالتعليقات الفارغة ، كان لديه القدرة على الرد السريع .
           كرس حياته ، من اجل ازاحة ، غمامة القهر ، والظلم ، التي سيجت قدرات وطموحات الناس من الشباب والكادحين ، بسور من الترهيب ، والقمع النفسي ، كرس وقته وتفكيره ، من أجل إيجاد الأدوات المناسبة ، لاملاء النواقص ، في هذا العالم الغريب ، عالم التناقضات ، الذي يلقي بظلاله ، على سواتر الحياة اليومية ، بل تلك التفاصيل الغامضة ، شغلت حيزا ليس بالهين ، من تفكيره ، حيث تحولت إلى عاصفة من الحركة ، والعمل.

            أوقات الغسق ، كانت منار عشقه الهادر ، ويتأمل غروب الشمس ، كمنبع باعث للمتعة ، ربما كانت بمثابة ، عامل الخلوة ، والأمان  له.. كانت طهارة  ماهر ، ونقاوة  نفسه أشبه  بنبات الزنبقة ، التي تحمل ، الزهور الجميلة ، ذات الروائح الزكية ، والألوان المختلفة ، كلون الأبيض ، الذي يجسد رمز تلك الصفات.

           منذ بدايات حياة المراهقة ، نمت قدراته الفكرية ، باتجاه عالم تتوفر فيها ، معالم الانسانية ، والعدالة ، والمساواة. بحكم انتمائه الى عائلة مناضلة ، وتأثير البيئة المحيطة به كونت لديه ، شخصية متماسكة ، مدركة ، لواجباته ، في تحمل المسؤوليات ، تجاه الاسئلة المعقدة ، التي تفرزها متغيرات الحياة.

             تنفس الصباح ، اعتلت الشمس صفحة السماء ، و غرقت الأرض في بحر من النور ، السماء زاهية عميقة ، عدا بعض السحب الشفافة تبحر تحت أديمها ، والهواء صاف عليل ، كان صباحا جميلا ، مزهرا ، في ذلك اليوم. استقلينا انا و ماهر وصديقنا رعد السيارة وتحركنا نحو الجامعة. كانت المحلات ، لازالت أبوابها مقفلة ، والحركة  في نشاط دائم.
           
              طلاب المدارس والجامعات على عجل للوصول الى أماكنهم قبل بدء حصصهم.  في ذلك اليوم نظمت جامعتهم سفرة سياحية الى منطقة سلمان باك ، في تلك الرحلة كان هناك حشد كبير من الطلاب الجامعة من مختلف الصفوف ، نساءا وشبابا على سواء ، وعدد ليس بالقليل من طلاب الاتحاد الوطني التابع الى الكلية التي ينتمي لها ماهر  .
         
           مع انطلاقة الحافلة تحدث احمد الحديثي ، الذي رافق  الرحلة عبر جهاز المصدح عن الرحلة والهدف من تنظيمها. وهو يتكلم بانشراح  ، و بروح فكاهية ، يجذب الأنظار اليه.
           
           احمد الحديثي هو معاون العميد في الجامعة لشؤون الطلبة والمسؤول الأمني. نحيل البدن ، متوسط القامة ، انيق المظهر ، لطيف المعشر. اجتماعي ، صاحب نكتة ، وعلى وجهه  تنبت  لحية متانقة ، شغوف بالرياضة. يتعامل مع الطلاب بأسلوب جميل طالما يشعر بأن ما يدور من حديث لا يخرج عن إطار طلباته. وعند الرفض يطفو قيح غيضه على وجه الوسيم.

            وفي داخل الحافلة ارتفعت الاصوات بالغناء ودق الطبول. كانت الاجواء جميلة ،  ومرحة ، حتى وصلنا الى سلمان باك. في ذلك الموقع راح ماهر يعزف على الجيتار .وترقص على أنغامه الطيور المتجمعة على أغصان الأشجار في أرجاء المكان . كنا نعيش لحظات الابتهاج ، والغبطة.  كان شغوف بالعزف ويمتلك حس مرهف.
           
               احمد الحديثي ، يشبه الحية في هدوءه ، قام بتحريض ، رجالاته من الاتحاد الوطني ، بالتحرش بنا ، كان  ماهر يحمل الجيتار مع صديق الطفولة رعد ، هذا الشاب ذو الوجه الجميل ، كنا نسميه رعد  الحلو ، لوسامته ، ودماثة أخلاقه ، طالب في كلية العلوم الجيولوجية. بالرغم انه كان مستقلا ، بل لا علاقة له باي توجه سياسي ، وعلمه  بتوجهات ماهر ، الا انه كان مخلصا، لتلك العلاقة ، ومحافظا ، على أسراره.

             كانت الحافلة ريم ، البيضاء ، واقفة ، وبابها مفتوح ، وفارغة من ركابها. اتخذنا امكاننا نحن الثلاثة في مؤخرة الحافلة ، والاجواء في داخلها تتسم بالهدوء. جلس رعد في الركن ، وماهر في الوسط ، بينما أنا جلست في جهة اليمين.
            بعد برهة دخل شاب ، وجلس على المقعد الذي أمامي ، ثم بعدها دخل ثلاثة آخرين ، اثنان ، جلسا على المقعد ، الذي أمام الشاب ، والآخر في جهة اليسرى ، من المقعد المقابل ، الموازي لهم. كانوا يتحدثون بصوت عالي ،  واذا بشخص رابع ،  دخل الى الحافلة. عندها احس ماهر ،  بأن هناك من يحضر لطبخة ، وخاصة توجه هذا الشخص ، مباشرة نحونا وحاول ان يتخذ نفس المقعد في الصف الأخير في الحافلة ، وبالاخص الركن اليمين الذي بجانبي ، حيث أومأ برأسه ، انه يود الجلوس هناك ، بالرغم ان الحافلة كانت فارغة.
           فتح ماهر ساقيه على مصراعيه لمنع الشاب من المرور وبطريقة استفزازية قام بدفع  ماهر بكفيه المفتوحين بالضغط على كتفيه. رده ماهر بقوة ، اختلط الحابل ، بالنابل ، انضم الاخرين الى المعركة ، واعتلى ، أحدهم على المقعد ، الذي أمامي ،  وقبل ان يقف مستقرا ، دفعته بكلتا يديّ. واصرخ : ما هذا الهراء…
         
              واستمر الهجوم علينا من قبل اربع طلاب كالوحوش الكاسرة ، كنا في موقف دفاعي ، لم نكن قادرين ، على الهروب ، من تلك الزاوية الضيقة  ولكن ماهر  رد عليهم ، بالركلات ، واستخدم الجيتار ، كسلاح ، لصد لكماتهم العشوائية ، ومن هنا ظهر المنقذ ،  احمد الحديثي ، من بين ركام المعركة ، لسحب المهاجمين ، الملقنين باداء ادوارهم بشكل دقيق ليتوج نفسه ، بطلا ، وامينا ، على حفظ القانون ، وكأنه يقول إنتهت المهمة ، لقد وصلت الرسالة إلى ماهر .

             بعد أقل من شهر وبالصدفة  التقيت بوجه ليس غريبا جدا عني في مكان دراستي . طالب في عمر ٢٤ سنة يدعى محمد عليوي. شاب هادئ ، متوسط القامة ، ذو شعر خفيف ، يبدو من خصلاته ، حديث الحلاقة. صعق محمد من سؤالي واستقبله بنوع من الحذر:
- مو انت اللي  جنت ويا الجماعة اللي اعتدوا علينا بسيارة باص ريم.
- اي باص ريم.
- جنت ويا اخوي في سفرتنا في سلمان پاك مالت كلية الطب البيطري.
حاول ان يتظاهر في البادئ بعدم معرفته بما ارمي اليه. وبعد برهة صاح :
- انت اخو ماهر .
- اي نعم.
- صدكَني اني ما الي اي علاقة بالموضوع وجنت بالصدفة كاعد بالمقعد اللي كدامكم. واردف قائلا..
- اني حاولت افاككم وما اخليهم يضربوكم.
- بس انت هم حاولت ضربنا، بل شاركت.
- بشرفي ما الي علاقة. تدري اني فصلوني من الجامعة وحولوني عليكم...معاون العميد  احمد الحديثي كَال هم زين من اخوه ما اشتكى عليك بالشرطة.. همه جانوا قاصدين اخوك ماهر  . اني اللي اكلتها.

            أدركت أن  احمد الحديثي ضابط أمن بهيئة رجل أكاديمي ويلعب دورا خبيثا في معاقبة الطلاب ، بل يستخدم الطلاب من الاتحاد الوطني  كرجال أمن للمراقبة والمتابعة. وعرفت لاحقا ان احمد الحديثي هو الذي ارسل محمد عليوي الينا بحجة انه طرد من جامعته. وفي البيت نقلت لماهر عما دار بيني وبين محمد عليوي



        اتذكر هذا اليوم بكل تفاصيله ،  يوم ١٤ نيسان عام  ١٩٨٤ حين  عدت من عملي إلى البيت ، كانت الشمس لازالت جامدة بغير حراك ، تعتلي كبد السماء. استقليت سيارة نقل ، كانت تسمى سيارات ١٨ راكب ، من بعقوبة الى بغداد قاصدا دارنا ، ماهر لازال في الجامعة ، وهنا أريد التذكير بأن شيئا مهما ، حدث قبل يومين.

         بينما كنت عائدا الى البيت في حدود السابعة مساءا ، وبدا النهار قد اسدل الستار عن نفسه ، وغطى الليل ، وإن كان في بداياته ، وريح خجولة قد هبت ، كنت عندها اقف في الشارع على مقربة من البيت ، رأيت شخصا مع ماهر ، لم أره سابقا ، يقوم بمساعدته ، في نقل بعض الصناديق ، من البيت الى داخل سيارته ، داتسون ، القهوائية الغامقة ، ومن ثم الى محل  أشقاءنا ، عامر وثامر ، وكنت اتابع عملية النقل بقلق شديد ، تقربت من الرجل وسلمت عليه ، رده كان بارد كبرود الثلج. قلت له باني شقيق ماهر. هز رأسه ، ولم يكترث بوجودي.  لم يستغرق طويلا ، تركوا المكان واختفوا عن الأنظار. غاب ماهر لساعة وعاد ادراجه الى البيت. احتدم غضبي قلت له :
- شنو هذا ماهر .
أجاب دون ان يرفع رأسه.
- شنو.
- على هذا احجي.
- منو .
- هذا الشخص ابو السيارة داتسون القهوائية.
- انت لاتتدخل فيما لايعنيك.
قلت بنبرة حادة كمن فقد السيطرة على الموقف.
- أنت تدرك مخاطر افعالك؟. انت لما تقوم بمثل هذا العمل راح تعرض نفسك والاهل الى مخاطر. منو ميكَول هذا مو بالأمن.
- انت شمدريك.
- اشدعوة جنابة خشمه عالي. أسلم عليه ويجاوب من ورا خشمه .
وهنا رفع ماهر صوته مع نبرة شديدة .
- لا تصير فضولي وتتدخل.
- اني حذرتك. انت لا تنسى كل العيون عليك في كل مكان.


         شعرت ان صدري انقبض ، والألم يخترق عظامي ، عندما ترك الغرفة ، ولم يأخذ النصيحة ، ذهب الى زيارة صديق ، وعاد الى البيت ، متاخرا ، تمدد على السرير ، وغط في نوم عميق ..تنفس الصباح ، قفز ماهر من مضجعه ولبس سرواله الرصاصي مع القميص الابيض وخرج مسرعا ، كي لايتأخر عن المحاضرة الاولى في كليته. ذهبت بدوري الى العمل بعد ان تناولت الفطور ولبست ملابسي وتوجهت نحو محطة النقليات ، عدت  الى البيت في الساعة الرابعة بعد الظهر من مكان عملي . ماهر لم يزل له حركة في البيت .

      عاد  ماهر  إلى البيت الساعة الثامنة مساءا ، تبادلنا أطراف الحديث ، تحدثنا قليلا عن العمل ، وتناول مضايقات معاون العميد لكلية الطب البيطري ، احمد الحديثي  ، كيف هو وعصابته ، من الاتحاد الوطني ، يتابعون تحركاته ، حاولت ان احذره مرة اخرى من مغبة متابعتهم له ، وخطورة الموقف عليه.  قلت بنبرة تعبر عن المخاوف :
-  ماهر كن حذرا ، انت مكشوف لهم.
قال بطريقة تحمل شيئا  من رباطة جأش و دون ان يعبأ بالنتائج مع ضحكته البريئة على وجهه.
- أمس حدثني بنوع من التحدي بوجود خطيبتي .
قلت:
-كيف .
قال وهو يوجه كلامه لها :
- اني هسه اشوفج منو هذا؟.

     حاولت ان اقرب الصورة عندما بدأت حديثي عن صديقنا علاء سعدون ، الذي تعرض الى نفس الحالة . كان شاب من مواليد ١٩٦١، طويل القامة ، نحيل الجسد ، ولكن قوي في عظامه ، الابتسامة ، لا تفارق شفتيه ، طالب في المرحلة الثانية في كلية الهندسة. تعرض مرارا الى استفزازات من قبل مخبري الأمن ، من الاتحاد الوطني للطلبة. حدثني ، عن لقاء جرت مع رئيس الاتحاد الوطني ، في غرفته ، عندما ألقى الأخير اضبارة ، على الطاولة المخصصة ، له متعمدا ، بوضعها بصورة شبه مفتوحة ، كي يحذر علاء بنواياهم . لمح علاء اسمه مؤشرا بقلم ; شيوعي ;.  . واعتقل بعد يومين وتم إعدامه لاحقا. لم ينبس ماهر ببنت شفة ، بل لزم الصمت ، إلا أن قلقا متزايدا تفجرت ملامحه على وجهه الطفولي .

        دقت الساعة الحادية عشرة مساءا ،  وشارع الجامع ،  بامتداده ، ساد عليه نوع من الهدوء النسبي ،  كأنه يعلن عن نذير شؤم ،  قبل هبوب الرياح الصفراء. العمود الصدأ ، المقابل للجامع ، كان مصباحه ، يرمش طوال الليل ، وكأنه يوحي بقدوم الطوفان... بعد يوم ثقيل ، من العمل الدراسي والسياسي ، استلقى ماهر على فراشه منهمكا ، ذلك السرير القديم ، و كان أرضيته ، مصنوعة من الزناجير ، المتصلة بحلقات صغيرة ، تحتاج الى تجبير ، بين أونة واخرى ، وبينما حصتي ، كانت ذلك المكان ، المتبقي من مساحة الغرفة ، على الأرض. وألقيت بنفسي ، في فراشي، بعد أن أطفأت ، المصباح ، المعلق ، في سقف الغرفة ، المزدحمة ، بالكتب ، والخزانات، القديمة. وفي الزاوية القريبة ، من مكتبة ماهر ، استقرت مبردة صغيرة ، وقديمة ، نوعا ما. كنت قد حشرت بداخلها ،  قصاصات الصقيلة من أدبيات الحزبية ، بعيدا عن الأنظار.


          الساعة الرابعة صباحا، من يوم ١٥ نيسان ،  كانت ساعة الصفر لخفافيش الأمن ، بدء صولاتهم الاقتحامية ، باطفاء جذوة الحياة ، تحت جنح الظلام ، لكي يمارسوا هواياتهم في اثارة القلق والفزع.
     
        وبينما كنا نغوص في نوم عميق ، وفجأة انفتح الضوء ، داخل الغرفة ، واصوات ، متداخلة ، وضجيج ، مسموع غير واضحة المعالم  لنا ، والنعاس ، لم يزل يفك أسْره ، وهو يسبح ، بين حدقات العين ، محاولا الإمساك برموشها ، تجنبا في الإبحار ثانية . في البداية كانت الأصوات ،  تتراءى لي أشبه بالكابوس ، ايقظتنا دقات ، نواقيس الموت ، وهي ترن ، صداها عميقا ، في هواجسنا المخدرة ، بدا لي اجسادهم ، كأشباح ، تتحرك ، في اروقة الغرفة ، على شكل هيئة بشر. كانت وجوههم ، تفيض حقدا ، واعينهم ، تقطر انتقاما ، والسنتهم ، تفوح منها ، روائح المستنقعات الدامية.
         تداخلت حشرجات امي ، وآلامها ، مع استخفافات شراذم الأمن ، بابتساماتهم الصفراء ، ورسم الضحكات الاصطناعية ، على وجوههم ، التي تخفي وراءها قناع ، الخبث ، والمكر. 
         
          وفي هذا الوقت خامرني شعور بالاحباط ، كطير منكسر الجناحين ، لايقوى على الطيران ملتصق بالارض. وامي ، توجه الاسئلة بشجاعة ، تدافع عن كبدها ، ورياح الحزن ، تعصف بي ، وتفترس احشائي. احدهم كان يحمل سلاح كلاشنكوف الروسي ، يتصرف كالابله ، وكأنه قادم من الصحراء ، ولم يصدق أنه ترك خيمها.. امي تقول لاحد الرجال الثمانية ،  و المدججين بالاسلحة ، وكأنما اقتحموا ربيئة عدو محتل.
 شمسوي ابني. وليش جايين بهذا الوقت.
- مهرب.. نطق أحدهم
- شنو هذا الكلام  مهرب .
وأردفت امي :
- ابني طالب جامعي.


          ترتسم الدهشة على وجوه المقتحمين ، الانذال ، بسذاجة السؤال. غابت عن بال امي ، انها تسكن في مملكة الرعب ، بأن طرح مثل هذه الاسئلة غير مرغوبة.
- وداعتج خمس دقائق ونرجعه واخذي من هال شوارب..
قال الآخر وهو المس الوجه باستهزاء وهو يمسك شارب صاحبه.
 
           اثارتني الدهشة في قدرته على صنع السخرية وكأنه في مشهد مسرحي فكاهي وليس ضيوفا غير مرحبين.
وتقدم اثنان باتجاه سرير ماهر وصراخهم يملأ الغرفة.
- لبسوا الكلبشة
وهنا ماهر  قاوم بسحب اليدين والتخلص من قبضتهم .. قائلا:
- المن تردون .. منو اني .شنو اسمي اني .
كلماته تناثرت في الهواء  ،  وانقضوا عليه كالكلاب السائبة ، وتجاهلوا طلبه ، وكبلوا معصميه بالكلبشات ، وبملابس النوم البيجاما اقتادوه الى الخارج.. وقبل خروجه من  الغرفة التفت الى امي ، قال بصوت واثق.
- امي لا تفكرين بيّ بعد اليوم.


            انفجرت أمي بالبكاء ، شعرت بالسماء حجبتها غيوم  كثيفة. اشتد  قصف الرعد  حتى بات يصك الاذان ، تلاشت أمامها قدرتها على التحمل والاستيعاب ، دوي كلمات ماهر حطم كيانها ،  انهارت كل الآمال على صخرة اليأس ان تحلم برؤية ابنها المدلل ثانية . فهو آخر عنقود في العائلة.. امي لا تفكرين بيّ بعد اليوم ..   ، تحولت الحياة الى غمامة سوداء ، وكانما بركان انفلق في قمم الجبال احتجاجا  ،  إنها لحظات حرجة  ، في ظل جو مشحون ، كيف لأم ، يسرق طفلها ، امام ناظريها ، وهي لا تملك سوى الدموع.  حيث خرج شقيقي عامر ، ورأى احمد الحديثي ، معاون عميد كلية الطب البيطرى ، معهم بالقرب من الباب الخارجي لبيتنا. حيث كان يهدد ، ماهر بين حين وآخر ملوحا له بأن نهايته ستكون قاسية. وأمام الباب ، يعانق  ماهر ، شقيقنا عامر ، ولازال يمسك برباطة جأشه ، متحديا ، كل المخاطر ، ويهمس في أذنه :
- سوف اهرب.

          انه قرار صعب ، كان لوقعه صدى مؤثر ،  ويبدو غريبا على جنون عالمنا. بل ماهر ، تميز بصفات، قلما يدركه الإنسان ، أبعادها ، أنه شكل من أشكال التحدي ، المبدئي ، لا يستسلم أمام تيارات الحياة ، التي تعاكسه وتجبره على الخنوع…يبكي عامر  ويهمس في أذنه سوف يكون القتل من نصيبه.

            في غرفة البيت ، كنت جالسا على الارض مستسلما ، خانعا لذاتي ، واحتضنت ركبتيه ، بذراعيه ، مع سحبه دون وعي ، نحو صدري ، وكأنني أخشى أن يهربا مني ، حائرا ، مذهولا ، أمام هذا المشهد الدراماتيكي. تجول في ذهني تلاوين من الأفكار ، متأهبا للفرار ، حال انتهائهم من مهمتهم القذرة. وفي ذات الوقت كانت عينايّ ، تراقبان ، حركة الرجلين ، الذين بقيتا ، في الغرفة ، يفتشون ، ويبحثون ، عن كل شيء .

        في تلك اللحظة الحرجة ، كنت الوذ الصمت ، القاتل ، و أجول ببصري ، خلسة ، وحذر ، وانا اراقب المشاهد الحقيقية ، لأشباه الانسان ، أمام ناظري يتحركون داخل غرفتنا الصغيرة ، كالنحل المؤذي ، يلدغ من يشاء. كنت اصرخ في أعماقي ، تتقاذف صدى الامي ، كموجات ، ترتطم بجدار احشائي ، كزلزال يهز كياني. وراحوا ينبشون ، و ينهشون ، بكل محتويات الغرفة ، وجدوا تحت السرير بعض الكتب الطبية . استفسر لمن تعود .أجبته :
-   انها كتبي
 من هنا صاح الآخر
-   يلا لكَيتها ..نروح.

           حيث وجد قصاصات صقيلة ، على احدى الرفوف ، وكأنه كان على علم مسبق بوجود هذه القصاصات ، وحال حصوله عليها توقف عن البحث. بينما تلك التي تعود لي رغم التفتيش والبحث لم يكتشفوا الأمر.  وهنا أدركت ، ان هناك من يعمل في صفوفنا مندس ، خائن. وحال خروج الرجلين من الغرفة ، شعرت وكأنما انتشلت ، من تحت الانقاض ، دام ركامها فوقي لساعات ، حتى تحررت من عبء ثقلها.
 
           نزلت الدرج  مسرعا ، دون ان افكر بخطواتي ، وهي تنطلق واحدة تلو الاخرى الى الباب ، الذي يفضي ، الى غرفة المعيشة ، حيث بابها ، كان ينفتح بنفس طريقة أبواب الحانات في أفلام الكاوبوي. دفعت الباب بكلتا اليدين ودخلت الغرفة مرتبكا ، رأيت أمي تجلس وساقيها متقاربين من بعضهما ، ممتدتين الى الامام ، و برأس مكشوف ، حيث سقطت الفوطة البيضاء ، على كتفها وتولول ، وتسحب، شعرها ، بانغمارها ، بين اطراف الاصابع ، وجهها الناصع ، البياض ، تحولت بشرته ، الى لون احمر قاني ، من شدة الضرب ، براحة كفيها ، التي طحنتها قساوة الزمن.

          وفي خارج الدار ، ذهبوا بماهر إلى محل أشقائنا عامر وثامر. قام رجال الأمن ، بنقل بعض الصناديق من المحل ، الى سياراتهم المخصصة. لا أعرف ماذا كانت تحتوي هذه الصناديق ، وبعدها اقتيد ماهر ، الى مكان مجهول ، هناك حيث الزنزانات الرطبة ، والجدران السميكة ، في تلك الدهاليز المعتمة ، من اقبية الامن العامة ، حيث تتصاعد منها روائح الترهيب والعنف الجسدي ، وانين الجثث ، المعلقة بمروحات السقفية ، تنزف شلالات الدم ، فتفوح منها  رائحة البشر. لا يرحم بهم ، أو ينجو منها أحد ، حيث الاختفاء ، والتهديم ،  والعسف النفسي ، لا تشعر سوى انك غريب منسي.

           وبدأ حال وصوله الى دهاليز الامن العامة ، مراسيم التعذيب الوحشي ، من قبل تلك الوحوش الكاسرة ، المتعطشة للدماء. انها حفلة الجلادين ، كما هي حال مصاصي الدماء ، في افلام الرعب ، وهم  يتنقلون من ردهة مظلمة ، إلى أخرى أشد ظلاما. كانوا يمارسون معه اشد انواع التعذيب الجسدي ، حتى ينساب من جسده جداول من الدم.  بحيث يلقى في زنزانته بعد مراسيمهم البربرية ، جسد هالك. وعلى هذا الحال يوميا.

              استخدم الأمن المخبرين من أهالي المنطقة وخاصة اولئك الذين تربطهم معنا علاقات سواء كجيران او اصدقاء الدراسة. وقد كلف أحد الاشخاص والمدعو كويظم بمهمة مراقبة تحركاتنا ، وبالاخص تحركات ماهر بسبب نشاطه المكشوف. تم تبليغ المخبر كويظم ، نفس اليوم الساعة الثامنة صباحا ، من قبل الأمن العام بانتهاء مهمته مشكورا ، و بنجاح ،  بعد اعتقالهم  لماهر .


               وحال خروج رجال الأمن من دارنا ، حثني أهلي بترك البيت حالا قبل أن يتم اعتقالي انا ايضا.  والدتي قالت والحزن يكتنف احشاءها والدموع تنهمر من عينيها :
- اهرب ابني ، ما اريد اخسرك انت همينة.. وأضافت
- هذه مملكة الرعب ، حكم القمع واغتصاب الحريات.
 ارتديت ملابسي وخرجت.


                بعد اعتقال ماهر مباشرة. ذهبت الى محل عملي ، كنت في حينها أعمل في مستشفى بعقوبة المركزي ، تبعد عن دارنا بحوالي ساعة بواسطة النقل ، وطلبت اجازة لمدة ثلاثة أيام. استقليت الباصات الكبيرة ، باتجاه مدينة سليمانية. وهناك التقيت بأخي ماموستا كمال الذي عاش تحت ظروف قاهرة وهو يقود محلية سليمانية في احد البيوت السرية ، أخبرته عن اعتقال ماهر وانصدم بالخبر ، وهيأ لي المستلزمات المطلوبة ، لتوصيلي الى مواقع الأنصار.

               في سيطرة عربد ، يتقدم العسكري باتجاه سيارة الاجرة ، ويلقي نظرة سريعة على المرأة ، بعباءة سوداء الجالسة في المقعد الخلفي ، التي كانت تتصرف وكأننا لا نعرف بعضنا ،  ويسالني:
- هويتك
 قدمت له دفتر الخدمة ..يتمعن قليلا
- شنو هذا. ليش الخط  بهالشكل .. قال العسكري ..مالَ بالدفتر بحركة يده اليمنى وبمساعدة أصبع الصغير من يده اليسرى يمسك حافة الصفحة لكي لا تنطوي.
أجبته بطريقة واثقة وبنبرة فيها شيء من اللطافة
- جان خطه مو حلو ، علساس يعدله..  خطية راد يكحلها ، عماها .
وتابعت حديثي:
- باوع بالصفحة الثانية امرتب وواضح ومكتوب باني مؤجل من الخدمة العسكرية لمدة سنة.
وقال وهو يمد يده من خلال النافذة الى داخل السيارة ليعطيني دفتر الخدمة ووجهه باتجاه الطريق :
-وين رايح.
-رايح ال دربندخان.
- اتفضل مع السلامة.
- شكرا.

           تحركت السيارة قليلا ثم وقفت بعد السيطرة ، واستقليت سيارة أخرى ، لاندكروزر ، بعد مسافة قصيرة من انطلاقها ، انعطفت وخرجت عن الطريق السريع ، دلفت السيارة الى اليسار ، لتنطلق باتجاه الجبال العالية ، مخترقا طريق الحصى ، حيث هناك بين وديانها الجبلية ، معاقل الأنصار.
           
            وفجأة توقف محرك السيارة. نزل السائق يتظاهر وكأنه ، يقوم بفحص المحرك. وبينما كنت أقوم أنا بتبديل ملابسي القديمة بالسروال الكردي داخل السيارة ، ليتناسب مع البيئة المحيطة لتلك المنطقة ،  وبعدها انطلقت السيارة مع الريح في تلك الفسحة الكبيرة باتجاه احمد آوى. كان هاجس الخوف لازال قائما ان لا اتعرض الى كمين ، احدى القوى الكردية التي كانت تعمل مع النظام آنذاك ، وكذلك الربايا العسكرية المرابطة ، على قمم الجبال العالية ، متأهبة لأي عمل عسكري هجومي مضاد ، من الجانب الجيش الإيراني. أوصاني أخي ماموستا كمال في حالة تعرضي الى مسائلة. ان يكون ردي. بان احد اخواني تشاجر مع والدي والتحق بالبيشمركَة و بأنني  ذاهب لاقناعه بالعودة الى البيت.

          وفي بغداد جاءت رجال الأمن ، بعد ثلاثة أيام ، من اعتقال ماهر ، لمعرفة مكان اختفائي. أنكرت والدتي معرفتها عن وجود مكاني ، بل حاولت ايهامهم ، بانها تعتقد انني محجوز لدى سلطاتهم . واستمرت المراقبة بشكل يومي .

               الاحداث المؤلمة تبقى راسية على مرافيء الخلايا المجروحة ، و تحركها رياح الالم  مع تقادم الزمن. كان الليل قد كساه السواد في جبال كرجال ، والقريبة من  قرية احمد آوى ، التي كانت تتمتع بطبيعة خلابة ، تنتشر في وديانها ، الاشجار الكثيفة و المثمرة بأنواع الفواكه ، كالتين ، والرمان ، تنبعث منها روائح طيبة تزيل عنا غبار الالم ، وتنعش في ذاتنا حياة ربيعية صافية. وتلك الشلالات الرائعة وهي تنساب بمائها الصافي باتجاه الوادي. ورغم هذا الرخاء التي أوجدتها الطبيعة ، إلا انها لم تستطع إبعاد تلك الذكريات الأليمة التي ظلت راسخة ، قابعة في صندوق الرأس.

                 لا يمكنني نسيان تلك الليلة وانا اغوص في نوم عميق في غرفة الفصيل ، كادت ان تتحول إلى فاجعة ..

           كان الضياء ، داكنا داخل غرفة الكبيرة للفصيل . أحد أنصارنا ، قد تعرض أثناء سيره من بتاليون السابع ، الى مقر القاطع ، الى اصابة بالغة من جراء اطلاق صاروخ هاون ، من ربيئة المطلة ، على احمد آوى ، حيث كانوا يراقبون  المنطقة من خلال الفتحة المكشوفة بين الجبلين . انفجرت قنبلة هاون بقربه ، واخترقت احدى الشظايا رأسه ، تدهورت حالته بشدة في تلك الليلة. بينما كنت احلم بكابوس أيقظني النصير أبو حاتم من النوم ، لم ادرك او اميز حركات الانصار داخل غرفة الفصيل واصواتهم المتداخلة . كنت بين الحلم واليقظة. وفي الخارج لا تسمع سوى حفيف الريح.
- خطية  ،  شلون تخربط ..
ورأيت النصيرة سهام ، تخيلتها والدتي ، تراءى إلى ذهني ، تلك الليلة المشؤومة ، عندما اقتحم الأمن بيتنا. ودون شعور سحبت السلاح ، من تحت الوسادة. أدرك أبو حاتم الموقف بسرعة ، وضغط بقوة على السلاح ليهبط على ساقي.

         جثمت بقايا الثلوج المتناثرة على قمم وسفوح الجبال الشماء ونزولا الى الوديان المتروكة مع صمتها الأزلي. أيقظني الحرس بتأني لأخذ مكاني في الحراسة بعد أن داهمني حلم مخيف وكئيب .. وأثناء نوبة الحراسة انتابتني مشاعر ممزوجة بالحزن والتفاؤل شارداً بأحلامي في زمهرير الليل بصمت مطبق تتفق مع الحذر المطلوب أثناء المناوبة في حلكة الليل .
 
            وفي الجبل ، بعد مكوثي هناك بعيدا عن بغداد ، ودفء الأهل ، وفي الصباح وبينما القلق يحفر  في صدري ، كنت شارد الذهن ، متأملا ، ذلك  الحلم ،  الذي داهمني دون سابق إنذار. وفجأة وضع ابولينا يده اليمنى على كتفي. وسألني وعلى وجهه ابتسامة لطيفة :
- اشبيك، اشوفك شارد .
 
               أبو لينا ، مستشار السياسي ، لقاطع سليمانية وكركوك للأنصار ، كنا نمشي ونتبادل اطراف الحديث. حكيت له عن ذلك الحلم ، المخيف والكابوس القادم ، من براثن العالم المتشتت ، ذلك العالم المتلاطم ، بأمواج الفوضى ، والمتشبع بآليات الانزلاق ، والتناحر ، بنشر الرذيلة ، والاحقاد ، والتحريض ، على النفاق ، وانعدام الاخلاق. حيث  تعرض دارنا الى قصف بالصواريخ ، ادى الى انهيار كامل لدارنا وتحول الى ركام ، ولم ينجوا من العائلة أحد.  كنت أروي احداث الحلم ، كما لو التقطت مشاهدها ، في استديوهات هوليوود. عاد ابولينا أدراجه دون أن ينبس ببنت شفة عما كان يجول في خاطره.

                 بعد أن أنتهينا من الفطور صباحا ، تجمع الأنصار من أجل جلب الحطب. توجهنا نحو القمة الجبلية ، المقابلة لمقراتنا حيث الأشجار الكثيفة. موشاة بقطرات الندى المعلقة باغصان الاشجار كعناقيد العنب. قمنا بقطع بعض الأشجار ، وسحبها نحو مقراتنا. عدنا الى داخل غرفة الفصيل لاخذ قسطا من الراحة... 
             انهمرت الثلوج بكثافة ، و غطت قمم الجبال بأكوام اخرى ، و الأشجار المتناثرة على منحدراتها تحولت الى بياض ناصع اختفت في غمرة الثلوج الغزيرة. وخرجنا جميعا من غرف القاعات المبنية ، من الحجر ، والطين ، الى الهواء الطلق ، حيث البياض غطت الصخور الصماء في الجبل.
                نعم خرجنا لكي نرى سقوط الثلوج ،  وان نستغل هذه اللحظات ، في قيام ببعض النشاطات ، للترفيه ، حيث قمنا برمي أحدنا للآخر ، بكرات ثلجية ، نصنعها بأيدينا الباردة. كانت لحظات جميلة ، تتخللها المتعة ، والالفة. وجوه تضيء ، بسعادة عظيمة ، كان قلبي يمتلكه احساس الفرح العميق.
          الجميع تغمرهم لحظات ، الوجد ، والنشوة. رميت الكرة الثلجية ، باتجاه النصيرة سوزان  ، وارتسمت على وجهي ضحكة مدوية ، لأنني نجحت بإصابتها. انزلقت قدمي اليسرى ، ففقدت السيطرة ، ووقعت على الأرض ضاحكا ، مسترسلا نظراتي الى سوزان ، ملمحا لها بأن سقوطي هو عقاب لاصابتي لها.
           نظرت إليها وهي على وشك البكاء. في باديء الامر اعتقدت انها تمزح لان الضربة لم تكن قاسية. ولكن تقدمت نحوها ، والدموع تنهمر من عينيها. يا للهول لم أقصد اذاءها. تقربت أكثر نحوها ، وهي تحاول إخفاء دموعها بابتسامة مصطنعة :
- انا اسف جدا سوزان. ماقصدت اذيتك.
اجابت :
- لا تعتذر عزيزي ،ما وجعتني ابدا. انسى الموضوع.
شعرت بغصة في نفسي  على عدم معرفتي سبب بكاءها . لماذا تبكي إذن. ولماذا لم تبك مباشرة ، بل نظرت لي لبرهة وبعدها انفجرت بالبكاء.
 

            وبعد الغداء افترقنا جميعا. طلب مني دكتور سالار ان اضع اليشماغ على رأسي ، وان اذهب الى غرفة القاطع. لم اكن اعلم شيئا ، بل لم أفكر قط سبب هذا الاهتمام ، ولاسيما ، كان تصرف دكتور سالار طبيعيا جدا.
           كنت أتصور بأن هناك مهمة سوف اكلف بها ولاسيما ، كانت هناك توجهات لارسال البعض إلى الداخل. وانا اسير بخطى سريعة نحو غرفة القاطع ، وصلت الى حدود الباب ، طرقت على الباب ، ودخلت الى فناء الغرفة وألقيت التحية ، طلب مني ابو سرباز الجلوس. على يمينه جلس ابو سيروان وعلى يساره ابو تارة ، بينما ابو لينا اتخذ الجانب المقابل الى الباب ، على يسار أبو تارة. بعد الاستفسار عن مزاجي ، لم يشأ ابو سرباز أن يبلغني بالخبر مباشرة ، وإنما قام بسرد طويل لتاريخ الحزب ، ونضالاته وما قدمه من الشهداء ، عبر تاريخه الكفاحي. شعرت ان خيوط افكاري ، سوف تتمزق ، و كشريط سينمائي ، تذكرت وجوه الرفاق ، ونظراتهم  لي ، وبكاء سوزان ، حد الالم يوم امس ، وانا كنت في حينها في نشوة التلاحم ، برشقات بعضنا البعض بالكرات الثلجية ، والسعادة ، ترسم معالمها على وجهي ،  وصمت ابولينا عن البوح بحقيقة ما حدث وهو يصغي الى ذلك الحلم الكئيب ، وانا اعيش آلامه ، بأن هناك صخرة ضخمة سوف تسقط على رأسي في الحال  ،  و تهلكني ، و خبر مفاجيء سوف يملأ صدري بحر من الآلام و يثقبه كرصاصة قاتلة مخترقا عمق القلب. كنت أمسك نفسي بقوة ورباطة جأش.

        واخير نطق  أبو سرباز ، إن النظام البعث قام بإعدام ١٥٠ إنسان ، ومن ضمنهم اخي ماهر في تاريخ ٢٧-١-١٩٨٥. خرجت من الغرفة منكسر القلب. مذهولا ، حاولت ان اخفي قسمات الوجه من صدمة الخبر أمام بقية الأنصار ولكن لم تكن المفاجأة . حال خروجي من الغرفة ، عانقني دكتور سالار بحرارة وعبر عن اسفه ، لم اتمكن من ان امنع نفسي من البكاء. جثة اخي سلمت الى والدتي معدوما وانا اجهل الخبر. إنسان اختطف من أحضان العائلة ، حيا ، بحر من الحيوية والنشاط ، والآن يرقد جسد صامت. رغم رفض السلطات ، بإقامة مراسيم التعزية له ، إلا أن أهالي مدينة خانقين التي ولد فيها ، خرجوا بالمئات في تشييع جثمانه ، الى مثواه الاخير ، متحدين خطوط الخوف والرعب.






12
أدب / غريب منسيٌ
« في: 19:06 14/09/2019  »
غريب منسيٌ
كفاح الزهاوي
البلابل تجمعت في لوحة سريالية
تسكب الحانا لتروي عطش الحياة
وغريب منسيٌ يقبع على ساحل موحل
يمسك الناي بحرقة وانين
يعزف لحنا
يحرك البحر الساكن
فترقص الامواج
عصفور يبحث عن ملجأ في الفراغ
 يلتقط نغمات هادرة
يتهاوى رنين شدوها الى مسامعه
يسقط مسكرا من نشوة الإنشاد 
على بحر من الزهور الأوركيد
يجد موطنه
تقذف أوتارها سفن النجاة
تنفلت من زحام الأمواج
 تبحر صوب الشمس
تسقط في واحة من النار
تتمازج الالوان
تنفجر اللهفة إلى الرمال
تحترق شوقا للذكريات
كجمرات تتوقد تحت الركام
تبعث بدفء الأنغام الى الشواطيء
يتجدد النبض




13
المنبر الحر / حلم في عالم الامل
« في: 17:26 09/09/2019  »
حلم في عالم الامل
كفاح الزهاوي

    كانت شمس الصباح الساطعة بدفئها الخجول،  ترسل أسارير ضيائها، عبر كوة النافذة العتيقة، الى داخل الغرفة الباردة. وخرير الماء المتدفق، من بين اخاديد الصخور الازلية، تتسلل عبر الاثير، الى الاذن كصوت تصدع الجبل، بينما هزيز الريح، يرن كطنين الذباب، في مسامعه، مما أعاقه من الاستمرار في حلمه الفريد.
   
     استفاق من نومه ممتعضا. إصابته مشاعر الطفل البريء، لم يكتف بالقدر الكافي في نومه، علاوة على فقدانه لحظات المرح، وهو يستغرقها في نشوة الحلم .
   
    عاصفة من الأفكار، تجول في ذاكرته على حين غرة، وهو يبذل جهده،  ليعيد الى الذهن لحظاته الجميلة، وهو يخوضها، في أجواء الحلم، تحت وهج الشمس، وصخب الموسيقى، مع ضجة الراقصات بحركاتهم الساحرة، و قهقهاتهم المتفجرة، وسط جمهرة واسعة في مركز المدينة.

- اين انا .. يتساءل باندهاش

    الجبال، الوديان، الأنهار، والزهور المتناثرة، بألوانها الصاخبة، وبزوغ الفجر، تجسد معنى الوجود. حركات متداخلة وسط ضوضاء وضجيج المكائن في مكان ما هناك حيث بقايا الزمن من الارث القديم.

    دقت ساعة منتصف الليل، حيث النجوم تتلألأ،  في فضائه الرحب، وترى ملك الليل في بلوغه الكامل، يتغنى العاشقون، بهالته، والآخرون يرون محبيهم في أحضانه صور. وفي الضفة الاخرى من العالم، حيث الحقول الواسعة، و استنبات أشجار الصنوبر، تضرب عمق الأرض، بجذورها الصلبة، لتكون موطنا للعصافير، والطيور المهاجرة، وتجمعا للهاربين، من مطاردة الصيادين لهم، وهم يكشرون عن انيابهم الحادة، ويهاجمون فرائسهم، عندما الجوع يقتحم أحشائهم .

- أي عالم غامض نعيش في احضانه .قالها بصوت متهدج

    وفي وقت الغسق، كان قرص الشمس، يهبط كالعادة باتجاه البحر، وكأنه يفكر في الغرق، ليحول المساحة المتاخمة، حوله الى بركة حمراء، وفريق متجانس، من طيور النوارس، بحركاتهم التحليقية، في تلك الفسحة الواسعة، تمتزج الوانهم البيضاء، مع أسارير الشمس الحمراء، لترسم لوحة سريالية، ذات لون خيالي.

     وفي المناطق الكثيفة بالاشجار، رغم كساء الضباب، الا ان النوافذ الصغيرة، من البيوت القديمة تشع بانوارها الزاهية، ودوي الموسيقى، في الغرف، فتبعث في النفس رسالة الحياة. و تراءى في حلمه تلك الغابات البعيدة، و المكتظة بأنواع الحيوانات البرية، فتجسد لوحة حقيقية، عن الحياة بطريقة أخرى، و بنظام آخر. انها الصراع، بين القوي، والضعيف، من أجل البقاء.

 وفجأة، انتابه هاجس مخيف، حيث تخلل رعشة الخوف، إلى سراديب الأوعية المنتشرة، على الجلد. فشعر بقشعريرة ملتهبة، وكأن وابل من الأمطار، قد نزلت بقوة، كي تجرف ما تقابلها في طريقها، ورياحها الرعدية، اطلقت عنانها، دون سابق إنذار، فحطمت زجاج الاحلام،  في يوم جميل الى ركام من الخيبات. انه عالم يتضاءل فيه لهيب القيم، ويطغى عليه غطاء من السواد، حتى بدا للناظر أن الليل قد أرخى سدوله وطوى صفحة الحياة.

- نعم الأيام القادمة هي الأسوأ.. قالها بصمت




14
أدب / مرثية لوشاح الفرح
« في: 19:21 06/09/2019  »
مرثية لوشاح الفرح
كفاح الزهاوي

 لم أشعر بالرهبة من خطوتك الاولى
             نحو غابات هواجسي
              لكن رياح سطوتك
              امحت من ذاكرتي
     
        هربت من صخب الزمان
              نحو واحة الامان
     كي اجد في عشقك راحة البال
      لا السنة نار تضرم أوصالي
 
   سئمت من متاهات الدهر و أنين الفراق
      تبحر في دهاليز روحي ووجداني
  حتى نهر الدم  شريانه توقف عن التدفق
       ووُدْيان فؤادي قد أصابه الجفاف
   
     لم يبق لي أرضا اضع قدميّ عليها
لم أجد سماءا صافية لارى نجمتك زاهية
لم أرَ  قارب النجاة على الشاطيء راسية
 
  إذا انجلى الليل فما نفع التمسك بالظلال
   ما ذنب الآتي ان يقبع في بُعْدِ لا ينتهي
        كنت اعد ساعات النهار تلك
   عندما تظهرين تحت وهج الشمس
         ما ان تختفي عن انظاري
           حتى تنطفئ الأضواء

كم لحضورك امل وإشعاع  وسر حياتي
      يا ليت الحياة تعلن عن نهايتها
كي تكوني راغبة في بث روح التوقد فيها
         
            تلاشت غمامة الحزن 
   عندما رأيت وجهك في المنام نورا
          سرعان ما تبدد الفرح
         مع اطلالة فجر الصباح
   أيقنت ان الفرح لم يك سوى حلما



15
المنبر الحر / خفافيش اخر الليل
« في: 19:21 29/08/2019  »
 
خفافيش اخر الليل
كفاح الزهاوي   
 
                   طفق أفواج من طيور خفافيش الليل، باقتحام السماء في ساعة الغروب، وهم يتحلقون في فضائها، كطائرات الشبح، في سرب متماسك تبدو للناظر، كأنها لوحة متشابكة المعالم، لفنان اربكه صخب الزمان، فغطى الورقة البيضاء، بصبغة سوداء، وبينما صنعت اجنحة الخفافيش المتراصة جداراً، صار فاصلاً، بين السماء، والأرض، فحجب الغسق وساد السواد.

                يغوصون في عمق الماضي، على حساب  إغفال الحاضر، يجعلون من الحياة، مأتما ينزف بحورا من دماء الأنين والشجن.  ينزعون عن أجساد الناس،  ملابس الضمير، ويزرعون بذور التشتت والخمود في خلايا أحشائهم، لكي تولد الأشجار، بجذور هشة، تجعلها عاجزا على التماسك، والتلاحم، قلقة، مضطربة، منكسة، غير قادرة على إنتاج الثمار، وأغصانها تحمل أوراق شاحبة، واهنة، تسقط مع أول هَبَة ريح خفيفة. انشؤوا حديقة مهترئة، أرضها جرداء لا حياة فيها. حتى قطرات الندى لا تقوى على الجلوس في أحضان الأوراق الهزيلة، فتسقط هاوية على الأرض. فتذوب في  تربتها المنخفضة،  رطبة، رخوة وهشة، لا تستقر القدم عليها ثابتا، فتهبط الى الدرك الاسفل  في سهل النفاق والشقاق..

              جعلوا من اليأس، الانكسار، والانحدار، جوهر مقدساتهم. وحولوا هذا الكائن الحي بكل قواه وأجهزته العقلية والفكرية الى اجساد مخدرة، تقاد باجهزة محكمة، ذات خطوط مبرمجة، .يغرسون نبتة الموت، في كل نفس حية، مع بقاء الجسد واقفا بلا احاسيس، او مشاعر، تتجه نحو هاوية سحيقة. ارعبوا الناس بخرافات العصور السحيقة حتى بات المرء يتخيل دائما بانه وجها لوجه امام ملك الموت،عليه حساب ساعات أيامه ولياليه، عوضا عن ان يغتنم كل لحظة من لحظات حياته بالضحك والتمتع بسماع الموسيقى ونسائم الحياة البهية، فتنعش الروح وتنقله إلى عالم الحب والسلام. تسمع حفيف أوراق شجرة التين كلما تحركت، فتبعث في النفس احساس كصدح الناي، طروبا، فرحا يتجلى فيه معالم الحياة وجمالها. خفافيش آخر الليل يحاربون الناس إن فاض قلوبهم  حبا بالوطن، يداهمون أحلامهم لمنعهم رؤية النور.

              الحيرة والشك يتمازجان في بودقة الأمل، الى حين ساعة الموت . الناس في حالة من الشلل ،غير عابئين بمستقبلهم، ينتابهم الشعور، بالرعب، والخوف و يملأ قلوبهم كرغوة حارقة تمنعهم من التنفس. الخفافيش ادخلوهم في دهاليز الأوهام، بأن الشياطين المرئية بهيئة البشر، ملاكا تحيطه هالة من النور،  تبعدهم عن شر الشياطين غير المرئية.


              الأشجار، والورود، المتناثرة بهندسية متجانسة، على جانبي الطريق اختفت في معمعة الدخان الأسود، وقضت على الطبيعة الخلابة، حتى الأبصار فقدت قدرتها على الرؤية، ولم تبق منها سوى  سمومها،  تتسلل إلى الأنوف، كي تزكمها وتشم رائحة الهواء الفاسد، في ليلة غاب عنها الحلم.

             هذه الخفافيش بعد ان اعتلت جدران الصدور تمكنت من التكيف مع متغيرات الطقس وتبادل الليل والنهار والتحكم بالفصول. حتى باتت الناس تعيش دون الشعور تحت مورفين تطلعاتهم. يشجعون الضعفاء على عزاء التحمل والصبر وأن يكونوا ودائع  ورقيقين  مستسلمين.

               كلما توهجت الشمس و اتقد الفكر ونهض العقل من سباته. يتسلل القلق الى جحورهم، ويقتحم مضاجعهم ويستبد بهم الهلع، ينطلقون كحصان طروادة نحو اوكارهم الخبيثة في الغرف الفاسدة يتوجسون شرا.

               انهم قراصنة العصر جاؤوا على متن سفينة مهترئة عبر الضباب الكثيف  نحو جزيرة الاحلام التي أهلكتها الأمواج المتلاطمة، و الهائمة على بحر من الذهب. اغتنموا فرصة  نيام أهل الجزيرة وبمساعدة سفهاء القوم تمكنوا من الاستيلاء على خزينة الذهب. جموع غفيرة عانت من قساوة الزمن لفقدانهم هَمْ الطائر العذب يسمى الحرية. بدلا من تحريرهم،  وضعوهم في قفص كبير، مفتوح الأبواب، ولكن بعيد عن مدخل الخروج، أوهموهم  بأن زمن العذاب ولى ولن يعود.
           
             الحقائق اخذت اشكالا ذات قوالب مختلفة، وكأن للحقيقة وجوه متعددة، تبدلت بين ليلة وضحاها إلى لحية غير متناسقة، كثة، رثة، مبتذلة، تنبعث منها رائحة نتنة. سرعان ما  امتهنوا وظيفة السرقة والتضليل تحت راية الفضيلة وايقاعات الحلال والحرام. بل جعلوا من الخسة والرذيلة شعارات يرددها فئة كبيرة من الناس، المخدرين بفيروس الأساطير، في صلواتهم. جعلوا من البشر، أمعة، كائنات ضارة، غير نافعة. لكي ينمو وينضج ضمن بيئة عفنة فتنتشر روائحها لتغطي مساحات أوسع. الوطن كالانسان قد يتعفن و يتحول الى جثة هامدة، كلما تمكن  هؤلاء الخفافيش، من خلال الاستمرار في تهجين الناس، على نشر أساطير القرون الوسطى.حتى أصبح الوطن مكانا مرعبا ورهيبا.

             تلك الخفافيش تستمر في التحليق جهارا دون اي رادع، تراقب عن كثب لكي تمنع تفرق الغيوم السوداء، التي غطت أديم السماء. ولكن الرياح المنعشة لابد ان تهب يوما في المسار الصحيح لتدفع اكوام الغيوم  بعيدا وتشرق الشمس الخفية، لتلقي ببريقها الساطع فوق المنحدرات، والسهول، والوديان، وقمم الجبال الشماء، وفوق سطوح البيوت، في القرى، والأرياف المتعبة، والمدن المتروكة. سوف تزحف الناس في هدوء وسكينة، نحو اوكارهم المشبوهة، والملغومة بالضغينة،  والإحباط، وسرعان ما تنتفض على القهر والطغيان،  وهم حاملين شعلة الحرية  ويصرخون بصوت عالي نعم للوطن.


 


16

آثار من ذكريات الماضي
كفاح الزهاوي
            كنا أطفالا صغارا ننام على السطوح المنبسطة لبيوتنا في الصيف ليلا، ونرى النجوم المتناثرة فوقنا في السماء ، تتلألأ ببريقها، مع ضوء القمر. ما ان ارتفعت الشمس في السماء صباحا حتى تفيض وتنشر بحرارتها على سطوح المنازل، فتغرق الوجوه والأجساد. فتدب فيها الحياة، واستيقظ في وهج وردي. اذهب الى المدرسة، وانظم وقت فراغي في ممارسة حياتي اليومية. كنت أقضي أوقاتا ممتعة في ممارسة هواياتي، وخاصة تلك اللعبة الشعبية المفضلة لدي، لعبة كرة القدم،  في ساحة صغيرة، وهي عبارة عن قطعة أرض متروكة في محلتنا ذات الأزقة الضيقة. كان لي صديق في نفس العمر، اسمه علاوي مشاكس وله عادة سيئة . كلما مررنا بالقرب من عمود الكهرباء الوحيد في محلتنا، كان يرمي المصباح بحجر ليظهر مواهبه، في قدرته على اصابة الهدف كاي طفل. كنت اغضب من تصرفه. قضيت طفولتي في هذه المدينة. كنت أشعر بمتعة غير طبيعية في متابعة الأحداث وما يحصل في محيط مدينتا، والشخصيات المعروفة،  كنت اشعر بنشوة عذبة، كلما تدفعني ساقايّ باتجاه السوق. هذا السوق الذي يقع في وسط المدينة الجميلة، اعتبرها من اجمل المدن لأنها تشكل جزء كبيرا من تاريخي، فهي مسقط رأسي، اتنفس رائحتها الندية، القادمة من بساتينها المزدهرة، وطبيعتها الخضراء، ونهرها المتعانق عباب السماء، تحت الشمس الوهاجة. الألوان الزاهية بتنوعها البشري، تكسو أجواء وسماء المدينة رونقا متميزا، ومنبعا لتدفق الأفكار المتنورة. وفي المدينة تنتشر سلسلة من التلال بعضها تحمل الوانا تميل الى الاحمر،  تتميز بجمالها الصارخ، وفي الأفق ترى الجبال الشامخة وخاصة عند الشفق، حيث قرص الشمس تتوارى وراءها رويدا رويدا،  وتنشر شريطها الأحمر على قممها الشماء.

                 في الصباح الباكر من يوم الجمعة، قبل طلوع الشمس، بينما أشقائي وشقيقاتي يغوصون في نوم عميق، وشخير أبي وصل إلى عنان السماء، مع كل اطلاقة زفير، يهتز الجدار،وحجر البيت على وشك السقوط. أيقظتني أمي من النوم، ووضعت النقود في يدي، وناولتني الوعاء ذو القعر العميق، الذي أصابه الشحوب من كثرة الجلف،  وتقول:
- اذهب الى حجي مراد  واشتري هريسة.
         
             بعد ان قضيت حاجتي،  خرجت من الحمام، لبست حذائي، تاركا البيت مسرعا، حال ما ظهرت في فناء المحلة. داهمتني العتمة. بدا السكون واضحا على اجواء المحلة، ماعدا الايقاعات الموجية الصادرة من شخير أبي . كان المصباح الوحيد في محلتنا لا يعمل، بالأمس كان شاحبا، واليوم وجدته مكسورا. وقفت للحظة وبعدها امتصت عينايّ قليلا من الضوء المنبعث من النجوم التي لازالت تتلألأ في السماء. وأصبحت الرؤية أكثر وضوحا.. مشيت قليلا،  وانا امر في ازقتنا ذات الدروب الضيقة، وصلت الى نهاية المحلة وخرجت الى الشارع. حيث أضواء الأعمدة هناك لازالت مصابيحها تشع انوارا. شاهدت بعض المارة وهم يحملون صحونهم، قطعت الطريق باتجاه الجهة الشرقية،  قاصدا المحل، وقع بصري على طابور من الناس، باختلاف أجناسهم، وأعمارهم، ينتظرون دورهم من أجل الحصول على لذة الهريسة، كنت اتنفس منها رائحة طيبة ترطب الذوق وتشمها عن بعد.
         
            شعرت قليلا برعشة برد، تسللت خلسة الى صدري. هبت ريح خفيفة، مست جبهتي، جعلتني اتنعم قليلا بنسيم الصباح الباكر .. وصلت الى موقع المحل، وقفت في الدور كبقية الناس. وبينما كنت واقفا خلف امرأة، تغلفها عباءة سوداء، اشرأبت بعنقي من خلفها لألقي نظرة من باب الفضول، على حجي مراد وقدراته الفنية ونشاطه اللامتناهي من الصباح الباكر، كنت اعتقد، انه ينام في المحل. لم أر وجه المرأة امامي، فهي ربما كانت منشغلة باولادها، ينتظرون قدومها، ولم تلتفت هي حتى جاء دوري وتَرَكَتْ المكان.

           ناولت حجي مراد الوعاء، والنقود،  وانتظرت قليلا،  بينما كنت انظر اليه، تدفق، الى ذهني سؤال، طرحته على نفسي.. لماذا يسمونه حجي؟. فهو لم يزر الحج ولم يخرج من المدينة يوما. كنت اتسأل،  ربما كلمة الحاج يرفع من منزلته، ويزيد من احترام الناس له.
قلت في نفسي :
-   منافق، دجال.. أردت ان أسأله ، هل صحيح هو حجي؟، ولكن لم اتجرأ. لا ادري هل هو جبن مني أم لم اكن متأكدا من انه فعلا ليس حجي .
         كان حجي مراد رجل في الخمسينات من عمره، هاديء الطبع، متوسط القامة، سريع الحركة، يستقبل الناس بابتسامة لطيفة، حتى لو لم يسمع، ما صدر عنهم، من كلام موجه له، فهو بشوش دائما.. محله يقع في الجهة الشرقية من مركز المدينة، له قدرة وذوق رفيع في صناعة الهريسة
   
           وأنا في غمرة التفكير، فجأة ناولني الوعاء كان ممتلئا بوجبة هريسة شهية. والدراجين، غطت سطحها، كندفات قطن، تسقط على بركة ماء، و تصاعد من الوعاء، البخار، وعبق المحل، برائحة الهريسة . قمت بوضع الغطاء على الوعاء، وعدت أدراجي الى البيت. وهناك كانت امي قد اعدت لنا المائدة وجلبت خبزا حارا، طريا من فرن كاظم الخباز، وخاصة في الصباح، كانت رائحة الخبز تفوح، من التنور، الكبير، فتملأ المكان بنكهة الفطور. وجلسنا نحن الصغار، والكبار، حول الصحن، ونهيم بتناول الهريسة، بغمس الخبز فيها والتمتع بلذتها.

             كانت أمي امرأة عظيمة جدا، بمثابة الشمس في النهار باشراقتها الوهاجة، والقمر في الليل بجمال هالته، ونوره الساطع، تضحي بروحها وصحتها من أجلنا. بل تكرس كل طاقاتها من اجل ان نكون بشرا لهم قيمة لأنفسهم وللآخرين، تحزن لحزننا وتفرح لفرحنا. بالرغم  انها امرأة أمية، ولكن واعية ذهنيا. متنورة، كانت مدرسة خالدة حية، كنت أصارحها بكل شيء، متسامحة، لا تحمل أية ضغينة تجاه الآخرين، امرأة جميلة جدا، كنا نمزح معها ونقول كيف قبلت بالزواج من أبي. تجيب قسمة ونصيب. سألت أمي مرة بنوع من الاستغراب وبرنة بريئة:
- ماما : لا اعرف لماذا اشك ان كاظم الخباز ابن سيد محسن؟
 قالت :
- لماذا تسأل؟
قلت :
-  لا أرى أوجه التشابه بينهما.
 قالت :
- ولكن كاظم هو ابن سيد محسن. ولا تشغل نفسك بالآخرين . ثم ما الذي يزعجك منه.
قلت مع اطلاقة ضحكة :
- اكره لحيته.
 

           كاظم الخباز، مارس هذه المهنة منذ نعومة اظافره، بعد ان ورثهُ عن والده، المرحوم سيد محسن، كان رجلا متدينا، نزيه في تعامله مع الناس ، محبوب وسط أعيان المدينة. بالرغم انه كان سيد. إلا انه كان رجلا متنورا في أفكاره. كل الأمور في الدين يربطها بحياتنا اليومية. وما تتمخض عنها من متقلبات.  بينما كاظم، بعكس والده. كانت له لحية مبتذلة، سمات وجهه تعبر عن الشؤم، عبوسا، وكأن غيمة سوداء، حجبت وجهه، ضئيل الحجم نحيفا، وتحت عينه الأيسر شامة كبيرة نبتت فيها شعرة، بينما شعر رأسه خفيف جدا، كان بامكاني حساب عدد خصلاته، لفحت الشمس بشرته، فبدت كالخبز المحروق، لم يكن لطيفا في استقباله للناس، كان يشيح عنهم النظر، وكأنه يتحاشى من فضيحة. لم اكن اتحمل رؤية وجهه، خاصة عندما  كانت امي ترسلني لشراء الخبز منه.
         
           اعتلى الشمس في الصباح،  وتوهجت سمتها، رغم تناثر السحب، هنا، وهناك، إلا ان صفحة السماء بدت زرقاء زاهية. وتضوعت الأرض، برائحة ندية، بعد ان أمطرت السماء بغزارة يوم أمس، و توقف المطر عن الهطول قبل طلوع الفجر. كانت الحركة في وقت الظهيرة، شبه راكدة في السوق. المساطر، و العربات، قابعة في اماكنها كالعادة. الغيوم المتفرقة في السماء، تخبيء الشمس، خلفها بين حين وآخر فتتسلل قشعريرة خفيفة الى اجساد المارة،  بينما الباعة، لم تظهر عليهم اية علامات بارزة، فهم  تعودوا بحكم وقوفهم في السوق على طول فصول السنة حتى بات الأمر سيان.
         
            وفي أروقة السوق ترى البشر على اختلاف أنواعهم وأجناسهم، من النساء، والرجال، تطأ أقدامهم أرض السوق، وتترك آثارها، واحيانا احاول الابتعاد عن بعضهم، بسبب الثوم التي رائحتها تفوح من انفاسهم وهم يطلقون الزفير اثناء الكلام، والبعض الآخر، نتيجة الإفرازات العرقية التي تتصبب من بشرتهم. فيرتفع منسوب الرائحة، الذي يزكم الأنوف، حيث يأكلون حباته ، كما الحلويات، لان لها فوائد صحية، تحافظ على صحة أبدانهم، كما يقولون. كنت صغيرا لا أطيق رائحته. في احدى الأيام قالت لي امي بسبب تذمري من رائحة الثوم.
-   ماذا تفعل لو تزوجت فتاة تأكل الثوم :
أجبتها بفيض من المرح
-   سوف اطلقها.
       
            وفي السوق، ترى الباعة في تناغم مع المشترين، في محاولاتهم لإقناع زبائنهم، بنوعية بضائعهم. كنت شغوفا، فضوليا في متابعة الناس بنظراتي، كانت لي رغبة كبيرة في تقليد حركاتهم. ولكن أقلعت عن هذه العادة مع مرور الزمن كلما أصبحت أكثر نضجا..بينما كنت واقفا بالقرب من مرتضى الجايجي. وقعت نظري على رجل مسن، علامات الشيخوخة بدت عليه واضحة، كالشمس، في وضح النهار، يقبع في ركن ماسكا النارجيلة وينفخ بالجمر المجهز للتدخين. والى جانبه يقف رجل اخر، في عمر الخمسين يرتدي دشداشة حمراء قصيرة ومخططة، وسترة خضراء اللون، يظهر عليها آثار الترقيع، تم خياطتها بشكل عشوائي. أما حذائه، كان مصنوع من القماش، يبدو هكذا، قد تشبع بالغبار، يصعب التكهن بمعرفة حقيقة لونه الاصلي. وشعره قد داعبه الشَّيْبَ، وخصلاته مبعثرة كما لو انه استيقظ من النوم توا، وترك الدار وتوجه الى السوق مباشرة، وبيده تمر، يمضغ به. ينتظرون البضائع لاستلامها من رؤسائهم كل يوم. لأنهم يعملون لصالحهم مقابل اجر يومي. يبدو انهم ليسوا من اهالي نفس مدينتنا، لانهم اختفوا عن الانظار بعد هذه الزيارات، ولم يبق لوجودهم اثر في السوق. هناك من يأتي من المناطق المتاخمة وخاصة من النواحي القريبة وحتى البعيدة من أجل التبادل التجاري.

            وعلى الجانب الآخر تتراصف الدكاكين، والمحلات الصغيرة، والمخازن، وورش لبيع الأدوات الفخارية. ويبيعون مختلف أنواع الخردة. الناس تشتري، فقط لانهم يريدون ان يشتروا. وفي هذا الوقت، جلس ابو صالح العجوز يبدو عليه التعب واضحا، وأثار تصدعات الزمن، بارز على وجهه، مجعداً، طاعنا بالسن، وله شارب ابيض، يحرك حبات مسبحته، تعود الى زمن ما قبل التاريخ، ظل محتفظا بها لأنها صداقة عمر، و مرافقا لمسيرة حياته، التي لا يتذكر شيئا من محاسنها. كان لديه حمام قديم في منطقة نائية، بعيدا عن البيوت، على أطراف المدينة، يقع في قبو تحت الأرض، وله فتحة من فوق السطح،  يخرج منها الدخان الاسود، بحيث جعل من الطابوق والحجر في محيطه سُخاما كالفحم.  كان يمارس دوره كمتمرس في العلاج الطبيعي، للمرضى الذين يعانون من آلام المفاصل، و الفقرات. كانت الأجواء داخل الحمام تتمتع بحرارة عالية. ويستخدم بعض الأعشاب الشعبية في عمله، اضافة الى وجود البخار والتدليك. التفت إلى العربة، الصغيرة، لبائع الشاي، المتجول، وهو يطقطق بالاستكانات .قال بصوت مبحوح :
-   مرتضى، اعطيني استكان شاي بدون سكر . وأضاف
-   لا اريد ان يرتفع نسبة السكر اكثر .
         
             مرتضى  من الوجوه المعروفة لدى أهالي المدينة. فهو ورث عمله في صناعة الشاي، عن أجداده. رجل قصير القامة، يضع اليشماغ، على رأسه دائما، متمكن جدا في لعبته البهلوانية، على تحريك الاستكان، من اجل اثارة المتعة. رغم انه في الأربعينيات من عمره، الا انه يبدو عليه الشيخوخة، عيناه غائرتان ، انفه عريض، شفته العليا فيها شق. يبدو انه ارث طفولي منذ الولادة. والتجاعيد ملأت وجهه. ظل طول حياته عازبا. مرة سألته
- مرتضى لماذا لا تتزوج؟، ويصبح لديك اولاد، ويساعدونك في عملك
رمقني بنظرة حادة، بحيث حاجباه هبطا فوق عينيه، كأنما انزل مظلة عربته، نظرته اختلطت فيها الحزن، وعدم الرضا. وخاصة السؤال صدر من طفل. سكت قليلا. وقال :
- لا اريد الزواج ، لكي لا املك اطفال وقحين مثلك.
- اغرب عن وجهي
يبدو كلامي كان كسكين حاد فتح له جرح عميق وخفي. لم اكن اعرف عن خلفياته.

                أخي الأكبر زكي  أوصاني بشراء لاصق، ذهبت الى دكان كريم، كان أهالي مدينتنا يطلقون عليه اسم كريم القزم. فهو قصير القامة، جسده أشبه ببستوقة فخارية، كأنما تم تشكيل رأس عليها. لم يكن مظهره بذلك الصعوبة في رسم لوحة كاريكاتيرية عنه، كنت تستطيع ان تحلل شخصيته من خلال دكانه البسيط. بأدواته والبضائع المبعثرة في  فضاء المكان. عندما تدخل الى فناء الدكان  تحتاج الى وقت من أجل العثور على كريم. لأسباب عديدة . أولا حجمه ضئيل والدكان يغلفه ظلام عاتِ، والمواد في المحل كما لو ان الدكان تعرض الى تفتيش من قبل الشرطة، او لص كان يبحث عن النقود،  ورموا الأشياء بلا تعين. ولكن الغريب في الأمر، ان كريم كان له قدرة خيالية في إيجاد المواد، طلباتك تحصل عليها بسرعة. يلتقط الأشياء من بين الركام، وعندما تدفع قيمة البضاعة، يأخذ النقود وخاصة إذا كانت عملة ورقية، يرميها خلفه. لا ادري كيف يستطيع ان يجد الفلوس لاحقا.
سالته :
- كريم لماذا دكانك هكذا، غير منتظم؟
قال :
- ليس لدي الوقت الكافي لتنظيمه.
قلت :
- انا لدي فكرة
قال :
- ماذا؟
قلت :
- قم بنشر دعاية، مفادها، أنك تبيع الذهب. ربما هناك لص يأتي الى دكانك ويعيد الاشياء الى نصابها.
قال :
- هو يأتي لكي يسرق ام ينظم الدكان.
قلت :
- كيف يستطيع ان يجد الذهب في هذه الفوضى. إذن عليه أولا بترتيب المكان. صح !.
قال :
- انت كنت تعمل لصا سابقا.
قلت :
- فكر بالموضوع جيدا. مع السلامة.


              ومقابل زقاقنا يقع دكان سيد مراد، هو نحيف الجسم كعصا الخيزران، له عينان صغيرتان خبيثتان.، غشاش، كان يفتقر الى الاستقامة والشرف، وفي نفس الوقت يمارس الفضيلة، لا ينسى الالتزام بأوقات الصلاة ويصوم كل سنة. كنا نشتري منه حلويات كانت تسمى  شعر بنات ونرى بأم عيوننا. كيف وضع ثقل معلق من تحت أحد جانبي الميزان لكي يزيد من وزن البضاعة. كنا نتألم ولكن لم نتجرأ القول. سمعت صوتا قادما من خارج الدكان، خرجنا الى الشارع  شاهدنا جمال وهو يمشي و يتمتم مع نفسه.
       
           جمال دَلي. كان مجنون المدينة. يمشي بسرعة، كأنما أحد أبطال الاولمپياد في سباقات المشي، بدين الجثة، وله بطن ضخم، ويسير كعسكري متمرس، مستقيما بقامته، يتكلم مع نفسه، كأنما يطرح الأسئلة الآنية ولا يجد الجواب الشافي إلا من تلك الصادرة من فاهه.  وبيده دائما عصا، ناديت عليه باسمه :
-   جمال … جمال.
 يلتفت الى الوراء دون ان يتفوه بكلمة، ويقلب عينيه ويبرز بياضهما، بطريقة مضحكة. لم يكن عنيفا طالما لا تتعدى حدود صبره. جمال كان يلبس شحاطة في الصيف وحذاء في الشتاء. كان دائما نظيف. أهله يهتمون بهندامه. لكي يبدو بمظهر أنيق.

             أتذكر عندما كنت في السادسة من عمري حدث زلزال في مدينتنا الصغيرة، كانت جميلة بأهلها وتنوعها. لم اكن اعلم ماذا يعني الزلزال، ولكن كنا نسمع من الوالدين عن تلك الأساطير عن الحياة والموت وزوال الأرض، كنا نؤمن بها. بل يشاركنا  في هذا الايمان ملايين من البشر، وأن حياتنا مرهون بانتهاء الأرض. بحيث ان الإله، الذي صنع الأرض، سوف يعلن عن يوم الحساب، ويدمر كل شيء.، ويحولها إلى أكوام مكدسة.. بدأت الغرفة ترتج، والسرير يهتز،  شعرت ان موعد القيامة، قد حان، وأن نهاية الأرض على وشك، وانا على سريري الخشبي والغرفة احتوتها العتمة، كنت اتخيل ان الارض، قد تنشق، وتبتلعنا، كما تبتلع الحيتان الأسماك الصغيرة، و الغرفة سوف  تنهار على رؤوسنا، وندفن، أحياء، تحت الركام. كنت اعيش في وجل، ولو للحظة، أصبحت اللحظة كل شيء. لم اعرف شيئا عن هذه الكوارث الطبيعية سابقا. ولكن كانت مفزعة.

           كثيرا ما تعرض النهر الجميل، الذي يتوسط المدينة، الى فيضانات هائلة، أثناء الشتاء، يقبض الجسد، والروح، وتساقطه الغزير  للأمطار، يحول النهر إلى مارد يجرف كل شيء في طريقه. كنت أهرع باتجاه النهر، لأرى زعل الطبيعة وهي تسكب اكوام الغضب على سر بهجتنا. كان النهر يُرى من فوق الجسر التاريخي الذي يربط المدينة شرقها، بغربها، قد اصبح لونه اسمر فجأة بسبب نزول الاتربة المنتشرة على جانبي النهر، حيث تحولت بفعل الأمطار التي هطلت بغزارة، لتجرفها، أكواما. فاختلط الطين مع ماء النهر وهو يقدح الشرر، هائجا، ويتدفق كمياه عابثة. وبإمكان المرء مشاهدة خيوط الماء المنهمر تربط السماء بالوحل. كان الجسر متماسكا، صلبا، مزودة بدعامات كونكريتية، حجرية  صلدة، وثابتة، بشكل محكم جدا، قادرا على الصمود أمام العواصف والتيارات الجارفة الهدامة.

                النهار يكسوه غطاء اسود، ومن بعيد  كانت الكلاب في البساتين تعوي بحزن.. الماء الصافي الذي كنا نسبح فيه تحول بفعل انجراف الطين وامتزاجه مع الماء، وهي تتدفق بشراهة غير منصفة،  يوحي للناظر وكأنه سيل من الشوكولاتة الحلوة تصنعها الطبيعة لنا. وعدت إلى البيت مرورا بمدرستنا الابتدائية.

              كانت مدرستي قريبة جدا من البيت، كنت أحب الدراسة وقضاء الأوقات مع الأصدقاء. كانت مدرستنا متفوقة جدا في مجال الرياضة. بفضل معلمنا، كان رائع جدا، يولي اهتمام بالغ في تطوير مستوى الرياضة لدينا، هو ايضا كان متمرس في مجال الساحة والميدان، اضافة الى نشاطات في الكشافة. كنت احبه كثيرا وهناك ايضا من المعلمين الذين تركوا أثرا سلبيا في حياتي . ترسخت في نفسي ذكرى أليمة، ظلت عالقة في ذهني، لسنوات طويلة، وأنا حينها في السنة الثانية في المدرسة، بينما كنت غارقا في عمل واجباتي داخل الصف. وفجأة ارتفع جسدي من مقعدي الى الهواء بواسطة يدين غليظتين واوقعني أرضا بكل ثقله. كما لو انني في حلبة المصارعة، لم تتوقف الضربات وتوجيه الركلات لي أمام جميع التلاميذ الذين كانوا اولاد صغار مثلي. ثم رفعني دون رحمة وقذفني على مقعدي، كما يرمي جمادا، رغم ضربه المبرح لي، وقساوة فعله، الا أنني لم أبكِ، بل جلست، ورأسي منكسا قليلا، وكل حواسي يرتعد من هول الصدمة، احتبست الكلمات في حلقي، كمن عاجز عن الكلام، وعينايّ محدقتان كأرنب وديع إحاطته الحيوانات المفترسة تسلل الرعب الى جسده، يترقب حركة غريمه، ووعينايّ تفيض حقدا عليه ونظراتي تشوبها الذهول، والإذلال. ونبضات قلبي تزداد خفقانا، كنت في حالة وكأنني أستعد لجولة ثانية اكراهاً.  لم افهم لماذا عذبني معلمي في الابتدائية ، كان اسمه صالح. طويل، مفتول العضلات، كان في عينه اليمنى حَوَلْ. هذه الحادثة تركت في نفسي جرحا عميقا. لاشيء اكثر ايلاما من ندبات الجروح. كنت اراه في احلامي وهو يطفئ غريزته البربرية بايذائي. بل يثير في نفسه لذة المتعة والسعادة.
               
               الجامع وإمامه كانوا في محلتنا. الإمام  كان يعيش في أقصى الجهة اليمنى، والجامع يقع في اقصى اليسار،  كان للجامع، بابان، يفصل المحلة عن الجهة الثانية من الشارع. فيخفف من وطأة المشي بدلا من السير طويلا.  كنا نسمع صوت ملا  سعيد وهو يأذن صباحا بصوت جهوري بدون مكبرات الصوت مع الفجر قبل ان تبلغ الشمس سمتها. ملا سعيد كان بدين، أعمى، ولكن كان لا يخطئ الطريق ابدا. كان يسكن في محلتنا، مفتاح باب الجامع كان بحوزته. كنت اتصور ان ملكية الجامع تعود له. والحسينية على الجانب الآخر قريب من النهر، كان آذان الفجر من مكبرات الصوت يخترق أجواء المدينة فتصطدم بذبذبات الصوتية لملا  سعيد في الهواء. ثم مع الزمن حصل الجامع أيضا على مكبرات الصوت.. من الطرائف مع ملا سعيد انه بعد اذان المغرب نسي ان يطفئ جهاز المصدح، راح يغني مع نفسه.. هله ليلة هله.. اتذكر تم إلقاء القبض عليه من قبل الشرطة. وصل الى حد دارنا، وبصوته الجهوري، نادى على أمي، كي يخبرها ان الشرطة اعتقلته. وفي مركز الشرطة وجه له الضابط سؤالا :
- قل لي كيف أنت ملا وفي نفس الوقت شيوعي. يا خروشوف
كنت استغرب من قدرة ملا سعيد على معرفة بعض الشخوص بالرغم انه لا يبصر. في احدى الايام تحدث عن مَمَدْ، بعد ان اعتراني الخوف منه. قال :
-لا تخاف منه، القدر جعل منه هكذا.

               مَمَدْ، ينام في وسط القبور. تلك المقبرة تقع على نواحي المدينة ، فهو غريب الأطوار، نحيل الجسم، جبهته عريضة، له حاجبان عريضان، منفوشان،  يتدلى على العينين. يظهر عند العصر في المدينة، ويمر أمام السينما، يسير حافي القدمين في أسمال ممزقة. وعلى رأسه طاقية ملفوف عليها رباط اخضر، ويشد على بطنه حزام عتيق من الجلد. يرتدي دشداشة طويلة وسترة شتوية. كان وجهه  شاحبا، كمن أصابه فقر الدم، هزيل البدن، وضامر، عظامه بارزة، تتلمسه من رقبته، كان حجم السترة لا اتذكر لونها اكبر من جسمه، لم اره ابدا بدونها، حتى في أعلى درجات الحرارة، كنت في دهشة من امري كيف لا يفقع هذا الرجل.  وانا انظر الى مقلتيه، ظلت عيناه محدقتان، وهو ينظر إلى الأمام، دون ان يحرك رموشهما. كأنما اصابه صدمة قوية ولم يفق منها بعد، كنت اخشى من وجوده. كان يمشي منحني الظهر، يحرك فقط يده اليمنى، بقوة الى الأمام والخلف،  بينما يده اليسرى ثابتة ملاصقة بجسده. عندما يتقرب المرء منه. يشعر بثقل الهواء وهو يحمل رائحة نتنة، بسبب الجيفة في جسده. ما ان جلس للراحة قليلا، سرعان ما يتجمع الذباب حوله بحثا عن الطعام ، وكأن صندوق القمامة انفتحت غطاءه. انتفضت رائحتها لتصل إلى الذباب.  وفجأة بعد برهة من حضوره يختفي عن الأنظار.

          كلام ملا سعيد ظل يتردد في ذاكرتي. بان القدر جعل منه هكذا. المرء يرى في حملقته تمرد واضح على بؤس الزمان، انتفاضة ضد اللاعدالة، ومع ذلك كان يعيش في عالم وهمي صنعه لنفسه، مجرد من كل القشور، وجوده بين الأموات، يمنحه شعورا،  بالحرية، والسعادة . لا صوت يعلو على صوته. سمعت من أخي الكبير بأن مَمَدْ يعتقد ان الذين يسكنون في القبور ويقصد بالساكنين، الأموات، يدخلون في سكون مطبق، ما ان يصل الى موطنه. واحيانا عندما ينام يرتفع في الظلام انينا عميقا يزعجه أثناء النوم. عند سماعي لهذه القصة، شعرت  بالخوف أكثر. كنت أتصور بأن الحياة بدت له شريرة وظالمة الى حد اللعنة، وكل شيء مناط الى الصدفة .
              هبط الليل على القبور، بعد يوم مثقل ومملوء. رقد مَمَدْ في حفرته وسط القبور، مستشعرا الم الحياة تحت ترابه الساخن في تلك الحفرة بحجم جثته . كما يسميها هو موطنه. أسدل أجفانه، أغمض عينيه المثقلتين، ليدخل إلى عالم الأحلام، عالم يجد فيه ضالته، ويعيد قواه قبل ان تشرق شمس الصباح وتحرمه من أحلامه. وتحت جفنيه المغمضين، ربما مرت بحور من الالام منذ ولادته، وربما شعر انه يسبح في الفضاء عاريا، حرا، في عالم يختلف عن عالمه، الذي فقد فيه ساعاته، وأيامه. لم يعد يسمع ذلك الأنين بعد الآن. سكن قلبه وبقي جاثما في حفرته إلى الأبد. كنت اراه دائما قريب من السينما، لم يعد لمَمَدْ أي حضور يذكر. عندما مررت بالقرب من السينما تذكرت ان المكان ينقصه انسان مجهول.

            كنت احب السينما، حتى ولو لم احضر اي فلم. كان ينتابني شعور بالبهجة بمجرد إلقاء نظرة على المانشيتات للافلام. كنت سرا دون ان أخبر أهلي،  اذهب مع بعض اصدقاء المحلة إلى السينما. لم يكن في حوزتنا ما يكفي من النقود لشراء تذكرة الدخول. فكنا نقف امام باب الصالة، عندما يبدأ العرض، نبدأ بالاستعطاف من قاطع التذاكر، ان يسمح لنا بالدخول، كان يسأل عن كمية النقود التي بحوزتنا، نمد يدنا مفتوحة، كمن يقول هذا كل ما نملكه، يلتفت يمينا ويسارا، يلتقط النقود، و يخفيها في جيبه، و بإيماءة من رأسه، مشيرا الى الباب، مطالبا، الاسراع بالدخول. ومع الزمن أصبحنا معارف. ما ان يبدأ العرض يأخذ منا الفلوس وندخل بسرعة الى داخل الصالة. وأحيانا لم نملك مالا ، سمح لنا بالدخول مجانا.

           الشمس اختبأت خلف الغيوم القادمة من غبار الصحراء التي تحوم في الجو، غبار خانق وحر لا يطاق. كان يوما ثقيلا بطبيعتها غير الهادئة. يبعث في النفس القلق. أخذتني والدتي الى المضمد مصطفى وانا في عمر ست سنوات من أجل لقاح السل. دخلت الى فناء المستوصف، حتى بدأ الجسد يرتعد والخوف يتسلق على اكتافي وريشة الابرة  رسمت تشنجاتها على ملامح وجهي. امسكت بامي وألصقت نفسي بها . وبينما امي تربت على ظهري وتحاول تهدأتي، يمسك المضمد مصطفى بالقطن المبلل بالديتول لتعقيم ذراعي قبل الزرق. انتابني فزع شديد . أخذت بالصراخ فاغراً فاهي . المضمد مصطفى نفذ صبره من حدتي على قبول الزرق،  فقذف القطن المبلل في فمي. شعرت بالغثيان، ورحت اتقيئ القطن، وأمطَرتُ المكان برذاذ بصاقي، لازالة اثار الديتول عن لساني.  وبعد ان هدأت الامور وشاهدت الآخرين لا يخافون، تشجعت قليلا. وافقت على زرقي  وانتهى الأمر.

            ايام رمضان كانت لها سمة خاصة. ملامحها يظهر جليا على وجوه الناس. يتجمع الأهل حول مائدة الإفطار، بعد إطلاق المدافع، وارتفاع اصوات الاذان. يشرع الناس بنهم الاكل. و كان يحدث بعض الطرائف خلال فترة رمضان في محلتنا. بعض الشباب المدينة لهم مزاج جميل في ترطيب الأجواء. مجاميع ينظمون لانفسهم ليالي السمر، يجتمعون في النادي الليلي، او احيانا في البساتين، ويحتسون العرقى. وفي ليلة القدر، في ساعة متأخرة من الليل، سمعنا أصوات الطبول وتبعتها، صراخ، وعويل..حيث جاءت هذه المجموعة من الشباب، لجمع بعض الأموال، طرقوا باب احدى البيوت وخرج عليهم  عدنان. كان يطلقون عليه لقب، عدنان دُكَمة.  شاب غريب الاطوار، يبدو من مظهره صعب المراس، ومعقد نفسيا، قليل الكلام، انعزالي. أصبح غاضبا، وبيده دلو مملوء بالماء، ورشه عليهم، هربوا الشباب من المكان. سرعان ما هدأت الامور عادوا الى نفس الدار.. وهبوا بالغناء.. ماجينا يا ما جينا.. حل الجيس وانطينا. الله يموت عدنان... أربعون عشرين ساعة بالحمام. ثم اختفوا عن الأنظار..
           
             
                انتقلنا من مدينتا إلى العاصمة. وعشت جزءا من طفولتي هناك، وبينما كنت في زيارة الى مدينتي السابقة لإجراء بعض الأعمال الضرورية. حيث كنت امشي في الشارع المقابل لضفاف النهر مع صديق طفولتي رياض، هبت ريح خفيفة  تحمل نسمة هواء النهر. لامست بشرة وجهي و حركت خصلات تسريحتي.  التقيت بالصدفة بمعلمي صالح الأحول في هذا الشارع . كنت في حينها، قد بلغت التاسعة عشرمن عمري. بعد الترحيب ذكرته بحادثة ضربي عندما كنت طفلا في السنة الثانية في الابتدائية، وقلت باني لم أنس هذه الجريمة طوال فترة طفولتي. كنت احمل كرها شديدا في نفسي تجاهه، واقسمت، ان اعيد له تلك اللكمات، عندما أصبح بالغا وقادرا على المبارزة.
قال بنوع من المزاح :
-هل تريد ان تأخذ ثأرك؟.
أجبته بنوع من الكبرياء :
- عندما تجاوزت مرحلة الطفولة، وأصبحت ناضجا، احسست بالم، كم من المخجل ان تكون انسانا مربيا، وتتعامل مع الآخرين كجلاد، وخاصة عندما تكون الضحية طفلا، لا يستطيع حتى الدفاع عن نفسه. بل شعرت كم هو عمل منبوذ ان تمارس العنف أيا كان .
                كنت أنظر الى قسمات وجهه  وهو يتلقى الموعظة من إنسان، كان يوما ما تلميذا صغيرا.لا يدرك شيئا من الحياة سوى المدرسة ولعب الأطفال، كان منظره مثير للشفقة. كمن تتقاذفه الأمواج باتجاه العاصفة ويبحث عن ملجأ للخلاص. لم يرد، ولم يقدم الاعتذار، تركته لضميره. ولكن مصارحتي له بجرأة، ازاح عن صدري عبء ثقيل، وعظيم. لأن السعادة الحقيقية تتكامل عندما تطرد القلق. فما زال للمرء ان يستمتع بالالوان، والاشجار، وسماع الموسيقى، وتغاريد العصافير.
             
                كان الغسق، قد بدأ دَهْمَته، والسماء، عند المغرب، قد ظفرت بجمال متميز .. وكانت عذبة بسمتها، وإذا بنجمات صغيرات متناثرة، موشاة بالذهب ، تتباهى  بحضورها في بنفسج المساء القاتم.





17
المنبر الحر / صراع مع النفس
« في: 18:39 03/08/2019  »
صراع مع النفس
كفاح الزهاوي
     كانت عيناها، ممتلئة بالدموع، وتصرخ كالطفل الرضيع، توقا، لثدي أمها، ونظراتها القلقة، لم تفارق تلك اللوحة، المعلقة على الجدران الممزقة من هول الرطوبة، التي كادت ان تنخر أحشاء البيت...
   
   كانت الأمطار الغزيرة، تهطل كأفواه النوافير، وتتسرب عبر ثقوب النافذة العتيقة، لتحول إطار النافذة، الى ساقية ماء، و السماء، ملبدة بالغيوم السوداء، والغاضبة، يخترقها البرق البيضاء، بين حين وآخر فتزمجر، وتقصف، فتصدر أصوات رعدية، قوية، تثير الرهبة، واليأس، في النفوس البشرية…. انها تلك اللحظة الابدية، التي تجعل الذكريات المتراكمة، تغوص متشبعة بأمراض العصر في شريان الحياة....
 
  الأمواج الهائجة البعيدة، تتصارع بشراهة متناهية، وتتسابق متلاطمة، لتصل الى الشاطئ الهادئ، القريب، لتمحي أثار المحبين، الذين نقشوا أحلامهم الوردية، على الرمال الساخنة، لتتحول الى ركام من الطين.

    الرياح العاتية، تهب من كل مكان، تتخلل شعاب الجبال، وتتحرك، كالمارد المتسلط، لتزيل الاشجار الخضراء، التي زرعت في أرض لم تنبت بعد.
   
     صرخة مدوية، تهتز عرش الكون، تصطدم صداها، متلاشيا، في فسحة السماء،  إنها صرخة الطفل المولود، الذي لا يزال ينتظر فجر الصباح.
   
     أن الظلام الدامس، قد أسدل ستاره، على الكون، وخيم عليه سكون مطبق، وكأنه الصمت.... لماذا تجمعت هذه الأفكار الغامضة، في غفلة من الزمن الغابر، وفي لحظة يأس، تتناثر كرذاذ المطر، بسرعة البرق في اجواء الغرفة،.واذا باخرى، تستقر في خلايا الدماغ ، افكار تحمل في ثناياها الشجون والبؤس.


18
     
حكايتي مع شجرة البلوط
      كفاح الزهاوي
   
        أقبل الخريف فجأة، بعد ان تنحى الربيع عن دورته، وترك بصمته على سطح الأرض، من السحر، والجمال، والماء العذب، وعبق رائحة الأرض، حيث زرع البهجة، والحياة الخضراء، للإنسان، والزهور، والطيور، والعصافير المغردة، و تمتعت الحيوانات البرية، وهي تمرح،  وتسرح،  في المراعي، و الأدغال، والسهول،  بأروع أجوائها. وعلى حين غرة، تجهم وجه الطبيعة، وانهمر المطر مدراراً، واصفرت أوراق الشجر، وافترشت الأرض، كدستها العواصف أكواماً، يوحي للناظر وكأنما الطبيعة، تغطي ظاهرها الوان زاهية بينما تحمل بحر من الآلام والشجون في باطنها.
   
        هبط  الغسق، بعد ان ودع النهار الشفق، كانت المدينة مخنوقة تحت الضباب، وكأن حزنا بشريا يغلف وجه الحياة. كان يمشي شاردا، منحني الظهر، منكس الرأس. عاد الى شقته الصغيرة ،أكثر حزنا ووجومّا، تلك الشقة التي انتقل إليها قبل عشرة سنوات والكائنة في الطابق الثالث، تضم اثاثا قديمة، وفي ركن الغرفة ينتصب المصباح المتكون من قاعدة مدورة يخترقها عمود في وسطها، ويبلغ طوله، أكثر من متر، وفي قمته تستقر الاضاءة، لا يتذكر متى احترق المصباح، ولم يكلف نفسه عناء استبداله، وكأنه يعيش في زمن القحط. 

         فتح باب الشقة، شعر بأنه دخل الى كهف متروك، كما لو انه في العصور القديمة، وأغلق الباب خلفه، دون ان يشعل الضوء،  حيث اكتفى بالنور القادم من المصباح العمود الرابط في الشارع، قبالة شقته، الذي تسلل أساريره عبر النافذة إلى داخل الغرفة، لتسقط على مرآة صغيرة معلقة على الحائط، فتعكس أشعته، فتغرق الغرفة ببعض من الضوء. لم يكن هناك أحدا في انتظاره، تَعَودَ على حياة الوحدة، والغربة، بعد ان خلع عن نفسه المعطف، والقى به على الكرسي الهزاز، بمحاذاة الباب، فكأنما رمى صخرة ثقيلة ،كان قد حملها على اكتافه وهو يشق طريقه الى البيت، راح يذهب ويجيء قلقا، كمن يذرع الغرفة، وإذا به أخذت خطواته تدنو من النافذة المطلة على الشارع لزقاقهم، القى نظرة  صارخة على امتداد الطريق، وتتطلع بعيدا، وكأنه يراه لأول مرة، عيناه الصغيرتان الغائرتان، تذرفان بصمت دمعة، تنساب عبر أخاديد الوجه، لتستقر في بقعة غائرة على خده،  كان قد أضناه الزمن، وانهكه ارث ثقيل، وكأنها بركة متروكة، تتجمع فيها المياه.

       ما ان أرخى الليل سدوله،  طفقت الاضواء الخافتة من الاعمدة الشارع، تتراقص بصمت ما بين أغصان الاشجار المتراصة على جانب الطريق، قبل ان تهب ريح خريفية، لتقلق هدوء الاشجار، وتسبب في سقوط أوراقها على الأرض. وجال ببصره على تلك الأبنية القديمة, الواقعة على الجهة الثانية، خلف الحديقة الصغيرة، المقابلة، لرصيف الشارع، كانت واجهتها الجدارية مزينة بزخارف تاريخية، تعود إلى زمن ما قبل ظهور الأديان، والمحلات التجارية مازالت أضواءها تشع، و الاجواء ملبدة بصمت رهيب. شعر بغصة في نفسه، وكأن غبار الزمن ضاعف من اكوامه، ليختنق في بحر اوجاعه.

          ففي تلك اللحظات طفحت ذاكرته نهر من التأملات  لمعاناة الإنسان، من عذابات حقيقية في الحياة، لأنها تشكل نقطة حاسمة في مجريات حياته. ويرى تجليات تلك الصورة في الموت، المرض، الجوع، والتشرد. 

       القى جسده بكل ثقله على السرير المهترئ، كلما تحرك يصدر صريرا مزعجا، حيث تناغم مع هذه الحالة، صار معتادا عليه ، ولا يكترث بطنينه، لبث صامتا، تحت غطاءه السميك الى ساعة متاخرة من الليل، والالم يعتصر صدره. والقلق يحيط به من كل  حدب. بين فينة والفينة يشق البرق السماء، فيلقي بضيائه على النافذة العارية من الستائر، يثير في نفسه الاستياء والرغبة في التقيؤ. زمجرة الرعد تعيد الى الذهن الذكريات المُرة، المدفونة في قلبه الواجف، على شكل مفاهيم مؤلمة، الخيانة، الفراق، السعادة المفقودة، والابتسامة التي انطفأت جذوتها منذ زمن. الأمنيات الجميلة فقدت قدرتها على الطيران، اصبحت بدون اجنحة. اخفى وجهه تحت الغطاء، لعل النوم يخفف من مداهمة غيمة الصداع التي تلف رأسه. ويحصل على قدر من الانتعاش، الجسد، الخامد، المتعب.


           كان الليل يطفح بالحرمان والشجن .  امتلأت هواجسه عاصفة من التساؤلات، لم يجد لها جوابا مُرضيا.

قال لنفسه بصمت:
- نحن لسنا سوى حشرات ضارة، لا فائدة لنا. نأكل وننام، ونستيقظ لكي نأكل وننام ايضا، اي حياة تعيسة نعيشها، يغلفها خوف دائم. تلاحقنا الأوهام في احلامنا، تصطدم مع تناقضاتها الهدامة، لا فائدة من وجودنا طالما نموت، لماذا ينتظر الإنسان حتى الشيخوخة،  ويصبح عبئا على نفسه.

          بعد ان انتفضت أجفانه، اغمض عينيه، وسمع  البحر يتماوج على ايقاع صرير السرير كلما حرك جسده على احدى جهتيه. واحس بنفسه يصعد ويهبط كطير نورس،عندما تحلق في فضائه الحر مرافقا للبواخر في رحلاتهم القصيرة. غرق في نومه وهو يتارجح هكذا. رأى حلما مخيفا : لمح ماردا على هيئة رجل، طويل القامة، مفتول العضلات، شعر رأسه كثيف، مشعث، طويل، لم ير الماء منذ سنوات، لحيته طويلة، غليظة،  ومجعدة تغطي الوجه. ومن الصعب تمييز العينين. يرتدي ملابس سوداء، بنطال، و سترة. دخل الى الحديقة وهو يحمل سيفا حادا. بينما هو جالسا كعادته على مقعده أمام شجرة البلوط ويراقب تحركات الرجل وهو يقوم بقطع الأشجار، واحدة تلو الاخرى. وأحس بأن المارد عازم على وأد كل شيء يقع تحت قبضته ورأى أرض الحديقة الخضراء تتحول رويدا رويدا  الى بحر من الدماء. بل تلطخت حيطان الحديقة باللون الأحمر القاني. يا للهول، التصقت قدميه بالارض، فقد القدرة على الحركة، والمارد كالموج المتلاطم ارتفع عاليا لابتلاع السفينة وملاحيها، يصرخ في حلمه ولكن يشعر ان حنجرته لا تقوى على إخراج الصوت. وقف مندهشا، مرتعبا. غير قادر على الوقوف أو الهروب.. قضى على الجميع وافرغ الحديقة الفاضلة من جمالها، ما عدا شجرة البلوط، التي بقيت وحيدة، وإذا بالمارد يقف أمامها. وما ان شَهَرَ السيف لقطع الشجرة انتصب هو في وجه المارد للحيلولة، دون تعرض الشجرة الى اذى.

             استفاق من نومه، شعر بموجة من الرعب، والعرق يتصبب منه خوفا، لم يدر في خياله ان يرى حلما تتجلى فيه صورا مشوشة تنزع الحياة..  أيقظت القلق في نفسه، فانتابه احساس متزايد بالذعر.


          بزغ فجر الصباح،  والساعة المعلقة على حائط الغرفة التي تغلفها العتمة تشير الى الخامسة صباحا . قفز من سريره مبكرا بعد ان استغرق ليلته في سُهاد، لم تكن كباقي الليالي، كانت ملغومة بصواعق من التراكمات، قطرات مطر صغيرة، بدأت تنهمر على زجاج الخارجي  للنافذة في غرفة تحكمها الفوضى.

            دخل الى الحمام وفتح الضوء، كان النور شاحبا ، وقف متأملا نفسه في المرآة، وكأنه يرى وجهه لأول مرة ،غائر الخدين، جبهته ضيقة، شعره اشهب مجعد،وذقنه قصير.  لم يبق وجهه لطيفا كما كان، مرر أصابع يده اليمنى ليتحسس غور عينيه، تراءى له غامضا، و مبهما، كانت نظرات قاتمة ،واجمة، انحبست صامتة في عينيه القاتمتين الجاحظتين. طافت على شفتيه ابتسامة ضارعة، سرعان ما تلاشت، وشعر ان صدره انقبض، رشق نفسه في المرآة نظرة احتقار لا توصف.

           التقط معطفه الأسود من على الكرسي الهزاز، وفي لمحة بصر احتواه جسده النحيل.، فتح باب شقته  ونزل من السلم ، تجاوز ممر البناية، ودفع الباب الرئيسي، خرج إلى الشارع،. خَيَّلَتِ السَّمَاءُ،  وإذا برذاذ مطر ناعم  يهطل، رفع إلى السماء عينه القاتمتين الحزينتين بصمت، كان يوما مأتميا بسماء معكرة ومنخفضة. راح يقطع الشارع بخطى ثقيلة وكأن الأرض تمسك بقدميه. يحدق في الناس دون ان يراهم،  متوجها، صوب مقعده المفضل في الحديقة الواسعة على أطراف المدينة. كان يمر بازقة ضيقة متعرجة، قاطعا طريقه باتجاه الساحة المستديرة، التي انتعشت برونقها الباهر، لم تبق فيها حياة لتلك الورود ذات الألوان، المختلفة، الزاهية، فاحت منها رائحة زكية، بعد ان كانت حقلا مزدهرا، تحولت الى جسد عاري.
         
            لم يكن اليوم كبقية الأيام، أصابه الأرق بسبب الكوابيس التي أغلقت نوافذ ذاكرته. سار في الشوارع المتوازية المؤدية الى حديقته الفاضلة، حال دخوله الى أجواء الحديقة، انتابته قشعريرة تسري كومضة بريق في بدنه النحيف، سار بخطى غير واثقة، يشوبها الشك والحذر، عيناه على وشك الهروب من مقلتيه، من كثرة التحديق وتحريكها يمينا ويسارا. جلس على مقعده أمام شجرة البلوط، و قلبه مثقلا تماما في تلك الحديقة الواسعة، في جو تسلل الشحوب احشائها، السماء مكفهرة، تمطر حزنا..

              وهو في لحظة التأمل، انتابته حالة من الذهول لذلك المنظر الرهيب، وهو يتمعن بين جوانحه، لكي يجد سببا مقنعا لهذا الصراع المهووس ما بين الحياة والموت.

          هتف في داخله والألم يعتصر فؤاده :
- ان تكون مجبرا على الرحيل. منقادا دون رغبة، تعيش رغما دون ارادتك،  ضمن بيئة حددت مسيرة حياتك.
   
         كانت شجرة البلوط بعمق مئات السنين، تقف بقامتها السامقة، في فِرْدَوْسها البديع، صامتة ومتحدية لكوارث الطبيعة الهوجاء بأغصانها العارية، إلا من بعض أوراقها الصفراء المائلة الى اللون البرتقالي والتي لم تزل مخزون الحياة فيها على شفا حفرة تهوي اسيرة لقدرها المحتوم.

          كانت عيناه تراقبان ساعة سقوط الورقة من شجرة البلوط، وهي تحلق في فضائها المحسوس تودع عالمها الذي نشأت وترعرعت في أحضانه، وفي لحظة، تتبدد كرهام المطر. تركت خلفها الذكريات الجميلة، زرعت من خلالها البسمة على شفاه المحبين، وهم يتركون بصمات البهجة على جسد الأم، في نشوة التلاحم ودفء الابدان, تقيهم من لهيب الشمس الحارقة، وهم يقضون أوقاتهم تحت ظلها المجسدة بأرواحهم.

         يستمدون رائحة الربيع من عبق اريجها، يتساقط الرذاذ، فتترك قطرات ندية على اجسادها، فتعكس الضوء القادم من الشمس توا، بعد ان طاردت الغيوم التي اخفتها عن الأنظار.

           وقال بتنهد :
- نحن نشتكي دوما من كل شيء، الإنسان يمر بعدة مراحل، وفي كل مرحلة يعاني من مشاكل الحياة. الرغبات والطموحات تكبر، لا نكتفي، بل نريد المزيد والمزيد. هذه الوريقة الجميلة لا تطلب سوى عدم ايذائها. فهي تكبر ضمن مراحل حياتها، وتغمر الفرحة والبهجة للانسان والطيور. كم انت راقية ايتها النبات.


           لم يفك ناظريه عن تلك اللحظات المؤلمة، والورقة الذابلة، تترك مضجعها قسرا، وتنفصل عن شجرة الأم، طالما رفدتهم بنهر الحياة، وحمتهم من وابلات المطر وهي تتساقط بغزارة، قصت عليهم حكايات الحب عن الطيور القادمة من أصقاع هذا العالم الغريب، يحتمون بهم كخيمة احاطتهم  بهالة من السكينة ونشرت في أوصالهم دفء الأمان، يبنون أعشاشهم، يقومون بالاعتناء بصغارهم، غدت لهم سورا عاليا شامخا تحميهم من الحيوانات الضارية.

          ومع لحظات هبوط الورقة الهزيلة رويدا رويدا نحو الأرض، كانت امواج الغضب تستشيط في عظامه وكأن زمن العزلة استعاد رائحة الألم بعد أن مكث طويلا في بقاع النسيان. وبدأت أسوار الحديقة تهتز وتتضرع معلنة عن  حدادها. انتابه إحساس غريب ان شجرة البلوط تلفه غيمة سوداء.  فقدت اشلاء من احشائها، الخريف خلع عنها جمال وجها وجسدها، وتركها عارية، تقارع برودة الشتاء القادم.

        كان يشعر بالخجل البشري، أمام ألَمْ الشجرة، بينما هو قابع في مكانه كمسمار مدقوق، تشبع بالصدأ، ثابت لا يتحرك، وكأن الشجرة، تنظر اليه، وتصرخ، وتتضرع، طالبةً العون في محنتها.

قال بصوت راجف :
- لا أملك الشجاعة الكافية كما أنت يا ملكة الفردوس. لا املك سوى العزاء، وذرف الدموع، لا تنتظري مني العون. فأنا ضعيف أمام قدرات الطبيعة، انت الاقوى، بجذورك الراسخة في عمق الأرض، وقادرة، على مواجهة الرياح والعواصف.


         بدا عليه منهمكا، شاردا ، شاحبا منسجماً مع شحوب الطبيعة الحزينة. هبت ريح خريفية، تسلل الى أوصاله هواء بارد، مارا بشجرة البلوط، بعد ان اخترق معطفه الأسود ، عابقا بكلمات الوداع، ووجه الأرض تتناوب بين الضياء والظلام ، حيث الشمس والغيوم  في تسابق بين الظهور والاحتجاب.  وكأن الأرض تتنفس، فرحة تارة، و حزينة تارة اخرى.

   قال لنفسه وعيناه جامدتان :
- سرعان ما يفقد البشر كل قدرة على مواصلة حياتهم في هذا العالم.
 

            تتقافز الأفكار لذلك المنظر المؤلم الذي لم يحيد ناظريه عنه طوال سقوط الورقة كطائر محبوس خرج طليقا إلى عالم الحرية، عالم تمتزج فيه نفحات الفرح، يشوبه نوع من القلق يصعب تفسيره، بل من الصعب تحَمٌل مشاقه، فهو أشبه برياح عاتية تغدو الى عاصفة هائلة، وحالة السقوط في منحدر، والبقاء معلقا دون القدرة على الخروج من المأزق.

         ظل يحوم حول الاسئلة المعقدة التي تكبل دهاليز فكره المتعب بصدأ الزمن. وبين حين وآخر يتساقط الرذاذ، فيبلل الارض، وينعشها ببعض الرطوبة، سرعان ما تعود الشمس الى الظهور تطارد السحب، فتنشر اشعتها لبعض الوقت على شجرة البلوط، تشجع الطيور بالتناوب على فروع الأغصان. 

           لمح عصفورا استقر على غصن الورقة الراحلة وما لبث الطائر الجميل ان اكتشف بسرعة البرق غيابها، فسارع بالهجرة. ربما أصابه انياب الحزن فؤاده، فاطلق الالم عنانه فهرع نحو المجهول.
 

               قال والحزن يساور خوالجه :
- كم هي مؤلمة ساعة الفراق البطيئة، بعد ان كانت فردا تنتمي  إلى تلك الشجرة الباسقة.
استقرت نظراته أكثر عمقا باتجاه الشجرة .. قال وهو يطلق زفيرا عميقا.
- الحياة ليست سوى مطر صيفي يهطل بقوة، ولكن سريعة الزوال. متاهة صعبة تفرض على الإنسان بشكل جبري.

            ساد صمت مطبق، وفجاة تجمعت الطيور على شجرة البلوط، سمع غمغمة تنبعث من أصواتهم، حَسِبَ انهم يغنون بصوت منخفض، لحنا مؤلما ورتيبا، وتناهى الى سمعه من بعيد، هدير البحر، وتلاطم الأمواج، تجسد كآبة غريبة ،السماء تتكدر، وتعلن عن نهاية مؤلمة، دق ناقوس الرحيل، وتوارت الورقة عن الأنظار، والتحقت بالاف الأوراق الهاوية على المساحة الخضراء، وصارت ذكرى في صندوق النسيان.

19

 كفاح الزهاوي                   
 
     كانت الغيوم المتناثرة في فسحة السماء، عاجزة عن حجب حضور الشمس وظهورها، وهي تصب بأشعتها البنفسجية على أجساد الكون العارية. والصخور القابعة منذ آلاف السنين في تلك البقعة النائية، تفرز من أجسادها مخزون الحر، حيث تبدو على مرمى البصر كأنها ألسِنة نيران بيضاء، او أبخرة ماء مغلي، قد انبلجت، و تصاعدت رويدا رويدا، فشكلت حزمة من الهواء الساخن، تنساب عبر أخاديد الصخور، تلسع  بشرة الوجه، فتترك خلفها لمسات خشنة.
   
     في ساعة من تلك الظهيرة، خيم السكون على سفوح الجبال ووديانها، ما عدا خرير الماء، ينزل من ينابيع الجبال، وينساب  نحو الوادي باتجاه الصخور المشبعة بالماء من سحيق الزمان.
   
     حان الوقت لينطلق مع الريح، شاب في الثلاثين من عمره، متوسط القامة، ذو شعر اسود كثيف ، مشرق الوجه، متهلل الاسارير، وتحت انفه البارز ينبت على شَفته العليا شارب، قوي البنية، سريع الحركة تنسجم مع هيئة رياضي، وضع حقيبته الصغيرة على ظهره وهو يستعد للرحيل قاصدا هدفه عبر الطرق الجبلية الوعرة  .
     
    تحرك باتجاه المنحدرات المليئة بالنتوءات المدببة، البارزة من الصخور الصلدة، تاركا خلفه تلك الوديان، التي عاش فيها، وقضى جل شبابه في الدفاع عن القيم، واصل سيره تحت وهج الشمس المشرقة، يجتاحه القلق، كلما اتسعت المسافة مع مرور الزمن وابتعاده عن نقطة انطلاقه.. قبل ان يتوقف ليفاجئ بقطع صخري استوقفه ليصده ويمنعه من التقدم وجعله حائراً..
     
    ظل واقفاً فوق صخرته واجما جامدا بغير حراك، كأن قدميه لصقت بالأرض . تشنجت عضلات حنجرته لبعض الوقت، بقيت الكلمات تتزاحم في دهاليز فمه، تتسابق وتصطدم ببعضها، من أجل ان تخرج إلى الهواء، ما لبث ان جف حلقه.وبعد برهة انبسطت عضلات حنجرته ، وعادت لصوته قوته وراح يستعيد هدوءه وتفاؤله وإصراره على مواصلة المشوار..
   
     بدأ يحدث نفسه بألم يشوبه شيء من الندم
- اي ريح لعينة قادتني في هذه الساعة الى هذا العبث المفاجئ، وأنا أشق طريقي في المنحدرات المعقدة للجبل .
 ثم قال بعد ان أطلق زفيرا عميقا، كأنه يزيح عن كاهله هما ثقيلا يجثم على صدره:
- أي حظ بائس هذا؟ .. جعلني ان اكون وحيدا في هذا العالم، حيث أصبحت عاجزا عن التطلع للأمام.
فاضت من مقلتيه  دموعُ  اشعرته بالوحدة.. وأردف محدثا نفسه بعتب:
- ما هذا السكون الغامض الذي يجثم على النفوس، كأن الجميع صامتون وأموات.
   
     شرع  يجول برأسه يمينا ويسارا في وجل ، كأن هناك مَنْ يناديه، و صدى لأجراس تقرع في هذا الخلاء مخترقة جدار الصمت والسكون، حاول معرفة مصدر الصوت  قبل ان يخفت و يتبدد.
 
     وبينما كان يواصل  السير بخطوات حثيثة في الطرق الوعرة بين الصخور القاسية،  التي تفتقد لأية آثار من أقدام بشرية سابقة ، مما تطلب التركيز وبذل المزيد من الجهد كي يتمكن من مواصلة المسير خطوة بعد أخرى تحت أشعة الشمس الحارقة، التي كانت تبعث نيران حرارتها في ذلك اليوم اللاهب، فتتدفق معها قطرات عرق من ثقوب بشرته.. لتزيد  من لزوجة جسده المتعب وهواجسه الحائرة في تلك اللحظات الحرجة .
   
    وفي لمحة بصر توالت في ذهنه أفكارُ وهواجس تتناغم بين الافراح والأشجان، لتلطم مزاجه وتجعله متقلبا وحائرا .. انعكس قلقه عبر الأحداق، وهو ينظر نحو الوادي العميق، ليقرر في لحظة الاختيار.. لم يكن امامه المزيد من الوقت وعليه ان يحسم موقفه في هذه الومضة من الزمن العصيب ليجد طريقاً للخلاص.
ـ الأشياء تذبل و تضمحل وتندثر . قالها بصوت خافت
   
     تناهى الى سمعه، حفيف أوراق الاشجار المتفرقة على المنحدرات الجبلية، تحركت ، بعد ان عصفت بها ريح ثقيلة في فسحة الوادي. اشرأب بعنقه، وحرك نصف جسده العلوي للأمام، حتى يمنح عينيه فرصة التمعن كي يتحقق من قدرته على اجتياز الامتحان، فهو يدرك مخاطر الرهان، وعندما استقام بجسده وتراجع خطوة الى الوراء، غفل عن باله الحقيبة التي على ظهره ، ارتطمت بالجدار الصخري للجبل فاختل توازنه، ومال بجسده إلى الأمام، وحاول جاهدا تحريك يديه ليحتفظ بتوازنه، كاد ان يحلق كطير مجروح الجناحين في فناء الوادي السحيق . استبد به الهلع، أراد ان يصرخ، لكنه احتفظ  بقدرته على التوازن .
   
     قال بصوت متهدج
-  حتى لو صرخت بأعلى صوتي، من سيسمعني في هذا الخلاء الموحش. وأضاف..  لا استطيع البقاء في  هذا العراء طويلا، لن اسمح لهذا الوادي اللعين أن يلتهمني ويضع نهاية لحياتي..
   
     تناهى الى سمعه نقنقة قبج جبلي اخترقت جدران الصمت جعلته يكتم صرخة اليمة في نفسه. كان يخشى من ان يقبل الليل، و يبقى جاثما في مكانه وحيدا بلا حراك يواجه الموت. الآلام تجتاحه كبحر تسونامي تصنع  الفزع وتنتج الهلاك..
   
    نظر الى الأشجار الصامتة التي تحملت غضب السماء وعواصف الطبيعة الهوجاء، إلا أنها نمت وقوى عودها بصبر واناة، وهكذا الحال عندما يتعلق الأمر بقراره عليه ان يكون كتلك الأشجار الصامتة ويستمد منها الصبر والقوة
 ..
 
    ففي تلك اللحظات تناثر الشعاع من قلبه مثلما تتناثر ندف القطن في الهواء. ارتفع منسوب الضياء المبهج ليزيح الصمت ويمنحه العزم على اتخاذ القرار. ارتعشت الأشجار على قمة الجبل وفي السفوح لتسقط المزيد من الاوراق الميتة  في الهواء كأنها أم تبكي ولدها..  أَلَمَّ  به احساس طفولي  وهو ينظر للأوراق المتساقطة كأنها دموعا تتناثر من عيني امه في تلك اللحظات .
   
     وفي غمرة  هذا الصراع  للبحث عن مخرج،  طاف بذاكرته بصور لرفاق السلاح، وهم يقارعون الظلم و يتشبثون بالنور، كانوا ينطلقون بمفارز صغيرة في الظلام ليشقوا طريقهم  في المسالك الجبلية الوعرة، و الشاهقة، المتصلة بالسماء الغائمة،  وهم يحملون هموم وجراح الوطن، وينشدون بزوغ الفجر، ويزرعون الآمال والأحلام الجميلة بين الناس وهم يتدثرون بين الصخور والكهوف الجبلية ويتحركون وسط كثافة الأشجار .. كانوا ولازالوا ثواراً و صوتا هادرا للشعب  ضد الجور والطغيان، و الظلم  والجوع.. وبشرا يتدفقون بالحيوية يتطلعون للحرية يستمدون يقينهم من شعاع الشمس.
   
    أجساد نحيلة بصلابة الفولاذ، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء. لا يملكون شيئا في الحياة، سوى هذا الهواء النقي الصافي، ليرفدهم بديمومة الكفاح، يواجهون أهوال الزمن، بنكران الذات، ويتحدون صعاب الجبال وشعابها، يتجولون في السهول المنبسطة و الواسعة، تحت زخات المطر ، والعواصف الثلجية الغاضبة، ونيران القنابل، بإيمان مطلق  لا يلين ولا يستكين .
 
    ذكريات وذكريات تتراكم وتختلط مع الالام في زحمة الطريق تحولهم لنجوم متلألئة في فضاءنا الرحب لتنير دروب  الكادحين والسائرين، نحو الانعتاق و الحرية. يواجهون الموج و يخوضون الصراعات، وهم يخطون للمستقبل بثقة، رغم الصعوبات والمحن والكوارث التي  تسعى لخلق اليأس وفرض الاستسلام للبؤس.
   
    ما اصعب تلك اللحظات  العصيبة، عندما ينفصل الإنسان عن المجموعة الثائرة ، ويلقى نفسه وحيدا في مواجهة تحديات وقسوة الطبيعة. لابد من وجود الارادة القوية، والنظر الى الأفق البعيد، وترى اوتار الحياة، تصنع الحانا، و تعزف سمفونية الامل، .. كربيع بهي قادم  تتراقص  فيه الزهور  والطيور . يتساقط الرذاذ، فينعش الأرض، ويتصاعد عبق رائحة أشجار الصنوبر، يزيل من وطأة احزاننا، وتزيح همومنا وتمنحنا الرؤية و التركيز لننظر للسماء  والشمس المتوهجة، الزاهية. كي ننسى الكوابيس المزعجة، ونطوي الصفحات المرعبة، ونمسح صور الموت  من ذاكرتنا  المتعبة وكل المعوقات التي تعترض خطواتنا..
   
     انها لحظة ولادة وتجلًّ، في لمحة من البصر، ارتفعت القدم لتسقط متشبثة بالصخر.. الذي أصبح نقطة الخلاص  والانتقال  لمواصلة واستكمال بقية خطوات المسيرة.


صفحات: [1]