عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - يحيى غازي

صفحات: [1]
1

رَبّاه :
القيظُ سَعيرَ نَارٍ بلا دُخان

يَحيَى غَازِي الأَمِيرِيّ



أُسقطَ حُكمُ المُداهِنِ
فَيلَسوف الاِقتصاد
حامِي اللِّصِّ والقَنّاص،
باِنتفاضةٍ عارِمَةٍ
أُريقتْ فِيها أَنهاراً
مِنْ دِماءِ الشهداء
وَذُرفتْ فِيها سيولاً
 مِنْ دموعِ الأبرياء
2
بَيْنَ أخذٍ وَردٍّ
لعدةٍ مِنْ الشُّهُورِ
تَمَّتْ الموافقة
 بمهرِ الفرمان
مِنْ أغلبِ كُتلِ البرلَمان،
بتنصيبِ السُّلطان
عَلَى الكرسيِّ الدَّوارِ المُنهار،
المُكبلِ وَالمحملِ
بإرثٍ ثِقيلٍ
بَلْ بِجبلٍ مِن المَصائِبِ وَالصِّعاب؛
يَسودُ الشارِعَ،
الرُّعبُ وَالفَقرُ والاِضطراب
وَدَولةٌ عميقةٌ
بِيدها زِمامَ
الجَاه والسُّلطةِ وَالسَّطوةِ
عَلَى الإماراتِ والدويلاتِ،
المُنتشرةِ عَلَى طولِ وَعرضِ
ربُوعِ البِلاد
فَيما وُجِدَ
عصَبُ الحياةِ بأَتعَسِ حال
 الهواءُ فاسِدٌ
الأَرضُ تَأَن مِنْ نَهشِ الضِّباع
الماءُ مُلوثٌ شَحيح،
البيئةُ خَرابٌ،
وَعَلَى رُكامِ المَزابِلِ
تعشعش الأَوبئةُ والأَمراض،
الكَهرباءُ أَزمةٌ قائِمةٌ لا حَلَّ لَها،
 أَما المالُ ؛ فَلمْ تَزلْ تَتَقاسمهُ ذاتُ الشِلَل
بالتبديدِ وَالنَّهبِ وَالاِختلاس
خَزائنُ الدولةِ خاويةٌ
وَالبنوكُ مُكبَّلةٌ بالديون،
وَفِي الأَدراجِ تَتَكدَّسُ
آلافٌ مِنْ أَضابيرِ الفَساد
والسطوُ عَلَى أَملاكِ
وَأموال الشَّعب. 
وَلمْ تزلْ نتائِجُ لجانِ التحقيقِ عَنْ الجُناة،
المُخيبةُ للآمالِ،
هيَ الأُخرى حَبيسةُ الأَدراجِ
وإِنَّ المَجلسَ الأَعلى لمُحاربةِ الفَساد
هَواءٌ فِي شبك.
3
رَباه إلَى أَين ننفذُ
هلْ يٌنجِدُنا القَضاء
أمْ هو الأَخرُ
بخازنِ بَيتِ المالِ
مُحاط
وُمُتقاسم السّطوِّ 
مَع اللصوصِ
وَشِذاذِ الافاق،
ليُدارَ كالخاتَمِ
عندَ القرار
4
حَلَّ فَصلُ الصَّيفِ
صَديقُ الجياع
- كَما يُشاع -
 الشارعُ سَريعاً
رَاحَ كَالمِرجَلِ يَغلي
يَتقاذفهُ لهيبُ القيظِ
وَصراخُ الغَضب
يَترددُ صَداه فِي الأفاقِ
- لَولا استِمرارُ فَسادِ الحاكمِ
لما دامَ هذا الظُّلمُ
عَلَى العِبادِ إلى اليومِ قائِم -
كُلَّما ثارَ
صُراخُ الاِنفعالِ
وَالحنقِ وَ الغَيظِ، 
تَستيقظُ مِنْ مَهاجِعِها
أَسرابُ
الدَّولةُ العميقَّةُ
لتَزيدَ مِنْ تَسلط القيظِ
عَلَى رِقابِ الشَّعبِ
مطلقتاً العِنان
لرَصاصِ الكاتِم
وَمفارزِ الخَطفِ والتَّنكيلِ
وَلشَبكاتِ الكِريستالِ وَالأفيون
أَنْ تَجوب فِي البلادِ،
فِيما تَبثُّ مَحطاتُ التَلفزةِ
 سيولاً حُلوةَ المذاق
 يَسيلُ لها اللعابُ
مِنْ وُعودِ (سَوفَ)
لكبحِ جِماحِ كُلِّ صَوتٍ مُغايرٍ
لتَغييِر المَسارِ.
5
جَورُ الحُكامِ وَ سَعِيرِ القَيظِ
يُفاقمُ بالنفوسِ الهموم
وَيُلهبُ الرؤوسُ بالحماسِ
بِتجديدِ الحَزمِ عَلَى الخلاصِ
 رغمَ وَباءِ - فِيرُوس كورونا - اللَّعين
 الجموعُ لَمْ تَستسلمْ أو تَستكين
للخداعِ وِالخِنوعْ
عازِمةً عَلَى التَّغييِر
بِسخطٍ عارمٍ
وَهتافٍ مُزمجرٍ
بِصوتٍ مُلتاع
يَلهبُ كبدَ السماء
مِن الصباحِ حَتى المَساء
رَبّاه : القيظُ سعيرَ نارٍ بلا دُخان
فَحَتّامَ نَبقى بِهذا الزَّمانِ...


2
أدب / هَلْ بالأُفُقِ هُدهُد؟
« في: 18:13 01/07/2020  »

هَلْ بالأُفُقِ هُدهُد؟

 
يَحيَى غَازي الأَميريّ
كَصَبر أَيوب
قَدَّري وَزادي
مُكبَّلٌ بالهمومِ
أَسيرُ  يَومي،
سِياطَ الذِّكريات
لَسعٌ يَسري بِدَمِي
يُدمِي جُرحِي
كُلَّما دَاعبَ
لَهيبُ الشَّوقِ
صَبرِي،
تَنتفضُ رُوحِي،
مَعَ كُلِّ نفسٍ
لأَّلَم حزنِ عِشقٍ عَميقٍ
وآهِ وجعٍ،
وَألف حَسرة أسفٍ
تَقضُ مواجعي
لِضَيمِ ليلٍ بَهيمٍ
قَدْ طالَ مُكوثاً
فَحَلَّ بالرَوضِ
الرَّدى وَ اليَباب،
فَخَزائِنُ المَالِ خَاوِيةٌ
وَالعَوَزُ وَ الأَوبئَة وَالذئاب
بِعُنفٍ
تَطرقَ عَلَى الأَبوابِ،
فَباتَ القَومُ فَيهِ حَيرى،
بَيْنَ دَهشَةٍ وَ كَدَرٍ وَارتِباك
يَنتابهُم حدُّ الاِختِناق،
حُزنٌ وَغضبٌ
مِنْ وَجعِ الخُطوبِ
وَسَماسِرةِ الحروبِ
 وَهول فواجعِ السُّراقِ.     
وَنَحنُ فِي النَّزعِ الأَخِيرِ
 مِنْ سِنين العُمرِ
تُقضمُ أَجَملَ أًيامِنا
بترياقِ القَلَقِ
فِيما جَهابِذَةِ الخِداعِ وَ الفِتَنِ
تَزيدُ مِنْ إحكامِ قَبضَتِها 
وَ هيَ تَلُفُنا بِمعطفِها
المُهَلهَلِ الرَثِّ
الواسِعِ الثقُّوبِ،
الكثِيرُ الشلَّلِ
بِخيوطِ الرّياءِ وَالدَجَلِ
مُبحِّرةٌ بِنا
بلجة البَحرِ
بتابوتِ المَوتِ
بلَيلٍ زَّمهريرٍ عاصِفٍ
لِفردوس الذلِّ
التِّيهِ وَالأَجَلِ.
فَلا تَباشيرَ بالأفقِ تَلوح 
لِهُدهُدٍ
سَوفَ يأتِي بالخبرِ اليقين!
 وَلا ثَورةٌ عارمةٌ
 تُطيحُ برؤُوسِ
الفَسادِ وَ الدَجلِ
فَتشفِي الغَلِيلَ
وَتُبرِّئ
سُقمَ العَلِيلِ
كُتبتْ في مالمو/ مملكة السويد، بتاريخ الأَول من تَمُّوز/يوليو  2020


3

هَلْ بالغَ العَرَّافُ بِخُطُوطِ الكَفِّ


 

بقلم: يَحيَى غَازي الأَمِيريّ

 
بِتمعُّنٍ قَرأَ العَرَّافُ
مَا وَجَدَ مِنْ أَخباري
فِي خارِطَةِ خطوطِ الكَفِّ
وَبَعْدَ أَن هَزَ رَأسهُ، وأَطبق عَينيَّه،
يتأمل ما خفي وما علم
ولزمَ الصَّمتُ برهةً،
ثُمُّ فَتَحَ عَينيه وَقالَ:
سَأَكونُ مَعَكَ صَريحاً
اِستَعدْ وَلا تجفِلْ،
فَقادمُ الأَيامِ مُخيفٌ
سَيكون المَوتُ
للجَميعِ لصيق
سَتستمرُّ الريحُ عاصفةً
وَسَتتغَّيرُ الفصُولُ سَريعاً
وَتَخلعُ الأَفاعِي جلودها
وَإلى جحورها تَعود.

سَتُطِيحُ الريحُ بأَبراجٍ عَاتيةٍ، تُسقِطُها
كَما سَقَطت فِي مَكَّة الأَصنام
سَيتهاوى عَهدُ رؤوسِ اللصوصِ،
وَسراقُ خَزائن بيتِ المالِ، وَمالُ الأَيتام،
وسَتَلعَنهُمْ إِلى يَومِ الدِّين
أَرواحُ الضَّحايا وَ بُكاءُ الثَّكالى وَ دُموعُ السَّبايا
اِحذرْ مِنْ ركوبِ المَوجِ،
فجَوفُ الليلِ سَيبتَلعُ القَمر
وَهَذا نَذِيرُ وَشُؤمٌ
وَفيه الكَثيرُ مِنْ الضَّرر،
سَتأتي أَيامٌ سَودٌ
يَشحُ فِيها المالُ والجُـود
وَيَزدادُ فِيها القَلقُ وَالإملاق،
تَوَقفْ عَنْ الجريِّ  وَراء السَّراب،
فَهو فِي النِّهايةِ سَرابٌ
وليس هناك من شيءٍ وراء الباب
لا تُصدقْ حَتَّى لَوْ ذَرَّفَ
أَلفُ تِمساح دَمعَــه
فَقَد أَزكَموا الأُنُوفَ
بِقًبحِ روائحِهم
وَنَفَّرتهم النُّفوس
لِتقديسهم الفلوس.

قنديلُ قَلبِكَ يُرشدكَ للخلَّاصِ.
فَهوَ يَعرفُ جيداً الحَق مِن الباطِل.
سَيَستَمرُّ حديثُ الزُّورِ وَالزَّيفِ
وَتَقاذف التُّهم، وبالنفاق ملفوف
وَفَرض القيود حَدَّ النزاعِ وَالاختناق.
كُلُ شيءٍ بالمخاطرِ مَحفُوف
هُنالكَ بَصيصُ ضَوءٍ فِي نِهايةِ النَّفَق.
كَثيرةٌ هِي الأَلغامُ فِي الطَّرِيق
الذِئابُ حَول الثُّغورِ تَطوف
سَيعلو صَوتُ قَرعِ الطُّبولِ،
وَالصُنوجِ وَالدُّفوف
وَصَليلِ السّيوف،
فَبابُ الحربِ مَفتوح
لنزيفِ دَمِ ضَحايا جُدُد.

اِحتَرِس ؛ وَلَكِنْ
مِنَ العَيبِ أَنْ تَبقى سَاكِناً
أَو عَلَى الرَصيفِ نائماً
تَنتظِرُ مَكرمةً أو فُرصةً
مِمَّنْ لا مَكارمَ عِندَه
إِيَّاكَ أَنْ يَتَلبَّسكَ الخَوف
وتبقى تتعثر خَلفَ الرَّكبِ خائرا أو حَائرا
أَو مزرُوعاً بالحَقلِ  كَخَيالِ مآتـة 
فِي حقلٍ لا حَياةَ فِيه
مَنزُوعَاً  مِنَ الوِجدانِ،
كَقَادَةِ دُولِ بَعضِ البُلدان
سَتَدُوسكَ سَنابَكُ الخَيلِ
أَو يَقطعُ رأسَكَ حَدُّ سَّيفٍ
بيد سيّاف مجذوم
أَو يتهشَّمُ رأسُكَ
بِطلقَةٍ  والصوتُ مكتوم
أَو مِن بندقيةِ قَناصٍ أَجِـره
مَعلــوم

انكفأتُ عَلَى نَفسِي
وَضَمَمتُ كَفِّـيَّ إِلى صَدرِي
مَذهولاً  حَزنان
بَعْدَ أَنْ سَمِعت
مِا أنبئني بهِ العَرَّافُ


كتبت فجر الأربعاء 10 حزيران / يونيو 2020


4
أدب / مَرَّ سَرِيعاً كاَلخَيال
« في: 21:10 05/06/2020  »
مَرَّ سَرِيعاً كاَلخَيال
 
بقلم : يَحيَى غَازي الأَمِيريّ
 
يَأْسَرُنِي التيه
فأَسيرُ طَوع بَنانهِ
سَعيداً وَجلا
أَتوجَّسُ الخُطى المُقبلة
فِي تَلافيفِ الذاكرةِ وَ دَهاليز الخَيال.
فِي أَوَّلِ مُنحدرٍ
هَوَتْ قَدَماي
أَغمضتُ عَينيَّ
وَأنا اسقِطُ طَليقاً
فِي هـوَّةِ فَضاءٍ، فَضاؤه شاسعٌ
عميقٌ كوادٍ سَحيق
أَفتحُ عَينـيّ، مُتعبـاً
مَأسوراً مَأخُوذاً بالدَهشةِ وَالخَوفِ
لأنوارِ قَناديلَ كالأَقمارِ
تشعُ بالضياءِ وَالنّور
تَسبحُ فِي هالاتِ سحابٍ مِنْ عِطرِ بخورٍ بَهيج؛
فتبهرُ الأَبصارَ، بَساتينٌ مُثمرةٌ
وَفراشاتٌ تَمرحُ بمروجٍ خَضراء
مطرزةٍ  ببديعِ ألوانِ الأَزهار،
شَلّالاتُ ماءٍ رَقراقٍ
تنثرُ رَذاذَها البلوريّ عَلَى الجَنادِلِ
مُتَناغِماً مَع هَديلِ الحَمائمِ
وَعَزف اَلحان العَنادل
وَهيَ تَصدحُ  بَينَ افانينِ الشَّجَر
فَتطربُ النَفسُ وَتَهنأ
مِنْ عَبَـقِ الزهورِ وَالترانيمِ الشَجيَّة،
مَنظَرٌ يَبهجُ القَلبَ، وَيُسرُ النَظَر
لِعسلية العَينينِ، وَهّـاجَةِ الخَدين
ذَهبيَّةِ الجدائلِ باسمةِ الثّغـرِ،
يَضُوعُ مِنْ خِـدها شَذا المِسكِ
وَعَبيرُ البَخورِ والعُطور
تَجلسُ فِي عَرشِها لـؤلـؤةً
فِي صدفةِ مَحار بحرينية
من أوَّلِ نظرةٍ، ومِنْ طَرفِ عَينِيها
رَعشةٌ اصابتْ العَقل وَالبَدن؛
فتَهاوى الفؤادُ صَريعاً
بِسهامِ نَشوةِ سِحرها
وَلهاناً دَنا مِنْ مَخـدَعِها
وَبيَدهِ مِنْ الربيعِ وَردةً؛
فارتَمى مَسحوراً  بَيْنَ نهديها،
ظَمآناً  لنبعِ كَوثَرِها،
فَمَسَّهُ وَهجُ شَفتيها؛
احترق وما درى إنه يحترقُ
فـفـَزَّ مرعـوبـاً  مَحمومـاً  كمَجنونِ
 ليلى يَبحثُ عَنْ ليلاه
فاتحاً عَينيَــه،
يَتَصبَّبُ عَرقا
مُتسارعَ الانفاسِ،
يَنهضُ مِنْ السَّريرِ

- وَمنْ فِي غُرفَةِ المَشفى حَولهُ -

وَهَوَ يَهذِي :
رَبّاه ، رَبّاه
شَمَمَتُ عِطرَها
كدتُ اَن أَلثَمَّ ثَغرَها
وأَرتوي بِجُرعَةٍ مِنْ الكَوثَرِ



كُتبتْ فِي مَدينةِ مالمو/ السّويد  يَوم الجُمُعة  5 حُزيران 2020
وَنَحنُ نَعيشُ فِي حِصارِ جائِحةِ فيروس كُورُونا




5
الصّياغَةُ مِهنَةُ أَبِي فِي الحَربِ وَالسَّلام 

بقلم: يَحيَى غَازِي الأَمِيرِيِّ
بَغداد فِي اربعيناتِ القرنِ المَاضِي!
مُنذُ زَمَنٍ بَعيدٍ وَأَنا أُفَكرُ بِجدٍ لتدوينِ الفتراتِ الزمنيَّة، وَالأَماكنِ وَالمُدنِ التي عَمَلَ فِيها والدي (غَازي رَمَضان عَبد الأَمِير الأَميريّ 1907 - ت 1987) صائِغٌ مُحترفٌ لِمهنةِ صياغَةِ الذَّهبِ وَالفِضَّةِ، فَفِيها تَجربةٌ قاسيةٌ فِي الصراعِ مِنْ أَجلِ البقاءِ، تَستَحِقُ التَّدوين.
 كَما البَرقُ مَضَتْ بِنا مُسرعةً سِنِينَ العُمرِ، وَأنا أسمَعُ مِنْ (أَبِي وَأُمِّي) وَمِنْ هَذا وَذاك وأَدوِّنَ عَلَى قصاصاتِ الوَرَقِ بَعضَ المُلاحظات.
أحرصُ أَشدَّ الحِرصِ أَن أحفظ مَا طبعَ بذاكرتِي مِنْ صورٍ وَلقطاتٍ لأَزمِنَةٍ وأَماكن كنت قَد شاهدتهُ يَعملُ فِيها، فَتَتزايدُ مُتباعدةً؛ لِمشاغِلِ وَمَشاكِلِ الحياةِ وَهَولِ الأَحداثِ الجِسام التي عشتها المَليئَةِ بالخوفِ وَالعُنفِ وَسِنيِنِ الرُّعبِ وَالجَدبِ وَالمصائِبِ وَالحربِ وَاضطهادِ السّياسةِ وَمأسِي الهِجرة، فَأخشى أنْ يَلفها الضَّياع أوَ تَلتهِمها أَفةُ النِّسيان أو تَختل وَتَتَشوش صُور البَعض مِنها. 
صَباحَ يَومِ الجُمُعةِ المُصادف (05 - تَمُّوز- 2019) وَأنا عَلَى مَائدةِ الفطورِ، عَزَمتُ عَلَى أن أباشرَ بتدوينِ شيئاً عَنْ فترةِ عَمَل والدي فِي (شارع النَّهر- شارع المُستَنصِر-  ببَغدادَ) (1) ومِن ثم أتابعُ محطةً أخرى فأخرى؛ تناولتُ فطوري ، وَارتديت بدلة الخروج وَرسمتُ مخططاً لما عَزمتُ عَليه.
سيراً عَلَى الأقدامِ ذَهبتُ إِلَى - كافتريا وَمَطعم (كيلاس) الذي يَقعُ فِي سنتَر ضاحية (رُوزنكورد فِي مَدينةِ مالمو /السويد) المكانُ لا يَبعدُ اكثرَ مِنْ عَشرة دقائق عَن سَكني، فِي مثلِ هذا الوقتِ بالذات يومِ (الجُمُعة) يضجُ المكان بحركةِ الناسِ بشكلٍ غَيرِ مألوفٍ أكثر كثيراً مِن بقيةِ أيامِ الأَسبوعِ ، اِذ أفتتحَ قَبلَ عدةِ أشهرٍ مكانٌ داخلِ السواقِ (سنتر السوق) خصصَ كـ (مُصَلّى للمُسلِمِين).
عِندَ وصولي (كافتريا كِيلاس) شاهَدتُ المَكان مُكتظاً بالروادِ مِنْ مُختلفِ الجِنسياتِ وَالأَجناسِ القاطنةِ فِي (مالمو) مِن ( العربِ، الكردِ، الصومال، الإيرنيين، البوسنيين، وَالسويديين وَغَيرهم) مَكانٌ تَسمعُ فِيه الحديثُ بالعَديدِ من اللغاتِ.
فِي (الكافتريا) هُنالكَ طاوِلةٌ بشكلٍ مُستمرٍ مُخصَّصةٍ لمجموعةٍ مِنْ (العِراقِيِّين) الذينَ حَطَ بهم الرحالُ هُنا في هذهِ المدينة الاِسكندنافية، وَأحياناً يجلسُ معهم اصدقاء مِن الجالية الإيرانيَّةِ أو العربيَّة؛ وأنا أقتربُ مِنْ (الطاولة) شاهدتُ من أودَّ لقاؤهُ وَالتحدثُ اليه بما عزمتُ عَليه؛ أنه أَبنَ عَمي (لعيبي خَلف رَمضان / أبو عادل) مِن مَواليد (1930) وَصل السويد وَهو(معلمٌ مُتقاعد) فَلَهُ ذاكرةٌ نابِهةٌ نشطةٌ  فِيها من الوصفِ الدقيقِ المُسترسلِ ما يشجعُ وَيطمأن لهُ عَلَى التّوثيقِ والتّدوينِ الرَّصين.
 بَعدَ التَّحية عَلَى مِنْ ضَمَّ مَجلسهم، جَلبتُ مِن المقهى (كُوبَين) مِن القهوةِ أحدهما لهُ والأخرُ ليّ ، بَعدَ أَن وافقَ أن أجلبَ لهُ القهوةَ وَقدحاً مِنْ الماءِ، وَجلستُ بجوارهِ، واستأذنتُ الآخرين بما وددتُ أنْ اسأَلهُ وَأُسجلهُ، وَأخرجتُ عُدت التَّوثيق الأَولية (الورقة والقلم) وَطلبتُ منه أن يشحذَ ذاكرتهُ وَيرجعُ بنا إِلى الفترةِ الزمنيَّةِ التي كانَ يعملُ بها (عَمهُ) والدي (غَازي رَمضان) فِي (شارع النَهر ببغداد) كانَ يُشاركنا بجلستنا أَبنَ عَمي الأَخر(سَعيد خَلف رَمضان / مَواليد 1934) وَهوَ ايضاً (صائغٌ ماهرٌ) قَديم فِي أسواق بغداد، ويعرفُ كثيراً عن عَملِ والدي فِي (سُوق خان الشابندر) فِي فترةِ خَمسيناتِ وَستيناتِ القرن الماضي.
سَألتُ أَبنَ عَمي (أبو عادل/ لعيبي خَلف رَمضان):
 أَوَدُ أَنْ تَرويَ لي بِالضَّبطِ :
1- أَينَ كانَ مَحلَّ عَمَل والدي (أبو فَيصل) فِي شارع النَّهر ببغداد؟
2- الفَترَة الزمنيَّة التي عَمِلَ بها صائغاً للذهبِ وَالفضةِ فِي شارع النَّهر؟
3- مَنْ كانِ يِعملُ مِعهُ فِي المَحَلِّ (الدُّكان)؟
4- وَمَنْ هم جيرانهُ وَبالقربِ مِنهُ مِن الصاغةِ المَندائيين وَغَيرهم؟
ابتَسمَ، وَعَدَلَ مِنْ جَلستِهِ وَأَخَذَ رَشفةً مِنْ قَدَحِ الماءِ وَتَناولَ رَشفةً اخرى مِن (القهوةِ) وَبدأَ حديثهُ:
- سَأُحَدِثُكَ بالتَفضيل، لِكونِ تَلكَ الفَترةِ تَرتَبطُ مَعي بإحداثٍ كبيرةٍ بحياتِي، لا تُمحى مِنْ ذاكرتِي، فِي صَيفِ عَام (1942) كُنت للتوِ قَد أنهيت دراستي الاِبتدائيَّة مِنْ مدرسةِ (أمسعيدة الاِبتدائيَّة للبنين/ لواء العِمارة). بَعدَ مُداولات مَعَ عائلتي قررنا أَن أذهبَ للتسجيل (بمدرسةِ دارِ المُعلمين الريفيَّة ببغداد) كَيْ أتخرج مِنها مُعلماً، جِئتُ إِلى (بَغداد) قاصداً بَيت عَمي (أَبو فَيصل /غَازي رمضان) لِغَرضِ أنْ يُساعدني وَيُسجلني فِي( المَدرسة الريفيَّة أي دار المُعلمين الريفيَّة) وَالتي كانَ القَبولُ فِيها بعدَ الدراسةِ الاِبتدائيَّة، وَهذهِ هِيَ المَرة الأَولى بحَياتي الِتي أسافِرُ فِيها مِنْ العمارة إِلى بَغداد.
وَصلتُ إلَى بَيتِ عَمي (ببغداد/ مَحَلة الكريمات ) أستقبلني عَمي (أبو فَيصل) وَزوجتهُ عَمتي (أُم فَيصل) بالأحضانِ، كانَ أبنُهم البكر(فَيصل) طفلاً صَغيراً تَحمله أُمه بَينَ يَديها..
أخبَرتُ (عَمي) برغبَةِ أَهلي وَرَغبتي أن أُسجل فِي (مَدرسةِ دار المُعلمين الريفيَّة)؛ رَحبا بيَّ أَجمل تَرحيب وَخصصا لِي مَكاناً للمَبيت عِندهم فِي البَيتِ، فِي اليومِ التالي اصطَحبنِي (عَمي) مَعهُ إِلى مَحلِ عَمله فِي (شارع النَهر)؛ كنتُ مَبهوراً بِما أشاهِدهُ وَأنا أَسيرُ بجانبهِ، مِنْ بيتهم فِي (مَحَلة الكريمات) بالقربِ مِنْ (السفارة البريطانية)، ونَعبر جِسر(مُود أو المَلك فَيصل الأَول) - جِسر الأَحرار- حالياً (2)
وَنَنعطف بَعدَ عبورنا الجِسر مباشرةً إِلى شارعِ النَّهر؛ بَقِيتُ عِدَّةَ أيامٍ بَعدها أَذهَبُ كُلَّ صَباحٍ بصحبته لمحلِ عَملهِ وعندما يَغلقُ المَحلَّ أرافِقهُ للبَيتِ.
- يأخذُ (لعيبي - أَبو عادل) نَفساً عَميقاً؛ وَيُواصلُ الحَديثَ ثانيةً:
- مَرسومةً أَمَامِي صورةُ مَدخل شارع النَّهر وَأنا أَدخلُ اليه  قادِماً مِنْ (مَحَلة الكريَمات) باتجاهِ ساحةِ الصالحيَّة وَالِتي يَنتصبُ فِيها تِمثالٌ للمَلكِ (فَيصل الأَول) وَهَو عَلَى صَهوةِ جَوادهِ، نَسيرُ عَلَى الجَهَة اليُسرى من الجسرِ.
يَبقى تِمثالُ (المَلك فَيصل الأَول) خَلفنا نعبرُ الجِسر سيراً عَلَى الأقدامِ وننعطف مباشرةً عندَ نهايةِ الجِسر لمدخلِ شارع النَّهر، قَبلَ أن نَصِلَ إلى ساحةِ (حافظ القاضي وشارع الرشيد).
 فِي بِدايَةِ مَدخَلِ (شارع النَّهر) وَفِي الرُّكنِ (الأيمن) مِنهُ يَقعُ (مَقهى شَريف حَداد) وَيُقابلها فِي نَفسِ المَدخلِ مِن الجِهة اليُسرى القَريبَةِ مِنْ (نَهر دِجلة) مجموعة مِن الفنادق، تَتَخطى (مَقهى شَريف حَداد) يأتي (فرع) شارع ضَيق يَمتد مِن (شارع النَهر) حَتى شارعِ الرشيد، بعدَ (الفرع) مباشرةً يأتي صَفٌ مِنْ المَحلاتِ (دَكاكين) لِصاغةِ الذَّهبِ وَالفِضَّة..
المَحَلُّ الأَول للصَّائِغ المَرحوم ( رَحيم صادق الخَميسي) ثُمَ يَليه مَحَل المَرحوم الصّائِغ ( ضامِن حويزاوي/ أبو زُهير ) وَالمَحلُ الثالث مَحَلُّ عَمي (غَازي رَمضان الأَميريِّ / أبو فَيصل) وَكانَ يَعملُ مَعهُ فِي نَفسِ المَحلِّ شُركاؤُهُ فِي المَحلِ وَالعَملِ كلٌ مِنْ الصائغ (إبراهيم شاوِي شفيف) وَالصّائِغ (زامل غافل الخلف/ أبو شهاب) رَحِمهم الله جَميعاً.
يُقابلُ مَحَلاتهمْ مُباشرةً مَحلات مِنْ الصّاغة وَهُم المَرحوم الصّائِغ ( جَودة سَهر المسودني) ، ثُمَ مَحل المَرحوم الصّائِغ (صادق حاجم الخميسي/ أَبو مَنيع) وَكانَ يَعملُ معهُ شريكٌ فِي نفسِ المحل هو المَرحوم (حَمد فَلت البركاوي أبو مجبل)، ثُمَ يأتي مَحل المَرحوم الصّائِغ (جاني سهر المسودني) وَثمَ الصّائِغ الشَّهير المَرحوم الشَّيخ (عنيسي فياض مران/ أبو بشير).
الفَترةُ الِتي عَملَ فِيها (عَمي، أبو فَيصل) فِي (شارع النَّهر) كانت منذُ عام (1941) وَأستمر عَمله لغايةِ نهايةِ عام(1943) أي ما يقاربُ مِنْ ثَلاثةِ سَنوات، أيْ فِي قِمة الأَحداث المُهمّةِ بتاريخِ العراق سنين مصائب ومصاعب وحروب ففيها الحرب العالميَّة الثانية (1939-1945)، وأحداث (حركة مايس 1941) وَما رافقها مِنْ اضطراباتٍ أمنيَّةٍ وَاقتصاديَّة.
وَيُواصلُ حَديثهُ :
- ثُمَّ أَستَقل مِنْ شُركائه فِي المَحَلِّ وَالعَمَلِ واِختارَ مَنطقةً قريبةً أُخرى حَيث اِنتَقلَ إلى مَحَلٍّ جَديدٍ فِي (شارع الرشيد فِي فُندق النَّعمان) كان يعمل فيه (صائغ ) بعدَ الظهر أي فِي المساء ،حيث كانتْ هذه المنطقة تَعجُّ بالحركةِ بَعدَ الظهر بَعدَ اِنتهاءِ الدوامِ - كانَ الجنودُ البريطانيين وَالهنود وَغيرهم مَنْ قوّاتِ الحُلفاء - يَترددونَ عَليها فَي تلك الأَوقات ففيها وبالقربِ منها مَحلاتٌ عامرةٌ بالبضائعِ وأماكنِ أخرى للهوِ وَالتَرفِيه.
فَفِي النَّهارِ كانَ يَعملُ فِي محل صياغةٍ فِي منطقةِ (الكرخ) فِي محلةِ (الفحامة) القريبةِ مِنْ (ساحةِ الشهداء) الآن، فِفي محلةِ (الفحامة)، سوق عامر بأصحاب الحرف اليدوية ( منهم النجارون والحدادون الذين يصنعون أدوات الفلاحة، وَمحلات للعديدِ مِنْ الصّاغة المندائيين.
- سَألتُ (أَبو عادل) حَدثنا الآن كيفَ سَجلكَ عَمُّكَ (أبو فَيصل) فِي (مَدرسةِ دارِ المُعلمين الريفيَّة) ؟
- يَضحَك أبو عادل، وَهو يَقول إِنَّ لِذلِكَ قِصةً (طَريفةً عَجيبةً) قد حَدثت لِي كادتْ أنْ تُغيّرَ مِنْ مَجرى حياتِي العَمليَّةِ وَالمِهنيَّة !
وَيَستطردُ فِي حَديثهِ:
- خِلالَ الأَيامِ الأَولى التي كُنت أترددُ فيها بصحبةِ (عَمي أبو فيصل) لمحلهِ قَبلَ أن يذهبَ بِي ليسجلني وَيُقدم أوراقي (لمَدرسةِ دار المُعلمين الريفيَّة)، وَبعدَ أنْ علِمَ كثيرُ من الصّاغةِ المجاورين لمَحلِ عَمي بذلك، وَمعظمهم من معارفنا وأقرباء لنا،  أَشاروا على (عَمي) بالنصيحةِ أن يسجلني فِي (المَدرسة الثانويَّة) بَدل (مَدرسة دار المُعلمين الريفيَّة) مُبدين ملاحظاتهم بأنني شابٌ صغيرٌ يافعٌ وفِي مُقتبلِ العُمرِ، وَيمكن أن يشقَّ طريقهُ وَمستقبلهُ باختصاصٍ كبيرٍ وَمُهِـمٍ، كأن يكونَ طبيباً أو مُهندساً أو مُحامي، أفضلَ مِنْ أن يتخرجَ (مُعلم)، وأكثر من تحدثَ فِي النصح وَتكلمَ مَع (عَمي أبو فَيصل ) هو الصّائِغ الوجيه - الله يرحمه - ( جُودة سهر المسودني). أَقتنعَ (عمي/ أبو فيصل) بذلكَ وَاقتنعتُ أنا معهم، وأَخذنِي (عمي) وأكمل أوراقِي وَسجلني فِي (ثانوية الكرخ للبنين)، وَباشرتُ أدرس فيها، وأسكنُ فِي (بَيتِ عَمي) فالمدرسة قريبة من سكناهم  وَمِنْ مَحلِ عَمي.
أُكتَمَلتْ جَلستُنا لِهذا اليومِ إِلى هذا القدرِ مِنْ التَفاصيلِ، وَفضَّتْ جَلستنا،عَلَى أملِ اللقاءِ فِي وقتٍ أخرٍ لتكملةِ المَوضوع.
عُدتُ للبيتِ (وَأَنا بغايةِ الانشراح والإرتياح) وَعلى وَجه السرعةِ دونتُ كافة المعلومات الِتي تَحدث فيها،  وَعندَ مُراجعتها، اِستوقَفتنِي بَعضُ الفقراتِ والتي تَحتاجُ إِلى تَوضيحٍ أَكثر؟
مِنها : أَنا أَعرفُ إِن إبنَ عَمي (أَبو عادل) قَد اكملَ (مَدرسة دار المُعلمين الريفيَّة ) وَتَعينَ (مُعلم)، إذن كيفَ يقولُ (أنِّي دَرستُ فِي ثانويَّة الكرخ للبنين)؟
وَالإِستِفسار الأَخر الذي وَدِدتُ أَنْ يوضِّحَه لِي أَينَ بالضبطِ  موقع الدار الذي سكن فِيه (والدي) فِي محلة (الكريمات)؛ (فوالدتي) رَحِمها الله كانَتْ تُحدثنا كثيراً عَنْ تِلكَ الدارِ الكبيرةِ وَمَنْ كانَ يُقاسمهم السَكن فِيها، والأماكنُ المُهمة القريبة مِنها؟.
فَي ظُهرِ يوم الخميس (11- تموز- 2019)  التقيتُ (أبوعادل/ لعيبي خلف) فِي نفس (كافتريا كيلاس)  وَطلبتُ مِنهُ أَنْ نُكملَ حَدِيثنا، إِنْ كانَ يَرغبُ بِذلك، فَوافقَ..
سَألتهُ السُّؤال الأَول:
 قُلتُ لَهُ انِّي فِي التِباسٍ وَتَشويشٍ فِيما يَخصُ دراستك، أَعرف بأَنكَ تَخَرجت مِنْ (مَدرسة دار المُعلمين الريفيَّة) وَتَعينت مُعلماً، بَينما أنتَ باشرتَ بدراستكَ فِي ثانويَّة الكرخ للبنين؟
- ابتَسم أَبو عادل، وَبَدأَ حَديثهُ :( نَعَمْ، دَرستُ فِي (ثانويَّة الكرخ للبنين) وَأَكملتُ الصَّف الأَول المُتوسط ، وَالصَّف الثاني المُتوسط ، وَخلال العطلة الصيفية وأنا اتهيأ وَأستعد للمباشرةِ للدراسةِ فِي الصف الثالث المتوسط، حَدث أن تَمت قناعتي لأَسباب كثيرة، وَأهمها انتقال (بَيت عَمي أبو فيصل) إِلى سَكن أخر بَعيد عَن مَدرستي، وَلضيقِ ذاتِ اليد، فَصارت قَناعتي وَقناعة أَهلي أَنْ أَتوجه للتسجيل فِي (مَدرسة دار المُعلمين الريفيّة) فَهي خير ضَمان لمستقبلي، وَتَختصر لِي الطريق، فَفِيها أَقسامٌ داخليَّةٌ وَوَجباتُ طعام للطلاب، فَذهبتُ وَسَجلت وَقَبلوني طالباً فِي (الصَّفِ الأَول) وَباشرتُ الدراسةِ فيها، فَتركتُ (ثانويَّة الكرخ للبنين) وَراحت عليَّ (سنتين دراسيَّة) وَبقيت فِيها حتى تَخرَّجتُ مِنها.) ..
وَيَستطرِدُ فِي سردهِ :
 - كانتْ (مَدرسة دار المُعلمين الريفيَّة) تقعُ فِي (بغداد) في منطقةِ (الرستِميَّة ) للمدرسةِ بناية ممتازة وفيها أَقسام داخلية لإيواء الطلبة، وَخلال فترة دراستي فِيها، صَدر (قَرار حكوميّ ) أَن تَتحولَ بناية (دار المعلمين الريفيَّة ) وَكل المِنطقة المُحيطة بها إِلى (وزارة الدفاع ، لتكون مَقر للكلية العَسكرية العراقية )، وَنقلت (مَدرسة دار المُعلمين الريفيَّة) إِلى مِنطقة (الكرادة) مُقابل بناية (القصرالجمهوري) فأنتقلنا للمكانِ الجديدِ حتى تَخرجي مِنها..
وَطلبتُ منهُ أَن يوضحَ لِي أَينَ كانَ يَقعُ (بيت والدي) فِي تلك الفترة التي سكنَ مَعهمْ فِيها، وَهل يتمكن مِنْ وَصفِ الدار، وَمَنْ كانَ يُشاركهُم السكنُ فِيها؟
أَجابَ أَبو عَادل :
- نَعَمْ، بِكِلِّ تأكيدٍ لَمْ أَزلْ اتَذكرُ ذلِكَ جيداً، لكوني قَد سَكَنت من مرةٍ أخرى مَعَ أهلي عند انتقالنا من (أمسعيدة / العمارة إلى بغداد) سكنا في نفس المنطقة في (الستينات).
كانَ مَوقع البيت فِي المِنطقةِ القريبةِ مِن بناية السفارةِ (البريطانية)وَفِي الجهةِ المقابلةِ لها كانتْ مَجموعة مِن (بيُوتات) حَديثةٍ ذاتِ طرازٍ معماريٍ جَميلٍ متميزٍ، لَمِ تَزلْ لغاية اليومِ قِسمٌ منها باقية وَمِنها بيت (عبد الله الشاوي) وبيت (شاكر الوادي).
كانَ البيتُ الذي سكنَت فِيه عائلة (عَمي أَبو فيصل) فِي المِنطقة التي قبل بناية السفارة (لبريطانية) بقليلِ وأنتَ قادم مِنْ جهةِ جِسر (مود) سابقاً - الأَحرار-  البيتُ مبني من الطابوق وكانَ كبيرٌ جداً وَيحتوي على غرفٍ عديدةٍ  كانَ يُسمى البيت (الناصي) لكونه أَوطأَ مِنْ الشارع الذي فيه ، البيت (أيجار) بيت تسكنه عدة عوائل جميعهم من (الصابئة المندائيين) عندَ الدخولِ للبيتِ مِن البابِ الرئيسية يُوجد ممر عريض مسقف وَعلى جانبي الممر مُشتملان كلُّ واحد منهما فِيه غُرفتان مٌتجاورتان وَمَعها (حمام وتواليت) هذا على جهةِ اليمين وَكذلك مثله عَلَى جهةِ اليسارِ غرفتان وحمام وتواليت، وَبعدَ اتمامِ الممر تَدخل إلى (الحَوش) وَفيه مَساحةٌ واسعةٌ فِي الوسطِ (فَضاء مَكشوف) تُحيطها العديد مِن الغُرفِ وَلها حَمامها وَتواليتها الخاص؛ الحوش وَجميع غُرفه تَسكنها عائِلة المَرحوم ( نَاهي الخفاجي - الشيشتري- أَبو طالب وغالب) وَهو المُؤجر الرئيسي من صَاحبِ الملك الرئيسي، وهو الذي يؤجر (المشتملين) وَيَستلم إيجارها من الساكنين، وَيمكن للعائلة أن تؤجرغرفة واحدة مِنْ المشتمل، وَمن العوائِل التي كانت تسكن معهم في نفسِ (البيت)عائِلة المَرحوم (ياسر صكر الحيدر/ أَبو جبار)، وَعائلة المَرحوم (عَبد الواحد مران، والدُ الشاعِر المَشهور(عَبد الرزاق عَبد الواحد)،والمرحوم (حازم مشعل الخميسي). 
ثُمَّ سَألتهُ سُؤالاً أَخر: قلتُ لهُ كانتْ (أُمي) تَتَحدثُ كثيراً عَنْ البيت الناصي ـ وتذكر دائماً بالخير المرحمومة (زوجة ناهي  الخفاجي / أم طالب) وتحدثنا كذلك عن حديقةٍ قريبةٍ من موقعِ البيت في (الكريمات) يَتوسطها نصب (تمثال) كبير عالي للجنرال البريطاني (مُود) وهو عَلى ظَهر الحِصان، وَتَقول (أمي) كنتُ كلما اذهبُ للتسوق (الفاكهة وَالخضروات وَالسمك) مِنْ سوق (الشواكة) القريب جداً منا كنتُ أَمرُ مِن أمامِ (التمثال) فِي الذهاب والإياب؟
- أجابَنِي نَعَمْ ، كانَ فِي تَلكَ الفترةِ تِمثال (للجنرال ستانسلي مُود) وَسط حديقة أَمامَ السفارة البريطانيَّة يبعدُ عنْ البيتِ عدةِ خطوات، وَقدْ أُزيلَ التَمثال أَيام (ثورة 14 تموز 1958)مِنْ قبلِ المُتظاهرين الغاضبين المُؤيدين لثورةِ تموز!
دَوَنتُ اليَومَ هذهِ الصَّفَحاتُ مِنْ الذاكرةِ لِجزءٍ مِنْ سِيرةِ حياة أّبي الزاخرةِ بالعَطاءِ وَالكِفاحِ المَريرِالعنيدِ المُثابرِ النزيهِ فِي الحَياةِ وَالعَملِ؛ فَكمْ توالتْ عليكَ الرَزايا والخطوب وَالمِحن وَأَنتَ تَطوف بالبلاد، تَتَخَطى الأهوالَ وَالصِّعاب، بعزيمةٍ لا تَلين، بصبرٍ وَجَلدٍ، لتنتزع رَغيف الخُبزِ بكرامةٍ وَعزة نفسٍ وشَرف، هَنيئاً لصمودكَ الذي أفلحَ وَظَفر، لتبقى سِيرتكَ وَساماً وَنِبراساً حَياً يَتناقلهُ مُحبيكَ جيلاً بَعْدَ جِيل لمواقفٍ وذكرياتٍ لا تُمحى وَلا يطويها النِسيانُ وَعادياتُ الزَّمَن.
أتمتُ كتابتها في مالمو/ السويد يوم الجُمعة 22 مايس/ مايو 2020
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والدي ( غَازي رَمضان عَبد الأَمير الأَميريِّ مِنْ مواليد ناحية الكحلاء - أمسعيدة- لواء العمارة عام ( 1907) توفي في قضاء العزيزية - محافظة واسط بتاريخ (01 تشرين الأول 1987)
(1) شارِعُ النَّهر: يَقَعُ فِي جانبِ الرصافة مِن العاصمةِ بَغداد ، وَهو مِن اقدمِ شوارع (بغداد) وأعرَقها، فهو امتداد لسوقِ (الخَفافين العباسي) القريب مِن (المدرسة المستنصريَّة) التي بناها الخليفة العباسي (المستنصر بالله عام 1233 م )، ويسمى الشارع فِي السجلاتِ العراقيَّة الرسميَّة (شارع المستنصر) يمتد الشارع بمحاذاةِ (نهر دجلة) لغايةِ (جِسر الأحرار)، يوازيه مِنْ جهة الشرق (شارع الرشيد) وَيرتبط الشارعان (النهر والرشيد) بالعديد من الشوارعِ الفرعيَّةِ؛ أطلقتْ العديد من التسمياتِ عَلَى شارعِ النَّهرِ، فهو شارع الذهب، شارع البَنات، شارع الأَفراح، وَشارع العَرائِس.
(2) الجنرال مُود : هو (فريدريك ستانسلي مُود 1864- ت 1917 )، جنرالٌ بريطاني أُشتهر بقيادتهِ لحملةِ بلادِ الرافدين ، وَكانَ هو القائد للقواتِ البريطانيَّة التي احتلتْ بَغداد فِي (18- أذار- 1917) وبعدَ عدَّةِ أشهر فِي (11- تشرين الثاني 1917) توفي ببغداد بمرضِ الكُوليرا.
 جِسرُ الأَحرار: فِي عامِ (1918) شيدَ الجيش البريطاني جسراً مِن الحديدِ عَلَى القواربِ، سُمي الجِسر باسم (الجنرال مُود) يربطُ بين جهةِ (الكرخ - الصالحية) وَجهة (الرصافة- ساحة حافظ القاضي) وَفِي عام (1941) تمَ انشاء جِسر حديث مِن الخرسانةِ وَالحديدِ عَلَى أعتابِ جسر (الجنرال مُود ) وَسُميَ بجِسرِ (المَلك فيصل الأَول) وَبَعدَ (ثورة 14تموز 1958) تَمَ تَغيرُ الاسم إِلى (جِسرِ الأَحرار)..
 

6
أدب / القصاصُ مِنْ القَناص
« في: 21:58 11/05/2020  »
القصاصُ مِنْ القَناص
يَحيَى غَازي الأَميرِيِّ
افَّلِتْ دَولةُ القَناص
ذَليلٌ صاغِرٌ
مُقيدٌ مُهان
جَلا مَرعوباً
دَولةُ القَّناص.
طَليقٌ أَسيرٌ
مُكَبلٌ بأَصفادِ
العَارِ وَالشَّنارِ،
وَمُحملٌ بالآثام.
سيطارِدكمْ حَتَّى حَتفكُمْ
نَوْح الثَّكالى،
أَرواحُ الضَّحايا
وَدِماءُ الأَبرياء.
أَلَمْ تَقرأ؟
ما جَاءَ فِي النَذير
(الجُروحَ قِصاصٌ)*
كُتبتْ في مالمو / السويد في يوم الخميس 07 - مايس/أيار- 2020
وَنَحنُ فِي أَيامِ حصارِ جائِحةِ فيروس كورونا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*(الجُروحَ قِصاصٌ): سورة المائدة الآية 45



7
مِنْ أَرضِ مَيسان جَاءَ الأَبِــيُّ أَبـِي

 
يَحيى غَازي الأَميريِّ
1   
مِنْ أقصى جَنُوبِ بِلادِ النهرين
 مِنْ ضِفافِ أَهوار مَيسان
مِنْ مُسَطَّحاتِ مِياهِها المُمتَدَّةِ عَلَى طُولِ البَصَرِ
مِنْ بَينِ غاباتِ القَصَبِ بِهامَاتِهِ الباسِقَةِ
المتشابكةِ المُتَراقِصَة عَلَى أّنغامِ الرِّياحِ
بِمَشاحِيفَها الرَشِيقَةَ،
وَهي تَمخرُ بِمَتاهاتِ دُرُوبِها الخَفِيَّةِ
وَهِيَ مُحَملَةً بِأَنواعِ السَّمَكِ الكَطّـان وَالبُنيّ وَالزُورِيّ،
مِنْ بَيْن صياح الدِيكَةِ،
الَّتِي تَتَعالَى مَعَ كُـلَّ فَجرٍ،
المُتداخلةِ بنداءآتِ أسرابِ الطيُورِ المُهاجرةِ
وَهي تَجوبُ السَّماءَ بحركةٍ لا تَهدأ.
مِنْ صَفاءِ لَيـالها المُرصعةِ بالنَّجومِ المُتلألئَةِ
وَقَمرها الذي يُبهرُ البَصر
وَحَيـّرَ بأسرارهِ البَشر
مِنْ بيوتِ العَوزِ وَالجودِ
وَالقصَبِ وَالبردي وَالطين
بِدَواوينها وَمَجالِسِها العامِرةِ
بالقصَصِ وَالحَكايات
وبالأساطيرِ والأسرار
وَهي تُحكى بسردٍ متقنٍ مَعجونٍ
بدموعِ الإملاقِ
وَالوَجعِ وَالحِرمان
بصبرٍ وأَنـاةٍ
وَوَرَعٍ وَإيمان
فِي هذهِ الأجواءِ
سُمـعَ صَوتُ صَرخةِ الوِلادةِ
مُعلناً مَجيء غـازي
لَقـد غـزا القلوب
طِفلٌ جَميلٌ
واسِعُ العينينِ
باسمُ الثغرِ
أبيضُ البشرةِ
ليترعرع الصَّـبيُ مُتشبعاً
بروحِ الطَّبيعةِ والطَّيبةِ ،
مُبكراً لبسَ - الرستا - كِساءَ النور *
وَتَعمدَ القلبُ الصَّغيرُ بمياهِ يَردنا **
وباتَ يَنهلُ الحُبَ
وَفضائلَ الأَخلاقِ
وَأصولَ وَفنونَ العَملِ
لأبرزِ المِهَنِ وأنقـاها
ومِنْ يَنابيعِها العَذبَةِ الصَّافيَة
أتقنَ  ، وبِجدارةٍ عـدةَ مهـنٍ
حدادةٍ وَنجارةً وَصياغَة!
وَاختارَ  وبرغبتهِ مِنْ بَينها
(الصياغة)
صياغة الحُليِّ الذَّهبيَّةِ وَالفضيَّةِ
فانغرست فنونها بدمهِ
وعاشَ فِي حُبِها
وَأبدعَ فِي صَنعَتِه
وَصَنَعَ بمهارةٍ وَ إتقان
مِن الإِبريزِ وَ اللُّـجَينِ ***
آلافـاً  لا تُعـدُّ مِنْ الحُليِّ البَهيَّةِ
خَواتمَ وَأقراطٍ وسلاسل
خَلاخِلَ وَحجولٍ ذهبيّـة
خزامةٍ ووَردة  وجلّاب
أساورَ ومَلاوي وَقَلائـِد ،غايةً في الإتقان
عناقيـد وأفنان، 
وَ الَآلاف مِن التُّحفِ الفُضيَّةِ الفَنيَّةِ
المَنقوشةِ برسوماتٍ دقيقةٍ بديعة
وَالمُطعمةِ بالميناءِ الزرقاءِ أو السوداء

2
فِي بَواكيرَ شبابـه،
 قَررَ البحثَ عَن أَمَلٍ وَعَنْ عَمـل
للخلاصِ مِن براثـنِ الفاقةِ وَالجهل
شَدَّ الرحالَ،
وَركبَ الصِعابَ
كالفارسِ الباسلِ
بَعدَ أن أَيقنَ أنهُ
أتقَنَ فَنَّ المِهنةِ
وَ أَفانينِ وقوانين العَمل،
فَالمِهنَةُ بيدِ الفَنان
كالصَّولجانِ بيدِ السَّلطان،
هبَ ساعياً بِجدٍ بَينَ المُدنِ
يَنشدُ الأملَ
بأرضٍ خِصبةٍ للعمل
طافَ فِي أرضِ السَّواد
لِطلبِ الرزقِ الحَلال
تُرافقهُ ثِقتهُ بنفسهِ
وَخِبرتهُ وَعدةُ العَملِ
- المِطرقةُ وَالسِّندان-
بَغداد - دار السلام -
كانَتْ أول المَحطاتِ، أجمـل المحطّـات؛
افتتحَ لهُ مَحلاً - دكاناً- للعملِ.
وَتَنقل بَينَ  أَبرزِ  وأَهمِ الأسواقِ
- باب الشيخ ، سُوق الفحامة شارع النهر ، شارع الرشيد ، خَان الشابندر -
وَكُلَّما حَلَّتْ نائبةٌ فِي البلاد
وَحَلَّ الركودِ وَ سادَ الكَساد
وَ ماجَتْ وَ اضطربتْ العِباد
فَتش للعيشِ عَنْ عُشٍ جَديد
عَنْ عيشٍ رَغيـد....
مِعطاءٌ واسِعةٌ أرضُ السوادِ
كالمَيدانِ  للفارسِ الصَّندِيد.
تعَلمَ بنفسهِ - فك الخط -
القراءةَ والكتابة؛
فأجادَ الرسمَ عَلَى المَعادن
وَتَطعيمها بالمِيناء الملّـونـة
فِي حافظةِ رأسِهِ ،عَدَدٌ لا يُحصى
مِن قَصصِ النوائبِ، الطرائفِ وَالمواقف
عَنْ حياةِ الناسِ وَالأسواق
وَعنْ تَاريخِ حَوادثِ وَمَآسي العراق،
فِيها الكثيرُ مِن الدروسِ وَالعِبـَرِ،
كانَ يجيدُ فَنَّ السَّردِ
وَبعينِ البَصيرِ الفَطن
يَستحضرُ الحَدثَ
لربطهِ بالواقعِ الجديد!

3
كَما اللَّيلُ وَالنَّهارُ
بَينَ مدٍ وجزرٍ
تَقلبتْ بهِ الأَحوال
فَذاقَ وَتَنعمَ بِحَلوها
وَتَجلدَ بالحلمِ وَرباطةِ الجأشِ
في مرّها ومرارتها
وَمِنْ قَسوةِ سِنِينَ شَظفَ العَيشِ
وَأهوالِ الحروبِ والكوارثِ
لمْ يَسرقْ بَريقُ التِّبرِ
وَمَباهِجِ الحَياةِ المُغريَةِ
وَهَجِ الإِيمان مِنْ قَلبهِ،
وَلـمْ  يَتَزَعزَعْ عَهدُ - الكشطا- فِي خافقهِ
مُذْ - أصطبغَ - وتَعمدَ بمياه يردنا
وَهو صَبي.
أَحَبَ زوجتهُ وأخلصَ لها
فَبادلتهُ الحُبَّ وَالوفاء وَمَنحتـهُ 
أولاداً وبنات؛ فكان بهم فَخورا،
وَكانوا لـهُ عونا
بَقـى ذلكَ القَلبُ المُفعمُ بالنُبلِ وَالودِّ
وَذات اليدِ المَبسوطة للعَطاءِ
وَالجودِ والسخاءِ والإِخاء.
حَتى استقرَّ بهِ المقامُ
عام  1968 فِي مَدينة العزيزيَّة،
فطابَ لهُ العيش فيها
وَبَقيَ يَعملُ بنفسِ الهِمةِ، وبذاتِ المِهنةِ
حَتى وافَتهُ المَنيَّة،
وهوَ بَينَ اَهلهِ وأحبته
لِيودِّعَ الحَياةَ الدُّنيا
بقلبٍ مُفعمٍ بالورعِ وَالتقوى
تُضيءُ مُحَياه ابتسامةُ رضـا
وَينـيـرُ قلبـه إيمانٌ بأن ليسَ
هناك مِنْ مُخلّـد؛
وَيُلبّسُ الجَسدُ الطاهِرُ
رداءَ النورِ الأبيض؛ حيثُ
يَعلو هامتـهُ أكليل السَرمَدِ وَالخلود،
إكليلٌ مِنْ  شُجيرةِ  الآس ****
التي غَرسَها بيديه
فِي حَديقةِ دارهِ.
غادرتنا نَفسهُ الزكيَّة
عائدةً إلى جوار الحياةِ الأزلية
إلى عالمِ النورِ - آلما  أد نهورا -
مُشيعاً بدعواتِ الأَهلِ وَالأحبـةِ
شُيّعَ مِن دارهِ العامرةِ فِي - مَدينة العزيزيَّة -
إلى مثـواه حيثُ يَرقـد (الصابئة المندائيين) رَقدتهم الأبديّة فِي{أبو غريب}.
ولـدَ أَبـي غَازي رَمضان عَبد الأَمير الأَميريِّ في ريفِ - الكحلاء/ العمارة - عام (1907)
وَ توفي بتاريخ الأَول مِنْ تشرين الأَول/ اكتوبر(1987)
لِروحهِ العَذبةِ الرَّحمة والسَّلام فِي عالمِ الأَنوار،
وَلَنا مِنـهُ أَجمل الذِّكريات وَأَطيب الأَوقات

كُتبت في مالمو/ مَملكة السويد بتاريخ 27 نيسان/أبريل 2020
وَنَحنُ فِي أَيامِ حصارِ جائحة فيروس كورونا.

تعريف لبعض المفردات التي وردت في النص
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الرستا: هي اللباس أَو الحلية الدينية (البيضاء)التي يلبسها جَميع (الصابئة المندائيين) أثناء إجراء الطقوس الدينية. 
** يردنا: الماء الجاري
*** الإِبريزِ وَ اللُّـجَينِ : الذَهب وَالفُضة
**** إكليلٌ مِنْ  شُجيرةِ  الآس: غُص أخضر طري مِن شجيرةِ (الآس) يعمل منه (إكليل)يُعد في معتقداتِ (الصابئة المندائيين) رمزاً للنور، فيعتمدونه بعددٍ من طقوسهم الدينية.

إ



8
المَشاعِرُ الإِنسانِيَّةُ فِي أدَبِ الرَّسائِلِ الإِخوانيَّة

 
يحيى غازي الأميري
الأستاذ الفاضل الباحث القدير والأدِيب اللبيب الدكتور عَلاء الجوادي المحترم
أخي وَصديقي الأدِيب البَليغ الوَدود فَاروق عبد الجبار عبد الإمام المحترم
الناسُ صِنفان ( فإنِّهم إمّا أَخٌ لكَ فِي الدِينِ، أو نَظير لكَ بالخلقِ) الإمام عَلي بن أبي طالب/ نهج البلاغة
بِسعادةٍ كبيرةٍ  قَرأتُ كامِل المقالة الطويلة جداً - المُمتعة - المَوسومةِ (مِن ذاكرةِ الموحد المندائي فاروق البغدادي إلى الغالي أبن الدوحة الهاشميَّة)(1) وَالمنشورة فِي مَوقعِ (مُؤسسة النور للثقافةِ وَالإعلام) بتاريخ (06 - نيسان/أبريل - 2020) عَلَى صفحةِ الدكتور عَلاء الجوادي، وَالمقالة بقلمِ : فاروق عبد الجبار عبد الإمام.
سُررتُ بِمُحتواها وَنُبل ما سطر فيِها مِنْ مشاعِر إنسانيَّة وجدانيَّةٍ حَميميَّةٍ وَسردٍ مُمتعٍ وَمَعلوماتٍ تاريخيَّةٍ وثقافيَّةٍ قَيمةٍ تَستحق القراءة وَالبحث فيها.
واضِحٌ جداً الجُهدُ الكبيرُ المَبذولُ بجمعِ مُحتوياتِ المَقالةِ لغايةِ نشرها بهذا الشكلِ الرائع؛ يَشكرُ عليه سَعادة السَّفير الأَديب البروفسور (عَلاء الجوادي) فَقد وَضَعَ بَينَ ايدينا عَملاً متميزاً بامتياز، فهو كِتابٌ فِي مقال؛  ففيه الأدب والفن والسياسة وعلم الاجتماع!
أوَّلُ مَا يَلفتُ نظركَ فِي المَقالةِ هو الأسلوب الأدبي الذي كتُبتْ فيه أنه (أدَب الرسائل الإِخوانيَّة) فَفِي الرسائلِ المتبادلةِ بَيْنَ الأديبين (عَلاء الجَوادي وَفَاروق عبدِ الجبار) تَشدكِ اليها اللغةَ الأدبيَّةَ الراقيَّة الفَصيحة المليحة، وَكذلكَ تفصح لك المقالة عَن المواهبِ الأدبيَّةِ والمعرفيَّةِ والثقافيَّةِ الرائِعةِ التي يَتمتعُ فيها (الزَميلانِ / الصَّديقانِ) فِي تَبادلِ التحايا والسُّؤالِ عَن الأحوالِ، وَفِي النَظمِ وَالنَثرِ وَالسَّردِ وَالتَّدوين.
المَقالُ وَثيقةٌ (أدبيَّةٌ، ثقافيَّةٌ، اجتماعيَّةٌ، سياسيَّةٌ) تَبحثُ فِي سَردٍ ممتعٍ  للعلاقاتِ الاجتماعيَّةِ وكيفَ كانتْ قبل أكثر مِن نصفِ قرنٍ من الزمنِ تجري في المحلاتِ العريقة (للعاصمةِ بغداد)، وابرز التطورات السياسيَّة والاجتماعيَّة التي ترعرع فيها فِي تلك الفترةِ الزمنيَّة مِن تاريخ بغداد وبالتحديدِ فِي بقعةٍ جغرافيَّةٍ مهمةٍ جداً فِي مدينةِ بغداد مَحلة (قَنبر عَلي) وَما جَاورها (سُوق حَنون) والتي تقعُ فِي قلبِ العاصمةِ / جانب الرصافة، فمن المنطقةِ ومن مدرستها (المدرسة المهديَّة الابتدائيَّة للبنين) تَخرج وَساهم مِئات الآلاف مِنْ الشخصياتِ التي اصبحَ لها دورٌ واضحٌ وكبيرٌ ومتميز في كافةِ مجالاتِ الحياة ( الفكريَّة وَالاقتصاديَّة والسياسيَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة ) في العراق والمعمورة، انها كانت ولَمْ تزلْ قلب بغداد النابض!
احتَوتْ المقالةُ عَلَى قصصٍ أدبيَّةٍ شيقةٍ، ونُصوصٍ شعريَّةٍ بديعةٍ، وَمَقالاتٍ وَخَواطر فكريَّة متنوعة.
 فَقد جاءتْ القصةُ الأدبيَّة القصيرة الجميلة ( تداعياتُ قـِرد) بقلم الأديب (فاروق عبد الجبار) والتي كُتبت بلغةٍ أدبيةٍ رشيقةِ شيقةٍ، سلسلة، وَبعمقِ مدلولها السياسي الناقد لما يمرُ به العراق مِن محنة كبيرة مُستمرةٍ تضربُ بكلِّ عنفها لتدميرهِ أسماها ( المحاصصة) أنها بحقٍ جذوةٍ لشرٍ خطير.
القِصةُ الثانيةُ أسمها ( الأوتجي) وَهِي قصص استذكارية من واقع المحلة حقيقية الأشخاص، جاءت كعملٍ مشتركٍ يروى مدوناً على لساني زميلي مقاعد الدراسة الابتدائية  (الصديقين الحميمين) وهي قصص عن أهلِ المنطقة التي سكنا و اكملا دراسة اول مرحلة دراسية - أبتدائية- فيها محلة (قنبر علي).
 فَفِي سردِ قصةِ ( الأوتجي) تَبرز للقاريءِ الروابط الإنسانيَّة السائدة فِي الحياةِ الاجتماعية الموجودةِ فعلاً فِي تلك الفترةِ وَالتي يغلبُ عَليها (الصِدقُ والمَودةُ والطيبةُ والبَساطةُ والألفةُ والإنسانيَّةُ وَ الاِحترام) فسكان المحلة مِن مختلفِ القومياتِ وَالأديان، كما يرد في المقالة وعلى أرضِ الواقع.
وَأَنَا أقرأ فِي المَقالةِ كانَ حَنينٌ كبير يَشدني للمكانِ الذي تَتحدثُ عَنه المَقالة : فَأنا مِنْ مَواليدِ مَحلةِ ( قَنبر عَلي ) بالتحديد (تَحت التكية فِي بنايةِ التَّورات ) سنة (1953) لكنني لَمْ أدرس فِي مدارسها؛ فَقد انتقلنا إلى منطقةِ (الدورة المهدية الأولى/ في جانب الكرخ من بغداد) في (عام 1959) بعد أن أتم والدي أنشاء (دارسكن) جديد حديث فيها،وذلك قبل الدخول للمدرسة؛ وهي السنة التي كما مثبت في الرسائل المتبادلة وصورة الوثيقة المدرسية المنشورة في المقال والتي تعود لصديقي (فاروق) تخرجه من الصف الأول الأبتدائي للسنة الدراسية 1958-1959.
وَقَد حزنتُ أشد الحُزن عَلَى تهديمِ بناية ( التَّوارت) هذا المعلم البغدادي المهم، وَالتي وردَ ذكرها فِي أكثر مِن مكانٍ فِي مقالكم الكريم.
تَفردُ المَقالة فَصلاً مُخصصاً (للمَقامة المندائيَّة) أنَها بحقٍّ عمل أدبي كبير مُتفرد للأديب المُبدع (فاروق عبد الجبار)  سيبقى هذا الأثرُ الأدبي الفني من الأعمال (الخالدة) المتميزة، لِما أمتازت به (المقامة) مِنْ أسلوب أدبي ليسَ بالسهلِ الولوج فيه، لقد كتبت (المقامة المندائية ) ببراعَةِ الأديبِ الرَصين المُلم بأدواته ، جارى فيها جهابذة نتاج أُدباء فَن المقامات.
أَنتهزُ هذهِ الفُرصة لاسَّجل شُكري وامتناني اليكما استاذي الفاضلان (الدكتور الأديب علاء الجوادي والأديب فاروق عبد الجبار) لاختياركما أكثرُ مِن مقطعٍ من مقالتي المنشورة في عدةِ منافذ إعلامية ومنها موقع ( مؤسسة النور للثقافة والإعلام) كنت قد قراءته أثناءَ تشرفي بتقديم صديقي وأخي الحَميم الأَديب (فاروق عبد الجبار عبد الإمام) فِي مُحاضرتهِ الأدبيَّةِ الرائعةِ، واستميحكم عذراً لاستل من مقالكم الكريم  مَقطع مما نشر بخصوص( المَقامة المندائيَّة) وَالأمسيَّة الثقافيَّة والتي جاء فيها:
{ اقامت جمعية مالمو المندائية أمسية ثقافية للمقامة المندائية التي دبجتها يراع اخي فاروق عبد الجبار، وبهذه المناسبة كتب الاستاذ (يحيى غازي الأميري)  بتاريخ: 15/10/2014،  تعريفا جاء فيه: اغتنمت الجمعية الثقافية المندائية في مدينة مالمو، فرصة تواجد الأديب الباحث الأستاذ فاروق عبد الجبار عبد الإمام، المقيم في استراليا منذ عام (2006) زيارته إلى أوربا، لتستضيفه مساء يوم السبت 04-10-2014 في صالة مقرها الجديد، في محاضرة ثقافية أدبية تاريخية حول الشخصية المندائية الفذة الرِّ يشمّا (أدم أبو الفرج)؛...
يقول كاتب المقالة المحترم: لنُحلّقَ معاً عِبرَ الأثير، ونحن نستعيدُ قِصّةَ شخصيّة مندائيّة نعتزُّ جميعاً بها، شخصيّةً ضَربتْ في تأريخِها أعماقَ التاريخ، شخصيّةً نُسجت حولَها العديدُ من الحكايات التي تكادُ أن تُكّونَ إسطورةً مندائيّة حفظتها الصدورُ على مدى العصور، ولم نزل نتناقلها بكل سرور وحبور، فوثَقَناها بأحرف ٍ من نور. بيننا الآن الأستاذ الأديب الصديق القديم القادم من أستراليا (فاروق عبد الجبار عبد الإمام) والذي أعادَ صياغةَ القِصّةَ الأسطورة، بأسلوبٍ أدبيّ متميّز جزلِ المعاني سهلِ الألفاظِ في سرده القَصصي، فجاءت سهلةً واضحةً بعيدةً عن التكلّفِ وغريبِ الكلام متناسقةِ الألفاظِ والمعاني.لقد استخدم ضيفُنا طريقةَ السَّجع لبناءِ مقامتهِ الموسومة (المقامة المندائيّة قصّة آدم أبو الفرج) والتي وردت قِصتهُ ويترددُ اسمه على لسانِ الصابئة المندائيين في الدعاءِ عند السّرّاءِ والضرّاء على حـدٍ سواء.) وبعد هذا المقطع تحدثت عن علاقتي بالأستاذ الأديب فاروق عبد الجبار والتي تمتد لأكثر من عقدين ونيف من السنين... واستشهدت ببعض المقاطع من مقالة كنت قد كتبتها بتاريخ( 22/12/2004) ... في تلك الفترة كان فاروق قد حط به الترحال في (اليمن السعيد صنعاء) ينتظر أن يلتحق مع عائلته معاملة لم الشمل إلى (استراليا) حيث سبقته عائلته إلى أستراليا، أخبرني أنه منهمكاً بين البحث والكتابة لموضوع أدبي لم يطلعني في حينها على أسمه، لكنه كان بلسمه في تلك الغربة والتغرب عن الوطن والأهل، وقد بقي في( صنعاء) بالانتظار ثلاثة سنوات ونصف، وبعد وصوله استراليا بعدة سنوات عرفت أن جهوده كانت منصبة بكتابة (المقامة المندائية)... أخي العزيز فاروق  قرأت مقالتكم التي أرسلت لي نسخة منها وزادت من هموم قلبي المطعون بآلاف الخناجر،  أعرف يا عزيزي طيبة قلبك المملوء حبا ً ووفاء للناس والأهل والوطن. أستمتع الحضور (بالمقامة المندائية) وأسلوب كتابها، وطريقة سردها، دامت المحاضرة زهاء الساعتين، وحضرها جمهور غفير وشرفنا بالحضور العديد من أصدقاء الطائفة المندائية.}

  تُحلقُ بك العديدُ مِنْ فُصولِ المَقالةِ إلى عوالمِ الأدبِ الجَميل، فهذا مَقطع (مستل) مِن قصيدةٍ  شعريَّةٍ عنوانها (الترانيم) المقطع المنشور كتب باسلوب أخاذٍ ساحر، بمدادِ الأديب (علاء الجوادي) يُخاطبُ بهِ صديقه الأديب (فاروق) وهو يُهيأ نَفسهُ لإجراءِ عمليةٍ جراحيةٍ كبيرةٍ لتبديلِ بعض من شرايين القلب؛ ستجرى له باليوم التالي ، فِي مقطعِ القصيدة ترد مفردات (مندائيَّة وسريانيَّة وعبريَّة) انها كُتبت بمشاعرٍ وأحاسيسٍ إنسانيَّةٍ أمميَّة،  يَقولُ فيها :
فهرعت لاتلو مزموري
فيرفرف نحوي عصفوري
ليبارك حزني العاشوري
وتلوت بمعبد إسْكِلّا
أوراد المندائيين على ماء الذكرى
وبهاء الآلما د نهورا
الواحا بلسان الاراميين، اراها اليوم ببرطلا
وفي تلكيف وتل اسقف ومعلولا مَرْتقلا
انا من زهريرا د بهرا
اقرأ زوهار القابالا
اورادا تتشعشع نورا
واراها في ميسان بمندي
واراها في تورات مهدوم ملؤوها اوساخا زبلا
واراها في معبد يعقوب كمحرقَةٍ توقدها روما
واراها في اضرحة لبني احمد صلبوها هدما
واراها في قبر صحابي منبوش ظلما
واعزي فيها يحيى
واعزي من دمه ثوارا جيلا جيلا
حتى يبقى مزمور الزقورة يُتلا
في بابل او في كَرْبِلّا
في مغتسل طهره يحيى زكريّا
ويحيا الانسان
ويحيا الناس
ويحيا مندللا
واذا سامحنا الحيوان الافعى
فالموت لانسان افعى
لِمَنْ يَودُ أَن يُتابع المفردات الدقيقة البليغة الوصف والمعنى والتي جاءت في مقطع قصيدة (ترانيم) يَجدها ضمنَ شروحات المفردات في المقالة.
 وَتَستمرُ المقالة بمواضيعٍ متنوعةٍ اخرى،وفيها صورة وأحداث كثيرة مهمة ترافقُ حياة (الصديقين الكريمين) وكذلك تطورات وتغيرات متسارعة حدثت وتحدث في محلة (قنبر علي) وعموم العراق؛ ورغم كل هذا يبقى (المكان ثابت)  فيما العيون والقلوب شاخصة ترنوا اليه بحبٍ وحَنينٍ جامح مهما ابتعدنا عنه وتغيرت الأحوال، ففي هذه (البقعة) نقشت فِي اعمقِ تلافيف المُخ ، أجمل الذكريات والمواقف والأحداث والتي من المستحيل أن تبرح من الذاكرةِ؛ بل ستبقى سجلاً وسفراً لاجيالٍ قادمة، لربما تستفيد مما جاء في هذه المقال وَ السجل التاريخي.
لَقد امضيتُ ساعات اقلب في هذهِ لمَقالةِ الشيقةِ والعلاقَةِ الحَميمةِ ؛ فوجدتُ أنها صادقة حقاً لكونها منذ البداية أبتعدت وتخطت (التَعصب الديني) رغمَ اختلاف توجهاتهم وتطلعاتهم الفكرية والسياسية والدراسة الجامعية ونتاجاتهم الأدبية والفكرية والأهم الانتماء الديني، وَهو الذي دَفعنا إِلى الاِستشهاد بقول ( مشهور) بمقدمةِ مقالتنا مُقتبسٌ من رسالةِ الإمام (علي بن أبي طالب) وردت في (نهج البلاغة) من رسالة (عهد) ارسَلها (الإمام) إلى (مالك بن الأشتر النخعي) عِندما (وَلاه) الحُكم على (مصر) .
أن الذي أدامَ وعززَ أواصر هذه المودة والصداقة هي المباديء الانسانيَّة النبيلة فهي كانت وَلمْ تزلْ التوجه الأول والأخير فِي نهجهما وحياتهما التي أبتهل أن تدوم وتتأصل.
 لَكُما مِنا أيُّها الفاضلان (الأديب الدكتور عَلاء الجوادي وَالأديب فَاروق عَبدِ الجبار) كُلّ التَّقديرِ والإحترام والدعاء بدوامِ المَحبةِ والأخوَّةِ.
مالمو- مملكة السويد
في زمن حصار( جائحة الكورونا) المصادف السبت 12- نيسان / أبريل - 2020
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المقالة كاملة علي الرابط أدناه
http://www.alnoor.se/article.asp?id=363900



9
أدب / نُصوصٌ مِنْ فُصولٍ داميَة
« في: 17:47 03/04/2020  »
نُصوصٌ مِنْ فُصولٍ داميَة

 
يَحيَى غَازِي الأَمِيريّ


فصولٌ داميةٌ
مَرَّتْ ثَقيلةُ الوَقعِ
مِن هَولِ مَا سَاد فِيها
مِنْ بَطشِ رجالِ الاَمن
وَذُعرِ عُيونِ ذِئابِ العَسَسِ،
وَعَفَنِ الزَّنازِينِ. قَملُ السجُونِ،
وَرُعبُ التَّصفياتِ؛
وَمِنْ أزيزِ الرَّصاصِ، دَمارُ الحُروبِ
وَبُؤسُ الإملاقِ، وَذُلُّ الخُنوعِ؛
وَنَحنُ فِي خِضَمِّ هذا المَشهَدِ
لَفَتْ البِلادَ وَالعِبادَ
سَحائِبُ دُخانِ سِيجارِ
الأَخ الأَكبر*
وَسورِ نارِ الحِصار
فَسَقطَ صَرِيعاً الدّينارُ
أَمامَ هِراوَةِ الدّولارِ **
وَمَعَهُ تَقهقرٌ
مُريعٌ بالقيمِ وَالأَفكارِ
وَأستَمَرَّ الاِنهيارُ
يَسيرُ أسيرُ هذا الاِنحِدارِ
2

فيما بَدا فِي عالمِ
القُطبِ الأَوحَدِ
يُراوِدُ (العمُّ سَام) ***
فِي اليقظةِ والمنام
حلمٌ قديمٌ 
بَعدَ أن أَمسَكَ بِكفَّتي يَديه،
المِصباحَ المَسحورِ ****
كُتلةٌ عِملاقةٌ مِن الدُّخان
خرجَ لهُ الماردُ الجَبارُ
وَهو يُرددُ:
(شبيك لبيك، عبدك بين يديك)
بِزهوٍ يأمرُ(العمُّ سَام)
مارِدُ المِصباح
 أَنْ يُنفذَ كُلُّ الخُطَطِ 
لرحلَةِ عَمليَّةِ التَغييرِ وَالسَّيطرةِ
عَلَى أَرضِ السَّوادِ *****
بِلادُ حكايات الوجُودُ والخُلودَ؛
ويُحددُ مَعها كيفَ يكونُ النَصرُ وَالمَصير!
لينطلقَ فَي مَوكِبٍ جَرّار
عبرَ الفَيافِي وَالمحِيطاتِ وَالبِحار
مُمتَطياً ظَهرَ الفِيل
 مُرتدياً جُبَّةَ القِتال
ناثِراً للأموالِ
وَبركبِهِ تَسيرُ
 مَجاميعٌ مِن الشِّللِ
فِيها المُحتارُ وَفِيها المُنهارُ
وَالمَسطولُ وَالمَخبولُ
 وَالمَذهولُ والمُحتالُ
اِنذَهلَ الجَميعُ
بدُعابَةِ الصَّدمَةِ وَالتَّرويع ******
كاَلبرقِ بِيُسرٍ اِجتازوا الثغُورَ وَالحُصون!
وَحَطَّ الماردُ الرِّحالَ
فَي قَلبِ البلادِ البَعيدة.
بَيْنَ الناسِ اِلتَبَسَ الحَدسُ ،
وَتوالتْ تَتَرادفُ عَلَيهُم الرُّؤى *******
وَنَشراتُ الأخبارِ
 تَهطلُ كالمَطر؛
 وَشط َبالجموعِ
الخَيالُ وَالجِدالُ
وَاِنهالتْ البَراهِينُ
بَيْنَ التشكِيكِ وَالرِّيبةِ وَالحَذَرِ
وَعَدَمُ اليَقِينِ؛
وَبَيْنَ التَصدِيقِ وَالوثوقِ بالوعُودِ
وَضَرورةُ الإستقبالِ بالتَصفيقِ
بالزهُورِ وَالبَخورِ والرَّصاصِ
للفاتحِ الجَديدِ.
اِختلَطَ الحابِلُ بِالنابلِ ********
وَفَقدَ الكثيرُ بوصلَةَ
التَّوازنُ وَ الاِتزان.
3
مُرعِبةٌ جَاءتْ نَتائِجُ الظنونِ،
بِأدعياءِ التَّمدُّنِ وَالدينِ
كَالكابوسِ بالأحلامِ
أَو ما يَحدثُ فِي (أكشن) الأفلامِ
سَرِيعاً كَالأشباحِ
تَناسلتْ المِحنُ وَالسُّراقُ ؛
ليحُلَ وَيلَ وباء (الموت الأسود) *********
لاِنقلابِ المَوازينِ
واِختلالُ أغلب
المَقاييسِ وَالنَواميسِ
مُبكراً تمَّ وَأَدُ الأمانِ
وَإجهاضُ الأفراحِ
وَسادَ فِي الفضاءِ
قَرعُ الطبولِ
وَصليلُ الحَديدِ
وَشُؤمَ نَذيرِ
صَوتُ البُومِ
تَمترَسَتْ الناسُ
خَلفَ التُروسِ وَالمَتاريسِ
وَهُمْ فِي هَلَعٍ مُـبِينٍ **********
عَلَى عَجَلٍ
استوطَنَتْ الأَتراحُ،
وَنَسجَ الحُزنُ
أرديُّةُ الحِدادِ فِي النفوسِ
وتبدلتْ حِساباتُ زَمنِ
التطورِ وَالسَرَّاءِ والعُمرانِ
إِلَى تَوثيقِ المأتَمِ لأيامِ
المَوتِ والضَرَّاءِ والخَرابِ
وَالسَّبي وَمخيمات النزوح
وَباتَ
العقلُ فِــــــي تِيهٍ
مُغترباً عَنْ البَدنِ
وَأسرعَ العُمرُ يطوي رحلتهُ
عَليلاً واهِن الخطى
 يَقتربُ  مِن المَنونِ
وَهوَ يَنوءُ
 مِنْ هَولِ اثقالِ
أَشجانِ السنون
التي أَدمتْ الفُؤادَ
وأَربكَتْ رَصدَ العيونِ
بَعْدَ أَن حَولَتْ
جَذوةُ الشرِ
(ديمقراطيَّةُ المُحاصصة التوافقية)
الوزاراتِ إلى إِماراتٍ
وَالبلادَ إلى ضَيعاتٍ وَ دوَيلاتٍ
فَأضحى الجَميعُ 
تَحتَ قَبضةِ أَغوالٍ مِنْ المافياتِ
4
رَغمَ مَا أَغدَقَ
القلبُ الكَلِيمُ
مِنْ سَيلِ الدَّموعِ
وَنَزيفُ الضُّلوعِ
مِنْ نِّصالِ حرابِ الخِداعِ
وَأَنينِ جراحِ النَّدَمِ
وَفَواجعِ السَّبايا
وَهُمومِ مِنْ سَكن الشَّتات
وآلامِ  ضَحايا الفِتَن؛
لَكِنْ لَمْ يَزلْ صَوتُ الهاتِفِ البَعيد
يُصارعُ الاِستِسلامَ وَالهزيمةَ
و يَبعثُ فِي النفوسِ الهِممَ والعزيمة
للعَملِ وَالأمَلِ
وَللنَّظرِ بحَذرٍ وَبعَينِ البَصيرِ للبَعيد
لِلظفَرِ بِنَسمَةِ الحُريَّةِ
وَلنَيلِ الغَدِ المُشرقِ السَّعيد

مالمو / مملكة السويد في 02 نيسان/ أبريل  2020
هوامش تعريفية وتوضيحية ورد في النص
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الأخ الأكبر: رواية الكاتب البريطاني (جورج أورويل 1903- ت 1950) الشهيرة (1984) والتي تصف (الأخ الأكبر) الذي يرد فيها، بالدكتاتور المستبد وكيف يتحكم بمصير الجميع في ظل حكم الدولة الشمولية التي يسودها طغيان السلطة واستبداد قوانينها.
** الهِراوَةُ: عصا ضخمة ذات رأس مُدَبّب تستخدم كسلاح.
*** (العمُّ سَام) : هو رمز ولقب شعبي يطلق على الولايات المتحدة الأمريكية ؛ جاء في موسوعة (الويكيبيديا) يعود أسم العم سام إلى القرن التاسع عشر إلى حرب سنة (1812) الاسم مأخوذ من أسم (جزار) محلي أمريكي يدعي (صموئيل ويلسون) كان هذا الجزار يزود القوات الأمريكية المتواجدة بقاعدة عسكرية بمدينة (تروي) الواقعة في ولاية (نيويورك) وكان يطبع براميل هذا اللحم بحرفيّ (يو- أس) باللغة الإنكليزية اشارة الى انها ملك الدولة فأطلقوا لقب العم سام على التاجر.
**** المصباح المسحور أو الفانوس السحري: قصة خيالية شرقية مشهورة في كل أرجاء العالم ، بطلها علاء الدين/ الشاب البغدادي الفقير، الذي يحصل على المصباح السحري والمسجون بداخله (المارد أو الجني) وما أن يدعك بيديه ( علاء الدين) أو أي شخص يمتلك الفانوس السحري فسيخرج له (المارد) على شكل دخان، ويقول له العبارة المشهورة (شبيك لبيك، عبدك بين يديك) وينفذ له أي طلب يأمره ويطلبه منه. القصة حولت الى عشرات الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية والإذاعية وبمختلف اللغات.
***** أرض السواد: جاء في الموسوعة الحرة (الويكيبيديا) هو اسم أطلقه (الفاتحون المسلمون) هلى الأراضي الزراعية التي تقع جنوب (بلاد النهرين) على أطراف (دجلة والفرات) وما بينهما. وجاء في (معجم البلدان لياقوت الحموي 1179- ت 1229م) أن سواد العراق يراد به رستاق العراق وضياعها التي أفتتحها المسلمون عهد عمر بن الخطاب (رض) وعلل سبب تسميتها بالسواد قائلاً : (سمي بذلك لسواده بالزروع والنخيل والأشجار لأنه حين تاخم جزيرة العرب، التي لا زرع فيها ولا شجر كانوا إذا خرجوا من أراضيهم ظهرت لهم خضرة الزرع والأشجار فيسمونه سواداً، كما إذا رأيت شيئاً من بُعد قلت : ما ذلك السواد؟ وهم يسمون الأَخضر سواداً والسواد أَخضر.)
****** الصَّدمَةِ وَالتَّرويع: أسم العملية العسكرية التي غزت فيها العراق، والتي شنتها قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وشاركت فيها العديد من دول الحلفاء، والتي بدأت في(20 آذار 2003)، وانتهت باحتلال بغداد في (09 نيسان/ أبريل 2003)
 ******* الرؤًى: ما يُرى في المنام؛ مفردها رُّؤيا
******** اِختلط الحابلُ بالنابلِ: مثل شعبي، متداول في العراق والعديد من البلاد العربية ، يضرب للفوضى عندما تعم القوم، أو عندَ اِختلاط الآراء وتضاربها وعدم وضوحها. والحابل: صاحب الحبل؛ والنابل: صاحب النبل.
********* (الموت السود): ورد في موسوعة ويكيبيديا: يستخدم مصطلح الطاعون الأسود أو( الموت الأسود أو الموت العظيم) للإشارة إلى (وباء الطاعون) الذي اجتاح (أوربا) بين عامي (1347-1352) وتسبب في موت ما لا يقل عن ثلث سكان القارة.
 ********** مُـبِين: واضح بليغ، بيِّن ظاهر


10
أدب / رُهابُ الاِنزلاق
« في: 00:25 06/01/2020  »

رُهابُ الاِنزلاق

بقلم : يَحيَى غَازي الأَميريّ
بجَريمةِ اغتيال*
 رَحلَ الجنرال.
عَلَى عَجلٍ،
حَلَّ البديل.
لمْ يزلْ،
الاِحتلالُ ماثِلٌ،
 بلْ زادَ سوءاً الحال،
وَأَتَسعَ الخَللُ وَ التَّدَخل
بالاستِقلالِ وَالسِّيادةِ
وَقراراتِ القيادة.
2
اِضطِرابٌ وَانفِلاتٌ
والخوفُ مِنْ الانزلاقِ
للمُستَقبلِ المَجهولِ!
لاِستمرارِ التَّدهورِ و الاِنحدارِ
بزيادةِ الاِستنزافِ
بالنَّصبِ والنَّهبِ
وِبحروبِ الاِنابةِ
وَالقَتلِ وَالتَّدميرِ
وَ الاِبادةِ 
وَعِبادةِ القِيادة.
3
تَوقُ الشَّعبِ للاِنعِتاقِ
 فِي خَطرٍ مُحدِقٍ؛***
إِرتِعابٌ وَقَلقٌ ****
فِي القَلبِ وَالعيون
عَلَى اِنتِفاضةِ تشرين،
طَوقُ نَجاةَ العِراق
 مِن الغَرق.
مالمو/السويد فِي 4 كانون ثاني 2020
معاني بعض الكلمات التي وردت بالنص
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* جَريمة اغتيال: عملية الاغتيال التي حدثت فجر يوم (3 كانون الأول /جنوري 2020) قرب (مطار بغداد الدولي) بعدة صواريخ أطلقت من قبل طائرة (أمريكية) مسيرة،على موكب يضم الجنرال الإيراني (قاسم سليماني، 62 عاماً ) قائد فيلق القدس في الجيش الثوري الإيراني، ومجموعة من قادة الحشد الشعبي العراقي ومنهم (أبو مهدي المهندس، وأسمه الكامل جمال جعفر محمد علي آل إبراهيم ، مواليد البصرة عام 1954) يشغل منصب نائب قائد هيأة الحشد الشعبي العراقي.
** الاِنعتاق: التحرر من العبودية والقيود
*** مُحدق: وَشيك، قَريب الوقوع
**** إِرتِعاب: خَوف، رُعب






11
بشديد الغَضَب؛ اِنتفض الشعب
 
يحيى غازي الأميري
يَا قَياصَرَة قَصر السَّلامِ
وَيا سَلاطين تقاسم
المغانم والأَحلام
أَيُّها القابِعون فِي الحصُونِ
أَيُّها القابِضون عَلَى الزِّمام
أمَّا حانَ وَقتُ الرَّحيل؟
 لقد آن الأَوان؛
فَهيّا قَبلَ أَن يرفع الأَذان
وَقَبلَ فَوات الزَمان.
سَلا القَلب حُبّكُمُ
وَ أَدركَ بشاعةِ الأَفكِ *
 لنهجِ سِنِينِ حُكمكم
2
يَا دَهاقِنَةُ سياسَةِ المداهنةِ **
وَالتَزويرِ وَالتَدوير،
دار السَّلام تَستَغيث.
طَفَحَ الكَيلُ،
وسأًم الناس
من عذابِ تَعذيبِ
حُكمُ التَغريث ***
وسياسة البُهتان ****
 وبان لأعين الشَّعب
هَول مآس
خراب الحروب
 وَوَيْلات الإرهاب
وَتَنوع دروب النهب
وإِدمان حروب مصالح
 الأَحزاب.
هاهو ذا الشَّعب، بسلمٍ اِنتفض
فَرَحيلكَ أيُّها
المُوارب الوَزَّاب *****
 وَجَب. ******
مالمو / السويد في  15 كانون الثاني 2019
بعض معاني الكلمات التي وردت بالنص
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* أَفِكَ: كَذَبَ
** دَهاقنة السَّياسَةِ: كبارُ السَّاسةِ؛ مُداهن: يُضر ب للكذاب الذي يَعد ولا يَفي
*** التَغريث: التَجويع
**** بُهتان:الافتراء ، و اِختلاق الكذب
***** المُوارب : المُخادع المُخاتل فِي كلامهِ؛ الوَزَّابُ : اللصُ الحاذق
****** وجب: ثبت ولَزم 


12

إِرحَلْ، اِنتَفض الشَّبابُ


 لا يَهابُ سَيل اليَم *
وَلا المَوج العُباب **
 إذا أصطخب
مُمتطياً لكلِّ الصِعابِ
جيل الشَّباب اِنتفض
***
 سَريعاً سَرتْ بأَوصالِ
الطغاة رعشة الوجلِ
وَاضحَى مِن المُحالِ
لمرعوبٍ من الوصولِ
لقامةِ الثائِرِ الأَعزَلِ.
***
رغمَ الرَّصاصِ الحَيّ
بآلةِ القَتلِ
تراه شامخاً شموخ الجَبَلِ
جيلٌ مِن الأَبطالِ
لا يَخافُ الأجل.
***
يَا حاكِمُ الدّار
ألا تخاف الله
وَأَنتَ بنهجِ القُرآنِ
مُهتدياً؟
أَلمْ تَقرَأ كَلام الله
وَما جاءَ بِمُحكَمِهِ
 (عَلَى الَّذِين يَظلِمُونَ الناسَ
وَيَبغونَ فِي الأَرضِ
بِغَيرِ الحَقِّ أَولَئِكَ لَهمْ عذابٌ ألِيم ٌ)*
***
أَما خَشيت الله
وَأَنتَ عَن بُعدٍ توعز
بسلاحِ قنص المَوت
قتل الشباب العُزل
وَتَغمض الطرف عَنْ القاتل!
أما تسمع صراخ الملايين
منذ عقد ونصف مِنَ الزمن
وَهي تَجهر بالصوتِ وبالعلنِ
أنَ البلادَ صريعة تأن
تحتَ قبضة حفنة مِن الشِلَلِ
وَقد أَصاب مفاصلها الخَراب والشَلَل
وأن حكمكم الدَمويّ
امتاز كأقرانك بميزةِ الفَشَلِ
المْ تعلمْ
إِنَ كل من فوقَ كرسي الحُكم
فِي حُكمِ الزائلِ
منذ الأَزل
كتبت في مالمو / السويد الجمعة 29 تشرين الثاني 2019
تعريف بعض الكلمات والعبارات التي وردت بالنص
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* اليمَّ: البحرُ؛ مُتسع من الأَرض، أصغر من المحيط مغمور بالماء المِلْح أو العَذب
** العُباب:صوت أمواج البحر ترتفع بصخب
*** النص بين حاصرتين {عَلَى الَّذِين يَظلِمُونَ الناسَ وَيَبغونَ فِي الأَرضِ بِغَيرِ الحَقِّ أَولَئِكَ لَهمْ عذابٌ ألِيمٌ}: هي نص مستل من سورة الشورى/ الآية 42 { إِنَّما السَّبيلُ عَلَى الَّذِين يَظلِمُونَ الناسَ وَيَبغونَ فِي الأَرضِ بِغَيرِ الحَقِّ أَولَئِكَ لَهمْ عذابٌ ألِيم ٌ}





 





13

اِنتِفاضَةُ تِشرِين سَتُعِيدُ الوَطن

بقلم: يَحيَى غَازِي الأَمِيرِيِّ
بَينَ حَربٍ وَ حربٍ وَجَدبٍ
سنون مِنَ الذُعرِ وَالهَلَعِ
مَرَّتْ ثَقِيلة كالوَجَع 
عَلَى شَعبِ العراق.
السُّحبُ المحملة بالنَّماءِ وَالمَطرِ
عَلَى ظهرِ دَبابةِ العَم سام *
جاءتْ بالأَمَلِ وَالوعود
كَثُرتْ مَعَهَا
وَعُودَ العَيشِ الرَّغيد
فَجَمَحَ بِالنَّاسِ الخَيالُ
وَذَهَبَ الحُلم 
إلَى اقصى مَداه
إلَى جمهوريَّةِ أَفلاطون **
وَاِستقر عَلَى أَبوابِ
مَدينتَهُ الفاضِلة !
بِغَفلَةٍ مِنَ الزَّمنِ
تَسَّيَدَ المَشهد
 شلَّة مِنَ الافاقين وَالنَصابِين
مِنَ المُتَخَصِّصِّين
بَالتَّدلِيسِ وَالتَّضليلِ
وَتَسييسِ الدِين
بِخُبثٍ وَمُكرٍ
سَنُّوا القَوانِين
وَنهبوا الخَزائن
تَقاسَموها
هذا أَلك هذا إليِّ
حامِيها حَرامِيها ***
سَرَقُوا كُلَّ شَيء
2
سَرِيعاً
خابَ الظَّن بالمُتَصدرِين
لِدَفَّةِ القِيادَةِ
عَادَ الخَرابُ بالبلادِ
 مِنْ جَدِيد، لكن أَشَدُّ فتكاً
الشَّعبُ لَمْ يَستَكين
يَجهَرُ بالصَّوت والراية
مُطالِباً بحقه يَستغيثُ
وَمَعَهُم بحت أَصوات أَعلى المَنابِر ****
مِنَ كثرةِ النَّصحِ وَالتَوجِيهِ وَ التَحذير
رَكَبَتهم المَعصِية
 فَهم مُنحَدرين
فِي ضَلالٍ مُّبينٍ *****
صُمَّتْ أذانُهم
 لِصراخِ أَفواه
مَلايينُ المُعوزِين.
 تَفاقمتْ المَظالم وَالهموم
فِي النفُّوسِ وَ الرؤُوسِ
أَضحَتْ العِبادُ وَالبلاد
فِي ضياعٍ مريعٍ رَهِيبٍ
فَاِرتَفَعت الأَكُفُّ بِالدُّعاءِ
تَتَضرَّعُ لِرَبِّ السَّماءِ
أَن يَعِينُها عَلَى طُغيانِ
السُّلطان وَالحاشِيةِ وَ الأَعوان؛
فَاستجاب رَبُّ الأَكوان
وَجعلها ثورةً فِي تشرين
لَمْ نشهدْ مثلها مِنْ سنين
3
سُحُبٌ رَماديَّةٌ مُخِيفةٌ،
مُزَمجِرَة  مُنذرة تَحُوم
تَحجبُ النَّظَرُ
عَنِ الشَّمسِ وَالنجُوم
 وَبانَتْ للأَعيُنِ رَحى الفَاقة ِ
وَطاحونة الدَّمارِ
فِي البِلادِ تَدُور
4
لَمْ تلحقْ بالشَّعبِ الهَزيمة
فَقَد أَفاقَ الشَّعبُ مِنْ غَفوتهِ.
بوعي وَإدراكٍ وَعَزيمةٍ
هَبَّ الشَّبابُ فِي تَشرِين
كسيلِ لموجٍ عاتٍ اِندَفع
بالسَّاحاتِ وَالموانئ
والطُّرقاتِ وَعَلَى الجسورِ.
فِي البِناياتِ العالِيةِ المَهجورةِ
وَتَحتَ النُّصبِ
 مُغردةً قَد جاءت المَلايينُ
 مِنْ كلِّ أَصنافِ الطيورِ
تَبنى أَعشاشها
وَتَضربُ فِي العَراءِ خِيامَ أَوتادِها
وَتشيدُ مِنَ السكرابِ وَأكياسِ الجُنفاص
 عَلَى نَهرِ الخَيرِ مَتاريسها
غطاؤها السَّماء وَالنجوم
تَنشدُ الخَلاص مِنَ اللصوص
وتنسجُ بصَبرٍ وَجَلدٍ
نَشَّيدَ النَّصرِ
خَفاقةً بأَيدِيهم تخفقُ بيارقُ الحَق
5
فَوقَ بُرجيّ
 (جَبَلِ أُحُد، وَجَبلَ شُهداءُ تشرين
وَفَوقَ الجسورِ وساحاتِ التحرير والخلاني والحَبوبيِّ وَالتربيَّةِ
وَالسَّاعة وَعشتار
وَعَلَى بَوابةِ مِيناءِ أُم قَصر) ******
بأرديةٍ بَيضاء
وأجنحة اليَمام 
تَطوفُ كُلُّ لَيلَةٍ
أَروَاح الشَّباب اليافِعين
تضيءُ هامات رؤُوسِهم
هالاتُ القدِسِيين
وَهي تُنادي:
-  أَيها النَّاس
أَيَّها المُحبُّون للخَيرِ وَالكَرامَةِ وَالعَدل
 أَيتها الجموع المُنتفضة الباسِلة
أَيها الثائِرُون ضدَ الظُّلمِ وَالضَّيمِ
يَا اخوة الحِرمان وَالدموع
حذارِي مِنَ الغَفلةِ وَالوَسِنِ
ومِنْ وعودِ اللصُوص
فَعادةُ اللَّئامِ وَ السراقِ
الكَذبَ وَالغدر
6
وَعود شلَّة النَّصابِين
 تمطرهم ليل نهار
بِسمومِ قَنابلِ الدُّخانِ
وَ زخاتٍ لا تَهدأ
مِنْ رَصاصِ المَوتِ
فِيما الجموعُ الثائرة 
 بوجهِ الجلادين تَنشدُ
بصوتٍ واحدٍ يضربُ بعمقِ السَّماء:
أَيَّها المرعوبون وَأَنتم فِي الحصون
بصمودنا سَنعيدُ منكم الوَطن
المَسروق وَالمَنهوب وَالمَسلوب
نَحنُ الشباب:
- يَمٌ مِن الغَضبِ
لا نعرفُ الوَهن والتَّعَب
لا نَخافُ رَصاص القَناص
وَلا نَهابُ المَنُون أو رَهبة السجون
مِن أَجلِ عز البِلاد
بأرواحنا نَجود
رَمينا الذلَ والقيود
سَنربحُ المَجدَ والخلود.
بِقامَتِها السَّامِقَةِ
 تَقفُ السومريَّة
عشتار *******
فِي شموخٍ بَينَ الجموعِ الهادِرةِ 
وَبيدها يخفقُ علمُ العراق
منشدة وَملوحة بقبضةِ كَفِها:
- أَحملُ مَعِي دموع أُمي
وَعيون أخي الشَّهِيد.
- المتظاهرون بصوتٍ واحدٍ  مدوٍ آسر
وَأَمـام الموت والقَمع تَهتفَ
(نموت عَشرة نموت ميه أَني قافل على القضية) ********

كتبت في مدينة مالمو/ السويد، الأثنين 25 تشرين الثاني 2019
هوامش وتعاريف لبعض ما ورد في النص
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*  العم سام : هو رمز ولقب شعبي يطلق على الولايات المتحدة الأمريكية ؛ جاء في موسوعة (الويكيبيديا) يعود أسم العم سام إلى القرن التاسع عشر إلى حرب سنة (1812) الاسم مأخوذ من أسم (جزار) محلي أمريكي يدعي (صموئيل ويلسون) كان هذا الجزار يزود القوات الأمريكية المتواجدة بقاعدة عسكرية بمدينة (تروي) الواقعة في ولاية (نيويورك) وكان يطبع براميل هذا اللحم بحرفيّ (يو- أس) باللغة الإنكليزية اشارة الى انها ملك الدولة فأطلقوا لقب العم سام على التاجر.
**  جمهورية أفلاطون :هو حوار سقراطي ألفهُ الفيلسوف اليوناني (أفلاطون) حوالي عام (380) قبل الميلاد، يتحدث عن تعريف العدالة والنظام وطبيعة الدولة العادلة والإنسان و(الجمهورية) هو المؤلف السياسي الرئيسي للفيلسوف افلاطون،وسمها (كاليبوس) أي الدولة المثالية.
 المدينة الفاضلة :هي أحد أحلام الفيلسوف (أفلاطون) وهي مدينة تمنى أن يحكمها الفلاسفة، وذلك ظناً منه انهم لحكمتهم سوف يجعلون كل شيء في  هذه المدينة معيارياً وبناءً عليه ستكون فاضلة.
***  حامِيها حرامِيها : مثل شعبي قديم يضرب في الشخص الذي توضع فيه الثقة ويؤتمن على شيٍ ما، فيستغل هذه الثقة ويجيرها لمصلحته.
****  بحت أَصوات أَعلى المَنابِر: أشارة إلى أحدى خطب ممثل المرجع الشيعي الأعلى في العراق آية الله (السيد علي السيستاني) والتي تلقى في كل يوم (جمعة) في مدينة (كربلاء) في (الصحن الحسيني الشريف) وتبث مباشرة في العديد من قنوات التلفزة . 
*****   فِي ضَلالٍ مُّبين: أشارة إِلَى (سورة الأعراف 60) {قَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ}
******  (جَبَلِ أُحُد، وَجَبل شُهداءُ تشرين، وَفَوقَ الجسورِ وَساحاتِ التحرير وَ الخلاني وَالحَبوبيِّ وَالتربيَّةِ ، وَالسَّاعة وَعشتار، وَعَلَى بَوابةِ مِيناءِ أُم قَصر): اشارة لبعض الأَمكان التي أصبحت مراكز مهمة لتجمعات المنتفضين.
*******  عشتار : يأتي تعريفها في (ويكيبيديا) عشتارهي آلهة الحب والحرب والجمال والتضحية في الحروب في حضارات بلاد ما بين النهرين، أطلق عيها (السومريون) أسم ملكة الجنة، وهي عند السومريين أعظم الآلة وأسماهن منزلة، وكان معبدها يقع في مدينة (أوروك)، وهي نجمة الصباح والمساء (كوكب الزهرة).
******** نموت عَشرة نموت ميه أَني قافل على القضية: أحد شعارات انتفاضة تشرين وتردد في جميع المحافظات التسعة المنتفضة .

 

14
وعُود عُرْقُوب وَ اِنتفاضَة الكَرامَة
   
 
بقلم: يَحيَى غَازِي الأَمِيرِيِّ
1
ملَ الشَعبُ
مِنْ وعُودِ عُرْقُوب*
وَبَعدَ أَن بَلَغَ السَّيلُ الزُّبى
لَملَمَ  روحه،
وَرتَقَ الجراحات العميقة
فَدَبَّتْ فِي العروقِ
عَزيمة الشباب
فَنَهَضَ وَاِنتَفَض
2
صدورٌ عارية ٌ
 بعمرِ الزهورِ،
عامرة بالحبِ والحياةِ،
لكنها لا تهاب الأَجَل.
رَمَت الأَصفاد،
بِوَجهِ الجلاد،
وَهِي تنشدُ مُزَمجِرة:
 نُريدُ خُبزاً بِكَرامَةٍ!
نُرِيدُ وَطن!؟
لَمْ تعر لَها الأذانُ بال
بَعْدَ حينٍ مِنَ الزَّمنِ 
بانَ للأَعيُنِ سنا أَورِها
اِرتعدتْ فَرائصُ الحاشية والسُّلطان
وَباشرَ بإصدارِ الأَوامرِ للأركان:
تَبثُ العيون فِي كُلِّ مكان
وتهيأ الأقبية السرية وَالسجون
لِلِاختِطافِ وَالاِعتقال،
وَتجز الرؤس،
وتزهق النفوس،
ليحصدها رصاص المنون.
3
غَزيرة سالت،
دِماء شباب التحرير،
بِأجنحةِ اليمامِ حَلَّقَت الأَرواحُ
ترفرفُ
وَهِي تَضجَّ بالصُّراخِ
- بِدمائِنا نَسقِي مَرُوج
العِراق.
4
صَوتُ الملايينِ
مُستمرٌ يَصدحُ:
- سَنُعِيدُ البلادَ،
وَداعاً للاِستعبادِ،
وَحروب الخرابِ،
النَّصر قريب
عَلَى الأَبوابِ.
نَعَمْ ، نَعَمْ 
للسلام والأَمان
5
يُسَانِدُها صَوتُ الشَّعب المَقمُوع المَوجُوع المَفجُوع **
 يُنادِي بالتياعٍ:
أَيها الثائر الشجاع
حذاري مِنَ الوثوقِ
بوعودِ عُرقُوب!
بِصمُودكَ سَيَستَجِيبُ القَدر
وسَيُسعَدُ العبادُ فِي البلاد
ويَتحققُ الأَمل المَنشُود
بغدٍ مُشرقٍ سَعِيد 
فِيه،
 الحُب والغِناء،
وَالعَمل وَالبِناء.
وَتَستكين روح الشَّهيد
بِالطُّمأنِينَةِ وَالسلام
مالمو في 5 تشرين الثاني 2019
معاني بعض الكلمات التي وردت بالنص
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*وعودُ عُرْقُوب: من الأمثال العربية القديمة (يضرب بعدم الوفاء بالوعد ) وله قصة طريفة ذكرها (ابن الكلبي عن أبيه) يقول فيها: (كان عُرقُوبٌ رجلاً من العماليق، فأتاه أخ له يسأله شيئاً، فقال له عُرقُوب :
اذا طلع نخلي، فلما طلع أتاه قال له : إذا بلح، فلما بلح أتاه، فقال له : إذا زهى ، فلما زهى أتاه ، فقال إذا رطب، فلما رطب أتاه ، فقال إذا ثمر، فلما ثمر جذَه ليلاً، ولم يعطيه شيئاً. فضربت به العرب المثل في خلف الموعد.) 
** صَوتُ الشَّعب المَقمُوع المَوجُوع المَفجُوع:  أصوات (السَّبايا، الثَّكالى، الأَرامل، الأَيتام، الجِياع، المعوزين، المُشردين، المهجرين، المُهاجرين، المُهمَّشِين، وَجيوش العاطلين عن العمل، والأَحياء من النَّاس بلا أمل والخائفين عَلَى ضياعِ الوطَنِ)

15
أدب / دَقَّتْ سَاعَةُ الأَمل
« في: 19:42 06/11/2019  »
دَقَّتْ سَاعَةُ الأَمل
بقلم: يحيى غازي الأميري
هُتافُ الجموع الهادر
مِن سِقامِ*
الجُوع وَالأَوجاع
يَقضُ مضاجع
البُغاة **
2
بِوَجهِ رَصاصِ الغَدرِ
صوت واسعَ الشَّدقَينِ***
 واللَّبوَة والشِّبل
فِي سُوحِ الوغى 
زَئِيرها
كالبُركان
يَتَحدَّى الرَّدى
فَتَعلو جِباهُم
عَزِيمَة الشجعان،
لتَجلو عَنْ سماءِ الوطنِ
سَحائِب الظلم
وَرُعب رَصاص قَنَّاص السلطان
وَسمُوم قَنابِل الدُخان
وَلِتزيح عَنْ الصدورِ
هموم دَمعة
الأَحزان
مالمو في 2 تشرين الثاني 2019
معاني بعض المفردات التي وردت في النص
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*سِقَام: جمع سَّقيم ، المَرض
** البُغاة : الطُغاة، الجائر، المستبد
*** واسعَ الشَّدقَينِ: أحد أسماء الأسد
 




16


الظَّفَرُ لِنسَاءِ العِراق

 
يَحيَى غَازِي الأَمِيرِيِّ

اِمتَزجَ، الدمُ والتراب
بِكحلِ العيون،
وأنتنَّ تشاركنَّ
بنداءِ الوطنِ
بصبرٍ وحَزمٍ وَعَزمٍ
وَبسالةٍ لا تلين
بانتفاضةِ  الخامس والعشرين مِنْ تشرين 
انتفاضة الكرامة والتغيير
انتفاضة التحرير وَالتنوير   
مِنْ أجلِ تَحطيمِ
قيود الذلِ 
والاستعباد الاستبداد
وَاجتثاث
 سطوة سلطة
سلاطين الفساد،
وَالخلاص
مِنْ نيرِ الفقرِ وَالجورِ
وَالعسفِ وَالقهر؛
المَجدُ والظَّفرُ
للسومريَّةِ الأبيَّةِ
 
مالمو / السويد  31- 10-2019 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظة : الصورة المنشورة مع النص من المتداولة على شبكة الانترنيت ومواقع التواصل الاجتماعي .
 


17
صدور المجموعة الشعرية (هَذَيانٌ مَع الفَجْر) مع حفل التوقيع
يحيى غازي الأميري
كتبَ صديقي د. إبراهيم ميزر ،مدير دار ميزر للنشر والتوزيع ، وهو يعلن صدور مجموعتي الشعرية (هذيان مع الفجر ) مستعرضاً من وجهة نظره أبرز ما سطر بالمجوعة الشعرية، أدعوكم للإطلاع عما جاد به قلمه. 
((صدر اليوم 6 أغسطس (آب) 2019 عن (دار ميزر) للنشر والتوزيع ديوان الشعر "هذيان مع الفجر" للكاتب الأديب يحيى غازي الأميري. والكتاب هو باكورة نتاج الأميري، يضم بين دفتيه اثنتين وأربعين قصيدة، تتنوع في أشكالها ومضامينها. فبإسلوبه السلس وعباراته الجميلة المتناسقة وخبرته في صياغة الجملة ينتقل بنا المؤلف إلى أجواء متنوعة في فضاء الزمان والمكان، يصف لنا مشاعره وأحاسيسه، يحكي لنا عن أحداث، بعضها مروع وقاسِ، ويوحي لنا في نفس الوقت بمستقبل أفضل وأبهى!

ولدت معظم أشعاره في بغداد والعزيزية (واسط) وبلد الهجرة (السويد)، بيد انها تناولت فترات زمنية مختلفة، وجوانب حياتية يكتنفها الفرح أحياناً والحزن والألم أحياناً أخرى. تقرأ في ديوانه عن مشاعر الحب السامية والغزل البديع، كما تجد أيضاً ذكريات عن أصدقاء ورفاق وأقرباء غيَّبهم الطغاة، فتتألم كثيراً، تروي أشعاره عن الإخلاص والوفاء، كما تتحدث أخرى عن الخيانة والذل.
 
الهاجس الأعظم خلال "هذيان مع الفجر" هو الوطن والناس وما يُعانيانه من ظلم وقساوة وإهمال، فهنالك الشهداء الأماجد والرموز الوطنية، ومنهم شهداء سبايكر الشباب المغدورين، ومنهم أقارب وأصدقاء الشاعر، الذين يُكرّس لهم الأميري أهم قصائده ويمنحهم أسمى آيات الحب والإمتنان!
الكتاب من القطع المتوسط، يحتوي على 177 صفحة، صمم الغلاف سعد مهدي حبيب والرسوم الداخلية بريشة الفنانة ريام يحيى الأميري.
لمن يود اقتناء الديوان يُرجى الإتصال بدار ميزر للنشر والتوزيع على الأيميل ibrahimmaizer@hotmail.com

ولنقرأ معاً ما كتبه صديقي الجميل الفنان سعد مهدي حبيب ،عن حفل توقيع مجموعتنا الشعرية الأولى/ هذيان مع الفجر مساء 24/08/2019 والتي أقيمت على قاعة الجمعية الثقافية المندائية في مالمو.
 
يقول الفنان سعد: ( بمنتهى السعادة والحبور حضرنا مساء هذا اليوم حفل توقيع وعرض باكورة اعمال الأديب العراقي المرهف الأستاذ يحيى الأميري (هذيان مع الفجر) مجموعة شعرية.
كتاب مهم ودسم وجميل!
قام بإدارة حفل العرض وبنجاح كبير الأستاذ (باسم طالب) مستهلاً به حياة الأديب وكتاباته وذكرياته ومعاناته في رحلته المضنية مابين العراق والمهج.
حضور كبير من مثقفين وأصدقاء الأديب شاركوا حفلة التوقيع والذي كان لي كل الشرف ان أشارك في تصميم غلاف مقدمة الكتاب وتصميم غلاف النهاية.
اشكر ثقة الأديب بطلبه مني تصميم الكتاب والتي كانت مسؤولية حقيقية… احساس بالنجاح والتفوق منحني إياه مشكوراً صديقي الأديب الجميل يحيى الأميري.
اعتمدت بالتصميم على مقدمة الكتاب (بالابتعاد عن التصميمات التجريدية الجاهزة والخالية احياناً من المعاني والمعتمدة في الكتب مؤخراً) بإظهار وجه الكاتب وبدون أي انفعال كدلالة رمزية توضح هذيانه هو شخصياً، محاولاً إظهار حالة التيه التي تنتاب الأديب مابين الليل والفجر.
وعملت ايضاً على إظهاره شخصياً في مؤخرة الكتاب بشكل وكأنه يغادر هذا العمل متجهاً لعمل آخر قادم تاركاً خلفه نصوصه الشعرية والمستوحاة من الكتاب نفسه.
انصح باقتناء الكتاب فوراً لما يحتويه من لغة رفيعة وقريبة من القلب ولفخامة المحتوى ولاختلاف الذائقة فيه، خصوصاً ان الكتاب غني برسومات فانتازيه جميلة من ريشة الفنانة الرائعة ريام يحيى الأميري.)
مالمو في 30-08-2019


18
 
بقلم: يَحيَى غَازِي الأَمِيرِيِّ

مَساء يوم الجمعة وفي تمامِ الساعةِ السابعةِ وبتاريخِ (27 /04/ 2018) كانَ موعدنا مَعَ محاضرةٍ قيمةٍ للشاعرِ والباحثِ (د. خزعل الماجدي) وَالموسومة (نَظريات أصلِ المندائيين) لقد كانت بحق فعاليّة ثقافيَّة تاريخية أدبيّة رائعة والتي سيبقى صَداها طويلاً ، لما طرح فيها مِنْ أراءٍ وتحليلاتٍ عميقةٍ دقيقةٍ جديدةٍ رصينةٍ ... والتِي اُلقيتْ فِي مقرِ الجمعيَّةِ الثقافيَّةِ المندائيَّةِ فِي مالمو.
حضرَ الأَمسية جمهورٌ مِنْ أبناءِ الديانةِ المندائيةِ ونخبةٍ مِنْ الضيوفِ الأكارمِ مِنْ أهالِي مدينةِ (مالمو) مِنْ المهتمينَ بالثقافةِ وتاريخِ الأديان.
وكانَ لكاتبِ هذهِ السطورِ ( يَحيىَ غَازي الأَميرِيّ) شرف أدارة الجلسة وتقديم الدكتور( خزعل الماجدي) فِي هذهِ الأمسيةِ.
أدناه نص الكلمة التي ألقيتها في بداية الأمسية:
  سَيِّدَاتِي ، آنِسَاتِي ، سَادَتِي الحضُورُ الكِرَامُ : ضيُوفُنَا الأَكَارِمُ، طَالَبَ مَسَاؤُكُمْ
أرَحِبُّ بالجميعِ أجملِ تَرحِيبْ فِي أمسِيتنا الثقافِيّةِ المَوسُومةِ (نَظريات أصل المندائيين) لِضَيفِنا الكَريِم الأستاذ الشاعر والكاتب والباحث الجهبذ الدكتور(خزعل الماجدي).
الماجدي:
 عَلمٌ مُبرَزٌ
 نَبعُ مَاءٍ نمير
نِبرَاسٌ مُنِيرٌ
مُحَلِّقٌ بِفَضَاءِ المَعرِفَةِ
ثَاقِبُ النَّظَرِ،
 ذُو عِلمٍ وَفِير
رَصِينُ الكَلِمَةِ،
وَدِيعٌ كَالنَّسَمَةِ
عِرَاقِيُّ الهَوَى،
سومريُّ الأَصلِ وَالمَنبَع،
رافدينيّ المنشَأ،
إِنسَانِيُّ الأَخلَاقِ وَالمَبدَأ.
قَبلَ أَنْ نَبدَأَ مُحَاضَرَةَ هَذَا المَسَاءِ مَعَ ضَيفِنا الغَالِي الدُّكتور(خزعل) أَبنِ العِرَاق الحَبِيب، أَوَدُّ أَنْ أُعرّج عَلَى مُقَدِّمَةٍ لابدَّ مِنهَا : حَولَ الدِيانةِ المندائِيَّةِ
المَندائِيَّةُ دِيَانَةً مُوَحَّدَةً ضَارِبَةً بِالقِدمِ، عَلَى مَدَى تَارِيخِهَا الغَائِرِ فِي عُمقِ الزَّمَنِ لِغَايَةِ يَومِنَا هَذَا، نَالَهَا الكَثِيرُ مِنْ الضَّيمِ وَالظُّلمِ، وَالذُّعرِ وَالخَوفِ، وَالقَتلِ بِأَبشَعِ الطُّرُقِ وَالوَسَائِلِ، وَطالهم التَّهجِيرِ وَالسَّبيِ، وَاحتِوَاءِ لُغَتِهِم وَالإِجبَارِ عَلَى تَغييرِ دِيَانَتِهِمْ تَحتَ سَطوَةِ سُلطَةِ التَّرغِيبِ وَالتَّهدِيدِ وَالبَطشِ؛ فيما بَسطَ أَحكَامهُ وَشَرَائِعهُ مِنْ تَوَلَّى حُكمُهُمْ أَوْ سَيطَرَ عَلَى الدِّيَارِ الَّتِي سَكَنُوهَا.
تُخبِرُنَا المدونات التي سَلَّمَتْ ووصلتنا مِنْ كُتُبِهِمْ الدِّينِيَّةِ وَمَا دُونَ فِي حَوَاشِيهَا وَمَا بَقِيَ يَتَنَاقَلُ شَفَاهَاً مِنْ جِيلٍ إِلَى جِيل وَكَذَلِكَ بَعض الكُتُبِ وَالوَثَائِقِ الشَّحِيحَةِ وَالَّتِي بَدَأَتْ تَتَكَشَّفُ مُنذُ بِدَايَةِ القَرنِ المُنصَرِمِ أَثَر اهتِمَامِ المُستَشرِقِينَ بِهِمْ، عَن هَول النَّكَبَاتِ الَّتِي مَرَّتْ عَلَيهِمْ.
مَعلُومٌ لِلجَمِيعِ أَنَّ الأَديَانَ التَّوحِيدِيَّةَ (اليَهُودِيَّة وَالمَسِيحِيَّة وَالإِسلَامِيَّة) وَعَلَى مَرِّ العُصُورِ هِيَ نَفسُهَا فِي صِرَاعٍ مَرِيرٍ مُستَمِرّ، كُلِّ دِينٍ مِنهُا يُكفرُ الآخر بِالإِضَافَةِ لِذَلِكَ تَرَى كُلِّ دِينٍ مِنها مُنقَسِماً عَلَى نَفسِهِ إِلَى فِرقٍ و طَوَائِفٍ عَدِيدَةٍ تكفرُ بَعضَهَا البَعضُ وَتَقتَص مِنْ بَعضِهَا بِأَبشَعِ الطرقِ
لِنَتَصَوَّرَ مَعاً مَاذَا يَكُونُ حَال (الديانية المندَائِيَّة المُسَالِمَة) وَحَالَ مُعتَنِقِيهَا فِي هَكَذَا أَوضَاعٍ وَصِرَاع ؛ وَخَيرُ مِثَالٍ حَزِينٍ مُؤلِمٍ مُرعِبٍ مَا حَدَثَ أَخِيراً فِي العِرَاقِ مِنْ استِبَاحَةٍ لِلشَّعبِ (الإيزيدي) وَ(للمَسِيحِيِّينَ) فِي مُحافظةِ (نينوى) عام (2014)؛ نَعَمْ أَنَّ مَا مَرَّ عَلَى المندَائِيِّينَ مِنْ وَيلَاتٍ على مرِ العصورِ لَا تَقِلُّ بَشَاعَةً عَنْ هَذِهِ الوَيلَاتِ.
تُشِيرُ المَعلومَاتُ إِلَى هِجرَةِ أَكثَرَ مِنْ (80%) مِن المندائِيِّينَ إلى الخارِج.
فِي بِدَايَةِ القَرنِ المَاضِي بَدَأَ الِاهتِمَامُ  بِشَكلٍ جِدِّيٍّ بِدِرَاسَةِ المندَائِيَّةِ كَدِيَانَةٍ، فَقَد أَنكَب العَدِيد مِنْ المُستَشرِقِينَ فِي تَرجَمَةِ كُتُبِهِمْ وَتَتَبُّعِ أُصُولِهِمْ وَتَسمِيَتِهِمْ وَبُنِيَتْ عَلَى ذَلِكَ العَدِيدِ مِنْ الآرَاءِ وَالنَّظَرِيَّاتِ ؛ كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ الكَاتِبِ وَالبَاحِثِ (عَزِيز سباهي) فِي كِتَابِهِ القَيِّمِ المَوسُومِ (أُصُول الصَّابِئَةِ المندائِيِّين وَمُعتَقَداتِهِم الدِّينِيَّةِ ) وَالصَّادِر عَام (1996)
ضَيفُنَا الكَرِيمُ لِهَذِهِ الأُمسِيَّةِ الدكتُور(خَزعل الماجدي) اَلغَنِيُّ عَنْ التَّعرِيفِ صَاحِبَ المَسِيرَةِ الحَافِلَةِ بِالعَطَاءِ السَّخِيِّ الرَّصِينِ؛ لَهُ مِنْ المُؤَلَّفَاتِ (84) كِتَاباً وَ(23) مَجمُوعَة شِعْرِيَّة وَ (7) مُجَلَّدَات لِإِعمَالِهِ الشَّعرِيَّة ، وَمُؤَلَّفَاتِهِ لِلمَسرَحِ (35) مَسرَحِيَّة فِي مُجَلِّدِينَ الأَوَّلُ يَتَضَمَّن (14) مَسرَحِيَّةً وَالثَّانِي (21) مَسرحِيَّة، مُسرحت مِنهَا عَلَى خَشَبَاتِ المَسَارِحِ (22) مَسرَحِيَّة فِي العَدِيدِ مِنْ البُلدَانِ العَرَبِيَّةِ
وَحِصَّةُ المندائِيَّةِ مِنْ مُؤَلّفَاتِهِ ثَلَاثَةِ كُتُبٍ هِيَ : 1 - (جُذُورِ الدِّيانَةِ المندائِيَّة عام 1997)  2 - (المثولوجيا المندَائِيَّةِ عَام 2010) 3 - (أُصُولِ الناصورائية المندائِيَّةِ فِي أريدو وَسُومَر عَام 2014)  سِينَاريو فِلم تِلِفِزيُونِيّ بِعنوَان (الصَّابِئَةِ المندَائِيُّون) إِنتَاجِ فَضَائِيَّةِ الشَّرقِيَّةِ مُدَّةَ الفِلمِ (45) دَقِيقَة عَام 2005 ؛ بِالإِضَافَةِ إِلَى (7) مُحَاضَرَات طَوِيلَة عَنْ المندَائِيَّةِ تم القائها فِي (13) جَمعِيَّةِ ثقافية.
فِي هَذِهِ الأُمسِيَّةِ سَوفَ يَغُورُ بِنَا ضَيْفِنَا الغَالِي الدُّكتُورِ(الماجدي) فِي عُمقِ هَذَا التَّارِيخِ المُرعِبِ، وَمِنْ وَسطِ هَذَا الرُّكَامِ وَالحُطَام، ومنْ سَاحَاتِ الحرُوبِ وَالخَرَابِ وَالِاستِبدَادِ - مِنطَقَةِ جَنُوبِ العِرَاق وَالَّتِي تُجَاوِرُهَا مِنْ جِهَةِ إِيرَان - وَبِنَظرَةِ البَاحِثِ العِلمِيِّ الفَاحِصِ المُتَبَصِّرِ (الحِيَادِيِّ) سَيَفرِزُ لَنَا الصَّالِحُ مِنْ الطَّالِحِ، المُنحَازُ مِنهُ وَ المَدسُوسَ وَالمُزَيَّفَ للحَقائقِ، مُستَعرِضاً بِشَكلٍ دَقِيقِ( نَظَرِيَّاتِ أَصْل المندَائِيِّين ) وَكَذَلِكَ رَأْيَهُ الشَّخصِيَّ حَولَ أَصلِهِمْ الَّذِي بَنَاهُ عَنْ جُهدٍ وَبَحثٍ وَتَقَصِّي وَتَفكِيكٍ وَتَحلِيلٍ مُستَنَداً عَلَى تَحلِيلَاتٍ عِلمِيَّةٍ وَوَثَائِقَ مَادِّيَّةٍ.
لَستُ مُبَالغاً وَأَنَا أُعلِنُ أَمَامَ الجَمِيعِ وَعَلَى الهَوَاءِ، أَنِي كُلَّمَا استَمَعُ لِمُحَاضَرَةٍ أَوْ أَقرَأُ شَيئاً مِنْ كِتَابَاتِ ( د.خزعل الماجدي) أُصابُ بِالدَّهشَةِ وَالِانبِهَارِ، وَيُضِيفُ لِي أﺷﻴاءَ نَافِعَةٍ جَدِيدَةٍ وَيَفتَحُ لِي أَبوَاباً عَدِيدَةً مِنْ أَبوابِ الْمَعرِفَةِ؛ وَمُنذُ مُحَاضَرَتِهِ القَيِّمَةِ (جذُور الدِّيَانَةِ المندائِيَّة) الَّتِي استَمَعَتْ لَهَا فِي قَاعَةِ (نَادِي التَّعَارُفِ) بِتَارِيخ 16 - 09 - 1997 وَأَنَا أُتَابِعُ بِشَغَفٍ كِتَابَاتِهِ وَنَشَاطَاتِهِ المُتَمَيِّزَةِ.
تَحِيَّةٌ بِحَجمِ المَحَبَّةِ لَهُ، فليتفضل مشكوراً، وكلِّ الحديثِ لهُ
رَحب د. (خزعل الماجدي) بالحضور،وتمنى أن نستمتع بأمسية تضيف الجديد من المعلومات بهذا المبحث الشائك.من المباحث المهمة التي تناولها بالشرح والسلايدات التوضيحية على شاشة كبيرة، كان المبحث الأول (المندائيون : أصلهم وتاريخهم)
والذي جاء بتعريفة (لايمكننا معرفة المندائيين على حقيقتهم ما لم نميز بين ثلاثة مصطلحات تكاد تسبب، من فرط ترابطها وتداخلها، التباساً كبيراً ، والمصطلحات هي (الناصورائيون ، المندائيون، الصابئة) وقد تعمدنا وضعها بهذا الترتيب بسبب تسلسل ظهورها التاريخي)، وقد تناول التعاريف بشكل مفصل.   
بعدها تطرق الى (نظريات أصل المندائيين) والتي شرحها كذلك بشكل مفصل كما وردت في العديد من المصادر وهي:
1-النظرية المندائية : تعتمد على كتاب (الكنزا ربا) وكتاب (حران كويثا)
2-النظرية الإسلامية :وتعتمد على أراء الفقهاء والمؤرخين المسلمين بين القرن (7-12)الميلادي
3- النظرية الغربية ، وتعتمد على:
 1-نظرية الأصل الغربي
2-نظرية الأصل الشرقي
4- نظرية الأصل والتاريخ الرافديني ، من أريدو حتى التاريخ المعاصر
 
وفي ختام المباحث تناولها بالتفصيل المبحث الخامس من محاضرته (أصل وتاريخ المندائيين من وجهة نظره) وقد شرح فيه تاريخ مرورهم بالعديد من العصور وجميعها تدل على أن أصل الديانة المندائية رافدينية عريقة نشأت وترعرعت في  بلاد الرافدين.
وأدرج أناه العصور التي تناولها (د. الماجدي) في محاضرته حسب تسلسلها التاريخي ...
1- عصور ما قبل التاريخ
2- العصر السومري
3- العصر الأكدي
4- العصر البابلي (القديم والحديث)
5-العصر الفارسي الأخميني
6- العصر الهيلنستي
7- العصر الفرثي
8- العصر الساساني
9- العصر العربي الإسلامي
10- العصر الحديث
11- التاريخ المعاصر
بعدَ انتهاء المحاضرة التي اِستمرتْ أكثر مِنْ ساعتين ونصف متواصلة ،فُتحتْ بابُ المداخلات والتي أَغنتْ الموضوع وزادتْ مِنْ حَيويةِ وفائدةِ المُحاضرةِ ، ولِضيقِ الوقتِ سمح بمشاركةِ (5) مداخلات فقط، أربعة منها كانت حصة ضيوفنا الأفاضل وَالمشارك الخامس مِنْ ابناءِ الديانةِ المندائيةِ، المشاركين فِي المداخلاتِ همْ السادة (الأَديب والقاضي زهير كاظم عبود، الشاعر فائق الربيعي، الناقد خضير اللامي، الفنان المسرحي كريم رشيد، وَالأستاذ ضياء شاهين) استمرت المحاضرة أكثر مِنْ ثلاثةِ ساعاتٍ تخللتها استراحة قصيرة لمدةِ خمسة عشر دقيقة لتناولِ القهوةِ والشايّ؛رغم طول المحاضرة لكن الحضور بقيّ متفاعلاَ حَتى نهاية المحاضرة.
مالمو/ السويد

19
أدب / لِقَاءٌ لا يُنسَى
« في: 17:44 20/06/2019  »


لِقَاءٌ لا يُنسَى

 

يَحيَى غَازِي الأَمِيرِيِّ


بَضَّةٌ غضّة، صُبَّ البَدَنِ
مِنْ نارٍ وَصُلصالِ،
أَرَقُ مِنْ بَتَلاتِ* الياسَمِين
وَهِيَّ تَتَمايَلُ بِدلعٍ ودَلالِ
 بِقامَتِها الهَيفاءِ
بَريقُ ألقِ العُيُونِ أَغوانِي؛
وَهِي تَدعوُنِي،
 لتَناولِ قَهوَةً فِي مَخدَعِها؛
العِطرُ يَضُوعُ بالمَخدَعِ،
بِتَرَدُّدٍ وَتَوَدُّدٍ،
أَهدَيتُها وَردَةً حَمراء،
بلَهفَةٍ قَبِلَتها وَقَبَّلَتها.
 الفَرَحُ أَطارَ لُبُّي،
 وَالعَقلُ منِي تاه
عَلَى حافَّةِ سَرِيَرِها أَشارَتْ إِلَيّ بالجلوسِ،
وَجَلَسَتْ بِغُنجٍ أَمامَ المِرآةِ تَتَبَتَّلُ**
بِخَجَلٍ استَرقُ النَّظَرَ مَبهوراً
بالصَدرِ الناهِدِ
وَبِوَجهِها المُتَوَرِّدِ
سَحَّرتنِي ضَحكاتُها؛
آسرَةٌ بِجَمالها وَبِفِتنَةِ سَطوَتها؛
 بِرقَةٍ سَاحِرةٍ
 تَجذِبُني إِليها
إِمتَثَلَ الفُؤَاد مَذهولاً
 لِتَضُمُّنِي بلطفٍ
بَيْنَ ذِراعَيّها لِنَهدَيها
تَعَطَّرَتْ الرُوح بِعِطرِها
عَلَى مَهلٍ نَهلتُ العطرَ همساً
فباتَتْ تَسرِي كالصَّهباءِ*** فِي الشَّرايينِ؛
فألقَمَتنِي رَشفَةٌ،
مِنٍ شَهدِ شَفَتَيها،
ضَجَّ قَلبِي بِالهيام
وَسَرَتْ بِالبَدَنِ
نَشوَةُ لَذَةٍ،
وَثَورَةٌ كالبُركان
تَرِكتُ جناحَيّ
فِي سَرِيرِ الغَرامِ
وَحَلَّقتُ فَوقَ السَّحابِ
هائِماً فِي سّدِيم**** الفَضاءِ
لا أُريدُ أَنْ أَفِيقَ،
مِنْ رُؤيا المَنام


معاني بعض الكلمات التي وردت بالنص :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* بَتَلة: (النبات) ورقة من تُويج الزهرة
** تَتَبَّتَل: تَبتَلت المَرأَةُ : تَزَيَّنت
***الصَّهباءُ : الخمرُ
**** السّدِيم: تَكاتفُ أو تَجمعُ نُجومٍ بَعيدةٍ تَظهرُ وَكأَنَّها سَحابةٌ خَفيفةٌ، أو بُقع ٌضَعيفةُ النُّورِ، كَما يَتكوَّنُ السّدِيمُ مِنْ غازاتٍ مُضيئةٍ
شَديدةِ الحَرارةِ، تَدورُ حَولَ نَفسِها.




20
سَتار الحَيدر ثائرٌ مِنْ كَحلاءِ مَيسان *
 
بقلم: يَحيَى غَازِي الأَمِيرِيِّ
 
وُلِدَ سَتار، بِبَيتٍ مَصنُوعٍ
مِنْ طِينِ وَقَصَبِ مَيسان
يُغازِلُ بِودٍ نَهرَ الكَحلاءِ
عامِرٌ بالجُودِ وَالطِيبِ
وَالإِيمانِ وَالكَرَمِ.
أَدرَكَ الصَّبِيُّ مُبكراً
فَدَاحة الجَورَ وَالمَظالم المُرعِبَةَ،
الَّتِي يُعِيشُها النَّاسُ بالمُحِيطِ الذِي فِيهِ نَشأْ
بَعْدَ دخُولِهِ المَدارسَ، تَفَتَحَتْ أفاقهُ أَكثر
فَزادتْ مِنْ تَنويرهِ علُومَها وَعَالمَها
وَعَندَما شَبَّ
اِختارَ طَريقَ الكِفاحِ الموصلِ للحريَّةِ
وَلنصرَةِ العَدلِ وَالإنسانِ
مُهتدِياً  بمبادئِ الإِنسانيَّةِ
مُتَوسِّماً بِنبلِ أَفكارِها وَقِيَمِها الخَلاصِ
مِنْ واقِعٍ مُزرٍ يَفتكُ فِيهِ الفَقرُ وَالمَرَضُ وَالجَهلُ.
بِعُنفُوانِ شَّبابِ النور، سَارَ بِدَربِ الحِزبِ
مُنغمِساً مُتَحَمِساً؛ لنشر ما آمن به
يَعمَلُ وَيُحَشِدُ وَيُنشِدُ لِلغَدِ السَّعيدِ،
فَداهَمَتهُ عَلَى عَجَلٍ سِياطِ الجَلادِين،
وَتَلقفتهُ السِجونُ وَقبع فِي مَنافِي الإبعاد السِّياسي،
وقَضى فِيها مِنْ زَهرَةِ شَبابهِ سِنِينَ طوال
وَمتى ما أُطلقَ سراحهُ يعاود النضال؛ فلَمْ يَهدأ، وَلَمْ يَستكينْ،
يُعاودُ الكرّةَ مِنْ جَدِيد،
بعودٍ أَصلبٍ، وَعَزيمةٍ لا تقهرها السجون؛ فَهو السجين الذي لا يَلِين
فَقد اِختارَ طريقهُ المُبِين
مُتفرغاً لعملهِ الذِي بهِ رَهين
بإدراكٍ ودرايةٍ وَيَقين
فَباتَ يتَنقلُ مُتخفياً بَينَ المُدن
وَأوكارِ النِضالِ السريَّة،
يَرصُ الصفوفَ وَيَشحذُ الهِمَم
مُثابراً بالعَملِ مُجدداً للأَمل
فَأصبحَ كادراً مُتقدمَ المَقام،
فَزادهُ عَملهُ المَزِيدِ
مِنْ الاتزانِ والالتزام
يَدورُ بِهذا المَدارِ مُوصلاً اللَّيلِ بالنهار.
حافِظَةُ رأسهِ باتَتْ تَختزنُ أَخطرَ الأَسرار
يَحفَظَها وَيَصونها بأمانٍ وإتقانٍ.
بحذقٍ يغورُ بَينَ الصعابِ،
رغمَ ما يحفُ بِهِا مِنْ المَخاطرِ،
لكنهُ لا يُبالي.
قلبٌ جريءٌ كتومٌ مقدام، لا يَعرِفُ الوَجلَ،
وَهوَ يعومُ بلُجَّةِ بَحرٍ مُضطربٍ
هائِجِ الأَمَواجِ، لا قَرارَ لهُ.
(2)
فِي الخَفَاءِ وَمِنْ دَهَالِيزِ عِصابَةِ المَوُتِ السِّريَّة
بُثتْ العيون،
تجَمعُ عَنهُ وَعَنْ مَنْ مَعَهُ أَدقُ المَعلُومات
كانَ مِنْ ضِمنِها وشايَّةٌ مِنْ رَفِيقٍ خَوّان،
سُلمتْ عَلَى وَجهِ السرعةِ التقارير
لجهازِ بَطشٍ سرِيٍ خاص، يُدارُ بغايَّةِ السرِّ
عَلَى قمةِ هَرَمِها نُصِبَ أَخَطرِ مُجرمٍ شِرير سفاح،
يُرسمُ فِيها لِكُلِّ ثَورِي مَصير
بَعْدَ حينٍ مِن الزَمَنِ
كالريحِ الصفراءِ جاءَ القَرار مِنْ رأس (حُنَين)
أجهزوا عَلَى القادةِ أدناه :
(ستار، محمد ، شاكر)**
لتغييرِ الموازين بموقفِ حزبِ الكادحين.
حاصرُوهم وَارصدُوهم بالعيونِ
وَالحدِيدِ وَالدمِ والنار.
(ستار) أولُ مَنْ تابعتهُ عيون
صديقٍ مخادعٍ غادر
لتستلمهُ عيون عَسَس(حُنَين)
وَعِندَما جاءهُ خبرُ التحذيرِ إِنَ حَياتهُ فِي خَطرٍ
وَعليه: أن يُحاذر مِنْ اللقاءِ أو الإتصالِ بـرفيقٍ (خَوّان)
يُشَكلُ عَلَى حياتهِ بَلِيغَ الضَرَر
وأن يَحترسَ للحَيطةِ وَالأَمان...
أصغى للنَصيحةِ بقلبٍ غير مضطربٍ لمْ يتملكهُ الفزع
وَبدأتْ الأَفكارُ فِي رأسِهِ تَدور :
(كَيفَ يَكونُ الحَذرُ وَكلُ عَملي وَسطَ الخَطَر؟
وَمِنْ أَينَ يأتِي الأَمان وَعُيونُ المُخبِرِينَ تَتَعَقَّبُنِي بإمعان؟)
بفؤادٍ لَمْ يَتملكهُ الهلع،
ذَهَبَ اللقاءِ الخَطِير،
واضِعاً رُوحهُ عَلَى كَفِّهِ
أَنهى الاِجتماعَ الذِي عُدَ بإتقانٍ ليُوصِلهُ إلَى الكَمِين،
وَفِي طَريقِ العَودةِ للبَيتِ،
تابعتهُ ذِئابُ حُنَين،
وَعَلَى بُعدِ 150 مترِ مِنْ مكانِ الاِجتماعِ الكَمِين
هاجمتهُ لاِختِطافهِ ذات العيون؛
برباطةِ جَأشٍ
وَبِقلبٍ شُجاعٍ غَيرِ مُرتابٍ
قاوَمَها بِضراوتهِ المَعهودةُ
لِينهالوا عَليهِ بكلِّ جنون،
برصاصاتٍ قاتلةٍ متتاليةٍ
مدفوعةِ الثمنِ
وجهتْ للمغوارِ الأَعزَلِ،
بَينَ رَشقةِ الرَّصاص الأَولى وَالثانية
صَدَحَ صَوتهُ بصرخةِ الأَلَمِ وَالصَدمَةِ
مُعّرِّفاً باسمهِ وَصفتهِ :
(أَنا سَتار خضير الحَيدر
أَنا عضو اللجنة المركزية للحزبِ الشيوعي)
فِيما الدمَ يَنزفُ كانت يَداهُ تقاوم
وَتضمدُ الجراحَ النازفة.
عَلَى قارعةِ الطريقِ
تَركوهُ القتلة مُضرجاً بدمهِ الطهور
وَوَلوا هاربين مَذعُورين.
فِي المستشفى ،بَعدَ يوم أو أكثر  يَفيقُ مِنْ المخدر
أَمُ مَي ماسكةً يديه
ببطءٍ يَفتحُ عينه،
يُحدّقُ بالنورِ
يَنظرُ للحضور
يَبتسمُ وَيفتحُ عينه عَلَى مَداها
- صوته هامساً
(أمُ مَي عينايّ ؛
ما أَسعدني بكِ
رفيقة عمري ودربي.
- سأشفى ؛ لَمْ أزلْ عندَ وَعدي
سنذهبُ إلى ارشاك
لنأخذ صورةً للذكرى أنا وأنت وزهراتنا فراشاتنا الأَربعة)
يَغمضُ عينيه.
فِي المستشفى بقيَّ ستة أيام
يُصارعُ الموتَ.
ليسجل التاريخ؛
ببنادقٍ مؤجُرةٍ طويتْ
مسيرةُ سبعةٍ وَعشرين عاماً
حافلةً بالعملِ الثورِي المُثابر
لوطنيٍّ شهمٍ غيور.
لَمْ يَكنْ (ستار) يَحلمُ بكنوزِ سُليمان
أَو بقصورِ كُسرى أَو الرَشيد هارون
كانَ يناضلُ مِنْ أَجلِ تأَمينِ سريرِ طفلِ
ينامُ تحتَ سقفٍ أمن،
وَفَلاحٍ يَجني حاصلَ ما تزرعُ يداه
وَعاملٍ يَحصلُ عَلَى أَجرِهِ قَبلَ أَنْ يَجفَ عرقهُ
وَمِنْ أَجلِ قوانين تَحمى كرامةَ المرأة.
أَمَنَ (ستار) بما يَحمل وَعَملَ بكلِّ عزيمتهِ
مِنْ أَجلِ إرساءِ قوانين العدل والمساواة
بَينَ الإنسانِ وأخيهِ الانسان ...
لكن دَعني أَروِي لَكَ أَيُّها الرَّفِيق المقدام،أيُّها الرَفِيق الغائب جسداً، الحاضر فكراً ووجوداً
شيئاً عَنْ واقع العراق:
(لَمْ تَزلْ بِلادِنا تَغَطُ  بِحًزنٍ عَمِيق،
تَأنُ مِنْ وَجَعِ المَوتِ
وَسَطوَةِ سياطِ الجَلادِين
وَفَسَادِ المُتَسلطين،
يَعمُ البِلادَ الجَهلُ وَالنَّهبُ وَالخَراب؛
المُستَقبَلُ فِي تِيه خَطير.)
فِي 28 مِنْ حزيران عام 1969
يومٌ قائظ بحرهِ الخانق
قصر النهاية يبث عسسه
مِنْ مَكان التَشيع حَتَّى المَقبرة
تَرصد وَتسجل:
(بتشيعٍ مهيب وَبدموعٍ غزار،
وَعويل جموع النساء
وارَى جثمانه الثرى
فِي مَقبرةِ الصابئة المندائيين فِي أبو غريب)
كانَ وَسيبقى قبرهُ رمزاً وَمزاراً
لعشاقِ الحريَّةِ وَالعدلِ وَالمساواة
مالمو 28 أيار 2019
هوامش وملاحظات تخص النص
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*  كتبتُ هذا النص الأدبي الموسوم ( سَتار الحَيدر ثائرٌ مِنْ كَحلاءِ ميسان) وفاءً للشهيد المقدام؛ وذلك بمناسبة احتفالية الذكرى الخمسين لاستشهاده، والتي تقام في مدينة (لوند/ السويد) يوم 29 /حزيران/ 2019 على قاعة polhemskolan, Trollebrgsvägen   2222 Lund                               
**  ستار: هوَ الشَهيد (سَتارخضير صكر الحَيدر) مِنْ مواليدِ (1930)  ناحية الكحلاء / محافظة ميسان - العمارةسابقاً - وهو بعمرِ(أربعة عشر عاماً) تَشكل وَعيه السِياسي، لينخرط بعدها بتنظيماتِ (الحزب الشيوعي العراقي)، بعدَ تخرجه مِنْ الثانوية عَملَ (مُعلم) فِي قرى ناحية (الكحلاء) لمدةِ عام وبعدها نُقل إِلى مدرسةِ ( الحاجب في أَبو غريب)، ليعود مجدداً إلى (العمارة) وَيلتحق فِي( مَعهد العالي للمعلمين فِي العمارة).
 خلال فترة عَمله سُجن عدة مرات ولعدة سَنوات منها سَنة وَنِصف فِي (سِجن الكوت عام 1952) وَذلك أَثر مشاركته فِي انتفاضة عام (1952).
وَحكمَ عليه مرة أخرى عام (1954) ثلاث سنوات سِجن وأرسل إلى (سِجن بعقوبة). ونفيَّ مُبعداً سياسياً لمدة ستة أشهر في مدينة (بدرة) بَينَ عامي (1957- 1958).
خلال عمله الدؤوب المتواصل فِي الحزبِ تَقلد عدة مسؤوليات جسام وَفِي عدة مناطق مِنْ (العراق) مثل العاصمة (بغداد) والموصل وكركوك و السليمانية وأربيل، وجبال كردستان العراق؛ أنتخب عضو للجنة مركزية للحزب الشيوعي عام (1967) وَتَحمل مَسؤولية غاية بالخطورةِ والسريَّةِ مَسؤوليَّة تنظيم الخَط العسكري .
يوم 23/6/1969 تَعرض لمحاولةِ اغتيال قرب (الجامعة المستنصرية في بغداد ) وذلكَ بعدَ خروجه من لقاء حزبي، حيث نقل بعدَ تعرضه لعدةِ اطلاقاتٍ نارية في بطنهِ وَساقيهِ إلى مستشفى الطوارئ فِي شارع (الشيخ عمر/ بغداد) للعلاج، وفِي صباح يوم 28/6/1969 فارق الحياة في نفس المستشفى.
محمد : هوَ الشَهيد (محمد الخضري) مِنْ مَواليد الثلاثينيات فِي (ناحية الخضر/ محافظة الديوانية) خريج دار المعلمين فِي (بعقوبة) عُين مُعلم (عام 1953) ، عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي، جرى اِختطافه فِي (بَغداد) بتاريخ (20 أذار 1970) فِي اليومِ التالي لاِختطافهِ وجد جثة هامدة على  الطريق العام بِينَ (بَغداد وسامراء).
شاكر: هوَ الشَهيد(شاكر محمود البصري) : عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي؛ بتاريخ (11/11/ 1972) اغتيل دَهساً بسيارةِ نَوع (فوكس واكن) قرب (مستشفى اليرموك ببغداد).
 

 

 
 

 
 
 
 

-
 
 
 



 
 
 



 

 

 
 



   

21

(بدرية & حميد شلتاغ ) رُوحَانِ فِي جَسَدٍ

 
بقلم: يَحيَى غَازِي الأَمِيرِيِّ

 

يَا غارَسَا الطيِّبَ وَالرَّيحان
لِلناسِ وَللوَطَنِ بإيثارٍ وَوجدانِ
دَونَما كَلَل
يَا صافِيا القَلب
مِن الحِقْدِ وَالدَّنَسِ
أَيُّهَا القِدِيسان المُعذبان ظُلما
أَيُّهَا الوَدِيعان الرقراقا السَيل العَذب
أيُّهَا السامِقان شموخاً وَ ضياءً
لِدَياجيرِ الظلماتِ.
وَأَنتما فِي غَياهبِ الحَبسِ
كانَ البَطشُ يحيطُ الوطنَ
لِيستَوطن الخوفُ أَجوافَ البدنِ
فَأَضحى سمِّاً يَسري مَعَ النَّفسِ.
ثَقِيلَةٌ، قَاسِيةٌ، مَرِيرَةٌ مَضَتْ الأَزمان؛
بَعدَ عَقدَينِ وَنَيَّفَ
مِنِ أعوامِ الاِعتِقالِ
أَنجلى اللَّبسِ وَ الاِبهام
وَ سنين الجَدَبِ؛
فَبانَ النَّبأُ الحَزين:
بِفِرمانٍ مِنَ السُّلطانِ
تَمَّ الإِعدام.
رَبَّاه ، رَبَّاه،
أيُعدمُ مَنْ يجاهرُ بحبِ الناسِ
ويدافعُ بسلامٍ وإخاءٍ عَن فكرهِ؟
هَذا هَوُ بَغَيَّ
الطُّغاةُ بلاءاً وآفَةَ الآفات،
إذ لَمْ يَدعْ حَتى لرُفاتِ قَتلاه
فِي البريةِ أَجداثِ.
فِي كلِّ ذِكرٍ لَكُما
شغافُ القَلبِ يَنتَحبُ؛
فَنُعطرُ الأَفواهَ بِذكراكُم
قُبَلاً يا نَجيبيّ الأَصلِ والحَسَبِ
قَريرا العَينِ نَامـــا
يَا قَبساً مِنْ ضوءٍ لنْ يَزولَ
زَالَ قاتلكما وَاِنعدَمَ وَ أَنتما
أبداً مِنْ وجودكما لَنْ نُعدمَ
مالمو في 20-12-2018
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشهيد: أبو مجيد/ حميد شلتاغ حالوب مواليد الكحلاء/ العمارة 1921
الشهيدة : أم مجيد/ بدرية داخل علاوي، مواليد الكحلاء/ العمارة 1930
أخبرني صديقي (د. وليد حميد شلتاغ )إِن والداه الشهيدين( بدرية  داخل & حميد شلتاغ) قد تم اعتقالهم من منزلهم في (كرادة مريم) بتاريخ (14- 08-1980). وقد حصل بعد سقوط نظام الحكم في العراق في (2003) على وثيقة صادرة من محكمة الثورة (سيئة الصيت) وبتوقيع (عواد البندر) الحكم بإعدامهما (شنقاً حتى الموت) في عام (1983) وقد وردت أسماؤهم من ضمن قائمة مع عدة أسماء من (بيت الحكيم) تم أحالتهم وبالأسماء لمحكمة الثورة بأمر من رأس السلطة (صدام حسين) لمحاكمتهم كمجرمين.


   

22
سَلاماً لِرُوحكم الشَفِيفَة مُعلِّمنا حَميد شلتاغ
 
بقلم: يَحيَى غَازِي الأَمِيرِيِّ

 

صَبُورٌ جَلدٌ رغمَ القَهرِ لَمْ يتعبْ
حاصره المَوتُ مِراراً  فَلَنْ يَرهبْ
وَعِندَما أشتد النزال فِي المَيدانِ
وأطبق عليه عسسُ السلطانِ
أبواب زنازنين السجون
وَبَينَ أنين المساجين
وَشتائم الســــــــــــــجانين
وَسطوة سياط الجلادين
حاصَرَهُ رُعب المَنون
وبانَ للأعيُنِ سَنا ضِرامُها
لَم يَجزعْ وَلَمْ يَهرب
لَبِثَ ثابِتَ الجَنَان
لِحدِ الموتِ؛ بحزمٍ يقاوم
وهو يردد لَمْ أهزمْ!

مالمو في 20-12-2018
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
   التقطت الصورة في دار والدي رحمه الله  بقضاء العزيزية(محلة السعدونية) / محافظة واسط صيف عام (1979) بكامرتي الخاصة، والتي كنت قد جلبتها معي عند زيارتي إلى (اليونان عام 1979) كانت أول سفرة ليَّ خارج العراق.
يظهرُ في الصورة والدي (غازي رمضان الأَميري مواليد الكحلاء/ العمارة 1907- ت 1987) وَاِبن خال والدي( حميد شلتاغ حالوب مواليد الكحلاء/ العمارة 1921)
أخبرني صديقي (د. وليد حميد شلتاغ )إِن والداه الشهيدين ( بدرية  داخل & حميد شلتاغ) قد تم اعتقالهم من منزلهم في (كرادة مريم) بتاريخ (14- 08-1980). وقد حصل بعد سقوط نظام الحكم في العراق في (2003) على وثيقة صادرة من محكمة الثورة (سيئة الصيت) وبتوقيع (عواد البندر) الحكم بإعدامهما (شنقاً حتى الموت) في عام (1983) وقد وردت أسماؤهم من ضمن قائمة مع عدة أسماء من (بيت الحكيم) تم أحالتهم وبالأسماء لمحكمة الثورة بأمر من رأس السلطة (صدام حسين) لمحاكمتهم كمجرمين.
كان بيت (والدي في العزيزية) ملاذاً أمناً للعم الشفيف الوقور(أبو مجيد) وَزوجته حمامة السلام والمحبة ( أم مجيد/ بدرية داخل علاوي، مواليد الكحلاء/ العمارة 1930 أعدمت في غياهب السجون عام 1983). وَالشهيدة( بدرية) هيَ الابنة البكر لشقيقة والدي،ابنة عمتنا (مدلولة) رحمها الله.
كانا رحمهما الله كلما زادت عليهم المراقبة الأمنية، أو حملات الإعتقالات، أو اشتدت عليهم الملاحقة والمتابعة وَالمطاردة، يأتيان كضيوف من الرحمن ويحلان في دارنا، يسكنان معنا؛ (والله) لقد كنا جميعاً في البيت وطوال فترة أقامتهما مهما امتدت لا نمل أبدا ً من معشرهما ؛ فهما من الوداعة والرقة والعذوبة أرق وأطيب من نسيم العطر الزكي.
كان (أبي وَ أمي ) يطيران بهم من شدة الفرح عندما يحلان ضيوفاً عندنا وَأول شيء يقدمه(أبي)لأبن خاله أبو مجيد (ثوب) أبيض جديد ويقول له مداعباً:
-  تفضل بَدل أبو مجيد هاي دشداشتك الجديدة!


23
أدب / عُيُونُ الحُبِّ
« في: 16:56 21/11/2018  »

عُيُونُ الحُبِّ
 
بقلم: يَحيَى غَازِي الأَمِيرِيِّ
مُغريَةٌ هِيَّ أَزَليَّةٌ بِسحرِها
 لا مَفَرَ مِنْ سَطوَتِها
إِنَّها سِرُّ الاِحتِدامِ بينِ النُّورِ وَالظَّلامِ
سِهَامُها، حَرَارَةَ قُبلَتِها بِاللَّحظِ فاعِلةً،
تَغزُو تُغرِي وَتُخِيفُ النُّفوس،
تُلِجُ الأَفئِدةَ فَتَمرَّقها.
تَرتَعِشُ الشِفاهُ بِنَبِيذِ لَذتِها
وَتَهِيمُ نافِذَةً بِعَبِيرِ عِطرِها
 رَوضَةَ الأحلامِ وَالأيامِ؛
مازِجَةٌ الجَسَدَ بالنَّسمَةِ،
فَيَنبَثقُ الفَجرُ جَدِيداً
مَصحوباً بالصَّرخَةِ وَالبَسمَةِ...
رُغمَ مُتعَتِها وبَهجَةِ سِرِّها 
لكِنَّها بِذات الوَقتِ
كَالسَّيفِ ذِي الحَدَّينِ
مُرعِبَةٌ مُخِيفةٌ 
فَكَمْ مِنَ الأَدمُعِ بِنَشوةٍ تَراقَصَتْ
سَكرَى تَختالُ طَرَبا 
مَسحُورَةً بِترانيمِ زَقزَقَةِ الطيُورِ
وَتَمايلَ الرَياحِين والزهور...
وَغَفَتْ مَبهورةً بَينَ الغدرانِ والثغور
وَكَمْ مِنَ العيونِ تَرقرَقَتْ بالشَجَن
وأَهرقَتْ يِنابِيعُها بالآهاتِ المُقل
بِلَوعَةٍ وَوَجَلٍ مِنْ رَيبِ المَنون،
وَطول النَّوَى.
وكُلَّما نَسمعُ أنَينَ نايٍ حَزِين
يَنكأُ مَكامِنَ ما اِندَملَ مِنْ كُرُوبِ المِحَن.
وَعَلى عَجلٍ تَعُودُ بهِ عَجلةُ الزَّمانِ تَدورُ
 وَصوتُ العِباب* يَثور
لِتبقى مَعَها العيونُ فِي مَحاجرها قَلقة تَجوُل   
بَينَ أيامِ الوئامِ وَالوِدادِ وَنَعيمِ القُبَل؛
وَكَيفَ عَصَفَ الخِصامُ بالوَجدِ،
فَحلَّ الزعلُ
وَاِستَسلَمَ للجَفاءِ وَالبَغضاءِ الوِد
مالمو في 20-11-2018
* العِباب: صوت أمواج البحر ترتفعُ بصخبٍ


24

مِنْ العَزِيزِيَّةِ إِلَى ربُوعِ بَلدِ الكِنَانَةِ/ج 5

 

بقلم: يَحيَى غَازِي الأَمِيرِيِّ
 
اَلسَّاعَةُ التالِيَةُ مِنْ جَولَتِنَا فِي ( قَلعَةِ صَلَاح الدين الأَيوبِيّ) سَتكونُ إِلَى ( سِجنِ القَلعَة)
وللوهلة الأولــى انتابني شعورٌ غريبٌ مزيجٌ متناقضٌ بين الحاضر والتاريخ الذي ترويه أماكن هذا المكان والذي كان يوماً ما  { سجنــــاً }
فبَينما كنتُ أَقِفُ امام ( سِجن القَلعَة) وَانظر إِلَى زَنازِينِه الحَجريَّة ، كَانَ صَوتُ ( الشَّيخ إِمَام) وَأُغنِيَتهُ الذائِعَةُ الصِّيتَ ( أَنا رحت القَلعَة) تَتَرَدَّدُ عَلَى لِسَانِي وتنبش في ذاكرتي :

( أنا رحت القلعة وشفت ياسين
حوليه العسكر والزنازين
والشوم والبوم وكلاب الروم
يخسارة يا أزهار البساتين
عيطّي  يا بهية على القوانين
انا شفت شباب الجامعة الزين
احمد وبهاء والكردي وزين
حارميهم حتى الشوف بالعين
و ف عز الظهر مغميين
عيطّي يا بهية على القوانين .)

وَقفتُ باسِما ًوَاجِماً أَمَامَ بَوابةِ سِجنِ القَلعَةِ وَزنازِينها ؛ وَتَحركَ كَالبرقِ فِي ذاكرتِي شَرِيطَ الذكرياتِ.

 فَلسجن القلعَةَ حَيّزٌ لَمْ يَزَلْ يَكمنُ فِي أَعمَاقِ تَلافِيفَ رَأْسِي
 مَغرُوساً كنصلِ السِّكِّينِ فِي نَفسِي
 مُنذُ سَبعِينِيَّاتِ القرنِ المَاضِي، وَأَنا أُنصِتُ مَسحُوراً
 بِصَوتِ المُلَحِّنِ المُطرِبِ (الشَّيخ إِمام)
وَمُحَلقاً بِنَشوَةٍ مَعَ ضَرباتِ رِيشَةِ عُودِهِ
وَكَلِمَاتِ أَغَانِيهِ فتنثرُ فِي رُوحِيّ
 أزهاراً وَرَيَاحِين وانهاراً وَغدراناً
 مِنْ الأَمَلِ وَالفَرحِ
وَالتطلعِ للغَدِ الأَجمَلِ
وَبالعَيشِ الرغِيدِ في مستقبلٍ سعيد
وَعِندما أَسمَعها وَأُرَددها الآن
أَصَاب بِدوارٍ لِمصابِ الْوَطَنِ
فَتزِيدُ مِنْ الوَجَعِ وَالشَّجَنِ
لَمَّا جَنِينا مِنْ حصادِ نِضَالِ السنِين
سيلاً رهيباً مِن الدَّمَار والانحطاط 
وَكَمّـاً هَائِلاً مِنْ الخَرابِ وَالمِحَن
وَخَيبَةً وَيَأْساً وَتَشرداً وَانكِسار
وَمَجامِيعَ لا تُعدُّ مِنْ اللُّصُوصِ وَالسُّراقِ
تَصُولُ وَتَجُولُ وَتَعبَثُ فِي طولِ وَعرضِ ربُوعِ العراق...

لَقد شكلَ الفنانُ الملحنَ وَالمُطرِبَ البَصِيرَ(الشَّيخ إِمام 1918- ت 1995) وَالشاعرِ الشعبي الكبير( أَحمد فؤَاد نَجم 1929 - ت 2013) ظاهِرةٌ فَنيةٌ ثورِيَّةٌ تَقدميَّةٌ تَحَررِيَّةٌ ، لَيسَ فِي مِصر فقط بَلْ امـتدَّ صَداها واتسع ، واكتسحت َشَعبِيَّتَها عُمُومَ المنطقةِ العَربيَّةِ ، بلـى إنها ظاهرَةً يُشادُ لَها بِالبنانِ وَمِنْ الصعوبَةِ تكرارَ مَثِيلٍ لَها. 
إِلَى الآنِ أَحفظُ وعن ظهرِ قَلبٍ عَشراتٍ مِنْ تِلكَ الأَغَانِي ، أُرددها بِاستِمرَارٍ مَعَ نَفسِي،  وَأَطربُ اشدَّ
الطربَ مَأْخُوذاً مبهوراً  بَيْنَ الحُزنِ وَالفَرحِ عِندَ سَماعِهَا ؛ كانتْ (كاسيتات) أَغَانِيهما يَتداولها وَيستَمع إِلَيها كما النشراتِ السِّريَّة مُعظم اليسار العراقِيّ ، كُنَّا نَستَلهِمُ مِنهَا جُرعَات إلهامٍ  للصمُودِ وَالعَزِيمَةِ وَالتَّضحِيَةِ وَالإِيثارِ فِي مُوَاجَهةِ السُّلطَةِ الحَاكِمَةِ.
لِرُوحَيهما الرَّحمَةِ وَالسَّكينَةِ وَالسَّلام.
تَجولنا فِي السجنِ، وَدققتُ النظرَ مِنْ فَتحاتِ بواباتِ الزنازين الحديديَّة الموصدة لغرفِ السجنِ، ومتحف سجنِ القَلعَة؛ وَالتقطنا صورة جماعيَّة وعشرات الصور الشخصيَّة، كثيرٌ مِنْ الناسِ تلتقطُ الصور التذكاريَّة فِي المَكان.
أَكمَلنا جَولَتنا فِي مرفقٍ آخرٍ مُهِمٍّ مِنْ أَقْسامِ القَلعَةِ ( المتحف الحربِي القومي) وَالذِي يُعَد مِنْ المتاحفِ المُتميزةِ فِي العالمِ بمحتوياتهِ وَمساحتهِ وَطريقةِ تنظيمهِ ...
والمتحفُ مقامٌ عَلَى( قصر الحرملك وقصر الأيتام )عَلَى ساحةٍ مكشوفةٍ وسطَ حدائق غناء معروض فِيها أنواع مُختلفة مِنْ الأسلحةِ القديمةِ والحديثةِ ،ففيه نماذج متنوعة مِن (المدافع الحربية ، الدبابات،والصواريخ، الطائرات) بما فيها الطائرة الحربية ( ميخ 21) ويَحتوي المتحفُ عَلَى أكثرِ مِنْ (10) قاعاتٍ تَكتظُ بالمعروضاتِ مِنها :
قَاعةُ المجدِ: وَتَحتوي عَلَى مُعظمِ تاريخِ وحروبِ مِصر مِنْ العَصر الفِرعونِي لغايةِ حربِ(1973)
جَناحُ الأزياءِ العسكريَّةِ والنياشينِ عبرَ جميعِ العصورِ التِي مرَّتْ بِها مِصر
 قَاعةُ المدفعيَّةِ : وفيها نماذجُ مِنْ المدفعيَّةِ القديمةِ مُنذُ زَمنِ (محمد علي باشا) وَحَتَّى العَصر الحديثِ.
قَاعَةُ لِلأسلحةِ : وَفِيها نَماذجُ لمختلفِ أنواعِ الأسلحةِ الحربيَّةِ عَلَى مَرّ العصورِ أيضاً
وَغَيرُها مِنْ القاعاتِ..
جَولَتنا الأَخيرةُ فِي القَلعَةِ صَعدنا سَيراً عَلَى الأَقدامِ إِلى أعلى قمةِ القلعَةِ ؛ فَتُشاهِدُ مِنْ هُناك مَنظر غايةٍ بالروعةِ والجَمالِ وَتُصابُ بالدهشةِ والأنبهارِ وَأنتَ تُحدقُ بِنظركَ وتُطيلَ النظرَ إِلى مَنظرِ(القاهِرَة) مِنْ هذا الإرتفاعِ الشاهقِ، فتتجولُ ببصركَ وتلتقطُ عدسةُ عينيكَ منظراً مهيباً جليلاً  فأَمامكَ وحَولكَ مِئاتِ المآذنِ وَالقِبابِ والبناياتِ الشاهقةِ، والشوارعِ والبيوتاتِ والأَحياءِ والحاراتِ المُتداخلةِ المُتشابكةِ المُتزاحمةِ المُتراميةِ الأَطرافِ، فَفِي المَشهَدِ مُتعةً حَقيقيةً.
بَعْدَ جَولَةٍ دَامَتْ حَوالَي الثَلاث سَاعَاتٍ كَانَتْ سَيَّارَةَ (عبدو) تَنتَظرنا لِتَنطلقَ بِنا وَسطَ احياء القَاهِرَة باتجاهِ (خَان الخليلي وسيدنا الحُسين)

إلى القاء مع الجزء السادس /مع أرق التحايا


25
مِنْ العَزِيزِيَّةِ إِلَى ربُوعِ بَلدِ الكِنَانَةِ/ج 4
 
بقلم: يَحيَى غَازِي الأَمِيرِيِّ
إلى قلعةِ صلاح الدين الأيوبي
30- 10- 2015
فِي الصَباحِ وَ بَعدَ (دوش) فِي حَمامِ الغرفةِ الفاخر وَبالماءِ الساخنِ، اِرتَدَينَا مَلَابِس صَيفِيَّةً، فَالطقسُ فِي القَاهِرَةِ  فِي مِثلِ هَذَا الوَقت مُنعِش رائِع.
نَزلنا إِلَى الطابقِ الثانِي الذي يقعُ فِيهِ مَطعم الفندق، وَجبة اَلفطور عبارة عَنْ بُوفيه مَفتُوح، فَفِيهِ أَنوَاع عَدِيدَة مما تَحتويه مَائِدَةِ الإفطار كَالأَجبَانِ البَيضاء وَالصَفراء وَالبَيضِ وَالبَطَاطَا وَالسلطاتِ والقشطة وَاللحُومِ البَارِدَةِ وَالنَقانِقِ المُحمرة والمقلية وَالفُولِ وَالمُعَجَّنَاتِ وَالحَلوِيَّاتِ ، انَّهَا بِحَقّ كَانَتْ مَائِدَة شَهِيَّة عَامِرَة، اِختَرنَا أحدى الطَّاولَاتِ جَنبَ إِحدَى النَّوَافِذِ الَّتِي تَشرِفُ عَلَى الشَّارِعِ المُكتَظِّ بِحَرَكَةِ النَّاسِ وَالسَّيَّارَاتِ...
  بَعدَ إِتمامِ الفَطورِ عُدنا للغرفةِ للراحةِ وَالاِستمتاع بمَنظرِ الِنيلِ مِنْ الشرفةِ والتهيّوء لِمَوعِدِنا مَعَ صَديقي  (زُهَير وَ زَوجتهِ أمِّ سَارة) فِي الساعةِ (الحَادية عَشَرَ) رَنَّ هاتفُ الغرفةِ وأخبرنا مُوظف الاِستعلامات فِي الفُندقِ ان ضيوفاً فِي انتظاركم ، أَخذنا المصعد عَلَى وجهِ السرعةِ ، التقينا (زُهَير وَزوجتهِ أمِّ سارة) بَعدَ التحيةِ اخبرنا انهُ أَعدَ لنا برنامجاً حافلاً لهذا اليومِ، لكن وَقبل المباشرة ببرنامجنا سَنتناولُ فنجان قهوة فِي (الكافتريا) التِي تقعُ عندَ مدخل( فُندق وبُرج أم كلثوم ) والتِي تبعدُ عَنْ فندقنا (فركة كعب) أَو(شمرة عَصا) كَما نَتداولها بالهجةِ العراقيَّة، اخترنا طاولة عَلَى الشارعِ العام مُقابل( نَهر النِيل)، ونحنُ تناولُ القهوةِ طلبنا مِنْ عاملِ( الكافتريا) الذِي جَلَبَ لنا القهوة أن يَلتقط لنا بَعض الصورِ الجماعيَّةِ!
بَعدَ استِراحَةٍ قَصِيرَةٍ أُخبرنا (زُهَير) انهُ قَد جَلَبَ مَعَهُ (سَيارة تَكسِي) وَسَوفَ تُقلنا إِلَى (القَلعَةِ) أَيَّ قَلعَةِ (صَلَاحِ الدِّين الأَيُّوبِيّ) وَتسمى كَذلِكَ ( قَلعَة الجَبَل) فَهِيَ مِنْ الأَمَاكِنِ السِّياحيةِ العَرَبِيَّةِ الإِسلامِيَّةِ القَدِيمَةِ المُهِمَّةِ فِي القَاهِرَة؛ أَتَّصلَ بالهاتفِ النقال (زُهَير) بِسائقِ (التكسي) الّذي كَانَ يَقِفُ عَلَى بُعدِ أَمتَارٍ مِنا أَنَّهُ (عَبدو) السَّائِق الذِي كَانَ قَدْ جَاءَ مَعَ (زُهَيرِ) يَومَ أَمسِ وَجَاءَ بِنَا مِنْ المَطَارِ إِلَى فندقِنا.
رَكِبنا السَّيارةَ؛ السَّيارَةُ تَسِيرُ فِيمَا مُضيفِنا صَدِيقِي(زُهَير) يُوَضِّحُ لَنا أَبرز المَعالم الَّتِي نَجتازُهَا ، بَعدَ فَترةٍ قَصِيرةٍ وَصلنا ( كُوبرِي قَصر النِّيل ) وَهُوَ أَحَدُ الجسُورِ الَّتِي تعَبرُ (نهر النِّيل) وَالَّتِي تربِطُ جَزِيرَة (الزَّمَالِك) بِمَيدانِ التَّحرِير؛ يُبهِركَ مَنظر تَمَاثِيل (الأُسُود) البرُونزِيَّةِ (الأَربَعَةَ) الرابِضَة فَوقَ قَاعَدةٍ مِنْ الحَجَرِ المَرمَرِ عِندَ مَدخَلِ (الكوبرِي) مِنْ الجِهَتَينِ فِي كُلِّ جِهَةٍ اثنَانِ مِنها فِي مَدخَلِ الجِسرِ...
وَفِيمَا السَّيارَةُ تَسِيرُ عَلَى الجِسرِ قلتُ لِصَدِيقِي (زُهَير) هَلْ نَستَطِيع ان نَقِف فِي أَقرَب مَكَانٍ وَنَلتَقِطُ صُورَة قُربِ الأُسُودِ الرابِضَةِ ! أَجَابَنِي ( زُهَير وَمعهُ السَّائِقُ عَبدو ) :
 - نَعَمْ مِنْ المُمكن.
ركنا السَّيارَة وَالتَقطنا بَعضَ الصورِ فِي مَدخَلِ الجِسرِ أَمَامَ الأَسَدِ البرونزِيّ المهيبِ الرابِضِ مِنْ جِهَةِ مَيدانِ التَّحرِيرِ . . .
ثُمَّ انطلقنا صَوبَ ( مَيدان التَّحرِير) كنتُ بِشَوقٍ كَبِيرٍ ان أَزُورَ هذا (المَيدان)؛ فَبَعدَ احداث (الرَبيع العَربي) ثَورة(2011) فِي مصر، أَصْبَحَ ( مَيْدَانِ التَّحْرِيرِ ) مِنْ الأَمَاكِنِ المَعرُوفَةِ وَالمَشهُورَةِ فِي كُلِّ الدُّنيا؛ فَقَدْ كَانَ حَدِيثُ السَّاعَةِ فِي الأَخبارِ وَالأَفلامِ فِي مُعظَمِ قَنَواتِ وَمَحَطَّاتِ التَّلفَزَةِ وَالإِذاعَاتِ والصحافةِ فِي العالَمِ وَهِيَ تَنقلُ تَظَاهُرات المَلايِين وَاعتِصاماتِهِمْ ، وَشعاراتهم الهادِرةِ بإسقاطِ النظامِ القائمِ ؛ وَشِعارهمْ الشَهِير :
أَرحلْ !
وَكَانَ العالَم بِأَسرِهِ وَعَلَى مَدَارِ السَّاعَةِ يُتابعُ ذَلِكَ الحَدَث الكَبير بقلقٍ وتَرقبٍ عَما سَوفَ تفضي إليه سَاعة المخاض العَسيرهذا ، والمُنطلق مِنْ أفواهِ مَلايين الجموع الغاضبة مِنْ (مَيدَان التَّحرِير) .
اِلتَقَطَتُ لِلمَكَانِ أَكثر مِنْ صُورَةٍ وَأَنا اجلِسُ فِي السَّيارةِ ؛ التَقَطتُ أكثر مِنْ صُورةٍ لِلمَبنى الضَّخمِ الكَبِيرِ (مُجَمَّع التَّحرير الحكومِيّ) وَلِلتِّمثالِ الّذِي أَمَامَهُ ، عَلَى أَمَلِ العَودةِ لِلمَكَانِ وَالتَّمَعُّنِ بِهِ عَنْ قُربٍ فِي وقتٍ أخر. . .
 وَمِنْ ثَمَّ اجتزنا ساحَة (طَلعت حَرب) بِتمثالِهَا المهيبِ ، حَتَّى وَصَلنا جَبَل(المقطم) حَيثُ القَلعَةُ المُشيدةُ عَلَيهِ؛ تَرجلنا مِنْ السَّيارةِ وَتَركنا السائق (عَبدو) وَالسَّيارة فِي الكراج المُجَاوِرِ لِلقَلعَةِ ، يَنتَظِرُنا لِحِينِ انتِهَاءِ الزِّيارةِ ؛ قَطَعَ لَنا مُضيفنا (أَبُو سَارَّة) تَذاكر الدخولِ - أَعتَقِدُ( 5) جُنَيهاتٍ مصريَّة لِلفَردِ الواحدِ لِلمواطنِ المِصرِيّ وَكَذلِكَ للمواطنين العَرَب ؛ وَبَدأنا مَسِيرَنا صعُوداً صَوبَ القَلعَة ، الطقسُ خَرِيفِيٌّ جَمِيلٌ ، حشُود مِنْ النَّاسِ تَسِيرُ مَعَنا ، بِنَفَسِ الِاتِّجَاهِ ، فَاليوم هُوَ (الجُمعَةَ) عطلةً رَسمِيَّةً فِي مِصر.
تُشيرُ مَوسُوعَة المَعرفة (ويكيبيديا)  أَنَّ صَلاح الدِّين الأَيُّوبِيِّ : ( شَرَعَ فِي تَشيِيدِ القَلعَةِ فَوقَ جَبَلِ المقطم فِي مَوضِعٍ كَانَ يعرِف بقبةِ الهَواءِ ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُتِمَّها فِي حَيَاتِهِ ، وَإِنَّما أَتَمُّهَا السُّلطان الكامِل أَبَنَّ العَادِل فَكَانَ أَول من سَكنها هُوَ المَلِكُ الكامِلُ وَاستمرتْ كَذلِكَ حَتَّى عَهدِ مُحَمد عَلِيّ)
 وَكانتْ بِداية بناء القَلعة عَام ( 572 هـ) أي ( 1176 م) وَالِانتهاء منها عَام ( 578 هـ) أي ( 1183 م ) وَصممتْ عَلَى الطرازِ الإِسلامِيّ.
تَجولنا فِي شَوارع القَلعَةِ وَالَّتِي تَضم العَديد مِنْ الأَبنيَةِ وَالقصُورِ وَالدَّواوِينِ وَالمَسَاجِدِ، انَها قَلعَةٌ حَصِينَةٌ مُحَصنَةٌ بِالأَسوارِ وَالعَدِيدِ مِنْ الأَبوَابِ الكَبِيرةِ؛ مِنْ هَذَا المَكَانِ الحَصِينِ المُرتَفعِ تشرِفُ القَلعَةُ عَلَى مَدِينَةِ القَاهِرَة . . .
فِي القَلعَةِ شَيَّدَ ( مُحَمَّد عَلِيّ باشا بَيْنَ عَامِ 1830- 1848 م ) مَسجِدا ًعُرِفَ بِاسمِ ( مَسجِدُ مُحَمَّد عَلِي باشا أَوْ مَسجِدِ الألبستر أَوْ مَسجِدِ المَرمَر) وَالذي يُعتَبَرُ أَحَدَ التُّحَفِ المِعمَارِيَّةِ الاثرية الجَمِيلَةِ وَقَد بناهُ عَلَى الطِّرَازِ العثمَانِيّ ، عَلَى غِرَارِ مَسجدِ (السُّلطان أَحمَد) فِي إِسطَنبُول ؛ وَقَدْ شَيدَ المَسجِدُ عَلَى قِسمٍ مِنْ ( قَصر الأبلق).
عندما شَاهَدَتُ مَنظر طراز البِناء المِعمَارِيّ الجَمِيل لِمَسجِدِ (مُحَمَّد عَلِيّ باشا) مِنْ الخَارِجِ  قَررتُ الدخُول لِقَاعَةِ المَسجِدِ ، عِندَ البَاحَةِ الوَاسِعَةِ المُقابِلَةِ لِقَاعَةِ المَسجدِ ، فُسحَةً وَاسِعَةً تَتَوَسطُها بِناية دَائِرِيَّة الشَّكلِ ذَاتَ قبابٍ مُتداخِلَةٍ تَحمِلها أَعمِدَة رُخامِيَّة وَهُوَ مَكَان مُخصص لِلوضُوءِ وَعَلَى مَقرُبَةٍ مِنهُ تَجَمعَتْ بَعض (الصبيَّة) وَهُمْ يَحمِلُونَ بِأَيدِيهِمْ - أَكياس مِنْ النَّايلون - كَواقِياتٍ للأحذيةِ - كَمَا الَّتِي تستعمل فِي المُستَشفَياتِ ، تستَعملُ استِعمالاً واحِداً؛ إِذ أَخبَرونا انهُ لا يسمح بِالدخولِ لِلمَسجِدِ بِأَحذِيتنا وَتَحتاج إِلَى شِرَاءِ مِثلِ هَذِهِ الواقِياتِ وَ(تلبس) تستَعمل الواقِيَة فَوقَ الجواريب.
فَطَلَبتُ مِنهُ وَاحِدَةً لِيّ وَأُخرى لِصَدِيقِي (زُهَير) وَالذِي وَافَقَنِي بِالدخولِ لِقَاعَةِ المَسجِدِ، أَعطَى(الصَّبِيّ) لِكُلِّ وَاحدٍ مِنَّا زَوجاً مِنْ (الواقِياتِ) ، كانتْ حِصَّتِي زَوج مِنْ (الواقِياتِ) المُستَعمَلَةِ ، طَلَبَتُ مِنهُ إِبدالِهِمَا بِواقِياتٍ أخرى عَلَى شرط أن تكون جَدِيدَة ، أَمتَعض وَقالَ ليّ: :
- مالها يا سيدي دي كويسه .
وَعندما لاحَظَ إصراري. بَعدَ أن قلتُ لهُ:
- هلْ تبدلها؟ أَمْ أذهب وأشتري من غَيرك؟
وَافَقَ بإِبدالِها بِأُخرى غَير مُستَعمَلَةٍ لَكِن عَلَى مَضَضٍ، وَعِندَما سَأَلتهُ عَنْ سِعرَيهِمَا قَالَ كُلُّ وَاحِدَةٍ ( بِخَمسَة جنهات ) ضَحِكَ صَدِيقِي (زُهَيرِ) وَأَخبَرَهُ إِنَّ سِعرَ (الشبشب) الجَدِيد فِي الأَسواقِ بِـ (خَمسَة جنيهات) ؛ ضَحِكتُ أَنَا أَيضاً وَأُعطيته (10) جنيهات.
دَخَلنا مِنْ أَحَدِ أَبوابِ المَسجِدِ العالِية الكَبِيرَة ، جَمِيع أَرضِيَّة قاعة المَسجِد مَفرُوشَة بِالسجادِ ، وفِي أَحَدِ أَركَانِ قاعةِ المَسجِدِ يُوجَد ضَرِيح ( محَمَّد عَلِيّ باشا) تُحِيطُ بِالقَبرِ مَقصُورَة برونزِيَّة ذات زخرفِيَّة بَدِيعَة الطرازِ، قَاعَةِ المَسجِدِ كَبِيرةٍ ، تَتَوسَّطُهَا قُبَّة شَاهِقة وَاسِعَة ، تَتَدَلَّى مِنهَا العَدِيدُ مِنْ الثَّرِيَّاتِ البلورِيَّةِ المُتلأْلِئَةِ الكَبِيرَةِ الحَجمِ البَدِيعَةُ المَنظر، يَتَوَاجَدُ العَدِيدُ مِنْ النَّاسِ - مِنْ النِّساءِ وَالرجالِ وَمِنْ مختَلفِ الأَعمَارِ- فِي داخلِ الْقَاعَةِ، البَعضُ يُصَلِّي وَآخَرِونَ جَالِسِينَ بِشَكلِ حَلَقَاتٍ أَو مُنفَرِدِينَ ، فِيمَا رَاحَ الْبَعضُ يَلتَقِطُ الصُّوَرَ، وَعَدَدٌ آخَر مِنْ الناسِ يَقِفُونَ أَمَامَ وَبِالقُربِ مِنْ مَقصُورَةِ القَبرِ.
وتشير الموسوعة الحرة (ويكيبيديا) أن (محَمَّد عَلِيّ باشا) والملقب بالعزيز أو عزيز مصر، هو مؤسس الأسرة العلوية وحاكم مصر ما بين عامي (1805 إلى 1849م) والذي توفي عن عمر يناهز (80) عاماً، ويوصف بأنه (مؤسس مصر الحديثة)
الجزء القادم من جولتنا في (قلعة صلاح الدين الأيوبي) ستكون الى (سجن القلعة) والمتحف  الحربي القومي في القلعة.


26

لِقَاءُ الأَحباب فِي رِحَاب مَعرِضِ الكِتَاب

بِقلَم : يَحيَى غَازِي الأَمِيرِيّ
فِي قاعةِ (أميرالن) الفارهَة الواسِعة الفَضاءات المُتعددةَ الاجنحةِ والقاعاتِ، اِحتضنتْ مَدينةُ (مالمو) للعامِ الثانِي عَلَى التوالِي وَعَلَى مَدَى ثلاثةِ أيامٍ متتاليةٍ (مهرجان وفعاليات الدورة الثانية لمعرضِ الكتابِ العربِي فِي إسكندِنافيا ) للفترةِ (20 - 22 نيسان/ أبريل 2018) والذي كانِ برعايةِ (مؤسسةِ أبن رشد التعليمة وبالتعاونِ مَعَ المكتبةِ المركزيَّةِ لمدينةِ مالمو)
اِفتتاح المَعرض كَانَ كُلَّ يَومٍ مِنْ الساعةِ العاشرةِ صَباحاً حَتَّى الساعَةِ السابِعةِ مساءً، فِيما كانَ الافتتاحُ الرسمِي للمعرضِ مساءَ يوم (20 نيسان 2018) باحتفاليةٍ خطابيَّةٍ ثقافيَّةٍ فنيَّةٍ ، قدمتْ فيِها (فرقة آرام) رقصات ودبكات فلكلوريَّة عربيَّة، وَخِلالَ الِاستراحةِ والَّتِي أعقبتْ الِافتتاح وزعتْ العديدَ مِنْ أنواعِ المرطباتِ والحلوياتِ والأكلاتِ الشعبيَّةِ العربيَّةِ مِثلِ ( الفَلافل، والبَقلاوة) وعَصير(شَربتْ) حلو المذاق بطعمِ ماءِ الوردِ يُسمى {جَلابْ}.
اِمتازَ المَعرضُ لِهذا العامِ بتقديمِ فعالياتٍ ثَقافيَّةٍ فَنيَّةٍ حِواريَّةٍ عَديدةٍ مُتنوعةٍ، وَوِرشِ عملٍ وَتوقيعِ كُتبٍ، تَوزعتْ الفعالياتُ بشكلٍ مكثفٍ طوالَ أَيامِ المَعرضِ إِذ دعيتْ لِذلكَ العديد مِنْ الشخصياتِ مِنْ الشعراءِ وَالأدباءِ وَالكتابِ وَالباحثينَ وَالصحفيينَ والناشرينَ،مِنْ مُختلفِ الجنسياتِ العربيَّةِ وَالأجنبيَّةِ.
علماً، كَانَتْ هُنَالِكَ مُشاركَةٌ لِلعدِيدِ مِنْ دَورِ النَّشرِ بِعَرضِ مَطبوعاتِها وَمَنها ( ديورن رت/ حقوق الحيوان/ سويدية )، (المكتبة العربية)، (أنترناشينول ببليوتيك)، ( مؤمنون بلا حدود)، (دار سندباد للنشر )، (دار الأقصى)، (وقف الرسالة )، (الشبكة العربية للأبحاث والنشر)، (دار المتوسط)، (دار ميزر للنشر)، (شبكة الكومبس)، (دار الفكر)، (مركز نيو دايمنشن)، (دار الفكر)، (دار ربيع / متخصصة للاطفال) وَ(مكتبة أبن رشد) وغيرها، والتي فاتني أن أَذكر أسماءها.
مِنْ خِلالِ تَجوالنا فِي أروقةِ المَعرضِ وإطلاعنا عَلَى أراءِ البعض مِنْ الزائرين، أشادَ عددٌ مِنهم بفعالياتِ المعرِض الثقافيَّةِ وَالحواريَّةِ وَالفكريَّةِ وَأَعتبرها البعض (كَرنفالاً) جَميلاً لتلاقحِ وَتلاقِي الثقافاتِ وَ الحضاراتِ، وَفرصةٍ طيبةٍ لمتابعةِ الإصداراتِ الجَديدةِ والنَشاطاتِ الفكريَّةِ وَالإبداعيَّةِ المُتنوعةِ.
فِيما انتقدها آخرون لِكونِها كانتْ مُكتظة بِبَرامِجها وَالتي لَمْ تَدعْ مَجالاً كافٍ لمتابعةِ النشاطاتِ بشكلٍ مُريحٍ، وأنتقد اخرون طريقة تقديم المحاضرات الفكريَّة والثقافة فِي أجواءٍ مفتوحةٍ مِما يُشتت التركيزَ وَيُربكُ المحاضرُ والمستمع.
اَلكثيرُ مِنْ العاملينَ فِي النشاطاتِ الثقافيَّةِ والفِكريَّةِ والفَنيَّةِ والاِجتماعيَّةِ مِنْ الفاعلينَ فِي الجَمعياتِ والمؤسساتِ الثقافيَّةِ فِي مدينةِ (مالمو) وَخُصوصاً (العراقيَّة) مِنها كانَ عَتبهمْ كَبير عَلَى المؤسسةِ الراعيةِ للمعرضِ لِعدمِ التنسيقِ مَعهم وَمُحاولةِ اشراكهم فِي هكذا تظاهرة ثقافيَّة عربيَّة رغمَ انهم يُمثلونَ الثقل الأكبر مِنْ الجاليةِ العربيَّةِ فِي المدينةِ!
أَغلَبُ الذينَ التقيتهمْ فِي المَعرضِ كانَ انطِباعهم عَنْ مَعروضاتِ الكتبِ للعامِ الماضِي كانتْ أفضل وَأكثر تَنوعاً وكانتْ مِنْ مختلفِ الِاتجاهاتِ الفكريَّةِ والسياسيَّةِ ولبتْ حاجاتُ العديد مِنْ الزائرين، فِيما أكدَ العديدُ منهم أنَّ الكثير مِنْ الكتبِ المعروضةِ لهذا العامِ بما فيها كتبُ الأَطفالِ وكذلكَ دور النشرِ هِيَ ذات اِتجاهٍ فكريٍّ دينيٍّ (إسلاميّ) بَينما يتنوعُ الناطقينَ باللغةِ العربيَّةِ مِنْ عدةِ أديانٍ غير إسلاميَّة ومِنْ مختلفِ الِاتجاهاتِ والتوجهاتِ الفكريَّةِ  ...
وَعَلَى الرغمِ مما تمَ تداوله مِنْ أفكارٍ وطروحاتٍ أغنت القائمين على هذه الفعاليّة الثقافيَّة بمعلوماتٍ فإنها تفيدُ فِي تَطويرِ وتلافِي الأخطاءِ والهفواتِ غير المقصودة عَلَى (ما أظن)
وَعَلَى كلِّ حال يَبقى المَعرضُ تَظاهرةً ثَقافيَّة فَنيَّة فِكريَّة فَعالة مُتميزة مِنْ أَجلِ زيادةِ التفاعلِ بينَ الثقافاتِ وإيصالِ الكتابِ العربِيّ بِيسرٍ للجاليةِ العربيَّةِ فِي السويد والتِي تُعد وتُعتبر أكبر جالية فِي السويد.
مالمو/السويد


27
أدب / إِلَى دَارِ البَقَاءِ
« في: 22:19 03/05/2018  »

إِلَى دَارِ البَقَاءِ

 
بقلم: يَحيَى غَازِي الأَمِيرِيِّ
نَعَبَ الغُرابُ
كَئِيباً حَلَ المَغيبْ
تَجرِي مُسرِعَةً كُتَلُ السَّحَابْ
اَلرِّيحُ تَعصِفُ فِي الأَبوَابْ
غَابَ تَغريدُ العَندَلِيبْ
وإذا بصوتٍ يهتفُ
مِنْ قَريبْ
رَحَلَ الحَبِيبْ
ضَجَّ القَلبُ بِالنَّحِيبْ
صَرَخَ مِنْ فِي الدَّارِ
- عَلَى عَجَلٍ لبَّى النِّدَاءَ، قَبلَ أَنْ يُوَدِّعَ الأَصحَاب
يَا للعَجَبِ ، فَأَقرَبُ الأَحِبَّةَ لا يَعرِفُ ما السَّبَبُ.
فِي لجَّةٍ مِنْ الصَّرَاخِ وَالنّوَاحِ وَالصَّخَب
أَلبسوا الجَسَدَ المُسَجَّى قماشاً أَبيَضَ مِنْ الثياب
تَلَبسَ القلبُ الهَلعَ وَالكَرب
مَعَ وَجَعِ الخطَبِ
حَشدٌ مِنْ الأحبابِ
سارُوا بِهِ بِمَوكِبٍ مَهيب
وَضَعُوهُ فِي قَعرِ اللَّحدِ
وَأَغلَقُوا فَمَهُ بِحَفنَةٍ مِنْ تُرَابٍ وَطِين
وَأَحكَمُوا إِطبَاقَ الجُفُونِ عَلَى الأحداق
وَسَرِيعاً هَالُوا عَلَيهِ تَلاً مِنْ التراب
وَقَالُوا :
- الحَمدُ لِلَّهِ ، اصطَفَاهُ الرَّبُّ  فِي عَلَّينَ ، بِجَنَّاتِ النَّعِيمِ
وَأَنَا أَنظرُ إِلَى هَذَا المَشهَدِ الغَريبِ الرَّهِيب
 تَمَلكنِي الفَزَعُ وَالغَضَب
صَرَخَتُ بِذُعرٍ وَالبَدَن يَرتَجِفُ بِارتِعَاب :
- هَذَا عَذَابٌ ، هَذَا عِقَابٌ!
رَمَقَنِي الحضُورُ بِنَظرَةٍ يَتَطَايَرُ مِنهَا الشَّرَرُ
وَفيها كَثيراً مِنْ الزعلِ والعَتبْ
وَجَاءَ مِنْ الجُمُوعِ الجَوَابَ :
- لا تَقل هَذَا الكَلام ، هَذَا كَلَامٌ مَعِيب؛ فَإِكرَامُ المَيِّتِ دَفنُهُ!
ثُمَّ قَالُوا :
- لَقَد غَادَرَ دَارَ الفَنَاءِ إِلَى دَارِ البَقَاءِ؛
أَهدَأُ وَأَقرَأَ لَهُ هَذَا الدُّعَاءِ.
سَكَنَتُ وَاجِماً وَأَنا اردد الدُّعَاءَ وَاطلُبُ مِنْ الرَّبِّ
أَن يشمل بلطفه وعَطْفِهِ الحَبِيب
وبيدٍ تَرتَعِشُ وَمَعَ سَيلِ الدمُوع
أوقَدَتُ الشمُوع
وَمَواقِدَ البَخورِ
فَفَاحَ مِنْ المَباخِرِ مَعَ النّسِيمِ شَذَا العطورِ
وَبِرَهبَةٍ وَتَوجَّسٍ رَحتُ أدورُ حَولَ الرمسِ 
وَأنا انثرُ فِي خشوعٍ الزهور
أَفَقتُ مِنْ حُلمي أَرتَعِدُ باِرتِياب
ظَلَامٌ دَامِسٌ يَلُفُّ المَكَانَ
فَقَد تَلَاشَى ضَوءُ النّهارِ
وَاختَفَى نورُ القَمَرِ
وأنا بِأَقصَى حَالاتِ الِاضطِرَاب
كَمَنْ فَقَدَ الصَّوَاب
مِنْ هَولِ رُؤيا المَشهَدِ وَجَلَّلَ المَصابْ

 هَذَيَانٌ مَعَ الفَجرِ/ مالمو

 





28
أدب / عِطرُ الهَوَى
« في: 19:32 19/04/2018  »

عِطرُ الهَوَى
 
يَحيَى غَازِي الأَمِيرِيِّ
1
وَلَهَّاناً أَرنُو بِشَغَفٍ وَحيرةٍ وَحَذر
جُلَّنارُ الشَفَتَينِ لِباسِمَةِ الثَّغرِ*
وَهِيَ تَتَحَدَّثُ بِرِقةٍ وَسرُور
عَنْ بُركَانِ الشُّعُورِ
لِلوِصَالِ بَيْنَ الثُّغُورِ
وَالتَّوَاصلُ بَيْنَ طَرَفَي المَعَابِرِ وَالجسُور
اِنه كَمَا شَوقُ اللِّقَاءِ بَعدَ الفِرَاقِ
وَشتّان الهيَامُ وَالهِجرَانُ فِي الغَرَامِ
فَارتَسَمَتْ عَلَى مُحَيَّاهَا حُمرَةُ الخَجَلِ
وَتَكَوَّرَتْ غمازتان فِي وَسطِ الوَجنَتَينِ
تَتَرَاقَصان وَ لي تَبتَسِمُ
امتَزَجَ فِيهِمَا لَهِيبُ الشَّوقِ وَلَهفَةُ الوَجدِ
فجُنَّ الفُؤادُ بِهَا وَهُوَ يَتَلَقَّى بالحشى
نِبَالَ هَمَسَاتِ الجفون؛
بِسُرعَةٍ وَمِن البَرقِ أسرعُ
رَفَعَتُ مِرسَاتِي وَطَويتُ اشرعتي
وَهَمَّتُ مَجنوناً
أغوصُ فِي يَمِّ العيونِ
 أسبرُ بتوقٍ أَغوارَ وديانِ الأَحداقِ
كشوقِ العاشقِ للقُبلةِ و العناقِ
حَتَّى غابَ مِني السَّمعُ وَالبَصَرُ
2
وَأفاقَ خَافِقَي مِنْ رِحلَتِهِ مَبهُوراً مَسحُوراً
مِنْ رَوضِ الجَنانِ وَعِطرِ المَطر
وَمِنْ تَدَفقِ نَمير النَّبع فِي المنحدر **
وَسَرَّحَ يُنصِتُ بِفَرحٍ وَاضطِرابٍ
لِلكَلِمَاتِ وَهِيَ تَتَنغَمُ تَتَزاحَمُ تئنُّ وتتوجعُ في المَبسمِ
وَسَكَنَ يُصغِي لَهَا مُستَسلِماً، بلا كَلمِ
وَهِيَ تَتَرَدَدُ وَتَنسَابُ وَتَتَلَعثَمُ
مِنْ مَبسمِهَا الوَلْهَانِ المُتَبَسِّمِ
فَسَمِعتُ صَوتِ الهيامِ بِعَينَيهَا يَرتَسِمُ
وَعَنْ بعدٍ لَمَستُ عِطرَهُ
وَبِنَشوَةٍ خَفَقَ القَلبُ لَهُ
      وَطَارَ يَرقُصُ فَرحاً وَيَهتِفُ مَرحاً
مَرحى بِنَسِيمِ الرُّوحِ وَرِياحِ الهَوَى
وَهِيَ تَسرِي برفقٍ وَ ودٍ فِي الشَّرايِينِ



ستوكهولم في نيسان 2018
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
معاني بعض المفردات التي جاءت بالنص:
*جُلَّنار: زهر الرُّمان
 ** نَمير: ماءٌ نَميرٌ : ماءٌ نافعٌ عذبٌ ،طيبٌ، حلو المَذاق؛ وَ يقال لهُ حَسبٌ نَميرٌ: زاكٍ



29

الإرهابُ وَالسُّراقُ صِنوانِ



 
يَحيَى غَازِي الأَمِيرِيِّ
صَوتُ دَوِيٍّ رَهِيب
تلاهُ مَوتٌ جَدِيد
دُخانٌ يَتَصاعدُ مِنْ السياراتِ والأَكشاكِ وَالمَصاطِبِ والمَتاجِرِ
سَعِيرُ النارِ يُحَوِّلهَا إِلَى مَجامر
أَجنِحَةٌ مُتَطايِرَةٌ
أَشلاءٌ مُتَناثِرةٌ
وَأَحلامٌ مُدَمرة
قلوبٌ تَعتَصِرُ وَمُهَجٌ تَحتَضرُ،
صَخَبٌ وَعَوِيلٌ .
وجُموعٌ مَرعُوبةٌ تُهَروِلُ وَتُوَلوِلُ
عَباءَآتٌ مُتَناثِرةٌ بَيْنَ الأَوحالِ والأزبال
جُثَثُ أطفالٍ مُقَطعةِ الأَوصَالِ
دُخانٌ أَسود ، وَتُرابٌ أحمر وَسعِيرُ نارٍ
بلونِ الرَّدَى
رِيشُ دَجَاج وَعصافِيرٍ وَحمام
يَملأُ الفَضَاءَ وَيَحجبُ السَّمَاءَ
إمتزج دُجَى الليلِ بِضِيَاءِ النَّهارِ.
وَمِئاتٌ مِنْ الأَفواهِ مَفتُوحَةً عَلَى مَداها؛
وَهِيَ تَصرخُ وَتَستَجِيرُ مِنْ عُمقِ الحَناجِرِ
(نُرِيدُ نَسمَةَ هَواءٍ ،  نُرِيدُ قَطرَةَ مَاء...)
عَشراتُ الحنَاجِرِ تَصرخُ كَما العاصِفَةَ :
( اَلنجدَةُ، النجدَةَ...أَيُّها الغيارى أَنقِذونا)
جنُونُ النَّاسِ يُسابِقُ الصُّراخُ،
جموعٌ مِنْ البَشَرِ
أَطلَقَتْ سِيقَانَها لِلرِّيحِ
مَذعُورَةً تَركُضُ عَلَى غَيرِ هُدى
مَعجونَةٌ بِالدَّمِ المُراقِ
فِيمَا مَجَامِيعُ أُخرى
هَرِعَتْ لِلمَكانِ
تَجرِي كَالوحوشِ عَلَى قَدَمٍ وَسَاقٍ
بَيْنَ أَنقاضِ الأَزِقةِ وَ بَقايا المَتاجِرِ
جَنباً لِجَنبٍ مَعَ يَنَابِيع الدَّمِ المُتَدَفِّق مِنْ مَنَابِع المَحاجِرِ .
2
صَوتٌ مِنْ مُكَبِّرَاتِ الصَّوتِ؛
مُنطَلقٌ فِي الفَضاءِ
يَشُقُّ عَنانَ السَّماءِ
- بِصَوتِ الشاعِرِ(إِبراهِيم طوقان)2 وَهُوَ يَنشدُ مَعَ المُوسِيقى-
( مَوطنِي . . . مَوطنِي . . .
اَلجَلالُ وَالجَمالُ وَالسَّناءُ وَالبَهاءُ فِي رباك،
وَالحَياةُ وَالنَّجاةُ وَالهَناءُ وَالرَّجاءُ  فِي هَوَاكَ . . . )
رَأسٌ مُضرجٌ بِالدِّماءِ مِنْ بَيْنِ الرُّكَامِ
يَنهضُ كَالبُركَانِ
يَعتَلِي دِكَّةً مِنْ بَقايا دُكَّانٍ
وَهُوَ يَهتِفُ كَشَلَّالِ نارٍ
هَذَا هُوَ العِراق فِي كُلِّ يَومٍ دَمنا مُراق...
- ثُلةٌ مِنْ النِّسوَةِ مُعَفَّرَاتِ الوجوهِ يَتَجمعنَ بِجَانِبِهِ وَخَلَفِهِ-
اَلرَّأسُ يَهتِفُ مِنْ جَدِيد
أَيُّها النَّاسُ :
لَقَدْ ضَاعَ الوَطَنُ وَالمُوَاطِنُ وَالأَمَانُ
بَيْنَ الإِرْهَابِ وَالسُّرَّاقِ
أَيُّها النَّاسُ :
هُنَا سَوفَ نَصُوغُ الكَلِمَاتِ وَنَرفَعَ الرَّايَاتِ
وَنُثبِتُ فِي سطورِها
هُنَا مِئَاتٌ مِنْ الآمالِ السَّعِيدَةِ
خَطَفَتهَا المَنايَا
وَمِئَاتٍ مِنْ الأَروَاحِ البَرِيئَةِ
انتَزعَتها الرَّزايا
وَمِئَاتٌ أُخرى مِنْ الأَعناقِ المُتَطَلِّعَةِ لِلغَدِ المُشرِقِ
نَحَرَتها الشَّظايا
هُنَا قُتلَ مِنْ غَيرِ ذَنبٍ
أُلُوف الضَّحايا

- جَمعُ النِّسوَةِ المُعَفَّراتِ الوجوهِ مِنْ وَسطِ الحُطَامِ -
يَرفَعنَ كفوفهنَّ لِلسَّمَاءِ
وَبِعيونٍ جاحِظةٍ تُحَدِّقُ
فِي هَولِ المصابِ وَرُعبِ الخَراب
وَهُنّ يَصرُخنَ بِصَوتٍ يُشبِهُ النَّوَّاحَ
(رَبَّاه مَا هَذَا البَلاء
المَوتُ المَجنون مَاثِلٌ أَمَامَ العيون
يُلاحقُنا فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكان
حَتَّى فِي المَنَامِ وَالأَحلَامِ ؛
حَياتُنَا ضيمٌ وجَحِيم ، وَحُزننا قَائِم سَقِيم)

- ثَلَاثَةُ شُبَّانٍ مُضَرَّجِينَ بِالدِّمَاءِ
يُوقِفونَ عَرَّبتهم الَّتِي يَجُرُّهَا حِمَارٌ
وَسطَ الأَنقَاضِ
وَهُم يَحمِلُونَ الجُثَثَ وَالأَشلاء -
يَصرُخُ أَحَدُهُمْ:
أَيُّها النَّاسُ؛ أَننا نَقبعُ فِي سَجنٍ كَبِيرٍ مُخِيفٍ
القَمعُ وَالِاستِعبادُ وَالِاستِبدادُ بَاتَ قَدَرُنا
عيُونُ المُفَخَّخَاتِ وَالعُبُوَّاتِ وَالأَحزِمَةَ النَّاسِفَةَ وَالمُخَدِّرَاتِ وَكَواتمِ الصَوتِ
تُلاحِقُنا تُحِيطُ بِنَا تُراقِبَنا
فِي بِلَادِنَا استَبَاحَ السَّفاحُونَ النَّخِيلِ وَالزيتُونِ
وَأَرْعَبَ رَيبُ الْمَنُونِ حَمَّامَ السَّلَامِ لِمُغَادرةِ الأوكار والمَكان 3
اَلشَّعبُ مَذعُورٌ يَبحَثُ عَنْ الأَمَانِ
الأَلافٌ مِثْلِنَا تَعِيشُ فِي الحَضِيضِ كَالمُتَسَوِّلِينَ!

- النِّسوَةُ يَهدأْنَ قَلِيلاً ثُمَّ يُعَاوِدنَ الشَّدو بِأَسى وَ بِصوتٍ وَاحِدٍ -
للتاريخِ والأجيال سَوفَ نَروِي وَنُدَوِّنُ
فِي دَفَاترِ الذِّكرَياتِ وَفِي المَقابرِ وعَلَى الحَجَرِ وَالجُدرانِ
مَلَايِينُ الحكايا وَالخَبايا وَالمِحَن
مِنْ قصَصِ المَوتِ وَالوَجَعِ وَالعَذابِ وَالخَرابِ
وَالحُزن والشجن وَ دمُوعِ اللَّوعَةِ وَ الفِراقِ
وَعَنْ عَودَةِ الجَهلِ وَالسَّقَمِ والإملاق 4
وَكَيفَ فَرَّقَ وَ مَزَّقَ وَدَمَّرَ الإِرهَابُ وَالسُّراقُ وَ شُذاذُ الأَفاقُ العِراق 5

مالمو/ السويد
نيسان/أبريل 2018
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعريفات توضيحية لهوامش، ولكلمات كما ورد تعريفها في قاموس المعاني

1 الصَّنوُ : النَّظِيرُ، والمثل، والأخُ الشقيقُ؛ وَالصَّنوُ: الفَسيلةَ المتفرعةَ مَعَ غيرها من أصل شجرةٍ واحدة

2 إبرهيم طوقان:شاعر فلسطيني ولد في نابلس (1905) شقيق الشاعرة (فدوى طوقان) وكذلك شقيق (أحمد طوقان) رئيس وزراء (الأردن) في بداية سبعينيات القرن المنصرم.
حاصل على الشهادة الجامعية من كلية الآداب/ الجامعة الامريكية في بيروت عام(1929) وفي عام (1940) أنتقل للعراق وعمل مدرساً في دار المعلمين العالية ثم عاجله المرض فعاد سريعاً الى وطنه فلسطين وتوفي فيها عام (1941).
كتب(إبراهيم طوقان) قصيدة (موطني) عام (1934) ولحنها بنفس العام الموسيقار اللبناني (محمد فليفل ) فأصبحت النشيد الرسمي الفلسطيني منذ ذلك الحين ،حتى تم اعتماد نشيد (فدائي) إبان بداية الثورة الفلسطينية إلا انه لا يزال قطاع واسع من الشعب الفلسطيني يعتبر نشيد (موطني) نشيداً رسمياً له. أعتُمد نشيد موطني كنشيد وطني في العراق بعد سقوط نظام (صدام حسين) عام (2003) وتم استخدامه بدلاً من نشيد (أرض الفراتين) لشفيق الكمالي.(مصدر المعلومات الموسوعة الحرة ويكيبيديا)
   
3 ريبُ المَنُون: حوادث الدَّهر وأوجاعه مما يقلق النّفوسَ. الوَكرُ: عُشُّ الطائر الذي يبيض فيه ويفرخ، سواء كان في جبلٍ أَم  شجرٍ أَم غيرهما؛ وَكر:الجمع وُكُورٌ، و أوكارٌ ، و أوكر

4 السَّقمُ : المُرضُ المُزمنُ. الإملاق: الإفتِقار، الفَقر، الإعواز

5 شُذاذ الآفاق: الغُرباءُ الذينَ لا وطنَ لَهمْ، الأَفاق: مِنْ لَا يثبتُ عَلَى رَأْيٍ وَاحِدٍ، مختل الذِّمة، كذّاب رجلٌ أفاق

30

الإرهابُ وَالسُّراقُ صِنوانِ


 
يَحيَى غَازِي الأَمِيرِيِّ
صَوتُ دَوِيٍّ رَهِيب
تلاهُ مَوتٌ جَدِيد
دُخانٌ يَتَصاعدُ مِنْ السياراتِ والأَكشاكِ وَالمَصاطِبِ والمَتاجِرِ
سَعِيرُ النارِ يُحَوِّلهَا إِلَى مَجامر
أَجنِحَةٌ مُتَطايِرَةٌ
أَشلاءٌ مُتَناثِرةٌ
وَأَحلامٌ مُدَمرة
قلوبٌ تَعتَصِرُ وَمُهَجٌ تَحتَضرُ،
صَخَبٌ وَعَوِيلٌ .
وجُموعٌ مَرعُوبةٌ تُهَروِلُ وَتُوَلوِلُ
عَباءَآتٌ مُتَناثِرةٌ بَيْنَ الأَوحالِ والأزبال
جُثَثُ أطفالٍ مُقَطعةِ الأَوصَالِ
دُخانٌ أَسود ، وَتُرابٌ أحمر وَسعِيرُ نارٍ
بلونِ الرَّدَى
رِيشُ دَجَاج وَعصافِيرٍ وَحمام
يَملأُ الفَضَاءَ وَيَحجبُ السَّمَاءَ
إمتزج دُجَى الليلِ بِضِيَاءِ النَّهارِ.
وَمِئاتٌ مِنْ الأَفواهِ مَفتُوحَةً عَلَى مَداها؛
وَهِيَ تَصرخُ وَتَستَجِيرُ مِنْ عُمقِ الحَناجِرِ
(نُرِيدُ نَسمَةَ هَواءٍ ،  نُرِيدُ قَطرَةَ مَاء...)
عَشراتُ الحنَاجِرِ تَصرخُ كَما العاصِفَةَ :
( اَلنجدَةُ، النجدَةَ...أَيُّها الغيارى أَنقِذونا)
جنُونُ النَّاسِ يُسابِقُ الصُّراخُ،
جموعٌ مِنْ البَشَرِ
أَطلَقَتْ سِيقَانَها لِلرِّيحِ
مَذعُورَةً تَركُضُ عَلَى غَيرِ هُدى
مَعجونَةٌ بِالدَّمِ المُراقِ
فِيمَا مَجَامِيعُ أُخرى
هَرِعَتْ لِلمَكانِ
تَجرِي كَالوحوشِ عَلَى قَدَمٍ وَسَاقٍ
بَيْنَ أَنقاضِ الأَزِقةِ وَ بَقايا المَتاجِرِ
جَنباً لِجَنبٍ مَعَ يَنَابِيع الدَّمِ المُتَدَفِّق مِنْ مَنَابِع المَحاجِرِ .
2
صَوتٌ مِنْ مُكَبِّرَاتِ الصَّوتِ؛
مُنطَلقٌ فِي الفَضاءِ
يَشُقُّ عَنانَ السَّماءِ
- بِصَوتِ الشاعِرِ(إِبراهِيم طوقان)2 وَهُوَ يَنشدُ مَعَ المُوسِيقى-
( مَوطنِي . . . مَوطنِي . . .
اَلجَلالُ وَالجَمالُ وَالسَّناءُ وَالبَهاءُ فِي رباك،
وَالحَياةُ وَالنَّجاةُ وَالهَناءُ وَالرَّجاءُ  فِي هَوَاكَ . . . )
رَأسٌ مُضرجٌ بِالدِّماءِ مِنْ بَيْنِ الرُّكَامِ
يَنهضُ كَالبُركَانِ
يَعتَلِي دِكَّةً مِنْ بَقايا دُكَّانٍ
وَهُوَ يَهتِفُ كَشَلَّالِ نارٍ
هَذَا هُوَ العِراق فِي كُلِّ يَومٍ دَمنا مُراق...
- ثُلةٌ مِنْ النِّسوَةِ مُعَفَّرَاتِ الوجوهِ يَتَجمعنَ بِجَانِبِهِ وَخَلَفِهِ-
اَلرَّأسُ يَهتِفُ مِنْ جَدِيد
أَيُّها النَّاسُ :
لَقَدْ ضَاعَ الوَطَنُ وَالمُوَاطِنُ وَالأَمَانُ
بَيْنَ الإِرْهَابِ وَالسُّرَّاقِ
أَيُّها النَّاسُ :
هُنَا سَوفَ نَصُوغُ الكَلِمَاتِ وَنَرفَعَ الرَّايَاتِ
وَنُثبِتُ فِي سطورِها
هُنَا مِئَاتٌ مِنْ الآمالِ السَّعِيدَةِ
خَطَفَتهَا المَنايَا
وَمِئَاتٍ مِنْ الأَروَاحِ البَرِيئَةِ
انتَزعَتها الرَّزايا
وَمِئَاتٌ أُخرى مِنْ الأَعناقِ المُتَطَلِّعَةِ لِلغَدِ المُشرِقِ
نَحَرَتها الشَّظايا
هُنَا قُتلَ مِنْ غَيرِ ذَنبٍ
أُلُوف الضَّحايا

- جَمعُ النِّسوَةِ المُعَفَّراتِ الوجوهِ مِنْ وَسطِ الحُطَامِ -
يَرفَعنَ كفوفهنَّ لِلسَّمَاءِ
وَبِعيونٍ جاحِظةٍ تُحَدِّقُ
فِي هَولِ المصابِ وَرُعبِ الخَراب
وَهُنّ يَصرُخنَ بِصَوتٍ يُشبِهُ النَّوَّاحَ
(رَبَّاه مَا هَذَا البَلاء
المَوتُ المَجنون مَاثِلٌ أَمَامَ العيون
يُلاحقُنا فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكان
حَتَّى فِي المَنَامِ وَالأَحلَامِ ؛
حَياتُنَا ضيمٌ وجَحِيم ، وَحُزننا قَائِم سَقِيم)

- ثَلَاثَةُ شُبَّانٍ مُضَرَّجِينَ بِالدِّمَاءِ
يُوقِفونَ عَرَّبتهم الَّتِي يَجُرُّهَا حِمَارٌ
وَسطَ الأَنقَاضِ
وَهُم يَحمِلُونَ الجُثَثَ وَالأَشلاء -
يَصرُخُ أَحَدُهُمْ:
أَيُّها النَّاسُ؛ أَننا نَقبعُ فِي سَجنٍ كَبِيرٍ مُخِيفٍ
القَمعُ وَالِاستِعبادُ وَالِاستِبدادُ بَاتَ قَدَرُنا
عيُونُ المُفَخَّخَاتِ وَالعُبُوَّاتِ وَالأَحزِمَةَ النَّاسِفَةَ وَالمُخَدِّرَاتِ وَكَواتمِ الصَوتِ
تُلاحِقُنا تُحِيطُ بِنَا تُراقِبَنا
فِي بِلَادِنَا استَبَاحَ السَّفاحُونَ النَّخِيلِ وَالزيتُونِ
وَأَرْعَبَ رَيبُ الْمَنُونِ حَمَّامَ السَّلَامِ لِمُغَادرةِ الأوكار والمَكان 3
اَلشَّعبُ مَذعُورٌ يَبحَثُ عَنْ الأَمَانِ
الأَلافٌ مِثْلِنَا تَعِيشُ فِي الحَضِيضِ كَالمُتَسَوِّلِينَ!

- النِّسوَةُ يَهدأْنَ قَلِيلاً ثُمَّ يُعَاوِدنَ الشَّدو بِأَسى وَ بِصوتٍ وَاحِدٍ -
للتاريخِ والأجيال سَوفَ نَروِي وَنُدَوِّنُ
فِي دَفَاترِ الذِّكرَياتِ وَفِي المَقابرِ وعَلَى الحَجَرِ وَالجُدرانِ
مَلَايِينُ الحكايا وَالخَبايا وَالمِحَن
مِنْ قصَصِ المَوتِ وَالوَجَعِ وَالعَذابِ وَالخَرابِ
وَالحُزن والشجن وَ دمُوعِ اللَّوعَةِ وَ الفِراقِ
وَعَنْ عَودَةِ الجَهلِ وَالسَّقَمِ والإملاق 4
وَكَيفَ فَرَّقَ وَ مَزَّقَ وَدَمَّرَ الإِرهَابُ وَالسُّراقُ وَ شُذاذُ الأَفاقُ العِراق 5

مالمو/ السويد
نيسان/أبريل 2018
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تعريفات توضيحية لهوامش، ولكلمات كما ورد تعريفها في قاموس المعاني

1 الصَّنوُ : النَّظِيرُ، والمثل، والأخُ الشقيقُ؛ وَالصَّنوُ: الفَسيلةَ المتفرعةَ مَعَ غيرها من أصل شجرةٍ واحدة

2 إبرهيم طوقان:شاعر فلسطيني ولد في نابلس (1905) شقيق الشاعرة (فدوى طوقان) وكذلك شقيق (أحمد طوقان) رئيس وزراء (الأردن) في بداية سبعينيات القرن المنصرم.
حاصل على الشهادة الجامعية من كلية الآداب/ الجامعة الامريكية في بيروت عام(1929) وفي عام (1940) أنتقل للعراق وعمل مدرساً في دار المعلمين العالية ثم عاجله المرض فعاد سريعاً الى وطنه فلسطين وتوفي فيها عام (1941).
كتب(إبراهيم طوقان) قصيدة (موطني) عام (1934) ولحنها بنفس العام الموسيقار اللبناني (محمد فليفل ) فأصبحت النشيد الرسمي الفلسطيني منذ ذلك الحين ،حتى تم اعتماد نشيد (فدائي) إبان بداية الثورة الفلسطينية إلا انه لا يزال قطاع واسع من الشعب الفلسطيني يعتبر نشيد (موطني) نشيداً رسمياً له. أعتُمد نشيد موطني كنشيد وطني في العراق بعد سقوط نظام (صدام حسين) عام (2003) وتم استخدامه بدلاً من نشيد (أرض الفراتين) لشفيق الكمالي.(مصدر المعلومات الموسوعة الحرة ويكيبيديا)
   
3 ريبُ المَنُون: حوادث الدَّهر وأوجاعه مما يقلق النّفوسَ. الوَكرُ: عُشُّ الطائر الذي يبيض فيه ويفرخ، سواء كان في جبلٍ أَم  شجرٍ أَم غيرهما؛ وَكر:الجمع وُكُورٌ، و أوكارٌ ، و أوكر

4 السَّقمُ : المُرضُ المُزمنُ. الإملاق: الإفتِقار، الفَقر، الإعواز

5 شُذاذ الآفاق: الغُرباءُ الذينَ لا وطنَ لَهمْ، الأَفاق: مِنْ لَا يثبتُ عَلَى رَأْيٍ وَاحِدٍ، مختل الذِّمة، كذّاب رجلٌ أفاق

31

مِنْ العَزِيزِيَّةِ إِلَى ربُوعِ بَلدِ الكِنَانَةِ /ج3

يحيى غازي الأميري
القَاهِرَة فِي 29-10-2015
نَحنُ الآن فِي مِينَاء اَلقَاهِرَة الجَويّ أَو مَطَار القَاهِرَةِ الدَّولِيّ ، هكَذَا هِيَ تَسمِيَتهُ الرسمِيَّة، يَعتَبرُ المَطَارُ ثانِيَ أَكبَرَ مَطَارٍ فِي قَارَّةِ أَفرِيقيا ، مِنْ حَيثُ الِازدِحَام وَكَثَافَةِ المُسَافِرِينَ
المَطارُ كبيرٌ جداً يُبهرُ النَظر، يَظهرُ أَننا وَصَلنَا فِي ذَروَةِ نَشَاطِ حَرَكةِ المَطار، إِذ كَانَ الِازدِحَامُ فِي كلِّ مكانٍ عَلى أَشدهِ.
 يعتَبِرُ مَطَارُ القَاهِرَة الدَّولِيّ مَطَار مَدَنِيّ وَعَسكَرِيّ ، كَمَا تُشِيرُ لذلكَ المَوسُوعَة الحُرَّة ويكيبيديا.
عَملنا فِيزا سَريعة عَلَى جَواز السَفر(السويدي) فِي المَكتب المخصص لعملِ فيزا الدخول للسياح بمبلغ (25) دولار للفرد الواحد وعندَ هبوطنا بالسلمِ الكهربائي للصالةِ الكبيرةِ داخل المَطار قرب السوق الحُرة للركاب القادمين للقاهِرة ، شاهدتُ حَبيب قَلبِي صَديقي المُهذب المُثقف المَوسوعي(زُهَير) يَقفُ فِي أحدى أبواب المَطار الرئيسية وهوَ يلوح ليّ بيديه، وَيحدثُ أحد افراد(الشرطة) المكلفين بحراسةِ البوابةِ ، ما أن سمحَ لهُ بالدخول حتى جاءني  بسرعةٍ فاتحاً ذراعَيه عَلَى أقصاها وهو يَهتفُ (أهلاً يَحيَى) تَعانقنا بحرارةٍ ... لَمْ أَستَطعْ إِيقَافَ دَمعَتَانِ رَاحَتْ تَنحَدِرُ عَلَى وَجهِي وَنَحنُ نُطِيلُ العِنَاقَ!
عندما تفحصتُ وَجه صَديقي ونظرتُ إلى شَعر رأسه وقَد غَزاه الشَيب وَجَدته قَد بانَ عَليه الكبر وَتَعب السنين..
قلتُ لهُ مازحاً :
ــ زُهَير شَيبنا وفَرقَ الزمن مِنْ شَملنا .
 ــ غادَرنا الشَباب بسرعةٍ و بَينْ عَلينا الكبر!
ضَحكَ( زُهَير) ضحكته المجلجلة التي عهدتها، وهَو يحرك رأسه علامة الموافقة ؛ والتفت إِلى (زوجتي أمّ مُخلَّد) وسَلمَ عَليها بحرارةٍ وبترحيبٍ كبير.
لَقد مَضى أكثر مِنْ (14) عاماً منذ افترقنا فِي( بَغداد) حَيث سَافرتُ أَنا وعائلتي فِي عامِ (2001) لغرضِ الهجرةِ إِلَى خارجِ العراق وبقيّ صديقي وعائلته فِي بغداد ...
ذَهبنا معاً للسوقِ الحرةِ تَبضعنا بَعض الأنواع مِنْ المشروباتِ الكحولية والسجائر الأجنبية، وأخذنا حقائبنا إِلَى خارج المطار إِلَى كراج وقوف السيارات، إذ كانَ صديقي(زُهَير) قَدْ أحضرَ معه سيارة أجرة (تكسي) جلبها معه، لتقلنا إلى وسط اَلقَاهِرَة ، سائق سيارة الأجرة يَعرفهُ صديقي؛ عَرفنا عَليه أسمهُ (عَبدو) بخفةٍ ومرحٍ سَاعدنا (عَبدو) بتحميلِ الحقائبِ وترتيبها فَوق السيارة وفِي صندوق السيارة!
انطلقتْ بنا السيارة باتجاهِ مركز العاصمة (اَلقَاهِرَة) التي تَبعد عَنْ المطار حوالي (22) كم فيما السيارة كانت تسير بنا وسط أحياء اَلقَاهِرَة ، كنت منشداً بَينَ لقاء صديقي(زُهَير) ومتابعة أخباره وبَينَ النظرِ للناسِ وشوارعِ القَاهِرةِ التي تَعج بالحركةِ والنشاطِ ورقي البناء.
وصلنا حَي (الزَّمالِك)الشهير فِي القاهِرةِ!
هَمَسَ بأذني صَديقي (زُهَير) لقد اخترتُ لكم فندق مجاور للنيل فِي (حَي الزَّمالِك) ، توقفتْ السيارة أمام فندق (فلامنكو) بوابة الفندق تقع فِي شارع فرعي تزدحم أمامه حركة السيارات والناس؛ ما أنْ تَوقفتْ السيارة حتى جاء عمال الفندق وحملوا الحقائب للفندق.
طلبَ منا مدير الاستعلامات جوازات السفر ودونَ المعلومات المطلوبة، أخبرنا أن سعر الغرفة هو (85) دولار لليلةِ الواحدةِ مَعَ وجبة الفطور. وناولنا مفتاح الغرفة المرقمة(606) وأوعز للعمال بإرسال الحقائب للغرفة.. ودعنا صديقنا (زُهَير) بَعدَ استراحة قصيرة فِي استعلامات الفندق،عَلَى أملِ للقاءِ في المساءِ، وأخبرنا (زُهَير) سوف تأتي معهُ زوجته (أم سارة)كي تسلم علينا.
أخذنا المصعد للطابق السادس حيث تقع الغرفة (606) عندَ دخولنا الغرفة ، لَمْ تعجبنا ، فمساحتها صغيرة، شباكها مقابل الشارع الفرعي، تقابل النافذة بناية شاهقة على بعد عدة أمتار تحجب عنا أي مشهد أو منظر، وما أن فتحت النافذة حتى جاءت متعالية الأصوات ومزامير السيارات، الشارع الفرعي ، مزدحم ويعجُ بالحركةِ والضَجيج؛ كذلك الغرفة بدون بالكونة، نظرتُ لزوجتي التي بادلتني نفس الشعور بعدم ارتياحها للغرفة، أغلقتُ النافذة، وأخذنا المصعد النازل للاستعلامات ...
أخبرتُ مدير الاستعلامات عَدم رغبتنا بهذه الغرفة ونود تبديلها بغرفةٍ مساحتها أكبر وفيها (بالكونة) وتطل عَلَى (نهر النيل) الوجه (البحري/ الشمال) بدل هذه الغرفة الصغيرة والتي تطل عَلَى هذا الشارع الكئيب أو عَلَى جهة (القبلي)...
 أخبرنا:
- نَعمْ، تُوجد عندنا لكن يجب أن تدفع مبلغ أضافي (10) دولارات عن كلِّ ليلةٍ.
وَناولني المفتاح الالكتروني للغرفة الجديدة لغرض مشاهدتها ...
أَخذنا المصعد للغرفةِ الجديدةِ كانتْ الغرفة ممتازة جداً واسعة إنها ليس غرفة انها (سويت) أزحتُ الستارة، دخلتْ الشمس تنير الغرفة وتبعث الدفء والحرارة، خَلف الستارة بابٍ يوصلك إلى (برندة/ بالكونة) كبيرة بمنضدةٍ وكراسي تَطل عَلَى نهرِالنِيل ، حمامات الغرفة فاخر جداً ...
اتصلتُ بالهاتف الذي فِي الغرفة أخبرتُ موظف الاستعلامات أني موافق على هذهِ الغرفةِ وبالزيادةِ التي طلبها يعني الغرفة تكون بـ (95) دولار لليلة الواحدة معَ الفطور، وطلبتُ منهُ أَن يبعث لنا الحقائب عَلَى هذهِ الغرفة ..
فِي المساءِ رنَ هاتف الغرفة ليخبرنِي موظف الاستعلامات أَنَ ضيوف يودون مقابلتكم ، لقد كانَ صديقنا (زُهَير وزوجته أم سارة)
التقينا ضَيفينا فِي صالة ِالاستعلامات كانَ اللقاءُ حميماً، تجاذبنا فيه أطراف (الهموم) التي فرقتنا وشتتتنا، وتطورات الأحداث الدراماتيكية التي حدثت سريعاً فِي العراق بعد التغيير في (2003) والتي هَجرتْ ضيفينا، ليحط بهم الرحال والاستقرار عَلَى مضضٍ فِي ( القَاهِرَة/ مصر) بعدَ أَنْ ضاقتْ بهم الدنيا!
  أثناء الأستراحة وتناول القهوة فِي استعلامات الفندق، أخبرت (زهير) بما حدث بشأن تبديل غرفة الفندق والسعر الجديد الذي ترتب على الغرفة ؛ أبتسم (زُهَير) وقال ليّ وهو ينهض مِنْ جلسته:
- سوف احاول تسوية الأمر مع إدارة الفندق.
لحظات وعاد لنا وهو يبتسم؛ قلت له :
- بشرنا ماذا حدث (حمامة غراب)؟
 أجاب وابتسامة كبيرة على محياه :
-أكيد (حمامة) يبقى السعر كما اتفقنا أول مرة معهم (85) دولار مع الفطور.
 أهدينا الى أحبتنا (أبو سارة وزوجته) ما جلبناه لهما من هدايا تذكارية، قدما شكرهما الجزيل عَلَى ذلك ؛ وكذلك ناولته هدية إلى ابنتيهما الشابتان اليافعتان ( سارة وَ مروة) والتي كانت عبارة عَنْ مداليات فضية و بسلاسل فضية لخريطة(العراق) كانَ قد اوصاني عليهما صديقي (زُهَير) عندما طلبتُ منه أي شيء يرغب أَنْ أجلبهُ لهما مِنْ العراق، رفض فِي البداية وبعدَ إلحاحي الشديد عليه قال:
 ـ ابنتاي (سارة وَمرة ) ترغبان بمداليات فضية لخارطة العراق!
أخبرنا صديقي (زُهَير) انهما سوف يتركانا هذا المساء للاستراحة والتهيؤ لصباحِ يومِ غدٍ ، وأطلعنا عَلَى ما أعده لنا مِنْ برنامج للأيام القادمة لزيارة بعض مِنْ معالمِ القاهرة ...
قبل أن يغادر صديقي قال لي:
ـ هل معك فلوس بالعملة المصرية (جنيه)؟
- أخبرته لا توجد عندي ، إذ أني لمْ اصرف لحد الآن.
 أخرج صديقي(زُهَير) مبلغ (1000) جنيه مصري ،وناولني إياها وهو يقول :
- خذ هذا المبلغ لغاية ما تصرف فلوس مصرية غداً ...
شكرته عَلَى ذلك ، وأخذتُ المبلغ، وَوَدعناهم عَلَى أملِ اللقاء صباح اليوم التالي...
طلبتُ مِن استعلامات الفندق رقم شفرة الأنترنيت (الكود) اعطاني أكثر من رقم أي اكثر من شبكة ، ذهبت مباشرة إِلى الغرفة وأخرجت جهاز الكومبيوتر، وكتبتُ في شبكة (كوكل) موقع الفندق الذي نسكنه(فلامنكو) فِي الزَّمالِكِ/ اَلقَاهِرَة ...
سررتُ جداً أنْ يكون سكننا فِي (حَيّ الزَّمَالِك) فَهو مِنْ الأحياءِ المصريَّة المحفورةِ فِي أعماقِ الذاكرة ففي (حَيّ الزَّمَالِك ) أقام اغلب الفنانين المصريين وصورت الكثير مِنْ الأفلام في قصورها وفللها وشوارعها،  وفيها (فيلا أمّ كلثوم) ومقر (فريق الزَّمَالِك) و(برج اَلقَاهِرَة)، وَمَقرات العديد مِن سفاراتِ دولِ العالم؛وكذلك فِيها (مَبنى دار الأوبرا المصرية )والتي افتتحت عام (1988) وللعلم (مبنى دار الأوبرا المصرية) هي منحة مِن (الحكومة اليابانية) إلى مصر، ويعد (حَيّ الزَّمَالِك) سابقاً مِن الأماكن الأرستقراطيّة الراقيّة فِي مصر!

الفندق يُقيَّم بـ (أربعة نجوم) يَقع وسَط (جَزيرة الزَّمالِك) فِي القاهرة،عَلَى شارعِ (أبو الفدا) ؛ حَي الزَّمالِك فِي اَلقَاهِرَة عبارة عَنْ (جزيرة) أو كَما نسميها (جَزرة) كبيرة المَساحة تَقع فِي وسَط ( نَهر النِيل) تحيط بها المياه مِنْ جَميعِ الجهاتِ!
 تَرتبطُ  جَزيرة الزَّمالِك بالقَاهِرةِ بأربعةِ جسور، أو (كٌوبري) كما هو الدارج فِي اللغةِ  الدارجةِ المَصريَّة وَهيَ:
1-كُوبري 15 مايو، محور 26 يوليو
2-كُوبري 6 أكتوبر
3- كُوبري قَصر النِيل
4- كُوبري الجَلاء
فِي المَسَاءِ وَبَعدَ استِراحَةٍ وَ( قَيلُولَةٍ ) قَصِيرةٍ ، وَ حَمَّامٍ سَاخِنٍ ، زَالَ عَنَّا كَثِيراً مِن التَّعَبِ وَقَلَقِ وَخَوفِ اليَومِ وَلَيلَةِ الأَمَسِّ؛ كُنَّا بِلَهفَةٍ لِلخروجِ وَمُشَاهدَةِ مَا يُحِيطُ بِنَا فِي ( حَيّ الزَّمَالِكِ ) ؛ الطَّقسُ فِي القَاهِرَةِ رَبِيعِي دَرَجَةِ الحَرَارَةِ بِحدُودِ 22 م أَو أَكثَر قَلِيلاً . نَزَلنَا مِنْ الفندُقِ إِلَى شَارِعِ ( أَبُو الفدا ) ؛ الشَّارِعُ يُحَاذِي نَهر النِّيل ، رحنَا نُمَتعُ نَظَرنا بِمُشاهدَةِ انسِيَابِ مِيَاهِ النِّيل؛ الشَمسُ لمْ تزلْ تنير الفضاء، قَرَّرنَا أَنْ نَذهَبَ بِاتِّجَاهِ ( بُرج فُندُقِ أُمِّ كلثوم ) وَالذِي لا يَبعدُ عَنْ فُندُقِنَا إِلا بِضعَةِ أَمتَارٍ ، كَمَا أُخبِرنَا مُوَظَّفِ استِعلَامَاتِ الفُندُقِ عِندَ الِاستِفسَارِ مِنهُ عَنْ مَوقِعِ ( فُندُق وَبُرج أُمِّ كلثوم وَكَذَلِكَ نصبَ كَوُكَب الشَرق أُمِّ كلثوم ) .
فِي سَاحَةِ - دَوَّارِ- صَغِيرَة وَعَلَى قَاعِدَةٍ مُرتَفِعَةٍ مِنْ المَرمَرِ وَقَفَ مُنتَصِباً تِمثَال مَهِيب لِسَيِّدَةِ الغِنَاءِ العَرَبِيّ كَوكَبُ الشَّرقِ ( أُمِّ كلثوم 1889-ت 1975 ) ، دَرَّتْ حَولَ التِّمثَال تَفَحَّصتُ بَرِيقَ عَينَيهَا شمُوخ انتِصَاب قَامَتِهَا ، وَأَطَلَّتُ النَّظَرَ عَلَى قَبضَةِ يَدِهَا وَهِيَ تَحكُمُ الإِمسَاكَ بِمَندِيلِهَا.
تَمَّ  إِنشَاءُ التمثَال كَمَا مُثبت عَلَيهِ بِمُنَاسَبَةِ / العِيد القَومِي الرابِع لِمحَافَظَةِ القَاهِرَةِ فِي 7 / 7 / 2003  إِهدَاء مِنْ الدكتُور نَبِيل لُوقَا بباوي وَأُخوَّتِهِ  التَقَطنَا بِالقُربِ مِنْ النصبِ بَعضَ الصُّوَرِ ، أَخبَرَتُ زَوجَتِي:
ـ سَوفَ تَكُونُ لَنَا عَودَة ثَانِيَة لِنَصبِ السَّيِّدَة وَبُرجِ فُندُقِهَا !
 لِنَذهَب الآنَ فِي جَولَتِنَا؛ قَرَأَتُ لافِتَة تُشِير إِلَى صَالَةِ السَّاقِيَة، انها ساقية عَبد المُنعِم الصَّاوِي، فَجَمِيعُ أَبنَاءِ جِيلِنَا نتذكر المسلسل التلِفِزيُونِيّ لِلخُمَاسِيَّةِ الشَّهِيرَةِ ( السَّاقِيَة ) فَقَرَّرنَا السَّيرَ بِاتِّجَاهِهَا ؛ عَلَى بُعدِ خُطوَاتٍ كَانَتْ عِمَارَة بَيضَاءُ شَاهِقَة بِطِرَازٍ مِعمَارِيٍّ جَمِيل مُثبَت عَلَى وَاجِهَتِهَا (عِمَارَةِ أَبُو الفدا) يَقِفُ شُرطِيٌّ لِلحِرَاسَةِ، تَقَدَّمَتُ مِنهُ وَسَأَلَتهُ عَنْ المَسَافَةِ التِي تَبعدُ مِنْ هُنَا عَنْ صَالَةِ السَّاقِيَةِ ؟
رَدَ التَّحِيَّة مَعَ ابتِسَامَةٍ وَكَلِمَاتِ تَّرحِيبٍ غريبةٍ عَلينا (أَهلاً يَا باشَا) المسافة (دي أكريبه) - قَرِيبَة - تَبعُدُ مَسَافَة (فركة كَعب) .
مَا ان سَمِعَتُ جَوَابُهُ وَعِبَارَةُ (فركة كَعب) وَ أَهلاً يَا باشَا، حَتَّى شَكَرَتهُ كثيراً، مَعَ ابتِسَامَةٍ عَرِيضَةٍ اِرتَسَمَتْ عَلى وَجهَينَا أَنا وَزَوجَتِي .
 وَرحنَا َنتحاور بهذه العِبَارَة، فَهِيَ المَرةُ الأُولَى التِي أَسمَعُ فِيهَا هَذِهِ العِبَارَةُ (فركة كَعب) تَتَدَاوَلُ فِي الشَّارِعِ ، فَقَطْ كُنتُ أَسمَعُهَا فِي الأَفلَامِ وَالمُسَلسَلَاتِ الْمِصرِيَّةِ ؛ وَكَذَلِكَ فِي الأغنِيَةِ الشَّهِيرَةِ(بُشرَة خَير) لِلمُطرِبِ الإِمَارَاتِيّ (حُسَين الجِسمِيِّ) وَالَّتِي تَقُولُ كَلِمَاتِهَا :
(فركة كَعب وهتعملها قصاد الدُّنيَا هتقولها وَخَد بَقي عَهد تَعدِلهَا سَكَتَتْ كتير)
فِعلاً عَلَى بَعْدِ أَمتَارٍ يَقَعُ المَركَزُ الثَقَافِيُّ الفَنيُّ لِـ (صَالَةِ السَّاقِيَة) فِي نِهَايَةِ ( شَارِعِ 26 يُوليُو) أَسفَلَ ( كُوبرِي 15 مايُو) ، اندلفنا فِي أَحَدِ ابوابة وَ تَجَوَّلنَا فِي المَركَزِ وَاستَعلَمَنَا عَنْ نَشَاطَاتِهِ ، فَهوَ مَركَزٌ ثَقَافِيّ فَنِّي أَسَّسَهُ نَجلُ الكَاتِبِ وَالصَّحَفِيِّ وَالأَدِيب الراحِل (عَبد المُنعِمِ الصَّاوِي 1918 - ت 1934) فِي عَامِ ( 2003) عَلَى مِسَاحَةِ (5) أَلفِ مِترٍ مُرَبَّعٍ تَحتَوِي عَلَى خَمسَةِ قَاعَاتٍ، وَتقَدَّم فِيهَا العرُوضُ المَسرَحِيَّة وَالمَعَارِضِ الفَنيَّةِ وَالنَّدَوَاتِ وَالْمِهرَجَانَاتِ الثَّقَافِيَّةِ وَالفَنيَّةِ وَفِيهَا مَكتَبَةٌ وَقَاعَةً لِعَرضِ الأَفلامِ.
غَادَرنَا (صَالَة السَّاقِيَة) وَاتجَهنَا سَيراً عَلَى الأَقدَامِ بِمَهلٍ عَلَى جسر( 15 مايو) حَتى دَخلنا (شَارع جَمال عَبد الناصر) وَسرنا مَعَ امتدادِ كُورنِيشِ النِّيل؛ أَمَامَنا بِنَايَةُ مَسرَحِ البالون ، وَعَلَى جِهَةِ كُورنِيشِ النِّيلِ نادِي نِقابَةِ المُحَامِينَ النَّهرِيِّ وَبِجوارهِ نَادِي وِزَارَةِ المَالِيَّةِ.
عَلَى امتِدَادِ ضفَتيّ سَاحِلِ نَهر النِيل افتتَحَتْ عَشَرَات الكازينهات وَالنَوادي أَبوَابَهَا لِاستِقبَالِ النَّاسِ مِنْ مُختَلِفِ المَشَارِبِ؛ الأَضوَاء تَتَلَأْلَأُ وَسطَ النَّهرِ، عَلَى السَّاحِلِ كَانَ الهَواءُ خَرِيفيٌ مُنعِشٌ. . .
 بَعدَ نَصِّ سَاعَةٍ مِنْ التَّجوَالِ، عدنَا أَدراجَنَا بِنَفسِ المَسَارِ، اشتَرَينا طَعَامَ العَشَاء (سَفَرِي) مِنْ مَطعَمِ (ماكدونالد) القريبُ مِنْ الفندقِ الذِي نَسكنُ فِيهِ، تَنَاوَلنَا طَعَامَنَا فِي غُرفَتِنا بِالفُندُقِ، وَنَحنُ نُقَلبُ قَنَوَات التلفَاز المِصرِيّ، مَا بَيْنَ قَنَاةِ القَاهِرَةِ وَالنَّاس وَالقَنَاةُ المِصرِيَّةُ الأولى وَالثانِيَة، وَرحنَا نَغط ُ فِي نَومٍ عَمِيق!
إلى القاء مع الجزء الربع /مع التحيات

32

جَبر مِنْ الحُلمِ إلَى القَبرِ

 
يَحيَى غَازِي الأَمِيرِيّ
يَقولُ الرَّاوِي وَهُوَ يَصِفُ حَيَاةَ وَحُلم العَمّ جَبر:
 جَاءَ جَبرٌ إِلَى الدُّنيا فِي يَومٍ قَائِظٍ مِنْ أَيَّامِ شهرِ تَمُّوز
  بَعدَ مَخَاضٍ عَسِيرٍ، وَعَيشِ لَيسَ بِاليَسِيرِ
فَفَرِحَ بِهِ الأَهلُ وَالأَصحَابُ المُحِبون
فِيمَا اغتَاظَ لِمقدمِهِ البَعضُ مِنْ الأقاربِ والجيرانِ الحَاقِدِين
وَمُنذ الصِغَرِ رَاحَ يَتَعَلّمُ - جَبر- فِي المَدرَسَةِ وَيَعمَلُ
  فِي شَتَّى الأعمالِ بِجِدٍّ وَهِمَّةٍ وَإِتْقَانٍ
وَفِي فَترَةِ زَهوِ الفتوةِ وَالشَّبَابِ
أهتدى - جَبر-  لحِزبٍ ينتصرُ لكرامةِ الإنسان...
ويُكمِلُ الرَّاوِي حديثهُ نقلاً عَنْ لِسَانِ جَبر:
كَانَتْ الِاجتِمَاعات تعقدُ فِي السِّرِّ
لَكِنَّهُا كَانَتْ تَطُولُ سَاعَاتٍ وَسَاعَاتٍ
 وَنَحنُ نَتَلَقَّى الدُّرُوسَ وَنَتَدَارَسَ فِيها بعمقٍ واهتِمَام
 وَنُنَاقِشُ الأَفكَارَ وَالخُطَطَ بِكُلِّ ثِقَةٍ وَإِمعَان
 لِبِنَاءِ الوَطَنِ وَنُصْرَةِ الإِنسَانِ
مُهتَدين
بِأَفكارِ أَسَاطِينَ* المُنَظِّرِينَ الِاشتِرَاكَين
مَعَ شَيءٍ مِنْ قَوَانِينَ الدَّولَةِ وَالدِّين
 مثلنا بِالتنفِيذِ فولاذٍ لا يلين
  وَيُكمِلُ الرَّاوِي، قالَ لي جَبر:
نَحنُ أَصبَحنا الأَغلَبِيَّة عُمال وَفَلاحِين وَمَعَنَا جمع مِنْ المُثَقفِين وَالمؤيدين،
وَكَادَ الفرح أن يحلقَ بيَّ  مَعَ الطُّيُورِ وَالْعَصَافِيرِ،
وكنتُ مَعَ رِفَاقِي كُلّ يَومٍ نحلمُ بِحُلمٍ جَدِيدٍ،
 نتخيلُّ وَنحَدِّدُّ وَنرسُمُ مَلَامِحَ الوَطَن؛ وكأنها
 مَدِينَةٌ مِنْ مُدُنِ أَسَاطِيرِ أفلاطون؛ فَهيَ
فَاضِلَةٌ عَادِلَةٌ، لا مِسكِينَ فِيهَا،لا جَوعَانَ، وَلا عُريان؛
وَحَتَّى اليَتِيمُ وَالعَاجِزُ وَالمُعاقُ يكون فِي سعادةٍ وَأَمَان،
أَمَّا التَّعلِيمُ وَالعِلَاجُ فَلِجَمِيعِ سُكَّانَ الوَطَنِ بِالمَجَّانِ؛   
لا بَلْ لا فَرقَ فِيهَا بَيْنَ الخَادِمِ وَالسُّلطَان.
 وَيَستطردُ الرَّاوِي وَعَنْ لِسَانِ جَبر يَقول:
كَانَتْ أَحلامُنا تَكبرُ وأمالنا تَزدَهِرُ
 رغمَ مَا نَمُرُّ بِهِ مِنْ مَرَضٍ وَعَوَزٍ وَاستِبدَادٍ وَبَطشٍ وَفَقرٍ
وَبَاتَ الحُلم قَريباً؛ بل هوَ قَاب قَوسَين أو أقرب مِنْ أن يَكُون حلماً فِي
أَنَّ يَكُون الوَطَن
 يَتَّسِعُ للجَمِيعِ وَمُخضَرٍّ كالرَّبِيع
 فِيهِ الشَّعبُ حُرٌّ سَعِيدٌ وَالعَيشُ كرِيمٌ رَغِيدٌ
وَيَتَحَقَّقُ الشِّعَارُ العَتِيدُ . . .
عِندَمَا أَفَقتُ مِنْ غَفوَتِي ، واأَسَفاه ؛ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنَّ امْسِك شَيئاً مِنهُ ، فَقَد تَلاشَى سَرِيعاً كَمَا السَّرَاب؛ كَالمَاءِ فِي الغِربَال...
 وَيَختتمُ الرَّاوِي حديثهُ ذا الشجون حَيث يَقُول: هَذَا مَا أَخبَرَنِي بِهِ العَمُّ جَبر
 وَهُوَ يُوَدِّعُ الدُّنيا  قبل ان يدفِنَ وَهُوَ حَيٌّ فِي قَبرٍ مجهول...
وَيَقولُ الرَّاوِي : بَعدَ زمنٍ، مِنْ تَنفِيذِ الإِعدَامِ
مَرَّرَتُ بِالديارِ الَّتِي قَضَى حَيَاتَهُ فِيهَا العَمُّ جَبر؛
 شَاهَدَتُ جَمعاً مِنْ خَمسَةِ رِجَال،
فَقرَّرَتُ السُّؤَالَ عَنْ حَيَاتِهِ وَرَأيِ النَّاسِ عَنهُ وَمَكانِ قَبرِهِ.
  قَالَ لِي أَحَدُهُمْ :
- لَمْ يَتَزَوجْ جَبر، وَعَايَشَ الحرُوبَ وَالحِصارَ،
وَمَسَّهُ العَوَز وَالفَقر.
 وَرَغمَ مَا لقى مِنْ السَّجنِ وَالتَّهدِيدِ وَالبَطشِ،
لكنه بَقِيَ صَابِر وَلِلعَمَلِ مُثَابِر.
لَمْ يُفَكِرْ لِخَارِجِ البَلَدِ أَنْ يُهَاجِرَ أَو يُسَافِر،
وَرَفَعَ شِعَار الهُرُوب مِنْ الدِّيَارِ عار.
فِيمَا قَالَ شَخصٌ أَخَّرَ بِصَوتٍ جَهوَرِيّ:
- جَبر يَستَحِقُّ المَوت؛ أَنَّهُ زِندِيقٌ مَارِقٌ كَافِرٌ
 وَبِعَصَبِيَّةٍ أَضَافَ رَجُلٌ أَخَّرَ وَبسبابةِ يَده يُحذر:
- أَنَّ نَهجَ مَبادِئِهِ لِلقِيَمِ وَالثَّوَابِتِ مُدَمِّر.
رَدَّ عَليهما شَيخ كَهل يتكأ عَلَى عَصاه:
- لَا تَظلم جَبرٍاً، فهوَ للكفرِ غير مُجاهِرٍ وَلِلحَقِّ وَالصدق صَدِيق مُنَاصِر.
 وَبِعصبةٍ وَحدةٍ قَالَ كَهلٌ آخِرٌ :
- لا يَستَحِق الإِعدَامَ جَبر، وَهُوَ لَيسَ بفاسقٍ أَو سارق، جَبر رَجلٌ ضد الفقر وَالظلم ثائر؛
وَأرَدفَ يَقول :
- وَكَانَ لِجَبر حُلمٌ جَمِيلٌ وَعَقلٌ رَصِين.
وَعندما سأَلتُ الحضور
عَنْ مَوضِعِ قَبرِ جَبر قَالَ الجمِيعُ :
- لا نَعرِفُ فِي أَيِّ مَكَانٍ دفن.
اِمرَأَةٌ تَلتَحِفُ السَّوَادَ، وَتَحمِلُ طِفلَهَا الصَّغِير عَلَى كَتِفِها ، كَانَتْ تَسمَعُ الحدِيثَ؛
تَرفعُ يَدها وَتَطلبُ الاذن بالحَدِيثِ ، وَبِصَوتٍ حَزِينٍ قَالَتْ:
- جَبر مَا مَاتَ ؛ جَبر لَمْ يَزَلْ حَيٌّ يُرزَقُ عِندَ أَصحَابِ الضمائِر؛ فَهوَ هنا، وأشارتْ... لقَلبها...
هَذيان مَعَ الفجرِ / مالمو فِي 8 شباط 2018
مُلاحظة : هُنالِكَ قِصَّةٌ طرِيفَةٌ تَدورُ حَول مثلٍ شعبيّ مشهور وَهوَ:
 (جَبر مِنْ بَطنِ أُمِّهِ لِلقبرِ)
 استوحيتُ هذا النص مِنها ، فَهنالِكَ عِدة آلَافٍ عاشت وتعيش معنا إلى الآن مثل العَم جَبرٍ، لَمْ تذق طعم السَّعَادة فِي حَيَاتِها؛ فَقطْ عَاشَت لَحظَة حُلمٍ، كَمَا عَاشَ الحُلم العَم جَبر.
* أَسَاطِين : أَسَاطِين العِلمِ وَالأَدبِ تَعنِي الثقَاتُ المبرزِينَ فِيهِ ، وَأَسَاطِينَ الزَّمَانِ : حُكَمَاؤُهُ

33
مِنْ العَزِيزِيَّةِ إِلَى ربُوعِ بَلدِ الكِنَانَةِ /ج2

 
يَحيَى غَازِي الأَمِيرِي
أَخرَجَتُ كامرتي وَالتقطتُ بَعض الصوَرِ لِمنَظرٍ مؤسفٍ غَرِيبٍ طَالَمَا أُشَاهِدهُ فَي طريقِ الذهابِ والأيابِ مِنْ (العَزِيزِيَّةِ إلى بغداد) عَلَى طَرِيقِ قَنَاةِ الجَيشِ - طَرِيق محَمد القَاسم - بالقربِ من نقطَةِ تفتِيشِ جِسرِ ديالى، مِنطَقَة ( مُعَسكَرِ الرستمية ) وهَوَ عبارة عَن مَجاميع عديدةٍ مِنْ الأَكشَاكِ المُؤَقَّتَةِ تَعمَلُ كَمَحَلاتٍ وأسواقِ ( للقصابة ) لِبَاعَةِ أَغنَامٍ وَمَاعِزٍ وَحَتَّى أَبقَارِ وَعجُولٍ، جَمِيعُهَا افتَتَحَتْ وَتَعمَلُ تَجَاوزاً عَلَى الشَّارِعِ العَامِّ وَعَلَى القَانُونِ وَبدُون أَيّ رَقَابَةٍ صِحِّيَّةٍ ، نَعم تعملُ كأسواقٍ ومَحَلَّاتٍ لبيعِ الحيواناتِ المذكورة، وَكذلكَ لبيعِ لحوم ما تذبحها أيّ ( تذبح وتسلخ ) وَتَبيعُ اللحُوم فِي الْهَوَاءِ الطَّلْقِ، وفِي مختلفِ الأجواءِ المغبرةِ والمتربةِ والممطرةِ والمشمسة، وعَلَى مدارِ السنة!
 طَوابيرالسَّيارَات أمامنا وبِجانبنا تَسِيرُ بتأنِي؛ وكُلَّمَا كُنَّا نَقتَرِبُ مِنْ نُقطَةِ التَّقَاطُعِ كَانَتْ (برَكَةُ) المِيَاهِ التِي أمامَنا فِي المِنطَقَةِ يَزدَاد حَجمُها وَتَنكَشِفُ المِسَاحَةُ وَالمَسَافَةُ التِي تُغَطِّيهَا ؛فِيما قَسّم مِنْ السَّيارَاتِ ركنَتْ عَلَى جَانِبَي الشَّارِعِ لا تَوَدُّ الخَوضَ فِي تِلْكَ (البَرَكَةِ) مِنْ المِيَاهِ وَمُعظَمِهَا مِنْ السَّيارَاتِ الصَّغِيرَةِ الحَجمِ ، بَعضِ السَّيارَاتِ يَتَرجل مِنهَا رُكَّابِهَا يَدفَعُونَ بِسَياراتِهِم ، بَعدَ أَنْ تَعَطَّلَتْ مُحَرِّكَاتِهَا عَنْ الدَّوَرَانِ لِإِخرَاجِهَا مِنْ هَذِهِ البُحَيرَةِ الَّتِي تَكَوَّنَتْ بِسُرعَةٍ بَعدَ سَاعَاتٍ مِنْ الأَمطَارِ المُتَوَاصِلَةِ ، مَجمُوعَةً مِنْ (الصَّبِيَّةِ) وَقَفَتْ تَتَفَرَّجُ عَلَى السَّيارَاتِ وَهِيَ تُغَامِرُ بِدُخُولِهَا لِهَذِهِ الْبُحَيرَةِ، غَير مُبَالِيَةٍ بالأمطارِ المُتَسَاقِطَةِ ، وَهِيَ تُصَفِّرُ وَتُصَفِّقُ وَتُطْلِقُ أَصوَاتُ التَّشجِيعِ وَالسُّخرِيَةِ معاً...

كنتُ أُلاحظ ان مُعظم السَّيارَاتِ الَّتِي تُغَامِرُ وَتعبرُ البركَة المَائِيَّة مِنْ الشَّاحِنَاتِ الكَبِيرة( لورِي)؛ فِيمَا سَيارَتُنَا تَتَقَدمُ عَلَى مَهلٍ أَمَامَنَا بِعَشَرَةِ أَمتَار تَقرِيباً تَسيرُ سَيَّارَة صَغِيرَة الحَجمِ ( تَكسِي ) مِنْ نَوعٍ ( سايبة ) صِنَاعَة ( الجمهورِيَّةُ الإِيرَانِيَّةُ الإِسلَامِيَّةُ ) وَهِيَ مِنْ المركباتِ الَّتِي دَخَلَتْ إِلَى الأَسوَاقِ الْعِراقِيَّةِ بَعدَ التغيِيرِ الَّذِي حَدَثَ بِالْعِرَاقِ بَعدَ عَامِ 2003 ، السَّيارَةُ تَتَقَدَّمُ فِيمَا بَدَأَتْ المِيَاهُ تَبتَلِعُ إِطَارَات السَّيارَة وَترتَفِع حَتَّى تصِلَ إِلَى حَافَّةِ زُجَاجٍ ( جَامُ ) أَبوَابِ السَّيَّارَةِ ، السَّيَّارَةُ تَتَقَدَّمُ وَأَصوَاتُ مَجمُوعَةٍ مِنْ الصَّبِيَّةِ تَصرُخُ مُشَجِّعَةً سَائِقَ السَّيارَةِ عَلَى المُضِيِّ قُدُماً ، فعلاً السَّيارَة اجتَازَتْ البُحَيرَة بِنَجَاحٍ ؛ ازدَادَ صَوتُ الصَّبِيَّةِ بِالصَّفِيرِ وَالتَّصفِيقِ مَعَ التَّزمِيرِ مِنْ أَبوَاقِ العَدِيدِ مِنْ السَّيارَاتِ لِلمُشَارَكَةِ فِي فَرحَةِ نَجَاحِ هَذِهِ المُغَامَرَةِ؛ ضَحكَ (عائد) سائق السيارة التي تقلنا وقالَ :
ـ أَكِيد سَّيارتُنا سَتجتاز البُحيرة بيسرٍ فسَيارتنا مُرتفعة وَلَمْ تَصِلْ المياه إلَى ذلِكَ المُستوى الذِي شَهدناهُ أَمَامَنا!
سَيارتنا المغامرة وَهيَ تَسيرُ عَلَى مَهلٍ وَبحذرٍشديدٍ فِي البُحيرةِ المطريةِ حَبسنا أنفاسنا؛انَّها مُغامرةٌ فِعلاً ، لَقَد كَانَتْ اَلثوانِي تَمضِي ثَقِيلة، كَأَنما تَوقَّفَتْ عَقاربُ السَّاعةِ؛ فِي تلكَ اللحظاتِ كنتُ أحدثَ نَفسِي :
ـ مَاذا نَفعلُ لَو تَعَطلتْ السَّيارة؟
- هَلْ سَنَنزِل وَنَدفَعَهَا كَمَا حَدَثَ لِلسَّيارَاتِ التِي تَعَطَّلَتْ مُحَرِّكَاتِهَا قَبلنا؟
 ـ وَمَاذا نَعمَلُ بِحَقائِبِنَا الأَرْبَعَة وَكَيفَ نَحمِلُهَا وَنَحنُ فِي وَسطِ هذا الوَحلِ؟ 
ـ هَلْ نَحنُ فِي حُلمٍ يَا تُرَى؟
 بَدَأَتْ مُقَدمة السيارة فِي الِارتِفَاعِ فَتَنَفَّسنَا الصُّعَدَاءِ،بَعدَ أَن بَاتَ الطَّرِيقُ مُمَهِّداً لَنَا بِالوُصُولِ لِهَدَفِنَا المَنشُود...
 عندما بدأنا نسيرُ فِي الطَّرِيقِ السَّرِيعِ ضَاعَفَ السَّائِقُ مِنْ سُرعَتِهِ ، لَمْ تمضِ أكثر مِن (20) دَقيقة حتى وصلنا إِلَى (ساحة عباس بن فرناس) وهيَ اخر مَحطة مَسموح للسيارةِ التي تقلنا أن تَصل إليها، هكذا حددتها السلطات العراقية؛ ومنها يَجب أن تَستأجر حافلة أخرى تقلك للمَطار وهيَ عبارة عَنْ سيارات مخصصة لهذا الغرض، انزلنا حقائبنا، وَودعنا صديقنا (عائد)، وحَجزنا سَريعاً مكاناً (نفرات) فِي احدى السياراتِ المخصصةِ لنقلِ المسافرين للمَطار؛ أجرة (النفر) الواحد(10) آلاف مِنْ الدنانيِر العراقية أَيّ ما يعادل (8) دولار أمريكي.
هنالك تغيرات عمرانية وإدارية مرتبة ومنظمة بشكلٍ أفضل للمرافق الخدمية في ساحة (عباس بن فرناس) ؛ وكذلك للسياراتِ الناقلةِ مِنْ وَإلَى المطارِ واضحةً فِي المكان مقارنةً مَعَ الأعوامِ الماضية ويمكن ملاحظتها بسهولة ؛ فَقَبلَ عامٍ تَقريباً كانَتْ السَّاحة تَخلو مِنْ أًيِّ كافتريَا أَو مرفق خدميٍّ أوحتى مِن سَقيفةٍ يَحتمي فِيها الناس - المُسافرِينَ والمُستقبلِينَ والمُودعِينَ -  كانَتْ السَّاحة غَير(مُبلطة) - مُعبدةٍ - فَقَد كانَتْ مُعاناةُ المواطِنِ فِي هذه السَّاحةِ كبيرة، فالطينُ والوحل فِي فَصلِ الشتاء؛ ما أشدها مِن معاناةٍ وأنتَ تحاولُ سَحبَ الحقائبِ مِنْ مَكانٍ لآخر في وسط هكذا مكان، فيما تتلقفك الأتربة ولَهيب الشمس الحارقة فِي فصلِ الصيفِ، لَقَد ذقتُ مرارتها بنفسِي عدةِ مرات!
 المَسافة المتبقية لغاية المطار بحدود (5) كيلومتر؛ أَعرفُ الإجراءات التفتيشية المتشددة فِي هذا الطريقِ، فَسوفَ نَجتاز عدة انواع ونقاط  مِن التفتيش منها اليدوي بواسطةِ رجال ونساء أمن متخصصين بذلك، وَتفتيش إلكتروني وتفتيش (السونار) وتفتيش بواسطة الكلاب البوليسة عَلَى مرحلتين قبل الوصول إِلَى بوابة المَطار، فالوضع العام بالبلدِ والخوف مِنْ الخروقات الأمنية، يتطلب مثل هذه الاجراءآت الصارمة والحازمة والمتعددة؛ لذلك يتطلب حضورنا قبلَ ثلاث ساعات أو اكثر إِلَى المطار مِن موعدِ اقلاع الطائرة قبل أن تتحرك السيارة أكد علينا السائق وهوَ يَجمعُ أجرة النقل:
ـ هَلْ الجَمِيع مُتَأَكِّد مِنْ أَنَّهُ يَحمِل مَعَهُ جَوَاز السَّفَرِ وَبِطَاقَةِ السَّفَرِ!؟
- أَجَابَ مُعظَمُ الرُّكَّابِ بِنَعَم.
سَارَتْ بِنَا السَّيارَة، وَبَدأنا نَجتاز نقاط التفتيش المتعددة الممتدة من ساحة (عباس بن فرناس)حتى المطار الواحدة تلو الاخرى بيسرٍ وسهولةٍ، وصلنا أخر نقطة تفتيش تَستوجب أنزال الحقائب (مرة ثانية ) ووضعها مَعَ أَي شيء تحملهُ بجانبها وَالإنتظار فِي الطرفِ الثاني، إنهُ تفتيش آخر يعتمد عَلَى ( الكلاب بوليسية) والتي تسمى (كَي ناين) إذ سبق وأَن فتشتنا فرقة الكلاب البوليسية فِي ثاني نقطة تفتيش.
أنزلنا الحقائب؛ ناديتُ عَلَى أحد الشباب مِنْ العاملين لمساعدةِ المسافرين ونَقل حَقائبهم وَ أغراضهم، جاءَ ومعهُ عربة مِنْ عرباتِ المطار المخصصة لحملِ الحقائبِ؛ حمل الحقائب سريعاً في العربة ، ورصفها بالطابور، وترك العربة بجانبي وراح يراقب الحقائب والتفتيش ؛ طابور الحقائب يزداد وشاحنات متعددة وصلت المكان وهي محملة بعشرات الركاب، واضح انها رحلة سياحية جماعية (سياحة دينية) رصفت حقائبهم بالطابور ، كانَ الازدحام يزداد وعدد المسافرين يكثر فِي نقطة التفتيش معظم المسافرين مِنْ (الجمهورية الإسلامية الإيرانية ) واضح من حديثهم وملابسهم يظهر عليهم أنهم كانوا في زيارة للعتبات المقدسة في العراق؛ فيما كنت اراقب الطابور جاء أحد المسافرين عمرة بحدود (50) عاماً (من كروب الزوار) واخذ عربة الحقائب التي بجواري واتكأ عليها دون اي اِستئذان قلت له :
ـ هذه العربة لي .
أخذها وَسَار بها، ذَهبتُ مُسرعاً خَلفه ، وأخبرتهُ أنَ العربة تعود ليَّ!
لَمْ يبالِ بحديثي، أخبرتهُ باللغةِ الإنكليزية أنَ العربة تعود ليَّ، كذلك لَمْ يبالِ أو يَكترث وأخذَ ينظر ليَّ ويهز رأسه كأنه لا يفهم حديثي ومقصدي.
أمسكتُ بالعربةِ وسحبتها بالقوةِ منه وأخبرته أنها تعود لي، وعدتُ بها أدراجي إِلى مكاني الأول ، تركني وهو يتلفت فِي كلِّ الاتجاهات عسى أنْ يَحصل عَلَى عربة جديدة.
أكتملَ التفتيش، وحَمَلَ الشاب-عامل الخدمة- الحقائب فِي العربةِ وسار بنا إِلَى بوابةِ مدخل صالة المطار ،أكملنا إجراءآت التفتيش فِي البوابةِ الأولى ووضعنا الحقائب مرة أخرى في عربة نقل الحقائب، إِلَى بوابة ثانية وأجراء تفتيش آخر يشبه الأول، وَلَمْ يزلْ الشاب معنا لمساعدتنا
 
أصبحنا فِي الصالة المؤدية إِلَى (كاونتر) الطائرة لغرضِ شَحنِ الحقائب واستلام (البوردنك باس) أوصلنا الشاب لغاية ( الكاونتر)، نقدته أجور خدمة تَحميل الحقائب وَدفعَ العربانة (10) ألف دينار عراقي وشكرته، وناديتُ عليه مرة اخرى وأعطيته ألف دينار عراقي إضافية ابتسم بمرحٍ وشكرنا !
 ذَهبتْ الحقائبُ إِلَى الطائرةِ وذهبنا لنقطةِ تفتيش اخرى (كاونتر) لضباطٍ مِن وزارة ِالداخلية ، لختمِ جوازاتِ سفرنا بـ (طمغة) المغادرة وبعدها نقطة تفتيش أخرى للحقيبة اليدوية المسموح لك ادخالها في الطائرة قبل أَن تصل قاعة الترانزيت؛ أخيراً ها نحنُ فِي (صالة الترانزيت) نتنفس الصعداء، بَعدَ هذا القَلقِ والإرهاقِ وَالتعَبِ والعَناءِ!     
فِي صالةِ الترانزيت جلسنا فِي أحدى (الكافتريات) واخترنا بعض أنواع الشَطائر(السندويش) المعروضة كفطور مَعَ القهوة وعلبتين مِن الماء، وَفِيما نَحنُ نَتناولُ الفطور التقطنا بعض الصور، وتلفنتُ إِلَى أبن أخي (بَسام ) أخبرته أننا وصلنا فِي وقتٍ مبكرٍ وممتاز جداً إِلَى صالةِ (الترانزيت) بسلامٍ وسهولة وكذلك اتصلتُ بالأصدقاء( سَيد سَعد الصُمَيدعي، وحَسن الزَماخ) في مدينة (العَزِيزِيَّة) أطمأنهم عَلَى سلامةِ وصولنا المَطار، وَبعثتُ برسالةٍ (للسويد) عَلَى خدمةِ ( الفايبر) إِلَى وَلَدي (مُخلّد) وأبنتي(ريام) وأخبرتهم بِوصُولِنا للمطارِ بِسَلام ، لِكونِ الجَميعَ كانُوا يتابعونَ مَعنا بقلقٍ غَزارةِ أمَطارِ ليلةِ أمسِ، وَما سوفَ يَحصلُ لَنا مِنْ جَرائها!
وَأَنا أرتشفُ القهوة بَعثتُ برسالةٍ إِلَى صديقي فِي القَاهِرة (أبو سارة / زُهير رَضوان) أخبرهُ بموعدِ وصولنا (مَطار القاهِرة الدولِي) ورقم الرحلة، بَعدَ لحظات جاءني الجَواب مِن صديقي (أبو سارة) أنهُ سوفَ يكون بالانتظار قبل هبوط الطائرة فِي بوابةِ الخروج!
ثمَ فَتَحتُ الهاتف النَقالَ، وأَدرتُ مُحركَ البحثِ (كوكل) وكَتبتُ (عَباس بْن فرناس) فَكل من يُسافر مِن وَإِلى بَغداد عَن طريقِ مَطار بغدادَ الدوليِّ ، لا بدَّ أن يَمر عَلَى تِمثالِ وسَاحةِ (عَباس بن فرناس):
 - فَمَنْ هُوَ يَا تُرى؟
-ومِن أيّ بلدٍ وأينَ ولدَ ومَتى توفيَّ؟
 - وَماذا كانَ يَعمل؟
 فالمعلومات التِي نَعرفها عَنهُ إِنه أَول من حاولَ الطَيران فِي الفضاءِ، وَماتَ بسببِ تلك المحاولة!
وَجاءَ الجَواب سريعاً مِنْ كوكل : ( هو القاسم عباس بن فرناس بن ورداس التاكرني (810-887 م) وهو عالم مخترع موسوعي، مسلم أندلسي،ولد في رندة في إسبانيا،في زمن الدولة الأموية في الأندلس،أشتهر بمحاولة الطيران، إضافة إلى كونه شاعراً وعالماً في الفلك والرياضيات والكيمياء)
ولد ومات في الاندلس(أسبانيا) ويرجع أصله إلى الأمازيغ، وللعلمِ لمْ يمتْ كما يُشاع عنهُ فِي محاولةِ الطيران!
وبالنسبة للنصب- التمثال- المقام لهُ فِي الشارع المؤدي لِمَطار بغدادَ الدولِيّ ؛ هو مِنْ عَملِ الفَنان العراقي (بدري السامرائي) فِي عام 1973...     
نَهضتُ مِنْ مَكانِي وأخذتُ جولة فِي صالةِ المَطار؛ فَقَد تَعرضَ المَطار إِلَى دَمار كَبير أَثناء احتلال العراق مِنْ قبلِ قواتِ التحالفِ الدولِي (عام 2003) ؛ رغم إعادة تأهيله بَعدَ التغيير لكن مساحة صالات المطار ومرافقه الخدمية الأخرى لَمْ تَزلْ تراوح فِي مكانها كما كانتْ منذ زمن بعيد، إلا تغيير طَفيف جرى عليها؛ السوق الحرة فِي صالة المطار مساحتها صغيرة وبضاعتها المعروضة محدودة جداً، المشروبات الكحولية أصبحت فِي خَبرِ كانَ!
وَ(مَطار بغدادَ الدولِي) قَبل تَغيير النظام السياسي الذي حَدث فِي العراق (نيسان 2003)كانَ يسمى (مَطار صَدام الدولِي) وَيعود تاريخ إنشاء المطار بَينَ الأعوام ( 1979- 1982) وهوُ مُصمم للاستخدام المدني والعسكري.
فِيما ذَهبتْ زَوجتي تَتَفرج عَلَى العطوِرِ في السوقِ الحرةِ؛عدتُ إِلَى (كافتريا) المَطار وأخرجتُ كتاباً مِنْ حقيبتي كنتُ قَد هيئته للمطالعةِ أَثناءِ هذهِ الرحلة، فقد كنتُ بشوقِ لقراءته ، إذ اشتريه مَعَ مجموعةٍ مِنْ الكتبِ مِن شارعِ المتنبي، خلال زيارتي للشارعِ والتِي أَحرص عَلى زيارتهِ كلِّ مرةٍ أزور العراق، أنهُ أحد الكتب التي تتحدثُ عَنْ الشاعر والأديب السوري ( محمد الماغوط 1934-ت 2006) عنوان الكتاب ( رسائل الجوع والخوف) تأليف (عيسى الماغوط) إصدار (دار المدى)، ورحتُ التهم صفحاته، مَعَ فنجانِ جديد من القهوة!
وللكاتب والشاعر ( محمد الماغوط) كتب العديد من المسرحيات ومنها المسرحية السياسية الاجتماعية الهزلية الشهيرة (كأسك يا وَطَن).
 
اعلنَ نداء مكبر الصوت التوجه إِلَى بوابة المغادرة للطائرة المتوجه إِلَى مطار القاهرة الدولي، توجهنا بسرعةٍ للبوابةِ ، كانتْ الاجراءآت التفتيشية روتينية بين اليدوية (الجواز والبطاقة) وأجهزة السونار وَجهاز (أكس راي) للحقائب المهم كانتْ سهلة وسريعة ، بعدَ أستراحة قصيرة تم السماح لنا لدخول الطائرة؛ وأخيراً حَلقت بِنا الطائِرة فوقَ (بَغداد) فَرحنا وَرحنا نحدق النظر بشوارع وأبنية (بغداد) وما يحيطها من بساتين النخيل والحقول، بعد أَن حلقت بعيداً بينَ وداع العراق ورهبة التحليق في الفضاء والخوف الذي تملكني وأنا أستمع لصوت من جوفِ الطائرةِ يتلو برهبةٍ (( دعاء السفر)) وكأني فِي رحلةِ للموتِ!
وزعتْ عَلينا الصحف المصرية فِي الطائرةِ (أخذتُ صَحيفة الأخبار والأهرام وأخذتْ زَوجتي صَحيفة رُوز اليُوسف) ورحنا نَتصفح صَفحاتها وأخبارها المتنوعة، وتناولنا وجبة غداء فِي الطائرةِ مَعَ القهوةِ والشاي.
  فِي الموعدِ المحدد لهبوط ِالطائرةِ الساعة الواحدة وخمسون دقيقة ظهراً مِنْ يومِ 29-10-2015 حَطتْ الطائرة بمطار القاهرة الدولي بسلام.
إلى اللقاء فِي الجزءِ الثالث/ مَعَ التحيات

34


مِنْ العَزِيزِيَّةِ إِلَى ربُوعِ بَلدِ الكِنَانَةِ /ج1

يَحيَى غَازِي الأَمِيرِيِّ
28-10-2015
هذه اللَّيْلَةُ هِيَ لَّيْلَتُنا الأَخِيرة مِنْ أيامِ سَفرتنا مِنْ مَملَكةِ السويِد للعراق، لكن قبلَ أنْ يودعَ النهار أنفاسه، تَلَبَّدَتْ السَّمَاءُ بِالغيُومِ، وَبدأتْ تهطلُ علينا بزخاتٍ كثيفةٍ مِن المطرِ غَير المتقطع، مصحوبةً بالزوابعِ الرّعديّة المدويّة، ويرافقها وَمِيضٌ ساطعٌ مِن البرقِ الوهّاج الذي يَجعل القلوب تطرب لمشاهدته وتهلع لِمَا يُصَاحِبُهُ مِنْ حَرَائِق وَأَحدَاثٍ غَيرُ مُتَوَقَّعَةٍ.
 مَعَ حلولِ المساءِ وَعَلَى أصواتِ الرعدِ المزمجرةِ وزخاتِ المطرِ المنهمرة ِ، بدأنا بِتهيئة ورَزم حقائب السفر استعداداً لرحلةِ صباح اليوم التالي، مِنْ بغدادِ للقاهِرةِ؛ أعددنا وجبة العشاء (اسياخ) مِنْ لحمِ الدَجاجِ ( تكة دجاج بالتوابل) مَعَ الطماطمِ المشويّة عَلَى الفحمِ فِي كراجِ البيتِ مَعَ الطُرشيّ وخبز التنور العراقي؛ ودعنا شقيقي( أبو بسام) وعائلته وكذلك أبن أخي(بسام وعائلته) وذهب كل إِلَى دارهِ، فبيتيهما بالجوار من(البيت الكبير، البيت هو إرثٌ للعائلة جمعاء ).
يَوم أمس كنتُ قَدْ اخبَرتُ زوجتي وأبن أخي (بسام) عَنْ توقعات الأنواء الجويّة ،وتَحذيراتها مِنْ المنخفضِ الجويّ الذي سَوفَ يَضربُ البلاد والمصحوب بِهطولِ الأمطارِ الغزيرةِ؛ كذلك سيصحبه انخفاضٌ قليلاً بدرجاتِ الحرارةِ!
مَعَ هطول أول زخات المطر، توقف تيار الكهرباء الوطنية- كما يسميها العراقيون- عَن تجهيزنا بالكهرباء، تحولت الطاقة الكهربائية  بشكل تلقائي عَلَى (المولدة الكهربائية ) المشتركون بها في الحارة بأجور شهرية، بقيتُ افكر وجلاً طوال فترة تساقط الأمطار الغزيرة التي لَمْ تتوقفْ؛ هل يتمكن سائق السيارة الذي اتفقنا مَعهُ أن يصل إلينا صباح الغد؟
وَهَلْ يتمكن مِنْ اخراجنا مِن البيت فِي(  قضاء العزيزيّة/ محافظة واسط ) ويصل بنا بسلام إِلَى مطار بغداد الدولي فِي غرب بغداد ( أبو غريب)؟
 المسافة تقدر بحدود (130 كم )؛ وبهذا الجو المشحون بزمجرةِ رعيده وبريقه، وأمطاره المدرارة الوفيرة المستمرة !؟
 مِنْ حينٍ لحين أُتابع نشرات الأخبار، فَفِي إِحدَى الفَضَائِيَّاتِ العِرَاقِيَّةِ تُعلِنُ ان يَومَ غَدٍ (عطلة رسمية) فِي (العاصمة بغداد) بسببِ استمراِر هطولِ الأمطارِ الغزيرة!
الخبرُ زادَ من قلقي أكثر؛ أذن عَلى ضوء معلوماتي وتجاربي السابقة العديد مِن مناطق بغداد وشوارعها سوف تَغرق وتُغلق مِنْ جراءِ هطولِ الامطارِ!
لَمْ أنمْ ساعة واحدة طوال ليلة أمس، فزخات المطر ووميض البرق وصوت الرعد ،وموسيقى خرير المياه من المزاريب، وهي تعزف لحن انشودة المطر، وصوت تدفق انسيابها تعيد بيَّ الذاكرة لأيامٍ خلت!
كنت أفكر بالحقائب الكبيرة الثقيلة التي معنا، كيف سوف ننقلها في حالة عدم تمكن السيارة صباحاً من الوصول الى باب الدار، هل سوف سنحمل كل هذه الحقائب - حقيبتان كبيرة واثنتان أخرى صغيرة -   الى الشارع العام على رؤوسنا (علماً إن الشارع ليس بالقريب)!
كُلَّ هَذِهِ الأَسبَابِ مجتمعةً ساعدتْ فِي طردِ النومِ مِن عيني، فزادَ فِي النفسِ القلق، فصاحبني طوال الليل الأرق.
 
كنتُ قَد اتفقتُ مَعَ صديقي(أبو حَوراء) سائق السيارة(التكسي)أنْ يأتي بسيارتهِ فِي الساعةِ السابعةِ صباحاً، فَموعد إقلاع الطائرة (المصرية) فِي الساعةِ (الثانية عشر وعشرين دقيقة).
29-10-2015
 فِي الساعةِ السادسةِ صباحاً اتصلت بابن أخي( بَسام، أبو أمير)، أَيقظته مِنْ النَّومِ ، طلبتُ منهُ الحضور لتدارسِ الموقف الجديد، عَلى ضوء كميات الأمطار التي هطلت وَلَمْ تزلْ تنذرنا بالمزيد، يقع بيت أبن أخي (بسام) مقابل بيتنا، تفصل بيننا ساحة ( مساحة فارغة شاغرة) يستغلها صبية الحي أحياناً كملعبٍ لكرةِ القدمِ!
كانَ مِن المفترض أن تكون هذهِ الساحة حديقة( متنزه) للحي الذي نسكنه منذ أول أنشاء هذا الحي عام (1983)، كَما مثبت فِي خريطة التخطيط العمراني الأساسي للحي، لكن الحمد لله لغايةِ تدويننا لهذه المدونة لَمْ تصادرها أو تتقاسمها شلة متنفذة، كَما حَدثَ ويَحدثُ فِي الحدائق العامة فِي عراق ما بَعدَ 2003؛ فالمتنزه كَما مثبت فِي المخطط العمراني الأساسي - مُسقط عَلَى الخارطِة -محفوظاً في الأدراجِ الرسمية لبلدية المدينة والدولة، ويُرحلُ مِنْ خطةٍ إِلَى خطةٍ وَمِنْ سنةٍ إِلَى سنةٍ أخرى!
 فَسَرَّحَتْ فِي تَفْكِيرِي بَعِيداً
 رُبَاهُ
كَمْ مِنْ التَّغَيُّيرِ فِي هَذَا الْعَالَمِ حَصَلَ
( 34 ) عَامًا مَضَتْ
 مُذْ سَكَنًا هُنَا فِي هَذَا الْبَيْتِ
 كَمْ مِنْ الْأَنْظِمَةِ شُرعَتْ وتَبَدَّلَتْ
 وَمِنْ الْحُكُومَاتِ تَعَاقَبَتْ
 وَمِنْ أمْوَالِ الشَّعْبِ بُدَّدَتْ ونُهبت
 وَ كم مِنْ الْحُرُوبِ نَشِبَتْ وَتَوَقَّفَتْ
 وَمِنْ النَّاسِ وُلِدَتْ وَمَاتَتْ
 أَوْ هَاجَرَتْ وَتَشَتَّتَتْ
لَكِنَّ مُتَنَزَّهَ سَاحَتِنَا وَشَوَارِعَ حَارَتِنَا
 عَلَى حَالِهَا لَا تَعْرِفُ التَّغَيُّيرَ،
 ثَابِتَةً عَلَى الْخَرَائِطِ كَمَا رُسَمَتْ .
  كَالْمَذْعُورِ صَرَخْتُ
 يَا إِلَهِي
  وَبِدَهْشَةٍ نَظَرْتُ إِلَى ارْتِفَاعِ النَّخَلَاتِ الْبَاسِقَاتِ
الَّتِي تَتَطَاوَلُ بِجُذُوعِهَا لِتُعَانِقَ السَّمَاءُ وسرعان ما
 رَجَعَتْ بِي الذَّاكِرَةُ مُسْرِعَةً
 إِلَى مَا قَبْلَ أَرْبَعَةٍ وَثَلَاثُينَ عَامًا مَضَتْ
 فَهَذِهِ النَّخَلَاتُ الثَّلَاثُ الشَّاهِقَاتُ
أَبِي هُوَ مِنْ
 اشْتَرَاهَا وَزَرْعهَا هُنَا
 وَبَعْدَ أَرْبَعِ سَنَوَاتٍ رحل من رعاها وأقامها ؛ فلقد مَاتَ
كمداً مِنْ هَوْل مَصَائِب الْحَرْبِ وَوَيْلَاتِهَا،
وَلَمْ تَتْرُكْهُ أُمِّي (أَمْ فَيْصَلٍ) وَحِيدًا فِي رِعَايَتِهَا بَلْ وَ شَارَكَتْهُ غَرْسَهَا وَسَقْيَهَا
وَاسْتَمَرَّتْ تَرْعَاهَا بُعْدٌ رحيله الأبدي بِعِشْرِينَ عَام .....
وَمَاتَتْ أُمِّي . . .
 وَبَقِيَتْ نَخَلَاتُ أَبِي وَأُمِّي تَحْكِي لِمَنْ بَقِيَ تَارِيخُهَا
وَتَساءلتُ مَعَ نَفسِي تُــرى ...
خِلَالَ هَذَا الزَّمَنِ
كَمْ مِنْ الْأَحْيَاءِ الْجَدِيدَةِ فِي الْمَدِينَةِ أُنْشَئتْ وإندرست؟
وَأَنَا أَسْتَفْهِمُ مِنْ نَفْسِي
هَلْ تَوَقَّفَ الزَّمَنُ كُلَّ هَذَا الْوَقْتِ فِي حَارَتِنَا؟
يَا إِلَهِي ؛ كُلُّ هَذَا التَّغْيِيرِ وَالتَّطَوُّرِ
الَّذِي فِي الْكَوْنِ حَدَثَ وَ جَرى
وشوارعُ ومتنزه محلتنا كَمَا تَصَامِيمَهُ  وُضَعَتْ
عَلَى الْخَرِيطَةِ كحَالُةٍ ثَابِتةٍ لا تغيير فيها؛ يَظْهَرُ هِيَ بَاقِيَةٌ مَا دَامَ الْوَضْعُ بَاقٍ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ...
أيقضني مِنْ أحلامي صوت أبن أخي (بَسام) وهو يبتسم:
ـ صَبَاحُ الخَيرِ عمو
 طمأنني وهوَ يبتسم
ــ لَا تَقلَق، أن السيارة يمكنها الدخول والوصول إِلَى بابِ البيتِ بسهولةٍ ويسر، فأن أرض الساحة  لغاية الآن لمْ تزلْ قوية ،إذ لمْ يمضِ وقت طويل عَلَى مكوثِ مياه الامطار فيها؛ وكذلك مفروشة أيضاً بمادة - السبيس- وهي خليط من الرمل والحصى، تفرش بها الأرض لتزيد مِن صلابتها،وتسهل مرور العجلات عليها فِي مواسمِ الأمطار.   
أخبرته :
- بأنني قررتُ أن أَتصلَ الآن بصديقي صَاحب السيارةِ المتفق مَعهُ أن يأتي الآن تحسباً للطوارئ، التي يمكن أن تصادفنا فِي الطريق.
 باشرتُ بطلبِ رقم هاتف صديقي (أبو حَوراء) وطلبتُ منهُ الحضور الآن بدل الساعة السابعة، وعدني أن يأتي فِي الحال، خلال دقائق وبسرعةٍ هيئنا الحقائب وكل مستلزمات السفر، وباشرت بالتقاط بعض الصور لحديقةِ المنزلِ وقد غطتْ مَرجها الأخضر ومَصاطب الأشجار والشجيرات مياهُ الأمطار الهاطلة؛ وكذلك التقطتُ بعض الصورة (للمتنزه الموعود) والذي تحول إِلَى بحيرةٍ تتلاطم فيها الامواج!
 وأنا التقطُ بالصور، أتصل بيَّ صديقي (أبو حوراء) وأخبرني أن السيارة قادمة خلال دقائق ويقودها شقيقه (عائد)وهو شاب مهذب، وسائق ماهر أيضاً.
 الساعة السادسة وخمسة وعشرون دقيقة بانَتْ السيارة فِي الطرفِ الأخر مِن البحيرة التي تكونت أمام دارنا، وَبحذرٍ وترقب وسياقة متمهلة وتوجيهات باليدِ وجهازِ الهاتف النقال مِن أبن اخي (بَسام) وصَلتْ السيارة لبابِ الدارِ بمشقةٍ ، لكنْ بسلام!
مَعَ وصولِ السيارةِ جاءت( أم بسام) زوجة أخي الكبير ومعها أبن أخي(رافد) الذي وصل منذ عدة أيام زيارة سريعة لأهله قادماً من السويد، شاركونا في إيداع الحقائب في صندوق السيارة ، وودعناهم بالقبلات عَلَى أملِ العودةِ مجدداً للعراق بأقرب فرصة أن شاء الله!
المطر لَمْ يَنقطع ، لكن خَفتْ كثيراً غزارة تساقطه، أنطلقتْ بنا السيارة بتمهـل؛ فجميع شوارع المدينة مغطاة بالمياه وكأنَ مجاري المياه متوقفة منذ زمن!
كانَتْ السيارة تسير بحذرٍ وتمهل شديدين، انطلقت السيارة بسرعة اكثر بَعدَ أَن دخلت الشارع العام الطريق الدولي الذي يربط المدينة بالعاصمة بغداد، الشارع خالٍ من الازدحام فالسير بهذا الوقت المبكر يؤمن وصولنا بشكل أسلم وأيسر.
السيارة تقضمُ الطريق بمسيرها للوصول للهدف؛ المطر يتساقط بشكل متقطع، وأحياناً يهطلُ بزخات شديدة الكثافة. كلما كنا نقترب مِنْ العاصمةِ كانتْ حركة السيارات في الشارع تزداد كثافة. لَمْ يكن الازدحام  شديداً ككلِّ مرة بالقرب من نقطة التفتيش خلف جسر ديالى- مدخل بغداد- يظهر أن ليوم العطلة أثر كبير في كثافة الازدحام اجتزنا نقطة التفتيش بسهولة وسرعة.
مَا أَنْ وَصَلنَا إِلَى التَّقَاطُعِ المُهِمِّ بِالقُربِ مِنْ مَدينةِ( بَغداد الجَدِيدة) والطريق المؤدي إِلَى ( مدينة الدورة) وهو الطريق الذي يوصلنا إِلَى مطار بغداد الدولي حتى بان الازدحام على أشدهِ.
إلى اللقاء في الجزء الثاني/ مع التحيات


35
أدب / طَعنَةُ الغَدرِ
« في: 17:42 28/12/2017  »

طَعنَةُ الغَدرِ
يَحيَى غَازِي الأَمِيري
بَعدَ أَنْ
نَكَثَ الخَلِيلُ
العَهدَ
بلا
أَدْنَى ذَنْبٍ أَو سَبَبٍ 
مُرتَكب
وَنَفَثَ السُّمَّ
الزُّعَافَ
بِوَقَاحَةٍ دُونَ
 وَجَلٍ
وَ
 انسَلَّ كالنَشَّالِ
وَ رَحَلْ ...
بَاتَ
الفُّؤَادُ المطعُونُ
بلَدَغاتِ أَفاعٍ
وَضِيعَةٍ ماكرة؛
شَـــــــــارِدَ الـــــذِّهْنِ
أَسِـــــــيرَ الحِيرَةِ
نَدِيمَ الوَحدَةِ
حَبِيسَ الشَجَن 
و
جَفَّا العَينين الكَرَى
  فَصارَ
 الجِسْمُ سَقِيماً
والعقلُ مَذهولاً
مِنْ
هَولِ
مُكرِ رَفِيقِ الدَربِ
وَخُبثِ
 طَعنَةِ
 خَنجَرِ الغَدرِ
وخِيانةِ المَلحِ بلا
خَجَل
وَ مِنْ
رُعبِ
 صَدمةِ
الجحودِ بالودِ
وَ الوَجدِ
فَزِعَتُ
وَلَمْ أَجِدْ
 مَنْ يُبْعدُ عَنِّي
  ذَاكَ
الْأَرَق
وَيُعِيدُ لِلجَسَدِ
المُسَجَّى
 النَّسَمَةَ
 وَ الألَق ...
فِيمَا
 صَوَّتٌ بِدَاخِلِيٍّ
 يَتَرَدَّدُ قلّ لَهُ
 وَ
 اسْتَرِحْ :
 إِذْهَبْ
 أَيُّهَا المُحتالُ المُخْتالُ
المُختَلّ
وَ
  أَعْلَمْ أَنَّكَ
  بِهَذَا الفِعْلِ
 الدَّنِيءِ الْغَادِرِ
 قَدْ قَتَلَتَ
  فِي ذَاتكَ
  الحُبَّ وَالوَفَاءَ وَالوَقَارَ
 بِذَاتِ الطَّعْن
وأعلمْ أني
قَد ايقَنتُ
إِنَ وقارُكَ
ما كانَ إلا زَيفاً فِي المُقلِ
إِذْهَبْ
فَقَدْ
أَفَاقَ الفُؤادُ مِنْ غَفلَتهِ
 وَ تَعَافَى المَكلومُ
مِنْ النَّازِلَةِ وَالعِلَلِ
وراحَ يَبرئَ
مِنْ سُمُومِ
رُضَابُ القُبَلِ
الخَادِعَةُ
وَ
سَعِيرُ أَهات الغَرَامِ
 الزائِفَة
وَ بصَبرٍ وَعَزمٍ
رَتَقَ
الجِرَّاحُ النَّازِفَة.
غَادِر أَيُّهَا الغَادِر
وَ أَنْتَ
بالخِذْلَانِ
مُحَاط
 وَ بالخَيْبَةِ وَ اللَّعْنَةِ
وَ بكلِّ
 الآثَامِ
  مُحَمَّلْ
هذيانٌ مَعَ الفَجرِ ، مالمو/ السويد في  28-12-2017
نَكثَ: نَكثَ العَهدَ أو اليَمينَ نقضَهُ ونبذهُ
الكَرى: النَومُ،النُّعاسُ
السَقم : المَرض
الوِدُّ : المحبُّ، الكثير الحبّ
جحود : إنكار، لم يتعرف به
الوَجد : الحبُ
المُختال: المتكبر، اِختالَ الشَّخصُ تصرَّف بطريقةٍ تدل على التَّباهي
مَكْلُومٌ : مَجرُوحٌ ، كَلَّمُ اللِّسَانُ أَشَدَّ مِنْ كَلَّم السِّنَان
النَّازلَةُ : اَلمُصِيبَةُ الشَّدِيدَةُ


36
أدب / خَلَجَاتُ الرَّحِيلِ
« في: 18:45 20/12/2017  »
خَلَجَاتُ الرَّحِيلِ
 
يَحيَى غَازِي الأَمِيرِي
غَادَرنَا الأَمَلُ
وَانْحَسَرَ العَمَلُ
وَأَصْبَحَ  العَيْشُ
يَسِيرُ أَسِيراً
مَحْصُوراً
مَا بَيْنَ بَيِّنَيْنِ
الذُّلِ وَالوَجَلِ؛
وفـِي الفَضَاءِ سَادَ
عَزْفُ مِزْمَارِ الهِجْرَةِ
معلناً
مُغَادَرَةُ الْوَطَن؛
فقَرَّرَتُ الرَّحِيلَ
بعتُ كُلَّ مَا أَمْلِكْ
مَحَلَّ عَمَلِيّ،
سَيَّارَتَيْ ،
مَصُوغَاتَ زَوْجَتِي
مَعَ أَعَزِّ الممتلكاتِ
بَيْتِي
حِضْنِ أُسْرَتِي
وَ مَلاذِي
2
قَدَمَايَ تَسَمَّرَتـا
أَمَامَ عَتَبَةِ الدَّارِ
عَيْنَايَ مَفْتُوحَتَانِ
مُغلقتانِ
لكنَهما
مَشْدُودَتَانِ
تُصَوِّبَانِ النَّظَرَ
لِهَامَاتِ سَعَفِ نَخْلَةِ ( التبرزل ) (1)
وَأَغصَانِ الليمُونِ
البارِزَةِ
فَوْقَ سُورِ قَلبي
المتوجّع
تَتَدَاخَلُ أَصْوَاتُ التَّوْدِيعِ والدُّعَــاءِ
وَنشِيجٌ فِي رَأسِي وَوجداني؛
وَبَدأ
قَلْبِي يَرْتَجِفُ
وَهُوَ يُهَاتِفُ
عَيْنَيَّ بِخَوفٍ
إبْصري
فَهَذَا
الْوَدَاعُ الْأَخِيرُ
لِلدَّارِ
3
مِنْ مُسْتَوْدَعِ الْحُزْنِ
سَرِيعاً بَدَأَتْ تَنْحَدِرُ
قَطَرَاتٌ مِنْ الدَّمْعِ
تَرَقرَقَتْ
فِي مآقي
العَيُون ...
أَوْصَدَتُ الْبَابَ
وَسَلَّمَتُ لمالِكِها الجَديدِ
المِفْتَاحَ
وَأَضفَتُ
 غَمَّ هَذَا اليَومِ
  فِي سِجِلِّ قَتام (2)
أَيَّامِي
4
وَ تَغَرَّبتُ
وَفِي صَدْرِيَّ غُصَّةٌ (3) 
وَ صَوْتٌ
لَمْ يَزَلْ
يَصْرخُ  في كُلِّ لَحْظَةٍ
لِمَاذَا...
 لِماذا هَشَمتمْ 
قَلْبَ البُلبُلِ
بإزمِيلِ الرَّحيلِ (4)
لِمَاذا...

هَذَيانٌ مَعَ الفَجرِ،  كُتبتْ فِي مالمو 20-12-2017

 (1) التبرزل : أحد أصناف أشجار النخيل العراقية الممتازة ،ومن أبرز ميزات نخيل (التبرزل) إنَ القمة غالباً ما تنشطر الى قسمين لتكون رأسين أو اكثر في النخلة الواحدة.

 (2) قَتام: ظَلام، سَواد ، الظلامُ كثيفُ السوادِ

(3) الغُصَّةُ: أَلمٌ وحُزنٌ وهمٌ وغمّ شديد متواصل

 (4) الإِزميل :آلة من الحديد أحدُ طَرفَيها حادٌ ينقر بها الحجر والخشب،أو لقطع الحجارة والخشب أو المعدن،وهي شفرة الحَذَّاء - صانع الأحذية-






37
أدب / رُهَــابُ المَطَـرُ
« في: 17:48 20/11/2017  »

رُهَــابُ المَطَـرُ
 
يحيى غازي الأميري
أنتَصَفَ اللَّيْلُ
جَدَدتُ كأساً مِنْ النبيذِ الأحمَرِ
أَجْلِسُ وَحِيداً فِي صَالَةِ شَقَّتِنَا
عَيْنَايَ مُتَسَمِّرَتَانِ
  لِلنَّافِذَةِ الْوَاسِعَةِ
تَرْنُو بِوَجَلٍ لمَنظَرِ
 إِنْهِمَار المَطَرِ
خَلفَ لَّوْحُها الزُجاجِي الشَفّافْ
وأَنا مُنهَمكٌ أستمعُ إلى أغنيّةٍ
شَجيّةٍ :
(بَيّنْ عليه الكبر... والحَيل راح الحَيل
 بالغربة ضاع العمر... وامساهر أويه الليل)
يُخَالِطَها صَوْتُ زَمجَرة المَطَر
وهَزِيْزُ الرِّيحِ
يُطيحُ بأوراقِ الشَجَرِ
ويَعْصِفُ بشباكِ نافذتِي
ويُخفِي ضَوْءُ القَمَر.
 سُحُبٌ رمادِيةٌ غامقةٌ
تَجرِي مُسرعةً
محملةً بمياهِ البَحَر.
يَومٌ مَطِر
ها قَدْ
مَضَتْ ثمانيّة ساعاتٍ متتاليةٍ
وَلَمْ يَنْقَطِعْ صَوْتُ الرَّعْدِ
 وَوَمِيضَ الْبَرْقِ
 وَخَرِيرِ الْمَطَرِ
أَيَّتُهَا السَّحْبُ الْغَاضِبَةُ
مُهِمّا تُبْرِقِينَ وَ تَسْكُبِينَ مِنْ الأمَطارِ
لَنْ أَخَافَكْ
إِنَّ الْبَيْتَ هُنا حَصِينْ،
والطُرقاتُ والشَوَارِعُ
والحَدائِقُ
فِرْدَوْسٌ أَمينْ.
رَحلتُ بَعيداً..بعيداً
بِذاكرَتِي
أَستذكرُ أشياءً مِنْ لَيالِي الخَوفِ
 الحَزينةِ.
 رُعْبٌ مُزْمِنٌ
مُسْتَقٌر
فِي أعماقِ صَدرِي
مِنْ أَشْيَاءٍ عَدِيدَةٍ 
أَوْرَثَتْنِي الْخَوْف وَالْهَلَع
مِنْهَا هُطُولِ
المَطَر
تَذَكَّرَت القَلَقَ الّذِي يُرَافِقُ 
أُمِّي
وهيَّ تُغَالِبُ الحُزْنَ وَالدُّمُوعَ
الَّتي تَكَورَتْ خَلفَ رمُوش
عَينَيها
وَهِيَ تَرتَعِدُ
تَوجساً
أنْ ينهارَ الجِدَارُ أو سقَّف الدَّار
أو يَتَهاوَى التَنُورُ
أو قُنُّ الدَّجاج
المُسْتَكِين فِي أَخَّرِ المَمَرّ
أو أنْ تغمرَ
المِياه
مَوضَعَ حَرز غلة الحُبوب
مِنْ كثرةِ تَساقُطِ المَطَرِ.
وكُلَّما اِشْتَدَّ المَطَر
ونَحْنُ نَجلسُ القُرْفُصاءَ
عَلَى ضَوءِ سِّراجٍ خافتٍ
حَولَ مَوْقِدُ الجَمرِ
تَتَحَدثُ أُمِّي
 بِصَوتٍ خَفيضٍ
عَنْ مأساةِ
بِرَكِ الماءِ
فِي شَوارعِ المَدِينَةِ
وتَخَبط ِ
 الأطفالِ فِي الأَوحالِ
 الَّتي سَوفَ يخلفها المَطَر.
خَلَّفَ بَابُ غُرْفَتِنَا الْمُغْلَقِ
 وَشُبَّاكِهَا الْمُوصَدِ
ظَلَامٌ دَامِسٌ
وَرِيَاحٌ عَاصِفَةٌ  تَزْأرُ
وكِلابٌ تَعْوي
مَعَ كُلٍّ
  وَمْضَة بَرْقٍ
وَصَوتِ رَعدٍ
أَبي يَبتَسِمُ ضاحكاً
 وَهوَ يُدَاعِبُ خَرَزَاتِ مَسبَحَتِهِ
وَ يُرَدِّدُ
بِصَوْتِهِ الوَقُورِ
- إِنَّ أَفْضَلَ أنْوَاعِ الخَيَرِ
 هوَ خَيْرُ المَطَر.
أَيُّهَا الْمَطَرُ، أَيُّهَا الْقَادِمُ مِنْ السَّمَاءِ
كَمْ أَرْعَبَتْنِي فِي لَيَالِي الصِّغَرِ
وَأنتَ تَحجِّبُ عَنْ عينيَّ
لَمَعانِ تَلألؤِ النجُومِ
ووَجهِ القَمَر.
يَا أيُّهَا المَطَر
يَا مانح المياهَ
 للحَياةِ
ومُدِيمِ عُنْفُوانِ الشَجَر 
كمْ أحُبّكَ
رَغمَ الذُعْر
المُستَتَر.
هَذَيَانٌ  مَعَ الْفَجْرِ ، مالمو فِي  20-11-2017
الرُهَابُ: وهوَ الخَوفُ مِنْ مُسَبِّباتِ الهَلَعِ المُختلفة
 بَيّنْ عليه الكبر: أغنية عراقية غناها المطرب حسين نعمة من كلمات الشاعر الشعبي فاضل لفته ، والحان الفنان عباس ضاري
هَزِيْزُ : صَوْت حادّ يُشبه الصَّفير، هَزِيْزُ الرِّيحِ: دَويُّهُا
عٌنْفُوان: زهْوه وغَطْرَسَته


38

مُخيمٌ للنازحِين فِي فَصلِ الخَريفِ
 
يحيى غازي الأميري
بَردٌ  و وَحَلٌ
وجُوعٌ و رِيح
هُوَ حَـالُ
لَيالِينا الغارِقَةِ بالجنونِ .
فَصْلُ الخَرِيفُ،
يَلسَعُنا  كسياطِ
الجَلادِين.
الآمالُ تَتَساقَطُ
مِنْ
سنِينِ العمرِ
مَثلِ
حَبّاتِ المَطرِ
فِي جَوفِ
رمالٍ قاحِلة.
مُستقبل أطفالنا
كأحلامِ الشَحاذِين
سَتَتَلَقَفها {إنْ عاشتْ}
المَنافِي
والأرصفةُ الخاويّةُ
إِنَها سنينٌ متناثرةٌ
متطايرة الأحزانِ
تَطايرَ أوراقِ شجرٍ
فِي مَهَبِّ ريحِ
الخَريفِ العاتِيّة،
أما حَياتنا ...!
فالمَوت هُنا  يَتَرَصَدُنا
فِي كلِّ حين،
والخَوفِ يُرافقنا
كالحِدادِ فِي
 مَقابرِ النازحِين.
سَلوى لِمَنْ لا سَلوى لهُ
سوى
الحُزْنُ يَسكننا
ويُؤَوّينا
بَعْدَ ما
  غَرَزَ العَوزُ و الإمْلاقُ
أَنْيابَ
الذُلَّ والفاقَةَ
و الحِرْمان فِينا
و
جَفَتْ
ضَمَائِرُ قُوَّادِ
رَكْبَ* الحَربِ
فِي سُوحِ المَيْادِين**
هذيانٌ مَعَ الفَجرِ ، مالمو في 15-11-2017
بعض معاني الكلمات التي وردت بالنص
* رَكْب: مَوكِب، قَافِلَة ، رَهْط
**مَيْدانُ الحَربُ : ساحَته


39
أدب / مُبْعَدٌ في البَردِ
« في: 18:15 05/11/2017  »

مُبْعَدٌ في البَردِ


 
يحيى غازي الأميري

هجومُ حَشْودِ الرزايا
يفجّرُ براكينَ الشَجنْ
ليةَ أمسِ أستقرَّ
فِي رأسي الأرقْ
عينايَّ حزينتانِ
وهما تُنصتان،
وتنظرانِ بقلقٍ
إلى زمجرةِ الريحِ العاتيّةِ
والمطرُ المجنونُ
 يُطيحُ بالرطبِ النضيدِ
من نخلاتِ أُمّي الغافيّة
فوقَ بساتين الحُبِّ  والحنين
طارتْ روحي بلَهْفَةٍ لتُمسِك
حَبّةً من التمرِ
ولتقبّلَّ عيونَ
حماماتٍ تلوذُ خائفة ً
بينَ سَعَفِ النخلِ.
أدركني الوقت مسرعاً.
شَهْرٌ ونُصف قَد مَضَّى
وعَصفَ بي شَوق و هَمٌ لما
يَنتظرني  فِي  غُربَتي
بعدَ ساعات سأغادر
دارَنا، كي أعود
لدارِ مَهجَري الجَديد،
فِي أقصى حدودِ البردِ،
قَلبي يعصرهُ الغَضب
كمنْ أَلمَّ بهِ الخَطْب
ولمْ أستطعْ أن اخمدَ ناراً
 امتدتْ بينَ الحَطب
فزادَ موقدُ أحزاني غضبا
*****
كنتُ أرنو برَهْبَة ٍ في عُمقِ عَينيها
 العسليتين وقَد غشاهما الهمُّ و التعب ؛
فما عادتْ ترى مما تعاني من وَصَبْ
 وامتَدتْ يديَ
  ألمسُ
 يَديها الواهنتين وما أصابهما
من عطبْ
وأهمُ بتقبيلِ وجنتيها ورأسها
لكن تكورتْ دمعتان كبيرتان
في مقلتي،
وأخرسَّ صوتي.
فجاءني صوتُ أُمّي
متهدجاً باكياً مستغيثاً
 ( تَمهلْ يا ولدي لا تودعني، تَمهلْ يابني
 لا تقبلني، لا لا تَبعدْ
وتَسحبُ من تجاويفِ القلبِ نفساً عميقاً
وبصوتٍ واهنٍ تحدثني:
أني بحاجةٍ إليك يا يحيى ، أبْقَ مَعِيّ ، هذهِ أخرُ أنفاسي
فما عهدتُ قلبكَ حجراً قاسياً)
 وغَطتْ دموعها رأسي.
لكمْ خجلتُ من نفسيِ
بكيتُ، واِنهارتْ دموعي
كاندفاع المياهِ من السـَّـــدِ
ففقتُ من صدمَتي
بعدما الدمعُ
نضبْ
فخرجتُ من الدارِ مكسورَ الفؤادِ.
حزيناً، مهموماً، مخذولاً
أتَعثرُ بخُطايّ
لا أعرفُ هلْ أحثُ الخُطى أمْ أَسيرُ على مهلِ؛
 لأبحث عن جوابٍ شافٍ؟
هلْ أعود لحضنها الدافي
أَمْ الغربةُ باتَتْ قَدَري
وبها قَدْ يَموتُ إحساسي؟

كتبت في مالمو 04-11-2017

معاني بعض المفردات التي جاءت بالنص:

خَطْب: مكروه؛ الجمع :خُطُوبٌ
الوَصَب: الوجع والمرض ، التعب والفتور في البدن؛ الجمع: أَوصابٌ



40
لُغة الفايكنج* (الرونيّة) في أُمسيةٍ ثقافيةٍ في مكتبةِ روزنكورد/مالمو

يحيى غازي الأميري
 (اللُّغَةُ هي نسقٌ من الإشاراتِ والرموزِ، تشكّل أداةً من أدواتِ المعرفةِ، تعتبر اللُغَة أهم وسائل التفاهم والاحتكاك بين أفراد المجمتع في جميع ميادين الحياة، وبدون اللغة يتعذر نشاط الناس المعرفي). هكذا جاء تعريف اللغة في موسعة المعرفة (ويكيبيديا )العربية.
 لم أكنْ على معرفةٍ بموعدٍ مسبقٍ للأُمسيةِ الثقافيةِ، الساعةُ الرابعة والنصف مساءً دَلفتُ لمكتبةِ( روزنكورد) قبلَ موعد إغلاقها بنصفِ ساعةٍ، لغرضِ أغادةِ استعارة (رواية) كنتُ قد استعرتها من المكتبةِ قبل عامٍ تقريباً، وارغبُ بإعادةِ مراجعتها لما تحويه الرواية من أحداثٍ وأسماءٍ وأماكنٍ ومعلومات مهمة عن الوضع السياسي العراقي لفترة مفصلية بتاريخِ اليسار العراقي، الرواية طويلة جداً أسمها (ليلة الهدهد) للكاتبِ العراقي المقيمُ بالسويد (إبراهيم أحمد)، صدرت عام 2013. 
عند دخولي مدخل المكتبة شاهدتُ إعلاناً بارزاً باللغةِ السويديةِ وضعَ في منتصفِ صالةِ المدخل، يعلنُ عن أمسية ثقافية هذا المساء. دنوتُ من الإعلانِ وبدأتُ بقراءةِ محتواه (هذا اليوم، مؤلفٌ في زيارةٍ لمكتبةِ روزنكورد ، خريف 2017 وصورة متميزة للكاتب ( قريب الشبه إلى صورة ِطرزان)رجل يناهز الستين من العمرِ، بشعرٍ طويلٍ مسترسلٍ ترك على طبيعتهِ، وذقن غير حليق؛ مدون اسمه الكامل:
Lars Magnar Enoksen
ومن ثم يوم الأمسية الثلاثاء 24-10-2017 الساعة 1700
وشرحٌ مختصرٌ عن الكتاب ِومؤلفاتهِ التي تشير إلى (26) كتاباً عن اللغةِ الرونيّة والحياة الأجتماعيّة التي زامنتها....
فتحتُ جهاز (الموبايل) ودونتُ اسم الكاتب في المنقذِ ( كوكل) أنه كاتبٌ سويدي من مواليد السويد/ مالمو(1960) يُقيمُ في مدينةِ (مالمو) مهتم باللغة (الرونيّة )، وبتفاصيل الحياة الاجتماعيّة والطبيعة في تلك الفترة التي انتشرتْ فيها هذه اللغة؛ قلتُ لنفسي أنها فرصة طيبة أن أدخل هذا العالم ، دخلتُ المكتبة كانت للتوِ قد اكتملتْ الاستعدادات من قبلِ موظفي المكتبة لتهيئة مكان المحاضرة (رُصفت مجموعة من الكراسي في وسط الصالة الرئيسة للمكتبة بحدود (20 ) كرسياً وأمامها وعلى بعدِ حوالي مترين في الجانبِ الأيمنِ وضعَ لوح للكتابة لغرضِ التوضيح ِوالشرح ِوالى جانبها الاخر وضعتْ منضدة رصفت عليها مجموعة من مؤلفاتِ الكاتبِ. 
المقاعد معظمها غير مشغولة، الجمهور بدأ للتو بالتوافدِ اخترتُ احد المقاعد في الصف الثاني، أحد موظفي المكتبه يحاول مساعدة المؤلف الضيف (لارس) في تثبيت لاقطة الصوت على رأسه، أخرجتُ هاتفي النقال و التقطتُ لهُ صورة  وهو يحاولُ وضعَ اللاقطة ؛ دونتُ أسم أول كتاب أمامي على المنضدة وأسم المؤلف:
Runor/ Lars Magnar Enoksen
وبدأتُ أقرأ شيئاً عن المؤلفِ وحول اللُغَةِ (الرونيّة)، وأتابع الصور على اغلفةِ الكتبِ التي اصدرها وكذلك اللوحات والشواخص والأحرف المكتوبة فيها.... 
 في الساعةِ الخامسةِ وقفَ إلى جانبهِ موظف المكتبة وقدمهُ بتعريفٍ مختصرٍ للحضورِ، موضحاً إنَ هذا النشاط من ضمنِ نشاطات فصل خريف 2017 في مكتبةِ روزنكورد/ مالمو، متمنياً للحضورِ أوقات طيبة.
عدد الحضور لا يتجاوز (15) فرداً من كلا الجنسين،الجميع سويديون.
بابتسامةِ غير متكلفة رحبَ ( لارس) بالحضور وبدأ يتحدث عما سوف يقدمه هذا المساء، ثم بدأ يسأل الحضور الواحد تلو الأخر عن مدى معرفتهم بالموضوع ، وعندما وجه سؤاله ليَّ:
ــ أجبتهُ أني لا أعرف أي شيء عن موضوعِ المحاضرةِ، قرأتُ الإعلان الآن وأنا أدخل المكتبة ورحبت بالفكرة ان اسمع وأشاهد.
فيما كان معظم الحضور من المهتمين في الموضوع هذا ما لاحظته إذ كثير منهم كان مهتمين بتدوين ما كان يشرحه في حديثه في دفاتر ملاحظاتهم.
اللُغَةُ (الرونيّة)هي احدى أسماء الأبجديات للغة الجرمانيّة القديمة والتي تعود الى العائلة اللغوية الهندية الأوربية وتكتب كمصطلح (اللغات الهندو أوربية).وتعتبر الابجديّة (الرونيّة) من اقدمِ الحروفِ الأبجديّةِ التي استعملتها القبائل الجرمانيّة القديمة وخاصة الدول الاسكندينافية، وأقدم المدونات لها تعود بعد ميلاد المسيح بـ ( 100) عام.
تحتوي اللُّغة الرونيّة الجرمانية القديمة على (24) حرفاً
وفي احدى الفترات اختصرها الفايكنج إلى(16) حرفاً وأطلقَ عليها اسم( فوثارك) بعد أن جمعوا الأحرف (الرونيّة) السبعة الأولى كما مبين في اناه الأحرف (الرونيّة ) وما يقابلها بالأحرف الانكليزية
 
Futhark
وأعطوا لكلِ حرفٍ من الحروفِ اسم لأحدِ أيام الأسبوع ، وكانوا يحسبونَ السنة على عدد الأسابيع( 52) أسبوعاً، يبدأ الأسبوع من يومِ الاثنينِ وينتهي في يومِ الأحد ثم يعاد حساب الأسبوع الذي يليه...
وعندما تناول فنون عَصْر الفايكنج كانتْ الفقرة المفاجئة التي فيها الغناء، عندما قررَ أنْ ينشدُ لنا مقاطعاً من الغناءِ في اللُغةِ الرونيّة ، عدّلَ من وقفتهِ ، وقفَ بشكلٍ مستقيمٍ ، مبرزا ً قليلاً إلى الأمامِ صدره للأعلى، وعلى مهلٍ أخذَ نفساً عميقاً وهو في حالةِ استرخاءٍ تام، وبدأ غناؤه بصوتٍ جهوريٍّ، أنهُ غناء أشبه بالصراخِ بلحنٍ متميزٍ، كانَ يُغني من أعماقٍ بعيدةٍ ، يسحبُ انفاساً متتالية عميقة خلال الغناء، كان الصوت الجهوري العالي، لا ينقطع لكن اللحن يتغير بشكلٍ واضحٍ من وقفةٍ إلى أخرى، كانت طبقات صوته من الطبقات العالية في أصوات الغناء الرجالي(التينور والباريتون).
كانَ صوتهُ رخيماً قوياً عميقاً ممتداً يشقُ عنان السماء، صوت الصراخ الفطري البدائي، كشخص يريد الاستغاثة أو النجدة أو التوسل بمسك ِشيء بعيد قصيّ لايريد أن يرحل عنه، أو أنهُ يريد اثارة الرعب في صفوفِ من يناديهم كنتُ اتصور إنهُ يريد بصوتهِ هذا أن يعبرَ المحيطات والبحار والجبال عبر الغابات الممتدة على مد البصرِ؟ أو أنه يحاكي السماء يتوسلها وينذرها ..
 كيف لا وهو الإنسان البدائي الطليق الذي يعيشُ في الشمالِ الاسكندنافي، الذي تحيطه البحار وتتقاسم تضاريسه الغابات والوديان الجبال ...
انشدَ لصوته الحضور و صفقوا  لهُ بحرارةٍ بعد الانتهاء من مقاطعِ الغناءِ.
عندما سألتٌ عن أسم الأغنية التي غناها كان عنوان ترجمتها الى اللغة السويدية :
Ett minne för livet
أنه فعلاً كانَ يناجي ذكرى من الحياةِ لا يريد أنْ ينساها
خلالَ المحاضرة تحدثَ المحاضر بشكلٍ عامٍ حول اللُغَة( الرونيّة) والتغيرات التي رافقتها بينَ مدينةٍ أو مقاطعةٍ ومدينةٍ أخرى، وكذلك تحدثَ المحاضر عن المرحلِ الثلاثة التي مرت بها الأبجديّة (الرونيّة) ،حيث أختلفتْ فيها أعداد الحروف المستعملة، وكذلك اختلفت اللهجات معها، وأوضحَ أن معظم مدونات اللغة (لرونيّة) وكذلك النقوشات التي عثر عليها كانت مدونة على الصخورِ والأشجارِ وشواهد القبورِ الحجريّةِ، خصوصاً في فترةِ عَصْرِ الفايكنج.
خلال فترة ساعة وربع كان قد نقلنا الى عالمٍ سحريِّ أخر، كانتْ محاضرة غنيّة بالمعلومات الجديدة المفيدة.
في ختامِ الأُمسيةِ قدمتْ للمحاضر هَديّة (كتابين) باسم موظفي مكتبة (روزنكورد في مالمو).
التقطتُ بعضَ الصور للمحاضرِ(لارس) وهو يدون على كتبهِ ـ المعروضة للبيع ـ التي اقتنى منها بعض الحضور، توقيعه واسمه واسم المقتني باللغَةِ (الرونيّة)، وكذلك طلبتُ من أحدِ موظفي المكتبة أنْ يلتقطَ ليَّ مع الضيفِ المحاضرِ صورة، ووعدته أنْ أكتبَ مقالة باللغةِ العربيةِ عن هذهِ الأمسيةِ الممتعة. 
أبرز المواضيع التي كتبَ فيها المؤرخ والباحث(لارس) كتبه الـ (26) والتي اصدرها :
اللغَة الرونيّة
عَصْر الفايكنج والأساطير القديمة
الدليل في قراءة وكتابة وتفسير الرونيّة
الحيوانات والطبيعة في الاساطير القديمة

مالمو في 28-10-2017
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 عَصْرُ الفايكنج:  وهيَ الفترة الزمنيّة التي تمتدُ من أواخرِ القرنِ الثامنِ حتى منتصفِ القرنِ الحاديِ عشر،ويُعتبر عَصر الفايكنج كفترة غير حضاريّة من تاريخِ بلدان ِالشمالِ والتاريخ الاسكندنافي، فقد سادت فيها الوحشيّة و كثرت فيها الغزوات والحروب وأريقت فيها أنهار من الدماء،ويعد شعب(الفايكنج) من الشعوبِ العنيفةِ،وقد عرفوا وذاع صيتهم بركوب البحر والقرصنة.
 


41
المَملَحة والكَافوُرُ

يحيى غازي الأميري
اِضطرابٌ وفوضى لكتلٍ بشريّة، يعجُ فيها المكان، صَخَب الباعة المتجولين وتدافع الجنود ومكبرات الصوت تزداد حدة، بينما الشمسُ بدأتْ تجرُ أذيالها متجهة نحو الغرب، كانت أضواء أعمدة الكهرباء العالية تحاول أن تأخذ مكان الشمس الآفلة!.
ضجيج ٌوأصواتٌ تتعالى وتتداخل وتتقاطع،الحشود تكبر في المنطقة.
اكتظت الساحة والأرصفة والشوارع بهم، ألف، ألفان ... الأصوات تتعالى أكثر، على بعد خطوات صوت جندي بملابس (مرقطة) يصرخ بهستريا:
ـ لا توجد سيارات، من الصباح لحد الآن لم تأتِ أيّ سيارة متجهةٍ للبصرة !
العديد من مجاميع صغيرة من الجنود، بوجوهٍ حائرةٍ غاضبةٍ، تتسارعُ باندفاعها تتقافزُ راكضةً باتجاهاتٍ مختلفةٍ، وهي تحملُ على ظهـرها أو بيدها حقيبةً أو كيسَ ملابس أو أكثر، وقع أصوات (بساطيلهم) ـ أحذيتهم العسكريةـ  يشدُّ إليه الانتباه فهي توحي بالقوةِ والصلابةِ والصرامةِ.
أزدادَ تجهم وجه (مُظَفَّر) وهو يسمع أخبار الحرب ويشاهد الفوضى العارمة التي أمامه، بنظرات حزينة وخطوات متكاسلة راح يرصد ما حوله.
 المكان يغصُ بمئاتِ العربات التي تبيع أنواع متعددة من المأكولاتِ، فيما عشرات من النسوةِ يفترشنَّ أرض المكان، و يشاركنَّ الرجال إعداد وبيع المأكولات والشاي؛ دخان وألسنة نار اللهب تتصاعد من(مواقدَ) عدةٍ أُعدتْ لعملِ أباريق الشاي.
في هذا المكان تباع أغلب انواع المأكولات والمشروبات الساخنة والباردة، بعربات منتشرة بدون نظام على جانبي الطريق وتغص بها الساحة الرئيسة لمَرْآبِ ( ساحة النهضة) وكلما ازداد حلكة الظلام يزدادُ توهج الاضاءة حول العربات من الفوانيس (اللوكسات)التي علقت بمواضع عالية نسبياً؛ فتبدد عتمة الليل وما حول العربة وما تحتويه من أنواع الأكلِ، في هذه المطاعم المتنقلة كل ما يخطر ببالك من أنواع المأكولات؛ فكل عربة متخصصة بنوع أو أكثر من الطعام ( التكة والكباب ومعلاك، والمخلمة والجلفراي، والبيض المقلي والمسلوق والشوربة والهريسة، والباقلاء بالدهن، والقيمر والعسل أو الدبس، والجبن وللبن والفلافل والعمبة والطرشي والصمون والشربت إضافة لبائعي الباجة)؛ فيما أصوات بائعي( السكائر والعلكة والحب) تصدحُ في كلِّ مكانٍ لتجلِب الانتباه إلى بضاعتها!
(أم جاسم) إمرأة قاربتْ الخمسين من العمرِ تفترشُ الأرض، وحولها ألتفت حلقة من الجنودِ، بين جالسِ القُرفصاءِ وواقفٍ، يرتشفون الشاي، في هذهِ الأثناءِ وقفَ(مظفر) بالقربِ منها وحياها بودٍ :
كيفَ صحتك خالة أم جاسم (هكذا يناديها معظم الجنود)
ألف هلا بيك ، ربي يسلمك من كل شر، ردتْ عليه (أم جاسم).
 أختار(مُظَفَّر) أحد المقاعد الأربعة بقرب (أم جاسم) والذي فرغ للتو، و بسرعةٍ عدلَ (الصفيحة المعدنية) وجلسَ عليها  واضعاً حقيبته على ركبتيه ضاماً لها لصدره، بدت المرأة الخمسينية التي يلفها السواد فيما يعلو وجهها ابتسامة مغلفة بحزنٍ عميق، وكأنها لا تتوقف عن الحديث والترحيبِ بمن يجلس ويقف حولها وهي تقدم لهم أقداح الشاي.
ـ تفضل وليدي، أشربْ بالعافية.
برشفاتٍ متأنية من (استكان الشاي) راحت عينا (مُظَفَّر) تسرحُ وتتجول في المكان، وتحلّق بعيداً... ؛ فلقد أنقضى أسبوع الأجازة سريعاً، بينما الهجوم على قاطع البصرة الفيلق السابع (الفاوـ المملحة)* لم يزلْ على أشدِ ما يكون ضراوةً. صوتُ المذياع من أحدى عرباتِ بيعِ المأكولات التي بجانبهِ يصدحُ عالياً بأغنية**:
( يا كاع ترابج كافوري،علساتر هلهل شاجوري).
 (مُظَفَّر) يقشعرُ بدنه عند سماع هذه الأغنية، يتخيل نفسه جثة هامدة عارية ملقاة في (المغيسل)، إذ كان والده قد قصَ عليه كيفية تغسيل جثث الموتى بـ (الكافورِ)*** قبل تكفينهم.
كلما زادَ إيقاع صوت الأغنية صادحاً كانَ يسري رعب مخيف في بدنه ويتسلل لقلبه، نهضَ من مكانه فزعاً مرعوباً وراحَ يحثُ الخطى بين الجموعِ، وهو يحدثُ نفسه:
(ست سنوات مضتْ يا(مُظَفَّر) وأنتَ جندي مشاة أحتياط، ست سنوات وأنتَ تجوب جبهات الحروب متنقلاً ما بين موضعٍ موحلٍ رطبٍ وملجـأٍ مظلمٍ نتنٍ، تطوفُ السهول والوديان والجبال وأنت مسلوب الإرادة والرأي، تُسيّركَ وتقودكَ الى حتفِك الأوامر والتوجيهات والقوانين الصارمة،ها أنتَ تلفُ البلادَ طولاً وعرضاً أينما أشتد سعير القتال، تقذفُ بكَ إليها الاقدار والأوامر! ... إلى متى تبقى هكذا بلا زوجة بلا بيت بلا أولاد بلا رأي بلا هدف لحياتك، قلْ ليَّ بأيّ شيء نفعك بكالوريوس الفلسفة، وتعلقك بهذيانها.)
يقهقهُ (مُظَفَّر) مع نفسه: ويرددُ فَلْسَفة تعني(حب الحكمة)و(طلب المعرفة) أو(البحث عن الحقيقة)،ها قد مضتْ(عشر) سنوات على تخرجك؛ فهل جمعت خيوط البحث عن الحقيقةِ لفلسفةِ البطشِ والحروبِ والدمارِ وآخرها القتال في (المملحةِ)، يظهر يا (مُظَفَّر) إن حقيقةَ نهايتك وكافورك ستكون المملحة وملحها!
الساعاتُ تمضي مسرعة الواحدة تلو الاخرى، وهو يَركْضُ مع الحشودِ الهائجة ذات اليمين وذات اليسار، كانت كلُّ حافلة كبيرة لنقلِ الركابِ حين تقتربُ من (ساحةِ النهضةِ) ومع وصولها، تبدأ حشود غاضبة من العسكرِ، سباق الوصول اليها، والجري بِجانِبها وخَلفها،وهي تصرخُ وتضربُ بأيدها على بدنِ السيارةِ، تحاولُ جاهدةً أنْ تحاصرها وتوقفها؛ ولقد حوصرتْ أكثر من سيارةٍ، رغم الشجار والصراخ وسيول الشتائم التي يطلقها العسكر الغاضب، لكن معظم السائقين لم يفتحوا ابواب سياراتهم.
عادَ(مُظَفَّر) ليجلس على ذات (الصفيحة المعدنيّة ) المحاذية لـ (أم جاسم) ، سلمَ عليها بمودةٍ ، فهو يعرفها من كثرةِ تردده على كراجِ النهضةِ لسنواتٍ عديدةٍ ، فـ (أم جاسم) منذ بداية الحرب وهي تبيع الشاي بذات المكان ، وبمثل هذا الوقت من المساءِ حتى صباحِ اليومِ التالي!
ناولته (استكان شاي) وهي تسأله:
ـ تزوجت بعدك، ما شفتلك بت حلال؟
أجابها على الفور :
ـ يظهر القسمة بعدها ما تريد تصير!
ـ ألله كريم ولدي لا تّكُول هِيج، كل ساعة وإلها فرج.
يصمت لحظة وهو يدور بالملعقة في (استكان) الشاي:
ـ الله كريم والله يستر.
عيّنا (مُظَفَّر) تراقب منظر الجنود المتزاحمة في حركتها وهرجها ، لكنه يسرح بعيداً بتفكيرهِ، وهو يرتشفُ الشاي؛ فيعيد الموقف الصادم الذي واجهه قبل اسبوع ساعة وصوله البيت في هذه الاجازة من جبهة الحرب، والذي كاد أن يلقي فيها حتفه  قبل أن يتسلم اجازته هذه بثلاثة أيام، فقد بوغتت وحدته العسكرية بهجوم صاعقٍ ساحق، راح فيها معظم منتسبيها بين أسيرٍ وشهيدٍ وجريحٍ و مفقود، لم ينجُ من هذه المأساة إلا بضعة جنود ، ومجموعة صغيرة اُخرى فقط (عشرة جنود) و(مُظَفَّر) معهم إذ كانوا في مهمة خارج المنطقة في نفس الساعة التي حدث فيها ذلك الهجوم المشؤوم.
يحدث نفسه رباه... ماذا حدث لي آنذاك ؛فما أن وصلت عتبة الباب، أحسست أو هكذا كان شعوراً بداخلي، أن شيء ما قد حدث في البيت أو حوله، الشارع فارغ، والوقت ليلاً الساعة قاربت السابعة مساءً ، والشتاء والبرد والظلام والسكون يُخيّـم على المكان، وحين فتحت باب الحديقة، واندفعت متجهاً للبيت أخذتُ اقطع على عجل ٍبخطوات متسرعة الممر حتى باب المطبخ؛ فطرقتها طرقاً خفيفاً، كانت (أمي) متشحة بالسوادِ، وماهي إلا لحظات حتى تفتح الباب بسرعةٍ وتهجم عليَّ وتحتضنني وهي تقبلني عدة قبلات في رأسي و وجهي، ولم تنقطع من الكلامِ وهي تقبلني :
ـ الحمدُ الله على وصولِكَ سالماً، محروساً بالله ، الرحمن يحرسك ويرعاك.
قبلتُ رأسها ويديها ونظرتُ الى وجهها كانتْ الدموع تسيلُ على خديها، وهي تنشج بالبكاء، وقفتُ كالمذهولِ أحدق بها،قلبي يخفقُ بقوةٍ ووجلٍ، فيما دارت عيناي في البيت تبحث عما يوجد فيه من الأهل، لا صوت ولا حركة في البيت زاد خوفي أكثر.
ـ ماما خير أَشو ولا واحد بالبيت، أين أبي أختي سعاد، أخي راضي؟
عاجلتني بالجواب: أسمعْ أبني( خطوبتك ما راح تصير بهذه الاجازة)
كدتُ أسقط من هولِ ما سمعت، لكني تمالكت نفسي لأستمع حتى نهايةِ الخبرِ.
 وأردفت قائلة:
ـ صديقكَ(حسان) أخو خطيبتك (هناء) قبل ساعتين(شيعوه) إلى جوارِ ربه؛ وأبوك وأخوك (راحوا وياهم  للنجف)، وأختك (سعاد) عندهم الان في البيت.وتصمت لحظة وتردف بتأفف وهي تهز برأسها بحسرة وألم :
ـ يظهر مَملحمة الفاو راح تصيرعلينا مقبرة الفاو!
أصوات من جموع الجنود تتصاعد بالقرب منه وحوله.
سلمَ (استكان) الشاي بيد (أم جاسم) وهو يردد معه نفسه:
 ـ (مَملحة وكافُور) يبين قربت نهايتك (مُظَفَّر).
أنتصفَ الليل، رغم الملابس العسكرية الشتوية الثقيلة التي يلبسها (مُظَفَّر) لكن برد شهر(شباط) قد بدأ يدب في أطرافه؛ وخصوصاً قدميه، الكتل البشرية لحشودِ الجنودِ أزداد عددها بشكل كبير باتتْ عدة آلاف ضاقتْ بهم الساحة والأرصفة ، وبدأت تنزل إلى الشارع الرئيسي ذي الاتجاهين؛ فانقطعتْ تماماً حركة السيارات في الشارع، لكن لم تنقطعْ الأناشيد والأغاني الحماسية وهي تنطلق من عربات الباعة.
 نهض (مُظَفَّر) من مقعده، عدل ملابسه ، وأحكم شدَّ (النطاق) ـ الحزام العسكري ـ على خصره ، وحمل حقيبته على ذراعة ، وغاص بين جموع الجنود الباحثة عن حافلةٍ تقلهم؛ فعليه أن يصل بالوقتِ المحددِ الى مقرِ(الفيلق السابع) في (البصرة) ومن هناك سوف يعرف اين سوف يصبح مقر ما تبقى من وحدته العسكرية، هكذا كانت التعليمات عندما سلمت له الاجازة الدورية.   
على بعدِ مئات ٍمن الامتارِ من مَرْأب (ساحة النهضة) وفي شارعٍ جانبي تقف عدة حافلات كبيرة لنقل الركاب، موصدة الأبواب يدور حول كل واحدة منها مئات من الجنودِ الحانقةِ.
توقف برهة أمام لافتة كتب عليها (دورة مياه عامة) شعر بحاجة شديدة للتبول، رائحة (اليوريا) المنبعثة من المكان تُزكم الانوف لكن عليه ان يدخل المكان، إذ لا يوجد في المنطقة غير هذا المكان، ربع ساعة بقي يراوح في مكانه حتى جاء دوره للدخول، و دلف داخل التواليت، وأحكم اغلاق الباب خلفه، المكان قذر والرائحة فيه مقرفة ، وعلى عجلٍ فتحَ (سحاب) سرواله، و أفرغ مثانته وخرج مسرعاً ،وليجد الازدحام على أشده على (مغسلة التنظيف) الوحيدة في دورة المياه، فتح صنبور الماء جاء الماء المتدفق بارداً وهو يدعك (بالصابونة)بين كفيه، شعر أن يديه كادت أن تتجمدا؛ غادر دورة المياه، بعد ان نقد الرجل الذي يجلس في الباب على كرسي متهالك، عملة معدنية صغيرة ، ثمن دخوله، غادر المكان بخطوات سريعة وراح يتنفس بقوة هواءً منعشاً جديداً باردً؛ فشعر براحة تسري ببدنه.       
نشراتُ الأخبار لم تزلْ تؤكد استمرار القتال الضاري لصدِ الهجوم في قاطع ِ(الفاوـ المملحة)؛ فيما نداءآت  تحث المواطنين (للتبرع بالدم) لم تنقطعْ منذ عدة أيام؛ صوت مسجل معلق بأحدى عربات بيع الأكل يبثُ أغنية (أحنا مشينا للحربْ) يصدح ُبأعلى قوته، يطغى على نداءآتِ التبرع بالدم!
صوتٌ مُحْتد يُلقي خطاباً على رهطٍ من الجنود التي تلتف حوله، والتي بدأت دائرتها سريعا ًتتوسع ،بينما(مظفر) يحاول الدخول وسط هذا الرهط لسماع ما يدور؛ فيما صوت هائج حانق يتوعد في دائرةٍ اخرى تكونتْ سريعاً بالقربِ منه.
مع اقتراب ضوء فجر الصباح، بدأت زخاتٌ كثيفة من الرصاصِ تهز المنطقة، وتفزع الحشود، لكن لم يُعرف مصدرها، ولم يأبه أحدٌ بها.
بلبلةٌ وهيجانٌ كبير ينتاب المجامع المنفعلة من الجنودِ التي بدأتْ تركل بأرجلها وقبضات ايديها الساخطة أحدى الشاحنات الكبيرة الواقفة؛ فيما مجموعة كبيرة أخرى من الجنودِ وهي تطلق العنان لهستيريا صراخها تحاول أن تقلب الشاحنة الأخرى التي تقف بجانبها.الأصوات الغاضبة تتعالى أكثر، تزداد الحشود التي تلتف حول الشاحنات وهي تحاول قلبها،العسكر الهائج يقلب الشاحنة (السائق ومساعده) داخل الشاحنة المقلوبة يستغيثان ويحاولان الخروج من شبابيك الشاحنة.
جَمْهَرة أخرى من الجنود تقلب السيارة الثانية وآلاف من الجنود تتجه مزمجرة هادرة نحو السيارات الأخرى ، أصوات وقع كعوب اقدامها وهي تضرب في اسفلت الشوارع تزيد الموقف اكثر هيجاناً واندفعاً، الشارع الرئيسي(هائج مائج) بالجنود المنفعلة والتي بدأ يعلو أكثر صُخب صراخها وهتافها. فوضى عارمة تطغي على هدير اصوات أغاني المعارك، الحشود الساخطة تقلب سيارات أخرى وتهشم زجاجها، وعلى غفلة إحدى الشاحنات تشب فيها النار، وتبدأ النار تلتهمها بسرعة أصوات هائجة تحذر من الاقتراب من السيارات خوفاً من انفجارها نتيجة الحريق.
زخات متقطعة من الرصاص تنطلق من جديد، حشود الجنود تتشتت تركض بمختلف الاتجاهات، كما الأمواج المتلاطمة ، تتداخل اصوات أزيز الرصاص والصراخ والعويل والصياح وصخب الأغاني والموسيقى والنداءآت والهتافات ،حالة من الفوضى المجنونه تضرب المكان.
أصوات تنادي : {المكان مطوق أينما تذهبون،هنالك قوات من الحرس الخاص، ولواء من الحرس الجمهوري المدرع والانضباط العسكري والاستخبارات العسكرية تطوق المكان}.
يعود (مُظَفَّر) مسرعاً الى موقد (أم جاسم) ويقف بالقرب منها يراقب المشهد، أحد المقاعد فارغ يحوله بالقرب منها ويقف ممسكاً بالمقعد بين رجليه واضعاً الحقيبة فوقه.
تلتف (أم جاسم )إلى (مُظَفَّر) وتسأله بصوت مرتجف:
ـ شكو يمه، شنو إلي صار؟
(مُظَفَّر) يدنو برأسه بالقرب منها وبصوتٍ خافتٍ حذرٍ، يهمسُ بإذنها :
ـ الحكومة تطوق المكانْ.
حركة الجنود تزداد سرعة وعنفاً، ركضٌ وتدافعٌ وصراخٌ هستيري في عدةِ أماكن ، عشرات من الجنودِ تتحدثُ في وقتِ واحد وهي تصرخُ بشكلٍ منفعلٍ تحاولُ أنْ تهدَأ الجنود الغاضبة.
صوتُ أزيز الرصاص يهدرُ من جديدٍ وبكثافةٍ ودويٍ أشد، أصوات مدافع رشاشة تطلق زخاتٍ متتاليةً من الرصاصِ الكثيفِ من عدة ِأماكن، تُطغي على كلِّ الأصواتِ، أنها كأصوات مدافع الرشاشات المدرعة في جبهات القتال، مجاميع عديدة من الجنودِ تتراكض من جهةٍ إلى أخرى، اضطراب وفوضى عارمة تعم المكان، يقتحمُ لفيف من الجنودِ المتدافعين مواقد الشاي، أصوات تكسر الاواني والأقداح المرتطمة بالجنودِ والأرضِ، تسمع مع  صوتِ الرصاصِ الذي ينطلقُ مدوياً من كلِّ الجهاتِ، يسقطُ أحد الجنود على موقدِ وأواني الشاي التي أمام (أم جاسم) ووجهه مضرج بالدماء، تطلقُ (أم جاسم) صرخة مدوية وهي تحاول جاهدة أن تنهض من مكانها لمساعدتهِ؛ لكنها تسقط  بـ (صلية) من الرصاص الذي يخترق ظهرها، لينبثق الدم كالنافورة من خلفِ عباءتها، فتسقط على وجهها جثة هامدة.
انحنى(مُظَفَّر) صارخاً بهستريا كمن فقد عقله خالة (أم جاسم) محاولاً مساعدتها؛ فيما قبضة ككماشة من الفولاذِ تمسك برقبته وأخرى بذراعيه وتطرحه أرضاً، وصوت يصرخ بأذنه أي حركة سوف أضرب رأسك بالرصاص.
 مُكبِرات الصوت للقوات المهاجمة تطغي على كلِّ الأصوات ِ وهي تحذر الجميع من الحركةِ، و تكرر:
ـ تَحْذير، على الجميع أنْ يبقى ثابتاً في مكانهِ.
 
قصة قصيرة من خزين الذاكرة
مالمو/ السويد
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*المَملَحة : ( ممالح الفاو) وهي عبارة عن أحواض متعددة تصب الواحدة بالأخرى، وهي أراضي عراقية وقعت فيها معارك دامية خلال فترة الحرب العراقية الإيرانية للفترة 1980ـ1988  .
وورد في الموسوعة الحرة (ويكيبيديا ) تعريف ممالح الفاو : هي قنوات مائية غير مبطنة تسبب رشح المياه المستمر فيها إلى باطن الارض إلى ارتفاعها المستر حيث بدأت تتجمع على سطح الأرض وبسبب شدة التبخر من سطح المياه المكشوفة إلى (2,5)متر في السنة مما يؤدي الى تركيز الأملاح وتحويل المياه المكشوفة الى ممالح، تقع وسط شبه جزيرة الفاو جف الماء فيها بمرور الزمن وتحولت الى مناطق تجمع الملح.

**نشيد ( اغنية ) حماسية، أو تعرف بالأغاني الوطنية:  أنتشر هذا النوع من الأغاني  بشكل سريع اثناء فترة الحرب العراقية الإيرانيّة( 1980ـ1988 ) ؛ لحث الجنود على القتال بعزم وحماسة واندفاع حد الشهادة، وكلماتها تعبر عن حب الوطن أو الحاكم ، وتكون قصيرة وقليلة الابيات وتغنى بشكل فردي او جماعي.
*** الكِافُور: نوع من أنواع الاشجار المعمرة الدائمة الخضرة تعود للفصيلة الغارية، تحتوي أورق الكافور و ازهاره وقشرته على زيت عطري،يستعمل في العلاجات الطبية، ومن سنن تغسيل الميت عند (المسلمين) يستعمل الكافُور لتطيب رائحة بدن (الميت) و يمنع روائح الجسد الميت من الانتشار بسرعة.

   

42
أدب / حزنٌ و ضجرٌ
« في: 21:31 12/06/2017  »


حزنٌ و ضجرٌ


يحيى غازي الأميري

 (1)
ضجرٌ
اِحتارَ(سمير) وهو يقلبُ قنوات التلفاز                                   
أيّ قناةٍ يختار
بعد َأنْ ترادفَتْ عليه الأخبار
بينَ موتٍ وانفجارٍ
وسرقاتٍ وخيانةٍ وانهيار.
ضُجَّ رأسُهُ بالأفكار
وخيّمَ عليهِ القلقُ والضجر
لأيِّ مكانٍ يتجه
لقتلِ هذا النهار
هل، يبقى يتابع نشرات الأنباء؟
أم يذهب للتجوال في الأخطار
حتى موعدِ الإفطار؟
فحكمَ عقله أن يذهبَ الى الاْستِخارةِ !
 فجاءَ الجواب
 أن يبقى ملازماً للدارِ ومتابعٍ للأخبار.
(2)
نشرة الأخبار قبل  مائدة الإفطار
في أرضٍ جرداء
بيتٌ من الطينِ،
تلاصقُ جدارهِ المتهالك
نخلةٌ واحدةٌ عالية الجذع.
الريحُ ساكنةً ، في حرِّ صيف العراق، قرصُ الشمس
يميلُ للغروب.
امرأةٌ عجوز تسجرُ التنور
من فوهةِ التنورِ
تتصاعدُ مسرعة ً كتلة من
دخانِ كثيف، يتبعها وهجُ  نارٍ مستعر
 بجانبِ العجوزِ
 تقفُ صبيةٌ متيقظة، بشعرِ أشعثَ
لوحتْ وجنتيها الشمسُ، فزادتها حمرةً وسُمرة،
 تمدَّ الجدةَ بالحطب
وشابةٌ يافعةٌ، تتسربلُ بالأسودِ
ووجه يلبسه الآسى
 تقفُ بالقربِ من دكةِ التنور
 تقتطعُ على مهللٍ أجزاءً صغيرةً من كتلةِ العجين.
وتدورها وترصفها جنبَ بعضها بعنايةٍ ودقة .
امرأةٌ أخرى على مرمى امتارٍ
تفترشُ الأرضَ
تجلسُ على عجزها وهي تحلبّ بقرة ،
الدجاجُ منتشرٌ حولهما

وتحتَ ظلِّ النخلةِ والحائطِ الطيني،
بُسط سماطٌ وبساطٌ يفترشه كهلٌ
ضريرٌ وصهره،
يسمعان من المذياعِ
موجز النشرة.
وأطفال عشرة
تدور حول البساط والتنور والبقرة.
(3)
(سبايكر) مجزرة العاشر من حزيران 2014.
في كلِّ مكانٍ من أرضِ الوطنِ
من الفاوِ حتى مقبرةِ وادي السلام
منذْ أنبلجَ فجرُ الصباح
افواج ٌ من الرجالِ توشحهم الحزنُ والشجن
جموع ٌ من الثَكالى
من أعينهن تنهمرُ سيول الدموع،
مُجللاتٍ بالسَّواد وبأيدهن الشموع.

أعياهنَ الضَّيمُ والظلم
يتجرعنَ على مضضٍ
مرارةِ الصَّبرِ، وجورِ الدهور
و ألاف من الأطفالِ اليتامى
تتجمعُ بحلقاتٍ قرب محلاتِ سكناهم   
 بوجوهٍ باكية ٍ
حائرةٍ، لفحها وهج الشمس
وهم يحملونَ صور ابائهم
يسألون المارة في الشوارعِ
والخارجين من ابوابِ الجوامعِ
فيما مجاميع منهم،
يقرعون شبابيك القابعين في الصوامع
وجميعهم يكررون ذات السؤال :
هل يوقدون الشموع؟
أمْ يبقون، سنة أخرى
بانتظارِ نتائج التحقيق،
لكشف ملابسات المسؤول
عن المجزرة ؟!
(4)
مارش النصر
قيظُ الصيف ، يلهبُ الابدان
موسيقى مارش عسكري يصدح 
القائدُ متبختراً بالنصرِ يسير
 في قريةٍ مهجورةٍ
خلفتها الحرب يبابْ
مئات الجنود
 تحث الخطى خلف القائد
ومجاميعُ أخرى تلتفُ حوله
 تحرسهُ بفوهاتِ البنادقِ
وحدقاتِ العيون.
يجلسُ (سمير) محدقاً بشاشةِ التلفاز
وصوته بدا خفيضاً يهتف
_ نعم هذا هو وضع العراق
ومع موسيقى المارش العسكري
زادَ صوتهُ حدة ً
 حتى صاح
بهياجٍ شديد
(عاش العراقْ. يصمت قليلاً ، ويسحبُ النفس العميق
ثم يبدأ بالهتاف:
 عاشَ العراقْ
عراقُ الضحايا
عراقُ السبايا
عراقُ الرزايا
عراقُ المنايا
عراقُ المحن)
(5)
فطور رئاسي
في المساءِ
وباحتفالٍ رئاسيٍ مهيب
في صالةِ أكبرِ فندقِ في البلادِ
 يقفُ القائدُ مخاطباً
ضيوفَ مأدبته الرمضانية الباذخة
{اليوم أيها الأكارم، أقمت على شرفكم هذه المأدبة.
لنحتفل معاً
 بانتصار الديمقراطية
وبنصرنا المؤزر.}
 ـ لحظة من الصمت  ـ
يرتفع صوت القائد : اللهم لك صمنا ، وعلى رزقك أفطرنا ،فتقبله منا.
وهو يرفعُ بيمينهِ قدح اللبن وبيسارهِ شوكة ثبتَ في طرفها
 حبةً من تمرِ التبرزلْ
(6)
حـرب ترمبْ
الحَـربُ خـطرٌ
الإرهابُ خطرٌ
قطرٌ في خطر
الإرهابُ يأتي منَ الجزيرةِ وقطرْ
 الخطرُ يحدقُ في قطر.
الحربُ والإرهابُ
 يخلفان
 العذابَ والخرابَ
 والحرمانْ.


مالمو في 10 حزيران 2017
معاني بعض المفردات التي جاءت بالنص كما وردت في قاموس المعاني:
اِحتار:ظلَّ سبيلَه ولم يهتدي للصواب، تردَّد وشكَّ
العَجزُ: مؤخر الشيء؛ الشطر الأخير من بيت الشعر
السِّماطُ: ما يُمَدُّ لِيوضَعَ عليه الطعامُ في المآدبِ ونحوها.
ثكلَى:الجمع ثَكالى، اِمرأةٌ ثَكْلَى،فَقَدَتْ أبنِها، أيْ مَفجُوعةٌ بهِ.







43
اختتام الدورة الصحفية التطويرية في مالمو
   
يحيى غازي الأميري
(أن يعض كلب إنساناً فهذا حدث عابر، أما أن يعض إنسان كلباً فهذا سبق صحفي)*

اختتمت يوم أمس الدورة الصحفية العربية التطويرية في مدينة مالمو، والتي نظمتها شبكة بيدر، بالتنسيق مع مؤسسة بيدر للإنتاج الإعلامي ومؤسسة( أن بي في).
وزع برنامج الدورة المكثف، على مدى أربعة أسابيع متتالية ، وبمعدل ثلاثة أيام من كل أسبوع، أشتمل البرنامج على ومواضيع أكاديمية في علم الصحافة، و دروس عملية تدريبيه تطبيقية، للمواضيع التي تم تناولها.
من أبرز المواضيع التي تم دراستها في الدورةِ: الخبر الصحفي، مصادر الخبر، التقرير الصحفي والتحقيق الصحفي والفرق بينهما، الصحافة الاستقصائية، نشرات الأخبار وطريقة تحريرها وتقديمها، فن الإلقاء الصحفي، إدارة اللقاء الصحفي، برامج المنوعات وطريقة إعدادها وتقديمها، المراسل الصحفي.
وفي أولِ لقاءٍ لمدير شبكة بيدر (محمد السعدي) أكدَ فيه (أن الهدف الرئيسي من الدورة هو تزويد المشاركين فيها بالقواعد الأساسية الصحيحة الحديثة للعاملين في مجال الفن الصحفي. وأضاف لقد أنتظم بالدورة (11) مشاركاً من مختلف الأعمار؛ وعبر( محمد السعدي) عن سعادته بقوله (أن المشاركين في الدورة من مختلف جنسيات الجالية العربية( العراقي ، المصري، السوري، الفلسطيني) انها إحدى وسائل التعارف والاندماج وزيادة المعرفة والإطلاع على التجارب الثقافية التي يحملونها من بلدانهم.)
فيما أبدت الإعلامية (وسام حمود) عن سعادتها وهي تنقل خبرتها وتجربتها الصحفية للمشاركين في الدورة، لرفع كفاءة المشاركين بضخ ما لديها من معلومات صحفية، من اجل المساهمة في خلق جيل قادر على المواكبة والإبداع.
وقد اثنى الإعلامي (أحمد الصائغ) مدير مؤسسة النور، على أهمية مثل هذه الدورات للجالية العربية في مالمو(أنها تساعد بتطوير عمل ومهارة المشاركين وتدفعهم للمساهمة الفاعلة في مجتمعنا الجديد في المهجر.) جاء ذلك أثناء حضوره في اليوم الأول لافتتاح الدورة مع مجموعة من الإعلاميين والفنانين والناشطين في مؤسسات المجتمع المدني.
همس بأني احد المشاركين في الدورة (أنها دورة ممتازة) في مواضيعها وجديتها، وطريقة تدريسها السلسة للمواضع ، لكن كنت أتمنى أن ترافق مواضع الدورة وسائل إيضاح بتقنيات تطبيقه عملية وخصوصاً مع الاجهزة والمعدات الحديثة.
وأعرب زميل أخر في الدورة عن( تمنياته أقامة المزيد من هذه الدورات مستقبلاً بمشاركة محاضرين صحفيين وإعلاميين (سويديين) من أجل معرفة تجاربهم وخبرتهم وطريقة عملهم.)
وأنا أنهي الدورة الصحفية وكتابة  تقريري هذا: أيقنت أكثر أن عالم الصحافة علم متغير متجدد الأساليب والطرق يسير بخطى متسارعة الى جانب التطور التكنولوجي في نقل الاخبار والأحداث والمعرفة والفنون والعلوم، ومن يريد أن يولج هذا المعترك الصعب والمهم (الصحافة) عليه أن يجتهد ويسعى جاهداً للإلمام بمختلف مجالات الفنون الصحفية، وأن يَعلَّمْ ويتعلم كيف يفرق بينها، ويجدُ أكثر وبشكلٍ مستمر بتطويرِ ثقافته العامة بالقراءةِ والمتابعةِ والإطلاع على مختلفِ العلوم والتجارب الصحفية.
مالمو/ السويد في 2017-06-08
الهوامش
ــــــــــــــ
(*) جاء في مقالة الكاتب أحمد إسماعيل الموسومة ( خدعة الرجل والكلب) المنشورة في موقع (الصوت الحر)الشبكة العربية لدعم الإعلام .
البحث عن مصدر هذا التعريف سيقودك إلى ثلاثة صحفيين يُعتقد أن أحدهم هو من صاغ هذا القول المأثور لتعريف الخبر، وهم:
ألفريد هارمسورث (1865- 1922)، وجون بوجارت (1848- 1921)، وتشارلز دانا (1819-1897)


44
إشادة بمعرض الكتاب العربي الأول في اسكندنافيا

يحيى غازي الأميري
الكتاب نافذة تتطلع من خلالها إلى العالم (مثل صيني)

تعد فرص إقامة معارض الكتاب في جميع بلدان العالم، أحد أبرز النوافذ الواسعة الحقيقية في نشر الثقافة وتلاقي وتلاقح الأفكار، و طريقة ميسرة بعرض وتسويق نتاجها.وهي وسيلة ناجعة للقاء العديد من الكتاب والمفكرين والمثقفين والمهتمين بالأدب والفن والثقافة  ودور النشر والمؤسسات المهتمة بالإنتاج الثقافي فيما بينهم ومع جمهورهم.
وبذلك تخلق مناخاً فيه من المنفعة الفكرية والثقافية والفنية والترفيهية والمادية لجميع المشاركين في المعرض.ويلامس رواد المعرض عن قرب جميع الابداعات الثقافية والأدبية والعلمية الفكرية والسياسية ، و في المعرض تشاهد النتاجات القديمة للكتاب والمفكرين والأدباء الرواد مع نتاجات الجيل الصاعد في مختلف مجالات الابداع متجاورة متقاربة .
وقد دأبت اللجان المنظمة لمعارض الكتاب في جميع البلدان الاوربية وحتى في البلدان العربية ،أن تجعل أيام العرض مهرجان ثقافي واسع من خلال ما يقدم  فيه من نشاطات وفعاليات متنوعة.
وهذا ما حدث في معرض الكتاب العربي الأول في اسكندنافيا، والتي اختتمت بنجاح  قبل أيام دورته الأولى؛ أقيم المعرض على مدار أربعة أيام متواصلة للفترة من( 20- 23 نيسان/ أبريل 2017) في قاعة (باتيسكا هالمن ) في مدينة مالمو السويدية، وأشرفت على تنظيمه مؤسسة أبن رشد التعليمة ، وبرعاية مؤسسة مناهج العالمية، وذلك بمشاركة حوالي (عشرين) دار للنشر من مختلف الدول العربية والأوربية، ومن دور النشر المشاركة (الشبكة العربية للدراسات والنشر، دار المتوسط، دار مدارات، دار المشرق، المركز العربي للدراسات والأبحاث السياسية ، دار الفكر، جسور للترجمة والنشر ، دار سندباد، المكتبة العربية في مالمو، منتدى العلاقات العربية والدولية، وشركة هيغاس، وشركة نيبون، وشركة فيرست إديوكيشن، وغيرها .)
وعن فكرة اقامة المعرض ووفقاً لبيان صحفي أصدرته إدارة المعرض ونشرت مقاطع منه شبكة (الكومبس) في احدى تغطياتها الصحفية نستل منه بعض المقاطع( قال (علاء القط) المدير التنفيذي لمؤسسة ابن رشد التعليمية جنوبي السويد، إن فكرة المعرض جاءت بعد اقتراح قدمه عدد من المتطوعين الشباب من القادمين الجدد إلى السويد، حيث تم تشكيل فريق العمل للمعرض والذي بدأ يتشاور فيما بينه للانطلاق  بالمعرض الذي يعد الأول من نوعه، ليس في السويد فقط إنما في الدول الإسكندنافية.
ويؤكد القط أنّ مؤسسة ابن رشد، كجهة منظمة، سعت إلى تقديم كل الإمكانيات المتاحة لأن يحقق المعرض أهدافه المتمثلة بتمهيد الطريق نحو تهيئة بنية مؤسساتية واجتماعية، من شأنها تعزيز الثقافة لتحقيق حرية التعبير، وتعزيز ثقافة الاندماج في المجتمعات الإسكندنافية.)
وقد ترافق مع أيام المعرض برنامج ثقافي متنوع ، حيث أقيمت فيه العديد من الفعاليات والنشاطات الفنية والثقافية والأدبية وقد شاركت فيه فرق فنية عربية برقصات ولوحات فلكلورية عربية، نالت استحسان الحضور وأقيمت ورش عمل ثقافية، وندوات ثقافية وقراءات شعرية وتوقيع كتب جديدة.
وقد أحتوى المعرض على مختلف أنواع الكتب، الفكرية والأدبية والعلمية والسياسية والفنية، وكذلك أجنحة متخصصة بالطفل والعديد من السلاسل التعليمة المدرسية المتخصصة بتعليم اللغة العربية. 
ورغم الجو البارد والممطر على مدى الأيام الاربعة لكن حضور زوار المعرض كان جيد، ومن مختلف شرائح المجتمع من الصغار والكبار وخصوصاً من الجالية العربية والعديد من السويديين، وحضركذلك العديد من المهتمين من خارج السويد وخصوصاً المناطق المجاورة والقريبة من مالمو؛ تفاعل جمهور الحضور مع العديد من النشاطات والفعاليات الثقافية والأديبة التي أقيمت خلاله.
وخلال تجوالي بالمعرض كان اكثر من (زائر)  يشكو  متذمراً من عدم وجود أسعار مثبتة على الكتب المعروضة ، في بعض أجنحة دور النشر، مما يستدعي(الزائر) سؤال البائع عن كل كتاب يرغب في شرائه.
فيما أكد (شخص أخر) أن أسعار بعض كتب تعليم اللغة العربية التعليمة المدرسية باهظة الثمن مقارنة بأسعارها في بلدانهم العربية !
 وقد اسعدني وأنا أجد ضمن المعروضات مجموعة من الروايات العربية لمجموعة من الأدباء العرب معروضة بأسعار مخفضة( زهيدة )سعر الكتاب الواحد (20) كرون سويدي ما يعادل دولاران ونصف فاقتنيت (خمسة) كتب منها. 
وقد أعرب العديد من زوار المعرض عن إشادتهم و فرحتهم وسرورهم بالمعرض، والذي يقام لأول مرة في مدينة ( مالمو) بمثل هذا التنظيم والسعة والمعروضات والفعاليات؛ متمنين أعادة أقامته في السنة القادمة وبفعاليات وكتب أكثر.
مالمو في أيار 2017

 



45
أدب / نَشْوَةُ الأملِ
« في: 21:16 27/04/2017  »
نَشْوَةُ الأملِ
 


يحيى غازي الأميري



بعدَ ترددٍ وحيرةٍ
وبينَ
خجلٍ ووجلْ
بعثَ لها بمرسالِ
حُبهِ
وفيه كَلاَمٌ مُختزلْ
بثَ بهِ لوعةَ الحُبِ
وأنتقى
جملاً رقيقةً
من
أدبِ الغرامِ والغزلْ
وحددَ لها
موعداً بذاتِ المكان
الذي التقتْ فيه نظراتُهم
لأولِ مرةٍ
فارتجف لها قلبُه
وعجّل مُبكراً
لموعدِ اللقاء
اتخذ نفسَ الطاولةِ  التي جلست عليها
وأحتسى بقلقٍ
ثلاثةَ كؤوسٍ
من نبيذِ العسلْ
وراحَ يعومُ
بوجلٍ في يمِّ
الشكِّ واليأسِ والغرامْ
فدنتْ من خلفِ رأسهِ
نسمةُ عطرٍ
آسرةٍ ساحرة
هامسة بالآذنِ
أُحبُكَ
أدارَ الرأسَ والقلبَ 
بكلِّ توقٍ ولهفة
فتلاقتْ المُقلِ
وبشوقٍ وعلى عجلٍ
تعانقتْ الشفاهُ بحميمٍ مِن القُبل
وبنشوةِ الظفرِ بالنصِرِ
ارتشفَ مِن شهدِ عناقِ القبلْ
فرقصَ الفؤادُ
وغنى مواويلَ
العشقِ والطرب
وتراقصتْ ثَمِلةً
الخمرةُ
في
الرأسِ والكأسِ
مالمو في 28 نيسان/أبريل  2017
معاني بعض المفردات التي جاءت بالنص كما وردت في قاموس المعاني:


نبيذ العسل: شراب كحوليّ يحصل مِن تخمُّر العسل.
اليَمَّ:البحرُ ؛ مُتَّسع من الأرض أصغر مِن المحيط  مغمور بالماء المِلْح أو العَذب
نَشْوَةُ النَّصْرِ:الابتهاجُ والتهللُ؛ النَشْوَةُ :أُولُ السُكر



46
يومٌ في ضاحيةِ روزنكورد/ مالمو.. مِنْ دَفترِ يومياتي

 
يحيى غازي الأميري
استيقظتُ هذا الصباح في الساعةِ الرابعة صباحاً، ولم يزل القمرُ يتوسطُ سماءً صافية، أنهُ الفَجرُ يناغي السَّحَر، النجوم تتلألأ وأضواءٌ متوهجةٌ في الشوارع الفرعيّة المحيطة بشقتنا، وكذلك يومضُ بريقٌ للأضويةِ ونشراتِ عيدِ الميلاد في البنايات المقابلة لنا، الهدوء والسكينة تلف الأماكنَ المحيطةَ بالعمارة التي نسكنها، درجة الحرارة كما يشيرُ المقياسُ المثبّتُ في شرفة الشقة المزججة التي نعيشُ فيها إلى درجةٍ مئويةٍ واحدة!
ألمٌ خفيفٌ في رقبتي وكتفي الأيسر وصداعٌ ينبضُ بوجعٍ في جبهةِ الرأس، تناولتُ قرصاً من الحبوب المُسكنة للآلام (الفيدون) واحد غرام. فتحت التلفاز وطفت ابحثُ في القنوات الفضائية العربية،عثرت على برنامج ( بورتيريه ) تبثه قناة (روتانا / زمان) وهي تعرض حلقة عن الفنانة (زبيدة ثروت ) صاحبة أجمل عينين في السينما المصرية، لا أعرف هل هي مصادفةٌ أن يتزامن عرض الحلقة مع وفاتِها يومَ أمس عن عمراً يناهز(76) عاماً، شاهدتُ جزءً من الحلقة.
 
 أغلقت جهاز التلفاز وقررتُ الذهاب الى غرفة المكتبة لتكملة الرواية التي تركتها منتصفَ ليلة أمس وشدتني القراءة إليها وحلمتُ أكثر من حلمٍ في أجوائها و شخوصها، أنها رواية ( مُذكراتي في سِجْن النِّسَاء) للكاتبة المصرية المناضلة الدكتورة (نوال السعداوي)، وكنت قد بدأت القراءة فيها منذ الساعة التاسعة من مساء يوم أمس، حتى منتصف الليل، كنت قد تركت الرواية في الصفحة (80) الرواية تتكون من (303) صفحة من القطع المتوسط. غسلت وجهي وفرشت أسناني، وحلقت ذقني، وعدت ألتهم صفحات الرواية وأغور في عنابر سجن النساء في القناطر( المصريّة).
في الساعة (السابعة) صباحاً استيقظت زوجتي، وبدأت تعد مائدة الفطور فلديها دوام (عمل)هذا اليوم، حييتها بتحية الصباح، فدعتني لمشاركتها مائدة الفطور التي بدأت بترتيبها على مائدة الطعام (الجبن الأبيض الطري والزبد والعسل والخبر المحمص والشاي) شكرتها، وأخبرتها أن لديَّ هذا الصباح موعد في مختبر العيادة الطبية في منطقة (ياكرسرو) من الساعة (8-10) صباحاً لإجراء تحليل(الدم)، ويتوجب عليَّ عدم تناول الفطور، حسب تعليمات الطبيب.
 
قررت الذهاب مبكراً لمختبر العيادة الطبية، ذهبتُ الى جهاز الكومبيوتر، حيث كان الإنترنيت جاهزاً للبوح بما كمن فيه من أخبار ، ودخلت صفحة الفيس بوك ، صادفتني أول صفحة مقالة لصديقي الشاعر والأديب المقتدر( صباح الجاسم )استوقفني عنوان مقالته (سنوات من الآن – الشاعر شِل سلفرستاين) فقررت أن أقرأها قبل الذهاب للموعد ،  كانت المقالة رائعة كالعادة ؛ ففيها المفيد والجديد ، تتحدث المقالة عن أديبٍ ورسامٍ وشاعرٍ وكاتبٍ مسرحي ومؤلفِ أغاني ومغني شعبي وداعيةِ للسلام (أمريكي الجنسية) متعدد المواهب والإبداعات؛وفي المقالة كذلك نصوصٌ من قصائده المختارة بعناية من مجاميعه الشعرية مترجمة للعربية بقلم المبدع الأديب (صباح الجاسم)؛ قرأتها واستمتعت بها ودونت على عجلة كلماتٍ مقتضبات كتعليق على صفحته (رائع كما الصباح، يا صاحبي).
 
 وأسرعت أبدلُ ملابسي وأتهيأ لمقابلة الطقس البارد خارج الشقة المُدفئة، وزدت تحصيني ضدِّ البرد بالقفازات وغطاء الرأس، ولفاف الرقبة ،ووضعت الموبايل، والنظارات الطبية في جيبي؛ وباشرت السير، العيادة الطبية تبعد بحدود (15إلى 20 ) دقيقة سيراً على الأقدام، سرتُ عدةَ خطواتِ لفحت وجهي لمساتٌ خفيفةٌ من هواءٍ باردٍ منعش، الرؤية جيدة هذا الصباح، لا أثرَ للضباب،على مسافة عدة خطوات تقع مدرسةٌ ابتدائية مختلطة طبعاً ، أعدادٌ من الاطفال تحملُ حقائبَها على ظهرها وتسير باتجاه المدرسة، بعضُ أهالي الاطفال يُوصلون أطفالهم الصغار الى باب المدرسة أو فنائها ، قررت أن أسلك طريقاً مختصراً يقع بين العمارات، الممتدة من بيتنا حتى العيادة الطبية، طوال الطريق المعبد والمُعلّم بإشارات مرورية مرسومة على الارض أو لوحات مرورية إرشادية - شواخص-  ترشدك للطريق المخصص للمشاة والطريق المخصص للدراجات الهوائية ، وعلامات واضحة تمنع سير كافة انواع المركبات، تحيط بهذه الطرق وعلى جهتيها الاشجارُ الباسقة والشجيرات المتنوعة الأحجام المختلفة الأصناف والألوان ، ودروبٌ متعرجة بين الأشجار والمروج، وساحات هندسية رائعة المنظر من المروج الخضراء، والتي تحتوي العديد من المساطب الخشبية المخصصة للجلوس،وعشرات من الاراجيح وملاعب للاطفال،والتماثيل والنصب؛ تسير بجانبي أو تقابلني دراجات هوائية تعتلوها مختلفُ الاجناس والأعمار، اجتزتُ امرأةً  تبدو سبعينيّة  وهي تتمشى و كلبُها الابيض يسير أمامها، ابتسمتُ لها وقلت لها باللغة السويدية: -
 ـ أن كلبكَ جميلٌ ، ابتسمت وشكرتني
- قلت لها : هل هو ذكر أو أنثى؟
- قالت ذكر ( روكي)
- سألتها: كم عمره؟
- أجابت وابتسامة خفيفة في طرف فمها : ثلاثة سنوات، وأكملتُ مسيري .
 
 أصواتُ بعض الطيور تزقزق وتضرب بأجنحتها؛ ركزّت انتباهي لعلي اسمع -ولو من بعيد - صوت منبه للسيارات، طوال الطريق لم تلتقط أذناي أي صوت لمزامير السيارات والتي يتفنن سائقو المركبات في بعض البلدان بتقسيم موسيقاها ونغماتها، وكذلك لم تلتقط عينايّ أيَّ أكداسٍ للأزبال او للأوحال رغم أن ليلة أمس كانت السماء قد هطلت امطاراً غزيرة، لم ألحظ ايَّ قطرةِ ماءٍ راكدة في الشوارع والحدائق!
 في الساعة الثامنة وعشر دقائق كنت قد دخلت البناية التي تقع فيها العيادة الطبية أخذت المصعد للطابق الثاني، فتحت باب العيادة وادلفت في جوف العيادة ، قرب الباب مكانٌ مخصصٌ لتعليق الملابس، خلعت (القمصلة) الشتوية والقفازات وغطاء الرأس ولفاف الرقبة ووضعتها في المكان المخصص للملابس، وذهبت الى موظفةِ الاستعلامات، وصبحتُ عليها وأخبرتها أن لديَّ موعداً لفحص الدم في المختبر طلبت مني رقمي الشخصي؛  فيما أنا اُسمعها الرقم على مهلٍ هي تضربُ الرقم  بالكومبوتر الذي امامها ،مرت لحظاتٌ  ؛فجاءني صوتُ الموظفة وهو يتهجّى بصوتٍ أسمعه ، أسمي واللقب، فأجبتها بالإيجاب، ناولتني رقم خاص للفحص، ودعتني للأنتظار.
 
رحتُ أنظر في صالة الانتظار معظم الكراسي في الصالة فارغة، اخترت أحد الأماكن جنبَ إمرأةٍ مسنة ، منهمكةً تطالعُ في احدى المجلات ،واستليت من المنضدة التي امامي احدى المجلات السويدية، وبدأت أقلب في صفحاتها، بحدود (10) دقائق نُوديَّ على رقمي ذهبت للمختبر، استقبلتني موظفة المختبر بابتسامة ودودة، حييتها بتحية الصباح، أشارت إليَّ بأن أستريح على الكرسي المخصص لأخذ عينة الدم، فيما ذهبتْ هي الى (الكومبيوتر)و طلبت أسمي والرقم الشخصي للتأكد من هويتي، وبعدها سألتني متى تم تحويلك من قبل الطبيب اجبتها قبل اسبوع.
 
 بعد أن قرأت ما مطلوب فحصه من عينة الدم، أعدت ثلاثة قنانٍ - تيوب- صغيرة، بألوان سدادات مختلفة ومثبت عليها شريط من المعلومات، بعد تعقيم المكان الذي حددته وبغرسةٍ واحدةٍ في وريد مرفقي خرجت متدفقةٌ كمياتِ الدم المطلوبة، سحبت (النيدل)الإبرة برفق ووضعت قطعة من الشاش،على المكان الذي سحبت منه عينة الدم، وثبتتها بلاصق شفاف، شكرتها لخفة يدها، أعدت الكرة بارتداء ملابسي وغادرت العيادة.
 
عدت للبيت، ابدلت ملابسي، وأعددت لنفسي الفطور، طبق من البيض المقلي،مع السلطة ونصف رغيف من الخبز العراقي المحمص، ومن ثم أعددت قدح من (شاي أحمد بالهيل) !
وأنا ارتشف الرشفة الاولى من قدح الشاي كانت الشمس قد نورت فلقد بزغت تواً  وراحت تخترق اشعتها الذهبية شبابيكَ الشقة .أزحت الستائر المعدنية ،التي تحجب الشمس، ورحت اروي وأتفقد نباتات الظل في أصصها الموزعة في شبابيك المطبخ والصالة ، وجلست كاستراحة قصيرة امام جهاز التلفاز، وبدأت ابحث عن نشرات الأخبار فيما امسكت يداي الكومبيوتر المحمول (لابتوب) وراحت تتابع اخبار الانترنيت ايضاً.
تابعت في الانترنيت أخبار الطقس لهذا اليوم ، الطقس مشمس، ووقت شروق الشمس الساعة الثامنة والنص فيما غروبها الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر!
 
ورحت اتابع الاخبار في التلفاز:
ــ تحذيرات جديدة من انهيار سد الموصل، وان انهياره يوازي قوة دمار انفجار ودمار قنبلة نووية، أطلقت هذه التحذيرات على لسان مهندسي شركة (تريفي) وهي الشركة الايطالية التي تعمل منذ (11) شهراً لصيانة السد.
ــ وكالة رويتر: مؤسسة ابحاث تؤكد أن تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) ينتج أسلحة متطورة، تضاهي مستوى تسليح الجيوش الوطنية، بعد زيارة مصانعه في الاراضي المحررة في الموصل.
 
ـ البنتاغون:  يؤكد ان القوات العراقية حررت 20 % من اراضي مركز الموصل
 
ـ الناطق الرسمي للحكومة العراقية يؤكد أن القوات العراقية حررت (40) مدينة من الجانب الأيسر لمركز مدينة الموصل
 
ـ تفاقم أوضاع النازحين والفارين من الموت في الموصل والحويجة.
 
ـ تركيا/ الرئيس التركي (أردوغان) يعلن التعبئة العامة ضد التنظيمات الارهابية!
 
ـ المفوضية العليا للانتخابات العراقية تعلن اليوم عن تسجل (212) حزباً سياسياً قديماً وجديدا لديها لخوض الانتخابات المحلية أواخر العام المقبل
 
ـ الجيش السوري( الحكومي) يسيطر على معظم مدينة (حلب السورية)، وأخبار عن أتفاق وشيك لإخراج المدنين والمسلحين من الجانب الشرقي لمدينة (حلب.
 
فنلندا: بدأت يوم امس (13 كانون الاول 2016) محاكمة توأمٍ عراقيين بتهمة المشاركة في مجزرة( سبايكر) والتي راح فيها مئات المجندين الشباب في الجيش العراقي وغالبيتهم من الشيعة،والتي ارتكبها تنظيم داعش في العراق عام 2014
وبدأت أقرأ الاخبار في الانترنيت :
رئيس وزراء السويد( ستيفان لوفين) في لقاء في مدينة (أوربرو) في 13-12-2016 تحدث:  تعتقد الحكومة بزيادة الحصول على  فرص العمل في السنوات القادمة ، ويتوقع انخفاض نسبة البطالة في السويد في السنوات القادمة الى نسبة 6%
راديو السويد باللغة العربية:13-12-2016 علقت وزيرة الخارجية السويدية ( مارغوت فالستورم) على تعيين الرئيس الاميركي القادم( دونالد ترامب) ل( ركس تيلرسن وزيرا للخارجية) الأميركية أنه شخص يفتقد للخبرة السياسية.
 
راديو السويد باللغة العربية:صرح رئيس الوزراء السويدي (ستيفان لوفين ) لراديو (السويد) في أول تعقيب له على نتائج الانتخابات الأميركية، أن السويد تحرص على استمرار العلاقات الجيدة مع الولايات المتحدة الأميركية بغض النظر عن اسم الرئيس والحزب الذي يمثله، مضيفاً بأن الحكومة السويدية قد أعدت نفسها لكل السيناريوهات، وإن النتائج لا تصدمه لأنه كان يتوقع أن جميع النتائج ستكون متوقعة.
أشتد بيَّ التعب والنعاس فقررتُ أن أنام، وعند دخولي غرفة النوم كانت تأتني اصوات أناشيد اطفال من (رياض الأطفال)والتي تشغل الطابق الأرضي الذي يقع تحت الشقة التي أسكنها مباشرة، وهي تردد اناشيد احتفالات (لوسيا) وتسمى (حاملة النور) وهي احدى التقاليد المهمة والرئيسة التي يُحتفل فيها في مملكة السويد، يُحتفل بـمناسبة ( لوسيا) يوم (13 كانون الأول / ديسمبر) من كل عام ن وهذا اليوم يعتبر اكثر يوم مظلم في السنة، حسب التقويم القديم الذي كان ساري سابقاً في السويد ، وفيما كنت اسمع صوت الاطفال، وهي تردد اغاني( لوسيا)؛ رحتُ في نوم عميق .
 
استيقظت في الساعة الثانية عشر والنصف على صوت الهاتف النقال يرن، كانت زوجتي تتصل بي من مكان عملها وخلال الوقت المخصص لاستراحتها في العمل أخبرتها بذهابي للمختبر وعودتي واستيقاظي من النوم الآن، أوصتني بشراء بعض الاشياء للبيت في حالة ذهابي ووعدتها بذلك.
 
أستلقيت مسترخياً على مقعد وثير في الصالة قرب الشباك كي اخذ قسطاً من اشعة الشمس، وفيما انا  في غاية الاسترخاء وإذا الهاتف المحمول يرن الساعة الواحدة والربع بعد الظهر، نظرت في شاشة الهاتف النقال المتحدث رقم أبنتي(ريام) من (ستوكهولم ) فتحت الهاتف: جاءني صوتُها العذب وهي في غاية السعادة:
 
- ( ابشّرك بابا حصلت الآن على نتيجة الدراسة من الجامعة، ناجحة وحصلت على شهادة الماجستير).
 
 كدتُ أطير من الفرح معها، بعثت لها قبلاتي الحارة وتمنياتي بالمستقبل السعيد والنجاح الدائم.
 
ذهبت للحمام، وغسلت وجهي وفرشت أسناني وبدأت أغير ملابسي استعدادا للخروج وأنا بغاية السعادة.
 
 بعثت فوراً رسالة نصيّة الى زوجتي أخبرها ان (ريام) قد اتصلت بيَّ للتو وأخبرتني بنجاحها وحصولها على شهادة التخرج الماجستير في الطب الرياضي.
 
فتحت الكوميوتر، وتصفحت( الفيس بوك) فوجدت ابنتي (ريام) قد نشرت على صفحتها صورة حديثة  لها وهي تكاد ان تطير من الفرح وهي تحمل بيدها شهادة التخرج وخلفها في الصورة لوحة كتب عليها (معهد كارولنيسكا) وشعار الجامعة، وقد كتبتْ - سطرت-  باللغة ( الإنكليزية والعربية) مشاعرها وهي تنشر خبر حصولها على شهادة (الماجستير) في (الطب الرياضي)، فشاركتها فرحتها ومدونتها على صفحتي وكتبت لها :
 
(مباركٌ للفنانة القديرة (ريام ) وهي تتقدم للأمام في سلم الرقي والنجاح ، وتحقيق الأحلام .
بفرح غامر تلقينا اليوم خبر حصول عزيزتنا الغالية الفنانة ريام الأميري، شهادة الماجستير في الطب الرياضي من جامعة كارولينسكا الطبية في ستوكهولم / السويد، أن شاء الله تحصلين على الدكتوراه!
أبنتنا الغالية ريام : السنة القادمة أن شاء الله تزفين لنا خبر حصولك على ماجستير أكاديمية الفنون الجميلة .... )
محبتنا وقبلاتنا مع باقات من الورود العطرة
 
( بابا وماما)
 
مالمو في 14-12-2016
 
ملاحظة: ريام حاصلة كذلك على شهادة (بكالوريوس) أخرى من أكاديمية الفنون الجميلة من جامعة كالمر / السويد عام 2014، ومستمرة تدرس في المراسلة على الماجستير في نفس الاختصاص.
 
في باب الشقة وأنا أهم بالمغادرة تذكرت أن عليَّ أن اخذ معي كتاب ( اعترافات القادة العرب) أسرار وحقائق مثيرة ؛ تأليف (عادل الجوجري). كنت قد استعرته قبل فترة من المكتبة العامة في مالمو؛ وانتهيت من مطالعته قبل عدة أيام، الكتاب فيه معلومات صادمة عن القادة (الرؤساء) العرب. صورتُ قسماً من صفحات الكتاب وحفظتها في ملف خاص في جهازالكومبيوتر الذي بحوزتي!
مثال ذلك انقل أدناه نص مما ورد في كتاب( اعترافات القادة العرب) ص (42):
 
((الكتاب الأخضر في اللغة الكردية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قصة تاريخ علاقة جلال الطالباني بالعقيد القذافي تمثل نوعاً من الازدواجية والتناقض - بل النفاق - فبالنسبة لجلال الطالباني في الثمانينيات وفي محاولة منه لاستدراج القذافي قام الطلباني بترجمة ((الكتاب الأخضر)) إلى اللغة الكردية، وتم طباعة مليون نسخة وجرى اهداء طالباني للقذافي لنسخة من الكتاب في احتفال كبير في دمشق، وحصل وقتها الأكراد على اتفاق بأسلحة وأموال سرية، والكتاب كما هو معلوم ، يمثل خلاصة مشاعر العقيد وتجربته الشخصية في الدولة وآراءه، وتصوراته إزاء ليبيا والتطلع لأهداف محلية واخرى تتعلق بما يسميه القذافي بالفضاء الافريقي
وفي إحدى زياراته لليبيا، قدَّم جلال الطالباني النسخة الكردية للكتاب الأخضر للعقيد القذافي وقال له بالحرف الواحد : ((سيدي القائد ... لم امنع نفسي ولم أمتنع عن إقرار حقيقة شغف الشعب الكردي بالكتاب الأخضر، ونظريات العقيد في التطوير والتنمية والدفاع عن الأقليات القومية والدينية في العالم العربي، وصناعة الدولة الوطنية الحديثة، لهذا قمت بواجب ترجمة الكتاب الأخضر شخصياً من اللغة العربية إلى اللغة الكردية، وها هو الشعب الكردي من أول جبل إلى آخر قمة جبل في شمال العراق يتوجه إليك بالتحية والإكبار والاحترام والتبجيل والتقدير العالي ويهدي إليك هذه النسخة الكردية الخضراء، ويتوجه إليك بأن تترك بصمة أبوية على هذا الشعب من خلال دعم وإسناد الحركة الكردية .)) فما كان من العقيد القذافي إلا أن قدم مبلغ خمسة مليون دولار للرفيق جلال الطالباني على تلك الخدمة ومنذ ذلك التاريخ نشأت علاقة قوية بين الطالباني ومعمر القذافي!.))
 
أنتهى نص الأقتباس كما ورد في الكتاب ولا أعرف لغاية اليوم مدى صحة ذلك.
 
   أخذت الكتاب بيميني وسرت الى ( سنتر روزنكورد) في الطريق وعلى بعد عدة امتار من البناية التي تقع فيها الشقة التي اسكنها كنت انظر إلى صف الملاعب العديدة المتجاورة المخصصة لكرة القدم والمسيجة  بسياج من( البي ار سي )  فيما تغطى ارضية كل هذه الملاعب بساط أخضر، أنها مروج طبيعة من الثيل الزاهي المنظر الممتد لمسافات شاسعة؛ سرت بمحاذاتها في طريق مخصص ( للسابلة ) مرصوفة بـ (الشتايكر)، وبجواره شارع معبد بـ ( الا سفلت)، مخصص للدراجات الهوائية، على أحدى جوانب سياج الملاعب القريب من شقتنا صفٌ من أشجار(الزعرور) والتي نفضت كلَّ أوراقِها؛ اقطف من ثمارها احياناً في فصل الصيف، وفي مقدمة السياج صفٌ طويل من اشجار باسقة يزيد ارتفاعها على العشرين متراً نفضت اوراقها هي الاخرى وبقيت اغصانُها تحتضن بودٍ وحنان اعشاش الطيور. في الطريق كانت بعض المجاميع من طيور( النورس) او (الغربان) منهمكة بفطورها وهي تلتقط طعامها من المروج الخضراء أومن بين الاوراق والأغصان الصغيرة المتجمعة بالقرب من الاشجار والشجيرات.

 أمامي وعلى مرمى حجر عشرات العمارات بنيت
بأَبْهى الصور
وقفت سارحاً ... مشدوهاً
وأنا
أُطيل النظر
عشبٌ أخضر
على مد البصر
أعشاش طيور
بُنيت
بين افانين الشجر
في عزِّ الظهيرة
شوارع
خالية من البشر
أفيق من حلمي
مقارناً بين ما جمعت عينايّ
هذا اليوم
من جميل الصور
وخزين ما حملته معي
من بلدي
من رعب الصور
وراحت بي
الدنيا مسرعة
تدور
 
وصلت الى ( مركز مدينة روزنكورد) الذي يحتوي على مجمع تجاري خدمي كبير، البناية أُنشئت حديثاً، المكانُ يعجُّ بالناس المتبضعين والمتسكعين ففيه العديد من المتاجر والأسواق التجارية ففيه (ثلاثة أسواق كبيرة سوبر ماركت متنوعة البضائع، ومحلات للصيرفة - تبديل العملة- واخرى للعطور والهدايا و صيدلية ومحل لبيع الزهور ومكتب للبريد وبطاقات اليانصيب ومحل للمصوغات الذهبية والفضية وعدة محلات للحلاقة وتصفيف الشعر للرجال والنساء ومحل لبيع لعب الاطفال وأخر للوازم وعربات الأطفال وعدة محلات لبيع الملابس، وكذلك للمواد المنزلية والسجاد، ومحلات لبيع الموبايلات واجهزة الكومبيوتروالستلايت، وثلاثة كافتريات تتوزع في السوق، ومدخل رئيسي لبوابة أكثر من مدرسة سويدية لتعليم (الكبار) اغلب الدارسين فيها من المهاجرين القادمين للسويد، وكذلك بناية المكتبة العامة في (روزنكورد) وغيرها من المحلات المتنوعة .
 
 في وسط السوق يوجد مطعم وكافتريا (كيلاس) اعتدت الجلوس فيها، والتقي فيها أصدقائي ومعارفي، وجدت صديقي (كريم الاسدي) يجلس لوحده على طاولة في( الكافتريا) المكان جميل وحيوي فهو يقع وسط المجمع الكبير( لسنتر روزنكورد) يحتوي المطعم على مختلف انواع الاطعمة العراقية و الشرقية، وفيه ايضاً بوفيه مفتوح للطعام، وكذلك انواع متعددة من الحلويات والمعجنات والمرطبات والشاي والقهوة والمشروبات كالبيرة والواين، أسعاره معتدلة، المكان يعج بالحركة والنشاط طوال اليوم، تجتمع فيه مختلف الجنسيات التي ترتاد المكان والتي يقطن قسم منهم (روزنكورد والمناطق المجاورة لها) ومن جميع الجاليات فتشاهد الجالية ( العربية- السوريين والفلسطينيين وأخرى للعراقيين للعرب أو للكرد أو مختلطة - وبجنبها للبوسنيين وأخرى للإيرانيين وللأفغان والهنود وعدة طاولات للصوماليين فلهم على العموم اكثر من طاولة في المكان، وغيرها من الجنسيات، فتسمع في المكان مختلف اللغات وهي تتحاور وتتهامس و تتداخل اصواتها ولهجاتها مع بعضها!
 جلبت لنفسي فنجاناً من القهوة وكأساً من الماء البارد الزلال، سعر كوب القهوة (12) كرون سويدي يعادل دولار ونصف أمريكي. اخترت كرسيّاً شاغراً على طاولة صديقي (كريم الأسدي/ أبو وسام ) حييته مرة أخرى، وجلست بجواره وبدأنا نتجاذب اطراف الحديث، أدرت محور الحديث هذه المرة عن( الدكتورة نوال السعداوي) فصديقي(أبو وسام ) من المعجبين بشخصيتها والمتابعين لنشاطاتها.
 
 خلال جلستنا اتصلت بولدي (مخلد ) وعلمت منه أنه يعرف بتخرج ( ريام) وكذلك هاتفت أبن اخي( أبو أمير، بسام فيصل الأميري) على (الفايبر) فهو يسكن في (العراق/ قضاء العزيزية) وتحدثت معه، واستفسرت منه عن أخبار وأحوال عائلته وأهله وأخبار المدينة والأصدقاء ، وأخبرته بتخرج (ريام) ففرح لها فرحاً كبيراً، وبعد انتهاء مكالمتي ألتفتَ أليَّ صديقي(كريم) مهنئاً بتخرج (ريام) متمنياً لها كل الخير والتوفيق.
فيما كنت وصديقي نهم بالمغادرة جاء صديقي (أبو أمين) ايراني الأصل يجيد التحدث بالعربية ، اعرفه منذ مدة تزيد على (12) عاماً التقينا ودرسنا سوية في احدى مدارس تعليم اللغة السويدية، إلتقيه هنا في (الكافتريا) باستمرار فهو شخصية لطيفة المعشر ذو ثقافة واسعة؛ حياني وسلمني كتاب (لُغزُ أمّ كلثوم ) للكاتب ( رجَاء نقاش) إذ كنت قد اعرته الكتاب قبل (10) أيام فهو يحب المطربة كوكب الشرق (ام كلثوم)ويحفظ الكثير من أغانيها ولديه اطلاع عن الشعراء الذين كتبوا اغانيها وملحنيها و معجب جداً بالموسيقار (رياض السنباطي) والشاعر( أحمد رامي)، إذ كنت قبل فترة حدثته عن الكتاب وفيه فصل مطول يوضح ويشرح العلاقة الحميمية (الحب الأفلاطوني) بين( أم كلثوم و احمد رامي ) فطلب مني استعارته!
 
 في حدود الساعة الثالثة بعد الظهر، قررنا أنا وصديقي (كريم الأسدي) مغادرة (الكافتريا)، غادر صديقي للبيت، فيما أخبرته بأني أود الذهاب للمكتبة - المكتبة العامة في روزنكورد- والتي تقع في نفس المجمع - سنتر روزنكورد- على بعد عدة امتار من المكان الذي نجلس فيه.
 طالعت على عجلٍ  في مدخل المكتبة الفسيح الاعلانات ومعرض للصور، واستلت يدايَّ أحدى الصحف العربية ( الكومبيس) واخرى(نبض الأوريسُند) والتي رصفت في حافظة من الحديد المشبك مخصصة لكل واحدة من هذه الصحف والتي توزع مجاناً.( الصحيفتان تصدران باللغة العربية والسويدية).
 
ولجت المكتبة من بوابتها الثانية المحصنة بنظام ألكتروني، ينشر صفارة إنذار منبهة عند خروجك مع أي كتاب تأخذه من المكتبة ما لم يتم تأشيره من قبل أمين المكتبة أو من الحاسبة الإلكترونية المخصصة لذلك والتي بإمكان أي شخص استعمالها والاستعارة بواسطتها دون الرجوع الى امين المكتبة شرط ان يكون يحمل معه هوية المكتبة العامة. 
في بداية بوابة مدخل المكتبة وعلى جانبها الايمن يقع القسم المخصص للأطفال، ويسار المدخل تقع مجوعة من الكراسي المريحة الوفيرة ،رتبت الكراسي(الستة) حول طاولة وضعت عليها بعضُ الصحف اليومية ، فيما شغل جميع الكراسي مجموعة تتحدث فيما بينها - تتحاور - دون أن يطالع اي منهم في صحيفة او كتاب،لهجتهم تدل انهم من الجالية العربية  لكنهم ليس بالعراقيين!
 
 أستليتُ العدد الأخير من جريدة (العربي) من الادراج المخصصة للصحف والمجلات، والموجودة بترتيب جميل وفي معظم اللغات التي يرتاد روادها المكتبة ( السويدية ،الإنكليزية ، العربية ، الفارسية ، البوسنية ، والصربية والبولونية ...)
وسرتُ عدة خطوات وسط صالة المكتبة كانت طاولة مربعة بعدة طوابق تتوسط الصالة عرضت عليها الكتب - الاصدارات الجديدة - بالعديد من اللغات ، طريقة عرضها تُلفت الانتباه ، فقد وُضعت قصاصاتٌ من الورق الملون باللون الأخضر على واجهة كل كتاب تدل أن الكتاب إصدار جديد، أخذت كتاب (المهاجرون) للكاتب السويدي ( فيلهلم موبيرغ ) الكتاب مترجم من اللغة السويدية إلى اللغة العربية،عن (دار المنى ) ترجمة (علاء الدين أبو زينة ) كنت في شوق كبير لمطالعته، إذ كنت قد شاهدت فلم ـ المهاجرين- الطويل جداً - بحدود سبعة ساعات - الذي يتحدث عن هذه الرواية المهمة جداً في التاريخ السويدي.
 
جلتُ بنظري في المقاعد المريحة الاخرى التي تتوسط صالة المكتبة والتي تقع وسط الصالة مابين مكتب الاستعلامات والحاسبات الالكترونية المخصصة لرواد المكتبة، اخذت مكاني في زاوية احدى (القنفات) التي تتسع لشخصين او ثلاثة، وضعت الصحف على الطاولة التي أمامي، وبدأت اطالع عناوين صحيفة (العربي) وهي صحيفة باللغة العربية وتصدر من(لندن)، لم اتمكن من التركيز وفهم المواضيع وعناوينها ؛ فصوتٌ من (القنفة) التي تلاصقني من الخلف، لا ينقطع عن الحديث، أدرت رقبتي للخلف، شابٌ في العشرين من عمره يتحدث بـ ( هاتفه النقال ) بصوتٍ عالٍ وبعصبيةٍ وباللغةِ (الصوماليّة) الصوت يرن في رأسي وهو يقتحم أذنيّ؛ وضعت الصحيفة على الطاولة وانتظرت انتهاء مكالمته، وما ان أنهى مكالمته، وههمت ان أخذ الصحيفة من أمامي،  حتى بدأ رجل ٌ اخر بعمر (40 ) عاماً كان يتحدث باللغة (الفارسية) - احتمال من الجالية الأفغانية أو الايرانية - بالتلفون وبصوت مرتفع وفتح الحاكية (السبيكر)؛ أعدت نفسي لوضع الجلوس والراحة والتجوال في نظري عما يجري في المكتبه وقررت أن اخذ اغراضي وصحفي وأبحث عن مكان أخر تركت الصحف والأغراض وتجولت في المكتبة وجدت احدى الطاولات المستطيلة تحيط بها (خمسة) كراسٍي، جلسَ في صدرها (شاب في الثلاثين) يحدق منهمكاً في(حاسوبه) الشخصي وبجانبه على المنضدة رُصفت (ثلاثة) كتب، وفي الجانب الاخر (رجل ٌ في الخمسين) من العمر يطالع صحيفة( فارسية)، وأمامة على المنضدة أكثر من صحيفة بنفس اللغة، عدتُ مُسرعاً وجلبت أغراضي والصحف وأخذت مكاناً في الطرف الآخر من المنضدة الكبيرة المستطيلة، فالمنضدة مخصصة للقراءة والكتابة؛ وبدأت مجدداً بمتابعة عناوين الصحيفة ؛ نهض (الرجل الخمسيني) من مكانه بعد دقائق؛ فيما عينايّ تجولان في المكان الذي حولي شدني منظرٌ غريبٌ فعلى مقربة خطوتين من مكاني (شاب في الثلاثين) من العمر يجلس على ركبتيه على البلاط ووجهه متجه على درجِ الكتب العربية المرصوفة في رفوفها، حدقت النظر به مستغرباً فرأسه يتطلع الى ابعيد من صف الكتب المرصوفة أمامه، نظره شارد للبعيد ـ بشرته توحي انه ليس (عربي )فلون بشرته داكنة السمار وشعر رأسه مجعد حالك السواد، وهيئته توحي للناظر انه من (الصومال)، لحظات مرت ونظري مسمر له وشدني أليه أكثر حركاته فهو يجلس في هذا الوضع كأنه (يصلي) لحظات تيقنت أنه فعلاً  يصلي، فقد حرك يديه وأدار رأسه الى الجانبين أشارة تدل أنه اكمل الصلاة.
 
وفيما نظري يجول في المكتبة لاحظت (رجلاً) أخر أسمر البشرة، في أحدى الغرف التي تقع خلف الاستعلامات ، متجهاً بوجهه الى الشباك وفي نفس اتجاه (الرجل الصومالي) -اتجاه القبلة - وهو يضعُ كفي يديه على اذنيه  بشكل يوحي بالصلاة ايضاً! 
رجعت الى صحيفتي ، فيما أقلّبُ الصفحة الأولى، جاء صوت مذياع ينبثق من (الهاتف الخلوي) للشاب الذي يقاسمني الطاولة نغمة رنين هاتفه تعلن الآذان ويدعو للصلاة باللغة العربية، أخفض الشاب الصوت على مهلٍ وهو يرمقني بنظرة فيها نوعٌ من الود .
قررت أن أغادر المكتبة مكتفياً بهذا القدر من المطالعة في المكتبة لهذا اليوم!
 
حملت أغراضي وأعدت الصحف التي استعرتها الى مكانها، لم يزل مكان مطالعة الصحف تشغله  نفس المجموعة وهم محتدون ومنهمكون في نقاشاتهم.
ذهبت الى الجهة المقابلة للاستعلامات لغرض تسليم كتاب (اعترافات القادة العرب) يسلم الكتاب الى  حاسبة الالكترونية ، ما ان تضع الكتاب على المكان المخصص لذلك حتى تتم قراءة الشريحة الالكترونية المثبتة على الكتاب ، يأشر الجهاز أنه استلم الكتاب، فتستلم ايصال بشكل( اوتماتيكي)عن الكتاب المستعار !
 
 ذهبت الى موظفة الاستعلامات كي أستعير كتاب (المهاجرون) اخرجت هويتي من محفظتي، ودفعت بالكتاب والهوية لموظفة الاستعلامات ،موظفة الاستعلامات إمرأة ودودة لطيفة متوسطة القامة شعرها قصير  تبدو في الخمسين من العمر، حييتها باللغة السويدية وأخبرتها أني أود استعارة هذا الكتاب. أستلمت الموظفة الهوية وبدأت تضرب على الكومبيوتر الذي امامها، وإذا أصواتُ اطفال - خمسة بنات- بعمر من (8- 10) سنوات قهقهاتهن تملئ المكان وهنَّ يجرينَّ بحركةٍ ودربكةٍ عبثيةٍ فوضوية، وهنَّ يلفنَّ ويدورن حول الكراسي والطاولات، تسمرتْ الموظفة في مكانها، وفغرتْ فاها، وبصوت خفيض حاولتْ الموظفة تنبيههن على خطأ هذا التصرف ولا يجوز ذلك، توارت الفتياتُ مسرعاتٍ بعيداً في جريهن بين ادراج المكتبة، ودخلن مسرعات الى غرفة في الجانب الأخر مخصصة كسينما للأطفال فيها شاشة تلفزيون تعرض فيها انواع متعددة من افلام الاطفال!
سلمتني هويتي والكتاب المستعار مع وصلٍ مثبت فيه تاريخ الاستعارة و موعد التسليم، وذهبتْ الموظفة مسرعةً خلف الفتيات إلى غرفةِ السينما!
 
 ارتديت كامل ملابسي (القمصلة، غطاء الرأس، اللفاف، القفازات) ووضعت الكتابين( لغز أو كلثوم والمهاجرون) بين صحيفتي( الكوبيس ونبض الأوريسُند) الساعة تشير الى الرابعة مساءً، قررت الخروج من الباب الذي يتوسط سوق (سنترروزنكورد) قرب الباب وقفت أحكم سحاب (القمصلة) واللفاف حول رقبتي، وضعت أغراضي على( مصطبة) قرب الباب، كانت تجلس عليها(امرأة) في العقد الخامس او اكثر، قصيرة بدينة، تجلس في هذا المكان بشكل شبه دائم ( تتسول) من الداخل أو الخارج من السوق!
خرجت من السوق لفحة من الهواء البارد تضرب وجهي، لم تزل بقايا من الشمس تُضيء المكان ،لون السماء رمادياً، عشرات من الناس تغادر السوق محملة بالأكياس التي رسمت عليها علامات (السوبر ماركت الخاصة بالسوق) ،أو يسحبون عرباتِ التبضع، فيما عشرات اخرين يدخلون للتبضع، مئات من السيارات وبمختلف الالوان والموديلات تقف أمام الاسواق، فالكراج الكبير الواسع ذو الطابقين الذي يقابل الاسواق والطابق الذي تحته، وقوف المركبات فيه مجاني لمدة ساعتين، وبإمكان المرء تجديد الساعتين مرة أخرى.   
 
الطقس بارد، مع رياح باردة خفيفة،اعتقد درجة الحرارة بحدود (الصفر) سرت عدة خطوات، أمامي يجلس(رجلٌ) في العقد الثالث من العمر يفترش الأرض بالقرب من بوابة أكبر سوبر ماركت في  روزنكورد(ستي كروز) يلف سيقانه  ببطانية باسطاً يده للتسول، وقفت قرب الرجل ووضعت في الوعاء الذي امامة قطعة نقدية معدنية (خمسة كرون سويدي) الرجل بلحيةٍ كثةٍ سوداء، وجلبابٍ شتويٍّ رث، وسرت متجهاً نحو شقتي وبحدود عشرة دقائق كنت قد وصلت الشقة  اتصلت بي زوجتي(أم مخلد) تُخبرني انها قد استقلت الباص رقم (5) المتجه الى البيت وإنها سوف تمر في السوق لتشتري بعض الخضار قبل ان تصل البيت، بعد أن أخبرتها أني لم اشترِ الخضار الذي اتفقنا عليه وأخبرتها أني سوف اقوم بتهيئة مائدة الغداء، وفعلاً بدأت بعمل السلطة ( الخس والخيار والطماطة والليمون وقليل من زيت الزيتون)، وأعددت طبقاً صغيراً من الطرشي المخلل، أخرجتُ من الثلاجة طبقاً معداً سلفاً من ليلة أمس( أفخاذ من الدجاج  المحمرة مع مجموعة من الخضار معدة في فرن الطباخ) وضعتها في فرن الطباخ لغرض تسخينها، ووضعت رغيفاً من الخبز العراقي بعد ان قطعته أربع اجزاء الى جنبها في الفرن.
تناولنا الغداء معاً، بعد تناول الغداء  أعدت (أم مخلد) الشاي  ؛فارتشفنا الشاي ونحن نتابع نشرات الاخبار من خلال الفضائيات العربية ، قتالٌ دامٍ في (الموصل) اندحار(داعش)، القوات العراقية تحاول أن تُحكم سيطرتها على الجانب الايسر لمدينة( الموصل)، وقتالٌ عنيفٌ في (سوريا واليمن وليبيا)، الجنيه (المصري) مستمرٌ في الانهيار ويسجل (18,5) جنيه مصري مقابل واحد دولار!   
 
أخبرتني (أم مخلد ) أنها سوف تباشر البدء في عمل (أبو الهريس) والتي كانت قد هيأت مواده الأولية منذ الصباح. وهي مناسبة تراثية مندائية ضاربة بالقدم متناقلة عبر الأجيال جيلاً عن جيل كموروث ديني طقسي أعتاد (الصابئة المندائيون) على أحيائها سنوياً و تسمى بـ ( أبو الهريس)؛ إذ يعمل المندائيون في هذا اليوم وجبة طعام تتكون من( سبعة) أنواع من البذور (الرز، الحنطة، الحمص، العدس، الباقلاء، الماش، اللوبياء) وتسمى (الوجبة المقدسة) وتقام في ذكرى استشهاد (365) رجل دين مندائي بدرجة (ترميذي) قتلهم اليهود في (أورشليم ) بعد وفاة النبي - يهيى يهانا- أو(يحيى بن زكريا )، وهنالك روايتان أخريان حول هذه المناسبة، الأولى انها تعمل كذكرى على ارواح جنود الفرعون الذين ماتوا غرقاً وهم يتبعون اليهود،عند عبورهم البحر الأحمر. والأخرى تقول أنها بمناسبة نجاة النبي نوح وذويه من الطوفان.
 
عدت الى الكومبيوتر أتابع (الفيس بوك)، عشرات من الاصدقاء الأحبة يسجلون اعجابهم ويسطرون تهانيهم الكريمة بمناسبة تخرج ابنتنا (ريام الأميري) فبواسطة الجسور الجديدةـ مواقع التواصل الاجتماعي ـ والتي تجمع الأحبة والأصدقاء في الأفراح والأتراح، والتي خففت علينا جميعاً الغربة والتشرد والتشرذم الذي نعيشه ونحن مشتتون في شتى بقاع الارض، إذ بتنا نتابع اخبار بعضنا البعض بهذه الوسائل السريعة، كنتُ فرِحاً وسعيداً جداً وأنا أرى مئات من الأهل والأصدقاء والأحبة وهم يشاركونا فرحتنا ويسجلون تهانيهم ويضعون بصمات إعجابهم فلهم منا جزيل الشكر وباقات من الورود العطرة!
 
 الساعة الثامنة مساءً نادت عليّ (أم مخلد)  لتناول فنجان من القهوة العربية ! فسررت للفكرة، فأعددتُ  فنجاني القهوة هذه المرة بنفسي، وطلبت من (أم مخلد) ان تلتقط لي صورة وأنا أعمل القهوة وأشارك في هرس وتدوير محتويات (أبو الهريس) وهي في قِدْرها إذ كانت (أم مخلد) قد وضعت المواد الخاصة (بالهريسة) في الوعاءـ القِدْرالكبيرـ المخصص لها على الطبّاخ وبدأت بعد مدة وجيزة بالغليان!
ونحن نرتشف القهوة ، كان حديثنا يدور حول نجاح ابنتنا (ريام) ورغبتها إكمال دراستها في الطب الرياضي وكذلك في مجال الفن وأنا اقرأ وأعد لها اسماء الأهل والأصدقاء وهم يشاركونا فرحتنا!
 
وأخبرتها أني قد قرأت عدة مقالات خلال هذا المساء عن مناسبة (ابو الهريس) قد كتبت بأقلام مثقفين (مندائيين) في (الكروبات المندائية على الفيس بوك وغيرها) من وسائل التواصل الاجتماعي وهي تحلل هذه القصة المتوارثة، وترجح هذا الاعتقاد أو ذاك بناءاً على الدراسة والتحليل والاستنتاج والاستنباط والمقارنة مع ما ورد في الكتب المندائية المقدسة وغيرها ، وهذا الشيء يدل على اهتمام رائع بالتراث(المندائي) ومتابعة جادة بالتقصي والتحليل والاستنتاج.ومن هذه المقالات كانت مقالة للباحث الشاب المجتهد (أسامة قيس مغشغش)، والتي جاءت تحت عنوان (قراءة في معاني( ابو الهريس) بين الدين والمعتقدات).
وبقيت اتابع التلفاز وأخباره وبرامجه المتنوعة على قناة (أوربا نيوز) والجزيرة الوثائقية؛ وكذلك أراقب مع (أم مخلد) قِدر (الهريسة) وهو ينفث بخاره وصوت فقاقيع (أبو الهريس) وهي تفقأ الواحدة تلو الاخرى سريعاً!
 
وكانت من  أبرز الأخبار منح (البرلمان الأوربي) خلال اجتماعه، الإيزيديتين الناجيتين من وحوش(داعش) كلٍّ من( نادية مراد 23عاماً) و (لمياء حجي بشار 18 عاماً) جائزة (ساخاروف) لحرية الفكر؛ وقد تسارعت تترقرق الدموع في عيني وأنا أسمع الفتاتين وهما تتوسلان بصوت متهدج تخنقه العبرات المجتمع الدولي والبرلمان الاوربي وتطلبان الحماية والمساعدة الإنسانية (للطائفة الإيزيدية) في العراق وسوريا من الاعتداءات المدمرة والاستباحة الفاشية التي طالتهم والمستمرة في تهديدهم!
 حولّت قناة  التلفاز مسرعاً الى برامج الجزيرة الوثائقيّة رحلت مع رحلة (لؤي العتبي) واستكشافاته في برنامجه الممتع (أثيوبيا على الأقدام ) وهو يتجول مع بعثته الاعلاميّة  في ربوع (أثيوبيا ).
حتى حان موعد تناولُ العشاء، بحدود (الساعة العاشرة  والنصف) وكان قدحاً من اللبن الرائب وقطعة ًمن الخبز المُحمّص وتفاحةً حمراءَ، وعدةَ حباتٍ ( فردات) من التمر العراقي نوع (بريم)جلبتها من نخلاتِ حديقة بيتنا في مدينة العزيزية/ العراق من العام الماضي وكانت محفوظة بعناية في المجمدة؛إذ نتناول منها بعض حبات التمر في المناسبات، وبعدها تناولتُ وجبة ًمن (حبوب) الدواء المفروض عليّ تناولها كل يوم بناءاً على توجيهات الطبيب!
 
اتصلنا بابنتنا (روز وزوجها سنان ) في سدني/ استراليا وتبادلنا معهم التحيات في هذه المناسبة.
 
بعد عدة محاولات من التذوق لما في القدر الذي يغلي ؛ قررنا أن ( الهريسة )قد تم طبخها بالشكل وأن التذوق وصل للدرجة المطلوبة، اخرجت قدر (أبو الهريس) ووضعته في (البالكون) فدرجة البرودة هناك وخصوصاً في الليل أبرد من ثلاجة البيت،على أمل تناول طبق من (أبو الهريس) صباح اليوم التالي ونقرأ معها الفاتحة (رواد هيي) على أرواح موتانا أجمعين، وندعو بالصحة والسلامة للجميع؛ وسجلنا بعض الاسماء من الأهل والأقارب والأصدقاء كي نوزع عليهم غداً بعض الأطباق من (أبو الهريس) كما اعتددنا أن نعمل كل عام. 
 
كان هذا اليوم هو يوم الأربعاء 14- كانون الأول/ ديسمبر ـ 2016
مالمو / السويد
 


47
أدب / هَمسُ الوسواس
« في: 19:42 21/12/2016  »
هَمسُ الوسواس

 

بقلم : يحيى غازي الأميري

همسٌ خفيٌ،

نرجسيٌ خفيضٌ

وسوسَ بالرأسِ.

لأيامٍ متكررةٍ

ودبيبُ الوسواسِ

يدورُ ويدورُ ويدور

وبالرأسِ يثور

فراحتْ على مهللٍ تساورُها

شكوكُ الهمسِ
و
بهدوءٍ، راحَ

السُّكونُ و الإتزانُ

ينسلُّ من العقلِ

فأخذَ يُرافقُها

تسارعُ الأفكارِ حدَّ الضيقِ والانبهار.

وباتَ العقلُ في تيهٍ

وذبلتْ الجفونُ

رغمَ كُحلِ العيونْ

زاملها رفيقٌ لصيقٌ

كظلِها، يسقي بإغوائه

جذورَ

التمردِ والنفورِ والغرور

فحطَّ كالملح بالعيونِ الأرقُ

وتضاعف الهمسُ

وإغواءُ خفقان الشبقِ


وركب الرأسُ البحرَ...

من كبَدِ السَّماءِ، كالشِّهابِ الأبلقِ ،

سهمٌ هوى

أبرقَ وصعقْ

فأيقظَ ما أهملَ الفؤادُ من

شهواتِ

غطّاها النوى

البعيد ُ في المدن الناعسةِ

المنسيّة

لكن حنَ لها القلبُ وهام

لتندفعَ متدفقةً الهواجسُ

والأحاسيسُ و المشاعر

وتنهمرُ

الأخيلةُ والنوازعُ والدوافعُ والمنافع

محتدمةً بنيرانِها، فزعةً غاضبة

وأحياناً متسارعةً

متصارعةً متنازعة

فيتضاعف التَّوجسُ

فينتفضُ متدفقاً

إيقاعُ صوتِ الهمسِ

فيسودُ الإضطرابُ والإنفعالُ والقلق

والسلوكُ النزق

وطغَتْ شهوةُ الهوى

فاحتوتها رياحُ الغرور

فَزادتْ الأنا

في الأحاسيسِ والجوى

وأخيراً

وبعدَ ترددٌ محيرٌ مثير

اهتدتْ أن ْ

تَغرس النَّصْل فِي الضَمِير!
....

بعدَ حين من الزمنِ

حصدتْ ما غرستْ

من همساتِ الوساوس

خصاماً  ففراقاً

و رأساً سقيماً

ووجهاً يملأه عبوسٌ

و

خيبةَ في النفسِ

ممزوجةً باليَأْس

وكلاماً مُخيفاً

تلوكهُ الألسنُ

ويتناقلُ بينَ الناسِ

بالسرِّ و الهمسِ

ودوامةً لا تنتهي

ترن

بالرأْسِ

و

عينان قلقتان

لا تهدأن

تبحثُان وتقارنان

بين عريس اليوم والأمسِ

.......

فأفقتُ من نومي فزعاً

وأنا اتحسسُ زبدَ الهذيان

على طرفيّ فمي

فأمسكتُ نفسي

وسألتُ رأسي

هلْ ما مرَ عليَّ

واقع ٌ أم خيالْ

فيأتي الجوابُ:

رغمَ انَّ ما حدثَ

أشبهُ بالمحال

لكنْ لا تجزعْ

فذا واقعُ الحال.


هذيان مع الفجر، مالمو في 21-12- 2016

معاني بعض الكلمات التي وردت في النص ، كما يوضحها قاموس المعاني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الوسواس: الشيطان، جُنُون، لَوْثَة، خَبَل، هَوَس، هُرَاء، هَذَيان، وَسْوَسَة، هَاجس.
نَرْجِس : إعجاب المرء بنفسه وافتتانه بها، وفي علوم النفس يعرف النَّرجِسِيُّة ُ: شذوذ جنسيٌّ يشتهي المرء فيه ذاته: الفتاة النرجسيّة. المصدرقاموس المعجم الوسيط
هوس : طَرَفٌ من الجُنون.
هاجس: شاغل، همْ، قلق، وسواس، والتَوجس التَّسَمُّع إلى الصوت الخفي.
الشهاب: الشُّعْلَة السَّاطعة من النارِ، ما يرى كأنه نجم مضيء ينقض من السماء.

 أبلقُ: في لَوْنهِ سَوَادٌ وَ بَيَاضٌ
الجوى: شدة الوجد والاحتراق من عشق او حزن

غُرُور : انخداع المرء بنفسه وإعجابه بها ورضاه عنها، أباطيل، تكبّر وأختيال.
النَصْلُ: حديد الرُّمح والسَّهم والسكِين
واقعُ الّحَالِ: الوَضْعُ الحَقيقيُّ

48
أدب / رُؤْيَـا
« في: 19:26 08/12/2016  »
رُؤْيَـا
 
يحيى غازي الأميري


مذهولاً يقفُ أمامي
بوجههِ الوسيم
وعينيه النرجستين
الواسعتين الحالمتين
وهي
تتلبدُ بحزنٍ شفيف،
وهو يسألني:
أتظنُ
بهذه السرعةِ المفتعلةِ سيتحققُ
لها
وسواسَ حلمٌ جديد
أغواها؟
أتعقل ُ
وبهذهِ العجالة أنها ستنسى
سنابك خيلي التي
وطأتْ أكثر من ألفِ مرةٍ
مداخلَ مروجِها،
ونهلتُ من غدرانِ شفتيها
وقطفتُ أينع ثمارها.
أتعلم ْ، أقسمُ لكَ
أني قد طبعتُ ذات ليلةٍ
وعلى ضوءِ القمرِ
ألفَ قبلةٍ
على كِلْتَا وجنتيها!
فبادلتني على مهلٍ
بفراشِ الغرام
كلَّ ليلة
ذات القبلِ
فتعاهدنا
و
أقسمنا برب القُبلِ
إنْ تخاصمنا
أو
شطَّ بنا الزعل
أن نعودَ بلهفةٍ نتصالح بذاتِ
القبل
لا
لا
حتماً  ستبقى تتذكر
كلَّ ليلةٍ
كم
من
المناديلِ التي ثملتْ
من
دموعٍ
سالتْ
من مفرق
نهديها.
ووثبتُ من نومي
فزِعاً وجلاً
وأنا بأشدِ حالات الضيق والضَجَر
على صوتِ عصف رياح عاتية تنذرُ بالشرر
ترافقها أصواتٌ تصرخُ من بين الجدران والشجر
نَعمْ
صدقَت الرؤى
فحبيبتك حنثت باليميِن والوعد
ومزقت أوصال العهد
فيما
صوتُ هاتفٍ من بعيد
كأنه صدى طَرقِ الحديد على الحديد
قـُم يا ولد
وأرمِ عن هذه العيونِ
الحزنَ والهموم
وأنظر للبعيد
وابدأ حياتك بيومٍ سعيد جديد
و ظلَ الصدى يدوي من بعيد
وهو يرد
مدد
مدد
مدد
هذيان مع الفجر/ مالمو في 08-12-2016


معاني بعض المفردات التي جاءت بالنص كما وردت في قاموس المعاني:
الوسواس: الشيطان، جُنُون، لَوْثَة، خَبَل، هَوَس، هُرَاء، هَذَيان، وَسْوَسَة،هَاجس.
الضَّجَرُ: الضَّيْقُ، القلقُ، المَلَلُ، السأَمُ.
حَنِثَ في يمينه : لم يبرّ في قَسَمِه وأثم ، حَنِثَ بوعده،أخلفه أو نقضه. 


49
ملتقط العلب الفارغة

يحيى غازي الأميري
الساعة تقارب الخامسة مساء ً، لم تزلْ الشمسُ تتوسط السماء درجة الحرارة لهذا النهار قاربت أن تصل إلى الثلاثين مئوية، هكذا درجة حرارة تعتبر من الأيام الحرارة جداً في أجواء مملكة السويد، أنه أحد أيام صيف السويد الطويلة؛ مغيب الشمس في مثل هذه الأيام يكون بحدود الساعة الحادية عشر ليلاً.
حزمنا أمتعتنا في حقيبة يد صغيرة، بعد أن قضينا نهار يوم طويل مشمس، على ساحلِ البحرِ، ساعات ممتعة هادئة هانئة ،بين الماء والخضراء والوجوه الحسان، والهواء النقي العليل والرمال الساحلية النظيفة الساخنة، بعيداً عن (القيل والقال) وعن نشرات أخبار رجال الأعمال وغسيل الأموال ومفتعلي القتال وقادة الدجل والاحتيال وسراق أموال اليتامى والعيال( الأطفال).
كان من المقرر أن نبقى حتى الساعة الثامنة مساءً، لكن اتصال هاتفي على الهاتف النقال( الموبايل)، يخبرُ زوجتي أن قريب ٌ لنا يود زيارتنا مع عائلته هذا المساء، استقلينا الحافلة ـ الباص ـ رقم (32) الذي يوصلنا الى مركز محطة قطارات مالمو، وهي المنطقة التي سوف نقوم بتبديل الحافلة برقم (5) التي تقلنا إلى البيتِ في منطقة (روزنكورد)!
على حافةِ الرصيف في موقفِ توقف الحافة أخذنا مكان وقوفنا، عشرات من الناس تتجمهر خلفنا؛ موقف الباصات أمام محطة القطارات في(مالمو) مزدحم بالركاب دائماً، فهو مركز مهم للقادمين والمغادرين ومحطة لتبديل مسار الحافلات لاتجاهات مختلفة؛ لم تتأخر الحافلة (الباص) كثيراً حوالي أربعة دقائق طوال فترة انتظارنا؛ أن الوقوف والتفرج في منطقة الانتظار أمام محطة القطار والنظر لحشود الناس وهي تمر من إمامك مسرعةً تارةً ، متأنية ، متسامرة، مودعة أو مستقبلة ، بحد ذاتها غاية المتعة، ورائعة وقد لا تتكرر!
مرت بجانبنا مجموعة من الفتيات الشقراوات بملابس الصيف الساحرة الزاهية تزين رؤؤسهن أكاليل بديعة من الزهور البرية، ضحكاتهن وقهقهاتهن المرحة تملأ المكان بهجة وحبوراً.
توقفت الحافة أمامنا، دخلنا مسرعين، أخذنا مقعدين متجاورين قرب الباب الذي يتوسط الشاحنة ، أمامي في جوف الحافة المكان المخصص لكبار السن وأصحاب الاحتياجات الخاصة ، ولكراسيهم ،وكذلك لعربات الأطفال.
في ذروة التزاحم والصعود والنزول يدخل رجل وهو يرفع بكلتا يدية كيس كبير مليء بالعلب الفارغة، يضعه على عجلةٍ في المكان المخصص لعربات الاطفال، ويخرج مسرعاً ليلتقط من مقابل الباب كيساً اخراً اكبر حجماً من الأول، أصوات القناني الفارغة ترن وهو يدخله ليضعه بجانب شقيقه - الكيس الأول- ؛ ينهمك بحركات متسارعة وهو يحاول ضم ورصف(الكيسين) على بعضهما بكلتا يديه وساقيه.
الكيسان اخذا مساحة واسعة تجاوزت على جميع المكان المخصص لجلوس المعوقين وكبار السن وعربات الأطفال، حجمها كبيرٌ جداً بالقياس لمساحةِ المكان، كل كيسٌ يزيد ارتفاعه على المتر والربع وقطره كذلك!
يذهب الرجل مسرعاً الى المكان المخصص لقطع التذاكر قرب سائق الحافة ،يأشر بطاقة دخوله ويعود مسرعاً ليقف جنبَ أكياسهِ المنتفخة، وهو يحاول مرة ثانية ان يلمهما الى بعضهما أكثر كيلا تأخذ حيزاً كبيراً، ولكي يستطيع السيطرة عليها.

وقف رجل الأكياس وهو يرمق المكان والركاب بنظراتٍ قلقة متفحصة، كان ظاهراً عليه التعب والإرهاق، أخذ نفساً عميقاً فيما راحت يداه تحاول أن تعدل من وضع نظارته الطبية، أنه شاب تجاوز الثلاثين من العمر ،متوسط القامة يميل للسمنة ، شعر رأسه قصير بلحية  سوداء تركها تنبت لعدة أيام، صيف الشمس قد بانت على وجهه الأسمر فزادته أكثر حمرةً وسمرة، كانت ملابسه غير متناسقة الألوان البلوزـ التي شيرت - أحمر وعلامة كبيرة بيضاء شعار للشركة الرياضية الشهيرة (اديداس) مطبوعة على الصدر، (الشورت) بني - قهوائي - داكن ويحتذي (صندلاً) أسود!
شابة بملابس الصيف الجذابة، ونظارات شمسيّة، تدفع عربة طفل، تدخل العربة بصعوبة بجوف الحافلة لم تجد مكاناً لها في المكان المخصص لعربات الاطفال، ترمق رجل الأكياس بنظرة مستفسرة حائرة، يرمقها بنفس النظرة ويدير لها ظهره، عيون الجميع تراقب المشهد، امرأة في المكان المقابل للأكياس ، مخصص جانب منه ايضاً لعربات الاطفال والمعوقين وأصحاب الاحتياجات الخاصة تنادي عليها أن تأخذ محلها، تستجيب لطلبها بابتسامة رقيقة وهي تومئ برأسها علامة على الموافقةِ والشكر!
رجل الأكياس يقف متاملاً جوف الحافلة، فيما رائحةُ عرق ٍ نفاثةٍ تنبعثُ من جسمهِ وملابسهِ، تخالطها رائحة ( البيرة) التي تفوح من العلبِ ( القواطي) الفارغة تنتشر في محيطِ المكان.
 رجل الأكياس يدور برأسه ويسمّر نظراته من خلف نظارته الطبية إلى مقعد فارغ واحد، قريباً منه، جنبَ أمرآةٍ طاعنة بالسن ِ بشعر اشيب قصير وملابس فضفاضة ملونة زاهية، بلمحةِ بصرٍ وبخطوةٍ سريعة يجلس بالمكان، فيما بقيت عيناه مشدودة إلى الاكياس،المرأة العجور التي بجواره تكوّر نفسها مبتعدة ً في اقصى الكرسي وهي ترمق الرجل بنظرة فيها كثير من الحيرة والحذر.
 تتحرك الحافلة، يُخرج رجل الأكياس هاتفه النقال من جيبهِ، يفتح (الموبايل) ويختار أحد الأرقام، ويبدأ بالحديث:
ـ ألو ، ألو، ألو
ـ نعم.
 ـ أنا (جمال) معاك، أسمعني أني الآن في الباص رقم (5)  أتحرك الباص، بحدود ربع ساعة سوف اكون في موقف الباص في (راملز فيك) اريدك تنتظرني هناك، أعاد اسم المنطقة ( راملز فيك) مرة ثانية بصوتٍ أعلى.
توقفت الحافلة في المنطقة الثالثة بعد المحطة بجانبِ بناية ( كونشرت هوست)، شابة شقراء فارعة الطول بعيون زرقاء ،تنزل من الحافلة . 
عينا (جمال) تجول المكان وتتسمر على علبة (كوكا كولا) فارغة متروكة على حافة الرصيف، يقطع مكالمته الهاتفية وينادي على الشابة التي غادرت الحافة:
 - ( هلو ، هلو ، هلو )
ما أن ألتفتت الشابة حتى بادرها باللغة العربية ( ناوليني العلبة ) وهو يشير بيده الى العلبة المركونة الفارغة على حافةِ الرصيف.
وقفت المرأةُ مفزوعة ًوهي تتلفت ذات اليمين والشمال، على مصدرِ الصوت وإشارة محدثها، وهو( يأمرها) بصوتٍ مرتفع وباللغة العربيّة أن تناوله العلبة الفارغة، لم تفهم حديثه وإشارته، بدأت عينها ورأسها يدور في المكان والوجوه، بان عليها الانزعاج والاستغراب وصوت (جمال) يُلاحقها وإشارة يده تتجه الى العلبة الفارغة، تركت المكان مقطبةَ الحاجبين وذهبت مسرعةَ الخطى وهي تتلفت مستغربة فاغِرَة فاها.
أغلق الباص أبوابه، وبدأت السيارة تهم بالحركة، ضغط (جمال) على زر المنبه بالتوقف، و بصوتٍ عالٍ قوي نادى على السائقِ، للتوقف وفتح الباب، باللغة السويدية:
stanna öppna dörren -   
توقف السائق، وفتح باب الحافة نزل (جمال) من الحافة وإلتقط علبة ( الكوكا كولا) الفارغة، عاد للحافلة مسرعاً ليجدها قد أغلقت أبوابها، طرقَ الباب مراتٍ متتاليةً بقوة وهو يصرخ :
 öppna dörren -   
الحافلة تحركت و(جمال) يجري بجانبها وهو يطرق بابها بقوة بأحدى يديه، فيما يده الاخرى تقبض بقوة على علبةِ ( الكوكا كولا) الفارغة وتضمها الى صدرهِ، وهو يصرخ:
öppna dörren  ،öppna dörren -   
 الحافلة تسير وبجانبها (جمال) يجري، واصل جريه بسرعة حتى وصل لباب الحافلة المجاور للسائق وهو يصرخ:
 öppna dörren -
توقفت الحافلة في منطقة (أشارة المرور الضوئية ) ـ ترفك لايت ـ  حمراء، بعد ان قطعت مسافة بحدود (30) متراً،(جمال) يقبض بيده على العلبة وهو يتوسل بالسائق أن يفتح الباب، السائق ينظر اليه باستغراب ولم يستجيب لصراخه !
 تطوع أحد الركاب ونادى على السائق أن يفتح له الباب بعد ان شرح له باللغة السويدية ما جرى، فتح السائق الباب.
أندفع ( جمال) بجوف الحافلة وهو يرمق السائق بنظرة عتاب، وعلامات الغضب والتعب مرسومة على وجهه الذي لوحته الشمس والتعب، سار عدة خطوات سريعة بين الركاب، وبسرعة يفتح احد الأكياس ويضع فيه علبة (الكوكا كولا) الفارغة، وابتسامة الظفر والارتياح قد ارتسمت على شفتيه؛ فيما كانت عيون معظم ركاب الحافلة تلاحق وتراقب(جمال) وتتهامس فيما بينها!
مالمو / السويد
3 تشرين الثاني 2016
العلب الفارغة : في مملكة السويد وكذلك في العديد من البلدان الاوربية، توجد علامات على العلب الفارغة، وكذلك القناني الفارغة، التي يمكن ارجاعها واستلام اثمانها، جميع العلب تستحصل قيمتها مقدماً من الزبون المتبضع، ويعاد ارجاعها في اماكن عديدة مخصصة - ماكنة -  توجد في معظم الاسواق التجارية، بالإمكان وضع العلب فيها واستلام وصل بقيمتها، كان سعر العلبة الفارغة وقت تدوين الحكاية صيف عام (2007) نصف كرون سويدي، الآن وانا انشر الحكاية عام(2016) قيمتها ( كرون سويدي واحد) وقناني (الكوكا كولا) وبقية المشروبات الغازية الكبيرة بقيمة (2) كرون سويدي.


50
أدب / ما مرَ عيدٌ والعراقُ سعيدُ
« في: 20:09 10/07/2016  »
ما مرَ عيدٌ والعراقُ سعيدُ
 
ِيحيى غازي الأميري


أنظرُ الى وجوهِ الناسِ والحزنُ يسكنُها
موشحةً بالوجعِ والسوادِ
وقلوبُها تطفحُ
ملبدةً بالهمومِ
تنشجُ بلوعةٍ زفراتِ بؤسِ حظِها
وتشتمُ كلَّ من حنثَ بالوعودِ
وخان العهودِ
يُزيدُ ألمَها شجنُ الروحِ
وأنينُ الفؤادِ
بعد أن هَجَرَ الجفونَ الرقادُ
وحلَ السهادُ
و
رحلَ الفرحُ وحطتْ
متواترة ًالنكباتُ و الويلاتُ على البلادِ

في كلِّ لحظةٍ
وفي كلِّ مدينةٍ شبحُ الموتِ
يطاردُ أهلَها
بفعلِ مجازرِ الأوْغادِ
بعد كلِّ مجزرةٍ يقفُ مُنتشياً
مجرمٌ وخلفه عن قربٍ وغدٌ وجلادُ
كنتُ أتابعُ بألمٍ من التلفازِ
أخباراً وتقاريرَ عن مآسي العراقِ
شاهدتُ
مشاهدَ فزعٍ ، أرتعدَ لهولِها مرعوباً خافقي
جموعٌ من الناسِ
تصرخُ وتستغيثُ بجنونٍ
وهي تتقافزُ وتركضُ
ذاتَ اليمينِ وذات الشِّمال
تلاحقُها أصواتُ الإنفجاراتِ
و ألسنةُ النيران وأعمدةُ الدُّخانِ
والأشلاءُ والأشياءُ
تتصاعدُ شظايا متطايرةً متناثرةً
بين فضاءِ المكانِ وكـبدِ السَّماءِ
مشاهدٌ
تُدمي القلوبَ، وتُنطقُ الحجر
فزعٌ لا مثيل له
ثلاثةُ رجالٍ يحاولون سحبَ إمرأةٍ من جوف سيارة
حوتها النيرانُ
وهي تحتضنُ طفلَها الرضيعَ
تستغيثُ بصراخٍ والنارُ تلتهمُ
ثيابهَا
فتحيلُها بلحظةٍ  لكتلةٍ من نارٍ و رماد
أمٌ تصرخُ بهياجٍ شديد
وهي تلوحُ بيدٍ وتتضرعُ باخرى
فرشت عباءتها على قارعةِ الطَّريقِ ؛
لتجمع أشلاءَ ولديها بين الحُطامِ
وأُخرى تلطمُ رأسَها وهي
تُقبّلُ  شلواً من الأشلاء
وشابٌ مضرج ٌ بالدماءِ
يحملُ نصف َ جسدِ ابيه وهو ينتحبُ
ويصرخُ هذا ( أبي)
وعلى جانبيه ثلاثةُ رؤوسٍ
تسبح بالدم المُراقِ في العراق
نحرتها الشظايا الشيطان
صوتٌ نسائيٌّ ملتاعٌ يرددُ دون انقطاع
(يمه أوليداتنا)
لم أنمْ ليلتي
فقد اغرقتُ وسادتي بالدموعِ
في الصباحِ شاهدتُ
في كلِّ شارعٍ
الخيامَ ضُربتْ أوتادُها
ولافتاتٍ لا حصرَ لها ولا عـد
تنعى بمرارةٍ فلذاتِ الأكباد
وتلعن الفساد
كتبت في 8 تموز 2016
مالمو / السويد

ملاحظات متعلقة بالنص
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عدد شهداء العراق (ضحايا التفجيرات والأعمال الارهابية) بلغ ( 251000) مواطن عراقي خلال الفترة منذ التغير الذي حدث في العراق( 9 نيسان 2003) لغاية تموز 2016 كما ورد في برنامج( البشير شو) في حلقة (عيد - شهيد) بتاريخ( 8 تموز 2016) والذي بثته القناة الفضائية (أن أر تي ) حسب ما جاء في إحصائية منظمة :
( IRAQI BODY ACCOUNT )
*عدد شهداء(ضحايا) تفجير الكرادة /بغداد الذي حدث يوم (3 تموز2016 ) وصل الى ( 292) شهيداً و(200) مصاب، تقرير وزارة الصحة العراقية في( 7 تموز 2016)



51
حقوق المكونات في الدستور العراقي/ محاضرة ثقافية في الجمعية المندائية في مالمو

يحيى غازي الأميري
استضافت الجمعية الثقافية المندائية في مدينة مالمو،على صالة قاعتها مساء يوم الجمعية المصادف 29 أبريل / نيسان 2016 الصديق الحميم لجميع مكونات المجتمع العراقي الأستاذ الباحث القدير الكاتب القاضي (زهير كاظم عبود)
كلفَ كاتب السطور ( يحيى غازي الأميري) من قبل الجمعية  الثقافية المندائية في مالمو بإدارة امسية المحاضرة والتقديم لها.
 بعد الساعة السابعة مساءً بعشر دقائق ابتدأت أمسيتنا بكلمةِ ترحيب بالحضورِ الكريم وضيفنا العزيز؛ أدون ادناه نص من كلمة الترحيب والتعريف بالأستاذ الفاضل (زهير كاظم عبود) التي قرأتها.

 (سيداتي آنساتي سادتي الحضور الكريم
أسعدتم مساء ً وأهلا ً وسهلا ً بكم في أمسيتنا الثقافية هذه، والتي تستضيف فيها الجمعية الثقافية المندائية في مالمو، الأستاذ الباحث الأديب القاضي ( زهير كاظم عبود) في محاضرته الموسومة ( حقوق المكونات في الدستور العراقي) .
يتمتع ضيفنا الكريم الأستاذ (زهير كاظم عبود ) بسيرة عطرة مفعمة  بالعطاء والإبداع والنضال. وبمسيرة حافلة بالإعمال الجليلة والموقف الإنسانية المشرفة.
المتتبع لسيرة الأستاذ (زهير) يجدها تزخر بالعطاء المتواصل من أجل نصرة الحق، والدفاع عن  حقوق الشعب العراقي وثرواته، بجميع مكوناته وأطيافه، ومدافع لا يلين ولن يضعفْ أو يستكين في الدفاع عن حقوق ـ الأقليات ـ مكونات الشعب العراقي الأصيلة بشكلٍ خاص.
فتراه في كتاباته الزاخرة ومحاضراته ومؤتمراته ومداخلاته، وحيثما يكون مدافع بالحق بلاد حدود عن حقوقهم ومناصر لتطلعاتهم المشروعة.
فالمتابع له يجد في كتاباته وطروحاته الغَيْرة الوطنية والشهامة والجرأة المفعمة بالطيبة الصادقة، يكتب بوجدان ينبض بالإنسانية.
فتراه يكتب ببصيرة رجل القانون المطلع الواعي عن:
تاريخ وحقوق الأيزدية ومآسيها والجور والحيف والظلم الذي أصابها وألم بها والذي لم يزل يفتك فيها.
وبنفس الشهامة يكتب عن حقوق الصابئة المندائيين و تطلعاتهم للغد الأفضل، بعد التشتت في بلاد المهجر الذي اصابهم.
وكذلك عن الحقوق المستلبة وعقوق القوانين التي لا تريد أن تنصف الكورد الفيليين وتضمد جراحاتهم النازفة
ويكتب بنفس الشهامة عن حقوق المسحيين وهجرتهم الجماعية، ومأساتهم في نينوى وسهولها!
ويكتب بحزن عن هجرة  اليهود ومبدعيها.
وعن ويلات و تطلعات الشبك وحقوقهم.
وبنفس الهمة والمثابرة يكتب ويتحدث عن حقوق شعب العراق وتطلعاته،ويتألم بحرقة ومرارة ولوعة عن الدمار والنهب والخراب الذي ضرب اطنابه في ربوع الرافدين.
انها سيرة زاخرة  بالإنتاج الغزير بالكتابة التنويرية (الثورية التقدمية).
له من الكتب المطبوعة الصادرة اكثر من 28 كتاباً في مختلف المواضيع ومئات المقالات والدراسات والبحوث منشورة  في الصحافة الورقية وبقية المنافذ الاعلامية مثل صحافة الانترنيت.
بعدها قرأت شيئاً من سيرته الذاتية وبعضٍ من عناوين كتبه الصادرة وأبرز محطات حياته.
لأترك (المايكرفون) لضيفنا الفاضل ليحدثنا عن حقوق المكونات في الدستور العراقي.
ابتدأ الأستاذ الباحث زهير كاظم عبود حديثه بالترحيب بالحضور الكريم ، مستعرضاً بتسلسل تاريخي كيفية انبثاق اول دستورعراقي تم العمل بموجبه في عام 1925 ،في العهد الملكي و ابرز المواد التي ذكرت فيها حقوق المكونات العراقية، وبعدها استعرض التغيرات التي حدثت على الدستور العراقي بعد ثورة 14 تموز 1958 وتغير نظام الحكم من ملكي الى جمهوري، وكيفية الغاء الدستور الاول وأصدر دستور مؤقت على امل اصدار دستور دائم لجمهورية العراق، مستعرضاً كذلك المواد التي ذكرت حقوق المكونات العراقية في الدستور المؤقت،واستعرض في حديثه قانون الاحوال الشخصية رقم 188 لسنة  1959 وكذلك التغيرات التي حدثت بعد انقلاب عام 1963 و1968 والتغيرات والتعديلات التي طرأت على الدستور بخصوص المواد التي تخص المكونات العراقية، وكذلك التعديلات التي جاءت على قانون الاحوال الشخصية ،مكملاً حديثة الى الدستور الاخير الذي جاء بعد التغير الذي حدث بعد 9 نيسان 2003،والذي يتم حكم العراق بموجبه  في الوقت الحاضر، وهو الدستور الذي تمت الموافقة عليه في الاستفتاء العام الذي جرى بتاريخ 15 تشرين الأول 2005 ودخل حيز التنفيذ في عام 2006.
وبعد هذا الاستعراض الشيق المعزز بالأمثلة للوقائع والأحداث والذي استمر لساعة كاملة ، شكرنا ضيفنا وجمهورنا لحسن اصغائهم وتفاعلهم ، أخذنا استراحة لمدة عشر دقائق لتناول القهوة والشاي ، وخلال فترة الاستراحة عرضنا احدث نتاجات ضيفنا الفاضل من الاصدرات كتابه الموسوم (حركة جند السماء) والذي يبحث في أحداث ما يسمى ( واقعة الزركة) والتي وقعت احداثها المثيرة للجدل في محافظة النجف عام 2007؛ يقع الكتاب بـ 244 صفحة من القطع المتوسط.وقد اقتنا العديد من الحضور نسخة من الكتاب.
بعدها طلبنا من الحضور الكريم من الراغبين منهم بالمداخلات أو الاستفسارات أو الاسئلة تسجل اسمائهم، فكانت أسئلة واستفسارات ومداخلات عديدة شارك فيها أكثر(15) من الحضور،أجاب الاستاذ (زهير كاظم عبود)على جميع الاسئلة والاستفسارات والمداخلات، والتي أغنت المحاضرة بالجديد من الايضاحات والمعلومات المفيدة وزادت من تفاعل الحضور معها.
وقبل ان يختم الاستاذ المحاضر محاضرته القيمة، أوضح للحضور الكريم (أن الدولة العراقية مقبلة على تعديل دستور العراق) وأستطرد بقولة (لذلك أطلب من الجميع بالتحرك المباشر والمستمر بالضغط على الكتل والكيانات السياسية التي تقود البلاد ، بضرورة ان تنصف حقوق المكونات العراقية بالدستور القادم ، وعلى الجميع التحرك بالكتابة وإقامة الفعاليات المتنوعة المختلفة ومن مختلف المنابر الاعلامية لأهمية ذلك من أجل التعديل).
في الختام شكرنا ضيفنا الكريم مقدمين له بأسم الجمعية الثقافية المندائية في مالمو وأعضائها باقة من الورود العطرة، على محاضرته القيمة، واستجابته الكريمة لدعوتنا.وشكرنا حضورنا الأفاضل على حضورهم ومشاركتهم الفاعلة في الأمسية والتي دامت ساعتين وعشر دقائق، بعدها كانت هنالك فسحة قصيرة لالتقاط بعض الصور الجماعية.
ملاحظة:على مدى السنوات العشر الماضية كان ليّ الشرف أن أقدم الاستاذ الفاضل (زهير كاظم عبود) في ثلاثة نشاطات ثقافية متنوعة وهي:
1. في المؤتمر الرابع لاتحاد الجمعيات المندائية في المهجر والذي عقد في مدينة مالمو بتاريخ 18-08- 2006  وقد كانت له مشاركة بكلمة قيمة باسم( اللجنة العليا لمناصرة الشعب المندائي العظيم).
2. في أمسية ثقافية في مقرالجمعية الثقافية العراقية في مالمو والتي كانت بعنوان(القضاء في العراق) بتاريخ 17- حزيران- 2011
3.حقوق المكونات في الدستور العراقي/ محاضرة ثقافية في قاعة الجمعية الثقافية المندائية في مالمو بتاريخ 29- نيسان- 2016 .
كتبت في مالمو 27 أيار 2016

 

52
أدب / صراخٌ بين الضلوع
« في: 19:47 22/12/2015  »


صراخٌ بين الضلوع

 
يحيى غازي الأميري


أما يكفيكَ هذا الفرار
وهذا الذل والانكسار
صعلوكٌ* مُشَّردٌ، مشتتُ الأفكار
لا أهلَ لا وِلْدَان، لا صحبةً لا دارُ ولا خلّان
أما مللتَ من التَّشرّدِ
فما عرفتك تحب التسكع والخنوع
وحياة الضنكِ والضياعِ والجوع.
فكم تقاذفتك حياةُ المَنون**، وسياط السجونِ
ولاحقتك العيونْ؟!
وتحملّتَ بجَلدٍ آلاف الإهاناتِ وزفرتَ دماً بدل الآهات
ومن أجلِ قوت الجياع والمشردين لسعتكَ 
سياطُ الظلم مزقتك
دون أن تقول آه
فأنتَ الرجل ُالوَعِيُّ لعمقِ الجراح
وأسباب النواح.
 أمنِ البردِ والليلِ وصوتِ الرعد والمطر تهرب
أم من المفخخاتِ وكاتمِ الأصواتِ
تخافْ
لمَ يرتجفْ قلبكُ مذعوراً من نداء الحرية
في وضحِ شمسِ النهار
وها أنت ومن بعيد 
تنشد النجاة بالأشعار
أما كفاك طوافاً؛ فحتّام*** تعيش القهر والدموع والأحزان
وتلوذ مذعوراً بمنعطفِ شارعِ مهجور
صاحبت النجباءَ الثقات، وساعدت الأيتامَ والمشردين،
 ورأيت الفقراءَ يفرون مذعورين
من شلالات دمٍ نازفةٍ بيد الطغاة،
 والآن البغاة والبغي
غزتْ البلاد
وأذاقوا العباد كاسات البؤس والشقاء
ملايينٌ من صحبك مشردين في العراء والخيام،
 وكهوف الجبال
 والأزقة النائية المظلمة المحاطة بالأوحال والازبال
لقد غابت منذ زمنٍ وعودُ العدلِ والحرية والإنصاف.
وغريمك
امتلك ناصية الأمر
وبيده المال والسلطان.
عــد الى وطنك
فقد أصبحَ أكبرُ مرتعاً
مُشرع الابواب
للسراق.......
      ووثب من غفوته مذعوراً؛ فقد علا       
صراخُ وعويلُ زوجته وأمه والصِبْيَة،
 فقد شبت نارٌ في خيمته أو ما يسمى 
دارٌ في زمنِ المحنة.
   
هذيان مع الفجر/ مالمو الثلاثاء في 22-12-2015

معاني بعض الكلمات في النص
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*الصُعلوكُ: فقير لا يملك شيئاً، يعيش على الهامش؛ مشرِّد
**مَنون: الموت
***حتّامَ: كلمةٌ مركبة ٌأصلها من (حتى) وَ (ما) ما الاستفهامية حذفتْ الألف فيها؛ معناها (إلى مَتى) 

53
من الكأسِ إلى الحبسِ ودبيب القمل في الرأسِ
 
بقلم: يحيى غازي الأميري
(1)
نظرَ إلى ساعتهِ، وبسرعةٍ
على غيرِ عادتهِ، أرتشفَ الكأسَ الأخير
من نصفِ قنينةِ العرقِ، التي دفعَ ثمنها للنادل،
وهو يبتسمُ بفرحٍ ومرحٍ وانشراح،
لإكمالهِ تخطيط َلوحته الأميرة العارية.
صب نظراته على لوحته العارية
وبنشوةِ دبيبِ الخمرِ بالرأس
تنهّد وانفرجت أساريرُ وجههِ،
وهو يُبرزُ بعناية ٍودقةٍ واضحةٍ رسمِ
الحلمتين ِالنافرتينِ
على النهدينِ الناهدين؛ فتبدوان كرمانتين ناضجتين.
تأبطَ جريدته ُودفترَ الرسم والرواية
التي اشتراها عصر هذا اليوم
(شرقْ المتوسط) * الرواية التي

حدّثه أصحابُه عنها كثيراً،
بعد أن أتم قراءة رواية (القلعة الخامسة)**.
صوتُ امُّ كلثوم (هل رأى الحب سكارى مثلنا)
يهزُ أرجاءَ القاعة، وما أن هو
يهمُ بمغادرةِ الخمارة؛ فإذا
بقوةٍ مدججةٍ بالسلاحِ تقتحمُ الحانةَ، وتنتشرُ على عجلٍ
في جميع ِأرجاء المكان.
تسمّر(سمير) في جلسته،
لم يستطع تمّيزَ أصواتِ التحذيرات،
التي اختلطتْ مع الضوضاءِ وصوت الغناء الصادح،
مسحت عيناه المكان بتمهّل لكنه
لم يتمكنْ من إحصاءِ أعداد القوات المداهمة.
  وأحسَّ بأن
أحدَهم يُمسكُ به من معصمهِ بقوة،
ويهمسُ بأذنهِ: لا تتحركْ... اجلس في مكانك ولا تتحرك. وسمع
الشرطي الذي يقبضُ على معصمه
منادياً: سيدي عثرنا عليه.
يتقدم الضابطُ نحوه بلمحةِ بصر
يُحدّق به
وبصوتٍ مبحوحٍ وعينين يتطايرُ منهما الشرر
يصرخُ بوجهه:
أخيرا ً وقعتَ في قبضتِنا، وفي نفس الوقت
يضعُ قيدَ الحديد بمعصميه
اقتادوه وهو يترنّحُ بينهم من الصّدمةِ والخمر.
(2)
في الحبسِ الانفرادي
ذاقَ
أَصنافاً مريرةً
من الذُّلِّ والتَّعذيب، والرَّكلِ والجلد
والعديد من الأساليبِ المبتكرة بسياسة المساومة
بين الترغيبِ والتَّرهيب والوعيد، لكن
لم تطاوعه نفسُه أن يجمعَ {نعم ولا} في وقتٍ واحد.
يقول سمير:
(كان امتحان الامتهان والذُّل عسيراً؛ فلقد
رفضت التواطؤ على نفسي)
(3)
بعد أربعةِ أشهرٍ
من معاناةِ الذُّلِّ في الحبس
اُقتيد سمير
مُهاناً كسيراً أسيراً بتهمة لم يعرفها،
ألبسوا قدميّهِ خُفّين
وساروا به
معصوبَ العينين،
مُكبّـل المِعصمين،
خائرَ النَّفس والعزيمة
تلاحقه بالهمسِ تارةً وبالزجر ثانية
إرشاداتُ وتحذيراتُ السّجانين المفتولي العضلات ـ وكثيراً ما تسائل - (كيف يتم اختيار مثل هؤلاءِ الغلاظ) وانتبه وهو يسمع:
قِف مكانك، لا تتلم
فتحوا عينيه المعصوبتين
صعق، وأرتعدَ بدنه، وزاد وجيفُ*** قلبه، بل كاد ينخلع
وهو يرى
أمامه
خمسةَ رؤوسٍ منتفخةِ الأوداجِ تحملقُ به
وهي تجلسُ بأجسامها البدينة المكتنزةَ محشورةً
على كراسٍ حمراءَ مذهّبةٍ وثيرة
فوق منصةٍ عاليةٍ وخلفهم لوحةٌ مذهّبة مُعلقة
كُتبَ عليها بخطٍّ كوفيٍّ مزخرف
(العدلُ أساسُ المُلك)
وفوقها صورة ٌ بما يعرف (ميزان العدالة)
دارت عيناهُ بسرعةٍ في الصّالة الواسعةِ الفاخرة
صورةُ رئيس الدولةِ بحجمٍ كبير، ثبُتت فوقَ الرّؤوسِ الخمسة،
تحيطها هالة من الأضواءِ، وهي تتصدر القاعة.
مجاميعٌ من
الحرّاسِ ببنادقَ
تصوّب فوهاتها ونظراتهم اليه
تسمّرت عيناه
على قدميه اللتين كانتا عاريتين قبل قليل، وهي تقف
مرتجفةٍ
فوق النعلين
على البلاط المرمري
الأبيض
ارتعد بدنُه وهو يتنفسُ رائحةً عفِنةً
تنبعثُ من ملابسه المهلهلةِ
ركّز كلَّ انتباهه الى الصوت القادم
من الوجه المنتفخِ الذي يتوسط الجلسة وفي نفس الوقت
يقلُّبُ ملفاً ضخماً أمامه، وبدأ يتحدث بصوتٍ راعدٍ:
ـــ لا ينفعنك
أيُّ انكار بعد الآن يا سمير!
لقد سجلّنا كلَّ كلمةٍ قلتها
وأنت تتأمل وتحلم وتهذي بزنزانتك.
وبصوتٍ أعلى نبرةٍ بدأ الرأسُ الكبيرُ يسأل:
لماذا الإصرارُ عـى تحريض النّـــــاس؟
لماذا الاستمرارُ بالسّير بطريقِ الفُسقِ والمُجون؟
ألم نحذرك مـــــــــــــــــن بثِّ الأفكارِ الهدامة!
ألم نقل لك منذ زمـــــــــــــــــــــــــــن كفــــى؟
توقّف الرأسُ الكبيرُ عن الكلام.
ومال بوجهه هامساً قليلاً نحو اليمين والشمال
صوتٌ جهوري
يهزُّ أركانّ القاعة ؛ ألا وهو
ـ صوت المدعي العام ـ وهو
يقرأ لائحة الاتهام
ويطالب بإنزالِ عقوبةِ الإعدام شنقاً حتى الموت ...
أُصبتُ بالدُّوارِ وضربَ الرعبُ قلبي بسياطٍ غير مرئيّة
وجفَّ فمي، وسمعتُ صريرَ أسناني تصطكُّ بشدةٍ
وبألمٍ شديدٍ يعصرُ معدتي
تاهت وتداخلت أفكاري والأصواتُ
القادمةُ من قاعة المحكمة
كان صوتُ الادعاء العام
ومحامي الدفاع
يتداخلُ ويمتزجُ برأسي مع
أصواتِ الشَّتائمِ والسِّباب ووجع السياط
ورعب لعبة المساومة وصرير باب الحبس الحديدي.
فيما بدأت سحابةُ أحزانٍ قاتمةٍ تدنو من وجهي
إعتدل الرَّأسُ الكبير بجِلسته
وصوب عينيه نحوي
وهو يُمسك بمطرقةٍ من خشبِ الصّاج اللماع
ويتحدث بصوت قوي قاسٍ:
أجب بكلمة واحدة :
{ هل أنت مذنبٌ أم بريء }؟
صوتُ الشرطي الذي
بجانبه من الشمال يهمس بأذنه
قلتُ لك: لا تتكلم!
لم يستطع سمير التركيز
فدبيب القملُ برأسه بدأ ينهش بعنف.
الرأس المنتفخ كرر السؤال عليه مرةً ثانية:
هل أنت مذنبٌ أم بريء؟
صوتُ الشرطي من اليمين يهمس بأذنه الأخرى أخرس لا تتكلم!
القمل ينهشُ برأسه وبدنه
يمنعه من الحديث والتركيز
الرأسُ الكبيرُ بعصبيةٍ وصوتٍ قويٍّ،
أسألكَ للمرةِ الأخيرة
وأن لم تتحدث سوف نضاعفُ عليك العقوبة
الشرطيان يهمسان بأذنيه
أخرس لا تتكلم.
تململ قليلاً بقفصه
الهمسُ يصلُ مرةً أخرى
اخرس لا تتكلم
الرأس المنتفخ الكبير يميلُ بوجهه
ذات اليمين وذاتَ الشمال
الصمتُ يُخّيمُ على القاعة، الوجوه المنتفخةُ متجهمةً
المطرقةُ تهوي بعنف وبضرباتٍ متتاليةٍ على الطاولة،
وبدأ الرأسُ المنتفخُ الكبيرُ يُحدّق بي وابتدأ يقرأ :
حكمت المحكمة حضورياً على المتهم
بالسجن عشر سنوات
صُدم (سمير) ولم يتمكن من
سماع بقية الاحكام
إذ تزاحمت وتداخلت برأسه الأصوات
والأفكار وتنقلات دبيب اسراب القمل.
فجأةً
خرج صوتٌ كالرعدِ الهادر
من جوف سمير
(هذا منتهى الجور والضيم، هذا كفرٌ وظلم)
ولسعةٌ كالصاعقةِ تضربُ بدن سمير
تُسقطه أرضاً، بين الأقدام
فتح عينيه لا شيء يظهر
غير جدران رماديّة اسمنتية تحيط به من كلِّ الجهات
لم يعرف كم مضى عليه وهو بهذه الزنزانة النتنة.
تحسس بحذر ملابسه الرطبة الممزقة التي تلتصق بجسمه.
رائحة بول تزكم انفه
وهي تنبعث بقوةٍ
من صفيحة ٍمعدنية بجواره بإحدى زوايا الزنزانة
وضوءٌ خافتٌ ينبعثُ من كوّة ٍصغيرةٍ
تتقاطعُ عليها قضيبانٌ من الحديد
في أعلى جدار الغرفة
فيما بدأت تلتقط أذناه صوتَ السَّجّان
وهو يهتفُ من خلف القضبان
(أفاق سمير)
هذيان مع الفجر
مالمو في 12-12-2015
هوامش توضيحية مكملة للنص
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* شرق المتوسط: رواية للكاتب (عبد الرحمن منيف) نشرت الطبعة الأولى منها عام (1975) تنتمي الرواية الى أدب السجون، تدور احداثها في السجون العربية ومعاناتها المريرة وكذلك تسلط الضوء على قسوة السلطة وعلى الواقع السياسي في الوطن العربي دون تحديد المكان والزمان.
** القلعة الخامسة: رواية تدور أحداثها داخل السجون والمعتقلات العراقية، صدرت الطبعة الأولى منها عام (1972) للكاتب (فاضل العزاوي).
*** وجيف: أسم مصدر وجَفَ، وجف َالقلبُ: خفَق وخاف.


54
أدب / ضياعٌ وجياعٌ
« في: 18:30 09/09/2015  »


ضياعٌ وجياعٌ

 
يحيى غازي الأميري

أتابعُ الأوضاع
بقلبٍ ملتاع
بعد أن أشتدَ الصراع
بين الشعبِ والسُّراق
مرضتْ عينايَّ
وتمزقَ كبدي
بعدَ أن زادَ الحزنُ وكثرَ البكاء
وطالَ السهاد
من هولِ أهوالِ
ما جرى ويجرى
من قسوةٍ
من مآسٍ
وكثرةِ المحنِ،
ورَزَايَا
تضربُ بكلِ عُنفِها
شعبَ
العراقْ
ففيها زيادةٌ  في الجورِ والفجورِ
وإفراطٌ بالظلمِ والضيم ِ تجاوزت الحدود
بسبي النساءِ وانتهاك الاعراض
والتهجير والاحتلال
واستمرارٌ في السِّرقةِ والنهبِ
من أموالِ الجياع
وإمعانٌ في النصبِ والاحتيالِ
وإغراقُ البلادِ بمزيدِ من أنهرِ الدماءِ
و المشاريع المغلفة بالكذب والنهب و الرياء
نفـذَ صبرُ الناس
(فوصلَ السيلُ الزُّبَى)
وأغرق القاع وغطّى الرُّبى
وضربَ بكلِّ عنفه فهدّم السدَّ
سـدَ الخوفِ الأوحد
ولم يعد للخوف من مرقد
هاجَ الشعبُ و أرعد
فخرجَ وعزمه للعتق يتجدد
ولسارقي قوت الجياع يتوعّد
هادراً : الأمان ، الخبز ، الكرامة
لم تخيفه سطوة وبنادق السراق
ولا لهيب قيظ صيف العراق
منتفضاً
وهو
يهتفُ
بالإجماع وعلى رؤوس الاشهاد
باسم الجياع
باسم خبز وماء العراق
معا
ثورة
الإصلاح
ضدَ الفساد والسراق
و
عودته من التيه والتخدير و الضياع
نهضتُ من سريري.
مع خيوطِ الفجرِ
بعد أن خاصم عينيَّ المنام
فصوتُ الشعب من جمعة ِالأمس
لم يزلْ
يدوّي برأسي وهو يهتف
إرحل إرحل
يا نصاب
كفى
ضحكاً على الناسِ
كفى
كذباً وخداع
يساندهم صوتٌ ثائرٌ هادر
أعلنَ للشعب
ظهر يوم الامس من اعلا المنابر
(أضربْ بيدٍ من حديد )
رأس كل سارقٍ مارق،
و فاسدٍ فاسق

 8 أب 2015
العراق



مِحَن: أسم مفردها (محنه) تعني بلاء وشدة ، تجربة شديدة مؤلمة، ما يُمتحن الإنسانُ به من بليَّة ( قاموس المعني)
رَزَايَا: أسم ،مفردها ( رَزيَّةٌ) وتعني مُصيبةٌ عَظيمةٌ ، المصيبة العظيمة الشديدة الوطأةِ ( قاموس المعاني)
وصلَ السيلُ الزبى: من الامثال العربية القديمة ، التي تقال في الأوقات التي تصل  فيها الأمور الى حد لا يمكن السكوت عليه ،بعد ان تصل الى الأمور والأحوال حد يفوق التوقعات والحسابات.
إنّ معنى (الزُّبَى) : (جمع زُبْيَة) وهي الرابية التي لا يعلوها الماء، كما ورد في قاموس لسان العرب
(أضربْ بيدٍ من حديد ) مقطع من خطبة السيد( أحمد الصافي)



55
أدب / كابوس الكرسي
« في: 13:36 28/08/2015  »

كابوس الكرسي

 


يحيى غازي الأميري


 دويُّ الحناجر يهدر
ارحل
فاسد
سارق
خائن
كذاب
 لم يعرفْ كم مضى عليه
من الأيامِ وهو بهذا الحال
مشدوه البال
محصورٌ بين القلقِ والأرق
وهو ينظر بعينه الى الكرسي
المسحوب
هديرُ الأصواتِ
الغاضبةِ الثائرةِ
لم تزلْ تهتف
فاسق، سارق، مارق
ارحل
وصلَ الهتافُ إلى  قلبهِ
تشرّب في بدنهِ
انخلع لبُه
داخَ هلعاً
اصابهُ دوارُ اليأس
 فبعد عقدٍ من الزمنِ
دارتْ به الدنيا
دورتها
 أيقنَ
على مضضٍ
أنهُ قد غادرَ
 مجلسَ الكُرسي
وجبروتَ سلطة الأمس
فأمسى على عجلٍ
خائرَ القوى
هزيلاً
واهنَ العزيمة
ذليلَ النفس
من صدحِ هتافات الجياع
ارتعدَ
بلَعَ صوتَه
وباتَ
 يتحدثُ بالهمسِ
عيناه  تدورُ بقلقٍ وخوفٍ وحسرة
وهي تنظرُ بهلعٍ
إلى
 الكرسي بعد أن أبدله هتافُ الشعب
 بالرمس
 
هذيان مع الفجر؛ الجمعة في 28 -8- 2015
مالمو

الرَّمْسُ: القبرُ مستوياً مع وجه الأرضِ





56
كــــــلابُ نقطــــة التفتيش
 
بقلم : يحيى غازي الأميري

ترجّل (شاكر) من سيارة الأجرة  التي أستقلها من كراج (النهضة ) بعد أكثر من نصف ساعة من توقفها في مكانها أمام نقطة التفتيش، ليُلقي نظرة على طابور السيارات التي بدأت تتوقف وتصطف خلفهم بأربع مسارات، قدّر عددها بأكثر من( 500 ) سيارة، أحد رجال حماية نقطة التفتيش أشار إلى (شاكر) بأطراف أصابع يده وحركة من رأسه فيها الصرامة والجد أن يدخل سيارته.
عاد  شاكر حالاً لمقعده في السيارة بجوار السائق، وجلس وهو يحملقُ بعينيه، و يُصغي بانتباه  لصوت ضابط الشرطة الذي نزل تواً من سيارته وهو يحمل على كتف بدلته العسكرية المرقطة رتبة ًعالية تتوهجُ نجماتهُا الفضيّة تحت اشعة الشمس، فيما وقف خلفه ( خمسةُ عشرَ ) من المراتب وهم مدججون بالسلاح والعتاد لحمايته، متخذين وضع التأهب الحذر؛ أعتدل الضابط  ذو الرتبة العالية بوقفته وهو يتأبط عصى التبختر فيما اصطف أمامه مجموعة من أفراد سريّة الحراسة احصاهم السائق بـ ( 24 ) فرداً يتقدمهم ضابط برتبة (نقيب)، وهم بحالة الاستعداد التام.
إلتفت السائقُ الى جانبه الأيمن حيثُ يجلس (شاكر) وقال هامساً وبشيءٍ من التهكم:
ــ أعتقد أنك حين  نزلت من السيارة لم تشاهد عميدَ الشرطة والحماية التي خلفه، اعتقد عنده تفتيش؟
أجابه (شاكر) وفي حديثه نوع ٌمن السخرية:
ــ ولله صحيح اليوم أني جداً تعبان وجوعان، من الفجر طالع من البيت، مللتُ من المراجعات والروتين بالدوائر،أ من سبوع  أراجع على هذا المعدل، رايح جاي، والمعاملة تراوح بمكانها.!
وصمت لحظات ثم أكمل حديثه :
ــ لم أشاهد رتبته، صحيح ولله (عميد ) ثلاث نجمات وتاج.
أنزل (شاكر) زجاج باب السيارة الذي بجانبه ونادى على أحد الصِّبية الذي يملأون المكان وهم يحملون بأيديهم قناني الماء البارد وقال له:
ــ اعطني واحدة وناوله قيمتها 250 دينارا.
علا صوت (العميد) وهو يصدر الأوامر مبتدأً بالوعيد والتهديد بين النقل أو قطع الراتب أو السجن أو بجميع العقوبات!
صوت (العميد) بدأ يهدر منذراً بعد أن انتزع عصاه من تحت إبطه  الأيسر ورفعها ملوحاً بها بالوعيد:
ــ أعيدها عليكم للمرة الألف
وأردف بصوت أكثر صرامة:
ــ لا أريد أن تمر أو تتسلل في غفلةٍ منكم سيارةٌ ملغومة ، أو حزام ٌ ناسف، واحذروا من هجماتهم المباغتة عليكم.
بعد أن اكمل الضابط الكبير خطابه التوجيهي أذن للتجمع بالانصراف، تحركت حمايته بكل الإتجاهات على سياراتهم، أستقل (العميد) سيارته المظللة المدرعة وحال انطلاقها، انطلق بعدها رتل سيارات الحماية بأقصى سرعة .
كانت سيارتُنا تقف في أول طابور التفتيش، عند مدخل (جملون) واسع ٍكبير الحجم، على جانبيه العديدُ من كامرات المراقبة. بعد لحظات صدر الإيعاز بإشارة من يد النقيب أن نتقدم للتفتيش، لف السائق حزام الأمان حول بطنه، وأدار محرك السيارة، وسار على مهلٍ، خطى الشرطي بجانب السيارة  خطوات رتيبة وهو بوضع منتصب القامة ، و يحمل بأحدى يديه جهازاً صغيراً يُشبه المسدس للكشف عن المتفجرات والأسلحة، وبلا مقدمات اشارت عتلة  الجهاز على جهتنا !
الشرطي الأخر الذي يقف قرب نافذة السائق، أخفض هامته، ودار بنظره بوجوه ركاب السيارة وبادر بالسؤال:
ــ هل يوجد من يحمل معه سلاح ؟
ــ أجابه جميع من في حوض سيارة التاكسي بالنفي.
أردف الشرطي سؤالاً أخر :
هل يوجد من في أسنانه حشوة أسنان ؟
تعالت الإجابة بنعم من ثلاثة ركاب.
أشار بيده للسائق أن نتحرك على جهة أخرى للتفتيش.
انطلقت السيارة مرة أخرى تسير على مهل، ادخلنا السائق وسط شارع محاط ٍمن الجهتين بكتل كونكريتية يزيد ارتفاعها عن ثلاتة أمتار.
كنت أفكر مع نفسي هل سيفحص أسناننا؟
استقبلنا في النقطة الثانية اثنان من مراتب الشرطة، من المكلفين بتفتيش سيارتنا.
سأل الشرطي السائق:
ــ هل السيارة مسجلة باسمك؟
أجاب السائق بثقة :
ــ نعم.
أعطني اوراق السيارة؟
أنهمك السائق بالبحث عنها  في صندوق اوراق السيارة، لحظات أخرج له الاوراق المطلوبة.
ــ تفضل، وهو يسلمها للشرطي.
حدق الشرطي بالأوراق وهوية السائق، ودار بنظره على ركاب السيارة الأربعة ثم  أشار بيده الى أحد الركاب شاب في العشرين من العمر ، أسمر البشرة يضع فوق أنفه الطويل نظارة شمسية معتمة.
ــ أعطني هويتك؟
 ــ  تفضل ، وسلّم الشاب هويته.
 شرطي التفتيش موجهاً كلامه الى الشاب بعد ان دقق النظر في هويته :
ــ أخلع نظارتك!
أمتثل الشاب فوراً لأمر الشرطي.
أمسك الشرطي بجميع الأوراق، وهو يحدق بالسائق:
ــ أفتح صندوق السيارة و(البنيد) ــ غطاء محرك السيارة ــ؟
ثم دعا الجميع الى الترجل من السيارة والوقوف الى مكان يبعد عدة خطوات عن السيارة،أشارة بيده للمكان.
وأكمل كلماته للجميع:
ــ اتركوا أبواب السيارة مفتوحة؟
نبهنا السائق إلى ضرورة الانتباه والحذر من ( كلب الشرطة ) فهو احياناً يهجم ويعض بشكل مباغت.
فيما أنهمك احد أفراد الشرطة بتفتيش السيارة ومحتويات صندوقها ومحرك السيارة ، وحال إكماله التفتيش، جاء دور (الكلب البوليسي) المربوط من رقبته بحزام جلدي  يُمسك بطرف الحزام  أحد افراد الشرطة المدرب على ذلك، يربت المدرب على ظهر الكلب بلطفٍ وتودد، بدأ الكلب يلف حول السيارة وهو يشم كل شيء في داخل السيارة ومحتويات الصندوق. ما ان أكمل كلب التفتيش واجبه، قاده مدربه متوجهاً الى السيارة التالية التي تقف خلفنا في الطابور، أشار لنا شرطي التفتيش التوجه والركوب في السيارة.
أخذنا موقعنا في داخل السيارة، تقدم شرطي التفتيش وهو يحمل بيده أوراق السيارة وهوية الشاب، سلمها جميعاً للسائق وأشار بيده أن نتحرك وننطلق، وهو يتحدث بصوت هامس مع السلامة.
انطلقت السيارة على مهلها، وبعد عدة  أمتار فتح السائق الاشارة الجانبية  اليمنى  للسيارة مُنبهاً من خلفه أنه  يروم أن يدخل الشارع العام.
أنطلقت السيارة بسرعة جديدة ، تنهب الأرض  مخلفة ً سحب  التراب ، وسرعان ما سحب السائق نفساً عميقاً؛ دلالة على الارتياح
نظر (شاكر) الى ساعته وهو يتمتم :
ــ   نكاد ُ نموتُ من الحر والجوع ، ساعةً كاملة فترة هذا التفتيش وياله من تفتيش!
ما أن اكمل (شاكر) عبارته حتى  دبَّ الرعب  بين الركاب؛ فقد  صُعق الجميع لصوتِ صفيرٍ و دوي إنفجارِ هائل، سارع سائق السيارة مرتبكاً بتوجيه سيارته الى جانب الطريق، ومن ثم أوقف السيارة على جانب الطريق الترابي.
ترجل الجميع من السيارة موجهين أنظارهم الى نقطة التفتيش التي كانت تغطيها عاصفة من الدخان والأتربة وألسنة النيران ، فيما بدأت السيارات تطلق العنان لأبواق مزاميرها ،  تريد الهروب من هذا الموقف غير المعروف النتائج ، ترافقها لعلعة لأصوات اطلاقات نارية متتالية متقطعة.
بينما كنا نراقب المشهد المرعب كانت (الكلاب البوليسية ) تنبح هائجةً و هي تركض من أمامنا بأقصى سرعتها هاربة مذعورة، بعد ان افلتت من الانفجار!
في المساء أشارت نشرات الأخبار في العديد من المحطات الفضائية الى حدوث انفجار كبير في نقطة التفتيش بشاحنة صهريج مفخخة يقودها انتحاري، راح ضحيته (44 )  بين شهيد وجريح من ضمنهم (10) أفراد من حماية نقطة  التفتيش بالإضافة إلى خسائر مادية جسيمة.
هكذا انهى (شاكر) حديثه لأصدقائه في المقهى بانفعال وخوف وهو يردد بصوت عالي:
 ــ الله أنقذنا اليوم
وأردف يقول
ــ الله وحده من أنقذنا من موتٍ محقق.

كتبت في أيار 2015 قضاء العزيزية / جمهورية العراق


57
أنينٌ موجع من صقيعِ السويد إلى روح صديقي 
فهد العزيزية صالح




 يحيى غازي الأميري



(1)
لم تبرحْ حافظةُ رأسيِ
 صورةَ صاحبي رفيقِ الأمس
صالحٍ
أتحسسُ صالحاً في نفسي
فأسألُ نفسي
كمْ
قسى عليكَ عسسُ السلطانِ في الحبسِ.
(2)
عندما أقرأُ أمراً رئاسياً
بإعدام  سياسيٍّ
رمياً بالرصاصِ
أو
 في مَقْاصِل الرؤوس

تجهشُ الذاكرةُ
بالبكاءِ
 ويظلُّ معها السؤالُ المريرُ
 يدورُ.
لماذا هذا القصاصُ؟
لماذا أُعدمَ الرجلُ الصالحُ،
صالحٌ بالرصاصِ؟
(3)
في هذه الليلةِ وليلةِ الأمسِ
زارني  صديقي صالحٌ
في المنامِ
ببدلتهِ الزرقاءِ الأنيقةِ
ترتسم ُعلى محياهُ ابتسامةٌ ناعسةٌ
كأنها ضحكةٌ وديعةٌ غافيةٌ بين جفونِ العينينِ،
وتزينُ صدرهُ
ربطةُ عنقٍ أرجوانيةُ اللونِ
سررتُ عندما رأيتُ صالحاً بالمنام ِ،
في زيارةِ الليلةِ الأولى
فقد اشتقتُ إليهِ كثيراً
فكم كنتُ أستأنسُ بصحبتِه
وفزعتُ في منامِ الليلة ِالثانيةِ
عندما همسَ في أذني
وهو يصافحُني ويدسُّ في يدي
ورقةً صغيرةً
وهو يهمسُ
أمسكْ هذه
(كلمةُ السرِّ)
ـ شفرةُ الترحيلِ الحزبي ـ
 نهضتُ بفزعٍ من نومِي
ورحتُ
أبحثُ وسطَ الظلامِ في جيبي وتحتَ الوسادةِ
عن كلمةِ السرِّ
وبينَ الحلم ِ وخدرِ النومِ والخوفِ والشوقِ
نسيتُ
كلمةَ السرِّ
(4)
غادرتُ سريري على عجلٍ
وعاد بي شريطُ الذكرياتِ
سريعاً إلى سبعينياتِ
القرنِ المنصرمِ
يصاحبُ شريطَ الذكرياتِ صوتٌ قاسٍ
 لصريرِ عجلاتِ قطارٍ مدويةٍ
بصخبها
يتأوهُ فزعا ًمتوجعاً متذكراً متسائلاً
كم من السنينَ الموجعةِ مضتْ؟
سنونَ محفورةٌ بالذاكرةِ بكلِّ جورِها وقسوتِها
وبطشِها وحروبِها وموتِها
أحملها معي كالمرضِ العضالِ
من هولِ وطأتِها يئنُّ مرعوباً لها جسدي.
 
(5)
أدرتُ محركَ شبكةِ الانترنيت( كوكل)
بعدَ أن كتبتُ فيه
الاسمَ الثلاثيَّ لصديقي
(صالحُ عزيزٍ حمزةَ)*
على الشبكة
لم أجدْ  له إلا خبرا واحدا
يوثقُ موتَه
تألمتٌ لكَ بعمقٍ يا صالحُ؛
 هل يعقلُ يا صاحبي أن يكونَ كلُ تأريخك وتضحياتك فقط هذا الخبرَ،
الذي يطوي صفحةَ حياتِك ويختمُها؟
انتابتني موجة ٌمن الشجنِ، فأطلقتُ عينايَ
سيلَ دموعِها
أشحتُ بوجهي نحو لوحِ النافذةِ الواسعةِ
كانتْ السماءُ
تقذفُ بذراتٍ متطايرة ٍمن الثلجِ
ترتطمُ متحطمةً
على جدارِ النافذةِ.
كان جو البيت بارداً، اطرافي بدأت تبردُ.
عادتْ صورةُ المخبرينَ وعسسِ السلطانِ تلاحقُني
وعادَ الخوفُ يمطرُ جسدي
كم كنتُ أتمنى أن أتحدثَ عبرَ هذا الطيفِ معك يا صالحُ
وأقصَّ عليك
بعض القَصصِ عما جرى
في غيابِك
وأخبرك كيفَ دمرتْ الحروبُ البلادَ
وكيف َعمَّ الخرابُ.
 وقفزتْ دفعةً واحدةً ، مرةً أخرى مجموعةٌ من الأسئلةِ تدورُ في مخيلتي
كم كنتُ أودُّ أن أسمعَ منك أجوبةً لأسئلتي:
أخبرني يا صالحُ
كم من أنينِ الوجعِ والعذابِ،
تحمَّلَ  ظهرُك وجسدُك،
المثقلُ بهمومِ وحبِّ الناسِ؟
هل غابت عن محياك الابتسامةُ الناعِسة،
 أثناءَ التعذيبِ يا صالحُ؟
كيف قاومتَ كل تلك الهراواتِ الثقيلةِ،
التي انهالتْ عليك؟
كيف تحملتَ تلك الاقبيةَ العفنةَ الرطبةَ؛ وأنت المجبولُ على أزاهيرِ البراري والرياحين؟
كم كان معك من المحبوسينَ في الزنزانةِ؟
كم من الشتائمِ المقذعةِ أسمعوك؟
كم كان عددُ الجلادينَ الذين يتناوبونَ على ضربِك بسياطِهم؟
كنتُ أودُّ أن تخبرني ياصالحُ!
كم بقيتَ من الزمنِ مُطاردا تجوبُ الشوارعَ،
والطرقاتِ، والأزقةِ الملتويةِ المتعرجةِ،
متخفياً، متنكراً، مهموماً حزيناً.
كيف كنتَ تلوذُ ساعاتٍ طويلةٍ بالصمتِ في الفنادقِ الرثةِ ـ فندقِ الفردوسِ ـ
أو غرفِ بابِ الشيخِ
أو البتاوينِ الرطبةِ الكئيبةِ!
فيما
تتعقبُك عيونُ المخبرينَ والوشاةِ
ورجالُ أمنِ السلطانِ والتقاريرُ والبنادقُ والبيادقُ.
(6) 
أهدأُ قليلاً
من نشيجِ البكاءِ
لأسألَ نفسي بحيرةٍ  وخوفٍ واندهاشٍ؛
 أين ذهبَ كلُّ هؤلاءِ الجلادينَ والمخبرينَ والوشاةِ وجحافلُ عسسِ السلطانِ؟
أيَّةَ نفوسٍ بشعةٍ يحملونَ؟
كيف وأين يعيشونَ الآنَ؟
 كيف يعيشونَ بأحاسيسَ منزوعةٍ من الضمائر؟
 وكم من أطنانِ الخسةِ والنذالةِ يحملونَ؟
أيّةَ ارواحٍ شريرةٍ يحملونَ، كيف يطعمونَ  ويعلمونَ أولادَهم ؟
وكيف يقربونُ إلى الصلاةِ، وهم مثقلون بكلِّ هذهِ الأثامِ؟
(7)
سنونَ طويلةٌ مرتْ
الحديثُ همساً فيها يدورُ
هل تمَّ القبضُ فعلاً على صالحٍ؟
أم لم يزلْ حراً طليقاً يتخفى ؟
لا أحدَ يعلمُ هل أعدمَ صالحٌ أم لم يزلْ في زنازينِ الحبسِ؟
بعد السقوطِ
لم يُعثرْ لكَ على رفاتٍ
لا نعشَ لك  يا صاحبي
كي يتبعَه
عويلُ نسوةِ القريةِ والمدينةِ
لا قبرَ لك يزارُ يا صالحُ
 كي نوقدَ بقربِه الشموعَ
ونذرفَ الدموعَ
فقط أمُّك (1)لازمتْ الحدادَ منذُ غيابِكم؛
 هكذا أخبرني والدي(2) عندما كانت( أمُّك  يا صالحُ ) تزورُ محلَّ صياغتِه
في سوقِ المدينةِ
 قال لي مرةً :( إن أمَّ صديقِك صالحٍ
 
تحتضرُ حزناً على ولدها،أعانها اللهُ على مصيبتِها)
كان أنينُ أمِّك المفجوعةِ
يجوبُ الحقولَ والمزارعَ والبساتينَ
فيواسيها لتفجِّعها نوحُ الحمامِ.
  في كلِّ ليلةٍ
عند سكونِ الليلِ كانَ
 صوتُ نحيبها وأنينها الممزوجِ بالتوسلِ والدعاءِ والابتهالِ
  يعبرُ شطَّ العزيزيةِ، قادماً من بساتينِ( برينج) فيملأ فضاءَ المدينة
حزناً
وعندما توفيت
بقي
صدى صوتِ أنينِها
يسبحُ  محلقاً في الفضاءِ
يردِّدُه الحمامُ.
 
عيونُ والدِك(3) يا صالحُ أدركَها التعبُ
من طولِ السهادِ
وهو يدقُّ القهوةَ، ويعد بقلقٍ خرزاتِ مسبحتهِ،
طوالَ الليلِ البهيم، وحيداً مهموماً
 
رحلَ بعدَ عدة سنواتٍ من السقوط ِ المدوي للنظامِ الدمويِ
غيرَ مصدقٍ الورقةَ التي عثرَ عليها في إضبارتكم، 
 بداخلِ دهاليزِ الأمنِ العامةِ وفيها
قرارُ القصاصِ، الرميُ بالرصاصِ
بقي
إلى أن فاضتْ روحُهُ إلى باريها
وهو
يترقَّبُ الطريقَ
مُنتظراً، مُستعيناً بالصبرِ
والدموعِ
طَيفكَ يا صالح قد  أنَكَأَ جراحات أحزاني
فزادَ من أشجاني وأبكاني
هذيان مع الفجر/  كتبت في مالمو  الساعة الخامسة من فجر يوم 9 شباط 2015[/size]

هوامش تعريفية و توضيحية متعلقة بالنص والصورة المرفقة والتي تم أضافتها بعد كتابة النص:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عرفت صديقي وزميل دراستي (صالح عزيز حمزة المعموري) ، منذ بواكير الشباب، عرفته حيث كنا نجلس على مقاعد الدراسة في الصف الثالث المتوسط في (ثانوية العزيزية للبنين) عام ( 1968) ، واستمرت علاقتنا وطيدة حميمية، وطدها أكثر تطلعاتنا المشتركة في ايماننا بالمدينة الفاضلة،وقيمها، وطريقة عيش من فيها؛ اشتركنا معاً في العمل اليساري( اتحاد الطلبة العام في جمهورية العراق ومن ثم الحزب الشيوعي العراقي، كان صديقي (صالح) أقدم مني في العمل السياسي، ويتبوأ موقعاً قيادياً في تنظيم الحزب، بقيت علاقة صداقتنا وتطلعاتنا متلاصقة حميمة،رغم ابتعاد احدنا عن الاخر في اماكن العمل السياسي ودرجاتنا الحزبية ؛ لحين انفراط عقد الجبهة الوطنية أثر الهجمة الشرسة التي بدأ بها قادة حزب البعث الهجوم على شريكهم في الجبهة الوطنية بالوقت الذي كان يثقف وينشد  ويمجد لمسارها شريكهم الثاني؛  حدث ذلك في عام (1978) فعم الرعب والخوف والهلع  عموم اليسار العراقي فانقطعت الأخبار والاتصالات بين الرفاق والأصدقاء وبين الاخ وأخيه والأب وآسرته،وأصبح يتوجس خيفة الصديق من صديقه والرفيق من رفيقه، وبات جميع اليساريين (الشيوعيين وأصدقاؤهم) تحت طائلة ورحمة جهاز أمن البعث وعيون مخبريه، مطاردين وتحت المراقبة تتبعهم العيون والوشاة والمخبرين وهم مذعورون مرعوبون من الاعتقال  والتحقيق والتغييب والموت.
 
من أبرز صفات صديقي العزيز (صالح عزيز حمزة) أو كما يطيب لي أن ألقبه ( فهد العزيزية) وهي الصفة والاسم الأنسب للعزيز الشهم (صالح ) إذ كان يشارك الشهيد (فهد، يوسف سلمان يوسف)** في  مظهره وسلوكه وصبره وشجاعته وحلمه وحكمته وتأمله.
 يمتلك  صديقي (صالح) باقة كبيرة عطرة من الصفات النبيلة فهو : دمث الأخلاق هادئ الطباع، شفاف ودود، قليل الحديث، جميل الإصغاء يستمع لك وأنت تحدثه بكل جوارحه، متقد الهمة، شجاع، لا يهاب الردى، دؤوب في عمله الحزبي لا يعرف الكلل والملل، لا شيء يشغل باله غير عمله المتواصل بكل همة ونشاط للحزب الشيوعي.
 
غادر( صالح عزيز حمزة المعموري ــ فهد العزيزية ــ قضاء العزيزية في عام( 1972) الى العاصمة بغداد .
 واستمرت علاقتنا تتعمق وصداقتنا تتعززت ؛عندما كنت التقيه في( بغداد ) أو عندما يزورنا في( العزيزية) كان يؤكد  لي أنه قد تفرغ كلياً للعمل الحزبي ( تنظيم الحزب الشيوعي في بغداد) منذ مغادرته ـ قضاءالعزيزية ـ عام ( 1972) واستمر فيه الى أخر يوم في حياته.
 
في أرشيفي الخاص عثرت على صورة واحدة تجمعني بـ صاحبي (فهد العزيزية، صالح عزيز حمزة ) مدون خلف الصورة تاريخ الصورة يوم ( العيد ) المصادف يوم 12 من تشرين الثاني 1974 ،الصورة التقطت امام دار بيتنا في (العزيزية /محلة السعدونية) كنت وقتها قد أكملت دراستي الجامعية الأولى في المعهد الزراعي الفني/ أبو غريب عام( 1974) وبدأت في اداء الخدمة العسكرية الإلزامية ، وكان من عادة صديقي (صالح) أن يزور أقرب اصدقائه عند زيارته إلى أهله  في منطقة (برينج) والتي تقع في الضفة اليمنى لنهر دجلة من( قضاء العزيزية)، منطقة تشتهر بكثرة بساتينها العامرة وأراضيها الزراعية الخصبة.
 
كان قد مر صديقنا (صالح)  في بداية جولته الصباحية على بيت صديقنا وزميلنا ورفيقنا المشترك ( صلاح مهدي إبراهيم البولوني) والذي أصطحبه لبيتنا، إذ يبعد بيت (صلاح) عن بيتنا بحدود مائة متر.
عندما رن هاتف الدار، وقبل ان افتح الباب، كنت أسمع صوت صديقي (صالح) وهو يردد (أيامك سعيدة) ففتحت الباب على عجلٍ؛ وفيما كنا نتبادل التحيات، وأنا أهم بدعوتهم للتفضل لمشاركتي فطور الصباح وحلوى العيد ، كانت صدفة عابرة وثقت لنا هذا الحدث وهذه الزيارة، إذ مر من أمام دارنا  المصور حسن الشمري، وهو يحمل كامرة التصوير على كتفه، متوجهاً الى محلِ عملهِ،  فسارعتُ بالإشارة أليه أن يلتقط لنا هذه الصورة .
 
 
الصفحة التي وجدتها على شبكة الانترنيت وقد نشرت عن صديقي صالح عزيز حمزة هي :
 
جمهورية العراق ـ رئاسة الوزراء
مؤسسة الشهداء
الجهة الرسمية الوحيدة التي تعني بعوائل الشهداء وضحايا البعث البائد
المعلومات المدونة عنه اسجلها أدناه، مع صورة صغيرة منشورة له على الجانب الأيسر للصفحة.
 
صالح عزيز حمزة ( 31 سنة)
 
رقم القرار311/7
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
تاريخ الميلاد :               1952       
تاريخ الاستشهاد :            1983 
الجنس :                   ذكر
الحالة الاجتماعية :        أعزب
العنوان :                   واسط /الكوت 
الوظيفة :                      كاسب
سبب الاعتقال :                الانتماء للحزب الشيوعي
الجهة التي تسببت بالاستشهاد :     جهاز الأمن
الأضرار :                             مضايقات أمنية 
تاريخ النشر: 2012/07/25             
 
   
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* صالح عزيز حمزة:ورد اسمه في احدى وثائق وزارة الداخلية العراقية / مديرية الأمن العامة / مديرية أمن بغداد تحت العدد المرقم( 64876) في 6/12كانون الأول /1983  التسلسل رقم( 17 ) من قائمة تتضمن( 44) ضحية، تم تنفيذ حكم الاعدام بهم جميعاً لكونهم  عناصر تنتمي للحزب الشيوعي العراقي، وقد ورد بالوثيقة أن عنوانه بغداد / فندق الفردوس، وعند لقائي بشقيقه الأستاذ ( فالح عزيز حمزة ) في  دار (والدي)  بـ (قضاء العزيزية / الجمعية الأولى بتاريخ 20 نيسان 2015) أخبرني أنه كان قبل إعتقاله يسكن متخفياً في (فندق الفردوس) وانه التقى شقيقه في( فندق الفردوس) الذي  يقع في (جانب الكرخ من بغداد قرب جسر الشهداء)، وبات عنده ليلة واحدة وذلك في (مايس عام 1980) وبعد فترة  قصيرة أبلغه سراً جارهم في منطقة (برينج )الوجيه الاجتماعي اليساري التقدمي السيد (عبد الأمير طاهر أبو العيس أبو سيد طه و الملقب سيد عمار ) أن (صالح) قد اعتقل، ولم يعرف بعدها مصيره وما حل به.
 أحتفظ بأرشيفي الخاص بنسخة مصورة من الوثيقة أعلاه حصلت عليها عام (2012).
** فهد: الأسم الحركي للشهيد يوسف سلمان يوسف تولد 1901 سكرتير الحزب الشيوعي العراقي اعتقل في محلة الصالحية / كرخ بغداد في 17 -1-1947 ونفذ فيه حكم الإعدام بتاريخ 14شباط 1949
 (1) والدة الشهيد (صالح عزيز حمزة)  توفيت عام(1999) كما أخبرني ولدها الأستاذ (فالح عزيز)  بتاريخ 20 نيسان 2015.
(2) والدي (غازي رمضان الأميري) كان يمتلك محل لصياغة الذهب في سوق العزيزية توفي عام( 1987)
(3) والد الشهيد (صالح عزيز حمزة) توفاه الله في عام( 2006) كما أخبرني ولده الأستاذ (فالح عزيز) بتاريخ 20 نيسان 2015.
 ورد أسمه الثلاثي كامل ( صالح عزيز حمزة) وصورته الشخصية في وثيقة مؤسسة الشهداء و المثبت نصها اعلاه وأنه من مواليد عام (1952) والصحيح كما أخبرني شقيقه أنه من مواليد(1953 ) ، وكذلك عنوانه واسط / الكوت والصحيح هو واسط / العزيزية منطقة برينج .



58
أدب / قالَ السُرّاقُ
« في: 09:31 06/04/2015  »

قالَ السُرّاقُ

 
بقلم: يحيى غازي الأميري

قالَ السُرّاقُ
لقد حلَّتْ الديمقراطيةُ في العراقِ،
هنيئاً لكم الحريةُ!
فَشاعتْ الفوضى
وعَمَّ الاضطراب.
 بعدَ حينٍ من الزمنِ
أصبحَ
العراقُ مرتعاً خصباً للسُرَّاقِ ونِهَّابِ
 المالِ العامّ،
وملاذاً آمناً لمافيا القتلِ والفسادِ،
ومنجماً لإنتاجِ عتاةِ الطغاةِ وملايينِ الحفاةِ؛
فعمَّ الظلامُ ،
و سادتْ سياسةُ الحِصَصِ و الخصامِ والانتقام
فهاجَ وماجَ بالأرضِ الفساد
فختلَّ التوازنُ
فحلَّ الرحيلُ
وانتشرَ الجهلُ
وسرى الانحطاطُ
فضربَ أطنابَهُ
 في البلادِ
الخرابُ
 
نيسان/2015
هذيان مع الفجر


59
أدب / هوس الأبراج
« في: 13:21 21/03/2015  »

 هوس الأبراج



يحيى غازي الأميري


استيقظَ في الساعةِ السادسةِ
كعادته مع إشراقه كلِّ صباحٍ
جلسَ
مُتثائباً وهو يسندُ ظهرَهُ
على حافةِ السريرِ
كأن النعاسَ لم يغادرْ عينيهِ
أطالَ المكوثَ في جلستهِ وتثاؤبهِ؛
نهضَ وسارَ متثاقلاً
عدةَ خطواتٍ باتجاهِ النافذة ِ
أزاح بتكاسلٍ الستارةَ السميكةَ
حزمةٌ من سهامِ الشمسِ هاجمتهُ
أغمضَ عينيه من شدةِ وهجِها
تنهدَ وسحبَ نفساً عميقاً،
وابتسم
وارتسمتْ على أساريرهِ
علاماتُ الظفر والفرحِ
إلى زوجتهِ
أسرعَ مسروراً يحثُّ الخطى
وانحنى
يهمسُ بمرح ٍ وسرورٍ بقربِ رأسِها:
انهضي... انهضي
أشرقتْ الشمسُ
وشمسُ اليومِ
تبشرُ بالخيرِ
وهي
أفضلُ من غيمةِ الأمسِ.
وزادَ من انحناءتهِ
وهو يقبِّلُ بتودّد الوجنتينِ المتوردتينِ
و يهمسُ من جديدٍ:
انهضي يا حبيبتي
ستغادرنا دائرةُ النحسِ
وسيحطُّ علينا الحظُّ السَّعدُ
هكذا تقولُ
أَسانيدُ برجِ القوسِ
إننا
قد غادرنا فلكَ زحلَ ودخلنا
المشتري


هذيان مع الفجر/ مالمو 19 آذار 2015


بعض معاني الكلمات كما وردت في قواميس اللغة العربية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوس: طرف من الجنون وخِفةٌ العقل/ قاموس معجم المعاني الجامع
الوَجْنَة ُ: ما ارتفع من الخَدَّيْنِ / قاموس معجم المعاني الجامع
الحظ السَّعد: يُمن وخير وبركة نقيض النحس والشقي/ قاموس معجم المعاني الجامع
إسناد  أسم صيغة الجمع أَسانيدُ،الإسنادُ في الحديثِ:هُوَ عِلْمُ نِسْبَتهِ، سند الشيء جعل له عماداً يُعتمد عليه/ قاموس معجم المعاني الجامع

      




60

ريشة الفنانة ريام الأميري تبحر بنا في أعماق الأحلام

بقلم : يحيى غازي الأميري
ضربات فرشاتها الفنية  فيها كثير من التحدي الممزوج باستمرارية الحركة، هكذا تحدد مسارات لوحاتها، بعد أن تجسد شيئاً مما يدور برأسها من أفكار متأججة جامحة.لتحوله إلى شكل جمالي فني، يدعوك للتفكيرِ مجبر التمعن في محتواها ومقاصدها. وفك الألغاز والغموض الكامن داخل اللوحة.
بأعمالها الفنية تمزج الأشكال الواقعية أو المتخيلة بالألوان والأفكار المتأججة ، وبضربات فرشاتها وخطوط قلمها، تثبتها على لوحتها وهي تنبض بالحركة والأفكار غير المحدودة الأفق، فيها من التوافق الموسيقي الشاعري الممزوج بالخيال الجامح، مما يعطي للوحة التجريدية صورة جمالية فنية؛ أنها عاكسة و معبرة عن أحاسيس داخلية.
 تقتنص( ريام الأميري) مواضيعها من موضوعات الحياة المتنوعة، مواضيع تشغل حياتها وتفكيرها.لتحولها إلى أعمال فنية من أجل تسليط الضوء عليها.
رغم الحداثة الموجود في لوحاتها لكنها واضحة صريحة تطرح أفكارها بجرأة وحركة وتتابع لواقع الحياة.
تدهشك اللوحة بما تحتويه  بين المرئي و اللامرئي، تدهشك بما يكمن فيها من إسرار وغموض داخل الدوائر والخطوط، وكذلك بما تحتويه  من تمازج وانصهار بين الأفكار والألوان والأشكال المتخيلة والإبداع الفني، والحركة الدءوبة التي لا تهدأ في اللوحة ، والتي هي امتداد وانعكاس لحركتها المتواصلة والتي تدور دون فتور في حياتها العملية والدراسية، فبقدر حرصها على الاستمرار في دراستها الجامعية عالم الرياضة وعلوم الطب الرياضي ( Sport medicin)  تخصصها الدراسي الجامعي، بالوقت نفسه شغفها بالرسم ومتابعته عبر الدراسة الشخصية و الدراسة الأكاديمية الجامعية للفنون التشكيلية، والاحتكاك بمعارض الفنانين الحديثة والكلاسيكية، كذلك ولعها بفن التصوير وما تلتقطه عين الكاميرا التي ترافقها دائماً، كذلك تجد جديتها ومواظبتها بنفس الهمة والروحية في العمل المهني!..
أن النشأة والخلفية الفكرية والثقافية والبيئية التي تختزنها من الوطن الأم (جمهورية العراق ) والفترة اللاحقة التي عاشتها في (عمان / الأردن) مع أسرتها بكل معاناتها وأجواؤها المضطربة، ممزوجة مع ما تعيشه الآن في( مملكة السويد )والتي فيها فسحة كبيرة من الحرية والأمان وكسب المعرفة والنهل من منابعها ومصادرها الصحيحة، تتيح لها تطوير إمكانياتها الفنية وصقلها بالتعليم الأكاديمي ومتابعة إعمال الفنانين ومدارسهم في مختلف بقاع الأرض،بيسر وسهولة، كل هذه فتحت لها أبواب مشرعة لتدوين أفكارها بلوحاتها الفنية! 
المتابع لمعارضها الثلاثة السابقة ومقارنتها بمعرضها الحالي يرى بوضوح لوحاتها المعروضة تأخذ أبعاد فنية متجددة ، متفردة ومتقدمة عن نتاجاتها السابقة، أنها في حركة راصدة ، متطورة، مستمرة..
 أن اغلب أفكار لوحاتها مستمدة من التمازج بين الماضي والحاضر، من الواقع والخيال فتجد بعض أعمالها مغلفة بروح الماضي وكذلك تجسيد ما يدور في الوطن (الأم) من دمار وموت وحرب لا تهدأ؛ وعند متابعتها للتلفاز، وهو يبث على مدار الساعة  مشاهد طقوس الموت المجاني الذي يلف أهلها وناسها ووطنها ( الأم ) الذي ابتعدت عنه مجبرة بعد هجرتها القسرية مع عائلتها منذ عام 2001؛ وهي بعمر عشرة سنوات تقريباً، لذلك تجد العديد من أعمالها رغم البعد الشاسع بين (السويد) ووطنها الأم (العراق ) البعد بكل المقاييس (جغرافية ومناخ وأمان وتعليم) وغيرها، تجدها تستنبط لوحاتها من المواضيع المأساوية الكبيرة التي تشغل بال الناس( الحرب، الخراب، القتل).فيما تجد في لوحات أخرى البحر وأفاقة الواسعة الرحبة و فضاءات الحرية والإبداع والانطلاق نحو الأفق البعيد. 
في معرضها الحالي الذي افتتح في مدينة (مالمو) يوم الجمعة 21 تشرين الثاني 2014 على قاعة:
(Norra Grängesbergsgatan 19, Malmö)
  عرضت الفنانة التشكيلية ( ريام يحيى غازي الأميري أو كما تكتب أسمها على معرضها باللغة الانكليزيةReam Ghazi  ) واختارت له عنوان باللغة الانكليزية :
(They can't order me to stop dreaming)
وتعني: لا احد يستطيع أن يأمر بإيقافي من أحلامي
عرضت فيه (14) عمل فني يمتد إنتاجها من عام 2012 لغاية 2014، متنوعة الأحجام، والمواد المستعملة فيها.
منها (5 ) لوحات مختلفة القياسات و منوعة المواضيع، أستعمل في رسمها الألوان الزيتية على قماش الجنفاس أو  الكنفاس (Canvas )

و( 7 ) لوحات على ورق الرسم بأقلام التحبير المتنوعة وألوان الأكريلك وسبراي بنت(Spray paint) 
وهنالك لوحة لصورة فوتوغرافية مع التحبير.
وشاركتها قاعة العرض زميلة لها الفنانة الشابة السويدية ( Karin Petrusson ) بعرض لوحتان جميلتان مختلفتان في الحجم والقياس أحداهما انطباعه زيتية على قماش الجنفاص(Canvas )، والثانية تخطيط بالزيت( لوجه إنسان ) باللون الأسود وتدريجاته ,,
فيما شاركتهم القاعة زميلة  أخرى فنانة سويدية( Nina johanna chrisetanse) بعمل فني مصنوع من (الزجاج) وضع على منضدة وسط قاعة العرض.
 حضر قاعة العرض جمهور كبير من السويديين والجالية العراقية... إثناء حضور الأستاذ ( احمد الصائغ) رئيس مؤسسة النور للمعرض قدم للفنانة (ريام ) تحياته وتهانيه مع دعوة للمشاركة في معرض الفنون التشكيلية الذي سوف تقيمه مؤسسة النور الصيف القادم 2015 في مدينة مالمو/ السويد.
وكذلك قدم الأستاذ (فلاح الحيدر) عضو سكرتارية اتحاد الجمعيات المندائية في المهجر تهانيه ودعوة للفنانة (ريام ) للمشاركة في المعرض الفني المزمع أقامته صيف 2015 في مدينة لوند/ السويد .
المعارض الثلاثة السابقة التي أقامتها ريام الأميري :
1.   في هولندا / المشاركة في الكرنفال السنوي للفدرالية المندائية في هولندا/ المهرجان الرابع بمناسبة عيد التعميد الذهبي المندائي  (دهوا ديمانة) 20 / أيار/ 2013
2.   في جامعة كريخان ستاد / قسم الفنون التشكيلية في 1 حزيران 2013
3.   في مدينة مالمو معرض مشترك مع مجموعة من الفانين السويديين في 4 /تشرين الثاني /2013 

أترككم مع قائمة بأسماء للوحات وأحجامها المشاركة في المرض، و باقة من الصور الفوتوغرافية  للمعرض والزوار والتي التقطت بكامرة ريام الأميري ...
Ream Ghazi

"Girl in the jungle" 150 X 100 cm. Olja på duk 2014
" I have got war in my mind" 29 X 42 cm akryl tuschpenna på matt papper 2014
”My mind just exploded" 29 X 42 cm akryl tuschpenna på matt papper 2013
" Madness" 50 X 70 cm akryl tuschpenna på matt papper - 2013
" The girl who lived in the ocean" 120X 90 cm  Olja på duk  2014
"Million brave souls" 150 X 150 cm Akryl, sprayfärg och akryltuschpenna på duk 2014
"Its on my face now” 21 X 29 cm akryl tuschpenna på litografi (Självporträtt) 2014
"What does my art says?" Tuschpenna på matt papper
"Madame Souza in hurry" Tuschpenna på matt papper
"Old man and a Red shoe" Tuschpenna på matt papper
"Whats goes in my mind" Tuschpenna på matt papper
"Mental balance" Akvarell på matt papper
“Mother of earth” Olja på duk 40 X50
“The life circle” Olja på duk 40X50

كتبت في مالمو بتاريخ  2014-11-27



61
على قناة العربية - (بيشمركة .. مرة أخرى) فلم عن الحركة الأنصارية

تعرض قناة (العربية) مساء يوم الجمعة القادم ، المصادف 28 / 11 / 2014 ، وفي تمام الساعة الحادية عشر مساء (بتوقيت بغداد) ، فلماً عن الحركة الأنصارية بعنوان (بيشمركة .. مرة أخرى) وهو من إخراج السيدة داليا الكوري ، يشترك في الفلم الرفاق الأنصار (شهلة - د. جمانه القروي) (ملازم ابو ميسون - وردة البيلاتي) (أبو نهران - داود أمين) و(شفان - شيرزاد مختار) .

62
أدب / خِتان على مائدةِ الفَطُور
« في: 12:07 20/11/2014  »

خِتان على مائدةِ الفَطُور

بقلم : يحيى غازي الأميري

في صباحِ اليومِ التالي هبَّ الحضورُ
استعداداً لحفلِ فطورِ ابنهم الصغيرِ
في البيتِ مظاهرُ البهجة ِوالنعمةِ والترفِ
واضحةٌ على الوجوهِ، والزينةُ على الجدارانِ
استَقْبَلَتهم إحدى النِسْوَة وهي تَرُشُّ الحضورَ
برذاذِ ماءِ الوردِ المعطَّرِ
فيما
عُطِّرَ المكانُ منذُ الفجرِ
 بالبخورِ
ورُتِّبَتْ الورودُ والزهورُ
على مائدةِ
 الفَطُور
ووضِعتْ أجملُ الأطباقِ 
بخفةٍ وزهوٍ وسرورٍ،
 مُزينة بما لذَّ وطابَ من أصنافِ وأنواعِ الطعامِ،
 كالبيضِ والجبنِ والفاكهةِ والخضارِ
يتوسطُ المائدةَ
طبقٌ كبيرٌ مَمْلوءٌ بشرائحَ
من لحمِ الضأنِ المُحمَّصِ
المشوي بالتنورِ
 وبجنبها مجاميعُ
من النقانقِ الممشوقةِ المسلوقةِ
مزينةٍ بالعديدِ من الخضارِ
كيفَ لا واليومُ هو أولُ فطورٍ
يَمُرُّ
 على ختانِ
هِبَةِ الحَنَّان المَنَّان،   
الذي جاءَ بعدَ ولادةٍ لأربعٍ من
الإناثِ.
وَسَطَ زغاريدِ الأهلِ والحضور
اِسْتَلَّ الصغيرُ بحذرٍ
من أواني الطعامِ طبقاً صغيراً
 واختارَ على مهلٍ
قطعةً من اللحمِ المحمَّصِ الأحمرِ
 وشيئا من النقانقِ والخضار
وأمسكَ بكفيهِ الغضتين الصغيرتين
الشوكةَ والسكينَ؛
فيما كانت تَحُفُّ به العيون،
وهو يغرسُ أسنانَ الشوكةَ
في قطعةِ النقانقِ الحمراءِ،
 ويَهمُّ بتقطيعها بالسكين.
فُتحَ جهازُ التسجيلِ، فانبعثتْ ترافقهُ في صخبِ
أصواتٌ لمزاميرَ وغناءٌ وصراخُ صبيةٍ وزغاريدُ نسوة،ٍ
ممزوجةٌ بقهقهةِ وهمهمةِ مجاميعَ من الرجالِ،   
الذين تحلقوا حولَ المائدةِ
زغردتْ أمُّهُ بفرحٍ وحبورٍ،
وبدأتْ
تسكبُ قطراتٍ من صلصةِ الطماطمِ الحمراءِ
في الماعون.
حركَ السكينَ بعصبيةٍ وانفعالٍ،
ودار عينيه وهو يحدِّقُ بالعيونِ التي تحيطُ به
وأَمعَنَ الصغيرُ النظرَ 
بالحضورِ والماعونِ
ارتجفَ كالمذعورِ
انتابهُ على الفورِ
ألم عمليةِ الطهور
بالشوكةِ والسكين
دفعَ بعنفٍ
الماعون
صارخاً كالمجنونِ
بالحضورِ
لا
لا أحب ُّ الفطورَ
ولا
أريدُ مَرَّةّ
أخْرى
 حفلةَ الطهور
 
هذيان مع الفجر
مالمو في 20 تشرين ثاني 2014

 
بعض معاني الكلمات كما وردت في قواميس اللغة العربية وتعريفها كما وردت في ويكيبيديا، الموسوعة الحرة :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الختان تعني الطهور في كثير من الدول الناطقة باللغة العربية.
خِتان: مصدر ختَنَ
والختان :موضع القطع من الذكر والأنثى، ختَن الصَبيَ: قطع قُلْفَته؛ خِتانُ الأنثى : خِفاض (قطع قلفة البظر)
وقد ورد تعريف عملية الختان في موسوعة ويكيبيديا، الموسوعة الحرة (الخِتان هي عملية خَتن قُلفَة الذَّكر أي إزالته ، والعادة منتشرة بين كثير من الأجناس والشعوب ومنهم الفراعنة واليهود وبعض الطوائف المسيحية والعرب قبل الإسلام وفي العهد القديم أمر إبراهيم بالختان وختن أبنائه ووصاهم به. وعلى ذلك سار المسلمون الآن حيث أن الإسلام أوصاهم  به.
حمَّص الشَّيءَ : شواه :- حمَّص اللّحمَ على النار
صَلصة طماطم: مادةٌ كثيفةٌ مبهَرة من الطَماطم
الحَنَّان : هو اللهُ الحنَّانُ، من أسماءِ الله الحُسنًى بمَعنى الرَّحيم
المنَّان:أسم من أسماءِ الله الحُسنى ،ومعناه: العظيم الهبات، الوافر العطايا
الضأْنُ : ذو الصُّوف من الغنم ، وهو حيوان مجترّ ، داجن ، يربَّى للحمه ولبنه.
نقانق: ويسمى أيضا السُجُق وهي مقددات من اللحم المبهر المثروم الموضوع في الأمعاء الدقيقة ( للأغنام أو الأبقار ) بعد تنظيفها بعناية، مضاف لها التوابل والثوم والبصل والملح وغيرها ودقيق الذرة للمساعدة على التماسك ولإكسابها المذاق المطلوب.التعريف من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.


63
أدب / أقراط ٌ ذهبية ٌمهيبةٌ
« في: 18:05 04/11/2014  »

أقراط ٌ ذهبية ٌمهيبةٌ
 
بقلم: يحيى غازي الأميري

استأذنتْ الجلوسَ
وأطرقتْ بكلِّ جوارِحها تَسْتَمع
و
بحدقتي عينينِ مفتوحتينِ
بدأتْ تُشاهد
كيفَ على الطاولةِ انكبَّ
 يصنعُ السبيكةَ
أفردتْ شفتَيها
 مُطرِقة رأسَها تُصْغي
لإيقاعِ
    ضرباتٍ متتاليةٍ سريعةٍ
تشبهُ ضرباتِ قلبِها
ساعَتها
لطرقِ مطرقةِ
الصائِغِ
الدقيقةِ الرتيبة
 وهو يطوِّعُ
 السبيكةَ
وزادَ اندهاشَها
وهي ترى
كيفَ حوَّلها بسرعةٍ
 إلى إشكالٍ و أحجام ٍمختلفةٍ عجيبةٍ
وبعد ساعةٍ 
من السحبِ والطرقِ واللفِ
والتقطيعِ والتلميعِ
 ومن بين لهيبِ الدخانِ والنارِ
من ذهبٍ  صاغَ لها
قُرْطينِ
مثلَ قرصِ شمسٍ
منتصفَ النهارِ
أواخرَ تمُّوزَ
تركتْ في المكانِ
طبعاتِ شفتيها
هدأ السندانُ
ونامتْ المطرقة
 
هذيان مع الفجر/مالمو في 2014-11-04
 
ورد في قواميس اللغة العربية تعريف الكلمات التالية:
القرطُ: الذي يعلقُ في شحمة الأُذن، والجمعُ: أقراط/ قاموس (لسان العرب)
صاغَ : الشيءَ هَيَّأَهُ على مِثَالٍ مُسْتَقِيمٍ/ قاموس (القاموس المحيط)
طاعَ يَطاعُ وأَطاعَ  بمعنى : لانَ وانْقادَ/ قاموس( لسان العرب)

64
لقاء عمل على هامش زيارة رئيس طائفة الصابئة المندائيين الريشما ستار جبار الحلو لمدينة مالمو




بقلم: يحيى غازي الأميري
بتكليف من المؤسسة المندائية لمدينة مالمو، شكل وفد رسمي لزيارة فضيلة الريشما (ستار جبار حلو) والوفد المرافق له السادة (أكرم ناصر سلمان) مدير مكتب رئيس الطائفة و (رحيم لعيبي ثامر) رئيس مجلس الشؤون العام  للصابئة المندائيين في السويد في مقر أقامته في دار فضيلة الترميذا ( قيس عيدان علك ) في منطقة (ستفان ستورب Stafanstorp) التي تبعد بحدود 20 دقيقة عن مدينة مالمو.
 تكون الوفد من السادة الترميذا (قيس عيدان علك) رئيس مجلس الشؤون المندائية لمدينة مالمو و( باسم طالب الكيلاني ) سكرتير مجلس الشؤون المندائية في مالمو و(يحيى غازي الأميري) رئيس الهيئة الاستشارية المندائية لمدينة مالمو.
اطلع الوفد رئيس الطائفة على تشكيلات المؤسسة المندائية وابرز المنجزات التي حققتها الجالية المندائية في مالمو من أجل جمع شمل المندائيين وتوحيد جهودهم ونشاطاتهم، ودار في اللقاء التباحث بالعديد من الأمور التنظيمية التي تخص المؤسسة المندائية في مملكة السويد و مالمو وسبل الارتقاء بها؛ كذلك أستعرض الوفد المراحل التي وصلت أليها المؤسسة المندائية في مالمو من اجل إكمال جمع المبالغ المتبقية اللازمة لإكمال ( مشروع المندي) والذي بدأت بها منذ سنة ونصف تقريباً، والتي وصلت إلى مراحل متقدمة إذ تم جمع ما يقارب ( 65 %) من المبلغ التخميني، إذ تم جمع ما يقارب ( 2,500,000)  مليونان وخمسمائة ألف كرونة سويدي ؛ وأستعرض خلال اللقاء أهم المعوقات التي ترافق المشروع، داعين فضيلة الريشما (ستار جبار حلو) لمساندتنا  ومؤزرتنا لإكمال انجاز مشروعنا هذا. مستعرضين لفضيلته الأسباب التي دعت أهالي مالمو التفكير بأهمية بناء (مشروع المندي ) ليكون كمؤسسة مندائية يجمع تحت مضلته مقرات التجمعات المندائية في مالمو وقاعة للمناسبات الاجتماعية ومدرسة مندائية، ومركز ثقافي؛ موضحين لفضيلته أن تعداد (الصابئة المندائون) في مدينة مالمو تجاوز( 1200) نسمة.     
تم للقاء مساء يوم السبت المصادف 18- 10- 2014 والذي دام زهاء  الساعة والنصف تقريباُ.وودعنا ضيفنا رئيس الطائفة والوفد المرافق له على أمل اللقاء في الساعة السابعة مساءً  من نفس اليوم في صالة الجمعية المندائية الثقافية في مالمو للقاء أهله وإخوته من أبناء الجالية المندائية في مالمو .
مالمو في2014-10-22
 صورة  التقطت أثناء اللقاء.
التقطت الصورة بتاريخ 18- 10- 2014 يظهر في الصورة من اليمين السادة الأفاضل(رحييم لعيبي ثامر ،الريشما ستار جبار حلو، يحيى غازي الأميري،،الترميذا قيس عيدان علك،باسم طالب الكيلاني، فلاح الحيدر)


65
زيارة فضيلة الرِّيشمّا ستار جبار حلو رئيس طائفة الصابئة المندائيين لمدينة مالمو
   
بقلم: يحيى غازي الأميري
استقبلت الجالية المندائية في مدينة مالمو/ السويدية مساء يوم السبت المصادف 18 تشرين اول 2014 في مقر الجمعية الثقافية المندائية في مالمو،  بباقات من الورود والود والفرح والسرور والحبور فضيلة الريشما ستار جبار حلو رئيس طائفة الصابئة المندائيين في العراق والعالم والوفد المرافق له والذي ضم كل من السادة  (أكرم ناصر سلمان خشن ) مدير مكتب رئيس الطائفة، والسيد (رحيم لعيبي ثامر) رئيس مجلس الشؤون العام  للصابئة في السويد؛ وكان على رئس مستقبليه فضيلة الترميذا (قيس عيدان علك ) رئيس مجلس الشؤون المندائية في مالمو وأعضاء المجلس، وكذلك رئيس وأعضاء الهيئة الاستشارية لمدينة مالمو ورئيس وأعضاء الهيئة الإدارية للجمعية الثقافية في مالو، والجمعية النسائية  المندائية في مالمو جمعية (يونا) وجمعية يردنا المندائية للشباب في مالمو..
ولغرض استثمار الزيارة بشكل أمثل، أعدت المؤسسة المندائية في مدينة مالمو برنامج للقاء موسع للفضيلة الريشما ستار الحلو والوفد المرافق له مع أبناء الجالية المندائية في مدينة مالو،وقد كلفت المؤسسة  المندائية في مالمو السيدين (يحيى غازي الأميري وباسم طالب الكيلاني) لإدارة اللقاء .
بعد كلمات الترحيب بفضيلة رئيس الطائفة الريشما ستار الحلو والوفد المرافق له، والوفود التي حضرت من بعض المدن القريبة من مدينة مالمو فقد حضر وفد من مدينة( لوند وكريخان ستاد ولاندسكونا وأوسبي)، والتي أوكلت لكاتب السطور( يحيى الأميري ).
بدأ برنامج اللقاء بالوقوف بدقيقة حداد على أرواح شهداء الطائفة المندائية والعراق.وبعدها تحدث فضيلة الترميذا (قيس عيدان) مرحباً بفضيلة الرِّيشما (ستار الحلو ) والوفد المرافق له وبالحضور الأكارم ،مستعرضاً بشكل مختصر أبرز نشاطات مجالسنا في مالمو.
ثم أستعرض (كاتب السطور)لأبرز النقاط التي سوف يتم تطرق رئيس الطائفة والوفد المرافق له استعراضها، وهي.
1.   استعراض عام لوضع ومعاناة الطائفة المندائية في العراق وهي تمر بمحنة كبيرة وخطيرة تهدد مصيرها ووجودها في وطننا الأم، خصوصاً بعد الحدث المدوي سقوط (الموصل ) في ( 10حزيران2014)؛ وكذلك توضيح أهمية ونتائج وأهداف مؤتمر رجال الدين المندائيين الذي عقد في  (بغداد / العراق) صيف 2014. 
2.   استعراض لمعاناة أهلنا المندائيين في دول النزوح (سوريا ، الأردن، تركيا).
3.   استعراض لقاءات رئيس الطائفة والوفد المرافق له خلال زيارته للبرلمان السويدي ولقائه بالنائب السويدي (روبرت حبيب) وزيارته لدائرة الهجرة السويدية في مدينة (يتوبوري) ومقابلة المسؤول عن قسم القرار بخصوص ملفات اللاجئين ((Asylprövning  .
4.   استعراض لقاء رئيس الطائفة مع أهلنا في ستوكهولم ومساعيه من أجل توحيد العمل المندائي وتقريب وجهات النظر في المؤسسة  المندائية في ستوكهولم.
5.   فتح باب المداخلات والاستفسارات والتي أوكلت إدارتها للسيد (باسم طالب الكيلاني) سكرتير مجلس الشؤون المندائية في مالو.
 وبعدها تفضل رئيس الطائفة الريشما (ستار الحلو) بالشرح والتوضيح لجميع الفقرات التي تضمنها برنامج اللقاء؛ ثم جاء دور الحضور الكريم والذي شارك في العديد من المداخلات والاستفسار، والتي تنوعت بين المعاناة والتطلعات والاستفسارات الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية والتنظيمية والتي أضافت فائدة كبيرة للقاء، بعدها أجاب رئيس الطائفة والوفد المرافق له والمؤسسة المندائية في مالمو على جميع المداخلات والاستفسارات. والتي أزاحت الغموض عن العديد من علامات الاستفهام. 
دام اللقاء زهاء ثلاثة ساعات تخلله استراحة قصيرة لمدة خمسة عشر دقيقة لتناول القهوة والشاي، وحلويات ( الفل) لمصادفة ( عيد أبو الفِل) والتي تتكون من التمر والسمسم، هي احد المناسبات الدينية المندائية والتي صادفت يوم الجمعة 17 تشرين أول 2014.
بعد نهاية اللقاء كانت فسحة جميلة لتداول الأحاديث والالتقاط الصور التذكارية.

مالمو في 2014-10-20

 

66
استقبال رئيس طائفة الصابئة المندائيين في مطار العاصمة كوبنهاجن/ الدنمارك

يحيى غازيالأميري
قبل الموعد المحدد لوصول الطائرة  القادمة من برلين / المانيا في الساعة العاشرة وعشر دقائق من صباح يوم 2014-10-18، التي تقل فضيلة الريشما ستار جبار حلو رئيس طائفة الصابئة المندائيين في العراق والعالم، ومدير مكتبه المهندس( أكرم ناصر سلمان )، تجمع العديد من وفود المؤسسات المندائية لمدينة مالمو/ السويد و الدنمارك وفد (الجمعية الثقافية المندائية في الدنمارك)؛ ضم وفد  مدينة مالمو كل من الأفاضل( الترميذا قيس عيدان علك، عبد خلف الأميري، باسم طالب الكيلاني، أسامة عبد الرزاق كلاص حالوب، يحيى غازي الأميري ). فكانت فرصة طيبة أن تتأخر الطائرة زهاء النصف ساعة كي نتجاذب أطراف التحديث مع إخوتنا وأحبتنا  وأصدقائنا مندائيي الدنمارك ونلتقط معهم بعض الصور الجماعية.
وحال وصولهم رئيس الطائفة ومرافقه استقبلتهم باقات الورود والأحضان، وتبادل الأحاديث الودية والتقاط بعض الصورة للذكرى. وبعدها توجه رئيس الطائفة ومدير مكتبه عبر جسر(أوريسند Öresundsbron) العملاق الذي يربط بين العاصمة الدنماركية (كوبنهاجن ) وجنوب السويد (مالمو) ثم  توجه بعدها إلى  مدينة (ستفان ستورب Stafanstorp) برفقة مضيفهم الترميذا قيس عيدان علك.
مالمو في 2014-10-20
مرفق رسالتنا 4 من الصور التي التقطت خلال فترة الاستقبال.



67
جمعية مالمو المندائية في أمسية ثقافية للمقامة المندائية

 
يحيى غازي الأميري
اغتنمت الجمعية الثقافية المندائية في مدينة مالمو،فرصة تواجد الأديب الباحث الأستاذ فاروق عبد الجبار عبد الإمام، المقيم في استراليا منذ عام (2006) زيارته إلى أوربا، لتستضيفه مساء يوم السبت 04-10-2014 في صالة مقرها الجديد، في محاضرة ثقافية أدبية تاريخية حول الشخصية المندائية الفذة الرِّ يشمّا ( أدم أبو الفرج).
كلف كاتب السطور من قبل الهيئة الإدارية للجمعية الثقافية المندائية في مالمو بالتقديم للأمسية وإدارتها؛ أستل بعض المقاطع من كلمة الترحيب و التقديم لضيف الأمسية ومقامته.
سيداتي ، آنساتي ، سادتي الحضور الكرام :ضيوفنا الأكارم  طاب مَساؤكم :
 ارحبُّ بالجميع  أجملِ ترحيب، في اُمستِنا الثقافيّة الأدبيّة هذه والتي تتزامنُ مع أولِ أيامِ عيدِ الأضحـى المباركْ.
أعزائي : لنُحلّقَ معاً عِبرَ الأثير ، ونحن نستعيدُ قِصّةَ شخصيّة مندائيّة نعتزُّ جميعاً بها ،شخصيّةً ضَربتْ في تأريخِها أعماقَ التاريخ ، شخصيّةًَ نُسجت حولَها العديدُ من الحكايات التي تكادُ أن تُكّونَ إسطورةً مندائيّة حفظتها الصدورُ على مدى العصور ، ولم نزل نتناقلها بكل سرور وحبور، فوثَقَناها بأحرف ٍ من نور.
بيننا الآن الأستاذ الأديب الصديق القديم القادم من أستراليا (فاروق عبد الجبار عبد الإمام) والذي أعادَ صياغةَ القِصّةَ الأسطورة ، بأسلوبٍ أدبيّ متميّز جزلِ المعاني سهلِ الألفاظِ في سرده القَصصي ؛ فجاءت سهلةً واضحةً بعيدةً عن التكلّفِ وغريبِ الكلام متناسقةِ الألفاظِ والمعاني .لقد استخدم ضيفُنا طريقةَ السَّجع لبناءِ مقامتهِ الموسومة ( المقامة المندائيّة قصّة آدم أبو الفرج) والتي وردت قِصتهُ ويترددُ اسمه على لسانِ الصابئة المندائيين في الدعاءِ عند السّرّاءِ والضرّاء على حـدٍ سواء .
وبعد هذا المقطع تحدثت عن علاقتي بالأستاذ الأديب فاروق عبد الجبار والتي تمتد لأكثر من عقدين ونيف من السنين.
واستشهدت ببعض المقاطع من مقالة كنت قد كتبتها بتاريخ  22/12/2004 ونشرتها في وقتها في العديد من المواقع الصحفية ومنها البديل والحوار المتمدن وموقع اتحاد الجمعيات المندائية في المهجر وصوت العراق، وكان تحت عنوان ( من يضمِدُ جِراحُنا؟ من يوقِفُ مآسينا؟)، في تلك الفترة كان (فاروق)  قد حط به الترحال في اليمن السعيد (صنعاء)  ينتظر أن يلتحق مع عائلته معاملة لم الشمل  إلى استراليا حيث سبقته عائلته إلى أستراليا، أخبرني أنه منهمكاً بين البحث والكتابة لموضوع أدبي لم يطلعني في حينها على أسمه، لكنه كان بلسمه في تلك الغربة والتغرب عن الوطن والأهل،وقد بقي في صنعاء بالانتظار ثلاثة سنوات ونصف،  وبعد وصوله استراليا بعدة سنوات عرفت أن جهوده كانت منصبة بكتابة ( المقامة المندائية).
فقرأت للحضور بعض مقاطع من تلك المقالة والتي كانت  تتضمن شيئاً تعريفي عن معاناته و عن سيرة  صديقي الباحث( فاروق). وسوف اكتفي بتدوين المقطع الأول من المقالة و التعريف الذي كتبته آنذاك وتم قراءته في هذه الجلسة.
(أخي العزيز فاروق* قرأت مقالتكم التي أرسلت لي نسخة منها وزادت من هموم قلبي المطعون بآلاف الخناجر؛  أعرف يا عزيزي طيبة قلبك المملوء حبا ً ووفاء للناس والأهل والوطن .
أعرف إن لوعة فراق الوطن والأحبة والأهل بدأت تسري في عروقك؛ قرأت كلماتك النازفة من الفجيعة التي ألمت بالعراق وشعبه، أعرف إن من رسم لدمار الوطن وخرابه لا يريد للنزيف والفواجع والخراب والتشرد إلا أن يستمر ويزيد.
إذ لا يطيب له أن يهدأ خراب الروح والوطن الذي بدأه وجند له المئات بل ألاف من عديمي الإنسانية والدين والشرف. غريب يا صاحبي ومفجوع بآلاف الأحبة وتذرف دموعك وحيدا ً. غريب يا صاحبي في صنعاء التي
يقال كانت موطن للصابئة قبل أن تأكل الجرذان والفئران سدها.
*الأديب فاروق عبد الجبار معلم جامعي خريج كلية الآداب اللغة العربية أحيل على التقاعد مبكرا ً، عمل في سوق الصاغة في خان الشابندر / بغداد ينقش الأسماء على المداليات الذهبية والفضية ويجيد فن التخريم على القطع المعدنية، باع كل ما يملك من دار سكن ومحل عمل و... و.. لكي يهرب مع عائلته إلى المجهول في سبيل الخلاص من جحيم الرعب والهلع الذي خيم على العراق؛ لم تهاجر عائلة فاروق فحسب بل هاجرت قبله كل عوائل أشقائه وشقيقاته والتي توزعت على أرجاء المعمورة فهذا في لندن والآخر في هولندا وذاك في أمريكا وألمانيا واستراليا ولازال فاروق يقبع في صنعاء ينتظر لم شمله مع أسرته في استراليا منذ أكثر من ثلاث سنوات.)
أستمتع الحضور (بالمقامة المندائية) وأسلوب كتابها، وطريقة سردها، دامت المحاضرة زهاء الساعتين،  وحضرها جمهور غفير وشرفنا بالحضور العديد من أصدقاء الطائفة المندائية ومنهم حضور وفد من اتحاد الكتاب العراقيين بصحبة الصديق الأستاذ عصام الخميسي وهم ( السادة الأفاضل علي فواز ،توفيق التميمي،المخرج طالب السيد )، والذي تزامن تواجدهم في مدينة مالمو مع المحاضرة، وكذلك شاركنا الأمسية صديقنا الشاعر حسن رحيم  الخرساني، بعد انتهاء الأديب (فاروق) من قراءة  الأجزاء المهمة من المقامة ، كانت استراحة قصيرة للالتقاط الصور التذكرية ولتناول الشاي والقهوة والمعجنات التي هيئتها الجمعية للحضور، بعدها جاء دور المداخلات والاستفسارات وقد شارك العديد من الحضور الكرام بمداخلاتهم والتي أضافت متعة وفائدة طيبة لأجواء المحاضرة.
مالمو / السويد في 14/10/2014
هوامش متعلقة بالمقالة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صورة رقم (1) يظهر في الصورة من اليسار كاتب السطور يحيى الأميري،بجانب الأديب فاروق عبد الجبار/ من الامسية الموسومة (جمعية مالمو المندائية في أمسية ثقافية للمقامة المندائية)
صورة رقم (2) جانب من الحضور للأمسية الموسومة (جمعية مالمو المندائية في أمسية ثقافية للمقامة المندائية)
صورة رقم(3) صورة مع وفد اتحاد الادباء والكتاب العراقيين/ يظهر في الصورمن اليسار كاتب السطور (يحيى الأميري، تفوفيق التميمي، طالب السيد، علي الفواز، الشاعر حسن الخرساني) من الأمسية  الموسومة (جمعية مالمو المندائية في أمسية ثقافية للمقامة المندائية).
     

68
أدب / خفقان
« في: 18:47 22/09/2014  »
خفقان
 
يحيى غازي الأميري



عندما لامسَ عطرُ شفتيها
رمشَ عينيَّ
ارتعدَتْ فرائصي
وأسرعَ يخفقُ
ما بين الضلوعِ
أمسكتْ بيدي
هَمَستْ في أذني
اهدأ
وهدِّئ من روعِك
ما هذا
الخفقانْ
 الى صدرِها ضمَّتني
أردفتْ قائلةً
ربَّاهُ
أهذا قلبٌ أم بركان؟

لامسَ فمي شفتيها
فتبادلنا القبلَ
ورشفتُ منه  كؤوساً
ألذَّ من العسلِ
حتى ثملتُ
من سعيرِ القبلِ

وعندما أفقتُ
خاطبتني على عجلٍ
اكتبْ
هذا
درسُنا الأولُّ
في
 الحبِّ والغزلِ
 
هذيان مع الفجر
 في 21أيلول2014
 

69
 
صدورٌ مثخنة بالجراح تئن ، من مسلسل إعصار لا يهدأ 6

 
 
يحيى غازي الأميري

بوجوهٍ متجهمةٍ وعيونٍ باكية ٍحزينة
جَلستْ مجموعة من النسوةِ
في إحدى خيامِ معسكرِ النازحينَ
أغلبهنَّ توشحنَ بالسواد
مُطلِقاتٍ العنانَ للطمِ الصدورِ،
ولمواويلِ النواحِ
ولسيولِ الدموعِ تحفرُ أخاديدَها
بعدَ تَوالي النَكباتِ والفواجع
صمتٌ يقطعُ النواحَ
إحداهنَّ يُغمى عليها
تشيرُ إحدى النسوةِ الواقفاتِ بيدِها
التزمنَ الصمتَ و الهدوءَ
لتستنشقَ المزيدَ من الهواء
 مسحتْ الأخرى وجهَها بالماءِ
وأحضرتْ أخرى علبة عطرِ
علَّهُ يفيقها من الإغماء
بعدَ ساعةٍ من الوقتِ، فاقتْ من غَيبوبتها
ناولتها إحدى زميلاتها التي تتحزمُ بعباءتها السوداء،
قدحاً من الماء ِشربتْ منهُ جرعةً وجرعةً ثانيةً
وأعادتْ القدحَ إليها
أدارتْ وجهَها في المجلسِ
وتسمرتْ عيناها على ملابسَ ملونةٍ لطفلَتيها
اللتين انتزعتهما منها بقوةِ السلاحِ
جحافلُ من الكلابِ السودِ المسعورةِ
المدججةِ بالحقد ِالأعمى
الذي أفقدهم البصرَ والبصيرة
 مولعينَ متلذذينَ بالقتلِ الهمجي البربري
تلك التي كانت قد هاجمتْ المدينة
مع خيوطِ الفجرِ الأولى
أغمضتْ عينيها،
وبدأتْ تنوحُ بصوتٍ خافتٍ ممزوجٍ بشجنٍ
وهي تلطمُ صَدرها ووجهها بإحدى يديها ،
فيما
تحتضنُ بالأخرى صُرَّة الملابس:
ــ هذه الدنيا أرتنا العجب
و كل أنواع القتل بلا ذنبٍ ولا سبب،
 وأرجعتنا مجدداً
إلى عصورِ
غنائمِ الحربِ
و النهبِ
والجلدِ
والسبي (1)
يُغمى عليها مَرة ثانية، فتعاودُ النسوةُ الكرة
لمُساعدتها ونجدتها!
إحدى النسوةِ تعيدُ على الأخرياتِ قص حكايتها،
ـ لقد أنقذناها أنا وأختي، تشيرُ إلى أختها التي تجلسُ بجانبها: 
هَربت معنا، كانتْ تركضُ كالمجنونةِ
حافية القدمين مع طفلتيها،
هربت مع مجموعة كبيرة من أهلِ المدينةِ الهاربين
كانتْ صُرَّة صغيرة من الملابس فوق رأسها،
وكانت تقبضُ بقوةٍ بكلتا يَديها على معصمي طفلتيها
 فتعقبتها مجموعة من تلك الكلابِ السوداء
أوقفتها
لم يشفع لها بكاؤها وتوسلها،
 وقتل زوجها وجدُ أطفالها.
كلبٌ أسودُ بهيم، انتزعَ من يديها طفلتيها،
وكلبٌ أسودُ بهيم أخر
 يقفُ بجانبهِ ذو شعرٍ طويلٍ أسودَ
ولحيةٍ شعثاءَ غبراءَ،
وملابسَ حالكةِ السواد
 ضَربها بعُنفٍ
على رأسها بأخمصِ بندقيتهِ
طرحها أرضاً  تتضرجُ بدمائها
وهو يصرخُ بها بصوتٍ مُخيفٍ
كافِرَة.. كافِرَة
تساندهُ أصوات مجموعته
وهي  تصرخُ
بالجموعِ  المذعورةِ الهاربةِ
كُفَّار.. كُفَّار..
كَفَرَة.. كَفَرَة..
 
هذيان مع الفجر/ مالمو – مملكة السويد
آب 2014
 
(1) ورد في قاموس لسان العرب تعريف
السَّبيُ: النَّهبُ وأخذُ الناسٍ عبيداً وإماءً
والسَّبِيَّة: المرأَة المنْهوبة


70

على أبوابِ الخيام الجديدة، من مسلسل إعصار لا يهدأ5

يحيى غازي الأميري

بمحاذاةِ المدنِ
ضربت أوتادَها في الرمالِ أو التراب
 أو في المزابلِ والأوحال
خيمٌ حديثةٌ، على امتدادِ البصر
ذات ألوان موحدةٍ
مرصوفةٍ بصفوفٍ هندسيةٍ
إنها مضاربُ الوجعِ الحديثة
هي جزءٌ من هباتِ ما وعدوا به العباد!
بعد سنينَ طويلةٍ رافقتهم فيها سطوةُ الموتِ
ممزوجةً برائحةِ الدمِ والبارود.
إنه الفصلُ الدمويُّ الجديدُ
من دروسِ
 المحنِ والشجنِ والخرابِ والاحتراب
التي لم تزلْ تلازمُ المكان
إنه  درسٌ من دروسِ التهجيرِ القسريِّ، والتشريد
والفرارِ الجماعي من الموتِ الأكيد.
أمام مدخلِ بوابةِ المخيمِ
وقف رجلٌ تجاوز الخمسينَ يتصببُ عرقاً
وهو يحملُ أمهُ ذاتَ الثمانينَ على ظهرهِ
بعدَ مسيرة يومينِ في طرقٍ وعرةٍ
وهو ينشدُ بصوتٍ عالٍ
ـ أيها السادةُ
إنهُ درسٌ كبيرٌ في الخيانةِ والخذلان
قد لحق بنا في يومٍ ماحقٍ.
فيجيبهُ صوتُ أمهِ واهناً مرتجفاً يرددُ
ــ ليمحق اللهُ من كان السبب
وليلحق به وبذريته العارُ والشنار.
بلمحةِ بصرٍ تجمع حولهما مجموعةٌ من صبيةِ المخيم.
يقدمون لهما قطعاً من أرغفةِ الخبزِ، وأكواباً من الماء
يستقبله صوتُ شيخ كهل يقف على ساقٍ واحدةٍ ،مستنداً على عكاز:
ـ أهلاً وسهلاً بكما في مضاربنا الجديدة ؛ لكن أعلم يا بني
هنا يرافقنا كظلنا الرعبُ و الخوفُ
والحرمانُ والامتهانُ لقيمِ وحقوقِ الإنسان!
يسودُ الصمتُ لحظاتٍ
فيرتفعُ  من بابِ إحدى الخيامِ
صوتُ نايٍ حزين.
فيكملُ الشيخُ الكهلُ حديثه مع صوت الناي:
ــ وهنا يتمتع أخوانك واهلك بعهدٍ جديدٍ من الذلِّ والأحزان
للكرامةِ والوجدان.
ويصمتُ لحظةً
ثم يكمل بصوت أنهكه التعبُ
ــ لقد مضى على وجودنا هنا أكثرُ من شهرين
ونحن نجهلُ أين سوف يرسو بنا المصير
واعلم يا بنيَّ
لقد طار منا الأملُ وضاعت الأحلام
وحل اليأس في النفوس
وتضاعفت الأشجان
بعد أن أعلنت أخرُ الأخبار أن
الذئابَ على الأبواب.
 
هذيان مع الفجر/  مالمو ـ مملكة السويد
1-أيلول- 2014



71


عالمُ الحرية لألعابِ الأطفال الالكترونية، من مسلسل إعصار لا يهدأ 4

يحيى غازي الأميري
 
رغمَ أن الفصلَ حارٌ وحرارتُهُ آخذةٌ بالارتفاعِ مسببةً للإرهاقِ
ومعكرةً للمزاجِ
 المساءَ هذا السماءَ لكِنَّ
كانت ملبدةً بغيومٍ رماديّةٍ داكنةٍ لا تكفُّ عن الحركةِ والدورانِ،
مصحوبةً برطوبةٍ خانقةٍ.
هنالك إشاعاتٌ تسري بين الناسِ، لا يُعرفُ مصدرُها.
 تقولُ:
إن هذا الفصلَ سيكونُ ساخناٌ جداً وإن السماءَ في مثلِ هذهِ الأجواءِ
سوف تمطرُ أحياناً شهباً و نيازكَ، وتحذرُ من شظاياها المتطايرة
فهي تحزُّ الرؤوسِ وتقطعُ الأبدانَ إن إصابتها،
وإنَّ إصابَتها قاتلةٌ مميتة.
هذه الأقاويلُ تُثيرُ الرَّعبَ ،وترسّخُ الخوفَ حدَّ الموتِ في النفوسِ
لكنَ الغريبَ أن أغلبَ الناسِ لا تبالي لذلك
شاهدُ عيانٍ يروي ما شاهدهُ في هذا المساءِ:
_ اصطحبتُ طفلي ( محموداً ) ذا الثامنة لغرضِ التبضعِ لعيدِ ميلادهِ.
اشتريتُ له بدلةً رصاصيةً وحذاءً وقميصاً وربطةَ عُنقٍ حمراءَ
كان ( محمود ) فرحاٌ بها أشدَّ الفرحِ
عند خروجِنا كان متجرُ الحريةِ للعبِ الأطفالِ الالكترونيةِ
ينتصبُ أمامَ أنظارِنا في الجهةِ الثانيةِ من الشارعِ
ولا يبعدُ عنا أكثرَ من 30 متراٌ
تسمَّرت عينا ولدي على واجهةِ المتجرِ
حيثُ يقفُ أمام بابِ المتجرِ عددٌ يزيدُ على عشرةٍ  من الأطفالِ مع ذويِهم
أمسكَ (محمودٌ) بيدي وبصوتٍ فيه كثيرٌ من التوسلِ طلبَ مني العبورَ إلى المتجرِ
نظرتُ له بعينين فيهما كثيرٌ من الحنيةِ و المحبةِ
وقلتُ لنفسي لأكملنَّ فرحتهُ وأشتري له ما يودُّ
حملتُ بدلته بيدي اليسرى، وأمسكتُ بيدهِ اليسرى ،
فيما حملَ (محمودٌ) بيمينهِ الحقيبة التي تحتوي القميصَ والحذاءَ
وبدأنا نرقبُ السياراتِ لنتهيأ لعبورِ الشارعِ ؛ وبلا مقدماتٍ ارتفع 
صوتُ دويًّ هائلٍ
صمَّ أذناي، وقذفني عدة أمتارٍ،
كادَ أن يفقدني رشدي
بعدَ لحظاتٍ فقتُ من هولِ الصدمةِ،و شاهدتُ ولدي محموداً
 مرميّاً على الأرضِ
والدماءُ تنزفُ من نحرهِ
انقبض قلبي، ذعرتُ لمنظره، وهو ينزفُ دماً حاراً
 انحنيتُ عليه وجدتُ قطعةً من الحديدِ بحجمِ كف اليد
مستقرةً في أسفلِ عنقه،
كانت عيناه مفتوحتان على أشدهما،
شفتاه تتحركان ببطءٍ شديدٍ ، وحاولَ أن يقولَ لي وبـدأ
يحدثني بهمسٍ
والدموعُ تترقرقُ في عينيه البريئتين
 _ بابا أنقذني، بعدها
أغمضَ عينيه ساعة هممتُ أن أقبِّلهُ
حملتهُ على ذراعيَّ، أحسستُ أن يدي اليمنى لا تعينني على حملهِ،
فقد كانت شظية أخرى
قد استقرت في كتفي.
حملتهُ بكل قواي وصرختُ بأعلى صوتي كالمجنونِ: أيُّها  الناسُ أنقذونا
لكن ولدي محموداً
لفظَ أنفاسه قبل أن اقبلهُ
رباه، كان يتوسلني أن أساعدهُ!
كانَ منظرُ أشلاءِ الأطفالِ ولعبهم قد تناثرت لتملأ الشارعَ والأرصفةَ!
أحسستُ أن قوايَّ تخورُ وصوتي بدأ يخفتْ
وتقهقرت ركبتاي، وأضحتا لا تقويان على حملنا،
ضممتُ ولدي إلى صدري
 وجلستُ على الأرضِ واضعاً جسمه في حضنى ومطوقاً ( محموداً ) بذراعيَّ
قبلتهُ بين عينيه، أحسستُ ببرودة مفزعة بجبنهِ
فسرت هي الأخرى كالبرقِ بجسمي
تجمهرَ بعضُ الناسِ حولي، فغبتُ ساعتها عن الوعيِ.
توفيَ شاهدُ العيان بعدَ ثلاثة أيام من وفاةِ ابنهِ متأثراً بجراحهِ المزدوجة!
 
هذيان مع الفجر، جمهورية العراق
آب-2014

 



72


حزنٌ يُشبه الموتَ يخيمُ على المكانِ ، من مسلسلِ إعصارٌ لا يهدأُ 3

يحيى غازي الأميري

عاصفةٌ مدويةٌ غريبةٌ عن أرضِ السواد
تصاحبُها رياحٌ مزمجرةٌ
ممزوجةٌ ببريقٍ ورعدٍ غاضبٍ، عاصفٍ
بدأت منذُ زمنٍ تضربُ من كلِّ الاتجاهات في عمقِ البلاد
لا يهمُّها جفافُ الضرعِ أو موتُ الزرعِ، ولا إلى أينَ سيؤولُ مصيرُ العباد
العديدُ من المراصدِ حذَّرتْ من ساعةِ قدومِها ولحظةِ انفجارِها، ودعتْ إلى الحيطةِ والحذر
فيما قالَ عنها المتبحرونَ بشؤونِ العواصفِ إنها كارثةٌ حقيقيةٌ
وإن خرابَها سيضربُ بالأعماق
لكونِها كما تشيرُ المصادرُ تحتوي على شحناتٍ متراكمةٍ انتقاميةٍ تدميرية
البعضُ تجاهلَ التحذيرَ ،من دونِ
الإكثارِ بالإيضاحِ أو التبرير
لكنْ على العكسِ من ذلكَ
استبشرَ البعضُ الأخرُ خيراً بقدومِها
فأعدُّوا المباخرَ ابتهاجاً من أجلِ وصولِها، وذبحوا القرابينَ ووزَّعوا النذور
واعتبرَها البعضُ إحدى عطايا السماء
الربيعُ قادمٌ والخيرُ سوفَ يأتي وافراً، هكذا صرَّحَ الرعاةُ لقطعانِهم
حتى أن بعضَ قطعانِ الخرافِ أعلنتْ رسمياً: مرحى بالخيرِ القادمِ
لا سكونَ يسبقُ العاصفةَ، فصوت زمجرتِها كانَ يُسمعُ هنا وهنا
تحتَ جنحِ الظلامِ، فرَّ رعاةُ القطعان مع كلابِ حراستِهم، وهُم يلوحونَ من بعيدٍ بعصي القطيع
تاركينَ القطعانَ والمبانيَ والسكانَ مكشوفينَ في العراء
أعلنت المراصدُ ساعةَ بدايتِها
أثارتْ بكعبِ حوافرِها غبارَ الصحارى،
فغطتْ بسرعةٍ خاطفةٍ ثلثَ البلاد، بسحابةٍ رماديةٍ داكنةٍ ممزوجةٍ بغبارٍ ودخانٍ أسودَ ورماد
كان هديرُها يصمُّ الآذانَ
وصوتُ صفيرِها يُشبهُ عواءَ ذئابِ الصحراء
يقبضُ الأنفاسَ
بدأتْ على الفورِ
تمطرُ خرقاً باليةً ، وحديداً ونار
زلزلتْ المعابدُ
وهدَّتْ كبرياتِ القبور
ولم يسلمْ من عصفِها حتى مَنْ لاذَ
بالرمسِ، أو تشبَّثَ في الكرسي
منذرةً متوعدةً بالويلِ والثبور
قاصمةً  للرؤوسِ
عابثةً ومبعثرةً ما أحرزَ من نفائسَ وودائعَ وكؤوسٍ وكنوز
هدَّتْ النواقيسَ وهي تقرع صلواتِها
وباشرتْ بتكميمِ الأفواهِ
وأطلقت للَّحى العنان
وسمحتْ بعودةِ الألعابِ البدائيةِ للأطفالِ والصبيان
وعمدت بقلعِ أجملِ أصولِ أصنافِ الإشجارِ المثمرةِ
الضاربةِ بالقدمِ
و بدأت ترميها خارجَ حدودِ بيئتِها أو خارجَ البلاد
عصفت في أقدمِ المباني وأكثرِها قوةً وأحالتها إلى ركامٍ وحطامٍ ورماد
ناثرةً في الأزقةِ والمدنِ والحارات التي تضربُها رائحةً  مخدرةً تسميها العطرَ الموعودَ، له رائحةٌ تزكمُ الأنوف،
هكذا أفاد العارفونَ والمطلعونَ
انتشرَالعطرُ سريعاً في الهواء، تسممت منه بعضُ الأبدانِ
وأخذت تنشرُ نفسَ العطر!
بل اعتبرَهُ البعضُ ماركةً عالميةً ذاتَ أصولٍ بدائية
 تستحقُّ التقليدَ والاقتناءَ، فيما اكتفى فريقٌ آخرُ بالمبايعةِ للعطرِ من بعيد
حجبت الاتصالاتُ والمراسلاتُ بعد تأينِ الأجواء
إحدى كبرياتِ المدنِ استجارت بمن ينجدُها من براثنِ الهلاك
وتبعتها العديدُ من البلداتِ والقصبات
حيثُ راحت تستغيثُ هلعاً بعد أن
سرى في ازقتِها الخراب
أسرابُ الغربانِ المسعورة  تتعقبُ
أفواجَ النازحينَ، والمشردينَ بعد أن نعقت بديارِهم
آلأفُ النازحينَ،تفترشُ العراء،وتلتحفُ السماء
فيما جموعٌ مفجوعةٌ اخرى تحتمي هلعاً في كهوفِ الجبال، أو هائمة في الوديان
أرتعبَ الحجرُ والبشرُ من هولِ المصاب
انذهلت الصبايا من فظاعةِ جبروتِه وقسوةِ سطوتِه وحدةِ عصفِه
وضربت النسوةُ النقابَ فوقَ الحجاب
اختفى من الشوارعِ رجالُ المرور
وتضاعفت أعدادُ حفارةِ القبور
لم تزلْ العاصفةُ تدورُ  وتفور
من كل حدبٍ وصوب
بعد شهرٍ أو يزيدُ أعلنت بعضُ القطعانِ المخذولةِ والمهزومةِ : إن الخيانةَ عارٌ، والهزيمةُ انكسار،
والاختباءُ من المواجهةِ الفاعلةِ ذلةٌ ومهانة
فيما يستمرُّ
حزنٌ يشبهُ الموتَ يخيمُ على المكان
يرافقُه جدلٌ مثيرٌ لتحليلِ مصادرِالعاصفةِ ،وأمدِ استمرارِ بقائها

هذيان مع الفجر، جمهورية العراق
آب 2014

73

القبضُ ريح/ من مسلسل إعصار لا يهدأ /2


يحيى غازي الأميري

خريفٌ يخلفُ خريفْ
ومحن تتناسلْ فيما بينها
 لتولدَ محنٌ أكبر
بعضُها
يلتحفُ العواصف
وأخرى
لا تهدأ من التصريحِ والتجريح
وثالثةٌ
تمتطي الرمالَ الزاحفة من الصحراء
فيما يتوسطَ فريقُ المترفينَ المصايفَ والمنتجعات
تحرسُ الجميع َ المصفحاتُ والمجنزرات
تصريحاتَهم وأخبارُهم تلهبُ الصدورَ
كاشفة أحياناً عما خبأ فيها من المحظور!
أمٌ تجلسُ القرفصاءَ في ركنِ خيمتِها الجديدة
تقصُّ على جاراتِها
ما يدورُ في السرِّ من الأخبار
 ـ أنّهم يكترونَ من الوعودِ، واليومَ الموعود!
لكنَهم يحذرونَ منَ الفرهود!
وتكملُ حديثَها
ـ يتقاسمُ ملايينُ من الأبرياءِ 
السماءَ والعراء
ويكثرُ الحديثُ عن حظرٍ متنوع للتجوال
وحظرٍ خاصٍّ للنساء.
تقاطُعها زميلتُها المثخنة بالسمنةِ والتي تفترشُ البساط
ـ الحمدُ للهِ درجاتُ الحرارةِ لهذا الأسبوع
لم تصلْ الخمسين
سوفَ تستمرُّ ثمانيةً وأربعين، مصحوبةً برياحٍ شماليةٍ غربية.
تصرخُ بصوتٍ مبحوح إحدى جياع الخيامْ
مِن مضربها الجديد
وهي تشدُّ وثاقَ الخيمةِ في الهواء
ـ لقد تأملنا خيراً بوعودِهم
وصدقنا بعضَها وترقبنا مجيءَ شتاءٍ أو ربيع   
لكنْ في  النتيجةِ
لم نقبضْ
سوى الرياح

هذيان مع الفجر
مالمو في 4 تموز 2014





74
انهيار في وضح النهار/ من مسلسل إعصار لا يهدأ 1

 
بقلم: يحيى غازي الأميري

تتواترُ الأخبارُ
إنَّ
نوائبَ الدنيا تدورُ
وسطَ الذهولِ والانبهار
تقهقرٌ وانكسار
يلحقُه
سعيرُ الفرار
في وضح النهار
ماذا حدثَ؟
بدأ التقرير
الوضعُ خطير
غدرٌ وتآمرٌ
تدميرٌ مرير
تحتَ وابلٍ من الشرِّ والنارِ
تم تفجيرُ الجسور
واحتلالُ الثغور
في لمحةٍ من البصرِ
طارَ الدينارُ والدولارُ من البنوك والمتاجر
تبعَهُ
فرارُ الطيور
وانتحارُ الشجر
بدأتْ مجازرُ
التهجير
استعارَ الصراخُ
الموتُ انتشر
الانتحارُ كثر
نيرانٌ ودخان
بكاءٌ ودموع
عيونُ المشردينَ، والمهجرين
مرعوبةٌ مغلوبةٌ
فاقدةٌ للبصيرةِ والبصر
حزينةٌ لبؤسِ المصير
هدوءٌ حذر
صوت هادرٌ
يعلنُ النفير
الغدرُ عارٌ
والمتآمرُ قذرٌ
والتآمرُ يعني الغدر
الحذرَ الحذرَ من
التمادي بالضرر
قادمٌ تغييرُ المسار
لا
نبدِّلُ الوزيرَ بالأمير
فيما يقفُ في أهبةِ الاستعدادِ والإصرار
منكرٌ ونكيرٌ وهم يمسكونَ بسجلِّ المصير


هذيان مع الفجر، جمهورية العراق
حزيران2014

75
أدب / التفكير في المهجر
« في: 20:16 04/06/2014  »
التفكير في المهجر
 
يحيى غازي الأميري
 
 
لم يزلْ
الصراعُ والنزاعُ على أشدِّهِ
في البيتِ
والشارعِ والمتجر
يساندُهُ
القيظُ
وأتربةُ الشوارعِ الخانقةِ
وتوقفُ مكيفاتِ الهواء
لوقوعِها تحتَ قبضةِ   
انقطاعِ تيارِ الكهرباء
بمباغتاتِهِ المستمرةِ
في السراءِ والضراء
لتزيدَ من توترِهِ
أصواتُ عبثِ طفليهِ،
وبكاءُ رضيعٍ لا يهدأ
فيختلُّ معها قياسُ
هبوطٍ وارتفاعِ الضغط
فيما يرتفعُ صوتٌ بداخلهِ
لم يتوقفْ  يوماً عن هذيانهِ
ألم أخبرْكَ
أنْ ترحل
فما عادَ للسكونِ
والسكينةِ
مسكنٌ
 ارحل
توقفْ عن حركةِ الذهابِ والإيابِ
في ممرِ البيتِ
جلسَ متهالكاً على الأريكةِ،
متأهباً
مشدودَ الأعصاب
ينظرُ  بقلقٍ في ساعتهِ
منتظراً
بلهفةٍ
قربَ
مولدةِ الكهرباء.
بدأتْ دويَّها المعتادَ
فيما راحَ يسرحُ بأفكارهِ
يعيدُ التفكيرَ
للمرةِ الألفِ
بالهجرةِ
والعيشِ
في المهجر
يوقظهُ  من غفوتهِ
صوتٌ كالرعدِ هادر
لدوي انفجارٍ
هائلْ
قادم من جهةِ
 المتجر
 
هذيان مع الفجر/جمهورية العراق في 2 حزيران 2014
 

 

76
أدب / بيتٌ من الشعرِ
« في: 22:04 08/05/2014  »





بيتٌ من الشعر



يحيى غازي الأميري


للمسةِ يَدِهِ خفقَ القلبُ
واضطرب
فانطـلقتْ
 العينانِ تحكيانِ
بحياءٍ وطرب
ومن باطنِ العقلِ
صوتٌ مُرتجفاً بوجلٍ هتفَ
ربَّاهُ
مالكُ القلبِ وصل
مرحباً
النورُ طل
وبلسمُ الجراحِ حل
فبادرتْ العينانِ تسألانِ
 أتذكرُ
حبيبي
 أولَ لقاءٍ
عند
مرسى السفن
بطرفِ عينكَ
 أرسلتَ لي بيتاً من الشعـر
مثلَ البرقِ
بسرعتِهِ
بطرفةِ عينٍ
نامَ بقلبي
 وحبستُهُ
فحطَّ الغرامُ
على مهلٍ
فغفوتُ
لحظتَها
من نشوةِ الخدر
و صحوتُ مذعوراً على عجلٍ عندما
هتفَ العقل
رحل
هامَ الفؤادُ
 به
وحلَّ بالعقلِ
الخلل
فتاه َ شارداً بين الهمومِ والعلل
سنونَ
مرَّتْ
ضاعَ من كثرتِها العدد
آهِ
 حبيبي
من يومِ حبُّك وصل
لقلبي ودفنتُه
حطَّ الخصامُ بين النومِ والمقل
آهِ
حبيبي
تعالَ و اسقني
خمرَ الوصالِ
تَعال
واخمد لظى الحبِّ
 فقد طال الانتظار
تعالَ
فقد
أضناني طولُ الهجرِ و سنونَ البعاد
تعالَ
 حبيبي
لنرتشف معاً كأس الغرام
فقد
جفاني المنام
وهدني الهيام

هذيان مع الفجر/ مالمو في 8 أيار 2014


77
المنبر الحر / من انتصرَ؟
« في: 17:59 06/05/2014  »

من انتصرَ؟

يحيى غازي الأميري
 
كنت قد حضرت أمسية لمحاضرة سياسية أقامتها الجمعية الثقافية العراقية في مالمو، بتأريخ 04-10-2003 لشخصية مناضلة سياسية عراقية قادمة من بغداد، محملة بجديد التغيير الذي حدث في العراق في 9 نيسان-2003 عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي الأستاذ (محمد جاسم اللبان)؛ بعد ما يقارب عشرة أعوام عاد الأستاذ (محمد جاسم اللبان) في31-05-2013 لأستمع إليه في الندوة السياسية الأخرى التي أدارها وقدم لها الأستاذ (صادق الجواهري) في صالة مقر الجمعية الثقافية العراقية في مالمو، وقد تحدث فيها الأستاذ (محمد اللبان) بكثير من الصراحة والوضوح عن الوطن المثقل بالهموم والمحن، في نهاية الأمسية التقطت بعض الصورة مع الأستاذ (محمد جاسم اللبان)، بعد أن عرَّفته على نفسي، وتحدثنا قليلا عن ذكريات تنظيم مدينتي (العزيزية والصويرة من محافظة واسط ) للحزب الشيوعي العراقي أيام زمان قبل أحداث 1978!   
بعد عودتي من ذلك اللقاء إلى البيت سيراً على الأقدام، وحال وصولي البيت أبدلت الملابس الرسمية التي كنت قد حضرت بها تلك الأمسية، بملابس فيها كثير من الراحة وتساعد على الاسترخاء، وأخرجت من الثلاجة قنينة من الجعة (البيرة) وجلست أفكر، وعلى مهل أحتسي من القدح، سارحاً بما دار في الأمسية؛ تناولت قلمي لأخط ما كان يدور بخلدي من خواطر، رافقتني خلال الأمسية ومسافة الطريق فيما راح القلم يخط :
 
يكادُ القلبُ ينشطر
والدمعُ يسبقُهُ ممتطر
وصدى عويلِ الجياعِ
يُرعبُ الراقصينَ حتى الفجر
من انتصر؟
وهذه أكوامُ الرفاتِ
والأطفالُ الحفاةُ
 وصراخُ ملايينِ الأيتامِ والأراملِ والجياعِ
والمشردينَ والمرعوبينَ
من جموعِ سكانِ بلادِ الرافدينِ الأغر
كانَ
قدحُ البيرةِ بيدي يدور 
وثمةَ صوتٌ برأسي يفور
كيف انتصر؟
أهو هذيانُ السهر؟
ليفاجئَني
صوتٌ بداخلي يهدرُ ويثور
(جياعٌ عراةٌ نحنُ أخوةٌ لكم، نحنُ بشر،
قد قسا علينا أخوةٌ لنا من جنسِ البشر،
الفقرُ انتشر،
والريحُ لم تزلْ تعصفُ بالشجر)
من هولِ الصوتِ
قلبيَ انفطر
الدمعُ انهمر
ومع نخبِ الجعةِ برزَ السؤالُ
من انتصر؟
وكيف أنصهر؟
 هذا الذي يُعدُّ أصلدَ من الصخر؟
ضجَّ رأسي بين السؤالِ والجواب
 وغشت عينيَّ موجاتٌ من الضبابِ من هولِ المصاب
تهتُ ليلتها بأفكاري
وتحرَّرتُ من قيودي
وطرتُ بعيداً بفضائِها
 تلاحقُني أصواتُ استغاثةٍ
ممزوجةٍ بين نباحٍ وصياحٍ
في الفضاءِ
 تنفستُ البارودَ ممزوجاً برائحةِ الموتِ
عادت بي الذكرياتُ
دويُّ المدافعِ
أزيزُ الرصاص
الإعدامُ أسهلُ أنواعِ القصاص
ينتشرُ في الأزقةِ والشوارعِ رجال بلا رؤوس
تحملُ الفؤوس
نخيلٌ بلا رؤوس
منثورةٌ في زوايا الشوارعِ  والحاراتِ مئاتُ الرؤوس
جرادٌ يلتهمُ المباني وينهبُ الثمر
 أمٌّ تكوَّرتْ على أطفالِها مدفونةً بين الصخر
الكواتمُ خاتمةُ الأيام 
مزارع ُشاسعةٌ من الألغام
وأفواهُ ملايينَ من الأيتام
تنشدُ: بلادي، بلادي، بلادي،
 أنتِ عزِّي وجهادي
تردُّ عليهم مجموعةٌ أخرى قد عفَّرَ جبينَها الغبار
هذا هو ما نريد،
هذا وطنُنا السعيد
مجموعةٌ من النساءِ من بيوتِ الصفيح
تبتهلُ إلى اللهِ أن يمرَّ السحابُ
عن ديارِهُنَّ دونَ ضرر
فيما يحتشدُ أطفالُهنَّ أنصافَ عراةٍ
يلعبونَ ويُنشدون
( مطر، مطر، حيل، حيل)
نشراتُ الأخبارِ تشير
فقدانُ 17مليارِ دولارٍ
من فلوسِ النصرِ و الإعمار
ليبرزَ في الشاشةِ إعلانٌ فيه كثيرٌ من التحذير
من خطورةِ انتشارِ داءِ
 فسادِ الضمير     
ارتعدتْ أوصالي من هولِ الفضائحِ
التي روَّعتْ وأذلَّتْ وقسَّمتْ البلادَ
والعباد
دارَ رأسي بين الجعةِ والسؤالِ والجواب
بعد جهدٍ جهيد
جمعتُ شتاتَ أفكاري
بين معاناةٍ وأحلامٍ وأمل
وكثيرٍ من الهمِّ والغمِّ والألم
وشيءٍ من الندم
بين نعاسٍ وسهادٍ وضجر
واحتدامٍ وسكونٍ وجدل
معللاً كيف انتصر!
لم اهتدِ لحلٍّ مُرضٍ ومقنعٍ
لجوابِ كيفَ انتصر!
بقيتُ هكذا حتى أنبلجَ فجرُ الصباح
وشعاعٌ من النافذةِ لاح 
وأنشدتْ الطيورُ ألحانَها الملاح
فتزاحمتْ وتخاصمتْ في رأسي الأفكارُ والألحان
فقلت لنفسي: مالكِ؟
يكفيكِ هذا فقد طالَ بكِ السهادُ وأرهقك السهر
يكفي، اكتمي، واهدئي من الشكوى واللوعةِ
والقلقِ والحيرةِ والضجر
فجاءَ الجوابُ مع خيوطِ الفجر
 كما البرقِ
مدد.. مدد
إنه سرابُ حلمٍ طالَ به الأمد
فيه كثيرٌ من الحيلةِ البعيدةِ الأمد
مدد ...  مدد
 
 
هذيان مع الفجر /مالمو في صباح يوم 2013-06-10


78
شكد حلو طالع اليوم

يحيى غازي الأميري


شكد حلو طالع اليوم
مبهور كلمن
شافه
طابع على الشفة خال
وبهيدَه
يمشي ويختال

مسحور
كلمن شافه

 بثوبه الحرير الشفاف
يسبي العقل من يلتاف
شكد حلوه مصْة اشفافة 

راسم على الشفه عشك
وسهامه ترمينا ابتفك
 بعيونه
 الهدافه

ومن ضحكته الرقة تشع
ياويلي جن ركص هجع
مسرور
 كلمن شافه
منثور عطره اويَ الشَعَر
 خدارنَ منه أهدابه
وكاف ويرقص الترف
 يا محلا هزْة اجتافه

شكد حلو طالع اليوم
هنيال
 كلمن شافه


هذيان مع الفجر/ مالمو في صباح يوم
2014-1-1
بعد حفلة رأس السنة




79
أدب / خواص الطين
« في: 17:39 16/04/2014  »




 خواص الطين



يحيى غازي



من منبع النور النقي
أخذ ماءه العذب
قطرة
  قطرة
حلله ورشحه وقطّره
وبقنينة بلور كالثلج جمعه  
وبدأ يعمل
قطرة
إثر
قطرة
صبه
 وعجنه
مع الطين الحرِّ الأصيل،
وبدقةٍ وحرصٍ و بأدقِ المقاييس
اشتغل
وركز كلَّ موهبةٍ بيده
أبدع بصنعته
 وتعب
وصاغ منه أبهى شكل، واليوم العوز راده،
 لقلبه  الهدَ التعب
بدا مبهر
جميلٌ وحلوٌّ
 ويسرُّ النظر
ومن أكتمل وبنشوة الفارس المنتصر
وبكل سعادة وفرح
صاح بأعلى الصوت
كلُّ شيءٍ  أكتمل
نعم
أكتمل
راق له ،ونعجب به أشد العجب
و بقربة جلس حابسَ كلَّ النفس
 يُوقد شموعُ الفرح
بعد مدة
من الزمن  
دبت بالجسدِ الروح
ومن عينه ألق كالبرق لمع
وبضياء النورِ توهجت وجنتاه
طار فرحاً  وعلمه كل الإسرار
خرج عدة مرات للدنيا و رجع، شاهد الإسراء وحللها بتأني وعمق
وذات يوم من الصبح
 عند
عتبة الباب
بحقد وغضب
بطرف عينه، بكل صلافة
نظر إليه
و
عافه
مذهول
وطلع
تركه مع أول هواء لامس أطراف شفاه
أنذهل
من شافه
صاح
أتوسل
وتذرع له بكل ذريعة
بس ارجع حبيبي
وبأعلى صوته المخنوق بسيل الدمع صاح يتوسل
ارجع حبيبي
أنا لك وأنت لي
وكأنه ما سمع
بطرف أصابعه أشّر له من يده اليسار،
ارجع  كلُّ شيءٍ انتهى
كلُّ واحدٍ منا وطريقه!
انْهارت ركبتاه ، وبسرعة سقط مذهولاً ،
مندهش الحواس
و بكل جنون الحب
بدا
يصرخ
و
يضرب الراح بالراح.
وأخيراً فهم
إنه
بلا
 قطرة ملح
صاغه
ومن صدمته
عاف {الأكو والماكو}
وسرحان ظل لليوم يعزف على الوتر، وينشد
خواص الطين

هذيان مع الفجر الساعة السادسة صباحاً-مالمو في
2014-01-15



80
الكاتب والشاعر والموسيقار السويدي جاك توري ويروب في ضيافة مكتبة روزنكورد /مالمو

يحيى غازي الأميري

استضافت إدارة مكتبة روزنكورد  العامة في مدينة مالمو الشاعر والموسيقار والكاتب السويدي (جاك توري ويروب Jacques Tore Werup)، يصاحبة الموسيقار (يوهان بيرجستروم  Johan Bergström) وذلك  ضمن البرنامج الثقافي السنوي لمنظمة (أي بي أف ABF) في كومون مالمو.
 في الباحة المخصصة للأمسية كانت أباريق القهوة والشاي وبعض المعجنات، قد وضعت على إحدى المناضد، ترافقها الابتسامة والترحيب من قبل موظفي المكتبة ودعوتهم لنا لتناول أقداح القوة والشاي.

إحدى الموظفات من العاملات في المكتبة رحبت بالحضور وضيفا الأمسية وتمنت للجميع أسعد الأوقات.

استمتع وتفاعل الجمهور الذي حضر الأمسية الثقافية مساء يوم الأربعاء (19 آذار 2014) ، بالقراءات الشعرية، والمقاطع الغنائية  التي انشدها الشاعر Jacques Werup فيما كان الشاعر ينشد أشعاره وبعض من أغانيه العذبة الإلحان كانت موسيقى ساحرة عذبة تنساب مع تلك القراءات من قبل رفيقه الموسيقار يوهان بيرجستروم، والذي عزف على العديد من الآلات الموسيقية الهوائية، خلال فترة العرض وفي نهاية الأمسية صفق لهما الجهور بحرارة.
 
الشاعر و الموسيقار والكاتب Jacques Werup من مواليد  مالمو (14 كانون ثاني/جنوري1945)،له العديد من الألبومات والكتب المنشورة، حائز على العديد من الجوائز والمداليات، وأخرها عام (2006)  جائزة الثقافة البلدية لكومون مدينة (يستاد) والتي يقيم فيها حاليا، بالقرب من مدينة مالمو.

عند نهاية الأمسية عرض الشاعر Jacques Werup بعض كتبه، للراغبين بالشراء، وبينما كان يضع توقيعه والإهداء علي الكتب التي رغب بعض الحضور باقتنائها، اقتربت منه وعرفته بنفسي وطلبت منه أن نلتقط صورة تذكارية، ننشرها مع ما كتبناه عن هذه الساعة الجميلة.
 
التقطت الصور بكامرتي الخاصة.

مالمو / السويد





81
في قلعة مالمو أقيمت احتفالات أعياد الميلاد 2014

بقلم يحيى غازي الأميري
انه يوم الأحد الأول من شهر ديسمبر ـ كانون الأول ـ 2013، موعدنا السنوي مع احتفالات أعياد الميلاد في قلعة مالمو،أنها السنة الأولى التي اذهب فيها لمشاهدة الاحتفالات في القلعة ، فقد ذهبت عائلتي أكثر من مرة في السنوات السابقة بهذه المناسبة، وكانت الاحتفالات قد نال إعجابهم.
تشير النشرة التي أصدرتها الجهة المنظمة للمهرجان أنه لمدة يوم واحد فقط يبدأ من الساعة العاشرة صباحاً حتى الساعة الخامسة مساءً.بعد انتصاف النهار بساعة واحدة استقليت مع زوجتي الباص رقم( 5) من منطقة (روزنكورد ) المتوجهة إلى محطة قطار مالمو، قرب ساحة ( الكوستاف) والتي تعد مركز مدينة مالمو، ترجلت من الباص وسرت باتجاه القلعة، في هذه الأيام تبهرك ساحة (الكوستاف) بنشرات الزينة وأشجار أعياد الميلاد التي غطت واجهات المحلات والشوارع المحيطة بالساحة.
ساحة (الكوستاف ) تعج بالحركة و مظاهر التهيؤ لأعياد الميلاد ، اجتزت الساحة و المقبرة الملكية التي تقع بجانبها، وصلت للحديقة الموصلة بين ساحة الكوستاف والقلعة ، الممرات المتعرجة التي تحف بجانيها الأشجار والعرائش، عشرات التماثيل تنتشر هنا وهناك، مررت  بتماثيل لسرب من البط وأخرى لقطيع من الغزلان غاية بالروعة والجمال، تبهر ناظريك حدائق الورود والأزهار والنافورات بتصاميمها ودقة هندستها وهي تداعب المياه من حولها بحركات انسيابية أو راقصة، أسراب من الطيور والبط والوز تسرح على مهلها، متعايشة ومتآلفة مع المكان ورواده ،عشرات من النساء والرجال تصطحب معها،عربات أطفالها ، كلابها، قططها،أنه مكان رائع للراحة والاستمتاع؛  قرب البحيرة المحيطة بالقلعة التقطت بعض الصور،كان الجو بارد قليلاً فدرجة الحرارة تشير إلى 6 مئوية رغم الشمس الساطعة، لكن رياح باردة تدعوك إلى الإسراع والاحتماء في داخل القلعة.
في باحة القلعة كانت مجموعة من العوائل مع أطفالها تستمع لتعليمات المرشدة السياحيةـ احد العاملات في القلعةـ  وهي تشرح للمجموعة شيء عن القلعة ، انضممت مع زوجتي للمجموعة أخذتنا المرشدة إلى رحلة ، في باطن احد أسوار القلعة ، فتحت أحد أبواب الجدار أندلف الجميع في الدهليز، إنها المرة الأولى التي أدخل فيها مثل هذا المكان، الدهليز بعرض متر واحد تقريبا محاط بجدران سميكة من الجانبين عرض الجدار بحدود متر تقريباً، مبنية من الحجارة ، تتخلله فتحات للمراقبة، وأخرى على شكل مقوسات لغرض الإنارة، للعناكب بيوت منتشرة في أكثر من مكان، في نهاية الدهليز وصلنا إلى باحة دائرية واسعة عالية السقف أرضها رملية،إنها احد أركان سور القلعة، تطل على الباحة أربعة أقبية كبيرة مقوسة البناء وضعت فيها مدافع كبيرة قديمة،في الجزء العلوي من الباحة ، فتحات مقوسة البناء للإضاءة والمراقبة، رصت في الباحة مجموعة من الكراسي، توزعت عليها المجموعة التي دخلنا معها، فيما راحت المرشدة السياحية تشرح للحضور شيئا ً عن المكان وتاريخه، وبعدها بدأت بسرد حكاية قديمة، تقطع المرشدة حديثها لتسأل الأطفال عن العديد من المعلومات المتعلقة بالموضوع الذي تتحدث عنه فيجيبها الأطفال بثقة وتلقائية على أسألتها، كان يتصدر الأطفال بالإجابة طفلان بعمر 6أو 7 سنوات تقريباً، قبل إكمال المرشدة الحكاية غادرت المكان، بعد أن التقطت له عدة صور، أنه فعلاً سور حصين ضد هجمات الأعداء، يحمى القلعة التي تلتف حول أسوارها من الخارج بحيرة أعدت لهذا الغرض.
قرب البوابة الرئيسية للقلعة خرج من باب أحد دهاليز السور مجموعة من الحرس بملابسهم الفلكلورية القديمة، يعتمرون قبعات برتقالية كبيرة الحجم، مزينة بريش ملون، مدججين بالأسلحة التقليدية القديمة السيوف والرماح الطويلة ذات الفؤوس الذهبية اللامعة تثير فيك الرهبة والأبهة، ها هم يستعدون لبدء استعراضهم، يتقدم احدهم وهو بعلق بكتفه طبل كبير، ممسكاً بيده آلة قرع الطبل، وقبل أن يبدأ استعراضهم اقتربت منهم وحييتهم وطلبت أن نأخذ صورة معاً، بكل سرور أجابني احدهم فيما سحبني الأخر إلى وسطهم ووضع يده على كتفي ونحن نلتقط الصورة، أنهم مجموعة من الرجال السويديين الأشداء، طوال القامة  ـ كأنهم رجال (الفايكنج ) كما يوصفهم التاريخ والصور القديمة ـ كانوا كبار السن قد تجاوزت أعمارهم سن التقاعد هذا ما يوحي به مظهرهم، لكنه الفلكلور الجميل  يدفعهم للمشاركة والاحتفاء بهذا التقليد المهيب!
من الضروري أن أشرح شيء  مختصر يتعلق بالمكان الذي نزوره الآن(قلعة مالمو) تقع وسط مدينة مالمو، في حديقة واسعة غناء، بدا تشييد القلعة عام 1434م إلى أن أخذت القلعة شكلها الحالي في القرن السادس عشر، كانت القلعة حصن المدينة ومقر قادتها وأصبح في فترة من الزمن سجن دخله العديد من المشاهير قبل أن يصبح( متحف مالمو).
 يعد(متحف مالمو) أو كما يسمى (مالمو هوست)  المتحف الرئيسي في مدينة مالمو ويحتوي على عدة  متاحف، متحف لتاريخ المدينة و متحف لتاريخ العصور القديمة و متحف للتاريخ الطبيعي ومتحف للفن القديم والمعاصر، والفلكلور وكذلك تمتد بالقرب منه والتي تحتفل معه في هذه المناسبة متحفي التكنولوجيا والنقل البحري"
تركنا القلعة ومتحفها، لكوننا قد شاهدناها عدة مرات سابقاً، توجهنا إلى مبنى متحف التكنولوجيا والنقل البحري والذي يبعد، بحدود 100 متر عن القلعة، في الجهة الثانية من الشارع. قبل الدخول لمتحف التكنولوجيا والنقل البحري شاهدت بالقرب منها على حدود البحيرة المحيطة بالقلعة، مجموعة من العوائل مع أطفالها، وبالقرب منهم مجموعة من الخيول" خيول من النوع القزم" أصغر حجماً من الخيول العادية ، يمتطي الصبية على ظهورها بعناية ومراقبة من قبل مرشدين خاصين على ذلك، فتلف بهم لمنطقة محددة بذات العناية ، فيما ينتظر الآخرون من الصبية دورهم.
في الجهة الثانية من الشارع كانت امرأة وزوجها يشاركون في الاحتفال وهما يمسكان بعنان حبل لخروفين كبيرين وقد زينت قرونها بشرائط حمراء، فيما تتجمع حولهما الناس والصبية، العديد من الصبية والمارة يحاول تلمس احد الخروفين!
في الباب الرئيسي لمتحف التكنولوجيا والنقل البحري كانت تقف أحد العاملات في المتحف توزع نشرة توضح شيء عن المناسبة المحتفى بها، دخلنا المتحف كانت موسيقى فلكلورية تشنف الآذان تنبعث من القاعة التي على جهة اليمين، جلبتنا الموسيقى أليها أنها قاعة واسعة ،تحتوي العديد من المعروضات المتنوعة كأنك وسط سوق شعبي لصناعات يدوية وفلكلورية أطعمة أنواع من الخبز، العسل،  ملابس ،أدوات مطيح وغيرها من الآلات والأدوات القديمة.فيما كانت تملاْ الجو القاعة إيقاعات موسيقى صادحة لرقصة فلكلورية، ترقص على أنغامها ثلاثة نساء بملابس فلكلورية زاهية. حلقت بعيداً مع أنغام الموسيقى وإيقاع حلقة الرقص المتقنة والتي تبعث في النفس الارتياح والانشراح والسرور والحبور، وكلما انتهت أحدى الرقصات كانت اكف المتفرجين المشجعين تصفق بحرارة تنم عن تفاعلها وإعجابها.
  في الجهة المقابلة لهذه القاعة كانت قاعة مخصصة لعرض نماذج من الطائرات ومحركاتها من الصناعة السويدية ، وقفت بجانب احد محركات الطائرات والتقطت صورة معها، فهي المرة الأولى التي ألمس فيها محرك طائرة، تجولنا بين العديد من نماذج الطائرات والعجلات المختلفة كالسيارات والدراجات الهوائية، والدراجات البخارية وخصوصاً القديمة منها.
دخلت في جوف إحدى الغواصات السويدية الصنع، والتي صنعت في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي التي أحيلت على التقاعد، منذ أكثر من 40 عاماً واتخذت من مبنى متحف التكنولوجيا مكاناً ومستقراً دائماً لها.
ثم زرنا العديد من الأقسام المتعلقة بالمواصلات القطارات والعربات وقسم الفيزياء والذرة والقبة الفلكية وغيرها من أقسام العلوم التكنولوجيا الأخرى والأسواق المتخصصة بزينة أعياد الميلاد والإكسسوارات التي أعدت ضمن الاحتفال بهذه المناسبة.
كان هنالك قاعة كاملة مخصصة ومتهيئة للأطفال للاستمتاع واللعب، للعلم في جميع القاعات كانت هنالك أماكن مخصصة للعب الأطفال والاستمتاع بزيارتهم.
كان لنا وقفة طويلة في قسم العلوم الطبيعية، فقد شاهدت عن بعد تمثال بحجم قريب للحجم الطبيعي، يجلس على كرسي، وضع فوق فراء أحد الحيوانات، وهو يرتدي ملابسه الأنيقة، وشعرة الأشيب الطويل المصفف بعناية وهو منهمك بتقليب صفحات كتاب وضعه بين يديه، فيما يقف بين ساقيه متأهبا أحد أنواع الثعالب"أبن أوى" في الحال همست في أذن زوجتي أني أعرف هذا العالم فقد درست عنه قبل عدة أعوام في كتاب منهاج العلوم الطبيعية في المدرسة السويدية، أنه العالم السويدي المشهور(كارل لينيوس) وبالإضافة لذلك فأن صورته مطبوعة على العملة النقدية السويدية فئة 100 كرونة ، تكريماً لجهوده العلمية ومنجزاته.فبادرت في الحال وأستليت من حافظة نقودي إحدى ورقات العملة النقدية ذات 100 كرونه ، وطلبت من زوجتي أن تلتقط لي صورة وأنا أقف خلفه وبيدي العملة النقدية.
بعض المعلومات المختصرة عن العالم كارل لينيوس، المدونة عنه في الموسعة الحرة ويكيبيديا:
(كارل لينيوس أو كارلو سلينيوس،عالم نبات سويدي الجنسية ،ولد في 23 مايو/ أيار 1707،  توفي في  10/يناير/كانون الثاني1778 عن عمر يناهز 70 عاماً؛ صنفه ملك السويد عام1757 كأحد النبلاء (كارل فون لينيه) وكان طبيباً وجيولوجياً ومربٍ وعالم حيوان وعالم نبات.
رائد علم التصنيف الحديث، ألف كتاب علم التصنيف "النظام الطبيعي" الذي وضع فيه أسس التصنيف العلمي الحديث، فهو أول من وضع نظام التسمية الثنائية أي" الجنس واسم النوع" ).
  
خلال جولتنا تسوقنا بعض من المطرزات الفلكلورية، وتذوقنا بعض أنواع الخبر السويدي وفي إحدى الكافيتريات داخل المتحف تناولنا فيها قدح من القهوة، كانت رحلة ممتعة جداً.
عند مغادرتنا البوابة الرئيسية لمتحف التكنولوجيا والنقل البحري كانت الشمس تهم مسرعة بمغادرة البلاد، فيما كانت الريح الباردة تلفح وجهنا بلسعاتها ونحن نحث الخطى إلى موقف باص نقل الركاب.!

مالمو / السويد
8 كانون الأول 2013
هوامش لصور التقطت بكامرتي الخاصة ، متعلقة بالمقالة
ــــــــــــــــــــــــــــــ


صورة رقم 1 قلعة مالمو/ مالمو هوست  


صورة رقم 2 داخل احد أسوار قلعة مالمو


صورة رقم 3 داخل احد أسوار قلعة مالمو


صورة رقم 4 فرقة الحرس بملابسهم الفلكلورية / قلعة مالمو


صورة رقم 5   فرقة الحرس بملابسهم الفلكلورية  / قلعة مالمو وكاتب السطور يحيى الأميري يلتقط صورة معهم


صورة رقم 6 مجموعة من العوائل السويدية  مع أطفالها تقف لغرض امتطاء الخيول ذات الأحجام الصغيرة المخصصة للأطفال/بالقرب من  قلعة مالمو


صورة رقم 7  صورة للخراف المزينة بالأشرطة ، أمام متحف التكنولوجيا والنقل البحري في مالمو


صورة رقم 8 إحدى قاعات متحف التكنولوجيا والنقل البحري في مالمو


صورة رقم 9 سويديات يؤدين رقصة فلكلورية / قاعة متحف التكنولوجيا والنقل البحري في مالمو


صورة رقم 10 كاتب السطور يحيى الأميري يقف بجانب محرك إحدى الطائرات السويدية/ قاعة متحف التكنولوجيا والنقل البحري  في مالمو


صورة رقم 11  كاتب السطور يحيى الأميري يقف بجانب سيارة سويدية قديمة الصنع موديل1957 / قاعة متحف التكنولوجيا والنقل البحري

 
 صورة رقم 12 كاتب السطور يحيى الأميري يقف بجانب عجلة سويدية قديمة الصنع/ قاعة متحف التكنولوجيا والنقل البحري


صورة رقم 13 كاتب السطور يحيى الأميري يقف داخل جوف غواصة سويدية قديمة الصنع/ قاعة متحف التكنولوجيا والنقل البحري


صورة رقم 14 كاتب السطور يحيى الأميري يقف بجوار تمثال العالم السويدي كارل لينيوس/ قاعة متحف التكنولوجيا والنقل البحري


 صورة رقم 15 كاتب السطور يحيى الأميري أقف خلف تمثال العالم السويدي كارل لينيوس، حاملاً بيدي الورقة النقدية السويدية فئة 100 كرونة / قاعة متحف التكنولوجيا والنقل البحري.


صورة رقم 16  بناية  متحف التكنولوجيا والنقل البحري  في مالمو

82
يوم نيساني من أيام زيارتي للعراق 2013 .. بغداد تحتضن الكتاب/ ج3

 
يحيى غازي الأميري

سعادة وفرح غامر يسيطر على قلمي وأنا اكتب عبارة بغداد تحتضن الكتاب، نعم أنها نافذة جديدة واسعة تهب منها رياح التغيير الطيبة، لإزاحة شيئاً من الغبار والدمار الذي يغلف وجه بغداد!
يأتي المعرض في وقت بالغ الخطورة، كثير الرعب، واسع الانفلات،شديد الانحدار نحو منزلق الانهيار، تسرح وتمرح  وتصول وتجول فيه المفخخات وكاتمات الأنفاس، فيما تنتفخ فيه أرصدة العديد من القادة السياسيين بالسحت الحرام،وتتكدس فيه المزيد ملفات الفساد؛ وفي الجانب الأخر تزداد فيه أفواج المشردين والعاطلين والأيتام والأرامل والضحايا.

 


التقطت الصورة في معرض الكتاب الدولي الثاني،بغداد في 26نيسان2013 من اليسار الأستاذ عبد الحسين حبيب، الدكتور نوفل أبو رغيف، كاتب السطور يحيى غازي الأميري


نعود لساحر الألباب!  
الكتاب
فهو جامع الأفكار، الصديق الودود الناطق الأخرس، الذي يكلمك بود دون ضوضاء وضجر؛ دافعاً عنك الملل والجهل، يقربك إلى الحقائق، وينقل لك تجارب الشعوب والأمم على امتداد العصور والدهور، يمنحك الدفء والبصر، ويزيح عن صدرك الهم والكدر، مليء بالتجارب والأحاسيس والمشاعر، فيه الغث والسمين مما دون في الثقافة والعلوم والأدب، فيه سحر الشعر والنثر وفيه مدونات تسحر الألباب من صور الهيام والغزل والفرح والمرح، وفيه تجسد لصور مؤلمة للهموم والحزن والشجن. انه كنز ثمين رغم خفة وزنه مليء بمكارم القيم والأخلاق.
دونت فيه الحكمة والموعظة والعبر، فيه الحب ولوعة العشاق وبعد الفراق، يصور لك الرعب والخوف والموت ومذلة الفقر، يسطر في صفحاته البؤس والمعاناة وهول الحروب في أبشع صور، مدون فيه لوعة الحرمان ومناجاة الليل وطول السهر وجور وظلم البشر على أخيه البشر.
 يفضح أسرار البؤس والشقاء والقهر ويدلك على من يروج للكذب والخداع وأين يكمن الخطر؛ فيه الخير والشر منشور بعدة أشكال وصور.  
 أنه رفيق السفر في الليل والنهار، الجليس الأنيس في الوحدة ضد الضجر، أفضل الأصدقاء والجيران، منصف للأصحاب والخلان فلا تبديل في بيانه أو نسيان، جامع المنافع والجواهر والدرر، يطير بك إلى الفضاء الواسع، يرشدك إلى عوالم النور ، يطلعك على ما دون في الكون من علوم ومعارف وأسرار تبهر الأنظار وتنير الأبصار، فيه كل ما يخطر ببالك عن أسرار الإنسان والحيوان و الشجر والحجر؛  يسطر لك الأخبار ويفك لك ما غمض من الأسرار وتبهرك فيه إبداعات نوتات الموسيقار وإبداعات  ريشة الفنان، وكيف جسدوا بخفة وروعة ما تبصره العين وينتجه الفكر إلى ألوان ونغم في أجمل الصور، ويدهشك دائماً بالعجائب والغرائب وما خفي من أسرار الطبيعة والبشر!

قرب مكتب الاستعلامات في مدخل قاعة المعرض رتبت العديد من الفولدرات والصحف المتعلقة بالمعرض ودور العرض والبرنامج الثقافية المرافقة لأيام المعرض، التقطت عدة فولدرات وعددين من جريدة المعرفة -جريدة يومية  تعني بفعاليات معرض بغداد الدولي للكتاب، الدورة الثانية- وفيما كنت اقلبهما على وجه السرعة كنت اسمع صوت صديقي(عبد الحسين حبيب) يسأل احد موظفي الاستعلامات عن الأستاذ (نوفل أبو رغيف)، دون موظف الاستعلامات أسم صاحبي في دفتر ملاحظاته واخبره انه سوف يخبره عند حضوره.
ها هي دور العرض مشرعة الأبواب، كل دار عرض تعرض بضاعتها بتنسيق وتبويب،يتيح فرصة أفضل للزائر لمشاهدة المعروضات. كانت فرحة كبيرة تسري في بدني وأنا أشاهد هذا الكم الكبير من الكتب ودور العرض وحركة الناس وهي منشغلة في تقليب صفحات من الكتب المعروضة.يشير (كشاف) المعرض الذي أقلب صفحاته وأنا أتجول في المعرض إلى أن هنالك 61 داراً عراقية مشاركة و184 داراً عربية وأجنبية.  
من أول معرض دخلته " دار وكتبة الهلال"اشتريت منه كتابين عن فن الرسم والتلوين، واشتريت كتباً أخرى، كنت أقتنيها في مكتبتي الخاصة بالعراق، قبل هجرتي إلى خارج الوطن عام 2001 وزعتها إلى المعارف والأصدقاء فاشتريت ( الملل والنحل لـ أبو فتح الشهرستاني، ورواية 1984 الشهيرة للكاتب البريطاني جورج أورويل، وكتاب الأحلام بين العلم والعقيدة للدكتور علي الوردي)..
وبينما كنت أقف أمام مكتبة دار لشؤون الثقافية العامة العامرة بمعروضاتها المتنوعة، اخترت مجموعة منها،
وقبل أن أسدد ثمنها، جاء أحد موظفي المعرض ليبلغ صديقي الأستاذ (عبد الحسين حبيب ) بان الدكتور (نوفل أبو رغيف) في انتظارنا بمكتبه المجاور للاستعلامات معرض الكتاب،تركت الكتب التي اخترتها، بعد أن أخبرت الموظف المسؤول عن المكتبة أني سوف أعود أيها.

 في باب المكتب وقف الدكتور (نوفل أبو رغيف) مرحباً بقدومنا، فيما كانت ترتسم ابتسامة واسعة على وجهه وهو يصافحنا بحرارة ومودة، وأنا أصافح الدكتور( نوفل ) كان صديقي الأستاذ (عبد الحسن حبيب) مسترسلاً بحديثه التعريفي لشخصي للأستاذ نوفل ؛ رغم أننا من مدينة واحدة ( قضاء العزيزية) لكننا لم نلتقي من قبل، تعارفنا سريعاً على بعضنا، فمعظم أولاد جده المغفور له عبد المطلب أبو رغيف الموسوي تربطني بهم علاقات صداقة ومودة، وبالأخص منهم المغفور له عمه (عبد المنعم أبو رغيف) كان صديقي وزميلي في مرحلة الدارسة المتوسطة والثانوية.
دعانا مضيفنا إلى الاستراحة في مكتبه، وأثناء تناول المرطبات، دارت أحاديث متنوعة تخص الهم العراقي والشأن الثقافي، وبعد استراحة قصيرة دعانا مضيفنا إلى التفضل بحضور الأمسية الثقافية، اصطحبنا مضيفنا إلى القاعة المخصصة لفعاليات المنهاج الثقافي الواسع الذي أعد بهذه المناسبة، وأثناء تصفحي للفولدرات التي حملتها معي من الاستعلامات وجدت أن هنالك برنامج حافل بالنشاطات الثقافية يغطي كل أيام معرض بغداد الدولي الثاني الكتاب، مقسمة إلى نشاطين في اليوم نشاط صباحي تحت عنوان(منتدى جسور) ومسائي يحمل عنوان (المقهى الثقافي).
استمتعت جداً بالمحاضرة القيمة التي كانت ضمن منهاج هذا اليوم الموسومة ( النشر الالكتروني" الصحف الالكترونية" للقاص محمد حياوي) قدم وأدار الأمسية الشاعر والكاتب( منذر عبد الحر)، وتخللت الجلسة مشاركة فعالة بمداخلات قيمة  من العديد من الحضور الأفاضل.
عند انتهاء الأمسية كانت فرصة وفسحة طيبة للتعارف مع بعض الحضور والتقاط بعض الصور التذكارية.وسرني أن التقي الأستاذ المخرج السينمائي والكاتب( قاسم حول)، نتداول أطراف الحديث ونلتقط بعض الصورة التذكارية.        

 

التقطت الصورة في معرض الكتاب الدولي الثاني ، بغداد  26نيسان2013/ جانب من حضور الأمسية الثقافية


 

التقطت الصورة في معرض الكتاب الدولي الثاني، بغداد 26نيسان2013/ كاتب السطور يحيى الأميري مع المخرج السينمائي قاسم حول

 وبعدها عدت أدرجي إلى معرض مكتبة دار الشؤون الثقافية، وأخذت الكتب التي اخترتها، فأكرمنا الدكتور الفاضل نوفل أبو رغيف تلك المجموعة من الكتب.أنه حقاً هدية ثمينة، كانت فرحتي كبيرة وأنا أحمل مع تلك المجموعة من الكتب كتابين قيمين من الكتب التي أبحث عنها أولها (القابض على الجمر للأديب والناقد الفقيد الشهيد قاسم عبد الأمير عجام ) والكتاب الثاني (الأعمال الكاملة للشاعر الأديب الراحل حسين مردان).

مالمو/ السويد





83
يوم  نيساني من أيام زيارتي للعراق 2013

بصحبة الأصدقاء زيارة لمعرض بغداد للكتاب /ج2

 
يحيى غازي الأميري
قبل الساعة الثالثة ببضعة دقائق رن هاتفي النقال، كان المتحدث صديقي الحاج عبد الحسين الربيعي يطلب مني التهيؤ والاستعداد، ارتديت ملابسي على جناح السرعة، ورحت أنتظرهم على بعد عدة خطوات من بيتنا. فتحت باب السيارة الخلفي واندفعت بتأني داخل حوض السيارة، بعد أن حييتهم وشكرتهم على هذه الفرصة الثمينة زيارة معرض الكتاب وبصحبة أصدقاء أحبة.
مدخل معرض بغداد الدولي 26 نيسان 2013 من اليمين الحاج عبد الحسين حبيب، يحيى الأميري، حسام حمزة حبيب
الجو خارج السيارة كان في أوج حرارة شهر نيسان، كانت السيارة تلتهم شارع الإسفلت متجه إلى بغداد، أغمضت عينّي منتعشاً ببرودة التكيف الذي ملء حوض السيارة الخلفي، سرحت بعيداً، مع سلسلة أفكاري التي بدأتها قبل أن أركب معهم في السيارة { شهر نيسان} ورحت أسرح مقلباً مناسبات هذا الشهر بين النشوة والألم، ماذا في أيام هذا الشهر العجيب؟ كم من المفارقات والأشياء فيه؟ ففيه حدثت وتحدث تغيرات كثيرة وكبيرة كتغيرات الطقس والأمزجة والألوان والمواقف، الاحتفالات والاتجاهات، والفيضانات، لنتصور شهر بدايته كذبه{كذبة نيسان} تتناقلها أفواه الناس من جيل لجيل بنوع من المزاح والمرح.
ورحت أستحضر بجهد كبير كلمات أغنية وطنية، انتشرت بعد إقامة الجبهة الوطنية لــم أتذكر منها إلا المقطع الأول [ نيسان أخو آذار والجبهة أمهم ] ضحكت بمرارة وألم وأنا استرجع ذكريات السبعينات ونحن نردد هذه الأغنية في احتفالاتنا؛ ضحكت من ألمي وسألت نفسي كيف كانت تنطلي علينا هذه الحكايات الحالمة. أفقت من حلمي على صوت صديقي الأستاذ عبد الحسين حبيب الربيعي الذي يجلس في المقعد الأمامي جنب صديقنا الأستاذ حسام حمزة حبيب الذي يقود السيارة، وهو يكرر تسأله لي:
ـ أبو مخلد نايم؟
وأردف يقول:
ـ  شنو أشو بسرعة نمت!؟
تنحنحت وسحبت نفس، وأجبته :
ـ لا
ولذت بعدها بالصمت، فماذا أقول لهم هل كنت أسرح في أخيلتي في (نيسان) بهذا الشهر العجيب، هل أبدأ أذكرهم بأعياد ميلاد 28 نيسان، وكيف كان تقام في عموم العراق، وتمتد إلى سفاراتنا ورجالها في الخارج، وكيف كانت تقطع آلاف من أطباق الكيك المزينة بالشموع، فيما كانت قد تحولت ملايين من الشعب تحت خط الفقر، وآلاف تصطف جنب آلاف من الأيتام والثكالى ينهشها الجوع والفقر والعوز والمرض، أم أذكرهم باحتفالات وطنية هطلت علينا كالصواعق في هذا الشهر وامتدت لسنوات طوال!
 فأولها نهاية أسبوع نيسان الأول ( 7 نيسان) لتضاف بجوارها هدية جديدة هبة من هبات هيئة الأمم المتحدة بموجب قرارها المرقم (1483) ليتوج في 9  نيسان 2003 بسقوط حكومة صدام واحتلال العراق، من قبل قوات الائتلاف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ومجموعة ما يسمى "ائتلاف الراغبين" ليدخلنا العهد الجديد بدهليز نيساني جديد فيه مزيداً من الاحتفالات و كثيراً من المتاهات والاحتقانات والرعب والفلتان!
لم يكرر صديقي الأستاذ عبد الحسين استفساره أو سؤاله لي مرة أخرى ودخل في حديث مع الأستاذ حسام؛ فرجعت أغفو مع أحلام اليقظة من جديد على هواء التبريد مقلباً مع نفسي مناسبات وحوادث مفجعة وفيضانات وسيول شهر نيسان العجيبة في العراق!
لا أعرف كيف جاء الربط بين تاريخ هذا اليوم 26 نيسان على بالي  مع أحد أعمال  الفنان العالمي  (بيكاسو) رحت أسترجع مع ذاكرتي معلومات قرأتها من ضمن ما قرأت أشياء عن أعمال الفنان العالمي (بيكاسو)  وتذكرت هذا اليوم 26 نيسان فقد رسم الفنان بيكاسو لوحته التي تعد الأشهر في لوحاته، أنها  لوحة ( جورنيكا) والتي رسمها بعد ان دكت طائرات ألمانيا النازية أحدى القرى الواقعة شمال أسبانيا  قرية (جورنيكا) بتاريخ 26 نيسان من عام 1937 وراح ضحية عدوانها 1600ضحية.
 تعد اليوم لوحة( الجورنيكا) رمزاً عالمياً لدمار وخراب الحروب.
 آه يا بلدي الذبيح
آه يا عراق
كم
وكم مئة جورنيكا ذبيحة تغرق في بحر الخراب الذي أصابك ؟!


لوحة الجورنيكا للفنان بابلو بيكاسو
عند أول انعطافنا من شارع قناة الجيش إلى  الطريق السريع المؤدي إلى وسط بغداد، استفقت من أحلامي وأكدت على صديقنا الأستاذ حسام حمزة حبيب الذي يجلس خلف مقود السيارة، أن أفضل طريق لنا هو أن يكون طريقنا من مدخل الباب الشرقي، بعد وصولنا إلى ساحة التحرير طلبت منه أن يتجه صوب جسر السنك، كان كل شيء ملفتاً للنظر مركز العاصمة خالٍ من الازدحام، اليوم مساء الجمعة كنت أتوقع أن يكون الازدحام على أشده في مثل هذا الوقت، أنه شيء ملفت للنظر حقاً، بسهولة عبرنا جسر السنك باتجاه (حي 28 نيسان )  - لا أعرف ماذا يسـمّى الآن - متجهين إلى ساحة المتحف - كراج علاوي الحلة - في الجهة الثانية  لكراج علاوي الحلة، من جهة اليمين كانت بنايات حديثة ذات طابع معماري مميز أبرزها بناية (محافظة بغداد ) بأعمدتها الشاهقة، وشبابيكها التي أخذت طابعـاً من الريازة الإسلامية والعربية، فيما نُقشت على جانبي البناية النخلة العراقية {السومرية } عبرنا جسراً تم إنشاؤه حديثاً ؛ ينقلك إلى الجانب الأخر من الشارع بسهولة وانسيابية دون اللف والدوران، ويخفف كثيراً من شدة الازدحام، سرنا باتجاه الطريق المؤدي للمنصور، قرب معرض بغداد ركنا السيارة في أحد كراجات السيارات في المدخل المودي إلى حي المنصور المجاورة للمعرض، دفع صديقنا الأستاذ حسام مبلغ وقوف السيارة ثلاثة ألاف دينار، دخلنا من بوابة أعدت للتفتيش، بجوار مدخل  البوابة الرئيسية من جهة شارع الكندي- منطقة الحارثية-  ينتشر مجموعة من الجند المدججين بالسلاح على جانبيها، وفي أماكن متفرقة أخرى لحراسة مدخل معرض بغداد.
 دخلنا بوابة المعرض التي رحت أحدق فيها بلهفة وشوق، فقد مضت سنوات طويلة لم أدخل من برج بوابته، كانت الشمس قد خففت من لهيب حرارتها، بدأت تتجه نحو الغروب، فيما كانت تنسل خيوطها الذهبية بخدر من بين سعفات النخيل، كان منظر صف النخيل وحركة الناس وهم بملابسهم الجميلة الأنيقة ينسابون في شارع نظيف تحيط به حدائق بمروج وورود نظرة مرتبة بهندسة ماهرة، كان شيء يُبهج النفس؛ شجعتني روعة المكان أن التقط صور لأصدقائي، فيما طلبت بلطف من مجموعة من الشباب الذين صادفونا أن يلتقطوا لنا صورة - بكامرتي طبعاً- وطلبت منهم أن يظهرون لنا فيها بوابة معرض بغداد، تبرع أحدهم  كنت أشاهد كل لقطة يلتقطها، بعد عدة صور، شكرته على الصورة الأخيرة؛ فقد كانت هي المطلوبة.
الشارع المؤدي إلى معرض الكتاب كان شارعاً - يفتح النفس -، هادئ نظيف تصطف على جانبيه صفوف من النخيل الباسقات والمروج الخضراء، وتُضفي عليه النافورات والأبنية الحديثة النظيفة رونقاً بديع المظهر، كنت أقارنه بالشوارع الأوربية وشوارع  مالمو السويد، تمنيت مع نفسي أن تكون شوارع كل بلادنا هكذا ولم لا؛ أليس جميع شوارع مديني ( مالمو السويدية) مثل هذا الشارع نظافة وجمالاً وهندسة.
 
أمام بوابة قاعة معرض بغداد الدولي الثاني للكتاب من اليسار د. فالح القريشي، يحيى الأميري، عبد الحسين الربيعي
تزين مدخل قاعة المعرض نشرة ضوئية مدون على شريطها الضوئي (بغداد عاصمة الثقافة2013 العربية؛ تقيم دائرة الشؤون الثقافية العراقية، معرض بغداد الدولي الثاني للكتاب للفترة من 25 نيسان لغاية 5 أيار2013 ) عند مدخل القاعة التقطت بكامرتي بعض الصورة... البقية في الجزء الثالث !
مالمو /السويد 2013-08-08

84
يوم  نيساني من أيام زيارتي للعراق 2013
 
خيبة أمل في أول فرصة عمل /ج1

 
بقلم: يحيى غازي الأميري

 للقاء بعض الأصدقاء الحميمين والحديث معهم متعة شيقة، ومودة  فيها تقارب محبب للنفس؛ هكذا أجد اللقاء ممتعاً والحديث شيقاً مع صديقي القديم الباحث والأديب الحاج عبد الحسين حبيب؛ رغم تباعد لقاءاتنا في السنوات الأخيرة لكن التواصل بقيَّ مستمراً، تربطني علاقة حميمية مع الرائع الوجيه الاجتماعي والثقافي المبرز في مدينة العزيزية{عبد الحسين حبيب الربيعي} منذ أكثر من 45 عاماً مضت ولغاية كتابة هذه السطور، قد نختلف في بعض توجهاتنا الفكرية والسياسية وحتى الدينية لكن هنالك روابط عديدة أخرى تسكننا نتقاسمها ونتشارك فيها معا.

 


صورة رقم (1)  يظهر بالصورة الحاج عبد الحسين حبيب الربيعي و يحيى غازي الأميري

خلال زياراتي المتباعدة للعزيزية، بسبب إقامتي منذ سنوات خارج العراق، أخصص بعض من أيامها للقاء أصدقائي الأحبة؛ نتقاسم الهموم ونتابع التغيرات، ونناقش ما تبقى من الأحلام، و أخر ما يمر علينا من الأفلام، ونشخّصُ  الكم الهائل من الشعارات والتصريحات والتي تهطل على المواطن العراقي الكريم من أصحاب القرار وهي محملة بكثير من الزيف والأوهام، ونتداول أخر التطورات والتوقعات والتطلعات، ونستعرض أبرز قراءاتنا الثقافية والفكرية والسياسية، ونسترجع بعض ذكرياتنا؛ ولصديقي الأديب عبد الحسين حبيب حصة كبيرة في مثل هذه اللقاءات.
هذه الجمعة 26 /نيسان /2013 وأنا أتناول قدح القهوة بعد فطور الصباح قررت أن أزور صديقي {عبد الحسين حبيب الربيعي} في متجره؛  فالكثير من الأحاديث لم نتمكن من أتمامها في لقاءاتنا السابقة.  يُديرُ الحاج عبد الحسين الآن متجراً متخصصاً ببيع المواد الغذائية، فقد أبدل صديقي بيع المواد الإنشائية إلى غذائية هكذا وجدت المحل بعد إنقطاع فترة من الزمن.
استقبلني كعادته بلطفه ومودته المعهودة، وأشار لي على مكان للجلوس مع كلمات الترحيب والتبجيل، أخذت مكاني، وابتدأ حديثنا عن  انتخابات مجالس المحافظات وتوقعاتنا حول رسم سياسة المحافظات وضرورة تخليص المواطن من المعاناة الكبيرة المتعددة الأوجه التي لم تزل تلاحقه رغم التغيرات الكبيرة التي حدثت في البلد بعد 9 نيسان2003 والمبالغ الهائلة التي تُرصد سنوياً لتحسين وضعه. ومع قدح الشاي الذي جلبه أحد عماله من المقهى القريبة منه، حضر صديقنا العزيز الشاعر الشعبي المبدع{ محمد حسن السمين} صاحب النكتة البديهية اللاذعة، ومؤرخ مدينة العزيزية المتميز. ليُضفي على اللقاء متعة ونكهة لا تخلو من النكتة الممزوجة بالذكريات، وخلال اللقاء دارت بنا الأحاديث وحلّق بنا الزمن سريعاً إلى سنين الماضي التي تقاسمنا حلوها ومرها معاً!
ونحن نستعرض الماضي وبعضاً من أوجاعه المؤلمة، وسلوكية البعض من الذين مارسوا أفعالاً وأعمالاً مشينةً  بحق إخوانهم وأبناء مدينتهم، وبني جلدتهم، حيثُ إمتدت إلى قطع الأرزاق وكيف كان يتلذذ البعض ممن وظف ونصب نفسه وكيلا للأمن، وكيف كان يزهو هذا البعض متغطرساً متلذذا بأفعاله المشينة!
فأثارت بي ذكرى قديمة لكن مكانها لم يبرح حافظة راسي فقد حفرت لها موقع فيه، رغم مرور عشرات السنين عليها مع أهوال من المآسي، إذ بقيت هذه الحادثة  تدور في فضاء حافظتها، إلى جانب أطنان من الذكريات الموجعة التي مرت بنا، أنها تدور كما دارت بنا الأيام.
  بينما كنت أستمع لصديقي الحاج عبد الحسين حبيب وهو يتحدث بألم ومرارة عن دور كتبة التقارير ومن جنّـد نفسه كوكيل للأمن ومراقبة الناس على أفكارهم وأرائهم، مستعيناً ببطش الدولة وأجهزتها الإرهابية المرعبة.  كان شيء بداخلي يحرضني أن أحدثهم عن هذه الحادثة القديمة، وكيف كانت فرحتي في أول يوم حصولي على فرصة عمل.
فحدثتهم عن أول فرصة عمل حصلت عليها [ وظيفة مؤقتة  ] بصفة - مراقب عمل - في شركة للطرق في مدينة العزيزية  كان ذلك في نيسان من عام (1976) بعد تخرجي من المعهد الزراعي الفني/ بغداد 1974 وإكمال الخدمة العسكرية الإجبارية.
 كم كنت محتاجاً للعمل، وكم سررت بفرصة العمل هذه، إذ حصلت عليها فيما كنت أقدم أوراقي إلى العديد مؤسسات وزارة الزراعة بانتظار نتائج التعين؛ ذات مساء نيساني همس بأذني صديق عزيز: (حصلت لك على عمل مؤقت) هكذا أخبرني(المسّاح) صديقي الفاضل (فيصل باني) بعد أن توسط لي لدى مدير الشركة التي كان يعمل فيها، الرجل الطيب (محمد الكروي) على ما أتذكر كان  ذلك اسمه ورحت أستذكر لهم كيف قابلني المدير بعد أن قدمت له طلب التعين، كما أرشدني صديقي فيصل المساح بتقديم طلب - عريضة - .
 أوضح لي المدير بلطف طبيعة عملي في الشركة وكتب بقلمه الأخضر موافقته على الطلب؛ بعد المقابلة طرت من الفرح وذهبت بسرعة إلى محل والدي الذي كان منشغل مع إحدى زبائنه القرويات في استعراض مجموعة من الأقراط الذهبية ( التراجي)، وبعد ذهاب الزبونة أخبرت والدي عن حصولي على عمل مؤقت سر الوالد وابتهج جدا للخبر وهنأني مع إبتسامة كبيرة ارتسمت على محياه، وبعدها ذهبت للبيت وأخبرت والدتي التي زغردت لي.
 داومت في العمل يومين  فقط وفي صباح اليوم الثالث وقبل الذهاب إلى موقع العمل، طلب مني المدير أن أبقى في الدائرة، وبعد ساعة أرسل بطلبي وأشار لي أن أغلق الباب ورائي، وبدأ يحدثني بصوت خفيض:
ــ أني محرج من أخبارك، فقد أبلغي اليوم مسؤول النقابة في الشركة( ع.ك) أنه يحمل أمر من جهة سياسية {حزب البعث} ومن النقابة بضرورة الإستغناء عن خدماتي فوراً.
وعندما سألته هل ذكر لك السبب؟
قال لي بعد آن بدأ الإحراج على قسمات وجهه الدائري المكتنز، الذي أحمره الحرج:
ـ  نعم؛ يقول عنك أنك من العناصر الناشطة المرتبطة بالحزب الشيوعي ومن المروجين لسياسته.
ثم أردف في حديثه:
ـ  {أني أسف بعد ما أكَدر أشغلك في الشركة،  سوف أصرف لك راتب ثلاثة أيام من ضمنها هذا اليوم.}
ـ لذت ساعتها بالصمت؛ وخرجت من الدائرة مكسور الخاطر، ذهبت مباشرة للبيت وأنا أجر معي أول خيبة عمل في أول فرصة عمل والتي سوف تبقى ترافقني احملها في حافظة رأسي، تُثير بي الشجون كلما تذكرتها!
بعد هذه الحكاية أرجعنا صديقنا الشاعر محمد حسن السمين بعد أن كان يستمع بكل جوارحه لها، أرجعنا إلى أيام بداية
السبعينات من القرن المنصرم وكيف كان يستقبلني كل خميس وجمعة ببيت شعر شعبي من قصيدة نظمها عليّ، عندما أتي من بغداد والتي كنت أدرس فيها في المعهد الزراعي الفني بين السنوات 1972/1972 بعد أن لاحظ [رجال الأمن ووكلائهم] كيف يتابعونا ويرصدون كل حركاتنا وأحاديثنا، في هذه الأيام ( الخميس والجمعة) [ عطلة نهاية  الأسبوع ]  في الأماكن التي نلتقي فيها وأبرزها مقهى صديقنا طيب الله ثراه {جابر عبد علي} والساحة [الفلكة]  المقابلة للسوق العصري ومحل رفيقنا طيب الذكر، المرحوم الحاج ناجي حمد الخزرجي.
مطلع قصيدته:
{ حرت بأمر الصابئي وزلوفه ريت لا جمعة وخميس أنشوفه }
كان الموديل في تلك الفترة الزلوف الطويلة والشعر الطويل، وبنطلون الشارلستون ... وكنت أنا كذلك سائر مع الموديل جنبا إلى جنب.
 


صورة رقم 2 الشاعر محمد حسن السمين التقطت له الصورة بتاريخ 26 نيسان 2013 في محل الحاج عبد الحسين حبيب

أخبرنا صديقي الشاعر محمد حسن السمين كيف كان أول سؤال لرجال الأمن له عند استدعائه الذي تكرر أكثر من مرة:
   {شنو علاقتك بـ يحيى غازي الصبي} 
  { شنو علاقتك بالشيوعيين}
أرجعني بذكرياته إلى حادثة أخرى رويتها لهم باختصار والتي سوف أكتبها لاحقاً في إحدى مذكراتي مختصر الحكاية  في { تلك الفترة وبالتحديد عام 1973 حصلت مشاجرة بيني وبين [ ح ] وبعدها كيف ذهب واشتكاني في مركز الشرطة وعند معرفة رجال الأمن الذين يقاسمون الشرطة نفس البناية أشاروا إليه أن يبدل الدعوة من مشاجرة إلى أدعاء يتضمن (أني أريد أن  أنضمه إلى الحزب الشيوعي بالقوة، وكيف تحرك بعدها رجال الأمن لاعتقالي.)
غادرنا صديقي محمد حسن السمين وهو يرد بيت الشعر{حرت بأمر الصابئي وزلوفه   ريت لا جمعة وخميس أنشوفه}
فيما كنت أعيد أنفاسي من سرد تلك الحكاية، وما تثيره مثل هذه الذكريات من ألم و شجن في القلب؛ كان صوت مكبرات الصوت يأتي من الجوامع القريبة لمتجر صديقي يشير إلى قرب موعد صلاة الجمعة؛ في تلك اللحظات رن تلفون [ الموبيل] الحاج عبد الحسين الربيعي ، فتح هاتفه، وراح يؤكد خلال حديثة على موعد انتظاره الساعة الثالثة بعد الظهر، للذهاب إلى بغداد، عندما انتهاء المكالمة  أخبرني أنه أكد موعد ذهابه  إلى معرض الكتاب الثاني في معرض بغداد. دفعني فضول حب الكتاب ومعرضه للاستفسار عن هذا الموعد، وعمّن سيذهب معهم، أخبرني انه أتفق مع صديقنا الأستاذ حسام حمزة حبيب على الذهاب لمعرض الكتاب الساعة الثالثة بعد ظهر هذا اليوم، كانت فرصة جيدة أن أعرض عليهم فكرة مرافقتي لهم أن كانت لا تحرجهم، بعد أن عرفت أنهم فقط من سيذهب بهذه الزيارة، أخبرني بالموافقة المبدئية وانه سوف يخابرني قبل انطلاقهم لغرض التهيؤ، ودعته على أمل اللقاء في الساعة الثالثة!

يتبع الجزء الثاني

مالمو في 27حزيران 2013

85
جامعة كريخان ستاد السويدية  أقامت معرضاً للرسم، لطلاب قسم الفنون الجميلة

يحيى غازي الأميري
أفتتح  يوم السبت 1/حزيران/2013 معرضاً خاصة بالرسم لقسم الفنون الجميلة التابع لجامعة كريخان ستاد السويدية، ويستمر المعرض بعرض اللوحات المشاركة لغاية 15 حزيران 2013 يومياً من الساعة الحادية عشر صباحاً لغالية الرابعة مساءاً.
شارك في المعرض 17 رساماً، وكل واحد منهم شارك بثلاثة لوحات.
دعتنا ابنتي الفنانة الشابة ريام يحيى الأميري لحضور افتتاح المعرض، فهي احد الرسامين المشاركين فيه  بثلاثة لوحات زيتية أيضاً، لبينا دعوتها بكل سرور أنا ووالدتها وشقيقها مخلد، اصطحبنا ولدي مخلد بسيارته، وعند أول انطلاقنا أدار مخلد المذياع على إحدى المحطات الإذاعية السويدية والتي بدأت تبث موسيقاها الهادئة؛ راحت إبصارنا تحدق وتحدق على جمال الطبيعة الأخاذ وهو يشرح النفوس، ويزيد البهجة والحبور؛ وعلى طول الطريق الذي يربط مدينة مالمو بـ كريخان ستاد، كانت تمتد مشاهد مناظر غاية بالروعة والجمال، فقد كانت المناظر الخلابة وسحر حقول القمح، والمروج الخضراء، وطواحين الهواء ـ المراوح المولدة للطاقة الكهربائيةـ وصفوف الأشجار الباسقة  المرصوفة، وجريان السحاب في السماء، وهي تحتضن ألاف من الطيور المحلقة، مناظر خلابة تبهر الإبصار، وتسر القلوب.
   وصلت سيارتنا إلى مكان أقامة المعرض قبل موعد الافتتاح بحدود ساعة، بعد أن وضع ولدي مخلد العنوان في جهاز الأيفون!
البناية تتألف من ثلاثة بنايات قديمة على شكل حرف (U  ) باللغة الإنكليزية، أحدى البنايات الثلاثة مخصصة للعرض، مكان ساحر تحيط به الحدائق الغناء والأشجار الباسقة والمروج الخضراء، ركنا السيارة في الكراج المخصص لوقوف السيارات؛ التقطنا بعض الصور للمكان، واندلفنا بسرعة وسط صالة العرض، فقد بدأت السماء تشاركنا بهجتنا بنثر رذاذ إمطارها، كان حضورنا مبكر، يظهر أننا من أوائل الحاضرين، تجولنا في المعرض، والذي كانت تتنوع المدارس التي برعت فيها فرشاة الرسامين من انتقاء الأسلوب واختيار الألوان والموضوع، وانتهزنا الفرصة فالتقطنا صور للمعرض وهو خالي من الحضور، اشتريت لنفسي قدح من القهوة، ومع قدح القهوة ضفرت بابتسامة رقيقة جميلة مع كلمة (varsågod) والتي تعني "تفضل" عذبة جميلة كعذوبة بائعة القهوة ورقتها.
وزعت اللوحات المشاركة بعناية فزاد تسلط الأضواء عليها أكثر بروزاً وجمالاً، رتبت بعناية مناضد ومصاطب كثيرة تملأ صالة العرض، صفت عليها عشرات من الشموع والتحفيات ـ العنتيكات ـ القديمة ، يجلبك الإنارة بترتيبها الرائع وهي تشارك عشرات الثريات والقناديل المتدلية التي تنشر نورها الخافت البهي، جميعها توحي انك في مكان قديم رغم أن كل شيء أعيد تأثيثه وتصليحه بمواد جديدة  القناديل، والأرضية بألواحها الخشبية المصقولة والأعمدة والسقوف الخشبية، لكنها بنفس الموصفات القديمة، كان مشهد بديع أن تجلس في مكان يعود بك إلى قبل( 100) عاماً تقريباً وهو بهذه الأبهة والنظافة والترتيب والكمال.
في وقت الافتتاح المحدد كانت الصالة الكبيرة قد غصت بالحضور، ألقت الأستاذة " كاثرين" المشرفة على المعرض كلمة ترحيب، مع شرح مختصر عن المعرض والمشاركين فيه،وأشارت إلى انه توجد فايلات مجموعة من الفولدرات" الفايلات" فيها شرح مفصل عن المشاركين وأعمالهم المشاركة مع صور للوحات المشاركة في المعرض مع قائمة مرفقة بالقيمة التقديرية لكل لوحة يرغب الرسام ببيعها.في ختام كلمتها أهدت باقة جميلة من الورد باسم جامعة  كريحان ستاد إلى الطلبة المشاركين في لوحاتهم بهذا المعرض..المشرفين على المعرض وضعوا على طاولات في إحدى جوانب القاعة القهوة ونوع من العصير الطبيعي مع بعض أنواع من اللحم المقدد ورقائق البطاطس المقلية المقرمشة " الجبس" وغيرها.
تجولنا في المعرض، وشاهدنا إبداعات المشاركين والتقطنا عدد من الصور وشاركنا أبنتنا فرحتها وسعادتها وهي تشاهد مشاركتها الثانية في عرض لوحاتها إذ شاركت المرة الأولى في كرنفال أقيم بمناسبة عيد الصابئة المندائيين في أيار2013 في منطقة( أوترخت في هولندا ) ( Hollanda Utrecht/) وقد شاركت بـ 10 لوحات زيتية.

مالمو في 2013-06-06

    



86
الفنان ستار الساعدي وفرقة الأندلس أحيوا أمسية ثقافية غنائية رائعة في مالمو

 
بقلم: يحيى غازي الأميري
تلبية لدعوة وجهتها الجمعية الثقافية العراقية في مالمو مساء يوم الجمعة 17 أيار 2013 أحيت (فرقة الأندلس) بقيادة الموسيقار (ستار الساعدي) حفلا ثقافياً فنياً رائعاً.
قبل موعد بدأ الأمسية وفي صالة واسعة Studiefrämjandet Malmö في مدينة مالمو/ السويد أحتشد عشرات من الحضور منتظرين أن تفتح باب القاعة المخصصة لإقامة الأمسية ، فيما كانت الفرقة تجري استعداداتها الفنية وتضع اللمسات الأخيرة داخل القاعة المخصصة للاحتفال.
لحظات بعد الموعد المحدد السابعة مساءً فتحت القاعة أبوابها وبكل هدوء اخذ الجمهور مكانه في القاعة التي اكتظت بهم، جمهور الحضور كان متنوع الجنسيات والأجناس والأعمار.
أتخذ مقدم الاحتفالية الزميل (عصام الخميسي) رئيس الجمعية العراقية في مالمو وضيفة  الفنان ( ستار الساعدي) موقعهم خلف طاولة فوق خشبة المسرح، قدم الزميل "الخميسي" للأمسية و شيء عن تعريفي عن  نشاطات الموسيقار (ستار الساعدي) وعن (فرقة الأندلس) ضيوف أمسيتنا القادمين من هولندا... وبعدها بدأ الضيف الأستاذ الفنان ( الساعدي) أمسيته الثقافية معرفاً بنفسه ومسترسلا ً في حديث شيق ممتع عن بدايات تاريخ الموسيقى في بلاد الرافدين. مركزاً عن أولويات الموسيقى الصوت والإيقاع ، معرفاً كل منهم موسيقياً وأهميته للعمل الموسيقى .ثم أستعرض (ستار الساعدي) العديد من الآلات الموسيقية وخصوصاً الإيقاعية والتي يجيد العزف عليها كالطبل والدف " الرق" وغيرها.
مؤكداً في حديثة على أهمية دور الإيقاع في الموسيقى، مؤكداً في حديثه أن الموسيقى انطلقت من المعابد، موضحاً أن الطبل كان موجود في بلاد وادي الرافدين قبل( 6000 ) سنة قبل ميلاد (السيد المسيح)؛ إذ كان ذو أهمية كبيرة في معابد السومريين والبابليين، وكيف كان قديماً يخصص حارس خاص برتبة (كاهن)  لحراسة ( الطبل الكبير) ، موضحاً أن القرع على الطبل يكون في إيقاع معين في حالة الفرح أو عند الخطر وغيره ذلك من الحالات.. أوضح العديد من الإيقاعات الموسيقية بشكل عملي وتوضيحي، إذ راح بحركة الفنان يدون رسم " النوطات "على لوحة وضعت أمام المشاهدين على جانب من المسرح؛ فيما كان يضرب على الطبل إيقاع كل حركة منها، طالباً من الجمهور مشاركته ترديد بعضها معه.
كان عنوان محاضرة الأستاذ ( ستار الساعدي) الموسيقية (فضاءات ومسرحة الإيقاعات) بعد أكمال محاضرته طلب من طالباته الدانماركية والسويدية- يشرف على دراستهن التخصصية الموسيقىية في هولندا، اللواتي يشاركنهم العمل ضمن فرقة الأندلس بتقديم بعض الأغاني  والمعزوفات الموسيقية العراقية فيما كان الساعدي يعزف الناي بشجن كان صوت إيقاع " الرق " بيد العازفة الدنماركية (ماريانة مكنس) متناغماً معه.
بعده جاء دور فرقة الأندلس بقيادة الفنان( ستار الساعدي) والذي تنوعت إبداعاته  في العزف على العديد من الآلات الموسيقية " الإيقاع ، الرق، الناي" شاركهم بإبداعه المتميز عازف القانون( سهاد نجم ) فيما كان صوت قارئ المقام السبعيني (علي الجدة ) يشد الحضور إليه، فتلتهب الأكف في التصفيق محييتاً له طالبة المزيد من المقامات، لقد انشد القارئ الهاوي القدير(الباش مهندس) (علي الجدة) أعذب المقامات بحب الوطن المثخن بالجراح، فأنسجم وتفاعل الجمهور معه بحميمية.
خلال الأمسية عزف الفنان (سهاد نجم )على آلة القانون معزوفة رائعة للموسيقار الراحل (روحي الخماش) نالت استحسان الحضور، وقد أتحفنا الفنان (ستار الساعدي) بمؤثرات إيقاعية متنوعة بديعة على آلة الإيقاع " الطبلة"
 خلال الأمسية كانت المواويل الغنائية الرائعة المؤثرة بكلماتها الشجية تطرب جمهور الحضور والتي تتراقص إيقاعاتها البهية بخشوع مع النقر والضرب على الدفوف والطبول ترافقهم سلطنة القانون وشجن الناي الحزين.
مالمو 28 أيار 2013

مجموعة من الصور التي تخص الأمسية الثقافية الغنائية التقطتها بكامرتي الخاصة .
 صورة رقم 1 كاتب السطور يحيى الأميري مع الفنان ستار الساعدي، أمسية الجمعية  الثقافية العراقية في مالمو
صورة رقم 2 الفنان ستار الساعدي مع فنانتين دانمركية وسويدية  من فرقة الأندلس، في وصلة غنائية 
صورة رقم 3  فرقة الأندلس / أمسية الجمعية الثقافية العراقية  في مالمو
صورة رقم 4 جانب من أعضاء فرقة الأندلس وجمهور الحضور بعد انتهاء الأمسية / مالمو
صورة رقم 5 من اليمين الفنان عازف القانون فيصل غازي وكاتب السطور يحيى الأميري والفنان عازف القانون سهاد نجم


87
على هامش مهرجان الأفلام السينمائية العربية الثاني في مالمو

 
بقلم: يحيى غازي الأميري
احتضنت مدينة مالمو السويدية للفترة من 28 سبتمبر لغالية 5 أكتوبر من عام  2012 المهرجان السينمائي الثاني للأفلام العربية والذي يعد من الاحداث الثقافية العربية المميزة في مدينة مالمو.
كان لحضور عدد من نجوم السينما العربية كضيوف في المهرجان صداً واسعاً بين الجمهور العربي والمهتمين بالنشاطات الثقافية والسينمائية و كان من أبرزهم ( ليلى علوي، ويسرا، ومحمد هنيدي وجمال سليمان)، بالإضافة الى مشاركة واسعة من فنانين ونقاد ولجان تحكيم وممثلين معروفين بين الاوساط الثقافية والفنية والمهرجانات العربية والعالمية بإبداعاتهم ومشاركاتهم الناجحة.
عرضت في المهرجان ثلاثة انواع من الأفلام.  
1.   الأفلام الروائية الطويلة
2.   الأفلام الوثائقية
3.   الأفلام القصيرة
 شاركت الأفلام الخليجية بعدد كبير من الأفلام المتنوعة فقد شاركت في 37 فلماً بدعم مباشر من مهرجان الخليج السينمائي؛ فيما شارك فنانون عراقيون واغلبهم من فنانين الخارج بمشاركات تنافسية متنوعة متميزة تدور معظمها حول الوضع في العراق وتنقل صور عن مأساة ما خلفته الحروب العبثية التي دارت رحاها على  أرضه وشعبه فراح ضحاياها الملايين من أبناء الشعب،وتبددت من جرائها خيراته وثرواته وشردت في كل بقاع الأرض الملايين منهم.
وعلى هامش المؤتمر سعت الجمعية الثقافية العراقية في مالمو إلى توجيه دعوة (عشاء وعمل وحوار) لعدد من الفنانين العراقيين المشاركين في المؤتمر، فاستجاب مشكوراً لدعوتهم  مساء 2 / أكتوبر/ 2012 مجموعة منهم...بعد ان استقطعوا ساعات محدودة من برنامجهم اليومي المكتظ.
وهم الأساتذة الأفاضل :
1.   الفنان قتيبة الجنابي/ مخرج عراقي مقيم في لندن
2.   الفنان محمد توفيق/ مخرج عراقي مقيم في الدنمارك
3.   الفنانة الشابة رانيا محمد توفيق/ مخرجة مقيمة في الدنمارك
4.   الفنان محمد زيدان / مخرج عراقي مقيم في النرويج
5.   الفنان جمال محمد امين  الحسيني / مخرج عراقي مقيم في الدنمارك
حضر تلك الامسية  عدد من أعضاء الهيئة الادارية للجمعية الثقافية العراقية في مالمو وعدد من اعضاء هيئتها العامة وبعض اصدقاء الجمعية العراقية من المهتمين بالنشاطات الثقافية والفنية من الذين تمكنت من توجيه الدعوة لهم بهذه السرعة.
وهم السيدات والسادة الأفاضل:
د.حسين الأنصاري، صادق الجواهري، تحسين المنذري، د.حسن السوداني، د. اسيل رشيد العامري، فلاح الحيدر، كريم رشيد، أبو نهار، قاسم حربي، عدوية جوبان و(السيد علاء ، ضيف من الدنمارك) فيما حضر من الهيئة الإدارية للجمعية الثقافية : عصام الخميسي، كريم عدواني، وكاتب السطور يحيى الأميري.

خلال الأمسية دارت حوارات صريحة حميمية " عراقية "  تمحورت اغلبها حول هموم الثقافة والفن- العراقي- وسبل مد الجسور لزيادة التعاون بين الجميع.
أترككم مع بعض الصور التي التقطتها بكامرتي الخاصة لتلك ألأمسية :

وخلال اللقاء تم الاتفاق مع الفنان الممثل والمخرج السينمائي المعروف (جمال محمد امين الحسيني ) على تحديد موعد لعرض أحد افلامه على قاعة الجمعية الثقافية العراقية، وفي يوم 6 /أكتوبر / 2012 تحقق ذلك في أمسية رائعة  تحت عنوان ( السينما العراقية الى أين) وعرض في بداية الأمسية أحد افلامه القصيرة الذي كان بعنوان( فايروس) وبعدها دار خلال الأمسية حوار مطول مع الفنان والمخرج المتألق (جمال محمد امين الحسيني ) بعد أن استعرض فيها أبرز محطات حياته الفنية وكذلك تحث عن نتاجاته ومشاركاته الفنية، وهموم السينما العراقية مركزاً على الإخراج والتمثيل في المهجر، وموقف ودعم وتعاون المعنيين بالثقافة العراقية في الخارج وكذلك دور وموقف الحكومة العراقية من الهم الثقافي في المهجر.
ادار الأمسية وقدم لها الصديق الكاتب الأستاذ الباحث (د. حسن السوداني) حضر الأمسية وشارك في الحوار والمداخلات جمهور غفير اكتظت بهم القاعة الرئيسية في الجمعية.  


مالمو / السويد
هوامش مكملة لمقالتنا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صورة رقم (1) يظهر في الصورة من اليمين المخرج السينمائي محمد توفيق، وكاتب السطور يحيى الأميري والمخرج سمير زيدان، والممثل والمخرج جمال محمد امين الحسيني
الصور رقم (2+3+4 +5) جانب من حضور الأمسية/ الجمعية الثقافية العراقية في مالمو  
صورة رقم (6) يظهر في الصورة المخرجة الشابة المبدعة رانيا محمد توفيق وكاتب السطور يحيى الأميري
صورة رقم (7) يظهر في الصورة الصديق العزيز الأستاذ (أبو نهار) مع كاتب السطور الكاتب يحيى الأميري / الجمعية الثقافية العراقية في مالمو  
صورة رقم (8) يظهر في الصورة السادة الأفاضل من اليمين فلاح الحيدر، المخرج قتيبة الجنابي ، أبو نهار
صورة رقم (9) يظهر في الصورة المخرج السينمائي جمال امين الحسيني و د. حسن السوداني











88
التركمان حقوقهم ومعاناتهم في ندوة سياسية مطولة في مالمو

يحيى غازي الأميري

بدعوة من ممثلية مركز حقوق الإنسان في العراق – المقر العام السويد/ مالمو عقدت في مدينة مالمو السويدية ندوة بحثية ( سيمنار) تحت عنوان (ماضي وحاضر حقوق التركمان وأخر الأحداث والتطورات السياسية في العراق) وذلك يوم السبت المصادف 27/اكتوبر– تشرين الأول/ 2012  
حضر الندوة جمع غفير من الجالية التركمانية في السويد والدنمارك و تركيا وثلة من الجالية العراقية من المهتمين بالشأن العراقي ومتابعة اخبار أطيافه القومية والدينية وتطورات الأحداث فيه وكذلك حضر الندوة القنصل التركي في مالمو
  

جانب من الحضور في ندوة  " التركمان" التي اقامها مركز حقوق الانسان في العراق / مالمو

 

جانب من الحضور في ندوة  " التركمان" التي اقامها مركز حقوق الانسان في العراق / مالمو

قبل ذهابي الى الندوة بساعات كنت قد شاهد محطات التلفزة ( الفضائيات) وهي تنقل وتبث اخبار وصور لمأساة يوم دامي جديد يضرب فيه الإرهاب بقسوة مدن عراقية عديدة منذ صبيحة اليوم الثاني من أيام ( عيد الضحى ) وخصوصاً العاصمة  بغداد ومحافظة الموصل والتي استهدفوا فيها تجمعات أحدى أطياف الشعب العراق (الشبك)؛ فحضرت الندوة وأنا محمل بهموم ثقيلة عن خراب حقيقي مرعب مخيف يضرب بكل عنفه وبلا هوادة وطننا الجريح وأطياف شعبه.  
اعود الى أجواء الندوة... افتتح الندوة بكلمة ارتجالية الإعلامي والناشط السياسي (محمد خورشيد صمانجي) مدير مركز حقوق الإنسان في السويد، مرحباً بالسيدات والسادة الحضور الأفاضل، وموضحاً أهمية عقد مثل هكذا ندوات، ومعرفاً بالسادة المحاضرين الذين سوف يتحدثون في هذه الأمسية ومعرباً عن اسفه بسبب عدم حضور البعض منهم موضحاً الاسباب التي حالت دون حضورهم؛ وهم السادة كل من:
1. الأستاذ فوزي أكرم ترزي / نائب في البرلمان العراقي، عضو التحالف الوطني عن كتلة الأحرار / التيار الصدري.
2. الباحث والسياسي الأستاذ غانم عثمان رئيس منظمة حقوق الإنسان لتركمان العراق في ألمانيا.

المتحدث الأول في الأمسية كان احد ضيوف الأمسية الأستاذ ( مهمت  قبلان ) النائب في البرلمان السويدي عن حزب البيئة والخضر السويدي.
 

يظهر في الصورة من اليسار  النائب السويدي عن حزب البيئة  والخضر/ مهمت قبلان وبجانبه الإعلامي محمود خورشيد

والأستاذ مهمت تقبلان من مواليد تركيا عام 1971. وهو من الناشطين السياسيين المدافعين عن حقوق الأقليات وحرية الشعوب المضطهدة، وتعد من ابرز نشاطاته السياسية والإعلامية سفرته مع أسطول الحرية عام 2010  لكسر الحصار الاسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ عام 2007.
تحدث النائب (مهمت قابلان) باللغة التركية ومن ثم باللغة السويدية بحدود 10 دقائق معرفاً بنفسه وابرز نشاطاته، وتضامنه ودفاعه عن حقوق الأقليات المضطهدة.
بعدها غادر النائب (مهمت تقبلان) منصة الجلسة؛ فقدم مدير الجلسة الإعلامي (محمد خورشيد) شكره وامتنانه للنائب السويدي لتلبيته دعوة الحضور والمشاركة في التحدث. وقبل أن يعلن مدير الجلسة عن أسم المتحدث الثاني " باللغة التركية طبعاً " طلب من السادة الحضور من يجيد منهم الترجمة من التركية للعربية كي يساعدني وزميلان اخران مثلي لا نفقه اي شيء في اللغة التركية فتطوع مشكوراً الأستاذ (مقداد شاهين) ليجلس بيني وبين زميلي الاخران وهما الأستاذ (احمد الصائغ) مدير مركز النور الإعلامي والأستاذ (عصام الخميسي) رئيس الجمعية الثقافية العراقية في مالمو.
ثم أعلن مدير الجلسة باللغة التركية عن أسم المتحدث الثاني الأستاذ الباحث البروفسور د. صبحي ساعتجي، الأستاذ في جامعة المعمار سنان التركية.


 

يظهر في الصورة من اليسار الأستاذ عبد الله بوكسور وبجانبه البروفسور صبحي ساعتجي ومدير الجلسة محمد خورشيد


أدناه معلومات مختصرة عن الباحث الأستاذ البروفسور (د. صبحي ساعتجي) استعنت بالحصول عليها من شبكة الانترنيت  :
الدكتور صبحي  ساعتجي من مواليد العراق/ كركوك عام 1946 والتي اكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية فيها ثم غادرها الى تركيا ليحصل من هناك على البكالوريوس سنة 1974 ومن ثم الدكتوراه في فن العمارة من اكاديمية الفنون الجميلة في اسطنبول. والتي أبدل أسمها  حالياً الى جامعة المعمار سنان للفنون الجميلة والذي يعمل فيها الآن البروفسور صبحي استاذاً منذ عام 1994.
للأستاذ البروفسور د. صبحي ساعتجي حوالي( 15) مؤلفاً منشوراً عن كركوك والتركمان ومن ابرزها كتابه الموسوم    (كركوك وهويتها العمرانية)..
في بداية حديثه أعرب البروفسور( د. صبحي ساعتجي) عن شكره لهذه الدعوة وعن سعادته للقاء احبة له، ثم بدأ حديثاً مطولاً عن وضع التركمان في العراق وابرز محطات اضطهادهم متذكراً بألم احداث 14 تموز 1959 في كركوك.
ثم استعرض موقف التركمان من تركيا معتبراً أن التركمان العراقيين في بلدان المهجر مهاجرين لكنهم في تركيا ليس مهاجرين بل هم في بلدهم، بل في بلدهم الأم؛ وأضاف ان هنالك حوالي 120 تركماني عراقي بدرجة بروفسور يعملون في جامعات تركيا.
وقد استعرض في حديثة سياسة الحكومة التركية منتقداً موقفها ونظرتها وتعاملها بازدواجية من الحكومة العراقية المركزية وحكومة إقليم كردستان العراق؛ وأردف قائلاً نطلب من الحكومة التركية أن تكون أكثر اعتدالاً في سياستها مع حكومة العراق المركزية، محملاً الحكومة التركية تبعية توقف الكثير من الأعمال والمشاريع بسبب سياستها الغير معتدلة مع الحكومة العراقية.
وكذلك اعرب عن اسفه لعدم زيارة رئيس الوزراء التركي ( رجب طيب أردوغان) لمدينة كركوك خلال زيارته للعراق وذلك  بسبب امني كما ادعوا  لم يدخل ( أردوغان ) كركوك، وأضاف الدكتور صبحي قائلاً ( نحن نعتقد ان السبب كان من مستشاريه - ويقصد رئيس الوزراء التركي- لم يزودوه بمعلومات صحيحة ودقيقة عن الوضع في كركوك مما أدى الى عدم زيارته لها.
وتحدث عن الظلم الجائر الذي ناله  التركمان من الحكومات المتعاقبة التي حكمت العراق وكذلك تحدث عن انتقاده لموقف الحكومة العراقية الحالية من عدم اعطاء حقوق التركمان.
 وقد ابدى دعمه وارتياحه من قرار تدريس اللغة التركمانية في العراق، وتحدث عن اهميتها في الحفاظ على الخصوصية القومية للتركمان.  
وقد تحدث عن موقف التركمان من الدولة الكردية؛ وعن موقف التركمان من ذلك فقال نحن نبقى تركمان ونود العيش بسلام وأمان في العراق وكذلك تطرق في حديثه عن العلاقة بين تركمان العراق وتركيا والعالم التركماني.معتبراً تركيا هي الحاضنة الأم للتركمان ومعتقداً ان تركيا أكبر دولة ضمن محيطها.
 وبعدها سمح للراغبين من الحضور بإبداء مداخلاتهم واستفساراتهم للسيد المحاضر، وقد كانت من نصيبنا المداخلة الأولى فاعربت عن جزيل شكرنا وامتناننا في مقدمتها للدعوة الكريمة التي وجهت لنا وكذلك الفرصة الثمينة أن نكون  وسط هذا الحشد الكبير ونستمع عن كثب عن معاناة وتطلعات ثالث أكبر طيف عراقي اصيل.
 كانت مداخلتنا من عدة نقاط مستفسرين فيها عن العدد التقريبي للتركمان في العراق، وعن حقوق التركمان بعد التغير الذي حصل في العراق بعد 9 نيسان 2003 وهل اسعفهم الدستور وعوضهم عما لحق بهم من تهميش وإقصاء وغبن، وكذلك استفسرنا عن سياسة تركيا مع العراق وتأثير ذلك على حقوق التركمان وموقف الحكومة العراقية من التركمان بسبب هذه السياسة. واستفسرنا عن موقف تركيا وتدخلها في الشأن السوري ومدى تأثير ذلك على حقوق ووضع التركمان في سوريا والعراق.واستفسرنا عن أخبار تناقلتها الصحافة عن مطالبة التركمان بالمقعد التاسع لمفوضية الانتخابات والمخصص اصلاً للأقليات، وهل فعلاً كان مخصص للأقليات؟
اجابنا مشكوراً الاستاذ الباحث البروفسور( صبحي ساعتجي) بشكل مفصل عن كل استفساراتنا، فيما استأذن احد الحضور وأجاب عن الاستفسار الأخير والذي كان حول المقعد (التاسع) الأخير في تشكيلة مفوضية الانتخابات الجديدة والذي أصبح من حصة التركمان.
بعدها كانت هنالك عدة مداخلات لعدد من الحضور اجاب عنها المحاضر.
بعدها اعلن مدير الجلسة عن اسم المتحدث الثالث في الندوة وطلب منه التفضل للجلوس على المنصة ، المتحدث كان الأستاذ (عبد الله بوكسور) الخبير في شؤون حقوق الإنسان من العاصمة التركية أنقرة.وقد تطرق في حديثه عن حقوق التركمان في العراق وكذلك في مختلف اماكن تواجدهم في إيران وأذربيجان.
وبعدها كانت استراحة لتناول وجبة عشاء لذيذ ( برياني دجاج ) مع السلطة الطازجة والمشروبات الغازية المتنوعة والقهوة والشاي، وخلالها كانت فرصة جميلة للتعارف مع البعض مما سنحت لنا الفرصة بلقائهم والتحدث معهم.
 

يظهر في الصورة الاستاذ البروفسور صبحي ساعتجي وكاتب السطور يحيى غازي الأميري

 
من اليمين الدكتور جواد / من تركمان اذربيجان والإعلامي محمد خورشيد والأستاذ عبد الله بوكسور


يظهر في الصورة كاتب السطور يحيى الأميري مع د. مصطفى محمد رافع رؤوف

بعد الاستراحة تكرم احد الحضور ممن التقيتهم وتعرفت عليهم أثناء الاستراحة متطوعا لغرض مساعدتي في الترجمة من التركية الى العربية، وهو الدكتور الطبيب المهذب (مصطفى محمد رافع رؤوف) وخلال استراحة تناول الطعام والقهوة كنت قد تجاذبت  أطراف الحديث معه ، وقد عرفت انه جاء اليوم خصيصاً لحضور هذه الندوة " السيمنار"  من منطقة بعيدة عن مدينة مالمو من مدينة ( أوروبرو) والتي تبعد حوالي 400 كم عن مدينة مالمو.  
  وعرفت منه ان الجالية العراقية في مدينته السويدية( أورو برو) قد نجحوا في تأسيس جمعية عراقية تضم جميع ابناء الجالية العراقية.
   بدأت الجلسة في استكمال مداخلات واستفسارات الحضور، والتي تناوب في الإجابة عليها السادة المحاضرين، وقد شارك أحد الحضور( الدكتور جواد / الناشط في الدفاع عن حقوق الانسان /من القومية  التركمانية في اذربيجان) بمداخلة مطولة بعد ان دعي الى طاولة ادارة الجلسة واخذ مكانه بجوار مدير الجلسة.
 وكذلك كانت هنالك مداخلة من صديقي العزيز الفنان (علي ريسان) والتي تحدث فيها عن ضرورة دعم النشاطات الفنية والثقافية التي توثق الى تاريخ الحركة الثقافية والفنية التركمانية، وتحدث بشكل مختصر عن فلمه الجديد الذي سوف ينتجه عن قلعة كركوك.
 

الفنان علي ريسان يقدم مداخلته ندوة " التركمان" التي اقامها مركز حقوق الانسان في العراق/ مالمو

 وبالإضافة لمداخلته القيمة قام الصديق الفنان (علي ريسان) بتوثيق الندوة بكامرة فيديو وسوف يقوم مركز حقوق الانسان بنشرها في بعض المنافذ الإعلامية .

 

يظهر في الصورة كاتب السطور يحيى غازي الأميري  مع الأستاذ عبد الله بوكسور الخبير في حقوق الانسان/ تركيا
لقد طرحت في الأمسية التي استغرقت أكثر من اربعة ساعات العديد من المطروحات والآراء والتصريحات والاستفسارات التي تستحق الوقوف عندها ودراستها بجدية، والتي تمحورت حول تطور الاحداث والعلاقات والتحالفات الاقليمية والدولية في المنطقة وكذلك حول سياسة تركيا في المنطقة؛ ووضع التركمان وحقوقهم بشكل عام و وضع التركمان في العراق وحقوقهم وقضية كركوك المثيرة للجدل والصراع الذي يدور حولها.  
وقبل انتهاء الأمسية اعلن مدير الجلسة الإعلامي (محمد خورشيد) أن الفقرة الأخيرة في هذه الأمسية الطيبة هو تكريم عدد من السادة الذوات بـ (درع) مركز حقوق الانسان في العراق اعتزازا وتكريماً لجهودهم ونشاطاتهم المتميزة في الدفاع عن حقوق الانسان والديمقراطية ومساندة الاقليات المضطهدة في دفاعها عن حقوقها.وقد تم توزيع ( الدروع) على المكرمين في اجواء احتفالية جميلة كانت الايادي تصفق بحرارة للمكرمين بينما راحت تلتقط فيها عدسات الكامرات لتوثق الصور التذكارية.  
ادناه اسماء السادة الأفاضل المكرمين بـ (درع) مركز حقوق الإنسان في العراق  :  
 1.  البرفسور د. صبحي ساعتجي/ كاتب وباحث/ وأستاذ في جامعة المعمار سنان التركية/مقيم في تركيا
2.  الأستاذ عبد الله بوكسور/ الخبير في حقوق الإنسان / تركيا
3.  الاستاذ مهمت قبلان / عضو البرلمان السويدي عن حزب البيئة والخضر السويدي  / تركي الأصل
4.  الأستاذ شكران هياجي / ناشط في الدفاع  عن حقوق الانسان/ يدير مؤسسة لرعاية الايتام / مقيم في الدنمارك
5.  الأستاذ حجي يورتان البياتي/ ناشط في الدفاع  عن حقوق الانسان/ يدير مؤسسة لرعاية الايتام / مقيم في الدنمارك  
6. الأستاذ محمد خورشيد صمانجي/ إعلامي وناشط في الدفاع عن حقوق الانسان/ السويد
7.  الأستاذ يحيى غازي الأميري / كاتب عراقي مستقل / وناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان/ السويد  


 

يظهر في الصورة البروفسور صبحي ساعتجي وهو يستلم ( درع  ) مركز حقوق الانسان في العراق من قبل الاستاذ محمد خورشيد مدير المركز في السويد


يظهر في الصورة الأستاذ شكران هياجي وهو يستلم ( درع  ) مركز حقوق الانسان في العراق من قبل الاستاذ محمد خورشيد مدير المركز في السويد


يظهر في الصورة كاتب السطور يحيى غازي الأميري وهو يستلم ( درع  ) مركز حقوق الانسان في العراق من قبل الاستاذ محمد خورشيد مدير المركز في السويد


وبهذه المناسبة أسجل جزيل شكري وامتناني لمركز حقوق الانسان في العراق على ثقتهم بنا ومنحهم لنا (درع) المركز وعلى تفضلهم بدرج اسمنا مع هذه النخبة الكريمة.
 
   كتبت في 30 أكتوبر – تشرين أول 2012  السويد/  مالمو

 


89
أكراماً لمنتخبنا العراقي، الجمعية الثقافية في مالمو أقامت له مأدبة عشاء
 
يحيى غازي الأميري

مساء هذا اليوم  10/10/2012 تم أقامة مأدبة عشاء لفريق المنتخب العراقي والوفد المرافق له باسم الجمعية الثقافية العراقية في مالمو وذلك في فندق  هلتون مالمو ستي Hilton Malmö City   
والفندق من أضخم وأكبر الفنادق في مدينة مالمو، وخلال حضورنا شاهدنا عشرات المئات من الجماهير العراقية المشجعة لفريقنا العراقي وقد تجمهرت أمام أبواب الفندق رغم الجو البارد ...
أقيمت المأدبة الكبيرة أكراماً واعتزازاً لفريق المنتخب العراقي وقد اعدت بأيادي عراقية " طبخ عراقي لذيذ " ؛ وذلك بمناسبة حضور منتخبنا الوطني العراقي  لمدينة مالمو  لخوض مباراة ودية مع منتخب فريق البرازيل، يوم غد 11/10/ 2012 في الملعب الرئيسي لمدينة مالمو علماً أن منتخب البرازيل يقيم في نفس الفندق ..
التقطت بكامرتي الخاصة بعض الصورة التذكارية أثناء إيصال مأدبة الطعام من قبل وفد الجمعية الثقافية العراقية في مالمو ... وقد تكلف كار الفندق بترتيبها والإشراف على تقديمها وكذلك التقطت بعض الصور مع ابطال منتخبنا الوطني والوفد المرافق له بكرة القدم ..
ألف اهلا وسهلاً بأسود وادي الرافدين ...  وألف عافية ... مع تمنياتنا لمنتخبنا الكروي العراقي بالتوفيق والنجاح من أجل اعلاء اسم العراق والكرة العراقية عاليا ..
أترككم مع بعض الصور التي التقطت مع التحيات
مالمو في 10/10/2012



90
قراءات شعرية عراقية في مالمو/السويد


يحيى غازي الأميري

استضافت يوم أمس الجمعة 21/9/2012 الساعة السادسة مساءً  الجمعية الثقافية العراقية في مالمو/ السويد، والتيار الديمقراطي في جنوب السويد في مقر الجمعية الثقافية العراقية في مالمو السيدات والسادة الأفاضل وفد اتحاد الأدباء العراقيين في قراءات شعرية لمجموعة من الشعراء العراقيين، وبعدها كانت ندوة مفتوحة للحوار عن الهموم الثقافية العراقية ومعاناتها وأفضل الوسائل والطرق للنهوض فيها وأهمية مد جسور الثقافية والتعاون بين ادباء العراق ومنظماته ومثقفي الخارج وتجمعاتهم الثقافية .. 
في بداية الأمسية القى الزميل عصام الخميسي كلمة الجمعية الثقافية العراقية في مالمو، والتي رحب فيها بالحضور الكريم ووفد اتحاد الادباء العراقيين الذي شرفنا بهذه الزيارة الكريمة، ومن ثم القى صديقنا العزيز الدكتور حسن السوداني كلمة قصيرة قيمة باسم التيار الديمقراطي في جنوب السويد اشاد و رحب فيها بالوفد الزائر والحضور الكريم...
 
 قدم للأمسية وللشعراء المشاركين في الأمسية الكاتب والإعلامي اللامع توفيق التميمي وكذلك ادار ندوة الحوار وشاركه في الاجابة على اسئلة واستفسارات ومداخلات السادة حضور الأمسية الشاعر والقاص علي الفواز . ألقى كلمة اتحاد الادباء الاستاذ الفاضل القاص حنون مجيد.
   
وكانت أول المشاركات الشعرية للشاعرة المبدعة أمنة عبد العزيز

وبعدها جاء دور السادة الشعراء الأفاضل:

عمر السراي

احمد عبد السادة

ابراهيم الخياط

علي الفواز

اختتم الامسية الأديب خيون التميمي بكلمات الشكر والثناء باسمه وباسم وفد الادباء للحضور الكريم وللجمعية الثقافية العراقية في مالمو والتيار الديمقراطي في جنوب السويد على حفاوة وحرارة الاستقبال.
كانت امسية رائعة،تفاعل فيها الحضور الكريم من القراءات الشعرية الجميلة وصفق للجميع بحرارة  وتفاعل؛ والتقطت عشرات الصور التذكارية خلال الأمسية وبعدها؛ التقطت بكامرتي الخاصة مجموعة من الصورة ننشر قسم منها في الفيس بوك وبعض المنافذ الإعلامية ونبعث البعض منها إلى أحبتنا وفد الشعراء والأصدقاء الذين شاركونا أمسيتنا الرائعة.


اترككم مع باقة من صور امسية  القراءات الشعرية العراقية في مالمو

91
لقاء لغرض التحاور بين وفد وزارة الثقافة العراقية والجالية العراقية في مالمو

بقلم: يحيى غازي الأميري

استضافت الجمعية الثقافية العراقية في مالمو والجمعية الثقافية المندائية في لوند، في الساعة السابعة من مساء يوم السبت المصادف 21- كانون الثاني- 2012 وفد من وزارة الثقافة العراقية الذي جاء لزيارة السويد، لغرض فتح مركز ثقافي عراقي في العاصمة السويدية (ستوكهولم) ضم الوفد الذي حضر الأمسية- اللقاء- السيدات والسادة الأفاضل (الأستاذ عقيل إبراهيم المندلاوي مدير عام العلاقات الثقافية العامة بوزارة الثقافة العراقية، (د.بتول الموسوي) الملحق الثقافي في السفارة العراقية في السويد، و(ليلى خزعل السوداني)، و(أبو عمر) مدير البيوت الثقافية في وزارة الثقافة، والأستاذ (أحمد) مدير مكتب السيد وزير الثقافة العراقية، والشاعر والروائي (منعم الفقير)، والأستاذ(حكمت حسين) سكرتير اتحاد الجمعيات العراقية في السويد، و(د. أسعد راشد) المستشار في وزارة الثقافة العراقية والذي صادف تواجده خلال فترة تمتعه بإجازته المرضية في مقر أقامته في مالمو.)
حضر للأمسية - اللقاء- جمهور غفير اكتظت بهم قاعة الجمعية الثقافية العراقية في مالمو، أغلب الحضور من الناشطين والمهتمين بالثقافة، إذ ضم الحضور نخبة كبيرة من مثقفي الجالية العراقية في مالمو ولوند، تنوعت بين الأديب، والكاتب، والإعلامي، والشاعر، والفنان، والأكاديمي، وأعداد أخرى من الناشطين في منظمات المجتمع المدني.
قدم للأمسية الزميل عصام ميزر الخميسي رئيس الجمعية الثقافية العراقية في مالمو، واستل المقطع ادنغه من نص كلمته:
 ((السادة الضيوف الكرام
السادة الحضور
مساء الخير ومرحبا بكم في بيتكم العراقي الصغير الدافئ رغم وجوده لأكثر من عقدين من الزمن في برد الشمال القارص.
نحن جمعيتان عراقيتان تكادا أن تكونا توأمان ولدنا في الغربة حاملين هموم الوطن بكل تشعباتها ففي الشأن الثقافي حرصنا منذ البدايات على التواصل مع مبدعينا في كل أصقاع المنافي ومع جمهورنا في جنوب السويد لغرض إدامة صلة المحبة والتواصل مع وطننا العزيز فكان للجمعيتين دورا بارزا في التضامن مع شعبنا ومناسباته أيام الدكتاتورية البغيضة وقدمنا ما استطعنا من الدعم والمساعدة لكل الوافدين الجدد من العراقيين الذين اكتووا بنار الدكتاتورية ومن ثم هروبا من الحرب الطائفية وكل من تضرر من الانقسام الداخلي الذي كاد أن يودي بالوطن.))
ومن ثم استعرض في كلمته بشكل موجز أهمية تعزيز وتطوير العلاقة بين وزارة الثقافة العراقية مع جاليتنا العراقية الكبيرة في منطقة جنوب السويد من خلال دعمها ومتابعتها لنشاطاتها وفعالياتها.
وبعدها قدم ضيفه الكريم الأستاذ عقيل المندلاوي للتحدث للحضور حول الهدف من زيارته وهذا اللقاء...
 أستهل الأستاذ (عقيل إبراهيم المندلاوي) حديثة بالتحية والشكر لهذا الحضور ولحفاوة الاستقبال، ثم تناول في حديثة أسباب زيارته والأماكن التي التقى فيها الجالية العراقية في السويد، وتطرق إلى الرغبة والنية الجادة في وزارة الثقافة العراقية في مد جسور التعاون والتفاهم، من اجل تطوير أساليب تفعيل وتعزيز العلاقة والتعاون بين المؤسسات الثقافية في الداخل والخارج وكذلك شرح وأوضح دور المركز الثقافي العراقي الذي جاء موفداً مع الوفد المرافق له من أجل تكملة إجراءات افتتاحه في عاصمة السويد " ستوكهولم". 
بعدها تحدثت الدكتورة بتول الموسوي عن أهداف ونشاطات و توجهات دائرتها، وأكدت على رغبتها الجادة في العمل المثابر والمستمر بتفعيل دور تطلعات وسياسة دائرة "الملحق الثقافي العراقي في السويد" من اجل خدمة الجالية العراقية وإبراز وجهها المشرق.
وبعدها فتح باب المداخلات والاستفسارات فسجلت أسماء السيدات والسادة الراغبين بتقديم مداخلاتهم ومشاركاتهم، وقد شارك نخبة طيبة من الحضور في إبداء وجهات نظرهم وتطلعاتهم بما يخص اللقاء والأهداف المرجوة منه. والتي استمع إليها رئيس وأعضاء الوفد وسجلوها كملاحظات لغرض تفعيلها في المستقبل.
وأدناه أسماء السيدات والسادة الأفاضل الذين قدموا مداخلاتهم:
الأستاذ ضياء الحسيني، الفنان المسرحي علي ريسان، الكاتب والناقد د.حسين الأنصاري، والشاعر حسن الخرساني، والكاتب د.مؤيد عبد الستار، والكاتب و الفنان فلاح صبار، والباحث د.إبراهيم ميزر، والباحث والكاتب د.حسن السوداني، والناشط في منظمات المجتمع المدني"أبوهاني"، و الكاتب والإعلامي تحسين المنذري، والفنان المسرحي سلام الصكر، والفنان جعفر طاعون، و" كاتب السطور يحيى غازي الأميري"، والناشطة في منظمات المجتمع المدني د. زلفا، والكاتب والفنان المسرحي د.أسعد راشد، والكاتب والفنان المسرحي صلاح الصكر. 
 وبعدها أجاب الأستاذ (عقيل المندلاوي) و( الدكتورة بتول الموسوي) على استفسارات وأسئلة السادة المشاركين في الحوار.
بعد انتهاء الأمسية والتي دامت "أكثر من ساعتين ونصف" شكر رئيس الجمعية ضيوفه والحضور الكريم، وبعدها كانت هنالك فسحة من الوقت بين الوفد الضيف والحضور للتعارف وتسجل بعض الملاحظات والاستفسارات وكذلك فسحة  لتناول القهوة والشاي والتقاط بعض الصور التذكارية، ومن ثم دعي الوفد إلى مائدة عشاء في أحد المطاعم العراقية في مالمو، وقد شاركهم مائدة العشاء بعض من أعضاء الجمعية الثقافية العراقية في مالمو وبعض من أصدقاء وأعضاء الهيئة العامة للجمعية من الجالية العراقية، وقد كانت هي الأخرى فسحة ثمينة جرى خلالها تناول العديد من المواضيع التي تهم الهم الثقافي العراقي وأهم الوسائل التي تساهم في تفعيل التعاون بين الداخل والخارج، بعد إنهاء مائدة العشاء ودع الوفد إلى" محطة القطار في مالمو " حيث أستكمل الوفد رحلته إلى مدينة "كوبنهاكن" عاصمة الدنمارك والتي كان قد قدم منا لغرض تحقيق هذه الأمسية التحاورية.
ملاحظة: كانت الدعوة للأمسية عامة للجميع، وقد وجهت عبر العديد من منافذ الاتصال الإعلامية.

أترككم مع باقة من الصور التي التقطت خلال هذه الأمسية والتي تم تصويرها بكامرتي الخاصة.   



السيد عصام الخميسي يلقى كلمته في أمسية لقاء لغرض التحاور بين وفد وزارة الثقافة العراقية والجالية العراقية في مالمو


الأستاذ عقيل المندلاوي يتحدث في أمسية لقاء لغرض التحاور بين وفد وزارة الثقافة العراقية والجالية العراقية في مالمو


د.بتول الموسوي وهي تتحدث في أمسية لقاء لغرض التحاور بين وفد وزارة الثقافة العراقية والجالية العراقية في مالمو


صورة لمجموعة من الوفد الذي حضر في أمسية لقاء لغرض التحاور بين وفد وزارة الثقافة العراقية والجالية العراقية في مالمو


جانب من الحضور في قاعة الجمعية في أمسية لغرض التحاور بين وفد وزارة الثقافة العراقية والجالية العراقية في مالمو


 
في الصورة يظهر من اليمين احمد الصائغ، د.بتول الموسوي، د.أسعد راشد،عقيل المندلاوي، حكمت، "أبو تمار، طارق حرب "


من اليمين د.أسعد راشد، عقيل المندلاوي، أحمد الصائغ، فائق الربيعي


يظهر في الصورة الأستاذ عقيل المندلاوي وكاتب السطور "يحيى الأميري"
 

صورة لجانب من الحضور لوليمة العشاء في أمسية لقاء لغرض التحاور بين وفد وزارة الثقافة العراقية والجالية العراقية في مالمو



صورة لجانب من الحضور لوليمة العشاء في أمسية لقاء لغرض التحاور بين وفد وزارة الثقافة العراقية والجالية العراقية في مالمو


صورة لجانب من الحضور لوليمة العشاء في أمسية لقاء لغرض التحاور بين وفد وزارة الثقافة العراقية والجالية العراقية في مالمو

 
صورة لجانب من الحضور لوليمة العشاء في أمسية لقاء لغرض التحاور بين وفد وزارة الثقافة العراقية والجالية العراقية في مالمو


صورة لجانب من الحضور لوليمة العشاء في أمسية لقاء لغرض التحاور بين وفد وزارة الثقافة العراقية والجالية العراقية في مالمو

 
صورة لجانب من الحضور لوليمة العشاء في أمسية لقاء لغرض التحاور بين وفد وزارة الثقافة العراقية والجالية العراقية في مالمو


صورة لجانب من الحضور لوليمة العشاء في أمسية لقاء لغرض التحاور بين وفد وزارة الثقافة العراقية والجالية العراقية في مالمو

 
صورة لجانب من الحضور لوليمة العشاء في أمسية لقاء لغرض التحاور بين وفد وزارة الثقافة العراقية والجالية العراقية في مالمو


يظهر في الصورة من اليمين أحمد الصائغ، منعم الفقير، يحيى الأميري

 
يظهر في الصورة من اليمين الشاعر والروائي منعم الفقير، يحيى الأميري

كتبت في مالمو بتاريخ 22-كانون الثاني- 2012

92
ومضات من خزين الذاكرة... نقطة تفتيش، و زوجين قنادر، و 6 دجاجات
أهدي مقالتي هذه إلى الصديق العزيز الكاتب محمود داود برغل، الذي طلب مني أن اكتب يوم من حياتي.
بقلم: يحيى غازي الأميري
 في مركز تخزين الذكريات نحتفظ بأعداد لا تعد ولا تحصى منها، نحملها معنا تركن ساكنة رغم تجوالنا وتغير نمط حياتنا، في أحيان كثيرة نسترجع البعض منها، حلوها أو مرها، رغم  مرور فترة زمنية طويلة عليها نعيدها مع أنفسنا أو نقص البعض منها في محافل الأهل والأصدقاء كحدث أو حكاية أو طرفة وبعضنا يدونها على الورق لنشرها لتبقى كوثائق تحكي قصة فترة زمنية معينة.
سوف أدون هذه الحادثة التي مرت بي في ذات يوم عادي من أيام حياتي، لكنها بقيت متميزة عن بقية الأيام، لما تحمله من أبعاد غير عادية. فقد مر على الحدث أكثر من عشر سنوات، وكان ذلك الحدث قد صادف في يوم من أيام عام (2001) رغم المتغيرات الهائلة التي حدثت لي وللعالم أجمع منذ ذلك اليوم لغاية تدونه الآن، لكن الحدث لم يبرح مكانه من مستودع الذاكرة.
سحبت من مركز تخزين الذكريات ملفاً  من أحدى الملفات القديمة، وانفضت عنه غبار السنين الماضية، بعض الكلمات أو العبارات المدونة فيه كادت أن تختفي أو تمحى من الملف، أدرت تدوينها بعد بذل جهد كبير أخيرا إستطعت استرجاعها.    
 في تلك الفترة كنت أسكن في بغداد/ الكرخ / السيدية /حي الإعلام / ومحل عملي في الجانب الثاني من بغداد في منطقة الرصافة/ محلة جديد حسن باشا في سوق الصاغة(خان الياهو دنكَور) المقابل لــ (خان الشابندر) ويلفظ  كذلك (الشاهبندر) القريب أو المجاور لشارع المتنبي وسوق السراي والمتحف البغدادي، أمتلك هنالك محلاً لصياغة الذهب أبيع وأشتري فيه المصوغات الذهبية أوالفضية، اعتدت أن أذهب بسيارتي الخاصة يومياً إلي محلي؛ متجنباً دائما المرور في الشوارع والأماكن التي تقع فيها بعض مؤسسات الدولة وخصوصا الأمنية منها؛ إذ احمل في داخلي خوفاً رهيباً منها، أحمد الله أننا نمتلك من التجربة المريرة ما يكفي لمعرفة أهمية الخوف والحذر والابتعاد عنها كما يقول المثل (إلي عاضته الحية يخاف من جرة الحبل) أركن سيارتي في ساحة القشلة القريبة من )سوق الهرج) ــ إذ يوجد كراج في الساحة لوقوف السيارات ــ أو اركنها في كراج لموقف السيارات بالقرب من ساحة الشهداء يقع خلف مستشفي الكرخ للولادة يحاذي شاطئ نهر دجله.
في تلك الفترة كنت قد حسمت أمر سفري مع عائلتي إلى خارج الوطن، بعد أن ضجرت من طول فترة سنين الانتظار، لدرجة سئمت فيه الانتظار وأخبار المراهنة على احتمال تغير الوضع المزري الذي يعشيه البلد؛ إذ كانت وتيرة الحصار الدولي على البلد تتصاعد، بينما الأوضاع الاقتصادية والأمنية والسياسية والاجتماعية  تتراجع وتنحدر بشكل سريع نحو الأسوأ، يوماً بعد يوم، وتنذر بشكل مرعب لما سوف يؤول عليه مستقبل البلد، ورغم تجربتي المرعبة المريرة السابقة بالهجرة خارج البلد، قررت مرة ثانية خوض التجربة من الجديد؛ فعرضت بيتي والذي هو دار سكني وكذلك عرضت سيارتي ومحل عملي بكل محتوياته للبيع.
في تلك الأيام كنت أفضل أن اركن سيارتي في الكراج الذي يقع خلف مستشفى (الكرخ للولادة)، على كراج القشلة بسبب تحول ساحة القشلة بعد الظهر بقليل إلى ساحة لتدريب للجيش الشعبي، فالسلطة بدأت بالتصعيد الإعلامي و بعسكره البلد من جديد، وبشكل مكثف استعداداً لمواجهة أمريكا وحلفائها، فطبول الحرب الجاهزة، بدأت تقرع من جديد؛ لذلك كنا نضطر إلى إخراج  سياراتنا من الكراج بعد الظهر بقليل وذلك قبل بدأ موعد تدريب فصائل الجيش الشعبي وتحول الساحة إلى معسكر للتدريب.
في ذلك اليوم، غادرت البيت مصطحبا ًمعي قائمة التسوق والتي تتضمن بعض الاحتياجات اليومية لمطبخ البيت، وكان أولها الدجاج والسمك والبيض والخضروات والفاكهة، ودونت في القائمة بعض احتياجاتي على أمل أنجزها في هذا اليوم، ذهبت كالمعتاد لركن السيارة في موقف السيارات خلف مستشفى الكرخ للولادة، في المدخل الوحيد المؤدي إلى مستشفى الكرخ للولادة وساحة الكراج من جهة ساحة الطلائع كانت قد نُصبت سيطرة للتفتيش في الطريق، تمنع السيارات من مواصلة السير إلى المستشفى والمناطق المحيطة بها، فحولت اتجاهي إلى كراج ساحة القشلة، بعد أن عرفت سبب هذا المنع المفاجئ؛ فقد عرفت أن تشيع كبير رسمي وشعبي يجري لقافلة من للأطفال الرضع المتوفين بسب الحصار الدولي المفروض على البلد، إذ كان يجرى بين فترة وأخرى مثل هذا التشيع بعد أن تقوم المؤسسات الصحية بجمع إعداد كبيرة من الأطفال المتوفين وتنطلق بمسيرة احتجاجية ضد الحصار وأمريكا منطلقة من مستشفى الكرخ للولادة.
في كراج القشلة لم أجد مكانـأً شاغراً اركن سيارتي فيه، لكون الكراج في مثل هذه الساعة  المتأخرة قليلاً بعد الصباح يكون الازدحام على أشده، ركنت السيارة في وسط الكراج في مكان مخصص لمرور السيارات وناولت مفتاح السيارة(السويج) إلى حارس الكراج (أحمد) فقد كنت أعرفه جيدا شاب أمين ومؤدب وكلفته أن يركن هو السيارة على معرفته عندما يجد لها المكان المناسب، وكذلك كلفته أن يجلب السيارة قبل أن يبدأ موعد تدريب الجيش الشعبي، يجلبها إلى مكان قريب من شارع المتنبي مقابل محكمة الرصافة المقابلة لبناية القشلة، لكون المكان يكون شاغراً  دائماً في المساء. ووعدته أن أكافئه على ذلك.
وكبقية الأيام فتحت بوابة المحل ( كبنك) ونظفت ورتبت المحل وصففت بضاعتي (المصوغات الذهبية في جامخانة العرض)، وناديت على قدح من الشاي ( أستكان) فمحل (عزيز الجايجي) أشهر محل لبيع الشاي في خان الشابندر، مجاور تماماً لمحلي، جاءني عامل المحل  المهذب ( أحمد ) بقدح الشاي ... تناولت قدح الشاي على مهل، ومن ثم أعلقت (أقفلت)  باب المحل الزجاجي، وسرت عدة خطوات لساحة تعتبر المركز الرئيسي لتجمع صاغة خان الشابندر حيث نطلق أسم (الجوبة) على تلك الساحة.
 الساحة صغيرة المساحة لكنها مركز لتجمع الأسواق الفرعية التي بتكون منها خان الشابندر فهي تقع بين خان الشابندر وقصدي السوق المسقف القديم وخان الياهو دنكور والذي يكون مقابل له وفيه يقع محلي، وكذلك تطل عليها محلات عمارة (القشطيني) و(سوق الآلوسي) ففي تلك الساحة تخرج مبكرة قائمة البورصة اليومية ( أسعار البيع والشراء للذهب والفضة والدولار) وفيها كذلك تجرى العديد من صفقات البيع والشراء بالذهب والفضة والدولار وهي ساحة تباع فيها بعض الأكلات الخفيفة  وأشهرها (عربانة  غفوري) ففيها الفلافل والبيض وسندويج الدجاج والطرشي والعنبة واللوبياء، وفي الساحة كذلك تعرض بضاعة يحبذها الصاغة كثيراً (البطوط والبشوش والسمك). وقفت لحظات محيياً زملائي وأصدقائي الصاغة والعاملين في السوق، كان اللغط ولإشارات والتلميحات واضحة على وجوه من يتعاملون في بورصة السوق ،تدل على أن هنالك شيء في أسعار السوق أو كبسة من الأمن الاقتصادي،  بعد لحظات عرفت أن سعر الذهب والدولار في نزول سريع هذا اليوم، في مقابل العملة العراقية!
في هذه الأثناء ولمعرفتي بحركة السوق (صاعد نازل) نتيجة الأزمات اليومية التي تضرب البلد والسوق؛ المفتعلة منها والغير مفتعلة ، المرتبطة بسياسة الدولة وأجهزتها التي تدير العملية الاقتصادية وسوق المضاربات بالعملة وكذلك تأثير الأزمات العالمية على أسعار بورصة الذهب وبقية المعادن،والتي تحدد سعر تداوله اليومي...
 في هذه الأثناء قررت أن أبيع كمية من الذهب و بعد اخذ ورد على سعر معين للبيع اتفقت على البيع، والسبب الذي دفعني للبيع تحسبا ً لتدهور سعر سوق الذهب ولكي اغتنم فرصة هبوطه سعره أكثر ولكي أعوض الكمية التي أبعتها ويبقي لي فرق يكون هو الربح بين البيع والشراء، وبعد اخذ العربون عن الصفقة ،عدت أدراجي للمحل وأخرجت من القاصة كمية من الذهب وأعدت التأكد من وزنها، وبعد مدة قصيرة من جلوسي في المحل أتصل بي هاتفياً التاجر الذي اتفقت معه وأخبرني أن النقود سوف تصل بيد الدلال، جاءني الدلال ــ يعمل في السوق العديد من الدلالين كوسطاء بين التاجر أو الصائغ الذي يبيع الذهب والتاجر أو الصائغ  الأخر الذي يشتري الذهب ــ المكلف  بتسليمي النقود وهو يصطحب معه حمال يسحب عربة محملة بكيس كبير بحجم كيس الطحين ( 100 كغم) وكيس أخر أقل قليل من حجم الأول وفيهما المبلغ المتفق عليه ((كواني من الدنانير العراقية كانت قيمة 150 غرام ذهب خالص عيار 24 )) أخرجنا رزم  النقود (البلوكات) من الكواني، وتأكدت من أجمالي المبلغ انه مطابق، وبقيت المهمة التالية أن أوزن  في ميزان الذهب كل رزمة على جهة للتأكد من كونها مقاربة لوزن معلوم نعرفه يطابق العدد الصحيح لقيمة كل رزمة.
ونتيجة للثقة المتبادلة في السوق تركني (الدلال) أن أقوم لوحدي في المهمة (التأكد من حساب النقود) على مهلي وأخبرهم بعد ذلك بالنتيجة، في نفس الوقت أخرجت من القاصة كمية الذهب المتفق علي بيعها ووزنتها أمامه وسلمتها له.
في السوق وعندما تكون قيمة سعر الذهب وكذلك الدولار غير مستقرة مقابل الدينار العراقي وخصوصاً عند الهبوط الحاد أو الصعود السريع المفاجئ تتوقف(تنشل) بشكل كبير حركة البيع والشراء في السوق، ويبقى الجميع في السوق في حالة استنفار واستفسار دائم عن سعر الذهب!
 في هذه الفترة كان التيار الكهربائي في السوق يعمل على ضوء القطع المبرمج الذي تشرفه عليه الحكومة، وعندما ينقطع التيار الكهربائي ( الوطنية ) هنالك مولدة لتوليد الطاقة الكهربائية لتجهز السوق بموجب عقد لشراء( الامبيرات) الكهربائية بين مالك المولدة وأصحاب محلات الصياغة ، وكل محل يشري ما يحتاجه من أمبيرات، والجميع يأخذ دائما  ما يحتاجه للإنارة وتشغيل مروحة وجهاز التلفزيون والثلاجة ، معظم أسواق الصاغة في منطقة خان الشابندر مبنية على شكل قيصريات مغلقة ومحلاتها صغيرة متقابلة ولا توجد إنارة جيدة في اغلب ممراتها إذ تعتمد على أنارتها من الكهرباء الوطنية، لذلك تكون الأسواق (القيصريات) شبه مظلمة، كئيبة، تقل فيها الحركة.
في منتصف النهار أنقطع التيار الكهربائي (الوطنية) تناولت الغداء صينية مشكل من عربانة المرحوم غفوري- لقد سمعت انه توفي رحمه الله بعد سقوط النظام بفترة بحادث انفجار سيارة مفخخة- وبعد الغداء جمعت ما عرضته من مصيوغات وأودعتها في قاصة المحل.
أعتدت من بعض الأصدقاء من الصياغ في السوق، في فترة بعد الظهر بعد تناول وجبة الغداء وخصوصا في الأوقات التي ينقطع فيها تيار كهرباء الوطنية، أن نتناوب اللقاء في محلاتنا ( نجتمع) نتحدث خلال اللقاءات بشتى المواضيع وكان أحيانا نلعب) الطاولي ) ــ لعبة النرد ــ ونبدأ بشبه مسابقة وكان من أفضل محلات لقائنا محل الصديق العزيز زاهر شيخ جوار ( أبو شهد) فمحلة واسع وفيه الإضاءة الطبيعية جيدة  لموقعه  في الطريق العام المؤدي إلى خان الشابندر أي خارج (قيصريات) سوق الشاهبندر ، قصدت محله فوجدت هنالك العديد من الأصدقاء، وأثناء للعب أخبرت الحضور أني سوف أذهب إلى منطقة الكرادة خارج هذا المساء مباشرة بعد (التعزيلة) وسوف أقصد بذهابي  قبل الذهاب كالعادة للبيت اذهب للتسوق من معرض الشركة العامة للجلود بعض الأحذية الرجالية ، وكذلك هنالك  بالقرب من الشركة العامة للجلود محل كبير لبيع الدجاج المجمد وبسعر أقل بكثير من السعر السائد في السوق، وافق ثلاثة من الأصدقاء المجيء معي ممن يسكنون في المناطق القريبة من سكني، لكوني سوف أقوم بإيصالهم إلى أماكن قريبة من منطقة سكانهم وهم كلاً من الأصدقاء  (زاههر شيخ جوار ،رائد سامي حسب، أبو صفاء)،جميعهم أصحاب محلات صياغة في مجمع  سوق خان الشاهبندر.
 جاء أحمد حارس كراج السيارات مبكراً وناولني سويج السيارة، نقدته لمكافئة كما وعدته، وبعد ذلك بفترة قصيرة، أغلقنا محلاتنا، وركب أصدقائي الثلاثة في سيارتي وانطلقت بهم في رحلة مسائية إلى الكرادة خارج، ركنت السيارة أما معرض الشركة العامة للجلود، وتسوقت الأحذية التي عزمت على شرائها، وذهبنا الى الجهة المقابلة للمعرض حيث يقع مخزن بيع الدجاج المجمد، كان طابور الوقوف(السره) ليس كبيراً، طلبت من أصدقائي الذين ليس لهم الرغبة في التسوق من الدجاج أن يقف معنا ويعطيني الحصة التي نحصل عليها , وبعد التسوق. وضعنا أكياس الدجاج المجمد( ستة دجاجات) في صندوق السيارة الخلفي بجوار علب الأحذية، وانطلقت بهم نروم العبور من جسر الجارية،وبعد أن اجتزنا (مطعم البحر الأبيض المتوسط) و(مثلجات الفقمة) الشهيرة، كانت المفاجئة وجدنا الطريق مقطوعـأً حيث وضعت قطع من بلوكات الكونكريت والبراميل الملونة والعلامات المرورية وهنالك لافتة كبيرة تشير إلى أن الطريق مقطوع، ركنا السيارة على جهة وكانت توجد (تخسفات) كبيرة الحجم جداً قد حصلت في الشارع وفي أكثر من مكان، وكانت توجد الى جانبها آليات (مكائن) منتشرة تدل على أن هنالك أعمال صيانة في الشارع.
اقترحت عليهم أن أخذهم في نزهة إلى المسبح ومن ثم أخذ طريقاً  مختصراً من المسبح يقع بمحاذاة  نهر دجلة يوصلنا إلى الطريق المؤدي إلى دائرة التقيس والسيطرة النوعية ومن ثم يمكن أن نأخذ طريقنا إلى الجسر، والعبور بيسر إلى السيدية، وافق الجميع على الفكرة.
 انطلقت بالسيارة قاصداً طريقي، كنت أسير على مهل نتفرج على الطريق فالمنطقة في المساء تكون مكتظة بالناس والمحلات عامرة زاهية بتنوع بضاعتها المعروضة حتى قسم من المحلات يعرض بضاعته خارج المحل، عبرنا منطقة المسبح سرت بالطريق الذي اعرفه، كنت مفاجئة جديدة حيت وضعت إشارات مرورية تحذرك من السرعة وترشدك على التمهل، وتنبهك أن نقطة تفتيش أمامك ، خففت السرعة كثيراً فقد كان على بعد عدة خطوات مطب صناعي يقطع الشارع، توقفت بسرعة وأدرت مغير السرعة ـ كير السيارة ـ  إلى الخلف (على البك) وهممت بالرجوع وبلحظات خرج ثلاثة  من الرجال؛ كانوا يرتدون ملابس شرطة المرور وخلال لحظات انتصبوا في وسط الشارع أمامي وهم يلوحون أن اتجه إليهم، احدهم يحمل بيده لوح المرور يلوح بها كانت الإشارة واضحة فيما كان زميلان له  يقفان الى جانبه يحملان بأيدهم البنادق ، أدرت مغير السرعة (الكير) مرة ثانية  وسرت باتجاههم كنت أسير بحذر شديد وعلى مهل وأنا اتجه صوبهم، فيما كان الخوف يسري سريعاً في جسمي، أصدقائي بدأت عليهم الحيرة والقلق، وكانت همساتهم تعليقات لاذعة مرعبة فاحدهم يهمس وين تريد بينا اليوم، الأخر يقول خوش نزهة ماخذنا اليوم!
توقفت إمام نقطة التفتيش جاءني احد شرطة المرور طلب مني أجازة السياقة وسنوية السيارة ناولته بسرعة أجازة السياقة وسنوية السيارة، وبعد لحظات من تفحصها طلب من الآخرين الجالسين في السيارة إبراز هوياتهم، فيما هو يدقق بالهويات ويلاحظ  بتفحص أوجه أصحابها .. سألني وهو يحملق عليّ بنظرات فاحصة .
ــ ما تعرف هذا الطريق خاص؟
أجبته:
ــ والله ما أعرف .
أمطرني بلهجة حادة بعدة أسئلة:
ــ  لعد شلون (جيت) منا ؟ وين  تريد تروح؟ ومنو جابك (أرشدك) إلى هذا الطريق؟
استجمعت قواي وأجبته بخوف:
ــ أولاً الذي (جابني )على هذا الطريق فكري إي  (حظي العاثر).
وأستمريت في الحديث:
ــ ثانيا كنت قبل عدة سنوات أمر بسيارتي من هذا الطريق.. ولكون طريق الجادرية مقطوع لوجود إعمال صيانة فيه جئت إلى هذا الطريق الذي اعرفه منذ زمن.
استمرت بالحديث موضحا له: أننا جميعا أقارب وأصدقاء ونعمل صياغ ذهب في سوق خان الشابندر، وبالمناسبة جميعنا صابئة مندائيين، وقد جئنا للتسوق من معرض الشركة العامة للجلود وكذلك تسوق دجاج بسعر مناسب من الكرادة خارج وأسميت له أسم المحل ـ للأسف تخونني الذاكرة الآن بتذكر أسم المحل.
وبلهجة أمرة قال لي:
ـــ انزل أفتح صندوق السيارة.
فتحت صندوق السيارة من زر يقع بجانبي، وترجلت على السريع وفتحت له الصندوق وشاهد أكياس الدجاج المجمد وتأكد من محتويات علب الأحذية.
أشار أليّ أن أغلق صندوق السيارة وامرني أن اذهب إلى مكاني في السيارة.
عدت إدراجي سريعا وجلست خلف مقود السيارة، فيما ذهب شرطي المرور إلى نقطة التفتيش والتي لم يزل يقف الشرطيان بجانبها وهم في حالة تأهب واستعداد وبنادقهم موجهة صوبنا، ذهب وهو يحمل بيده أجازة السوق وسنوية السيارة والهويات العائدة إلى أصدقائي.
خلال هذه اللحظات القلقة كنت أحدق بنظري برهبة وخوف إلى منظر البوابة العمالقة الماثل إمامي والذي يقف على جانبيه مجموعة من الجنود المدججين بالسلاح، فالبوابة الشاهقة تقع على مسافة عدة أمتار من نقطة التفتيش التي استوقفتني.
وبعد لحظات من الترقب عاد لنا شرطي المرور، ارجع إلى أصدقائي هوياتهم، فيما بقي ممسكاً بسنوية السيارة وأجازة السياقه العائدة لي، فتح باب السيارة الأمامي الذي بجانبي وطلب من الجالس في مقعد السيارة الأمامي (رائد سامي حسب) أن يتحول إلى الخلف. وجلس بجانبي وأمرني أن اتجه بسيارتي إلى (منطقة الحارثية)، فأمتثلت إلى أمره وسرت بسيارتي في طريق يوجهني هو أن أسير فيه.
 وفي الطريق استفسرت منه بلطف وتودد عن سبب عدم إعطائي إجازة السياقة والسنوية، ولماذا يريدني أن أذهب إلى منطقة الحارثية ؟
أجابني بلطف:
ــ أجازة السياقة والسنوية والسيارة سوف تحجز في دائرة خاصة بالمرور في الحارثية، ويمكننا أن نذهب من هناك إلى بيوتنا وبعد ذلك يمكنني أن أراجع على أوراقي وسيارتي في دائرة مرور الحارثية ــ كان رجل المرور يتحدث بلطف ومودة تشجع الطرف الأخر للاستماع له ولتبادل الحديث معه ــ في هذه الأثناء كان احد زملائي يهمس بإذني أن أعطيه مبلغ من المال، استجبت للفكرة وبدأت بتنفيذها على الفور، دسست يدي بجيب سروالي ــ البنطلون ــ واستليت من جيبي رزمة من المال، وبلطف وتودد، وقبل أن ننعطف في الشارع العام، عرضت عليه  المبلغ،عرضه أمامه بيدي، وقلت له :
ــ أخي العزيز أرجو أن تقبل مني هذا المبلغ المتواضع واجعـله قيمة عشاء لك والى زملائك في نقطة التفتيش.
 وبحركة تنم عن رد فعل منزعج أدار رجل المرور وجهه لي وهو يرمقني بنظرة تنم عن عدم الرضا...
 وبعد لحظات قال :
ــ رجع فلوسك بجيبك... نحن هنا في خدمة الدولة، والقيادة تكافئنا برواتب تجعلنا فيها غير محتاجين إلى الإكراميات والمساعدات وغير ذلك ،والقيادة لم تبخل علينا ؛ فرواتبنا جيدة والدائرة توفر لنا كل أنواع الطعام.
انتابتني حالة من الإرباك والخوف، تسمرت يدي لم اعرف ماذا أفعل هل اسحب يدي أم أبقيها ممدودة أمامه، وبسرعة أجبته:
ـــ أرجو أن لا تعتبر هذا المبلغ رشوة أو مساعدة.
 سحبت يدي ودسست المبلغ بجيبي، ولذت بالصمت، لم أحرك ساكناّ ،وتسمرت عينايّ على الطريق.
كنت أسير على مهل، أمرني بالتوقف عن السير، وبسرعة ركنت السيارة بجانب الرصيف. صمت رهيب ولحظات من الخوف خيمت علينا...
أدار جسمه بحيث يستطيع الحديث مع جميع من في السيارة... وبهدوء ورزانة بدأ يتحدث:
أولا لا تخافون مني ولا تتصورون أني راح اعمل لكم شيء يؤذيكم أو يسيء لكم، وثقوا أني وباقي زملائي في نقطة التفتيش صدقنا حكايتكم حول مجيئكم إلى هنا.لكن لدينا تعليمات مشددة بذلك.
وبعد لحظات من الصمت قال لي:
ــ أرجعني إلى نقطة التفتيش، ولا تخاف، سوف أحاول مساعدتكم.
أدرت السيارة باتجاه نقطة النفتيش، وبدأت أسير على مهل،شريط من الأفكار يدور في رأسي، وأفكر مع نفسي هل أصدق حديثه أم انه سوف...كنت بداخلي مرعوب و خائف و نص مصدق لحديثه.
انهالت عليه من جميع زملائي في السيارة كلمات الشكر والثناء والمديح.
أشار لي أن أتوقف قرب نقطة التفتيش، وحال توقفي ترجل رجل المرور من السيارة، وذهب إلى نقطة التفتيش وبعد فترة قصيرة عاد لنا، فيما هو يتحدث ناولني أجازة السوق:
ــ هاك هاي الإجازة مال السياقة وسوف تبقى عندنا فقط السنوية ونحن نرسلها إلى دائرة المرور في الحارثية، يمكنك أن تأخذ سيارتك وتوصل جماعتك.  
 والتف إلى جهتي وبدأ يرشدني ـ يصف لي ـ على طريق أخر في وسط هذه المدينة المغلقة، يوصلني إلى الشارع العام، ومن ثم اخذ الطريق المؤدي إلى جسر الجادرية.
وودعنا بكلمات لطيفة ... في الحال بادرنا بكلمات كبيرة في شكرها له على موقفه الشهم هذا  ( ألله يستر عليك ، ربي يحفظك ويحفظ عائلتك...).
وعندها تجرأت أن أستفسر عن موعد مراجعتي لدائرة مرور الحارثية حول موعد وصول سنويتي هناك.
أجابني سريعا وبلطف:  (بلهجة بغدادية محببة)
ــ ( تستطيع) تكَدر تروح تراجع دائرة مرور الحارثية على سنوية السيارة بعد يومين أو ثلاثة  أيام، سوف تجدها هناك.
في هذه اللحظات انتابني شعور ممزوج بين الفرح والخوف، فيما كانت نظري يتلصص على منظر البوابة العالية وفصيل الجنود المنتشرين حولها!
أستعاد زميلنا (رائد حسب) مكانة بجانبي، وعلى ضوء إرشادات رجل المرور وصلت بسهولة إلى الطريق المؤدي إلى جسر الجادرية.
أوصلت أصدقائي إلى( مقهي الأفندي) القريب من السوق الشعبي البياع ( سوق الفاكهة والخضار ) في نهاية شارع عشرين القريب من كراج السيارات وتابعت السير إلى دار سكني في منطقة الإعلام. ركنت سيارتي في كراج البيت (مدخل البيت) وأخرجت بضاعتي ((الدجاج والأحذية)) وقصصت على زوجتي ما حدث. فيما أنا منشغل بين الحديث والتفكير بما حدث لي، كانت زوجتي تصغي إليّ وهي منهمكة تعد إحدى الدجاجات مع طبق الخضار والبطاطا لإدخالها فرن الطباخ، لتخرجها لنا بعد فترة محمصة على مائدة العشاء!
في اليوم التالي وعند ذهابي لمحل عملي وفيما أتابع أخبار سعر بورصة الذهب  الذي بدا يستقر بفارق أقل بقليل من سعر يوم أمس، قصصت بحذر ما حدث ليّ لبعض من أصدقائي مستفسراً عن أسم المكان و(القصر ذو البوابة العالية ) اتضحت لي أشياء جديدة، فقد عرفت أن هناك قصر كبير يقع في هذه المنطقةــ أحد القصور الرئاسيةــ  مشغول من قبل (عدي صدام حسين) وان شرطة المرور هم يتبعون إلى أحدى الدوائر الأمنية المهمة بالدولة؛ إذ تم أعداد أحدى دورات المرور لتعمل ضمن دوائر الدولة الأمنية والتي كان يطلق عليها " دورة 6 " ، إذ يعمل أفرادها في الأماكن والشوارع المهمة التي تقع فيها مؤسسات الدولة الحكومية والأمنية وقصورها الرئاسية.
بعد أربعة أيام راجعت بحذر مصحوب بخوف وقلق لدائرة مرور الحارثية، في غرفة الاستعلامات استفسرت منهم عن سنوية سيارتي المحجوزة لديهم، سألني احد موظفي الاستعلامات (احد رجالات المرور) عن أسمي وعن المكان والزمان الذي حجزت فيه سنوية سيارتي، فأخبرته بذلك، أشار عليّ أن اذهب إلى إحدى الغرف حيث ترد إليها من تلك الجهة. ذهبت للغرفة التي أشار إليها وعند الاستفسار منهم أخرج مجموعة من القوائم واخبرني أنها غير موجودة، لم ترد أليهم، واخبرني يمكنني مراجعتهم في يوم أخر...
بعد عدة أيام أعدت الكرة مرة أخرى بمراجعة دائرة مرور الحارثية، لم احصل على السنوية إذ كان جوابهم كما السابق عليّ بمراجعتهم مرة أخرى بعد عدة أيام.
توجهت إلى محل عملي، سعر بورصة الذهب هو الأخر قلق مثلي؛ إذ لم يزل يراوح بين الصعود والنزول، لكنه أقل من السعر الذي بعت فيه، بعد لحظات من الاستراحة داخل محلي، لكنها استراحة ممزوجة بمزيد من القلق والتوجس، توجهت إلى محل  صباغة أحد الأصدقاء المقربين، من الذين التقي بهم يوميا في خان الشابندر الصديق العزيز( ر.ع. ص )، والذي كنت قد قصصت عليه (الحتوته ) بكل تفاصيلها، وهو الذي كان قد اخبرني في حالة تعذر الحصول عليها- سنوية السيارة-  يمكنه مساعدتي وذلك لمعرفته بأحد إفراد المرور من العاملين ضمن تلك المجموعة (دورة 6).
توجهت إليه قائلاً :
ـ يظهر ما راح أكدر أحصل على سنوية السيارة بدون مساعدة صديقك ـ وقصدي رجل المرورـ
فكر صديقي ( ر.ج. ص) لحظات ثم قال لي:
ــ أني لم أعرف بالضبط مكان إقامته؛ لكني أعرف محل عمله أنه في المنطقة المحصورة بين القصر الجمهوري وساحة الاحتفالات، ويمكن أن نصل له رسالة بواسطة احد رجال مرور نفس المنطقة في حالة تعذر مشاهدته أو الوصول له.
حددت مع صديقي( ر.ج. ص) ساعة الذهاب لمحل عمله في اليوم التالي وبحدود الساعة التاسعة صباحا، ذهبت مع صديقي(ر.ج. ص) بسيارتي سالكاً الطريق الذي يعمل به رجل المرور، نترصد نقاط المرور بحذر. وأثناء وقوف السيارة في تقاطع الإشارة الضوئية، وصادف وجود احد رجال المرور بقربنا بادر صديقي بسؤله عن رجل المرور، فاخبرنا أنه موجود في إحدى النقاط القريبة منهم، فأخبره صاحبي ممكن أن يوصل له هذه الرسالة - مكتوب فيها اسم  صاحبي ورقم هاتفه- فأجابه بالموافقة.
مر اليوم الأول ولم يتصل في اليوم التالي وبعد الظهر جاءني صديقي إلى محلي وفتح الباب، فيما كانت ابتسامة عريضة على وجهة فبادرته بالسؤل بشرنا فرجت!؟
وبابتسامة مرحة أجابني:
ــ نعم فرجت.
وأردف قائلاً :
ــ اتصل بي صديقي للتو ــ رجل المرور ـ وأخبرته بما أود أن يساعدنا به، وشرحت له ما حدث ، وبعد أن عرف المنطقة التي وقع بها الحادث، طلب أسمك، وأعطيته له، ووعدني بأنه سوف يتكفل بجلبها.
 و أكمل  صديقي( ر.ج. ص) حديثه:
ــ احتمال كبير غداً يتصل بنا، وتعهد أول استلامها سوف يجلبها بنفسه لنا.
قبل أن ينتصف نهار اليوم التالي رن هاتف المحل ليخبرني صديقي ( ر.ج. ص) أن صديقة رجل المرور، وصل قبل لحظات ومعه سنوية السيارة وطلب مني أن أتي إلى محله كي نشرب الشاي معاً.
و بعد التحية والسلام وبينما نحن تناولنا الشاي سلمني الرجل ـ رجل المرور ـ سنوية السيارة، فبادرت فوراً بدعوتهم على وجبة غداء. وافق الجميع بعد تكرار الدعوة عدة مرات.كان رجل المرور يصطحب معه ضيف أخر ــ رجل مرور أيضا ــ يعملان معاً في نفس المكان.
بعد الغداء وتناول الشاي ودعنا  انا وصديقي ( ر.ج. ص) ضيفنا ــ رجل المرور وصاحبه ــ بعد عن سلمته هديه نقدية رفض في البداية أن يأخذها، شكرته جداً على نخوته ومساعدته لنا، وأخيراً وضعت سنوية السيارة في جيبي بعد عشرة أيام من القلق!
 بعد عودتي لمحلي استفسرت عن سعر بورصة الذهب فوجدته لم يزل يراوح في مكانه منذ عشرة أيام مضت. قررت أن حالة القلق الثانية ؛ ققرت أن اشتري كمية الذهب التي بعتها، وبعد شرائها بالتمام والكمال (150 غرام ذهب خالص عيار 24)، كانت إرباحي من هذه الصفقة  كثيراً من القلق وقليل المال؛ فبعد أن أحصيت إرباحي وجدتها تقريبا بقدر سعر (زوجين القنادر) التي اشتريتها من الشركة العامة للجلود و معها عدد (الدجاجات) التي اشتريتها في نفس ذلك اليوم.
كتبت في مالمو 11 كانون الثاني2012




  

93
بكثير من الحنين واللهفة زرت مندي بغداد

بقلم يحيى غازي الأميري 
في البدء نسجل أسفنا الشديد لتأخرنا بنشر شيء عن زياراتنا لبيتنا الكبير"مندي الصابئة " في بغداد، وعن لقائنا بأصدقاء وأحبة أبعدتنا عنهم ظروف قاهرة مرت على البلد وأجبرتنا على الهجرة والتغرب، وكذلك نسجّل شيئاً عما شهدناه خلال زيارتنا من نشاطات مثمرة كبيرة جرت في حياة المؤسسة المندائية تسجّل بكل فخر واعتزاز لإخوتنا العاملين في مجالسها بالعراق عموماً وفي بغداد خصوصاً؛ نسجّلها بكلِّ فخر لجميع أخوتنا وأهلنا من استمر منهم بالعمل المثابر المكمل لما بدأته الدورات السابقة.
 

كاتب السطور " يحيى غازي الأميري " أمام القاعة الرئيسية لمندي الصابئة المندائيين / بغداد في 13أب 2010


نكتب تقديرنا وامتناننا لجهودهم المتميزة التي بذلوها ونسجلها مع باقات من المحبة لكل من ساهم بهذه الجهود والنشاطات الخلاقة، فقد عملوا في ظروف استثنائية متحدين المخاطر والصعاب الجسيمة والأوضاع المأساوية المرعبة التي مرت ولم تزل تدور وتدور فيها البلاد.
  لقد دونتُ  إثناء زياراتي لمندي الطائفة " مندي القادسية " في بغداد، والتي تكررت أكثر من مرة ، بعض الملاحظات، والتقطتُ العديد من الصور وحضرت البعض من نشاطات ونقاشات المؤسسة المندائية والعاملين فيها ومن المهتمين في شأنها.
ونقولها للأمانة أنها نشاطات وإعمال مثمرة وشجاعة ومتميزة قد حدثت خلال الفترة المنصرمة منذ توديعي العراق في 30/أيلول /2001 لغاية زيارتي لمندي بغداد في شهر آب  2010 وجدتها أعمالاً ونشاطات تـُـفـرح وتُسر المتابع لأحوال الطائفة في بغداد، رغم نزيف الهجرة الكبير الذي أصابها، والذي اقتلع الأغلبية من أبناء الطائفة المندائية ،اقتلعها من جذورها الضاربة بالقدم في بلاد مابين النهرين، فقد فروا مرغمين تاركين وطنهم وأرثهم وتاريخهم الطويل؛ لتتلقفهم المنافي والشتات، كنت أتابع  ولم أزل نشاطات طائفتي المندائية وهمومها ومآسيها من خلال ما ينشر عنها في المواقع المندائية أو ما تنشره الصحافة وما تبثه محطات التلفزة الفضائية عنهم.
أتابع ما ينشر بحرص وشغف، أفرح لفرحهم واحزن وأتألم لويلاتهم، وأساهم مشاركاً في الكتابة والنشر في مختلف المنافذ الإعلامية عن أفراحهم وأتراحهم ومدافعا ًعن حقوقهم واستحقاقاتهم في الدولة العراقية بكل ما يسعفني به قلمي .
 ومن خلال رصدنا ومتابعتنا لذلك [ بالتأكيد ليس الجميع متفق على كل شيء] فقد تكون هنالك بعض الاختلافات والخلافات والصراعات على هذا الموقف وذلك البرنامج وتلك الفكرة لكن على العموم هنالك أعمال وأفعال تفرح لها النفس، سُجلت على أرض الواقع تستحق منا كل التقدير والإعجاب.
وخلال زياراتي الأولى والتي كانت في يوم الجمعة 6/أب/2010 وبالحقيقة كانت زيارتي للمندي بدون علم إي شخص وبدون ترتيب موعد مسبق كما يقال لقد كانت زيارة مفاجئة، كنت قد وصلت قضاء  العزيزية /واسط  بتاريخ 11/تموز/2010 بسبب تردي الحالة الصحية لوالدتي؛ كانت درجة الحرارة في العراق قد وصلت في هذا اليوم  " يوم وصولي  مطار بغداد " درجتان فوق نصف درجة الغليان كما كانت تعلنها الأنواء الجوية، لكنها كانت بالحقيقة 10 درجات فوق نصف درجة الغليان.
 بعد أن بدء الوضع الصحي لوالدتي بالاستقرار والتحسن، قررت زيارة مندي بغداد واخترت يوم الجمعة 6/أب/2010 لمعرفتي بان كل يوم جمعة يكون المندي مكتظ  بالحضور، حيث اللقاءات والاجتماعات لمؤسسة الطائفة، استأجرت سيارة تاكسي من العزيزية، واتفقت مع سائقها أن يوصلني إلى مندي الصابئة في بغداد /القادسية، كانت السيارة من الموديلات الحديثة مكيفة، فتح سائق السيارة التبريد، بعد لحظات كان الجو داخل السيارة منعش ببرودته نقلني إلى جو صيف السويد الرائع، أحسست بقشعريرة البرد تسري في جسمي، فيما كانت درجات الحرارة خارج السيارة تأخذ بسرعة تصاعدية  كلما تقدم الوقت نحو الظهيرة، وأنا اجلس في السيارة كانت عيناي تتنقل بسرعة إلى مشاهدة جانبيّ الطريق، أقارن مع كل مشهد جديد أشاهده بما بقي بخزين الذاكرة عن تلك الصورة التي كانت قد رسمتها له وأودعتها في إحدى دروب خزانته القصية؛ فهذا المصنع كنت قد عملت فيه وهذه الدائرة كانت محطة عملي الأولي بعد التخرج، وتلك القرية" قرية طُليحة"  معظم سكانها كانوا عمالاً في دائرتي الأولى في مزرعة الصويرة ،عشرات المحطات ارصدها المزارع المصانع الأنهار، القرى، بستان الدفتري بستان حامد السيد، مرقد الإمام تاج الدين** التاج** ، وفي نفس الوقت كنت أشاهد ما جرى من تغيرات خلال فترة العشر سنوات التي فارقتها.
 بعض المشاهدات السريعة التي علقت بالذاكرة  والتي استذكرتها وأنا ادون مقالتي هذه ، زيادة كبيرة في الأراضي القاحلة، عشرات القرى والتجمعات الصغيرة المتناثرة تم إنشاؤها حديثاً، مئات من الدور الحديثة الطراز، وبموديلات مبهره تشد الناظر لها، عشرات من الكراجات الكبيرة المتخصصة للسكراب، وأخرى لتصليح السيارات، أطفال بإعداد كبيرة تبيع وقود السيارات وكارتات التلفونات وعلب السكائر وقناني الماء البارد على قارعة الطريق هنا وهناك، زيادة ملحوظة في عدد نقاط التفتيش العسكرية التي توزعت على طول الطريق، فيما تنتصب بناية بوابة كبيرة حديثة لم تكتمل بعد تشير إلى الحدود الفاصلة بين محافظة بغداد ومحافظة واسط ، ألاف من بلوكات الكونكريت الضخمة زُرعت في أماكن عديدة على جانبي العديد من الشوارع، عشرات الكلاب السائبة تتجول على شكل قطعان، نساء وأطفال يقودون قطعان ماشيتهم وأغنامهم، بساتين النخيل تنتصب زاهية ؛ كانت بعض المشاهد مفزعة، أعادت لي صورة ما كانت قد بثته الفضائيات والصحافة عن أيام النهب والتخريب التي ضربت البلد مثال ذلك كنت قد تركت منشآت كبيرة منتجة عامرة  قبل مغادرتي العراق، كنت أتوقع أن أشاهدها بعد عشر سنوات أكبر وأجمل لكن السراق حولها في حملة الفرهود التي ضربت البلد في نيسان  2003  إلى خرائب وأنقاض، مثال ذلك معمل إنتاج العلف الحيواني في مزرعة الصويرة الذي يتوسط المسافة بين بغداد والعزيزية ،على الطريق الدولي السريع الذي يربط بغداد بمحافظات الجنوب العراق، فقد بقيَّت من هذه المنشآت أنقاض بائسة قابعة في الركن المجاور لمدخل الطريق المؤدي لقضاء الصويرة.
 بعد أن أنتصف النهار وصلت المندي، شكرت السائق الذي أوصلني وودعته، تقدمت بخطــوات حــذرة إلى نقطة الحراسة و التّـي تتحصن خـلـف سياج ضخم عالٍ من الخرسانة( بلوكات كونكريتية ) حييتهم وسألتهم عن مكان تواجد أعضاء مجلس الشؤون و مقر إدارة المندي، كان بعض الشباب يقف بالقرب من الحرس يتهامسون فيما بينهم، فيما نظراتهم تحدق بي، لحظات أخبرني أحدهم وابتسامة عريضة على محياه أنه يعرفني، عندها أخبرني أحد افرد نقطة الحراسة، أنهم في اجتماع في قاعة الشيخ دخيل في البناية الجديدة وأشار لي بيده ، قدمت لهم الشكر.                                                       
 سرت عدة خطوات كان نظري مشدود إلى منظر البناية الجديدة، التي تم بناؤها حديثاً ،كانت سعادة غامرة قد تغلغلت بشدة ودخلت قلبي بلا استئذان؛ بناية أنيقة جميلة مغلفة بالحجر الوردي، لون الشبابيك وبعض الأحزمة التي تجمّل البناية كان متناسقاً جدا مع لون الحجر الذي غُـلفت فيه البناية، سرت عدة خطوات متجهاً مباشرة نحو القاعة الجديدة، على الجانب الأيسر من مدخل القاعة قطعة خطت بحروف ذهبية بارزة  {{" قاعة الشيخ دخيل الشيخ عيدان}} و قبل أن افتح باب القاعة وقـفت لحظات متأملاً البسملة المندائية المثبتة  فوق الدرفش الحجري المثبت هو الأخر داخل البناء فوق الباب مباشرة قرأت البسملة  المثبتة *** بسم الحي العظيم *** عندها، أحسست بنشوة جميلة سرت بجسمي، نشوة فيها كثير من الحبور والفرح، كانت لفحات من التبريد المنعشة ترتطم بوجهي؛ لتزيل عني بعض الحرارة التي بدأت تدب في جسدي؛ حرارة اللقاء المنتظر، وحرارة الجو البغدادي في شهر آب؛ عند فتحي باب القاعة، القاعة كبيرة مكتظة بالحضور، سرت بضع خطوات وأديت التحية بصوت مرتفع قليلاً جعلت الجميع يسمعه، كنت اسمع رد التحية يأتي من أماكن مختلفة من داخل القاعة، جلت بنظري في القاعة، كانت عدة أماكن بالقرب من مكان وقوفي فارغة، اخترت أحدها وجلست فيه، لحظات وهب واقفاً مرحباً ومحيياً قدومي صديقي العزيز داخل يوسف عمارة سكرتير مجلس العموم، واتجه نحوي تاركاً مكانه والذي كان فيه يدير جلسة الاجتماع، وعند وصوله بالقرب مني حياني معانقاً وسحبني من يدي وأشار إلى كرسي بالقرب منه، أستأذن من الحضور وقدمني  للحضور معرفاً بشخصي لمن لم يعرفني من السادة الحضور في القاعة ،استأذنت من صديقي العزيز الأستاذ داخل يوسف، وتحدثت مع الجميع عن أسفي الشديد لدخولي القاعة بغير موعد مسبق ومقاطعتي للاجتماع.
 

صورة للبناية الجديدة ضمن مندي بغداد في 13 / آب/ 2010

 أخذنا فسحة قصيرة جميلة لتبادلت التحيات والقبلات مع أحبتي وأخوتي وأهلي من الحضور، الذين فارقتهم مجبرا من عشر سنوات ،بعدها استأنفت الجلسة تكملة برنامجها ونقاشاتها، أصغيت لحواراتهم ودونت بعض ملاحظاتي عليها، أثناء الجلسة اقترح رئيس الجلسة**الأستاذ داخل يوسف عمارة **على الحضور، أن أشاركهم الجلسة بالتحدث بشيء من الإيجاز عن أوضاع الطائفة في الخارج، فتحدثت عن ابرز ما حققته الطائفة وشيء عن معاناتها معبراً بذلك عن وجهة نظري الخاصة من خلال قراآتي لما يدور في حياتنا الجديدة وبعدها وجه لنا بعض الأخوة الحضور بعض الأسئلة والاستفسارات بخصوص ما تحدثت به.
بعد انتهاء الاجتماع كانت هنالك لقاءات شوق ولهفة ومعانقة للعديد من الأصدقاء والأحبة، والاستفسار عن أحوالهم.                                                                         
أمطرنا العديد من الأصدقاء بدعواتهم الكريمة للذهاب معهم وتناول الغداء بضيافتهم فالساعة كانت قد قاربت الثالثة بعد الظهر، استقر الرأي أخيرا أن أذهب مع الدكتور وليد شلتاغ وشقيقة خالد لتناول الغداء ؛ فـصديقي خالد حميد شلتاغ لم ألتقيه منذ أخر لقاء جمعنا في صيف عام 1978 عندما كنت موفداً إلى شمال العراق من قبل دائرتي (وزارة الزراعة / الشركة العامة الإنتاج الحيواني )  وقد شرّفني بزيارته  في ذلك الوقت مع صديقنا العزيز رتاب الأميري وبقيا في ضيافتي عدة أيام في مصيف صلاح الدين / أربيل.             
كانت وليمة غداء لذيذة ** بط محمص مع الرز ** جمعتنا مع الأهل والأحبة في بيت صديقنا عضيد شلتاغ، والذي أيضا فارقته منذ عام 1978  سرحنا في جلستنا بأحاديث في مختلف المواضيع، قبل حلول المساء عدت أدراجي إلى كراج النهضة ومن ثم إلى مدينة العزيزية.
 في اليوم الثاني السبت  7/آب/ 2010 هاتفني صديقي العزيز رعد جبار صالح معيلو { أبو لينا } يخبرني أن إخوانه في مجلس شؤون الطائفة/ المندائية ، سوف يعدون وليمة غداء على شرفي ويطلب مني تحديد اليوم الذي يمكني الحضور فيه، فشكرته على هذه الدعوة الكريمة وحددنا الجمعة القادمة، أن نلتقي في البداية في بيتنا الكبير " مندي القادسية { ثم نذهب إلى وليمة الغداء }  واخبرني صديقي العزيز انه يمكنني دعـوة من ارغب من أصدقائي أن يشركنا الوليمة؛ استفسرت من صديقي أبا لينا عن بعض الأسماء فاخبرني إنهم من ضمن المدعوين، فأخبرته أني سوف أدعو شخصين أو ثلاثة أشخاص معي.
لم أوفق في اتصالاتي المتعددة بهاتف صديقي الحميم *أبي أوس *{{ حسني مبارك مال الله }}*من التحدث إليه ، فقد كنت أود دعوته لوليمة الغداء وهي فرصة سعيدة أن ألتقيه، فقد كان رد هاتفه كل مرة يُعلن( نأسف لكون الرقم المطلوب خارج التغطية.)                   
 لكني ، وفقت بالاتصال بالصديق العزيز دكتور أسعد جبار الناشئ ووجهت له الدعـوة والذي قبلها متشكراً، واتفقت معه أن يكون موعدنا في المندي صباح يوم الجمعة 13/ أب وكذلك دعـوت لوليمة الغداء أبن أخي بسام فيصل الأميري والذي يسكن على بعد عـدة خطوات عن بيت والدتي في العزيزية، وقد رحب بالدعوة واعتبرها زيارة للمندي ووليمة غداء معاً.     
استيقظت صباح هذه الجمعة13/ أب مبكراً فالكهرباء الوطنية قد انقطعت في الساعة السادسة صباحاً، استيقظت والدتي أيضا أعددت لها طعام الفطور، كأس من اللبن وصمون حار، جلبته من فرن الصمون الذي يقع على بعد عدة خطوات من دار والدتي، وجمعت بصحن صغير قليل من حبات "الرطب" التمر من نخلات حديقتنا، ومع قدح من الشاي، شاركت  أُمـــي طعام فطورها.
استأجرنا أنا وأبن أخي بسّام سيارة أجرة أقلتنا إلى المندي  في القادسية وصلنا حواليّ الساعة العاشرة صباحاً،تجولت في أروقة المندي، لم أتمكّن من دخول مكتبة المندي فقد كانت الباب موصدة ، في أحدى الغرف المجاورة للمكتبة شاهدت الشابة الأنيقة المهذبة المثابرة الأستاذة أشواق نصرت الشاوي تتأبط دفاترها حييتها بحرارة، فردت التحية بابتسامة مشرقة، تجاذبنا أطرف الحديث، أخبرتني أنها أكملت دراسة الماجستير من جامعة بغداد عن المندائية وأنها لم تزل مستمرة في تدريس أبناء الطائفة اللغة والدين المندائي بنفس الهمة العالية التي رأيتها فيها في أوقاتٍ سابقة .           
التقطت بعض الصور لبناية المندي القديمة والجديدة ،ومن ثم ذهبت لبناية المندي الجديدة والتي تضم مجموعة من الغرف والتي اُستغلت مقراتٍ لمجالس الطائفة ومجلة أفاق مندائية وإدارة المندي مع قاطع للحمامات، جميع الغرف مؤثثه أثاثاً جديداً أنيقاً، بالإضافة لقاعة كبيرة منفصلة عن البناية مخصصة للاجتماعات والمؤتمرات، كما يوجد  للقاعة مدخل خاص بها.
وخلال تجوالي في البناية التقيت بالعديد من الأحبة والأصدقاء وتجاذبنا الحديث مع العديد منهم، ومنهم الأستاذ والصديق الأديب ياسين الناشيء ** أبو حيان** والذي اخبرني عن تأسفه لعدم تمكنه من الحضور لدعــوة الغداء ؛ لارتباطه بموعد مسبق.
  سألت عن فضيلة رئيس الطائفة  الكنزفرا ستار جبار حلو وعن بقيّة الأخوة في مجالس الطائفة ،فأخبرت أنهم قد ذهبوا في وفد كبير لزيارة صديقنا العزيز ** أبي علاء **حسين راضي زبون الزهيري والذي يمر بظروف صحية صعبة يصارع فيها مرض عضال ألم به، حضر صديقنا دكتور اسعد الناشيء على الموعد المتفق عليه، فاتخذنا من احد غرف المجالس أعتقد غرفة مجلس الشؤون مكاناً للانتظار فكانت فرصة طيبة تجاذبنا فيها الحديث مع العديد من الأصدقاء.
بعد أكثر من ساعتين من الانتظار أطلّ علينا رئيسُ الطائفة والوفد الذي رافقه، فحييتهم بحميمية  وشوق وبعدها دارت بعض الحوارات الحيوية التي تهم الطائفة،في جلسة اكتظت معها  الغرفة بالحضور، التقطنا بعض الصور التذكارية، اعتذر رئيس الطائفة من الحضور معنا لوليمة الغداء لارتباطه بموعد ضروري مسبّق. توجهنا إلى الدار التي أعدت لنا دعوة الغداء، في دار احد أخوتنا وأحبتنا الصديق المفضال جمال عزيز خصاف، في منطقة اليرموك.                     
استقبلتنا العائلة الكريمة بطيبة ومودة،خلال تناول المرطبات وبعض المقبلات دارت أحاديث ودية حميمية أغلبها كان فيما يخص الهم المندائي والهم العراقي الذي يرافقنا كظلنا في كل مكان وزمان.                                                                 
ومن خلال زيارتي الأولى والثانية استمعت للعديد من وجهات النظر لأصدقاء وأحبة من العاملين في مؤسسات الطائفة، ووجدت هنالك خطوطاً عريضة طموحة  للتطوير والإبداع  والمحافظة على كيان الطائفة وصيانتها؛ فسياسة الطائفة تُرسم بالتحاور والتشاور في مؤتمرات و مؤسسات الطائفة ؛ فعلى الرغم اختلاف البعض في طرح وجهات نظرهم [وقد تكون قسم منها لا تتفق بشكل أو أخر مع البعض ] من خطوط السياسة العامة للطائفة التي تقرها مؤسساتها، لكنها لم تشكّل تقاطعـاً أو صراعـاً حاد غير قابل للحل. وقد وجدت هناك  نقاشات جدية في متابعة أعمال المؤسسة المندائية ونشاطاتها فيه مجال واسع لحرية التعبير والمناقشة وإبداء الرأي والرأي الآخر، ومقارعة الحجة بالحجة ... وقد وجدت هنالك العديد من الشخصيات المقتدرة على تذليل التقاطعات والعقبات وابتكار العديد من الحلول الجديدة الناضجة للملمة الشمل وتوحيد الجهود، من اجل خير ورفعة المندائية.
 فتحية لجميع أحبتي الذين تشرفت بلقائهم ومنهم السادة الأفاضل علي حسين، طارق الرومي، كامل كريم، عايد مهاوي الزهيري، خالد أمين الرومي، د.وليد شلتاغ، سعدي ثجيل، خالد حميد شلتاغ، ياسين الناشئ، داخل يوسف عمارة،نوري سبتي سهر، وشكوري فرحان، وفضيلة الترميذا علاء عزيز، رعد جبار صالح، جمال عزيز خصاف، د. أسعد الناشئ، صباح الدهيسي و بدر بعيو والذي أهدانا مشكوراً أربعة أعداد من العدد الجديد من مجلة أفاق مندائية وكذلك للجنة الشباب المندائي و لمدير الأداة الغالي أبو جميل والذي وجدته على نفس نشاطه وحيويته المعهودة منه!
في الختام نقول كلمة شكر لمن تكـرّم وضيفنا في داره العامرة... لقد كانت وليمة الغداء، عامرة كبيرة متنوعة نسجًل امتناننا وجزيل شكرنا ممزوجة بمحبتنا لتلك الأيادي الكريمة لسيدة البيت وأسرتها التي أعدت هذا الطعام الشهي والسخي واستقبلتنا وودعتنا بطيب كرمها، وفائق شكري وامتناني لتلك المبادرة الكريمة بإقامة هذه الوليمة من قبل أحبتي وأصدقائي في مجلس شؤون الطائفة المندائية في بغداد/ العراق.               
أناه مجموعة من الصور لزيارتنا الأولى للمندي بتاريخ 6 / آب/ 2010
 

مندي بغداد 6/آب/2010   من اليسار السادة الأفاضل الترميذا علاء عزيز ، رعد جبار صالح ، خالد حميد شلتاغ، علي حسين أثناء حضوري لإحدى اجتماعات مجلس عموم الطائفة


قاعة البناية الجديد في مندي بغداد  بتاريخ 6/8 / 2010  أثناء حضوري لإحدى اجتماعات مجلس عموم الطائفة و يظهر في الصورة الأصدقاء الأعزاء الأفاضل من اليسار خالد أمين الرومي ،جمال عزيز خصاف د.وليد شلتاغ ، رعد جبار صالح ، يحيى الأميري 




 
مجموعة من صور زيارتنا الثانية للمندي بتاريخ 13/آب/ 2010

التقطت الصورة أثناء زيارتي لمندي الصابئة المندائيين في بغداد بتاريخ 13 أب 2010 يظهر في الصورة من اليسار الأساتذة الأفاضل الصديق العزيز داخل يوسف عمارة ومن ثم كاتب السطور يحيى الأميري ، ومن ثم الصديق العزيز النائب خالد أمين الرومي ، فضيلة رئيس طائفة الصابئة المندائيين في العراق والعالم الكنزبرا ستار جبار حلو، الدكتور وليد حميد شلتاغ، الدكتور اسعد الناشيء ، والصديق الحبيب رعد جبار معيلو الخميسي

 
مندي بغداد 13/ أب /2011 من اليسار د.أسعد الناشئ، بسام الأميري،فضيلة الكنزبرا ستار جبار حلو ، يحيى الأميري ، داخل يوسف عمارة


احدى غرف البناية الجديدة لمندي بغداد غرفة مجلس الشؤون في 13/ آب/ 2010 من اليسار الدكتور أسعد الناشيء كاتب السطور يحيى الأميري ، رعد جبار صالح
بعض الصور في ضيافة دار أخينا وصديقنا جمال عزيز خصاف  في 13/ آب/ 2010


 

مالمو في19 كانون الأول 2011



94
بطلقات كاتم الصوت تّكتم حياة الصوت المدوي المبدع هادي المهدي
 
يحيى غازي الأميري
في فوضى العراق المرعبة، بات كاتم الصوت المجهول أسهل الطريق لتصفية الخصوم ولتحجيم دور المعارضة ولتكميم الأفواه.
أي هلع وفوضى يريد أعداء الوطن بثها في روحك يا عراق!؟
أي رعب اسود يريدون أن يلفك أيهــا البلد الذي أضحى فيه هدير الصوت طلقات تخيف الذين يعيثون فسـاداً في أرض السواد؟
أتعلم يا عراق
 أي موت مخيف وأي خراب كبير وعذاب مرير انتشر فيك؟
أتعلم يا عراق
كم من الخطط المفزعة يعد لك أعداؤك في الخفاء؟
أتعلم يا ساكن الأحداق
كم ألف رطل من الدم البريء في كل يوم على ترابك يراق؟
 أنهض يا عراق!
رغم جراحاتكم النازفة
 أنهض يا عراق!
فهل باتت لا توقظك كل لوعات الحزن وأنواع الشقاء
أتسمع يا عراق ... نشيج ملايين الجياع
أتسمع  يا عراق ... ففي بكاء ملايين الضحايا والثكالى والأيتام ألف وجع يصرخ ويناديك أنهض يا عراق!
انهض واجبر بخاطرها وحررها من سطوة الجور والظلم وآفات الفساد
أنهض وارمي عنك القيود والأغلال والأصفاد!


التهميش والإبعاد والإقصاء ورصاص الغدر الكاتم  للحريات، يلاحق مبدعي ومثقفي وثوريّ  العراق من جديد، مثال ذلك كامل شياع، علي اللامي،هادي المهدي... بزخات من الرصاص غير المسموع يهطل على رؤوس وصدور أبنائـه النجباء، هكذا تسير الأمور الجديدة  لتطرز خارطة حديثة للعراق الديمقراطي الجديد.
قبل فترة، كان الرصاص القاتل الكاتم يجول في شوارع البلد وهو يوزع وروده الملتهبة في عز صيف العراق الذي تتجاوز حرارته 50 درجة مئوية، إلى صدور ورؤوس رجال المرور وهم يحاولون إصلاح وتنظيم جزء من خراب فوضى شوارع الوطن.
كاتم الصوت مستمر يعمل دون كلل وملل بمسلسلات فرعية أخرى وهي تحاول في جهدها المتواصل أن تصل الليل بالنهار وذلك بملاحقة فرائسها من التجار وحراس البنوك الحكومية والأهلية وصاغة الذهب وسائقي سيارات الأجرة والأطباء وأساتذة الجامعات وحراس الوطن وحتى الحلاقون لم يسلموا ... وتطول قائمة من تشملهم ملاحقة حامل كاتم الصوت المجهول.
 السفاحون والذباحون يسرحون عابثين في البلاد مرعبين العباد وهم يشحذون سكاكينهم لينحروا بها رقاب أبناء الشعب جملة ومفرق تساندهم المفخخات والمفرقعات ومئات من مجاميع لحملة الأحزمة الناسفة ولاصقي العبوات الناسفة وفوق كل هذا وذاك ترى زيادة مضطردة بالأزمات وانحدار واضح بقلة الخدمات.
 أنها دورة الديمقراطية والعدالة والقانون التي طالمـــا أنتظرها شعب العراق المسكين بعد عناء مدمر مرير، فريد من نوعه في الصبر والتحمل؛ أنها إحدى دورات التطور التي حدثنا عنها العالم العربي أبن خلدون بقراءته لتطور المجتمع العربي والإسلامي في مقدمته الشهيرة.

في دورتنا هذه برز دور القاتل المجهول والذي سوف يبقى يصول ويجول، وبيده الكاتم المهبول، أنه سيناريو معلوم لكاتب ليس بالمجهول، هذا السيناريو المقزز لمسلسل طويل ممل في حلقاته ففيه من القتل والتهجير والاختطاف والسلب والنهب والرعب والفزع والجزع والخوف والهلع ما يحبس أنفاس مشاهديه ويكمم أفواههم، ويجفف مداد أقلامهم، وينهي أحلامهم، ويديم أحزانهم ويكثر من شجونهم وهمومهم، أنه قمة بالتراجيديا والدراما العراقية المبتكرة الحديثة والمستوردة من وراء الحدود، القاتل المجهول ذو القفازات الحريرية البيضاء، رصاصاته الكاتمة لن تخطأ الرأس أو القلب، القاتل المجهول سوف ينتشر من جديد متربصاً كالظل في كل الشوارع أنه بانتظار المبدعين من متعددي المواهب والمهن والحرف وأصحاب المواقف الوطنية الشريفة، والحالمين بغدٍ أفضل.

من أخر كلمات الشهيد هادي المهدي
*** لقد سئمت مشاهدة أمهاتنا يشحذن في الشوارع ***
لنرى ما هو موقف الدولة من اغتيالات الكاتم المجهول ولنأخذ واحد فقط من عشرات التصريحات الرسمية العراقية، سوف أستل مقطعـاً  صغيراً من تصريح مكتب رئيس مجلس النواب العراقي "أسامة النجيفي" والذي نشرته العديد من المنافذ الإعلامية يقول فيه((  مقتل الإعلامي هادي المهدي له بعد سياسي خطير وسيتم متابعة التحقيق في اغتياله وفضح كل المتورطين)) انتهى النص المستل؛
ترى هل نبقى وراء كل جريمة نسمع فقط بالتصريحات المقرونة بالقصاص العادل من القاتل المجهول.
الشهيد هادي المهدي فنان مسرحي قدير وكاتب وإعلامي غزير الإنتاج وناشط سياسي مستقل اغتيل غدراً في داخل شقته في منطقة الكرادة الشرقية وسط العاصمة بغداد برصاصات كاتم الصوت المجهول بتاريخ 8/أيلول/20011 ...
 
كتبت في مالمو بتاريخ 22 / أيلـــول 2011
 


95
حفل تأبيني مهيب في مدينة مالمو للفقيد المبدع هادي المهدي




بقلم يحيى غازي الأميري
مساء يوم الأحد 18/أيلول /2011 توافد جمهور غفير من النساء والرجال من أبناء الجالية العراقية المقيمة في مالمو وضواحيها إلى مقر الجمعية الثقافية العراقية في مالمو/ السويد ، وقبل بدأ الاحتفالية  في موعدها المحدد كانت قاعة الجمعية قد غصت بالحضور، وذلك تلبية لدعوة وجهها التيار الديمقراطي العراقي والجمعية الثقافية العراقية في مالمو لإقامة حفل تأبيني لفقيد الثقافة والوطن المناضل والفنان المسرحي والكاتب والإعلامي الشهيد هادي المهدي ، والذي اغتيل غدراً في شقته بمنطقة الكرادة الشرقية وسط العاصمة بغداد بتاريخ 8/أيلول/2011بطلقات كاتم الصوت المجهول.
 
صور الإعلامي تحسين المذري أثناء تقديمه لاحتفالية الفقيد هادي المهدي
كان الحزن والشجن والألم يعتصر قلوب الجمهور الغفير الذي جاء للمشاركة بهذا الحفل التأبيني، الحزن واضح على سحنات الوجوه، ابتدأ عريف الحفل الأمسية الزميل الكاتب والإعلامي القدير تحسين المنذري "مرحباً بالحضور الكريم، معلناً أن أمسيتنا بضيافة التيار الديمقراطي العراقي والجمعية الثقافية العراقية في مالمو، حيث جئنا جميعا مؤبنين أحد مناهضي زمن الظلام ،واحداً ممن تصدوا لرموز الزمن المشوه هذا؛ ليس بالكلمة فقط بل بالفعل اليومي، بالتحشيد المستمر والمساهمة الفاعلة والحضور القوي اليومي في أيام ساحة التحرير، أنه الإعلامي والفنان هادي المهدي ،حيث تزامن استشهاده مع الذكرى الثالثة لاستشهاد المفكر والإنسان الشهيد كامل شياع؛ وبعدها طلب من الحضور الكرام الوقوف دقيقة صمت حداداً واستنكاراً."
وبعدها قرأ الأستاذ تحسين المنذري بعض من أخر العبارات التي كتبها الشهيد هادي المهدي قبل اختياله بساعات وذلك  على صفحته في الفيسبوك يقول في البعض منه:
" سأشارك في التظاهرات واني من مؤيديها... لقد سئمت مشاهدة أمهاتنا يشحذن في الشوارع... ومللت من أخبار تخمة ونهب السياسيين لثروات العراق"
وأردف المنذري قائلاً " تلك باختصار هي خلاصة ما يريد وهي بذات الوقت بعض مما يسعى ويعمل من أجله الأخيار من أبناء شعبنا وفي طليعتهم التيار الديمقراطي ."
ثم طلب من
1-   السيد الفاضل العزيز صادق الجواهري " أبو إبراهيم" بالتفضل لإلقاء كلمة التيار الديمقراطي العراقي في جنوب السويد وبعد كلمة التيار الديمقراطي  العراقي قدم الزميل تحسين المنذري للفقرات التالية لحفل التأبين وخلالها كان يقدم العديد من الفقرات التي تتحدث عن أبرز منجزات وإبداعات ومساهمات الشهيد المحتفى به هادي المهدي, وكذلك معرفاً بالسادة الأفاضل من المشاركين بتقديم مداخلاتهم ومساهماتهم الواحد تلو الأخر.
وكانت فقرات الحفل التالية كما يلي :
2-   كلمة الجمعية الثقافية العراقية في مالمو /ألقاها الزميل العزيز عصام الخميسي، وقد تضمنت موقف الجمعية الثقافية مما يجري بحق المثقفين والثقافة العراقية من عسف وقتل وإبعاد.
3-   مساهمة الأستاذ الدكتور المسرحي حميد الجمالي/ والذي قدم مداخلة قيمة مسلطاً فيها الضوء عن شيء من إبداعات الفقيد.

4-   مساهمة الزميل العزيز الفنان المسرحي علي ريسان/ قدم مداخلة متميزة وكانت قراءة شعرية مسرحية
5-   مساهمة الزميل والصديق الشاعر المبدع حسن الخرساني / وكانت قصيدة شعرية رصينة بليغة بحق الفقيد هادي المهدي.

6-   مساهمة الفنان المسرحي العزيز فاضل حجازي/ وقد تحدث عن ابرز نشاطات ومواقف وأراء صديقة وزميله الشهيد هادي المهدي

وقبل أن يقدم الزميل تحسين المنذري صاحب المداخلة الأخيرة في الأمسية  بدأ حديثة " يبقى الوطن مجللا بالظلام وتبقى أمهاتنا متلفعات بالسواد؛ ثكلى بنا ، أن لم نقل لا... لا... كبيرة بوجه أعداء الحرية والوطن." وبعدها طلب من الحضور وضع تواقيعهم على وثيقة احتجاج  موضوعة على إحدى الطاولات والتي سوف ترفع إلى السلطات العراقية .
ثم قدم الزميل تحسن المنذي تعريفا ً عن :
7-   مساهمة الصديق الكاتب الدكتور حسن السوداني ،ولتي كانت كلمته  بليغة العبارات،في رثاء المبدعين، ومن ثم استمعنا إلى رسالة حوارية أعدها الدكتور حسن السوداني كرسالة حوارية بينه وبين الشهيد هادي المهدي فكان يقرأ الدكتور السوداني أسألته المحاورة على الفقيد هادي المهدي وكان يأتينا الجواب من خلال تسجيل مسجل كان الفقيد قد بثه من ضمن نشاطاته الإذاعية التي كانت تبث من خلال راديو" دي موزي" من خلال برنامجه الإذاعي " يا سمعين الصوت" ومن خلال المحاورة يتبين عمق التصاق وتفاني الشهيد هادي المهدي ومدى حبه للوطن واستعداده لتقديم روحه فداء للوطن والشعب.كان يرافق الدكتور حسن السوداني في تقنية الصوت والكومبيوتر عقيلته السيدة الفاضلة أسيل العامري.
تميزت الأمسية بحضور متميز لنخبة من الكتاب والأدباء والإعلاميين والفنانين العراقيين القاطنين في مدينة مالمو.

كتبت في مالمو بتاريخ 20/أيلول/2011


 

96
القضاء في العراق، أمسية ثقافية في مالمو


بقلم : يحيى غازي الأميري

حققت الجمعية الثقافية العراقية في مالمو أمسية ثقافية ناجحة شيقة باستضافتها الكاتب والقاضي الأستاذ زهير كاظم عبود، مساء يوم الجمعة 17/حزيران /2011  في مقر الجمعية كان عنوان محاضرته الثقافية  "القضاء في العراق" .
اغتنمت الجمعية الثقافية  فرصة عودة الأستاذ زهير كاظم عبود من العراق إلى مدينته مالمو/ السويد، والذي عاد إليها قبل بضعة أيام، والتي يقيم فيها منذ عام 1999 لتحقق أمسية ثقافية قيمة تحدث فيه الكاتب والقاضي والإعلامي المتميز الأستاذ زهير كاظم عبود عن القضاء في العراق.


مالمو / 1 أثناء تقدمي لأمسية القضاء في العراق للأستاذ زهير كاظم عبود

كلف كاتب السطور من قبل الهيئة الإدارية للجمعية الثقافية  في مالمو بالتقديم للأمسية وإدارتها؛ في الموعد المحدد الساعة السابعة والنصف ابتدأت الأمسية، مرحباً بالحضور الكريم الذي اكتظت بهم قاعة الجمعية، وكذلك بضيفنا العزيز، متمنياً  للجميع قضاء وقت سعيد فيه الفائدة و المتعة، وبعدها تحدثت وقرأت شيء من سيرة الأستاذ القاضي زهير كاظم وأبرز نشاطاته، المتعددة الجوانب فالأستاذ زهير بالإضافة لإصداره 26 كتاباً في مختلف حقول الكتابة، فهو ناشط غزير الإنتاج في كتابة المقالة الرصينة، وكذلك له نشاط متميز وحضور فاعل مشهوداً له في الساحة الثقافية والإعلامية.


مالمو / 2صورة لجانب من الحضور من الأمسية الثقافية القضاء في العراق للأستاذ زهير كاظم عبود


بعدها جاء دور ضيف الأمسية، الذي بدأ حديثه مرحباً بالحضور، والذي تربطه مع أغلبهم علاقات صداقة حميمة، ثم ابتدأ الأستاذ القاضي في حديثه عن القضاء في العراق، مستعرضا ً في جولة سريعة  من السرد التاريخي عن بداية نشأت تشكيل الحكومة العراقية، مروراً بأول دستور عراقي وضع في عشرينيات القرن الماضي مستعرضاً القضاء العراقي وتطور قوانينه.
ليدخل في حديثه الشيق المتسلسل في سرده عن " القضاء في العراق" بعد التغيير الذي حدث في 9/4 /2003.موضحاً هيكلية تشكيلاته الجديدة ، على ضوء التطورات والتغيرات التي حدثت في مختلف إنحاء المعمورة ، متوخين من خلالها نشأت مجتمع قوي سليم، تتحقق فيه العدالة، وتصان فيه مبادئ حقوق الإنسان، وكذلك استعرض أهمية استقلالية القضاء و شروط استقلاليته، و دور مجلس النواب في تشريع القوانين، اللجنة القانونية في مجلس النواب، كيفية إعداد القضاة،و دور معهد التطوير القضائي في ذلك.
 وكذلك استعرض موضحاً دور المؤسسات القضائية العراقية الجديدة ومهام عملها وابرز المعوقات التي تواجهها، ومن المؤسسات التي استعرضها في حديثه، المحكمة الدستورية، المحكمة الاتحادية العليا، مجلس القضاء الأعلى، محاكم الاستئناف، الجنايات، التحقيق. خلال استعراضه نقل صور عديدة من واقع القضاء في العراق، وكيف يعيش حالة الصراع والمخاض، من اجل إرساء أسس ودعائم سليمة قوية لتأسيس قضاء عراقي نزيه مستقل.
وبعد هذا الاستعراض القيم والذي دام زهاء ساعة كاملة والذي شد الحضور إلية ، لما يتمتع به الأديب القاضي زهير كاظم عبود من طريقة جميلة  شيقة في التحدث والمخاطبة والسرد والتوضيح. و بعدها شكرت ضيفنا الكريم لهذا السرد القيم الممتع ، لننتقل بعدها إلى الفقرة الثانية من الأمسية، لنفتح باب الأسئلة، المداخلات والاستفسار، وطلبنا من السيدات والسادة الحضور الراغبين في المداخلات والأسئلة تسجيل أسمائهم.
فكانت مداخلات واستفسارات وأسئلة متعددة متنوعة أغنت الأمسية بالمفيد من المعلومات وزاد من حيويتها شارك فيها السيدات والسادة الأفاضل من الكتاب والأدباء والفنانين والزملاء التالية أسمائهم " كاظم الداخل ، أبو هيثم ، إلهام زكي خابط ، أم ظافر ، محمد الشبيبي، باسم طالب الكيلاني،  فهد محمود "أبو مازن "، أبو ناتاشا، طالب محمود "أبو هشام"،  باقر غيلان الساعدي، فلاح صبار.
أجاب الأستاذ زهير كاظم عبود علي جميع الأسئلة ولاستفسارات والمداخلات، وكانت الفقرة الثانية من الأمسية إضافة جديدة  لتوضيح كل ما يدور في الأذهان عن "القضاء  في العراق" واقعه  دوره وأفاق مستقبله.     
 في ختام الأمسية  شكرنا حضورنا الكريم و قدمنا شكرنا وامتناننا باسم الجمعية الثقافية العراقية في مالمو مع باقة ورد عطرة   
لضيفنا العزيز الأستاذ زهير كاظم عبود.
أدناه باقة من صور الأمسية :



مالمو /3 صورة لجانب من الحضور من الأمسية الثقافية القضاء في العراق للأستاذ زهير كاظم عبود


 
مالمو /4 صورة لجانب من الحضور من الأمسية الثقافية القضاء في العراق للأستاذ زهير كاظم عبود



 
مالمو / 5 صورة لجانب من الأمسية الثقافية القضاء في العراق للأستاذ زهير كاظم عبود


 
مالمو /6  صورة لجانب من الحضور من الأمسية الثقافية القضاء في العراق للأستاذ زهير كاظم عبود


 
مالمو /7  صور من الأمسية الثقافية القضاء في العراق للأستاذ زهير كاظم عبود

ملاحظة : صور الأمسية ألتقطها بكامرته الخاصة الزميل والصديق العزيز فاضل زاير وبعثها لنا مشكوراً.

كتبت في مالمو 19/حزيران/ 2011
     
 


97
مدينة لوند السويدية تحتضن المئوية الأولى للعالم الفذ عبد الجبار عبد الله

بقلم: يحيى غازي الأميري

قبل الموعد المحدد لبداية الاحتفال والذي كان مقرر البدء فيه الساعة الخامسة مساءً من يوم 29 نيسان أحتشد عدة مئات من الحضور أمام مبنى أحدى مدارس لوند  ”Svaneskolan”فيما توزع القسم الأخر في أروقة المدخل المؤدي إلى القاعة ، كان هنالك معرض تشكيلي و بعض الصور الفوتوغرافية للعالم عبد الجبار للصور علقت بعناية على جدران المدخل، فيما صفت بعض المناضد ورصفت فوقها مجاميع من الكتب والمجلات التي أعدت للمناسبة، في تلك الأجواء كانت عشرات الكامرات تلتقط الصور، وعشرات من الحضور موزعين في حلقات صغيرة وكبيرة يعانق ويصافح بعضهم البعض فيما يتجاذب آخرون أطراف الحديث ؛ أنه لقاء فريد من نوعه ، العديد منهم لم يرَ أخاه  أو قريبه أو صديقه أو زميله منذ عشرات السنين، عشرات الوفود جاءت من مختلف إنحاء العالم لتعيد إحياء  ذكرى غالية على قلوب الجميع الا وهي احتفالية العالم العراقي المندائي الفذ الدكتور عبد الجبار عبد الله  .



لوند / اليوم الأول من احتفالية مئوية العالم عبد الجبار عبد الله
اللجنة المشرفة على الاحتفالية الجمعية الثقافية المندائية في لوند، كانت موزعة بعناية في جميع مداخل الاستقبال، ترحب بالحضور بود وتوزع مع ابتسامتها كراسات تتضمن منهاج الاحتفالية وكراساً يحتوي على شيء تعريفي عن الشخصيات التي سوف تشارك بمداخلاتها في برنامج الاحتفالية مع " باج " صغير يحتوي صورة للعالم المحتفى به.
 في الموعد المحدد افتتحت الباب المؤدية  إلى صالة الاحتفال.
بانت القاعة واسعة فارهة، وقفت على جنب أرقب الحضور، ما هي إلا لحظات حتى اكتظت  القاعة بالحضور الذيين  توزعوا  بانسيابية سريعة على الكراسي التي تحتويها صالة القاعة، فتحت الستارة عن

صورة كبيرة للعالم عبد الجبار عبد الله تتصدر الجدار الخلفي لمسرح القاعة، لوحة كبيرة رسمت بإتقان بريشة الفنان المبدع كاظم الداخل، بحجم 2,00م X2,10م رسمت بمادة الأكلير على الكانفس.


لوند/صورة لي بالقرب من المسرح وخلفية الصورة لوحة للعالم عبد الجبار عبد الله
صوت جهوري رخيم وبلغة عربية سليمة كان صوت عريف الحفل الفنان الأديب المسرحي صلاح الصكر يعلن افتتاح الاحتفالية المئوية للعالم عبد الجبار عبد الله  1911-2011  في لوند السويدية ( بعيداً عن أرض الوطن الأم العراق ) وبحركة مسرحية وبلطف يطلب من الحضور الوقوف دقيقة حداد على أرواح شهداء العراق ومن ثم عزف بعدها النشيد الوطني العراقي " نشيد موطني" أنصت الحضور إليه  وقوفاً بكل خشوع ، فيما كان العديد منهم يرددون النشيد، وحال انتهاء النشيد دوت عاصفة من التصفيق هزت أرجاء القاعة.
         
نظام الحكم في العراق تغييّر، وذلك منذ ثمان سنوات ونيف من الأشهر، ومنذ أول أيام التغيير والذي أتحفتنا به الديمقراطية العالمية الجديدة وراعيته الأولى أمريكا وشركائها في عملية التغيير والتي لم تتحقق حتى هذه اللحظة، كانت الوعود والبيانات والخطابات والتصريحات الثورية العراقية والعالمية  تنهال على العراقيين ببشرى تغيير الحال نحو الأفضل والأحسن والأرقى، وسوف ينتهي زمن القهر والبطش والتمييز والتفرقة والإقصاء والإبعاد والموت والجوع والخراب والفساد، وسوف تعاد الحقوق إلى أصحابها وسوف يكرم العلماء والمضحين بما يناسب حجم تضحياتهم وعطائهم للوطن والشعب، وتمضي السنون، مرعبة ثقيلة على الشعب والوطن، ومن سنة إلى أخرى والبلد يدخل مترنحاً في أتون دوامات مريرة، وصراعات شرسة جديدة مبتكرة ؛ تزخ أمطارها الكارثية كالبيانات النارية التي وعدونا بها، لكن هذه المرة بكوابيس حقيقية هائلة في رعبها وبشاعتها، منذ الأيام الأولى للتغيير والبلد مسرح مفتوح على مصا ريعه لتدخلات وتجاذبات وصراعات داخلية وإقليمية وعالمية، قوى عديدة تخطط وتنفذ مخططاتها و برامج مصالحها وتصفي حساباتها على حساب الوطن وناسه ومستقبلة . وتضع ألاف من المعوقات والعصي أمام أي خطوة يحاول البلد أن يخطوها نحو الاستقرار والخروج من الكوابيس المرعبة التي تلفه.
  ومنذ الأيام الأولى بعد التغيير كُتبت مئات المقالات ورُفعت العديد من النداءات، من مختلف القوى السياسية والوطنية العراقية ومن أبناء الصابئة المندائيين، عن ضرورة رد اعتبار وتكريم العالم الفيزيائي العراقي الفذ " عبد الجبار عبد الله"  فهو شخصية وطنية تقدمية يحضى بحب  شرائح واسعة من العراقيين على مختلف قومياتهم ومعتقداتهم واتجاهاتهم السياسية والفكرية ؛ فخلال فترة عمره القصير قدم  العالم " عبد الجبار عبد الله" عصارة فكره ، وطيبة روحه وأقصى جهوده بكل تواضع لبلده وشعبة، ورفع أسم بلده عالياً في مختلف المحافل الدولية، فيما ناله بنفس الوقت الكثير من الظلم والإجحاف والإذلال ؛ وخصوصاً بعد انقلاب 8 شباط 1963 ؛ حيث أودع السجن، ونكل به بشكل متعمد، وبعد إطلاق سراحه من باستيل البعث غادر العراق كسير القلب والجناح، لكن قلبه وعقله بقيا متعلقين بتراب الرافدين، يهيم حباً وشوقاً بأنهاره ، شطآنه ،اهواره، عواصفه الترابية، تقلبات طقسه، مشاريعه العلمية، مظلته المطرية بقرب والده الكنزفرا عبد الله الشيخ سام، شريعة التعميد في الكريمات، جامعته وكلياتها، بحوثه، طلابه، أصدقاءه، قلعة صالح، العمارة، الكريمات، فقراء وطنه، حديقة بيته، أماله تطلعاته، مشاريع الطاقة الذرية، هناك في الغربة في أمريكا استقر فيه المطاف والعمل وهو في قمة عطائه العلمي، كان وعند حضوره مشاركاً في المؤتمرات والمحافل الدولية  العلمية التي كان يحضرها مندوباً  عن المؤسسات التي يعمل فيها، وفي تلك المؤتمرات التي لم يرفع فيها علم بلده العراق بجانبه، كما يرفع علم المندوبين الآخرين، كان الألم يعصر قلبه فيما كانت عيناه تذرف الدموع بحزن وهو يقدم مداخلاته وبحوثه.
شيء من  مفردات وردت عن صفات "أبي سنان " العالم عبد الجبار عبد الله " كما تناولته الأقلام المنصفة في سردها بعض من سيرته " قديس، تقي، ورع، طاهر، نزيه ،عفيف، شريف، كريم النفس،
غيور، عالم، محب  للعلم والأدب والشعر والحياة، وقور، وديع، عادل، شديد الذكاء، المتفوق الأول دائماً، موسوعي المعارف، رقيق، متواضع، منصف، رصين، مخلص لبلده، دقيق في عمله ومواعيده، مجد ومجتهد، يجيد العديد من اللغات، يحب العراق وشعبه،رمز مهم من رموز العراق الوطنية والعلمية، مدافع عن القيم الإنسانية ويحملها بحنان مع أنفاسه.
 في المهجر وعند اقتراب منيته كانت وصيته أن يدفن جثمانه في أرض وطنه في العراق كان ذلك عام 1969 حيث عاد جثمانه في تابوت من الخشب الفاخر المفرغ من الهواء، إلى دار والده المرحوم [  رئيس الطائفة آنذاك ]"الكنزفرا" الشيخ عبد الله الشيخ سام في بغداد / محلة الكريمات فيسري خبر وصول جثمانه كما البرق بين أبناء جلدته ومحبيه ؛في ذلك الوقت كنا نسكن قضاء العزيزية / واسط ، عاد والدي مسرعا من محل عمله أبدل ملابسه وغادر البيت على وجه السرعة إلى بغداد لحضور تشيع جنازة العالم عبد الجبار عبد الله، لم أعرف كيف وصل الخبر إلى والدي ومن ابرق له خبر وصول جثمانه ؛ ليشيعه أهله ومحبوه  في موكب مهيب ذرفت فيه انهار من الدموع ، ليستقر جسده الطاهر في أرض الرافدين في مقبرة  {أبو غريب  } الخاصة بالصابئة المندائيين بعد أن ارتفعت روحه الطاهرة إلى عليين حيث الصالحين الكاملين .
سنوات عديدة متتالية كانت فيها أحدى مؤسسات طائفة الصابئة المندائيين" الهيئة الإدارية لنادي التعارف" ببغداد تقيم احتفالية سنوية متميزة للعالم الجليل عبد الجبار عبد الله في بناية " نادي التعارف الخاص بالصابئة المندائيين " وتُمنح فيها جوائز تقديرية للمتفوقين الأوائل من المندائيين، وتمنح الجائزة السنوية الخاصة باسمه للمتفوق الأول في الدراسة الإعدادية. كان ذلك في زمن النظام السابق لحين الاستيلاء على النادي من قبل السلطة البائدة!
كنت أعتبر تلك الاحتفالية السنوية في ظل حكومة البعث البوليسية تحدي كبير للسلطة في عقر دارها فبمجرد أن تذكر أعماله وخدماته الجليلة ودوره الريادي في تأسيس الصروح العلمية في البلد هي شتيمة علنية موجعة لمضطهديه ؛ فحكومة بعث 1968هي التي تقود السلطة وهي امتداد لحكومة انقلاب شباط الأسود عام 1963 التي أذلته وحاربته وسجنته وشردته من وطنه عند استلامها السلطة.
في تلك الاحتفاليات المهيبة كانت تلقى البحوث والدراسات وتنشد القصائد وتستذكر انجازاته وشيء من سيرته الحافلة بالنقاء والعطاء.

الصورة " يحيى الأميري " بغداد 1997 نادي التعارف احتفالية العالم عبد الجبار عبد الله

 وقد كان لي الشرف أن شاركت في الاحتفالية السنوية للعالم الفذ عبد الجبار عبد الله عام 1997 بتقديم بحث عن احد علماء الصابئة في الفترة العباسية عن العالم الرياضي المندائي  "ثابت بن قرة "وما له من دور مشرف في المساهمة الكبيرة ببناء الحضارة العربية.

في خضم كل الصرعات التي تلف البلد، صدرت مبادرة كريمة من  قبل دولة رئيس وزراء العراق نوري المالكي بتكريم العالم العراقي  المرحوم " عبد الجبار عبد الله 1911- ت1969" كما تناقلتها وكالات الإنباء والعديد من المنافذ الإعلامية بتاريخ 29/07/2009 وذلك " بإطلاق أسمه على أحد شوارع عاصمتنا الحبيبة بغداد و تسمية إحدى قاعات جامعة بغداد باسمه، وإعادة أملاكه إلى أصحابها
الشرعيين، والذي جاء كما ورد في التصريح " اكراما لدوره العلمي الكبير على المستويين العالمي   والعراقي ، وتثمين لدور العلم والعلماء "
وقد كتبت عن هذا التكريم مقالة نشرتها في حينها في العديد من المواقع الصحفية والموسومة" تكريم العالم العراقي المندائي الفذ د. عبد الجبار عبد الله, من قبل رئيس وزراء العراق"

 أستل منها هذا المقطع  { {  رغم مجيء هذا التكريم الكبير متأخرا ً لكنه بداية موفقة حسنة وطيبة  لرد اعتبار هذا الطود الشامخ، العالم العراقي البار لوطنه وشعبة، أن هذا التكريم نصر كبير للصابئة المندائيين ولكل القوى الوطنية العراقية الشريفة الخيرة، أنه نصر جديد ومكسب لكل قوى الخير ولكل النجباء المدافعين بصدق عن شعب العراق، أنه ثمرة نضال لكل صوت دافع وساهم في الدفاع عن حقوق واستحقاقات عالم العراق الكبير " أبو سنان " سواء كان من الصابئة المندائيين أو القوى الوطنية العراقية والعالمية الشريفة، أن هذا التكريم شوكة بعيون أعداء الإنسانية والتقدم وأعداء العراق، وصفعة  قوية جديدة لكل من تطاول على قامته الشامخة، وعلى أبناء العراق النجباء }}.
لكن في المئوية الأولى وبعد التغيير، لم تحتضن أرض الرافدين، مئوية الطود الشامخ عبد الجبار عبد الله، والتي نذر لها كل عمره وأحب شعبها بكل جوارحه، وقدم لها خلاصة بحوثه وتطلعاته، أنه سؤال كبير يطرح نفسه من جديد لماذا ؟
 وهل هو تقصير؟
 وفي حالة كونه تقصير نطرح السؤال مرة أخرى .
من المسؤول عن هذا التقصير؟
أعود إلى أجواء احتفالية لوند/ السويدية ،كانت مبادرة جريئة وشجاعة من الجمعية الثقافية المندائية في لوند بتنظيم هذه الاحتفالية وبهذا الحجم، وبالشكل الباهر الذي ظهرت فيه الاحتفالية المئوية من دقة التنظيم وتوقيتاته، وبرنامج الاحتفالية الضخم في فقراته المتنوعة، وكذلك كانت موفقة في اختيار المشاركين في مداخلاتهم، فقد تنوعت تشكيلة المشاركين بتشكيلة رائعة من الأكاديميين والباحثين والفنانين والأدباء والشعراء وشخصيات مرموقة ذات نشاط ملحوظ في منظمات المجتمع المدني ، وكذلك اختيار قاعة الاحتفال الكبيرة وملحقاتها، واني أسجل تقديري الكبير لهذا الجهد الرائع الذي بذل من الجمعية الثقافية المندائية في لوند؛ وفي الحقيقة كنت أتوقع لهذه الاحتفالية النجاح الباهر منذ الساعات الأولى التي رافقت الإعلان عنه في مختلف وسائل الإعلام لما تتمتع به كوادر الجمعية من طاقات أبداعية كبيرة متنوعة وكذلك لها خبرة متراكمة لتجربة فعلية لسنوات طويلة في تنظيم المهرجانات
والنشاطات الثقافية والاجتماعية وكذلك تتمتع بعلاقات شفافة واسعة مع مختلف الأوساط الثقافية ، كل هذه مؤهلات عوامل مشجعة أهلتها لتبني أقامة هكذا نشاط كبير متميز.

سوف أحاول أدناه نقل صورة مختصرة عن المشاركات التي جرت خلال يومي الاحتفالية 29-30 نيسان2011 والتي كانت تبدأ من الساعة الخامسة مساء حتى الساعة الحادية عشر ليلاً.
كان للحكومة العراقية مشاركة فعالة بثلاثة فقرات في برنامج الاحتفالية والتي تحدثوا فيها عن جوانب عديدة للراحل العبقري عبد الجبار عبد الله ، وكذلك جاء في حديثهم أنهم سوف يرفعون مذكرات رسمية للحكومة العراقية لتخليد العالم الجليل عبد الجبار عبد الله لكونه احد الرموز الوطنية والعلمية العراقية  التي ساهمت بشكل جدي في بناء الصروح العلمية العراقية،وأدناه أسماء المشاركين في الاحتفالية ومقتطف من أقوالهم.   
1  .الأستاذ فوزي الأتروشي وكيل وزارة الثقافة العراقية ، أستل مقطع من كلمته القيمة في الاحتفالية "  {{ أنها المئوية الخضراء لميلاد هذا العالم الكبير الذي نشكو جميعاً أننا كعراقيين مازلنا مدينين له بالكثير؛الكثير الكثير لأن عطاءه العلمي ورصانته وجديته في العقود الأولى من تأسيس الدولة العراقية كان لها الفضل الكبير مع عمالقة آخرين في التأسيس لواقع أكاديمي هيأ الأرضية لتنمية العراق ،هذه التنمية التي بكل أسف مازلنا نفتقدها.}}
2. الدكتور حسين العامري السفير العراقي في ستوكهولم ، والذي تناول في كلمته العديد من محطات حياة العالم الجليل عبد الجبار عبد الله وأشار إليها بالإعجاب والثناء، وكذلك أشاد بدوره الريادي في بناء صروح المؤسسات العلمية العراقية، وأكد على أهمية تكريم العالم عبد الجبار من الحكومة المركزية  لكونه رمز مهم من الرموز العراقية.   
3. الدكتورة بتول الموسوي ، الملحق الثقافي في السويد، أستل فقرات من خطابها  {{  نستذكر اليوم رمزاً من أهم الرموز العراقية عامة والمندائيين خاصة }}  وفي مقطع أخرمن كلمتها  تقول عن العالم عبد الجبار عبد الله {{  رجل وضع العراق وسمعته في قمة الهرم}} .
وأكدت في كلمتها أنها سوف ترفع توصية بأن يجعلوا له تمثال فتقول{{  سوف أنقل هذه التوصية بأن يجعلوا له تمثالاً أمام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لكي يكون رمزاً لكل أكاديمي وعالم عراقي ومثقف}} 
 وفي حديث مسجل لها أثناء حضورها الاحتفالية  بث على اليوتوب تقول د. بتول الموسوي{{  هذا الاحتفال أفرحنا وادخل السرور لقلوبنا جميعاً لأنه أعاد الثقة بالمكانة الاعتبارية للأستاذ والأكاديمي والمثقف العراقي باعتبار عبد الجبار عبد الله يمثل رمزاً عراقياً لا رمزاً مندائياً فقط ، ورمزاً مهماُ من رموز العراق؛ كنت أتمنى أن يكون مثل هذا الاحتفال في بغداد وان ترعاه الحكومة المركزية متمثلتاً بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية، رغم أننا هنا نمثل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية ،لكن الاحتفال الشعبي وحده لا يكفي أن لم يكن مسنوداً باحتفالات رسمية توثق لهذه الذكرى
العظيمة ذكرى مولد عالم كبير استطاع أن يشع بضياء نوره في مختلف إرجاء المعمورة، وان يكون رمزاً حين يذكر؛ يذكر معه العراق}} 
وسوف أسجل أدناه أسماء السيدات والسادة الذين قدموا مشاركاتهم القيمة الفكرية والفنية والعلمية والترفيهية،على مدى يومي الاحتفالية.
1.   اليوم الأول من الاحتفالية 29/نيسان/2011:
1.   الأستاذ فوزي الأتروشي، وكيل وزارة الثقافة العراقية .
2.   كلمة دائرة الثقافة السويدية في مدينة لوند.
3.   كلمة الأستاذ عبد الواحد  الموسوي رئيس اتحاد الجمعيات العراقية في السويد.
4.   كلمة الدكتور حسين العامري سفير جمهورية العراق في ستوكهولم
5    كلمة الدكتورة بتول الموسوي الملحق الثقافي في السويد
6   عرض مسرحي ؛ قدمت مسرحية وكانت بعنوان "مسرحية العارف" من تأليف وإخراج وتمثيل الفنان القدير الصديق سلام الصكر .وقد وزعت مع برنامج الاحتفالية ،بطاقة تعريفية عن المسرحية والتي جاء قيها : ( المسرحية هي سيرة ذاتية لعالم كبير قدم لبلده العراق والإنسانية الكثير مما يقدمها ويطورها.قناعتنا لا تبنى البلدان بغير مبدعيها وعلمائها. بدفاعنا عنه وكشف معاناته ندافع عن كل المثقفين والفنانين والعلماء الذين طاردتهم الحكومات الدكتاتورية ، وأملنا أن لا يمروا  بما مر به العالم عبد الجبار عبد الله . فإطلاق حرياتهم للإبداع  بناء للوطن وسعادة للشعب. )  وكانت المسرحية عمل فني جميل متكامل أداه الفنان المسرحي المتألق "سلام الصكر" ونال عليه استحسان الحضور بعاصفة من التصفيق.
7   مداخلة الدكتور قيس السعدي، الموسومة "بين ثابت بن قرة وعبد الجبار عبد الله المشتركات والمنجزات  .
8   مداخلة الدكتور إبراهيم إسماعيل الموسومة " التعليم العالي في العراق بين انجازات عبد الجبار عبد الله  والواقع الراهن"
9   مداخلة ارتجالية قيمة للدكتور الباحث عقيل الناصري، وكانت حول العلاقة وأوجه التشابه بين عبد الكريم قاسم وعبد الجبار عبد الله.
10.عزف منفرد على العود للفنان العازف المتألق أحمد المختار، قدم باقة من المعزوفات الموسيقية، ومنها معزوفة عن طور الصبي! 
بعد انتهاء العازف احمد المختار من عزف مقطوعاته الجميلة والتي انشد إليها الجمهور واستمتع بها وقابلها بالتصفيق كانت فترة استراحة دعي فيها الحضور إلى قاعة مجاورة لقاعة الاحتفال وذلك من أجل تناول الشاي والقهوة مع وجبات سريعة من الطعام **
السندوتشات**  وكانت فرصة أخرى للتعارف ولتبادل الأحاديث الودية والتقاط الصور التذكارية بين الحضور. 

 
لوند / مئوية العالم عبد الجبار عبد الله/  من اليمين ضامن الفارس ،مانع السعودي، عصام العثماني، يحيى الأميري، إلهام زكي
     

11. بعد الاستراحة بدأت الاحتفالية من جديد مع قصائد الشاعر الشعبي المندائي  المبدع  قيس السهيلي ومجموعة من قصائده ومن ضمنها قصيدة ** شيخ العلم ** قد أنشدها  خصيصاً للعالم المحتفى بذكرى مئوية ولادته.
12.مشاركة الشاعر الغنائي والإعلامي المتألق فالح حسون الدراجي بقصيدة جديدة كُتبت مساهمة في الذكرى المئوية للعالم عبد الجبار عبد الله.
بعدها جاء دور الحفل الترفيهي والذي قدمت فيه باقات جميلة من الأغاني التراثية العراقية  قدمتها " فرقة المحارة " انسجم الحضور معها ورقص طرباً على أنغامها العديد من الحضور.
اليوم الثاني من الاحتفالية 30/نيسان/2011
تزامن هذا اليوم أخر يوم من شهر نيسان/ أبريل مع احتفالات شعبية تقام في كافة المدن السويدية تسمى أمسية القديسة فالبورجا Valborgsmässoafton” " وهو من الأعياد الشعبية السويدية المهمة .
كانت مظاهر التجمعات السويدية واضحة فالعديد من السيارات تنقل العوائل والشباب إلى مناطق تجمعات    أقامة الاحتفال في هذه المناسبة، حيث توقد شعلة نار كبيرة تسمى شعلة مايو وبالسويدية ”majbål”  إذ يتم خلال  الاحتفال الترحيب بالربيع ، وفي كل تجمع يقام يقوم شخص بإلقاء خطاب الربيع، وتصحب الاحتفالات العديد من أغاني الربيع مصحوبة بجوقات موسيقية غالباً  ما تكون  تلك الجوقات الموسيقية من الرجال، ويعد هذا العيد كذلك أكبر عيد للجوقات الرجالية الموسيقية في مملكة السويد

الصورة تبين احتفال شعبي في السويد بمناسبة أمسية القديسة فالبورجا

وصلت مبكراً لمكان الاحتفالية مع مجموعة من الأصدقاء **د. إبراهيم ميزر وعمران موسى وزوجتي ** من مالمو والتي تبعد عن مدينة لوند حوالي 20 دقيقة بالسيارة، كنا نشاهد تجمعات السويديين في عيد القديسة فالبورجا كان ربيع السويد بشمسه المشرقة هذا اليوم  يغدق أمطاره بلطف، كانت درجات
الحرارة تميل للاعتدال، فيما الناس تلبس ملابس الربيع وقسم أخر ملابس مطرية وشتوية،مع مظلاتهم المطرية، فهذا ربيع السويد، وتقلبات مناخه اليومية المستمرة .
كان الحضور كبيراً أيضا هذا اليوم،الذي احتشد أمام المدخل مدخل وفي أروقة البناية، وداخل قاعة الاحتفال، على أحدى المنضد وضعت أباريق من القهوة والشاي، كان العديد من الحضور يحتسى منها، في الموعد المحدد الخامسة مساء ً بدأ الاحتفال توزعت فقرات احتفالية هذا اليوم كما مبين أدناه:
1. كلمة رئاسة الطائفة الصابئة المندائيين ألقاها نيابة الأستاذ توما زهرون ،رئيس مجلس الشؤون الطائفة العام، القادم من بغداد للمشاركة في الاحتفالية.
2. فضيلة الكنزبرا سلوان شاكر، رئيس المجلس الصابئي المندائي في السويد ألقى كلمة المجلس.
3. كلمة اتحاد الجمعيات المندائية في المهجر ألقاها د.صهيب الناشيء
4. كلمة جمعية المرأة المندائية ألقتها د. ليلى الرومي
5.مشاركة بكلمة فيها كثير من الذكريات ألقاها الدكتور محمد زاير .
6.كلمة لعائلة العالم عبد الجبار عبد الله ، ألقاها ولده البكر د.سنان عبد الجبار   
8.الدكتور صلاح زهرون وهام شارك بقصيدة عمودية جميلة عن العالم عبد الجبار عبد الله.
9.عرض فلم أعاصير الغربة والحنين إلى الوطن، والفلم من إنتاج نادي التعارف في بغداد.  استراحة لمدة 30 دقيقة ، لتناول السندويشات مع القهوة والشاي، وهي متعة أخرى للتعارف واللقاءات والأحاديث الجانبية .
10. مداخلة قيمة ارتجالية للدكتور الباحث رشيد الخيون. وكانت مداخلته بعنوان" عبد الجبار عبد الله وارث العلم"
11.مداخلة للدكتور إبراهيم ميزر  الموسومة " عين الإعصار" والذي استعرض فيها بشكل سريع ما احتواه كتابه القيم الجديد والذي أصدره متزامناً مع الذكرى المئوية للعالم عبد الجبار عبد الله، والكتاب يبحث في حياة وإعمال العالم عبد الجبار عبد الله.
12. مداخلة ارتجالية قدمها المهندس علي بداي، وقد استعرض فيها شيء عن مبادرته الجريئة بمفاتحة الجهات الرسمية العراقية منذ وقت مبكر عن أهمية الاحتفال بمئوية العالم عبد الجبار عبد الله في العراق.
13.مداخلة بديعة للشاب المندائي الواعد رامز سلام دخيل والموسومة "بحوث عبد الجبار عبد الله"
14. قصيدة للشاعرة سوسن سيف، قرأت بالنيابة عنها، بسب وعكة صحة ألمت بها ومنعتها من المشاركة.
15.أخر المشاركات كانت قصائد من الشعر الشعبي ألقها الشاعر المبدع كامل الركابي.
16. وأخيراً جاء دور الجمعية الثقافية المندائية في لوند بشخص رئيسها الأستاذ الصديق فلاح الصكر بتقديمها شهادات شكر وتقدير عرفانا بالجميل لجهود المشاركين والداعمين للاحتفالية.   
مسك الختام لهذه الاحتفالية الكبيرة ، كانت سهرة فنية رائعة مع الأغاني الجميلة والتي أدتها المطربتان المبدعتان ، الدكتورتان  شروق وشقيقتها سفانة جاسم الحلوائي.
كانت هنالك العديد من وسائل الإعلام التي غطت جوانب عديدة من الاحتفالية ومنها القنوات الفضائية العربية والسومرية ،والبغدادية، وتلفزيون لوند المحلي.
وكانت جهود فردية كبيرة قد بذلت من قبل الفنان والمخرج السينمائي الإعلامي بهجت صبري، وقد أسعدت جداً عندما اطلعت على ما نشر بجهوده الكبيرة في توثيق الكلمات والمداخلات وبثها على موقع اليوتيب، وكذلك قيامة بالإضافة إلى توثيق الاحتفالية كانت له لقاءات مسجلة رائعة في تسجيلها مع العديد  من المشاركين في الاحتفالية؛ كانت قد سجلت معظمها في دار سكن الصديق فلاح الصكر مع كرم الضيافة العراقية، بث قسم من اللقاءات على شبكة اليوتيب.
بالمناسبة كنت أراقب الأستاذ بهجت صبري بدن ولكني لم أكن اعرفه، ولم اعرف مع أي جهة أو قناة يعمل، فقد كان منهمك في التسجيل، يتابع بشكل دقيق كل ما يدور في القاعة وفي أخر الاحتفالية أعلن عن اسمه ضمن أسماء الذين منحوا الشهادة التقديرية، وأنه يعمل بشكل مستقل، غير مرتبط بأي قناة، الاسم كان قريباً  لذاكرتي فقد كنت  أعرف عن عائلته شيئاً  غير قليل منذ فترة تزيد على  الـ 30 عاماً فقد كان شقيقه الدكتور البيطري نبيه صبري بدن صديقي وزميلي فقد عملنا لسنوات عديدة في أحد مشاريع  وزارة الزراعة [ الشركة العامة للإنتاج الحيواني في مزرعة الصويرة] عندها ذهبت للسلام عليه والاستفسار منه هل أنه شقيق الدكتور نبيه وعندها كان جوابه بالإيجاب فحملته تحياتي للعزيز نبيه واخبرني شيء عن نشاطاته وإبداعاته
     
في الختام نقول من صميم قلبنا سلام مربع " كما يقول أشقاؤنا  في مصر"  للجهود الكريمة للجمعية الثقافية المندائية في لوند ولكل من ساهم  وساعد في إنجاح هذه الاحتفالية الرائعة.
بعض الصور من الاحتفالية


لوند /مئوية العالم عبد الجبار عبد الله ، يحيى الأميري و الكاتب والروائي سلام إبراهيم



 
لوند / مئوية العالم عبد الجبار عبد الله / د.حسن السوداني,الفنان أحمد المختار ,السيدة أسيل،,علي حسين ، الإعلامي أحمد الصائغ


 
لوند /مئوية العالم عبد الجبار عبد الله الفنان العازف أحمد المختار ، يحيى الأميري
مالمو/ السويد في 6 /6/2011   



98
الإعلامي والشاعر المتألق فالح حسون الدراجي في قراءات شعرية وأحاديث شجية في مالمو


 
بقلم : يحيى غازي الأميري

استضافت الجمعية الثقافية العراقية في مالمو ومؤسسة النور للثقافة والإعلام ، الإعلامي والصحفي والشاعر المتألق فالح حسون الدراجي على قاعة الجمعية الثقافية العراقية في أمسية ثقافية رائعة تخللتها قراءات شعرية جميلة وأحاديث منوعة شجية وهو أول عمل ثقافي مشترك بينهما.


(1) ألتقط الصور بكامرتي الخاصة للشاعر فالح حسون الدراجي / أمسية مالمو 4/5 /2011

 ويعود الفضل باستضافة الشاعر المبدع فالح الدراجي إلى الاحتفالية المئوية لولادة للعالم الفيزيائي العراقي المندائي البروفسور عبد الجبار عبد الله (1911- ت1969) والتي نضمتها الجمعية الثقافية المندائية في لوند، ليومي 29- 30/ نيسان/2011 وكانت قد وجهت دعوة رسمية  للشاعر للمشاركة وحضور الاحتفالية ،وقد حضر الاحتفالية وشارك بقصيدة جميلة لاقت استحسانا كبير من قبل الحضور.
 كان من ضمن الحضور للأمسية ضيف عزيز علينا قدم مع الشاعر من أمريكا الأستاذ الإعلامي والكاتب خيون التميمي، والذي كان قد حضر أيضا الاحتفالية المئوية للعالم عبد الجبار عبد الله. وكان من ضمن الحضور عدد كبير من الجمعية الثقافية المندائية في لوند جاءوا للأمسية مصطحبين معهما ضيفيهما الكريمين " الشاعر فالح الدراجي والأستاذ خيون التميمي ".    
كانت مبادرة رائعة من الجمعية الثقافية العراقية / مالمو ومؤسسة النور للثقافة والإعلام أن تنظم هذه الأمسية بهذه السرعة وبهذا الحضور الرائع... إذ كان الإعلان والاتفاق قد تم قبل يوم واحد فقط من موعد الأمسية والتي صادفت مساء يوم الأربعاء 4/5/2011
 ساعة ونصف كان الوقت المحدد للأمسية الثقافية، كلما كان الوقت يقترب من نهايته كان التفاعل يزداد في ذروته ، كنت بداخلي أتمنى أن يمتد وقت الأمسية لفترة أطول، كنت أراقب عقارب الساعة  كانت تسير بأقصى سرعتها، انتهت الساعة والنصف كما لو كانت لحظات قصيرة مرت، خلالها شد الحضور بنشوة للصوت المغرد العذب وهو ينشد قصائده أو يدلي بأحاديثه الشيقة الصريحة والتي تتخللها العديد من المفارقات والمداعبات وأفضل ما في أحاديثه كانت التلقائية التي تحدث فيها، بدون تكلف أو ورقة معدة مسبقاً.
حلق بنا على جناح السرعة إلى جنوب العراق إلى العمارة، وطاف بنا في مدينة كميت مسقط رأسه حيث الطبيعة الوادعة ،ومنظر نهر  دجلة وهو يخترق المدينة ليشطرها إلى نصفين غاية بالروعة والجمال، وسرنا معه  في مروج حقول القمح والشعير التي تحيط في المدينة وتلفها بسياج اخضر بديع، متأثرا بطيبة ناسها وبساطتهم ، وعاد بنا مسرعاً إلى منجم بغداد الكبير منجم المعادن الثمينة، مدينة الثورة؛ المدينة الغنية بطيبة وشهامة ناسها والمتخمة حد الوجع  بالحزن والفقر والمآسي والحرمان والاضطهاد والإهمال، المدينة التي تزخر بشكل مستمر بطاقات هائلة من المبدعين والموهوبين وفي مختلف الميادين الإبداعية. لقد مكث فيها أجمل سنون شبابه وطاف كالمسحور في أزقتها وأسواقها وحاراتها ودرابينها وملاعبها وكثرة ناسها، وصاحب بعشق ناسها وشوارعها وهمومها، فقد كانت أحدى أكبر المحطات الكبيرة والمهمة في حياته التي نهل وتزود منها.
 تبرز موهبة الشاعر المتألق الطموح الجريء فالح  حسون الدراجي الشعرية باختياره للمفردات المتداولة المؤثرة والنسج عليها ببراعته وموهبته وكأنه يطوع الكلمات ويشذبها ليدخلها عذبة، شفافة، رقيقة، متناغمة الإيقاع في بساط نسيجه الجميل المتناسق في هندسة ألوانه، ليخرجها قطعة أدبية نفيسة!...
 يلتقط  فالح مفرداته الشعرية الجميلة بآذان مرهفة السمع وبعيون يقظة راصدة ذات خبرة وتجربة ومعاناة طويلة مريرة يلتقط معها صورة للمأساة، فيزاوجهن" الصوت والصورة" بعضهن مع البعض زواجاً كاثوليكياً ! فيخرجها من محرابه بعد فترة قصيدة منسوجة بلغة شفيفة رومانسية تحاكي الوجدان وتدغدغ المشاعر

"حبيتك حب لهفه بلهفه حبيتك حب روح بروح
وخيرتك واليهوى بكيفه تريد تظل تريد تروح
يامرافق صغري وأيامي ومعاشر صحوي وأحلامي
شلون الحاجب ينسى العين
وشيفارك ولفين اثنين
لو جانو فد نيه وروح
تريد تظل تريد تروح
الحبك والراد أشواكك يهواك بوصلك وفراكك
حبيناك شكد منحب وشكد بهالعالم حب
يا سمر ياغالي ومملوح تريد تظل تريد تروح
حبيتك حب لهفه  بلهفه
حبيتك حب روح لروح
خيرتك وليهوى بكيفه تريد تظل تريد تروح
لا شوكك ينساه البال
لا حبك غير هالحال
ولا تكدر تنساه الروح
و خيرتك وليهوى بكيفه تريد تظل تريد تروح"
أو يكتب قصائد ثورية تثير الشجون وتقلب المواجع وتحفز الذكريات الأليمة وتثير الحماس...
( يلوموني بمحبتك عده وصحبان..... وأنياب الملامة تلوچني أكبالك

وحك مايك، كًضيت العمر عطشان..... ولامدّيت چفي لغير مايك

وحًك نعمة خبزتك مآني جوعان.....وبحلكًي العسل خبزك وچايك

وإذا مليون ناي يعزفن ألحان..... فلا تطرب أجروح لغير نايك)


 أو يحبكها فيجعلها بعد ساعات تسطع على واجهات المواقع الصحفية الالكترونية مقالة مدوية ثورية نارية أو ثأرية تأديبية لاذعة !.
والحديث عن كتابات الإعلامي المبدع فالح حسون الدراجي في باب فن كتابة القصيدة والمقالة، لا تسعه مقالة فهو متنوع متشعب يحتاج إلى العديد من الدراسات والبحوث المطولة، فنتاجه غزير ومتنوع في الكتابة يمتد لفترة زمنية طويلة ومر بمراحل متعددة متنوعة في قسوتها ولوعتها وشدة مآسيها.
بالإضافة إلى ذلك فالشاعر المبدع شخصية إعلامية لها حضور متميز في أعداد البرامج الإذاعية والمقابلات الحوارية الإذاعية المتميزة وقد تابعت أغلب التي بثت من إذاعة العراق الحر والتي نشرها الشاعر فالح الدراجي في موقع النور" في موقعه الفرعي في موقع النور الثقافي"  والتي سجلها لكوكبة من المبدعين العراقيين، والتي تعد كتوثيق مهم لمحطات من تاريخ سيرة كوكبة  ثقافية إعلامية عراقية مهمة ساهمت بشكل جدي في الساحة الإبداعية العراقية وسجلت لها حضور أبداعي فيها، وأتوقع لهذه اللقاءات الحوارية الجميلة أن تكون مرجع مهم في المستقبل، تفيد العديد من الدارسين والباحثين والمهتمين في دراسة الثقافة العراقية وتطورها.
وأدناه رابط الموقع الشخصي للشاعر فالح حسون الدراجي في موقع النور، وفي الرابط مجموعة من الحوارات الإعلامية وبعض من مقالاته .
  http://www.alnoor.se/author.asp?id=41
المبدع فالح حسون الدراجي مسكون بحب العراق وشعبه، فمن خلال متابعتي المستمرة لمقالاته وقصائده والمنشورة في العديد من المواقع الصحفية الالكترونية أرى انه متابع دقيق للوضع العراقي وإحداثه وتداعياته المحزنة، غزير الإنتاج،متنوع الكتابة يكتب في الأدب والفن والسياسة والرياضة، موسوعي المعلومات، واسع العلاقات والصداقات، يدافع عن نفسه بقوة وتحدي، ذو حراك مستمر، طموح جدا، مثابر، له أسلوبه الخاص في الكتابة وتناول الإحداث والتعليق والتعقيب عليها، قد لا أتفق مع بعض مما يكتبه من العبارات " وخصوصا اللغة  التي تحتوي كلمات من "العيار الثقيل" والتي يكتب فيها بعض من مقالاته في حالة الهجوم أو الدفاع أو التعقيب " لكني أتابع معظم كتاباته ومعاركه الجانبية وأقرئها بشغف!


(2) التقطت الصورة بكامرتي الخاصة الدكتور حسن السوداني يقدم لأمسية الشاعر فالح الدراجي / أمسية مالمو 4/5/2011

نعود إلى أجواء الأمسية والتي أدارها وقدم لها الصديق العزيز الدكتور حسن السوداني، فبعد كلمة الترحيب الدافئة بالجمهور والشاعر؛ قدم بعدها الدكتور السوداني قراءة جميلة عن سيرة حياة ضيف الأمسية وكانت قراءة جميلة وجديدة وغير تقليدية في طريقة تناول سيرة المبدع الضيف. وكانت قراءته تحت عنوان" أوراق غير منشورة من سيرة الشاعر فالح حسون الدراجي بعنوان (ولكن) وقد نالت استحسان الحضور، وأدناه مقطع منها " فالح حسون الدراجي علماني جدا يكره الزواج المتعدد ولكن تزوج اربع مرات.!!. زوجته الاولى كانت كثيرة الخداع والتقلب والتلون.. كانت كثيرة اللعب على الحبال وغالبا ما " تخرج الحية من الزاغور" .. رغم ذلك احبها وتلوع بها رغم خياناتها اللامحدودة .. كانت زوجته الاولى اسمها " سياسة"
اما زوجته الثانية فقد احبها حد الوله وركض خلفها حتى ادمت قدماه وتعثر في درب اللحاق بها مرات ومرات وتحمل من اجلها ركلات ودفعات وجروح  وكسور .. ولكن على حين فجأة تركها رغم اخلاصها وودها وحبها له .. زوجته الثانية كان اسمها " رياضة"
ولم يرغب متابعتها يجدها  منشورة كاملة على موقع النور الرابط أدناه :
http://www.alnoor.se/article.asp?id=113405
بعدها فسح المجال للشاعر الضيف للحديث ابتدأ بتوجه الشكر لمقدمه والشكر والامتنان الجمهور الذي حضر للأمسية، وشكره لكل من سعى لترتيب هذا للقاء ثم  تحدث بتلقائية وشفافية ودون تكلف ورتوش عن ابرز المحطات المهمة في سيرة حياته.
بعدها اقترح مقدم الأمسية الدكتور حسن السوداني أن تكون طريقة التقديم لفقرات الأمسية هي أن يسأل الضيف الشاعر عن بعض الكلمات أو الأسماء أو  والأحداث أو المفردات " أي ماذا تعني له"  وتكون إجابة الشاعر الضيف عنها بقصائد شعرية بعد أن أوضح الدكتور حسن السوداني أنه لم يتفق مقدماً مع الشاعر الدراجي سلفا على طريقة إدارة الأمسية بهذه الطريقة، فكانت قراءات شعرية متنوعة جميلة وأحاديث شيقة شجية!
وكانت من الكلمات التي أختارها
الليل
الغربة
الحبيبة
مدينة الثورة
الأصدقاء
أول قصيدة غزل
حسون الأب
الإمام الحسين
المقابر الجماعية
المسيحيون في العراق
سيمفونية المقابر الجماعية
أجاب الشاعر عن هذه المفردات الكبيرة، بين قراءة قصيدة موجعة حزينة وأخرى كانت قد كتبت بلغة عذبة غزلية رقيقة غنائية أو يجيب عن المفردات بالشرح والحديث.
فمن القصائد التي قرائها للحبية،" كان قصيدة " سبحان من غيرك سبحان من دارك" وأوضح أنه يقصد بها  زوجته  " أم حسون ". واستطرد بعدها يتهيأ  ليقرأ لحبيبة أخرى ! فيقول:
ــ أما إلى وحدة أخرى "حبيبة "ولكن قبل أن أتزوج حب استمر حوالي سبع سنوات، وانتهى نهاية مأساوية .
فقال "كتبت نص أسميته " الهدايا " وقد أعطيته إلى الفنان "كاظم الساهر" في قتها  فلحنه لحن جميل جداً وأسمعني شيء منه في عمان بعد التلحين، ولكن لم يسجله لحدوث خلاف بيني وبينه بسبب موقف من العراق ،ولم يتطرق أي شيء عن ذلك الموقف، وقد تحدث بنوع من الاعتزاز بصداقة بالمطرب الفنان "كاظم الساهر" وشرح قصة فضل الفنان "كاظم الساهر" عليه في مساعدته بالخروج من العراق .
 وقد قرأ النص الشعري والذي كان مطلعه " يا أغلى الأحباب واعز الناس إليّ وصلتني هديتك وشكراً على الهدية"
وبعدها قرأ قصيدة "جكليت " والتي أهداها بذلك الوقت إلى أحلى وحدة بالقاعة  كانت توزع "جكليت " في تلك الاحتفالية التي دعي أليها وكانت القاعة مكتنزة بالنسوان على حد قوله وكانت فيها " وحدة جميلة جداً "، ويسترسل في حديثه وعندما قلت اهدي هذه القصيدة  إلى أجمل وحدة بالقاعة دون ذكر أي أسم ألتفت الجميع إليها!
وأدناه مقطع منها:
كونچ تتعرفين بأمي ..... وكونچ تندلين البيت
من حين الشفتچ يحليوة .... وعدَّوني من اعداد المِيَت
أشگد سويت أبها الدنية .... وشگد سويت وسويت
وشگد شفت أبهاي الدنية ... وشگد عديت وعديت
بس ماشفت بعمري والله :
چكليت يوزع چكليت

وعندما سأله د. حسن السوداني عن علاقته بالإمام الحسين (ع)
كانت أول أجابته : بكلمة ألله وكأنها تخرج من قلبه!
وسترسل بالحديث عن حبه لوالده "رحمه الله" بشغف كبير، وقال عن حبه لوالده بالنص " أحب أبوي بشكل خرافي"  وأكد " أن الفضل بحبهم للإمام علي ابن أبي طالب والحسين  "عليهم السلام" يعود الفضل الأول فيه لوالده الذي زرع في نفوس عائلته ذلك الحب منذ الصغر، رغم أن البيت كله يساري ".
واسترسل يشرح الظروف التي كتب فيها قصيدة قوية جريئة بمناسبة عيد ميلاد الإمام الحسين(ع)  وكان ذلك في منتصف تسعينات القرن الماضي، وصادف وقت المناسبة في نهاية شهر نيسان وكان شهر" رمضان" يتزامن مع ميلاد صدام حسين تقريبا أقل من أربعة أيام وشرح كيف طلب منه قريب له " ابن أخته "  أن يكتب قصيدة عن ميلاد الإمام الحسين(ع)   لقراءتها في جامع الزهراء في سوق مريدي في مدينة الثورة مع نخبة من الأدباء والشعراء المشاركين وعدد له أبن أخته بعض من أسمائهم ومنهم " عريان، وحمزة، وصباح اللامي،وطالب الدراجي والفقيد  رحيم المالكي".
ويقول : وعندما جاء دوره للقراءة واعتلائه للمنبر في الجامع كيف شاهد رجال الأمن في الصف الأول الأمامي، وعند قراءة القصيدة كيف أثيرت ضجة كبيرة في الحفل وأختتم الحفل وقالها بلهجة شعبية  " خرب المهرجان  " وأردف قائلا "صارت هوسه وحجي ولغط، وجاء واحد اخذ مني القصيدة ، بعدين عرفت أن القصيدة وصلت للسيد الشهيد " محمد صادق الصدر"  وقال عنها الشهيد الصدر كما ذكر للشاعر " حتماً الذي قرأ مثل هذه القصيدة مجنون" .
 أستدعي الشاعر إلى الأمن بعد تلك الاحتفالية  لكن المسألة مرت على خير، وبعدها بعدة  أيام شعر بتزايد الضغوطات الأمنية عليه، مما أضطره إلى طلب المساعدة من الفنان كاظم الساهر للخروج من العراق مع وفد كان مهيأ للسفر مع الفنان كاظم الساهر وقد نجح الفنان كاظم الساهر بإدراج اسمه مع الوفد فخرج من العراق.  
وقرأ مقاطع من القصيدة والتي مطلعها:
الليلة عيد وخلَي كلنه نحتفي ... أسنين ماشفنه الفرح وأعياده
إذا مو بحسين بيمن نحتفي  ... وياهو بسوَه النحتفي بميلاده
 حسين كَمرة ، والكَمر ما ينطفي .. وشعلته لآخر زمن وكَاده
حُبَه ثابت بالكَلب مايختفي ... وجمره يلسع غصباً اعله أرماده
ويوم طاح حسين في أرض الطف ... ألله مَد ايدَه لحسين أوساده
الرسول اغتاظ واحتد النبي ... وبالسماء أتعطلت العبادة
حتى جبريل اختنكَ من البجي ... يالهواشم طاح عين كَلاده
دمعة طفرت من أبو اليمَّه علي .. وضلع من الزهرة شكَ أضماده
القضية اتهون لو بس ياعلي ... عالحسين الطاهر وأولاده
لاتزال اسيوف تذبح ياعلي ... بالحسين وشيعته وأحفاده
كانت قصيدة مؤثرة جداً تفاعل معها الحضور وأعاد قراءة بعض المقاطع أكثر من مرة.
وعندما  سأله د.  حسن السوداني عن  "المسيحيون في العراق"
أجابه انه كتب لكل العراق بجميع أطيافه كتبت عن الصابئة المندائيين "عشق مندائي" وعن الأيزيديين وللمسحيين كتبت "يا مسيحيين العراق  يا ولد اشرف نبع" والقصيدة حولت إلى عمل فني غنائي.
وقد اعتذر عن قراءتها لكونه لم يحفظها وقد اخترت هذا المقطع منها والذي وجدته منشور في العديد من المواقع الصحفية على شبكة الانترنيت.
 ( يا مسيحيين العراقي
 
أريد احلفك بالمآسي وبالسجون والقمع
 
واريد احلفك بالليالي واشكثر حركن شمع
 
وأريد احلفك بالمآقي شكثر شالن دمع
 
لاتغادر شجرة أمك مهما يتردى الوضع
 
بير جدك وأنت من اشرف نبع
 
اثبت وكلهم عراقي وأسالوا الحق والشرع
 
أنت مثل الجبل باقي والجبل ابد ما يندفع )

وكذلك اخترت المقطع أدناه من قصيدة "عشگ مندائي" التي كتبها الشاعر فالح الدراجي من احد المواقع من على شبكة الانترنيت.والذي يقول فيه:

بترابك أطيب وأَبرَه من دائي
لأن حبك شفائي، وعلتِّي ودائي
عراقي، ومستحيل أگدر بدونَّك
ألف موته أموت وما أخونك
هَم شايف عشگ بيه خان مندائي؟


وتحدث بفخر واعتزاز عن عمله الكبير قصيدته الشهيرة (وين تروح يا ظالم) أو سيمفونية "المقابر الجماعية" وشرح الظروف التي كتب فيها العمل أثناء تواجده في الكويت بعد سقوط النظام الغاشم مباشرة واكتشاف المقابر الجماعية، وقامت ببثها العديد من الفضائيات في كل إنحاء العالم،والتي كانت ولم تزل من المناظر الفظيعة في قسوتها ورعبها.وتحدث كيف انتشر العمل  (وين تروح ياظالم)   في العراق، وكيف تم الاتفاق على إعطاء العمل لأدائه  بصوت القارئ الحسيني المعروف المبدع " باسم الكربلائي" وأخرجها الفنان "علاء يحيى فائق" . وتحدث بزهو أن تكون "جزء" مقطع صغير جداً من عمله الفني الكبير هذا، كان يظهر مع محاكمة صدام حسين مع الموسيقى وهي تعزف (وين تروح يا ظالم)
وقرأ منها المقطع التالي
أرقام .. أرقام
أرقام عنده البشر .. وأكياس يم أكياس
حتى الدفن مو دفن .. جم كَبر ما بيه راس
وكَبور ماتنعرف .. تمشي عليها الناس
هم أنت شايف كَبر حَدِر الرجل ينداس؟
أرقام تالي البشر .. وأجياس يم أجياس
محَد يعَرف الرقم ... بس الله والحراس!
لقد عادت بي الذاكرة وأنا أكتب هذا المقطع من قصيدة(وين تروح يا ظالم)  لتلك المناظر الرهيبة وأنا أتابع القنوات الفضائية في تلك الأيام، أكوام من الجماجم والعظام ولعب أطفال، نساء ورجال مدفونين بملابسهم، وأحذيتهم ،أكوام من العظام، أفواه لجماجم مفتوحة تستغيث، فيما كان يعلوا عويل نساء ورجال وشيوخ وأطفال وهي تنبش وتبكي وتصرخ وتلطم وهي تلملم الجماجم والعظام في مشهد دراماتيكي رهيب ،أنها من أقسى الصور المفزعة!
كنت وقتها في بداية وصولي السويد أجلس أمام التلفاز مشدود مرعوب ودموعي تنهمر مع كل صرخة " أم " فقدت ضناها أو "طفل" يجمع عظام أبيه أو جده أو" آب " يلملم أشلاء ابنه الوحيد وهو ينوح بألم مرير أو "زوجة " ثكلى تنثر التراب على رأسها لفقدانها رفيق حياتها وتوأم روحها أنها مأساة جماعية مرعبة !
ومن ثم  قرأ قصيدة موجعة جداً في رثاء صديقه " قاسم "، وذلك عندما تناول مفردة الأصدقاء وكم كنت أتمنى أن يقرأ شيء بحق الشاعر المبدع الفقيد رحيم المالكي، وفد سألت الصديق الشاعر فالح الدراجي  بعد انتهاء الأمسية.
ـ هل كتبت قصيدة عن  الشاعر الفقيد رحيم المالكي؟
ـ أجاب انه كتب مقالة طويلة عن الفقيد، ولم يكتب عنه قصيدة، وكنت قد قرأت في وقتها مقالة الأستاذ الشاعر فالح الدراجي بحق الفقيد الشاعر رحيم المالكي وبعثت له بطاقة تعزية ومواساة !
وأثناء قراءة الشاعر فالح الدراجي لقصيدة " حبيتك حب لهفة بلهفة حبيتك حب روح بروح" كان صوت نسائي ينساب بعذوبة يأتي من وسط القاعة يرافق صوت قراءة الشاعر ويتداخل معه، لفت انتباه الحضور لعذوبته، وشد الحضور له، كان الصوت يتناغم ويمتزج بمودة وشفافية مع صوت الشاعر رغم صوته القوي والمليء بالأحاسيس الدافئة والمتفاعل بنشوة مع القراءة.



(3)التقطت الصورة بكامرتي الخاصة المبدعة نور جبار الشطري تنشد مقطع من الأغنية " أمسية الشاعر فالح الدراجي / مالمو بتاريخ 4/5/2011


لتكون مفاجئة جميلة أن يقدم الإعلامي احمد الصائغ  رئيس مؤسسة النور صاحبة الصوت الواعد " نور جبار الشطري" ورغبتها في أن تغني مقطع من الأغنية، وقد غنت مقطع من القصيدة، فتفاعل معها الحضور وصفق لها بحرارة، علماً أن القصيدة كانت قد تحولت إلى أغنية مشهورة غناها المطرب المبدع الفنان سعدون جابر.
والشاعر المبدع فالح الدراجي كتب العيد من القصائد الغنائية والتي قام بأدائها العديد من كبار المطربين العراقيين مثل" كاظم الساهر،رياض احمد، فؤاد سالم،صلاح عبد الغفور، فاروق هلال، سعدي الحلي، مهند محسن،هيثم يوسف، كريم منصور، حاتم العراق، ماجد كاكا ،عبد فلك، عارف محسن ، حكمت السبتي، رعد بركات، وسيدة المقام فريدة وحسن بريسم، وغيرهم العديد من المطربين "
وقبل أن تقدم نور الأغنية كانت إحدى قفشات الشاعر فالح الدراجي السريعة واللاذعة حول القصيدة فقال:
 ـ  أني أحب هذه القصيدة جداً ولو أن زوجتي ما تحبها!
 لكنه لم يعلمنا لماذا لا تحبها زوجته؟!
 المبدع فالح حسون الدراجي كتب ما يزيد على 150 قصيدة غنائية بين عاطفية و وطنية وسياسية والوطنية منها تتغنى بحب العراق وتمجد سيرة مناضليه الأبطال وعلى مختلف انتماءاتهم الفكرية والسياسية والدينية والقومية وقد حولت أغلبها إلى أغاني بأصوات العديد من المطربين العراقيين المبدعين،وكتب كذلك  قصائد غنائية طويلة حولت إلى أعمال فنية غنائية  " أوبريت " ومنها" بغداد أم الدنيا" وكذلك كتب أوبريت " الشمس تشرق من هناك" :الذي شاركه بكتابة كلماته المرحوم الشاعر جبار الشدود.
المبدع فالح حسون الدراجي في كل أنواع كتاباته قريب جداً من نبض الشارع العراق لا بل يعيش مع نبضه لحظة بلحظة ،يعيش معاناته وويلاته وأوجاعه المأساوية المستمرة،فهو يتنفس محنة الوطن ، رغم بعده ألاف الكيلومترات عنه لكن قلبه وعقله وروحه في العراق!، وتعيش معه أمانيه وتطلعاته إلى غد مشرق يوقف الخراب و ينير طريق العراق وينزع عنه رداء الموت و الحزن والبكاء.
وقبل أن انهي مقالتي عن المبدع الصديق فالح الدراجي اخترت هذا المقاطع من أحدى قصائده والذي يبين مدى تعلقه بالعراق وشعبه :
إحنه برَّه ، وأنتوا جوَّه
لا تكَولون الزمن بيكم أشسوَّه
وهيَّ نفس النار بيها الكل تجوَّه
أحنه وأنتوا أثنيَّنه بنفس العذاب
وفرق واحد ... إحنه بره وأنتوا جوه

كلما نسمع خبر عنكم نحتركَ
والشفايف تيبس وتصبح زركَ
الأصابع تغدي سعفة من القلق
والعيون تصير جمرة من الأرق
وللصبح نبقه نتكَلب ونتجوَّه

ماكو بالدنيا وطن مثل العراق
ولاشعب عانى مثل شعب العراق
من مصيبة كربلا لهسَّه المصاب
ورغم كل الموت والدم والخراب
العراق يكَوم وبجرحه يتكَوَّه
وقبل انتهاء الأمسية قدم الشاعر فالح الدراجي باقة  جميلة أخرى متنوعة من قصائده، تفاعل معها الحضور فخفقت معها القلوب لتصفق لها الأكف بحرارة، وقبل نهاية الأمسية أعلن الدكتور السوداني أن الشاعر فالح الدراجي سوف يبقى في الجمعية ليكمل سهرته بينكم ، ولمن يود محاورته والتحدث واللقاء به  فهو سوف يكون بينكم، لتنتهي الأمسية بكلمات ثناء ومودة وباقة ورد عطرة، وفعلاً خلال تلك الفسحة التي بقي فيها الشاعر دارت العديد من الأحاديث الودية والتقطت معها العديد من الصور التذكارية، ولكنها كانت فسحة بوقت قصير.
أترككم مع باقة من الصور التي التقطت بكامرتي الخاصة في أمسية الأديب الشاعر المتألق فالح حسون الدراجي / في مقر الجمعية الثقافية العراقية في مدينة مالمو/ السويد  بتاريخ 4/5/2011
      

(4) جانب من حضور في أمسية مالمو  للشاعر المبدع فالح الدراجي بتاريخ 4/5/2011


 
(5) جانب من حضور في أمسية مالمو  للشاعر المبدع فالح الدراجي بتاريخ 4/5/2011



(6) الشاعر المتألق فالح الدراجي مع الأستاذ احمد الصائع رئيس مؤسسة النور/ أمسية مالمو بتاريخ 4/5/2011




 
(7) من اليسار الشاعر نصيف الناصري، الشاعر فالح الدراجي وكاتب سطور المقالة يحيى الأميري أمسية مالمو4/5/2011


 
(8) من اليمين المبدعة نور جبار الشطري ،الأستاذ أحمد الصائغ، يحيى الأميري، ضيفنا الكريم الأستاذ خيون التميمي، أحلام الأميري/ أمسية مالمو4/5/2011


 
(9) أحلام الأميري ، الشاعر فالح حسون الدراجي ، يحيى الأميري / أمسية مالمو 4/5/2011



 
(10) أحمد الصائغ ،فالح الدراجي ،حسن السوداني،السيدة  أسيل ، يحيى الأميري أمسية مالمو 4/5/2011


 
(11) الشاعر فالح حسون الدراجي في حوار جانبي مع مجموعة من الحضور / أمسية مالمو 4/5/2011


 
(12) كاتب سطور المقالة يحيى الأميري مع الشاعر فالح حسون الدراجي / أمسية مالمو4/5/2011

كتبت في مالمو/السويد بتاريخ 11/5/2011

99
أمسية جميلة للروائي د. لميس كاظم في الجمعية الثقافية العراقية في مالمو/ السويد

 
بقلم يحيى غازي الأميري
استضافت الجمعية الثقافية العراقية مساء أمس الجمعة 8/ نيسان/ 2011 بمناسبة صدور روايته الجديدة " قناديل مطفأة " والتي صدرت حديثاً من دار الكتاب العربي بيروت /لبنان، الرواية تقع بحدود 500 صفحة من القطع المتوسط، والتي تدور أحدثها في العراق خلال سبعينيات القرن المنصرم.


الأديب خضير اللامي وبجانبه د.لميس كاظم

في بداية الأمسية رحب الزميل عصام الخميسي رئيس الجمعية الثقافية العراقية في مالمو بالحضور والمحتفى به الدكتور لميس كاظم، متمنيا للحضور أمسية جميلة وقضاء أوقات سعيدة.
أدار الأمسية وقدم لها الأديب والمترجم خضير اللامي، استعرض الأديب اللامي السيرة الذاتية للكاتب وقدم مداخلة شيقة عن الفن الروائي وقرأ بعض المقاطع القصيرة من الرواية ، داعيا الحضور للمشاركة بالحوار وجهاً لوجه من كاتب الرواية ، وقبل أن يطلب من الدكتور لميس التحدث قدم له مجموعة من الأسئلة والاستفسارات حول تجربته الروائية وروايته الجديدة " قناديل مطفأة ". تحدث بعدها الدكتور لميس عن تجربته ومسيرته في فن الكتابة وتطورها.
 


من اليمين د.حميد الجمالي ،الأديب خضير اللامي ، د.لميس كاظم

بعدها فسح المجال للمداخلات فكانت المشاركة الأولى مداخلة مطولة ممتعة للدكتور الفنان حميد الجمالي، تحدث فيها عن الجوانب الإبداعية في رواية " قناديل مطفأة " وقرأ بعض من المقاطع من الرواية معقباً عليها بملاحظاته. وقد شارك مجموعة من الزملاء الحضور في مداخلات واستفسارات وأسئلة متنوعة حول فن كتابة الرواية ،وكذلك  حول رواية قناديل مطفأة. ومن السادة الحضور اللين شاركوا في المداخلات ، الشاعر حسن الخرساني،الشاعر فائق الربيعي ،الكاتب مؤيد عبد الستار، والزملاء/ عصام الخميسي عامر، و عباس أدم .
اختتمت الأمسية بباقة من الزهور الجميلة قدمت من الجمعية الثقافية العراقية للدكتور لميس كاظم .لتكون بعدها فسحة مفتوحة للحوارات والتعارف في سهرة الجمعة الترفيهية في الجمعية.
في الختام نقول لصديقنا العزيز للدكتور لميس كاظم مبروك لكم روايتكم الجديدة " قناديل مطفأة "
مالمو في 9/ نيسان/2011
 

100
لقاء حواري بين بلدية مالمو ومجموعة من المهتمين بالشأن الثقافي للجالية العراقية والعربية  


بقلم : يحيى غازي الأميري
 
4/4/2011 مبنى بلدية مالمو من اليمين بشار القزاز، فائق الربيعي، Peter Österlin، يحيى الأميري ، Stefan Lindhe، Mohammad Mohammad ، علي القطبي الموسوي، عزيز البصري
بمبادرة مشكورة من اللجنة الثقافية في بلدية مالمو جرى بعد ظهر يوم 4/4 /2011  لقاء في مبنى بلدية مالمو" Malmö stad "  بين بعض من المسؤلين عن النشاط الثقافي في بلدية مالمو ومجموعة من الكتاب والأدباء المهتمين بالنشاطات الثقافية من الجالية العراقية والعربية، وكانت قد جرت قبل ذلك لقاءات تشاوريه تمهيدية لهذا اللقاء والتي كانت بمبادرة من " حزب Moderaterna" وذلك لغرض تفعيل وتنشيط التعاون بين الجالية العراقية والعربية ودائرة بلدية مالمو والدوائر المهتمة بالنشاط الثقافي بمختلف أنواعه،كان على رئس المستقبلين لنا في دائرة بلدية مالمو السيد Stefan Lindhe   المسؤول عن إدارة اللقاء والتحاور وكذلك حضر معه من الجانب السويدي:
 السيدPeter Österlin   العضو الناشط في حزبModeraterna والعضو في Kulturnämnden
 والسيد Mohammad Mohammad من الجالية العربية وهو عضو ناشط في المجلس البلدي لمدينة مالمو، والذي كان له الفضل بالتمهيد لذا اللقاء، وكذلك أحدى السيدات من الموظفات في المجلس البلدي والتي دونت ما دار في اللقاء.
 فيما حضر من جانب المهتمين بالشأن الثقافي كل من السادة :
1.   الشاعر فائق الربيعي
2.   الكاتب عزيز  عبد الواحد البصري
3.   الكاتب علي القطبي الموسوي
4.   الكاتب يحيى غازي الأميري
5.   والسيد بشار القزاز ممثل عن شبكة بيدر الإعلامية
وأعتذر زملاء آخرين عن حضور تم دعوتهم إلى الاجتماع بسب ارتباطاتهم بمواعيد ضرورية أخرى .  
دعانا السيد Lindhe Stefan  الشخصية الناشطة في المؤسسات الثقافية في مالو، بابتسامة ولطف إلى أحدى طاولات الاجتماعات وبعد الترحيب بنا دعانا إلى تناول القهوة ،ثم أستطرد بشرح توضيحي لطريقة العمل الإداري للمؤسسات الثقافية العاملة في كومون مالمو، وبعدها دعانا للتعريف بأشخاصنا وطرح ما نود مناقشته من أفكار وتصورات لغرض تطوير التفاعل والدعم من جانب المجلس المحلي لسلطة كومون مالمو للجمعيات والتجمعات الثقافية وخصوصا الناطقة بالعربية منها، عرف السادة الحضور جميعا ً بأشخاصهم ودار بعدها شرح شارك فيه جميع الحضور بطرح ابرز المعوقات التي تعيق تطور عمل تجمعات الجالية العراقية والعربية وتحجم من نشاطاتها وذلك من خلال معايشتهم لها بشكل فعلي.
وطلبوا من السادة المسؤلين عن النشاطات الثقافية في بلدية مالمو ضرورة مد يد العون والمساعدة الجادة في الدعم المادي والمعنوي لتجمعاتهم من أجل تطوير العمل والتفاعل والمساهمة الايجابية بالاندماج والتكامل وكذلك من أجل تقديم الأفضل من الفعاليات والنشاطات الثقافية والاجتماعية والمساهمة في إظهار الوجه المشرق للثقافات الكبيرة والطاقات الهائلة والمتنوعة التي تحتويها التجمعات والجمعيات العراقية والعربية في مالمو.
في نهاية الاجتماع وعدنا خيراً السيد  Stefan Lindhe بأنه سوف يتابع بشكل جدي ما دار في الاجتماع من طروحات وتصورات، وودعنا على أمل لقاءات أوسع في المستقبل ودعم أفضل للتجمعات الثقافية العراقية والعربية في سبيل النهوض بواقعها الثقافي وتحقيق أهدافها وتطلعاتها وتخفيف معاناتها ومن أجل أن تساهم بشكل أكثر فعالية في الحياة الثقافية لمدينة مالمو.  

مالمو بتاريخ 8/4/20011


101
في وداع أمي ... كان صوت بداخلي يبكي لم أستطع أن أكتم صراخه

طوباكِ أيتها النفس .. أيتها النفس التي خرجت من العالمِ .. طوباكِ لقد خرجتِ من هذهِ الدار، دار الخطايا والأشرار
تركتِ عالم الظلام، عالم الكرهِ والحسد والآثام فارقتِ عالم الأوجاع .. عالم الزيفِ والخداع.
اصعدي أيتها النفس .. اصعدي إلى داركِ الأولى ، دار الأثريين .. دار أهلكِ الطيبين
إلبسي بدلة الضياء والأريج، وأمسكي إكليلكِ البهيج .. واجلسي فوق عرشكِ الوقور ، الذي ثبته الحي في بلدِ النور .
" كنزا ربا ـ كتاب الصابئة المندائيين  "*


بقلم : يحيى غازي الأميري
بألم وشجن عميق ودموع تدفقت من سويداء قلبي ودعت ُ النفس الأخير لأمي، لترحل نفسها الطاهرة إلى بلد النور، دارها الأبدية، دارها الأولى.
 ثلاثة أيام بلياليها مثقلة بالحزن، كانت هي المدة الأخيرة التي أسعفني فيها الرب وحالفني معها الحظ والوقت أن أشاهد فيها أمي، وأحضر توديعها وأكون قد أوفيت لها بوعدي بأني سوف أكون بالقرب منها، واحضر قبل وفاتها وأشارك في حمل جنازتها.
 فقد قدمت موعد حجز تذكرة السفر من السويد حال سماعي خبر تدهور صحتها،طوال الطريق كانت تدور برأسي عشرات المواقف والذكريات وكلما أقترب تفكيري إلى لحظات لقاء أمي كانت تحاصرني الدموع، وتتقاطر عليّ صور تكرب القلب للوداع والموت...

 

العزيزية 15/تموز/2010 يظهر في الصورة د.جميل الزبيدي وهو يسجل ملاحظاته بعد أجراء فحوصاته لوالدتي،وبجاني يجلس صديقي سيد سعد الصميدعي.
كنت قد عزمت أمري وأكملت حجز تذكرة السفر للعراق كي أكون بالقرب من والدتي وتقديم ما يمكنني تقديمه لها من رعاية وعناية، كما وعدتها في الصيف الماضي الذي كنت قد قضيت بقربها 43 يوماً، كان صيف قائظ الحرارة ،كان حر الصيف فيها كسوط جلاد جائر، ثقيل،شديد في وجع آلمه ،بينما الجلاد يتلذذ بصراخ واستغاثة ضحيته، لم ننعم بتيار الكهرباء الوطنية إلا بحدود أربعة ساعات متقطعة خلال اليوم الواحد أي 4 من ساعات من 24 ساعة، في صيف قائظ لم تنزل فيه درجات الحرارة عن50 م، الكهرباء الوطنية حولت بحق إلى نقمة وطنية !
رغم طمأنتي من قبل الدكتور الفاضل الشهم جميل الزبيدي الذي زارها في البيت وفحصها وسجل ملاحظاته الطبية مشكوراً، وكذلك صديقي الحميم الدكتور سعد مجيد الياس الذي زارها أيضا ًوقدم خدماته الطبية لها ومنذ عودتي للسويد 22/8/2010 بعد أن قضيت 43 يوما كما أسلفت، بقيت قلقاً جداً عليها.
في الصيف وقبل موعد انتهاء فترة إجازتي كنت قد قررت أن اخبر أمي بموعد سفري، وانتهاء أجازتي، وأني سوف أسافر بعد غد، حزنت، تساقطت الدموع من عينيها، وتكدر مزاجها، وبعد سفري بقي صوت استغاثتها وهي تناديني أن أبقى بقربها ، حتى تتعافى أو يأخذ الرب أمانته.

 
العزيزية 21/8/2010 أجلس قرب والدتي قبل يوم من موعد عودتي إلى السويد

-   يمه يحيى لا تسافر أبقى جم يوم بعد.
وتصمت قليلاً وهي ترمقني بنظرة حزينة متوسلة ثم تكمل :

   - يمه إبقالك جم يوم ... لو أصير زينة لو ألله يأخذ أمانته.
صوتها لم يبرح ذاكرتي، بقيت قلقاً أتابع أخبارها هاتفياً يوميا ً، رتبت وضعي أن أسافر لها مجدداً وأبقى بقربها لمدة 40 يوماً إذ كانت صحتها تستدعي المزيد من الرعاية والعناية والوقوف بقربها إذ كانت قد  تجاوزت الثمانين ونيف من السنين القاسية المريرة والمرعبة التي مرت على عموم من بقى في ارض العراق ، وكأنه خلق كي يبقى يعيش طوال حياته في رعب ووجع وآسى وأحزان وفي صراع أزلي مع الفواجع والأهوال ...
 فحجزت بتاريخ 28 /11/ 2010 على أمل السفر يوم 8/12/ 2010 وعلى الخطوط الجوية  التركية.لم يبقى لسفري إلا عدة أيام ،وعند اتصالي اليومي كي أطمأن على صحتها، هاتفت أبن أخي في العزيزية صباح يوم 2 /12 /2010، أخبرني أن صحة والدتي منذ مساء أمس بدأت تتدهور، ويفضل أن أعجل بالمجيء، جاءني الخبر كالصاعقة .
في مالمو منذ يوم أمس بدأ الثلج يهطل كالمطر بدون انقطاع، أسرعت إلى مكتب الحجز وبشق الأنفس قربت موعد السفر بعد إن دفعت مبلغ أضافي على بطاقة السفر، حصلت على مقعد ليوم 5/12 /2010 كان ذلك أقرب موعد تمكنت من الحصول عليه، حزمت حقائبي الساعة 12 ظهراً من يوم 5/12 فموعد أقلاع الطائرة الساعة الثالثة بعد الظهر، حملت حقائبي إلى محطة مالمو وأخذت القطار المتجه إلى مطار كوبنهاكن، السفر من مطار كوبنهاكن إلى تركيا  ثم الانتظار بحدود 6 ساعات في الترانزيت بمطار"أتاتورك" في اسطنبول.
أكملت إجراءات الدخول بمطار بغداد بيسر، وحملت حقائبي إلى ساحة عباس بن فرناس، فوجدت على الموعد من ينتظرني بسيارته، إذ كنت قد اتصلتُ هاتفياً بصديقي النبيل محمود داود برغل في العزيزية  قبل يوم من وصولي وطلبت منه أن يبعث لي بسيارة أجرة "تكسي"  في موعد وصولي الذي حددته له،  قبل انتصاف النهار ليوم 6/12/2010 وصلت العزيزية، دخلت غرفتها، أمي طريحة الفراش، هدوء وسكون رهيب يخيم على أجواء غرفتها، جثمت على ركبتي قبلت يديها جبينها وجنتيها فيما راحت الدموع كزخات من المطر تذرفها عيناي، يرافقها صوت نشيج يشق صدري.


 
العزيزية في 6/12/2010 صورة وأنا اقبل جبين أمي
جلست بجانبها وهي مسجية على فراش الموت وادعة  كطيبة روحها تراقب كل شيء بعينها بصعوبة، عيناها ترقبني، عيناها كانت الوسيلة الوحيدة التي تعينها على الكلام، حيث سكت الكلام، تحدثت معها عدة مرات، حدثتها بكلمات تخالجها العبرات، أنزلت دمعتان من طرف عينيها وراحت تنحدر ببطء على خديها، سحبت منديل ورقي من علبة بجانبي وجففت لها دموعها، كنت أحبس دموعي التي لا تريد أن تتوقف، فيما كان صوت بداخلي يبكي لم أستطع أن أكتم صراخه، فخرجت إلى فضاء الحديقة لعلي أخرج شيئاً منه.
في المساء جاء الدكتور الصديق الطيب إبراهيم الوائلي، فحوصات الدكتور أكدت أن وضعها  صعب ودخلت مرحلة متقدمة بالخطر وعلينا التجلد بالصبر...
 

العزيزية مساء 6/12/2010 الدكتور إبراهيم الوائلي يجري فحوصات على والدتي.

 ثلاثة أيام أمتزج فيها الليل بالنهار في كل لحظة منها كان لي موعد مع توديع نفسها الأخير، كنت أحبس أنفاسي مرعوباً وأنا احسب أنفاسها وأراقب شهيقها وزفيرها، عيونها تدور ترقبنا لا تفارقنا، عند نفسها الأخير بكيت كطفل صغير...
قبل أن ينبلج الفجر، جففت دموعي، أحضرت من حديقة الدار باقات من أغصان شجرة الآس وغصن من شجرة الزيتون وقناديل من الشموع، أوقدت الشموع، وذهبت لغرفتها وجلبت أحد الصور المعلقة على أحد جدرانها، منذ سنين طويلة وهي تضعها مع صور عديدة أخرى، في الجهة المقابلة  لسريرها ،انتزعت الصورة من الحائط ووضعتها قرب الشموع وأغصان الآس وغص الزيتون أمام جسدها المسجى في صالة البيت، الصورة التي جلبتها التقطت في بغداد تعود إلى عام 1955 يظهر في الصورة " والدتي " هيلة شنان الزهيري" تحمل أخي فريد مواليد 1954 تقف بجانها أختي حياة، أنا أجلس على ساق خالي " جلوب شنان، أبو وليد " رحمه الله ، وهو يرتدي بدله عسكرية "جندي مطوع صنف الطبابة العسكرية "


 
الصورة يعود تاريخها إلى عام  1955في بغداد/ والدتي تحمل بيدها أخي فريد غازي الأميري مواليد 1954وتقف بجانبها شقيقتي حياة واجلس أنا على ساق خالي جلوب شنان الزهيري

وقفت كالمصعوق وأنا أشاهد المواقف الأخيرة في التوديع لجثمانها الطاهر، وجع يحز بكبدي، وقفت كالمذهول، شريط سريع من الذكريات يدور برأسي لا يهدأ يرجع بي سريعا إلى عشرات المحطات إلى الماضي لصور نقشت عميقا بحافظة رأسي صور كثيرة لأمي، يسترجعها، ها أنا الآن استرجعها بسرعة صورة وهي تحمل جرة ماء تحملها على كتفها تجلبها من النهر، أمي ترتب وتنضد أفرشتها بعناية، مساءات عديدة أمي تغزل في خيوط الصوف، شتاءات قارصة عديدة مرت وهي تعد لنا الدفء من مواقد النار وتدثرنا بحنانها، هاهي أمي تزرع الحديقة بالريحان والورد تسقي نخلاتها أشجار رماناتها وشجيرات صغيرة من الآس فألتقط لها صورة فوتوغرافية، حبها للطيور والحيوانات الداجنه، قطتها الملونة الجميلة وهي تدللها  بتحبب وتطلق عليها أسم " ريمه  واحياناً رويمه " ، صور وهي تطعم أفراخ دجاجها ، إوزاتها " البط"  ، صورة لنار التنور تلفح وجهها في صيف تموز العراق لتقدم لنا رغيف خبز معجون بمحبتها.
 

العزيزية 1/8/2010  في حديقة منزلنا والدتي تحدثني عن قطتها وأفراخها الجدد
وصور أخرى كثيرة  للفزع والخوف الذي يتملكها من عسس الدولة وعيون رجالها كلما جمعنا اجتماع في البيت، أو اعتقل صديق أو قريب، صور وهي يتملكها الهلع عندما نخبئ الكتب والمجلات الثقافية اثر تدهور الأوضاع الأمنية والسياسية للبلد، لوعتها وعميق حزنها وهي تودعنا كل مرة لجبهات القتال في حروب ظالمة مرعبة عبثية فرضت علينا، تزاحمت الصور في رأسي صور كثير مرعبة مرت بها فكم أنتابها فيها الهلع ويتوقف قلبها كلما جاء طلب استدعاء من دائرة الأمن لأحد أبنائها أو قريب لها. صور صراخها و