عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - فرات المحسن

صفحات: [1]
1
دعوة لحضور عرض وتوقيع كتاب
الباحث الدكتور صالح ياسر حسن

بالتعاون مع اتحاد الكتاب العراقيين في السويد ودار اوروك- ميديا
 يستضيف المنتدى الثقافي الديمقراطي العراقي في ستوكهولم الباحث الدكتور صالح ياسر حسن للحديث عن كتابه الجديد:
"عمليات الإنتقال الديمقراطي على الصعيد العالمي ـ بعض إشكاليات النظرية والممارسة". وذلك عن دار أوروك ـ ميديا، في العاصمة السويدية ستوكهولم
يشمل الكتاب ( الذي يقع في 234 صفحة من القطع المتوسط)، عشرة فصول، يتناول فيها الباحث وبروح نقدية إختلاف المفاهيم المتعلقة بالديمقراطية وبعمليات الانتقال وأهمية توضيحها. وتسليط الضوء على بعض المفاهيم والأطروحات النظرية التي تؤصل لعملية الإنتقال الديمقراطي، من خلال التعريف بمفهوم الانتقال" ذاته. ورصد وتحليل الأسباب التي تؤدي اليه، والطرق أو الأساليب التي تتم من خلال عملية الانتقال، مخرجات هذه العملية، لاسيما فيما يتعلق بترسيخ الديمقراطية في مرحلة مابعد الانتقال.
بدراسة منهجية ابتدأها بشرح المفاهيم والمصطلحات التي تشكل بنية موضوعة الانتقال الى الديمقراطية، يتابع الباحث د. صالح ياسر حسن صيرورتها التأريخية، وفق ما يطلق عليه "التحقيب التاريخي" بمعنى تتبع انتشار مفاهيم الديمقراطية، بصيغتها المعاصرة على شكل موجات، ذلك رغم أستدراكه بأن هذه المقاربة تعرضت الى النقد بسبب "تعريفها المبهم للانظمة الديمقراطية من خلال مؤشر الانتخابات أساساً". أذ أن الانتخابات وأن كانت تشكل أحد الجوانب الأساسية في الممارسة الديمقراطية، لكنها ليس العنصر الوحيد، اذ ثمة أساسيات أخرى تتعلق بحقوق الفرد وحرية التعبير والعمل و جميع "الشروط اللازمة لإحترام الحقوق والحريات والفصل بين السلطات الثلاث الخ. مع التركيز على التجربة العراقية، التي تعرض فيها الديمقراطية واحدة من أهم تجلياتها على المحك، حيث الحراك الشعبي الذي يستخدم فيه الشباب المنتفض والمدعم من طيف واسع من فئات المجتمع، أدوات الفعل الديمقراطي الذي ضمنها الدستور، وهي حق التظاهر السلمي والإعتصام والإضراب عن العمل وحرية التعبيروغيرها، والتي تقابل من قبل السلطات المتنفذة بأشكال عدة من محاولات القمع والإلتفاف على هذا الحق. فالممارسة الديمقراطية لا تتحدد بصناديق الانتخابات، وأنما هي فعل يومي مؤسساتي يجب أن يمارسه الجميع.
الموعد: يوم الأحد المصادف 2   فبراير/ شباط   2020
من الساعة الرابعة الى السادسة مساء: - 00: 18   - 00: 16 
المكان:شيستا ترف،  شيستا توري رقم 7
 Stockholm, Kista Träff  -Norgesalen
Kista Torg 7




2
المنبر الحر / مطاردة الأشباح
« في: 18:17 16/10/2019  »
مطاردة الأشباح


فرات المحسن 
 
بضغط ما أرتكب من جرائم قتل بحق المتظاهرين العزل، والاتهامات التي وجهت للجهاز الحكومي بالقتل العمد والاستخدام المفرط للقسوة ضد المنتفضين، أطلق رئيس الوزراء العراقي السيد عادل عبد المهدي تصريحات وجملة من قرارات ترقيعية، محاولة منه للملمة ما يمكن لملمته والتغطية على سوء إدارته وجرائم أجهزته وعجزها الكامل، والتي أثارت ضده قطاعات كثيرة من الشعب العراقي وجعلت هيئات ومؤسسات دولية تصدر بيانات تنديد وشجب واستنكار للجرائم المرتكبة بحق الشعب العراقي.
 
تعكس بيانات السلطة وتصريحات قادتها تناقضا حادا واضطرابا في السلوك السياسي والمهني، ففي الوقت الذي يلوح مستشار الأمن الوطني وقائد الحشد الشعبي فالح الفياض بالتهديد والوعيد للمنتفضين ومن يقف بجانبهم أو يدعو لتظاهراتهم، ومثله فعل قادة في الحشد ورجال سلطة وأعضاء أحزاب، حين اتهموا التظاهرات بالعمالة للأجنبي ولحزب البعث، وصرحوا دون خجل، بأن قواهم المسلحة وقوى أجهزة الأمن والشرطة والجيش تقف بالمرصاد للمتظاهرين،وهي وهم على استعداد لسحق المنتفضين وتدميرهم ومعهم المؤامرات الخبيثة التي تقودها قوى من خارج حدود العراق. وقد نفذت بعض تلك القوى وعودها وتهديداتها ووجه قناصتها رصاصهم الحي نحو رؤوس وصدور الشباب العراة السلميين، وقامت باغتيال واعتقال وخطف وتغييب أعداد كبيرة منهم. ولم يتوقف غضب هؤلاء الأوباش وتهديدهم ووعيدهم، عند حدود أبناء الانتفاضة فقط، وإنما وجهت آلتهم التدميرية للعبث وتحطيم وسائل أعلام وقنوات فضائية بحجة وقوف تلك الجهات الإعلامية بجانب انتفاضة الأول من أكتوبر 2019.
الرعب الذي أصاب الطبقة السياسية الحاكمة في العراق، جعلها تدرك جيدا أن انتفاضة الأول من أكتوبر، سوف تكون مقدمة لتداعيات مستقبلية وتؤسس لدور مؤثر لا بل كبير في الحراك المجتمعي وعلى مستوى البنى السياسية الاجتماعية والاقتصادية،وسوف تكون انطلاقة لجيل شبابي جديد يفجر ويزلزل كل ما بنته الطبقة السياسية الحاكمة من نظام مهلهل صنع أسوء نموذج لسلطة غاشمة تخدع الناس بشتى الوسائل وفي مقدمتها الدين، لتقتل وتسرق وتبيح المحرمات باسمه، وتعمل ليل نهار على تجويع شعبها وقتل طموح شبابه وتطلعاتهم لغد أفضل، واستخدمت العنف لترسيخ وجودها، وفرضت القهر والقتل لمنع انفجار الانتفاضة واستمرارها ومن ثم تحولها إلى ثورة عارمة.
 
أجبرت جموع الشباب المنتفض حكومة عادل عبد المهدي على الاعتراف بأن تظاهراتهم وإرادتهم السلمية قادرة على مقارعة أجهزته القمعية بمختلف مسمياتها، وكذلك تعريتها من ما تدعيه من أخلاق وسلوك حضاري ومهني. واستطاعت الانتفاضة أن تكشف الكثير من عورات تلك السلطات وتفضحها أمام الشعب العراقي والعالم أجمع. فكمية الأخبار والأفلام والصور المتداولة بين الجماهير، عن السلوك الشائن والعنفي، وطرق القتل والتعذيب التي مارستها قوى الأمن والشرطة وقوة سوات وبعض فصائل الحشد الشعبي، لا تدع مجالا للشك بطبيعة هذه القوات وأفعالها الشنيعة والوحشية وقدرتها البالغة واستعدادها الممنهج للقتل بدم بارد، وكذلك محاولتها التعمية على تلك المعلومات والأخبار التي تغطي وتعري جرائمها تجاه أبناء شعبها. تلك الجرائم التي تظهر حقيقة ارتباط تلك القوى وتمسكها بالماضي الذي نقش عميقا في ذوات الكثيرين من منتسبيها، وباتوا معها يحملون عوامل مرضية نفسية متوارثة ومستشرية بين أوساطهم، أكتسبها قادتهم والكثير من منتسبيهم كموروث ومشروع شخصي وجمعي، مارسوه أو أصيبوا بعدواه أثناء خدمتهم في أجهزة القمع على عهد الطاغية صدام، وهذا ما يفاخر به الفياض ورهطه والكثير من المرتزقة على مختلف مسمياتهم.
فرضت انتفاضة الأول من أكتوبر 2019 على السلطة الحاكمة خيار اعتبار قتلاها شهداء يستحقون التكريم وأعلنت الحكومة الحداد لمدة ثلاثة أيام حزنا على الضحايا.هذا الاعتراف الرسمي الذي أنتزعه دم الشباب من روح السلطة وجبروتها وعنجهيتها، يكفي للطعن وتفنيد كافة البيانات الصادرة عن فالح الفياض ورهطه وفرق الردح من مرتزقة القوى السياسية من كتاب ومحللين، ومن حاول ولازال يحاول توجيه التهم للشباب المنتفض بالعمالة لجهات أجنبية، أو يتهمهم الارتباط بحزب البعث، ويحاول ليل نهار وبجهد ومثابرة خبيثة إيجاد ولو خيط رفيع يربط بين الانتفاضة ومن يدير المؤامرة من خارج العراق. أي مؤامرة كانت ومن أي جهة تأتي، ليس ذلك بمهم بقدر إيجاد الخيط الرفيع، عندها تمجد وتؤله سلطة تجويع وهلاك الشعب سلطة الخطف وقتل الأبرياء وتكميم الأفواه، وترتفع عند هؤلاء المرتزقة قيمة ارتزاقهم وخستهم على حساب جوع الشباب وضياعهم وتدميرهم بالبطالة والمخدرات.
أصدر رئيس الوزراء بيانات وحزم قرارات تداولتها وسائل الإعلام رغم ما تحمل بنيتها ومحتواها من كذب فاضح وصريح. وقد قوبل جميعها من قبل الجماهير ووسائل الإعلام ليس فقط بالازدراء والريبة وإنما بالاستهزاء وعدم الثقة، وعززت تلك البيانات والقرارات حالة العزلة بين السلطة والشعب. فرئيس الوزراء الذي لم يتعلم من جنسيته الفرنسية غير كيفية الدخول إلى لوح الحاسوب والكتابة من خلاله، وأصابته مثل أي عجوز أخر، الدهشة من هذا العالم الغريب، فاستطاب منه نظام الاستمارات والإحصاء والقياس،فعد ذلك مظهرا من مظاهر الشعور بالعظمة والاعتزاز بالنفس والقدرات، فأخذ يبيع برأس العراقيين لبن مغشوش، وفذلكات وأحاجي سبق أن خُدع بها، لذا صنع فذلكة اخترعها بعد اختياره لرئاسة الوزراء، وله قصب السبق في هذا على جميع رؤساء الدول وسياسيها، حيث أعلن عن فتح باب الترشيح للوزارات عبر بوابة الكترونية، يقدم خلالها من يرغب بشغل حقيبة وزارية، سيرته الذاتية وخبراته، ليختار بعدها عبد الهادي  من يجد فيه الكفاءة لشغل المنصب، ولكن مع مجريات الوقائع اللاحقة ظهر إن رئيس الوزراء قد ضرب وفذلكته ببوري معدل من قبل رفاقه، وأجبر على قبول خيار الكتل، ووزعت حقائب الوزراء حسب الأهمية والقرب من قوى المحاصصة، وما وجد الرئيس غضاضة في ذلك، ولم يكلف نفسه أو يقدم اعتراضا يذكر على ما فرض عليه، وبسبب هشاشة شخصيته فقد وجد فيما حدث نافذة للخلاص من المسؤولية كما سالف عهده بالمسؤوليات.
إثر الرعب الذي أثارته انتفاضة الجياع وبعد التمرين القاسي الذي مارسته القوات العسكرية  والأمنية للقائد العام رئيس الوزراء، ضد العديد من الاحتجاجات السابقة وأخرها ما حدث مع خريجي الكليات العاطلين عن العمل ثم شباب انتفاضة الأول من أكتوبر. أختار رئيس الوزراء ذات الطريقة السابقة، وهي توزيع صحيفة الكترونية على العاطلين ووجوب سعيهم للحصول عليها وملؤها بالمعلومات الشخصية ومن ثم تقديمها للحصول على مبلغ الرشوة البالغ 175 ألف دينار عدا ونقدا ولمدة ثلاثة أشهر فقط وبعدها يرمون في أتون البطالة مرة أخرى ، وهذه العطوة جاءت لكسب الصمت ليس إلا. وعبد المهدي سليل العائلة الإقطاعية هو الأعرف بحاجة الناس وكيفية التعامل مع الفلاحين. ومع ما خطط له ورهط مستشاريه الذين فضلوا خيار تقديم الطعم للشباب الثائر لمدة ثلاثة أشهر وحزمة من تعيينات للبعض من الخريجين. سوف يجدون آلاف الشباب تطرق أبواب مؤسساتهم بحثا عن هذه اللقمة اللعينة عسى ولعل تسد بعض جوع .
يعرف رئيس الوزراء ومجلس مستشاريه ومن سانده ووضعه على رأس السلطة، وهي تلك القوائم الحزبية الخبيثة التي تطعن بأحلام الشباب وتسفهها كل يوم، وتغذي بين أوساطها مثلما المخدرات، الخيبة والخذلان. جميع هؤلاء ممن يشاطر الرئيس المسؤولية في إدارة الدولة وحتى البرلمان العراقي، جميعهم يعرف جيدا أن البوابة الالكترونية أو تلك الاستمارة اللعينة المطلوب من العاطل ملئها، سيكون الحصول عليها عصيا على غالبية العاطلين عن العمل، لأسباب عديدة في مقدمتها فقرهم وإملاقهم وعدم امتلاكهم لجهاز كمبيوتر أو عدم قدرتهم الوصل إلى أماكن توزيعها. ولكن المصيبة الأكبر والأعظم ستكون في مشهد تكرر ويتكرر دائما وتحت أنظار العالم أجمع، ودون أي حياء أو تأنيب ضمير،وسبق لرئيس الوزراء أن وقع فيه ومارسه وغاص في وحله حد رقبته الضامرة، إلا وهو استحواذ الأحزاب ورجال الحكم وقادة الفصائل على تلك الاستمارات لتقديمها بأسماء حقيقية أو وهمية للاستحواذ على الدرجات الوظيفية لصالح رعاياهم ومرتزقتهم. أو حتى الحصول عليها ومن ثم بيعها للآخرين لشراء ذممهم أو مساومتهم على بعض ما يحصلون من مال.
 
الأغرب في تلك القرارات والبيانات ليس التغيير الوزاري الذي لم يجد البرلمان العراقي ووسائل الأعلام ومعهم الكثير من المحللين السياسيين،لم يجدوا فيه أو له طعما ورائحة، وجاءت جميعها دون معنى ودلائل أو قرائن وإدانات واتهامات،رغم السلوك الشائن والخائب والضعيف لا بل الغامض والخالي من الأداء المهني عند غالبية الكابينة الوزارية، التي لم تقدم للشعب غير الخيبات وسوء الأفعال والخدمات.فرئيس الوزراء وبعد أن ارتجفت فرائصه من هول الانتفاضة أراد أن يشرك الشعب بقراراته الخاصة التي تسعى لمطاردة الفساد، الذي بات يشكل مظهرا من مظاهر الخراب العام، وأصبح دالة ترزح تحتها جميع مفاصل مؤسسات الدولة، ومعه تزداد يوما بعد يوم عذابات الناس وقهرهم وجوعهم، وفي الوقت نفسه تنمو عصابات الجريمة لتشكل كارتلات وائتلافات تمتد أذرعها خارج العراق، وبعضها اقرب من حبل الوريد لمحيط رئيس الوزراء وأخوته في النضال السابق والحالي.وهو مثلما عرفنا عن سابقيه من رؤساء الوزارة العراقية يتماها ويحاكي بتناغم تلك العصابات، لذا يتساءل ببراءة الأطفال وفي مؤتمره لتشكيل لجنته المنحازة سلفا لتقصي الحقائق حول جريمة قتل المنتفضين، نجده وكأنه السيد المسيح في طهرانيته وتجلياته، يسأل جلاسه والشعب عن وجود قناصين وقنابل يدوية ومولتوف وحرق بنوك وتحطيم دوائر ووو وهو القائد العام لأكبر مؤسسات البلد وأضخمها والأكثر استهلاكا وأنفاقا. ولترقيع تلك البراءة وتحسين الصورة وبسخاء مفرط وفي غفلة من الزمن، يعلن عن طرد أكثر من ألف موظف حكومي عن أعمالهم، بسبب تهم الفساد والارتشاء والمحسوبية، ثم يردف هذه الوجبة الدسمة من الفاسدين بوجبة أخرى لعدد من المسؤولين الكبار تمت إحالتهم إلى المحاكم بتهم فساد أيضا.
من هم هؤلاء الأشباح الذين طردتهم أو أحلتهم للمحاكم، وبأي تهمة أدينوا وما طبيعتها ووفق أي قواعد ومعايير قانونية عاقبتهم، وأنت تبحث عن الدولة وتحارب الانحراف نحو اللادولة، وتحكم بلدا ديمقراطيا حد الكَشر، يطعم شعبه رصاصا وغازا مسيلا للدموع. وبعد كل الذي جرى تحت قيادتك وضمن مسؤوليتك ، تطلب منا أن نصدق هذا الذي ذكرته وفعلته في بياناتك، وأنت ولحد الساعة تتساءل عن الذي حدث وتبحث عن وقائع جرمية لتحمل شباب الانتفاضة وزرها، رغم إنك وأقولها بالفم المليان قد شاهدت عسكرك ورفاقك ومليشياتك، كيف كانوا يتصيدون شباب الانتفاضة برصاصهم وبدقة العارف والقادر يصيبون الرأس دون باقي الجسد.
من هم هؤلاء الأشباح من الفاسدين الذين أخرجتهم من وسط سلطتك الموبوءة بالفساد والمنخورة حد العظم.ومن هم هؤلاء الذين كانوا يتصيدون الشباب برصاصهم القاتل. أتريدنا أن نصدق ما فعلت بهذا الكم من الأشباح مجهولي الهوية، وتدعونا لمشاركتك في المطاردة والبحث عنهم وكشفهم.ونحن نرى جيدا من يحيط بك ومن هو أقرب لك وأعزهم رفقة وصداقة ، وجميعهم من عتاة القتلة وسراق المال العام والخاص، ونشاهدهم يوميا  يمرحون بظل سلطتك ويجلسون بكل أريحية واطمئنان جوارك وتمارس معهم لعبة سلب الناس حقوقها.     
 
 
 
 


3

وحدة قوى التيار الديمقراطي هل من مرتجى؟

فرات المحسن
لا ريب أن الدعوات التي انطلقت من بعض الأساتذة لتلافي الصدع الذي أصاب بعض قوى التيار الديمقراطي وبالذات إثر ما حدث في بعض تنسيقياته، تعد محاولات لتلمس الطرق الناجعة للملمة ما يمكن لملمته لصالح قوى كان وما زال وجودها ضروريًا في الساحة العراقية داخليا وخارجيا. وقد انطوت تلك الدعوات على حسن نوايا واضحة ورغبة حقيقية لسبر غور الأحداث ووضع بعض حلول أو مقترحات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، رغم عدم وجود الدراية لدى البعض منهم بحقيقة الأحداث ومسبباتها.
أعتقد بل أجزم بأن ما حدث يشكل بطبيعته مؤشر لتصدع كبير شارك في بلورته وتصعيده، قوى وشخصيات داخل التيار ذاته، ولم يكن وليد هذه الأيام، بقدر ما كان كامنا داخل الهياكل والبناء ومسير القوى والشخصيات التي تبنت تأسيس التيار الديمقراطي، وأخذت على عاتقها العمل على بلورة هيكلته على وفق شعارات كان بعضها بعيد كل البعد عن الواقع، وهذا ما ساد في النهاية. فكان هناك ميل ظاهر لإطلاق أحكام تعميمية شخصية تبحث عن أدوار بطولية قبل أي شيء آخر. وبدا أن هذه الشخصيات والقوى المشاركة بالعمل داخل التنسيقيات معبأة تماما بأفكار نخبوية أنانية أدت بالنتيجة لتفاقم الخلافات. وفي اعتقادي أن هذا يمثل توجهات وأفكار اقصائية تدميرية قريبة من المرض المزمن. وهذه الأمراض سبق وأن أصيبت بها القوى الوطنية خلال فترة معارضتها لحكم الطاغية صدام، واستفحل أمرها بعد سقوط الدكتاتورية وانشطار وتنازع القوى والفعاليات السياسية واستفحال الصراعات الثانوية على حساب المشتركات. ففي نفس الوقت الذي كنا نحاول إسقاط جل العيوب على مسبب واحد هو حكم صدام، كنا نجد ذلك سلوكا سويا ومريحا يبعد عنا اكتشاف سوءاتنا وعيوبنا وتشتتنا، ونمو قدراتنا على التعالي وافتعال الخصومة والنفرة واستسهال الطعون. هذه الأمراض المهلكة انتقلت وتوارثها البعض، وكانت أسبابا يمكن تشخيصها ونبذها لو وضعنا أمام أعيننا حقائق ووقائع ورغبات صادقة في تشكيل تيار وطني بعيدا عن التشوهات والرطانة الفارغة والنخبوية ومحاولات الاستئثار والاستحواذ.ولكن تلك الأمراض  وصلت في بعضها لحدود العدوانية والتدمير، وحدث الكثير منها داخل أوساط القوى الديمقراطية وأيضا داخل الحزب، وباتت اليوم تشكل اللوحة الظاهرة لمشهد التشتت والنزاع. وأستطيع القول بان هذه العيوب والنزوات رحلت إلى القوى المدنية الوطنية داخل الوطن أيضا لترتفع معها مؤشرات الخصومة والشعور بالإجحاف والغبن، وبسببها  يوجه البعض سهام اللوم والتبخيس الرخيص لمن بقى داخل الوطن ولم يستطع اللحاق بالمعارضة. وبالعكس هناك من يتنازع ويوسم معارضة الخارج بمختلف التشوهات ويوجه لها الطعون. هذا الانشطار بات يشكل واحدا من إشكالية كبيرة في الجهود المبذولة لصياغة وحدة التيار الديمقراطي. 
من كل ما تقدم ظهرت نتائج بعيدة كل البعد عن الأسس التي تشكل وفقها التيار الديمقراطي، والذي كان الهاجس الأول والضروري لتأسيسه خارج العراق وحسب ظني ووفق مسعاي في بدأ انتمائي، ومعي العديد من الزملاء. التضامن مع القوى والشخصيات العلمانية الوطنية داخل العراق أولا، والدعوة لرص الصفوف والتهيئة للانتخابات، ومن ثم السعي لبناء لوبي ديمقراطي وطني علماني في بلدان الشتات يساعد على مخاطبة الهيئات الدولية والأحزاب في تلك بلدان ، للقيام بدور فاعل لمساعدة العراق على إنضاج تجربته الديمقراطية والحث على تبني الخيار الحضاري وتغذية تجربة الحكم بإنجاح مسيرة تداول السلطة والقبول بالأخر وبناء السلطة ديمقراطيًا. كذلك لغرض طلب مساعدة جميع تلك الهيئات الدولية وحثها على مفاتحة السلطة في العراق ومراقبتها والضغط عليها إن تطلب الأمر،للابتعاد عن السلوك الجانح ونبذ سياسة الإقصاء والتخلي عن بدائية الطرق والعلاجات السياسية والاقتصادية، والعمل على تهذيب الوعي المجتمعي. وبموازاة كل هذا السعي للمشاركة في الانتخابات الديمقراطية وبذل الجهود لإيجاد موطئ قدم مؤثر للقوى الوطنية العلمانية الديمقراطية داخل البرلمان العراقي.
ومع هزال السلطة والاعتداءات المتكررة والفجة على القانون والتي تمارس من قبل الأحزاب والمليشيات ومن المواطن العادي أيضا، وشيوع عمليات الاحتيال والخداع وتفشي المخدرات وسوء الخدمات وتدني التعليم والبيئة والصحة، وغياب الانتماء الوطني وتهشم المشترك الذي يخدم جميع أبناء الشعب دون إقصاء، وتفجر للعدوانية عبر استباحة وسرقة الممتلكات العامة والخاصة وضعف الملاحقة القانونية وانتشار السلاح المنفلت. كل ذلك ينذر دون شك بمستقبل صعب هلامي يحمل بين طياته مظاهر نذر شؤم يمكن لها أن تفجر العنف والصراعات الدموية، على خلفية تلك العلاقات المشوهة والاضطهادية الضاغطة والمستشرية والبعيدة كل البعد عن اهتمام السلطة، بل لا تولي تلك الظواهر اهتماما حقيقيا بقدر اهتمام أطرافها بتقاسم السلطة وترسيخ مبدأ المحاصصة وهذا لوحده يجعلها بعيدة عن وضع استراتيجيات حكيمة لعلاجات مثلى توقف التداعيات وتحجمها وتتفادى انفجار الصراعات .
كل ذلك كان حافزا ولازال للقوى والشخصيات الديمقراطية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي لتبني خيار تشكيل التيار الديمقراطي. وأنا هنا لا أذيع سرًا وأقول بشكل جلي، إن الحزب الشيوعي كان المحفز الرئيسي لتبني ذلك الخيار، وكان صاحب الفكرة والأكثر والأبرز شأوا  في العمل لأجل هذا، وحشد قواه ودفع أعضائه للمشاركة في تأسيس التنظيم.
كان الدافع الرئيسي والحقيقي لتشكيل التيار الوطني قد جاء وفق غاية ليس بعيدة عن الحشد والإعداد لخوض انتخابات عام 2014 والرغبة في أن يلعب هذا التيار دور داعم (( للتحالف المدني الديمقراطي)) الذي شكل كتحالف مدني عابر للطائفية شارك الحزب الشيوعي العراقي بقوة في بناءه، وضم بعض العناصر العلمانية من مثل مثال الألوسي وفائق الشيخ على وشروق العبايجي و غيرهم، ليدخل هذا التحالف حلبة المنافسة مع باقي الأحزاب والكتل في الانتخابات التشريعية للبرلمان العراقي عام 2014.
استطاع الالوسي وفائق الشيخ علي وشروق العبايجي الحصول على مقاعد في البرلمان، دون حصول الحزب الشيوعي على مقعد يضمن وجوده هناك، بالرغم من مشاركة جماهيره في الانتخابات ومثلها فعلت قوى التيار الديمقراطي التي باتت تشكل قوة تصويتية لها وجودها في الواقع السياسي.
لا أميل لإطلاق الأحكام التعميمية القاطعة، ولكن أستطيع القول أن الفترة اللاحقة للانتخابات البرلمانية العراقية وعبر الأربع سنوات، حملت الكثير من التناقضات وكانت في الكثير منها نذائر شؤم ليس للتيار الديمقراطي وإنما حتى للحزب الشيوعي. فالتساؤلات التي أثيرت في الشارع العراقي كان جلها يصب الغضب على سياسة التحالفات التي يجترحها الحزب الشيوعي،لذا يوسمها البعض بالعقم والضعف .وبدوره قدم الحزب تبريرا لعدم حصوله على مقعد في البرلمان، راميا ذلك الإخفاق على قانون سانت ليغو وانحياز مفوضية الانتخابات للقوائم الكبيرة الحاكمة. أعتقد أن الحزب الشيوعي في هذا، لم يولي ما حدث اهتماما فعليا ليعيد حساباته في التحالفات، أي كيف ولماذا ومتى ومع من؟ ويدرس حينها رغبات وقناعات وأفكار ليس فقط أعضاء الحزب وإنما أصدقاء الحزب ومحبيه.
 لم يكن أداء الألوسي وفائق الشيخ علي وشروق العبايجي موفقا داخل البرلمان وخارجه مما شكل حرجاً لا بل وضعًا متوترا داخل صفوف الحزب  ومثله بين أوساط التيار الديمقراطي. ولغرض إيجاد التوازن في التشخيص، ممكن القول بأن الكثير من تلك التداعيات فيها بعض من الالتباس، لا يتحمل الحزب الشيوعي لوحده جميع أوزارها، فهناك حروب بدائية دائما ما كانت تهدف للتشكيك وتصعيد حدة الخلافات والدفع بعدوانية في محاولة ضارية لوضع آسفين وشق صف القوى الوطنية وبالذات داخل أوساط الحزب الشيوعي ومؤازريه. ولا يخفى وجود ميل عند البعض داخل الحزب وكذلك بين أوساط الوطنيين للطعن بالتجربة وإسقاطها. وكانت هناك أيضا وبشكل مفضوح محاولات ستالينية مستميتة للاستحواذ على تنظيمات التيار أو في أبسط الأحوال جعله يتبنى خيارات الحزب، مما فتح الطريق لبداية خلافات وسط التيار.
 ظهر ذلك جليا في فترة الإعداد لانتخابات البرلمان العراقي عام 2018 .فمشوار التيار الديمقراطي للانتخابات، بدأ بمارثون ساهم في انشقاقه وتشرذمه قيادات الداخل، وبات خلاله وبعده شوط الخصومة يتصاعد. فالسلطة الحاكمة والمفوضية  المشرفة على الانتخابات ألمحت للتيار بضرورة أن يشكل حزب يسمح له الدخول في الانتخابات كقائمة  إن أراد المشاركة. وبدوره عمل الحزب الشيوعي على تشجيع بعض أعضاء التيار الديمقراطي داخل العراق للإسراع في بناء صرح ذلك الحزب، واستساغ البعض فكرة تأسيس مثل هذا الحزب وعقد لذلك مؤتمر ولقاءات. وهنا حدث الخلاف بين الداخل وبعض قوى التيار الديمقراطي، وبالأخص من تنسيقيات التيار الديمقراطي بالخارج. فكان هناك إصرار من البعض على نبذ  فكرة تكوين حزب من التيار الديمقراطي والإبقاء على صيغة العمل التي تذهب لإدارة التنسيقيات بعيدا عن مركزية تنظيم حزبي.وأنا لا أخفي ومنذ التأسيس استئناسي وتبشيري بهذا الرأي. وأرى اليوم أحقية هؤلاء في مشروعهم الاستقلالي رغم بعدي عن تنظيماتهم. وهنا لا ينكر فأن الدعوة لتأسيس حزب أحدثت شرخا كبيرًا واضطرابًا في مسيرة التيار الديمقراطي.
استمرت المباحثات بين قوى التيار الديمقراطي العلماني بجميع تلاوينها لغرض التجمع في كتلة واحدة تخوض الانتخابات البرلمانية العراقية لعام 2018. وبجهود واضحة شارك الحزب الشيوعي بتجمع أطلق عليه تسمية ( تقدم ) .لا أريد هنا الخوض في متبنيات حركة تقدم والأسباب والتبريرات التي قدمت من الحزب الشيوعي أو التيار الديمقراطي عن سبب انفراط عقد هذا المشروع الجامع وذهاب الحزب لخيار التحالف في ( قائمة سائرون ).
أثارت هذه ألانتقاله الكبيرة والفجائية للحزب الكثير من التساؤلات ليس فقط بين أوساط التيار الديمقراطي وإنما داخل الحزب الشيوعي. ومن الضروري هنا الإشارة إلى الدور الرئيسي الذي تكفل به بعض أعضاء المكتب السياسي وعلى رأسهم سكرتير الحزب الشيوعي السيد رائد فهمي لتبني ذلك الخيار، وكان هو بالضبط من أدار فجأة ودون مقدمات ظهر المجن للحلفاء في تقدم، مما سبب حالة من الدهشة والذهول وخيبة الأمل.
بعد هذا الحدث راح الحزب يبشر بقوة بما أسماه جماهير التيار الصدري المهمشة والمغيبة والمظلومة التي يجب الدفاع عنها واحتساب قوتها التصويتية وسطوتها وسعتها الجماهيرية، وعدها ذخيرة حية من الممكن الاستناد أليها لصناعة نصر ناجز في العملية الإصلاحية. ومن الممكن للقائد مقتدى الصدر لو أتيحت له الفرصة، بناء الوطن العراقي الحر وجعل الشعب سعيدا.
 لابد قبل البحث في حقيقة مسعى وخيار الحزب في هذا الجانب، النظر إلى التداعيات التي سببها تحالف سائرون. فقد أثار ذلك الخيار تساؤلات وانفعالات كثيرة لازال يتردد صداها دون أن تحسم، ليس فقط بين أوساط الشيوعيين وإنما عند الكثيرين وبمختلف المستويات من المحبين للحزب أو مؤازريه. وباتت دوامة تلك الأسئلة وعلامات الاستفهام والشكوك تتصاعد يوما بعد أخر،ويأتي كل ذلك على خلفية ما يقدم عليه ويقوم به السيد مقتدى الصدر وتياره من سلوك وأفعال وتصريحات.وهنا أختصر الكثير من الوقائع التي اقترفت بعيدا عن فكرة الإصلاح وقبلها مبررات التحالف، ليحضرني تصويت سائرون دون الحزب الشيوعي على قبول طريقة سانت ليكو، وقبلها استحواذ التيار الصدري على مراكز حساسة في حكومة عادل عبد المهدي ومشاركاته في إدارة مؤسسات الدولة ووقائع الفساد المستشري داخلها. وقبل كل ذلك انفراد السيد مقتدى بآليات القرار وحصر التفاوض مع باقي القوائم بشخصه دون غيره،وتوج الآمر بالبيان الذي صدر عن سائرون والذي أختصر بالقول ( إذا قال السيد مقتدى قال سائرون أو قال العراق) وغير ذلك من الممارسات التي تعطي الانطباع وتشير في النهاية، لكون سائرون بكل أطيافها باتت أسيرة لرأي وأفعال ورغبات السيد مقتدى الصدر. وجميع تلك الوقائع دلائل حقيقية على نأي السيد مقتدى وتياره عن مسمى إصلاح ودولة مدنية، وإن رصيدهم الطبيعي والأساسي يذهب في اتجاه معاكس ومغاير للإصلاح والدولة المدنية والعدالة الاجتماعية. فالتيار الصدري مرهون بمشروع الدولة الإسلامية الاقصائية المستندة لنظرية العمل على استلاب إرادة الجماهير وإضعاف قدراتها على الاختيار السليم، من خلال اللجوء إلى تغييب الوعي بين أوساطها، والعمل على تفشي الخرافة والحرمان من حرية التعبير وتكريس عبادة الفرد القائد .
دخول الحزب الشيوعي لتحالف سائرون أشاع ما هو أكثر من حالة التبخيس للقدرات لا بل أصيبت جماهيره ومعها الكثير من الأصدقاء والحلفاء  بحالة من اليأس والخيبة، وباتت الجماهير التي كانت تعلق آمالها على الحزب والقوى المدنية الديمقراطية، في حالة إحباط وقنوط، وجاء ذلك كرد فعل واقعي لفقدان الهدف المرتجى مع تصاعد اليقين بانعدام أمكانية بلوغ تحالف مدني ديمقراطي حقيقي على المدى القريب، بعد أن وجدت القوى الديمقراطية أن الحزب الشيوعي قد تخلى كليا عن هدف بناء كتلة مدنية للعلمانيين الديمقراطيين ورمى ذلك وراء ظهره، وفضل خيار النأي عن الأفكار والأهداف الثورية التي وسمت على المدى الطويل تاريخ نضاله الإنساني الرائع، وقدم لأجل ذلك خيرة شبابه شهداء على مذبح الحرية والعدالة الاجتماعية، دون التهيب والرعب من خصوم وقوى دائما ما كانت تناصبه العداء وتستخدم القمع والوحشية الدموية والإبادة في مواجهة مناضليه.
إذا كان هناك حرصا حقيقيا لتبني مسعى تشكيل كتلة تيار ديمقراطي حقيقي فمن المناسب للحزب الشيوعي أن يعيد النظر بالأحداث والتداعيات التي سببتها أولا تدخلات البعض من أعضائه في سير ووقائع وعمل التيار الديمقراطي، ومحاولتهم تجير حركة التيار لرغباتهم ونزواتهم. أيضا التدقيق والنظر بأسباب وتداعيات تخليه كحزب شيوعي عن خيار الراديكالية وابتعاده أشواط عن قوى داخل تنظيماته وخارجها كانت تأمل أن يكون الحزب المحفز لمسيرة بناء الكتلة الوطنية العلمانية الديمقراطية مهما كان حجمها وقوتها. وكان الشارع وبالذات قواه الديمقراطية تأمل أن تنموا المبادرة وتتوسع رويدا رويدا، وبصبر وأناة تجذب أليها جماهير شعبية كبيرة، تساعد بنضالها المطلبي وصوتها العالي للضغط والتسريع في التحولات الحضارية الديمقراطية وبناء دولة المواطنة.
أخيرا أجزم بأن ما فعله الحزب من خيار التحالف مع سائرون كان خيارا مأزقيا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وقد ساهم مساهمة كبيرة في تشتيت جهود قوى التيار الديمقراطي وفت من عضدها، وساعد على إثارة لغة الطعون والإساءات والتخريب والهدم .
ورغم رؤيتي لصعوبة تجاوز الحزب الشيوعي لهذه المحنة والخروج بسهولة سالما منها. فظني وبعد انهيار تجربته هذه التي أراها تقترب، والتي حملت منذ يومها الأول الخطل والعطب، ويوما بعد يوم تثبت فشلها، لا بل شابها التذبذب والغرابة في وقائعها وحيثياتها، ونرى في مجريات وقائعها اليومية ابتعاد عن جميع الأهداف التي أعلنت عند تأسيسها كتحالف بمسمى سائرون. يبقى الحزب بحاجة إلى نظرة نوعية علمية تستلهم الواقع وتستوعب ما حدث بجزئياته وليس فقط بعامته، على أن يأتي ذلك عبر دراسة ميدانية للقوى المدنية الديمقراطية الحقيقية، والمسالك المفضية لخيارات التحالف العلماني الحضاري . فالبناء الحضاري والدولة المدنية تحتاج إلى وقت طويل وطويل جدا، وأيضا لمراس وصبر وأناة ، على أن تتضافر جهود استثنائية وحشد قوى، بعيدا عن الوصاية والإملاء، ويجري تحليل الواقع  وهواجس الناس السلبية والايجابية والابتعاد عن المحاباة والمجاملات على حساب المبادئ وحياة الجماهير ومطالبها الصريحة والحقه.
ومن نافلة القول، إن تشكيل تيار وطني ديمقراطي علماني يحتاج وقبل أي شيء أخر، إلى بناة ديمقراطيين حقيقيين وليس إلى هواة خطب ثرثرة ورطانة كاذبة بالوطنية أو نخب وشللية تسعى للسيطرة والاستحواذ.   



4
.                 الإطاحة بعمر أحمد البشير كان طبخة سعودية


فرات المحسن

مثلَ العطاء السعودي قمة السخاء في منح المليارات السبعة من الدولار الأمريكي لجمهورية مصر العربية وقائدها الرئيس عبد الفتاح السيسي إثر انقلابه على الرئيس الإخواني محمد مرسي،ليعقبه عطاء سخي أماراتي وكويتي. الانقلاب شكل علامة فارقة في حياة الشعب المصري ولازال. وفي نفس الوقت  أفصح عن قدرة وقوة وعزيمة المملكة السعودية على تنفيذ سياستها في المنطقة والعالم الإسلامي بقدر ما تستطيع وبما تملكه من تأثير وسطوة وفائض مالي كبير.

بعد تلك الأحداث ظهر أن  إزاحة  الرئيس الإخواني محمد مرسي عن كرسي الرئاسة في مصر، جاء على خلفية الصراع الوهابي الإخواني. فوجود الإخوان المسلمين على رأس السلطة في جمهورية مصر شكل صداعا قويا وتهديدا مباشرا  للسلطة الحاكمة والمؤسسة الدينية الوهابية في  للملكة السعودية. فالأخوان يعدون المنافس الفكري السياسي ـ الاجتماعي للعقيدة الوهابية على مستوى العالم الإسلامي، رغم أن الطرفين ينبعان من ذات الأصول الفكرية، ويتوافقان في الكثير من تفاصيل المناهج الدينية التي يرتكنون أليها ويعملون على ترويجها، وفي الوقت ذاته فان السيطرة على العالم الإسلامي هي الشغل الشاغل لكلا الطرفين، لذا فلأحداث تفصح عن حلبة الصراع السياسي بينهما، ووفق هذا الصراع الخفي أو المعلن، أعطت المؤسسة السياسية والمالية السعودية الإشارة لأذرعها بضرورة التحرك ولملمة ما يمكن من المشهد في مصر، لتقليم أظافر الإخوان، ومن ثم الإطاحة بالمشروع الإخواني الذي استطاع الاستحواذ على السلطة في مصر وفق استحقاق انتخابي، وليس انقلابا عسكريا أو صعودا إثر تخلي الرئيس حسني مبارك  عن السلطة.

 أغلب الوقائع حينذاك كانت تشير لوجود رغبة داخل المؤسسة العسكرية المصرية واعتمادا على وعود بالمساعدات السخية من السعودية وبعض بلدان الخليج، لإعادة وضع قاطرة الدولة المصرية على سكة النظام السابق مع بعض التغييرات الطفيفة، وهذا الترتيب الذي جاء عبر انقلاب عسكري، قامت به المؤسسة العسكرية المصرية، وكان الغرض منه إعادة أنتاج نظام حسني مبارك بطبعة جديدة، وهذا ما حصل فعلا.

في السودان اليوم صراع علني بين مطالب الجماهير ومنظماتها  في مواجهة المؤسسة العسكرية .هذه المؤسسة الراسخة بتقاليدها الغير مرنه والمحافظة، ورغم تقاليدها المحافظة وسيطرة روح الانضباط والمسلكية عليها، لكنها وفي مراحل تاريخية عديدة منذ الاستقلال الناجز عام 1956 ،أفرزت رجال وقادة تحسب لهم وقفات وطنية شجاعة . ولكن هذه المؤسسة العسكرية وفي المرحلة الراهنة، ومن طبيعة تعاملها مع مطالب الجماهير إثر الإطاحة بالبشير، تبدو وكأنها دُجنت على عهد عمر حسن أحمد البشير، لذا نجدها بعد الإطاحة بالبشير غير راغبة بترك السلطة دون أن تجد ضمانا يمنحها حق الحفاظ على المكاسب التي حققتها أثناء حكم عمر البشير.

شكل انقلاب العقيد عمر حسن البشير على حكومة الصادق المهدي في 30 يونيو عام 1989وسيطرته على السلطة بما يقارب 30 عاما ما يمكن تسميته رسوخ دكتاتوري بغيض عانى فيه الشعب السوداني الأمرين. أتخذ البشير خلال تلك الفترة العديد من المواقف المتقلبة المتذبذبة  وقاد المؤسسة العسكرية السودانية نحو مواجهات واسعة ومفتوحة مع الأحزاب والمنظمات الجماهيرية وقطاعات شعبية كبيرة، وبسبب حروبه الداخلية والسياسات الطائشة المتذبذبة وغير الحكيمة في مجالات الاقتصاد والسياسة الخارجية ، أصبح الوضع الاقتصادي والسياسي ينذر بالخطر وبات من غير المنطق لا بل ليس من الحكمة بقاء البشير على رأس السلطة في السودان .

كان نظام البشير حليفا قويا للمنظمة العالمية للإخوان المسلمين وسبق أن استضاف العديد من قادة التنظيم وقدم المساعدات اللوجستية لهم، يضاف  لذلك حصوله على تأيد قوي وفعال من دولة قطر وتركيا، قدمت قطر له المساعدات المالية جراء إخلاصه وولائه لمنظمة الإخوان، وبات السودان مثلما دولة قطر وتركيا ممرا حيويا للراغبين بالذهاب إلى الجهاد في أفغانستان أو سوريا والعراق وليبيا.

أيضا سبق لعمر البشير أن مد جسور الصداقة والعمل مع إيران، ورسخت  تلك الصداقة لفترة جدا طويلة، استطاعت إيران فيها تقديم الكثير من المساعدات للسودان، ووقفت إلى جانبها في خصومتها مع الولايات المتحدة الأمريكية، كذلك رفضت قرارات المحكمة الجنائية الدولية التي اتهمت البشير بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في إقليم دارفور وأصدرت حكما نص على جلبه أمام المحكمة الدولية ومحاكمته على العديد من التهم.

 جميع تلك العلاقات والتوجهات السياسية للبشير عمر، ما كانت لتكون غير تصعيد وإيذاء وتحدا ومناكدة  للسلطة في المملكة السعودية، وأثارت أفعال عمر البشير وعلاقاته حقد المملكة وفتح شهيتها للبحث عن ثغرة أو لحظة للانتقام منه، وهذا ما جعلها دائما في حالة استنفار وريبة،  وتترقب الفرصة لتنال منه .

كانت حرب اليمن التي عملت السعودية على إثارتها وشكلت لأجلها تحالفا عربيا ودوليا لغرض خوض الحرب ضد الحوثيين اليمانيين، جاءت لتكون مفتاحا جديدا لعلاقة مختلفة مع عمر أحمد البشير، وبابا لجعله يغير من طبيعة علاقاته وتحالفاته السياسية. فعبر إغراءات مالية كبيرة استطاعت السعودية أن تقلب الطاولة على رأس الصداقة الإيرانية والقطرية للسودان، وتكسب سلطة عمر البشير إلى جانبها في حرب اليمن وبما سمي ( عاصفة الحزم ). حيث أرسل البشير قطعات عسكرية سودانية للوقوف بجانب ذلك التحالف. تلك المشاركة قلبت ظهر المجن للحليف السابق، مما جعل إيران تتخلى كليا عن أحمد البشير.

ولكن جميع تلك التقلبات الانتهازية السياسية دائما ما جعلت السعودية بعيدة جدا عن القناعة بأن يكون البشير حليفا مؤتمنا. وفي ذات الوقت ما كانت لتجعل السعودية تتخلى عن فكرة إزاحته عن السلطة، ويأتي في مقدمة التخوف هذا مجاهرته بانتمائه ألإخواني، وهذا يكفي لجعل السعودية في حالة قلق وريبة دائمين، فالرجل غير مؤتمن لذا يسبب لها صداعا مزمنا وكذلك يثير قلق حليفها المصري الرئيس عبد الفتاح السيسي.

بعد الإطاحة بعمر حسن البشير إثر انقلاب العسكر عليه يوم 11 ابريل 2019 واحتجازه من قبل معاونيه من قادة الجيش في مكان مجهول، رغم إن جميع هؤلاء كان للبشير اليد الطولى والفضل في وجودهم كقادة للمؤسسة العسكرية، وجاء ذلك الانقلاب بعد فترة احتجاجات جماهيرية امتدت لأكثر من عام .

 وأمام إصرار الجماهيرية  وتماسكهم التنظيمي، بدأت المؤسسة العسكرية تخضع بعض الشيء للمطالب الجماهيرية، وبالذات إثر إصرار الجماهير على رفض كامل للحكومة العسكرية المؤقتة،  مما دفع رأس الانقلاب الفريق أحمد عوض بن عوف للاستقالة. وجاءت هذه الاستقالة تعزيزا لموقف الجماهير. ولكن يبدو إن موقف العسكر رغم الخلافات داخل المجلس المؤقت، فلا زالوا يراهنون على نقطة الإبقاء على المكاسب التي حصلت عليها وتمتلكها المؤسسة العسكرية دون مساس، أيضا التفكير بوجود ضامن لتراتيبية السلطة التي تفرض مشاركة قوية للجيش، ومن هذا المنطلق طرحت فكرة قبول حكومة مدنية على أن تكون وزارتي الداخلية والدفاع من خيار الفريق المشكل للمجلس العسكري المؤقت.

 وما يشير لوجود اليد السعودية الفاعلة في مجمل عملية الإطاحة بعمر أحمد البشير، تأكيد أعضاء المجلس العسكري الانتقالي المؤقت على ضرورة بقاء الجيش السوداني المشارك في عاصفة الحزم السعودية، ولهذا تعهّد الفريق أول محمد حمدان دقلو نائب رئيس المجلس العسكري المؤقت ببقاء القوات السودانية المشاركة في التحالف العربي لاستعادة الشرعية في اليمن حتى تحقق أهدافها.  أيضا فالإعلان عن قيام وفد مصري كبير بزيارة للسودان بعد يومين من زيارة لوفد مشترك من السعودية ودولة الإمارات،.وقد تم خلال اللقاءات السياسية مع قادة التغيير الاتفاق على الدعم السياسي والاقتصادي للنظام الانتقالي، وهذا يشير بشكل حاسم للدور السعودي الإماراتي في التغيير،ولم تخفي القيادة المؤقتة هذا الارتباط ، وبدون مواربة صرح أحد الضباط في القيادة المؤقتة ، إن الإمارات والسعودية ومصر كان لها دور في التخطيط  لعزل البشير، ومن ثم إزاحة الفريق عوض بن عوف وزير الدفاع وصلاح قوش رئيس جهاز المخابرات والأمن الوطني، في إطار إستراتيجية  ترمي لإبعاد وإضعاف قوة الإخوان المسلمين في السلطة الجديدة.

 أيضا شكل صعود نجم الفريق أول عبد الفتاح البرهان دالة واضحة على إن التغيير جاء ضمن أجندات التحرك السعودي الإماراتي المصري، في محاربة الإخوان المسلمين، فالفريق أول البرهان سبق وأشرف مباشرة خلال عهد البشير، على القوات السودانية المشاركة في التحالف العربي الذي أسسته السعودية، وأقام علاقات وثيقة بكبار المسؤولين العسكريين السعوديين وكذلك قادة الجيوش في التحالف العربي

جميع الوقائع تعطي الانطباع الكامل والمؤشرات الواقعية حول مشاركة السعودية وحليفيها الإماراتي والمصري بشكل جلي وفاعل بعملية الإطاحة بالرئيس السوداني حسن أحمد البشير على خلفية الصراع مع الإخوان المسلمين .ومع عمق تغلغل أنصار الإخوان المسلمين في المجتمع السوداني وأزمة النظام الاقتصادية، يثار التساؤل عن قدرة قادة التغيير على تجاوز المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يعاني منها الشعب السوداني، وليس اقلها التركة  الثقيلة لنظام البشير التي أدخلت البلاد في صراعات لا تتناسب وقدرات البلد. كذلك ما طبيعة المساعدات التي سوف تحصل عليها السودان من السعودية والإمارات لإنقاذ الوضع الاقتصادي المتدهور هناك.





5

هل السيد عادل عبد المهدي رجل مجموعة مستقبل العراق؟

فرات المحسن

في الغالب ومع الوضع العراقي المأزوم، دائما ما تكون الرؤية مشوشة ومربكة، لا تفصح عن مكنوناتها إلا بعد مرور فترة زمنية ليست بالقصيرة، وربما بعد فلترتها بدهاليز اللعب السياسية التي تشارك فيها العديد من الجهات الداخلية والخارجية على حد سواء.ولذا تحضرني هنا أسئلة كثيرة  دائما ما دارت بخلدي منذ أكثر من أربعة أشهر، وبالتحديد منذ اليوم الأول الذي ظهر فيه اسم السيد عادل عبد المهدي كمرشح لرئاسة الوزراء.
ــ ما موضع السيد عادل عبد المهدي في لجة الصراع الأمريكي الإيراني ؟!
ــ وما طبيعة سياسته ولمن ومع من تتطابق رؤيته ؟؟
ــ ما هو مستقبل العلاقة مع الجانب الإيراني؟
ــ هل الإدارة الأمريكية تبحث فعلا عن مشروع لإنجاح التجربة السياسية في العراق؟

نشر في مايو عام 2017  تقرير مجموعة عمل مستقبل العراق التي أدارها رايان كروكر كرئيس، و ضمت المجموعة ما يقارب 20 عضوا و 41 مستشارا بينهم العديد من العراقيين. السيد رايان كروكر أستاذ تنفيذي بجامعة تكساس وسفير سابق في العديد من الدول منها العراق وأفغانستان وسوريا. المدير التنفيذي للمجموعة كان الدكتورة نسيبة يونس كبيرة الباحثين في مركز الحريري والمجلس الأطلنطي وهي من أب عراقي موصلي وأم باكستانية . وتقرير المجموعة أعد وفق سياسة المجلس الأطلنطي بشأن الملكية الفردية المستقلة في النرويج.
 جاء في التمهيد الذي قدمه السيد كروكر للتقرير، تأكيد أولوية ضمان مصالح الأمن القومي الأمريكي على المدى الطويل في العراق، وأشار للكيفية التي تتم فيها حماية أمريكا لتلك المصالح على أفضل وجه. ويضيف كروكر، بأن مستقبل العراق مهم ، ليس فقط للعراقيين بل للمنطقة والمجتمع الدولي بأكمله، وما تقوم به الولايات المتحدة أو لا تقوم به سيكون له تأثير كبير على مستقبل المنطقة.
رؤية كروكر شملت خلاصة لتقرير المجموعة واتجاهاتها في إعداد خارطة طريق مستقبلية لعمل ليس فقط السلطة في العراق، وإنما للمؤسسات الحكومية في الولايات المتحدة ، ومعها باقي التوابع، حيث تضع الخارطة دوائر تتعشق  بعضها بالبعض، لتدور في خطط تكاملية مترابطة،  تشكل في مجملها الحراك العام لضمان مصالح الأمن القومي الأمريكي، وكذلك أداء ومسيرة السلطة في العراق.
التقرير يشير في مقدمته وبنقاط موجزة لاتجاهات وطبيعة المشروع، لذا يحدد أوليات بعينها لبنية وحركة السلطة العراقية  وتركيبتها، والتي تكفل تشكيل ائتلاف واسع يعمل على ضمان المصالح الوطنية للجميع، وهذا الآمر حسب التقرير، يقدم للمشروع تسهيلات جمة بعد أن يطمأن للاستقرار المجتمعي والسياسي عبر شراكة الأضداد، وهذا لوحده يكون شرط رسوخ عملية المحاصصة في تقاسم السلطة.على أن يكون الهدف مقرون بتعزيز المصالح الأمريكية ليصبح له الأثر الايجابي في مسيرة توطين العملية التي أعدت كخارطة طريق لمستقبل العراق. لذا حددت للعملية اتجاهات ذات طابع تكاملي سياسيا واقتصاديا، لا يشمل تأثيرها الجانب العراقي فقط ، وإنما معني بعموم الإقليم. فدعم الولايات المتحدة للحكومة العراقية يقلل في نهاية المطاف من تعرض العراق لضغوط النفوذ الإقليمي لاسيما الإيراني منه، وهذه النقطة لوحدها باتت تأخذ حيزا كبيرا من سياسة الولايات المتحدة، حيث تشعر أمريكا بأن دورها قد ضعف بعد انسحاب قواتها من العراق في 15 ديسمبر من عام 2011 وإن عودة جنودها وبناء قواعدها في بعض المدن العراقية، وكذلك تواجد قواتها عبر ما سمي بالتحالف الدولي لمحاربة داعش، ما عاد يكفي لثلم امتداد المصالح والأذرع الإيرانية التي  تغولت وتوغلت في عمق الحياة العراقية السياسية والاقتصادية وكذلك العسكرية ، وأصبحت الولايات المتحدة تبحث من بين الساسة العراقيين عمن يقف ليقدم لها العون في لي ذراع الجانب الإيراني ، ولهذا نراها في صراع يومي لكسب النقاط من أجل تحجيم تأثيره.
فالجانب الإيراني من المنظور والرؤية الأمريكية وحلفاؤها في المنطقة بات مصدرا للقلق والتوتر. فقدراته الصاروخية وتجاربه النووية تشكل عامل إرهاب وتهديد خطرين، ليس فقط للجانب الأمريكي وإنما وهذا هو المهم، لدولة إسرائيل والحلفاء في الخليج العربي، لذا فسياسة تضييق الخناق على إيران يجب أن يكون للعراق فيها دورا فعالا، وبالذات في مهام قطع شرايين الاقتصاد الإيراني وتشديد العقوبات عليها، وتجريد الفصائل المسلحة التابعة لها من قدراتها العسكرية، وهنا نجد الولايات المتحدة وفي بعض المواقف عاجزة في محاولاتها تلك، وليس بقادرة مباشرة على قطع حبال العلاقة التكافلية التكاملية بين العراق وإيران.وهنا تتناسى الإدارة الأمريكية إن عدم الاستقرار السياسي في العراق والذي جاء بعضة من جراء سياستها، قد سبب أضرارا كبيرة في البنى التحتية لعموم مناح الحياة، وبدا أكثر تأثيرا في قطاع الكهرباء، لذا لا تجد الحكومة  العراقية أمامها غير شراء الطاقة من إيران، وفي هذا المجال نجد أن سياسة الإدارة الأمريكية تضع السلطة العراقية في موقف حرج، فهي تريد من العراق الامتناع عن شراء الطاقة من إيران في الوقت الذي هو بأمس الحاجة للكهرباء لحل معضلة دائما ما أثارت ولازالت الاحتجاجات الواسعة.وفي هذا الجانب فالمطلع يسجل قصورا كبيرا في سياسة الإدارة الأمريكية، فقد امتنعت وخلال السنوات الطويلة الماضية عن المشاركة في تحديث شبكة الكهرباء العراقية، لا بل هناك ما يؤشر لفعلها في وضع العراقيل والتابوات أمام الشركات الكبرى التي ترغب العمل في حقل الكهرباء، مثلما حدث مع عقد الحكومة العراقية مع شركة سيمنيس الألمانية.أيضا فأن وجود ما يقارب 80 شركة إيرانية أو فروعها داخل العراق، مع ارتفاع ظاهر لحجم التبادل التجاري لصالح إيران بما يقارب 12 مليارات دولار، كل ذلك يضع أمام الجانب الأمريكي الكثير من المتاريس والعقبات التي لا تستطيع معها الحصول على تأييد كامل وموافقات لمجمل مشاريعها الخاصة بالحرب أو الحصار للاقتصاد الإيراني.
الحرب في العراق التي كلفت أمريكا أكثر من 4500 عسكري وما يقارب 815 مليار دولار،جعلت الإدارة الأمريكية وعلى مدى السنوات منذ احتلال العراق لحين فوز الرئيس ترامب في أرباك وتخبط ،ومع مجيء الرئيس ترامب نجدها قد غيرت كثيرا من طرق تعاملها، فسياسة  ترامب ليست بذات الطابع الاستراتيجي الذي انتهجه وسار عليه الرئيس أوباما، فالرئيس ترامب رجل اقتصاد وتاجر لا يخفي طموحاته ونواياه، ودائما يعلنها دون مواربة أو حذر، وحساباته  تختلف كليا عمن سبقه من رؤساء الولايات المتحدة وهو يضع في مقدمتها مقدار المنافع التي تحصل عليها بلاده عبر استجابة حلفاءه لطلبات يشعر أنه متفضل في تقديمها وليس مدين.ودائما ما يبدو وكأنه يحاول التفرد بالقرار السياسي بعيدا عن المؤسسات التي تدير السلطة في الولايات المتحدة.
بعد انقضاء كل تلك السنوات منذ خروج العسكر الأمريكان عام 2011 ثم إعادة تواجدهم وفق طريقة جديدة سميت بقوة التحالف الدولي للحرب ضد الإرهاب، وترافق مع هذا الوجود  بناء ما يقارب العشر قواعد عسكرية على أرض العراق، وانتشار عسكري تحت مسمى تدريب الجيش العراقي. السبب في هذه العودة القوية للجيوش بعد أن أدركت الولايات المتحدة ومن ثم درست الوقائع على الأرض وبعد انتهاء مرحلة داعش، بأن الأوضاع في العراق تحتاج العودة إلى مشروع يعزز وجودها هناك ويعطي انطباعا أخر لطبيعة بقائها وضرورته للحفاظ على مصالحها المباشرة، وعليها العمل لصناعة  أطر جديدة للعلاقة مع العراق، لذا قامت الإدارة الأمريكية بالعودة لقراءة الحدث العراقي من خلال البرنامج الذي أعدته مجموعة كروكر عام 2017 وبمحتوى تقرير مجموعة عمل مستقبل العراق، وهنا ذهبت لإمساك ما تستطيع أمساكه داخل العملية السياسية الجارية في العراق. وجاء صعود السيد عادل عبد المهدي لقيادة العملية السياسية ليكون دافعا جديدا وقويا وجدت فيه أمريكا ما كانت تنتظره لحسم خيار الأخذ بما اقترحته مجموعة كروركر.
 في مجال العلاقات الاقتصادية وفي الشأن العراقي بالتحديد، ترى مجموعة كروكر إن سهولة وانسيابية تصدير النفط العراقي يقع في أولوية والولايات المتحدة وبرامجها وأنشطتها الدولية، وليبقى أحد أهم العوامل المحركة للنمو الاقتصادي الإقليمي والعالمي. ومن أولويات هذا التوجه السعي لجعل موارد النفط العراقي تضمن حصص جميع المشاركين بالسلطة ومنهم الطرف الكردي، لذا سعى برنامج كروكر لوضع خارطة ترضي وفي جميع الأحوال الحليف الكردي المؤتمن، وتمنحه خصوصية تفضيلية في مسألة أنتاج وعائدات النفط. وكانت هذه النقطة خط الشروع الذي ابتدأ بها السيد عادل عبد المهدي عمل وزارته، حيث منح الطرف الكردي كامل حقوقه في الميزانية العامة للدولة يضاف أليها تراكمات رواتب البيشمركه والموظفين في كردستان بأثر رجعي، دون خضوع أعدادهم للرقابة وللتدقيق، وهذا ما حصل مع كميات النفط التي تصدر من قبل الإقليم بعيدا عن علم ورقابة وزارة النفط العراقية، وبكميات تصدر خارج نطاق مؤسسة تسويق النفط الحكومية سومو.أما في جانب المناطق المتخاصم عليها فيبدو أن هناك طبخة أمريكية - مهدية تسعى لعودة قوات البيشمركه الكردية لتلك المناطق، ولكن الإدارة الأمريكية تدرك حساسية الموضوع في هذه المرحلة، والحاجة للصبر والأناة في التنفيذ، بسبب تقاطعات سياسية وإقليمية لا تود الإدارة الأمريكية إثارتها في الوقت الراهن، ولكن من الممكن البدء في وضع خطط أولية لتسويات داخلية وإقليمية، تضمن مستقبلا عودة هذه المناطق للجانب الكردي.
من الجائز القول أن خطوة شروع السيد عبد المهدي بعقد معاهدة طويلة الأمد وبمحتوى يتخذ الطابع الاقتصادي كمضمار لحركة العلاقة وروح تنفيذها مع الجانب الأردني.تأتي متطابقة جدا ومستوفية لبنود وشروط مشروع كروكر، وهي تعزيز الاقتصاد الأردني المتهالك، وهذا الأمر يعد جد ضروري وحيوي لاستقرار الأردن كبلد يعد في مقدمة حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، ودائما ما أعتبر خط الصد للحفاظ على أمن إسرائيل من الجبهة الشرقية، والمشارك الفعال في تمرير ما سمي بمستقبل الشرق الأوسط الجديد وإنهاء الخصومة مع إسرائيل لصالح مشروع صفقة القرن. ومشروع كروكر أوضح دون مواربة، إن استقرار هذا الحليف المعرض للخطر الدائم، لا يمكن له أن يكون متماسكا وقويا دون ارتباطه بصادرات النفط العراقي، وكذلك إيجاد سوق مفتوح لتصدير منتجاته، والعراق يعد سوقا واعدا ومفتوحا على مصراعيه، لذا وضمن هذا التوجه التقى رئيس الوزراء العراقي السيد عبد المهدي بنظيره الأردني عمر الرزاز عند الحدود العراقية الأردنية لتوقيع بنود أتفاق التعاون الاقتصادي وتبادل المصالح وافتتاح المنطقة الصناعية المشتركة، الذي عد مكسبا كبيرا ومثاليا للجانب الأردني مع تخلف القطاع الصناعي والزراعي العراقي.
ووافق الجانب العراقي على تزويد الأردن بما مقداره  10 آلاف برميل يوميا من نفط كركوك بكلف نقل واختلاف مواصفات، تحتسب بأسعار تفضيلية بعيدا عن سعر السوق العالمية، ليربح الجانب الأردني في ذلك بما معدله 17 مليار دولار سنويا، ووافقت الحكومة العراقية على تمديد إعفاء 370 سلعة أردنية من الرسوم الكمركية .مقابل تسهيل رسوم الدخول للبضائع العراقية عبر منفذ العقبة الأردني.
وكمقدمة حسن نوايا وتأكيدا للعلاقة الإستراتيجية القادمة قدم الجانب الأردني للرئيس عبد المهدي 1370 قطعة آثار سبق أن سرقت من المتاحف العراقية والمواقع الأثرية وهربت عبر الحدود العراقية الأردنية، كذلك تم بصيغ توافق، تسوية المبالغ العالقة بين الطرفين وبالذات منها ما هو لصالح الجانب الأردني على أن يساعد الأردن العراق بالتزود بالكهرباء الذي هو بأمس الحاجة أليها.
تدرك الولايات المتحدة أن خططها في العراق لن تؤتي أكلها دون دعم واسع من أوساط حكومية عراقية وقطاعات شعبية، وهي في ذلك تحتاج لتعزيز دبلوماسيتها وقوتها الإعلامية لتصبح شريكا مباشرا لتوجهات السلطة العراقية، بدلا من الاعتماد فقط على الوجود العسكري والمبعوث الخاص الذي يقدم للسياسيين العراقيين التوجيهات والنصائح والتحذيرات المبطنة وأيضا العمل على مراقبة مشاريع إيران والفصائل المسلحة التابعة لها. وهنا على الولايات المتحدة إن شعرت بضرورة الأخذ ببرنامج مجموعة مستقبل العراق، فعليها دراسة وإدراك مثل هذا الوضع الهش في العلاقة ومعالجته بشراكة حقيقية وواسعة تخدم قبل أي شيء ترسيخ الديمقراطية الحقيقية وتسريع وتيرة البناء وتقديم الخدمات ومكافحة الفساد وهذا لوحده ( ربما ) يقدم تصورا عقلانيا لخيار العلاقة الإستراتيجية الثابتة والعالية المستوى التي لم يعن للشعب العراقي تلمسها والحصول عليها من القوة التي حررته من سطوة وتسلط دكتاتورية حزب البعث الغاشمة.
بالرغم مما أقدمت عليه سلطة السيد عادل عبد المهدي والذي مثل لحد الآن تناغما حيويا مع خطة كروكر وما جاء بتقرير مجموعة عمل مستقبل العراق، فإن العراق لازال يواجه معضلات جمة ليس من الممكن حلها على المدى القريب دون تقديم تضحيات على المستوى الشخصي والعام، وهذا يجعله يحتاج إلى شريك فعال ومتعاون وقوي، ولحد الآن فالجانب العراقي يجد إن إيران لازالت تمثل وعلى أرض الواقع الشريك الأقرب اقتصاديا وسياسيا، وليست للعراق القدرة على فك الارتباط بهذا الشريك دون أن يواجه تبعات كبرى لا طائل منها.  أيضا فالمشروع الأمريكي يجد أمامه عقبات كأداء تبعد حسم الأمور لصالحه، ربما أولها يتمثل بهشاشة سلطة الحكومة العراقية و ترددها وقصورها أمام سلطة الأحزاب والكتل السياسية، أيضا الوجود الخطر لحشود الفصائل المسلحة، يضاف لذلك انتشار واسع للفساد بجسد السلطة العراقية وبألوان عديدة ومرعبة أنعكس بدوره على شرائح واسعة من المجتمع العراقي.
ولكن الغريب وهذا هو المهم، إن جميع العقبات الظاهرة والمخفية التي تعترض تنفيذ ليس فقط  ما جاء بتقرير كروكر وإنما تعمل على زعزعة الوجود السياسي والعسكري للولايات المتحدة، كل ذلك يبدو وكأنه لا يحظى باهتمام كبير عند القيادة الأمريكية، ولا ترى فيه على المدى القريب وضعا مقلقا، بقدر ما يترسخ أمامها هدف واحد هو اليوم محور أغلب اهتمامها السياسي والعسكري وتكرس له الكثير من  قدراتها، وتجد من الضروري  بذل جهود مضاعفة لخنق هذا الخصم العنيد الذي دائما ما يحاول أثارتها وتهديدها  وتحدي سياستها ومصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة. فإيران باتت الهاجس المقلق للولايات المتحدة وتطور الأحداث معها يؤشر لقرب لحظة اندلاع الحرب. والتصعيد الكلامي بين الطرفين أصبح مصدر إخافة وهاجس مقلق لعموم المنطقة، في نفس الوقت تدرك الولايات المتحدة إن خصمها ليس بذات الطبيعة والقدرة التي كان عليها صدام، بل الخصم قوي وقادر أن يوجع أعداءه  إن حدثت الواقعة. كذلك لو اندلع هذا الصراع فليس للحكومة العراقية القدرة على تفادي تأثير أحداثه وتداعياته كونها ستكون في قلب عاصفته الهوجاء، وعندها لا مناص من التغير الذي سيطال عموم المنطقة.




6
أمسية شعرية مع الشاعر العراقي عدنان الصائغ

منكسراً أمامَ مرايا المحلّاتِ /   كبطاقاتِ البريدِ التي لا تذهبُ لأحدٍ
 لنحمِلْ قبورنَا وأطفالنَا /      لنحمِلْ تأوّهاتِنا وأحلامنَا ونمضي
 قبل أنْ يَسْرِقَوها /   ويبيعوها لنا في الوطنِ:  حقولاً من لافتاتٍ
 وفي المنافي: وطناً بالتقسيط
هذه الأرضُ / لمْ تعدْ تَصلحُ لشيءٍ
هذه الأرضُ /    كلّما طفحتْ فيها مجاري الدمِ والنفطِ
 طفحَ الانتهازيُّون


يقيم منتدى الحوار الثقافي العراقي في ستوكهولم واتحاد الكتاب العراقيين في السويد أمسية شعرية
يلتقي فيها الشاعر المبدع عدنان الصائغ وذلك في الساعة الرابعة عصرا من يوم الأحد الموافق 9 / 12 / 2018 في منطقة شيستا من العاصمة ستوكهولم .
العنوان.
بناية شيستا تريف ، خارج الكَالاري ، ساحة الورود/  قاعة نورياسالن



7
شعار الصداقة بين الشعوب بين النظرية والمآل.
لقاء صحفي مع الدكتور خليل عبد العزيز
التقاء الصحفي فرات المحسن
الجزء الثاني
ــ هل ظهرت حركات تطالب بحق تقرير المصير أو الانفصال عن الاتحاد في تلك الجمهوريات ؟
* لا ينكر حدوث تطور حقيقي في حياة تلك الشعوب وتحسن في طبيعة الثقافة والمعرفة والعمران، ولكن السلطة الحقيقية كانت بيد الروس، وهؤلاء بدورهم مارسوا شتى أنواع الضغوط ويحاولون جهد الإمكان قمع أي مسعى للمطالبة بسقف حقوق أعلى مما منح لشعوب تلك الجمهوريات ، وقد ظهرت حركات عديدة طالبت بحقوق وحريات أكثر، وبعضها ناشد بالاستقلال، وكانت تلك التطلعات والحركات تواجه بالقمع المنظم، وقامت السلطة السوفيتية بإرسال أعداد كبيرة من هؤلاء إلى المنافي وبالذات إلى سيبيريا.ففي القرم ظهرت حركة قومية قوية للتاتار نادت بالحريات والاستقلال فجوبهت بالقمع حيث وجهت لهم سلطة السوفيت جيش عرمرم قضى على تلك الحركة ثم تم ترحيل الآلاف منهم إلى المنافي. أيضا حدثت حركات تمرد ومطالبات بالحريات وحق تقرير المصير والاستقلال الناجز في بعض الجمهوريات فجوبهت تلك الحركات كسابقاتها بالقمع. ففي الأربعينات من القرن العشرين تم الترحيل بشكل جماعي للعديد من المنادين بتلك الحقوق، فمن الشيشان الأنغوش رحل ما يقارب 480000 ومن البلغار و الأتراك الجورجيين رحل ما يزيد على 120000 ومن الأكراد والقوقازيين 200000 وجميع هؤلاء كانوا يرسلون أما إلى منافي سيبيريا أو جمهوريات آسيا الوسطى وقد تعرض الكثير منهم للهلاك أثناء عملية النفي.
خلال الحرب العالمية الثانية واحتلال القوات الهتلرية الفاشية لمساحات واسعة من الاتحاد السوفيتي شاركت مجموعات كبيرة ومسلحة من شعوب أواسط آسيا والقرم واكرانيا القوات الغازية وأخذت تقاتل الجيش السوفيتي وألحقت به خسائر فادحة ودمرت منشات اقتصادية حيوية بشكل وحشي مما دفع ستالين خلال وبعد انتهاء الحرب إلى إجراء عمليات ترحيل ونفي بحق مئات الآلاف من هؤلاء وتحت ظروف غير إنسانية.
 
ــ وما كانت ردود فعل شعوب تلك البلدان على هذا القمع والاستعباد؟

* جراء هذا القمع كانت ردود الفعل في بعضها قاسية ولم تخمد جذوتها، وكانت دائما في حالة ترقب للثورة على ذلك الحال من القمع، تصور إن سكان القرم تحالفوا في الحرب العالمية الثانية مع الغازي النازي  ضد الاتحاد السوفيتي وأنضم العديد منهم إلى الجيش الهتلري وقاتلوا معه،ولازال قائد الحركة التاتارية  مصطفى جميلوف موجودا  لحد الآن يعيش في أوكرانيا،  ومثلهم فعل البعض من أبناء الشعب الأوكراني، فقد قاد بنديرف حركة ضد الجيش السوفيتي، وأنخرط في الجيش النازي الذين منحه رتبة جنرال وعمل على خدمة الرايخ الهتلري، وفي أوكرانيا يمجد ذلك الجنرال الآن ويعتبر بطلا قوميا ووضع له نصبا تذكاريا وسط العاصمة كييف.وفي بعض جمهوريات الاتحاد على بحر البلطيق يقيم الكثير من المواطنين احتفالا يوم 14 تموز من كل عام يتم فيه الرقص وتناول الشراب ولذيذ الطعام وذلك بمناسبة ذكرى دخول الجيش الهتلري وتحررهم من سلطة السوفيت.

ــ ألم تضع السلطة السوفيتية مناهج وخطط لمعالجة تلك الطموحات المشروعة بما يساعد على طمأنة تلك الشعوب وكسب رضاها؟
•   على العكس من ذلك كانت القيادة العليا السوفيتية تحاول بشتى الوسائل طمس أي طموح قومي وتحاربه بضغوط كبيرة، وسياسات قهر واستعباد، ويظهر ذلك في سياسات الانصهار القومي وتعميم اللغة الروسية لجعلها اللغة الأم لشعوب الاتحاد السوفيتي جميعها. وخلال فترة حكم ستالين أستوطن الكثير من الروس تلك الجمهوريات، ولم يكن ذلك قد جاء اعتباطاً وإنما كان منهجا سياسيا وبالذات تنفيذ لأفكار ستالين. فهو من طرح ضرورة تغيير الطبيعة السكانية لتلك الجمهوريات، وليس فقط إدارتها سياسيا بالرغم من كون جميع مفاصل السلطة هناك كانت بيد الروس بشكل ناجز وإن أهل البلد يأتون  بالدرجة الثانية .
جوزيف ستالين
لذات الغرض، اصدر ستالين قرارا بجعل اللغة الروسية، اللغة السائدة في التعاملات الرسمية وفي المدارس لتتقدم على لغة الأم في مختلف المجالات، واتخذت تلك المحاولة طابع الإخضاع بالتنفيذ لنزع سمة الوطنية عن المواطنين، كون اللغة تعتبر الحامل الأساسي للهوية الوطنية.
والأدهى من كل ذلك، فإن القيادة السوفيتية بنت داخل تلك الجمهوريات أجهزة مخابرات وأمن ذات سطوة وقسوة بالغتين، ولكن المهم وقبل أي شيء أن تكون بقيادة روسية. فقد حرصت القيادة على إعداد كوادر قيادية محلية لتلك الأجهزة وأعطتهم سلطات واسعة لإدارة تلك الجمهوريات فظهر من هؤلاء قادة كبار أصبحوا في النهاية رؤساء لتلك الجمهوريات منهم علييف، رشيدوف،شفرنادزه.
في أحدى الجلسات داخل معهد الاستشراق الذي  كنت أعمل فيه، أخبرت مدير المعهد السيد بابا جان غفوروف عن معلومة استقيتها من مصدرين الأول صحيفة النيويورك تايمز والثاني من BBC .حيث تقول المعلومة بأنه أثناء فترة قيادته لسكرتارية الحزب الشيوعي في جمهورية طاجاكستان قام غفوروف بقتل ما يقارب 450 ألف طاجيكي، عندها تبسم غفوروف وقال هذا الرقم غير صحيح،  فالرقم الحقيقي هو أكثر من 600 ألف، وبرر ذلك القتل بالقول بأن بناء السلطة السوفيتية هناك كان يتطلب كل تلك الأضاحي، فلولا ذلك لما وجدت طاجاكستان الاشتراكية السوفيتية، كان ذلك الحدث يفرضه الواقع. وكان غفوروف الرجل الأول الذي حصل على خمسة أوسمة من القيادة السوفيتية على عهد ستالين.


مع باباجان غفوروف


ــ ألا ترى أن البحث في هكذا ملفات وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي وكل ما جرى بعد ذلك، وكأنه بحث عن مثالب الشيوعية ليس إلا؟

* كلا على الإطلاق، فأنا دائما ما كنت أود عرض حقائق كانت خافية عن الناس، ولم يكن في وارد تفكيري الطعن بالشيوعية والماركسية فهي نظرية ومذهب وتيار فكري فتح للعالم طرق وأبواب أنجز من خلالها ما يعد اليوم إرثا ثريا للبشرية. وكونها دليلا علميا فإن في صلب موضوعاتها العدالة الاجتماعية وهذا الذي أؤمن به كمخرج حقيقي وسلوك سياسي اجتماعي يفضي لسعادة الشعوب. الغاية التي أسعى لها هي عرض العيوب الكثيرة والإخفاقات التي رافقت التجربة السوفيتية للماركسية ومحاولة بناء الاشتراكية، والتي أفضت في النهاية لانهيار عام لجميع المنظومة العالمية للاشتراكية وليس فقط للاتحاد السوفيتي. من المهم هنا أيضا أن يعرف الجميع بأن السياسة السوفيتية بقيادة الحزب الشيوعي كانت تؤكد في فحواها وطريقة تعاملها، كون الروس يمتازون عن باقي شعوب الاتحاد السوفيتي، وإنهم أصحاب حضارة وإنجازات عظيمة في الثقافة والعلوم والمعارف والعسكرية، ووضعوا بصمتهم بجدارة داخل الحياة الثقافية والسياسة للشعوب الأوربية،وهذه حقائق لا تخفى ولا ينكرها أحد، وكان لذلك امتدادا تاريخيا في عمق العهد القيصري، ولم يكن وليد لحظة حضور الاشتراكية وثورة أكتوبر. ولا ينكر ولن يخفى أو يطمس ما قدمه النظام السوفيتي من إنجازات عظيمة  ليس فقط للشعب الروسي وإنما أيضا لباقي شعوب الاتحاد السوفيتي وكذلك العالم. 



في مؤتمر العلاقات بين شعوب آسيا الوسطى والبلدان العربية

ــ كونك درست في كلية الصحافة جامعة موسكو، وكان هناك تنوع وتعدد في جنسيات الطلبة في تلك الجامعة، هل كان هناك تفاوت وتمايز في مستويات الطلاب ؟

* كانت جامعة موسكو تمتاز بتنوع تشكيلتها الطلابية فتجد حضورا كثيفا لطلاب من مختلف جمهوريات الاتحاد السوفيتي وخارجه أيضا، وحين دخلت كلية الصحافة وفي الصف الأول وجدت معي العديد من طلبة الجمهوريات الاتحادية. الفرق بين هؤلاء الطلبة من روسيا وجمهوريات بحر البلطيق الاتحادية مع باقي طلبة الجمهوريات الاتحادية يبدو ظاهرا. فهؤلاء القادمون من الجمهوريات الجنوبية أو منغوليا كانوا أبناء لقيادات الأحزاب الشيوعية أو من المقربين لهم، والميزة الأخرى لهؤلاء، عدم خضوعهم لأهم شرط لدخول الجامعة أو الاختصاص ألا وهو اجتياز الاختبار العام للحصول على المقعد الدراسي. فهؤلاء كانوا يرشحون مباشرة من قيادة أحزابهم الشيوعية ومؤسسات جمهورياتهم الاتحادية، وبسبب هذا الاختيار والترشيح الحزبي وعدم الخضوع للاختبار ثم التقييم، فإن أغلب هؤلاء كانوا من الطلبة الفاشلين في دراستهم، وكان أساتذة الكليات يعانون الكثير جراء المستوى العلمي المتدني لهؤلاء .
في بداية دراستي تعرفت على أحد هؤلاء وهو القادم من أرمينيا وأسمه رافك وأبوه كان السكرتير الأول للجنة المركزية للحزب الشيوعي الأرميني. رافك هذا كان مثالا للجهل والتخلف والغباء، وقد كتب عميد الكلية إلى وزارة التعليم مباشرة، يخبرهم عن عدم قدرة هذا الطالب على الفهم والتطور، ثم فعل العميد ذات الشيء في العام التالي، مبينا للوزارة عدم جدوى استمرار رافك في الدراسة وضرورة فصله وإبعاده لجهة غير دراسية، فحالته في نهاية المطاف سوف تحتسب على كلية الصحافة، وهذه سمعة سيئة، وإن عمل في مجال الصحافة فسوف يقدم ما هو أسوء ،عندها يشار بالسوء لكلية الصحافة في جامعة موسكو وليس غيرها، ويرد السؤال، كيف سمحت الكلية بمنح هذا الطالب شهادة التخرج. ولكن وفي كل مرة يطلب عميد الكلية فصل رافك من الدراسة، تتدخل الجهات الحزبية العليا وتجبر العميد  التريث في إبعاده عن الكلية لاعتبارات تتعلق بالحزب الشيوعي في أرمينيا. وفي العام الثالث أراد العميد ولمرات عديدة إيجاد مخرج لهذه الورطة ولكنه وفي الأخير أضطر لاتخاذ قرار بفصل رافك، وبدورها فالوزارة أوقفت العمل بالقرار لمدة أربعة أشهر، لحين دار نقاش بين العميد وبعض المسؤولين هناك، استطاع العميد عندها إقناعهم بضرورة عدم استمرار هذا الطالب في الدراسة بكلية الصحافة.
مثل هذا الآمر كان يحدث في باقي الكليات ويأتي على وفق السياسة التعليمية للدولة السوفيتية، فالقيادة العليا تفضل العمل بناءً على المعايير الحزبية وعلى قاعدة التسريع في إعداد الكوادر العلمية والقيادية لتلك البلدان، والتي تعتقد القيادة السوفيتية إن مثل هذا التسريع والإعداد سوف يقدم كوادر نافعة لبلدانها. فنجد إن امتحان القبول لا يشمل طلاب الجمهوريات الاتحادية ولا ينظر أو يدقق في مستواهم التعليمي. كذلك فسياسة تفضيل أبناء القيادات أو المقربين منهم وزجهم في الدراسة ينتج عنه مساوئ شديدة الخطورة كان لها التأثير الفعلي أثناء وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي .
من نتائج تلك السياسة التعليمية غير الحكيمة لا بل المسيئة،  ظهور التفاوت في المستويات العلمية والفنية والثقافية بين طلبة الكلية الواحدة لا بل الصف الواحد، ولعب هذا العامل دور كبير في استشراء نزعة التبخيس وتقليل الشأن بين أوساط الطلبة وكذلك الأساتذة تجاه طلاب الجمهوريات الاتحادية، وانعكس هذا الآمر على عموم التعامل مع شعوب تلك البلدان التي دائما ما كانت تُتَهمْ من قبل الروس بتدني مستوياتها الثقافية والاجتماعية.


مع زعيم جمهورية منغوليا الشعبية السيد تسيدنيال

ــ أختلف المؤرخون حول تفسير جملة أطلقها لينين عن ستالين في خطابه الموجه إلى الأديب مكسيم غوركي قائلا ( تعال ألي لترى القوقازي العجيب  يكتب في المسالة القومية). هل كان لينين يقصد بها التقليل من قدرة ستالين وفكره على تحليل المشاكل القومية للشعوب، أم يا ترى كان مدحا. فستالين أصدر كراسا حول القضايا القومية، وهو لم يكن روسيا بل جورجيا. فيا ترى لماذا حدث كل ذلك التحول في طبيعة حكم ستالين ليصبح دكتاتورا ويفرض على شعوب الاتحاد السوفيتي تعلم اللغة الروسية وخضوع المؤسسات جميعها هناك للإدارة الروسية .

* سبق أن حدثتك عن وجود الفرق بين ثقافة الشعب الروسي وثقافة باقي شعوب الاتحاد خاصة منها الجمهوريات الجنوبية، فالروس لهم ميزة السبق في العلوم والمعرفة والثقافة عن تلك الشعوب، وشعوب الاتحاد الجنوبية كانت متخلفة في مناح الحياة العديدة، فثقافتها محلية محدودة، وليس لها علاقة بالكثير من المعارف الحضارية والتقنيات والعلوم الحديثة، ويمكن الإشارة في ذلك إلى جمهوريات وسط أسيا المسلمة، حيث دائما ما مثل الإسلام عامل كبح للتمدن والعلوم والمعرفة، وكان يعمل على إثارة النعرة الدينية والقومية ويبقي طابع التخلف مسيطر على مقدرات الناس رغم كون الإسلام أثناء فترة حكم السوفيت يمارس في الخفاء.
انضمام تلك البلدان والأقاليم إلى الاتحاد السوفيتي قدم لها الكثير من الإنجازات التي ساعدتها للدخول في العصر الحديث ورفع من مستوى ثقافة ومعارف شعوبها.ولكن العوامل الذاتية الكابحة كانت تجعلها لا ترتقي لمستويات باقي شعوب الاتحاد وبالذات الشعب الروسي.وكانت التقاليد والسياسات الروحية والاجتماعية التي تمارس بالخفاء، تعمق الهوة بدلا من ردمها. وفي المقابل فسياسة القيادة العليا غير الصائبة والقسرية لعبت الدور الأساسي في استشراء وتغذية تلك النزعات.
ستالين كان من أصول جورجية وهي أحدى الجمهوريات الجنوبية للاتحاد السوفيتي، وسبق أن كانت جزءًا من روسيا القيصرية. ويمكن القول إن ستالين كان أكثر من أي قائد روسي تشبثًا بالروسية ويمجد ويفخر بطبيعة الشعب الروسي ومعارفه، وكان مقتنعا بأن شعوب الاتحاد دون الروس لا يمكنهم بناء الاتحاد السوفيتي والاشتراكية، لذا سعى لزج الآلاف من الروس داخل أنشطة وحياة تلك الشعوب،وجعل جميع مفاصل الإدارة في جمهوريات الاتحاد خاضعة لسطوة وقرار المركز المتمثل بقيادته، وكذلك فرض اللغة الروسية لتكون اللغة الأولى للجميع في الاتحاد. هذا التعلق بالروسية يفصح عنه خطابه الموجه للشعب السوفيتي عندما وصلت القوات الهتلرية الغازية إلى ضواحي موسكو، أي على بعد 40 كيلومترا من العاصمة.في ذلك اليوم وخلال الاحتفال بذكرى ثورة أكتوبر الاشتراكية ألقى ستالين خطابه الشهير في الساحة الحمراء يستحث فيه الجنود والشعب للدفاع عن الوطن، وهنا ظهر تعلقه بالروسية وأمجاد الشعب الروسي، فكان خطابه موجها بشكل أساسي إلى المقاتلين والشعب الروسي يذكرهم فيه بالأبطال من القادة التاريخيين الروس، وفيه كشف ستالين وبشكل صريح وواضح ميوله تلك، وراح في تمجيد الدور الريادي للروس في مواجهة القوات الهتلرية.فقال بحماس منقطع النظير:
(( يارفاق الجيش الأحمر والقوات البحرية والقادة والمسؤولين العسكريين والسياسيين والأنصار والنصيرات.ينظر العالم اجمعه أليكم في هذه الحرب التي تخوضونها، وهي حرب تحرير، حرب العدالة . يجب أن تأخذوا بعين الاعتبار بطولات قادتنا الروس العسكريين السابقين : الكسندر بيفسكوف، دمتري دونسكوي، كوزمين مينا ، دمتري بشارسلي، الكسندر سوفروف وميخائيل كوتوزوف . يجب أن تكون راية لينين العظيم المحفز الأساس لكم .))
 أيضا ولكونه كان قريبا من لينين، ربما أراد أن يضع أمام قائده ما يوحي ببعض أفكاره الماركسية. ولكن علينا أن نعرف بان لغة ستالين الروسية كانت تصاحبها لكنة بائنة، وأيضا لم ينل ستالين حظا جيدا من التعليم، فيقال أنه لا توجد على الإطلاق مدرسة في عموم الاتحاد تقدم ما يثبت تخرج ستالين منها. ويقال أيضا إن تحصيله الدراسي يقتصر على الدراسة في الكنيسة لمدة أربعة أعوام ولم يكمل تعلم الحروف الروسية بشكل ناجز، وبعد أن بلغ عمره 11 عاما عمل في صبغ البيوت وشارك في نضال العمال في جورجيا ومن ثم في روسيا لحين انتمائه إلى الحزب الشيوعي الروسي،ومن هذا يقال بأن كتابه عن المسألة القومية الذي جاء لاحقا، كان قد استعان في إنجازه على بعض الأساتذة والحزبيين الروس.

ــ مع كل ما تقدم من أحداث، هل تعتقد أنها كانت سببا في تفكك الاتحاد السوفيتي ومن ثم انهياره؟
* يمكن أن تكون إجابتي بأكثر من نعم، ففي نظرة للإحداث التي سبقت الانهيار ثم أعقبت ذلك، نستشف الكثير عن حقيقة العلاقة بين الجمهوريات الاتحادية.
سياسة ستالين ومن جاء بعده من قادة، مثلت إيذاء لشعوب الاتحاد، فسياسته التي اعتمدت محاولة تغيير الطبيعة السكانية واللغوية لشعوب الاتحاد لصالح العنصر الروسي انعكست بشكل عام سلبا على العلاقات مع تلك الشعوب ، وصعدت من حدة التخندق المذهبي والقومي تجاه الروس. كذلك السيطرة السياسية والإدارية للروس على مفاصل السلطة في جميع الجمهوريات واستخدام قوى الأمن لقمع أي تحرك أو مناشدة بالحريات أو الحقوق المدنية، سبب الكثير من ردود الفعل القوية، رغم عدم بروزها بشكل ناجز لأسباب عديدة يتقدمها القسوة والقمع. فبعض تلك الشعوب كانت وفي مختلف المراحل تترقب لحظة الخلاص من سطوة الروس والخلع النهائي عن الاتحاد السوفيتي.ولذا نجد هذه الشعوب سباقة في الفكاك من العلاقة بالاتحاد السوفيتي إثر انهياره.
انهار الاتحاد السوفيتي وتفكك كدولة فدرالية في 21 ديسمبر من عام 1991.ورغم إعلان تشكيل اتحاد كومنولث من بعض الجمهوريات الاتحادية السابقة فانهيار الاتحاد الفدرالي للجمهوريات الاشتراكية السوفيتية كان له الأثر الكبير على مستوى العالم أجمع، وكان وقعه كبيرا لدى شعوب بلدان الاتحاد. فقد بدأت ردود فعل تلك الشعوب قاسية وانتقامية لكل ما يمت بعلاقة للسيطرة الروسية ، فكانت هذه البلدان سباقة للتحرر من الإرث السوفيتي، لذا تم في هذا السياق طرد جميع القادة الموالين لروسيا وكذلك الكوادر الإدارية الروسية في مؤسسات السلطة، وأيضا المواطنين الروس الذين استوطنوا تلك البلدان وفق سياسة تغيير الطبيعة السكانية التي شرعت على عهد ستالين.
ولو عدنا لما قبل الانهيار، نجد إن التاريخ قدم دروسا يمكن أن نطلع من خلالها على العلاقة الملتبسة لا بل المنفرة بين تلك البلدان وروسيا والاتحاد السوفيتي.
من الجائز القول إن العلاقة غير السليمة التي كانت تشوب صلات الروس الاتحادين بباقي بلدان الاتحاد هي أسباب مفجرة لصراع خفي ساعد في صنع عوامل الانهيار  للاتحاد السوفيتي بعد أن ساهمت سياسة ستالين ومن جاء بعده من قادة الاتحاد إلى الابتعاد كليا عن المبادئ التي جاءت بها الثورة البلشفية في أكتوبر عام 1917 ورمي نداء لينين لشعوب الشرق بعيدا فأدى كل ذلك لنخر ونحر مفهوم العلاقة بين الشعوب وحق تقرير المصير ومن ثم سرع في انهيار الاتحاد السوفيتي.     


8
أمسية استذكارية
بمناسبة الذكرى السنوية  16 لرحيل الأديب العراقي عبد الغني الخليلي
وصدور كتاب الأديب الشاعر طالب عبد الأمير المعنون
عبد الغني الخليلي، سحر الكلمة وعشق الصداقات
يقيم منتدى الحوار الثقافي العراقي في ستوكهولم واتحاد الكتاب العراقيين في السويد
أمسية استذكارية للأديب الراحل عبد الغني الخليلي مع قراءة وتوقيع لكتاب
الكاتب والإعلامي طالب عبد الأمير
وذلك في الساعة الرابعة من عصر يوم الأحد المصادف 02 /كانون الأول / 2018
المكان شيستا تريف خارج الكَالاري، شيستا توري 7 ، الطابق الأول قاعة نوريا





9
شعار الصداقة بين الشعوب بين النظرية والمآل.
لقاء صحفي مع الدكتور خليل عبد العزيز
التقاء الصحفي فرات المحسن
الجزء الاول

على ارض بلدان الشرق ( آسيا الوسطى ) دارت رحى معارك وغزوات عظيمة، وكانت تلك الإمارات والخانات والأقاليم تخضع تارة لهذا الغازي وتارة أخرى لذلك الفاتح.
 عام 1721 قام بطرس الأكبر بإعلان إمبراطوريته الروسية العظمى التي امتدت على أراضي شاسعة. فقد حارب الدولة العثمانية ووقع بعد انتصاراته عليها، معاهدات كسب فيها أراض كانت تحت سيطرة الدولة العثمانية والفارسية، وكان من تلكم الأراضي أقاليم الشرق وخاناتها وتوسع كذلك في سيبيريا الواقعة في الجزء الشرقي والشمال الشرقي من روسيا. وحارب كذلك  الدول الأوربية وانتصر في العديد من المعارك وتوسع في بولندا وفنلندا ودول البلطيق وشبه جزيرة القرم التي تقع  شمال البحر الأسود في الشرق الروسي.
بقيت تلك البلدان والأراضي تابعة لإدارة الإمبراطورية الروسية، لحين قيام ثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917 حين سقطت القيصرية وكان ذلك مقدمة لتغير طابع علاقة تلك البلدان مع روسيا الجديدة.   
بلدان الشرق، أسيا الوسطى، قريغيزستان ، أوزبكستان، تركمانستان، كازخستان وطاجكستان التي تقع وسط القارة الآسيوية، دائما ما سميت ببلدان آسيا الداخلية أو بلاد ما وراء النهر على عهد الخلافة الإسلامية، وهذه المنطقة التي تبلغ مساحتها ما يقارب 4 ملايين كم مربع ليس لها شواطئ بحرية تنفتح معها على بحار العالم سوى بحر داخلي هو بحر قزوين،ودائما شكل موقعها الجغرافي ممرا حيويا لتجارة الشرق. ويعيش فيها أكثر من 70 مليون من البشر وبمختلف الأعراق والغالبية فيها من المسلمين. وتشكل بمجموعها عقدة جغرافية لطرق برية تربط شرق أسيا بغربها وشمالها بجنوبها، باتجاه الخليج العربي. وتمتاز هذه البلدان بتنوع مصادر الثروة فيها وخاصة موارد النفط والمعادن الثمينة والثروة الزراعية.
لم يختلف حال بلدان القفقاس أو ما سمي ببلدان القوقاز وهي المنطقة الجبلية الواقعة بين بحر قزوين والبحر الأسود وتقسمها سلسلة جبال القوقاز وتتشارك فيها جمهوريات روسيا الاتحادية، جورجيا وأرمينيا وأذربيجان.وهي بلدان غنية بالموارد الطبيعية مثل النفط والغاز الطبيعي والحديد والنحاس والرصاص.ودائما ما كانت هذه البلدان موقعا للصراعات السياسية والدينية والثقافية ووقعت فيها العديد من العمليات التوسعية.وخضعت بعض أقسام المنطقة خاصة الشمالية منها في نهاية القرن السابع عشر لحكم القيصرية الروسية.
بعيد ثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917 وفي 24 نوفمبر وجه لينين نداءً هاما لشعوب الشرق المسلمة وكان النداء مفعما بروح السلام والأممية ألحقه والتأكيد على حق الشعوب بتقرير مصيرها وبناء أوطانها والتمتع بحرياتها المدنية ومعتقداتها الدينية.ومما جاء فيه:

(( أيها المسلمون بروسيا و سيبيريا و تركستان و القفقاس ... يا أيها الذين هدم القياصرة مساجدهم و عبث الطغاة بمعتقداتهم و عاداتهم. إن معتقداتكم و عاداتكم و مؤسساتكم القومية و الثقافية أصبحت اليوم حرة مقدسة . نظموا حياتكم القومية بكامل الحرية و بدون قيد فهي حق لكم . و اعلموا أن الثورة العظيمة و سوفياتات النواب و العمال و الجنود و الفلاحين تحمي حقوقكم و حقوق جميع شعوب روسيا . أيدوا إذن هذه الثورة وقد تم وضع برنامج ضخم لما يمكن أن يطلق عليه اليوم “التمييز المضـــاد” (affirmative action)، سُمي بالكورنيزاتسيا، أي إحلال السكان المحليين محل المستوطنين الروس. وقد بدأ بطرد المستعمرين الروس والقوزاق والمتحدثين باسمهم من الكنيسة الأرثوذكسية الروسية في تلك المناطق. وتوقفت اللغة الروسية عن الهيمنة، وعادت اللغات المحلية إلى المدارس وإلى الحكومة وإلى المطبوعات. وقد تمت ترقية السكان المحليين ليشغلوا مناصب في الدولة وفي الأحزاب الشيوعية المحلية وأعطوا أولوية حتى عن الروس في التعيينات. وقد أُنشئت جامعات لتدريب جيل جديد من القادة غير الروس. أيضا أُعيدت الآثار والكتب الإسلامية المقدسة التي نهبتها القيصرية إلى المساجد. وقد تم تسليم القرآن الكريم المعروف بقرآن عثمان في احتفال مهيب إلى المجلس الإسلامي في بتروغراد في 25 ديسمبر سنة 1917. وقد أُعلن يوم الجمعة، يوم الاحتفال الديني بالنسبة للمسلمين، يوم الأجازة الرسمية في كل آسيا الوسطى )).

النداء الموجه لشعوب الشرق كان تطبيقا حرفيا لمفهوم لينين عن حرية الأمم في حق تقرير مصيرها، وقدم لشعوب الشرق ورقة سياسية مغرية تدعوهم ليكونوا ضمن دولة جديدة غير تلك القيصرية الروسية، دولة تضمن لهم حرية المعتقد الديني والسياسي وقبله الحق في  التحرر والانفصال أي تقرير مصيرهم إن أردوا ذلك.
كان النداء حافزا لجميع المسلمين بروسيا وبلدان أسيا الوسطى و سيبيريا و تركستان و القفقاس لقبول التعاون مع روسيا الاتحادية،  وجعل تلك الشعوب تشعر بوجودها القومي في ظل أعراف وقواعد حددها بيان قائد الثورة ومنظرها.
وجدت تلك الشعوب الفقيرة والمتخلفة ضالتها في انتصار ثورة أكتوبر للتخلص من حكم القياصرة لذا قدمت تأييدها المباشر للثورة على القيصرية بقيادة فلاديمير أيلتش لينين.
بعد وفاة لينين في 21 يناير،كانون الثاني عام 1924 خلفه بالقيادة جوزيف ستالين بعد صراع شرس خاضه داخل اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الروسي واستطاع في النهاية حسم الصراع لصالحة، ولم يطل معه الأمر، فخلال فترة قيادته أصدر دستورا جديدا منح نفسه بموجبه سلطات مطلقة في الحكم.وفي فترة حكمه خرجت الدولة عن المبادئ التي قامت عليها ثورة أكتوبر، وقام ستالين بالتخلص من المعارضين له داخل الحزب، وتحول الاتحاد على عهده إلى دولة موحدة ذات سلطة مركزية قوية وطابع شمولي،كان الحزب وقوى الأمن هما المركز الذي يتحكم بجميع نشاطات الدولة وإدارات بلدان الاتحاد.
هذا التاريخ الطويل من التغيرات في المشهد العام للعلاقة بين جمهوريات الاتحاد السوفيتي وأيضا في سياسة السلطة السوفيتية تجاه شعوب الشرق المسلمة المنضوية للاتحاد،ومن ثم الانسلاخ السريع عن الاتحاد إثر تصدع السلطة السوفيتية وانهيارها في موسكو.


 كل ذلك دفعنا للحوار مع الدكتور خليل عبد العزيز لاستجلاء رؤيته في شأن العلاقة التي كانت قائمة بين شعوب الاتحاد السوفيتي، ومحاولة لعرض تلك المواقف، وهو الذي عاصرها لزمن طويل وعاش أحداثها لأكثر من عقدين، ونحن هنا ننقل رأيه  فيما حدث بحيادية،طالبين منه الإفصاح عما خبره في طبيعة الحراك السياسي والعلاقات بين جمهوريات الشرق المسلمة والسلطة الاتحادية في الاتحاد السوفيتي السابق.

   
دكتور خليل عبد العزيز             

دكتور خليل عبد العزيز وفرات المحسن



ولد الدكتور خليل عبد العزيز في مدينة الموصل من عائلة متوسطة الحال 
ساهم في الحركة الوطنية منذ أعوام الخمسينات حيث بادر بتشكيل اتحاد الطلبة العراقي العام في مدينة الموصل وأصبح رئيسا له. وشارك في تظاهرات انتفاضة عام 1952 . في العام 1954 أصبح ممثلا للطلبة في لجنة الجبهة الوطنية التي شكلت آنذاك وخاضت الانتخابات النيابية، وعلى أثر قيام حكومة نوري السعيد بحل المجلس النيابي، شارك في التظاهرات الاحتجاجية وعندها صدر أمر بإلقاء القبض عليه، لذا تقرر انتقاله إلى بغداد، حيث أصبح عضوا في اللجنة العليا لاتحاد الطلبة العراقي العام. كما عمل في تنظيمات الطلبة التابعة للحزب الشيوعي العراقي. في عام 1956 ألقي القبض عليه في بغداد وصدر قرار بالحكم عليه بالحبس لمدة عام واحد قضاها في سجن بعقوبة، وبعد انتهاء فترة الحكم ، أبعد إلى مدينة بدرة الحدودية التابعة للواء الكوت. بعد ذلك سيق إلى معسكر الشعيبة جنوب العراق لأداء الخدمة العسكرية بعد أن تم فصله من الدراسة وزوال أعذار تأجيله من أداء الخدمة العسكرية. وكان معسكر الشعيبة يضم أكثر من 150 مناضلا وطنيا من جميع أنحاء العراق. وأثناء خدمته في ذلك المعسكر قامت ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958.
 بعد ثورة 14 تموز عاد إلى الموصل وتقلد مركز رئيس اتحاد الطلبة العراقي العام هناك. أعتقل ليلة مؤامرة الشواف وأودع في الثكنة الحجرية. أطلق ضباط وجنود كتيبة الهندسة الموالون للجمهورية سراحه مع بقية المعتقلين. ساهم بنشاط في عمليات قمع حركة الشواف. في عام 1959م صدرت بحقه عدة أحكام بالإعدام بتهمة المساهمة في القتل وقمع مؤامرة الشواف، هُربَّ إلى موسكو من قبل الحزب الشيوعي، ليبدأ صفحة أخرى من حياته. أنهى فيها الكلية التحضيرية للغة الروسية، ثم درس وحصل على الماجستير عن رسالته حول الحزب الوطني الديمقراطي العراقي. نال بعدها شهادة الدكتوراه في الإعلام، وعمل باحث علمي في معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية في موسكو، يعيش حاليا في العاصمة السويدية ستوكهولم.


ــ الدكتور خليل عبد العزيز، هل لك أن تعطينا صورة عن نمط العلاقة التي كانت تربط  بين بلدان جنوب الاتحاد السوفيتي السابق، بلدان أواسط آسيا المسلمة وأيضا القوقاز بسلطة الاتحاد السوفيتي.

*  كانت بلدان أواسط أسيا المتمثلة بقرغيزيا واوزبكستان وتركمستان وكازخستان وطاجكستان أقاليم وبلدان تابعة للقيصرية الروسية وبعد قيام ثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى،صدر عن قائد الثورة فلاديمير لينين نداء وجهه لتلك البلدان وقدم لهم فيه وعودا لنيل الحقوق الدينية والمدنية وفي مقدمتها الحق في تقرير المصير. كانت تلك البلدان الفقيرة المتخلفة ترغب التخلص من حكم القيصرية الروسية، لذا كان البيان وما جاء فيه من وعود عاملا مهما ودافعا لانضمامها  إلى الاتحاد، وتأييدها للثورة بقيادة لينين  . ومنذ عام 1924 وهو عام تأسيس الاتحاد السوفيتي حتى عام 1936 انضمت للاتحاد أغلب بلدان أواسط آسيا.
خلال تلك الفترة حدثت الكثير من التغيرات وبدأت تظهر نزعات الأثرة والتفرد والمركزية في الحكم، فالمعروف عن الاتحاد السوفيتي ومنذ تأسيسه أعتمد قادته على نظام حكم الحزب الواحد الذي أُعتبر الممثل الحقيقي والوحيد لإرادة الشعوب الحرة. وعلى عهد ستالين بات الاتحاد السوفيتي دولة موحدة بسلطة مركزية بطابع شمولي، وابتعدت السلطة عن الأخذ برأي الجمهوريات ذات القوميات غير الروسية، وظهرت بوادر الشك والريبة من طموحات شعوب الجمهوريات الاتحادية، والخوف من تحركها نحو المطالبة بالاستقلال، وعلى هذا الأساس عملت السلطات الاتحادية على تسويف وتسويق الشعارات للإبقاء على الأوضاع مع بعض التغييرات السطحية الشكلية، وفي الوقت نفسه بقيت جميع إدارات السلطات في تلك البلدان تحت سطوة قيادة مركز الاتحاد،وكان العمل يتم وفق جانبين أو أسلوبين للعلاقة، الأول الحفاظ على كيان الاتحاد السوفيتي بوجود جميع الجمهوريات المرتبطة بينها بعرى قوية مثلما يظهر للعيان، وعلى أساس التكامل الاقتصادي بينها، والثاني يتم بإعطاء تلك الشعوب بعض الحقوق التي كانت تمنح لها بالقيراط والأقساط، في الوقت الذي يتم انتهاج أساليب إدارية وسياسية تضيق الخناق وتحد من ظهور طموحات سياسية للاستقلال.

ــ ما الذي جعل تلك العلاقات تتغير على هذا النحو، هل كان نداء لينين لبلدان أسيا الوسطى المسلمة دون جدوى أو الأحرى خدعة سياسية؟
* كان نداء فلاديمير لينين لشعوب الشرق وبالذات الإسلامية منها حول الحريات وحق تقرير المصير، فكرة صائبة ونبيلة ولم تكن من باب الترف والخداع السياسي، فالرجل كان ماركسيا يؤمن بتلك الأفكار وجوهرها النبيل في حق الشعوب بنيل الاستقلال والكرامة الإنسانية. ولكن بعد وفاته واستلام ستالين الحكم تغيرت اتجاهات واستراتيجيات السلطة ونحت منحى السيطرة الكاملة على مقدرات تلك الشعوب، وتم اختزال الإدارات والسلطات بيد الأمين العام والمكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي، وبالذات منها إدارة حكومات تلك الجمهوريات،وباتت قيادات الحزب الشيوعي المنفذة لتعاليم قيادة مركز الاتحاد بقيادة الأمين العام للحزب الشيوعي السوفيتي، تسيطر بالكامل على مقدرات شعوبها، مقصية في حرب مستمرة ومستعرة كل ما يتعلق بفكرة حق تقرير المصير.
وكمثال على تلك العقلية الاقصائية، فأن لهذه العنجهية القومية أو ضيق الأفق القومي، امتداد واسع ليس فقط داخل القيادات العليا للحزب الشيوعي بل هناك ذات التصورات والقناعات عند الكثير من المواطنين السوفيت، وبالذات الروس منهم، وتتمثل بنظرة تعالي تتهم الشعوب ذات الأصول غير السلافية ومنها بلدان جنوب الاتحاد السوفيتي والمسلمة منها بالجهل والتخلف. ونلاحظ إن هذا يمتد حتى وقتنا الحاضر.فالرئيس بوتين أنتقد فكرة حق تقرير المصير التي طرحها لينين. فهو يرى أي بوتين، إن مثل هذا الحق الذي تحدث عنه لينين لا يمثل الحقيقة، وإن تلك الشعوب التي عناها في نداءه لم تكن شعوبا متحضرة ولا تملك إدارات أو قدرات بناء دولة جديدة، والروس أو الاتحاد السوفيتي هو من بناها كدول ووضع لها قواعدها الاقتصادية والعلمية والسياسية ومنح شعوبها حقوقها المدنية وعلمها أعراف الديمقراطية والبناء الحضاري.

ــ هل لك أن تقدم لنا ما يفصح عن تلك العلاقة الملتبسة أو المشوهة التي كانت تسير عليها مؤسسات الاتحاد ؟
 
•   كنت أعمل صحفيا في وكالة نوفوستي للأنباء، وطلب مني أن أعمل تحقيق أو ريبورتاج صحفي عن مصنع للطائرات موجود في طاشقند عاصمة أوزبكستان.ذهبت إلى هناك. كان مدير المعمل أوزبكيا وقد رحب بي أيما ترحاب وسألني عن مهمتي ثم أراد معرفة جنسيتي، فأخبرته بأني من العراق فدهش وبفرح قال بلهجة مفخمة إذن أنت مسلم، فأجبته بأني شيوعي ولا علاقة لي بالدين، ولكنه تجاهل ذلك وراح يتحدث عن الإسلام وموقعه في أوزبكستان وعلاقته الروحية ومكانته عند هذا الشعب وقال، رغم كوني شيوعيا ولكن لنا نحن الشعب الاوزبيكي تقاليد راسخة وحيوية بالدين الإسلامي. أردت تغيير وجهة الحديث فشرحت له مهمتي وسألته عن مصنع الطائرات فتحاشى أسئلتي وراح يتحدث من جديد وبنشوة عن الإسلام والمسلمين في العالم ثم العراق. وبعد وقت ليس بالقليل أخبرني بأنه سوف يقدمني لمعاون مدير المصنع، فهو الذي يستطيع تلبية حاجاتي ويجيب عن أسئلتي، فهو يعرف كل شيء عن المصنع .
 كانت جنسية المعاون هي الروسية، وحين قابلته أخبرني بحقيقة صادمة عن مدير المصنع قائلا، إن المدير واجهة شكلية لسياسة عامة ولا يملك الكثير من السلطة الإدارية، وغالبا ما تحصر مهامه باستقبال وتقديم الشاي للضيوف والدردشة معهم بأحاديث دائما ما تكون بعيدة عن طبيعة العمل.
في جولة طويلة في أنحاء المعمل كان المعاون يقدم لي بالتفصيل معلومات كثيرة وجيدة عن طبيعة العمل والإنتاج ، ولكنه توقف لمرتين أثناء ذلك ليخبرني بأنه يتلقى إشارات بالسبايكر من المدير، ويعتقد أنه يرغب أن تعود أليه ليكمل معك الحديث السابق. وفعلا بعد أن أكملنا الجولة ورجعنا إلى المقر طلب مني المدير الجلوس لإكمال ما سبق وتحدثنا حوله، فشكرته على كل شيء واعتذرت منه لضيق الوقت، ووعدته بلقاء أخر. مثل هذا النموذج القائم في مصنع الطائرات كان موجودا في جميع المصانع والمؤسسات المنتجة لا بل حتى في دوائر الدولة المهمة وأيضا العادية، أي يوضع مدير عام من نفس سكان الجمهورية الاتحادية ولكن السلطة الحقيقية تكون بيد المعاون وهو روسي الجنسية ويتمتع بجميع الصلاحيات، وفي النهاية فهو الوحيد صاحب القرار الأعلى، وقد بقيت هذه السياسة متبعة إلى يوم انهيار الاتحاد السوفيتي، وقد تلمستها ووجدتها أينما ذهبت وفي جميع مؤسسات جمهوريات الاتحاد السوفيتي. فهناك قاعدة أطلاق الصواريخ في كازاخستان جميع العاملين الأساسيين فيها فقط من الروس ولا يوجد أي شخص من خارج القومية الروسية يعمل في المراكز الحساسة لهذا المرفق .ومثل ذلك مصانع للحاسوب في أرمينيا وغيرها.
     ــ  يا ترى ما هي الأسباب والدوافع لمثل هذه التركيبة الغريبة للإدارة ؟

* في اعتقادي، كان الهدف من كل ذلك، وضع تلك الشعوب تحت سيطرة السلطة المركزية أولا ثم إبقائهم على ذات الحدود المسموح بها من المعرفة والمهنية والإدارة، وكانت تلك في مجملها سياسة تؤدي لوضعهم دون المستوى الذي يتناسب والشعوب المتحضرة المكتملة البنيان. ورغم التحسن في البنى التحتية والعمران الحديث وارتفاع الدخل القومي وتطور قوى الإنتاج، فقد كان يرافق كل ذلك عقلية روسية تبخس حقوق وتطلعات وطبيعة مواطني تلك الجمهوريات، وتنظر لهم بنظرة فوقية واستخفاف، وتعدهم دون مستوى التحضر مقارنة بالروس .
أصبح مفهوم الصداقة بين الشعوب شعارا شكليا على عهد ستالين ومن جاء بعده من قادة، وكانت بين القيادة السوفيتية المركزية وقيادات تلك الشعوب ما يشبه الاتفاق على بناء الروابط التي تبدأ أولا بحصول تلك الشعوب على بعض الحقوق القومية والمدنية على أن توفر تلك القيادات الفرعية الآلية لمجرى عملية التكامل الاقتصادي والاستفادة القصوى من خيرات تلك البلدان لصالح عموم الاتحاد السوفيتي.ولكن للحقيقة فقد كان هناك هدفا مخفيا يذهب للاستفادة من خيرات تلك الشعوب وفي الوقت ذاته يحد أو يبطأ تكامل البناء الحضاري لها. 
فالفروق كانت واضحة في مستوى التقدم العمراني والثقافي ما بين الجمهوريات الاتحادية الشمالية مثل روسيا  وروسيا البيضاء واوكراينا ودول البلطيق الاتحادية وبين دول آسيا الوسطى والجمهوريات الجنوبية الأخرى مثل جورجيا وأذربيجان وأرمينيا . فالقيادة السوفيتية كانت تتهيب من تطور جمهوريات الاتحاد الجنوبية خوفا من بروز النزعات القومية ومن ثم  تمردها على السلطة المركزية ومطالبتها بالاستقلال وانسلاخها عن الاتحاد.

ــ ربما ينتبه المرء لتعلق شعوب تلكم البلدان بالدين الإسلامي كحالة وجدانية روحية.ما حقيقة هذا الآمر؟

* كمثل على هذا التعلق أذكر لك شخصية درست لمدة خمس سنوات في جامع الأزهر في مصر،ومن ثم أصبح بعدها مفتيا للديار في عموم جمهوريات آسيا الوسطى الاتحادية،وهو ضياء الدين باباخانوف، كان هذا المفتي وفي اغلب زيارتي له  يفضل أن نبدأ حديثنا بتناول أقداح الشراب، فينادي على أبنه شمس الدين الذي أصبح لاحقا سفيرا لروسيا الاتحادية في الكويت، ويشير له بجلب زجاجة كونياك، عندها يأخذ المفتي بتقديم البيالا وهي قدح تقليدي أوزبيكي لشرب الكحول. كان باباخانوف رجلا شيوعيا وملتزما حزبيا ويتبع تعاليم القيادة السوفيتية بصرامة لا يحيد عنها.
 خلال حديثنا اخبرني المفتي عن وجود ما يقارب 40 إلى 50 مليون نسمة من المسلمين يعيشون في جمهوريات آسيا الوسطى، وعن موقف هذه الملايين من الدين الإسلامي، حدثني قائلا، إن هناك موقف مودة وحب واحترام عظيم للدين الإسلامي لدى هذه الملايين ، ولكنهم يخشون بل يخافون من الحزبيين ورجال الأمن والواشين، ورغم هذا الخوف فالغالبية تتمسك بإسلامها. وروى لي كيف أن العديد من المنتمين للحزب الشيوعي يتهيبون الحديث بالسوء عن الاتحاد السوفيتي والحزب، حفاظا على مواقعهم الحزبية والوظيفية، ولكنهم في البيوت يتحدثون بأقذع الأوصاف والشتائم ضد الدولة السوفيتية والقيادة، وينعتوهم بالكفر والإلحاد، رغم إن غالبية هؤلاء لا يعرفون الكثير عن الإسلام، وليس بينهم من يعرف تلاوة القرآن أو فك رموزه، ولكن كل ذلك كان يأتي كجزء من العداء لسلطة الحزب الشيوعي وأوامره القسرية .
ــ ما الذي كانت تقدمه تلك الجمهوريات الاتحادية للاتحاد ؟
كان العديد من جمهوريات الاتحاد ومنها الجمهوريات الجنوبية ترفد الاتحاد بالكثير من المنتجات الزراعية وغيرها من الخيرات الطبيعية مثل النفط والغاز الطبيعي والحديد والنحاس والرصاص.وتشكل منتجات تلك البلدان أكثر روافد اقتصاد الاتحاد السوفيتي .
فمثلا أوزبكستان كانت تعد أحد أهم البلدان في أنتاج القطن عالي الجودة ،ويسمى الذهب الأبيض لغزارته وما يدره من مبالغ لاقتصاد الاتحاد.وفي عمليات حصاد هذه الغلة توظف جميع الطاقات في طاشقند وتشارك في جني المحصول مؤسسات الدولة وباقي قطاعات العمل والطلاب أيضا، ولكن دائما ما كانت تجري عملية مخادعة وتضليل في حساب المحصول. فالقيادة العليا للحزب الشيوعي السوفيتي تطلب من قيادة الحزب في طاشقند كمية برقم حسابي محدد، وعند ذلك وبعد عملية جني المحصول وحين تفشل الجهود في الحصول على ما يساوي الرقم الذي طلبته قيادة الحزب العليا ، تقوم قيادة الحزب في طاشقند كمحاولة لإرضاء المسؤولين بتسجيل ذات الرقم المطلوب لإقناع القيادة بنجاح زراعة القطن ووفرته. وجميع الجمهوريات الاتحادية تقدم منتجات زراعية وصناعية لترفد بها المنتج الوطني على مستوى الاتحاد، وتجدها تمارس في جني الإنتاج ذات عملية الغش في الحساب النهائي وهي عملية غش يترتب عليها حصول البعض على وسام الحزب والدولة لأبطال للإنتاج.

ــ وما هي الأسباب لمثل هذا العمل غير المهني والخداع غير العملي والمضر في حساب المنتج؟
* عملية المخادعة ورفع رقم الإنتاج تأتي بسبب ما تقدمه قيادة الحزب العليا من جوائز تكريمية، عرفانا بما قدمته القيادة المحلية للحزب. وكان مثل هذا يحدث في أغلب الجمهوريات الاتحادية ومع جميع المحاصيل الزراعية واستخراج المعادن أو تصنيعها.
 بالنسبة لي فقد شاركت في احد المرات بجني محصول القطن حين كنت في سفرة مع مجموعة طلبة من جامعة موسكو في زيارة لطاشقند،وقد طلبوا منا المساهمة في الحصاد، عندها أعطوني خرجا كبيرا لأجمع فيه المحصول، لم أكن بمهارة أهل طاشقند ولكن لحسن الحظ كان لي حظوة عند بعض الفتيات فأخذن بمساعدتي من خلال وضع بعض ما يقطفنه في خرجي، وبعد الحصاد أقيمت حفلة كبيرة وقدم لي شكر خاص بسبب ما استطعت جمعه وكان حجمه كبيرا.
جميع الجمهوريات الاتحادية كانت تتلاعب بأرقام المحاصيل الزراعية وأيضا إنتاج المواد الأولية لذات السبب أعلاه، والذي يجلب للمنظمة وبعض أعضائها الجوائز السنوية كأبطال للإنتاج.

حيدر علييف السكرتير الأول للحزب الشيوعي الأذربيجاني
1969



ــ وما طبيعة الجوائز التي تقدمها السلطة السوفيتية عند نهاية السنة الإنتاجية؟

* كان تقليد منح الجوائز يخضع أيضا للمساومات والخديعة، ويتساوق وخدعة رفع أرقام الإنتاج، فالجوائز والمكافأة كانت مغرية ويدور حولها تنافس حاد، فالحصول عليها يعطي للشخص امتيازا معنويا وماديا كبيرا. روى ليَّ أحد قيادي الحزب عن حادث وقع في جمهورية أوزبكستان، حيث تقدم أحد المنتجين من الذين نالوا استحسان القيادة وحققوا أرقاما عالية تؤهلهم لنيل وسام لينين كواحد من أبطال الإنتاج، تقدم المزارع نحو سكرتير الحزب شرف رشيدوف ليستلم الجائزة فما كان من الرئيس وقبل تقليد الوسام، أن اخبر المزارع بأن هذا الوسام ليس دون ثمن، وعليك أن تتذكر ذلك جيدا، فهذا التكريم له مقابل. وهذا ما فعله المزارع لاحقا، حيث جمع ما قيمته خمسين الف روبل وقدمها إلى رشيدوف مقابل حصوله على وسام لينين.
 وسام لينين كان يعني الكثير ماديا ومعنويا. معنويا يقدم للشخص الاحترام والتقدير في جميع المناسبات، ويتقدم على الآخرين في المواقع، وقيمة الوسام المادية كبيرة أيضا، فصاحب الوسام يستقل مجانا ومدى الحياة جميع وسائل النقل برا وجوا، ويمنح أيضا أفضلية الحصول على سكن، وقبل كل ذلك يحصل على مبلغ نقدي يتراوح  بين 200 إلى 300 ألف روبل. ومثل ذلك كان يحدث في باقي الجمهوريات ولمختلف المنتجات الزراعية والصناعية والاختراعات.




10

يقال تمخض الجبل فولد فارا
فرات المحسن

ولكن في العراق السياسي ومنذ عقود لم يكن هناك جبلا أصلا ولم يلد حتى السفاح.
بعد حفل انتخابات وضجيج عن تزوير، استقر رأي فطاحل الساسة على اختيار رجل دولة يقال أنه من طراز فريد وجديد، أي يختلف عن سابقيه بالرغم من فشله في ثلاثة تجارب استوزر فيها وخيب الظنون لا بل أخل بوظيفته.
أجتمع السياسيون للبحث في رميمهم عن الذي يمسك لهم خيط السلطة ويكون الحارس الجديد للتغطية على ما يقترفونه من موبقات.
فاختاروا السيد عادل عبد المهدي، ومن أين لهم غيره، ليخترع لهم، مثلما يقول الناس في العراق فيكه جديدة،لا سابق عهد بها، ولم تستخدم حتى في أكثر وأعظم بلدان الديمقراطيات،وهي الترشيح عبر بوابة البريد الالكتروني.
وراحت الناس مصدقة ما بين أيديها ومن خلفها، فالرجل مؤمن وسيد بن رسول الله كما يدعي، وأيضا حسب دائرة نفوس قضاء الشطرة في لواء المنتفك، وسبق له إن عاف المسؤوليات السلطوية برغبة جامحة ونقاء سريرة وزهد لا ريب فيه !!!؟؟؟؟.
واحتشد المؤيدون في كتلة سائرون والبناء والحوار والكرد وقدموا خرائط طرق وبناء لكابينة أبو العوادل. وبدوره لم يكذب خبرا  فرفع معهم شعار لا شرقية ولا غربية أمه أمه إسلامية.
لم يمتد الزمن بعادل عبد المهدي طويلا  ليقدم كابينته التي فاحت منها رائحة العفن قبل أن تصل البرلمان.
يقال والعهدة على الرواة وأصحاب الحديث، بان فكرة النافذة الالكترونية جاءت وفق رؤية إستراتيجية،وهي من وحي جماعة الرفيق عزة الدوري أو الرفيق يونس  الأحمد،نقلت إلى عادل عبد المهدي عبر بوابة كردستان، لتكون مفتاحا لولوج من يرتئيهم حزب البعث مناسبين للدخول في العملية السياسية، وعودتهم سوف تكون مشفوعة بإمرة السيد رئيس الوزراء الجديد، بعدها يكون نشاط حزب البعث رسميا ودون اعتراضات وهزي تمر يا نخلة. وحدث كل ذلك بشكل سلس وشفاف وبإسناد من جبهة عريضة من محبي ومريدي حزب البعث داخل جميع الكتل البرلمانية . 
فأختار أبو العوادل ما أوحي له من شخصيات ومثلما يدعي أنهم أتوا حسب خيار الفيكه الجديدة، ليطرحهم وسط ترحيب سائرون والبناء والحوار والجبهة الكردستانية،فهم أبناء الخؤولة والعمومة من الذين قدمهم له حزب البعث تحت مسمى النطيحة والمتردية والموقوذة والمنخنقة، أي الذين استثنتهم المحاكم من الاجتثاث أو شراكة النهب.
ولكن الغريب إن تحت ثياب تلك المترديات يختبئ  مثلما تربى عليه البعث،الذئاب والضباع.
 فوزير الاتصالات نعيم ثجيل يسر خربيط عضو فرقة في حزب البعث واستثني من الاجتثاث عام 2005 . ولنقاء سريرته وتركه لحزب البعث لذا مرر اختياره للوزارة بأصوات الغالبية وبأريحية تامة.
ووزير الخارجية من آل الحكيم سبق أن أمتنع عن مصاحبة الازيدية نادية مراد كونها من أهل الذمة حسب ما أخبر أقرانه ومريديه.وهو حبيب السيد الجعفري، ومن أحبه الجعفري فقد تجعفر.
ولم يعن للسيد عادل عبد المهدي وفي أصعب الظروف وأشدها حلكة أن رفض للسيد مسعود البرزاني طلبا ولهذا لم يجد عادل مناصا من وضع وزارة المالية بيد مدير مكتب السيد البرزاني المدعو فؤاد حسين الذي رشح نكاية بجميع من كان يرفض وجوده على رأس سلطة العراق. وقد وجد البرزاني في ذلك فرصة لضرب عصفورين بحجر واحد، ألأول لوي ذراع من تحداه بشخص فؤاد حسين، والثاني أرضاء شخصي لفؤاد بجعله الحصان الكردي الأسود داخل سباق السلطة الاتحادية.عندها ستكون بيده خزانة العراق ويرئسه شخص ضعيف لا يملك ما يمكنه الامتناع عن تنفيذ ما يطلبه السيد  مسعود البرزاني، فقد سبق للسيد عادل أن تعامل مع السيد مسعود بكامل الأريحية ووهبه ما لا يملكك وسوف يعيد الكرة بأريحية أيضا.
أما وزير الشباب فحدث ولا حرج فلحيته تنبؤك عن تاريخه، فالرجل سبق وأن تكربل في الصليب الأحمر العراقي، ثم اسلم على سنة القاعدة ورسولها أبو مصعب الزرقاوي وركب هودج الطائفية لتنتقل سبحة اليسر من شماله إلى يمينه، فسبحان الله الخالق القادر وسبحان النافذة الالكترونية العادلية المهدوية، وهم الشباب ولهم الغد.
أما وزير الأعمار والإسكان  الكردي بنكين عبد الله ريكان  وهو مرشح السيد مسعود البرزاني، فسبق أن كان صديقا لعدي وشريكه ايضا، وخلال ذلك العهد ترأس الاتحاد الوطني البعثي في دهوك، و المهم في الآمر أنه صهر طارق كافي فليح عضو القيادة القطرية لحزب البعث وهذه هي الغاية والمرتجى، وقد فك اختناقه عام 2005 ،واليوم يوضع مثل منشار في الوزارة الاتحادية.
وفي لمحة ربانية وتنظير حضاري اختير لوزارة العدل، هذه الوزارة الحساسة التي ترتبط في هذا الظرف الملتبس والشائك بوزارة الداخلية والقضاء العراقي.أختار  لها أسماء صادق وهي موظفة من الدرجة السابعة ومن مواليد 83 وتحمل درجة البكالوريوس ولا تملك غير خبرة الموافقة على ما تؤمر به،لتكون في وزارتها ممثلا للمكون المسيحي، وتوافقا مع رغبة أخيها قائد حركة بابليون في الحشد الشعبي المسيحي ريان الكلداني. وليفرح الهاشمي وعلي حاتم بقدومها، وهذا نصيب العراق من حصة النافذة الالكترونية مثلما أدعى السيد أبو العوادل.
وليس لوزارة الدفاع غير خيار من كان قائد سرب طائرات الهليكوبتر للدكتاتور صدام .ليقود الجيش العراقي إلى النصر الناجز والمؤزر على أعداء الآمة العربية المجيدة.
وبات من المؤكد بأن وزارة الداخلية لن تفلت من أنياب الرفيق الفياض صاحب التاريخ النضالي الرصين والنقي والخالي من الشوائب، فهو لها منذ ولدته أمه ولا راد لأمر الله، وهذا ما جاء ودون في اللوح المسطور وحسب ما رغبت به مرجعية ولاية الفقيه الشيعية وخيار المجرب لا يجرب .
ووفق شروط المحاصصة جاء خيار عادل عبد المهدي لوزارة الثقافة أهانه كاملة وكبيرة لحضارة ووعي الإنسان العراقي. فقدمت الوزارة وعلى طبق من ذهب لأحد رجالات الحشد الشعبي، حسن كزار الربيعي الذي ليس له لا بالعير ولا بالنفير ما يتعلق بالثقافة والمعرفة والحضارة، وكل ما يملكه من ذخيرة ثقافية هي خبرة انتمائه لعصائب أهل الحق، لترمى الوزارة مثلما أعتاد عليه قادة المرحلة منذ عام 2003، على من لا علاقة له بطبيعة انشغالاتها، وربما تعب رجال السلطة من كثرة المناوشات فقرروا أن تصبح مسجدا جديدا ليس إلا، يضاف إلى المساجد الفارغة التي تقاسمت مدن العراق وقراه.
وإن دققنا وبحوشنا جيدا بمجموع من جاء عبر نافذة عادل عبد المهدي، لوجدنا غير هؤلاء من بعثي فترة اللقاح والمزاوجة عن طريق المتعة بين الماضي والحاضر.
كل هؤلاء الضباع كانوا سعاة خير أتى بهم عادل عبد المهدي عبر نافذته الالكترونية ووضعهم بين يدي من يحرص على استتاب الأمن والسلم الاجتماعي، ومن يجهد ويقاتل لغرض الإصلاح. وقبل كل هذا وذاك إن يقصم ظهر المحاصصة حسب ما ثبرونا بضجيجهم وتهديداتهم المستمرة، وهم كاذبون. وجاءت الكابينة الوزارية  بمؤازرة الجميع بمن فيهم من تشدق بكل تلك الثرثرة الرخيصة التي صدعت رؤوسنا وأدعى فيها حرصه على حياة حرة كريمة للشعب العراقي وروج لأمل في تغيير.
كل تلك الخيارات التعيسة والبائسة التي أقدم عليها عادل عبد المهدي ورهطه من رجال الطبقة الحاكمة وأيضا البعض من توابعهم، رجال سياسة كانوا أم رجال دين، تذهب للقول لا بل تجزم إن ليس هناك كفاءات ورجال علم وتكنوقراط في طول العراق وعرضه،ويختصر جل الآمر بينهم كشلل وبين من يختارونه، عندها لن يقع الخيار على غير من هو شبيه لهم في الخلقة والأخلاق والفكر ولن يحيدوا يوما عن مثل ذلك.
عادل عبد المهدي ومن قدم له المؤازرة والتأييد.. لقد قصمتم ظهر العراق بثقل ونتانة كابينتكم الوزارية.


11


الولاء والحراك الجماهيري
   
فرات المحسن

نجح المحتل الأمريكي بتكبيل الشعب العراقي بأغلال ليس من السهولة كسرها وإيجاد منافذ لتحرره وخلاصه منها، ويمكن القول إن الخراب الذي بدأ منذ مؤتمر لندن بقيادة المندوب الأمريكي  زلماي خليل زاده في 15 ديسمبر عام 2002 وتوج بعد ذلك بصياغة طرق المحاصصة الطائفية والعرقية بعد الإطاحة بسلطة حزب البعث، ثم فصل لهذه التشكيلة دستورا يعتبر أحد أعظم مكامن العثرات وإثارة النزاعات وخديعة الشعب وقنبلة موقوتة ممكن لها أن تفجر الأوضاع لو أريد إعادة صياغته.
دفع المحتل الأمريكي الكثير من الأموال لحشد الجهود ووضع العديد من الخطط وقدم الضحايا لأجل بناء قاعدته الاجتماعية والسياسية بين أوساط المجتمع العراق، وقد استطاع أن يكسب بعض النجاح في مسعاه ذلك، خاصة بين أوساط النخب السياسية من خلال إفسادهم بالمال والوعود، ولكن كل ذلك لم يجني النجاح المتوقع الذي كان يبحث عنه. بسبب المنافسة الإيرانية وبعض دول الإقليم الأخرى وأيضا تقلب الأهواء وضعف ولاء الكثير من أبناء الشعب العراقي وقواه السياسية حتى لوطنهم فكيف مع المحتل.
منذ ما قبل مؤتمر لندن أكتشف المحتل الأمريكي، إن سياسي العراق مجاميع من الكذابين المخادعين لا بل الأوغاد حتى تجاه أبناء جلدتهم ووطنهم، لذا كانت نظرية الفوضى الخلاقة (المنفلتة ) التي أقترحها وزير الدفاع رامسفيلد، أسلوبا ومقدمة لتشتيت كتل المجتمع ورفع سقف تناحرها وتنازعها، وأيضا مقدمة لصياغة تراكيب سلطوية بعيدة كل البعد عن بناء أسس دولة حضارية.
 مع تشتت ولاء أصحاب تلك السلطة وتنوع هوياتهم،فضل المحتل صناعة إدارة سلطة جديدة من جميع هؤلاء رغم عللهم، ليكون  للمحتل من خلالهم بعض فروض يتم فيها إخضاعهم وتوجيههم نحو سلوك يتناسب وصناعة آلية تضمن مصالحه، وفي ذات الوقت تصعد حالة التنافس والشك والريبة والعصبية الطائفية والقومية ومثلها المناطقية فيما بينهم وكذلك بين أوساط الشعب العراقي.
مجموعة القيادات والشخصيات السياسية وبمختلف توجهاتها والتي شاركت المحتل وعملت تحت شروطه ووصايته،  شرعت بوضع آلية اختزال الحراك المجتمعي وتقنينه عبر تصعيد الانفعالات ونوازع الشد والرعب والنفرة والتطير الطائفي والقومي ، ومع الأسف الشديد نجحت محاولاتها تلك في شطر لحمة المجتمع العراقي على هشاشتها إلى أنداد وخصوم وأعداء، لتطفو على السطح بشكل فج وقبيح تلك التشوهات وتصبح  قواعد  ومعايير في   احتساب الولاء للجماعة،  أو ما روج له وأطلق عليه التخندق أو التآزر المجتمعي القومي والطائفي ومثله المناطقي. ومع ضعف السلطة صعدت العشائر من سطوتها ومكانتها كمنظومة اجتماعية سياسية تتماثل وسلطات المؤسسات الحكومية ومثلها فعلت المؤسسة الدينية وساعد هذا التصعيد والسيطرة، على استشراء قبح تلك الظواهر، ولعبت البطالة والجهل المجتمعي الفعل المؤثر في تفجير الخصومات وشق الصفوف وبناء استحكامات خاصة بالضد من المخالف أي كانت طبيعته.
شكل ظهور الفصائل المسلحة وبالذات التابعة للتنظيمات والأحزاب الدينية، الملمح الأكثر سطوة ونفاذا في تفجير الخطر الداخلي ورفع مستوى العداء تجاه الأخر أو ما يسمى بالمخالف فكريا وعقائديا. وبمواجهة إدعاءات الخوف من الأخطار المحدقة وتضخيم  عداء ومحاولات انتقام الخصوم. وتأكيدا وترسيخا لتلك الهواجس المرضية وتعميما للغة الترقب والخوف، فرض على الكثيرين أن يسلموا زمام قيادتهم ورضوا بالخضوع لقانون الولاء الأعمى للعقيدة  وقبول ما يملى عليهم، ليتحول الفرد إلى رقم في مجموعة القطيع المسلح والمدجن. وربما يصل في بعض الحالات إلى ما يشبه حالة الاخصاء، حيث يسلم الفرد مصيره إلى الما فوق، دون إثارة التساؤلات أو الشكوك، وعندها لا يجد الفرد ضيرا في حالات التبخيس التي يتعرض لها، ولا حتى من حالة فقدان قيمته الإنسانية. ففي مثل هذا الولاء الأعمى يكون التنظيم القوي المدجج بالسلاح والمانح للمال هو الأهل والعشيرة التي تضمن للفرد الحماية قبل أية مؤسسة أخرى. وولاء الفرد فيها يصبح ناجزا وغير خاضعا للريبة والتطير والشك. فالتنظيم يكون مصدرا للاحتماء من الخصوم وفي ذات الوقت مصدرا للرزق، ويجد الفرد في ذلك الحيز ما يضفي عليه نوع من التوازن النفسي ويبعد عنه التهديد الذي يراه حسب التفسير العقائدي قادم لا محال من الطرف الأخر .
لا تبتعد مؤسسات الشرطة وقوى الأمن الداخلي لا ولا حتى قطعات كثيرة من الجيش عن مثل تلك الحالات المعقدة والمشوهة. فأوامر وتوجيهات الأحزاب المشاركة بالسلطة تلعب أدوارا مؤثرة في تراتيبية  وسلوك تلك الوحدات، وغالبا ما يكون ولاء قادتها و الكثير من إفرادها ناجزا وحاسما لجهة حزبية بعينها ويتقدم ذلك قبل أي ولاء أخر.
هذا الولاء التام يخضع لشروط  لازالت في الغالب تحكمها أو تديرها تقاليد العسكرياتية الصدامية، الخاصة بالضبط عبر الخوف والتهديد والتخوين والاتهام، وأغلب قادة المؤسسة الأمنية و العسكرية الحالية هم بقايا المؤسسة  العسكرية لصدام، ودائما ما يجدون أنفسهم في حومة هذه التهمة وتلك، رغم خلع جلودهم وإبدالها بثياب تتناسب وظرف المرحلة السياسية الجديدة. أيضا ينتاب الغالبية منهم الإحساس بمقدار الخيبة من كثرة الخسائر التي تعرضوا لها إثر الهزائم المتكررة منذ هزيمة غزو الكويت حتى ما قبل سقوط الموصل وأثناءها. وتجد تلك المؤسسة الكبيرة ما هو مبعث للرضا والاطمئنان  وكبح لعوامل العجز والضعف عبر التصاقها بالسلطة وأحزابها والتي تمثل لقادتها وجود حيوي يمنح الشرعية وأيضا يكون مصدرا للرزق،وعندها تكون السلطة السياسية الأب الراعي والواهب وصاحب المعيار الوحيد لقياس الإخلاص والسلوك العام والمهنية.  وبدورها فالسلطة تتعامل مع تلك المؤسسة بمختلف صنوفها وفروعها، كمؤسسة فاعلة يتم مراعاتها كونها أحدى أهم مؤسسات القمع لدى دولة في طور النشوء،أيضا بسبب هواجس الخوف والتوجس منها، لذا يغدق على قادتها وأفرادها الخير الكثير ولا يخضعون في الغالب للمسائلة على ما يرتكبونه من أفعال شائنة وغير سوية، وعبر هذا يتم شراء ولائهم وصمتهم وزجهم في سياسات السلطة حتى الوحشية منها.
هذه الصورة المشوهة للانتماء الوطني والمتخمة بالنماذج السلبية التي تكتنف مؤسسات المجتمع العراقي،  يبدو إنها الوجه السافر والكامل والحقيقي للمآل الذي خطته الإدارة الأمريكية وإيران وساعدتها في ذلك دول الإقليم ولعبت الدور المنفذ فيها سلطة الأحزاب وأذرعها الضاربة.
ومن خلال كل ما ورد أعلاه نكتشف السبب في ضعف الحراك الجماهيري واقتصاره على مجاميع ليست بالكبيرة نسبة لأعداد للمتضررين من الشعب العراقي، ولذا أقول من الخطأ منهجيا دراسة حراك الشارع العراقي دون البحث في العلاقة الجدلية بين جميع تلك الولاءات الفردية  والجماعية وتشكيلاتها وتقسيماتها، حين نريد قراءة لوحة  تظاهرات الجماهير الداعية والمطالبة بالحقوق المدنية والحريات وتصحيح العملية السياسية وتقديم الخدمات. حيث نرى التظاهرات تنحسر حينا وتقوى حينا آخر، ونشعر بذلك التشتت داخل تلك المجاميع وانعدام الشعار الموحد،وبقاء التظاهرات على شكل جزر موزعة في تلك المدينة أو الأخرى،وعزوف أعداد كبيرة عن المشاركة فيها تبعا لولائهم لهذا الحزب أو تلك القوى رغم كونهم وعوائلهم ضمن مشروع الجوع والإيذاء اليومي الذي تقدمه السلطة للشعب. ونشاهد اقتصار التظاهرات على مجاميع من الشباب المهمش العاطل عن العمل،  المنسلخ أو غير الراغب بالعمل ضمن آلية تلك الولاءات القبيحة.
ولكن يمكن القول مع استمرار زخم التظاهرات وتكرارها فإن ذلك سوف يساعد على ظهور  قيادات ذكية من رحمها ويجلب الكثير من قطاعات الشعب المتضررة للمشاركة في الاعتراض والتظاهر حتى من بين من يوالي الأحزاب الحاكمة أو ينضوي في أحدى تشكيلاتها.
 



12


ضباع مجالس المحافظات

فرات المحسن

بات التفكير بالمستقبل يقلق المواطن العراقي لا بل يفزعه، وقد أخذ  العجز واليأس مأخذه عند الكثيرين،فأصبحت الناس يائسة مغلوب على أمرها. فكل شيء يسير داخل دوائر مغلقة لا يعرف لها منفذ أو إلى أين تأخذ الناس في دوامتها. جميع مؤسسات السلطة الحاكمة ومثلها مؤسسات المجتمع المدني العراقية وقادة القضاء والمؤسسة العسكرية ومثلها المؤسسات الدينية، جميع هؤلاء يشتركون بصناعة الإيذاء والقسوة والخراب والخيبات للشعب العراقي، لذا أغلق في وجوه شعبنا الأفق، ولم يبق هناك غير بصيص نور ضعيف من الجائز أن يتم إخماده بعد تشكيل الوزارة الجديدة، والمتوقع لها أن تكون على ذات النهج القديم. فليس هناك في الأفق ما يشير لقبول ورضا سلطة الأحزاب الإسلامية والقومية الانتقال إلى أصلاح البنى والهياكل السياسية والإدارية لمؤسسات العراق والتخلي عن نهجها السابق. فالجميع يتمسك بفكرة دخوله الحكم والتفاوض على نسب الحصص التي ينالها ومقدار قيمها المالية والمعنوية، وهذا هو الجهد المبذول والذي تعمل على تركيبته السياسية كافة القوى دون استثناء.فهم أعرف من غيرهم بأن التغيير والإصلاح أي كانت طبيعته سوف يحمل لهم الانحسار والموت المحتم، لذا يجاهدون لمنعه مهما كانت طبيعته.
عرض السيد العبادي ما قيمته 25 ترليون دينار عراقي لتقديمها مع ما يقارب 30 ألف درجة وظيفية لمحافظات الجنوب والوسط، وقد أشارت الدوائر المالية لرئاسة الوزراء إلى كون هذه التخصيصات التي تقدم، سوف تؤخذ من صندوق احتياط الطوارئ الوطني،  وتغافلت الأخبار عن ذكر الفارق الحاصل في عائدات النفط العراقي المصدر والذي يقارب 25 دولارا عن قيمة  احتساب تصدير برميل النفط في ميزانية العراق لعام 2018 والذي وضع بسعر 45 دولارا للبرميل، ولم تظهر حسابات رئاسة الوزارة أو وزارة المالية أو أي سلطة مالية عراقية أين تم إيداع وارد الفرق بالأسعار أو كيف استغلت وفي أي أبواب تدوير وصرف  وضعت.
ليست هناك جهة رقابية تعمل على تدقيق حسابات الحكومة وأبواب صرفها لأموال البلد، وليس هناك من عرض شفاف وسليم لقاعدة واردات البلد، ومثلها نسب الصرف لجميع مؤسسات الحكومة، لذا بات الحديث عن هذه الأموال وأين ذهبت، مثل رواية لفلم خيال علمي وألغاز لا يستطيع أي من كان اكتشافها أو حلها، سوى حلقة ضيقة من الأشخاص لن يتجاوز عددهم أصابع اليدين، وهؤلاء هم المانحون الواهبون، وبيدهم أموال قارون وخزائن العراق ومثلها مصائر البشر.وهم من يحجب عن الشعب أرقام الحسابات وكذلك الامتناع عن توفير الخدمات. ولكن هل إضاعة وسرقة أموال العراق وما حصل عليه الشعب من العلل والسقم والخيبات التي أصابته،  تقف عند ما يفعله هؤلاء. كلا فهناك سلسلة حلقات وتوابع جميعها تشارك في صناعة الخراب وإيذاء الناس، لا بل أن سلسلة الحلقات هذه تبدو مثل حيتان أو تماسيح تلتهم أي شيء يقع في طريقها، وتترقب مثل الحيوانات المسعورة الحصول على ما يقدمه لها أسيادها من القابعين في المنطقة الخضراء.فحلقة الوزراء  ورؤساء المؤسسات والمدراء دائما ما تضمن حصصها من داخل المؤسسات والوزارات ذاتها بعد أن تصبح تلك الدوائر ضياع يمتلكها هؤلاء دون حساب ورقابة.
قرر مجلس الوزراء بتأريخ 24/ 7 / 2018 وبشكل طارئ تأليف لجنة أعمار وخدمات المحافظات برئاسة السيد رئيس الوزراء حيدرالعبادي وعضوية عدد كبير من الوزراء وأمين مجلس الوزراء ومدير مكتب السيد رئيس الوزراء وغيرهم، على أن تتولى اللجنة تقييم الأعمار والخدمات في المحافظات ومتابعة احتياجات ومطالبات المواطنين لتحسين الخدمات والإسراع في انجاز المشاريع الخدمة.
القرار في شكله الظاهر جيد ويوحي بعمل مستقبلي ممتاز، حيث تخضع العمليات الخدمية للمتابعة والتنفيذ من قبل غرفة عمليات شكلت للغرض ذاته، على أن تنفذ المشاريع الخدمية بالجهد الوطني. وتتولى دائرة شؤون مجلس الوزراء ولجانه متابعة التنفيذ.
إن كانت العديد من المؤشرات أثبتت إن بعض الوزراء ورؤساء الدوائر شركاء في سرقة أموال الشعب فإن الفقرة الأخيرة من القرار أعلاه، تحوي دون ريب خطرا كبيرا  وتعلوا فيها مستويات الريبة والشكوك لدرجات كبيرة، فدائما ما كانت أصابع الاتهام ولازالت تشير للكثير من حوادث الاختلاس وسرقة المال العام والتصرف غير المسؤول بأموال الدولة، من قبل لجان في دائرة شؤون مجلس الوزراء بالذات، بدءًا من أمين المجلس الذي شكل حلقات نافذة ومتنفذة في مؤسسات الدولة جلهم من أقاربه وخلانه ومريديه.
 ولن يتوقف الآمر عند هذه الحلقة التي أسرفت بنهب الأموال تحت أعين وأنظار ورضا من يمتلك خزائن العراق، فهناك الكثير من التوابع والمتواليات من مؤسسات السرقات والنهب وإضاعة المال العام دون حياء أو خوف تعمل بالعلن ودون حياء بل تتحدى جوع الناس وعريهم، ومن ضمن جوقة هؤلاء السراق يأتي أعضاء مجالس المحافظات. هذه الحلقة الغريبة العجيبة التي تعد الأكثر خطورة ولؤما وقذارة من باقي الحلقات، فهؤلاء يتفوقون على الجميع في فنون السرقة والاحتيال، وهم من جعل حياة الناس في المحافظات تذهب إلى الدرك الأسفل، حيث تنعدم الخدمات وتفشل المشاريع وتنهار البنى التحتية رغم التخصيصات المقدمة لتلك المجالس حسب ميزانية الدولة. فأعضاء مجالس المحافظات يضعون نصب أعينهم مقدار الكسب المادي الذي يحصلون عليه من تشغيل تلك الأموال أو صرفها وتقاسمها. فنجد إن الكثير من الأموال التي تصرف على المشاريع المتلكئة تذهب هدرا بسبب التنافس والتقاتل الحزبي لإفشال بعضهم للبعض،أو بسبب ضيق أفقهم التعليمي وجهلهم بطرق إدارة المؤسسات وكيفية التصرف بالميزانية وتوزيعها على أبواب صرف عقلانية وذات مردود ايجابي وجدوى اقتصادية. ونجد كذلك ما يشي بقدرة هؤلاء على وضع أبواب صرف خاصة بحساباتهم  لنهب المال العام. يضاف لذاك الطمع الشخصي والسلوكيات الخبيثة في استغلال هذه التخصيصات وصرف جلها بما يسمونه الامتيازات والمكافئات التي توزع منذ اليوم الأول لورودها  ولحين نفاذها، ثم يبدأ الصراخ بفراغ ميزانية المحافظة. فأعضاء مجالس المحافظات بدلا من العمل على إكمال المشاريع الخدمية يسرقون جل الأموال لإقامة مشاريعهم التجارية وشراء عقارات وأراض خارج وداخل العراق، وقد استولى هؤلاء على أموال تقدر بالمليارات دون مسائلة وحساب. ولن يختلف الآمر والحال عن سابقه وهذا ما سوف يحدث وهو المتوقع، مع التخصيصات التي وعد بها السيد العبادي محافظات الجنوب والوسط ، فلن تصل لغير جيوب أعضاء مجالس المحافظات، ومهما أريد تقديم خدمات أو تحسين حال ووضع أسس لمشاريع تنقذ الناس وتبني لهم ما يسعفهم ويشعرهم بقيمتهم الإنسانية، فإن مجالس المحافظات سوف تعمل على إغلاق جميع منافذ النجاة، كون هذه المجالس ومنذ البداية وضعت كحلقة للنهب والتمويل الحزبي ولتكون بشكل ناجز بابا من أبواب النفع العميم لرفع ميزانية الأحزاب السياسية التي أسس صناديق خاصة بما تحصل عليه. لذا لا تريد هذه الأحزاب بل تمانع وبشدة وتقاتل لغرض أبقاء الحال على ما هو عليه وعدم الابتعاد عن مبدأ المحاصصة، فالتخلي عن هذا النهج المدمر سوف يجعلها تفقد الكثير من المنافع ولن تجد ما يكفي لسد أفواه قادتها وجوعهم للمال.

 







13

خرج أو صرة أو خزائن السيد حيدر العبادي

فرات المحسن

في طفولتي، أي في غور الزمن البعيد، كنت ألجأ لجدتي حين أشعر بحاجة لشراء علكة أو حلويات أو كرات زجاجية (دعابل) وما شابهها. اقترب من جدتي وأطلب منها ما أريد فتخرج صرة قماش صغيرة كانت تعلقها برقبتها، تفتح الصرة أو الخرج الصغير وتعطيني بسخاء ما أريد. ما أقوم به حينذاك كان عملية ابتزاز طفولي بريئة لجدتي ، أو الأصح، لأسمها عملية تبادل منافع. جدتي تحبني جدا جدًا ودائما ما كانت ترغب أن أكون جوارها فرحا مسرورا مرحا ،وتستقبلني بوجه باش وتومئ بيدها حين تراني، أن أقترب. تفتح ذراعيها وتهش بهما وابتسامة عريضة تفرش نفسها فوق تلك الأخاديد والطيات المحاطة بالشيلة البيضاء أي الخمار الأبيض.تلك كانت ملامح دعوتها،وأنا مثلها في الحب، أبادله إياها رغم طمعي بكرمها، ولكن دائما ما كان حبي لها يطغي على أمر تحايلي لكسب النقود، لذا أقترب منها وأقبلها وبدورها تضمني لصدرها فأشم عطر شيلتها الذي لازال عالقا في أنفي وقلبي.
كان ذاك المشهد يمثل لي الشيء الكثير الذي أحصل بواسطته ودون عناء على بعض ما أريد.كان ذلك على عهد ألعاب الجعاب والدعبل والحلقوم والمكاوية والشعر بنات وما سمي بشراب السيفون والنامليت وهو عبارة عن قنينة زجاجية تحوي شرابا طيب المذاق بألوان مختلفة ويغلق رأس القنينة بكرة زجاجية، دعبلة. أنقرض المشروب الذي كان أنتاجه وطنيا خالصا، أنقرض هذا الشراب الرائع المنعش بعد أن حل بدله شراب السينالكو وكندا دراي وتراوبي والببسي والكولا  والكراش وأنواع شراب أخرى.
الفرق بين السيد حيدر العبادي والمرحومة جدتي هو الحب،نعم الحب وليس غيره، فجدتي كانت تحبني دون خوف أو طمع وتهبني المال بمحبة وطيبة وسعادة، والأهم دون منة. أما العبادي وحزبه فيمقتون الشعب العراقي حد اللعنة، ولا يطيقون قربهم من أبنائه، ولو أتيحت لهم الفرصة لأبادوه عن بكرة أبيه حقدا وكراهية ، لذا تراهم يكنزون الأموال بخرج وخزائن وحسابات أحزابهم الدينية، ويبخلون حد العمى واللعنة بمنح شعبهم ما يسد رمق جياعه ويكسي جلد فقرائه ويريح نوم أبنائه ويطفئ ظمأ العطشى. والأحزاب الإسلامية ومنها جماعة العبادي، ساعون لتجفيف منابع  الخير في العراق وحصر الموارد بيدهم دون تقديم ما ينفع الشعب العراقي.
وبعد أن شاهدت الأحزاب الإسلامية العين الحمرة من بعض أبناء العراق الغيارى الذين هددوا مصالحها ومواقعها وأحرقوا بعض مقارها،عندها ارتعشت القلوب خوفا وامتلأت رعبا رغم إن الضمائر بقيت دون حياء وتحوي الكثير من اللؤم والخسة، ولكن الجماهير استطاعت إجبار العبادي على فك الخرج والصرة التي يكتنز بها الأموال ليخرج ما كان يمنعه ويخفيه عن الشعب بحجج واهية قذرة وخسيسة. وكان بدلا من أن يمنح الشعب ما يساعد على تجاوز المحن والخيبات يذهب ليستجدي صندوق النقد الدولي لإقراضه المليارات، وليضع من خلالها العراق وشعبه تحت طائلة المديونية الدولية.  وفعل العبادي ما هو أخس من هذا حين وضع قواعد الاستقطاع الشهري من مداخيل موظفي ومتقاعدي  دوائر الدولة.
دفع العبادي لمحافظة البصرة ثلاثة مليارات دولار أي ما يعادل ثلاثة ونصف ترليون عراقي وكذلك وعد بتقديم مثلها لمحافظات العراق، ولو جمعنا ما أخرجه وسوف يخرجه العبادي من مكامن خرجه وخزائن حزب الدعوة ووعد بتقديمه للمحافظات، لوجدناه  يعادل ميزانية دول وليس دولة واحدة. فالسؤال الكبير يستغيث بجميع المقدسات والأخلاق والضمائر وهو يصرخ بجميع اللغات، ما الذي كان يمنع سابقا العبادي من منح المحافظات العراقية مبالغ تساعدها على تحسين وضعها البيئي والصحي والمعيشي. لماذا كان المالكي ومن ثم العبادي يسحب مدخرات الدولة من صندوق الادخار الوطني ويساعد بها إيران أثناء الحصار أو يقدمون المنح لمرتزقتهم  للترف وشراء المؤسسات والبيوت . ما الموانع التي جعلت العبادي يوقف التعيينات ويأمر وزارة المالية بإيقاف توفير الدرجات الوظيفية.  إن كان خرجه يحوي كل تلك الترليونات من النقود المكدسة.  يا ترى هل إن الكره الأعمى لا بل المقت القاتل للشعب العراقي جعل حزب الدعوة والأحزاب الإسلامية الأخرى تعمل على تجويع الشعب وارتهانه لصندوق النقد الدولي والدول الكبرى،وهذه الأحزاب بانتظار اللحظة الأخيرة لسقوط العراق وطنا وشعبا إلى الهاوية السحيقة، عندها يهربون لحاضناتهم بما غنموه.
هل إن هذه المبالغ التي وعد العبادي بمنحها للمحافظات سوف تكون كما سابقاتها عرضة للنهب والضياع جراء التناحر والتقاتل داخل مجالس المحافظات لتصبح هذه الترليونات غنائم لهؤلاء الأوغاد من أعضاء الأحزاب الدينية المهيمنة على تلك المجالس ، وعندها يفرح العبادي وحزبه بأن المال الذي خرج من جعبته ذهب لجعب وخزائن مناصريه وأصحابه ومرتزقته ورفاقه ممن يردد قول هيهات منا الذلة، وهو يعرف اتجاهها مسبقا. 

لازلت أمن بإصرار على إن لا شيء ثابت في هذا الكون وإن التغيير في العراق حاصل وقادم لا محال، ولا أطلب سوى الرجاء بأن أشاهده،مثلما شاهدت سقوط الطاغية صدام، رغم أني لا أرى التغيير في الأفق القريب.
فسبق أن تغيرت أمامي الكثير من المشاهد، حدث سابقا مع السيفون أو معي وعلاقتي النفعية مع جدتي،سقطت الملكية وسقطت الجمهورية الأولى وحدثت بعدها جرائم كبرى بحق الشعب العراقي، والآن حدث ويحدث مع السيد العبادي وقبله المالكي أو عموم حزب الدعوة العربي الاشتراكي. فلم يعد ليَّ أمل غير أن أرى نهاية لهؤلاء الأوغاد الذين حطموا جميع أحلامنا ومنها العودة للوطن، لنضع رؤوسنا فوق وسادة عند أهل وأحبة ونبتسم لحلم سعيد.




14

هل قرأ المكتب الاستشاري  للحزب الشيوعي العراقي اللوحة جيدا؟

فرات المحسن

أرسل لي العديد من الأصدقاء  بيان المكتب الاستشاري للحزب الشيوعي  الصادر في 15 /06 /2018 والمعني بتوضيح موقف الحزب حول اللغط الذي أثير بعد إعلان الدخول في التحالفات بدءًا  من الدخول في سائرون ومن ثم سائرون مع الفتح ثم توالت الإشاعات عن تحالف مع الحكمة وإرادة ودولة القانون والوطنية إلى أخر قائمة المكونات.هذا البيان التوضيحي جاء كتعهد أخلاقي بشروط أن لم يجدها الحزب الشيوعي متوافقة ورؤاه ومنفذه من قبل حلفائه فهو في حل من الارتباط بتلك التحالفات.
قرأت البيان بتمعن شديد فوجدت فيه ما يشير للإصرار على التحالف مع أي كان ولكن ليس بالذي يكون. أي إن الحزب الشيوعي مستمر بالتحالف داخل سائرون حتى وإن قام هناك ائتلاف أو تحالف جديد بينه وباقي الكتل الأخرى، فإن الحزب سوف يستمر معهم ولكن له في الذهاب هذا شروط ، وفي شروطه هذه يكون حريصا على استقلال قراره السياسي. وقد عرض الحزب شروطه أو مرتكزات تحالفه، وهي بمجملها حجر الزاوية في تحالفنا، مثلما ذكر مكتب الحزب الاستشاري. وتلك المرتكزات تبدأ بالابتعاد عن المحاصصة، بناء دولة المواطنة، ضمان استقلال القرار العراقي، حصر السلاح بيد الدولة ، تقديم الخدمات للناس، تأمين البطاقة التموينية، أطلاق تنمية مستدامة وأخيرا محاربة الفساد. فإن ابتعدت التحالفات عن كل ذلك عندها يكون للحزب موقفا أخر، أي أنه لن يشارك في تلك التحالفات، ولن يكون ضمن طاقم الحكومة، وينسحب بالكامل ليكون السيد رائد فهمي  والسيدة هيفاء الأمين في خانة المعارضة داخل البرلمان.
لا ينكر إن هذا البيان جاء ليكون مخرجا سليما للورطة التي أوقع الحزب نفسه فيها ، والتي دفع ثمنها لحد الآن غاليا أمام الكثير من أعضائه وأصدقائه ومؤازريه ومحبيه، وأصبح النقاش حول تلك الخطوة بابا لجدال غير عادي تجاوز الدهاليز الداخلية نحو فضاء الخارج، ولم يخلوا من القسوة والإيذاء لكلا الطرفين المؤيد والرافض، وحدث اصطفاف لن يكون اليوم أو غدا لصالح الحزب الشيوعي، ولذا من الضروري الوقوف أمامه وقفة حساب ومكاشفة لجميع مراحل الحدث، منذ ما قبل التحضير للانتخابات، بدءًا من خلطة تظاهرات ساحة التحرير ومن ثم دعوة الحزب لتشكيل (  تقدم ) لحين إتمام صفقة الدخول في سائرون وما تبعها من مشاهد، على أن لا يهمل أو يبعد مدخل اختزال وحصر مسؤولية سائرون بشخص السيد مقتدى الصدر وما ترتب ويترتب على ذلك من قرارات تمس التحالف بالصميم.
في صلب بيان المكتب الاستشاري للحزب الشيوعي، وما طرحه من شروط للبقاء في التحالفات، نجد أن الحزب لا يملك في الوقت الراهن خيار الانسحاب الفوري، بسبب عدم ظهور وتبلور نتائج  ما أشيع عن المشاورات بين السيد الصدر والسيد هادي العامري، وقبل ذلك مع الحكيم وقائمة الوطنية. أيضا لا يحبذ الحزب العجالة والخروج الآن تحاشيا لسلوك وردود فعل منفلتة، ربما ستكون قاسية وموجعة وانتقامية توجه له من قبل بعض الحلفاء، وأظن إن من وسط هؤلاء الحلفاء من ينتظر تلك اللحظة بفارغ الصبر، ليكون عندها بحل من المحاسبة، ثم يوضع اللوم بالكامل على الحزب الشيوعي كونه طعن بتحالف سائرون وغدر به  بعد أن حصل منه على المقعدين.
في قراءة  لشروط  الحزب والتي أرى في البعض منها رصاصات قاتلة وتحد لبعض القوى إن كانت المسلحة منها أو المرتبطة بدول الجوار وتتلقى منها الدعم السياسي والتمويل. ولكن لأختصر الأمر ببعض الشروط وأحاول قراءتها دون لبس أو توريات. 
من الجائز القول إن الحزب الشيوعي تغافل عند تحالفه في سائرون ونحى جانبا خارطة الفساد التي يتقاسمها العديد من الشخصيات ذات الثقل المؤثر والفاعل داخل جميع الكتل دون استثناء،  وليس بعيدا عنهم العديد من شخصيات داخل كتلة سائرون، وإن جرت جردة حساب لسراق وناهبي المال العام، عندها يكون هؤلاء في مقدمة الأوغاد ، فما بالكم بالقوائم الأخرى المترعة بأتعس وأقذر مافيات القتل والنهب والسرقات. وإن جرت التحالفات على ذات المنوال الذي يعد له اليوم، فلن تكون الصورة بعيدة عن تكتلات الأعوام  الخمسة عشر الماضية التي باعت ونهبت فيها النخب السياسية ولازالت تنهب خيرات العراق، وهي اليوم تحاول إعادة تدوير نفسها لتتصدر من جديد المشهد في إدارة السلطة. وعند هذا أجد من الموجب على الشيوعيين التدقيق والتمعن جيدا بهذه الكتل وأولها من هم أقرب عليهم وفي دائرة سائرون، فليس اللسان الذرب والكلام العذب يغني ويسمن،وليس كل ما يعلن عند البعض هو عين الصواب أو الحقيقة الواقعة،  وأن رضي عنه وتقبله الشيوعيون فتلك مصيبة عظيمة تقع في صلب المبادئ والضمير والأخلاق، وكان من المناسب أن يلفظ  الحزب أي علاقة تربطه بهؤلاء، إن كانت لديه معايير لتفضيل تلك الكتلة عن غيرها.
ومن الموجب أن تتقدم الشروط مسألة حصر السلاح بيد الدولة، والتي تبدو في وقائعها سبب كبير للخراب العام في العراق، وحصر السلاح بيد الدولة يعني تخلي  الأحزاب والفصائل المرتبطة بها عن سلاحها وهذا يشمل أيضا قوى سبق وسماها السيد مقتدى الصدر، المليشيات الوقحة وهي فصائل مدججة بالسلاح،  دائما ما تصرفت بسوء وترهيب للمجتمع، وهناك ما يشير لعلاقة سيئة بينها وبين مؤسسات الدولة العراقية، بل وجهت سلاحها في الكثير من الأحيان نحو  تلك المؤسسات.
نزع السلاح وحصره بيد الدولة يحتاج إلى قرار سياسي فعلي تتخذه أولا قيادات الأحزاب والقوى المشاركة في العملية السياسية ، إن كانت تؤمن بشكل ناجز وحقيقي بالتداول السلمي للسلطة. ولكن ولحد الآن فتلك الأحزاب تحتفظ بفرقها العسكرية الجرارة وتتسلح بأنواع من الأسلحة الخفيفة والثقيلة، لا بل تخزن أسلحتها الفتاكة في بيوت ومحال وسط الدور السكنية للمواطنين وفي جميع أنحاء العراق. وجميعنا يتذكر كدس العتاد العائد لسرايا السلام والمخزن في دار للعبادة وسط مدينة الثورة، والذي راح ضحية تفجيره العشرات من الجرحى والقتلى وهدم ما يقارب العشرين دارا سكنية لفقراء المدينة، دون أن نجد من يحمل سرايا السلام مسؤولية الجريمة النكراء حتى من بين الأوساط الحكومية، وذلك الآمر يبدو طبيعيا جراء ما يحمله الجناح العسكري لأتباع التيار الصدري من قوة وبطش وتهديد يفرض فيه الصمت على الناس وبقوة السلاح.
دون تفكيك القوى والفرق العسكرية التابعة للأحزاب وكذلك الفصائل المسلحة فلن يكون هناك سلما اجتماعيا أو تداولا سلميا للسلطة أو مسعى جادا  لدولة المواطنة ولا حتى وجود لتحالفات تسعى لتحقيق الدولة المدنية الديمقراطية، وتبقى لغة الرعب المسلط على الشعب هي السائدة وتنفجر بين حين وأخر،ومن الممكن أن تندلع حرب سلاح لا تعرف الناس عندها من المسبب لهذا الموت المجاني، وهذا ما نراه اليوم في استشراء حرب العشائر المجنونة دون رادع قانوني أو أخلاقي.
ولكن لا ينكر ما يتعرض له الوطن من إرهاب داخلي مدعوم خارجيا لذا نجد إن سرايا السلام وباقي قوى الحشد الشعبي لازال العراق بأشد الحاجة لها في مواجهة فلول داعش وباقي منظمات الإرهاب، مما يجعل فكرة تشكيل ألوية من هذه الحشود تخضع للنظم والتقاليد والسلوك العسكري وتحت أمرة قادة من الجيش، ضرورة قصوى ومخرجا للسيطرة على حركة وسلاح هذه الفصائل.   
أما شرط الابتعاد عن المحاصصة فمنذ مؤتمر لندن ولحد اليوم كان ومازال هذا النموذج السيئ شعارا لجميع النخب السياسية العراقية، وأصبح مرضا عضويا مستعصيا عند الجميع، وما عادت تلك النخب بقادرة على  الخلاص منه،لا بل بات هدفا  يتقدم المشاريع جميعها، ويظهر في سعي التحالفات لتشكيل الكتلة الأكبر، فأصبح من ينادي من هؤلاء بالابتعاد عن المحاصصة،  كمن يروي نكته سمجة لإضحاك الأطفال.
الجميع دون استثناء يسعى للتحالف وتكوين ألكتله الأكبر، ولا أدري ما دوافع الركض وراء مثل هذا عند أغلب القوائم،  هل هو الجلوس لتناول الشاي والبسكويت مثلما دعي لذلك السيد رئيس الوزراء، أم هو مشروع طموح وطمع للحصول على مكاسب ومكانة داخل السلطة القادمة، ليبدأ من جديد شوط توزيع المناصب والاستحواذ على المال والقوة والمنافع.وسوف يكون مشروع إعادة بناء الدولة وبذات النخب، مشروعا لا علاقة له من قريب أو بعيد بمسألة التخلص من المحاصصة وبناء الدولة الديمقراطية.
لنجعل الصراحة مدخلا وشاهدا فكتلة الفتح وعمادها منظمة بدر تقاتلت، نعم تقاتلت للاستحواذ على وزارة الداخلية ووزارات أخرى وحصلت عليها عند التغيير في وزارة العبادي، وهي ساعية اليوم للحصول على حصتها حاملة بيدها سلاح الانتصار على داعش بقوة وعزيمة الحشد الشعبي، ولذا تريد مستحقات المكافئة وعلى ذات الشاكلة تنحوا عصائب أهل الحق، ومثلهم فضل السيد أياد علاوي المحاصصة ونال مبتغاه سابقا، ولن يقبل اليوم بغير طمأنة جماعته ونيل حصتهم من الكعكة مثلما قيل ويقال، أما الأكراد فبعيدا عن مسمى عراق، فحراكهم يصب في صراع مع الحكومة الاتحادية حول حقوق خاصة ولكسب وزارة سيادية لا يحاد عنها وتلتحق بها بعض وزارات أخر وإدارات ضمن الدولة الاتحادية بشرط  انعدام أي نقاش في خصوصيات الإقليم  أي كانت طبيعتها، وقد وضعوا في مقدمة شروط التحاقهم وأرفقوها بالتهديد والوعيد المعتاد. والسيد الحكيم وحكمته لن يقف مكتوف الأيدي دون أن يلقم بعدد من وزارات تدر على كتلته ما تجود به مغارة العراق الذهبية. واليوم يتذكر الجميع  كيف صنع للمالكي والنجيفي وعلاوي عروشا عدت  مخرجا لشغل وظائف لرجال بطاله عطاله خصصت لهم ولرئاسة الجمهورية حاشية ملوك وأباطرة ورواتب مجزية بقدر خزينة وزارة كاملة، دون أن نرى منهم نقطة حياء يسفحونها حين استلام الراتب الشهري.
 لن أطيل فالجميع لعبها لعبة قمار للحصول على المنافع، فالقوة والمال والجاه هو مسعى الجميع وما العمل الدءوب لصناعة الكتلة الأكبر غير شروع  لتثبيت وتدوير المحاصصة.
باقي الشروط التي طرحها الحزب الشيوعي، أغلبها كانت ومازالت شعارات وهتاف يومي لرهط رجال ونساء جميع القوائم، وليس مستغربا إن اختصرت هناك أو أضيف لها بند أخر لتكحيل العيون النواعس. ونحن في كل هذا وذاك ننتظر التعهد الأخلاقي والضميري الذي اقره الحزب الشيوعي على نفسه، ولا نتوقع تأريخ محدد لتطبيقه ولكن الخوف كل الخوف أن تسوف الأمور ونخرج من الحفل دون حمص.   



15
تركيبة الحشد الشعبي،  هل تؤهله أن يكون ظهيرا للقوات المسلحة العراقية؟

فرات المحسن

في احتفالية يوم القدس والذي صادف يوم الجمعة الأخيرة من رمضان، فرضت بعض الفصائل المسلحة على السلطة العراقية أن يجري الاحتفال في أحد أكبر وأطول شوارع العاصمة بغداد وهو شارع فلسطين، وأقامت استعراضا عسكريا كبيرا رفعت فيه ما يشير لارتباطها بولاية الفقيه الإيرانية مع ظهور خجول أو معدوم للعلاقة بالعراق، وهذا ما يعطي الانطباع ببعد تلك الفصائل عن حاضنتها المحلية وهشاشة ارتباطها بالحامل الوطني. ثم وبعد أقل من يومين ينفجر كدس عتاد موضوع في حسينية تابعة للتيار الصدري في مدينة الفقراء الثورة ليذهب من جراء انفجاره العشرات من الضحايا والأملاك الخاصة بالمواطنين .
على هذه الشاكلة وغيرها من الأحداث نجد العراق يواجه اليوم حزمة من المشاكل والأزمات الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها، وتوجد جملة من المواضيع المرتبطة بكل هذا،وواحدة من أهم تلك المشاكل وأعقدها علاقة تلك الفصائل المسلحة بالوطنية العراقية.وهذا ما يستوجب المزيد من الدراسة والبحث الذي يساعد على استيعاب أفضل للتطورات الجارية، خصوصاً مع تصاعد الحراك المطلبي وبقاء جذوة الخلاف السياسي متقدة.
معاناة الحاضر عند الإنسان تجعله في حالة رعب مما يخبئه له المستقبل، فبمقدار عجزه عن مجابهة وضعه الحالي، نجد أن حياته تبقى معلقة بما يخبأه المستقبل غير المنظور أو الهلامي المشبع بالمتاهات. فالعراق اليوم في ظل التركيبة السلطوية ووفق وقائع إدارة الدولة، والصراع على الغنائم وتقاسم مصادر القوة والمال، يواجه حزمة من المشاكل والأزمات، يكاد الفرد يقترب معها من الرعب اليومي أو الانفصام النفسي جراء الإحباط الذي يواجهه يوميا وما يقع عليه من أضرار ناتجة عن تلك الأزمات. فانعدام الطمأنينة  على رزقه اليومي وعائلته ومصيره الشخصي، تجعله  في وضع مختل التوازن، فاقد للسيطرة على قدراته، خائف من المستقبل وما يحمله له من مطبات وعثرات يجدها تثلم  ضمانات الحاضر رغم شحتها وعسرها، ومن هذا يفقد الفرد القدرة على التخطيط . وبسبب فقدانه الجهد الذاتي نجده في النهاية لا يستطيع السيطرة والتحكم بمصيره،ويجد نفسه بسبب هذا الرعب اليومي الكامن والمتربص به، إن لا حول ولا قوة له في مواجهة خصوم وكوابح عديدة تعترض كده وحياته اليومية.
فالبطالة المستشرية بين أوساط الشباب، وضعف الروابط الاجتماعية، تدهور التعليم، هشاشة الرابط الوطني، تفشي الأمية وانتشار الخرافة حتى بين أوساط المتعلمين. جميعها كانت وستبقى نذر شؤم سبغت بطابعها المجتمع، وأضفت عليه صفات وطباع لم يألفها سابقا. ولا شك أن مجمل ذلك كان سببا في اعتلال المجتمع واهتزاز قيمه، وبالذات لدى الشرائح الفقيرة منه التي أصبحت مع الوقت تشعر باليأس وانغلاق الأفق وانعدام الفرص للارتقاء بالوضع الشخصي والعائلي. ليأخذ هذا الواقع المتردي، عند مجاميع الشبيبة تعبئة نفسية سلبية دائمة بسبب اضطرابات منهجية بالتفكير ترافقها الانفعالات والتحدي والنوازع العدوانية. وهذا القطاع الواسع من العراقيين، يتصف ببنية دينامية تبحث عن الرزق داخل فم الأسد مثلما يقال،وتركب الصعاب لتثبت للجميع وجودها الإنساني. وكان من المناسب ظهور جهة ما تعمل على امتصاص هذا الغليان الشعبي والسيطرة عليه، لا بل توجيهه والاستفادة من طاقاته الحيوية الكامنة، بتوفير منفذ له للتنفيس عن المكبوت النفسي والقوة الجسدية.
 عند نقطة فاصلة من حياة الشعب العراقي وإثر التهديد الذي أنتظم على حدود عاصمة الدولة  بغداد والمدن الشيعية المقدسة، اتجهت الأنظار نحو تلك الطاقات الموجودة عند هؤلاء الشباب والمغيبة جراء التهميش والبطالة. وهذا ما فعلته المؤسسة الدينية وبعض الأحزاب التي تدعي الارتباط بها أو القريبة منها . حين أدركت ضرورة زج هؤلاء واستغلال قواهم وقدراتهم للوقوف بوجه أعداء العراق ويتقدم على ذلك مصطلح، أعداء الطائفة.

ظهور الفصائل المسلحة

على مدى خمسة عشر عاما لم تقدم السلطة الحاكمة حلولا ناجعة للبطالة ومشاكل الفقر وتردي الخدمات، وإنما ازداد العوز والفقر، وأصيبت مجالات التعليم والمعرفة بانتكاسات شديدة، وتصاعدت وتيرة الاعتداء على الملكيات العامة والخاصة، وشوهت السلوكيات الخطيرة إدارة مؤسسات السلطة، وما استطاع رجالها خلال تلك الأعوام غير زج المجتمع في حومة الصراعات الطائفية والقومية، لتختصر الكثير من احتياجات الناس وتحجر تحت يافطة الهوية الطائفية والصراع المذهبي، الذي استعر في ظل الاحتلال الأمريكي الذي عمل بدوره جاهدا مع شركاؤه من القوى المحلية، على تغذيته وجعله يتقدم الواجهة ويحتل الصدارة في أسباب تصعيد واستشراء التوترات الاجتماعية.
مع دخول طلائع الجيش الأمريكي، ظهرت إلى العلن أولى تشكيلات المقاومة الشعبية، الرافضة للاحتلال، وتميز بناء هذه المقاومة بخليط من قيادات عروبية وبعثية وإسلامية غلب على مقولاتها الدوغمائية، واجتذبت الشباب من رافضي الاحتلال، وكان ثقل تلك التنظيمات ونشأتها  في بغداد والمدن ذات الغالبية السنية. وبمرور الوقت أفصحت تشكيلات عديدة عن نفسها، مثل كتائب ثورة العشرين التي تأسست عام 2003 ،والجماعة السلفية المجاهدة في الشهر السابع من نفس العام، ثم  توالى تأسيس تلك المليشيات السنية مثل جيش العزة والجبهة الإسلامية للمقاومة العراقية وجيش أنصار السنة وجيش محمد والنقشبندية ومن ثم تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين بزعامة الزرقاوي وصولا إلى داعش. وجميع تلك القوى وضعت نصب أعينها محاربة المحتل والقوى السياسية التي قبلت التعامل معه، وسبق جميع تلك المليشيات في التأسيس الجيش الإسلامي الذي ظهر إلى الوجود قبل سقوط نظام البعث في العراق بعدة أشهر. وكانت قاعدة خوض المعارك تبنى على أسس العداء المذهبي للشيعة ومشاعر خسارة السلطة بعد عقود طويلة كانت ومؤسساتها تخضع لشروط وخيارات رجال يحسبون على المذهب السني. 
فيما برزت على نحو ظاهر تشكيلات مسلحة شيعية عام 2003 أي بعيد الاحتلال مباشرة، رافضة لما تبناه الاحتلال من إستراتيجية للعراق، تمثلت أولا بأنصار السيد مقتدى الصدر الذي أطلق عليهم لاحقا تسمية جيش الأمام المهدي ثم سرايا السلام ومجاميع صغيرة أخرى. ولكن فيلق بدر وهو الجناح العسكري للمجلس الإسلامي الأعلى وقتذاك، كان قد تشكل في إيران عام 1983 تحت أمرة المجلس الإسلامي الأعلى لغرض مناهضة صدام حسين ومحاربة الجيش العراقي، ومازال فيلق بدر يمارس نشاطاته بقيادة السيد هادي العامري حتى بعد انفصاله عن المجلس الأعلى. ومن رحم جيش الأمام المهدي الذي جمد نشاطه في 21 تموز عام 2007 ظهرت مجموعة عصائب أهل الحق بقيادة الشيخ قيس الخزعلي الذي استقل عن جيش الأمام المهدي عام 2008 .وكانت كتائب حزب الله قد شكلت سراياها أثر خلافات داخل فصيل العصائب وكذلك بين أوساط جيش المهدي، وأتى ذلك قبيل فتوى رجل الدين الشيعي السيد السيستاني بأكثر من عام. وأُسس لواء اليوم الموعود وظهر إلى الوجود في ذات السنة. وهناك فصائل إسلامية شيعية تشكلت بالتعاقب. وكان لتفجير ضريح الإمامين علي الهادي والحسن العسكري يوم 22 فبراير سنة 2006 الأثر الفعلي لظهور كثير من الفصائل المسلحة الشيعية. وشكل ظهورها إنذارا ببدء الصراع الطائفي الذي أشتعل أواره إثر ذلك العمل الخسيس الذي أقترفه فصيل سني مسلح، وكان حدثا قدح شرارة الفتنة الطائفية،ودفع  الفصائل المسلحة من كلا الطرفين لاقتراف جرائم بشعة راح ضحيتها العشرات من البشر الأبرياء.
كان احتلال مدينة الموصل في العاشر من حزيران عام 2014 من قبل الدولة الإسلامية في العراق والشام ( داعش ) وحلفائها من بقايا حزب البعث وذراعه المتمثل بجيش النقشبندية وبعض القبائل عربية وباقي الفصائل السنية المسلحة، نقطة تحول مفصلية في تاريخ الدولة العراقية، وسجلت تلك الواقعة انهيارا مريعا لقيادات الجيش العراقي، وهزيمة كاسحة لعدد من فرقه العسكرية، واستحوذت داعش في تلك الواقعة على كميات كبيرة من معدات وأسلحة تلك الفرق العسكرية. وإثر تلك التداعيات التي حصلت في ثاني أكبر مدن العراق، استطاعت المليشيات العشائرية المسلحة بقيادة داعش التمدد واحتلال مساحات واسعة من محافظة صلاح الدين، ثم وبشكل سلسلة من الهجمات التصاعدية استطاعت السيطرة على أجزاء كبيرة من محافظة الأنبار ومناطق شمال محافظة بابل وبالذات القرى والبلدات القريبة من العاصمة بغداد والواقعة جنوبها. ووصلت بقدراتها وبصورة مباغته إلى محيط العاصمة بغداد وجوارها من الجهة الغربية، وبالذات ناحية أبو غريب وجرف الصخر والكَرمة والفلوجة والحبانية، وكذلك جاورت طلائعها حدود محافظتي كربلاء والنجف، من جانب منطقة النخيب والصحراء. وكانت الغاية من تقدم داعش وانتشارها قرب بغداد، محاولة تطويق العاصمة من جميع الاتجاهات وإسقاطها عسكريا وإداريا ومن ثم التوغل نحو الجنوب.
مبرر تشكيل الحشد الشعبي
شكل انهيار الجيش العراقي واقتراب فصائل داعش وحلفاؤها من مناطق بغداد ومدن النفوذ الشيعي، الهاجس المقلق، لا بل التحذير الحقيقي من خطر قادم أرعب القوى السياسية ودفع المؤسسة الدينية الشيعية للتعامل معه بكل ما تمتلك من عزيمة وتأثير، لذا أطلق المرجع الشيعي الكبير السيد علي السيستاني فتواه التي دعا فيها جميع العراقيين إلى الجهاد، وسماه الجهاد الكفائي، وهو نوع من أنواع الجهاد، يوجه لجماعة محددة من المسلمين، ويسقط عن الباقين، ولا يلزم الجميع الجهاد فيه. وتعد دعوة السيد علي السيستاني التي أطلقها يوم 13 يونيو 2014 نقطة تحول في طبيعة المعارك على الأرض العراقية، وجاءت في الوقت الحرج، لتوقف التداعيات في جبهات القتال، وتحجم مظاهر انهيار القوات المسلحة. فقد لبت نداء المرجعية مجاميع كبيرة العدد،وكان تدفقهم مفاجأة للجميع، وما كانت لتستطيع المؤسسة العسكرية المتهالكة استيعابهم، وفي ذات الوقت ما كانت قادرة على تأمين السلاح والعتاد لهم.عند ذلك دخلت المؤسسة السياسية والعسكرية الإيرانية على خط حاجة وافتقار تلك الحشود للتجهيزات والتمويل لتكون الممول الرئيسي للكثير من تلك الفصائل سلاحا وأموالا ووفق شروط التبعية وليس غير ذلك.
 وكانت هواجس الخوف والقلق لدى المؤسسة الدينية الشيعية العراقية ومثلها بين غالبية الطائفة الشيعية وأحزابها الإسلامية من التداعيات المقبلة، إن استمرت داعش بالتمدد، فرض نوعا من التحدي وعزيمة تخلت كليا في سعيها لإنشاء هذا الحشد، عن المثالب التي اعترت التجميع والبناء. ولم يتوقف زخم التطوع رغم التشكيك والانتقادات التي رافقت سرعة حشد الآلاف في هذا الجيش العرمرم الذي لا يمتلك المعرفة المهنية أو الاحتراف في المهام والسلوك العسكري. ولم تكن الأيام القليلة في معسكرات الإعداد تكفي لجعله قادرا على حسم معارك كبيرة في مناطق مختلفة التضاريس وموزعة على رقعة جغرافية كبيرة ومتباعدة، وكذلك بمواجهة صولات حرب العصابات التي تجيدها مجاميع داعش وحلفائها. ولكن ورغم الضحايا الكثيرة التي قدمها الحشد الشعبي،والمشاكل والمعوقات الخطرة التي واجهها،استطاع أن يثبت أن من الممكن للعزيمة إن ترافقت مع أي نوع من أنواع العقائد، أن تدحر أعدائها أو تقف ندا في وجه مشاريع خصومها ونواياهم، وهذا ما حدث في معارك تحرير آمرلي وجرف الصخر ومناطق حزام بغداد وتكريت والدور وغيرها .
ما هي طبيعة تشكيلات الحشد الشعبي
تألف الحشد الشعبي من آلاف الرجال الذين انضموا تحت رايات ما يقارب الأربعين فصيلا، ترافق بناء تشكيلاتها إثر فتوى السيد السيستاني. ولكن ومنذ البداية، ظهر إن هيكلتها خضعت لرغبات بعض قادة العمل السياسي ورجال المؤسسة الدينية، وأيضا البعض من المقربين لفصائل العمل العسكري الشيعية الكبيرة أو المنشقين عنها. كذلك شارك في الاستعدادات والتهيئة والبناء والقيادة، رجال عشائر من الذين يستمدون قوتهم من قبائلهم. وفي صلب هذا المشهد المتنوع في الشخوص والنوايا، نشأ صراع الإرادات  وبرزت ظاهرة التكتلات والاستحواذ على المكاسب المعنوية والاستفراد للحصول على امتيازات عسكرية سلطوية وسياسية. ومنذ البداية طفح خيار الرغبات الشخصية لبعض قيادات سرايا الحشد، لينشأ كل رجل طامح للقيادة، سرية خاصة به، ولم يكن الآمر ليخلو من التبعية للقوى الاقليمية. فكانت كتائب سيد الشهداء قد ظهرت للوجود بتمويل من الحاج أبو سيف وكان في ذات الوقت مسؤولها العسكري. أما سرايا الجهاد والبناء فقد أفصحت عن تركيبتها بكونها الجناح العسكري لحركة سياسية بذات الاسم ترتبط مباشرة بالجانب الإيراني. هناك أيضا كتائب التيار الرسالي وهو فصيل عسكري بقيادة عدنان الشحماني ومرجعيته رجل الدين الإيراني السيد كاظم الحائري. ثم فصائل حشد شعبي أخرى بمسميات عديدة مثل سرايا الخرساني، سرايا عاشوراء، سرايا العتبات، سرايا العتبة الحسينية، لواء المنتظر، كتائب الغضب، درع الشيعة، لواء القارعة وغيرها الكثير. وأغلب هذه الفصائل وبمفارقة غريبة تبتعد عن ولاية السيد علي السيستاني لترتبط بولاية الفقيه الإيرانية الممثلة بالسيد الخامنئي واعتباره مرجعيتها الأولى.
 وحسب تصريح البعض من قادة الحشد ، كانت هناك تعبئة شعبية من أجل حشد الآلاف وزجهم في المعارك، ليقفز عديد الحشد إلى ما فوق المليون متطوع، ليكونوا مستقبلا نواة قوات للتحرير ومن ثم مسك الأرض مثلما أعلن حينها. ومثلما معروف عن الجهات الخارجية التي تمول تشكيلات ما أطلق عليه فصائل المقاومة السنية وهي دول إقليمية كثيرة منها السعودية وقطر وتركيا، فإن الكثير من تشكيلات الحشد الشعبي الشيعية، يأتي تمويلها من جهات أغلبها من داخل إيران وتجار شيعة من دول الخليج.
في خضم المعارك التي دارت نجد أن تعريف وعمل سرايا الحشد الشعبي عنوانا وقيادات و أفراد، كان يوضع تحت جناح ويافطة فصائل وقوى كبيرة، كان لها كيانها وخصوصياتها ومشاريعها منذ ما قبل سقوط الموصل أو قبل زمن بعيد من فتوى السيد السيستاني، ونرى أن تلك الكيانات الكبيرة هي من يضع الخطط ويقود القوة القتالية في المعارك مع الخصوم.أما سرايا الحشد الشعبي ( الكفائي) وفي جميع تلك المعارك فقد حصر دورها في المشاركة عبر الانضواء  طوعا تحت راية إحدى تلك الفصائل. ويمكن حصر هذه الفصائل القيادية الكبيرة بثلاث كتل هي سرايا السلام :السيد مقتدى الصدر، قوات بدر: السيد هادي العامري ، عصائب أهل الحق: الشيخ قيس الخزعلي. وضمن سياقات العمل السياسي وموجبات استغلال الفرص في العراق، تمرر تعابير لفظية ورمزية الغرض منها زج الفصائل الكبيرة ضمن تعريف الحشد الشعبي، وجعلها من داخل المجاميع التي لبت فتوى الجهاد الكفائي الذي أطلقها السيد علي  السيستاني لأسباب سياسية دينية وطنية وقبلها الحصول على المكاسب المالية بعد أن احتسبت للحشد رواتب ومخصصات، وليفرض على الدولة خيار أحتسابها من ضمن تشكيلات الحرس والجيش الوطني.
ورغم مشاركة سرايا الحشد الكفائي في جميع المعارك ضد داعش، واختلاط قواها بقوى الفصائل الكبيرة، فأن الصورة تبدو ملتبسة في حيثيات كثيرة، بل يموه على حقائق ووقائع لا جدال حولها. ففي الوقت الذي يعلن عن ارتباط سرايا الحشد الشعبي بالمؤسسة العسكرية العراقية، وبالذات بشخص القائد العام للقوات العسكرية، فأن الفصائل الرئيسية الكبيرة وكذلك أخريات غيرها،دائما ما تفصح دون مواربة وبشكل جلي عن درجة استقلالها عن المؤسسات الحكومية، وتنفرد بخصوصياتها السياسية والتعبوية والسوقية، وتجري نشاطات واستعراضات عسكرية لا علاقة لها بالمؤسسة العسكرية العراقية، ولم يكن ليأتي هذا الإفصاح اعتباطا، بقدر ما هو وسيلة للتفرد ونزوع نحو الخصوصية السياسية والعسكرية وارتباطها بالعامل الخارجي كموجه وراعي.
دائما ما واجهت المحاولات الكبيرة والعديدة لإيجاد سبل للوصول إلى ما يساعد على زج أبناء الطوائف والقوميات العراقية من غير الطائفة الشيعية في الحشد الشعبي موانع كثيرة، فنجد هذا الآمر في ميزان حركة القوى الاجتماعية والسياسية لضعيف جدا، ويلاحظ المرء مدى الصعوبة في انخراط هؤلاء في سرايا الحشد الشعبي، والمؤسف في الأمر أن مثل هذا الفعل رضخ ومازال للشد الطائفي، لا بل وبسبب هذا وضعت في الكثير من الأوقات اشتراطات لمنع الحشد من دخول المناطق ذات الغالبية السنية ومشاركتهم في تحريرها. أيضا جرت هناك ولازالت حملة إعلامية داخلية وعالمية ظالمة في بعضها، تطعن بنوايا الحشد الشعبي وتضعه في خانة عصابات القتل والسرقة والاغتصاب وغير ذلك من الجرائم.وقد نجحت وسائل الإعلام العربية والعالمية وحتى المحلية في إيصال معلوماتها وتقاريرها الحقيقية والكاذبة عن الحشد الشعبي إلى الأمم المتحدة وأوساط الهيئات الدولية المعنية بحقوق الإنسان والسلم العالمي والهجرة وغيرها، التي بدورها أشارت في بعض تقاريرها لما يدين الحشد الشعبي ويتهمه بالتوحش.
نجد اليوم أن بعض الفصائل العسكرية ومثلها الشعبية من مختلف الطوائف والقوميات وأيضا الكثير من العشائر، لا تحاول تقويض العلاقات وطرق التعامل السابقة التي تربت عليها على عهد حزب البعث،وكان ذلك تاريخا طويلا، خاصة في وسائل تعاملها مع الناس، بقدر ما تحاول وفي الغالب التماهي مع تلك التقاليد والأعراف وإعادة استخدامها، والاستمرار بذات البنية من العلاقات المبنية على القوة والقسوة والتهديد، والعمل على تطويع الغير وتدجينه بفرض أفكارها ورغبات وخيار أفرادها. وباتت الممارسة المسلحة لا تقتصر على جبهات القتال، وإنما البعض يمارسها داخل المدن. فتهديد الناس وخطف الأفراد والاعتداء على المؤسسات والمقرات الرسمية والأهلية وكذلك الاستعراضات العسكرية التي تجريها تلك القوى في شوارع المدن وبمختلف أنواع الأسلحة، تفتقر إلى القيم الثورية الأخلاقية الحقيقة، وهي في حقيقة الآمر تهديد مباشر للسكان وللسلم الاجتماعي. ودائما ما عرف عنها، بعدها عن أية التزامات سياسية واجتماعية، وإنما يتمحور فعلها فقط تحت شعار أنصر أخاك ظالما أم مظلوما دون تمحيص وتدقيق. وفي أغلب الأوقات فإن هذه القوى المسلحة بالإضافة لقوتها العددية المدججة بالسلاح، دائما ما تعوض نقصها الثقافي بأفعال تفصح عن استعلاء وشعور رامبوي بالتفوق يزدري قيم الآخرين وخياراتهم ويحاول إخضاعهم لجبروته.  ولم يكن ليأتي هذا اعتباطا، فما دام المجتمع المدني هزيل وبناه محطمة ومبعثرة، والهويات تتبدل وتتغير بفعل وسطوة الطائفية والعشائرية وانتشار السلاح، فأن قدرة الناس على الخلاص وبناء نموذج حضاري مدني يخضع لسلطة القوانين وليس غيرها، تبقى مضمرة وخاضعة لتهديد وهيمنة تلك القوى المسلحة التي هي وفي الكثير من الأماكن والأوقات صاحبة الكلمة العليا.  وهذا يضعنا أمام جملة أسئلة تثار عن طبيعة وأهلية الحشد الشعبي بجميع فصائله ليكون ظهيرا للقوات المسلحة العراقية أو قوة حامية للسلم الاجتماعي .
أغلب اللوم يوجه اليوم  إلى الجانب الحكومي، وتحديدا في ناحية قصوره وتباطؤه بدمج هذه الفصائل بالجيش العراقي وفق سياقات عسكرية وقانونية ومهنية بحته بعيدا عن رغبات وهواجس طائفية أو سياسية.ولكن  الفوضى والعشوائية في القرارات واضطراب منهجية التفكير والقصور في فهم الحالة العامة، وسيطرة الذهنية النفعية وتصاعد مظاهر الشخصنة والتفرد والتناحر والتسابق على المكاسب السياسية والمالية، وارتفاع نسب التخندق الطائفي على حساب الوعي بالهوية الوطنية، مع الارتباط بمشاريع وأجندات من خارج الحدود الوطنية العراقية، لذا ومن كل هذا وغيره يمكن أن يضع الحشد الشعبي وقبله الفصائل المسلحة جميعها، على مسافة بعيدة جدا عن المؤسسة العسكرية، ومن غير الممكن أن يكون الحشد ظهيرا لها. بل من الممكن أن نجده وبعد القضاء على داعش نهائيا، أحد أكثر مصادر التهديد لتلك المؤسسة، ومن ثم للحريات العامة وأي مشروع لدولة مدنية تسعى قوى الشعب الديمقراطية الوطنية لبنائها.  ومن الجائز القول أن استفحال الخلافات بين قادة الفصائل الكبيرة، يمكن له أن يقوض تجربة الحشد الشعبي ذاتها، ويدفع مستقبلا إلى احتراب وقتال، إن لم يستطع العراب الخارجي للفصائل ذاتها منع حدوثه، فإن السلطة العراقية لن تجد القدرة على وقف تداعياته، ليكون بالنتيجة النهائية عامل ناسف لتجربة الديمقراطية الهشة التي بنيت عليها السلطة.
ليس هناك في الأفق ما يشي بخروج سحري من المأزق، فسياسات السلطة وترددها، وضعف مؤسسات الدولة، قاد لاستشراء وانتشار المليشيات المسلحة، موزعة على كامل الخريطة الجغرافية للعراق. ومع تضخم أعدادها وقدراتها العسكرية، وتعدد الأطر المرجعية لها، وضعف خطط المؤسسة العسكرية الذي جعلها الطرف الضعيف أمام الفصائل المسلحة إن جد الجد. ولا يمكن التطرق لمجمل تلك العيوب والأخطار المحدقة بالمؤسسة العسكرية،دون ربطها بالفشل الذي يعتور عمل مؤسسات الدولة بعمومها،  والعجز في ميزانية الدولة وانتشار الفساد الإداري والمالي بين أوساطها.
وأود هنا القول، لو قيض لنداء المرجعية أن يكون على شاكلة إعلان حالة طوارئ تصدر عن الحكومية العراقية تحديدا وحصرا، تدعو فيها لبناء فصائل عسكرية ترتبط بوزارة الدفاع وبعيدة عن التخندق الطائفي، لكان لها أن تكون الصيغة الأمثل والقريبة جدا من نيل القبول عند باقي طوائف وقوميات الشعب العراقي، وفي الوقت ذاته تكون بابا واسعا لإعادة هيكلة القوات المسلحة. وارى أن مثل هذه الدعوة لازالت تمثل أفقا رحبا وجيدا يمكن من خلاله احتواء سرايا الحشد الشعبي ومتطوعي العشائر ووضعهم ضمن بنية الجيش العراقي ويعاد معها بناء وهيكلة المؤسسة العسكرية بعمومها.



     

16
فضائح انتخابات الخارج تتكرر دون حياء

فرات المحسن

لم تسجل المفوضية ( المستقلة ؟؟) للانتخابات غير مشاركة أقل أو أكثر من  270 ألف عراقي في كل مرة جرت فيها عملية التصويت للبرلمان العراقي للثلاث دورات 2005ـ 2010 ـ 2014 للقاطنين خارج العراق. واستبعد من أصل هذا الرقم أكثر من الأربعين ألفا بحجج واهية ودون مسوغ مقبول. لا بل كان الأبعاد نموذجا سيئا لعملية إقصاء متعمد لقوائم بعينها. ورافق تصويت الخارج الكثير من اللبس والإرباك وظهرت عمليات تلاعب وتزوير مؤكدة سجلها المراقبون والبعض من موظفي التسجيل. ولم تكن بعض المكاتب تمتلك الأمانة المهنية والشفافية في التعامل مع الحدث، بل دفعت نحو إثارة الشبهات في جميع إجراءاتها. وخير مثال على ذلك ما فعلته بعض المكاتب من ابتذال مورس فيه خداع خبيث مع البعض من مواليد الخارج أو مع أخوتنا الأصلاء من الكورد الفيلية ليمنعوا من المشاركة .
سجلت ملاحظات عديدة على أداء مديري المكاتب واتهموا بعدم الحيادية وتبعيتهم لبعض القوى السياسية المتنفذة، وكان هذا واضحا للكثير من المراقبين في مختلف الدول التي أجريت فيها الانتخابات ، وبان تأثير ذلك على وقائع ومجريات الحدث الانتخابي. فقد عمل مدراء المكاتب على استقطاب نسب كبيرة لموظفين من عينات منتقاة وفق الميل الجهوي والطائفي أو الحزبي. وبني ذلك على وفق أغراض سياسية ومصالح شخصية وارتباطات مالية، مؤكدا السلوك غير المهني وغير الحيادي للمدراء الذين انتدبتهم المفوضية ( المستقلة ؟؟؟) للانتخابات لإدارة العملية الانتخابية في ما يقارب الستة عشر بلدا. وظهر جراء ذلك عمليات تزوير وتسويف واسعة، لتشطب أثرها الكثير من أوراق التصويت التي تخالف سياسيا توجهات مديري المكاتب وأتباعهم. ومورس ابتزاز علني نحو أصحاب الوثائق الأجنبية التي تشير لعراقيتهم و تثبت هويتهم الوطنية. وسجلت حوادث تفضيل ومحاباة بين مدراء و موظفي قاعات الاقتراع والبعض من المقترعين.
ومع كل تلك الأحداث الإدارية، سجلت أيضا وقائع نهب للمال العام لا يمكن التغاضي أو السكوت عنها. لا بل هناك سرقات يستحي من ممارستها حتى شحاذي الشوارع. ففي أغلب مكاتب الانتخابات التي افتتحتها المفوضية ( المستقلة ؟؟) وانتدبت أليها أفراد من الأحزاب السياسية المشاركة في العملية السياسية، قدمت لهؤلاء المفوضين تخصيصات مالية بلغت الملايين من الدولارات. وقد استغل هؤلاء تلك الأموال للبذخ والهبات والسرقات. وفي هذا السياق نذكر أن أحد هؤلاء المفوضين أستأجر له ثلاثة رجال كمرافقين ( في البلد الآمن ) وبراتب لحين نهاية العملية الانتخابية، بآلاف الدولارات للفرد الواحد. كذلك حجزت ثلاث سيارات للتنقلات، وشقق سكنية وجناح خاص في أحد فنادق الدرجة الأولى ( البزنس) تبلغ ليلة السكن فيه 500 دولار، ومكتب فاره فاخر. وأحد هؤلاء صرح بأن مكتبه قام بطبع 2800 نسخة من الدعاية الانتخابية وبذات العدد لكراس أخر لشرح العملية الانتخابية. ولكن لم تظهر من تلك الكراسات غير بضع عشرات، لا بل لم يلحظ الناخب وجودا لها حتى في مراكز الاقتراع وطيلة أيام الانتخابات الثلاثة للتصويت. في حين أن تكلفة طباعة تلك الكراسات كانت بالغة الفحش وبالدولار الأمريكي. وجاءت مبالغ تأجير المخازن وشراء القرطاسية وصناديق الاقتراع وتأمين حمايتها لتسجل مبالغ خيالية تثير الكثير من الاستغراب والشكوك. وذهبت جميع تلك المبالغ والحصص إلى شخصيات ترتبط بأصدقاء ومعارف مدراء المفوضيات ومشايعيهم من ذات الحزب أو باقي الأحزاب القريبة. واستدلالا على تلك المحاباة وتبادل المنافع الشخصية، فأن أحد مدراء المكاتب المرسل من العراق لإدارة العملية الانتخابية أستأجر من أحد أصدقائه ومن المقربين لحزبه مخزنا متهالكا دون حماية وبنوافذ محطمة لتأمين مواد الانتخابات بمبلغ خيالي، في حين أن في انتخابات عام 2005 ورغم ما شابها من سرقات، تم أيجار مخزن بمواصفات عالية الجودة مع توفير الحماية له من قبل سلطات ذلك البلد لم تتجاوز تكلفته ربع مبلغ ما قدم كمكافئة لهذا الصديق الرفيق الإسلامي صاحب المخزن. وذات الشيء حدث في عمليات شراء القرطاسية وغيرها من احتياجات المكاتب التي أحيلت بعهدة أشخاص أغلبهم من تجار الدرجة الثانية ومن أتباع الأحزاب التي تدير العملية الانتخابية.
وسجلت أيضا نسب عالية وبإفراط ملحوظ لأعداد الموظفين المشاركين في إدارة مواقع وغرف الانتخابات كحراس ومفتشين وإدلاء، كان جل عملهم الوقوف بين الممرات وأمام الأبواب لاجترار الأحاديث والتحديق بالجمال القادم للانتخاب مثلما قال أحدهم. وأغلب هؤلاء دفعت أجورهم تحت الطاولة أي خارج نظام ضريبة الدخل العمل المعمول بها في تلك البلدان.
والغريب في هذا الأمر هو ورقة الدفع حيث سجل فيها على أن القابض عليه دفع رسوم الضريبة، وحين أعترض هؤلاء على هذه الصيغة أخبرهم مدير مكتب المفوضية بأن هذه الصيغة لا تعنيهم وإنما الغرض منها فقط يخص مركز المفوضية في اربيل.
وتفاوتت أجور العاملين من الذين شاركوا في الإعداد والعمل للعملية الانتخابية في جميع مكاتب المفوضية وفي مختلف البلدان. حيث أن مركز المفوضية الرئيسي لم يضع قواعد ثابتة للأجور وحسب طبيعة العمل وإنما ترك الأمر لمدير المكتب ليتصرف على هواه وحسب تقديره الشخصي لمستوى المعيشة في ذلك البلد.
و لا أدري ما هو موقف المركز الرئيسي لمفوضية الانتخابات في بغداد ومعهم هيئة النزاهة من الأجراء الذي اتخذه البعض من مندوبي المفوضية لإدارة عملية الانتخابات في البلدان الأوربية، حيث قام بعضهم باستدعاء جوقة من أقاربهم ومعارفهم ومن بلدان أوربية مجاورة للمشاركة في إدارة العملية الانتخابية. وتحملت دائرة المفوضية دون مبرر معقول أجور سفرهم إلى تلك البلدان وكذلك مبالغ تنقلاتهم وسكناهم في أضخم الفنادق. في الوقت الذي أهمل وأبعد الكثير من العاملين الذين اكتسبوا خبرة كبيرة حين أداروا بنجاح عملية الانتخابات عام 2005 في تلك البلدان.
الأسئلة الكبيرة التي تثار والتي على السياسيين العراقيين من الحريصين على أموال وسمعة العراق أن يتأملوا ويدققوا في مسبباتها ونتائجها الحقيقية على الأرض.
ـ هل أن حجم أعداد المشاركين في انتخابات الخارج يوازي ما قدم ويصرف من مبالغ لفتح مكاتب للمفوضية في بلدان العالم.
ـ ما هو حجم ونسب من يشارك في انتخابات الخارج مقارنة بما أعلنته المفوضية عن أعداد الذين من الموجب مشاركتهم في الانتخابات في عموم العراق، و ما هي النسبة الحقيقية لهؤلاء مقارنة بأعداد من شارك ويشارك فعلا في الانتخابات داخل العراق.
ـ هل أن عمليات الصرف الباذخ الذي يقوم بها مدراء المفوضية ( المستقلة ؟؟؟) للانتخابات الذين انتدبوا لإدارة عمليات الخارج، تخضع للمراقبة والتفتيش والتدقيق ومن ثم المسائلة.
ـ ألا تتوفر آلية الكترونية للتصويت عبر الانترنيت. ليتم عبرها وئد السرقات.
وبذات المعايير السيئة التي تدار بها العملية السياسية هناك، تخضع عمليات فتح مكاتب الاقتراع في بلدان العالم المختلفة، حيث تتوافق الأحزاب المتنفذة وتتحاصص على تقاسم المندوبين وتوزيعهم على تلك البلدان وتقدم لهم التسهيلات المالية واللوجستية دون أية مسائلة أو تدقيق. ومن الجائز القول أن عمليات انتخابات الخارج أصبحت تشكل واردا جيدا للبعض من الشخصيات والأحزاب العراقية وباتت بابا مفتوحا للسرقات بمختلف أنواعها.
وعين اليقين القول أن السارق مثل المأبون لا يهمه ما يقال عنه بل هو سادر في غيه وابتذاله وسقوطه وينظر إلى الجميع بعين القبح والرذيلة، لذا لا نرى اليوم من يستمع لصرخة مظلوم وتضور جائع، وإنما نجد غلبة ساعية دائما لخطف حتى فتات الخبز من أفواه الجياع والعراة من العراقيين. وأبواب السرقة مشرعة مثل شهية هؤلاء الظلمة قساة القلوب. وقيل أن المال السائب يعلم السرقة. ومع وفرة السراق، توجد هناك وفرة لأموال سائبة لعدم وجود من يؤتمن عليها.
أدناه أسجل بعض ما سوف يصرف على عملية الانتخابات البرلمانية العراقية القادمة في المملكة السويدية وحسب ما وضعه مقترح بعض من له اليد في إدارة العملية الحسابية لمجريات ووقائع العملية التصويتية في المملكة السويدية  وحسب ما وردني من أحدهم، وتتداخل فيها بعض أبواب الصرف لغرض زيادة الإنفاق


1 ـ النشر والإعلام                           70 مليون دينار عراقي
2 ـ نفقات نشر                                30    مليون   د ع    
3 ـ نفقات إعلام                                 30   مليون    د ع
4 ـ اشتراك في صحف                              10   ملايين   د ع

5 ـ إيجار مباني                          250  مليون د ع، وهي في الحقيقة ثمانية آلاف دولار أي عشرة ملايين دينار عراقي لا غير ولكن عمل مستند بذلك بمبلغ 250 مليون د ع 

6 ـ إيجار مكتب الرئيس                                    100   مليون   دع  مستند مثل سابقه
7 ـ إيجار مخازن                                     20    مليون     د ع 
8 ـ إيجار مباني متفرقة أخرى                           100   مليون   د ع
9 ـ إيجار معدات وسيارات                      30 مليون       دع
10 ـ "  "     "      "                                 15 مليون      د ع
11 ـ إيجارات نقل                    12  مليون     د ع
ا12 ـ لنثرية الرسمية                   2 مليون        د ع
13 ـ أجور الخبراء الاستشاريين                8 مليون           د ع
14 ـ استشارات قانونية                   8 مليون       د ع
15 ـ تنظيف الدائرة                   2 مليون    د ع لليوم الواحد
16 ـ أجور خدمات مصرفية                15 مليون    د ع
17 ـ أجور حارس حماية المركز الانتخابي         6 مليون   د ع
18 ـ صيانة عامة                       14 مليون د ع
19 ـ الكهرباء والماء                      8 مليون د ع



إما الأجور التي تمنح للعاملين فهي كالتالي


مدير إعلام                     20000  عشرون ألف دولار لمدة شهرين
رئيس شعبه                     3750  دولار لمدة شهر واحد
موظف في مكتب الرئيس عدد 8               2750 دولار
مدير مركز                                   1500 دولار لمدة يومي التصويت
مدير محطة 3                    1250 دولار لمدة يومي التصويت
موظف    اقتراع أكثر من 100              1000 دولار لمدة يومي التصويت

اتفق مع بعض الشخصيات المقيمة في السويد والمحسوبة على الأحزاب الحاكمة ومن المعارف للجنة المشرفة على العمل كسماسرة لتهيئة بعض العاملين من الذين يقبلون على استلام نصف الأجر والتوقيع على ورقة استلام كامل المبلغ. واحد هؤلاء السماسرة من مدينة هلسنبوري 

17

من يرشدني له الأجر والثواب

مع من تحالف الحزب الشيوعي؟

المفوضية العراقية للانتخابات البرلمانية أعلنت عن وجود نموذج لاستمارة على العراقيين المتواجدين خارج العراق إملاءها وإرسالها إلى المفوضية لكي يحصل العراقي على رقم أو ماشابه مما يؤهله المشاركة في الانتخابات القادمة.
أنا أملك جميع الوثائق العراقية، الجنسية وشهادتها وجواز السفر العراقي وهوية الأحوال المدنية، جميعها حديثة وتحتوي والله العظيم على فسفورة .
سؤال يلح عليَّ ويقلقني لا بل يقض مضجعي في أغلب ليال الشتاء السويدية المثلجة.. يا ترى لمن أمنح صوتي إن أردت المشاركة في الانتخابات؟؟؟
استعرضت القوائم فلم أجد فيها ما يستدعي الرضا والاطمئنان أو حتى المقبولية.
تحالف العبادي يحتوي على ما يفزع ويجزع الروح. وفرة السراق والكلاوجية ومن باع العراق تفصيخ في هذا التحالف  تجعلني لا أقترب منه أو حتى ألقي نظرة خاطفة عليه.
ومثل ذلك متوفر أيضا في تحالفات أبو إسراء نوري المالكي ومن خرج من تحت أباطاته،ومثله أياد علاوي وصالح المطلق وسليم الجبوري والنجيفي ووو، وللابتعاد عن كل هؤلاء فقد اخترت حكاية من حكايات بيبيتي التي كانت تنبهني فيها، بأن عليَّ أن أغتسل سبع مرات لأنظف من نجاسة أبو بريص أن وقع عليَّ أو لامس جسدي. فكيف لو اقتربت ولا مست نجاسة هؤلاء وهم مثل التماسيح والاراول والسحالي .
وهناك في الحومة بضع كلاوجية  سبق أن علت عليهم في الانتخابات الماضية حين تحالفوا مع الحزب الشيوعي وظهر أنهم من منظمة (( لغوية كلاوجية دون حدود)) وقد شبعوا ردحا بعد أن ذاقوا طعم زقنبوت راتب ومخصصات البرلمان وسرقوا وتمضمضوا برواتب حماياتهم.
وإذا لم يكن قد أستجد على الساحة ما يوحي بتغيير في الكتل والوجوه وإن الشخصيات ذاتها المعتمة الكالحة المنافقة الكاذبة السارقة عادت وقدمت نفسها مرة أخرى لتكون وحدها من يملك خيوط اللعبة لإدارة البلد، فماذا أفعل أو يفعل غيري؟؟.
سألت نفسي إلى أين تريد الوصول في هذه التساؤلات، فما عاد أمامك غير أصدقائك في الحزب الشيوعي، ودون شك رغبتي تميل نحوهم، فأنا عراقي العاطفة والهوى وخياراتي تحددها قبل أي شيء أخر أهوائي ورغباتي.
الحزب الشيوعي أختار تحالف سائرون وكفى، وأقولها صراحة، كان خيارا غير مريح ليَّ لأسباب عديدة، أولها وجود سعد عاصم الجنابي رئيس التجمع الجمهوري ومضر شوكت أمين حزب الترقي والإصلاح وقحطان الجبوري أمين عام الدولة العادلة ومن ثم حركة أو حزب الشباب والتغيير. لا معلومة عندي عن الحزب الأخير، ولكن تجمع هذه النتف الحزبية الصغيرة وليدة اليوم والصدفة والمصالح الشخصية، والتي أنضم البعض أليها انتفاعا من مال يمتلكه هؤلاء الفطاحل المشكوك في مصادر أموالهم وتمويلهم، والذي سبق للحزب الشيوعي أن رفض مشاركتهم والتحالف مع بعضهم في الانتخابات الماضية بسبب كان مقنعا جدا حين عرفته، وهو فكرهم المبني على المصالح والمغانم الشخصية قبل أي شيء أخر.
توقفت عند هذا المشهد الذي خربط علي الغزل كثيرا، أكثر من توقفي عند اللوحة المعقدة التي جعلت الصديق العزيز أبو أحلام يدفع بالحزب للتحالف مع التيار الصدري. ربما الحجة بخيار التحالف مع الصدريين بنيت على أسس وقناعة التحالف مع قواعد التيار وهم الطبقة المعدمة والشباب المهمش بعيدا عن ضغط النوايا المبيتة السيئة، وفي هذا الجانب وجد أبو أحلام وبعض قيادة الحزب الشيوعي وحسب اعتقادهم في تحولات السيد مقتدى الصدر نحو بناء الدولة المدنية والإصلاح ما يقنع، خاصة وأن السيد مقتدى قد أبعد الكثير من شخصيات التيار الصدري عن الترشح للانتخابات  القادمة وتبنى مشروع كتلة جديدة غير كتلة الأحرار، ووضع هذه الكتلة تحت عباءته وبمباركة ودعم كاملين، وأختار لرئاستها الأستاذ الجامعي الدكتور حسن العاقولي الذي أصبح أمينا عاما للكتلة الجديدة التي سميت باسم حزب الاستقامة.
ولكن الغريب أن أستاذ الجامعة الأمين العام لحزب الاستقامة وأؤكد على الاستقامة والأمانة، كمقدمة لخيار التيار الصدري لرجاله ومؤازريه.
الدكتور حسن العاقولي فاجئنا في مقابلة تلفزيونية بكذبة لا يقدم على اقترافها حتى الصبيان من لاعبي الحجر، حين أدعى عدم علاقة حزبه بالتيار الصدري وأنه لم يلتقي السيد مقتدى مطلقا، ولم يكلف من قبله أو من رجاله لبناء هيكلية حزب الاستقامة الذي يترأسه، ولا علاقة تربط حزبه بالتيار الصدري من قريب أو بعيد.
وعلى ذات المنوال أعلن المتحدث باسم تحالف سائرون قحطان الجبوري إن السيد مقتدى الصدر لم يدعم التحالف لحد اليوم والتحالف ينتظر دعم السيد الصدر في قادم الأيام.
إذا كانت البداية بمثل هذا الكذب الساذج الرخيص والفاضح الذي يشبه كذب وترهات موفق الربيعي وعباس البياتي وباقي شلة الحكم المارقين، فكيف يتسنى لنا معرفة أي طريق علينا السير فيه.
وهنا أجد نفسي وبعد تصريح هؤلاء  أتساءل:
مع من تحالف الحزب الشيوعي العراقي ؟
ما الذي أقنع الحزب الشيوعي للتحالف مع هذه المجموعة، وهم شلة لا تختلف قيد أنمله عن مثيلاتها في باقي قوائم التحالفات ثم جائهم حصان جامح أخر مدجج بالكذب الصريح فقيم الركَاع من ديرة عفج.

قبل كل هذا وذاك، ما الذي سوف أفعله أنا ولمن أعطي صوتي الانتخابي؟.
بعد أن تخربط وتاه عليَّ الجوخ والبداوي وضاع عندي الحساب.
من يرشدني لطريق الانتخاب السوي فله الأجر والثواب،وقبل أن يفعل هذا ويقدم نصيحته، عليه أن يدلني على قائمة أو تحالف ممكن أن يجلب للعراق الخير ويتمسك بوطنيته ويتعالى فوق مسميات الحزبية والطائفية والقومية والشخصية.
وهل مثل هذا الفصيل أو الكتلة أو التحالف أو الفريق موجود ومسجل عند المفوضية المستقلة كلش للانتخابات النزيه.
   

 

18
رواية كارل ماركس في العراق

السؤال الذي يتقدم منذ البداية يأتي من محاولة البحث عن قدرة النظرية الماركسية على قراءة وضع العراق الحالي.
فنتازيا الرواية تتجه لصناعة وجود حي لشخوص وأحداث معاصرة يستحضرها شخص قادم من التاريخ ليصنع أحداث الرواية.
رواية كارل ماركس في العراق رواية أدبية بنكهة الفنتازيا وباللغة الفصحى واللغة المحلية العراقية .الأحداث تدور في أماكن ومدن عراقية، و تستعرض من خلال الشخصية المحورية وشخوص أخرى، الصراع اليومي الاجتماعي السياسي، وتلامس بلغة نقدية فاضحة وساخرة الأعراف والقيم والعادات والتقاليد المجتمعية في العراق.
وعبر توظيف مقولات من الفلسفة الماركسية والبحث الاجتماعي السايكلويجي، يجري تفسير العديد من الظواهر المجتمعية، و أمزجة الناس وبعض طباعهم ودواخلهم وسلوكهم الفردي والجمعي في محاولة لمقاربتها والتحليل الماركسي وأيضا السيكولوجي. فالرواية  تستعرض مساوئ المجتمع وطباع البشر وعمق الهوة الثقافية والأخلاقية وعقدها ومتلازماتها عند البعض.
الرواية لا تركز فقط على الطابع السياسي للحدث العام واليومي وإنما تذهب في أبعاد أخرى مختلفة المظاهر، لذا يمكن وسم الرواية بأنها ترتدي عدة ثياب، ثوب السياسة، ثوب علم الاجتماع، ثوب الاقتصاد والتاريخ  كذلك ثوب الفنتازيا وثياب عديدة أخرى تمتزج بالكوميديا، لذا تخضع لاشتراطات الكوميديا السوداء الهادفة  وليس الكوميديا العادية.


احتفاءً بصدور رواية الكاتب فرات المحسن المعنونة كارل ماركس في العراق يقيم منتدى الحوار الثقافي في ستوكهولم واتحاد الكتاب العراقيين في السويد ندوة ثقافية للقاء بالكاتب والحوار حول روايته وتوقيعها
يقام اللقاء يوم السبت المصادف  27 / 01 / 2018 على قاعة سنسوس مجاور محطة مترو سلوسن في العصمة ستوكهولم

19
ندوة عن المقام العراقي
يقيمها اتحاد الكتاب العراقيين في السويد ومنتدى الحوار الثقافي العراقي في ستوكهولم

المقام العراقي لون عراقي من الغناء القديم تصاحبه الآلات الموسيقية ، وهو تراث موسيقي يتسم بصفة أو طبيعة ارتجالية في الغناء والعزف على مختلف السلالم الموسيقية التقليدية ، إن المقام العراقي يقتصر وجوده في العراق فقط، ويمثل الفن الغنائي الخاص بالشفافة الموسيقية الحضرية لمدن العراق ، وقد برز وبصورة ظاهرة في بغداد والموصل وكركوك،  ومن ابرز السلالم النغمية المشتركة للمقام بين العالم العربي والإسلامي هي الرست والبيات والحجاز واليكاه والصبا والحسيني والنوى والكرد والمخالف ، وتتميز المقامات العراقية ما عدا خضوعها لقواعد تتحكم بالأجناس الموسيقية وتصويرها ، باحترام الخصوصية التي تفرضها صبغة المقام العراقي إضافة إلى تمسكه بالميزات الجمالية الخاصة به على صعيد الأداء واللحن.
ولكي نتعرف على الطبيعة النغمية وأنواع المقام وأشكاله وتفرعاته الكثيرة، يكون لنا لقاء  مع أستاذ المقام محمد العزاوي وهو  المختص في هذا المجال ليقدم لنا معارفه ويغني الموضوع بأدائه الشيق ومعلوماته القيمة.

الموعد يوم السبت المصادف 13 / 01 / 2018
الساعة الخامسة مساءً على قاعة سينسوس في منطقة سلوسن جوار محطة المترو، عشرة أمتار يسار باب المحطة الخارجي

20

في كردستان الارتشاء لأجل التظاهر
فرات المحسن
هل من الممكن أن تكون الجماهير الكردستانية خرجت للتظاهر بعد أن قبضت من الخارج ثمنا لتظاهراتها؟؟!!
سؤال كبير، ولكن السيد البرزاني ومجموعته أعلنوا أن مثل هذا ليس بغريب وحقيقة حدثت، فقد قام البعض من المتظاهرين باستلام مبالغ لغرض الإعداد للتظاهرات، وأيضا حرق مقرات الأحزاب ومؤسسات الدولة.
جائز بل هو حقيقة بأن أي مظاهرة تنطلق تحوي بين حشودها من غير الأسوياء ومن المندسين لأغراض معينة، منها أحقاد شخصية أو سياسية أو حتى اجتماعية أو لأسباب غير تلك، وجميعها يدخل تحت يافطة الهوس الجماهيري.
فعل إحراق المؤسسات والمقار الحزبية وأي بناية عامة فعل مدان وغبي، ويعود مردوده في النهاية على المتظاهر نفسه أو بعموم المواطنين والبلد. فلماذا يمارس هؤلاء هذه الفعلة الغبية والخبيثة.
مثل هذا الآمر يحتاج لتحليل نفسية الإنسان المقهور وكذلك خلفية الحدث وبعموم المشهد دون تجزئة، وبالذات السبب في نزوع المرء للعنف، عندها نتعرف على مسببات ردود فعل الإنسان المحبط المقهور الواقع تحت سطوة وتعذيب السلطة، ونشاهد كيف يتجاوب ويتساوق مع قسوة وقهر السلطة وعدم مبالاتها وإهمالها لهمومه ومشاكله واحتياجاته،فيقابلها بردة فعل عدوانية يعتقد أنها سوف تؤلم الحاكم وتوجعه.
خرج علينا بعض الأصدقاء الأحبة بفلم عن مظاهرات كردستان يرافقه تعليق يتهم إيران بتدبير تلك التظاهرات. بشكل ناجز يمكن القول أن الفلم معد من قبل مجموعة السيد البرزاني وليس من قبل الطرف الأخر الطلباني بسبب علاقة الأخير بإيران، مما لا يسمح له اتهامها مثلما فعل صانعو هذا الفلم. إيران باتت شماعة قوية لتعليق الشبهات والاتهامات والمكائد والأخطاء، فتعليق المصائب برقبة إيران صار أسهل من شربة ماء، ويقف بجانب هذا التأويل المخادع أمريكا وإسرائيل والسعودية ومصر والخليج جميعا، وجبهة ليست بالضعيفة من العراقيين.وفي قولي هذا لا أدافع عن الأفعال الإيرانية التي لا تمثل في الكثير منها غير إيذاء متعمد واستهانة بقدرات الشعب العراقي وحتى بقادته وتاريخه، وليس هنا مجال لاستعراض ذلك.
على مدى سنوات طوال وضعت تحت يد سلطة السيد مسعود البرزاني موارد ضخمة أختصرها هنا بالمنافذ الحدودية وموارد تصدير النفط دون رقابة، مع 17 % من موارد الدولة العراقية. ومع كل تلك الموارد فقد تسببت السياسات الخاطئة والسرقات انهيار الواقع الاقتصادي وتجويع قطاعات واسعة من الشعب الكردستاني، وكان التبرير لتلك الأزمات وخاصة أكبرها وهي الأزمة الاقتصادية، يرمى بإجحاف وتضليل على عاتق الدولة الاتحادية.وأيضا لا يعني ذكري لهذا، إنكاري لبعض السياسات الخاطئة للسلطة في بغداد تجاه إقليم كردستان. كذلك فالمحافظات الخاضعة لسلطة بغداد شاهد حي على العديد من الأخطاء الفادحة والقباحات المقترفة والإهمال المتعمد للبناء التحتي والدمار الذي أصاب جميع مناحي الحياة، وترافق ذلك مثلما في كردستان مع سرقة المال العام واختفاء المليارات لصالح رجال السلطة ومرتزقتهم، لذا لا يمكنني الدفاع عن حكومة بغداد عند توجيه الاتهام لسلطة السيد مسعود البرزاني وحلفاءه.
في كردستان وطيلة العشر سنوات الماضية تم سرقة أغلب العائدات المالية لصالح أحزاب السلطة وقسمت بينهم أغلب الواردات، واختفت لعدة أعوام موازنة الإقليم لصالح السيد مسعود البرزاني وعائلته وحلفاءه، وترافق ذلك مع خنق الحريات المدنية، وعتم على العيوب، وشكلت مليشيات لقمع أي رأي مخالف وخنق الإعلام،وروج للدكتاتورية، وأصبح الوضع في كردستان لا يطاق بسبب تلك السياسات العجفاء والقاسية. ففي إربيل لا يمكن مع وجود نظام بوليسي قمعي، القيام بأية تظاهرة أو مخالفة للرأي، ومخالفة الرأي سوف تواجه بالتكميم والتعتيم وحتى القتل. وجراء كل تلك التعديات شهدت وتشهد مدن إقليم كردستان تظاهرات عارمة تندد بالأوضاع السيئة التي يعيشها الإنسان الكردستاني بسبب سياسات السلطة وأساليبها القمعية وتجويع المواطن بسبب عدم دفع الرواتب أو سرقة جزء من الراتب بمسمى الادخار الإجباري، ودون الإعلان عن مداخيل الحكومة وعائداتها المالية.
في لمحة حكيمة من قبل الأمير صباح السالم الصباح أمير الكويت قدم ما يقارب 60 مليون دولار لمحاربة صدام وإخراجه من الكويت، وبعد أن تحررت الكويت من احتلال الطاغية صدام وقذاراته ، منح الأمير الكويتي مبالغ للكويتيين لمساعدتهم على إعادة ترتيب حياتهم الجديدة بعد العودة، لم يخرج الكويتيون للتظاهر ضد ألأمير واحتفظوا له بلمحته الكريمة وعدوها فعلا يستحق التمجيد والمحبة.
ما يملكه السيد مسعود البرزاني لوحده من أموال حصل عليها طيلة فترة حكمه ولحد الآن تكفي ليس لدفع الرواتب والأجور لجميع العاملين وإنما إخراج أقليم كردستان من محنته وبناءه وجعله قبلة للناظر، وإعطاءه وضعا خاصا يتحدى به علاقته بالعراق ومحيطه الإقليمي، ويقدمه مثال لوطن مزدهر بعمرانه وحرياته وحضارته، عندها سوف يكون إقليم كردستان العراق مثالا يحتذى به ورسالة حية للنضال والتحضر والعناد والمكابرة لجميع أقاليم الكرد الأخرى، ليصبح عند الجميع هدف وطن الكرد الكبير على أبعاد قريبة وتحت النظر .
ولكن أين السيد مسعود البرزاني ورهطه من هذا، وهم يقرضون كل ما يقع أمامهم دون حياء ويجلسون في قصورهم العامرة يتلذذون بطيب الطعام وفاخر الملابس على حساب جوع الشعب الكردي الفقير الفاقد لأبسط وسائل العيش الكريم .
أين السيد مسعود البرزاني وحاشيته وحلفائه من الذي يحدث داخل المدن والقصبات من أوجاع وآلام وخيبات وجوع، فهل تراه يفرط بالمليارات التي سرقها من قوت هؤلاء الجياع ليقدمها أو الأحرى يعيدها لصالح هذا الشعب الذي دائما ما أراد له السير خلفه لصناعة مجد شخصي وعائلي. فما الذي يجعله يحجم عن فعل هذا إن أراد إنقاذ الإقليم والوقوف بوجه أعداءه مثلما يدعي. فجوع المواطن وقسوة أوضاعه وتكميم الأفواه، هو من أجبر هذه الجموع  للخروج بالتظاهر وليس رشوة إيران أو غيرها فهذا الشعب المقهور المكبوت، أن تمعنتم جيدا وبأنصاف وضمير، لا يحتاج للرشوة ليخرج للتظاهر. 
     


21
أسباب انهيار الاتحاد السوفيتي

حوار مع الدكتور خليل عبد العزيز

أجراه فرات المحسن

ـ بعد سنوات دراستك الطويلة في الاتحاد السوفيتي وأيضا عملك في أحد أهم مراكز البحوث هناك، وبعد حياة حافلة بالأحداث السياسية، يا ترى ما هي الحصيلة التي تكونت لديك عن أسباب انهيار الاتحاد السوفيتي ومن ثم المنظومة الاشتراكية؟
هل تعتقد أن سياسات القيادة السوفيتية وتوجهاتها في إدارة السلطة كانت أحد العوامل في ذلك السقوط المدوي؟

نعم،بالفعل أن تلك السياسات وغيرها الكثير من العوامل الداخلية والخارجية كانت تعمل على تآكل التجربة الاشتراكية، وهناك الكثير من الوقائع أخذت تنخر وتطعن بالقيم الشيوعية الماركسية.فما عاصرته وشاهدته وأطلعت عليه كان في أغلبه يدفع بالاتحاد السوفيتي نحو الهاوية، وما كان انهياره غير نتيجة طبيعية ومنطقية لتلك السياسات العقيمة.
 ورغم أن الحدث كان كبيرا ومأساويا ومؤذيا ليس فقط للدولة السوفيتية وإنما للعديد من شعوب العالم التي كانت تجد في الاتحاد السوفيتي نصيرا لها.فلا ينكر أن الاتحاد السوفيتي كان قوة توازن دولية عظمى ومكانته كانت تفرض جبروتها في المحافل الدولية ويقف بالند من الخصوم وبالذات أمريكا وحلفائها في العالم الغربي، وكان في الكثير من مواقفه نصيرا للسلم العالمي ولقوى التحرر الوطني.
في رأيي الشخصي،أن  السبب الداخلي الرئيسي في ذلك الانهيار وهو المهم، يتمثل في تغافل القيادات السوفيتية المتعاقبة وفي جميع المراحل،وعدم اهتمامها بالحاجات النفسية للفرد ومطالبه الاجتماعية والاقتصادية، واتجهت القيادة وحرصت على جانب بناء الترسانة العسكرية، وكان الغرض من ذلك، محاولة إثبات أن الاتحاد السوفيتي دولة عظمى وقوة لا تقهر، والعمل على الترويج لمقولة أيدلوجية تؤكد على أن هذه العظمة والجبروت جاء كنتاج طبيعي لثورة أكتوبر العظمى وواقع صنعته وفرضته النظرية الاشتراكية، ودون تلك النظرية لم يكن الاتحاد السوفيتي قادر على بناء مثل هذه القوة والحصول على هذه المكانة.
كان يترافق مع هذا التنظير الإعلامي واقع حال آخر، فحاجات الناس اليومية كانت بعيدة جدا عن تفكير القيادات فلم يكونوا  يلتفتون  لما يجري ويحصل من مآسي داخل المجتمع،وهناك الكثير من الأمثلة التي من المكن ذكرها للاستدلال على ما كان يحصل. فمثلا هناك أساتذة جامعات وضباط في القوات المسلحة وأطباء وغيرهم، يسكنون مع عوائلهم وعوائل أخرى في غرفة واحدة وليس شقة، أي غرفة واحدة لعائلتين ، وتسمى تلك الغرف وتلك التجمعات السكانية بالبيوت المشتركة، وبقيت هذه الأوضاع لحين انهيار الاتحاد السوفيتي، لا بل إن بعضها باق لحد الآن، ولم تحل هذه الأزمة، ودائما ما كان التبرير يعلق على شماعة الحرب الأهلية والحرب الثانية، حيث دمر الجيش النازي بعد أن اقترب في هجومه من حدود العاصمة موسكو، آلاف المدن والقرى وهجر سكانها، ودائما ما كانت تلك الحالة عصية على الحل، فكيف يتسنى للسلطات السوفيتية إعادة أعمار وبناء كل ما تهدم وتوفير السكن لملايين البشر، ومثل هذه المشكلة الحيوية والتي تفرض وضع خطط محكمة لتقدير حاجات البلد لوحدات سكنية، كانت الحلول تواجهها معضلات  حقيقية، فهي تتطلب توفير سيولة نقدية أي ميزانية ضخمة للأعمار، في الوقت الذي كانت تعمل القيادة السوفيتية على تخصيص جل ميزانية الدولة للأنفاق العسكري، لذا ترك الناس يعيشون في تلك الأماكن الضيقة وفي ظروف سكن قاسية ووضيعة. ودائما ما كانت المبررات تأتي عبر وسائل الإعلام لتطلب من الناس كبت مشاعرهم ورغباتهم والترويج والهتاف للبناء الاشتراكي والاتحاد السوفيتي، فهذا الشيء يتقدم فوق كل الرغبات الاعتبارات، والبناء الاشتراكي دائما ما كان وسيكون الهدف المباشر للأعداء وبالذات العدو الأول الولايات المتحدة الأمريكية، لذا على الشعب التوحد تحت راية الحزب في مواجهة الأعداء.     
كان سباق التسلح وتخصيص جل ميزانية الدولة  للمؤسسة العسكرية وصناعة الأسلحة، أخلالا فاضحا في مستوى أنجاز باقي قطاعات الاقتصاد، وبدوره فقد أثر هذا اجتماعيا واقتصاديا في سلوك الأفراد والجماعات، ومن ثم أنعكس بدوره على نظام وطرق عمل مؤسسات الدولة.وكان من أهم الأسباب في انتشار الفقر بين أوساط الشعب وإشاعة طرق الرشوة وسرقة المال العام، فكان بعض أساتذة الجامعات يتقبلون الرشوة بابتذال ومثلهم أفراد الشرطة والأمن لا بل الكثير من موظفي الدولة، فأحد أساتذة الجامعات يقبل من طالب عراقي أو أجنبي استضافته على وجبة طعام لغرض ما، أو يقدم له قنينة شراب مقابل خدمات دراسية، رغم إن قنينة الشراب أو وجبة الطعام كانت جد رخيصة، ولكن شخصيات تلك المؤسسات كانوا يفتقدون المال الذي يوفر لهم مثل تلك الأشياء، ووصلت بعض الحالات إلى أكثر تعاسة من هذا. فنحن طلاب أجانب تمنحنا الدولة السوفيتية راتبا شهريا قدره 90 روبلا والمهندس السوفيتي صاحب التحصيل العلمي العالي يستلم مثلنا 90 روبلا أيضا، والطبيب يستلم بين 90 إلى 100 روبل وهذا ينطبق على العديد من موظفي الدولة من ذوي الاختصاصات العلمية العالية.
ـ ولكن ما كانت دوافع الاتحاد السوفيتي من تقديم مساعداته السخية للعديد من البلدان؟

في الوقت الذي كان الكثير من أبناء الشعب السوفيتي يعانون من العوز والفاقة، كان المرء يلاحظ أن الاتحاد السوفيتي يقدم بسخاء مساعدات طائلة للعديد من بلدان العالم، ولكن من السهولة معرفة السبب الجوهري لكل تلك المساعدات، فالغرض منها كان كسبا لمواقف تلك البلدان وضمان وقوفها بجانب الاتحاد السوفيتي في الأمم المتحدة وباقي المحافل الدولية وأيضا وهذا مهم للساسة السوفييت، وقوفها بالضد من سياسات الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي واحدة من تلك المهازل نستطيع أن نعود لتاريخ العلاقة بين العراق والاتحاد السوفيتي وبالذات على عهد الزعيم عبد الكريم قاسم، حيث طُلب من الحزب الشيوعي أن يتخذ موقف المساندة الدائم للزعيم والامتناع عن إثارة الخلافات معه، لا بل ضرورة الاصطفاف معه وتأييده في مجمل سياساته، وقد وقفت القيادة السوفيتية موقفا قامعا لجميع الأصوات داخل الحزب الشيوعي العراقي والتي كانت تندد بسياسة الزعيم عبد الكريم أو تشير لبعض أخطائه. ويعود السبب الرئيس لهذا الموقف، لضمان وقوف الزعيم عبد الكريم والدولة العراقية مع الاتحاد السوفيتي في المحافل الدولية. فلم يكن الاتحاد السوفيتي بحاجة لنفط العراق ولا خيراته الأخرى، ولكن صوت العراق وموقفه الإيجابي من سياسات الاتحاد السوفيتي ،كان السبب الرئيس في المساعدات الكبيرة التي قدمت للعراق . ونفس السياسة كانت تستخدم مع باقي البلدان وبالذات السائرة في طريق التحرر والاستقلال الوطني، ولم يكن هذا الموقف ببعيد عن بلدان المنظومة الاشتراكية التي كان الاتحاد السوفيتي يبذل قصارى جهده لكي تقف على قدميها فيقدم لها العون المادي والمعنوي.
كان السوفييت يقدمون للعديد من البلدان أسلحة بالمجان و بأبخس الأثمان، ويرسل خبرائه ومعداته ويساعد في بناء ورش ومصانع وأبنية، وكان يقدم كل ذلك بأسعار أقل بكثير من أسعارها العالمية، وكان في الكثير من مبيعاته، يتقبل أسعار أعماله وإنجازاته بدفوعات رمزية. وكان الهدف ذاته، خلق مناصرين وضمان تأييدهم في الساحة الدولية، وكذلك وقوفهم بوجه الولايات المتحدة وحلفائها، وكنت شاهدا على أغلب تلك الأحداث التي وقعت أمامي في العديد من بلدان العالم التي زرتها أو عملت فيها، منها سوريا ومصر والعراق والصومال واليمن، وقد لاحظت أن جميع تلك البلدان ومنها أيضا بلدان المنظومة الاشتراكية، لم تكن لديها القناعة الحقيقية الراسخة ليس فقط بالفكر والنهج الاشتراكي، وإنما بقيادة الاتحاد السوفيتي .

ـ ألم يكن هناك من يعترض أو يصحح تلك السياسات؟

هذا السؤال حيوي لذا يمكنني القول، لم تكن هناك في الاتحاد السوفيتي ديمقراطية وكان نظام الحكم قمعيا وكابحا للحريات، وكل ذلك يجري تحت شعار دكتاتورية البروليتاريا،  ووفق ذات الشعار يصنف أي معترض أو معارض، وحول أية قضية كانت، بأنه معادي للدولة الاشتراكية ومروج للأفكار الرأسمالية. وكانت جميع قوائم الانتخابات داخل الحزب تعد سلفا ولا يقبل أي صوت معارض لها. فمقولة الحزب الأوحد لا تعطي أي مجال للتعبير عن الرأي. ولكن قولي هذا لا يعني خلو الساحة من العقلاء والحكماء والعلماء والمفكرين ولكن جميع هؤلاء لا يجدون مجالا للإفصاح عن آرائهم وبالذات في المسائل الحيوية التي تهم المجتمع والحزب والدولة،ودائما ما تقمع تلك الآراء لصالح سيادة ووحدة الحزب، وخلال الاجتماعات الحزبية لا توجد هناك آراء مخالفة يسمح بمناقشتها، وبشكل حاسم يصوت على التوصيات والقرارات بنعم، ودائما ما تظهر النتائج للعلن وكأن الحزب كتلة متجانسة تحافظ على وحدتها وإيمانها الراسخ بالاشتراكية العلمية، ولكن تلك الوحدة تتصدع لتتغير العبارات خارج الاجتماع وأثناء أوقات الاستراحة، وبشكل سري وهامس يبدأ حديث مخالف كليا لما طرح في الاجتماع وما قاله الحزب وسلطة الطبقة العاملة .
كانت هناك نظرة فلسفية للقيادة وإدارة الدولة والمجتمع، فالدولة تلبي الحاجات العامة للدولة ولكن تهمل بشكل مفرط الحاجات الحياتية للفرد الإنسان.فقد سعى النظام لبناء البنية التحتية للبلد، ولولا الإيغال في سباق التسلح والبحث عن كسب تأييد بلدان العالم من خلال بذل المساعدات،لأستطاع النظام أن يعيد ويبني الكثير، وربما أضعاف ما بناه وقدمه، ولكان الوضع أفضل مما هو عليه، فسياسة السلطات كانت تنظر إلى أهمية تقديم وتوفير الحاجات العامة وتأهيل البنية التحتية، لذا بنت وعبدت الشوارع والحدائق ومواقف السيارات وإنارة المدن وشيدت الجامعات والمدارس والمصحات والمسارح ودور العجزة والمستشفيات والطرق الحديثة التي ربطت عموم الاتحاد السوفيتي وغير ذلك الكثير، و قدم النظام جهدا كبيرا شارك فيه خيرة أبناء الوطن لبناء تلك الصروح العظيمة. وكان واحدا من أضخم المشاريع العمرانية، مترو موسكو، هذا المشروع الجبار الذي أنشأ على عهد السكرتير العام للحزب الشيوعي جوزيف ستالين، فكان بحق منجز مبهر  للناظر، فجميع محطاته عبارة عن قصور ومتاحف تحت الأرض تدل على عظمة الإنسان السوفيتي وقدرة الدولة الاشتراكية على البناء وصنع المعجزات.وكانت جميع أعمال تطوير البنية التحتية تقدم كواجهة لعظمة الاتحاد السوفيتي وقدرة الاشتراكية .
ومع كل تلك الانجازات فأن القصور وعدم تلبية الحاجات الفردية للإنسان كانت ظاهرة للعيان ويعاني منها المواطن السوفيتي، فالشخص الذي بحاجة إلى شقه للسكن كان يقف في طوابير الانتظار ما لا يقل عن عشرة إلى خمسة عشر عاما  لكي يصله الدور، وإذا أراد شراء سيارة  شخصية فعليه الانتظار أكثر من تلك السنين ليحصل على تلك السيارة، لهذا كان البعض يقوم بتسجيل أبنائهم في هذا الطابور منذ اليوم الأول لولادتهم. لم تكن هذه الحالة نكته يتداولها الناس بقدر ما هي حقيقة وواقع مؤلم يعانيه المواطن السوفيتي.فالمفارقة تكمن بكون أن الخدمات العامة كانت في أحسن حالاتها والسلطات تقدم جل اعتنائها وقدراتها على تطويرها وتحسينها ، ولكن يبتعد شوطا عن حاجات المواطن النفسية والاجتماعية وكذلك الاقتصادية وجلها كانت شحيحة جدا، وهذا ما جعل المواطن السوفيتي متذمرا شاكيا، وعند انهيار الاتحاد السوفيتي لم نشاهد من يهب للدفاع عنه ، وانهارت بعده قلاع المنظومة الاشتراكية برمتها لذات الأسباب والمشاكل التي ابتلى بها الاتحاد السوفيتي، والتي أسفرت عن العلاقة الواهية التي كانت تربط تلك البلدان بمسمى النهج الاشتراكي.

ـ وما هو تأثير سباق التسلح على  المواطن السوفيتي؟

منذ بداية الحرب الباردة والتي أشعلت سباق التسلح والبحث عن طرق إيذاء الطرف الأخر، عملت السلطة السوفيتية ولغرض المطاولة بذلك الشوط ، على تقنين لقمة العيش للمواطن السوفيتي، وحولت أغلب موارد الدولة المالية نحو ذلك السباق الأهوج المحموم.وفي الطرف الآخر أدركت الولايات المتحدة وحلفائها عسر الأوضاع وسوء التخطيط وقلة الحكمة عند السوفييت فراحت تعمل بجهد على تغذية ذلك الهاجس الذي سيطر على القيادة السوفيتية، وراحت تروج عبر الإعلام المؤدلج وممنهج لتصعيد مخاوف السوفييت ودفعهم أكثر وأكثر لبذل الأموال الطائلة على برامج التسلح وإدامة معركة مفتوحة بعيدا عن خطط التنمية الاقتصادية الحقيقية وتقديم ما يناسب من خدمات للشعوب السوفيتية.
وهنا دعني أوثق حديثي هذا فأتوقف عند حديث وزير الدفاع الأمريكي على عهد الرئيس كندي وهو السيد ماكنمارا .ففي محاضرة ألقاها أمام أساتذة كلية الدفاع الوطني في واشنطن في 14 / 09 / 1961 قال الوزير (( علينا أن نرغم الاتحاد السوفيتي على تغيير أولوياته، فالنظام الشيوعي يعد جماهيره بمجتمع من الرفاهية ينتفي فيه الفقر، ومجتمع للمساواة ينتفي فيه التمايز الطبقي ولتحقيق هذه الأهداف فإن الاتحاد السوفيتي مطالب بأن يضع التنمية كأولوية أولى قبل الأمن. علينا أن نرغمه على أن يرفع أولوية الأمن ويضعها قبل التنمية، وعلينا أن نشده إلى سباق تسلح يقطع أنفاسه ويرهن موارده ويتركه في النهاية ترسانة نووية دون رغيف خبز أو قطعة لحم.كذلك فإن غلبة الأمن على الأولويات في الاتحاد السوفيتي، سوف تنعكس من الخارج إلى الداخل فيزيد تركيز السلطة في يد المسولين في أجهزة الحزب والدولة مما يباعد بينهم وبين عامة الناس ويعزلهم ))
نجحت الولايات المتحدة في ذلك أيما نجاح وتكللت جهودها بالسقوط المدوي للاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية. فعلى عهد الرئيس الأمريكي رونالد ريغان روج لما سمي ببرنامج حرب النجوم وكان الأساس من هذا البرنامج هو خداع الاتحاد السوفيتي ودفعه للهرولة في سباق محموم لحرب مقبلة تصبح السماء الفضاء الواسع لمعركة بالأسلحة الليزرية المتطورة التي ممكن لها الوصول وتدمير أية نقطة في العالم وبالذات الاتحاد السوفيتي وحلفاءه. كان هذا البرنامج من إعداد أجهزة المخابرات والجاسوسية العالمية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة، ولم يكن له من الواقع شيئا، بقدر ما كان جزءا من محاولات دفع السوفييت للهرولة وراء سباق التسلح وهدر المال العام. والغريب إن القيادة السوفيتية قد انطلت عليها الخدعة وراحت تبذل المال والجهود من أجل كشف ذلك البرنامج ووضع معادل له. ولكن من الممكن القول بأن هناك داخل القيادة ذاتها من كان يدفع نحو ذلك السلوك ليس من أجل مصلحة السوفييت بقدر ما كان عملا تخريبيا منظما للإطاحة بالنظام السوفيتي لصالح الولايات المتحدة وحلفائها. وكانت هذه الخطة المحكمة هي القشة التي قصمت ظهر الاقتصاد السوفيتي الذي كان مقصوما من أساسه حيث استنزفت ميزانية الدولة وأفقرت الناس.

ـ هل الانهيار أقتصر على تلك العوامل التي ذكرتها؟

كلا، فانهيار الاتحاد السوفيتي لا تقتصر أسبابه على ملمح أو جانب واحد، فقد تعددت الأسباب واستشرى الإيذاء ووصل إلى حد، ما عادت الناس معه تطيق تصرفات حتى أبسط رجال السلطة،وبات الشارع يعرف أن قوى القمع الممثلة بالشرطة والشرطة السرية وقوى الأمن هم من يحكم ويدير البلد، وتلك الحالة كانت تعمل آلاتها على نخر جسد الدولة بعدة آليات أولها الرشوة والتعديات الفجة على حياة المواطن دون مسائلة، ويأتي كل هذا مع الفقر وقلة الحاجات، لا بل عدم توفر ابسط مستلزمات الحياة الكريمة ويترافق ذلك مع انعدام الحريات وكبح وتكميم الأفواه ودكتاتورية الحزب الواحد. كل ذلك جعل المواطن دائما ما يشعر بالتهديد وقسوة قبضة السلطة وإرهابها. فالشرطي السوفيتي كانت لديه صلاحيات مطلقة ليتحكم بمصائر الناس، فأن أراد  تفتيش أو دخول أحد الدور فهو لا يطلب الأذن من أي شخص يعنيه أمر هذا البيت، وكذلك لا يحتاج الحصول على ورقة أذن من السلطات العليا تخوله تفتيش أو دخول ذلك البيت ، فهو يدفع الباب بقوة ويدخل عنوة ويقوم بالتفتيش ويستطيع أن يهدد وأيضا يلقي القبض على من يريد، فالقانون يسمح له فعل ذلك، وهو مخول بفعل هذا من أعلى الجهات وبصلاحيات مطلقة، ولذا كنا نعرف عين المعرفة وبالمكشوف والتجربة اليومية، أن من كان يحكم الدولة السوفيتية هي الأجهزة القمعية وليس غيرها.فالمخابرات العامة والشرطة السرية والأمن والشرطة كانت قراراتها وإجراءاتها وسلطتها فوق سلطة الحزب وباقي مؤسسات الدولة. وأنا الآن أتذكر حادثة حصلت لنا نحن رفاق الحزب الشيوعي العراقي في منظمة الاتحاد السوفيتي.
 كان هناك طالب شيوعي عراقي محكوما حكما ثقيلا في العراق واستطاع الحزب تهريبه من العراق إلى الاتحاد السوفيتي، وكان يدرس في جامعة كييف في أوكرانيا. في أحد الأيام حصل شجار بينه وبين أستاذه في الجامعة، فقام الطالب العراقي بصفع الأستاذ مما حدي بعمادة الكلية الاتصال بالأمن الذين جاؤوا  وألقوا القبض على الطالب وأودعوه الحبس. ثم بعد اقل من ساعتين صدر بحقه قرار فصل من الكلية وتسفيره إلى العراق. بعد أن عرفت منظمة الحزب الشيوعي العراقي بالحادث كلفتني شخصيا الاتصال بالسيد نيجكين والطلب منه التدخل لإيقاف الأجراء بحق هذا الطالب كون تسفيره إلى العراق سوف يكون نهاية لحياته هناك ،ونيجكين هذا هو عضو الارتباط والمنسق العام بين السلطات السوفيتية ومنظمة حزبنا الشيوعي العراقي.
اتصلت بنيجكين وطلبت منه مقابلة مستعجلة فرفض بادئ الأمر معللا ذلك بانشغالاته، بعدها استطعت أقناعه فطلب مني الحضور. قابلته وشرحت له حادث الطالب العراقي ورغبة الحزب الخروج من هذه المعضلة ومنع تسفير رفيقنا إلى العراق.تجاوب نيجكين معي قائلا كيف يحدث هذا، كيف يعاد هذا الطالب إلى العراق، لا عليك سوف أعمل اتصالاتي وأبذل جهدي لحل المشكلة. بعد مرور ساعتين من رجوعي إلى السكن أتصل بي نيجكين ليخبرني بأن لا هو ولا الحزب الشيوعي السوفيتي يمكنهما التدخل في هذا الآمر، فجهاز الأمن هو من قرر فصل الطالب وتسفيره إلى العراق، فسألته أليس الحزب الشيوعي هو السلطة العليا التي بيدها القرار وتعطي التوجيهات، فأخبرني بأن ما يقرره جهاز الأمن هو الأصل والفصل في أغلب الأمور وقراراته تأتي أولا وتتقدم على جميع القرارات، لذا لا يمكن للحزب التدخل في هذه القضية، ولكنه أكمل بأنه سوف يعمل جانبا وعلى مسؤوليته الشخصية ويبذل ما يستطيع من جهد لأجل عدم تسفير الطالب إلى العراق وإنما إلى بلد أخر وربما سوريا أفضل له.
نجح نيجكين في ذلك وطلب مني أخبار حزبي وإستحصال موافقته على تسفير الطالب الشيوعي إلى سوريا، وهذا ما فعلته وأخبرت نيجكين بذلك، عندها رتب لذلك الحل، واتصلت منظمة حزبنا بمنظمة الحزب في سوريا لاستقبال الطالب المسفر. وكانت هذه التجربة أثباتا واقعيا لسلطة الأجهزة القمعية،  ومثل تلك الحادثة تتكرر بالآلاف مع المواطن السوفيتي العادي حين توجه له تهمة ما حتى ولو بسيطة فالحزب والمؤسسات غير الأمنية لا تستطيع التدخل.

ـ وكيف كان ينظر الإنسان العادي لما يحدث حوله وما الذي يربطه بوطنه؟

كانت مظاهر الولاء للدولة السوفيتية تتخذ شكل الطابع الرسمي العام وليس الشعبي فالمشاعر الشعبية يخالطها الكثير من الخوف والتوجس والكتمان يضاف لذلك قلة الخدمات وشح السلع الكمالية وشوق الناس ورغباتهم الحصول على المتع الفردية وتلبية مشاعرهم الإنسانية، ففي أحدى نزهاتي مع زوجتي رأينا قرب المسرح الكبير طابورا طويلا من الناس يحتشدون خارج أحد المخازن،طلبت مني زوجتي الوقوف في الطابور لحين ذهابها إلى المقدمة ومعرفة البضاعة التي يبتغي الناس الحصول عليها، ففضلت أنا أن أذهب ولتقف هي بالطابور،ذهبت وسألت عن البضاعة التي يوزعها المخزن فأخبروني بأنه تقويم سنوي صغير يوضع في الجيب، وكان يباع بكوبيكين من العملة السوفيتية،فرجعت إلى زوجتي وأخبرتها بذلك فقالت دعنا نقف لنحصل على عدد منها فسألتها وما حاجتنا لها فقالت لنهدي بعضها إلى معارفنا.
كانت تلك المظاهر تبدو شكلا مألوفا في الحياة السوفيتية فالمواطن يتوقف عند أي طابور يشهده من أجل الحصول على أية بضاعة كانت حتى التافهة منها، وكانت تلك الظاهرة ذات دلالة كبيرة على وجود شح في الكثير من الحاجات التي تلبي رغبات الناس على بساطتها، مع قلة الرواتب. ولكن في الجانب الأخر للسياسة السوفيتية كان الإعلام يجهد لتصوير الحياة في الاتحاد السوفيتي على أنها تتفوق كثيرا على ما موجود هناك في أمريكا والغرب، الواقع تحت سطوة الرأسمالية القاسية المجرمة التي لا تقدم لشعوبها غير القهر والاستلاب والجوع ، كانت آلة الإعلام السوفيتي ماكينة جبارة لطحن الخديعة وتزويق الأوضاع عن البناء الاشتراكي والاتحاد السوفيتي.
ـ ما الذي تغيير حين صعود غرباشوف للأمانة العامة للحزب الشيوعي السوفيتي؟

مثل صعود نجم ميخائيل غرباشوف حلقة جديدة في تراجيديا السياسة السوفيتية، فالرجل كان مثقفا تخرج من جامعة موسكو الحكومية عام 1955 بشهادة القانون وفي عام 1967 تأهل لشهادة الماجستير في الاقتصاد الزراعي في معهد ستافروبول للزراعة، وأنضم إلى الحزب الشيوعي حين كان يدرس في الجامعة ليصبح بعدها فعالا جدا في الحزب ويتدرج في المراكز الحزبية لحين وصوله كسكرتير عام للحزب الشيوعي السوفيتي. عملت سياساته المسماة بغلاسنوست وبيريستريكا على محاولة عصرنة الاستراتيجيات السوفيتية وهدفت كذلك إلى إنهاء الحرب الباردة وسباق التسلح.ومن خلال دراسته الجامعية وعمله أيضا في مجال الزراعة في منطقة ستافروبول أطلع على الكثير من الواقع الزراعي وكيف تسير خطط التنفيذ والإصلاح في ذلك القطاع. فقد كانت الزراعة في عموم الاتحاد السوفيتي تتعرض للكثير من المشاكل بسبب الخطط غير الناجحة والسرقات التي تطالها وفوق كل هذا البيئة القاسية التي تفعل فعلها مع المحاصيل، ويضاف لكل ذلك قلة التخصيصات رغم حيوية هذا القطاع لسد حاجات البلد للمحاصيل الزراعية.
حين أستلم غرباشوف رئاسة الدولة والحزب واجهته العديد من المشاكل الاقتصادية والسياسية، ففي المجال الذي كان مطلعا عليه وهو قطاع الزراعة، شخص غرباشوف العديد من المشاكل والمعوقات وأشار أليها في مؤلفاته وخطبه. فهو يقول بأن الكولخوزات وهي المزارع الحكومية، لم تكن ذات نفع حقيقي للسوفيت وإنما كانت أحد أكبر الإخفاقات في مجال الزراعة، ولم تقدم شيئا يذكر لمنفعة البلاد وإنما كانت عبئا ثقيلا عليه، فالسلطة تقدم مبالغ ضخمة لهذه المزارع دون أن يكون هناك أنتاج يذكر، وهناك أهدار كبير في المال العام، في نفس الوقت لم يكن هناك من يتحمل المسؤولية عن الذي يحدث كون الكولخوزات تابعة للدولة وبأشراف دوائر الدولة والحزب لذا كانت تجري فيها عمليات تسويف وسرقات منظمة للمواد والمال العام.
حين حضر غرباشوف لمؤتمر عام مدراء الكولخوزات وجه في خطابه سؤلا للحضور قائلا: أود أن أوجه لكم سؤالا، وأجد له جوابا من أحدكم، في أية سنة كان الكولخوز الذي يديره قد ربح شيئا ما، وقدمه واردا للدولة السوفيتية؟ عند ذلك لم يتقدم أحد ليجيب غرباشوف على سؤاله، عندها قال غرباشوف إذن فأن الكولخوزات تعتبر فاشلة ولا نتيجة ترتجى منها ولذا نسأل أنفسنا لماذا هي باقية لحد الآن وبهذا الحال؟
 وحين سؤاله عن السوفخوزات وهي المزارع التعاونية للفلاحين، وهل أنها تخسر أيضا فتلقى الجواب بالنفي وإن السوفخوزات دائما ما كانت تربح كون العمال والإداريين فيها يبذلون جهدا كبيرا لتوفير الأرباح ويعرفون جيدا أن الإنتاج الجيد والعالي يعني عوائد جيدة يحصلون عليها . ولكن الغريب وفي ظاهر الحال كانت إدارات السلطة والحزب توجه جل عنايتها نحو الكولخوزات وكان الإعلام يعمل على ذلك أيضا ويروج لكونها النموذج الاشتراكي الفريد، وكل ذلك بسبب وجود ارتباطات ورشى وسمسرة وسرقات وتبادل منافع شخصية وحزبية.
كان لدى غرباشوف قناعة تامة بضرورة أجراء التغيير والإصلاح ولكن المشكلة التي كانت تواجهه تكمن في الكوادر والقيادات العليا في الحزب والدولة وفي مقدمتهم أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية الذين ناصبوه العداء. فأغلب هؤلاء كانوا قد تربوا لعقود طويلة على ذات العقلية السوفيتية التي اكتسبت تقاليد حزبية صارمة تحجرت وباتت تملك آليات وتراتيبيات لا يمكن الخروج منها أو القفز من فوقها، لذا تتمسك تلك القيادات بذات النمطية البيروقراطية والتزمت والممانعة في السير نحو التغيير والتجديد الذي يمكن له أن يكسب الدولة والحزب أنماطا جديدة للعمل والنجاح.
كانت غالبية القيادة في المركزين الحزبيين العالين تتهيب كسر النمطية وقواعد العمل القديمة وتحرص على أبقاء ما هو قديم خوفا على مصالحها التي حرصت على اكتسابها ونيلها طيلة عقود والتي أبقت الصورة الواضحة للعقلية السوفيتية الثابتة رغم تغيير الزمن.
وحين يتحدث غرباشوف عن فترة وجوده على رأس الحزب والسلطة في الاتحاد السوفيتي، يقول بأن قيادة الحزب الممثلة بالمكتب السياسي وأيضا اللجنة المركزية قد قلبوا له ظهر المجن ووقفوا ضده بعد أن أعلن عن أفكاره حول طرق الإصلاح وأصبحت الغالبية منهم مناوئين له ولأفكاره، وقال أنه لاحظ ذلك في اختلاف تقاليد الحزب أيضا،فمن المتعارف عليه وحين يدخل سكرتير الحزب إلى قاعة المؤتمرات الحزبية الكبيرة يقف الجميع لاستقباله وتحيته بالتصفيق، ولكن الذي حدث معي كان العكس، فحين دخلت وقفت الأغلبية وهتفوا ضدي وضد سياسة البيريستريكا التي أعلنتها.

ـ ولكن يقال أن هناك من قيادات الحزب من وقف بجانب غرباشوف.

صحيح لكن الغريب في الآمر أن من وقف بجانب غرباشوف من أعضاء المكتب السياسي أو اللجنة المركزية هم من كان يعرف عنهم انتهازيتهم وعدائهم للنهج الاشتراكي والاتحاد السوفيتي، بالرغم من عدم إعلانهم الصريح عن مواقفهم المعارضة تلك .وقد أيدوا سياسة غرباشوف في الخروج عن سباق التسلح والحرب الباردة وأيضا تهشيم البنى الحزبية القديمة وعصرنتها مثلما قال،وقام بطرح فكرة التغيرات الاقتصادية للخروج من الأزمات المستعصية. وكانت رغبة هؤلاء الوقوف إلى جانبه، محاولة وجدوا فيها فرصة سانحة لتفكيك الاتحاد السوفيتي من خلال منهج الإصلاح  الغرباشوفي، ومن صلب هذا التوجه ظهر بوريس  يلتسن الذي عمل في البداية مروجا ومناصرا لإصلاحات غرباشوف ثم ركب موجة الإصلاحات ليسفر عن الوجه الحقيقي لتلك الجماعات التي كانت تعمل من داخل الحزب الشيوعي السوفيتي للإطاحة بالاشتراكية والاتحاد السوفيتي، وفي الأخير أنقلب على غرباشوف وعمل على إقصائه عن السلطة .
في جميع تلك الأحداث كانت للصهيونية العالمية أدوارا كبيرة اشتغلت بهمة عالية على هدم وإسقاط الاتحاد السوفيتي وإفشال التجربة الاشتراكية من داخل مؤسسات الحزب والدولة. فالصهيونية كانت متغلغلة في مفاصل الدولة السوفيتية والحزب منذ الأيام الأولى لثورة أكتوبر، وكان العديد من القادة والكوادر الحزبية والإدارية لهم علاقة بشكل وأخر بأوساط الصهيونية العالمية عبر علاقات أسرية أو مصالح عمل أو صداقات شخصية. فالرئيس بوريس يلتسن كان يحيط نفسه بشلة كبيرة من اليهود الذي يقدمون خدماتهم للصهيونية العالمية أولا ويعملون لغرض تهشيم الدولة السوفيتية وهم من عمل على تفكيك أواصر الاتحاد، أشرفوا على بيع المصانع والمعامل والورش والسلاح  وتفكيك مؤسسات الدولة دون حساب ورقابة ليفرغوا روسيا من الصناعات، وقد تحقق هدفهم بنجاح ظاهر دون أطلاق طلقة واحدة.
ولكن يمكن القول أن السبب الرئيسي في سقوط الاتحاد السوفيتي وفشل التجربة الاشتراكية هو انعدام الديمقراطية وتسلط قوى الأمن والمخابرات، ويضاف لذلك سباق التسلح وعدم شعور القادة بمسؤولياتهم الوطنية، وضعف روح المواطنة عند الفرد بسبب المعاناة والضائقة المالية، وفي النهاية أقول، أنه لم يكن هناك أساس علمي راسخ وقناعة حقيقية بالاشتراكية العلمية التي تمثلها الماركسية، لا داخل القيادات السوفيتية ولا عند قطاعات واسعة من شعوب الاتحاد،  ويمكن ترحيل مثل هذا على القيادات وشعوب المنظومة الاشتراكية التي انهارت جميعها مثل أحجار الدومينو بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
ومع كل الذي حدث وبتلك اللوحة السوداوية  الملتبسة للوقائع والتغيرات، وفي خضم الصراعات، وبوجود كل تلك المساوئ،  فلم يثبت لحد الآن أن الماركسية والاشتراكية كمنظومة عمل وجوهر فكري ومنهج استراتيجي علمي للسلطة، كانت فاشلة، وإنما من فشل هو النموذج السوفيتي للاشتراكية بسبب بعده لا بل تخريبه وتعديه على المبادئ الماركسية الحقيقية.
 


22
حول كتاب طالب عبد الأمير
نوبل و "مثالية" الأدب

بقلم: فرات المحسن


صدر في السويد بمناسبة الذكرى الحادية والعشرين بعد المائة عام على رحيل الفرد نوبل، كتاب للشاعر والكاتب والصحفي طالب عبد الأمير بعنوان نوبل ومثالية الأدب.
 منذ البداية يخبرنا عنوان الكتاب عن طبيعة محتواه ، حيث يدعونا للاسترسال في قراءته لنجد أن هناك وجهة وضعها الكاتب كهدف أساسي عليه تتبعه وكشفه، وهذا هو أكثر ما أثار طالب عبد الأمير حين اشتغاله لإنجاز هذا الكتاب.
كتاب نوبل ومثالية الأدب يقع في 224 صفحة من الحجم المتوسط. ومنذ المقدمة وحتى النهاية يضع الكاتب طالب عبد الأمير لمتن كتابه خارطة تتوزع على 12 لوحة أو حقل تبتدئ بسؤال، لماذا هذا الكتاب؟ وهي إجابة الكاتب عن سبب شروعه في تأليف الكتاب، ثم  يأتي تمهيد، بعده سؤال من هو الفرد نوبل؟ ثم رحلته مع العلم والإبداع، نوبل أديباً، نظام توزيع الجوائز..وهكذا، حتى نصل لأهم  فصل فيه وهو ( معضلة "مثالية" الأدب)التي حرص الكاتب الإفاضة فيها، محاولاً الحصول من خلال سيرة الفرد نوبل العلمية والأدبية على إجابة شافية لهذه التي أسماها معضلة، وهي في السياق والنسق العام معضلة حقيقية لازالت دون حل، والسؤال يبقى كبيرا فيها. ما هي مثالية الأدب وكيف تكون؟ سؤال عصي ولازال، لا يمكن حل ألغازه رغم ما يحتويه من فضاء مكشوف وناصع وشيق ولكن التوريات فيه ملغمة وضاجة بالأحابيل. لذا نجد أن طالب يتعثر في الوصول إلى كنه مثالية الأدب، لذا لا نجد أجوبة شافية منه لبعض ما يطفح من أسئلة في متن كتابه .وتبقى فلسفة مثالية الأدب عصية وخاصية شخصية بحته علينا أن نستلها من روح المبدع وليس غيره، وحتى في هذا لن نجد ما يشفي الغليل لنعرف ما الذي عناه نوبل أو غيره في معضلة مثالية الأدب.
يمكن للقارئ أن يتلمس هذا الإشكال في النص الذي دونه نوبل في رسالته لأخيه، وهو نص أدبي فلسفي وليد لحظة تشكي وجزع فيقول فيه ( إني حياة نصف متشكية، كان عليه أن يختنق بين أيدي الأطباء، عندما ظهر إلى الوجود باكياً، خطأه الأكبر افتقاده للعائلة والمزاج الرائق. مطلبه أن لا يدفن حياً. وذنبه ألا يصبح منقاداً لغنى المال)
دون طالب عبد الأمير في كتابه وسلط الضوء على حياة الفرد نوبل ومسيرته الإبداعية علمية كانت أم أدبية وولج حتى الاجتماعية منها. أستعرض تلك الحياة كما وكأنه يروي قصة، فالأزمات لم تكن لتبتعد عن نوبل رغم انتصاراته العلمية وتأرجحه بين ملامح نصر الاختراعات وكسب المال وبين أزمات سياسية اقتصادية واجتماعية شابت حياته. ولكن ما يقارب نصف صفحات الكتاب أختار عبد الأمير الإبحار في عالم نوبل الأدبي،محاولا التوصل إلى تلك العلاقة والسبب المباشر لها، فعلاقة نوبل بالأدب يا ترى كانت إسقاط  لما يشعر به من ألم تجاه ما صنعته يداه وما أقترفه عقله، أم هي نزعة وشعور ذاتي دائما ما كان يتيح له كسر حدود القوة والرتابة وميكانيكية الفعل اليومي مع المواد الثقيلة والصلبة ونتاجها المدمر. ورغم أن الكثيرين يوسمونه بالقاتل، لصناعته الديناميت الذي استخدم لاحقا في الحروب، فإن الفرد نوبل كان أنساني النزعة تقدمي الفكر مارس الكتابة شعرا والرواية أيضا وكان محبا لأدب الرسائل، وكان حر التفكير يتلذذ بالنقاشات الفلسفية ويقدم فكرا تحرريا في مجالات الدين والسياسة.
 في جزء الكتاب الأكبر أختار عبد الأمير أن يتحدث بإفاضة عن جوائز نوبل التي توزع في حقول العلوم والآداب والسلام، وعن السيرة الأدبية للفرد نوبل حين كتب بعض الشعر والمسرحيات.
الكتاب غني جداً بالمعلومة، ويكشف عن الحوادث والمفاصل التاريخية ليس فقط لمسيرة الفرد نوبل، وإنما أيضا لمسيرة ما بعد وصيته. وتوقف كثيراً بتمحيص وتشويق عند المعايير التي تتم وفقها عملية منح الجائزة، لذا يذهب الكاتب إلى ابعد من ذلك ليثير مسألة حساسة ومهمة دائما ما تشهر بوجه الأكاديمية السويدية التي تشرف على التقييم والاختيار ثم منح جائزة نوبل في الأدب، فهناك الكثير من الانتقادات والتشكيك الذي تعرضت له نتائج منح الجائزة، بدأً من السياسة المتبعة في منحها،حتى ظهور الشخصيات الفائزة، فهناك انتقادات وإشارات لا تخلو من طعون أغلبها سياسي، توجه إلى المعايير التي تتبناها الأكاديمية السويدية. لم يترك الكاتب هذا الحقل أو يعافه دون البحث عن إجابات لسد الثغرات أو رد الطعون،لذا ذهب في محاولة ذكية لإغناء كتابه بمصدر مهم وقريب من القرار في الأكاديمية السويدية، ليجري مقابلتين صحفيتين، ومجال الصحافة هي أحد حقول اشتغال الكاتب، فالتقى السيد هوراس اينغدال سكرتير الأكاديمية السويدية حتى العام 2009.
في هاتين المقابلتين حاول طالب عبد الأمير البحث الجاد وعن قرب للحصول على أجوبه شافية لكثير من الأسئلة التي تطرح في الشارع عن نظام توزيع الجائزة، وما هي ردود الأكاديمية السويدية على التهم والشكوك التي تدور حول مهنية وشفافية معاييرها في الاختيار. وكان من الطبيعي في هذين اللقائين أن يبعد المسؤول عن نفسه أي تهمة تطعن بقرار دائما ما كان يتعرض للنقد،  بالاحتماء بالقيمة المعنوية للجائزة ذاتها وبأكثر الصور إشراقا ومجدا اكتسبته عبر سنين طويلة امتدت منذ عام 1901.
يقدم لنا كتاب (نوبل و "مثالية" الأدب) استعراضاً شيقاً وسلساً ومعرفيا وكذلك أكاديميا، ليس فقط في سيرة وحياة نوبل وإبداعاته العلمية والأدبية، فحسب، وإنما يثير لدينا أسئلة عديدة ومتشعبة عن طبيعة ومثالية وحيوية وسمو الأدب.وقبله عن ظاهرة كبيرة في حياة البشرية غيرت الكثير من قواعد العمل وطرق الحياة والتأريخ البشري، حالها حال اكتشاف العجلة والكتابة والكهرباء،وتلك الظاهرة أسمها الديناميت.
يستعرض الكاتب بلغة سلسلة وشفافة كيف نشأت فكرة الوصية عند نوبل، وما هي الدوافع الواقعية والنفسية التي جعلته يذهب لتلك الوصية، عندها نجد هناك استعراضاً غنياً مترابطا للحقول التي خصصت لها الجائزة والشخصيات التي نالتها أو تلك التي حجبت عنها، ولم يترك ذلك ليمر دون ذكر كل هؤلاء الذين حصلوا عليها وسنوات نيلهم الجائزة.
ويستعرض الكتاب حقول منح جوائز نوبل وهي " الطب – أو علوم الفسلجة، الفيزياء، الكيمياء، الأدب والسلام" وفي هذا المجال نتعرف على معلومة مهمة ربما كانت مغيبة عن الكثيرين وهي جائزة العلوم الاقتصادية التي تمنح في ذات الوقت مترافقة مع منح جوائز نوبل في باقي الحقول، فجائزة العلوم الاقتصادية ليست من ضمن ما عنته أو خصصته جائزة نوبل، وإنما هي من ابتكار البنك المركزي السويدي، وجاءت بمناسبة الذكرى الثلاثمائة  لتأسيسه.
جائزة نوبل للآداب تأخذ الحيز الأكبر من كتاب طالب عبد الأمير، وأعتقد أنه ركز وبرع في هذا المجال كون موضوعة الأدب دائما ما كانت ضمن اهتماماته وانشغالاته، لذا بذل في هذا الجزء جهداً باذخاً. وأراد أن يذهب فيه عميقاً للبحث عن إجابة للسؤال الحيوي الذي يصل بعده لقيمة وروح الجائزة، وهو، ما الذي عناه نوبل فيما ذكر بوصيته عن "مثالية" الأدب! ؟
كتاب (نوبل و"مثالية" الأدب) للكاتب الصحفي طالب عبد الأمير، كتاب موسوعي فيه من الغنى المعرفي الكثير، وله قيمة مرموقة وغنية في عالم الأدب والمعلومة العلمية والاجتماعية، فالكتاب يستطيع بلغته السلسة ودلالاته ورويه أن يناله ويستوعبه الجميع، لا بل يكون الجميع شغوفاً بمحتواه، ليتعرف عبر صفحاته على عوالم ليست فقط خاصة بطبيعة ومآل الجائزة كأساس في بحث الكتاب، وإنما أيضا، وهذا مهم جدا،سرد سيرة إنسان بقدرات وطاقات ليست بالعادية وإنما بذكاء وحيوية مفرطة، ولكن في ذات الوقت روح اجتماعية تصاب بالعطب والوهن اتجاه عشيقة أو إحباط من خسائر وملاحقات ذات طابع تنافسي سياسي،وأيضا لم يستطيع أن يجد مستقرا لحياته رغم غناه، لذا كان تدوينه تلك الرسالة التي وجهها لأخيه خير دليل على روح العذاب ولحظات يأس وحاجته للاستكانة والشعور بالاطمئنان وكذلك لمن يدير له أمور حياته اليومية المتشابكة.
الكتاب القيم والشامل يستعرض لنا موضوعة مشوقة تحوي العلوم والمعرفة وأهم ما فيها ما يتعلق بالأدب وقبلها سيرة الفرد نوبل ونضال عائلة وصعودهم من الفاقة إلى الغنى وتنقلهم بين المدن بحثا عن مكان لتنفيذ أفكارهم، ومن ثم صراعهم جميعا في الحياة وما قدموه للبشرية كنموذج لعائلة جادة ونشطة وعاملة،  ومن خلال استعراض مسيرتهم ومسيرة نوبل الذي قدم ثلاثمائة ابتكار علمي لخدمة الإنسانية، نجد أن هناك الكثير مما يجعل البشرية تفتخر به وتدين له بالكثير.
أننا نكون بحق في رحلة شيقة داخل كتاب علمي أدبي موسوعي. كتاب ليس مخصصاً لنخبة بذاتها بقدر ما هو كتاب جامع نافع، وجوده يغني المكتبة العربية التي هي بحاجة لمثله.

فرات المحسن

23

لنقف جميعا بوجه الهجمة الهمجية الرجعية


في كل مرة وحين يتطلع شعبنا الصابر المكابر لاستقبال زمن تنفرج فيه الأوضاع ويحل السلام في ربوع الوطن، يخرج علينا برلمان العراق بمادة كريه وقاسية ترفع من حدة الكراهية والخصومة والتفرقة بين أبناء شعبنا.
ففي الوقت الذي سجلت قواتنا المسلحة نصرها الكبير على قوى الشر والظلام داعش، وبتنا نترقب من الحكومة والأحزاب المشاركة فيها بجميع تلاوينها ومسمياتها ومن البرلمان كمنظومة  تشريعية، أن تجد في تلك الانتصارات حافزا لمحاسبة مغتصبي وسراق المال العام والفاسدين ومن تسبب بكل تلك الجرائم التي حدثت، منذ الاقتتال الطائفي والتفجيرات وصولا إلى احتلال ما يقارب ثلث أرض العراق وضياعها على يد داعش،  والتي سببت بقسوتها ولؤمها استشهاد الآلاف من شباب العراق وتهجير الناس وتدمير المدن، نفاجئ ومعنا العالم، بطلب ذلك البرلمان تشريع قانون جديد للأحوال الشخصية وهو ما يعني تعديل قانون 188 لعام 1959، وجعل هذا التعديل قاعدة للتفرقة بين المذاهب، وهذا يعني رفع حالة الخصومات والتعديات بين أبناء الشعب الواحد وجعل القانون ينقسم  ويتشظى ليذهب إلى مذاهب وشيع، وأخطر ما في هذا القانون القبيح، هو التشريع والتحليل لزواج القاصرات، وهذا الأمر مخالف لبنود الدستور العراقي الذي أقره الجميع وصوت عليه الشعب، وكذلك سوف يكون مخالفا للمعاهدات والعهود والمواثيق التي أقرتها الأمم المتحدة فيما يخص الطفولة وحمايتها وحقوق المرأة والمساواة .
أننا في منتدى الحوار الثقافي في ستوكهولم ندين بشدة هذه التشريعات المجحفة واللئيمة والذاهبة بالمجتمع إلى درك التخلف والتناحر، والتي تجعل المرأة سلعة تباع وتشترى ويعتدا على حقوقها وحقوق الأطفال، ونرى أيضا أن تشريع مثل هذا القانون ليس إلا قبول ومواكبة وتماثل مع النصوص الداعشية التي استباحت حقوق الإنسان بالقتل والاغتصاب وبيع النساء وإحلال شريعة الغاب طيلة احتلالها لمدن العراق، ولن نفرق بين من سوف يشرع هذا القانون وداعش في طبيعته الجرمية ومحاولة جعل الأطفال والنساء سلع وجواري.
أننا في منتدى الحوار الثقافي العراقي في ستوكهولم نرفع أيادينا وأصواتنا لندين ونستنكر هذه المحاولة القذرة ونعدها اعتداءا صارخا على بلدنا العزيز العراق وطعنة نجلاء في تاريخه وتراثه وحياة شعبه وتطلعاته نحو السمو والرفعة.
لنقف جميعا بوجه هذه الهجمة الهمجية الظلامية.

منتدى الحوار الثقافي العراقي في ستوكهولم

ستوكهولم في 10 / 11 / 2017
 


24
مركز الشرق للصحة النفسية في العاصمة السويدية ستوكهولم، والذي أسسه الدكتور ويرأسه منذ أكثر من ٢٥سنة.
يحاول الدكتور البلداوي في كتابه هذا أن يلقي الضوء على التحديات التي تواجه العائلة المهاجرة والقادمة إلى السويد بالتحديد من الشرق الأوسط ، وأثناء فترة محاولة تأقلمها على أنماط الحياة الاجتماعية في المجتمع الجديد، ويدرس المشاكل التي تتفاقم بسبب الاختلاف الثقافي، الاجتماعي والقانوني، وخلفية العوائل المهاجرة وطبيعة المجتمع الجديد.
الكتاب يستعرض الكثير من الحالات المشخصة كعينات لأجل التوضيح والشرح للقارئ حول كيفية التطبيق العملي لحل الأزمات التي تواجه العوائل والطرق العلمية والعملية التي اتبعها فريق العمل لمساعدة هذه العوائل لمعالجة تلك الأزمات التي رافقت العائلة في سعيها لإيجاد أفضل السبل للتأقلم مع المجتمع الجديد وفض النزاعات الداخلية أو الخارجية منها بشكل يضمن التطور لأفراد العائلة ويجنبها الوقوع في خلافات قد تكون حادة مع مؤسسات المجتمع الجديد.
 

25
الفريد نوبل ومثالية الأدب

هناك قلة ممن يعرفون عن شخصية وسيرة حياة الفريد نوبل، التي بدأت في بيت فقير في إحدى ضواحي ستوكهولم، وانتهت به مالكا لأكثر من تسعين مصنعا، في عشرين بلداً.إلى جانب ثلاثمائة ابتكار علمي تركها لخدمة الإنسانية.
ولا يعرف الكثيرون عن شغفه بالأدب وحبه للفلسفة، وعن نجاحاته العديدة في العلم والابتكارات، وليس هناك بمعلومات مستفيضة عن فشله بالحب وتكوين العائلة.كما أن القليل يعرف، أن نوبل كان كاتبا نظم الشعر وكتب الرواية والدراما ومارس أدب الرسائل، وكان مناقشا جيدا ومثابرا في الفلسفة والدين والسياسة. ويمكن القول عنه، كان إنسانا حر التفكير متنورا وجد نفسه في أفكار الكثير من فلاسفة عصر النهضة.
هذا ما سوف نطلع عليه في كتاب الصحفي والكاتب طالب عبد الأمير المسمى ( نوبل ومثالية الأدب ) قراءة موضوعية في معضلة جائزته في الأدب.الصادر عن دار نشر ( أوروك ميديا ـ ستوكهولم 2017 )




26

محطات وشخوص في حياة الدكتور خليل عبد العزيز.. ج2

لقاء وتحرير

فرات المحسن



صباح اليوم التالي جئت مبكرا إلى المعهد فوجدت أمرا تحريريا قد صدر بتعييني بصفة باحث علمي أقدم في معهد الاستشراق. عندها فسرت هذه العجالة في تعيني كباحث علمي في المعهد بأنها جاءت وفق ما يظهر من خصومة لغفوروف مع السيد بريماكوف وجماعته  وبالذات بعض أقطاب معهد الاقتصاد والعلاقات الدولية وأيضا مجموعة العلاقات الدولية في اللجنة المركزية بقيادة بناماريوف. فالسيد غفوروف أراد أن أكون أداة لتصعيد  التنافس والتناحر من خلال عرض ما يفند أو يقف بوجه أطروحات بريماكوف عن الواقع السياسي وتطوراته في مصر، فالسيد غفوروف لم يكن ليعرف الأشياء الكثيرة عن حياتي وسيرتي الذاتية، ولكنه وجد نفسه يقف بجانبي بعد أن عرف موقف بريماكوف المتشنج والمعاند ومحاولاته العديدة لمنع مناقشة أطروحتي التي تفند العديد من آراء بريماكوف حول مصر.
 في اليوم الأول من مباشرتي الدوام في المعهد أطلعني السيد غفوروف على طبيعة عملي، ووضع لي قواعد عمل للسير وفقها، قائلا بأن لا علاقة لي بأي قسم من أقسام المعهد وإنما أرتبط  به مباشرة دون سواه. ورغم وجود القسم العربي في المعهد والذي يديره السيد ليبيدوف فأن ليس لي علاقة بذلك القسم، ولكن يمكنني أن أتصل بالسيد ليبيدوف عند الحاجة أو حين يطلب هو مقابلتي. ولن أكون مقيدا بنظام المعهد الذي يتطلب حضور الباحثين وأغلب العاملين في أقسامه مرتين في الأسبوع ، أما أنا فكان علي الحضور يوميا كمساعد للسيد غفوروف أو متى أراد مني الحضور.
خلال شهر من عملي في المعهد تأكد لي بشكل ناجز وجود خلافات عميقة وصراعات سياسية بين تلك المجاميع في مؤسسات الدولة وبالذات البحثية منها أو داخل أوساط اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي  ولكن جميع تلك الخلافات تختفي تحت سقف الاجتماعات المشتركة ويقدم للعالم بعد ذلك خطاب أيدلوجي موحد يعبر عن كتلة حزبية متراصة.
بعد مضي فترة سلمني غفوروف ملف عن أفغانستان. لم تكن عندي معلومات كثيرة عن ذلك البلد وكان حالي حال من يتابع الأخبار من خلال وسائل الإعلام. كان الملف يحتوي على تقارير الاستخبارات السوفيتية وكذلك تقارير السفارة السوفيتية ومقالات صحف والموقف الأمريكي ومثله البريطاني. كان الجيش السوفيتي وقتذاك يحتل أفغانستان. سألت غفورف عن المطلوب مني عمله مع هذا الملف إذا كان كل شيء فيه يتحدث بالتفاصيل الدقيقة عن الوضع هناك. فقال غفوروف أنه لا يريد الحديث أو استعراض وجهات النظر أو متابعة الأخبار الموجودة في الملف، وإنما يتطلع أن يحصل على معلومة تؤكد أو تنفي وجود خلاف حول فهم المسألة الأفغانية، وبالذات بيننا وبين الآخرين. وطلب مني أن أكتب رأيي بعد قراءة الملف ثم أجلس مع سعيد كميلوف لترجمته إلى الروسية. توقفت متمعنا بجملة (وجود خلاف بيننا وبين الآخرين) عندها أدركت بأني أصبحت جزء من هذه الكتلة التي يقودها غفوروف.   
في الجانب الآخر كان مركز يفغيني  بريماكوف وبمرور الوقت يتعزز وبدأت الخصومة بين  معهد الاستشراق  ومعهد الاقتصاد والعلاقات الدولية   تطفو  فوق السطح وكانت الأحداث تتسارع في مصر وتتجه نحو الأسوأ. في ذلك الوقت كان غفوروف يطلب مني كتابة تصوراتي عن أحداث مصر ليقوم سعيدوف بترجمتها وترفق مع باقي التقرير العام الذي يعده المعهد ليرسل بعدها إلى المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي، وكان التقرير يخلو من ذكر اسمي. فجأة وبعد عدة تقارير وفي أحد الأيام طلب غفوروف إدراج أسمي بين أسماء المشاركين في إعداد التقرير، عندها شعرت بحدوث نوع من التغيير في سياق العمل، فسألت عن السبب في هذا فأجابني غفوروف بأن هناك قرار صدر من المكتب السياسي للحزب يؤكد وجوب ذكر جميع من شارك في إعداد التقرير، شعرت وكأن هذا الآمر يعنيني بالذات وليس شخصا أخر، وأنه محاولة من بناماريوف ـ  بريماكوف وجماعتهم للتمهيد لمؤامرة تخصني. لم تمض على مشاركتي في إعداد التقارير غير فترة ليست بالطويلة ربما شملت أربعة أو خمسة  تقارير فقط، حين أخبرني غفوروف بأن هناك من أتصل به من أللجنة المركزية للحزب وسأله من يكون هذا الدكتور خليل عبد العزيز، فأخبرهم بما يتعلق من معلومة عني مؤكدا كوني شيوعي عراقي سبق وأن حكم عليه بالإعدام في بغداد، كذلك سألوه عن الكيفية التي تم فيها توظيفه للعمل في المعهد. فرد عليهم كونه يمتلك صلاحيات للتعيين وفق خياره، وسألوه إن كان قد حصل على موافقة اللجنة المركزية فأجابهم بأنه غير محتاج لهذا وصلاحياته يستمدها من المكتب السياسي للحزب.
ضمن خطط المنافسة والصراع الذي كنت أنا محوره، كانت تثار بين فترة وأخرى وبإلحاح مسألة وجودي كأجنبي في المعهد، وكان غفوروف يواجهها بعناد وردع قوي. في أحد الأيام أتصل بي رئيس دائرة الهجرة لعموم الاتحاد السوفيتي وطلب حضوري إلى دائرته مع جلب جميع الأوراق الثبوتية الخاصة بإقامتي في الاتحاد السوفيتي لغرض إتمام معاملة منحي الجنسية السوفيتية، في الوقت الذي شعرت بفرح غامر، توجست خيفة من هذا الآمر، وتساءلت لمَّ يتصل مدير دائرة الهجرة والإقامة مباشرة بي دون سابق معرفة أو مقدمات للطلب، لذا ذهبت إلى السيد غفوروف وأعلمته بالخبر وأنا منشرح الصدر مستعد لنيل الجنسية السوفيتية التي يتمناها الكثيرون. وقد اعتقدت بأن الجنسية السوفيتية سوف تساعدني وتغير من  نمط علاقاتي في المعهد ومع مؤسسات الدولة الأخرى، وتقف أيضا بوجه محاولات إقصائي وتحجيمي. وعند مقابلتي لغفوروف شرحت له ما حصل، ففاجأني بالقول عليك أن ترفض هذا العرض، فهم يسعون لتجميد عملك في المعهد أو أي مؤسسة أخرى. فتساءلت كيف ؟
أجابني بأن الغاية من منحي الجنسية هو تجميد عملك كليا، فعندما تصبح مواطنا سوفيتيا سوف تفرض عليك قواعد وقوانين منع التعامل مع غير المواطنين السوفييت، حيث يمنع عليك مقابلة أي مسؤول أجنبي دون الحصول على موافقة أمن الدائرة التي تعمل بها، وهذا سوف يعيق عملنا سوية ويهيأ الظرف للإطاحة بك كباحث علمي في المعهد، وإن خرقت التعليمات فسوف تواجه بما لا يحمد عقباه وعلى ابسط الأمور، وسوف تكون عملية طردك من وظيفتك سهلة جدا على صديقك اللدود بريماكوف.                             
منذ تلك الحادثة بدأت تظهر بحدة الخلافات بين المعهدين وكنت شخصيا واحدة من تلك السجالات والمشاكل، وما عاد بريماكوف يخفي محاولاته الحثيثة لإقصائي عن العمل في المعهد، ولكن قوة شخصية وتأثير غفوروف السياسي كان يثلم ويمنع كل تلك المحاولات، ولكن بريماكوف ما كان ليستكين. وفي ذات الوقت وبموازاة أفكار بناماريوف كانت سياسة الاتحاد السوفيتي تتمسك بالنهج الفكري الذي تغذيه هذه المجموعة. وكانت أفكار بناماريوف تتساوق وأفكار بريماكوف وكان كل ذلك يمثل حقيقة النهج السياسي للاتحاد السوفيتي المعتمد في التعامل الدولي.
ورغم صعود نجم بريماكوف وارتفاع وتائر تأثيره في السياسة العامة وعلى مصادر القرار فأنه لم يكن ليتركني وشأني ويشير دائما كوني معارض لسياسة الحزب الشيوعي السوفيتي وبالذات لرؤيته حول الأحداث والقوى السياسية وقياداتها في العالم الثالث، وكنت جزء مهما من خططه للصراع بالذات مع مدير معهد الأستشراق.
كانت نقاشاتي مع بريماكوف تأخذ طابع التشنج فهو دائما ما يحاول استفزازي ويختار المواضيع التي تثيرني وتزعجي، ففي واحدة من تلك المرات طعن أمامي بالحزب الشيوعي العراقي وسألني سؤالا استفزازيا عما فعله الحزب الشيوعي العراقي لوطنه العراق.فأخذت أشرح له مواقف الحزب ونضاله منذ ثلاثينيات القرن العشرين وتقديمه القرابين على مذبح الدفاع عن الحريات المدنية والحياة الحرة الكريمة للشعب ومن أجل وطن حر وشعب سعيد، وقدم حزبنا سكرتيره الأول  فهد ثم سكرتيره الآخر سلام عادل وآلاف الشهداء لهذا الهدف السامي، فأجابني بأنه يتفق معي في ما ذهبت أليه، ولكن أجبني ما الذي قدمتموه للناس فأجبته، بأننا حفرنا في ضمائر أبناء الشعب حب الوطن والحرية وحرضناهم للمطالبة بحقوقهم وبناء وطنهم بعيدا عن الاستلاب والخوف والخضوع لسطوة الأجنبي وعملنا على تثقيف الجماهير وتوعيتهم بالحقوق المدنية، فقال وماذا يعني هذا ، فيمكن لأي شخص ومن خلال برنامج إذاعي واحد القيام بكل ما تحدثت عنه، وأني أرى بأنكم وبعد كل هذا المدة الطويلة التي مضت على تأسيس حزبكم، لم تستطيعوا أن تقدموا شيئا لشعبكم، وقد كنتم في فترة ما تؤيدون عبد الكريم قاسم رغم أنه لم يكن ليمنحكم منصبا في سلطته، ثم ختم حديثة بالقول، أنا لا أثق بسياسة أي حزب شيوعي عربي ولا أؤمن بأدوار يعتد بها  في بلدانها، وأعتقد بأنها غير قادرة على فعل شيء ما ، أيضا على المرء أن ينظر لتجربة حزب البعث الذي استطاع السيطرة على السلطة في سوريا وكذلك العراق رغم قصر عمره في عالم السياسة بالنسبة لعمر حزبكم، أيضا أنا أنظر بعين الرضا والتقدير للتجربة الناصرية.   
   
صعود نجم بريماكوف

كان أغلب الصحفيين من العاملين في وسائل الإعلام السوفيتية لهم رأي جازم بكون السيد يفغيني بريماكوف يعمل في لجنة أمن الدولة المسماة كي جي بي، وحتى المصريين كانت قناعاتهم تصب في هذا الاتجاه ، ولكنه وعلى المستوى الشخصي، دائما ما كان ينفي هذه العلاقة و يعلن بشكل متكرر بأنه يتحدى أي شخص يستطيع أن يثبت وجود مثل هذه العلاقة أو عمله في ذلك الجهاز. ولكون السيد بريماكوف كان مسرفا في تناول الكحول ويتعاطى الشراب يوميا، لذا في أحدى المرات وتحت سطوة الكحول وأمام جمع من أصدقاءه قال إن ليس لديه علاقة  بالكي جي بي فهو يعمل في دائرة أخرى يطلق عليها المنظمة العسكرية المضادة للاستخبارات والجاسوسية. بدوري فقد حصلت على تأكيد لهذه المعلومة من شخصيات ذات نفوذ في السياسة السوفيتية ولهم علاقة شخصية ببريماكوف.
كانت شخصية ومكانة السيد بريماكوف تتعزز مع مرور الوقت بسبب علاقته بعضو المكتب السياسي  للحزب السيد بنماريوف لتقارب أفكارهم ورؤيتهم التي تنم عن عداء مستحكم للأحزاب الشيوعية في البلدان النامية ومنها الأحزاب الشيوعية العربية، وتأكيدهم الدائم على عدم قدرة تلك الأحزاب على قيادة مجتمعاتها أو إحداث تغيير في طبيعة الحكم في بلدانها لصالح الطبقات الفقيرة.
تخرج بريماكوف من معهد الدراسات الشرقية  وتخصص باللغة العربية، فعمل في القسم العربي من الإذاعة في موسكو، ثم عمل في جريدة البرافدا وأرسل إلى القاهرة كمراسل للجريدة وكان يقوم يوميا بإرسال تقارير إلى موسكو تتحدث عن الوضع في مصر والتطورات اللاحقة لهذا الحراك، ثم بعد قضائه فترة طويلة في القاهرة لعب فيها دورا حيويا في العلاقة بين البلدين وعزز مكانته بين المراسلين الصحفيين القادمين من الاتحاد السوفيتي وبات له مركزا مميزا هناك.تم إرجاعه إلى موسكو ليعاود العمل في أقسام صحيفة البرافدا ولكن بعد فترة قصير عين  باحثا في معهد الاقتصاد والعلاقات الدولية، ثم صعد نجمه ليصبح مديرا لمعهد الأستشراق بعد خلو المركز الوظيفي إثر وفاة السيد غفوروف. ودائما ما كانت تثار التساؤلات حول صعوده السريع وتسلقه للمناصب. ولكن مثل هذا الاستغراب والدهشة يبطلان لو عرفنا بوجود لوبي في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي والمكتب السياسي كان يدعم توجهات وأفكار بريماكوف لا بل يتبنى أطروحاته، وهذا اللوبي هو من يمهد له المهام ويدفع به للصعود في سلم المناصب.ويمكن القول بأن هناك كتلة قوية داخل السلطة والحزب الشيوعي تدير من الداخل وترسم سياسة الدولة السوفيتية وبعدها الدولة الروسية، يمكننا توصيفها بالدولة العميقة.
فحين توفى السيد غفوروف مدير معهد الأستشراق بقي مكانه فارغا، وكان موته خبرا سعيدا لتلك الكتلة وبالذات الموجودة في معهد الاقتصاد والعلاقات الدولية. قدمت أسماء عديدة لتحل محل غفوروف ومنهم بروفيسور من أصل كوري اسمه كيم . كان هذا جديرا باحتلال الموقع ولكن هذا الطرح واجه اعتراضا شديدا من قبل أعضاء في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي وقرروا أن يملأ الموقع الوظيفي بشكل مؤقت لحين تهيئة البديل، ولكن لم تمض غير فترة قصيرة حين عين بريماكوف مديرا لمعهد الاستشراق رغم بعده المهني والعلمي عن طبيعة المعهد ومهامه. ولم يدع بريماكوف الوقت يمضي فسرعان ما عمل على تسريح وإزالة جميع من كانوا على علاقة بغفوروف.
عند فتح أرشيف اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي أمام الباحثين في شهر آب (أغسطس ) من عام 1991 أثار ذلك الكثير من الشهية للإطلاع على خفايا السياسة السوفيتية، وقد صدر عن ذلك كتاب  ظهرت فيه مجموعة رسائل لعلماء سوفييت كانت موجهة إلى قيادة الحزب الشيوعي السوفيتي، يطالبون فيها اتخاذ إجراءات عقابية بحق يفغيني بريماكوف الذي كان في ذلك الوقت مديرا لمعهد الاستشراق السوفيتي، وجاء في نص أحد الرسائل ما يلي:
* الشيوعيون في معهد الاستشراق لأكاديمية العلوم السوفيتية يطلبون منكم اتخاذ الإجراءات القاسية بحق الأكاديمي بريماكوف والذي لقبه الحقيقي ( كيرشنبلات)، نظرا لما يقوم به من أعمال تعسفية وغير قانونية كالارتشاء وسوء استخدام مركزه الوظيفي واستغلاله لمصالحه الشخصية والذي دائما ما يفرض أعماله تلك على معهدنا. إن قائد المافيا الصهيونية هذا، دائما ما ينتهز ويسخر موقعة الوظيفي لمنافعه الشخصية، وهو وطوال عام العمل يقضي أوقاته في مهمات أيفاديه خارج الاتحاد السوفيتي، كذلك يجمع الرشوة من زملائه في العمل وبالذات منهم الذين يعملون ويعيشون في الخارج.وقام ببناء قصره الريفي الفخم الواقع في منطقة (ماليازيملي) من تلك الأموال.
يفغيني بريماكوف ـ كيرشنبلات ـ لا يهمه أي شيء فيما يخص موارد الدولة ولذا يبذرها على مصالحه الشخصية الطامعة في الكسب غير المشروع. لقد دمر بريماكوف المعهد بأكمله وقام بتقسيم المهام وكذلك زملاء العمل، على مجموعة من الموالين والمقربين له من اليهود ، أما من هم خارج هذه التقسيمات من العلماء فيعدهم بريماكوف غير مفيدين أو غير مؤهلين.  انتهت

كان بريماكوف ذكيا جدا ويعرف جيدا من أين تؤكل الكتف، فهو يتمتع بحدس كبير وبقدرة سياسية واجتماعية فائقة قادرة على التأقلم مع الوضع والتغيرات وحتى في العلاقة بالأشخاص خاصة من الدرجات الحزبية والإدارية العليا. ففي عهد بريجنيف كان السيد بريماكوف ملتصقا بالقيادة ويلبي ويساير مختلف السياسات السوفيتية، ويبدو وكأنه داخل طاقم السلطة وقريب من قرارها،ثم كان من حاشية غرباشوف حين وصل الأخير إلى سدة الحكم  وساعده على ذلك السيد ياكفليف عضو المكتب السياسي للحزب والذي سبق وأن عمل سفيرا لموسكو في كندا، وخلال تلك الفترة صعد نجم بريماكوف ليصبح عضوا في المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي. وحين أطيح بغرباشوف وأعتلى سدة الحكم الرئيس يلتسين عين بريماكوف مديرا للمخابرات العامة ثم أصبح وزيرا للخارجية وارتفع نجمه ليصبح بعدها رئيسا للوزراء رغم وجود رأي عام ضده في عموم الاتحاد السوفيتي ثم في روسيا  .
في فترة من الفترات وحين كان يعمل بريماكوف في الصحافة كلفته القيادة السوفيتية الذهاب إلى العراق لمحاولة نزع فتيل الأزمة بين الحكومة العراقية والحركة الكردية بقيادة  الملا مصطفى البرزاني، وكان هاجس القيادة السوفيتية هذا ينظر بعين الريبة إلى علاقة الأكراد بسلطة شاه إيران والخوف من إن يستغل الشاه تلك العلاقة لمصالحه في المنطقة. لذا كلف بريماكوف للذهاب إلى هناك ومحاولة جسر الخلاف بين الحكومة العراقية والحركة الكردية. كانت اتصالات الاتحاد السوفيتي بأكراد العراق تتخذ طريق طهران للوصول إلى كردستان العراقية، ولكن هذه المرة أصر بريماكوف الذهاب مباشرة إلى بغداد ومن ثم الانتقال منها  إلى كردستان، معلل السبب في طلبه هذا، بعلاقته الطيبة بصدام حسين وقدرته التحاور مع القائد العراقي بشكل صريح ومنفتح.

    

دخل بريماكوف العراق بصفة مراسل لوكالة أنباء تاس السوفيتية وتحدث مع القيادة العراقية وبالذات صدام حسين وطلب منهم تسهيل مهمته وتوفير وسيلة لتنقلاته بين الطرفين، وفر له الجانب العراقي ما أراد من تسهيلات  فراح يتنقل بثقة بين طرفي النزاع . ورغم أنه جاء بتكليف من قادة الاتحاد السوفيتي وبمهمة محددة فأنه دائما ما كان يعلن بأن مهمته تتعلق بإجراء تغطية صحفية خاصة للأحداث .
كان بريماكوف يحضر لمقر وكالة تاس في العاصمة العراقية كلما عاد من مهمته في كردستان.وكان هناك في مقر تاس رجلا عراقيا يعمل مترجم أسمه فاضل فرج وهو خريج الاتحاد السوفيتي ومن الشخصيات الديمقراطية التقدمية. كانت طلبات بريماكوف من السيد فاضل فرج تتعلق بما يرد من أخبار يومية في الصحافة العراقية و يتحدث أيضا حول مهمته المتعلقة بالصلح بين طرفي النزاع، ولقد أخبر بريماكوف السيد فاضل فرج بأنه منح الضوء الأخضر من صدام حسين وصلاحيات للتفاوض مع الملا مصطفى لغرض إنهاء الاقتتال ووضع حد للمشاكل والعلاقات المتشنجة. فقدم السيد فاضل فرج نصيحة لبريماكوف قائلا له بأن عليه أن لا يثق بصدام حسين وبسياسات حزب البعث، فأجابه بريماكوف بأن هذا الكلام كلام شيوعي عراقي، وأنه يثق ثقة كبيرة بصدام وسوف تكون هناك في القريب العاجل نتائج ايجابية.
 كان بريماكوف وفي كل مرة يعود بها إلى بغداد يذهب إلى الغرفة التي يعمل فيها السيد فاضل فرج في وكالة تاس ويحدثه عن وقائع لقاءاته مع قادة  الأكراد وأين وصلت المباحثات فلا يجد من السيد فاضل غير الموقف السلبي والمضاد لحزب البعث وصدام حسين، وحين وصل الاتفاق إلى مراحله النهائية قال بريماكوف، أريد أن أحمل لك البشرى بأن الأيام القليلة القادمة  سوف تفرج عن أتفاق يعقد بين الطرفين يوقف القتال ويمنح الأكراد حكما ذاتيا، عندها أخبره السيد فاضل فرج بأن حزب البعث وصدام من المستحيل أن يكونوا صادقين في نواياهم وسوف لن يطول الوقت ليتخلوا عن أي أتفاق كان، وأنت ولكونك توفيقي، لا تشاهد ما خلف اللوحة، وعليك أن تفهم بأن هؤلاء فاشيون ولن يتخلوا عن فاشيتهم تحت أي ظرف. عندها أبدى بريماكوف انزعاجه وأكد أن الأطراف جميعها اتفقت وسوف توقع الاتفاق، وأنت حالك حال جميع الشيوعيين العراقيين. فلم يتردد السيد فاضل فرج بوصف بريماكوف بالتوفيقي مرة أخرى.
بعد ذلك  أصبح مدير وكالة تاس السيد ماتيوشيك يعامل السيد فاضل فرج معاملة غير جيدة وفي نهاية المطاف أخبره بأنهم استغنوا عنه كمترجم في الوكالة، وحين سأله عن سبب ذلك أخبره المدير بأن بريماكوف قد أتصل به هاتفيا من موسكو وطلب منه طرد السيد فاضل من العمل في وكالة تاس، وبعدها تم تعيين السيد كاميران قره داغي مترجما في وكالة تاس بدلا عن السيد فاضل فرج. 



27
محطات وشخوص في حياة الدكتور خليل عبد العزيز ج1

لقاء وتحرير
فرات المحسن

 
يفغيني بريماكوف رجل يعرف من أين تؤكل الكتف
 
 
 
بعد عملي الطويل ومشاركاتي العديدة في فعاليات وأبحاث معهد الاستشراق  التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية في السنوات الممتدة من  1970 ولغاية 1975. سنوات العمل في المعهد أعطتني تجربة ومعرفة غنية في مجالات عمل مختلفة وأيضا في أمور الحياة ومتعلقاتها، وأهم ما في ذلك الإطلاع على طبيعة الوقائع ومجريات التعامل والصراع  بين الأطراف  والمؤسسات العلمية  والسياسة السوفيتية، فتعرفت واطلعت على أسرار كثيرة زاخرة بالحوادث والوقائع الضخمة جدا والمرعبة في بعضها. وكنت في البعض منها أمثل صداع وقلق أو شخص غير مرغوب فيه لدى بعض الأوساط والنخب السياسية، لكوني أجنبي وضعت وسط  الحومة وداخل دائرة تلك الصراعات وحشرت فيها حشرا. وكان لي رأي واضح وصريح في واحدة من المسائل الشائكة المعقدة في العلاقات السياسية السوفيتية مع أطراف خارجية، ويمكن تحديد هذه الموضوعة، بالنظرة السلبية والاستصغار الذي يحمله بعض قادة الحزب الشيوعي السوفيتي للأحزاب الشيوعية في العالم الثالث. وكان على رأس هذه المجموعة يقف السيد بناماريوف مسؤول مكتب العلاقات الخارجية عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي وبطانته ومنهم السيد يفغيني بريماكوف. كان جميع هؤلاء ينظرون للأحزاب البرجوازية الحاكمة في تلك البلدان بعين الرضا ويروجون لفكرة، أن تلك الأحزاب قادرة على تبني طريق التطور اللا رأسمالي والوصول إلى الاشتراكية دون حاجة للشيوعيين وأحزابهم. وبسبب موقفي غير الإيجابي من هذا الطرح وتلك الآراء، وتزامن ذلك مع دراستي وطبيعة أطروحتي التي أكدت في جانبها السياسي على إن الوقائع في مصر العربية كمثال، ومن مجريات السياسة والعمل الحزبي والمؤسساتي هناك، أظهرت جميعها بأن لا علاقة لها بتبني التطور اللا رأسمالي أو البناء الاشتراكي لا بل العكس، وإن ما يتبناه مكتب العلاقات الخارجية السوفيتي والسيد بريماكوف لهو على خطأ كبير وخداع بالسياسة . لذا سبب لي الموقف هذا الكثير من المشاق التي واجهتني منذ اليوم الأول لوصولي القاهرة لإعداد أطروحة الدكتوراه في الصحافة.
تمتد معرفتي وعلاقتي بالسيد بريمالكوف منذ الأيام الأول من عام إعدادي لأطروحة الدكتوراه في القاهرة. فقد ترافق بحثي في أطروحة الدكتوراه خلال فترة تعاوني مع مكتب وكالة نوفوستي في القاهرة، وكان يتواجد هناك في الكثير من الأحيان السيد إيكر بلاييف مندوبا عن جريدة  الأزفيستيا وكذلك يفغيني بريماكوف عن جريدة برافدا، وقد تعرفت على الاثنين خلال حضورهما إلى الوكالة. كانت طريقة بريماكوف باللقاء جيدة وودودة وبترحاب حار وفي العديد من اللقاءات وكانت بيننا أحاديث في مختلف المواضيع. أحدى المرات وقبل خروجه من الوكالة عرض علي الذهاب معه إلى بيته فوافقته وذهبنا حيث استقبلتنا السيدة  زوجته وهي امرأة طيبة كريمة من أصل جيورجي. جلسنا في غرفة الاستقبال نتناول الشراب، وبعد حديث قصير سألني عن طبيعة ومحتوى أطروحة الدكتوراه التي أعدها، فأخبرته عنها وكنت أحمل صفحتي ورق طبعت عليها خطة البحث لذا قدمتها أليه فراح يطالعها، وكنت أشرح له كيف تم تغيير خطة البحث والمساعدة والعون الذي قدم لي من قبل الإخوة المصريين، بعدها طلبت رأيه بخطة البحث وعموم موضوعة الأطروحة. فقال أني أنبهك لمسألة حساسة يجب أن تأخذها بالحسبان وهي الواقع السياسي المصري الذي يجب أن يأخذ حيزا كبيرا وواضحا في الأطروحة فأكدت له بأن هذا موجود بشكل واضح في مقدمة الأطروحة وسوف يأتي في المتن أيضا. فقال برد سريع وواضح، إن ما أعنيه أن تذكر في أطروحتك مصر كمثال لطريقة الانتقال نحو الاشتراكية وإن التوجه السياسي للسلطة في مصر يتخذ مسار الانتقال السلمي نحو بناء الاشتراكية، فأجبته بأن ما يتوفر من معلومات ومن واقع حال يشير لعكس ذلك، فرد بسرعة بأن علي الأخذ بما أخبرني به دون الأخذ بغيره وهذا ما ينفع العلاقات السياسية مع بلدنا الاتحاد السوفيتي.وكان من الصفات التي يتصف بها يفغيني بريماكوف شخصيته المتعنتة المغرورة، وفي الغالب لا يود الاستماع لغير ما يعتقد ويفكر به لذا تراه يطلق الأحكام المتسرعة.
كان هناك ما لا يقل عن أربعين مراسلا للصحف والمجلات السوفيتية في القاهرة من مثل كمسمولسكيا، ترود، برافدا، أزفيستيا وغيرها. وأغلب هؤلاء المراسلون لهم علاقات مع بعض ويعقدون حفلات وتجمعات في العديد من المناسبات وفي أحد المرات قدمت لي دعوة لحضور حفل يحضره أغلب هؤلاء المراسلون، لم أمانع وقررت الذهاب إلى الحفل وشاركت الجميع الطعام والشراب والأحاديث العامة والسياسية خاصة، ودارت أحاديث كان بعضها انتقادا للسياسة المصرية ومثلها لبعض السياسة السوفيتية. فجأة دار لغط بين الحضور وهمسات بأخذ الحذر والصمت لقدوم السيد يفغيني بريماكوف فسألت البعض من القريبين مني وهم من العاملين معي في الوكالة عن سبب هذا الهمس، فأخبروني بأن السيد بريماكوف واحد من عملاء المخابرات السوفيتية  وهو رجلهم في القاهرة ولكن ورغم حصولي على هذه المعلومة، فلم يؤثر ذلك على علاقتي الشخصية  ببريماكوف وقد دعاني إلى بيته عدة مرات وكالعادة كانت تدور بيننا أحاديث كثيرة نختلف في كثير منها ونتوافق بالبعض. كان من عادة بريماكوف في البيت أن يجلس في صالة  الضيوف مرتديا فقط ملابسه الداخلية وأمامه منضدة كبيرة وضعت عليها مجموعة الصحف المصرية ومثلها السوفيتية . في أحدى المرات سألني عن الذي جلب انتباهي في الصحافة المصرية هذا الصباح فحدثته عن بعض المقالات والمانشيتات التي حوتها الصحافة وأخبرته بأني أقرأ صباح كل يوم جميع الصحف المصرية ، فسألني إن كنت قرأت هذا الذي حدثتني عنه الآن، فأجبته بنعم، فأخبرني بأنه يعمل يوميا ومنذ الصباح الباكر على كتابة تقرير عما يعرض ويكتب في الصحافة المصرية ثم يرسله إلى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي ووكالة تاس السوفيتية وجريدة البرافدا، طلبت أن أطلع على محتوى ذلك التقرير فقدم لي نسخة مطبوعة منه وكان معنونا ( ماذا قالت الصحافة المصرية اليوم ) .
في أحدى المرات ذهبت لمقابلة مدير دائرة الإعلام في وزارة الإعلام المصرية ودار بيننا حديث عن الصحافة فأخبرته بأن السيد بريماكوف يجهد يوميا ليعد تقريرا مفصلا عن الصحافة المصرية ويرسله إلى مراكز القرار في الاتحاد السوفيتي فقال المدير بأنهم يقومون وبشكل يومي بأعداد تقرير عن الصحافة المصرية ويرسل عند الساعة الثامنة صباحا إلى عدة جهات وأشخاص ومنهم السيد بريماكوف الذي بدوره يرسله إلى هيئات ومؤسسات في الاتحاد السوفيتي. دهشت من هذه المعلومة وذهب تفكيري بعيدا خاصة في تحديد وقت أعداد التقرير وإرسال بريماكوف تقريره الصباحي إلى موسكو. في مرة أخرى زرت مبكرا بيت بريماكوف وخلال الحديث طلبت منه التقرير اليومي الذي يعده كي استفاد من كيفية إعداده.  عندها قدم لي نسخة مطبوعة، بعدها ذهبت إلى مكتب مدير دائرة الإعلام في وزارة الإعلام المصرية وطلبت التقرير اليومي عن الصحافة المصرية الذي تعده الوزارة فوجدت تقرير بريماكوف نسخة طبق الأصل من تقرير الوزارة المصرية، لا يختلف عنه بحرف واحد سوى بعنوان التقرير، فتقرير وزارة الإعلام المصرية لا يتطرق لأي نوع من السلبيات في عموم الوقائع التي تحتويها الصحف المصرية وتشير لها، لذا يمكن القول بأن موسكو كانت تحصل على معلومات مخادعة أو غير حقيقية بسبب نسخة  مراسل البرافدا السيد بريماكوف من التقرير.
كانت المرة الأولى التي أكتشف فيها واحدة من أكثر مساوئ بريماكوف بالنسبة للسياسة بعموم توجهاتها، وقد أصبت بخيبة أمل وعدم ثقة بواحد كان يعتبر من أنجح الصحفيين السوفيت آنذاك. ورغم هذا كنت ألتقيه بين فترة وأخرى ويدور بيننا حديث طويل وبالذات حول موضوعة علاقة  السلطات المصرية بمسمى التحول نحو الاشتراكية أو طريق التطور اللارأسمالي وكان رأيي واضحا ولم أكن لأخفيه عنه، رغم يقيني بأنه يرتبط  رسميا بجهة مخابراتية سوفييتية ما. فأمامي كانت تتضح يوميا الكثير من الحقائق والوقائع التي تشير بما يؤكد نزوع القيادة المصرية لخليط من القومية والتدين وأن ليس هناك علاقة لها بالاشتراكية حتى ولو بقدر الإدعاء الذي يثار عن ذلك، ولكن بريماكوف كان يستفزه هذا الرأي ويصف آرائي واستنتاجاتي بالخاطئة وغير الواقعية وأن مصر سائرة بالطريق الصحيح لبناء الاشتراكية في نهاية المطاف،ويؤكد بأن ناصر والقيادة المصرية سائرة بشكل حثيث وواقعي وممنهج ووفق تصور القيادة السوفيتية لمسيرتها. ودائما ما شكل هذا الموقف نقطة خصومة وخلاف بيننا، وقد حدثته كثيرا عن وقائع تجري في مصر يوميا تشكل ظاهرا خلاف رأيه، وفي أحد المرات حدثته عن صديق من مجموعة الخبراء السوفييت  الذين يخدمون في مصر،وهو عنصر مخابراتي سوفيتي أسمه كَينيا كان تلميذا معي في نفس الكلية التحق بالمخابرات السوفيتية بعد التخرج، والذي حدثني عن معاناتهم من المراقبة اللصيقة والمضجرة للمخابرات المصرية وباتت تسبب لهم الكثير من المشاكل والمعاناة وكأن الخبراء السوفييت أعداء لمصر وليس عملهم خدمة لصالح مصر والمصريين.
بعد عودتي إلى موسكو بفترة ليست بالطويلة بدأت كتابة أطروحة الدكتوراه وفي ذلك الوقت عاد يفغيني بريماكوف أيضا  ليعمل في أقسام جريدة البرافدا ثم نقل ليعمل في معهد الاقتصاد والعلاقات الدولية ، وهذا المعهد وغيره من معاهد الأبحاث يعد الدراسات والبحوث ويقدم خدماته وخبراته للسلطات السوفيتية العليا .
كنت وقتها أحاول تجنب اللقاء ببريماكوف رغم كوني أتقصى أخباره عن بعيد، وقد عرفت من خلال بعض الأصدقاء بأنه يتابع أخباري وأخبار بحثي وإعدادي لأطروحتي، وكان يحاول أن يجد فرصة مناسب للالتقاء بي. بعد انتهائي من كتابة الأطروحة  وقد سمع بريماكوف بذلك فأرسل بطلبي وحين ألتقيته أبدى امتعاضه مما أنا فاعله ومن الأفكار والرؤية التي أبديها في أطروحتي، وقال بأنه ينصحني بالتخلي عن هذا، وأن ما أطرحه يخالف كليا سياسة الحزب الشيوعي السوفيتي ورؤاه عما يحدث في مصر، وبعد نقاش طويل ومتشنج قال بالحرف الواحد ودون مواربه. يوسف الياس ( وكان هذا أسمي وقتذاك) لن تجري المرافعة ولن تحصل على نتيجة إلا من خلال المرور على جثتي. خرجت من عنده منزعج كليا رغم قناعتي بأن من يقف ورائي وبجانبي هو عميد كلية الصحافة الذي قدم لي الكثير من المساعدة في إنجاز الأطروحة.
التقيت بالصدفة بالسيد ميرسكي، وهو باحث يعمل في معهد الاقتصاد الدولي والعلاقات الدولية وسبق  أن وضع كتاب حول دور الجيوش في البلدان النامية وعد الكتاب في وقتها أهم دراسة حول طبيعة العلاقات بين مؤسسات الدولة والحراك السياسي في العالم الثالث. كان السيد ميرسكي على النقيض من أفكار بريماكوف رغم أنهما يعملان في ذات المعهد. ومن حسن حظي أن كلية الصحافة قد اختارت ميرسكي ليكون المناقش الرئيسي لأطروحتي وقد اخبرني مباشرة وبعد لقائي الأول به ، بأن بريماكوف وجماعته يقفون بالضد من الأفكار التي دونتها في أطروحتي. فسألته عن هؤلاء الذين سماهم جماعة بريماكوف، فاخبرني بأنهم مجموعة من أعضاء في معهد الاقتصاد الدولي والعلاقات الدولية وكذلك أعضاء في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في قسم العلاقات الدولية الذي يرأسه بناماريوف .لم اعر الآمر أهمية بقدر ما كنت أعطي ثقتي بأكاديمية ومهنية عميد كلية الصحافة.
بعد أن أنهيت كتابة الأطروحة تم طباعتها ووضع ملخص لها أيضا ولم يتبقى سوى الإجراءات التنظيمية المتعلقة بالمناقشة والدفاع . بعد أيام  أرسل بطلبي عميد الكلية ليخبرني عن وجود إشكال سوف يسبب لنا مشاكل مع لجنة الحزب المركزية، وأنه شخصيا بغنى عن مثل هذا الآمر وغير مستعد للدخول بخصومة مع هؤلاء، وقطعا ليس له قدرة على ذلك. بدوري تساءلت عن العلاقة بين اللجنة المركزية للحزب الشيوعي وما ورد في أطروحتي، وهل ما أقوم به من دراسة يأتي في باب السياسة أم جانب البحث العلمي الخالص، فأجابني العميد بأن الأطروحة تحوي السياسة والعلم على حد سواء، وإن فيها ما يخالف سياسة الحزب  الشيوعي.فطلبت وقتها أن يرشدني لطريق ينقذ الموقف، فأجاب بأنه حتما سوف يحاول إيجاد مخرج لذلك خلال اليومين القادمين، وكانت مدة الدراسة التي منحت لي قاربت الانتهاء دون أن أحصل على الضوء الأخضر لمناقشة الأطروحة.
في اليوم الثاني أخبرني المدير بأنه قد مددت لي مدة الدراسة والمناقشة لثلاثة أشهر أخرى وخلال هذه الأشهر علينا أيجاد الحل. فسألته عن طبيعة الحل المقترح، فقال لي بأن لا علم له في الوقت الراهن، ولكنه يعتقد أن الحل الصحيح يوجد عندي بالذات، فتساءلت كيف وما المطلوب مني؟. فقال أن علي رفع ما يتعارض ونهج قيادة الحزب من متن الأطروحة وكل ما يفند مسيرة المصريين نحو بناء الاشتراكية، فذكرته بما اتفقنا عليه قبل ذهابي إلى القاهرة فكيف تطلب مني الآن أن أحذف كل ذلك، ياترى هل المطلوب مني أن أكتب عن آلات الطباعة ونوعية الورق المستخدم والأحبار وكيفية توزيع الصحف وأعداد العاملين، وهل كانت الخطة التي وضعناها تتعلق بهذا الشيء دون غيره؟  لم نتفق على شيء وخرجت من عنده حائر ضجر لا أدري ما سوف يكون عليه الموقف في القادم من الأيام.
بعد مضي أسبوع أخبرني العميد بأن أتفاق قد جرى على إرسال الأطروحة إلى معهد الماركسية اللينينة لدراستها وإعطاء الرأي . في تلك الإثناء أرسل بريماكوف بطلبي مرة أخرى فقابلته، عندها وجه لي لوم حاد وكرر مرة أخرى بأني لن استطيع أن أنال النجاح في سعيي للحصول على الدكتوراه، وكان ردي جازما وبثقة متناهية بأني سوف أنال ذلك ولن يعيقني أحد.
لم أترك الأمر يمر دون أن أتابعه بحماس وأبحث عن أية طريقة تقربني من نيل حقي في الحصول على شهادة الدكتوراه لذا ذهبت دون موعد إلى معهد الماركسية اللينينية وقابلت اللجنة التي تقرر أن تدرس أطروحتي لنيل الدكتوراه وحاولت معرفة أذا كانت تتعارض مع سياسة الحزب حسب ما يقال.
استغربت اللجنة حضوري شخصيا دون موعد مسبق، ولكنهم وفي نهاية الأمر أخبروني بأن قرارهم سوف يصدر بعد الانتهاء من الإطلاع ودراسة الأطروحة وذلك سيكون بعد أسبوع من الآن. وفعلا ذهبت أليهم بعد أسبوع فأعلموني بأن الأطروحة ومن الناحية العلمية صحيحة وسليمة وتتوافق مع متطلبات البحث، ولكن ما جاء فيها من آراء سياسية وبالاستناد على خطابات وتصريحات وأدبيات القادة المصريين، لايتلاءم  و الاقتناع السائد بأن مصر تسير نحو الانتقال السلمي لبناء الاشتراكية، وهذا الاقتناع يؤمن فيه العاملون في العلاقات الخارجية للحزب الشيوعي السوفيتي، لذا تقرر قبولها بشرط أن تتم المناقشة بشكل سري ودون الإعلان عن ذلك في وسائل الإعلام
كانت هناك قناعة عند بعض أعضاء اللجنة المركزية وأيضا بريماكوف بأن الأطروحة سوف لا تنال نصيبها من النجاح،  وبصورة مؤكدة سوف تواجه الرفض من قبل اللجنة العلمية التي مهمتها مناقشة الأطروحة والاستماع لدفاعي. ولكن خلال النقاش نال الكثير من مواضيعها استحسان ميرسكي وكذلك عميد كلية التاريخ، وقد أشادوا بما عرضته لواقع حال الصحافة المصرية وما قدمته من تحليلات قالوا عنها بأنها جد صائبة وعلمية، وهذا هو المهم في الآمر. وقد عرضت للتصويت فوافق عليها بالإجماع وامتنع شخص واحد، وهذا الشخص  وجه لي أثناء النقاش سؤال تهكمي قائلا هل للسيد بريجنيف رأي في العلاقة مع القيادة المصرية وطبيعة ومسار أفكارها وللسيد خليل عبد العزيز رأي مخالف في ذلك ؟، فهل من الواجب والعقل أن اصدق خليل عبد العزيز أم أثق بالسيد بريجنيف؟. فأجبته مباشرة كلا يا سيدي، عليك أن تصدق بما يقوله بريجنيف.عندها علت وجهه ابتسامة عريضة وقال، السيد بريجنيف كان يخاطب السيد الرئيس جمال عبد الناصر وكذلك الرئيس أنور السادات بكلمة رفيق، فكيف لي أن أصدق عبد العزيز وأنا عضو في الحزب الشيوعي منذ الحرب الأهلية ودافعت عن ثورة أكتوبر العظمى ولذا أعلن مباشرة وقوفي بالضد من الأفكار التي قدمها خليل عبد العزيز في أطروحته، وكان الوحيد في موقفه هذا دون باقي الأساتذة، الذي كان مجموعهم ستة عشر أستاذا.
بعد مضي أسبوعين ومن حسن حظي حدث الذي كنت قد توقعته، فقد قام الرئيس أنو السادات بطرد الخبراء الروس من مصر. عندها وبالصدفة التقيت هذا الأستاذ الممانع فسألني،أي هاجس كنت تحمله وكيف لك أن تتنبأ بالذي حدث؟ فأجبته بأن جميع الوقائع على الأرض كانت تؤشر لذلك، وإن سوء الأوضاع وتضارب الأفكار والمناهج وتذبذب السياسات وانعدام أي معلم  علمي مقنع لمسيرة المصريين نحو البناء الاشتراكي، هذا ما كان سبب تحليلي للواقع المعاش في مصر وعلاقتهم بطريق التطور اللارأسمالي أو الاشتراكي، شكرني وقال لي بأن موقفي كان صائبا وأنه بالذات من صوت بالضد من أطروحتي ونيلي الشهادة.
بعد انتهاء دفاعي وحصولي على النتيجة الإيجابية تقدم مني أعضاء الوفد الذي أرسله السيد غفوروف مدير معهد الاستشراق وأخبروني بأنه يطلب حضوري صباح الغد إلى المعهد.وجدت في ذلك فرصة مناسبة جدا أن ألتقي بأحد رجال السياسة والقرار الكبار في الاتحاد السوفيتي والمسؤول عن واحد من أهم معاهد البحوث الإستراتيجية، وسبق أن كان السيد باباجان غفوروف سكرتيرا للجنة المركزية للحزب الشيوعي في جمهورية  طاقجستان السوفيتية وشارك في العديد من المعارك دفاعا عن الثورة الاشتراكية وعن الاتحاد السوفيتي ونال التكريم من القيادة السوفيتية.
منذ الصباح الباكر بدأت بالتحضر للزيارة بشكل مناسب. كنت مبهورا وأنا أدخل للمرة الأولى هذا الصرح العلمي الحيوي. أخبرت الاستعلامات بأن لي موعد مع السيد مدير المعهد فسألني الموظف عن أسمي وبعد أن أخبرته رحب بي ورفع الهاتف وأتصل ذاكر اسمي  ثم أرشدني إلى غرفة المدير. طرقت الباب ودخلت فوقف السيد غفوروف وصافحني بحرارة وهنأني على نجاحي ونيلي درجة الدكتوراه في الصحافة، وقال أنت أبليت بلاءا حسنا وأنا قمت بواجبي، في تلك اللحظة لم يخطر على بالي أن أدقق جيدا بقوله هذا ولكن بعد عملي في المعهد عرفت دور السيد غفوروف في تذليل بعض الصعوبات والدفع لتسهيل مهمة دفاعي عن الأطروحة. بعدها سألني عن الذي أفكر به بعد نيلي الشهادة وما هي مشاريعي المستقبلية، فأجبته بأن ذلك يتعلق بموقف الحزب الشيوعي العراقي، فهناك قرار متخذ من الحزب بخصوص أعضاءه ممن ينهون دراستهم، حيث عليهم تطبيق شعار الحزب  ( التفوق العلمي والعودة إلى الوطن ). رد غفوروف علي جوابي  بالقول إن هذا لا يعنيني، وأنا أقترح عليك الآن العمل معنا هنا في المعهد، فهل توافق؟ لحظتها انتابتني مشاعر سعادة غامرة فلم أتردد بالجواب، نعم يسعدني ذلك جدا. ثم تداركت الآمر وقلت بأن المصادقة على شهادتي لم تصدر بعد فكيف لي أن أعمل عندكم، قال غفوروف أبعد ذلك عن ذهنك فليس له أهمية عندي وتعال غدا صباحا لتبدأ العمل في المعهد، فالموافقة على أطروحتك ستتم حتما في وزارة التعليم العالي السوفيتية.
 



28

الوهابية والاخوان المسلمين، صراع الأخوة الأعداء هل يتحول لقتال؟

فرات المحسن

مثل ظهور قناة العربية الوجه الأبرز لطبيعة الصراع والتنافس الإعلامي بين العربية السعودية ودولة قطر والذي جاء على خلفية نزاع خفي كانت قد بدأت ناره تستعر على أرض أفغانستان داخل أوساط المجاهدين العرب وإثر اكتساح طالبان لباقي الفصائل وتحالفها مع القاعدة.
دائما ما كان يقلق السعودية الطموح غير العادي لدولة قطر ودفعها الأموال الطائلة للظهور كقطب مؤثر في السياسة الإقليمية والدولية، وما كان هذا الفعل القطري ليثير السعودية فقط وإنما أثار ولازال حفيظة بلدان المنطقة وبالذات منها أقطاب مجلس التعاون الخليجي شركاء قطر في تلك المؤسسة.
مثل ما سمي بالربيع العربي نقطة فارقة في استعار النزاع بين الطرفين حين اصطف السعوديون مع الرئيس التونسي ومنحوه حق اللجوء في المملكة ونددوا بما جرى هناك وفعلوا مثل هذا مع ثورة الشعب المصري ووقفوا ومازالوا يمجدون فترة حكم حسني مبارك. وفي جميع مجريات الأحداث كانت قطر تلعب لعبتها الكبرى في الدفع نحو تصعيد الصراعات في تونس ومصر وباقي بلدان المنطقة.
 فوز الأخوان المسلمين برئاسة جمهورية مصر العربية أثار حفيظة السعودية والأمارات ودفعهم منذ لحظة اعتلاء محمد مرسي كرسي الحكم للعمل على إعادة ترتيب حساباتهم ووضع جميع الإمكانيات المادية لغرض الإطاحة بحكم الأخوان وإعادة حكم حسني مبارك بنموذج جديد تمثل في صعود رجل الجيش القوي المارشال عبد الفتاح  السيسي، الذي ظهر كمنقذ لمصر من أحداث جسام . وكانت أولى التهم التي وجهت لمرسي تهمة التخابر مع قطر وإعطائها معلومات عن الجيش والحياة العامة في مصر.
أكثر ما تخشاه السعودية هم الأخوان المسلمين كمنافس مذهبي لمؤسستها ومنظومتها الفكرية الدينية الوهابية التي تقود مؤسسات الدولة جميعها ، فرغم تماثل مصادر الفكر الوهابي والاخوني فالحذر السعودي يأتي على خلفية التنافس السياسي الممزوج بالمذهبية المتطرفة المنغلقة، وصعود نجم الأخوان في مصر سبب صداعا عظيما للسعودية وحلفاءها وبدأت تشعر بالتهديد يقترب من حدودها. فرسوخ حكم الأخوان في مصر سوف يجعل المنافس المذهبي ماثل أمامها وجار لها وينافس بشدة منظومة القيادة في الدولة السعودية، ومع مضي الوقت سوف يعمل على الطعن بالفكر الوهابي ويسعى لوضعه في موضع التشكيك والتبخيس، وتلك الحقيقة تدركها المؤسسة الدينية الوهابية الماسكة والمسيرة بقوة لمؤسسات الدولة السعودية. وهذا الخوف دفع السعودية والإمارات للوقوف بقوة مع النظام المصري الجديد بقيادة المارشال السيسي وتقديم المليارات له . وبالمقابل قامت قطر وجميع قنواتها الإعلامية بالوقوف ضد الحكم الجديد في القاهرة وتبني الخصومة معه على المكشوف، واحتضان أقطاب ودعاة الأخوان المسلمين نكاية بالسعودية والإمارات، وكل ذلك لأجل جاء لغرض كسر مساع السعودية للسيطرة وفرض خياراتها على مجلس التعاون الخليجي وعموم المنطقة، وقد تجلى ذلك في معركة الإطاحة بالرئيس الليبي معمر القذافي  والأصطفافات والصراعات داخل المعارضة السورية .
بعد جهود مضنية قامت بها السعودية وحليفها القريب الإمارات العربية لكبح جماح قطر وترويضها وتطويعها لانتهاج سياسة مماثلة لعموم سياسات مجلس التعاون الخليجي والاعتراف بقيادة العربية السعودية للمجلس، وقبل كل ذلك وفي المقدمة منه التخلي عن الأخوان المسلمين وطردهم من قطر، وبعد وساطة كويتية كبيرة ومضنية، وقعت قطر وبلدان المجلس وبرغبة وشروط السعودية في   ابريل 2014 على اتفاق لم تنفذ قطر أي من بنوده، وكانت أولى تلك البنود طرد قيادات الأخوان المسلمين من الدوحة والتوقف إعلاميا عن المناكفات والطعون التي توجه لسياسات بعض أعضاء مجلس التعاون وكذلك لجمهورية مصر العربية،وبالعكس من ذلك الاتفاق فإن السياسات القطرية زادت من شقة التباعد بينها وبين رغبات السعودية وصعدت في دعمها للإخوان المسلمين وزادت الطين بله بتقربها وتعاونها مع إيران .
الأزمة الحالية تأتي على وفق مشهد جديد ترتب بعد زيارة الرئيس الأمريكي ترامب حيث بدأت معه العربية السعودية تشعر بأن ميزان القوى يميل لصالحها بالضد من إيران ومن يتحالف معها متمثلا ببعض فصائل الأخوان المسلمين من مثل حماس الفلسطينية، وجاء تصريح أمير قطر في وسائل التواصل الاجتماعي عن قاعدة العيديد التي تمثل حصانة ضد اعتداءات دول الجوار، وكان يلمح بذلك التصريح للسعودية والأمارات ، ثم جاء تصريحه عن نجاح بلاده في بناء علاقة وطيدة مع إيران. هذه التصريحات والخلاف الأساس المتمثل بصراع المذاهب بين الاخونجية والوهابية مهد وأصبح نقطة الشروع للبدء بحسم الأمور وعزل ومن ثم معاقبة قطر بأشد العقوبات.
 قررت السعودية حسم الموقف وإنهاء أولا المنافسة الإقليمية التي تعمل عليها قطر منذ زمن بعيد وأيضا وجود الأخوان المسلمين الذي يمثل الوجه الخفي للتهديد الأيدلوجي للمؤسسة الدينية والسياسية الوهابية في السعودية.
قطر من طرفها أعلنت عدم استسلامها للعقوبات والتهديدات واستمرار سياستها المعاندة والمناكفة للسعودية وراحت تصعد من تقربها لإيران وتركيا الأخوانية وهناك ما يشير لمساندة باكستان لدولة قطر. ومع هذا التصعيد يبدو أن المنطقة مقبلة على صيف ساخن جدا وشروخ وتصدع في العلاقات الإقليمية  فهل يدفع هذا الموقف المتشنج كلا الطرفين إلى صراع مسلح؟.
مثل هذا السؤال لا يخضع لرغبة السعودية التي تريد الأطباق بقوة على عنق قطر لإركاعها وتحجيم دورها وإبعاد أي دور للإخوان المسلمين في المنطقة. وهو أيضا بعيد جدا عن خيار قطر لو أرادت فك الحصار عنها، فالمشهد برمته لازال تحت سيطرة الأمريكان ويخضع لاشتراطات مصالحهم العليا. فالسعودية وقطر تمثلان بيادق مهمة جدا في رقعة المصالح العليا للولايات المتحدة ولهذا لن تترك أمريكا الصراع ليتحول في لحظة حرجة إلى صراع مسلح، ودخول تركيا على خط الأزمة عقد كثيرا فكرة الذهاب لمثل هذا الخيار . ولكن ربما يثار خيار أخر على خلفية سياسات الولايات المتحدة الأمريكية وعدم اهتمامها بحياة شعوب هذه المنطقة ورغبتها بإشعال الحرائق في هذا الطرف من العالم ليتهيأ لها الجو لاحتلال أبار النفط مباشرة، عند هذه النقطة ربما سوف تدفع أمريكا لحرب إقليمية بدايتها تكون بين السعودية وحلفائها بالضد من قطر ثم وعلى خلفية تطور الأحداث وقرب الصراع من الحدود الإيرانية وحسب الاتفاق الموقع بين إيران وقطر عام 2010 تمتد الحرب لتشمل دول أخرى في المنطقة ويأخذ الصراع منحا أخر يتمثل في تصعيد النزاع المذهبي ويدخل الإقليم برمته في حرب ضروس لا تبقى ولا تذر .
 



29
أمسية أدبية

أماسينا التالية

احتفالية
يحتفي ا منتدى الحوار الثقافي العراقي في ستوكهولم واتحاد الكتاب العراقيين في السويد وبعض الأصدقاء، بأحد أبناء الجالية من المبدعين العراقيين تقديراً لتجربته الأدبية  وجهوده  في مجال الثقافة والمعرفة.
تعقد الأمسية في الساعة الرابعة من عصر يوم الاحد  المصادف 28 / 05 / 2017  في منطقة شيستا من العاصمة ستوكهولم وعلى قاعة    BLACKBOX   داخل المكتبة المركزية  الواقعة وسط السوق التجاري ( الكَاليري ) لضاحية  شيستا
أمسية فنية


يستضيف منتدى الحوار الثقافي العراقي في ستوكهولم واتحاد الكتاب العراقيين في السويد الأستاذ الفنان محمد العزاوي في أمسية فنية جديدة عن الموسيقى العراقية التراثية والحالية وتحليل لطبيعة وتنوع المقام العراقي والسلم الموسيقي.
تعقد الأمسية في الساعة الرابعة من عصر يوم السبت  المصادف 10 / 06 / 2017  في منطقة شيستا من العاصمة ستوكهولم وعلى قاعة    BLACKBOX   داخل المكتبة المركزية  الواقعة وسط السوق التجاري ( الكَاليري ) لضاحية  شيستا


30
المنبر الحر / بوسترات
« في: 12:47 18/03/2017  »
بوسترات


مازلت أتوطن كابوسي


في أحلامي التي لم أدمن تفسيرها.. أغواني العراف إثر المرة الألف ..أن أشي للغربان والصعاليك  عن موضع أساي ووحدتي، فحملوا معاولهم وأهالوا على جسدي كومة حزن أخر.
فشاطرتهم حفل الفجيعة.
ذلك كان يوما أخر.. لم أفكر في اجتيازه أو مغادرته.. أخيرا وضعته في جعبتي وغفوت.. حين استيقظت وجدته جواري ..
 هو يوم أخر مفعم بالأحزان، لم يغادرني بعد أن ارتضاه خوفي...جواري يلتصق مثل حلزون لزج.
 ضجرت، صرخت أن ابتعد.. وضع كفه فوق صدغي فغفوت ..همس في حلمي ..أصمت أيها البائس هذا خيار جسدك .
كانت الشمس تسقط ضوئها مثل جمرات نار.. نز جسدي عرقا  ساخنا حين استيقظت.. كانت كفه تضغط فوق صدغي الناط العروق .
 يوم أخر جاورني لا يرتضي أن يغادرني .. بكيت.
 ومازلت أتوطن كابوسي.




دعوة لكابوس

دعوت لوجبة بكاء مر... فقبلت... فجيعة أعلنوها فكنت أحدهم ومثلهم محرضا عليها، قالوا تعال نسكب الدمع فلسنا غير أبناء بررة لهؤلاء الناس القتلى، كل يوم، عند منعطفات الشوارع.
كانوا حفنة من بشر دون ملامح، يتوارثون المواجع وسط الصخب. لم أدخر شيئا تلك اللحظة فروحي عافت جسدي وأمست معلقة بأرجوحة وجوه الموتى فتناولت منديلي وبكيت.
ضجوا مهللين وهم يرون دمعي المسكوب، صمتوا يترقبون حسرتي وتأوهي فغافلتهم وتسربت مني ضحكة ضاجة.
لم أجد الساعة مخرجا من حزني غير الضحك، فليس في جسدي ثمة شيء يثير الشجون..ثاب إليّ رشدي، فقلقت أن أكون قد أصبت بلوثة .. حملقت بأجساد الموتى وكنت حينها وجلا مرعوبا، أخفيت نشيجي فتورم صدغي وأرتفع ضغط الدم. تلمست ورقة الدعوة فدعكت دمعتي وأخفيتها في جيب سروالي، أخفيتها عدة لأيام أخر ......ربما أذرفها أو أبيعها لموت جديد
كنت أرتجف وجسدي يتفصد عرقا، تلمست ورقة الدعوة/ مرة ثانية.
 ندمت وكنت عجولا حين قبلت الدعوة دون تردد.
صَمتُ وأخفيت صوت بكائي في المنديل.. عندها كانت حدقتا عينيّ تحدقان في الفجيعة البعيدة.
فيزداد ارتفاع ضغط دمي مجددا وترتخي الشرايين في صدغي لتستوعب هديره. أطالع أفقا مغبرا بهيميا تنط منه رؤوس دون ملامح .. رحت في نحيب طويل متواصل، يتساقط دمعي فوق راحة يدي فيبدو زجاجا شفافا.
استيقظت فزعا ولكني تلمست جيب سروالي وتأكدت من وجود الورقة فقد كنت أنتظر دعوة جديدة في يوم آخر أهرب فيها من فجيعتي.. الخاصة.






31
فعالية ثقافية فنية
يقيم منتدى الحوار الثقافي العراقي في ستوكهولم واتحاد الكتاب العراقيين في السويد فعالية فنية ثقافية يتم فيها عرض فلم عن حياة الزعيم عبد الكريم قاسم للمخرج سلام قاسم.
يستعرض الفلم حياة الزعيم، النشأة ومسيرة حياته لحين ساعة استشهاده ، ثم يعقب العرض نقاش مفتوح لتقيم العمل التسجيلي وأيضا طبيعة المرحلة وما شابها من التباسات ومجريات ووقائع حياة الزعيم.

تقام الفعالية في الساعة الرابعة من عصر يوم السبت المصادف 18 / 03 / 2017  في منطقة شيستا من العاصمة ستوكهولم وعلى قاعة    BLACKBOX   داخل المكتبة المركزية  الواقعة وسط السوق التجاري ( الكَاليري ).



32
أمسية فنية

يستضيف  اتحاد الكتاب العراقيين في السويد و منتدى الحوار الثقافي العراقي في ستوكهولم الفنان التشكيلي الأستاذ عمار داوود في أمسية فنية عن الرسم التشكيلي.
يتمحور موضوع الأمسية حول قراءة الصورة وكيفية التواصل بين المتلقي والصورة من ناحية الشكل والمضمون والطبيعة الكلية لتأثير اللوحة . فعالم الألوان والفن التشكيلي عالم قائم بذاته يمزج بين الحسي والمادي، لذا فإن رؤية اللوحة والتواصل معها أو الغور في طبيعة تعابيرها وسحر مادتها وألوانها، يتطلب منا تأمل خاص وثقافة عامة ومزاج حسي يمكننا من خلاله فهم أهمية وطبيعة اللوحة وتناسق موضوعها . هذا الشيء يمكن أن نحاور فيه الفنان التشكيلي عمار داوود ومن خلال الشرح والحوار نستطيع اكتشاف عوالم الموضوعة وتناسق اللون والظلال ومساقط الضوء وبديع التشكيل في فن الرسم.
سوف يتم دعم المادة بالشرح والرسومات الخطية التحليلية وعرض بعض أعمال الرسم لفنانين من مدارس متنوعة ومن حقب تاريخية مختلفة،مع وجود فسحة للنقاش وطرح الأسئلة.

تعقد الأمسية  الفنية في الساعة الرابعة من عصر يوم السبت المصادف 25 / 02 / 2017  في منطقة شيستا من العاصمة ستوكهولم وعلى قاعة    BLACKBOX   داخل المكتبة المركزية  الواقعة وسط السوق التجاري ( الكَاليري ) لضاحية  شيستا.

وجودكم يسعدنا جدا


33
أمسية أدبية

يستضيف اتحاد الكتاب العراقيين في السويد وبمشاركة منتدى الحوار الثقافي العراقي في ستوكهولم الكاتب والاعلامي الأستاذ طالب عبد الأمير بمناسبة صدور مجموعته القصصية الجديدة، في أمسية أدبية للحوار حول القصة والإصدار الجديد والتنوع في المشاعر الإنسانية والأفكار والأماكن ورحلة طويلة في فضاء الغربة التي قضمت الكثير من سنين العمر.

تعقد الندوة في الساعة الرابعة من عصر يوم الأحد المصادف 19 / 02 / 2017  في منطقة شيستا من العاصمة ستوكهولم وعلى قاعة    BLACKBOX   داخل المكتبة المركزية  الواقعة وسط السوق التجاري ( الكَاليري )
   




(( طيلة الطريق من عمان إلى الحلة، التي شاءت الظروف أن تكون محطتي الأولى في الوطن، وأنا شارد الذهن ، مشتت التفكير. تارة أحاول لملمة قصاصات الروح التي تناثرت في المنافي لما يقارب من ثلاثين عاماً لم تطأ قدماي خلالها أرض الوطن ولم أشم فيها نسائمه، وتارة أحاول تلمس أجوبة لعلامات الاستفهام التي ظلت تمر من بين مسامات تفكيري  المتعب، من شحة النوم لأيام سبقت تلك الرحلة،الحلم، بسبب القلق والخوف من اللقاء المرتقب مع من تبقى من الأهل،وأصدقاء الطفولة والصبا.كيف سيكون شكل هذه اللقيا ؟ وكيف ستكون مصافحة الأمكنة والأشياء والذكريات التي أودعتها دروب وأزقة المدينة وأغصان نخيلها، قبل الرحيل؟ ))

إعلان عن أمسيتنا القادمة

أمسية فنية
يستضيف اتحاد الكتاب العراقيين في السويد وبمشاركة منتدى الحوار الثقافي العراقي في ستوكهولم الفنان التشكيلي الأستاذ عمار داوود في أمسية فنية عن الرسم التشكيلي.
يتمحور موضوع الأمسية حول قراءة الصورة وكيفية التواصل بين المتلقي والصورة من ناحية الشكل والمضمون والطبيعة الكلية لتأثير اللوحة .
يتم دعم المادة بالشرح والرسومات الخطية التحليلية وعرض بعض أعمال الرسم لفنانين من مدارس متنوعة ومن حقب تاريخية مختلفة،مع وجود فسحة للنقاش وطرح الأسئلة.
 
  تعقد الأمسية في الساعة الرابعة من عصر يوم السبت  المصادف 25 / 02 / 2017  في منطقة شيستا من العاصمة ستوكهولم وعلى قاعة    BLACKBOX   داخل المكتبة المركزية  الواقعة وسط السوق التجاري ( الكَاليري ) لضاحية  شيستا


34
كارل ماركس في العراق / الجزء الأخير

ــ شنو أجاوزت، وعليمن، تره لوما مصلحتي يم السربوت جبار جان هسه عفتك تفتر أباب الشرجي وترجع تبات بالكَهاوي ويبقى أسمك أستاذ عبد القادر إلى يوم يبعثون.
ــ شكرا لك على كل حال، أعتقد أنك تستطيع أن تفعل ذلك.
ــ  هم ميخالف مقبوله منك، رفيق ميكون خاطرك أله طيب، نص ساعة ونكون بالفندق.
*         *        *
 أقترب من المقهى حافي القدمين بثياب رثة، يداه ملوثتان ويبدو عليه وكأنه يعمل في محل لبيع الفحم أو في كورة حدادة. دنى من طارف التخت جوار عربة طعام أبو عفيفة وجلس ينظر مبهورًا لصحن الطعام الجاهز الموضوع فوق سطحها. التفت أبو عفيفة  نحوه وسأله مباشرة وشبه ابتسامة ترتسم على شفتيه.
ــ ها وليدي جوعان؟
ــ أي جوعان..
ــ تريد لفة.. لو بالماعون؟
ــ بكيفك عمي.
ــ أخليلك عروكَ وبيتنجان لو بس عروكَ؟
ــ بكيفك.
أبتسم أبو عفيفة ابتسامة عريضة وهو يطالع هذا الفتى البائس بشعره الكث ووجه المتسخ، ثم وجه نظره داخل المقهى حيث يقف أبو داود ويجلس قريب منه أبو رجب.
ــ أخليلك خضرة؟
ــ بكيفك. 
ــ أخليلك طرشي؟
ــ بكيفك عمي خليلي كلشي وكلاشي.. الله يخلي بيبيتك فدوه.
ــ عدك فلوس؟
ــ هذي بس.
أخرج من جيب ثوبه ورقة نقدية إيرانية. ضحك أبو عفيفة وراح يجهز الطعام، وبين لحظة وأخرى يخطف النظر نحو الفتى الفقير، الذي تعلقت عيناه بيد أبو عفيفة وهي تهيئ الطعام، ناوله قطعة رغيف كبيرة في داخلها مثلما طلب كلشي وكلاشي، فاخذ الفتى يلتهمها بشيء من العجالة. فجأة نادى أبو عفيفة على صاحبه أبو رجب.
ـ أبو رجب.. أبو رجب حبيبي.. تعال.. تعال،رحمه الذاك الأب، هذا هم الك عرف بيه مثل أستاذ عبد القادر.. دتعال بلجي هذا هم اله نصيب يمك.
جاء أبو رجب مقطب الوجه يتحدث بعجالة وبشيء من الغضب .
ــ أبو عفيفة أي هسه صارلك أسبوع أتصجم.. يزي عاد..تره أزعل والله.
ــ تزعل على أخوك ، خوش والله هاي الجانت مرجيه منك.
ــ لعد شنو قصدك.. قابل جنت تريدني أحط أبأيد استاد قادر سناسل؟
ــ لا، بس أعرفك أدور ثواب من المخابيل.
 ــ هم ميخالف مقبوله ..اشكرك هوايه هوايه، هاي المرجيه منك.
ــ هاي شبيك روحك زغيره اليوم.
ــ وأنته اليوم جايك الواهس وتصجم وتضرب بسامير.
ــ قصدي أتلاطف حبيبي.
ــ تتلاطف مو؟  شنو انته حسبالك رجعو أستاد قادر للسجن لو للشماعية.
ــ هسه لو تاه لو رجع الأهله شنو طب بجيسنه ؟ أشو شهر من أجه يمنه وفرحنه بي، وفجأة كَلب وراح مثل فص ملح وذاب.
ــ أغاتي أبو عفيفة شنو قصدك كَلب وفص ملح وذاب ؟
أطلق أبو عفيفة ضحكة صاخبة جلبت انتباه رواد المقهى ونادى بأعلى صوته
ــ هاي هم خوش والله،  تعال عيوني أبو داوود، تعال شوف أبو رجب هم تيه الحجي وكَام يسأل شنو ما شنو؟
جاء أبو داوود ليلتحق بهم وراح ينظر بدهشة نحو الرجل الفقير وفجأة قال وهو يهز يده يمينا وشمالا.
ــ واي واي، أني أحسنلي أعزل الكَهوة .
ــ ليش عيوني أبو داوود، ليش شنو صاير؟
ــ صارت السالفة ماصخة، الكَهوة صارت تجمع للمخابيل .
ــ أي لعد شلون، مو شبيه الشيء منجذب أليه.
عند تلك الجملة راح الجميع في نوبة من الضحك والمزاح. نهض الرجل الفقير من مكانه وفغر فاه وبدأ بموجة ضحك هستيري وتصفيق أجبرت الرجال الثلاثة التوقف والنظر أليه بدهشة.
ــ مستوي حيل ..الله يخليه، ما يحتاج ..نكَره سلف..عفيه وليدي عفيه.
ــ تره مو بس هو ،وربك المعبود، الكول مستويه.
ــ بس جان استاذ قادر مو بشكل هذا، شوية أوعى و حجيه مرتب وموزون.
ــ بس جان نوبات  يخربط بالحجي جنه مثل الأجانب، الولد يسوي ابنيه والبنية يسويه ولد، ويسأل هوايه.
ــ هسه موزين طلع بهجي حالة، هو جان اليطب يم ذولاك بذاك العهد صدكَ جذب جان يطلع عدل؟
ــ الله يذكرك بالخير أستاذ قادر ما أدري شنو صار وياه. وشحل بيه الدهر؟
ــ وضعه كلش زين ومنشنش .
 قال أبو رجب ذلك وهو يسحب نصف رغيف من تحت غطاء القماش الذي يحفظ أبو عفيفة أرغفة الخبز والصمون داخله.
ــ أي قادر وضعه كلش زين ومرتاح ومنشنش،هاي عرفناهه، بس أروحلك فدوه،أريد أعرف، عود الخبز مالتي شعليه؟
ــ أبو عفيفة فلوسك تلكَاهه يوم القيامه.
ــ أي أقبض من دبش مو؟
ــ أخويه أبو رجب أنته متأكد من سالفة كَرايب استاذ قادر، أخاف الرجال راح بين الرجلين بهذا الوكَت الما يتأمن؟
ــ لا يابه ماكو هيج شيء، البارحة الجمعة مو كَدامك أبو داوود، ما سمعت شنو كَالي سامر، أنو واحد أجه يمهم بالمظاهرة مال ذيج الجمعة، لمن طلع ويانه قادر.. وهذا الرجال كَال هوه كَرايب قادر، وبوسه لعبد القادر وشبكَه،وكَال راح يوصله الأهله هل أيام، وبعدين سامر يكَول الرجال ترخص مني وكَال القادر تجي وياي، وقادر جان فرحان كلش، والرجال أخذه وياه وقادر برضاه وجان مرتاح، راح ويه كَرايبه.. أصلا يكَول سامر أنو كَرايب استاد قادر جانت عنده سياره من هاي الحديثة ألي تخرع، سوده مظللة وموديل هل سنه..  بعد شنو أريد اسوي وياه.. الله يحفظة ويسلمه ويشافيه ما طول لكَه أهله.
ــ أي آني سمعته السامر من حجالك، بس شو ما صدكَته ما أدري ليش؟ هذا أصلا مو راحه، وأني خايف تره بهذا الوكَت ولد الحرام هوايه، أخاف هذا شافو مخبل أخذو وراحو ودو  لهذولة العصابات الياخذون الجلاوي والمشاوي لو ياخذون واحد من أعضائه، لو يفخخوه و يستعملوه بالتفجيرات.. الله يستر.
ــ هاي شلك بيه يمعود أبو عفيفة، فال الله ولا فالك ..تره بسوالفك هاي تمرد كَلبي مرد.
ــ لا والله أخويه أبو رجب مو قصدي آذيك، وأسال الله أن ينجي استاذ قادر..بس أني كَلبي يلعب من هذا أبو كفشة المنفوشه سامر.
ــ أبو عفيفة، أني أدري ليش.. لأن انته تكره هذوله الشباب جماعة حرية حرية دولة مدنية.
ــ لا والله مو هيج.. آني ما أكرهم..هذوله ولدنا.. بس أشوف ديتعبون نفسهم وماكو نتيجه، وطوخوهه ومصخوهه..وسالفتهم ما بيه فايده، والناس تريد السالفة تستوي بالعجل،ما بقه عده صبر.
ــ أذا ما عده صبر لعد شنو تنتظر.. ربك ينزللهم بالزنبيل؟
ــ وربك المعبود تره البلحكومة رايحين بفالهم وينفذون بس ألي براسهم ، وما يهمهم كلشي، وخلولهم أذن من طين وأذن من عجين.. دعوفنا من هاي السالفة.. هسه يعني ما راح تتعرف على هذا المسكين؟
ــ شلك بهذي السوالف أبو عفيفة مو كَتلك،  تره والله أزعل عليك.. هسه تقبل أدفع حساب أكل هذا الفقير لو تريد تحصل الثواب لوحدك.
ــ عنده تومانات.
ــ شنو راح تاخذهن منه؟
ــ ليش أخويه أبو رجب.. أشفتني.. جنت أخذ من استاذ قادر؟
ــ لا والله أخويه والنعم منك..وكَفاتك وياه جانت كلش حلوه.
ــ أبو رجب هذا المسكين ذكرني بأول يوم أجه استاذ قادر هنا، كَعد بنفس المكان وجان يباوع مثله، وهم جان جوعان.
ــ أبو داوود تره هاي الدنيه.. كثرو بيها  المجادي والجوعانين والبطالة والعطالة والمخابيل. وغيرهم بذيج الصفحة يربون كروش وياكلون ويشربون ومبربعين بالفلوس.. الله لا يوفق كلمن سعه بهذا الصار بالعراق.
ــ الناس راح تتخبل من هذي الاوضاع.
ــ ابو عفيفة، ليش أحنه منو بقه بينا صاحي.. أشو كلنا نحتاج علاج نفسي.
ــ أي ولله  أبو رجب كلنا أطباكَات والحمد لله.. هو ألي شافه وديشوفه العراقي قليل، والله الصار بينه وديصير، لو بغير ناس جان ما بقو على وجه البسيطة..
ـــ صحيح والله.. الله يكون بعون العراقيين.
ـــ صدكَني أبو رجب آني حيل حيل  مشتاق الاستاذ قادر.. تعودت عليه. تره ما جان يبين عليه مشخوط.
ــ والله آني بشكلك مشتاقله،وأني أحبه كلش،وألي وياه ذكريات من جان استاذ، تصور البارحة شفته بالحلم جن كَاعد بوسط حديقة جبيره، لابس قاط ومتهندم وشعره مسفط ولا بس مناظر. مريت من يمه جان يكَوم وأجه وسلم عليه وصافحني وسأل عليكم حيل.. بعدين كَالي أترخص منك أبو رجب أروح، تره الطلاب ينتظروني،بس كَبل ما يروح حجه حجايه حلوه، كَال تره العراق حتما ما يبقه بهذا الحال ، ولا بد يصير زين ويتقدم بقدرة وقوة وتصميم أهله، أو وصاني أستمر بالمظاهرات والمطالبة بالإصلاح . كَعدت من الحلم ما أدري ليش فرحان.. كون على ثقة أبو عفيفة جانت الناس تحلف براس أستاذ قادر... ربي بجاه كلمن عده جاه يمك، ينسعد ويتشافه ويرجع الأهله سالم غانم.
ــ أمين رب العالمين... ها عمي تريد بعد لفه؟
ــ أي عفيه حباب ينصرك الله على البنات.
ــ هاي شنو يابه ؟معود كَول غيره ، هاي السالفة منين لكَيته؟
وبضحكة ضاجة قال أبو داوود.
ــ هذا عقدته تختلف عن عقدة استاذ قادر، تره ياجماعة كل عراقي وعنده عقده خاصة بي.
ــ أي نعم،  مثلا عقدة أبو رجب من يوصل يم العربانه، لازم يهلس نص كَرصة خبز.
اشاعت مزحة ابو عفيفة الضحك والمرح بين الجميع .
ــ ضحك خير ربي وشره على المايحب الخير للناس.
ــ الله يكون بعون الناس ويمتعهم بالسلامة ويرجع الغايب الأهله ويشافي كل مريض ويفرج كربة المظلوم والمهضوم  ويطيهم الآمان والعافية.
النهاية
فرات المحسن
ستوكهولم
f_almohsen@hotmail.com
03 / 01 / 2017


35
أمسية أدبية

يستضيف اتحاد الكتاب العراقيين في السويد وبمشاركة منتدى الحوار الثقافي العراقي في ستوكهولم الكاتب والاعلامي الأستاذ طالب عبد الأمير بمناسبة صدور مجموعته القصصية الجديدة، في أمسية أدبية للحوار حول القصة والإصدار الجديد والتنوع في المشاعر الإنسانية والأفكار والأماكن ورحلة طويلة في فضاء الغربة التي قضمت الكثير من سنين العمر.

تعقد الندوة في الساعة الرابعة من عصر يوم الأحد المصادف 19 / 02 / 2017  في منطقة شيستا من العاصمة ستوكهولم وعلى قاعة    BLACKBOX   داخل المكتبة المركزية  الواقعة وسط السوق التجاري ( الكَاليري )

(( طيلة الطريق من عمان إلى الحلة، التي شاءت الظروف أن تكون محطتي الأولى في الوطن، وأنا شارد الذهن ، مشتت التفكير. تارة أحاول لملمة قصاصات الروح التي تناثرت في المنافي لما يقارب من ثلاثين عاماً لم تطأ قدماي خلالها أرض الوطن ولم أشم فيها نسائمه، وتارة أحاول تلمس أجوبة لعلامات الاستفهام التي ظلت تمر من بين مسامات تفكيري  المتعب، من شحة النوم لأيام سبقت تلك الرحلة،الحلم، بسبب القلق والخوف من اللقاء المرتقب مع من تبقى من الأهل،وأصدقاء الطفولة والصبا.كيف سيكون شكل هذه اللقيا ؟ وكيف ستكون مصافحة الأمكنة والأشياء والذكريات التي أودعتها دروب وأزقة المدينة وأغصان نخيلها، قبل الرحيل؟ ))

 

36
كارل ماركس في العراق / الجزء الخامس والثلاثون

ــ يابه والله وداعتك والخوه والروح الرفاقية،  القصة الحجاهه ألي لو بس تسمعه، رأساً تصدكَ بي.
ــ يمعود أنته متأكد من عنده هو مو غيره؟
ــ أستاذ جبار نعم حيل متأكد، ومن انته راح تشوفه ويسولفلك قصته راح تتأكد مثلي.
ــ متنطينياه مرة لخ أحجي وياه.
قدم سامر جهاز الهاتف  إلى ماركس طالبا منه التحدث مع جبار .
ــ أستاذ جبار يريد يحجي وياك .. يعجبك تحجي وياه لو ميعجبك؟
لم ينتظر ماركس أن يجيب على سؤال سامر وتلقف الهاتف بسرعة قائلا.
ــ نعم رفيق جبار؟
ــ عزيزي أرجوك لا تناديني برفيق،  فقط كَول أستاذ جبار فالمسالة حساسة أرجوك؟
ــ حسنا أستاذ جبار مثلما ترغب .
ــ تكَدر تحجيلي وتوصفلي شلون جنت بمكان الاختطاف وشلون حالنه هناك؟
راح كارل ماركس يصف لجبار كيف تم اختطافهم وحال الغرفة والبستان وغرفة أبو بشير ومرتزقته وساقية الماء والتنور وليلة قرصات البعوض وحلم جبار بمحاولة رميه في النهر وعندما وصل ماركس لكلمة قزولقورت. صاح جبار بأعلى صوته وبفرح.
ــ أنطيني سامر بسرعة رفيق، أنطيني سامر.
ناول ماركس الهاتف لسامر وكانت ابتسامة عريضة ترتسم على وجهه الذي تحول إلى ما يشبه عرف ديك بلونه الأحمر القاني .
ــ نعم أستاذ جبار العزيز أخويه الورد. 
ــ أخذ تكسي هسه بسرعة، وأخذ وياك العزيز ماركس للفندق، أو وصي أخويه رضا إذا شفته، لو العمال هناك حته يعتنون بيه. كَللهم وصية جبار، يوفرون أله غرفة زينه وكلشي يحتاجه، أخوي أخوي سامر ما وصيك أدير بالك عليه، وأني بعد ساعتين أنهي الاجتماع بالوزارة وأجي عليكم لهناك... خوش أخويه ما وصيك مره لخ بماركس تره هذا صاحبي بوكت الشده والضيكَ.. ما أوصيك سامر الورد ما أوصيك.
ــ أنته تأمر أمر أغاتي أستاذ جبار.. ميصير خاطرك أله طيب. الله وياك محروس عيوني.
أغلق الهاتف والتفت نحو ماركس قائلاً.
ــ عيوني أنته هسه خشيت بالعصر الذهبي.. وآني همين بلكت يصيرلي فد شي ويه صاحبنا سيد جبار وتنزل رحمة الله تهلهل علينا، شفته شلون من سمع بيك يمي، تخبل طار من الفرح.. هو جبار تره هم بشكلك تحريفي .. أكَلك أستاذ ماركس أريد أحجي حجاية بس لاتزعل وهمين مو تروح و تنقله للرفيق جبار.
ــ تفضل تكلم.
ــ يعني لو هسه أخطفك وأطالب جبار بفدية  عنك.. تتصور راح ينطيني لو يغلس الحباب..
كان ماركس يتجنب النظر إلى سامر ويشغل نفسه بالتطلع نحو المتظاهرين ولكنه في نفس الوقت كان منتبها لما يقوله أو الأحرى ما يهذر به سامر من كلام.
ــ شفت شلون صاير جبار سيد أبن رسول الله من بيت الساده آل مطورد، راح ناخذ تكسي على حساب السيد. شتكَول رفيقي العزيز لو أفرك أبغداد فد ساعة ساعتين تشوفه للولاية مالتنه زين وتشبع منه كَبل ما ترجع الأهلك.
أطلق ضحكة مدوية بوجه ماركس الذي لم يجاريه بفرحه، ولم يكن على استعداد لقبول مثل هذه المزحة السمجة، وجهه كان مقطبًا شاحبًا، يفكر بأنه لن يجد راحته قبل أن يلتقي بالرفيق جبار، رغم سماعه لكلماته الترحيبية الفرحة وضحكاته  التي كان ينقلها الهاتف بشكل واضح حين كان سامر يبعد السماعة عن أذنه متعمدًا ليقربها  من ماركس.
كان ماركس يتسقط بنظراته حشود الجماهير وهو يبتعد مع سامر خارج  ساحة التحرير.جموع غفيرة تصرخ وتهتف بملء حناجرها وتلوح بالأعلام، ويبدو الإصرار رغم التوتر هو السمة والطابع الظاهر على هذه الجموع. شيء حسن يبعث على التأمل والأمل، أنهم يشنون حربا لتحطيم قيم وقواعد وقيود خلقها وفرضها أصحاب السلطة، ولكن يا ترى هل تستطيع هذه الجموع كسر تلك القواعد والاستحكامات للنخب الحاكمة. لم تكن حشود الجماهير بأعداد كبيرة ولكن يبدو عليهم الإصرار والعزيمة وهذا هو المهم، وليكن هذا سلاحها في المواجهة.
كثير من الغرابة والتناقضات في هذا البلد، وكأن هناك مخاض لصناعة وطن غير الذي هو عليه الآن .ولكن الغريب أن أكثر الأشياء والأفعال دائما ما تأخذ منحى العنف والعدوانية وتطغي عليها الأنانية عوضا عن المحبة والتسامح والألفة. المظاهر الطاغية على الفرد وحتى المجموع متوجهة بشكل غريب نحو تمجيد الماضي، وكقواعد وسلوك عام فذلك من يتسيد المشهد اليومي، وتكون محاكاة الماضي قاعدة وسلوك يومي ومعيار لقياس العلاقات وسير الأحداث.ولكون الماضي والتقليد يشكل الغالب في حياة الناس فحالات التوتر تكون شائعة في البنية الاجتماعية، ومن خلال ذلك يستمر المجتمع في خلق وسائل عديدة لتعزيز التقليد وكبت حركات التغيير والمطالبات الجماهيرية بالإصلاح. ربما كانت تلك قناعتي أو هناك متغيرات ووقائع لم استطع اكتشافها أو الوصول أليها، فبات فهمي لهذا المجتمع قاصرا، ولكن مثل تلك التظاهرات الجماهيرية في المدن العراقية حتما سوف تخلق أجواء جديدة وتكون نواة لتغيير قادم، فمن غير المعقول أن يستمر الوضع على هذا الحال الذي تفرضه النخب الحاكمة ومافيات السوق.
ــ ها رفيق ماركس، أشوفك رحت بدالغة جبيره وانته تباوع لجماعتنه؟
ــ نعم دائما ما تبدأ الثورة ببؤرة صغيرة ثم تتسع.
ــ رفيق من حلكَك الباب السمة.
ــ شنو حلكَك وأي باب لهذه السماء؟
ــ رفيق أنته لو مسجل ما سمعته من سوالف وكلمات وأمثال، وما شفته من أحداث بالعراق وبعدين كل هذا أطبعه بكتاب وبعنوان صارخ،  كارل ماركس في العراق،  يابه بعرضي راح الكتاب هذا يثير ضجة  بالعالم وخاصة هو بأسمك، وينوضع يم كتبك، العمل المأجور وراس المال لو حول المسألة اليهودية وغيرها، يابه وروح خالي،  ميه بالميه انته من وراه راح أتألف وتصير برجوازي . وبالعراق أسألني أني، ناسي وأعرفهم زين، يكيفون لو واحد  يسولفلهم عن الأمثال والعبر والدكَايكَ والفاينات العراقية، أحسن من سوالف الاقتصاد وجنجلوتيات البحوث والدراسات ؟   
ــ أرجوك سامر فلنبتعد ونذهب إلى حيث قال الرفيق جبار.
ــ يمعود هاي شبيك كَالب وجهك، موزين راح تلتقي بأحد أقطاب الحركات الثورية العالمية  رفيق جبار آل مطورد.
ــ أرجوك سامر لقد تجاوزت كثيرا، دعنا نذهب حيث طلب جبار ذلك.
ــ شنو أجاوزت، وعليمن، تره لوما مصلحتي يم السربوت جبار كان هسه عفتك تفتر أباب الشرجي وترجع تبات بالكَهاوي ويبقى أسمك أستاذ عبد القادر إلى يوم يبعثون.
ــ شكرا لك على كل حال، أعتقد أنك تستطيع أن تفعل ذلك.
ــ  هم ميخالف مقبوله منك، رفيق ميكون خاطرك أله طيب، نص ساعة ونكون بالفندق.



37
كارل ماركس في العراق / الجزء الرابع والثلاثون

طال الوقت مع رنين الهاتف دون رد. أغلق سامر الهاتف وأشعل سيجارته وارتشف منها بقوة .
ــ كلهم نفس الطينه،ولد الركَاع..  تكَول حسبالك أولاد شاه نشاه لو إمبراطور اليابان ولد الق... استغفر الله.
ــ ألم يجيب..؟
ــ لا ما د يرد على التلفون.
ــ يجوز بعيد عن الجهاز لو مشغول.. حاول مرة أخرى.
أعاد سامر الكرة وضغط على أزرار جهاز الهاتف وراح يستمع لرنينه البعيد.
ــ ألو.. ها سامر.. أهلا شلونك.
ــ هلو ورده أغاتي شلونك شلون العائلة والله مشتاقلك كلش، ولو آني أدري أنته مشغول، بس حبيت أسلم عليك، ذاك اليوم أجيت للفندق بالعرصات كَالولي بالفندق ألاخ ألي بالمنصور.. بقيت شويه وتغديت يم الجماعة وهمه ما قصرو.. حبي رضاوي  الورد رحمه الذاك الأب الطيب ألف رحمه ونور عليه بهذا يوم الجمعة المباركة، أكَدر أحصل تلفون الحبيب جبار.
ــ شنو اليوم بيها حبيب جبار لازم أكو شي.. كَلي بلكي أكَدر أساعدك؟
ــ لا والله ماكو شي بس ردت أسلم عليه، خوب ما تبقه علاقتنه مكَطوعة بهلشكل وأحنه أصدقاء ورفاق من زمن طويل، واليوم حلمت بي حلم قوي، وكَلت لازم أحجي ويه أخويه الحبيب.. من كل ولابد.. داد صدقه للوجه الحلو أريد تنطيني تلفون جبار. خوب أنته متضوج من أخوتك يتصالحون.
ــ لا أخويه بالعكس.. ليش اضوج.. تدلل، والله صحيح جنتو أصدقاء وحبايب وجماله رفاق بطريق واحد. واليمشي بدربنه شيشوف لو طركَاعه لوعندك الحساب مو هيجي الحجي.
ضحك سامر ضحكة طويلة ثم راح يسجل في هاتفه رقم تلفون الرفيق جبار الذي أعطاه إياه رضا. وبعد أن أغلق الهاتف مع رضا قال لماركس.
ــ هسه تمام رفيق ماركس لو شعراية من جلد خنزير لو بح.
ــ أما ضجرت من ترديد الألغاز.. أي خنزير هذا وأي بح؟
ــ قصدي لو نطلع بنتيجة زينه ويه ابن المهلوس الرفيق جبار، لو يعنفص علينه وكلشي يضيع ومنحصل منه كل نتيجة، وتبقى أنته تفتر بسوكَ باب الشرجي لحين يقضي الله أمرا كان مفعولا.. تعال رفيق ماركس تعال نروح نكَعد فوكَ ذيج المصطبة.
ذهبا وجلسا هناك. كان ماركس يراقب حركات سامر وينتظر بفارغ الصبر أن ينهي ثرثرته ليتصل بالرفيق جبار. سحب سامر سيجارة أخرى وأخذ ينفذ الدخان ويقلب بيده جهاز الهاتف دون أن يقدم على الاتصال بالرفيق جبار، بل فضل أن يسبق اتصاله بالحديث عن الخصال السيئة التي يتمتع بها الرفيق جبار، كان الحماس ظاهرًا عليه وكأنه يتحدث عن عدو  لئيم لا يملك من الصفات إلا سيئها وأقبحها.
ــ ألا تتصل بالرفيق جبار؟
ــ نعم سوف أتصل.. من كل ولابد أتصل. بس دا أفكر شنو أحجي وياه، وبس لا هذا الانتهازي القذر أخاف يسد التلفون بوجهي؟
ــ بدون أي مقدمات قل له بأنك عثرت على كارل ماركس، وأني أجلس جوارك الآن، عندها نرى ردة فعله. هيا يا رفيقي فقد عيل صبري ما الذي تنتظره.. أرجوك.
ــ أو كي حبيبي راح أتصل بس تره أنته لا تتفاجئ.. تره آني أعرف النتيجة ويه هذا.. شايف نفسه شوفه أكثر من كَبل بألف قاط.. وهسه ينكر الأول والتالي.. أعرفه آني قاري وكاتبه ومفلسه تفليس.
ــ مهما يكن أرجوك أتصل به ولنرى حقيقة الأمر.
ضغط سامر على أرقام الهاتف وراح ينتظر، لم يطل به الوقت حين جاء صوت جبار من هناك.
ــ ألو تفضل وياك سيد جبار آل مطورد.
ــ مرحبه رفيق جبار آني رفيق سامر.
ــ أهلا وسهلا بسامر.. هاي شنو أشسامع اليوم صار تلث تشهر ما سامع صوتك.. سامر  بعد لتكَول رفيق ولتسولف بذيج السوالف.. الرفيق راحت ويه الرفيق الجبير.. أوكي سامر.. تفضل شنو تريد.
ــ ماكو شي حبيت أسلم عليك وأسال عن صحتك.. خوب ما يطول زعلك علينه، وأحنه أخوتك ونحبك حيل ونحترمك.. أنت جبيرنه وكَلبك واسع تتحمل غلطاتنه وسوالفنه التعبانه.. مو هيج رفيق.
ــ مو كَتلك عوف كلمة رفيق.. تره اذا كررتها راح أسد التلفون زين.. كَول   شنو عندك  شتريد.. تريد تروح تبات بالفندق.. بعده أم عشتار ما تريدك. هسه أخابرلك رضا خلي يبيتك هناك.
ــ لا أستاذ جبار آني هسه رجعت يم أهلي وعفته لأم اعشتار هينوب، بعد صارت العيشه وياهه صعبة.. بس أكو شغله أتهمك كلش ردت أحجي وياك بيه.
ــ كَول شنو هيه الشغلة؟
ــ يمي واحد لا زم أنته تعرفه وهو يريد يحجي وياك.
ــ جيبه أنطينياه، تره ما عندي وكت، ولازم أطلع يلله بسرعة.
استلم ماركس الهاتف النقال بقلب وجل يخفق بسرعة، وكأن الكون كان يرتج مثل شجرة جوفاء في ريح عاصف. كل شيء يبدو معلقا بكلمة تصدر من الرفيق جبار، وأن هذه اللحظة الصارمة القاسية من عمره هي اللحظة الحاسمة وهي حد السيف القاتل الذي سوف يشطر العمر لمرحلتين.
ــ ألو رفيق جبار أنا الرفيق كارل ماركس.
ــ منو ..شلون منو ؟
ــ أنا كارل هيانريش ماركس.
ــ يمعود هذا شلون حجي؟ أنت وين يا رجل، وشلون وصلت هنا؟ وهسه أنته يمن.. أطيني سامر.. أطيني سامر.
وبشيء من الفزع الذي دب فجأة في قلبه ناول ماركس التلفون إلى سامر وهو غير مصدق بأنه تحدث مع جبار.. ظهرت ابتسامة طفولية على وجه سامر وهو يأخذ جهاز الهاتف.
ــ ألو عيوني أستاذ جبار..
ــ لك هذا صدكَ كارل ماركس صاحبنا؟  لو خاف هاي وحدة من دكَاتك العوجه؟
ــ  أفه رفيق لا وروحه الوالدك العزيز هذا صاحبنا نفس الخشم والحلكَ والعيون، ولو شعر راسه خفيف وما عنده لحية بشكل ذيج لحيته مال كَبل.
ــ أي موكَتلك بلا رفيق ..شنو شعر راسه خفيف شنو ما عنده لحية؟
ــ رفيق جبار هو يكَول عصابة أبو بشير زينو راسه ولحيته وعذبوه.
ــ شوف سامر أذا تستمر بكلمة رفيق فراح أسد التلفون وخلي ماركس مالتك هذا  يدفعلك فلوس العشه. بعدين أني أعرفك زين أنته تبقه على نفس ذبتك مخبوص ومتطير، وهذا الماركس مالتك لعب عليك وانته صدكَت بي؟
ــ أستاذ جبار دا أكَلك وروحه الخالي هو نفسه.. لو بس تشوفه؟
ــ سامر حبيبي، تره أني أعرف أنته ما عندك خال ميت، غير واحد مات وجان عمره ست تشهر يعني بالكَماط  فلا تسوي عليه داور كيسه وتبيع فيكات؟
ــ يابه والله وداعتك والخوه والروح الرفاقية، القصة الحجاهه ألي لو بس تسمعه تصدكَ بي.
ــ يمعود أنته متأكد من عنده هو مو غيره؟


38
حوارية الشهر

يقيم منتدى الحوار الثقافي في ستوكهولم حوارية جديدة حول مفهوم الغربة والحنين. يلقي فيها الدكتور رياض البلداوي الضوء على طبيعة العوامل النفسية والمادية التي يواجهها المرء في مثل هذه المشكلة، ويحاوره في هذا العنوان الدكتور عقيل الناصري
اللقاء يكون يوم السبت 28 / 01 / 2017 في المكتبة المركزية داخل كَلاري شيستا وسط العاصمة ستوكهولم القاعة المفتوحة SCENEN
ومن الساعة الرابعة عصرا حتى السابعة.   

هل الحنين نعمة أم نقمة ؟

الاغتراب ظاهرة إنسانية بارزة ومتميزة في حياة البشر .فالأزمات سواء كانت فكرية أو مادية، ذاتية أو موضوعية، فإن الاغتراب يكون عند البشر متلازمها الأول، ولتكون الغربة الحل النهائي كما يعتقد البعض.
الهجرة والاغتراب عن الوطن يمثل انهيار وتصدع في العلاقة العضوية بين الإنسان وتجربته الحياتية ووجوده في حيز معين، ولكن من نتائجها، ودائما ما يترافق معها بعد حين، هي تلك الهواجس والانفعالات التي تثير لدى الفرد الحنين لبيئته الأولى، حيث يبدأ الوعي المقترن بالعاطفة ينمي حاجات نفسية تعمل على تصعيد الحنين، بعد فترة  الاغتراب قصرت أم طالت،نجد المرء يواسي النفس بضرورة الانتماء لمجموعة أو وطن. ولن يكون هذا بعيدا بما يتعلق في ذات الشخص من عواطف، وبمقدار وما يتوفر له في غربته من استقرار وتوازن وظروف وعوامل اجتماعية اقتصادية، تبعد عنه مشاعر الخيبة والخسران وتشعره بوجوده وكيانه. ولكن هل أن هذه الظروف من الممكن لها أن تحد من مشاعر الحنين للمكان الأول، للوطن للأرض التي ترعرع فيها،  لملاعب الطفولة والصبا، للأهل، للأصحاب . 
معادلة صعبة. ترى  هل يستطيع المرء وضع قواعد سلوك نفسي وبدني يعادل فيها كفتي مشاعر الغربة والحنين، أم ترى احدهما يطغي على الأخر فيبدأ معه فصل نزاع نفسي قاسي، يضع المرء في مأزق ليس من السهل التخلص منه.
فهل الحنين إلى الوطن الأول نقمة أم نعمة .


البرنامج القادم لمنتدى الحوار الثقافي في ستوكهولم يكون بالشكل الأتي:

 
يوم السبت 25 / 02 / 2017  وعلى قاعة Blackbox  مكتبة شيستا المركزية
لقاء وحوار من الساعة الرابعة عصرا حتى السابعة مع الفنان التشكيلي عمار داوود حول مفاهيم الرسم وقراءة اللوحة.
يوم السبت 18 / 03 / 2017  عرض ونقاش حول فلم تسجيلي جديد عن ثورة 14 تموز للفنان سلام قاسم.
15 / 04 / 2017  قراءة وتوقيع مجموعة قصصية

39
كارل ماركس في العراق / الجزء الثالث والثلاثون


ــ منو ...منو؟
ــ أنا رفيقكم كارل ماركس الذي استقبلتموه عند أول دخوله بغداد، وفي اليوم الثاني جلسنا في فندق رفيق جبار وقد تكلمت أنا في موضوعة المجتمع والماركسية الجديدة، أثارك موقفي ذاك، وكنت متوترًا جدًا وطلبت مني الاعتذار عما ذكرته، وقلت بأن الماركسية الكلاسيكية هي منهجكم وطريقكم، واتهمتني بالردة والتحريف، حينها قال لك الرفيق جبار بأنك تثير المشاكل وبدأ الخصام بينكم، وأنت أخبرته بأنك تحملت رفقته لأكثر من عامين وأنك لا تعترف به رفيقا لك، واتهمتني بأني لست كارل ماركس الحقيقي وإنما شخص آخر تحريفي، وكانت ردة فعلك شديدة وعنيفة حين هددتني وأنت تخرج من قاعة الفندق مع مجموعتك بعواقب وخيمة وسوف تطلعوني على الماركسية الحقيقية.
نظر سامر بتركيز شديد إلى وجه ماركس ثم ضغط على صدغيه وهز رأسه وكأنما يريد أن ينفض عنه شيئًا ثقيلاً علق به، ثم أطرق نحو الأرض، وبعد لحظات رفع عينيه ليغرزهما بوجه ماركس ثم أمسك كتفه وراح يخضه بهدوء وهو يصرخ بسرور وفرح طفولي تجلى في بريق عينيه السوداوين.
ــ ياربي.. ياربي هاي شلون دنيه.. افترت ودارت.. ورجعت ليوره.. والله صحيح هذا الخشم عرف ومو غريب وهاي الكَصة نفسها.. هاي انته وين جنت.. منين أجيت.. وهاي منو هلس شعرك ولحيتك ؟
ــ حين كنا مختطفين عند عصابة أبو بشير وبعد إطلاق سراح رفيق جبار عُذبت كثيرًا وقام أبو بشير ومرتزقته بحلق شعر رأسي ولحيتي.
ــ تعال.. تعال.. تعال ورايه خل ننزل بحديقة الأمة هناك نكَدر نتفاهم أحسن.
كان زحام الجماهير على أشده وهتافاتهم تتعالى لا يستطيع المرء التمييز والتعرف على ما يردد فيها، مجاميع تشتم وتقذف بالأحذية نحو صور لشخصيات لم يسبق لماركس مشاهدتها، وهناك مجموعة كبيرة أخرى تستمع لخطاب يقرأه رجل رشيق القامة بشعر فاحم عكش يعتلي منصة نصبت أمام الساحة، ومجموعة أخرى ليست ببعيدة ترفع لافتة خط عليها شعار كبير، باسم الدين باكَونه الحرامية،  لم يجد ماركس في جعبته ما يفسر الكلمة الوسطى، ولم يهتم للأمر بشكل جدي، فكثيرا ما كانت ترد كلمة باكَونا على أفواه العراقيين ودائما ما وجدها قد أصبحت لازمة عند البعض في أثناء أحاديثهم دون أن يسألهم عن معناها.
  تابع سيره وسط الزحام ليلتحق بسامر الذي سبقه وكان يقتحم المتظاهرين بقوة وحيوية وكأنه تيس ماعز ضخم. هبطا سوية السلم المفضي إلى وسط الحديقة بعد أن اجتازا العربة العسكرية التي كانت تقف تحت الراية الخرسانية، تاركين ورائهم الجماهير الصاخبة وهي تهتف مطالبة بالإصلاح والبعض منها يطالب بإسقاط الحكومة. أمسك سامر ماركس من يده وتنحى به جانبا نحو زاوية بعيدة من الحديقة.
ــ هاي شلون..أوين أفتر بيك الدهر يمعود تعال أحجيلي شنو القصة؟
ــ حكاية طويلة سوف أرويها لك لاحقاً.
 ــ لعد أني خبرني رضا أخو الرفيق جبار بأن العصابة أطلقت سراحك بعد ما أخذت الفدية من السفارة الألمانية.
ــ أي سفارة وأي فدية.. لم يحدث مثل هذا الأمر وإنما الشرطة من أطلق سراحي بعد فترة من خروج الرفيق جبار بعد أن دفع لهم أخوه مبلغ السبعة آلاف دولار فدية عنه.
ــ سبعة آلاف دولار!؟
ــ نعم سبعة آلاف دولار اتفقوا عليها ولذا أطلقوا سراح الرفيق جبار.
ــ ولكن رضا أخو الرفيق جبار كَلي دفعنه سبعين ألف دولار.
ــ مثلما أخبرتك الآن وهو الذي حدث أمامي في ذلك المكان.
ــ مو غريبة كلهه أتطير أفياله!
ــ كيف يطير الفيل، شيء غريب؟
ــ رفيق ماركس بالعراق كلشي ممكن ولا تستغرب.. الطلي يلعب شناو.. الديج الهراتي من الخوف ينرعص ويكَوم يعوعي بنص الظهر.. الواوي يصادق الدجاج.. بالعراق كلشي يصير وكلشي يطير.
ــ رفيق سامر لا أريد أن أعرف شيئًا عن الذي تتحدث عنه.. المهم كيف أستطيع الوصول إلى الرفيق جبار؟
ــ ولو ما اريد أجذب عليك وأنته رفيقنا الجبير، من يوم تعاركنه أنه وياه بيوم ندوتك.. انكَطعت علاقتي بجبار،  أو وراكم تفلكش وخرب كلشي بحزبنه، بس بقت عندي علاقة بأخوه رضا، علاقة قوية لأن رضا خوش ولد حباب وفقير، ومرات شويه يساعد، رجال سخي، وهو سولفلي كولشي الي صار بيكم. وهذا الي تسميه هسه رفيق جبار.. وره ما طلع من يمك رجع متخبل وصار طباكَات.. أو وره شهر كَلب عكرف لوي على حزبنه، وكَام يضرب ركعة، وجوه كَصته بالبيتنجان.
ــ وما معنى يضرب ركعة وجوه كَصته؟
ــ يعني يصلي ويقشمر بالناس على أساس هو متدين ورايح بالدين للوحة..وكَصته صارت سوده من هلكَد يصلي.. وتخشخش ويه الجماعة المتدينين ألي بالحكومة، وأتعين بمركز مهم بوزارة الخارجية ومن ذاك الوكَت أربع سيارات جسكاره تودي وأربعه ترجعه وحرس أباب بيته.
ــ أرجوك رفيقي سامر أفصح جيدًا عن حديثك فما عدت أعرف ما تعنيه.. رايح بلوحة وتخشخش وسيارات جسكاره.. ماذا يعني كل ذلك؟
ــ ملخص الكلام، خلال جم يوم، صار الرفيق جبار متدين ومن جماعة الحكومة، ورأسًا عينوه بوزارة الخارجية بمركز حساس، لأنه عنده شهاده ويعرف لغتين.. وكَرايبه هم جبير بحزبهم.. يعني جبار فد شي جبير بالنسبة لجماعته الي صار منهم.أصلا حته سالفة الاختطاف استغله وحصل من وراه شي جبير.
ــ ما الذي تعنيه؟
ــ يكَولون سواه على اساس اختطاف طائفي وبسبب موقفه الديني وعلاقاته ببعض رجال الدين من طائفته ..لتكَلي ولا أكَلك سواها كَولبه،وصارت صدكَ ،  تكَول جانو خاطفين نلسن ماندلا مو جبار أبو العقد المرعوص.
ــ ماذا اكلك وماذا تكلي ..إلا تنتهي هذه الكوارث والعقد اللغوية؟
ــ حقك ابن عمي ماركس ..العفو رفيق ماركس ؟ ولا يهمك نرجع لصلب الموضوع.
ــ المهم كيف نستطيع الاتصال به والوصول اليه؟
ــ الحقيقة.. رفيق ماركس تعرف.. هو بدل تلفوناته واتغيرت أحواله وما كَام ينشاف.. بس علاقتي بأخوه رضا استمرت وكلش زينه،  يمكن نكَدر نحصل من عنده على تلفون جبار ونحاول الاتصال بيه.
ــ ليتك تفعل هذا الآن.. أرجوك دعني أحادثه.
ــ أي هسه خليني أحصله وبعدين كولشي يصير.. إذا حصلناه أو وافق يشوفك كون على ثقة أعتبر نفسك وصلت للمكان الي تريده.
ــ أيعني ذلك عودتي إلى لندن؟
ــ نعم، رفيقك سابقًا جبار وحاليًا مولانا جبار، بين يوم والثاني يروح خارج العراق، ويكَدر يسويلك جواز سفر ويطلعك وياه.. هذوله عدهم كولشي سهل مثل شربة بطل ببسي ويجرون وراه تريوعه طويله.. من كثر ما شابعين ومبربعين بالنعمة والناس جوعانه. خل انحصله هسه وأذا وافق يقابلك خير على خير.. أعتبر مسألتك أنحلت وميك بالصدر والهوه بظهرك عدل وكَبل اللندن .. بس كون يشيل التلفون وأخاف يكَلب ويرفض يحجي ويايه وحتى وياك، تره هو نحس أعرفه أبن المداس حيل نحس وشايف نفسه شوفه.. على كل حال نتصل بأخوه رضا أولاً حته نحصل تلفونه، وشي هم حلو، بلجي هم بواسطتك وترجع علاقتنه آني وياه وشويه نستفاد منه لهذا اليابس الانتهازي اللوكَي.
كان ماركس ينظر إلى سامر بغضب ويجبر نفسه الاستماع لثرثرته، وهو لا يملك حيال هذا الآمر ما يجعل سامر يكف عن الثرثرة والشروع مباشرة بإنجاز ما يرغب به ماركس. وترسخت في ذهنه القناعة بأن مثل شخصية سامر لا يمكن لها أن تكون ثورية وقيادية في مجال عمل ما،أي عمل كان، وهو هامشي وفوضوي ومخادع، فكل شيء فيه يوحي بالتطير والعجالة وكذلك الوصولية. المهم يريد ماركس منه أن ينجز مهمة إيصاله إلى الرفيق جبار، وليذهب سامر بعد ذلك أين ما يذهب.
ضغط سامر على أزرار هاتفه ليتصل برضا  وفي ذات الوقت سحب سيجارة وضعها عند طارف فمه. طال الوقت مع رنين الهاتف دون رد. أغلق سامر الهاتف وأشعل سيجارته وارتشف منها بقوة .
ــ كلهم نفس الطينه،ولد الركَاع..  تكَول حسبالك أولاد شاه نشاه لو إمبراطور اليابان ولد الق... استغفر الله.


40
كارل ماركس في العراق / الجزء الثاني والثلاثون


ــ هسه يمعودين خل نغسل ادينه ونشرب جاي ونروح يم الجماعة للمظاهرة.
ــ أوكي يالله ياجماعة.
ــ ليش متخلوه على حسابي هذي المرة.
ــ عمي أبو رجب أحنه متعودين كل جمعه نجي يمكم  بهاي الكَهوة ناكل ونشرب جاي.. خوب مو جايين خطار أبيتكم.. الله يحفظك ويخليك وينطيك الصحة والعافية.. وهمزين بواسطتك تعرفنة على أستاذ عبد القادر.
قال مزهر ذلك وطلب من ماركس النهوض من أجل السماح له بالخروج من المكان للذهاب وغسل يديه فتنحى ماركس جانبًا مفسحًا له الطريق وفي الوقت ذاته طلب أبو رجب من ابو داوود جلب الشاي للجميع. ولكن باغتهم ماركس بسؤال مسرحي مفتعل رافقته ابتسامته المخفية.
ــ ماذا يعني تحود النار الكَرصته؟
ــ معود بطل من أسألتك.. دتعال كَوم نبوس أبو عفيفة ونصالحة وبعدين تروح ويايه للمظاهرة.


*       *       *
جاور ماركس سامر في المسير نحو ساحة التحرير وكان قريبًا منه جدًا وكأنه يريد أن لا يفلت منه، كان يلاحقه بنظراته ويحاول اختبار ردود فعله مع كل حركة أو جملة تقال، يود أن يتأكد من شخصيته وهل هي ذاتها التي واجهته بنزقها وعنفوانها وهددته بسماجة وسخف. يا ترى هل يفشل معه ويكون سامر أكثر تطرفًا وصعب المراس ومتطيرًا أكثر من المرة السابقة. في كل خطوة كان يريد أن يسحب سامر من يده ويذهب به بعيدًا ليحادثه ويصارحه، ولكن سامر كان مشغولاً مع أصدقائه بالحديث عن التظاهرة التي تأخذ من تفكيرهم الكثير، وهم يبحثون أيضًا في متبنيات المجتمع وكل ما يعتمل فيه من وقائع ومرارة تفرضها العادات والتقاليد والمعتقدات الغيبية، وكان حديثهم كالعادة خليط يذهب هناك ثم يعرج على حديث اخر بعدها يعيد تكرار السابق.  كان ماركس ورغم أن محور تفكيره كان يرتكز على محاولة الانفراد بسامر، ولكنه أيضًا يفكر بمجريات حديث هؤلاء الشباب عن حركتهم الجماهيرية أو من الجائز إطلاق تسمية انتفاضتهم الجماهيرية. فالملاحظات التي أوردها بعضهم تبدو جد عقلانية وواقعية وشخصت لب وأس المشكلة وهو الأساس الاقتصادي وما حدث من تغيرات في وسط القوى المنتجة وطبيعة علاقات الانتاج وبنية الطبقات الاجتماعية وانعكاس ذلك على البناء الفوقي للمجتمع، تفكير سليم جدًا ولكنه يحتاج إلى دلالات في الوعي المجتمعي والطبقي والحراك الجماهيري. ومن خلال ما عرفه عن طبيعة التشكيلات الاقتصادية في العراق فإن اقتصاد العراق الريعي اليوم، وهو الذي يعتمد على تصدير النفط وبيعه لن يفضي إلى ما يرغبه هؤلاء، ولن تولد من رحمه دولة مدنية ديمقراطية، وإنما المعروف وبشكل جلي أن هذه الولادة دائمًا تطرح نموذجًا مشوهًا، وأي سلطة فيه ليس لها قدرة على وضع برامج تقدم للمجتمع ما هو نافع وحضاري فهي تعتمد شعارات وحلول ترقيعية ليس إلا، وتحاول استغلال الدخل الوطني لمصالح فئوية وحزبية. أعتقد أن عزيمة  وقوة هؤلاء الشباب يحتاجها العراق بشكل حقيقي، ولكن تحقيق حلم هؤلاء بالإصلاح يحتاج إلى أفق أوسع وإلى قوى تخلق تناسبات وتحالفات جديدة لتكون قادرة على الاستمرار وخلق الظروف الضاغطة لأجل التغيير. وهذا التغيير من المؤكد إن نجح في مهامه الأولية، سوف يساعد على كسر قاعدة احتكار السلطة المستندة إلى الهويات الفرعية، ويؤسس لوعي اجتماعي جديد، وهؤلاء الشباب أجد فيهم المعرفة الجدية والإيمان بضرورة خلق البديل المدني الديمقراطي، وهو البديل الوحيد القادر على بناء وطنهم. ورغم قناعتي بصعوبة التغيير هذا في المدى القريب ولكنه كملمح استراتيجي يبقى ضرورة لإنقاذ هذا الشعب من ثقافة الاستبداد والنزعات الماضوية المناهضة للحداثة والمغرقة بالتخلف وعدم احترام الرأي الآخر والانكفاء على الغيبيات.
فجأة وفي غفلة منه وبسبب سرحانه في تحليل أفكار الشباب، لم يجد سامر جواره. التفت نحو الباقين وبارتباك ظاهر سألهم عن سامر، فأجابه أحدهم بأنه ذهب لشراء علبة سجائر وسوف يعود.
ــ نلتكَي بيه بالمظاهرة وين يروح.
ــ ولكن كيف أضعته أنا؟
ــ شنو ليش أنته.. شنو تريد منه؟
ــ لا شيء... لا شيء ولكن خفت أن يضيع وسط الناس؟
ــ أخونا الطيب استاذ قادر... ليش سامر زعطوط لو مايندل المنطقة... جان كمشت إيده وما خليته يفلت منك؟
تدخل أبو رجب بالقول وهو يقبض على ساعد ماركس ويسحبه إلى جانبه.
ــ حقه استاد قادر يخاف على أصدقائه.. تعرفون هو... هو تعرفون.. جان استاد جامعة وكلش يهتم بطلابه.
ــ والله حسبالي غير شي؟ كَلت بس لا صاحبنه يدور طيور مكلشه؟
ــ لا يمعودين تره استاد قادر مر بظروف قاسية.. بعهد صدام جان مسجون وبعد دخول الامريكان طلع وهوه هسه شويه مريض إنشاء الله يصير زين.
ــ والله انته عبد الرضا كلش تفكيرك يروح بعيد ودائمًا عقلك يروح على المزين.
ــ أي مو سامر يتفلس على التمن ..شلون جهره عاد ، مطعجه معقجه ..لو بس أعرف شلون أطاهم كَلبهم وسمو سامر ..ليش مسمو معيريج ..صليبيخ ..طاوه محروكَه .
ضحك الجميع وكانوا قد اقتربوا من فتحة السوق المفضية إلى ساحة التحرير. كانت عيون ماركس القلقتان تجوبان المكان بحثًا عن سامر الذي فاجأهم عند انعطافة الزقاق. كان يقف أمام بائع صغير يعلق صندوق خشبي برقبته ويضع فيه عدد من علب السجائر. سارع ماركس ووقف جوار سامر مراقبًا حركته ثم سأله.
ــ سوف تذهب إلى التظاهرة.. أليس ذلك؟
ــ أي لعد وين راح أروح؟
ــ ممكن أن أكلمك على انفراد.. أرجوك؟
ــ شنو القصة استاذ قادر أكو مشكلة؟
ـ نعم مشكلة كبيرة أحتاج أن تحلها معي؟
ــ خلي نلحكَ بالجماعة وعود بعدين نحجي؟
ــ أرجوك سيد سامر أحتاج مساعدتك.
ــ زين.. زين بعد ما تنتهي المظاهرة نحجي.
ــ أرجوك أن تتفهم موضوعتي.. أنا بحاجة لمساعدتك وأنت أملي في حل هذه المشكلة؟
ــ أستاذ قادر أي هسه وقت حل المشاكل.. وشنو آني لكَيتني حلال مشاكل.. آني مشاكلي لا تنعد ولا تنحجي وهسه إنته تريد أحل مشكلتك.. يمعود الجماعة صارو بنص الناس وإنته صالبني هنا.
تقدم أبو رجب ملوحًا بيده ومناديًا على ماركس أن لا يتأخر فلحق به سامر يرافقه ماركس وخلال تلك الخطوات القليلة تابع ماركس إلحاحه بطلب الحديث المنفرد مع سامر.
ــ أرجوك لا تجعل أبو رجب يعرف بطلبي هذا أرجوك.. طلبي هذا وحديثي سوف يؤثر كثيرًا بهؤلاء الرجال الطيبين، لا أريد أن أظهر أمامهم مخادع وغير جدير باحترامهم.
ــ أي هسه هو شنو طلبك.. هو آني أعرفه حتى متريد أبو رجب لو غيره يعرفه؟
ــ لن أحدثك به إن لم تعدني أن نبتعد قليلاً عن التظاهرة لأخبرك بالذي أريده منك.
ــ أو كي... بس كون على ثقة غير خمس دقايق ما أسمحلك باكثر منهن.
ــ جيد... لا تدع أبو رجب يأتي معنا.. علينا أن نجعله بعيدًا قدر الامكان.
ــ أي تعال أهنا.. كَول يمعود سطرتني.. بس إنته ليش هيجي تحجي.. وجنك أجنبي؟
ــ عزيزي سيد سامر المحترم أنا هي تلك الحقيقة.. أنا أجنبي وليس عراقي.
ــ يعني إنته مو استاذ قادر صديق أبو رجب؟
ــ سيد سامر أنا وأنت التقينا سابقًا في مطار بغداد ومن ثم في فندق الرفيق جبار.. هذه ملخص للحكاية كلها.. أنا كارل هانريش ماركس.
تراجع سامر إلى الوراء وكأنه صعق حين سمع الاسم، شعر برهبة الموقف وكأن كل شيء قد توقف من حوله وردد وهو يتلعثم بالكلام.
ــ منو ...منو؟


41
نداء
في عملية جبانة أقدمت عصابات الجريمة المسلحة باقتحام منزل  الصحفية والناشطة المدنية السيدة أفراح شوقي، وبصفة جهة أمنية حكومية، وبعد أن روعوا واعتدوا على عائلة الصحفية أفراح وسرقوا بعض أموالها وسيارتها الخاصة،اختطفوها من منزلها واقتادوها إلى جهة مجهولة.
أننا الموقعين أدناه من ناشطين ودعاة الحقوق المدنية والمهنية في المملكة السويدية، ندين بشدة هذه الجريمة النكراء ونحمل الحكومة العراقية وأجهزتها الأمنية كامل المسؤولية عن هذا الفعل الشنيع،وفي نفس الوقت نطالب السلطات باتخاذ الإجراءات العاجلة للكشف عن ملابسات الجريمة والجهات التي قامت بها، ومحاسبة قوى الأمن المسؤولة عن المنطقة التي وقعت فيها الجريمة.وقبل هذا، العمل بشكل مكثف ودقيق على إنقاذ حياة الصحفية أفراح شوقي وتحريرها من يد خاطفيها وإعادتها إلى عائلتها، وتحديد الجهة المنفذة وإنزال أقصى العقوبات بحقها. كما نطالب بوضع ضوابط ملزمة للسيطرة على الانفلات الأمني المتفاقم وانتشار السلاح وعصابات الجريمة والوقوف بحزم بوجه هذه القوى التي باتت تروع الناس وتسلبهم حقوقهم الإنسانية وتعتدي على كرامتهم.

1 ـ رابطة المرأة العراقية فرع السويد ـ ستوكهولم
2  ـ جمعية المرأة العراقية ـ ستوكهولم
3 ـ الاتحاد الديمقراطي للجمعيات العراقية في السويد
4 ـ الحركة النقابية العمالية العراقية في السويد
5 ـ لجنة اللاجئين العراقيين في ستوكهولم
6 ـ اتحاد الجمعيات العراقية في السويد
7 ـ نادي 14 تموز الديمقراطي العراقي في ستوكهولم
8 ـ رابطة الديمقراطيين العراقيين في ستوكهولم
9 ـ دكتور صالح ياسر رئيس تحرير مجلة الثقافة الجديدة
10 ـ بسام محيي خضير    كاتب
11 ـ هيفاء عبد الكريم      رابطية
12 ـ ليث حميد
13 ـ عبد الكريم حيدر عبد الواحد
14 ـ أياد عباس
15 ـ خوشناو شير
16 ـ دكتور عبد الحسين الاعرجي
17 ـ جاسم هداد          ناشط مدني
18 ـ نديم فزع            ناشط مدني
19 ـ وسام حسناوي كسار
20 ـ غازي عبود
21 ـ دكتور توما شمعون
22 ـ سعد مجيد الجيزاني
23 ـ لؤي حزام عيال
24 ـ نعمة عيال نصار
25 ـ سعيد شلش العسكري
26 ـ زكي المظفر
27 ـ رياض أدمون
28 ـ سامية محمد
29 ـ فانا عزيز
30 ـ حكمت حسين      ناشط مدني
31 ـ جواد علوان الربيعي
32 ـ عبد الرضا المادح      قاص وكاتب
33 ـ ميثم محمد علي
34 ـ هادي عبد علي
35 ـ فيروز يوسف
36 ـ أحمد طه حمودي           نقابي
37 ـ فاطمة رضا حسين       رابطية
38 ـ دلناز عبد الواحد
39 ـ نجيب حسين مهدي
40 ـ حيدر علي حسن
41 ـ بشرى الطائي   
42 ـ رند الحلفي   طالب
43 ـ روى الحلفي            طالب جامعي
44 ـ روناك محمد محمد         ناشطة نسوية
45 ـ ثانا نجدت               طالبة
46 ـ بيان محمد                  ناشطة نسوية
47 ـ سيروان صديق        موظف
48 ـاسعد المهداوي
49 ـ محمود سلمان عاصي
50 ـ هادي الجواد
51 ـ طالب عبد الأمير      أعلامي وكاتب
52 ـ عيسى عوده           متقاعد
53 ـ سمير جادري
54 ـ قاسم عبود
55 ـ دكتور ليث العاني        أكاديمي
56 ـ دكتور خليل عبد العزيز 
57 ـ فرات المحسن      صحفي وكاتب
58 ـ بسعاد عيدان          مهندسة كيماوية
59 ـ عبد الله حطاب
60 ـ حاتم الطائي
61 ـ كريم حسون الأسدي
62 ـ دكتور أزهر المظفر
63 ـ جبار حسن
64 ـ نورية المقدادي          ناشطة نسوية
65 ـ كفاح وضاح حسن سعدون
66 ـ دنيا رامز حسين
67 ـ الدكتورة سعاد خيري
68 ـ رئيفة صادق              تربوية
69 ـ يحيى المحسن            موظف
70 ـ صفاء سعيد
71 ـ      بيان محمد
72 ـ نبيل البازي          محاسب
73 ـ فهد محمود               عامل
74 ـ فيصل الفؤادي          نقابي
75 ـ كفاح محمود

42
كارل ماركس في العراق / الجزء الواحد والثلاثون

ــ لا راح ألزم أيده وأخلي بصفي ما يتحرك.
ــ والله ما أدري شأكَول شنو أحجي.. هاي أنته العاقل وتريد تتصرف هيجي.
دخل أربعة من الشباب رافعين أياديهم بالتحية وطلبوا من أبو عفيفة أن يعد لهم وجبة الطعام التي اعتادوا تناولها عنده كل يوم جمعة. من خلال تحياتهم وحديثهم عرف ماركس بأن لهؤلاء الشباب معرفة سابقة بأبو رجب وأبو عفيفة وأظهر ذلك أيضًا ترحاب أبو داوود الحار بهم. جلسوا في الزاوية البعيدة من المقهى وكانت ضحكاتهم وأحاديثهم توحي بالحيوية والنشاط. ذهب أبو رجب مقتربًا منهم عندها فسحوا له المجال ليجلس جوارهم وراح يشاركهم أحاديثهم.
ــ أستاد قادر تكَدر تساعدني؟
ــ نعم أبو عفيفة.. أستطيع ذلك.
ــ أخذ هذي أماعين الزلاطة وديهن يم هذولة الشباب.
ــ أوكي.. إنشاء الله.
ــ هاي شنو أوكي وشنو إنشاء الله.
ــ وماذا أقول إذن؟
ــ كَول بس أنشاء الله وهاي  كافي.
تناول ماركس صحون السلطة قائلاً:
ــ إنشاء الله وهاي كافي.
ــ خوش، ميخالف، دروح يمعود، دروح وديهن وتعال.
ذهب ماركس بالصحون ووضعها فوق المنضدة التي تتوسط جلسة الشباب. عندها أمسك أبو رجب يد ماركس ليقدمه إلى الشباب.
ــ هذا أستاذ عبد القادر مله عطا آل مغامس جان واحد من أهم أساتذة كلية العلوم السياسية في جامعة الكوفة ومسؤول عن التقييم الجامعي والبحوث.
هب الشباب بالترحاب وتقديم التحية لكارل ماركس الذي مد يده وصافحهم جميعًا بحرارة. طلب أبو رجب من ماركس الجلوس. جلس ماركس جواره مبتسمًا ينظر إلى وجوه الشباب بود ورضا.فجأة صاح أبو عفيفة.
ــ يمعود أبو رجب خلي قادر يساعدني بعدين عود يتعرف على الشباب.

أثناء ذلك انتبه ماركس لوجه الشاب حنطي البشرة مجعد الشعر الجالس أمامه. راح يطالع وجهه وحركات يديه، لذا لم يولِ اهتمامًا لصياح أبو عفيفة وصراخه المتكرر. أغلق أذنيه وركز نظره، فقد شدته إليها ملامح الوجه العابس. أخذ يبحث في ذاكرته عن هذا الوجه، فجأة وجده ينط  في الذاكرة. ليس هذا الوجه بغريب عليه. في هذه اللحظة لم يعد ينقصه غير أن يتذكر الاسم والمكان الذي التقاه فيه، لا يمكن لذاكرته أن تخونه، لم يعتد على ذلك، فرغم كل ما حدث ويحدث فهو يختزن في رأسه آلاف الوجوه التي قابلها طيلة حياته ولم يدعها تفلت من مخيلته. أطرق مفكرًا يحاول إيجاد وجه هذا الفتى العابس بتجاعيده المبكرة.
لم يأخذ ذلك من وقته الكثير، فجأة مثل ومضة خاطفة تجسدت صورته السابقة أمام عيني ماركس. الصورة المنتقاة الراسخة في الذهن لا يمكن لها التوهان أو الغياب بين زحمة الوجوه والأسماء.. سامر... سامر.. الرفيق المتهور صاحب المزاج الحاد.. سامر.. نعم هو الرفيق سامر الذي لم يستوعب حديثي ثم اتهمني بالتحريفية وهددني بأنه ومجموعته  سوف يرشدونني إلى الماركسية. ورغم القلق فإن ماركس شعر بالسعادة تغمر كيانه، فيا لها من مصادفة غريبة. هل عاد القدر يكرر لعبته؟ هل استدار ليمنحه فسحة أمل؟ هل يكون هذا الشيء مقدمة لخاتمة مطاف غبي مشاكس دفع فيه ثمنًا ليس بالقليل من وقته وأعصابه؟
 لم يجد ماركس ما يفسر به تلك الدورة وهذه المصادفات العجيبة،  وهو الذي لا يثق بالقدر بذلك المستوى من الثقة التي يوليها له الناس. ما الذي عليه أن يفعله الآن. هل يقلب حضور هذا الفتى المعادلات، أم من الممكن أن يكون عائقًا، أو شراكًا جديدًة سوف يعلق بها مرة أخرى، عندها يبدأ فصل آخر من كومة الآلام  والمحن. إنه الآن أمام مفترق طرق وخيار صعب وقاهر، لا يستطيع معه المجازفة وكشف أوراقه جميعها، فعليه أن يحسب لكل خطوة حساب دقيق غير متسرع، وما الذي يترتب عليه واقعه الحالي. لا يريد أن يتبع إغواء اللحظة بشكل عفوي وغبي، فعليه التروي دون فضح الموقف، عليه أن يدرس جميع الاحتمالات ويختار اللحظة المناسبة، أن يأخذ كامل التحوطات قبل المجازفة بكشف حقيقته لسامر، فذلك الأمر تترتب عليه تغيرات دراماتيكية صعبة ومذهلة، ليس فقط لسامر وجماعته، وإنما الأكثر من ذلك لأبو رجب وأبو عفيفة وأبو داوود، لقد كان صعبًا عليه في تلك اللحظات اتخاذ القرار المناسب، ولكنه في  النهاية قرر شيئًا ما. فوجه لمجموعة الشباب سؤالاً مراوغًا.
ــ أود أيها الأعزاء أن أتعرف عليكم فهل تسمحون لي بذلك؟
 فسبقه أبو رجب قائلاً.
ــ مثل ما كَلتلكم هذا أستاذ عبد القادر مله عطا آل مغامس أستاذ كلية العلوم في جامعة الكوفة سابقًا.
ــ أهلاً بالأستاذ ومرحبًا أنا اسمي عبد الرضا وهذا صديقي مهند ونحن نعمل بالصحافة وهذا صديقي الآخر وزميلي في الجامعة سامر وهذا زميلنا في التظاهرة مزهر ويعمل في محل لبيع الأدوات الصحية.
تأكد ماركس بأنه أمام شخصية سامر التي قابلها وتعرف عليها سابقًا، لذا مد يده مرة أخرى وراح يصافح الشباب بحرارة دون أن يرفع عينيه عن وجه سامر.
ــ أستاذ قادر صار يومين يسألني شنو نريد بتظاهراتنا، آني شرحتله مطاليبنا ومعنى الدولة المدنية وهوه هسه من شافكم أرتاح وكيّف بيكم واليوم راح يشاركنا بالمظاهرة.
ــ أهلاً بي وبيك وبكل عراقي شريف أو وطني وغيور على بلده.
قرر ماركس أن لا يتدخل أو الأحرى أن لا يتحدث، وإنما المهم عنده الاستماع لأحاديثهم وفي الوقت نفسه راح  يفكر في الكيفية التي تساعده للانفراد بسامر بعيدًا عن المقهى وعن هؤلاء أيضا. اختار الصمت والتروي للبحث في صيغة تسعفه للوصول إلى مبتغاه، ربما الذهاب معهم إلى التظاهرة سوف يمنحه فرصة ويسمح له الانفراد بسامر عندها يكاشفه بالموقف.
جاء أبو عفيفة بصحون الطعام ووضعها أمام الشباب وعاتب أبو رجب قائلاً.
ــ تره هاي سوالف محلوه منك أبو رجب.
ــ ليش عيوني أبو عفيفة.. آني شنو سويت؟
ــ إي مو الرجال قادر راد أيساعدني وأنته ما خليته.
ــ عفيه عليك أبو عفيفة هاي شنو منك.. ليش آني ما خليت قادر يساعدك!!
ــ أي نعم.. كَعدته القادر يم الجماعة وما جان يهتم لصياحي.. هسه بالله هو ما شاء الله لا حك ومستوي وما ينعتب عليه، بس أنته شبيك، ما جنت تسمع صوتي؟.
ــ أبو عفيفة والله ما انتبهت زين.. تدري الرجال يريد يتعرف على الشباب وبنفس الوقت يعرف شنو غايتهم بالمظاهرات.. وآني كَلت بلكي هذا يكون باب يفتحه رب العباد يكَدر يساعده لاستاد قادر ويبدي يرجعله فكره.. هاي كل ما في الامر.
ـــ خوش.. بس مجانت حلوه منك.. أنبح صوتي وأنته وقادر وكأنه مو يمكم.
ــ أعتذر منك أبو عفيفة.. العفو عيوني أنته.
نظر أبو عفيفة إلى ماركس فوجده يطالع وجه الشباب بدهشة وترتسم شبه ابتسامة على وجهه، ربت  بخفة ومسح على رأس ماركس دون أن يجد منه ردة فعل، فاستدار عائدًا إلى جوار عربته.
ــ الحراك لازم يستمر وياخذ شكل أخر.. ميصير جمعة وره جمعة وماكو نتيجة.. أعتقد أحنه وصلنه الطريق مسدود... هذولة البلحكومة يراوغون ويسوفون وميردون يسوون إصلاحات ويراهنون على مللنه وتعبنه.
هكذا قال سامر وهو يلوك طعامه ويلوح بيديه.
ــ بس عزيزي سامر تره من عام ألفين وأهدعش صارت تطورات كثيرة بالساحة ووقائع جديدة ظهرت وهمين وياهه عناصر جديدة، وبسبب هذا أنولدت شروط جديدة، يمكن نعرف من خلاله أنو المجتمع دخل مرحلة جديدة من الصراع حول شنو التغيرات ألي نريدها، وشنو طبيعته.
ــ والله صحيح مثل ما يكَول مهند، المهم نعرف التناقضات الموجودة مو بس بلمجتمع وإنما ما يحدث من تناقضات داخل السلطة، وما نتوقف يم التناقضات الرئيسية، لازم نكتشف التناقضات حتى الثانوية منها.
ــ يا جماعة الخير حجيكم كلش صحيح، بس لتنسون تره هذي التناقضات وتفاعلاتها، واحد من يريد يكتشفه ويدرسه لازم يعتمد من البداية و يروح على لب المشكلة وهو الأساس الاقتصادي، وشنو تأثيره، لو شنو حدث من تغييرات بمستوى القوى المنتجة وطبيعة علاقات الإنتاج وبنية الطبقات الاجتماعية وبعدين أندور عليه ونعاين الاصطفاف الصاير في الجبهة الاقتصادية وانعكاساته على البناء الفوقي في إطار العلاقة التبادلية والوحدة الجدلية بين المستويين.
ــ منطق سليم جدًا.
قال ماركس ذلك بصوت خافت ونقر بإصبعه فوق المنضدة وكان يبدو منشغل البال ينظر إلى سامر، الذي باتت جميع آماله تتعلق على اللقاء المنفرد به.
فجأة تدخل أبو رجب وراح يتحدث بصوت مرتفع وواضح جعل باقي جلاس المقهى يلتفتون نحو الزاوية التي كانت المجموعة تجلس فيها.
 ــ خالي أنتو هذا تفكيركم على راسي، وما عندي اعتراض عليه، ولو  يرادلي فد عشر دروس تعليمية حته أتعلم وأفتهم شنو تردون.. بس آني اكَول، واسمحولي يمكن تفكيري قاصر ومو بشكلكم.. الناس تطلع تتظاهر تريد شي مبين.. ضد شي ملموس، شي محدد أو واضح ومأذي البلد وأهله.. الفساد والبوكَ خله الدولة مفلسة، والبطالة ما أله حدود، وما خلو بناية مال الدولة ما أخذوه.. والخدمات كلش معدومه.. والسلاح صار بيد حتى الزعاطيط، والمشاكل ما تنحل إلا بالسلاح لو بالفصل مال العشاير، والتفجيرات تحصد بالناس، والساده والخطوط الحمر وتيجان الروس ملوهه  للشوارع، ومحد يفك حلكه يخاف ينعلس.. والوظايف بس ألهم... وغيره وغيره.. تكَولون الدولة المدنية تحل كل هذني المشاكل.. هسه أحجولنه بالنتيجه.. آنه وياكم علمود هذني مو على مود غيرهن..
ــ عيوني أبو رجب ما تفضلت بي صحيح بس أحنه نسولف على لب المشكلة، يعني شنو السبب بكل هذا.
رد عليه عبد الرضا باسمًا وكأنه يحاول مواساته. ولكن سامر سارع  وتدخل بالحديث.
ــ يا جماعة تره أبو رجب وياه الحق.. أحنة حراك جماهيري ومن كل قطر أغنية، بينه العامل والبطال والفنان والموظف والطالب وما جمعنا بالتظاهرات غير هاي الأهداف الحجه عليها عمنه أبو رجب، وأحسن شي نحسب نفسنه حركة اجتماعية متعددة الأطراف، وأحنه يبقى شعارنا التغيير ومن أجل أقامة النظام الديمقراطي الي يضمن تحقيق الإصلاح مو غيره.. وهذا يجي بالدولة المدنية.
ــ هو هذا الصحيح.. ولو نكَدر نطب عليهم مرة لخ بعقر دارهم بالبرلمان وهناك نراويهم شنو الثورة الجماهيرية.
ــ حبيبي مزهر هاي باعتقادي جانت غلطة.. وأصلاً لو تنظر بيه وتشوف وتتمعن زين، راح تلكَه إلي فشلها هو منه وبيها، يعني إلي دعى إله وقام بيه، بعدين اتندم، لو أكَول ما تندم بس لعبه حسب مصالحه.. ما ادري شنو وفشله، أحنه نريده سلمية لا أكثر ولا أقل.
ـــ والله جانت تصير ثورة.
ــ عيوني رحمه الوالديك.. شلون تصير ثورة؟ ليش هيه ذيج الحركة ألي دخلنه بيه البرلمان تمثلمن؟ تمثل الشعب.. !!؟ جنه مجاميع ما ينعرف راسنا من رجلينه... الثورة ما تصير في مجتمع منقسم على نفسه ومتوزع على سبعين ألف شكَه، وكل شكَه تريد تحود النار الكَرصته.. يا ثورة عمي دخلونه.. على هذي الجمعة وكل جمعه بلكي شويه الناس تتحرك. الثورة يرادلها وحدة مجتمعية قبل ما تصير وهذا صعب ويوم على يوم الأمريكان والإيرانيين يشتغلون حتى تصير أصعب.
ــ هسه يمعودين خل نغسل أدينه ونشرب جاي ونروح يم الجماعة للمظاهرة.
ــ أوكي يالله ياجماعة.
ــ ليش متخلوه على حسابي هذي المرة.


43
كارل ماركس في العراق / الجزء الثلاثون

ــ خوش ورحمه الوالديكم، أغاتي ممنون.
 قالها ماركس ضاحكًا.
ــ يله أبو رجب أسطره لحجي عبد القادر.. هذا فد واحد لجه يريد يعرف كلشي.
ــ عمي أستاد قادر.. ولو آني أعتدي عليك لأن أنته أستاذ بهذا الشي ومجان واحد يلحكَك بهاي الشغلات، بس شتسوي الوكت خربط كلشي وصار الأستاذ يتعلم من الطالب.. شوف أستاذ قادر هذوله يطلعون يتظاهرون يردون إصلاح الحكم، لأن الأحزاب الحاكمة مصخوها وبعد الناس ما بقت تتحمل، الشباب عطاله بطاله والأحزاب إلي تحكم البلد بعضها يريد الدولة تصير دولة دينية والمتظاهرين يصيحون ما نريد غير دولة مدنية.
ــ نعم.. وما الذي يعنوه بالدولة المدنية؟
ــ ولله حسب ما عاشرتهم جم جمعة وخشيت بنقاش ويه جم واحد منهم، لمن يجون مرات يكَعدون هنا بكَهوتنا، الشباب قنعوني بحجيهم وصدكَت بيهم.. همه يقصدون بالدولة المدنية أنو الحكومة المدنية تضمن المساواة في الحقوق والواجبات بين أفراد الشعب، وهيه أطبق القانون مو غيرها، وتمنع يكون السلاح بيد غيره.. ويكَولون الدولة المدنية تعتمد على مبدأ المواطنة يعني مو المواطن ينعرف من دينه لو قوميته لو بماله، يعرفونه كشخص مواطن. وهناك شي مهم مو مثل ما يكَول أبو عفيفة، الدولة المدنية ما تعادي الدين الإسلامي لو غيره من الأديان، بس هيه ترفض أن يستغل الدين من قبل جماعة ألي يحكمون لتحقيق سوالفهم وأهدافهم السياسية.
ــ نعم كل ذلك صحيح وجيد.. يبدو أنهم يدركون طريقهم رغم وعورته في مثل أوضاع العراق.
ــ تدري استاد قادر آني شكَد أرتاح وأفرح من اشوفك تحجي عدل وصرت تتذكر وكت من جنت أدرس بالكلية. أسال الله وآل البيت يرجعولك عقل الذهب مثل ذاك اليوم، جانت الناس تمدح بيك وبشغلك.
ــ نستفاد منكم أغاتي أبو رجب.
ــ اليوم قبل الظهر راح يجون شباب يكَعدون هنا بالكَهوة يتحضرون للمظاهرة وأنت راح تستمع ألهم وحتى تكَدر تسألهم.
ــ جميل جدًا.. أتشوق لذلك. متى يأتون؟
ــ بعد ساعة لو ساعتين.
ــ لننتظر..
من الصعب وبشكل مباشر اكتشاف ما يفكر فيه الآخرون، فثمة عوامل تلعب دورها في رؤوس الناس وتصارع مشاربهم الفكرية، وما من أحد يستطيع أن يرغم الآخرين دون وسيلة إقناع، على خوض تجربة نقاش هادئ متكافئ بعيد عن الاستحكامات والأحكام المطلقة ليكتشف ما تخبئه أذهانهم، فمن المستحيل أن يمتلك الإنسان في الكثير من الأحيان، الحقيقة المطلقة ولا حتى أقلها شأنًا. فالبشرية تطرح على نفسها فقط المهام التي باتت الشروط المادية متوفرة لحلها، تتعمق وتدمج في الأنماط والأشكال والوسائل التي تنجز بواسطتها البشرية تلك المهام فعليا، أي أن الانتباه يوكل إلى الشروط الإيديولوجية والسياسية للجدل التاريخي، وفي هذا فأبو عفيفة ينازع أبو رجب عند حدود معلوماته عن الدولة المدنية وهي أكبر بكثير من حدود استيعابه، ولذا فالحقيقة تفلت من سيطرته، ولن يستطيع أبو رجب مهما تهيأت له الحجج دحر وتبخيس فكرة أبو عفيفة عن الشيوعيين والشيوعية. فأبو عفيفة رغم خلفيته المهنية المتعلمة، يبدو راسخ القناعة ومعتد بما يقوله، ويعتقد بأن ما يعنيه هو الحقيقة بعينها، ولكن  مثل هذا الأمر يعد عند البعض ضربًا من الجنون،  والجائز في أمور الاختلاف والتضاد، أن المجانين وحدهم من يمتلك الحقيقة. هل يجوز لي أن أصل لمثل هذا الاستنتاج، أم تراني وقد تلبستني روح الأستاذ عبد القادر ولذا بدأت عندي مثل هذه الهلوسات، فأخذتني لذة الدخول إلى العالم الافتراضي، وعندها أتلمس عبر فضاءه وتهويماته خطى أستاذ قادر وحياته الملتبسة التي ما بقي منها  يقينًا مستحقًا.
هل من المناسب أن أشرح لهم ما تعنيه الدولة المدنية أم أن مثل هذا سوف يدخلني في إشكال صعب مع ذهنيتهم التي استقرت عند عالم أستاذ عبد القادر ما بعد الاعتقال، ودونه سيكون العجب العجاب، أم ترى ما أقوله لهم سوف يتوافق وقناعتهم بأصل الصورة القديمة للأستاذ قادر. مثل هذا الانشطار بين الشخصيتين يمكن له شرح الانشقاق الدنيوي بين المجتمع المدني والدولة السياسية والذي ينجم عن التناقض بين الإنسان البرجوازي ومواطن الدولة العادي. الملاكون ومعدومو الدخل، بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة بين طابع التملك الخاص لوسائل الإنتاج ونتائج العمل نفسه، إنه التناقض والتضاد والانشقاق بين المجتمع المدني والدولة السياسية. لأرمي ذلك على عاتق ذهن الأستاذ عبد القادر وهو حافظة غنية ممكن لي أن استل منها ما أشاء.
تبسم ماركس وهو يفكر بهذا التعرج الفكري في عالم يراد أن يفرض عليه كواقع، بل حقًا هناك كائن فنتازي يجاوره في مسيرته داخل العراق وهو الحضور والواقع الوحيد بالنسبة له وليس له خيار غير البحث من داخله وبأدواته عن الخلاص.
 ارتشف شيئًا من الشاي وطالع وجوه جلاس المقهى.. زباين المقهى مثلما سماهم أبو داوود.. زباين أم زبانات ما الذي سوف يختلف عنده، أيستحق أن يجادل أحدهم في هذا المعنى. فالعراقي معروف عنه صاحب جدل حتى في مثل هذه النتف الصغيرة ولا يمكن إقناعه بسهولة. سمعت مرة قول لأحد الرجال الحكماء بأن العراقي مشاغب بطبعه، ولكني لم أجد ما يوصف ذلك أو يقاربه، فالبسطاء من هؤلاء الناس بسطاء في طيبتهم وكرمهم مثلما في تطلعاتهم ونواياهم. ليست لي القدرة على الإحاطة بكل صلاح أو عاهات هذا الشعب وأنا الذي وضعت في محيط أدور فيه من مأزق لآخر. زوايا مغلقة ومسالك لا تفضي لشيء يناسب من يريد اكتشاف الواقع.
 استرعى انتباه ماركس مرور مجموعة شباب خطرت أمام المقهى ثم لحقت بها موجة أخرى. جميعهم كانوا شبابًا يرتدون الملابس الحديثة وتبدو على وجوههم سمات الصحة والحيوية. خرج ماركس ليجلس خارج المقهى عند المقعد القريب من عربة أبو عفيفة. راح ينظر إلى مجاميع الشباب التي ترد المكان سائرة نحو نهاية الزقاق حيث مخرج السوق المفضي إلى الشارع الرئيسي. اشتدت الحاجة لديه للسؤال عن هؤلاء ووجهتهم.
ــ من هؤلاء الشباب وأين تراهم ذاهبون؟
ــ خوش سؤال أستاذ قادر، أنته مو من الصبح ليهسة أدور على  جماعة خبز حرية دولة
مدنية؟
ــ نعم.
ــ أغاتي هذوله همه إلي أدور عليهم.. شوف شلون ورود ومتفحين، ومن تسألهم يكَولون ماكو خبز والحكومة تبوكَ قوت الشعب.. حيره والله ما أدري أصدكَ بيهم لو أصدكَ بالحكومة.
هكذا عقب أبو عفيفه وهو يراقب مجاميع الشباب الواردة على الزقاق حاملة بعض الأعلام واللافتات المطوية.
ــ تعتقد أن هؤلاء غير صادقين في ما ينادون به؟
ــ مو كلش.. بس مرات أكَول الحق وياهم.
ــ هل أنت مكتفي ماليا؟
ــ لا عمي.. التقاعد وهاي شغلة العربانه وممطلع بيه راس.
ــ ماذا تعني ممطلع بيه رأس..
فجأة صرخ أبو عفيفة بصوته الجهوري مناديًا أبو رجب.
ــ يمعود أبو رجب تعال ترجم العمك.. تره اليوم روحي زهكانه وليهسه ممطلع فلوس الصمونات.
ــ هاي شبيك أبو عفيفة؟
ــ أحجيله بالعربي ومدى يفتهمني.. أكَله راتب التقاعد والشغل مال العربانه ميكفي العيشه يكَول شنو تقصد.
ــ أنت لم تقل هكذا.. قلت ممطلع بيه رأس فأردت معرفة عن أي رأس تتحدث؟
ــ راس أبو البرتقاله يلوكَ لبيبيتك.. يمعود أبو رجب ليش ما تخذه للأستاذ تفره ابغداد  تراويه الزوراء لو أسواق الكراده بلجي ربك يعطف عليه ويكوم يتذكر.. وبجاه الله  وسيدنا عبد القادر ينعدل عده الديلكو.
ــ هم هاي فكره والله أبو عفيفة.. بعد شويه آخذه وياي للمظاهرة وأخلي يرفع علم العراق ويهتف ويانه.
ــ هاي شلك بيه أبو رجب.. يمعود يروح يتيه، لو يتخربط، لو يكَوم يسوي حركات مزينه ويعتقلوه.. تره وضع الشرطة هل أيام مو تمام، ومرات يرتبكون ويدورون حجة على الناس.. وفجأة وتلكاه رايح بالسجن، وهناك راح ياكل تن كتل ومحد يلحكَله.. خوب أنته مو تروح أدور عليه من موقف الموقف.. وأنته عدك فلوس حتى أطلعه.
ــ لا راح ألزم أيده وأخلي بصفي ما يتحرك.
ــ والله ما أدري شأكَول شنو أحجي.. هاي أنته العاقل وتريد تتصرف هيجي.


44



الدراسة في الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية

لقاء خاص مع الدكتور خليل عبد العزيز
أجرى الحوار فرات المحسن


   الدكتور خليل عبد العزيز والصحفي فرات المحسن

عُد قيام ثورة الرابع عشر من تموز، نقلة نوعية كبيرة في مختلف مجالات الحياة للشعب العراقي، وأيضا مرحلة جديدة في علاقة العراق بالعالم الخارجي. ففي الوقت الذي كان فيه العراق حليفا قويا للغرب أثناء حقبة الحرب الباردة،  وعضوا أصيلا في الحلف الإقليمي  الذي سمي وقتذاك بحلف بغداد  والذي شكل عام 1955 وشاركت فيه كل من  تركيا وإيران وباكستان والعراق إضافة للمملكة المتحدة (بريطانيا ). فثورة 14 تموز بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم غيرت قواعد اللعبة الإقليمية بشكل حاسم، وأنهت تلك العلاقات والروابط الإستراتيجية بقطيعة مع التحالف الغربي والخروج من حلف بغداد لتنهي بذلك العصر الذهبي من علاقة متينة كانت للحكومة العراقية الملكية مع حليفتها بريطانيا العظمى .
مثلما هو معروف في التاريخ القريب فإن مشروع تشكيل الدولة العراقية عام 1921 جاء على يد ووفق رغبة الساسة البريطانيون لذا أعطيت لمؤسسات الدولة العراقية طابع تشكيل أولي يتخذ من النموذج المؤسساتي البريطاني مثالا أعلى في بناءه وقواعد عمله. وكان أكثر تأثيرا وملموسية لهذا التوجه يظهر وسط المؤسستين العسكرية والتعليمية. فالمؤسسة العسكرية بنت مناهجها وقواعد السلوك والتدريب فيها وأيضا التسليح على وفق ما أسس له الساسة وجنرالات الجيش البريطاني الذين كان لهم التأثير الفعلي وتربطهم مصالح كثيرة بقادة الجيش الشريفي الذين أصبحوا لاحقا قاعدة الحكم وركيزته بعد تأسيس الحكومة الوطنية العراقية عام 1921  .وظهر التأثير البريطاني في سياسة المؤسسة التعليمية العراقية أيضا، حيث اعتمدت أصول التدريس والتقييم الانكليزية في اغلب مناهج التعليم. 
حول مشاكل التعليم في العراق وإرسال البعثات خارجه في العهد الملكي ، وما استجد من متغيرات بعد ثورة 14 تموز في طبيعة ونمط أداء المؤسسة التعليمية. ومن ثم الحديث عن النموذج السوفيتي في تدريس الأجانب ومنح الشهادات،وكذلك علاقة وأداء الحزب الشيوعي العراقي بتلك البعثات.حول كل هذا وغيره كان لنا لقاء بالدكتور خليل عبد العزيز الذي وصل الاتحاد السوفيتي عام 1962 بعد أن حكم عليه بالإعدام إثر اتهامه المشاركة بقمع مؤامرة الشواف بالموصل، لذا تم تهريبه من العراق ليعيش هناك ويتلقى علومه الدراسية ويحصل على شهادة الدكتوراه بالصحافة ويمارس مهنة باحث علمي ومستشار بالشؤون العربية في  معهد الاستشراق السوفيتي.

ــ كيف كانت في نظرك سياسة المؤسسة التعليمية في العراق الملكي، وبالذات في جانب إرسال الطلبة  للدراسة في الخارج، وهل أقتصر ذلك على دول بعينها دون أخرى ؟

كانت سياسة التعليم في الحكومة الملكية العراقية تعتمد وتطبق أصول التدريس كما في المدارس الانكليزية، رغم اختلاف بعض المناهج التعليمية والتربوية، ولكن طرق التدريس والتقييم ومنح الشهادات يشابه بشكل كبير أسس التقييم والتدريس الانكليزية الرصينة. وقد حرصت الحكومات الملكية العراقية على وضع قواعد متينة لإرسال بعثاتها وفق شروط وقواعد مهنية وتعليمية صارمة في الاختيار. فلا يرسل للدراسة ولن يحصل على الزمالة غير المتفوقين دراسيا من أصحاب الدرجات العالية. وكانت أكثر الزمالات العلمية تخصص للدراسة في الجامعات البريطانية والأمريكية. ويعد جميع الذين عادوا من الدراسة في بريطانيا والولايات المتحدة من المتفوقين والمتميزين في اختصاصاتهم إلا ما ندر.وكانت لوزارة التربية والتعليم في العهد الملكي، علاقة مع المؤسسات التعليمية في الجارة تركيا، ولذا كانت الوزارة  العراقية تحصل على بعض الزمالات من الجانب التركي فترسل بعض الطلاب للدراسة هناك، ولكن اغلب هؤلاء كانوا يعودون دون الحصول على تعليم جيد، وفي غير المستوى العلمي الرصين، ويعود السبب في ذلك لاختلاف وعدم موائمة المناهج التعليمية في تركيا مع مناهج التعليم البريطانية وشبيهتها في العراق. أيضا كانت هناك عوائل غنية ترغب في حصول أبنائها على شهادات دراسية من خارج العراق، بعد أن كانوا قد حصلوا على درجات غير مناسبة،فكانوا يرسلون أبنائهم للدراسة في الخارج، وبالذات في الجامعة الأمريكية في بيروت والجامعات في تركيا ومصر. ولكن وبشكل واضح فإن أغلب الزمالات العلمية كانت ترسل إلى الجامعات البريطانية  وبعدها الأمريكية وألمانيا الاتحادية عبر الترشيح من قبل وزارة التعليم.

ــ ألم يتم إرسال زمالات إلى الدول الاشتراكية في فترة العهد الملكي؟

قطعا لم تكن هناك علاقة للحكومة العراقية مع تلك البلدان وبالذات في مجال التعليم، فقد كانت جميع علاقات العراق في هذا المجال وغيره ترتبط بالعالم الغربي. ولكن المصادفة لعبت دورها وحصل بعض الطلبة العراقيين على مقاعد دراسية في الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية ومن دون علم أو رغبة الحكومة ووزارة التعليم العراقية.ففي عام 1957 شارك وفد عراقي كبير بمهرجان الشبيبة العالمي في موسكو، وبالرغم من جميع الإجراءات التي اتخذتها الحكومة العراقية لمنع سفر مواطنيها إلى موسكو، إلا أن العشرات من الشبيبة والطلبة استطاعوا بمختلف الوسائل والطرق، الحصول على جوازات السفر وتحقيق آمالهم في مشاركة شباب وطلبة العالم في مهرجانهم. وبعد انتهاء فعاليات المهرجان استطاع البعض من الشباب العراقي الحصول على مقاعد دراسية في المعاهد السوفيتية. فقد استطاع محمد علي الماشطة ومصطفى الجواهري الحصول على زمالة دراسية في المعاهد السوفيتية وكان قد سبقهم الالتحاق بالدراسة في موسكو مواطنان عراقيان يهوديان استطاعا الهروب من العراق بعد إسقاط الحكومة العراقية الجنسية عن اليهود العراقيين عام 1949 ، وقد وصلا إلى موسكو عبر إيران، أحدهما وأسمه مسرور، أذكر أنه عمل كمذيع في إذاعة موسكو باللغة العربية، أما الثاني وأسمه الياس البدري فقد تم تعينه مدرسا لتدريس اللغة العربية في معهد اللغات الشرقية في موسكو بعد إنهائه الدراسة في كلية الحقوق. وكان هناك أيضا مواطن عراقي آخر اسمه صلاح الخزرجي استطاع الوصول إلى موسكو والدراسة هناك بعد هروبه من العراق.  وهناك حكاية تتعلق ببعض المحاربين الأكراد الذين غادروا العراق مع الزعيم الكردي الملا مصطفى البارزاني بعد فشل الثورة الكردية و
جمهورية  كردستان وعاصمتها مهباد، وأقاموا في الاتحاد السوفيتي. فالكثير من هؤلاء حصلوا على زمالات دراسية ودرسوا في عدة مدن سوفيتية وفي اختصاصات متنوعة ونالوا شهادات جامعية، ولذا بقي قسم منهم في البلاد السوفيتية ورفضوا العودة إلى العراق مع الزعيم الكردي الملا مصطفى البرزاني  الذي عاد بعد قيام ثورة 14 تموز عام 1958 .

ــ وما الذي حدث للسياسة التعليمية بعد قيام العلاقة مع الدول الاشتراكية بعيد ثورة 14 تموز ؟
بعد ثورة 14 تموز فتح الباب على مصراعيه أمام العراقيات والعراقيين للاستفادة من الزمالات الدراسية التي تمنحها الدول الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي إلى وزارة التعليم العراقية، خاصة بعد عام 1959 حيث وقعت وزارة التعليم العراقية مع الجانب السوفيتي وباقي الدول الاشتراكية اتفاقيات تمنح بموجبها تلك الدول الجمهورية العراقية مقاعد دراسية في معاهدها وجامعاتها، وبموجب هذه الاتفاقيات يحصل الطالب على منحة مالية وسكن من تلك الدولة إضافة للراتب الشهري الذي تخصصه له الحكومة العراقية يستلمه شهريا من سفارة العراق في ذلك البلد. وكان ذلك النموذج هو الشكل الوحيد المعتمد في إرسال الزمالات ويتحدد فيه العدد الذي توافق عليه وترسله الحكومة العراقية عن طريق وزارة التعليم بعد تقييم طبيعة وشهادات طالب الزمالة .
وكان الحصول على الزمالة الحكومية إن كانت إلى الاتحاد السوفيتي أو دول المنظومة الاشتراكية، تخضع لمعايير تربوية رصينة، أهمها التفوق الدراسي في الثانوية أو الإعدادية أو نوع الاختصاص في الجامعة. وهذه الضوابط وضعتها وزارة التعليم العراقية وفق برتوكولات وقعتها مع تلك الدول، وحددت وفقها النموذج الذي بموجبه ينال الطالب الزمالة. وكانت تلك المواصفات صارمة وعملية جدا، لذا فإن جميع الذين تمتعوا بتلك الزمالات ونالوا شهادات التخرج من تلك البلدان كانوا من المتفوقين في دراستهم .



مع مجموعة من الطلبة العراقيين في الجامعة


ــ وهل استمر الوضع على هذا المنوال؟
 
هذا الوضع لم يستمر ولم تعد الزمالات تمنح حصرا للحكومة العراقية . فقد خصصت الأحزاب الشيوعية والمنظمات الجماهيرية في البلدان الاشتراكية، من مثل اتحادات ونقابات الشبيبة والطلبة والعمال والفلاحين ورابطة المرأة وغيرها من التنظيمات وكذلك مجلس السلم العالمي  و منظمة التضامن الأفروأسيوي مقاعد دراسية وزمالات إلى الحزب الشيوعي العراقي وتنظيماته الجماهيرية. وبات الحزب الشيوعي العراقي وباقي التنظيمات المرتبطة به يحصلون على العديد من الزمالات الدراسية التي ساعدتهم على إرسال الكثير من كوادرهم وجماهيرهم للدراسة هناك، وكانت جميع هذه المقاعد الدراسية من خارج حصة الحكومة العراقية.ومن كان يحصل على هذه المقاعد، لا علاقة له بالحكومة العراقية من حيث الراتب الشهري أو غيرها من المنح المالية الحكومية. وبسبب ذلك قام الجانب السوفيتي بتخصيص مبلغ 90 روبلا شهريا لهؤلاء الطلبة في الوقت الذي كان الطالب السوفيتي وفي ذات القسم الدراسي يستلم راتبا شهريا قدره 30 روبلا. وقد بررت القيادة السوفيتية وقتذاك السبب في هذا التفاوت، كون الطالب السوفيتي لديه أهل يلجأ إليهم وقت الحاجة أما الطالب الأجنبي فلا يستطيع الحصول على إعانة من أحد، وكانت النتيجة لهذا القرار توفير حياة اجتماعية جيدة ليعيش الطلاب الأجانب برفاهية وبحبوحة مالية. وكانت السلطات السوفيتية تعامل جميع الطلاب العراقيين الدارسين لديها على قدم المساواة ودون تمييز بين المبتعث الحكومي أو المرسل من قبل الحزب الشيوعي و المنظمات الجماهيرية.

ــ وما الذي حدث بعد أن انهالت على الحزب الشيوعي العراقي والمنظمات الجماهيرية المرتبطة به كل تلك الأعداد من المقاعد الدراسية ؟
.
في بداية التخصيص ومنح المقاعد الدراسية الذي قامت به التنظيمات الحزبية والجماهيرية في الدول الاشتراكية، لم يتخذ الحزب الشيوعي نهجا مناسبا لاستيعاب هذه الحالة، وكان من المفترض بالحزب تشكيل لجنة تضع ضوابط لدراسة الطلبات على الزمالات الدراسية، وأن تلتزم تلك اللجنة بتدقيق المستوى العلمي لحصول الطالب على الزمالة، وأيضا التفكير الحكيم والعقلاني بحاجة البلد للاختصاصات العلمية والإنسانية وأخيرا الاستمرار بواسطة هذه اللجنة في مراقبة دراسة الطلبة ومتابعة مستواهم العلمي، على أن تقدم المنظمات الحزبية تقريرا بذلك ولكن لم يبادر الحزب بتشكيل مثل هذا اللجنة ولا العمل وفق السياقات المرجوة للضبط والسيطرة على ما يمنح له من زمالات. وفي بداية الآمر لم يكن يتم توزيع هذه المقاعد بطريقة التلاعب والوساطة، وكان الآمر يحصر بيد عدد قليل جدا من القيادة. ولكن مع مرور الوقت أضحت المقاعد الدراسية خاضعة للعلاقات والأمزجة الشخصية، وتم استغلال تلك الزمالات والمنح في غير مجالاتها ووجهتها الحقيقية، وشارك في ذلك ليس فقط الجانب العراقي وإنما شجعه وعمل عليه بعض الموظفين السوفيت.عندها شكلت تلك الزمالات معلما فارقا لسوء الاستخدام والتصرف غير العقلاني والمسيء. فقد باتت آليات توزيع بعض تلك المقاعد خاضعة لنفوذ وقرارات بعض الأشخاص دون غيرهم. وأغلب تلك الزمالات كانت تذهب إلى الأقارب أو المقربين ووفق العلاقات الشخصية والمحسوبية، و لم يراعى فيها المستوى والرصانة العلمية.
وكانت الجهات السوفيتية تمنح أحيانا مقاعد دراسية دون تحديد الاختصاص، لذا كان البعض يستغل ذلك ويحصر الزمالات الممنوحة، فقط في الاختصاصات العلمية دون غيرها.ونتج عن ذلك لاحقا أوضاع سلبية جدا، كون الكثير من هؤلاء الطلبة لم يستطيعوا أكمال شوط الدراسة أو أضاعوا الفرص العديدة التي منحت لهم للحصول على الدرجة العلمية، وكان العديد من هؤلاء غير مؤهل أصلا للدراسة العلمية، وكذلك لم يكونوا بالمستوى اللائق من النضوج الفكري.
 

في جامعة موسكو

ــ وهل عالج الجانب العراقي أو السوفييتي تلك المشكلة ؟


كلا . وإنما أستمر الحال وتطور إلى الأسوأ. فقد خلقت هذه الأوضاع تجارة رائجة للمقاعد الدراسية وظهرت شخصيات من العراقيين، استطاعت توظيف علاقتها مع الجانب السوفيتي وكذلك مع أوساط منظمة التضامن الأفرو أسيوي ومجلس السلم السوفيتي،للحصول على المقاعد الدراسية بصورة غير سليمة، من خلال الرُشى وشراء الذمم. فكانت تلك الشخصيات تقدم المغريات المالية للحصول على الزمالات الدراسية من الجانب السوفيتي، ومن ثم تقوم ببيعها لمن يدفع أكثر. وكانت بعض تلك الشخصيات تدير تلك الأعمال بشكل علني، ولكن تحت أنظار ومراقبة ورصد المخابرات السوفيتية وليس بعيدا عن دوائرها.وظهر بين أوساط العراقيين وخلال فترات طويلة شخصيات عديدة كانت تمارس مثل هذا العمل بشكل غير مخفي.
كان هناك شخص أشتهر بعلاقته الوطيدة بالأوساط السوفيتية أسمه جبار حاجم ، هذا الشخص بني له شبكة من العلاقات المشبوهة مع الكثير من المسؤولين السوفييت.ودائما ما كانت تثار حوله الشكوك ويتهم بالعلاقة بجهاز أمن الدولة السوفيتي ( كي جي بي ) ويعزو ذلك لقدراته الفذة على الوصول إلى ما يرغب فيه والحصول على مبتغاه عبر شراء الذمم.وكان أيضا يمتهن تصريف العملة بشكل غير مشروع.
ومن الحوادث الطريفة التي رواها السفير العراقي في موسكو وقتذاك السيد صالح مهدي عماش للدلالة على علاقة جبار حاجم بالمخابرات السوفيتية، هي حادثة وقعت للسفير ذاته. فمن عادة السفير عماش الركوب في مقدمة سيارة السفارة أي جوار مقعد السائق. وكان السفير عائدا من مطار العاصمة موسكو بعد توديع وفد رسمي عراقي، عندما وقع حادث للسيارة، جرح فيه عماش وأيضا سائقه، وقد اضطرت السلطات السوفيتية لنقله إلى المستشفى مع سائقه، وقد طلب السفير عماش من السلطات السوفيتية التكتم والتغطية على الحادث، لحراجة الموضوع بالنسبة لبلده العراق، ولكي لا يستغل للإثارة من قبل خصومه . وبعد أن رقد السفير في المستشفى، ولم تمض على الحادث غير نصف ساعة تقريبا، دخل عليه جبار حاجم في الغرفة حامل باقة ورد وقدم نفسه للسفير للتهنئة بالنجاة من الحادث. قال السفير عماش، بأنه لم يكن يعرف جبار حاجم ولم يشاهده سابقا، ولذا فهو يعتقد جازما بأن جبار حاجم على ارتباط أكيد بالمخابرات السوفيتية، وتساءل كيف تسنى له معرفة ما وقع لنا وبهذه السرعة إن لم يكن منهم.
والمدهش في حياة جبار حاجم، قدرته الغريبة للوصول إلى أي جهاز حكومي سوفيتي، فكانت أية قضية مستعصية للعراقيين عند الجانب السوفيتي، فإن تدخل جبار حاجم يضمن نجاح حلها.
وكمثال على طبيعة تلك السمسرة، أذكر حادثة لها دلالة كبيرة عما كان يحصل.فقد كلفني أحد شخصيات الحزب الشيوعي العراقي بالاتصال بجبار حاجم لمعرفة كيفية حصوله على الزمالات وبيعها، بعد أن انتشرت أخبار قيامه بهذا الأمر. وحين اتصلت به أخبرني مباشرة بأنه كان يشتري بعضها من بعض الحزبيين في موسكو وكذلك من بعض الموظفين المتنفذين في المؤسسات السوفيتية .وحدثني أحد الأصدقاء عن عملية شراء كان يقوم بها شخص عراقي آخر محسوب على التقدميين، هو شاكر القيسي . حيث استدان منه مسؤول منظمة الحزب الشيوعي العراقي في الاتحاد السوفيتي وقتذاك خليل الجزائري مبلغا قدره 3000 روبل وكان هذا المبلغ بالنسبة للموظفين السوفيت ومثلهم الطلبة العراقيين، يعد ثروة كبيرة في ذلك الوقت.وحين استفسر الصديق من السيد شاكر القيسي عن كيفية استرداده للدين من خليل الجزائري، الذي لا يملك ما يوفي فيه هذا المبلغ الكبير، فأجاب القيسي ضاحكا بأنه لا يفكر إطلاقا باسترداد المبلغ وإن هذا الدين يعد من الديون الميتة، ولكنها وعلى المدى القريب سوف تحي أموات. ولتفسير ذلك يستعرض القيسي الحال بالقول، دائما ما تكون هناك زمالات فائضة ، وفي تلك الحالة يقوم بالطلب من خليل الجزائري الحصول على عدد من المقاعد الدراسية من خلال معرفته وعلاقة الحزب بالمؤسسات السوفيتية، وكان ذلك يتم  مقابل قسم من الدين، ويقوم الجزائري بإبلاغ الجهة المانحة موافقة الحزب على ذلك التخصيص، فيأخذ القيسي من خليل الجزائري المقاعد الممنوحة ومن ثم يبيعها.

ــ وهل كان لهذا الفساد تأثير على مجمل طلاب البعثات العراقيين .

مع كل هذا الفساد والإساءات لم يكن ذلك  ليمنع من بروز أعداد ليست بالقليلة من الطلبة العراقيين بشكل جيد، وكان هناك الكثير ممن استطاع بجهود جدية أن ينال درجات علمية رصينة، وأن ينجحوا نجاحا بينا وباهرا في دراستهم، وقد شغل الكثير من خريجي الجامعات السوفيتية ومثلها باقي الدول الاشتراكية العديد من المراكز العلمية المهنية والمهمة داخل العراق وخارجه وحازوا على التقدير والاحترام والتقييم العالي والرضا من المؤسسات العلمية والمهنية التي عملوا فيها. وكان الفضل في ذلك يعود إلى رغبتهم الحقيقية بالدراسة ومثابرتهم وجديتهم وهي الأبواب الأولى لتفوقهم ونجاحهم ولم يكن هناك أي فضل أو منة سياسية في تقدمهم ونجاحهم.



ــ كيف كان تأثير تلك السلبيات على الدراسة في الاتحاد السوفيتي ومثله على البلدان الصديقة؟

الرضا والقبول السوفيتي وعدم الاهتمام بالنتائج التي يحصل عليها الطلبة الأجانب، وأيضا عدم مراعاة الجوانب العلمية والمهنية، أطاح بالعملية التربوية ووسمها بسوء السمعة وانعدام المستوى العلمي لخريجي الاتحاد السوفيتي، وبسبب ذلك بدأت الكثير من الدول الآسيوية والأفريقية تشكك بالشهادة التي تمنحها المؤسسات التعليمية السوفيتية و ما عاد البعض منها يعترف بتلك الشهادة أصلا.
في أحدى المرات حضرت لقاءً يوضح ذلك الفشل وعدم الثقة بالشهادات التي تمنحها المعاهد والجامعات السوفيتية.فحين كنت أعمل في وكالة نوفوستي السوفيتية لتوثيق العلاقات الثقافية بين الاتحاد السوفيتي والدول العربية وأكتب عن ذلك في صحف المدار والأخبار وغيرها وباسم يوسف الياس يوسف . كلفت في ذلك الوقت من قبل الوكالة بالذهاب إلى وزارة التعليم العالي السوفيتي حيث يتم هناك استقبال أحد الوزراء الأفارقة. وصلت القاعة وقدمت نفسي كمندوب صحفي عن وكالة نوفوستي. جلست عند مقاعد الصحفيين داخل قاعة الاجتماع، ورحنا نستمع لحوار الوزيرين. الوزير الأفريقي كان وزير التعليم الغاني، وبعد كلمات الشكر والترحاب الحار بالضيوف من قبل الوزير السوفيتي، قام الوزير الغاني بتقديم الشكر والامتنان للدعوة الكريمة ولحسن الضيافة التي تلقاها الوفد، بعد ذلك بدأ الوزير السوفيتي بالقول وبنبرة عتاب، بأننا وجهنا لكم الدعوة هذه لسبب أولي ومهم، وهو موضوع معادلة الشهادات، فنحن نمنحكم الزمالات الدراسية لأجل رفع المستوى العلمي للدارسين القادمين من بلدكم ونعرف أن هذا ينعكس ايجابيا على التطور العلمي والاقتصادي لبلدكم غانا، ونحن في هذا نبذل أقصى الجهود التدريسية ونمنح الدارسين مبالغ نقدية ومن ثم نمنحهم شهادات دراسية عليا، ونظن إن ذلك يعد ثروة وطنية لبلدكم. وبعد كل هذا تصلنا معلومات بأنكم ترفضون الاعتراف بشهادات التخرج من كلياتنا ومعاهدنا، فأرجو أن أجد جوابا على هذا.
أجابه الوزير الغاني بأن جميع ما تحدثت عنه سعادة الوزير، لهو صحيح ، فنحن لا نعترف بالشهادة التي تمنحها مؤسساتكم التربوية لطلبتنا. عندها استغرب الوزير السوفيتي ذلك وقال معاتبا، هل إن هذا هو من باب رد الجميل لما نقدمه لكم من خدمات ؟.فأجابه الوزير الغاني مستعرضا السبب في حدوث مثل هذا الآمر،حيث قال بأننا نرسل إلى بريطانيا أو أمريكا مجموعة كبيرة من الطلبة، يمكن القول مثلا مائة طالب لكل بلد، وحسب حاجة بلدنا من اختصاصات، ولكن بعد عام أو عامين يعود ما يقارب 50 أو 70 منهم دون الحصول على مؤهل دراسي، لكون مستواهم العلمي لا يوازي مستوى طلبة الجامعات هناك، أو أنهم أصلا لم يكونوا مؤهلين للدراسة في المعاهد والكليات في بريطانيا أو أمريكا، فيعودون بسبب فشلهم. ولكن حين نرسل مائة طالب إلى الاتحاد السوفيتي، فأن جميع هؤلاء وبعد مضي خمس سنوات يعودون وقد منحوا شهادات عليا باختصاصاتهم، وهذا ما يجعلنا غير موقنين بصحة الموقف الدراسي لهؤلاء، وأيضا بصحة طرق التدريس عندكم، لذا نشكك في طبيعة منحهم الشهادة ومستواهم العلمي. عقب الوزير السوفيتي على ذلك بالقول، بأن السياسة التعليمية في الاتحاد السوفيتي تسعى لمساعدة هؤلاء الطلبة على التحصيل الدراسي ولا تضع العراقيل في طريقهم. فنحن نعتبر ما تعلمه هؤلاء عندنا تنعكس فائدته على شعب غانا، وأنتم تحتاجون لمثل هذا التسريع في إعداد الكوادر.فرد الوزير الغاني مؤكدا بأن هذا النوع من التدريس ومنح الشهادات خاطئ ويسيء لكم قبل الإساءة لنا، لذا أخبرك سعادة الوزير بأننا لن نسمح لأنفسنا الاعتراف بالشهادات التي تمنحها معاهدكم وجامعاتكم. فنحن لدينا قواعد ومعايير نقوم بموجبها اختبار حامل الشهادة فإن استطاع اجتياز الاختبار عند ذلك نوافق ونصادق على شهادته ولكن وللأسف فأن أغلب من يأتي من طرفكم يفشل في اجتياز الاختبار، لذا اتخذنا القرار بعدم الاعتراف بالشهادة الصادرة عنكم دون تمحيص.
 
ــ هل منح الاتحاد السوفيتي مقاعد دراسية لأحزاب عراقية غير الحزب الشيوعي؟

خلال فترة ثورة 14 تموز أقتصر منح الزملات فقط لوزارة التعليم ومن ثم الحزب الشيوعي العراقي ومنظماته الجماهيرية، وقد صادف أن عرفت بأن أحد أعضاء الحزب الديمقراطي الكردستاني قد حصل على زمالة، ولكنها منحت له من قبل أحد الرفاق في الحزب الشيوعي العراقي .وبعد عام 1968 ووصول حزب البعث إلى السلطة في العراق وتطويرا للعلاقة، بدأ الاتحاد السوفيتي ودول المنظومة الاشتراكية بمنح حزب البعث وتنظيماته الجماهيرية مقاعد دراسية في الكثير من الاختصاصات العلمية والأدبية ومثلها في المدارس الحزبية حيث تدرس طرق  التنظيم الحزبي والعلاقات العامة أي الجهد المخابراتي. وكان أغلب هؤلاء من جهاز المخابرات العراقية. وكانت تقدم لهم الكثير من التسهيلات المالية والترفيهية، ويعزو السبب في ذلك لتطور العلاقات الدبلوماسية التي رافقتها المصالح الاقتصادية والمغريات المادية التي يقدمها العراق إلى الدول الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي وألمانيا الديمقراطية والتي كانت على شكل استثمارات وأعمال بناء وشراء أسلحة.
 وعلى مدى فترات نشأت علاقات غير سليمة بين الكثير من الطلبة والأساتذة في الاتحاد السوفيتي ومثلها في باقي الدول الاشتراكية حيث بدأ الطالب يحوز على شهادته  سواء كان ذلك في مستوى البكالوريوس أو الماجستير وحتى الدكتوراه، من خلال الهدايا العينية والمادية السخية التي يقدمها إلى الأساتذة، والتي كانت الرشاوى فيها تفقأ العين   

 
 

مع البعض من زملاء الدراسة في كلية الصحافة


45


كارل ماركس في العراق / الجزء التاسع والعشرون

ــ نعم أخويه أستاذ قادر آني يوم الجمعة أفتح من وكت لأن يوم الجمعة يوم مو عادي أولا هو يوم الله والكهوة تنترس بي زباين.
ــ ماذا تعني زباين؟
ــ هاي آني شلون وياك.. صدك جذب أنته فد مرة كلشي ناسي.
ــ كلمة جديدة لم اسمعها سابقًا.
ــ هم ميخالف عمي، الله لا يوفق ألي سوه بيك هاي السالفة.. زباين  يعني جمع زبانه.. يعني كطف مال جكاير... لو جمع زبون يعني هدوم مال الزلم.
قال ذلك أبو داوود وأخذ جسده الضامر النحيل يهتز جراء محاولته كتم ضحكته.
ـــ  ربي ضحك خير بهذا الصبح بس لا ينكَلب علينا شر؟
ــ ما الذي دهاك في هذا الصباح أبو داوود ،تتكلم بالألغاز؟
ــ عيوني أستاذ قادر حبيت أتلاطف وياك بهذا الصبح.. اليوم جمعة عطلة، والناس أتغبش وتجي من وكت تتسوك حاجاتها من هنا، والبعض عنده حاجه زايده بالبيت هم يجي اليوم يبيعه  ويحصل بيه جم فلس لعياله.. واليوم تبدي رحمة الله بعد الظهر تلتم ناس هواية من جماعة خبز حرية دولة مدنية، وبعضهم يجي يمنه بالكهوة ياكلون ويشربون.. اشو دكَوم ساعدني.. حرك نفسك!
رفع ماركس جسده فأحس بالتعب،  فالسهر كان يثقل رأسه وجسده ولكنه قاوم ذلك واستدار ليمسك التخت الخشبي من طرفه الآخر ليساعد أبو داوود على نقله  جوار مثيله أمام المقهى، ولكن جملة دولة مدنية أدارت رأسه وأيقظت عنده هواجس الفضول الشديد.
ــ أبو داوود الله يحفظكم وشلونكم عيني.. ما الذي تعنيه بجماعة خبز حرية دولة مدنية؟
ــ هسه ما راح أجاوبك... أنته خوب أندليت بيت الشايب أبو سبتي.
ــ  من هو أبو سبتي؟
ــ هذا شلون حجي؟ يمعود بيت أبو سبتي إلي جماعة أبو صبري وأبو تركي الأعضب البارحة ودوك لهناك ودزو أبو سبتي عليه وبعدين انتظروني لمن أجي وآخذك..
ــ نعم ..نعم أعرفه عند المنعطف الثاني من الزقاق ما بعد زقاقنا هذا..
ــ يعني ما أتيه لو رحت هناك..
ــ كلا أعرف الطريق جيدا..
ــ عجيب ويكَولون مخبل؟
همس أبو داود ذلك مع نفسه واستدار ليدخل المقهى.
ــ ماذا قلت؟
ــ هيجي ما كو شي ..
ــ لم تخبرني عن جماعة خبز حرية دولة مدنية؟
ــ دخذ هذي السطلة وروح لبيت أبو سبتي أمليه مي وتعال.. اليوم جمعة وبالعادة الماي ينكطع بالنهار فتره طويله.
ــ لماذا يقطع عنكم الماء؟
ــ أسباب هوايه يمكن يسوه قصطني على مود المظاهرات، لو أكو منو يقبض لو يريد يخربط شغلنه لو شغل الحكومة حتى يهيج الناس ضده.. بالعراق أتوقع كلشي يصير، وكلشي أله أسباب ومسببات ما يجي من وحده.. كلشي مخربط ومتعرف راس الشليله من آخره.. مشروع الماي صار ست سنوات وما كملوه.. بالمليارات يكَولون صرفنه عليه.. والبوكَ صاير عدهم مثل شربة الماي.. هسه أنته وين وديتنه دروح لبيت أبو سبتي جيب من عنده ماي وتعال بسرعة.
ــ أعطيها لأبو سبتي؟
ــ لا بويه أنته  تمليه بنفسك وترجعه لهنا.
رفع ماركس جردل الماء وسار متهاديًا وسط الزقاق. كان يريد أن يعرف عن هذا المجتمع حتى النتف الصغيرة التي تتفاعل وتعتمل وتتضاد لتخلق عاداته وتقاليده وحراكه وممارساته وأعرافه. تلك التي تختفي ثم تظهر فجأة دون تخطيط أو توجيه، فهذا التخبط والعشوائية في بحث الأمور هو النمط الشائع في المجتمع العراقي حين يراد التصدي للحياة ومشاكلها اليومية. دائمًا ما أراد أن يعيد للفكر النظري وظيفته النقدية وصلته بالواقع، ولذا فهو ينطلق من الواقع وليس غيره، أي البحث في ظاهر الواقعة ثم يقوم بتحليلها وكشف منطقها الداخلي وتعارضها أو تناقضاتها المتلازمة، وميول تطورها وإلى أين مآلها. يوم الجمعة حسب ما عرف عنه، هو يوم عطلة دينية للمسلمين حاله حال يوم السبت لليهود والأحد للمسيحيين، وهذه الأيام في سماتها الأعم ظاهرة اجتماعية سياسية تاريخية، حيث يتحول هذا التقليد إلى مكنون لعلاقة دينية أو مذهبية ومن ثم تأخذ طابعها الحقيقي بالسير والتحول إلى علاقة سياسية تتمحور في انحياز الدولة كليا إلى دين الأكثرية، مما يجعل من باقي الطوائف والديانات غرباء في بلدهم حتى وإن اعترفت الدولة بوجودهم وحقهم في ممارسة طقوسهم، ولكن طابع الدولة ومسماها الديني يرفض مساواتهم مع المسلمين. وهنا يتم بقوة التوظيف السياسي للخطاب الديني، ليكون في الأخير عنوانًا للفرقة والحروب، ويفرض طابع الجشع والنفعية وخيارات المفاضلة عند الترويج لذلك الخطاب، ويكون الوجه الأمثل والدين العملي للمجتمع المدني البرجوازي. ومع هذا فإن ما هو أنساني في الدين قابل للتحقق في الدنيا لو توجه الناس للفضيلة وأبعدوا عن الأقليات الدينية مشاعر الغربة عن المجتمع والدولة والمعاناة من التمييز والاضطهاد وهضم الحقوق، وهذا لن يتحقق إلا في ظل سلطة البروليتاريا وعملها الدءوب لبناء دولة العدالة الاجتماعية وجعل الجميع متساوين في الحقوق والواجبات دون استثناء ودون الرجوع لمقولات الدين وأعرافه.
كان أبو سبتي يجلس القرفصاء أمام باب الدار بثوبه الكالح، يتلفع بغطاء رأس أبيض مرقط بمربعات سود، كان ساهمًا يطالع السماء ويداعب بيده سيجارة يبدو من شكلها أنها صناعة يدوية، بين لحظة وأخرى يرتشف منها نفسًا طويلاً ثم يخرج دخانها الكثيف من منخريه وفمه ويروح يراقب كتلة الدخان البيضاء ويتعقبها ليطردها بنفخة من فمه، يلعب لعبته هذه كلما سحب رشفة قوية ثم يعقبها بزفير قوي، كان يراقب الدخان وهو يبتعد فيبتسم بنشوة رضا ظاهرة.
ــ السلام عليكم أبو سبتي.
لم يلتفت أبو سبتي نحو ماركس وراح ينظر إلى أعلى هازًا رأسه بحركات خفيفة وكأنه يبحث عن شيء علق عند سطوح وجدران البنايات التي أمامه.
ــ أبو سبتي...السلام عليكم..
لثلاث مرات كرر ماركس ذلك دون أن يسمع جوابًا. وفجأة نطق أبو سبتي دون أن يلتفت نحو ماركس.
ــ ها شتريد جاي.. ما تخاف يبسطوك..
قال ذلك أبو سبتي وهو يسحب الكلمة الأخيرة عنوة وكأنه يخرجها من منخريه
ــ أرسلني أبو داوود لجلب جردل ماء من عندكم..
ــ ولك أنته تبقه مخبل؟ أي دحجي عدل مثل الأوادم.. كَول بالصحيح شتريد... مو جاي من الصبح حتى تصطرني وأتخربط عليه الجو.
ــ حجي رحمه الوالديكم... ألم تفهم ما أقوله؟
ــ سليمه وصخونه لكل المخابيل.. هو أبو داوود ما لكه غيرك؟ كَول شتريد؟
ــ ماء لأبو داوود.
ــ فوت جوه وعلى أيدك أليمنه الحنفية.
من خلال حركة اليد فهم ماركس ما قاله أبو سبتي  فدخل البيت وذهب حيث حنفية المياه ليضع الجردل تحتها ويملأه بالماء ثم خرج ونظر إلى أبو سبتي وشكره. كان أبو سبتي غائم العينين يطالع السماء المغبرة، يرتشف سيجارته بتلذذ وقوة ويمارس لعبته مع دخانها، وكان يبدو وكأنه في عالم آخر، ساهيًا عما يحيط به ولم يكن ليعنيه دخول وخروج ماركس أو حتى وجوده بالقرب منه.
ــ في أمان الله حجي أبو سبتي.
كرر ماركس ذلك لعدة مرات بعدها عاد أدراجه إلى مقهى أبو داوود دون انتظار جواب أبو سبتي. وجد هناك أبو رجب وكذلك أبو عفيفة وعربته  يقفان قرب المقهى.
ــ هاي شنو أبو داوود شغلته لأستاذ قادر عندك؟
ــ أحسن ما كَاعد بطال عطال.
ــ عاد تنطي شي لو بلوشي؟
ــ بسم الله الرحمن، هو ليش أسوه، قابل كَام كسر السده.. الشغلة كله سطل ماي جابه من يم أبو سبتي، وهو يوميه يلطله تلث استكانات جاي بلوشي.. وبالشقه يكول أبو عفيفة سجلهن على الحساب، وفوكاهه  فندق بلاش..
ــ دنشاقه، هاي أشبيك صايره روحك زغيره تطفر بالعجل. عمي أستاذ قادر أغسل أيدك وتعال أكعد يمي خل نتريك .جبت صحن كاهي بالكَيمر والله على مودك رحت من الصبح يم القشلة حتى أجيبه.
ــ أشكرك إن شاء الله.. أبو رجب أغاتي.
ضحك الجميع وجلس ماركس وأبو رجب عند تخت داخل المقهى يتناولان الفطور، وقد بدأت حركة الناس تزداد مع مرور الوقت ودبّ النشاط في محلات السوق وامتلأ الزقاق بضجيج وصراخ الباعة. جلب أبو داوود قدحين من الشاي ووضعهما أمامهما فوق المنضدة. في ذلك الوقت شعر ماركس بأن ما يلح داخل رأسه من سؤال ما زال طريًا وقد كبر بشكل لا يحتمل التأجيل، لذا عليه أن يسأل أبو داوود عن معنى جملته، خبز حرية دولة مدنية، قبل أن تزدحم المقهى بالرواد ويبدأ يوم العمل الثقيل المتعب ولا يبقى لدى أبو داوود فسحة من الوقت لتفسير ما قاله.
ــ أغاتي أنشاء الله.. رحمه لوالديكم، حجينا أبو داوود.. لم تخبرني عن قولك بأن هؤلاء جماعة خبز حرية دولة مدنية.
ــ شلك بدوخة الرأس؟
ــ بودي معرفة ذلك، الباب اليجيك منه ريح، لا أدري ماذا بعدها.
ــ هاي شلك بيه .. شجاب هذا المثل بهذا الوكَت؟
ــ سمعتهم يتحدثون به.
ــ أي خوب مو كلشي تسمعه تكَوله.
ــ نعم .أوكي ..فقط أريد أن أسمع عن هؤلاء .

ــ شوف أستاذ قادر هاي صار جم سنه قبل وبعد المظاهرات يجون شباب حلوين يكَعدون هنا بهاي الكهوة.. يسولفون ويرطنون أريد أفتهم منهم شي ما أكَدر، أريد أوكَع على مايهم.. كلشي ما كو.. شنو حريه  حرية.. افتهمناها بعد ما أجوي الأمريكان للعراق، وبعد ما أبو شعبنا انسلك بهذي الحرية ألي إجتنه وأحنه بعدنه ما نعرف راسنا من رجلينا.. جان قبل هذا الوكت، واحد لاعب بالشعب طنب، وأحنه طكَت بلاعيمنا من العطش والجوع، ومن الخوف جنه نشتم بي ويه أرواحنا، وهسه بهذي الأيام حتى التلفزيون والإذاعة تصيح حرية حرية ديمقراطية.. بس والذي رفع السمه دون عمد، هذي الأيام مثل وكت صدام، إذا ما عدك حامي يحميك لو ما عدك واسطة، ولو بس تفك حلكَك وتكَول هذوله الجماعة مو خوش، ثاني يوم تلكيك الناس مشمور بالزباله.. لو تجيك ورقة تكَول أنجب أحسلك، هاي الحرية بالعراق من جنه ويه ابن صبحة، لحد ما أجو الأمريكان وجابو وياهم ولدنه الحبابين.. دخلينه استاذ قادر من هذي السوالف الفاينات، شراح تستفاد لو عرفت شنو حرية حريه دولة مدنية. إي مو هيه يمكن نفس السالفة السوت بيك ما سوت وخلتك بهذا الوضع.
ــ على أية حال ولو أني لم أفهم من قولك الكثير، ولكن ما الذي عنيته بدولة مدنية ؟.
عندها صاح أبو عفيفة بصوت عال وهو يقوم بترتيب مواد مطعمه فوق سطح عربته، مكملاً ما أبتدئه أبو داوود.
ــ بابه يا دولة مدنية هاي أنته شبيك.. هذوله الشيوعيين خابصين الدنيا بيه.. هيه شلون واحد يكَول.. كلمن بكيفه ومعليه بالآخرين، والدين الإسلامي ما لازم الناس يصير عدهم مهم ويجلبون بيه، لو يحللهم مشاكلهم.. يعني لتكَلي ولا أكَلك كفر بكفر. يردونه نصير مثل الغرب الكافر.. بالمناسبة فد يوم من جانو الأمريكان يفترون براحتهم بشوارع بغداد، سألت جندي منهم طبعا بالانكليزي.. جان يصيح ويشتم علينه بدون سبب.. كتله أنته تؤمن بالسيد المسيح جان أيجاوبني.. كَالي وهو هذا منو..وين بيتهم .. هذولة الشيوعيه يردونه نصير مثل هذا الجندي.
ــ هاي شلك بيه أبو عفيفة تره السالفة مو هيج.. وبعدين تره المتظاهرين أكثرهم مو شيوعيه.
ــ هيج مو هيج.. أبو رجب تره هذوله ثخنوهه كل جمعة كَاطعين أرزاق العالم.
ــ غير همه يردون مصلحة الشعب.
ــ هذا يا شعب... ليش هذا الشعب يا يوم عرف مصلحته، أشو كتلنه الملك وسحلنه الوصي ونوري السعيد وكتلنه عبد الكريم ويه جماعته وصار يوميه انقلاب عسكري وأجو البعثيين مرتين وحكمو الناس بالنار والحديد والشعب مجتف وخايف وما يعرف راسه من رجليه، بس يدردم وبدون نفع، وهسه أجو ذوله وشغل البوكَ ما لتهم للضالين، وأحنه وغيرنا نصرخ ونعيط وننبطح على ظهرنه والجماعة مطنشين، لا وجماله  ديضحكون على الناس.
ــ نعم وهذوله يتظاهرون حتى يوعون الناس ويدلوهم على باب رزقهم.
ــ أهو هاي هيه ما كو غيرهم يدلي الناس على رزقه.. إي مو الناس ما عده خبز وذوله يردون يجيبون الخبز.. المثل يكَول لو الرزق على كَد العقول جان البهايم ماتت من الجوع. الله ورسله وكتبه موجودين وكلشي ماشي بالعدل والناس عال العال، ورزقكم في السماء وما توعدون.
ــ وهذوله أصحاب عقل وضمير وإخلاص للوطن.
ــ خوش خوش.. البارحة سمعتها من إذاعة موزمبيق باللغة الصينية.. خوب انته اليوم ما نسيت العلم مالتك همين راح ترفعه وتقره نشيد الجمعة المباركة.. بسم الدين باكَونه الحرامية؟
قال ذلك أبو عفيفة هازئًا وطلب من أبو داوود أن يجلب له قدح شاي ثخين فجاء له بما طلبه.
 في الوقت ذاته كان أبو داوود يتكلم بصوت مرتفع وكأنه يوجه حديثه لجميع من كان جالسًا في المقهى.
ــ هاي الشغلة أمدوختني ومدا أفتهم منها شنو وليش وشلون. بس الخال أبو رجب كل جمعة يروح للمظاهرات ويشيل علم العراق وهمين يصرخ وياهم خبز حرية حرية دولة مدنية... وهسه بعد ما سمط الريوك المعدل ودهن زردومه بالكَيمر، راح يكَدر يشرحلنا شنو وليش وعليمن.. خوش أستاذ قادر أسمع زين بلجي تحصل بيه على ثواب ويصيبك أجر.
 ــ خوش ورحمه الوالديكم، أغاتي ممنون.
 قالها ماركس ضاحكًا.
ــ يله أبو رجب أسطره لحجي عبد القادر.. هذا فد واحد لجه يريد يعرف كلشي.


46


كارل ماركس في العراق/ الجزء الثامن والعشرون

ــ تروح على كَهوة أبو داوود وكَله عمي أبو صبري يريدك، يجينا وبدون عذر.. كَله شغلت عشر دقايق ويرجع.
ــ صار عمي.
قالها ابو سبتي وذهب مترنحًا خارج الدار.
ــ زين طلع هويتك أحسن ما أنطلعه أبدالك.
ــ لا توجد لدي هوية أو أوراق إثبات.
ــ هاي شنو يابه.. فتشو خل نوكَع على ما يه.
نهض ماركس عن الكرسي وتقدم اثنان وراحا يفتشان ملابس ماركس، لم يجدا شيئًا. فصرخ أحدهم بوجه ماركس..
ــ لك انته شنو ومنو ومن وين؟ هذا كلشي ما عده لا فلوس لا هويات.. يبين جاي ومضبط شغله حتى محد يكشفه لو انلزم.
تلك اللحظة أنفرج باب البيت ليدخل أبو تركي الأعضب وخلفه رجل طويل القامة ممتلئ الجسد يرتدي العباءة والعقال. كانا يتحادثان دون أن يلتفتا لما يحدث داخل البيت واقتربا من فتحة السلم المفضي إلى السطح عندها تنبه أبو تركي لتلك الزاوية من الدار فشاهد ماركس جالسًا على الكرسي تحيط به مجموعة رجال أبو صبري.
ــ هاي شنو هذا شجابه هنا؟
ــ عمي أبو تركي هذا جاي للسوكَ ويسأل على كهوة أبو داوود ويكول هوه صديقه.
عندها ضحك أبو تركي الأعضب قائلاً.
ــ هاي أنتو شلون صيده صايدين اليوم.. هذه خطية.
ــ شنو تقصد عمي أبو تركي؟
ــ صحيح هذا عرف لأبو داوود... أنته أستاد قادر مو؟
ــ نعم أنا أستاذ عبد القادر.
ــ يابه شباب هذا عرف راجع لأبو عفيفة وأبو داوود وهمه وصوني عليه، لحد يكَيسه، أخذنه محصوله من أبو عفيفة.
ــ لعد أحنه أتصورناه  بالأمن وأبو داوود عنده علاقة وياه.
ــ يمعود يا أمن، تره أبو داوود وأبو عفيفة جماعتنه ومن عدنه وبينه ما يخونون.. وياما وكفولنه وكفات.. وهو هذا الرجال بيا حال، ما تشوفونه بيا حال.. هذا جان أستاد مال جامعة وانسجن وصار بي ألي صار.
ــ أها، لعد من هيج  كلشي ما عنده موشل هينوب..
بعد أن صعد أبو تركي الأعضب السلم ودخل أحدى الغرف في الطابق الأعلى وقبل أن يغلق الباب خلفه قال.
ــ أذا تكدرون أنتم ودو للرجال الكَهوة أبو داوود. هذا هو بيا حال وأنتم حاصرينه بهالشكل؟
 
 راحت عيون ماركس تتنقل بين الوجوه، لقد تعرف على هؤلاء اللصوص  وقدم نفسه لهم دون ماض أو هوية. شخصيته الجديدة دخلت عرينهم ولم يجد بدًا من خداعهم رغم اضطرابه، ولكنه هذه المرة يشعر أنه كسب الجولة بسهولة، ضربة حظ كانت، فلو إن هؤلاء عصابة لا علاقة لها بأبو تركي الأعضب وأيضا بأبو داوود لكان الآن في حالة لا يحمل معها غير مشاعر استعجال الموت وليس غيره. ولكن رغم انقشاع حالة الشك عند هؤلاء فمشاعر عدم الاطمئنان كانت راسخة في فكر ماركس، فهو على يقين من أن أفكار جميع رجال العصابات  سريعة العطب ومن السهولة تغييرها في أية لحظة يشاءون. فكرة سيئة منحهم الثقة، فعالمهم المشحون بالصراعات والمؤامرات والخدع والجريمة يجعل منهم في حالة إرباك وارتباك دائم، وهم غير راضين عن وقائع يومهم لا بل واقع حياتهم بمجمله، ويكاد المرء يلمس ذلك في عيونهم القلقة وأمزجتهم المتقلبة، وحديثهم الخشن القاسي. فكيف يطمئن المرء ويعرف حاله بعد حين. احتمل ماركس نظراتهم الشرسة وهي تتسقطه بالكامل، وفي نفس الوقت كان يفكر بالخطوات القادمة التي سيتخذها معه أبو صبري، فربما ينقلب فجأة كل شيء ويبدأ الجميع ممارسة العنف معه باستهتار وشيطنة بحجة مداعبة أو الهزأ من مجنون. فالمجنون في هذا البلد دائمًا ما يكون ملاحقًا من الناس ومصدرًا للسخرية والطعون ويهمل ويعزل ويضرب ويطرد دون رحمة.
  لم يسمح ماركس لتفكيره الابتعاد كثيرًا عن حيز المكان أو الذهاب شططًا نحو فكرة تبعده عن الذي هو فيه. كان تفكيره محصورًا في باحة هذه الدار الخربة، ولكنه أيضًا يتذكر كيف كان مصير حبه معلقًا عند شفتي والد بيرتا الجميلة، كان يطلب منه أن ينطق كلمة القبول بزواجهما، وتلك كانت أصعب اللحظات التي ترقبها بصبر لا حدود له وانتهت بخيبة أمل مع كلمة كلا. فهل ينتظر الآن قرارًا مجنونًا من أبو صبري في حالة عدم حضور أبو داوود. ولكن ما علاقة هذا بذاك، كيف سمح لنفسه أن يجمع بين هاتين الحكايتين، هل بدا ذهنه يتشتت وينحرف نحو مسالك لا جامع بينها. كل تلك الحوادث التي توالت عليه قربته من عالم الهلوسات، أم  يا ترى فعلا تلبسته روح أستاذ عبد القادر وبدأ ذهنه بالهذيان. شعر بتعب شديد يدب في أوصاله فأرخى جسده على الكرسي ووضع رأسه بين يديه.
تلك اللحظة فتح الباب ودخل الرجل العجوز أبو سبتي وخلفه أبو داوود القهوجي الذي توسط الباحة ونظر في زوايا البيت وحين وقع نظره على كارل ماركس هز رأسه وقال.
ــ يمعود الخاطر الله متكلي وين وليت.. العفو يابه السلام عليكم.. شلونك عمي أبو صبري.
ــ هله أبو داوود.. الشباب لكو تايه بالسوكَ.
ــ خطيه أبو رجب صار تلث ساعات ما خله مكان بالسوكَ ما دور بيه على هذا البلية.. مسكين..
ــ بالريش همزين الله ستره.
ضحك ماركس ضحكة مفتعلة وقال بصوت عال.
ــ شنو يعني بالريش؟
ــ هسه محله أستاذ قادر د كَوم  يمعود.. تعال نروح، الرجال أبو رجب خبص الدنيا عليك بس عوزه يبجي حسبالك مضيع ابنه.
قال أبو صبري ضاحكًا:
ــ هاي غير حنيه على هذا الطباكَات!
ــ مو هو يعرفه من جان أستاد بالجامعة. يله بينه أستاذ قادر.
ــ أنشاء الله.. الله يحفظكم أغاتي.
قالها ماركس ذلك مبتسمًا فراح الجميع ضاحكًا ومرددًا.. ألله وياك استاذ قادر.

***
بعد أن خلت أزقة السوق من البشر وأغلقت المحلات أبوابها ومثلما باقي الليالي، حاول ماركس النوم ولكن هيهات،  فالنعاس لا يأتيه قبل الضياء الأول للفجر وبعد صراع طويل مع الأفكار، حلوها رغم قلته ومرها الذي يسيطر على أغلب ما يدور بخلده. يحضره الآن فولتير الذي أُعجب بالكثير من أفكاره حول الحقوق المدنية وحرية العقيدة ودفاعه عمن يتعرضون للاضطهاد دون وجه حق، وانتقاده الحكم الارستقراطي، والتوزيع غير العادل للثروة، ونظرته النقدية حول فرض الضرائب المجحفة، والعقوبات على أبناء العامة من قبل رجال الحكم ورجال الدين والنبلاء، أيضًا فكرته عن أن الكون قائم على العقل واحترام الطبيعة. ولكن من دراسته لتأريخ الشعوب التي أسهمت في بناء الحضارات الكونية فإن فولتير خلص إلى فكرة عدم الثقة بالديمقراطية، كونها تروج لحماقات العامة والدهماء وكان ينادي بحاكم مستنير منفرد بالحكم ولكنه يستمع لنصائح مستشارين أذكياء. وهذا الحاكم يمكنه دفع القوة والثروة التي يتمتع بها رعاياه في الاتجاه الأفضل. فولتير يفكر بالاستبداد المستنير كمفتاح للتقدم والتغيير. كفيلسوف نابغة كان يثير مثل هذه الأفكار وهو يشاهد الفوضى العارمة التي تعم فرنسا والعالم وما يواجهه الناس من مصاعب ومتاعب.
لن يكون مثل هذا الأمر سليمًا في الكثير من الدول. هكذا فكر ماركس، فهو بالذات ينشد  حكم الطبقة العاملة وبناء الاشتراكية لتحقيق دولة العدالة الاجتماعية، دولة يكون الإنسان فيها أثمن رأس مال، ويجزم أن  فيها خلاص البشرية. ولكن ما العمل مع بلد يخلو من تصنيف وانشطار طبقي، فالبرجوازية الوطنية طعنت من السلطة فأفرغت ساحتها لصالح تجار الفساد وصناع الجريمة، الذين يمارسون الأدوار المنحطة في مسيرة الاقتصاد والاجتماع، وهم من ولد كل هذه التناقضات والفوضى والأزمات الاقتصادية والاجتماعية دون ان يلعبوا دورًا رياديًا في بناء وطنهم. أما الطبقة العاملة فتبدو في حالة أكثر غرابة وتغريب من البرجوازية، فهي تظهر وكأنها منزوعة طبقيًا، أي لا يمكن وفي اغلب الأوضاع،  توصيفها وتصنيفها طبقيًا. فليس من الجائز إدراج كل من يعمل بأجر أو من يؤدي عملاً نافعًا ضمن جوقة العمال، وباستجلاء الموقف فإن أعداد من يدخلون في علاقات الإنتاج الرأسمالية وهم جميع من يبيع قوة عمله وينتج عنها فائض القيمة، عندها يمكن تسميته بالعامل، وفي هذا البلد لا يوجد ما يشير لوجود مؤشر حقيقي لهذه القوة العاملة، ولذا يضمحل الوعي الطبقي الذي يلعبه الفرد وأيضًا الطبقة، والطامة الكبرى أن هلامية الطبقة العاملة جعلت المرء يتعذر عليه وسمها حتى بطبقة لذاتها فكيف والمطلوب في الصراع الطبقي والدور التاريخي أن تكون طبقة بذاتها؟
ولكن أيمكن أن تكون نظرية فولتير في الحكم صالحة للعراق بشكل خاص. فما شاهده من انفلات وفوضى عارمة تتعكز على ما سمي بالديمقراطية والحريات التي جلبها الأمريكان للإفساد وليس للإصلاح، فراحت الناس تتصرف فيها بعشوائية مقيتة بل مهلكة في الكثير من المواقف. ربما من المقنع أن هذه الأفواج من البشر الضائعة تحتاج إلى سلطة ذكية حكيمة واعية لمهامها، وذات برنامج سياسي اجتماعي اقتصادي يحيي البلد وينقذه من الذهاب نحو الفشل والسقوط المريع. وعليها قبل أي شيء آخر منع العامة والدهماء من فرض خياراتهم على الناس، وأن يكون الحاكم شديد المراس قويًا يعرف كيف يوجه رعاياه نحو الفضائل والتغيير والحداثة، ويقف بحزم لمنع التصرفات الطائشة وعصابات الجريمة والحريات السائبة، ولكن من أين وكيف يأتي هذا الحاكم وقد تقاسم الدهماء السلطة وقبضوا عليها بيد من حديد.
ــ أكَعد يمعود، أكعد اليوم جمعة والصلاة على رسول الله محمد.

ــ لست نائمًا فقط أغمضت عيني لفترة وجيزة، كم الساعة الآن؟
ــ هاي هم حلوة.. تسأل على الساعة.. شنو تريد تروح للدوام؟!
ــ كلا، فقط أردت أن أعرف الوقت.
ــ نعم أخويه أستاذ قادر آني يوم الجمعة أفتح من وكت لأن يوم الجمعة يوم مو عادي أولا هو يوم الله والكهوة تنترس بي زباين.
ــ ماذا تعني زباين؟


47

كارل ماركس في العراق / الجزء السابع والعشرون

بعد أن ملّ الجلوس والنوم في المقهى لثلاثة أيام، يُزق فيها الشاي من يد أبو داوود ويُطعم من طعام أبو عفيفة مثل فرخ طير كسير، ويستمع لهذر جلاس المقهى وروايات أبو رجب عن أستاذ عبد القادر. جازف ماركس وقرر القيام بجولة بين أزقة السوق. توقف عند جميع المحلات وتمعن في البضائع التي تعرضها العربات الجوالة والأكشاك الثابتة وصل نهاية الزقاق ثم عاد أدراجه، شعر برهبة المكان، فالضجيج والزحام وتنوع البضائع ووجوه الناس الشاحبة المتعبة اللاهثة لا تدع للمرء قدرة على التركيز والثبات حول فكرة واحدة. عاد ليجلس جوار أبو عفيفة لبضع ثوان ثم نهض بعجالة واتجه صوب وسط السوق. كان أبو عفيفة يعاينه وابتسامة عطف ترتسم على شفتيه وراح يهز يده استخفافًا. توغل ماركس بعيدًا في زقاق جديد ثم آخر، بعد ذلك فاجأته استدارة أجبرته العودة ثانية لذات الزقاق، وأخيرًا قادته قدماه للخروج من فتحة للسوق أوصلته إلى شارع أسفلتي عريض بممرين للسيارات ونفق، تزدحم العربات فيه بشكل غير عادي. توقف لينظر ما حوله ويراقب حركة سير الناس والعجلات. كان الزحام على أشده وأصوات السيارات تختلط مع أصوات الباعة. على يساره يمتد جدار أسمنتي عالٍ يحجب واجهات الدكاكين والبضائع عن الشارع الإسفلتي. سار محاذرًا ارتطام الأجساد في الممر الضيق المزدحم جراء كثرة البضائع المعروضة في الواجهات وعلى جانبيه، فلم يترك للبشر سوى فسحة ممر يتعذر السير خلالها بسهولة. لم يشاهد في حياته مثل هكذا زحام مربك غير مرة سابقة كانت في أحد أسواق الجزائر. وحتى ذلك الوضع الذي شاهده في الجزائر العاصمة، لم يكن بمثل هذه الحال من الفوضى.
 نعم يتحالف أصحاب المصالح الكبرى لخلق مثل هذه الفوضى لتمرير بضائعهم وتحقيق مآربهم والعمل على إشاعة الأساليب الملتوية ليعيشوا وجهاء على حساب هذه النسب العالية من الباعة المسحوقين. الجميع هنا يتدبر أمره كيفما يستطيع، فهم يجدون أنفسهم متروكين يواجهون مصيرهم لوحدهم،على الأقل هكذا يوحي منظرهم. أغلب هؤلاء صغار يعملون دون ضمانة للحاضر أو المستقبل، وتراهم يتنافسون في يومهم من أجل لقمة العيش بصراع ظاهر ومستتر، فلقمة العيش تفرض مثل هذا الاقتتال. هكذا فكر ماركس بعد أن شعر بعدم قدرته على احتمال هذه العشوائية والوضع المربك، ومن الجائز أن يفقد في نهاية جولته طريق العودة، فقرر الرجوع من حيث أتى. عرج ماركس عائدًا ودخل الزقاق القريب متوجهًا نحو مقهى أبو داوود. بعد استدارة قصيرة أجتازها بصعوبة دخل في زقاق، شعر فجأة وهو يدخله بأنه أضاع الطريق فراح يتلفت حوله في محاولة للتعرف على دلالات ممكن لها أن ترشده إلى الطريق الصحيح. كلما توغل في الأزقة المتشابهة والمتشابكة كان يفقد المكان، فشعر وكأنه داخل لعبة متاهات الممرات المغلقة. بدأ التوتر يسيطر عليه وأصبح في حالة نفسية معبأة بالهواجس غير المريحة، فهو لا يريد ولو لفترة قريبة أن يفقد المكان الذي التجأ إليه، وكذلك لا يود في هذا الوقت الابتعاد عن صحبة أبو داوود وأبو رجب وتصوراتهم الطيبة عن أستاذ عبد القادر الذي حل هو بديلاً عنه، وأيضًا أبو عفيفة وسخاءه وطيبته.
باتت المقهى تعني لماركس الكثير، فهي ليس فقط مكاننا للمبيت، وإنما يجد فيها الحماية ضد التهديد والعنف، حتى وإن كانت تلك الحماية مؤقتة وجاءت عبر وساطة أبو عفيفة. يدرك الآن أن ما حدث لهذا المجتمع كان كبيرًا وقاسيًا جدًا، لذا فالعدوانية ظاهرة طبيعية عند البشر وبالذات الذين مورست عليهم ضغوطات كبيرة وواجهوا عدوانية مسلطة بشعة ومجرمة مثلما يتحدثون عنها، لذا فهم يفرغون ردود أفعالهم بممارسة العنف ضد الأضعف منهم، وهو اليوم وفي مثل هذه الظروف يبدو الأضعف في هذه المعادلة. فهو شخص تائه وحيد دون أوراق ثبوتية وأجنبي بين أناس لا يفقهون ما يريده، ويتوجسون من الغريب، وها هو الآن يمارس طقوس الخداع والتمويه ليحصل فقط على الطمأنينة ليس إلا.
أين مقهى أبو داوود في هذه الفوضى والتخبط. ليست بأزقة كبيرة أو كثيرة ولكنه أضاع فيها طريقه بسبب عشوائية المحلات والاكشاك والعربات. تجرأ وسأل صبي يقف عند عربة لبيع أقراص الأفلام.
ــ هل تعرف أين تقع مقهى أبو داوود؟
ــ ليش عمي شتريد منه؟
ــ   لا أريد شيئًا فهو صديقي وأريد أن أستدل على مكانه.
ــ أبو داوود عده صديق أجنبي!
ــ ماذا تعني أجنبي؟
ــ أنت مو أجنبي لو ويه الجماعة؟
ــ وكيف عرفت أني أجنبي؟
ــ مبين من حجيك... ما عدنه واحد يحجي هلشكل إذا مو اجنبي، لو شو شنو.
ــ جيد وأين تقع مقهى أبو داوود.
ــ شمدريني... آني ما أعرف روح أسأل غيري.
استدار ماركس وعاد أدراجه من حيث أتى في محاولة لاستبيان صورة جديدة للمكان الذي قدم منه عسى أن يجد دلالة ترشده نحو المقهى. وقف عند رأس الشارع وراح يتأمل المحيط وما حوله، شاهد الصبي صاحب العربة يلوح له من بعيد وكأنه يستدعيه. ربما وجد دالة ما يسعفني بها، هكذا فكر ماركس وهو يتحرك باتجاه الصبي. وقف أمامه مبتسمًا وكان الصبي يهرش رأسه بعجالة ويتلفت يمينًا ويسارًا دون أن ينظر لماركس أو حتى ينطق بكلمة. وقف ثلاثة شبان جوار ماركس راحوا ينظرون له بحدة ظاهرة ثم قال أحدهم موجهًا كلامه لماركس.
ــ أخونا أتفضل ويانه.
ــ إلى أين؟
ــ أنته مو أدور على كَهوة أبو داوود.
ــ نعم أبحث عن تلك المقهى.
ــ لعد تعال أحنه نوديك لهناك.
لم يخنه حدسه فهو الآن تحت رحمة هؤلاء وهو مثلما فكر، بات الحلقة الأضعف، فالشباب الثلاثة يطوقونه ويوجهون سيره ليدخلوا معه في زقاق مغلق النهاية، لم يحاول المقاومة أو الممانعة فقط سألهم عن السبب في إجباره للسير معهم، فأجابه أحدهم بأن واجبهم يحتم عليهم مراقبة جميع من يدخل هذا السوق، ولن ندعك تتأخر فقط دقائق معدودات بعدها نرشدك إلى مقهى أبو داوود. لم يفكر في طلب المساعدة من زحمة الناس أو محاولة الهروب. فإن صرخ طالبا النجدة، ربما ذلك سيدفع هؤلاء الشباب لقتله مباشرة وبدم بارد ووسط السوق دون خشية من حشود الناس، فالشرر كان يتطاير من عيونهم وهم يحادثونه ويحثونه على السير أمامهم. دخلوا زقاق ضيق دون مخرج أخر، دفع أحدهم بابًا خشبيًا ثقيلاً فأصبح الجميع وسط باحة مكشوفة تحيط بها غرف عديدة يبدو أنها مخازن لبضائع متنوعة ومتعددة.دفعوا به نحو زاوية خلف كومة أخشاب كبيرة وماكينة لتشطيب الخشب.
أجلسوه فوق كرسي خشبي يبدو جديد الصنع، بعدها انهالت عليه الأسئلة.
ــ من وين تعرف أبو داوود؟
ــ صديقي وأنا أبيت عنده ليلاً.
ــ عجيب.. وشوكت تعرفت عليه؟
ــ ليس من وقت بعيد؟
التفت أحدهم وأمال رأسه على صاحبه وكأنه يهمس له بكلام سري ولكن ماركس كان يسمعهما بشكل واضح.
ــ أكلك خاف هذا يطلع بالأمن؟ أشو حتى حجيه مو بشكلنا.
ــ ما أعتقد.. أبو داوود صاحبنه وجان كَالنه عليه.. خوب أبو داوود ما يلعب بذيله ويسوي علاقة بدون ما نعرف.. أبو داوود عينه بالمنطقة وإذا هذي العين أتغشنا نقلعه.
ــ إي نقلعه.
ــ انته شنو أسمك؟
تردد ماركس قبل أن يجيب على السؤال، ما الذي عليه قوله، الموقف لا يحتمل تغير في الأدوار أو القفز فوق لحظة يتقرر فيها مصير الإنسان دون اتخاذ قرار صائب، عليه الآن ودون تردد الاختيار بين الهوية الأصلية أو البديلة. ليرمي كلمته وما يحدث بعدها فليحدث، فما عاد يهتم للقادم، فليس ما يحدث من حوله مفارقات، بقدر ما هي نكبات ونكد وقدر تعس يهرول وراءه أين ما أراد الذهاب. وها هو يقع مرة أخرى بيد عصابة جديدة ربما لن يفلت منها هذه المرة وقطعًا لن يخرج سالمًا.
ــ عبد القادر؟
ــ وين بيتكم بيا منطقة؟
ــ لا أعرف.
ــ شكد صارلك تعرف أبو داوود.
ــ لا أتذكر.
ــ شوف أبو صبري.. هذا مو خالي.. هذا لو بالأمن ودازي يشمشم بالسوكَ.. لو شوف شنو عنده من لعبه جبيره تخوف؟
ــ يابه والله المعبود وروحه الخالي وداعة أبني صبري.. إذا هذا طلع بالأمن وعنده علاقة بأبو داوود.. راح أخلي جثثهم ثنيناتهم معلكَة  اباب الكهوة. حجينا أبو سبتي رحمه الوالديك ما تجي يمي.. تعال أهنا..

كان أبو سبتي جالسًا أمام أحد أبواب الغرف يعبأ ألعاب أطفال بأكياس نايلون بعد أن يخرجها من صندوق خشبي كبير.كان شيخًا في السبعينات من عمره. وبعد أن سمع نداء أبو صبري عليه، رفع عجيزته بتثاقل وتقدم منحني الظهر ليقف جوار ماركس.
ــ ها عمي أبو صبري كَول آمر.
ــ تروح على كهوة أبو داوود وكله عمي أبو صبري يريدك، يجينا وبدون عذر.. كَله شغلت عشر دقايق ويرجع.
ــ صار عمي.

قالها ابو سبتي وذهب مترنحًا خارج الدار.


48


كارل ماركس في العراق / الجزء السادس والعشرون

ــ يابه إذا جانو يفتهمون شنو يكَول.. لعد ينجرلهم أذن وحقهم من يحبونه. بس سمعته يحجي بالقيمة.. تره يمكن خطيه ديفكر ومشتهي مركَة قيمة.. والله لخاطر هذا الرجال راح أوصي أم داوود تسوي قيمه أوباجر اجيبله سفرطاس كامل.. ثواب لروح الموته.

كان ماركس يفكر في حلمه الذي تحدث فيه مع رفيقه إنجلز بتفاصيل كان يود الإفصاح عنها، كان يحتفظ بها داخله وها هو قد قالها في حلمه الجميل، استرسل فيها وكأنه يتحدث عن وقائع ونماذج تتعلق بطبيعة هذا المجتمع كان بحاجة لتدوينها. تمنى لو لم يستيقظ من النوم وأن لا يأتوا لإيقاظه، فأحلام الرعب والكوابيس كانت الوحيدة التي تعبث بلياليه على مر الأيام الماضية، ولكن اليوم اختلفت وكان رفيقه بجانبه مثل ماضي الأيام.
ــ عيوني قادر دكَوم غسل وجهك.. راح يجي أبو عفيفة حتى تتريك وتشرب جاي وترتاح.
ــ هم أجوك جماعة أبو تركي بالليل؟
ــ نعم أتوا منتصف الليل وكانوا مؤدبين جدًا.
ــ خوب ما آذوك لو فتشوك؟
ــ كلا كانوا مسالمين.
ــ إي مو أبو عفيفة دهن زردومهم.
ــ دهن زردومهم ..ماذا تعني كلمة دهن زردومهم؟
ــ يعني أنطاهم المقسوم.
ــ وما معنى المقسوم؟
ــ يعني الخاوه الشهرية.
ــ وماذا تعني الخاوه الشهرية؟
ــ لك عاد مو من صبحية الله، تفرغ خبالاتك براسنا.. هسه أحنه خاشين يوميه بحزوره وطالعين من حزوره وأنته اليوم جاي تسأل وأحنه أنجاوب وما تفتهم.
ــ أي أبو داود.. تتذكر ذيج الأيام السوده من طلعو علينا البعثية إبلتيقه.. أنت تسأل والحزب يجيب.. هسه أستاذ عبد القادر يريد يسويها ويانه.. عيوني أستاذ قادر دكَوم غسل وجهك وأشرب ماي وأتهده بالرحمن ولكل سؤال جواب أنشاء الله.
ــ أنشاء الله أغاتي.
قالها ماركس ورفع عجيزته بتثاقل وذهب إلى داخل المقهى ليقف عند حنفية الماء للاغتسال. وقف أمام المرآة المغبرة الموضوعة أعلى الحنفية وراح يطالع وجهه الشاحب المتعب وعينيه الكسيرتين. ها هي لحيته قد نمت وارتفع شعره رأسه بعض الشيء، ربما لا يحتاج سوى أسابيع أخرى لتختلف صورته كليًا عن وضعها السابق بعد الحلاقة القسرية القاسية التي أرتكبها المجرم أبو بشير ومرتزقته وكذلك عندما كانت عليه في السجن، ولكن ماذا سوف يكون عليه الوضع بعد ذلك الزمن. مد يده وأراحها تحت صنبور الماء ثم رشق بقوة وجهه بقبضة ماء، وكأنه يريد أن يوقظ نفسه من غفوة أو غفلة، شعر في هذه اللحظة برغبة قوية في جعل انفعالاته تنفجر، رغب أن يصرخ بكل ما أوتي من قوة، يريد لروحه أن تستجيب الآن برد فعل حاد لكسر لحظة المتاهة المرعبة التي يدور فيها عقله وجسده، يريدها أن تصرخ ليخرج كل ذلك الغضب اليائس الحبيس الذي يمزق صدره. يريدها أن تعلن تمردها على الواقع المفرط المرارة الذي وقعت فيه، تفتت حال التخبط والاعتباطية التي يجرجره نحوها القدر الهمجي الخبيث، أن تكسر عجزها وقصور تحليلها لما هي عليه، وتعاف السؤال عن كيف ولماذا وضعت حالها في كومة مآزق وبدت وكأنها في ميزان المعالجات جاهلة وفاقدة للقدرة وتفتقر لأي خبرة حياتية، ضعيفة الحيلة مدحورة القوى. وهو في تفكيره اليائس المتطير هذا راح يرشق وجهه بالماء بقوة وعجالة وتكرار جعل أبو داوود وأبو رجب ينتبهان لما يفعله ماركس ويتبادلان نظرات الشفقة.
ـــ شوفه خطيه.. مسكين.. مو بيده.. الله لا يوفقكم والله يجازيكم بالأسوأ منه على هذي العملة السويتوهه بالرجال.
ــ أي والله خطيه مسكين.. والله آني أخاف فد يوم يسوي بنفسه فد شي.
ــ عمي أستاذ عبد القادر.. أستاذ عبد القادر.. تره أبو عفيفة أجه بعربانته.. تعال تريك..
قال أبو رجب ذلك وسحب ماركس من يده ليجلسه فوق التخت جوار عربة أبو عفيفة. الذي بدوره سأل ماركس عن ما جرى له ليلاً فلم يرد ماركس بغير كلمة واحدة.
ــ جيد.
ــ خوب محد آذاك؟
ــ كلا. شكرًا لك.
ــ هل ترغب بلفة كباب عروك لو تتريك ويايه جبن؟ آني جايب ويايه لفتين جبن.. ملت روحي من العروك.
ــ ليس لي شهية للأكل الآن.. شكرًا لك سيدي.
ــ حتى لو نص صمونه تفتح بيه ريكَك.
ــ كلا فقط أرغب بتناول الشاي.
بحركة وكأنه يدير شيئًا ما بأصابعه في الهواء أومأ أبو عفيفة لأبو داوود ثم أشار نحو كارل ماركس، فهم أبو داوود الإشارة فجاء بقدح شاي وقدمه لكارل ماركس وجلس جواره.
ــ وحق الأخوة هذا من راس القوري أستاذ قادر... بلجي على كَصتك الشغل اليوم يصير أحسن.
ــ شنو راس القوري؟
ــ راس القوري يعني أنته أول واحد نقدمله الجاي قبل ما يطلع جاي من القوري لغيرك.

أخذ ماركس يرتشف الشاي ويطالع حركة الناس في السوق وفضل عدم الإجابة على الأسئلة أو حتى مجارات حديث أبو داوود .كان يريد أن يعبر عن موقف ما أمام الأحداث وأن لا يظهر قلة حيلة وعدم قدرة على التحكم بالوقائع. وكمحاولة منه لسد الثغرات الغير متوقعة إن شارك بالحديث أو أجاب على الأسئلة، فضل خيار الصمت في هذا الوقت،فهو إيحاء مناسب لحالة الجنون التي يظنون أنها تتلبسه. دعهم يفكرون بما يشاءون فما عاد ذلك يهمه، وليمتنع عن الإجابات لبعض الوقت حتى لا تكون إجاباته مصيدة لكشف أسراره، وما عليه بعد كل تلك المصائب غير التفكير بالخروج نحو فضاء الحرية والوصول إلى بلده بعيدًا عن بلد العجائب ومكمن القلق والخطر، وليكن خروجًا عجولاً من هذه المتاهة. عليه أن يجد الدفاع المشروع عن النفس، وهذا لن يكون موجودًا دون تغليب المصلحة الذاتية. ولكن هل ممكن تحقيق هذا بوجود القلق والخوف المتفجر أمامه كل لحظة. وهل تغليب المصلحة الشخصية سوف يجلب الأمان ويطمئنه.
ــ عيوني أستاذ قادر دكَوم بدل وره الوجاغ.. هذي سترة وبنطلون وقميص بلكي تصير على كَدك؟
ــ عاشت ايدك أبو عفيفة والله أبن أوادم يصيبك ثواب أو أجر بهذا المسكين.

ــ هاي باقيات عندي من جنت معلم.. أم عفيفة ضامتهن بالكنتور.. أدكَول هاي الهدوم إذكره بأول شوفه شافتني بيها من أجينا نخطبه.. وآني كل مره أكلها يمعوده تعوذي بسم الرحمان أي مو صرنه شياب، والهدوم هاي راح ياكله العث، لكن هيه راكبه راسه ومترضه.. البارحة كَلت يزي عاد وهاي الهدوم ترهم القادر أفندي وخلي يكدرها.
ــ بعد شتريد أستاذ قادر.. أجاك قاط بالباكيت.
ذهب ماركس خلف الستارة حيث مخزن قناني الغاز المجاور لطاولة قوارير الشاي. خلع ملابسه القديمة المتسخة وارتدى الملابس التي أهداها له أبو عفيفة ومسح بقميصه القديم فردتي حذاءه الموحلتين، وخرج فارتفع صراخ وتهليل من أبو رجب ومعه أبو داوود مرددين.
ـــ الله ومصلي على محمد وآل بيت محمد.. عريس وربعه يزفونه.. عريس وربعه يزفونه.
لم تبدر من ماركس كلمة ولكنه ابتسم ابتسامة شاحبة لم يرغب بأن يلاحظها الغير وخرج ليجلس في مكانه المعتاد قرب عربة الطعام.
ــ يابه كون على ثقة حسبالك الهدوم أمفصله إلك تفصال، علخير عيوني أستاذ قادر.
ــ أشكرك أبو عفيفة.. ممنون أغاتي.
ــ أي هسه لو مكمله وجايبله بينباغ جان رجع مثل كَبل على عهد الكلية من جان يوكف بالصف هيبه.
ــ أستاذ قادر تلبس رباط ويه القاط؟
ــ لا أحبذ لبس ربطة العنق.
ــ د عوفو للرجال.. هسه بعدك متشتهي تاكول أستاذ قادر..؟
ــ قطعا.. لا أرغب الطعام الآن.
ــ براحتك.. من تجوع كَلي.

 

49

كارل ماركس في العراق الجزء الخامس والعشرون

 عندها عاد ماركس إلى رقدته وقد شعر بشيء من الاطمئنان وراح ينتظر بزوغ فجر يوم جديد.
 تضاربت الأفكار في ذهنه، فها هو الآن في وضع قلق وغير مطمئن ولكن في نفس الوقت يشعر بأنه وجد بعض الحماية جراء  تعاطف له ما يبرره، ولكنه وفي حقيقة الأمر يأتي بالذات على حساب شخصيته. فوصمة الجنون للأستاذ قادر وجدت طريقها لتستلب شخصيته الحقيقية عند هؤلاء، ولكنها في الوقت نفسه تؤشر لفترة مظلمة وقاسية استلبت من الناس حتى عقولهم. فالعنف والجنون باتتا صنوين لمرحلة امتدت طويلا، ولم تكن شططًا عابرًا في حياة الكثير من العراقيين، وحين يتحدثون عنها، يصفونها بشتى المسميات لا بل كانت ومازالت عندهم ظاهرة مثلت نموذجًا فريدًا للقسوة والظلم، حتى وإن واجهتهم كل تلك المشاكل والصعوبات في الراهن من الوقت، فإن هناك غالبية لا تريد أن تذهب لمقارنة الماضي بالحاضر، وتصر على أن الحاضر هو نتاج ذلك الماضي وتلك حقيقة بائنة، وقسوتها لا تنكرها عين منصف. ولتفسير العنف والقسوة المجتمعية، نجد أن الماضي له من السطوة والتأثير الكثير. فالصفات العدوانية والعنيفة لها جذورها وتربتها التي تغذت منها، ولكن لا يمكن أن تكون خاصية إنسانية. فهؤلاء الناس لو أتيحت لهم فرصة حياة متجددة إحيائية تطورية ويرفع عن كاهلهم عبء التهديد النفسي وكبت الحريات والعوز المادي، ولو كانوا في وضع مريح يسمح لهم بالتفكير العقلاني، لتغيرت الكثير من طباعهم وقدموا ما يشي لقيمتهم الإنسانية الحقيقية. ولكن مع انعدام كل هذا، فالمواقف الشخصية والثبات والنفرة من التغيرات يشخص عندهم ظاهر ويرسم في إدارة الظهر للعالم وتفريغ العوامل الذاتية في فورات غضب وانفعالات فجائية وعناد في المواقف، ولم يأتِ ذلك اعتباطًا وإنما جاء بسبب الشعور بالتهديد المسلط دائمًا عليهم.أيضا عوامل القلق وفقدان الحريات مما يربك التوازن الوجودي لديهم، ويبعدهم عن حقيقتهم كشعب يعد من أولى شعوب الأرض وبناتها في هذا العالم.
      ***

فتح ماركس عينيه على سعتهما وهو ينظر إلى صديقه إنجلز الجالس جواره على ذات تخت المقهى الذي أتخذه سريرا. كانت مفاجأة غريبة ولكنها أدخلت السرور والارتياح لقلبه وشعر وكأن الحياة ردت إليه لذا قال بنشوة وفرح غامر.
ــ ما الذي أتى بك يا صاحبي؟
ــ استلمت رسالتك وعرفت أنك في مأزق كبير ففكرت أن أقدم لك المساعدة قدر ما أستطيع.
ــ آه كم أنا بحاجة إليك في هذا الظرف العصيب. لم أكن لأعرف من أين سوف يأتيني العون لأهرب من هذا الكابوس الذي تلبسني. يا صاحبي كم أنا فرح بوجودك، دائمًا أجدك جواري وأنت تضع معي خطة خلاص هذا العالم، وتشاركني حتى في همومي ومشاغلي الشخصية، أنا جد فرح بوجودك أيها الرفيق الباسل إنجلز.
ــ لم أمنع نفسي من المجيء إلى هنا والبحث عنك، فقدري أرتبط بقدرك وبتنا صنوين في هذه الحومة. لا فكاك عن بعضنا البعض. أليس ذلك صحيحًا رفيقي العزيز؟
ــ نعم أيها الرفيق.. كنت أنت سندي وصاحبي وأيضًا ملهمي في الكثير من المواضيع.
ــ صديقي ورفيقي ماركس أنت من أكتشف قانون تطور التاريخ البشري وهذه الحقيقة البسيطة والواضحة دائما ما كانت تخفيها وتشوش عليها هيمنة الايدولوجيا، وهي إن الإنسان يجب أولا أن يأكل ويشرب ويجد المأوى والملبس قبل أن يصبح في استطاعته الاهتمام بالسياسة والعلم والفن والدين.ألم تلاحظ هذا هنا في العراق.
ــ أعرف هذا عزيزي إنجلز وما مجيئي إلى العراق غير محاولة لسبر غور حركة وتطور التاريخ البشري واكتشاف الحقيقة المتعلقة بالصراع الطبقي وطبيعة وسائل الإنتاج في هذا البلد العجيب الغني بإفراط والفقير بذات المستوى ونفس الوقت، ولكني تعرضت للتشويش وأدخلت في دوامة صعبة ولم تعد لدي قدرة لتلمس وتتبع الأحداث والتطورات، ولم أجد طبقة عاملة بالمعنى الحرفي والاحترافي للكلمة، وأيضًا تختفي بشكل مشوش البرجوازية ومثلها وسائل الإنتاج. لذا فطبيعة الصراع الطبقي مشوشة ومتداخلة بشكل غريب لن يستطيع المرء تفسير الكثير من وقائعه اليومية أو مسالكه ومآلاته بعمومها. ولم أجد عندهم  إنتاجًا للوسائل المادية الحقيقية الضرورية للعيش، فهم يعتمدون على استيراد كل شيء، ولم أحصل على مؤشرات لدرجة التطور الاقتصادي المحققة من طرف هذا الشعب فالسلطة تعتمد الريع النفطي في مجمل الاقتصاد. أيضًا وهذا ما شوش علي وأربكني، فقد أدخلني من استدعاني، في مآزق عديدة وصلت في بعضها حد التهلكة لا بل الموت المحقق.
ــ حتى لم تستطع أن تدرك وتطلع على حقبة تشكل الأساس الذي تقوم عليه مؤسسات الدولة والمفاهيم الشرعية والفن وحتى الأفكار حول الدين التي يختص بها هذا الشعب، والتي على ضوئها تفسر الكثير من الأحداث، وكان من الممكن أن تنفعك في قادم الأيام.
ــ لا يا صديقي إنكلز، لم أكن في وضع مستقر وفاجأتني أحداث وضعتني في حالة تقترب من الضياع، أنت تتذكر كيف تسنى لي اكتشاف القانون الخاص بالحركة الذي يحكم نمط الإنتاج الرأسمالي لعصرنا والمجتمع البرجوازي الذي خلقه هذا النمط من الإنتاج، وأيضًا لفائض القيمة الذي سلطت الضوء عليه وهو لب المشكلة ووضعت الحل لما عجزت عن حله جميع الأبحاث السابقة من لدن الاقتصاديين البرجوازيين وكذلك النقاد الاشتراكيين. ولكني في نهاية المطاف لم أجد أو أشاهد أو أتلمس هنا ما يسعفني لمعرفة كيف يتولد في هذه العشوائيات الكثيرة المنتشرة في طول العراق وعرضه فائض القيمة ولم أجد اقتصادًا يمكن للمرء دراسته واستخلاص نتائج منه. تصور يا رفيقي، حتى الرؤية لدى السلطة والمجتمع حول توزيع الثروة ونظام الاقتراض الحكومي غير عملي وأيضًا غير منصف، وتنعدم الأسس لنظام الضرائب والحماية الكمركية وتوزيع الدخول، واعتمدت هذه الطرائق في جانب منها على العنف الوحشي، وتستخدمه سلطة الدولة أي العنف المنظم والمركز في المجتمع بغية إنماء عملية تحويل أسلوب الإنتاج المشوه السابق الذي سمي ظلما بالاشتراكي، وتقليص مراحل الانتقال إلى نمط الاقتصاد الرأسمالي. وهنا نرى إن العنف ذاته أصبح قوة اقتصادية وولد من رحمه مافيات مدججة بالسلاح.
ــ ولكن أين منظمات المجتمع المدني من كل هذه الفوضى؟
ــ هنا مربط الفرس يارفيقي، فأنت تعرف وربما فاتنا تطوير مفهوم رأس المال الاجتماعي هذا الذي كان علينا بحثه بشكل تفصيلي، فقيمة وفعاليات العلاقات الاجتماعية ودور التعاون والثقة، له الأثر الكبير في تحقيق الأهداف الاقتصادية، فرأس المال الاجتماعي ركيزة أساسية للعلاقات الاجتماعية وهو الذي يتألف من شبكات اجتماعية ومشاركات مدنية وعادات مشتركة لها تأثير على إنتاجية المجتمع والفرد، وهنا فإن المجتمع يعوزه الكثير ليخلق مثل تلك الشبكات والسبب هو تخلف أنماط في شبكة التشكيلات....
شعر ماركس بلكزة قوية عند قدمه فوثب من نومته وفرك عينيه فوجد أبو داوود وأبو رجب يقفان جواره ويبتسمان له.
ــ أكَعد عمي أكَعد... الدنيه صبح والشمس صارت بنص السما وأنته رايح بسابع نومه. خلينا نفتح على باب الله.
ــ لم أنم طوال الليل.
ــ هسه جنت نايم وأتدردم جنك بعدك بالكلية وتحجي محاضرة للطلاب. صار ساعة أحنه واكفين يمك نسمع سوالفك. أي مو خبلتنه.
هكذا قال أبو رجب وهو يسحب مع أبو داوود التخت ليضعاه جوار الآخر ويخرج ماركس من بين المقعدين.
ــ خالي آني سمعته.. هذا عود صدك جان أستاذ. يرطن رطينه ما افتهمت منه كلشي.. هاي شلون جانو الطلاب يفتهمون.. عملية تحويل أسلوب الإنتاج المشوه، عود شنو هاذي.. هاي تسطر أكبر واحد.
ــ هوه أني شنو كَلتلكم.. هذا أستاذ عبد القادر جان ينحلف برأسه وبعض الطلاب يعبدو عباده.
ــ يابه إذا جانو يفتهمون شنو يكَول.. لعد ينجرلهم أذن وحقهم من يحبونه. بس سمعته يحجي بالقيمة.. تره يمكن خطيه ديفكر ومشتهي مركَة قيمة.. والله لخاطر هذا الرجال راح أوصي أم داوود تسوي قيمه أوباجر اجيبله سفرطاس كامل.. ثواب لروح الموته.



50



السياسة السوفيتية والأحزاب الشيوعية العربية/ ج2

 
   الدكتور خليل عبد العزيز والصحفي فرات المحسن


أجرى الحوار فرات المحسن




ــ هناك الكثير من المؤشرات حول طريقة تعامل السوفييت و تغيير إستراتيجياتهم في التعامل مع الأحزاب الشيوعية العربية. هل من الممكن الحديث عن هذا؟

تغيير النهج أو طرح رؤية إستراتيجية  جديدة  للتعامل مع تركيبة تلك الأحزاب ودورها في عمليات التغيير داخل بلدانها، ظهر بشكل تصاعدي بداية  سنوات الستينات من القرن العشرين، حين ظهرت بين أوساط الحزب الشيوعي السوفيتي، وبالذات داخل لجنة العلاقات الخارجية في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي لعموم الاتحاد السوفيتي التي كان يرأسها وقتذاك الرفيق بوناماريوف، ظهرت أراء جديدة حول العلاقة بالأحزاب الشيوعية في البلدان النامية وهوية العمل من أجل تحقيق الاشتراكية في تلك البلدان.
 كان رأي الرفيق بوناماريوف والرفاق المحيطين به حول طبيعة الثورة الاشتراكية وطرق إنضاجها أو القيام بها في البلدان النامية، يحمل الكثير من التشاؤم والتطير، لا بل كان مفرطا باليأس ويستكثر على الأحزاب الشيوعية في تلك البلدان القدرة على تحريك الجماهير أو قيادتها للقيام بمهام الثورة، وإن التفكير بمثل هذا الأمر يبدو ضربا من الخيال يستحيل تحقيقه. وكانت هناك أيضا معاهد دراسات وقيادات حزبية تؤيده في نهجه هذا، بالرغم من إن أغلب هؤلاء لا يتطرقون للأمر سلبا كان أم إيجابا. ومثل هذا الموقف يأتي ضمن سياق الهيكلة الحزبية والموقف النظري الأيدلوجي الذي اعتاد على تقديم الحزب الشيوعي السوفيتي ككتلة متجانسة متراصة لا يوجد داخلها خلاف أو اختلاف. وفي ذات الوقت، فالموقف الرسمي كان دائما يحمل بين طياته ازدواجية في المعايير، فيحرص في خطابه السياسي، وضمن سياسة مواجهة الخصوم ،على تغيير تركيبة هذا الخطاب بتقديم  صورة أخرى تظهر الأحزاب السياسية في البلدان النامية على إنها أحزاب ثورية قادرة على إجراء التغيير الاشتراكي في بلدانها عن طريق الثورة، وكان هذا الموقف الرسمي الذي يعرض أمام الرأي العام وتختفي دونه باقي المواقف.
بعد فترة من الزمن وضمن حملة ممنهجة، ظهر رأي بوناماريوف إلى العلن، وبدأ الترويج له داخل أوساط الحزب الشيوعي السوفيتي. وأخذت حملة التنظير تتسع بعرض الفكرة القائلة عن إمكانية تحقيق الاشتراكية عبر النضال السلمي وطريق التطور اللارأسمالي، والتخلي عن التفكير بركوب موجة الثورات وضرورة قيادة الأحزاب الشيوعية لعملية تغيير أنظمة الحكم .وأخذت تطفو إلى السطح وبشكل واسع فكرة الضغط على الأحزاب الشيوعية في البلدان النامية للأخذ بهذا التوجه دون سواه،رغم وجود آراء مخالفة لذلك عند العديد من السياسيين والباحثين السوفييت. وعبر موجة من التنظير داخل الأوساط القيادية السوفيتية، طرحت فكرة التعامل الايجابي مع السلطات الحاكمة وأحزابها، التي تتبنى فكرا اشتراكيا مهما كانت طبيعته،وتستند على بعض قوى الجماهير،والأهم في الآمر أن تكون في مسيرتها بعيدة عن آليات وهياكل الاقتصاد الرأسمالي.

ــ وكيف نفذت مفاهيم ورؤى الرفيق  بوناماريوف ؟


كان حقل التجارب الأول في مصر بقيادة جمال عبد الناصر. فقد كانت هناك داخل القيادة السوفيتية رؤية خاصة ايجابية عن شخصية الرئيس عبد الناصر، ولقيت خطواته التي اتخذها في طريق بناء مصر واستقلالها تقيما إيجابيا، وبالذات حين رفع شعار الطريق نحو الاشتراكية العربية والتزامه بالنهج الثوري لتحقيق ذلك. وهذا ما أغرى البعض في القيادة السوفيتية، بالرغم من كون خطوات عبد الناصر في تطبيقه للاشتراكية كانت غامضة لا بل متقلبة بين العروبة والإسلام والطوباوية، وكانت لا تعدو  سوى خطوات لا ترقى حتى للمربع ألأول في طريق بناء الاشتراكية. وكان واضحا بأن ليس هناك في وارد تفكير عبد الناصر السير في خط بناء الاشتراكية العلمية على أسس النظرية الماركسية، ولكن لم يكن هذا ليثني البعض في القيادة السوفيتية، ومثلهم في بعض معاهد الدراسات والصحف، التي راحت بجهود استثنائية تكيل المديح وتشيد بسلطة عبد الناصر واعتبرت اتخاذه قرار السير نحو الاشتراكية بداية جيدة ممكن أن تفضي في النهاية  لبناء الاشتراكية العلمية، وكان من أكثر المتحمسين لهذا الرأي الرفيق بوناماريوف ويشاطره في هذا السيد يفغيني بريماكوف والسيد أيكربلاييف، وهؤلاء كانوا مقتنعين بشكل ناجز بأن مصر تحت قيادة عبد الناصر تسير في الاتجاه الصحيح، وليس المهم التسميات إن كانت اشتراكية إسلامية أم عربية وإنما المهم هو الابتعاد عن سياسة السوق الرأسمالية وبناء الاشتراكية المفضي إلى ما تعتقد به القيادة السوفيتية .

في ذلك الوقت وجهت إلى جمال عبد الناصر نصائح عديدة لتشكيل حزب يقود مرحلة البناء الاشتراكي إن رغب فعلا في اتخاذ هذا الطريق،وجاءت هذه النصائح من بعض القيادات المصرية ومن الخارج أيضا، وكذلك من شخصيات سوفيتية مرموقة، وكانت جميعها تشير إلى إن التوجه لبناء الاشتراكية لا يمكن له أن يتم فقط بالاعتماد على أجهزة الأمن والجيش. وبدوره فقد أقتنع جمال عبد الناصر بالفكرة وأعلن عن تأسيس الاتحاد الاشتراكي العربي . ففي شهر تموز من عام 1962 عقدت اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني للقوى الشعبية في مصر مؤتمرها، وفي هذا المؤتمر أكد جمال عبد الناصر التزامه بالخط الثوري ومسيرة الاشتراكية العربية، وأعلن عن تأسيس الاتحاد الاشتراكي العربي، فصدر عنه قرار تشكيل الأمانة العامة للاتحاد،وكان جل أعضائها من القيادات العسكرية التي شاركت عبد الناصر الإطاحة بالملكية. ونص دستور الاتحاد الاشتراكي على كونه تنظيم سياسي طليعي يمثل رأس الرمح في التحول نحو الاشتراكية، وهو الذي يقود الجماهير ويعبر عن إرادتها ويوجه سياسة الدولة والعمل الوطني.

ــ وما كان موقف الحزب الشيوعي المصري من كل هذا، وما كانت طبيعة علاقته بعبد الناصر ؟



 
الرئيس جمال عبد الناصر ودكتور خليل عبد العزيز



ما كان جمال عبد الناصر ليعطي اهتماما أو أية قيمة معنوية للحزب الشيوعي المصري ويهمل وجوده إهمالا كبيرا ومتعمدا.وحين طرح مشروع الاتحاد الاشتراكي أراد من الشيوعيين أن يتوافقوا كليا مع رأي وتوجهات السوفييت في البناء السلمي للاشتراكية، ولذا عليهم أن يدخلوا طوعيا ومن ثم الذوبان في الاتحاد الاشتراكي العربي. فقد كان جمال عبد الناصر يحذر حذرا شديدا من وجود الحزب الشيوعي وكذلك من تنظيم الأخوان المسلمين، ويجد في هذين التنظيمين ما يهدد جمهوريته ووجوده الشخصي، وكان ذلك أحد أهم الحوافز التي دفعته لقبول فكرة بناء تنظيم الاتحاد الاشتراكي العربي، ليكون هذا التنظيم في النهاية الإطار الذي يضم بين أروقته جميع المصريين  بعد أن يتخلوا عن انتماءاتهم الأخرى. وبدورهم كان الشيوعيون المصريون لا يميلون لرأي القيادة السوفيتية ويترددون في تأييد جمال عبد الناصر، لا بل إن أغلب قواعد الحزب الشيوعي المصري والكثير من قيادته، يعتقدون بأن حكم عبد الناصر كان حكما عسكريا دكتاتوريا، ودليلهم على ذلك تفرده بالقرار وتضيقه المستمر على حزبهم وحملات الاعتقال المستمرة لأعضائهم من قبل أجهزة سلطته.

ــ كيف تمت موافقة الحزب الشيوعي المصري الدخول في الاتحاد الاشتراكي العربي؟

وجهت للحزب الشيوعي المصري  ضغوط كبيرة من جهات عديدة على رأسها الرفاق السوفييت للدخول في الاتحاد الاشتراكي العربي تحت قيادة جمال عبد الناصر، وبحجة أن يكون هذا الدخول مقدمة للعمل على تسريع وتيرة التغييرات والتصعيد من أجل بناء خطوات اشتراكية صحيحة. فبعد فترة صعبة واجهت الشيوعيين المصريين، قررت قيادتهم الدخول في الاتحاد الاشتراكي، ولكن طموح ورغبة جمال عبد الناصر ومعه القيادة السوفيتية كان ابعد من ذلك، ولم يتوقف عند هذا الحد بل ذهب بعيدا، حين وجهت ضغوط هائلة على الشيوعيين المصريين لإقناعهم بضرورة حل حزبهم ككيان قائم، وإن لا حاجة لوجوده بعد أن ثبت دخوله الطوعي ووجوده كفصيل داخل الاتحاد الاشتراكي العربي.
لاقى الضغط السوفيتي بادئ الآمر صعوبة كبيرة في أقناع الشيوعيين المصرين بحل حزبهم . فقد كانت أعداد ليست بالقليلة من قواعد وكوادر الحزب تقف بالضد من مثل هذا التوجه . وبدوره كان موقف القيادة السوفيتية يزداد تعنتا وإلحاحا،وكان موقفها ذلك يأتي بناءا على ما يقدم لها من تقارير وتحقيقات صحفية عن أوضاع مصر وقواها السياسية، كانت تأتيها عبر تقارير يقدمها مراسلو صحيفتي أزفستيا وبرافدا في مصر وهما السيدان يفغيني بريماكوف وبيلاييف. لذا لم يستطع الحزب الشيوعي المصري الاستمرار في العنت والممانعة، وفي نهاية المطاف فرض عليه حل نفسه والذوبان في الاتحاد الاشتراكي العربي بقيادة عبد الناصر. وقد حدثني عن ذلك الرفيق ميشيل كامل الذي كان قياديا في الحزب الشيوعي المصري  في مرحلة حله، ثم أصبح سكرتيرا للحزب الشيوعي المصري  بعد إعادة تشكيله اثر موت جمال عبد الناصر وحل الاتحاد الاشتراكي العربي على عهد الرئيس أنور السادات. وقد عمل السيد  ميشيل كامل أثناء الانضمام إلى الاتحاد الاشتراكي العربي في إحدى اللجان كداعية للاشتراكية وعين مديرا لتحرير مجلة الطليعة وبدوره فأن سكرتير الحزب الشيوعي وقتذاك السيد ابو سيف يوسف قد أعطي أيضا عملا في مؤسسة الأهرام الإعلامية كترضية له.
ــ وهل عمم هذا النهج على بلدان أخرى ؟
تبني هذا النهج كان يدفع بعض القادة السوفييت للاعتقاد بأن مثل هذا الاتجاه ممكن له أن يتطور وينجح مستقبلا لتحقيق الاشتراكية العلمية. لذا بذلت القيادة جهود كبيرة في تطوير هذه الرؤية وذهبت بعيدا لتنفيذها في العديد من البلدان، منها غانا بقيادة كوامي نكروما وغينيا بقيادة أحمد سيكوتوري وأثيوبيا بقيادة منغستو هيلي ميريام والصومال على عهد محمد زياد بري.ففي تلك البلدان أنشأت حكوماتها بمساعدة الحزب الشيوعي السوفيتي مدارس حزبية لأعداد كوادر وطنية وفق النظرية الماركسية اللينينية وكانت تقدم لهذه المدارس مساعدات كبيرة لغرض تطوير الدارسين فيها وبناء قاعدة واسعة منهم تقود بلدانها مستقبلا نحو الشيوعية.
 من الطرائف التي أتذكرها والتي تدل على عقم ذلك التفكير وعدم حكمة النهج الذي تتخذه القيادة السوفيتية في هذا التوجه. ففي عام  1976 كنت في زيارة إلى أثيوبيا، وفي إحدى جولاتي في العاصمة أديس أبابا وصلت إلى الساحة الرئيسية فيها حيث وضع هناك تمثالين ضخمين أحدهم لكارل ماركس والأخر للينين. وقفت جوار التمثالين ورحت أطالعهما، ثم أردت بشيء من الفضول اختبار بعض أبناء الشعب الأثيوبي حول علاقتهم بهذين التمثالين، ومقدار معرفتهم بالشخصين، فسألت فتاة كانت تمر بقربي عن معرفتها بشخصية لينين أو ماركس من بين هذين التمثالين، فحارت الفتاة الجواب ثم اعتذرت عن عدم قدرتها التمييز بينهما، ثم سألت رجل مر من هناك فحار جوابا أيضا وأعتذر. ثم جاء رجل كان يرتدي بذلة طيار ويحمل حقيبة وبعض كتب، فطلبت منه ذات الآمر فأجاب بشكل صحيح، فسألته كيف تسنى له معرفة ذلك، فأجابني بأنه تعلمه في المدرسة الحزبية وهو الآن في طريقه أليها.
ــ تطرقت إلى تجربتين الأولى تمثلت بإجبار الحزب الشيوعي المصري على الدخول في الاتحاد الاشتراكي العربي بقيادة عبد الناصر  والأخرى بناء أحزاب أو كوادر وفق مناهج الماركسية اللينينية في بعض البلدان الأفريقية، ما هي طبيعة التجربة المتعلقة بالعراق والتي حاولت فيها القيادة السوفيتية تطبيق نهج الاحتواء مرة أخرى؟

نهاية عام 1963 أطيح بحكم حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق من قبل حليفهم في انقلاب شباط عام 1963 الرئيس عبد السلام محمد عارف، في حركة انقلابية سميت حركة 18 تشرين الثاني عام 1963ايضا. كانت ميول عبد السلام عارف عروبية إسلامية وكان صديقا مقربا من عبد الناصر حسب  إدعائه. وسبق له أن زار القاهرة ووقع مع جمال عبد الناصر والرئيس السوري اتفاق الوحدة الثلاثية بين هذه البلدان في شهر ابريل من عام 1963 الذي احتوى كمشروع وحدوي على عدة محاور فصلت فيها غاية الاتحاد وتوجهاته السياسية والاقتصادية ومقوماته وتشكيلاته الإدارية.وإثر ذلك الاتفاق وحد شكل العلم للبلدان الثلاثة ووضعت ثلاث نجوم تتوسط ألوانه الخضراء والبيضاء والحمراء. ولكن هذا الاتحاد لم يستمر بل لم تنفذ من بنوده غير ادعاءات عروبية فارغة، وقضي عليه بعد ثلاثة أشهر من التوقيع.
 بعد الإطاحة بحكم حزب البعث في العراق قام عبد السلام بزيارة القاهرة في نفس الوقت الذي استقبلت فيه القاهرة السكرتير العام للحزب الشيوعي السوفيتي السيد نيكيتا خروشوف ، استطاع عبد الناصر أن يجمعهما على متن أحدى البواخر المصرية.
 لذا تمت هناك مقابلة للرئيسين ودار فيها حديث غير ودي وشاب اللقاء بعض التوتر. وحول هذا اللقاء ذكرت صحيفة أركَومنت أي فاكت الروسية في عددها المرقم 41 الصادر عام 1997 وضمن مقال للكاتب الكسندر موروزوف ما حدث في ذلك اللقاء ومن ثم بعده. يقول الكاتب إن من بين المدعوين بمناسبة انتهاء المرحلة الأولى من بناء السد العالي الزعيم السوفيتي نيكيتا خروشوف والرئيس العراقي عبد السلام عارف والرئيس اليماني عبد الله السلال. أراد الرئيس عبد الناصر أن يجعل لقاء الرئيس السوفيتي خوشوف وعبد السلام تقاربا يزيل الكره والجفوة بينهما ولكن جهوده باءت بالفشل.  فالسيد نيكيتا خروشوف لم يكن يحمل غير الكره لشخصية عبد السلام، ويتهمه بأنه رجل سخيف نزق، لا بل قاتل ويداه ملطختان بدماء أبناء الشعب العراقي وبالذات الشيوعيين منهم.ولعبت المصادفة دورها فجلس الرئيس العراقي عبد السلام عارف جوار السيد أوليغ كفتونوفيش المترجم الخاص للزعيم السوفيتي. ابلغ الرئيس عبد السلام المترجم رغبته في الحديث إلى الزعيم السوفيتي، فتجاهل المترجم تلك الرغبة ولكن الزعيم السوفيتي أنتبه لذلك، وقال فجأة للمترجم، أليس هذا هو عارف الذي قتل الكثير من الشيوعيين في العراق؟.فأجابه المترجم أنه هو بعينه، عندها قال خروشوف: إذن أبلغه بأني لست مستعدا للحديث معه فحسب، بل لو وجدت دورة مياه واحدة فسوف لن تجدني أدخلها إن كان عارف قد دخلها قبلي. قال هذا وراح يتفرس بشماتة وفضول في وجه عبد السلام عارف ليرى أثر ما قاله هذا منتظرا ردة فعله. كان ذلك بالنسبة للمترجم موقفا في غاية الإحراج، فلم تكن لديه الجرأة لنقل هذا الحديث المهين لرئيس دولة أخرى، وفي النهاية قرر أن لا يفعل ذلك، وأن يغير الحديث بعبارات من عنده رسمت معها علامات ارتياح ورضا على وجه الرئيس العراقي، عند ذلك أدرك الزعيم السوفيتي خروشوف إن شيئا قد حصل وتغير خلاف كلامه فتوجه بالحديث إلى مترجمه متسائلا: هل نقلت كلامي بالنص؟ فأجابه المترجم ، لقد أبلغته بأنك مشغول ولا وقت لديك للحديث معه الآن.عند ذلك عصف الغضب بالزعيم السوفيتي وطرد مترجمه فورا.
ذات الحادثة تناولها الصحفي محمد حسنين هيكل في كتابه المطبوع باللغة الانكليزية ( ناصر وثائق القاهرة ) ذكر فيه أن خروشوف لم يتوقف عند ذلك الحد بل ألتفت إلى جمال عبد الناصر وهم في السيارة قائلا : يا صديقي الرئيس، إلى متى ستحاول فرض هذه المعزة عليّ ؟ فسأله ناصر، أي معزة تقصد؟ أجابه خروشوف بصوت مرتفع : عارف ..عارف ..عارف ثم تناول صحيفة كانت فيها صورة عبد السلام عارف وقال .ألا يبدو شبيها بالمعزة ؟
كذلك رفض الرئيس السوفيتي الدعوة التي وجهت له من قبل عبد السلام لزيارة العراق بحدة وصلف فلاحي وقيل أنه وجه أهانه صريحة للرئيس عبد السلام عارف .
فالرئيس خروشوف كان يغلب على تصرفاته طابع الرجل الريفي، فهو فلاح بطبيعته ودائما ما كان سلوكه ينم عن هذا الطبع، وفي كثير من الأحيان لا يلتزم بالسلوك والأعراف الدبلوماسية .ففي بعض الاحتفالات والاجتماعات الرسمية والجماهيرية ، كانت من أعراف العمل السياسي السوفيتي أن يعد مسبقا خطاب مكتوب، وعلى الشخص مهما كانت درجته القيادية في الدولة، أن يقرأ النص المكتوب ، ولا يسمح له مطلقا الارتجال في تلك المناسبات. ولكن خروشوف دائما ما كان يشذ عن تلك القاعدة. فهو وبعد أن ينظر إلى المزاج العام في القاعة، تراه يقول وهو يرفع الورقة، هذا هو ما مدون هنا، وأنا سوف أتحدث لكم أيضا دونه.
 في أحدى خطبه أشار إلى بناء الاشتراكية في الصين، حيث وجه سؤلا إلى الحضور( هل رأيتم شعبا لديهم جميعا لباس داخلي مشترك ) ضجت القاعة بالضحك واستمر هو بالإجابة على سؤاله( نعم، في الصين لديهم لباس داخلي واحد يداولونه بينهم ) ثم عاد إلى ورقة الخطاب الرسمي ليقرأها .وفي إحدى المرات وجه له سؤال عن فعلته في الأمم المتحدة حين خلع حذائه وراح يطرق به الطاولة، فأجاب بأنه فعل ذلك كون الجميع كانوا نياما، وقد قمت بإيقاظهم. وقد غرم الاتحاد السوفيتي وقتها بعشرة آلاف دولار باعتبار إن خروشوف قد أنتهك حرمة الأمم المتحدة.


جمال عبد الناصر ونيكيتا خروشوف وعبد السلام عارف وعبد الله السلال أثناء افتتاح المرحلة الأولى من مشروع السد العالي





ــ ولكن فيما بعد ظهر لدى القيادة السوفيتية ميل نحو عبد السلام عارف. كيف حدث ذلك؟

حين طرح عبد السلام عارف فكرة تشكيل الاتحاد الاشتراكي العربي في العراق تقليدا لخطوة جمال عبد الناصر، شعرت القيادة السوفيتية بالكثير من الارتياح وكأنها وجدت في ذلك ما يشفع لها للذهاب بعيدا نحو خيار الطريق اللارأسمالي في بناء الاشتراكية، وعدت القيادة السوفيتية خطوة عبد السلام توجه سليم ومكسب كبير، ورموا بعيدا ما كان يمثله عبد السلام عارف من طبيعة دموية فاشية بعد مشاركته في قتل الزعيم عبد الكريم قاسم ورفاقه وكذلك إيغاله ومشاركته في اغتيال قادة وأعضاء ومؤازري الحزب الشيوعي العراقي في انقلاب شباط عام 1963 .وكان رأي مسؤول العلاقات الخارجية في اللجنة المركزية السيد بنماريوف قد لعب الدور الفاعل في رمي ذلك الانطباع بعيدا عن عبد السلام عارف.
 ورغم ظهور المشاكل العديدة في تجربة الاتحاد الاشتراكي العربي في مصر وفشل الشيوعيين المصرين في اخذ زمام المبادرة، وترسخ دكتاتورية جمال عبد الناصر واستشراءها فإن القيادة السوفيتية كانت تلح بشكل غريب لأجل تكرار التجربة في العراق.
ومع تشكيل الاتحاد الاشتراكي العربي في العراق تصاعدت آمال السوفييت بالقدرة على إعادة تجربة ما حدث في مصر وتكرارها مع الحزب الشيوعي العراقي، لذا أخذوا بالضغط على قيادة الحزب الشيوعي العراقي  للتهيؤ بما يتناسب والاستعداد للدخول في الاتحاد الاشتراكي العربي الذي أسس حديثا. وكانت حجج الجانب السوفيتي تركز على طبيعة الحزب الشيوعي وأعداده الغفيرة التي لو قيض لها الدخول في الاتحاد الاشتراكي العربي فأنها سوف تصبح القوة الرئيسية فيه، وعندها يمكن لها أخذ زمام المبادرة وتحويل مسيرة الاتحاد نحو الوجهة الصحيحة في السير قدما نحو بناء الاشتراكية. عملت قيادة الحزب الشيوعي السوفيتي على توجيه ضغط هائل بدأته بين أوساط قيادة الحزب الشيوعي العراقي وكوادره وأعضاءه الموجودين في عموم الاتحاد السوفيتي، ومنهم حسب ما اذكر الرفيق عزيز محمد والرفيق سلام الناصري وغيرهم. وتوجهت حملة ممنهجة وواسعة عبر وسائل عديدة حزبية وإعلامية لدغدغة مشاعر الشيوعيين العراقيين ودفعهم للقبول بالدخول إلى الاتحاد الاشتراكي العربي بقيادة عبد السلام عارف. وكانت هذه اللهجة ومثلها الضغوطات تعرض وتمارس في جميع اللقاءات والحوارات التي تتم بين الجانبين، وتوجهت في أساليبها نحو قيادات وكوادر الحزب الشيوعي العراقي في الداخل وكذلك مع الموجودين في أوربا وبالذات في براغ.
في هذا الأمر وتلك المرحلة، فإن التاريخ يسجل للحزب الشيوعي العراقي كقيادة وقواعد موقفا قويا وذكيا في القدرة على المراوغة وعدم الأخذ بالرأي غير الحكيم للأخ الأكبر . فموضوعة الانتماء إلى الاتحاد الاشتراكي لم يتم النظر لها داخل قيادة الحزب كقضية يمكن تداولها على نطاق واسع داخل التنظيمات، ولم تعط توجيهات حزبية للنقاش في موضوعها، ولذا لم يصدر عن اللجنة المركزية أي قرار لا بالموافقة على الدخول ولا بحل الحزب وفي ذات الوقت امتنع الحزب عن إصدار ما يفند الرغبة بذلك، ولم يكن هناك شيئا مكتوبا أو مدونا عن مجمل الموقف من رغبة الحزب الشيوعي السوفيتي ومحاولاته المستميتة لدفع الحزب الشيوعي  العراقي  للدخول في تنظيمات الاتحاد الاشتراكي العربي. ولا ينكر فإن بعض التوجيهات الشخصية صدرت من بعض الكوادر دعت للدخول إلى الاتحاد الاشتراكي ومن ضمن هؤلاء السيد باقر إبراهيم عضو المكتب السياسي واللجنة المركزية حينذاك، ولكن تلك الدعوات واجهت انتقادات حادة وهجمة شرسة من داخل الحزب، أفشلتها وقضت على رغبة القيادة السوفيتية .كان موقف الحزب الشيوعي العراقي موقفا ثابتا ومبدئيا، فرغم عظمة الاتحاد السوفيتي ومكانة الحزب الشيوعي فيه، وقوة الضغط الهائلة التي مورست على الحزب الشيوعي العراقي، ولكنهم لم يستطيعوا تغيير موقف الشيوعيين العراقيين في أحد أهم المفاصل التاريخية في حياته كحزب شيوعي .وتلك كانت نقطة هامة وفعالة أثبتت صحة موقف قيادة الحزب وخياره في طريق إدارة شؤونه التنظيمية والعقائدية وبقائه ككيان مؤسساتي له ثقله الفعلي داخل الوطن العراق.

 



51
السياسة السوفيتية والأحزاب الشيوعية العربية/ ج1

أجرى الحوار فرات المحسن

لم يتوقف الاجتهاد في النص ضمن الحركة الشيوعية العالمية منذ وفاة كارل هانريش ماركس وفردريك انجلز، بل كانت وفاتهما مرحلة جديدة للاجتهاد والتطوير في النظرية بما يتناسب ومستوى المواجهة مع الأحداث والفعل اليومي.
مثلت الثورة البلشفية، ثورة أكتوبر عام 1917 بقيادة  فلاديمير لينين الخطوة الأكثر فاعلية في تنفيذ أفكار كارل ماركس وبتطوير ملهم للقائد لينين، مثلما يشير الكثير من الباحثين والمروجين لأفكار لينين وثورة أكتوبر. وباتت اجتهاداته مرحلة مهمة في الذهاب لتفسير الماركسية وتنفيذ ثورة لإقامة دولة الاشتراكية ومن ثم لاحقا الشيوعية. وعد التنظير اللينيني في كيفية إدارة الدولة،  الاجتهاد الأصح في متن النظرية الماركسية. لا بل  تنفيذا صارما للماركسية.
  كانت الأهداف المعلنة للثورة البلشفية هي المساواة بين فئات الشعب والقضاء على الرأسمالية والإقطاع وتحقيق النموذج الاشتراكي المفضي في النهاية إلى الشيوعية، ولكن طريق تنفيذ العمل ما كان يخلوا من المصاعب والعثرات. فقد واجهت الثورة معضلات ووقائع على الأرض بمستويات متعددة ومتنوعة،كان يحتاج لحلها أو التعامل معها، رؤية واقعية بعيدة في كثير من منهجيتها عن فحوى التنظير والدراسات النظرية، ولا يقتصر التفاعل معها عبر نص مدون بقدر ما يحتاج إلى وعي بطبيعة المشكلة وطرق حلها، مما دفع أصحاب الشأن للبحث عن مخارج تقارب الحدث وتحاول وضع حلول واقعية له . وكان هذا الأمر يوقع الكثيرين في دوامة التناقضات وحتى التعارض مع مفاهيم وردت وترد في النظرية الماركسية،عندها تتضخم بدرجات متفاوتة طرق الاقتراب أو الناي عن النظرية. فمتطلبات الناس ليس فقط الحريات والمساواة وهي أهداف جميلة بالطبع، ولكن ما يترافق معها هي حاجات البشر الأساسية للمواد والموارد وضرورة إشباع حاجاتهم المادية والروحية التي تزداد باضطراد، وتنشأ مع الوقت الحاجة الماسة لتطوير ورفع قدرة البشر على استخدام وتوظيف الموارد الطبيعية ووسائل الإنتاج لتتوافق مع الحاجات الاقتصادية الاجتماعية  للمجتمع.
إذن فأن تحقيق الاشتراكية الذي عمل عليه لينين قد واجه واقعا على الأرض يتطلب اجتهادا خاصا.لذا عمل ومن معه على استنباط أفكار جديدة لقيادة المجتمع ووسموا اجتهاداتهم تلك بالماركسية اللينينية. واستمر ذلك خلال فترات طويلة أثناء الحرب الأهلية والحرب العالمية الأولى ثم الثانية وما تلاها، وجيرت تلك الاجتهادات بشخص لينين .
ظهور الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية مثل مرحلة جديدة ومختلفة عما سبقتها، حيث ارتفعت وتيرة الاجتهاد في النص الماركسي وبرزت العديد من الشخصيات التي فككت الحدود النظرية للماركسية وأعطت مفاهيم جديدة عن طبيعة التشكيل الاشتراكي وكذلك مستقبل البناء الشيوعي.
ولأجل استجلاء بعض مما حدث من تغيير أو اجتهاد في النظرية والتطبيق وما شاب ذلك من أحداث داخل الاتحاد السوفيتي وأيضا العلاقة التبادلية مع البلدان النامية. كذلك طبيعة العلاقة مع الأحزاب الشيوعية العربية كان لنا لقاء مع الدكتور خليل عبد العزيز .
   
 
الدكتور خليل عبد العزيز والصحفي فرات المحسن

{{ولد الدكتور خليل عبد العزيز في مدينة الموصل. ساهم في الحركة الوطنية منذ أعوام الخمسينات حيث بادر بتشكيل اتحاد الطلبة العراقي العام في مدينة الموصل وأصبح رئيسا له. وشارك في تظاهرات وانتفاضة عام 1952 . في العام 1954 أصبح ممثلا للطلبة في لجنة الجبهة الوطنية التي شكلت آنذاك وخاضت الانتخابات النيابية. عام 1956 ألقي القبض عليه في بغداد وصدر قرار بالحكم عليه بالحبس لمدة عام واحد قضاها في سجن بعقوبة وأثر ذلك تم فصله من الدراسة. عام 1959م صدرت بحقه عدة أحكام بالإعدام بتهمة المساهمة في القتل وقمع مؤامرة الشواف، هُربَّ إلى موسكو من قبل الحزب الشيوعي، ليبدأ صفحة أخرى من حياته. أنهى فيها الكلية التحضيرية للغة الروسية، ثم درس ونال درجة الماجستير عن رسالته حول الحزب الوطني الديمقراطي العراقي. نال بعدها شهادة الدكتوراه عن الإعلام المصري. وعمل باحث علمي في معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية في موسكو وقد أطلع على الكثير من أسرار السياسة السوفيتية أثناء فترة عمله في ذلك المعهد، يعيش حاليا في العاصمة السويدية ستوكهولم.}}

في بداية حديثنا ولكونه عاش فترة طويلة من الوقت في الاتحاد السوفيتي وخاصة سنوات الستينات والسبعينات من القرن العشرين عاصر فيها أحداث عديدة، لذا طرحت عليه سؤالا حول تركيبة الخطاب السياسي للسلطة السوفيتية في تلك الفترة ، وهل هناك من ميزة يتميز بها ذلك الخطاب.
فأجابني :
كانت ميزة الكتمان والسرية تطغى على جميع سياسات السلطة والحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي، فيتم التكتم على جميع الأحداث ولا تظهر للعلن أي من تلك السياسات قبل التدقيق والتمحيص، حيث تدخل في فلتر يجعلها تتواءم وتوجيهات القيادة والسياسة العامة للحزب. كانت هناك صراعات وخصومات كبيرة داخل اللجنة المركزية، وأيضا توجد أفكار وأراء مختلفة ومتضاربة  داخل مؤسسات الأبحاث العلمية، ولكنها لا تظهر للعلن، وتلك طبيعة راسخة عند جميع الأحزاب الشمولية. كنت أسمع بأن يفغيني بريماكوف كان يقدم للقيادة السوفيتية صورة سيئة جدا عن طبيعة الأحزاب الشيوعية العربية وعملها، في حين إن رئيس معهد الأستشراق السيد غفوروف  يحمل تصور أخر ويتحدث بالضد مما يقدمه بريماكوف وهذا ما كنت أطلع عليه في عملي داخل معهد الاستشراق. ولكن الغريب أن جميع هؤلاء حين يحضرون اجتماعا مشتركا تختفي النزاعات ونبرة الخلاف لصالح توحيد الخطاب الأيدلوجي لعموم الاتحاد السوفيتي.

ــ ما هي طبيعة تعامل الحزب الشيوعي السوفيتي مع الأحزاب الشيوعية العربية؟

كانت هناك رغبة عارمة تجتاح بعض معاهد الدراسات السوفيتية وأيضا داخل أوساط اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي. تلك الرغبات والسياسات تعمل لأجل حل وإنهاء وجود الأحزاب الشيوعية في البلدان النامية وتعزيز الروابط الاقتصادية والسياسية، بالذات مع  البلدان التي تسلك الطريق اللا رأسمالي. فلم يكن هناك بين أوساط القيادة السوفيتية تقيما ايجابيا لجميع الأحزاب الشيوعية العربية، وكان يؤشر لحضور أعضاء قياداتها إلى موسكو، فقط لغرض تلقي التعليمات والاستجمام .ودائما ما كانت القيادة السوفيتية  تجد ما يصعقها ويثير استغرابها من تصرفات وأفكار غير واقعية يعرضها بعض قادة الأحزاب الشيوعية العربية. وبدورها فإن تلك الأحزاب كانت تؤله الحزب الشيوعي السوفيتي وتجد فيه المرشد والمعلم والأب الروحي الذي لا غنى عنه، ودائما ما تجد فيه العصا السحرية لحل مشاكلها حتى الداخلية منها. وبدورهم كان السوفييت يدركون جيدا هذا الآمر ويتعاملون مع تلك الأحزاب بشيء من عدم المبالاة، فتراهم لا يعيرون اهتماما جديا للآراء التي تقدمها الأحزاب الشيوعية العربية، وفي الغالب يهملون طلباتها التي لا تتوافق والسياسة العامة للدولة السوفيتية. وفي العديد من المرات، تراهم يجدون في طلبات الأحزاب الشيوعية العربية ما هو غير واقعي لا بل لا يمكن تناوله والنقاش فيه أو حوله.ولطالما كانت تلك الطلبات بعيدة كل البعد عن التفكير المنطقي الذي يستحق التداول أو التنفيذ. وفي الكثير من الأوقات أهمل السوفييت علاقتهم هذه، ولهذا وضعوا موظفا صغيرا في جهاز مخابراتهم ليس له منصبا حزبيا مؤثرا ليكون وسيطا بين الأحزاب الشيوعية العربية والحزب في الاتحاد السوفيتي. ولم يكن ليمر طلب لمقابلة أو اتصال أو ألتماس وحتى حاجة بعينها، إلا من خلال هذا الموظف المدعو نيجكين الذي عمل في فترة ما بعد ثورة الرابع عشر من تموز العراقية ملحقا ثقافيا في السفارة السوفيتية في بغداد، وكان هذا الموظف يبتز أعضاء الأحزاب الشيوعية العربية ولا يوافق على إيصال طلباتهم إلى القيادة السوفيتية دون أن تقدم له رشا معينة، دائما ما كان يحددها هو وليس هم.
في أحدى المرات طلبت قيادة الحزب الشيوعي اللبناني وبإلحاح غريب  مقابلة المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي لغرض حل مشكلة كانت مستعصية على الرفاق اللبنانيين وموضوع خلاف واسع. وبعد جهد جهيد قبل السوفيت حضور الاجتماع، فعرض الرفاق اللبنانيون خلافهم الداخلي، أحتار الرفاق السوفيت في كيفية الإجابة عليه، ووجدوا إن ذلك ليس من مهامهم، ومن غير المعقول أن يطلب منهم حل إشكال بسيط مثل هذا ويمكن للبنانيون أنفسهم حله.  ففي اليوم الأول من اللقاء قالوا بأنهم يوجهون سؤالهم لقيادة الحزب الشيوعي السوفيتي ، هل الإصلاح الزراعي صالح وقابل للتنفيذ في لبنان أم غير ذلك ، كان سؤالا  من غير المنطقي عرضه علينا،هكذا أجابهم الرفاق السوفييت، فالحزب الشيوعي اللبناني يعرف جيدا وضع بلاده وطبيعة الريف والملكيات الزراعية هناك، ولا حاجة لتدخلنا، ولكن الرفاق اللبنانيون كانوا مصرين على تلقي النصيحة من السوفييت فختم السوفيت اجتماع في اليوم الثاني بنصيحة واحدة فقط أنهوا بها  اجتماعهم مع القيادة اللبنانية، بأن من المهم بحث الموضوع داخل تنظيمات الحزب الشيوعي اللبناني. 
الحزب الشيوعي الوحيد الذي كانت تحسب له القيادة السوفيتية الحساب، هو الحزب الشيوعي السوداني بقيادة عبد الخالق محجوب.فقد كان لهذا الحزب رأي حر ومستقل ودقيق وثابت وناضج في علاقاته مع السوفييت، ودائما ما كان الشيوعيون السودانيون يوجهون نقدا حادا للسياسة الدولية للسوفيت، وهذا الموقف كان يسبب صداعا وحرجا للقيادة السوفيتية، لذا كانت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي وفي بعض الأحيان تمتنع عن دعوة الحزب الشيوعي السوداني لحضور لقاءات الأحزاب الشيوعية العربية. وحين يواجه السودانيون رفاقهم السوفيت ويعاتبونهم على موقفهم ذلك، يقدم الجانب السوفيتي  الاعتذار ويبرر الأمر بأن ذلك حدث سهوا أو إن ذلك جاء بسبب الموظف المكلف بملف توجيه الدعوات.
 في الجانب الأخر فقد كان أكثر الأحزاب الشيوعية خنوعا وذيليه، هي بعض الأحزاب الشيوعية العربية مثل الشيوعي السوري بقيادة خالد بكداش واللبناني بقيادة نيقولا الشاوي والحزب الشيوعي الأردني بقيادة فؤاد نصار وحزب التقدم والاشتراكية المغربي بقيادة علي يعته.
فلم تكن لهؤلاء كلمة أو رأي يعتد به عند السوفيت، وإنما عرف عنهم الخضوع وقبول أي رأي يعرض عليهم، فقد كانوا في حالة موافقة دائمة ورضوخ لجميع ما يمليه عليهم الجانب السوفيتي.

ــ يعتقد البعض بأن فرق الثقافات والوضع الاجتماعي كان له تأثير في طبيعة العلاقة بين الجانبين السوفيتي والعربي.

 
الشهيد سلام عادل
هذا جدا صحيح. ويمكن أن تؤشر حالة كانت انعكاساتها غير إيجابية على الكثيرين من الشيوعيين القادمين من البلدان النامية، ودائما ما كانوا يتذمرون منها،كونها ما كانت لتناسب طباع وطبيعة عمل ونضال هؤلاء، ولكن القيادة السوفيتية تجد فيها  إنعاشا وتجديدا لحياة هؤلاء الذين أتوا  من أوضاع نفسية ومادية قاهرة. وكانت تلك الرؤية لدى القادة السوفييت تعبيرا دقيقا عن مشاعر عطف أو بالضبط مشاعر الأبوة التي تنعكس في طرق تعاملهم مع الشخصيات الشيوعية التي تصل إلى الاتحاد السوفيتي. وهذا الأمر يخضع للمزاج العام ومثله للفروق في الثقافة والعادات والتقاليد بين الشعوب، وكان ذلك يلعب دورا مهما حتى في التوجهات السياسية. فالظروف السياسية والحياة الاجتماعية للكوادر الشيوعية في البلدان النامية ومنها العربية تختلف كليا عن حيثيات الحياة اليومية والقيم التي تربت عليها كوادر الحزب الشيوعي السوفيتي وبالذات منهم الروس.
 فحين يأتي أحد الكوادر الشيوعية إلى موسكو يطلب منه الذهاب إلى المنتجعات ليقضي فترة نقاهة مثلما حدث مع أغلب الرفاق الشيوعيين العراقيين، وهذا الآمر بتقدير القيادة السوفيتية يأتي كضرورة لإبعاد المنغصات عن تفكير الرفيق وتخفيف وطأة المشاكل وما تعرض له من تعذيب أو ملاحقات، وكان هذا الآمر دالة إيجابية كان على شيوعيي البلدان العربية قبولها ليتمتعوا بصفاء الذهن وتبتعد أرواحهم عن تلك الأوقات العصيبة التي اعترضت حياتهم في بلدانهم..
عند قدومي إلى موسكو قابلت الرفيق سلام عادل فنصحني بأن لا أقبل الذهاب إلى مصح أو منتجع لو عرض علي ذلك، فسألته عن السبب، فأجابني بأن ذلك يمثل شيء من الاستخفاف وعدم الجدية بالنسبة للمناضل العراقي، وروى لي كيف إن القيادة السوفيتية أرسلته إلى الريف خارج العاصمة موسكو، حيث كان هناك وسط غابة كثيفة الأشجار  منتجع جميل يطلق عليه تسمية مصح. صباح اليوم الأول وبعد أن تناولت الفطور سألت المشرفين عن البرنامج المعد خصيصا لي، فأجابوني بأن ليس هناك برنامجا محددا بل عليك أن تسير وسط الغابة حتى نهايتها ثم تعود إلى المصح لترتاح .وهناك يتوفر كل شيء من أكل وشراب وراحة تامة وسط سكون الطبيعة  ورائحة الحشائش والورود. وقد قطعت الغابة ثم عدت واستمرت حياتي اليومية على هذا المنوال فترة ليست بالقليلة. وحين سألت الرفاق السوفيت عن سبب أو علة وجودي هناك، أخبروني بأن إرسالي جاء وفق معايير أهمها،إيجاد أجواء راحة وأمان تام، بعد أن وجدنا أنك قد تعرضت للاضطهاد والمطاردة في بلدك، لذا تحتاج إلى فترة مناسبة من النقاهة والهدوء والابتعاد عن الأجواء المتوترة المشحونة بالقلق والترقب والاختفاء.
 صحيح إن السوفيت كانوا بذلك الفعل يرغبون بتأمين أجواء هادئة وبعيدة عن التشنجات لرفاقهم من البلدان النامية، ولكن طبيعة التركيبة النفسية والثقافية والاجتماعية لهؤلاء الرفاق ما كانت لتسمح لهم التأقلم مع ما يوده الرفاق السوفييت لهم، ولكن الحاجة وسلطة الأب كانت في الغالب تفرض عليهم المسايرة والقبول.



52
كارل ماركس في العراق / الجزء الرابع والعشرون

ــ يابه هذا يبين ما عنده مكان... زين أستاذ قادر تكدر تبات هنا على الكرويتات مال الكهوة بعد ما أعزل.
قال أبو داوود صاحب المقهى وهو يناول ماركس كأس ماء جلبه له أثناء ما كان يأكل لفافة الطعام الثانية التي هيئها له أبو عفيفة.
ــ نعم أستطيع ذلك
 
بدأت حركة الناس تخف كثيرًا وأغلقت بعض المحلات أبوابها وسحب باعة العربات عرباتهم إلى أماكن بعيدة عن وسط السوق باتجاه أزقة ومحلات أخرى. كان أبو عفيفة وأبو داود ومعهما أبو رجب قد دخلوا وسط المقهى وراحوا في حوار حول كيفية التعامل مع أستاذ قادر أو كارل ماركس. وهل من الممكن إبقاءه هنا داخل المقهى. عندها اعترض أبو داوود بشدة قائلا.
ــ أخوان.. هذا الرجال أني ما أعرفه، بعدين مبين عليه مخبل مخربط.. زين اذا كعد بالليل وكسرلي حاجات الكَهوة شراح أسوي.. أيبات على القنفات بره حاله حال غيره من المجادية والمخابيل.. ميخالف.. بس بنص الكَهوة أعذروني.
ــ خوش أبو دواوود الخاطري.. نصفطله كرويتيتين وينام أباب الكَهوة.. تره هذا رجال ذبه الدهر والسرسرية لعبو بي لعب... هذا جان أستاذ قدير ومحترم وينشال فوك الراس.. عزيز قوم ذل والله العظيم وداعت الخوه.
ــ على راسي أبو رجب ميخالف بس تره عصابة أبو تركي الأعضب يوميه بالليل.. هذا المكان يصير مالتهم.. حته الشرطة ما تدخل لهنا، وتخاف منهم.. شغلتهم يبيعون ويشترون الممنوعات ويشتغلون بكل أنواع الدكَايك السوده، حتى القتل والنهب، وخاف يلكَونه ويقتلوه وياخذون فلوسه، حتى أحنه نفسنه ممخلصين منهم، كل شهر ياخذون من عدنه خاوه.
ــ فلوسه راح أبقيه يمي وأني هسه من راح أعزل أروح لعد أبو تركي... شويه آني عندي خاطرانه يمه.. أروح أوصي وأحجيله قصة أستاذ قادر... وهم أنطي حصة الشهر. هسه خلي يكَوم... ساعدوه يغسل وجه خطية حسبالك طالع من كَبر.
قال أبو عفيفة ذلك واخذ بيد ماركس وسلمه لأبو داوود ليساعده في تنظيف وجهه.. وفي ذات الوقت أخذ في مدح  وشكر أبو رجب.
ــ رحمه لهذاك الأب.. والله جنك مسوي فضل عليه من السما للأرض.. آني أشعر جني أريد أرد فضل لهذا الرجال.. لأن جان ما يقبل أذا ما يكعدني يمه ونشرب سوه جاي.. ايباه شلون دنيه.. الله لايطي كلمن سعه بعذاب هذا الزلمه.. الله يخبل عوائلهم.. ليش شنو ذنبه يتخبل بعد ما كان أستاذ محترم ومقدر..
ــ أنشاء الله محلوله.. خلي يبات هنا لحين بلجي نشوفله دكتور من جماعتنه يساعده ويقيس شكد خبالاته ويمكن ينعدل حاله ويرجع حتى لو مو مثل كبل بس أحسن من هسه.
بعد أن ساعدوا ماركس في تنظيف وجهه ويديه راح أبو داوود وبمساعدة أبو رجب في لملمة حاجات المقهى ووضعوا تختين متقابلين ليكونا سريرًا لماركس. ومثلهم فعل أبو عفيفة فافرغ بضاعته في حقيبة صغيرة تسحب باليد ودفع عربة الطعام وذهب بها نحو زاوية داخل السوق حيث ركنها هناك وأحاطها بسلك معدني طويل ربط طرفيه بقفل كبير ثم سحب الحقيبة اليدوية متوجها للبحث عن أبو تركي الأعضب ليشرح له حالة عبد القادر ويستعطفه من أجل حماية ماركس ليلا أو عدم إيذائه.
 
***
                                                                                                   
لم تكن ليلة عادية فرغم كون ماركس قد قضى أكثر من أسبوع كان خلاله ينام فوق بطانية صوفية واحدة وضعها كفراش فوق أرضية غرفة السجن الإسمنتية الصلدة وكان يتوسد راحتي يديه، وقبلها كان ولمدة أكثر من شهر تحت التهديد اليومي في الغرفة المتربة عند بيت المجرم أبو بشير وقد مورس ضده من العنف المنفلت الكثير ومنه تلك الليلة المجنونة التي ربط جسده المقيد بخطم البقرة الهائجة. ولكن في هذه الليلة ومع صرير تخوت المقهى كلما تحرك، كان مجبرًا على السهاد، ويشعر بأنه تحت تهديد حقيقي، وكأنه في انتظار أحد ما سوف يأتي لينقض عليه،  وأن ساعة حتفه قد اقتربت. فهو يترقب رجال العصابات السائبة الذين يتحدث الناس برعب عنهم،هؤلاء الذين يجوبون ليل بغداد بحثا عن ضحايا وأماكن لسرقتها، لا يدري في أي ساعة سوف يكون قدومهم ومتى يجدهم قرب مضجعه الاضطراري. عندها يمارسون نزواتهم الوحشية بقسوة عمياء. فأفعال هؤلاء لا يمكن توقعها ولا حتى فهمها على الإطلاق، ولن يكون بينهم من يتعاطف مع الضحية، فتلك المشاعر قد محيت ولم يعد لها مكان في نفوسهم، وتحول القتل لديهم إلى هواية تسبقها غواية ضرورة أن تكون هناك ضحية، ضحية مهما كان لونها أو مكانتها أو حتى عمرها وجنسها. ورغم كل هذا وكل ما شاهده وعلق في ذهنه، وما تلقاه من ألم وقسوة ووجع وحتى خديعة طالته منذ أول دخوله عالم بغداد، وبعد كل هذه الجولة من الإحباط والضياع والعذاب، فلن يخدع نفسه ويكون متحيزًا أو مجافيًا لأفكاره ويوسم هؤلاء البشر جميعا بالتخلف والدونية، وبالرغم من أنه ينتظر الليلة من يأتي ليجهز عليه في فراشه الخشبي هذا، فهو يود أيضًا أن يجد المبرر العقلاني لما يعتمل في ضمائر وقلوب العراقيين. فهم أبناء بيئتهم القاسية وتراثهم الطويل الضاج بالعنف، ومع كل ذلك الإرث القاسي فأرواح البعض منهم لا تخلو من عاطفة وبراءة وقدرة على نكران الذات والاستعداد لتقديم العون للأخريين، ولكن العواطف ليست كل شيء في هذه الحياة، وضغوط الجماعة وربما عدوانيتها والخضوع لإرادتها ونمط الحياة وقيمها ووطأة الوضع الاقتصادي المزري في أغلبه، يدفع المرء لتغير دائم في السلوك العام والخاص، ويؤثر هذا حتى على المظهر الخارجي والتركيبة العامة للشخص فيتصرف أحيانًا بعيدًا عن شخصيته الحقيقية.
   
لم يكن ليل تلك المنطقة من بغداد ساكنًا هادئًا على الإطلاق،  فرشق الرصاص يتكرر بين فينة وأخرى وكأن هناك في الجوار قتال شوارع بين خصمين عنيدين. ها قد أنقضى الوطر الأكثر من الليل وهو مستيقظ. لم يغلق عينيه، وكانتا على سعتهما، تراقبان السماء بنجومها اللامعة. وكان يتنصت دبيب الحشرات وأصوات الكلاب والقطط السائبة وهي تتعارك على بقايا الطعام المبعثر في المزابل داخل أزقة السوق، حين سمع فجأة وقع أقدام تقترب وحديث هامس لمجموعة رجال. بعد برهة وجيزة أطلت ثلاثة وجوه تنظر له فوثب من رقدته.
ــ لتخاف يول لتخاف.. أنته أسمك قادر.. أستاذ عبد القادر.
حاول ابتلاع لعابه ولكن حنجرته كانت جافة يابسة مثل صحراء ملح، فخرجت الكلمة بحشرجة متقطعة ومعها صفير خوف.
ــ نعم.
ــ لتخاف.. أرجع نام أنته بحمايتنه، وصه بيك أبو عفيفة.. تدلل أستاذ قادر.. نام نوم العوافي..
ــ أني ما عندي فلوس.
ــ نعرف.. موكلنالك لتخاف أنته بحمايتنا.. أبو عفيفة صاحبنًا وصاحب جميل علينه.. نام أرجع نام.
 ــ أبو تركي ما تخلينه نتونس شويه وياه..
ــ هاي سوالفك الفاينات.. تريد تصير سبع ولوتي براس المخابيل.. دعوفه للرجال بقهرة.. دمشي وتعال ويايه وهناك طلع شطارتك... اليوم دسمه أريد اشوفك..
ــ عد عيناك أبو تركي.. ممنونك.. خليني على يمناك..
 ــ في أمان الله عبد القادر بيك.
ــ أنشاء الله أغاتي ..عيوني..
هكذا نطق ماركس جملته بفم جاف فضحك الرجال وربت أبو تركي على كتفه. وبين ضحك الرجال ودهشة وخوف ماركس انسحبوا وابتعدوا يسيرون ببطء نحو نهاية الزقاق. عندها عاد ماركس إلى رقدته وقد شعر بشيء من الاطمئنان وراح ينتظر بزوغ فجر يوم جديد.
 
 



53
التحالف الوطني الشيعي العراقي وصراع المرجعيات الدينية

فرات المحسن

من جديد تطفح إلى السطح حقائق الصراع الشيعي الشيعي.فقد قدمت كتلة التيار الصدري وهي أحدى أعمدة التحالف، ورقة تضمنت نقاط يرى التيار إنها بوابة للإصلاحات في الحياة السياسية داخل التحالف الشيعي، وفي الوقت نفسه يكون قبولها من قبل الباقين شرطا لعودة التيار الصدري إلى حضن التحالف. ولكن بعض نقاط ورقة التيار عدها البعض من داخل التحالف، استفزازا لذا لا يمكن تمريرها، لا بل اعتبرت شروطا تعجيزية، على التيار الصدري رفعها من ورقته. فمطالبة الصدريون بوضع قائمة بأسماء المفسدين داخل التحالف الشيعي يستفز البعض، وهم من يمثل كبار قادة التحالف ومناصريهم، ومنهم من بات يمثل رأس الفساد في العراق ويتقدم الجميع بالسيطرة على وسرقة المال العام. وفي وارد هؤلاء إن عمليات الاستجواب في البرلمان لا يمكن لها الاستمرار، وتمثل بقناعتهم استجواب سياسي بل محاولات للتسقيط السياسي، وهؤلاء ساعون لإيقاف عمليات الاستجواب التي تجري، رغم تأكيد التيار الصدري إن شرطه لاستمرار الاستجواب يعد ضمانة عودته لحضن التحالف الشيعي.
ورغم إصرار أغلب أعضاء التحالف الشيعي على عدم وجود خلاف داخل هذا البيت لكن المشهد من داخله وأيضا ما يتسرب عن اجتماعاتهم يؤشر لوجود خلافات كبيرة، تتقدمها فكرة هيكلية الدولة الدينية التي يرغبون في بنائها وفق منهج ولاية الفقيه. فالمعروف عن المذهب الشيعي تعدد المراجع الدينية، والسماح لتابعيه بخيار العودة للمرجع حسب خيار الفرد وعلاقته بالمذهب.ولكن ومنذ ظهور الحوزة الدينية في قم طفح إلى السطح صراع خفي سعى دائما لجعل المرجعية العليا عائدة حصرا لعلماء المؤسسة الدينية الإيرانية دون سواها .ورغم إن أغلب قادة الحوزة الدينية في العراق هم من أصول إيرانية منذ هجرة الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي من إيران إلى العراق وتأسيسه لما سمي لاحقا في أعراف ومدونات الطائفة بالمرجعية الدينية. ولكن ظهر في فترات مختلفة  صراع ديني سياسي  بين المؤسسة الدينية في العراق ممثلة بالحوزة الدينية في النجف و نظيرتها الإيرانية،كانت تثيره حسب الحاجة ولإغراضها السياسية، الحكومة الإيرانية. وغالبا ما كانت الكفة تميل فيه لصالح الحوزة الدينية في النجف لحين زمن الثورة الإيرانية عام  1979 وظهور الشيخ الخميني الذي استمال بقوة الدولة الإيرانية وأموالها،الطائفة الشيعية في العديد من الدول، ومنها مجاميع عديدة داخل الطائفة الشيعية في  العراق. واحتضنت الدولة الإيرانية والحوزة الدينية فيها، رجال المعارضة الشيعية العراقية لنظام صدام وأغدقت عليهم الكثير من الأموال وقدمت لهم يد العون لبناء ميليشياتهم وتسليحها، وكذلك إيجاد قواعد عسكرية لانطلاقها في عمليات الصراع ضد حكم صدام في العراق. ومن هذا التأثير لقائد الثورة الإيرانية والمحاولات لتصدير مفاهيمها خارج إيران، تسيد الشيخ الخميني أغلب الطائفة الشيعة، وبات ليس فقط ينافس رجال الحوزة الدينية في النجف، وإنما استطاع أن يخطف منهم البريق الذي كانوا يتمتعون به. وجاءت وفاة الشيخ الخوئي لتعزز مكانة السيد الخميني. ولم تستطع الحوزة في النجف أن تعيد ذلك البريق والسطوة التي تمتعت بها على عهدي السيد محسن الطباطبائي الحكيم  ( 1889 – 1970 )  أو السيد أبو القاسم الخوئي (1899- 1992)  وطغى على المشهد الشيعي في العراق تعدد المرجعيات وجلها يتبع إيران رغم بقاء مرجعية النجف ممثلة بالسيد السيستاني.
نصت الفقرة الأولى من شروط التيار الصدري ( أن يكون هناك غطاء مرجعي عام داخل العراق مقبول من جميع الأطراف ) وعند هذه النقطة دار الخلاف حول طبيعة المرجعية التي يحبذها التيار الصدري. فالمعروف عنه رجوعه حسب اقتراح الشهيد الثاني السيد صادق صادق الصدر  قبل استشهاده، إلى مرجعية السيد كاظم الحائري في إيران. وقد حدث على عهد متأخر من عام 2014 شرخ في العلاقة بين التيار الصدري والشيخ الحائري، وباتت مرجعية التيار غير مستقرة أو غير واضحة المعالم، ولكن وفي أكثر الأحيان يرد على لسان السيد مقتدى الصدر قبوله بمرجعية السيد السيستاني. عند هذه النقطة أختلف الحلفاء في التحالف الشيعي على طبيعة المرجعة التي يجب عليهم العودة أليها لتكون الحاسمة في القرار السياسي والديني.فالبعض يرى إن التيار الصدري يريد فتح باب التدخل لجهات دينية (المقصود مرجعية السيد السيستاني) ربما ليس لديها الرغبة في التدخل بالعمل السياسي، خاصة وإن هذه المرجعية قد أشارت على لسان الناطق الرسمي باسمها عن هكذا توجه.وعند هذه النقطة من الشروط أبدت الكثير من أطراف التحالف الشيعي تحفظها على وضع حوزة النجف ممثلة بالسيد السيستاني كإطار مرجعي وحيد للتحالف، والسبب يعود في ذلك كون أغلب هؤلاء الحلفاء ليسوا من مقلدي السيد السيستاني. وهنا يبرز الخلاف  في طبيعة التوجه نحو خيار أي المرجعيات التي عليها أن تكون قائدة وموجهة للعمل السياسي والمجتمعي والطائفي للتحالف الشيعي، أي لمن العودة في خيار بناء الدولة الدينية العراقية، ومن يكون المرجع في القرارات، هل هي الحوزة الدينية في النجف أم مرجعية قم في إيران.
ورغم وجود العديد من نقاط الخلاف، ولكن يعتقد إن الآمر قد حسم لخيار الحوزة الدينية في إيران ممثلة بولاية الفقيه وبمرجعية السيد الخامنئي  إذا ما عرف إن أغلب قوى التحالف الشيعي ومعها أغلب المليشيات الشيعية، تتلقى الدعم المادي وتعود في خياراتها لتحتكم دائما لقرارات ولاية الفقيه وهو المرشد الأعلى في الجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي وتتبع تعاليمه وتلقى النصح والعون من حوزة قم.وهذا الخيار في طبيعته لا يعود فقط إلى الراهن من الوقت، بل عائد أساسا لارتباطات سابقة كان لإيران الفضل واليد الطولى في بناء هياكل سياسية ودينية للعديد من القوى السياسية الشيعية العراقية الحالية. ولذا اقر التحالف الشيعي وبشكل ناجز لا لبس فيه واقع أن يكون خيار توزيع المناصب السيادية في الدولة العراقية وقيادات التحالف ، عائد لقرارات السيد المرشد علي خامنئي وليس لغيره، إن توافق مع الصدريين أو دونهم، وأقصيت فكرة مرجعية السيد السيستاني التي سبق أن وضع ما يعرف بقواعد تحييدها وعدم السماح لها بالتدخل في الشأن السياسي العراقي، وهذا ما أوضحته المرجعية الدينية العراقية نفسها، بإعلانها ذلك في الأشهر الأولى من هذا العام، وإقرارها بالعجز تجاه ما يقوم به القادة والكثير من السياسيين الشيعة، وفضلت تقديم النصح الديني الذي ما عاد يعني للساسة الشيعة شيئا مؤثرا وفاعلا.  وهم عازفون حتى عن الاستماع لخطبة الجمعة التي بح بها صوت المرجعية الدينية في النجف دون إن تجد لبحتها صدى يذكر عند قادة العملية السياسية في العراق.








54
الحفل السادس لفرقة طيور دجلة ألق جديد

فرات المحسن

في مساء خريفي مست برودته الندية شوارع العاصمة السويدية ستوكهولم، كنا على موعد مع حفل جديد لفخر الجالية العراقية في السويد وفخر وطننا العراقي فرقة طيور دجلة في عرضها الغنائي السادس. مساء الثاني من شهر أكتوبر للعام 2016 بدا مساء مورق ندي بحشود الناس المتأنقة أمام باب القاعة.
لم تخني ظنوني فالفرقة ومنذ التأسيس عام 2008 قدمت الكثير من العروض التي كسبت فيها رهان النجاح ومثله حب جمهور الجالية وأيضا الجمهور من خارج السويد. من هذا كان رهاني يصب على قدرة الفرقة على جلب الجمهور للاحتفال معها في موسمها الإنشادي الجديد لعام 2016 ،وأيضا بعد إضافة الفرقة حيوية جديدة لحفلها تمثل بوجود عازف العود الفنان المبدع نصير شمة.
كان الزحام على أشده أمام قاعة المرايا في فندق كَراند هوتيل وسط العاصمة ستوكهولم. الكل يتطلع ليكون هذا المساء مساءا معطرا بأصوات نسائنا البديعات الباسلات اللاتي تدربت أصواتهن بإشارات وإرشاد أنامل وجهود المايسترو الرائع علاء مجيد.وفعلا فقد قدمت الفرقة ما يفرح القلب والوجدان. أعطت الفرقة ومعها تخت الموسيقى الشرقي طقسا احتفاليا باذخا ومبهرا أدخل البهجة في النفوس وجمل العالم حولنا .رحم الله سيدة الغناء الشرقي حين غنت عن معنى الغناء قائلة .
المغنى حياة الروح ..يسمعه العليل يشفيه.
وهي الحقيقة الخالدة وسواها أكذوبة ورياء ووحشة درب وبخس ورخص وجفاف حياة. فالغناء والموسيقى عالم عذب غني ضاج بالفرح يدعوا للمحبة والسلام والطمأنينة.
كان وقع الأداء الغنائي لفرقة طيور دجلة  يدخل القلب بسلاسة ودون تكلف، والأذن تتنفس النغم المتكامل العذب المسترسل المكين الحافظ للنغم والدقيق في اللازمة ومخارج الكلمات، غناء شجي حافظ على قوالب الموسيقى وقواعدها وأصولها اللحنية والمقامية التي عرفناها سنوات السبعينات، وكان الأداء مكتملا بمصاحبة إيقاع موسيقي أجادت فيه الفرقة الموسيقية بعزف جماعي مسترسل يسموا في أجواء القاعة ويسمع مثل ماء نهر رقراق ، ساعة يناغم أمزجتنا بخريره وأخرى نستمع لمناجاته وتارة نتنصت لروحه وهي تحاكي الشواطئ والطيور، فيسحبنا معه في عالم بهجة وطقوس تجمل لنا العالم، فنستجيب لها بانفعالات وجدانية، ومعها نتذكر روح الأغنية العراقية الأصيل المترع بكلمات الحب والوفاء والعذوبة.
غفه رسمك بعيني من الصبا لليوم للمطرب الراحل سعدي الحلي وهذه الأغنية تعد من روائع الألحان وأعذب الكلمات العراقية،أيضا كان عتاب أمل خضير في أغنيتها لا لا زين عرفت غاياتك ، وسيتا هاكوبيان في رشاقة صوتها وأغنية بهيدة من تشبكَني، ثم رائعة الملحن مفيد الناصح وغناء فاضل عواد، يا لجمالك سومري ونظرات عينك بابلية،وحضرت لإمتاعنا عفيفة اسكندر في رائعتها بعيونك عتاب وبكَلبي جواب، وأيضا شنفت أسماعنا رائعة المطربة الرائعة أسمهان في أغنيتها يا جمال الورد.  وفيروز في أجمل أغانيها التي تغنت ببغداد والشعراء والصور، وهكذا كانت انفعالات القاعة تتجاوب وتتناغم مع اللحن الجميل الذي تؤديه الفرقة وتتلذذ النفوس بتنوعه بين الأغنية الكردية والأشورية والجنوبية والبغدادية والعربية فأرضت جميع الأذواق وأراحت الأنفس .
لن أوفي حق الفنان العبقري المبدع الأستاذ نصير شمة إن تحدثت عن ما قدمه من عزف منفرد على العود أو بمصاحبة الفرقة الموسيقية، فكل حديثي لن يحيط بتلك الطاقة التي فجرها أمامنا والقيم الفنية التي استعرضها، فإذا كانت فرقة طيور دجلة قدمت بأصواتها الرخيمة أجمل الألحان فإن عود وألحان نصير شمه ألهبت أحاسيس الجمهور وتفاعل مع أنامله وأوتار عوده بالانبهار والدهشة،حيث نقلتنا موسيقاه نحو طبقات عليا من العذوبة وبتنا في غمر واسع من سعادة وبهجة وكنا نود المزيد، وشعرنا بأن قلوبنا تتنفس جمال موسيقاه، وأنغام عوده الساحرة تتسلل نحو أرواحنا وكأنها تهمس محبة وتومض عشق . 
ولكن ومع كل الأسف، كان هناك حديث مختلف بعيد عن كل ذلك الإبداع والرقي الذي جادت به فرقة طيور دجلة وقائدها ومعهم الفنان نصير شمة والفرقة الموسيقية، والحديث عن هذا له وفيه الكثير من الشجون لا يعرف عنه الكثير من الذين حضروا الحفل. فالاستعدادات للحفل أخذت وقتا طويلا وجهد كبير من الفرقة وهيئتها الإدارية وقائدها المايسترو علاء مجيد. لم تحصل الفرقة على حجز لقاعة خلال زمن عام 2016 لعدم توفر قاعة لتقديم الحفل السنوي للفرقة، وبالصدفة وحدها جاءت الفرصة لتتفق الفرقة مع منظمة سويدية تقدم العون للأطفال من متضرري الحرب في سوريا،وبعد المداولات جرى الاتفاق على وضع مساعدة أطفال العراق ضمن منهاج هذه الجمعية لتقدم لهم أيضا المساعدة المناسبة من خلال ريع الحفل والتبرعات خلالها. وتبنت المنظمة السويدية ممثلة بالسيدة صوفيا وهي سويدية من أصول تركية التهيئة للحفل إداريا أي تهيئة القاعة وتوزيع المقاعد وتلبية احتياجات الفرقة وضيوفها وغير ذلك من توفير أجواء مناسبة لإقامة الحفل في ذلك المكان، وعلى فرقة طيور دجلة إعداد نفسها في هذا الإطار لتقديم فعاليتها السنوية مساء يوم 02 / 10 / 2016 .ولكن السيدة صوفيا أخلت بكل بنود الاتفاق وباشرت بتقليص الصرف لحد أسكان 6 أشخاص من الموسيقيين في غرفة واحدة في سكن جماعي والأستاذ نصير شمة في غرفة من دار للمسنين، مما اضطر الفرقة لتدارك الآمر ونقلهم لفندق مناسب.
كان زخم الحضور كبير جدا لم تكن لتستوعبه القاعة وهذا الآمر جعل إدارة الحفل تدخل وعلى شكل وجبات كراسي أضافية لتغطي العجز وحدث هذا أثناء تقديم الحفل مما شوش على المشاهدين وأيضا  على الفرقة. وعند الاستفسار عن ذلك أخبرنا بأن المنظمة وبشخص السيدة صوفيا التي تدير وتشرف على الحفل استبدلت القاعة الكبيرة بهذه القاعة المتوسطة الحجم، ربما الآمر يتعلق بكلفة إيجار القاعات إن أحسنا الظن.وقد بدا الإرباك وسوء الإدارة منذ الوهلة الأولى حيث كان المستقبلون لا يتمتعون بالمهنية، وليس لهم قدرة على إدارة وتسهيل دخول الجمهور بل كانوا مجموعة من الشباب  الصغار وظفتهم السيدة صوفيا، يقفون في استقبال المشاهدين ولا يعرفون ما يفعلون، لا بل كانوا سببا في حدوث كل ذلك الهرج والإرباك. وأول فشل رافقهم كان في مهام استلام البطاقات من الجمهور لدخول القاعة. حيث كانوا يأخذون البطاقة كاملة وعلى الجمهور حفظ أرقام مقاعدهم والذهاب إلى القاعة. بعد مضي ربع الساعة الأولى من دخول الجمهور بدأت الفوضى، حين عاد البعض من الجمهور ليشتكي من وجود البعض ممن يحتل المقاعد التي خصصت لهم. فالمشتكي حين يصل إلى رقم كرسيه يجده شاغرا من قبل غيره، بعد أن رفع رقم المقعد ورمي بعيدا أو أخفي، والمطالب برقم مقعده لا يملك ما يسند شرعيته وحقه بالمقعد، كون بطاقته قد أخذت منه كاملة في الاستعلامات. وحدث غبن كثير، فالبعض دخل وأحتل مقاعد مخصصة لغيره وبيعت بسعر 1000 كرون سويدي وكذلك بسعر 800 كرون ولكن المقاعد هذه احتلت من قبل من دخل أولا وسبق أن اشترى بطاقة بسعر 600 كرون. وكان هذا الوضع مربكا جدا مما سبب هرجا ولغطا ورافقه صراخ من قبل البعض لسوء تصرف إدارة الحفل ومن هؤلاء من سراق المقاعد.
 وقد تصرف البعض من الجمهور وكأنه يجلس في الأزقة الخلفية للمحلات الشعبية وأن عادات الريف لازالت عالقة في ذهنه. فالحديث الجانبي الغير معني بما تقدمه فرقة طيور دجلة من رائع الغناء وبديعه  وبتلك الألحان الشجية من التراث الأصيل للطرب العراقي أو العزف الجميل الخلاب للفنان نصير شمه والفرقة المصاحبة. والشيء الغريب يبدو لي إن البعض وليس الكل من الجمهور، كان يهوى التهريج ولم يكن حاضرا لسماع موسيقى أو تراث أغاني أو عزف شجي لآلة موسيقية، ولذا كان يبدأ بالانفعال ليصاحب الغناء والموسيقى بالتصفيق ويطغي تصفيقه على جميل العزف والغناء ، كنت حينها أقارن كيف يستمع ويستمتع الجمهور السويدي والأوربي بسماع الموسيقى الكلاسيكية والتراثية وكيف يتفاعل معها ثم ينتظر حتى النهاية ليحيي المطرب والموسيقي على أدائه. ولكني أيقنت إن البعض لا يهوى غير سماع أغاني  (  سارية السواس  ).
 ولكن أكثر ما آلمني هؤلاء الوحوش الذين لم يتعلموا ألف باء الثقافة ولم تمسهم الحضارة ولو بالشيء القليل وبقوا على عادات النهب والغنيمة، هؤلاء الذين دخلوا أولا واحتلوا كراسي غيرهم عنوة دون وازع أخلاقي أو محاسبة ضمير.فكيف تسنى لهؤلاء سرقة أماكن غيرهم بكل تلك الصلافة والوحشية واللؤم
وبعد أن شاهدت سوء الإدارة الذي أربك الجمهور، فأنا أتمنى على الفرقة وهيئتها الإدارية أن تأخذ مستقبلا على عاتقها مسؤولية الإدارة، حتى وإن استعانت بشخصيات لها خبرة في تنظيم وإدارة الحفلات وعملية التسويق.



 


55

كارل ماركس في العراق الجزء الثالث والعشرون

ــ خالي أبو عفيفة آني أدفع حساب الرجال هذا.
ــ عيوني أبو رجب مشكور.. بس الرجال عنده فلوس.
ــ حتى لو عنده.. آني أدفع عنه.
ــ منو يكول يقبل؟
ــ لا يقبل.. مو حبيبي أستاذ قادر تقبل مني أدفع عنك الحساب؟
نظر ماركس نحو الرجل وأبتسم له ابتسامة رضا وقال وهو يفرك راحتي يديه بعد أن أنهى التهام الطعام.
ــ عن ماذا تتكلم سيدي؟
ــ أستاذ قادر.. الحمد لله أني لكيتك سالم.. أنشاء الله مرتاح أستاذ.
ــ شكرا جزيلا ،ولكني لست الذي تنشده فأنا لست أستاذًا، وأسمي ليس قادرًا.. أنا اسمي كارل هنريش ماركس من ألمانيا.
ــ أدري.. أدري الله يكون بعونك... يا جماعة أنه أعرف الرجال حق المعرفة.
ــ مشتبه بيه لو تعرفه؟
بادر أبو داوود ومثله أبو عفيفة بسؤال أبو رجب عن حقيقة معرفته بشخص كارل ماركس أو مثلما سماه أستاذ عبد القادر.
ــ حبيبي أبو عفيفة ولا يهون أبو داوود، هذا أستاذ عبد القادر مله عطا آل مغامس، كان أحد أهم أساتذة كلية العلوم السياسية في جامعة الكوفة ومسؤول عن التقييم الجامعي والبحوث.. فد يوم بعهد صدام اجوي الأمن للجامعة وأخذوه، واختفى من ذاك الوكَت، وبعد منشاف، ومحد عرف السبب الصدك.. يكَولون طالب بعثي جان يغش بالامتحان، وأستاذ قادر لزمه ورسبه. وهذا الطالب شد عداوه وكتب موزين على أستاذ قادر وكَال عليه شيوعي.وأجوي بعدين الأمن وأعتقلوه خطيه..وهسه هو كدامكم.
ــ أكَول.. من هذا مسمي نفسه كارل ماركس.. بس أبو رجب انته منين تعرفه؟
 ــ آني جنت أشتغل بمديرية بريد النجف وكل أسبوع أمر لأقسام جامعة الكوفة أسلمهم البريد وبعض الكتب وجنت أشوفه لأستاذ قادر وادخل عليه لغرفته.. آدمي أبن أوادم.. وآني أميزه من بين ألف واحد رغم شكله شويه متبدل...مو كلش أبيض شعره مو أسود كلش ومشيب عيونه صفر ويوميه يلبس قاط جديد ورباط  وقميص منشه..هيبه وينوصف وصف.. ابن حلال مع كل الأسف.. نعله على روحه للكافر بن الكافر شسوه بالناس.. هذا العالم خلاه يصير بهذي الحال.. والله هذا يسوه ألف واحد مثل صدام وربع صدام.
ــ لا يا كفار ولد الكفار.. أي ليش من عمت عينه للوكت.. هذي الناس العلامة الفهامة يصير بيه هيجي شي.. وكرايبهم جابوهم من وره الهوش وسوهم ضباط وأساتذة أو وزراء وصارو يتحكمون بروس الناس.
ــ أغاتي أبو عفيفة هذا قدر العراقيين راح ذاك المجلوب وهسه انته تشوف أحنه همين وكَعنه بيا حال، هم هناك من يشبه صدام ومجاليبه وديلعبون  بالوضع لعب.
ــ أي والله قدر العراقيين كل فترة ينلعب بيهم طنب.. تدرون أني شنو أفكر..
ــ شنو تفكر أبو عفيفة؟
ــ أكَول لو يجينا فد طنطل.. طنطل خشن مصنع ومضبوط ويشد حيله  ويلعب خلقة بكل هذوله لعب ويكَطعهم من عرجهم، ويصفيلنه الجو، ويوكف بوجه كل ظالم وحرامي ويوفرلنه الأمن والكهرباء وبعده كلشي منريد ونبوس أدينه وجه وكَفه.
ــ أبو عفيفة عيوني... تتصور الأمريكان يحبون الطناطل لو همه أهل الطناطل .و.هذا طنطلك كَلي  شكد راح يقاوم ويه العراقيين وطلايبهم..شهر شهرين سنه سنتين؟ هذا يريد منه استقلال بعشيقة وذاك يطالب بانفصال عفج، والشطره تطالب بالفدرالية وذاك يريد بوري نفط يجي البيته،أو واحد يريد كهرباء خمسه وسبعين ساعة باليوم، وهذا يطلب منحة سفر سنوية لجميع المواطنين أسوة بأعضاء البرلمان،وذاك يصيح حرية حرية دولة مدنية، ويجاوبه اللاخ الحكم لله والموت للعلمانية، وهذا يريد وذاك يريد، إلى أن أطكَ حوصلة وفيوزات الطنطل وبعدين راح يندار على الشعب العراقي ويلعب بطراكَاتنه لعب.. انته من كل عقلك يجي أبن أوادم طنطل لو بنطل لو حنطل ويعدل حال هذي الآمة المسكينة.. أيس، وأخذه مني ماراح  ينعدل الحال أذا مو أحنه ننعدل.
ــ والله حجيك ذهب أبن عمي أبو رجب الورد.
قال  أبو داوود  ذلك وراح يلوك قطعة صمون صغيره سحبها من تحت الغطاء الموضوع في عربة الطعام دون استئذان من أبو عفيفة الذي لم يبد اهتماما للأمر فقد أعتاد على ذلك ومطعمه مباح لجميع أصحابه. كان ماركس يراقب حركات الرجال الثلاثة وينصت لحديثهم باهتمام وتمعن محاولا أن يلم ويستوعب جميع ما يدور فيه. كانت تفلت منه بعض الكلمات التي لا يفقه معانيها، ولكنه في العموم كان يفهم أغلب ما يتحدثون عنه. حديث الناس في هذا البلد لا يخلو من التباس في محاولة فهمه، ليس له فقط وإنما يشعر أن ذلك يحدث فيما بينهم أيضًا، هذا ما تلمسه ماركس عند جميع من تعرف عليهم. فالمشتركات في الحوار تتدهور فجأة وتقفز نحو عدة مواضيع، ثم تذهب بعيدًا، ويكون ذهابها سريعًا وجليًا دون ثبات على حال، فمن السهولة أن يصب الحديث في جوانب مختلفة ومتنوعة في آن واحد، حينها تبدأ معه سرعة التأويل وإطلاق الأحكام واستباقها، فاللحظة الراهنة لا تلبث أن تتشعب نحو الماضي والمستقبل ويضطرب معها الحديث ثم يختلط السلوك المنطقي بالغرائبي أو الهازل ويتحول إلى شيء مختلف أو بعيد عن الراهن. آلام الماضي تضغط على الحاضر فتجعله اشد عسرًا، وترحل نحو المستقبل لتجعله أكثر التباسًا وقلقًا. لا أدري إن كان ذلك جزء من ثقافة وخيار عام لهذا الشعب. الغريب أن ما يتحدث فيه هؤلاء الطيبون هو من هذا الصنف وباتوا مقتنعين بأني أنا الأستاذ عبد القادر. فالحجة التي يقدمها لهم هذا الرجل الواقف أمامي يتحدث ويحرك يديه وكأنه يقف وراء منصة خطابه، تبدو سليمة بمجملها، سليمة ومنطقية له ولهم، وهم لا يملكون سوى الموافقة على روايته التي يقرنها بالأدلة، وهاهم يراجعون الماضي ويتمنون شيئًا للحاضر ويجيبون عليه قبولاً أو نفيًا.
 ولكن أنا، أنا المعني بكل ما جاء في هذه الحكاية والذي يراد منه أن يماشي رغبة أحدهم، ما علي فعله الآن. أجد أن من الممكن أن أمسك هذه الحكاية من تلابيبها وأتوافق معها بشكل وآخر لأخرج من المأزق الذي وقعت فيه وأبعد عني الشبهات، قادر.. عبد القادر أستاذ كلية العلوم السياسية في جامعة الكوفة أو أي مسمى أو وجود آخر، يستطيع أن يمنحني فرصة أخرى أقفز معها نحو ضفة جديدة، وتغطي على شخصيتي ووضعي، ومن ثم تبعث عندي أملا جديدًا في العودة إلى لندن. هنا عليَّ أن أضع أو أختار ما يفي حالة عبد القادر. تدريسي أعتقل، الآن هو خارج السجن مطلق السراح ولكنه في حالة فقدان ذاكرة أو شبه مجنون، ولكن من الممكن أيضًا أن يدخلني هذا التقمص في متاهة ومأزق جديد أضيع فيه وأخسر كل شيء. حتما سوف أصاب بالذعر عند منعطف حاسم من هذه اللعبة. ربما لا استطيع الاحتمال إلى ما لانهاية وبالذات إزاء مشاعر الذنب التي سوف أشعر بها لاحقا جراء قبولي ومجازفتي بخداع الآخرين، فلم يسبق لي أن مارست خداع أحد. أعتقد أن الأمر قد أختلف في هذا الراهن، لا بل يتطلب قوة شكيمة وإرادة ومجازفة، فالقيام بمثل هذه الخدعة يكون دفاعًا عن النفس ضد تهديد أتعرض له وأنا في العراق، ولن يكون عيبًا ذاتيًا أبديًا إن فعلت مثل هذه الخدعة فهي جزء من مرحلة أجبرت فيها، وسوف يعد سلوكًا مشروعًا. ولتكن قدرتي تتوافق مع هذه اللعبة ولأبدأ بمجارات هؤلاء بشيء من الحذر وبكلمات مختصرة هلامية.
ــ أستاذ قادر عود صدك أنته وين جنت؟
قال ذلك ابو أبو رجب بينما كان ينفض عن كتف ماركس شيئا من التراب العالق.
ــ بالسجن.
ــ شفتو يا جماعه يتذكر خطيه. اتعذبت هواية استاذ قادر مو ..؟
ــ كثيرًا سيدي العزيز.. كانت أيام صعبة.
ــ شلون ويمته خلصت السجن، شلون طلعت؟
ــ لا أعرف..
ــ أبو رجب... هيه السالفة مال أستاذ قادر يرادله تفسير !!.
ــ هم صحيح والله ما يرادلها.
ــ من دخلو الأمريكان ما بقه واحد بالشماعية لو بالسجن... عمي أستاذ قادر أنته جنت بالسجن لو بالشماعية؟
ــ لا أتذكر شيئًا من هذا القبيل. ربما هناك أو هناك.
ــ يابه خلوه للرجال.. إي هسه شيفيد لو عرفتو جان وين.. جان عند الحكومة الظالمه وطلع.. يجوز خلص كل ذاك الوكت  مشي وتايه بالدروب.. عمي عندك أهل، عندك بيت؟
ــ كلا .. أو الأحرى لا أدري.
ــ زين وين خلصت كل ذاك الوكت؟
ــ بالسجن.
ــ من عهد صدام لهذا الوكت أنته بالسجن؟
ــ لا أعرف.. ألا أستطيع الحصول على وجبة طعام أخرى؟
ــ تدلل أستاذ قادر العزيز جنك على قوزي..
ــ رحم الله والديكم.. إنشاء الله.
 قالها ماركس وأشاح وجهه بعيدًا خافيًا ابتسامة ارتسمت على وجهه، فهو الآن يستخدم ما تعلمه لتمرير خدعة يشعر أنها تتسع وبدأت تكبر مع كومة الأسئلة التي راحت تنهال عليه، ولا يعتقد أنها سوف تختصر عند حدود هذه المجموعة، بل عليه أن يكون في قادم الأيام على كامل الاستعداد لمواجهة أسئلة متنوعة وربما صادمة تريد منه الإفصاح عن شخصيته، ولن تتركه دون أن تقتنع بما ينفعها، لذا عليه أن يختصر إجاباته قدر المستطاع ويجعلها تضع السائل في حيرة أو اقتناع، وهذا هو المهم في هذه اللعبة الكريهة لحين الوصول إلى نقطة يمكنه معها الحصول على حل لجميع مشاكله وفي مقدمتها الخروج من العراق.

ــ زين أنته وين جنت تنام وشلون تعيش؟
ــ بالشارع ورحمة الله واسعة.
ــ لعد شنو تكول اسمي كارل ماركس.. ليش أنته صدك شيوعي؟
ــ  أنا لست شيوعيًا.
ــ شوف أبو عفيفة هذا صار يتذكر زين.. الدنيه راح تصير مسه وين هذا يبات؟
ــ عمي استاذ قادر أنته عندك مكان تروحله؟
ــ ما أعرف..
ــ لعد شنو تفكر... وين راح تروح؟
ــ لا أدري.
ــ يابه هذا يبين ما عنده مكان... زين أستاذ قادر تكدر تبات هنا على الكرويتات مال الكهوة بعد ما أعزل.
قال أبو داوود صاحب المقهى وهو يناول ماركس كأس ماء جلبه له أثناء ما كان يأكل لفافة الطعام الثانية التي هيئها له أبو عفيفة.
ــ نعم أستطيع ذلك.


56

كارل ماركس في العراق / الجزء الواحد والعشرون

فجأة ومضت كتلة لهب برق ضوئها الخاطف داخل الغرفة. اخترق الفضاء المحيط صوت دوي قوي أرتج إثره كل شيء. قفز ماركس من مكانه مرعوبًا فأصطدم رأسه بكتلة أسمنتية صلدة. لقد اهتز المكان إثر صوت وحركة تشبه زلزال قوي تحركت معه أركان الغرفة برمتها. ارتجت الجدران بقوة إثر انفجار هائل رافقه دوي انفجارات متتالية وعتم المكان بالكامل.. غطت ماركس غمامة غبار سوداء فلم يعد يستطع رؤية ما حوله،ولم يكن ليدرك ما يحدث بالقرب منه. كان مرتبكًا، بل كان في لحظة رعب حقيقية، فتلمس جسده لعله جرح أو شيئا من هذا. لم يستطع بسبب الغبار والظلمة تمييز ما حوله، حتى أبو رمزي ورغم قربه، كانت الظلمة والغبار يغطيانه. جال بأصابعه المكان ولكنه خاف أن يقرب جسد أبو رمزي. تأوهات وهذر وصراخ وضجيج صادرة من قريب وبعيد ونداءات تطلب النجدة.
ــ أبا رمزي.. ما الذي حدث؟
ــ شمدريني.. خربت وأنلاصت، واكلنه خره حاشاك، هذا تفجير.. يمكن تفجير لبناية المركز.. أنته بيك شي مجروح لو سالم؟
ــ كلا فقط لا أرى من حولي بسبب الغبار والظلام. ظننت أنك ..
ــ  لا ..كلشي مابيه ..جيد.. خلينا ننتظر ونشوف شنو النتيجة. راح تروح الغبره.
ــ أسمع صوت تأوهات وطلب نجدة.
ــ أني بشكلك.. حتما هناك مجاريح.
ــ أعتقد أن الجدار قد انهار علينا.
ــ لو هيجي جان كتلنه!
ــ تلمس ما فوق رأسك .
ــ لك هاي صحيح هذا قالب بلوك نازل علينا.. لك ربك ستر.. جان رحنه بوله بشط..
ــ وماذا تعني بوله بشط ؟
ــ يمعود أنته صدك بطران.. هسه محله.. أحنه بيا حال دعوفنه خل انشوف دربنه.
شيئًا فشيئًا انقشع الغبار لتظهر بعض المعالم خارج الغرفة وانفرج المنظر عن فسحة فضاء تمتد خارج المكان نحو شارع أسفلتي قريب وثمة أناس يهرولون ويصرخون ويلوحون بالأيادي. كان جزء من سقف الغرفة قد سقط بالكامل ليغطي أرضيتها بما فيها من سجناء، الذين يسمع تأوه وصراخ بعضهم، وكانت قطعة كبيرة مائلة من الجدار أرتكز عليها السقف وهي التي حمت أبو رمزي وكارل ماركس من أن يهرسهم السقف عند سقوطه.
ــ ربك حليم كريم لو جان هذي الشكَفه من السكَف واكَعه علينه جان هسه أحنه ملطوشين بالكاع مثل الزولية.
ــ ما الذي نفعله الآن؟
مد أبو رمزي يده وأمسك يد كارل ماركس وسحبه بقوة ليذهبا عبر الجدار المنهار إلى خارج بناية المركز وراح ينفض عنه الغبار العالق بملابسه ومثله فعل ماركس .
ــ لنعود ونساعد الباقيين .
ــ أي باقين..؟ أمشي بابا أمشي.. هاي فرصة أجتي من السما.. ربك الأنقذنه من الموت هو ألي خلصنه من السجن وأطلق سراحنا. أمشي.. أنته مو تريد ترجع الأهلك.. يله أمشي.
كانت بناية المركز تبدو أنقاضا لا يظهر من معالمها غير جدران وسقوف سويت مع الأرض. قرب كومة حجارة وحديد ملتوي، شاهد ماركس عريف أحمد جالس يتوجع بصوت مسموع وثيابه ممزقة وجسده مغطى بالدماء، وهناك بقربه جثتان مطروحتان ميزهما ماركس، واحدة للعقيد لطفي الذي بترت أطرافه السفلى والأخرى مهشمة الرأس تعرف عليها ماركس من الملابس، كانت للسجين الذي أهداه الفراش. ألتفت ماركس نحو أبو رمزي الذي بدأ يبتعد متجهًا نحو الطريق الفرعي القريب. ارتبك في اتخاذ القرار وحار بين البقاء أو اللحاق بأبو رمزي. عند تلك اللحظة التي لم تأخذ منه الوقت الكثير، قرر اللحاق بأبو رمزي، فلعل ما حدث فرصة يتجدد فيها ألآمل في العودة إلى أهله.
***
سلكا طريقًا يفضي إلى زقاق قريب ولجا فيه مسرعي الخطى دون أن يلتفتا خلفهما. عند نهاية الشارع توقف أبو رمزي وأمسك بكف كارل ماركس ونظر في عينيه الزرقاوين وابتسم ابتسامة رضية وقال.
ــ هذا عمود الفجر طر وانتشر
وزال الظلام أو بين المحتجب
انتبه وانظر الحالك ابياهو صفه
إصبح وبروحك كل وكت مدفنه
مودعك أخ عزيز ماركس رفيق السجن الذي لن أنساه.
ــ ماذا تقصد بذلك صديقي ابو رمزي؟
ــ عزيزي ماركس .. لقد زال عنا ظلام السجن وأصبحنا أحرارًا وانته هسه عليك تنتبه الحالك، وخلي سرك أبروحك، لا تعرضه على غيرك، ولو أني أدري انته صابتك العدوه من العراقيين على قول المثل إلي يكول من عاشر القوم أربعين يومًا صار منهم، أنا أدري مراح تكدر اتخلي سرّك مدفون.
ــ أبو رمزي ليس لدي سرًا أدفنه أو أخفيه، فانا ماركس ألماني الجنسية وجئت إلى العراق كعالم آثار ومنقب عنها.
ــ شوف عيوني ماركس أبن هنروش.. هسه أحنه راح نتوادع هنا.. أنه أركب أروح الهلي خارج بغداد وأنته تلزم هذا الشارع وتطلع بيه كَبل لا يمنه ولا يسره، راح تلكي نفسك بنص بغداد وبالضبط بمنطقة الباب الشرجي.. مال تكَلي أنته عالم أثار و مدري شنو، تره شويه صعبه أصدك بيك.. خليه أبعبك أحسن.. تره أنه أخوك مكسر كحوف الدنيه على راسي.. وأقره الممحي.. أوكي حبيبي... 
لله درك حتى جذبك غير....
 الحيا يجبر مشاعرنا تصون وما تخون...
 والسمه لا ما تضيق إن كان يغشاها الغمام ... 
والصدر يبقى رحب لو يمتلي ضيق وشجون..
 مودعك الله مرة لخ وإنشاء الله تتوفق بمسعاك وأهم شي توصل الهلك سالم.
ــ أشكر لك جميلك أبا رمزي متمنيا لك الموفقية. فقط اسأل ماذا أفعل في منطقة باب الشرقي فربما سوف يتعرف علي جهاز الأمن أو لا أجد مأوى... هل هناك فندق التجأ إليه؟
ــ عزيزي ماركس الطيب..أني لو اكدر أخذك ويايه جان سويتها، بس شويه هناك تعقيدات وأنا مراح أبقه بالعراق أصلا..أخويه، حاول أن لا تكَرب من الشرطة.. وأبشرك همه ليهسه هم ما عدهم بجيوبهم صورتك.. واضبارتك أحتركت بالمركز.. وإذا تروح لفندق راح يطلبون منك هوية، وأنته ما شاء الله صلوخ، ولا ورقه تثبت شخصك..ولو بالعراق كلشي تايه ما تعرف حماهه من رجلها..شوف حبيبي هناك كَدامك أكو سوك كبير من تعبر الشارع، بنص السوك أكو كهوتين تلاثة من يصير الليل كله أتعزل، وتكدر تنام على القنفات مالت الكهاوي.. وهاي المنطقة بالليل حتى الشرطة ما تتقرب منه.. أبقه جم يوم لمن شعر راسك ولحيتك وشواربك يطولن... وهذاك الوكت وين ما تسرح محد يسأل عنك.. خوش لو مو خوش.. تره أحنه بالعراق نعمه من ألله كلشي ضايع وصايره سفرتح.
ــ أبو رمزي ماذا تعني بسفرتح؟
ــ هسه محله أخويه ماركس.. بعدين يجي وكت وتعرفه.. خوش     .
ــ نعم .. خوش ..
ضحك ماركس وهو يردد كلمة خوش بلكنة أرتاح لها أبو رمزي الذي دس يده وأخرج ورقتين حمراوتين من جيب سرواله. 
ــ دون مجاملات عزيزي ماركس أرجو أن تقبل مني هذا المبلغ البسيط بلكي ينفعك بهذولة اليومين الجايين.. آني عندي من خيرات الله جثير.. أعتبر هذي هدية من صديق رغم أننا لم نتعارف غير أيام قليلة.. وآني أعتبره ثواب ودفع بله،وهذا الشي أنته متعرفه، وفدوه أروحلك لتسأل عنه.
مد ماركس يده وأخذ النقود وصافح أبو رمزي فبادره أبو رمزي وأحتضنه بحرارة وراح يربت على كتف ماركس الذي بادله ذات الحركة فضحك أبو رمزي، عندها تذكر ماركس ذات موقف الوداع مع الرفيق جبار حين قام بنفس الحركة وودعه بعد أن أطلق سراحه من قبل عصابة أبو بشير.
ــ مودع ومحروس بالله...
ــ هاي أنته تتعلم عراقي بسرعة.. والله يا صاحب السجن آني أخاف عليك من هذني السوالف الفاينات.. تره بدايتها زينه بس نهايته كلش مخربطة.. مثل الفلافل أوله منافع وتاليه الله يستر..
ــ كانت فرصة جميلة أن أتعرف عليك.. رغم تعاسة الموقف والظرف.. فقط أود أن أشكرك من كل قلبي وسوف أتذكر لك جميع مواقفك.. أنشاء الله.
كرر أبو رمزي كلمة أنشاء الله مع ماركس وأطلق ضحكة قوية ومد يده مصافحًا ثم استدار وسار نحو رأس الزقاق القريب واختفى في نهايته دون أن يلتفت وراؤه. كان ماركس يقف متسمرًا يراقب أبو رمزي وهو يغذ السير مسرع الخطو ذاهبًا إلى حيث يمكنه السفر خارج العاصمة بغداد. ولن يكون لهما بعد هذه اللحظات لقاء آخر.



57
التكييف القانوني لسرقة المال العام

فرات المحسن

أصدرت هيئة النزاهة، بيانا لتوضيح "اللبس" الذي طرأ على موضوع الاستعانة بالخبراء الدوليين للتحقيق في قضايا الفساد، وقالت في بيانها، (( انَّ "فكرة الاستعانة ببعض الخبراء والمُحقّقين الدوليِّين هي فكرة هيئة النزاهة بالأساس وليس كما أدعى مجلس الوزراء، وقد طرحت الهيئة فكرة الاستعانة بالخبراء في العديد من المؤتمرات الدوليَّة التي شاركت فيها،  وبينت النزاهة في بيانها إنَّ رأي الخبراء والمحقِّقين الدوليّين منذ البدء كان، عدم إمكانية توليهم التحقيق في القضايا الداخليَّة ذات البعد المحليِّ.))
تبعا للتجربة التي خبرناها من متابعة عمل الهيئات في نظم عمل الدولة العراقية ومنذ أول تأسيس الهيئة المستقلة للنزاهة وهي حتما ليست كذلك، ليس فقط  في جانب النزاهة وإنما بإدعاء الاستقلالية أيضا، حيث يظهر عجزها المركب والمنهجي واضح في جميع الأعمال التي قامت بها.وخرج من بين ظهرانيها من هو مرتش أو سارق للمال العام. والهيئة في هيكلها الوظيفي وعموم طبيعة عملها والواجب المناط  بها، قاصرة قصورا مذهلا في القيام بمهامها ،ولم تقدم ما يعمل على تصحيح الخطأ أو الكشف عن الإساءات الموجهة إلى الدستور والقوانين والشعب العراقي، ومنها جرائم الفساد الإداري والرشا والسرقة ونهب المال العام.  ودائما ما أدعى قادتها العجز وغل اليد أمام قوى متسلطة عليهم، في محاولة  للابتعاد عن  الاعتراف بواقع الهيئة وحقيقة هيكلها الرسمي، وكونها لا تعدو غير جزء من لعبة إدارة السلطة في العراق، هذه الإدارة الخاضعة للأحزاب السياسية الحاكمة والمسيطرة على اغلب مفاصلها.والهيئة برمتها خاضعة لرغبات قادة الأحزاب الحاكمة التي تتحكم بنهج وعمل هيئة النزاهة حالها حال مفوضية الانتخابات والقضاء العراقي وباقي مؤسسات الدولة.
الاستعانة بالخبراء الدوليين للتحقيق في قضايا الفساد، إن كانت قد جاءت كفكرة من السلطة أو مثلما تدعي الهيئة بأنها من بنات أفكارها، لن تكون مخرجا لمعضلة بحجم معضلة الفساد في العراق. فما باتت لعبة تبادل الأدوار تنطلي على الكثيرين، وأصبح الناس يدركون بأن هذه المناورات صارت نمطا شائعا ومحببا لدى جميع قادة الحكومة العراقية وهيئاتها وبمختلف انتماءاتهم وعقائدهم. وصار طابع استخدام تبادل الأدوار وظيفة ذكية تستخدم للتمويه عن حدث بعينه ودفع الأنظار بعيدا عن أس الأزمة ومسبباتها،حيث يتم إثارة الاهتمام بجزئية الحل أو المشكلة والضجيج حولها بعيدا عن البحث في طبيعة المسبب الرئيسي أو الحل.
مهمة لجنة التحقيق الدولية لن تكون سهلة ولن تجد ما يتلاءم ويتواءم وطبيعة عملها والواجبات الملقاة على عاتقها ، وسوف تواجهها الكثير من العراقيل والمعوقات، لتجد إن المشاكل أو المواضيع المطلوب الوصول إليها ووضع اليد عليها، تفتقر إلى الدقة في المعلومة والتنظيم والأرشفة، و فجأة سوف تختفي من أمام اللجنة دلائل وقرائن تمنع الوصول إلى نتائج مقنعة، ولن تحصل هذه اللجنة سوى على سكن وطعام منتظم ورواتب سخية يقدمها الجانب العراقي بكل أريحية ورضا.
 فهذه اللجنة التي أفصحت بكل ثقل المعنى عن مهمتها الرئيسية، نراها قد قدمت للجانب الحكومي العراقي ما يطمئن ويثلج القلب. فواجبها لا علاقة له بجرائم فساد وسرقات داخل العراق وهي لن تحقق في قضايا فساد محلية. وبينت للجانب الحكومي وهيئة النزاهة منه وبشكل مباشرة، عدم إمكانية توليها التحقيق في القضايا الداخليَّة ذات البعد المحليِّ.
   إذن فلجنة التحقيقات الدولية وضعت لها حدود لن تجد معها الكثير مما يتعلق بواجبها التي قدمت إلى بغداد من أجله. فأغلب وأعظم قضايا الفساد ودعاوى سرقات المال العام في العراق، كانت ومازالت  داخلية وتترافق مع فساد إداري وقضائي ورشا مازالت المؤسسات الحكومية تئن من سعة انتشاره ووطأة فعله المدمر، وبلغ من الصعوبة والإيذاء بمكان، أن أنتشر في أصغر وحدة من وحدات مؤسسات الدولة وصولا إلى رأس السلطة فيها، وأصبح  الحاضنة الحقيقية للإرهاب، وبات يتكيف والقوانين والطرق الدستورية لتمرير السرقات وتلافي العقوبة.
أيضا سوف يعترض عمل لجنة المحققين الدوليين،  وجود كدس من القوانين والاعتبارات الداخلية ترجح فشل مهمتها ، فعمل اللجنة المهني لن يكون كافيا لكشف ملفات فساد توغل بعمق الاقتصاد العراقي وتقفز نحو الخارج بخيوط متينة تنتفع منها دول ومؤسسات عراقية وغير عراقية، ويسيطر عليها الغموض والتشويش والتداخل في المحلية والخصوصية العراقية. فرجال الدولة بنو لهم صروح  مالية كبيرة ليس على شكل أرصدة في بنوك وتداول نقدي، بقدر ما هي استثمارات وأغلبها بأسماء توابع من الأقارب.كذلك استفادوا من تملك أراضي الدولة وأملاك قادة العهد المقبور، أو السيطرة وشراء أملاك من هاجروا خارج العراق، لتشكل تلك الأملاك إمبراطورياتهم المالية.وهذه الأموال التي يتم سرقتها وتداولها داخليا وتوظيفها وبطرق ذكية، تشارك هيئة النزاهة والعديد من دوائر الدولة بالتمويه والتعتيم والتستر عليها.   
أيضا فالرواتب والمنح والمخصصات الخيالية أصبحت موارد كبيرة للنخب الحاكمة ورجال السلطة ، وتهيأ لهم قدرات كبيرة للتحصن ضد المسائلة والمحاسبة، وتوفر لهم أجواء وإمكانيات شراء الذمم  إن كان ذلك داخل سلطة القضاء أو مراكز الأمن والشرطة أو بين أوساط هيئة النزاهة ذاتها. وخير دليل التكييف القانوني لوضع السيد النائب مشعان الجبوري الذي استطاع بأمواله المسروقة أساسا، الوصول إلى رئيس الوزراء السابق السيد نوري المالي الذي بدوره أعطى الإيعاز إلى القضاء لتغلق جميع القضايا المرفوعة ضده.
وفي نظرة لكيفية سرقة المال العام وفق لعبة تقاسم المناصب والهبات والعطايا والتي تعتبر نهبا عاما لموارد الدولة وفي نفس الوقت تعد نهبا وسلبا لحقوق الشعب العراقي،  والتي لن تكون من مهام لجنة التحقيق الدولية ولم يتم لحد الآن النظر في وقائعها السارية، وتصمت هيئة النزاهة عن التطرق لها.
ففي الشهر التاسع من العام 2015   اصدر السيد رئيس الوزراء حيدر العبادي مرسوما تم فيه إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ونواب رئيس الوزراء، وصادق مجلس النواب على هذا المرسوم بعد أن صوت عليه مجلس الوزراء، ولكن هؤلاء  نواب الرئاستين قدموا إلى المحكمة الاتحادية  طعنا بعدم دستورية القرار وأيضا عدم صحة الأجراء الذي اتخذه السيد رئيس الوزراء، ومنذ ذلك التأريخ ولحد الآن أي بعد مضي العام ، لم يصدر عن المحكمة أي قرار في شأن هذا الموضوع،ووضعت أوراق الاعتراض وبرضا الجميع عند رفوف المحكمة الدستورية الاتحادية،  وبسبب هذا الامتناع والتغليس وأيضا حسب التكييف القانوني،وباتفاق الجميع،  مازالت رواتب هؤلاء ومخصصاتهم وحماياتهم وصرفيات مكاتبهم وأرتال سياراتهم وسكنهم الخاص في المنطقة الخضراء سارية دون توقف وتستقطع من خزينة الدولة دون اعتراض. وهذا يوضح الكيفية التي يتبعها رجال الحكم في العراق وقدرتهم على التكيف مع الأوضاع ووضع الأطر القانونية لتمكنهم من سرقة المال العام وخداع أي مؤسسة تحاول كشف عمليات سرقاتهم .



58
كارل ماركس في العراق / الجزء العشرون
فرات المحسن
 
رفع ماركس باقي الفراش مع الوسادة ووضعه جوار أبو رمزي قائلا.
ــ أبو رمزي سوف أرجع لك الفراش فقد حصلت على فراش كامل.
ــ أعرف دا أشوف وأسمع من ساعة حجه وياك أبو شكرية قبل ما يطلع، لحد ما هذا العفطي أخذ منك البطانية الإيرانية... زين سويت ما أتكلمت وياه. هذا حرامي بيوت ومجرم وأدب سز.
ــ أدب سز! ماذا يعني هذا؟
ــ أحمق وأرعن وطايح حظه.
الناس كل منهم يعرفه
جذاب سليمه التكرفه
بالدقيقة الف كَلبه
اذا تحسب انقلابه
الملعنة والكذب فنه
من القشمره صار اكتسابه
قال ذلك أبو رمزي بصوت خافت ضاحك وهو يقرب رأسه من رأس ماركس ويطلب منه التحدث بصوت خافت كي لا يسمعهم أحد.
ــ كل تلك الصفات!؟
ــ نعم فهو من جماعة الميه وعشرين ألف.
ــ زدت في حيرتي ياسيدي.. ومن هم هؤلاء الجماعة؟
ــ هذوله السجناء العفطية الذين أطلق صدام حسين سراحهم من السجون قبل سقوط حكمه، وكلهم من المسجونين وفق جرائم قتل ونهب واغتصاب وخطف وتزوير، تصور بيهم مجموعة جبيرة من المساجين على قضايا الزنا بالمحارم، وعندك الحساب.
ــ أي حساب عندي؟
ــ هذا مثل بالعراقي.. يعني أنت تعرف باقي القصة.
ــ وكيف يتسنى لي معرفة باقي القصة
ــ أي مو دنكَول مثل عراقي لتلح عاد.. بلعراق كلشي عدنه أله عله ومعلول .
ــ ولماذا أطلق سراحهم؟
ــ صدام أراد الخراب للعراق من بعد حكمه.. وفعلا، فهؤلاء هم سادة الموقف في الشارع الآن؟
ــ غريبة رواياتكم!
ــ هذا جان نشال ومحتال ومسجون بسجن أبو غريب ومحكوم بمدة عشر سنوات وأطلق سراحه قبل دخول الأمريكان، بعدهه بده بتشكيل عصابة لسرقة البنوك.. بأول وكت قبضو عليه الأمريكان وحولو للشرطة العراقية، سجنو سنة بعد اتهامه بقتل رجل ثم أطلق سراحه وطلع براءة.. يكولون دفع فلوس هواية. وسجن سنة لخ ومثل السابق أطلق سراحه، والآن هو معتقل بتهمة القتل أيضًا وأوراقه أمام المحاكم من ما يقارب السنة وبعد ما اتخاذو قرار، ليش متدري، هذا سالفته مثل سالفة جني مو بشر.
ــ ولمَ لم يتخذ قرار، أو يطلق سراحه بكفالة لحين صدور الحكم؟
ــ سيدي روح أحجي ويا القاضي وقبل متروح  لهناك، روح أسئل العقيد لطفي وجماعته، فكل شيء متدستر وأله حساب.. العجيبة، بعضهم يكَول هذا المجرم يسوي سحر ويسيطر على القاضي ويلعب بأعصاب العقيد لطفي.
ــ أي سحر في هذا الزمن؟
ــ هذا حجي الناس من يخافون من واحد؟ ويتحاشون منه ، يكولون القاضي يلط عركَ.
ــ ولماذا يخاف الناس من هذا إذا كان هناك قانون؟
ــ  عمي ياقانون ..ما عندك واسطة ..ما عندك فلوس ظل مطمور بالسجن..عمي هذوله من رب العباد ما يخافون.. وهو هم سالكنا سلك وعايفهم يلعبون بالشارع طنب.
 ألاهي أقبل بحكمك ونارك
قريب أعله البشر أنته ونارك
عجيب المؤمن تحركه بنارك
وعلى أصحاب اللغف برد وسلام
ــ أرجوك أبو رمزي وضح ما تقول؟ لم أعد أفهم ما تعنيه.. هل يستغل السحر للتأثير على قرار القاضي أم ماذا؟
ــ أسمع اللكلاوات.. يكَولون يستخدم السحر ويجعل القاضي يتخربط ويرتبك.. ويكَولون إنه في أحدى المرات أغمى على القاضي قبل لا يقره أوراق الدعوى، ومن يجي قاضي لاخ يحدث وياه نفس الشي. آني ما أصدك.. هذا عنده فلوس هواية ويكدر يلعب بيهن لعب لا سحر ولا هم يحزنون.
ــ نعم.. السحر هو سد الثغرات في المعرفة السببية لظواهر الطبيعة وما غمض منها. نزوة السيطرة وعنصر القوة والبراعة التي تبهر البعض وتحوز إعجابهم وتجعلهم يخضعون خضوعًا مربكًا، له علاقة بالخوف والقلق، وهو شكل من أشكال الفعل التعويضي عن الضعف والمهانة.
ــ أستاذ ماركس.. لتوصله لهل درجة، من رحتلك فدوه، وأندار صدقه لهل جهره، تره آنه ما عندي قرصاغ لهذي السوالف.. احجيلي بيتين أبوذية أرتاح وياك وأتونس، مو تاخذني بفلسفة وحجي يدوخ ويفر الراس، تبهر.. وخضوعًا مربكا.. وتعويضي..هاي وين وذيج وين.
ــ لا فقط وددت أن أوضح لك أمر السحر..
ــ ميخالف حبيبي بس شويه على كيفك ويانه مو هيجي.. هسه دجرب تنام على مخده، تره صارلك أسبوع تنام على أيديك.. ريح راسك أخوي العزيز ماركس.
ــ مثلما تقول، عليّ الآن تجربة الفراش الجديد.. إنشاء الله أستطيع.
أمسك أبو رمزي كتف كارل ماركس وراح يهزه ببطء ويضحك بفرح طفولي
ــ هاي شنو سيد ماركس ما صارلك غير جم أسبوع بالعراق وتعلمت كلاواتنا، وصرت تحجي بإنشاء الله.. وبعد مدة راح تشتغل رحمة الله.. بالتوفيق مولانا.. وصار سيدنا.. ومقبولة أغاتي حجينه.. والله يحفظكم.. ورحمه الوالديكم أعيوني.. لعد هوايه راح تتوفق سيد ماركس ابن سيد هنروش ما ادري منو.
ــ كارل هاينريش ماركس إنشاء الله أغاتي.
ــ ورده بعرضي أنته أكبر ورده أبن خالتي ماركس.
ردد ماركس ذات الجملة وضحك ضحكة خافته لم يرغب بإسماعها للآخرين. ولكن أبو رمزي لم يستطع كتم ضحكته فأطلقها فاضحة في مساء غرفة الحبس، فصرخ أحد السجناء مازحًا.
ــ ضحكة خير أبو رمزي وشره يطفر على ألي بكَلبي..
انفرد ماركس ينشد الخلوة مع نفسه بعيدًا عما يحيط به، ولكنه وجدها لا تعاف ما حولها وتتوغل دون حذر داخل هذا المحيط البائس، بحثًا عن علله وأزماته، فهو يجد درجات مريعة من التساهل تجاه السلوك الشائن للقتلة وشذاذ الأفاق، وبعضهم لا يمانع من إعطاء أمثال هؤلاء دورًا ووظيفة اجتماعية لا بل مكانة يحسده عليها البعض أيضًا.. البنية الاجتماعية الاقتصادية للجماعات المغبونة المقهورة التي تتحكم بها التقاليد والعادات قبل القوانين، لا تستطيع امتلاك رؤية واضحة للحياة ووقائعها اليومية، وهي ترضخ لمعايير تقاليد تربت عليها وتشبعت بها ولا تود كسر أو التمرد على هذه المعايير. الخوف يعتمر القلوب ولا يسمح المساس بتقاليد تضمن الوجود رغم بؤسه وتعاسته، ومن يحاول خرق ذلك سوف يطرد خارج السرب ويتعرض للنبذ وربما التصفية. والبرجوازية ذات الامتيازات والمصالح الاقتصادية، تصنع وسائل عديدة لتعزيز تلك التقاليد والأعراف، وتبني لها طرق وأطواق قمع تقف في وجه أي حراك أو تفكير بالتغيير، وتجبر المجتمع على اتخاذ وسائلها وبرامجها وليس غيرها كمعايير لتفسير الأحداث والعلاقات والتراتيبية المجتمعية، ليقع الجميع في هذا الفخ ليصلوا في النهاية حد الاقتناع بأن قوانين وتوجهات البرجوازية وطفيلياتها هي التي يجب أن لا تمس، ومن يمسها فهو مجرم ينال أشد العقاب. والطبقات صاحبة الامتيازات تفرض على الناس التفكير بأن غنى الطبقات البرجوازية وفقر الكادحين هي قسمة طبيعية للمكانة الاجتماعية السياسية وتوزيع عادل للأرزاق، وعلى الجميع قبولها كأمر مفروغ منه، فليس هناك مغبون سوى الغبي والعاجز، وهو بالذات من يرغب بكسر القواعد العامة لتراتيبية العلاقة، ومن ثم التقاليد التي يعيش عليها المجتمع المطمئن القنوع البعيد عن التوترات. هذه هي فكرة البرجوازية في حكمها للمجتمعات. وفي هذا ومن خلاله يجدون وسيلتهم الناجعة لإقناع الناس المغلوبة على أمرها بما يواسيها ويهدئ خواطرها ويربت على أكتافها ويطمئن النفوس الثائرة المنفعلة، إنه الدين، الوصفة السحرية لكبح جماح المتمردين والمشككين. فالبرجوازية تظهر ما يتضمنه الدين من آيات وأحاديث لا يسمح أو لا مجال للشك فيها، وإن أعترض المرء فسوف يواجه عقاب المجتمع المتوافق وعقاب السماء، ويسدل الستار على باقي القيم الداعية للعدالة الاجتماعية والحريات العامة وتحرر الذات الإنسانية وحقها في الكرامة والعدالة. المجتمع الخائف المقهور يبقى يتمسك بكل ما هو تقليدي وسطحي، والعودة للتاريخ تبقى عدة يجد فيها ذخيرته التي يواجه بها الأحداث وحتى المصائب، فيرضى بما يقسمه له القدر ولا يريد رمي أي شيء على مضطهديه من الملاك أصحاب الامتيازات. عند هذه الإشكالية في المجتمعات الفقيرة المقهورة التقليدية لا يظهر التناقض بشكل حاسم بل بفورات سطحية تتصاعد ثم تخفت.

59
كارل ماركس في العراق / الجزء التاسع عشر


ما كان يراود تفكيره وبإلحاح هو سبب مجيئه إلى العراق ووضعه الآن في هذا المحبس الغريب ولسبب يبدو أكثر غرابة من المكان نفسه. ما الذي حدث وهل حقق الغرض الذي جاء من أجله، مهمة صعبة وعسيرة منذ  بدايتها.
حين أتخذ القرار بالسفر إلى العراق، لم يستمع لنصائح الأصدقاء الذين استغربوا بالمطلق تلك الرسالة التي استلمها، و دهشوا من نيته السفر إلى بلد لا ترد منه سوى الأخبار السيئة لا بل المخيفة.  ولكنه استسهل الآمر وظن بأنه بصدد الحصول على ذخيرة معلوماتية حية سوف يكتسب منها خبرات جديدة لم يكن على إطلاع سابق عليها، وسوف تكون تجربتها غنىً معرفيًا ربما يقدمه في النهاية بكتاب جديد يكمل مسيرة عمله وباقي كتاباته عن نضال الطبقة العاملة وطرق ووسائل الإنتاج في دولة من العالم الثالث مثل العراق.
الآن يجد أن الطريق قد أغلق في وجهه تمامًا، وما عاد يستطيع التحرك ومعاينة الواقع العراقي، وعليه أن يختزل الأمر عند حدود هذه الحجرة التي تضم بين جنباتها ثلاثة عشر سجينًا يزيدون أو ينقصون مع مرور الساعات.
ما النموذج الذي ممكن استحضاره ومن أي فلسفة وعلوم يمكن اشتقاقه لتوصيف حال العراق ووقائع مسيره اليومي، فهو ليس بكيان مجتمعي واحد، أيضًا فهذا الشعب يفتقد الهوية الوطنية الموحدة. طوائف وإثنيات مرت بحقب استبداد منذ آماد بعيدة شكلت عالمها الخاص، ورسخت في فكرها الجمعي  تقاليد تحبذ النفرة والتشرذم على التقارب والانسجام. إرث ثقافي وإبداع واسع وكبير تم تدميره بعشوائية الخيارات وازدراء الخبرة. ليس هناك ما يشي بصراع طبقي فالطبقة العاملة إن لم تكن مشتتة فهي قليلة العدد والخبرة وغير قادرة على خوض صراع أي كان نوعه. حتى القيم التي يتمسك بها العامل العراقي لا علاقة لها بصراع ومواجهة الطبقات المستغلة أو بناء وحدة طبقية ودفاع ذاتي لأجل المصالح، وإنما ترتكن أساسياتها وتتمسك بأكثر القيم تخلفًا ورجعية، هذا ما عرفه من خلال محدثيه ومعايناته ولقاءاته رغم قلتها ولكن حسه الطبقي جعله يكتشف كل تلك العلل والمساوئ دون بحث طويل ومضني.حتى البرجوازية ترها قد تعرضت لضربات موجعة أجهضت تطلعاتها وما عادت قادرة على بناء هياكل وأسس مادية اقتصادية، رغم إنها كانت سابقا تمتلك وسائل أنتاج ولكن تم إفقارها وتشتيتها من قبل العسكر ودعاة الاشتراكية الفوضوية.

***
لليوم الخامس لم يصمت أو يكف أبو رمزي عن الحديث والشعر والابوذيات، رغم علته التي تضعف قواه مثلما قالها يومًا ثم صمت ولم يفصح بعدها عن نوع المرض الذي ينهك جسده. بدا امتناع أبو رمزي عن الحديث حول مرضه وكأنه خجل شخصي لا يود معه الإفصاح عن مصيبته خوفا من معرفة الآخرين بضعفه. ولكن مثلما قال هو عن السر الذي يفشيه صاحبه وليس غيره، فقد عرف ماركس مرض أبو رمزي عندما التقى سجين أخر أثناء الذهاب إلى دورة المياه فوقف ذلك السجين ودار بينه وماركس حديث لبضع دقائق عن الكثير مما يجري يوميا في غرفة الحبس ومنه مرض أبو رمزي. وحين سأل ماركس السجين عن كيفية معرفته بإصابة أبو رمزي بمرض روماتزم القلب المتأزم.
ــ جا أنته ما تشوف الأدوية ..أتكول أنه أجنبي ..ويكولون عليكم مفتحين باللبن.
ــ ماذا ..نعم
عندها سارع الرجل بالدخول إلى دورة المياه دون أن يكمل الحديث مع ماركس.
لم يرغب ماركس في البحث عن المرض الحقيقي لأبو رمزي وراح في شك من حديث السجين، فلم يكن مظهره أو كلامه يشي بمعرفته لحقيقة المرض ولم يكن توصيفه غير فكرة عابرة ربما أخترعها ليدعي إلمامه بما يدور من وقائع في السجن. فأبو رمزي كان يخفي أدويته في كيس أسود ويحاول أن لا يظهرها للأخريين، فكيف تسنى لهذا السجين اللعين الإطلاع عليها.الضرب في الغيب عادة قبيحة ولكن خيارها يبدو نافعا للبعض في إثارة الحدث.
بعد ساعات من مظاهر الإنهاك والتعب التي تظهر فجأة على أبو رمزي تبدأ سحنة وجهه بالتغير وتظهر عليه علامات ارتخاء الجسد مع رجفة ظاهرة،عندها يتناول الدواء ثم يكور جسده بقرفصة شديدة،وبعد فترة ليست بالطويلة ، يجلس وكأنه يخرج من غفوة، ليبدأ بحديثه الذي لن يتوقف. لم يكن ليتخلى فيه عن أناشيده وأشعاره رغم خفوت صوته ومظاهر الوهن على جسده. كانت تلك الأشعار والأهازيج رصيد حي يستعمله كمطارق للتحدي والصراع مع المرض، ومظهر لقوة الشخصية معنويا وجسديا أمام الآخرين. كان يرفض أن يختطف المرض منه لحظة الحياة وبهجتها، فبعد أقل من ساعة عن تناوله أقراص الدواء يعاود صوته الارتفاع وتنشط حنجرته وتنطلق أحاديثه بسلاسة غريبة.
 في أحد المرات اجتاحته رغبة بالغناء فراح يغني بصوت خافت متموج ولكن رقيق وعذب،ورغم مظهر الفرح المرتسم على وجهه فقد حملت حنجرته حزنًا شفيفًا فضحته في النهاية دموع جرت بعفوية على خديه فاستدار ووضع وجهه في الوسادة وأجهش بالبكاء.
لم يكن الحزن الذي خيّم على قلب ماركس بقليل، فراح ينظر إلى أبو رمزي بعاطفة جياشة أراد معها إيجاد كلمات ولو بسيطة ليواسيه بها أو حتى يخفف عنه بعض ألم، ولكن ألمه الوجداني وعاطفته المهتاجة منعته من الكلام ولم تسعفه في إيجاد ما يرطب الأجواء في هذا الوضع الموجوع. شعر بأنه عاجز عن الوصول إلى كلمات تسعف الموقف وتجعل أبو رمزي يستعيد رباطة الجأش التي عرف بها، ولكن اللحظة كانت قاسية على كليهما فعاف ماركس محاولة البحث عن مخرج لموقفه ومد جسده فوق الغطاء الصوفي وأخذ يرقب نحيب أبو رمزي. فهو يعرف جيدًا طبيعة مشاعر الإنسان المريض الضعيف. فشعور الخجل من ضعفه سمة طبيعية، وتراه دائمًا في حالتين، إما التشكي واستدرار العطف، أو في حالة دفاع دائم ضد افتضاح أمره، يتستر بأشياء يجد فيها ما يستر عجزه وضعفه، وهذا ما يفعله أبو رمزي بروح المرح والإنشاد التي يجدها واقية من انكشاف خوفه من قرب نهايته للآخرين، وكرهًا منه لحالة استدرار العطف، وهو يخشى أيضًا أن ينهار أمام الآخرين ولذا تراه يلجأ لغمر رأسه في وسادته حين تنتابه الأوجاع وهو في ذلك يشعر بأنه في حالة امتحان دائم مثلما هو تهديد دائم من المرض غير الرحيم. لا يريد أن يفقد توازنه من خلال انكشاف علته وضعفه. تساءل ماركس عن سبب بقاء أبو رمزي في السجن إن كان يحمل مثل هذه العلة. ففي جميع دول العالم يطلق سراح مثل هؤلاء المرضى الذين يحملون أمراضًا صعبة ومميتة، فلم يبقون أبو رمزي سجينا؟
ــ أنته.. يول أنته.. شنو اسمك.. أني بعد ساعة راح أطلع من الحبس أخذ فراشي.. خوش؟
انتبه ماركس ليجد أحد السجناء يقف عند قدميه ويخاطبه بلهجة شبه آمرة. تفاجأ ماركس بوجود السجين القريب وكلامه الحازم، فتردد بعض الشيء ولكنه اغتصب ابتسامة ليعرضها على السجين عرفانًا بفعلته الطيبة.
ــ شكرا جزيلا.. ولكن ربما تحتاجه في مكان أخر.
ــ يول بيش طالبني.. فوك ما أساعدك تفاولني بالأذية؟
ــ لا أقصد إيذاءك وإنما قلت ربما تريد أخذه إلى البيت أو هناك سجين آخر يحتاجه.
ــ لا عيوني.. انته أخذه مو غيرك.. هاي صارلي سبع تشهر هنا وما أعتقد، لا بل ما شفت أكو واحد بين الجماعة يستاهل الفراش.
ــ على أي حال شكرًا ومبروك على أطلاق سراحك. متى تخرج؟
ــ هسه لو بعد ساعة.. حسب مزاج السيد العقيد لطفي الله يحفظه وينطي الصحة والعافية.
ــ عجيب.. أنت أول من أسمع منه كلمة إشادة بالعقيد لطفي.
ــ شوف صاحبي.. إذا حاجتك يم الكلب فسمي حجي جليب.
ــ ماذا يعني ذلك؟
ــ بالعراقي عدنه هذا المثل.. من الإنسان يخاف لو يعتقد بأن مشكلته معصعصة وصعبة على الحل لو واكَعه بيد واحد مثل عقيد لطفي، فعلينا أن نتوسل بذلك الواحد ونسميه بلطف وحنية.. فالكلب ولأنه نكس فنشبه ذلك الشخص بالكلب، ولمن حاجتنا تكون يمه نطلق عليه تسمية حجي جليب، يعني كلب زغيروني ويدلل علينه.
ــ وهل مثل هذا المثل جاء لكم أو تعرفتم عليه بعد الاحتلال؟
ــ يا احتلال يا بطيخ.. أنته مو عالم آثار؟ حسب ما تكول.
ــ نعم.
ــ عيوني.. هذا المثل من عهد نبوخذ نصر وزوجته الموقرة ما إدري شنو أسمه..
ــ أوكي.. مبروك مرة أخرى.
فتح باب غرفة الحبس وطلب من السجين الذي كان يتحدث مع ماركس المجيء لمقابلة العقيد.
ــ يالله صاحبي كوم أخذ الفراش مالتي. يا جماعة مودعكم الله، بس موكلكم، أبروني الذمة.
لم يجبه أحد من السجناء بل جميعهم أشاحوا وجوههم بعيدًا عنه وبعضهم دمدم بكلمات مكتومة.
نهض ماركس لجلب الفراش فسبقه سجين آخر وأخذ الغطاء الصوفي ذي الأوان المبهجة والموشى بورود حمراء كبيرة الحجم وعاف غطائين صوفيين آخرين ووسادة بقماش أزرق مائل للسواد.
ــ ولكنه أعطاني إياه كاملا!
هكذا قالها ماركس وصمت ناظرًا لهذا السجين وهو يسحب الغطاء نحو فراشه.
ــ أي ... وهسه أنته شنو تريد؟ ما عاجبك الآمر لو شنو؟
ــ ليس كذلك.. ولكن أعتقد أنه منحني جميع أجزاء فراشه.
ــ خوش تريد البطانية تعال أخذه بس تدري شنو راح يصير بيك.
ــ ماذا؟
ــ أذا مديت أيدك على البطانية أقره على روحك الفاتحة.. أخذ الباقي وروح أشرفلك.. أنته بعد جم يوم تطلع وأحنه باقين خايسين أهنا.. روح.. يله روح.
لم يرغب ماركس مواجهة هكذا لهجة وتصرف عدائي، فهو ليس بحاجة لمثل تلك المواقف العدوانية، وما كان يومًا يطيق عراك الشوارع حتى حين كان صبيًا. وهو يجزم أيضًا بقرارة نفسه، أن خروجه من الحبس سيكون بين ساعة وأخرى، فلا حاجة لخصومات، فليس هناك ما يعيق إطلاق سراحه غير عناد العقيد لطفي الذي قرر حبسه على ذمة لا شيء ودون مبرر عقلاني. لقد كان مختطفًا وليس مشاركًا بجريمة، وإن اتهمه عريف أحمد بالعمالة والجاسوسية لإسرائيل فقد كان ذلك باطلا وغير مقنعٍ حتى للعقيد لطفي. وها هي قد مضت الخمسة أيام دون أن يجد فيها تغييرًا ولم يرسل العقيد بطلبه ولم يسمع من الحراس أو من عريف أحمد ما يشير لأسباب بقائه معتقلا أو متى يطلق سراحه.


فرات المحسن

f_almohsen@hotmail.com

60
من ينتصر في صراع كسر العظام، وزير الدفاع أم رئيس البرلمان؟
فرات المحس

في جولة الصراع بين ما سمي حينها بجبهة الإصلاح البرلمانية ورئاسة البرلمان العراقي ممثلة برئيسها السيد سليم الجبوري ونائبيه، وقف القضاء العراقي موقفا وسطا لا بل خضع موقفه  لتراتيبية العملية السياسية وقواعدها المحاصصية، ولذا لم يكلف نفسه ليكون قضاءً نزيها، وهو بالأصل ومنذ عهد المجرم صدام كان بعيدا عن النزاهة بأشواط بعيدة.
اليوم نهض الإدعاء العام من سباته ليشكل لجنة تحقيقية حول حقيقة ما ورد على لسان وزير الدفاع خالد العبيدي في جلسة استجوابه، حين رمى أحجار كثيرة أصابت موجعا عند البعض وعلى رأسهم رئيس البرلمان السيد سليم الجبوري.رغم ان هذا الإدعاء هرب وأخفى رأسه أمام السيد نوري المالكي والسيد بهاء الأعرجي وغيرهم ممن أدعى امتلاكه ملفات تدين شخصيات بسرقة المال العام وأيضا الإرهاب والقتل.
السيد خالد العبيدي كان ضمن القوائم التي سمت نفسها سياسية واحتسبت طائفيا على أهل السنة ككيانات تعمل للدفاع ونيل أهل السنة لحقوقهم المغبونه مثلما أدعو. ويذكر إن ترشيحه تم من خلال التوافق داخل مكونات تحالف القوى الوطنية، وكانت تركيا والسيد أسامة النجيفي وقائمة سليم الجبوري المساند القوي لترشيحه لمنصب وزير الدفاع، رغم اعتراض بعض شخصيات تلك الكتل المنضوية تحت خيمة التحالف على ترشيحه، ولكن في النهاية حالف الحظ السيد خالد العبيدي ليكون وزيرا للدفاع ومن ضمن قواعد لعبة المحاصصة .
كان يوم 1 / آب / 2016 يوما حاسما بالنسبة للسيد وزير الدفاع خالد العبيدي ففي هذا اليوم جاء إلى البرلمان ليضع نهاية دراماتيكية لعلاقته بالتكوينات السنية وليتخلى عن مسؤوليته وتعهداته التي قدمها سلفا لاتحاد القوى الوطنية التي توافقت كياناتها على دعم ترشيحه.
ما حدث ليس غريبا على طبيعة العمل السياسي والمسؤوليات الإدارية في العراق. فعملية تغيير الولاءات إن كانت لا تعدو غير قفزة دون طعم ولون ورائحة عند البعض لذا يعدها جرعة ماء قليلة تروي عطشا طويلا، فهي عند البعض ترتبط بمصالح شخصية وطبيعة ميكافيلية من المعيب استغلالها للحصول على منافع . ودائما ما يقع الناس في العراق بالتباس بين أي الخيارين أوجب، ولكن الأول دائما ما يتقدم الخيارات.
بعد مرور عام على وجوده في مقعد وزير الدفاع قدم السيد خالد العبيدي من الأعمال ما يشي لقدراته ومهنيته في قيادة الجيش والعديد من المعارك،كونه سبق أن عمل كعسكري محترف على عهد حكم حزب البعث.
خلال العام الأول لوجوده على رأس وزارة الدفاع وقعت أحداث سياسية كثيرة، كان من بينها تصدع اتحاد القوى العراقية السنية واستشراء صراعات داخلية جعلت الكيانات السنية تعمل للنيل من بعضها البعض، وبدأت حرب ضروس بين قائمة متحدون ـ النجيفي ـ وأتلاف العراقية ـ المطلق ـ واشتركت في هذه المناورات والتسقيط  جبهة التوافق والتي يمثل الحزب الأسلامي ـ سليم الجبوري ـ وبعض البعثيين ـ ظافر العاني والكربولي ـ وبعض التجار قوامها.
ركزت حرب التسقيط داخل التحالف السني وكتله المتصارعة على من يحمل صفة رسمية  داخل الحكومة، أي من له موقع  وزاري من كتلة ما،لذا يكون عرضة لهجوم من قبل السياسيين من حلفاء الأمس، ووجهت السهام نحو الوزراء من جماعة التحالف السني وكذلك لرئيس البرلمان. ولكون رئيس البرلمان لديه من التحالفات ما تستطيع ان تصد عنه الكثير من السهام، فقد كان يناور بقدرة بائنة داخل حومة ذاك الاشتباك، وقد وجد له سندا من رؤساء وشخصيات مؤثرة داخل القوى الشيعية، ساعدت على اجتيازه أزمة احتلال البرلمان من قبل المتظاهرين، ومن ثم تدخل القضاء وحسم أمر جلستي البرلمان المعنيتين بإقالته ونائبيه، لصالح بقائه.
صراع الكتل السنية أثر كثيرا على طبيعة العلاقة مع السيد وزير الدفاع خالد العبيدي وجعله ينأى بعيدا عنهم ليقترب من عمله المهني وينشغل بالمعارك اليومية ضد داعش. وقد لعب السيد رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة دورا حيويا في سحب وزير الدفاع وجعله ضمن دائرة العمل المهني بعيدا عن التكتلات السياسية السنية، من خلال التوافق في طبيعة المهام العسكرية وتلبية جميع ما يحتاجه  وزير دفاعه ومنحه صلاحيات كثيرة وطمأنته بالوقوف إلى جانبه ومساندته بوجه شراسة الهجمات السياسية التي يتعرض لها من قبل حلفاء الأمس. وهناك ما يشير لاصطفاف وصداقات للكثير من الشخصيات الشيعية مع وزير الدفاع، بعكس العلاقة المتدهورة مع الأكراد والجفوة التي ما باتت تخفى عن العين، وقد صعد الوزير من حدتها بتصريح جاء بالضد من مشاركة البيشمركه في تحرير الموصل.
في استجواب وزير الدفاع داخل قبة البرلمان العراقي يوم 01 / 08  نفض السيد العبيدي أخر ما علق بردائه من بقايا علاقة مع اتحاد القوى العراقية وكتله، ووجه رصاصاته نحو صدور العديد من رجالاتهم ومن الجائر أنه سوف يفصح عن أسماء أخرى، وهو يخفيها اليوم مثلما أخفى لفترة غير قصيرة الأسرار التي أفصح عنها يوم 1 آب.
إن كان السيد خالد العبيدي سوف يحاسب وهو الشيء الضروري والحكيم لترضية الكثيرين ، وبالذات عن سبب إخفائه المعلومات التي كانت في جعبته، ومن ثم أطلقها يوم 1 آب ،فليس من المعتقد أن يفلت من كشف حساب قدمته السيدة عالية نصيف بالرغم من أنه كان بارعا في ردوده ودفاعه واستطاع أن يميل كفة الميزان لصالحه، ولكن دائما ما يكون حساب  الحقل غير حساب البيدر . فالقنابل التي رماها وسط البرلمان لم تنفجر بعد لتؤدي مهمتها، وهي اليوم ذخيرة في صناديق جهات عديدة أولها جبهات المحاصصة وتقيماتها للوضع السياسي ومن ثم تسلكاتها وفق نظام التكافل بين القوى لتقاسم الكعكة الكبرى ثم هناك جبهة المعارك بين أطراف العملية السياسية برمتها، يعقبها صراع الأخوة الأعداء داخل اتحاد القوى السنية. وبذات الشروط سوف يأخذ الإدعاء العام والقضاء العراقي بمجمل ما يقع تحت ناظريه  وفي مقدمتها طبيعة التكاتف الكتلوي السياسي أو نزاعاته في إدارة البلد ولن يكون الغرض من هذا مصلحة وطن بقدر ما يكون إرضاءً للقوى المشاركة في إدارة السلطة وعدم تصعيد حدة الارتجاجات.
خرج السيد سليم الجبوري بصوت عال معلنا بأنه لن يرأس البرلمان إلا بعد أن ينال براءته من التهم، وهنا مربط الفرس ورباطة جأش يحسد عليها. عند تلك اللحظة الفارقة يقفز ويقدم السؤال المحرج والكبير إلى السيد خالد العبيدي. هل تحمل من وثائق ورقية أو تسجيلات صوتية تسند فيها إدعاءاتك. فأن أجاب بنعم وقدم للقضاء ما يثبت أقواله فقد أنتصر وسوف يقف معه العديد من النواب وأيضا أعداد غفيرة من الشارع العراقي وتغفر له ذنوب كثيرة. وإن لم يستطع أن يقدم حتى ولو وثيقة واحدة  فعند ذلك ليتوقع بأن الجزارين باتوا يشحذون سكاكينهم قرب دكة داره، ولن تنفعه استعراض وقبلات الناس وسلفياتهم جوار الشيخ أبا حنيفة النعمان أو جوار الإمامين الجوادين ولا حتى دموع الطفل اليتيم الذي تبناه حين زار البيت العراقي الآمن للأيتام والمشردين برعاية السيد هشام الذهبي .

61
كارل ماركس في العراق الجزء الثامن عشر

ــ في خضم هذه الفوضى العارمة كل شيء يبدو ممكنا وغير مستبعد.

هكذا قال ماركس وهو يفرك يديه ببعضهما وأدار نظره متفحصًا بإحساس كئيب زوايا غرفة الحبس. شعر لحظتها بأنه بات جزءً من هذه الفوضى العارمة التي تلف العراق، يجعله الوضع يعيش وسط دوامة لا يستطيع الخروج منها. كل شيء فيها غريب ومتسارع وموجع، لم يعد يطيق احتماله وليس بمقدوره مسايرته أو اللحاق به. تأتي الحوادث فيه غريبة وصاعقة لتفرض نفسها عليه وتسحبه وتكبله بقيودها. لا يجد في هذه الأجواء ما يوحي بالاطمئنان، بل هناك دائما مجهول يخفي ملامحه ثم يظهر بشكل ما، أغلبه غير متوقع وغير مرغوب فيه، دائما ما يكون على شكل صدمة أو واقعة خارج نطاق المألوف. يتذكر كيف وقع حادث الفندق في تلك الليلة المظلمة التي أراد بها ملاطفة الحارس أبو شمخي، ولكن أبو شمخي سقط فاقد للوعي من شدة الخوف. كان من الجائز أن تنتهي حياته العملية في تلك الساعات، عندها عليه أن يتحمل ذنب موت ذلك الرجل، ودون أي مبرر مقنع للحدث المفاجئ ويكون مصيره عندها السجن لعدة سنوات،عندها تنتهي مهمته أو حتى حياته العملية وقدراته الفكرية وتذهب جهوده المضنية التي بذلها خلال كل تلك السنين هباءً منثورا. ثم توالت الأحداث دون أن يستطيع إيقافها أو تغيير مسارها. وها هو الآن وقد مضى الشطر الأكبر من الليل، يجلس جوار أبو رمزي السجين اللغز المريض، الذي لا يفصح عن سبب اعتقاله ولا عن مرضه ولن يروي حكاية أو حدث يقع في السجن أو خارجه إن كان في الحاضر أو الماضي دون أن تكون هناك مقدمة طويلة من الغاز أو قصائد شعرية، وما عاد يستطيع هو اللحاق أو التعرف بالكامل على معانيها ومكنوناتها، ولكنه يجد نفسه مجبرًا على الاستماع لها وحتى قبولها، فهو لا يريد أن يختلي مع نفسه ويفكر بوحدته وما تخبئ له الأقدار. يكفيه كل تلك السنين التي أضاعها وصار فيها ضحية لأجل الآخرين، وكان يضغط على حياته ويكرس يومه لموضوعة الطبقة العاملة وضرورة انتصارها المستقبلي الناجز.
 عند هذه اللحظة توقف ماركس وزجر نفسه معاتبا، كيف تسنى له الآن أن يبخس نضاله الطويل، كيف سمح لنفسه الوقوع في فخ الوهن هذا، ليذهب فيه بعيدًا ويقرع النفس على سنوات الكد والجهد الفكري الذي جاء بنتائج كبيرة لصالح الطبقة العاملة وأصبحت الشيوعية راسخة تجوب العالم وتهدد مصالح الطبقة البرجوازية وتعطي للعامل شعلة نور هادية تدله على طريق الصواب للحصول على حقوقه وحقوق طبقته وباتت الشيوعية حفارة قبر الرأسمالية.يا ترى ما الذي دفعه للوقوع في هذا المطب..إن التغييرات الظاهرة أو المظاهر الخارجية للحدث تظل نظرة قاصرة أن لم يحاول المرء معرفة الخصائص البنيوية الاجتماعية الاقتصادية للمجتمع، ويتعمق في دراستها. فالتغييرات الاستعراضية التي يشاهدها المرء أمامه لا تكفي لتلمس الحقائق، فلا بد من عمل وتفكير دءوب متعمق للوصول إلى مدى تأثيرها.
لم أستطع وتلك كانت لها أسباب ومصادفات لم تخطر على البال أو لم تكن متوقعة وموضوعة ضمن ما قررت معرفته،لم استطع أن أصل بعمق إلى الخصائص الأولية، ومنها طبيعة النمو السكاني الانفجاري للشعب العراقي رغم ما مرت عليه من حروب وصراعات، وما يرافق هذا الأمر من اختلال في التوازن بين العدد المتزايد للسكان و الموارد المتوفرة مما يسبب قصور كبير ومشاكل جمة اقتصادية اجتماعية، ومثل هذا الأمر يحدو بالمرء مراجعة هذا النمط من الفعل بين السكان والذي ممكن تشخيص أهم علة له وهو انخفاض المستوى الثقافي للشعب .
ياترى ما الذي جعلني أتخلى عن كل هذا الوعي لصالح فكرة انهزامية خطرت فجأة على بالي دون تمحيص.
ــ هاي وين رحت سيد ماركس؟
ــ عزيزي أبو رمزي. كانت جولة مراجعة خاطفة.
ــ هاي شغلة مو سهلة عليه.. آني ما عندي شي خاطف.. لو أخش بالسالفة طول بعرض لو أعوفه لغيري.
ــ ألم تنعس بعد؟
ــ إن نمت هسه لو بعد ساعتين لو باجر حتمًا راح أكَعد من النوم وألكَي نفسي بنفس المكان.. ويمكن أنام وبعد ما أكعد.. وكل هذا يك أحساب.
ــ أنا اشعر بالتعب والنعاس.
ــ أخذ راحتك.. بس قبل شويه قلت لي بانك غير راغب بالنوم.
ــ بت مقتنعًا بأن في العراق هناك ضرورة أن يخالف المرء نفسه في بعض الأوقات ليكون جزءً من الواقع. أعتقد إن المرء يحتاج أيضًا لبعض الأنانية وهذه ضرورية كي يخلو لنفسه ليكتشف خفاياها.
ــ حلو.. حلو أبن عمي هسة تمام.. هذا هو الصحيح.. كلمن عليه بنفسه مثل ما يكول الشاعر:
هالوكت شيخه وشبابه         كلمن يهفي الكبابه
يشتغل كلمن الشخصه         بشغل غيره ما يخصه
ينفصل عن  الأحبة          أولا تفيد وياه صحبه
ــ ولو أني لم أفتهم تماما ما عنيته بشعرك، ولكني لم أكن أقصد ما أنت تحدثت عنه، وربما أنا كنت سيئًا بالإفصاح عن ما أردت قوله.
ــ صاحبي، لتكوم تبيع بوزات وتتفلسف براسي بهذا الليل.. دور وجهك ونام وتصبح على ألف خير.. أوكي سيد ماركس أبن هنروش لو مو أوكي.
ــ أوكي ...تصبح على خير
مد ماركس جسده فوق الغطاء الصوفي لينهي الحديث مع أبو رمزي ويدخل في عالمه الخاص.
رغم النعاس الذي بدأ يراوده فقد ظهرت أمامه كومة من أحداث وأحاديث راح يلملمها ويبعثرها، متنقلاً هنا وهناك، فشعر بثقل كبير يضغط على رأسه. فرك فروة رأسه فشعر بشيء من رضا وهو يمرر راحة يده ويداعب الشعر الذي بدأ يظهر مثل دبابيس ولكن برؤس ناعمة رغم يباسها. فقد بدا له، ربما بعد فترة ليست بالطويلة ممكن له استعادة لحيته وشعره الجميل، اللذين كان يعتز بهما أيما اعتزاز. ولكنه عند هذه اللحظة شعر بضيق تنفسه وثقل في صدره وأحس بالخوف من رجوع المرض أليه، وبدء عودة علته من جديد، تلك العلة التي تجعله طريح الفراش لعدة أيام وتتطلب علاجًا مكثفًا.عسى أن يكون ظنه هذا خائبًا في مثل هذه الأوضاع السيئة. ففي مسيرته الطويلة تعرض لذلك مرات عديدة وواجه المرض بشجاعة ولكن لم يكن يتهيبه مثل هذه المرة، فهو يشعر الآن بعدم القدرة على المقاومة إن عاد له الربو المؤذي. تبسم ماركس ومسد شعر لحيته الخفيف محاولاً أبعاد ذهنه عن مثل هذا التفكير السيئ والمخيف.
ولكن ما كان يراوده الآن بإلحاح، هو البحث أو محاولة تفسير وتوصيف سبب مجيئه إلى العراق ووضعه الآن في هذا المحبس الغريب ولسبب يبدو أكثر غرابة من المكان نفسه. ما الذي حدث وهل حقق الغرض الذي جاء من أجله، مهمة صعبة وعسيرة منذ  بدايتها.


62

كارل ماركس في العراق الجزء السابع عشر

 
سار ماركس نحو غرفة الحبس بتثاقل ولكن عريف أحمد زجره ودفعه من كتفه وطلب منه الإسراع. دخل ماركس الحبس فوجد الجميع نيام ما عدا  أبو رمزي الذي كان مستيقظا يتكئ على يده ثم اعتدل في جلسته حين اقترب كارل ماركس منه.
ــ ها بشر شنو صار؟
ــ لا شيء.
ــ شنو لا شيء .. قابلت العقيد لطفي ..كلمك ..كلمته.. وما صار شي.
ــ نعم كلمني وكلمته وفي النهاية تغير مزاجه وراح يشتم ويصرخ فخرجت وعريف احمد من غرفته.
ـــ جان يشرب؟
ــ نعم ..
ــ أبن المنبوش .. هم دمج وهم يتعيقل برأس الأوادم ..
ــ ماذا تعني بدمج؟
ــ شوف سيد كارل ماركس ..أنته بديت تفتهم شنو نحجي بالعراقي؟
ــ أعاني الشيء القليل.. والغالب أتفهمه بشكل حسن.
ــ خوش ..أنا راح أحجي بشكل يساعدك حتى تفتهم .. بس قبل هذا خلي أكلك فد شي .. احنه بالعراق ما عدنا شي غريب لو عجيب ..كلشي يصير ويصح ..الاعوج يصير عدل ، والعدل يصير اعوج..
ــ كيف يتم هذا؟
ــ الواوي تفترسه الدجاجة            وينجبر كسر الزجاجة
   والخصي يفوز بزواجه          وغنم تسرح  وي  ذيابه
هذا ملخص الحجي بالعراق في هذا الزمن الطايح حظه.
ــ أوكي أستمع لك.
 ــ كتلي شنو دمج..هذا العقيد جانت رتبتة قبل على عهد البعثيين رئيس عرفاء شرطة.
ــ وكيف أصبحت رتبته عقيد ؟
ــ أني كتلك راح يصير كل الليل عشه ..يعني راح نسهر ونسولف ..يعني نحكي قصص.. أوكي أبو .. صدك بالمناسبة أنته بألمانية شنو يسموك ..أبو منو؟
ــ نحن فقط نكنى بأسمائنا وأنتم فقط من يستخدم هذه التسميات.
ــ خليني اسميك .. لآن أني أشوف مو لايقه أكلك كالساع ماركس .. وهم ما أكدر أكلك أستاذ ماركس خاف تطلع مثل ذولاك لو همين دمج.

ضحك أبو رمزي ثم كتم ضحكته وتلفت ليرى باقي السجناء الذين كانوا يغطون في نوم عميق وتصدر عن البعض منهم نغمات وحشرجات أصوات ترتطم بجدران الغرفة ويتردد لبعضها صدى.
ــ أرجوك دع هذا جانبا ونادني فقط بماركس وهذا يكفي.
ــ خوش براحتك سيد ماركس.
ــ لم تجبني عن معنى كلمة دمج.
ــ تريد تنام لو نحكي ..لان السالفة طويلة.
ــ تحدث بما نويت عليه فليس لي رغبة بالنوم.
ــ أوكي .. يا أبن الحلال ..ربك قسمه علينه ولا اعتراض على قسمته .إنما الدنيا مشيناها خطى كتبت علينا، ومن كتبت عليه خطى مشاها، ومن كتبت منيته بأرض، فليس يموت في ارض سواها ...أغاتي تره ربك كلشي فصله وسواه لبني ادم وكلمن ياكل حقه وقسمته.
ــ وما علاقة هذا بالعقيد لطفي؟
ــ راح اسولفلك قصة لطفي وأنته راح تعرف شنو معنى كل هذا الحجيته...
عزيزي ماركس هذا العقيد لطفي جان رئيس عرفاء بالشرطة على عهد البعثيين .جان متزوج امرأة أصل أهله من إيران بس هيه ولادتها بالعراق وحاصلة على الجنسية العراقية..البعثية صدروا  قرار ..أذا واحد عراقي موظف لو بالشرطة لو بالجيش ينهون خدمته الوظيفية، يعني ينطرد من الوظيفة أذا بقه متزوج من أجنبية، وبالتحديد إلي سماهم القرار التبعة الإيرانية. وجاء بالأمر الرئاسي بأن من يطلق زوجته يحصل على إكرامية.. رئيس عرفاء لطفي خاف على وظيفته وطمع بالإكرامية، طلك زوجته واستلم الإكرامية ..بعد فترة قصيرة قامت الحكومة بحملة جبيرة وسفرو أعداد كثيرة من العراقيين بحجة كونهم غير عراقيين، بل صنفهم القرار بأنهم تبعة إيرانية، من بين الذين سفروهم جانت مطلقة رئيس العرفاء لطفي مع ثلاثة من أطفالها.. ما راد لطفي الاحتفاظ بالأطفال وحين سألوه عن عدم ضم الأطفال أليه، أجاب بأنه يخاف أن تثار حوله مشكلة جديدة كون أمهم من أصل غير عراقي.. بقى لطفي في وظيفته وتزوج من امرأة أخرى.. الحرب العراقية الإيرانية طولت وشعرت الحكومة العراقية بأزمات وخسائر بشرية ومادية ..صدر قرار عن صدام حسين فرض على جميع الموظفين الحكوميين الذهاب إلى جبهات القتال ومن ضمنهم جهاز الشرطة..وأطلق على تلك المهمة أسم  المعايشة، أي الموظف يروح إلى جبهات القتال لمدة شهر أو أكثر ويعيش حياة الجنود في مواقع القتال، ويجرب يعتاد على أوضاعهم ويشاركهم في حياتهم اليومية.. أجبر رئيس عرفاء لطفي على الذهاب إلى الجبهة في قاطع الشوش القريب من مدينة العمارة..كانت المعارك في ذلك القاطع من الجبهة لا تتوقف ،بل كانت هجمات إيران شبه يومية في تلك المنطقة، والقطعات العسكرية تقدم يوميا خسائر كبيرة..وقتل بعض زملاء لطفي من الذين ذهبوا معه إلى ذلك الفوج. في أحد الأيام فكر رئيس عرفاء لطفي وللتخلص من مصير مجهول كان يتهيب منه، ومع تكرر المعارك واشتدادها،شعر بأن الموت يقترب منهم يوما بعد أخر،ويمكن أن يكون هو أحد ضحاياه في أية لحظة. فكر وقرر أن يهرب إلى إيران فاستغل اشتداد المعارك وفي ليلة ظلماء ارتدى قميص وبنطال مدني تحت ملابسه العسكرية وتسلل إلى أماكن بعيدة عن وحدته العسكرية أثناء اشتباكها بالقتال، وحين وصل مكان قريب من جبهة الجيش الإيراني أخفى نفسه في حفرة حتى بزوغ الفجر. بعد ذلك خلع بزته العسكرية وذهب وسلم نفسه إلى الجيش الإيراني مدعيا هروبه من العراق وأنكر كونه عسكريا في سلك الشرطة العراقية.
ــ كيف فكر بتلك المجازفة الخطيرة ..كان من الممكن أن يقتل.
هكذا قال ماركس وهو يقاطع حديث أبو رمزي.
ــ هاي السالفة بأوله ..
ــ هل حدث له شيء مؤذي؟.
ــ لا عمي جان أمجنص ومضبط شغله.
ــ ماذا تعني أمجصن ؟
ــ أمجنص مو أمجصن ،يعني إن حظه كان حسنا جدا..بعد اعتقال لشهر أو شهرين وتحقيق مو عميق أرسلوه إلى معسكر للاجئين العراقيين. تعاون لطفي بصورة كبيرة مع الاستخبارات الإيرانية فكانوا يطلبون منه مشاركتهم في التحقيقات التي يجرونها مع بعض العراقيين من اللاجئين والهاربين وحتى الأسرى.  وفي معسكر اللجوء لم يترك الوقت يمر دون أن يستفيد لذا ارتبط بالعمل السياسي مع فصيل معارض لحكومة صدام حسين وقد تحسنت ظروف معيشته بعد هذا الارتباط، وأصبح سريعا من رجال الصفوف الأولى في المعارضة الإسلامية العراقية. بعد سنتين فكر بأن يبحث عن أطفاله وزوجته السابقة أي طليقته التي سفرتها الحكومة العراقية إلى إيران. فسأل في معسكرات اللاجئين فلم يجد من يرشده على مكانها..سمع خبرا من أحد العراقيين بأن عليه البحث عن مطلقته وأولاده في مدينة بختران فهي تضم أعداد من المسفرين العراقيين، وبعد أن استقرت أوضاعه قرر الذهاب إلى مدينة بختران، وهي مدينة تقع غرب إيران.ذهب إلى هناك وبحث طويلا عن عائلته السابقة، وفي أحد الأيام لمح أبنه الكبير في أحد أسواق مدينة مروي. أقترب منه وتودد أليه ولكن الطفل قد كبر وبلغ من العمر الأثنى عشر عاما وكان قد سمع من أمه كيف عاملهم أبيه وكيف فضل نفسه دون الاحتفاظ بهم، فما كان من الابن غير رفض الحديث مع أبيه، لا بل قابله بالشتائم.تعقب لطفي ولده إلى حيث يسكن وحين عرف موقع دارهم، تهيأ ورجع في اليوم الثاني وطرق الباب فخرج طفله الأخر، وبسبب صغر سنه حين تسفيرهم إلى إيران، فلم يكن ليعرف أبيه.طلب لطفي من الطفل أن يخبر والدته بأن هناك شخص يريد التحدث معها، خرجت المرأة لترى لطفي ينتظر أمام الباب فما كان منها غير طرده شر طرده.
ــ وما كان يريد من مطلقته ؟

ــ طباكات ..لوكي حقير..كان يعتقد ممكن تحن عليه وترجع أله مرة أخرى ويستفاد منها كإيرانية..بس المرية جانت قوية ..تفلت بوجه وكالتله أذا تتقرب مرة لخ للبيت راح أخبر عليك الإيرانيين شنو ومنو أنته وشنو سويت بيه وبأطفالك.روح يا ساقط وأني مو بشكلك وأخلاقي مو بشكل أخلاقك ..روح والله راح يجازيك فد يوم. والله بالأخير صدك جازاه مجازاه ماكو منه، ورفعه عقيد وصار يلعب بالفلوس لعب.
ما علينه.. لطفي ما كذب خبر لم يبق في مدينة بختران فطلب من مسؤوله السياسي الانتقال إلى مدينة قم بحجة التقرب إلى المزارات الدينية ..وأصبح لطفي يتنقل من مدينة إلى أخرى لحين سفره إلى كردستان حيث شارك بقوة في العمل السياسي مع باقي الفصائل وأصبح عضو ارتباط بيناتها .ثم أنتقل إلى سوريا وهناك عمل في عدة مهن كان أخرها شغل قجق.
ــ ماذا يعني هذا العمل.
ــ تهريب بضائع بين تركيا وسوريا ولبنان ..بعدين طور عمله ليشتغل في تهريب البشر من سوريا إلى أوربا عبر أسيا. بعد سقوط صدام حسين على يد الأمريكان رجع إلى العراق ولكونه ينتمي لذلك الفصيل الإسلامي، فقد أعيد إلى الخدمة في الشرطة ومنح رتبة عقيد بعد أن احتسبت له جميع سنوات هروبه خدمة لأغراض العلاوة والترفيع والتقاعد وعوض بتمليكه دارا سكن ومنح مبالغ كبيرة تكريما له على سنوات غربته التي عدت له كسنوات جهادية ..وهسه أنته أتشوف المجاهد السيد لطيفي بالزي العسكري وبالدوام الرسمي وبالخفارة مالته وبأهم مركز للشرطة وسط بغداد يصلي الفرايض الخمسة يومية ويزور الأيمة بس بي سوله لازم يلط ليلية نص عرك لو أكثر، وبعد فد ساعة زمان من يطوخ يضل يبجي وينوح ..عليمن ما تدري ..يمكن على طيحان الحظ مالته..لآن ما أعتقد هذا يبجي ندامه على الماضي لو على أفعاله السودة.
ــ أبو رمزي كيف تسنى لك الحصول على كل تلك المعلومات.
ــ شوف أبن عمي ..مو يكولون أذا تريد يطش الخبر، أي يذاع السر للعلن ، فعليك أن تخرجه إلى شخص ثالث.. بالعراق ماكو هيج شي، أصلا ما يحتاج السر لشخص ثالث.. أحيانا العراقي وحده ما يصبر على سره، وتشوفه يحوص ويتحركص ويكَوم يهذري بالسر مالته، وبعدين تلكي الناس تحجي بي ..والشخص يتعجب شلون أنذاع الخبر وهو ما حاجيه لأحد. لا ويكول جان سري أبير، شلون طش أبين الناس؟
ــ أبو رمزي أذا أنا صدقتك القول وقلت بأني عرفت جميع ما تحدثت به في جوابك فتلك كذبة لا تغتفر. بالضبط أعيد سؤالي كيف حصلت على كل تلك المعلومات؟
ــ أغاتي ماركس .. العلمك هذي الرواية مسجلة بشريط .. وكل هذوله اليشتغلون بالمركز وأغلب المساجين عرفوها وحفظوها ..بس تعرف السيد العقيد لطفي محد يحجي وياه لأن هو قائد بالفصيل الإسلامي. في يوم ما هذا العقيد لطفي صار طلي أصلي مربوط للدنكَه، بعد ما شرب بطل ويسكي كامل، وجانت الدنيه حاره، وهو كاعد خطار يم واحد كَرايبة وصديقه من الطفولة وحباب كلش، وراح هذا الصديق يجر من لطفي حديث وره حديث ،وبنفس الوقت يسجله بكاسيت..يكولون هذا صديقة كام يبتزه للعقيد لطفي ويطلب منه طلبات كثيرة ولطفي ما يمانع جان يلبيله كل طلباته، بس فد يوم اختفى هذا الصديق الحباب كلش، بعد أسبوع وجدو هذا كلش ميت وذابينه فوك كومة زبل.
ــ يعني مقتول؟
ــ أي نعم مقتول .
ــ والتسجيل ؟
ــ التسجيل ظهر وتوزع بكل مكان قبل لا يموت الكلش حباب صديق لطفي، أصلا توزع حتى ويه الحصة التموينية.. مو أكلك العراقيين عدهم طرق عجيبة في الحياة. والسيد لطفي وفصيله السياسي يدعون أن التسجيل مفبرك ومقصود به تسقيط المناضلين والفصائل الإسلامية .
ــ في خضم هذه الفوضى العارمة كل شيء يبدو ممكنا وغير مستبعد.


63


كارل ماركس في العراق الجزء السادس عشر

رغم أنه أعار ماركس بطانية صوفية، ولكن السجين أبو جعفر منذ البداية لم يكن ودودًا بشكل كامل وقد أنتفض بوجه ماركس بسورة غضب غير طبيعية بعد أن سمعه يقول بأن الإنسان هو بالمعنى الحرفي حيوان سياسي وليس مجرد حيوان اجتماعي، ولكنه حيوان يحاول أن يميز نفسه وسط المجتمع وإن أفكاره هي خلاصة لحالته المادية.
عندها صرخ أبو جعفر بصوت تردد بقوة بين جدران الغرفة وجلب انتباه الجميع بمن فيهم الحرس.
ــ لك أنته يبين عليك فد واحد زنديق كافر ملحد ماكو مثلك.. كوم من هنا.. جيب البطانية لا هسه أشوفك النبي عربي والملائكة شهود.. كَوم.. الإنسان حيوان اجتماعي.. هاي هم جانت عايزة.. هاي أنته مو غيرك بهذا الشكل.. ساعة المصخمه الجابوك يمي..
أثناء الصراخ والتهديد سحب أبو جعفر الفراش الصوفي من تحت ماركس وتركه منبطحًا على الأرض الأسمنتية.
ــ تعال خالي.. تعال هنا يمي.
جاء صوت أبو رمزي وهو السجين الجالس قرب باب الغرفة وطاويا قدميه تحت عجيزته، خافتًا وكأنه يقول ذلك باستحياء.
ــ يمعود أبو رمزي خلي.. تره هذا زنديق راح يضوجك، وأنته رجال مريض.
ــ ميخالف عزيزي أبو جعفر هم خطيه مسجون مثلنا.. شوف شنو عنده من مشكله.
التفت أبو جعفر على ماركس وطلب منه الذهاب إلى جوار أبو رمزي، فلم يتردد ماركس وذهب إلى هناك حيث قدم له أبو رمزي بطانية صوفية أفترشها جواره فجلس ماركس عليها شاكرا أبو رمزي على صنيعه.
ــ لا يابه عليمن تشكرني كلنه بمحنه السجن..
ــ وهل أنت أيضا لك فترة طويلة في السجن؟
سحب أبو رمزي نفسا طويلا ثم أطلق حسرة أطول منه وتنهد وطأطأ رأسه وأجاب
ــ من ونيني الناس جارت      والأفكار اليوم حارت
   بالعكس دنياك صارت       وأصبح المتبوع تابع
ــ لم تجبني؟
ــ قدمت لك خلاصة الموضوع، لتلح عاد.
ــ سيدي العزيز لم أفهم الحديث بشكل واضح.. وما المقصود؟
ــ عزيزي الدنيا أفترت ودارت وتراني اليوم سجينًا وها هي الأشهر تمضي دون أن يفرج عني.
ــ وما سبب سجنك؟
ــ أخونا الطيب لتستعجل ..الكلام راح يجيك أُجن أُجن، سوف يطول بك المقام وتأتيك جهينة بالخبر اليقين. ُ
ــ وماذا يعني ذلك؟
ــ بالصبر كضيت العمر         والراس شيب من زغر
  العصفور ميصيد النسر           واللوم ميبرد جمر
ــ يظهر أن قصتك قصة..
ــ سوف تكون بيننا ليال طوال وأحاديث كثار وتفصح أنت عن وضعك وأحدثك عن وضعي لنتسامر بالروايات.. أليس ذلك أفضل.. يا صاحبي السجن، أما أحدكما فيسقى ربه خمرًا وأما الأخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه، قضى الأمر الذي فيه تستفتيان. وأنا وأنت واحد من هاذين السجينين.
ثم أطلق ضحكة طويلة ودفع بيده كتف ماركس مازحًا.
ــ أنك تزيد حيرتي يا سيدي.
ــ لا تحتار فأنا أعني أننا سوف نتسامر بالأحاديث في قادم الأيام ..أوكي؟
ــ حسنا لندع الآمر إلى أيام قادمة.

شعر ماركس باكتئاب حاد بعد أن اجتاز الوقت ما بعد الساعة السابعة مساء وقد عانى خلال فترة النهار من تخرصات باقي السجناء فبعضهم أتهمه علنًا بالجنون،وأخر بالجاسوسية. لا بل عده أحدهم كافرًا ملحدًا بعد أن سمع منه ما لا يقبله عن المجتمع وطبقاته، وكيف تستغل البرجوازية الكثير من الطباع والأفعال المتخلفة وحتى الدين لخدمة أغراضها والحفاظ على مكاسبها.
تفرس ماركس وجوه زملاء الحبس ثم أدار وجهه وحاول العودة إلى النوم وتركهم في حديثهم الهازئ الشاكي، ولكنه كان يركز سمعه على ما يتفوه به هؤلاء محاولاً معرفة ما يعنيه لهم وجوده بينهم، فشعر بنبرة العداء التي تفصح عنها جميع أحاديثهم دون أن يجد من بينهم من يدافع عنه سوى أبو معتز الذي راح في إغفاءة عميقة وكذلك أبو رمزي بصوته المعلول الراجف.
جميعًا وفي كل المنعطفات، من شاهدهم ومن واجههم وتكلم معهم ولاحظ تحركاتهم وتمعن أحاديثهم، تجدهم يتشابهون في الكثير من الطباع والتصرفات، الحدة، التطير، التشاؤم، الإدعاء وتضخيم الآمور، الخصومة، المناكفة والهزأ بالأخر وحتى تبخيس الذات. تذكر ما سبق أن وصل إليه من استنتاج حين دون في دفاتره أن الانكليز لديهم جميع الشروط المادية للثورة وما ينقصهم هو روح الحماس الثوري، ولكنه هنا يدرك الآن بأن العراقيين وبالمطلق هم عكس الانكليز تماما، لديهم الكثير من الشروط للثورة ويتوفر فيهم الحماس الثوري ولكن لهم قدرة غريبة عجيبة على بعثرة قواهم، وتغليب تلك الطباع عليه وتشتيت جهودهم في اللاجدوى.

***
 قبل منتصف الليل فتح باب غرفة الحبس ودخل العريف أحمد الذي لم يظهر طيلة النهار في مركز الشرطة. تقدم ناحية ماركس الذي كان نائمًا مكورًا جسده ومتخذًا من كفيه وسادة. لكز العريف أحمد بحذائه ساق ماركس فلم يجد استجابة منه، فكرر الآمر بقوة ولعدة مرات وبشكل سريع فاستيقظ ماركس ونهض فزعًا فاركًا عينيه محاولاً استجلاء الوضع مع الضوء الشحيح للمصباح المعلق في سقف الغرفة.
ــ أنهض يريدك العقيد.
ــ وبهذا الوقت من الليل!
ــ ليش حضرة جنابكم لازم أنته من يقرر المواعيد.
ــ أليس من المناسب أن يكون مثل هذا الأمر في النهار؟
ــ هذا ميخصك والعقيد هو من يقرر. وإذا تشوف عندك مانع كلي حتى نروح لغرفة الحمام ونشوف شلون تمانع بعد ما تلعب الصونده على ظهرك ورجليك لعب.
ــ وماذا يريد العقيد؟
ــ أمشي لك قشمر هلمرة تره حمضته.. أذا تستمر بهذا الشكل تره تشوف اللي ما شفته بحياتك وأخليك تقره زيزي وتغني أبوذيات... ومن جانبي ألغي قطعيا مقابلتك للعقيد وأختصره من يمي.
رفع ماركس جسده بتثاقل فشعر بألم حاد في قدميه وباقي أعضاء جسده ولكنه وقف معتدلاً وتحرك وراء العريف أحمد مجتازًا الممر الطويل حتى غرفة العقيد. طرق العريف الباب ثم فتحه وسحب ماركس من يده وأدخله الغرفة ووقفا أمام العقيد.
ــ أي هسه بيه مجال.. ظهرت خلقتك.. بينت أدمي... شنو أسمك كتلي؟
ــ ماركس.
ــ أسمك الكامل.
ــ كارل هاينريش ماركس.
ــ ألماني مو؟
ــ نعم ألماني.
ـــ وشلون نعرف أنو أنته صحيح هذا الشخص، مثل ما تدعي، والتقرير الليلي البارحة يكول أنه ماكو هناك دليل على صحة أدعائك.
ــ لا أدري..
ــ ما تقدر تثبت شي يحدد هويتك؟
ــ كلا أستاذ.
ــ لك مو علمتك.. كول سيدي
هكذا قال له العريف أحمد وهو يلكزه في ظهره
ــ لعد شنو تكول أني أسكن بانكلترا.
ــ سكني بعد أن غادرت ألمانيا هي لندن.
ــ يعني مآخذ جنسية بريطانية همين؟
ــ كلا أستاذ أنا مواطن ألماني.
ــ وتدعي عالم آثار؟
ــ أنا كذلك.
فجأة طلب العريف الحديث فوافق العقيد
ــ سيدي نقل لي الشرطي عباس شناوة.. كَال.. طول اليوم صارت لغاوي بين السجناء أبو جعفر يكول على ماركس كافر وزنديق أو سجين لاخ يكول عليه مخبل وطباكات، وشلاكَه الجايجي يكول عليه جاسوس..والأستاذ أبو رمزي قبله وخلاه يمه واشتغلت رحمة الله بالابوذيات والأشعار.. اليوم كله صارت غرفة السجن مثل طولة مال صخول وكله تمعمع والسبب هذا، لأول مره يصير عدنه هذا الشي. وحته من طب للحمام هم هناك نزع كل هدومه وسبح ربي ما خلقتني وما استحه.
ــ شوف ماركس، تره آني ما عندي خلك طويل.. أنته بالصحيح منين وشنو.. كول أحسنلك وفضه حتى هسه أندز أوراقك ونخلص، وبعد جم يوم ترجع الأوراق ونرحلك للجهة ألي تعود أله.
هكذا صاح العقيد وهو يقف ليتناول علبة السجائر من طارف المنضدة.
ــ أستاذ لا أعرف وهذه كل ما لدي من معلومات أقدمها، ولو كان جبار هنا لأوضح لكم حقيقة أمري.
ــ ومنو هذا جبار؟
ــ أنه الذي اقلني من الناصرية وهو يعرفني حق المعرفة.
ــ هو أقاربك؟
ــ كلا هو من كان يقود المركبة التي اختطفنا معها.
ــ وأنته تعرف اسم جبار الكامل وعنوانه.
ــ كلا.
ــ متعرف وين يسكن.. حته نكدر نساعدك؟
ــ حتى هذا لا أعرفه سيدي.
ــ لعد شلون مدكلي أنته منو... متأكد أنت ألماني وعالم آثار؟
ــ نعم.
فجأة قال العريف احمد
ــ سيدي تذكر الجاسوس الإسرائيلي الجان عايش أبيروت يكَدي بالشوارع ويسمونه أبو ريشه، تالي من أكتسح الجيش الإسرائيلي بيروت، مو طلع عقيد بجيش إسرائيل وركب دبابه وكَام يدور على القيادات الوطنية والفلسطينية. 
                 
ــ أي أذكر هذا الشي وشنو قصدك؟
ــ قصدي خاف هم يطلع الأخ جاسوس ويكول آني عالم بالآثار.
ــ عريف أحمد هسه حته لو طلع جاسوس شراح نكدر نسويله.. نحيل أوراقه للمحاكم بعدين يدخلون الأمريكان ويطلقون سراحه.
ــ هاي شلون سيدي؟
ــ أي هاي الحقيقة.. بالنجف اعتقلوا جاسوسة إسرائيلية دخلت للعراق بحجة صحفية وبوثائق أمريكية وجانت تسكن بفندق بالنجف، أسمها باراس تمر أفيفا ومكان ولادتها تل أبيب وعده هوية ورقم مال الجيش الإسرائيلي، وجماله عده جواز إسرائيلي وهمينه الجواز الأمريكي.. الامريكان تخبلوا ورأسا ضغطوا على الحكومة وخلوها تطلق سراح هاي الجاسوسة.. هاي هيجي صايره الأوضاع.. وهذا حتى لو كان جاسوس هم راح يطلع منه مثل الشعرة من العجين.
ــ الظاهر انكم انتهيتم للاعتقاد بأني جاسوس.. ولصالح من أتجسس؟
ــ لإسرائيل.
ــ حسب معرفتي فأن أكثر من عضو في البرلمان العراقي وباقي دوائر الدولة وفي حكومة إقليم كردستان يزورون إسرائيل دون ضجة، وهؤلاء يعملون ضمن دوائر إدارة السلطة العراقية فما الذي تريده مني إسرائيل.
ــ سيدي هذا حجيه مصفط.. هذا لو جان عالم جبير وعلى غفله صعد عده الضغظ وطكن وايرته  لو أنا أشويه ما أفتهم.
ــ يمكن الثانية هيه الصحيح.
ــ سيدي تره أكثر الالمانيين يكرهون إسرائيل واليهود.
ــ هاي شمدريك حمودي؟
ــ سيدي سوالف سامعه من الناس.
ــ يابه ماركس صحيح أنتم الألمان تكرهون اليهود ؟.
ــ ليس كرها سيدي.. فأنا لا أكره بشرًا ولا دينًا.
ــ هاي شلون عود.. هاي جديدة ما سامع بيه
قالها العقيد وهو يقهقه ويسحب كأسًا من تحت المنضدة ويرتشفه بعجالة ويمد يده ليتناول ملعقة من اللبن الموضوع أمامه في صحن صغير.
ــ تكدر تفهمنه شنو تقصد بجملتك الأخيرة ليس كرهًا وأني ما أكره بشر ودين. جنت جنك تريد أطكنه أبيت أبوذية لو جنجلوتيه  بالشعر يبين علمك عليه أبو رمزي.
ــ أستاذي العزيز .. أنا ارفض التعامل مع اليهود كقومية بل يجب أن يعاملوا كمواطنين في البلدان التي يعيشون فيها، وهذا الفهم يقودنا إلى ضرورة علمنة الدولة وتكريس حرية المعتقد، وهذا الموقف هو الذي أوضحته دائما للجميع ورفضته الرأسماليات الأوربية، وقامت بدل ذلك بإبعاد اليهود إلى فلسطين لتتحول المشكلة من مشكلة مواطنة أوربية إلى مشكلة عربية. في تفسير مفهومي هذا يمكنني القول، بأن على الحكومات إلغاء جميع الامتيازات الدينية ليكون جميع الناس متساويين كمواطنين ويتحرر المواطن ومعه يتحرر الوطن ويصبح دولة واقعية..
ــ لك هذا شد يخربط .. شنو دتحجي.. سيدي هذا كَلب مصاريني بهذي اللغوة.
ــ عريف احمد.. معليك أشو خلي يحجي حتى نفتهم شنو ومنو وشيريد..كول سيد ماركس.. كمل شنو تريد تكول.
ــ عند تلك المهمة والمرحلة يجب أن نكشف كيف يقف التحرر السياسي الكامل من الدين؟ حين ذاك ننظر إلى النتائج. فانعتاق الدولة من الدين وإلغاء امتيازات المؤسسة الدينية. وهذا يتطلب أن تتعامل مؤسسات الدولة بشكل ديمقراطي يكون فيه العمل على شرط احتساب الفرد كمواطن دون حساب هويته الدينية. وهنا تكون الدولة كوسيط وحين يتحرر الوسيط يتحرر الإنسان، لحين تهشم هذا الوسيط لتبنى المشاعة الاشتراكية الخالية من الامتيازات الطبقية. إن ما يسمى الدولة اليهودية هو في الأساس نفي للدولة، وفي ذات الوقت لا يحقق لها يهوديتها وهذه التسمية والسلوك يقود اليهود إلى الوهم. وتسمية الدولة اليهودية وسيلة لغايات غير حقيقية تكون الدولة فيها دولة نفاق. ولذا أقول إن هذه دورة تبدأ بتحرر الإنسان سياسيا حين ينفصل بالكامل عن روابطه المقيدة ومنها التقاليد البائدة والالتزامات الدينية.
ــ لك عريف أحمد أخذه رجعه المكانه بسرعة.. لا هسه أكوم أكطع عليه النطاق بهذا الليل.. أنعل أبو الجابه عليه.. هذا طير البيكين بالكامل.. لك هذا شنو مكينة مال لغوه.. وهاي السوالف وين ضامه.. امتيازات طبقية ومشاعة ودولة نفاق.. لك ما صدكَنه خلصنا من الرفيق ولغوة الحزب.. وشكال أبن القندره ميشيل عفلق لو الرفيق صدام، هسه هذا جاي يريد يرجعنه على ذيج الأيام.. أخذه وروح جيبلي ما عون لبلبي.. رجعه المكانه هذا أبن المسموط وخلي بالحبس خايس جم أسبوع قبل متدزون أوراقه.
أسرع العريف أحمد بسحب ماركس من ساعده ودفعه بقوة باتجاه باب الغرفة ولكن ماركس استدار ووجه كلامه إلى العقيد.
ــ وإلى متى سوف أبقى دون أن يفرج عني.
ــ دروح لك روح بول ونام.. دون أن يفرج عني.. خوش يطكطك بمنكاره.. يفرج عنه لاحقًا.. أي مو أحنه روضة أطفال تجي عدنه الصبح ويجي بابا يأخذك الظهر.. أنقلع من كدامي لا أجي أبيس بيك تبيس.
عند ذلك أبطأ العريف أحمد في سحب ماركس وحاول قدر الإمكان إبقائه في الغرفة عسى ولعل العقيد ينهض من مكانه ويأتي لضربه بالنطاق مثلما قال، ولكن العقيد كان ساهيًا عنهم منشغلا بتحضير كأس شرابه وحين رفع رأسه صرخ بأعلى صوته.
ــ بره أزمال مو كتلك أخذه من هنا.





64
كارل ماركس في العراق الحلقة الخامسة عشر


بدا النعاس يطرق عينيه ولكن الأحاديث المختلطة بين السجناء ومثلها ما يسمعه من أصوات عالية تأتي من خارج غرفة السجن كانت تضفي صعوبة على محاولاته.
***
مثل المرات السابقة دخل حانة ترير للمشروبات.كان يتأبط مجموعة أوراق وضعها داخل كراس بغلاف اخضر داكن. كان على موعد مع أحدى صديقاته الجديدات. أيضًا كان يشعر بشيء من المسؤولية تجاه هذا النادي بعد أن أصبح رئيسًا مشاركًا فيه، ولم يكن فقط حبه للشراب الدافع الأوحد لوجوده ومشاركته في النادي، وإنما الألفة وروح الشباب والنقاشات المستفيضة في شتى مجالات الحياة وبالذات الفلسفية منها. هبط السلم محاذرًا يتكئ بيده على الجدار المطلي بلون قهوائي غامق. درجات السلم دائمًا ما كان يحاذرها وهي مصدر قلق له، صغيرة ضيقة تربك الأقدام حين الهبوط عليها أو تسلقها. وصل عند الباب الداخلي للحانة ودخل وسط الصالة. دخان السجائر يغطي الكثير من ملامح المكان، ولم تكن الأنوار تكفي لتبيان ما يحويه الحان. عند الزاوية البعيدة جلست مجموعته. كان يكبرهم جميعًا ببضع سنين ولكن من بينهم من هو ناضج وعقلاني ويقدم الكثير من الرؤى والشرح الفلسفي بسلاسة ومقدرة يحسد عليها، ومنهم من يمتلك ملكة شعر حقيقية. اليوم جميعهم ينتظر منه أن يقرأ قصة قد أكملها حديثًا ووعدهم بذلك. حياهم فتهللت أسارير الجميع. جلس وسطهم وطالع الوجوه النظرة وهي تحدق به، كانت فتاته مثلما أعتاد عليه تنظر نحوه خلسة بين فينة وأخرى، ود لحظتها أن تلتقي عيناهما ليدعوها للجلوس جواره، ولكن الحياء كان يسيطر عليها. كان صاحبه أدولف روتنبرغ يراقب حديث العيون هذا وتعلوا وجهه ابتسامة رضا ثم غمز بعينه لصاحبه وأحنى رأسه إلى الأمام.
 فتح كارل ماركس كراسته قائلاً سوف أقرأ لكم قصتي الجديدة التي عنونتها بالعقرب وفيليكس. ران على الجميع الصمت، ويخال وكأن الدخان قد توقف عن الحركة أيضًا في انتظار قرأته للقصة. لم يطلق بعد جملته الأولى حين ضج المكان بأصوات غريبة وصراخ لم يفقه ماركس منه على ما يدل أو على من  تنادي تلك الأصوات. كانت هناك قامات رجال ترتدي ملابس سوداء وأقنعة تتسلل من الباب لتنتشر في أنحاء الحانة. كانوا يحملون أسلحة رشاشة وسيوف، دون مقدمات راحوا يطلقون الرصاص على الجميع. رائحة الدخان والموت بدأت تطغي على المكان فأصبح كل شيء أسودَ كالحًا لا يرى فيه غير ومض أطلاقات الرصاص، لحظتها كان أبو بشير يقف عند نهاية السلم يتكئ على أطار الباب ويوجه رجاله ويحضهم على قتل الجميع.
سلط أبو بشير نظره عليه ثم سحب مسدسه وسدد نحوه مباشرة، سمع صوت الاطلاقة ولاحقت عيناه مسارها فصرخ بأعلى صوته ولكنه شعر وكأن حنجرته قد تيبست مثل أرض بور عطشى، أراد التحرك تحاشيًا لمسار الرصاصة ولكنه لم يستطع الابتعاد وبقي مسمرًا مكانه وكأنه قد كبل بسلسلة حديد ثقيلة.
ــ يمعود..هاي شبيك.. أكعد.. أكعد مو خبلتنا.. هسه أحنا أطباكات وهلمرة أجيت أنته... أكعد!

كان أبو جعفر يهز جسد كارل ماركس بقوة ويطلب منه الاستيقاظ ولكن ماركس لم يكن يشعر بما يدور حوله وقد نز العرق غزيرًا من جبهته. فتح عينيه ليرى وجه أبو جعفر قريبًا منه وهو يناشده أن يستيقظ.
ــ هاي أنته بأول يوم وبديت تتخبل بنومك لعد من يمر عليك جم شهر شلون... ميه بالميه تلحك ويطكن عدك كومة فيوزات.. أكعد عمي أكعد وسمي باسم الرحمان.
ــ كان حلمًا مزعجًا.. إلى هناك لحق بي أبو بشير وعصابته.
ــ ما تكلي منو هذا أبو بشير؟
ــ هذا هو وجماعته.. هم من اختطفونا.
ــ بيا منطقة؟
ــ لا أدري فأنا لا أعرف المناطق.
ــ وما لزموه الشرطة؟
ــ لا أدري؟
ــ أشو أني ما أصدك أنته ألماني.
ــ لماذا لا تصدق؟ أقسم لك أني ألماني.
ــ شكلك وحتى من تحلم جنك مثلنه أحنه العراقيين.. نتخبل وننرعص من نحلم وعياطنه يوصل الذاك الصوب.
ــ يختلف البشر بطبيعة أحلامهم، ولكن بشكل وأخر هم حالمون في صحوتهم ونومهم.
ــ عمي أحنه العراقيين من الكماط والكوابيس تنام على قلوبنا.. جعفر أبني بساعة ما جابته أمه تكول جنه ذيل أبو بريص من ينكطع.. مرعوص ويخض بروحه وعشر دقايق ما يثبت. عوفنا من هذا.. كلي أنته متزوج؟
ــ نعم متزوج وعندي أبناء بس زوجتي متوفية.
ــ وأهلك هسه وين عايشين؟
ــ في لندن.
صاح أحد السجناء الجالس في الزاوية البعيدة وكان يراقب ويستمع لحديث أبو جعفر مع ماركس.
ــ حلو طلع كرخي وساكن بالرصافة... وبعد شويه راح يكول عندي عماتي ساكنات بفرنسا.. هاي شلون دبرها الأخ.. يابه وروحه الخالي أذا هذا ما طلع طاك عده فد جم كويل أني مو أبن أبويه، دشوف شلون يباوع وشلون يحجي.. جان بالحلم يرفس رفس أني كلت راح تطلع روحه. همزين أنته أبو جعفر لحكت عليه.
ــ علينه بتاليها وخلوه خطيه يجوز صدك متعذب والخوف بعده بقلبه.
ــ زين الشرطة خوب ما ضربوك لو هانوك.. تره أخونه أبو معتز.
وأشار بأصبعه نحو رجل يرتدي كنزة صوفية وقميص أبيض وبنطال رمادي ويجلس القرفصاء جوار باب الغرفة.
ــ أستاذ أبو معتز ميهتم بالحر لأنه يشتغل بحقوق الإنسان وصارله تسع تشهر معتقل ويوميه يأكل فلقة من الشرطة لئن يتعيقل بروسهم ويتوعدهم بعقوبات شديدة، يكول راح تجيهم من منظمة العفو الدولية شنو يابه، لآن همه ديخرقون حقوقه الإنسانية، وجماله ليهسه أهله ما يدرون وين هو مسجون ومحد سأل عليه.. هاي شلون واحد يشتغل بحقوق الإنسان وينشمر مثل هذي الشمرة.. وخطيه بعده مصدك أنو المنظمات الدولية راح أداعي بيه.
ــ عيوني حجينا أبو جعفر هاي المنظمات عده هوايه شغل.. فد يوم تشوفني بالتلفزيون وراح أجيب طاريك وأعرض مشكلتك.. تره داعيك مو هين وهذوله الشرطة راح فد يوم اراويهم منو أبو معتز واردلهم الصاع صاعين.
هكذا أجاب أبو معتز وهو يعتدل في جلسته ويتناول كتابا من تحت وسادته.
ــ عمي هسه أنته دير بالك على روحك.. وتعرف تره هذوله الشرطة هم مساكين.. مأمورين مو بيدهم.. شتكول أخونا ماركس؟
ــ حول ماذا؟
ــ عن هذولة الشرطة تره هم مساكين.
ــ نعم .. جهاز الشرطة اخترعته السلطات البرجوازية ليس ردًا على تفشي الجريمة بقدر إدراكها لتزايد الحشود الجماهيرية السياسية وبالذات المؤازرة للطبقة العاملة الذي باتت تهدد مصالحها الاقتصادية. سلطة البرجوازية في مسعاها هذا تضع نصب أعينها مهمة مراقبة الطبقة العاملة والتدخل في صلب إدارتها، مثلما اخترعت التعليم لتثبيت مفاهيمها وقيمها وسط المجتمع من خلاله، وهناك الكثير مما تقدمه الرأسمالية لقولبة المجتمع ووضعه على خطى خياراتها.. ولكن الحتمية التاريخية تقول إن للطبقة العاملة كلمة ومفاهيم أخرى وهي التي تنتصر في نهاية المطاف.
ــ يمعود على كيفك وين رحت وين وديتنه أحنه تره ما عدنه شغله بهاي السوالف.. دور وجهك ونام وأجفينه شرك.. عمي هسه محبوس على سالفة قجق يم الحاكم هينه.. داعملك واحد تدبر يم القاضي وبواسطة العشيرة تفض بجم دفتر.. عركة وبيه مجاريح ومفاشيخ.. دفتر دفترين نطلع بعدهن ونشتم هوه ربك.. سوالف السياسة ما تجيب غير الفاينات وكطعان الأرزاق.. وتعال وأثبت كون أنته ما عندك شغل بيه.. نام خالي نام.. أني كلت هذا الصماخ بي بلوه.. طلع شايل بلاوي.
ــ حجي أبو جعفر وروح الوالدة العزيزة تره هذا فيوزاته طاكات ومشخوط بالكامل.. عوفه لتبتلي.. تره هسه يكوم يغرد بعد أكثر... وتصير بينه دكة ما تنحجي، بشكل ذاك العهد، نطلع كلنه مشتركين لأن أحنه جنه نستمع أله وما خبرنه عليه وتعال هلمره خلص روحك.
ــ لا عمي راح ذاك الوكت بس مثل هذي السالفة لا كفه طين.. وأحنه ما عدنه خلكه.. شنو برجوازية شنو طبقه عاملة.. أشو العراق من شماله الجنوبه كل الناس بيه فد سوه.. كله تركض والعشه خباز.. وتسعة وتسعين بالمية من العراقيين يبجون ويلطمون من الصبح لليل وأمورهم لاكفة طين، ليش هو أكو برتواجية لو ما أدري شنو.
ــ هذا ليس حقيقًا..
ــ شنو قصدك.. شنو المو حقيقي؟
ــ قولك بأن الجميع سواسية وليس هناك فرق بين الطبقات.
ــ عمي أنته ليش متنام وتعوفنه.. أي هسه أنته منين الله جابك؟
ــ عزيزي أو الأحرى أعزائي جميعا.. إن تاريخ أي مجتمع حتى هذه اللحظة ليس سوى صراعات طبقية.. حر وعبد، نبيل وعامي، بارون وقن، معلم وصانع، وبكلمة مختصرة ظالمون ومظلومون، وهم في تعارض دائم، خاضوا ويخوضون حربًا متواصلة، تارة معلنة وطورًا مستترة، حربًا كانت تنتهي في كل مرة إما بتحول ثوري للمجتمع كله، أو هلاك كلتا الطبقتين.
ــ يا يابه.. يا بويه.. يمعودين رحمه لأجدادكم تعالوا طلعوا الهذه قبل ما يخبلنه.. صارلي سنة ونص بالتوقيف وراسي يوميه يريد ينفجر من طنين الذبان وهوسة المركز، هلمرة جبتولنه واحد مخبل ومستوي.. ويحجي سوالف ما نفتهمه.
صرخ أحد السجناء بعد أن استمع لما تفوه به كارل ماركس، وراح ينادي على الحرس الواقف جوار الباب أن يأتي ويأخذ ماركس بعيدًا عن غرفة الحبس.
ــ هاي شبيكم يمعودين تره يبين عليه حباب ويريد يسولف.. ما بيه شي.. خوب ما ضربله لو أعتده على واحد.. خلوه خطيه يدردم.. الحجي بفلوس لو مو بفلوس.
ــ عيوني أبو معتز شنو أحنه عايزين لغاوي، حتى يجي هذا الطباكات يفرغ لغوته براسنه. نسيت ذاك الشهر من جابولنه واحد كال أنو هو أستاذ بالجامعة وهم خرط براسنه أسبوع كامل تالي أبأول راشديين طلع يبيع جكاير وشخاط يم جامع الخلاني.
ــ أي ولله صحيح هذا همين بعد راشدي وجلاقين من عريف أحمد راح يبين من يا مله.



65


كارل ماركس فس العراق / الجزء الرابع عشر

تقدم أحدهم وأخذ بفك الحبل الذي كان يحيط بمعصمي ماركس. ثم سمعهم يتبادلون جمل التحايا والتوديع بعد أن أخذه أحدهم وأدخله بناية مركز الشرطة.


ــ تعال خالي يم العقيد.. أنته صدك ألماني.. صحيح أحمر أبرص بس ما مبين عليك من ذيج الديره.
صمت ماركس وكأنه لم يكن يسمع الحديث وتقدم جوار الشرطي ليجتازا الممر الطويل ثم توقفا عن باب خشبي مطلي بلون رمادي مائل للزرقة علقت في أعلاه قطعة خشب صغيرة خط عليها باللون الأبيض دلالة تعريفية، مدير المركز. طرق الشرطي الباب فسمع صوت من الداخل يأمره بالدخول. دفع الشرطي ماركس من كتفه وأدخله معه إلى الغرفة. كانت الغرفة ضيقة بعض الشيء مع كثرة في الأثاث وسرير نوم تتبعثر فوقه كومة ملابس وغطاء غير مرتب، وجواره على الأرض قدح ماء ونعلان ومجلة وصحن فيه بقايا قليلة من طعام.
دوى صوت قوي جراء ارتطام حذاء العسكري بالأرض وهو يأخذ تحية للعقيد الجالس خلف المنضدة، أرتعب ماركس واهتز جسده لسماع ذلك الصوت المدوي والمفاجئ.
ــ لك هاي شنو.. خطية هذوله شمسوين بيك.. بابا ليش انته بهذا الوضع.. جانو يعذبوك.
ــ نعم أستاذ كانوا يتلذذون بذلك.
ــ لعنة الله عليهم.. هذولة مو بشر؟ شوف أبني، أنته صدك ألماني؟
ــ نعم..
بدا ماركس في هذه اللحظة وكأنه أخذ يعتاد على اللغة الدارجة للعراقيين ويستطيع فك رموز أغلب ما يسمعه.
ــ عندك ما يثبت هذا؟
ــ كانت لدي وثائق في حقيبتي الصغيرة التي أمامك، ولكن الظاهر أن أبو بشير وجماعته قد أتلفوها أو وضعوها في مكان ما.
ــ وكيف تستطيع أثبات ذلك؟
ــ لا أدري.
ــ أبني عريف أحمد.. دخذه هسه وعدل حاله.. خطيه ساويله شعر رأسه وخلي يغسل.. ريحته تكتل.. وبلكي تنطو ملابس بدل هاي ملابسه المزكه والمطينه.. وأنطو أكل وخلي يبات عدنه جم ليلة، وكول للضابط أبو تغريد خلي يسويله محضر تحقيق ويقدمه أليه باجر بخفارتي.. حتى بعدين نشوفله صرفه وأنسفره.. ابني أنشاء الله فرجت كلشي يتعدل لتخاف.. أنت صرت بيد الشرطة العراقية وبعد لتخاف. دتفتهمني لو لا؟
ــ أفتهم أغلب الحديث.. شكرا لك أستاذ.
ــ شنو أستاذ .. قشمر ، كول سيدي.
ــ عريف أحمد على كيفك.. هسه مو وكته خل شيكول يكول.. هو مدني، ويجوز صدك ألماني وتزعل علينه خالتنه ميركل حفظها الله ورعاها.
قالها العقيد ضاحكا وأشار لعريف أحمد بالانسحاب فدفع بدوره ماركس وسحبه خارج الغرفة . 
 
***
 
مسد ماركس فروة رأسه فشعر ببعض الارتياح، فقد باتت خالية من الشعر لا بل ملساء تماما كراحة اليد، بعد أن ساواها موس الحلاق ببراعة دون أن يهدر قطرة دم واحدة مثلما فعل به أبو بشير ورجاله. فتح صنبور الماء وراح يرمي الماء على وجهه ويتذوقه بنشوة رغم حرارته التي سببها شمس الصيف اللاهبة الساقطة على خزان الماء فوق البناية.
لعدم وجود رتاج لم يستطع ماركس إغلاق باب غرفة الحمام الصغيرة ذات النور الكابي. تلفت قليلا ثم راح يخلع ملابسه قطعة بعد أخرى فلم يبق على جسده ما يستر حتى العورة. حاول أن يقف تحت الدوش ولكنه وجد أن الماء لا يصل إلى هناك. تحت صنبور الماء كانت هناك صفيحة كبيرة سبق أن كانت حافظة لدهن الطعام، هذا ما كتب على جدارها، وفي وسطها وضع قدح بلاستك كبير. راح ماركس يراقب الماء وهو يملأ الصفيحة، أنتظر قليلا ولكنه لم يحتمل المطاولة مع بطء جريانه، فأخذ قدح البلاستك وبدأ يصب الماء فوق جسده. شعر بنشوة غريبة وبانت على شفتيه ابتسامة رضا أفتقدها طويلا، راح يتلذذ بسكب الماء فوق رأسه وأخذ يداعبه وهو ينساب فوق شفتيه،  فيصدر صوت فرقعات خفيفة استطابها، فاستمر يمارس هذا الطقس بفرح طفولي.
 فجأة دفع الباب ودخل أحدهم دون سابق إنذار.
ــ لك هاي شنو.. شدتسوي.. ليش مصلخ ربي ما خلقتني وبحمام مركز الشرطة.. أنته مو الألماني لو أني متوهم؟
 ــ نعم أنا الألماني..
ــ أكول.. لعد منهيج يكولون الأجانب ما عدهم مستحه.. يله دكمل حتى أني أغسل وراك.
ــ عريف أحمد قال بأنه سوف يجلب لي ملابس أخرى.
ــ أوكي.. لعد راح أروح أخبره، وأني أرجع بعد شويه أريد أغسل لتتأخر..
عاد كارل ماركس للاغتسال، حاول بقوة وإلحاح أخراج رغوة من قطعة الصابون الصغيرة دون جدوى، ففكر بأن السبب ربما يكون عسر المياه، ولكونه قد خبر ماء لندن فقد أستبعد هذا عن الماء الذي يسبح فيه الآن بعد أن تذوقه. ثم وضع في باله الفترة الطويلة التي قضاها دون اغتسال منذ وصولهم الناصرية ولحد الآن. فقد صنعت فوق جسده طبقة من الدهون تمنع الصابون من أخراج رغوته، هكذا شعر ماركس مع استمرار محاولاته لدعك جلده، أصر أن يزيل عن جسده تلك الطبقة من الأوساخ فراح يفرك جلده بصبر وأناة. بعد عملية طويلة أحس ماركس بأنه أنجز الكثير في هذا الآمر، لذا أسند ظهره إلى الحائط وراح يسكب الماء على رأسه وجسده متلذذ بسماع صوت ارتطامه برأسه ثم جريانه على صدره وجسده، وأحس برغوة الصابون وكأنها يد سحرية تمسد جسده وترطبه، وكأنه في حفل موسيقي يستمع للسيمفونية الأربعين لفولفغانغ موتسارت فأغمض عينيه وراح بعيدًا في عالم مريح يسترخي فيه ولو للحظات دون خوف أو وجل. فجأة سمع صوت عريف أحمد.
ــ ها يول بشر أغسلت زين..؟
كور ماركس جسده أول الأمر ثم نهض وغطى عورته وذهب ليقف خلف الباب، عندما دخل عريف أحمد.
ــ هاي وينك؟
ــ هل جلبت لي ملابسي؟
ــ هاي أنته خاتل وره الباب.. هاك هاي دشداشة وستره ولباس طويل.. همزين الشرطي محمد بن شكرية، جان هذني الهدوم زايدات عنده.. يله ألبسهن بسرعة وتعال.
بعجالة أكمل ماركس ارتداء الملابس وخرج من غرفة الحمام يتعثر وهو يسير بالثوب الفضفاض.
ــ لك هاي شنو طلعت جنك راعي غنم.. وجماله يمشي جنه مطهر.
قال ذلك عريف أحمد وهو يطلق ضحكة تنبه لها جميع رجال الشرطة في الممر الطويل. ثم طلب من ماركس أن يسير أمامه لحين وصولهم غرفة الموقف ذي الباب الصغير المغلق الكالح اللون بفتحة كبيرة تبدأ من منتصفه ليظهر خلالها جوف غرفة حبس واسعة يجلس فيها بضع أفراد. أخذ عريف أحمد المفتاح من الحرس وأدار قفل الباب ودخل مع كارل ماركس. طالع ماركس وجوه الأنفار العشرة الذي سيكون الآن  شريكهم في هذا المكان، وأبتسم ابتسامة بلهاء وهو ينظر نحوهم بفضول، لم يجد بد من أن يحيهم بانحناءة رأس، ولم يكن يعرف السبب لفعلته هذه. لم يجد من أي واحد من السجناء ردة فعل سوى نظرات مستفزة باحثة ومستفسرة عن نوع هذا الجديد الذي جاء به  عريف أحمد.
ــ أبو جعفر أنطي بطانية من يطغك للأخ، أبين ما ندبرله فراش.. هذا خطار عدكم يوم يومين .. خطية جان مخطوف وهو تعبان.
ــ تدلل أبو شهاب ويدلل خطارنا.. تعال عمي تعال هنا يمي هاك هاي البطانية أفرشها.
قال السجين أبو جعفر ذلك ورفع الغطاء الصوفي ومده جواره فتقدم ماركس وجلس هناك.
ــ أبني شنو أسمك؟
ــ ماركس.. كارل ماركس؟
ــ هاي شنو أسمك أجنبي؟
ــ أي أبو جعفر هذا ألماني.
قال ذلك عريف أحمد وهو يخرج من الغرفة ويغلق خلفه الباب.
ــ شعدك بالعراق؟
ــ أبحث عن الآثار.
ــ آثار شنو؟
ــ نعم!
ــ يا آثار؟
ــ آثار سومر وبابل وغيرها.
ــ على الخير والبركة.. جا هيه بقت عليك؟ ذاك اليوم جان خطارنا تركي أيكول هو أبن عم أردوغان تالي طلع حشاش مضبوط معطب من كاعه.
أحد السجناء، الجالس قبالة أبو جعفر وكان يسند ظهره للحائط ويلف بكوفيته كامل رأسه ولا يظهر منه سوى العينين  قال وبنبرة عدائية.
ــ  هسه أنته ألماني ولابس دشداشه وستره وأكرع وأحمراني.. همزين ألماني مو كرايب عزت الدوري وتشتغل عليك رحمة الله بالجلاليق..
ــ نعم ؟
ــ أشوفك تعبان وراح الأيام أتطول عليك مثل حالي، صارلي تسع تشهر خايس هنا ويكولون أوراق التحقيق بعد ما رجعت من المحكمة.. تكدر تنام وترتاح بعدين نسولف، كل الليل عشه وسوالف.
هكذا بادر أبو جعفر طالبًا من ماركس أن لا يهتم للأحاديث وعليه الراحة في الوقت الراهن.
مد ماركس جسده المتعب فوق الفراش الصوفي ووضع كفيه تحت رأسه وسرح بعيدًا متذكرًا وضعه في زريبة بيت أبو بشير وكيف كانت توجه له التهديدات اليومية بالقتل والمعاملة القاسية التي كان آخرها حفلة التعذيب التي شاركت فيها البقرة. لقد كان  قاب قوسين وأدنى من الموت. ليس أمامه من مخرج بعد كل ذلك العذاب غير البحث عن الذي يخلصه من ورطته ويرجعه إلى بيته في لندن، ليس له حاجة بالمعرفة عن وضع العراق الاقتصادي والسياسي، بعد أن تيقن بشكل كامل بأن ليس هناك نظرية يمكن لها أن تتعرف على طبيعة صيرورته ومسيره ومآلاته. في نفس الوقت لم يعد يملك أوراقًا ثبوتية ليقدمها كدليل على مواطنيته الألمانية وسكنه الانكليزي، وتلك تكفي لوضعه في مأزق خانق لا يستطيع الخلاص منه، والطامة الأخرى أن ملامحه قد تغيرت كليا، كذلك لا يعرف بالضبط مكان الرفيق جبار وفي أي ناحية من نواحي بغداد يقع الفندق الذي يملكه، ويا ترى كيف يصل أليه، وقبل كل ذلك تساءل ماركس عن نفسه، أين هو بالضبط الآن؟ هل حقيقة أنه في أمان؟ بدا النعاس يطرق عينيه ولكن الأحاديث المختلطة بين السجناء ومثلها ما يسمعه من أصوات عالية تأتي من خارج غرفة السجن كانت تضفي صعوبة على محاولاته.



66
ندوة عن جدلية العلاقة بين الفن والعلوم

يقيم منتدى الحوار الثقافي العراقي في ستوكهولم ندوة حول جذرية وجدلية العلاقة بين العلوم والفن، يحاضر فيها الكاتب والإعلامي الأستاذ طالب عبد الأمير، الحاصل على شهادة الدراسات العليا في علوم المعلومات والاتصالات . يثير الأستاذ طالب تلك الجدلية عبر إثارة ومناقشة أسئلة ساخنة يحاول الإجابة عليها، من مثل.
ــ ما علاقة الفيزياء والكيمياء والرياضيات بالرسم ؟
ــ ماهي المشتركات بين أينشتاين وبيكاسو؟
وغير تلك الأسئلة التي تثار عن طبيعة تلك العلاقة التي تربط الفن بالعلوم كحقول معرفية.
 
تعقد الندوة في الساعة الخامسة والنصف من عصر يوم السبت المصادف 11 / 06 / 2016  في منطقة شيستا من العاصمة ستوكهولم وعلى قاعة    BLACKBOX   داخل المكتبة المركزية  الواقعة وسط السوق التجاري ( الكاليري ).
ملاحظة

أعزائنا، يأمل المنتدى الثقافي من حضراتكم تقديم المقترحات الخاصة بالحوار والنقاش التي ترغبون عقدها مستقبلا كحوارات ومحاور، وفي مواضيع ثقافية فنية أدبية علمية تاريخية، وأيضا مناسبات وشخصيات عامة نستطيع أن نضعها مستقبلا في برنامج المنتدى ، كذلك يهمنا جدا ويسعدنا أن نقدم للجمهور وزملائنا من  له القدرة والاستعداد على الخوض في غمار الطرح والنقاش.أو حتى اقتراح أسماء لتقديمها كمشاركة في بلورة حوار محدد.
  يسرنا ويسعدنا حضوركم




67

كارل ماركس في العراق الجزء الثالث عشر


شعر ماركس بالضيق وفضل الحوار الداخلي دون الاستمرار في الحديث مع هذا الشاب المسكين الذي من الجائز أن وضعه النفسي متوتر جدًا، ومشاكله لا حدود لها. فكر ماركس بأن من المناسب ألا يشغل نفسه بعيدًا عما هو فيه الآن، فمن الجائز أن يكون هؤلاء عصابة أخرى اختطفته من جماعة أبو بشير وهو الآن بضاعة متداولة بين أوباش لا أخلاق ولا ضمائر لديهم.
كان ماركس في وضع شعر معه وكأن حبالاً غليظة تحيط به وتطوّقه وتدفعه نحو بئر عميق. فهاهو وبعد أن تخلص من وضع الاختطاف عند مجموعة أبو بشير، لم يجد في ذلك مخرجًا لحالة الحزن التي خيمت على قلبه وكيانه، وكانت في حقيقتها امتدادًا لسلسلة من أحداث ربما يستطيع وضعها في إطارها العام ومسبباتها، فقد سيطرت عليه منذ تلك الساعة، عندما كانوا يهمون في الدخول إلى مدينة الناصرية وعند بوابتها الخارجية حين أكتشف وضع رفيق جبار المخادع. كانت الصور والأفكار تترى في خاطره مثل ومضات عجولة. فليس هو الشخص الذي يستطيع بعد كل تلك الهزات التخلص من التوتر. ربما كان ذلك يحدث معه سابقا، أما الآن فذلك يبدو عصيًا عليه. لا يستطيع إسقاط المسببات على الآخرين أو رميها على القدر ليتم تصريف انفعالاته وتشنجه، وما محاولته الفاشلة للحديث مع هذا الجندي غير واحدة من تلك. فقد حاول تشتيت توتره وانفعالاته رغبة في تمضية الوقت وبعثرة مشاعر القلق والتوتر. يتذكر الآن وهو يحاول جسديًا التماسك في مقعده مع ارتجاجات السيارة المؤذية. إنه دائما ما كان  يضع لنفسه خطة تقف في وجه طغيان الانفعالات لكي لا يلغي الواقع ومن ثم تنحسر لديه رؤية أفاق المستقبل. ما صادفه مع الرفيق جبار وصحبه وكذلك عند عصابة أبو بشير لم يكن غير مأزق في عقلانية الحياة، وما شاهده وتلمسه، كان عطلاً في ممكنات المنطق السوي وضربًا من الواقع المأزوم، حيث بدت الخيارات الإنسانية فيه خرافية وغبية حد اللعنة. حتى مع هذا العسكري المتطير المتشنج الجالس هنا ولكن روحه ذاهبة بعيدًا، فالواقع لا يمكن أن يكون عقلانيًا. ترى لماذا تجشم هذا العسكري عناء الدروس وأجتهد وتخرج ثم رمي هو ومستقبله مثل تلك الرمية الغبية بعيدًا عن خياراته واختصاصه العلمي، ليس هناك تبرير عقلي لهذا الذي حصل، وفي بحثنا عن مسببات هذه الوقائع غير المنطقية سوف نصطدم بقيم وأعراف كثيرة ومؤذية، وأولى تلك الملامح هو التخلف الذهني السائد والمسبب لكل تلك الإخفاقات والنكوص المجتمعي، أيضا ثمة أيادٍ أخرى تلعب أدوارًا فاعلة في هذا المضمار منها قهر السلطة والعشيرة والعائلة والأعراف والتقاليد وغير ذلك، جميعها يقف كموانع أمام أي رغبة في التغيير أو وضع الأمور في نصابها الصحيح. ومن نتائج ذلك زعزعة القيم والأخلاق والسلوك العام لتنعدم معها الحلول الايجابية، فيلجأ المرء حتى للخيارات غير المرغوبة عنده أو حتى المفروضة عليه ليواصل التزامه بوجوده كبشر، وهذا ما فعله هذا الجندي البائس في خيار انتمائه للسلك العسكري. ولكن هذا المنحى وكحدث جماعي يدفع للتغرب والانسلاخ والخيبة والسير في طرق وعرة وتسيد اللاعقلانية، وتظهر سوءة هذا في دورة الإنتاج المجتمعية ليعدم نضجها وتكاملها، ومن ثم يفضي لطغيان طابع أنتاج محدد مقصيًا قطاعات الإنتاج الأخرى عندها لن نجد غير اقتصاديات زائفة لا تجلب الرخاء للبلد وأهله ولا تستطيع تقديم أصلاح أو رقي وهذا ما يحدث في العراق اليوم.
ــ ها قد وصلنا تهيأ للنزول.
قالها العسكري منبها ماركس الذي كان سارحًا في البعيد يحادث نفسه.
ــ ألا تفك قيودي؟
ــ ما أكدر.. واجبي يتحدد ببقائك بهذا الشكل حتى يتم تسليمك لمركز الشرطة.
ــ وأين مركز الشرطة هذا؟
ــ أحنه كدامه الآن... هسه يجي السيد الضابط وهو يأخذك.
لم يكن في حوض السيارة غير نور خافت يضيء المكان، ولكن فتحة شباك صغير أعلى الباب الخلفي كان يخترقها الضياء، عرف ماركس من خلالها انبلاج نور الصباح. نهض من مكانه ولكن العسكري صرخ به أن لا يتحرك لحين مجيء الضابط. مضت دقائق ثقيلة من زمن لم يعد هناك من يستطيع حسابه، فبوصلته أضاعها ماركس منذ لحظة دخوله مطار العاصمة العراقية بغداد، وما كان ليعنيه أن يكون هدفًا لتوقيتات فرضت أو لم تفرض عليه فقد بات يتجنب فكرة مراقبة الوقت، فليس ثمة اجتماع مستعجل أو حاجة ملحة في هذا الزمن والمكان العجائبي غير المنضبط. ما الذي يمكن أن يفعله بعد أن اقترفت بحقه كل تلك القسوة. بشفاه يابسة تبسم ثم زمها وهز رأسه. كان حارسًا لبقرتين كانتا ترتجفان رعبًا حتى من نباح الكلاب، تأكد أنهما كانتا مسروقتين. حلم مرة بأنه أقتادهما نحو حقل واسع وعافهما ترعيان هناك، وجلس هو عند جذع شجرة يرقبهما ثم أخذته غفوة، فمضت البقرتان بعيدًا دون أن يلحظ ذلك، فكان عقابه على غفلته تلك حفلة تعذيب بالعصي الموجعة، رافقتها بهجة وفرح غامر من أبو بشير ومرتزقته الحقراء الموبوئين، وكأن ذلك يمنحهم انتعاشًا غريبًا بعد غنيمة دسمة، فأستيقظ فزعًا من حلمه. هذه اللحظة تذكر عصي أبو بشير فأقشعر بدنه وبعفوية صدر عنه صوت توجع.
ــ دفتحو الباب نعله على خيركم.
صرخ العسكري وهو يسحب رشفة قوية من سيجارته، فقد شعر بأن الوقت قد طال عليهم ولم يعد يحتمل الانتظار. أبواب حوض السيارة مغلقة ومفتاح أقفالها لدى الضابط وهنا تكمن المشكلة. ثم راح يتمتم بصوت خافت.
 ــ حتمًا الضابط أبن المشعول تلكاه كاعد هسه داخل مركز الشرطة يكمل أوراق الاستلام والتسليم، بس كاعد برهاوته يشرب استكان جاي، ويمكن يتريك مع ضابط المركز وعلى كيفه ويه المعاملة، وأنعل أبو الموجود بالسيارة ويضربهم طحيل.. شنو والله ضابط بالجيش العراقي يعني ملك أبن ملك أبن المهلوس.
ــ ما الذي تقوله؟
ــ متعوفني أنته بقهري.. تره والله أكوم وأبيس بيك وأطلع كل حر البقلبي.
ــ ماذا؟
صمت العسكري وراح في حواره مع سجائره التي يجد فيها خير رفيق ينقذه مما هو فيه.
مضى أكثر من نصف ساعة حين شعر ماركس بحركة مصراع باب السيارة الخارجي أعقبه فتح الباب وبزوغ نور نهار يحمل نسائم صباح مشرق. فتساءل ماركس هل حقيقة أنه قد تحرر أم تراها مرحلة أخرى من المرارة والعذاب سوف يواجهها هنا من جماعة أخرى أشد قسوة وعنف. نظر إلى مجموعة العسكر الذين تجمعوا أمام باب حوض السيارة وشعر بالتوجس والخوف وهو يراقب نظراتهم القاسية. وأحس بالإرباك وهو يسمع قهقهات يطلقها البعض من هؤلاء الواقفون أمام باب السيارة.
ــ لك هذا شنو الطويرني المهلوس؟
ــ خطية هذا شصاير بيه!!
ــ لا ياظلام.. شلاعبين بالرجال لعب.
ــ تعال خالي.. تعال أنزل.
رفع ماركس عجيزته بتثاقل فبدا وكأنه غير راغب بترك مكانه، فقد توجس شرًا من هؤلاء ووجد في طريقة استقبالهم له ما يوحي بكونهم من ذات طينة مجموعة أبو بشير وتوقع مستقبلاً زاخرًا بحفلات تعذيب لا نهاية لها.
ــ تعال خالي لتخاف، تعال.
تقدم ماركس إلى الأمام فتلقفته يد ساعدته على الهبوط من حوض السيارة وبعد وقوفه بين مجموعة العسكر التي أحاطته راح يتفحص وجوههم وفي داخله قرار بأن لن يستسلم بسهولة هذه المرة وعليه أن يرد لهم الصاع صاعين إن فكروا بإيذائه. تقدم أحدهم وأخذ بفك الحبل الذي كان يحيط بمعصمي ماركس. ثم سمعهم يتبادلون جمل التحايا والتوديع بعد أن أخذه أحدهم وأدخله إلى البناية.


68



كارل ماركس في العراق/ الجزء الثاني عشر

نهض كارل ماركس من نومه فزعًا على أصوات إطلاق نار كثيف دون توقف ودوي انفجارات شديدة قريبة من الدار. بدا كأن هناك اقتتال دامٍ بين جبهتي خصوم. كان صدى الاطلاقات والقذائف يتردد وسط الغرفة تكتمه جدرانها الكونكريتية فيضغط الصدى على أذني ماركس ويؤذيهما. كانت الظلمة حالكة لم يستطع معها أن يميز بسهولة شيئًا في الغرفة، وفجأة شعر باقتراب جسد أحدى البقرات منه وكأنها تريد أن يحميها من هجوم يستهدفها بالذات. اشتدت أصوات أطلاق الرصاص والانفجارات واقتربت من جدران الغرفة واختلطت أصوات بشرية عديدة ببعضها تصرخ بحدة، شتائم وسباب ونداءات وتهديد. لم يستطع ماركس أن يميز كل ذلك ولم يكن ليعلم شيئًا عما يحدث في الجوار. خمن وهو في عزلته الداكنة السواد بأن ما يحدث هو اقتتال شرس بين فريقين. قد يكون اقتتال بين هؤلاء الأوغاد، فالسلوك الجانح والعدوانية وبدائية التفكير والتناقض الظاهر في شخصياتهم ورغباتهم، كل ذلك يرجح اقتتالهم الداخلي. حالة التوتر الوجودي واضحة لديهم جميعًا. علاقاتهم مع أبو بشير وأيضًا فيما بينهم تبدو علاقات اضطهادية متوترة، ودائما تراهم في حالة نفسية تظهر على تصرفاتهم وفي عيونهم القلقة، وكأنهم على استعداد لخلق صراع أو معركة مع الأخر.
اشتدت وطأة الاقتتال وتزايدت معها أصوات أطلاقات الرصاص والانفجارات والضجيج والصراخ المبهم. فجأة شعر كارل ماركس بقوة اهتزاز باب الغرفة الحديدي. كانت هناك محاولات لفتحة أو خلعه دون جدوى. ثم فجأة دوى صوت رشقة رصاص باتجاه السلسلة الحديدية ليفتح الباب. سطعت حزمة أنوار سقطت عند جدار الغرفة المواجه للباب، بعد ذلك راحت أضواء مصابيح تتراقص داخل الغرفة رافقتها أطلاقات اخترقت الظلام فنثر اصطدامها شظايا من حجر الجدران وقع بعض منه فوق رأس ماركس وقريبة منه. دخل رجال مدججون بالسلاح شاهرين أسلحتهم ووقفوا جوار ماركس وكان أحدهم يصرخ بصوت عال.
ــ أبق مكانك لا تتحرك .. أرفع يديك.   
رفع ماركس يديه المكبلتين وأشار بهما نحو الرجال.
ــ منو أنت وشتسوي هنا.. ومن قيدك؟
ــ أنا مخطوف منذ أسابيع ..
ــ لا تتحرك من مكانك.
ــ ولكن من أنتم؟
ــ أحنه من الجيش العراقي ونبحث عن عصابات الخطف والجريمة في هذه البساتين. تعرف واحد منهم؟
ــ لا علم لي . أنا لست عراقيًا أنا ألماني.
ــ ألماني ...؟
ــ نعم ألماني الجنسية.
ــ ما أسمك؟
ــ كارل هاينريش ماركس.
ــ هل لديك أوراق ثبوتية؟
ــ أنها في حقيبتي التي أخذها مني أبو بشير.
ــ منو هذا أبو بشير؟
ــ هو رأس المجموعة التي خطفتني. وهو من يمتلك هذا البيت ويدير مجموعة الشباب التي ترتكب الجرائم.
ــ وفي أي شركة أو مؤسسة ألمانية كنت تعمل.. وكيف اختطفت؟
ــ أنا عالم آثار وأعمل لحسابي الخاص؟
ــ بيا منطقة خطفوك؟
ــ لا أعرف المنطقة.. كنت مع شخص أخر أسمه جبار خرجنا من الناصرية باتجاه بغداد حين أعترضتنا سيطرة عسكرية وهم من اختطفنا.
ــ ملازم سامي، هذا مو وكت تحقيق.. حتما هناك أشخاص آخرين سوف نعثر عليهم داخل هذه المناطق من البساتين.
ــ أوكي سيدي.. شباب.. أخذوه لسيارة الطوارئ، لا تفكوا قيوده وخلوه تحت المراقبة لحين تسليمه إلى الشرطة الاتحادية، خلي نائب ضابط طارق يدرج المعلومات عنه في تقرير المعركة مع باقي الموجودات.   
لم يكن كارل ماركس مصدقًا ما حدث، ففجأة تغير كل شيء وبدت الأمور تأخذ منحىً جديدًا لا يدري ما الذي يخفيه له القدر في المرحلة المقبلة. قبل صعوده إلى جوف العربة طلب من الضابط أن يجلبوا له حقيبته الجلدية الموجودة في غرفة أبو بشير كونها تحتوي على جميع وثائقه، جواز سفره وما يثبت شخصيته. دفع العسكري جسد ماركس داخل السيارة بعد ذلك أشار الضابط لأحد الجنود بالدخول إلى الغرفة والبحث عن الحقيبة، بعد قليل جاء العسكري بحقيبة صغيرة كالحة السواد.
ــ هاي هيه حقيبتك؟
ــ نعم هذه.
تحت نور المصباح اليدوي فتحها الضابط بحذر ومد يده وأخرج بضعة أوراق كتب فيها بخط مرتبك وبلغة غير العربية.
ــ هذه الأوراق كل محتويات الحقيبة... ماكو شي لاخ.
ــ جواز سفري هوياتي التعريفية.
ــ ما كو أي شي.
ــ أرجوك لعلهم وضعوها في مكان ما من الغرفة أو في المنضدة؟
ــ أوكي .. أبني جواد روح دور بالغرفة زين لتخلي مكان ما أدور بي.
لم تنقطع لعلعة الرصاص والانفلاقات وضجيج الأصوات والنداءات ولكنها ابتعدت في عمق البستان المجاور. كان ماركس يطالع المكان وكأنه يراه للمرة الأولى. ليس مثل المرات السابقة، فقد حاول هذه المرة التعرف على المكان بدقة فراح يجول بناظريه. ورغم ضوء القمر الشحيح وشبه الظلمة التي تلف المكان، يبدو منظر البستان القريب جميلا. نخيل وأشجار وبيت بعدة غرف، كانت الغرفة التي وضعوه فيها تأخذ الطرف الخلفي منه. أمام البيت ساقية ماء صغيرة تذهب إلى ما خلف الدار، يعلوها جسر خشبي صغير وهناك طريق ترابي يمتد بعيدًا نحو عمق البستان. لم يكن ضوء القمر الباهت بكاف لرؤية الكتل الصغيرة المرمية هنا وهناك ولكن فضوله كان يدفعه للتمعن بدقة بما حوله.
ــ سيدي ما لكيت كلشي.
ــ بكل مكان؟  بالجرارات بغيره؟
ــ والله سيدي بحوشت كلشي.
تنبه كارل ماركس لكلام العسكري فطلب معرفة ما دار بينهم فأخبره الضابط بأن الجندي لم يجد أي متعلقات له في الغرفة قائلا.
ــ يمكن أخذوها وياهم أو تلفوها.
ــ لقد أخبروني بأنهم أرسلوا صورة من جوازي إلى السفارة الألمانية لطلب الفدية.
ــ كلش زين تستطيع مراجعة السفارة الألمانية وتحصل على نسخة جديدة.
ــ نعم .. عسى أن ينفع ذلك.. هذا يحتاج إلى جهد ومثابرة وضربة حظ سحرية.
ــ ماذا؟
ــ لا شيء ..متى نذهب؟
ــ ننتظر انتهاء العملية وعودة الجميع، بعدها نحصي الموجود ونتائج العملية.. أعتقد أن هذا لا يستغرق وقتًا طويلا ربما بضع  ساعات أخرى.

***
في هذا الموقف الذي وقع فيه ماركس وبعد أن شعر بالحرج والضيق والخيبة من الذي حدث لأوراقه الشخصية ، وجد أن ليس أمامه غير خيار التوازن، التوازن بين الانفعال والعاطفة بين المنطق والعقل، فرغم القلق ومشاعر انعدام الأمن، فان المرء يحتاج الركون إلى العقلانية في التعامل مع الوقائع رغم الخسارة، فالإفراط بالانفعال وتأجيج العواطف في مثل هذه المواقف لن يجدي نفعا، وحتما سوف يؤدي إلى انهيار القدرة على التركيز، عندها تفلت من الإنسان الكثير من القوة والحقائق.
تنبه ماركس لحركة السيارة البطيئة ووجود العسكري الجالس بجانبه الذي يدخن سيجارته بشراهة دون أن يلاحظ عليه أي اهتمام لوجودهم جوار بعض، فالعسكري يبدو في عالم أخر، بعيد عن هذا المكان بل بعيد كليا حتى عن سلاحه. كان كمن يهيم في فضاء ويحلق مع دخان سيجارته ، وهذا ما يظهر عليه من خلال استنشاقه ونفثه لدخان سيجارته. كان يريد أن يلتهم من الدخان أكثر مما تستطيع أن تمنحه تلك السيجارة الصغيرة الضائعة بين أصابع كفه الغليظة الخشنة، ولذا يحاول إبقاء الدخان في صدره أطول وقت ممكن، ثم ينفثه بحدة يصاحبها صوت صفير غريب يأتي من صدر موجوع منخور.
ــ كم من الزمن وأنت في الخدمة العسكرية؟
تنبه العسكري واستدار لرؤية وجه ماركس القريب، فالضوء الشحيح في حوض السيارة لا يساعد على وضوح الصورة.
ــ وأنته شيخصك؟
ــ مجرد سؤال .. أراك ضجرًا.
ــ وأنت شعليك ضايج مشتعل سلفه سلفاي.. شنو راح ينفعك؟
ــ العفو مجرد سؤال إن كان ذلك يزعجك فأرجو المعذرة.
ــ قبل تلث تيام كملت عامي الخامس. وليش بالضبط تسأل مثل هذا السؤال؟
ــ شيء من الفضول فأنا أراك قلقًا مكتئبًا وربما أنت بعيد عن طبيعة مهنتك أو تعاني من مشاكل عائلية.. هل تحصل على راتب جيد؟
ــ الحمد لله، أطيك هويتي حتى ترتاح.
ــ هل أزعجك بأسئلتي.. أريد فقط أن نقضي الوقت وأنت شاب عراقي وأنا مهتم بأوضاع الشباب.
ــ يا شباب يمعود خليه سكته.. وحضرتك تريد هسه أتكضي وقتك براسي مو.... صحيح أنته إلماني؟
ــ نعم إلماني.
ــ لعد يحظي شجابك لهذا المهجوم؟
ــ ماذا تقصد؟
ــ يعني لماذا جئت إلى العراق؟
ــ أردت دراسة الآثار والأحداث.
ــ وبدل ما تدرس آثارنا خطفوك مو؟ يجوز جانو عصابة تبيع آثار ورادو يستفادون من خدماتك.
ــ نعم... ماذا تقول؟.
ــ ما كو شي.. وشنو راح تسوي بعد ذلك؟
ــ سوف أحاول العودة إلى بلادي.
ــ أي نعم هذا المنطق الصحيح.. مو جاي أتضيع وقتك وعمرك ويانه... كلي هذا منو زينك؟
ــ ماذا تقول؟
ــ منو حلق شعرك؟.. أملخك تملخ. 
ــ  أبو بشير وعصابته هم من فعل ذلك.
ــ الله يطيح حظهم على هذي الدكة العوجة.
ــ هل لديك تحصيل دراسي؟
ــ أنا خريج جامعة.
ــ خريج جامعة!
ــ نعم خريج كلية الإدارة واقتصاد.
ــ وهل من الموجب على خريجي الكليات الخدمة في الجيش.
ــ هذا كان قبل على عهد صدام .. أما الآن فلا.. لا تكليف وأنا من تطوع للخدمة في الجيش.
ــ ولمّ لم تعمل باختصاصك؟
ــ حاولت ألف مرة ودورت على وظيفة ودفعت فلوس لأجل ذلك، ولكن باءت محاولاتي جميعها بالفشل.. أو وصلتني محاولاتي لحالة من اليأس وحاولت بعدها الانتحار.
ــ الانتحار؟!
ــ نعم.. بعد ما كدرت أوفر الطعام لعائلتي.
سحب سيجارة أخرى وأشعلها من بقايا الأولى وراح ينفذ الدخان بعجالة وظهر عليه الحنق والضيق فاستدار معطيا ظهره لماركس.
ــ متخليني بقهري.. هسه أنته متكلي منين الله جابك عليه؟ من أحترك أبو الخلفني على هذي القسمة الكشرة بهذي الليلة السودة.



69



كارل ماركس في العراق/ الجزء الحادي عشر


قبل أن يهبط المساء ويرخي الليل سدوله، ولم تغب بعد حمرة الشمس من فوق تيجان النخيل، دفع الباب الحديدي بقوة وظهر أبو بشير ومجموعة من رجاله ليتوسط الغرفة صارخًا.
ــ قشمر حقير عميل، والله لأريك اليوم أنجوم الظهر.. تجذب على أبو بشير.. انته تعرف منو أبو بشير.. أني خبلت الأمريكان ودورياتهم وما خليتهم يكدرون يوصلون للمنطقة.. تويتهم توي، وهسه الحكومة تتوسل بيه.. آنه أبو بشير ما يتحرك نفر بالديرة إذا ما أعرف وين رايح ومنين جاي ..شدو  بالحبال زين لهذا الاطكع العميل.
ــ ما الذي حدث.. أليس من حقي أن أعرف..
ــ قشمر شنو حقك ليش أنته كاعد بالبرلمان لو بالكهوة.. شوف حقير.. اتصلت بالسفارة الألمانية جاوبني على التلفون واحد كلمته عنك وعن العرض إلي أخبرناهم بيه لمبادلتك، فراح يضحك ويستهزئ مني وأغلق التلفون بوجهي.. اتصلت مرة أخرى فرد علي نفس الشخص وحين سألته عن موضوعتك ضحك مرة أخرى وقال بالحرف الواحد صحيح هذا صاحب الصورة ألماني الجنسية، ولكن هذا الذي تحتجزوه يضحك عليكم وربما زور الجواز الذي بحوزته أو سرقه.. فالرجل الحقيقي صاحب الجواز هذا مات بلندن عام 1883 ودفن هناك.
 أفتهمت شنو صار؟  إنته مو نفس الموجود بالجواز، جاي تريد تلعب على العراقيين والحكومة، وهسه إنته هل مره جاي تلعب علينا بحجة عالم آثار.. وبهاي السنة راح تكشف للعالم شلون السومريين فتحو شط الناصرية وسوو بالشطرة مراجيح..وآشور بانيبال جان ياكل تبسي دجاج لو ثريد باكله بالدهن.. اليوم راح أراويك شلون تتعرف على نفسك وأطلعك صحيح طالع من الآثار، جنك نبوخذ نصر لو آورنمو مزوهر ومشعوط، اليوم راح أعرفك صدق على هذا صاحبك ماركس الميت والي إنته منتحل شخصيته.
ــ جيبو الخيزرانه ومكص جز الصوف ومكينة الحلاقة... بسرعة يله.. شاكر أنته وقاسم اربطوا هذا بالحبال زين وشدو ويه الهايشه الجبيرة.. يله..
تقدم المسلحان وأخذا الحبل وقيدا ماركس ثم  أحاطا وسطه بالحبال أيضًا، وسحباه بالقرب من البقرات ثم ربطا الحبل الملتف على جسده بلجام أحدى البقرات. وقف أبو بشير وبيده عصا خيزران وراح يضرب بها ماركس بكل ما أوتي من قوة، تلوى ماركس أثرها من الألم،ثم أشار أبو بشير لأحد المسلحين وناوله العصا، فانهال هذا بعصاه بضربات سريعة وقوية جعلت جسد ماركس يتلوى ويلتف على نفسه ثم ينتفض من شدة الألم.  تقدم أبو بشير وأخذ العصا من فتاه وراح يضرب بشدة ظهر وعجيزة البقرة فاندفعت راكضة نحو الزاوية الأخرى يلاحقها أبو بشير بعصاه. أخذت تدور في الغرفة وتسحب وراءها جسد ماركس ممرغة إياه بالروث والتراب. كان أبو بشير يمعن في إيجاعها بضرباته فتهرب وتخور في مساحة الغرفة الضيقة ليصطدم جسد ماركس بالجدران .تفجر الغضب عند كارل ماركس فراح في موجة من شتائم تختلط بها العربية والانكليزية والألمانية وبكل ما استطاع من تعابير كي يوصلها لأسماع هؤلاء. ولكن أبو بشير كان يوغل في تعذيبه، يضرب البقرة لتهرب منه ثم يوجه ضربات سريعة ومتتالية لماركس.
 رغم هذا الألم المضني دار في خلد ماركس لحظتها ما يحاول به تفسير ما يجري له. لم يكن يحمل من الذنوب الكثير ليغسلها على طريقة السيد المسيح بتحمل هذا العذاب والألم. ها هو بعد أن أمضى 47 عامًا مناضلاً لأجل الطبقات المسحوقة والفقراء تراه يرزح اليوم لتعذيب همجي من قبل شذاذ الآفاق دون أن يعرف سبب مقنع أو ما يبرر فعلهم هذا عدا كونهم هواة جرائم وقتل وسرقات. ما نوع الحقد الذي يحمله هؤلاء، كيف ارتقى عقلهم لمثل تلك البشاعة، ما العمق الروحي لهؤلاء؟ لماذا يمارسون الإذلال لغيرهم من البشر؟ لا شيء لهم في هذا العالم غير الشقاء وعبودية الجريمة. هذه العقوبة التي يتلظى بها الآن  تجعله يصر على أن الدافع المادي والمنافع المادية هي عقدة البشر المستحكمة في خيرها وشرها وهي بالذات من يستعبدهم ويتحكم في صيرورتهم.
حين توقفت البقرة شعر ماركس وكأن جميع عظامه قد هرست وتفكك جسده ولم يكن ليشعر بالقدرة على تحريك أعضاءه وانتابته حالة من الغثيان وأحس بالحاجة للتقيؤ، كتم أنفاسه ولكنه لم يحتمل كل ذلك الوجع والغثيان، فاندفع فجأة سائل اصفر من فمه وأنفه.
ــ شنو هذا أتكول شارب عرك ومطوخ فد نوب.
ــ هذا بشكل خلقتك ذاك اليوم.. لعبت نفسنا وكل ما جنت شاربه بيكين.
ــ غير جنت ضايج وماكل تمن وفوكاهه متعارك ويه المره.
ــ وروحه الخالك هذولة يشربون بطلين وما يبين عليهم .. الله حلله عليهم وحرمه علينه .. هم هاي قسمة وعدالة..ليش ربي ليش؟
ــ أي مو تريده تصير سفرتح حتى النسوان والرياجيل بالعراق يكومون يلعبون شناو بالشوارع .. متخليه مستوره وجوه رحمة ربك.
ــ عمي هذا أبو أشتعل.. أنخضت مصارين معدته وتريده ما يزوع.
صرخ أبو بشير بوجه الجميع موبخا
ــ كافي عاد.. كافي لغوة ..جيبوه... جيبوه يمي.. آني أعرف دواه لهذا الجاسوس القذر.
سحب جسد ماركس وقد تلطخت ملابسه ووجهه بالقيء والتراب وتمزق قميصه وما عاد هناك لون لملابسه غير لون التراب المخلوط بروث البقر. كان جسده مطوقًا بالكامل بالحبل الذي التف حول يديه وخصره فلم يعد يستطيع تحريكهما. أجلسوه أمام أبو بشير وكان يشعر بدوار يلف رأسه، ولم يعد يقوى على رؤية ما حوله بوضوح فكان يترنح إلى الخلف ثم الأمام. قبض أبو بشير على خصلة شعر من رأس ماركس الكثيف وراح يجزها بالمقص، انتزع كومة الشعر من الخلف وصولا إلى باقي الأماكن فظهرت خارطة مشوهة من بقع للشعر مبثوثة بعشوائية في رأسه. ثم استخدم أبو بشير ماكينة حلاقة صغيرة ليكمل الشوط ويقضي كليًا على شعر الرأس فظهر رأس ماركس خاليًا من الشعر سوى بقع تتناثر هنا وهناك. نادى أبو بشير على أحد مساعديه وطلب منه حلاقة لحية ماركس. قفز الشاب من مكانه فرح ثم بدأ يمارس عمله في غاية الخفة ولكن بمحاولات خبيثة لإيذاء ماركس فبدء وجه ماركس ينز دما من بعض الأماكن. استمر الشاب في عمله دون مبالاة لتوجع ماركس وصراخه، وحين انتهى قفز وكأنه نال جائزة على عمله وراح في موجة ضحك هستيري وهو يومي على ماركس، شاركه الآخرون الضحك.  طلب أبو بشير أن يأتي أحدهم بجردل ماء ويسكبه على رأس ماركس فجيء بجردل الماء من الساقية القريبة. بدأ أحدهم يصب الماء ببطء شديد فأخذ ماركس يهز رأسه محاولة منه لتلقي جميع أماكن رأسه بعض ما يسكب، ورغم أوجاعه شعر ببعض من الراحة.
 بطلب من أبو بشير تقدم أحد الرجال ليرخي الحبال عن جسد ماركس. لم يكن ماركس بقادر على تحريك جسده رغم تحرره من القيود فمال عفويًا وتمدد على الأرض محاول أن يسيطر على أعصابه ويأخذ حالة من الاسترخاء. نظر إلى سقف الغرفة وأغمض عينيه من شدة الإجهاد الذي أنهكه.
ــ عمي أبو بشير هذا شلونه .. طلع جنه عتوي مهلوس.
ــ كَبل جان أحله.. جان أيبين رجال أكابر  وهيبة، هسه صار أبرص أحمر جنه ديج هراتي، الأجانب  ولد المداس تكول أبد ما شايفين شمس.
ــ لا يابه هذا أيبين عليه ترف أبن نعمه.. أمه ما جانت أتخلي يشتغل..قابل بشكل حظي، عمري ثمن أسنين وأبويه سوالي جمبر جكاير وعلج.. ويوميه قبل لا أطلع عيطه وكفخة ومن ارجع مثلهن.
ــ  شعبالكم..هذولة الأجانب عدهم سبع أشكال مثل البزازين بسبع أرواح..
ــ ها شلونك عمي ماركس.. هذا التمرين الأول.. بعد كل يوم راح تأخذ تمرينين، واحد الصبح والثاني بالليل إلى أن تستوي.
ــ دفكو ياخة من هذا هسه، خلصونه، وخلي نشوف دربنه ويه ذيج السالفة مال الليل. خوب ما نسيتو؟
ــ لا عمي أبو بشير.. شلون ننسه.. يله بينه، يله.

لم يجب ماركس وفضل الصمت رغم ما كان يختزن صدره من شتائم ممكن أن يوجها لهؤلاء الحقراء، ولكنه فكر بقدرة هؤلاء على الإيذاء وطبيعتهم الوحشية. أحس بتعب شديد سلب منه كامل قواه، وما عاد يشعر بالقدرة على الجلوس، وبعض من أعضاءه ما عادت تقوى على الحركة. سمع السلسلة الحديدية وهي تسحب لتغلق الباب خلف هؤلاء ذوو السحنات القميئة. فكر في صورته الجديدة وكيف يكون مظهره بعدها، ليته يقف الآن أمام المرآة ليشاهد ما فعله هؤلاء السفلة بتلك اللحية والشعر اللذان حافظ عليهما منذ أكثر من أربعين عاما ،معهما كان يحلو له أن يكون متميزًا، معروفًا أمام الناس، محبيه، مناصريه، السائرين في طريق أفكاره، ليس سوى تلك اللحية والشعر غير علامة فارقة تجعلهم يعرفون أي طريق يختاروه ويواظبون السير عليه، تذكر ذلك البرجوازي المعتوه الذي عرض عليه مبلغ كبيرا لغرض حلاقتهما وكان يسميه رجل الغابة المتوحش، ترى ما مقدار الفرح والغبطة التي يصاب بها حين يراه على هذه الحالة. 
راح في تفكير عميق وكأنه في غيبوبة أو يمارس ضربًا من الطقس الصوفي، فقد بدت عيناه تدوران بسرعة في مآقيهما وكور جسده.  حاول أن يلملم دقائق ما حدث وما يترقب حدوثه، يا ترى هل يتحمل جسده التعذيب مرة أخرى، ليتهم يتعجلون في قراراتهم ويأخذونه جهة النهر وتنتهي هناك تلك المشاهد، لتختم الرصاصة القاتلة حياته ومعها الرغبات السادية لهؤلاء. هل أن وحشيتهم متأتية من بدائية نفسية؟  هل تتلبسهم في الكثير من الأوقات روح رجل الغاب البدائي، أم ترى أن ممارساتهم وليدة وضع مأزقي سببه بنية القهر التي يعيشونها، لذا فهم عدوانيون متوترون يفتقرون للعقلانية ولا يرغبون في الحوار المنطقي. ليس لهم رغبة بحوار إن لم  يجعلهم وفي جميع الاحتمالات منتصرين، فهم دائمًا يشعرون بالإحباط والإهمال، يصنعون لهم عالمًا متفردًا غير قابل للتهشيم حسب ما يعتقدون، وفي هذا الجو الملتبس تنشأ المصالح المشتركة بين أفراد يجدون في الاحتيال والعنف ما يضمن لهم حقهم أمام الآخرين، عالمهم أشبه ما يكون عالم حيوانات وسط الغابة. الآخر عندهم مهما كانت طبيعته هو الخصم الذي يهدد المصير ويريد الاستيلاء على الحقوق حتى وإن لم يبدر منه شيء.
أحس ماركس بعد جولة التعذيب القاسية وهذا الجهد والتعب الجسدي والفكري، بالنعاس يتسلل لعينيه فراح في نوم عميق.


70
ندوة
 
 
تقيم جمعية الرافدين لدعم التربية والتعليم في العراق بالاشتراك مع جمعية المرأة العراقية في ستوكهولم ونادي 14 تموز الديمقراطي العراقي
ندوة عن الأوضاع الحالية في العراق وتأثيرها على وضع المرأة وكذالك التربية والتعليم تحاضر في الندوة الدكتورة بتول الموسوي الباحثة والأستاذة في مركز الدراسات العربية والدولية في الجامعة المستنصرية حاليا والمستشار الثقافي سابقا لوزارة التعليم العالي العراقية في السويد والدول الاسكندينافية والناشطة في منظمات المجتمع المدني داخل العراق.
 
تقام الندوة في أحد قاعات مبنى ABF   بالعنوان.Sveavägen 41  في يوم الجمعة الموافق 27 / 05 / 2016  من الساعة السادسة مساءا
 
 
الدعوة عامة
أملين حضور نشطاء الحركات المدنية والشخصيات المهتمة بالشأن العراقي. 



71


كارل ماركس في العراق/ الجزء العاشر

فرات المحسن

رغم إن كارل ماركس قد أعتاد خلال الثلاث ليال الماضية على لسع الحشرات والرائحة القبيحة وأصوات الحيوانات، ولكن في هذه الليلة لم تغمض له عين فقد أبت أفكاره أن تتوقف عند محطة واحدة. راح يتساءل، يبحث ويتذكر بعض محطات من حياته، داهمه هاجس غريب جعله يتساءل عن الذي سوف يرثيه أو الأحرى من الذي يمشي في جنازته إن استطاعوا استرداد جسده الذي من الجائز أن يكون عن قريب وليمة طازجة لأسماك النهر الذي يهددونه به هؤلاء كل يوم.. تسيس بالشط، حاول تلفظها بشكلها الصحيح بعد أن أخبروه عن معناها اللئيم البشع، ولكنه لم يستطع مثلما وردت على ألسنتهم، أبناء العاهرات يستسهلون كل شيء.. تسيس بالشط.. يا لها من ميتة بشعة وجريمة قذرة.. الغريب أن مسؤولهم يتحدث عن دين وطهارة وخير في مواجهة الشر والكفر وإلالحاد والجواسيس وقرود وخنازير، وهو أقذر وألعن من براز بهيمة، فئران البيت الذي أسكنه في منطقة تشوكفارم الفقيرة شمال لندن، أنبل وأطهر من هؤلاء القتلة السراق. غضب الفقراء ضد الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج يتحول عمليًا إلى الإطاحة بالقوانين الجائرة وفي نفس الوقت يهمش الدين فالدين عملية سحرية لتنويم الفقراء والعبيد. أما هؤلاء الذي يواجههم اليوم فهم لا يملكون جوع الفقراء ولا غضبهم، وبقناعة هازلة يوظفون الدين كغطاء لعوراتهم وإقناع أنفسهم والآخرين بحقهم على اقتراف الجرائم. الشخص الخبيث الفاسد يعتبر جميع الصفات البشرية خبيثة وفاسدة وهؤلاء من تلك العينات المتلبسة بتلك اللوثة. معادلة منصفة لهؤلاء، فكما يكون الإنسان في الدين محكومًا من قبل نتاج دماغه المعقد المتخلف، كذلك تتحكم فيه وسائل الإنتاج وهي نتاج يديه. ولكن شتان بين وعي هؤلاء وذلك الآخر الباعث للفطنة والمحرض على الخلاص والدافع للارتقاء، ولذا فأن الدافع الأساس للثقافة ليس الإيمان بل المنفعة المادية المباشرة أي العملية الاقتصادية. وأرى أن هؤلاء القوم توطنوا الجريمة دون سواها فأصبحت متن ثقافتهم وطريقهم للمنفعة المادية.
 كأنه يمسك النجوم بيديه ويرجها. يتذكر الآن هذا الوصف الذي أطلقه عليه صاحبه أنجلز . وصف أطربه حين سمعه، وربما جعله يتمسك بهذا الصديق حد التشابك الفكري والأخلاقي رغم تباينهما ووضعهما الطبقي. أن يأتي المديح من أحد الصناعيين الذين انسلخوا عن طبقتهم ليقترب من الطبقة العاملة ويبحث عن حلول لأجل تحررها ونيل حقوقها. كان يقول، إن هذا الرجل حين يرفع ذراعيه أراه وكأنه يمسك النجوم بيديه و يرجها. هل ما قاله رفيقي كان حقيقة أم ترى نهايتي قد عقدت في هذه الغرفة دون أن أمسك نجمًا واحدًا.
وهو في هذه الظلمة ووسط الروائح الكريهة والحشرات تطن في أذنيه، تخطر على باله رسالة والده التي بعثها له حين كان يدرس في بون، قال له يا ولدي أشعر وكأن مارد يسكن داخلك، لا أعرف هويته، هل هو ملاك أم تراه من ذلك النوع الذي تحدث عنه غوته في فاوست. بين مديح صاحبه ومقولة أبيه وبعد كل ذلك الزمن الذي أشتغل وكد فيه دفاعًا عن الفقراء والطبقة العاملة يجد نفسه في هذه الغرفة الملعونة، مقيدًا وسجينًا بيد أوغاد، وقد ترنح فكريًا واهتزت لديه قناعاته فبات يحمل ذات التساؤل الذي طرحه أبيه. ما طبيعة المارد الذي يسكن داخله؟
خالجته فكرة أن يطلب من سجانيه وليقل خاطفيه وهو التوصيف الأفضل والأدق، يطلب منهم حقيبته الجلدية ففيها بعض الأوراق والأقلام ربما يجد في ممارسته الكتابة شيء من سلوى أو تزجيه وقت أو حتى تدوين بعض الأفكار عن ما شاهده أو تعرض له في العراق. لم لا أكتب رسائل لمن لهم مكانة في قلبي، بعض من كانوا معي في نادي الشعر أو من جماعة نادي حانة ترير للمشروب، أو حتى من الهيغلين الشباب وبالذات صاحبي أدولف روتنبرغ، ولم لا أراسل رفيقي أنجلز، ولكن قبل كل هؤلاء زوجتي جيني، حبيبتي جيني. رسالتي لها تجعلني على قناعة بأن يوم خلاصي سوف يكون قريبًا. فقبل وفاتها دائما ما كانت تقول إنها تؤمن بي فكرًا وأني لقادر على تجاوز المحن والمصائب، وكنت أجد في قولها ذلك ونظراتها ما يطمئن قلبي ويجعله يستكين ويرتاح، أنظر في عينيها لأستمد قوتي، فلم لا أحاورها وأسمعها وجعي، أبعث لها رسالة، حتمًا سوف تصل لروحها وهي في رقدتها الأبدية داخل قبرها البارد، سوف أكتب لها وأبثها أشواقي ولوعتي.
 يا حبيبة قلبي ها أنا اكتب إليك ثانية لأنني وحيد ولأنني لا يخجلني الآن أن أحاورك في الخيال، دون أن تعرفي أو تسمعي شيئا ما، سوف أحاورك، أعرف إنك لا تستطيعين الرد عليّ. ولكني أراك أمامي الآن، أراك رغم عتمة المساء في هذه الغرفة الرطبة القذرة الموحشة، وحيد تتناهبني الأفكار وتحيط بي كومة ذئاب تتربص لقتلي. جيني الحبيبة أحملك الآن فوق يدي وأقبلك من الرأس حتى القدمين، وأركع أمامك، وأتنهد.. مادمت أحبك ... إنني في الحقيقة أحبك أكثر من حب المجنون عطيل رجل البندقية اللعين لزوجته ديدمونة. حبيبتي تذكرين كل تلك الأحداث التي عشناها سوية. مشوهو سمعتي وأعدائي ذوو ألسنة الثعابين، قد اتهموني مرة باني مؤهل لان أؤدي دور العاشق الأول في مسرح من الدرجة الثانية؟ ولكن هذا هو الواقع، ولو كان عند الأوغاد ذرة من مزاج المزاح لرسموا "علاقات الإنتاج والتبادل" في جانب، وفي الجانب الآخر رسموني وأنا عند قدميك، وكتبوا على قصاصة ورق، انظروا إلى هذه الصورة، ثم إلى الصورة الأخرى، غير أنهم أوغاد أغبياء، وسيظلون أغبياء أبد الآبدين. الفراق الآني جيد للتمييز بين الأشياء التي تتشابه أثناء الحضور، الزهيد واليومي يأخذ بالتنامي لدى مراقبته عن كثب. وهكذا الأمر مع العواطف. فالعواطف الكبيرة التي تأخذ عند قربها شكل عادات صغيرة تنمو وتأخذ حجمها الطبيعي ثانية بتأثير سحر الفراق، وهكذا هو حالي حبيبتي، يكفي أن تبتعدي فقط في المكان فأعلم أن الزمن قد خدمه مثلما تخدم الشمس والمطر النبات، أي للنمو. إن حبي إليك يبدو، على حقيقته، عملاقًا تركزت فيه كل طاقات فكري، وكل خواص قلبي، وإني لأحس ثانية بأنني رجل، لأنني أحس بالعواطف الكبيرة. ستبتسمين يا قلبي الحلو، وتتساءلين من أين لي فجأة كل هذه الفصاحة؟ ولكني لو استطعت أن أضم قلبك الناصع الحلو إلى قلبي لصمت وما تفوهت بكلمة، ولما كنت لا استطيع أن أقبلك..ولكن ...
عند تلك الكلمة توقف وارتبك ذهنه وسالت دمعة رقراقة فوق شيبة لحيته فمسد بيد مرتعشة شعرها المجعد الكثيف.
***
درج الصبح متسللاً عبر فتحات الجدار وشباك الباب العلوي الصغير. سمع ماركس ضجة خلف الباب رافقها نباح ملحاح لجوقة كلاب قرب جدار الغرفة، ثم سحبت السلسلة الحديدية وفتح الباب على مصراعيه ليدخل منه جسد بقرة ضخم ثم تبعته بقرة أخرى واندفعتا بهياج وارتباك باتجاه زاوية الغرفة البعيدة. تحامل ماركس على نفسه ودفع جسده رغم يديه المكبلتين ووقف محدقًا في هذا المنظر الغريب. كانت البقرتان تخوران وتلتصقان ببعض وكأنهما مرعوبتان تتوقعان اقتراب ساعة الذبح. دخل المسلحون يتضاحكون ويلوحون بأسلحتهم إلى أعلى.
ــ ها يويل .. جبنالك خطار حتى لتضوج.
لم يجبهم وإنما راح يرقب الحركات المرتبكة للبقرات. كانت واحدة منهما عجفاء صغيرة الجسد، ترتسم عظامها تحت جلد يابس مجعد والأخرى سمينة بعض الشيء وأكبر حجمًا.
ــ الهايشتين راح أنته أتداريهن بالأكل والماي وتراقبهن حتى ما يسون وكاحة.
ــ ماذا ..لا أعرف ما تتحدث عنه.
ــ شوف لك لتبيع كلاوات علينه وتسوي نفسك ما تفتهم عراقي.. أنتم أدزون واحد جاسوس لبلادنا بالخالي بلاش..إذا مو يحجي عراقي مضبط وبكل اللهجات.
ــ ثق بأني لا أفهم كلامكم.
ــ هاذتين البقرتين أنت مسؤول عنهم ولازمون توكلهمن يوميا وتشربهمن المايا.
راح جمع المسلحين في موجة من الضحك الهستيري.
ــ لك هاي شنو.. أيباه بلجي تعيده مرة لخ..فدوه داد أعد رجاءا.. هذا منو معلمك صدقه أندار لهذا اللسان الفالت.. لازمون توكلهمن وتشربهمن المايا. وينه عمي أبو بشير حتى يشبعك كفخات.. لازمون.. خوش عليك لازمون.
استمرت موجة الضحك والسخرية ولم تتوقف حتى عندما سأل ماركس عن طبيعة الطعام وعدم وجود جردل للماء.وفجأة صاح أحدهم وبسخرية أثارت موجة جديدة من الضحك.
ــ شنو يابه شنو.. جردل النوب شنو.. خوش عليك جردل.. هذا شنو ينوكل قلي لو شوي..
ــ يعني سطل للماء. أجاب أحدهم على تساؤل زميله.
ــ لك داد اليوم أنته اتبدع.. لعد يحظي ليش جريست بسادس أبتدائي أربع سنوات صباحي ومسائي.
ــ ليش جان بيدي.. إذا دائما أسئلة الانكليزي تجي شبحية..
ــ أشتغل التمضرط والتمسلت... شبحبة.. ما يكول آني دجه دبنك.. شبحبة؟
طلب أحدهم ويظهر أنه يترأسهم بجلب كومة حشائش وكيس من الخبز اليابس فجيء بما طلب ووضع الأكياس جوار كارل ماركس.
ــ هاي للهوش، ولتطيهن كل العلف، شويه شويه.. زين، ومو تشاركهن بأكل الخبز.

صمت ماركس وطالع وجه هؤلاء متأملاً سحناتهم الداكنة التي لوحتها الشمس وأياديهم المعروقة الخشنة.أجسادهم توحي بالصلابة والقوة وحيوية الشباب.
ــ ألديكم غير هذا العمل؟
ــ شنو تقصد؟
ــ أعني ألا تعملون في أعمال غير خطف الناس والتهديد بالسلاح أو القتل.
ــ لا بابا هاي شغلتنه مال الخطف هواية.. فقط للونسه مو شغل.. نتونس بيك وبأمثالك.. أحنه عدنه أشغال رسمية قبل كل شي.
ــ إلا تخجلون من أنفسكم.. من عوائلكم.. إلا تمتلكون ضميرًا يؤنبكم؟
ــ  إنجب لك تره أترس حلكك دخان وأنعل أبوك لابو كل الألمان لا بو حته ميركل وهتلر. هسه أسويك منخل.
وهو يصرخ بوجه ماركس اتخذ وضع التهيؤ وسحب أقسام بندقيته ووجهها نحو ماركس ولكن مسؤولهم أزاح فوهة البندقية جانبًا وقال له بصوت ناهٍ.
ــ يمعود لتسوينه مشاكل ويه أبو بشير.. تره وربك إيأذينا.. أبو بشير متأمل خوش حصة من هذا الأرول.. جيبوله سطلة الماي وخلي نطلع.. يالله يالربع.. كلكم بره. أبو بشير على جيه بلجي عنده أخبار زينه عن هذا الأرول أبو كفشه.


72

ندوة وحوار في الفن التشكيلي

يقيم منتدى الحوار الثقافي العراقي في ستوكهولم ندوة عن الفن التشكيلي بعنوان ( لمحات من تجربة الفنان التشكيلي في الدراما العراقية ) مع عرض صور ورسوم وفلم روائي قصير، يحاضر فيها الفنان التشكيلي الدكتور فؤاد الطائي.
تعقد الندوة في الساعة الرابعة والنصف من عصر يوم السبت المصادف 21 / 05 / 2016  في منطقة شيستا من العاصمة ستوكهولم وعلى قاعة    BLACKBOX   داخل المكتبة المركزية  الواقعة وسط السوق التجاري ( الكاليري ).
ملاحظة
أعزائنا، يأمل المنتدى الثقافي من حضراتكم تقديم المقترحات الخاصة بالحوار والنقاش والتي ترغبون عقدها والحوار فيها مستقبلا، وفي مواضيع ثقافية فنية أدبية علمية تاريخية، وأيضا مناسبات وشخصيات عامة نستطيع أن نضعها مستقبلا في برنامج المنتدى ، كذلك يهمنا جدا ويسعدنا أن نقدم للجمهور وزملائنا من  له القدرة والاستعداد على الخوض في غمار الطرح والنقاش.أيضا من الممكن اقتراح أسماء لتقديمها كمشاركين في بلورة حوار حول موضوع محدد.
  يسرنا ويسعدنا حضوركم



73
محاولة اغتيالي

محطات وشخوص في حياة الدكتور خليل عبد العزيز /الجزء 9

التقاه : فرات المحسن
محاولة اغتيالي
بعد انتهاء لقاءاتي الأربعة مع الرئيس البكر طلب مني أن أتوجه إلى البصرة لزيارة ميناء البكر لمشاهدة الإنجاز الكبير للقيادة العراقية، كذلك أخبرني بأنهم أعدو لي سفرة إلى شمال العراق، وقال أنك سوف تتمتع وعائلتك بزيارة المناطق السياحية وخاصة مصيف صلاح الدين الجميل، وهناك سوف تلتقي بقائد الوحدات العسكرية التي من مهامها محاربة العصاة ( يقصد البيشمركة الأكراد) .فأجبته بأن لا رغبة لي بمثل هذا اللقاء ولا أجده ضروريا.فقال الرئيس البكر، بالعكس إن ذلك مهم لك ويجب أن يكون ضمن ما تخبر به القيادة السوفيتية عن طبيعة الأحداث في العراقي.
في اليوم التالي ذهبت بالطائرة إلى مدينة البصرة ونقلت باليخت إلى ميناء البكر. كان يختا جميلا فخما قيل لي بأنه من ممتلكات الملك فيصل الثاني .استقبلت هناك استقبالا بديعا وطيبا من قبل المسؤولين الإداريين والمهندسين والعمال. أطلعت على أعمال الميناء وكيف تتم عمليات نقل النفط وتحميله، بعدها دعوت إلى جلسة مع كادر العمل تناولنا فيها الحلويات والمرطبات. كان ميناء البكر وهو لسان بحري يمتد في عمق شمال الخليج مكتمل بمنشآته وكادر العمل فيه يبدو عليهم الإرهاق والتعب ولكنهم كانوا مخلصين وجادين في عملهم. وبسبب بعد الميناء عن المدينة وطبيعة المناخ هناك، فالعاملين فيه كانت لهم مطالب كثيرة دونوها في ورقة، حملوني مسؤولية إيصالها إلى الرئيس البكر كوني ضيفه القادم من الاتحاد السوفيتي، حسب ما سمعوه عني. وكانت مطالبهم تتعلق بظروف حياتهم الاجتماعية وأوضاعهم المعيشية .استغرقت رحلتي لبضعة ساعات عدت بعدها إلى بغداد فوجدت هناك من يخبرني بأن الغد سوف يكون موعد سفرنا إلى شمال العراق.
طلبت من الرئيس البكر أن أزور الموصل لأقابل والدتي ، كوني لم التقيها منذ حوالي
العشرين عاماً، دهش الرئيس من طلبي هذا وقال، كيف يتم لك ذلك، فهو لا يستطيع ضمان سلامتي لو ذهبت هناك، كوني مشارك في أحداث الموصل بعد فشل حركة الشواف. فقلت له كيف تراني أزور بلدي بعد كل تلك السنوات، دون أن أرى والدتي. فقال الرئيس فكر جيدا بالآمر فنحن بلد تحكمه العادات والتقاليد العشائرية وأنا لا استطيع الوقوف بالضد منها أو الاعتراض عليها، وعندها سوف تتعرض للانتقام من شخصيات تطالب بدية الذي حدث، وتسعى لتصفيتك جسديا.ولكن استطيع أن أمر بجلب والدتك إلى بغداد لتلتقي بها. ولكني تمسكت برأي وطلبت منه أن يلبي طلبي بزيارة مدينتي والالتقاء بوالدتي، فأخبرني بأنه سوف يدرس طلبي هذا ويعطيني غدا جوابا. في اليوم التالي أخبرني بموافقته وقال أنه أتصل بالمسؤولين في الموصل وطلب منهم تأمين الحماية لي ولعائلتي .
في مطار الموصل استقبلني مسؤول منظمة الموصل لحزب البعث مع مجموعة من المسؤولين المحليين، وحال هبوطي من الطائرة تقدم نحوي المسؤول الحزبي وبادرني القول ، خليل إلا تذكرني ؟ فأجبته أسف جدا لا أتذكرك. فقال أنسيت كيف ضربتني حين كنت معتقلا لديكم في أحداث الموصل. لم أجبه وساد بيننا بعدها الصمت قطعه هو قائلا لننسى ذلك فأنت ضيفنا وضيف رسمي للعراق وللرئيس البكر وهو من وجهنا لتأمين حمايتك وتنظيم لقاء بينك ووالدتك. بعد ذلك تم نقلي إلى فندق يقع على ساحل نهر دجلة في الضفة اليسرى من مدينة الموصل. ثم أمنوا لي تحت حراسة مشددة زيارة لبيت العائلة المتواضع وهناك التقيت والدتي التي كانت مرعوبة ولذا كانت جملتها الأولى والتي أسرتني بها هامسة . أبني لا تثق بهؤلاء أنهم مجرمون ويستطيعون الغدر بك. ولم تدم زيارتي إلى مدينة الموصل غير أقل من 24 ساعة سافرت منها إلى اربيل ثم انتقلنا إلى مصيف صلاح الدين، فوصلنا هناك عصرا ، وبتنا في الفندق.
صباح اليوم التالي أخبروني بأني مدعو مساءا لوجبة عشاء في مدينة أربيل وبحضور المحافظ ومسؤول المنظمة الحزبية وغيرهم من المسؤولين الحكوميين والحزبيين، وعلينا أن نكون هناك عند الساعة الخامسة. وأبلغوا مرافقي بهذا الموعد وعليه تجهيز السيارة للسفر إلى أربيل. بعد ساعات جاءني المرافق وأخبرني بأنه أستلم سيارة أخرى غير التي نتنقل بها فسألته عن السبب في إعطاءه سيارة أخرى، فأخبرني بأنه سوف يكون في هذه السيارة والسيارة الأولى تفرغ لي والعائلة، وانه يلحق بنا بسيارته الجديدة. عند ذلك قالت له طفلتي ورجته أن يكون معنا في نفس السيارة فأجابها بأنه مكلف بحمايتنا وفي سيارة سوف تتبعنا .
خرجنا من صلاح الدين باتجاه اربيل وكنت مع زوجتي وطفلتي في سيارة بقيادة سائق، وكان مرافقي خلفنا في سيارة أخرى. عند منتصف الطريق نبهنا المرافق من خلال أشارات بضوء المصابيح بأن نتوقف فتوقفنا، فسألته عن الذي حدث فأخبرني بأن مسؤول منظمة أربيل الحزبية والذي من المفترض أن يكون من ضمن الأشخاص الذين سوف يستقبلونا في أربيل ، قد شاهده في سيارته وهي متجه نحو صلاح الدين ولا يرى سببا لذلك. فقلت له هل
علينا العودة إلى صلاح الدين فقال المرافق كلا بل علينا الاستمرار في طريقنا إلى أربيل. بعد مسير ليس بالقليل وعند منعطف حاد وضيق ويطل على وادي عميق أنفجر أطار السيارة الأمامي ثم أعقبه انفجار أطار أخر . كان السائق ذكيا وقويا ولحسن الحظ انحدرت السيارة نحو حفرة صغيرة كانت عند حافة الطريق وتوقفت هناك ، كان منظر الوادي العميق مفزعا وشعرنا بقرب سقوط السيارة لولا تلك الحفرة التي علقت بها الإطارات وأمسكت هيكل السيارة، ووجدت بأنا كنا على مقربة من موت محقق.كانت مشاعر الخوف والرعب تجتاحني وزوجتي وحتى طفلتي التي تمسكت بحضن أمها وتمثل الرعب على وجهها الصغير. جاء مرافقنا وفتح باب السيارة الخلفي لنخرج من خلاله، وعند تلك الدقائق التي مرت برعب وخوف جاءت ثلاث سيارات هبط منها بعض الرجال وهم يرددون الترحاب والتهاني بسلامتنا . دهشت من سرعة وتوقيت مجيء هؤلاء وكيف وصلوا بهذه السرعة، وبعدها أقلونا بسياراتهم إلى أربيل، وتركنا سيارتنا العالقة في الحفرة. وحين دخلنا الفندق جاء خلفنا مسؤول المنظمة الحزبية ورحب بنا وهنئنا على سلامتنا من الحادث، فتبادلت النظر مع مرافقي واستغربنا طبيعة ما حدث بعد أن كان هذا المسؤول قد اجتازنا عند منتصف الطريق ذاهب نحو صلاح الدين، وكيف عاد أدراجه بتلك السرعة الغريبة. بعد تناولنا العشاء وعودتنا إلى الفندق استطعت الاتصال بالسيد غفوروف فدهشت حين استفسر مني مباشرة عن طبيعة الحادث وهل جميعنا بخير، وأخبرني بأن خبر الحادث قد وصل السلطات السوفيتية عن طريق السفارة العراقية، التي روجت بأني وعائلتي قد قتلنا في حادث على طريق أربيل، فأجبته بأننا فعلا نجونا من حادث الكثير مما فيه يبعث على الريبة. بعد ذلك قمت بكتابة رسالة وجهتها إلى الرئيس البكر وصفت فيها الحادث وبينت له الانطباع، بأن ما حدث لم يكن شيئا عابرا ولو كان حصل ما كان يراد لنا، فسوف يتحمل وحده نتائجه أمام السلطات السوفيتية، لسبب وجيه كونه صاحب الدعوة وليس شخص آخر، وسلمت الرسالة إلى المرافق وطلبت منه إيصالها إلى الرئيس البكر فوعدني بتسليمها إلى طارق حمد العبد الله.
وعند عودتي إلى موسكو أخبرني السيد غفوروف بأن مصدر معلوماتهم عن الحادثة والإدعاء بمقتلنا كان السفارة العراقية وظهر وكأنهم كانوا على يقين بنجاح المحاولة . وكان هذا دليلا قاطعا على إن الحادث كان مدبرا ومن هذا يمكن القول بأنه ليس من المعقول الوثوق بالبعثيين مهما كانت طبيعة العلاقة معهم والتعهدات التي يقدمونها. وكانت لدينا قناعة كاملة بأن هناك عدة كتل وعديد من الرجال في صفوف حزب البعث يعملون بمنهجية وروحية التآمر ضد جميع من يخالفهم الرأي والمعتقد، وهؤلاء يعملون بشكل منظم، للطعن بأية علاقة أو موضوعة يعدونها لا تخدم مصالحهم، وأعتقد بأن ما حدث لنا كان من إعداد وترتيب جماعة جهاز حنين التابع لصدام حسين

    
   

74
محطات وشخوص في حياة الدكتور خليل عبد العزيز /الجزء 8

التقاه : فرات المحسن



محاولات اغتيال عبد الحليم خدام



 

في لقائي مع الرئيس البكر كنت أحمل دفتر ملاحظات أخرجته ورحت أدون بعض الكلمات والجمل في الوقت الذي كان يتحدث معي. فجأة توقف وسألني  عن الذي أفعله، فأجبته بأني أسجل بعض الملاحظات  والمعلومات عن حديثنا. فقال أترك ذلك الآن، فأنك لن تستطيع اللحاق وتدوين كل شيء وعليك أن تفعل هذا حين تعود إلى السكن، ثم طلب مني أن أريه ما دونت، فناولته الدفتر فأبتسم وهو يطالع الحروف والعلامات المسجلة من مثل أـ س ،ن غ س ، فدهش البكر وبادرني بالسؤال عن معنى حرفي أ س فأخبرته بأن المقصود هو الاتحاد السوفيتي وأن غ يعني غفوروف وهكذا ، فقال وهل تستطيع أن تفكك رموز كل تلك الحروف، فأجبته سيدي الرئيس هذه هي مهنتي وأخبرته بأني أحتفظ بتفاصيل الحديث بين السطور والرموز والذاكرة وسوف أقوم بإعادة كتابة كل ذلك حين عودتي إلى موسكو. وقد كتبت تقريرا عن لقاءاتي مع الرئيس البكر وغيره من المسؤولين العراقيين بما يقارب 320  ورقة قدمتها إلى معهد الاستشراق وطلبت منهم أعادتها لي أو نسخة مطبوعة عنها، ورغم وعودهم لي فأنهم حجبوها لصالحهم ولم يرجعوها وأيضا لم استطع الحصول على نسخة منها.
من المواضيع التي كان علي إثارتها مع الرئيس البكر والحصول منه  على إجابات شافية عنها حسب طلب السيد غفوروف،هي المحاولات المتكررة لاغتيال عبد الحليم خدام الوزير في الحكومة السورية وعضو القيادة القطرية والقومية للجناح السوري لحزب البعث العربي الاشتراكي، ولم يكن الغرض من ذلك البحث في طبيعة العلاقة بين الطرفين، وكذلك ليس استيضاحا عن طبيعة تلك المحاولات، بقدر ما كان الغرض من السؤال هو التيقن واثبات صحة القيام بتلك المحاولات ،لذا وجهت له سؤالا مباشرا عن أسباب إلحاح القيادة العراقية على اغتيال عضو القيادة السورية عبد الحليم خدام وهو بعثي مثلكم. فأجابني البكر دون تردد بأنهم سوف يستمرون في المحاولات لحين التخلص منه والمرة الثالثة قادمة وستكون فيها نهايته. فعبد الحليم خدام رجل مرتشي ونحن بالذات من قدم له الرشوة وتقبلها بدونية. فأثناء المفاوضات بيننا مع الوفد السوري بقيادة خدام حول عوائد خط أنابيب النفط عبر الأراضي السورية إلى البحر الأبيض المتوسط ، طرح الوفد السوري المفاوض شروطا تعجيزية وبالذات في مسألة الرسوم المالية لعبور الخط، وقد قدمنا لهم الكثير من التنازلات ولكنهم كانوا يذهبون بعيدا في طلباتهم الابتزازية، وظهر وكأنهم ساعون للاستحواذ والحصول على مبالغ كبيرة، وكأن النفط المار عبر الأنابيب من حصتهم وهم أصحابه وليس العراق. وفي وقتها أرسلنا السيد عامر عبد الله وأشخاص آخرين إلى سوريا كوفد في محاولة لتليين موقف الجانب السوري وإقناع عبد الحليم خدام بالتقليل من حدة طروحاتهم وعلو سقف مطالبهم، ولكن الوفد عاد إلى بغداد دون أن يحقق نتيجة. عند ذلك اجتمعنا كقيادة وفكرنا بأن نقدم لعبد الحليم خدام رشوة حين يأتي إلى بغداد في جولة المفاوضات القادمة، وهذا ما حدث فعلا، حيث وضعنا في غرفته وعلى سرير نومه في الفندق حقيبة مليئة بالدولارات، وحسب ما صورته الكاميرات فقد دخل وشاهد الحقيبة وفتحها ثم أغلقها ووضعها جانبا.وفي اليوم التالي وعند ذهابه إلى المطار عائدا إلى سوريا  كان يحمل بيده الحقيبة ذاتها وصعد إلى الطائرة. هذا الذي يدعي انتمائه لحزب البعث، ولكنه يقبل الرشوة فهو على استعداد لآن يأخذها من إسرائيل وكذلك القوى الامبريالية . ولهذا قررنا أن يقتل وقمنا بمحاولتين لاغتياله وكانت الأخيرة في بيروت حيث حاولت مجموعتنا اغتياله ولكن القدر أنقذه، فقد كان هناك رجال يقودون دراجات نارية أطلقوا على موكبه الرصاص بكثافة ولكنه فلت من الموت بأعجوبة.

اللقاء بوزير الثقافة طارق عزيز


 

التقيت الوزير طارق عزيزة للمرة الأولى في موسكو، وكان اللقاء بتكليف من السيد غفوروف مدير معهد الاستشراق. حضر السيد طارق عزيز إلى موسكو بصفة مفاوض باسم القيادة القطرية لحزب البعث والحكومة العراقية، وكان وقتها وزيرا للثقافة. في ذلك اللقاء حملت شيئا محددا يجب على السيد طارق عزيز سماعه، قبل أن يخوض غمار الحديث حوله مع القيادة السوفيتية. اتصلت بالسفارة العراقية وبالسفير السيد صالح مهدي عماش وطلبت مقابلة الوزير طارق عزيز. ودون أبطاء حصلت من سكرتير الوزير على موعد في الثانية عشر ظهرا في دار الضيافة الرسمي وهو سكن الضيف العراقي. قبل الموعد كنت جالسا في دار الضيافة الرسمي، وكان هناك بعض أعضاء الوفد المرافق للوزير. كان الجميع مشغولا بأحاديث جانبية . سمعت أحدهم يتحدث عن رغبة الوزير عزيز بشراء جهازي تلفزيون ملون وهي أجهزة ظهرت حديثا. رن جهاز الهاتف، أخبرني السكرتير أثره بأن السيد الوزير سوف يتأخر قليلا بالمجيء، ثم ظهر نائب الملحق العسكري السيد فاضل البراك ليسألني بعد التحية عن سبب حضوري إلى دار الضيافة، فأخبرته برغبتي مقابلة الوزير عزيز. بعد ذلك استمعت لحديث دار بين فاضل البراك وسكرتير الوزير حول موضوعة نشرت في أحدى الصحف، ضج جميع الجلوس بالضحك بعد أن سمعوا بمحتوى الموضوعة.عند تلك اللحظة دخل الوزير عزيز فتساءل عن سبب الضحك هذا فاخبره السكرتير بأن هناك أحد الانكليز وضع كرسي في ساحة الطرف الأغر وسط لندن ورفع لافته كتب عليها، لن أغادر هذا المكان أن لم تعلن السيدة تتاشر استقالتها، ضحك الوزير وقال مباشرة، على هذا الرجل أن يأتي إلى بغداد، فضحك الجميع. كنت انظر للوزير وأراقب حركته وحديثة ثم وجدته يلتفت نحوي حين أخبره السكرتير بوجودي وسبب حضوري والجهة التي أمثلها، عندها دعاني الوزير للدخول معه إلى غرفة جانبية وسألني عن الذي أريد الحديث حوله، فأخبرته بأني أعمل في معهد الاستشراق السوفيتي ومرسل من قبل رئيس المعهد السيد غفوروف  وهو يود أخبارك بأن لا حاجة لكم لطرح موضوعة طلب الغواصات على الجانب السوفيتي، فتقديمكم لمثل هذا الطلب سوف يواجه بالرفض القاطع، ذهل الوزير عزيز وقال، لا أريد أن أناقش الأمر معك ولكني لا أعرف ما دوافع السوفييت من ذلك، ففي الوقت الذي يملك الشاه الإيراني غواصتين في الخليج العربي فأن مثل هذا لا يدخل في حسابات السوفييت عن سباق التسلح والإخلال بالتوازنات ورفع وتيرة التسلح في الخليج، وعندما يطلب العراق غواصات تثار كل تلك المسائل في وجهه، أمريكا وحلفاؤها يزودون إيران بمختلف الأسلحة ودون قيود ، وأصدقاؤنا السوفييت يتهيبون من سباق التسلح وتصدع الأمن في المنطقة، أي منطق هذا، هل تستطيع أن تجيبني على ذلك. فأخبرته بأني موظف مكلف بنقل المعلومة ولست خبيرا عسكريا وأيضا غير قادر أو مخول بمناقشة أية موضوعة ، وحسب علمي فأن وزارة الدفاع وليس فقط القيادة السياسية غير موافقة على طلبكم ورغبتكم تلك.
دخل السكرتير وأخبر الوزير  بجاهزية مائدة الطعام فدعاني الوزير لتناول الطعام معهم فذهبنا وجلسنا حول المائدة وجلس معنا فاضل البراك والبعض من الموظفين ودار حديث عام،كان منه عن طبيعة وأعمال معهد الاستشراق والحياة في موسكو ولم نتطرق لموضوعة الغواصات. بعد أكمالنا وجبة الغداء طلبت من الوزير السماح لي بالذهاب فقال لي ، قبل أن تذهب يجب أن أقول لك بأني أستغرب جدا من هذه المعلومة التي بلغتني بها، ودهشتي كبيرة أيضا للسبب الذي جعلهم يكلفونك بالذات أخباري بموقفهم هذا . فأجبته باني موظف وجزء من مؤسسة سوفيتية، وأكلف بمهام حالي حال باقي الموظفين، أما لماذا كلفوني شخصيا بهذا فلا علم لي به غير ما أخبرتك عنه.
ولكن وبعد ساعات حصلت على معلومة بان الوزير عزيز طرح الطلب على القيادة السوفيتية خلال لقاءه بالرفيق برجينيف بوجود وزير الدفاع  كريشكو، وعندها طلب برجينيف من الوزير كريشكو الحديث مع الوزير طارق بما يخص الطلب ومثلما كان متوقعا فقد انصب حديث الجانب السوفيتي حول عدم الرغبة في سباق التسلح ومهام الحفاظ على التوازنات وأبعاد شبح النزاعات. ولكن مهام تسليح الجيش العراقي بباقي أنواع الأسلحة نال موافقة السوفييت ورضا الجانب العراقي.   

أما لقائي الثاني بالسيد طارق عزيز فقد جاء وفق حيثيات ترؤسي للوفد السوفيتي والعلاقة التي بنيت على أسس الحوار والإعداد  لمهرجان الفارابي. ففي لقائي مع الرئيس البكر تطرقنا للحديث عن مهرجان الفارابي وهي المهمة التي قادتني إلى بغداد، فأخبرني الرئيس البكر بأنه قد كلف وزير الثقافة طارق عزيز بأن يكون مسؤولا عن ملف المهرجان في الجانب العراقي لذا من الموجب أن يلتقي بالوفد السوفيتي ويعد التحضيرات للمهرجان. ولهذا السبب أخبرني الرئيس البكر بأن علي مقابلة الوزير طارق عزيز. ذهبت في اليوم التالي إلى وزارة الثقافة والتقيت بالوزير وكان لقاءا متشنجا بعض الشيء ولم اشعر بالراحة وأنا أتحدث معه، فقد واجهني مباشرة ودون مقدمات قائلا : خليل لدي سؤال لك .وقبلها عليك أن تعرف بأننا والاتحاد السوفيتي على علاقة قوية، وهنالك قنوات دبلوماسية كثيرة أن كانت من قبل وزارتنا أو وزارة الخارجية أو غيرها، ولدينا سفارة هناك ولهم مثلها في بغداد وكل شيء يدار عبر تلك القنوات دون شوائب وبأبواب مشرعة، ولكني للمرة الثانية أستغرب من دوافع السوفييت بتكليفك شخصيا لمهام من صلب عمل الدبلوماسية وأن تكون اليوم ممثلا وحيدا لوفدهم المعني بالإعداد لمهرجان الفارابي وبعيدا عن جميع تلك القنوات الدبلوماسية. وأنا أريد أن اعرف ما هي الصفة الرسمية التي جعلتهم يكلفونك بالمهمة دون غيرك وتأتي لتتحدث وتتفاوض باسمهم مع أعلى السلطات في العراق.
كانت إجابتي مثلما السابق ودائما تؤكد كوني موظفا في معهد الاستشراق وهذا المعهد تكفل بأن يأخذ على عاتقه التحضير والأعداد لمهرجان الفارابي، وأنا منسب ومخول من قبل المعهد لأكون مفاوضا ومنسقا مع الجهات العراقية لغرض التهيئة والأعداد للمهرجان. ولكن الوزير طارق عزيز قال وبشيء من الحدة ، بأنه ينظر للأمر بغير تلك الصيغة، ورأيه دون مواربة بأني ودون ريب عميل للسوفيت ليس إلا.وهو على خلاف تام مع رأي الرئيس البكر حولي وأيضا في طريقة التعامل معي. ففي اعتقاده بأن الوضعية التي ترتب عليها قدومي إلى بغداد وطبيعة الوفد الذي اختصر بشخصي وعائلتي فقط، وما حملته من أسئلة سياسية أردت منها الحصول على أجوبة ومعلومات لصالح الإدارة السياسية السوفيتية ،كل ذلك لا يحتمل غير تأويلا واحدا وهو ما أخبرتك به.
أستمر حديثنا عن التحضيرات لمهرجان الفارابي وطلبت من الوزير أن يكون هناك وفدا لجمهورية العراق، ليشارك في الإعداد والتهيئة للمهرجان، على أن يكون حاضرا في موسكو في اقرب فرصة، فأخبرني بأنه سوف يؤلف هذا الوفد ويرسله إلى موسكو، وفعلا وفي اليوم الثاني عرفت بأنه تم تأليف الوفد، وبعد عودتي ومضي بضعة أيام جاء الوفد إلى موسكو وكان مؤلفا من السيد محمد جميل شلش وهو شاعر ومدير عام في وزارة الثقافة والسيد الروائي عبد الرحمن مجيد الربيعي . 
حين لقائي في اليوم التالي بالرئيس البكر سألني إن كنت التقيت بالوزير طارق عزيز، فأجبته بنعم وحدثته عن الذي دار بيننا من حديث . وشعرت بأن من المناسب أن أثير الأمر مع الرئيس البكر، فسألته عن رأيه بما اتهمني به طارق عزيز. فراح الرئيس يحدثني عن شخصية طارق عزيز وكيف وصل إلى هذا الموقع المهم قائلا، بأن طارق عزيز وفي بداية ثورة 17 تموز كان يود وبإلحاح أن يُقبل كمراسل لجريدة الثورة في العاصمة اللبنانية بيروت، ولم يكن هناك أجماع في القيادة على تكليفه بتلك المهمة. في وقتها كانت بينه وبين صدام حسين علاقة متوترة بل متشنجة دائما. وكان صدام وحين يذكر طارق عزيز، يطلق عليه تسمية أبو ريشة، وكان هذا تلميحا لكون عزيز مسيحي من طائفة الكلدان ومن منطقة تلكيف، وهذا يعني لدى صدام بأن عزيز من بقايا جيش الليفي الذي شكله المستعمر البريطاني وكان هذا الجيش يضع على غطاء الرأس ريشة ، وحسب قول الرئيس البكر فأن صدام وفي أحدى المرات وجه لطارق عزيز مباشرة شتيمة مهينة ولم يجد منه ردا. ولكن فجأة تبدل الحال لتصبح بينهم علاقات جيدة وباتوا على توافق تام، ما الذي حدث فلا علم له بذلك.
لم أترك الآمر يمر بسهولة ورغم لف ودورا الرئيس في الإجابة فقد كررت عليه استفساري، عن ما اتهمني به طارق عزيز بصيغة العمالة للسوفيت .ومثلما المرة السابقة راح في حديث جانبي ولم يجب على سؤالي.

                                
مع عزيز محمد السكرتير السابق ل م ح ش                    الدكتور خليل عبد العزيز مع زملاء الدراسة

   



75
محطات وشخوص في  حياة الدكتور خليل عبد العزيز/ ج 6


التقاه فرات المحسن




فرات المحسن ودكتور خليل عبد العزيز أثناء اللقاء


مفتاح سحري ينعش آمالي برؤية الوطن


كان مهرجان الفارابي مفتاحا سحريا لمسألة تتعلق بحياتي الشخصية وعلاقتي بوطني العراق. وكان حكم الإعدام الصادر بحقي على عهد الزعيم عبد الكريم قاسم مازال يشكل حاجزا قويا بيني والذهاب إلى العراق. وقد عزز تلك الفرقة والبعاد مجيء حزب البعث إلى السلطة عام 1963 وإصدارهم أحكام جديدة بالإعدام علي وباقي الرفاق، وتأكيدهم المطالبة برأس جميع الذين شاركوا في قمع مؤامرة الشواف. ثم كان مجيئهم الثاني وسيطرتهم على الحكم بانقلاب 17 تموز عام 1968 حين ذاك بات من المستحيل العودة إلى الوطن بوجود هؤلاء.
 كان ذلك يوما غير عاديا،حين دخل السفير صالح مهدي عماش غرفة رئيس معهد الأستشراق السيد غفوروف وتحدث عن مشروع إقامة مهرجان الفارابي، لم يكن ليخطر في بالي أن تكون موضوعة المهرجان مفتاحا لعودتي لوطني ورؤيتي لأهلي بعد كل تلك السنين. فبعد حديث طويل للسفير العراقي عن رغبة العراق بإقامة مهرجان للفيلسوف الفارابي ومناقشة هذا الآمر مع السيد غفوروف وتوصلهما إلى نتائج ايجابية عن طبيعة وأماكن المهرجان وعند نهاية ذلك اللقاء وبعد خروج عماش من الغرفة بادرني السيد غفوروف قائلا :
ــ خلاص ..انتهى أمرك.
استغربت جملته وسألته أن يفصح عن ما يفكر فيه. فقال بأنك سوف تكون رئيسا للوفد السوفيتي الذي سوف يتوجه إلى بغداد لترتيب الأمور والتحضير للمهرجان. دهشت وأنا اسمع هذا القول، فكيف يتسنى لي زيارة بغداد وأنا المحكوم بالإعدام. فأجابني بثقة مفرطة لا عليك دع الأمر لي. في اليوم الثاني طلب مني السيد غفوروف الاتصال بصالح مهدي عماش والطلب منه المجيء إلى المعهد . وعند حضور عماش استقبلته واصطحبته إلى غرفة المدير. وقبل دخولنا الغرفة سألني عماش، إن كان استجد شيء في الأمر،فأخبرته بعدم معرفتي. وأني كلفت فقط الاتصال وطلب حضوره.  في لقاء عماش بالسيد غفوروف اخبره الأخير بموافقة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي على أقامة المهرجان في ثلاث مدن هي بغداد وموسكو وألماآتا وباسم الفارابي فيلسوف الشرق، وإبعاده عن إيران . والمهرجان يحتاج لبحث جدي ومحادثات لتحديد طبيعته وإعداد الترتيبات الخاصة لإقامته، لذا سوف نرسل وفدا سوفيتيا رسميا لمقابلة القيادة العراقية لبحث الإجراءات وطبيعة الترتيبات الموجب اتخاذها لعقد المهرجان، على أن يقابل وفدنا في بداية الأمر الرئيس أحمد حسن البكر، كون فكرة ومبادرة عقد المهرجان قد قدمت من قبله مباشرة. ظهرت الفرحة على أسارير صالح عماش وقال بحماس، نعم ونحن مستعدون لتوفير أي شيء يتطلبه عمل الوفد، وأيضا نتحمل جميع تكاليف سفر وتنقلات الوفد السوفيتي، ونقدم له جميع التسهيلات، وما عليكم غير تزويدنا بأسماء الوفد وممسكاتهم الرسمية وصورهم كي يتسنى لنا إجراء اللازم الذي يسهل عليهم مهمتهم. مع ابتسامة ماكرة قال السيد غفوروف،  نعم لقد أصبح الأمر واضحا لدينا ولدى القيادة السوفيتية لذا كلفنا الدكتور خليل عبد العزيز القيام بالمهمة وترؤس وفدنا للتباحث مع القيادة العراقية. انتابت عماش حالة من الذهول عقدت لسانه بداية الأمر. وكان حينها يبتلع لعابه بصعوبة، ثم وبجهد ظاهر قال : كيف يتم ذلك ، فالدكتور خليل محكوم بالإعدام ، لذا من الصعوبة أن يترأس الوفد ويسافر إلى بغداد. فأجابه غفوروف بسرعة ووضوح، بأن الأمر أصبح من مهامكم وضمن مسؤوليتكم وهو قضية الحكومة العراقية وليس قضيتنا أو ضمن حدود مسؤولياتنا . فهو مازال مواطنا عراقيا وفي نفس الوقت ليس مواطنا سوفيتيا ولا يملك جوازا سوفيتيا، وعليك أن تعرف بأن هذا القرار صادر عن الجهات الرسمية العليا. عند ذلك طلب عماش الكلام لتوضيح وجهة نظره فتوجه لي بحديثه قائلا: أخ خليل أنا أتوجه أليك بنصيحة وأرجو منك الأخذ بها وتقدير الظروف وطبيعة المهمة، لذا أرجو أن تنسحب من هذا التكليف لتبعد عنك وعنا وأيضا السوفيت التعقيد السياسي ومشاكل جمة يمكن أن تعيق عملنا .فأجبته مباشرة ودون تردد، كيف يتسنى لي الانسحاب من المهمة والتكليف وأنا موظف رسمي في معهد الاستشراق، ودائما كنت مخلصا في عملي ومنفذا للمهام وما يترتب علي من مسؤوليات، واليوم كلفني المعهد بهذه المهمة فكيف تراني أستطيع  الرفض، العمل الرسمي والمهنة لا علاقة لها بعواطف وصداقات.أجابني وبشيء من الحدة بأنهم مستعدون لدفع جميع مستحقات وظيفتي وما أطلبه وبما يضمن توفير جميع احتياجاتي المادية طيلة حياتي وإقامتي في الاتحاد السوفيتي. فأجبته بجواب كان حاضرا عندي، وهو الرفض التام لطلبه، فطلب مقابلتي للحديث في الأمر بعد انتهاء اللقاء مع مدير المعهد، فقلت له بأني أعطيته جوابي القاطع ولا حاجة للنقاش حوله بعد الآن. كان سعيد كاميلوف يترجم حديثنا لمدير المعهد السيد غفوروف،  لذا التفت غفوروف إلى صالح عماش وقال أذا كانت لديكم رغبة حقيقية بإقامة مهرجان الفارابي في بغداد فعليكم أن تحلوا الإشكال المتعلق بالدكتور خليل عبد العزيز فهو من صلب مهامكم. عند ذلك قال عماش بأن عليه الاتصال بالرئيس البكر وعرض الأمر عليه.
في اليوم التالي أتصل بي عماش وطلب لقاء مدير المعهد في الساعة العاشرة صباحا فأخبرته مباشرة باستطاعته القدوم إلى المعهد في تلك الساعة بالرغم من عدم معرفتي بارتباطات السيد غفوروف ذلك النهار. وما دفعني لاتخاذ ذلك القرار دون الرجوع إلى السيد غفوروف كانت قناعتي بان في جعبة عماش قرار ما  ينطوي على حالتين تتعلقان بي شخصيا، فإما رفض استقبالي في بغداد أو العكس القبول بذلك، وكنت متلهفا لسماع النتيجة بشكل سريع ومع هذا الهاجس المتوتر المترقب قررت الاتصال بمدير المعهد السيد غفوروف في بيته وأخبرته بالذي حدث، فقال هل أنك أخذت برأيي مسبقا، فأجبته بنعم لآني أعرف بالضبط ما يدور في ذهنك وما تصبو أليه، عندها وافقني غفوروف وقال بأنه سوف يكون في المعهد عند الساعة العاشرة.



 

صالح مهدي عماش


في تمام الساعة العاشرة كان صالح مهدي عماش  وسط المعهد وقابلته ودخلنا سوية ودون حديث إلى غرفة المدير.و بعد أن قدم التحية قال مباشرة بأنه تحدث مع الرئيس أحمد حسن البكر وينقل لكم تحياته ويشكركم على تعاونكم وموافقتكم على إقامة مهرجان الفارابي، وإن الرئيس أخبره بأنه أمر باتخاذ الإجراءات المناسبة استعدادا للاحتفال وكذلك حصلت منه على موافقة بأن يترأس وفد الاتحاد السوفيتي الدكتور خليل عبد العزيز ، وبعد ساعتين من الآن سوف يصدر القرار الرسمي بإلغاء أحكام الإعدام الصادرة بحقه ورفاقه وأيضا الموافقة على منحه جواز السفر ويستطيع السفر إلى العراق خلال يومين من الآن وعلى متن الطائرة العراقية. عند ذلك سأله غفوروف عن المطلوب من الدكتور خليل فقال عماش ما عليه سوى جلب صور فوتغرافية ليتم إصدار جواز السفر والموافقة على الزيارة لباقي أعضاء الوفد فأخبره غفوروف وابتسامة ظاهرة ترتسم على شفتيه، بان الدكتور خليل عبد العزيز هو رئيس الوفد وهو أيضا يمثل باقي أعضاء الوفد .وسوف يصطحب معه زوجته وطفلته ، وهو لحد الآن لا يستطيع دخول السفارة العراقية قبل أن يصدر قرار إلغاء حكم الإعدام بحقه ، فقال عماش بأنه يضمن بالكامل سلامة الدكتور خليل ولكن السيد غفوروف أخبره بأن علينا الانتظار لحين صدور القرار في جريدة الوقائع العراقية. وفعلا وبعد ساعات وحسب السفارة السوفيتية في بغداد ، صدر القرار ونشر في الجريدة الرسمية وشمل العفو جميع رفاقنا الذين وجهت لهم التهم في أحداث الموصل وحكموا بالإعدام حينها.  العدد 3348  في 16 شباط

مقتل صالح مهدي عماش

فجأة ودون مقدمات وبعد عدة سنوات قضاها صالح مهدي عماش سفيرا لبلاده في موسكو صدر أمر نقله إلى باريس عام 1974 وتعينه سفيرا لبلاده هناك ولكنه لم يكمل العام في فرنسا حين صدر أمر نقله سفيرا لبلاده في فنلندا عام 1975. كان عماش في أقصى حالات الانزعاج والعصبية وهو يتلقى هذا الآمر، وكالعادة علله بضغوط صدام حسين على رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر. وقد أفصح عن هذا حين جاء إلى موسكو لبعض الوقت متجها عبرها إلى فنلندة والتقى بالسيد غفوروف في زيارة لمعهد الاستشراق حيث قال أنه أتص