عرض المشاركات

هنا يمكنك مشاهدة جميع المشاركات التى كتبها هذا العضو . لاحظ انه يمكنك فقط مشاهدة المشاركات التى كتبها فى الاقسام التى يسمح لك بدخولها فقط .


مواضيع - كمال لازار بطرس

صفحات: [1]
1
      
                                      
( ويلٌ لأمةٍ كَثُرتْ فيها المذاهب وقَلَّ فيها الدين. )
كلّما قرأت هذا الكلام لـِ ( جبران خليل جبران )، تذكرت وطني الجريح، الذي ابتلى بالجنون منذ ما يزيد عن السبعة عشر عاماً ..
جنون الطائفية، والمذهبية، والفئوية، الذي أغرقه وما يزال في الدم والنار والدمار..
جنون ليس كأي جنون..
جنون انتقل إلى كل بيت، وشارع، ومدينة ..
جنون أصاب الجميع ..
جنون يزداد خطورةً مع الأيام  ..
وطني امتلأ بالمجانين يا سادة .. مجانين من كل صنف، ونوع، ولون ..
في وطني اجتمع كل المجانين.. مجانين الشرق والغرب، مجانين هذا العصر والعصور الغابرة، مجانين اليمين واليسار..
من قال: أنَّ نيرون قد مات..
ومن قال: أنَّ جنكيز خان مات..
وهولاكو، وتيمورلنك، والحجّاج بن يوسف الثقفي .. من قال هؤلاء ماتوا ؟
إنّهم ما زالوا أحياء يُرزقون، فقد ولِدوا من جديد في وطني..
أنظروا ماذا فعلوا بالوطن ..
فبدل أن يُنقذوه، أغرقوه في بحر من المآسي، ورموه في هوّةٍ من الألم والضَّياع..
بدل أن يسهروا عليه، أمعنوا فيه ضرباً ونهباً وشراسة، وتركوه فريسةً للضِباع..
بدل أن يُطعِموا أبناءَه من نِعَمِه وخيراته، تركوهم عُرياناً وعطشى وجياع..
فرّقوا عائلاتِه وشرذموا طوائفَه، وأضرموا إحمرارَ الحقد والبُغض والانتقام في قلوب بنيهِ..
وهبوا كلَّ ما في الوطن للموت، وسخّروا كل السواعد للقتل، وفخّخوا كل الإرادات والضمائر..
الحق أصبح للقوي رغم عائديته للضعيف، فلا نصيرَ له أمام غلبة الباطل والظلم ..
كلامهم شيء، وحقيقتهم شيء آخر ..
الكل يتحدث عن التسامح والحوار، والحوار اختفى في أقبية جاهليتهم..
الكل يتحدث عن الحرية، والحرية تُذبَح يومياً على مذبحِ ساديَّتِهم وجنونِهم..
الكل يتحدث عن العدالة، والعدالةُ تُداس بأقدام جشعِهم وهوسِهم..
الكل يتحدث عن عنفوان الوطن، والوطن يحترق بنيران حماقاتهم وحقدهم ..
في وطني، لا فرق بين ظالم ومظلوم!
في وطني، لم تبقَ هناك مِساحة للفرح، فكل المِساحات غطّتها الهموم!
في وطني، لا ابتسامات مرسومة على الوجوه، فكل الوجوه عَلَتها علاماتُ الوجوم!
هذا الواقع المرير يتحسّسه ويلمسه ويعيشه كل من جعل منه القدر أن يحمل اسم هذا الوطن في بطاقته الشخصية..
إنّها لعبة المجانين، لا يعرف أفانينَها، غير الشياطين، والهدف منها تخريب النسيج المجتمعي في هذا البلد، للقضاء على تقاليد الألفة والصفاء والمحبة والتعايش الأخوي بين أبنائه المخلصين..
أيّها الوطن المسكون بالجن والمجانين..
الحمقى باعوك في جُنح الدجى ..
باعوك يا أغلى وطن، باعوا الكرامةَ كلَّها وقبضوا الثمن ..
ماذا تنتظر، وبمن تستنجد؟
لن يكون لك معين ومنقذ سوى أبنائك الغرّ الميامين..
إرفع عنك غبار الزمن، وآنهض بقوة..
إنهض، وآصفع من داسك بأقدامه المتوحشة..
إرفع هامتك المديدة، وآصرخ في وجههم..
أنثر ترابَ الأرض في عيونهم لتجلوَ بصيرتُهم..
أرفض الحلول المزعومة والمؤامرات المحاكة على ظهرك المُحدَوْدَب، وقل :
لا نامت أعينكم أيّها السفلة، فإنّ أجلكم قد دَنا ..

2
                       
                           
 من سخريات القدر، أنّك عندما تزور معرضاً للكتاب، فأول ما يثير انتباهك، أنّك تلاحظ تجمهر الزوار أمام أحد الأجنحة بازدحام ملحوظ، فتقودك قدماك ( لا إرادياً ) إلى حيث الموقع، وهناك تصاب بالذهول، عندما ترى سلسلة لا تنتهي من الكتب البلهاء التي تعالج موضوع صنع الإنسان، و صنع أفكاره، وعواطفه، وعلاقاته، وإلى ما هنالك من أمور أخرى على صلة بحياته الخاصة..
 وتنخرط هذه الكتب في نظام واحد، إذ يبدأ عنوان كل منها بكلمة ( كيف )، يليها فعل الصناعة..
 وقد ترجم أصحاب دكاكين المنشورات إلى اللغة العربية معظم هذه البلاهات، انتفاعاً بسذاجة القراء واستخفافاً بأفكارهم وعقولهم..
 في آخر زيارة لي لأحد هذه المعارض قبل بضعة أشهر، رصدت عيني نماذج كثيرة من هذه الكتب، هذه عناوين بعضها:
 كيف تصنع الأصدقاء؟
 كيف تصنع الشهرة ؟
 كيف تنجح في المجتمع؟
 كيف تنجح في الحب؟
 كيف تصبح مليونيراً؟
 إلى آخر هذه الأهوال والتفاهات، التي هدفها زرع الوهم في نفوس المشترين..
 الشيء الأكثر غرابة شاهدته في ذلك المعرض، هو منظر رجل أشيب ذي لحية بيضاء وجبهة علياء، واقف هناك يتصفح في أحد هذه الكتب، فقلت في سري: يا ترى، إلى ماذا يتطلع هذا الشيخ الجليل؟، وكم بَقِيَ له من العمر حتى يصنع نفسه ويرسم مستقبله ؟!
 هذا المشهد عاد بذاكرتي إلى الوراء، إلى ماضي الزمان، فتذكرت شخصاً، كان مدمناً على قراءة هذه الكتب، التي لا تنفع ولا تشفع، وإذا عثر على واحد منها بعد عناء طويل، وجد في قلبه من السرور والسعادة ما لا يكاد يوصف..
 أذكر مرة اقتنى واحداً من هذه الكتب، يحمل عنوان ( كيف تصنع الأصدقاء ).. قرأه مراراً و تكراراً، وأخذ يطبقه حرفياً في علاقاته اليومية مع الناس، وكانت النتيجة التي حصل عليها في النهاية أنْ أصبح موضوع تندّر واشمئزاز معاشريه، وصورة من صور التصنّع القاتل في حركاته، في تصرفاته، في كلامه، حتى في طريقة مشيته، إلى درجة يصعب عليك التقدير، إنْ كان حقّاً يمشي أم يرقص ( الفالس )، وفي النهاية خسر جميع أصدقائه، وكانوا كثيرين، قبل أن يتعلم كيف يصنع الأصدقاء، وقبل أن يتعلم هذه الصناعة البالية..
 ولما يَئِسَ صاحبنا من ( صناعة ) الأصدقاء، تركها وبدأ ( صناعة ) أخرى هي ( صناعة ) العشق، فاقتنى كتاب ( كيف تصبح معشوقاً )، ثم كتاب ( كيف تنجح في الحب )، وقرأ الكتابين بنهم المتعطشين إلى المال الحرام، وطبّق ما ورد فيهما على علاقاته مع النساء، وكان قبل ذلك على علاقة حب مع واحدة من بنات حواء، فتاة مستورة على قدر كبير من الجمال و الدلال، قدمها أفهم من رقبة مؤلف هذه الكتب .. فلم يمضِ شهران على مباشرته هذه الصناعة، حتى شعرت الفتاة بالصدمة من جراء تصرفاته المريبة، فهجرته، حتى من دون أنْ تكلف نفسها أنْ تخبره بانتهاء العلاقة بينهما، احتقاراً منها لما ظهر عليه من بشاعة التصنّع وصقيع النفاق، وهو ( يصنع ) نفسه في الشهرين الأخيرين بناءً على توجيهات وإرشادات كتب (السايكولوجي) البلهاء..
ولَئِنْ كان صعباً عليه تحمل الفشل الذي لازمه في حياته، وبسبب عجزه الكامل عن تشخيص الخلل و مواجهته، فقد أصيب بحالة من الإحباط الشديد، نتج عنه تراجع حاد في صحته على نحوٍ كاد يودي بحياته، لولا التدخل السريع من قبل أهله وانقاذه..
 وتلك نتيجة طبيعية، بل حتمية، لأنه أراد يوماً أن يكون استثنائياً من دون سائر البشر، أبهرته عناوين كتب مضللة لمؤلفين عرفوا كيف يقودون الناس كالخرفان، كالعميان .. كتب تافهة، تروّج للأوهام، سلبت عقله، فأخذ ما في ثنايا سطورها محمل الجد، لترسم له مسار حياته، وتحدد له تصرفاته، حتى انتهى به الأمر إلى هذا الوضع المأساوي.. فكل شيء ما لم يكن طبيعياً كان رد فعله كارثياً. 
 
 



3
استضافت جمعية الثقافة الكلدانية مساء يوم الخميس الماضي  الثامن عشر من تموز / 2019 الدكتور( روبن بيث شموئيل ) مدير عام الثقافة والفنون السريانية في محاضرة بعنوان ( اللغة وطنٌ لمن لا وطنَ له )..
استهل المحاضر محاضرته معللاً سبب اختياره لهذا العنوان، فأجاب بأنه تعبير مجازي، فاللغة المحكية ( السورث ) تعد المعادل الموضوعي للوطن، وهي الرابط القومي الأقوى بين أبناء شعبنا في الشرق الأوسط، حيث مولدها منذ حوالي القرن الثامن قبل الميلاد، وتداولها في المنطقة نفسها إلى اليوم، وأشار المحاضر إلى أنّ عمر الشعوب يكمن في لغتها القومية، وأصول الشعوب مرهون بدراسة لغاتها، ثم تساءل: من أين جاءت ( السورث )؟، ولماذا بقاؤها في نفس الأرض الأم ( الجغرافيا / الوطن )، واستشهد بآراء الباحثين والعلماء في أقدمية ( السورث المحكية )، معزياً ذلك إلى أنَّ لغة الكلام أقدم من لغة الكتابة، والحوار بين البشر قد سبق التدوين، إذ تكلم الإنسان أولاً، ثم بعد آلاف السنين بدأ يكتب، وهو يتعلم اللغة الأم في البيت والمحيط قبل الذهاب إلى المدرسة، ثم تطرق إلى الآثار الأولى للغة ( السورث )، وشرح بإسهاب من أين جاءت التسمية، مؤكداً إنه اسم شعبي نابع من فكر وثقافة الشعب الناطق بها، وليس من خارجه، وترجع جذوره إلى حوالي القرن الثامن قبل الميلاد، كما عرّج على بعض التسميات التي أُطلقت من قبل الشعوب الجارة على لغة المسيحيين السريان ( فليحي، فه له )، حيث قال إنّها تحريف ونسب لمهنة الفلاحة، إذ كان المسيحيون بمعظمهم يمتهنون الفلاحة التي تدلل على أنهم أصحاب الأرض والعقار الأصلاء، لأن المسلم الوافد لم يزاول الزراعة.. بعد ذلك تحدث المحاضر عن التلاقح اللغوي الذي حصل بين اللغة الأكدية والآرامية، واللهجات المنبثقة كنتاج لهذا التلاقح، على سبيل المثال ( لهجة الرها السريانية الكلاسيكية، السورث، الطورويو، لهجة معلولا، لهجة الصابئة المندائيين )، ثم تحدث عن مراحل تدوين السورث، وصنفها إلى محاولات التدوين الفردية منذ نهاية القرن السادس عشر ( أدب الدوركياثا )، والمحاولات المؤسساتية التي جاءت بجهود وإدارة الإرساليات الأجنبية الوافدة إلى منطقة أورميا منذ الثلث الأول من القرن التاسع عشر، وتطرق إلى تطوير السورث الذي يكون بتقريبها من السريانية الكلاسيكية المتداولة في الكنائس الشرقية والمشرقية، أي تطورها يكون نحو التوحد والاتحاد مع الجذور والأصول السامية المشتركة، وذكر أنّ ( السورث ) ارتوت من ثلاثة منابع: الأكدية، الآشورية البابلية، والآرامية، واللغات المتاخمة.. وأخيراً ومن أجل الحفاظ على السورث وديمومتها، وعدم انقراضها ، اقترح شعاراً، وهو: كنْ، مواطناً في الشارع، وسورايا في البيت، بمعنى آخر، تكلم  بلغة البلد الرسمية ( العربية، الكردية، الانكليزية، الفرنسية، ... إلخ )، ولكن تكلم باللغة الأم ( السورث ) في البيت..
وفي ختام المحاضرة، كانت هناك مداخلات على شكل أسئلة واستفسارات، أجاب عنها المحاضر بكل رحابة الصدر..

4
                     
علّمونا يوم كنّا على مقاعد الدراسة، أنّ الوطن أرض معطاء، ومياه، وسماء صافية زرقاء.. نولد فيه، و نعيش في كنفه، كما عاش آباؤنا الأولون.. نأكل من خيراته، ونشرب من مياهه العذبة. 
ظلت هذه المفاهيم عالقة في أذهاننا إلى حين، ثم دار الزمن دورتَه، فإذا بهذه المفاهيم تسقط وتصبح لغةً قديمة، طواها الزمن، ولم يعد لها بيننا أيّ وقعٍ أو نفع، وحلّت محلّها لغة أخرى أكثر حداثة وفلسفة، ربّما بسبب لعنة الدمار التي ارتوت منها الأرض وتضرجت بها الديار، نتيجة الحروب المتتالية التي أمعنت في الناس عنفاً و قتلاً و تدميرا، والمهانة التي لحقت بهم على امتداد سنوات تلك الظروف الصعبة، فأخذ البعض يبتدع مفاهيم أخرى جديدة لا تخلو من الغرابة، بُنِيَت على أساس التعليل و التبرير، لا على أساس العمق و التحليل، واعتمد هذا البعض على كلمات وعبارات جاهزة للتعبير عن أفكاره، منها على سبيل المثال لا الحصر، أنّ الوطن: هو أيّة بقعة في العالم تمنح الإنسان الخلود، ومنها: الفقر في الوطن غربة، والغنى في الغربة وطن. وكأنّ هذا البعض أصيب تفكيره بالتحجر والعفونة، وأصيبت حواسه بالعطل.
أما أولئك الذين تركوا وطنهم واختاروا المنفى، فما برح شوقهم يتلظى لسماء صافية بعيدة، ما فارقت القلب ولا غادرت الذاكرة، وإذا قيل في الماضي: لا كرامةَ لنبيٍّ في وطنه، فاليوم لا كرامةَ لمواطنٍ، إلاّ في وطنه. 
أنا هنا، لست في موضع المحلل، ولست في معرض الطرح الفكري للموضوع، و لكن أسأل فقط : 
 ما هو الوطن؟..
هل هو أرض ومياه وهواء؟
هل هو خريطة وطبيعة وسماء؟
هل هو حكم ونظام ورئاسة؟
جيش واقتصاد وسياسة؟
أم الوطن هو الإنسان، هو المواطن .
نعم، المواطن هو الوطن، وهو مبرر وجوده، وهو صورته العاكسة الصادقة، وعلى مثال ما يكون أهل البيت يكون البيت.
فالأرض أساساً، أية بقعة من الأرض، ماذا تنفع لولا الإنسان، وماذا تعني بطبيعتها ومياهها وسمائها، إنْ لم تكن مأهولة من الإنسان؟.
لماذا ندّعي لأنفسنا الحياد والشرف، فنتأفف ونقول: (ملعون أبو الوطن)، كلّما واجهْنا ظرفاً مزعجاً، أو وضعاً موجعاً، أو حدثاً مفجعاً؟
فأيُّ ذنبٍ اقترفه هذا البلد، كـ ( بلد )، بحقنا نحن الشعب البسيط العنيد؟
 وأيُّ دورٍ لعبه في تكوين ذاته و نحن بانوه و بنوه، و نحن صانعوه و حاكموه، و أمه و أبوه؟
هل تسلّل اليأس إلى نفوسنا؟
 لا، لا وجود لليأس في وطن يعيش فيه الأمل، ولا استيطان للخراب في أرضٍ زرعت فيها الحياة خلودَها.
صحيح أنّ المعاناة عظيمة.. عظيمة جداً في هذا الوطن، فهو مُثخَّن بالجراح، مدميّ الفؤاد، ولكن رغم الواقع المؤلم نرى شعبه يكابر على الكبوة، وينهض منها قوي العزيمة واثق الخطوة.. ولأنّ إرادته أكبر من المعاناة وأعمق من الجرح، فهو يستمر بالحياة رغم قسوة الظروف، ولأنّ الآثار المدمرة للحروب ترفض، إلاّ رضوخَه واستسلامَه لسلبيتها، فهي تلاحقه من مكانٍ إلى آخر بوسائلها المدمرة القاتلة، وتجرب فيه أبشع أساليب الإجرام. 
أيّها المواطن ..   
أنْ تنتقد بلدك فهذا من حقك، ولكن لا تنسَ أنَّ بلدك هو أنت..
إنه بلدك الذي عليك أن تفخر وتعتز بالانتساب إليه، بما له وما عليه، وتحبه، كيفما كان، تحبه..
ولكن من يملأ الصدورَ خجلاً واحتقاراً واستهجاناً بحجم كبير، بحجم الوطن، هم أولئك الذين يخونون بلدهم، ويطعنونه في الظهر..
ما الفرق بين أن يطعن الإنسان في بلده، أو أن يخونَه؟
ما الفرق بين أنْ يحتقرَ المواطنُ وطنَه، أو أنْ يبيعَه؟
لا فرق إطلاقاً.
لنرجعْ قليلاً إلى التأريخ ونأخذ هذه الحكاية العبرة..
ذات يوم جاء أحد مواطني دولة عدوة إلى نابليون وبحوزته معلومات عسكرية سرية عن بلده، على جانب كبير من الأهمية. أراد إفشاءَها للقائد الفرنسي.. وعندما تم له ذلك فوجئَ بالقائد التاريخي، يرمي له على الأرض كيساً من النقود مكافأةً له على عمله التجسسي، فما كان منه، إلاّ أنْ قال له بتودد: أنا يا سيدي ما جئتكم بهذه المعلومات سعياً وراء المال، إنّما لكي أحوزَ على شرف مصافحتكم فحسبْ...
فأجابه نابليون باحتقار واشمئزاز، وهو يولي له ظهرَه..
أنا لا أصافح إنساناً خسيساً مثلك، يخون وطنه.
 ونحن، وإنْ كنا لم نُنصِفْ وطنَنا، علينا ألاّ نطعنَ أو نلعنَ أو نخون، وإلاّ فلن يكون العتب على العالم إذا ما نظر إلينا نظرة احتقار و استصغار.         
 


5
                               

ليست الغربة مغادرة الوطن فحسب، بل مغادرة عزيز كان يستوطن في داخلك..
تمر اليوم الذكرى السنوية الأولى لرحيل المرحوم والدي.. ففي مثل هذا اليوم ( الثامن عشر من حزيران ) قبل عام، رحل عن هذه الفانية إلى دار الآخرة..
مرت سنة كاملة على فاجعة فراقك يا أبي .. عام مضى، ولم تفارق صورتك مخيلتي ولو للحظات..
ساعة فراقك، هي الساعة التي لا تُنسى، واللوعة التي لا تُمحى، فهي النار التي تشتعل في الأحشاء، ودموعٌ تُحرقُ الوجنات..
في هذه الذكرى القاسية، أبى قلمي، إلّا أن يسطّرَ شوقي لك، فبدأ ينثر حروفي باكياً فقدانك.. كيف لا، وقد مر العام وكأنّه الدهرُ كلُّه..
رحلتَ يا والدي، فتركتني وحيداً في صحراء الهجران بين جبال من الأحزان..
رحلتَ، وثارت براكين الحزن بداخلي، واهتزت أركان فؤادي..
رحلتَ، فأمطرت سحابة دمعتي.. بكيت كطفلٍ صغير، وبكت السماء معي..
رحلتَ، وما زال طيفك يزورني، فيُلهب مشاعري، ويؤجج نيران اشتياقي لك..
رحلتَ، وانطفأت أنوار آمالي في ظلام اليأس الذي أخذ مني، وغرقت أنفاسي في دموع الآهات، فنمَتْ جذور الألم ونبتت، حتى صارت تملأ طرقاتي..
 مرت سنة، ولكن لم تكن سنة اعتيادية كسابقاتها، كنت فيها أفتقد نفسي، أبحث عنها فلا أجدها، أنادي عليها فلا تسمعني..
مرت سنة، وعبق طيفك كان، وما زال يلوح بتواجده في أركان خيالي..
كم كان البيت جميلاً بوجودك يا أبي، فكيف لي أن أخفي لهفة ملامحي عند ذكر اسمك..
ما كنت يوماً حسوداً، ولم أسمح للحسد، ولو مرة واحدة، أن يطرقَ بابي فيتسلل إلى نفسي، ولكن قبل يومين أصابني الوهن، فأخذ طريقه إليَّ، لأول مرة، أخذني أسيراً إلى عالمه المجنون، كان ذلك في السادس عشر من حزيران الجاري، عندما احتفل العالم بـ ( عيد الأب )، فاشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بتقديم التهاني للآباء، كلٌّ بطريقته الخاصة، أما أنا فلم أجد من أقدم له التهنئة بهذه المناسبة المحبّبة المعبّرة، لأنني افتقدت أبي منذ حين، فأصبحت بلا أب..
لم تعد حياتي كسابقها بعد رحيلك يا أبي.. لقد فقدت الكثير في غيابك .. باتت أيامي باهتةً، خاليةً من كل شيء، إلّا من ذكراك، فقد كنت لي النعيم الذي سأظل أبكي على فقدانه عمراً.. فمن يخفف ألم رحيلك عني؟..
بعد رحيلك يا أبي، أيقنتُ أن لا حزنَ يؤلم أكثر من فراق الأب، فالشوق لك قد بلغ مداه، وفاق سعة الكون..
يقولون إنَّ البكاءَ يُتعب الميت، لكنني بكيتك كثيراً يا أبي، بكيتك في سري وفي علني، بكاءَ شوقٍ، لا بكاءَ اعتراضٍ على حكم القدر..
ليتك تفوق يا أبي ولو للحظة، لترى بأي حالٍ أمسيتُ، وكيف الصدمات تتوالى على قلبي..
لا يُفجع الروحَ، ولا يُفطّر الفؤادَ كما الفراق.. إنّ الفراق والفقدان من أكثر مسببات الآلام والأحزان..
 غاب والدي، فغابت شمس زماني إلى الأبد، وبدأت أشعر أنّ الحياة بدأت بالتوقف، لأنّ عزيزاً كان يملأ البيت، لم يعد حاضراً بيننا، فقد غادرنا إلى الأبد..
 غيابه غير أشياء كثيرة في حياتي، فلم يعد لدي القدرة على الاستمتاع بأي شيء.. أصبحت كذاك المبعثر في الأحاسيس، فأنا لم أستوعب حتى اللحظة إنّه قد رحل، فما زلت أفتش بين بقاياه عن أشياءَ منه، وما زال الحنين عالقاً بيني وبين النسيان..
في غيابه لفّ دنياي السكون، وبعد رحيله لم أعد أشعر بما حولي، فقد زرع الزمن وجع فراق أبي في قلبي، حتى نهاية عمري، فرحيله غصّةٌ في القلب، لا تموت مدى الحياة..
لقد رحلت يا أبي، ولكن صاحب الفضل لا يرحل، لأنّ ذكراه تظل حيةً في قلوب من يدينون له بالمحبة والاحترام..
في ذكراك الأولى، ليرحمْكَ الله يا أبي، يا من كنت فخراً نفتخر به طول العمر و أبد الدهر.
 
 


6
المنبر الحر / أنتِ هبة السماء..
« في: 05:14 21/03/2019  »
                           
 
في الحادي والعشرين من آذار من كلِّ عام يحتفل العالم بعيد الأم، وهي مناسبة من أحلى المناسبات، وأقربها إلى قلب كل واحد منّا، لأنّها تخصّ واحدة من أقدس الأحياء على وجه الأرض، فوجدتها فرصة لأكتب شيئاً متواضعاً، أهديه إلى كل أمٍّ بهذه المناسبة العظيمة، وإن كنت على يقين بأنّي لو جمعت كل ما في قواميس الدنيا من الكلمات النبيلة، لما كفتني تعبيراً عمّا أكنّه من مشاعر إنسانية وأحاسيس مرهفة إزاء أكثر خلق الله إنسانية في هذه الدنيا.. ولعلّ أبرز جانب يثير إنتباه الكاتب حين يتناول شخصية فريدة كهذه، هو ذلك الكم الهائل من العطاء الذي لا ينضب مع مرور الزمن، بل على العكس تماماً، كلما تقدم بها العمر وكبُرَتْ، فإنّ كلماتها ترِق أكثر وحنانها يزداد ويكبر، ودمعتها تزداد غزارةً عندما يُثني عليها أحدنا بكلمةٍ، تستحق أكثر منها بكثير.. إنّ صلواتها الصامتة، الرقيقة، لايمكن أن تضل الطريق إلى ينبوع الخير، فهي ينبوع المراحم المتدفق..
هي التي تسكب قوتها في ضعفنا لتعطينا القوة والصبر والإيمان.   
أيتها الأم المباركة المبجّلة ..
أنتِ شمعةٌ مقدسة، تضيء ليل الحياة بنورها الوضّاء المتوهج..
نحن دائماً نأخذ حقّنا منكِ، وننسى أن نعطيكِ حقّكِ ..
عفوكِ يا أمّاه .. كلّنا مشغول عنكِ، وحدكِ أنتِ مشغولةٌ بنا.
في عيدكِ الأغر هذا، نقف إجلالاً وبكل خشوع أمام وجهكِ الأبيض الناصع، لأنّكِ وحدكِ الباقية لنا في زمن الخسارة، فأنتِ لحظة الفرج الأخيرة حين يسرق الحزن كل اللحظات..
أنتِ الطريق المختصر لكل الأشياء الجميلة..
أنتِ الطمأنينة التي ليس لها آخر في زمن الفوضى والانفلات ..
أنتِ الحب الثابت والحقيقة الراسخة التي لا تتغير في زمنٍ كل ما فيه يتغير..
الكل يُسرع إليكِ عندما تضيق به السبل، وتوصد في وجهه الأبواب..
الكل يحتاج إلى قلبكِ، ليلقي عليه مواجع الأيام..
نحن ننتظركِ، ننتظركِ بشوقٍ كبير في محطة الحب الأبدي.
كل العظماء.. كل الفلاسفة والحكماء، وكل الشعراء اعترفوا بفضل أمهاتهم وتأثيرهنّ في مجرى حياتهم ..
 أوَليس أديسن القائل: أمي صنعتني.. وهكذا سقراط، وأبرهام لنكولن، وشكسبير، ونابليون، وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، والقائمة طويلة .. طويلة جداً، لا مجال لذكر ما جاء على لسان كلِّ هؤلاء، فذلك يحتاج إلى صفحات..
وماذا يسعني أن أقول أنا إزاء ما قاله هؤلاء الكبار من زُخرُف الكلام بحقِّكِ، إشادةً منهم بدوركِ وعرفاناً بفضلكِ.
يا ست الحبايب .. يا حبيبة.
ليس في جعبتي ما أقدمه لكِ وللقاريء الكريم في يومكِ المعطر هذا، غير ما جاء في هذه الأسطورة القديمة من معانٍ إنسانية عميقة ومؤثرة.. هذه الأسطورة التي بلغت مسمعي منذ سنوات طويلة، يوم كنت لم أزل تلميذاً على مقاعد الدراسة، وقد جاء فيها، أنّ شابّاً شغف بحب داعر، طلبت منه ذات يومٍ أن يأتيها بقلب أمّه دليلاً على صدقِ هواه، فما كان من هذا العاق، إلاّ أن قتل أمَّه، وانتزع فؤادَها ليطرحه عند قدمي معشوقته، فحدثَ أنْ عثرت رجله ووقع على الأرض، فتدحرج قلب الأم على التراب وهو يقطر دماً، ولمّا نهض ليتناوله، سمع صوتاً صادراً من القلب يسأله بحُنو:
يا بنيَّ، هل تألمت؟ هل أصابك من ضرر؟
 


7
المنبر الحر / حوار من صلب الواقع
« في: 12:39 30/11/2018  »
 
                                 
 إنْ شئتم فانصتوا لهذه المحاورة التي جرت بين مربٍّ فاضل وابنه الوحيد، الذي بذل جهداً كبيراً في تربيته وتعليمه، على أمل أن يضمن له في المستقبل حياة فيها شيء من الكرامة، ولم يهدأ له بال، إلاّ بعد نيله شهادة مرموقة من إحدى الجامعات العريقة، ممّا جعله في حكم المتيقّن من أداء رسالته على أكمل وجه، ولكن وقائع هذه المحاورة تشير إلى عكس ذلك تماماً.     
 أنصتوا جيداً، فقد يكون أحدكم طرفاً فيها، أو طرفيها..
 يا أبي، لو صَحَّت مقاضاة الوالد لَقاضيتك!.
 * أنا ؟!
 ولَحكمت عليك بالفشل المؤبد ..
 * عليَّ ؟
 لقد جئتَ بي إلى هذه الدنيا في زمنٍ ليس زمني، وفي عصر ليس عصري، فأنا، ومن هو على شاكلتي من أبناء جيلي، غرباء، لا وجود لنا في هذا العالم التائه، المضلَّل..
 أ تذكر يوم غششت _ لأول مرة _ في الامتحان، كيف ضربتني ضرباً موجعاً، ترك آثارَه في أنحاءَ كثيرةٍ من جسمي؟
 *  أذكر..
 تلك كانت آخر مرة أغش فيها، فلم أغش بعدها أبداً..
 وهل تذكر يوم كذبت عليك وخدعتك، كيف منعت عني الطعام والشراب لمدة يوم كامل؟
 *  أذكر ..
 لم أكذب بعدها أبداً، ولم أخدع بعدها أحداً..
 و تذكر يوم مددت يدي إلى جيبك، فوضعتني في غرفة مظلمة حتى صباح اليوم التالي؟
 * أذكر ..
 توقفت عن السرقة بعدها، وقطعت عهداً على نفسي، ألّا أمدَّ يدي إلى مالٍ ليس لي..
 وهل تذكر يوم كنت تشجعني على القراءة، وعلى البحث عن المعرفة في الكتب، لكي أفهم الحياة أكثر وأعرف حقيقة الأشياء، وأدرك معنى الوجود؟ 
 *  أذكر
 لم أعِرْ التوافه بالاً منذ ذلك الحين، وسرت في طريق الجد، الذي لا يقبل بغير الاستقامة..
 أ تذكر.. وتذكر.. وتذكر .....؟
 * وهل هذه رذائل، يا بني؟       
 رذائل ؟ .. سمّها معوقات، عراقيل ، سمّها ما شئت..
 لقد نجح كل الذين غشوا، والذين انحرفوا، والذين اصطادوا في الماء العكر ..
 أما أنا وأمثالي، فنجلس كل يوم، نرمي صنّارات أمانينا في الهواء الطلق، فلا نصطاد غير الخيبة والفشل..
 أين المفر للصادقين في عالم كاذب، للأمناء في دنيا خؤونة، للأنقياء في زمن المخزيات ؟
 أين أضع استقامتي بين هذه الخطوط المتعرجة والملتوية ؟
 أين أهرب من الجد، الذي طبع حياتي فصار جزءاً مني ؟
 أين أخبِّئ نزاهتي في غابات المراوغة والاحتيال والوصولية، والغدر؟
 ما هو محلّي من الإعراب الاجتماعي والإنساني في عصـرٍ تدهور فيه الضمير، واندثرت فيه القيم الإنسانية؟
  * اسمع يا بنيَّ ، لن أعطيك جرعةً أخرى من فلسفتي العقيمة، كما تتهمني..
 لن أقول لك طوبى للغرباء، للأنقياء، للفقراء .. طوبى لطيّبي القلب والسريرة ..
 لن أقول شيئاً من هذا، ولكن سأوجز لك، وأترك لك أن تستشف من الإيجاز ما تستشف ..
 مُسهباً، كنت أعدك لبحبوحةٍ في الرزق .. لرغدٍ في العيش .. لغنىً في النفس .. لغنىً في العاطفة، وقلت لك: لا تسرق، لا تكذب، لا تخن، لا تغش، لا تظلم .. وسأظل أقول لك اليوم ما قلته لك بالأمس .. لن أتراجع ولن أندم، ولكن ما باليد حيلة يا ولدي من مواجهة الواقع .. الواقع، يا حبيبي وليس الحقيقة، فالواقع طارئ وزائل، والحقيقة أزلية، أبدية..
 كنت موقناً من أمر واحد، هو أنّ الأرض تدور، ولم أدرِ بعد هذه الحفنة من السنين أنّ كلَّ شيءٍ وُضِعَ في حلبة الدوران، وصار يدور، فليست الأرض وحدها هي التي تدور، بل الناس، والأشياء، والأفكار، وحتى القيم والمثل، هي الأخرى أخذت تدور.. كل شيء يدور، يدور، ولكن للأسف الشديد، إلى الوراء!

 

8
 أنا والحزن صديقان..
أرضه هي وطني ..
 سماؤه هي دموعي ..
 شبابه هو عمري ..
عشقت حروفَه، وتعلمت لغاتِه..
نهرُه يجري في شراييني، ويصبُّ في قلبي..
سفنُهُ تُبحر في بحار حياتي، وترسو في مرافئ أيامي..
جاءني الحزن قبل أيام، ليفتح بابي بلا استئذان..
صفع براحته خدي، وسدّد بخنجره طعناتِهِ النافذة إلى قلبي..
فها هو الموت الأسود يخطف عزيزاً، يخطف حبيباً.. يخطف أحب الناس على قلبي..
ها هو الموت الأسود، قد سلبني أغلى ما عندي..
 ها هو والدي، قد استقلَّ قطار الرحيل..
فسقطت دمعتي في اللحظة التي فارق فيها الحياة، وتساقطت بعدها الدموع غزيرةً، واختنقت تلك النبضات في قلبي، وما زالت إلى الآن تشهق روحي تلك الأنفاس المؤلمة..
لست أنا الوحيد من بكى لرحيلك، يا أبي، فقد بكى معي كل من عرفك، وكل من لم يعرفك.. بكتكَ حديقة الدار، التي كنت تشرف عليها ليل نهار، حتى جعلتها تأسر الألباب وتخطف الأبصار، فيأتي إليها من هنا وهناك الزوار، ليمتّعوا نظرهم بأصنافٍ فريدة وألوانٍ من الورد والأزهار ..
حديقتك تبكي رحيلك، يا أبي، فقد غدت في حالٍ يُرثى لها.. تبكي، لأنها أخذت تشعر بوحدة قاتلة.. تبكي، لأنها صارت في طي النسيان، فالورد أمسى شاحباً، والأزهار قد ذاب فيها عطرها بعد أن ضاع حبيبها، أما أشجار الحمضيات التي كنت تعشقها، فقد أدماها رحيلك.. فمن يحاكيها في غيابك؟.. من يرعاها؟.. من يسقيها؟
يسألونني عن سبب الحزن في عيني؟
ألم يُدركوا بأنَّ فقدان الأب يقتل؟!
لقد انطفأت الشمعة التي لطالما أنارت البيت لعقود، فحلَّ بيننا النواح، واستحالت الأفراح..
من يستطيع أن يزيل السحابةَ الدكناء من حولي؟
فقد اكتسى الكون من حولي بظلامٍ، وعتمة صمّاء، واستحال الأبيض والأصفر إلى سوادٍ عظيم مرصّع بالحزن العميق، عصر ذلك اليوم المشؤوم، الذي طوى معه وجهاً، لم يعرف الحقد طريقه إلى قلبه.. وهب حياته لخدمة أفراد أسرته، وصرف كل طاقاته لخدمة بلدته (عنكاوا )، التي ظلت تشغل بالَهُ، حتى الرمق الأخير من حياته..
يقولون لي، أنَّ الله أنعم على عباده بنعمة النسيان.. نعم، ولكن كيف أنسى، فكل ركنٍ من أركان البيت له فيه ذكرى بالنسبة لي: مكان نومه، مكان جلوسه.. كل زاوية ٍ في بيتنا تذكّرني به.
صور كلامه وحديثه ماثلةٌ أمامي، ولا تفارق خيالي، وتأبى أن يحوم حولها النسيان..
كلّما وقع نظري على لوحة التسجيل ( 93 / أربيل )، التي اقترنت بـ ( اسمه ) منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، ترقرقت الدموع في عينيّ.. فكيف لي أن أنسى أبي!..
 كم يزداد بي الشوق إليك، يا ملهمي، ويا مصدر عزّتي وكبريائي وشموخي..
يا راحتي وهدوئي، وأماني وسكينتي.. كنت لي القلب الحنون الذي فقدته للأبد، ولكنك باقٍ في ثنايا جسدي، وزوايا أضلعي، فليس لي سوى ذكراك، لأعيش بها في حياتي، تلك الذكرى التي يهتز لها كياني ومشاعري وأحاسيسي..
ما أصعب الشوق لمن فارق الحياة.. 
كلمات الدنيا قليلة بحقك، يا أبي..
مهما تكلمنا وقلنا، فلن نوفيك حقك، ولا أحد عرف قيمتك، إلّا بعد رحيلك وفقدك ..
فالكلمات في رثاء العزيز تصبح عقيمة، باردة، لا تُنبئ عن الحقيقة، ولا تفي بالغرض، ولا تفيد في وصف..
مذ لحظة رحيلك، وأنا أبحث عن شيءٍ، لأكتب عنك.. قلبت جثث الكلمات مرات ومرات، ولم أفلح..
فقد تشتّت ذهني وخانتني أفكاري..
ماذا لي أن أقول، والأسى أثقلني، وقيّد لساني؟..
 فالصدمة لرحيلك أسرتني، والحيرة أخذتني..
أيّة صرخةٍ توازي الفاجعة؟
لن أبكيك بدمع عيني، يا أبي، بل سألتقط من دموع قلبي بعض الكلمات..
الكون كله أدار لي ظهرَه من بعدك، وأنا أتقمص لون الذكرى، وأتابع وأتلبّس الماضي الجميل، و أتدفّق " أسئلةً ".. كيف رحلتَ؟
رحلتَ، فرحل معك كلُّ شيءٍ جميل في هذه الحياة..   
رحلتَ لتسلبني الدفءَ ما حييت..
عزائي فيك، يا أبي، أنَّكَ كنت دائماً تحمل في صدرك ذخائر الإيمان والتقوى، وكانت لك شهرة طائرة  بالإيمان الوطيد، والتديّن الأكيد..
وإذ أستأمنكَ بين يدي الخالق، فنم قريرَ العين، أيّها الحبيب، ولترقدْ روحك بسلام..
 
 

 


   

9
عندما فكرت في نشر مقالي السابق (بعض الأخطاء الشائعة في اللغة العربية مع تصويباتها)، في هذا الموقع الكريم، لم أكن لأتصور أنَّه سيلقى كل هذا الصدى وهذه المتابعة غير المتوقعة من قبل القراء الأعزاء، نظراً لتعوّد الناس على هذه الأخطاء، فقد ألِفوها وأخذوا عليها، حتى أنَّهم باتوا يستهجنون الصواب ويرفضونه، وذلك ليس بالأمر الغريب، فمن يتعود على الخطأ في أول الأمر، يبدو له الصواب إذا عرفه فيما بعد هو المستغرَب المستنكَر، ثم لماذا نلقي اللوم على المتلقي، إذا كانت بعض المعاجم، وأخص بالذكر الحديثة منها، قد حوت على متنها الكثير منها..
 غير أنَّ ما أثار دهشتي هنا، أنَّ (جوجل)، هو الآخر قد استوعب هذه الأخطاء، فأخذ عليها، وصار يحتج ويؤشر بالأحمر تحت بعض الكلمات لدى قيامي بتصحيحها، معلناً رفضَه وعدم استساغته لها.. يبدو إنّه قد تلقّن جمهرةً منها، في الوقت الذي لم يكترث اللغويون بهذا التخريب اللغوي.
 وما كنت لأتصدى لهذا الموضوع، لولا تكاثر الأخطاء الجديدة التي ابتدعها الجيل الجديد، ولم يسبق أن نبّه عليها الأسلاف، لأنها لم تظهر في زمانهم، فقد تكاثرت هذه الأخطاء في الأعوام الأخيرة إلى حد، صار المهتم ( من أمثالي)، لا يحتاج إلى طول عناء لاستحضارها، حتى جعلت تنثال على ذهني، فاجتمعت لي منها طائفة أخرى، سأوردها هنا، تلبيةً لطلب الكثير من الإخوة القراء والمتابعين الذين رغبوا في الاستزادة منها، وبخاصة أولئك الذين مرّوا على مقالي السابق وعقبوا عليه من خلال ردودهم اللطيفة الجميلة، فلهم ولكم أجمعين كل الشكر والامتنان..     
 إليكم هذه الأخطاء:
 نقاط: جمع (نقطة) ينطقونها بضم النون، والصواب (نِقاط) بكسر النون.
تكرار: بكسر التاء خطأ. الصواب (تَكرار) بفتح التاء.
رُعاع: بضم الراء خطأ. الصواب (رَعاع) بفتح الراء، ويأتي استعمال الكلمة للتحقير (قومٌ رَعاع، أو رَعاع البشر)، أي السافلونَ من الناس.
جمع (بائس)، أي (المفتقر) على (بؤساء) خطأ. الصواب: بائسونَ (جمع مذكر سالم)، أما (بؤساء) فجمع (بئيس)، وهو الشجاع القوي.
ورود: جمع (وردة)  خطأ. الصواب: وَردٌ.
نفط: بفتح النون خطأ. الصواب (نِفط) بكسرها. 
عراقيل: خطأ. الصواب (عراقِل) بكسر القاف، من دون ياء، لأنَّ كلمة (عرقلة) لا تحتوي على حرف المد، وبالتالي لا يمكن جمعها على (عراقيل) بالياء، فهي زِنة (وسوسة)، وجمعها (وساوس).. ولا تُزاد الياء، إلّا في جمع المفرد الذي يحتوي على حرف المد (الألف)، نحو: مسمار، وجمعه (مسامير)، أو (الواو)، نحو: عصفور، وجمعه (عصافير)، أو (الياء)، نحو: قنديل، وجمعه (قناديل)، ولا يوجد أيٌّ من هذه الأحرف في (عرقلة)، ولا توجد في العربية كلمات مثل: (عرقال، و عرقول، و عرقيل)، حتى تُجمع (عراقيل).
أعزب: شاب أعزب خطأ. الصواب: شاب عزب.
هوية: بفتح الهاء خطأ. الصواب: هُوية بضم الهاء. أما هَوية بفتح الهاء فهي البئر العميقة.
طرق التدريس: خطأ، لأنَّ طرق جمع (طريق). الصواب: (طرائق) جمع (طريقة)، فنقول: طريقة التدريس، وطرائق التدريس، ونقول: الطريق مسدودة (لأنَّ الطريق لفظ مؤنث)، والطرق مسدودة.
طازِجة: فاكهة طازِجة بكسر الزاي خطأ. الصواب: طازَجة بفتحها.
مبروك: خطأ. الصواب (مبارك) اسم مفعول من الفعل (باركَ)، أما (مبروك)، فهو اسم مفعول من الفعل (بركَ)، وشتانَ بين باركَ و بركَ، فالله يبارك ولا يبرك.
نسائم: (نسائم الصباح) خطأ، لأنّ (نسائم) جمع (نسيمة)، لا (نسمة). الصواب: (نسمات الصباح) جمع مؤنث سالم لـ (نسمة)، بعد حذف التاء وزيادة ألف وتاء مبسوطة (ات).
ملاحظة: مصطلح خطأ. الصواب: ملحوظة.
فتاوي، دعاوي، شكاوي... بالياء: خطأ. الصواب: فتاوى، دعاوى، شكاوى... بالألف المقصورة.
تحاليل، تمارين، مشاريع، مواضيع، عناوين: جمع (تحليل، تمرين، مشروع، موضوع، عنوان) خطأ. الصواب: تحليلات، تمرينات، مشروعات، موضوعات، عنوانات. حسب القاعدة التي تقول: ما زاد من المصادر عن ثلاثة أحرف يُجمع جمعَ مؤنثٍ سالماً، بزيادة ألف وتاء مبسوطة (ات) على آخره.
مصائر: جمع (مصير) خطأ. الصواب: مصاير. بالياء، لا بالهمزة.
وريث: خطأ. الصواب: وارث.. اسم فاعل من (ورِثَ). لأنَّ كلمة (وريث) لا أثرَ لها في معاجم اللغة العربية.
استمارة: خطأ. الصواب: استبانة، لأنَّ لفظة (استمارة) لا أصل لها في اللغة.
مجوهرات: خطأ. الصواب: جواهر، لأنَّ كلمة (مجوهرات) لم ترد في اللغة العربية.
نزيف:  (نزيفٌ دموي) خطأ. الصواب (نَزْفٌ دموي) من دون ياء.
بنادق: جمع (بندقية) خطأ. الصواب: (بندقيات)- تُجمع جمعَ مؤنثٍ سالماً، بعد حذف تاء المفرد (بندقية) بحسب القاعدة، ثم إضافة ألف وتاء مبسوطة (ات) إلى المفرد.
حُضن: حُضن الأم: خطأ. الصواب: (حِضنُ) بكسر الحاء، لا بضمّها.
جُعبتي: في جُعبتي: خطأ. الصواب: (في جَعبتي) بفتح الجيم، لا بضمّها.
مدراء: جمع (مدير) خطأ. الصواب: مديرونَ، وقد يحتاج ذلك إلى بعض الشرح، فـ (مدير) اسم فاعل من الفعل الرباعي (أدارَ)، واسم الفاعل من الرباعي عادةً على وزن مضارعه مع إبدال ياء المضارعة بميم مضمومة وكسر ما قبل الآخر، مثل: (أنجَزَ – يُنجِزُ – مُنجِز، و أبدَعَ – يُبدِعُ – مُبدِع)، و مثلها (أدارَ – يُديرُ – مُدير)، وعند جمع مُنجِز، و مُبدِع  نقول: مُنجِزون، و مُبدِعونَ، وكذلك الحال مع مُدير، فنقول: مديرونَ، لا مدراء، أما جمع التكسير على وزن (فُعلاء)، نحو: (أُمراء، وزراء، سُفراء...إلخ)، فمفرداتها مأخوذة من أفعال ثلاثية، لا رباعية، فـ (أمير) من أمر، و (وزير) من وزر، و (سفير) من سفر.
أخصائي (طبيب أخصائي) خطأ. الصواب: طبيب اختصاصي، من الفعل (اختصَّ)، أي تعمّق في دراسة فرع من فروع الطب، واختصَّ فيه.
زرع الشجرة: خطأ. الصواب: غرس الشجرة، لأنَّ البذور هي التي تُزرَع، أما الأشجار والشتلات، فتُغرَس في الأرض.
لا يلقى أذناً صاغية: هذا التعبير خطأ. الصواب: لا يلقى أذناً مُصغية. من الفعل (صغا) الثلاثي المجرد، بمعنى: مالَ إلى.
قَيدُ أُنملة: بفتح القاف خطأ. الصواب: ( قِيدُ أنملة) بكسرها.
تنازل عن حقِّه: خطأ. الصواب (نزل عن حقَّه).
سؤالٌ بسيط: خطأ. الصواب: سؤالٌ سهل، لأنَّ (بسيط) بمعنى منشرح.. يقال رجل بسيط الوجه، إذا كان متهللاً منشرحاً، لأنَّ الإنسان إذا سُرَّ انبسط وجهُهُ.
جُرمٌ سماوي: بمعنى (كوكب)، بضم الجيم خطأ. الصواب: (جِرمٌ سماوي) بكسر الجيم.
عَن كَثَبْ: خطأ. الصواب (مِن كَثَبْ).
بدون شك: خطأ. الصواب: من دون شك.
بالرغم: خطأ. الصواب: على الرغم.
تلميذٌ شاطر: خطأ. الصواب: تلميذٌ نبيه، لأنَّ (الشاطر): هو الذي يُعْيي الآخرين بخبثه.
ناكر الجميل: خطأ. الصواب: (مُنكِرُ الجميل) - اسم فاعل من الفعل (أَنكَرَ - يُنكِرُ)، فهو مُنكِر، بعد استبدال ياء المضارعة بـ (ميم مضمومة).
اعتذر منه: خطأ. الصواب: اعتذر إليهِ.
عديم الفائدة: خطأ. الصواب: معدوم الفائدة.
في هذا الحال: خطأ. الصواب: في هذه الحال، لأنَّ (الحال) لفظ مؤنث.
يحظى بالقُبول: خطأ. الصواب: يحظى بالقَبول. بفتح القاف.
حاز على الشهادة: خطأ. الصواب: حاز الشهادةَ، لأنَّ الفعل (حازَ) متعدي، ينصب مفعولاً به (الشهادة)، فلا حاجة لحرف الجر (على).
أُبيدوا عن بكرةِ أبيهم: خطأ. الصواب: أُبيدوا على بكرةِ أبيهم، أي، أُبيدوا جميعاً ولم يبقَ منهم أحد.
الرضوخ للأمر: خطأ. الصواب: الخضوع للأمر، أو الإذعان للأمر، أو الامتثال للأمر، أو الاستجابة للأمر. لأنّ (رَضَخَ) بمعنى: أعطى.
مما يؤسَف له: خطأ. الصواب: مما يؤسَف عليهِ.
سويّاً، (حضرنا سويّاً): خطأ. الصواب: حضرنا معاً، لأنَّ (السويّ) في معاجم اللغة هو (المعتدل)، ولا تدل الكلمة على المصاحبة.
وأخيراً، لا بد لي من الإشارة إلى خطأ يتداوله الناس على وجه الكثرة في هذه الأيام، فيَرِد على بعض الألسنة والأقلام استعمال مصطلح (عضوة) في حق المرأة التي تتمتع بعضوية مجلس، أو نقابة، أو مؤسسة، والصواب: (عضو)، لا (عضوة)، كما أنَّ الأذن عضو، والأنف عضو من أعضاء جسم الإنسان.
وفي الختام أشكر كل الإخوة الأفاضل، والأخوات الفاضلات على هذا التجاوب مع الموضوع، وأسأل الله أن يجعل في مقالي هذا النفع والفائدة، ومن كان له تعقيب أو إضافة فلا يبخل بها علينا.. 


10
الكلام الصحيح سليقة أكثر منه تعلُّم، والسليقة إنّما تتكون من كثرة ما يسمعه المرء من الفصيح الصحيح، فما جدوى دروس العربية النظرية الجافة إذا كانت (الدروس) التطبيقية في ميادين العمل، سواءً في الإذاعة والتلفزيون أو في الصحافة، أو القصص والروايات المترجمة وغير المترجمة، تجرف من ذهنه كل ما تعلمه في حياته الدراسية؟ حتى أنا الذي كانت سليقتي منذ أيام الحداثة سليمة قويمة لكثرة ما قرأت من لباب الأدب العربي في أحسن أساليبه.. أراني اليوم قد أَلِفت الأخطاء لكثرة تردّدها على سمعي من الإذاعات ومحطات التلفاز، وقراءةً في الصحف والمجلات، حتى صار بعضها، أي - الأخطاء – يغافلني فيندس في كلامي، ويجري على قلمي حين أكتب أو على لساني حين أقرأ أو أتحدث..
 وليس بالإمكان استقصاء كل الأخطاء، فإذا كان المرء جاهلاً باللغة فكل الأخطاء ملك يمينه.. لهذا سأتناول هنا أهم هذه الأخطاء وأكثرها شيوعاً، وسيكون تركيزي في هذا الجهد المتواضع على السماعية منها، وأقصد بها الأخطاء التي لا نشعر بها حين نقرؤها، بل حين نسمعها، لأن عدم ضبط الألفاظ بالحركات على الحروف يجعل كلاً من المصيب والمخطئ ينطقها على طريقته.. وكل كلمة لم يتعلم المرء نطقها الصحيح فهو معرض لأن يُخطئ فيها، ناهيك عن تلقّن نطقها مغلوطة من معلميه. وعندئذ قد يكتبها صواباً، ولكن يقرؤها خطأً..
وإليك عزيزي القارئ بعض هذه الأخطاء:         
تجربة: نطقها يكون بكسر الراء، وليس بضمها (تجرِبة)، وجمعها أيضاً بكسر الراء (تجارِب ).
قمّة: بكسر القاف (قِمّة)، وليس بضمها.
إرباً إرباً: ينطقها بعضهم بفتح الراء زِنَة (عِنَباً)، والصواب بتسكين الراء وليس بفتحها (إرْباً إرْباً).
اضطرَّ إلى الشيء: فتح الطاء خطأ. والصواب (اضطُرَّ) بضم الطاء.   
أعجب بنفسه: فتح الهمزة بصيغة المعلوم خطأ. والصواب: أُعجِبَ بنفسه، بصيغة المجهول، فهو مُعجَبٌ بنفسه.
أكفاء: يقرأونها بالتشديد زِنَة (أحِبّاء و أعِزّاء)، وصوابُها بالتخفيف (أكْفاء)، زِنَة (أبناء و أسماء).
بخور، فطور، سحور: هذه الكلمات ينطقونها بضم الأول، والصواب: بَخور، فَطور، سَحور، أي بفتح أولها.
بلعوم: الصواب نطقها بضم الباء (بُلعوم)، لا بالفتح.
حلقوم: الصواب نطقها بضم الحاء (حُلقوم)، لا بفتحها.
بنية: بكسر الباء (بِنية)، وليس بضمها.
ترجمة: يُخطئ من ينطقها بضم الجيم، فالصواب (ترجَمة) بفتحها.
تعالي: نداء للأنثى، ينطقونها بكسر اللام. والصواب (تعالَي) بفتحها.
عبوة: عبوة ناسفة، بعضهم ينطق عُبُوَّة زِنَة (فُتُوَّة) بالضم والتشديد. والصواب (عَبْوَة) بالفتح، زِنَة (رَبْوَة).
ثغرة: ينطقها الأكثرون (ثَغرة) بالفتح. والصواب (ثُغرة) بالضم.
ثكنة: نطقها بالفتح زِنَة (سَمَكة) خطأ. الصواب: (ثُكْنة) بالضم، زِنَة (غُرفة).
جلطة: يكثر الحديث عن الجَّلطة الدموية (الدماغية)، أو الجَّلطة القلبية بالفتح. والصواب: (الجُّلطة) بالضم.
شمال: بمعنى الجهة الجغرافية المقابلة للجنوب، هي (شَمال) بفتح الشين. أما بمعنى اليسار المقابل لليمين فيُنطَق (شِمال) بالكسر.                             
جنوب: بمعنى الجهة الجغرافية، صوابُها: فتح الجيم (جَنوب).. أما (جُنوب) بالضم، فهو جمع (جَنْب).
عينة: ينطقونها زِنَة (سيّدة) بفتح العين وتشديد الياء. والصواب: بكسر العين، وبدون تشديد، زِنَة (حِيلة).
حرفي، أي مهني: ينطقونها (حِرَفي)، بفتح الراء، كأنّها منسوبة إلى (حِرَف)، جمع (حِرْفة). والصواب أن تُنسب إلى حِرْفة ومهنة، بتسكين الراء في الأولى، والهاء في الثانية، أي حِرْفي و مِهْني.
حلقة: نطقها بفتح اللام خطأ. والصواب: (حلْقة) بتسكين اللام.
مسودة: البعض ينطقها (مُسْوَدَّة) بضم الميم وتسكين السين وتشديد الدال، والصواب: (مُسَوَّدَة) بضم الميم وفتح السين وتشديد الواو، من الفعل (سَوَّدَ).
منتزه: خطأ، فلا وجود للفعل (انتَزَهَ) في اللغة العربية. الصواب: مُتَنَزَّه من (تَنَزَّهَ)، وهو اسم مكان (مكان التنزُّه)، مصاغ على وزن اسم المفعول، أي بتحويل المضارع المبني للمعلوم إلى المبني للمجهول، ومن ثَمَّ استبدال ياء المضارعة بـميم مضمومة (تَنَزَّهَ  يَتَنزَّهُ  يُتَنَزَّهُ  مُتَنَزَّه).
حلويات: النطق الشائع فتح الحاء واللام مع تشديد الياء (حَلَوِيّات) خطأ. والصواب: (حَلْوَيات) لأنه جمع مؤنث سالم لـِ (حلوى)، تُقلب الألف المقصورة إلى الياء و من ثَمَّ زيادة ألف و تاء مبسوطة (ات) في الآخر، لكونه اسم مقصور عدد أحرفه أكثر من ثلاثة.
حنجرة: بعضهم ينطقها بكسر الحاء. والصواب: (حَنجرة) بالفتح.
الخصر: بضم الخاء خطأ. والصواب: بالفتح (الخَصر) زِنَة النَّصر.
خطبة: بمعنى طلب يد امرأة للزواج.. يقرؤها الكثيرون بضم الخاء. والصواب إنَّها (خِطبة) بالكسر، أما الخُطبة بالضم، فتعني الخَطابة، والخطاب الذي يتفوه به الخطيب.. والخَطابة أيضاً ينطقونها (الخِطابة) بكسر الخاء، وهذا خطأ. والصواب فتحها.
تكرار: بكسر التاء خطأ. والصواب بالفتح (تَكرار).
الدولي: ينطقونها بفتح الدال، نسبة إلى الدولة، بينما المقصود نسبتها إلى الدول، لذلك كان الأصوب نطقها (الدُّوَلي) بالضم.
ساذج: صوابها بفتح الذال (ساذَج)، وليس بالكسر.
صمام: ينطقونها بفتح الصاد وتشديد الميم (صَمّام). والصواب بكسر الصاد وتخفيف الميم (صِمام)، زِنَة (سِلاح).
بردٌ قارص: خطأ، لأن (قارص) بمعنى لاذع. الصواب: بردٌ قارس. بالسين، بمعنى شديد.
وجدان: بضم الواو خطأ. والصواب بكسرها (وِجدان).
مُسْبَق: زِنَة مُطْلَق خطأ. والصواب: (مُسَبَّق) زِنَة (مُعَلَّق) بتشديد الباء.
معرض: بفتح الراء خطأ. والصواب (مَعرِض) بكسرها، لأن الفعل المضارع (يَعرِض) مكسور الراء، لذا فإنَّ اسم المكان منه يكون على وزن (مَفعِل). معرِض: بمعنى مكان العرض.
علاقة: بعضهم ينطِقها بفتح العين، وبعضهم بكسرها، دون تمييز بين معنَيَيها المادي والمعنوي. فهي مكسورة، إذا كانت (العِلاقة) مادية، ومفتوحة، إذا كانت العَلاقة (معنوية)، وبالنظر لندرة استعمالها بالمعنى المادي، فإنَّ الاستعمال المستمر يبقى بفتح العين، بمعنى الصلة المعنوية.
أهرامات: خطأ. صوابها أهرام، ومفردها (هَرَم)، فجعل المفرد جمعَ تكسير (أهرام)، ثم جمعه مرةً أخرى جمع مؤنثٍ سالم (أهرامات) خطأ كبير، فلا يجوز جمع الجمع.. ومثل هذا الخطأ يسري على (رسومات، شروحات، فحوصات، كشوفات، حجوزات، بحوثات، فروقات.... إلخ).
خدمات: خدمات البلدية. ينطقها الأكثرون - حتى بعض المختصين - بفتح الخاء (خَدَمات)، وهذا خطأ مزدوج، فمن ناحية، لفظة (خَدَم) جمع (خادم)، وقد تم جمع اللفظة مرةً أخرى جمع مؤنث سالم، بزيادة ألف وتاء مبسوطة (ات)، وهذا لا يجوز كما أسلفنا. ومن ناحية أخرى، (البلدية) تقدم خِدمة، وجمعها (خِدمات)، ولا تقدم خادماً أو خَدَماً أو خَدَمات.
طابور: يقولون (الطابور الخامس)، و(الطابور) لشراء السلعة.. هذه الكلمة دخيلة على اللغة العربية، أي أصولها وجذورها ليست عربية، فلا أثر لها في القواميس والمناجد. وصوابها: (الرَّتَل)، زِنَة العَمَل. فقل منذ الآن: الرَّتَل الخامس، بدل الطابور الخامس.
هناك صفات يستوي فيها المذكر والمؤنث، فلا حاجة إلى تأنيثها بالتاء، لأنَّ في ذلك خطأ، فعلى سبيل المثال نقول: إمرأةٌ جريح، لا (جريحة).. نذكر هنا بعضاً من هذه الصفات، وهي كثيرة ولها عدة أوزان، مثل: صبور، غيور، مسكين، قتيل، عدل، سجين، حسود، حقود، مهذار، فخور، خطيب، وقور، ودود، عقيم، شكور...
استلمَ الرسالة: خطأ. والصواب: تسلَّمَ الرسالة، أما الاستلام، فمعناه: اللمس.
باشر بالعمل خطأ. الصواب: باشر العمل.
ثُمَّ: حرف عطف، إذا جاء بعد حرف الجر (مِن) المسبوق بـ (واو)، وَجَبَ فتح الثاء، ليصبح نطقها (ومِن ثَمَّ)، لا (ومِن ثُمَّ).
توفير الإمكانيات: خطأ. الصواب: توفير الإمكانات، من الفعل (أمكَنَ)، ومصدره (إمكان)، وجمعهُ (إمكانات) بحسب القاعدة التي تقول: ما زاد من المصادر عن ثلاثة أحرف يُجمع جمعَ مؤنثٍ سالماً.
تخرَّج مِن: خطأ. والصواب: تخرَّج في، وكنت قد أشرت إلى هذا الخطأ في مقال سابق.
شيء ملفت للنظر: خطأ. الصواب (شيء لافت للنظر)، لأن الفعل (لَفَتَ) ثلاثي، واسم الفاعل منه على وزن (فاعل)، أي (لافت).
عمل مشين: خطأ. الصواب (عمل شائن)، لأن الفعل الثلاثي (شانَ) مضارعه (يشينُ)، واسم الفاعل منه (شائن) على وزن (فاعل)، مثل: شاعَ - يشيعُ - شائع.
كلامٌ شَيّق: خطأ. الصواب (كلامٌ شائق)، لأن شيّق: بمعنى مشتاق.
سُوّاح: خطأ. الصواب (سُيّاح)، وهو جمع (سائح)، والمصدر (سياحة)، وليس (سواحة)، عليه فالجمع يكون بحرف الياء، لا بحرف الواو.
حرف الجر (في) يستعملونه أحياناً بدل (من) في مثل قولهم:
إنَّه متضلِّعٌ في علوم الطبيعة. الصواب: متضلِّعٌ من علوم الطبيعة، لأن (المتضلِّع) لغةً: هو الممتلئ، والمتضلِّع من العلم: هو الممتلئ منه، لا الممتلئ فيه.                 
الباء والفاء: أحياناً يستعملون كلّاً منها في مكان الأخرى، فمن استعمال الباء بدل الفاء مثلاً:
انهمك به. صوابها: انهمك فيه.
استغرق بالنوم. صوابها: استغرق فيه.
رغِبَ بالشيء. صوابها رغِبَ فيه.
يفكر به. صوابها: يفكر فيه.
وعكس ذلك يستعملون الفاء بدل الباء، في مثل:
يثق فيه. صوابها: يثق به.
يرضى فيه. صوابها: يرضى به.
يعتز فيه. صوابها: يعتز به.
يهتم فيه. صوابها: يهتم به.
وهناك أخطاء أخرى كثيرة، من الصعب حصرها وعرضها هنا، فهي تحتاج إلى مساحة أكبر، أو إلى أكثر من مقال، لذا سأكتفي بهذا القدر.. عسى أن يترسخ الصحيح في أذهان القراء، حتى يساعد ذلك على مكافحتها والقضاء عليها.
 

 

11
 
معذرةً صديقي..
أرجوك، لا نريد مشاكل، لا نريد قلاقل..
لا وقت لدينا لنستمع إلى كلماتك الرنّانة، فنحن في غنىً عنها..
لا نريد نصائح، و توجيهات..
لا نريد مماحكات، و مشاحنات..
لا نريد تحليلات.. لا نريد تخمينات، وتوقعات..
ما أنت إلاّ مخلوقٌ بشري ضعيف في حقبة زمنية حُبلى بالأحداث، تتمخض كلَّ ساعة.. وكلّ ساعة تأتينا بالجديد، بالعجيب، بالمفاجآت.. فقد تلد نمراً أو ضبعاً أو فيلاً، لكنّها كفَّت منذ زمن، أنْ تلدَ مولوداً سويّاً أو منطقياً!
يا صديقي.. نحن نعيش في زمن اللامنطق، فلماذا يُطلَبُ منّا أن نكون منطقيين و واقعيين.
اكتب موضوعات تُلهي الناس، تُنسِّيهم أوجاعَهم، تُنسِّيهم أنفسَهم، تُخدِّرهم، تُحوِّلهم إلى مخمورين.
اكتب موضوعات تُضَحِّك الناس أو تضحك أنت فيها على الناس.
مَنِّهمْ، لا تَعدْهم.. امشِ وراءَهم، لا تَقُدْهم.. نَسِّهمْ همومَهم، لا تُذكِّرْهم.
حاول السخريةَ من الأحداث بطرقك المبتكرة، فليس غير السخرية أسلوباً ينفع في هذه الحقبة الجوفاء من الزمن.
كُفْ عن الطَّرق على الموضوعات الملحّة أو الجادّة، وآتركها لأصحابها، من ذوي الشأن.
اضحك على ذقون الناس بدلاً من أن تضحك على نفسك..
اضحك عليهم، اخدعهم، حتى تروقَ لهم.
اعتمد هذه التكنولوجيا الحديثة، التي ترسم ملامح العلاقات بين الناس في عصر الانحطاط.. أَوَلسنا نعيش في الزمن التعيس، في زمنٍ انقلبت فيه كل المعايير و المقاييس؟!
إذن، ماذا تنتظر؟
ارفع حمل الهموم عن كاهلك، وآضحك، فالعالم لا يعترف، إلاّ بمن يهذي و يترحرح و يضحك!..
اضحك على جنونه، على صَرعاته، على صراعاته و خيباته...
كَفى الحديث عن المشاريع ذات الجدوى، فلا شيء ذو جدوى، إلاّ اليوم الذي أنت فيه. 
منذ مدة وأنت مدمن على الكتابة عن أحزان المدينة، وعن هموم الناس و شؤونهم و شجونهم، وبقيت وحدك تطلق النداءات، تطلق الصرخات، حتى بحَّ صوتك و جفَّ ريقك.
 فهل استجاب أحد لصراخك؟
 وهل لبّى أحد نداءَك؟
 وهل هَمَّ أحد لنجدتك؟
 منذ مدة و أنت تنوح، و تندب حظ البشرية المبتلاة بالجشع و الطمع و سوء الإدارة، فما سَمِعَ نُواحَكَ أحد ولا رفَّ لأنينك جفنُ مخلوق.
 ماذا جنيت من تصرفك الأخرق هذا، غير الرجم بحجارة الألسنة؟!
 عدْ إلى رشدك، وآنظر كيف يتخلى صاحب الدار عن داره طواعيةً..
 لماذا تحاول الدفاع عن حقٍّ، يتخلّى عنه صاحبُه بملءِ إرادتهِ؟
 لماذا تحاول أن تكون ملكياً أكثر من الملك؟
 كُفْ عن بذار الطيّبات، فهذه الأرض لا تُنبت، إلاّ الشوك، و زهور الدفلى.
 احكِ لنا عن الحبور و حلاوة الزهور و سجع الطيور، بدل الحديث عن أفكارٍ تثير الشجن و الحزن و الأسى..
 انظر إلى ألوان الطبيعة.. المَح كلَّ الألوان حولك، وآنتقِ لك لوناً بهيجاً زاهياً من هذه الألوان، وآظهر به أمام الناس، وآترك موضوع إمّا (أبيض أو أسود)، فتحت كلِّ كرسيٍّ من كراسيهِ لَغَمٌ، و فوق كلِّ أريكةٍ من أرائكهِ شركٌ أو مصيدةٌ.. 
 انبذ حكمة الأجداد و أفكارَهم البالية، فقد أصبحتْ شيئاً من الماضي، ثم من قال لك، أنَّ ما يأتي في العتمة، يذهب مع النور؟.. و من قال لك، أنَّ مال العابثين إلى النار؟.. فما النار وما الجنّة، غير الساعة التي أنت فيها، و غير الأرض التي أنت عليها. أمّا تلك التي في السماء فعلمها عند الله..
ومادام الله غفورٌ رحيم، فآطمعْ في مغفرته و رحمته، وآترك الباقي عليه، وآضحك، فهُنيهات العمر، قصيرة..
 قصيرة، يا قصير النظر.




12
من البعيد نرى العروس مرتدية حرائق زمن الانهيارات!
 فجأة، ذاب فرحها العتيق..
 فجأة، تناثرت بهجتها وصمتت ضحكتها، وسقط الإكليل الأبيض من فوق الرأس الفاتن!
 أين كانت تنتظركِ كلّ هذه الحرائق؟..
 أين كانت تنتظركِ كلّ هذه الأصابع المحشوة بالرماد؟..
 كان ماضيكِ طوق ياسمين على كلّ عنق..
 كان حاضركِ أكداس ضوءٍ تتجمع في كلّ عين..
 اليوم، أنتِ متَّشحة بالسواد.. وجهكِ مسوَّرٌ بالانكسار.. صدركِ محشوٌّ بالصراخ، والفم مملوء بتراب التلاشي..
أين كان ينتظركِ كل هذا التمزق؟
أين كان ينتظركِ كلّ هذا التفتت؟   
كنتِ باباً مشرعاً أمام القاطنين في كلّ زمان..
كنتِ ملجأ أمان للهاربين من وجع الأيام..
اليوم، أنتِ  ساقطة في جوف المرارة.. أحلامكِ مبعثرة.. آهات نشوتكِ مخنوقة، والعين تبكي الفرح الذاهب والوجع الذي أتى..
أيُّ زمنٍ سيصغي إلى صوتكِ الحزين؟
أيُّ زمنٍ سيصغي إلى صراخكِ، إلى الأنين؟
وأيُّ حب هذا الذي يشدّنا إليكِ؟
ذات يوم انطفأت أنوارنا.. تكدّس اللون الأسود حول أنظارنا وقلوبنا، والقهر ارتدى أوقاتَنا.. كَبُرَ ضجرنا.. كَبُرَت المرارة في حلوقنا..
ربما كان النور يأتي ويذهب، غير أنّ اللون الأسود كان أكبر، كان مصمّماً على ابتلاع قدرتنا الصابرة بشراهة عجيبة..
يومها ذهبنا إليكِ حالمين بالاتكاء على كتف الأمان، حالمين بالاتكاء على كتف بهجتكِ المقيمة..
 ويومها انفكَّ حصار اللون الأسود، وبُعِثَ الرجاء بعدما غاب الرجاء!
أيتها الفاتنة.. الساحرة...
تذهبين أنتِ، و تبقى ذكرياتنا معكِ..
تُسوِّركِ أوقاتُ التلاشي، وتبقى نظرتنا البعيدة إلى العروس المرتدية حرائق زمن الانهيارات!
ولكن، هل أنتِ ذهبتِ؟..
لِننظر عبر زمنكِ الراحل...
كتاب أيامكِ مملوء بالوجع!
الصفحات ممهورة ببصمات الأيدي المجهولة، والأرض تكشف عن مواقع أصابع شديدة الوخز..
لم تكن الأيام مسكونة بالشفافية، لكنكِ كنتِ مسكونة بالصلابة..
وجهكِ المشع سيهزم كل رغبات الطعن.. ابتسامتكِ المشرعة ستصرع كل نزعات الغدر، ويدكِ الحانية ستُنزل الأسواط من فراغ الدخان الأسود الكثيف!
لذلك، نتذكركِ ونسأل: هل أنتِ ذهبتِ؟
 أبداً...
أنتِ باقية.. باقية فينا، وباقية على رصيف الزمن الآتي..
نعم، انتظاركِ يكبر، لكنَّ انتظاركِ صلب الكيان.. انتظاركِ أكثر صلابة من مفاجآت هذه العصور المرتبكة، والأمس الضاج بالزهو سيعود، وسترتدين بياضكِ العتيق مرةً أخرى ..
نعم، عيناكِ تمتلآنِ بالدهشة والاستغراب، وبدمعٍ متجلّد، لكنَّ راحة كيانكِ آتية، لأنكِ لم تألفي القبول أو الخضوع أو الاستسلام..
ستمتد أصابعكِ لتأخذنا إلى حلمكِ الأبيض، وستستعيديننا، نحن أبناء الأرض الراكضين وراء سراب الصفاء الشامل..
ستمتد أصابعكِ لتأخذنا إليكِ نحن عشاقكِ الأبديين الذين لم تبدلنا عليكِ الأيام..
يا عروس الزمان...
من أجلنا سيحتوينا وجهُكِ لتعود إليه ابتسامته المشرقة..
من أجلكِ أيتها الفاتنة المحترقة سيحتويكِ شغفُنا بكِ..
فكلّ عرائس هذا الزمن الجاحد يرفضْنَ استعادة وجوههنَّ..
كل فاتنات هذه الدنيا تسربلْنَ بالأوقات المخنوقة، وأنتِ، أنتِ وحدكِ القادرة على استعادة وجهكِ، و وجوهنا..
عنكاوا.. أنتِ فخرنا..
 
 
 




                                                                     

                               
 
 




                                                                     


13
الأخ العزيز شمعون المحترم...
تحية نابعة من القلب..
سبق وأن أبديت رأيي بما تكتب، كان ذلك في تعقيب لي على مقال كنتَ قد نشرتَه في هذا الموقع،  قلتُ فيه بأنّ لغتك سليمة في الكتابة، وأسلوبك شيّق في التعبير، ويتميز بالفصاحة التي يفتقر إليها غالبية الذين يكتبون في هذا الموقع، وما لفت انتباهي في مقالك (أغلاط شائعة في......) هو كثرة الردود عليه، وكل هذا الاهتمام من لدن القراء بما تناولته فيه، باعتبار أنَّ مادة القواعد - في نظر عامة الناس – مادة جافة إلى درجة تثير نفور المتلقي وعدم استساغته وتقبله لها..
 أخي شمعون، اسمح لي بإبداء بعض الملاحظات حول ما جاء عرضه من معلومات في مقالك (أغلاط شائعة.....)، البعض منها سبقني إليها الأخ (صباح برخو)، ولكن، لا بأس، سأحاول التبسيط قدر المستطاع، وأرجو أن يتسع صدرك لذلك، لأنّ هدفي في النهاية هو التوضيح، وليس الانتقاص من قيمتك في الكتابة، لا سامح الله  ..
 1- لا توجد أغلاط شائعة، بل أخطاء شائعة، لأنّ المرادفات (غلط، سهو، خطأ) كلٌّ لها استخداماتها فكلمة غلط، وجمعها (أغلاط) تصاحب الفعل أو العمل أو التصرف في حياتنا اليومية، خذ على سبيل المثال، هذا البيت من الطقطوقة المصرية:
جيتلك بنفسي و قلتلك غلطان      حقّك عليَّ و سامح الندمان
2- الجمع / اسم يدل على أكثر من اثنين أو اثنتين، وهو ثلاثة أنواع، ولكل نوع قواعده الخاصة به، و الأفعال لا تثنى، ولا تُجمع، بل تُسند إلى الضمائر (ألف الاثنين، واو الجماعة، ....)
 ففي الجملة الفعلية (وهي التي تبدأ بفعل، وتتكون من الفعل والفاعل)، يبقى الفعل للمفرد، أي (للفاعل المفرد) سواء أكان الفاعل مفرداً أم مثنى أم جمع، نحو:
        نجح الطالبُ.    نجح الطالبانِ.    نجح الطلابُ..
  أما في الجملة الاسمية {وهي الجملة التي تبدأ بـ (اسم)، وتتكون من المبتدأ والخبر}، والخبر هنا جملة فعلية في محل رفع، فعلها يتبع المبتدأ، فإذا كان مفرداً، الفعل يبقى للمفرد، وإذا كان مثنى، يُسند الفعل إلى ألف الاثنين، وإذا كان المبتدأ جمعاً، يُسند، أي الفعل، إلى واو الجماعة، نحو:
الطالبُ نجح.    الطالبانِ نجحا.    الطلابُ نجحوا.
3- يُرفع الاسم المثنى وعلامة رفعه الألف، وليس (الألف والنون)، ويُنصب و يُجر بـ (الياء)، وليس بـ (الياء والنون).. وفي السياق نفسه، يُرفع جمع المذكر السالم وعلامة رفعه الواو، وليس (الواو والنون)، ويُنصب و يُجر بـ (الياء)، فعلامة الإعراب غيرُ علامة الصياغة.
4- وزيادة في المعلومات، النون المكسورة في المثنى، والنون المفتوحة في جمع المذكر السالم تُحذفان عند الإضافة، سواء كانت الإضافة إلى اسم ظاهر أو إلى ضمير، وفي جميع الحالات الإعرابية، أي في (الرفع، والنصب، والجر)، نحو:
مهندسا المعملِ ماهرانِ.. إنَّ مهندسي المعملِ ماهرونَ.. يداك نظيفتانِ.. التقيت بمدرسيكَ، ....
5- لا النافية / لا تؤثر في الإعراب، بل تنفي المعنى فقط، نحو: لا ينجحُ الكسلانُ، أما (لا الناهية)، فهي من أدوات الجزم، تجزم الفعل المضارع الذي يأتي بعدها، والنهي بمعنى طلب ترك الفعل.. ومن أدوات الجزم الأخرى (لام الأمر)، وهي عكس (لا الناهية)، وتفيد طلب القيام بالفعل، نحو: لِنقمْ بعملٍ صالح.       لِنتعاونْ فيما بيننا.
وإذا كانت مسبوقة بالفاء أو الواو تُقلب الكسرة إلى السكون: فلْنقمْ ...، ولْنقمْ... .
ومن أدوات الجزم الأخرى (لم)، وهي أداة جزم، و نفي، و قلب، أي قلب المعنى من المضارع إلى الماضي، فعندما تقول : لم ينجحْ الكسلانُ. أي، بمعنى رسبَ.
وهناك أداة جزم تماثل (لم) في عملها وهي (لمّا)، لكنها تختلف عنها في أنَّ ما يأتي بعدها أمر ممكن التحقق، أما ما يأتـي بعد (لم)، فأمر صعب التحقق، نحو:
لم يعد المسافرُ.  / هنا عودة المسافر غير ممكنة..
لمّا يعد المسافرُ. / هنا ننفي عودة المسافر، ولكن عودته متوقعة في أيّةِ لحظة.
والجزم بمعنى: القطع، أي قطع الحركة بـالسكون على الحرف الأخير، إذا كان الفعل المضارع المجزوم صحيح الآخر، وقطع حرف العلة، إذا كان معتل الآخر..
 و أحرف العلة ثلاثة، هي: (الألف، الواو، الياء)، وتحتل الفتحة مكان الألف المحذوفة، لأنها على نفس النسق اللفظي، وهكذا بالنسبة للضمة بدلاً من الواو، والكسرة بدلاً من الياء، نحو:
لا تسعَ... . لا تدعُ... . لا ترمِ... .
وإذا كان الفعل المضارع المجزوم من الأفعال الخمسة، يُجزم بحذف النون، وإملائياً تُكتَب (ألف ممدودة) بعد (واو الجماعة)، ولكن لا تُلفظ، نحو:
لا  تكذبا... . لا تكذبوا... . لا تكذبي... .
والألف نفسها نلاحظها في الفعل الماضي وفعل الأمر المسندين إلى (واو الجماعة)، نحو:
 درسوا، نجحوا، فرِحوا
اسمعوا، اذهبوا، ساعِدوا،
و أيضاً في الأفعال الخمسة التي تأتي بعد حرف ناصب من الأحرف التي جاء ذكرها في المقال، ما عدا ( لكي) المشكَّلة من (لام التعليل + كي)، نحو:
ادرسوا كي تنجحوا.
وتجدر الإشارة إلى أنَّ (لام التعليل) التي ذكرتها، هي من حروف الجر، والفعل المضارع الذي يأتي بعدها يُنصب بـ (أنْ) مضمرة (لا تُذكر في الكلام) تأتي بعدها، نحو:
 سافرتُ إلى بغدادَ لِلدراسةِ. / هنا الدراسة هي العلة أو سبب في الذهاب إلى بغداد
نذهب إلى المدرسة لِنتعلَّمَ. / وهنا التعلم هو العلة أو سبب الذهاب إلى المدرسة، والتقدير: لأن نتعلَّمَ.. وكذلك الحال مع الحرفين (حتى)، و(لام الجحود) اللذين لم تذكرهما، فهما من حروف الجر أيضاً، و يُنصَب الفعل المضارع بـ (أنْ) مضمرة، إذا جاء بعد كل من (أو ، فاء السببية، واو المعية) 
ومن الأخطاء الإملائية الشائعة، كتابة الألف بعد الواو في غير المواضع التي تم عرضها، كما في الأفعال الآتية:
أرجوا، و نرجوا، أدعوا، و ندعوا ...  والصواب: أرجو، و نرجو، أدعو، و ندعو
وأيضاً، من الخطأ أن تُكتب الألف بعد الواو في جمع المذكر السالم (المحذوفة نونه المفتوحة) بسبب الإضافة، نحو:
حضر فلاحوا القرية.  الصواب / حضر فلاحو القرية.
6- فيما يتعلق بالخطأ الإملائي في كتابة الأسماء الموصولة (الذي، التي، الذين)، يُعزى ذلك إلى أنّها هكذا وردت في القرآن، فلا يجوز المساس بها..
7- ما ذكره الدكتور زهير بني في تعقيبه على المقال صحيح، لأنّ (غير) اسم نكرة مضاف إلى اسم معرفة الذي يكتسب منه التعريف، ويُعرب الاسم المعرف بـ (الـ) الذي يأتي بعده مضافاً إليه.
8- كل ما جاء ذكره في تعقيب الأخ هاني مانويل صحيح، لا غبار عليه، بشرط أن يكون الاسم الذي يأتي بعد ضمير الرفع المنفصل (نحن) معرّفاً بـ (الـ)، فإذا لم يكن كذلك، يكون مرفوعاً ويُعرب خبراً، نحو:
 نحن المسيحيينَ.... .    نحن مسيحيونَ.         نحن العراقيينَ.... .     نحن عراقيونَ.
موضوع الهمزة موضوع واسع و متشعب، لكثرة المذاهب و الاجتهادات فيه، ويحتاج شرحه إلى أكثر من مقال..
وعلى ذكر الهمزة، ومن باب الفائدة، أذكر هنا ستة من أشهر المواضع التي توجد فيها همزة الوصل، وهي التي يتم النطق بها، ولكن لا تُرسم على الحرف مثلما يفعل الكثير ممن يكتبون في هذا الموقع، وغيره من المواقع الإلكترونية الأخرى. هذه المواضع هي:
ابن، ابنة، امرأة، اسم، اثنان، اثنتان، كما لا تُرسم الهمزة على الألف في (الـ) التعريف   
ومن الأخطاء الشائعة ( مثلاً)، عندما نشير إلى الحقبة الزمنية الممتدة من 1970 – 1979 نقول: في سبعينات القرن الماضي، والصواب: في سبعينيات القرن الماضي، لأنّ سبعينات جمع سبعين، وليست السنوات العشر الممتدة بين 1970 و1980
وخطأ شائع آخر يقع فيه الكثير من الكتاب عندما يذكرون حرف الجر (من) بعد الفعل (تخرج).. فمن الخطأ أن نقول مثلاً:  تخرج من جامعة بغداد. والصواب: تخرج في جامعة بغداد. أي إنّه دخل محراب الجامعة وأمضى فيه كذا سنة من الدراسة ثم تخرج فيها، فحرف الجر(من) يأتي بعد (خرج)، ولا يأتي بعد (تخرج).
أخي شمعون / أنا على يقين بأنّك ملم بكل ما عرضته في هذا (التعقيب) من معلومات وغيرها، وإلّا ما كانت كتاباتك بهذا المستوى من الرقي، وإذا كان هناك من خطأ أو سهو ورد فيها، فذلك بسبب أسلوب وطريقة عرضها، وهذا ليس بعيب طالما لست مختصّاً في اللغة، وفي النهاية (فوق كلِّ ذي علمٍ عليم)..
وفيما يخص هذا التعقيب، كان الأجدر أن يأخذ حيّزاً في صفحتك، ولكن لأنّك تطرّقت في مقالك لأكثر من موضوع، وكل موضوع يحتاج إلى صفحات، لكي تعطيه حقه في الشرح، فلم يتسنَّ لي تجنب الإطالة رغم الاختصار الشديد الذي اعتمدته في العرض، وعليه لم يكن لي خيار آخر، غير نشره في صفحتي، فأرجو المعذرة..       
 
 
 


14
 بقلوب ملؤها الحزن والأسى وعيون دمعى، تلقينا الخبر المشؤوم برحيل أخينا وحبيبنا الأستاذ ( حبيب تومي )، هذا الرجل الذي عانى كثيراً من شرور هذه الدنيا الفانية، ومساوئ هذا الزمن الرديء، وقسوة الحياة، وأيضاً قسوة الكثير من الزملاء ممن يكتبون في هذا الموقع الأغر، فلم يألوا جهداً في مهاجمته ( بمناسبة، وبدونها ) للنيل منه ومن مواقفه الثابتة تجاه شعبه وأمته.. يقيناً إنَّ الكثير منهم يشعر الآن بالذنب بعد هذا الرحيل المفجع المفاجئ للجميع، وما هذا الكم من برقيات التعازي من أولئك الذين اختلفوا معه وهو على قيد الحياة، إلا دليل على صحة هذا الكلام، ولكن ماذا تجدي الكلمات الصمّاء بعد فوات الأوان، فكل شيء مضى وانقضى..
تلك هي مصيبتنا.. لا نشعر بقيمة غيرنا، إلّا بعد أن يكون قد غادرنا ورحل عنّا من دون وداع..
لتكن هذه الفاجعة عبرة لنا، فنعيد حساباتنا، ونلفظ الحقد والبغض والكراهية من قلوبنا، ولْتصفُ النفوس إلى الأبد، فليس لنا غير ذلك سبيل إن أردنا العيش بكرامة..
كان المرحوم حريصاً على زيارة ( جمعية الثقافة الكلدانية ) في كل مرة يعود فيها إلى أرض الوطن، ويكرر تلك الزيارة على مر الأيام التي يتواجد في بلدته الثانية ( عنكاوا )
باسمي وباسم إخواني في الهيئة الإدارية للجمعية ( التي كانت لها معزَّة خاصة لدى المرحوم ) نقدم خالص تعازينا وعظيم مواساتنا للجميع بهذا المصاب الجلل، داعين الرب أن يشمل الفقيد بواسع رحمته وغفرانه، ويتقبله في عداد الصالحين من عباده المنعَم عليهم بالجنّة، ولأهله وذويه وأصدقائه كافة جميل الصبر و السلوان..
          كمال لازار بطرس
 رئيس جمعية الثقافة الكلدانية - وكالةً

15
إبتهالات ابن المدينة

كمال لازار بطرس

ما أصعبَ الدوّامة عندما تتخطى حدود الفرد لتلفَّ الجميع بردائها القاتم. تتغلغل آثارها في النفوس، فترتمي من عليائها وتغرق في حفرة الرمال المتحركة. تحاول التمسك بأي شيء. تحاول التشبث بالخلاص، فتتلوّى نحو الأسفل. تنادي وتصرخ صرخة محتضرٍ يطلب النجاة..
 ما أصعبَ محنتنا اليوم!..
 ما أصعبَ معاناتنا وسياط الدوامة تُلهِبُ نفوسَنا!..
يا إله الكون: أنت الخلاص، بك نستغيث، بك نستعين.. أنت الملجأ الأخير ساعة اليأس.. نلجأ إليك حتى تُخرجَنا من مستنقع الحزن والركود إلى فضاء الحرية والفرح.. نلجأ إليك ونحن نذرف دموع السعادة الهاربة، لأنّ كلّ واحدٍ يعيش في هذه البلدة الوديعة الهادئة، صار بعيداً عنها.. صار غريباً.. غريباً عن أرضه، غريباً عن داره، غريباً عن ذاته.. تحوّل إلى نكرة، وصار يئنّ، يتحسّر، يستشيط غضباً، يبتهل إليك ويقول: 
    * يا ربّ : اجعلنا نمشي بإرادتنا، وليس بإرادة غيرنا.
    * يا ربّ : لا تتركنا بدون أرض، ولو تركتنا بدون بيت.   
    * يا ربّ : اقطع كلَّ يدٍ تتطاول على حرمة بلدتنا، وكرامة بنيها، ومستقبل أطفالها.   
    * يا ربّ : ساعدنا، حتى نتمكن من السير على الأرض التي منحتنا شرف الانتماء، لنحملَ اسمها بكبرياء.   
    * يا ربّ : ساعدنا على الاحتفاظ بأرضنا العزيزة، لأنّها أمانة الأجداد في أعناقنا.   
    * يا ربّ : ذكّر الطيور المهاجرة، بأنّنا نتحمّل حضور الحبيبة ( عنكاوا )، فعسى أن يتحملوا هم  فراقَها. 
    * يا ربّ : إجعل هذه البلدة بحجم جراحها، كي تقوى على الصمود والمقاومة.
    * يا ربّ : لا تَدَعْ هذه البلدة تقع ضحية الاستيطان القسري، بعد أن وقعت ضحية الاستيطان الفكري في الحقب الماضية.   
    * يا ربّ : ماذا سيبقى من جمال بلدتي بعد اغتصابها، كاغتصاب عروسٍ في ليلة زفافها؟!
    * يا ربّ : احفظ جغرافيتَنا، كي لا يضيع تأريخَنا.
    * يا ربّ: اقطع يد كل من يحاول عنوةً أن ينزع عن بلدتي ثوب الطهارة، ويُلبسها ثوب الدعارة.
    * يا ربّ : ساعدني في تجنب كل من يعرف الحقيقة ويتعمد التشويه، لأنني أخشى صداقة الشيطان.
    * يا ربّ : ابعد عنّا كل من يذكر الله في العلن، ويتعاون مع الشيطان في الخفاء.
    * يا ربّ : خذ إليك كل من جاء ليأخذ، وآترك لنا كل من جاء ليُعطي.
    * يا ربّ : قف بقدرتك الإلهية ضد كل ضعفٍ في القدرة البشرية. 
    * يا ربّ : قف في وجه كلّ من يُقدِم على المغامرة بدافع المكابرة.
    * يا ربّ : ساعدنا، حتى لا نموت من أجل الشعارات، بل لتموت الشعارات من أجلنا.
    * يا ربّ : أنت الذي غضبت على بعض الملائكة فتحولوا إلى شياطين، فهل كانت إرادتك ( كما في السماء كذلك على الأرض)؟.
    * يا ربّ : لا تجعل ضحكَنا اصطناعياً، وبكاءَنا طبيعياً. 
    * يا ربّ : إذا كنّا غير قادرين على الإتفاق فيما بيننا، فلا تفرّق شملَنا.
    * يا ربّ : هل أنا مخطئ، لأنني أكره كلَّ من يتلذّذ برؤية خروفٍ يُذبَح؟!
    * يا ربّ : يبدو أنّك لا تحب الرجال الذين لا يتألمون، وإلاّ، ما معنى ( كلّما تألم الإنسان ذكر ربَّه )؟.

16
 
نُعَيِّد والدموع تترقرق في العيون
كمال لازار بطرس
عندما تُقرع أجراس منتصف الليل معلنةً ولادة الطفل ( يسوع ) في مذود بيت لحم، تتهادى مع النجوم الرسالة التي جاء من أجلها المخلّص..
 جاء ليخلّص البشرية من الخطيئة، ويلقي عليها نور الحق والخير والجمال، وينشر بين البشر روح المحبة و التسامح و الوئام..
في هذا الميلاد أيضا نُعَيِّد والدموع تترقرق في العيون، فمازال وطننا ينزف، ومازال سفر الآلام يطول، ومازال شعبنا مهجَّر، يتوجّع، ويتألم، ويتعذب..
ومع أنّ أيام العيد تمرّ مثقَّلة بهموم الوطن، إلاّ أنّ العيد يأتي، ويغيّر بعض الأمور في حياتنا اليومية.. فكل شيء يتغير في الميلاد، حتى علاقة الأرض بالشمس تتغيّر، لإنّ العيد، وإنْ كان في فصل الشتاء، إلاّ أنّ النهار يبدأ يطول على حساب الليل، فيهلّ الربيع في عزّ الشتاء.
بردٌ، وشتاء، ومَوقد، وشجرة الميلاد، وزينة، وأضواء تزهو بألوانها...
في ظل هذه الأجواء، وفي ليلةٍ كلّ شيء فيها يتغير، حتى ( ما في النفوس ) يتغيّر، نحاكي طفلاً في مذود صغير، ونحن نفكر بالظروف التي يمر بها بلدنا، فتتحجّر دموعٌ في حدقات العيون، وتدق الفرحة باب القلب مع دقات أجراس منتصف الليل، ولا ننتظر الإذن لنلامس السعادة، ويبقى لقاء الأحبة جميلاً، رغم كلّ غصّة.
يا أجراس العيد...
إنَّ صوتك العذب يذكّر الناس بجمال الحياة، فلا تكفّي عن الدق..
صباح الخير يا عيد الميلاد، يا من تأتي إلينا على زغاريد أجراس الكنائس، وأهازيج الملائكة.
إنّك تأتي في زمن الإنكسار، تَشُقُّ الغبارَ على صهوةِ جوادٍ أبيض..
تتألم لأجل المتألمين على الأرض، لأجل الإنسان تتألم..
لأجل الأبرياء الذين يسقطون في كلّ يوم..
لأجل الأطفال اليتامى والأرامل..
لأجل الإنسان المحتاج، المشرَّد، المقهور..
إنْ تنجرحْ ذكراك في عودتها، فلأجل المجروحين في أجسادهم، في كرامتهم، في طمأنينتهم، في حقّهم المقدس بالعيش الكريم.
لا يرضى عيدٌ أن يمرَّ بمواكبَ هازجةٍ، تحت أنظار الأطفال المنتظرين على الأبواب، وتحت ضوء القمر، إنتظارَ الجفاف للمطر.
عندما يُمنى الفقراء بعيد سعيد، يكون هناك العيد..
ولكن، هل حدث من قبل، أن مرّت ذكرى عيد ولم تصادف في طريقها إحياء بؤسٍ، وقهرٍ، وانعدام؟
عزاء العيد، لو تعزَّى لأجلنا، إنّه يأتي، ويمر، ويمضي، ونحن ننعم بعطايا الله في الصحة والخير والبركة، لا بعطاءات البشر..
والحديث عن العيد لا يكتمل من دون الإشارة إلى شجرة الميلاد، فلا بدَّ من أنْ نعرفَ شيئاً عن هذا التقليد اللطيف الوافد إلينا من الغرب، ومن ( المانيا ) تحديداً، فالأسطورة التي عمرها ( 12 قرناً )، تقول: إنّ كاهنَ رعيّةٍ في بريطانيا اسمه (مانفريد)، انتقل إلى المانيا لغرض التبشير، فرأى طفلاً مربوطاً إلى جذع سنديانة، تحاصره الجموع لتقدمه ذبيحةً للإله ( ثور )، لكنّ مانفريد حرّر الطفل بقطعه السنديانة، وبمساعدة العناية الإلهية، نبتت في مكان السنديانة ( صنوبرة )، فسمَّوها (شجرة الحياة)، ومنذ ذلك الحين أضحت تقليداً لا يُستغنى عنه في البيوت، وتيمُّناً بهذا الطفل، ولغرض التذكير به، يضعون في المانيا ملاكاً بدلاً من النجمة المزيّنة على رأس شجرة العيد..
عيد ميلاد سعيد، يا أصدقائي.. كلّ عام وأنتم بخير وسلام وأمان.


17
ويلٌ لأمةٍ كَثُرتْ فيها المذاهب وقَلَّ فيها الدين.
كلّما قرأت هذا الكلام لجبران خليل جبران تذكرت وطني الجريح، الذي ابتلى بالجنون منذ ما يقرب من اثني عشر عاماً .
جنون الطائفية والمذهبية والفئوية، الذي أغرقه وما يزال في الدم والنار والدمار..
جنون ليس كأي جنون..
جنون انتقل إلى كل بيت وشارع وزقاق ومدينة..
جنون أصاب الجميع ..
جنون يزداد خطورة مع الأيام ..
وطني امتلأ بالمجانين يا سادة.. مجانين من كل صنف ونوع ولون..
لقد اجتمع في وطني مجانين الشرق والغرب، مجانين هذا العصر والعصور الغابرة، مجانين اليمين واليسار..
من قال: إنَّ نيرون قد مات..
ومن قال: إنَّ جنكيز خان مات..
وهولاكو، وتيمورلنك، والحجاج بن يوسف الثقفي، من قال: هؤلاء ماتوا؟.. إنَّهم مازالوا أحياء في هذا الوطن يُرزقون..
لقد ولِدوا جميعاً من جديد في وطني..
بدل أن يُنقذوا الوطن، أغرقوه في بحر من المآسي، و رموه في هوة من الألم والضياع..
بدل أن يسهروا عليه، أمعنوا فيه ضرباً ونهباً وشراسة، وتركوه فريسة للضباع..
بدل أن يُطعموا أبناءَه من نعمهِ وخيراته، تركوهم عرياناً وعطشى وجياع..
فرّقوا عائلاته وشرذموا طوائفه، وأضرموا احمرار الحقد و البغض والانتقام في قلوب بنيه..
وهبوا كل ما في الوطن للموت، وسخّروا كل السواعد للقتل، وفخّخوا كل الإرادات والضمائر..
كلامهم كلام عقلاء، أما افعالهم فأفعال مجانين..
الكل يتحدث عن التسامح والحوار، والحوار اختفى في اقبية جاهليتهم..
الكل يتحدث عن الحرية، والحرية تُذبح يومياً على مذبح ساديّتهم وجنونهم..
الكل يتحدث عن العدالة، والعدالة تُداس بأقدام جشعهم وهوسهم..
الكل يتحدث عن عنفوان الوطن، والوطن يحترق بنيران حماقاتهم وحقدهم ..
في وطني لا فرق بين ظالم ومظلوم!
في وطني لم تبقَ هناك مساحة للفرح، فكل المساحات غطّتها الهموم!
في وطني لا ابتسامات مرسومة على الوجوه، فكل الوجوه عَلَتها علامات الوجوم!
الظالم اليوم، مظلوم غداً..
والخائن اليوم، بطل غداً..
واللص اليوم، شريف غداً..
والمجرم اليوم، ملاك غداً..
والعكس دائماً صحيح ..
هذه الأفكار (المُحَلزَنة) لم تكن يوماً ما جزءاً من ثقافتنا، لا ندري من أي إتجاه أتت، ومن أي كوكب هبطت، فهي تتعارض وتتقاطع مع القيم الأصيلة التي نشأنا وتربينا عليها..
مفاهيم غريبة على بيئتنا لم نألفها من قبل، دخلت حياتنا خلسةً، فجعلت المواطن العادي يشعر أنّ كلّ ما في هذه الحياة فقد بهجته ورونقه ونضارته، وأنَّ بياض المرئيات تحول إلى سواد وظلمة، والحق أصبح لا نصير له أمام غلبة الباطل والظلم، والناس فقدوا مواهبهم، ما عدا سطوة بعضهم على البعض الآخر وظلمهم لهم وانتزاع حقهم منهم، والتراحم والتعاطف قد أقلعا إلى غير رجعة، والحق أصبح للقوي رغم عائديته للضعيف.. أضف إلى ذلك أنّ كل المؤسسات التي وجِدت لحماية الضعيف وردع المعتدي لم تعد تستطيع حتى أن تصرّح برأيها، فضلاً عن حماية ذلك الرأي وفرضه بالقوة.
هذا الواقع المرير يتحسّسه ويلمسه ويعيشه كل من جعل منه القدر أن يحمل اسم هذا الوطن في بطاقته الشخصية.
إنّها لعبة الشياطين، الهدف منها تخريب النسيج المجتمعي في هذا البلد، للقضاء على تقاليد الألفة والصفاء والمحبة والتعايش بين أبنائه المخلصين.
أيّها الوطن المسكون بالجن والمجانين.. لن تكون لك قيامة بعد الآن، إلّا بمعجزة، معجزة من السماء، يكلأها الله برحمته، فيرحم المعذبين على هذه الأرض العطشى إلى الحياة..
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      

18
المنبر الحر / نحن والذئاب
« في: 19:00 06/08/2014  »
نحن والذئاب
نحن الشعب الغنم..
 كلّنا غنم، ويا ليتنا..
لا يتصور أحد إنّه بعيد الشبه، أو فوق هذا التشبيه، أو تحت هذه الشبهة..
قد يكون كلامي غير مقبول، ويثير مشاعر البعض، لكنَّ حجّتي ليست جوفاء..
فالشعب الذي تُصادَر ممتلكاته، وتُنتهَك حرماته، وتُسلَب إرادته، وتُهان كرامته، ماذا يكون؟
والشعب الذي يُطرد من دياره، ويُهجَّر قسراً على مرأى ومسمع من العالم، ماذا يكون؟
والشعب الذي يُقطّعون أوصاله، ويعلّقونه للبيع، أو للمقايضة في الأسواق المحلية والإقليمية والدولية، ماذا يكون؟
نحن أبناء الفرح والحرية والحب، وصلت بنا الحال إلى سحق الأمل، بعد أن ذوت في قلوبنا كل ورود اليسر، وسُدّت في وجوهنا كل منافذ الرجاء..
من باعنا للذئب، من اشترانا؟
إلى متى سنبقى لقمة سائغة في أفواه الآخرين؟
إلى متى نواجه هذه الطعنات الغادرة، وهذا الحقد الدفين ؟
ما أضيق العيش في بلد، تُسفَك فيه دماء الأبرياء، ويُحلّل فيه موت الأتقياء، وتُلوّث نفوس الأنقياء..
اليوم، انطفأت أنوارنا، تكدّس اللون الأسود حول أنظارنا وقلوبنا.. كَبُرَ ضجرُنا، كَبُرَت المرارةُ في حلوقنا..
اليوم، شعبنا يغرق مرة أخرى في ترف الحزن اللامتناهي، و ضاقت به السبل..
إلى أين يهرب من وجع الأيام؟
ماهي الخيارات المتاحة أمامه؟
هناك من يقول: ليعتصمْ، أو يتظاهرْ، أويحتجْ على الأقل..
وهل سمعتم في حياتكم، أنّ قطيعاً من الأغنام يعتصم ويحتج؟!
وهناك رأي آخر يدعو إلى الصمود والتشبث بالأرض، حتى يأتي الفرج وينبلج الفجر..
وأيّ فرج سيأتي بعد كل الذي جرى، و صمود الناس هو النزق بعينه؟!
وهناك من ينادي بالرحيل، أو الهجرة إلى عالم آخر، عالم كلّه ألفة، ومحبة، وتسامح، وفرح..
ويرى هؤلاء، أن لاجدوى من البقاء هنا، فلم يبقَ في هذا البلد أيُّ نفعٍ، أو مُرتجى، أوغاية..
هنا، يُستعان بالسلاح الثقيل في القضاء على الفراشات الملونة..
هنا، لا فرق بين الحمام الوديع وبوم الشؤم..
هنا، تُباد كل الأشياء الجميلة، فلا جمال بعد اليوم ولا بسمة، بل دُمامة، ونحيب، وبكاء، وصياح، ونُواح، وعويل، ودخان أسود..
هنا، كل شيء طائفي ومذهبي، حتى الهواء صار طائفياً..
ولكن، إلى أين يتجه ويهرب؟
إنَّ كل ما سيجده لاحقاً سيشعره بالمهانة والضياع والتشرّد، لأنَّ البعد عن الوطن عقوبة، ومن أشد الأشياء شجناً ولوعةً ووجعاً على النفس والقلب، بل هو الشقاء الذي لا شقاء بعده..
قد لا نكون نحظى بشرف التشبّه بالغنم في ثلاثة أشياء:
في أنّ الغنم، لا تتنافس، ولا تتصارع، ولا تتقاذف بالكلام، ولا يستنزف بعضُها بعضاً، لا جسدياً، ولا مادياً..
في أنّ الغنم، وإذْ ذُبحت، فهي تُعلَّق في أمكنة نظيفة، لائقة، ومبرَّدة، على عكسنا نحن الذين نُذبح ونُرمى في مزابل الطرقات والأزقّة، وليس هناك من ينتشلنا أو يهتم لأمرنا..
وأخيراً، صحيح أنّ الأغنام ذاهبة في النهاية إلى المجزرة، ولكن ما نحسدها عليه، هو أنّها تلقى كل الإهتمام والعناية والرعاية اللازمة من قبل جزّاريها، قبل أن يذبحوها..
أمّا نحن، فإنّ جزّارينا، يتعمّدون تعذيبنا، ويتفنّنون في إلحاق الأذى بنا، قبل أن يكتموا أنفاسَنا وينتزعوا أرواحَنا..
ويبقى السؤال:
من يدحرج الحجر الثقيل عن صدورنا؟

19
أيّها المسؤولون الأكارم، اقتدوا بـ (يحيى)
                        
العقلاء، النجباء، الباحثون عن الرفعة والكمال في هذه الدنيا، هم الذين يراجعون أنفسهم من حينٍ إلى آخر، في محاولة منهم للتخلص من أخطاء ارتكبوها في رحلتهم مع الحياة.. أخطاء انعكست سلباً على حياتهم وحياة الآخرين، في المحيط الذي يعيشون فيه..
 بعبارة أخرى، كلُّ فرد منهم يقوم بإجراء كشف حساب مع نفسه، فيسأل نفسَه هذا السؤال:
 ماذا تقول للإنسان في داخلك؟، في مواجهة حقيقية مع الذات، وتوجيه النقد لها ومحاسبتها..
وكلّما حاول التخلص من خطأ، شعر بأنّ مثقالاً من الهموم قد أزيح عن صدره، فخفق قلبه، وآنتعش فؤاده، وشمخ عنقه، وعاش في جو من الصفاء الوجداني والفكري..
خطوة كهذه، من شأنها أن تؤدي إلى سعادة النفس البشرية، وإراحة الضمير الحي، والسير قدماً في موكب النور، الذي يشعّ ضياؤه في غياهب الليل، فيستنير به من يعيش في الظلمات.
 في المقابل، هناك من لا يكلّف نفسه التفكير بهذه الخطوة الحكيمة، ولا يحاول، ولو مرة واحدة في حياته، أن يخلد إلى نفسه ويجري هذا الكشف، أو هذه المصارحة الضرورية مع الذات، رغم معرفته التامة وعلمه بما قد عَلِقَ بها من أدران، فلوّثتها، وقضت على كل جميل فيها.
لا شك في أنَّ من يقدم على هذا التصرف، ويفكر في محاسبة نفسه، إنّما ينطلق من شعوره بالواجب وحرصه الشديد على أن يظهر إلى الناس بمظهر المخلوق البشري السامي، كأغلى قيمة في الوجود، وهو يحاول أن يجسّد إنسانيته وآدميته، ويعبّر عن صفاء نفسه ونقاء سريرته.. ومتى شعر بأنه قد فقد عنصراً واحداً من مكونات شخصيته، أو أنّ سياج كرامته قد تعرّض إلى اهتزاز أو اختراق، وما قد يترتب على ذلك من تأثير على أهليته وكفاءته، عندئذ لا يتأخر في إعلان ذلك على الملأ، من دون أي تردّد أو تحفّظ، فيؤثر الإنسحاب بكل هدوء، مُقِرّاً ومعترفاً بعدم صلاحيته، ويتّخذ ذلك درساً آخر، وتجربة أخرى، تضاف إلى سلسلة التجارب في مشوار حياته الطويل..
إنّ أكثر الناس حاجةً إلى إجراء مثل هذه المكاشفة مع النفس، هم المسؤولين الإداريين، في كل الحلقات الإدارية، وعلى كل المستويات، لأنّ ما يتفوّه به المسؤول ويقوله، يخصّه، ومردوده ينعكس عليه، سواء أكان ذلك سلباً أم إيجاباً، ولكن ما يقوم به ويفعله يخصّ الناس. فليس من الحكمة أن يقع شخص ما في خطأ ويدفع الآخرون الثمن عنه غالياً..
 ما يثير الدهشة في هذه الأيام، أنَّ أيَّ مسؤول إداري حين تبادره بسؤال حول فضيحة إدارية أو خلل ما في إدارته، يتعلق بالفساد، فلا يجد غضاضةً في القول، أنَّ الأمر ليس بيده، وأنّ هناك ضغوطات كبيرة تُمارَس عليه من جهات فوقية متنفذة، تتدخل في شؤونه وتحركه كيفما تشاء، مثل( الدمى ) تماماً، وهو يعلن براءة ساحته من كلّ ما جرى ويجري، بل ويذهب بك إلى أبعد من ذلك فيعلن تضامنه معك، ويؤيد كلّ ما تقوله وتفكر به...
على هؤلاء السادة الكرام أن يعتبروا من حكاية ( يحيى بن أكثم ) مع الخليفة ( المأمون )..
تقول الحكاية:
في عهد المأمون كان في بغدادَ قاضي قضاة يدعى( يحيى بنُ أكثم)، اشتهر بنزاهته ورصانته وتمسّكه بالحق الذي لا يخشى فيه لومة لائم .. وأراد المأمون ذات مرة أن يتدخل في القضاء، ويوجه قاضي قضاته إتجاها خاصاً في إحدى القضايا، فرفض يحيى إلاّ أن يقضي بالحق، ولو على قطع رأسه، فحقد عليه المأمون وأراد أن ينتقم منه شرَّ انتقام، فدبّر لهُ مكيدة توقعه في التهلكة، فأرسل إليه ثلاثاً من جارياته، تَوَزَّعْنَ عليه بين عزفٍ ورقصٍ وغناء، وضللنَ بهِ حتى صرعْنه من النشوة...
ولمّا اطمأنَّ إليهنَّ، دعاهنَّ ذات ليلة حلوة جميلة، وراح يرتشف الخمرةَ من شفتي إحدى الجاريات التي تُحسن السُّقيا وصناعة الحب.. وفي هذه اللحظة بالذات فاجأه المأمون وضبطه بالجرم المشهود...
وسقط قاضي القضاة،  ولم يجد بدّاً من أن يرفع إليه إستقالته على الفور، مصوغة في هذه الأبيات من الشعر:

يا مولايَ و أميرَ الناس كلِّهم
            قد جار في حكمه من كان يسقيني
إنّي غفلت عن الساقي، فصيّرني
            كما تراني: سليب العقل والدينِ
اختر لبغدادَ غيري، فأنا رجلٌ
            الراحُ تقتلني، والعود يُحييني


 


 

20
كفّوا عن لعبة النار والدمار..
الفقراء في هذه الدنيا أنواع:
هناك فقير المال..
 وهناك فقير العقل..
وهناك فقير العلم..
 وفقير الشجاعة، وفقير السلطة، وفقير الحيلة، وفقير الحب... ثم هناك فقير القناعة.
ولا شك في أنَّ القناعة هي عدوة الفقر الأولى، ونصيرة الغِنى الحقيقي، لأنها كنز لا يفنى..
وكل من يفكر في الغِنى، عليه أن يطلبه بالقناعة، حيث أنَّ المرء، إذا لزِمَ القناعة، زال فقره وآستغنى..
إنَّ الفقير الحقيقي، هو الذي لا يعرف كيف يكتفي بما يملك..
هو كل من ركب هواه ونَسِيَ مبتداه ومنتهاه..
هو كل من لا يعلم، ولا يؤمن بأنَّ عقله وخياله وقلبه يساوي كنوز الدنيا..
إنَّ للفقر مميزات كثيرة، منها على سبيل المثال:
إنَّه يُكره الفقراء على ممارسة الفضيلة، نظراً لقصر باعهم في اقتطاف اللذات، بعكس بعض الأغنياء الذين يساعدهم مالهم على تلوين معيشتهم، حتى يستمتعوا بالحياة، فإذا بهم ينغمسون في الفسق والفجور، فيبتعدون بذلك عن فضيلة الأشياء..
ومنها، إنَّه يعزّز الوجود المستمر لليد العاملة التي لا يأتي بها، إلّا من كان فقيراً..
ومنها، إنَّه يحث الفقراء على الكفاح المستمر، ليصلوا إلى مرتبة أفضل، حتى إذا ما نجح أيٌّ منهم، حمل لقب (عصامي)..
ومنها، إنَّه يجعل الفقير يتعاطف مع الفقراء، ويشعر ببؤسهم، ويحس بإحساسهم، فإذا به يرتقي سدة المناصب الإنسانية...
غير أنَّ الفقير الأكبر في هذه الدنيا، هو فقير الحب، فهو يعيش في هوة من الألم والضياع، لا تدغدغ مشاعره أية عاطفة إنسانية، أو وجدانية، وهو الذي يجعل من حياته فضاءً تحلّق فيه غربان المصائب بدلاً من طيور الحب..
 وهو لا يرى في الوجود، إلّا ظلام الدنيا، فلا يُبصر إشراقة الشمس، ولا يرى منظر الغروب، ولا يستمتع بوجه جميل، ولا يُطرب لصوت رخيم. هذا النوع من الفقر هو البؤس بعينه..
وقد يتحول البؤس هذا إلى غلاظة في القلب، فيتحول صاحبه إلى مجرم، إذا كان هاوي جريمة، ومستبد وظالم، إذا كان هاوي سلطة أو قيادة..
يبقى لكل فقر علاج ، إلّا علاج فقير القلب والحب والفضيلة..   
فما نراه في حروب هذا العصر، إنّما كان شرارتَها الدائمة سلطانٌ، ابتلاه القدر بفقر الحب.. فالذي يحب لا يكره، والذي لا يكره لا يقتل، ولا يُسيل الدماء..
كم نحن بحاجة إلى يوم عالمي لغسل القلوب من الأحقاد، ومشاعر الكراهية والبغضاء!!
كم نحن بحاجة إلى غسل أرواحنا مما يعلق بها من كراهية، عشّشت في قلوبنا، طاردةً المحبة من شغافها..
متى تتشابك أيدينا وسواعدنا، وننشد للحرية، والعزّة، والكرامة؟..
متى نبحث عن الحب، والمحبة، والجواهر الخبيئة؟..
متى نبحث عن النقاء، والصفاء، والطيبة؟..
يا من أطفأتم في قلوبكم شعلة الإيمان والمحبة، وأضرمتم نيران الحقد والكراهية في النفوس..
يا من هرّبتم الطفل الساكن في الجفون الناعسة، وأعصبتم العيون بحرير أسود..
يا من تسربت إلى قلوبكم صفات النفاق، والظلم، والغرور..
باسم الإنسانية، كفّوا عن لعبة النار والدمار..
 تعالوا إلى الفرح النابض في الأعماق..
أغسلوا قلوبكم من لعنة الدماء التي إرتوت منها الأرض، وتضرّجت بها الديار..
إفتحوا الصدور وآحرقوا الحقد..
 أحرقوا الحقد..


21
المنبر الحر / لماذا قتلوه؟!
« في: 23:18 11/03/2014  »
   
لماذا قتلوه؟!




 في البال..
هو في البال، وسيبقى..
في القلب عندما نتحدث عن المحبة والعطف والحنان..
وفي الحنايا، عندما نتأمل كلماته الدافئة، وفعلها المؤثر في النفوس..
هو في الروح والضمير والخيال، منذ أن ترك هذه الأرض في ذلك اليوم الحزين، الثاني عشر من آذار/2008ـ
لماذا قتلوه؟
 لم يكن سياسياً ولم يتعاطَ السياسة في يوم من الأيام، ولم يكن نصيراً لطرف على حساب طرف آخر في المعادلة السياسية الشائكة في هذا البلد..
كان يقف على مسافة واحدة من الجميع، ويدرك تماماً الفروق الدقيقة بين الدين والسياسة وبين الدين والطائفة، فلم يتخلَّ قط عن رسالة موقعه الديني الكبير، ولم يتطفل على مواقع السياسيين أبدا..
لم يعرف التعصب طريقاً إلى قلبه ووجدانه، ولم يكن خصماً أو عدواً لأحد، بل على العكس، كان أخاً كريماً محباً للجميع، ونصيراً للحق والعدل..
عُرِفَ بوجه واحد، فكل ما كان يُضمره كان يُظهره، ويكشف عنه في وضح النهار..
كان واعياً على الدوام بدوره، وهو (دور العقل)، منفتحاً على الآخرين، دون تفريط في حقوق الله والإنسان، مستمداً قوته من إيمانه الذي ملأ قلبه وجعله يهدم كل هياكل الخوف والقلق والتردد..
لم يهرول إلى تفجير المشاكل سراً أو علناً، لأنّه كان يعلم أنّ كلمة هنا وحرفاً زائداً هناك، سيؤجج نار الفتنة التي طالما دعا إلى إخمادها..
أمّا شعاره فكان، المحبة، ولا شيء غير المحبة التي روّج لها وسعى إليها على طريقة سيده. وهو مؤمن بأنّ المحبة الحقيقية كالنبع السخي، يتدفق بفيض عطاء، وإنْ ارتفعت في مجراه السدود، وإنْ تحكمت في مسيرته التيارات المعاكسة..
لم يتردد في الجهر للعراقيين جميعاً (على اختلاف انتماءاتهم الدينية والطائفية والمذهبية)، أنَّ الخوف وهمٌ، تبدده المواطنة الصحيحة الشريفة، مواطنة المساواة في الحقوق والواجبات، مواطنة، تلغي كل الفوارق المصطنعة بين أبناء الشعب الواحد..
ويبقى السؤال:
لماذا قتلوه؟
قتلوه لأنّه كان يدعو إلى نشر ثقافة التسامح بدلاً من ثقافة العنف والقتل والذبح..
لأنّه كان يقول: نعم للتفاهم، لا للتصادم..
لأنّه لم يكن مع منطق القوة، بل مع قوة  المنطق..  
اعتبروا أقواله تلك جريمة يستحق عليها الموت، فقتلوه، ورموه كالطير المذبوح على قارعة الطريق، فريسةً للحيوانات السائبة. فآنظم بذلك إلى قافلة الشهداء من رموزنا الكبار، مسجلاً اسمه في الصفحات البيض من تأريخ شعبنا ..
أما خسارتنا فيه، فلا تعوّض، فقد خسره الجميع، وفي مقدمة من خسره القتلة أنفسهم، لأنّه كان يصلي من أجلهم ويدعو لهم بالرحمة والمغفرة.
سلاماً على رجل دين، لم يسعَ في حياته إلى مكسب أو مغنم أو مال..
سلاماً على روح الشهيد المطران بولص فرج رحو(رحمه الله)، في الذكرى السادسة لإستشهاده..
سلاماً على أرواح كل  الشهداء من أبناء شعبنا..
سلاماً على شهداء السلام..
الخزي والعار لعبدة القتل والدمار وسفك الدماء ..


تنويه/ نُشر هذا المقال في جريدة (بيث عنكاوا) في نيسان/ 2008ـ بمناسبة أربعينية شهيد الكنيسة، المطران بولص فرج رحو(رحمه الله)، ويعاد نشره هنا، في هذا الموقع، بعد إجراء تنقيح بسيط عليه..

22
شحّاذون، لكن ليسوا فقراء!

كان التسوّل فيما مضى، يقتصر على أولئك الذين يعانون من وطأة الفَقر والجوع والمرض، أناس تقطَّعت بهم سبل العيش، فلم يجدوا بُدّاً من ركوب الصعاب، في صراع مرير مع قسوة الزمن، فلجأوا إلى هذا الأسلوب المهين، يسألون الصَّدَقة والإحسان بـ (إلحاح)، حفاظاً على حياتهم من الهلاك، أو القضاء جوعاً..
أما اليوم، فقد اختلفت الصورة تماماً، إذ لم يعد التسوّل يقتصر على أولئك الذين كانوا يفترشون الأرصفة ويتسكعون في الشوارع، أو عند مداخل الأزقة الضيقة، فقد وَلجَ عالم الشِّحاذة متسولون جدد، البعض منهم لم يعش، أو يعايش الفَقر من قبل، ولم يذق طعم الحرمان أو العَوَز في حياته..
إذن، ما الذي يدفع بهؤلاء إلى هذا المنزلق الخطير، أو إلى هذا الدرب الحقير؟!
إنّها عقدة المال التي تحكّمت في النفوس المريضة. هذه الآفة الخطيرة التي انتشرت في وسطنا الإجتماعي، الذي لا تعرف فيه من مع من، ولا من فيه ضد من، في ظروف تتداخل فيها الشؤون والشجون مع بعضها، تداخلاً غريباً، إلى درجة تثير الريبة والشك..
 وشحّاذو هذا الزمان أنواع :
 منهم من يشحذ موقفاً لصالحه في قضية معينة، يسعى إلى كسبها، حتى لو كان ذلك على حساب كرامته وشرفه..
ومنهم من يشحذ الشهرة، ويهرق ماء وجهه على الأعتاب، ويأخذ على ذلك شيئاً فشيئاً، حتى تتحول الشِّحاذة عنده إلى حالة مرضية، لا تنفع معها كل العلاجات..
وهناك، نوع آخر، يشحذ المديح والتصفيق من بعض المنتفعين المصطفين حوله، وبفعل التكرار، يخال أنّ الدنيا كلّها تصفّق له، وأنّ الناس يُسبِّحون بحمده.. وهذا النوع من الشحّاذين جدير بالشفقة والعطف، لأنه أتعس الناس على وجه الأرض.
 إنّ أكبر المتسولين، من لا تبدو عليه مظاهر التسول، أو لايدل أي تصرف فيه على أنه متسوّل، بل على العكس، إنّ كلّ ما فيه، وما يبدو عليه ، يعطي الإنطباع بأنّه بريء من هذه التهمة الوضيعة التي لصقت به..
وأخطر المتسولين، ذاك الذي يُتقن دغدغة المشاعر، فيعتمد أكثر الكلمات تأثيراً في استدراج العواطف واستمالة القلوب..
إنَّها لَمفارقة عجيبة، حقّاً، أن تتحول الشِّحاذة في هذه الأيام إلى شرفٍ رفيع، يسعى إليه البعض من ذوي العاهات، الذين يعانون من عقدة الشعور بالنقص، وهم بذلك يناقضون أنفسهم فيما يقدمونه من تنازلات على حساب كرامتهم، في سبيل أن يحصلوا على لقب (الشحّاذ الأشطر) أو( الرأس الأكبر) في الشِّحاذة!
 وما أكثر الذين يتسابقون على حمل هذا اللقب التأريخي في هذه الأيام..
وصاحب هذا اللقب الوضيع، عادة ما ينرفز ويعنفص، إذا لم تُكِل له المديح، أو لم تعطِهِ من طرْفِ اللسانِ حلاوةً، ويأخذ على خاطره منك، إذا لم تخلع عليه صفة (الرأس الأكبر)..
والرأس الأكبر هنا، يعني المخطّط.. والشحّاذ، هو من أكبر المخطّطين. فهو يعرف في أي وقت يجب عليه أن يتحرك، ويتقدم خطوة إلى الأمام. كأنّه عالم نفساني، يدرس الوجوه بإمعان.. يدرس الوجوه، ثم يقترب من الهدف.. يعرف كيف يختار أكثر الجمل تهذيباً وإثارةً للمشاعر.. يصطفي أبرع المواقف، لكي يقنعك بأنَّه شحّاذ متمرّس. وحين تقتنع أو تُشفق عليه أو تُسايره، يخالُكَ (الفريسة التي كان يبحث عنها منذ زمن)، فيهيِّىء نفسه للطعام، ويستعد للوجبة الدسمة.
هؤلاء، هم الشحّاذين الحقيقيين، أصحاب خبرة وممارسة، فنانون في أساليب الاستجداء.. ولكي تشاهدهم على الطبيعة، راقبهم من بعيد، وراقب تصرفاتهم، ولكن حذاري أن تقترب منهم، أو تحتك بهم، لأنك ستتلوث، فالشِّحاذة، مرض سريع العدوى، الواحد يصيب رفيقه، والرفيق يصيب رفيقه الآخر، وهكذا دواليك، حتى لا يعود هناك مكان للصالحين، إلاّ قليلاً. نعم، إلاّ قليلاً، فالصالحون موجودون دائماً، موجودون في كل مكان وزمان.. هم وجه الخير الدائم. هم هدير البحر وصوت الريح. هم دفء الشمس في أيام الشتاء الباردة..
أمّا أولئك الشحّاذون الذين يسيرون في درب الشِّحاذة ورؤوسهم مرفوعة، فهنيئاً لهم هذا العار الذي ألحقوه بأنفسهم. هنيئاً لهم هذا السقوط المروّع، وأياديهم ممدودة للإستعطاء، وألسنتهم ممدودة للإستجداء، وعيونهم ممدودة للنحيب والبكاء.
فلْيُمَرِّغوا أنوفَهم في الوحل، ويبكوا حالَهم..
 ليبكوا، حتى تجفَّ مآقيهم.. ولْنبكِ عليهم، لا معهم.
و لكن، هل يستحقون أن نبكي عليهم؟
لا، فدموعنا أنبل وأغلى بكثير من أن تُذرَفَ على أولئك الذين ركبوا العار، ورفعوا شعار: ( نعم، نعم للشِّحاذة، لا، للكرامة)..              

23
كذّابون بمرتبة الشرف

في هذا الزمن، المرء يقف مذهولاً إزاء ما يتراءَى له من ظواهر وسلوكيات إجتماعية شاذّة وغير طبيعية، فالمرفوض بات مقبولاً، والمنبوذ صار مرغوباً ومطلوباً..
تحولت الحسنات إلى سيّئات، والسيّئات إلى حسنات..
 أكذب، ثم أكذب، ثم أكذب، حتى يصدّقوكَ الناس. ( مثلٌ مشهور )، نسمعه من هذا وذاك، وتردده الألسنة هنا وهناك.
هذا المثل القديم، بالرغم ممّا يتضمنه من تحريض واضح على الكذب، إلاّ أنّنا في السابق، كنا نعايش الكذبَ في لحظة زمن، أمّا اليوم فبات الزمن كلُّه كذباً ونفاقاً ورياء..
إحدى وصايا الله العشر لبني البشر هي ( لاتكذب ) إلى جانب لاتقتل، لاتسرق، لاتزنِ...إلخ. يعني أنَّ الكذبَ سماويّاً، هو بمرتبة القتل والزنى، لافرق.
 لهذا فإنّ الكذبَ غير مسموح به على الإطلاق، ولايجوز التسامح مع الإنسان الكاذب، لأنه لصٌّ يسرق الحقيقة من الآخرين، فيستولي على حقّ ليس له..
كان الناس القدماء يكنّونَ كلَّ الإحترام لوصية الله هذه، ويلتزمون بها أشد الإلتزام، وهم في ذلك، حدّيون حدّ السيف، لايساومون ولايهادنون ولايتراجعون..  
أما الحكام، فكانت لكلٍّ منهم طريقة خاصة، يقتصّ بها من الكاذب، حتى يحكم عليه بالموت أحياناً..
 عند الرومان، مثلاً، كان يُحرَق جبين الكاذب بحديدة مُحمّاة إلى درجة الإحمرار، ليبقى أثرها واضحاً، لاتمحوه الأيام، وتبقى شاهِدَ إثبات، ووصمة عار، تلازمه وتفضحه ما بقي حيّاً..
 الأمبراطور الروماني ترايانس ( 117م )، الذي اشتهر بحبه للصدق وبكرهه الشديد للكذب، كانت له طريقة مختلفة في التعامل مع الكذّابين، إذ كان يضعهم في سفينة بلا شراع، ولا مجذاف، لتعبث بهم الرياح والأمواج العاتية، إلى أن يقضوا غرَقاً أو جوعاً أو عطَشاً..
 أما الإمبراطور مكرينس ( 318م ) فكان يحكم بقتل المشتكي الكاذب، العاجز عن إثبات حقيقة شكواه وصحة دعواه..
وعلى عهد الإمبراطور كارلوس الخامس (155م ) كان يُحكَم على النمّام الكاذب، بأن يزحف على يديه ورجليه، وينبح كالكلب مدة ربع ساعة بمرأى من الناس.
بهذه النظرة الدونية كان يُنظر إلى الشخص الكاذب، وعلى هذا الأساس كان التعامل معه.
أمّا في وقتنا الحاضر فقد اختلفت الصورة تماماً، حيث صار الكذب موضة العصر، لا بل شهادة حسن السلوك، يحتاج إليها كل من يريد أن يرتقي سلّم المجد بسرعة البرق، أو كل من كان هاجسه منصباً رفيعاً، أو مركزاً وظيفياً مرموقاً يطمح إليه، ويرغب في تحقيقه بأيّة وسيلة ممكنة.
 وفي زمن الإنحطاط الذي نعيشه، تغيرت نظرة الناس للشخص الكاذب، فصار إنساناً مرغوباً ومحبوباً ومفضلاً أكثر من غيره، فهو بهلوان عصره، وسلطان زمانه، وهو الشاطر، والماهر، وهو السياسي الحاذق.. وكلّما كان مخادعاً وموارباً ومحتالاً، كان في نظر أهل النفاق، أقوى، وأهم، وأكثر إحتراماً..
 وأهل النفاق هؤلاء، لم يألوا جهداً في مقاومتهم ومحاربتهم لأهل الصدق، أهل الحقائق الصريحة، الذين لايأخذون بالوجوه وينخدعون بالأباطيل والبدع الكاذبة، ويبدو أنّهم أخذوا الحكمة و العبرة من الأساطير القديمة، التي تقول إحداها، أنَّ الكذبَ والحقيقة، ذهبا في أحد الأيام ليستحمّا في ينبوع ماء متدفق، فخرج الكذب من الماء أولاً، وآرتدى ثوب الحقيقة وآنطلق، فلمّا خرجت الحقيقة ولم تجد ثوبها، أبت أن ترتـدي ثوب الكذب، فسارت بين الناس عارية، فأخذوا يرمونها بالوقاحة، ويقذفونها بأسوأ الكلام، ويطردونها شرَّ طردة. أما الكذب فقد لاقى قبولاً وحبوراً وآستحساناً من الجميع، لأنهم خُدِعوا بمظهره، وبثوبه الذي سرقه من الحقيقة.
نحن اليوم ما أحوجنا إلى أمثال ذلك العالم الجليل، الذي دعاه الخليفة المنصور ذات مرّة، ليعهد إليه منصب قاضي القضاة، فآعتذر الرجل عن قبول المنصب الجديد، ولمّا ألحّ عليه المنصور قال:
 يا مولاي إنّني لا أصلح أن أشغل منصباً مهماً كهذا، لأنني لا أرى في نفسي الشخص المناسب لهذا المنصب، فقال له المنصور:
  إنّك تكذب، لأنّك من خيرة الرجال وأكفئِهم، فقال الرجل:
 كفى أنَّ سيدي أمير المؤمنين يشهد بأنّني كاذب.. والكاذب لا يصلح أن يكونَ قاضياً.
                          

24
المنبر الحر / فيضان نهر الحقيقة
« في: 19:38 26/01/2014  »
فيضان نهر الحقيقة


ثمّة مثل يقول: (( تستطيع أن تخدع بعض الناس بعض الوقت، ولكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت )).
هل يمكن أن يصل الزيف في حياة الإنسان إلى درجة تجعله يعيش هذا الوهم الكبير، ويصدق حتى كذبه على نفسه؟
وهل صار الحقد في هذه الدنيا أهم ما يخفيه الإنسان في داخله؟
في زمن، يتحالف فيه الجهل مع التخلف، والعنف مع التعصب والتطرف، ما أحوجنا إلى صوت جريء وهادىء في آنٍ معاً.
ما أحوجنا إلى صوت يهدر في الضمائر، ويكون متراس دفاع ورسالة بناء لغدٍ أفضل، صوت لا يعرف الخفوت أو المهادنة، قادر على أن يعلو على ضجيج الظلامية في أي مكان، صوت مميّز و معبّر عن موقف شجاع.
 ما أحوجنا إلى العصا المستقيمة في زمن الالتواءات والانحرافات.
 ما أحوجنا إلى الكلمة الهادفة المؤثرة في حياة  المجتمع، إلى صوت المثقف الذي يطمح في أن يكون مؤثراً في حياة الناس، ويكون نقطة استدلال يمكن العودة إليها في حالات التيه.
 نحن بأمس الحاجة إلى صوت لايعرف التراجع أبداً، إلاّ إذا تعثّر أو أخفق، بعد أن يكون قد استفاد من التجربة.
ما أحوجنا إلى قلم يندّد ويحذّر ويقدم نقداً موضوعياً بنزاهة قادرة وجرأة أكيدة، بالمنطق الرزين، بهدوء وبدون فتح نار، بكثير من التأني، بعيداً كل البعد عن التشنج أو العصبية، وبعيداً عن التذبذب في الموقف، مع التسليم بأنّ هذه المهمة ليست سهلة أو حتى ميسّرة أساساً، وأنّ من يسلك هذا الدرب الوعر لابد من أن يتعب ويتحمل ويقاسي، بسبب الصعوبات البالغة التي قد يواجهها وسط أحابيل السياسة ومكائدها وإغراءاتها أيضاً. وعلينا أن نتحسب بأنّ الناس ليسوا سواسية بالنوازع، وإن كانوا سواسية بالخلق، فمنهم من يعرف الحقيقة لكنّه يتعامى عنها، ويتعمد تشويهها، بدافع الحقد والضغينة والكراهية، أملاً في التشفي. ومنهم من لايعرف الحقيقة، لأنه بعيد عنها، فيجهلها. كما أنّ هناك من لا يريد أن يعرف الحقيقة ،لأنها لا تعنيه، فلا شأن له بها . وهناك أيضاً، من لا يميّز بين الألوان والمواقف والمسمّيات: الأبيض والأسود، الصافي والعكر، الحلو والمر. كلّها سواء بالنسبة له، لأنه عديم المذاق والإحساس. المهم عنده إشباع رغباته وطموحاته، حتى لو كان ذلك بشكل رخيص. فالحياة عنده فرصة يجب استغلالها واستثمارها بأية وسيلة، و إنْ كانت وسيلة قذرة أو غير شريفة.
لكل صنف من هؤلاء ردوده الخاصة به، تقرّه وتحركه نوازعه، ولكن باتجاهات مختلفة ودرجات متفاوتة. أيّاً كانت ردود الأفعال تلك، يجب عدم الالتفات إلى الوراء، بل السير قدماً بخطىً حثيثة نحو الأمام، حتى تنتصر إرادة الحق على الشر، و نحافظ على القيم والمبادىء التي ورثناها عن الآباء والأجداد، وحتى تبقى لفتة العز والشموخ إلى الأبد. فلابد لنهر الحقيقة أن يتفجّر يوماً ما، فتجرف مياهه بعيداً كل من يحاول إحباط الهمم وثبط العزائم، وكل من يحيك الأكاذيب وينسج الأضاليل وينشر الإفتراءات، هنا وهناك.

25
مؤتمر أصدقاء برطلة وشعاع من الأمل

سنحت لي الفرصة مؤخراً بالمشاركة في (مؤتمر أصدقاء برطلة) الذي انعقد في قاعة الشهيد سعد عبدلله بأربيل، للفترة من 23-24/11/2013- وكانت فرصة طيبة، لكي أضع إرادتي موضع الإختبار، فأنا من طبعي شحيح المشاركة في مثل هذه المناسبات، لأنني أدرك تماماً أنّ في النهاية ستصدر عنها توصيات غاية في الجمال والأهمية، ولكنها تبقى حبيسة الأدراج، ينتهي العهد بها عند تلاوتها في نهاية المؤتمر، فليس كافياً أن نتمنى أو نرسم أو نكتب لأنفسنا أهدافاً، إنما يجب أن نسعى لتحقيقها.
في الحقيقة، ما حفّزني على المشاركة في هذه المرة، إضافةً إلى الأهداف المعلن عنها، والتي من أجلها انعقد المؤتمر، هو مشاركة عدد من الأسماء الكبيرة فيه، ومساهمتهم الفعّالة في إعداده وتوفير الأجواء والمناخات الملائمة التي تكفل نجاحه، حتى يبلغ الأهداف التي رُسمت له، ويخرج بتوصيات عملية، قابلة للتنفيذ على أرض الواقع.
أجل، هذه المرة تسلل إلى داخلي شعاع من الأمل بعد أن التقيت بأشخاص متحمسين لقضايانا ومشاكلنا، أناسٌ نذروا أنفسهم للعطاء والتضحية من أجل تكريس قيم الحق والخير والجمال. جاءوا ليدافعوا عن كرامة ووجود ومستقبل شعب مهدد بالاقتلاع من جذوره، وتلك لعمري رسالة واضحة في مواجهة الباطل والشر والتطرف وكل أشكال الفتن. هامات عالية شاركت في هذا المؤتمر أمثال: الدكتور كاظم حبيب، والقاضي زهير كاظم عبود، والدكتور رشيد الخيون، وغيرهم ممن حضر وأعدّ له.
هؤلاء الناس جاءوا في عصر غابت عنه معاني البحث عن الحق.  جاءوا متبرعين للدفاع عن حقوقنا، وكانت مرافعاتهم صرخةً مدوّية من أجل الدفاع عن وجودنا والمحافظة على هويتنا وخصوصيتنا.
كل هذا يحصل ونحن غارقون في نوم عميق، أدمغتنا مشلولة، وإرادتنا معطّلة.
إنّها حقاَ لمأساة كبيرة أن يأتي الآخرون لنجدتنا، ونحن نتفرج ..
أي عاقل يروق له هذا المشهد؟!
متى نستفيق من هذا السبات الطويل؟، كما قال أحد المطارنة الأجلاء في مستهل كلمته التي ألقاها في المؤتمر.
لا أريد سرد ما جاء في جلسات المؤتمر، فوسائل الإعلام غطّت جانباً كبيراً منه، ولكن لابد لي من الإشارة إلى أنّ المؤتمر أعطى الفرصة للمتحاورين للتعبير عن آرائهم. حصل هذا في اليوم الأول، بعيداً عن مجمل المحاور التي ستناقش من قبل لجان العمل المنبثقة عنه، خاصة، أنَّ الحوار بحد ذاته يُعتبر عصفاً ذهنياً للتنفيس بحرية مطلقة، وفي أجواء صريحة وشفافة. وأعتقد أنّ المشاركين لمسوا من خلال تواجدهم في الجلسات مدى حرية المتحاورين في التعبير عن آرائهم من أجل معالجة القضية المطروحة للنقاش.
وقد سجّل المؤتمر حضوراً واضحاً للإخوة الشبك، وهم الخصم المفترض- إن صحّ التعبير- فكان لحضورهم الأثر الواضح في إثراء المناقشات والمداخلات التي تخللت الجلسة الحوارية المسائية في اليوم الأول. وفي تقديري أصاب منظمو المؤتمر الهدف في الصميم بتوجيههم الدعوات للطرف الآخر لحضور المؤتمر. ويعتبر هذا نجاحاً آخر للقائمين عليه.
إنّ ما نشهده في مناطق تواجد شعبنا من ظواهر التغيير الديموغرافي، لَهو مشهد خطير, يقلقنا كمسيحيين، والأخطر أنّ هذه المحاولات لها ارتباطات بمشاريع كبيرة إقليمية ودولية.
إنّ قوى الجهل والتطرف في بلادنا التي لا يردعها رادع قانوني أو أخلاقي أو إنساني، كانت ولا تزال أداة لمشاريع الفتنة والتمزيق والتخريب. وللأسف، فإنّ هناك قوى محلية تدعم التطرف وتموله، لإشعال النار وجعل أبناء شعبنا وقوداً لهذه النار.
إنّ التغيير الديموغرافي الذي حصل في (برطلة) ليس الأول من نوعه، ولن يكون الأخير. فمحاولات التغيير هذه جارية، ومستمرة في البلدات والقرى العائدة لأبناء شعبنا. بدأت في سهل نينوى، وفي تلكيف على وجه الخصوص، ثم انتقلت إلى بخديدا، والآن جاء دور برطلة.
ولم تسلم بلدتنا عنكاوا من هذه المحاولات المشبوهة. فما جرى ويجري في هذه البلدة يعلم به القاصي و الداني.
لعلّ البلدة الوحيدة التي استطاعت أن تقف في وجه هذه الريح الصفراء، و تنأى بنفسها بعيداً عمّا يحصل، هي بلدة (ألقوش)، بفضل أهلها الغيارى، الذين ظلوا محافظين على هويتهم وخصوصيتهم، فهم يستحقون منّا أن نرفع لهم القبعات احتراماً.
كنت أتمنى أن ينعقد هذا المؤتمر قبل سنوات خلت،  تحت عنوان أشمل ومساحة أكبر، آخذاً بنظر الإعتبار التجاوزات التي حصلت في جميع مناطق شعبنا الكلداني السرياني الآشوري, ولكن ...
 في النهاية، أتمنى أن يحقق هذا الملتقى المبارك كل النجاح، و أن تكون قراراته وتوصياته فاعلة ومجدية، تأخذ طريقها إلى التطبيق العملي. فنحن بأمس الحاجة إلى الأعمال، لا إلى زُخرُفٍ من الأقوالِ...

صفحات: [1]